######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.NahwFaslafaCilmiyya.Hindawi24070972 #META# Tags: philosophy #META# ID: 24070972 #META# Title: نحو فلسفة علمية #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # القسم الأول: أسس عامة‏ # 1 - منطق جديد‏ # 2 - شعاب الطريق‏ # 3 - جماعة فيينا‏ # 4 - الكلمات ومدلولاتها‏ # 5 - وحدات التحليل‏ # 6 - مطلب اليقين‏ # 7 - علمنا بالعالم‏ # الجزء الثاني: مشكلات الفلسفة التقليدية‏ # 8 - الحقيقة وظواهرها‏ # 9 - مشكلة الحق‏ # 10 - من السببية إلى القانون العلمي‏ # 11 - من الكيف إلى الكم‏ # 12 - من المطلق إلى النسبي‏ # مقدمة‏ # القسم الأول: أسس عامة‏ # 1 - منطق جديد‏ # 2 - شعاب الطريق‏ # 3 - جماعة فيينا‏ # 4 - الكلمات ومدلولاتها‏ # 5 - وحدات التحليل‏ # 6 - مطلب اليقين‏ # 7 - علمنا بالعالم‏ # الجزء الثاني: مشكلات الفلسفة التقليدية‏ # 8 - الحقيقة وظواهرها‏ # 9 - مشكلة الحق‏ # 10 - من السببية إلى القانون العلمي‏ # 11 - من الكيف إلى الكم‏ # 12 - من المطلق إلى النسبي‏ # | نحو فلسفة علمية # | نحو فلسفة علمية # تأليف # زكي نجيب محمود # | مقدمة # هذا عصر يسوده العلم، ليس في ذلك من شك؛ فما أحسب أن تاريخ الفكر ~~في اتصال سيره وتتابع حلقاته قد شهد فجوة بين مرحلة والمرحلة التي ~~تليها كالفجوة التي تفصل هذه المائة العام الأخيرة عما سبقها؛ ~~والفرق بينها وبين ما سبقها هو قبل كل شيء فرق في نظرة الإنسان ~~العلمية إلى العالم بعد أن لم تكن كذلك؛ ولست أعني بالنظرة العلمية ~~التي تميز عصرنا هذا من شتى العصور السوالف مجرد الزيادة في ~~الحصيلة العلمية، بل أعني - بالإضافة إلى ذلك - أن الإنسان لم يحدث ~~له قط في عصور التاريخ الماضية أن اعتمد على العلم في حياته الفردية ~~والاجتماعية بمثل ما يعتمد اليوم؛ فليس في حياته الفردية جانب من عمل ~~أو من لهو يخلو من استخدامه لهذه الآلة العلمية أو تلك، وليس في حياته ~~الاجتماعية مشكلة لم يعد يلجأ في حلها إلى شيء من العلم قليل أو ~~كثير. # ولما كان محالا على الفلسفة في أي عصر من عصورها أن تنسلخ عن سائر ~~الحياة العقلية الشائعة في ذلك العصر، كان محالا عليها كذلك أن تقترف ~~في عصرنا من الإثم ما لم تقترفه طوال تاريخها الماضي؛ كانت المشكلة ~~الأخلاقية عند اليونان وكيف ينبغي أن يكون عليه سلوك ms001 الإنسان ليبلغ ~~كماله، هي أول ما يشغل الناس من مشكلات، فجاء فلاسفتهم يعزفون النغمة ~~نفسها، فيتأملون تارة ويحللون أخرى، ويجعلون موضوعهم الطبيعة مرة ~~والإنسان مرة، ولكنهم كانوا في كل تارة وفي كل مرة يستهدفون مبدأ ~~تطمئن له عقولهم ونفوسهم من حيث ما ينبغي أن تكون عليه حياة الإنسان ~~لتكون حياة مثلى؛ فلسنا نخطئ إذا قلنا عن فلسفة اليونان بصفة عامة ~~إنها كانت تخدم الأخلاق. # ثم جاءت العصور الوسطى في أوروبا المسيحية وفي الشرق الإسلامي على ~~السواء، فأصبحت مشكلة الناس الرئيسية عندئذ هي العقيدة الدينية كما ~~جاء بها الوحي؛ كيف يفهمونها بحيث يطمئنون إلى سلامة فهمهم، وكيف ~~يؤيدونها بحيث ترضى عقولهم عما قد رضيت به قلوبهم. ولم يكن بد ~~للفلسفة أن تساير الناس في اهتمامهم الفكري، فطفقت تبحث لهم ما ~~أرادوا البحث فيه، فتحاول أن تحلل لهم أصول عقيدتهم لتلقي لهم ~~الضوء على غوامضها، وأن تؤيد لهم تلك العقيدة بمبادئ عقلية يستعيرونها ~~من الماضي أو يستخرجونها من رءوسهم؛ وإذن فلا عجب أن قيل عن الفلسفة ~~عندئذ إنها وصيفة الدين. # وجاء عصرنا الحديث بعلمه الطبيعي الذي أنتج للإنسان في ثلاثة قرون ~~أضعاف أضعاف ما قد عرفه الإنسان عن الطبيعة في عشرات القرون الماضية. ~~ولبث هذا العلم الطبيعي أول الأمر مقصورا على جماعة العلماء، لا يكاد ~~الناس يحسونه في حياتهم الجارية، لكنه في القرن الأخير قد جاوز ~~بنتائجه حدود العلماء إلى حيث الحياة العامة والحياة الخاصة على ~~السواء، فماذا تصنع الفلسفة في عصر يسوده العلم على هذا النحو سوى أن ~~تخدم سيد العصر كما كان شأنها في كل عصر؟ ماذا تصنع سوى أن تخدم ~~العلم في عصر العلم كما قد خدمت الأخلاق في عصر الأخلاق والدين في عصر ~~الدين؟ # ولست أعني بطبيعة الحال أننا نعيش اليوم بغير أخلاق ودين؛ لأنني ~~على وعي تام بما يلزم الإنسان في حياته من هذه الجوانب الثلاثة ~~مجتمعة؛ فما مر على إنسان واحد يوم واحد استطاع فيه أن يعيش بغير ~~إدراك وبغير وجدان وبغير سلوك؛ وهذا معناه أن ms002 لا حياة بغير علم وبغير دين ~~وبغير أخلاق، ولكن لا العلم نفسه ولا الدين نفسه ولا السلوك نفسه ~~فلسفة، إنما الفلسفة صميم عملها هي تحليل هذا أو ذلك تحليلا يستخرج ~~المبادئ المطمورة في لفائفه؛ فإذا كان العصر المعين ينصرف بأكثر ~~اهتمامه إلى الدين - مثلا - جاءت فلسفة ذلك العصر منصرفة باهتمامها ~~هي الأخرى إلى الدين، ولكنها لا تضيف نصوصا جديدة إلى نصوصه؛ أي ~~إنها لا تضيف اعتقادا جديدا إلى اعتقاد، بل تحلل الاعتقاد الديني ~~نفسه كما هو قائم في نصوصه تحليلا يرده إلى مبادئ منطوية فيه، ~~فتصبح تلك المبادئ واضحة جلية بعد أن كانت متضمنة خفية، فيزداد ~~المعتقد فهما لعقيدته؛ وعلى هذا النحو نفسه تنصرف الفلسفة إلى العلم ~~في هذا العصر الذي يسوده العلم؛ فهي لا تضيف علما جديدا إلى علم، ~~ولكنها تحلل عبارات العلم نفسها تحليلا يستخرج ما تنطوي عليه من ~~مبادئ أو فروض. # لسنا نريد بفلسفتنا العلمية أن نشارك العلماء في أبحاثهم فنبحث في ~~الضوء والكهرباء كما يبحثون، بل لسنا نريد أن نبحث في الحياة وفي ~~الإنسان كما يبحثون، فلهم وحدهم أدوات البحث في الأشياء وفي الكائنات، ~~وليس لنا إلا ما يقولونه من تلك الأشياء والكائنات من عبارات وما ~~يصوغونه عنها من قوانين؛ فإذا حصرنا اهتمامنا - لا في إضافة عبارات ~~إلى عباراتهم، أو في صياغة قوانين غير قوانينهم - بل في عباراتهم نفسها ~~وقوانينهم نفسها، نحللها من حيث هي تركيبات من رموز، لنرى إن كانت ~~تنطوي أو لا تنطوي على فرض أو على مبدأ فنخرجه، لعل إخراجه من ~~الكمون إلى العلن يزيد الأمر وضوحا، أقول إننا إذا حصرنا اهتمامنا ~~في هذا كانت فلسفتنا علمية بالمعنى الذي نريده لها. # فترانا مثلا نحلل قضية من الرياضة، مثل 2 + 2 = 4، ونحلل قضية ~~من العلوم الطبيعية مثل ذرة الماء مركبة من ذرتين من الهيدروجين ~~وذرة من الأكسجين، نحللهما لنرى هل طبيعة التفكير فيهما واحدة أم ~~إنهما من طبيعتين مختلفتين. لاحظ أننا في هذه الحالة لا نضيف من ~~عندنا علما رياضيا ولا علما طبيعيا، بل ms003 نعد العدسة التي ننظر ~~خلالها إليهما كما هما قائمان، فنتبين منهما ما لم يكن ظاهرا، والله ~~وحده أعلم كم حمل الفلاسفة على عواتقهم أثقالا نتيجة للخلط بين علمي ~~الرياضة والطبيعة؛ فهنالك من الفلاسفة من جعل الرياضة وحدها هي صورة ~~العلم الذي لا صورة سواها؛ وإذن فلا بد لمن يصف الطبيعة وصفا علميا ~~أن يجيء كلامه على نحو ما يجيء كلام العالم الرياضي في تسلسل مقدماته ~~ونتائجه؛ فإذا استعصت الطبيعية على هذا التفكير الاستنباطي، فهم لا ~~يشكون أن يكون التفكير الاستنباطي وحده قاصرا عن أن يشمل أنواع ~~التفكير كلها، بل هم يشكون في علم الطبيعة نفسه وما يجيء به من وصف ~~للظواهر كما تقع. # كان الإنسان فيما مضى على اعتقاد راسخ بأن قوام العالم يستحيل أن ~~يكون هو هذه الظواهر المتغيرة التي تدركها الحواس، وهل يعقل - من ~~وجهة نظره عندئذ - أن يكون كل ما هنالك هو هذه الحالات العابرة التي لا ~~تلبث أن تظهر حتى تزول؟ كلا، بل لا بد أن يكون وراء هذه المتغيرات ~~حقائق ثابتة، وإذا كان ذلك كذلك فمن شاء أن يتحدث عن العالم فليبحث ~~عن تلك الثوابت؛ إذ ما جدوى الحديث في ظاهرة إن كانت بادية اليوم ~~فستنحدر غدا إلى عدم؟ ومن ثم لم يكن العلم علما عند الإنسان فيما ~~مضى، إلا إذا بلغ اليقين عن حقيقة ثابتة لا يطرأ عليها تغير، ولم يكن ~~هنالك تناقض - بالتالي - في أن يطالب عالم الطبيعة بما يطالب به ~~عالم الرياضة من منهج فكري يؤدي إلى اليقين. # لكننا نسأل اليوم قائلين: هل ينهج الفكر في تفكيره الرياضي نفس المنهج ~~الذي ينهجه إزاء علم تجريبي قائم على خبرة الحواس؟ أيكون يقين الرياضة ~~أمرا متصلا بطبيعة العقل نفسه أم هو أمر يتصل برموز الرياضة وطرائق ~~استخدامها؟ أئذا قلنا إن «2 + 2 = 4» كنا بذلك نقول حقيقة مشتقة من ~~فطرة العقل، أم إننا بهذا القول نستخدم طائفة من الرموز على نحو ~~متفق عليه كما يتفق اللاعبون على قواعد معينة يلتزمونها في ~~لعبتهم، وكان يمكن لهم ms004 أن يتفقوا على قواعد أخرى؟ أتكون زوايا المثلث ~~مساوية حتما لزاويتين قائمتين، أم إن هذه نتيجة تلزم عن فروض معينة، ~~ويمكن تغيير هذه الفروض فتتغير النتيجة؟ هكذا نحلل الفكر الرياضي ~~لننتهي إلى أنه دائما تكراري يعيد في النتيجة ما قد تضمنته ~~الفروض؛ فإذا كان في الرياضة يقين فما ذاك إلا أن نظرياتها لا تتعرض ~~لوصف العالم الواقع، بل تحصر نفسها في اشتقاق صيغة من صيغة أخرى ~~اشتقاقا رمزيا صرفا؛ فلا شأن للرياضي البحت إن كان الخطان ~~المتوازيان يلتقيان أو لا يلتقيان على الطبيعة، إنما شأنه مقتصر على ~~الورقة التي أمامه والتي يضع عليها فروضا ويستدل منها نتائج تلزم ~~عنها. # وتلك نتيجة خطيرة لو أدركها الناس قبلنا لتغير وجه الفلسفة ~~تغيرا جوهريا؛ لو كان لإقليدس تلميذ مثل لوباتشفسكي - مثلا - ~~يتنبه وقتئذ إلى أن نظريات أستاذه إنما تستمد صدقها من طريقة ~~اشتقاقها من الفروض، أما أن تكون صادقة أو غير صادقة على الطبيعة فذلك ~~ما ليس في وسع الهندسة نفسها أن تقوله، أقول لو كان لإقليدس تلميذ ~~يتنبه إلى هذا الذي تنبه إليه الرياضيون المحدثون في طبيعة العلم ~~الرياضي - ولم يكن ثمة ما يمنع أن يكون من تلاميذ إقليدس من تطرأ ~~له هذه الفكرة - إذن لما تتابع الفلاسفة العقليون واحدا في إثر واحد ~~يقولون إننا نريد علما للطبيعة على غرار علم الهندسة من حيث يقين ~~نتائجه؛ لم يكن ديكارت ليطالب باستخدام المنهج الرياضي في علم ~~الطبيعة، ولم يكن سبينوزا ليصب فلسفته في قالب هندسي صرف، ولم يكن ~~كانت ليسلم بأن علم الهندسة صادق على الطبيعة كما هو صادق عند ~~العقل، ثم يسأل نفسه: كيف أمكن أن يكون ما يدرك العقل الخالص أنه حق، ~~كيف أمكن له أن يكون حقا بالنسبة للعالم الطبيعي في الوقت ~~نفسه؟ # أعود فأكرر القول بأننا لا نريد بالفلسفة العلمية أن نشارك بها ~~العلماء في أبحاثهم، بل هي علمية لأنها تعنى أول ما تعنى بتحليل ~~قضايا العلوم، وقد ظفرت من هذا التحليل بنتائج خطيرة بعيدة المدى؛ ~~وهي كذلك علمية ms005 بالتزامها دقة تشبه دقة العلماء في استخدامهم ~~لرموزهم. قارن بين عالمين يتحدثان عن «سرعة الضوء» وفيلسوفين ~~يتحدثان عن «خلود النفس»، وانظر إلى هذا الفارق الشاسع بين ذينك ~~وهذين في تحديد المدركات التي يستخدمونها. إننا لا نريد أن يرخص ~~للفلاسفة بما لا يرخص به للعلماء؛ فما أهون على الفلاسفة أن يلقوا ~~في مجري حديثهم كلمات مثل «عقل» و«فكر» و«فضيلة» و«جوهر» كأنما هي ~~كلمات يشار إلى مسمياتها بالأصابع، فليست معانيها بحاجة إلى تحديد. ~~وإننا نحن التجريبيين العلميين لعلى يقين بأن ما قد جرى العرف على ~~تسميته ب «مشكلات فلسفية»، إن هو إلا غموض في استخدام الرموز اللفظية، ~~ولو استقام لهذه الرموز طريق استخدامها، لتبخرت تلك المشكلات في ~~الهواء وزالت. خذ عبارة فلسفية تحدثك عن «الحق» - مثلا - واضرب ~~فيها بمشرط التحليل لتحدد لنفسك معناها أولا ماذا يمكن أن يكون، ~~تجد القبة قد انكشفت عن غير شيخ يرقد في جوفها، وعندئذ ستأخذك ~~الحسرة على أيام من حياتك قضيتها تبحث عن هذا «الحق» المطلق الذي ~~يحدثك عنه الفلاسفة، ويجعلون منه إحدى مشكلاتهم الكبرى؛ لأنك ستعلم أن ~~كلمة «الحق» في كل عبارة ترد فيها يمكن حذفها دون أن يطرأ تغير ~~على صدق العبارة؛ وإذن فهي كلمة زائدة يمكن الاستغناء عنها، دع عنك أن ~~نتخذ منها موضوعا لمشكلة يخب فيها الفلاسفة ويضعون. # وقد قسمت هذا الكتاب قسمين؛ فقسم بسطت في فصوله بعض الأسس العامة ~~التي منها تتكون وجهة النظر الفلسفية التي أعتنقها وأدافع عنها، وقسم ~~آخر عرضت فيه طائفة من مشكلات الفلسفة التقليدية عرضا أعدت به ~~النظر إلى ما كان يقال فيها، ثم ماذا تصير إليه إذا ما صببنا عليها ~~ضوء التحليل الحديث. ولم يكن عرضي لمشكلات الفلسفة على هذا النحو عرضا ~~شاملا لها جميعا بطبيعة الحال؛ لأن ذلك محال أن يتم في كتاب واحد. ~~على أن غايتي الرئيسية من هذا الكتاب هي أن يخرج قارئه باتجاه ~~فكري أردناه له، أكثر مما يخرج بموضوعات مفصلة مستوفية لكل ما يمكن ~~أن يقال فيها من ضروب الرأي. # ولو حكمت ms006 على مصير هذا الكتاب في ضوء ما قد أصاب إخوة له سبقته إلى ~~النشر، لقلت قولة يائس إنه لن يظفر من فرسان الفلسفة الذين يجيدون ~~في ميدان الفروسية ركوب الجياد ورماية الرمح والمبارزة بالسيف، لن يظفر ~~من هؤلاء بنظرة، لكنه رغم ذلك سيكون منهم موضع حكم يصدرونه عليه؛ ~~لأنهم فاضلون، بلغ بهم حبهم للفضيلة أن يكون لهم الرأي فيما ليس ~~يعلمون، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه؛ فإن كان لي أمل ~~من أجله عانيت ما عانيته في تأليف هذا الكتاب، فذلك هو أملي في جيل ~~جديد من طلاب الفلسفة، ينظرون إلى الدراسة نظرة منصف جاد. # الجيزة في 24 يوليو سنة 1958م # زكي نجيب محمود # القسم الأول # | أسس عامة # الفصل الأول # | منطق جديد # 1 # لبثت الفلسفة أمدا طويلا وهي تقترن في الأذهان بنوع من ~~العبارات يختلف عما ألف الناس في حياتهم العلمية وحياتهم ~~اليومية على السواء؛ فلم يكن على الفيلسوف من حرج أن ~~«يتأمل» بخالص فكره هذا الكون الذي نعيش فيه، بغية الوصول إلى ~~«حقيقته»، غير مستند في ذلك إلى عين أو أذن، حتي إذا ما حدس ~~الحقيقة المنشودة حدسا أخرجها للناس في طائفة من ألفاظ ~~اللغة يسلكها في عبارات لغوية، كما يفعل سائر عباد الله حين ~~ينطقون أو حين يكتبون ليصفوا خبراتهم، إلا أن سائر عباد الله ~~يردونك - إذا شئت - إلى المصادر الحسية التي استقوا منها ~~تلك الخبرة التي جاءوا يصفونها في عباراتهم، أما الفيلسوف ~~فيأبى أن يكون ذلك شأنه؛ إنه يزعم لأقواله الصدق، فإذا ما ~~أردت أن تتبين موضع الصدق فيها وسألته أين عساك أن ترى أو ~~تسمع أو تلمس هذه الحقائق التي يزعمها لك مؤكدا صدقها، ~~أجابك بأنه لا يستند إلى ما يستند إليه سائر الناس - ولا فرق ~~هنا عند الفيلسوف بين عامة الناس وعلمائهم - لأنه ليس كهؤلاء ~~يستمد أحكامه من خبرة حواسه، بل هو «فيلسوف» من شأنه أن ~~«يتأمل» بالفكر الخالص ما يريد أن يتخذه موضوعا لتفكيره؛ ~~ولذلك فهو يري ما يراه عن حقيقة الكون ms007 بعين بصيرته لا بعينيه ~~المفتوحتين في جبهته. وما دام أمره كذلك فلا يجوز لك أن ~~تطالبه بما تطالب به غيره من الناس؛ لأن أداته إلى المعرفة ~~ليست كأدواتهم . وبعبارة موجزة، ليست الفلسفة - عند فلاسفة ~~التأمل - علما يقوم على مشاهدة وتجريب حتى تخضع لما يخضع ~~له العلم من طرائق الإثبات. # كلا، ولا يريد الفيلسوف التأملي لعباراته أن تخضع لتحليل ~~يفكك أوصالها ويحلل خيوطها؛ لأنه في حقيقة أمره أقرب في ~~تعبيره إلى لغة الشاعر منه إلى لغة العالم؛ فالعالم الطبيعي - ~~مثلا - يرى ما يراه أولا، ثم يطلق على هذا الذي رآه اسما ~~يتفق عليه مع زملائه العلماء؛ فهو يشاهد في الطبيعة صفة ~~معينة أو صفات، ثم يختار لها - اختصارا - مصطلحا يدل ~~عليها؛ ولذلك فهو على استعداد دائما أن تقف به عند أي مصطلح ~~شئت لتسأله: علام أطلقت هذا المصطلح؟ فيحدد لك على وجه ~~الدقة ما تستطيع أن ترجع إليه من كائنات الطبيعة مما قد يكون ~~مسمى للمصطلح الذي تسأل عن معناه، أو هو يعرف الكلمة ~~تعريفا من شأنه أن تستنتج منه النتائج التي إذا ما طابقت ~~بينها وبين الواقع وجدتها صحيحة، أما الفيلسوف فشأنه غير هذا؛ ~~لأنه يبدأ بلفظة معينة لم تسبقها مشاهدة، ثم يتورط في هذه ~~اللفظة، فيأخذ في الحديث عنها حديثا يطول مداه أو يقصر، وليس ~~هو على استعداد زميله العالم بأن يردك إلى أشياء الطبيعة ~~المحسوسة لتلتمس بينها ما عساه أن يكون مسمى لتلك اللفظة ~~التي جعلها مدار حديثه، أو ما عساه أن يكون ناتجا عن تعريفها؛ ~~فالفيلسوف التأملي - مثل الشاعر وعلى خلاف العالم - يقول ~~كلاما مرجع الصدق فيه إلى ما يدور في نفس المتكلم، لا ما ~~يحدث على مسرح الطبيعة الخارجية من حوادث. # ها هنا نضع أصابعنا على فرق هام بين أقوال الفلاسفة ~~وأقوال العلماء؛ فبينما الفلاسفة - وأعني فلاسفة التأمل - ~~ينصرفون إلى بواطن نفوسهم ليقولوا ما يقولونه، يتجه العلماء ~~إلى خارج نفوسهم إلى حيث الطبيعة وظواهرها ليقرروا عنها ~~ما يقررون من قوانين، لكن إذا كان الأمر كذلك، فما ms008 بال ~~أولئك الفلاسفة المتأملين في ذوات أنفسهم، يتوهمون أنهم ~~إنما يصفون «الحقيقة» الكونية كما تقع فعلا؟ إن كان الفلاسفة ~~والعلماء كلاهما يصفون العالم الواقع الحقيقي، فما الفرق بين ~~وصف ووصف؟ وجوابنا عن هذا السؤال هو أن العلماء إذ يتحدثون عن ~~ظواهر الطبيعة فإنما يتحدثون بلغة «القوانين العامة» التي هي ~~نتيجة ما قد شهدوه أو أجروا عليه التجارب، وأما الفلاسفة فهم - على خلاف ذلك - يصفون العالم قياسا على ما رأوه في أنفسهم؛ ~~فلئن كان منهج العلماء استقراء يتقصى الأمثلة الجزئية ~~ليخلص منها إلى قانون عام يصف ظاهرة بعينها، فمنهج الفلاسفة ~~التأمليين «تمثيل» - باصطلاح المناطقة - أي تشبيه العالم ~~بالإنسان ثم الحكم على العالم بما نحكم به على ~~الإنسان. # فإذا قلت إن الحرارة تمدد الأجسام، قلت بذلك علما؛ ~~لأنني بمثابة من يقول إنه حيثما يتعرض جسم للحرارة فإنه ~~يتمدد. هذا حكم عام استخلصناه من ملاحظاتنا وتجاربنا، ونحن ~~على استعداد أن نثبته لمن يريد ذلك بالرجوع إلى ملاحظات ~~وتجارب، ولا دخل هنا لحالاتنا النفسية في الأمر، فلنكن في ~~حالة من النشوة أو في حالة من الأسى، لنكن في حالة من طمأنينة ~~النفس أو اضطرابها، فلا نزال في كلتا الحالتين نلاحظ ونقرر ~~أن الحرارة تمدد الأجسام. # وتعليل ظاهرة معينة تعليلا علميا معناه أن نطويها تحت ~~حكم عام مما نعلم، فلماذا تهب الرياح على مصر من الشمال؟ ~~تعليل ذلك هو انضواؤه تحت قانون الحرارة وتمدد الأجسام؛ ~~فالهواء على أرض مصر تزيد حرارته، فيتمدد، فيخف، فيعلو، فتسنح ~~الفرصة لهواء أكثر برودة أن يهب من جهة البحر ليحل ~~مكانه؛ بهذا يتم التعليل في رأينا، ما دمنا قد نسبنا الظاهرة ~~المراد تعليلها إلى قانون أعم منها. # لكن قارن ذلك بفيلسوف يقول: «العقل عنصر لا نهائي يكمن ~~وراء ظواهر الكون جميعا، الطبيعي منها والروحي على السواء، ~~وهو العنصر الذي تستمد منه جميع الأشياء وجودها.» فأول ما ~~تلاحظه هنا هو أن اللغة المستخدمة في هذه العبارة قد سيقت ~~على نحو فيه كثير من الغرابة، وهي نفسها الغرابة التي قد يضيق ~~بها ms009 من لم يتعود الفلسفة ولغتها، وأما من تعود هذه اللغة ~~وألفها فسيقرأ العبارة مطمئنا لها راضيا بها؛ فإن ~~فهمها كان بفهمه سعيدا، وإلا فالذنب ذنبه هو؛ لأنه لم ~~يدرب نفسه بعد على الغوص إلى هذه الأعماق البعيدة الأغوار. ~~وإذن فلنترك هذا الذي قد أعماه الإلف فلم يعد يرى في الغريب ~~غرابته، ولنتصور عالما من علماء الطبيعة - مثلا - قد أراد ~~نفسه على فهم هذه العبارة. إنه نشأ نشأة تحتم عليه أن يكون ~~الكلام مرتبا على نحو يجعل لكلماته معنى مما يرتد إلى ~~هذه الحاسة أو تلك، إنه بحكم نشأته العلمية لا يخشى الفكر ~~المجرد؛ لأن قوانينه العلمية كلها تجريد، كلا ولا هو يخشى ~~طول البراهين ودقتها؛ لأنه قد تعود في مجاله العلمي أن ~~يتتبع البرهان العلمي في شوطه الطويل ذات المراحل الكثيرة ~~والتفصيلات الدقيقة، وهو حريص أشد الحرص على ألا تفلت منه ~~دقيقة من دقائق الفكرة؛ لأنه يعلم أن شيئا كهذا كفيل أن ~~يفسد البرهان من أوله إلى آخره. عالمنا - إذن - ليس أقل ~~حرصا على دقة الفهم ودقة الفكر من صاحبنا الفيلسوف قائل هذه ~~العبارة المراد فهمها، وليس أقل قدرة منه على التعميم ~~والتجريد، فماذا عسى أن يفهم العالم الطبيعي من عبارة ~~كهذه؟ # تقول العبارة: «العقل عنصر لا نهائي.» والعالم الطبيعي ~~يألف هذه الألفاظ كلها، لكنه لم يألف أن ترتب هذا الترتيب. ~~إنه يعلم أدق العلم ماذا يكون «العنصر» حين يقال له إن الماء ~~مركب من «عنصرين». وهو على دراية تامة بمعنى كلمة «عقل» حين ~~يقال له - مثلا - إن العالم يستخرج نظرياته العلمية بعقله ~~غير متأثر بعواطفه. وكذلك قل في لفظ «اللانهائي»؛ فما أكثر ~~ما يستخدم الرياضيون هذه الكلمة وهم على علم دقيق بما يريدون ~~لها من معنى. لا صعوبة إذن في الألفاظ مأخوذة فرادي، لكن ~~الصعوبة تبدأ حين تضم هذه الألفاظ بعضها إلى بعض على هذا ~~النحو العجيب، فكيف يكون «العقل» «عنصرا» إذا كان «العقل» صفة ~~تصف جانبا من السلوك الإنساني، و«العنصر» كلمة تسمي ~~المادة حين لا يمكن تحليلها إلى ms010 ما هو أبسط تركيبا؟ ثم يمضي ~~الفيلسوف في عبارته السالفة، فيقول إن «العقل يكمن في شتى ~~ظواهر الكون». فهل يمكن للعالم الطبيعي أن يفهم لهذا الكلام ~~معنى ؟ إن أجسام الحيوان والنبات والجبال والأنهار كلها من ~~ظواهر الكون، أفتكون هذه «الأجسام» «عقلا»؟ العقل طريقة سلوك ~~معينة، بحيث أصف به جانبا من سلوك الإنسان دون جانب؛ فالذي ~~يستدل النتيجة من مقدماتها يسلك سلوكا «عاقلا»، أما الذي ~~يهضم الطعام أو يتثاءب مللا فليس ذلك منه «عقلا»، أفيكون هذا ~~الجبل أو هذه الشجرة أو ما شئت من «أجسام» حية وجامدة «عقلا»، ~~ثم يكون لهذا الكلام معني مفهوم؟ # إذن فلماذا يقول الفيلسوف كلاما كهذا؟ لعله يريد أن يقول إن ~~كل ما في الوجود يسير نحو غاية معينة سيرا يشبه سير العقل ~~في انتقاله من مقدمة إلى نتيجة، وإذا كان هذا مراده فلماذا ~~يختار لهذا المعنى عبارته تلك التي تجعل العقل عنصرا، وتجعله ~~شيئا لا نهائيا، وتضعه وراء الكائنات جميعا؟ ومع ذلك فحتى ~~بعد هذا التعديل في عبارة الفيلسوف تعديلا يقربها إلى عقل ~~العالم الطبيعي، فلن يزال هذا العالم على عجبه وتعجبه؛ لأنه ~~سيسأل صاحبنا الفيلسوف، كما تعود أن يسأل زملاءه العلماء: ~~ما التجربة التي أجريها لأستيقن من صدق هذا القول؟ أو ~~بعبارة أخرى، ماذا عساي أن أرى بعيني أو أسمع بأذني في ~~هذه الشجرة - مثلا - لأقول بعدئذ إن جوهرها «عقل»، وإنها ~~استمدت وجودها من «عقل»؟ # 1 # كلا، إن فيلسوفنا لم يقم حكمه ذاك على مشاهدات أو تجارب، ~~إن العالم حين سأله هذا السؤال، فاته أن منهج الفيلسوف غير ~~منهج العلم؛ ذلك أن منهج الفيلسوف في صميمه هو أن يخلع ما ~~بنفسه على العالم الخارجي؛ أليس يحس الإنسان في نفسه قوة ~~تدفعه إلى غايات معينة فيسلك إلى هذه الغايات سبلها ~~الموصلة؟ إذن فلينظر إلى الكون كله بمنظار نفسه ليراه - كما ~~يرى نفسه - مدفوعا إلى غايات وملتمسا إلى تلك الغايات ~~سبلها، وإذن فهو كون يسوده عقل ويسيره عقل كما يسود ~~العقل الإنسان ويسيره. # هكذا يصف الفيلسوف التأملي ms011 العالم بما يجده في نفسه هو، بل ~~إنه حتى في هذا الوصف الذاتي يستخدم الألفاظ على نحو لا ~~يجعلها واضحة المعنى؛ ولذلك قلنا عنه إنه أقرب إلى الشاعر منه ~~إلى العالم، إلا أن الشاعر رجل يعرف حدوده، وأما الفيلسوف ~~فعلى كثير من ضلال؛ وذلك لأن الشاعر يخلع حالاته النفسية على ~~الطبيعة الخارجية وهو على وعي بذلك، فإن قال - مثلا - عن ~~زهرة إنها ضاحكة، فهو على وعي تام بأن الضحك والنشوة في ~~نفسه هو، خلعهما على الزهرة حين مزجها بنفسه، وأما صاحبنا ~~الفيلسوف حين يخلع حالاته النفسية على العالم الخارجي فإنه ~~يتجاهل ذلك أو يجهله؛ فلو قلت للفيلسوف الذي رأى في نفسه ~~عقلا فخلع العقل على الكون كله، لو قلت له «هذا منك تشبيه»، ~~ركب رأسه وأصر على أنه إنما يقول عن العالم حقا لا شبهة ~~فيه، وأنه مفكر موضوعي ينظر إلى الخارج بغض النظر عن ذات ~~نفسه، حتى وإن اتخذ من ذات نفسه وسيلة لمعرفة ما ~~يجاوزها. # لو اعترف الفيلسوف التأملي بأنه من فصيلة الشعراء، يحس ~~دخيلة نفسه ثم يعبر، لقبلنا عباراته على هذا الأساس ~~بصدر رحب، ثم أحلناها على نقدة الأدب ليقولوا رأيهم ~~فيها؛ أهي من الأدب الجميل أم إنها خلو من الجمال الأدبي ~~فتلقى بين المهملات، لكنهم يأبون على أنفسهم إلا أن يكونوا ~~من أصحاب الفكر الموضوعي الذين لا ينطقون عن عاطفة وهوى؛ ~~فالفيلسوف الذي زعم لنا في عبارته التي أسلفناها أن جميع ~~الأشياء تستمد من «العقل» وجودها، وأن «العقل» عنصر كامن وراء ~~ظواهر الكون كلها، المادية منها والروحية على السواء، هذا ~~الفيلسوف إنما يقول ما يقوله لا على أساس أنه مجرد تشبيه ~~للكون بالإنسان تشبيها هو أقرب إلى الأدب منه إلى العلم، بل ~~على أساس أنه «الحق» في ذاته، وهو يسخر من العلم إذا زعم له ~~أن حقيقة الكون مادية لا عقلية؛ إذ إن الكون المادي - في ~~رأيه - هو نفسه أحد المظاهر التي عبر بها «العقل» عن نفسه؛ هذا ~~العالم المادي - في رأيه - قوامه «العقل»، كما أن ms012 هذا ~~الكتاب الذي بين يديك قوامه الورق، واضحك بعد ذلك ما شئت، ~~فأنت أنت الجاهل الذي لم ير «الحق» كما رآه الفيلسوف صاحب ~~الرأي المذكور. # هكذا يبدأ الفيلسوف التأملي بالتشبيه، تشبيه الطبيعة بنفسه، ~~ثم ينسى أنه تشبيه، فيمضي في تفكيره كما لو كان ذلك التفكير ~~مرتكزا على واقع حقيقي ملحوظ. إنه يتحدث بلغة «الصورة» ويظن ~~أنه يتحدث بلغة الأفكار المجردة، أو أنه يجسد الفكرة ~~المجردة في خياله تجسيدا يوهمه بأنها قد أصبحت كبقية ~~الأجساد، كصاحبنا هذا الذي جسد فكرة «العقل» حتى انقلب ~~«العقل» بين يديه مادة يصنع منها الكون. # ويطول بنا الحديث لو طفقنا نتتبع الفلسفات التأملية ~~الكبرى، كفلسفة أفلاطون وفلسفة أرسطو وفلسفة سبينوزا وفلسفة ~~هيجل ومن إليهم؛ لنبين أنها في صميمها قائمة على ~~«التشبيه»؛ تشبيه الكون بالإنسان، أو تشبيه ما هو مجرد بما ~~هو عيني محسوس، فلنترك الحديث في هذا الآن لنعود إليه في ~~مواضع متفرقة من هذا الكتاب. # 2 # إننا نريد للفلسفة أن تكون شبيهة بالعلم، لكننا لا نريد أن ~~نقرن الفلسفة بالعلم بالمعنى الذي يجعل الفلاسفة يشاركون ~~العلماء في موضوعات بحثهم، فيبحثون في الفلك مع علماء الفلك، ~~وفي الطبيعة مع علماء الطبيعة، وفي تطور الأحياء مع علماء ~~البيولوجيا وهكذا، بل إننا - على نقيض ذلك - نحرم على ~~الفيلسوف باعتباره فيلسوفا أن يتصدى للحديث عن العالم ~~حديثا إخباريا بأي وجه من الوجوه؛ لأنه لا يملك أدوات ~~البحث التي تمكنه من ذلك؛ فليس هو منوطا بالملاحظة ~~وإجراء التجارب حتى ينتهي بها إلى أحكام إخبارية عن العالم. ~~ونأخذ على الفلاسفة التأمليين أن ورطوا أنفسهم فيما ليس ~~من شأنهم؛ إذ كانوا يظنون أن الفكر الخالص وحده في وسعه أن ~~يصف الوجود الخارجي، مع أن ذلك محال كما سيتبين في غضون ~~هذا الكتاب؛ فانظر مثلا إلى هيجل وهو يحاول إقامة البرهان ~~العقلي الخالص على أن الكواكب تسير وفق قوانين كبلر، بل ~~استدل بالقياس العقلي المحض مواضع الكواكب أين تكون، بحيث ~~أقام البرهان على استحالة أن يكون ثمة كوكب بين المشتري ~~والمريخ، مع أنه ms013 لسوء حظه كان علماء الفلك قد كشفوا بالفعل ~~عن كوكب بينهما قبل ذلك بشهور قلائل. # 2 # كلا، إننا لا نريد أن نقرن الفلسفة بالعلم بالمعنى الذي ~~يورط الفلاسفة فيما لا شأن لهم به من شئون العلم، ولكننا ~~نحب لهما أن يقترنا بعدة معان أخر؛ أولها التزام الدقة ~~البالغة في استخدام الألفاظ والعبارات، التزاما يقرب ~~الفيلسوف من العالم في دقة استخدامه للمصطلحات العلمية، فإذا ~~كان العالم يحدد على وجه الدقة ما يريده حين يقول «جاذبية» ~~و«ضوء» و«صوت» ... إلخ، فكذلك ينبغي للفيلسوف أن يكون بهذه الأمانة ~~نفسها وبهذه الدقة نفسها في استخدامه لألفاظه الأساسية الهامة، ~~فلا يقول - مثلا - كلمة «نفس» أو كلمة «عقل» أو كلمة «خير» ... ~~إلخ، إلا وهو على أتم العلم بحدود معناها، بل إنه لا يكفي أن ~~يحدد الفيلسوف معاني هذه الألفاظ تحديدا يشترطه لها ~~اشتراطا لكي يمضي في حديثه على أساس هذه المعاني التي هي من ~~صنعه؛ فلا يكفي - مثلا - أن يقول سبينوزا في بداية بحثه: ~~«إنني أعرف «العنصر» بأنه ما يوجد في ذاته ويمكن تصوره ~~بغير الاستعانة بأية فكرة أخرى.» أقول إنه لا يكفي أن ~~يعرف الفيلسوف ألفاظه على هذا النحو، ثم يستدل من هذا ~~التعريف نتائجه التي تترتب عليه، وبعد ذلك يظن أن هذه ~~النتائج التي وصل إليها تطابق العالم الحقيقي الواقع؛ ذلك ~~لأن تعريفه لكلمة «عنصر» - وهو المثل الذي سقناه - لا يزيد ~~على كونه شرحا للطريقة التي يستخدم بها الكلمة، فمهما تكن ~~النتائج التي يمكن استدلالها بعد ذلك من هذا التعريف، فهي ~~نتائج تستخرج مضمون التعريف وفحواه، ولا تجاوز حدوده إلى حيث ~~العالم الواقع، أما إذا أراد الفيلسوف أن يحدد معاني ~~ألفاظه تحديدا يعينه على دقة التفكير، فخير له ألا يبدأ ~~بالكلمة ثم يعقب عليها بتعريف، بل أن يبدأ بالصفة أو مجموعة ~~الصفات التي يلاحظها ويريد لها اسما يميزها، ثم يطلق هذا ~~الاسم آخر الأمر على ما قد لاحظه؛ وبهذا يصبح تعريف الاسم هو ~~الصفات التي كانت وقعت في حدود المشاهدة؛ فإذا ما استخرجنا بعد ~~ذلك ms014 من هذا التعريف نتائج مترتبة عليه، كانت هذه النتائج ~~متطابقة مع حوادث الواقع المشهود. # إننا لا نستطيع أن نترك هذه النقطة الهامة دون أن نشير إلى ~~الأثر العميق الذي تركه أرسطو في ثقافة العصور الوسطى، وما ~~يشبه تلك الثقافة حتى في بعض الأمم القائمة في عصرنا الراهن، ~~بسبب نظريته في «التعريف»؛ فقد كان من رأي أرسطو - كما هو ~~معلوم لكل من درس منطقه - أن تعريف أية كلمة إنما يكون بذكر ~~«الجوهر» الذي منه يتألف معناها؛ ومؤدى ذلك أن تبدأ بكلمة ~~تصادفها وتريد أن تحدد تعريفها، ثم تحاول بعد ذلك أن تبحث ~~عما يؤلف لها معنى. وكثيرا جدا ما تكون الكلمة التي بين ~~يدي اسما زائفا أطلق على غير مسمى، لكنني - لو سرت ~~على نهج أرسطو - فلا يجوز أن أسأل عن الكلمة التي أريد تعريفها ~~قبل محاولة تعريفها؛ هل هي أولا كلمة حقيقية لها ما تسميه ~~في دنيا الأشياء؟ فإن كانت اسما حقيقيا كان علي أن ~~أحدد صفات الشيء المسمى بها، فيكون ذلك هو تحديد دقيق ~~لمعنى الكلمة المراد تحديد معناها. # ألا إنها لنكبة ثقافية كبرى تصاب بها الأمة إذا سادت بين ~~قادة الرأي فيها عادة التفكير على النهج الأرسطي الذي ~~أسلفناه؛ لأنهم عندئذ سيغوصون في بحر من الثقافة اللفظية ~~الفارغة، إنهم سيتمسكون بكل ما في أوراقهم ودفاترهم ومجلداتهم ~~من «ألفاظ»، ثم يصبح مجهودهم الفكري بعد ذلك هو أن يشرحوا هذه ~~الألفاظ، ثم يشرحوا الشروح، ثم يضعوا لهذه الشروح هوامش شارحة ~~يعلقون عليها بمجلدات في إثر مجلدات، مع أن «الألفاظ» ~~الأولى التي بنوا عليها هذا البناء الهش كله قد تكون زائفة ~~بغير معنى؛ فافرض - مثلا - أن «المفكر» من هؤلاء ~~اللفظيين قد بدأ تفكيره بكلمة «نفس»، فها هنا سيجد نفسه ~~إزاء لفظة لا يتردد في أنها من ذوات المعنى، فيأخذ في تعريفها ~~على أسلوب أرسطو بأن يحاول تحديد صفاتها الجوهرية، وقد يجد أن ~~هذه الصفات بحاجة إلى شرح، فيمضي في شروحه إلى آخر ما تسعفه ~~الكلمات التي حفظها من دراساته السابقة، لكن ms015 هل سأل بادئ ~~ذي بدء إن كانت الكلمة اسما حقيقيا تسمي شيئا معينا ~~أو لا تسمي؟ # إنني أقترح في هذا الصدد طريقة # 3 # من شأنها أن تضبط هؤلاء الشاطحين ، وهي أن يعكس ~~«المفكر» طريق سيره هذا، فبدل أن يبدأ بالكلمة لينتهي إلى ~~معناها، يبدأ بالمعنى لينتهي إلى الكلمة، وفي هذا ضمان بألا ~~نبقي بين أيدينا إلا الكلمات ذوات المعنى الحقيقي؛ فأرى ~~اللون المعين أولا قبل أن أقول كلمة «أحمر»، وأذوق الطعم ~~المعين أولا قبل أن أقول كلمة «مر»؛ وعلى هذا القياس ~~أنتظر حتى تأتيني حواسي بالعناصر التي أريد لها اسما، ثم ~~أختار لها اسم «نفس»، حتى إذا ما سئلت بعد ذلك ما معنى هذه ~~الكلمة؟ قلت: هو العناصر الفلانية التي يمكن أن تراها العين أو ~~تسمعها الأذن، أما إذا لم يكن هنالك من هذه العناصر الحسية ما ~~يريد التسمية كففت عن استخدام الكلمة، وإلا استخدمتها بغير ~~مسمى؛ أي بغير معني. # إذن فتحديد ألفاظنا الفلسفية مثل هذا التحديد الذي لا يدع ~~أمامنا كلمة بغير مسمى مما يمكن تعقبه بالحواس، هو أول ~~ما نريده حين نطالب بأن تكون الفلسفة «علمية» في منحاها ~~ومنهجها، ثم نريد لها بعد ذلك أن تحصر بحثها في مشكلات جزئية ~~محددة؛ فبدل أن يحاول الفيلسوف مستحيلا ببحثه عن «مبدأ» يضم ~~الكون كله بما فيه ومن فيه، يقنع بالبحث في مفهوم واحد من ~~مفاهيم العلم كمفهوم «السببية» مثلا، يتعاون في تحليله مع ~~زملائه الفلاسفة كما يتعاون العلماء في المعمل على تحليل مادة ~~من موادهم؛ وبهذا يستفيد بعضهم من بعض ويكمل بعضهم بعضا، ~~وتنمو المعرفة الفلسفية عن الموضوع الواحد نموا تدريجيا ~~يجعل آخره أقرب إلى الصواب من أوله. # لقد مضى عهد «الشوامخ» في عالم الفكر كما مضى عهد الأباطرة ~~المستبدين، وجاء عهد التعاون الفكري مع الديمقراطية في نظام ~~الحكم؛ فلم يكن الفرق بعيدا بين حاكم فاتح كالإسكندر الأكبر ~~يريد أن يسيطر على العالم كله بكلمة منه، وبين الفيلسوف ~~التأملي كأفلاطون أو أرسطو يريد أن يخضع الكون كله لمبدأ واحد ~~من ms016 عنده، وكذلك ليس الفرق بعيدا بين جماعة الأفراد في أمة ~~تريد أن يكون الحكم قسمة بينهم وأن تكون التبعة مشتركة، وبين ~~جماعة الأفراد في طائفة علمية معينة تتعاون كلها على مشكلة ~~بعينها حتى تظفر لها بحل يرضي؛ فلا عجب أن تري أعلام ~~الفلاسفة فيما مضى يقفون وأتباعهم من حولهم كالعناقيد، ثم ~~تتوالى عناقيدهم عنقودا بعد عنقود، على حين تدور بناظريك في ~~عصرنا فتجد الفلاسفة جماعات جماعات، تكاد تتعادل بين أعضائها ~~القامات، فلا نبي ووراءه الحواريون، ولا أستاذ وحوله التلاميذ ~~الصغار، بل هم كأعضاء الندوة يسمرون ويتبادلون الرأي تبادل ~~الند مع الند، أو ما هو قريب من ذلك. # الفيلسوف المعاصر ذو النزعة العلمية متواضع، يرضيه أن يجتزئ ~~من هذا الكون الفسيح كله بجملة أو طائفة قليلة من الجمل، ~~يقولها العلماء في موضوعات اختصاصهم، أو يقولها الناس في ~~أحاديثهم الجارية، فيتناولها بالتحليل المنطقي الذي يفصل ~~مكنونها تفصيلا يضعه في الضوء بعد أن كان خبيئا، ويخرجه إلى ~~العلن بعد أن كان متضمنا مطويا في ثنايا الحديث، حتى ~~إذا ما ظهرت الهياكل العارية للغة التي نستخدمها، ظهرت ~~بالتالي حقيقة الفكرة التي نعرضها، فيزول الغموض الذي كان ~~قمينا أن يخلق المتاعب ويثير المشكلات. وحسبك أن تعلم في ~~هذا الموضع من الحديث أن رجال التحليل في الفلسفة الحديثة، لم ~~يكادوا يتناولون بالتحليل مشكلات الفلسفة التقليدية حتى ~~تبين لهم في وضوح أن لا إشكال، وأن الأمر كله غموض في لغة ~~الفلاسفة، هو الذي خيل لهم أنهم إزاء مشكلات تريد الحل ولا ~~حل هناك؛ فهل النفس خالدة أم فانية؟ هل يكون هذا العالم ~~المحسوس قائما وحده أم إن وراءه عالما عقليا آخر؟ هل ~~الموجود الحقيقي هو الأفراد الجزئية أم الحقائق الكلية التي ~~تعبر عن نفسها في تلك الأفراد؟ وهكذا وهكذا من أمثال هذه ~~الأسئلة التي لم يزل الفلاسفة التأمليون يلقونها ويحاولون ~~الجواب ولا جواب؛ فيتناول فيلسوف التحليل هذه العبارات نفسها ~~ليفض مغاليقها اللفظية، وإذا هي فارغة لا تنطوي على شيء، ~~وإذا هذه المشكلات المزعومة الموهومة تذوب ثم تتبخر ms017 في ~~الهواء وتختفي. # الفيلسوف المعاصر ذو النزعة العلمية متواضع، يترك الخبز ~~للخباز ينضجه على النحو الأكمل، فيترك الفلك لعالم ~~الفلك، والطبيعة لعالم الطبيعة، والإنسان لعالم النفس أو ~~عالم الاجتماع ، إنه لا شأن له ب «شيء» من أشياء الوجود الواقع، ~~بل يحصر نفسه في «الكلام»، كلام هؤلاء العلماء؛ ليحلل منه ~~ما قد تركوه بغير تحليل، وبخاصة إذا كان في العبارة «لفظ» ~~يثير المشكلات ويكون مدار الاختلاف، وقد تسأل: ولماذا لا يترك ~~هذه المشكلات نفسها لأصحاب العلوم كذلك؟ أليس هؤلاء أدرى بما ~~يقولون؟ والجواب هو أن هذا ما ينبغي أن يكون لو استقامت ~~الأمور، بل هذا هو ما يحدث في معظم الأحيان، فترى من علماء ~~الرياضة من تستوقفه بعض المدركات الرياضية الغامضة، ~~فتستهويه بالوقوف عندها حينا ليلقي على مكنونها الضوء، ~~وعندئذ يكون «فيلسوفا» رياضيا بالمعنى الذي نريده لكل ~~فيلسوف، وهكذا قل في علماء الطبيعة وغيرها، لكن هذا التحليل ~~المنطقي قد يستهوي كذلك غير المختصين في العلوم المختلفة، ~~فيختصه بجهده وفكره؛ لأن التحليل المنطقي لعبارة ما، هو في ~~حقيقة أمره شيء مستقل عن مضمون العبارة وفحواها؛ إذ يتناول ~~صورة التركيب وما فيها من علاقات، ويفرغ من العبارة فحواها؛ ~~وإذن فليس ثمة خطر حقيقي إذا ما تصدى لمثل هذا التحليل غير ~~العلماء المختصين في هذا العلم أو ذلك؛ لأن القدرة المطلوبة هي ~~قدرة على التفريغ والتجريد. # لكن القارئ من حقه هنا أن يسأل: ماذا نعني على وجه الدقة ~~بكلمة «تحليل» حين نسوقها في هذا السياق الفلسفي؟ إننا نتصور ~~في غير عسر ماذا يكون معنى التحليل حين ينصب على شيء ~~مادي، فليس من العسير أن نتصور «تحليل» الماء إلى عنصريه ~~أكسجين وهيدروجين، أو تحليل دم الإنسان إلى هذا وذلك من ~~العناصر وهكذا، فهل تعني شيئا كهذا حين تقول إن عمل الفيلسوف ~~المعاصر ذي النزعة العلمية هو أن يحلل العبارات اللغوية، ~~وعبارات العلم منها بوجه خاص؟ هل يتناول الفيلسوف عبارة ~~فيقول إنها مركبة من كذا لفظا وكذا حرفا، أو إن المداد ~~الذي كتبت به ينحل إلى ms018 كذا وكذا من العناصر، وكذلك الورق ~~الذي خطت عليه؟ # كلا، فذلك تحليل «مادي» للعبارة، والمقصود «تحليل منطقي» ~~لها، أو إن شئت فقل «تحليل عقلي»، لكن السؤال ما يزال قائما ، ~~وهو: ماذا تعني بهذا النوع من التحليل؟ وجوابنا هو أن هذه ~~الكلمة في هذا السياق، هي كغيرها من كلمات هامة كثيرة، ككلمة ~~«العلم» و«الفن» وما إليهما، ليس عليها اتفاق حاسم بين من ~~يستعملونها حتى من المختصين، إنها ليست بعد في دقة ~~استعمالها كالكلمات المشيرة إلى مسميات محسوسة، فلا خلاف - ~~مثلا - بين علماء الطبيعة على مدلول كلمة «أحمر»؛ لأنهم ~~يتفقون اتفاقا قاطعا على مدى الموجات الضوئية التي يدخلونها ~~تحت هذه التسمية، ومع ذلك فكلمات «التحليل» و«العلم» و«الفن» ~~وما إليها، إن تكن قد فاتتها هذه الدقة في تحديد المعنى، إلا ~~أنها ليست خلوا من كل تحديد؛ إذ إن كلا منها ما يزال ينطبق ~~على مسميات إن تكن مختلفة فيما بينها بعض الاختلاف، فهي كذلك ~~متشابهة تشابها يبرر جمعها تحت اسم واحد من هذه ~~الأسماء، كأفراد الأسرة الواحدة، بينهم اختلافات في الشكل ~~والشخصية، لكنهم مع ذلك يكونون أسرة واحدة، فكذلك قل في ~~المعاني المختلفة التي يأخذ بها الفلاسفة المعاصرون في معنى ~~«التحليل» المنطقي الذي يريدون له أن يكون هو الفلسفة وعملها، ~~فهذه المعاني على اختلافها، تتشابه بغير شك وتتجه كلها وجهة ~~واحدة، بحيث تكون أفرادا من أسرة هي التي نطلق عليها اسم ~~«التحليل المنطقي». # إنه لخير لنا في تحديدنا لمعنى «التحليل» أن نعتمد على ~~الاستعمال الفعلي لهذه الكلمة بين الفلاسفة المشتغلين به؛ ~~فلسنا نقول إن التحليل المنطقي «يجب» أن يكون بهذا المعنى أو ~~ذلك، بل نقول إنه فعلا بهذا المعنى عند فلان وفلان، وبذلك ~~المعنى عند فلان وفلان، وفيما يلي سنتعقب الخيوط الرئيسية ~~للاتجاهات المختلفة في مدرسة التحليل. # 3 # لفظتا «تحليل» و«تركيب» شائعتان معروفتان في التفكير ~~الفلسفي، والمقصود بهما هو معناهما المباشر الذي يتبادر إلى ~~الذهن من استعمالها المألوف في لغة الحديث الجارية؛ فالفيلسوف ~~«تحليلي» إذا جعل مهمته استخراج المقومات أو استنتاج النتائج ~~مما ms019 يتصدى لتحليله، سواء كان هذا «شيئا» أو «عبارة لغوية»، ~~وهو «تركيبي» إذا لم يكتف بمجرد تفتيت ما يتناوله - شيئا كان ~~أو عبارة لغوية - بل هو يضيف من عنده أحكاما عن الوجود، كله ~~أو بعضه؛ فإذا راح فيلسوف، مثل هيوم، يحلل الفكر إلى عناصره ~~الأولية لينتهي إلى أن تلك العناصر الأولية هي إما انطباعات أو ~~أفكار، حين يكون معنى «فكرة» باصطلاحه انطباعا حسيا غاب ~~مؤثره وبقي في الذهن صورة تتفاوت درجة وضوحها ونصوعها، كان ~~بذلك فيلسوفا تحليليا، وأما إذا تبرع الفيلسوف بأحكام ~~إيجابية من عنده يصف بها الوجود، كأن يقول أفلاطون إن هناك ~~عالما عقليا قوامه أفكار إلى جانب هذا العالم الحسي الذي ~~نعيش فيه والذي قوامه أفراد جزئية، كان فيلسوفا تركيبيا. ~~الفيلسوف التحليلي يبدأ بموضوع المشكلة، كالطبيعة أو الإنسان ~~مثلا، ثم يحاول رده إلى وحداته الأولية التي منها يتركب ~~ذلك الموضوع، والتي لا يمكن بدورها أن تنحل إلى ما هو أبسط ~~منها، كما يفعل برتراند رسل حين يحلل الطبيعة إلى وحدات ~~أولية هي «الحوادث» بالمعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة عنده؛ فلمعة ~~الضوء الآتية إلي من هذا المكتب الذي أمامي الآن «حادثة»، ~~ولمسة القلم الذي بين أصابعي «حادثة»، وهكذا، أو كما يفعل ~~برتراند رسل أيضا حين يحلل الكلام إلى قضايا أولية يكون ~~موضوع الواحدة منها دائما حادثة من حادثات الطبيعة بالمعنى ~~الذي أسلفناه، وأما الفيلسوف التركيبي فعلى خلاف ذلك، يحاول أن ~~يبني الوجود في خياله بناء قوامه العناصر البسيطة التي يفترض ~~وجودها، كما يفعل سبينوزا مثلا حين يفترض بسائط أولية ثم يبني ~~منها الكون كما تقتضيه بداهة عقله وقوة خياله. # وإنه على الرغم من أن الفلاسفة الإنجليز - «لك» و«باركلي» ~~و«هيوم» و«ستيوارت مل» و«برتراند رسل» وغيرهم - يتميزون ~~أساسا بطابعين؛ هما التحليل من ناحية، والنزعة التجريبية من ~~ناحية أخرى، بحيث تراهم دائما ينتهون بتحليلهم إلى أن العناصر ~~الأولية هي الإحساسات البسيطة التي تتأثر بها الحواس، ثم على ~~الرغم من أن الفلاسفة في بقية القارة الأوروبية - فرنسا ~~وألمانيا بصفة خاصة، مثل ديكارت وسبينوزا وهيجل - يتميزون ms020 ~~أساسا بطابعين آخرين؛ هما التركيب من ناحية، والنزعة العقلية ~~من ناحية أخرى، فتراهم يقيمون مبدأ يبنون عليه بناء ~~متسقا مع ذلك المبدأ لأنه مستنبط منه، أقول إنه على ~~الرغم من أن التحليل والنزعة التجريبية قد ارتبطا غالبا، وأن ~~التركيب والنزعة العقلية قد ارتبطا غالبا كذلك، إلا أنه ليس ~~من الضروري أن يكون الفيلسوف التحليلي تجريبيا؛ ف «الطبائع ~~البسيطة» التي قال بها ديكارت هي نتيجة تحليل، لكنها موضوعات ~~لحدس عقلي، وليست هي بالموضوعات الحسية التي تتأثر بها ~~الحواس، وكذلك «الوحدات الروحية» التي أخذ بها ليبنتز هي ~~أيضا نتيجة تحليل، لكنها ليست مما تدركه الحواس؛ وإذن فها هنا ~~عمليات فلسفية تحليلية لم تقتض أن يكون القائم بها من ~~الفلاسفة التجريبيين الذين يردون الأمر كله إلى الحواس ~~وإدراكها، والعكس صحيح أيضا، وهو أنه ليس من الضروري أن يكون ~~الفيلسوف التجريبي فيلسوفا تحليليا، وخير مثل نسوقه ~~لذلك هو الفيلسوف الإنجليزي الحديث «صموئيل إسكندر» في كتابه ~~«المكان والزمان والألوهية»؛ فها هنا تراه - على عادة الإنجليز ~~- فيلسوفا تجريبيا يستقي من الحواس معارفه، لكنه يستقيها ~~ليبني منها بناء فلسفيا شبيها بالنسقات التي يقيمها ~~الفلاسفة العقليون، وإذن فهو فيلسوف تجريبي تركيبي معا، وهو ~~يعتقد أن الفلسفة لا تختلف عن العلم إلا في كونها تبحث في ~~مشكلات أعم من مشكلات العلم، لكنهما معا يدوران حول موضوعات بعينها. # 4 # إننا حين نصف هذا الفيلسوف بأنه تحليلي وذلك الفيلسوف بأنه ~~تركيبي، فلا يفوتنا أنه يندر جدا أن تجد الفيلسوف الواحد قد ~~انصرف إلى التحليل وحده من أول فلسفته إلى آخرها، أو إلى ~~التركيب وحده؛ ذلك لأن الفيلسوف في الحقيقة يضع أمامه مشكلات ~~يحاول حلها ولا يبالي كيف جاء ذلك الحل؛ فهو مثلا ينظر في ~~مشكلة المادة والعقل، أو في القيم الأخلاقية والجمالية وما إلى ~~ذلك، ليرى ما حقيقتها، ولا يعنيه بعد ذلك أن تكون السبيل ~~الموصلة إلى هذه الحقيقة المنشودة تحليلا أو تركيبا، لكننا ~~مع ذلك نزداد فهما للفيلسوف حين نعلم أن التحليل أو التركيب ~~يغلب على عمله، بل كثيرا ما ms021 يسود التحليل عصرا بأكمله كعصرنا هذا، # 5 # كما يسود التركيب عصرا بأكمله كذلك كما كانت ~~الحال في فلسفة العصور الوسطى أو في فلسفة القارة الأوروبية - ~~ما عدا إنجلترا - في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كذلك ترى ~~التحليل هو النزعة السائدة في بلد كإنجلترا، كما ترى التركيب ~~هو النزعة السائدة في بلد آخر كألمانيا. ودعوانا في هذا ~~الكتاب هي أن الفلسفة تحسن صنعا لو عرفت على وجه ~~التحديد والدقة أن مجالها هو التحليل، والتحليل وحده؛ فذلك ~~يحقق لها الصفة العلمية التي نريدها لها، وبالمعنى الذي ~~حددناه في القسم الثاني من هذا الفصل؛ لأن كل جملة تركيبية ~~يقولها فيلسوف - غير مستند في قولها إلى ملاحظة وتجربة كما ~~يفعل العلماء في أقوالهم - هي من قبيل التخمين الذي قد يضر ~~التطور العلمي وقل أن ينفع. # دعوانا في هذا الكتاب هي أن الفلسفة ينبغي أن تكون تحليلا ~~صرفا، تحليلا لقضايا العلم بصفة خاصة؛ لكي نضمن لها أن ~~تساير العلم في قضاياه، وأن تفيد في توضيح غوامض تلك ~~القضايا، دون أن تتعرض للضرب في مجاهل الغيب. والتحليل الذي ~~ندعو إليه - وإن يكن قد سبق إليه فلاسفة كثيرون فيما مضى؛ إذ ~~ما أكثر الفلاسفة الذين استخدموا التحليل في عملهم إما بصفة ~~غالبة أو بصفة طارئة - إلا أنه قد اتخذ في عصرنا الحاضر لونا ~~خاصا يختلف عن كل تحليل فيما مضى من تاريخ الفلسفة، وأصبح ذا ~~طابع واضح متميز هو الذي يطبع الفلسفة التجريبية العلمية ~~المعاصرة، وأعني به الطابع الذي تراه عند «جورج مور» و«برتراند ~~رسل» و«لدفج وتجنشتين» وكل من لف لفهم، وإنهم لكثيرون، ~~نخص بالذكر منهم جماعة سنفرد للحديث عنها فصلا خاصا، هي ~~جماعة فيينا، التي أنشأت وطورت ما يسمى بالوضعية ~~المنطقية. # لقد مرت الفلسفة في أوائل هذا القرن العشرين بمرحلة من ~~مراحل تاريخها، طرأ عليها خلالها من التغير في وجهة النظر ما ~~يبلغ حد الثورة، إذا جاز لنا أن نستخدم هذه الكلمة السياسية في ~~مجال التفكير الفلسفي. وليس المراد هنا بكلمة «الثورة» مجرد ~~تغير في المذهب ms022 السائد؛ لأن مثل هذا التغير لا يحدث ~~«ثورة»، فلسنا نقول - مثلا - عن فلسفة أفلاطون إنها جاءت ~~بمثابة الثورة على فلسفة أستاذه سقراط على الرغم مما بينهما من ~~اختلاف بعيد، وكذلك لا نقول عن فلسفة أرسطو إنها كانت ثورة على ~~فلسفة أفلاطون رغم ما بينهما من اختلاف بعيد كذلك، لكننا نقول ~~عن فلسفة سقراط بالنسبة لسابقيه إنها «ثورة»، لماذا؟ لا لأن ~~بين سقراط وسابقيه اختلافا في الرأي وكفى، بل لأن الاختلاف ~~يتناول السؤال نفسه المطروح للإجابة؛ فإذا ألقيت سؤالا ~~معينا، كقولك: مم صنعت الطبيعة؟ ثم جاءك عشرون ~~فيلسوفا كل منهم بجواب خاص به، فهذا يقول إنها صنعت من ~~كذا وذلك يقول إنها صنعت من كيت، فإن هؤلاء الفلاسفة ~~العشرين جميعا يكونون مدرسة فكرية واحدة، ولا يعد ~~الواحد منهم ثورة على زميله على الرغم مما بينهما من اختلاف ~~في الرأي بالنسبة للسؤال المطروح. أما إذا جاءك فيلسوف آخر ~~يغير من السؤال ذاته ليطرح سؤالا جديدا هو في رأيه أولي ~~بالاهتمام من السؤال الأول، أو قد يكون ذلك لأن السؤال الأول ~~قد استنفد الإجابات الممكنة كلها ولم يعد لقيام المشكلة أمام ~~الأذهان غناء، كأن يسأل - كما فعل سقراط - عن الأساس العقلي ~~للأخلاق الإنسانية، فذلك يكون بمثابة الثورة الحقيقية في مجرى ~~الفكر؛ لأنه حول الانتباه من مجال قديم إلى مجال ~~جديد. # وكذلك كان تحول الفلسفة منذ أوائل هذا القرن العشرين ~~«ثورة» بهذا المعنى نفسه؛ أي بمعنى أنها نقلت اهتمامها من مجال ~~إلى مجال تراه أجدر بالعناية؛ فبعد أن كان اهتمام الفلاسفة ~~منصبا على حقيقة العالم وحقيقة الإنسان، انتقل إلى شيء آخر ~~هو تحليل العبارات؛ فليس موضوع البحث الآن «أشياء»، ولكنه ~~«جمل»؛ ليس موضوع البحث الآن هو «الكون»، بل هو هذه العبارة ~~المعينة أو تلك؛ ما تحليلها وما مضمونها وما مكنونها؛ بهذا ~~يربط الفلاسفة أنفسهم بدنيا العلم ودنيا الحياة اليومية، بدل ~~أن يتعالوا على هذه الدنيا على أساس أنها باطلة، بحثا عن ~~عالم «حقيقي» وراء هذا العالم المحسوس! وبهذا تصبح الفلسفة ~~منطقا صرفا كما يقول ms023 برتراند رسل في محاضرته التي نشرها عام ~~1914م بعنوان «المنطق هو صميم الفلسفة» فصلا من كتابه «علمنا ~~بالعالم الخارجي». # هذه الثورة، أو إن شئت تواضعا في التعبير فقل هذه الحركة ~~الجديدة في عالم الفلسفة، كان مركزها الرئيسي جامعة كيمبردج ~~بإنجلترا، حيث أنشأها زعيماها الأولان وهما «مور» و«رسل»، ثم ~~تبعهما «وتجنشتين»، وبعد ذلك أخذ الأتباع يزدادون في القارة ~~الأوروبية وفي الولايات المتحدة، وهم ما يزالون في ازدياد حتى ~~يومنا هذا، لكن الثورة التي تجتث كل صلة بالماضي ضرب من ~~المحال، فلا بد من خيوط تصل العهد الثائر بالعهد الذي سبقه ~~ليمهد له حتى وإن لم يكن جزءا منه، فها نحن أولاء إزاء ~~هذه الحركة الفلسفية الجديدة التي بدأت مع بداية هذا القرن ~~العشرين على وجه التقريب، لكننا نتعقب جذورها الأولى فنراها ~~ضاربة في أرض المدرسة المثالية نفسها، التي جاءت هذه الحركة ~~الجديدة لتثور عليها وتقلب أوضاعها. # فقد كان أنصار المدرسة التجريبية في إنجلترا منذ «لك» ~~و«هيوم» يجرون على سنة التحليل الذي يتناول المعرفة ~~الإنسانية ليردها إلى وحداتها الأولية، وكانت هذه الوحدات ~~عندهم هي دائما عناصر أقرب إلى الذرات، كل ذرة منها ~~قائمة وحدها، ثم ترتبط هذه الذرات المعرفية بعلاقات فتنشأ ~~منها الأفكار المركبة؛ فالوحدات البسيطة الأولى عندهم هي ~~إحساسات يقوم كل إحساس منها كأنما هو كائن مستقل عن سائرها؛ ~~فهذه - مثلا - لمعة من الضوء على شبكية العين، وتلك رنة صوت ~~في الأذن، أو لمسة جسم صلب أو لين على الأصابع وهكذا. تلك - ~~على وجه الإجمال - هي الخيوط الأولية التي ينسج منها العقل ~~أفكاره مهما بلغت تلك الأفكار من درجة التركيب. # واجتاحت إنجلترا موجة من المثالية الهيجلية في القرن التاسع ~~عشر، حيث امتدت من أول القرن إلى آخره، فمالت بأنصارها إلى ~~الطرف الآخر؛ إذ عجبوا لهؤلاء التجريبيين كيف يفتتون ~~المعرفة الإنسانية إلى هذه الخيوط، مع أن معرفة أي جزء على ~~حدة ضرب من المحال في رأيهم، فلا تستطيع - مثلا - أن تعرف ~~شيئا عن لون هذا الكتاب إلا متصلا بالكتاب، ثم لا تعرف ms024 شيئا ~~عن الكتاب إلا متصلا بغيره، وهكذا وهكذا. وليس الاستطراد في ~~رأيهم هذا هو موضوعنا الآن، لكن النقطة الهامة عندنا في هذا ~~السياق هي أن قادة الفلسفة الإنجليزية المثالية في أواخر القرن ~~التاسع عشر - مثل برادلي - قد وضح توضيحا لا يدع للشك سبيلا، ~~أن الوحدات الأولية للمعرفة يستحيل أن تكون مدركات فرادي؛ لأن ~~المدرك الواحد لا يكون فكرا ولا يكون معرفة بأي معنى من ~~المعاني، إنما تبدأ المعرفة حين يبدأ الحكم، ولا يكون حكم إلا ~~إذا تكاملت لنا قضية فيها محكوم عليه ومحكوم به ورابطة تربط ~~بين الطرفين؛ فقولي «قلم» ليس فكرا، وقولي «أسود» ليس فكرا ~~كذلك، أما قولي «القلم أسود» فوحدة فكرية؛ لأنه تعبير عن حكم ~~قد يصيب وقد يخطئ. # الحق أن هذه كانت نقطة ضعف ظاهرة في تحليل التجريبيين ~~للمعرفة، فكانت بالتالي هدفا لهجمات معارضيهم من الفلاسفة ~~المثاليين، بل كان هذا هو أعمق فارق بين «هيوم» من جهة، ~~و«كانت» من جهة أخرى؛ فالأول يجعل الانطباع الحسي الواحد أو ~~الفكرة الواحدة المتخلفة بعد ذلك الانطباع هي وحدة التفكير، ~~فإذا ما تجاورت فكرتان في الذهن لم يكن بينهما من علاقة سوى ~~علاقة التجاور؛ ولهذا لم يجد بين السبب ومسببه من علاقة ~~سوي ما بينهما من تلازم في الوقوع؛ وأما «كانت» الذي يقول إن ~~دعوي هيوم هذه قد أيقظته من سباته، فيرى أن الخطأ الأساسي ~~الذي وقع فيه هيوم هو أن جعل الفكرة الواحدة فكرا، على حين أن ~~الحد الأدنى للفكر هو القضية التي تربط فكرتين على أقل ~~تقدير. # ونعود إلى الموقف في أواخر القرن التاسع عشر في إنجلترا، ~~لنري «برادلي» الفيلسوف المثالي يوضح لنا بدوره هذا الاتجاه ~~في تحليل المعرفة إلى أولياتها، وجاء «برتراند رسل» وغلبت ~~عليه في نهاية الأمر نزعته التجريبية، لكنه في الوقت نفسه ~~أراد أن يستفيد بما قاله «برادلي» في نقده للتجريبيين، فلم ~~يتردد في أن يقيم فلسفته التجريبية على أساس منطق جديد ~~يتلافي به أوجه النقص التي كانت تؤخذ على سالفيه «لك» ~~و«هيوم» وأمثالهما، وما هذا ms025 الأساس المنطقي الجديد في صميمه ~~إلا أن يجعل «القضايا الأولية» - لا المدركات المفردة - هي ~~الوحدات البسيطة الأولى في تحليل المعرفة. ولم يكن «رسل» وحده ~~في هذا الاتجاه، بل سار معه فيه زميله «مور» وتلميذه ~~«وتجنشتين»، ثم تبعهم في ذلك بقية الأتباع. # فالمعرفة الإنسانية - عند «رسل» و«وتجنشتين» بصفة خاصة - ~~يمكن تحليلها إلى ذرات أولية، والذرة الواحدة منها هي قضية ~~أولية، يكون موضوعها فردا واحدا لا جماعة من أفراد. وماذا ~~عسى أن يكون الفرد الواحد الذي يصلح أن يكون موضوعا للقضية ~~الذرية؟ أتصلح لذلك كلمة مثل «إنسان» و«شجرة» وسائر هذه ~~الكلمات الكلية؟ أئذا قلنا - مثلا - «الإنسان كائن عاقل» كان ~~هذا القول ذرة فكرية بسيطة لا يمكن تحليلها إلى ما هو أبسط ~~منها؟ هكذا ظن أرسطو، وما هكذا يظن «رسل» وأتباع مدرسته ~~التحليلية؛ فكلمة «إنسان» عند أرسطو مدرك أولي بسيط من ~~الناحية المنطقية، وأما عند «رسل» وأتباعه فهذه الكلمة وحدها - ~~وإن بدت كلمة واحدة - إلا أنها عبارة بأسرها ضغطت في ~~هذا اللفظ الواحد. # فأنت لو فككت كلمة «إنسان» إلى أجزائها الأولية وجدتها ~~كلمة تحتوي في جوفها كل أفراد البشر، من مضى منهم ومن هم ~~قائمون اليوم ومن سيظهرون في الوجود إلى آخر الدهر، إنها اسم ~~لم يخلق ليكون اسما خاصا لي أو لك كأسمائنا التي سجلت ~~في شهادات ميلادنا لتميز الواحد منا عن بقية الناس؛ وإذن ~~فليست هي بالاسم الجزئي الخاص بفرد واحد، كلا، بل ليست هي ~~بالاسم في حقيقة أمرها، إنها عبارة بأسرها، هي عبارة وصفية في ~~تحليلها، أريد بها أن تصف هذا الفرد أو ذلك بمجموعة معينة ~~من الصفات، أريد بها أن تصف العقاد والمازني وهيكل وطه ~~والحكيم وسائر أفراد البشر، بأن كل واحد منهم فيه طائفة من ~~صفات معينة معلومة تجعله ينتمي إلى فئة من الكائنات خاصة. إن ~~كلمة «إنسان» يستحيل أن يكون لها معنى وحدها، بل لا بد لكي ~~يكمل معناها أن يوجد إلى جوارها اسم آخر - كالعقاد مثلا - ~~بحيث يمكن أن يقال بعد ذلك «العقاد إنسان» فيكمل معنى ms026 كلمة ~~إنسان، لكن افرض جدلا أنني خلقت في اللغة هذه الكلمة ~~«إنسان» دون أن يكون في العالم فرد واحد مما عساه أن ينتمي إلى ~~هذه الفئة التي أردت أن أطلق عليها هذه الكلمة؛ إذن فماذا يكون ~~معناها؟ إنها عندئذ تظل معلقة بغير مدلول ولا معنى، حتى ~~يظهر في عالم الوجود فرد يصح أن ينطوي تحتها، وعندئذ فقط ~~يبدأ معناها في الظهور. # ونعود إلى سؤالنا من جديد: ماذا عسى أن يكون الفرد الواحد ~~الذي يصلح موضوعا لقضية ذرية من النوع الذي يقول عنه «رسل» ~~إنه الوحدات البسيطة الأولية لكل تفكير؟ لقد أوضحنا أن ~~الكلمات الكلية مثل «إنسان» و«شجرة» ليست بهذه البساطة ~~المزعومة؛ لأن الواحدة منها تعود فتنحل إلى مجموعة من ~~الأفراد أو المفردات؛ أفيكون الفرد الواحد إذن صالحا لذلك، ~~كاسم «العقاد» مثلا؟ أئذا قلنا عبارة كهذه «العقاد إنسان»، ~~كنا بذلك قد ضربنا مثلا للقضية الذرية البسيطة؟ كلا، ولا ~~هذه أيضا؛ لأن كلمة «العقاد» هي أيضا لفظة تطلق في الحقيقة ~~على مجموعة كبيرة من المفردات، وهذه المفردات هي الحالات ~~الكثيرة التي يكون عليها العقاد في لحظات حياته المتتابعات؛ ~~فقد تقع عينك على العقاد ألف مرة، وقد تسمعه يتحدت ألف مرة، ~~دون أن يكون المرئي منه أو المسموع هو هو بعينه في حالتين ~~اثنتين من هذه المرات الألف جميعا، لكننا نضم هذه الحالات ~~كلها، وما سبقها وما سيلحق بها، لنطلق عليها اسما واحدا هو ~~اسم «العقاد»؛ وإذن فما هذا الاسم بالبساطة التي ليس بعدها ~~تحليل، وإنما هو اسم يأتي بعده تحليل وتحليل. # وأما إذا جعلنا موضوع القضية التي نقولها حالة واحدة من تلك ~~الحالات المتعاقبة للفرد الواحد من الإنسان، كأن أتحدث عن لونه ~~في لحظة معينة، أو صوته في حالة واحدة مما يصح أن أشير إليها ~~بقولي «هذا» لمن أتحدث إليه، فتلك هي القضية الذرية الأولية ~~البسيطة التي لا تحتمل بعد ذلك تحليلا؛ تلك هي الوحدة التي ~~يتألف منها ومن مثيلاتها فكر الإنسان مهما بلغ بعد ذلك من ~~التعقيد والتركيب. # لكني لا أستطيع ms027 أن أشير لمن أتحدث إليه بقولي «هذا» مشيرا ~~إلى الحالة الواحدة الفردة التي أجعلها موضوع حديثي ، إلا إذا ~~كانت تلك الحالة مما يمكن أن يتلقاها بإحدى حواسه؛ وبالتالي ~~يستحيل أن يكون لكلامي معنى إلا إذا حللته إلى مفردات ~~أولية، كل مفرد منها قضية ذرية، موضوعها حالة جزئية تدرك ~~بإحدى الحواس. # قارن هذا الأساس المنطقي الجديد بمنطق أرسطو تر الفرق ~~شاسعا بعيدا من حيث الإطار الفكري في كل من الحالتين؛ ~~فالوحدات البسيطة عند أرسطو - وعند العصور الوسطى كلها من ~~بعده، وعند كل من لا يزال يفكر على هذا الغرار - هي القضايا ~~التي موضوعاتها كلمات كلية؛ فإذا سألته عن كلمة كلية مثل ~~«إنسان» ما معناها، راح يحللها لا على أساس مدلولاتها ~~الحسية، بل على أساس مقوماتها العقلية. نعم، لو سألته عن ~~معناها انصرف إلى داخل رأسه لا إلى الدنيا العريضة من حوله، ~~ليرى ماذا يكون داخل رأسه هو من «مفهوم» لتلك الكلمة، حتى لو ~~لم تكن الكلمة دالة أبدا على أي شيء محسوس من أشياء الطبيعة ~~الخارجية، فلا فرق عنده أن تسأله عن معنى «إنسان» أو عن معنى ~~«ملك» أو عن معني «غول»؛ لأنه في شتى هذه الحالات جميعا ~~سينصرف إلى داخل رأسه باحثا عن «مفاهيم» تلك الأسماء، ولا ~~عبرة عنده بعد ذلك أن تكون أو لا تكون؛ هنالك في العالم ~~ملائكة وغيلان كما أن فيه أفرادا هم بنو الإنسان، لا عبرة ~~عنده لشيء من هذا؛ لأن العبرة هي بالمفهوم العقلي للفظ لا ~~بمسمياته الفردية الجزئية التي تدركها هذه الحاسة أو ~~تلك. # كان التفكير في العصور الوسطى - في أوروبا وفي الشرق ~~الإسلامي على السواء - قائما على أساس من المنطق الأرسطي، وفي ~~اعتقادي أن تجديد التفكير لا يمكن أن يتم على صورة وافية إذا ~~اقتصر التغيير على الطوابق العليا وحدها، بل لا بد من تغيير ~~الأساس، لا بد من إقامة البناء على منطق جديد؛ فإذا كان أرسطو ~~والأرسطيون يكفهم الجولان داخل رءوسهم، فلا مناص لنا نحن ~~الذين نريد التجديد من الخروج إلى حيث ms028 العالم المرئي المسموع. ~~كان أرسطو بل وكثير غيره من الفلاسفة الأقدمين يفرقون بين ~~«المعرفة» من جهة و«الظن» من جهة أخرى، وعندهم أن ما تجيء به ~~الحواس «ظن» لا يقين فيه، أما «المعرفة» بمعناها الصحيح فلا ~~بد أن ترتكز إلى يقين، ولكن كيف؟ إن ذلك اليقين المنشود لا ~~يتحقق عند أرسطو وأتباعه وأشباهه إلا إذا كانت الفكرة نتيجة ~~حتمية لمقدمات سبقتها، وهذه المقدمات بدورها لا تكون ~~يقينا إلا إذا كانت نتائج لمقدمات سبقتها، وهكذا دواليك حتى ~~تصل في الطرف الأعلى من بناء المعرفة إلى ما يسمونه ~~المبادئ الأولى. وكيف أعرف هذه المبادئ الأولى؟ تعرفها ~~بالحدس؛ أي بالعيان العقلي المباشر، فلعقلك ما يشبه العين ~~ترى الحقائق العقلية رؤية مباشرة كما هي الحال في العين التي ~~في رأسك، غير أن هذه تدرك محسوسات وتلك تدرك معقولات؛ وعلى ~~ذلك فلا يقين عندهم إلا إذا كانت الحقيقة حدسية - وتلك هي ~~المبادئ الأولى - أو إذا كانت حقيقة أقيم عليها البرهان ~~القياسي الذي يبين من أي المقدمات جاءت. و«المبادئ الأولى» ~~في كلتا الحالتين هي الأساس، أو قل هي المعرفة الأصيلة، ولكن ~~هذه المبادئ الأولى هي نفسها «جواهر» الأشياء في رأي أرسطو، ~~وجوهر الشيء هو نفسه تعريفه عند أرسطو كذلك؛ فما معني ذلك كله؟ ~~معناه أنك إذا أقمت بناءك الفكري على أساس منطق أرسطو، فما ~~عليك إلا أن تعرف الأشياء من حيث جوهرها العقلي، لا من حيث ~~مظهرها الحسي، ومن هذه التعريفات تبني بناءك صاعدا أو هابطا، ~~فلك أن تصعد منها بأن تضمها بعضها إلى بعض فيما هو أعم حتى ~~تصل إلى قمة الوجود في مبدأ واحد، أو أن تهبط منها إلى ما ~~يترتب عليها من نتائج قياسية؛ وبهذا يتاح لك أن تعلم حقائق ~~الكون كله وأنت قابع في عقر صومعتك، لا حاجة بك إلى ~~رؤية أو سمع. # 4 # كان المنطق الأرسطي تحليلا للفكر العلمي الذي ساد أيام ~~اليونان، وساد بعد أيام اليونان قرونا طويلة شمل العصور ~~الوسطى وما بعدها، حتى طرأ على التفكير العلمي تغير جوهري، ~~استلزم ms029 أن يتغير معه المنطق الذي إن هو إلا تحليل للتفكير ~~العلمي. # كان التفكير الذي ساد أيام اليونان رياضيا في صورته ومبناه ~~وإن لم يكن كله رياضيا في مادته وفحواه؛ بمعنى أنه كان ~~دائما يسير من مبدأ مفروض إلى النتائج التي تتولد من ذلك ~~المبدأ. وكان علم الهندسة - ممثلا في هندسة إقليدس - هو ~~خير ما يصور ذلك الضرب من التفكير الذي يبدأ بالمسلمات ~~والبدائه لينتهي منها إلى النظريات التي تستمد يقينها من يقين ~~مقدماتها؛ فإذا ما نهض أرسطو فيلسوف المنطق اليوناني ليرسم ~~طريق السير للفكر الصحيح، كان طبيعيا أن يترسم خطوات ~~التفكير الرياضي، ما دام هذا التفكير الرياضي ينتهي بصاحبه إلى ~~النتائج اليقينية؛ وراح يحلل هذا الضرب من التفكير النموذجي ~~ما وسعه التحليل، حتى خرج على الناس بمنطقه المعروف الذي ~~مؤداه أن الوحدة الأولية لكل تفكير هي «القضية» التي لا بد ~~أن يكون قوامها «موضوعا» نحكم عليه بصفة ما، و«محمولا» ~~يكون هو تلك الصفة التي ننسبها إلى الموضوع؛ فإذا ما ضممنا ~~قضيتين من هاتيك القضايا الحملية بحيث تتوافر فيهما شروط خاصة، ~~أمكن أن نستنتج منهما نتيجة يقينية على نحو ما يحدث في ~~التفكير الرياضي. # وجاءت العصور الوسطى بطابعها الديني، فوجدت هذا المنطلق ~~الأرسطي أداة طيعة نافعة لخدمة أغراضها؛ فها هو ذا كتاب أو ~~كتب نزل بها الوحي؛ وإذن فكل ما فيها صادق، ويمكن اتخاذ هذا ~~العلم الصادق مقدمات لا سبيل فيها إلى الشك، فننتهي من تلك ~~المقدمات إلى نتائج يقينية كذلك. وما يزال هذا الضرب من ~~التفكير أداة يستخدمها كل من أراد أن يرتكز على سند يزعم له ~~اليقين ليستدل منه ما استطاعت قدرته أن يستدل. # كان الافتراض الكامن وراء المنطق الأرسطي كله هو أن العلم ~~الذي هو جدير بهذا الاسم، لا بد أن يبلغ درجة اليقين، وما ليس ~~يبلغ اليقين فهو «ظن» لا يجوز الأخذ به، لكن هذا اليقين ~~المنشود إذا جاز لنا أن نلتمسه في الرياضة وما يجري مجراها من ~~ضروب التفكير، فلا يجوز أن يكون هدفنا إذا كانت ms030 «الطبيعة» هي ~~مجال البحث؛ ذلك لأننا في الرياضة لا نزيد على استخراج نتيجة ~~كانت كامنة في مقدماتها فأبرزناها، وأما في التحدث عن الطبيعة ~~فالأمر مختلف، فها هنا ننبئ عن الظواهر أنباء قد نصيب فيها ~~وقد نخطئ؛ ومن ثم فلا مندوحة لنا في هذا المجال الطبيعي ~~عن اصطناع منهج فكري آخر؛ أي عن اصطناع منطق آخر، يكون عماده ~~الترجيح لا اليقين، ما دام مجال القول هو النبأ الجديد لا مجرد ~~تكرار النتيجة لما كان متضمنا في مقدماتها. # غير أن هذا المنطق الجديد الذي تلزمنا به ضرورة اتساع ~~مجالات الفكر والقول لا يأتي على أنقاض المنطق القديم، بل هو ~~يبني إلى جوار المنزل القديم منزلا جديدا؛ لأن مجال التفكير ~~الذي من أجله نشأ المنطق الأرسطي ما يزال ولن يزال قائما، وكل ~~ما في الأمر أن أضيف إلى القديم جديد من الفكر، يستوجب أن ~~يضاف إلى المنطق القديم منطق جديد يسد حاجة هذا الفكر ~~الجديد. # كان علم الهندسة في الرياضة لا يعرف سوى الهندسة الإقليدية ~~التي أنشأها إقليدس، والتي ألممنا بطرف منها أو أطراف أثناء ~~دراستنا الثانوية، لكن «هندسات» جديدة نشأت إبان القرنين ~~التاسع عشر والعشرين إلى جانب هندسة إقليدس؛ فلئن كان إقليدس ~~يبني علمه الهندسي على أساس استواء المكان، فهذه الهندسات ~~الجديدة «اللاإقليدية» تبني بناءاتها على أسس أخرى؛ فواحدة ~~منها تبني بناءها على أساس انحناء المكان كما هي الحال على سطح ~~الأسطوانة؛ فإذا ما كنت إزاء سطح صغير نسبيا، كسطح هذه ~~المنضدة التي أكتب عليها، جاز لك أن تفترض أنه مستو لا ~~انحناء فيه؛ وبالتالي لا تخطئ إذا استخدمت هندسة إقليدس ~~بالنسبة لما عساك أن ترسم عليه من مثلثات ودوائر، ولكنك لا ~~تستطيع ذلك إذا ما تصديت لرقعة كبيرة من المكان، كالمكان ~~الممتد بين الشمس والأرض، فها هنا يتحتم عليك أن تقلع عن ~~افتراضك استواء المكان؛ لأنه يسلمك عندئذ إلى نتائج ~~خاطئة، ولا بد لك من افتراض آخر يتمشى مع حقائق العلم ~~الجديد، وهو أن المكان منحن، بحيث تسير أشعة الشمس فيما ms031 يشبه ~~الأقواس لا في خطوط مستقيمة. وخلاصة القول هي أن هندسة إقليدس ~~ما تزال صالحة ولكن في مجال محدود، ولا بد فيما عدا ذلك ~~المجال المحدود من هندسات «لا إقليدية». # وكذلك الحال في فيزيقا نيوتن؛ فإذا كنت إزاء أجسام عادية ~~تسير بسرعات عادية، فلا حرج عليك أن تستخدم علم الطبيعة كما ~~عرفه نيوتن، وكما لا نزال نعرفه في مجال الحياة العلمية التي ~~تتناول الأشياء المادية كأشياء، دون أن تتعرض للذرات الصغيرة ~~التي هي قوام تلك الأشياء المادية؛ فالمهندس الذي يقيم جسرا ~~أو بناء يكفيه علم الطبيعة النيوتوني في معالجته للمواد التي ~~يستخدمها، أما إذا كان مجال البحث هو الذرة الصغيرة، فها هنا ~~سنجد أنفسنا إزاء «طبيعة» أخرى، أجسامها ليست هي نفسها أجسام ~~الأشياء كما نألفها، وسرعاتها ليست هي السرعات التي نألفها في ~~تلك الأجسام؛ ولذلك اضطررنا اضطرارا إلى علم طبيعي «لا ~~نيوتوني» إلى جانب علم الطبيعة النيوتوني؛ أما أولهما فللطبيعة ~~الذرية، وأما الآخر فللطبيعة بمعناها المألوف. # وشيء كهذا لا بد أن يحدث للمنطق - والمنطق هو دائما تحليل ~~التفكير العلمي - فلئن كان المنطق الأرسطي صالحا لأنواع ~~التفكير الاستنباطي كما عرفها اليونان وكما عرفتها العصور ~~الوسطى بعد اليونان، بل كما عرفتها العصور الحديثة حتى القرن ~~التاسع عشر، فلا بد إلى جانبه من منطق آخر «لا أرسطي» على ~~غرار الهندسة «اللاإقليدية» والفيزيقا «اللانيوتونية» ~~ليواجه التفكير العلمي في تطوره الأخير. # ولنضرب بعض الأمثلة الموضحة؛ يقوم المنطق الأرسطي على دعائم ~~أولية يعدها «قوانين» للفكر لا بد من سريانها في كل عملية ~~فكرية، وأول تلك «القوانين» قانون الذاتية، الذي يرمزون له ~~بقولهم «أ هي أ»، وهم يريدون بذلك أن الشيء المعين يحتفظ ~~بذاتيته مهما تغير السياق من حوله؛ فهذه المنضدة التي أكتب ~~عليها هي نفسها التي كانت بالأمس، على الرغم مما قد تغير من ~~التفصيلات المحيطة بها، وأنا اليوم هو نفسه الذي كان أمس على ~~الرغم من أنني قد ارتديت ثيابا أخرى وأتحدث حديثا غير حديثي ~~بالأمس، وهكذا. يقوم النطق الأرسطي أول ما يقوم على افتراض ms032 أن ~~الشيء الواحد المعين يحتفظ بذاتيته، وقد يكون هذا الاقتراض ~~هو نفسه ما تنطوي عليه حياتنا العملية؛ ولذلك فلا بأس من تطبيق ~~المنطق الأرسطي حيث يقوم هذا الافتراض. # ولكن ماذا تكون الحال إذا ما تحدثنا بلغة العلم الحديث، فقلنا ~~إن هذه المنضدة التي تبدو للعين المجردة «شيئا واحدا ~~بذاته» إن هي في الحقيقة إلا كومة هائلة من الذرات الصغرى ~~التي لا تنفك متحركة مغيرة من أوضاع كهاربها؟ إنها وإن ~~تكن قد حافظت على الإطار الخارجي لشكلها محافظة نسبية، إلا أن ~~حشوها في تغير دائب لا ينقطع، إنها في حقيقتها سلسلة من ~~«حالات» أو من «حوادث»، أفنكون على صواب إذا قلنا للعالم ~~الطبيعي الذري «تمسك بأهداب المنطق الأرسطي، واحسب هذه ~~المنضدة «شيئا واحدا بذاته» حتى لا تجاوز «قانون الذاتية» ~~لأنه قانون من قوانين الفكر»؟ كلا، إنه لو أخذ بنصحنا كان ~~خائنا لعلمه. كانت دنيا أرسطو سكونية مؤلفة من «أشياء» كل ~~شيء منها ثابت على طبيعة بعينها؛ ولذلك أمكن تصنيف هذه الأشياء ~~أنواعا أنواعا؛ وعلى هذا الأساس قام العلم الأرسطي كله. أما ~~دنيا علمنا الراهن، فذات حركة مستمرة وصيرورة دائبة، لا يمكن ~~تصنيفها «أشياء» كما يصنف البقال بضائعه في صناديق ورفوف؛ ~~لأنها سير وحركة لا يحتفظ الشيء فيها بذاتية واحدة، إن «أ» لن ~~تكون دائما هي «أ»، بل سرعان ما يتحول تركيبها الذري، ومهمة ~~العلم الآن لم تعد كمهمة العلم الأرسطي، وهي أن يدرك «طبائع ~~الأشياء» لأنه لا أشياء ولا طبائع، بل مهمة العلم الآن هي أن ~~يرصد مجرى الحوادث ليلقف منه الاطرادات في سير تلك ~~الحوادث، وكلما وقع على اطراد وقع بذلك على قانون من قوانين ~~العلم؛ فلئن كان القانون العلمي عند المنطق الأرسطي رمزه هو ~~«كل أ هي ب»؛ أي إن «أ» من طبيعتها كذلك أن تكون «ب»، كأن نقول ~~«كل إنسان فان»، فيكون معنى ذلك أن الإنسان من طبيعته الفناء، ~~فإن القانون العلمي عند المنطق الحديث رمزه هو «إذا وقعت أ ~~لازمتها ب»، دون أن يكون معنى ذلك أن ms033 «طبيعة» أ تستلزم ~~بالضرورة أن تلازمها ب، بل معناه أن ملاحظة الحوادث في ~~مجراها الدائب المتغير قد دلت على أن أ، ب قد اطرد ~~حدوثهما متلازمين، وكذلك «يرجح» أنه إذا حدثت «أ» مرة ~~أخرى حدثت «ب» كذلك. هكذا تغيرت وجهة النظر إلى العالم، ~~فتغيرت أسس العلم؛ وبالتالي وجب أن يتغير منطق ~~التفكير. # الفصل الثاني # | شعاب الطريق # 1 # ليست الفلسفة العلمية التي ندعو إليها وليدة اليوم؛ فقد ~~تناوب التفكير الفلسفي على مدى التاريخ ضربان من الفلاسفة ~~يختلفان من حيث الدوافع التي حفزتهم إلى التفلسف؛ فهنالك ~~الفلاسفة الذين استهدفوا بفلسفاتهم غايات دينية أو خلقية، مثل ~~أفلاطون وسبينوزا وهيجل، وهنالك إلى جانب هؤلاء فلاسفة كان ~~التفكير العلمي رائدهم، مهما اختلفوا في النتائج التي انتهوا ~~إليها، مثل ليبنتز ولك وهيوم، وإلى جانب أولئك وهؤلاء فريق ~~ثالث اتخذ طريقا وسطا، مثل أرسطو وديكارت وباركلي وكانت. ~~«وفي اعتقادي أن الدوافع الأخلاقية والدينية - على الرغم مما ~~قد أنتجته من نسقات فلسفية تتسم بعظمة الخيال - إلا ~~أنها كانت على وجه الجملة عائقا في سبيل التقدم الفلسفي.» # 1 # على أننا وإن نكن ندعو إلى اطراح الفلسفة التي تجعل هدفها ~~تثبيت قواعد الدين أو الأخلاق، فليس يعني هذا أبدا أن نتخلى ~~عن الدين أو الأخلاق، وكل ما في الأمر هو أننا لا نريد للفلسفة ~~بمعناها الاصطلاحي الدقيق أن تكون وسيلة لنشر أخلاق بعينها أو ~~دين بذاته؛ لأن لهذين وسائل أخرى ليس بينها التحليل العقلي ~~الموضوعي للعبارات اللغوية وما تتضمنه من قضايا وكيفية إثبات ~~هذه القضايا، وليس من شأننا الآن أن نبدي الرأي في الطرائق ~~المثلى لتثبيت الأخلاق أو لإثبات الدين. # مذهبنا هو «أن يكون العلم - لا الأخلاق ولا الدين - مصدر ~~الوحي للفلسفة». # 2 # وليس في هذا انتقاص لما يمكن أن توحي به الأخلاق ~~أو يوحي به الدين من ضروب الفكر، ولكن هذا كله شيء والفلسفة ~~بالمعنى الذي نريده لها شيء آخر؛ ذلك أن المفكر إذا ما جعل ~~رائده في التفكير عقيدة دينية أو مذهبا خلقيا، فيستحيل ~~عليه أن يتخلى عن ms034 تقييم الأشياء والأفعال تقييما يجعل من ~~بعضها خيرا ومن بعضها الآخر شرا، وما دام الإنسان قد تصدى ~~لمثل هذا التقييم فقد بعد عن المنهج العلمي الذي لا يفرق ~~في موضوع البحث بين خير وشر، ولا بين جميل وقبيح؛ فالزهرة عند ~~عالم النبات كائن يطلب تحليله وتشريحه، ولا يطلب تقييمه ~~جمالا أو قبحا، وكذلك العبارة اللغوية عند من يريد أن ~~يتناولها تناولا علميا شيء يراد تفتيته إلى أجزائه ~~ومقوماته، ولا شأن له بعد ذلك بما قد تبعثه في نفس قارئها ~~أو سامعها من نشوة أو انقباض. # النظرة العلمية تقتضي صاحبها ألا يجاوز أوضاع الأمور ~~الواقعة؛ فإذا أراد - مثلا - أن يحدد تأثير الضوء على حدقة ~~العين التي ترى ذلك الضوء، حصر نفسه فيما يظهر له في حدقة ~~العين من تغيرات، دون أن يجاوز ذلك إلى «شعور» الرائي؛ فقد ~~يسبب وقع الضوء على العين «ضيقا» أو «ارتياحا»، لكن ~~أمثال هذه الحالات النفسية الداخلية لا تكون جزءا من النظرية ~~العلمية التي تصف وقع الضوء على العين. ولما كان «وضع» ~~الأمور في عالم الواقع هو وحده مجال البحث العلمي، أطلق على ~~النظرة العلمية اسم «الوضعية»؛ فإن كان «الوضع» القائم الذي ~~يشغل الباحث عبارة من عبارات اللغة أو لفظة من ألفاظها، كانت ~~«الوضعية» في هذه الحالة وضعية «منطقية»؛ ومن ثم كان هذا ~~الاسم (الوضعية المنطقية) مميزا لطائفة من أصحاب الفكر ~~صمموا على ألا يجاوزوا الواقع بنظرهم، وعلى أن يكون هذا ~~الواقع الذي يختصون به هو اللغة التي يصوغ فيها سائر العلماء ~~علومهم على اختلاف موضوعاتها. # لكن هذا الاتجاه «الوضعي» العلمي بين الفلاسفة لم يكن ~~دائما «منطقيا» في صبغته، بل إنه لم يصبح كذلك إلا في ~~العشار الثالث من أعوام هذا القرن. وكانت هنالك قبل ذلك ~~اتجاهات وضعية في عالم الفلسفة، جعلت موضوع تحليلها «الأشياء» ~~لا «العبارات اللغوية والألفاظ»، غير أنهم بالطبع لم ينافسوا ~~علماء الطبيعة والفلك وما إلى ذلك في «أشيائهم» التي ~~يبحثونها، ولكنهم اختصوا «بأشياء» أخرى لم تكن من شأن غيرهم ~~من العلماء، ألا وهي ms035 - على وجه الجملة - «المعرفة الإنسانية»، ~~فما حدودها؟ وما عناصرها؟ وما نصيبها من اليقين؟ # وأول فيلسوف وضعي بالمعنى الشامل الدقيق هو «ديفد هيوم» ~~(1711-1776م)؛ فقد تنبه ونبه الأذهان إلى أنه يستحيل على ~~الإنسان أن يهتدي إلى وصف العالم الواقع بالتفكير الاستنباطي ~~وحده؛ أعني أن من أراد أن يتحدث عن الوجود الخارجي في أي جزء ~~من أجزائه، فلا يجوز له أبدا أن يحصر نفسه بين جدران رأسه، ~~ليضع لنفسه «مبدأ» يزعم أنه قد رآه بالحدس، ثم يستنبط من ذلك ~~المبدأ نتائجه ونتائج نتائجه، وبعدئذ يقول إن هذه النتائج ~~التي جاءته استنباطا، إنما هي تصور هذا الجزء أو ذاك من ~~أجزاء العالم الواقع. ولما كان هذا هو بعينه ما يفعله الفلاسفة ~~الميتافيزيقيون، إذ ترى الواحد منهم يصف العالم الخارجي أو أي ~~جزء منه، لا عن طريق ما قد رأت عيناه أو سمعت أذناه، بل عن ~~طريق استنباطه المنطقي العقلي الصرف بادئا من مبدأ فرضه ~~لنفسه فرضا؛ أقول إنه لما كان هذا الضرب من التفكير هو بعينه ~~ما يفعله الفلاسفة الميتافيزيقيون، فقد جاء هيوم بمثابة الضربة ~~القاتلة الأولى للتفكير الميتافيزيقي. # نعم قد سبق هيوم فلاسفة آخرون عرفوا أن التفكير الاستنباطي ~~وحده لا يكفي بذاته أن ينبئنا بشيء عن العالم الواقع، وأن ~~سبيل معرفة هذا العالم الواقع هو التمرس بظواهره عن طريق ~~الحواس، لكن فضل هيوم في هذا الصدد هو تطبيق هذا المبدأ في غير ~~ملاينة أو تسامح؛ فلم يفزع - كما فزع «لك» من قبله مثلا ~~- من تطبيق المبدأ على أشياء كالنفس الإنسانية، فهي - كغيرها ~~من الأشياء - إذا لم أخبرها بالحواس فلا سبيل إلى علمي بها؛ ~~وبالتالي فكل حديث عنها هراء، ولا ينجيها أن تقول إن وجودها ~~ينتج منطقيا عن كذا وكذا من المقدمات والمبادئ؛ لأن ~~الاستنباط وحده - كما قلنا - يستحيل أن ينبئ بجديد عن الوجود ~~وكائناته. # وإنا لنقدر هذه اللفتة الجديدة في تاريخ الفلسفة حق قدرها، ~~حين نذكر كم من أعلام الفلاسفة قد أقام بناءه الفلسفي على ~~المنهج الاستنباطي الخالص، فتراه يبدأ بحقيقة أو ms036 طائفة من ~~حقائق يزعم أنها واضحة بذاتها، وما دامت كذلك فكل ما ينتج ~~عنها بالاستنباط يكون كذلك واضحا لا يحتمل الشك. ولو وقف ~~هؤلاء الفلاسفة الاستنباطيون عند هذا الحد لما كان على موقفهم ~~غبار؛ لأن شأنهم عندئذ يكون كشأن علماء الرياضة يفرضون ~~مجموعة من المسلمات في أول الأمر ثم يستنبطون منها ~~نظرياتهم، فتكون هذه النظريات صادقة صدق مقدماتها، ما دام ~~استنباطها من تلك المقدمات لم يتعرض للخطأ، لكن علماء ~~الرياضة حين يشيدون بناءهم الرياضي على هذا الطراز لا يزعمون ~~أنه يصور بالضرورة عالم الطبيعة الخارجي، بدليل أنهم ~~يستطيعون أن يغيروا من مجموعة المسلمات الأولية فتتغير ~~بذلك النظريات المستنبطة؛ أي يتغير بذلك البناء الرياضي عما ~~كان عليه في الحالة الأولى، ويكون كل من البناءين صحيحا من ~~الوجهة الرياضية، مع أنه يستحيل أن يصدقا معا على العالم ~~الطبيعي؛ أقول إنه لو سار الفلاسفة الاستنباطيون على غرار ~~العلماء الرياضيين، ففرضوا فروضهم «الواضحة بذاتها» ثم ~~استنتجوا منها نتائجها، دون أن يزعموا أن تلك الفروض أو هذه ~~النتائج مصورة لما يجري في عالم الطبيعة، لما كان لأحد ~~اعتراض على ذلك، ولكان عملهم من قبيل الرياضة الذهنية لا ~~أكثر ولا أقل، لكنهم لا يقنعون بهذا، ويصرون على أن تكون ~~نتائجهم الاستنباطية التي هي من فعل العقل وحده مطابقة للظواهر ~~الطبيعية؛ ومن ثم يقع الخطأ. # كان للمنهج الاستنباطي الخالص بريق يخطف أبصار الفلاسفة على ~~اختلاف مذاهبهم، وما ظنك بمنهج كل ما يتطلبه من المتعارضين ~~في الرأي أن يتفقوا على صواب حقيقة واحدة أو طائفة قليلة من ~~حقائق؛ فإذا ما تم لهم مثل هذا الاتفاق ضمنوا الاتفاق ~~بعدئذ على تفصيلات البناء الفكري كله؛ لأن هذه التفصيلات ~~كلها إنما جاءت نتائج محتومة لتلك المقدمات الأولى التي تم ~~عليها الاتفاق بادئ ذي بدء. انظر مثلا إلى الجهد الجبار ~~الذي بذله توماس الأكويني (1225-1274م) ليستخلص تفصيلات المذهب ~~الكاثوليكي كلها من عدد قليل جدا من المقدمات، كان يراها ~~قريبة إلى كل عقل سليم، وإذن فلا عقبة هناك تحول دون ~~الاتفاق على صوابها؛ ms037 وبالتالي يتم الاتفاق على مجموعة ~~التفصيلات التي تلزم عنها لزوما منطقيا. # 3 # وقل شيئا كهذا في كثير جدا من فلاسفة اليونان ~~وفلاسفة العصر الوسيط، بل في كثير جدا من فلاسفة العصر ~~الحديث ذاته، الذين حسبوا أنفسهم ثائرين على المنهج الاسكولائي ~~في التفكير، وإذا هم ينهجون النهج نفسه من حيث الجوهر ~~والأساس؛ فهكذا فعل ديكارت حين علق بناءه الفلسفي كله على ~~مسمار واحد، هو نقطة البداية التي زعم أنها «واضحة بذاتها»، ~~وهي تقريره عن نفسه أنه يفكر، ثم جاءت تفصيلات البناء كله ~~نتيجة لازمة عن تلك البداية، ومن هذه التفصيلات ما يصف أجسام ~~الطبيعة المادية الخارجية. وهكذا فعل سبينوزا الذي أغراه ~~القالب الرياضي الاستنباطي إغراء حدا به أن يستخدم هذا ~~القالب كما استخدمه إقليدس بغير تحريف ولا تغيير؛ بغية أن ~~يصل إلى نتائج لها نفس اليقين الذي تتصف بها نظريات إقليدس، ~~فتراه في كتابه «الأخلاق» يبدأ - كما فعل إقليدس تماما - ~~بطائفة من مسلمات، منها ما هو تعريف ومنها ما هو بديهية أو ~~مصادرة، ثم طفق بعد ذلك يستخرج من تلك المسلمات كل ما ~~يمكن استخراجه من نتائج، فإذا كان بين هذه النتائج ما يشير إلى ~~العالم الطبيعي الخارجي، كان معنى ذلك أنه استطاع الحديث عن ~~هذا العالم ناسجا من عقله الخالص، بغير حاجة منه إلى استخراج ~~حواسه في ملاحظات أو تجارب. # إلى هذا الحد البعيد كان تأثير المنطق الأرسطي في صياغة ~~التفكير الفلسفي على مر العصور؛ إذ انصرف جهد الفيلسوف إلى ~~صب بنائه في قالب استنباطي كما رأيت، مستغنيا عن حواسه في ~~إدراك حقيقة العالم. ولو رجعت إلى المبادئ الأولى التي كان ~~يستند إليها هؤلاء الفلاسفة في تشييد بناءاتهم الفلسفية، والتي ~~زعموا لها الوضوح الذاتي الذي لا يحتمل شكا، وجدت تلك ~~المبادئ مشتملة على ألفاظ كهذه: «نفس»، «روح»، «عقل»، «عنصر»، ~~«تفكير»، «إرادة حرة»، وهكذا. وهي كلها كما ترى ليست أسماء ~~تسمي محسوسات من عالم الأشياء الطبيعية. نعم إنهم كانوا ~~يعرفونها ليستدلوا من تعريفاتهم لها ما يمكن استدلاله من ~~نتائج، فيزعمون الصدق ms038 لهذه النتائج ما دامت قد استنبطت من ~~تلك المقدمات، ولكن فاتهم أنهم يدورون في ألفاظ بعد ألفاظ؛ ~~فبالألفاظ التي لا تسمي شيئا كانت البداية، وبالألفاظ التي ~~اشتقوها من تلك البداية كان طريق السير ثم النهاية. ولسنا ~~ننكر في مثل هذا العمل العقلي اتساقا منطقيا؛ فقد يكون ~~السير الاستدلالي على أتمه وأكمله وأضبطه، ولكن أين عسى أن ~~تكون العلاقة بين هذا البناء اللفظي من جهة وبين أمور الطبيعة ~~الواقعة من جهة أخرى؟ # ها هنا نعيد من جديد ما جاء هيوم ليؤكده، وهو أن التفكير ~~الاستنباطي وحده، وإن يكن يحدد الروابط بين فكرة وفكرة، إلا ~~أنه لا يجاوز حدود الرأس إلى حيث العالم الواقع؛ فأمور هذا ~~الواقع يستحيل أن تدخل في مجال إدراكنا إلا عن طريق آخر، هو ~~طريق الحواس؛ فالخبرة الحسية وحدها هي المصدر الذي نستقي منه ~~العلم بالعالم الخارجي؛ وبهذا القول أصبح هيوم في طليعة ~~الرواد إن لم يكن الرائد الأول بحق للفلسفة الوضعية ~~الراهنة، على الرغم من الاختلاف البعيد بين وضعيته ووضعية ~~الحركة الفلسفية المعاصرة؛ إذ بينما جعل اهتمامه الأول تحليل ~~«المعرفة» تحليلا نفسيا لا منطقيا، بمعنى أنه حاول أن ~~يرد «الأفكار» إلى مصادرها الأولى البسيطة، فكانت هذه ~~المصادر عنده هي «الانطباعات» الحسية التي انطبعت بها هذه ~~الحاسة أو تلك، والفكرة التي نحاول ردها إلى مصدرها الحسي ~~فلا نجد لها مثل هذا المصدر تكون عنده فكرة وهمية باطلة؛ أقول ~~إنه بينما جعل مجال بحثه تحليلا نفسيا كأنما هو عالم نفسي ~~يبحث في التفكير الإنساني، ترى الوضعية المعاصرة «منطقية» لا ~~نفسية؛ فالذي تحلله ليس هو «الأفكار» بل «القضايا»، ~~والعناصر البسيطة التي تحاول الارتداد إليها ليست هي ~~«الانطباعات» الحسية الأولية، بل هي القضايا الأولية التي لا ~~يمكن تحليلها إلى ما هو أبسط منها، على أن كل واحدة من هذه ~~القضايا الأولية لا تكون كذلك إلا إذا كان موضوعها خبرة حسية ~~مباشرة، كانطباعة لونية على العين أو ضغطة لمسية على سطح ~~الجلد وهكذا. # 2 # الوضعية المعاصرة - إذن - ترتد إلى «هيوم» من حيث ms039 ارتكازها ~~في نهاية التحليل على الخبرة الحسية المباشرة، وذلك حين يكون ~~الحديث قائما حول ظاهرة من ظواهر العالم الخارجي، لكن ما كل ~~حديث يقوم على الظواهر الطبيعية، بل هنالك ضرب آخر من الحديث ~~يكون موضوعه «لفظة» معينة نتحدث عنها بما يعرفها، كقولنا - مثلا - «الجرو كلب صغير»، فها هنا لا يقتضينا الأمر أن ننظر ~~خارج العبارة نفسها لنعلم إن كانت صادقة أو غير صادقة؛ لأن ~~صدقها قائم في تكوينها نفسه؛ وإذن فهو صدق نقرره لها ~~«قبل» النظر إلى الجراء في عالم الحيوان؛ إذ الأمر أمر لفظة ~~وتعريفها، أو فكرة وتحليلها. # هذه التفرقة المنطقية بين نوعي القضايا؛ القضايا التي يقتضي ~~تحقيق صدقها رجوعا إلى عالم الواقع الخارجي، والقضايا التي لا ~~يقتضي تحقيق صدقها أكثر من مراجعة الكلام نفسه عجزه على ~~صدره، لنرى إن كان العجز تكرارا دقيقا للصدر كله أو ~~بعضه؛ أقول إن هذه التفرقة المنطقية بين نوعي القضايا، والتي ~~هي - كما سنرى في غضون هذا الكتاب - من أهم الركائز التي يرتكز ~~عليها التحليل الحديث، إنما يرجع أكبر الفضل فيها إلى ليبنتز ~~(1646-1716م)، على الرغم من أن الوضعيين المحدثين لم ~~يستخدموا هذه التفرقة لنفس الأغراض التي استخدمها ليبنتز من ~~أجلها، بل على الرغم من أن الوضعيين المعاصرين لم يتفقوا مع ~~ليبنتز على تفسير واحد لها. # فقد فرق ليبنتز تفرقة واضحة بين ما أسماه ب «حقائق العقل» ~~وما أسماه ب «حقائق الواقع»، أما «حقائق العقل» فأزلية ~~وضرورية؛ أي إن صدقها لم يحدث في لحظة معينة من لحظات ~~الزمن، بل هي صادقة منذ الأزل وستظل صادقة إلى الأبد، ~~وصدقها «ضروري» بمعنى أنه يستحيل عليها احتمال ألا تكون ~~صادقة. ومثل هذه الحقائق العقلية إنما تستمد صدقها من ~~مبدأ عدم التناقض؛ أي إننا لو حكمنا عليها بالكذب كنا بمثابة ~~من يناقض نفسه؛ فقولك - مثلا - عن المثلث إنه شكل محوط ~~بثلاثة أضلاع، حقيقة عقلية من هذا القبيل؛ لأن نقيضها مستحيل، ~~فلا يجيز العقل ألا يكون المثلث محوطا بأضلاع ثلاثة، ولو ~~قلنا قولا كهذا ناقضنا أنفسنا؛ لأن تعريف ms040 «المثلث» هو أنه ~~شكل محوط بثلاثة أضلاع، وتقريرنا لنقيض هذه الحقيقة مساو ~~لقولنا «المثلث ليس مثلثا». وأمثال هذه الحقائق العقلية إما ~~أن تكون واضحة بذاتها، أو أن تكون مستنبطة من حقيقة واضحة ~~بذاتها، كأن أستنبط من الحقيقة السالفة حقيقة أخرى، وهي أن ~~للمثلث زوايا ثلاثا. # ويذهب ليبنتز إلى أن «عقولنا هي مصدر الحقائق الضرورية، ~~فمهما أكثرنا من الأمثلة الجزئية التي تعرض لنا في خبرتنا ~~مما عساه أن يؤيد حقيقة كلية معينة، فلن يكون في مقدورنا ~~أن نثق بصدقها إلى الأبد لمجرد أننا استقرأنا عددا من ~~الأمثلة التي تؤيدها، بل لا بد أن ندرك ما فيها من ضرورة ~~الصدق عن طريق العقل؛ فقد تستطيع الحواس أن توحي لنا بهذه ~~الحقائق الكلية وأن تؤيدها وأن تثبت صدقها، لكنها لن ~~تستطيع أن تقيم البرهان على استحالة تعرضها للخطأ وعلى ~~يقينها الدائم.» # 4 # تلك هي «حقائق العقل» في يقينها الأزلي الضروري، وأما ~~«حقائق الواقع» فصدقها عرضي؛ فهي وإن تكن - في رأي ليبنتز - ~~حقائق فطرية في النفس، شأنها في ذلك شأن الحقائق العقلية ~~الضرورية سواء بسواء، إلا أنها - على خلاف هذه - لا ترتكز في ~~صدقها على مبدأ عدم التناقض، بل ترتكز في ذلك على ما أسماه ~~ليبنتز بالعلة الكافية؛ فلو قلنا - مثلا - عن الماء إنه ~~يتجمد بالبرودة عند درجة معينة، كان هذا القول حقيقة ~~عرضية الصدق وليست بضروريته؛ أي إنه ليس من التناقض عند ~~العقل ألا يتجمد الماء عند هذه الدرجة المعينة من البرودة؛ ~~فقد كان يمكن ألا تكون هذه هي حالة الماء، وكان هنالك حالات ~~كثيرة جدا كلها ممكن، ولكن الذي جعل هذه الحالة المعينة - ~~دون سائر الممكنات جميعا - هي حالة الواقع، هو أن الله قد ~~اختارها لتكون مع سائر حالات العالم الواقع أحسن عالم ~~ممكن. # وتحصيل هذه الحقائق العرضية عن أمور الواقع إنما يكون ~~بالملاحظة التي تتعقب وتستقرئ الحالات الجزئية التي تقع لنا ~~في خبراتنا التجريبية. إنها ليست «واضحة بذاتها»؛ إذ ليس هناك ~~عند العقل ما يحتم أن تكون كما هي كائنة، لا، ms041 ولا هي مستنبطة ~~من حقائق واضحة بذاتها بحيث نستطيع أن نقيم على صدقها البرهان ~~العقلي، وليس لها من سند إلا أن حواسنا هكذا ~~أدركتها. # هذه التفرقة التي ميز بها ليبنتز بين «حقائق العقل» ~~و«حقائق الواقع» هي التي إذا نقلناها إلى عالم القضايا أصبحت ~~تفرقة بين «القضية التحليلية» و«القضية التركيبية»، أو إن شئت ~~فسم الأولى قضية تكرارية والثانية قضية إخبارية؛ الأولى ~~يقينية لأن محمولها يكرر ما في موضوعها من عناصر، والثانية ~~احتمالية لأن محمولها يضيف إلى موضوعها خبرا جديدا. وهي ~~تفرقة - كما أسلفنا - تكون ركيزة هامة في بناء الفلسفة ~~التحليلية المعاصرة؛ ولهذا كان «ليبنتز» أحد الرواد الذين ~~مهدوا لنا الطريق. # وكذلك كان «عمانوئيل كانت» (1724-1804م) رائدا آخر من جماعة ~~الرواد الذين دقوا شعاب الطريق إلى الفلسفة الوضعية في ~~شكلها الراهن، وإن بدا هذ الزعم غريبا عند النظرة الأولى؛ إذ ~~قد يسأل سائل: كيف يكون وضعيا هذا الفيلسوف الذي امتد به ~~السير حتى بلغ آمادا هي أبعد ما تكون عما تراه الأعين أو ~~تحسه الأيدي؟ لكن النظرة الفاحصة سرعان ما تتبين أشد ~~الروابط وأوثق الصلات بين «كانت» من جهة، وجماعة الوضعية ~~المنطقية من جهة أخرى، وحسبنا أن نذكر حقيقة واحدة واضحة عن ~~«كانت» ليظهر صدق دعوانا، وهي إصراره على أن تكون ~~«الخبرة» هي المجال الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يغترف منه ~~أحكامه العلمية، أما إذا جاوز الإنسان حدود «خبرته» فقد جاوز ~~بذلك حدوده المشروعة وعرض نفسه للوقوع في الخطأ. # لقد تصدى «كانت» لتحليل العقل الخالص في مجال التفكير ~~العلمي، سواء كان هذا العلم علما رياضيا أو علما طبيعيا، ~~فانتهى به التحليل إلى هذه النتيجة الهامة، وهي أن العقل ~~الإنساني وإن تطلب في قيامه لما يقوم به من فكر مبادئ ~~ومقولات لا محيص له عنها كي يؤدي ما يؤديه، وهي مبادئ ~~ومقولات ليست مستمدة من عالم الخبرة، إلا أن هذه المقولات ~~وتلك المبادئ لا يمكن استخدامها وتطبيقها إلا في حدود الخبرة ~~الإنسانية، نعم إنها لم تشتق أصولها من عالم التجربة، ~~ولكنها لا تستخدم ms042 إلا في عالم التجربة؛ أي إنه على الرغم من ~~أن الإنسان محال عليه أن يستقي ما يستقيه من خبرات إلا إذا ~~استعان بما فطر عليه عقله من مبادئ ومقولات، إلا أن هذه ~~المبادئ والمقولات العقلية نفسها لا تجاوز به حدود «الظواهر» ~~التي تقع له في خبراته؛ فحين أنظر إلى هذه المنضدة التي ~~أمامي، فيستحيل علي إدراكها على الصورة التي أدركها بها، ~~إلا إذا كان ثمة مبدأ مجبول في فطرة العقل ينظم لي أشتات ~~المعطيات الحسية التي تجيء إلي منها، وإلا ظلت تلك ~~الأشتات أشتاتا لا تستقيم ولا تتعين في «شيء» بذاته. نعم إن ~~«المبدأ» الذي أعانني على إدراك المنضدة المحسوسة ليس هو ~~بذاته أحد المعطيات الحسية، إلا أنه يقف بي عند حدود تلك ~~المعطيات في إدراكي لهذه المنضدة، وأما «الشيء في ذاته» الذي ~~هو مصدر تلك المعطيات الحسية، فمحال علي بلوغه عن طريق ذلك ~~المبدأ نفسه؛ أي محال علي بلوغه عن طريق العقل ~~الخالص. # ولو سئل «كانت» ما هو هذا «الشيء في ذاته» الذي تنبعث عنه ~~المعطيات الحسية، أو الذي هو مصدر وراء الظواهر التي تنشأ عنها ~~خبراتنا الحسية، لأجاب: لست أدري، ولا حاجة بي إلى هذه ~~الدراية. فهو لا يدري لأن «الشيء في ذاته» بحكم التعريف لا ~~يقع له في خبرته؛ إذ الخبرة محدودة «بالظواهر» لا تجاوزها إلى ~~الحقائق الكامنة وراءها، ثم هو في غير حاجة إلى العلم بهذه ~~الحقائق الكامنة وراء الظواهر؛ لأنها لن تكون جزءا من علم، ~~كائنا ما كان ذلك العلم. وجدير بنا في هذا الموضع أن نشير ~~إلى نقطة اختلاف رئيسية في هذا الصدد بين «كانت» وبين أتباع ~~الوضعية المنطقية المعاصرة، وتلك هي أنهما وإن يكونا على اتفاق ~~في وجوب انحصار الإنسان في حدود خبرته، إلا أنهما يختلفان في ~~«الحقائق» المزعومة وراء تلك الخبرة، أو ما يسميه «كانت» ~~«الأشياء في ذواتها»؛ فبينما يعترف «كانت» بوجود هذه الحقائق ~~فوق متناول الإدراك الإنساني، يرى الوضعيون المنطقيون ~~المعاصرون أن كل عبارة يقولها قائل عن أمثال تلك «الحقائق» ~~إنما ms043 يتبين في ضوء تحليلها المنطقي أنها ليست بذات معنى؛ ~~ولهذا فهم يختلفون مع «كانت» في السبب الذي من أجله لا يجوز ~~الحديث العقلي في عالم «الأشياء في ذواتها»؛ فمثل هذا الحديث ~~عندهم غير جائز؛ لأنه حديث محتوم عليه بحكم طبيعته أن يجيء ~~فارغا من المعنى، وأما «كانت» فلا يجيز مثل هذا الحديث؛ لأنه ~~يختص بعالم إدراكه مستحيل على العقل ما دام العقل مركبا ~~على نحو ما هو مركب عليه. # أيجوز للإنسان - مثلا - أن يتحدث عن «النفس» باعتبارها كائنا ~~مستقلا عن الجسد؟ الجواب عند «كانت» وعند أتباع الوضعية ~~المنطقية المعاصرة معا هو أن ذلك لا يجوز؛ لأن مثل هذا الكائن ~~لا يقع في خبراتنا؛ ففي هذا الصدد يقول «كانت» إننا نخطئ ~~إذا استدللنا وجود «نفس» مستندين في هذا الاستدلال إلى ~~«الوحدة» التي تنتظم فاعلية الوعي عندنا فتجعلها كيانا ~~واحدا متصلا. نعم، يخطئ الإنسان لو استند إلى مثل هذه ~~الوحدة في مجرى وعيه ليستدل وجود كائن عنصري مستقل قائم ~~بذاته اسمه «نفس»؛ لأنه عندئذ يستدل وجود عنصر بسيط من عملية ~~تركيبية لا بساطة فيها. إن الوحدة الصورية في فاعلية نشاطنا ~~الواعي ليست وحدها دليلا على ما قد يكون وراءها من جوهر قائم ~~بذاته، كل ما في وسعنا إدراكه هو ماذا يدور في مجال الوعي ~~وكيف يدور، وأما «النفس» التي هي وراء هذا النشاط، فلا حيلة ~~أمامنا للوصول إلى كنهها. إن حياتنا الواعية ليست كائنا ~~بسيطا، إنها ليست كائنا عنصريا واحدا يعرض نفسه دائما في ~~هوية واحدة، بل هنالك حالات كثيرة، أو حاضرات كثيرة، تمثل ~~في الوعي، بينها علاقات تجعل منها شعورا واحدا، لكن هل يجوز ~~لنا أن نستنتج من هذه الحاضرات النفسية الكثيرة وجود «نفس» ~~واحدة بسيطة؟ إن طريق البحث العلمي مأمونة طالما كان مجال ~~البحث هو هذه «الحاضرات» في مجري الشعور؛ لأننا عندئذ نحصر ~~أنفسنا في حدود ما هو في نطاق الملاحظة والخبرة. وليس هنالك ~~فرق جوهري بين ملاحظة تلك الحاضرات النفسية وملاحظة الظواهر ~~الطبيعية؛ ولهذا فلا فرق في حقيقة الأمر ms044 بين «علم النفس» و«علم ~~الطبيعة» من حيث مادة البحث ومنهجه، وكما أنه لا يجوز لعالم ~~الطبيعة أن يجعل «الشيء في ذاته » موضوع بحثه، فكذلك لا يجوز ~~لعالم النفس أن يجعل «النفس» - باعتبارها جوهرا بسيطا ~~مستقلا قائما بذاته وراء الحاضرات النفسية الجزئية - موضوع ~~بحثه. هكذا يقول «كانت»، وهكذا يقول التجريبيون العلميون ~~المعاصرون. # أيجوز أن نتحدث عن الكون كله دفعة واحدة؛ أي أن نتحدث عن ~~الكون باعتباره كلا واحدا؟ يجيب «كانت» بما يجيب به ~~أتباع التجريبية العلمية المعاصرة، وهو أن ذلك غير جائز؛ لأن ~~الكون باعتباره كلا واحدا لم يقع ولن يقع لنا في خبراتنا. ~~والفرق بين «كانت» وبين أنصار التجريبية العلمية هو - كما ~~أسلفنا - أن «كانت» يعلل استحالة مثل هذا الحديث بكونه ~~فوق متناول العقل النظري بمبادئه ومقولاته، وأما التجريبيون ~~العلميون فيعللون استحالة ذلك تعليلا منطقيا؛ إذ يقولون ~~إن كل عبارة تقال عن مثل هذا الموضوع يمكن للتحليل المنطقي أن ~~يبين أنها ليست بذات معنى. # غير أنك لو سمعت ما يقوله «كانت» عن النتائج التي تترتب ~~على الحديث عن الكون باعتباره كلا واحدا، لحسبته واحدا من ~~أتباع الفلسفة الوضعية المنطقية المعاصرة يتكلم ويبني كلامه ~~على أساس منطقي صرف! فاستمع إليه وهو يصف لنا «النقائض» ~~التي نتورط فيها لو جعلنا «الكون» موضوع حديثنا، فعندئذ ~~يجوز للمتكلم أن يقول قضية ونقيضها في آن معا: # فلك أن تقول عندئذ إن العالم لا بد أن تكون له بداية ~~زمنية، ولا بد أن تكون له حدود مكانية؛ لاستحالة أن يمتد ~~زمانه إلى ما لا نهاية من حيث لحظة الابتداء، أو أن يمتد مكانه ~~إلى ما لا نهاية، لكنك تستطيع في الوقت نفسه أن تقول نقيض ~~ذلك، فتقول إن العالم يستحيل أن تكون له بداية في الزمن ولا ~~حدود في المكان، وإلا فلو زعمنا له بداية زمنية للزم أن يكون ~~قد سبق هذه البداية زمن خال مما يملؤه من حوادث، أو لو زعمنا ~~له حدودا مكانية للزم أن يكون وراء هذه الحدود مكان خال ~~مما يحل فيه، ms045 وكلا الفرضين محال تصوره؛ لأن الزمن الخالي لا ~~يمكن التمييز فيه بين لحظة ولحظة، وبغير تتابع اللحظات فلا ~~زمان، ولأن المكان الخالي لا يمكن التمييز فيه بين نقطة ونقطة، ~~وبغير تحديد العلاقات بين مختلف النقط فلا مكان. # وانظر إلى «نقيضة» أخرى من هذه النقائض التي لا مندوحة ~~للإنسان عن التورط فيها إذا هو جاوز حدود خبراته؛ ذلك أنه ~~إذا ما رجع من المسبب إلى سببه، ومن هذا السبب إلى سببه، ~~وهكذا، فقد يقول إنه لا بد من الوقوف عند سبب أول لا يكون ~~بدوره مسببا لشيء سابق عليه حتى لا يظل ينتقل من ~~المسببات إلى أسبابها إلى غير نهاية معلومة؛ ومن ثم تراه ~~يزعم وجوب أن يكون للكون سبب مطلق غير مسبوق بشيء، وهو في ~~الوقت نفسه سابق لكل شيء - لكنك من الناحية الأخرى تستطيع أن ~~تقرر نقيض هذه الحقيقة فتقول إن السبب المطلق من كل قيد ~~وشرط محال تصوره، وإلا فكيف أحدث هذا السبب الأول ~~مسبباته؟ ما الذي جعل السبب الأول يحدث ما قد نشأ عنه في ~~اللحظة المعينة التي حدث عندها ما قد حدث؟ وبإلقائك سؤالا ~~كهذا تكون بمثابة من يبحث للسبب الأول عن أسباب تحدد له ~~مسلكه، وهو نقيض ما قد قررناه له بادئ ذي بدء. وهكذا يمكن ~~للإنسان أن يقول النقيضين عن الموضوع الواحد إذا هو أباح لنفسه ~~أن يجاوز حدود خبراته، وما دام «الكون» باعتباره كلا واحدا ~~خارجا عن حدود هذه الخبرات فلا يجوز للإنسان أن يتخذ منه ~~موضوعا للحديث. ومثل هذا الاعتراض كما يبديه «كانت» هو هو ~~بعينه ما يرتكز إليه الوضعيون المنطقيون في تحليلاتهم، حين ~~يرفضون العبارات الميتافيزيقية على أساس أن كان عبارة منها ~~يمكن أن تقال هي ونقيضها معا دون أن نجد في خبراتنا ما ينفي ~~أحد النقيضين ليثبت الآخر، وما هكذا يكون الكلام ذو المعنى ~~من الناحية المنطقية؛ إذ لا بد في مثل هذا الكلام أن يكون ~~الصادق هو أحد النقيضين دون الآخر. # ولعل أقرب ما يقرب «كانت» من جماعة الوضعية ms046 المنطقية هو ~~موقفه إزاء البرهان الوجودي على وجود الله؛ فمن الأسس الهامة ~~عند هذه الجماعة - كما سنبين في هذا الكتاب - أن يظل ~~المدرك العقلي بغير «معنى» حتى نجد له مسمي بين محسوساتنا ~~الفعلية أو الممكنة، وأن المدرك العقلي في ذاته لا يضمن لنا ~~أن يكون له مثل ذلك المسمى المحسوس؛ فلك إن شئت أن تكون ~~في رأسك مدركا عن «الغول» أو عن «جبل من ذهب» أو عن «جنية ~~البحر»، لكن مثل هذا المدرك العقلي لا يكون وحده دليلا على ~~أن له مدلولا في عالم الأشياء. # وهذا هو نفسه موقف «كانت» في البرهان الوجودي على وجود ~~الله، وهو البرهان الذي يستنبط وجود الله من المدرك العقلي ~~الذي نتصوره عنه، فكأنما نقول لأنفسنا: بما أننا قادرون على ~~تكوين هذه الفكرة المعينة عن الله، فلا بد أن يكون لهذه ~~الفكرة مدلولها في الخارج؛ وإذن فلا بد أن يكون الله موجودا ~~وجودا فعليا. وهنا يعترض «كانت» بحق قائلا إنه من ~~تصورنا لفكرة معينة عن شيء معين لا يجوز الاستدلال بأن ~~ذلك الشيء موجود وجودا فعليا، وحتى إن فرضنا أن الفكرة ~~التي تصورناها قد بلغت الغاية في الدقة واستكمال شتى ~~العناصر، فسيظل السؤال مع ذلك قائما: هل يوجد أو لا يوجد ذلك ~~الشيء الذي عنه تكونت الفكرة في رءوسنا؟ ذلك لأن «الوجود» ~~ليس صفة كسائر الصفات؛ فحاول - مثلا - أن ترسم في ذهنك صورة ~~لما شئت من كائنات، كأن تتصور «جبلا من ذهب»، وارسم الصورة ~~الذهنية بكل تفصيلاتها، ومع ذلك فلن يكون «الوجود» صفة تضاف ~~إلى تلك التفصيلات كأنها واحدة منها؛ بل يكون معنى «الوجود» هو ~~أن هذه الصورة الذهنية لها ما يقابلها في الخارج، فإذا لم يكن ~~لها ذلك المقابل الخارجي لم تنقص الصورة شيئا من صفاتها ولا ~~من تفصيلاتها. بعبارة أخرى، كون الصورة العقلية التي ~~تصورتها مقابلة أو غير مقابلة لشيء في الخارج لا يؤثر في ~~مضمون الصورة العقلية نقصا أو زيادة؛ فمضمونها ومحتواها هو هو ~~في كلتا الحالتين، وليس هنالك أدنى تناقض بين ms047 أن أتصور ~~كائنا معينا تصورا عقليا غاية في الدقة واستيفاء ~~العناصر والصفات، وأن أتصور أن ذلك الكائن نفسه غير موجود؛ ~~وإذن فالعقل الخالص وحده لا يستطيع أن يستنبط الوجود الفعلي ~~لكائن صوره لنفسه مدركا عقليا، ولا سبيل إلى إثبات هذا ~~الوجود الفعلي للكائن الذي تصورنا صفاته سوى الخبرة الحسية. ~~ولا يكفي أن نحلل مضمون المدرك العقلي فنجد عناصره ~~متسقة بعضها مع بعض وخالية من التناقض، لكي نزعم أنه لذلك ~~لا بد أن يكون مشيرا إلى كائن خارجي موجود. # 3 # جاء القرن التاسع عشر فجرى خلال أعوامه تياران فكريان؛ ~~تيار المثالية من جهة وتيار الوضعية من جهة أخرى؛ الأول ~~يلبي نداء القلب ويشبع الجانب العاطفي من الإنسان، ~~والثاني يحصر نفسه في حدود التجربة وحدها، بحيث لا يجاوز ~~عالم الأشياء العينية التي تدركها الحواس. ولئن كان هذان ~~التياران الفكريان - على بعد ما بينهما من تباين - يستهدفان ~~غاية واحدة، هي الكشف عن حقيقة العالم، إلا أنهما قد نبعا ~~من مصدرين متقابلين وسار كل منهما في اتجاه مضاد لاتجاه ~~الآخر؛ فتيار منهما يقصد إلى غايته هابطا من أعلى إلى أسفل، ~~وتيار آخر يقصد إلى الغاية نفسها صاعدا من أسفل إلى أعلى. أما ~~التيار المثالي فينبع من داخل الفيلسوف ومن ذاته خارجا إلى ~~عالم الأشياء، وأما التيار الوضعي فعلى عكس ذلك، يبدأ الشوط ~~من عالم الأشياء لينتهي إلى باطن الفيلسوف وذاته. الأول ينتهج ~~منهجا ذاتيا، والثاني يصطنع المنهج الموضوعي الذي يبني ~~بناءه بلبنات من حقائق الواقع. # المثالية والوضعية كلتاهما - إبان القرن التاسع عشر - ~~متفقتان على أن يكون هدف البحث هو الحقيقة القائمة، ولا حاجة ~~بهما إلى الحفر وراء هذه الحقيقة القائمة بغية الوصول إلى ما ~~هو كائن في جوفها - كما فعل «كانت» بتحليله للعقل - ولذلك ~~تراهما معا، على ما بينهما من اختلاف في المنهج والوسيلة، ~~ينصرفان إلى البحث في الطبيعة وفي التاريخ، كما تراهما معا ~~يسلمان بأن العالم تطوري سائر إلى أمام، لا سكوني ذو ~~حقائق ثابتة جامدة؛ وإذن فليس صوابا كل الصواب أن يقال ms048 عن ~~وضعية القرن التاسع عشر إنها رد فعل للحركة المثالية التي ~~سادت النصف الأول من ذلك القرن؛ لأن الحركتين قد سارتا حينا ~~جنبا إلى جنب، حتى في إنجلترا نفسها التي تنطبع فلسفتها ~~غالبا بطابع التجريبية والواقعية، ولكننا - مع ذلك - نلاحظ أن ~~التفكير الوضعي قد أسرع الخطى حين وهنت قوة التيار المثالي، ~~ولبث الأمر كذلك حتى أوشك أن يكون هو الفلسفة القائمة بلا ~~منازع. # وليس من شك في أن الفلسفة الوضعية - وهي فلسفة تبدأ سيرها ~~من الحقائق الواقعة المحسة - قد وجدت معينا في تقدم ~~العلوم الطبيعية إبان القرن التاسع عشر، تقدما حدا ~~بالإنسان أن يتساءل: أفلا يكون مصير هذا المنهج العلمي الذي ~~يتسع مداه بهذه القفزات السريعة، أن يطرد اتساع رقعته ~~حتى يشمل نواحي الفكر كلها؟ أيجوز لنا أن نجتزئ من مجال الفكر ~~جانبا لنقول إن هذا الجانب لا يخضع ولن يخضع للمنهج العلمي ~~أبد الآبدين؟ وحتى إن ثبت قطعا أن من حياة الإنسان الفكرية ~~ما ليس يخضع للمنهج العلمي، أفلم يحن الحين أن نركز ~~اهتمامنا كله في حدود ما يستطيعه العلم ومنهجه؟ أخذت هذه ~~الأسئلة وأمثالها تساور النفوس إزاء ما قد شهده الناس من ~~تقدم العلوم الطبيعية تقدما يستوقف النظر، ولعل أبرز من ~~تمثلت فيه هذه النزعة هو «أوجيست كونت» (1798-1857م)، ~~الفيلسوف الفرنسي الذي نهض ليؤدي رسالتين؛ أولاهما أن يجعل ~~من العلوم العقلية علوما وضعية، والثانية أن ينسق شتى ~~العلوم بما لها من قوانين ومناهج، وما تتناوله من موضوعات ~~للبحث، في بناء نسقي واحد، كأنما أراد أن يدل ببنائه ~~هذا على أن كل ما لا يقع في حدوده لا يكون من العلم الإنساني ~~في شيء؛ وإذن فقد مضى عصر اللاهوت وانقضى عصر الفلسفة ~~التأملية، وأصبح التفكير الوضعي من علم وفلسفة هو طريق ~~النجاة، وسيكف الناس عاجلا أو آجلا عن إرباك أنفسهم ~~بأسئلة لا تجد لها جوابا في عالم الحقائق الواقعة. # تلك نهاية علمية لا بد - في رأي «كونت» - أن ينتهي إليها ~~الإنسان نتيجة محتومة لتطوره الفكري؛ ذلك أن الفكر ~~الإنساني ms049 لا مندوحة له عن السير في مراحل ثلاث تستطيع أن ~~تراها في تاريخ أي علم شئت. على أنه كلما ازداد العلم من ~~العلوم تعقدا وتركيبا، طال الأمد الذي يحتاجه ليقطع ~~أطواره الثلاثة في مجري تاريخه؛ فكلما أمعن موضوع العلم في ~~التجريد كان أقرب إلى الوصول إلى مرحلة التحديد العلمي، وكلما ~~هبط إلى المواقف ذوات الحوادث المفصلة المعقدة المركبة ~~كان أبطأ في وصوله إلى تلك المرحلة. ولما كان علم الاجتماع - ~~عند «كونت» - هو أدنى العلوم من حيث درجة التجريد، وأقربها إلى ~~مستوى المواقف ذوات التفصيلات الجزئية، فقد آن الأوان أن ~~نبلغ به مرحلة التحديد العلمي، ولو فعلنا لتم للإنسان ~~بناؤه الفكري على الوجه الأكمل. # وأولى مراحل التطور الفكري مرحلة لاهوتية، لا يكون لدى ~~الإنسان عندها من مشاهدات عن الطبيعة إلا عدد قليل، ومن ثم ~~تراه يكمل الصورة لنفسه بخياله؛ فهو لا يجد في هذه المرحلة ~~الأولى بدا من تعليل الظواهر الطبيعية، لا بما تشهده حواسه ~~ويقع له في تجربته، بل بما يسعفه به خياله المتوقد النشيط. ~~وليس أقرب إلى الخيال في مثل هذه المرحلة من أن يفترض لكل شيء ~~ذاتا كذات الإنسان ونفسا كنفسه، فإذا نمت شجرة فهي إنما ~~نمت كما ينمو الإنسان نفسه بدافع ذاتي من باطنه، وهكذا قل ~~في النجوم إذا عبرت السماء، وفي النهر إذا تدفق، وفي المطر ~~إذا نزل؛ هكذا عمر الكون في خيال الإنسان عندئذ بالكائنات ~~الحية ذوات الأرواح والأنفس. ولم يكن في وسع الإنسان بالطبع ~~أن يغير من مجرى الأمر شيئا، وما عليه إزاء الظواهر ~~الطبيعية سوى أن يستسلم لفعلها، فلكل منها ما له هو نفسه من ~~إرادة وتصميم، والغلبة للأقوى. ولا عجب أن تسود الناس عندئذ ~~فكرة السلطة المطلقة في السياسة والحكم، انعكاسا لاعتقادهم ~~إذ ذاك في قوى مطلقة لا راد لها في حكم الطبيعة. # وتأتي بعد المرحلة اللاهوتية في تفسير الطبيعة وظواهرها ~~مرحلة ثانية ميتافيزيقية؛ فها هنا يكون التفسير لا بافتراض ~~كائن روحاني وراء الظاهرة المراد تفسيرها، بل برد الظاهرة ~~إلى مبدأ أو ms050 إلى فكرة أولى أو إلى قوة غير مشخصة في ذات؛ ~~وهنا كذلك لا يكتفي الإنسان برد كل ظاهرة على حدة إلى مبدأ ~~خاص بها، بل يحاول أن يضم شتى ظواهر الكون كله تحت مبدأ ~~واحد أو فكرة واحدة. وإذا ما بلغ الفيلسوف الميتافيزيقي مبدأ ~~واحدا يطوي تحته كل ظاهرات الوجود، كان بمثابة اللاهوتي في ~~المرحلة الأولى حين بلغ به السير نقطة الإيمان بإله واحد يعلو ~~على سائر الآلهة والقوى؛ فكلتا المرحلتين - اللاهوتية ~~والميتافيزيقية - تحاولان حل جميع المشكلات بأداة واحدة، ~~والفرق بينهما هو أن الأداة الواحدة في الحالة الأولى أداة ~~مشخصة ذات إرادة، وهي في الحالة الثانية فكرة مجردة، وأن ~~الوسيلة لبلوغ تلك الأداة الواحدة في الحالة الأولى هي الخيال، ~~وهي في الحالة الثانية حجاج منطقي يعلو من النتيجة إلى ~~مقدمتها أو يهبط من المقدمة إلى نتيجتها. # ومن رأي «كونت» أن المرحلة الميتافيزيقية من مراحل الفكر ~~الثلاث إن هي إلا مرحلة انتقال مهمتها أن تفكك أوصال ~~التفكير الروحاني الذي ساد المرحلة الأولى، تمهيدا للمرحلة ~~الوضعية العلمية التي هي نهاية الشوط؛ وذلك لأن استخدام ~~الحجة المنطقية في مرحلة التفكير الميتافيزقي من شأنه أن ~~يكشف عما كان كامنا في الأفكار الدينية من تناقض، ومن شأنه ~~كذلك أن يحل أفكارا ثابتة محل ما قد كان قائما من ~~كائنات كثيرة ذوات إرادة تتصرف إشباعا لنزوة أو هوى؛ ~~فالطبيعة في المرحلة الدينية الأولى كانت خاضعة لقوى لا راد ~~لسلطانها، ولم يكن للإنسان قدرة على تصريف شئون نفسه، أما وقد ~~جاءت المرحلة الثانية، مرحلة التفكير الميتافيزيقي، فماذا ~~تركت للناس بعد أن أزالت عنهم العقيدة في سلطان غيبي نافذ ~~الكلمة فعال الإرادة؟ إن من رأي «كونت» أن المرحلة ~~الميتافيزيقية من تاريخ البشر جاءت لتهدم مصادر قوة دون أن ~~تقيم مقامها شيئا إيجابيا يفعل فعلها؛ ولذلك ساد خلالها ~~الشك وقويت الفردية، وأوشكت أن تتمزق الروابط التي تصل الفرد ~~بجماعته. ولئن كان العقل الإنساني قد شحذ وأرهف في تلك ~~المرحلة، فذلك على حساب الشعور الذي غاض معينه بعد خصوبة ~~وفيض، ms051 وانعكست لذلك كله صورة على صفحة السياسة؛ إذ أصبح ~~السلطان في أيدي أفراد الشعب باعتبارهم أفرادا لا ينطوون ~~تحت حاكم يمحوهم في شخصه محوا؛ فإذا كانت المرحلة اللاهوتية ~~الأولى عصر الحاكم الفرد المستبد، فقد كانت المرحلة ~~الميتافيزيقية الثانية عصر الشعب، وأصبحت السيادة مستمدة من ~~تعاقد الأفراد بعضهم مع بعض بعد أن كانت مستمدة من حق ~~إلهي للأباطرة والملوك. # وثالثا وأخيرا جاءت المرحلة «الوضعية» حيث حلت مشاهدات ~~الحواس وتجارب العلماء محل خيال اللاهوتي وحجاج الفيلسوف ~~الميتافيزيقي؛ ها هنا بات حتما على من يتكلم عن الطبيعة ~~جادا أن يصل كلامه بالوقائع المحسوسة، بحيث تكون المطابقة ~~بين العبارة الكلامية من جهة والواقعة المحسوسة التي جاءت ~~العبارة لتتحدث عنها من جهة أخرى، هي علامة الصدق ومعيار ~~الصواب. وها هنا أيضا لم يعد الإنسان يبحث عن «علل أولى» ~~يرد إليها الطبيعة وما فيها، بل يبحث عن «قوانين» تصور ~~الاطراد الملحوظ في الظواهر الطبيعية؛ أي إنه يبحث عن ~~«العلاقات» الكائنة بين الظواهر الملحوظة، والتي تجعل منها ~~مجموعات من حوادث يطرد وقوعها كلما تحققت ظروف ~~معينة. ولا فرق عنده بين أن يكون موضوع البحث أفكار الإنسان ~~ومشاعره، أو قطع المادة من حيث الوزن والصلابة؛ لأنه ينظر ~~إلى كل ما يعرض له نظرة موضوعية تحاول أن ترى على أي نظام ~~يطرد حدوثه. # كان جهد الإنسان الفكري في المرحلتين الأولى والثانية ~~منصرفا إلى الكشف عن مبدأ واحد يضم تحت جناحيه كل ما في ~~الوجود على اختلاف نوع هذا المبدأ الواحد في كل من المرحلتين ~~عنه في المرحلة الأخرى؛ فهو كائن روحاني واحد مطلق في ~~المرحلة اللاهوتية الأولى، وهو مبدأ عقلي واحد مطلق في ~~المرحلة الميتافيزيقية الثانية. أما في المرحلة الوضعية ~~الثالثة والأخيرة، فما دام الاعتماد كله على الحواس وما يقع ~~لها من خبرات، فقد أصبح محالا أن يتطلب الإنسان للكون كله ~~مبدأ واحدا مهما يكن نوعه؛ لأن الخبرة الحسية التي هي ~~مرجعه تقتضي أن يكون مجال البحث دائما محصورا في دائرة ~~الحوادث التي يمكن أن تقع في مجال تلك ms052 الخبرة الحسية، ومهما ~~اتسع هذا المجال فهو محدود على كل حال، ولن يسع الكون كله؛ ~~فقصارانا أن نقف عند حدود خبراتنا، وكلما توافرت لنا مجموعة ~~من ملاحظات في نوع معين من الظواهر، أمكننا أن نبني منها ~~علما قائما بذاته، له قوانينه الخاصة، دون أن يكون في ~~مستطاعنا - هكذا يرى أوجيست كونت - أن ندمج قوانين علم في ~~قوانين علم آخر بحيث يكونان معا علما واحدا، فضلا عن أن ~~ندمج قوانين العلوم كلها على اختلافها بحيث ترتد جميعا ~~إلى قانون واحد كما كان الأمل الذي راود الإنسان في مرحلتيه ~~الأوليين. وكل ما يستطيعه الإنسان في توحيد العلوم هو أن ~~يجعل منها وحدة ذاتية؛ بمعنى أن يضم الإنسان معارفه المختلفة ~~بعضها إلى بعض داخل ذاته هو، ولا يكون معنى ذلك أن قوانين ~~الظواهر الطبيعية المختلفة قد اتحدت كلها في شيء واحد ~~موضوعي كائن خارج ذواتنا. # في هذه المرحلة الوضعية الأخيرة من مراحل التفكير الإنساني، ~~اقتربت المعرفة النظرية من تطبيقها العملي اقترابا جعلهما ~~وجهين لحقيقة واحدة، وأصبح علمنا بقانون معين من قوانين ~~الظواهر الطبيعية معناه أن في مستطاعنا أن نتحكم في مصيرنا ~~بالنسبة إلى الظاهرة الطبيعية التي هي موضوع ذلك القانون؛ إننا ~~اليوم نعلم من الطبيعة ما نعلمه لا لنقف عند هذا الحد، بل ~~لنتسلف العلم بما عساه أن يقع في المستقبل. وأمل الإنسان ~~في هذه المرحلة العلمية من حياته الفكرية هو أن يمد من نطاق ~~علمه هذا بحيث يشمل الإنسان فردا ومجتمعا إلى جانب الظواهر ~~الطبيعية الخارجية، وعندئذ يصبح مصيره ومصير الطبيعة في ~~يديه. # تلك هي «وضعية» أوجيست كونت التي مدت أطرافها حتى بلغت ~~إنجلترا، حيث ترعرعت على أيدي «جون ستيوارت مل» و«هربرت ~~سبنسر»، وهي وضعية قوامها - كما رأيت - جوانب ثلاثة؛ فجانبها ~~الأول المميز هو نظرتها التاريخية عند تقديرها لقيمة الفكرة؛ ~~فالفكرة المعينة في العصر اللاهوتي قد تكون صالحة في ~~مرحلتها، لكنها لا تعود صالحة في المرحلتين التاليتين، والفكرة ~~المعينة في العصر الميتافيزيقي لم تكن لتصلح في المرحلة ~~اللاهوتية الأولى ولن تكون صالحة ms053 في المرحلة العلمية الثالثة ~~وهكذا. وجانبها الثاني هو حصر المعرفة النافعة في حدود الخبرات ~~التجريبية، وكل علم لنا اليوم عما يجاوز تلك الحدود قد يكون ~~خطأ أو صوابا، ولكنه على كل حال علم لا يفيد. وجانبها الثالث ~~هو تقريبها بين الفكرة النظرية وتطبيقها العملي؛ فليس علما ما ~~ليس يمكن استخدامه في التحكم في مجرى الطبيعة ومصير ~~الإنسان. # ويسود عصرنا الراهن - منتصف القرن العشرين - فلسفة وضعية ~~جديدة لا تمت إلى وضعية كونت إلا بصلة واحدة، وهي أن ~~كلتيهما ترتكزان على الخبرة الحسية وحدها إذا ما كان المجال ~~مجال حديث عن الطبيعة وما فيها، ثم تفترق الحركتان بعد ذلك ~~افتراقا بعيدا. على الرغم مما يخيل للذين يأخذون الدراسات ~~الفلسفية أخذ المستهتر من أنه ما دامت كلمة «الوضعية» ~~مشتركة فلا بد أن يكون الاتجاه واحدا بكل حذافيره، # 5 # فالحركة الفلسفية الراهنة تضيف إلى كلمة «وضعية» ~~كلمة أخرى هي «منطقية»، بحيث تجعل اسمها «وضعية منطقية» لا ~~على سبيل اللهو والعبث، بل عن قصد ودراية؛ فلو سأل سائل: لماذا ~~يجب الكف عن النظر إلى ما وراء الحس؟ كان جواب «أوجيست كونت» ~~هو: لأنه لا يفيد. أما جوابنا نحن فهو: لأن الكلام عندئذ ~~سيخلو من المعنى. فالمذهب الوضعي عند «كونت» يجعل للعبارات ~~المتحدثة عما وراء عالم الحس معني، وغاية ما في الأمر هي أن ~~معناها لا يفيدنا في حياتنا العملية شيئا، وأما نحن فنرفض تلك ~~العبارات على أساس «منطقي» لا على أساس النفع وعدمه؛ إذ ~~يبين لنا التحليل المنطقي لتلك العبارات أنها أشباه عبارات ~~تخدع بتركيبها النحوي السليم، لكنها في حقيقة أمرها لا ~~تؤدي مهمة الكلام، وهي الإخبار؛ لأنها لا تحمل معني على ~~الإطلاق تخبر به. # وكذلك لا تنظر «الوضعية المنطقية» إلى الأفكار نظرة تاريخية ~~كما فعل «كونت»؛ فليست الفكرة عندها معتمدة على ظروفها ~~التاريخية، بحيث تصلح اليوم بعد أن لم تكن صالحة بالأمس، بل ~~الأمر موكول كله إلى تحليل اللفظ الدال على الفكرة تحليلا ~~منطقيا لا يعرف فوارق الزمن؛ فلا مانع - مثلا - من تناول ~~فكرة ms054 ميتافيزيقية من فلسفة أفلاطون، كقوله بخلود الروح، وتحليل ~~لفظها تحليلا ينتهي إلى أنه لفظ فارغ بغير معني، مهما يكن من ~~صلاحية مثل هذا القول في زمنه. # 4 # كان «هيوم» بفلسفته التجريبية، و«ليبنتز» بمنطقه الذي ~~يفرق به بين حقائق العقل وحقائق الواقع، و«كانت» بتحليله ~~للعقل وقوله باستحالة الميتافيزيقا التي تستنبط من مبدأ ~~أول، و«كونت» بمذهبه الوضعي، كان هؤلاء جميعا من الرواد ~~الذين مهدوا الطريق، كل من جانبه، لكي ينتهي إلى ما ~~انتهى إليه في القرن العشرين من حركة فلسفية عرفت أول ما ~~عرفت باسم «الوضعية المنطقية» تمييزا لها من «وضعية» ~~كونت وغيره، وإنما سميت بهذا الاسم لأنها ترفض ما ترفضه ~~وتقبل ما تقبله على أساس «المنطق» وحده؛ أي على أساس تحليل ~~العبارات والألفاظ تحليلا يبين حقيقة بنائها. ولا يزال ~~فريق من أتباع هذه الحركة الفلسفية يحتفظون لها باسمها الأول، ~~لكن فريقا آخر أخذ يطلق عليها اسم «التجريبية العلمية» ~~وما يدور حول هذا المعنى من أسماء، ولن أستطرد الآن في الحديث ~~عن هذه «الوضعية» الجديدة؛ لأن مكان الحديث عنها تفصيلا هو ~~الفصل التالي من هذا الكتاب. # ولكن «الوضعية المنطقية» إن تكن قد وجدت في هؤلاء الرواد ~~مقدمات لها من حيث وجهة النظر العامة، إلا أنها قد اعتمدت في ~~طرائقها التحليلية الخاصة على فريق آخر من علماء الرياضة ورجال ~~المنطق؛ فهؤلاء هم الذين أمدوها بالأدوات التي تستخدمها في ~~تحليلها الذي تريده لعبارات اللغة وألفاظها، تحليلا انتهى بها ~~إلى مجموعة النتائج التي انتهت إليها حتى اليوم، وما تزال ~~ماضية في طريقها تحلل وتحلل، فتوضح الغامض وتحل ~~المتشابك وتلقي الضوء على الزوايا المعتمة، وهي أثناء ذلك ~~كله لا تظل جامدة على أدوات تحليلية بعينها، بل ما تنفك ~~تشحذ من تلك الأدوات وتصلح منها بحيث تلائم ما قد يعترض ~~طريقها من صعاب. # فقد حدث حول منتصف القرن الماضي أن بدأت حركتان تسيران في ~~اتجاهين متضادين، ولكن كلا منهما - مع ذلك - كانت تنفع ~~الأخرى؛ فمن جهة أراد بعض علماء الرياضة أن يقفوا وقفة طويلة ~~عند أساس علمهم ms055 الرياضي - وهو العدد - لعلهم مستطيعون أن ~~يردوه إلى أصوله الأولية؛ ذلك أن فكرة أي عدد من سلسلة ~~الأعداد فكرة مركبة وليست هي بالفكرة البسيطة؛ وإذن فعلينا ~~أن نسأل: من أي العناصر البسيطة ركب العدد؟ وطفق علماء ~~الرياضة يحللون العدد الذي هو أساس علمهم الرياضي كما قلنا، ~~وما زالوا به تحليلا وردا إلى أصوله الأولية حتى انتهوا به ~~إلى جذوره في المدركات المنطقية الخالصة. ومن جهة أخرى كان ~~بعض المناطقة قد لفت أنظارهم قصور المنطق الأرسطي؛ ذلك المنطق ~~الذي أدار اهتمامه كله على نوع واحد من القضايا، ألا وهو ~~القضية التي يكون قوامها موصوفا وصفته، أو موضوعا ومحموله ~~كما قد جرى الاصطلاح المنطقي، مع أن هنالك من الوحدات الفكرية ~~ما يستحيل أن يصب في هذا القالب - قالب الموضوع والمحمول - ~~لأنه تعبير عن علاقات وليس تعبيرا عن أشياء موصوفة بصفات، ~~وفي مقدمة الصور الفكرية التي تعبر عن علاقات، والتي تأبى ~~لهذا السبب أن تنساق مع المنطق الأرسطي، القضايا الرياضية؛ ~~وإذن فالمنطق الأرسطي بحاجة إلى مراجعة وإلى زيادة في دقة ~~التحليل لكي يتسع فيسع صور التفكير المختلفة، سواء كان ~~ذلك التفكير قائما على «أشياء» أو على «علاقات»، ومن هنا أخذ ~~المناطقة المحدثون يعملون في طريق يبدأ من المدركات ~~المنطقية الخالصة، مثل «إما ... أو ...» و«و» و«ليس» و«إذا ... إذن ~~...» و«كل» و«بعض» ... إلخ، أقول إن المناطقة المحدثين أخذوا ~~يعملون في طريق يبدأ من هذه المدركات لينتهي إلى القضايا ~~الرياضية، كما كان زملاؤهم علماء الرياضة يعملون في طريق ~~مضادة بادئين بالقضايا الرياضية لينتهوا إلى مدركات منطقية ~~خالصة؛ وبهذا التقى الفريقان عند هدف واحد، وهو أن المنطق ~~والرياضة كليهما امتداد لبناء فكري واحد، قوامه القضايا ~~التحليلية التي يستنبط بعضها من بعض دون أن تكون دالة على ~~حقائق الوجود الطبيعي. # كان هذان الفريقان؛ علماء الرياضة من جهة، وعلماء المنطق من ~~جهة أخرى، فيما قاما به من تحليلات كل في موضوعه، بحيث ~~التقيا عند غاية واحدة، بمثابة من هيأ للتحليل أدواته، ~~فجاءت الجماعة التي أطلقت على نفسها اسم «الوضعيين المنطقيين» ms056 ~~واستغلت تلك الأدوات التحليلية استغلالا أخذ يتشعب ~~ويتفرع، وما يزال إلى يومنا هذا ماضيا في سبيله ، حتى نتج ~~لنا ما قد نتج من تحليلات تملأ الكتب والمجلات الفلسفية ~~المعاصرة، وسنسوق لك مثلا لكل من هذين الفريقين رجلا كان ~~في فريقه إماما؛ إذ نسوق «فريجه» مثلا لفريق الرياضيين الذين ~~عنوا بتحليل المدركات الرياضية حتى ردوها إلى أصول من ~~المنطق الخالص، و«رسل» مثلا لفريق المناطقة الذين عنوا ~~بتحليل المدركات المنطقية حتى أظهروا علاقتها المباشرة ~~بالعلوم الرياضية. # كان «جوتلوب فريجه» # 6 ~~(1848-1925م) أستاذا للرياضة في جامعة بينا، وقد ~~أصدر عام 1879م كتابا صغيرا جعل عنوانه «ترقيم الأفكار»، # 7 # وأراد به أن يكون محاولة أولى لتحقيق أمل كان ~~يتمناه «ليبنتز» من قبله، وهو أن يستطيع الإنسان يوما أن ~~يكتب أفكاره المجردة بلغة الرياضة، بحيث إذا ما اختلف ~~متجادلان على أمر كان الفيصل بينهما هو شيء أشبه بالحساب ~~الرياضي منه بالنقاش والجدل. # ويقع هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء؛ في أولها شرح لعلاقات رمزية ~~جديدة يقترحها «فريجه» لتكون أداة لصياغة الأفكار التي يراد ~~لها الدقة التامة، كما تكون أداة كذلك لاستنباط نتيجة من ~~مقدمتها استنباطا لا يترك فجوة شاغرة؛ لأننا إذا أردنا أن ~~نبين أن علم الحساب في الرياضة هو امتداد لمدركات منطقية، ~~تحتم علينا أن نستنبط قضايا لا نشك في أنها من علم الحساب، ~~من مقدمات لا نشك في أنها من علم المنطق، ثم لا بد أن يتم ~~الانتقال من المقدمات التي هي من المنطق إلى النتائج التي هي ~~من علم الحساب دون أن يتسلل إلى مجرى الاستنباط شيء نضيفه من ~~معارفنا التي حصلناها بالخبرة، فلا هي من مدركات المنطق ولا ~~هي مما يتولد عن تلك المدركات من نتائج. # إن مدركات المنطق الخالص لا تحتوي على مضمونات خبرية، ~~وأي مضمون خبري تراه في «إذا» أو «ليس» مثلا؟ وإذن فلا بد ~~لنا عند اشتقاق الرياضة من أمثال هذه الإطارات الخالية أن نكون ~~على حذر حتى لا ندخل في إحدى مراحل الطريق كلمة من ذوات ~~المضمون الخبري؛ ms057 لأننا لو فعلنا ذلك، ثم مضينا في طريقنا ~~الاستنباطي حتي بلغنا نتيجة ما، فعندئذ لن يكون من حقنا أن ~~نقول عن تلك النتيجة التي بلغناها إنها مشتقة من مدركات ~~المنطق الخالص؛ إذ قد تكون نتيجة لذلك المضمون الخبري الذي ~~دسسناه خلال الطريق. # وقد استخدم «فريجه» في بنائه الرمزي الاستنباطي الذي استهدف ~~به - كما أسلفنا - بيان الصلة الوثيقة بين الرياضة والمنطق، ~~أربع أدوات أساسية فقط، هي: ~~(1) # علامتان رمزيتان تقومان مقام الكلمتين ~~المنطقيتين «ليس» و«إذا». ~~(2) # طائفة من الحروف الهجائية يستخدمها على نحو ما ~~يستخدم الرياضي هذه الحروف في معادلاته؛ حتى لا ~~يضطر إلى كلمات اللغة ذوات المدلول، كأن يكتب ~~مثلا عبارة كهذه «س متضمنة في ص»، وبالطبع لا ~~تكون أمثال هذه العبارة الرمزية ذات الفجوات ~~الشاغرة «قضية»؛ لأنها لا توصف بصدق أو بكذب، ~~وشرط «القضية» أن يجوز عليها مثل هذا الوصف، وقد ~~اصطلح على تسمية عبارة رمزية كهذه بدالة قضية. # 8 ~~(3) # فإذا ملئت الفجوات الشاغرة في «دالة ~~القضية» بكلمات مناسبة، كأن نقول في العبارة ~~الرمزية السالفة «فئة المصريين متضمنة في فئة ~~المتكلمين بالعربية»، تحولت الدالة إلى قضية ~~يمكن تحقيقها صدقا أو كذبا. ~~(4) # علامة رمزية تدل على المعنى الذي نعبر عنه في ~~اللغة بكلمة «كل». # هذا هو الجهاز البسيط الذي أعده «فريجه» لتحليله، ولعل أهم ~~ما فيه هو هذه التفرقة التي أقامها بين العبارة إذا اقتصرت على ~~رموز جبرية، والعبارة نفسها إذا استبدل بتلك الرموز الجبرية ~~ألفاظ من اللغة؛ أي التفرقة بين ما نسميه اليوم ب «دالة ~~القضية» وما نسميه ب «القضية»؛ ففي هذه التفرقة التي قد ~~تبدو للقارئ هينة الخطر ثورة فكرية ستلمس مداها في غضون هذا ~~الكتاب، بل لعلها من أعظم النتائج التي وصلت إليها التحليلات ~~المنطقية الحديثة فقلبت كثيرا من الأوضاع القديمة رأسا على ~~عقب. # تلك خلاصة للجزء الأول من كتاب «فريجه» الذي أشرنا إليه، ثم ~~يمضي الكتاب في جزئه الثاني فيقدم مجموعة كاملة من القواعد ~~المنطقية والبديهيات، تكفي للبرهنة على كل ما يتصل بدالات ~~القضايا - أي العبارات ذوات الرموز ms058 الجبرية - وفي الجزء ~~الثالث من الكتاب يبين «فريجه» على سبيل التوضيح كيف يمكن ~~استخدام جهازه الرمزي في صياغة أهم الأفكار المتصلة بالأعداد ~~وترتيبها. # وكان الأمل يحدوه أن ينتقل بعد ذلك إلى الغاية ~~الرئيسية المنشودة من مجهوده كله، وهي أن يفصل القول في ~~كيفية اشتقاق الرياضة من تلك البدايات المنطقية، لكن رجاءه ~~خاب؛ لأن أحدا لم يعر أجزاءه الثلاثة الماضية لفتة ولو ~~عابرة؛ فآثر «فريجه» أن يترك العمل عند هذا الحد الذي انتهى ~~إليه، وأن يحاول تقديم أفكاره الرئيسية في صورة أخرى تكون أقرب ~~إلى قبول القراء؛ فلعل هؤلاء القراء ازوروا عن كتابه بسبب ~~التزامه للطريقة الفنية الدقيقة في التعبير؛ ومن ثم أخرج ~~كتابا آخر (1884م) عنوانه «أسس علم الحساب»، # 9 # يبين فيه بطريقة أسهل كيف أن هذا العلم الرياضي ~~لا يحتاج أبدا إلى شيء غير ما يسبق التسليم به في مجال المنطق ~~الخالص. # ولم يكن علماء الرياضة عندئذ يوافقون على رأي كهذا؛ فمن ~~ذا الذي كان يظن منهم أن عددا مثل «2» أو «3» أو غيرهما هو في ~~الحقيقة بغير مدلول في عالم الأشياء؛ لأنه ما دام نتيجة ~~مشتقة من مدركات المنطق الخالص - ومدركات المنطق الخالص ~~خالية من أي مضمون خبري متصل بعالم الواقع الطبيعي - فلا ~~بد أن يكون بدوره - كهذه المدركات التي اشتق منها - رمزا ~~تحليليا صرفا بغير مضمون من الخبرة المستمدة من عالم ~~الأشياء؟ # كلا، لم يكن الرأي الذي ساقه «فريجه» عن علم الحساب وأصوله ~~مما يأخذ به أحد من علماء الرياضة عندئذ؛ فقد كان من هؤلاء ~~من يعد رموز الحساب (الأعداد) كألفاظ اللغة، رموزا يتفق ~~الناس على طريقة استخدامها لتدل على مسميات خاصة، لكن هذا هو ~~«فريجه» يخضع الأمر لتحليله فيخرج بهذه النتيجة، وهي أن ~~الرمز الدال على عدد ما، مثل «2»، إن هو إلا رمز ندل به ~~على مجموع الفئات التي قوام كل منها عضوان، والتي يرتبط ~~كل منها بالفئة المعدودة بعلاقة «واحد بواحد»، فلماذا نقول ~~عن هذين الكتابين إنهما «اثنان»؟ نقول ذلك لأننا لو قرناهما ~~بهذين القلمين أو ms059 هذين المقعدين أو هذين الولدين وجدنا أن كل ~~عضو منهما يقابل عضوا، وهذه المقابلة التي تسمى «علاقة ~~واحد بواحد» هي معنى «التشابه» بين فئتين؛ وعلى ذلك فلو جمعنا ~~كل فئات الأشياء التي تتشابه معا بعلاقة واحد بواحد، ثم إذا ~~أطلقنا عليها رمز «2»، لم يكن لهذا الرمز من معنى سوى تلك ~~الفئات المتشابهة المجتمعة. # 10 # والذي يهمنا نحن من هذا كله أن فكرة العدد مشتقة من ~~فكرة «الفئة» أو «النوع»، وهذه الأخيرة فكرة خالصة للمنطق ~~وحده. ومضى «فريجه» بعدئذ في طريقه لا ينثني، حتى أخرج سنة ~~1893م الجزء الأول من مؤلف ضخم اعتزم إصداره بعنوان ~~«القوانين الأساسية في علم الحساب»، والغرض منه هو نفسه الغرض ~~من كتبه السابقة، وهو بيان العلاقة الوثيقة بين علم الحساب من ~~جهة والمنطق الخالص من جهة أخرى. ومن أهم ما يلفت النظر في هذا ~~الجزء بحثه الدقيق في «المعنى»، فماذا نريد على وجه الدقة حين ~~نقول عن رمز معين أو لفظ معين إنه «يعني» كذا وكذا؟ وما ~~علاقة هذا «المعنى» بالمسميات التي يشير إليها ذلك الرمز أو ~~اللفظ؟ # وفي 1903م أصدر الجزء الثاني من مؤلفه هذا، وجاء في ختامه ~~«حاشية» ألحقها به بعد أن تم طبع الكتاب، قال فيها وهو آسف إن ~~شابا إنجليزيا اسمه «برتراند رسل» قد اتصل به وبين له ~~مواضع التناقض في بنائه الرمزي الذي هو العمود الفقري لبحثه ~~كله. # ذلك أن «برتراند رسل» كان قد أخذ ينغمس في تحليلاته وأبحاثه ~~المنطقية انغماسا بلغ ذروته في كتابه «أصول الرياضة» (برنكبيا ~~ماثماتكا)، الذي أخرجه في ثلاثة مجلدات ضخمة بالاشتراك مع ~~«وايتهد» (1910-1913م)، فجاء عمله هذا بمثابة المنهج التحليلي ~~الذي اصطنعته جماعة الوضعية المنطقية فيما بعد، فانتهى بهم إلى ~~ما انتهوا إليه من نتائج سنشرحها في الفصول الآتية من ~~الكتاب. # والغاية التي ابتغاها «رسل» من كتابه هذا هي أن يستنبط ~~المنطق كله والرياضة البحتة كلها من مقدمات قليلة يكون طابعها ~~منطقيا صرفا. وإنما تكون المقدمة منطقية خالصة إذا توافر ~~منها أولا أن تكون صادقة صدقا ms060 مطلقا غير مشروط بحالة ~~معينة من حالات العالم الخارجي، وأن تكون ثانيا غير مشتملة ~~على أية كلمة من ذوات المعنى الثابت فيما عدا الكلمات ~~المنطقية ، والكلمات المنطقية هي هذه: «كل» «ليس» «أو» «و» «إما ~~... أو ...» «يستلزم»، وما إليها من ألفاظ من شأنها أن تبني للعبارة ~~إطارها أو تحدد لها صورتها دون أن يكون لها مضمون من معنى ~~خاص مشير إلى أشياء الطبيعة وكائناتها. # أراد «رسل» إذن - كما أراد من قبله «فريجه» - أن يتعقب ~~قضايا الرياضة البحتة وقضايا المنطق الخالص صاعدا بها إلى ~~أصولها الأولية القليلة العدد، والتي يكون قوامها منطقيا ~~صرفا، ولكن تلك الأصول الأولية لا بد أن تصاغ في كلمات ~~اللغة على كل حال؛ وإذن فلا بد أن تكون بداية البناء ألفاظا ~~نقبلها بغير تعريف، وهي ما يسميه «رسل» باللامعرفات، لا ~~لأنها مستحيلة التعريف بألفاظ غيرها، بل لأننا نريد أن نبدأ ~~بهذه الكلمات أو بغيرها لنخطو بعدئذ في شوطنا الاستنباطي؛ ~~حتي نرى هل يتكامل لنا بناء المنطق والرياضة بهذه الخطوات أو ~~لا يتكامل. # والكلمات التي يبدأ بها «رسل» بغير أن يحاول تعريفها، والتي ~~منها سيستخرج المنطق كله والرياضة كلها، عددها ثلاثة، هي: ~~«الإثبات» و«النفي» و«البدائل». ويرمز لها برموز خاصة حتى ~~يستغني عن كلمات اللغة المتداولة؛ فرمز القضايا المثبتة هو ~~«ق، ك، ل ... إلخ»، ورمز النفي (الذي هو في اللغة الجارية كلمة ~~«ليس») هو هذه العلامة « ~~» توضع أمام ما يريد أن ينفيه، ورمز ~~البدائل (الذي هو في اللغة الجارية كلمة «أو») هو هذه العلامة « ~~» توضع بين البديلين، بحيث إذا قيل مثلا ~~«س # ص» كان معناها باللغة الجارية: إما «س» أو ~~«ص». # وتستطيع من هذه الرموز الثلاثة وحدها أن تعبر عن بقية ~~المصطلحات المنطقية كلها؛ لأن هذه المصطلحات يمكن ردها أو ~~ترجمتها أو تحليلها إلى واحد أو أكثر من تلك اللامعرفات ~~الثلاثة؛ فمثلا: # إذا أردنا أن نضيف بواو العطف قضية إلى قضية، كقولنا «ق ~~(و) ك» - أو باللغة الرمزية التي استخدمها رسل جريا على عرف ~~الرياضيين في الرموز «ق # ك» - أمكننا ms061 أن نحولها إلى النفي ~~والبدائل معا، فتصبح ~~( # ق # ك)؛ أي إن إضافة «ق» إلى «ك» بواو العطف ~~متعادلة مع قولنا إنه ليس من الصواب أن يقال عن القضيتين ق، ك ~~إنه إما لا - ق أو لا - ك. # وكذلك إذا أردنا أن نقول عن قضيتين إن إحداهما تستلزم ~~الأخرى، وهذا القول باللغة الرمزية التي استخدمها رسل يكون ~~هكذا «ق # ك» أمكننا أن نترجم هذه الصيغة إلى صيغة ~~أخرى تستغني عن كلمة «تستلزم» وتستعمل النفي والبدائل فقط، ~~فتكون: # ق # ك = # ق # ك. # أي إن قولنا إن ق تستلزم ك مساو لقولنا إنه إما أن تكون ق ~~باطلة أو أن تكون ك صادقة. # وهكذا يبين رسل أن جميع الثوابت المنطقية يمكن ردها إلى ~~اللامعرفات الثلاثة التي ذكرناها، ثم يبني من هذه ~~اللامعرفات مجموعة قليلة من بديهات، ثم يستخرج من هذه ~~البديهات نتائجها التي تلزم عنها، ومن هذه النتائج نتائجها، ~~حتى يتكامل له المنطق الصوري كله فالرياضة البحتة كلها؛ لأن ~~الرياضة البحتة استمرار للمنطق الخالص. # وليس هنا موضع التفصيل فيما قد استحدثه رسل خلال تحليلاته ~~المنطقية، مما يكفي أن يجعل منه بناء منطقيا جديدا يعارض ~~المنطق الأرسطي أو يكاد، ونخص بالذكر من هذه المستحدثات ~~نظرياته في الفئات وفي الأنماط وفي التعريف وفي الاستنباط، مما ~~قد عرضنا بعضه في مؤلفات أخرى، # 11 # وما سنعرض له في مواضع متفرقة من هذا ~~الكتاب. # على أن كتاب «أصول الرياضة» هذا وإن يكن قد ألقى الضوء ~~الشديد على طبيعة المنطق والرياضة معا، فسرعان ما تبين ~~علماء المنطق وعلماء الرياضة مواضع النقص فيه وهموا ~~بإصلاحها، ومن أهم من تصدى لذلك تلميذ لبرتراند رسل، هو ~~«لدفج وتجنشتين» الذي أدرك في تحليلات أستاذه أنها مبتورة ~~الصلة بالخبرة الواقعية، كأنما رموزه الصورية في واد ~~والخبرة الفعلية في واد آخر، فأراد أن يصل الطرفين برابطة ~~توضح قيمة المنطق من الناحية التطبيقية دون أن تنقص من صدق ~~قضاياه صدقا مطلقا غير مشروط بالحالات الجزئية الواقعة في ~~لحظات الزمان ونقاط المكان، فاقتضاه هذا أن يبحث في ms062 طبيعة ~~القضايا بصفة عامة وطبيعة قضايا المنطق بصفة خاصة، وعرض ~~نتائج بحثه هذا في رسالته المعروفة باسم «رسالة منطقية فلسفية»، # 12 # والتي كان من أهم النتائج التي عرضتها نقدها ~~للعبارات الميتافيزيقية؛ إذ بينت أن أمثال هذه العبارات إن ~~هي إلا نتيجة لخطأ في فهم منطق اللغة؛ فكان هذا الرأي بمثابة ~~الحافز المباشر لتكوين جماعة فلسفية في فيينا، فجاء تكوينها ~~فاتحة لمرحلة جديدة في الفلسفة التحليلية المعاصرة، هي التي ~~عرفت فلسفتها أول ما عرفت باسم «الوضعية المنطقية»؛ فما ~~هي جماعة فيينا؟ وما منحاها في النظر والبحث؟ # الفصل الثالث # | جماعة فيينا # 1 # جرى العرف في جامعة فيينا أن تسند أستاذية الفلسفة بها ~~إلى رجل من رجال العلوم الطبيعية به ميل إلى فلسفة هذه ~~العلوم، وإنه لعرف يرتد إلى سنة 1895م؛ إذ أسندت ~~أستاذية الفلسفة عندئذ إلى إرنست ماخ # 1 # الذي لبث في منصبه ذاك حتى سنة 1901م، ومنذ ذلك ~~التاريخ والتقليد قائم في جامعة فيينا ألا يتولى ذلك ~~المنصب إلا من هو من قبيل ماخ في العلوم الطبيعية وفلسفتها، ~~حتى كان عام 1922م، فشغل منصب أستاذية الفلسفة مورتس شليك # 2 # الذي انتهى إلى الفلسفة عن طريق دراسته للعلوم ~~الطبيعية - شأنه في ذلك شأن أسلافه - وحسبنا أن نعرف عنه أن ~~أستاذه في رسالته التي تقدم بها ليظفر بإجازة الدكتوراه هو ~~عالم الطبيعة الذائع الصيت «بلانك»، # 3 # وأن موضوع تلك الرسالة هو انعكاس الضوء في وسط ~~غير متجانس، وأنه في عام 1917م أصدر مؤلفا في المكان والزمان ~~في علم الطبيعة الحديث، فكان بهذا الكتاب أول شارح لنظرية ~~النسبية من وجهة النظر الفلسفية. وكانت تربطه الصلات الوثيقة ~~بأعلام العلوم الطبيعية من أمثال «أينشتين» و«هلبرت» و«بلانك». ~~ولئن كان مورتس شليك قد أشبه أسلافه من أساتذة الفلسفة في ~~جامعة فيينا في أنه في حقيقة أمره من علماء الطبيعة، فهو ~~متميز دونهم بدرايته التامة وإلمامه الشامل بالفلسفة؛ فهو ~~لا يتحدث فيها حديث الهواة الملمين بأطرافها دون أن ~~يوغلوا في قلبها وصميمها، بل يتحدث حديث من عرفها معرفة ~~الخبير. ms063 # ولم يلبث «شليك»، وهو في منصب أستاذية الفلسفة في فيينا، أن ~~التفت حوله جماعة قوامها طائفة من طلابه وفريق من رجال ~~الفكر العلمي الذين يميلون إلى الاتجاه الفلسفي في طريقة ~~تفكيرهم ، فكان بين هؤلاء وأولئك رجال لمعت أسماؤهم في مجال ~~التحليل الفلسفي المعاصر، أمثال «وايزمان» # 4 # و«نوراث» # 5 # و«فايجل» # 6 # و«كرافت» # 7 # و«كاوفمان» # 8 # و«كارناب» # 9 # و«جودل» # 10 # وغيرهم، وكان «وتجنشتين» # 11 # على صلة بهذه الجماعة وإن لم يحضر ~~اجتماعاتها. # كانت هذه الجماعة من المشتغلين بالعلم الطبيعي وبالرياضة من ~~جانبهما الفلسفي، تجتمع آنا بعد آن لتدير بينها نقاشا في ~~تحليل هذه اللفظة أو هذه العبارة مما يرد في علوم الطبيعة ~~والرياضة وتكون له أهمية خاصة في تلك العلوم. وكان هذا النقاش ~~بينهم إنما يدور بين زملاء أوشكوا جميعا أن تتساوى أقدارهم في ~~المنزلة العلمية؛ ولذلك لم يكونوا «مدرسة» فلسفية بالمعنى ~~التقليدي لهذه الكلمة، وهو أن يكون هناك أستاذ نابغ مرموق ~~المكانة وحوله التلاميذ والأتباع. نعم كان «شليك» هو محور ~~الجماعة باعتباره أستاذا للفلسفة، لكنه مع ذلك لم يكن فيهم هو ~~القمة الشامخة التي تعلو وحدها، بل الأعضاء كلهم لاعبون ~~يتناولون الكرة واحدا بعد واحد؛ ولذلك كان الأدنى إلى الصواب ~~أن يسمى نشاطهم الفكري «حركة» فلسفية لا «مدرسة» لكي ينطبق ~~الوصف على الموصوف؛ فهي «حركة» فلسفية أكثر منها مدرسة فلسفية ~~لهذا التقارب الشديد بين رءوس أعضائها، فضلا عما كان بين ~~هؤلاء الأعضاء من اختلاف بعيد في اهتماماتهم العلمية الأخرى، ~~وحتى حين يلتقون عند نقطة يشتركون فيها باهتمامهم جميعا، فهم ~~يختلفون في وجهات أنظارهم إليها، حتى لينصرفوا ولكل منهم ~~رأي في الموضوع المطروح للبحث يختلف عن آراء سائر الزملاء. # 12 # كان تكوين جماعة فيينا - كما ترى - أقرب إلى «العلماء» ~~يتعاونون على حل مشكلة بعينها، منهم إلى مدرسة من الأتباع ~~والمريدين يلتفون حول إمام. وقد عمل هذا التعاون الإيجابي ~~بين الأعضاء على ازدياد المحصول ازديادا سريعا؛ إذ أخذت ~~مراجعاتهم بعضهم لبعض وتصويبهم لآرائهم يثبت من خطاهم؛ ~~فاستطاعوا بذلك أن ينتهوا إلى نتائج ممحصة ms064 محققة، ~~حتى إذا ما كان عام 1930م أصدرت «الجماعة» مجلة فلسفية تعرض ~~أفكار أعضائها، وتولاها بالإشراف اثنان من هؤلاء الأعضاء، ~~هما «كارناب» و«رايشنباخ»، # 13 # فضلا عما جعل الأعضاء يصدرونه من كتب ~~ورسائل، فذاع أمرهم واتسعت شهرتهم، بحيث استطاعوا أن يعقدوا ~~مؤتمرا في مدينة كينجزبرج في سبتمبر من عام 1930م، جعلوا ~~موضوعه نظرية المعرفة منظورا إليها من زاوية العلوم المضبوطة ~~(كعلم الطبيعة)، وتعاون معهم في هذا المؤتمر لفيف كبير من ~~أعلام العلماء في الطبيعة والرياضة، جاءوا من شتى أنحاء ~~أوروبا، ثم عقدوا في سبتمبر من عام 1935م مؤتمرا آخر بباريس، ~~استهله برتراند رسل بكلمة الافتتاح. # وتوالت بعدئذ مؤتمراتهم، واتسعت دائرتهم، حتى نشبت الحرب ~~سنة 1939م فتشتت أفراد هذه الجماعة هنا وهناك؛ فذهب «فايجل» ~~و«كارناب» و«رايشنباخ» إلى الولايات المتحدة، حيث أسندت ~~إليهم مناصب الأستاذية في أكبر جامعاتها، وذهب «وايزمان» ~~و«نوراث» إلى إنجلترا، وأصبحا هناك قطبين في عالم الدراسة ~~الفلسفية، أضف إلى هذا كله ما أصيبت به «الجماعة» قبل ذلك ~~بقليل (عام 1936م) من فقد رئيسها «مورتس شليك» حين رماه ~~طالب مأفون من جامعة فيينا برصاصة أردته قتيلا ~~لساعته. # لم تعد «جماعة فيينا» قائمة في فيينا، بل تناثر أفرادها، ~~فاتسع بذلك نطاقها، وخصوصا في الولايات المتحدة وفي ~~إنجلترا؛ ففي الأولى كانت الأرض ممهدة لها لما كان يقوم ~~به بعض رجال الفلسفة هناك من مجهود شبيه بمجهودها، تراه ~~متمثلا في مجلة «فلسفة العلوم» مثلا؛ وفي الثانية كان ~~«برتراند رسل» و«جورج مور» و«سوزان ستبنج» و«آير» وغيرهم قد ~~اتجهوا بقوة نحو فلسفة تحليلية هي من فلسفة جماعة فيينا بمثابة ~~الجذور التي منها نمت وترعرعت وأثمرت ثمارها. # 2 # لم تكن «جماعة فيينا» - كما رأينا - «مدرسة» فلسفية بالمعنى ~~المألوف لهذه الكلمة؛ أي بالمعنى الذي يجعل الأتباع ينصتون ~~لرأي أستاذهم ثم يشرحونه ويعلقون عليه، بل كان أعضاؤها ~~متساوي القامات ارتفاعا، متقاربي القدرات والقوى؛ ولذلك لم ~~يكن هنالك ما يمنع أن يطرح السؤال أمامهم فإذا كل واحد منهم ~~بجواب. # لكنهم على اختلافهم هذا كانت تربطهم رابطة التشابه في ~~«حركة» فلسفية ms065 واحدة، هي التي أطلق عليها اسم «الوضعية ~~المنطقية» أحيانا، واسم «التجريبية المنطقية» أحيانا أخرى، ~~أو ما إلى هذين الاسمين من أسماء متشابهة الدلالة، وما تلك ~~الرابطة التي ربطت هؤلاء الرجال في جماعة واحدة إلا ما بينهم ~~من اتفاق على أن يعلمنوا الفلسفة؛ أي أن يجعلوا الفلسفة ~~علمية الطابع، فيطبقوا عليها ما يطبق على العلم من ~~دقة وصرامة؛ حتى لا يعود بساحتها موضع لكلمة غامضة المعنى ~~كهذه الكلمات الكثيرة التي ألفتها الفلسفة في شتى عصورها ~~السابقة، مثل «نفس» و«فكر» و«عقل» و«مطلق» و«عنصر» و«جوهر»، وما ~~إلى ذلك من ألفاظ اختلفت معانيها وانبهمت، وحتى تتخلص ~~الفلسفة من تقاليدها الموروثة التي كانت تورطها في ضرب من ~~الكلام الخالي من المدلول إذا قيست الدلالة بمقياس التحقيق ~~العلمي أو بمقياس التفاهم بين الناس في أمور حياتهم ~~الجارية. # وجاء أنصار هذه الجماعة الفلسفية الجديدة فوجدوا أمامهم ~~منطقا جديدا خلقته المدرسة التحليلية من أمثال «رسل» و«مور»، ~~كما ساعدت على خلقه طائفة من علماء الرياضة الذين شغلتهم ~~علاقة الرياضة بالمنطق، مثل «فريجه» و«بيانو»، وهؤلاء وأولئك ~~جميعا قد استعانوا في تحليلاتهم المنطقية والرياضية بما كان ~~قد صنعه فريق من رجال المنطق الرمزي الجديد، الذين أرادوا أن ~~يستخدموا طرائق الرياضة في ضبط عبارات اللغة كلها مستعينين في ~~ذلك بالرموز الرياضية نفسها التي نستخدمها في الجبر مثلا، ~~فإذا هم أفلحوا فيما أرادوا استطعنا أن نحول كل نقاش إلى ~~شيء قريب من عمليات الجبر أو الحساب. # أقول إن جماعة فيينا حين جاءت بثقافتها العلمية لتتناول ~~الفلسفة من زاوية جديدة، تناولا يجعل من الفلسفة تحليلا ~~لقضايا العلوم، ويزيل عنها ما كانت تنوء تحته من أثقال ~~ميتافيزيقية، وجدت أمامها أداة منطقية مرهفة شحذها قبلهم ~~فريق آخر ممن ذكرناهم. ولئن كان هذا الفريق قد أرهف تلك ~~الأداة المنطقية ليستعين بها في تحليل الرياضة بصفة خاصة، فقد ~~أرادت هذه الجماعة الجديدة - جماعة فيينا - أن تستخدمها في ~~تحليل العلوم بصفة عامة؛ وإذن فهي جماعة تجعل قضايا العلوم ~~المختلفة من رياضة وطبيعة وعلم نفس واجتماع، تجعل قضايا هذه ~~العلوم ms066 كلها موضع تحليلها تحليلا منطقيا، على أن تكون أداة ~~التحليل هي ذلك المنطق الرمزي الجديد الذي بلغ أقصى ما بلغه من ~~غاية على يدي برتراند رسل. # إننا إذ نقول إن جماعة فيينا قد جعلت من قضايا العلوم ~~موضوعها الرئيسي تتناولها بالتحليل المنطقي، فلسنا نريد بذلك ~~أن أبحاثها تتعرض لمضمون تلك القضايا العلمية بأي وجه من ~~الوجوه؛ إذ المضمون التجريبي لقضايا العلوم هو من شأن العلماء ~~كل في ميدان تخصصه، فليس من الخير أن يتحدث عن الطبيعة من ~~ليس من علمائها، أو أن يتحدث عن الإنسان من ليس من علماء ~~النفس، وهكذا، لكنك إذا اطرحت من القضية مضمونها التجريبي، ~~بقيت لك صورتها المنطقية العارية، وفي هذه الصورة العارية ~~تستطيع أن ترى من أجزاء إطارها الهيكلي ما تتعذر عليك رؤيته ~~حين تكون تلك الصورة مكتسية مليئة بما كان فيها من مضمون ~~وفحوي. هذه قاعدة أولية من قواعد الفلسفة الجديدة، وهي أن لا ~~شأن للفيلسوف بأي شيء مما يتصل بأمور الواقع؛ لأن هذا هو شأن ~~العلماء كل في موضوعه، وأن المشكلة المطروحة للبحث إذا ما ~~مست موضوعا قوامه الخبرة والتجربة والمشاهدة، فليست هي ~~مما يجوز أن يقع في اختصاص الفيلسوف؛ لأنها من صميم البحث ~~العلمي بمعناه الخاص، وأما الفلسفة فمهمتها الوحيدة هي ~~التوضيح والتجلية لما يقوله العلماء، وهي توضح ما توضحه ~~وتجلي ما تجليه ببيان الهيكل المنطقي الذي يحمل مادة تلك ~~القضايا؛ ليظهر ما بين الأجزاء من علاقات، فيبرز الكامن ~~ويتعرى الخبيء؛ فما أكثر ما تكون فكرة متضمنة لفكرة، ~~وقضية مستلزمة لأخرى، ولا يبدو ذلك إلا بالتحليل المنطقي؛ ثم ~~ما أكثر ما تكون النظرية في العلوم مجرد صيغة اتفاقية اصطلح ~~عليها العلماء اصطلاحا فنظنها صورة تصور عالم الواقع، أو ~~أن يكون القانون العلمي قائما على الاحتمال ثم نحسبه يقينا، ~~أما العلماء أنفسهم - من حيث هم علماء - فلا يخوضون في أمثال ~~هذه المشكلات؛ لأنهم منصرفون إلى النتائج العملية دون الجذور ~~المنطقية لما يزعمون من نظريات وقوانين، ولكن فريقا منهم ~~أو من غيرهم قد تستوقفه ms067 أمثال هذه الأمور فيطيل النظر إليها، ~~وعندئذ يكون فيلسوفا علميا بالمعنى الذي نريده ~~للفلسفة. # وبعبارة أخرى، لئن كان العلم معنيا بالمعرفة من حيث ~~مضمونها، فالفلسفة معنية بالمعرفة من حيث إطارها وهيكلها. ~~وأول ما نذكره في هذا الصدد هو أن هذا الإطار أو الهيكل قوامه ~~ألفاظ لغوية تتركب على هذه الصورة أو تلك، فتكون هذه الفكرة ~~أو تلك؛ وإذن فالجانب اللغوي من العبارة المعينة هو بمثابة ~~الجسد، نفخت فيه فكرة ما - إن جاز لنا هذا التعبير - أما ~~الفكرة المبثوثة في العبارة فهي من المعرفة مضمونها وفحواها، ~~وأما الجسد اللغوي فيها فهو العمد التي يرتكز عليها ذلك ~~المضمون أو الفحوى المقصود؛ فإن عني العلم - على اختلاف ~~موضوعاته - بمضمون العبارة اللغوية المعينة، فمهمة ~~الفلسفة أن تعنى بطريقة بنائها، لا من حيث القواعد الخاصة ~~بلغة معينة دون سائر اللغات (فهذه مهمة علماء اللغة)، ولكن ~~من حيث القواعد المنطقية العامة التي تنطبق على اللغات جميعا ~~باعتبارها وسائل الإنسان للتعبير عن فكره، وهكذا؛ فلو تناولت ~~قضية علمية معينة، وحللت عبارتها تحليلا يبرز ~~خصائصها المنطقية، فأنت عندئذ لا تبحث في مادة ذلك العلم، بل ~~تبحث في منطقه، والفلسفة عند جماعة فيينا ومن يدور مدارهم هي ~~منطق العلوم بهذا المعنى. # 3 # مهمة الفلسفة عند أنصار الوضعية المنطقية هي تحليل ~~العبارات والألفاظ من حيث بناؤها المنطقي العام، لا من حيث ~~طرائق استخدامها في لغة بعينها، وتحليل العبارات والألفاظ على ~~هذا النحو هو نفسه تحليل للفكر من حيث صورته لا من حيث ~~مادته، لكن هذه اللغة التي نريد تحليلها لا تقوم عند الناس ~~بعمل واحد؛ فهي آنا تستخدم أداة رمزية تشير إلى أشياء ~~ووقائع في عالم الطبيعة الخارجي، وآنا آخر تكون وسيلة يخرج ~~بها المتكلم وجدانا تضطرب به نفسه كما يفعل الشاعر مثلا. ~~وحين تريد الفلسفة التحليلية المعاصرة أن تجعل اللغة موضوعها، ~~فإنما تريد اللغة في مهمتها الأولى؛ مهمة الرمز إلى أشياء ~~العالم الخارجي ووقائعه، مضافا إلى ذلك البحث في العبارة ~~اللغوية من حيث تكوينها وبناؤها تكوينا وبناء يجعلانها وحدة ms068 ~~واحدة على الرغم من احتوائها على أجزاء هي الكلمات وما يشبه ~~الكلمات من رموز؛ فإن كانت العبارة اللغوية مما يستدعي أن ننظر ~~خارجها ليتم معناها بالإشارة إلى مسماها ، كانت داخلة في ~~مجال العلوم الطبيعية أو ما يجري مجراها، وأما إن كان الأمر ~~يقتصر على العبارة نفسها، بحيث تكون طريقة تكوينها وحدها ~~دالة على معناها وعلى صدقها، كانت داخلة في العلوم الرياضية ~~أو ما يجري مجراها. بعبارة أخرى، تريد الفلسفة التحليلية ~~المعاصرة أن تتناول اللغة من ناحية كونها أداة علمية، وليكن ~~لها بعد ذلك من سائر النواحي ما شاء لها الناس. # محور البحث الفلسفي عند جماعة فيينا ومن جرى مجراهم هو ~~اللغة دلالة وتركيبا؛ فإن كانت الدلالة هي هدف البحث، حصروا ~~انتباههم في علاقة التطابق بين الصورة اللغوية من جهة ~~والمصور العيني من جهة أخرى، كيف تكون؟ وتحديد هذه العلاقة ~~بين الطرفين، اللغة من ناحية وعالم الأشياء من ناحية أخرى، هو ~~ما يطلقون عليه اسم «السيمية»؛ أي «علم السمات». # 14 # غير أن الباحث في اللغة باعتبارها أداة تصويرية ~~للواقع قد ينصرف أحيانا إلى داخل العبارات نفسها ليرى كيف ~~ركبت أجزاؤها تركيبا جعل منها بناء واحدا، وعندئذ ~~يطلقون على هذه المحاولة اسما آخر، هو «علم البناء اللفظي». # 15 # ولو أردت دراسة اللغة من حيث هي أداة «للتسمية» ~~فلا بد لك من دراسة مفرداتها، وإن أردت أن تنظر إليها من حيث ~~طرائق بنائها فلا بد لك من دراسة نحوها؛ إذ لا تكون لغة بغير ~~مفردات يرتبط بعضها ببعض على «نحو» معين. # لكنك من ناحية أخرى تستطيع أن تعلو على مستوى اللغة ~~المعينة الخاصة بطائفة معينة من الناس، بأن تطرح مفرداتها ~~وتستغني عنها برموز جبرية، لعلك بذلك قادر على أن تنظر إلى ~~تركيباتها الصورية الخالصة كيف تكون؛ وعندئذ لا يكون تحليلك ~~للغة تحليلا لمادتها، بل تحليلا لصورتها، ودراسة هذه ~~«الصورة» لذاتها هي ما تبتغيه الفلسفة المعاصرة. # كانت أولى المهام التي تصدت لها جماعة فيينا هي توضيح ~~الدلالة اللغوية بتجلية جانبها السيمي، بحيث يكون المرجع ms069 ~~الوحيد في تحديد معنى كلمة معينة هو الشيء الذي جاءت هذه ~~الكلمة لتسميه. نعم، يجوز لك أن تعرف كلمة بكلمة غيرها ~~تكون مفهومة للسامع، وأن تعرف هذه بغيرها، وهكذا دواليك ؛ ~~فكلما زعم لك السامع لكلمة أنه لا يعلم مدلولها، كان عليك أن ~~تذكر مرادفا لها من المفردات التي يعرف دلالاتها، لكنه إذا ~~مضى معك إلى آخر هذا الشوط لم يكن لك بد في النهاية من أن ~~تشير له إلى الشيء المسمى؛ فإن استحال أن تجد شيئا من هذا ~~القبيل، علمت وعلم سامعك أن الكلمات التي كنتما تدوران ~~فيها هي بغير معني، وحتى الكلمات التي هي من قبيل «حكمة» ~~و«ديمقراطية» و«حرية» و«ذكاء» وما إليها من الألفاظ ذوات ~~المعاني المجردة، لا مناص - إذا أردنا تحديدها تحديدا ~~سيميا - من أن نبحث عن أنواع السلوك أو طرائق النشاط في ~~عالم الواقع المحسوس، والتي نريد لها أن تكون مسميات لتلك ~~الألفاظ، وبغير هذا الرجوع إلى عالم الواقع بما فيه من حوادث ~~وأشياء ومناشط وظواهر، فلا يكون لألفاظنا معنى. # على أن الشيء الذي نريد الإشارة إليه باللغة قد لا يكون ~~كائنا واحدا فردا، بحيث تكفي كلمة واحدة أو اسم واحد ~~للدلالة عليه، بل قد يكون واقعة مركبة من طرفين أو أكثر ~~تربطها علاقات معينة؛ فعندئذ تكون الأداة اللغوية في تصور ~~هذه الواقعة جملة، أو إن شئت فقل «قضية» باصطلاح المنطق، ~~وها هنا يكون حكمنا بالصواب أو بالخطأ على القضية مرتكزا ~~على ما بين أجزائها من جهة وأجزاء الواقعة الخارجية من جهة ~~أخرى من تقابل، بحيث يجوز أن نقول عن القضية حقا إنها ~~«صورة» للواقعة المراد تصويرها؛ فإن وجدنا أنفسنا إزاء قضية لا ~~نجد لها من وقائع العالم ما تطابقه حذفناها من جملة الكلام ~~المفهوم؛ إذ لا وسيلة لفهم قضية إخبارية إلا بردها إلى ~~الواقعة المادية التي جاءت القضية لتخبر عنها أو ~~تصورها؛ ومن هنا أصرت جماعة فيينا، وما يزال أتباعهم ~~يصرون، على أن يكون «معنى» قضية ما هو نفسه طريقة ~~تحقيقها؛ أي هو نفسه إمكان الرجوع ms070 بها إلى ما جاءت تصوره من ~~وقائع العالم الخارجي. وحسبنا من هذا التحقيق أن يكون ~~ممكنا، فلا نشترط له أن يكون قائما بالفعل؛ لأن التحقيق ~~الفعلي إنما يقرر «صدق» القضية، أما ما يقرر ~~«معناها» فهو إمكان التحقيق؛ فلو تحدثت لك عن جبل لم تره ~~ولا وسيلة أمامك تمكنك من رؤيته، وقلت لك عن هذا الجبل ~~إنه مغطى بأشجار الصنوبر، فأنت تقول عن هذا القول إنه ذو ~~«معنى»؛ لا لأنك قد ذهبت فعلا إلى الجبل المقصود ورأيت أشجار ~~الصنوبر على سفوحه، بل لأنك تعرف ماذا عساك أن ترى لو ذهبت ~~إليه؛ لأنك تعرف نوع المعطيات الحسية التي تأتيك من الشيء ~~حين يكون جبلا، ونوع المعطيات الحسية التي تتلقاها حين يكون ~~المرئي أشجارا من الصنوبر. # هكذا تكون الكلمة الواحدة التي هي اسم لشيء ما، والجملة ~~التي هي مركب من مجموعة كلمات ويراد به أن يصف واقعة ما، ~~بغير معنى إذا لم تكن هذه أو تلك مشيرة في نهاية الأمر إلى ~~خبرات حسية؛ فلا الاسم ذو دلالة إذا لم يكن مسماه موجودا ~~وتمكن الإشارة إليه، ولا القضية بذات دلالة إذا لم يكن ~~تحقيقها ممكنا على أساس خبراتنا الحسية، إنه محال أن يكون ~~للكلام الإخباري معنى مفهوم إذا لم ينصرف به قائله - لينصرف ~~سامعه معه - إلى مجال الخبرات الحسية وحدها دون أن يجاوزها ~~إلى ما يزعم أنه كائن فوقها أو تحتها أو أمامها أو وراءها؛ ~~فما ليس يرتد إلى الخبرة الحسية يكون بغير معنى؛ لأن معنى ~~«المعنى» هو هذا الارتداد إلى الخبرة الحسية. ماذا تريد إذا ~~واجهتك عبارة فقلت عنها إنك «لا تفهم لها معنى»؟ تريد أنك ~~تحاول أن تلتمس في خبراتك الحسية ما يكون وسيلة لتحقيق هذه ~~العبارة إذا أردت تحقيقها، لكنك لا تجد في محصولك مثل هذه ~~الخبرات. وماذا لو كانت العبارة الإخبارية المعروضة عليك بحكم ~~اعتراف قائلها نفسه لا يراد بها أن تشير إلى شيء من عالم ~~الخبرة إطلاقا؟ إنها عندئذ تكون خلوا من المعنى، لا ~~بالنسبة إليك وحدك، بل بالنسبة ms071 لقائلها نفسه ولكل إنسان من ~~البشر؛ فقد اصطنع البشر ألفاظ اللغة وعباراتها ليتحدثوا بها عن ~~«خبراتهم»، وما ليس يرمز إلى شيء من هذه الخبرات، لا يكون من ~~اللغة بمعناها المنطقي في كثير ولا قليل. # وها هنا يأتي حذف العبارات الميتافيزيقية على أيدي جماعة ~~فيينا وأتباعهم؛ لأنه إذا كانت العبارة الميتافيزيقية هي ما ~~يزعم لها قائلها أنها «تعني» شيئا خارج حدود الخبرة الحسية، ~~فهي بحكم هذا الاعتراف نفسه عبارة بغير «معني»؛ فليس الأمر ها ~~هنا مقتصرا على أن الإنسان عاجز بملكاته الراهنة أن يجاوز ~~حدود الخبرة إلى ما وراءها بحيث يفهم معنى العبارة السابقة، بل ~~إن منطق اللغة نفسه يحتم أن تكون مفردات اللغة وعباراتها ~~منصرفة إلى مسميات في عالم الواقع الذي نحسه فعلا أو ~~إمكانا. العبارة الميتافيزيقية بهذا المعنى لا يمكن تحقيقها، ~~وهذا معناه أنها عبارات بغير معنى، وإذن فعباراتها «تشبه» ~~اللغة وليست منها؛ هي كالعملة الزائفة التي ربما انخدع بها ~~مخدوع من غير الصيارفة المحترفين، لكن انخداعه هذا لا يجعل ~~لها قيمة في عالم الاقتصاد. # وتنشأ هذه العبارات الزائفة على إحدى صورتين؛ أولاهما أن ~~يدس المتكلم في عبارته كلمة بغير معنى؛ أي كلمة لا تشير ~~إلى شيء من خبرات الإنسان الحسية، ككلمة «جوهر» مثلا كما ~~يستعملها الفلاسفة الميتافيزيقيون، حين يقولون مثلا إن لكل ~~شيء «جوهرا» وراءه معطياته الحسية، فهذه البرتقالة لها ~~جوهر غير ما لها من لون وطعم وشكل. والصورة الثانية التي قد ~~تجيء عليها العبارة الزائفة، هي أن يستخدم المتكلم ألفاظا ~~كلها من ذوات المعنى الخبري المفهوم، لكنه يرصها على نحو ~~لا يرضاه منطق اللغة في استعمالها المألوف، كأن يقول مثلا ~~«العقل عنصر». # ونعود فنقرر أن معنى الجملة الإخبارية لا يكون إلا في ~~حدود ما يمكن تحقيقه بالخبرة الحسية؛ وإذن فكل جملة تقال - ~~بحكم الفرض نفسه - عن شيء خارج الخبرة الحسية تكون جملة بغير ~~معنى؛ وعلى ذلك فالفرق بين الجملة العلمية والجملة ~~الميتافيزيقية هو هذا: الجملة العلمية تكون ذات معنى خبري ~~ويمكن تحقيقها عن طريق ما تدل عليه ms072 من خبرات، وأما الجملة ~~الميتافيزيقية فهي بغير معنى. إننا لا نرفض العبارات ~~الميتافيزيقية على أساس أنها تقيم مشكلات لا قبل لنا ~~بحلها ما دامت خارجة عن حدود خبراتنا، بل نرفضها لأنها ~~عبارات بغير معنى؛ ذلك لأنه من التناقض أن يقال عن مشكلة إنها ~~مستحيلة الحل بحكم طبيعتها؛ لأن ما هو مستحيل الحل على هذا ~~الوجه لا يكون مشكلة حقيقية. نعم، قد تكون المشكلة القائمة ~~مستحيلة الحل استحالة عملية؛ أي إنه قد لا يكون لدى الإنسان ~~في ظروفه الراهنة وسائل حلها، لكن هذه الوسائل قد تتوافر له ~~غدا أو بعد غد، فعندئذ تكون المشكلة حقيقية، أما تلك التي ~~يقال عنها بحكم الفرض إنها مستحيلة الحل استحالة منطقية، ~~فمشكلة زائفة؛ أي ليست مشكلة على الإطلاق، والمشاكل ~~الميتافيزيقية هي من هذا القبيل. # الفرق بعيد بين أن تسأل: ماذا كان يصنع يونس وهو في جوف ~~الحوت؟ وبين أن تسأل: ما صفات الشيء إذا كان خارج حدود المكان ~~والزمان؟ فكلا هذين السؤالين مستحيل الجواب، لكن استحالة ~~الجواب عن السؤال الأول استحالة عملية لا منطقية، واستحالة ~~الجواب عن السؤال الثاني منطقية لا عملية فحسب؛ ففي حالة ~~السؤال الأول يستطيع الإنسان أن يتصور ظروف يونس وهو في جوف ~~الحوت؛ لأنها ظروف يمكن أن توصف كلها في حدود الخبرات ~~البشرية، فالظلام وضيق التنفس وما شئت أن تقوله عن يونس وهو ~~في سجنه ذاك كلها ممكنة التصور؛ لأنها مما يمكن وصفه وصفا ~~يستعين بما نألفه نحن في ظروف حياتنا. نعم، إن التحقق من ~~صدق ما نقوله عن يونس عندئذ أمر مستحيل، لكن الاستحالة هنا ~~قائمة على عدم الوثائق التي نستند إليها في الحكم. وأما السؤال ~~الثاني الذي نسأل به عن كائن فيما وراء المكان والزمان؛ أي ~~كائن لا يكون له موضع ولا تكون له لحظة من زمن، فاستحالة ~~الإجابة عنه منطقية لا عملية؛ فالذي ينقصنا هنا ليس هو ~~الوثائق التي نستند إليها، بل تنقصنا وسائل التصور ذاتها؛ إذ ~~ليس في خبراتنا أبدا ما يعيننا على تصور كائن لا يكون ms073 ~~وجوده في نقطة من مكان أو في لحظة من زمن. # إننا نرفض المشكلات الميتافيزيقية لا لصعوبة حلها، بل ~~لأنها مشكلات زائفة؛ فهي بمثابة أسئلة يستحيل منطقيا أن يكون ~~لها جواب، وشرط السؤال بحكم منطق اللغة نفسها أن يكون ~~جوابه ممكنا لو توافرت للإنسان الظروف التي تمكنه من ~~الجواب، أما أن تسأل السؤال وتفرض في الوقت نفسه أن الإجابة ~~عنه غير ممكنة، فلا يجوز عندئذ أن تعلل عدم الإجابة عنه ~~بصعوبته أو بعجز الإنسان وقصور معرفته، بل حقيقة الموقف عندئذ ~~هي أن السؤال لم يكن سؤالا حقيقيا وإن اتخذ الصياغة ~~النحوية للسؤال. # ولكن جماعة فيينا إذ جعلوا إمكان التحقيق الخبري معيارا ~~لمعنى الجملة الإخبارية كائنة ما كانت، لم يفتهم أن هذا ~~المعيار لا ينطبق إلا على العبارات التي جاءت لتخبر عن العالم ~~الخارجي بخبر ما، لكن ما كل العبارات تزعم لنفسها الإخبار؛ ~~فالقضايا الرياضية وقضايا المنطق الصوري تخرج عن نطاق هذا ~~المعيار لأنها لا تزعم أنها إخبارية؛ وإذن فهي في الحقيقة ~~عبارات بغير «معنى» (ونحن هنا نحدد معنى «المعنى» بالخبرات ~~الحسية التي تشير إليها الجملة)؛ ف «المعنى» بهذا التحديد لا ~~يكون إلا لجملة تصويرية؛ أي لجملة يراد لها أن تصور واقعة ~~من وقائع العالم الطبيعي، وليست قضايا الرياضة والمنطق من هذا ~~القبيل، فما هي إذن؟ هي قواعد، كقواعد لعبة معينة مثلا، ~~يتفق عليها اللاعبون؛ فالرياضة عبارة عن قواعد اتفاقية كيف ~~نستخدم الرموز، والمنطق الصوري قواعد لكيفية استخراجنا حكما ~~من حكم آخر؛ فكأنما المنطق والرياضة معا هما في الحقيقة ~~أدوات في أيدي العلماء الآخرين، يستخدمونهما في ميادينهم ~~العلمية، أما هما فليسا بالعلمين بمعنى «العلم» الذي ~~يقرر للطبيعة قوانينها. وسنعود إلى تفصيل القول في هذه ~~التفرقة في مواضع أخرى من هذا الكتاب. # 4 # إننا نتطلب من العبارة، إذا أراد قائلها أن تكون دالة ~~على وجود فعلي تجريبي لشيء أو أشياء في العالم الخارجي، أن ~~تكون كل لفظة من ألفاظها إذا أريد أن يكون لها معنى ~~موضوعي مشترك (ما عدا الألفاظ البنائية، مثل: «إذا» ms074 «ليس» ~~«أو» وما إليها)، مشيرة إلى مضمون من الخبرة الحسية، بحيث ~~يعرف السامع دلالة اللفظة في خبراته الماضية من ألوان وطعوم ~~وأشكال ... إلخ؛ فإذا استخدم المتكلم كلمة «نهر » مثلا عرف السامع ~~إلى أي نوع من الخبرات الحسية يشير المتكلم بكلمته تلك. # لكن مشكلة تنشأ ها هنا، وهي أنه إذا كان التفاهم بين ~~المتكلم والسامع لا يتم إلا إذا كان الكلام مشيرا إلى خبرات ~~حسية، فهل هذه الخبرات الحسية نفسها مشتركة بين المتكلم ~~والسامع حتى يتسنى لنا أن نقول إنها أساس صالح للتفاهم ~~بينهما؟ هبني قد أشرت لمن أتحدث معه إلى بقعة لونية قائلا ~~له «هذا لون أصفر»، فهل عندي ما يضمن لي أن انطباع اللون على ~~عين السامع هو نفسه «الأصفر» كما ينطبع على عيني؟ أليست الخبرة ~~الحسية المباشرة خاصة بصاحبها؟ وإذا كان من الجائز أن يكون ~~«أصفري» غير «أصفره»، فعلى أي أساس - إذن - يجوز لي الزعم ~~بأنني إذا قلت «أصفر» فقد قلت شيئا مشتركا بيني وبينه؟ فليس ~~من الناس من لا يعلم أن أمثال هذه الانطباعات الحسية المباشرة ~~قد تختلف عند الفرد الواحد في أوقاته المختلفة، فما يجد له ~~طعما معينا وهو في صحته يجد له طعما آخر وهو مريض، ~~وهكذا. # ولم تغب هذه المشكلة عن جماعة فيينا حين أرادت أن ~~تحدد معاني الألفاظ بما تشير إليه من معطيات الحس؛ فقد ~~أدرك أعضاؤها تمام الإدراك أن المعطى الحسي كيفي؛ أي ~~إنه لا يدرك إلا بوقعه على حاسة من يدركه، وهذا ~~الوقع المعين على حاسة فرد معين أمر نفسي خاص ~~به، شأنه شأن المشاعر الخاصة التي يحسها ولا أحسها ~~معه، وإذا كانت معطيات الحس عندك ليست هي نفسها معطيات الحس ~~عندي، فقد بطل الأساس المشترك الذي نزعمه شرطا للتفاهم ~~الصحيح؛ لأنه يستحيل عليك أن تنقل إلي بكلمات أو عبارات ~~ما هو مصبوب في حواسك من انطباعات؛ فطعم الطعام كما يقع على ~~لسانك - مثلا - لا يمكن نقله إلى لساني لمجرد وصفك إياه ~~بكلمة أو عبارة، وهل في مستطاع المبصر أن يصف ms075 للأعمي كيف ~~يكون اللون عند العين، أو هل يستطيع من اكتوى بالنار أن يصف ~~لمن لم تصادفه هذه الخبرة كيف تكون لسعتها على الجلد؟ الحق ~~أن خبرة الحواس كلها كالشوق والصبابة اللذين قال عنهما الشاعر ~~العربي إنهما مستحيلان على الإدراك إلا لمن كابد أو عانى، فلا ~~يعرف الشوق إلا من يكابده، ولا الصبابة إلا من ~~يعانيها. # لذلك فرقت جماعة فيينا بين إطار اللغة ومضمونها الحسي، ~~والإطار هو العلاقات الكائنة بين المدركات الحسية؛ فلئن كان ~~المضمون الحسي خاصا بصاحبه، فالعلاقات التي تصله بغيره من ~~المعطيات عامة مشتركة؛ فلو حددت لسامعي اللون الأخضر ~~بأنه اللون الذي يراه في ألوان الطيف بين الأزرق والأصفر، ~~تحددت بذلك علاقته عنده وعندي على السواء؛ لأننا إذا ~~اختلفنا في كيفية انطباع الأخضر على شبكية العين، فلن نختلف ~~على تحديد هذه العلاقة، علاقة «بين»، حتى لو كان عند سامعي ~~عمي لوني بحيث لا يستطيع رؤية الأخضر كما أراه، فلن يكون ~~هنالك اختلاف في التفاهم، إذا عرف أنني أعني بالأخضر ما يقع ~~بين الأزرق والأصفر في ألوان الطيف. # هكذا نحدد الكيفية الحسية للفظة ما بموقعها بالنسبة إلى ~~غيرها من الكيفيات، فنتغلب على مشكلة «الخصوصية» التي تجعل ~~المعطى الحسي أمرا خاصا بصاحبه، محالا نقله إلى سواه عن ~~طريق لفظة يستعملها اسما له، ولكننا حين نحدد معنى ~~الكيفية الحسية بوضعها بالنسبة إلى غيرها، فنحن بمثابة من ~~يجعل وسيلة التفاهم هي «إطار» المدركات لا «مضمونها»؛ وعلى ~~ذلك فليس المهم عندنا أن يقف اثنان إزاء لون معين - كالأخضر - وأن يشتركا في مضمون حسي واحد؛ لأن مثل هذا ~~الاشتراك ضرب من المحال، ولكن حسبنا أن يشترك الاثنان في رد ~~فعل معين، كأن يستعمل الاثنان لفظة واحدة بعينها في ~~الإشارة إلى ذلك اللون لنقول إن التفاهم المرجو قد تم ~~بينهما، على الرغم مما قد يختلفان فيه بعد ذلك في وقع اللون ~~على حواسهما الخاصة. بعبارة أخرى، حسبنا لكي نطمئن إلى أن ~~معنى اللفظة أو العبارة مشترك بين المتكلم والسامع أن يكون ~~إطار العلاقات بين المدركات ms076 واحدا عندهما معا، وإطار ~~العلاقات - كما بينا - مما يمكن الاتفاق عليه؛ لأنه عام ~~لا خاص. # ولما كانت العلوم الطبيعية في تحديدها لألفاظها، وفي ~~صياغتها لقوانينها، إنما تركن إلى العلاقات؛ أي إلى «الإطار» ~~دون المضمونات الحسية عند الأفراد المدركين، كان التفاهم في ~~مجالها أمرا ميسورا؛ فالحرارة - مثلا - عند العالم الطبيعي ~~ليست هي لسعتها على الجلد، بل هي عمود من الزئبق يرتفع أو ~~ينخفض، وليس اللون عنده هو ما تراه العين، بل هو طول معين؛ ~~أي بعد بين نقطتين على مسار الضوء، كلا ولا الجاذبية عنده ~~هي «شعور» الإنسان حين يسقط من النافذة إلى الأرض، بل هي حركة ~~تقاس سرعتها، وهكذا؛ ولا كذلك العلوم، أو إن شئت دقة في ~~التسمية فقل «أشباه العلوم» التي تجعل مدارها المضمونات ~~الشعورية الإحساسية عند الناس، كالأخلاق حين تتحدث عن «صوت ~~الضمير»، وعلم الجمال حين يتحدث عن النشوة الجمالية، ~~وهكذا. # 5 # كان من أبرز معالم الطريق التي سارت عليها جماعة فيينا في ~~تحليلها للغة، ذلك الجهد الذي اضطلع به «رودلف كارناب» # 16 # إزاء التركيب اللغوي واستخراج ما يكمن فيه من ~~مبادئ منطقية، ولعل كارناب هو أول من تصدى لمثل هذا البحث ~~بكتابه «الأساس المنطقي في التركيبات اللغوية» # 17 # الذي أخرجه سنة 1934م، وذلك بعد أن سبقه وتجنشتين ~~إلى التنبيه بأن قواعد المنطق إن هي إذا ما حللناها إلا ~~قواعد اللغة. وإن هذا التوازي بين قواعد المنطق من ناحية ~~وقواعد اللغة من ناحية أخرى، ليتبين واضحا إذا ما صورنا ~~كلا منهما في نسق رمزي صوري قوامه رموز عارية من مضمونات ~~المعاني؛ فعندئذ نرى أن النسقين متماثلان. ولقد حاول ~~المناطقة منذ أرسطو قديما حتى برتراند رسل حديثا أن يقيموا ~~للمنطق نسقه الرمزي الصوري، وبقي أن يتصدى الباحثون ~~لمثل هذا العمل نفسه في اللغة، فيحاول تفريغ العبارات اللغوية ~~من مضمونها لتبقى هياكلها الفارغة أو إطاراتها الخالية؛ ~~فجملة مثل «الكتاب على المنضدة» تصبح «س على ص»، بل قد ~~نتخلص من كلمة «على» الدالة على العلاقة بين الطرفين، فيكون ~~الرمز هو ع ms077 # 2 ~~(س، ص)، ومعناها أن شيئين يرتبطان بعلاقة ذات ~~طرفين. وهكذا نقول إن المنطق قد وجد على مر العصور من ~~يحاول بيان قواعده خلال نسق رمزي صوري، وبقي أن تجد ~~اللغة من يحاول ذلك فيها لنتبين صدق هذه الدعوى التي ~~كان وتجنشتين أول من ذهب إليها، وهي أن صورة المنطق وصورة ~~اللغة متشابهتان، أو إن شئت فقل إن الفكر واللغة شيء واحد؛ ~~فكان «كارناب» هو أول من استجاب لهذا التحدي. # لم يرد «كارناب» أن يدير بحثه على التركيبات الصورية ~~للغة بعينها، كالألمانية مثلا أو الإنجليزية؛ لأن هذه اللغات ~~المستعملة فعلا إنما يتميز بعضها من بعض بمميزات قد تستر ~~عن أعيننا الأسس المنطقية التي تكون في اللغة كائنة ما كانت؛ ~~فكما أن المنطق الصوري حين يستخرج قواعد الاستدلال السليم لا ~~يقصر اهتمامه على مشكلة بعينها في هذا العلم أو ذاك، بل ~~يستخرج القواعد المنطقية التي تصدق مهما تكن المشكلة ~~الفكرية المطروحة أمام الفكر، فكذلك - في رأي كارناب - لا بد ~~لنا في مجال اللغة من مجاوزة حدود اللغات القائمة فعلا في هذا ~~البلد أو ذاك - ويسميها باللغات الوصفية - لنحصر انتباهنا ~~في البناء الصوري المنطقي للغة باعتبارها لغة على ~~الإطلاق. # في هذه اللغة الصورية الرمزية التي يريد «كارناب» أن يخلقها ~~من عنده خلقا ليتبين خلالها طبيعة اللغة، كما يضع العالم ~~نموذجا من مادة في مخبار ليتبين طبيعتها، لا يشير إلى ~~الأشياء بكلمات، بل يشير إليها بأرقام - كما نفعل في دنيانا ~~العملية حين نسمي المنازل أو السيارات أو الجنود بأرقام - ~~وبهذا يضمن - من الوجهة النظرية البحتة - أن يكون لكل شيء ~~واحد من أشياء الوجود رمز واحد، وألا يشير الرمز الواحد ~~إلا إلى شيء واحد - لاحظ هنا الفرق بين هذه اللغة الصورية وبين ~~لغتنا كما نستخدمها في الحياة اليومية؛ فنحن في لغتنا نجيز - ~~مثلا - أن نستخدم كلمة واحدة مثل «إنسان» أو «طائر» لندل ~~بها على ملايين الأشياء في العالم؛ ومن ثم ننصب لأنفسنا ~~الفخاخ، فنزل في الخطأ من حيث لا ندري. # وكما نضع لكل شيء ms078 رمزا رقميا يدل عليه وحده ولا يدل على ~~سواه، فكذلك نرمز برموز كهذه لشتى الصفات وشتى العلاقات ~~التي تصف الأشياء أو تصل بينها؛ وبهذا الجهاز الرمزي الصوري ~~نستطيع أن نصف أي واقعة من وقائع العالم؛ لأن الواقعة كائنة ~~ما كانت لا تخرج عن كونها مركبة من أشياء بما لها من صفات ~~وما بينها من علاقات. # وبعد أن يفرغ كارناب من وضع الرموز التي تعيننا على تكوين ~~الصيغة المصورة للواقعة المراد تصويرها، يأخذ في وضع قواعد ~~التحويل؛ أي قواعد اشتقاق صيغة من صيغة أخرى، بادئا هذه ~~القواعد بطائفة من البديهيات التي هي عبارة عن تحديد لاستعمال ~~الرموز المنطقية؛ ليشتق بعدئذ من البديهيات ما يترتب ~~عليها من نتائج. وما دمنا قد وضعنا قواعد تكوين الجمل ثم قواعد ~~اشتقاق جملة من جملة، فقد وضعنا هيكل اللغة وإطارها، مهما تكن ~~هذه اللغة؛ فاللغة العربية واللغة الإنجليزية واللغة الصينية ~~وما شئت من لغات الأرض كلها، واقعة أو ممكنة، إن هي إلا مجموعة ~~من رموز وضعت لها قواعد لتكوين الجمل ثم قواعد لاشتقاق ~~جملة من جملة. # إنه إذا كان الفكر هو اللغة نفسها، بحيث يجيء تحليل اللغة ~~تحليلا للفكر في الوقت نفسه، كان هذا التحليل المنطقي ~~للغة ركيزة هامة وعملا ذا خطر وشأن في الفلسفة الوضعية ~~المنطقية التي تجعل مدارها في قبول الفكرة المعينة أو رفضها ~~على تحليل الجملة المجسدة لتلك الفكرة، والتحليل وحده كاف ~~لبيان منزلة هذه الجملة من حيث القبول أو الرفض؛ ذلك لأنه ما ~~دام الناس المستخدمون للغة ما قد اتفقوا على «بديهياتها» ~~أولا؛ أي إنهم قد اتفقوا على تحديد معنى رموزها المنطقية، ~~مثل «ليس» و«أو» و«كل» و«إذا» وما إليها، ثم اتفقوا على طريقة ~~تكوين الجمل كيف تكون، كما اتفقوا على قواعد اشتقاق جملة من ~~جملة، بحيث إذا قلت - مثلا - «محمد وعلي يتسابقان»، كان هذا ~~مساويا لقولي «علي ومحمد يتسابقان»، ومساويا لقولي «السباق ~~قائم بين محمد وعلي»، وهكذا، أقول إنه ما دام أصحاب اللغة ~~الواحدة قد اتفقوا على هذا كله، فقد بات ميسورا ms079 لمن يحلل ~~كلام المتكلم في موضوع ما، أن يقول إذا كان هذا الكلام مما ~~يمكن أن يحمل للسامع معنى أو أنه ليس كذلك؛ قياسا على ما قد ~~تواضع عليه الناس من قواعد في استعمال لغتهم. # إنه ليس هناك شيء اسمه «اللغة» بصفة عامة بحيث لا تكون ~~لغة سواها، بل هنالك في شعوب الأرض لغات تختلف في رموزها وفي ~~طرائق تركيبها، وليس يتوقف صواب الاستعمال أو خطؤه في لغة ما ~~إلا على ما قد اشترطه أصحاب تلك اللغة بعضهم على بعض من حيث ~~طرائق استخدام رموزها تكوينا وتحويلا. ولما كان هذا ~~الاشتراط أمرا فيه حرية اختيار وليس هو ضربة لازب لا محيص ~~للناس عن الأخذ بها، كان لأصحاب اللغة كل الحق في أن يشترطوا ~~للغتهم ما شاءوا من رموز، وما شاءوا لهذه الرموز من قواعد في ~~حالتي تكوينها جملا وتحويلها جملة إلى جملة تساويها أو لا ~~تساويها. على أنه إذا ما تم الاتفاق وجرى العرف على اتفاق ~~معين في كيفية بناء الجمل وتحويلها في لغة ما، كان على ~~أصحابها بعدئذ أن يلتزموا ما قد تم الاتفاق عليه وجرى العرف ~~به. # لهذا أمكن أن تقوم في العالم لغات عدة، لكل منها ~~رموزها وقواعد تكوينها وتحويلها، والصواب والخطأ في التركيبة ~~اللغوية المعينة لا يكون الحكم فيهما إلا بالرجوع إلى قواعد ~~اللغة نفسها، وليس لأحد أن يسأل لماذا كانت التركيبة اللغوية ~~الفلانية جائزة في هذه اللغة وغير جائزة في تلك؛ لأن الأمر ~~مرهون بالاتفاق الصرف بين أهل اللغة على ما يكون خطأ أو ~~صوابا في لغتهم. وإن اشتركت اللغات كلها في أصول واحدة، فإنما ~~تشترك في الأصول المنطقية وحدها، كأن تكون اللغة مجموعة من ~~رموز، وأن يكون في هذه الرموز ثوابت ومتغيرات، وأن يكون ~~للرموز الثوابت معان محددة منذ البداية؛ ومن ثم تكون هي ~~بمثابة البديهيات في بناء اللغة، وأن يكون للجمل قواعد معينة ~~في تكوينها وقواعد معينة أخرى في تحويلها إلى ما يساويها أو ~~ما يناقضها وهكذا. # وكان من أهم ما انتهى إليه ms080 كارناب في تحليله للغة ~~واستخراج قوائمها المنطقية، تفرقته الواضحة بين الجملة ~~حين يكون تكوينها مطابقا لواقعة ما من وقائع العالم الخارجي ~~مطابقة مباشرة، والجملة حين لا تكون كذلك على الرغم من أنها ~~قد تبدو وكأنها تشير إلى واقعة من وقائع العالم؛ فلئن كانت ~~الجملة من النوع الأول جملة لغوية بمعناها الصحيح، فالجملة ~~من النوع الثاني هي في الحقيقة «شبه جملة»؛ لأنها تشبه الجملة ~~الحقيقية في ترتيب ألفاظها، لكنها لا تؤدي ما تؤديه. ولنا ~~أن نسمي الجملة من النوع الأول بالجملة الشيئية؛ لأنها تشير ~~إلى شيء معين في العالم إشارة مباشرة، كأن نقول - مثلا - «هذا الكتاب عربي»، وأن نسمي الجملة من النوع الثاني ~~بالجملة الشارحة؛ لأنها في حقيقتها - كما سنبين بعد - تتحدث ~~عن كلمات أو عن جملة أخرى، ولا تتحدث عن شيء في العالم الخارجي ~~حديثا مباشرا، كأن نقول - مثلا - إن «الكتاب» كلمة مركبة ~~من ستة أحرف، أو إنها كلمة تحتوي على كاف واحدة وتاء واحدة ~~وباء واحدة. # إنني لأرجو من القارئ أن يتمهل هنا في قراءته ليستوعب هذه ~~التفرقة استيعابا يمكنه من إدراكها إدراكا دقيقا؛ وذلك ~~لما تنطوي عليه من نتائج خطيرة؛ فليلاحظ جيدا أن ~~المسمى واسمه ليسا شيئا واحدا، بل هما شيئان مختلفان أبعد ~~اختلاف، وكل ما في الأمر أننا نتخذ من أحدهما رمزا ينوب عن ~~الآخر في التفاهم؛ فليس جبل المقطم الذي هو بروز من الصخر في ~~موقع معين من الأرض، هو نفسه «جبل المقطم» الذي هو كلمتان ~~مكتوبتان بالمداد على الورق. جبل المقطم الشيء ليس هو نفسه ~~«جبل المقطم» اللفظ؛ الأول صخر نمشي عليه ونبني عليه المنازل، ~~والثاني قطرة من المداد سكبناها على صورة متفق عليها؛ فلو ~~قلت «جبل المقطم صخوره رملية» كنت تقصد «جبل المقطم الشيء»، ~~أما إذا قلت «جبل المقطم كلمتان عربيتان» كنت تقصد «جبل ~~المقطم الاسم». # وكارثة الكوارث التي تصيب الإنسان في تفكيره فتضله ~~وتفسده، هي أن يجري حديثه على غرار النوع الثاني فيحسبه ~~جاريا على غرار النوع الأول. كارثة الكوارث في تفكير الإنسان ms081 ~~هي أن يجيء حديثه في حقيقته عن «كلمة» فيحسبه قد جاء عن ~~«الشيء» الذي تسميه تلك الكلمة؛ وذلك لأنه كثيرا ما تكون ~~الكلمة التي هي مدار الحديث اسما بغير مسمى في عالم ~~الواقع، فيظن المتحدث أنه ما دام قد تحدث عن الاسم فقد تحدث عن ~~المسمى، مع أنه لا مسمى هناك، ولو كان مثل هذا الخطأ ~~قليل الوقوع لهان أمره، لكن ما ظنك وهو خطأ يقع كلما استخدم ~~الإنسان في حديثه كلمة كلية عامة؟ فأنت مثلا إذا قلت عبارة ~~كهذه «المصري يتصف بالصبر»، فقد تظن أنك إنما تتحدث بها عن ~~«شيء» في عالم الواقع، مع أن «المصري» كلمة ليس لها في ذاتها ~~مدلول فيما عدا الأفراد الذين هم مصريون والذين لكل منهم ~~اسم خاص به؛ وإذن فحقيقة الأمر هنا هي أنك تقول إن «المصري» ~~كلمة تطلق على فلان وفلان وفلان ممن يتصفون بالصبر. وإذا ~~أردت أن تدرك الفرق بين الحالتين، فقل عبارة أخرى كهذه ~~«الغول حاد الأضراس»، ثم سل نفسك: أأتحدث بهذه العبارة عن ~~«شيء» أم أتحدث عن «كلمة»؟ واضح أنك هنا تتحدث عن كلمة «غول» ~~ولا تتحدث عن شيء مجسد من أشياء الواقع، فكأنما تقول: ~~الغول كلمة نطلقها على كائن يكون حاد الأضراس. أما أن ~~تكون هذه الكلمة اسما لمسمى أو لا تكون فذلك أمر آخر. ~~وهكذا قل في كل جملة موضوعها اسم كلي عام، فهي جملة بحكم ~~تكوينها النحوي لا بحكم تكوينها المنطقي؛ لأنها إنما تتحدث ~~عن «كلمة» لا عن «شيء»، تتحدث عن «اسم» لا عن «مسمى»، وقد ~~يكون للكلمة شيء يقابلها وقد لا يكون. # وأولى مهام الفلسفة عند كارناب هي هذا التحليل الذي يبين ~~إن كانت الجملة المعينة تحمل إشارة مباشرة إلى العالم ~~الخارجي؛ وبهذا يجوز لها أن تكون جزءا من مادة علم معين، أم ~~إنها بدل أن تشير إلى الأشياء نفسها تتحدث عن مدركات أو ~~قضايا أو نظريات؛ أي تتحدث لا عن أشياء العالم الخارجي، بل عن ~~الكلمات والعبارات التي نتحدث بها عن تلك الأشياء. ومثل ms082 هذا ~~التحليل كفيل أن يوضح لنا متى تكون الجملة ذات معنى (إما ذات ~~معنى مباشر بإشارتها إلى أشياء العالم الواقع، أو ذات معنى ~~غير مباشر بتحدثها عن عبارة أو لفظة تشير إلى أشياء العالم ~~الواقع) ومتى لا تكون. # وإذا جعلنا من الفلسفة تحليلا كهذا، انتهى بنا الأمر إلى ~~تحديد لمهمة الفلسفة تحديدا يجعل منها علما؛ لا لأنها تعنى ~~بالمدركات العلمية والقضايا العلمية فحسب، بل لأنها عندئذ ~~ستنهج منهج العلم في الدقة والتحديد. نعم إنها لن تشغل ~~نفسها قط بما يشغل به العلم نفسه من مشكلات تتصل بأمور ~~الواقع؛ لأن هذه الأمور مقسمة بين العلوم الخاصة، كل منها ~~يتناولها من إحدى نواحيها، لكنها كذلك لن تخلق لنفسها عالما ~~آخر من «حقائق واقعة» تتصوره قائما إلى جانب العالم الواقعي ~~المادي الذي نعيش فيه حياتنا اليومية، أقول إنها لن تخلق ~~لنفسها عالما خاصا بها، تتحدث عنه وتجعل منه موضوعا خاصا ~~تسميه «ميتافيزيقا» تصول فيه وتجول ولا تسمح للعلماء أن ~~يناقشوها فيه الحساب؛ من أين جاءت بالشواهد الدالة على صدق ~~ما تدعيه؟ كلا، إن الفلسفة بالمعنى المحدد الذي نريده لها ~~لا تورط نفسها في مجالات العلوم الخاصة، ولا تخلق لنفسها ~~مجالات أخرى غير مجالات العلوم، بل تجعل مهمتها تحليلا ~~منطقيا للمدركات العلمية والقضايا العلمية، وبهذا تصبح ~~الفلسفة فلسفة للعلم؛ أي تصبح منطقا للعلم أو تحليلا له، ~~وهدفها هو التوضيح لا الإضافة الجديدة؛ فليس هناك من عالم ~~إلا عالم الواقع، وليس لأحد أن يتحدث عن العالم حديثا ~~موضوعيا إلا رجال العلوم المختلفة، وللفلسفة أن تجيء بعد ذلك ~~فتحلل وتوضح. للعلم أن يقرر، وللفلسفة أن توضح له ما ~~يقرره، والخير كل الخير أن يجيء التوضيح نفسه على أيدي ~~العلماء أنفسهم؛ لأنهم مشربون بمواد علومهم، لكنهم إذا ما ~~فعلوا فلن يكونوا عندئذ علماء، بل يصبحون فلاسفة لعلومهم ~~التي يتناولونها بالتوضيح والتحليل. # الفصل الرابع # | الكلمات ومدلولاتها # 1 # الكلمات التي نتحدث عنها الآن هي رموز اللغة أو ما يقوم ~~مقامها، حين لا يقصد بها أبدا أن تشير فيما تشير ms083 إليه إلى ~~شيء مما يختلط بالجانب الوجداني من حياة الإنسان، فهكذا يراد ~~للكلمات أن تخلو من شحنتها العاطفية الشعورية كلها حين يراد ~~لها أن تكون أداة في نقل المعرفة العلمية، أو المعرفة ~~الإخبارية التجريبية بمعنى أوسع، وفي هذا المجال العلمي وحده ~~نسوق الآن الحديث. # فإذا نظرنا إلى الكلمات هذه النظرة التي نريدها، لم تكن إلا ~~أحداثا كأي أحداث أخرى مما يقع في عالم الحس؛ فالكلمة ~~المسموعة هي صوت كأي صوت آخر، والكلمة المكتوبة هي قطرة من ~~مداد أو من غير المداد من المواد التي قد تكون الكلمة مكتوبة ~~بها؛ الكلمة - مسموعة أو مرئية - حدث يحدث في الطبيعة كأي ~~حدث آخر، وتكون وسيلة إدراكها هي الحواس التي هي نفسها وسيلة ~~إدراك سائر أحداث الطبيعة، فليس للكلمة المعينة «سر» إلا ~~ما يضيفه إليها الإنسان باتفاقه واختياره. # على أن الكلمة «الواحدة» ليست في الحقيقة «واحدة» إلا على ~~سبيل التجوز؛ فكلمة «قلم» - مثلا - وهي منطوقة إنما تخرج ~~من فم المتكلم موجات من هواء، وعندئذ تكون كأي موجات هوائية ~~أخرى، كائنا فيزيقيا تقاس طول موجاته ويوزن الهواء ~~المكون له، ويحلل إلى عناصره الذي هو مركب منها وهكذا، ~~ثم تطرق الكلمة أذن سامعها، وعندئذ تتحول إلى كائن آخر ذي ~~طبيعة أخرى؛ لأنها عندئذ ستكون اهتزازا - لا في الهواء ~~الخارجي - بل في أسلاك العصب وذرات المخ، إنها عندئذ فقط ~~تكون «صوتا»؛ لأن الهواء الخارجي لا يكون له صوت حتى ينتقل ~~إلى حركة في الأعصاب وخلايا المخ؛ فالكلمة باعتبارها صوتا ~~مسموعا هي في الحقيقة حدث كغيره من الأحداث التي تطرأ على ~~أجهزة الجسم؛ وبالتالي فهي إن اتخذت موضوعا للبحث كانت من شأن ~~علماء وظائف الأعضاء. والمهم هنا هو أن نشير إلى الفارق الكبير ~~من حيث طبيعة التكوين بين الكلمة وهي «منطوقة» وبينها وهي ~~«مسموعة»؛ فالحوادث الفيزيقية التي تحدث في العالم الطبيعي حين ~~ينطق الناطق بكلمة «قلم»، ليست هي بذاتها الحوادث الفسيولوجية ~~التي تحدث في الجهاز العصبي حين يسمع السامع صوت هذه ~~الكلمة. # أما إذا كتبت على الورق كلمة ms084 «قلم» كنت في مجال آخر مختلف ~~عن المجالين السابقين كل الاختلاف؛ لأنك عندئذ تكون بصدد ~~علامة من المداد، وليست ذرات المداد المتجمعة على الورق ~~في كلمة «قلم» شبيهة أدنى شبه باهتزاز الهواء في حالة نطق ~~الكلمة أو بحركة الأعصاب في حالة سمعها؛ وإذن فاللفظة ~~«المكتوبة» نوع من الحوادث الفيزيقية يقع في عالم الطبيعة ~~كأشباهه من الحوادث التي تنتج عن تجمعات للذرات المادية ~~في هذا الجسم أو ذاك؛ فإذا وقعت عليها عين الرائي بحيث أصبحت ~~«مقروءة» نشأت مجموعة أخرى من الحوادث في الجهاز العصبي ~~وذرات المخ، بادئة هذه المرة من العين؛ فللكلمة «الواحدة» - إذن - أربع صور، وكل صورة منها مؤلفة من مجموعة معينة من ~~حوادث الطبيعة أو الجهاز العصبي. على أن هذه المجموعات الأربع ~~تختلف إحداها عن الأخرى اختلافا بعيدا، بحيث لا يمكن أن يقال ~~عن إحداها إنها هي نفسها الأخرى إلا على سبيل التجوز وبمقتضى ~~اتفاق خاص بين من يستخدمون هذه الرموز في التفاهم، وإلا ~~فهل تحتم البداهة أن يكون الهواء المتموج عند نطق كلمة «قلم» ~~مقابلا لقطرة المداد التي أخط بها على الورق كلمة «قلم» ~~بهذه الصورة المعينة؟ ولكن التلازم الشديد المطرد بين ~~«نطق» الكلمة و«كتابتها» أو بين «سمعها» و«رؤيتها»، قمين أن ~~يخدعنا عن حقيقة الموقف بحيث نحسب أنها شيء واحد بعينه لا ~~يتغير؛ فهو هو الكلمة الفلانية المعينة سواء جاءت نطقا أو ~~ترقيما على الورق، سمعا بالأذن أو رؤية بالعين. # قارن بين الكلمة «الواحدة» في حالتي النطق بها وكتابتها، ~~تجدها في الحالة الأولى مجموعة من حوادث (اهتزازات في الهواء) ~~تتعاقب على فترة معينة من الزمن، بحيث إذا حدث آخر جزء من ~~الكلمة كان أولها حدثا ماضيا، وأما الكلمة في حالة ~~الكتابة فهي مجموعة من ذرات مادية تجمعت في حيز ~~معين من المكان؛ فلئن كان «الزمن» جانبا هاما في الكلمة ~~المنطوقة ف «المكان» جانب هام في الكلمة المكتوبة؛ الكلمة ~~المنطوقة لا تكون أبدا قائمة معا في لحظة واحدة، وأما ~~الكلمة المكتوبة فتكون كلها قائمة معا في حيز مكاني ~~واحد. ms085 العلاقة الكائنة بين أجزاء الكلمة المنطوقة هي علاقتا ~~«قبل» و«بعد»، فتقول عن حدث من حوادثها إنه يقع في «الزمن» قبل ~~حدث آخر أو بعده، وأما في الكلمة المكتوبة فالعلاقات بين ~~أجزائها مكانية، فتقول عن جزء إنه «على يمين» جزء آخر أو «على ~~يساره» أو «فوقه» أو «تحته». أرأيت إذن أن الكلمة المنطوقة ~~كائن طبيعي يختلف عن الكلمة المكتوبة التي هي أيضا كائن ~~طبيعي؟ # وأمضي في المقارنة بينهما ليزداد الفرق وضوحا إذ يزداد ~~اتساعا؛ فقد كانت الكلمة المكتوبة (إلى ما قبل التسجيل ~~الصوتي) أبقى وأدوم وأوسع انتشارا من الكلمة المنطوقة؛ لأن ~~الأولى حالة في حيز من مكان على قطعة من الورق مثلا، ~~فستبقى ما بقيت هذه القطعة من الورق، ثم هي ستتسع نطاقا ~~كلما انتقلت قطعة الورق من مكان إلى مكان، وأما الكلمة ~~المنطوقة فمحدودة الزمن لأنها تزول بزوال فترة نطقها، ومحدودة ~~الانتشار لأنها مقيدة بقدرة الأذن على السمع، ولكن جاء ~~التسجيل الصوتي - وهو في الحقيقة ضرب من الكتابة بوجه من ~~وجوهها؛ لأنه تخطيط على شريط - ففقدت الكلمة المكتوبة شيئا من ~~أهميتها بالنسبة إلى الكلمة المنطوقة؛ إذ يمكن للكلمة المنطوقة ~~الآن أن تسمع في أرجاء العالم كله دفعة واحدة، وأن تبقى ~~مسجلة على شريطها أمدا طويلا، ومن يدري؟ فلعل يوما ~~يجيء، حيث تسجل الوثائق والمعاهدات على أشرطة وأسطوانات، ~~وتكون التوقيعات فيها صوتية، فينطق كل متعاقد باسمه، وربما جاء ~~وقت قريب يسجل فيه المؤلف أفكاره لا بالكتابة على الورق، ~~بل بالنطق أمام جهاز التسجيل الصوتي. إننا نقول هذا كله ~~للتفرقة بين الكلمة المنطوقة والكلمة المكتوبة، ويمكن أن نقول ~~شيئا كهذا للتفرقة بين مجموعة الحوادث التي تكون الكلمة وهي ~~مسموعة وبينها وهي مقروءة، نقول هذا كله لننتهي بالقارئ إلى ~~التفرقة الواضحة بين الكلمة «الواحدة» في صورها المختلفة ~~ليعلم أنها ليست في الحقيقة «واحدة». # 1 # على أن هذه الوحدانية المزعومة للكلمة «الواحدة» تمحي حتى ~~في كل صورة على حدة من الصور الأربع التي ذكرناها؛ أعني أننا ~~لو أمعنا النظر في الكلمة وهي منطوقة فحسب، ms086 وجدناها أبعد ما ~~تكون عن «الكلمة الواحدة». وخذ مرة أخرى كلمة «قلم» مثلا؛ ~~فأولا ليست هي حدثا واحدا بسيطا يعز على التحليل ~~الطبيعي إلى ما هو أبسط منه، بل النطق بهذه الكلمة مرة واحدة ~~هو في الحقيقة مجموعة من حركات يهتز بها اللسان والحلق ~~والأحبال الصوتية، هي مجموعة من حركات متتابعة كما تكون القفزة - مثلا - مجموعة من حركات، وكما يكون المشي مجموعة من ~~حركات، والأكل مجموعة من حركات، وهكذا. # هذا، والكلمة منطوقة مرة واحدة، ولكن الإنسان الواحد ينطق بها ~~مرات عدة، دع عنك الحالات التي لا تحصى حين ينطق بها سائر ~~الأفراد، أتقول مثلا إن هنالك في عالم الحوادث قفزة واحدة ~~أو مشية واحدة أو أكلة واحدة، ما دامت مجموعات الحوادث التي ~~تتكون منها كل قفزة أو كل مشية أو كل أكلة شبيهة بمجموعات ~~الحوادث التي تتكون منها سائر القفزات والمشيات والأكلات؟ ~~إنني أجمع حالات القفز كلها في كلمة واحدة على سبيل التجوز ~~والتيسير، وإلا فكل حالة فردية من حالات القفز مجموعة من ~~الحركات قائمة بذاتها، قد تختلف، بل لا بد أن تختلف قليلا أو ~~كثيرا عن حالات القفز الأخرى؛ قل هذا في كل فعل، بما في ذلك ~~الأفعال التي هي حالات النطق بكلمة معينة، كالنطق بكلمة ~~«قلم»، فها هنا أيضا تكون كل حالة من حالات النطق مجموعة ~~حركية قائمة بذاتها، قد تختلف، بل لا بد أن تختلف قليلا أو ~~كثيرا عن حالات النطق بها في لحظات أخرى؛ فنحن إذ نقول إن ~~الكلمة المنطوقة «قلم» كلمة «واحدة»، فإنما نعني في الحقيقة ~~أنها أسرة كبيرة من أفراد متشابهة؛ فوحدانيتها أمر اتفاقي ~~نراعي فيه تيسير التفاهم والتعامل، ولا نراعي فيه دقة ~~التحليل. # وكما أن اللفظة الواحدة «قلم» هي في الحقيقة ملايين الحالات ~~من اللفظ المنطوق ليست هي بالبداهة متطابقة تطابقا ذاتيا، ~~بل هي متشابهة تشابها أجاز لنا أن نقول عنها إنها لفظة ~~«واحدة»، فكذلك قل في الحالات الثلاثة الأخرى للكلمة، أعني ~~حالات «سمعها» و«كتابتها» و«قراءتها»؛ إذ إنها في كل واحدة من ~~هذه ms087 الحالات الثلاث ليست «واحدة»، بل هي ملايين الصور التي ~~تتشابه؛ فأنت تسمع كلمة «قلم» سمعا يختلف كل مرة باختلاف ~~طريقة نطقها، ومع ذلك تراك تتجاهل الفوارق بين هذه المسموعات ~~المختلفة، تتجاهل الفوارق لأن أوجه الشبه أقوى من أوجه ~~الاختلاف. وتعد هذه المسموعات الكثيرة المختلفة كأنما هي ~~حالة سمعية واحدة، هي ما تسميه لفظة «قلم». وقل هذا بعينه ~~في حالتي الكتابة والقراءة؛ فملايين الناس يكتبون كلمة «قلم» ~~على صور تعد بالملايين، لاختلاف الناس في طريقة الكتابة ~~حتى في اللغة الواحدة، اختلافا يمكن الخبراء من معرفة ~~الكاتب بطريقة كتابته كما يعرفونه بملامح وجهه وبصمات أصابعه، ~~ولكن أوجه الشبه بين هذه الصور الكثيرة لكتابة الكلمة أقوى من ~~أوجه الاختلاف؛ ولذلك نعد هذه الصور كلها وكأنما هي صورة ~~واحدة لكلمة واحدة. # كلمة «قلم» - إذن - ليست كلمة «واحدة» كما يسهل على الناس ~~أن يظنوا، بل كما يسهل على الفلاسفة أنفسهم أن يزعموا حين ~~يزعمون أن هنالك كلمة «واحدة» من ناحية، ومسميات كثيرة هي ~~أفراد النوع المسمى من ناحية أخرى، ثم يجعلون المشكلة ~~الفلسفية في هذا الصدد هي: كيف أمكن لكلمة واحدة أن ~~تسمي أفرادا كثيرة؟ أو بعبارة أخرى: ما طبيعة الاسم ~~الكلي؟ وهم يقصدون ب «الاسم الكلي» اسما واحدا يطلق على ~~أفراد النوع كلها، لكن ها نحن أولاء قد رأينا أن الاسم في ~~الحقيقة ليس واحدا، بل هو مجموعة ضخمة من حالات مختلفة من ~~طرائق النطق والكتابة وصور السمع والقراءة، ويقابل هذه ~~المجموعة الكبيرة من ناحية الكلمة مجموعة كبيرة ضخمة من ناحية ~~المسميات. ونعود إلى مثال «القلم» فنقول إن هنالك في عالم ~~الحوادث الواقعة أسرتين كبيرتين جدا نجعل الواحدة منها ~~دالة على الأخرى؛ فمن جهة هناك أسرة أفرادها هي حالات ~~الكلمة، ومن جهة أخرى هناك أسرة أفرادها هي الأقلام القائمة في ~~عالم الأشياء، وأي فرد من أفراد الأسرة الأولى يكون دالا على ~~أي فرد من أفراد الأسرة الثانية؛ فلفظ «القلم» في أي صورة من ~~صوره الأربع (منطوقا أو مسموعا أو مكتوبا أو مقروءا)، وفي ~~أي ms088 حالة من ملايين الحالات التي تتبدى فيها كل صورة من تلك ~~الصور، كاف للدلالة على أي قلم على كثرة ما هنالك من أقلام ~~وعلى اختلاف ما بينها من صفات. # لكن ما أيسر الوقوع في الخطأ هنا، لا أقول بين عامة الناس، ~~بل بين الفلاسفة أنفسهم، بحيث يظنون أن هنالك كلمة واحدة، هي ~~كلمة «قلم» من ناحية، وأسرة كبيرة من الأقلام من ناحية أخرى، ~~ثم يسألون بعد ذلك هذا السؤال: أين مسمى هذه الكلمة ~~الواحدة؟ افرض أننا أطلقنا على كل قلم من مجموعة الأقلام ~~اسما خاصا به يميزه من سائر الأقلام - كما نفعل في أفراد ~~الإنسان مثلا - فها هنا سيكون لكل قلم فرد اسمه الجزئي ~~الخاص به، فماذا يكون مدلول لفظ «قلم» العام عندئذ؟ لا شيء. ~~أيكون لكل اسم جزئي مسماه، ولا يكون لهذه الكلمة العامة ~~مسمى؟ كلا - هكذا يفكر الأفلاطونيون - بل لا بد أن يكون ~~لهذه الكلمة الكلية مسمى كذلك في العالم الخارجي ليكون ~~شأنها في ذلك - على الأقل - شأن أسماء الأفراد؛ وإذن فلا بد أن ~~يكون هنالك في العالم الخارجي «قلم» عام يقابل هذا الاسم ~~العام، وهذا «القلم العام» يختلف عن الأقلام الفردية في ~~اقتصاره على الصفات الرئيسية التي تجعل من القلم قلما، ~~واستغنائه عن الصفات العرضية التي إن وجدت في قلم ما ~~فقد لا توجد في غيره من الأقلام، ويسمون هذا «القلم ~~العام» مثال القلم أو فكرة القلم، ولكن أين نجد هذا المثال أو ~~هذه الفكرة؟ إنها بالبداهة لا تكون في عالمنا الأرضي لأنه عالم ~~قوامه الجزئيات المحسوسة؛ وإذن فلا بد أن يكون إلى جانب هذا ~~العالم الأرضي عالم آخر يكون قوامه الأفكار العامة أو المثل. ~~وهكذا يؤدي خطأ التحليل لطبيعة الكلمة إلى خطأ في النتيجة ~~التي ننتهي إليها. ولو عرفنا منذ البداية أن الكلمة «الواحدة» ~~ليست في الحقيقة واحدة، بل هي ملايين الحالات لتطابق ملايين ~~الأفراد الجزئية، كل حالة من اللفظ تقابلها حالة جزئية من ~~أفراد المسميات، لما اضطررنا إلى سؤالنا: ماذا عسى أن ~~يكون مسمى هذه ms089 الكلمة «الواحدة» العامة، وبزوال السؤال تزول ~~المشكلة ونجتنب الوقوع في الخطأ. # 2 # إذا كان الذي بين أيدينا هو مجموعتان من الأشياء - وإن شئت ~~دقة في التعبير فقل إن بين أيدينا مجموعتين من الأحداث - ~~فمجموعة منها هي الصور والحالات التي تكون عليها الكلمة، ككلمة ~~«قلم» - مثلا - ومجموعة أخرى هي أفراد الأقلام، ثم إذا كنا ~~قد جعلنا المجموعة الأولى دالة على المجموعة الثانية، فلنا ~~الآن أن نسأل: ما الذي يبرر لحدث من أحداث الطبيعة أن يكون ~~«اسما» ولحدث آخر أن يكون مسمي؟ إذا كان الاسم ومسماه ~~من طبيعة واحدة، فكلاهما أحداث طبيعية تطرأ على المادة - وهل ~~هناك فرق جوهري بين الذرات المادية التي اجتمعت معا ~~فكونت قلما، وبين الذرات المادية التي اجتمعت معا في ~~قطرة المداد التي نكتب بها كلمة «قلم»؟ - أقول إذا كان الاسم ~~ومسماه كلاهما من طبيعة واحدة لأن كليهما من أحداث، فما ~~الذي يجعل واقعة طبيعية اسما دالا على واقعة طبيعية ~~أخرى؟ # الجواب هو: الاتفاق الصرف؛ فليس في أية لفظة في الدنيا ~~سر خفي يحتم أن تدل على ما تدل عليه، اللهم إلا ما قد ~~تواضع عليه الناس من أن يكون «صوت» معين دالا على شيء ~~معين، أو أن تكون صورة مدادية معينة دالة على شيء ~~معين؛ فاللفظة المنطوقة هي في طبيعتها صوت كأي صوت آخر، هي ~~صوت كما أن حفيف الشجر صوت، وزمجرة الهواء على صخور الجبل صوت، ~~وخرير الماء أو هديره صوت، وقرقعة الرعد صوت، وهكذا؛ هي في ~~طبيعتها صوت كأي صوت آخر مما يخرج عن حنجرة الإنسان، كصرخة ~~الصارخ وقهقهة الضاحك، فما الذي يميزها من سائر الأصوات ~~بحيث تصبح - دونها - لفظا ذا مدلول؟ الجواب هو: الاتفاق ~~الصرف ولا شيء غير ذلك، وللناس أن يغيروا من اتفاقهم ~~كيفما شاءوا وفي أي وقت شاءوا، إنه لا فرق بين أن يتفقوا على ~~أن تكون كلمة «أحمر» دالة على اللون الذي نطلق عليه هذه ~~التسمية، وبين أن يتفقوا على أن يكون النور الأحمر في علامات ~~المرور دالا على وجوب الوقوف ms090 عن السير، في كلتا الحالتين كان ~~يمكن أن يتغير الاتفاق؛ لأنه في كلتا الحالتين ليس في طبيعة ~~«الرمز» شيء يحتم أن يكون دالا على ما اتفق الناس أن يدل ~~عليه. # وجدير بنا في هذا الموضع أن نفرق بين «العلامة الطبيعية» ~~و«الرمز الاتفاقي»؛ فإذا كان البرق علامة طبيعية تدل على أن ~~صوت الرعد وشيك الوقوع في الأسماع، أو كان شحوب الوجه علامة ~~طبيعية على المرض، وهكذا، فإن أمثال هذه العلامات الطبيعية ليست ~~من صناعة الإنسان ولا رهن اتفاقه، بل إن العلامة ودلالاتها ~~كليهما من الحوادث الطبيعية المقترنة، سواء أراد لها الإنسان أن ~~تقترن أو لم يرد. وأما «الرمز الاتفاقي» فغير ذلك؛ فالناس هم ~~الذين اتفقوا على أن يكون الثوب الأسود رمزا للحداد، وأن ~~يكون الأبيض رمزا للنقاء، وأن يكون صوت جرس معين رمزا ~~لعربة الإسعاف، وصوت جرس آخر رمزا لقيام القطار؛ كل هذه رموز ~~اتفاقية لم يكن هنالك في طبائع الأشياء ما يحتم أن نجعلها ~~دالة على ما هي دالة عليه، ولا ما يمنع أن نستبدل بها ~~رموزا أخرى تدل على ما هي دالة عليه - وكلمات اللغة هي من ~~قبيل الرموز الاتفاقية في دلالتها، وليست من قبيل العلامات ~~الطبيعية. # يقول الجرجاني في كتابه «دلائل الإعجاز»: إن الكلمة ~~المفردة في دلالتها على معناها ليست من إملاء العقل، بل هي ~~محض اتفاق؛ «فلو أن واضع اللغة كان قد قال «ربض» مكان «ضرب» ~~لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد» (ص39). وليس هنالك «صواب» ~~أو «خطأ» في دلالة الكلمة على مسماها الذي اتفق الناس على ~~أن تدل عليه، وإنما يبدأ الصواب أو الخطأ في استعمال الناس ~~لهذه الكلمة بعد أن تم بينهم الاتفاق على استعمالها؛ فإذا كنا ~~قد اتفقنا على أن يكون لفظ «قلم» دالا على هذه الأداة ~~المعينة التي نكتب بها، أصبح من الخطأ أن نستخدم هذه اللفظة ~~لغير ما وضعت له، إلا إذا نبهنا السامع أو القارئ ~~للتغيير الذي أحدثناه في معناها. # ليس للكلمات من قوة سوى أنها رموز تدل على ms091 ما اتفقنا أن ~~تدل عليه، فليس فيها وراء ذلك سر ولا سحر، ما دمنا ~~نستخدمها للتفاهم لا لغرض فني أو وجداني آخر. ليس لكلمة ~~«سمسم» في التفاهم إلا أن تكون دالة على البذور المعروفة ~~بهذا الاسم، أما أن يكون لها من السحر ما ينفتح له الجبل ~~الأصم فشيء يحكى ليشبع الخيال لا ليخدم أغراض العقل. ~~يقول لويس كارول في كتابه الفكه الممتع الذي يحكي فيه عن ~~مغامرات «ألس» في أرض العجائب: # قال «همتي دمتي»: أرأيت هذا المجد؟ # فقالت ألس: لست أدري ماذا تعني بكلمة «المجد»! # فابتسم لها «همتي دمتي» ابتسامة المزدري، وقال: بالطبع ~~أنت لا تعلمين معناها حتى أدلك أنا على هذا المعنى، فقد ~~قصدت بكلمة «المجد» نقاشا أهزم فيه معارضي هزيمة ~~ساحقة. # فقالت «ألس» معترضة: لكن كلمة «المجد» ليس معناها هزيمة ~~العدو في المجادلة هزيمة ساحقة. # فأجابها «همتي دمتي» في نغمة الساخر: إذا استخدمت أنا كلمة ~~لتدل على شيء معين، فإنها لا تعني إلا ذلك الشيء الذي ~~قصدت بها إليه، لا أكثر ولا أقل. # إن هذه السخرية الجادة التي أوردها لويس كارول على لسان ~~«همتي دمتي» هي الصواب بعينه؛ فمدلول الكلمة إنما يتحدد بعد ~~الاتفاق، ولا يكون إلا ما قد تم عليه الاتفاق. ولقد كان «مارك ~~توين» يتفكه فكاهته الحلوة حين صور آدم وحواء جالسين تمر ~~أمامهما صنوف الحيوان ليطلقا على كل صنف منها اسما يعرف ~~به بعدئذ، ومر حيوان وأخذت آدم حيرة بماذا يسميه، ~~فسأل حواء: بماذا نسمي هذا الحيوان؟ فأجابته حواء: نسميه ~~«حصانا». فسألها آدم: وفيم اختيارك هذا اللفظ دون سواه؟ ~~فقالت: لأني أرى هذا الحيوان يشبه الحصان. أقول إن «مارك ~~توين» كان يتفكه فكاهته الحلوة بهذه الصورة وهذا الحديث من ~~أولئك الذين قد يتوهمون أن للكلمة معنى أزليا سابقا على ~~اتفاق الناس عليها وعلى ما يكون معناها؛ فالشيء يسبق اسمه في ~~الوجود، حتي إذا ما وجد ورأي الناس ضرورة الاتفاق على لفظ ~~يسميه اتفقوا جزافا على لفظ كائن ما كان، وفي ذلك يقول ~~شيكسبير قوله المشهور: ms092 «ماذا في اسم؟ إن ما قد أطلقنا عليه اسم ~~وردة كان سيظل على رائحته الزكية مهما يكن الاسم الذي أطلقناه ~~عليه.» # وكأنني أسمع القارئ يهمس لنفسه بأن هذا الذي نقوله إن هو إلا ~~البدائه، وهل هناك من يقول عن اللفظة إنها تعني غير ما اتفق ~~الناس على أن تعنيه؟ مع أن هذا القارئ نفسه - في أغلب الظن - ~~سيكون بين الساخطين الغاضبين الناقمين إذا ما رآني أتطلب منه ~~التطبيق الكامل لهذا المبدأ، فإذا وردت في حديثنا - مثلا - ~~كلمة «عقل» طالبته بأن يحدد لي الشيء المسمى بهذه ~~الكلمة والذي بغيره لا يكون للكلمة معنى، أو وردت كلمة «شعور» ~~أو كلمة «قوة» أو ما إلى ذلك من كلمات، طالبته بتطبيق المبدأ، ~~وأغلب الظن عندئذ أنه سيغضب من هذه «السفسطة»، فكيف أطالبه ~~بمدلول لفظة «عقل» والأمر هنا لا يحتاج إلى ريبة؟ إنه لن ~~يرضيه مني أن أجعل مدلول هذه اللفظة حركات معينة ~~يتحركها البدن أو يتحركها اللسان إذ هو ينطق بعبارات ~~معينة، أو أن أجعل مدلول هذه اللفظة ذرات من مداد ~~تجمعت على ورق أو تجمعت من طباشير على سبورة، لن ~~يرضيه شيء من هذا؛ لأن هذه كلها - عنده - أمور ظاهرة، ~~وأما العقل فكائن غيبي خفي قائم وراء هذه الظواهر كلها؛ ~~فليس «العقل» هو العبارات اللغوية، إنما هو الذي يوحي بها ~~ويمليها، لكننا سنصر على تطبيق المبدأ بحذافيره؛ المبدأ ~~الذي ظنه أول الأمر من البدائه التي لا تكون موضع ريبة؛ أعني ~~المبدأ الذي يقول إن الكلمة كائنة ما كانت ما دامت تساق ~~لتسمي شيئا فلا بد أن يكون هنالك الشيء المسمى، وإلا ~~كانت كلمة بغير معنى. لا بد أن يكون هنالك طرفان؛ طرف الرمز ~~من جهة، وطرف الشيء المرموز إليه من جهة أخرى ليتم للغة ~~التفاهم ما جاءت من أجله. # إن من أفحش الخطأ أن يظن ظان بأن الكلمة من كلمات اللغة ~~هي في حد ذاتها ضمان كاف لوجود مدلولها؛ لأن الإنسان - لسوء ~~حظه - قد أكثر في حديثه من الألفاظ التي راح الناس يتداولونها ms093 ~~دون أن يكون لها من المدلولات في عالم الأشياء ما يجعلها ~~ألفاظا كاملة الأداء. وقد تسأل: ومن ذا اضطره إلى خلق رموز ~~لا يكون لها في حياته أشياء يرمز بها إليها؟ ونجيبك بأنه إنما ~~فعل ذلك ليعبر عن أوهامه وأحلامه، فأطلق طائفة من الرموز ~~ليشير بها إلى طائفة من أوهام وأحلام؛ فهو يخاف الوحدة ~~والظلام - مثلا - ويخاف أن يكون هنالك في جوف الظلام كائنات ~~خفية تتربص به؛ وإذن فليطلق أسماء على هذه الكائنات. ولا ~~غبار على ذلك ما دام المتكلم والسامع على وعي تام عند ~~استخدام هذه الأسماء وما إليها بأنها إنما أطلقت على ~~أوهام؛ وعندئذ يؤخذ الكلام من زاويته الفنية من حيث ~~استثارته لضرب من المشاعر أحسها المتكلم وأراد أن يثير ~~مثلها في نفس سامعه. أما أن ينسى المتكلم أو السامع ذلك، بحيث ~~لا يري فرقا بين كلمتي «عفريت» و«منضدة»، ويظن أن كلا ~~منهما اسم دال على شيء، كأنما وجود الاسم بذاته كفيل لنا ~~بوجود مسماه، فهو بهذا بمثابة من يخلق الصنم ثم يخشاه ~~ويعبده؛ فالكلمات - كما يقول هوبز - وسيلة يستخدمها العاقلون ~~أدوات للحساب والعد، أما الغافلون فيجعلونها هي نفسها النقود ~~التي يعيشون بها وعليها. الكلمات لا تقصد لذاتها (إلا في ~~مجال الفن)، بل تقصد من أجل ما تشير إليه من أشياء، ومن كانت ~~ثروته ألفاظا لا تشير إلى شيء كان هو الفقير المدقع الذي لا ~~يملك من دهره شيئا. # 3 # على أن الرموز اللغوية التي نستخدمها - بل التي لا بد أن ~~نستخدمها - دون أن تكون بذاتها كفيلة لنا بوجود مسميات لها، ~~أكثر جدا من الأسماء التي نسمي بها كائنات نسجها لنا ~~الخيال كالعفريت والعنقاء وما إليها، هي أكثر جدا من هذا، بل ~~هي توشك أن تكون ألفاظ اللغة كلها إذا استثنينا عددا قليلا ~~منها وهو أسماء الأعلام، وسنبين لك فيما يلي كيف تكون ~~الكثرة الغالبة من ألفاظ اللغة رموزا ناقصة - بتعبير برتراند ~~رسل - أي إنها رموز وضعت دون أن تكون بذاتها ضمانا مؤكدا ~~لوجود الأشياء التي ترمز إليها. ms094 # ولنبدأ أولا بشرح الرمز الكامل الذي هو الرمز الذي نطلقه ~~على مسمى محدد جزئي معلوم، بحيث إذا ذكر الرمز عرف ~~الشيء المرموز إليه في عالم الأشياء معرفة جازمة حاسمة لا ~~لبس فيها ولا ازدواج. # وأول ما يرد إلى الذهن من هذا القبيل هو أسماء الأعلام؛ أي ~~الأسماء التي نطلقها على هذا الفرد من الناس أو ذاك، على هذا ~~النهر أو ذاك، وهكذا، كاسم «العقاد» يميز فردا من الناس ~~دون سائرهم، واسم «النيل» يميز نهرا معينا، واسم ~~«المقطم» واسم «القاهرة»، إلى آخر هذه الأسماء الجزئية ~~الفردية التي يقال إنها تشير بكل واحد منها إلى فرد ~~واحد. # لكن نظرة تحليلية سرعان ما تبين لنا أن ما قد ظنناه ~~«فردا» ليس هو في الحقيقة إلا سلسلة طويلة من حالات جزئية؛ ~~فليس «العقاد» فردا بمعنى أنه حالة واحدة معينة كانت بالأمس ~~هي نفسها ما هي عليه اليوم وما ستكون عليه غدا؛ فلقد كان ~~«العقاد» طفلا فشابا فرجلا، وكان آنا مريضا وآنا صحيح ~~البدن، كان آنا في السجن وآنا طليقا، هو الآن سائر في ~~الطريق، وكان منذ لحظة جالسا يقرأ، وسيكون بعد حين ممسكا ~~بقلمه يكتب؛ هي سلسلة من حالات لا ينتهي عددها إلى حد ~~معلوم. وكذلك قل في «النيل» الذي ظنناه شيئا واحدا من ~~أشياء العالم، إنه يغير من مائه في كل لحظة، بل في كل ~~معشار من اللحظة الواحدة، إن ماءه متدفق فلا يكون الماء ~~الآن في هذه النقطة المكانية من مجراه هو نفسه الماء الذي كان ~~فيها منذ لحظة، ولن يكون هو الماء الذي سيكون فيها بعد لحظة. ~~وما أصدق الفيلسوف اليوناني القديم هرقليطس حين أشار إلى هذه ~~الحقيقة المتغيرة بقوله إنك لا تضع قدمك في النهر مرتين، ~~مشيرا بذلك إلى أن واضع قدمه في الماء إذا ما رفعها ثم ~~غمسها مرة أخرى لقيت قدمه في هذه المرة الثانية ماء جديدا ~~كأنما هو بالنسبة إليها نهر جديد. # وإذا كان ذلك كذلك، فما تسميتنا ألوف الألوف من الحالات ~~المتعاقبة باسم واحد، فنقول «العقاد» ms095 أو «النيل» كأنما نحن ~~مشيرون بكل اسم منها إلى حالة واحدة من حالات هذا العالم ~~الزاخر؟ إننا لو أردنا مجموعة رمزية كاملة لنشير بها إلى ~~حالات العالم واحدة واحدة، لجعلنا لكل حالة من سلسلة الحالات ~~التي تكون «العقاد» ولكل حالة من سلسلة الحالات التي تكون ~~«النيل» اسما خاصا؛ وعندئذ فقط يكون لكل اسم مسماه ~~الجزئي الواحد، فلا تزدوج المسميات ولا تتعدد للاسم ~~الواحد. وشيء كهذا هو ما يصنعه الجغرافيون حين يريدون تحديد ~~نقطة معينة من الأرض، إنهم لا يقولون «القاهرة» - مثلا - لأن القاهرة مسطح كبير من الأرض، وإنما يقولون التقاء خط ~~طول 32 بخط عرض 30، لكننا إن استطعنا من الوجهة النظرية ~~المنطقية وحدها أن نتصور لكل حالة جزئية في هذا العالم رمزا ~~لغويا يشير إليها دون سواها، بحيث لا يشير الرمز الواحد ~~لأكثر من حالة جزئية واحدة في الشيء الواحد، وبحيث لا يكون ~~هنالك رمزان لغويان مشيرين كليهما إلى حالة جزئية واحدة، ~~أقول إننا لو تصورنا إمكان ذلك من الوجهة النظرية المنطقية، ~~فإن إجراءه من الناحية العملية متعذر أو مستحيل؛ ولذلك ~~اكتفينا بأن نطلق اسما معينا كاسم «النيل» - مثلا - على ~~مجموعة من الحالات الجزئية والحوادث الفردية قد يكون بينها ما ~~يبرر لنا أن نجمعها معا في حزمة واحدة لنطلق عليها اسما ~~واحدا، ومع ذلك فينبغي أن نكون على استعداد دائما إذا ما ~~طلب إلينا أن نشير إلى المسمى الذي أطلقنا عليه اسما ~~معينا، ك «العقاد» أو «النيل» أو «المقطم» أو «القاهرة»، أن ~~نجد الحالة الجزئية التي نشير إليها قائلين «هذا»، فليطلب مني ~~من شاء أن أعين له الشيء الذي أسميته «النيل» وسأصطحبه إلى ~~مكان معين من نهر معين، حيث سأكون وإياه إزاء إحدى حالات ~~ذلك النهر، وعندئذ سأشير إليه بإصبعي قائلا «هذا»، فيعلم ~~السائل أن لاسم «النيل» مسمى، وأنه لذلك رمز كامل على سبيل ~~التجوز المقبول؛ إذ إن الرمز الكامل هنا هو كلمة «هذا»؛ لأن ~~هذه الكلمة هي وحدها التي تحدد الشيء المشار إليه. ولا عجب ~~أن جعله «رسل» اسم ms096 علم بالمعنى الدقيق لاسم العلم؛ لأنه ~~يستحيل عليك أن تستخدم اسم الإشارة «هذا» استخداما يؤدي ~~إلى غرضه دون أن يكون هنالك الشيء الذي تشير إليه به. # ومع ذلك كله ، فحتى إذا عددنا أسماء الأعلام ك «العقاد» ~~و«النيل» وما إليهما رموزا كاملة على سبيل التجوز، فهذه ~~الأسماء نفسها قلة قليلة بالنسبة إلى سائر الرموز اللغوية ~~التي يستخدمها الناس فيما بينهم من تفاهم واتصال؛ لأن الكثرة ~~الغالبة من هذه الرموز هي ما يطلق عليه رجال المنطق اسم ~~«الكلمات العامة» أو «الأسماء الكلية»، مثل «إنسان» و«نهر» ~~و«جبل» و«مدينة» ... إلخ، وسنحلل لك فيما يلي هذه الكلمات ~~وأمثالها لنبين أنها رموز ناقصة ما في ذلك شك؛ أي إن الكلمة ~~منها ليست كفيلة بوجود مسماها؛ إذ قد يستخدمها الناس ~~استخداما يؤدي إلى الغرض المقصود كاملا، ومع ذلك فقد لا ~~يكون لها مسمى يقابلها في عالم الأشياء. # الاسم الكلي أو الكلمة العامة التي نطلقها لا لتدل على فرد ~~بعينه، بل نطلقها لتدل على مجموعة من الأفراد تجمع بينها ~~صفات مشتركة، هي في الحقيقة جملة بأسرها ضغطت في كلمة ~~واحدة، ولو حللنا مكنونها وأخرجناه لكان لنا بذلك عبارة ~~وصفية مجهولة الموصوف، وقد يكون هذا الموصوف الذي تشير إليه ~~العبارة الوصفية المضغوطة في الكلمة الكلية ذا وجود فعلي وقد ~~لا يكون له وجود؛ فكلمة «إنسان» - مثلا - تحليلها هو أن فردا ~~ما غير متعين صفاته هي كذا وكذا وكيت مما يجعل الإنسان ~~إنسانا، لكن من هو هذا الفرد؟ الجواب هو: أي فرد تلقاه مما ~~يوصف بهذه الصفات. ولكن ماذا لو بحثت عن فرد يحقق هذه ~~الصفات فلم أجد، كما هي الحال في اسم مثل «عفريت» أو «جبل من ~~الذهب»؟ الجواب هو: إذا بحثت عن فرد يحقق الصفات المقصودة ~~من الكلمة الكلية فلم تجد، ظلت الكلمة دالة على مجموعة من ~~الصفات لا تجد ما يلبسها من أفراد العالم الخارجي؛ أي إنها تظل ~~كالقالب الفارغ الذي لا يجد المادة المتعينة التي تملؤه؛ ~~وإذن فالكلمة الكلية - كما قلنا - هي عبارة وصفية مجهولة ~~الموصوف، ms097 فكأننا نقول إذ نقول كلمة كلية «س يتصف بكذا وكذا ~~من الصفات»، دون أن يقتضي ذلك وجود «س». وهذا هو معنى قولنا إن ~~الكلمة الكلية في الحقيقة رمز ناقص لا يدل بذاته على وجود ~~الفرد الذي يحقق مجموعة الصفات التي تدل عليها تلك ~~الكلمة. # فالاسم الكلي العام شأنه في دلالته شأن العبارة الوصفية ~~كائنة ما كانت، وليس شأنه في الدلالة شأن أسماء الأعلام التي ~~يتحدد لكل اسم منها مسماه. غير أن العبارات الوصفية ~~نوعان؛ فمنها ما ليست تنطبق الصفات الواردة فيها إلا على فرد ~~واحد، مثل قولنا «أول الخلفاء الراشدين»، ومنها ما تنطبق ~~الصفات الواردة فيها على أي فرد من مجموعة معينة، مثل قولنا ~~«خليفة المسلمين»، وفي كلتا الحالتين لا تحتم العبارة الوصفية ~~بذاتها أن يكون لها مسمى في عالم الكائنات الفعلية، بل تدل ~~على تركيبة وصفية قد تجد وقد لا تجد المسمى الذي يحققها ~~في الوجود الفعلي. # إنني لا أعرف غلطة في التحليل زلت فيها الفلسفة طوال ~~عصورها أفحش من هذه الغلطة؛ لفداحة ما يترتب عليها من النتائج ~~الخطيرة؛ فلك أن تركب من البناءات الوصفية ما شاء لك ~~خيالك، وأن تعبر عن هذه البناءات بلفظة واحدة أو بمجموعة ~~ألفاظ، لكن الذي ليس من حقك ولا من حق أي إنسان عاقل أن يجاوز ~~بناءه الوصفي ليقرر أنه ما دام هذا البناء قائما فلا بد أن ~~يكون هنالك الكائن الفعلي الذي تنطبق عليه المجموعة الوصفية، ~~ليس ذلك من حقك إلا إذا أعطيت حواسك كائنا فردا مما يشار ~~إليه بقولي «هذا»، وترى أن هذا الكائن الفرد يحقق بالفعل ما ~~كانت تدل عليه المجموعة الوصفية التي ركبتها وبنيتها في ~~رأسك. # الرمز اللغوي - كلمة كان أو عبارة - إن دل على مجموعة من ~~الصفات، فهو لا يقتضي بالضرورة أن يكون مسماه موجودا وجودا ~~فعليا؛ إذ قد يكون هنالك المسمى الذي تنطبق عليه تلك ~~الصفات وقد لا يكون؛ فقل - مثلا - «حصان أبيض ذو ذيل أصفر ~~وغرة سوداء» يكن لك بذلك بناء وصفي، لكن هذا البناء ~~الوصفي ms098 لا يقتضي بالضرورة أن يكون الكائن الموصوف موجودا ~~بالفعل أو غير موجود؛ فالحواس وحدها هي التي تدلني إن كان ~~لمثل هذا الكائن وجود بين الكائنات أو لم يكن. أي وضوح هو ~~أوضح من هذا المبدأ الذي نقرره - لا تعسفا - ولكن بحكم ~~طبيعة اللغة ذاتها وبحكم الخبرة التي نمارسها جميعا في ~~حياتنا الفكرية والعملية على السواء؟ ومع ذلك فقد أفلتت هذه ~~الحقيقة الواضحة الجلية من أنظار الفلاسفة فلم ~~يروها. # إن الرمز الوصفي «أول من وقف على قمة إفرست» مفهوم الدلالة ~~من حيث الصفات التي يشير إليها، ومع ذلك فقد لا يكون هنالك من ~~حقق هذه الصفات، بل إنه منذ أعوام قليلة جدا لم يكن قد صعد ~~إلى هذه القمة أحد بعد، فكان يمكن عندئذ للعبارة الوصفية أن ~~تقوم دون أن يكون هنالك الفرد الذي تشير إليه. وإنه لمما ~~يجدر ذكره في هذا السياق أن نزاعا طريفا قام - ولم يزل ~~قائما - عن الرجل الذي كان له حظ الوصول إلى قمة إفرست قبل أي ~~إنسان سواه؛ وذلك أن الرحالة «هلاري» الإنجليزي كان يستصحب ~~هنديا في صعوده الجبل، وكلاهما قد بلغ القمة في رحلة ~~صعودية واحدة، لكن من منهما كان السابق ومن كان اللاحق؟ كل ~~من الرجلين يدعي لنفسه الأسبقية في شهود القمة والوقوف ~~عليها. وأيا ما كان الأمر، فالعبارة الوصفية «أول من وقف على ~~قمة إفرست» لا تزال على دلالتها، سواء وجد الرجل الذي وقف ~~على القمة أو لم يوجد، وسواء كان هذا الواقف هو الرحالة ~~الإنجليزي أو زميله الهندي. # والأمر شبيه بذلك في أي اسم يكون مدلوله مجموعة من ~~الصفات؛ فعندئذ قد تجد من يثبت وجود المسمى وقد تجد من ~~ينكر؛ فكم من الباحثين في تاريخ الأدب من يقرر أن اسم ~~«هومر» لا يسمي أحدا بذاته، وكم منهم من يقرر أنه ~~يسمي؛ ذلك لأن «هومر» - وإن يكن اسما على هيئة أسماء ~~الأعلام - إلا أنه في الحقيقة دال على مجموعة وصفية، منها ~~مثلا إنشاء الإلياذة ومنها التجوال في القرى وهكذا، ولكن ~~السؤال لا ms099 يزال قائما: أتكون هذه المجموعة الوصفية قد ~~تجسدت في شخص بعينه هو الذي نطلق عليه اسم «هومر»، أم تكون ~~مجرد بناء وصفي بغير المسمى الواحد الذي تجسدت فيه؟ ولقد ~~قامت في مصر مشكلة من هذا النوع بين دارسي الأدب وتاريخه حول ~~امرئ القيس وغيره من شعراء الجاهلية؛ فمنهم من ذهب إلى أن ~~امرأ القيس اسم وهمي اخترع اختراعا لينسب إليه ما ينسب ~~من الشعر، ومنهم من يرد هذا الزعم بما ينفيه وما يؤيد ~~الوجود التاريخي الفعلي لامرئ القيس؛ فما معنى هذا فيما نحن الآن ~~بصدده؟ معناه أن مجموعة الصفات التي هي كل ما يقال عن امرئ ~~القيس قد يكون لها - منطقيا - من يلبسها من الأفراد وقد ~~لا يكون؛ ذلك لأن البناء الوصفي في حد ذاته لا يقتضي بالضرورة ~~أن يكون هنالك الفرد الذي يجسده؛ فالبناء الوصفي كالثوب ~~تراه معلقا، وإما أن يكون للثوب بعد ذلك لابس أو لا ~~يكون. # وانظر بعد ذلك إلى الكلمات الرئيسية التي عليها تدور الفلسفة ~~الميتافيزيقية، ترها جميعا من قبيل الرموز الدالة على ~~مجموعات من الصفات، لا من قبيل الأسماء الدالة على أفراد ~~جزئية مما يشار إليه بقولنا «هذا»؛ فهذه الفلسفة إنما تدور حول ~~«المطلق» و«الروح» و«النفس» و«الجوهر» و«الشيء في ذاته» وما ~~إلى ذلك. وواضح أن الكلمة من هذه الكلمات لا ترمز إلى كائن ~~جزئي مما يشار إليه بالإصبع، ولكن كل واحدة منها تلخيص مضغوط ~~لعدد كبير من الصفات؛ فلو سألت مثلا: ما المطلق؟ أجابك ~~المتكلم لا بالإشارة إلى أحد الموجودات الفعلية، بل بعدد من ~~الجمل؛ وقف عند ما شئت من هذه الجمل أو مكوناتها اللفظية ~~واسأل، وسيكون الجواب دائما بجمل أخرى وهكذا؛ ومعني ذلك أن ~~كلمة «مطلق» هي - كما قلنا - تلخيص لفظي لعبارات وصفية ~~كثيرة. وإذا كانت العبارة الوصفية لا تقتضي بالضرورة أن يكون ~~لمسماها وجود فعلي، كانت الكلمة بالتالي من قبيل الثوب الذي ~~يظل ينتظر من يلبسه؛ فحتى لو فهمنا كل الصفات المتضمنة فيه، ~~فهذا الفهم ليس دليلا على وجود الكائن الموصوف أو على ms100 عدم ~~وجوده، إلى أن تأتي خبرة حسية بعد ذلك فتقرر أحد ~~الشقين؛ فإن كان الكائن الموصوف بحكم وصفه ليس مما يقع في ~~خبرة حسية، ظلت أوصافه إلى أبد الآبدين بغير دليل على ~~وجوده. # 4 # قدمنا لك حتى الآن نوعين من الكلمات لتبين حدود الدلالة ~~لكل نوع منهما، وهما أسماء الأعلام من جهة والأسماء التي هي ~~في حقيقة أمرها مركبات وصفية من جهة أخرى، وقلنا في اسم ~~العلم بمعناه الشائع كاسم «العقاد» مثلا، إنه في الحقيقة ~~يجمع تحته ألوف الحالات التي هي الحالات التي مرت متتابعة ~~فكونت تاريخ حياة رجل هو الذي نطلق عليه اسم «العقاد»؛ ~~وإذن فما يظن أنه اسم يشير إلى فرد جزئي هو في الحقيقة رمز ~~يشير إلى سلسلة طويلة من الأحداث، ولو شئنا اسم علم بمعناه ~~الصحيح لجعلنا اسما لكل حالة جزئية من حالات العقاد. ولعل ~~اسم الإشارة «هذا» خير ما يدلنا على الحالة الجزئية الواحدة؛ ~~فكل حالة نستطيع أن نشير إليها بقولنا «هذا» أو «هذه» تكون هي ~~الحالة الجزئية الواحدة من حالات الفرد الواحد؛ ومعنى ذلك أننا ~~إذا شئنا أن نتبين إزاء اسم ما إن كان اسما يطلق على ~~فرد ذي وجود فعلي أو لم يكن، تحتم أن نتصور لذلك الفرد ~~حالة معينة جزئية يمكن الإشارة إليها في نقطة معينة من ~~نقاط المكان، وفي لحظة معينة من لحظات الزمن، قائلين: ~~«هذه.» # وكذلك قلنا في الكلمات التي هي في الحقيقة مركبات وصفية، ~~ومنها ما يكون المركب الوصفي فيه منطبقا على فرد واحد، ~~كقولنا «العدد الذي يقع بين 3، 5»، أو «القائد العربي الذي فتح ~~مصر»؛ ومنها ما يكون المركب الوصفي فيه مشيرا إلى أي فرد من ~~مجموعة متشابهة الأفراد، مثل قولنا «إنسان» و«نهر»؛ قلنا في ~~أمثال هذه الرموز الوصفية إنها لا تقتضي بالضرورة وجود ~~مسماها وجودا فعليا، فلا يكفي أن يكون الرمز اللغوي ~~قائما بيننا لنقول إن له مسمى في عالم الأشياء الواقعة، بل ~~لا بد أن يضاف إلى ذلك وقوعنا على الفرد الموصوف في الحالة ~~الأولى أو على ms101 أحد أفراد المجموعة الموصوفة في الحالة الثانية؛ ~~إذ لا فاصل هنا بين الكائن الوهمي والكائن الفعلي إلا شهادة ~~الحواس. # وننتقل الآن إلى ضرب ثالث من الكلمات هو أخطرها جميعا من ~~الناحية المنطقية، وإن لم تكن كلماته مما يشير إلى شيء إطلاقا ~~في عالم الواقع، وأعني به تلك الكلمات التي تصل أجزاء الكلام ~~بعضها ببعض وصلا تكون له دلالته في الاستدلال العقلي، ولا ~~تكون له إشارة إلى شيء واقع، مثل واو العطف، وكلمة «أو»، ~~وكلمة «إذا»، وكلمة «ليس»، وكلمة «كل»، وكلمة «بعض»، وما إليها؛ ~~فليس في العالم الخارجي شيء بين الأشياء اسمه «أو» أو شيء ~~اسمه «إذا» أو «ليس»؛ فإذا قلت إنني «رأيت البرق وسمعت الرعد»، ~~كان الذي حدث في عالم الواقع حدثان هما «رؤية» و«سمع»، وأما ~~«و» التي تصل بينهما فلم تكن حدثا ثالثا ولم تكن جزءا من ~~أي من الحدثين. وكذلك لو قلت «الشمس إما طالعة أو غاربة»، ~~كان الذي هو حادث في عالم الواقع أحد أمرين، ولما كنت أجهل ~~أيهما عبرت عن هذا الجهل بقولي «أو»، لكن عالم الأشياء لا ~~تردد فيه، إن فيه أمرا واحدا، ففيه الشمس طالعة أو فيه ~~الشمس غاربة، وأما التردد فحالة عقلية عندي أنا القائل الذي ~~يعلم أن أحد الأمرين لا بد واقع ثم لا يعلم أيهما ~~يكون. # وهم يسمون أمثال هذه الكلمات بالكلمات المنطقية أو ~~بالكلمات البنائية؛ لأن عملها مقصور على بناء العبارة اللغوية ~~بناء يجعل منها فكرة، واستعمالها يقتضي وجود كلمات سابقة ~~عليها في الوجود، فلا تستطيع أن تقول «مقعد أو منضدة» إلا ~~إذا عرفت أولا كلمتي «مقعد» و«منضدة»؛ ولذلك ترى أسماء ~~الأشياء يأتي تعلمها أولا في حياة الطفل ثم تأتي بعد ذلك ~~أمثال هذه الكلمات، فيستحيل أن يبدأ الطفل تعلمه للغة ~~بكلمة «أو» أو كلمة «إذا»، لكنه يبدأ بكلمات مما تسمي كل ~~كلمة منها شيئا مما يقع في خبرته، ثم يتعلم بعد ذلك كيف يبني ~~من هذه الكلمات الشيئية أفكارا باستخدامه للكلمات المنطقية ~~التي ذكرناها. # والكلمات المنطقية هي الركائز الثابتة ms102 التي تحدد «صورة» ~~الفكرة، بينما تحدد الكلمات التي هي أسماء أو صفات «مادة» ~~الفكرة؛ ففي قولنا - مثلا - «صيف وشتاء » تستطيع أن تستبدل ~~بكلمتي «صيف» و«شتاء» كلمتين أخريين فتتغير «مادة» الفكرة، ~~فنقول - مثلا - «حساب وهندسة» أو «قيس وليلى»، لكنك لا بد أن ~~تحتفظ بالكلمة المنطقية «و» إذا أردت أن تحتفظ للفكرة ~~«بصورتها»، بل تستطيع أن تسقط الكلمتين اللتين تحددان ~~مادة الفكرة، وتضع مكانهما رموزا متغيرة مثل «س» و«ص»، ~~وتحتفظ بواو العطف، فتحتفظ بصورة الفكرة كما هي، والصورة في ~~هذه الحالة هي: ««س» و«ص».» ولعلك تعلم أن تجريد الأفكار عن ~~«مادتها» وإبقاء «صورها» هو مما يبحث فيه المنطق؛ ولذلك فهو ~~كثيرا ما يسمى ب «المنطق الصوري» لأنه يهتم بالصورة بعد ~~إفراغ مادتها؛ لأن مقارنة الصور الفارغة بعضها ببعض أيسر من ~~مقارنة الأفكار وهي مليئة بمادتها، وهو إنما يهتدي إلى صورة ~~الفكرة لو اهتدى إلى متغيراتها من جهة وثوابتها من جهة ~~أخرى، فيسقط الأولى واضعا مكانها رموزا، ويبقي على ~~الثانية فتبقى له الصورة التي هي الإطار الأساسي المعد لأي ~~حشو يملؤه، فيكون هذه الفكرة أو تلك مما يقع كله تحت صورة ~~واحدة؛ فالصورة واحدة في عبارتي «حساب وهندسة» و«قيس وليلى»، ~~والصورة واحدة في عبارتي «الأربعاء أو الخميس» و«السينما أو ~~المسرح»، والصورة واحدة في عبارتي «إذا رأيت البرق سمعت ~~الرعد» و«إذا أمطرت السماء اخضر الزرع»، وهكذا. ولو اهتدى ~~المنطقي إلى مجموعة الصور المختلفات في فكر الإنسان، اهتدى ~~إلى العناصر الأساسية التي ينحل إليها ذلك الفكر. # إنه إذا اختلف فلاسفة المنطق في عصرين في تحليلهم للصور التي ~~يرد عليها الفكر الإنساني على اختلاف مادة ذلك الفكر، كان ~~اختلافهم ذلك دالا على اختلاف في مذاهبهم الفلسفية بصفة ~~عامة، وكان اختلافهم - بالتالي - دليلا على تغير الجو ~~الفكري كله في أحد العصرين عنه في العصر الآخر؛ فها هو ذا ~~أرسطو يستعرض الأفكار ويحللها، مسقطا متغيراتها ~~مبقيا على ثوابتها ليستخرج صور الفكر؛ فإذا بالتحليل ينتهي ~~به إلى أن العلاقة الثابتة في كل فكرة كائنة ما كانت، وهي ~~العلاقة التي ms103 تحدد صورة الفكرة مهما تكن مادة هذه الفكرة، هي ~~علاقة الموصوف بصفته، كأنما كل فكرة يمكن صبها في هذا ~~القالب: «س هي ص.» فقل - مثلا - «الحصان أبيض»، أو «الإنسان ~~عاقل»، أو «العدد 3 يقع بين العددين 4، 5»، أو «القاهرة أكبر من ~~الإسكندرية»، أو ما شئت من قول، تجد - في رأي أرسطو - أن قولك ~~يرتد إلى موضوع معين تصفه صفة ما؛ أي إن كل فكرة قوامها ~~موضوع ومحمول كما يقول أهل المنطق؛ وإذن فلا فرق من حيث الصورة ~~بين فكرة وفكرة مهما بعدت الفكرتان بعد ذلك في مادتهما؛ ففي كل ~~مثل من الأمثلة السابقة يمكنك أن تعيد الصياغة بحيث تصبح ~~الجملة «كذا هو كيت». # وإن كان ذلك كذلك، ثم إذا كانت أفكارنا تنبئ عن حقيقة ~~العالم، كان قوام العالم أشياء وصفاتها، أو موضوعات ~~ومحمولاتها، أو جواهر وأعراضها؛ وهذه الموضوعات نفسها منها ~~الأعم ومنها الأخص، بحيث تستطيع أن تعلو في سلم التدرج من ~~الخاص إلى العام، حتى تنتهي إلى جوهر خالص تأتي سائر الصفات ~~فتصفه فيكون هذا الكائن أو ذاك. وهكذا ترى كيف ينتهي المنطق ~~الذي يجعل صورة الفكرة كائنة ما كانت هي صورة «الموضوع ~~والمحمول»؛ أي صورة «الموصوف وما يحمل من صفات»، كيف ينتهي بك ~~هذا المنطق إلى نوع من الميتافيزيقا يرد الكون إلى جوهر ~~واحد، تختلف أسماؤه عند مختلف الفلاسفة لكن الأساس المذهبي ~~واحد. # قارن ذلك بمنطق يحلل الأفكار فلا ينتهي بها إلى صورة ~~واحدة كالتي انتهى إليها أرسطو، بل ينتهي بها إلى كثرة من صور ~~لا يمكن رد بعضها إلى بعضها الآخر؛ فالجملة الدالة على موصوف ~~وصفته، كقولنا «هذا الحصان أبيض»، تختلف في صورتها عن جملة ~~تتناول بالحديث موضوعين لا موضوعا واحدا، أو قل إنها تتناول ~~طرفين لا طرفا واحدا، ثم تذكر العلاقة التي تربط هذين ~~الطرفين، مثل قولنا «قيس يحب ليلى»، فليلى ليست من قيس بمثل ما ~~يكون البياض من الحصان الأبيض؛ ففي حالة الحصان الأبيض يختفي ~~اللون باختفاء الحصان، وأما في حالة قيس وحبه لليلى فلا ~~تختفي ليلى ms104 باختفاء قيس. ها هنا موضوعان وبينهما علاقة، لا ~~موضوع واحد وما يحمله من صفة . وقد تجد من العلاقات ما يتطلب ~~طرفين كما في المثل الذي ضربناه، وقد تجد منها كذلك ما ~~يتطلب ثلاثة أطراف أو أربعة أطراف وهكذا؛ فالعلاقة التي ~~تمثلها كلمة «بين» لا تتحقق إلا إذا كان في عالم الواقع ~~ثلاثة أطراف مرتبطة بها، فتقول مثلا: «العدد 3 يقع بين ~~العددين 4، 5.» فهنالك أعداد ثلاثة لا بد منها «3، 4، 5» لتكمل ~~علاقة «بين». وهكذا قل في سائر الجمل التي تأتي مصورة ~~لوقائع ذوات أطراف عدة تصلها علاقات من هذا النوع أو ~~ذاك. # إن منطقا كهذا - وهو المنطق الذي يعرف به برتراند رسل ~~وغيره من المعاصرين - لا ينتهي بك إلى واحدية الكون في ~~جوهر واحد مطلق وما يطرأ عليه من صفات، بل ينتهي بك إلى ~~كثرة من وقائع، لكل واقعة منها خصائصها؛ فواقعة قوامها جزئية ~~واحدة وصفتها، وواقعة قوامها جزئيتان والرابطة بينهما، ~~وثالثة قوامها ثلاث جزئيات والرابطة بينها، ورابعة قوامها أربع ~~جزئيات وما بينها من علاقات تربطها وهلم جرا. # إنها اختلافات بعيدة المدى تلك التي تفرق بين رجلين، ~~أحدهما يجري في تفكيره على المنطق الأرسطي، والآخر يحلل ~~الأمور على نحو ما يحللها برتراند رسل؛ فالأول سيتعقب ~~«الجوهر» الذي هو موضوع لكل أفكارنا؛ إذ كيف يفهم فكرة إذا لم ~~يفهم موضوعها؟ فإذا قال قائل عن الإنسان - مثلا - إنه يتصف ~~بالحياة وبالعقل، كانت هاتان الصفتان - بالبداهة - كائنتين في ~~طبيعة الإنسان نفسه؛ وإذن فما على الباحث إلا أن يمعن النظر ~~في «الإنسان» ليدرك «جوهره»؛ فيدرك بالتالي صفاته التي تصفه ~~فتجعل منه إنسانا، ولكن في أي إنسان يمعن الباحث نظره؟ ~~أيمعن نظره في زيد أو في عمرو أو في خالد؟ كلا، بل يمعن ~~نظره في «فكرة» الإنسان، أو في «مفهوم» الإنسان، أو في «تعريف» ~~الإنسان، أو في «صورة» الإنسان، أو في «مثال» الإنسان، أو ما شئت ~~من هذه الكلمات التي تتردد على أفواه الفلاسفة. إنه لا يبلغ ~~العلم الثابت عن الأشياء إذا هو اقتصر على ملاحظة الجزئيات ms105 ~~العابرة في هذا الفرد أو ذاك، بل يبلغ العلم الثابت إذا أدرك ~~«الجوهر». ولما كان «جوهر» شيء ما هو بدوره مرتبط بجوهر ~~شيء آخر، فالإنسان - مثلا - فرع عن الحيوان، ولا يفهم جوهره ~~على حدة إلا إذا فهم جوهر الحيوان؛ فإن الأمر كله سينتهي ~~بالباحث إلى وجوب تصور العالم كله كائنا واحدا عضويا، بحيث ~~يكفي أن تفهم أي جزء منه لتفهم سائر الأجزاء، وبحيث لا يمكن ~~أن تفهم أي جزء منه إلا إذا فهمت سائر الأجزاء. # وأما ثاني الرجلين، وهو الآخذ بمنطق الكثرة، فسيرد العالم ~~إلى وقائع من جهة وقضايا نصف بها تلك الوقائع من جهة ~~أخرى، بحيث تكون الواقعة الواحدة مكونة من جزئية واحدة أو ~~أكثر مرتبط بعضها ببعض بعلاقات، وبحيث تعتمد معرفة الواقعة ~~الواحدة - لا على غيرها من الوقائع - بل على إدراك جزئياتها ~~التي تكون منها بمثابة الأطراف الموصولة بهذه العلاقة أو تلك، ~~لكن الجزئية الواحدة لا تدرك إلا بالاتصال الحسي المباشر؛ ~~وإذن فنهاية الشوط هي الارتكاز على هذا الاتصال الحسي المباشر ~~بالجزئيات الذرية التي منها تتكون الواقعة الواحدة، ثم من ~~مجموعة الوقائع يتكون العالم. # والفرق الأساسي بين «الجوهر» الذي هو أساس المنطق التقليدي ~~والفلسفة التقليدية، و«الجزئي» الذي هو أساس المنطق المعاصر ~~والفلسفة المعاصرة، هو أن الأول مزعوم له الثبات والدوام، ~~والثاني مفروض فيه التغير والزوال، حتى ليقال عن الجزئي ~~إنه حادثة تحدث ثم تزول؛ الأول يجعل المعرفة مطلقة والعالم ~~ساكنا، والثاني يجعل المعرفة نسبية والعالم متحركا ~~متغيرا. # يقول المنطق المثالي والفلسفة المثالية إنك لا تستطيع أن ~~«تفهم» طبيعة الجزئي الواحد إلا إذا «فهمت» سائر الكون؛ فلا ~~تستطيع أن «تفهم» هذا القلم الذي أمسكه بيدي الآن إلا إذا ~~«فهمت» الكون كله. لماذا؟ لأن القلم جزء مني، وأنا جزء من ~~الغرفة، والغرفة جزء من البناء، والبناء جزء من القاهرة، وهذه ~~جزء من الكرة الأرضية التي هي جزء من المجموعة الشمسية، ~~وهلم جرا. وبعبارة أخرى، فإن القلم سيرد في مجموعة ~~كبيرة من القضايا التي تقال عن أشياء أخرى في العالم؛ وإذن ms106 فلا ~~يمكنك «فهم» طبيعته إلا إذا فهمت تلك القضايا جميعا. # والأمر في هذا القول معكوس، والصواب هو أنك لا تستطيع فهم ~~قضية يرد فيها ذكر القلم إلا إذا كان هذا القلم قد وقع في ~~خبرتك الحسية المباشرة؛ فمعرفة المركب تتوقف على معرفة ~~البسائط التي منها يتركب، وليست معرفة الجزئية البسيطة هي التي ~~تتوقف على معرفة الكون المركب. هذا كله من جهة، ومن جهة ~~أخرى فليس من الدقة في استعمال الكلمات أن نقول إننا «نفهم» ~~طبيعة هذا الشيء أو ذاك، إننا لا «نفهم» القلم ولا «نفهم» ~~الكون بأسره، وإنما ينصب الفهم على «الكلمة» أو على ~~«القضية»؛ أقول إنني قد فهمت هذه الكلمة إذا ما عرفت مسماها، ~~وفهمت هذه القضية إذا ما عرفت الواقعة التي تشير إليها؛ فالفهم ~~يكون للغة لا للأشياء التي تشير إليها اللغة. # ونعود إلى موضوعنا الأصلي في هذه الفقرة، وهو الكلمات ~~المنطقية، مثل «و»، «أو»، «ليس»، «كل» ... إلخ، فنقول إنها وإن تكن ~~لا تسمي شيئا من أشياء الواقع، إلا أنها هي الإطار الذي ~~يحدد صورة الفكرة، إنها أدوات يستخدمها الإنسان المدرك ~~لينظم بها علمه عن الأشياء المدركة. إن كلمة «أو» - مثلا - ~~لا تكون شيئا من الأشياء التي تحتل أجزاء المكان، ولكنها ~~تكون علاقة نربط بها أقوالنا التي نقولها عن تلك الأشياء. ~~إنني إذ أنظر إلى المنضدة أمامي وأقول «ليس القلم على ~~المنضدة»، فلا أقول ذلك لأنني أرى «ليس» فيما أراه، بل كل ما ~~أراه هو كتب وأوراق. إنني بكلمة «ليس» لا أسمي شيئا أراه، ~~وإنما أستخدمها ل «أستدل» نتيجة مما أراه. إنني أرى ما هو ~~كائن هناك مما تنطبع صورته على حاسة بصري، ولست أرى ما ليس ~~هناك، لكني أستدله؛ وإذن فيستحيل علي أن أستعمل كلمة «ليس» ~~إلا إذا سبقت لي لغة أصف بها ما هو كائن فعلا؛ وبالتالي لا ~~أستطيع أن أستخدم النفي إلا إذا سبقته معرفة إيجابية هي معرفة ~~ما تنطبع به الحواس. # 5 # قد أسلفنا لك القول في ثلاثة ضروب من الكلمات من حيث ~~دلالتها ms107 على مسميات خارجية؛ فهنالك أسماء الأعلام التي يدل ~~كل اسم منها على مسماه الجزئي، وإنه ليتحتم منطقيا ~~لاسم العلم أن يكون له مسمى وإلا فهو لا يحقق تعريفه. ~~على أننا أشرنا في هذا الصدد إلى أن اسم العلم بمعناه ~~المنطقي؛ أي بمعناه الذي يجعل له مسمى جزئيا واحدا، هو ~~كلمة تدل على حالة واحدة، يشار إليها بقولنا «هذا» أو ~~«هذه». ولما كان الفرد الواحد من الناس كالعقاد، أو من ~~الأشياء كهذه المنضدة التي أكتب عليها، هو في الحقيقة سلسلة ~~من حالات متتابعة، كان اسم العلم في هذه الحالة هو اسم ~~الإشارة الذي يشير إلى العقاد في إحدى حالاته أو إلى المنضدة ~~في إحدى حالاتها. # وهنالك إلى جانب أسماء الأعلام ضرب آخر من الأسماء هو ما ~~يطلق عليه «الأسماء الكلية»، مثلي «إنسان» و«جبل»، وواضح أن ~~كل كلمة من هذه الكلمات لا تقتصر على تسمية فرد بعينه، بل هي ~~تلخيص لمجموعة وصفية إن وجد لها فرد تنطبق عليه، كان ذلك ~~الفرد واحدا من الفئة التي تطلق عليها الكلمة. على أن ~~النقطة المهمة هنا هي أن المجموعة الوصفية التي تدل عليها ~~الكلمة الكلية، لا تقتضي بالضرورة أن يكون لها فرد تتحقق ~~فيه؛ ومن ثم كانت الكلمة الكلية رمزا ناقصا؛ لأنها لا تدل ~~بذاتها على ضرورة أن يكون لها مسمى. والكلمة الكلية في ~~حقيقة أمرها هي عبارة وصفية بأسرها، لا اسم واحد، غير أن ~~تلك العبارة الوصفية المضغوطة في الكلمة الكلية الواحدة عبارة ~~ذات ثغرة؛ أعني عبارة مجهولة الفرد الذي تنطبق عليه، ولا يتم ~~تكوينها إلا إذا وضعنا مكان الثغرة اسم علم يملؤها؛ فكلمة ~~«إنسان» تحليلها «س تتحقق فيه صفات أ، ب، ج»، وقد نجد بعد ~~ذلك فردا معينا نضع اسمه مكان س فتصبح العبارة الناقصة ~~جملة كاملة، وقد لا نجد فردا تتحقق فيه الصفات المذكورة، ~~فتظل العبارة على نقصها، لا تدل وحدها على معني كامل؛ أي لا ~~تدل وحدها على وجود ما ترمز إليه بين كائنات الوجود ~~الفعلي. # والضرب الثالث من الكلمات هو ms108 ما أسميناه بالكلمات المنطقية، ~~مثل «إذا» و«ليس» و«أو» وما إليها، وهي كلها كلمات لا تدل على ~~مسميات في الخارج، ولكنها ضرورية لربط الأسماء ربطا يجعل ~~منها جملة ذات فكرة معينة؛ فالكلمة من هذه الكلمات المنطقية ~~هي التي تخلع على الجملة صورتها، وهي التي تحدد لها حالات ~~صدقها أو عدم صدقها؛ فمثلا إذا قلت جملة كهذه: «إذا قرأت أهل ~~الكهف أدركت قدرة الحكيم الفنية.» كانت كلمة «إذا» هنا محددة ~~لأربع حالات من حالات الصدق والكذب، هي: (1) أن تقرا أهل الكهف ~~وأن تدرك قدرة الحكيم الفنية؛ أي أن تصدق الحالتان معا. ~~(2) ألا تقرأ أهل الكهف ومع ذلك تدرك قدرة الحكيم الفنية (من ~~قراءة كتاب آخر مثلا)؛ أي أن تكذب الحالة الأولى ولكن تصدق ~~الحالة الثانية. (3) ألا تقرأ أهل الكهف ولا تدرك قدرة الحكيم ~~الفنية؛ أي أن تكذب الحالتان معا. كل هذه الحالات الثلاث ~~تجيزها كلمة «إذا»، وهنالك حالة رابعة مستحيلة بحكم استعمال ~~كلمة «إذا»، وهي أن تقرأ أهل الكهف ومع ذلك لا تقدر قدرة ~~الحكيم الفنية؛ فلو كانت هذه هي الحالة كان استعمال المتكلم ~~لكلمة «إذا» خارجا عن الحدود الجائزة في استعمالها ~~الصحيح. # هذه ضروب ثلاثة من الكلمات: اسم العلم، والاسم الكلي، ~~والكلمة المنطقية. وليس فيها ما هو رمز كامل يدل حتما على ~~وجود مسماه وجودا فعليا في دنيا الأشياء إلا اسم العلم؛ ~~أي الكلمة التي تشير إلى جزئي واحد معين. # وبقي أن نحدثك عن ضرب رابع من الكلمات، هو الكلمات التي ~~تدل على قيمة خلقية أو قيمة جمالية، أو بصفة عامة، الكلمات ~~التي تدل على أن في المتكلم انفعالا من نوع معين، لكنها لا ~~تشير إلى كائن خارجي. ولنضرب مثلا رجلا وقف إزاء الشمس ~~الغاربة بما تخلفه وراءها من أصباغ، فقال: هذا جميل. وقد ~~يقولها في أي صورة شاء؛ إذ قد يخرج لفظا معينا في تنغيم ~~معين، مثل لفظة «الله»، أو لفظة «يا سلام»، ويريد بها نفس ما ~~يريده إذ يقول: هذا جميل. فأين مدلول هذه الكلمات؟ # إن كلمة «جميل» وما ms109 يدور مدارها من كلمات، لا تشير إلى شيء ~~قائم في عالم الأشياء الخارجية، بل تشير إلى حالة نفسية ~~يحسها قائلها؛ فليس في الشفق «الجميل» إلا سحاب مصبوغ ~~بألوان يمكن تحديدها بأطوال موجاتها الضوئية، وإنما «الجمال» ~~فيها هو من نفس رائيها؛ وإذن فكلمة «جميل» دالة على حالة ~~ذاتية عند فرد معين بحيث لا يكون ثمة تناقض بين شخصين ~~يقفان أمام الشفق الواحد، ويقول أحدهما إنه «جميل» بينما يقول ~~الآخر إنه «خلو من الجمال»، أقول إنه لا تناقض في هذا؛ لأن ~~الحكمين لا ينصبان على حالة واحدة أو على شيء واحد، بل ~~هما حكمان كل منهما يشير إلى حالة غير الحالة التي يشير ~~إليها الحكم الثاني، ولا فرق في ذلك بين هذين الرجلين اللذين ~~يحكمان حكمين مختلفين على وقع الشفق في نفس كل منهما، ~~وبينهما إذ يقول أحدهما إنه يشعر بعضة الجوع بينما يقول ~~الآخر إنه لا يشعر بها، أو يقول أحدهما إنه يشعر بنشوة الحب ~~إزاء فتاة معينة بينما يقول الآخر إنه لا يشعر إزاءها بشيء ~~من ذلك. # إن قصارى ما يستطيعه من يرى جمالا في الشفق إزاء زميله ~~الذي لا يرى فيه الجمال، هو أن يشير له إلى دقائق في المنظر ~~لعله قد عمي عنها، أما إذا استنفد كل ما يستطيع ذكره من ~~دقائق المنظر، وظل الزميل على موقفه منكرا أن يكون في الشفق ~~جمال، فلا حيلة بعدئذ إلى التقاء وجهتي النظر، اللهم إلا أن ~~تعاد تربية أحدهما بحيث ينصب في قالب شبيه بالقالب الذي ~~انصب فيه الآخر؛ حتى يمكنه أن يري ما يراه ويعجب بما ~~يعجب به. # إنه مهما تعددت الآراء في تحديد معنى الجمال، فهي جميعا ~~على اتفاق بأن جزءا من المعنى - على الأقل - هو في التأثر ~~الداخلي الخاص الذي يتعرض له من يشهد شيئا جميلا، لكن ~~اختلاف الآراء يظهر بعد ذلك في تحديد الجانب الخارجي الإدراكي ~~من معنى الجمال؛ فماذا يكون في الشيء الجميل نفسه - بغض النظر ~~عن تأثر الإنسان المدرك - من عناصر بحيث تكون هذه العناصر ms110 ~~هي ما تشير إليه كلمة «جمال»؟ إن الأشياء التي توصف بالجمال ~~كثيرة منوعة؛ فالبحر والجبل والغروب والصورة الفنية ~~والتمثال والطائر والمرأة وقصيدة الشعر وقطعة الموسيقى ~~كلها يتصف بالجمال، فما هي إذن تلك العناصر الخارجية التي ~~تسمى بكلمة «جمال» والتي توجد في هذه الأشياء جميعا؟ لقد ~~طرح أفلاطون مثل هذا السؤال، وأجاب عنه بقوله إنه لا بد أن يكون ~~هنالك ما تشترك فيه هذه الأشياء الجميلة كلها، وإلا لما جاز ~~لنا أن نطلق عليها اسما واحدا، وعنده أن موضع الاشتراك ~~بينها هو أنها كلها تشارك «مثالا» واحدا، أي «فكرة» واحدة؛ ~~وذلك جريا على مذهبه في المثل، ومؤداه أن كل ما نراه على ~~هذه الأرض من كائنات محسوسة جزئية إنما جاءت على نحو ما جاءت ~~عليه لأنها صيغت على نمط عقلي كان موجودا منذ الأزل؛ ~~فالمثلث - مثلا - قد جاء على صورته المألوفة له؛ لأنه صيغ ~~على غرار فكرة المثلث التي كانت قائمة منذ القدم؛ وهكذا قل ~~في كل شيء. ومن بين الأفكار الأزلية هذه فكرة «الجمال»؛ فقد ~~كانت هناك قائمة قبل أن يظهر إلى الوجود أي شيء جميل، ~~وبعدئذ أخذت الأشياء الجزئية المحسوسة تظهر إلى الوجود، فما ~~كان منها شبيها بمثال الجمال، أي ما كان مجسدا لفكرة ~~الجمال، عددناه جميلا؛ وإذن فلو سألت أفلاطون وأتباعه؛ كلمة ~~«جمال» ما مدلولها؟ أجابوك بأن مدلولها هو مثال الجمال الكامن ~~بين المثل. # ومعنى ذلك أن الفلسفة الأفلاطونية وما يجري مجراها تذهب إلى ~~أن للجمال وجودا موضوعيا خارج وجود الإنسان ومستقلا عنه، ~~وأن كلمة «جمال» في هذه الحال تكون اسما يطلق على ذلك ~~الوجود الخارجي، شأنها في ذلك شأن سائر الأسماء التي تسمي ~~الموجودات الفعلية مثل «إنسان» و«نهر» ... إلخ، ولكننا في الحقيقة ~~لا ندري كيف يمكن أن يكون لمثل هذا الكلام معنى؛ فأولا ليس ~~هنالك من الأسماء ما يدل على موجودات فعلية إلا أسماء ~~الأعلام؛ أي الأسماء التي تكون مسمياتها حالات جزئية ~~محددة المكان والزمان، بحيث يشار إلى الحالة التي هي مسمي ~~لكلمة باسم الإشارة «هذا» أو ms111 «هذه»؛ فكما قلنا في الفقرات ~~الأولى من هذا الفصل، إن أي كلمة كلية مثل «إنسان» هي في حد ~~ذاتها رمز ناقص لا يرمز إلى شيء محدد، إلى أن يعرف الفرد ~~الجزئي الذي يتصف بمجموعة الصفات التي تدل عليها هذه الكلمة. ~~وكذلك نقول في كلمة «جمال»؛ فهي ليست كلمة واحدة كما قد يبدو، ~~ولكنها مجموعة من صفات لا يكون لها مدلول فعلي إلا إذا ~~وقعنا على الفرد الجزئي الذي تتمثل فيه تلك الصفات؛ أي إن ~~هذه الكلمة في حقيقة تحليلها ليست اسما لشيء محدد ~~معين. # وثانيا، فحتى لو فرضنا أن كلمة «جمال» اسم لفكرة معينة ~~نراها متمثلة في كل الأشياء التي نقول عنها إنها جميلة، فنحن ~~نسأل: ما هذه الفكرة الواحدة التي تكون في الشفق وتكون في قصيدة ~~الشعر في آن واحد؟ فلئن كان جمال الشفق في لونه فليس لقصيدة ~~الشعر لون، وإن جمال القصيدة من الشعر في صور ترسمها أو في ~~لفظها الموزون المنغم؛ فليس للشفق صور ولا لفظ موزون ~~منغم. قل ما شئت في العنصر الذي تراه مصدر الجمال في شيء ~~ما، تجد أن هذا العنصر غائب في أشياء أخرى مما تصفه بالجمال. ~~ويزيد الأمر تعقيدا أن هذا العنصر الواحد المعين الذي قد ~~تراه مصدر الجمال في شيء ما، تعود فتراه هو نفسه قبيحا في ~~سياق آخر؛ فما كل لون أحمر - مثلا - جميل مهما اختلف السياق ~~الذي يرد فيه، بل إنك لتراه جميلا هنا قبيحا هناك. وفي هذا ~~يقول عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز: «هل ~~تجد أحدا يقول هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من ~~النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها؟» (ص36). # قد يقال إن المسمى الموضوعي الخارجي الذي تشير إليه كلمة ~~«جمال» حين يقال عن شيء ما إنه جميل، هو الوحدة العضوية التي ~~تكون بين أجزائه، وأن هذه الوحدة العضوية هي العنصر المشترك ~~بين الأشياء الجميلة كلها؛ فهي في قصيدة الشعر وفي الزهرة وفي ~~المرأة وفي الجبل وفي شفق الغروب؛ أي إن موضع الجمال في ms112 كل هذه ~~الأشياء هو أن كل جزء من الشيء الجميل موضوع بالنسبة إلى ~~سائر الأجزاء، بحيث يجيء في موضعه ذاك سندا ضروريا لا غناء ~~عنه في إحداث الأثر الذي يتركه الشيء الجميل في نفس رائيه أو ~~سامعه، ولو عمدت في الشيء الجميل إلى تغيير جزء من أجزائه ~~زال الأثر الأصلي أو تغير تغيرا جوهريا؛ ففي الفنون ~~المكانية كالنحت والتصوير والبناء تكون الوحدة العضوية في ~~اتساق الأجزاء واتزانها، وفي الفنون الزمانية كالموسيقى ~~والشعر تكون الوحدة العضوية في النمو الذي يحدث كلما أضفت ~~نغمة جديدة أو بيتا جديدا؛ أقول إن الوحدة العضوية في ~~الشيء الجميل قد يقال عنها إنها هي العنصر الموضوعي الخارجي ~~الذي تشترك فيه الأشياء الجميلة كلها، وعندئذ تكون هي المدلول ~~الذي تشير إلينا كلمة «جمال»، ولكنا نعود فنسأل: إنه على فرض ~~أن الوحدة العضوية شرط لا بد من توافره في كل شيء جميل، فهل ~~تكون هذه الوحدة العضوية قائمة في الشيء أم إنها صفة نخلعها ~~عليه نحن حين ننظر إليه من وجهة نظر تجعله بالنسبة إلينا ~~كائنا ذا وحدة عضوية؟ لماذا يكون التماثل في أجزاء البناء - ~~مثلا - علامة اتساق وتناغم وجمال؟ أليس ذلك لأنه شبيه ~~بالإنسان في تكوينه المتماثل؛ وإذن يكون التماثل في البناء ~~جميلا لأن نظرة الإنسان الخاصة هي التي جعلته كذلك؟ # إنك مهما حللت المدلول الموضوعي لكلمة «جمال» وجدته في ~~النهاية يرتد إلى أمر ذاتي عند الإنسان المدرك؛ مما ~~يجعلنا نقرر أن معنى هذه الكلمة لا يكون في الخارج، إنما ~~يكون في الحالة النفسية الباطنية. وقل هذا في كل كلمة أخرى ~~تدل على قيمة أو تعبر عن انفعال؛ فقولنا عن شيء ما إنه ~~جميل ليس من قبيل قولنا عنه إنه مربع؛ لأن التربيع صفة ~~يمكن ترجمتها إلى مقاييس موضوعية لا يتدخل الإنسان فيها ~~بميوله الذاتية إلا بالحد الأدنى الذي يجعل عملية القياس ~~متأثرة بحواس الإنسان، وأما الجمال فصفة لا يمكن ترجمتها ~~إلى شيء من هذا. نعم قد تجعل تعريف الجمال في بعض الأشياء ~~الجميلة أن تتحقق فيه ms113 مقاييس معينة، كأن نحدد أطوالا ~~معينة لأعضاء الجسم الإنساني الذي نقول عنه إنه جميل، ~~وأوزانا معينة لأجزاء القصيدة التي نقول عنها إنها شعر ~~جميل، وهكذا، ولكن الأمر في ذلك كله مرهون بالأذواق المتغيرة ~~من زمان إلى زمان ومن بلد إلى بلد، فضلا عن اختلاف المقاييس ~~المقررة في مختلف الأشياء الجميلة؛ فهي في بيت الشعر غيرها ~~في جسم المرأة، وليس لها وجود في الشفق والجبل. إن الشيء لا ~~يكون مربعا وغير مربع في آن واحد بالنسبة لرجلين ~~مختلفين؛ لأن تساوي الأضلاع أمر مرده إلى قياس موضوعي، ~~وأما الجمال فقد يوجد في الشيء لهذا وينعدم فيه لذلك، حتى ~~ليقول الرجلان المختلفان عن الشيء الواحد في اللحظة الواحدة ~~إنه جميل وغير جميل؛ جميل لأحدهما وغير جميل للآخر، ولا ~~تناقض عندئذ في القول؛ لأن الكلمة في كل من الحالتين تشير ~~إلى أثر نفسي غير الأثر النفسي الذي تشير إليه في الحالة ~~الأخرى؛ كما لا يكون تناقض في أن يكون أحد الرجلين مبصرا ~~والآخر كفيف البصر، أو أن يكون أحد الرجلين سليما والآخر ~~عليلا. # لذلك يقال عن الكلمات الدالة على قيم إنها نسبية في ~~مدلولاتها؛ أي إن الكلمة منها - مثل كلمة «جميل» - لا يكون لها ~~معنى إلا بالنسبة إلى فرد معين من الناس، فإذا قلت عن شيء ~~إنه جميل، لم يكن لقولك معنى إلا إذا أكملته بإضافة اسم الفرد ~~أو الجماعة التي تراه جميلا؛ جميل عند من؟ هو جميل عند ~~فلان أو عند فئة معينة من الناس؛ ومتى كان الشيء الجميل ~~جميلا عند من يقول عنه إنه جميل؟ إنه كان جميلا في أعين ~~المصريين القدماء أو هو الآن جميل في أعين سكان الصحراء، ~~وهكذا. # كلمة «جميل» وأشباهها من ألفاظ القيم، هي كالكلمات ~~الدالة على علاقات لا تفهم وحدها ولا تفهم مع أحد ~~الطرفين المرتبطين بالعلاقة دون الطرف الآخر؛ العلاقة التي تدل ~~عليها كلمة «أكبر من» أو «على يمين» ليس لها وحدها معني، كلا ~~ولا يتم معناها إذا قلت عبارة ناقصة كهذه «س أكبر من»، أو ms114 «س ~~على يمين»، ووقفت عند هذا الحد من القول، أكبر من ماذا أو على ~~يمين ماذا؟ وهكذا قل في العبارة التي نقول فيها عن شيء إنه ~~جميل، جميل عند من؟ ومتى وفي أي سياق كان الجميل ~~جميلا؟ # ولا يقلل من نسبية الجمال وما إليه من قيم أن تجمع ~~فئة كبيرة من الناس على جمال شيء معين، بل لا يقلل من ~~نسبيته أن يجمع العالم كله على جمال شيء معين؛ لأن الأمر ~~رغم ذلك الإجماع سيظل من الناحية المنطقية عرضا قد يزول ~~بغير وقوع في التناقض؛ فليس ما يمنع الناس من تحول تقديرهم ~~للشيء فيقبح في أعينهم بعد جمال، أو يجمل بعد قبح. # وخلاصة القول هي أن الألفاظ الدالة على قيمة جمالية أو ~~قيمة خلقية ليست من قبيل الأسماء التي تسمي شيئا بذاته في ~~عالم الأشياء كأسماء الأعلام، وليست هي من قبيل الأسماء الكلية ~~التي تدل الواحدة منها على مجموعة وصفية قد تتحقق عناصرها ~~في شيء بذاته من أشياء العالم الخارجي، وليست هي من قبيل ~~الكلمات المنطقية مثل «أو» و«إذا» مما لا يكون له مدلول خارجي ~~لكنه يربط أجزاء الجملة ليجعل منها وحدة، بل هي نوع رابع ~~وفريد؛ إذ هي لا تشير إلى أي مدلول خارج الإنسان الذي يسوقها ~~في كلامه ليخرج بها انفعالا أحس به، وربما أراد أن يثير ~~انفعالا شبيها به عند سامعه. # الفصل الخامس # | وحدات التحليل # 1 # هذا العالم الذي نعيش فيه قوامه حوادث، وأعني بالحوادث ما ~~تحسه الحواس من لقطات متتابعة، كلمعان الضوء ولمسات ~~الأصابع ونبرات الصوت؛ فكل شيء نقول عنه إنه ذو كيان واحد ~~متصل لفترة من الزمن تطول أو تقصر، كهذا القلم الذي بين ~~أصابعي، وهذه الورقة التي أكتب عليها، وتلك الشجرة، والشمس ~~والقمر، كل شيء من هذه الأشياء ليس في حقيقة أمره كيانا ~~واحدا متصلا كما قد نتوهم، إنما هو - إذا ما حللت ~~الموقف إلى عناصره الأولية البسيطة - حادثات يتبع بعضها ~~بعضا؛ كل شيء من هذه الأشياء هو سلسلة حالات، أو قل هو ~~سلسلة ms115 من ظواهر، والذي يخلع عليه الواحدية هو ما بين تلك ~~الحالات من روابط وعلاقات؛ فهو نفسه الذي يخلع الواحدية على ~~أجزاء المسرحية أو ألحان النغم. لماذا نقول عن المسرحية إنها ~~أثر واحد مع أنها مكونة من آلاف الكلمات؟ ولماذا نقول عن ~~النغم إنه واحد مع أنه نبرات من الصوت متتابعات؟ إنك تقول عن ~~المسرحية أو النغم إنه كيان واحد لما بين أجزائه الكثيرة من ~~روابط وعلاقات، وهكذا قل في هذا القلم وفي هذه الورقة وفي ~~الشمس والقمر والنهر والشجرة، بل هكذا قل في الفرد الواحد من ~~الناس؛ فلست أنت بالجزئية الواحدة ذات الكيان الواحد المستمر ~~المتصل، بل أنت تاريخ من حوادث، أنت هو ما قد عشته من دقائق ~~ولحظات، لك في كل واحدة منها حالة تختلف قليلا أو كثيرا عن ~~سابقتها وعن لاحقتها. ولا تتوهمن أنك أنت شيء قائم بذاته ~~تطرأ عليه هذه الحالات، بل أنت هو حالاتك هذه، ولكنها اللغة ~~نستخدمها في التعبير هي التي توهمنا بطريقة تركيبها أن ~~المبتدأ شيء والخبر شيء آخر، أو أن الموضوع شيء ومحمولاته ~~شيء آخر؛ فإذا قلت «البرتقالة صفراء» ظننت أن البرتقالة شيء ~~مستقل عن لونه الأصفر، مع أن البرتقالة هي هي حالاتها من ~~لون وشكل وما إليها، وقد ارتبطت هذه الحالات بعضها ببعض عند ~~إدراك الإنسان إياها بحيث أصبح بينها واحدية في البناء على ~~تعدد العناصر التي دخلت في هذا البناء. # وأعود فأقول إن العالم الذي نعيش فيه قوامه هذه الحوادث ~~التي ترتبط في مجموعات، نجعل كل مجموعة منها شيئا واحدا، ~~كالعقاد والمقطم والنيل والقاهرة، ومن أشياء هذا العالم ~~الواقعي ألفاظ اللغة وعباراتها؛ فالكلمة أو العبارة - منطوقة ~~أو مكتوبة - هي كذلك مجموعة من حوادث. الكلمة «الواحدة» ليست ~~في الحقيقة «واحدة»، بل هي ملايين الملايين من حالات متفرقة؛ ~~فكل مرة ينطق فيها أحد الأفراد بكلمة ما، وكل مرة يكتب فيها ~~كاتب هذه الكلمة؛ هي حالة من حالات الكلمة. وكذلك قل في ~~العبارة اللغوية التي هي من كلمات، إنني أريد أن أجمع قوتي ~~كلها ms116 لأؤكد بكل ما وسعني من قوة هذه الفكرة التي ~~أسوقها، وهي: إن الكلمة أو العبارة من كلمات اللغة وعباراتها ~~هي من مادة العالم الواقع، لا فرق بين كلمة «كتاب» أنطق بها ~~موجة من هواء، وبين العاصفة التي تهب وتقتلع الأشجار وتهدم ~~المنازل إلا في الدرجة وحدها؛ ولا فرق بين كلمة «كتاب» أكتبها ~~قطرة من مداد - والمداد مادة - وبين جبال الهملايا سوى أن ~~كلمة «كتاب» كومة صغيرة من ذرات المادة، والهملايا ~~مرتفع شامخ منها؛ فكلمات اللغة وعباراتها - إذن - من مادة ~~الواقع، هي جزء من الواقع، وقد اتخذنا بعض وقائع العالم لنرمز ~~بها إلى بعضها الآخر؛ إذ اتخذنا من موجة صوتية معينة رمزا ~~يشير إلى «المقطم»، واتخذنا كذلك من رسم معين أخطه على ~~الورق رمزا يشير إلى ما شئنا أن نسميه بهذا الرسم من ~~أشياء؛ وبهذا يصبح الرمز المختار ذا «مدلول» و«معني». # إن لكلمة «معني» معاني عدة، تلتقي كلها في أن شيئا يرمز ~~إلى شيء آخر، والكلمات والعبارات اللغوية هي واحدة من أنواع ~~الرموز ذوات «المعنى»؛ فقد يلاحظ الإنسان بين ظاهرتين طبيعيتين ~~ارتباطا، بحيث إذا ظهرت إحداهما توقع الأخرى، كارتباط البرق ~~والرعد، فإذا رأينا البرق توقعنا أن نسمع صوت الرعد، وعندئذ ~~يكون «معنى» البرق أن رعدا سيتلوه، ومعنى السحاب ذي الخصائص ~~المعينة أن مطرا وشيك الهطول، ومعنى انخفاض الزئبق في ~~البارومتر أن عاصفة ينتظر هبوبها، وهكذا. ولما كان ~~ارتباط السبب بالمسبب هو من قبيل هذا الارتباط الذي يجعلنا ~~نتوقع ظاهرة إذا ما بدت ظاهرة، جعلنا السبب هو «معنى» ~~المسبب؛ فإذا رأيت نافذة دارك مكسورة مع أنك قد تركتها ~~مغلقة، فلك أن تسأل: ما «معنى» هذا؟ ليكون الجواب عن سؤالك هو ~~ذكر السبب الذي أحدث الظاهرة التي أدهشتك. ومن قبيل ذلك ~~روبنسن كروسو وهو وحده في الجزيرة، إذ رأي ذات يوم آثار أقدام ~~على الأرض، فكان «معناها» عنده أنه لا بد أن يكون في الجزيرة ~~إنسان سواه. وظواهر المرض عند المريض لها عند الطبيب الفاحص ~~«معنى»، وهذا المعنى هو العلة التي عنها حدثت ms117 تلك ~~الظواهر. # وكما أن السبب قد يتخذ معنى للمسبب، فكذلك قد يتخذ ~~المسبب «معنى» لسببه؛ فلو رأيت رجلا يحمل حقائبه ويجري في ~~الطريق، وسألت: ما معنى هذا؟ فقد يكون الجواب: إنه يريد أن يلحق ~~بالقطار. أو أن أرى رجلا يتحدى آخر بكلامه وسلوكه فأسأل: ما ~~معنى هذا التحدي؟ ليكون الجواب: إن صاحب التحدي يريد أن ~~يستثير القتال. وهكذا. # معان مختلفات لكلمة «معنى». ومن بينها أن أري رسما على ~~الورق (هو رسم كلمة أو عبارة) فأسأل: ما معناه؟ ليكون الجواب ~~إشارة إلى ما قد جاء هذا الرسم ليرمز إليه. وهكذا ترى أن ~~«المعنى» دائما هو أن شيئا يرمز إلى شيء، وكلا الشيئين ~~يكونان من كائنات العالم الواقع. # غير أننا ها هنا سنقصر حديثنا على مجموعة واحدة من مجموعات ~~الأشياء الرامزة، وهي مجموعة الألفاظ والعبارات اللغوية، ~~وسنتصور دنيانا الواقعة ذات شقين؛ فالكائنات والوقائع من ~~جهة، واللغة التي ترمز إليها من جهة أخرى. وإذا كانت دراسة ~~الكائنات والوقائع هي من نصيب العلماء كل فيما يختص به، فإن ~~اللغة باعتبارها رموزا تشير إلى عالم الأشياء هي وحدها المجال ~~الذي تجول فيه الفلسفة بالمعنى الذي نريده لها؛ ومن ثم نفهم ما ~~يقال الآن عن الفلسفة - على الأقل بالمعنى الذي نريده لها - ~~إنها علم «المعنى». # لكن الفلسفة إذ تجعل «المعنى» موضوع بحثها على وجه التحديد، ~~فهي لا تريد بذلك أن تكتب القواميس لتضع إلى جانب كل كلمة ~~معناها؛ ففرق بعيد بين أن يسأل المتعلم عن معنى لفظة أو رمز ~~معين، كأن يسأل: ما معنى «زاوية قائمة» أو «قمر صناعي» أو ~~«اشتراكية»؟ وبين أن يسأل الفيلسوف قائلا: ما المعنى؟ ما ~~الشروط التي تتوافر في الشيء الذي نقول إنه «معنى» لشيء آخر ~~مهما كان نوع الشيئين؟ فالأمر هنا شبيه في عالم الاقتصاد ~~بالفرق بين أن يسأل سائل: «ماذا أستطيع شراءه بهذا القرش؟» أو ~~«بكم تباع الأقة من اللحم؟» وبين أن يسأل الاقتصادي ~~قائلا: ما هي القوة الشرائية بصفة عامة؟ بغض النظر عن الثمن ~~المدفوع والشيء المشترى في الحالات ms118 الخاصة من حالات البيع ~~والشراء. # والبحث في «المعنى» ماذا يكون وكيف يكون هو الشغل الشاغل ~~للكثرة العظمى من المشتغلين بالفلسفة في يومنا هذا. وليس الأمر ~~جديدا كل الجدة؛ فسقراط لم يشغله شيء بمقدار ما شغله تحديد ~~المعنى لهذه الكلمة أو تلك، وكذلك أفلاطون في مواضع كثيرة من ~~محاوراته يجعل تحديد المعنى جزءا هاما من عمله الفلسفي، ~~وأرسطو في منطقه قد جعل «التعريف» الذي يحدد معاني الكلمات ~~موضوعا لبحثه، وكثير جدا غير هؤلاء من فلاسفة العصور ~~الوسطى وفلاسفة العصر الحديث قد جعلوا مشكلة المعاني وتحديدها ~~أمرا جديرا بالاهتمام والبحث، لكن الموضوع لم يكن قط على ~~نحو ما هو عليه اليوم من حيث يراد له أن يكون هو موضوع ~~الفلسفة الذي لا موضوع لها سواه؛ ذلك لأن أولئك الفلاسفة ~~الأولين حين كانوا يبحثون في المعاني كانوا من جهة يبحثون في ~~تحليل المدركات بغض النظر عما تشير إليه، ومن جهة أخرى كانوا ~~يظنون أن عمل الفلسفة الرئيسي هو البحث في حقيقة الوجود نفسه؛ ~~فلا بأس - مثلا - في أن يتحدث الفيلسوف عن الفلك وعن التطور ~~كما يتحدث العلماء؛ فالفرق بين المعاصرين وأسلافهم من حيث ~~اهتمام الفريقين بالمعنى هو باختصار - وسنذكر الأمر تفصيلا ~~فيما بعد - أن الأسلاف كانوا يجعلون وحدة التحليل هي مفهوم ~~الكلمة الواحدة، فما «الشجاعة» مثلا وما «الروح»؟ بينما ~~المعاصرون يجعلون الوحدة هي الجملة، أو إن شئت فقل باصطلاح ~~المنطق إنها القضية؛ لأن الرموز اللغوية كلها تكون بغير معنى ~~إلا إذا وضع الرمز في قضية، لماذا؟ لأن قوام العالم الخارجي ~~هو كائناته الجزئية وهي مجتمعات بعضها مع بعض في «وقائع»، ~~والواقعة الواحدة لا تصورها إلا جملة تكون كلماتها مقابلة ~~للجزئيات التي هي أطراف الواقعة، وعلاقاتها مقابلة للروابط ~~التي تصل هاتيك الأطراف فتجعل منها واقعة واحدة. # وفرق آخر بين المعاصرين والأسلاف في اهتمام الفريقين بالبحث ~~في «المعنى»، وهو أنه بينما المعاصرون يقصرون أنفسهم على جانب ~~اللغة وحده يحللونه من حيث قوته الرامزة، ترى الأسلاف ~~يتناولون بالبحث جانب الكون المرموز إليه؛ فبينما عمل ~~المعاصرين منطق ms119 صرف - أي تحليل للكلام من حيث دلالته ومعناه ~~- نرى عمل الأسلاف يجاوز المنطق إلى حيث البحث في الطبيعة، بل ~~وفيما وراءها. # 2 # وما دمنا بصدد الخصائص العامة التي تميز الفلسفة المعاصرة ~~عما سبقها، وهي اهتمامها بالبحث في «المعنى» وجعلها القضية ~~- لا الاسم - هي وحدة الفكر التي ينتهي إليها التحليل، فجدير ~~بنا أن نستطرد قليلا لنذكر المراحل الرئيسية التي تطور ~~الأمر خلالها حتى أصبح على ما هو عليه اليوم. # ليعجب القارئ ما شاء له العجب إذا ما علم أن الفلاسفة ~~لم يفكروا تفكيرا جادا في تحديد موضوعهم إلا منذ عهد ~~قريب؛ فلم يكد واحد منهم يسأل نفسه: ماذا تحاول الفلسفة أن ~~تصنعه مما ليس يصنع مثله العلم الطبيعي أو العلم الرياضي أو ~~اللاهوت؟ ولعل «كانت» أن يكون أول فيلسوف حديث يلقي هذا ~~السؤال جادا، ويحاول الإجابة عنه إجابة يقرر بها أن علماء ~~الرياضة والطبيعة ورجال اللاهوت لهم أن يقولوا ما يريدون أن ~~يقولوه؛ فليس من شأن الفيلسوف أن يشاركهم القول، ولا أن يحكم ~~على قول معين بالصواب وعلى آخر بالخطأ، ولكنه يتناول هذه ~~الأقوال المختلفة ليبحث عن الشروط التي ينبغي أن تتوافر حتى ~~يمكن إطلاقا لصاحب القول أن يقول ما يقوله. # على أن المهمة التي تضطلع بها الفلسفة على وجه التحديد، ~~متميزة بها عن سائر العلوم، لم تتبلور ولم تستوقف ~~الأنظار بصورة واضحة إلا في أوائل هذا القرن العشرين. وإذا ~~جاز لنا أن نسمي البحث في تحديد موضوع الفلسفة «فلسفة ~~الفلسفة» كان لنا أن نسأل متعجبين: كيف أمكن للفلسفة طوال ~~عصورها أن تفلسف شتي جوانب المعرفة ولا تفلسف نفسها؟ كيف ~~أمكن للفلاسفة أن يتعرضوا لكل ما قد تعرضوا له من شئون ~~المعرفة والكون ولا تتعرض أولا لرسم معالم طريقها؟ # لم تحاول الفلسفة إلا منذ عهد قريب جدا أن تحدد ~~الرقعة التي تبني عليها دارها، ولا عجب أن رأيناها تجاوز ~~حدودها وتبني على أرض الجيران، حتى نهض هؤلاء الجيران فطردوها ~~من أرضهم واحدا بعد واحد؛ فحتى أواخر القرن الماضي - ودع عنك ~~القرون ms120 السوالف - لم يكن للفيلسوف عمل خاص كما يكون - مثلا - ~~لعالم النبات أو عالم الكيمياء عمل خاص، فكان الفيلسوف هو ~~العلامة كائنا ما كان العلم الذي يحيط به؛ فلم يكن مما يخرج ~~بالكلمة عن معناها المألوف أن تسمي عالم الفلك أو عالم ~~الكيمياء أو عالم النبات فيلسوفا، ولم يكن مما يخرج بالأمر عن ~~حدوده المألوفة أن يجيء إنتاج الفيلسوف محتويا على ضروب من ~~العلم مختلفات؛ فابن سينا فيلسوف بمنطقه وبطبه على السواء، ~~وديكارت فيلسوف بنظرية المعرفة وبنظرية البصريات على السواء. ~~أليس عجيبا ألا تنشأ في اللغة الإنجليزية كلمة تدل على ~~العلم بمعناه الخاص (أعني كلمة # Science ~~) إلا في القرن ~~الماضي، فصاغها من صاغها لأول مرة عام 1840م؟ # 1 # ثم أليس عجيبا ألا يكون عندنا في اللغة العربية ~~كلمة تدل على هذا المعنى الخاص حتى اليوم؛ فكلمة «علم» ~~وكلمة «عالم» بالمعنى الذي يحدد استعمالها لعلم الطبيعة ~~لا تعرفها اللغة العربية، وكل من تعلم شيئا فهو عالم ~~ومعرفته علم؛ فدارس الشريعة عالم، ودارس النحو والصرف عالم، ~~كما أن دارس الفلك أو الكيمياء عالم. نعم، لم يكن للفلسفة ~~معنى يقصرها في ميدان متميز عن ميادين العلوم الطبيعية ~~والرياضية وعن ميدان اللاهوت؛ إذ كان للفيلسوف أن يتحدث فيما ~~شاء من هذه الموضوعات، غير متميز - أحيانا - إلا بشيء ~~واحد، وهو أنه لا يعتمد على شهادة الحس في ملاحظاته وتجاربه، ~~بل يعتمد على ما يستخرجه من جوفه مستعينا بما يسميه ~~«الحدس» أو البصيرة النافذة إلى حقائق الأمور دون حاجة منه ~~إلى ممارسة هذه الأمور بحواسه الظاهرة. # ولعل الخطوة الرئيسية الأولى في الطريق إلى تحديد الفلسفة ~~وتحديد عملها، قد جاءت أول ما جاءت على أيدي فئة من رجال ~~الرياضة، مثل «فريجه» و«هوسرل» و«رسل» الذين أرادوا أن ~~يخلصوا الرياضة من كل شائبة تشوبها مما ليس برياضة في ~~طبيعته؛ أعني أن يخلصوها من كل ما هو تجريبي أو نفسي؛ ~~ذلك لأن المدركات الرياضية كانت حتى «جون ستيوارت مل» في ~~القرن الماضي ممتزجة مختلطة بصنوف من المعرفة التي تجيء عن ~~طريق ms121 الحواس، أو التي تجيء عن طريق الاستبطان لما يجري في ~~الشعور؛ ففكرة العدد 2 مثلا، أو فكرة المثلث القائم الزاوية ~~قد جاءت إلينا من تعميم وصلنا إليه خلال ما قد شاهدناه ~~بحواسنا من أزواج أو مثلثات، فلا فرق بين الطريقة التي ~~كونت بها فكرتي عن «الشجرة» بصفة عامة والطريقة التي ~~كونت بها فكرتي عن العدد 2 أو عن المثلث القائم الزاوية؛ ~~فكل من الطريقين يبدأ من مشاهدات جزئية وينتهي إلى تعميم ~~كلي. هكذا كان يقول «مل»؛ لأنه لم يكن يفرق من حيث الأساس ~~المنطقي بين العلوم الطبيعية والعلوم الرياضية، كما لم يكن ~~أغلب الفلاسفة من قبله يفرقون، إلا أن اتجاه السير يختلف ~~عنده عنه عندهم؛ فبينما هو يجعل العلوم الرياضية كالعلوم ~~الطبيعية في طريقة تحصيلها لأنها تجريبية مثلها واحتمالية ~~مثلها، كان الفلاسفة السابقون يجعلون العلوم الطبيعية كالعلوم ~~الرياضية في طريقة الوصول إليها؛ لأنها قبلية مثلها، ~~يدركها العقل بغير حاجة ضرورية إلى تجربة الحواس؛ ولهذا ~~فهي يقينية مثلها، أو ينبغي أن تكون كذلك. # ثم جاء في النصف الثاني من القرن الماضي هؤلاء الرياضيون ~~يحاولون تخليص الرياضة مما يخلطها بعلوم الطبيعة؛ لأنهم رأوها ~~مختلفة عنها في أساسها المنطقي نفسه؛ فالرياضة البحتة لا ~~نحصلها بالاستقراء كما نحصل العلم بكائنات الطبيعة، كلا، ~~ولا نحصلها بالاستبطان النفسي كما نحصل العلم بذواتنا ~~الشاعرة؛ فحقائق الرياضة البحتة من صنف فريد، لا هو شبيه ~~بهذا ولا بذلك؛ فمصطلحاتها محددة وبراهينها قاطعة، ~~ونظرياتها تصدق صدقا ضروريا وشاملا. نعم، إن المنطق ~~الصوري (وهو جزء من الفلسفة بمعناها في العرف القديم، لكن ما ~~كل فلسفة منطق في ذلك العرف) كالرياضة يحدد مصطلحاته، ~~ويقطع في براهينه، وتجيء نظرياته صادقة صدقا ضروريا ~~وشاملا؛ فلا فرق بين أن تقول في الرياضة إن 2 + 2 = 4، وأن ~~تقول في المنطق الصوري إنه إذا كانت أ هي ب، وكانت ب هي ج، ~~كانت أ هي ج؛ فإذا كانت الرياضة والمنطق الصوري معا لا يجعلان ~~الكائنات الطبيعية المحسوسة موضوعهما، ولا يجعلان المشاعر ~~النفسية موضوعهما كذلك، فأين يقع ذلك ms122 الموضوع؟ أيكون هنالك ~~مجال آخر إلى جانب المجالين اللذين قد جرى العرف طوال ~~العصور على قسمة العالم إليهما، وهما الطبيعة من ناحية، والذات ~~من ناحية أخرى؟ نعم. هكذا أجاب هؤلاء الرياضيون بادئ ذي بدء؛ ~~إذ نهضوا لتخليص الرياضة من شوائب التجربة الحسية والمشاعر ~~النفسية في آن معا. نعم هنالك مجال ثالث إلى جانب الطبيعة ~~والنفس، وكائناته كائنات منطقية خالصة، فلا هي من «مادة» ~~كالطبيعة ولا هي من «وجدان» كالنفس والشعور؛ كائناتها منطقية ~~خالصة، مثل «كل» و«إذا» و«أو» و«حق» و«باطل»، ومثل «الفئات» ~~(أي الأنواع) و«الأعداد» و«استنباط النتائج من مقدماتها» وغير ~~ذلك. ولو قلنا إنه قد تبين أن هنالك مجالا ثالثا إلى جانب ~~مجالي علم الطبيعة وعلم النفس، وأن ذلك المجال الثالث يشمل ~~كائنات منطقية خالصة، فقد قلنا بالتالي إن جانبا من ميدان ~~الفلسفة - جانبا واحدا على الأقل - وهو المنطق، قد خرج من ~~نطاق البحث الفلسفي كما كان مفهوما في عصور التاريخ. # وأعقبت ذلك مرحلة أخرى، حرمت فيها الفلسفة من جانب آخر ~~من جوانبها، وذلك حين انتقل علم النفس من ميدان الاستبطان ~~الذاتي إلى ميدان البحث التجريبي والحساب الإحصائي، وبعد أن ~~كان الفلاسفة الباحثون في النفس الإنسانية كيف تفكر وكيف ~~تعرف وكيف تسير الجسم في طريق سلوكي معين، أقول بعد أن ~~كان هؤلاء الفلاسفة الباحثون في النفس الإنسانية من شتى ~~نواحيها يعدون أنفسهم من المشتغلين ب «العلوم العقلية»، جاءت ~~التجارب العلمية في معامل علم النفس الجديد لتتناول بآلاتها ~~ومقاييسها وإحصاءاتها ما كان هؤلاء يتناولونه - وهم جالسون على ~~كراسيهم - بالتأمل الحدسي. وها هنا تساءل القوم: ماذا بقي ~~لرجال الفلسفة من موضوعات «المعرفة» و«الأخلاق» و«المنطق» إذا ~~لم تعد هذه الأشياء من الحالات التي يصح فيها القول بمجرد ~~التأمل الحدسي؟ # ثم جاءت خطوة ثالثة وأخيرة في تطور موضوع البحث الفلسفي، ~~كما كان مفهوما عند النظرة التقليدية؛ فقد خرج المنطق الصوري ~~ليكون مع الرياضة في مجال مستقل عن مجالي الطبيعة والنفس، ثم ~~خرج علم النفس ليدخل معامل التجارب وقوائم الإحصاء مع سائر ~~العلوم الطبيعية، وأخيرا جاء ms123 «برنتانو» (فيلسوف نمساوي كان ~~أستاذا بجامعة فيينا في أواخر القرن التاسع عشر) ليبرز ~~مبدأ استمد أصوله من فلسفة العصور الوسطى، وهو أن الحالات ~~العقلية والعمليات العقلية كلها لا بد أن تشير إلى شيء خارج ~~حدودها؛ فكما يقال عن الفعل المتعدي إنه يتطلب حتما ~~مفعولا به ليتم معناه، فكذلك يقال عن أية حالة أو عملية ~~عقلية إنها متعدية بحيث تتطلب طرفا خارج كيانها ليتم ~~معناها؛ فالفكرة من أفكارك لا بد أن تكون فكرة عن شيء، ~~والحالة الوجدانية في لحظة معينة من حياتك لا بد أن تكون ~~وجدانا متعلقا بشيء، وعلى الجملة لا بد لكل فعل شعوري من ~~موضوع ينصب عليه؛ فلا تفكير ولا وجدان ولا إرادة «في ~~الهواء» كما يقولون، بل يتحتم أن يكون لهذه الحالات الشعورية ~~كلها أطراف خارجية تتعلق بها. إنك إذا قلت إني أرى فلا بد ~~أن تكون الرؤية منصبة على مرئي، وإذا قلت إني حزين فلا ~~بد أن يكون الحزن ناشئا عن شيء بعثه في نفسك، وهكذا. وليست ~~الحالة الشعورية من طبيعة الشيء الذي يكون مدارها؛ فقد أتخيل - ~~مثلا - جنية لها وجه امرأة وذيل سمكة، فيكون خيالي هذا ~~كائنا عقليا موجودا وجودا فعليا، مع أن الشيء الذي يتعلق ~~به الخيال - وهو الجنية - ذو جسم مشكل على نحو معين ~~وليس له وجود. وقد أفرض أنني أسكن قصرا شامخا، فيكون الفرض ~~حالة عقلية موجودة فعلا في مجري شعوري، على حين أن موضوع ~~الفرض غير ذي وجود. وباختصار فإن الحالة الشعورية أو الفعل ~~الشعوري شيء غير موضوعه الذي يتعلق به. # وتبع «برنتانو» اثنان من تلاميذه، هما «مينونج» و«هوسرل»، ~~وذهبا كما ذهب أستاذهما إلى مبدأ «التعدي» الذي شرحناه، والذي ~~يشترط لأي فعل شعوري طرفا يتعلق به ليتم معناه. غير أن ~~«مينونج» و«هوسرل» قد اقتصرا في بحثهما على الحالات العقلية ~~الإدراكية دون الحالات الشعورية الأخرى من وجدان وإرادة، ~~وانتهي كلاهما إلى القول بأنه لا بد لكل تصور عقلي، أو حكم، ~~أو تذكر، أو استدلال، أو غير ذلك من العمليات الإدراكية، لا ~~بد ms124 له من طرف خارجي يشير إليه ويتعلق به؛ فإذا تكون في ~~رأسي تصور كلي مثل «إنسان»، أو حكم مثل «الإنسان فان»، أو ~~استدلال مثل «إذا كانت الحرارة تذيب الأجسام فهي إذن تذيب ~~الجليد»؛ إذا تكون في رأسي شيء من هذا، فلا بد أن يكون ~~هنالك شيء خارجي يكون هو معنى هذه الأشياء ومثبتا لصدقها، ~~ولكن أين عساها أن تكون؟ إنني قد أفرض ما ليس له وجود في ~~العالم الطبيعي، كأن أفرض - مثلا - أن شجرة سمقت ~~بفروعها حتى بلغت عنان السماء، كيف يكون لهذا الفرض معنى إذا ~~لم يكن هنالك الكائن الفعلي الذي يصوره الفرض؟ لكن هذا ~~الكائن الفعلي الذي يجعل للفرض معنى ليس له وجود في العالم ~~الطبيعي، كلا ولا وجود له في العالم النفسي؛ لأن الشجرة التي ~~هي من خشب وجذوع وفروع لا تكون داخل الرأس؛ إذن فأين يكون ~~الشيء الذي يجعل لهذا الفرض معنى؟ أين يكون المسمى الذي ~~يجعل معنى لكلمة «إنسان»؟ إنها كلها أشياء لا بد من افتراض ~~وجودها ليكون لكلامنا معنى؛ وإذن فلا بد من افتراض مجال ثالث ~~أو عالم ثالث إلى جانب الطبيعة من جهة والنفس من جهة أخرى، ~~هو مجال «المعاني»، وهو هو نفسه المجال الذي تختص به الفلسفة ~~والمنطق لتترك الطبيعة لعلومها والنفس لعلمها؛ فلئن كانت ~~الكائنات الطبيعية من ضوء وصوت وكهرباء وماء ونبات من شأن ~~علمي الطبيعة والحياة، ثم إن كانت أفعال العقل وحالاته من شأن ~~علم النفس، فهنالك مجال ثالث هو ميدان الرياضة والفلسفة ~~والمنطق، وأعني به المجال الذي تكون كائناته هي ما تشير إليه ~~أفكارنا ومشاعرنا وأحكامنا؛ فالفكرة أو الوجدان أو الحكم ليس ~~ضوءا ولا صوتا ولا شجرا ولا ماء حتى يكون موضوعا للعلوم ~~الطبيعية، وليس هو مجرد حالات عابرة يجري بها تيار العقل، ~~تظهر وتختفي، ليكون مما يبحثه علم النفس، ولكنها ثوابت، ولا بد ~~أن تكون مشيرة إلى ثوابت مثلها كائنة في عالم وحدها. # وما إن استهل القرن العشرون بسنواته الأولى، حتى أدرك ~~رجال الفلسفة والمنطق أن مجال نشاطهم ms125 ليس هو مجال العلوم ~~الخاصة؛ فليست الفلسفة علما يقف إلى جانب العلوم الأخرى من ~~طبيعة وكيمياء وفلك ونفس، كلا، ولا هي مما يحصل ~~بالاستقراء والمشاهدة وإجراء التجارب، بل هي تجول في هذا ~~المجال الثالث الذي أشار إليه «مينونج» و«هوسرل»، والذي قوامه ~~معاني ما يطوف بعقولنا من أفكار ومبادئ، وبخاصة في العلوم ~~الصورية التي هي المنطق والرياضة؛ فأين أجد - مثلا - معني ~~قانون الذاتية في المنطق الذي يقول إن الشيء يظل هو ما هو؛ أي ~~إن أ = أ؟ وأين أجد معنى العدد صفر أو العدد 3 أو أي عدد شئت؟ ~~وأين أجد معنى المثلث والدائرة؟ لا تقل إنك واجد هذه المعاني ~~في دنيا الأشياء الجزئية، فتجد قانون الذاتية - مثلا - في أن ~~صديقك محمدا هو اليوم ما كان بالأمس، وتجد معنى الثلاثة في ~~هذه البرتقالات الثلاث، ومعنى الدائرة في هذا القرش؛ لا تقل ~~ذلك لأن هذه كلها تطبيقات جزئية للفكرة، وأما معنى الفكرة ~~نفسها فلا بد أن يكون شيئا آخر غير تطبيقاتها، بحيث لو انعدمت ~~هذه الحالات التطبيقية كلها بقيت الفكرة من جهة ومعناها من ~~جهة أخرى، وأعود فأسأل: أين يكون معناها؟ وجواب «مينونج» ~~و«هوسرل» هو أن المعنى إنما يكون في عالم ثالث غير عالم ~~الطبيعة وعالم النفس. # تلك إذن أفلاطونية من طراز جديد؛ فقد كان أفلاطون يفترض ~~إلى جانب العالم الطبيعي والعالم الذهني عند الواحد من الناس، ~~عالما ثالثا قوامه معاني الأفكار الكلية التي تكون في العقل ~~الإنساني؛ فمثلا هناك جزئيات في العالم الطبيعي، كأفراد ~~الناس من زيد إلى عمرو وخالد، ثم هنالك في عقلي فكرة عامة ~~كلية عن «الإنسان»، وهي فكرة تتمثل في زيد وعمرو وخالد، ~~لكن هؤلاء ليسوا معناها؛ إذ قد ينمحي هؤلاء الأفراد وتبقى فكرة ~~الإنسان تتطلب معنى، وأخيرا هنالك عالم ثالث يفترض وجوده ~~أفلاطون، هو عالم المثل، يجعله مقرا لمعاني الأفكار الكلية ~~التي في رءوسنا؛ ففكرة «الإنسان» تجد معناها في مثال الإنسان؛ ~~أي في تعريفه أو جوهر حقيقته الذي هو من كائنات العالم ~~الثالث. # أقول إنها كانت أفلاطونية ms126 من طراز جديد؛ تلك التي جاء بها ~~«برنتانو» و«مينونج» و«هوسرل» حين افترضوا عالما ثالثا إلى ~~جوار الطبيعة والنفس يكون هو المجال الذي نلتمس فيه معاني ~~أفكارنا. نعم قد كانت لفتة قوية منهم وجهوا بها أنظارنا إلى ~~«المعنى» وضرورة أن يكون هو الشاغل الأول للفيلسوف، لكن لماذا ~~نضطر إلى خلق عالم ثالث ليكون مستقرا للمعاني؟ إننا قد ~~نوافقهم على أن معنى قضية ما، مثل «إذا كانت أ أصغر من ب، ~~وكانت ب أصغر من ج، كانت أ أصغر من ج»، نوافق على أن قضية ~~كهذه لا نجد معناها قائما بين الأشياء، ولكن هل لا بد للمعنى ~~أن يكون «شيئا» حتى أضطر إلى البحث له عن عالم يستقر ~~فيه؟ ألا يجوز أن يكون المعنى هو طريقة أداء أتناول بها ما في ~~الطبيعة من أشياء، فإن وجدت أن القضية المذكورة أداة ~~تمكنني من التصرف العملي في أشياء الطبيعة كانت ذات معنى ~~وإلا فهي بغير معنى؟ # إنني لو جعلت المعنى هو طريقة الأداء، زالت ضرورة العالم ~~الثالث، عالم المعاني؛ بهذا يكون «المعنى» لا هو من الأشياء ~~الطبيعية ولا هو من الحالات النفسية؛ لا لأنه من كائنات عالم ~~ثالث، بل لأنه ليس كائنا على الإطلاق؛ أي ليس شيئا، بل هو ~~طريقة عمل ووسيلة أداء. # فإذا قلنا إن الفلسفة هي علم المعاني وجب ألا نفهم من ذلك ~~أنها علم يتناول أشياء بذواتها مستقلة عن هذا العالم ~~بشقيه الطبيعي والعقلي، بل هي علم المعاني كما هي متمثلة ~~في هذين المجالين. والأمر هنا شبيه بقولنا عن الاقتصاد إنه ~~علم القيم في عمليات التبادل، حين لا نريد بالطبع أن نقول إن ~~هناك مجالات ثلاثة؛ مجال السلع، ومجال النقود، ومجال القيم ~~في عمليات التبادل. وإن هذا المجال الثالث هو مجال البحث في ~~علم الاقتصاد. إننا بالطبع لا نريد شيئا كهذا، بل نريد أن ~~نجعل القيم في عمليات التبادل متمثلة في مجالي السلع والنقود. # 2 # الفلسفة هي علم المعاني، ومسائلها - كما يقول وتجنشتين - هي ~~مسائل لغوية؛ بمعنى أنها تنحل بتحليل العبارات ms127 التي تعبر ~~عنها، لكنا لا نقصد أن يكون البحث اللغوي هنا من قبيل النحو ~~أو الصرف أو طريقة النطق أو البلاغة وما إلى ذلك، بل نريد ~~بحثا ينصب على منطق اللغة من حيث هي أداة ترسم لنا طرائق ~~السلوك إزاء العالم الذي نعيش فيه. # 3 # الجملة اللغوية كائنا ما كان نوعها مؤلفة من عدد من ~~الكلمات، ومعناها مستمد من معاني كلماتها، ولا بد أن تكون ~~بين هذه الكلمات وحدة تجعل منها رمزا واحدا له من الخصائص ~~ما ليس للكلمات المفردة الداخلة في تكوينها. # لقد أسلفنا لك القول في الفصل السابق عن مدلولات الكلمات وهي ~~مفردة، وذكرنا لك منها أربعة أنواع؛ فنوع تكون الكلمة من ~~كلماته اسما لمسمى واحد لا يتكرر، وهذا الشرط يتحقق في ~~اسم الإشارة «هذا»، ويتحتم بطبيعة الحال أن يكون لمثل هذا ~~الاسم مسماه، وإلا فقد وظيفته التي من أجلها وجد؛ ونوع ~~ثان تكون الكلمة من كلماته اسما لمجموعة أعضاء تجتمع كلها ~~في فئة واحدة لتشابه صفاتها، مثل «إنسان»، وفي مثل هذه ~~الحالة لا يتحتم أن يكون للاسم مسمى؛ لاحتمال أن تكون ~~الصفات الدال عليها الاسم غير متحققة تحققا فعليا في ~~فرد من الأفراد؛ ولذلك عد هذا النوع من الكلمات رموزا ~~ناقصة لجواز أن يوجد الرمز بغير المرموز إليه؛ ونوع ثالث ~~كلماته بغير مدلول في عالم الأشياء، لكنها ضرورية في بناء ~~الجملة بما توجده من الروابط بين كلماتها، مثل «إذا» و«ليس». ~~وأمثال هذه الكلمات يسمونها بالكلمات المنطقية؛ لأنها هي ~~التي تحدد صورة الجملة وتحدد حالات صدقها؛ ونوع رابع ~~وأخير قوامه كلمات دالة على قيمة جمالية أو خلقية أو ~~معبرة عن انفعال، وأمثال هذه الكلمات يشير إلى داخل ~~المتكلم ولا يشير إلى شيء خارجه، ومن هنا كانت بغير معنى ~~إذا قصدنا بالمعنى مدلولا خارجيا يشترك في مشاهدته أكثر من ~~شخص واحد. # لكن ما كل صف من الكلمات يكون جملة ذات معنى؛ فأول ما ~~يشترط ليكون للجملة معنى هو أن تكون بين كلماتها رابطة ~~توحد بينها في رمز واحد له ms128 من الخصائص ما ليس لمفرداته . ~~وكثيرا ما يندمج التركيب اللغوي اندماجا يضللنا عن ~~حقيقة العناصر المكونة له؛ فلا بد لمن شاء أن يحلل ~~العبارة اللغوية التي يكون إزاءها أن يطمئن أولا إلى أنها ~~جملة واحدة لا مجموعة من الجمل متداخل بعضها في بعض؛ وذلك ~~لأن ما يعده النحو جملة واحدة قد لا يكون كذلك من الناحية ~~المنطقية؛ فمن الناحية المنطقية لا تكون الجملة جملة واحدة ~~إلا إذا كانت دالة على واقعة بسيطة واحدة، ولا يستطيع من ~~يريد مراجعة الكلام ليتحقق من صدقه أن يحكم على الجملة بصدق ~~أو بكذب إلا إذا كانت جملة واحدة تقابلها واقعة بسيطة ~~واحدة؛ وعندئذ يمكنه مراجعة الجملة على الواقعة فيتبين ~~صدقها أو عدم صدقها؛ فعبارة كهذه «أبو بكر وعمر من ~~الخلفاء الراشدين» ليست جملة واحدة، بل جملتان هما: «أبو بكر ~~من الخلفاء الراشدين» و«عمر من الخلفاء الراشدين»، ولا يتوقف ~~صدق الواحدة على صدق الأخرى، وكل منهما يتطلب تحقيقا ~~يثبتها على حدة. أما قولنا «أبو بكر وعمر متساويان في ~~الطول» فهو جملة واحدة من الناحية المنطقية؛ لأن المرجع في ~~صدقها واقعة خارجية واحدة. ونسوق لك مثلا آخر يوضح الفرق ~~بين ما هو جملة واحدة من الناحية المنطقية وما هو أكثر من ~~جملة؛ فعبارة مثل قولنا «خرجت بالأمس» و«كان المطر هاطلا»، ~~جملتان لا يتوقف صدق الواحدة على صدق الأخرى، وهما «خرجت ~~بالأمس» و«كان المطر هاطلا»؛ فقد يكون صدقا أني خرجت بالأمس ~~لكن المطر لم يكن عندئذ هاطلا، وكذلك قد يكون صدقا أن المطر ~~كان بالأمس هاطلا لكني لم أخرج من الدار. أما قولنا «خرجت ~~بالأمس حين كان المطر هاطلا» فجملة واحدة؛ لأن تحقيق الشطرين ~~لا يكون إلا بمراجعة واقعة خارجية واحدة، فهل كان في اللحظة ~~الفلانية من لحظات الأمس أن حدث حادثان معا هما خروجي ونزول ~~المطر؟ # ولا تكون الجملة جملة واحدة من الناحية المنطقية إلا إذا ~~بلغت من البساطة حدا يستحيل معه انقسامها إلى جملتين أو ~~أكثر. ولا نبلغ هذه البساطة في التحليل إلا إذا بلغنا ms129 مرحلة ~~تكون فيها الأسماء الواردة في الجملة أسماء أعلام؛ أي أسماء ~~حالات جزئية بالمعنى الذي شرحناه فيما مضى؛ ذلك لأن وقائع ~~العالم الخارجي التي سنراجع عليها الجملة لنحكم عليها بالصدق ~~أو بالكذب، لا تكون إلا حالات جزئية مرتبطا بعضها ببعض بهذه ~~الرابطة أو تلك؛ فقولي - مثلا - «المصري يتكلم اللغة العربية» ~~ظاهرها بسيط، لكنها ليست كذلك من وجهة النظر المنطقية؛ لأن ~~كلمة «المصري» ليست اسما على حالة جزئية واحدة، بل هي كلمة ~~عامة تنطبق على أي واحد من المصريين؛ وبهذا تكون بمثابة ~~عبارة وصفية تلخص مجموعة من الصفات إذا ما توافرت في شخص ~~كان مصريا؛ وإذن فهي بالتالي «رمز ناقص»؛ أي إنها رمز لا ~~يرمز إلى شيء بعينه، وعلى ذلك فلا يمكن تحقيق القضية التي ~~وردت فيها هذه الكلمة إلا إذا أحللت مكان «المصري» اسما ~~آخر ذا دلالة جزئية محددة معينة؛ وبهذا يصبح الرمز الناقص ~~رمزا كاملا. ترى هل إذا وضعت مكانها اسما ك «العقاد» بحيث ~~أصبحت الجملة «العقاد يتكلم اللغة العربية»، أكون قد وصلت بذلك ~~إلى جملة بسيطة؟ كلا، ولا هذا؛ لأن «العقاد» ليس حالة جزئية ~~واحدة، بل هو سلسلة طويلة من حالات، هو تاريخ بأسره، ~~وحالاته الماضية لم تعد مما يمكن الإشارة إليه باسم الإشارة ~~«هذا»؛ وإذن فلا بد من تحليل «العقاد» إلى حالاته لأضع إحدى ~~هذه الحالات فقط موضوعا للحديث، كأن أحدد الحالة ~~المعينة بالتقاء نقطة من المكان مع لحظة من زمان، أو أن ~~أحددها بالإشارة المباشرة إليها قائلا: هذا يتكلم اللغة ~~العربية. وإلى هنا نكون قد فرغنا من الوصول بالموضوع وحده إلى ~~المرحلة الذرية البسيطة التي تقابلها في عالم الواقع ~~حادثة ذرية بسيطة كذلك. وبقي أن نحلل الصفة الواردة في ~~الجملة مثل هذا التحليل؛ فالعقاد في اللحظة التي أشير إليه ~~فيها لا يتكلم «اللغة العربية» كلها، بل هو ينطق بعبارة منها ~~الآن، وقد نطق بعبارة أخرى في لحظة ماضية، وهكذا؛ وإذن فكل ~~ما أستطيع الإشارة إليه من وقائع الدنيا فيما نحن بصدده هو ~~إحدى حالات العقاد، وهي ms130 حالة نطقه بإحدى عبارات اللغة العربية، ~~ثم أجيز لنفسي بعد ذلك أن أضم سلسلة الحالات كلها التي هي ~~تاريخ حياة العقاد وأجعل منها كائنا واحدا أسميه ~~«العقاد»، ثم أتخذ من العبارة الواحدة العربية التي سمعت ~~العقاد ينطق بها إشارة تدل على أنه يتكلم من هذه اللغة ~~عبارات غير العبارة التي سمعتها منه، بحيث يجوز أن أقول عنه ~~إنه يتكلم اللغة العربية بغير تحديد. # العالم قوامه وقائع، ويصور كل واقعة منها في كلامنا ~~جملة، أو يمكن أن تصورها جملة. أما الواقعة الواحدة البسيطة ~~التي لا تنحل إلى ما هو أبسط منها فنقول عنها إنها جملة ~~«ذرية»، وأما الجملة الواحدة البسيطة التي تصورها فنقول عنها ~~إنها جملة «ذرية» كذلك. والواقعة الذرية الواحدة لا تكون ~~أبدا من جزئية واحدة كلمعة ضوء أو نبرة صوت؛ إذ لا بد - لكي ~~تكون واقعة - أن تتصف هذه الجزئية الواحدة بصفة ما، أو أن ~~تتصل بغيرها من الجزئيات في مركب واحد يكون ذريا ما ~~دمنا لا نستطيع حله إلى أكثر من واقعة واحدة، والجزئي ~~الواحد من جزئيات الطبيعة يقابله في اللغة اسم العلم، والصفة ~~التي تصفه في الطبيعة يقابلها في اللغة كلمة نسميها ~~باصطلاح المنطق «المحمول»؛ فإن كان بين الجزئي الواحد وغيره من ~~الجزئيات علاقة تربطهما معا في واقعة ذرية واحدة، كان في ~~اللغة كلمات دالة على هذه العلاقات لتربط بين الأسماء ~~الواردة في الجملة ربطا يجعل منها جملة ذرية واحدة. # فلو كان ما أشير إليه من وقائع العالم الخارجي هو هذه الورقة ~~التي أمامي ولونها الأبيض، كانت الجملة التي تقابل ذلك هي ~~«هذه الورقة بيضاء». هذه قضية بسيطة، وتحقيقها يكون بالرجوع ~~إلى الواقعة البسيطة التي جاءت القضية مصورة لها. وفي مثل ~~هذه الحالة نستطيع القول عن هذه الجملة إنها ذات «معنى»؛ لأن ~~مدلولها هناك يشار إليه إشارة مباشرة، وتنطبع به الحواس ~~انطباعا مباشرا. قارن ذلك بجملة وصفية أخرى يظن أن بينها ~~وبين الجملة المذكورة شبها في الصورة، كقولنا مثلا «مدنية ~~الغرب علمية»، وانظر هل يكون لهذا الكلام ms131 «معنى» بالمعنى الذي ~~حددناه، وهو أن يكون للقضية مدلول في عالم الوقائع، فاسأل: ~~أين هو الشيء المسمى ب «مدنية الغرب»؟ فإذا أشير لك إليه ~~فانظر هل هو متصف بصفة العلمية، تماما كما جاز لك أن تسأل ~~أين هو الشيء المسمى ب «هذه الورقة»، وأن تنظر في صفة البياض ~~التي وصفت بها. وواضح أنك لن تجد جزئية من جزئيات الواقع ~~اسمها «مدنية الغرب»؛ لأن هذه كلمة أريد بها أن تطلق على ~~مجموعة كبري من مجموعات ضخمة؛ فهي مجموعة تضم الدين والفن ~~والعلم والحكومة والتربية والاقتصاد ... إلخ إلخ، وكل كلمة من هذه ~~الكلمات في ذاتها تعود فتضم ملايين الجزئيات؛ فالدين كلمة ~~تطلق على آلاف الجمل في مئات الصفحات، والفن كلمة تطلق ~~على آلاف وآلاف من قطع الموسيقى وقصائد الشعر والصور ~~والتماثيل ... إلخ إلخ، ويستحيل أن ترجع في العالم الخارجي الواقع ~~إلا إلى مفرد واحد من هذه المفردات ثم تعقب عليه بمفرد ~~ثان فمفرد ثالث؛ وعلى ذلك فلو أردنا أن يكون طريق التحقيق ~~لكلامنا ميسورا، وجب أن ينحل هذا الكلام إلى عبارات لا ~~تشير كل واحدة منها إلا إلى مفرد واحد من جمل النصوص ~~الدينية أو إلى مفرد واحد من الآثار الفنية، وهكذا؛ وإذن فليس ~~قولنا «مدنية الغرب علمية» هو من الأقوال ذوات «المعنى» ~~المباشر؛ لأنه قول لا يشير إلى واقعة ذرية واحدة، ولا يكون ~~له معنى إلا إذا تحول إلى جمل ذرية تتحدث كل منها عن ~~شيء واحد جزئي يمكن الرجوع إليه بالحس المباشر. # قارن هذا التحليل بما قد ذهب إليه أرسطو وأتباعه من أن وحدة ~~التحليل التي لا يمكن للتفكير أن ينحل إلى ما هو أبسط منها ~~هي جملة تتحدث عن نوع بأسره؛ أي عن فئة بأسرها من ~~الأفراد، كأن يقال - مثلا - «الإنسان عاقل» و«الشعر كلام ~~مقفى» وما إلى ذلك. إنه لو كانت كلمة «الإنسان» أو كلمة ~~«الشعر» هي الوحدة الأولية التي يرجع إليها للتحقق من ~~أنها تتصف ما يدعي المتكلم أنها تتصف به، لوجب أن أبحث عنها - لا في عالم ms132 الأشياء الخارجية - بل في رأسي وفي عالم فكري؛ ~~لأنه ليس في عالم الأشياء «إنسان» بصفة عامة، ولا «شعر» بصفة ~~عامة. ولو أخذت بهذه النظرة لانتهيت إلى أن أقبل كلام المتكلم ~~سواء أشار إلى دنيا الأشياء أو لم يشر؛ ومن ثم يستطيع ~~المتكلم أن يتوهم ما شاء من كائنات ثم يتحدث عنها بما يشاء، ~~ولا يكون لي الحق - أنا السامع - في مراجعته على دنيا الواقع؛ ~~ذلك لأنني لو جعلت دنيا الواقع هي الفيصل بيني وبينه، لما كان ~~لي بد من الرجوع إلى أفراد بأعيانها؛ فلا «إنسان» هناك إلا ~~زيد وعمرو وخالد، ولا «شعر» هناك إلا هذه القصيدة المعينة ~~أو تلك. # كلا، لم يوفق أرسطو في تحليله إلى الصواب؛ إذ جعل الأنواع ~~آخر مراحل التحليل، وإذ جعل القضايا التي تكون موضوعاتها ~~كلمات كلية هي الوحدات البسيطة الأولية؛ فالجملة التي يكون ~~موضوعها فئة لا فردا، مثل «الطائر ذو جناحين» و«بعض من ~~أتموا دراستهم الثانوية يدخلون الجامعة»، ليست في الحقيقة ~~قضية كاملة يمكن الحكم عليها بصواب أو خطأ، بل هي ما يقولون ~~عنه في المنطق الحديث «دالة قضية»؛ أي إنها عبارة ناقصة ~~فيها ثقب شاغر يحتاج إلى اسم جزئي ليملأه فتكمل العبارة ~~وتصبح صالحة للتحقيق؛ فبدل قولي «الطائر ذو جناحين» أضع مكان ~~«الطائر» اسم طائر بعينه يمكن الإشارة إليه، فتصبح العبارة ~~«هذا الببغاء ذو جناحين»؛ وعندئذ فقط يمكن مراجعة القول على ~~الواقعة التي يشير إليها. # أضف إلى هذا النقص في التحليل الأرسطي لوحدات الفكر نقصا ~~أخطر وأفدح؛ وذلك أنه قد ظن أن كل الأفكار مهما يكن نوعها فهي ~~في النهاية يمكن ردها إلى جملة تصف موضوعا ما بصفة ~~معينة؛ أي يمكن ردها - بلغة المنطق - إلى موضوع ومحمول، ~~إلى موضوع وما يحمله ذلك الموضوع من صفات، ولكن هذا النوع ~~الذي ظنه أرسطو شاملا لكل ضروب الفكر إن هو في الحقيقة إلا ~~نوع واحد من أنواع كثيرة أخرى؛ فإلى جانب الجملة التي تتحدث ~~عن موضوع واحد بصفة معينة، هنالك الجملة التي تتحدث عن ~~موضوعين في آن ms133 واحد واصلة بينهما بصلة تربطهما، كقولي عن ~~بروتس إنه قتل قيصر؛ فالحديث هنا ليس حديثا عن بروتس أكثر منه ~~حديثا عن قيصر، هو حديث عنهما معا بما قد وصل بينهما من ~~علاقة هي علاقة القتل. واللغة نفسها تمكنك من أن تبدأ ~~الحديث بأي الطرفين شئت؛ فلا بأس من قولك «قيصر قتل بفعل من ~~بروتس»، فتصف بذلك نفس الواقعة التي تصفها بقولك «بروتس قتل ~~قيصر»؛ ومعني هذا أن ليس قوام هذه العبارة موضوعا وصفته، بل ~~قوامها موضوعان وما بينهما من علاقة. وقد يكون في الواقعة ~~الواحدة أكثر من طرفين، فيكون فيها ثلاثة أطراف مثلا أو ~~أربعة أو أكثر من ذلك؛ وعندئذ تأتي العبارة المخبرة عنها ~~ذات ثلاثة موضوعات أو أربعة أو أكثر، بحيث يتساوي عدد ~~الموضوعات في الجملة مع عدد الأطراف في الواقعة التي هي موضوع ~~الحديث. وفي اللغة كلمات أعدت للتعبير عن العلاقة ذات ~~الأطراف الثلاثة والعلاقة ذات الأطراف الأربعة وهكذا؛ فقولي - ~~مثلا - إن العدد 3 يقع بين العددين 2، 4 هو قول ذو موضوعات ~~ثلاثة هي «2، 3، 4» ربطت بينها كلمة «بين»، وهكذا. # قد تقول: وماذا يترتب على هذا التحليل الجديد للفكر مما لم ~~يترتب على تحليل أرسطو؟ ما الفرق بين أن أقول إن عبارة «بروتس ~~قتل قيصر» هي قضية ذات موضوع هو «بروتس» ومحمول هو «قتل ~~قيصر»، وبين أن أقول عنها إنها قضية مؤلفة من موضوعين هما ~~«بروتس، قيصر» ربطت بينهما علاقة؟ ونجيب لك عن سؤالك هذا ~~بقولنا إن الفرق عميق في تكوين وجهة النظر إلى العالم؛ ~~فالتحليل الأرسطي منته بصاحبه إلى أن الكون حقيقة واحدة وله ~~هذه الصفة أو تلك، وأما التحليل الجديد فينتهي بصاحبه إلى أن ~~الكون حقائق عدة؛ ذلك لأني إذا أخذت بوجهة النظر الأرسطية ~~فسأظل أصعد في سلم الموضوعات من أدناها إلى أعلاها، وفي ~~شتى هذه المراحل الصعودية لا يكون لدي ما أقوله عنها إلا ~~صفات تحملها تلك الموضوعات، حتى أنتهي في غاية الشوط إلى ~~موضوع واحد يضم كل ما تحته من فروع، ولا يكون لدي ما ms134 أقوله ~~عن ذلك الموضوع الواحد إلا صفاته التي يحملها. وأما الآخذ ~~بالتحليل الجديد فلن يشترط بادئ ذي بدء أن تكون وقائع الكون ~~من صنف معين، بل سينتظر التجربة وما تأتيه به من معلومات؛ ~~فآنا تقول التجربة عن شيء ما إنه ذو صفة معينة، وآنا ~~تقول عن شيئين أو عن ثلاثة أشياء إنها مرتبطة برباط لا يجعل ~~واحدا منها أعلى تعميما ولا أقل تعميما. وأهم من ذلك كله ~~أن التحليل الجديد للفكر يحتم على صاحبه أن يجعل الوقائع ~~الجزئية هي وحدها المرجع الذي يرتد إليه المفكر في تحقيق ~~أفكاره وأفكار الآخرين. # 4 # تريد الفلسفة التحليلية أن تبلغ بتحليل الفكر إلى حده ~~الأدنى، شأنها في ذلك شأن العلم الطبيعي حين يتناول مادة ~~الأشياء بالتحليل إلى غايته القصوى، فينتهي به إلى الذرات ~~الأولية وإلى طريقة بناء الذرة الواحدة من هذه الذرات ~~الأولية. وإنما ينشد التحليل الفلسفي والتحليل الطبيعي هذه ~~الوحدات الأولية في عالم الفكر أو في عالم الطبيعة؛ أملا في ~~أن يعرف المركب إذا عرف بسائطه الذي يتكون منها. # وقد انتهى رجال التحليل الفلسفي المعاصرون - وعلى رأسهم رسل ~~- إلى ما قد أسموه بالقضية الذرية وحدة أولية بسيطة، ~~مخالفين بذلك أرسطو الذي ظن أن القضية التي تتحدث عن فئة ~~بأسرها وحدة فكرية أولية. والقضية الذرية الأولية - كما ~~أسلفنا لك القول - هي التي تقابلها في عالم الأشياء واقعة ~~ذرية أولية، كل منهما في مجاله لا يقبل التحليل والانقسام؛ ~~فالواقعة الذرية الأولية قد تكون جزئية واحدة وصفة تنعتها، ~~وقد تكون جزئيتين أو ثلاث جزئيات أو أكثر مع رابطة تصل هذه ~~الجزئيات لتجعل منها بناء واحدا، بحيث لو انحلت الرابطة ~~وانفرطت الأطراف لم يعد لأي طرف منها على حدة شيء من ~~المعنى الذي كان للبناء وهو متصل. وكذلك القضية الذرية الأولية ~~- على غرار الواقعة التي تقابلها - إما أن تكون اسما واحدا ~~وصفة تنعته، أو اسمين أو ثلاثة أسماء أو أكثر تصلها كلمة ~~علاقية تجعل من هذه الأسماء وحدة واحدة، بحيث لو أزلنا كلمة ~~العلاقة وانفرطت الأسماء لم ms135 يعد لأي منها شيء من المعنى ~~الذي كان للقضية وهي بناء متصل. # ونريد الآن أن نمضي في التحليل خطوة أخرى، فنقول إنه حتى ~~الجملة التي تكون مكونة من اسم جزئي وصفة تنعته مثل «هذا ~~أحمر» التي نقولها مشيرين إلى بقعة لونية حمراء قائمة أمام ~~الحس (وهذه القضية الوصفية هي أقرب الأنواع إلى القضية كما ~~عرفها أرسطو وأسماها القضية الحملية)، أقول إنه حتى هذه ~~القضية الوصفية الأولية يمكن تحليلها لبيان أنها هي الأخرى ~~قضية دالة على بناء ذي أطراف وما بينها من علاقة. ولو ~~تحقق لنا ذلك لانتهينا إلى نتيجة عامة، وهي أن كل فكرة من ~~أفكار الإنسان، مهما تكن ذرية بسيطة أولية، فهي مكونة من ~~أطراف جزئية وعلاقة تربطها؛ وبهذا نستغني استغناء تاما عن ~~«الصفات» أو عن «الكيفيات»، ولا يعود لدينا من العالم الخارجي ~~من جهة، واللغة أو الفكر من جهة أخرى، سوي جزئيات ذرية ~~وعلاقات تربطها. # فما تحليل قولنا «هذا أحمر»؟ إنه قول لا يتيسر لنا قوله ~~ما لم يكن قد مر بنا بادئ ذي بدء بقعة لونية أشير لنا ~~إليها ونطق مع الإشارة بالصوت «أحمر»، فأصبحت تلك البقعة ~~اللونية معنى لكلمة «أحمر» بالتعريف، حتى إذا ما مرت بقعة ~~لونية أخرى «تشبه» البقعة الأولى قلنا عنها إنها «حمراء»؛ ~~وعندئذ يكون تحليل قولنا هذا هو: هنالك بقعتان لونيتان؛ بقعة ~~أ وبقعة ب متشابهتان؛ وبهذا يرتد قولنا «هذا أحمر» إلى «أ ~~تشبه ب»، وهي قضية ذات علاقة ثنائية؛ أي إنها قضية ذات ~~طرفين وما يربطهما من علاقة، وليست هي بالقضية التي تصف ~~موضوعا واحدا بصفة معينة. # إن الغاية التي نستهدفها بهذا التحليل وأمثاله هي أن يكون ~~القارئ على وعي بما يتضمنه الكلام الذي يستخدمه في التفاهم ~~من حصيلة حسية، حتى إذا ما زعمنا له بعد ذلك أن الجملة ~~الإخبارية إذا لم يمكن ترجمتها إلى مضمونها الحسي كانت جملة ~~بغير معني، أدرك ما ينطوي عليه هذا الزعم؛ فكل منا يتحدث ~~الحديث المألوف وهو لا يدري على وجه الدقة من أي جذور نشأ ms136 ~~المعنى الذي يراد للسامع أن يفهمه من ذلك الحديث، ومهمة ~~الفلسفة التحليلية هي إبراز هذه الجذور الأساسية الخفية؛ لأنها ~~إذا ما انكشف عنها الغطاء وسلط عليها الضوء، ازددنا قدرة ~~على نقد الكلام وتمييز ما له معنى مما ليس له معنى. # فقد يقول قائل «الورد أحمر» ويظن أنه بذلك إنما يقول عن ~~خبرة بسيطة مباشرة، على حين أن «الورد» اسم كلي يدل على ~~مجموعة وصفية ولا يدل بذاته على ضرورة أن يكون لهذه المجموعة ~~الوصفية جزئية معينة تلبسها؛ وإذن فلا بد أولا من أن ~~نستبدل بهذه الكلمة اسما جزئيا ليكون للعبارة معنى، فتصبح ~~«هذه الوردة المعينة حمراء»، ثم تأتي بعد هذه الخطوة ~~التحليلية خطوة أخرى، وهي أن ننسب «هذه الوردة» إلى بقعة ~~لونية سبقت رؤيتها وسبق ربطها بكلمة «أحمر»، لنرى أن «هذه ~~الوردة» و«تلك البقعة» شبيهتان، فيتم التحليل ويتحقق المعنى ~~مستندا إلى الخبرات الحسية الماضية والحاضرة؛ فالذي يجعل عبارة ~~«الورد أحمر» ذات معنى، ويجعل عبارة «الجن أحمر» غير ذات معنى، ~~هو أننا نستطيع أن نمضي بتحليل العبارة الأولى إلى آخر مراحله، ~~على حين أننا لا نستطيع ذلك بالعبارة الثانية. # على أن العبارات اللغوية التي نستخدمها في الحديث تتفاوت ~~تعقيدا في تركيبها؛ وبالتالي فهي تتفاوت صعوبة في تحليلها؛ ~~فها نحن أولاء قد رأينا أن عبارة جزئية مثل «هذا أحمر» لا ~~تتطلب في تحليلها أكثر من أن نضع «هذا» الجزئي الذي ~~نحسه الآن مع طائفة الجزئيات التي أحسسناها فيما مضى، ~~والتي نراه شبيها بها؛ وبهذا يتم لنا فهم المعنى المقصود، لكن ~~ما هكذا عبارة مثل «مات قيصر»؛ فها هنا نحن إزاء مجموعتين من ~~حوادث ليستا من قبيل واحد؛ فأما «مات» فهو اسم لحادثة جزئية ~~وقعت في لحظة زمنية معينة، ولو كنا مشاهدين لتلك الحادثة ~~لحظة وقوعها وأشرنا إليها قائلين «هذا موت»، لكان الموقف ~~عندئذ شبيها بقولنا «هذا أحمر» من حيث التحليل، لكنا ها هنا ~~نريد أن نتصور مجموعتين من الحوادث مختلفتين اختلافا ~~بعيدا، تلاقتا معا في نقطة ما وفي لحظة معينة، ~~فتكون من ms137 تلاقيهما ما نقول عنه «مات قيصر». أما المجموعة ~~الأولى فهي مجموعة الميتات التي كان موت قيصر واحدا من ~~أعضائها، وأما المجموعة الثانية فهي سلسلة الحالات الجزئية ~~التي تتابعت فكونت ما أسميناه «قيصر»، وقد تلاقت هذه السلسلة ~~عند آخر حلقاتها مع أحد أفراد المجموعة التي يقال لها «موت»، ~~فكانت نتيجة التلاقي هي قيصر في حالة موته. # 3 # هكذا تتفاوت العبارات في درجة تعقيدها وصعوبة تحليلها، لكنها ~~جميعا ترتد - كما ترى - إلى حالات جزئية يمكن التعبير عنها ~~بجمل ذرية بسيطة أولية؛ وبهذا التحليل الذي يردها إلى ~~أصولها البسيطة ندرك مضمونها الحسي الذي منه يتولد ~~معناها؛ وهنا ننتقل إلى «الوحدة» التي لا بد منها في الجملة ~~الواحدة لتربط أجزاء المضمون الحسي في حقيقة واحدة هي التي ~~جاءت القضية لتعبر عنها. إنه من الواضح أن معنى القضية ~~الواحدة ليس هو حاصل جمع معاني مفرداتها؛ بدليل أنك قد تغير ~~من ترتيب المفردات فيتغير المعنى الجملي مع أن حاصل جمع ~~معاني المفردات لا يتغير؛ وإذن ف «الوحدة» التي تربط أجزاء ~~الجملة ربطا يكسبها معناها ذات صلة ب «الترتيب»، أو إذا ~~شئت مصطلحا رياضيا فقل إن «وحدة» الجملة ذات صلة ~~ب «التسلسل» الذي يكون بين مفرداتها، كأنما الجملة عدد ذو ~~أرقام، تتغير قيمته بتغير ترتيب أرقامه. وعلى الرغم من أن ~~العدد تتوقف قيمته على قيم أرقامه، إلا أن قيمته لا تكون ~~بالطبع هي حاصل جمع تلك القيم المفردة. # لكن هذا «الترتيب» أو «التسلسل» الذي يخلع على الجملة معناها ~~الموحد لا يزال بحاجة منا إلى تحليل، فماذا عساه أن يكون؟ ~~إنه يرتد في النهاية إلى تسلسل زمني؛ أي إلى تتابع في ~~لحظات الزمن، بحيث إذا كان التتابع في اتجاه معين هو الذي ~~يدل على المعنى الصواب، كان اختلاف الاتجاه دالا على خطأ؛ ~~فقولي إن «بروتس قتل قيصر» لا يعتمد في معناه الجملي على معاني ~~الفئات الداخلة في تكوينه، وهي: (1) فئة الحالات الجزئية التي ~~منها تتكون المجموعة التي نسميها «بروتس». (2) فئة الحالات ~~الجزئية التي تكون كل حالة منها حالة ms138 قتل مفردة، ومن مجموعها ~~يتكون معنى كلمة «قتل». (3) فئة الحالات الجزئية التي منها ~~تتكون المجموعة التي نسميها «قيصر». أقول إن المعنى الجملي ~~لقولي «بروتس قتل قيصر» لا يتكون من مجرد حاصل جمع هذه ~~المجموعات، بل لا بد أن يقع النطق باسم المجموعة الأولى سابقا ~~على النطق باسم المجموعة الثانية، وهذا بدوره سابق على النطق ~~باسم المجموعة الثالثة. # وهنالك من حيث التسلسل الذي من هذا القبيل أنواع ثلاثة؛ ~~فمنها التسلسل الذي لا يجوز فيه الاتجاه العكسي بحيث نحتفظ ~~للجملة الواحدة بمعناها الأصلي، وتسمى العلاقة التي تربط ~~الأجزاء في هذه الحالة بالعلاقة اللاتماثلية، ومن قبيل ذلك ~~قولنا: «أ أكبر من ب»، «أ والد ب»، «أ قبل ب»، «أ قتل ب»، ~~وهكذا. ومنها ما يجوز فيه الاتجاه العكسي مع بقاء المعنى ~~الأصلي على حاله، وتسمى العلاقة في هذه الحالة بعلاقة ~~التماثل، ومن قبيل ذلك قولنا: «أ تساوي ب»، «أ تشبه ب»، «أ ~~تختلف عن ب»، «أ نقيض ب»، وهكذا. ومنها ما يلتبس فيه الأمر، فلا ~~يعرف من الجملة نفسها إن كان الواقع الذي هو معنى الجملة مما ~~يمكن فيه الاتجاه العكسي أو مما لا يمكن فيه ذلك، ومن هذا ~~القبيل قولنا: «أ يحب ب.» فعندئذ لا ندري من الجملة وحدها إن ~~كان «ب» يحب «أ» كذلك أو أن الأمر غير ذلك. # ومهما يكن من أمر، فهذا التسلسل بين أجزاء الجملة هو الذي ~~يخلع على الجملة وحدتها، ووحدتها هي التي تجعل لها معنى غير ~~مجموع معاني مفرداتها. وإنه لمن عبقرية اللغة أن تكون ألفاظها ~~الدالة على علاقات دالة في الوقت نفسه على نوع التسلسل ~~الذي ينبغي أن يتحقق بين المفردات ليتم للجملة معناها؛ ~~فالأمر حين أنطق لسامعي بعبارة «قامت الدولة الأموية ثم قامت ~~الدولة العباسية»، أقول إن الأمر هنا لا يقتصر على أن تقع ~~لفظتا «الدولة الأموية» في أذن سامعي قبل أن تقع فيها لفظتا ~~«الدولة العباسية»، وإنه بهذا الترتيب الزمني يعرف كيف كان ~~ترتيب الحوادث الخارجية في الوقوع، بل إن كلمة «ثم» تحدد ms139 له ~~نوع التتابع بحيث يعرف منها معرفة إضافية أن أسبقية الاسم في ~~العبارة اللغوية دالة على أسبقية وقوع مدلوله في دنيا ~~الحوادث كذلك. # ونلخص فنقول إن مهمة الفلسفة كما نراها هي تحديد المعاني، ~~غير أن الوحدة التي نحدد لها معناها هي الجملة، بحيث لا ~~نكتفي بتحديد الكلمات التي منها تتكون الجملة الواحدة؛ إذ إن ~~للجملة معنى غير معاني مجموعة كلماتها، ويحدد لنا معناها ~~هذا وحدتها التي تنشأ من نوع الترتيب الذي ينظم ~~مفرداتها. # ولكن تحديد المعنى في الجملة الواحدة يقتضي تحليلها لنتبين ~~وحداتها البسيطة التي منها تتكون، وما هذه الوحدات البسيطة ~~إلا القضايا الذرية التي تندمج في كيانها، وبغير إبراز هذه ~~القضايا الذرية لا يمكن إدراك العلاقة بين الكلام من ناحية ~~والعالم الخارجي الذي عنه قد قيل الكلام من ناحية أخرى. أما ~~إذا تكلم المتكلم بحيث لم يرد بكلامه أن ينصرف إلى عالم ~~الواقع، وبحيث يكفيه أن تكون أجزاؤه متسقة بعضها مع بعض؛ ~~فعندئذ تتكون ضروب أخرى من البناءات الرمزية لا يكون ~~المدار فيها مراجعة الرمز على مسماه، بل يكون المدار مراجعة ~~الرمز على رمز آخر في البناء الذي أقمناه، ومن أهم هذه ~~البناءات الرمزية المكتفية بذاتها، غير المعتمدة في معانيها ~~على وقائع العالم الخارجي، بناء المنطق وبناء الرياضة البحتة؛ ~~فكلاهما صوري، يحافظ على ألا يكون بين أجزائه تناقض، دون أن ~~يتوقف صدق البناء كله على مطابقته أو عدم مطابقته للعالم ~~الخارجي. # الفصل السادس # | مطلب اليقين # 1 # كان إدراك العلم اليقين بالكون أملا يراود الفلاسفة طوال ~~عصورهم؛ فقد جاهدوا ما وسعهم الجهد أن يكشفوا عن حقيقة هذا ~~العالم بكل من فيه وما فيه. ولم يكن يكفيهم في مطلبهم ذاك أن ~~يحيطوا بالأمر إحاطة المتشكك المرتاب، بل أرادوا علما لا ~~يأتيه الباطل من أية ناحية من نواحيه. ولم يكونوا في هذا ~~السعي وراء الحق يفرقون بين علم وعلم، فسواء كان موضوع ~~البحث منطقا صوريا أو هندسة أو فلكا أو أجسادا أو ~~نفوسا، فلا مناص في هذا كله من بلوغ العلم اليقين ms140 الذي ما ~~دونه لا يكون من العلم في شيء، حتى لقد كانوا يجعلون اليقين ~~جزءا من تعريفهم للعلم أو للمعرفة بمعناها الصحيح، وأما ما ~~يحتمل الخطأ فظن لا يرقى إلى أن يكون علما. # وسرعان ما كانوا يجدون الفرق واضحا من حيث الصواب بين ما ~~يحصلونه بحواسهم عن العالم الخارجي، وبين ما يستنبطونه ~~بعقولهم من حقائق الرياضة وما إليها؛ فالضرب الأول قابل ~~للخطأ، والضرب الثاني يقين ثابت؛ فمن الضرب الأول - مثلا - ~~أن تقول عن الشمس إنها تتحرك في السماء من الشرق إلى الغرب ~~بناء على شهادة الحواس، ومن الضرب الثاني أن تقول عن الخطين ~~المتوازيين إنهما لا يتلاقيان مهما امتدا؛ فقد يثبت - كما ~~ثبت فعلا - أن الشمس لا تتحرك كما يوهمنا البصر، وأما الحقيقة ~~الثانية عن الخطين المتوازيين أنهما لا يتلاقيان - وهي من ~~استنباط العقل - فثابتة مهما شهدنا بالعين أنهما يتلاقيان عند ~~الأفق. وقد كان شغلهم الشاغل في هذا الصدد أن يبحثوا عن سر ~~اليقين فيما هو علم يقيني؛ لعلهم يطوعون علمنا بالطبيعة ~~إلى مثل ما في الرياضة من يقين؛ وبذلك يبني الإنسان علمه على ~~أساس متين. # وسقراط هو الفيلسوف المنهجي الأول الذي أراد أن يلتمس ~~للمعرفة الإنسانية سواء السبيل فلا تضل ولا تخطئ، حتى لقد ~~احتل مكانته الرئيسية في الفكر اليوناني بفضل منهجه قبل أي ~~شيء آخر. وحسبنا أن نذكر في هذا الصدد أن أرسطو حين ألقى على ~~نفسه هذا السؤال: ماذا أفادت الفلسفة من سقراط؟ أجاب: «إنهما ~~شيئان ينبغي أن ينسبا بحق إلى سقراط، وهما: إقامة الحجج على ~~أسس استقرائية، والتعريف الذي يشمل كل أفراد النوع.» # 1 # أي إنه كان صاحب منهج جديد، ولا نزال حتى اليوم ~~نصف بعض الاتجاهات الفكرية بأنها «جدلية»، وهي كلمة تشير ~~إشارة صريحة إلى المنهج السقراطي الذي كان يجري على أسلوب ~~الحوار. # وكانت خطته في حواره هي الرجوع من النتائج إلى المقدمات؛ أي ~~من النتائج إلى المبادئ التي تولدت عنها تلك النتائج، هي ~~الرجوع من المواقف الجزئية إلى الفروض التي تكمن في صميم تلك ms141 ~~المواقف؛ ذلك أننا كثيرا ما نتكلم أو نسلك بحيث يكون كلامنا ~~أو سلوكنا قائما على مبدأ معين ونحن لا ندري، بل كثيرا ما ~~يكون ذلك المبدأ الخبيء في كلامنا وسلوكنا محل اعتقادنا ~~الجازم، ومع ذلك ترانا - على غير وعي منا بما نكون فيه من ~~تناقض - ننكره في جدالنا مع خصومنا؛ فانظر - مثلا - إلى ~~فيلسوف من الظاهريين ينكر أن يكون في الشيء إلا مجموعة ظواهره ~~التي تبدو للحواس؛ أي إنه ينكر أن يكون للشيء جوهر عنصري ثابت ~~دائم بغض النظر عن الظواهر وتغيرها وزوالها، إنه ينكر ذلك ~~وفي الوقت نفسه تراه يبحث عن قلمه الذي ضاع وعن كتابه الذي لا ~~يذكر أين وضعه آخر مرة. وفي هذا السلوك نفسه دليل على اعتقاد ~~كامن في نفسه بأن القلب والكتاب لا يزالان قائمين رغم انعدام ~~ظواهرهما بالنسبة إلى ما تدركه الحواس. # هكذا يصدر الناس في سلوكهم العملي عن مبادئ متضمنة ~~تحتاج إلى تحليل يبرزها في صراحة ووضوح، وما التحليل هنا ~~إلا الرجوع من الحالات الجزئية في سلوكنا إلى ما هو دفين في ~~طيها من مبادئ؛ أي الرجوع من السلوك الفعلي إلى مبرراته ~~العقلية. وفي هذا الرجوع من الظواهر السلوكية الجزئية إلى ~~مبرراتها العقلية، أي إلى مبادئها، ترانا نطرح من تلك ~~المواقف الجزئية جوانبها العرضية لنخلص إلى ما هو جوهري ~~فيها، فيكون هذا الجانب الجوهري المبدأ العقلي الذي نبحث ~~عنه، والذي كانت الظواهر السلوكية صادرة عنه منبنية عليه. ~~جاء في محاورة أوطيفرون ما يلي: # سقراط ~~: # أتوسل إليك أن تنبئني حقيقة التقوى والفجور التي ~~قلت إنك تعلمها جيد العلم، أليست التقوى في كل فعل ~~هي هي دائما؟ وكذلك الفجور، أليس دائما نقيض التقوى؟ ~~ثم أليس هو هو دائما، فله تعريف واحد يشمل كل ما هو ~~فاجر؟ # أوطيفرون ~~: # كن على يقين من ذلك يا سقراط. # سقراط ~~: # وما التقوى وما الفجور؟ # أوطيفرون ~~: # التقوى هي أن تفعل كما أنا فاعل. # سقراط ~~: # تذكر أني لم أطلب إليك أن تضرب للتقوي مثلين أو ~~ثلاثة، بل أن تشرح الفكرة العامة التي ms142 من أجلها تكون ~~الأشياء التقية كلها تقية. أنبئني ما حقيقة هذه ~~الفكرة حتى يكون لدي معيار أنظر إليه وأقيس به ~~الأفعال، سواء في ذلك أفعالك أو أفعال سواك، وحينئذ ~~أستطيع أن أقول إن هذا العمل المعين تقي وإن ذلك فاجر. # 2 # فواضح في هذا الحوار أن سقراط يريد ممن يحاوره أن يطرح من ~~الموقف السلوكي الجزئي الذي كان يمارسه أوطيفرون ساعتئذ كل ~~ما هو جزئي خاص بذلك الموقف وحده؛ ليرتد راجعا به إلى ~~المبدأ الذي على أساسه عد أوطيفرون موقفه عندئذ (شكواه أباه ~~في المحكمة لقتله عبدا) حالة من حالات التقوى. # هذا السير الراجع من الأمثلة الجزئية إلى ما وراءها من مبادئ ~~عامة ليس من شأنه أن يكشف لنا عن معرفة جديدة؛ فلن نزداد ~~علما بالحالة الجزئية الواقعة أمامنا والتي اتخذناها نقطة ~~ابتداء، بل كل ما هنالك من أمر هو أننا سنجعل المتضمن ~~صريحا؛ فقد كان المبدأ في عقولنا يعلن عن نفسه في سلوكنا؛ ~~أي إنه يخرج من عالم العقل إلى عالم الفعل ملتفا في تفصيلات ~~السلوك العملي، ونريد الآن أن نزيل عنه لفائف الجزئيات ~~السلوكية ليقوم وحده عاريا فيتضح. # من هنا كانت طريقة سقراط في إلقاء الأسئلة على محاوره يستولد ~~المبادئ العقلية الكامنة فيه، والتي هي مصدر سلوكه؛ فالموازنة ~~هنا واقعة بين ما هو خارج أنفسنا وما هو داخلها، بين ما هو ~~موضع الإدراك الحسي وما هو موضع الإدراك العقلي، بين ما يعتمد ~~على المشاهدة وما يستند إلى الفكر؛ فسلوك الإنسان في المواقف ~~المعينة ظاهر للعين، لكنه ليس عند سقراط علما مهما شهد ~~من دقائقه، وإنما العلم هو أن يغوص وراءه إلى المبدأ الذي هو ~~الأصل العقلي لذلك السلوك الظاهر. # ولم تكن هذه الموازنة بين المعرفة التي تأتي من مشاهدة ~~الحوادث الخارجية والمعرفة التي تنبع من الفكر، أقول إن هذه ~~الموازنة لم تكن جديدة، بل تناولها فلاسفة قبل سقراط، نخص ~~منهم بالذكر بارمنيدس؛ ومن ثم فقد كان هؤلاء الفلاسفة قبل ~~سقراط بمثابة من يوازنون بين نوعين من العلم؛ العلم ms143 بالطبيعة ~~من جهة والعلم الرياضي من جهة أخرى، وكانوا يدركون أن العلم ~~بالطبيعة معرض للخطأ، وأما العلم الرياضي فيقيني ~~ثابت. # لكن الجديد الذي استحدثه سقراط هو أن ينقل البحث في الأخلاق ~~من مجال العمل الطبيعي إلى مجال العلم الرياضي، فلا يركن فيه ~~إلى مشاهدة الحواس بل إلى منطق العقل؛ لأننا لو جعلنا السلوك ~~الجزئي المتغير موضوعه، كان موضعا للاختلاف في الرأي بين ~~إنسان وإنسان، وأما إذا أردنا له اليقين واتفاق الحكم بين ~~الناس جميعا، فسبيلنا فيه هي أن نبدأ من السلوك الظاهر سائرين ~~القهقرى حتى نصل بالتأمل العقلي إلى المبادئ التي انبنى ~~عليها ذلك السلوك. # ونعود الآن إلى ما قد أسلفناه من قول أرسطو في فضل سقراط على ~~التفكير الفلسفي، إذ قال إن شيئين ينبغي أن ينسبا بحق ~~إلى سقراط، وهما انتهاج الطريقة الاستقرائية والبحث عن التعريف ~~الشامل؛ فنلاحظ أن ما قد أسماه أرسطو في الطريقة السقراطية ~~منهجا «استقرائيا» ليس شبيها بالاستقراء الذي تنهجه العلوم ~~الطبيعية اليوم إلا في شيء واحد، وهو أن كليهما يبدأ من مواقف ~~جزئية، ثم يختلفان بعد ذلك، فبينما استقراء العلوم الطبيعية ~~الحديثة قائم على إدراك الروابط بين أكثر من حقيقة واحدة، ~~كأن ندرك الرابطة بين الرياح الشمالية وسقوط المطر، ترى ~~الاستقراء السقراطي قائما على تحليل مدرك واحد - كالتقوي ~~مثلا كما تتبدي في أحد مواقفها السلوكية - لينفذ خلال ذلك ~~المدرك إلى ما هو جوهري فيه؛ وبالتالي إلى تعريفه الكامل ~~الشامل. # المنهج السقراطي هو حفر في السلوك الجزئي المشاهد ~~لنستخرج منه المبدأ الكامن فيه، كما يحفر المثال قطعة الرخام ~~ليخرج منها تمثالا معينا يريد إخراجه؛ فيروى أن ~~سقراط قد رأي أباه - وكان مثالا - رآه ذات مرة وهو ينحت ~~من الصخرة رأس أسد ليقام على نافورة ماء، فتناول قطعة ~~الرخام وأخذ ينقرها بإزميله الغليظ، ثم بأزاميل وأدوات أكثر ~~دقة، وهكذا أخذت تظهر تفصيلات التمثال المنشود شيئا فشيئا؛ ~~أخذ الفم في الظهور، ومن فوقه الأنف الأفطس والعينان ~~واللبد؛ فسأل سقراط أباه كيف عرف الطريقة التي يضع بها ~~إزميله وإلى ms144 أي عمق يضربه، فأجابه أبوه قائلا : عليك بادئ ذي ~~بدء أن ترى الأسد كامنا في قطعة الرخام، تراه رابضا هناك ~~تحت سطح الحجر، حتى إذا ما تصورت في وضوح أين يقع وما حدوده، ~~كان عليك بعدئذ أن تطلق سراحه. وكلما أحسنت بادئ ذي بدء ~~رؤية الأسد في موضعه من الحجر، عرفت أين تضرب بالإزميل وإلى أي ~~عمق تغوص به. # والبحث الفلسفي عن الحقيقة في نفس صاحبها هو عملية حفر ~~كهذه؛ ولذلك لا يجوز للفيلسوف أن يقدم الحقائق إلى تلاميذه ~~معدة «جاهزة»، بل عليه أن يعطي أزاميل الحفر لهؤلاء ~~التلاميذ، وأن يهديهم أن يضربوا بها ليخرج إلى العلن ما ~~قد كان كامنا في أنفسهم من مبادئ يسلكون على أساسها دون أن ~~يعلموا ماذا عساها أن تكون في شكلها وحدودها، أو على الأقل هذا ~~هو ما ظن سقراط أنه فاعله مع محاوريه؛ لأننا نراه كثيرا ما ~~يخرج على منهجه؛ إذ لم يكن دائما يترك فئوس الحفر في أيدي ~~تلاميذه يحفرون بها تحت إرشاده، بل كثيرا ما كان ينفرد هو ~~وحده بالكلام، مكتفيا من محاوريه بقولهم «نعم» و«هذا صحيح». ~~والحقيقة أننا كثيرا ما نعجب لهؤلاء المحاورين كيف يوافقون ~~سقراط بهذه السرعة على ما يوافقونه عليه، مع أنه قد يكون أمرا ~~أبعد ما يكون عن الوضوح. # 3 # حجر الأساس في المنهج السقراطي هو البحث عن المبادئ الثابتة ~~وراء الظواهر المتغيرة، هو البحث عن الكلي وراء جزئياته، على ~~أساس أن العلم بالمتغيرات ليس من العلم الصحيح في شيء؛ فلكي ~~يكون العلم علما يجب أن يتصف باليقين الذي لا يزعزعه ~~اختلاف الناس ولا اختلاف العصور؛ فإذا ما كان الوصول إلى ~~المبدأ الذي يفسر الظواهر الموضوعة تحت البحث أمرا ميسورا ~~بطريقة مباشرة؛ أعني أنه إذا كانت رؤية الحقائق الثابتة رؤية ~~مباشرة شيئا لا قبل لنا به، فلتكن سبيلنا إليها بادئ ذي ~~بدء استعراض ما يقوله الناس عنها؛ وبهذا لا نضع أمامنا المبدأ ~~العقلي المنشود، بل الذي نضعه أمامنا للبحث هو «أقوال» ~~و«نظريات» يقولها القائلون تأويلا للظاهرة المراد ms145 ~~تأويلها. # هذه الأقوال أو هذه الآراء التي يبديها الناس تأويلا لما ~~يراد تأويله من الظواهر، إنما تكون بطبيعة الحال متضادة ~~متباينة؛ فهذا يفسر الظاهرة على نحو، وذلك يفسرها على ~~نحو آخر، ونحن نريد أن نصل إلى اليقين الثابت من ثنايا هذه ~~الأقوال المختلفة، فنوازن بينها ونعارض بعضها ببعض لعل ذلك ~~يغنينا في بلوغ الحق المنشود عن معاينته معاينة مباشرة، كما ~~يحاول القاضي أن يصل خلال أقوال الشهود المتضاربة إلى الحقيقة ~~التي لم يتح له أن يراها رؤية العين. # وقد أطلق سقراط على هذا المنهج اسم «الديالكتيك». وهي كلمة ~~معناها المحاورة أو المناقشة؛ لأن فيها ما يكون في الحوار من ~~أخذ ورد، وقد لا يتحتم أن يشترك في المحاورة أكثر من شخص ~~واحد؛ إذ الشخص الواحد يستطيع أن يلقي على نفسه السؤال ثم ~~يجيب لنفسه عنه؛ وبهذا تتم فيه وحده عملية التفكير ~~بجانبيها. # وقد شاءت سخرية القدر أن يكون هذا المنهج السقراطي في معارضة ~~الآراء بعضها ببعض تمحيصا للحق الثابت، هو نفسه موضع ~~التهجم من أعدائه؛ فهذه هي نفسها النقطة التي استغلها ~~الكاتب المسرحي المعاصر لسقراط، أرستوفان، في مسرحية «السحاب»؛ ~~وذلك أن بروتاجوراس السوفسطائي كان قد قال قبل سقراط إن لكل ~~أمر وجهين، وإن المتكلم القدير يستطيع أن يعرض الوجه الأضعف ~~عرضا يبديه للسامع كأنه الأقوى. فأخذ أرستوفان هذا القول ~~ونسبه إلى سقراط، ثم هزأ به فوق المسرح، بأن جعل الرذيلة تبدو ~~في يد المتحدث البارع فضيلة والفضيلة رذيلة. # وطريقة السير المنهجي عند سقراط تبدأ بأن يفرض مبدأ على أنه ~~هو الحق، ثم يتخذ من هذا المبدأ المفروض نقطة ابتداء؛ ليرى ~~ماذا عسى أن تكون النتائج التي تستنبط منه، فتكون صحيحة كذلك ~~ما دام المبدأ قد فرض فيه الصواب؛ فالفرض باعتباره فرضا لا ~~يكون هو نفسه موضع بحث ونقاش ما دامت عملية استنباط نتائجه ~~قائمة؛ لكي يكون هو معيار الصواب والخطأ، فما اتفق وإياه ~~واتسق كان صوابا، وما ناقضه وخالفه كان خطأ، ثم يفرض مبدأ ~~آخر ويتعقبه إلى نتائجه ليوازن بعدئذ ms146 بين البناءين؛ فلعل ~~الموازنة تنتهي به إلى اليقين - على أن أي مبدأ من هذه المبادئ ~~المفروضة، وإن تكن فوق المناقشة أثناء استنباط نتائجها، إلا ~~أنه يجوز بعد ذلك أن نتناول أحدها بالبحث فنفرض له مبدأ أعم ~~منه يشتمل عليه بين نتائجه؛ وبهذا نكون قد وضعناه في موضعه ~~بالنسبة إلى معارف الإنسان؛ فهو نتيجة لما هو أعم منه ~~ومقدمة لما هو أخص منه، حتى نصل إلى المبدأ الواحد الأعلى ~~الذي ليس فوقه مبدأ أعم منه، والذي تندرج تحته شتى المبادئ ~~كلها، فيفسر لنا الكون بأسره تفسيرا يقينيا لا تفسيرا ~~يقوم على الرأي والظن. # ولعلك تلاحظ أن هذا المنهج السقراطي هو نفسه منهج الرياضة؛ ~~فالرياضة - كما في هندسة إقليدس مثلا - تبدأ من فروض هي ~~المسلمات وهي نقطة الابتداء، ثم تسير بعد ذلك في استنباط ما ~~يمكن استنباطه من نتائج، فتكون هذه النتائج يقينية لأنها ~~تولدت عن مقدمات فرض فيها الصواب. ولو أردت في الهندسة أن ~~تثبت نظرية معينة، فما عليك إلا أن تبحث عما هو أعم ~~منها مما يسبقها من نظريات ومسلمات، حتى تنتهي بمجموعة ~~النظريات إلى مبادئ قليلة تفسرها كلها. وفضل سقراط الأكبر ~~في التفكير الفلسفي هو محاولته أن ينهج في بحث المدركات ~~الأخلاقية نفس المنهج الذي ينهجه عالم الرياضة في نظرياته ~~الهندسية، فكيف أفسر ظاهرة سلوكية معينة في موقف ~~معين؟ أفسرها بالمبدأ العقلي الكامن وراءها. وكيف أفهم هذا ~~المبدأ العقلي نفسه؟ أفهمه بأن أبحث عن المبدأ الذي هو أعم منه ~~ويحتويه، وهكذا حتى يتكامل البناء الخلقي كله مستندا إلى ~~مبادئ معينة لا بد من التسليم بها، كما يتكامل البناء ~~الرياضي على هذه الصورة نفسها. # 2 # وكان العلم اليقيني - لا الآراء والظنون - هو كذلك الأمل ~~الذي راود أفلاطون كما راود أستاذه سقراط، وكان منهج ذلك هو ~~نفسه منهج هذا، لولا أنه ازداد على يدي أفلاطون دقة ~~وإحكاما. # فكان سقراط قد اكتفى بالمقابلة بين المعرفة الحسية من جهة ~~والمعرفة العقلية من جهة أخرى؛ أي إن الأمر عنده كان ذا ~~طرفين؛ فطرف في ms147 الخارج يبدو أمام الحواس ظاهرة بين الظاهرات ~~الجزئية المتغيرة، وطرف في الداخل يكون في العقل مبدأ ~~ثابتا عنه انبثقت تلك الظاهرة التي تبدت للحواس؛ فما تلك ~~الظاهرة بالنسبة للمبدأ العقلي إلا بمثابة المثل التطبيقي ~~الواحد. وكان يمكن أن يتبدى المبدأ في مثل تطبيقي آخر؛ ~~نقول إن سقراط كان قد اكتفى بقسمته الأمر وجهين؛ معرفة حسية من ~~جهة، ومعرفة عقلية من جهة أخرى، كأنما المعرفة الحسية كلها من ~~درجة واحدة في سلم الحق، وكأنما المعرفة العقلية كذلك من ~~درجة واحدة. وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون فرق بين الرياضة ~~والفلسفة باعتبارهما عقليين، مع أن المعرفة الفلسفية - عند ~~أفلاطون - من درجة أعلى. # أمعن أفلاطون في الموازنة بين ضروب المعرفة ودرجاتها، ~~فتنبه لما لم يتنبه له سقراط، وهو أن كل مرحلة من ~~المرحلتين الرئيسيتين يمكن قسمتها قسمة فرعية إلى مرحلتين؛ ~~فالمعارف الحسية درجتان، وكذلك المعارف العقلية درجتان، بحيث ~~تكون كلها أربع درجات متفاوتة من حيث ما تحققه كل منها ~~من الصواب. وهاك ما يقوله في ذلك أفلاطون، في آخر الكتاب ~~السادس من «الجمهورية»: ~~«افرض أنك قد قسمت خطا قسمين غير متساويين، يمثل ~~أحدهما مجموعة الأشياء المرئية، ويمثل الآخر مجموعة ~~الحقائق العقلية، ثم قسمت كلا من القسمين جزأين بنفس ~~النسبة التي بين القسمين الكبيرين؛ فعندئذ إن جعلت ~~أطوال الأجزاء (الأربعة) تمثل درجات الوضوح أو عدمه، ~~كان أحد الجزأين في قسم الأشياء المرئية ممثلا ~~لطائفة الصور؛ وأعني بها الظلال أولا، والانعكاسات ~~على سطح الماء وغيره من المواد المصقولة الملساء ~~اللامعة ثانيا. وكان الجزء الثاني ممثلا للأشياء ~~الحقيقية التي هي أصول تقابلها هاتيك الصور؛ وأعني ~~بالأشياء الحقيقية صنوف الحيوان من حولنا وكافة ~~أشياء العالم الطبيعي وعالم المصنوعات. # وأما القسم الثاني الكبير، فأحد جزأيه يمثل ~~حقائق نبحثها مستعينين بأشياء الطبيعة وصورها (في ~~جزأي القسم الأول)؛ فها هنا نبدأ بالفروض، ونسير - لا ~~في طريقنا إلى المبدأ الأول - بل نسير إلى النتائج ~~التي تتولد عن تلك الفروض. وأما الجزء الثاني من ~~القسم الثاني فيمثل حقائق النفس حين تبدأ من ms148 الفروض ~~- لا هابطة إلى النتائج - بل صاعدة إلى المبدأ الأول. ~~وهذا المبدأ لا يكون مشروطا بشرط، ولا هو بحاجة إلى ~~معونة أشياء الطبيعة وصورها؛ فالنفس ها هنا لا تستعين ~~في طريق رحلتها إلا بالمثل الحقيقية التي هي من ~~الأشياء ماهياتها.» # هذا نص غاية في الأهمية، يبين درجات الوضوح في مختلف ~~العلوم؛ فالعلوم الطبيعية لا تجاوز حدود التخمين والظن؛ لأنها ~~تتناول بالبحث أشياء جزئية متغيرة. والعلوم الرياضية وإن تكن ~~يقينية إلا أنها على شيء من القصور؛ لأنها أولا معتمدة ~~في ظهور حقائقها على الأشياء الجزئية، وثانيا لأنها لا بد أن ~~تفترض فرضا تجعله نقطة الابتداء، ومنه تسير نازلة إلى ~~النتائج التي تتولد عن ذلك الفرض. وأما المعرفة الفلسفية فهي ~~الحدس المباشر للمثل على حقيقتها. # فالعالم الرياضي إذا ما أراد أن يبحث في خصائص المربع - ~~مثلا - رسم مربعا وافترض أنه مربع حقيقي، قائلا: افرض أن أ ~~ب ج د مربع. ولماذا يفرض أنه مربع؟ يفرض ذلك لأن ما قد رسمه ~~وإن يكن قريب الشبه بالمربع إلا أنه ليس هو المربع كما يقتضيه ~~تعريف المربع في الهندسة؛ فقد لا يكون السطح تام الاستواء، ~~وقد لا تكون الخطوط تامة الاستقامة، على حين أن المربع بحكم ~~التعريف هو السطح المستوي المحاط بأربعة خطوط مستقيمة ~~ومتساوية ومتعامدة؛ وإذن فلا مناص للرياضي من أن «يفرض» أن ~~الشكل الرسوم مربع ليمضي في إقامة البرهان على ما يريد أن ~~يقيم عليه البرهان. أما إذا أراد أن يعرف المربع كما تقتضيه ~~ماهيته، فلا يكون سبيل ذلك فرضا يفرضه، بل سبيله أن يتصور ~~بعقله مثال المربع فيراه رؤية مباشرة، ورؤية المثل هي غاية ~~الفلسفة. # ويهمنا من هذا كله طبيعة التفكير الرياضي الذي أراد ~~سقراط أن يصطنعه في تحليله للمدركات الخلقية ليصل في هذه ~~المدركات إلى العلم اليقيني؛ فالمنهج الرياضي - كما رأينا عند ~~سقراط وعند أفلاطون معا - ضرب من التفكير يتخذ لنفسه بداية ~~يبدأ منها شوطه نازلا إلى النتائج، ولا يصعد مجاوزا تلك ~~البداية؛ أي إنه لا يجعل البداية نفسها محل بحث، ms149 بل يسلم ~~بصدقها ثم يستنبط. # لم يكن علما - عند اليونان - ما ليس يبلغ درجة اليقين؛ ~~ولذلك فالفلسفة الديالكتيكية علم لأنها تصعد بصاحبها إلى قمة ~~ينظر فيها إلى الحقائق العقلية نظرا حدسيا مباشرا. ~~والرياضة علم لأنها تسلم بنقطة الابتداء ثم تستنبط النتائج ~~التي يتحتم أن تكون صحيحة ما دامت نقطة الابتداء صحيحة. ~~وأما علم الطبيعة الذي يبحث في الجزئيات فلم يكن عندهم وجود ~~بالمعنى الذي يفهمه أصحاب هذا العلم في العصر الحديث؛ فجزئيات ~~الطبيعة متغيرة عابرة، والعلم ينشد حقا له ثبات ~~ودوام. # ولا غرابة بعد هذا أن نجد أرسطو حين أراد أن يستخلص منطق ~~الفكر من واقع الفكر اليوناني، لم يجد ما يصلح أن يكون منطقا ~~إلا الصور القياسية؛ فلا فكر بغير استدلال النتيجة من ~~مقدماتها. وهو يعرف القياس بأنه: «قول قدم له بمقدمات ~~معينة؛ فلزم عنها بالضرورة شيء غير تلك المقدمات.» أي إنه لا ~~بد للعملية الفكرية السليمة من وجود مقدمات مسلم بها، ثم ~~تتولد عنها نتائج مضمونة الصدق؛ لأن المستدل لا يضيف من ~~عنده شيئا؛ ومن ثم فهو لا يتعرض للخطأ. # وجاءت بعد ذلك العصور الوسطى؛ فمسيحية في الغرب وإسلام في ~~الشرق الأوسط، ولكل من الديانتين رجال أرادوا تحليل أصول ~~عقيدتهم تحليلا يستخرج فروعها ويبرز نتائجها ويوضح ~~تطبيقاتها؛ فأين عساهم أن يجدوا أداة تعينهم في عملهم خيرا ~~من المنطق القياسي الذي فصل أرسطو شروطه وقواعده؟ إن بين ~~أيديهم كتابا أو كتبا لا يجوز عندهم أن تكون موضع شك ولا ~~ريبة، وكل ما يطلب منهم هو إخراج ما يمكن إخراجه من نتائج ~~كامنة في نصوص تلك الكتب؛ أي إن العمل المطلوب هو استنباط ~~النتائج لا وضع المقدمات؛ فالمقدمات قد نزل بها الوحي من ~~السماء، وأعني بها نصوص العقيدة؛ فالباحث هنا لا يخلق الجنين ~~بل يستولده. وهو بالطبع لا يبيح لنفسه أن يستولد من النتائج ~~ما يمكن أن يكون موضع شك، بل لا بد له من الوصول إلى أحكام ~~يقينية، وهو لا محالة واصل إليها ما دام قد أخذ نفسه بالحذر ms150 ~~في استخراج النتيجة من النص استخراجا لا يضيف إليه من عنده ~~شيئا. # 3 # وذهبت العصور الوسطي وجاء العصر الحديث، فكان ديكارت في ~~مستهله يمثل ما كان سقراط في موضعه من تاريخ الفكر ~~اليوناني، على بعد ما بين الرجلين من اختلاف؛ فكلاهما قد جاء ~~حين كانت فترة من الشك مدبرة وفترة من التفكير الإيجابي ~~مقبلة، وكلاهما كان صاحب منهج يقدمه فاتحة للعصر الإيجابي ~~الجديد، وكلا المنهجين قام على أساس ما قد ظن صاحبه أنه علم ~~يقين يصح أن يكون نموذجا لكل تفكير يريد أن يكون يقيني ~~النتائج، وكلا الرجلين لم يجدا بدا من التشكك فيما كان ~~يعرفه؛ لكي يتسنى للمنهج الجديد أن يبنى على أرض صلبة ~~وأساس متين، وكلاهما قد فرقه بين مصدرين للمعرفة؛ فمعرفة ~~تأتي من الخارج عن طريق الحس، ومعرفة تنبع من الداخل عن طريق ~~الفكر، مؤثرا أن يلتمس المعرفة الصحيحة من المصدر الداخلي ~~لا من خبرة الحواس. وفوق هذا وهذا وذاك من أوجه الشبه بين ~~الرجلين أن كليهما قد جعل العلم الرياضي مفتاح المنهج ~~الجديد. # لكن الرجلين وإن يكونا قد اتفقا على أن ينهجا في البحث نهج ~~العلوم الرياضية ليبلغا ما تبلغه هذه العلوم من يقين، إلا ~~أنهما قد اختلفا في طريقة استخدامهما لهذا المنهج؛ فأما سقراط ~~- كما رأينا - فقد استخدمه في طريقته الجدلية؛ بمعنى أنه كان ~~يعارض مختلف الآراء في الموضوع الواحد بعضها ببعض، كان عندئذ ~~يلجأ إلى أن يضع فرضا يفترض فيه الصواب ويجعله نقطة ابتداء، ~~ثم يستدل منه ما وسعه استدلاله من نتائج، ثم يغير الفرض ~~الأول ويمضي في استدلاله وهكذا؛ لكي تتضح الفوارق بين الآراء ~~خلال ما يترتب عليها من نتائج. والمنهج هنا رياضي؛ بمعنى ~~أنه يصطنع ما تصطنعه الرياضة من فرض مسلمات أولية تكون ~~هي نقطة الابتداء، ثم يكون السير بعد ذلك استنباطا ~~للنتائج. # وأما ديكارت فلم يستخدم المنهج الرياضي على هذا النحو، على ~~الأقل كراهية منه للطريقة الجدلية التي كانت شائعة في العصور ~~الوسطى، والتي كانت تدور بأصحابها في طاحونة لفظية لا ms151 تغني ~~ولا تفيد؛ فكيف استخدم ديكارت المنهج الرياضي تحقيقا للعلم ~~اليقيني المنشود؟ إنه بالطبع لم يرد أن يتعلم الرياضة ~~لذاتها، بل أراد أن يطبق منهجها على سائر العلوم؛ إذ ~~الرياضة نفسها ليست سوى حالة من حالات التطبيق لذلك المنهج. ~~وعنده أن كل موضوع علمي صالح للمنهج الرياضي - طبيعة كان أو ~~إنسانا أو ما وراء الطبيعة - فما خصائص هذا المنهج؟ # خصائصه الرئيسية هي اعتماده على الحدس أولا في رؤية الطبائع ~~البسيطة، ثم الاستنباط من هذه البسائط ما يمكن استنباطه من ~~نتائج، لكن هذا الكلام الموجز بحاجة إلى مزيد من الشرح ~~ليتضح أولا، ولندرك الفرق بين هذا المنهج الديكارتي والقياس ~~الأرسطي ثانيا. # فنحن نسمي الإدراك حدسا (بالاصطلاح الفلسفي) إذا ما كان ~~نتيجة عيان عقلي مباشر، كأنما هو لمعة يلمع بها فكر ~~الإنسان فيرى؛ فالإدراك الحدسي لقطة عقلية واحدة تتم في ~~لحظة زمنية واحدة، وليس الأمر مرهونا بمقدمات يتلو بعضها ~~بعضا ونقارن بعضها ببعض لنستدل منها نتائجها. ومثل هذا ~~الإدراك الحدسي هو أقرب شيء إلى النور الفطري، أو إن شئت فقل ~~أقرب إلى الإدراك الغريزي الذي جبل عليه الإنسان ليرى بعض ~~الحقائق رؤية لا تتوقف على تعلم أو تدريب. وبطبيعة الحال ~~لا يقال عن الإدراك الحدسي إنه قد «يخطئ»؛ إذ الخطأ إنما ~~يكون في الحكم لا في مجرد الرؤية المباشرة، والحدس رؤية ~~مباشرة. # بهذا الحدس ندرك الطبائع البسيطة إدراكا مباشرا، ويكون ~~إدراكنا لها - كما هي الحال في المنهج الرياضي - هو نقطة ~~الابتداء؛ فما هي تلك التي أسماها ديكارت بالطبائع البسيطة ~~والتي هي من بناء المعرفة بمثابة الأساس؟ # العجيب هنا هو أن فيلسوف الوضوح لم يكن واضحا كل الوضوح في ~~أمر «الطبائع البسيطة» على خطرها في بنائه الفلسفي؛ فهي - كما ~~أسلفنا - حجر الزاوية من البناء كله؛ لأنها هي البداية التي لا ~~نبحث عما هو أبسط منها لنبدأ به؛ هي البداية التي نطمئن ~~إليها لأنها يقينية حتما، واضحة حتما، متميزة حتما، وإلا ~~لما كانت «بسيطة» كما نزعم لها. ومهما يكن من أمرها فهي ~~عند ديكارت ms152 أربعة أنواع رئيسية؛ بسائط تصدق على الأشياء ~~كلها كائنة ما كانت، مثل «الوجود» و«الجوهر» و«العدد» ~~و«الوحدة» و«الأمد»؛ فكل شيء كائنا ما كان تستطيع أن تقول ~~عنه إنه «موجود»، وتستطيع أن تقول عنه إنه يتصف بكذا وكيت من ~~الصفات مما يدل على أن له جوهرا ثابتا تطرأ عليه الصفات، ~~وهكذا دون أن تكون بحاجة لفهم هذه الطبائع - «الوجود» ~~و«الوحدة» و«الجوهر» ... إلخ - إلى شيء غير النظر المباشر في ذاتك ~~الشاعرة، وبمثل هذا العيان العقلي تدرك معاني هذه الأشياء. ~~والنوع الثاني من البسائط يصدق على الأشياء الطبيعية وحدها ~~دون الكائنات العقلية، مثل «الامتداد» و«الشكل» و«الاستقامة» ~~و«الحركة»؛ فلك أن تقول عن هذا الكتاب - مثلا - إنه يمتد ~~فيشغل حيزا من المكان، أو إنه مستطيل، أو إن طرفه خط ~~مستقيم، أو إنه يتحرك من أعلى إلى أسفل إذا ما أخليت عنه ~~قبضتك، دون أن تكون بحاجة إلى وسيلة غير الرؤية العقلية ~~المباشرة لتعلم ماذا يعني قولك عن الكتاب إنه ممتد أو إنه ~~مستطيل الشكل، وهكذا. والنوع الثالث من البسائط يصدق على ~~الأشياء العقلية وحدها دون الكائنات الطبيعية، مثل «فكر» و«شك» ... ~~إلخ؛ فأنت تعلم علما حدسيا مباشرا أنك الآن «تفكر» في كذا ~~وكذا، وأنك «تشك» إن كانت السماء ممطرة أو لم تكن. وأما النوع ~~الرابع من البسائط فهي علاقات أو بديهيات تستخدم في ربط ~~بسائط الأنواع الثلاثة المتقدمة؛ فمن العلاقات علاقة «التساوي» ~~وعلاقة «التشابه» وعلاقة «علة ومعلول»، ومن البديهيات البديهية ~~القائلة إنه «إذا أضيفت كميات متساوية إلى كميات متساوية ~~كانت النتائج متساوية»، والبديهية القائلة إنه «إذا كان هنالك ~~شيئان كل منهما يطابق شيئا ثالثا، كان الشيئان متطابقين»، ~~والبديهية القائلة «إن لكل شيء سببا». وبسائط النوع الرابع ~~هذه (أي العلاقات والبديهيات) هي التي تمكننا من توليد ~~المعرفة من بسائط الأنواع الثلاثة الأولى؛ فهنالك - مثلا - في ~~بسائط النوع الأول «العدد»، فأستطيع بواسطة علاقة التساوي أن ~~أستولد نتيجة كقولي إن اثنين وثلاثة تساويان خمسة. وهنالك ~~في بسائط النوع الأول «الجوهر»، وفي بسائط النوع الثاني ~~«الامتداد»؛ فأستطيع أن أرى رؤية حدسية ms153 ما بينهما من علاقة ~~تجعل الامتداد محالا بغير جوهر يرتبط به. # هنالك - إذن - طبائع بسيطة كالتي ذكرناها، وهنالك علاقات ~~بسيطة كذلك. ونعني ب «البساطة» هنا أنها تدرك بالنور الفطري ~~إدراكا مباشرا. وبعض العلاقات يربط بعض الطبائع البسيطة ~~ربطا ندرك إزاءه أنه ضروري يستحيل أن يكون على غير ما هو ~~كائن؛ فكون الاثنين أو الثلاثة من جهة والخمسة من جهة أخرى ~~يتساويان علاقة ضرورية بين الطرفين، وكون الامتداد يرتبط ~~بجوهر ما أمر ضروري لا مندوحة عنه. والعلاقات الرياضية ~~كلها هي من هذا الضرب الذي يدرك الإنسان فورا أنه ضروري وأنه ~~محال ألا يكون على نحو ما هو كائن. وسؤالنا الآن هو: من أين ~~جاءت هذه الضرورة؟ # إنه إذا كانت الحقيقة البسيطة بسيطة حقا، بالمعنى الذي ~~أسلفناه، وجب ألا يعتمد إدراكها على شيء سواها؛ فكل «بسيطة» ~~من البسائط مستقلة بذاتها، يدركها الحدس إدراكا مباشرا، ~~بغير أن يشترك في إدراكها إدراك «بسيطة» سواها؛ فيجب - مثلا - ~~أن أفهم «الوجود» معنى قائما وحده بغض النظر عن «الامتداد» ~~أو «العدد» أو غيرهما؛ ومعنى ذلك أنه كان ينبغي أن تفهم ~~«البسائط» بغير حاجة إلى علاقات تربطها بعضها ببعض. دع عنك ~~أن تكون هذه العلاقات «ضرورية» بحيث يستحيل ألا تكون البسائط ~~المرتبطة بها غير مرتبطة على النحو الذي هي مرتبطة به؛ ~~فالحقيقة «البسيطة» ما دامت تدرك وحدها إدراكا مباشرا فيه ~~وضوح تام وفيه تميز يميزها من كل ما عداها، فهي مما لا ~~يمكن «تعريفه» بغيره؛ أي إنها مما لا يمكن تحليله إلى ما هو ~~أبسط منه، مع أنه إذا كان بعض هذه البسائط مرتبطا ارتباطا ~~ضروريا بغيرها، كان معنى هذا الارتباط الضروري أنها لا هي ~~مدركة وحدها، ولا هي واضحة بذاتها، ولا هي متميزة مما ~~عداها، ولا هي مما لا يمكن تعريفه أو تحليله. # ولو كان ذلك كذلك في أمر البسائط من حيث وجوب استقلالها في ~~الإدراك الحدسي، بحيث يمكن استغناء الواحدة منها عن كل ما ~~عداها، فمن أين تأتي «ضرورة» الرياضة، مع أن الرياضة إن هي إلا ms154 ~~ضروب من العلاقات بين حقائق بسيطة، بحيث نحس إزاء تلك ~~العلاقات أنها ضرورية وأنها محال ألا تكون على غير ما هي ~~عليه؟ إن ديكارت يعلق أهمية كبرى على يقين الحقائق الرياضية ~~وضرورتها، إلى الحد الذي يجعل الرياضة عنده نموذجا لا مناص من ~~احتذائه في العلوم الأخرى لنبلغ فيها مثل اليقين الذي تحققه ~~الرياضة؛ وإذن فمن المهم أن نسأل سؤالنا هذا: من أين جاءت ~~للرياضة ضرورتها عند ديكارت؟ # إنه لمما يجدر ذكره هنا أن ديكارت في «التأمل الأول» من ~~تأملاته قد شك في إدراكه الحسي أولا، وبقيت لديه الحقائق ~~الرياضية لا يعرف كيف يكون سبيل الشك فيها إلا أن يفترض وجود ~~شيطان خبيث يضلله فيوهمه أن اثنين وثلاثة تساويان خمسة، ~~وأن للمربع أضلاعا أربعة، مع أنها ليست كذلك؛ أقول إن ديكارت ~~في التأمل الأول لا يجد الشك في الحقائق الرياضية من اليسر ~~بمثل ما وجده في الحقائق الطبيعية المدركة بالحس؛ فبالنسبة ~~لهذه الحقائق الطبيعية يستطيع - مثلا - أن يحتمل إمكان أن ~~تكون هذه الأشياء كلها مرئية في الحلم لا في اليقظة، أما ~~بالنسبة للحقائق الرياضية «فسواء كنت متيقظا أو نائما، ~~هنالك حقيقة ثابتة، وهي أن مجموع اثنين وثلاثة هو خمسة دائما، ~~وأن المربع لن يزيد على أربعة أضلاع أبدا». # 4 # أعود فأسأل: ما مصدر الضرورة في الحقائق الرياضية عند ~~ديكارت؟ إنها بالطبع ليست مجرد كون الحقائق الرياضية تعتمد أول ~~ما تعتمد على طبائع بسيطة تدرك بالحدس فلا يكون إدراكها ~~معرضا للخطأ؛ ذلك لأن الحقيقة الرياضية قوامها علاقات تربط ~~هذه الطبائع البسيطة، ونحن نقول عن هذه العلاقات إنها ضرورية، ~~لكننا الآن نسأل: من أين جاءت لها هذه الضرورة؟ أكان محالا ~~على الله أن يخلق الحقائق الرياضية على غير ما خلقها عليه؟ ~~كلا، بل كان ذلك ممكنا في رأي ديكارت كما ورد في بعض رسائله ~~التي يقول فيها إن الله كان يمكنه - لو أراد ذلك - ألا يجعل ~~للمثلث زوايا ثلاثا، وألا يجعل أنصاف الأقطار في الدائرة ~~متساوية، وأن يجعل الجبال تنهض على الأرض بغير ms155 وديان ~~تقابلها، وألا يجعل الأربعة مضروبة في اثنين تساوي ثمانية، ~~وباختصار فإنه لم يكن ثمة ما يلزم الله أن يجعل النقيضين ~~لا يجتمعان. # 5 # ولعل هذا الإمكان - إمكان أن يخلق الله الحقائق ~~الرياضية على غير ما هي عليه - هو الذي أجاز لديكارت أن يحتمل ~~وقوعه في الخطأ - بفعل شيطان خبيث - إذا ما قال عن مجموع ~~اثنين وثلاثة إنه يساوي خمسة، وعن المربع إن أضلاعه لا تزيد عن ~~أربعة؛ فأمثال هذه الحقائق الرياضية تبدو لديكارت واضحة ~~ومميزة، ولكنه مع ذلك يحتمل أن يضله الشيطان فيها؛ وإذن ~~فإلى جانب الوضوح والتميز لا بد من شيء آخر لكي يثق في ~~يقين ما يري، وهو هداية الله له في إدراكه هداية تنجيه من ~~ضلالات الشيطان. # لو رأي ديكارت ما نراه نحن اليوم من أن القضية الرياضية ~~تحليلية لا تركيبية، تكرارية لا إخبارية؛ بمعنى أن يكون ~~قولنا - مثلا - «إن للمثلث زوايا ثلاثا» قولا لا يزيد على ~~تكرار جانب من الجوانب المتضمنة في تعريف المثل نفسه، ~~فكأنما القائل لا يقول بقوله هذا شيئا أكثر من «أن المثلث هو ~~المثلث»؛ أقول لو رأي ديكارت ما نراه نحن اليوم في طبيعة ~~القضية الرياضية، لما شك في أن يكون مضللا بفعل شيطان ~~خبيث في إدراكه للحقائق الرياضية؛ إذ كيف يضلل الشيطان من ~~لا يقول شيئا؟ نعم، لو رأي ديكارت ما نراه نحن اليوم في ~~القضية الرياضية لعرف أن اليقين في الرياضة مصدره أن الرياضة ~~لا تقول شيئا جديدا بحيث تتعرض للخطأ من أجله؛ وبالتالي ~~فيستحيل أن يكون منهجها صالحا للعلوم الطبيعية التي من شأنها ~~أن تحكي عن الطبيعية فيكون الخطأ فيها محتمل الوقوع. # لكن ديكارت كان من رأيه أن الحقيقة الرياضية تركيبية لا ~~تحليلية؛ أي إنها تنبئ عن الطبيعة وما يقع فيها؛ وبالتالي ~~فهي كأي خبر عن الطبيعة آخر معرضة للخطأ لولا هداية من ~~الله، بل إن كل حقيقة أخرى - غير الحقائق الرياضية - يكون ~~قوامها بسائط مرتبطة بعلاقة، بحيث تكون البسائط والعلاقة معا ~~مما يدركه الإنسان بحدسه المباشر ، هي ms156 كذلك حقيقة تركيبية لا ~~يكون المحمول فيها مجرد تحليل للموضوع، بل يكون إضافة تضاف ~~إلى الموضوع؛ ومن ثم فقد يخطئ الإنسان في إدراكها لولا ~~هداية من الله تعصمه. خذ - مثلا - حقيقة كهذه: «الجسم له ~~امتداد.» فإنه على الرغم من أن الامتداد لا يكون إلا في جسم، ~~وأن الجسم لا يكون بغير امتداد، بحيث كان يكفي القائل أن يقول ~~كلمة «جسم» ليحللها السامع إذا أراد فيجد في عناصرها صفة ~~الامتداد؛ وبهذا تكون عبارة «الجسم له امتداد» من قبيل ~~التكرار، وما دام الأمر تكرارا لشيء واحد مرتين، دون أن ~~تكون هنالك إضافة جديدة، فيتحتم قطعا أن تكون العبارة ~~صادقة صدقا يقينيا وضروريا؛ أقول إنه على الرغم من أن ~~صفة «الامتداد» يوصل إليها بتحليل الموضوع الذي هو «جسم» ~~فإن حقيقة كهذه - شأنها شأن الحقائق الرياضية عنده - تكون ~~تركيبية خبرية؛ لأن «الامتداد» - في رأيه - طبيعة بسيطة تدرك ~~مستقلة عن «الجسم»؛ وإذن فالربط بينهما في حقيقة واحدة ~~ليس هو من قبيل التحليل، بل هو من قبيل الخبر الذي يضيف شيئا ~~إلى شيء آخر. نعم، إن عبارة كهذه يقينية ضرورية في رأيه، ~~شأنها كذلك شأن الحقائق الرياضية، ولكن من أين جاءت الضرورة ~~وجاء اليقين هنا؟ إنهما قد جاءا مما أمد الله الإنسان به من ~~نور فطري يدرك به أمثال هذه العلاقات بين الأشياء. وكان يمكن ~~ألا يمده بذلك النور، فيرى أضلاع المربع أكثر من أربعة أو ~~أقل، ويري زوايا المثلث أكثر من ثلاث أو أقل، كما يرى الجوهر ~~بغير امتداد. # إننا في تحليلنا للقضايا الرياضية اليوم - كما سنفصل القول ~~فيما بعد - نري أنه ما دام الرياضي يبدأ بمسلمات (وهذه ~~المسلمات عند الرياضي ثلاثة أنواع: تعريفات وبديهيات ~~ومصادرات)، فإن كل نظرية تأتي بعد ذلك نتيجة لهذه المسلمات ~~تكون تحليلية؛ لأنها بمثابة ما يكرر بعض العناصر المتضمنة ~~في تلك المسلمات، وما دام الأمر تكرارا فهو ضروري ويقيني، ~~فكأنك إذ تستدل نظرية رياضية تقول: إننا ما دمنا قد سلمنا ~~ب «أ» و«ب» و«ج»، إذن تكون «ب » صحيحة. أما ديكارت ms157 فالأمر عنده ~~على خلاف ذلك؛ لأنه يقول إننا لو كنا نبدأ بتعريفات صريحة ثم ~~نستخرج منها قضايا تحليلية تعيد ما كان متضمنا في تلك ~~التعريفات، انتهينا إلى قضايا لا تقول شيئا، لكن ما هكذا - في ~~رأيه - يكون المنهج الرياضي؛ فأهم ما في هذا المنهج هو أننا ~~نبدأ بمجموعة من البسائط التي بعضها حدود وبعضها علاقات، ثم ~~نلاحظ أن علاقة ما من تلك العلاقات البسيطة تربط حدين من ~~تلك الحدود البسيطة أيضا، وأن هذا الربط نراه ضروريا لا بد ~~من قيامه؛ ومن ثم يتاح لنا أن نستدل من هذه البداية نتائجها ~~فتكون النتائج ضرورية كذلك؛ فبهذا لا نكون إزاء قضايا ~~تحليلية تكرارية، بل إزاء «تركيبات» فيها ما ينبئ عن العالم ~~كيف تكون حقائقه. وحتى في الحالات التي قد يبدو فيها أن القضية ~~تكرارية لا جديد في محمولها عما هو كائن في موضوعها، لو أنك ~~أمعنت فيها النظر، وجدت فيها هي نفسها من الروابط ما لم يأتنا ~~عن طريق التحليل الخالص، بل كان لا بد له من رؤية حدسية تدرك ~~ما فيه من تركيب وبناء. ونعود إلى المثل الذي أسلفناه منذ ~~أسطر قليلة، وهو: «الجسم له امتداد.» فها هنا موضوع القضية ~~الذي هو «الجسم» ليس طبيعة بسيطة، بل هو مركب من بسيطتين ~~هما «الجوهر» و«الامتداد»؛ فلو حللنا الموضوع إلى عنصريه ~~أصبحت القضية: «الجوهر ذو الامتداد له امتداد.» أو بتعبير ~~ديكارت نفسه وهو بصدد عرض هذه النقطة: «إن ما له امتداد له امتداد.» # 6 # ولكن بالرغم مما في هذا القول من تحليل تكراري ~~ظاهر، فلا يزال ديكارت يصر هنا على وجهة نظره، وهي أن في ~~الأمر تركيبا إخباريا، وهو في هذا المثل إدراك الرابطة ~~الضرورية لا بين «الجسم» من ناحية و«الامتداد» من ناحية أخرى، ~~بل بين العنصرين اللذين هما قوام «الجسم»، ألا وهما «الجوهر» ~~و«الامتداد»؛ فكيف عرفت أن هذين يستحيل ألا يكونا متلازمين ~~تلازما تتكون منه الأجسام؟ # عرفت ذلك لا بالتحليل، ولكن بالإدراك الحدسي لما بين البسائط ~~من علاقات. ولسوء الحظ إن ديكارت ms158 - وهو فيلسوف الوضوح - قد ترك ~~هذه النقطة الهامة عند هذا الحد فلم يزدها توضيحا، مع أنها ~~هي هي الأساس الذي يقوم عليه ما في الرياضة من ضرورة ويقين. ~~إنه يرتد إلى المجاز، فيقول إن العلاقة الضرورية التي تربط ~~«الجوهر» ب «الامتداد» (أو أي علاقة ضرورية أخرى) إنما نراها ~~ب «عين العقل» أو ب «الرؤية العقلية» أو ب «الضياء الروحي» أو ~~ب «النور الفطري». هذه كلها استعارات يستخدمها ديكارت ليعبر ~~بها عن الطريقة التي بها ندرك ضرورة العلاقة التي تربط ~~البسائط، وواضح أن «النور الفطري» هنا يشير إلى نور العقل ~~ينصب على موضوع إدراكه فيكشف عما فيه من علاقة وأطرافها، ~~لكن كيف يدرك العقل هذا الذي يدركه؟ وما طبيعة العلاقة ~~الضرورية هذه؟ سؤالان يتركهما ديكارت بغير جواب. # أتكون هذه الضرورة ناشئة عن البسائط نفسها المرتبطة بمثل ~~هذه العلاقة الضرورية؟ كلا بالطبع؛ لأن ذلك الفرض يقتضي أن ~~تكون البسيطة من البسائط شيئا ذا صفة تقتضي كذا وتستلزم كيت، ~~وإذن فلن تعود البسيطة بالبساطة التي فرضناها لها؛ لأنها ~~عندئذ ستفقد استقلالها من حيث هي وحدة قائمة بذاتها، وسيكون ~~إدراكها معتمدا حتما على إدراك ما هي متعلقة به بحكم ~~طبيعتها. لتوضيح ذلك نقول: افرض أن «أ» و«ب» بسيطتان، وأن «ج» ~~علاقة بسيطة، فكيف أعرف أن «أ» و«ب» يرتبطان ضرورة بالعلاقة ~~«ج»؟ إن الجواب يستحيل أن يكون في تحليل «أ» و«ب» ولا في تحليل ~~«ج»؛ لأن هذه كلها بسائط يمكن إدراك كل منها على حدة ~~مستقلة عن كل ما عداها؛ إذن فكيف أدرك ضرورة الارتباط بين ~~هذين الطرفين بهذه العلاقة؟ يجيب ديكارت: إنه النور الفطري ~~ينصب على الحقيقة فيكشف عنها أطرافا وعلاقات. وفي ذلك ~~غموض ظاهر. # ولعل هذا الغموض نفسه هو الذي أحس به ديكارت حين أخذه ~~القلق - في التأمل الأول من تأملاته - إزاء اليقين الرياضي؛ فبينما ~~هو يقول «سواء كنت متيقظا أو نائما، هنالك حقيقة ثابتة، ~~وهي أن مجموع اثنين وثلاثة هو خمسة دائما، وأن المربع لن يزيد ~~على أربعة أضلاع أبدا»، بينما هو ms159 يقول ذلك عن الحقائق ~~الرياضية، تراه وكأنما هو لا يدري من أين جاءت إليه طمأنينة ~~النفس إزاءها؛ إنها لم تجئه عن طريق الطبائع البسيطة ذاتها، ~~التي جعلها نقطة الابتداء في شوط التفكير؛ لأن تلك البسائط ~~(وبعضها حدود وبعضها علاقات) بحكم طبائعها لا تدل على أنها ~~سترتبط على صورة دون أخرى. إن اثنين أو ثلاثة من جهة وخمسة من ~~جهة أخرى - باعتبارها بسائط - لا تحتم بحكم طبائعها أن يكون ~~التساوي هو العلاقة الرابطة بين الطرفين؛ بدليل أن ديكارت ~~يعترف - كما أسلفنا - بأن الله كان يمكنه أن يجعل الأمر على ~~غير ذلك لو أراد؛ ولهذا فهو بحاجة إلى أداة أخرى تكون مفطورة ~~في جبلته يستعين بها على إدراك هذه الضرورة التي يراها في مثل ~~هذه العلاقة الرياضية؛ ومن ثم فقد أكمل مذهبه في «البسائط» ~~بمذهب آخر في «النور الفطري» الذي يهدي الإنسان في إدراكه ~~للروابط الضرورية على النحو الذي ذكرنا. # لو أن ديكارت قد رأي ما نراه نحن اليوم من أن ضرورة الصدق ~~الرياضي هي من صناعة الإنسان وليست هي بالحق الموضوعي الكائن ~~في العالم الخارجي نفسه، وهي من صناعة الإنسان لأنه هو الذي ~~يضع مجموعة المسلمات - ولو شاء لغير منها ما أراد أن ~~يغير وكيف أراد - ثم يبني على ذلك بناءه الرياضي، لأدرك ما ~~ندركه نحن اليوم من أن اليقين الرياضي مصدره هو أننا نحلل ~~المسلمات ونكرر عناصرها في النظريات؛ فليس في الأمر - كما ~~ظن - حقائق خالدات؛ بدليل أننا قد نعدد البناءات الرياضية ~~ويكون كل بناء منها صحيحا ما دامت أجزاؤه متسقة بعضها مع ~~بعض، لكنه لو فعل ذلك لقوض بيديه مذهبه العقلي؛ فهو من ~~الفلاسفة العقليين - بل هو إمامهم في العصر الحديث - الذين ~~يجعلون ضرورة الحق كائنة في الوجود الخارجي، وأن العقل يكشف ~~عما هنالك ولا ينتحل من عنده شيئا. غير أنه من ناحية أخرى ~~لم يجد مناصا من التذبذب بين وجهي مذهبه؛ فلو سأله سائل: ما ~~مصدر الضرورة في الحقائق الرياضية ؟ أجابه حينا بقوله إنها ~~واضحة بذاتها، وحينا آخر ms160 بقوله إنها إرادة الله شاءت للأمور ~~أن ترتبط على هذا النحو، ثم شاءت لنا أن نهتدي إليها بما ~~جبل في فطرتنا من نور. # أراد ديكارت أن يمسك العصا من وسطها كما يقول المثل ~~السائر؛ إذ أراد أن يجعل للحقائق الرياضية يقينا وضرورة ~~موضوعيتين كائنتين في طبائع الأشياء نفسها، ولكنه أراد في ~~الوقت نفسه أن يجعل لله قدرة على خلق العلاقات الرياضية في ~~صورة غير صورتها الراهنة التي اختارها. والحق أن مثل هذا ~~الموقف لو حللناه، انتهى بنا إلى نتيجة هي نفسها النتيجة ~~التي أراد ديكارت في إصرار أن يجتنبها، وهي أن الله عندئذ ~~يكون قد خدع الإنسان حين جعله يدرك في الحقائق الرياضية ضرورة ~~ليست فيها؛ ذلك لأن مثل هذه الضرورة لا يراها الله في الحقائق ~~الرياضية بمثل ما أراها أنا، ولو فعل لاستحال أن يكون هنالك ~~سواها أمامه ليختار منها إذا شاء، مع أن ديكارت يقرر أن الله ~~كان يستطيع ألا يجعل أضلاع المربع أربعة وزوايا المثلث ~~ثلاثا؛ ومعنى ذلك أن ما هو جائز في نظر الله مستحيل في نظري ~~أنا الإنسان؛ فكأن ضرورة الصدق في القضية الضرورية لها معنيان؛ ~~معنى إلهي ومعني بشري؛ فهي بالمعنى البشري استحالة ~~تصور النقيض، وهي بالمعنى الإلهي مجرد كونها الحالة التي ~~وقع عليها اختيار الله من بين حالات محتملة أخرى؛ فكأن الله ~~قد خلقني على نحو يجعلني أرى ضرورة الصدق حيث لا ضرورة. إن ~~النقطة الجوهرية هنا هي أن العقل الإلهي والعقل الإنساني - على ~~هذا الأساس - مختلفان لا في الدرجة وحدها، فهذا محدود وذلك ~~مطلق، بل في النوع؛ فالله يري جائزا ما أراه محالا، بل إن ~~ما أراه تناقضا خلوا من المعنى - كأن أقول مثلا بأن أضلاع ~~المربع ليست أربعة - هو في إدراك الله ممكن جائز الوقوع لو أن ~~إرادته شاءت. وهكذا بينما كان ديكارت يعتقد أن الكون مقام على ~~أساس عقلي، وأن العقل في مستطاعه أن يكشف عن ذلك الأساس بما ~~يدركه بنوره الفطري من علاقات ضرورية تربط بين الطبائع ~~البسيطة، كان ms161 في الوقت نفسه يذهب مذهبا قد ينتهي به إلى أن ~~الضرورة المزعومة هي من وهم الإنسان. # 7 # تلك هي الطبائع البسيطة التي أرادنا ديكارت على أن نجعل منها ~~نقطة ابتداء؛ لأننا عندئذ - كما يري - نضع أقدامنا على أرض ~~صلبة. وقد رأينا في التحليل الذي أسلفناه كيف ينطوي هذا الرأي ~~على مفارقات قد تنتهي بهدم ما أراد ديكارت بناءه. # وننتقل الآن إلى خطوته الثانية؛ خطوة الاستنباط من تلك ~~البسائط الأولية؛ فما دام إدراكنا لتلك البسائط يقينيا لأنه ~~إدراك حدسي، فكل ما يستنبط منه يكون يقينيا كذلك؛ فلو ~~بدأت - مثلا - بهذه البسائط: الأعداد 5، 4، 3، ثم العلاقة ~~«أكبر من»، ثم لو رأيت رؤية مباشرة بنور العقل هذه الحقيقة ~~الرياضية الآتية: «5 أكبر من 4.» وبعدئذ رأيت كذلك بنور العقل ~~هذه الحقيقة الرياضية الثانية: «4 أكبر من 3.» فعندئذ يتاح ~~لي من هذين الإدراكين الحدسيين المباشرين أن أستنبط هذه ~~الحقيقة: «5 أكبر من 3.» وكذلك «3 + 2 أكبر من 3.» وهكذا أمضي في ~~استنباطات يقينية استمدت يقينها من يقين الحدوس الأولى ~~التي حدستها بالنور الفطري. # لقد قيل عن ديكارت إنه بمنهجه الرياضي هذا قد أحدث ثورة ~~فلسفية نفضت غبار العصور الوسطى، وقد كان هذا الغبار نفسه من ~~مخلفات القياس الأرسطي، فلنا أن نتساءل: ما الفرق الجوهري ~~بين القياس الأرسطي والاستنباط الديكارتي؟ يقولون إن هذا الفرق ~~الأساسي بين المنهجين هو أن ديكارت يبدأ شوطه بإدراك حدسي ~~لبسائط يرتبط بعضها مع بعض بعلاقات ضرورية كما أسلفنا، فيبدأ ~~- مثلا - برؤية مباشرة لاستقامة كل ضلع من أضلاع المربع، ~~ثم بعد لهذه الأضلاع فإذا هي أربعة، وعندئذ يقول في يقين ~~إن للمربع أضلاعا مستقيمة أربعة، وبعد ذلك يرتب على هذه ~~الحقيقة ما استطاع من نتائج. وأما القياس الأرسطي ففي مقدمتيه ~~مقدمة واحدة على الأقل تكون كلية. وواضح أن الحكم الكلي - ~~كقولنا كل إنسان فان - هو في حد ذاته حكم يجوز أن يكون ~~باطلا؛ لأن رؤية الحقيقة فيه لا تكون حدسا مباشرا، بل تكون ~~نتيجة لتعميم من خبرات سابقة؛ فهي إذن عملية طويلة دقيقة ~~الخطوات. ms162 وما أكثر ما ينتهي الإنسان من خبراته إلى تعميمات ~~يخطئ فيها، ومع ذلك يتخذها مقدمات لأقيسة يستدل منها النتائج ~~التي يظن أنها يقينية ما دامت مستخرجة استخراجا سليما من ~~مقدماتها. # لكننا إنصافا لأرسطو في هذا السياق نقول إننا في الحقيقة ~~نبتر المنهج الأرسطي بترا مضللا لو وقفنا فيه عند قياس ~~واحد قائلين: هذا قياس مقدمتاه موضع ظن؛ وإذن فنتيجته هي ~~الأخرى موضع ظن. ذلك لأننا لو تعقبنا المنهج الأرسطي إلى ~~بدايته الأولى، سائلين: من أين جاءت هذه المقدمات نفسها؟ ~~فسيكون الجواب: إنها هي بدورها نتائج لمقدمات سبقتها. ومن أين ~~جاءت هذه السابقة؟ جاءت من مقدمات سبقتها، وهكذا دواليك حتى ~~نصل إلى حقيقة أو مبدأ ندركه بالحدس المباشر؛ وإذن فأرسطو - ~~مثل ديكارت - يرتد إلى بداية حدسية، ولسنا نرى أين يكون الفارق ~~بينهما اللهم إلا أن يقال إن أرسطو حين يحدس الخطوة الإدراكية ~~الأولى فإنما يحدس تصورات كل تصور منها على حدة، كأن يحدس ~~مثلا حقيقة «الإنسان» ثم حقيقة «الفناء»، ثم يصل ما بين ~~الحدسين في قضية فيقول: «الإنسان فان.» أما ديكارت فهو إذ ~~يحدس مقدماته فإنما يحدسها دفعة واحدة بطرفيها والعلاقة ~~الضرورية الرابطة بينهما، لكننا قد أفضنا الحديث فيما مضى عن ~~تحليل هذا الموقف الإدراكي عند ديكارت ووجدناه منطويا على ~~مشكلات ليس من اليسير مواجهتها وحلها. # 4 # سقراط وأفلاطون وأرسطو وديكارت وكثيرون غيرهم من أئمة ~~الفلسفة في شتى عصورها يرون أن الصدق اليقيني هو علامة ~~الفلسفة بمعناها الصحيح، وأن هذا الصدق اليقيني هو ضالة ~~الفيلسوف المنشودة؛ فهو يريد أن يعرف الحقيقة، وأن تكون معرفته ~~إياها يقينا لا يحتمل الخطأ. ولقد وجدوا هذا اليقين المنشود ~~في العلم الرياضي، وبقي أن يجدوه كذلك في سائر العلوم من ~~طبيعية وإنسانية ولاهوتية وميتافيزيقية، فكيف السبيل إلى ذلك؟ ~~كان هذا هو سؤالهم؛ فآنا تري الفيلسوف يائسا من اليقين في ~~العلوم الطبيعية لاعتماد تحصيلها على الحواس أولا؛ ولذلك فهو ~~يرفضها ويقضي بعدم جوازها؛ لأن العلم فيها لا يعدو الظن ~~والاحتمال، ومن هؤلاء أفلاطون، الذي لا يكون العلم ms163 عنده علما ~~إلا إذا كان مرئيا بالعقل رؤية اليقين. ولما كان ذلك لا ~~يتيسر في معرفتنا بالأشياء الجزئية - أشياء هذه الدنيا التي ~~نعيش فيها - وجب إهمالها. واليقين المنشود عنده لا يتحقق إلا ~~في الرياضة من جهة وفي الميتافيزيقا من جهة أخرى، والفرق ~~بينهما هو أن الرياضة تستند إلى فروض تبدأ منها استنتاجاتها ~~اليقينية، وأما الميتافيزيقا فهي رؤية الصور الكاملة للأشياء، ~~أي المثل، رؤية مباشرة بالمواجهة الحدسية كما تواجه قرص ~~الشمس لتراها. وآنا آخر ترى الفيلسوف لا ييئس من أن يصب ~~العلم الطبيعي في قالب اليقين الرياضي - مثل ديكارت - وإنما ~~تكون وسيلة ذلك عنده هي اتباع منهج الرياضة عند التفكير في ~~الطبيعة؛ فكما تبدأ الرياضة بحقائق بسيطة كالعدد ثم تمضي في ~~طريقها إلى التركيب، فكذلك يبدأ العلم الطبيعي بطبائع بسيطة ~~كالجوهر والامتداد، ثم يمضي في طريقه إلى التركيب؛ وبذلك يكون ~~اليقين مضمونا هنا كما هو مضمون هناك. # وهؤلاء الفلاسفة جميعا على اختلافهم في المذهب والطريق ~~يتفقون على أن ما يدركه العقل الخالص وحده عن الوجود الخارجي ~~هو نفسه ما عسانا واجدوه في الوجود الخارجي كما هو واقع؛ فما ~~على العقل إلا أن ينسج من طبيعته خيوطا، بادئا بالبديهيات ~~الواضحة ومنتهيا إلى نتائجها، وإذا بهذا النسيج الذي نسجه في ~~الداخل هو صورة ما يقع في الخارج؛ فهذا هو إقليدس - مثلا - ~~يقيم بناءه الهندسي على أساس عقلي صرف؛ بمعنى أنه يبدأ ~~بمسلمات يضعها، بأن يعرف طائفة من المفاهيم الهامة في ~~الهندسة، كالنقطة والخط والسطح وما إلى ذلك، ويقدم ~~ببديهيات ومصادرات يطلب التسليم بها من غير برهان؛ لأنها ~~عنده بمنزلة الفروض، والمناقشة لا تكون في الفروض ذاتها، بل ~~تكون في النتائج التي تستدل منها؛ أقول هذا هو إقليدس يبني ~~هندسته على فروض بناء عقليا صرفا، لكنه في الوقت نفسه ~~يتوقع أن تكون تفصيلات هذا البناء هي نفسها صورة الواقع ~~الطبيعي؛ فإذا انتهى في بنائه العقلي مثلا إلى أن المربع ~~المنشأ على وتر المثلث القائم الزاوية مساويا لمجموع ~~المربعين المنشأين على الضلعين الآخرين، كان هذا ms164 هو نفسه ما ~~أجده على سطح الأرض لو رسمت عليه مثلثا قائم الزاوية ثم رسمت ~~مربعات على أضلاع ذلك المثلث؛ إذ إني سأجد عندئذ أن مساحة ~~المربع المنشأ على الوتر تساوي مجموع مساحة المربعين ~~المنشأين على الضلعين الآخرين. # كيف أمكن هذا؟ كيف أمكن أن يكون اليقين الذي يصل إليه العقل ~~تفكيره الرياضي هو نفسه الحالة الواقعة فعلا في العالم ~~الطبيعي؟ كان ذلك هو السؤال عند «كانت»؛ فهو لم يتردد أبدا ~~في أن القضية الرياضية التي هي ضرورية الصدق إنما تصور في ~~الوقت نفسه وقائع الطبيعة، وأخذ يسأل: كيف أمكن لما هو صادق ~~صدقا لا يعتمد على الخبرة أن يكون صادقا كذلك على أساس ~~الخبرة؟ أو بتعبيره الاصطلاحي: كيف أمكن قيام قضية قبلية ~~وتركيبية في آن واحد؟ قضية لم نستمدها من الخبرة، لكنها مع ~~ذلك تخبر عما هنالك في عالم الوجود الفعلي؟ # حتى جاء فلاسفة التحليل المعاصر فألقوا ضوءا جديدا على ~~طبيعة القضية الرياضية، وإذا بهذا الضوء الجديد يزيل كل هذه ~~المشكلات بضربة واحدة. وإن هذا الكشف عن طبيعة القضية ~~الرياضية ليعد أهم كشف فلسفي في القرن الأخير كله، ~~وهو هو موضع الثورة في الفلسفة المعاصرة كلها؛ فيقين الرياضة ~~ليس له مصدر سوى أن القضية الرياضية تكرار لفظي في ~~الرموز؛ فلا فرق في طبيعة العبارة الرمزية بين أن تقول 2 + 2 = 4، وبين أن تقول إن الماء هو الماء، وسبيلنا الآن إلى شرح ذلك ~~في شيء من التفصيل. # القضية الرياضية ضرورية الصدق؛ فصدقها غير مرهون بمكان ~~معين ولا زمان معين، صدقها ليس مرهونا بمجموعة من ~~الظروف دون أخرى، بل إن صدقها ضروري هنا وعلى المريخ، وصدقها ~~ضروري الآن كما كان ضروريا عند إنسان الكهوف؛ فماذا نعني ~~ب «الضرورة» هنا؟ نعني بها أن النقيض مستحيل. # والاستحالة المقصودة هنا هي الاستحالة المنطقية؛ ذلك لأن ~~هنالك ثلاثة أنواع من الاستحالة كثيرا ما يخلط الناس بينها، ~~وتوضيحها لا بد منه في هذا السياق؛ فهنالك - أولا - الاستحالة ~~المنطقية التي أشرنا إليها، وهي لا تقال إلا على جملة ms165 فيها ~~شيء ونقيضه؛ فإذا قلت مثلا إن المربع له أربعة أضلاع وليس ~~له أربعة أضلاع، كنت تقول بذلك عبارة مستحيلة منطقيا لأن ~~ألفاظها ينقض بعضها بعضا. كذلك قولك إن الدائرة مربعة قول ~~مستحيل منطقيا؛ لأننا لو حللناه بأن وضعنا مكان الدائرة ~~تعريفها ومكان كلمة «مربعة» تعريف المربع، ألفينا أنفسنا إزاء ~~كلام ينقض بعضه بعضا؛ لأنك عندئذ تكون بمثابة من يقول إن ~~الخط المنحني هو في الوقت نفسه خط مستقيم؛ أي إن الخط ~~المنحني ليس خطا منحنيا. وكثيرا ما يخفى مثل هذا التناقض ~~في كلام الناس، بحيث يقولون ما هو مستحيل منطقيا بالمعنى ~~الذي أسلفناه، وفي الوقت نفسه يظنون أنهم يقولون كلاما ~~متسقا لا تناقض فيه. خذ مثلا القائلين بأن روح الميت يمكن ~~استحضارها وهي تتكلم وتسلك كما كانت تفعل في حياة جسدها. وفي ~~ذلك استحالة منطقية؛ لأن العبارة نفسها تحمل الكلمة ونقيضها، ~~ويتضح ذلك لو عرفنا الألفاظ المستعملة في هذه العبارة، ~~وأولها كلمة «روح»، ومن عجب أن هؤلاء القائلين أنفسهم هم ~~الذين يتمسكون بأن يكون التعريف دالا على أن الروح شيء غير ~~مادي؛ أي إنه شيء لا يحتل نقطة من مكان، ومع ذلك يجعلون ~~هذه التي ليست مكانا يجعلونها أمواجا هوائية هي الصوت ~~المسموع، والأمواج الهوائية لا تكون إلا في مكان؛ فهم إذن ~~بمثابة من يقولون إن ما ليس له مكان له مكان. # وهنالك - ثانيا - استحالة تجريبية، وهي استحالة تكون في ~~الجملة إذا كانت تقرر شيئا يناقض قانونا من قوانين الطبيعة ~~كما استخلصتها المشاهدة والتجارب؛ فمن قوانين الطبيعة أن ~~الماء يغلي في درجة مائة وهو في مستوى سطح البحر، وإذن فإذا ~~قال قائل إن الماء لا يغلي في درجة مائة وهو في مستوى سطح ~~البحر، كان بذلك يقول ما هو مستحيل من الوجهة التجريبية. وإن ~~يكن غير مستحيل من الوجهة المنطقية، فالقول لا تناقض فيه؛ أي ~~إن لفظا من ألفاظه لا يناقض لفظا آخر؛ كانت الاستحالة لتكون ~~منطقية لو قال القائل: «إن هذا الماء الذي أمامي يغلي ولا ~~يغلي.» لكنه ms166 يقول عبارة بين أجزائها اتساق، وكل ما في الأمر ~~أنها عبارة تقدم صورة للواقع غير الصورة التي قد قررتها ~~التجربة العلمية. إننا نريد للقارئ أن يكون هنا على حذر شديد، ~~فلا يصف بالاستحالة المنطقية ما هو مستحيل من الناحية ~~التجريبية وحدها؛ ذلك لأنه قمين أن ينفر من العبارات التي ~~تقرر أشياء تخالف المألوف مخالفة صارخة، نفورا قد يدعوه ~~إلى الحكم على تلك العبارات بأنها تجاوز حدود المنطق العقلي ~~ذاته، ولا تكتفي بمجاوزتها لحدود التجربة وحدها؛ فمثلا لو ~~قيل: «إنك إذا ألقيت من النافذة بحجر سار سيرا أفقيا في ~~الهواء.» كان هذا القول مستحيلا من الناحية التجريبية وحدها لا ~~من الناحية المنطقية؛ إذ ليس في العبارة نفسها تناقض بين ~~أجزائها حتى تكون استحالتها منطقية، وكل ما في الأمر أنها ~~تقرر شيئا غير الذي قد قررته التجارب. ولو قيل: «إن أمطار ~~هذا الشتاء قد نزلت من السماء لبنا وعسلا.» كانت استحالة ~~القول هنا كذلك تجريبية لا منطقية؛ لأنها استحالة تنفيها ~~التجربة ولا ينفيها أن بين أجزائها تناقضا. # وهنالك - ثالثا - استحالة فنية، وهي الحالة التي لا يكون ~~القول فيها مستحيلا من الناحية المنطقية لخلوه من التناقض ~~بين أجزائه، وكذلك لا يكون مستحيلا من الناحية التجريبية لعدم ~~تعارضه مع أي قانون من قوانين الطبيعة، ولكنه في الوقت نفسه ~~قول مستحيل الصدق في الظروف الحاضرة؛ لأن الوسائل العلمية ~~والأدوات المخترعة لا تعين الآن على قيام الحالة التي تصفها ~~العبارة المذكورة، لكن تلك الوسائل والأدوات قد يصيبها ~~التقدم فيما هو آت من الزمن فيصبح ممكنا ما هو اليوم ~~مستحيل التنفيذ؛ فالسفر إلى القمر مستحيل حتى الآن، لا لأن ~~قولي: «سافر فلان إلى القمر.» فيه شيء من التناقض الذي يأباه ~~المنطق، ولا لأن السفر إلى القمر فيه ما يتعارض مع قوانين ~~الطبيعة، وكل ما في الأمر أن الأدوات الفنية المعينة على ذلك ~~لم تكمل بعد، وقد تكمل في المستقبل وقد لا تكمل؛ وإذن ~~فالاستحالة هنا لا هي منطقية ولا هي تجريبية، ولكنها فنية، ~~وزوالها مرهون بالزمن وتقدم ms167 العلم . # أما وقد فرقنا بين هذه الأنواع الثلاثة من الاستحالة، ~~فإننا نعود إلى سؤالنا الذي طرحناه منذ قليل: ما معنى ~~«الضرورة» حين نصف قضية رياضية بأنها ضرورية الصدق؟ وجواب ~~ذلك هو أن نقيض القضية يكون مستحيلا استحالة منطقية؛ فالذي ~~يجعل قولنا: «إن المثلث له زوايا ثلاث.» ضروري الصدق هو أن ~~نقيض هذا القول ينطوي على تناقض بين أجزاء العبارة نفسها؛ ~~وإذن فاستحالته منطقية؛ فالنقيض هو: «ليس للمثلث زوايا ثلاث.» ~~وبقليل من التحليل الرياضي نجد أن هذا القول الجديد يتضمن ~~قولا آخر، هو: «ليس للمثلث أضلاع ثلاثة.» ولما كان تعريف ~~المثلث هو أنه سطح مستو محوط بأضلاع ثلاثة، كان معنى ~~قولنا الأخير هو: «ليس المثلث مثلثا.» وهكذا ننتهي إلى عبارة ~~متناقضة الأجزاء لو أننا نقضنا القضية الأولى التي وصفناها ~~بأنها ضرورية الصدق. # ودعوانا هي أن القضية الرياضية تستمد يقينها من لفظها؛ فهي ~~تكرار للرمز الواحد مرتين، وإن يكن هذا التكرار يختبئ عادة ~~وراء اختلاف صورة الرمز في كل من الحالتين؛ فليس في يقين ~~الرياضة سر ولا سحر يغري الفلاسفة بجعله نموذجا لكل ~~علم سواها، بل إن من يطلب اليقين الرياضي هو بمثابة من يطلب ~~من المتكلم أن يكرر الموضوع ولا يضيف إليه خبرا جديدا؛ ~~فالقضية الرياضية رمزها البسيط هو أ هي أ، وأما القضية في ~~العلوم الطبيعية على اختلافها فرمزها هو أ هي ب؛ أي إنه في ~~الحالة الأولى لا خلاف بين المبتدأ والخبر، وأما في الحالة ~~الثانية فلا بد أن يكون الخبر شيئا يختلف عن المخبر عنه. ~~نعم، إن دعوانا التي نحن الآن في سبيل تأييدها، هي أن القضية ~~الرياضية ضرورية الصدق لمجرد كونها تكرارا لفظيا؛ وبذلك ~~يكون نقيضها مستحيلا منطقيا؛ لأنك بينما تقول صدقا ~~ضروريا إذ تقول إن الماء هو الماء، تراك تقول استحالة ~~منطقية إذا نقضت قولك ذاك بحيث أصبح: «الماء ليس هو الماء.» ~~هذا هو صدق الرياضة، وهذه هي ضرورتها. # الصدق في القضية الرياضية مقطوع به قبل أن تجاوز حدود ~~القضية نفسها؛ فليس بك حاجة إلى مراجعة ms168 العالم الخارجي ~~لتستيقن من أن الماء هو الماء حقيقة، أما إذا قيل لك إن الماء ~~يتركب من عنصرين هما الأكسجين والهيدروجين، فعندئذ يختلف ~~الموقف، ويصبح حتما عليك - إذا أردت التحقق من صدق هذا ~~الزعم - أن تجاوز حدود العبارة نفسها إلى الواقع الشيئي الذي ~~تصوره العبارة، محاولا أن ترى إن كان القول صادقا في وصفه ~~لذلك الواقع أو لم يكن، وهذا هو المعنى المقصود حين يقال عن ~~القضية الرياضية إنها «قبلية»، وعن القضية في العلوم ~~الطبيعية إنها «بعدية»؛ فالأولى صدقها في صلب تكوينها ~~اللفظي، وأما الثانية فصدقها مرهون بما هو موجود خارج حدودها. ~~صدق الأولى ظاهر في طريقة بنائها، وصدق الثانية معتمد على ~~طرف آخر تشير إليه العبارة. # القضية الرياضية «ضرورية» الصدق لأن نقيضها مستحيل ~~منطقيا، ومعرفتنا بصدقها هي معرفة «قبلية»؛ # 8 # لأننا ندرك ذلك الصدق من طريقة البناء الرمزي أو ~~البناء اللغوي نفسها. وليس حتما أن تكون القضية ذات الطابع ~~الرياضي قضية لغتها أرقام حسابية أو رموز جبرية، بل إنها ~~لتمتد حتى تشمل كل قضية يظهر التحليل أنها مجرد تكرار ~~المبتدأ في الخبر؛ فإذا قلت مثلا إن الأرملة امرأة مات ~~زوجها، لم تقل أكثر من «أن المرأة التي مات زوجها امرأة مات ~~زوجها»؛ ذلك لأنك لو وضعت مكان كلمة «الأرملة» تعريفها، وهو ~~«امرأة مات زوجها»، كان لك بذلك هذا التكرار الذي رأيت؛ ومن ثم ~~ضرورة الصدق ويقينه؛ فليس بك حاجة إلى مجاوزة العبارة نفسها ~~لتتأكد من صدقها، ليس بك حاجة إلى السؤال عن الأرامل لتستيقن ~~من أن كلا منهن قد مات زوجها؛ لأنها لو لم تكن كذلك لما صح ~~أن تسمى بكلمة أرملة. ومن قبيل ذلك أيضا قولك: «كل جسم له ~~امتداد.» فأنت هنا أيضا لا تزيد على قولك: «إن ما له امتداد ~~له امتداد.» لأنك لو وضعت مكان كلمة «جسم» تعريفها، لكان لك ~~بذلك هذا التكرار، وهكذا. # لا غرابة - إذن - أن تكون القضية ذات الطابع الرياضي صادقة ~~بالضرورة صدقا قبليا؛ فهي صادقة على كل مكان وكل زمان، ~~وصدقها غير ms169 مشروط بظروف خاصة، وهي أيضا صادقة صدقا يدل ~~عليه بناؤها نفسه؛ لأن بناءها تكرار للرمز الواحد مرتين، وإن ~~يكن هذا الرمز الواحد ذا صورتين مختلفتين ظاهرا، إلا أنهما ~~يتخذان صورة واحدة عندما يوضع مكان أحد الشطرين تعريفه، لكن ~~ما هكذا تكون الحال في جملة تقول إن سكان القاهرة ثلاثة ~~ملايين، وإن الحجر الملقى يسقط على الأرض ولا يرتفع في ~~الهواء؛ فها هنا لا بد من مجاوزة الجملة إلى ما تشير إليه من ~~حقائق الواقع، ومهما حاولت أن تضع مكان الكلمات هنا ما ~~يعرفها فلن تصل إلى قول تكراري كالذي نصل إليه عند تحليل ~~القضية الرياضية. نعم، لا بد لك من مجاوزة الجملة إلى ما هو ~~خارجها من حقائق الواقع إذا ما كانت الجملة تحمل خبرا عن ~~الواقع، وبعد ذلك فقد أجد الواقع مصدقا للجملة أو مكذبا ~~لها، قد أجد أن سكان القاهرة فعلا يزيدون أو ينقصون عن ~~الثلاثة الملايين التي زعمتها الجملة، وقد أجد الحجر الملقى ~~لا يتجه إلى أسفل كما تدعي الجملة؛ وإذن فأمثال هذه الجملة ~~أو تلك صدقها لا ضرورة فيه، وهو لا يعرف إلا «بعد» خبرة ~~تؤكد الصدق أو تنفيه. # إننا إذ نقول عن الجملة الرياضية إنها «قبلية» فلسنا نعني ~~بذلك أن معرفتنا بها قد جاءت قبل الخبرة من حيث الترتيب ~~الزمني؛ أي إننا لا نعني أننا عرفناها أولا ثم جاءت بعد ذلك ~~خبراتنا؛ إذ ليس هنالك معرفة قط سبقت خبرة الإنسان في ~~الزمن، فأقل ما يقال هنا هو أن الإنسان لا بد له أولا أن ~~يتعلم الرموز التي ترد في الجملة الرياضية التي نقول إننا ~~نعرفها معرفة «قبلية»؛ كلا، لسنا نريد بهذه «القبلية» ~~أسبقية في زمن الحدوث، بل نعني شيئا يتصل بطريقة تحقيقها؛ ~~ففي تحقيق صدقها نعلم أنها صادقة قبل أن نحتكم في ذلك إلى ~~خبرة؛ لأن تكوينها الرمزي ذاته دال على ضرورتها ويقينها؛ إذ ~~إنها لا تعدو أن تقول عن الشيء إنه هو الشيء نفسه، ولو نقضناها ~~أخطأنا حتما؛ لأننا عندئذ نكون بمثابة من ينكر ms170 أن يكون ~~الشيء هو الشيء نفسه؛ فالجملة الضرورية اليقينية دائما ~~تحليلية؛ أي إنها دائما تحصيل حاصل، تحصل في محمولها ما سبق ~~لها أن حصلته فعلا في موضوعها، وصورتها دائما ترتد إلى ~~«أ هي أ»؛ أي إنها دائما خالية من الخبر. وقد يكون هذا ~~الخلاء من الإخبار باديا للنظرة الأولى كقول القائل إن الماء ~~هو الماء، وقد يحتاج إلى تحليل قصير أو طويل لإظهاره ~~وإبرازه. # الجملة التكرارية (أو التحليلية) «قبلية» ما في ذلك إشكال ~~ولا خلاف، والجملة الإخبارية (أو التركيبية) «بعدية»؛ لأن ~~تحقيق صدقها يتطلب مراجعة الواقع، وهي مراجعة قد تنتهي ~~بتأييدها أو بتفنيدها، ولكن هل يمكن للجملة الإخبارية - التي ~~تقول عن العالم الخارجي شيئا - أن تكون قبلية كذلك؟ أعني هل ~~يمكن الحكم على قضية إخبارية بالصدق الضروري اليقيني من مجرد ~~النظر إلى تكوينها، كما نفعل في القضية الرياضية؟ جوابنا عن ~~هذا السؤال بالنفي، وأما «كانت» فليس جوابه عنه بالإيجاب ~~فحسب، بل إنه يسلم بهذا الإيجاب تسليما كما لو كان الأمر ~~بديهية واضحة بذاتها، ثم يسأل بعد ذلك: «كيف أمكن للقضية ~~الإخبارية أن تكون معرفتها قبلية؟» وقد جاءت فلسفته إجابة عن ~~هذا السؤال. # موقفنا هو استحالة الجمع بين الخبر وضرورة الصدق في جملة ~~واحدة، فإذا كانت الجملة إخبارية فهي ليست ضرورية الصدق؛ إذ ~~يحتمل أن نراجعها على الواقع فإذا هي باطلة. وإذا كانت الجملة ~~ضرورية الصدق فهي إذن فارغة من الخبر، وهي تكرار وتحصيل حاصل. ~~أما «كانت» فرأيه أن قضايا الرياضة وقضايا الطبيعة سواء في ~~أنها ذات مضمون خبري، وأنها في الوقت نفسه ضرورية الصدق، ~~ومعرفتنا بها هي معرفة قبلية، لا تستدعي مراجعة الواقع ~~الخارجي في تحقيقها. ومن الأسس التي يبني عليها وجهة نظره هذه ~~أن بديهيات الهندسة ليست تحصيل حاصل؛ إذ فيها من المضمون ما ~~يطابق وقائع العالم الخارجي، ومع ذلك فهي ضرورية الصدق، ~~ومعرفتنا بذلك الصدق قبلية؛ ومن ثم جاز أن نستدل منها ~~نظريات يقينية يمكن تطبيقها على العالم الطبيعي. خذ - مثلا - بديهية في الهندسة تقول إن الكميات المتساوية ms171 إذا أضيفت ~~إلى كميات متساوية كانت النتائج متساوية، فهي صادقة ~~بالضرورة، وصدقها واضح من بنائها اللغوي ذاته، ومع ذلك فإذا ~~طبقتها على كميات من البرتقال أو كميات من الماء انطبقت؛ ~~ومعنى ذلك أنها قبلية وأنها في الوقت نفسه خبرية، ولا ~~تناقض بين الوجهين. # إن الزعم هنا هو أن العالم الرياضي - إقليدس مثلا - إذ يضع ~~المسلمات في صدر بحثه، ليأخذ في استنباط النظريات المترتبة ~~عليها، لم يستمد مسلماته تلك من الخبرة، ومع ذلك فهي ~~مطابقة للخبرة، هي وكل ما يترتب عليها من نظريات؛ فيكون ~~معنى ذلك أن ما قد صدق صدقا عقليا صرفا وجد أنه كذلك ~~صادق صدقا تطبيقيا على الواقع، وهنا ينشأ سؤال «كانت»: ~~كيف أمكن لمثل هذا التوافق أن يكون؟ والخطأ هنا هو في الاعتقاد ~~بأن بديهيات الرياضة ونظرياتها منطبقة حتما على الواقع ~~الخارجي؛ فقد أثبتت نتائج البحث الرياضي في المائة السنة ~~الأخيرة (منذ منتصف القرن الماضي أو نحو ذلك) أن مسلمات ~~إقليدس يمكن تغييرها، واستبدال غيرها بها، والوصول بعد ذلك إلى ~~نظريات غير نظرياته، دون أن يكون معنى هذا التغيير خطأ في ~~هندسة إقليدس ولا خطأ في هندسة تقام على مسلمات غير ~~مسلماته وتنتهي إلى نظريات غير التي انتهى هو إليها؛ ذلك ~~لأن الصدق في الرياضة هو صدق اتساق لا صدق تطابق، فيكفي أن ~~يكون البناء الرياضي متسقا مقدماته مع نتائجه، مهما تكن ~~تلك المقدمات، لنقول عنه إنه بناء صحيح من الناحية الرياضية ~~البحت، أو قل من الناحية المنطقية البحت؛ لأن العبارتين ~~معناهما واحد، فكلا المنطق والرياضة علم صوري إذا اتسقت ~~فيه الصورة توافرت له بذلك شروط الصواب. # تغير أساس الرياضة بحيث لم تعد المسلمات في البناء ~~الرياضي أمرا محتوما له أن يصدق أيضا على الواقع، بل هي ~~مسلمات لأنها فروض يجوز تغييرها وتبديلها؛ فينشأ نتيجة ~~لكل تغيير أو تبديل بناء رياضي مختلف، دون أن نعرف من ~~البناء الرياضي نفسه إن كان هو الذي يطابق الطبيعة الخارجية ~~أم يطابقها بناء رياضي آخر؟ وإذن فقد انهار الأساس الذي بنى ms172 ~~عليه «كانت » فلسفته كلها؛ ففلسفته كلها بحث عن الشروط ~~العقلية التي جعلت في الإمكان أن تكون مسلمات الرياضة - ~~مثلا - صادقة صدقين في آن واحد؛ فهي صادقة قبل الخبرة ~~وصادقة بعد الخبرة معا. ولم يكن ليقول ذلك لو علم أن تلك ~~المسلمات يمكن استبدال غيرها بها دون أن يتأثر الصدق الرياضي ~~في شيء. # وفيما يلي تحليلات لأمثلة من قضايا الرياضة نوضح بها ما ~~نذهب إليه من أنها تكرارية كلها؛ فضرورة صدقها ويقين ذلك ~~الصدق ناشئان من أنها في صميمها خالية من المضمون، ولا تقول ~~شيئا إيجابيا عن العالم بحيث تتعرض فيه للخطأ. # 5 # خذ هذه القضية في الحساب «2 + 2 = 4» التي هي مضرب الأمثال ~~بيقينها، واسأل: من أين جاءها هذا اليقين؟ هل يتوقف صدقها ~~اليقيني حتما على أنها مطابقة لحالات الواقع فوق صدقها ~~الناشئ عن تكوينها وبنائها؟ بعبارة أخرى، هل هي يقينية ~~ضرورية لأنها تحصيل حاصل كما نقول نحن، أم لأن العالم يجري ~~مجرى الحقائق الرياضية كما يقول الفلاسفة العقليون؟ هل هي ~~قضية تحليلية تكرارية تحليلا صرفا وتكرارا خالصا، بحيث لا ~~يكون فيها قط ما يقتضي أن تشير به إلى شيء في عالم الأشياء، ~~أم هي تركيبية إخبارية تصور العالم الخارجي على الرغم من ~~أن صدقها لا يتوقف على خبراتنا بذلك العالم؟ # لهذه الأسئلة إجابات ثلاث تختلف باختلاف المدارس الفلسفية؛ ~~فهنالك - أولا - العقليون الذين يرون إمكان الجمع في قضية ~~واحدة بين أن تكون مخبرة عن العالم وأن تكون في الوقت نفسه ~~قبلية غير معتمدة في تحصيلها وإدراكها على خبرة الإنسان ~~بالعالم. نعم، قد يختلف الفلاسفة العقليون فيما بينهم على أي ~~القضايا يكون فيه هذا الجمع بين تينك الصفتين، أهي قضايا ~~الرياضة وحدها، أم هي قضايا الرياضة والطبيعة على السواء، لكن ~~يكفينا أن يعتقد الفيلسوف في قضية واحدة يقول فيها إنها ~~صادقة على الخبرة الحسية دون أن تكون مستقاة من خبرة ~~حسية لنقول عنه إنه فيلسوف عقلي يأخذ بهذه الوجهة من ~~النظر. # وهنالك - ثانيا - فلاسفة المذهب التجريبي في صورته ~~التقليدية، كما يتمثل ms173 مثلا في جون ستيوارت مل ، وهم يقولون ~~أن ليس هنالك قضية واحدة يمكن أن تجتمع فيها صفتا الإخبار ~~والضرورة معا؛ لأن القضية إن أخبرت بشيء كان معني ذلك احتمال ~~تعرضها للخطأ فيما أخبرت به؛ ولهذا ترى هؤلاء التجريبيين ~~ينكرون بتاتا أن تكون هنالك قضية ضرورية الصدق، حتى قضايا ~~الرياضة والمنطق - في رأي «مل» - إن هي إلا حصيلة الخبرة؛ ~~وبالتالي يجوز عليها البطلان. # وثالثا هنالك أنصار التجريبية المنطقية - أي الوضعية ~~المنطقية - فهم كالتجريبيين التقليديين ينكرون في حسم أن ~~تجتمع صفتا الإخبار والضرورة معا في قضية واحدة، إلا أنهم ~~على خلاف أنصار التجريبية التقليدية، لا يرون أن قضايا ~~الرياضة والمنطق مستقاة من الخبرة الحسية، بل هم يقولون إن ~~القضية إما أن تكون إخبارية؛ وبذلك يستحيل عليها أن تكون ~~ضرورية الصدق، وإما أن تكون ضرورية الصدق؛ وبذلك يستحيل عليها ~~أن تكون إخبارية، بل إنها في هذه الحالة تكون تحصيل حاصل، ~~تكرر جزؤها الأول في جزئها الثاني دون أن تضيف نبأ ~~جديدا. # وهذه الإجابة الأخيرة هي ما نأخذ به، ونعود إلى المثل الذي ~~سقناه لنجري عليه عملية التحليل، وهو «2 + 2 = 4»؛ فهذه ~~قضية ضرورية الصدق، لكنها في الوقت نفسه لا تقول شيئا مما ~~يمكن أن تتعرض به للخطأ؛ فنحن وإن كنا نستطيع الحكم على ~~صدقها «قبل» الرجوع إلى الخبرة، إلا أن ذلك نفسه معناه أنها ~~خاوية لا تنبئ بشيء، شأنها شأن العبارة القائلة إن الماء هو ~~الماء. وهاك التحليل الذي يبين ذلك: # العدد 4 معناه بحكم القضية نفسها هو 2 + 2. # العدد 2 معناه بحكم التعريف 1 + 1. # إذن فقولنا 2 + 2 = 4 مساو لقولنا 1 + 1 + 1 + 1 = 1 + 1 + ~~1 + 1. فإذا كان هذا القول يقيني الصدق وضروري الصدق، وصدقه ~~يعرف بغض النظر عن أي خبرة بأشياء العالم الخارجي، فلأنه ~~تكرار لا خبر فيه. وها هنا قد يختلط الأمر على القارئ فيسأل: ~~ألسنا في عالم الأشياء نرى شيئين مضافين إلى شيئين تكون أربعة ~~في مجموعها؟ فقلمان وقلمان أربعة أقلام، وبرتقالتان وبرتقالتان ~~أربع برتقالات، وهكذا؟ كيف ms174 إذن نزعم أن لا علاقة بين هذه ~~القضية الرياضية وبين عالم الأشياء؟ # الواقع أننا في علم الحساب إذ نتعلم أن 2 + 2 = 4، فنحن لا ~~نتعلم بهذا إلا طريقة استخدام رموز مكان رموز أخرى إذا ما ~~جرى الاتفاق بأن يكون الرمزان مترادفين؛ فلا فرق أبدا بين أن ~~أعلم الطفل الناشئ بأن الرمز «4» يمكن وضعه مكان الرمز «2 + ~~2» في أي موضع شاء دون أن يتأثر تكوين العبارة، لمجرد ~~الاتفاق بين المشتغلين بهذه الرموز على أن يكون الرمزان ~~مترادفين؛ أقول إنه لا فرق أبدا بين هذا وبين أن أعلمه بأن ~~«ابن الخطاب» هو نفسه «عمر» ثاني الخلفاء الراشدين، وله أن يضع ~~أحد الاسمين مكان الآخر في أي عبارة شاء، أو كما أعلمه أن ~~«الليث» اسم آخر ل «الأسد»، وأن الاسمين مترادفان، وله أن يستبدل ~~أحدهما بالآخر. وتظل «2 + 2 = 4» صادقة حتى لو فرضنا أن ~~العالم كله ليست فيه أربعة أشياء؛ فقد يكون في العالم كائن ~~واحد، ومع ذلك يجوز لنا القول بأن 2 + 2 = 4؛ مما يدل على أن ~~صحة استخدام هذه الصيغة الرمزية لا يقوم حجة على طبيعة ~~العالم الخارجي. # يقول «كانت» وهو في سياق رأيه بأن القضية الرياضية إخبارية، ~~ما معناه أن فكرة «2 + 2» ليست هي نفسها فكرة «4»، وأننا إذ ~~نفكر الفكرة الأولى فلا نفكر في الوقت نفسه في الفكرة الثانية؛ ~~إذ ليست «الأربعة» متضمنة في أي من جزأي الفكرة الأولى، ~~فلا هي في «الاثنين» الأولى ولا هي في «الاثنين» الثانية؛ وإذن ~~فهي إضافة جديدة أضافها الإنسان إلى علمه بالعالم حين عرف أن ~~الفكرة الأولى - فكرة «2 + 2» - والفكرة الثانية - فكرة «4» - ~~متساويتان. وهذا صحيح، فمن ذا الذي زعم له أن «2 + 2 = 4» ~~قانون نفسي مؤداه أننا لا نفكر الفكرة الأولى إلا إذا فكرنا ~~الفكرة الثانية أيضا! إننا لا نزعم ذلك، لا نزعم أن التفكير ~~في الأولى يؤدي حتما إلى التفكير في الثانية بناء على ~~قانون في علم النفس يحتم ذلك، بل نقول إن هنالك «اتفاقا» على ~~استخدام الرموز يجعل الرمز الأول والرمز الثاني ms175 مترادفين. إنك ~~إذا قرأت كلمة «ليث» فعرفت أنها مساوية لكلمة أخرى هي ~~«الأسد»، لم يكن معنى ذلك أن قانونا نفسيا يحتم علينا أننا ~~إذا ما استحضرنا إلى أذهاننا فكرة «الليث» تبعتها فكرة ~~«الأسد»، كلا، ولا معناه أيضا أننا قد اكتسبنا علما جديدا ~~بالعالم الخارجي حين عرفنا أن «الأسد» هو نفسه «الليث»، بل كل ~~ما هنالك أننا قد ألممنا بالطريقة الاتفاقية التي تواضع ~~عليها المتكلمون باللغة العربية على استخدام الرموز. # وكثيرا ما يقال لنا اعتراضا على رأينا في القضية الرياضية ~~من أنها تحصيل حاصل، إن تحصيل الحاصل إن يكن واضحا في قضية ~~مثل «2 + 2 = 4»، فليس هو بهذا الوضوح في العمليات الرياضية ~~المعقدة؛ فمن ذا الذي ينظر - مثلا - إلى العددين «31913» ~~و«95890» فيدرك من فوره أنهما «127803»؟ أو من ذا الذي ~~ينظر إلى الرمز الجبري «س + ص» # 2 # فيعلم من فوره أنه مساو للرمز الجبري ~~«س # 2 ~~+ ص # 2 ~~+ 2 س ص»؟ لكن أمثال هذه ~~الاعتراضات في رأينا سطحية وساذجة؛ لأنك دائما إذا حللت ~~الشق الثاني من أي معادلة رياضية وجدته في النهاية يرتد ~~إلى نفس العناصر التي يتكون منها الشق الأول، وإلا فلم ~~تكن «المعادلة» لتستحق اسمها هذا. والخلاصة أنك إذا ما كنت ~~إزاء معادلة رياضية، فأنت عندئذ تكون إزاء رمز واحد مكرر ~~مرتين، وإن يكن هذا التكرار قد جاء على صورتين مختلفتين. # وكذلك الأمر في النظريات الهندسية؛ فكل نظرية منها ~~مستولدة من المسلمات الأولى، حتى لكأنها هي نفسها تلك ~~المسلمات قد أعيدت كتابتها على صورة أخرى. ولو كان في ~~النظرية الهندسية إضافة جديدة إلى ما قد تضمنته ~~المسلمات، لكان ذلك نفسه علامة على فساد استدلالها؛ إذ ~~النتيجة في الاستنباط لا يجوز لها أن تأتي بما لم يرد في ~~المقدمات؛ فمن تعريف المثلث في هندسة إقليدس بأنه سطح مستو ~~محوط بثلاثة خطوط مستقيمة، تترتب نتيجة خاصة بمقدار ~~زواياه، وهي أن تلك الزوايا تساوي 180 درجة، وقد نظن أن هذه ~~النتيجة علم جديد لم يكن في التعريف، وهو علم يزودنا ~~بخبر عن المثلث ms176 المرسوم في الطبيعة الخارجية. ولو كان الأمر ~~كذلك لصح قول القائلين بأن القضية الرياضية قبلية وإخبارية ~~في آن معا، لكن حقيقة الموقف غير ذلك؛ فهذه النتيجة صحيحة ~~على فرض التعريف الذي أسلفناه للمثلث، وهو أنه سطح مستو محوط ~~بثلاثة خطوط مستقيمة، ولكن ماذا لو غيرنا التعريف فجعلنا ~~المثلث هو سطح منحن محوط بثلاثة خطوط منحنية (كالمثلث ~~المرسوم على سطح كرة مثلا)؟ عندئذ تتغير النتيجة بالنسبة ~~لمجموع الدرجات في زواياه، وتكون هذه النتيجة صوابا كما كانت ~~النتيجة الأولى صوابا؛ لأن صواب كل منهما ليس متوقفا على ~~مطابقته لما يحدث في الطبيعة الخارجية، بل متوقف على صحة ~~استدلاله من المقدمة المفروضة. وإنه ليجمل بنا في هذا الصدد أن ~~نقول إن هندسة إقليدس بفرضها أن السطح مستو قد انتهت إلى ~~نتائج، منها أن زوايا المثلث تساوي قائمتين، وقد نجد أن هذه ~~النتيجة تنطبق على الطبيعة أيضا، ولكن انطباقها هذا في ~~الحقيقة ناتج عن أن الأسطح التي نمارسها في حياتنا العملية ~~دائما من الصغر (الصغر النسبي) بحيث لا يبدو فيها ~~الانحناء، ولكن لما وجد أن هذه النتائج نفسها لا تنطبق على ~~المساحات الكونية الكبرى، كأن تأخذ مثلثا - مثلا - رأسه ~~الشمس، وضلعاه شعاعان من الضوء، وقاعدته سطح الأرض، فترى عندئذ ~~أن نتائج إقليدس غير منطبقة على الواقع الطبيعي، وإن تكن رغم ~~ذلك محتفظة بصدقها الرياضي؛ لأنها لا تزال نتائج مستنبطة ~~استنباطا سليما من مقدماتها المفروضة. # إن التفكير الرياضي هو أشبه شيء بطاحونة معدة لطحن كل ~~أنواع الغلال؛ فالآلة تطحن سواء كان الموضوع فيها قمحا أو ~~شعيرا، وهي تطحن طحنا مقبولا ما دامت تستخرج من الغلال ~~الموضوعة فيها كل ما تحتوي عليه من الدقيق، وليس على الطحان ~~أن يكون الطحين ناصع البياض أو ذا سمرة خفيفة؛ لأنه - ~~باعتباره طحانا - لا يسأل عن شيء إلا أن يكون هذا الدقيق ~~من تلك الغلال. وهكذا يكون الرياضي في الرياضة البحت، لا ~~يطلب منه إلا أن تكون نتائجه صحيحة الاستنباط من تلك ~~المسلمات المفروضة، ولا شأن له بعد ذلك أن ms177 تجيء تلك النتائج ~~مطابقة للعالم الطبيعي أو غير مطابقة. وبعبارة أخرى، شأن ~~الرياضي هو أن يحسن التكرار - تكرار المقدمات في النتائج ~~- وليس شأنه أن يحسن الإخبار. # ومبادئ المنطق - كقضايا الرياضة - هي كذلك صورية خالصة؛ ~~لأنها قوالب فارغة من المضمون الحسي؛ فصدقها إن يكن ضروريا، ~~والعلم بها إن يكن قبليا، فما ذلك إلا لأنها لا تقول شيئا ~~إيجابيا عن الطبيعة بحيث تتعرض من أجله للخطأ؛ فهي في ~~صميمها ليست إلا قواعد وضعناها لنستخدم الرموز اللغوية على ~~أساسها، وليس فيها شيء من الحق فوق ذلك. # إننا في الحقيقة نسوق عباراتنا في عمليات التفاهم على نحو ~~يجعل تلك العبارات ذات معنى عند السامع، هو نفسه المعنى الذي ~~أراد أن ينقله المتكلم؛ ولهذا وجب أن نسلك ألفاظنا في عقود ~~متفق على أشكالها ليصلح كل عقد منها في موقف معين. ~~والعجيب أننا إذا ما استللنا تلك الخيوط من عقود الألفاظ ~~المرتبطة بها، ووضعناها عارية أمامنا، رأيناها في حد ذاتها ~~خاوية إلى الدرجة التي تجعل البحث فيها ضربا من العبث، لكن ~~هذه الخيوط العارية الخاوية الخالية من كل مضمون هي نفسها ~~«المبادئ المنطقية» التي اتفقنا - حين اتفقنا على لغة التفاهم ~~- أن تكون هي القوالب التي نصب فيها ما نريد أن يقوله بعضنا ~~لبعض. # وخلاء القالب من كل مضمون وفحوي هو الذي يجعله معدا ~~لأن يمتلئ بأية مادة مما يصلح أن تنصب فيه، لكنك إذا ما ~~ملأته بهذه المادة أو تلك خرج عن كونه مبدأ منطقيا مجردا، ~~وأصبح فكرة من الأفكار الجارية على غرار ذلك المبدأ، أما ~~المبدأ نفسه فلا يكون موضع نقاش لأنه موضع اتفاق، وأما ~~الفكرة التي تجري على غراره فهي التي يصح أن تكون موضعا ~~لاختلاف الرأي والجدل. وإذا أردت أن تهتدي إلى المبدأ ~~المنطقي الكامن في إحدى أفكارنا - أو قل في إحدى عبارات ~~الكلام - فما عليك إلا أن تفرغ القالب من مضمونه ليصبح ~~هيكلا فارغا؛ فعندئذ تكون قد وصلت إلى المبدأ المنطقي ~~المنشود، أو إلى الصورة المنطقية الخالية. ابدأ مثلا بهذه ~~العبارة: «قيس ms178 أحب ليلى.» وامض في تجريدها من مضمونها ~~المعنوي خطوة خطوة حتى يتم لك تفريغها؛ فالخطوة الأولى هي ~~أن تقول: «س أحب ليلى.» والخطوة الثانية هي أن تقول: «س ~~أحب ص.» والخطوة الثالثة هي أن تقول: «س ع ص» (ع هنا معناها ~~علاقة). فها هنا تجد القالب الفارغ الذي قد تملؤه بمادة غير ~~مادته الأصلية، فتتكون لك بذلك فكرة هي والفكرة الأصلية من ~~طراز منطقي واحد، كأن تملأ القالب - مثلا - بقولك «بروتس ~~قتل قيصر»، أو «الكتاب فوق المنضدة»، وهكذا. # مثل هذا التفريغ - تفريغ أفكارنا من مادتها لتبقى لنا ~~هياكلها الفارغة - هو الذي ينتهي بنا إلى ما نسميه مبادئ ~~المنطق، كالمبادئ التي أطلق عليها أرسطو «قوانين الفكر»، ~~وهي: ~~(1) # قانون الذاتية: ق هي ق. ~~(2) # قانون عدم التناقض: ق لا تكون صادقة وكاذبة في ~~آن واحد. ~~(3) # قانون الثالث المرفوع: ق إما أن تكون صادقة أو ~~كاذبة. # وكالمبادئ التي نتخذها قواعد للاستدلال، مثل: ~~(1) # إذا كانت ق تستلزم ك، وكانت ق صادقة، لزم أن ~~تكون ك صادقة كذلك. ~~(2) # إذا كانت إما ق أو ك صادقة، ثم كانت ق كاذبة، ~~كانت ك صادقة. # فما الذي يجعل هذه المبادئ المنطقية كلها صادقة صدقا ~~ضروريا نعرفه فيها معرفة قبلية؟ هنا يجيب العقليون إنها ~~كذلك لأنها وليدة العقل وطبيعته من جهة، ولأن العالم الواقع قد ~~جاء على غرار العقل وطبيعته من جهة أخرى؛ ومن ثم كانت ~~صادقة على قضايا الفكر وعلى وقائع العالم على حد سواء. وأما ~~نحن أنصار التجريبية العلمية فنقول إن صدق هذه المبادئ ~~كلها قائم على نفس الأساس الذي قام عليه صدق الرياضة، وهو ~~الاتفاق على استخدام الرموز بطريقة معينة؛ فقد اتفقنا - ~~مثلا - على أن يكون معنى «إذا» حين تربط قضيتين أن يكون صدق ~~القضية الثانية تابعا لصدق القضية الأولى، وعلى أن يكون معنى ~~«أو» حين تربط قضيتين أن يكون صدق الواحدة تابعا لكذب الأخرى، ~~واتفقنا على أن يكون معنى كلمة «ليس» (أو أي كلمة نافية ~~أخرى) هو أننا إذا أسمينا شيئا «نهرا» أخرجناه من سائر ~~أشياء ms179 الكون التي ليست أنهارا؛ أي إننا عندئذ نقسم العالم ~~قسمين؛ قسم يدخل فيه الشيء المسمى، وقسم آخر يخرج منه، بحيث ~~لا يجوز للشيء المسمى أن يعد عضوا في القسمين معا؛ ~~فإذا زعمنا له مثل هذه العضوية المشتركة، كنا بذلك قد خرجنا ~~على قواعد استخدام الرمز «ليس» كما تواضعنا فيما بيننا أن ~~نستخدمه؛ فالشيء لا يكون ق وليس ق في آن واحد، وكذلك اتفقنا ~~على معنى «أو»، بحيث يكون الشيء إما «ق» أو «لا - ق» في الوقت ~~الواحد. # مبادئ المنطق كقضايا الرياضة - وإن تكن أعم منها - يقينية ~~وضرورية؛ لا لأن فيها سرا ولها سحرا يفتن الفلاسفة ~~العقليين فتنة تغريهم بأن يتخذوا يقينها وضرورتها شرطا ~~لازما لكل معرفة أخرى، بل إن يقينها وضرورتها ناشئان عن ~~كونهما صورة فارغة من الفحوى؛ فهي تحصيل حاصل يصدق على ~~كل شيء في الوجود ولا يعني شيئا بذاته، وما ليس يعني شيئا ~~بذاته لا يقول شيئا؛ قولك عن الدنيا «إنها إما أن تمطر غدا ~~أو لا تمطر» قول يقيني ضروري الصدق لسبب واحد هو أنه لا ~~يقول شيئا عن الغد. # الفصل السابع # | علمنا بالعالم # 1 # في الرياضة وما يدور مدارها من أنواع التفكير الاستنباطي، ~~لا يحتاج صدق القضية أكثر من أن يكون تكوينها خاليا من ~~التناقض، فلا تناقض بين أجزائها ولا تناقض بينها وبين المقدمات ~~التي استنبطت منها؛ وإذن فلا حاجة بك إلى مجاوزة النسق ~~الرمزي نفسه إلى حيث العالم الخارجي لتعلم إن كانت القضية ~~الرياضية صادقة أو غير صادقة؛ أي إنه لا حاجة بك إلى مجاوزة ~~البناء اللفظي أو الرمزي إلى ما عداه؛ ومن ثم قيل عن الرياضة ~~إن صدقها ضروري، وإن المعرفة بذلك الصدق قبلية. # وأما إن كانت القضية التي بين أيدينا تنبئ عن واقعة من ~~وقائع العالم الخارجي، كان حتما لمن أراد أن يراجع صدقها أن ~~يجاوز حدودها اللفظية إلى حيث الواقعة التي تشير إليها تلك ~~القضية؛ أي إنه لا بد في هذه الحالة من مخرج نخرج منه إلى ~~حيث المصدر الذي منه استقينا ms180 هذا العلم الذي جئنا الآن نسلكه ~~في العبارة التي نقولها والتي هي موضع التحقيق؛ فلئن كان اتساق ~~أجزاء التركيب الرمزي بعضها مع بعض وخلوها من التناقض وحده ~~كافيا للحكم بالصدق على قضايا الرياضة، ففي قضايا العلوم ~~الطبيعية لا يكفي ذلك ، ولا بد من الاحتكام إلى شيء آخر خارج ~~حدود التركيب الرمزي أو التركيب اللغوي، لنقابل بينه وبين ~~الصورة التي يصورها هذا التركيب؛ فإن تطابقا، أو كانت ~~بينهما صلة كائنة ما كانت بحيث تجعل التركيب الرمزي رمزا ~~يصلح أن ينوب عن الشيء أو الواقعة التي كان الرمز رمزا لها، ~~صح لنا عندئذ أن نقول عن التركيب الرمزي أو اللغوي إنه ~~عبارة صادقة. # وهذه العودة بالعبارة إلى ما يقابلها من وقائع العالم تقتضي ~~أن تكون العبارة مما يتحدث عن جزئية واحدة من حيث علاقتها ~~بجزئية أخرى أو أكثر؛ ذلك لأن العالم الخارجي قوامه جزئيات، ~~وما دمت تريد أن تبحث للعبارة عن أصل يطابقها في ذلك العالم، ~~فلا بد أن يكون بين الجانبين هذا التقابل الذي يجعل كل اسم ~~وارد في العبارة مقابلا لجزئية واحدة من جزئيات العالم، ~~وأن يكون في العبارة من الألفاظ الدالة على علاقات ما ~~يقابل العلاقات القائمة في الخارج بين الجزئيات والتي تربطها ~~معا في واقعة واحدة. # ويندر جدا أن يجيء كلام الناس في هذه الصورة الجزئية ~~التي تجعل العبارة الواحدة منه مقابلة لواقعة واحدة ~~معينة من وقائع العالم الخارجي، بل إن الناس يتحدثون ~~بعبارات عامة تتناول أنواعا بأسرها من الأشياء والكائنات ~~جملة واحدة، فما أيسر أن يقال - مثلا - «الرياح تهب على ~~مصر من الشمال أحيانا»، و«القطن ينضج في الخريف دائما»، ~~و«البرتقال أصفر»، لكن هذه العبارات وأمثالها إنما تتحدث عن ~~مجموعات بأسرها من الأشياء؛ فالعبارة الأولى لا تقول إن ~~الرياح التي تهب هذه اللحظة آتية من الشمال، بل تعمم ~~القول لتجعله شاملا لحالات كثيرة. والعبارة الثانية لا تقول ~~هذه شجرة قطن، وهي ناضجة الثمر، ونضجها تم اليوم الذي هو من ~~أيام الخريف، بل تعمم القول ليشمل أشجار القطن كلها ms181 في كل ~~فصل من فصول الخريف. والعبارة الثالثة لا تقول هذه البرتقالة ~~التي أمسكها الآن بيدي صفراء، بل تعمم القول ليشمل ~~البرتقال كله. هكذا يتحدث الناس، وهكذا تجيء عبارات العلوم ~~الطبيعية عامة لا تقتصر الواحدة منها على جزئية واحدة؛ ~~فسبيلك إلى تحقيقها - إذن - لا بد أن تبدأ بخطوة تحليلية ~~ترد العبارة العامة إلى قائمة من جمل أولية ذرية ~~تتناول كل منها واقعة ذرية واحدة؛ حتى تستطيع أن تقابل ~~بين الجملة من ناحية وبين الواقعة التي ترمز إليها الجملة من ~~ناحية أخرى؛ ومعني ذلك أن محك الصدق في العبارة التي ~~موضوعها عام هو إمكان ردها إلى عبارة موضوعها جزئي، ثم ~~المقابلة بعدئذ بين هذه الأخيرة وما يقابلها من أجزاء ~~الطبيعة. # والجملة الأولية الذرية التي ينتهي إليها تحليلك بحيث تتمكن ~~بعدئذ من مراجعة القول على وقائع الطبيعة، شرطها - بطبيعة ~~الحال - أن تكون مكتفية بذاتها ولا تكون نتيجة مستدلة من ~~جملة أخرى؛ لأنها لو كانت نتيجة مستنبطة من سواها، كان ~~صدقها متوقفا على صدق ذلك الأصل الذي استنبطت منه؛ فكل ~~ما تعتمد عليه الجملة الأولية الذرية في صدقها هو أن تكون لدى ~~قائلها خبرة حسية مباشرة تنطبع بها حواسه ساعة نطقه ~~بالجملة؛ فها أنا ذا أنظر إلى الورقة التي أمامي وأقول: «هذه بقعة ~~بيضاء.» فيكون قولي هذا جملة أولية ذرية عمادها في الصدق هو ~~هذا الانطباع اللوني المباشر الذي أخبره الآن ببصري. وهكذا ~~نريد لكل جملة عامة يقولها قائل ويزعم لها الصدق، أن تكون ~~مما يمكن تحويله إلى مواقف خبرية مباشرة على هذا النحو، ~~بأن نرتد بها إلى قضايا أولية ذرية كل قضية منها مكتفية ~~بذاتها في تحقيق صدقها؛ لأنها لا تتطلب من أجل التحقيق أكثر ~~من مثل هذه الخبرة الحسية المباشرة. وهنا يجمل بنا أن ~~نذكرك بطبيعة القضية في الرياضة من حيث إن صدقها دائما ~~متوقف على صدق المقدمة التي منها استنبطت، وهذه المقدمة ~~بدورها متوقفة في صدقها على صدق مقدمتها، وهكذا دواليك حتى ~~تنتهي إلى قمة السلم، وهي المسلمات التي يطلب ms182 التسليم ~~بها من غير رجوع إلى خبرات الحواس؛ لتعلم أن صدق القضية ~~الرياضية ناتج دائما من صدق قضية أخرى، أما صدق القضية ~~الإخبارية فهو متوقف في النهاية على الإشارة إلى موقف فيه ~~حالة إدراك حسي مباشر. # وشرط آخر ينبغي أن يتوافر للقضية الذرية التي ينتهي إليها ~~تحليلك - فوق اكتفائها بذاتها في الصدق - وهو ألا تكون مما ~~يمكن أن تجد له نقيضا ينقضه وينفيه؛ وذلك لأنها ما دامت تشير ~~إلى خبرة حسية جزئية مباشرة، كانطباع عيني بهذا اللون ~~الأبيض الذي أمامي الآن، فمحال أن يكون لهذه الخبرة نقيض ~~ممكن؛ فحتى لو نظر ناظر آخر إلى البقعة اللونية نفسها وقال ~~إنها خضراء، لما كان قوله نافيا لخبرتي الحسية؛ لأننا ~~عندئذ نكون بمثابة شخصين، يقول أحدهما إنه يشعر بألم في ضرسه ~~ويقول الآخر إنه لا يشعر بمثل ذلك الألم، هذا إلى أن سائر ~~خبراتي الحسية في تلك اللحظة التي أرى فيها البقعة البيضاء لا ~~يمكن أن تنقض خبرتي باللون عندئذ؛ فقد أكون في اللحظة نفسها ~~لامسا للقلم بأصابعي وشاعرا بصلابته، وشاما لرائحة الطعام ~~المنبعثة من غرفة مجاورة، وسامعا لصوت العربات في الطريق، ~~لكن لا لمس القلم ولا شم رائحة الطعام ولا سمع أصوات ~~المارة بذي شأن في إدراكي بالعين للبقعة اللونية البيضاء. ~~وهكذا تكون الخبرة الحسية المباشرة مستحيلة التكذيب على أساس ~~خبراتي الأخرى، أو على أساس خبرات الآخرين. # محك الصدق في كل كلام يدعي صاحبه أنه يقول به شيئا ~~عن العالم هو أن يرتد هذا الكلام إلى أولياته التي منها ~~تكون، وهذه الأوليات قضايا أولية تشير إلى مواقف جزئية من ~~إدراكنا الحسي، والقضية الأولية يمكن تعريفها بأنها القضية ~~التي تنشأ منسوبة إلى حالة جزئية من حالات الإدراك الحسي، ~~فتكون هذه الحالة الإدراكية الحسية نفسها هي شاهد صدقها، ~~بحيث لا يطلب على صدقها دليل آخر من قضية أخرى، وكذلك تكون ~~القضية الأولية على صورة تجعلها مستحيلة على النقض بقضية ~~أخرى من نفس صورتها؛ أي إن أي قضيتين أوليتين لا يمكن أن ~~يتنافرا إذا كانتا ms183 مستمدتين من إدراكين حسيين مختلفين؛ # 1 # ومعنى ذلك بعبارة أخرى هو أننا لو رتبنا كل ~~معلوماتنا عن العالم الطبيعي ترتيبا يجعل كل خطوة في البناء ~~مستمدة من خطوة سابقة، وجدنا أن الأساس الأول الذي ~~أقيم عليه البناء كله هو حالات من الإدراك الحسي، كل حالة ~~منها تعبر عنها قضية أولية. # هذه الجمل الأساسية الأولية التي هي محكات الصواب في ~~معارفنا التجريبية، قد شغلت جماعة الوضعيين المنطقيين منذ ~~أول تكوينها في فيينا، لكنهم لم يكونوا فيها على رأي واحد؛ ~~فمنهم من ذهب إلى الرأي الذي أسلفناه، والذي نأخذ به ونؤيده، ~~وهو أن يكون محك الصواب للعبارة اللغوية شيئا غير اللغة ~~نفسها وخارج نطاقها، وهو الخبرة الحسية، ولكن منهم كذلك من رأى ~~رأيا آخر، مثل «نوراث» و«همبل» و«كارناب»، وهو رأي لا ~~نؤيدهم فيه ولا نأخذ به، ومؤداه أن ليس هناك مجموعة من ~~القضايا الأولية مما يمكن أن نقول عنه إنه الأساس الأول لبناء ~~علمنا التجريبي كله، بحيث تكون تلك القضايا الأولية بمثابة ~~المقدمات الأولى، وبقية أجزاء البناء بمثابة النتائج التي ~~ترتبت على تلك المقدمات. وهم يذهبون إلى أن الحق كله، ~~كائنا ما كان موضوعه، رياضيا كان أو تجريبيا، متوقف ~~على تكوين الجمل اللغوية واستدلال بعضها من بعضها الآخر، ~~وليس هو متوقفا - حتى في العلوم التجريبية - على علاقة ~~الجمل بوقائع الخارج؛ ذلك أن القضية المعينة - كائنة ما ~~كانت - إنما تكون صوابا أو لا تكون بالنسبة إلى المجموعة ~~الرمزية التي توضع فيها وتكون جزءا منها؛ فإن وضعت في ~~مجموعة بحيث يكون بينها وبين سائر الأجزاء اتساق وائتلاف ~~وعدم تناقض كانت صوابا هناك، لكنها هي نفسها يمكن أن ~~تنتزع من تلك المجموعة وتوضع في مجموعة أخرى لا تتسق ~~معها فتكون خطأ هنا. وعند هؤلاء الذاهبين هذا المذهب من جماعة ~~المنطقيين الوضعيين أنه يستحيل المقابلة بين اللغة من ناحية ~~وبين ما ليس بلغة من ناحية أخرى، ولا يمكن المقارنة التي ~~يكون أحد طرفيها «جملة لغوية» إلا بجملة لغوية أخرى، لا ~~بحالة من الإدراك الحسي؛ أي إن ms184 عالم اللغة - بناء على هذا ~~الرأي - عالم مغلق على نفسه، ومحال على من يريد التسلل ~~منه إلى العالم الخارجي أن يجد له منفذا. # إن وجهة نظرهم هذه هي نفسها التي شرحناها في الفصل السابق ~~قائلين إنها النظرة التي تبين طبيعة العلوم الرياضية، لكن ~~هذه الطائفة من فلاسفة الوضعية المنطقية تريد أن تعمم ~~النظرة نفسها لتشمل كل أنواع الكلام، تحليليا كان أو ~~تركيبيا تكراريا أو إخباريا، من العلوم الرياضية أو من ~~العلوم الطبيعية، مع أن أقوال الرياضة - كما شرحنا بالتفصيل في ~~الفصل السابق - تحصيلات حاصل، وأقوال العلوم الطبيعية ذوات ~~مضمون خبري، ولا بد أن يكون هنالك اختلاف بين الحالتين في ~~وسائل التحصيل ووسائل التحقيق معا. وهم بمحوهم للفرق ~~الجوهري بين الحقائق الرياضية والحقائق الطبيعية إنما ~~يرتدون - على غير وعي منهم - إلى مذهب العقليين ديكارت ~~وسبينوزا وليبنتز، والمثاليين أمثال هيجل؛ فهؤلاء جميعا يجعلون ~~معيار الحق اتساقا والتئاما بين أجزاء النسق الفكري، ~~بحيث يخلو هذا النسق من التناقض، فلا يقال عن «ق» إنها ~~«ليست ق» في النسق الواحد. وكل الفرق بين هيجل - مثلا - ~~وبين نوراث هو هذا: أن القضية الواحدة عند هيجل تكون إما ~~صادقة صدقا مطلقا أو باطلة بطلانا مطلقا؛ لأن هنالك ~~نسقا واحدا تكون هذه القضية جزءا منه. وأما نوراث فلا يرى ~~ما يمنع أن نبني أي عدد شئنا من النسقات كل منها ~~يتسق بعضه مع بعض، بحيث يمكن للقضية الواحدة أن تتسق في نسق ~~ما فتكون صوابا فيه، وألا تتسق في نسق آخر فتكون باطلة ~~فيه. ~~«نوراث» و«همبل» هما على رأس القائلين بهذا الرأي من بين ~~جماعة الوضعيين المنطقيين، وقد شرحاه في مقالات نشر بعضها في ~~مجلة «التحليل # Analysis ~~»، ~~ونستطيع أن نلخص رأيهما فيما يأتي: (1) كل قضايا العلم، بما ~~في ذلك القضايا الأساسية التي نتخذها محكا لصدق ما عداها، ~~إنما تساق نتيجة لقرارات إرادية يقررها زاعمو تلك ~~القضايا، ولهم أن يغيروها، وكل ما يراعونه في كل حالة هو ~~أن تكون مجموعة القضايا العلمية المزعومة على اتساق بعضها مع ~~بعض. (2) فإذا ms185 قلنا عن قضية علمية معينة إنها باطلة، كان ~~أساس حكمنا هذا هو أننا وجدناها متنافرة مع بقية القضايا ~~العلمية، لا تتسق معها في بناء فكري واحد. (3) فبدل أن يكون ~~لدينا نسق واحد من القضايا بحيث نقول عنه إنه النسق الذي ~~لا نسق سواه، يمكن أن نبني نسقات عدة كل واحد منها ~~تتسق أجزاؤه، لكنها في جملتها يختلف الواحد منها عن سواه، ~~أما أي هذه النسقات هو الذي ينطبق على العالم فذلك أمر ~~يقرره السلوك العملي ولا يقرره المنطق؛ لأن النسقات ~~كلها عند المنطق سواء. # ولمن شاء أن يرجع إلى مقال هام نشره «همبل» # 2 # في عدد يناير لسنة 1935م من مجلة التحليل، يعرض فيه ~~هذا المذهب الذي أخذ به بعض القادة من جماعة الوضعية المنطقية. ~~وهو يتتبع في مقاله ذاك كيف تطور الأمر من الأخذ بالقضايا ~~الذرية التي انتهى إليها وتجنشتين بتحليله على أن تكون هي ~~السند النهائي الذي نستند إليه في رد الجملة التجريبية إلى ~~مقوماتها الأولية، حتى إذا ما بلغنا هذه المرحلة من ~~التحليل خرجنا من حدود اللغة إلى عالم الأشياء لموازنة كل ~~قضية ذرية مع واقعتها التي تقابلها في ذلك العالم. تطور ~~الأمر من الأخذ بهذا الرأي إلى القول بأن مجموعة القضايا في ~~البناء العلمي الواحد إنما تستند في صدقها إلى جمل أساسية، ~~يسمونها «جمل البروتوكول»، تكون بمثابة المقدمات الصادقة ~~لبقية القضايا العلمية، وصدقها ذاك كان أول الأمر متوقفا ~~على أنها نتيجة ملاحظة مباشرة، ثم وجد فيما بعد أنها في ~~الحقيقة أوليات تفرض فرضا وتختار اختيارا من رجال ~~العلم، بحيث يجوز لهم أن يغيروها فتتغير النتائج حتى ~~يحافظوا على الشرط الواحد المطلوب للحق المنطقي، وهو اتساق ~~الأجزاء وخلوها من التناقض. # ويروي لنا «همبل» في هذا المقال عن «كارناب» رأيه القائل ~~بأنه ليس هنالك في بناء العلم أوليات مطلقة تكون هي ~~المقدمات الصادقة التي ليس غيرها مقدمات، والتي تأتي القضايا ~~العلمية كلها بعد ذلك نتائج لها؛ فللعرف العلمي أن يتفق ~~على أي أساس شاء المشتغلون بالعلم؛ لأن العبرة ms186 في النهاية هي ~~بأن تجيء مجموعة قوانينهم وأقوالهم بناء متسقا. وليس معنى ~~هذا - هكذا يقول «همبل» - أن «كارناب» و«نوراث» ينكران أن ~~يكون إلى جانب عالم اللغة عالم آخر من واقع عيني، بل ~~الأمر على خلاف ذلك؛ لأن العبارات اللغوية نفسها عندهما هي ~~واقع من الواقع التجريبي؛ فكل ما أراداه هو أن يجعلا الناس ~~على وعي تام بأن العبارة اللغوية المعينة إذا قيل عنها ~~إنها «تعبر عن» واقعة خارجية معينة، فلا يجوز أن نخلط ~~بين الطرفين بحيث تنمحي الفوارق بينهما، حتى لنظن أن الأولى ~~هي نفسها الثانية، مع أن الأولى «لغة» والثانية «واقعة». ~~وعالم اللغة وإن يكن هو نفسه جزءا من عالم الواقع، إلا ~~أنه قائم بذاته، وله خصائصه التي تميزه من سائر أجزاء ~~العالم الواقع؛ وكيف أعرف أن جملة ما هي الصواب؟ أعرف ذلك بأن ~~أراها من حيث موضعها مع سائر الجمل التي أقولها في مجال القول ~~الذي وردت فيه تلك الجملة؛ فإن اتسقت معها كانت ~~صوابا. # تلك نظرة أخذ بها فريق من الوضعيين المنطقيين لا نؤيدهم ~~فيها، ونأخذ برأي الفريق الآخر الذي لا يري مناصا في نهاية ~~الأمر من اللجوء إلى الخبرات الحسية نصدق بها العبارات ~~اللغوية أو نكذبها، ما دامت تلك العبارات قد سيقت سياق ~~الإخبار عن العالم الخارجي وما يجري فيه؛ فالجملة الإخبارية ~~إذا لم تشر إلى شيء واقع خارج حدودها، لم تعد تؤدي ~~المهمة التي إنما خلقت اللغة لكي تؤديها. # 2 # قلنا إن تحقيق القضية الإخبارية يقتضي حتما أن يكون موضوعها ~~جزئيا لكي يتسنى لنا مراجعتها على الواقعة الخارجية التي ~~تقابلها؛ وذلك لأن الوقائع لا تكون إلا جزئية المقومات، فلن ~~تجد في العالم الخارجي «إنسانا» بصفة عامة بل ستجد أفرادا، ~~ولن تجد «لونا» بصفة عامة بل ستجد هذه البقعة الحمراء وتلك ~~البقعة الصفراء؛ فإذا كانت القضية التي نحن بصدد تحقيقها كلية، ~~وجب تحليلها أولا إلى ما ينضوي تحتها من قضايا فردية، وها هنا ~~تأتي مشكلة عسيرة؛ إذ ما كل قضية كلية يمكن تحليلها إلى ~~قضاياها الفردية ms187 تحليلا كاملا. # فالتحليل ممكن إذا ما قصدنا بالتعميم في القضية تعميما ~~محدد الأعضاء، بحيث يمكن أن نفرد لكل عضو على حدة قضية ~~تتحدث عنه وحده؛ فإذا قلنا - مثلا - عن طلبة كلية الآداب ~~بجامعة القاهرة اليوم إنهم جميعا تزيد أعمارهم عن السادسة ~~عشرة، كان هذا قولا عاما يمكن تحليله عند التحقيق إلى قضايا ~~جزئية فردية موضوع كل منها فرد واحد، بحيث يكمل تحليل ~~القضية العامة إلى كل القضايا الفردية التي تنضوي تحتها، لكن ~~ما هكذا تكون الحال إذا قلنا تعميما كهذا: «كل غاز يقل ~~حجمه إذا زاد الضغط الواقع عليه»، أو «كل شعاع ضوئي ساقط على ~~سطح مستو مصقول ينعكس بزاوية تساوي زاوية السقوط». فها هنا ~~محال أن أحصي الحالات الفردية التي منها يتكون قولنا «كل ~~غاز» أو قولنا «كل شعاع ضوئي»، وليست الاستحالة قاصرة على أن ~~الحالات القائمة فعلا مستحيل حصرها، بل تجاوز ذلك إلى ~~استحالة أخرى، وهي أن التعميم يشمل حالات الماضي وحالات ~~المستقبل مما يستحيل الرجوع إليه تحقيقا للقضية العامة؛ فإذا ~~عرفنا أن قوانين الطبيعة كلها هي من هذا القبيل، أدركنا أن مثل ~~هذا التعميم المطلق تجب العناية بالنظر في أمر تحقيقه على ~~الواقع كيف يكون. # إن هذه الاستحالات كلها التي تحول دون تحليل العبارة ~~العامة بالمعنى اللامحدود تحليلا كاملا يترجمها إلى جميع ~~القضايا الفردية الداخلة فيها، هي التي حدت ببعض رجال ~~التحليل الحديث - مثل «وتجنشتين» و«رامزي» و«شليك» - ألا ~~يجيزوا من ضروب القول إلا القضايا الذرية، والقضايا المركبة ~~من عدد من القضايا الذرية، # 3 # كقولنا مثلا: «إذا كان هذا الشعاع الضوئي ينعكس ~~على سطح مصقول فإنه ينعكس بزاوية تساوي زاوية سقوطه.» (هذه ~~القضية مركبة من قضيتين ذريتين ربطت بينهما كلمة «إذا».) ~~وذلك لأن أمثال هذه القضايا التي تحدثنا عن شيء واحد فرد ~~- كهذا الشعاع المعين من الضوء - هي وحدها التي يمكن ~~مقابلتها مع عالم الواقع مقابلة تتيح لنا تحقيقها تحقيقا ~~حاسما، على خلاف القضايا الكلية غير المحدودة الأعضاء؛ فإن ~~مثل هذه المقابلة فيها محال أن تكون كاملة وقاطعة. ms188 # ولا شك أن هذه الوجهة من النظر تستتبع نتائج خطيرة في ~~التفكير العلمي؛ لأنك إذا لم تجز القول حين يكون تعميما ~~مطلقا غير محدد الأفراد، أنكرت بالتالي إمكان التحدث عن كل ~~فكرة تتناول عددا لا نهائيا من الأفراد ، فلا تجيز مثلا أن ~~أقول عن الخط المستقيم إنه عدد لا نهائي من النقط. وأنكرت كذلك ~~إمكان التحقيق المقنع في كل قوانين العلوم الطبيعية؛ لأن كل ~~قانون منها هو قول يشمل حالات لا نهائية في تطبيقه. أم تقول ~~إن القانون العلمي لا ينبغي له أن يجاوز حدود القضايا ~~المركبة من قضايا ذرية، تصف ما قد لوحظ في المعامل وصفا ~~محددا جزئيا يمكن العودة إليه عند تحقيقها؟ إنك إذا قلت هذا ~~أنكرت أهم جوانب القانون العلمي، وهو إمكان التنبؤ بما عساه ~~أن يحدث في حالات مستقبلة إذا ما توافرت ظروف معينة؛ أي ~~إنك في مثل هذه الحالة ستقتصر على وصف ما قد وقع، مع أن قوة ~~القانون العلمي هي في انطباقه على حالات جديدة غير التي وقعت ~~فعلا ولوحظت في إبان البحث العلمي. # لهذا لجأ شليك إلى مهرب آمن ينجيه من هذا الاعتراض؛ ~~وذلك أن يعد القانون العلمي - لا قضية كلية تقرر عن ~~العالم شيئا محددا معينا - بل يعده قاعدة من قواعد ~~السلوك، كأنما هو خطة إرشادية تهدي الناس بعدئذ ماذا ~~يصنعون في الظروف والمواقف الفلانية. إنني إذا زعمت أن في ~~الظروف الجوية المعينة يكون عمود الزئبق في البارومتر مشيرا ~~إلى الدرجة الفلانية، فأنا لا أقول بهذا الزعم شيئا عن وقائع ~~العالم كما هي قائمة؛ لأن تلك الظروف الموصوفة قد لا تقع ~~أبدا؛ وإذن فصدق القانون العلمي لا يعتمد مباشرة على ~~مطابقته لشيء من الواقع، بل إن القانون العلمي في صيغته ~~العامة لا يوصف بصدق؛ إذ هو أقرب إلى الجملة التي تحدثنا ~~عن مجهول، مثل: «س حرارته خمسون درجة مئوية.» لا يقال عنها ~~إنها صادقة إلا إذا وضعت مكان «س» قيمتها؛ أي مدلولها. فهكذا ~~القانون العلمي، هيكل لا يملؤه مضمون معين محدد؛ ولهذا ms189 ~~يظل الحكم عليه بالصدق معلقا حتى ترد حالة جزئية فتملأ ~~ذلك الهيكل، وتبين عندئذ إذا كان القول بعد امتلائه ~~بالمضمون المحدد مطابقا للحالة الواقعة أو غير مطابق ~~لها. # القانون العلمي قول عام غير محدد المضمون؛ ولذلك فهو ما ~~نسميه في المنطق الحديث «دالة قضية»؛ أي إنه صيغة رمزية ~~فيها ثغرة، وإلى أن تمتلئ هذه الثغرة باسم جزئي معين ~~المسمى لا نستطيع الحكم عليها بالصواب أو بالخطأ. وهكذا قل ~~في كل عبارة عامة مطلقة؛ فهي دالة قضية لا قضية، هي ~~عبارة فيها رمز لمجهول وليست هي بالعبارة الكاملة، ولا بد ~~من تحويلها إلى قضية كاملة قبل الحكم عليها، وهذا التحويل لا ~~يكون إلا إذا أحللنا مكان الرمز المجهول القيمة اسما ~~جزئيا معروف المسمى في دنيا الأشياء المحسوسة؛ فهل قولي ~~عن الذهب إن وزنه النوعي مقداره كذا قول صادق أو غير صادق؟ ~~الجواب: هذا قول ناقص لا يحكم عليه إلا إذا كمل؛ فهو بصورته ~~هذه تحليله: س قطعة من الذهب، ووزنها النوعي هو كذا. ولا يمكن ~~الحكم على مثل هذه العبارة بأنها صادقة إلا إذا وجدت ما يملأ ~~مكان «س»؛ أي إلا إذا وجدت قطعة من الذهب وأجريت عليها ~~التجربة لأستيقن من صدق العبارة أو عدم صدقها. هل القول بأن ~~الشعر الجاهلي مصور لحياة البادية قول صواب؟ الجواب: ~~الحكم هنا محال إلا إذا رجعت إلى قصائد بعينها من الشعر ~~الجاهلي؛ فهذا القول السالف صورته المنطقية هي هذه: س قصيدة ~~من الشعر الجاهلي، وهي مصورة لحياة البادية؛ فإلى أن أجد ~~القصيدة المعينة التي تجعل الرمز المجهول الدلالة معلومها، ~~لا يمكن الحكم لأنه ليس هنالك ما يحكم عليه. # ونكرر هذا الرأي بصورة أخرى لأهميته في وجهة النظر التي ~~نريد لها الشيوع؛ فالقول العام، الذي هو مطلق التعميم، هو ~~في الحقيقة صيغة لفظية بغير معنى، ولا يكتسب معناه إلا بعد أن ~~يتحول من تعميمه إلى التخصيص الذي يحدد فردا بعينه من ~~الأفراد التي جاء القول العام ليصفها بهذه الصفة أو تلك، إذ ~~العبارة العامة - كما ms190 أسلفنا - هي عبارة ناقصة، فيها فجوة لا ~~بد أن تملأ باسم فرد معين يمكن الرجوع إليه في دنيا ~~الأفراد لنقابل بينه كما نلاحظه بحواسنا وبين العبارة التي ~~جاءت تتحدث عنه وعن بقية أفراد نوعه جملة واحدة؛ فإذا قال لك ~~قائل عن «كل إنسان» بأنه فان، طالبته بأن يحول عبارته ~~بحيث تصبح: سقراط إنسان وهو فان. أو قال لك قائل إن «الروح ~~خالدة»، طالبته بأن يجيئك بالفرد الذي يملأ مكان «س» في هذه ~~العبارة الناقصة التي صورتها: «س روح، وهي لا تفنى.» وإلى أن ~~يجد لك ذلك الفرد الذي يحول المجهول معلوما، سيظل كلامه ~~بغير معنى؛ أي سيظل مستحيلا على التحقيق. # ولكن هبني قد اتخذت هذه الخطوات التحليلية إزاء القول ~~المطلق التعميم، أفأكون بذلك قد ضمنت صوابه إن كان صوابا؟ ~~إذا قيل لي مثلا: «كل حيوان مجتر مشقوق الظلف.» ثم ~~حولت القول إلى صورته المنطقية التي هي: «س حيوان مجتر ~~وهو مشقوق الظلف.» ثم عقبت على ذلك بأن بحثت فوجدت ~~بقرة بذاتها فوضعت الإشارة إليها مكان الرمز «س»، بحيث أصبحت ~~العبارة الأخيرة: «هذه البقرة مجترة وهي مشقوقة ~~الظلف.» ثم مضيت هكذا أضع إشارات إلى أفراد جزئية من ~~الحيوان أراها مجترة ومشقوقة الظلف معا، فهل تكون ~~العبارة العامة الأصلية قد تم تحقيق صوابها بهذه الخطوات؟ أفلا ~~يجوز أن تكون الحالات الجزئية التي وقعت عليها مختلفة عما ~~قد أقع عليه بعد ذلك من الحالات؟ بعبارة أخرى، أفلا يجوز أن ~~تظهر في المستقبل حالات مختلفة عن الحالات المبحوثة وكلها من ~~حالات الحاضر الذي سرعان ما يصبح ماضيا؟ # كلا، بل إن هذا الذي أجريته إنما «يؤيد» صدق الدعوى ~~التي ادعاها صاحب العبارة العامة السالفة الذكر، والتأييد وحده ~~لا يكفي، بل لا بد إلى جانبه من محاولة إيجاد حالة تنقض ~~العبارة المزعومة؛ فإن وجدت كان نقضها حاسما، وإن لم توجد ~~كان الصواب مرجحا لها. وسنسمي هذه المرحلة الثانية من ~~مرحلتي تحقيق الفرض «فحصا»، وكل عبارة كلية هي فرض ينتظر ~~التحقيق. # هذه نقطة نريد الوقوف عندها قليلا ms191 لأهميتها الكبرى في ~~تكوين العقل العلمي، وخلاصتها هي أن النظرية العلمية لا تكون ~~جديرة باسمها هذا ما لم يترتب عليها انتفاء وقوع الحوادث ~~على صورة معينة كما يترتب عليها تقرير وقوع الحوادث على ~~صورة أخرى؛ أعني أن النظرية العلمية لا تكتفي بأن تبين ~~ماذا يقع، بل لا بد إلى جانب ذلك أن تبين ماذا يستحيل عليه ~~أن يقع بالنسبة إلى الموضوع الذي يكون مجال بحثها. وإذا وجدت ~~نظرية لا تعرف كيف يمكن دحضها بحالة في مستطاعك أن تتصورها ~~بحيث لو وقعت تلك الحالة لقضي على النظرية بالبطلان، ~~أقول إن نظرية لا تستطيع أن تتصور لها حالة تنقضها لا تكون ~~علمية بالمعنى الكامل لهذه الكلمة؛ فتأييد النظرية بأمثلة ~~تشهد بصوابها لا بد أن يتممه فحص لها من حيث إمكان ~~دحضها، وبمقدار ما يمكن تصور الحالات التي إذا وقعت كانت ~~النظرية باطلة، تكون هذه النظرية أقرب إلى التفكير العلمي ~~الصحيح. # افرض أن زاعما زعم لك عن شيء اسمه «النفس»، ثم زعم لك ~~كذلك أن تلك النفس عنصر بسيط؛ أي إنها غير مركبة من عدة ~~عناصر بحيث يمكن تحليلها أو تحللها؛ فما مقياسك الذي ~~تقيس به علمية هذا القول؟ هو هذا: أن تسأل ما الحالة التي ~~يمكن تصورها بحيث إذا وقعت كان الزعم باطلا. والبينة على ~~من ادعى؛ فصاحب هذا الزعم مسئول أن يوضح لي كيف يمكن ~~دحض هذه النظرية في حالة بطلانها؛ ماذا أرى أو ماذا أسمع أو ~~ألمس من وقائع الدنيا إذا ما كان هذا الزعم باطلا؟ إن صاحب ~~هذا الزعم في حقيقة أمره لا يقول كلاما ذا معنى إذا عجز عن ~~تحقيقه تأييدا ومحاولة تفنيد في آن معا، وأغلب الظن أنه ~~عاجز؛ لأنه على الأرجح قد ابتكر من عنده كلمة هي كلمة «نفس»، ~~ثم عرفها بأنها كائن غير مادي بسيط العنصر، حتى إذا ~~ما جاء بعد ذلك يسوق الكلمة وتعريفها لم يكن ينبئ عن ~~الدنيا بنبأ، بل كان يلعب لعبة قوامها ألفاظ، ولا فرق بينه ~~وبين من يقول - مثلا - «جنية ms192 البحر» اسم سأشير به إلى ~~كائن يكون له ذيل سمكة ورأس إنسان؛ فإذا ما قال بعدئذ ~~«جنية البحر لها ذيل سمكة ورأس إنسان» لم يكن يفعل ~~بقوله هذا أكثر من أن يعيد على الناس قرارا نتخذه في شأن ~~كلمة واستعمالها. # التأييد بالأمثلة الإيجابية أولا، ومحاولة التفنيد بتصور ~~حالات إذا ما تحققت ثبت البطلان ثانيا، مرحلتان لا بد ~~منهما لأي نظرية يقدمها صاحبها ليفسر بها ظواهر الطبيعة ~~أو ليقرر بها على أي نحو تجيء اطرادات الحوادث في ~~الطبيعة؛ ومن أجل هذا نرى كثيرا من النظريات التي تدعي ~~العلمية - وخصوصا في العلوم الإنسانية كعلم النفس - بعيدة عن ~~هذه الدقة التي نريدها لتفكيرنا العلمي. خذ مثلا نظرية فرويد ~~في علم النفس التي تفسر السلوك الإنساني بدوافع لا شعورية ~~دست في النفس منذ الطفولة الباكرة؛ فما مدى هذه «النظرية» ~~من العلمية الدقيقة؟ إننا قد نستطيع «تأييدها» إيجابيا؛ إذ ~~ما علينا إزاء كل سلوك يسلكه إنسان في أي موقف من المواقف ~~سوى أن نقول إن العقدة الفلانية عند صاحب السلوك هي علة ~~سلوكه. ولكن هذا وحده لا يكفي؛ فلا بد إلى جانب هذا من ~~السؤال: ما الحالات التي إذا ما وقعت عددنا النظرية ~~باطلة؟ على أي نحو يكون سلوك الإنسان لو لم يكن صادرا عن ~~عقد مكبوتة؟ افرض سلوكين مختلفين لشخصين في موقف واحد؛ ~~أما الأول فبغير أسباب ظاهرة يدفع طفلا إلى الماء ~~ليغرقه، وأما الثاني فلا يلبث أن يرى ذلك حتى يقفز في الماء ~~لينقذ الطفل المشرف على الغرق؛ فلو كانت نظرية فرويد ~~صالحة لتعليل السلوك الأول لوجب أن تكون باطلة بالنسبة ~~للسلوك الثاني، لكن لا، اعرض السلوكين واحدا بعد الآخر على ~~أنصار هذه «النظرية» يفسروا لك السلوكين المتناقضين معا ~~بعقدة ما تنفس عن مكبوتها تنفيسا مباشرا عند الشخص ~~الأول، وتنفس تنفيسا فيه إعلاء عند الشخص الثاني؛ وإذن ~~فما زلنا نسأل: وكيف يكون السلوك في هذه الحالة على فرض بطلان ~~النظرية؟ لا جواب؛ وإذن فالنظرية ينقصها كثير جدا لتبلغ ~~الدقة العلمية بمعناها المرتجي. # 4 ms193 # إننا في هذا الكتاب لا نطلب سوى أن يجيء كلام المتكلم مهما ~~يكن موضوعه قابلا للتحقيق العلمي، ما دام المتكلم قد تصدى ~~للعالم الخارجي يتحدث عنه؛ فلسنا في الحقيقة نتشيع لرأي ~~دون رأي في هذا العلم أو ذلك، وفي هذا المذهب الفلسفي أو ~~ذلك، إلا إذا وجدنا أحد الرأيين محققا على نحو علمي لم ~~يتوافر مثله للرأي الثاني، ولا نرخص للفيلسوف بما لا ~~نرخص بمثله للعالم الطبيعي؛ فكلاهما مسئول عن صواب فكرته ~~صوابا تمليه طبيعة اللغة نفسها التي لجأ كلاهما إليها ~~للتعبير عن رأيه؛ فإذا ما قال لنا عالم فلكي إن الأرض تدور ~~حول الشمس بدليل كذا وكذا من شواهد الإثبات، طالبناه بأن ~~يبين لنا ماذا تكون الحال إذا لم تكن الأرض تدور حول الشمس ~~كما يدعي؛ كيف كانت أوضاع الظواهر الطبيعية لتتغير لو لم ~~تكن الشمس ثابتة والأرض دائرة حولها. وكذلك إذا قال لنا ~~فيلسوف إن إلى جانب هذا العالم الطبيعي المليء بالجزئيات ~~عالما آخر من كائنات عقلية، سألنا السؤال نفسه: كيف كانت ~~الأمور لتتغير على فرض أن ليس هناك هذا العالم العقلي ~~المزعوم؟ فإذا لم يكن في وسعنا قط أن نتصور وضعا ~~للحالة لو تحقق أبطل الرأي المتقدم، كان هذا الرأي مما ~~لا يجوز عليه التحقيق العلمي؛ وبالتالي كان كلاما بغير ~~معنى. ~~••• # موضوعنا في هذه الفقرة هو القضية الكلية وعلاقتها بالوجود ~~الفعلي، أو هو على الأصح تحديد العلاقة بين القضية إذا لم تكن ~~تعني فردا جزئيا معينا وبين الوجود الفعلي؛ لأنه إذا ~~كانت القضية تحدد حديثها بفرد جزئي معين لم يكن ~~ثمة إشكال؛ لأنها عندئذ ستقابل الواقعة الخارجية المقصودة ~~مقابلة مباشرة؛ وبهذا يمكن تحقيقها بالمطابقة بين الجانبين؛ ~~جانب اللغة من جهة، وجانب الواقع الشيئي من جهة أخرى. # لكن الإشكال العسير هو كيف نتثبت من صدق كلام هو ~~بطبيعته غير محدد المعنى؛ أي إنه لا يقصد الإشارة إلى جزئي ~~معين من جزئيات الواقع العيني. ومن قبيل هذا الكلام القضايا ~~التي تتحدث عن فئة بأسرها من الأشياء، مما يصح أن ms194 تستخدم فيه ~~كلمة «كل» أو «بعض» أو ما إليهما، مثل قولي «كل طائر له ~~جناحان»، و«بعض النبات لا ينمو في المناطق الحارة». ومن قبيل ~~هذا الكلام غير المحدود المعنى أيضا القضايا التي تتحدث عن ~~فرد نكرة لا عن فرد معرف معلوم، كأن أقول: شخص ما ~~واقف أمام الباب. وسؤالنا هو: كيف يمكن التثبت من صدق ~~أمثال هذه القضايا على حين أنها لا تقصد فردا بعينه حتى ~~نستطيع المقابلة بينها وبين الفرد المقصود في عالم ~~الأشياء؟ # أما القضايا العامة التي تصب الحديث على «كل» أفراد فئة ~~معينة أو على «بعض» أفراد تلك الفئة، فأول ما نلاحظه عليها ~~هو أن حالتيها هاتين (كونها تتحدث عن «كل» أو عن «بعض» أفراد ~~فئة ما) هما في الحقيقة وجهان لحالة واحدة؛ فوجه للإثبات ~~ووجه للنفي؛ وذلك لأن كل قضية مثبتة عن «كل» أفراد فئة ~~معينة يكون نفيها بقضية سالبة عن «بعض» أفراد تلك ~~الفئة. ويدخل في هذا أن نتحدث بالسلب عن فرد واحد من ~~أفراد تلك الفئة؛ فإذا قلت عن الزجاج - مثلا - إن «كل زجاج ~~قابل للكسر» أمكنك أن تنفي هذا الإثبات الكلي بملاحظة ~~واحدة سالبة إذا وجدت، بحيث تقول: «بعض الزجاج لا ينكسر.» ~~وهكذا تكون قضايا «كل» وقضايا «بعض» نوعا واحدا من حيث طريقة ~~الإثبات أو النفي؛ لأن أحدهما يؤدي حتما إلى الآخر، وابدأ ~~من حيث شئت، ابدأ بقضية «كل» تجدها ممكنة التحويل إلى قضية ~~«بعض»، أو ابدأ بقضية «بعض» تجدها ممكنة التحويل إلى قضية ~~«كل»، على أنك إذا بدأت بالإثبات كان عليك أن تنتهي بالنفي، أو ~~بدأت بالنفي كان عليك أن تنتهي بالإثبات؛ فإذا قلت عن الناس ~~«إن كل إنسان فان»، كان معنى هذا القول نفسه أن لا أحد من بني ~~الإنسان متصف بالخلود. # هذه القضايا العامة بنوعيها، ما يتحدث منها عن «كل» وما ~~يتحدث منها عن «بعض» أفراد فئة ما، إثباتا أو نفيا، لا ~~تقتضي أن يكون الموضوع الذي تتحدث عنه ذا وجود فعلي؛ فإذا ~~قلت - مثلا - «كل سارق في شبه الجزيرة ms195 العربية تقطع يده» ~~لم يكن هذا القول بذاته دليلا على أن هنالك سارقا، إنما ~~الأمر ينحل في حقيقته إلى جملة شرطية هي: إذا وجد سارق ~~قطعت يده. هذه نقطة هامة لا أمل من تكرارها غير ~~معتذر للقارئ عن هذا التكرار؛ لأنها مفتاح رئيسي في التحليل ~~الجديد؛ فما كل كلام يقتضي لمجرد وجوده أن يقابله شيء في ~~عالم الواقع، حتى القوانين العلمية - وهي من قبيل الأحكام ~~العامة - لا تقتضي بذاتها أن يكون هنالك في العالم الخارجي ~~الظواهر التي تتحدث عنها؛ فقولنا عن الخشب إنه يطفو على الماء ~~ليس دليلا بذاته على أن هنالك في عالم الحوادث هذه الحالة، ~~حالة قطعة من الخشب طافية على الماء، بل قد نكون حيث لا خشب ~~ولا ماء، ومع ذلك نظل نقول هذا القول عن الخشب إنه يطفو على ~~الماء؛ لأن الأمر - كما أسلفنا - يرتد إلى عبارة شرطية ~~هي: «إذا وجدت قطعة من الخشب وألقي بها في الماء فإنها ~~تطفو.» # وقد غابت هذه الحقيقة عن أرسطو نفسه، فتراه في منطقه يجيز ~~أن يستدل الوجود الفعلي لأحد أفراد فئة معينة من قضية ~~كلية عن كل أفراد تلك الفئة؛ فإذا قلنا إن كل إنسان فان، ~~جاز لنا - في رأيه - أن نستدل من هذه القضية الكلية إن كانت ~~صادقة صدق قضية أخرى تقول عن سقراط إنه فان، فما ينطبق ~~على الكل ينطبق على كل جزء منه. وموضع المغالطة هنا هو ~~افتراض الوجود الفعلي لما تدل عليه القضية الكلية، مع أن هذه ~~القضية الكلية قضية شرطية لا تستلزم بالضرورة الوجود ~~الفعلي لمضمونها، وذلك على خلاف القضية التي تتحدث عن فرد ~~واحد معين مثل سقراط، فها هنا لا يجوز الحديث من الناحية ~~المنطقية إلا إذا كان للفرد الذي هو موضوع الحديث وجود فعلي؛ ~~وإذن فلا يجوز استدلال حديث عن فرد معين مقضي عليه ~~بالوجود الفعلي من جملة كلية هي في حكم العبارة الشرطية ~~التي لا تستلزم لموضوعاتها وجودا فعليا. # إنه لو كانت القضايا العامة تتضمن الوجود الفعلي ~~لموضوعاتها، لنتج عن ذلك ms196 مغالطات لا حصر لها في منطق ~~القياس الأرسطي. وخذ لذلك مثلا قياسا من الشكل الثالث ~~مقدمتاه هما: الأفعوان من صنوف الحيوان، والأفعوان ~~يزفر اللهب؛ إذن فبعض صنوف الحيوان يزفر اللهب. هذا قياس ~~صحيح من وجهة النظر الأرسطية، لكن وجه الخطأ فيه إنما يظهر حين ~~نفهم العبارات الكلية على حقائقها المنطقية، وهي أنها عبارات ~~شرطية لا تقتضي الوجود الفعلي؛ وإذن فنحن هنا بمثابة من ~~يقول: إنه إذا كان هنالك أفعوان فهو يدخل في عداد الحيوان، ثم ~~إذا كان هنالك أفعوان فهو يزفر اللهب، ومن هذين القولين ~~الشرطيين لا يجوز أن أستدل نتيجة تشير إلى وجود فعلي بأي ~~وجه من الوجوه. # ويجمل بنا في هذا السياق أن نقول عن ليبنتز إنه حاول أن ~~ينسق منطقا رياضيا شبيها بما قد نجح في تنسيقه «رسل» ~~وغيره من المعاصرين، لكنه في الوقت نفسه كان شديد الاحترام ~~للمنطق الأرسطي، فكان كلما تناول القياس من الشكل الثالث - ~~كالمثل الذي سقناه الآن - لمس فيه هذه المغالطة التي ~~أشرنا إليها، فكان يعود إلى العمل من جديد، دون أن يطوف بباله ~~أن القياس الأرسطي يمكن أن يكون موضعا لخطأ ومصدرا ~~لمغالطات، «وذلك وحده يعلمك ألا تسرف في تقديرك ~~لنوابغ الرجال». # 5 # 3 # قطب الرحى في علمنا بالعالم الخارجي هو الإدراك الحسي ~~للواقعة التي بها تتحقق القضية التي نكون بصدد تحقيقها؛ فإن ~~كانت هذه القضية تتحدث عن فرد جزئي معين محدد بنقطة من ~~مكان ولحظة من زمن، كان تحقيقها معتمدا على إدراكنا لهذا ~~الفرد الجزئي الذي تحدثنا عنه القضية لكي نستيقن من ~~صدقها برجوعنا إلى الأصل الحسي الذي جاءت لتحكي عنه، أما ~~إن كانت العبارة المراد تحقيقها لا تتحدث عن فرد بذاته، كأن ~~تكون عبارة كلية تتحدث عن فئة بأسرها من الأفراد أينما ~~وجد هؤلاء الأفراد مكانا وزمانا، لم تكن تلك العبارة في ~~حقيقة أمرها قضية بالمعنى المنطقي لهذه الكلمة؛ لأنها في هذه ~~الحالة لا تكون بذاتها ممكنة التحقيق إلا بعد تحويلها إلى ~~قضايا جزئية فردية تتحدث كل منها عن كائن ms197 واحد؛ فالعبارة ~~الكلية هي باصطلاح المنطق الحديث «دالة» قضية؛ أي هي عبارة ~~فيها ثغرة شاغرة أو رمز لمجهول، ولا تتحول إلى قضية إلا ~~بعد ملء هذه الثغرة فيها؛ أي بعد أن نستبدل بالرمز المجهول ~~الدلالة رمزا معلوم الدلالة؛ وعندئذ يكون تحقيق هذه القضية ~~الأخيرة بالرجوع إلى أصلها الحسي؛ وإذن فالاعتماد على الحس هو ~~وسيلة التحقيق إما بطريق مباشر في حالة القضية الفردية، أو ~~بطريق غير مباشر في حالة العبارة الكلية التي لا بد من ~~تحويلها - بغية تحقيقها - إلى مجموعة من قضايا ~~فردية. # وما دمنا نجعل الإدراك الحسي للواقعة الجزئية أساسنا ~~الأخير، فلا بد لنا هنا من كلمة عن الإدراك الحسي نفسه، كيف ~~يكون في ذاته مبررا كافيا للوثوق من أن الواقعة المدركة ~~عن طريقه موجودة وجودا فعليا وقائمة في دنيا الأشياء؟ ~~ها أنا ذا أدرك بالحس قلما بين أصابعي، فإذا قلت «إن بين ~~أصابعي قلما» عددت هذا القول صوابا؛ لأنه يحكي عن واقعة ~~حسية أدركها بالحواس، وسؤال الفلاسفة في هذه الحالة هو: وما ~~الذي يبرر لك أن تجعل الإدراك الحسي وسيلة مأمونة في ~~تبليغك عما هو قائم في العالم الخارجي؟ والحق أن الإنسان - ~~فيما يبدو - يجيز لنفسه في حالات كثيرة من حياته العقلية أن ~~يقفز إلى نتائج لا تبررها له المعلومات التي بين يديه؛ ~~فليس الأمر مقصورا على استدلاله وجود شيء في الخارج ما دام ~~قد وجد عنده «إحساسا» معينا، بل هنالك مجموعة أخرى من ~~الحالات العقلية الشبيهة بحالة الإدراك الحسي في وثوبها ~~الظاهر من معلوم إلى مجهول؛ فشبيه بانتقالي من المعطيات ~~الحسية إلى الحكم بوجود الأشياء الخارجية، انتقالي من خبرة ~~نفسية أمارسها الآن إلى حوادث أقول عنها إنها قد حدثت في ~~الماضي؛ فها أنا ذا - مثلا - أستحضر أمام ذهني لقاء تم بيني ~~وبين صديق وحوارا دار في ذلك اللقاء، هذا كل ما لدي الآن؛ ~~خبرة نفسية من نوع معين، لكنني أجاوز ما لدي لأقول إن ~~هذه الخبرة الراهنة «تذكر» لحادث مضى. وشبيه به أيضا ~~أن أرى سلوكا معينا لشخص ms198 أشاهده فأقول إن هذا الشخص غاضب، ~~فكأنما انتقلت مما أراه إلى ما لست أراه، من وضع خاص في ~~ملامح وجهه إلى خبرة نفسية في جوفه، بل شبيه به كذلك ~~انتقالنا - في البحث العلمي - من حالات جزئية نشاهدها في ~~المعمل إلى قانون عام، مع أننا لا نشهد إلا تلك الحالات ~~الجزئية، أما «القانون» فلا يقع لنا في خبراتنا الحسية ذاتها. ~~كل هذه أمثلة مختلفة لمشكلة منطقية واحدة، وهي: ماذا يبرر ~~لنا أن نجاوز الخبرة التي نمارسها فعلا إلى ما ليس منها؟ ~~والظاهر أننا لو حللنا المشكلة في إحدى مظاهرها، كان ذلك ~~بمثابة حلها أيضا في سائر المظاهر. # 6 # وفي محاولة حل هذه المشكلة في شتى جوانبها، يختلف الفلاسفة ~~باختلاف مذاهبهم: # فهنالك - أولا - جماعة الشكاك، وخلاصة الرأي عندهم هي أن ~~ثمة فجوة بين خبرتي النفسية الراهنة في اللحظة الحاضرة ~~وبين ما هو خارجها، وهي فجوة لا محيص عن قيامها بين الطرفين؛ ~~فإحساسي بهذا القلم الذي بين أصابعي الآن هو «إحساس» - أي إنه ~~خبرة نفسية أمارسها الآن - وليس هو القلم الخارجي الذي ~~يشغل مكانا وتطرأ عليه الحوادث في لحظات الزمن، كل ما ~~لدي هو «إحساس»، وليس عندي أبدا ما يبرر لي أن أقفز من ~~هذا «الإحساس» الداخلي إلى «قلم» أقول عنه إنه موجود وجودا ~~فعليا. وقل هذا أيضا بالنسبة لما نزعمه عن حوادث الماضي؛ ~~فليس «الماضي» باعتباره ماضيا هو الصورة الذهنية الحاضرة ~~أمامي الآن عنه، فكل ما لدي هو هذه الصورة، وليس عندي ما ~~يبرر لي أن أجاوزها لأقول إن لهذه الصورة أصلا مضى زمن ~~حدوثه. وكذلك قل في زعمنا الذي نبني عليه قوانيننا ~~العلمية كلها، وهو أن هذه القوانين التي تصور ما قد وقع ~~فعلا ستنطبق كذلك في المستقبل الذي لم يقع بعد. إن هذا ~~المستقبل لم يكن في خبرتي؛ ولذلك فلا يجوز لي أن أمد حكمي ~~إليه، وكذلك حكمي على ما يدور في أنفس الآخرين بناء على ما ~~أشاهده من سلوكهم، فهذا السلوك الظاهر كما يقع لي في حسي هو ~~كل ms199 ما عندي، وليس ثمة ما يبرر لي أن أجاوز نطاقه ~~لأقول إن هنالك جسدا خارجيا يسلك هذا السلوك، فضلا عن أن ~~أحكم أن وراء ذلك الجسد المزعوم نفسا تمارس الغضب أو الخوف ~~أو غيرهما من الحالات النفسية. ذلك هو موقف الشكاك ؛ فهم لا ~~يرون مبررا يجيز للإنسان أن يعدو ما عنده إلى ما ليس ~~عنده، وأن يجاوز خبرته التي مارسها فعلا إلى ما ليس جزءا ~~من تلك الخبرة؛ فلا حق له في الحكم بوجود المحسوسات الخارجية ~~بناء على حسه، ولا في الحكم بوقوع حوادث الماضي بناء على ~~خبرة نفسية راهنة، ولا في الحكم بانطباق القانون العلمي على ~~المستقبل على أساس انطباقه الآن، ولا في الحكم بوجود أجساد ~~الآخرين فضلا عما يدور فيها من حالات نفسية على أساس ما ~~يظن أنه يراه من سلوكهم، إننا - من وجهة نظر الشكاك - محال ~~علينا أن نعرف شيئا فيما عدا ما نمارسه بأنفسنا الآن ممارسة ~~ذاتية. # إننا لا نقر الشكاك على وجهة نظرهم هذه؛ فهم يرون أن ~~بين الذات العارفة والشيء المعروف فجوة يستحيل عبورها، وفي ~~الوقت نفسه لا سبيل - في رأيهم - إلى معرفة الشيء المطلوب ~~معرفته إلا إذا استطاعت الذات أن تعبر تلك الفجوة الفاصلة ~~بينها وبين ما تريد أن تعرفه؛ نقول إننا لا نقر الشكاك على ~~رأيهم هذا؛ لأنهم - لكي ينتهوا إلى ما انتهوا إليه - تمسكوا ~~بالاستدلال الاستنباطي وحده منهجا لهم، على حين أن المواقف ~~التي طبقوا عليها هذا المنهج ليست مما يعالج به؛ ذلك أنهم ~~أرادوا في كل حالة من الحالات العقلية أن يتخذوا من الحالة ~~النفسية الراهنة في اللحظة الحاضرة مقدمة، ثم أرادوا ألا ~~يسلموا بشيء إلا إذا ظهر أنه نتيجة لازمة عن تلك المقدمة؛ ~~فلدي الآن - مثلا - «إحساس» بلون معين وصلابة معينة، ~~وهذا الإحساس هو بضاعتي النفسية كلها في هذه اللحظة القائمة، ~~فلأتخذ منها مقدمة ثم أحاول أن أستنبط منها نتائجها، فهل ~~ينتج عن الإحساس باللون حتما أن يكون الشيء الملون كائنا ~~في الخارج؟ هل ينتج من الإحساس بالصلابة حتما ms200 أن يكون الشيء ~~الصلب قائما هناك ذا وجود مستقل عني وعن إحساسي؟ إن هذه ~~نتائج لا تلزم حتما عن المقدمة المفروضة؛ وإذن فلا مناص من ~~التشكك في أن يكون الشيء ذو اللون والصلابة موجودا وجودا ~~فعليا؛ أقول إن الشكاك يريدون أن يستدلوا استنباطا، ~~وإلا فالنتائج في رأيهم لا تكون جديرة بالتسليم؛ فلماذا لا ~~يجعلون «الاستقراء» لا الاستنباط منهجهم ما دام الموقف يتطلب ~~ذلك؟ نعم إن «الإحساس» باللون لا يدل حتما على أن «الشيء ~~الملون» موجود في الخارج؛ بدليل أننا كثيرا ما نتوهم ~~وجود أشياء ثم يثبت لنا أن ليس لها وجود، ولكن لماذا ~~نصر على حتمية ويقين حيث لا حتمية ولا يقين؟ لماذا لا ~~نقيم الاستدلال على أساس الاحتمال المرجح ما دام الاحتمال ~~هو كل ما أستطيعه؟ إنني إذا «أحسست» كأنما ألمس شيئا ~~صلبا، فالأرجح جدا - كما تدل خبرتي الماضية - ألا يكون ~~ذلك الإحساس وهما، وأن يكون الشيء الصلب هناك فعلا، وحسبي ~~هذا الترجيح لأتصرف على أساسه؛ فليس من المنطق في شيء أن ~~يطلب اليقين حيث لا يقين، وأن يستخدم الاستنباط وحده حيث ~~لا يجدي الاستنباط شيئا، لكن لموقف الشكاك هذا حسنة ~~لا نجحدها عليهم، وهي أنهم بوضعهم للمشكلة على الصورة التي ~~وضعوها قد أبرزوا معالمها وأوضحوا جوانبها، حتى لنهتدي بها ~~في فهم وجهات النظر الأخرى. # فمن وجهات النظر الأخرى في مشكلة الإدراك الحسي وهل يبرر ~~لصاحبه أن يقرر وجود الشيء المدرك أو لا يبرر، وجهة ~~نظر الحدسيين الذين يسدون الفجوة التي أشار إليها ~~الشكاك وقالوا عنها إنها قائمة بين المدرك والمدرك، ~~وإنها في الوقت نفسه مستحيلة العبور؛ يسد الحدسيون هذه ~~الفجوة، فلا فاصل عندهم بين الذات المدركة والشيء المدرك ~~بالحس؛ لأن تلك الذات إنما تمس الشيء المدرك مسا مباشرا. ~~وقل هذا في شتى الحالات الإدراكية كلها؛ فما الذي أدراني - ~~مثلا - أن لصديقي هذا الذي يجلس بجسده إلى جواري ذاتا كذاتي؟ ~~لماذا لا أقول عنه إنه قطعة من اللحم متحركة لا أكثر ولا ~~أقل؟ وما الذي أدراني بوجود ذاته مع ms201 أن الجسم وحده لا يكفي ~~مقدمة أستدل منها وجود شيء وراءه كالذات وما إليها؟ يجيب ~~الشكاك أنك لا تدري من ذلك شيئا، ويجيب الحدسيون جوابا ~~آخر؛ إذ يقولون إنك تدرك ذات صاحبك إدراكا مباشرا، وليس ~~الأمر بحاجة إلى مقدمات نستدل منها نتائج. ما الذي أدراني ~~أن الصورة الذهنية الحاضرة أمام ذهني الآن تشير إلى حوادث ~~مضت؟ ها أنا ذا «أذكر» سطرا قرأته في كتاب للعقاد، لكن هذا ~~التذكر حالة نفسية راهنة، فكيف أستدل ماضيا من حاضر؟ ~~يجيب الشكاك أن ليس ذلك في وسعك؛ لأن المقدمة هنا لا ~~تحتوي على النتيجة، وأما الحدسيون فجوابهم هو أنك تدرك ذلك ~~إدراكا مباشرا، ولا مقدمة هناك ولا نتيجة. ها أنا ذا أشاهد ~~حالات جزئية لظاهرة ما، فكيف يتاح لي أن أستدل قانونا ~~عاما من مشاهدات كلها جزئية، ثم كيف يتاح لي أن أصرف هذا ~~القانون إلى المستقبل على حين أنه حصيلة مشاهدات ماضية ~~وحاضرة؟ يجيب الشكاك بأن ذلك ليس في مستطاع الإنسان، وكل ~~قانون عام مشكوك في صوابه، وأما الحدسيون فيرون العام في ~~الجزئي رؤية مباشرة. # وكما أننا لم نأخذ برأي الشكاك، فكذلك لا نأخذ برأي ~~الحدسيين؛ لأنهم يحلون المشكلة بإنكارها؛ فهم في الحقيقة ~~بمثابة من يرفض الاشتراك في اللعب بدل أن يسهموا في اللعبة ~~بنصيب. ها هو ذا كتاب مفتوح أمامي، أنظر إليه فأراه بما خط ~~على صفحتيه المفتوحتين من ترقيمات سوداء، وليس ينكر هذه ~~الرؤية إلا مكابر متعنت عقيم، وإني لأرى الكتاب أمامي ~~رؤية «مباشرة»؛ بمعنى أني أراه هو نفسه لا صورته في المرآة ولا ~~انعكاسه على سطح المكتب الزجاجي؛ فإن كان الحدسيون يريدون هذا ~~المعنى الدارج للرؤية المباشرة، فليس منا من ينكره عليهم، ~~ولكننا في البحث الفلسفي للإدراك الحسي لا نقصد إلى هذا ~~المعنى الدارج بكلمة «المباشرة»، بل نفرق بين الشيء كما هو ~~قائم في الخارج، وبين انطباعه على الحاسة، ونسأل بعد ذلك ما ~~الذي يتيح لي أن أنفذ خلال انطباعي الحسي - وهو كل بضاعتي ~~- بحيث أتناول بعلمي شيئا هو أصل ms202 لهذا الانطباع الذي عندي؟ ~~ولو أراد الحدسيون أن يلغوا وجود الانطباع الحسي ليقولوا إننا ~~نمس الشيء المدرك مسا مباشرا، كانوا بذلك لا يتنكرون ~~للدقة الفلسفية وحدها، بل يتنكرون كذلك لما يقرره العلم ~~بوظائف الأعضاء. الحق أن الشكاك متطرفون في ناحية ~~والحدسيين متطرفون في الناحية الأخرى، أولئك يقفون عند ~~معطاهم الحسي ويرفضون أن يجاوزوه إلى ما عداه، وهؤلاء ~~ينكرون أن يكون لهذا المعطي الحسي وجود، ولا يجعلون بينهم ~~وبين الشيء الخارجي مثل هذه الحلقة الوسطى؛ فإن كان الشكاك ~~قد عابهم شيء من التقتير والتزمت، فالحدسيون يعيبهم شيء ~~من التبذير والإسراف. # وهنالك للأمر وجهة نظر ثالثة، لا هي تزيل المعطى الحسي ~~كما يزيله الحدسيون حتى لا يكون ثمة حاجز بين الذات ~~المدركة والشيء الخارجي المدرك، ولا هي تعترف بوجوده، ~~لكنها - كما يفعل الشكاك - تنكر إمكان التسلل خلاله ~~لإدراك ما هو قائم خارج حدوده، بل هي تجعل «الغائب» مساويا ~~ل «الحاضر»؛ ففي الإدراك الحسي يكون الشيء الخارجي المدرك هو ~~نفسه مجموعة معطياته الحسية بعد تركيبها في الداخل تركيبة ~~عقلية؛ فلدي من هذا القلم الذي أكتب به معطي حسي عن ~~لونه ومعطى آخر عن صلابته، ومعطى ثالث عن شكله الأسطواني ~~المستطيل، وهكذا، وليس كل معطى من هذه المعطيات على حدة ~~هو «القلم»، بل القلم هو مجموعة المعطيات تأتيني فرادى عن ~~طريق الإدراك الاتصالي المباشر، فأبني منها مركبا ~~منطقيا عن طريقه أعرف «القلم» معرفة بالوصف (باصطلاح رسل). ~~وهكذا قل في شتى الحالات الإدراكية التي تشكك ~~الشكاك في إمكان قيامها، فكيف يتاح لي - مثلا - أن ~~أستخلص عبارة كلية من معلومات جزئية، مع أن هذه المعلومات ~~الجزئية محدودة معينة، على حين أن العبارة الكلية مطلقة ~~المعنى؟ يجيب الشكاك - كما رأيت - أن ذلك محال عليك، ~~ونصيبك محدود بالجزئية الواحدة التي تدركها إدراكا مباشرا. ~~ويجيب الحدسيون - كما رأيت أيضا - أن ذلك يكون بالرؤية ~~المباشرة لما هو عام خلال الجزئي الواحد. ويجيب أصحاب هذه ~~النظرة الثالثة - وهم فريق الظاهريين - بأن العبارة الكلية ~~هي نفسها محصلة معطياته الحسية. كيف يجوز لي ms203 أن أستدل ~~مشاعر صاحبي من ملامح وجهه وسلوك بدنه؟ يجيب الشكاك ~~باستحالة ذلك، ويجيب الحدسيون بأن ذلك الإدراك للمشاعر يأتي ~~عن طريق مباشر، شأنه شأن إدراك الملامح نفسها وحركات السلوك ~~ذاتها، وأما الظاهريون فيجعلون إدراك المشاعر هو نفسه ~~محصلة إدراك تغيرات الملامح وحركات السلوك؛ أي إن ذلك ~~الإدراك هو حاصل جمع هذه الظواهر وليس إدراكا لشيء آخر يتم ~~«خلال» هذه الظواهر. كيف يتاح لي أن أعرف شيئا عن الماضي مع ~~أن كل ما بين يدي إدراكات حاضرة؟ جواب الشكاك أن ذلك ~~محال، وجواب الحدسيين أن إدراك الماضي إدراك مباشر وليس ~~«نتيجة» تستدل من الحاضر، وأما الظاهريون فلا يجعلون ~~فرقا بين الحالتين؛ فكل قضية تقول شيئا عن الماضي يمكن ~~ترجمتها إلى قضية أخرى مضموناتها إدراكات حاضرة. وهكذا ترى ~~أنه بينما يقرر الشكاك قيام فجوة بين الذات المدركة ~~والشيء المدرك، مع تقريرهم أن عبور هذه الفجوة فوق المستطاع، ~~فإن الحدسيين والظاهريين معا يتفقون على محو هذه الفجوة ~~وإزالتها، ثم يختلفون فيما بينهم بعد ذلك على وسيلة ذلك، أما ~~الحدسيون فيزيلونها بإنكار وجودها بين الذات المدركة والشيء ~~المدرك، بحيث يدرك الإنسان الشيء الذي يدركه مباشرة، وأما ~~الظاهريون فيزيلونها بأن يجعلوا الشيء المدرك هو نفسه مجموعة ~~معطياته. # وهنالك وجهة نظر رابعة تجعل - كما يجعل الشكاك - فجوة ~~بين الذات المدركة والشيء المدرك، لكنها - على خلاف ~~الشكاك - تجعل عبور هذه الفجوة في حدود المستطاع؛ فليس ~~الشيء الخارجي - كهذا القلم مثلا - هو هو نفسه معطياته ~~الحسية في عيني وعلى أصابعي، بل هو «شيء» قائم وحده هناك، ~~يبعث الرسائل إلى حواسي ويعطي الحواس ما يعطيها من ~~«معطيات»؛ أي إنه لا بد من الاعتراف بوجود مصدر للمعطيات ~~الحسية، وذلك المصدر هو علة انبعاثها، وعلى هذا الأساس ~~نفسه تستطيع أن تفسر الحالات الإدراكية الأخرى؛ فكيف أعلم ~~أن لصاحبي عقلا وراء سلوكه الظاهر؟ الجواب هو أنك تعلم ذلك ~~بعملية استدلالية تقوم على أساس «التمثيل»؛ فكما أن لي ~~سلوكا يشبه سلوك صاحبي، وكما أن سلوكي هذا منبعث عن عقل، ~~فلا بد كذلك ms204 أن يكون سلوك صاحبي منبعثا عن عقل وراءه. وكيف ~~أعلم أنه قد كان هنالك ماض مع أن كل ما لدي حاضر؟ الجواب هو ~~أن ذلك يتم عن طريق الاستدلال الاحتمالي لا اليقيني؛ فالأثر ~~الحاضر قد يدل على حدث وقع في الماضي ، لكن الدلالة هنا ~~ليست «استنباطية»؛ أي إن النتيجة ليست محتواة في مقدمتها، بل ~~هي استقرائية؛ ولذلك فهي احتمالية. كيف أستدل القانون العام من ~~مشاهدات جزئية؟ الجواب هو أن ذلك أيضا استدلال استقرائي ~~احتمالي، فمما قد شاهدت أرجح أن حوادث المستقبل ستجيء على ~~نفس الصورة المطردة التي شاهدتها. وليس الاستدلال هنا ~~أيضا يقينيا؛ لأن المستقبل ليس كائنا في جوف الحاضر ~~والماضي، بل قوامه حوادث جديدة وحالات جديدة، لكني مع ذلك ~~أستدل الصورة التي ستقع عليها هذه الحوادث والحالات على سبيل ~~الترجيح، اعتمادا على فرض أرجحه أيضا، وهو أن ظواهر ~~الطبيعة تسير على اطراد. # وموقفنا نحن الوضعيين المنطقيين إزاء هذه الإجابات الأربع هو ~~موقف يوحد بين الإجابتين الثالثة والرابعة، ويرفض ~~الإجابتين الأولى والثانية؛ فالسؤال المطروح هو: ما الذي ~~يبرر لي أن أحكم بناء على إدراكي الحسي أن الشيء المدرك ~~موجود وجودا فعليا في الخارج؟ # وفي اختلاف الآراء إزاء هذا السؤال، نتخذ لنا موقفا نبنيه ~~على اللغة ودلالاتها جريا على مبدئنا الأساسي، وهو أن عمل ~~الفلسفة تحليل للقضايا والعبارات تحليلا منطقيا؛ فكأنما ~~السؤال يتحور بين أيدينا إلى هذه الصورة: ماذا نعني بعبارة ~~تقرر شيئا عن مدرك حسي، كهذه العبارة مثلا: «هذا ~~القلم أسود»؟ لو أنك ألقيت هذا السؤال على متشكك لأجابك ~~بأنه لا يدري لهذه العبارة معنى؛ لأنه لا يستطيع الخروج إلى ~~معناها - وهو القلم الملون - بحيث يدركه إدراكا مباشرا ~~كما هو قائم فعلا؛ فقد تكون هذه العبارة دالة على واقعة ~~مسماة قائمة في الخارج، وقد لا تكون دالة على شيء من ~~هذا. ولو ألقيته على حدسي لأجابك بأن هذه العبارة تعني ~~شيئا أدركه إدراكا مباشرا. ونحن الوضعيين المنطقيين نرفض ~~هاتين الإجابتين؛ نرفض إجابة المتشكك لأنها خاوية لا يترتب ~~عليها علم ولا ms205 سلوك، ونرفض إجابة الحدسي لأن صوابها ذاتي ~~معتمد على نفسه هو وحده، فلا سبيل هناك إلى فض النزاع إذا ~~ما نشب نزاع بينه وبين من يدعي له أنه لا يدرك هذا الذي ~~يدركه الحدسي بحدسه إدراكا مباشرا، ونحن حريصون على أن ~~يكون هنالك جانب موضوعي من المعرفة يلتقي عنده مختلف ~~الأفراد حتى يمكن قيام العلم المشترك. # وماذا لو ألقيت هذا السؤال على ظاهري مذهبه أن كل ما لديه ~~من الشيء هو معطياته الحسية؟ إنه سيجيبك بأن معني عبارتك هذه ~~«هذا القلم أسود» هو محصلة مضامين حسية؛ فثمة ضغطة على ~~الأصابع وثمة انطباعة على العين، وهذه الانطباعة وتلك ~~الضغطة يمكن وصفهما في شيء من التفصيل بحيث تكون مجموعة ~~التفصيلات - وكلها مشير إلى المعطيات الحسية - هي المعنى ~~المراد بالعبارة المذكورة. وإلى هذه الإجابة يضيف أنصار وجهة ~~النظر الرابعة أن هنالك أمام المعطيات الحسية التي يقول بها ~~الظاهريون «شيئا» أعطاها، فلا معطى بغير معط، والمعطي ~~هو «الشيء» الخارجي الذي هو السبب، والمعطيات مسبب له؛ ~~وإذن فمعنى العبارة «هذا القلم أسود» هو عند هؤلاء: «هنالك في ~~العالم الخارجي شيء تنبعث عنه حادثات؛ فمنها ما يمس العين ~~فيكون لونا أسميه أسود، ومنها ما يلمس الأصابع فيحدث ~~إحساسا بصلابة تشعرني بوجود شيء أنسب إليه اللون الأسود ~~الذي رأته عيني.» # وموقفنا نحن الوضعيين المنطقيين هو أن لا تنافر بين هاتين ~~الإجابتين الأخيرتين؛ فالمجموعتان اللفظيتان وإن اختلفتا في ~~التفصيلات إلا أنهما تعنيان واقعة واحدة معينة لا سبيل ~~إلى الاختلاف عليها. ولتوضيح ذلك، افرض أن شخصين رأيا ~~طائرا، فقال عنه أحدهما إنه حمامة، وقال الآخر بل هو يمامة، ~~فها هنا قد يراجع أحدهما الآخر في نوع المعطيات الحسية التي ~~أعطيها كل منهما، فيقول الواحد للآخر: هل ما تري هو بقعة ~~لونية من النوع الفلاني؟ فيجيبه هذا بالإيجاب، فيسأل من جديد: ~~وهل المنقار الذي تراه لونه كذا وشكله كيت؟! فيجيبه بالإيجاب ~~أيضا، وهكذا حتى يتفقا على كل تفصيلات الواقعة المدركة، ~~فيقول أحدهما: ولكن هذا هو ما أسميه حمامة. ويقول الآخر: ms206 ~~ولكني أسميه يمامة. فهل يكون الاختلاف بينهما أكثر من ~~اختلاف على التسمية دون الشيء المسمى؟ وهكذا يكون الأمر ~~بين من يقول إن ما أدركه من هذا القلم معطياته الحسية، وهذه ~~المعطيات هي كل ما هنالك، وبين من يقول إن ما أدركه من هذا ~~القلم هو معطياته الحسية، لكن هنالك قلما هو الذي يعطي ~~هذه المعطيات، لا اختلاف بين هذين الشخصين إلا في الكلمات ~~التي يستخدمها كل منهما في الوصف دون أن يكون هذا الاختلاف ~~اللفظي ذا أثر على اتفاقهما من حيث الحقيقة المدركة؛ فكل ~~منهما يستطيع أن يبني سلوكه على إدراكه بحيث لا يجد أحدهما في ~~إدراكه ما يقتضي سلوكا يختلف عما يجد الآخر في ~~إدراكه. # وإذن فلو قيل لنا: ما معنى العبارة القائلة: «هذا القلم ~~أسود»؟ كان جوابنا أن معناها هو حصيلة المضمونات الحسية التي ~~تدل عليها ألفاظها، ولكن كل مضمون حسي - كاللون الأسود - ~~تقابله مجموعة من الحوادث الخارجية، هي في هذه الحالة موجات ~~ضوئية ذوات طول معين؛ وإذن فمعنى العبارة السالفة ذو ~~جناحين؛ جناح هو المضمون الحسي كما يختص به كل فرد ~~مدرك له، وجناح آخر هو الحوادث التي تقابل ذلك المضمون ~~الحسي كالموجات الضوئية التي يمكن لأطوالها أن تقاس؛ فإذا ~~قلنا عن هذه الحوادث الخارجية المصاحبة لإدراكنا الحسي إنها ~~الإطار الذي مضمونه وفحواه هو ذلك الإدراك، كان للعبارة ~~السالفة من حيث معناها جانبان؛ إطار ومضمون. ولما كان ~~الإطار هيكلا من علاقات، ولما كانت العلاقات أبعادا - ~~مكانية أو زمانية - يمكن قياسها قياسا كميا، كان هو ~~المعنى العلمي للعبارة. # 4 # ومهما يكن من أمر، فكل عبارة نقولها لنقرر بها شيئا ~~مما يقع في العالم - خارج الحاضرات الذهنية التي تكون راهنة ~~في التيار الوجداني لذواتنا الشاعرة - فهي عبارة «نقفز» بها ~~مما ندركه في ذواتنا إدراكا مباشرا إلى ما لسنا ندركه إلا ~~بطريق غير مباشر؛ أعني أن مثل هذه العبارة لا يكون نتيجة ~~استنباطية لازمة بالضرورة عن عبارة أخرى نعبر فيها عن ~~خبراتنا الذاتية؛ فإذا رأيت لونا أسود، وقلت تعبيرا عن ms207 هذا ~~الذي تنطبع به حاستي الذاتية «أرى لونا أسود»، فمن هذه ~~العبارة وحدها لا أستطيع أن أستنبط استنباطا قياسيا ~~ضروريا يقينيا بأن ثمة موجات ضوئية طول الواحدة منها كذا ~~وهي التي سببت إدراكي للون الأسود، لا أستطيع ذلك؛ لأن ~~الموجة الضوئية ذات الطول المعين شيء، وإدراكي للون ~~الأسود شيء آخر ... ومعنى ذلك كله هو أن كل عبارة «أقفز» بها ~~مما أدركه بذاتي إلى ما لست أدركه مباشرة، هي صواب على سبيل ~~الاحتمال لا على سبيل اليقين، ويبقى بعد ذلك أن نعلم درجة ~~احتمالها، حتى إذا ما كانت عالية الدرجة الاحتمالية، عددناها ~~صوابا؛ مما يمكن أن نرتب عليه سلوكا نرجح له أن ~~يبلغ بنا في الدنيا العملية ما نريد أن نبلغه. # ومما يتصل بهذا الموضوع نفسه تلك المشكلة التي ما ينفك الفلاسفة في العصر ~~الحديث كله يثيرونها، وهي ما يسمونه بمشكلة الاستقراء، ويريدون بها البحث في ~~المبررات التي تجيز للعالم الطبيعي أن يستدل قانونا عاما ينصرف إلى ~~المستقبل، مع أن علمه كله منحصر في أمثلة جزئية شاهدها في الماضي، فكيف يجوز ~~له أن يقفز من المحدود إلى المطلق؟ إذا كان الذي قد شاهده هو حالات جزئية هي ~~«س # 1 # هي ص # 1 ~~»، ~~و«س # 2 # هي ص # 2 ~~»، ~~و«س # 3 # هي ص # 3 ~~» ... إلخ، فكيف أمكن ~~أن يجاوز نطاق هذه الحالات المحدودة بظروفها المكانية والزمانية إلى قوله «كل س هي ~~ص» مهما يكن مكانها وزمانها؟ إن في هذا الحكم الجديد إضافة أضيفت إلى المقدمات، ~~والسؤال هو: ما الذي يبرر لنا أن نضيف هذه الإضافة التي لم نستند فيها إلى ~~الخبرة؟ تلك هي المشكلة التي طرحها هيوم، وقرر فيها أن المقدمات الاستقرائية مهما ~~راكمت منها ألوفا على ألوف، فهي لا تبرر أن تنتهي منها إلى نتيجة مطلقة ~~بحيث نصف تلك النتيجة بالضرورة واليقين؛ لأن تلك المقدمات مهما بلغ عددها فهي ~~مغترفة من خبرات الماضي، أما النتيجة فيراد بها أن تنصرف إلى المستقبل؛ وإذن ~~فلا بد لافتراض الصدق في النتيجة من افتراض أن المستقبل ms208 سيأتي على غرار الماضي، ~~ومن تناقض القول أن ندعي أن مثل هذا الزعم عن حوادث المستقبل منتزع من الخبرة؛ ~~إذ المستقبل لم يأت بعد حتي تمدنا الخبرة بشيء عنه؛ وإذن فلا مندوحة لنا عن ~~الاعتراف بأن النتيجة المعتمدة على مقدمات استقرائية تجريبية إذا وصفت بالصدق، ~~فذلك على سبيل الاحتمال لا اليقين، ولا يكون اليقين إلا لنتيجة لا تزيد على تحليل ~~لما هو متضمن في مقدماتها. وبعبارة أخرى لا يكون اليقين إلا لنتيجة نصل ~~إليها عن طريق استنباطي نعتصر فيه النتيجة من المقدمات، كما نفعل في العلوم ~~الرياضية مثلا. وأما في العلوم الطبيعية حيث البحث قائم على تجارب ومشاهدات ~~تؤدي بنا إلى نتيجة أعم منها وأشمل، فمحال أن يبلغ الأمر مبلغ اليقين ~~الرياضي. وجدير بنا في هذا الموضع أن نذكر القارئ بأن مثل هذا التحليل الذي جعل ~~قوانين العلوم الطبيعية صادقة على الاحتمال لا على اليقين، والذي حصر اليقين في ~~العبارات التكرارية وحدها كما في الرياضة، وأبرز التناقض في أن نزعم لعبارة ما ~~أنها تحمل في طيها خبرا عن الطبيعة، ثم تكون في الوقت نفسه يقينية الصدق ~~ضروريته مستحيلة على البطلان، أقول إنه جدير بنا في هذا الموضع أن نذكر ~~القارئ بأن هذا الموقف من هيوم هو الذي أيقظ «كانت» من سباته، وحفزه إلى البحث ~~عن مصدر آخر غير التجربة نفسها يستقي منه الإنسان ما في قوانين العلوم الطبيعية ~~من يقين وضرورة، وانتهى به البحث - كما هو معروف - إلى أن للعقل الإنساني مبادئ ~~ومقولات مجبولة في فطرته هي التي تخلع الضرورة واليقين على ما نحصله عن طريق ~~الخبرة من علم بالطبيعة. # لقد فرض «كانت» الضرورة واليقين في قوانين العلم الطبيعي ~~فرضا لم يدع أمامه مجالا للشك، ثم مضى من هذه البداية ~~المسلم بصدقها ليسأل: من أين جاءت الضرورة وجاء اليقين ~~لقوانين العلوم الطبيعية؟ وكانت فلسفته على وجه العموم محاولة ~~للإجابة عن هذا السؤال، لكن السؤال يصبح غير ذي موضوع لو ~~أنكرنا منذ البداية أن لأمثال هذه القوانين ضرورة أو ~~يقينا، إنما ms209 هي احتمالية مهما علت درجة احتمالها. وموضع ~~الخطأ الأساسي في هذا الصدد هو إغفال الفرق الجوهري بين ~~علوم الرياضة وعلوم الطبيعة، كأنما هذه وتلك متشابهتان ~~تشابها يحملنا على أن نستخدم في هذه نفس المنهج الذي نستخدمه ~~في تلك، ونبلغ في هذه نفس اليقين الذي نبلغه في تلك (كما ~~يريد العقليون)، أو أن ننزل بتلك إلى نفس المنزلة الاحتمالية ~~التي لهذه (كما يريد جون ستيوارت مل)، فكلتا المحاولتين باطلة؛ ~~محاولة الصعود بالقانون الطبيعي إلى يقين النظرية الرياضية، أو ~~الهبوط بالنظرية الرياضية إلى منزلة القانون الطبيعي؛ كلتا ~~المحاولتين باطلة لأن كلا منهما تفرض خطأ أن هذين ~~النوعين من العلوم بينهما من التشابه ما يمكننا من وضعهما ~~على مستوى واحد من حيث اليقين أو من حيث الاحتمال. # ولقد أخذت الفوارق تبرز في ضوء التحليلات الفلسفية الجديدة ~~بين التفكير في العلوم الرياضية والتفكير في العلوم الطبيعية، ~~فبينما هو في الأولى انتقال من مقدمة أعم إلى نتيجة أخص ~~متضمنة فيها، انتقالا يؤدي حتما إلى يقين النتيجة على ~~فرض الصدق في المقدمات، هو في الثانية انتقال من مقدمات ~~جزئية إلى نتيجة أعم منها انتقالا يضيف إلى تلك المقدمات ~~ما لم يرد فيها؛ إذ يضيف الإشارة إلى المستقبل مع أن ~~المقدمات كانت - بالبداهة - منحصرة في جزئيات وقعت لنا ~~في لحظات ماضية؛ وبالتالي فهو انتقال يؤدي إلى مجرد ~~احتمال أن تكون تلك النتائج العامة المطلقة صادقة على ~~المستقبل كما صدقت على الماضي، وصادقة على شتى أفراد ~~النوع كما صدقت على مجموعة الأفراد التي وضعناها تحت البحث ~~الفعلي ممثلة لبقية أفراد ذلك النوع. # ولقد شغلت فكرة «الاحتمال» جزءا كبيرا من اهتمام ~~الفلاسفة المحدثين بغية تحديدها؛ فلا يكفي أن يقال عن ~~جملة إنها محتملة الصدق، بل لا بد من تحليل هذا «الاحتمال» ~~نفسه لنعلم على أي أساس نرجح احتمالا على آخر. وهل كل ~~احتمال يمكن قياسه قياسا عدديا؟ إن من أولى النتائج العامة ~~التي انتهينا إليها حتى الآن في مسألة «الاحتمال» أنه ضربان؛ ~~فضرب يمكن تحديد درجته تحديدا عدديا قاطعا، ms210 وضرب آخر ~~نترك فيه الاحتمال حكما بغير تحديد عددي مضبوط. على أنه ~~لا يستحيل أن يكون هذا الضرب الثاني ممكن التحويل إلى الضرب ~~الأول، بحيث إذا ما توافر لنا العلم الكافي في كل موقف من ~~المواقف، استطعنا على وجه التحديد أن نقول عن الجملة المحتملة ~~الصدق إلى أي درجة عددية يرتفع هذا الاحتمال. # قارن بين معنى الاحتمال في العبارتين الآتيتين: ~~(1) # إذا ألقيت بزهرة اللعب فاحتمال أن تكون الأربعة ~~إلى أعلى، هو 1 / 6. ~~(2) # يحتمل أن يكون أخي قد سافر أمس. # فهذان حكمان كل منهما احتمالي لا يقيني؛ فليس بالضروري ~~أن تلقي زهرة اللعب فتظهر الأربعة، وليس بالضروري أن يكون ~~أخي قد سافر أمس، لكن الاحتمال في الحالة الأولى له درجة ~~حسابية معلومة، وأما الاحتمال في الحالة الثانية فلا يمكن ~~قياسه على هذا النحو، وإن لم يكن ذلك مستحيلا، بل إن الباحثين ~~في منطق الاحتمال منذ نحو ثلاثين عاما فقط - وعلى رأسهم «كينز» # 7 # و«فون ميزس» # 8 ~~- لم يكونوا يفرقون بين النوعين، حتى جاء ~~الفوج الأخير من الباحثين في هذا الموضوع نفسه، فأوشكوا الآن ~~على إجماع بأن الاحتمال نوعان مختلفان؛ فمنه ما يخضع لتقدير ~~كمي ومنه ما ليس يخضع لمثل هذا التقدير، وأخص بالذكر من ~~هؤلاء «بوبر» و«كارناب» و«رسل» و«وليم نيل»، # 9 # حتى لقد أطلق معظمهم اسمين مختلفين على ذينك ~~النوعين من الاحتمال؛ فبينما حاول «كينز» و«فون ميزس» أن ~~يردا نوعي الاحتمال إلى ضرب واحد يمكن تقديره إذا ما ~~توافر العلم الكافي بتفصيلات الأمر، لم يعد هؤلاء المعاصرون ~~يحاولون ذلك، مقتنعين بأن كثيرا جدا من المواقف الاحتمالية ~~التي يرجح فيها الإنسان صدق حكمه، كقولي «إن أخي ~~يحتمل أن يكون قد سافر أمس»، يتعذر فيها أن نجد ما يمكن ~~إخضاعه للعد والحساب. # أما الحالات التي يكون فيها الاحتمال محسوب الدرجة حسابا ~~فيه دقة الرياضة وضبطها، فالتحليل يظهرها على حقيقتها؛ فإذا ~~هي أدخل في باب الرياضة منها في باب المعارف التجريبية، فلا ~~فرق جوهري بين أن أقول في هندسة إقليدس إن زوايا المثلث ~~تساوي ms211 قائمتين استنادا في ذلك على بديهيات تلك الهندسة ~~مضافا إليها تعريفات الألفاظ المستعملة كما تقدم بها ~~إقليدس في صدر بحثه، بحيث تجيء هذه الحقيقة عن مجموع زوايا ~~المثلث نتيجة ضرورية لازمة عن تلك المقدمات، أقول إنه لا فرق ~~جوهري بين هذا القول عن زوايا المثلث ، وبين أن أقول عن زهرة ~~اللعب إنها إذا رميت فاحتمال أن تكون الأربعة إلى أعلى ~~مقداره 1 / 6؛ لأنني في هذه الحالة أيضا أستخلص نتيجة تلزم ~~بالضرورة عن مقدمات هي بديهيات المنطق الاحتمالي وتعريفات ~~الألفاظ المستخدمة في هذا السياق؛ فنحن في منطق الاحتمال ~~نقدم بديهية هي أنه لو تساوت درجة الاحتمال في مجموع ~~الحالات الممكنة، كان مقدار احتمال وقوع أي حالة منها هو كسر ~~بسطه واحد ومقامه عدد الحالات الممكنة المتساوية ~~الاحتمال؛ ففي مثال الزهرة السابق، مجموع الحالات الممكنة هو ~~ستة، والمفروض أن تكون كلها متساوية في درجة احتمال وقوعها؛ ~~وإذن فمقدار احتمال وقوع واحدة منها هو 1 / 6. إنها - كما ~~تري - نتيجة لازمة عن مقدمات مفروضة. # لكنني لا أنتفع كثيرا بعلمي أن سقوط الزهرة بالأربعة إلى ~~أعلى درجة احتماله 1 / 6؛ لأن مثل هذه النتيجة تظل قائمة حتى ~~لو رميت الزهرة ست مرات متتالية فلم تظهر الأربعة إلى أعلى ~~أبدا، أو ظهرت الأربعة في الحالات الست جميعا؛ فما العلاقة ~~- إذن - بين أن تكون النتيجة النظرية الحسابية هي أن ظهور ~~الأربعة إلى أعلى احتماله 1 / 6 وبين الواقع كما يحدث فعلا؟ ~~هنا تأتي نظرية الأعداد الكبيرة التي مؤداها أنه كلما زاد ~~عدد الرميات أخذ متوسط ظهور الأربعة إلى أعلى يقرب ~~تدريجا من 1 / 6، حتى يكون الانحراف بين ذلك المتوسط وبين ~~هذه النسبة النظرية من الضآلة بدرجة تجيز إهماله. # إن ما يهمنا الآن هو كيف يصلح حساب الاحتمال سندا ~~لقضية تجريبية عامة؟ ونظرية الأعداد الكبيرة التي أسلفنا ~~خلاصتها توضح ذلك؛ فمثلا قد تدلني الإحصاءات الماضية على ~~أن نسبة المواليد الذكور تزيد قليلا عن نسبة المواليد الإناث، ~~بحيث يمكن أن أقول بناء على ذلك إن الوليد المنتظر أقرب إلى ~~أن ms212 يكون ذكرا منه إلى أن يكون أنثى، لكنني لا أستطيع بناء ~~على ذلك أن أتنبأ بجنسه قبل ولادته أذكر هو أم أنثى؛ ~~معنى ذلك أن تحقيق الحكم العام السابق لا يكون بالالتجاء إلى ~~أية حالة جزئية على حدة، بل لا بد من الرجوع إلى حالات ~~جزئية كبيرة العدد، حتى إذا ما رأيت متوسط المواليد يقرب ~~تدريجا وبصفة ثابتة من رقم يجعل المواليد الذكور أكثر ~~قليلا من المواليد الإناث، تحققت الدعوى؛ ومن ثم يظهر ~~الفرق المنطقي بين قضية تعمم الحكم تعميما ضروريا، ~~وأخرى تعممه تعميما احتماليا، بين قضية مثل «زوايا ~~المثلث تساوي قائمتين»، وأخرى مثل «المصريون ساميون»؛ ففي ~~الأولى تتحقق القضية في كل جزئية من جزئياتها، في كل مثلث ~~تقع عليه، وفي الثانية لا تتحقق القضية إلا باللجوء إلى ~~متوسط عدد كبير من الحالات بحيث يميل بنا هذا المتوسط نحو ~~رقم ثابت نصل إليه هو نفسه مهما اختلفت العينات ~~العشوائية التي نجمعها لحساب متوسطاتها. ولو أخذنا عينة ~~نختارها بطريقة عشوائية فوجدناها منحرفة انحرافا ملحوظا ~~عن المتوسط المفروض، كان ذلك مدعاة إلى رفض التعميم ~~الإحصائي الذي قدمناه. # 10 # من ذلك نرى أن الحالات التي نقيس درجة احتمالها قياسا ~~كميا نوعان؛ فهنالك الحالات التي يجيء فيها المقدار ~~الكمي للاحتمال وكأنه نظرية رياضية استنبطت من ~~مقدماتها، كما هي الحال في قولنا إن زهرة اللعب إذا قذف بها ~~كان احتمال وقوع الأربعة إلى أعلى 1 / 6. وهنالك أيضا الحالات ~~التي نبني فيها تقديرنا الكمي على نسبة تكرار وقوع ~~الحادثة التي نحسب احتمال وقوعها، فها هنا يكون اعتمادنا - لا ~~على مقدمات مفروضة ونتائجها اللازمة عنها - بل على ما تجيء ~~به الخبرة التجريبية على مر الأيام؛ فإذا أردت أن تتتبع ~~ظاهرة معينة لتحسب درجة احتمالها معتمدا على نسبة تكرار ~~حدوثها - كأن تحسب مثلا درجة احتمال الإصابة بضعف النظر في ~~مصر - فما عليك إلا أن تعد قائمتك على النحو الآتي: # الأفراد: # 1 # 2 # 3 # 4 # 5 ~~... # حالات الإصابة: ~~−ب # ب # ب ~~−ب # ب ~~... # نسبة اقتران الجانبين: ~~... # وهكذا تمضي في ms213 قائمتك متمشيا مع تجاربك وملاحظاتك خطوة ~~خطوة، وفي كل خطوة تخطوها تعرف إلى أي حد تستطيع أن تتوقع ~~حدوث الظاهرة التي وضعتها موضع البحث. وواضح أن نسبة ~~الاحتمال ستتغير مع اختلاف ما تجيء به التجارب، وتظل تتراوح ~~زيادة ونقصا حتى تستقر على مقدار يوشك أن يكون ثابتا. ~~ويشترط أن يكون اختيارك للأفراد اختيارا عشوائيا. ولكي ~~تطمئن في نهاية الأمر إلى صواب النتيجة التي انتهيت إليها، ~~فاختر مجموعات صغري من مجموعتك الكبرى التي سجلتها في ~~قائمتك الأصلية، وليكن اختيارك لهذه المجموعات الصغرى ~~عشوائيا أيضا، كأن تأخذ مثلا حالة وتترك حالتين، أو أن ~~تأخذ حالتين متجاورتين وتترك خمس حالات وهكذا، حتى تتكون ~~لك مجموعة صغري من داخل المجموعة الكبرى؛ فإذا وجدت أن نفس ~~النسبة التي وصلت إليها في المجموعة الكبرى هي هي التي تصل ~~إليها مهما تكن المجموعة الصغرى التي تقع عليها بعملية اختيار ~~جزاف، كانت نتيجة البحث مرجحة الصواب. # تلك حالات يمكن فيها قياس الاحتمال على شيء من الدقة، ~~فماذا نقول في الحالات التي نتحدث فيها بلغة الاحتمال ومع ذلك ~~يختلف في أمرها الباحثون؟ ففريق يجعلها هي الأخرى ممكنة ~~الحساب، على حين يجعلها فريق آخر مستعصية على التقدير ~~الكمي؟ خذ مثلا قولي عن أخي إنه يحتمل أن يكون قد سافر ~~أمس، وأمثال هذا القول الاحتمالي في الحياة العملية كثير، فهل ~~تقاس درجة احتماله؟ وكيف تقاس؟ # لقد أسلفنا لك القول إن «كينز» و«فون ميزس» كانا ممن يظنون ~~أنه حتى هذه الحالات يمكن قياس احتمالها؛ وذلك لأن درجة ~~الاحتمال - عندهم - منصبة على القضية لا على الحادثة نفسها؛ ~~فقضية معينة أقولها تزيد درجة احتمالها أو تنقص بناء على ~~نسبة القضية المزعومة إلى سائر تفصيلات معلوماتي الأخرى؛ ~~فالقضية الواحدة قد تكون قليلة الاحتمال جدا، حتى إذا ما وقع ~~في علمك شيء معين زاد احتمال تلك القضية زيادة كثيرة أو ~~قليلة. خذ هذا المثل الموضح؛ ما درجة احتمال الصدق في قول ~~قائل إنه رأى أسدا يسير في شارع بالجيزة؟ إنها درجة من ~~القلة بحيث تكاد تبلغ ms214 درجة الصفر؛ لأننا ننسب هذا القول إلى ~~بقية معلوماتنا عن الجيزة وما ينتظر أن يسير في شوارعها وما ~~لا ينتظر، لكن افرض أن القائل أضاف إلى قوله السابق قولا ~~آخر، فنبه به السامع إلى أن حارس حديقة الحيوان قد ترك للأسد ~~باب القفص مفتوحا، فها هنا على ضوء هذا العلم الجديد تزيد ~~درجة احتمال القضية الأولى زيادة كبيرة؛ وهكذا يمكن قياس ~~درجة الاحتمال في كل قضية مهما يكن نوعها بنسبتها إلى ~~تفصيلات أخرى من معارف الإنسان، ثم هكذا - في رأي هذا الفريق ~~من الباحثين - نزيل عن الاحتمال صبغته الذاتية لنجعله حسابا ~~لشيء موضوعي صرف. # لكن أمثال هذه المحاولات كلها كانت تستهدف - أساسا - تدعيم ~~المنطق الاستقرائي بإيجاد صلة الشبه بينه وبين المنطق ~~الاستنباطي حتي يكون لذلك ما لهذا من يقين. أليست النتيجة في ~~الاستدلال الاستنباطي - كالرياضة - يقينية؟ فإذا كانت قوانين ~~العلوم الطبيعية لا تصطنع ما تصطنعه الرياضة من استنباط ~~تستولد فيه النتائج من مقدماتها، بل تنهج منهجا ~~تجريبيا يلاحظ حالات جزئية ويحاول أن يعمم منها ~~قانونا مطلق الصدق، فلنبحث لهذا المنهج التجريبي ~~الاستقرائي عن مصدر لليقين يدعم نتائجه؛ فإذا جاء «كينز» ~~وغيره من رجال المنطق يدافعون عن أن كل فكرة تجريبية هي - كالفكرة الرياضية - ممكن قياس احتمالها قياسا دقيقا، كان ~~موضع الخطأ عندهم هو نفسه موضع الخطأ عند الفلاسفة العقليين، ~~وهو عدم إدراك الفرق الجوهري بين ما تقوله الرياضة وما تقوله ~~العلوم الطبيعية، حتى ليتوهموا أن النوعين يمكن ردهما ~~إلى مجال من القول واحد، وإلى منهج في البحث واحد. # وإمعانا منهم في تشبيه المنهج الاستقرائي بالمنهج ~~الاستنباطي، كانوا يحاولون أن يلتمسوا للمنهج الاستقرائي ~~«مقدمة كبرى» تكون بمثابة الفرض الأولي الذي يجيء كل شيء ~~بعده بمثابة النتائج؛ وبهذا يصبون المنهج الاستقرائي كله في ~~قالب الاستنباط، كأن نقول - مثلا - كما قال «مل» إن هنالك ~~مقدمة كبرى يبدأ منها المفكر الاستقرائي، وهي «ظواهر الطبيعة ~~مطردة». هذا زعم لم نستخلصه من التجربة، بل فرضناه فرضا ~~لنفهم التجربة على ضوئه. وتحت هذه المقدمة الكبرى أضع مقدمة ms215 ~~صغرى هي أن حوادث الماضي جاءت على النحو الفلاني، فتكون ~~نتيجة «الاستنباط» في هذه الحالة هي: إذن فحوادث المستقبل ~~ستجيء على النحو نفسه. أو أن نقول - كما قال كينز - إن هنالك ~~مقدمة كبرى ومبدأ أوليا تنضوي تحته خطوات البحث العلمي؛ ~~فإذا هي بالنسبة إليه كالمقدمة الصغرى بالنسبة إلى المقدمة ~~الكبرى في القياس، بحيث يمكن بعد ذلك استدلال النتيجة ~~استدلالا يقينيا، وأما هذه المقدمة الكبرى عنده فهي «مبدأ ~~الصفات الأولية المحدودة» # 11 # الذي مؤداه أن في العالم عددا من الصفات ~~محددا، كل منها مستقلة عن الأخرى، لا تستدل منها ~~ولا تكون دليلا عليها، ومن هذه المجموعة الأولية ~~المحددة تتكون التشكيلات المختلفة على نحو يجعلني أتوقع ~~صفات «ب، ج، د» إذا وقعت على صفة «أ»؛ لأنني أعلم أن هذه ~~المجموعة توجد معا؛ فالتوقع هنا أو احتمال ما سيحدث مبني ~~على علم سابق بمبدأ عام سلمت به بادئ ذي بدء. # أعيد القول مرة أخرى، وهو أن كل محاولة في سبيل تبرير ~~المنطق الاستقرائي على نفس الأسس التي تبرر يقين النتائج في ~~المنطق الاستنباطي، هي محاولة في طريق خاطئ؛ لأن الأمر من ~~أساسه قائم على افتراض أن النوعين من التفكير يمكن ردهما ~~إلى مجال واحد ومنهج واحد، ولكننا نعلم الآن ما لم يكن ~~يعلمه سابقونا علما واضحا، وهو أن الأمر في الحالتين جد ~~مختلف. وليس من المقبول الآن أن تبرر صدق نتيجة تستخلصها ~~من شواهد الحس بنفس الطريقة التي تبرر بها صدق نتيجة ~~تكرر بها ما قد زعمته في مقدماتها فجاءت تحليلية لا تضيف ~~إلى علمنا علما جديدا؛ فلئن كنت في هذه تتوقع اليقين بطبيعة ~~الحال وتظفر به، ففي تلك لا يكون في وسعك إلا احتمال ~~مرجح الصدق؛ فلو ألقينا على أنفسنا الآن السؤال الذي ألقاه ~~«كانت» على نفسه، وهو: القضية من قضايا العلم الطبيعي قد جاءت ~~من التجربة، ومع ذلك فهي ضرورية الصدق يقينية، فمن أين جاءتها ~~تلك الضرورة وهذا اليقين؟ لو ألقينا هذا السؤال الآن، لما ~~ذهبنا معه نبحث في مبادئ العقل ms216 ومقولاته عن مصدر الضرورة ~~واليقين لأمثال تلك القضايا التجريبية، بل لأجبنا بأنه لا ~~ضرورة في القضايا التجريبية ولا يقين. # الجزء الثاني # | مشكلات الفلسفة التقليدية # ماذا كانت؟ وكيف صارت؟ # الفصل الثامن # | الحقيقة وظواهرها # 1 # زعم الفلاسفة - بالحق أو بالباطل - أن ما قد يظهر لنا من ~~العالم ليس هو بحقيقة العالم؛ فهذا الذي يظهر لنا منه متغير، ~~والحقيقة ينبغي أن تكون ثابتة؛ فها هي ذي الأشياء تظهر أمام ~~أعيننا حينا ثم تختفي، أفيجوز أن تكون حقيقة العالم هي هذه ~~العوابر التي لا تلبث أن تكون حتى تفنى، أم يكون الوجود ~~الحقيقي غير هذه الظواهر العابرة؟ ذلك هو السؤال الرئيسي الذي ~~ألقاه الفلاسفة على أنفسهم منذ كانت فلسفة. # والحقيقة أن التفرقة بين ما هو ظاهر وما هو حقيقي أمر ~~مألوف لنا في حياتنا اليومية وفي حياتنا العلمية على السواء؛ ~~فمن منا لم يقل لنفسه يوما عن شخص ما بأن حقيقته مختلفة ~~عن ظاهره، فليس هو - مثلا - من الشجاعة بحيث يبدو، وليست ~~الوطنية الصادقة جزءا من حقيقته كما يحاول أن يظهر للناس؟ ~~إننا نعلم في الناس هذه الفوارق بين ظواهرهم وحقائقهم حتى ~~لنستخدم كلمات خاصة - ككلمة النفاق مثلا أو كلمة الخداع - ~~لنصف بها هذا الذي نعلمه عن الناس. وإننا لنرى بأعيننا الشمس ~~تظهر في الشرق ثم تعبر السماء لتختفي في الغرب، لكننا بعد ذلك ~~نتعلم أن هذا الذي نراه هو ظاهر الأمر لا حقيقته؛ إذ حقيقة ~~الأمر هي أن الشمس ثابتة في مكانها ثباتا نسبيا، والعكس ~~صحيح بالنسبة للأرض؛ فظاهرها ساكن لكنها في حقيقة أمرها تدور ~~حول نفسها وتدور حول الشمس. وقد ننظر إلى كوب الماء فنراه ~~صافيا لا شائبة فيه؛ فإذا نظرنا إليه خلال عدسة المجهر ~~عرفناه على حقيقته، وهي أنه مليء بالأعلاق والشوائب والجراثيم ~~أشكالا وألوانا. وقد ألمس هذه المنضدة التي أكتب عليها ~~فأحس فيها الصلابة وتماسك الأجزاء، لكني أعلم بعد ذلك عن ~~علماء الطبيعة أن صلابتها تلك وتماسك أجزائها إن هما إلا ظاهر ~~الأمر لا حقيقته؛ فحقيقة أمرها هي أن قوامها ms217 ذرات كل منها ~~مجموعة من كهارب سالبة وموجبة لا تنفك متحركة مغيرة ~~من أوضاعها. # تلك إذن خبرة مألوفة؛ أن يكون ظاهر الشيء غير حقيقته. ~~ولما كان من التناقض أن نحكم على الشيء الواحد بالحكمين معا ~~في آن واحد، فنقول عنه إنه متحرك وثابت، أو إنه صاف ~~ومشوب، فلا بد أن يكون أحد الحكمين المتناقضين باطلا ليظل ~~الحكم الآخر صوابا ، وأي الشقين نحذف؟ إننا بالبداهة نحذف ~~ما هو ظاهر في الشيء لنبقي على حقيقته. # غير أن ما قد وصفناه من جوانب الشيء بأنه مجرد ظواهره، إن هو ~~إلا إدراك أدركناه كما أدركنا من الشيء جوانبه التي نقول عنها ~~إنها حقيقته؛ فلا يكفي أن أقول عن الإدراك الأول إنه إدراك ~~لظاهر ثم أحذفه، وعن الإدراك الثاني إنه إدراك لحقيقي ثم ~~أبقيه، بل لا بد أن أسأل نفسي: ما الخصائص التي تميز ~~الظاهر من الحقيقي ما دام كل منهما قد وقع لي في مجال إدراكي ~~كزميله على حد سواء؟ ما الخصائص التي لا بد أن تتوافر فيما ~~أدركه من الشيء لأقول عنه إنه إدراك لحقيقة الشيء؟ وبصفة ~~عامة: ما الخصائص التي يتميز بها الحق من الباطل، أو الباطن ~~من الظاهر؟ ذلك هو السؤال الرئيسي الذي كانت محاولات الإجابة ~~عنه هي الشطر الأعظم من الإنتاج الفلسفي على اختلاف ~~مذاهبه. # ولو وقعنا على هذه الخصائص المنشودة التي تميز الحق من ~~الباطل فيما ندركه عن شيء ما، فلا بد أن تكون تلك الخصائص هي ~~هي بعينها التي تميز الحق من الباطل في كل شيء آخر؛ أي إن ~~علامة الحق لا يجوز لها أن تتغير بتغير المناسبات والظروف، ~~بل لا بد أن تكون مطلقة لا فرق عند تطبيقها بين مكان ~~ومكان ولا بين لحظة من الزمن ولحظة. # وأولى الخصائص التي تميز الحق كائنا ما كان موضوعه - ~~هكذا جرى العرف بين الفلاسفة أن يقولوا - هي الخلو من ~~التناقض بين أجزاء الفكر أو أجزاء الخبرة؛ فما يتصف بأنه حق ~~لا بد أن يتصف في الوقت نفسه بأنه متسق الأجزاء ms218 بعضها مع ~~بعض اتساقا لا يجعل أي جزء منها مناقضا لأي جزء آخر؛ ~~فإذا وجدت نفسك إزاء فكرة أو إزاء خبرة تحللها فترى ~~تناقضا بين أجزائها، فاعلم على الفور أنك إزاء باطل من ~~الأمر. # وسأسوق لك مثلا من فيلسوف مثالي حديث هو «برادلي»، # 1 # الذي استخدم مبدأ عدم التناقض هذا في كتابه ~~المعروف «الظاهر والحقيقة» # 2 # ليبين على ضوئه أن معارفنا الجزئية باطلة؛ لأن ~~الكون في رأيه واحد واحدية يستحيل تجزئتها دون أن نحطم ~~حقيقته، فانظر إليه ماذا يقول في الفصل الثاني من كتابه ذاك - ~~وهو مثل من تفكيره في الكتاب كله - وهو فصل يعقده للتحدث ~~عن «الجوهر وصفاته»: # قوام العالم أشياء وصفاتها؛ فهذه القطعة من السكر شيء ~~وله صفات تنعته؛ فهي بيضاء وذات صلابة وحلاوة، ولكن ما نوع ~~العلاقة التي تربط قطعة السكر بصفاتها تلك؟ إنه من البديهي ~~ألا تكون قطعة السكر هي هي إحدى صفاتها مأخوذة بمعزل عن بقية ~~الصفات؛ لأنها لا تكون هي البياض وحده، ولا الصلابة وحدها، ولا ~~الحلاوة وحدها؛ أتكون إذن هي مجموع هذه الصفات مجتمعة ولا شيء ~~أكثر من ذلك؟ كلا؛ لأن مجموعة الصفات فيها تعدد مع أن قطعة ~~السكر شيء واحد، فمن أين جاءتها هذه الوحدة؟ أتكون هذه ~~الوحدة في قطعة السكر نابعة من الصفات ذاتها أم آتية ~~إليها من خارج؟ إنها بالبداهة لا هذه ولا تلك؛ فلسنا ندري كيف ~~ترتبط صفات اللون والطعم والصلابة في وحدة واحدة مع أنها ~~مختلفة أبعد اختلاف، وعلى كل حال فالعلاقة التي تربطها ~~معا ليست هي «بياضا» ولا هي «صلابة» ولا هي «حلاوة»؛ أي إنها ~~ليست هي من طبيعة تلك الصفات ذاتها؛ إذن فمن أين جاءت الرابطة ~~الموحدة بينها في قطعة من السكر «واحدة»؟ أم نقول أن لا ~~وحدة هناك وإن الأمر قائمة من صفات لا أكثر ولا أقل؟ لكن هذا ~~القول لا ينجينا من الحكم بأن كلا من تلك الصفات مرتبط ~~بالصفات الأخرى على نحو ما، بحيث يمكن أن نقول إن صفة البياض ~~مرتبطة بصفة الصلابة، ms219 ويعود الإشكال من جديد؛ كيف يرتبطان؟ ~~ما نوع العلاقة الكائنة هنا بين الطرفين المرتبطين؟ أتكون هذه ~~العلاقة نابعة من الصفات ذاتها أم مضافة إليها من خارج؟ ~~وهلم جرا؛ وإذن فصميم المشكلة هنا هو أنك إذا وصفت قطعة ~~السكر بأنها بيضاء وصلبة وحلوة، فإما أن تكون هذه الصفات ~~آتية إلى قطعة السكر من خارج طبيعتها؛ وبذلك تكون بمثابة ~~من يحكم على الشيء بما ليس من طبيعته، وإما أن تكون تلك الصفات ~~هي نفسها طبيعة السكر، وفي هذه الحالة تكون قد كررت ~~القول ولم تضف حكما جديدا. # والنتيجة التي يستهدفها برادلي من كلامه هذا هي أنك لو نظرت ~~إلى أي شيء على أنه حقيقة قائمة بذاتها، وأخذت تصفه بكذا ~~وكيت من الصفات، وجدت أن أقوالك عنه منطوية على تناقض؛ وإذن ~~فيستحيل أن تكون هي الحق؛ لأن الحق شرطه اتساق الأجزاء ~~وخلوها من التناقض. # والفلاسفة حين يقولون كلاما كهذا إنما يريدون أن ينتهوا ~~بنا إلى نتيجة يريدونها، وهي أن الكون وحدة لا تتجزأ، وهو ~~وحدة متسقة لا تناقض بين أجزائها؛ بمعنى أن كل جزء من ~~أجزاء الكون يستحيل فهمه إلا في علاقاته مع سائر الأشياء، ~~وعلاقاته تلك هي في الحقيقة علاقة منطقية تجعله نتيجة ~~محتومة لبقية الأجزاء، كما أن بقية الأجزاء معتمدة عليه ولا ~~تكون بغيره، كأنما الكون في ذلك شبيه بعلم الهندسة مثلا، كل ~~نظرية فيه يستحيل فهمها إلا منسوبة إلى بقية النظريات؛ لأنها ~~متحدة معها في بناء نظري واحد، فترى النظرية الواحدة من ~~نظرياته هي نتيجة لما يسبقها في البناء وهي مقدمة لما ~~يتلوها. # إن مشكلة اندماج الكثرة الظاهرة في كون واحد، بحيث تكون ~~الروابط بينها ضرورية محتومة، هي مشكلة قديمة قدم ~~الفلسفة؛ فالنظرة العاجلة إلى ما حولنا من أشياء قد توهمنا ~~بأن تلك الأشياء متفرق بعضها عن بعض، وأن لا ضرورة هناك ~~تحتم أن تكون كلها أجزاء من كائن واحد؛ فلئن اتصل الشيء ~~الواحد - كهذا القلم الذي في يدي - بمجموعة قليلة من الأشياء ~~الأخرى، كأن تكون ثمة صلة بينه وبيني، ms220 وبينه وبين ~~المنضدة التي أضعه عليها، والدواة التي تمده بمداده ~~وهكذا، فماذا تكون العلاقة بينه وبين سماك يطرح الشبكة عند ~~شاطئ البحر في الصين أو بينه وبين طائر يحلق في سماء ~~البرازيل؟ لكن النظرة الفاحصة قد تبين حقيقة غير هذا ~~الظاهر؛ فارتباط القلم بشخصي يربطه بعالم الفكر، وعالم فكري ~~يضم صورة السماك في الصين وصورة الطائر في البرازيل؛ فالحق ~~أنك إذا ما تعقبت أي شيء في علاقاته بما يجاوره، وما ~~يجاوره بما يجاوره، وهكذا، استحال عليك أن تعلم أين عساك أن ~~تقف حتى يتم لك بناء الكون كله. وهكذا تستطيع أن تبدأ بأي ~~كائن تشاء، وستجد أن علمك به يتوقف على علمك بسواه، وعلمك ~~بهذا يتوقف على علمك بغيره، وهكذا حتى يتم لك العلم بالكون ~~كله إذا أردت لنفسك علما كاملا، وإلا فقصاراك أن تعلم عن ~~ذلك الكائن لا الحق كله، بل أن تعلم عنه بمقدار ما تستطيع أن ~~تري روابطه بغيره من سائر الأشياء. # فلم يسع الفلاسفة إزاء هذه الكثرة الظاهرة من ناحية، ~~وارتباطها بعضها مع بعض من ناحية أخرى، إلا أن يجعلوا من ~~الأمر مسألة تستحق البحث والنظر، بل يجعلونه المسألة الكبرى ~~التي تواجه العقل وتتحداه؛ فهل نعد كل شيء مفرد ~~حقيقة قائمة بذاتها؛ وبذلك نبتره عن سائر الأشياء، أم إن ~~كل شيء مفرد لا يمكن معرفته وهو على حدة؛ وبالتالي فلا ~~مناص من وصله بغيره، ووصل غيره بغيره حتى تنقلب الكثرة ~~الظاهرة وحدة في الحقيقة؟ ولو كان الأمر كذلك لكان علمنا بأي ~~شيء على حدة علما ناقصا، ولكان الحق الكامل مستحيلا إلا ~~لمن استطاع أن يضم كل شيء في الوجود في نسق واحد. ~~بعبارة أخرى فالسؤال هو: هل الموجود الحقيقي واحد رغم كثرته ~~البادية، أم تكون هذه الكثرة البادية هي نفسها الحق؟ # وفي محاولة الإجابة عن هذا السؤال، لم يكن الفلاسفة كلهم على ~~مذهب سواء، بل انقسموا مذاهب: (1) ففريق منهم يجعل الموجود ~~الحقيقي واحدا؛ فإن بدا لحواسنا تعدد فيه كان هذا ~~وهما لا حقيقة. (2) وفريق آخر يري ms221 حقيقة الكون في كثرته ~~البادية، حتى إذا ما جاء الإنسان وحاول أن يلتمس بينها رباطا ~~بفكره يجعل منها كونا واحدا كان هذا الرباط الموحد من ~~وهمه هو، ووليد فكره هو، ولا شأن للحقيقة الخارجية به. (3) ~~ولا بأس هنا من ذكر فريق ثالث يحاول - كما حاول ليبنتز ~~مثلا - أن يوفق بين المذهبين السالفين في مذهب واحد، وهو ~~أن يجعل قوام الكون كائنات مستقلة بعضها عن بعض استقلالا ~~يجعل كل كائن منها مكتفيا بذاته، يستمد العلم من جوفه، حتى ~~لو لم يكن في العالم إلا إياه لظل قائما كما هو قائم، لكن ~~هذه الكائنات المستقلة تنصب معا في بناء نسقي واحد؛ ~~لا لأن طبيعتها الداخلية تقتضي أن يكون بينها هذا الائتلاف في ~~بناء واحد، بل لأن الوحدة قد خلعت عليها من خارجها، خلعها ~~عليها الله فوصلها بعضها ببعض من حيث لا تحتم طبائعها هذا ~~الاتصال؛ وبهذا يكون الوجود الحقيقي هو كثرة من كائنات ~~مستقلة، لكنه في الوقت نفسه مساق في وحدة تربطه في نسق ~~واحد. # ولكل من المذهبين الرئيسيين الأولين، مذهب الوحدة ومذهب ~~التعدد، أقسام فرعية قد تختلف فيما بينها اختلافا بعيدا ~~على الرغم من انضوائها تحت مذهب رئيسي واحد. # فالمذهب الواحدي الذي يجعل الحقيقة الكونية كائنا واحدا ~~مرتبط الأجزاء ارتباطا يجعل منها حقيقة واحدة، قد يذهب به ~~أصحابه إلى واحدية مادية - كما فعل بارمنيدس من فلاسفة ~~اليونان الأقدمين - بمعنى أن يكون العالم في حقيقته كتلة ~~مادية متجانسة، أو قد يذهب به أصحابه إلى واحدية ~~مثالية تترجم الكون كله إلى بناء عقلي فكري بين أجزائه ~~ما بين المقدمات ونتائجها من روابط. # وكذلك مذهب الكثرة قد يذهب به أصحابه إلى تعدد في ذرات ~~مادية يجعلونها وحداته الأولية - كما فعل ديمقريطس مثلا من ~~فلاسفة اليونان - أو هم قد يذهبون به إلى تعدد في ذرات ~~روحانية أو نفسية تكون هي وحداته المستقل بعضها عن بعض، ~~كما هي الحال مع ليبنتز. وهكذا ترى أنصار الكثرة كأنصار الوحدة ~~ينقسمون فريقين؛ أحدهما يجعل الوجود الحقيقي مادة، والآخر ~~يجعله ms222 عقلا أو روحا. وبين هذين الفريقين ينشأ فريق ثالث ~~يعترف بالجانبين معا؛ العقل والمادة، وهؤلاء هم الذين يشطرون ~~الحقيقة الكونية شطرين مختلفين؛ فلو كانت تلك الحقيقة الكونية ~~كائنا واحدا، كان هذا الكائن الواحد عقلا من جهة وطبيعة ~~من جهة أخرى؛ ولو كانت تلك الحقيقة الكونية كثرة من كائنات، ~~كانت هذه الكثرة كذلك عقلا من جهة ومادة من جهة ~~أخرى. # فعندما سأل الفلاسفة أنفسهم عن الحقيقة الكونية كم تكون، ~~أجاب فريق منهم بأنها واحدة، ثم انقسم هؤلاء شعبتين؛ فشعبة ~~تجعل تلك الحقيقة الواحدة مادية، وأخرى تجعلها عقلية، وأجاب ~~فريق ثان بأنها كثرة، ثم انقسم هؤلاء أيضا شعبتين؛ فشعبة ~~تجعل تلك الكثرة ذرات مادية، وأخرى تجعلها ذرات روحانية ~~أو نفوسا. ويمكننا النظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، فنقول ~~إنه لو سئل الفلاسفة عن الحقيقة الكونية ماذا تكون، أجاب ~~فريق منهم بأنها مادة، وما يسمى فيها بالعقل يمكن ترجمته ~~إلى ظواهر مادية، ثم انقسم هؤلاء جماعتين؛ فجماعة منهما تقول ~~إن تلك الحقيقة المادية ذات كيان واحد، وجماعة أخرى تقول بل ~~هي كيانات كثيرة. وأجاب فريق ثان بأنها عقل، وما يسمى ~~فيها بمادة يمكن ترجمته إلى مدركات عقلية، ثم انقسم هؤلاء ~~أيضا جماعتين؛ فجماعة منهما تقول إن تلك الحقيقة العقلية ذات ~~كيان واحد، وجماعة أخرى تقول بل هي عدة من عقول. وثمة ~~- إلى جانب هذين الفريقين - فريق ثالث يجعل الحقيقة الكونية ~~مادة وعقلا معا، ثم يعود هذا الفريق أيضا فينقسم جماعتين؛ ~~إحداهما تجعل كلا من العقل والمادة مستقلا عن الآخر ~~استقلالا لا سبيل معه إلى التقاء أحد الجانبين بالآخر، ~~والأخرى تجعل العقل والمادة جانبين يؤثر أحدهما في الآخر كما ~~نلاحظ في الإنسان عقلا وجسما كيف يكون لكل من هذين ~~الجانبين أثره على الآخر. # 2 # هكذا يتحدث الفلاسفة عن الكون كله باعتباره موضوعا يصلح ~~للحديث، كما يصلح الفرد الجزئي الواحد موضوعا للحديث سواء ~~بسواء؛ فعندهم أن لا فرق من حيث التكوين المنطقي بين أن أقول ~~«الكون كائن واحد» وبين أن أقول «هذا القلم أسود»، وأول ms223 ~~نقلة نحدثها - نحن الوضعيين المنطقيين - في مجال الحديث، ~~هي أن نجعل المذاهب التي أسلفنا ذكرها عن الحقيقة الكونية ~~منصبة على «القضايا» التي يقولها الإنسان عن الكون لا عن ~~الكون نفسه؛ وبهذا يصبح الاختلاف بين المذاهب السالفة اختلافا ~~على القضايا؛ فإذا سئل الفيلسوف المثالي الذي يوحد الكون في ~~حقيقة عقلية واحدة: كم قضية نستطيع بها أن نعبر عن حقيقة ~~الكون؟ أجاب: قضية واحدة ، أتخذ منها مبدأ أولا، ومن هذا ~~المبدأ الأول أستولد النتائج واحدة بعد أخرى، حتى يتكون لي ~~نسق واحد من قضايا، كل قضية فيه متصلة بكل قضية أخرى ~~اتصال المقدمة بنتيجتها أو النتيجة بمقدمتها. ومعنى هذا أن ~~الإنسان يستطيع أن يرتب في عقله هرما من أفكاره، بحيث ~~تزداد الفكرة اتساعا كلما صعدنا من قاعدة الهرم إلى قمته؛ ~~فقمة الهرم في هذه الحالة هي بمثابة المبدأ الأول الذي يراه ~~الفيلسوف المثالي رؤية الحدس المباشر، ثم تأتي الطبقات بعد ذلك ~~متسلسلة حتى ينتهي البناء الفكري كله، فتكون هذه الخبرة ~~العقلية الموحدة هي نفسها الحقيقة الكونية في واقعها ~~الوجودي. ولو كان الأمر كذلك لاستطاع صاحب هذه الخبرة العقلية ~~الموحدة أن يبدأ معرفته للحقيقة الكونية من أي فكرة شاء، ~~يأخذها أينما شاء من البناء، ثم ينزل منها إلى نتائجها ويصعد ~~منها إلى مقدماتها، فإذا هذه الفكرة الواحدة كفيلة أن ~~تطلعه على الحقيقة كلها؛ فالخبرة العقلية المنسقة التي ~~نكونها عن الحقيقة الشاملة، يبلغ بها الاتساق حدا يجعل ~~كل جزء من أجزائها ضروريا للبناء كله، وتغيير أي جزء أو ~~حذفه من شأنه بالضرورة أن يغير من البناء كله أو يهدمه. ~~والأمر في ذلك شبيه بالبناء في علم الهندسة، لا بد فيه أن ~~تتخذ النظريات أوضاعها بالنسبة بعضها إلى بعض، فلا تغيير ولا ~~حذف. # ولو أخذت قضية واحدة تتحدث عن جزئي واحد أو عن نوع ~~معين من الأفراد - هكذا يجري منطق المذهب المثالي الموحد ~~للكون في حقيقة عقلية واحدة - لو أخذت تلك القضية التي ~~تتحدث عن جزء من الكون على حدة، لتحتم ألا تكون ~~معبرة عن ms224 حقيقة كاملة؛ لأنها انتزعت في الفراغ بعد أن ~~كانت جزءا من بناء، وبعد أن كانت حقيقتها متوقفة على وضعها ~~من ذلك البناء لا على كيانها المستقل بذاته. ومن هنا عد ~~المثاليون حديثنا عن جزء من الكون حديث أوهام؛ لأنه حديث عن ~~حقائق ناقصة؛ وهل يكون الخيط الواحد تستله من الثوب ~~ثوبا، وهل يكون الحجر الواحد تستخرجه من الجدار جدارا؟ ولو ~~عددت القضية التي تتحدث عن جزء واحد من الكون تعبيرا ~~كاملا عن حقيقة مستقلة كاملة، وقعت - من وجهة نظر ~~المثاليين - في تناقض كالذي أسلفنا لك مثلا منه من الأمثلة ~~الكثيرة التي ساقها برادلي في كتابه «المظهر والحقيقة» (راجع ~~الفقرة الأولى من هذا الفصل)؛ فلو قلت - مثلا - إن الإسكندرية ~~واقعة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وظننت أنك تقول حقيقة ~~كاملة، كنت عند المثاليين واهما؛ لأنك تنتزع خلية من جسمها ~~الكبير وتحسبها كائنا مستقلا قائما بذاته؛ فأين هو البحر ~~الأبيض المتوسط من الكرة الأرضية، وأين الكرة الأرضية من ~~المجموعة الشمسية، وأين المجموعة الشمسية من سائر الأفلاك؟ ~~ولعلك تدرك الآن كيف يعد المثاليون حديث العلوم الطبيعية ~~حديثا ناقصا، فليس هنالك القانون العلمي الواحد الذي تستطيع ~~أن تقول عنه وهو على حدة إنه حق حقيقة كاملة. وكيف يكون ~~كذلك وهو يختص بجزء واحد من الطبيعة؟ وما لم ندرك علاقته ~~مع سائر القوانين كان إدراكنا ناقصا. # ولئن كان محالا على إنسان أن يلم بمجموعة الخبرات ~~العقلية كلها التي يكمل بها البناء النسقي الذي يصور ~~الحقيقة الكونية كلها، وأن يدرك ذلك البناء النسقي في ~~وحدته بنظرة حدسية واحدة؛ فإن الإنسان ليقترب من هذا الكمال ~~كلما زاد من علمه؛ إذ كلما ازداد الإنسان علما ازداد بالتالي ~~قدرة على إدراك العلاقات التي تربط الأفكار بعضها ببعض في ~~النسق الفكري الكامل؛ فمن القليل الذي أعرفه أستطيع أن ~~ألم بالحقيقة بدرجة تتناسب مع ذلك القليل المعروف. # ولكن ما كل فكرة واحدة أو مجموعة قليلة من أفكار تكشف ~~لنا عن الحقيقة الكاملة ككل فكرة أخرى؛ فالأفكار في ذلك ليست ~~على درجة ms225 سواء، بل إن منها ما هو أقدر من سواه على الكشف عن ~~حقيقة الكون الكبرى. خذ مثلا فكراتك عن هذه المجموعات الآتية: ~~كومة من أحجار، آلة، كائن عضوي، مجموعة النظريات في علم ~~الهندسة. هذه كلها مجموعات، لكنها تتفاوت في تصويرها لما تكون ~~عليه مجموعة الكون؛ فكومة الأحجار أقل من الآلة اتساقا؛ لأن ~~الحجر من أحجارها قد زال دون أن تتأثر الكومة في فكرتنا ~~عنها، على حين أن الآلة إذا نقصت جزءا من أجزائها أصابها ~~الخلل. والآلة بدورها أقل اتساقا من الكائن العضوي لجسم ~~حيوان مثلا؛ لأن أجزاء الآلة لا تنمو معا في اتحاد كما ~~تنمو أجزاء الكائن العضوي. والكائن العضوي بدوره أقل اتساقا ~~من أجزاء التفكير الهندسي المنظم؛ لأن تغيير عضو من الكائن ~~العضوي لا يستلزم تناقضا؛ فقد أتصوره ذا عين واحدة أو ذا ~~عينين، أما تغيير النظرية داخل النسق الهندسي الواحد فأمر ~~يستلزم تناقضا؛ لأن النظرية نتيجة محتومة لمقدماتها ~~المفروضة. # وإذن فهنالك من الحقائق العقلية ما هو «أصدق» من سواه على ~~تصوير الحق. وما أشبه الأمر في ذلك بسلوك الفرد من الإنسان في ~~مناسبات حياته المختلفة! ففي كل موقف سلوكي على حدة تظهر ~~طبيعة شخصيته، لكن المواقف السلوكية مع ذلك تختلف في درجة ~~تصويرها لتلك الشخصية، فهنالك السلوك الذي يكشف عن سرها أكثر ~~جدا مما يكشف عنه سلوك آخر. وهكذا تتفاوت الكائنات تعبيرا ~~عن الحقيقة؛ فمنها ما يكون أوفى وأشمل وأصدق تعبيرا عنها من ~~غيره؛ فالعقل الإنساني من غير شك أوفى وأصدق تعبيرا من قطعة ~~الحجر عن حقيقة الكون الكبرى؛ أي إنه أعلى من قطعة الحجر في ~~درجة نصيبه من الحقيقة. # ومعيارنا الذي نقيس به أنصبة الأشياء الفردية من درجات ~~الحقيقة هو مقدار ما فيها من فردية واكتفاء ذاتي؛ فكلما ~~ازداد الشيء فردية واكتفاء بذاته كان أقرب في تصويره للحقيقة ~~الكونية؛ وبالتالي فنصيبه من الوجود الحقيقي يزداد غزارة ~~وعمقا، وإنما تقاس فردية الفرد في درجاتها المتفاوتة، أولا ~~بمقدار ما في الفرد الواحد من تفصيلات، وثانيا ما يكون بين ~~تلك ms226 التفصيلات من اتساق يجعل منها كائنا واحدا؛ فالفرد ~~الكثير التفصيلات في مضمونه أعلى في درجات الحق من الفرد ~~الفقير في تفصيلاته، ثم يكون الفرد المتسق الأجزاء أعلى ~~وجودا وحقيقة من مجموعة العناصر التي لا تأتلف ولا تكون ~~فردا. وبعبارة أخرى، كلما ازداد الشيء اعتمادا على غيره في ~~فهمنا إياه كان أدنى درجة في سلم الوجود، وكلما قل ~~اعتماده على غيره كان أعلى درجة في ذلك السلم. وهكذا ~~تصعد في سلم الكائنات حتى تبلغ القمة إذا بلغت معرفة ~~كاملة بالكون كله؛ فعندئذ تراه فردا واحدا كثير التفصيلات، ~~لكنها تفصيلات اتسقت في خبراتنا بها اتساقا يجعل من ~~الكل كائنا واحدا، يفسر نفسه بنفسه، وكل شيء فيه إنما ~~يستمد تفسيره من وضعه في ذلك الفرد الواحد الكبير. # وكلما اتسع علمنا بكائنات الوجود، ازددنا إدراكا لما بين ~~تلك الكائنات من اتساق وتكامل؛ ففي أول عهدنا بدراسة ~~العلوم المختلفة - مثلا - قد يخيل إلينا أن لا علاقة بين ~~علم منها وآخر، وأن لكل منها قوانينه التي لا شأن لها ~~بقوانين سواه، ثم نرقى في معارفنا العلمية، فيتسع أفقنا ~~الإدراكي بحيث نرى هذه المجموعات المتفرقة من القوانين آخذة ~~في الانضواء بعضها تحت بعض؛ فقانون أقل شمولا يندرج تحت آخر ~~أوسع نطاقا، وهكذا، بل إن الإنسان في مراحله العلمية الأولى ~~قد يتوهم أن في بعض قوانين العلوم - منسوبا بعضها إلى بعض - ~~شيئا من التناقض. خذ - مثلا - الأعداد اللامقيسة في الرياضة، ~~فالنسبة بين ضلع المربع ووتره لا يمكن ضبطها في عدد معلوم ~~الحدود؛ ولذلك سميت تلك النسبة وأشباهها أعدادا لا ~~مقيسة؛ أي إن قياسها مستحيل. وكان الظن في أولى مراحل التطور ~~في علم الهندسة أن هذه الأعداد اللامقيسة نشاز في بناء العلم لا ~~يتسق مع بقية أجزائه، حتى تقدم العلم الرياضي وتغيرت ~~نظرية العدد من أساسها، فأمكن تفسير الأعداد اللامقيسة ~~تفسيرا يزيل ما كان بينها وبين سائر أجزاء العلم من ~~تنافر. # وخلاصة القول إن هنالك حقيقة واحدة كبرى تشمل الكون كله، ~~داخلها حقائق فرعية جزئية، يكون تفسيرها وفهمها معتمدا ms227 على ~~موضعها من البناء المتسق المتكامل. أو قل إن هنالك قضية ~~أولى منها تنبع كل قضية أخرى، بحيث يكون صدق هذه ~~متوقفا على صدق تلك. # قارن هذا بوجهة النظر الأخرى التي تعدد أجزاء الكون ولا ~~توحدها؛ فالمعرفة الإنسانية في هذه الحالة تكون مجموعة من ~~قضايا لا يتوقف صدق الواحدة منها على صدق الأخرى، بل يتوقف ~~صدقها على مطابقتها للواقعة الجزئية التي جاءت القضية ~~لتصورها؛ فبهذا يكون الكون هو حاصل جمع ظواهره ووقائعه، ~~وليس هو بالكائن الواحد الذي يجعل من تلك الظواهر والوقائع ~~أعضاء من كل متكامل؛ وبالتالي تكون المعرفة الإنسانية ~~قائمة من قضايا لا يشترط لها أن تتساند كلها في نسق واحد ~~يجعلها جميعا نتائج لمقدمة أولى واحدة. # وقائع العالم الخارجي مستقل بعضها عن بعض ولا يستدل ~~بعضها من بعض، وإنما الاستدلال يكون لقضية من قضية أخرى أعم ~~منها وتشملها، كأن أقول - مثلا - إنه إذا لمع البرق قرقع ~~الرعد، وقد لمع البرق، فهنا أستدل أن قرقعة الرعد وشيكة ~~الوقوع. ويلاحظ هنا أنه لو كانت القضايا التي بين أيدينا ~~جزئية بمعنى أن كلا منها يصور واقعة جزئية واحدة، لما ~~أمكن أن نستدل إحداها من الأخرى، ف «هذا القلم أسود» و«تلك ~~البرتقالة مستديرة» قضيتان جزئيتان فرديتان تتحدث كل منهما ~~عن واقعة بسيطة واحدة؛ وبالتالي فلا يمكن استدلال إحداهما من ~~الأخرى. # فإذا نظرنا إذن إلى الاختلاف بين مذهب الواحدية ومذهب الكثرة ~~من زاوية المعرفة الإنسانية، أي من حيث مجموعة القضايا التي ~~يمكن للإنسان أن يقضي بها في أمور العالم، كان الاختلاف ~~بينهما هو أن مذهب الواحدية يضم قائمة القضايا كلها في نسق ~~استنباطي واحد، على حين أن مذهب الكثرة يفرط حباتها ~~ليتم تحقيق كل منها على حدة مستقلة عن الأخرى. # 3 # ها نحن أولاء قد عرضنا أمامك رأيا في الكون شاع بين ~~الفلاسفة وإن يكن قد اتخذ لديهم صورا مختلفة هنا أو هناك، ~~ولكنها تجتمع على قاعدة مشتركة، وهي محاولة الفيلسوف أن يقول ~~قضية يقضي فيها عن الكون كله بحكم من الأحكام، بحيث ms228 تأتي ~~سائر القضايا الفرعية بعد ذلك كالنتائج المحتومة التي تلزم عن ~~مقدماتها؛ فماذا صار من أمر هذا التقليد الفلسفي على ضوء ~~التحليلات الحديثة؟ لقد أظهرت هذه التحليلات أن كل قضية نحكم ~~بها على مجموعة بأسرها من أعضاء، هي بغير معنى، بل هي ليست ~~بالقضية إطلاقا، إنما هي ما يقولون عنه الآن «دالة قضية»؛ ~~أي إنها عبارة غير مكتملة الأجزاء، فيها ثغرات شاغرة ، إذا ~~لم تملأ بأسماء جزئية لبثت القضية جوفاء فارغة، ودع ~~عنك قضية كبرى يقولها الفيلسوف لا ليحكم بها على هذه ~~المجموعة الفرعية أو تلك من مجموعات الكائنات، بل يقولها ~~ليحكم بها على الكون كله بما فيه ومن فيه. # ليس موقفنا إزاء فيلسوف يقضي في شأن الكون كله بحكم واحد ~~هو أن نصحح له هذا الحكم بحكم سواه؛ فمثلا يقول عنه إنه ~~عقل، فنقول له بل هو مادة، بل موقفنا هو أن كل حكم من هذا ~~القبيل الشامل هو قول بغير مضمون، أو عبارة بغير معنى؛ ذلك ~~لأن تحقيقها كما هي قائمة في شمولها وعموها ضرب من المحال، ~~لا لأنها فوق مستطاع البشر، وأنه لو رزق البشر إدراكا ~~أوسع وأعلى وأشد نفاذا، لاستطاعوا عندئذ أن يتحققوا من ~~صدق مثل هذه العبارة الشاملة بحكمها لأجزاء الكون كله، بل إن ~~مصدر الاستحالة هنا منطقي صرف، فما دام هذا الحكم العام ~~ينصب - كما يزعم صاحبه - على الحقيقة الخارجية كما هي قائمة ~~في الوجود الفعلي، فلا بد من الرجوع إلى تلك الحقيقة، ولكن هذه ~~الحقيقة كما تقع في خبراتنا مجموعة كبيرة من أجزاء؛ وإذن ~~فهذا الرجوع إليها محال إلا إذا اكتفينا في كل خطوة بالرجوع ~~إلى جزء واحد فقط من المجموعة الكبرى؛ ومعنى ذلك أنه لكي ~~يكون الحكم ممكن التحقيق يجب أن ينصرف الحديث فيه إلى جزئية ~~واحدة من جزئيات الكون؛ فإذا فرضنا بعد ذلك أننا قد أتممنا ~~قائمة طويلة بكافة الأحكام الجزئية التي تقال صدقا عن ~~الوقائع الجزئية، كانت هذه القائمة شاملة لعلمنا بالكون، ولو ~~لخصناها في قضية واحدة عامة، كانت هذه ms229 القضية الواحدة في ~~ذاتها بغير معنى؛ لأن معناها لا يكون إلا إذا عدنا ~~ففضضناها حبة حبة وجزءا جزءا. # إنك تستطيع أن تضم مجموعة كبيرة من الكتب بعضها إلى بعض، ~~ثم تحكم عليها حكما واحدا فتقول: هذه الكتب كلها مسرحيات ~~عربية. ولكن حكمك هذا في حقيقة أمره إن هو إلا تلخيص لقائمة ~~من الأحكام الجزئية التي ينصب كل حكم منها على كتاب واحد ، ~~فنقول: هذا الكتاب مسرحية عربية، وهذا، وذلك إلى آخر ~~المجموعة. فالقضية الحقيقية هنا، القضية التي يمكن التحقق من ~~صدقها بالرجوع إلى واقعتها الخارجية، هي القضية الجزئية التي ~~من هذا القبيل، أما تلخيص عدد من القضايا الجزئية في عبارة ~~واحدة، فإن أفاد في اختصار الحديث وسرعة التفاهم إلا أنه لا ~~يشير بذاته إلى شيء معين من أشياء العالم، وإذن فهو - كما ~~هو في تعميمه - بغير معنى، ولا يكتسب معنى إلا إذا حولناه ~~مرة أخرى إلى مفرداته. # لكننا نخطئ إذا نحن جمعنا المفردات في حزمة واحدة، ثم حكمنا ~~على هذه الحزمة الواحدة بما لا يصلح الحكم به إلا على كل عضو ~~على حدة من أعضاء المجموعة، كأن أجمع زيدا إلى عمرو إلى ~~خالد، ثم أطلق على مجموعة الأعضاء اسما واحدا هو «إنسان»، ~~ثم أقول عن هذا «الإنسان» إنه «مفكر» أو إنه «فان» مع أن ~~التفكير أو الفناء صفة يوصف بها زيد وحده أو عمرو وحده أو ~~خالد وحده. وليس «الإنسان» فردا واحدا بحيث يقال عنه إنه ~~يفكر أو إنه يفنى. إن كلمة «الإنسان» رمز ناقص كما ~~بينا لك فيما مضى من حديث (انظر الفقرة الثالثة من الفصل ~~الرابع)؛ أي إنه رمز لا يرمز وحده إلى أحد؛ وبالتالي لا يجوز ~~أن ينسب له ما ينسب للآحاد. كلمة «إنسان» دالة على ~~فئة بأسرها من الأفراد، ولا يجوز معاملتها كما لو كانت اسما ~~دالا على عضو من أعضاء نفسها، فما بالك بكلمة «الكون» التي ~~نشير بها إلى أكبر مجموعة ممكنة من الأشياء المفردة، فلو ~~جعلناها موضوعا نصفه بما نصف به أي فرد من ms230 أفراد هذه ~~المجموعة، كأن نقول عنه إنه مادي مثلا، كنا بمثابة من ~~يجعله عضوا من أعضاء نفسه، وفي ذلك من التناقض، بل في ذلك من ~~فراغ القول من أي معنى، ما يجعل هذا القول عند المنطق قولا ~~غير مشروع. # وذلك ما وضحه برتراند رسل وبينه بتحليله الذي أطلق عليه ~~اسم «نظرية الأنماط المنطقية»؛ # 3 # وقد بدأ تفكيره في هذا الموضوع حين أخذ يفكر في ~~طائفة من المتناقضات التي كان يؤدي إليها المنطق الصوري، ~~والتي لاحظ اليونان بعضها ولكنهم لم يأخذوها مأخذ الجد، ثم ~~تبين أخيرا أنها تشمل الرياضة نفسها، ومن هنا استثارت ~~اهتمام فلاسفة التحليل الحديث. # فكلنا يذكر هذه المفارقة التي هبطت إلينا من اليونان ~~الأقدمين على سبيل المزاح المنطقي - إن صح لنا هذا التعبير - ~~وهي مفارقة إبمنديز الإقريطي الذي قال عن قومه أهل إقريطش إنهم ~~جميعا كذابون، فقيل إنه إذا كان هذا الرجل صادقا في حكمه ~~الشامل على قومه جميعا - وهو أحدهم - كان هذا الحكم منصبا ~~عليه كذلك؛ أي إنه كان هو الآخر كاذبا في كل ما يقول، ومن ~~بينه هذه العبارة التي يقول فيها عن قومه إنهم كذابون؛ وإذن ~~فالعبارة نفسها كاذبة؛ وبهذا يكون نقيضها صوابا، ونقيضها هو: ~~هنالك على الأقل شخص واحد من أهل إقريطش ليس كاذبا. # كانت هذه المفارقة تقال على سبيل المزاح أكثر مما تقال على ~~سبيل الجد الذي يحفز التفكير ليكشف عما فيها من مصادر الخطأ، ~~ولم يتحفز لها المفكرون إلا حديثا، حين رأوا المفارقة ~~نفسها قائمة في مجال التفكير الرياضي نفسه. # وابدأ بهذه المشكلة من مشكلات الرياضة؛ هل هناك عدد ممكن ~~أن يقال عنه إنه أكبر عدد ممكن بين الأعداد الأصلية؟ إن ~~مجموعات الأشياء في هذا العالم يتفاوت عددها؛ فالمصريون عددهم ~~ثلاثة وعشرون مليونا، وسكان الصين أربعمائة مليون، وسكان ~~العالم كله هو كذا مليونا. ولو عددت أفراد الحيوان كلها ~~وجدتها كذا، ولو عددت أعواد النبات ألفيتها كيت ... هذه كلها ~~أعداد تعد مجموعات، فهل إذا تصورنا أننا قد عددنا أشياء ~~العالم كلها من كائنات ms231 جوامد إلى أفراد الأحياء نباتا كان أو ~~حيوانا وإنسانا، أقول هل إذا تصورنا أنفسنا وقد عددنا هذه ~~الأشياء جميعا، فهل نبلغ بذلك أكبر عدد ممكن من الأعداد ~~التي نعد بها المجموعات المختلفة؟ إن الجواب السريع الذي ~~يطوف بالبال هو بالإيجاب؛ إذ لا نتصور للوهلة الأولى أن ~~هنالك مجموعة من أشياء هي أكبر عددا من مجموعة الأشياء كلها ~~التي في الكون كله، ولكنك إذا أخذت تكون من هذه الأشياء ~~نفسها صنوفا من التباديل، تبين لك أنك ستنتهي إلى مجموعات ~~عددها أكبر من العدد الذي نعد به الأشياء كلها. ولبيان ذلك ~~افرض أن في العالم كله ثلاثة أشياء فقط، وارمز لها بالرموز أ، ~~ب، ج؛ فها هنا يكون العدد ثلاثة هو عدد أشياء العالم كلها، ~~لكنك من هذه الأشياء الثلاثة تستطيع أن تكون فئات؛ فئة ليس ~~فيها أفراد، وفئة قوامها أ وحدها، وأخرى قوامها ب وحدها، ~~ورابعة قوامها ج وحدها، وخامسة قوامها أ ب، وسادسة قوامها أ ج، ~~وسابعة قوامها ب ج، وثامنة قوامها أ ب ج معا؛ أي إن مجموع ~~الفئات التي كونتها ثمانية، مع أن عدد الأشياء كلها ثلاثة، ~~وتلك الثمانية تساوي 2 # 3 ~~، وستجد ~~أنه مهما يكن عدد الأشياء كلها، ولنرمز له بالرمز ن، فسيكون عدد ~~الفئات التي يمكنك تكوينها منها هو ~~2 # ن ~~، ومن الممكن رياضيا أن ~~نبرهن على أن 2 # ن # هي دائما أكبر ~~من ن، سواء كانت هذه عددا متناهيا أو غير متناه؛ ومن هنا ~~تعلم أن عدد الأشياء كلها في الكون هو دائما أصغر من عدد ~~الفئات أو المجموعات التي يمكن تأليفها من تلك الأشياء. # وفي قولنا إن عدد الأشياء كلها التي في الكون ليس هو بأكبر ~~عدد نعد به الأشياء في الكون، مفارقة ظاهرة كالمفارقة ~~التي رأيناها في قول إبمنديز الإقريطي حين قال عن قومه من أهل ~~إقريطش إنهم جميعا كذابون، فانتهى بنا القول نفسه إلى أن بعضهم - على الأقل - صادق؛ فكذلك قولك عن الأشياء كلها في الكون إن ~~عددها ن ينتهي بك إلى ms232 أنها إذن تكون أكثر من ن؛ إذ تكون 2 # ن # كما ~~بينا. وهي مفارقة لا تزول إلا إذا فرقنا بين الأشياء ~~الجزئية من جهة والفئات التي تتألف الجزئية من جهة أخرى، ~~بحيث لا نجعل هذه على قدم المساواة مع تلك، بل نجعلهما من ~~تلك الأشياء من نمطين مختلفين. # يبدأ الخلط إذا ما عددت الأفراد الجزئية، ثم أضفت إليها ~~في حزمة واحدة وعلى الأساس نفسه عدد الفئات التي تكونها ~~من تلك الأفراد؛ فلو كان أمامك فردان يكونان مجموعة ما، ~~يكونان - مثلا - زوجا من الدجاج أو زوجا من الأحذية، فإما ~~أن تنظر إليها من زاوية الأفراد فيكون العدد اثنين، وإما أن ~~تنظر إليها من زاوية المجموعة فيكون العدد واحدا، دون أن تجمع ~~بين وجهتي النظر معا في عدد واحد فتقول إن هناك ثلاثة ~~أشياء؛ هذا الفرد وهذا الفرد والزوج الذي يتكون منهما، وإلا ~~كنت كفيلسوف صيني قديم قال عن بقرة وحصان إنهما ثلاثة ~~أشياء؛ البقرة على حدة، والحصان على حدة، ومجموعة البقرة ~~والحصان معا؛ أو كنت كأفلاطون حين يقول في محاورة بارمنيدس ما ~~ملخصه أنه إذا كان هنالك العدد 1، إذن فالعدد 1 له وجود، ~~ولكن العدد 1 وصفة الوجود ليسا متطابقين تطابقا ذاتيا ~~يجعلهما شيئا واحدا بذاته، وإذن فهما اثنان؛ وإذن فهناك ~~العدد 2، وإذا ضممنا العدد 2 إلى العدد 1 وإلى صفة الوجود ~~كان لنا بذلك مجموعة عددها 3، وهكذا؛ كلا، إنه لا يجوز أن ~~نحكم بالوجود على الأفراد الجزئية بنفس المعنى الذي نصرفه إلى ~~الفئات، فإذا وصفنا الأفراد الجزئية بالوجود، كانت الفئات غير ~~ذات وجود بنفس المعنى؛ فالمعنى الذي نقصد إليه إذا ما قلنا ~~عن الفئات إنها «موجودة» غير المعنى الذي نقصد إليه إذا ما ~~قلنا عن المفردات إنها «موجودة»، ولو كان المعنيان متطابقين في ~~معنى واحد، لكان العالم الذي فيه ثلاثة أشياء، نكون منها ~~ثماني فئات، عالما يحتوي على أحد عشر كائنا. # وننتقل بحديثنا الآن عن نقيضة الفئات التي ليست أعضاء في ~~نفسها؛ فكما أسلفنا لك القول، لا تكون مجموعة الأفراد ms233 فردا من ~~هؤلاء الأفراد، فمجموعة المقاعد ليست مقعدا، ومجموعة أفراد ~~الناس ليست فردا من الناس، وهكذا، وباختصار ليست المجموعات أو ~~الفئات التي نصنف بها الأشياء، هي نفسها أشياء، وهذا بالطبع ~~يصدق أيضا على مجموعة الأشياء كلها التي في الكون، لا تكون ~~شيئا من أشياء الكون نتحدث عنه كما نتحدث عن أي واحد منها، ~~لكن ماذا تقول في مجموعة كبرى نضم فيها - لا أفراد فئة ~~واحدة - بل نضم فيها سائر المجموعات التي في العالم من ~~أشجار وأنهار وجبال وكتب وناس ... إلخ؛ فها هنا نري أنفسنا ~~إزاء فئة من فئات؛ أي إزاء مجموعة تضم مجموعات، فالأعضاء ~~نفسها مجموعات كالمجموعة نفسها التي تضمها، فهل نقول عندئذ ~~إن الفئة الكبرى التي أعضاؤها فئات صغري، تكون - كأعضائها - ~~فئة كأي فئة أخرى وإن اختلفت عنها حجما؟ لو كان هذا هكذا، ~~كنا إزاء حالة أمكن فيها لفئة ما أن تكون عضوا من أعضاء ~~نفسها كما قد يبدو للنظرة الأولى. # نعيد هذا الذي قلناه في عبارة أخرى زيادة في توضيحه؛ فقد ~~قلنا إن فئات الأشياء المفردة كما نألفها في حياتنا اليومية لا ~~تكون - بالبداهة - أعضاء بين أعضاء نفسها؛ أي إننا - مثلا - ~~لو حزمنا الأقلام كلها في مجموعة واحدة، لما كانت هذه ~~المجموعة قلما من الأقلام؛ وبهذا لا يجوز لنا أن نصفها بما ~~نصف به كل قلم على حدة. ولما كانت الكلمات الكلية مثل «إنسان» ~~و«شجرة» و«قلم» إن هي إلا أسماء تدل على مجموعات من أفراد، ~~بحيث لا تكون أية مجموعة منها فردا من أفرادها، كان من غير ~~الجائز أن نتحدث عن اسم المجموعة على نفس الأساس الذي نتحدث به ~~عن كل فرد من الأفراد على حدة. وسؤالنا الآن هو هذا: أيستحيل ~~إطلاقا على أية مجموعة كائنة ما كانت أن تكون عضوا في ~~نفسها؟ ومصدر سؤالنا هذا هو ما قد يطوف بعقولنا من ظن بأننا ~~نكون إزاء حالة كهذه لو أننا جمعنا لا أفرادا بل فئات ~~في فئة كبرى تضمها بحيث تكون تلك الفئات الصغرى أعضاء في ~~الفئة الكبرى؛ ms234 فهنا قد نظن أن الفئة الكبرى فئة كما أن كل ~~فئة من أعضائها هي فئة كذلك؛ وإذن فالفئة الكبرى يكون شأنها ~~شأن فئاتها الصغرى في كونها مجموعة كأي فئة من أعضائها؛ أي ~~إن الفئة الكبرى في هذه الحالة تكون عضوا من أعضاء نفسها، ~~يجوز أن نتحدث عنها بمثل ما نتحدث به عن أي عضو من أعضائها. ~~ولو صح ذلك لكان للأمر نتيجته الهامة في الفلسفة، وهي أن ~~يستطيع الفيلسوف التحدث عن الكون كله دفعة واحدة باعتباره ~~مجموعة كبري، ما دام في مستطاعه أن يتحدث عن أية فئة أخرى ~~من فئات الأشياء. ونكرر السؤال بالصورة التي يستخدمها ~~برتراند رسل حين يتحدث عن هذا الموضوع، فنقول: إذا جمعنا ~~الفئات التي لا تصلح الواحدة منها أن تكون عضوا في نفسها، ~~إذا جمعناها في فئة واحدة، بحيث أصبحت هذه فئة للفئات التي ~~ليست أعضاء في نفسها، فهل تكون هذه الفئة عضوا في نفسها أو لا ~~تكون؟ # هنا نضع إصبعنا على النقيضة المشهورة التي لاحظها رسل لأول ~~مرة، وأرسل إلى فريجه يخبره بها، وكان فريجه قد فرغ من طبع ~~كتابه في أصول الحساب، فألفى نفسه إزاء نقيضة عسير حلها، ~~فأضاف حاشية لكتابه يقول فيها: «وا أسفاه! إن علم الحساب ~~يترنح على أساس منهار.» وذلك لأنك إزاء السؤال السالف ~~الذكر، لو قلت إن فئة الفئات التي لا تصلح كل واحدة منها أن ~~تكون عضوا في نفسها، لو قلت إن فئة الفئات هذه هي نفسها تكون ~~عضوا في نفسها، لترتب على ذلك أنها لا تكون، ولو قلت إنها ~~لا تكون عضوا في نفسها، لترتب على ذلك أنها تكون. # ولشرح ذلك نقول: تصور أننا حزمنا الأقلام كلها في ~~مجموعة واحدة، فهذه تكون فئة ليست عضوا في نفسها؛ أي إنها ~~ليست قلما أضيف إلى سائر الأقلام؛ وتصور كذلك أننا حزمنا ~~الملاعق كلها في مجموعة واحدة، فهذه أيضا لا تكون عضوا في ~~نفسها؛ أي إنها لا تكون ملعقة تضاف إلى بقية الملاعق، وهكذا؛ ~~ثم اجمع هذه المجموعات التي لا تكون ms235 كل منها عضوا في نفسها، ~~اجمعها في مجموعة كبري واحدة؛ فلو قلت عن هذه المجموعة إنها ~~شبيهة بأعضائها في أنها ليست عضوا في نفسها، كنت في الوقت ~~نفسه بمثابة من يقول إنها إذن - ما دامت شبيهة بأعضائها - لا ~~تكون عضوا في نفسها (كتلك الأعضاء الداخلة فيها)، ولو قلت عن ~~هذه المجموعة الكبرى إنها ليست شبيهة بأعضائها، أي إنها - على ~~خلاف تلك الأعضاء - تكون عضوا في نفسها، لزم أن تكون كأي ~~عضو من أعضائها، والعضو من أعضائها - كما رأيت - فئة لا تكون ~~عضوا في نفسها. وهكذا تري نفسك إزاء التناقض الذي أشرنا إليه، ~~والذي نلخصه في قولنا: إن الفئة الكبرى التي تضم فئات، ~~إذا كانت عضوا في نفسها لم تكن عضوا في نفسها، وإذا لم تكن ~~عضوا في نفسها كانت عضوا في نفسها. # فما مصدر هذا التناقض؟ مصدره نظرتنا - خطأ - إلى الفئات على ~~نفس الأساس الذي ننظر عليه إلى الأفراد الجزئية، وفي هذا كل ~~الخطأ؛ لأنه بينما الاسم المشير إلى فرد جزئي إنما يشير إلى ~~شيء له وجود فعلي، يكون الاسم الدال على فئة غير مشير ~~إلى شيء ذي وجود فعلي. بعبارة أخرى، بينما الاسم الجزئي ~~رمز كامل يكون الاسم الكلي رمزا ناقصا؛ أي إن كل عبارة ~~ورد فيها اسم كلي يمكن ترجمتها إلى عبارة أخرى تساويها ~~معنى، وتتخلص من ذلك الاسم الكلي برمز آخر يشير إلى مجموعة ~~أفراده. ولما كان لفظ «الكون» لفظا يراد به مجموعة من نمط ~~أعلى، بحيث تأتي تحتها مجموعات من نمط أدنى، ثم تأتي تحت هذه ~~المجموعات أفراد جزئية، كان من غير الجائز أن نتحدث عن ~~المجموعة الكبرى بما نتحدث به عن مجموعاتها الصغرى، كما أنه لا ~~يجوز أن نتحدث عن أية مجموعة صغرى بما نتحدث به عن ~~أفرادها. # القاعدة العامة - إذن - هي أنه إذا كانت هنالك فئة مهما يكن ~~نوع مفرداتها، ثم أطلقت على هذه الفئة اسما، فلا يجوز أن ~~تتحدث عن هذا الاسم بما تتحدث به عن مفرداتها؛ وعلى هذا الأساس ~~تزول مفارقة إبمنديز ms236 الإقريطي الذي قال عن قومه جميعا إنهم ~~كذابون، فهل نطبق عليه هو نفسه هذا الحكم فيكون كاذبا كسائر ~~أفراد قومه؛ وبذلك يكون قوله ذاك كاذبا؛ وبالتالي يكون بعض ~~أهل إقريطش صادقين؟ أقول إن هذه المفارقة إنما نشأت لأننا ~~نظرنا إلى عنوان القائمة نظرتنا إلى مفرداتها؛ فلو كنا قد ~~جمعنا أقوال أهل إقريطش كلها في قائمة واحدة، ثم قلنا عنها ~~جميعا إنها أقوال كاذبة، لما كان هذا القول الأخير واحدا من ~~تلك الأقوال الكاذبة؛ لأنه من نمط أعلى من نمطها، وما نتحدث ~~به عن نمط أدنى لا يجوز أن نتحدث به هو نفسه عن نمط أعلى؛ ~~فقول إبمنديز الإقريطي قول عام لا يكون عضوا من أعضاء ~~نفسه؛ أي إنه لا يكون هو نفسه أحد الأقوال التي ينطبق عليها ~~حكمه ذاك. # وقل هذا عن مجموعات القضايا؛ فافرض جدلا أنك ستعد ~~قائمة طويلة قوامها قضايا جزئية كل منها تتحدث عن واقعة ~~من وقائع العالم، ثم افرض أنك حكمت على هذه القائمة من القضايا ~~الجزئية حكما ما، كأن تقول مثلا: «إنها جميعا إما أن تكون ~~صادقة في تصويرها للواقع أو كاذبة.» فلا يجوز أن تعود فتقول عن ~~هذه العبارة العامة نفسها إنها كذلك - كالقضايا المشمولة ~~بحكمها - إما صادقة في تصوير الواقع أو كاذبة، ولو فعلت ~~وقعت في نفس الخطأ الذي أشرنا إليه، وهو حكمك على الفئة في ~~مجموعها بما تحكم به على أفرادها، مع أن الفئة لا تكون عضوا ~~في نفسها. # إن وقائع العالم تتركب على درجات تتفاوت تعقدا كلما ~~ارتفعنا معها صعودا؛ فهنالك في الدرجة السفلى جزئيات هي ~~البسائط التي يتركب منها العالم - كائنة ما كانت - وافرض ~~أنها أ، ب، ج؛ ومن هذه البسائط تتركب وقائع بأن يشترك عنصران ~~أو أكثر بعلاقة ما، وتكون هذه الوقائع بسيطة لأنها تنحل ~~إلى بسائط، كأن تكون «أ على يمين ب»، ثم من هذه الوقائع ~~البسيطة تتركب وقائع مركبة، والواقعة المركبة قوامها ~~واقعتان بسيطتان أو أكثر، كأن تكون مثلا «أ» على يمين «ب»، ~~و«ب» على يمين «ج»، ms237 وكلها في خط مستقيم واحد، فتكون «أ» على ~~يمين «ج». هكذا تزداد الوقائع في درجة تركيبها، ويقابل ذلك ~~في لغتنا التي نصور بها العالم درجات متفاوتة كذلك؛ ~~فهنالك في الدرجة الدنيا أسماء نسمي بها البسائط الجزئية ~~في عالم الواقع، ثم هنالك قضايا بسيطة نصور بها الوقائع ~~البسيطة، وقضايا مركبة نصور بها الوقائع المركبة ~~وهكذا. ونريد الآن أن نقول إن القول الذي يصلح لدرجة من هذه ~~الدرجات لا يصلح لدرجة أعلى منها، فما تقوله عن أفراد جزئية ~~لا يصح أن تقوله عن قضايا بسيطة، وما تقوله عن قضايا بسيطة لا ~~يصح أن تقوله عن قضايا مركبة، والعكس صحيح أيضا. # فإن جاز لنا أن نصف القضية البسيطة بأنها صادقة أو كاذبة ~~حسب تصويرها أو عدم تصويرها للواقعة التي جاءت تصورها، فلا ~~يصح أن نقول هذا القول نفسه على الأسماء الداخلة في تكوين ~~القضايا، فلا يجوز أن نقول عن اسم ك «العقاد» مثلا إنه صادق ~~أو كاذب؛ فذلك يكون عندئذ كلاما بغير معنى. # وكذلك الحال في أي مجموعة نكونها من درجات تتفاوت ~~علوا؛ فما يصلح من القول في درجة دنيا لا يصلح هو نفسه ~~للدرجة التي هي أعلى منها في سلم التفاوت؛ فتستطيع أن ~~تتصور تجميعنا لفئات الأشياء التي في العالم يتم على نحو ~~يجعل فئة أعم من فئة، فاجمع أفراد الناس في فئة «إنسان»، ~~وأفراد الجياد في فئة «حصان»، ثم اجمع هذه الفئات نفسها في ~~فئة أعلى هي فئة «حيوان»، وهكذا دواليك صعدا؛ تصبح هذه ~~الدرجات المتفاوتة في درجة التعميم «أنماطا»، وما يصلح من ~~القول لنمط أدنى لا يصلح لنمط أعلى؛ أعني أن ما يصلح في ~~مجال القول للأفراد الجزئية لا يصلح هو نفسه لنمط الفئات التي ~~تتكون من تلك الأفراد مباشرة، ثم ما يصلح في مجال القول لهذه ~~الفئات التي من النمط الأول لا يصلح لفئات أعلى منها وأعم، ~~والتي نقول عنها إنها فئات من النمط الثاني، وهكذا. # افرض أن في العالم ثلاثة أشياء، هي أ، ب، ج؛ فمن هذه ~~الأشياء ms238 الثلاثة يمكن تكوين ثماني فئات من أفراد؛ أي 2 # 3 # كما ~~أسلفنا، ومن هذه الفئات الثمانية يمكن تكوين 2 # 8 # فئات من فئات ~~الأفراد (256)، ومن هذه المجموعة من فئات الفئات يمكن تكون 2 # 256 # من فئات ~~لفئات فئات الأفراد، وهكذا إلى غير ~~نهاية؛ ~~فإذا ~~سألنا أنفسنا السؤال الذي سبق لنا إلقاؤه وهو: هل هنالك عدد ~~هو أقصى عدد يمكن أن نعد به ما في الكون؟ كان الجواب هو أن ~~ذلك ممكن لو حصرنا أنفسنا في كل درجة من تلك الدرجات على ~~حدة، فيمكن - منطقيا - أن أتصور عددا أقصى لما هنالك من ~~أفراد جزئية، وعددا أقصى لما هنالك من فئات تتألف من تلك ~~الأفراد، وعددا أقصى لما هنالك من فئات تتألف من فئات ~~الأفراد، وهكذا، لكنه مستحيل إذا أردنا عددا أقصى يعد كل ~~ضروب الأفراد والفئات على اختلاف درجاتها؛ لأن هذه الدرجات ~~تعلو إلى غير نهاية. ولما كان «الكون» في مجموعه الكلي ~~المطلق هو هذه الدرجات اللانهائية كلها، كان حصر القضايا ~~التي تحكم على عناصره كلها محالا؛ وبالتالي كان محالا أن ~~نلخص الحكم عليه في قضية عامة واحدة، أو في مبدأ أول ~~واحد. # 4 # ها نحن أولاء قد رأينا أن كل حديث عن الكون هو حديث فارغ ~~لا يعني شيئا، وسننتقل الآن بحديثنا خطوة أخرى لنقول إن كل ~~قول يقوله قائل عن شيء ما، لا يعني به ظواهر ذلك الشيء، هو ~~أيضا قول فارغ لا يعني شيئا. # فمنذ القدم القديم وإلى يومنا هذا والناس تخدعهم لغاتهم ~~التي خلقوها لأنفسهم بأنفسهم، بحيث إذا رأوا في التركيب اللغوي ~~مبتدأ وخبرا ظنوا أن المبتدأ شيء غير الخبر المقول عنه، ~~كأنما الانفصال المحتوم في أجزاء الجملة يقابله بالضرورة ~~انفصال محتوم أيضا في أشياء العالم كما تقع؛ فإذا قلت هذه ~~البرتقالة صفراء أو هذه البرتقالة مستديرة، سبق إلى وهمي ~~أن البرتقالة شيء غير لونها الأصفر وغير استدارتها. أو ~~بعبارة عامة، فإنني أتوهم أن وراء هذه الصفات كلها ~~«برتقالة» هي التي توصف بتلك الصفات، أو هي التي ms239 تحمل تلك ~~الصفات، حتى لقد أطلقوا في الاصطلاح المنطقي اسم «المحمول» على ~~أمثال هذه الصفات التي نفرض فيها أنها محمولة على شيء ما، ثم ~~يمضي بي الوهم إلى افتراض وجود هذا «الجوهر» الخفي الذي ~~يحمل على ظهره مجموعة الصفات، حتى ليخيل إلي أنني إذا ~~ما جردت هذه الصفات عن حاملها واحدة بعد واحدة، بقي الحامل ~~خالصا من صفاته أو جوهرا صافيا. قل هذا في كل شيء؛ قله ~~في الفرد من الإنسان إذ تراه يحمل مجموعة صفاته الظاهرة، لكنك ~~تضيف من عندك حاملا خفيا هو الذي يحمل تلك الصفات، وقد ~~تفنى الصفات وتزول ويبقى الحامل أو الجوهر، وهو ما نسميه ~~في هذه الحالة «روحا» أو «نفسا». وقد ترى هذا الفرد من ~~الإنسان «يفكر» في مسائل عدة؛ يفكر تارة في علم، وتارة ~~في قضاء شئونه العملية؛ فتقول لنفسك - جريا على سنتك - ما ~~الذي يفكر هذه الأفكار كلها؟ هل يبقى شيء هناك إذا ما ~~جردنا هذا الإنسان عن مواقفه الجزئية التي يفكر فيها هذه ~~الفكرة أو تلك؟ إن جوابك سيكون: إن عقلا خالصا سيبقى، ~~وسيكون هو «الجوهر» الذي ما كانت تلك الأفكار الجزئية إلا ~~حالاته الظاهرة. # ويقول القائلون بهذا «الجوهر» يفترضونه في كل شيء كامنا ~~وراء الظواهر، والكثرة الغالبة من الفلاسفة هم من القائلين به، ~~يقول هؤلاء إنه بغير افتراض هذا «الجوهر» الذي تجيء شتى ~~الصفات فتصفه، وتجيء شتى العلاقات فتصله بغيره، إنه بغير ~~افتراض هذا «الجوهر» مجردا عن صفاته وعلاقاته، فلا يمكن ~~تصور طريقة أخرى يتوحد بها الشيء الواحد؛ فما الذي جعل هذه ~~البرتقالة «واحدة» رغم كثرة صفاتها وكثرة علاقاتها بغيرها من ~~الأشياء؟ وما الذي جعل هذا الفرد من الإنسان «واحدا» رغم ~~كثرة حالاته المتآنية والمتعاقبة؟ والسؤال نفسه تسأله عن ~~«الكون» كله، ما الذي يجعله كونا «واحدا» رغم كثرة ما فيه من ~~أشياء وما لها من صفات وما بينها من علاقات؟ هل يمكن أن ~~يتوحد كل واحد من هذه الآحاد إلا إذا فرضنا فيه مشجبا ~~خفيا تتعلق به هذه الصفات الكثيرة فتصير ms240 على كثرتها شيئا ~~واحدا؟ ولكن ماذا عسى أن يكون هذا «الجوهر» الذي نفترضه في ~~الشيء لنفسر وحدته؟ # لعل أقرب إجابة إلى القبول هي تلك التي أجاب بها رواد ~~الفلسفة الحديثة ديكارت ولك وغيرهما، وهي الإجابة التي تجعل ~~«جوهر» الشيء طائفة من صفاته، هي التي أطلقوا عليها اسم ~~«الصفات الأولية»؛ فعلى هذه الصفات الأولية تنبني صفات الشيء ~~الأخرى، التي أسموها ب «الصفات الثانوية»؛ فاستدارة الشيء ~~المستدير صفة أولية فيه، وكل جانب من جوانب الشيء يمكن ~~قياسه قياسا كميا رياضيا هو كذلك من صفاته الأولية، ~~لكن هذه الصفات الأولية إذا ما تأثرت بها الحواس، تولدت ~~عنها صفات أخرى كاللون والطعم، هي صفات الشيء الثانوية؛ فلئن ~~كان للشيء جانب موضوعي يمكن أن يكون هو مدار التفكير العلمي ~~الثابت الذي لا يختلف عند شخص عنه عند شخص آخر فذلك هو صفاته ~~الأولية كشكله وحجمه، وهو هو نفسه ما يجوز لنا أن نسميه ~~«جوهر» الشيء. وأما الصفات التي يتم تكوينها داخل الذات ~~المدركة بناء على تلك الصفات الأولية، فهي من الشيء جانبه ~~الذي لا يصلح أن يكون موضوعا لتفكير علمي، وهو هو الذي ~~نسميه «أعراضا» تطرأ على «الجوهر». # كان نيوتن وجاليليو من علماء النهضة الأوروبية يأخذان بهذا ~~التمييز بين الجانب الرياضي والجانب الذاتي من كل شيء على ~~حدة، ومن العالم بصفة عامة، ليحصرا البحث العلمي في ~~الجانب الرياضي وحده من الأشياء؛ أي في جانب صفاتها الأولية ~~دون صفاتها الثانوية، لكن هذه التفرقة بين طائفة وأخرى من ~~صفات الشيء الواحد، لنجعل إحداها «جوهرا» والأخرى «عرضا»، ~~لا تزيل المشكلة كما توهمنا بها اللغة وتراكيبها النحوية؛ ~~لأننا نتحدث عن شيء ما بصفاته الأولية وبصفاته الثانوية على ~~السواء، كأنما الشيء الذي نتحدث عنه هو جانب مستقل عن كلتا ~~الطائفتين من الصفات؛ فلا فرق بين قولي «هذه البرتقالة ~~مستديرة» وقولي «هذه البرتقالة صفراء»، فكلا القولين يفرض ~~موصوفا في ناحية وصفة في ناحية أخرى، سواء كانت تلك الصفة ~~أولية كالاستدارة، أو ثانوية كاللون الأصفر؛ وإذن فلا يزال ~~السؤال قائما: ما هو ms241 هذا الشيء الذي نصفه بهذه الصفة أو ~~بتلك؟ # هذا إلى أن تفرقتنا بين الصفات الأولية من ناحية ~~والصفات الثانوية من ناحية أخرى، لنجعل من الأولى جوهرا تطرأ ~~عليه الثانية أعراضا، أقول إن تفرقتنا هذه لو أقمناها على ~~أساس أن الصفات الثانوية معتمدة على إدراكنا الحسي، فلا لون ~~بغير عين ولا صوت بغير أذن ولا طعم بغير لسان، فكذلك نجد ~~الصفات الأولية محالا عزلها عن الحواس؛ لأنني لا أعرف عن ~~الشيء استدارته إلا بالنظر واللمس. أضف إلى ذلك أنه إذا كانت ~~الصفات الثانوية لا تنشأ أبدا إلا مرتكزة على صفات أولية، ~~فكذلك الصفات الأولية لا تكون أبدا من غير صفات ثانوية، فنحن ~~لا نرى في خبراتنا استدارة مجردة، بل نرى الاستدارة في ~~أشياء مستديرة؛ أي نراها في شيء يشغل حيزا من مكان؛ ~~وبالتالي يكون ذا لون يمكننا من رؤيته. # فلا عجب إزاء هذا كله أن نرى بين الفلاسفة أنفسهم الذين ~~قالوا بقسمة الصفات طائفتين، أولية وثانوية، فيلسوفا مثل ~~«لك» يلجأ إلى تفسير «الجوهر» الذي يمسك بظواهر الشيء ~~وصفاته بحيث يجعله شيئا واحدا، يلجأ إلى تفسير هذا الجوهر ~~بنواة مجهولة يفترض وجودها، لتكون «مصطبة» # 4 # ترتكز عليها الصفات. وهذه النواة المجهولة هي التي ~~تجعل معنى لعباراتنا التي نقولها عن شيء ما؛ لأننا عندئذ ~~إذا قلنا هذه البرتقالة مستديرة أو هذه البرتقالة صفراء، ~~كانت الاستدارة وكان اللون الأصفر على حد سواء صفتين ~~طرأتا على «جوهر» هو نواة خافية لا بد من افتراضها عقلا ~~لنفهم معنى الكلام الذي نقوله. # ولكننا بهذا الرأي ننساق إلى موقف من يقولون إننا نجهل ~~حقائق الأشياء؛ فنحن - عند هؤلاء - لا نعرف عن الشيء - جمادا ~~كان أو حيا وعاقلا - لا نعرف عنه إلا صفاته، أما جوهره الذي ~~تتعلق به صفاته فلا سبيل أمامنا إلى العلم به. # ولسنا في الحقيقة ندري ماذا يصنع الإنسان بهذا «الجوهر» الذي ~~يزعمه له الفلاسفة؟ هل يزيدنا علما بهذه الزهرة أو بهذا القلم ~~أن نعلم أن له وراء ظواهره البادية جوهرا؟ أليس قولنا إن صفات ~~القلم ms242 التي هي أ، ب، ج، د، ترتبط معا في شيء واحد بفضل ~~«جوهر» يوحد بينها، مساويا لقولنا إن هذه الصفات موحدة ~~على نحو لا ندري من أمره شيئا؟ إن جهلنا واحد في كلتا ~~الحالتين، ولا يزيل منه شيئا أن نعلم أن توحيد الصفات في ~~الشيء الواحد يتم بفضل «جوهر» خفي مجهول. ولو كان الجوهر ~~أصلا وصفاته فروعا طرأت عليه وكان يمكن لها ألا تطرأ لأنها ~~ليست جزءا من طبيعته، لأمكن لنا أن نتصور كيف يكون «الجوهر» ~~بغير صفاته؛ فحاول إن استطعت أن تزيل عن البرتقالة شكلها ~~ولونها وطعمها وسائر صفاتها البادية للحواس، وقل لي بعد ذلك ~~ماذا يبقى منها بين يديك؟ لا شيء، وهذا العدم هو الجوهر ~~المزعوم. # إذن فبماذا نجيب السائل إذا سأل: ماذا يوحد ظواهر الشيء ~~المختلفة بحيث يجعل منها شيئا واحدا؟ نجيبه بقولنا إنه لا ~~وحدة هناك حتي نكد في السعي بحثا عنها، إنه لا وحدة هناك ~~في شيء، وإن هو إلا وهمنا الذي يخيل إلينا أن ظواهر ~~الشيء الواحد مرتبطة بعضها ببعض، ومصدر هذا الوهم - كما يقول ~~هيوم - هو اعتيادنا الربط بين شكل ولون وطعم ... إلخ في لحظة ~~إدراكية واحدة، بحيث يسهل على خيالنا بعد ذلك أن ينزلق من ~~صفة إلى أخرى انزلاقا يجعلها تبدو جميعا وكأنما هي وحدة ~~متماسكة. # يقول هيوم في ذلك إن الذاتية التي نخلعها على الشيء هي ~~من خلق خيالنا وليست هي بذات وجود واقعي في الشيء نفسه؛ ~~فحيث يسهل انتقال العقل من إحدى حالات الشيء إلى حالة أخرى، ~~نزعم أن بين الحالتين ذاتية توحد بينهما، وأما حيث يتعذر ~~على العقل مثل هذا الانتقال السهل فها هنا ترانا نتشكك في أن ~~تكون بين الحالات المختلفة ذاتية توحد بينها؛ فانظر مثلا ~~إلى كتلة من الصخر، ثم افرض أن زيادة طفيفة أضيفت إليها ~~بحيث يتعذر عليك إدراك الفرق بين الحالتين، قبل الزيادة ~~وبعدها، فعندئذ يسهل على العقل أن ينتقل من حالة الصخر ~~الأولى إلى حالته الثانية؛ ولذلك نحكم بأن الصخرة التي نحن ~~بصددها «واحدة» ms243 وذات وجود متصل، أما إذا أضيفت إلى ~~الصخرة إضافة كبيرة ملحوظة، أو قطعت منها قطعة كبيرة ~~ملحوظة، بحيث لا يسهل الانتقال بين الحالتين انتقالا فيه ~~انزلاق لا تعثر فيه، لما بين الحالتين من اختلاف ظاهر؛ ~~فعندئذ نقول عن الصخرة إنها لم تعد هي هي، وإنها فقدت ~~ذاتيتها واستمرار وجودها. # والأمر في الجزء المضاف أو الجزء المحذوف، هل هو كبير ~~ملحوظ، أم هو صغير غير ملحوظ، أمر نسبة؛ فقد تضيف جبلا ~~بأسره إلى كوكب، ومع ذلك تقول إن الكوكب لم تتغير ذاتيته ولم ~~ينقطع وجوده المستمر على حالة واحدة، بينما قد تضيف جزءا ~~صغيرا أو تحذف جزءا صغيرا من جرم صغير فيظهر التغير ~~ظهورا واضحا يحملنا على القول بأن ذلك الجرم لم يعد هو هو، ~~بل أصبح شيئا آخر؛ فالأمر كله موكول إلى سهولة انتقال الفكر ~~بين الحالة قبل حدوث التغير والحالة بعده؛ فإن كان انتقالا ~~سهلا حكمنا بأن الشيء ما زال محتفظا بذاتيته، وإن كان ~~متعذرا متعثرا حكمنا بزوال ذاتيته. # يؤيد هذا أن التغير الطارئ حتى إن كان تغيرا جسيما ~~في النهاية، لكنه حدث تدريجا وفي بطء، فلم نتمكن معه أن ~~نلحظ التغير إلا بعد أن تبعد الشقة بين الطرف الأول ~~والطرف الأخير، فإننا خلال تغير كهذا نظل نحكم بأن الشيء ~~محتفظ بذاتيته وذو وجود متصل؛ ذلك لأن انتقال الفكر من حالة ~~إلى الحالة التي تليها سهل بحيث لا نتنبه عند كل مرحلة ~~أنها مرحلة جديدة تختلف عن سابقتها؛ هكذا نظل خلال ~~التغيرات المتدرجة، حتى إذا ما بعدت الشقة بين ~~الحلقة الأولى والحلقة الأخيرة، استيقظنا إلى ما قد حدث من ~~اختلاف، وأخذنا في الارتياب والتشكك بأننا في الحقيقة قد ~~أصبحنا إزاء شيء آخر مختلف عن الشيء الأول، وأنه لم تعد ~~بين الشيئين ذاتية تمسكهما معا في كائن واحد. # وكذلك مما يميل بخيالنا إلى توهم الذاتية في أجزاء الشيء ~~الكثيرة، أن يكون لهذه الكثرة من الأجزاء هدف واحد؛ فافرض ~~مثلا أننا قد غيرنا بعض الأجزاء في سفينة، فإننا سنظل نقول ~~عن ms244 السفينة إنها هي هي لم تتغير؛ لأن أجزاءها - قديمها ~~وجديدها - ما زالت مجتمعة على هدف واحد؛ ومن ثم يسهل على ~~الفكر أن ينتقل من حالة السفينة قبل إصلاحها إلى حالة السفينة ~~بعد إصلاحها، فيحكم عليها بالتالي أن لها ذاتية واحدة لم ~~تتغير. # ولئن كان الشيء الجامد - كالسفينة في المثل السابق - ترتبط ~~أجزاؤه في ذاتية واحدة بسبب اشتراك تلك الأجزاء في هدف ~~واحد، فإن الكائن الحي - نباتا كان أو حيوانا - ليضيف ~~إلى هذا الاشتراك في الهدف عنصرا آخر ، وهو أن الأجزاء معتمد ~~بعضها على بعض؛ وبهذا يزداد خيالنا إمعانا في توهمه بأن ~~أجزاء النبتة الواحدة أو الحيوان الواحد مصبوبة كلها في ~~ذاتية توحد بينها في كائن واحد، حتى إن النبتة الواحدة أو ~~الحيوان الواحد قد يصيبه من التغير على مر الزمن ما ~~يجعله جد مختلف عما كان عليه في كثير من الوجوه، ومع ~~ذلك يظل الإنسان يحكم عليه بأنه ما زال هو هو لم يتقطع مجرى ~~وجوده، ولم تزل عنه فرديته وذاتيته؛ فشجرة البلوط التي تنمو ~~من نبتة صغيرة حتى تصبح شجرة سامقة، نقول عنها إنها ما ~~زالت - رغم هذا الاختلاف البعيد بين الطرفين - هي هي شجرة ~~البلوط الواحدة، مع أنه لم يعد من وجودها الأول ذرة واحدة ~~على حالها، ولا احتفظت بشيء من هيئتها الأولى. وقل ذلك ~~بعينه في الرضيع يصبح رجلا، وفي الرجل تزيد بدانته أو يصيبه ~~الهزال، فسنظل نقول عنه إنه هو هو بعينه ذلك الذي كان؛ إذ ~~نزعم له ذاتية واحدة دائمة متصلة. # 5 # مبدؤنا - إذن - هو أن الذاتية التي نخلعها على أي شيء لنجعل ~~منه كائنا واحدا، على الرغم من أنه في حقيقته مجموعة كبيرة ~~من حالات مختلفة، إنما تنشأ حينما يكون انزلاق الخيال خلال ~~هذه الحالات سهلا يسيرا، فتوهمنا سهولة الانتقال من حالة ~~إلى الحالة التي بعدها فالتي بعدها وهكذا، بأن هذه الحالات في ~~حقيقتها كائن واحد ذو ذاتية واحدة، ولا نستيقظ إلى حقيقته ~~المتكثرة إلا حين يعسر هذا الانتقال. # ولا يشذ الإنسان نفسه عن ms245 هذا المبدأ؛ فالفرد الواحد من ~~الناس - أنا وأنت - لا وحدانية فيه إلا ما يخلقه الوهم، وأما ~~حقيقته فهي سلسلة من حالات متعاقبة منذ يولد حتى يموت؛ ~~فهو في الحقيقة سيرة من حوادث، لا ذاتية واحدة متصلة الوجود ~~على مر أيام عمره - دع عنك أن يتصل وجودها بعد أيام عمره - ~~ولما كان انتقال الرائي من حالة إلى الحالة التي تليها فيمن ~~يتعقب حالاته من أفراد البشر انتقالا سهلا، لأن الاختلاف ~~بين الحالتين يكون جد ضئيل في معظم الأحيان، هان على ذلك ~~الرائي أن يفرض في صاحب تلك الحالات وحدانية الذات، بحيث يجعله ~~اليوم هو نفسه ما كان بالأمس. وهكذا أيضا يقول الإنسان عن ~~نفسه إنه فرد واحد متصل الوجود على الرغم مما يطرأ عليه من ~~تغير؛ ولذلك ترانا نختلق من عندنا كائنا خفيا نتوهم ~~وجوده داخل الإنسان، ونسميه نفسا، لننسب إليها في وحدتها ~~ودوام وجودها وحدة صاحبها ودوام وجوده. # ولكن هل تدرك «نفسا» في باطنك إذا ما راقبت حالاتك الشعورية ~~وهي تتعاقب واحدة بعد أخرى، أم إن كل ما تدركه هي تلك الحالات ~~ولا شيء سواها؟ يقول هيوم في هذا الصدد قوله المشهور: «أما عن ~~نفسي، فإنني إذا ما توغلت في هذا الذي أسميه «نفسي» ~~توغلا أحاول به أن أكون على صلة مباشرة بها، فلا أراني ~~دائما إلا عاثرا على هذا الإدراك الجزئي أو ذاك، كأن أقع ~~على إدراك لحرارة أو لبرودة، أو نور أو ظل، أو حب أو ~~كراهية، أو ألم أو لذة، ولم أستطع قط أن أمسك ب «نفسي» في ~~أية لحظة من اللحظات دون أن يكون هنالك حالة إدراكية ~~معينة، ثم لم أستطع أبدا أن ألحظ من نفسي إلا تلك الحالة ~~الإدراكية وحدها، فإذا ما زالت إدراكاتي لفترة معينة، كما ~~يحدث مثلا في حالة النوم العميق، فإني لا أكون عندئذ على ~~وعي ب «نفسي» حتى ليمكن حقا أن يقال عني إني لست موجودا.» # 6 # ذلك ما قاله هيوم - وما نقوله نحن أنصار التجريبية العلمية ~~اليوم - فليس في الشيء ms246 مهما يكن إلا مجموعة ظواهره، وليس بنا ~~حاجة أن نبحث في الغيب عن مبدأ يوحد تلك الظواهر في ~~«شيء»؛ لأنه ليس في شيء كائنا ما كان وحدة إلا ما يوهمنا بها ~~خيالنا؛ فلما قرأ ذلك «كانت» أيقظه من سباته وراح يفكر ~~في الأمر؛ إذ لم يتصور كيف يمكن لصفات ندركها فرادي ~~متفرقات، فلون هنا وطعم هناك، أن ترتبط على نحو آلي في ~~أذهاننا بحيث تتكون وحدة للشيء المتصف بتلك الصفات؟ كلا - ~~هكذا كان موقف «كانت» - إن وحدة الشيء الواحد حقيقة غير ~~منكورة، وبقي علينا بيان مصدرها؛ ومصدرها عنده هو فاعلية ~~العقل في انتباهه إلى الشيء ذي الصفات الكثيرة؛ فعندئذ تبدو ~~هذه الصفات الكثيرة للعقل محمولة على موضوع واحد لأننا ~~«نحن» الذين نوجه انتباهنا إليها معا في فعل إدراكي ~~واحد، أو إن شئت فقل في عملية انتباهية واحدة؛ وإذن فوحدة ~~الشيء الذي نراه واحدا - وهي وحدة لا يتردد فيها إدراكنا ~~الفطري - مصدرها العقل المدرك نفسه، وليست هي في الشيء ~~الموحد ذاته؛ فهذا الشيء يعطينا كثرة من صفات متفرقة، ثم ~~ننتبه نحن إلى مجموعة منها انتباها واحدا، فنوحدها ~~بفاعلية انتباهنا ذاك توحيدا يضمها بعضها إلى بعض وكأنما هي ~~متجمعة كلها حول محور واحد يكون موضوعا لها وتكون ~~محمولات له؛ وبذلك الضم الذي يجمع الأشتات حول محاور ~~تثبتها وتوحد بينها، نخلق بأنفسنا - في رأي «كانت» - ~~عالما منظما من إحساسات تأتينا من الخارج خليطا ~~وفوضى. # ومما يهمنا أن نلاحظه هنا أن «كانت» يتفق مع «هيوم» في ~~نقطة رئيسية، وهي أن ما يأتي من الخارج حالات متفرقات، ~~وسواء بعد ذلك ارتبطت هذه المتفرقات في داخلنا بفعل انتباهي ~~واحد كما يقول «كانت»، أو ارتبطت على أساس الترابط الآلي في ~~مختلف صوره التي ذكرها «هيوم»، فربطها في شيء «واحد» هو ~~أمر يتم داخل الإنسان ولا يكون قائما في العالم الخارجي ~~على كل حال؛ # 7 # فليس يهمنا نحن في هذا السياق أن نسأل «كيف» ~~يقوم الإنسان بتوحيد ما هو في حقيقته أشتات مفرقة، إنما ~~الذي يهمنا أن نعلم ms247 أن الشيء الخارجي - والعالم بصفة عامة ~~- هو هو ظواهره في تعددها وتكثرها وتحولها ~~وتغيرها، والبحث عما يكون وراء ذلك من وحدانية وثبات ~~ودوام هو بحث في غير موضوع. # إننا نذكر القارئ بمذهبنا في مهمة الفلسفة، وهو مذهب ~~يجعل الفلسفة تحليلا منطقيا لقضايا العلوم، ولا يلقي على ~~الفيلسوف تبعة الحديث عن العالم وأشيائه؛ فإن كنا نزعم ~~هنا أن الشيء أو أن العالم إن هو إلا مجموعة ظواهره ولا شيء ~~وراء ذاك، فلسنا نريد بهذا أكثر من القول بأننا في أية عبارة ~~لغوية ذات معنى، نستطيع أن نستبدل بالأسماء الواردة فيها ~~رموزا أخرى تشير إلى خبرات حسية؛ فإن صادفتنا عبارة ~~تنطوي على كلمة أو كلمات مستحيل ترجمتها إلى مثل هذه الرموز ~~الدالة على معطيات الحس، كانت عبارة بغير معني. # الفصل التاسع # | مشكلة الحق # 1 # ألا إنه لمثل صارخ بمغزاه أن نرى الفيلسوف التأملي ~~باحثا عن «الحق» في رأسه؛ فإن سألناه: ما هو «الاعتقاد» ~~المعين الذي تبحث في أمره لترى إن كان حقا أو باطلا؟ أجاب ~~بأنه لا يبحث عن الحق بالنسبة لهذا الاعتقاد المعين أو ذاك، ~~بل هو يبحث في «الحق» مطلقا غير متقيد بأمثلته الجزئية، ~~وبغض النظر عما يوصف به من آراء أو من عبارات تصف تلك ~~الآراء، إنه يبحث في رأسه عن شيء اسمه «الحق» كأنما هو يبحث ~~خلال منظار عن نجم في السماء دلت عمليات الحساب أنه لا بد ~~واقع في موضع معين بين النجوم، ويريد الآن أن يحقق ~~بالرؤية ما قد كشف عن وجوده بالفكر النظري. # ولو كان لفظ «الحق» اسما جاء في اللغة العربية ليسمي ~~شيئا، كما جاء لفظ «قط» ولفظ «إنسان»، لجاز لفيلسوفنا أن ~~يحاول تحديد هذا المسمي الذي أردنا الإشارة إليه بهذا الاسم، ~~لكن تحليلا سريعا للكلمة واستعمالها يدل على أنها كلمة ~~زائدة لا تضيف إلى الجملة التي ترد فيها معنى إلى ~~معناها، حتى لتظل الجملة غير منقوصة المعنى إذا ما أضفت ~~إليها هذه الكلمة إن لم تكن فيها أو حذفتها منها إن كانت؛ ~~فإثباتك ms248 لواقعة ما في جملة معينة يكفي وحده لأداء ~~المطلوب؛ فلو قلت مثلا إن «كليوباتره ماتت مسمومة» كان قولك ~~هذا مساويا من الوجهة المنطقية لقولك إن «كليوباتره ماتت ~~مسمومة وهذا حق». نعم إن هذه الإضافة قد تؤكد الإثبات، ولكن ~~تأكيد الإثبات لا يجعل من الإثبات شيئا آخر غير الإثبات، ~~والجملة التقريرية بحكم طبيعتها تثبت إن كان الحكم فيها ~~موجبا؛ فلو رمزنا إلى أية قضية مثبتة بالرمز ق، فإن مجرد ~~ذكرنا ل «ق» مساو لقولنا «ق حق». # إنك إذ تسأل عن طبيعة أي شيء مما يرد ذكره في الحديث، فأنت ~~في الحقيقة تسأل عن تعريف الرمز الوارد خلال الحديث، الذي إنما ~~ورد ليشير إلى ذلك الشيء المراد معرفة طبيعته؛ فسؤالك «ما ~~طبيعة س؟» مساو دائما لمطالبتك بإبدال «س» بما يساويها من ~~الرموز الأخرى التي تشير إلى أشياء معروفة لك في خبرتك، أو ~~بعبارة أخرى فإن سؤالك عن طبيعة «س» معناه دائما مطالبتك ~~بترجمة الجملة التي وردت فيها «س» إلى جملة أو طائفة من ~~الجمل الأخرى تساويها معنى ولكنها تستغني عن استخدامها للرمز ~~«س». وتطبيقا لهذا في حالة «الحق» نرى أن سؤالك عن طبيعة ~~«الحق» معناه مطالبتك بترجمة أي جملة ترد فيها هذه الكلمة ~~إلى جملة أخرى تساويها معنى ولكنها تستغني عن كلمة «الحق». ~~ونحن نزعم لك الآن أن جملة «ق حق» يمكن تحويلها إلى «ق» ~~مسقطين كلمة «حق»، ومع ذلك يظل الأصل والتحويل متساويين في ~~المعنى؛ مما يدل عن أن الكلمة كانت في الأصل زائدة؛ ومن ثم ~~فالبحث عن طبيعتها هو بحث في الهواء كما يقولون. # وكما أن القضية التي تقول عنها إنها «حق» هي هي نفسها القضية ~~التي تسوقها في إثباتها غير موصوفة بهذه الكلمة، فكذلك كلمة ~~«باطل» لا تعني شيئا؛ لأن كل قضية أضيفت إليها هذه الكلمة ~~مساوية في معناها إلى القضية نفسها في صورة النفي؛ فمثلا ~~قولي «مات أبو بكر مقتولا قول باطل» مساو لقولي «لم ~~يمت أبو بكر مقتولا»؛ وبهذا نتخلص من كلمة لا مدلول ~~لها في ذاتها، ms249 ولو تركناها لأغرت الفلاسفة أن يجردوها ~~وحدها ليسألوا: ما طبيعة الباطل؟ # أعيد ما قلته في عبارة أخرى فأقول: إن كلمة «حق» (وكذلك ~~كلمة «باطل») لا تدل على شيء في عالم الواقع؛ ولذلك فهي رمز ~~بغير مرموز إليه، ليس هنالك كائن معين اسمه «حق» بحيث أراه ~~أو ألمسه أو أحمله على كتفي، ولا فرق أبدا بين أن أقول جملة ~~ما، كأن أقول مثلا «المعري شاعر ضرير» وأقف عند ذلك، أو ~~أن أقولها وأهز رأسي هزة أؤكد بها لمن أحدثه إثبات ~~هذا المعنى ، أو أن أقولها مصحوبة بكلمة «حق»؛ كل هذه حالات من ~~القول متساويات؛ فلا هزة رأسي ولا إضافتي لكلمة «حق» إلى ~~الجملة التي قلتها بمغيرة شيئا من المعنى لا زيادة ولا ~~نقصا. ولو جاز لفيلسوف أن يتأمل في طبيعة «هزة الرأس» ~~ماذا عساها أن تكون، لجاز له كذلك أن يتأمل في طبيعة ~~«الحق». ~~«إن الأمر ليوشك أن يكون أوضح من أن يستحق ذكرا، ومع ذلك ~~فاهتمام الفلاسفة بما يسمونه «مشكلة الحق» يدل على أن هذه ~~الحقيقة الواضحة قد غابت عن أبصارهم.» # 1 # فقد رأوا كلمة «الحق» ترد في كلام الناس على ~~نحو يوهم بأنها تدل على كائن فعلي في الوجود الواقع خارج ~~نطاق اللغة وعباراتها، فراحوا يبحثون عن طبيعة ذلك الكائن ~~ليحددوها، ولكن نظرة - لا أقول فاحصة عميقة - بل النظرة ~~السريعة كافية لنعلم أن كلمة «حق» أينما وردت، يمكن رد ~~الجملة التي وردت فيها إلى صورة كهذه: «الجملة الفلانية ~~صادقة.» وما دام الأمر كذلك فالمشكلة كلها تزول من أساسها، فلا ~~تعود أمامنا مشكلة عن «الحق» ما هو، بل يصبح سؤالنا هو: كيف ~~يمكن الوثوق من صدق هذه الجملة التي نقول عنها إنها صادقة؟ ~~والفرق بين الموقفين واسع شاسع؛ فلم يعد هدفي أن أبحث عن ~~«حق مطلق» لا يتعلق بجملة معينة أو بفرض معين، بل يصبح ~~ذلك الهدف محصورا في دعوى محددة معينة وطرائق ~~إثباتها. # هات ما شئت من أمثلة ترد فيها كلمة «الحق» ورودا ~~يوهم بأنها كلمة ذات معني خاص ms250 بها، وحلل تلك الأمثلة ~~تجدها كلمة ترتد إلى إثبات قضية معينة. قل مثلا: «الحق ~~فوق القوة.» تجدها مساوية في التحليل لقولنا: إذا كانت هنالك ~~قضيتان متناقضتان، إحداهما تقرر «ق»، والأخرى تقرر «ليس ~~ق»، ثم إذا بين قائل الأولى صواب قضيته بالرجوع بها إلى ~~الشواهد التي تثبت صدقها، على حين اكتفى الثاني بإرغام الناس ~~على قبول دعواه، أخذ الناس بقول القائل الأول، ورفضوا - ~~بالتالي - قول القائل الثاني؛ فهل بقي لمشكلة «الحق» وجود ~~في هذا التحليل، أم إن كل ما هنالك هو الشواهد التي سيثبت ~~بها قائل القضية الأولى صدق قضيته؟ وخذ مثلا آخر، قولنا «الحق ~~أحق أن يتبع»، تجد تحليله هو: إذا كانت هنالك دعويان ~~متناقضتان، إحداهما يمكن إثباتها بالشواهد، على حين يتعذر ~~ذلك بالنسبة للثانية، كان قبولنا للدعوى الأولى أضمن لبلوغ ~~غاياتنا المنشودة من قبول الدعوى الثانية؛ فهل ترى هنا أيضا ~~أن قد بقي بين أيدينا شيء من «الحق» باعتباره كائنا ~~مطلقا قائما بذاته، أم إن الأمر كله يرتد إلى قضية ~~معينة وطريقة إثباتها؟ # فإذا كانت المذاهب الفلسفية التي تبحث في «الحق» إنما تتوقع ~~من بحثها هذا أن تجد في العالم صفة معينة قائمة هناك، أو ~~علاقة معينة كائنة بين الأشياء نفسها، اسمها «الحق»، كانت ~~تلك المذاهب كلها في بحثها ذاك تطلب محالا؛ لأنها تطلب ما ~~ليس له وجود، وما ليس يمكن أن يكون له وجود، لكن ما يجوز البحث ~~فيه - وهو ما تبحث فيه فعلا مذاهب فلسفية كثيرة - هو الشروط ~~الواجب توافرها في قضية معينة لنحكم عليها بالصدق، أو ~~بعبارة أخرى ما هي طرائق تحقيق القضايا؟ ولسنا نزعم بطبيعة ~~الحال أن كل قضية تتحقق على نفس الصورة التي تتحقق بها سواها، ~~بل الأمر على خلاف ذلك، فما يكفي لبيان وجه الحق في قضية ~~تحليلية منتزعة من مقدمات كانت تحتويها، لا يكفي لبيان وجه ~~الحق في قضية تركيبية نغترف مضمونها من التجربة بواقع العالم؛ ~~فالأولى صدقها صوري بحت، يكفي فيه سلامة استدلالها من ~~مقدماتها، ويكون بطلانها متوقفا على ما قد ms251 يكون فيها من ~~تناقض بين أجزائها أو بينها وبين تلك المقدمات، وأما الثانية - ~~التجريبية - فقد تخلو من التناقض، ومع ذلك تكون باطلة لأنها لا ~~تساير الواقع التجريبي. # مصدر الخلط في المشكلة التي يسمونها مشكلة «الحق» هو الخطأ ~~في تعيين الموصوف الذي يوصف بهذه الصفة؛ فما الذي نصفه ~~بأنه «حق»؟ الظاهر أن الفلاسفة الذين يورطون أنفسهم في هذه ~~المشكلة الوهمية، يصرفون صفة «الحق» هذه إلى الأشياء ~~الخارجية وإلى العالم بصفة عامة؛ فكأنما هم يمسكون بأيديهم ~~صخرة أو شجرة قائلين: هذه هي «الحق». أو كأنما هم يحيطون ~~الكون بنظرة منهم قائلين إنه «الحق». هكذا تراهم يجعلون ~~«الحق» صفة تصف واقعا، ولكن ذلك خروج بالصفة عما يجوز لها ~~أن تصف، فكأنهم يريدون أن يصفوا الفضيلة - مثلا - بأنها ~~خضراء، أو يصفوا الإنسان بأنه مثلث الأضلاع؛ فصفة «الحق» لا ~~يجوز أن تصف «الشيء» الواقع نفسه، ولو فعلت لأصبحت هراء ~~وخلطا. إن ما هو واقع واقع، ولا معنى لوصفه بأنه حق أو ~~باطل، وإنما الذي يوصف بالحق أو بالبطلان هو «الاعتقاد» أو ~~الرأي الذي يحمله الواحد منا عن أمور الواقع؛ فإن كان اعتقادا ~~أو رأيا مطابقا لما هنالك، قيل إنه اعتقاد حق، وإن لم يكن ~~قيل إنه باطل. وهذا الاعتقاد الذي يجوز أن يوصف بالحق أو ~~بالبطلان لا يصبح موضع اهتمامنا العلمي إلا إذا وجدناه في ~~عبارة لفظية؛ أي وجدناه في جملة تعبر عنه؛ فعندئذ يتاح ~~لنا أن نوازن بين الجملة من ناحية وبين الواقعة التي جاءت ~~الجملة لتصورها من ناحية أخرى، موازنة تجيز لنا الحكم ~~على الدعوى بالصواب أو بالخطأ. # 2 # ليس الاعتقاد في ذاته أمرا مقصورا على الإنسان؛ فللحيوان ~~حالات يسلك فيها على نحو قد يدل على أنه أقدم على بيئته ~~ب «اعتقاد» خاطئ، كالطائر الحبيس في غرفة أغلقت نوافذها ~~الزجاجية الشفافة، فيحاول الطيران من فتحات النوافذ غير حاسب ~~لحواجز الزجاج حسابا حتى يصطدم بها؛ ف «الاعتقاد» - كما يقول ~~برتراند رسل # 2 ~~- كلمة نشير بها إلى حالة عقلية أو إلى حالة بدنية ~~أو إلى ms252 حالة عقلية بدنية معا، يسلك فيها الحيوان سلوكا ~~متعلقا بأمر غائب عن الحواس؛ فإذا ما ذهب مسافر إلى محطة ~~السكة الحديدية متوقعا أن يجد قطارا معدا للسفر إلى ~~الجهة المقصودة في ساعة معينة، فهو إنما يذهب بناء على ~~«اعتقاد» معين عنده خاص بالقطارات ومواعيدها، وهو في هذه ~~الحالة يعبر عن اعتقاده ذاك في سلوك، وإن لم يعبر عنه في ~~عبارات لفظية. ولا فرق في هذه الحالة بين مثل هذا السلوك ~~الإنساني المنبني على اعتقاد معين، وبين سلوك حيوان كالكلب ~~مثلا يشم رائحة لا يرى مصدرها لكنه يسلك وكأنما هو قد رأي ~~ثعلبا. ولما كان الكلام نفسه ضربا من السلوك يؤديه ~~الإنسان بناء على اعتقاد يريد إخراجه فيما ينطق به من عبارات ~~في المواقف المختلفة، فإنه لا يشذ عن تعريفنا العام ~~للاعتقاد عند الإنسان والحيوان على السواء، من أنه حالة يسلك ~~فيها صاحب الاعتقاد سلوكا ينم عنه. # من ذلك ترى أن «الاعتقاد» وثيق الصلة ب «المعنى»؛ فالكلمات ~~التي أقولها لأضع فيها اعتقادا لدي عن أمور الواقع، ستجد من ~~هذه الأمور الواقعة ما يثبت صوابها أو بطلانها؛ فقد أكون على ~~اعتقاد بأن توفيق الحكيم قد أخرج مسرحية منظومة، وأقول لصديقي ~~ما يقرر له هذا الاعتقاد، حتى إذا ما رحت أبحث في الواقع ~~عن هذه المسرحية لأطلع صديقي عليها لم أجد ما يدل على صواب ~~اعتقادي ذاك. وقد أزعم لهذا الصديق أن للعقاد ثمانية دواوين من ~~الشعر، فيمضي الصديق إلى المكتبات باحثا عنها حتى يجدها ~~جميعا، ولا يجد له سواها، فيدله الأمر الواقع على صواب ما ~~زعمته له؛ وبالتالي يكون هذا الواقع دليلا على صدق اعتقادي أو ~~إن شئت فقل صدق فكرتي. # في حالة الاعتقاد التي تهمنا في هذا السياق، يكون هنالك ~~تصور ذهني للأمور كيف تقع، ويكون هنالك أيضا جملة نضع في ~~ألفاظها ما يعبر عن ذلك التصور الذهني؛ فإن كانت هنالك في ~~العالم الخارجي واقعة تقابل بأجزائها أجزاء تلك الجملة، كان ~~التصور الذهني - أي الاعتقاد - تصورا صحيحا لأمور الواقع، ~~وإن لم ms253 يكن هنالك في العالم الخارجي واقعة كهذه، كان التصور ~~الذهني لأمور الواقع خاطئا. # على أن الجملة المصورة للواقعة من جهة، والواقعة ~~المصورة بالجملة من ناحية أخرى، قد لا يكون بينهما التشابه ~~المألوف بين الشيء المصور وصورته؛ لأن ألفاظ اللغة لا ~~تشبه الأشياء التي تشير إليها تلك الألفاظ؛ فكلمة «كتاب» لا ~~تشبه الكتاب، ولفظ «أخضر» لا تشبه اللون الأخضر؛ وبالتالي ~~فعبارة «هذا الكتاب أخضر» لا تشبه الواقعة التي جاءت العبارة ~~تصويرا لها، إنما يكون التشابه بين الجملة والواقعة تشابها ~~في «التكوين»، وهذا وحده كفيل لنا بمراجعة الحلة على واقعتها ~~لنتبين صدقها أو بطلانها؛ فإن قلت - مثلا - «سقط الحجر من ~~أعلى البناء على الأرض»، كان الشبه التكويني بين العبارة ~~والواقعة قائما في التقابل الذي يكون بين الأطراف والعلاقات ~~في كل منهما؛ ففي كل منهما أطراف ثلاثة هي: أعلى البناء، ~~والأرض، والحجر. وفي كل منهما علاقة ربطت هذه الأطراف ~~الثلاثة، وهي علاقة السقوط. # إذن فحين يكون المفروض في قضية ما أن صاحبها قد ساقها ليزعم ~~بها زعما عن واقعة من وقائع العالم الخارجي، فلا توصف هذه ~~القضية بأنها «حق» إلا إذا أدركنا ما بينها وبين واقعتها من ~~علاقة تجعل الأولى صورة للثانية، أو تجعل الأولى أداة صالحة ~~للسلوك الناجح إزاء الثانية؛ وبهذا يكون ما نطلق عليه كلمة ~~«حق» هو علاقة كائنة بين طرفين؛ اعتقاد يعبر عنه صاحبه ~~بجملة ما من جهة، وواقعة تقوم في عالم الأشياء مصدقة أو ~~مكذبة لذلك الاعتقاد؛ فليس «الحق» شيئا نلتمسه قائما ~~وحده كما ظن فلاسفة كثيرون، بل هو علاقة بين صورة ومصور، ~~أو بين أداة وموضوع تفعل فيه تلك الأداة. # وقد تسأل: ماذا تعني بكلمة «واقعة» ما دمت تريد للوقائع أن ~~تكون الفيصل القاطع في حكمنا على اعتقاد معين (أي قضية ~~معينة) بالصواب أو بالخطأ؟ وجوابنا هو أن «الواقعة» هي ما ~~يمكن أن نشير إليه، أو ما كان يمكن أن نشير إليه مما قد وقع أو ~~يقع من أحداث؛ فهذه الشمس الطالعة «واقعة»، وهذا الجبل، ~~ونابليون قادما إلى ms254 مصر في حملته، وقيصر مقتولا بطعنة من ~~بروتس، وهذا الطعام آكله، وهذا القلم أمسكه بين أصابعي ~~كاتبا؛ كل هذه وقائع حدثت أو تحدث، أو قل هي مجموعات من ~~حوادث وقعت أو تقع؛ وأي جملة أنطق بها معبرا بها عن اعتقاد ~~عندي خاص بأمر من أمور الواقع هي نفسها واقعة من وقائع ~~العالم؛ ومثل هذه الواقعة اللفظية (أي الجملة) التي نزعم لها ~~أنها تشير إلى واقعة أخرى سواها، إنما يعتمد صوابها أو خطؤها ~~على وجود هذه الواقعة الأخرى؛ فإن استحدثت حادثة «لفظية» ~~لتكون رمزا يشير إلى مرموز إليه من جوانب الدنيا، ولم نجد في ~~الدنيا هذا المشار إليه، لبث الحكم على الرمز معلقا، فلا ~~هو صواب ولا خطأ؛ فوقائع العالم هي التي تقضي على جملة نقولها ~~عن العالم بأنها حق أو باطل. # إننا نعيش في عالم واقع، والواقع فيه «صلابة» و«عناد» - ~~كما يقول رسل # 3 ~~- فإذا ما قال عنه الإنسان قولا، لم يكن ذلك ~~القول حقا إلا إذا قابله في دنيا الواقع ما يؤيده؛ ~~فأقوالنا عن العالم هي كجدول مواعيد القطارات، فإن نص ~~الجدول على أن قطارا يغادر القاهرة إلى الإسكندرية في الساعة ~~الثامنة صباحا، كان هذا النص صوابا إذا قام القطار المذكور ~~فعلا في الساعة المذكورة، فالواقعة هي التي تحقق صواب ما ~~قد قيل، وليس ما يقال هو الذي يقضي بأن الواقعة قد وقعت فعلا، ~~وكذلك نحن والعالم، فهنالك عالم خارجي من جهة، وهنا من جهة ~~أخرى إنسان يتكلم عن ذلك العالم واصفا إياه زاعما عنه ~~المزاعم؛ فوقائع العالم الخارجي التي تحدث فعلا هي التي ~~على أساسها نقضي بما في أقوالنا من حق أو باطل، والعكس غير ~~صحيح، وهو أن أقوالنا وأحكامنا واعتقاداتنا ليست هي التي تجعل ~~الواقع واقعا والحق حقا والباطل باطلا. # علمنا بالعالم الواقع - إن استحق أن يطلق عليه اسم ~~«العلم» - هو في حقيقة أمره مرحلة راقية من مراحل الملاءمة ~~بين الكائن الحي وبيئته، فلا فرق بين الحيوان في تشكيل سلوكه ~~على النحو الذي يوائم بينه وبين الواقع ms255 لكي يحيا، وبين ~~العالم في قمة علمه وهو يحاول أن يزداد بالعالم علما، ~~لنشكل سلوكنا تبعا لذلك تشكيلا يزيد من نجاحه في السيطرة ~~على ظواهر الطبيعة، لا فرق بين هذا وذاك إلا في الدرجة وحدها، ~~وأما «الكيف» فواحد هنا وهناك؛ لأنه في كلتا الحالتين محاولة ~~واحدة نحو التكيف لواقع العالم على أساس العلم به علما ~~صوابا. # ولما كان الحيوان والإنسان معا يتفقان من الوجهة الحيوية ~~على أنهما يريدان أن يدركا من العالم الخارجي ما يمكنهما ~~من العيش على خير وجه مستطاع، كان الحيوان والإنسان معا ~~شريكين في الاستعداد والتهيؤ للسلوك في البيئة سلوكا ~~موفقا، وهذا التهيؤ الذي يقتصر عند الحيوان على غريزة ~~فطرية قد يرتفع عند الإنسان إلى أن يصل به إلى «المعرفة» في ~~أرقى درجاتها وأدقها، لكن صميم الأمر واحد؛ مما يبرر لنا ~~زعمنا بأن الحيوان كالإنسان تكون لديه «اعتقادات» معينة عن ~~بيئته، يسلك على أساسها، فيجيء سلوكه موفقا إذا كان ~~«اعتقاده» صحيحا، أو مخفقا إذا كان «اعتقاده» وهما ~~باطلا. نعم إن «الاعتقاد» في أدق مراحله عند الإنسان يتحول ~~إلى عبارات كلامية ينقل بها صاحب الاعتقاد اعتقاده إلى سواه، ~~حتى لقد تعودنا أن نقرن الاعتقاد بالصيغة الكلامية التي ~~تعبر عنه اقترانا يكاد يجعلنا نقصر «الاعتقاد» على ~~الإنسان المتكلم وحده دون الحيوان الأعجم، لكن نظرة تحليلية ~~إلى الوظيفة الحيوية للاعتقاد تكشف عن اشتراك الحيوان مع ~~الإنسان في ذلك، وإن اختلفا في مدى الدقة ودرجة ~~التحديد. # وإنما نقول هذا كله لنغرس في ذهن القارئ غرسا عميقا ~~يربط به بين «الاعتقاد» و«الأمر الواقع» على نحو يجعل صواب ~~الأول أو خطأه معتمدا كل الاعتماد على الثاني؛ فلا صواب في ~~اعتقاد لا تكون له بالواقع صلة. إن قدرتنا على الكلام ~~لتخدعنا وتصرفنا في كثير من الأحيان عن طرفي الموقف ~~الرئيسيين، وهما «الاعتقاد» المكون في الداخل من جهة، ~~والحادثة الواقعة في عالم الأشياء من جهة أخرى، حتى لترانا ~~ننصرف إلى عباراتنا الكلامية نفسها، ندور فيها وندور، كأنما هي ~~العالم الذي لا عالم سواه، على حين ms256 أن هذه العبارات - إن ~~أريد بها أن تكون ذوات معنى - ليست إلا مشيرات نشير بها إلى ~~الواقع كما «نعتقد» أنه يقع، هي كمقياس الحرارة نضعه في الماء ~~الساخن ليكون أداة دقيقة تضبط لنا درجة الحرارة التي نحسها ~~إذا ما وضعنا أصابعنا في الماء؛ فالجملة اللغوية ما دامت ~~تشير إلى ما هو خارج الإنسان فهي الصيغة الرمزية التي نشير بها ~~إلى ما نعتقد أنه موجود في العالم. # الاعتقاد - إذن - حالة حيوية تقتضيها الحياة نفسها وضرورة ~~بقائها؛ ولذلك فهي حالة تضرب بجذورها إلى الحيوان الأدنى ، ~~غير أننا إذا ما علونا بالاعتقاد إلى مرحلة الإنسان، حيث ~~يجد وسيلة التعبير عنه بكلمات تفصل أجزاءه وتحددها، وجب ~~لهذه الوسيلة التعبيرية ألا يكون لها معنى يجعلها غاية في ~~ذاتها، بل يكون معناها في إشارتها إلى ما هو خارج عن حدودها؛ ~~إشارتها إلى ما كان الاعتقاد قد تكون عنه من جوانب العالم؛ ~~فعندئذ تقاس دقة التعبير بدقة إشارته إلى ما في العالم من ~~تفصيلات وحوادث. # ونعود إلى ما بدأنا به فنقول: إن «الحق» صفة لا نصف بها ~~شيئا من الواقع نفسه، بل نصف بها «اعتقادا» لدى فرد من ~~الناس عن ذلك الواقع؛ وبالتالي نصف بها «عبارة» يقولها صاحب ~~الاعتقاد ليعبر بها عن اعتقاده؛ فليس «الحق» في ذاته كائنا ~~موضوعيا خارجيا حتى يجوز للفلاسفة أن يبحثوا فيه على هذا ~~الاعتبار، بل هو «علاقة» بين الاعتقاد من جهة وبين الأمر ~~الواقعي المعتقد فيه من جهة أخرى، وتكون علاقة الحق قائمة ~~بين طرفيها حين يكون بين الطرفين تطابق بأي معني من ~~معانيه؛ فالاعتقاد الحق هو ما له طرف خارجي يشير إليه، ~~والاعتقاد الباطل هو ما ليس له طرف خارجي يشير إليه، أو هو ~~ما يشير إلى طرف خارجي إشارة لا تكشف عن طبيعته على نحو ما ~~هي قائمة. # 3 # ليس «الحق» - إذن - كائنا قائما بذاته وحده قياما ~~مستقلا يجيز لنا أن نبحث عنه كما يبحث الرحالة عن منابع ~~النيل، ولكنه علاقة تقوم بين طرفين؛ فهنا - من ناحية - الصورة ~~التي نتصورها ms257 عن هذا الجزء أو ذاك من أجزاء العالم الخارجي، ~~وهنالك - من ناحية أخرى - العالم الخارجي نفسه بما فيه من ~~أجزاء، وما نصفه بالحق هو التصور التي نتصوره حين يكون صورة ~~مطابقة لما هنالك من واقع. # فليس السؤال المشروع هو: ما «الحق»؟ بل السؤال المشروع هو: ~~ما الظروف التي إذا توافرت لقضية إخبارية قلنا عن هذه القضية ~~إنها حق؟ # وليس الفلاسفة جميعا على كلمة واحدة في الإجابة عن هذا ~~السؤال؛ فمنهم - بين جماعة الوضعيين المنطقيين أنفسهم مثل ~~«همبل» و«نوراث» - من يجعل «الاتساق» شرطا للحق ؛ فالقضية ~~المعينة تكون صادقة لو كانت تربطها صلة لغوية بغيرها، تجيز ~~لها أن تكون جزءا من معرفتنا ما دام الأصل الذي هي متصلة به ~~جزءا من المعرفة معترفا بصوابه؛ فمثلا: هل من الحق أن ~~يقال إن بروتس قتل قيصر؟ الجواب هو: نعم إن هذا القول حق لأنه ~~مشتق من العبارة الفلانية، والعبارة الفلانية مما تراه ~~مدونا في الوثيقة الفلانية؛ وإذن فهذا القول «مشتق» مع ~~أقوال أخرى وردت في موضع معين بدأنا بافتراض أنه موثوق ~~بصدقه؛ ومعنى ذلك أن علاقة الحق في قضية ما هي عدم تناقضها مع ~~قضية أخرى، وليست علامة الحق - في نظر هؤلاء - هي أن تكون ~~القضية مرتبطة ب «الواقع» على نحو ما؛ لأن الباحث - في رأي هذه ~~الجماعة - لا يسعه عند تحقيق الصدق لقضية معينة سوى أن يدور ~~في عالم من قضايا، فيظل ينتقل من كتاب إلى كتاب ومن وثيقة إلى ~~وثيقة، مقارنا هذه الجملة هنا بتلك الجملة هناك، وأما أن ~~يحطم هذا الحصار اللغوي لينفذ منه إلى ما هو واقع خارج ~~أسواره في الدنيا الخارجية، دنيا الحوادث نفسها، فليس له ~~قبل به. # على أن لنظرية «الاتساق» في الحق صورا أخرى لعلها أرسخ ~~أساسا وأعمق جذورا في ميدان البحث الفلسفي من صورتها التي ~~أوجزناها عن بعض رجال الوضعية المنطقية، والتي تجعل صدق الجملة ~~متوقفا على بقية الجمل التي تكون معها نسقا ~~معينا يبدأ بفرض معين، مع جواز أن تكون الجملة الواحدة ~~حقا بالنسبة إلى ms258 نسق ما، وباطلة بالنسبة إلى نسق آخر؛ ~~أقول إن هنالك إلى جانب هذه الصورة في تفسير «الحق» على أساس ~~اتساق الأجزاء، صورا أخرى بالغة الخطر في عالم التفكير ~~الفلسفي، يختلف بعضها عن بعض وإن تكن كلها تتفق في أنها تجعل ~~من «الحق» كلا متسق الأجزاء، وتجعل من أية معرفة عقلية ~~منظمة - كالمعرفة العلمية مثلا - مجموعة من القضايا مستندا ~~بعضها إلى بعض في وحدة متصلة القضايا اتصال المقدمات ~~بنتائجها. # فمن الصور الهامة التي ظهر عليها مذهب الاتساق في الحق، ~~الصورة الديكارتية التي ترتكز على المبدأ القائل بأنه لا يجوز ~~للباحث عن الحقيقة أن يثبت شيئا على أنه الحق إلا ما يستطيع ~~إدراكه إدراكا واضحا متميزا. ومثل هذا الإدراك لما هو حق ~~معصوم من الخطأ مبرأ من الشك، إنما يتم بطريق العيان ~~المباشر؛ أي إنه يتحقق لصاحبه بالحدس؛ فما ندرك بالحدس أنه ~~حق واضح بذاته يكون كذلك بغير شك، لكننا لا ندرك مثل هذا ~~الإدراك الحدسي إلا إن كان المعروض أمام العقل «فكرة بسيطة» أو ~~«قضية بسيطة»، على أن هذه البساطة لا تعني أن تكون الفكرة ~~خلوا من الكثرة الداخلة في تكوينها، بل إننا لنعدها فكرة ~~بسيطة إذا ما كان قوامها أكثر من عنصر واحد، لكنها عناصر يتصل ~~بعضها ببعض صلة ضرورية. وبعبارة أخرى، فإن ما يطلق عليه ~~ديكارت اسم «فكرة بسيطة» أو «قضية بسيطة» هو حكم شرطي صيغ ~~على نحو يجعل التالي فيه لازما بالضرورة عن المقدم، وإن ~~يكن هذا التالي لا يستلزم بالضرورة صدق المقدم. # 4 # ولنضرب لذلك الأمثلة التي ضربها ديكارت نفسه؛ ~~فالفكرة التي قوامها «إذا كان ثمة وعي ذاتي، كان ثمة وجود» ~~فكرة بسيطة عند ديكارت، ولو أن بساطتها لا تتنافى مع أن يكون ~~هنالك تركيب شرطي يتوقف فيه التالي على المقدم، بحيث يستحيل ~~أن يصدق المقدم ولا يصدق التالي معه، على حين أن العكس ~~يجوز ألا يكون صحيحا؛ أي إن التالي قد يصدق دون أن يصدق ~~معه المقدم؛ فيكون هنالك «وجود» دون أن يستلزم ذلك «وعيا ~~ذاتيا»، ms259 وكذلك القضية 2 × 2 = 4 هي بمثابة تركيب شرطي صورته ~~إذا أضيفت 2 إلى 2 كان الناتج 4، فها هنا أيضا يستحيل أن ~~يصدق المقدم دون أن يستلزم ذلك صدق التالي معه، لكن ~~العكس غير صحيح، فلا نقول إنه إذا كانت هنالك أربعة فلا بد أن ~~تكون اثنتان قد أضيفتا إلى اثنتين؛ لأن الأربعة قد تنتج عن ~~إضافة أخرى، كإضافة ثلاثة إلى واحد. # نعود إلى ما كنا بصدد الحديث فيه، وهو أن الحق شرطه عند ~~ديكارت هو الإدراك الواضح المتميز، وهذا الإدراك يكون ~~عيانا مباشرا للحقيقة المعروضة، ومثل هذه الحقيقة لا بد أن ~~تكون فكرة بسيطة أو قضية بسيطة، لكن هذه البساطة لا تتنافى مع ~~أن يكون هنالك عنصران داخل القضية، لكنهما متماسكان على نحو ~~يجعل عنصرا منهما مستحيلا بغير الآخر، كما هي الحال في صدق ~~التالي إذا صدق المقدم في القضية الشرطية. ومع ذلك فإدراك ~~المقدم والتالي لا يكون انتقالا من جزء إلى جزء، إنما هو ~~إدراك لكل واحد متصل يتم بفعل حدسي واحد يكشف عما فيه من ~~حق واضح بذاته ممتنع على الشك، ومثل هذا الحق هو الذي يصلح ~~بعد ذلك أساسا ينبني عليه ما أردنا بناءه من علم أو فلسفة؛ ~~لأن مثل هذا الحق هو بمثابة المبدأ الذي نشتق منه معرفتنا ~~كلها في تناسق أجزائها، فما نستدله من المبادئ الواضحة بذاتها ~~استدلالا صحيحا يكون بدوره حقا لا شبهة فيه، فكأنما ~~ترتبط كل خطوة بالخطوة السابقة عليها كما ترتبط الحلقة التالية ~~بالحلقة السابقة في السلسلة، تؤدي الواحدة منها إلى الأخرى مما ~~يجعل الخالفة في يقين السالفة. # وهكذا يكون المثل الأعلى للمعرفة عند ديكارت هو البناء ~~المتسق من القضايا الصادقة، التي يكون صدق كل منها ~~متوقفا على موضعها من البناء؛ فأساس البناء هو الحقائق التي ~~نراها رؤية مباشرة، وطوابقه هي الحقائق التي نستمدها من ذلك ~~الأساس اليقيني، فتكون بدورها يقينية. على أن هذا الصدق الذي ~~ننسبه إلى كل قضية مما يرد في البناء النسقي، صدق ~~مطلق؛ بمعنى أنها تكون صادقة ms260 دائما، فليس هنالك نسق آخر ~~ممكن، بحيث يتغير فيه الأساس فتتغير بالتالي مجموعة ~~القضايا الصادقة المترتبة عليه. # ولئن كانت السلسلة في ارتباط حلقاتها بعضها ببعض صورة توضح ~~كيف تتحد أجزاء المعرفة عند ديكارت وكيف تتسق تلك ~~الأجزاء بحيث يؤدي السابق إلى التالي، فمثل هذه الوحدة ليس هو ~~ما يقره هيجل وتلاميذه، وهم أيضا ممن يأخذون بمذهب ~~الاتساق في الحق، لكنهم يتصورونه على وجه آخر. # فليس الأمر أمر «حقائق عدة» ارتبطت واتسقت في بناء يخلو من ~~تناقض الأجزاء وتنافرها، كما قد تصوره ديكارت، بل هو «حق ~~واحد»؛ ف «الاتساق» - كما يراه هيجل وأتباع مدرسته - ليس صفة ~~تضاف إلى القضايا من خارجها؛ بمعنى أن تكون القضية الواحدة ~~حقا وهي مفردة معزولة قائمة وحدها ثم تظل على حقيتها ~~أيضا بعد أن تضاف إلى غيرها في بناء، وغاية الأمر أنها في ~~هذه الحالة الثانية يظهر اتساقها مع غيرها من أجزاء البناء، ~~فمثل هذا الاتساق الديكارتي لا يكون هو الشرط الضروري للصدق، ~~ما دام الصدق ليس متوقفا عليه كما رأينا في احتفاظ القضية ~~الصادقة بصدقها حتى وهي مفردة. كلا، إنما الحق عند هيجل لا ~~يتوافر إلا للبناء كله، ولا تكون القضية الواحدة حقا إلا وهي ~~جزء من البناء، ولو عزلتها لكنت بمثابة من يجذ جزءا ~~صغيرا من جسم حي لا يكمل وجوده إلا وهو متكامل ~~الأجزاء. # تلك صور ثلاث قدمناها بين يديك لمذهب يري صدق القضية ~~الصادقة مستمدا من اتساقها مع غيرها من القضايا لا في ~~مقابلتها للأمر الواقع. وفي رأينا أن مثل هذا «الحق» الذي ~~يعتمد كل الاعتماد على علاقة الصيغ اللفظية بعضها ببعض هو حق ~~صوري يصلح في مجال المنطق الخالص والرياضة البحت وما يجري ~~على غرارهما من ضروب التفكير الاستنباطي، لكنه لا يصلح ~~وحده أبدا في مجال الإخبار عن الطبيعة؛ ففي هذه الحالة ~~الثانية لا محيص لنا عن مقابلة الصيغة الكلامية التي نسوق ~~فيها اعتقادا ما، مع الطرف الخارجي الذي جاءت تلك الصيغة ~~رمزا يرمز إليه. ومثل هذه النظرية في طبيعة «الحق» ms261 تسمى ~~بنظرية المطابقة؛ لأنها تريد أن يكون ثمة تطابق بين الرمز من ~~ناحية والواقعة المرموز إليها من ناحية أخرى. # إنه لا خلاف بيننا وبين أنصار «الاتساق» في أن القضية إذا ~~كانت مشتقة من سواها، كانت وسيلة تحقيقها هي أن ننظر في ~~استدلالها من أصلها لنرى هل كان سليما في استخراجه النتيجة من ~~مقدماتها، أو بعبارة أخرى فالقضية المراد تحقيقها إن كانت ~~منتزعة من قضية سواها، كانت علامة صدقها هي اتساقها مع ~~الأصل الذي انتزعت منه، ولكن موضع الخلاف الرئيسي هو ~~القضايا الأولية التي منها نبدأ بناءنا العلمي حين يكون هذا ~~البناء مشيرا إلى الطبيعة؛ فكيف نتبين وجه الحق في تلك ~~القضايا الأولية؟ أما أنصار «الاتساق» فيكلون الأمر إلى ~~الحدس؛ فبالحدس ندرك صدق البدايات البسيطة، وأما أنصار ~~نظرية التطابق فيجعلون صدق القضايا الأولية مرهونا بإدراك شيء ~~خارج عن حدود القضايا نفسها، وهو شيء جاءت تلك القضايا لترمز ~~إليه، وعلى هذه القضايا الأولية أن تطابق ما قد جاءت ~~لتصوره أو لتشير إليه إشارة دالة على طبيعته؛ فإن ~~شاهدت بقعة صفراء مستديرة ذات خصائص فريدة مميزة، كانت ~~هذه المشاهدة معطى أوليا لا يمكن تحليله وإسناده إلى ~~مصدر سابق عليه، وكانت الجملة التي أعبر بها عن تلك ~~المشاهدة جملة أولية لا يمكن ردها إلى مقدمة أسبق منها، ~~لكنني بعد ذلك أستطيع من هذه البداية الأولية أن أمضي في طريق ~~الاستدلال العقلي، فأحكم أحكاما يتوقف صدقها على صدق تلك ~~البداية الحسية الأولية، كأن أقول مثلا: إنه ما دامت هذه ~~بقعة صفراء فهي ليست بيضاء، أو إنها ما دامت مستديرة فيستحيل ~~أن تكون مربعة الأضلاع ولا مربعة الزوايا، وهكذا. فالصدق ~~في هذه الجمل المشتقة يقوم على الاتساق بينها وبين الجملة ~~الأصلية، وأما صدق الجملة الأصلية فلا بد أن يستند إلى علاقة ~~بينها وبين شيء لا تكون طبيعته من طبيعة الرموز اللغوية، بحيث ~~يصح أن نقول إن الرمز اللغوي إنما جاء ليرمز إليه. # فماذا عسى أن تكون طبيعة هذا الشيء المشار إليه بالرمز ~~اللغوي، حين تكون القضية ms262 الرامزة أولية غير مسبوقة بمقدمة ~~أعم منها؟ هنا ينشعب مذهب التطابق شعبتين؛ أولاهما ~~توجب أن تشير القضية الأولية إلى جزء من خبرة الإنسان، ~~والأخرى تجيز للقضية أن تكون مشيرة إلى واقعة خارجية دون أن ~~تحتم دخول تلك الواقعة في مجال خبرات الإنسان. # إنه محال - عند أنصار الشعبة الأولى - أن نحكم على قضية ~~بأنها صادقة إلا إذا كانت مفهومة المعنى أولا، وفهم المعنى ~~لا يكون إلا إذا كان لنا في خبراتنا ما يوضح لنا إلى أي شيء ~~تشير الكلمات الواردة في القضية التي نقول عنها إنها مفهومة ~~لنا وإنها فوق ذلك صادقة. ولو خلت خبراتنا خلوا تاما ~~من كل ما يوضح لنا إلى أي المدلولات تشير الألفاظ المستخدمة ~~في جملة ما، لاستحال علينا فهم المعنى المقصود فضلا عن ~~الحكم على العلاقة القائمة بين الرمز ومعناه بأنها علاقة ~~التطابق. وإن جملة تقولها لي لا أعرف كيف أترجم مضمونها في ~~حدود خبرتي، لهي جملة خارجة عن النطاق الذي أستطيع الحكم في ~~حدوده بصدق أو ببطلان، فأقف إزاء جملتك لا موقف المصدق ولا ~~موقف المكذب، بل موقف الذي لا يحكم على قولك بشيء حتى يفهم ~~أولا. # لكن هذا الرأي الذي يجعل الحديث الخارج بموضوعه عن حدود خبرة ~~السامع، لا هو بالصادق ولا هو بالكاذب، هو رأي سرعان ما ~~يسلمنا إلى مشكلة منطقية، وهي التنكر لمبدأ الثالث ~~المرفوع الذي يبدو كأنما يفرض نفسه على العقل فرضا؛ فأنت تعلم ~~أن أحد قوانين الفكر الثلاثة التي أخذ بها أرسطو، والتي رأي ~~أن لا تفكير بغير افتراض قيامها، هو هذا القانون الذي يجعل ~~الشيء المعين الواحد إما «س» أو «لا - س»، ولا ثالث لهذين ~~الاحتمالين؛ فالشيء الملون إما أن يكون أبيض أو غير أبيض، ~~والخط إما أن يكون مستقيما أو غير مستقيم، وهكذا؛ فكذلك ~~القضية المعينة إما أن تكون صادقة أو غير صادقة ولا ثالث ~~لهذين الفرضين. أما أن تقول عن قضية إنها لا هي بالصادقة ولا ~~هي بغير الصادقة لأن مضمونها خارج عن حدود خبرتك فلا تستطيع ms263 ~~فهمها وبالتالي لا تستطيع الحكم عليها، فذلك قول يجافي ~~قانونا أساسيا من قوانين الفكر كما رأينا. # لهذا نشأت شعبة ثانية من مذهب التطابق، لا تجعل صدق ~~القول متوقفا على مطابقته لجزء من خبرة المتكلم أو السامع ~~كما هي الحال مع أنصار الشعبة الأولى، بل تجعله متوقفا على ~~مطابقته لواقعة من وقائع العالم الخارجي، سواء دخلت تلك ~~الواقعة في مجال خبرتنا أو لم تدخل، وبهذا نحافظ على مبدأ ~~الثالث المرفوع؛ لأن القول عندئذ سيكون إما صادقا أو غير ~~صادق ولا ثالث لهذين الاحتمالين، فهو صادق إن كانت هنالك ~~الواقعة التي تقابله، وهو ليس بصادق إذا لم تكن هنالك تلك ~~الواقعة، دون أن نشترط لتلك الواقعة أن تكون بين ما ~~خبرناه. # ولعلك تلاحظ في هاتين الشعبتين من مذهب التطابق في القول ~~الصادق أنهما تتفقان في جزء كبير من مجال القول؛ ذلك لأن كل ~~ما هو صادق بناء على خبرتنا التي خبرناها بالواقع، هو صادق ~~أيضا في رأي الشعبة الثانية التي تجعل الصدق علاقة بين القول ~~من جهة والواقعة المقول عنها القول من جهة أخرى، لكن العكس ~~غير صحيح؛ أي إن ما يصدق بهذا المعنى الثاني قد لا يصدق ~~بالمعنى الأول. وشرح ذلك هو أن خبرتنا إنما تتناول جانبا من ~~العالم الواقع دون جانب، وإذن فكل خبرة لنا هي خبرة بواقع، ~~لكن ما كل واقع قد وقع لنا في الخبرة؛ ولهذا كان القول الذي ~~نحكم عليه بالحق مستندين إلى الخبرة، هو قول نحكم عليه نفس ~~الحكم مستندين إلى الواقع. أما في حالة القول الذي نحكم عليه ~~بالحق مستندين إلى الواقع مباشرة، فقد يكون هذا الواقع جزءا ~~من مجالنا الخبري وقد لا يكون. # فلو جعل أنصار الحكم على أساس الخبرة طائفة من القضايا ~~الدالة على خبرات مباشرة سندا لهم يرتدون إليه في ~~أحكامهم على سائر القضايا الفرعية، ثم لو جعل أنصار الحكم على ~~أساس الواقع الخارجي مباشرة طائفة من القضايا الدالة على ~~وقائع أولية سندا لهم يرتدون إليه في أحكامهم على سائر ~~القضايا، كانت ms264 القضايا الأساسية عند الفريق الأول جزءا من ~~القضايا الأساسية عند الفريق الثاني، بحيث يتحتم على كل ~~واحدة من تلك أن تكون واحدة من هذه، لكن العكس غير ~~صحيح. # ولئن كانت الشعبتان مختلفتين في أي القضايا الأولية ~~يتخذ سندا لأحكامنا؛ أهي القضايا الدالة على الخبرة ~~المباشرة وحدها، أم هي القضايا الدالة على وقائع أولية ~~سواء وقعت لنا في الخبرة أو لم تقع، أقول إن الشعبتين إن ~~اختلفتا في هذا، فهما بعد ذلك متفقتان على العلاقات اللغوية ~~التي تجيز لجملة أن تشتق من أخرى؛ فلكل فريق منهما نقطة ~~ابتدائه، لكنهما يسيران بعد ذلك معا في طريق استدلالي واحد؛ ~~إذ يتبعان طائفة واحدة من قواعد الاستنباط، التي هي نفسها ~~قواعد التركيب اللغوي نفسه وقواعد التحويل من جملة في اللغة ~~إلى جملة أخرى. # وهاتان الشعبتان معا تنتميان إلى مذهب في الحق واحد، هو ~~مذهب التطابق بين القضية من ناحية وما جاءت القضية لتشير ~~إليه من ناحية أخرى، غير أن هذا التطابق لا يكون إلا في حالة ~~القضايا الأولية الأساسية عند كل من الشعبتين، وأما ~~القضايا المشتقة المستنبطة من هذه فلا يكون صدقها صدق ~~تطابق مباشر، بل يكون صدقها أول الأمر متوقفا على صدق ~~استدلالها من قضايا أخرى، وهذه من أخرى، حتى نصل في نهاية ~~الشوط إلى قضايا أولية أساسية لا تكون مشتقة إلا من المصدر ~~الرئيسي نفسه، وهذا المصدر هو خبراتنا عند إحدى الشعبتين، وهو ~~الوقائع الخارجية عند الشعبة الأخرى. # ونحن في تقرير الحق لقضية إخبارية ننتمي إلى هذا المذهب - ~~مذهب التطابق - في شعبته التي تشترط أن يكون سندنا الأخير ~~هو خبرتنا؛ فما ليس جزءا من خبراتنا يستحيل عندنا أن يكون له ~~معنى؛ وبالتالي فهو مستحيل على الحكم بصدق أو ببطلان؛ فإن ~~قيل لنا إن هذا الموقف ينتهي بنا إلى التنكر لقانون الثالث ~~المرفوع؛ إذ نحن قمينون بهذا الرأي أن نقف إزاء جملة لم يقع ~~مضمونها في خبرة لنا، أن نقف إزاءها قائلين إنها لا هي صادقة ~~ولا هي غير صادقة؛ كان جوابنا على ms265 هذا الاعتراض أن الحكم ~~بالصدق أو بغيره لا يكون إلا لما يمكن اعتباره قضية من وجهة ~~النظر المنطقية، ولا يعد قضية بحكم منطق اللغة نفسه إلا ~~كلام يصلح أن يقال عنه إنه صادق أو إنه كاذب. أما إن كان ~~الكلام غير مفهوم المعنى لم يكن قضية؛ لأنه عندئذ لا يحمل ~~للسامع دعوي يمكنه الحكم فيها. إن الصفة الواحدة قد لا يقصد ~~بها أن تصف كل شيء؛ فاللون مثلا يصف أشياء ولا يصف أشياء أخرى، ~~ولا تناقض في ذلك؛ فهذه الشجرة خضراء، وتلك الحمامة بيضاء، ~~لكن العدد لا لون له والفضيلة لا لون لها وهكذا. والتربيع أو ~~عدم التربيع إنما نصف به أشكالا هندسية؛ فهذه الورقة ~~مربعة، وتلك الكرة ليست مربعة، أما الأكل والشرب والمشي ~~والجري، وأما الشجاعة والجبن والكرم والبخل، فلا يقال عنها ~~إنها مربعة أو ليست مربعة، دون أن نتعرض بذلك لمبدأ ~~الثالث المرفوع، وكذلك الوصف بالحق أو بالباطل، بالصدق أو ~~بالكذب، لا يوصف به كل شيء، بل لا يوصف به كل كلام، إنما ~~يوصف به فقط ذلك الجانب من كلامنا الذي نسوقه ليحمل للسامع ~~دعوانا أو اعتقادنا عن شيء معين، فعندئذ فقط يمكن وصف هذه ~~الدعوى بالحق أو بالبطلان، أما سائر أنواع الكلام التي لا تحمل ~~في طيها دعاوي، كالمستفهم مثلا أو المتعجب - ودع ~~عنك بقية الأشياء التي ليست من قبيل الكلام ولا من قبيل ~~الاعتقادات، فلا يجوز وصفها بحق أو باطل؛ لأن مثل هذا الوصف ~~عندئذ سيخلو من المعنى. # 4 # ما دمنا نجعل «الخبرة» عمادنا في تمييز ما له معنى مما ليس ~~له، فما أحرانا أن نحدد معنى «الخبرة» تحديدا يزيل ما ~~يحيط باللفظ من غموض. إننا نزعم أن الكلام ذا المعنى المفهوم ~~هو ما أمكن ترجمة مضمونه إلى خبرات وقعت لنا، وأما إن ~~حاولنا مثل هذه الترجمة لجملة من الجمل فلم نستطع، كانت تلك ~~الجملة غير مفهومة لنا، وبالتالي كانت غير ذات معنى؛ فماذا ~~نريد ب «الخبرة» في هذا السياق؟ فالظاهر أن لهذه الكلمة معاني ~~كثيرة ms266 ترد في السياقات المختلفة، وإن يكن هنالك العنصر ~~المشترك الذي يسري في تلك المعاني الكثيرة فيجعلها جميعا ~~أعضاء أسرة واحدة، هي التي نحاول الآن أن نجد السمة الشائعة ~~بين أفرادها. # فمن الوجهة اللغوية يكون للكلمة معنى يقع في حدود «الخبرة» ~~إذا ما كان لتلك الكلمة تعريف تحدده الإشارة إلى مسمى ~~معين؛ فإذا ما كانت الكلمة رمزا يشير إلى كائن معين ~~محدد بين الكائنات، قلنا إن لها معنى في عالم «الخبرة»؛ ~~فاسم العلم الذي يسمي فردا من أفراد الكائنات كلمة من ~~هذا القبيل، مع ملاحظة ما قد أسلفنا الحديث فيه بالتفصيل (راجع ~~الفقرة 3 من الفصل الرابع)، وهو أن أسماء ك «العقاد» أو ~~«المقطم» أو «النيل» وإن يكن قد جرى العرف على اعتبارها ~~أسماء أعلام، إلا أن كل اسم منها - من وجهة نظرنا - يدل في ~~الحقيقة على مجموعة كبيرة من الحالات المتعاقبة؛ وإذن فاسم ~~العلم الحقيقي هو الاسم الدال على حالة واحدة من هذه ~~الحالات الكثيرة، وأفضل ما يؤدي مهمة اسم العلم من الألفاظ ~~هو لفظ كل مهمته أن يشير، مثل كلمة «هذا» نقولها مشيرين إلى ~~حالة بعينها في كائن بعينه. وبديهي أن المشير لا يشير إلا ~~إذا كان هنالك شيء يشار إليه؛ ومن ثم كان اسم العلم - بهذا ~~التحديد لمعناه - كلمة ذات معنى يقع في عالم «الخبرة». # ماذا يدل عليه اسم ك «ابن خلدون» من عالم الخبرة؟ إن ابن ~~خلدون الرجل لم يقع لأحد منا في خبرته؛ بمعنى أن أحدا منا لم ~~يره في أية حالة من حالاته الواقعة، ولكننا قرأنا كلمتي ~~«ابن خلدون» في مواضع عدة من كتب عدة، فهاتان الكلمتان ~~مكتوبتين في تلك المواضع هما كل «خبرتنا» التي تجعل للاسم ~~معنى، وكذلك اسم «سندباد» الذي ورد في القصص الخيالية يكون ~~له معنى في «خبرتنا» بمقدار ما قد رأيناه واردا في السياقات ~~التي ورد فيها. والفرق بين معني «ابن خلدون» ومعنى «سندباد» ~~هو أننا نستطيع أن نتابع الحالات التي ورد فيها اسم «ابن ~~خلدون» حتى نبلغ مرحلة نقتنع عندها ms267 بأن لهذا الاسم مسمي ~~حقيقيا كان بين أفراد البشر، وأما بالنسبة لاسم «سندباد» ~~فمهما تابعناه في مواضعه التي ورد فيها فلن نبلغ خطوة في طريق ~~السير نقتنع عندها أن للاسم مسمى خارج الصفحات التي ورد ~~مكتوبا عليها. وعلى كل حال ف «الخبرة» التي تجعل لكل من ~~الاسمين السالفين معنى، هي رؤية الاسم مكتوبا أو سمعه ~~منطوقا، وليست هي الشخص المسمى مرئيا أو محسوسا بأية ~~حاسة أخرى. # وبكلمة موجزة نقول: إن الكلمة يكون لها معنى خبريا ~~إذا لم نوضح معناها بكلمة أخرى، بل بالإشارة المباشرة إلى حالة ~~من حالات الواقع المحسوس؛ فإذا قلت لك عن اللون الأحمر إنه هو ~~اللون الواقع في آخر ألوان الطيف الشمسي، كنت بمثابة من يوضح ~~لك الكلمة بكلمات أخريات، أما إذا قلت لك عن اللون الأحمر ~~إنه هو «هذا» مشيرا إلى بقعة لونية أمامنا، كنت بذلك أحدد ~~معنى كلمة «أحمر» بالرجوع إلى الخبرة رجوعا مباشرا. على أن ~~الكلمة التي نوضحها بكلمة أو كلمات أخرى (كما يفعل القاموس في ~~شرح الألفاظ) إذا ما استطعنا أن ننتهي بهذا التعريف اللفظي إلى ~~مرحلة يمكن عندها الإشارة إلى المسمى الفعلي في عالم الواقع ~~المحسوس، نقول عنها إنها ذات معنى خبري، إن لم نصل إليه ~~بخطوة واحدة فنحن مستطيعون الوصول إليه بعد خطوتين أو ~~ثلاث. # حلل هذا الذي قلناه عن معنى «الخبرة» حين نقول عن كلمة ما ~~إن لها معنى في «الخبرة»، تجد الأمر يرتد إلى «عادة» ~~يكونها الشخص الذي يتعلم كلمة ومعناها على هذا النحو، وما ~~دام الأمر كذلك ف «الخبرة» - إذن - هي «عادة» نربط بها بين رمز ~~لغوي وشيء مرموز إليه بذلك الرمز. إنني إذ أشير لطفل يتعلم ~~اللغة في أعوامه الأولى قائلا له كلمة «أحمر» ومشيرا له إلى ~~بقعة لونية حمراء، فإنني بذلك أعمل على أن يربط الطفل صوتا ~~معينا بانطباع بصري معين؛ فإذا ما بلغ هذا الربط عنده ~~من القوة حدا يمكنه إذا ما رأى أحد الطرفين أن يستحضر ~~الطرف الآخر في ذهنه، فلو قلت له لفظة ms268 «أحمر» دون أن يكون ~~اللون الأحمر في مجاله البصري استحضر اللون، وإذا رأى اللون ~~حاضرا استحضر اللفظ، أقول إن الربط بين الطرفين إذا ما بلغ ~~عنده هذا الحد، كان بمثابة من كون لنفسه عادة؛ وإذن فلو ~~قلنا عن الطفل عندئذ إن له «خبرة» باللون الأحمر، كان معني ~~قولنا هذا هو أن الطفل قد كون العادة التي تربط بين كلمة ~~معينة وما تشير إليه الكلمة في عالم الأشياء. # إن الذي يفرق بين الأحياء والجوامد هو الوعي، على أن الأحياء ~~تعود فتتفاوت في درجة وعيها بما حولها. وليس يقتصر الوعي على ~~مجرد تأثر الكائن الواعي بما حوله، فلسنا نقول - مثلا - عن ~~الترمومتر إنه على «وعي» بما حوله ما دام عمود الزئبق فيه ~~يتأثر بالحرارة المحيطة به؛ فالجانب المهم من صفة «الوعي» التي ~~تميز الحي من الجامد أولا، ثم تميز الإنسان من سائر ~~درجات الأحياء ثانيا، هو احتفاظ الكائن بما قد وعاه في لحظة ~~ماضية، وربطه بغيره من حالات الوعي الأخرى، بحيث يكون من ~~الطرفين «عادة» تجعل أحد الطرفين وحده كفيلا أن يستحضر الطرف ~~الآخر في مجرى الشعور، ومن مجموعة هذه العادات تتألف ~~«الخبرة». # فماذا نعني - في ضوء هذا الذي قلناه - حين ندعو إلى وجوب ~~اعتماد معنى جملة ما على «الخبرة» وحدها، ما دام الفرض في تلك ~~الجملة هو أنها تنبئ عن جزء من العالم الخارجي بنبأ ما؟ إن ~~ما نعنيه على وجه الدقة هو أن يكون السامع لتلك الجملة قد ~~كون لنفسه عادات بالنسبة إلى كل لفظة واردة في الجملة، بحيث ~~يكون أحد الطرفين المرتبطين في كل حالة من الحالات انطباعا ~~حسيا، ويكون الطرف الآخر لفظا نسمي به ذلك الانطباع، ~~وبالطبع لا يكون الاعتماد على الخبرة كاملا إلا إذا كان ~~الانطباع الحسي الذي هو المرجع في فهم معنى الكلمة التي ~~تسميه انطباعا باشرته بنفسي؛ أي إن الاعتماد على الخبرة ~~لا يكون كاملا وافيا إلا إذا كانت الخبرة خبرتي أنا؛ فلو ~~قلت إني أرى بقعة حمراء، أو قلت إني أحس ألما في ضرسي، ms269 ~~كان معنى الجملة عندي معتمدا على خبرة مباشرة أمارسها، ~~لكن مثل هذه الخبرة المباشرة ذاتي كما ترى، خاص بصاحبه، ولو ~~قصرنا أنفسنا عليه وحده لما كان هنالك سبيل للتفاهم؛ أعني أن ~~طريق الاستفادة بخبرات الآخرين ينسد فلا يكون به منفذ ~~نتسلل منه إلى تلك الخبرات الأخرى فنوسع بها مدى علمنا ~~بالعالم الذي نعيش فيه. # وسبيل الاتصال بيني وبين الآخرين، بحيث يوصل كل منا ~~خبراته إلى سواه، هي أن يقدم المتكلم للسامع قالبا فارغا ~~قوامه العلاقات القائمة بين أطراف خبرته مجردة عن مضمون ~~أطرافها المتعلقة بها، فيملأ السامع هذا القالب الفارغ من ~~مخزون ذاكرته بما يجعل جملة المتكلم مفهومة له، فإذا لم يجد في ~~ذلك المخزون ما يسعفه في ملء ما يريد أن يملأه، ظلت جملة ~~المتكلم مستغلقة على فهمه؛ يقول المتكلم لمن يتحدث إليه - ~~مثلا - «لمع البرق ليلة أمس»، فلا ينقل إليه بهذا الحديث ~~«لمعة» كلمعة البرق، بل ينقل إليه «لفظا» أملا في أن يكون ~~السامع قد كون في حياته الماضية «عادات» شبيهة بعادات ~~المتكلم؛ أي أن يكون السامع قد رأى في حياته الماضية لمعة ~~البرق، ووجد إلى جواره من يقول له «برق» في تلك اللحظة نفسها، ~~بحيث ارتبط اللفظ المسموع باللمعة المرئية وتكونت «العادة» ~~أو «الخبرة» التي تجعل كلمة «البرق» بعد ذلك مفهومة، لكن هذا ~~السامع إذا ما فهم عن المتكلم معني عبارته «لمع البرق»، فإنما ~~يفهمها لا بلمعة البرق التي رآها المتكلم، بل بلمعة البرق التي ~~كان السامع قد رآها في خبرته الماضية واستذكرها الآن بمناسبة ~~ذكر اللفظ المرتبط بها. # بهذا نفهم مذهب الوضعيين المنطقيين الذي يربط ربطا وثيقا ~~بين معنى الجملة من جهة وطريقة تحقيقها من جهة أخرى؛ فما ليس ~~لدينا طريقة لتحقيق صدقه يكون كلاما بغير معنى، وما يكون ~~كلاما ذا معنى هو ما نملك وسيلة التحقق من صدقه، والتحقق ~~من الصدق لا يكون - بالبداهة - إلا إذا فهم للكلام معنى، ~~وفهم المعنى لا يكون إلا إذا كانت لدينا خبرات ماضية ~~تستثيرها في الذاكرة ألفاظ الجملة المراد ms270 فهمها وتحقيقها. ~~هكذا يتصل «معنى» الجملة ب «تحقيق صدقها» اتصالا يجعل قيام ~~أحدهما مستحيلا بغير الآخر، فيستحيل أن يكون لكلام «معنى» ~~بغير أن يكون الكلام ممكن التحقيق على أساس خبراتنا، ويستحيل ~~أن يكون تحقيق الكلام ممكنا بغير أن يكون له معنى مفهوم ~~استنادا إلى خبراتنا. # إن لنظرية المعرفة عندنا جانبين هامين يتوقف الواحد منهما ~~على الآخر؛ فهنالك - أولا - السؤال الذي يسأل: في أي الظروف ~~يكون للجملة من كلامنا معنى (ونريد المعنى الذي به يكون ~~للكلام إشارة إلى شيء من الواقع)؟ ثم هناك - ثانيا - السؤال ~~الذي يسأل: كيف يتاح لنا أن نعلم إذا كانت الجملة (ذات ~~المعنى) صادقة في إخبارها عن العالم أو كاذبة؟ وهذا السؤال ~~الثاني - كما تري - متوقف على السؤال الأول؛ لأن ما يتقرر ~~عنه في الخطوة الأولى أنه غير ذي معنى، لا يسأل عن صدقه أو ~~كذبه. على أن الإجابة عن السؤال الثاني هي التي تحدد ما ~~يكون للجملة من معنى؛ لأنني حين أرجع إلى الخبرات التي تثبت ~~صدق الجملة، أكون بهذا نفسه قد حددت الخبرات التي تجعل ~~للجملة ما لها من معنى. # وأكرر هذا في عبارة أخرى زيادة في توضيحه، إننا إزاء ~~الجملة المعينة نسير مرحلتين؛ ففي المرحلة الأولى نسأل: أي ~~الخبرات «يمكن» أن يجعل للجملة معني؟ وفي المرحلة الثانية ~~نسأل: هل هناك من الخبرات القائمة «فعلا» ما يجعل تلك الجملة ~~صادقة؟ فإذا كنا إزاء السؤال لا ندري نوع الخبرات التي «يمكن» ~~أن يجعل للجملة معنى، حذفناها من زمرة الكلام المفهوم، ~~واستغنينا عن المرحلة الثانية التي هي مرحلة تحقيق صدقها؛ ~~فإذا قيل لي مثلا إن «المطلق أزلي أبدي» كان السؤال ~~الأول إزاء هذا القول هو: هل عندي من الخبرات التي أختزنها ~~في ذاكرتي ما «يمكن» أن يجعل لهذه الكلمات الثلاث معنى؟ فإن لم ~~أجد مثل هذه الخبرات، كان من العبث أن أنتقل إلى السؤال ~~الثاني الذي يسأل إن كان هذا القول صادقا أو غير صادق؛ لأنه ~~لكي أسأل هذا السؤال الثاني، يجب - بداهة - أن أفهم ماذا عسى ms271 ~~أن يكون معنى الجملة المعروضة إذا ما ثبت أنها صادقة. وأما إذا ~~اجتزنا المرحلة الأولى موفقين بأن عرفنا نوع الخبرات التي ~~تجعل للجملة معنى، انتقلنا بعدئذ إلى المرحلة الثانية التي هي ~~البحث عن الخبرات «الفعلية» التي حددنا نوعها في المرحلة ~~الأولى، والتي إن وجدناها قلنا عن الجملة إنها ليست فقط ذات ~~معنى مفهوم، بل إنها كذلك صادقة تنبئ عن العالم نبأ ~~صحيحا. # معنى العبارة هو نفسه طريقة تحقيقها؛ فإذا لم نجد لتحقيقها ~~طريقة كانت عبارة بغير معنى؛ هذا هو مبدؤنا الذي نحذف على ~~أساسه العبارات الميتافيزيقية كلها؛ لأننا نلتمس طريقة لتحقيق ~~هذه العبارات فلا نجد. يقول لنا الميتافيزيقي - مثلا - إن ~~العالم أصله عقل، وإن هذه الأشياء المادية التي نحسها إن هي ~~إلا ظواهر ذلك العقل، فلا نقول لذلك الميتافيزيقي إنه أخطأ ~~القول، بل نطلب منه قبل ذلك أن يبين لنا كيف نتحقق - على ~~أساس خبراتنا - من صدق عبارته؛ لأنه إذا لم يكن هنالك وسيلة ~~لذلك التحقق من صدقها كانت عبارة خالية من المعنى، وكنا ~~بالتالي على ضلال إذا وصفناها بحق أو بباطل؛ لأن ما يوصف ~~بهذا الوصف أو ذلك هو الكلام ذو المعنى، والمعنى تحدده ~~طريقة التحقيق. # وإنه ليكفينا أن نجد طريقة للتحقيق «إمكانا» إذا لم يكن ~~التحقيق «الفعلي» في حدود المستطاع، إذا قال قائل عن وجه القمر ~~الذي لا يواجه الأرض أبدا (فالقمر يواجه الأرض دائما بوجه ~~واحد ويخفي الوجه الآخر) إن به جبالا ووديانا، فلا نرفض ~~مثل هذا القول على أساس خلوه من المعنى، بل نقرر له ~~معناه على الرغم من استحالة التحقق الفعلي من صدقه لاستحالة ~~أن يري راء وجه القمر الذي يدور عنه الحديث. نعم إننا نقرر ~~لهذا القول معنى لأن ألفاظه كلها مما قد تعودنا في مجرى ~~الخبرة أن نربط بها ألوانا من الحس معلومة، فنحن على علم ~~بنوع الانطباعات الحسية التي يتلقاها الرائي إذا رأي جبلا ~~أو رأي واديا. # لكن مقياسنا هذا الذي نستخدمه لنميز به ما نقبله وما ~~نرفضه من القضايا، يجد من ms272 المعارضة والمقاومة سيلا لا ينقطع ~~في المؤلفات والدوريات الفلسفية، فحسبه خطرا أنه ينتهي بصاحبه ~~إلى حذف الميتافيزيقا حذفا. والميتافيزيقا - كما تعلم - هي ~~حصن الفلسفة الحصين، الذي تستقل به الفلسفة دون سائر ضروب ~~المعرفة؛ ولذلك فهي حريصة على أن يظل مصونا من الأذى، فإذا ~~رأينا معيارا نقيس به مشروعية العبارة المعينة من عبارات ~~اللغة، بحيث يؤدي بنا إلى التنكر للعبارات الميتافيزيقية ~~كلها، فالويل للمعيار والسلامة للحصن الذي يراد له البقاء. ~~ولو كان معيارنا هذا أمرا تحكميا نفرضه جزافا لجاز ~~للمهاجمين أن ينكروه، لكنه معيار منتزع من منطق اللغة نفسها، ~~تلك اللغة التي لا يجد الميتافيزيقيون بدا من استخدامها ~~للتعبير بها عن مذاهبهم، وأي شيء هو أدنى إلى البداهة من قولنا ~~إن الجملة إذا أريد لها أن تخبر بخبر عن العالم وجب أن ~~تكون كلماتها دالة على جوانب من خبرات السامع؟ فإذا لم تكن ~~تلك الكلمات - باعتراف قائليها أنفسهم - مما يدل على شيء يقع ~~في حدود الخبرة، أفلا نحكم عليها ونحن مطمئنون لصواب حكمنا ~~بأنها إذن تكون كلمات فارغة لا تؤدي إلى السامع ~~خبرا؟ # ومن بين الناقدين للوضعية المنطقية في معيارها المذكور ~~برتراند رسل، # 5 # فيتقدم باعتراضات منها أننا لو جعلنا معنى الجملة ~~متوقفا على وسائل تحقيقها لما كان لجملة معنى لأنه ليس ~~هنالك جملة كاملة في وسائل تحقيقها؛ ذلك لأن وسائل تحقيق ~~الجملة تتناول النتائج التي تترتب على صدقها، وهذه النتائج ~~تمتد ما امتد الزمن؛ وإذن فلا سبيل إلى معرفتها، وبالتالي ~~فلا سبيل إلى تحقيقها. وقد كنا لنقبل هذا الاعتراض لو كنا نزعم ~~أن التحقيق الذي نريده للجملة لكي يجعل لها معنى، هو التحقيق ~~الذي ينتهي بنا إلى اليقين الكامل، ولكننا نعترف بأن مدى ~~علمنا إزاء أي جملة خبرية هو درجة من الاحتمال قد تعلو إلى أي ~~حد شئت، لكنها لن تكون يقينا كاليقين المألوف لنا في ~~الرياضة؛ إذ يكفي أن تكون ناقلا في جملتك خبرا ليكون نقلك ~~هذا - من الوجهة المنطقية - معرضا للخطأ، وبذلك يكون صدقه ~~- في حالة الصدق - احتماليا ms273 لاحتمال أن يكون كاذبا؛ فإذا ~~قلت لك - مثلا - إن النيل يفيض في شهر أغسطس من كل عام، لم ~~يكن من حقك أن تعترض - كما اعترض رسل - قائلا بأنه لو كان ~~معنى هذه الجملة هو نفسه وسيلة تحقيقها، كانت بغير معنى لأن ~~تحقيقها الكامل محال، وهو محال لأنني إذا علمت أن النيل قد ~~فاض في أغسطس من كل عام مضى، فلا يمنع مانع منطقي من غياب ~~هذه الظاهرة في الأعوام المقبلة؛ وإذن فلأنتظر طوال هذه ~~الأعوام المقبلة قبل أن أقضي بالصواب على هذه الجملة، وقبل أن ~~أقضي بأن لها معنى؛ لأن تحقيق صوابها وكونها ذات معنى هما ~~وجهان لشيء واحد؛ أقول إنك لو اعترضت بمثل هذا، أجبناك بأن ~~الصدق المزعوم للجملة الإخبارية قصاراه أن يكون احتماليا ~~بدرجة عالية، فإن كانت خبرة الماضي عن فيضان النيل تبرر ~~لي أن أرجح ماذا سيكون عليه في المستقبل، كان هذا الترجيح ~~وحده كافيا للحكم بصواب الجملة وللقول بأنها جملة تحمل معني ~~ما دامت جملة ممكنة التحقيق. # ومن الاعتراضات التي يعترض بها «رسل» أيضا على معيارنا في ~~قبول الجملة أو رفضها على أساس إمكان تحقيقها أو عدم إمكان ~~ذلك، قوله إن ذلك المعيار نفسه هو بمثابة جملة لا يمكن تحقيقها ~~وبالتالي فهي جملة ليست بذات معني ولا يجوز قبولها؛ فلو جاز ~~لي أن أقبل جملة مثل «البرتقال أصفر» لأن الرجوع بمضمونها إلى ~~الخبرة أمر ممكن، فأين الخبرة التي أرجع إليها لأتحقق من معنى ~~جملة تقول: «العبارة التي لا يمكن تحقيقها هي عبارة بغير ~~معنى»؟ ولسنا ندري بماذا نجيب إلا بشيء من منطق رسل نفسه، وهو ~~نظريته في الأنماط المنطقية التي تجعل نوع الحكم الجائز في ~~نمط معين غير جائز في نمط آخر، فما تحكم به على ~~الأفراد لا يصلح للحكم على الفئات، وما يصلح للحكم على ~~الفئات لا يصلح هو نفسه للحكم على فئات الفئات وهكذا؛ فإن ~~جمعت قائمة من قضايا وأمكنك أن تصف كلا منها بوصف ما، ~~فلا يجوز أن تقول هذا الوصف نفسه بالنسبة ms274 لمجموعة القضايا ~~كلها، وعلى ذلك فلا يجوز أن أطالب بتطبيق المبدأ الذي ~~أطبقه على أعضاء القائمة وهي فرادي، على الجملة العامة ~~التي تقال عن سائر هذه الأعضاء دفعة واحدة؛ إن مصداق كل ~~جملة مفردة هو الواقعة الخارجية التي جاءت تلك الجملة ~~لتصفها، أما الجملة العامة التي تقال عن مجموعة الجمل ~~المفردة مصداقها هو الجمل المفردة نفسها لا عالم الواقع ~~وعالم الخبرة المباشرة، ومن هنا لم يكن يجوز للناقد أن يسأل عن ~~الخبرة التي نؤيد بها قضية عامة تقال عن سائر القضايا. ~~ولأضرب مثلا موضحا قبل أن أترك الحديث في هذه النقطة لأنها ~~نقطة كثيرا ما ترد على أقلام الناقدين، فافرض أن في مكتبتي ~~مائة كتاب، وأنني وصفت كل كتاب بجملة، فأقول مثلا هذا الكتاب ~~الفلاني يبحث في حياة سقراط وفلسفته، وهذا الكتاب الثاني يشتمل ~~على مذكرات كتبها فيلسوف معاصر وهكذا، ثم افرض أني قلت عن هذه ~~الجمل المائة بعد الفراغ منها هذه العبارة الآتية: «هذه ~~الجمل كلها أوصاف للكتب التي في مكتبتي.» فها هنا ترى أن ~~الجمل المفردة يتحقق صدقها بالرجوع إلى الوقائع الخارجية؛ أي ~~إلى الخبرة المباشرة بما هنالك، وأما الجملة العامة التي تشير ~~إلى الجمل المفردة فلا يكون تحقيقها بالرجوع إلى خبرة حسية ~~كما هي الحال في الجمل المفردة، بل يكون تحقيقها بالرجوع ~~إلى الجمل المفردة نفسها. ونعود بعد هذا الشرح كله إلى قول ~~الناقد للوضعية المنطقية بأن معيارها القائل بأن ما ليس يمكن ~~تحقيقه بالخبرة لا يكون ذا معنى، هو نفسه قول لا يمكن تحقيقه ~~بالخبرة؛ وإذن فهو قول بغير معنى، نعود إلى قول الناقد هذا ~~لنرده بما أسلفناه من شرح يوضح اختلاف النمط في كل ~~من الحالتين، ومع اختلاف النمط بين قضيتين - واحدة تشير إلى ~~واقع، وأخرى تشير إلى القضية الأولى لا إلى الواقع - أقول إنه ~~مع اختلاف النمط بين قضيتين لا يجوز الحكم عليهما بصفة ~~واحدة. # الفصل العاشر # | من السببية إلى القانون العلمي # 1 # لو كانت الأشياء ساكنة ثابتة على حالة واحدة لا تتغير، لما ms275 ~~نشأت عند الإنسان فكرة السببية؛ لأن هذه الفكرة وليدة ما يطرأ ~~على الأشياء من تغير؛ فما ينفك الشيء الواحد - فيما ندركه ~~منه بحواسنا - يتغير ويتبدل حالا بعد حال، فلا يسعنا إلا ~~أن نتساءل إزاء كل حالة من حالات التغير قائلين: ما علة ~~التغير هنا؟ أيكون ثمة علاقة بين التغير الطارئ على هذا ~~الشيء المعين والتغير الطارئ على ذلك الشيء الآخر؟ أيكون ~~ثمة علاقة - مثلا - بين الذبول الذي أصاب هذه الزهرة وبين ~~ارتفاع الحرارة في الهواء المحيط بها؟ وإن كان هنالك مثل هذه ~~العلاقة بين الظاهرتين فماذا عساها أن تكون؟ # وقد لفتت ظاهرة التغير هذه أنظار الفلاسفة منذ فجر التفكير ~~الفلسفي المنظم؛ إذ سأل الفلاسفة الأولون سؤالا أساسيا ~~جعلوا له أسبقية على سؤالنا عن العلاقة بين حالة التغير ~~هنا وحالة التغير هناك، سأل هؤلاء الأولون قائلين: ما الذي ~~يتغير؟ إنه لا شك فيما تنبئنا به حواسنا من حالات ~~التغير في هذا الشيء أو ذلك؛ فالشمس تشرق ثم تغرب، ~~والقمر يظهر ثم يختفي، والنهر يفيض بمائه ثم يغيض، والزهر ~~يتفتح ثم يذبل، وكل حي صائر إلى موت؛ هذه كلها ضروب من ~~التغير لا شك في حدوثها، فقبل أن نسأل عنها، وجب أن نسأل عما ~~وراءها: فما العنصر أو العناصر التي يطرأ عليها هذا التغير ~~أو ذاك؟ أيكون هناك تغير دون أن يكون هناك ما يتغير؟ وهكذا ~~راح فلاسفة اليونان يسألون عما وراء هذا التغير الظاهر من ~~ثبات، وعما خلف هذه الأعراض العابرة من دوام. # وسرعان ما تبلورت المشكلة في هذه الصورة: كيف يكون الكون ~~متغيرا وثابتا في آن واحد؟ كيف يجتمع هذان النقيضان في ~~شيء واحد بحيث يجوز لنا أن نقول عنه إنه ذو جوهر ثابت ومع ذلك ~~فهو يتغير حالا بعد حال؟ فإن كان لهذه الزهرة حقيقة ثابتة ~~فكيف نقول عنها في الوقت نفسه إنها تذبل بعد نضارة وتزول ~~بعد نماء؟ وقل سؤالا كهذا عن الكون كله؛ فإن كان ذا حقيقة ~~ثابتة دائمة فكيف نقول عنه في الوقت نفسه إنه متغير ms276 ~~متحول، على النحو الذي تدركه الحواس؟ # أما الإيليون فقد أزالوا التناقض ببتر أحد شطريه، فجعلوا ~~للحقيقة القائمة ثباتا، وأنكروا أن يكون التغير البادي أكثر ~~من خداع ووهم؛ فإن كان ثبات الحقيقة يدركه العقل، وتغير ~~الظواهر تدركه الحواس، فالعلم الجدير بهذا الاسم هو ما يدركه ~~العقل لا ما تدركه الحواس. وأما هرقليطس فقد أزال التناقض ~~أيضا ببتر أحد شطريه، لكنه بتر ما أبقاه الإيليون، ~~وأبقى ما بتروه، فلا ثبات هناك - عند هرقليطس - ولا دوام، ~~وكل ما في الأمر تغير بلا متغير، وحركة بلا متحرك، كل ما ~~هنالك حالات يعقب بعضها بعضا، وما نظنه في الأشياء من دوام ~~هو الوهم وهو الخداع. إن هذا الذي تسميه نهرا هو في ~~الحقيقة حالات عابرات، لا تكاد حالة منها أن تحل حتى تزول، ~~فليس النهر الذي تغمس فيه قدمك الآن هو هو النهر نفسه الذي ~~تعود فتغمسها فيه مرة أخرى، مهما يكن من قصر الفترة التي ~~تفصل الغمستين، فأنت - على حد تعبير هرقليطس - لا تخطو في ~~النهر الواحد مرتين. وجاء أفلاطون بحل ثالث يعالج به التناقض ~~في قولنا عن الشيء إنه ثابت ومتغير معا؛ إذ شطر العالم ~~عالمين، فعالم منهما يكون للثبات، والآخر يكون للتغير؛ ~~فأما عالم الثبات فقوامه أفكار مجردة لا أشياء مفردة، ومن ~~طبيعة الفكرة المجردة أن تكون ثابتة دائما على تعريف واحد، ~~مهما أصاب تطبيقاتها من تغيرات تجعلها تبعد أو تدنو من ~~الفكرة النموذجية لهذه التطبيقات، فقل ما شئت عن المثلثات ~~المرسومة على الورق من قربها أو بعدها عن المثال الكامل، لكن ~~تعريف هذا المثلث الكامل سيظل هو هو دائما، وهذا التعريف ~~«فكرة» قائمة، وستظل قائمة حتى إن محوت كل ما فوق الأرض من ~~مثلثات مرسومة؛ وإذن فهنالك الجانبان معا؛ الثبات في ناحية ~~والتغير في ناحية أخرى، ولكل منهما عالم قائم ~~بذاته. # ومهما يكن أمر التغير الظاهر أحقيقة هو أم وهم وباطل، ~~فإن ما يهمنا منه في سياقنا هذا هو حالات التغير التي ~~يقال عنها إنها مجال للعلاقة السببية بين الحالة التي ms277 بدأ ~~منها التغير والحالة التي انتهى إليها؛ فماذا تكون العلاقة ~~التي تربط بين ما نسميه «سببا» أو «علة» وبين ما ~~نسميه «مسببا» أو «معلولا»؟ # لقد تناول أرسطو موضوع السببية أو العلية بالبحث؛ لأن ~~مهمة علم الطبيعة - في رأيه - هي معرفة أسباب ما يحدث فيها ~~من تغير، وعنده أن هذه الأسباب أربعة أنواع، هي العلة ~~المادية والعلة المحركة والعلة الصورية والعلة ~~الغائية، وليست هذه العلل تتعاقب بعضها بعد بعض، كلا وليس ~~بعضها يقوم في حالة على حين يقوم بعضها الآخر في حالة أخرى، بل ~~إنها جميعا تعمل معا في كل حالة من حالات الوجود ؛ فالعلة ~~المادية لشيء هي المادة التي يتكون منها الشيء كالبرنوز ~~للتمثال، والعلة المحركة هي القوة التي عملت على تغيير ~~المادة لتتخذ شكلا جديدا، كالمثال الذي يصنع من البرنوز ~~تمثالا، والعلة الصورية هي الصفات التي تجعل من الشيء ما ~~هو، كالشكل الذي يصب فيه البرونز ليكون تمثالا من طراز ~~معين، والعلة الغائية هي المقصد الذي تتجه الحركة ~~لبلوغه، فالعلة الغائية التي في سبيلها تناول المثال ~~قطعة البرونز ونحتها صورة معينة بإزميله، هي التمثال ~~نفسه الذي نتج. # وإنا لنلاحظ أن المعاني التي قصد إليها أرسطو بكلمة «علة» ~~أو «سبب» تختلف عما يفهم من هذه الكلمة في استعمالنا اليومي ~~وفي استعمالنا العلمي اليوم على السواء؛ فإذا سألت في سياق ~~الحياة اليومية الجارية، مشيرا إلى تمثال برونزي، قائلا: ما ~~علة صنع هذا التمثال؟ لما كان الجواب أنه وجود قطعة ~~البرونز؛ ولا كان الجواب أنها الماهية التي صيغ البرونز ~~عليها فجعلته تمثالا؛ أي إن الجواب لا يكون بذكر العلة ~~المادية ولا بذكر العلة الصورية، وإنما يكون دائما بذكر ~~العلة المحركة أو العلة الغائية، أو بذكرهما معا، ~~فنقول إنه المثال هو علة صنع التمثال، أو نقول إن إنتاج ~~هذا التمثال المعين كان هو علة صنعه. وكذلك في ~~استعمالنا العلمي لهذه الكلمة اليوم لم نعد نقصد هذه المعاني ~~الأربعة كلها، فليست الغاية المقصودة جزءا من العلة في لغة ~~العلم، كلا ولا الماهية التي تجعل ms278 من الشيء ما هو جزءا من ~~العلة، فلا يجوز - مثلا - إذا أردت أن أعلل كسوف ~~الشمس أو فيضان النهر أن أسأل ما الغاية المقصودة من هذه ~~الظاهرة أو تلك، ولا أن أسأل على أي صورة تكون ماهية ~~الظاهرة، بل السؤال ينصرف إلى ما قد حدث قبل حدوث الظاهرة بحيث ~~يكون حدوثه مطردا دائما مع حدوثها؛ فلو استبدلنا بكلمة ~~«محركة» في لغة أرسطو كلمة «سابقة» كانت العلة في لغة ~~العلم الحديث - كما سنشرح بالتفصيل فيما بعد - هي الحادثة ~~السابقة للظاهرة أسبقية لا تتخلف ولا تمتنع. # وكان «ديفد هيوم» (1711-1776م) هو أول من نقل فكرة ~~العلية أو السببية هذه النقلة الواسعة التي كان لها أبعد ~~النتائج في تفكيرنا العلمي المعاصر، بحيث أصبح معناها هو ~~الاطراد الملحوظ بين حادثتين أو مجموعتين من الحوادث، ~~اطرادا يجيز لي أن أتوقع حدوث المجموعة التالية إذا ~~حدثت المجموعة الأولى، دون أن يكون في المجموعة الأولى التي ~~هي «سبب» ما يحتم بالضرورة أن تصدر عنها المجموعة الثانية، ~~وسنتناول هذا الرأي بالشرح والتحليل. # سل من شئت: ماذا تعني بقولك إن تيار الهواء في الغرفة هو ~~«سبب» إصابتك بالبرد، أو إن جرعة السم التي شربها سقراط هي ~~التي كانت «سبب» موته؟ تجده يجيبك أول الأمر بوضع كلمة مكان ~~أخرى ظنا منه أنه بذلك قد أوفى الجواب، كأن يقول مثلا: إن ~~الشيء يكون «سببا» في شيء آخر إذا «أحدثه»؛ فتيار الهواء ~~هو الذي «أحدث» الإصابة بالمرض؛ ولذلك فهو «سبب» المرض، وجرعة ~~السم هي التي «أحدثت» الموت؛ ولذلك فهي «سببه». ولكن صاحبك - ~~كما ترى - لا يفسر شيئا؛ لأنك لا تزال في موقفك الأول إزاء ~~المشكلة، وبعد أن سألته ماذا تعني حين تقول إن شيئا ما «سبب» ~~في شيء آخر، فأنت الآن مضطر إلى سؤاله من جديد: ماذا تعني ~~حين تقول إن شيئا ما «أحدث» شيئا آخر؟ ف «السبب» و«الإحداث» ~~لفظان مترادفان، وليس المطلوب هنا هو أن نضع مرادفا مكان ~~مرادف، بل أن نحلل ما نعنيه بالمترادفين كليهما، فنحن ها ~~هنا لا نطلب ms279 تعريف لفظ بلفظ كما تعرف كلمة «الليث» بأنها ~~«الأسد»، بل نريد تعريف لفظ بالإشارة إلى مسماه، كما ~~تعرف كلمة الأسد بالإشارة إلى فرد من الحيوان المسمى ~~بهذا الاسم؛ فإلى أي شيء في الطبيعة تشير إذا أردت أن تحدد ~~معنى كلمة «سبب»؟ # قد يخطو صاحبك هنا خطوة نحو الإجابة الصحيحة حين يستعرض ~~بضعة أمثلة من حالات نقول فيها إن شيئا ما «سبب» في شيء ~~آخر، فيجد عنصرا مشتركا بينها جميعا، وهو أن ما نسميه ~~«سببا» سابق دائما على مسببه، بحيث يجوز لنا أن نقول إن ~~معنى السببية بين الطرفين هو هذه «الأسبقية» في الحدوث ، ولكنك ~~سرعان ما تلفت نظره إلى أنه ما كل أسبقية في الحدوث نقول عنها ~~إنها علاقة سببية، فربما حدث صدام بين قطارين منذ لحظة في ~~موضع من الوجه القبلي بمصر، لكن هذا الصدام ليس «سببا» في ~~أني قد أمسكت بقلمي الآن لأكتب وأنا في القاهرة، رغم أن ~~الحادثة الأولى كانت أسبق في الزمن من الحادثة الثانية؛ ~~فأسبقية الحدوث - إذن - ليست كل عناصر العلاقة التي نطلق ~~عليها اسم «السببية» وإن تكن عنصرا ضروريا. # وقد يقول قائل هنا: ألا يجوز أن يكون المستقبل «سببا» ~~للحاضر؟ إنني إذا أردت السفر بعد أسبوع، فربما بدأت منذ الآن ~~أعد حقائبي وسائر ما يلزمني في رحلتي المرتقبة، أفلا ~~يكون السفر في هذه الحالة (وهو حادث مقبل) سببا في سلوكي ~~الراهن؟ لكن مثل هذا القول قائم على تحليل ناقص، فليس السفر ~~نفسه في هذه الحالة هو «سبب» سلوكي؛ لأن عائقا ربما حدث فحال ~~دون حدوثه، فأين يكون «السبب» المزعوم عندئذ؟ كلا، إنما السبب ~~في هذه الحالة هو «فكرتي» الراهنة عما أريده لنفسي بعد أسبوع، ~~وفكرتي هذه سابقة بالضرورة على سلوكي الذي جاء تنفيذا ~~لها. # أسبقية الوقوع إذن شرط ضروري في «السبب»، لكنها ليست كافية ~~وحدها لتجعل أي سابق سببا لأي مسبوق؛ فمحال أن تكون الرصاصة ~~التي انطلقت هنا الآن هي السبب في قتل من مات هناك بالأمس، ~~ولا أن يكون المطر النازل هذا الصيف ms280 هو السبب في ازدهار ~~النبات في الربيع الماضي؛ فالسبب لا يلحق نتيجته أبدا، بل لا ~~بد أن يسبقها في الوقوع، ولكن إلى جانب هذه الأسبقية لا بد ~~من توافر شروط أخرى، فماذا عساها أن تكون؟ # في محاولة الإجابة عن هذا السؤال سنلتقي وجها لوجه بالمشكلة ~~الكبرى التي شطرت الفلاسفة إزاءها شطرين؛ فعقليون من ~~جهة وتجريبيون من جهة أخرى، وهي نفسها المشكلة التي وقف هيوم ~~حيالها موقفه المعروف في تاريخ الفلسفة، وهو الموقف الذي ~~أيقظ «كانت» من سباته كما قال عن نفسه؛ ذلك لأن النظرة ~~التقليدية إلى الأمر كانت تؤدي بالفلاسفة العقليين إلى أن ~~يقولوا إن بين الشيء الذي نقول عنه إنه «سبب» والشيء ~~الآخر الذي نقول عنه إنه «مسبب» علاقة ضرورية بحيث لا يكفي ~~أن يكون الأول قد سبق الثاني في الوقوع، بل إلى جانب هذه ~~الأسبقية هنالك ضرورة توجب أن يكون هذا السابق متبوعا ~~بلاحقه هذا المعين؛ فإذا قلت عن شيئين «س» و«ص» إن بينهما ~~علاقة سببية، فقد قلت - في رأي الفلاسفة العقليين - إن ~~بينهما علاقة ضرورية الحدوث ليس عن قيامها بينهما منصرف ~~ولا محيص؛ إذ يستحيل عندئذ أن يحدث أحدهما ولا يحدث ~~الآخر في ترتيبه الذي جاء به، كأنما الشيئان قد شد أحدهما ~~إلى الآخر شد حلقة إلى أخرى من حلقات السلسلة ~~الواحدة. # كان هذا هو الرأي الذي جاء هيوم فصب عليه من تحليله ~~ونقده ما انتهى به إلى رأي جديد. # 2 # المبدأ الأساسي عند هيوم هو أن أفكارنا كلها ليست إلا صورا ~~مما كانت حواسنا قد انطبعت به انطباعا مباشرا، فيستحيل ~~علينا أن «نفكر» في شيء لم يكن قد سبق لنا أن «أحسسناه» ~~بإحدى الحواس الظاهرة أو الباطنة؛ فإذا كانت لدينا فكرة ~~مركبة، واستطعنا تعريفها بسلسلة من ألفاظ وعبارات، كان ذلك ~~نفسه معناه أننا نحاول أن نحصي ما فيها من أفكار بسيطة، ~~بحيث يكون لكل فكرة بسيطة منها الانطباع الحسي الذي يقابلها ~~باعتباره مصدرا لها. إن الفكرة المركبة لتتضح وضوحا ~~تاما كاملا محددا إذا حللناها إلى الأفكار ms281 البسيطة ~~التي منها ركبت، ثم إذا التمسنا لكل واحدة من هذه ~~الأفكار البسيطة مصدرها الحسي؛ ذلك لأن الانطباع الحسي محدد ~~وواضح ولا تعدد لمعناه. وهكذا يكون رد الفكرة المركبة ~~إلى مقدماتها البسيطة، بحيث نعود فنرد كل واحد من هذه ~~المقومات إلى الانطباع الحسي الذي هو أصله ومصدره، بمثابة ~~المجهر الذي نتعقب به دقائق أفكارنا لنميز زائفها من ~~صحيحها. # وفي هذا الضوء خذ فكرة «الرابطة الضرورية» التي يقول ~~الفلاسفة العقليون إنها تصل ما بين السبب والمسبب، وسل ~~نفسك: ما الانطباع الحسي الذي كان مصدرها؟ ماذا انطبعت به هذه ~~الحاسة أو تلك، بحيث بقي الانطباع في أنفسنا فكرة هي التي ~~نقول عنها إنها فكرة «الضرورة»؟ # إننا إذا ما تلفتنا حولنا متجهين بأنظارنا إلى الأشياء ~~الخارجية، باحثين فيما نسميه «أسبابا» لنرى ما فعلها، ~~فلن نجد في أية حالة من الحالات كلها ما يكشف لنا عن «رابطة ~~ضرورية» بين السبب ومسببه، إننا لن نجد أبدا صفة تنطبع بها ~~حواسنا وتكون هي الصفة التي تربط المعلول بعلته ربطا ~~يجعل ذلك المعلول نتيجة محتومة لعلته، يتبعها دائما ~~ولا يتخلف عنها بحكم ضرورة في طبائع الأشياء تقتضي ذلك؛ فكل ~~ما نراه هو أن النتيجة تتبع سببها فعلا، فنري - مثلا - أن ~~كرة البليارد المتحركة إذا ما صدمت كرة أخرى ساكنة، فإن هذه ~~الثانية تتحرك كذلك. إن الذي ينطبع على حواسنا «الظاهرة» ~~هو صورة كرة أولى تتحرك وصورة كرة ثانية تعقبها في ~~الحركة، وليس هنالك من الحواس «الباطنة» ما يطبع العقل بانطباع ~~آخر له علاقة بتعاقب هاتين الصورتين؛ وإذن فلا الحواس ~~الظاهرة ولا الحواس الباطنة تأتينا بانطباع يوحي بفكرة ~~العلاقة الضرورية المزعومة بين السبب والمسبب. # إن الصورة التي يظهر فيها الشيء لنا لأول مرة، لا تنبئنا ~~بالحالة التالية التي سيكون عليها ذلك الشيء؛ إذ إن مظهر الشيء ~~في حواسنا لا يكفي وحده أن يعيننا على معرفة ما ~~سيعقبه بحيث يجوز لنا أن نقول إن هناك رابطة ضرورية تحتم ~~أن يعقب الشيء الفلاني الشيء الفلاني، على اعتبار أن ~~ما يحدث ms282 منهما أولا فيه من الطاقة الطبيعية ما ينتج الشيء ~~الذي يحدث منهما ثانيا. ولو كان في مستطاع العقل أن يكشف ~~في «السبب» عن قوة أو طاقة، لاستطاع بالتالي أن يتنبأ ~~ب «النتيجة» قبل وقوعها دون أن يعتمد في ذلك على خبرة حسية ~~ماضية. نعم كان يكفي العقل عندئذ أن يتأمل «فكرة السبب» ~~ليستنتج منها استنتاجا منطقيا صرفا «فكرة ~~المسبب». # إنه ليس في مادة الكون كلها جزء يكشف بما يبديه من خصائص ~~محسوسة عن قوة يخفيها، كلا ولا هو يمدنا بالأساس الذي ~~يبرر لخيالنا أن يتصور أنه لا بد أن ينتج كذا وكذا من ~~النتائج بحكم طبيعة ذلك الشيء نفسها؛ فللأشياء - مثلا - صفات ~~الصلابة والامتداد والحركة، وكل صفة من هذه الصفات قائمة ~~بذاتها لا تعتمد في إدراكنا لها على صفة أخرى، لكنها في الوقت ~~نفسه لا تدلنا أبدا على أية نتيجة مما يتحتم أنه يترتب ~~عليها. نعم إن مشاهد الكون دائبة التغير، يتبع شيء ~~منها شيئا في تعاقب لا ينقطع، غير أننا لا نعلم من هذه ~~الأشياء المتتابعة إلا هذا التتابع الظاهر بينها، ولا نملك ~~بحال من الأحوال أن نجاوز حدود المشاهدة المستطاعة بحيث ~~نستطلع ما وراءها لنقول إن وراء هذا التتابع الظاهر قوة خفية ~~هي التي تربط ربطا ضروريا بين السابق واللاحق. # قد يقال إن الرابطة الضرورية التي تصل بين الحوادث لاحقها ~~بسابقها، وإن تكن غير بادية للحواس فيما يقع للحواس من ~~انطباعات جزئية، يمكن لنا إدراكها إذا ما تأملنا عقولنا وهي ~~في فاعليتها ونشاطها، نعم قد يقال ذلك استنادا إلى أن ~~الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته الواعية مدرك لهذه القوة ~~الباطنية وهي تفعل فعلها في ربط السبب بالمسبب، فانظر إلى ~~نفسك وأنت تهم بتحريك ذراع أو قدم، أليست إرادتك تأمر، ~~وأعضاء البدن تطيع؟ وإذن فها هنا قد أدركنا القوة التي تربط ~~معلولا بعلته؛ ومن ثم استطعنا أن نعمم القول بأن بين ~~كل سبب ومسببه مثل هذه الرابطة الخفية التي وعيناها في ~~دخيلة أنفسنا حين وعينا الإرادة وهي ms283 تحرك جارحة في ~~أبداننا أو تستثير فكرة في ذاكرتنا؛ فليس بنا حاجة إلى التماس ~~فكرة «الرابطة الضرورية» في انطباعاتنا الحسية، ما دمنا قد ~~وجدناها عند التأمل في عقولنا وهي تعمل، وفي إرادتنا وهي ~~تحدث الأحداث. # قد يقال هذا؛ وإذن فلا بد من وقفة نحلل فيها هذه القوى ~~الباطنية المزعومة، كقوة الإرادة مثلا، أعني قدرتها على تحريك ~~أعضاء البدن، وأول ما نقرره في هذا الصدد هو أن تأثير ~~الإرادة في هذا لا سبيل إلى إدراكه إلا إذا مارسناه بأنفسنا ~~وأصبح بهذه الممارسة خبرة من خبراتنا، شأنه في ذلك شأن الحوادث ~~الطبيعية كلها، التي لا سبيل إلى معرفتها إلا إذا باتت جزءا ~~من خبراتنا. أريد أن أقول إن الإرادة هنا باعتبارها سببا ~~يسبب تحريك هذا العضو أو ذاك من أعضاء الجسم، شأنها شأن أي ~~حادثة أخرى من حوادث الطبيعة مما نعده سببا لحادث يتلوه، ~~لا بد لنا من تجربة تدلنا على هذا التتابع بين الحادثين ~~لنقول عنهما إنهما سبب ومسبب، وليس في طبيعة الحادثة الأولى ~~نفسها ما يدل على أن الحادثة الثانية ستتلوها، وكذلك قل في ~~الفعل الإرادي، حين يكون هنالك إرادة من ناحية وجزء من الجسم ~~يتحرك تبعا لها من ناحية أخرى، فليس في الإرادة ذاتها ما يدل ~~على أنه من الحتم أن تتبعها ما يتبعها من حركة بدنية. # نعم إننا في كل لحظة من لحظات حياتنا الواعية ندرك أن حركة ~~البدن تتبع أوامر الإرادة، لكن هل نعي شيئا في أنفسنا ~~غير هذا التتابع بين الأمر الإرادي وتنفيذه الجسدي؟ هل نعي ~~رابطة بينهما بحيث نقول إنها الرابطة الضرورية التي تحتم أن ~~يكون الطرف الأول متبوعا بالطرف الثاني؟ كلا، إذ لو وعينا ~~العلاقة بين الجانب الإرادي من جهة والجانب الجسدي من جهة ~~أخرى، إذن لانحل لنا لغز من أعقد وأغمض ما يصادفنا في ~~الطبيعة كلها من ألغاز، ألا وهو العلاقة بين النفس والجسم، ~~التي يقال فيها إن عنصرا روحانيا فينا له القدرة على ~~التأثير في عنصر مادي، أو بعبارة أخرى، إن الفكر ms284 الخالص من ~~ناحية له القدرة على تحريك المادة من ناحية أخرى؛ فليس تحريك ~~إرادتك لذراعك بأقل غرابة من أن تجلس مفكرا في الجبل ~~مريدا له أن يتزحزح من مكانه، فيتزحزح الجبل تنفيذا ~~لفاعلية فكرك؛ أقول إنه لو كان في مستطاعنا أن ندرك في ~~أنفسنا «قوة» هي التي تصل الإرادة بفعلها، لاستطعنا ~~بالتالي أن نعرف علاقة النفس بالجسد، أو علاقة الفكر بالمادة ~~وكيف يؤثر الأول في الثانية. # 1 # لا، ليس في مستطاع الإنسان أن يدرك في نفسه «قوة» كهذه، ~~وكل ما يدركه إذ هو يقوم بفعل إرادي هو عزمه الإرادي من ~~ناحية، ثم الحركة الجسدية المترتبة على ذلك العزم من ناحية ~~أخرى؛ وأعيد القول بأنه ليس في الإرادة ذاتها ما يدل على ~~أنها لا بد أن تتبعها حركة الجسم تنفيذا لعزمها، بدليل أننا ~~لا نستطيع أن نحرك بالإرادة إلا بعض أجزاء الجسم دون بعضها ~~الآخر، ولو سئلنا قبل الخبرة: أي أجزاء الجسم في مستطاع ~~الإرادة تحريكه، وأيها تعجز الإرادة عن تحريكه؟ لما كان في ~~وسعنا أن نجيب؛ إذ لا بد أن ننتظر الخبرة لتدلنا ماذا ~~نستطيع تحريكه من أجزاء الجسم بالإرادة وماذا لا نستطيع. ~~لماذا يكون للإرادة قدرة على تحريك اللسان والأصابع ولا يكون ~~لها قدرة على تحريك القلب والكبد؟ كنا نجيب عن هذا السؤال ~~لو كان لنا علم بقوة معينة موجودة في الحالة الأولى وغائبة ~~في الحالة الثانية، لكن ليس لدينا مثل هذا العلم. نعم، لو كان ~~لنا علم بقوة باطنية معينة هي التي تجعل الرابطة ضرورية بين ~~السابق واللاحق - كما يزعم الزاعمون - لعلمنا بالتالي، ~~وقبل الخبرة، ماذا تستطيع تلك القوة أداءه وماذا لا ~~تستطيعه. # إن من يصيبه الشلل بغتة في ساق له أو ذراع، ~~ليحاول بإرادته أن يحرك العضو المصاب كما ألف أن ~~يحركه من قبل، إنه يحاول ذلك وهو على أتم وعي بعزمه ~~الإرادي، تماما كما كان على وعي بعزمه الإرادي حين كان ~~يريد تحريك ساقه أو ذراعه قبل أن يصيبهما الشلل. ولو كانت ~~تلك القوة المزعومة (التي ms285 تربط بين الإرادة وفعلها) مما ~~يستطيع الإنسان إدراكه، لعرف هذا المشلول قبل محاولته ~~الإرادية تحريك العضو المصاب أنه لن يستطيع ذلك لأن القوة قد ~~غابت عنه، لكنه لا يدرك هذا العجز إلا بعد أن يحاول دون جدوى؛ ~~ومعنى ذلك أن الخبرة وحدها هي التي تدلنا إن كان العزم ~~الإرادي سيصحبه الفعل المعين أو لا يصحبه، وليس في ~~العزم الإرادي نفسه ما يدل على ذلك قبل الخبرة؛ فالخبرة وحدها ~~هي الدالة على أن حدثا معينا يتبع حدثا، دون أن ~~تدلنا على موضع الرابطة الخفية التي تربط بين الحدثين، بحيث ~~تجعل الحدث الثاني أمرا محتوما في تبعيته للحدث ~~الأول. # وما قلناه عن الإرادة في تحريكها لجزء من أجزاء البدن، من ~~حيث إننا ندرك الطرفين ولا ندرك ما بينهما من رابطة، نقوله ~~أيضا عن الإرادة واستحداثها لفكرة معينة؛ ذلك أنك قد تستطيع ~~بعزيمة إرادية أن تحضر إلى الذهن فكرة لم تكن حاضرة فيه، وها ~~هنا كذلك يمكنك أن تدرك عزمك الإرادي من ناحية، والفكرة التي ~~استحضرتها إلى ذهنك من ناحية أخرى، ولكنه محال عليك أن ~~تدرك الرابطة التي بينهما؛ وإذن فكل ما يجوز لك أن تتحدث عنه ~~هو طرف السبب وطرف المسبب، أما أن العلاقة بينهما هي كذا ~~أو كيت، فمما يجاوز حدود المستطاع. # وكما أن الإرادة في استحداثها لحركات الجسد محدودة بحدود، ~~بحيث يمكنها تحريك بعض الأعضاء دون بعضها الآخر لعلة لا ~~ندريها، سوى أن الخبرة هكذا تدلنا على الإرادة وحدود ~~فعلها، فكذلك الإرادة في استحضارها للأفكار في الذهن محدودة ~~أيضا بحدود، فيمكنها أن تستحضر هذه الفكرة ولا يمكنها أن ~~تستحضر تلك لعلة لا ندريها سوى أن هذه هي خبرتنا وما ~~تدل عليه، إننا لنلاحظ عن أنفسنا أننا أقدر على استحضار ~~الأفكار في أذهاننا في بعض الحالات دون بعضها، فنحن أقدر في ~~حالة الصحة منا في حالة المرض، وأقدر في حالة هضم الطعام منا ~~في حالة التخمة، فهل يستطيع أحد أن يدلنا على علة لهذا ~~كله غير معتمد على خبرته؟ هل يستطيع ms286 أحد أن يسبق الخبرة بحيث ~~يقرر بادئ ذي بدء أنه أقدر على استحضار أفكاره في حالة ~~الجوع منه في حالة الشبع، أم لا بد له أن ينتظر خبرته ~~لنفسه وهو جائع ثم خبرته لنفسه وهو مليء ليقول بعدئذ عما ~~قد عرفه في نفسه بالخبرة؟ وإذن فالخبرة وحدها هي المصدر الذي ~~نستقي منه العلم بأن كذا من الظواهر يتبع كيت، دون أن نعلم ~~شيئا قط عن علاقة ضرورية تربط بينهما ربطا محتوما يجعل ~~الطرف الأول وحده كافيا للدلالة على أن الطرف الثاني ~~سيتبعه، سواء وقع لنا ذلك في الخبرة السابقة أو لم ~~يقع. # هكذا ذهب هيوم، وهكذا نذهب معه نحن أنصار التجريبية العلمية، ~~بأن علمنا بالرابطة السببية في جميع حالاتها لا ينشأ عن ~~التفكير العقلي الخالص، الذي يستغني عن الخبرة الحسية في ~~تقريره لما يقرره، أو بعبارة أخرى، ليس علمنا بالرابطة ~~السببية في أية حالة من حالاتها علما «قبليا» مستقلا ~~عن مصادر الخبرة الحسية في إثبات صدقه، بل هو علم مستمد ~~دائما وفي جميع الحالات من الخبرة الحسية التي تقدم لنا ~~الشيئين اللذين نحكم بأن بينهما رابطة السبب بالمسبب، ~~تقدمهما لنا متصلا أحدهما بالآخر في كل حالة يقعان فيها ~~لنا في خبراتنا. وإذا لم يحدث لشيء معين أن يقع لنا في ~~خبراتنا الحسية أبدا، بحيث لا ندري شيئا عن سوابقه أو ~~لواحقه أو مصاحباته، ثم سئلنا: ماذا يكون سببه أو ماذا ~~يكون مسببه؟ لاستحال علينا استحالة قاطعة أن نجيب عن ذلك ~~بشيء، مهما تكن لدينا القدرات العقلية على أتم ما تكون قوة ~~وكمالا؛ فآدم - على افتراض كمال قدراته العقلية - ما كان ~~ليستدل من سيولة الماء وشفافيته أنه يختنق به لو غرق فيه، ~~أو يستدل من الضوء والدفء اللذين ينبعثان من النار أنه ~~يحترق لو وثب فيها؛ ذلك أنه محال على الإنسان أن يستدل من ~~بعض الخصائص الحسية لشيء ما بعضها الآخر، دون أن تكون هذه ~~وتلك قد اقترنتا في خبراته الماضية اقترانا يبرر له ~~استدلال بعضها هذا من بعضها ذاك. وبعبارة ms287 أخرى نقول إن ~~التفكير العقلي وحده، أعني التفكير العقلي الخالص الذي لا ~~يستند إلى خبرة حسية، محال عليه أن يستدل شيئا قط عن ~~طبيعة العالم الخارجي الواقع. # 2 # الخبرة الحسية وحدها - إذن - لا التفكير العقلي الخالص، هي ~~المصدر الذي نستقي منه علمنا بعالم الواقع، ويستحيل علينا ~~بغير تلك الخبرة أن نتوقع ما عساه أن يحدث من حوادث ذلك ~~العالم، وإلا فكيف يمكن لإنسان بعقله البحت أن يحكم على ~~قطعتين ملساوين من الرخام التصقت إحداهما بالأخرى أنهما لو ~~جذبتا في اتجاه عمودي لتنفصل إحداهما عن الأخرى فلا بد ~~لهما من قوة عظيمة، على حين تكفي قوة يسيرة لانفصالهما إذا ما ~~دفعت الواحدة منهما دفعا أفقيا لتنزلق على الأخرى؟ كيف ~~يمكن للإنسان بغير خبرة حواسه أن يعلم شيئا عن دوي ~~البارود إذا ما تفجر، أو جذب المادة الممغطسة للمعادن؟ ~~كيف يمكن بغير الخبرة أن نعلم أن اللبن والخبز غذاء صالح ~~للإنسان، وغير صالح للأسد أو النمر؟ # ومع ذلك فهنالك من خصائص الوقائع الطبيعية ما يخيل إلينا ~~أننا مدركوه بغير خبرة حسية، وأن العقل الصرف قادر وحده أن ~~يدرك بعض العلاقات السببية بين الأشياء حتى ولو لم تقع لنا ~~حالة واحدة من حالاتها في ماضي خبراتنا، مثال ذلك ما نتوهمه ~~إزاء كرة البلياردو حين تتحرك حتى تصدم كرة أخرى فتحركها؟ ~~فها هنا ترانا نظن أن تحريك الكرة الأولى للكرة الثانية أمر ~~كان يمكن الحكم بوقوعه بمجرد التفكير العقلي، وأن الضرورة لا ~~تقتضي أن ننتظر حتى يحدث ذلك في خبراتنا لنحكم بعد ذلك ~~بإمكان وقوعه، لكنها العادة هي التي تخدعنا عن حقيقة الموقف ~~بأن تجعل لنا الأمر على درجة من الإلف بحيث نتوهم أنه أمر ~~ظاهر اليقين، وأن الإدراك الفطري وحده كاف للكشف عنه. # لكن العقل المحض يستحيل عليه أن يجاوز حدود الأمر الواقع ~~بحيث يقول إنه سبب لكذا أو مسبب لكذا، فمهما حللت بعقلك ~~البحت واقعة ما، فلن تجد فيها ما يدل على أنها كانت مسبوقة ~~بكذا، أو أن كذا سيصاحبها أو سيلحق ms288 بها؛ فالسبب شيء والمسبب ~~شيء آخر؛ السبب والمسبب حادثان مختلفان، وتحليل أحدهما ~~تحليلا عقليا لا يدل وحده على الآخر؛ فحركة الكرة الثانية ~~من كرتي البلياردو حادث قائم وحده بالنسبة إلى حركة الكرة ~~الأولى، وليس في أي من الحركتين أقل علامة تشير إلى ضرورة ~~وجود الأخرى. اقذف بحجر في الهواء، واتركه غير مستند إلى ~~شيء، يسقط على الأرض من فوره، لكن لا بد من الخبرة الحسية ~~السابقة لأعلم منها هذا التلاحق بين الحادثتين، وإلا فالعقل ~~البحت وحده مهما أمعن في تحليل الموقف، فلن يجد أن السقوط إلى ~~الأرض متضمن بالضرورة في وجود الحجر في الهواء؛ إذ ليس عند ~~العقل الصرف ما ينفي أن يستمر الحجر في صعوده إلى أعلى بدل ~~سقوطه إلى أسفل، أو ما ينفي أن يتحرك الحجر إثر رميه في الهواء ~~نحو اليمين أو نحو اليسار، # 3 # وما دام العقل لا ينفي أن يتحرك الحجر في أي ~~اتجاه، إذن فالخبرة هي مصدرنا في العلم بأن الاتجاه الفعلي ~~للحجر - بين الممكنات الكثيرة - هو الاتجاه إلى أسفل. # إنني إذا شهدت كرة من كرات البلياردو متحركة في اتجاه كرة ~~أخرى ساكنة، فهل يقضي العقل المجرد بضرورة أن تتحرك الكرة ~~الأخرى إذا ما مستها الأولى؟ ألا يمكن عقلا تصور أن ~~تسكن الكرتان معا؟ ألا يمكن عقلا أن تصدم الكرة المتحركة ~~الكرة الساكنة وبدل أن تحركها تعود هي مرتدة، أو تقفز فوقها ~~ثم تسير في أي اتجاه؟ هذه كلها أوضاع ممكنة عند العقل الصرف، ~~ولا مبرر - من حيث التفكير العقلي الخالص - يجيز لنا أن ~~نفضل حالة على أخرى من هذه الحالات التي يتساوي إمكانها ~~عند حكم العقل؛ وإذن فيستحيل علينا الحكم «قبل» الخبرة ماذا ~~تكون عليه الحال في مثل هذه الظروف، وإنما الذي يقضي لنا في ~~الأمر، بحيث نختار أحد الممكنات دون سائرها، هو الخبرة ~~الحسية التي تدلنا على ما قد يقع فعلا، فنتوقع حدوثه - لا ~~لأنه ضرورة عقلية محتومة - بل لأنه هو الذي شهدت به ~~التجربة كما وقعت في الحس واحتفظت به الذاكرة. ms289 # 3 # ليس هنالك في حدود ما نلاحظه إلا أحداث تتتابع، فإن لاحظنا ~~بين هذه الأحداث المتتابعة حادثا بعينه يلحق دائما بحادث ~~آخر معين، فكلما وقعت «س» لحقت بها «ص»، جاز لنا أن ~~نقول إن «س» سبب وإن «ص» مسبب لها، دون أن نزعم بين الطرفين ~~أي نوع من الارتباط الضروري فيما عدا هذا التتابع ~~الملحوظ. # لكن قولا كهذا هو الذي أيقظ «كانت» ليأخذ في تحليل ~~المستفيض لعمليات الإدراك، بحيث انتهى إلى أن الرابطة الضرورية ~~التي تصل السبب بمسببه إن تكن خافية على الحس فذلك لا يعني ~~أنها غير قائمة، وإلا كنا بمثابة من يفرض بادئ ذي بدء أن ما ~~ليس يدرك بالحس فلا وجود له، وحقيقة الأمر - عند «كانت» - ~~أن في العقل مقولات تنصب الخبرات في قوالبها فتصاغ على ~~نحو ما نعهدها في إدراكنا. نعم إن السبب والمسبب يأتيان ~~إلينا في مجري الخبرة وكأنما هما حادثتان مستقلتان لا ~~يربطهما إلا مجرد التتابع الذي لا ضرورة فيه ولا تحتيم، لكن ~~العقل مزود بمقولة السببية - بين سائر المقولات - فيصوغ ~~في قالبها المادة الخامة التي جاءته عن طريق الحواس، والمادة ~~الخامة في هذه الحالة هي انطباعان حسيان لشيئين وقعا في ~~مجال الخبرة متعاقبين، فإذا هذان الانطباعان المفردان ~~يصبحان في قالب السببية حقيقة واحدة مرتبطا تاليها بمقدمها ~~ارتباطا ضروريا يحتمه العقل وإن لم تحتمه خبرة ~~الحواس. # الرابطة السببية عند الفلاسفة العقليين قائمة في حكم العقل، ~~وإن لم تكن مما تدركه الحواس، وليست هي مجرد اقتران في ~~الحدود بين العلة والمعلول، بل إن هذا الاقتران نفسه هو ~~العلاقة الدالة على أن وراءه رباطا عقليا، وهذا الرباط ~~العقلي الذي يجعل المسبب أمرا لا مندوحة عن وقوعه إذا ما ~~وقع سببه، هو جوهر السببية وصميمها؛ ومعنى ذلك أن وراء كل موقف ~~سببي مما يعرض لنا في الخبرة الحسية، جذورا عقلية مما لا ~~يعرض لنا في تلك الخبرة، ولو احتججت على العقليين قائلا: ~~ما دليلي على أن وراء الموقف الظاهر جذورا خفية، إذا لم يكن ~~هنالك من وسيلة ms290 أمامي أهتدي بها إلى طرفي الموقف وما بينهما ~~من علاقة إلا خبرتي؟ قال الفيلسوف العقلي مجيبا: إن مطالبتك ~~أن ترى ما لا يري بحكم طبيعته كمطالبتك أن ترى زجاجا ~~شفافا من طبيعته ألا تدركه الأبصار؛ فالضرورة العقلية التي ~~تربط السبب بمسببه إنما تدرك ب «العقل» وحده، ومن قبيل ~~المصادرة على المطلوب أن تطلب رؤيتها مع سائر ما تراه من ~~أحداث الواقع المحسوس، لكن إن قال الفيلسوف العقلي ذلك أجبناه ~~بأنه لا مبرر يدعونا إلى افتراض ما ليست تدعو إليه حاجة، بل ~~لا معنى لحديثنا إذا ما أدرنا هذا الحديث عما يستحيل أن ~~نعثر عليه في خبراتنا، وعما لا ضرورة لافتراضه حتى من الوجهة ~~النظرية الخالصة، ما دام التفسير الكامل للموقف يمكن أن يتم ~~بغير لجوء إلى مبدأ وراء الخبرة بما فيها من أحداث وتتابعها ~~في الوقوع. وإن شئت فانظر كيف تحقق عبارة يقول بها القائل ~~إن «س» تسبب «ص»؟ ألست ترجع إلى الخبرة لترى إن كانت هذه ~~الخبرة تقدم لك فيما تقدمه «س» و«ص» متتابعتين تتابعا ~~مطردا أو لم تكن؟ ثم كيف تحقق عبارة تقول إن «س» ~~مرتبطة ارتباطا ضروريا ب «ص»؟ ألست تلجأ إلى الوسيلة ~~نفسها، وهي أن ترجع إلى الخبرة لترى إن كانتا مطردتين في ~~التتابع أو لم تكونا؟ فإذا كانت وسيلة التحقيق في الحالتين ~~واحدة، أفلا يكون معنى العبارتين واحدا، وتكون كلمة «الضرورة» ~~الواردة في العبارة الثانية زائدة لا تفيد شيئا؟ # يقول مورتس شليك: # 4 # إن الفرق بين مجرد التتابع الزمني بين حادثتين، ~~والتتابع الذي يكون تتابعا سببيا، هو أن هذا التتابع ~~السببي يكون مطرد الوقوع، فإذا ما اطرد تتابع «س» و«ص» ~~بحيث تقع الثانية كلما وقعت الأولى، كانت «س» سببا و«ص» ~~مسببا، أما إذا لم يطرد هذا التتابع بينهما، بحيث يجوز ~~أحيانا أن تقع «س» ولا تلحق بها «ص»، كان الأمر في ارتباطهما ~~مرهونا بالصدفة ولا سببية هناك. ولما كانت ملاحظتنا للاطراد ~~في الوقوع بين الحادثتين هو كل ما هنالك، لزم أن يكون هو ~~المبرر الوحيد ms291 الذي يدعونا إلى جعل الحادثتين سببا ~~ومسببا، وهو مبرر كاف وحده أن يفسر لنا كل ما نحتاج ~~إلى تفسيره من الموقف؛ فكلمة «سبب» - كما نستخدمها في حياتنا ~~اليومية - لا تستلزم شيئا قط أكثر من اطراد التتابع؛ لأنه ~~ليس ثمة شيء قط غير هذا الاطراد يمكن أن نلجأ إليه في ~~تحقيق القضية التي ترد فيها هذه الكلمة. # ومما يعترض به العقليون على هذه النظرة التجريبية إلى ~~السببية أن هذا الفصل بين السبب في ناحية والمسبب في ناحية ~~لا يصور الواقع؛ فالحوادث في الواقع إنما يتصل بعضها ببعض ~~اتصالا لا يدع فجوة بينها، ولو كان بين السبب ومسببه ~~فجوة مهما بلغت من القصر، فماذا يبرر لنا أن نقول عن ~~الطرفين إنهما متصلان اتصال العلة بمعلولها؟ إن هيوم في ~~تحليله لمعارفنا إلى انطباعات متفرقة تصبح - بعد زوال مؤثراتها ~~- أفكارا متفرقة كذلك، إنما يقطع أوصال التيار الشعوري ~~المتصل، فليس قوام المعرفة حدودا منفصلا بعضها عن بعض، ثم ~~نربطها نحن بروابط مصطنعة من عندنا، نعم ليس هذا هو قوام ~~المعرفة، وإلا فلو كانت «س» من معارفنا ترد أولا كاملة، ثم ~~تتبعها «ص» غير موصولة بها، للزم أن يكون بينهما فاصل زمني ~~يفصل بين آخر نقطة من «س» وأول نقطة من «ص»؛ ومن ثم ينشأ سؤال ~~عند العقليين: ماذا يملأ هذه الفجوة الزمنية التي تفصل «س» عن ~~«ص» اللذين نقول عنهما إنهما علة ومعلولها؟ # كلا، إن معارفنا ليست على هذه الصورة المفككة التي ~~يرسمها هيوم - هكذا يعترض الفلاسفة العقليون - بل إنها موصولة ~~التيار؛ فمجموعة الحدود التي جعلناها سببا إنما تمتد حتى يتصل ~~آخر أطرافها بأول أطراف مجموعة الحدود التي تليها والتي تجعلها ~~مسببا. خذ أي مثال شئت لواقعة سببية، كطعنة الخنجر التي ~~طعن بها بروتس قيصرا فقتله، فأين السبب هنا وأين المسبب؟ ~~أتقول إن طعنة الخنجر سبب والقتل مسبب؟ لكن أين تنتهي ~~الطعنة وأين يبدأ الموت؟ حلل الموقف إلى عناصره التفصيلية ~~تجده سلسلة متلاحقة من أحداث يستحيل التفرقة فيها بين ما هو ~~«طعنة» وما هو «موت»؛ ms292 ومن ثم يندمج ما هو سبب فيما هو مسبب ~~فيكونان خطا واحدا من الحوادث، إن قلت عن شطره الأول إنه ~~سبب ومن شطره الثاني إنه مسبب فقد فصلت جزافا ما لم يكن ~~منفصلا بطبيعته. وخذ مثلا آخر: عزيمتك أن ترفع ذراعك ثم ~~رفعك للذراع، فها هنا نقول عن «العزيمة» إنها سبب وعن «رفع ~~الذراع» إنه مسبب، ولكن أين تنتهي عزمة الإرادة وأين يبدأ ~~رفع الذراع؟ ألا إن الأمر تيار متصل من أحداث صغري إذا ما بدأ ~~راحت أحداثه تتسلسل واحدة بعد واحدة حتى تنتهي العملية كلها، ~~والفصل بين ما هو «سبب» وما هو «مسبب» في هذه العملية ~~الواحدة فصل مصطنع لا يصور من الواقع شيئا. # كثيرا ما يلجأ الفلاسفة المثاليون إلى مثل هذا الاعتراض ~~ليؤيدوا به وجهة نظرهم في أن العلاقة القائمة بين العلة ~~ومعلولها ضرورية وليست هي مجرد اقتران طرفين كما يرى هيوم ومدرسته. # 5 # ونحن وإن كنا نرى أن هيوم ربما أخطأ في تصوره ~~للأفكار بأنها كيانات مستقل بعضها عن بعض بحيث يكون للواحدة ~~حدودها وفواصلها التي تباعد بينها وبين الأخرى، وأن الأمر ~~على حقيقته ربما كان تيارا متصلا من أحداث صغرى، إلا أننا ~~لا نرى كيف يمكن أن يكون هذا أساسا لرفض التحليل الذي حلل ~~به هيوم السببية وجعلها مجرد اقتران بين سابق ولاحق؟ ما ~~الفرق في هذا الصدد بين أن أقول إن «س» و«ص» مقترنتان دائما ~~ولذلك فهما سبب ومسبب، وبين أن أقول إن «س» هي في الحقيقة ~~مجموعة من حوادث صغرى هي «أ، ب، ج»، وإن «ص» هي في الحقيقة ~~مجموعة أخرى من حوادث صغري هي «د، ه، و»، وإن تتابع «س» و«ص» ~~هو على ذلك تتابع صورته «أ، ب، ج، د، ه، و»؟ إنه لا فرق ~~بين الصورة الأولى المجملة والصورة الثانية المفصلة من ~~حيث إن كلا منهما تتابع واقتران لاحق بسابق؛ فلو كانت ~~الصورة الثانية هي التي تصور الواقع في اتصال حوادثه، فما ~~يزال التحليل الذي قدمه هيوم للسببية قائما بالنسبة إليها، ~~كما ms293 كان قائما بالنسبة إلى «س» و«ص» في إجمالهما، ولم يغير ~~من الموقف أن حشونا الفجوة القائمة بينهما بحوادث صغرى تصل ~~آخر السابقة بأول اللاحقة. # لكن الفلاسفة العقليين لا يرضيهم أن ينحل الأمر إلى صف ~~من حوادث، نأخذ منها ما اطرد تتابعها لنقول عنها إنها ~~هنا مرتبطة برباط السببية، ويريدون أن يكون هنالك نوع من ~~الملاط الغيبي اللامحسوس ينسبون إليه ارتباط الحوادث بعضها ~~ببعض، وهو الملاط الذي يبيح لهم أن يقولوا إن الرابطة بين ~~السابق واللاحق من الحوادث أمر محتوم، فمن أين جاءوا بفكرتهم ~~هذه؟ إنهم يجعلون «السببية» مبدأ عقليا ليس هو بعينه اقتران ~~الحوادث في التجربة، هم لا ينكرون هذا الاقتران، بل ~~يقررونه كما يقرره التجريبيون سواء بسواء، لكن ~~التجريبيين يقفون بالأمر عند هذا الحد، أما العقليون ~~فيمدونه إلى جذور ضاربة وراءه في عالم الغيب، وتلك الجذور ~~هي ما يطلقون عليه «السببية» بمعناها الميتافيزيقي، وما ~~اقتران الحوادث في دنيا التجربة إلا علامة دالة على ما هو ~~قائم هنالك في عالم المعقولات؛ العقليون والتجريبيون على ~~السواء يلاحظون ما هو واقع، فكلاهما يرى العلاقة بين اتجاه ~~الريح وسقوط المطر، لكنهما يعودان فيختلفان في أن التجريبيين ~~يكفيهم أن يقولوا إن هذا هو ما يقع، وأما العقليون فيصرون ~~على إضافة؛ إذ يقولون إن هذا هو ما «يجب» أن يقع. والسؤال ~~الرئيسي هنا هو هذا: من أين جاء العقليون بهذا «الوجوب»؟ إن كل ~~حصيلتنا من الخبرة في وقائع وقعت على نحو معين، وليس في ~~تلك الحصيلة عنصر «الوجوب»؛ فلئن شهدت الرياح الشمالية ~~الغربية متبوعة بالمطر في الشتاء، فلم أشهد معهما كائنا ~~ثالثا هو «الوجوب» الذي «يضطر» الرياح والمطر أن يرتبطا على ~~نحو ما ارتبطا. إننا لا نقول إن أمر الطبيعة فوضى، وإنها هي ~~النزوات تجعل الرياح المعينة تستتبع المطر آنا ولا ~~تستتبعه آنا آخر مع تشابه الظروف كلها في الآنين، بل نقول ~~إن اطراد التتابع بين الظاهرتين قد جاءنا العلم به من ~~الملاحظة وحدها؛ أي من الخبرة، ولا يسعنا إلا أن نقف بالأمر ~~عند حد ms294 الملاحظة لا نعدوها، وليس في هذه الملاحظة التي أدركنا ~~بها رياحا ومطرا ما يدل على «وجوب»، بل كل ما فيها اطراد ~~في الحدوث وقع فعلا. # وأحب للقارئ أن يلاحظ الفرق بين جملة تصف وجملة ~~توجب؛ فالفرق واضح بين أن أقول إن النافذة مفتوحة وأن أقول ~~إن النافذة ينبغي أن تكون مفتوحة. أما العبارة الأولى فتصف ~~الأمر الواقع، سواء جاء وصفها مطابقا للواقع فيكون صوابا أو ~~غير مطابق له فيكون خطأ، وأما العبارة الثانية فلا تصف شيئا ~~بل تأمر سامعها أن افعل كذا وكذا إن لم تجده مفعولا. وإذا ~~كان هذا هكذا، فالكلمة الدالة على أمر، مثل «يجب» و«ينبغي» وما ~~إليهما، ليست بذات معنى في عالم الأشياء؛ فهنالك في عالم ~~الأشياء نافذة، وهي على إحدى صورتين؛ فإما هي مفتوحة أو مغلقة، ~~لكنه ليس هنالك في عالم الأشياء شيء قائم بذاته اسمه «يجب» أو ~~«ينبغي»، وعلى ذلك فكل جملة محتوية على مثل هذه الكلمة هي جملة ~~بغير معني واقعي، مهما يكن لها بعد ذلك من صدى نفسي عند ~~قائلها أو عند سامعها؛ وإذن فعندنا أن قول الفلاسفة العقليين ~~عن تتابع الأحداث إنه «يجب» أن يتم على نحو ما يتم عليه هو ~~قول بغير معنى. نعم إننا كثيرا ما نجري حديثنا هذا المجرى، ~~حتى الحديث العلمي، فنقول إن الأحجار الملقاة في الهواء «لا ~~بد» أن تسقط بفعل الجاذبية، وإن الماء المنساب على سفح الجبل ~~«لا مناص» من انحداره إلى جوف الوادي، وإن كل حي «يجب» أن يموت ~~يوما، نقول عبارات كهذه لنصف بها ما قد علمتنا الطبيعة إياه ~~من طرائق سيرها، لكننا إذ نقول كلمات «لا بد» و«لا مناص» ~~و«يجب» وما إليها، فإنما نريد معاني مستقاة من الخبرة، وهي ~~المعاني التي ترتد بالتحليل إلى اطراد في الوقوع، أما إذا ~~أراد بها قائلها أوامر صادرة من آمر وراء الحوادث وخبرتنا ~~بها، كمبدأ السببية كما يفرضه العقليون مثلا، فعندئذ يكون ~~الكلام خلوا من المعنى. # ونعود فنسأل: ما مصدر هذا الخلط عند الفلاسفة العقليين بين ~~أمرين؛ ms295 الاطراد الملحوظ في اقتران الحوادث الواقعة، والوجوب ~~العقلي الذي يظنونه قائما وراء الحوادث يملي عليها خطة ~~سيرها؟ # مصدر الخلط عندهم هو اختلاط الأمر بين ما نقوله استنباطا من ~~مقدمات وما نقوله تسجيلا لمشاهدات؛ فكلا القولين عندهم من ~~طبيعة واحدة. ولما كان القول من النوع الأول يقينيا دائما، ~~أرادوا للقول من النوع الثاني أن يكون هو الآخر يقينيا كذلك، ~~لكن كيف والمشاهدة معرضة لخطأ المشاهد في تسجيل ما يشاهده؟ ~~هنا تراهم يضعون مبدأ عقليا تجيء المشاهدات نتائج حتمية ~~له؛ فهنالك المبدأ العقلي الذي يوجب أن تنزل الرياح ~~الفلانية مطرا، فإن رأيتها في دنيا الخبرة قد أنزلت مطرا ~~كان ذلك نتيجة ضرورية للمبدأ العقلي، لا مجرد مشاهدة لحظناها ~~فسجلناها، ولحظنا فيها اطراد الحدوث فجعلناها هاديا نهتدي ~~به فيما عسي أن يقع في المستقبل إذا ما توافرت الظروف ~~نفسها. # لو قصر الفلاسفة العقليون كلمة «ضرورة» أو «وجوب» على ~~الحالات التي نستدل فيها فكرة من فكرة لما أخطئوا، فإذا كان ~~المثلث هو بحكم التعريف شكلا مستويا محوطا بثلاثة خطوط ~~مستقيمة، فمن «الضرورة» أن يكون ذا زوايا ثلاث؛ لأن هذه ~~النتيجة مترتبة «حتما» على تلك المقدمة، ومصدر «الحتم» ~~و«الضرورة» هنا هو أن النتيجة تكرار للمقدمة، وهي تكرار لها ~~لأنها محتواة فيها، لكن ما هكذا يكون الأمر بالنسبة للحوادث ~~التجريبية الواقعة؛ لأن كل حادثة مستقلة عن سواها، ولا يتوقف ~~قيام الواحدة على قيام الأخرى ب «الضرورة»، بل كل ما في الأمر ~~هو أننا نلاحظ اقتران حادثتين اقترانا مطردا، فنتوقع ~~للاطراد أن يدوم. # مصدر الخطأ عند الفلاسفة العقليين حين يصفون العلاقة ~~السببية بالضرورة أو بالوجوب أو بالحتم، هو نفسه مصدر خطئهم ~~حين ينشدون اليقين في علمنا بالطبيعة؛ وذلك أنهم ينسبون ما ~~يجدونه في العلوم الصورية من ضرورة ويقين إلى ما يحصلونه ~~بحواسهم من خبرات. ولو تنبه القارئ إلى أوجه الاختلاف بين ~~الحالتين، لزال من طريقه كثير جدا من مشكلات الفلسفة ~~التقليدية، التي لم تكن في حقيقة أمرها مشكلات بقدر ما كانت ~~نقصا في تحليل العبارات ومضموناتها. وعلى ms296 الرغم من أني قد ~~فصلت القول في هذا الاختلاف الذي يميز العلوم الصورية ~~ويقينها من العلوم الطبيعية واحتمالاتها (راجع الفقرة الرابعة ~~من الفصل السادس)، إلا أنني أعود هنا إلى الموضوع نفسه عودة ~~سريعة فأطلب إلى القارئ أن يقارن بين هاتين العبارتين: (1) ~~أحمد أطول قامة من محمود. (2) إذا كان أحمد أطول قامة من ~~محمود إذن فمحمود أقصر قامة من أحمد. أطلب إلى القارئ أن ~~يقارن بين هاتين العبارتين ليدرك الفرق بين جملة تخبر فتكون ~~معرضة للخطأ، وجملة لا تخبر بشيء وإنما تكرر الصدر في ~~العجز فتكون ضرورية اليقين ويستحيل عليها الخطأ؛ فالجملة ~~الأولى تخبر سامعها بأن أحمد أطول قامة من محمود، وهو خبر ~~مستمد من مشاهدة الشخصين والمقارنة بينهما، وقد يكون الناقل ~~لهذه المشاهدة مصيبا فيما نقل أو مخطئا. وأما الجملة الثانية ~~فلا تقول شيئا عن الواقع، وإنما هي تستنتج نتيجة من فرض، ~~فإذا فرضنا أن أحمد أطول قامة من محمود إذن فيمكنك أن تقول هذه ~~الحقيقة نفسها بصياغة لغوية أخرى تكون مرادفة للصياغة الأولى ~~بحكم تعريفنا للألفاظ ومدلولاتها، أو بعبارة أخرى فإن الشطر ~~الثاني من العبارة تحصيل حاصل؛ لأنه يحصل من المعنى نفس ما ~~قد حصله السامع من الشطر الأول، لا زيادة ولا نقصان. إنك لا ~~تستطيع أن تقول العبارة الأولى «أحمد أطول قامة من محمود» إلا ~~إذا خبرت العالم بحواسك، لكنك تستطيع أن تقول العبارة ~~الثانية «إذا كان أحمد أطول قامة من محمود، كان محمود أقصر ~~قامة من أحمد»، تستطيع أن تقول هذه العبارة دون أن تخبر ~~شيئا إطلاقا من العالم الخارجي، بل دون أن يكون في العالم ~~كله إنسان من البشر سواك؛ لأنك بهذه العبارة لا تقرر شيئا ~~بذاته عن حقيقة معينة، بل تذكر علاقة منطقية قائمة بين ~~«أطول» و«أقصر»، فهما ضدان، وإذا صدق أحد الضدين تحتم ~~أن يكذب الآخر، والعلاقة التي تعبر عنها كلمة «أطول» علاقة ~~لا تماثلية؛ بمعنى أنك إذا قرأت العبارة الواردة فيها هذه ~~الكلمة من اليمين إلى اليسار، استحال عليك أن تقرأها هي نفسها ms297 ~~من اليسار إلى اليمين وتظل محتفظا بمعناها الأول نفسه؛ فعبارة ~~«أ أطول من ب» لا تساوي «ب أطول من أ»، ولكي أستخرج من العبارة ~~الأولى ما يساويها، حين أقرأ بادئا من اليسار، وجب أن أضع ~~مكان العلاقة ضدها. # كذلك قل في كل جملة تنبئ بنبأ عن الطبيعة حين تقارنها ~~بجملة أخرى تذكر علاقة منطقية بين طرفين ولا تنبئ بشيء؛ ~~فعندئذ لا يكون في الجملة الأولى ضرورة صدق، على حين تكون ~~الجملة الثانية ضرورية الصدق لأنها لا تنبئ بشيء كما تنبئ ~~الجملة الأولى؛ فقارن بين قولنا «الغاز يقل حجمه إذا زاد ~~الضغط عليه»، وبين قولنا «إنه إذا صدق القول بأن الغاز يقل ~~حجمه إذا زاد الضغط عليه، فلا بد أن يكون الغاز في هذه ~~الأنبوبة قد قل حجمه حين ازداد الضغط عليه»؛ ففي الجملة ~~الأولى يقرر المتكلم اطرادا معينا في ظواهر الطبيعة، ~~يقرر اطرادا بين زيادة الضغط على الغاز وقلة حجمه، ~~مستمدا ذلك من مشاهداته، لكن هنالك إمكان منطقي أن يكون قد ~~أخطأ المشاهدة وتسجيلها؛ وإذن فلا ضرورة تحتم صدق هذا النبأ، ~~ومن حق أي سامع أن يطالب المتكلم بإجراء تجربة تثبت صدق ~~زعمه. أما في الجملة الثانية فالمتكلم لا يورط نفسه في ~~إقرار حقيقة بعينها عن الطبيعة، بل يبني نتيجة على فرض، دون أن ~~يدعي للفرض صدقا، فإذا صدق الفرض صدقت معه النتيجة؛ لأن ~~النتيجة ليست سوى تكرار ما جاء في الفرض نفسه؛ وإذن فهي تحصيل ~~حاصل؛ ومن ثم فهي ضرورية الصدق ما دامت مقدمتها قد فرض فيها ~~الصدق. # وهذا بعينه هو الفرق بين أي قانون من قوانين الطبيعة التي ~~تثبت فيها اطرادات الظواهر، وبين تطبيق ذلك القانون نفسه ~~بعد ذلك على مواقف بعينها؛ ففي حالة القانون نفسه يكون العالم ~~القائل بمثابة من ينبئ عن الطبيعة نبأ يروي به أن الظاهرة ~~الفلانية مطردة الوقوع مع الظاهرة الفلانية بالنسبة ~~الفلانية، ولكل سامع الحق في أن يطالب المتكلم بإجراء ~~التجارب التي تثبت صدق النبأ؛ مما يدل على أن النبأ نفسه ~~قابل لأن ms298 يكون باطلا؛ أما في حالة التطبيق فنحن بمثابة من ~~يقول عندئذ إنه «إذا» كان القانون الفلاني صادقا، فسيحدث ~~كذا وكذا في الموقف الفلاني، فها هنا تكون النتيجة ضرورية ~~الصدق لأننا نرتبها على مقدمة فرضنا فيها الصدق. # هكذا يخطئ الفلاسفة العقليون حين ينقلون «الضرورة» و«الوجوب» ~~من نتيجة القانون إلى القانون نفسه، مع أن الفرق المنطقي واضح ~~بين القانون ونتيجته؛ فالأول تؤيده المشاهدة، وأما النتيجة ~~فاستنباط منطقي صرف يصدق حتما ما دام القانون مسلما ~~به؛ أرأيت - إذن - متى يجوز لنا ومتى لا يجوز أن نستعمل كلمة ~~«لا بد» أو كلمة «لا مناص» أو كلمة «يجب» أو ما في معناها في ~~السياق العلمي؟ إنه لا يجوز استعمالها ما دمنا في المرحلة ~~الأولى التي هي مرحلة التعميم عن مشاهداتنا للطبيعة في قانون ~~ما، بحيث نقول إن كل «أ» هي «ب» فلا وجوب هنا ولا ضرورة، بل ~~هكذا شاهدنا «أ» و«ب» مقترنتين بغير تخلف، فعممنا هذا ~~الاقتران في قانون، لكن الضرورة والوجوب وما إليهما يكون حين ~~نستنبط من القانون - على فرض التسليم به - نتيجة ما، فإذا ~~كانت كل أ هي ب، وهذه الحالة المعينة التي أنا بصددها هي أ؛ ~~إذن فهذه الحالة التي أنا بصددها لا بد أن تكون ب؛ إذا كانت ~~الحرارة تمدد الأجسام دائما، وهذه الحالة التي أنا بصددها ~~الآن هي حالة جسم معرض لحرارة، فلا بد أن يكون هذا الجسم قد ~~تمدد بفعل تلك الحرارة. # ضرورة الصدق في العلوم الطبيعية - إذن - لا تكون إلا في ~~النتائج التطبيقية لا في المقدمات التي نستولدها هذه النتائج، ~~ولكن ما أسرع ما نخطئ هنا فنظن أننا ما دمنا نقول عن النتيجة ~~المعينة في الموقف المعين إنها «لا بد» أن تكون على النحو ~~الفلاني، فكذلك نستطيع أن نقول «لا بد» هذه عن القانون نفسه ~~الذي اتخذناه مقدمة سلمنا بصوابها ورحنا نستنبط منها ~~النتائج التطبيقية. ألا ما أكثر ما نسمع من علماء الطبيعة ~~أنفسهم ما يدل على نفورهم إذا ما أنبأناهم بأن قوانين الطبيعة ~~«احتمالية» لا يقينية؛ وذلك ms299 لأنهم ينقلون «وجوب الصدق» من ~~النتيجة إلى المقدمة، ينقلونه من التطبيق إلى القانون الذي ~~نطبقه، وقد فات هؤلاء جميعا أن النتيجة المنطقية ~~المستنبطة من أية مقدمات - صادقة أو غير صادقة - هي دائما ~~ضرورية الصدق ما دام استنباطنا لها سليما؛ أي ما دمنا نكرر ~~في النتيجة نفس الذي نقرره في المقدمات، لكن ما هكذا تكون ~~المقدمات التي نستمدها من المشاهدات والتجارب، فلا ~~استنباط هنا يكرر مقدمة في نتيجة، بل هنا وصف يصف وقد ~~يصيب التصوير وقد يخطئ؛ فات هؤلاء جميعا أنني أستطيع من ~~مقدمات كاذبة في ذاتها أن أستنتج نتيجة «لازمة» الصدق «إذا» ~~سلمنا بالمقدمات جاهلين أو متجاهلين ما فيها من كذب، فلنا أن ~~نقول مثلا: إذا كانت الجياد كلها من ذوات الجناح، وإذا كانت ~~قطتي هذه جوادا؛ فهي إذن من ذوات الجناح. هذه نتيجة «ضرورية ~~الصدق» بغير شك لأنها مترتبة منطقيا على مقدماتها، ولكن ما ~~الحكم في المقدمات نفسها؟ قل هذا تماما في أي قانون طبيعي ~~وتطبيقه، فإذا كانت أشعة الضوء تسير في خطوط مستقيمة، وإذا كان ~~هذا النافذ من غرفتي شعاعا من الضوء، فهو إذن يسير في خط ~~مستقيم. هذه نتيجة «ضرورية الصدق» لأنها مستنبطة من مقدماتها، ~~ولكن ما هكذا المقدمات نفسها؛ فكون أشعة الضوء تسير في خطوط ~~مستقيمة أو في خطوط منحنية أمر يحتاج إلى تجارب علمية ~~تثبته أو تنفيه؛ أي إنه قول يحتمل فيه الصواب كما يحتمل ~~فيه الخطأ. # 4 # إذا كان الاطراد الملحوظ بين ظواهر الطبيعة أمرا مرهونا ~~بالخبرة وحدها، دون أن يكون هنالك ضرورة عملية توجب وقوعه ~~هكذا وتحتم حدوثه على نحو ما يحدث، فما الذي يغري الفيلسوف ~~العقلي أن يضيف إلى الأمر ما ليس فيه، فيضيف «ضرورة عقلية» ~~حيث لا ضرورة، ويضيف «وجوبا» حيث لا وجوب؟ ما الذي يغريه أن ~~يقول عن ظواهر الطبيعة إنها «لا بد» أن تقع على نحو ما هي ~~واقعة وإنها «يجب» أن ترتبط على الصورة التي نراها مرتبطة ~~عليها؟ إنه إذا رأي «أ» مطردة الوقوع دائما مع «ب» - ~~كارتفاع ms300 الحرارة وتمدد الأجسام مثلا - فلماذا لا يقف عند ~~حدود خبرته فيقول إن «أ» و«ب» مطردتان دائما في الوقوع، ~~فلا يضيف من عنده «وجوبا» لم يقع له في خبرته تلك، بحيث يقول ~~إن «أ» لا بد أن تتبعها «ب»؟ # لعل ما يغري الفيلسوف العقلي بهذه الإضافة هو أن يلقي ~~بزمام الكون إلى «عقل» يسيره كيف شاء؛ لأنه إذا كانت ~~الظاهرتان المطردتان في تلازم الوقوع أمرا واجب الحدوث ~~وضروري الصدق، كان لا بد لهذا الوجوب من موجب، ولهذه ~~الضرورة من عقل سن لها السنن التي لا مندوحة عن السير ~~بمقتضاها. وإذا شئت فعد في تاريخ الفكر إلى «نيوتن» من جهة ~~و«كانت» من جهة أخرى؛ تر الأول قد جعل الأمر في قوانين ~~الطبيعة حتما محتوما وضرورة عقلية لا مندوحة عن قيامها، ~~فجاء الثاني يفلسف هذا الاتجاه العلمي نفسه فيسأل سؤاله ~~المشهور: كيف أمكن لما يمليه العقل من ضرورات أن يكون هو ~~نفسه ما يقع في عالم الطبيعة من حوادث؟ أو بعبارة يعرفها ~~دارسو الفلسفة: كيف أمكن للقضية العلمية أن تكون قبلية ~~وتركيبية في آن معا؟ إنه لا جناح على «كانت» أن يسأل ~~سؤاله هذا وأن يحاول عنه الجواب؛ لأنه صدي يردد العلم ~~الطبيعي السائد في عصره، وهو العلم كما خلفه نيوتن؛ فلم يكن ~~معقولا أن يقول العلم شيئا عن الطبيعة وأن تقول الفلسفة في ~~العصر نفسه شيئا آخر. # فإذا كانت الفلسفة صدى للعلم في العصر الواحد، كان علينا أن ~~نضع نصب أعيننا علم الطبيعة في القرن العشرين إذا أردنا أن ~~نفهم ما يقوله الفلاسفة المعاصرون في منطق القانون ~~العلمي. # إنه من سوء الحظ أن تجتمع لكلمة «قانون» عدة معان مختلفة ~~فيما بينها أشد اختلاف، فأدى ذلك إلى خلط في التفكير لا حد ~~لمداه؛ فهنالك القانون الذي يسنه الحاكم لرعيته فيكون ~~بمثابة أمر يصدره لهؤلاء حتى يرسم لهم ما يجوز فعله وما لا ~~يجوز؛ فإذا شرع الحاكم - مثلا - ألا يزيد سعر الأقة من ~~البرتقال عن خمسة قروش «وجب» على البائع ألا يجاوز هذا الحد ms301 ~~الأقصى، ومعنى «الوجوب» هنا هو أن الحاكم قد أمر وعلى المحكوم ~~أن يطيع. ولما كنا نستخدم كلمة «قانون» في الطبيعة وظواهرها، ~~كما نستخدمها في الحاكم وأوامره لرعيته، نقلنا معنى «الوجوب» ~~من هذا المجال الاجتماعي إلى ذلك المجال الطبيعي، فوقعنا في ~~الخطأ؛ فنقول - مثلا - إن الماء على سفح الجبل لا بد أن ~~ينحدر إلى أسفل، ثم نظن أن هنالك آمرا قد أمر وعلى الماء أن ~~يطيع، كما يأمر الحاكم وعلى الرعية أن تصدع بالأمر؛ وبهذا ~~نخلط بين معنيين لكلمة واحدة - كلمة «قانون» - كان يجب أن ~~يكونا واضحين في اختلافهما البعيد؛ فالقانون في حالة الحاكم ~~ورعيته «أمر»، والقانون في حالة الطبيعة وظواهرها «وصف»، فإن ~~استخدمنا كلمة «الوجوب» في الحالتين كان ذلك أيضا بمعنيين ~~مختلفين؛ فالقانون التشريعي «يجب» أن يطاع وإلا تعرض العاصي ~~للعقاب، وأما حين نقول عن القانون الطبيعي إنه «يجب» أن ~~يسري، وإن الظواهر «يجب» أن تسير على مقتضاه، كان معنى ~~الكلمة هنا هو «هكذا تسير الأمور» كما لاحظناها، فلا آمر ~~هناك ولا مأمور. # حين يصوغ عالم الطبيعة قانونا من قوانينه، يصف به اطراد ~~الحدوث بنسبة معينة بين ظاهرتين أو أكثر، يكون بمثابة من ~~يقول: «إذا حدث كذا فإن كذا يحدث دائما.» فقوله مثلا عن ~~التيار الكهربائي إنه يسبب انحرافا في الإبرة المغناطيسية ~~معناه أن المشاهدة قد دلت على أنه إذا كان هناك تيار ~~كهربائي انحرفت الإبرة المغناطيسية بغير تخلف. # فلا فرق بين ما يقع مصادفة وما يقع وفق قانون إلا أن ~~الاطراد في الحالة الثانية لا يتخلف على حين أنه في الحالة ~~الأولى قد يظهر وقد يختفي؛ فلو حدث مرة أن ظهرت على شاشة ~~السينما صورة انفجار شديد ثم حدث في الوقت نفسه أن اهتزت ~~الأرض فعلا بزلزال (كما قد تصادف حدوث ذلك فعلا ذات مرة)، ~~عددنا الأمر اتفاقا بالمصادفة؛ لأنه لا يحدث هذا الاقتران ~~بين الحادثتين دائما، ولو اطرد حدوثه دائما وبغير تخلف ~~لجعلناه قانونا كأي قانون آخر من قوانين الطبيعة. # إنه لا إلزام في الطبيعة ولا وجوب إذا ms302 كان معنى الوجوب تنفيذ ~~مأمور لأمر آمر، وكل ما في الأمر اقتران بين الحوادث ~~يطرد أو لا يطرد، فإن اطرد كان قانونا وإلا فهو من ~~قبيل المصادفة التي لا يركن إليها في الحكم على الحالات ~~المستقبلة، وإنما نحن البشر قد رأينا لأنفسنا إرادة تفعل هذا ~~وذاك، فشبهنا فعل الطبيعة بفعلنا، وجعلنا لها مريدا يريد ~~لها أن تفعل كذا وألا تفعل كيت. # لو كان القانون العلمي صادقا بحكم الضرورة المنطقية، لا ~~بحكم اطراد الوقوع، لكان نقيضه مستحيلا استحالة منطقية ~~كذلك، فهل القانون الطبيعي نقيضه مستحيل من الوجهة المنطقية؟ ~~كلا، فنقيض أي قانون طبيعي ممكن عقلا، وغاية ما في الأمر أن ~~هذا النقيض لم يحدث، وفرق بعيد بين الحالتين. ولنضرب للمعنى ~~الذي نريده مثلا من العلم الطبيعي الحديث، لنضرب له مثل ~~القانون الذي يسمى بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية، # 6 # والذي مؤداه أن الحرارة تنتقل دائما من الجسم ~~الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة، وأن العكس لا يحدث أبدا؛ ~~فلا يحدث أبدا أن تضع قطعة من الثلج في كوب من الماء فتنتقل ~~البرودة من الماء إلى قطعة الثلج لتزيدها برودة وليزيد الماء ~~بذلك حرارة، إنه لا يحدث أبدا أن تضع قطعة من الحديد المحمى ~~على قطعة من الحديد البارد فينتقل شيء من الحرارة القليلة ~~الموجودة في القطعة الباردة إلى القطعة المحماة فتزيدها ~~حرارة بينما تزيد الأولى برودة، بل الذي يحدث دائما هو أن ~~تنتقل حرارة الماء إلى الثلج البارد حتى يتعادلا، وأن تنتقل ~~حرارة الحديدة المحماة إلى الحديدة الباردة حتى تتعادلا ~~أيضا. وهكذا قل في كل حالة يتصل فيها جسم أكثر حرارة بجسم ~~أقل حرارة؛ فإن الحرارة دائما تسير من الأحر إلى الأبرد، ~~فلماذا؟ لماذا لا يحدث العكس؟ جوابنا هو: هكذا لاحظنا الظواهر ~~كيف تحدث، فجعلنا ما قد اطرد حدوثه في ملاحظتنا قانونا، على ~~الرغم من أن العقل الصرف لا ينفي حدوث العكس. # ولشرح ذلك نقول: إن مقدار الحرارة في جسم ما متوقف على ~~حركة ذراته، ولما كانت هذه الذرات مختلفة السرعة في ms303 ~~حركتها، كانت حرارة الجسم متوقفة على «متوسط» تلك السرعات ~~المختلفة؛ فكلما زاد هذا المتوسط ازدادت حرارة الجسم، وكلما ~~قل قلت. والذي يحدث عندما يمس جسم حار جسما أقل ~~منه حرارة، هو التقاء مجموعتين من الذرات؛ فمجموعة متوسط ~~السرعة في أفرادها أكثر من متوسط السرعة في أفراد المجموعة ~~الثانية؛ فماذا تكون نتيجة هذا الصدام بين المجموعتين؟ إن ~~الذرة البطيئة إذا ما اصطدمت بذرة أسرع منها، فهنالك ~~احتمالان؛ فإما أن تزيد سرعة البطيئة وتقل سرعة السريعة حتى ~~يتعادلا، أو أن تفقد البطيئة بعض سرعتها فتزداد بطئا، وتكسب ~~السريعة سرعة تضاف إلى سرعتها فتزداد سرعة، لكنه على الرغم ~~من أن كلا من الاحتمالين جائز الحدوث، إلا أن «الإحصاء» قد ~~دل على أن تعادل السرعة بين البطيئة والسريعة أقرب جدا ~~إلى الوقوع من أن تزداد البطيئة بطئا وتزداد السريعة سرعة؛ ~~ومعني ذلك بلغة الحرارة هو أن التقاء جسم حار بجسم أقل حرارة ~~يميل بالحرارتين المتفاوتتين نحو التعادل؛ فهكذا قد دلت ~~المشاهدات، على الرغم من جواز حدوث العكس، وهو أن تزداد حرارة ~~الحار وتزداد برودة البارد. # ونزيدك توضيحا فنقول: إن مجموعتي الذرات، المجموعة ~~السريعة في متوسطها التي تكون الجسم الحار، والمجموعة ~~البطيئة في متوسطها التي تكون الجسم البارد، حين يمتزجان ~~بالتقاء إحداهما بالأخرى، تكونان أشبه شيء بمجموعتي أوراق ~~اللعب، المجموعة الحمراء والمجموعة السوداء؛ فهاتان المجموعتان ~~بادئ ذي بدء تكونان متجانستين؛ فالحمراء على حدة والسوداء على ~~حدة، لكن ابدأ في «تفنيط» الأوراق ومزجها بعضها في بعض، ~~وامض في هذه العملية ما شئت أن تمضي، فهل يجوز أم هل يستحيل ~~أن تعود المجموعتان كما كانتا أول مرة، فالحمراء على حدة ~~والسوداء على حدة؟ ذلك بالطبع ممكن؛ لأن هذه الحالة إن هي إلا ~~حالة من حالات أخرى تعد بالملايين، غير أن إمكان حدوثها ~~قليل الاحتمال إلى درجة تبرر لنا أن نقول إن مزج أوراق ~~اللعب بعضها في بعض سيظل يبعثر الأحمر في غضون الأسود، ولن ~~يعود النظام إلى حالته التي كان عليها أول الأمر أبدا؛ إن ~~مثل هذا ms304 الرجوع غير مستحيل «عقلا»، ولكنه مستحيل تجربة ~~وإحصاء. وهكذا قل في القانون الثاني للديناميكا الحرارية ~~الذي يقرر أن الحرارة تنتقل دائما من الأحر إلى الأبرد، ~~وأن بقاء مجموعتي الذرات المختلفتي السرعة على حالهما، ~~بحيث تظل الذرات السريعة مجتمعة معا والبطيئة مجتمعة معا، ~~أمر إن لم يكن مستحيلا «عقلا» فهو مستحيل تجربة ~~وإحصاء. # هكذا الحال في قوانين الطبيعة كلها، فهي نتائج نستخرجها من ~~المشاهدات على سبيل الإحصاء لا على سبيل القطع واليقين، ~~ونقيضها إن لم يكن مستحيلا من الوجهة المنطقية الخالصة، فهو ~~مستحيل على أساس التجربة وما دلت عليه. خذ وعاء نصفه ~~مليء بالماء ونصفه الآخر خلاء مفرغ، وبين النصفين حاجز، ~~فماذا يحدث لو ثقب الحاجز؟ الجواب الذي يتفق مع قوانين ~~الغازات في علم الطبيعة هو: سينتشر الهواء في النصف المفرغ، ~~بحيث يتعادل انتشاره في نصفي الوعاء على السواء، لكن هل ~~يجوز أم هل يستحيل أن نثقب الحاجز ومع ذلك يظل الهواء في ~~مكانه لا يتسلل إلى النصف المفرغ؟ إن ذلك ممكن «عقلا» ~~ولكنه غير ممكن تجربة وإحصاء؛ فبقاء الهواء متجمعا في نصف ~~المكان وتاركا نصفه الآخر خلاء مفرغا إن هو إلا حالة من ~~حالات أخرى كثيرة جدا كلها جائز في طريقة توزيع كمية الغاز ~~في المكان، لكن احتمال وقوع هذه الحالة الواحدة دون بقية ~~الحالات هو كاحتمال أن تعود أوراق اللعب أثناء عملية «التفنيط» ~~إلى نظامها الأول؛ فهو احتمال ممكن الوقوع من الناحية المنطقية ~~لكنه مستبعد من الناحية الإحصائية. هل يستحيل أن نصبح غدا ~~فإذا دور القاهرة كلها قد احترقت، كل دار منها احترقت لسبب ~~غير السبب الذي احترقت له الأخرى؟ هل يستحيل أن نصبح غدا ~~فإذا كل سكان القاهرة موتى، كل منهم قد مات لسبب يختلف عن ~~السبب الذي أدى إلى موت الآخرين؟ كل ذلك محتمل من الوجهة ~~المنطقية، لكنه مستحيل من الوجهة الإحصائية التجريبية. وهكذا ~~كل قانون طبيعي، فهو إجمال إحصائي لما يقع، نقيضه محتمل ~~منطقيا، لكنه مستبعد تجربة وإحصاء. # وقد يقول قائل: وماذا علينا أن يقال عن ms305 القانون العلمي إنه ~~ضروري الصدق ضرورة منطقية جريا مع الفلاسفة العقليين، أو أن ~~يقال إنه محتمل الصدق على أساس تجريبي إحصائي جريا مع جماعة ~~التجريبيين العلميين، ماذا علينا من مثل هذا الاختلاف إذا لم ~~يكن من نتيجته عدم انطباق القانون عند تطبيقه؟ إذا كان القانون ~~العلمي صادقا دائما من حيث التطبيق العملي، فقل بعد ذلك ما ~~شئت في تفسير ذلك الصدق، أهو من إملاء المنطق أم هو من ترجيح ~~الخبرة والإحصاء؛ قد يقال ذلك ويكون للقائل مبرراته ~~العملية، لكن الفرق بعيد جدا من الوجهة النظرية بين رجل ~~يأخذ بضرورة الصدق في القوانين الطبيعية وآخر يأخذ باحتمال ذلك ~~الصدق؛ الفرق بعيد جدا في النظرة التي يكونها كل من ~~الرجلين، فبينما الأول يقبل على العالم وكأنه قد أقبل على ~~حقيقة سكونية قد فرغ صانعها من صناعتها وأعد لها قوانينها ~~فلم يعد أمل في تغيير ما قد كان ولا في ارتقاب جديد بعد ~~قديم، ترى الثاني في النهاية يكون لنفسه رأيا عن العالم ~~بأنه تطوري حركي لا حد لممكناته، ولا نهاية لسيره ~~وأوجه نشاطه. # الفصل الحادي عشر # | من الكيف إلى الكم # 1 # الجانب الكيفي من الشيء هو ذلك الذي تنطبع به حواسنا ~~انطباعا مباشرا؛ فبياض هذه الورقة التي أمامي «كيف» لأنه ~~صفة أدركها بحاستي إدراكا مباشرا، والألم الذي أحسه ~~في معدتي «كيف»، وكذلك طعم الطعام وأريج الزهرة؛ كل هذه ~~«كيفيات» لأنها من الأشياء جوانبها المدركة بالحس إدراكا ~~مباشرا. وحين يتحدث المتحدث عن شيء من ناحيته الكيفية، فإنما ~~يتحدث عنه من حيث وقعه على حواسه، لكن ما هكذا يكون الحديث ~~عن الشيء من ناحية كميته ومقداره، فها هنا لا يكون الوقع الحسي ~~هو مدار الحديث، فما أبعد الفرق بين أن أنظر بعيني إلى الطيف ~~الشمسي وأرى ألوانه من الأحمر في طرف إلى البنفسجي في طرف آخر، ~~وبين أن أنظر إلى قائمة متدرجة من أرقام هي الأرقام الدالة ~~على أطوال الموجات الضوئية في الألوان المختلفة؛ فألوان الطيف ~~كما ينطبع بها بصري «كيف»، وأما أطوال موجات ms306 الضوء التي تحدث ~~تلك الألوان في حاسة البصر فهي «كم»، وكلا الكيف والكم ~~هنا طرفان لظاهرة واحدة؛ طرف ذاتي خاص بصاحب الإحساس، وطرف ~~موضوعي خارج عن حاسة الرائي الفرد، ومعروض أمام كل راء آخر ~~على حد سواء، فلو نظر شخصان إلى بقعة حمراء مثلا، فقد يختلف ~~إدراكهما لها حسب اختلافهما في حاسة البصر عند كل منهما، وهكذا ~~قد يختلفان في «الكيف»، لكنهما لا يختلفان - إلا في حدود ضئيلة ~~- إذا عمدا معا إلى قياس المسافة بين نقطتين؛ أي قياس طول ~~الموجة الضوئية التي منها ينشأ إحساس الرائي باللون الأحمر؛ ~~إنهما لا يختلفان هنا لأن المدار عندئذ لا يكون الحاسة الخاصة ~~وما تنطبع به، بل يكون العلاقة بين المسافة المقيسة والوحدة ~~القياسية التي يقيسان بها، وإدراك «العلاقة» بين شيئين لا يكون ~~موضع اختلاف بالقدر الذي يكون إدراكنا للشيئين نفسيهما موضع ~~اختلاف بين المدركين. # إنه إذا وضع شخصان أصابعهما في ماء ساخن، وأحسا الحرارة ~~بحاسة اللمس عند كل منهما، كان ذلك عندهما هو إدراك الجانب ~~الكيفي من الحرارة، واتفاقهما عندئذ على مقدار حرارة الماء ~~إنما يكون على وجه التقريب لا على وجه الدقة، بل إنهما قد ~~يختلفان بحيث يجد أحدهما حرارة الماء محتملة على أصابعه، ~~بينما يجدها الآخر أحر من أن تحتملها الأصابع، لكن هذا ~~الاختلاف يزول، ويقرب بينهما الاتفاق من درجة التطابق الكامل؛ ~~إذ هما عمدا في إدراك الحرارة إلى جانبها الكمي لا ~~الكيفي، فقاما بقياسها بمقياس يرتفع منه عمود من الزئبق حتى ~~يحاذي بقمته خطا مرسوما ذا رقم معلوم، اصطلح على أن ~~يكون دالا على مقدار الحرارة في الجسم المقيسة حرارته، ~~وكذلك إذا حمل شخصان حملا معينا على التعاقب، فإنهما ~~يحسان ثقله إحساسا عضليا مباشرا؛ ومن ثم يكون ~~إدراكهما لذلك الثقل إدراكا كيفيا، ولا يكون بينهما اتفاق ~~عليه إلا على سبيل التقريب، بل هما قد يختلفان بحيث يستخفه ~~واحد ويستثقله الآخر. أما إذا عمدا إلى إدراك الثقل ~~إدراكا كميا لا كيفيا، بأن يضعا الجسم المقيس على ~~ميزان يبين بإبرته المشيرة إلى ms307 خط مرسوم على لوحته كم يكون ~~ذلك الثقل المراد قياسه على وجه الدقة، فعندئذ ينحسم الخلاف ~~بين الشخصين حول وزن الجسم، حتى وإن ظل كل منهما على إدراكه ~~الكيفي الأول. # هكذا يكون الفرق بعيدا بين إدراك الناس للأشياء من جوانبها ~~الكيفية وإدراكهم لها من جوانبها الكمية؛ فالظاهرة التي ~~ندركها إدراكا كميا هي هي بعينها الظاهرة التي ندركها ~~بالحواس إدراكا كيفيا، لكن الإدراكين يكونان من وجهتين ~~مختلفتين للنظر؛ فالضوء الذي أراه بعيني ساطعا على الأجسام هو ~~نفسه الضوء الذي يقيس عالم الطبيعة سرعته وزوايا سقوطه وزوايا ~~انعكاسه، لكنني في إدراكي المباشر للضوء لا أرى سرعة ولا ~~زوايا، بل إني لا أرى «شعاعا» من الضوء كالشعاع الذي يقول ~~علماء الطبيعة إنهم يقيسون سرعة انتقاله وزاوية سقوطه ~~وانكساره؛ لأن ما أراه إذ أفتح عيني على الأشياء المحيطة بي ~~حين يكون هنالك ضوء هو مساحات مضيئة، لا خيوط كالخيوط الرفيعة ~~التي يستحدثها العلماء في معاملهم ليجروا عليها عمليات ~~القياس. أعود فأقول إن الظاهرة التي ندركها إدراكا كيفيا ~~من وجهة نظر، هي هي نفسها التي ندركها إدراكا كميا من ~~وجهة نظر أخرى؛ فليس هنالك عالمان أو طبيعتان، إحداهما للحواس ~~تدرك كيفياتها، والأخرى للعلماء يقيسونها ليضبطوا كمياتها، ~~بل إن العالم واحد والطبيعة واحدة، نراها من هنا فإذا هي ~~«كيف» ونراها من هناك فإذا هي «كم». # وواضح أن الإنسان يبدأ علمه بالأشياء بإدراك كيفياتها، ثم لا ~~يأتي إدراكه لكمياتها إلا في مرحلة متأخرة؛ فالطفل يدرك ~~حرارة الجسم الحار قبل أن يعرف أن هذه الحرارة تقاس بالدرجات، ~~ويدرك ثقل الأجسام الثقيلة قبل أن يعرف أن هذا الثقل ~~يقاس مقداره بميزان، ويدرك اللون الأخضر في الشجرة والأصفر ~~في البرتقالة قبل أن يعرف أن الألوان كلها إنما هي موجات من ~~الضوء تختلف أطوالها فيختلف نوعها تبعا لذلك، وهكذا. وحتى حين ~~يبدأ الإنسان في إدراك الكميات، فإن ذلك الإدراك عندئذ يكون ~~في مرحلة تقريبية غامضة، فقد يعلم أن هذا الحجر «أثقل» من ذلك، ~~وأن الأشجار هنا «أكثر» من الأشجار هناك، وأن ms308 طعامه بالأمس كان ~~«أقل» من طعامه اليوم، وأن الحرارة خارج كهفه «أكبر» منها ~~داخله؛ هذه كلها إدراكات كمية، ولكن ينقصها الضبط ~~والدقة. # وواضح كذلك أن الإنسان كلما ازداد بالأشياء علما، ازداد ~~معرفة بالطرائق التي يمكن أن يستخدمها ليضبط المقادير ~~الكمية ضبطا دقيقا بدرجات يصطنعها لذلك، فلا يعود يقنعه ~~أن يقول إن هذا الجسم «أثقل» من ذلك، بل يريد أن يعلم الفرق ~~بين الثقلين بمقياس دقيق، ولا يقنعه أن يقول عن الحرارة ~~خارج الكهف إنها «أكبر» منها داخله، بل يريد أن يعلم كم هي على ~~وجه الدقة هنا وكم هي هناك. # وقد ألفنا قياس بعض الظواهر إلفا أنسانا العبقرية العلمية ~~التي جعلت ذلك القياس ممكنا، لكن حلل حالة واحدة من حالات ~~القياس الكمي تحليلا سريعا لتدرك طبيعة الموقف، وخذ ~~قياس الحرارة مثلا؛ إنك تضع الترمومتر ملاصقا للجسم المراد ~~قياس حرارته، فيرتفع فيه عمود الزئبق، فتقرأ الرقم الذي يبلغه ~~العمود في ارتفاعه، وتقول عنه إنه درجة الحرارة المراد قياسها، ~~ظانا أن الأمر طبيعي فلا غرابة فيه ولا إشكال، وفاتك - ~~أولا - أننا نحن الذين وضعنا هذه الأرقام على الأنبوبة ~~الزجاجية، وأننا نحن الذين اخترنا أن يكون الصفر في ناحية ~~والمائة في ناحية أخرى، وأن نقسم ما بينهما إلى درجات ~~متساوية، وأن الذي أغرانا بذلك ظاهرتان طبيعيتان اخترناهما ~~جزافا لتكون إحداهما مقابلة للصفر على مقياسنا، وتكون الأخرى ~~مقابلة للمائة على مقياسنا، وهاتان الظاهرتان هما تجمد الماء ~~من جهة وغليانه على مستوى سطح البحر من جهة أخرى، فكأنما قلنا ~~لأنفسنا: تعالوا نتخذ من هاتين الظاهرتين معيارا نقيس به ~~الحرارة في سائر الأجسام، تماما كما يقول الناس لأنفسهم في ~~دنيا الاقتصاد، تعالوا نتخذ ما عندنا من الذهب معيارا نقيس ~~به قيم سائر الأشياء المعروضة للبيع والشراء، لكن كما أن ~~اختيار الذهب معيارا قد كان جزافا، وكان يمكن - وقد أمكن ~~فعلا - أن نتخذ أساسا غيره في تقييم الأشياء في دنيا البيع ~~والشراء، فكذلك كان اختيارنا لظاهرتين طبيعيتين من بين ألوف ~~الألوف من الظواهر، لتكونا طرفين على مقياس ms309 نصطنعه ~~لنقابل به بين سائر الأشياء من حيث مقدار حرارتها، أمرا ~~جزافا، اخترناه لسهولته لا لأنه أمر لا محيص عنه؛ ثم فاتك ~~- ثانيا - أننا حتى بعد اختيارنا للظاهرتين اللتين نجعلهما ~~طرفين للقياس، فلا زلنا بحاجة إلى اختيار جزاف آخر؛ فأي ~~مادة من بين مواد الطبيعة الكثيرة أختار لأجعل تأثرها ~~بالحرارة معيارا لتأثر سواها؟ أي مادة أختار لألامس بينها ~~وبين الماء المتجمد، ثم ألامس بينها وبين الماء الذي يغلي ~~عند مستوى البحر، بحيث أرى إلى أي حد تنكمش في الحالة الأولى ~~وإلى أي حد تتمدد في الحالة الثانية ، فأجعل الحالة الأولى ~~صفرا والحالة الثانية مائة؟! أأضع قطعة من النحاس مثلا؟ إنها ~~عندئذ تنكمش وتتمدد بمقادير يتعذر على العين رؤيتها في ~~يسر؛ إذن فلأبحث عن مادة يسهل انكماشها وتمددها بدرجة ~~ملحوظة للعين، وسرعان ما وقعت على الزئبق؛ فلو وضعت من ~~الزئبق قطرة في أنبوبة ضيقة من زجاج، ثم لامست بين هذه ~~الأنبوبة وبين أي شيء آخر، وكان هنالك فرق بين حرارة الزئبق ~~وحرارة ذلك الشيء، فسرعان ما تؤثر حرارة هذا الجسم في الزئبق ~~تمددا أو انكماشا تأثيرا تسهل رؤيته؛ فليس ثمة - إذن - ~~ما يحتم علينا أن يكون الصفر والمائة مقابلين للماء في ~~تجمده وغليانه، ولا ما يحتم علينا أن يكون الزئبق هو المادة ~~التي نجعل مقدار تمددها بالحرارة هو المقياس الذي نقيس به ~~درجة الحرارة في سائر الأجسام، إنما الأمر كله اختيار جزاف ~~وجدناه مفيدا فاصطنعناه. # أرجو من القارئ أن يلاحظ بأنه إذ يضع مقياس الحرارة في الماء ~~الساخن فيتمدد عمود الزئبق في المقياس، فإنما هو إزاء ~~جسمين، زئبق وماء، كلاهما على حرارة معينة، وما اختيارنا أن ~~نجعل امتداد إحدى المادتين وسيلة نقرأ بها كمية الحرارة في ~~المادة الأخرى إلا قرار منا لا أكثر ولا أقل، وكان يمكننا أن ~~نتخذ قرارا آخر، كأن نقرر مثلا أن نضع قطعة من الحجر الهش ~~في الماء الساخن لننظر متى يتفتت، ثم نجعل طول المدة ~~اللازمة لتفتته دالة على مقدار حرارة الماء؛ كان يمكن ~~أن نقرر ms310 أية وسيلة شئنا، فإذا كنا قد قررنا أن نجعل ~~تمدد عمود الزئبق مقياسنا، فما ذاك إلا لسهولة استخدام هذا ~~المقياس؛ وقدر لنفسك بعد ذلك مدى العبقرية العلمية التي كان ~~لا بد من وجودها عند من اصطنع هذه الطريقة المعينة في قياس ~~درجات الحرارة، فجاء الناس من بعده وأخذوا عنه طريقته، وراحوا ~~يهذبونها ويزيدون من دقتها؛ ولولا الوقوع على مقياس كهذا ~~لظل الناس حتى اليوم يقيسون حرارة الأجسام بلمسها، فيختلفون أو ~~يتفقون ما شاء الله لهم من اختلاف أو اتفاق. # فهل يمكن للإنسان أن يصطنع لكل إدراك كيفي وسيلة يقيس بها ~~الجانب الكمي قياسا يبين مدى التفاوت في الدرجة بيانا ~~مضبوطا دقيقا؟ هل يمكن له أن يصطنع مقياسا يقيس به درجات ~~«الشجاعة» ودرجات «الذكاء» ودرجات «الصدق» وغير ذلك كما يقيس ~~درجات «الحرارة» ودرجات «الثقل»؟ وليلاحظ القارئ هنا أن قد ~~جاء يوم، لا أقول يوما فيما قبل التاريخ، ولا يوما في ~~العصور البدائية الأولى، بل هو يوم من عصور الفكر الزاهية ~~الزاهرة، قد جاء يوم لم يكن فيه كبير فرق عند الفلاسفة اليونان ~~بين الحرارة والبرودة وما بينهما من تضاد، وبين الشجاعة ~~والجبن، والفضيلة والرذيلة، والذكاء والغباء؛ فكل هذه عندهم ~~أضداد من أمثالها تتكون معارف الإنسان، فلم تكن «الحرارة» ~~بأيسر قياسا كميا من «الشجاعة»؛ فلو رأينا العلم الطبيعي في ~~تقدمه قد تناول بعض هذه المدركات دون بعضها الآخر، تناولها ~~بالضبط الكمي الدقيق، بعد أن كانت مدركات كيفية تدرك ~~بأضدادها، أفيكون محالا علينا أن نمد مجهودنا بحيث يشمل ~~هذا الضبط الكمي سائر مدركاتنا الكيفية جميعا؟ أم كتب ~~على بعضها أن تقف عند مرحلتها الكيفية لا تجاوزها، فتظل بين ~~أيدينا موضع اختلاف لا ينحسم ونظل نقول عنها إنها مجال للبحث ~~الفلسفي؟ # إنه ليقال إن الفلسفة أول أمرها كانت تضم إلى حضنها كل ~~ضروب المعرفة، ثم أخذت فروع من هذه المعرفة تستقل عن أمها ~~الأولى فتكون علوما خاصة قائمة بذاتها، بحيث لم يبق للأم من ~~أبنائها الأولين إلا عدد قليل؛ إذ بقيت لها الميتافيزيقا ~~والأخلاق ms311 والمنطق، وذهبت عنها علوم الطبيعة من فلك وكيمياء ~~ونبات وحيوان وغيرها، وهنالك اليوم صراع قائم يحاول به علمان ~~جديدان أن ينسلخا من حضن الأم الرءوم، وهما علما النفس ~~والاجتماع، فما يزال هذان جزءا من الفلسفة عند بعض، وجزءا من ~~العلم عند بعض آخر، وشيئا بين بين عند بعض ثالث؛ ~~وتفسير ذلك كله هو في انتقال الإنسان من مرحلة العلم الكيفي ~~إلى مرحلة العلم الكمي؛ فلما كانت العلوم كلها كيفية ولا ~~وسيلة هناك لضبط الكميات، كانت العلوم كلها أجزاء من بدن واحد ~~هو الفلسفة، ثم حدث بعد ذلك لبعض جوانب المعرفة أن ينضبط ~~انضباطا كميا، فكان معنى ذلك أنه استقل عن الفلسفة وقام ~~وحده علما، ولبثت أنواع من المعرفة حتى يومنا لا ندري ~~كيف نلتمس السبيل إلى تقديرها الكمي، كالفضيلة والجمال ~~والحق والنفس والخلود وما إلى ذلك، فلبثت إلى يومنا فلسفة، ~~وأما علما النفس والاجتماع فلأنهما قد وفقا بعض التوفيق ~~إلى حساب ظواهرهما حسابا كميا، فهما علمان مستقلان عن ~~الفلسفة بمقدار ما وفقا، وهما بعد جزءان من الفلسفة بمقدار ~~ما أخفقا. # إنني إذ أنظر إلى الفكر الإنساني في تطوره وتقدمه، أراه ~~في سير دائب ينتقل به من مرحلة الإدراك الكيفي إلى مرحلة ~~الإدراك الكمي لظواهر العالم؛ فقد كانت ظواهر العالم عند أرسطو ~~- مثلا - تقسم أنواعا أنواعا، بحيث لا يجوز لظاهرة تندرج ~~تحت نوع ما أن تندرج في الوقت نفسه تحت نوع آخر؛ ومن ثم نشأت ~~عند فلاسفة اليونان مشكلات غريبة، فهل يكون الشيء الواحد - ~~مثلا - حارا وباردا في وقت واحد؟ ذلك مستحيل في حكم ~~المنطق؛ لأن الضدين لا يصدقان معا، لكن الماء الفاتر حار ~~بالنسبة للماء المثلوج، وبارد بالنسبة للماء الذي يغلي، فكيف ~~أمكن لهذا الماء المعين أن يحكم عليه هو نفسه بالحرارة ~~وبالبرودة معا؟ كان هذا هو الموقف عندما كان إدراك الحرارة ~~والبرودة أمرا كيفيا، لكن انظر ماذا حدث لهذه المشكلة نفسها ~~بعد أن تحول إدراكنا للحرارة من الناحية العلمية إلى إدراك ~~كمي؛ فأولا - لم تعد الحرارة والبرودة نوعين من ms312 الكائنات، ~~بل هما ظاهرة واحدة وإن تفاوتت درجاتها؛ فالماء المثلوج ذو ~~حرارة كالماء الذي يغلي، وكل ما في الأمر اختلاف في درجة هذه ~~الحرارة؛ فهي صفر في الحالة الأولى ومائة في الحالة الثانية. ~~ولو قلنا عن ماء معين إن درجة حرارته 50 مئوية، لما أصبح ~~لكلامنا معنى إذا قلنا: كيف أمكن لهذه الخمسين أن تكون أكبر من ~~الصفر وأصغر من المائة؟ # وإذا رأيت أناسا ما يزالون يقسمون لك الكائنات الحية قسمين، ~~فكائنات عاقلة هي بنو الإنسان، وكائنات غير عاقلة هي أفراد ~~الحيوان الأعجم والنباتات، فاعلم أنهم ما يزالون من العلم في ~~مرحلة أرسطية؛ إذ هم يقسمون الظواهر على أساس كيفي، ولو ~~أرادوا النظر من وجهة التفاوت الكمي للظاهرة الواحدة، ~~لرأوا «العقل» في الإنسان درجة عليا من درجات تتفاوت في ~~سلم الكائنات الحية جميعا؛ فليس الأمر «أنواعا» بل الأمر ~~ظاهرة واحدة هي ظاهرة الحياة، وعلينا بعد ذلك أن نجد لها ~~مقياسا يقيس درجاتها المتفاوتة في الكائنات الحية، كما وجدنا ~~للحرارة مقياسا. # إن المثل الأعلى الذي نبتغيه للعلم الإنساني، مهما يكن ~~موضوع ذلك العلم، هو أن نجد لكل مدرك من مدركاتنا وسيلة ~~قياسية نقيس بها درجات ذلك المدرك في تفاوتها؛ فليس علما أن ~~أقول عن الناس إن منهم الأذكياء ومنهم الأغبياء؛ لأن هذا وصف ~~كيفي لا دقة فيه، وليس الذكاء والغباء نوعين من الظواهر، بل ~~هما درجتان أو قل هما سلم مديد لظاهرة واحدة في درجاتها ~~المتفاوتة؛ فعند من نصفه بالذكاء درجة أعلى من ظاهرة هي ~~نفسها عند من نصفه بالغباء ولكنها عنده بدرجة أقل، ومجهودنا ~~هو أن نعثر على أداة للقياس. والعجيب هنا هو أن تجد عند كثير ~~جدا من الناس - حتى من أولئك الذين يسلكون أنفسهم في زمرة ~~العلماء - نفورا شديدا إذا ما زعمت لهم أن العلم ينشد ~~الضبط الكمي لشتى الظواهر، بما فيها الإنسان نفسه، إنهم ~~ينفرون نفورا شديدا إذا ما علموا أنك تريد أن تقيس الفضيلة ~~كما تقيس الحرارة، وأن تزن الحب كما تزن الأجسام، وعندهم ~~أن التقدير ms313 الكمي إن جاز وأمكن في الطبيعة الجامدة، ثم إن ~~جاز وأمكن إلى حد ما في النبات وفي الحيوان، فهو مستحيل ~~بالنسبة إلى الإنسان؛ فللإنسان عندهم روح لا يقاس بالمكاييل ~~والموازين. نعم إنه لا بأس عندهم من أن يقام يوم الحساب ميزان ~~للحسنات والسيئات؛ لأنه لا بأس عندهم من الوقوع مع أنفسهم في ~~تناقض، فيتصورون للشيء الواحد إمكانا واستحالة في آن ~~معا. # إننا إذ نقول إن المثل الأعلى الذي ينشده العلم في ~~تطوره هو أن يتحدث عن الظواهر كلها بلغة الكم لا بلغة الكيف، ~~لا ننسى أن السير تجاه هذا الهدف قد بدأت خطاه الأولى في أقدم ~~العصور الفكرية؛ فمن الفلاسفة اليونان الأقدمين من جعل اختلاف ~~الكيف في الأشياء راجعا إلى اختلاف في الكم؛ فليس الذهب - ~~مثلا - بمختلف عن النحاس في جوهر المادة المصنوع منها كل ~~منهما، بل الجوهر واحد - عند هؤلاء - وإنما الاختلاف كله في ~~طريقة الترتيب والتركيب، أو هو في اختلاف درجة الكثافة أو في ~~اختلاف الكمية إلى آخر هذه الآراء التي تجدها عند ديمقريطس ~~مثلا أو فيثاغورس، لكنه على الرغم من هذه المحاولات الأولى، ~~كان السير نحو الهدف بطيئا أول الأمر، ثم أسرع في العلوم ~~الطبيعية وحدها ولبث على بطئه في العلوم الإنسانية. وإني ~~لمن القائلين إنه لا مبرر أبدا لتثبيط الهمة في العلوم ~~الإنسانية؛ لأنه بمقدار ما يدخل الإنسان في عداد الظواهر ~~الطبيعية لا بد من إخضاعه لما تخضع له سائر الظواهر من منهج ~~علمي في البحث، وأما إن كان للإنسان جانب يتفرد به دون ~~الظواهر الأخرى، كان معنى ذلك اعترافا منا بأن هذا الجانب ~~الإنساني الفريد لا يجوز فيه التحدث إلا كما يتحدث الفنان ~~حديثا ينفعل به، لكنه لا يقول عن دنيا الواقع العلمي ~~شيئا. # 2 # يقدم «كولنجوود» اقتراحا جديرا بالنظر، يصف به طبيعة ~~التفكير الفلسفي، # 1 # فيقول إن الاختلاف الكمي بين المدركات هو في ~~حد ذاته ليس بذي شأن في التفكير الفلسفي؛ فليس مما يعني ~~الفيلسوف أبدا أن يعلم كم درجة حرارية هنا وكم درجة ms314 هناك، ~~وكم يكون ارتفاع هذا الجبل، أو كم تكون المسافة بين القاهرة ~~ودمشق، بل إن من الفلاسفة من يرى أن المدركات الرئيسية التي ~~تشغلهم قبل غيرها ليست بطبيعتها مما يخضع للقياس الكمي - ~~كالخير والحق والجمال والوجود والعدم والمطلق والروح والجوهر - ~~فهذه كلها مدركات عقلية لا تكال بالقدح ولا توزن ~~بالرطل ولا تقاس بالمتر، إنها مدركات لا تجوز عليها القسمة ~~إلى درجات إطلاقا، فضلا عن أن تقاس تلك الدرجات قياسا فيه ~~ضبط ودقة. # كلا ولا الاختلاف الكيفي نفسه هو في حد ذاته مما يشغل ~~الفلاسفة؛ فلا يهتم الفيلسوف أبدا بالفرق - مثلا - بين ~~الزواحف والطيور، وبين صخور المرمر وصخور الجرانيت، إنه قد ~~يسأل نفسه: ما الحياة؟ لكنه لا يسأل نفسه قط عن الفوارق ~~الكيفية بين نوع ونوع آخر من الأحياء، وقد يسأل نفسه: ما ~~الإدراك الحسي؟ لكنه لا يسأل قط: ما الفرق الكيفي بين البصر ~~والسمع؟ # فلا اختلاف الكيف وحده ولا اختلاف الكم وحده يعنيه، فكلاهما ~~من شأن العلماء؛ الأول منهما يختص به علماء الطبيعة، ويختص ~~بالثاني علماء الرياضة والفيزياء الرياضية، أما إذا امتزج ~~اختلاف الكيف واختلاف الكم معا في حالة واحدة، فها هنا يكون ~~مجال التفكير الفلسفي بمعناه الدقيق. # فلو كان الأمر في وصف الفضائل المختلفة - مثلا - مقصورا ~~على وصف تفصيلي لكل فعل مما يندرج تحت هذه الفضيلة أو تلك، ~~لما كان ذلك مما يعني الفيلسوف؛ فإذا قلت كما قال أفلاطون إن ~~الأفعال الفاضلة كلها تقع في أربعة أنواع، هي العفة ~~والشجاعة والحكمة والعدل، فالعفة هي الاسم العام الذي ~~نطلقه على مجموعة الأفعال الفاضلة الخاصة بالبدن وشهواته، ~~والشجاعة هي الاسم العام الذي نسمي به مجموعة الأفعال ~~الفاضلة الخاصة بالقلب ووجداناته، والحكمة هي الاسم العام الذي ~~ندرج تحته مجموعة الأفعال الفاضلة الخاصة بالعقل وأحكامه، ~~والعدل هو في أن نجعل كلا من الفضائل الثلاثة المذكورة في ~~حدوده الصحيحة بحيث لا يجور منها جانب على جانب؛ إذا قلت هذا ~~الذي قاله أفلاطون في الفضائل الرئيسية وأنواعها، ثم سكت عند ~~هذا الحد، لما كان في ms315 الأمر فلسفة؛ لأنه عندئذ يكون تصنيفا ~~علميا لمجموعات الأفعال المختلفة كيفا، كما نصنف أنواع ~~الصخور وأنواع الطيور وأنواع الفاكهة. # أما إذا لم تكتف بالتصنيف الكيفي وحده - كما لم يكتف به ~~أفلاطون - فمضيت تبحث عن اختلاف في الدرجة أيضا، تستطيع ~~على أساسه أن ترتب تلك الفضائل علوا وسفلا، فتجعل ~~العفة التي هي فضيلة البدن أدنى مقاما وأقل درجة من ~~الشجاعة التي هي فضيلة القلب، وهذه بدورها أدنى مقاما وأقل ~~درجة من الحكمة التي هي فضيلة العقل، وهذه بدورها أدنى مقاما ~~وأقل درجة من العدل الذي هو فضيلة تلك الفضائل كلها؛ أقول لو ~~أنك رأيت في اختلاف الكيف اختلافا في الدرجة أيضا، فعندئذ ~~أنت الفيلسوف. # إن الحالة التي يكون فيها امتزاج بين النوع والدرجة - وإن ~~شئت فقل بين الكيف والكم - وهي الحالة التي يهتم بها الفيلسوف ~~في رأي «كولنجوود»، تتضمن أن الجنس الذي نقسمه إلى أنواعه ~~إنما يتبدى في تلك الأنواع على درجات متفاوتة؛ فالحياة - مثلا - تعبر عن نفسها في أنواع من الكائنات الحية، ولو ~~جعلت تصف تلك الأنواع نوعا نوعا لما كنت بهذا الوصف ~~فيلسوفا، لكنك إذا أدركت الأساس الذي يجعل تلك الأنواع ~~سلما تتفاوت درجاته في كمال التعبير عن الحياة، بحيث يكون ~~نوع منها أغزر وأعلى تعبيرا عن الحياة من نوع آخر، كنت بهذا ~~الترتيب للأنواع فيلسوفا؛ لأنك رأيت كيف يؤدي اختلاف الكيف ~~في نوعين إلى اختلاف الدرجة بينهما؛ فلا بد - في الحالة التي ~~يهتم بها الفيلسوف - أن يكون النوع والدرجة على صلة أحدهما ~~بالآخر، بحيث يظل النوع الواحد يزداد في صفة معينة حتى يصل ~~بها إلى حد معلوم، وعندئذ يتمخض عن نوع جديد، يظل بدوره ~~يزداد في صفة معينة حتى يصل بها إلى حد معلوم، وعندئذ ~~يتمخض عن نوع جديد، وهلم جرا. # راجع على هذا الضوء كثيرا جدا مما قاله الفلاسفة في شتى ~~الموضوعات تجده ممثلا لهذه الفكرة؛ فكرة السلم ~~المتدرج الذي يرتب به الفيلسوف أنواع الجنس الذي يبحثه ~~ترتيبا يجعل الأدنى أقل درجة من الأعلى، ويجعل اختلاف النوعين ms316 ~~كيفا، ملازما لاختلافهما درجة. # فهذا هو أفلاطون يقسم المعرفة أنواعا ودرجات في آن واحد؛ ~~فإن تكن أنواعها عنده أربعة تبدأ في أسفل بالتخمين وتصعد ~~تدريجا إلى الرأي ثم إلى المعرفة الاستنباطية وأخيرا إلى ~~المعرفة الحدسية، فهذا الاختلاف الكيفي بين تلك الأنواع هو ~~نفسه اختلاف في درجات تلك الأنواع من حيث بعدها أو قربها من ~~اليقين. وكذلك يقسم أفلاطون الوجود درجات ثلاثا، تختلف نوعا ~~لأنها تتفاوت علوا، وهي العدم فشبه الوجود فالوجود ~~الكامل، وهو الوجود الحقيقي. ويقسم اللذائذ قسمين يختلفان نوعا ~~لأنهما يتفاوتان درجة، وهما لذائذ الجسد ولذائذ الروح. وهكذا ~~وهكذا كلما قرأت له بحثا في موضوع ألفيته يقسمه أنواعا ~~تتفاوت في درجاتها. # وهذا بعينه تراه عند أرسطو في كثير من مواضع بحثه؛ فلئن كانت ~~«النفس» عنده ثلاثة أنواع؛ نفس نامية في النبات، ونفس ~~حاسة في الحيوان، ونفس ناطقة في الإنسان؛ فليس هذا ~~الاختلاف الكيفي مجرد تعدد في الأنواع مع بقائها على درجة ~~واحدة، بل إنها بسبب اختلافها ذاك تتفاوت أيضا في نصيبها من ~~الكمال، وتكون النفس الأعلى أكمل تعبيرا عن الحياة من النفس ~~الأدنى؛ لأن في الأعلى ما في الأدنى وزيادة؛ ففي النفس الحاسة ~~عند الحيوان ما عند النبات من نمو ثم يزيد الحس، وفي النفس ~~الناطقة عند الإنسان ما عند النبات والحيوان من نمو وحس ثم ~~يزيد التفكير. لو كان أرسطو قد اكتفى بذكر أنواع الكائنات ~~الحية وأوصافها لما كان فيلسوفا، لكنه فيلسوف بالمبدأ الذي ~~رآه يربط اختلاف النوع بتفاوت الدرجة في سلم ~~الأحياء. # ولو جعلنا نسوق الأمثلة من الفلاسفة في كل عصر، لنتبين إلى ~~أي حد كان هذا الترتيب الدرجي للأنواع التي تندرج تحت ~~جنس ما، هو شغل الفيلسوف الشاغل، لما كانت هنالك نهاية نقف ~~عندها. وحسبنا أن نذكر للقارئ ذكرا سريعا لطائفة من ~~الفلاسفة، كان هذا النوع من التفكير واضحا في فلسفتهم؛ فانظر ~~إلى أفلوطين وهو يسلسل الموجودات درجات، أعلاها هو الله ~~الخالق، وأدناها هو المادة، وبينهما سلم من عقول وأنفس؛ ~~وإلى الفلاسفة المسلمين كيف اهتموا دائما ms317 بترتيب الكائنات ~~في سلم متفاوت الدرجات؛ فهذا هو الكندي يجعل بين الله ~~الخالق والعالم المخلوق حلقات وسطى يؤدي أعلاها إلى أدناها، ~~بحيث يؤثر الأعلى في الأدنى ولا يؤثر الأدنى في الأعلى؛ ~~لأن هذا الأعلى هو أرقى منه في مراتب الوجود؛ فهناك - إذن - ~~ثلاث درجات: العقل الإلهي، فالنفس التي هي بدورها درجات، ثم ~~العالم المادي. فليس الاختلاف هنا اختلافا نوعيا في الكيف ~~فقط، بل إنه كذلك وفي نفس الوقت اختلاف في المنزلة. وهذا هو ~~الفارابي كذلك يدمج اختلاف النوع في تفاوت الدرجة، فمن الله ~~يفيض مثاله الذي هو عقل أول تأتي بعده درجات ثمان من العقول، ~~على أن هذه العقول التسعة كلها منوطة بالعالم العلوي - ~~عالم الأفلاك - ولذلك فهي بمثابة المرتبة الثانية بعد الله، ~~وفي المرتبة الثالثة يجيء العقل الفعال، وهو الذي من شأنه أن ~~يصل العالم العلوي بالعالم السفلي، ثم تجيء النفس في ~~المرتبة الرابعة، وفي الخامسة تجيء الصورة، وفي السادسة تجيء ~~المادة، وبهاتين الأخيرتين تنتهي سلسلة الموجودات التي ليست ~~ذواتها أجساما. # 2 # وتدرج الكائنات هذا مبدأ أساسي في فلسفة ليبنتز؛ فالأمر في ~~تلك الكائنات كمجموعة من مرايا كلها تعكس شيئا بذاته، ولكن ~~كلا منها تزيد درجة عن سابقتها في وضوح الصورة المنعكسة ~~عليها. وانظر إلى هيجل في وصفه لتفاوت الكائنات من حيث تعبيرها ~~عن الروح المطلق، ثم انظر إليه كذلك في ترتيبه للفنون حسب غلبة ~~الصورة على المادة أو المادة على الصورة، بحيث يكون أعلاها هو ~~الفن الذي يكاد يكون صورة خالصة بغير مادة، وأدناها هو الفن ~~الذي يكاد يكون مادة خالصة بغير صورة؛ وعلى هذا فالموسيقى أعلى ~~من التصوير، والتصوير أعلى من النحت، والنحت أعلى من ~~العمارة. # بعد أن يشرح لنا «كولنجوود» فكرته التي لخصناها لك وضربنا ~~لها أمثلة توضحها، وهي أن طبيعة التفكير الفلسفي تتميز ~~باندماج الاختلافين معا في سلم واحد، اختلاف النوع واختلاف ~~الدرجة، يحدد الفرق بين «الدرجة» واختلافها في موضوعات ~~الفلسفة، وبين «الكمية» وقيامها في المدركات العلمية، فيقول ~~إن الفرق بين هذه المفاضلة «هذا الرجل ms318 أفضل من ذلك»، وبين هذه ~~المقارنة «هذا الجسم أكثر حرارة من ذلك»، هو أن القياس ~~الكمي ممكن في الحالة الثانية وغير ممكن في الحالة الأولى؛ ~~وهكذا تتميز المدركات الفلسفية بأنها وإن تكن قابلة للتفاوت ~~الدرجي، إلا أنها مستحيلة على القياس الكمي، فيجوز أن ~~نقول عن التصوير إنه أعلى في سلم الجمال من النحت، لكننا ~~بعد ذلك لا نستطيع أن نقيس مقدار هذا التفاوت بينهما كما نقيس ~~مقدار التفاوت بين حرارتين أو بين مسافتين أو فترتين من الزمن. ~~كذلك يجوز أن أقول عن المعرفة الحدسية إنها أعلى في سلم ~~الحق من المعرفة الاستنباطية، لكنني عاجز بعد ذلك أن أقيس ~~مقدار التفاوت بينهما كما أقيس الفرق بين ارتفاع الهرم الأكبر ~~وارتفاع المقطم. وكذلك يجوز أن أقول إن لذة الفكر أعلى في ~~سلم الخير من لذة الجسد، لكن القياس الكمي للفرق بينهما ~~محال كما هو محال في حالتي الجمال والحق. # وتعذر القياس الكمي للفوارق التي تتفاوت بها المدركات ~~الفلسفية راجع إلى أن هذا التفاوت لا يكون في الدرجة وحدها ~~فيمكن قياسه، بل إن اختلاف الكيف ليمتزج به امتزاجا يجعل ~~التفاوت الدرجي اختلافا كيفيا في الوقت نفسه؛ فأنت ~~تستطيع أن تزيد من حرارة الماء درجة بعد درجة دون أن يكون ~~هنالك من التغيرات في الماء غير ارتفاع حرارته، لكنك لا ~~تستطيع أن تدني بدنك من النار ليرتفع شعورك بحرارتها درجة ~~بعد درجة دون أن يصاحب هذا الشعور بالحرارة المتزايدة اختلاف ~~في كيفية الشعور ذاتها؛ فقد يكون الشعور بالحرارة في درجة ~~معينة شعورا بدفء ممتع، ثم ينقلب مع ارتفاع الحرارة ~~شعورا بلذع مؤلم، وليس الاختلاف بين المتعة والألم مجرد ~~اختلاف في درجة كمية، بل هو اختلاف في الكيفية أيضا، ~~والاختلافان مندمجان أحدهما في الآخر اندماجا يستحيل الفصل ~~بين عنصريه. # ويخلص «كولنجوود» من عرض فكرته هذه إلى نتيجة يقول فيها إن ~~إدراكنا لطبيعة التفكير الفلسفي على هذا النحو، يجنبنا ~~الخطأ في موضعين؛ فلا نخطئ - أولا - بمحاولة إخضاع المدركات ~~الفلسفية كالخير والجمال لحساب كمي دقيق كأنما هي ms319 شبيهة ~~بالمدركات العلمية الخالصة كالحرارة والضوء، ثم لا نخطئ - ~~ثانيا - فنظن أن المدرك الفلسفي الواحد، كفكرة الخير ~~مثلا، يكون دائما على درجة واحدة في كل أوضاعه؛ ذلك لأن ~~المدركات الفلسفية كلها - كما قلنا - لا هي تتمثل في الدرجة ~~وحدها، ولا هي تتمثل في الكيفية وحدها، بل هي دائما تتدرج ~~في سلم تمتزج فيه الدرجة والنوع في آن معا. # ولو صح هذا الذي يقوله «كولنجوود» في طبيعة التفكير ~~الفلسفي لكان للفلسفة خصائصها التي تميزها من العلم ومن ~~الفن جميعا؛ فلا هي من العلم لأن العلم يتميز بتكميم ~~مدركاته وتخليصها من جوانبها الكيفية كلها، ولا هي من الفن ~~لأن الفن يتميز بجانبه الكيفي ولا شأن له بالمقادير ~~الكمية، وحتى إن استخدم هذه المقادير كما نفعل في الموسيقى ~~وفي أوزان الشعر وفي الاحتفاظ بنسب خاصة في النحت والعمارة، ~~فذلك لما يتبع تلك المقادير الكمية من كيفيات هي التي يقصد ~~إليها الفنان. # لكننا نزعم أن ليس للفلسفة قضايا خاصة بها، بحيث لا تصلح تلك ~~القضايا أن تكون من العلم ولا أن تكون من الفن. إننا نزعم أن ~~أي جملة يقولها قائل إما أن تكون علما؛ وبذلك تخضع لمقاييس ~~العلم من طبيعة أو رياضة، وإما أن تكون معبرة عن حالات ~~ذاتية؛ وبذلك تكون فنا وتخضع لمقاييس النقد الفني؛ فإن زعم ~~زاعم لجملة يقولها إنها ذات خصائص تميزها عن العلم وعن ~~الفن، وإنها بهذه الخصائص تكون فلسفة ويكون من العبث محاولة ~~تحويلها إلى علم، تناولنا جملته هذه وحللناها وسننتهي حتما ~~إلى أنها كلام فارغ من كل معنى. # إن دعوي «كولنجوود» بأن عمل الفلسفة الأصيل هو ترتيب الأنواع ~~التي تجسد جنسا معينا ترتيبا تتفاوت درجاته بحيث يكون ~~الأعلى في الترتيب أقرب إلى تمثيل الجنس المقسم من الأدنى في ~~الترتيب، هذه الدعوى تتضمن تقييما خاصا للأنواع يعبر ~~به الفيلسوف عن مزاجه الشخصي؛ ومن ثم فهو تعبير عن ذاته كأنما ~~هو شاعر يعبر عن وجدانه وعن ميوله الخاصة. هذا أرسطو - ~~مثلا - يقسم الدولة إلى أنواعها فيقول إن هذه الأنواع ms320 ستة، ~~يرتبها حسب قربها أو بعدها من الكمال فيقول إن أعلاها هي ~~حكومة الفرد الصالح، يتلوها حكومة الأقلية المستنيرة، ثم ~~يتلوها حكومة الكثرة المستنيرة، وبعدئذ تجيء الثلاثة الأنواع ~~الفاسدة، وهي على التوالي أيضا: حكومة الفرد المستبد، فحكومة ~~الأقلية الطاغية، وأخيرا حكومة الطغام من سواد الشعب. وهذا ~~تقسيم وترتيب ظاهره موضوعي، وأما حقيقته فهي أنه تعبير عن ميل ~~أرسطو الخاص به؛ فهو يحب هذا ويكره ذاك، ويفضل هذا على هذا ~~على أساس تمتزج فيه عناصر ذاتية خالصة. وحسبنا أن نلاحظ أن ~~هذا التقسيم من ساسه قائم على افتراض قيام الدولة، وهو افتراض ~~مستمد - فيما أعتقد - من الأوضاع القائمة فعلا في المجتمع ~~الذي نشأ فيه الفيلسوف، ولو قد نشأ في غير مجتمع منظم لجاز ~~ألا يأخذ بقيام الدولة إطلاقا، فضلا عن أن يصنف أنواعها ~~ويرتب تلك الأنواع من حيث صلاحيتها أو فسادها. # لو اكتفى أرسطو بذكر أنواع الدولة الستة على أنها ~~الأنواع التي قامت فعلا في أزمنة مختلفة وأمكنة مختلفة، لكان ~~بذلك شبيها بالمؤرخ، وكان يمكن لقوله هذا أن يخضع لوسائل ~~تحقيق المؤرخين فيظهر صوابه أو خطؤه. ولو ذكر أرسطو هذه ~~الأنواع الستة على أنها التقسيم المنطقي الممكن عقلا وإن لم ~~تقم بعض الأقسام فعلا؛ إذ لا تخرج الدولة نظريا عن أن ~~تكون في قبضة فرد واحد أو فئة قليلة من الأفراد أو في أيدي ~~الشعب كله، ثم لا تخرج كل حالة من هذه الحالات عن أن تكون إما ~~صالحة أو فاسدة، أقول لو ذكر أرسطو تقسيمه هذا على أنه ~~تقسيم منطقي صرف يجمع كل الممكنات، سواء تحقق بعضها بالفعل ~~أو لم يتحقق، لكان قوله من قبيل العبارات المنطقية التي لا ~~تتعرض للكذب أبدا لسبب بسيط، وهو أنها لا تقول شيئا، ومثال ~~ذلك أن تقول عن عدد الطلبة في فرقتك إنه إما زوجي أو فردي، ~~أو أن تقول عن صديق لك إنه إما غائب أو حاضر؛ فهذه وأمثالها ~~صيغ منطقية صدقها مضمون لأنها لا تخبر بشيء عن الحالة ~~القائمة. وهكذا أيضا يكون ms321 تقسيم أرسطو لأنواع الدولة مضمون ~~الصدق لو أراد به تقسيما منطقيا صرفا دون التعرض لذكر ~~ما هو قائم منها فعلا، في كلتا الحالتين السالفتين، ~~وهما: ~~(1) # أن يكون القول مستمدا من التجربة لما قد وقع فعلا ~~من أنواع الدولة؛ وبذلك يكون تحقيقه كتحقيق أي قضية ~~تاريخية. ~~(2) # أن يكون القول منطقيا خالصا يعد كل الحالات ~~الممكنة حتى ولو لم يقع بعضها فعلا؛ وبهذا يكون تحقيق العبارة ~~- كتحقيق أي صيغة منطقية - تحقيقا صوريا بحتا؛ أقول إنه في ~~كلتا الحالتين يكون القول مقبولا ومشروعا لأنه ممكن التحقيق، ~~وأما الذي يخرج به عن إمكان التحقيق، وبذلك يخرج به عن عداد ~~الأقوال المشروعة، فهو المفاضلة التي يجريها الفيلسوف بين ~~أنواع الدولة، بأن يجعل نوعا منها «أفضل» من نوع آخر، فها هنا ~~ندخل في مجال القيم. وليس للقيمة التي ينسبها شخص لشيء ~~وسيلة موضوعية لتحقيقها؛ فهي ذاتية، ولمن شاء أن يقول ما شاء من ~~قيم عن هذا الشيء أو ذاك. # وخلاصة القول هي أنه لو صح ما قد ذهب إليه «كولنجوود» من ~~أن الفلسفة بحكم طبيعتها تمزج اختلاف الدرجة باختلاف الكيف، ~~كان معنى ذلك أن أقوالها - إذن - غير ممكنة التحقيق لا على ~~أساس تجريبي، ولا على أساس منطقي خالص؛ وبالتالي فهي أقوال ~~إما أن تدخل في التعبيرات الذاتية الفنية وإما ألا تكون ~~شيئا على الإطلاق. # 3 # لم يكن التفكير النظري في أولى مراحله يهتم بالكم اهتماما ~~يدعوه إلى ضبط ذلك الكم ضبطا دقيقا. ولعل الحاجة إلى هذا ~~الضبط الدقيق في العلوم الطبيعية على الأقل لم تظهر بشكل واضح ~~إلا في ظهور هذه العلوم منذ أيام النهضة الأوروبية على نطاق ~~واسع؛ ذلك أن التفكير اليوناني كان قد انصرف بمعظم جهوده إلى ~~العلوم الاستنباطية كالرياضة والفلسفة، والتفكير الوسيط قد ~~انصرف بجهوده كلها تقريبا إلى اللاهوت، ولم تظهر العلوم ~~الطبيعية بشكل واضح يشغل جانبا بارزا ملحوظا من جهود ~~الإنسان الفكرية إلا منذ فاتحة العصور الحديثة؛ أي منذ القرن ~~السادس عشر؛ فعندئذ ظهرت زمرة العلماء: جاليليو، وكبلر، ~~وكوبرنيق، ونيوتن، متجاورة متزاحمة ms322 على نحو ما ظهرت زمرة ~~الفلاسفة أيام اليونان متجاورة متزاحمة: سقراط وأفلاطون ~~وأرسطو وما يتبعهم من مدارس. # ومع ظهور العلوم الطبيعية على هذا النطاق الواسع، ظهرت ~~الحاجة إلى وسائل الضبط الكمي؛ فلا غرابة أن أخذ النقص في ~~المنطق الأرسطي يبدو للعيان؛ لأن هذا المنطق وإن يكن قد عني ~~بالكمية في قضاياه، فإنه لم يعن بها إلا على سبيل التعميم ~~الغامض، لا على سبيل التفصيل الدقيق، ولك أن تراجع القياس ~~الأرسطي الذي هو عند اليونان مثال التفكير العلمي، لترى كيف ~~يقصر اهتمامه من حيث الكم في لفظتي «كل» و«بعض». نعم إنه ~~قياس يفصل لك القواعد الاستدلالية تفصيلا دقيقا، على شرط ~~ألا تجاوز في الدقة الكمية عند ذكر القضايا التي تستخدمها ~~في الاستدلال هذه الحدود العامة؛ فإما أن تكون القضية ~~المستخدمة في المقدمات كلية أو جزئية، والكلية هي ما كان ~~سورها كلمة «كل» أو ما في معناها، والجزئية هي ما كان سورها ~~كلمة «بعض» أو ما في معناها، كأن تقول مثلا: «كل المصريين ~~يتكلمون العربية»، و«كل سكان النوبة مصريون»؛ إذن «فكل سكان ~~النوبة يتكلمون العربية». أو أن تقول: «كل آبار البترول ~~المصرية قريبة من البحر الأحمر»، و«بعض آبار البترول المصرية ~~غزير الإنتاج»؛ إذن «فبعض آبار البترول الغزيرة الإنتاج موجودة ~~بالقرب من البحر الأحمر.» هذا هو نمط الاستدلال القياسي عند ~~أرسطو، ولكن هل «كل» و«بعض» هما كل حدود التقدير الكمي في ~~التفكير العلمي؟ واضح أنهما لا يكونان إلا شطرا ضئيلا مما ~~يتعرض له الإنسان بفكره العلمي، إذا ما أراد أن يمس ~~مشكلاته العلمية على نحو جاد، فماذا يجدي من الناحية ~~العلمية أن أقول «بعض المصريين فقراء»؟ إنه يتحتم على ~~الباحث أن يعلم «كم» من المصريين هم الفقراء، ثم «كم» هو الدخل ~~السنوي الذي نحدد به معنى كلمة «الفقر» في هذا السياق؟ ~~إن القول بأن «بعض المصريين فقراء» هو قول يوشك ألا يفيد ~~العلم شيئا على الإطلاق؛ لأن ما فيه من كم قد جاء على صورة ~~غامضة، وما فيه من كيف (وأعني به نسبة ms323 صفة الفقر إلى فريق من ~~المصريين) لا يعني في البحث العلمي شيئا إلا إذا تحول فيه ~~الكيف إلى كم بأن ترجمت صفة الفقر إلى نسبة معينة من ~~الدخل في وحدة زمنية معينة. # إن القارئ الملم بالمنطق الأرسطي وقواعده ليعلم ~~جيدا أن ذلك المنطق بكل قواعده الاستدلالية لا يسعف أحدا ~~إذا أراد أن يعلم إن كان الاستدلال القياسي الآتي صوابا أو لم ~~يكن، وهو: ~~(1) # إن 4 / 7 على الأكثر من طلبة الجامعة يتحقق ~~فيهم عدم اللياقة الطبية العسكرية بنسبة ~~2 / 3. ~~(2) # إن 3 / 5 على الأقل من أبناء الضباط تتحقق ~~فيهم اللياقة الطبية العسكرية بنسبة 7 / 8. ~~(3) # إذن فعلى الأكثر 1 / 2 أبناء الضباط هم من ~~طلبة الجامعة. # نعم لم يكن القياس الأرسطي يعنى بالدقة الكمية في مقدماته ~~ونتائجه، مع أن العلوم بأسرها، طبيعية وإنسانية على السواء، لا ~~مناص لها من مثل هذه الدقة؛ إذ هي في قياسها لكمياتها أو ~~في إجرائها لإحصاءاتها لا تقنع بمجرد القول - مثلا - إن ~~كل الخشب يطفو فوق الماء، أو إن بعض الناس هم دون المستوى في ~~درجة ذكائهم، بل لا بد في الحالة الأولى من ذكر الوزن النوعي ~~للخشب في رقم دقيق حتى يمكن الاستفادة من القاعدة استفادة ~~علمية عملية، ولا بد في الحالة الثانية من تقدير للذكاء بلغة ~~الكم، ثم تقدير لما يعد «المستوى»، ثم لا بد بعد ذلك من ~~ذكر نسبة الناس الذين هم دون هذا المستوى؛ حتى يمكن الاستعانة ~~بأمثال هذه التقديرات الدقيقة في عملية التربية مثلا. # فلا عجب - إذن - أن رأينا بعض رجال المنطق الحديث، منذ قرن ~~تقريبا، يتصدون لمعالجة هذا الجانب الذي أهمله أرسطو في ~~منطقه، وهو إدخال التقدير الكمي في مقدمات الاستدلال ونتائجه ~~ما أمكن ذلك، غير مكتفين بالكلمات التقليدية الدالة على ~~الكم، مثل «كل» و«بعض». ومن بين هؤلاء المناطقة المحدثين ~~«جورج بول» # 3 # و«دي مورجان» # 4 # و«جفنز» # 5 # وغيرهم. ومع ذلك فما يزال مجال البحث في هذا ~~الميدان مفتوحا؛ لأنه رغم الجهود الموفقة التي قام بها رجال ~~المنطق ورجال الرياضة ms324 في عصرنا الحديث، إلا أنهم جميعا لم ~~يهتدوا بعد إلى طرائق للاستدلال الدقيق حين تكون أحجام الفئات ~~التي تدخل في ذلك الاستدلال معلومة محدودة؛ إذ ما نزال نقتصر ~~في تحديدنا للكم على «كل» وعلى «بعض»، ولو أننا ازددنا ~~تحليلا وتوضيحا للكمية التي تدل عليها كل من هاتين الكلمتين؛ # 6 # فقد كان مما لاحظه «بول» # 7 ~~- وهو العلامة البارز في مجال الإحصاء في أوائل ~~هذا القرن - أن المنطق كما نعرفه لا يسعف الباحثين في ~~استدلالاتهم، حين تكون القضايا التي بين أيديهم دالة على ~~نسب مئوية مضبوطة كقولنا: «كذا في المائة من الفئة الفلانية ~~تتصف بنسبة كذا من الصفة الفلانية .» # كنا فيما مضى إذا قلنا عن قضية ما إنها «حق» كان في هذا ~~القول ما يكفينا ويقنعنا، ولكننا اليوم لم نعد نكتفي بهذا ~~الوصف «الكيفي» ونريد له دقة كمية لنعلم ما نسبة الحق ~~في تلك القضية المعينة؛ أهي قضية يقينية فتكون نسبة الحق ~~فيها 100٪ أي واحدا صحيحا، أم هي مستحيلة الصدق فتكون نسبة ~~الحق فيها صفرا، أم إنها في نصيبها من الحق بين بين، ~~فلا هي يقينية ولا هي مستحيلة، بل هي محتملة؛ وعندئذ يكون ~~علينا أن نعين نسبة احتمالها. # وفي ميدان هذه المحاولة نحو تكميم المنطق ونحو التحدث عن ~~«الحق» بلغة الكمية المقيسة المحددة المضبوطة، في هذا ~~الميدان كان «جورج بول» إماما؛ # 8 # إذ بين لنا كيف يتشابه الاستدلال الاستنباطي ~~تشابها جد قريب مع العمليات الرياضية في الحساب أو في ~~الجبر؛ فما الجبر أو الحساب إلا تحويلات لصيغ رمزية وفق ~~طائفة من قواعد، فمن هذه الصيغة الرمزية أستخرج تلك؛ فهل يمكن ~~النظر إلى عباراتنا الكلامية التي نسوق فيها أفكارنا هذه ~~النظرة الرياضية نفسها، وهي أن نعدها صيغا رمزية، ~~نستطيع أن نضع لأنفسنا من القواعد ما يعيننا على أن نستخرج ~~صيغة من أخرى؟ جواب هذا السؤال عند «بول» هو بالإيجاب؛ فقد ~~نشر بحثا في مجلة رياضية عن «حساب المنطق» ختمه بعبارة ~~تلخص موقفه من الموضوع؛ إذ قال: «إن نتيجة أبحاثي هي أن ms325 ~~القوانين التي تتركب بمقتضاها العبارات اللغوية رياضية ~~بمعنى هذه الكلمة الدقيق؛ فهي كالقوانين التي تتمثل في ~~المدركات الكمية الخالصة التي نتصورها عن المكان ~~والزمان والعدد والمقاييس.» # 9 # ولسنا ندري إن كان «بول» قد ابتكر الفكرة ~~ابتكارا دون أن يعلم أن أحدا قبله قد خطرت له الفكرة نفسها، ~~أم إنه قد استوحى فيها ما قرأه عن «ليبنتز»، ومهما يكن من أمر ~~فأكثر ما يمكن أن يكون «بول» قد استفاده من سابقيه، هو مجرد ~~الفكرة بأن المنطق يمكنه أن يستخدم أساليب الرياضة، وليس ذلك ~~بالشيء الكثير، وإنه ليروى عن «بول» في تاريخ حياته أنه قال ~~لزوجته فيما بعد إن الفكرة طرأت له أول مرة وهو يمشي بين ~~الحقول ذات يوم في صباه، وإن كان ذلك كذلك فما أشبه الوحي هنا ~~بوحي ديكارت وهو جالس إلى جانب المدفأة في «أولم». # 10 # ففي الجبر الرياضي عمليتان أساسيتان هما عمليتا الجمع والضرب، # 11 # وهاتان العمليتان يمكن تعريفهما بما يكون بين ~~الصيغ الرياضية من تساو؛ فمثلا: # س + ص = ص + س # فهاتان صيغتان رمزيتان متساويتان، وهي عملية تتضمن تعريفا ~~للجمع بأنه عملية تبادل في الحدود؛ # 12 # أي إن حاصل الجمع لا يتوقف على ترتيب الحدود ~~المجموعة. # وكذلك من هذا التساوي الآتي: # س + (ص + ط) = (س + ص) + ط # نرى أن عملية الجمع حين تتناول أكثر من حدين، فإنها عندئذ ~~لا تعتمد على الترتيب الذي يضم حدين معا في كمية واحدة، ~~وهو ما يسمونه بمبدأ ترتيب الحدود. # 13 # فمن هذين المبدأين السابقين تتبين طبيعة الجمع في ~~الرياضة، ومن نفس المبدأين أيضا تتبين طبيعة الضرب؛ فنحن ~~نعلم أن: # س × ص = ص × س [وهو مبدأ تبادل الحدود]. كما نعلم ~~أن: # س × ص × (ط) = س × (ص × ط) [وهو مبدأ ترتيب الحدود]. # ومن القواعد الهامة في الرياضة قاعدة تجمع بين عمليتي ~~الجمع والضرب معا، فنقول: # س (ص + ط) = س ص + س ط # تلك هي بعض القواعد الأساسية في عمليتي الرياضة الرئيسيتين، ~~وهما عمليتا الجمع والضرب، وكان ما كشف عنه «بول» هو أن للمنطق ms326 ~~جبرا شديد الشبه بجبر الرياضة، فله جمع وله ضرب، وللجمع ~~والضرب فيه نفس المبادئ التي رأيناها مبينة لطبيعة هاتين ~~العمليتين في الرياضة، مع اختلافات يسيرة جدا. # فالجبر المنطقي عند «بول» يستخدم من الأعداد عددين لا غير، ~~وهما الواحد والصفر، ثم يستخدم رموزا لمجهولات يختارها من ~~أحرف الهجاء على نحو ما يفعل جبر الرياضة، ولو أنه آثر أن ~~يختار أحرفا غير التي جرى عليها العرف في الجبر الرياضي؛ ~~فهذا الجبر الرياضي قد جرى على أن تكون س، ص، ط أحرفه، فلتكن ~~أحرف الجبر المنطقي هي ق، ك، ل. لكن رموز المجهولات في الجبر ~~الرياضي قد تعني أي عدد من الأعداد بغير تحديد، وأما رموز ~~المجهولات في الجبر المنطقي فلا تعني إلا أحد عددين؛ فإما ~~واحد وإما صفر. # فإذا اصطلحنا على أن يكون الرمز ق دالا على مجهول في ~~حالة الإيجاب، واصطلحنا على أن يكون الرمز وفوقه شرطة ق # دالا على مجهول في حالة السلب، ثم اصطلحنا كذلك على أن يكون ~~هذا الرمز « ~~» دالا على الجمع، والرمز « ~~» دالا على الضرب ~~[هذه هي الرموز التي استخدمها بول] كانت قواعد الجبر المنطقي ~~هي كما يلي: ~~(1) # النفي يغير قيمة الرمز؛ فإذا كانت «ق = 1» نتج أن «ق ~~= 0»، وكذلك إذا كانت «ق = 0» ~~نتج أن «ق ~~= 1». # 14 ~~(2) # جمع فئة إلى فئة، أو ضرب فئة في فئة، يتبعان ~~مبدأي تبادل الحدود وترتيب الحدود اللذين ~~رأيناهما في العمليات الرياضية. ~~(3) # جمع فئة ما إلى نفسها، وضرب فئة ما في نفسها، ~~لا ينتج عنهما تغير في الفئة، بل تظل على ~~حالها؛ أي إن: # ق # ق = ق # ق # ق = ق ~~(4) # جمع فئة ونقيضها يساوي واحدا؛ أي إن: # ق # ق ~~= 1 ~~(5) # ضرب فئة في نقيضها يساوي صفرا؛ أي إن: # ق # ق ~~= 0 ~~(6) # الضرب والجمع في الجبر المنطقي (كما في الجبر ~~الرياضي) يسيران على المبدأ الآتي: # ق ~~(ك # ل) = (ق # ك) ~~(ق # ل) # ق ~~(ك # ل) = (ق # ك) ~~(ق # ل) # ولنلق ضوءا على هذه الرموز: # إننا إذ نتحدث بألفاظ اللغة الجارية، فنحن إنما نحدد ~~العلاقات ms327 بين فئات الأشياء، فندخل بعضها في بعضها الآخر، أو ~~نفصل بعضها عن بعضها الآخر؛ فأنا أدخل فئة الأشجار في فئة ~~الأشياء الخضراء حين أقول: الشجر أخضر. وأفصل فئة الأسماك عن ~~فئة الكائنات الحية التي تعيش على اليابس حين أقول: لا تعيش ~~الأسماك على اليابس. # افرض أنك جمعت فئتين إحداهما مع الأخرى في صعيد واحد، كأن ~~تجمع - مثلا - عمال السيارات العامة مع عمال مركبات ~~الترام، ثم ارمز إلى الفئة الأولى بالرمز «أ» وإلى الفئة ~~الثانية بالرمز «ب»، وافرض أن هناك عاملا معينا اسمه ~~إسماعيل، أنت تعلم أنه واحد من العمال في هذه الفئة أو تلك، ~~ولكنك لا تعلم في أيهما يكون، فلو سألك عنه سائل: أين هو؟ كان ~~جوابك: هو إما عضو في فئة «أ» أو عضو في فئة «ب». وإذا كان ~~الرمز « ~~» هو ما نرمز به إلى «إما ... أو ...» فإن جوابك السابق ~~موضوعا في صيغة رمزية يكون: أ # ب. ومعنى ذلك أن ما نعبر ~~عنه في اللغة الجارية بلفظي «إما ... أو ...» هو في الحقيقة عملية ~~جمع منطقي؛ لأنني أضع بها فردا معينا في فئة هي حاصل جمع ~~فئتين. # وأما عملية الضرب المنطقي فهي عبارة عن وصف شيء ما بصفتين، ~~كأن أصف العقاد بأنه طويل القامة وبأنه أديب؛ ذلك لأنني إذا ~~فرزت في عالم الأشياء فئة طوال القامة كان العقاد واحدا ~~منهم، ثم إذا عدت إلى الفرز من جديد وفرزت من طوال ~~القامة فئة الأدباء كان العقاد واحدا منهم كذلك؛ فإذا ~~اصطلحنا على أن نرمز لهذه العملية التي نكرر فيها ~~فرز الأشياء بالرمز « ~~» (وهي المقابلة لعلامة الضرب × في ~~الرياضة)، ثم إذا رمزنا إلى الصفتين اللتين تجتمعان معا في ~~فرد معين بالرمزين «أ» و«ب»، كان قولنا عن العقاد إنه ~~أديب طويل القامة، هو ما نرمز له بهذه الصيغة: أ # ب. # وعلى ضوء هذه الأمثلة راجع ما قلناه عن قواعد الجبر ~~المنطقي؛ فمعنى قولنا في هذا الجبر إن: # أ + ب = ب + أ # هو أنه سيان في عالم الأفراد أن تجمع أفراد فئة أ ms328 إلى ~~الفئة ب، أو أن تجمع أفراد الفئة ب إلى الفئة أ؛ فكلا ~~الطريقين يوصل إلى مجموعة واحدة. # ومعنى قولنا إن: # أ × ب = ب × أ # هو أنه سيان في عالم الأشياء أن تفرز الفئة «أ» أولا ثم ~~تستخرج من بينها ما هو «ب»، أو أن تفرز الفئة «ب» أولا ثم ~~تستخرج منها ما هو «أ»؛ فكلا الطريقين يوصل إلى نتيجة ~~واحدة؛ فلا فرق بين أن أفرز طوال القامة أولا ثم أنتقي ~~منهم الأدباء، أو أن أفرز طائفة الأدباء أولا ثم أنتقي منهم ~~طوال القامة، ففي النهاية ستصل إلى نفس المجموعة من الأفراد. # 15 # 4 # كان الفلاسفة وما يزالون يستخدمون ألفاظا محورية هامة، ~~دون أن يعنوا بأن تكون لمعاني هذه الألفاظ جوانبها الكمية ~~التي يجوز أن تكون ملتقى الحديث والبحث؛ فما أيسر على ~~الفلاسفة أن يلقوا في كتاباتهم بكلمة «الحياة» - مثلا - أو ~~بكلمة «النظام» الذي يقولون إنهم يرونه في الكون ويتخذون من ~~وجوده دليلا على هذا أو دليلا على ذاك، أو بكلمة «النفس» أو ~~بغيرها من الكلمات التي يستخدمها الناس في أحاديثهم الجارية ~~فيكون لها عندهم معني غامض. # أقول إن الفلاسفة كانوا وما يزالون يستخدمون أمثال هذه ~~الألفاظ، كما كانوا يستخدمون ألفاظ «الحرارة» و«القوة» ~~و«المادة»، لكن هذه المجموعة الأخيرة قد تناولها العلم ~~فضبطها ضبطا كميا ولم تعد متروكة للحس الكيفي ~~يختلف في أمرها بين إنسان وإنسان؛ أفتكون ألفاظ المجموعة ~~الأولى التي ما تزال شائعة في الدراسات الفلسفية مستعصية ~~على التكميم في تحديد معانيها، بحيث لا يكون لنا مناص من ~~تركها هكذا نهبا لمن شاء أن يفهمها كما شاء حسب خبراته ~~الخاصة، أم يجوز تكميمها إذا ما أتيح لها العلماء الذين ~~يستطيعون أن يؤدوا لها ما قد أداه علماء الطبيعة فيما ~~مضى لألفاظ «الحرارة» و«القوة» و«المادة» وما إليها؟ إنه لو ~~تم ذلك لأصبحت كلمة «النفس» مدارا لعلم كمي مضبوط كما ~~قد أصبحت كلمة «الحرارة» مدارا لمثل هذا العلم، ولأصبحت ~~«الحياة» اسما لموضوع يخضع للدقة الكمية كاسم «القوة» في علم ~~الطبيعة، وهكذا. # ولسنا ms329 نريد القول بأن «النفس» و«الحياة» وما إليهما، إذا ما ~~عرف العلماء كيف يلتمسون لها المقاييس الكمية، أصبحت ~~الفلسفة بذلك «علما» كما نريد لها أن تكون، كلا، بل ستكون ~~«النفس» عندئذ أمرا لا شأن للفلسفة به، بل تكون علما ~~قائما بذاته كسائر علوم الطبيعة، وكذلك ستصبح «الحياة» ~~موضوعا لا دخل للفلاسفة بالخوض فيه، بل تدخل كلها في اختصاص ~~علماء الحياة الذين يبحثون عن الظاهرة بحثا موضوعيا لا ~~يفرقون فيه بين إنسان وحيوان ونبات إلا بمقدار ما تجيز لهم ~~أبحاثهم الموضوعية الكمية أن يفرقوا؛ أعني أن أمثال هذه ~~المدركات التي يخب فيها الفلاسفة خبا بغير حساب، ستخرج ~~من مجال أحاديثهم كما تخرج كل كلمة دالة على مسمى تجريبي؛ ~~فليس من شأن الفلسفة العلمية أن تنافس العلماء في بحث العالم ~~الشيئي من أي جانب من جوانبه، بل إن موضع اهتمامها سينحصر في ~~أن تتلقى من العلماء قضاياهم الأولية، التي عليها يبنون ~~بناءاتهم العلمية، ثم يحللون تلك القضايا إبرازا ~~لخفيها وتوضيحا لغامضها. # وقد يسأل سائل متعجبا: كيف يمكن لكلمة «نظام» في مثل ~~قولنا إن الكون يسوده نظام وليس هو بالفوضى التي تخبط ~~خبط عشواء؟ كيف يمكن لكلمة كهذه أن تقاس بالفرسخ أو ~~توزن بالرطل؟ أليس معناها واضحا لكل من جري لسانه باللغة ~~العربية التي هذه الكلمة إحدى كلماتها؟ هل يحتاج الطفل الصغير ~~الناشئ إلى شرح إذا ما قيل له إن الكتب على منضدته منظمة؟ ~~فلماذا إذن يأخذنا الإشفاق من فيلسوف يقول عن الكون إنه ~~منظم، وإنه لا بد لهذا النظام من قوة منظمة؟ # لكن هذا السائل المتعجب سرعان ما يدرك مدى الغموض في معنى ~~كلمة كهذه يرسلها الناس إرسالا ولا يكون لذلك كبير خطر ~~لأنهم لا يرتبون عليها النتائج الخطيرة، ثم يلقفها منهم ~~الفلاسفة الموقرون فيستخدمونها هم أيضا كما يستخدمها سواد ~~الناس على غموضها وانبهام معناها، لكن الأمر عندئذ يكون جد ~~خطير؛ لأنهم يجعلونها مبدأ كونيا يستدلون منه ما وسعتهم ~~البراعة المنطقية أن يستدلوه. ونحن مع علمنا بأننا من حيث ~~نحن فلاسفة لا شأن ms330 لنا بما عسى أن يقوله العلماء في تحديد ~~أمثال هذه المدركات، لكننا مع ذلك نقدم للقارئ لمحة ~~للطرائق التي يمكن أن تترجم بها مدركات «النظام» و«الحياة» ~~و«النفس» وغيرها من أمثالها، إلى لغة الكم التي تجعلها ~~مدركات علمية موضوعية. # خذ مجموعة من ورق اللعب حالة كونها «منظمة» الأوراق بحيث ~~تجتمع الورقات ذوات اللون الأحمر كلها معا، والورقات ذوات ~~اللون الأسود كلها معا، ثم امزج هذه المجموعة بعضها في بعض، ~~تأخذ الحمراوات والسوداوات في الامتزاج، فها هنا تراك تصف ~~الحالة الأولى بأنها على «نظام» والحالات التي تنشأ بعد ذلك ~~بأنها حالات يقل فيها «النظام» أو يزيد بمقدار قربها أو ~~بعدها عن الحالة الأولى ؛ فماذا في الحالة الأولى مما يجيز ~~لك أن تصفها بما قد وصفتها به، بحيث إذا ما زال، زال «النظام» ~~تبعا لذلك؟ فكر في الأمر ما شئت، تجد أن الحالة التي تكون ~~فيها الورقات الحمراوات كلها مجتمعة معا، والسوداوات كلها ~~مجتمعة معا، إن هي في الحقيقة إلا أحد الأوضاع الممكنة ~~لمجموعة الورق؛ فهنالك ملايين الحالات التي يمكن أن يرتب ~~عليها الورق، وهذه الحالة المشار إليها واحدة منها. ولو أخذت ~~في «تفنيط» الورق آلاف المرات بعد آلافها، فيجوز أن تصادف ~~الحالة «المنظمة» الأولى عفوا؛ أي إنه يجوز أن يعود الورق ~~إلى ترتيبه الأول مصادفة، فليس ذلك مستحيلا وإن يكن بعيد ~~الاحتمال، وبعد احتماله ناشئ من أنه حالة من ملايين الحالات. ~~وسؤالنا هو: ما الذي يجعل هذه الحالة موسومة عندنا ب «النظام»؛ ~~هذا «النظام» ما معناه؟ # يقول أناتول رابورت: # 16 # إن «النظام» في الحالة التي نقول عنها إنها ~~منظمة، إنما يقاس بكمية الكلمات التي لا بد من استعمالها ~~إذا أريد وصف تلك الحالة؛ فحالة النظام الكامل لا تختلف عن ~~غيرها من الحالات إلا في أنها تحتاج منا في وصفها إلى كلمات ~~أقل، وكلما ابتعدنا عن حالة النظام الكامل وأردنا الوصف، زاد ~~عدد الكلمات المطلوبة في الوصف حتى نصل إلى حالة انعدام ~~النظام انعداما كاملا؛ فعندئذ نحتاج إلى عدد من الكلمات في ~~وصفها ms331 أكبر مما احتجناه في وصف أية حالة أخرى. # ففي المثل الذي ضربناه، وهو ورق اللعب، نستطيع في حالة نظامه ~~الكامل أن نقول إن ستا وعشرين ورقة من ذوات اللون الأحمر قد ~~رتبت على النحو الفلاني، تتلوها ست وعشرون ورقة سوداء ~~قد رتبت على النحو نفسه، ولكن ابدأ في كسر هذا النظام بأن ~~تأخذ من النصف الأحمر ورقة واحدة لتضعها في النصف الأسود، ~~فعندئذ تراك مضطرا - عند محاولة الوصف - أن تزيد من عدد ~~العبارات والكلمات المطلوبة، وهكذا. # وليس الأمر مقصورا على حالتين، فإما نظام أو لا نظام، بحيث ~~يكون احتمال كل منهما مساويا لاحتمال الآخر، بل إن الأمر ~~درجات متدرجة يتفاوت فيها النظام تفاوتا كميا بين ~~الطرفين؛ طرف النظام الكامل من ناحية، وطرف انعدام النظام ~~انعداما تاما من ناحية أخرى، وإذا ما استطعت من الوجهة ~~النظرية أن تحسب عدد هذه الحالات المتدرجة، استطعت بالتالي ~~أن تحسب مقدار احتمال وقوع الحالة التي يكون فيها النظام ~~كاملا؛ لأن هذا المقدار هو كسر بسطه واحد ومقامه عدد ~~الحالات الممكنة كلها. # وقل شيئا كهذا في مقدارين من الغاز يتفاوتان حرارة، ~~مزجا معا فتعادلت الحرارة في المزيج؛ فالأمر ها هنا شبيه ~~بالأمر في ورق اللعب في حالات نظامه وعدم نظامه؛ فعند البدء في ~~مزج المقدارين من الغاز نكون إزاء مجموعتين من الذرات، إحداها ~~سريعة والأخرى بطيئة، وكون الذرات السريعة كلها مجتمعة معا، ~~والبطيئة كلها مجتمعة معا، شبيه بكون ورق اللعب في حالته ~~الأولى مرتبا على نحو يجعل الأوراق الحمراء كلها مجتمعة ~~معا، والسوداء كلها مجتمعة معا، وامتزاج الذرات في ~~الغازين شبيه بالحالات التي تنشأ من «تفنيط» ورق اللعب؛ أهو ~~مستحيل أن تظل الذرات في امتزاجها تتخذ أوضاعا مختلفة حتى ~~يحدث مصادفة أن تعود الذرات السريعة إلى تجمعها الأول ~~والبطيئة إلى تجمعها؟ كلا، ليس ذلك مستحيلا، لكنه بعيد ~~الاحتمال؛ لأنه حالة واحدة من ملايين الحالات، وإنما نقول عن ~~الحالة الأولى إنها أكثر نظاما من الحالات التاليات لأن ~~وصفها يتم بكلمات أقل مما يمكن استخدامه لوصف سائر ~~الحالات. ms332 # وهكذا إذا التقى غاز أكثر حرارة بغاز أقل حرارة، أي إذا ~~التقت مجموعة من الذرات أسرع حركة بمجموعة أبطأ حركة، كان ~~الأرجح - بناء على ما شاهدناه في الطبيعة لا بناء على ما ~~يحتمه العقل الصرف - أن تمتزج المجموعتان من الذرات ~~امتزاجا يخلط سريعها ببطيئها خلطا ينتج عنه تعادل ~~الحرارة في المجموعة كلها؛ ومعنى ذلك بلغة «النظام» أن الأمر ~~يسير من نظام أكثر إلى نظام أقل؛ أي من تجمع للمتجانسات ~~إلى تفرق لهذه المتجانسات تفرقا يجعل الأمر ~~خليطا. # وهذا السير من حالة التجمع إلى حالة التفرق، من حالة ~~النظام إلى حالات انعدامه، من حالة المفارقة بين المجموعات ~~المختلفة إلى حالة الامتزاج الذي يتم فيه التعادل، هو ما ~~يسمونه في علم الطبيعة ب «الأنتروبي»؛ فكأن الأمر في الكون ~~يسير سيرا مطردا نحو عدم النظام. ولو بلغ السير منتهاه، ~~بحيث يبلغ الأمر بالذرات إلى حالة تمتزج فيها امتزاجا ينعدم ~~معه كل نظام، أي إنه يبلغ حالة لو وصفت لاحتاج وصفها ~~إلى عبارات وكلمات أكثر من أية حالة أخرى، فإن التعادل عندئذ ~~يكون تاما، وينتهي الأمر بالكون إلى سكون. # لقد شهدت الفلسفة اليونانية القديمة أعلاما من رجالها، ~~كانوا - وكأنهم الأنبياء - ينفذون ببصائرهم إلى كنه ~~الحقيقة الكونية فيصفونها بمثل ما يصفها به علم الطبيعة ~~الحديث، لولا أنهم كانوا يتحدثون بلغة الكيف، وهذا العلم ~~الحديث يتحدث بلغة الكم؛ فمن الفلاسفة الأقدمين من أدرك أن ~~الكون قوامه عناصر مختلفة، بدأت حين كان كل عنصر متجانس على ~~حدة، ثم دبت فيها الحركة، فأخذت تمتزج بعضها ببعض حتى ~~أصبح الشيء الواحد مكونا من خليط من عناصر قد يصعب ~~فصلها بعضها عن بعض، لكن مصير هذه الحركة في النهاية هو أن ~~تعود العناصر المتجانسة إلى تجمعها، ثم دورة كونية أخرى ~~وهكذا. وشيء كهذا هو ما يقوله العلم الطبيعي الحديث، لكن هذا ~~العلم لم يتحدث عن التراب والهواء والماء والنار وأشباهها على ~~أنها العناصر الأولية، بل رد هذه كلها إلى أنواع من الذرات ~~التي لا تختلف كيفا بل تختلف كما؛ فذرة ms333 أقل من أخرى في ~~عدد كهاربها السالبة والموجبة. وكذلك لم يعد هذا العلم ~~الحديث يتحدث باللغة الكيفية التي كان يتحدث بها الفلاسفة ~~الأقدمون من حيث امتزاج العناصر وانفصالها، حتى لقد جعل أحدهم ~~الخير والشر دافعين يدفعان العناصر؛ الخير يدفعها إلى ~~التجانس، والشر يدفعها إلى الخلط والفوضى. كلا، لم يعد علم ~~الطبيعة يتحدث بهذه اللغة الكيفية، بل هو يستخرج متوسطات ويقيس ~~سرعات ويحسب بالدقة أطوال المكان وأبعاد الزمان. وهكذا نرى أن ~~فلاسفة الماضي وعلماء الحاضر قد يتناولون موضوعا بذاته ~~ويتفقون على فكرة بعينها، لكن موضع الاختلاف بينهم - وهو ~~نفسه موضع التقدم الذي تقدمه الآخرون عن الأولين - هو أن ~~فلاسفة الماضي كانوا يتكلمون بلغة الكيف فجاء علماء الحاضر ~~وأخذوا يلتمسون طريقهم إلى لغة أخرى، هي لغة الكم. # وبلغة الكم نستطيع أن نتحدث عن ظاهرة «الحياة» كما فعل ~~شريدنجر في كتاب صغير له جعل عنوانه: «ما الحياة؟» # 17 # فقال فيه إنه إذا كان مجرى الطبيعة في سائر ~~ظواهرها يسير من نظام التجانس في الذرات إلى عدم النظام، أي ~~إلى الامتزاج والخلط، فإن ظاهرة الحياة تتميز بأنها تسير في ~~الاتجاه العكسي؛ لأن الكائن العضوي يعمد إلى شيء من التنظيم ~~والتصنيف، فيخرج المتجانس من غير المتجانس، كما يخرج ~~النبات - مثلا - السكر من ثاني أوكسيد الكربون والماء، وكما ~~يستخرج الحيوان بعملية الهضم البروتينات التي يبني بها خلاياه ~~من مختلف العناصر التي يتغذى بها؛ فإذا كانت ظواهر الطبيعة ~~تتجه في سيرها نحو الزيادة من «الأنتروبي» - أي الزيادة من ~~عدم التصنيف - فإن ظاهرة الحياة تتجه في سيرها نحو الحد من ~~«الأنتروبي»؛ أي نحو الزيادة من التصنيف والتنظيم، لكن هذا ~~التصنيف - كما أسلفنا - يمكن التحدث عنه بلغة الكم؛ وبالتالي ~~فمن الممكن أن نتحدث عن «الحياة» بهذه اللغة نفسها. # كذلك تحدث الفلاسفة عن «النفس» كما يتحدث عنها علماء ~~النفس في وقتنا الحاضر، لكن الفرق بين هؤلاء وأولئك هو أيضا ~~الفرق بين لغة الكم ولغة الكيف؛ فالنفس عند الفلاسفة روحانية ~~لا يمكن تحويلها إلى شيء تقاس أطواله وأبعاده، وحتى إن ~~تفاوتت ms334 الأنفس في منازلها رقيا أو هبوطا، فهي إنما ~~تتفاوت على أساس اختلافها الكيفي؛ فالنفس النباتية - عند أرسطو ~~- نفس نامية، والحيوانية حاسة، والإنسانية ناطقة؛ ولو ~~ظللنا عند هذه المرحلة الكيفية في نظرنا إلى النفس لظللنا ~~إلى الأبد نقول اليوم كلاما وننقضه غدا. # أما إذا أردنا دقة في الحديث وموضوعية في البحث، فلا مناص ~~لنا من الخروج بالأمر إلى مجال آخر، هو المجال الذي نستطيع فيه ~~أن نترجم الظواهر النفسية إلى شيء يمكن أن تقرأ صفاته بلغة ~~الأرقام؛ فالذكاء والإحساس والذاكرة وسائر القدرات العقلية ~~أمور لا يستحيل أن ننظر إليها من جوانبها السلوكية الظاهرة؛ ~~وبالتالي فلا يستحيل أن نصطنع لها وسائل لقياسها؛ وعندئذ ~~نمسك عن التحدث عن الأذكياء والأغبياء، كما أمسكنا عن ~~التحدث - في مجال العلم - عن الحار والبارد والرطب واليابس، ~~وهي لغة مألوفة عند الفلاسفة، ويصبح الأمر ليس أمر أضداد ~~كيفية، بل أمر تفاوت كمي؛ فظاهرة الذكاء هي نفسها ظاهرة ~~الغباء، ولكنهما حالتان على تفاوت في الدرجة، بل «النفس ~~الإنسانية» هي بعينها «النفس الحيوانية» أو «النفس النباتية»، ~~ولكنها حالات تتفاوت مقدارا، وهكذا. # ليست النفس عند العلم هي «الجوهر» الذي كان عند الفلاسفة، بل ~~هي سلوك، وما ليس يظهر لعين الرائي سلوكا لا يجوز الحديث فيه ~~حديثا علميا؛ لأنك إذا ما جاوزت حدود الظاهر إلى ما هو باطن ~~خفي، فقد تجاوزت ما يمكن أن يشاركك الناس في مشاهدته ~~ومراجعته إلى ما هو خاص بك. ولسنا بهذا القول نريد أن ننكر ~~أن للإنسان جانبا ذاتيا يحسه باطنا، لكننا نصر على ~~أن هذا الجانب الباطني إذا لم نجد له جانبا ظاهرا مصاحبا، ~~بحيث يمكن أن نجعله هو - دون طرفه الباطن - حدود الظاهرة كما ~~يفهمها البحث العلمي، فسنظل نقول عن النفس كلاما لا تتغير ~~الدنيا بنفيه أو بإثباته. # على أننا في هذا الكتاب لا نريد أن نلبس أردية العلماء، ~~فنخوض فيما هو من شأن عالم الطبيعة أو عالم النفس، وما نريد ~~تقريره في إصرار هو أن العبارة من عبارات اللغة إذا اشتملت ~~على كلمة أو ms335 كلمات مما لم نستطع بعد ترجمته إلى لغة ~~المعادلات والأرقام، كانت عبارة بغير معنى يصح أن يكون ~~موضعا للمراجعة والمجادلة بين الباحثين. # الفصل الثاني عشر # | من المطلق إلى النسبي # 1 # لم يكن يرضى الفلاسفة أن يقفوا عند هذا العالم المحسوس ~~المتطور المتغير على أنه العالم الحق، بل كانوا يطمحون ~~دائما إلى حقيقة أعلى يكون من صفاتها الثبات والدوام والسكون؛ ~~فيستحيل - مثلا - أن تكون هذه المثلثات التي نرسمها على الورق ~~بأقلامنا، والتي تتفاوت في دقتها بتفاوت آلات الرسم، أن تكون ~~هي «المثلث» الحقيقي الذي هو المعيار لتلك المثلثات المرسومة؛ ~~فكلما قرب المثلث الرسوم على الورق من ذلك المعيار كان أقرب ~~إلى المثلث الحق؛ ويستحيل أن يكون أفراد الناس الذين نصادفهم ~~في هذه الدنيا الأرضية هم «الإنسان» الحقيقي؛ لأن هؤلاء ~~الأفراد إنما يتفاوتون في تحقيقهم لفكرة الإنسان، فبعضهم أفضل ~~من بعض، هذا إلى أنهم يولدون ويحيون حينا حياة ~~يعتورها النقص والمرض ثم يموتون، أما «الإنسان» باعتباره ~~جوهرا فلا بد أن يكون كاملا وثابتا لا يتغير ولا يمرض ~~ولا يموت. وهكذا كان الفلاسفة ينفذون بأبصارهم وبصائرهم ~~خلال الجزئيات المتغيرة الفانية لعلهم يدركون وراءها عالما ~~آخر هو العالم الحقيقي النموذجي الذي ما جاء هذا العالم الأرضي ~~بكائناته إلا ليكون صورة منه، وهي صورة تقرب أحيانا وتبعد ~~أحيانا عن درجة الكمال في تصويرها لما جاءت تصوره. # ولئن كانت الحواس هي أداة المعرفة للجزئيات المحسوسة ~~المتغيرة، فليست هي أداة المعرفة للعالم النموذجي الثابت. ~~وكيف تكون وذلك العالم الثابت لا يدرك بالبصر ولا بالسمع ~~ولا باللمس؟ فهو «فكرة»، وسبيل إدراكها هو العيان العقلي. تلك ~~كانت فلسفة أفلاطون في صميمها، وهي فلسفة المثاليين جميعا على ~~ما بين هؤلاء من أوجه الاختلاف في طريقة عرضهم للمذهب. # ولقد شهد القرن التاسع عشر أحد الشوامخ الذين حملوا المذهب ~~المثالي على عواتقهم، وأعني به هيجل، الذي بلغ من الخطر في ~~تاريخ الفلسفة حدا جعله مصدرا لمعظم الاتجاهات الفلسفية ~~المعاصرة إما بالتأييد أو بالتفنيد؛ ذلك أنك لا تكاد تجد من ~~فلسفات القرن العشرين ms336 فلسفة لا تبدأ من هيجل، مناصرة له في ~~أقل الأحيان، معارضة له في أكثرها؛ فلم يقتصر تأثيره على ~~«الماركسية» و«الوجودية» و«البرجماتية» - وهي اتجاهات ثلاثة ~~من أهم اتجاهات الفكر المعاصر - بل شمل كذلك الحركات الفلسفية ~~الأخرى التي هي من شأن محترفي الفلسفة ولا تجاوزهم إلى حيث ~~سواد المثقفين ثقافة عامة، وأعني بها «الوضعية المنطقية» ~~و«الواقعية» و«الفلسفة التحليلية»؛ فأئمة هذه الاتجاهات كلها ~~من أمثال «كيركجارد» و«كارل ماركس» و«جون ديوي» و«برتراند رسل» ~~و«جورج مور» كانوا جميعا في مرحلة من مراحل حيواتهم أتباعا ~~لهيجل. # ومؤدى المذهب الهيجلي هو أن الكون كله بجميع من فيه وما ~~فيه، إن هو إلا تعبير عن «روح العالم» أو «الفكرة المطلقة»، ~~أو إن شئت فقل «المطلق» على سبيل الاختصار؛ فهذا «المطلق» ~~الروحاني في جوهره إنما يتبدى ويكشف عن نفسه في مظاهر العالم ~~كما تقع لحواسنا؛ فلئن كان العالم المحسوس متطورا من ~~مراحل أدنى إلى مراحل أعلى، فما ذاك إلا تطور في كشف «الروح ~~المطلق» عن نفسه كشفا متدرجا، كأنما هو الشريط المنطوي ~~يبسط نفسه بسطا ليبدو منه ما قد كان خافيا. وليس الكون على ~~هذا المذهب بمختلف عن كائن عضوي حي ذي روح ورغبات وأهداف؛ ~~فكما تستطيع أن تفسر سلوك الكائن الحي إذا عرفت رغباته ~~وأهدافه، فكذلك تستطيع أن تفسر كل ظواهر الكون وتغيرات ~~التاريخ وتطورات الأنظمة إذا عرفت الروح الكوني كيف يكشف عن ~~نفسه وإلى أي هدف يتجه. # فلئن كان هيجل، كأفلاطون وأرسطو، يذهب إلى القول بحقيقة ~~روحانية عليا وراء هذا العالم المحسوس بما فيه من كائنات ~~جزئية، إلا أنه يختلف عنهما في أن الحقيقة الروحية عنده ~~متطورة في الكشف عن نفسها، على حين أن الفيلسوفين القديمين ~~كانا يريان أنها حقيقة ثابتة ساكنة؛ فلا عجب أن رأينا ~~المنطق الأرسطي - والمنطق هو المرآة المصورة لطرائق الفكر ~~ومبادئه - قائما على أساس ذلك الثبات والسكون؛ فالأنواع ~~والأجناس في ذلك المنطق ذوات تعريفات ثابتة لأنها ذوات جواهر ~~لا يطرأ عليها تغير، وبناء على ذلك المنطق محال أن تجتمع ~~الصفة ونقيضها في شيء ms337 واحد وفي وقت واحد؛ فإذا كانت «أ» ~~متصفة بصفة «ب» في لحظة ما، فيستحيل أن تكون متصفة في ~~تلك اللحظة نفسها بصفة «ب»، فإما أن تكون «أ» متصفة بالصفة ~~«ب» أو بنقيضها «ب» ولا ثالث لهذين الوضعين. أما والحقيقة ~~الكونية متطورة عند هيجل، فلا بد أن يتغير تصوره للمنطق ~~تبعا لذلك، فلم يعد يرضيه المنطق الأرسطي الصوري السكوني؛ ~~لأنه لا يصور الحقيقة المتطورة، واستبدل به منطقا ~~تطوريا يقابل به الحقيقة كما تصورها؛ فإذا كان شيء ما ~~«أ» سيتغير بحيث يصبح شيئا آخر «ب»، فلا بد أن تكون عناصر ~~«ب» كائنة في «أ» ليمكن خروجها منها، وإذن فقد كانت «أ» ~~محتوية على شيء غيرها؛ أي محتوية على نقيضها؛ وبهذا يجتمع ~~النقيضان في كائن واحد على خلاف المبدأ الأرسطي. كيف يمكن - ~~مثلا - للشجرة أن تخرج من البذرة إذا لم تكن البذرة محتوية ~~على ما ليس بذرة؟ وكيف يمكن للرجل أن ينشأ عن الطفل إذا لم يكن ~~الطفل محتويا على ما ليس طفلا؟ وهكذا. # كان هذا المنطق التطوري، أو الجدلي كما يسمونه، هو ~~محور الفلسفة الهيجلية، فهي فلسفة مثالية تطورية، أو مثالية ~~جدلية، تذهب إلى أن في الكون روحا مطلقا يكشف عن نفسه على ~~طراز تطوري أو جدلي، وهو طراز قوامه أن تكون الخطوة ~~الأولى - ويمكن تسميتها بالوضع - كاشفة عن صفة ما، ثم تتلوها ~~خطوة ثانية - وهي نقيض الوضع - كاشفة عن نقيض الصفة الأولى، ~~وأخيرا تجيء مرحلة ثالثة - هي التقاء الطرفين - تدمج الوضع ~~ونقيضه في كائن واحد، ثم يصبح هذا الدمج «وضعا» يتلوه ~~«النقيض»، فدمج جديد، وهلم جرا. وقد جاء ماركس واستغل ~~هذه الفلسفة التطورية الهيجلية، بعد أن حولها من «مثالية» ~~تتناول الأفكار في تطورها، إلى «مادية» تتناول الأوضاع ~~الاجتماعية كما شهدها التاريخ؛ فالنظام الرأسمالي - مثلا - ~~فيه وضع ونقيضه؛ إذ فيه صاحب رأس المال والعمال الذين هم ~~بغير مال، ويستحيل قيام الجانب الأول بغير الجانب الثاني؛ ومن ~~ثم يقوم الجانبان معا في نظام واحد، لكنهما نقيضان؛ وإذن فلا ~~بد من صراع بينهما ينتهي ms338 إلى مرحلة يلتقي فيها الطرفان، بحيث ~~يصبح العامل هو نفسه صاحب المال. # ولو غضضنا البصر عن هذا التحول للفلسفة الهيجلية على ~~يدي ماركس، وهو تحول أبقى على الجانب التطوري منها ثم ~~استبدل بالجانب المثالي جانبا ماديا، فإننا مع ذلك نستطيع ~~أن نرى كيف كانت تلك الفلسفة ملتقى شتى اتجاهات عصرها؛ مما ~~أكسبها رواجا عجيبا جاوزت به حدود أرضها فعبرت بحر ~~المانش إلى إنجلترا، وعبرت المحيط الأطلسي إلى أمريكا، وأصبحت ~~هي الفلسفة السائدة هنا وهناك فترة من زمان. وحسبها أن تكون ~~فلسفة تهيئ للمتدين أساسا لتدينه بعد أن هدمه هيوم ~~في إنجلترا، وعصر التنوير في فرنسا، وكانت في ألمانيا؛ ~~وتهيئ منفذا لمن أراد الخروج من الحتمية المحكمة التي ~~اقتضاها علم الطبيعة النيوتوني. أضف إلى ذلك كله أنها فلسفة ~~وجدت من العلم المعاصر لها ما يعززها؛ فقد كان هنالك إلى ~~جانبها «دارون» ينشر نظريته في تطور الأحياء، فكأنما كان ذلك ~~بمثابة إعلان المصالحة بين طرفين ظن أنهما ضدان لا ~~يلتقيان، وهما الدين والعلم؛ فما كان أيسر على المتحمسين ~~للدين أن يوحدوا بين «المطلق» الهيجلي وبين الله عند ~~المسيحيين، كما وجد المتحمسون للعلم في الفلسفة الهيجلية ~~معينا يرجعون إليه في نظرتهم التطورية التي حاولوا أن ~~ينظروا بها إلى شتي ميادين المعرفة. # كان هذا المعين الزاخر - معين الفلسفة الهيجلية - مصدرا ~~لتيارات الفكر كلها في القارة الأوروبية وفي إنجلترا ~~وأمريكا على السواء، حتى حين كانت تلك الفلسفة موضعا للهجوم ~~والنقد. وإنه لمما يستلفت النظر حقا أن نرى الطبائع ~~القومية المختلفة قد أخذت من الفلسفة الهيجلية ما يتفق وتلك ~~الطبائع؛ فلم يكن أثرها على القارة الأوروبية هو نفسه أثرها ~~على الناطقين بالإنجليزية في إنجلترا وأمريك؛ ومن ثم انشعبت ~~الفلسفة المعاصرة في اتجاهات مختلفة على الرغم من أن مصدرها ~~واحد؛ فقد رأيت كيف أخذ ماركس فلسفته عن الفلسفة الهيجلية بعد ~~تحوير، وكذلك فعل كيركجارد الوجودي حين ثار على هيجل ونسقه ~~الذي يجعل الوجود كله كائنا عضويا واحدا؛ فقد أفزعه - على ~~حد قوله - أن يرى نفسه فقرة من ms339 فقرات هذا الكائن الكبير، لا ~~يتفرد وحده بوجود خاص به يمارس فيه إرادته الحرة وشخصيته ~~المستقلة. وهكذا استقى ماركس وكيركجارد من معين الفلسفة ~~الهيجلية نواحيها التاريخية والسياسية والأخلاقية ~~والدينية. # أما حين عبرت فلسفة هيجل إلى إنجلترا فقد كانت موردا ~~للفلاسفة هناك، ولكن من نواح أخرى، هي نواحيها المنطقية ~~والميتافيزيقية وما يتصل منها بنظرية المعرفة؛ فلئن كان الجانب ~~الإنساني من فلسفة هيجل هو ما لفت الأنظار في القارة ~~الأوروبية، فقد كان الجانب الفلسفي الصميم منها هو الذي أغرى ~~فلاسفة إنجلترا وأمريكا؛ ففي إنجلترا كان على رأس المدرسة ~~الهيجلية «برادلي» # 1 # و«ماكتاجارت» # 2 # اللذان على أيديهما أخذ الفلسفة «رسل » و«مور». وفي ~~أمريكا كان «جوزيا رويس» # 3 # هو الذي قام بنفس الدور الذي قام به «برادلي» ~~و«ماكتاجارت» في إنجلترا من حيث اعتناق الهيجلية مذهبا، ~~ونشر ذلك المذهب في طلاب الفلسفة جميعا، حتى أولئك الذين ~~ثاروا بعدئذ عليه. # نعم، اعتنق الطلاب الفلسفة الهيجلية ثم ثاروا عليها كل ~~من ناحيته الخاصة، فجاءت الثورة عليها نوعين؛ فثائرون لم ~~يعجبهم مضمون تلك الفلسفة، لكنهم أبقوا على أسلوبها الذي يجعل ~~من الفلسفة بناء شامخا فيه حساسية بانيها وعلمه الواسع ~~وحكمته النافذة. ومن هؤلاء الثائرين «كروتشي» و«سانتيانا»؛ ~~فهما وإن لم يأخذا «بمطلق» هيجل إلا أنهما ما زالا محتفظين ~~للفلسفة بصورتها التي تقدم نظرة شاملة عن الكون والإنسان. ~~وكذلك يمكن القول عن الوجوديين، كيركجارد ومن تبعوه، في ~~توكيد أهمية الوجود الفردي ضد القول بنسق مجرد يكون الفرد ~~جزءا منه، مثل هيدجر وياسبرز ومارسل وسارتر؛ فهؤلاء ~~جميعا من الثائرين الذين رفضوا مضمون الفلسفة الهيجلية ولكنهم ~~أبقوا على أسلوبها. # 4 # لكن هنالك ضربا آخر من الثائرين على الفلسفة الهيجلية، ~~الذين لا يكفيهم أن يرفضوا القول ب «المطلق» مضمونا للفلسفة ~~ثم يحتفظوا بأسلوب تلك الفلسفة من حيث طريقة التعبير وطريقة ~~البناء النسقي، بل هم يثورون على المضمون وعلى الأسلوب ~~معا، ومن هؤلاء «رسل» و«مور» و«وتجنشتين» والوضعيين ~~المنطقيين والواقعيين؛ فهؤلاء ينكرون أن تكون مهمة الفلسفة ~~إقامة بناء نسقي يشمل الوجود بكل ما فيه من ms340 كائنات ومن ~~علم وفن وأخلاق ودين وسياسة. ولو استثنينا من هؤلاء «رسل» ~~وحده، وجدناهم جميعا ممن لا يتعرضون بعملهم الفلسفي لمشكلات ~~الإنسان في حياته الخاصة والعامة، ومن المشكلات الفكرية الأخرى ~~التي كانت من تقليد الفلسفة أن تتناولها بالبحث؛ لأن هذه كلها ~~من وجهة نظرهم أمور لا تدخل في مجال عملهم الفلسفي الذي ~~يرونه مقتصرا على التحليل المنطقي وحده. # لم يعد فيلسوف هذا العصر يحلم ببناء نسقي يشمل الكون ~~بأسره، لا لأنه حلم بعيد المنال متعذر التحقيق إلا على ~~العباقرة القادرين، بل لأنه حلم وكفى، لا يتعلق به إلا ~~الحالمون الواهمون؛ فالعالم كثرة لا وحدة ، فيه مجموعة من ~~وقائع، ولكل واقعة عبارة تصدق عليها، دون أن يتحتم لشتى ~~العبارات الواصفة للوقائع أن تنصب في نسق استنباطي ~~واحد؛ لأن الوجود نفسه الذي جاءت العبارات لتصف أجزاءه ~~متغير متعدد الجوانب. # تحطم «المطلق»، ضالة الفلسفة المثالية المنشودة، وحل ~~محله مسائل جزئية محدودة، يشتغل الفيلسوف بواحدة منها أو ~~بطائفة قليلة، لكنه في كل حالة يقنع بمسألة واحدة يصب ~~عليها تحليله؛ فليس بين الفلسفات المعاصرة كلها على اختلافها، ~~الوجودية والبرجماتية والواقعية الجديدة والوضعية المنطقية، ~~ليس بين هذه الفلسفات المعاصرة فلسفة واحدة تبحث عن الحقيقة ~~الروحانية الواحدة المطلقة من حدود الزمان والمكان، بل هي ~~جميعا - على عكس ذلك - تبحث في الفرد الواحد، وفي الموقف ~~الجزئي الواحد، وفي الشيء الواحد، وفي الكلمة الواحدة أو ~~العبارة الواحدة. # 2 # إن من أهم ما جاءت الفلسفة التحليلية المعاصرة لتؤكده، هو ~~أنه ليس في مستطاع العقل الاستنباطي الصرف، الذي يضع لنفسه ~~المقدمات ثم يستدل منها النتائج، أن ينسج من جوفه نسيجا ~~نظريا فإذا هذا النسيج الداخلي يطابق الواقع الطبيعي ~~الخارجي؛ فقد كان ذلك الزعم هو محور الفلسفة الكانتية؛ إذ ~~لم يشك «كانت» في أن العقل بطبيعته يصوغ أحكاما ضرورية ~~يقينية عن الطبيعة، ثم يسأل نفسه بعد ذلك: كيف أمكن ذلك؟ كيف ~~أمكن مثلا - من وجهة نظر كانت - أن تكون الهندسة الإقليدية ~~من نتاج العقل الصرف، ثم تكون في الوقت نفسه مطابقة ~~للمكان ms341 الخارجي كما هو كائن في الطبيعة؟ وإنما جاز ل «كانت» ~~أن يسأل سؤالا كهذا لأن العلم كما كان يراه عصره (القرن ~~الثامن عشر) قائم على أسس نيوتن، ومؤداها جميعا هو أن ~~القوانين العلمية مطلقة لا يتوقف صدقها على مكان معين أو ~~زمان معين أو شروط خاصة. # لكن العلم قد تغير في هذه الناحية تغيرا جوهريا ~~إبان القرنين التاسع عشر والعشرين، ولم يعد يقول العلماء ~~عن قوانين العلم إنها مطلقة الصدق رياضية اليقين، بل ~~يقولون إنها نسبية؛ فقوانين علم الطبيعة النيوتوني - كقانون ~~الجاذبية مثلا - إن تكن صادقة على محيطنا الأرضي المحدود، ~~فهي غير صادقة على الأبعاد الفلكية من جهة، ولا على الذرة ~~الصغيرة من جهة أخرى. ولكي نشمل بأحكامنا العلمية هذين ~~الجانبين أيضا فلا مندوحة لنا عن قوانين أخرى غير التي صاغها ~~نيوتن، والتي أقام كانت فلسفته على أساسها. وهذا وحده كاف ~~للدلالة على أن القوانين العلمية إنما تتغير لتقابل الظروف ~~المتغيرة، وليست هي بالمطلقة يمليها العقل الصرف ~~إملاء. # وعلم الهندسة في تطوره الحديث هو خير مثل يوضح لنا ~~كيف تم الفصل بين ما يبنيه العقل وحده غير معتمد على تجربة ~~خارجية، وبين ما هو واقع في الطبيعة؛ فقد لبثت هندسة إقليدس ~~منذ عصر اليونان لا ينافسها منافس في ميدانها، ولم يشك أحد ~~طوال القرون في أن نظريات تلك الهندسة الإقليدية - رغم كونها ~~استدلالات عقلية صرف - فهي مع ذلك وصف للطبيعة كما هي قائمة. ~~ومن ذا كان يتردد في أن كل مثلث في الطبيعة إنما يتصف ~~بما تقول الهندسة الإقليدية إن المثلث النظري يتصف به، ~~كأن يكون مجموع زواياه قائمتين وما إلى ذلك؟ كلا، لم يكن أحد ~~ليشك في أن هندسة إقليدس صحيحة من الوجهة الرياضية النظرية ~~ومن الوجهة الطبيعية التطبيقية على حد سواء، بل لم يكن أحد ~~ليظن أن هذا التطابق بين نتاج العقل وواقع الطبيعة أمر ~~يثير الدهشة أو يحتاج إلى برهان. والفضل يرجع إلى عمانوئيل ~~كانت في أن الأمر يستوقف النظر ويستوجب البحث. نعم إن كانت ~~نفسه لم ms342 يشك في قيام هذا التطابق بين الجانبين، لكنه على الأقل ~~نبه الأذهان إلى أنه يحتاج إلى تفسير، وكان تفسيره هو نفسه ~~مرتكزا على ما أسماه بالقضية «التركيبية القبلية»، وبتحليله ~~لكيفية تكوين هذا النوع من القضية التي يعتمد مضمونها على ~~التجربة، ومع ذلك يحكم الإنسان بصدقها بغض النظر عن ~~التجربة. # لكن الأمر تغير حين بدا لعلماء الرياضة أخيرا أن ~~يغيروا من فروض إقليدس - التي يبني عليها نظرياته - ليروا ~~ماذا تكون نتائج هذا التغيير، ولفت أنظارهم بصفة خاصة الفرض ~~الذي يقول إن من نقطة معينة خارج خط مستقيم يمكن رسم خط ~~واحد فقط لا يتقاطع مع ذلك الخط الأول، وأما سائر الخطوط فلا ~~بد أن تتقاطع معه في موضع ما من المكان (وليلاحظ القارئ أن ~~النظرية التي تجعل زوايا المثلث قائمتين ناتجة عن هذا ~~الفرض)، أقول إن هذا الفرض قد لفت أنظار الرياضيين أخيرا، ~~ونخص بالذكر منهم «جون بولياي» المجري (1802-1860م)، ~~و«لوباتشفسكي» الروسي (1793-1856م) و«جوس» الألماني (1777-1855م) ~~و«ريمان» الألماني (1826-1866م)، # 5 # فهؤلاء جميعا قد بينوا إمكان الاستغناء عن ~~الفرض الذي جعله إقليدس بين فروضه التي لا بد من تصدير بنائه ~~الرياضي بها؛ إذ بينوا أن من نقطة معينة يمكن رسم أكثر من ~~خط واحد مواز لخط آخر؛ ومن هنا نشأت عدة هندسات غير هندسة ~~إقليدس، تختلف فيما بينها باختلاف ما يضعه الرياضي مكان هذا ~~الفرض المحذوف. # بهذا تنشأ المشكلة التي تهمنا فيما نحن الآن بصدده، وهي ~~إذا كان من الجائز رياضيا أن نبني عدة هندسات، ثم إذا ~~كانت إحدى هذه الهندسات فقط هي التي تطابق الطبيعة الخارجية، ~~فأيها يكون؟ افرض مثلا أن زوايا المثلث مجموعها في إحدى ~~الهندسات يساوي قائمتين، وفي هندسة أخرى يساوي أكثر من ~~قائمتين، وفي هندسة ثالثة يساوي أقل من قائمتين، فكيف نعرف ~~أي هذه الهندسات الثلاثة هو الذي يصف المكان الطبيعي ~~الخارجي حين تحدده ثلاثة أضلاع؟ أهو العقل الذي يهدينا أي ~~هذه الهندسات ينطبق على الطبيعة؟ كلا؛ فالهندسات الثلاثة من ~~بناء العقل على حد سواء، إنما هي المشاهدة ms343 التجريبية التي ~~تقرر لنا ما ينطبق من نظريات الرياضة البحت وما لا ~~ينطبق. # لكن كيف تتم هذه المشاهدة التجريبية؟ أتقول - مثلا - إنها ~~مشاهدة لعمليات قياسية نقوم بها، فنقيس الأطوال والأبعاد ~~والمساحات على الطبيعة لنرى ما هنالك؟ نعم، غير أن المشكلة هنا ~~أعقد مما تظن، فكيف تقيس البعد بين نقطتين - مثلا - على ~~الطبيعة؟ أتقيسه بوحدة قياسية كالمتر أو الميل أو ما شئت؟ لكن ~~كيف تعلم أن الوحدة القياسية - المتر مثلا - لا يغير طوله ~~حين تنقله من مكان إلى مكان؟ كيف تعرف أنك إذا قست به ~~طولا هنا على الأرض، ثم حدث أن قست به طولا هناك على سطح ~~القمر، ظل ثابتا في كلتا الحالتين لا ينقص ولا يزيد؟ ألا ~~يجوز أن يكون انتقال الوحدة القياسية من مكان إلى آخر عاملا ~~على تغير طولها، أم تقول إنك ستستوثق من ثبات الوحدة على ~~حالها في الظروف المختلفة بأن تلجأ إلى ضبطها بوحدة أخرى؟ لكن ~~هذه الوحدة الضابطة تقع في نفس المشكلة من جديد؛ لأنك ستضبط ~~بها طول المتر هنا، ثم تنقلها معك لتضبط بها طول المتر هناك، ~~وفي انتقالها هذا قد تتعرض لنفس ما كانت الوحدة القياسية ~~الأولى قد تعرضت له من تغير في طولها بسبب التغير في ~~مكانها. # كلا، إنه محال علينا أن نعلم على سبيل اليقين المطلق بأن ~~بعدين في مكانين مختلفين متساويان؛ لأن انطباق وحدة قياسية ~~معينة عليهما في مكانيهما المختلفين لا يضمن لنا هذا ~~التساوي؛ إذ - كما قلنا - قد يكون من شأن الوحدة القياسية أن ~~تغير من طولها في انتقالها من مكان إلى مكان، وليس ثمة ~~وسيلة لضبط هذا التغير ومقداره، فما حيلتنا إذن؟ # لا حيلة لنا سوى أن نفرض فرضا اتفاقيا بأنه إذا انطبقت ~~الوحدة القياسية المعينة على بعدين في مكانين مختلفين، ~~عددناهما متساويين بحكم الاتفاق لا بحكم الحقيقة الواقعة ~~المطلقة. افرض أنك قست ارتفاع شخص فوجدته مترا وثلاثة ~~أرباع المتر، ثم افرض أن كل ما في العالم قد زاد خمسة أمثاله ~~بنسبة واحدة، فهل في وسعك أن ms344 تعلم ذلك؟ كلا؛ لأنك ستقيس ~~الشخص نفسه بالمتر وستجده كما كان بالأمس مترا وثلاثة أرباع ~~المتر، وليس هنالك من ضابط يبين لك إن كانت الوحدة القياسية ~~قد تغيرت أم لبثت على ما كانت عليه بالأمس؛ لأن الوحدة ~~الضابطة نفسها سيطرأ عليها التغير نفسه؛ وإذن فمحال على ~~الإنسان أن يعلم إن كانت الأشياء اليوم محتفظة بنفس أطوالها ~~وأبعادها بالأمس، أم زادت كلها بنسبة واحدة أو نقصت كلها بنسبة ~~واحدة؛ وإذن فلم يبق أمامه سوى أن يفرض على سبيل الاتفاق أن ~~أطوال اليوم هي نفسها أطوال الأمس. # وما معنى ذلك كله؟ معناه أن الطبيعة كما هي قائمة فعلا لا ~~يمكن الحكم عليها حكما مطلقا، بل إن أحكامنا عليها «نسبية» ~~تتوقف على أسس نتفق عليها اتفاقا؛ فالأبعاد المتساوية هي ~~ما نقول نحن عنه إنه أبعاد متساوية، حين نفرض لأنفسنا فرضا ~~أن الوحدة التي نقيس بها التساوي لا تتغير بتغير ظروفها. ~~وهذا هو «المبدأ الاتفاقي» في المنهج العلمي الذي يقول به هنري بوانكاريه # 6 # وكثيرون غيره من المحدثين والمعاصرين. # ونعود إلى سؤالنا: كيف يمكن - إزاء الهندسات الكثيرة القائمة ~~- أن نعلم أيها ينطبق على الطبيعة الخارجية؟ والجواب هو: إن ~~العلم بذلك علما مطلقا محال، والأمر بعد ذلك متوقف على ~~اختيارنا نحن؛ فإذا قسنا زوايا مثلث في الطبيعة، أضلاعه أشعة ~~ضوئية، وأركانه أجسام فلكية فسيحة الأبعاد بعضها عن بعض، ثم ~~وجدنا مجموع الزوايا منحرفا عن قائمتين إما بالزيادة أو ~~بالنقص؛ فلا فرق عندئذ بين أن تقول إن هندسة إقليدس هي التي ~~تنطبق على العالم، وما انحراف مجموع زوايا المثلث الذي قمت ~~بقياسه إلا نتيجة لتغيرات تطرأ على أشعة الضوء وعلى وحدات ~~القياس، أو أن تقول إن الهندسة اللاإقليدية هي التي تنطبق على ~~العالم؛ لأن أشعة الضوء ووحدات القياس لا تتعرض للتغير؛ ~~فكلا هذين القولين سواء. وإنه لمما يجدر ذكره في هذا ~~الصدد أن أينشتين - بنظريته في النسبية العامة - يجعل هندسة ~~الأبعاد الفلكية هندسة لا إقليدية، وهندسة الأبعاد الأرضية ~~هندسة إقليدية؛ لأن الانحراف في الأبعاد الأرضية يبلغ ms345 من ~~الصغر حدا يستعصي على الملاحظة وعلى القياس؛ وإذن فمن ~~الممكن إهماله؛ فإن كان المثلث - مثلا - مرسوما على الأرض، ~~جاز لنا أن نطبق عليه هندسة إقليدس ونقول إن زواياه تساوي ~~قائمتين، وأما إن كان الثلث مكونا من أشعة ضوئية فسيحة ~~الأبعاد، فالانحراف عن هذا المقدار عندئذ يبلغ حدا لا يمكن ~~تجاوزه؛ وبالتالي يتحتم أن نطبق عليه هندسة غير هندسة ~~إقليدس. # ومؤدى ذلك في تصورنا للمكان هو ألا نجعل المكان ترتيبا ~~ثابتا مطلقا للأشياء الطبيعية بحيث يمكن الحكم عليه بحكم ~~ثابت لا يتغير، كلا ولا هو بالحقيقة الذاتية التي تنبع من ~~نفس الإنسان، بل هو أمر يتوقف على المشاهدة وعلى اتفاقات ~~يتواضع عليها رجال العلم في قراءة تلك المشاهدة، وللرياضي ~~بعد ذلك أن يبني بعقله المحض ما شاء من بناء هندسي، لكن عالم ~~الطبيعة مضطر ألا يأخذ بتلك الهندسة العقلية والرياضية كما ~~هي بحذافيرها، ويتصور العالم الطبيعي قائما على أساسها هي ~~وحدها؛ وإذن فليس صدق الهندسة على الطبيعة أمرا مفروغا ~~منه كما ظن «كانت»، بحيث راح ينفق جهده كله في تفسيره دون ~~أن يتشكك فيه. # ولقد ضربنا بالهندسة مثلا لشدة الصلة بينها وبين الفلسفة في ~~تاريخها الطويل، حتى ليجوز لنا أن نقول إنه لو كانت الهندسة قد ~~تغيرت لتغيرت الفلسفة تبعا لها؛ فما أكثر الفلاسفة منذ ~~اليونان، الذين اتخذوا من علم الهندسة نموذجا يحتذونه في ~~بناءاتهم الفلسفية، ولم لا يفعلون وهم من ذلك العلم الرياضي ~~بمثابة من يقف إزاء حقيقة لا يتطرق إلى صدقها شك، وهي ليست ~~حقيقة عقلية نظرية فحسب، بل هي أيضا حقيقة طبيعية؛ ومن ثم ~~كانت قوة الفلاسفة العقليين في تاريخ الفلسفة وكان هزال ~~الفلاسفة التجريبيين؛ لأن الأولين إنما كانوا ينسجون على ~~غرار علم ثابت ويقيني، وأما الآخرون فكانوا يعتمدون على ~~مشاهدة الحواس، وهي ليست بمثل هذا اليقين ولا ذلك الثبات. ولم ~~ينكشف موضع الخطأ في هذا كله إلا حين تبين في عصرنا الحديث ~~أن صدق الرياضة صدق تحليلي صرف، ولا شأن له بالطبيعة ~~وكيف تكون؛ فإذا كان ms346 في مستطاع الرياضي أن يستند في إقامة ~~البرهان على نظرياته إلى بديهيات، فليس في مستطاعه أن يبين ~~أن هذه البديهيات نفسها صادقة على أمور الواقع؛ وإذن فلتكف ~~الرياضة عن التحدث عن الطبيعة، وليترك هذا للتجربة ~~وحدها؛ وبهذا فقد الفلاسفة العقليون حليفهم القوي، وزال من ~~طريق الفلاسفة التجريبيين أكبر عائق كان يعترض سبيلهم. # ولو حدث هذا الكشف أيام اليونان لتغير التفكير الفلسفي كله ~~منذ ذلك الحين، ولم يكن مستحيلا أن يكون بين تلاميذ إقليدس ~~شاب من قبيل «بولياي» يعترض على أستاذه قائلا: ألا يجوز أن ~~نغير من الفروض فتتغير النظريات تبعا لذلك؟ فعندئذ كان ~~لا بد أن يؤدي بهم البحث إلى أن صدق نظريات إقليدس ~~معتمد على قيام فروضها، وأنه لا يجوز - بناء على ذلك - أن ~~نقول عنها إنها الهندسة التي لا هندسة سواها في وصف العالم ~~الواقع. # لو كان شيء كهذا حدث في عهد اليونان، لما طفق أفلاطون يبحث ~~عن الحقائق الثابتة التي تقابل الحقائق الرياضية الثابتة، ~~ولما تشكك المتشككون في صدق المعرفة التجريبية لعدم ~~تحقق اليقين الرياضي فيها، ولما جاهد فلاسفة العصور الوسطى ~~لتأييد اللاهوت ببراهين عقلية تشبه البراهين الرياضية، ولما ~~أخرج سبينوزا كتابه المسمى «أخلاق» مقيما لبنائه على ~~غرار المنهج الهندسي بلا تحوير ولا تغيير، ولما لقي ~~«كانت» ما لقيه من عناء في «نقد العقل الخالص» ليبين به ~~كيف تكون قوانين العلوم عقلية يقينية من جهة وتجريبية تطبيقية ~~من جهة أخرى؛ لأنه كان سيعلم أن مثل هذا الاقتران غير قائم؛ ~~وبالتالي فهو بغير حاجة إلى سؤال. ~~••• # ويكمل هذه النسبية في المكان نسبية في الزمان؛ فما وسيلتنا ~~إلى الحكم على فترتين زمانيتين بأنهما متساويتان بغض النظر عن ~~الحالة النفسية عند من يقيسهما؟ إننا نحكم على فترتين ~~بالتساوي بناء على ساعاتنا، وهذه الساعات نضبطها على ساعة في ~~المرصد مثلا نتخذها معيارا لنا نرجع إليه، ولكن كيف تضبط ~~ساعة المرصد؟ يضبطها الفلكيون على مواضع النجوم وحركاتها؛ ~~لأن هذه الحركات وتلك المواضع هي التي تعكس لنا حركة الأرض في ~~دورانها حول نفسها ms347 وحول الشمس؛ وإذن فدوران الأرض هو في ~~النهاية الساعة القياسية، ولكن ماذا يضمن لنا أن يكون دوران ~~الأرض من الاطراد والانتظام بحيث نجزم أن فترات انتقالها من ~~موضع معين إلى نفس هذا الموضع مرة أخرى هي فترات متساوية ~~فتصلح أن تكون مرجعا في القياس الزمني؟ إننا إذا جعلنا ~~اليوم هو الفترة الممتدة من نقطة الزوال إلى نقطة الزوال ~~الذي يليه، كانت الأيام غير متساوية الطول؛ وبالتالي فهي لا ~~تصلح وحدات زمانية متساوية، والذي يحدث اختلافا في أطوال ~~هذه الوحدات هو أن فلك الأرض حول الشمس بيضي الشكل؛ فالأرض ~~تكون في بعض مواضعها أقرب إلى الشمس منها في بعض مواضعها ~~الأخرى، ولهذا أثره في دورانها. والفلكيون على علم بهذه ~~الانحرافات؛ ولذلك تراهم لا يتخذون من الزمن الشمسي مقياسهم ~~الأخير، بل يلجئون إلى نجم أكثر بعدا من الشمس، وهذا البعد ~~الشاسع يجعل اتجاه الأرض بالنسبة له ثابتا نسبيا، ولكنا إذا ~~أردنا الدقة المطلقة فالزمن النجمي نفسه ليس مطلق الثبات ~~ولا كامل الاطراد؛ لأن محور الأرض في دورانها لا يثبت على ~~اتجاه واحد، بل يميل هنا وهناك كما يتذبذب محور الخذروف وهو ~~يدور. # ومن المشاكل المنهجية في هذا الصدد أن علماء الطبيعة إذ ~~يهمون بصياغة قوانين الحركة وسرعة الأجسام، إنما يعتمدون ~~بطبيعة الحال على قياس ثابت للزمن، لكننا إذا عدنا فسألنا: ~~وكيف عرفت أن هذا القياس الزمني ثابت؟ كان الجواب: هو ثابت ~~لأنه هو القياس الذي تصدق عليه قوانين العلم الطبيعي. وفي ~~هذا دور؛ فمعرفة قياس ثابت للزمن تتوقف على معرفته قوانين ~~الطبيعة، ومعرفة قوانين الطبيعة بدورها متوقفة على معرفة قياس ~~ثابت للزمن. # ولا مخرج من هذا الدور إلا بالاعتراف بأننا إذ نقول عن ~~فترتين من الزمن إنهما متساويتان، فلسنا بذلك نزيد على قولنا ~~إننا قد اتفقنا على أن يكون معني التساوي الزمني هو كذا وكذا، ~~ولا حاجة لنا بعد ذلك بأن نسأل إن كان هذا التعريف الاتفاقي ~~هو وصف للحقيقة الواقعة المطلقة أو ليس كذلك؛ لا يجوز لنا ~~أن نسأل: هل الوحدة ms348 الزمنية التي يستند إليها الفلكيون في ~~قياس الزمن هي مطردة حقا؟ إذ نكتفي بأن يكون ذلك على ~~سبيل التعريف الذي نأخذ به. نعم يكفينا أن نتواضع معا على نوع ~~من الزمن نختاره، كظهور نجم معين مرتين متتاليتين مثلا، ~~ونجعله معيارا نقيس إليه سائر الفترات الزمنية؛ وإذن فالزمن ~~قياسه نسبي لا مطلق؛ إذ يقاس على وحدة معيارية نحن ~~الذين جعلناها معيارا فرضنا فيه الثبات. # ولنترك الآن مشكلة قياس الزمن لنسأل سؤالا آخر عن ترتيب ~~لحظات الزمن ترتيبا يجعل منها ما هو سابق وما هو لاحق؛ فكيف ~~نعرف أن حادثة أسبق في الزمن من حادثة؟ لا تقل إننا نلجأ في ~~ذلك إلى ساعاتنا؛ لأن هذه الساعات أدوات لقياس الزمن، ولا بد ~~أن يكون الزمن مستقلا عن أدوات قياسه، فلا بد أن تكون هناك ~~وسيلة أخرى نستدل بها على تتابع لحظات الزمن. إنه ليقال ~~أحيانا إن في الظواهر الطبيعية نفسها ما يدل على نوع من ~~الترتيب الزمني؛ فنمو البذرة في شجرة وتفاعل العناصر ~~الكيماوية في مركب واحد وأمثالها، تبين اتجاها في السير ~~لا ينعكس؛ فالشجرة لا تعود فتصبح بذرة من جديد، والمركب ~~الكيماوي لا يعود من حالة التركيب إلى حالة التحليل، ولكننا ~~ينبغي أن نتذكر هنا أن حكمنا على هذه الظواهر كلها باتجاه ~~واحد في سيرها إنما هو نتيجة المشاهدة، وليس هناك ضرورة عقلية ~~تحتم أن يكون هذا وحده هو طريق السير؛ وإذن فإذا قلنا عن لحظات ~~الزمن إنها مرتبة سابقا فلاحقا، وإن هذا الترتيب لا ينعكس، ~~مهتدين في ذلك ببعض الظواهر الطبيعية وطريق سيرها، فإنما نقول ~~شيئا نسبيا، ينسب الأمور بعضها البعض، دون أن يكون لها ما ~~يفرض علينا صدقها بصورة مطلقة. # ومن المشكلات الهامة التي أثارها أينشتين في نسبية ~~الزمن، تحديد «الآنية» ما هو؛ ماذا نعني حين نقول عن حادثتين ~~وقعتا في مكانين متباعدين إنهما وقعتا في آن واحد؟ ~~إنهما تكونان كذلك إذا لم تكن إحداهما لا قبل ولا بعد الأخرى، ~~ولكن ما وسيلتنا إلى معرفة ذلك؟ # إنك لكي تعرف أن ms349 حادثة وقعت في مكان بعيد عنك، لا بد لك من ~~رسالة أو إشارة تأتيك من هناك لتدلك على أن تلك الحادثة قد ~~وقعت، كما يأتي صوت الرعد وضوء البرق، لكن وصول هذه الإشارات ~~إلى حواسك لم يكن في نفس اللحظة التي وقع فيها الحادث؛ إذ لا ~~بد للإشارة الصوتية أو الضوئية من زمن تستغرقه في الانتقال من ~~مكان وقوع الحادثة إلى مكان استقبالها، فكيف تقيس سرعة انتقال ~~هذه الإشارات؟ ولنحصر سؤالنا فنقول: كيف نقيس سرعة الضوء؟ هل ~~نرسل إشارة ضوئية من مكان إلى مكان آخر، ثم نسجل زمن ~~صدورها وزمن وصولها لنعرف المدة المستغرقة في انتقالها، ~~ونقسمها على المسافة بين المكانين فتكون السرعة؟ لكن ذلك يقتضي ~~أن تكون هنالك ساعتان؛ إحداهما عند مكان الإرسال وأخرى عند ~~مكان الوصول، ولا بد من ضبط الساعتين إحداهما على الأخرى لنعرف ~~أنها يدلان دلالة واحدة على طول فترة من الزمن، وهذا نفسه ~~يقتضي أن نعرف كيف نحدد الآنية لحادثين يقعان في مكانين ~~متباعدين. وهكذا نقع في الدور، أردنا أن نحدد معنى ~~الآنية فلجأنا إلى قياس سرعة الضوء، ثم أردنا قياس سرعة ~~الضوء فلجأنا إلى الآنية. # هنا قد يقال: ولماذا نستخدم ساعتين لتسجيل وقت إرسال ~~الإشارة الضوئية ووقت وصولها؟ لماذا لا نستخدم ساعة واحدة، ~~فنرسل شعاعا من الضوء من مكان ما ونجعله ينعكس على مرآة في ~~المكان الآخر فيرتد إلينا؟ وبهذا فمن نقطة واحدة نستطيع أن ~~نسجل بساعة واحدة لحظة الإرسال ولحظة وصول الشعاع المرتد، ~~ونقسم المدة بين اللحظتين نصفين، فيكون نصف المدة قد ~~استغرق في وصول الإشارة الضوئية من مكان إصدارها إلى مكان ~~وصولها؛ وبهذا نستخرج سرعة الضوء. قد يقال هذا، ولكن في هذا ~~افتراضا بأن سرعة الضوء في الذهاب هي نفسها سرعتها في الإياب، ~~مع أنه لا وسيلة لدينا لمعرفة ذلك، ولو أردنا معرفة تساوي ~~السرعة في الاتجاهين فلا بد من ساعة ثانية توضع في مكان ~~الوصول؛ ومن ثم نعود إلى المشكلة التي اعترضتنا منذ ~~حين. # إننا إذ نرى لمعة البرق نفرض في ms350 شيء من التجوز أن لحظة ~~استقبالنا للمعة الضوء هي نفسها لحظة إرسالها، معتمدين في ذلك ~~على أن الضوء أسرع جدا من أن يكون لزمن انتقاله من موضع ~~السحاب إلينا أثر ملحوظ؛ فإذا أردنا بعد ذلك أن نقيس سرعة ~~الصوت - صوت الرعد - حسبنا الفترة بين رؤيتنا للمعة ضوء ~~البرق وبين سمعنا للصوت، وجعلناها هي الفترة التي استغرقها ~~الصوت في انتقاله من السحاب إلينا، وقسمنا الزمن على المسافة ~~فيكون لنا بذلك سرعة الصوت؛ أي إننا نعتمد في حساب سرعة الصوت ~~على وصول إشارة الضوء إلينا. # ولو كان في الطبيعة نوع آخر من الإشارات أسرع من الضوء نفسه ~~بدرجة كبيرة، بحيث إذا جاءتنا إشارة منها من مصدر بعيد جاز ~~لنا أن نهمل زمن انتقال الإشارة من مصدرها إلينا، وأن نجعل ~~زمن وصولها هو نفسه زمن انبعاثها، أقول لو كان هنالك إشارات ~~كهذه أسرع من الضوء لأمكن أن نقيس سرعة الضوء إليها، لكن ~~الضوء هو أسرع ما في الطبيعة؛ وإذن فليس هنالك ما نقيس إليه ~~سرعة الضوء، بحيث لو فرضنا أننا أرسلنا إشارة ضوئية إلى ~~المريخ ثم انعكست إلينا، ثم لو فرضنا أن الإشارة في ذهابها ~~وإيابها قد استغرقت عشرين دقيقة مقيسة بساعاتنا على الأرض، ~~لما استطعنا أن نعرف معرفة مطلقة الصدق متى وصلت ~~إشارتنا إلى المريخ؛ إننا لا نستطيع ذلك لأنه لا يجوز لنا ~~أن نقول إنها ذهبت في نصف المدة وعادت في نصف المدة الآخر؛ إذ ~~لا يجوز لنا أن نفرض أن سرعة الضوء في ذهابه هي نفسها سرعته في ~~إيابه؛ ومعنى ذلك أن لحظة الوصول إلى المريخ قد تكون أي ~~لحظة في العشرين دقيقة؛ فقد يكون الذهاب قد تم في خمس دقائق ~~والإياب في خمس عشرة، وقد يكون الذهاب في عشر والإياب في عشر، ~~وقد يكون الذهاب في خمس عشرة والإياب في خمس وهكذا؛ فليس إذن ~~في وسعنا أبدا أن نقول عن أية حادثة مما قد وقع على الأرض ~~خلال العشرين دقيقة إنها متآنية مع لحظة وصول الإشارة ~~الضوئية إلى المريخ؛ ms351 وهذا هو ما يسميه أينشتين بنسبية ~~الآنية. وخلاصة القول أنه ليس في الكون زمن مطلق بحيث ~~نقول عن الكون كله معا إنه في لحظة زمنية واحدة؛ أي إنه كله ~~في آنية؛ لأن هذه الآنية نفسها نسبية. # المكان والزمان كلاهما نسبيان، فليس هذا ولا ذاك كائنا ~~مطلقا ذا حقيقة ثابتة، بل وليسا نسبيين بمعنى أنهما ~~ذاتيان يحسهما كل منا على نحو خاص به، بل هما ~~نسبيان بمعنى آخر، وهو أنه من الممكن عقلا أن نرتب ~~الحوادث على عدة صور زمنية وعدة نسقات من الترتيب ~~المكاني، أما أي هذه الصور والنسقات هو الذي يطابق الواقع ~~فعلا، فأمر موكول للتجربة وحدها . # 3 # حل الاحتمال محل اليقين في العلوم الطبيعية (راجع الفقرة ~~4 من الفصل السابع)، وأثبت التحليل الحديث أن يقين الأحكام ~~الرياضية ناشئ من كون هذه الأحكام تكرارية لا تضيف شيئا في ~~النتائج عما كان متضمنا في المقدمات (راجع الفصل السادس). ~~وأظهر التطور أن العالم متغير أبدا؛ فهو فعل دائب وليس ~~هو بالحالة السكونية التي تخيلها أفلاطون في عالم المثل. ~~وجاءت النسبية والطبيعة الذرية في عصرنا الحديث فقضت ~~على كل تصور يجعل من الكون حقيقة مطلقة في طبيعته أو في ~~مكانه وزمانه. # وكذلك الأمر في عالم القيم الجمالية والأخلاقية؛ فقد زال ~~عنه سراب اليقين الرياضي الذي كان الفلاسفة يلتمسونه فيه، ~~وكشف التحليل المنطقي للأحكام الدالة على قيم أنها ليست ~~من المعرفة إطلاقا، فضلا عن أن توصف بما يوصف به أدق ~~أنواع المعرفة من يقين. # وأول من حاول من الفلاسفة أن يسلك الأخلاق مسلك ~~العلوم الرياضية اليقينية هو سقراط، الذي لم يدخر وسعا ~~في بيان الجانب العلمي من الفضيلة؛ فليست هي بالأمر الذاتي ~~الذي تشكله الأهواء كيف شاءت، بل هي - كعلم الهندسة سواء ~~بسواء - يمكن استدلالها استدلالا منطقيا من البديهيات كما ~~قد فعل إقليدس في الهندسة؛ فالفضيلة عنده علم والرذيلة جهل؛ ~~بمعنى أنك تستطيع أن تعرف الشجاعة - مثلا - كما تعرف ~~المثلث، ومن التعريف تستخرج كل ما يترتب عليه، وحيث يقع ~~الخطأ في هذه العملية ms352 العقلية يكون الضلال عن الجادة ~~المستقيمة ويكون ما نسميه بالرذيلة، أما إذا استقام المنطق ~~من أول الشوط إلى آخره فيستحيل ألا يؤدي بصاحبه - في ~~الأخلاق وفي الرياضة على السواء - إلى نظريات صحيحة؛ وبالتالي ~~إلى سلوك صحيح. وكما أن النظريات الهندسية الصحيحة صحيحة ~~بالنسبة للبشر أجمعين أيا ما كان زمانهم ومكانهم، فكذلك ~~النظريات الخلقية الصحيحة صحيحة بالنسبة للبشر أجمعين في كل ~~مكان أو زمان. # ولقيت هذه المماثلة بين الأخلاق من جهة والهندسة من جهة ~~أخرى تأييدا قويا على يدي سبينوزا (1632-1677م)، الذي ~~أخرج كتابه «الأخلاق» # 7 # على غرار كتاب الهندسة لإقليدس خطوة خطوة؛ فتراه ~~يبدأ - كما يبدأ إقليدس - بطائفة من تعريفات، ثم يعقب عليها ~~بمجموعة من البديهيات، وبعد ذلك يستنتج ما يترتب على تعريفاته ~~وبديهياته من نتائج. وهكذا جاء سبينوزا متمما للمذهب ~~السقراطي في منهج الأخلاق وإقامته على أساس المنهج الرياضي حتى ~~ينتهي الأمر في كلتا الحالتين إلى نتائج مطلقة الصدق؛ فلا ~~فرق بين أن يأخذ الأستاذ بيد تلميذه في علم الهندسة خطوة ~~خطوة حتى يتبين له في يقين أن كل مثلث مهما تكن صورته يمكن ~~أن ترسم فيه دائرة تمس أضلاعه، لا فرق بين هذا وبين أن ~~يأخذ الأستاذ بيد تلميذه في الأخلاق خطوة خطوة حتى يتبين له ~~في يقين أيضا أن الوفاء بالعهد أمر محتوم مهما تكن الظروف ~~القائمة؛ ففي كلا الأمرين يرتد التلميذ بمعونة أستاذه إلى ~~مبدأ يدرك بالبداهة. # لكن الفضل يرجع بعد ذلك ل «كانت» في إبراز مشكلة هذه ~~البديهيات نفسها، كيف أمكن للإنسان أن يحكم بصدقها على الواقع؟ ~~إنه إذا كانت النظريات التي ينتهي إليها الاستنباط تستند في ~~برهان صدقها على الأصل الذي استنبطت منه، فماذا نقول في ~~هذا الأصل نفسه؟ وهنا يجيب «كانت» جوابه المشهور بأن بديهيات ~~الأخلاق هي كبديهيات الرياضة وعلم الطبيعة على السواء، ~~«تركيبية قبلية» معا؛ أي إنها تخبر عن العالم الخارجي، ~~وفي الوقت نفسه يكون صدقها ضروريا عند العقل. وقد كتب ~~«كانت» كتابه «نقد العقل الخالص» ليبين هذه الحقيقة ~~بالنسبة لعلمي الرياضة ms353 والطبيعة، ثم كتب كتابه «نقد العقل ~~العملي» ليبينها بالنسبة للأخلاق؛ ففي هذا الكتاب يوضح ~~الفيلسوف كيف ترتد الأفعال الخلقية إلى بديهية أولية هي ~~التي يطلق عليها اسم «الأمر المطلق»، وهو: «افعل بحث يصلح ~~فعلك أن يكون مبدأ لتشريع عام.» أي إن الأمر المطلق يقضي ~~بأن يفعل الإنسان أفعاله بحيث لو فعل كل البشر أفعاله هذه ~~لما ترتب على هذا التعميم شيء من تناقض؛ فبناء على ذلك - ~~مثلا - لا يجوز لإنسان أن يكذب؛ لأنه لو كذب الناس جميعا ~~لانتفى أن يسمع أحد لأحد أو أن يثق أحد في أحد؛ وبالتالي ~~يبطل المجتمع من أساسه. وليس لنا أن نسأل: ولماذا نطيع هذا ~~الأمر المطلق ؟ والجواب هو: لأن طاعته هي نفسها طاعتنا للعقل؛ ~~إذ إن الخروج على الأمر المطلق هو في الوقت نفسه وقوع في ~~نتائج متناقضة، والعقل يأبى التناقض. الأمر المطلق في الأخلاق ~~هو في منزلة البديهيات في الرياضة وفي علم الطبيعة، يرى العقل ~~صدقها بحدسه، فيرى ذلك الصدق فيها أمرا ضروريا. # وهكذا يبلغ تشبيه الأخلاق بالعلوم، والتماس الأحكام ~~اليقينية المطلقة فيهما معا على حد سواء، حده الأقصى على ~~يدي «كانت»، ولكن فات «كانت» وغيره من الآخذين بضرورة ~~الأحكام الخلقية أن هذه المماثلة بين الأخلاق والعلوم ~~سينتهي بها الأمر إلى وبال على الأخلاق نفسها؛ فقد عرضنا ~~على القارئ خلال هذا الكتاب كيف أظهر التحليل المنطقي الحديث ~~استحالة أن تكون الجملة الواحدة تركيبية وقبلية في آن ~~معا؛ لأنها إذا كانت تركيبية - أي إخبارية - فيستحيل أن تكون ~~عندئذ ضرورية الصدق، وهي إذا كانت قبلية - أي ضرورية الصدق ~~- فيستحيل أن تكون في الوقت نفسه حاملة خبرا عن العالم؛ فإن ~~كانت قضايا العلوم الطبيعية تخبرنا عن العالم كيف تقع ظواهره، ~~فليست تلك القضايا بضرورية الصدق؛ بمعنى أن العقل يمكنه أن ~~يتصور قيام نقيضها؛ وإن كانت قضايا العلوم الرياضية ضرورية ~~الصدق بمعنى أن العقل لا يمكنه تصور نقيضها، فهي لا تخبر ~~أبدا بشيء عن العالم؛ وبناء على ذلك فإن المبدأ الأخلاقي إن ~~كان شبيها بقضايا العلوم الطبيعية ms354 فليس هو ضروري الصدق، وإن ~~كان شبيها بقضايا العلوم الرياضية في ضرورة صدقها فليس هو ~~بالقائل عن عالم السلوك شيئا؛ وفي كلتا الحالتين لا يكون ~~لمبادئ الأخلاق ما أراد لها الفلاسفة من صدق يقيني مطلق ~~يفرض نفسه على كافة أفراد البشر في كل مكان وفي كل ~~زمان. # كلا، ليست الأخلاق ومبادئها من قبيل المعرفة العلمية ~~بنوعيها الرياضي والطبيعي؛ فهذه المعرفة لا تصاغ على صورة ~~«أوامر» كما هي الحال في أوامر الأخلاق، وإن أصر الفلاسفة ~~على أن يماثلوا بين الأخلاق وبين العلم، كانت النتيجة ~~الحتمية لذلك زوال الأخلاق نفسها؛ لأننا عندئذ سنكتفي فيها ~~بالعبارات الوصفية، ونخرج منها جانب الأمر؛ أي إننا نكتفي ~~بأن نصف الطرائق التي يسلك بها هذا المجتمع أو ذاك في ظروف ~~حياتهم المختلفة دون أن نصف هذه الطرائق بقيمة معينة ~~فنقول إنها حسنة أو رديئة، مع أن صميم الأخلاق هو أن تكون ~~معيارية؛ أي أن تضع للناس ما «ينبغي» أن يكون، لا أن تكتفي ~~بمجرد وصف ما هو كائن، لكنها إن رسمت لنا ما «ينبغي» أن ~~يكون فقد خرجت عن نطاق العلم الموضوعي ودخلت في نطاق آخر من ~~الكلام، وهو الكلام الذي يعبر به الإنسان عن رغباته وآماله، ~~وفي ذلك قد يختلف الناس دون أن يكون في اختلافهم تناقض يأباه ~~العقل ومنطقه. # 8 ms355