######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.NazariyyatMacrifa.Hindawi74275191 #META# Tags: philosophy #META# ID: 74275191 #META# Title: نظرية المعرفة #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # تمهيد في تحديد المشكلة‏ # الباب الأول: طبيعة المعرفة‏ # 1 - طبيعة المعرفة عند الواقعيين‏ # 2 - طبيعة المعرفة عند البراجماتيين‏ # 3 - طبيعة المعرفة عند المثاليين‏ # الباب الثاني: مصدر المعرفة‏ # 4 - مصدر المعرفة عند التجريبيين‏ # 5 - مصدر المعرفة عند العقليين‏ # 6 - مصدر المعرفة عند النقديين‏ # 7 - مصدر المعرفة عند المتصوفة‏ # الباب الثالث: إمكان المعرفة وحدودها‏ # 8 - الاعتقاديون والشكاك‏ # 9 - حدود المعرفة الممكنة عند النقديين والوضعيين‏ # مقدمة‏ # تمهيد في تحديد المشكلة‏ # الباب الأول: طبيعة المعرفة‏ # 1 - طبيعة المعرفة عند الواقعيين‏ # 2 - طبيعة المعرفة عند البراجماتيين‏ # 3 - طبيعة المعرفة عند المثاليين‏ # الباب الثاني: مصدر المعرفة‏ # 4 - مصدر المعرفة عند التجريبيين‏ # 5 - مصدر المعرفة عند العقليين‏ # 6 - مصدر المعرفة عند النقديين‏ # 7 - مصدر المعرفة عند المتصوفة‏ # الباب الثالث: إمكان المعرفة وحدودها‏ # 8 - الاعتقاديون والشكاك‏ # 9 - حدود المعرفة الممكنة عند النقديين والوضعيين‏ # | نظرية المعرفة # | نظرية المعرفة # تأليف # زكي نجيب محمود # | مقدمة # تحليل «المعرفة» الإنسانية من شتى نواحيها، يوشك أن يكون هو الشغل الشاغل للفلسفة ~~منذ القرن السابع عشر حتى اليوم، أو هو - على الأقل - أهم مشكلة تناولتها الفلسفة في هذه ~~الفترة من تاريخها، ولو تتبع هذه المشكلة مؤرخ ليرى كيف نشأت، ثم كيف نمت وتطورت وتعددت ~~فيها الآراء وتشعبت المذاهب؛ لوجد نفسه متتبعا لتاريخ الفلسفة في عصرها الحديث. # لكنني في هذا الكتاب لم أتناول المشكلة على أساس تاريخي يجعل الأسبق منها في الظهور ~~الزمني أسبق كذلك في تناوله بالبحث، بل تناولتها على أساس الموضوعات المختلفة التي تعرضت ~~لها. وقد كان كل موضوع منها بمثابة سؤال ألقاه الفلاسفة على أنفسهم، ثم حاولوا الإجابة عنه ~~كل حسب مذهبه: فما طبيعة المعرفة؟ وما مصدرها؟ وما حدودها؟ # ولما كنت قد قصدت بهذا الكتاب إلى طلبة السنة الثالثة الثانوية من قسم الآداب - وهم أولئك ~~الذين يلتقون بالفلسفة في دراستهم لأول مرة - فقد حاولت جهدي أن أعرض الفكرة في عبارة سهلة ~~واضحة، مكتفيا من الموضوع بمعالمه الرئيسية، مجتنبا كل ما قد يعوق الفهم الواضح من تفصيل ~~أو استطراد أو إحالات إلى فلاسفة ms01 أو مؤلفات مما قد يجاوز مستطاع الطالب في هذه المرحلة ~~الأولية من دراسته الفلسفية. # وإني لآمل أن أكون قد وفقت إلى ما قصدت إليه. # زكي نجيب محمود # يناير 1956م # | تمهيد في تحديد المشكلة # ها أنا ذا جالس إلى جوار مكتبي، الورق أمامي والقلم في يدي، وعلى المكتب مصباح يضيء وساعة ~~تدق، وإلى يميني كتب أربعة، وإلى يساري نافذة أنظر خلالها فأرى سماء زرقاء، ونباتا ~~أخضر، وأسمع صوت المارة وجلبة العربات في الطريق. وهكذا كلما شخصت ببصري هنا أو هناك ~~أو أصخت بسمعي؛ رأيت شيئا أو سمعت صوتا، فأزداد علما بما يحيط بي. ثم ها أنا ذا أسند ~~رأسي إلى ظهر مقعدي صارفا نظري وسمعي عما يحيط بي الآن، مستعيدا بعض خبرات الماضي؛ ~~فترتسم في ذهني صور مما قد رأيت، وترد على خاطري معلومات كثيرة مما قد عرفت. فأنا ~~مزود بحصيلة من معارف جمعتها على مر الزمن من مشاهداتي المباشرة أو مما سمعته من الناس ~~أو ما قرأته، أو من استدلالات استنتجتها من تلك المشاهدات والقراءات. ولو وضعت مكاني ~~قطعة من حجر فيحيط بها ما كان يحيط بي من أشياء؛ لما أدركت أمامها ورقا أو أحست ~~بسطحها قلما، ولا رأت مصباحا يضيء، ولا سمعت ساعة تدق، ولما كان في مستطاعها أن ~~تستعيد شيئا من خبرات ماضيها؛ فقطعة الحجر، وإن تكن قد مرت بها أحداث كما تمر بي ~~الأحداث، وربما تركت فيها أحداثها آثارا كما تترك أحداثي في آثارا، إلا أنني «أعرف» ~~ما يحيط بي وما مر في خبرتي. وقطعة الحجر لا «تعرف». وسؤالنا الآن هو: ما طبيعة هذه ~~المعرفة؟ ما سبيل الإنسان إلى اكتسابها؟ وهل في وسعه أن يعرف كل شيء؟ أم أن لمعرفته ~~تلك حدودا تقف عندها، ولا تجاوزها؟ # فنظرية المعرفة عند الفيلسوف هي رأيه في تفسير المعرفة أيا ما كانت الحقيقة ~~المعروفة؛ فقد تكون الحقيقة المعروفة هي أن هذه الورقة التي أمامي لونها أبيض، أو أن ~~القاهرة تقع على خط عرض 30، أو أن شعاع الضوء إذا سقط على سطح ms02 مستو لامع فإن زاوية ~~سقوطه تساوي زاوية انعكاسه، أو أن سبعة مضروبة في ستة تساوي اثنين وأربعين. لكن هذه ~~الحقائق على اختلافها وتنوعها كلها تشترك في كونها أجزاء مما أعرف أو مما يعرف سواي، ~~فماذا يحدث في كل هذه الحالات على السواء بحيث يجعلها جميعا أجزاء من مجموعة واحدة هي ~~مجموعة معارفي؟ ما هي العناصر والشروط التي تتوافر في كل حالة من هذه الحالات التي أقول ~~عن نفسي فيها أنني «أعرف» كذا أو كيت، بغض النظر عن نوع الحقيقة الجزئية التي أعرفها في ~~هذه الحالة أو تلك؟ وإن كانت «المعرفة» في كل حالاتها هي علاقة تقوم بين الإنسان الذي ~~يعرف والشيء المعروف، فما تحليل هذه العلاقة وما تحديدها؟ ماذا يصلني بهذه الورقة التي ~~أمامي حين أقول: إنني «أعرف» أنها ورقة بيضاء؟ ماذا حدث خارجي وماذا حدث داخلي بحيث ~~عرفت عن الورقة البيضاء ما عرفت؟ إنني إذا حددت العلاقة القائمة بيني وبين الورقة ~~البيضاء حين أعرف عنها أنها ورقة بيضاء، فربما أكون بذلك قد انتهيت إلى تحديد العلاقة ~~التي تقوم بين الشخص العارف والشيء المعروف كائنا من كان ذلك الشخص كائنا ما كان ~~هذا الشيء، أو ربما وجدت أن نوع العلاقة القائمة بين العارف والمعروف يختلف باختلاف ~~أنواع المعرفة؛ فقد تكون هذه العلاقة في حالة معرفتي لحقيقة رياضية مختلفة عن العلاقة ~~في حالة معرفتي لحقيقة طبيعية: فمن ذا يكشف لنا عن هذا كله؟ هو الفيلسوف حين يجعل ~~«المعرفة» موضوع بحثه ... # وطبيعي أن يختلف الفلاسفة في الرأي عندما يدلون بآرائهم في طبيعة «المعرفة» ~~ومصدرها وحدودها. وسنحاول فيما يلي من صفحات أن نوجز لك أهم المشكلات التي تنشب عند ~~النظر في تحليل «المعرفة» وتفسيرها، وأهم الاتجاهات الفكرية إزاء تلك المشكلات. # وأهم المسائل التي يحاول الفيلسوف أن يعالجها في مشكلة المعرفة يمكن حصرها في هذه ~~الأسئلة الثلاثة: ~~(1) # ما طبيعة المعرفة بصفة عامة، بغض النظر عن نوع الحقيقة المعروفة؟ ~~(2) # ما هو المصدر الذي يستقي منه الإنسان معرفته؟ ~~(3) # هل في مستطاع الإنسان أن يتناول بمعرفته كل ms03 شيء بغير تحديد؟ أم أن لوسعه ~~حدودا؟ # وسنفرد لكل من هذه الأسئلة الثلاثة بابا نتتبع فيه الإجابات المختلفة التي أجاب ~~بها الفلاسفة عن السؤال كل حسب اتجاهه ومذهبه. # الباب الأول # | طبيعة المعرفة # الفصل الأول # | طبيعة المعرفة عند الواقعيين # (1) الواقعية الساذجة # السؤال المطروح أمامنا الآن هو هذا: ما هي المعرفة؟ ما تحليل الموقف الذي أقول ~~فيه إنني «أعرف» كذا وكذا؟ وعن هذا السؤال يجيب الإنسان المثقف العادي - مسوقا ~~إلى جوابه بإدراكه الفطري - قائلا: «المعرفة» هي «صورة» لما يجري في العالم من ~~وقائع وأحداث؛ فالحقائق الخارجية هي بمثابة الأصل، ومعرفتي إياها بمثابة الصورة، ~~فإذا نظرت إلى مكتبي هذا وقلت عنه إنه مستطيل السطح أو إنه بني اللون؛ فذلك ~~لأن هناك خارج نفسي شكلا مستطيلا ولونا بنيا لا دخل لي في حدوثهما، وكل ما ~~فعلته إزاءهما هو أنني نظرت إليهما «فعرفتهما» بمعنى أنهما قد «ارتسما» في ذهني كما ~~هما في عالم الواقع. # على هذا الأساس في فهم الأشياء وما يحدث لها يقوم التفاهم في الحياة العملية؛ ~~مما أدى ببعض الفلاسفة أنفسهم أن يفهموا «المعرفة» على الأساس نفسه، فيجعلوها ~~«تصويرا» لما يقع بغير حذف أو إضافة، فلا فرق بيني حين أنظر إلى مكتبي البني ~~المستطيل وبين آلة التصوير، كلانا يقوم بعملية واحدة، وهي أن يلتقط صورة يكون بينها ~~وبين أصلها شبه تام، وكلما ازددت دقة في الملاحظة كنت كآلة التصوير حين تزداد دقة؛ ~~إذ في كلتا الحالتين تكون الصورة المأخوذة عن الشيء المرسوم دقيقة الشبه بأصلها. ~~ومعنى التشابه هنا هو أن يكون لكل جزء من تفصيلات الشيء المرسوم جزء يقابله في ~~الصورة. # ولو عبر الإنسان عن معرفته بشيء ما في عبارة كلامية، كانت هذه العبارة وصفا ~~كاملا للشيء إذا ما اشتملت على ألفاظ بعدد ما في الشيء من عناصر وأجزاء، مضافا ~~إليها ألفاظ أخرى تصور العلاقات الكائنة بين تلك العناصر والأجزاء. خذ مثلا لذلك ~~هذا المصباح المضيء على مكتبي، فإنني إذ أقول - بعد أن أنظر إليه - إنني «أعرف» ~~أن على مكتبي مصباحا مضيئا، فإنما ms04 أعني بذلك أن قد ارتسمت في ذهني صورة ~~تطابق الشيء الواقع. وأستطيع التعبير عن هذه الصورة بعبارة كلامية تجيء وصفا ~~لما أعرفه فأقول: «مصباح مضيء على مكتبي.» فتكون كلمة «مصباح» مشيرة إلى المصباح، ~~وكلمة «مضيء» مشيرة إلى الضوء المنبعث منه، وكلمة «مكتبي» مشيرة إلى المكتب الذي ~~أمامي، وأما كلمة «على» فتشير إلى العلاقة الكائنة بين المصباح المضيء والمكتب. هذه ~~العبارة الوصفية إن هي إلا وضع لفظي للصورة الذهنية التي التقطتها بعيني، وهي ~~في الوقت نفسه عبارة صادقة لما بين أجزائها وأجزاء الشيء الخارجي من تقابل. ~~ومعنى ذلك أن هذه العبارة تصف ما في ذهني، وما في الخارج على حد سواء، فهي تصدق ~~على فكرتي وعلى الشيء الواقع في آن واحد. وإذن ففكرتي لا بد أن تكون صورة للشيء ~~الواقع فيها ما في الشيء من أجزاء وعلاقات. # ويترتب على هذا الرأي في «المعرفة» نتيجة هي أيضا مما يسلم به الإنسان العادي ~~تسليما لا يجد فيه مشقة ولا عسرا؛ لأنها كذلك مما يهدي إليه الإدراك الفطري، ~~وهي أن العالم الخارجي موجود بغض النظر عن وجودي؛ إذ هو موجود مستقلا عن ~~معرفتي إياه؛ فالمصباح المضيء على مكتبي قائم هناك، سواء اتجهت إليه ببصري لأراه أو ~~أقفلت عيني بحيث لا تراه، فالأمر ها هنا هو بذاته الأمر في آلة التصوير وما تصوره؛ ~~فالشيء المصور موجود سواء اعترضته آلة التصوير لتلتقط صورته أو لم تعترضه. بعبارة ~~أخرى: لا يتوقف وجود الشيء على كوني أعرفه، وإن أحدثت هذه المعرفة تغيرا ما؛ ~~فالتغير إنما يطرأ على الشخص العارف لا على الشيء المعروف؛ إذ يصبح ذلك الشخص ~~بعد معرفته تلك عالما بما كان يجهله قبلها، فإذا لم أكن قد رأيت معابد الأقصر قبل ~~الآن، ثم ذهبت إليها ورأيتها، فليست معابد الأقصر هي التي حدث لها التغير، إنما ~~هو أنا الذي علم بعد جهل فتغير بهذا العلم الجديد كثيرا أو قليلا. # ومما يؤيد هذه النتيجة - إن كانت بحاجة إلى تأييد - أن إدراكي للشيء الخارجي لا ~~يتوقف على إرادتي، فليس ms05 في وسعي - مثلا - أن أنظر إلى المصباح المضيء الذي أمامي ~~الآن وأقول إنني مصمم على ألا أراه؛ لأن رؤيتي له ستتم رغم أنفي، رضيت بذلك أو ~~لم أرض، ما دمت قد اتجهت بنظري إليه، فذلك دليل على أن وجود المصباح مستقل عن ~~وجودي، ومستقل عن إدراكي له أو عدم إدراكي، يفرض نفسه علي فرضا ما دمت قد هيأت ~~لنفسي وسائل إدراكه، لكن قارن ذلك بالحالة التي أخلق لنفسي فيها صورة خيالية؛ كأن ~~أتصور جبلا من ذهب، فها هنا يتم تكوين الصورة بإرادتي، إن شئت كونتها وإن شئت ~~انصرفت عن تكوينها؛ ذلك لأن جبل الذهب ليس موجودا حقيقيا من موجودات الواقع. ~~وإذن فعالم الواقع - على خلاف الصور المتخيلة - ذو وجود مستقل عني، ومعرفتي إياه هي ~~تصوير له لا أكثر ولا أقل. # والنتيجة الثانية التي تترتب على هذا الرأي في «المعرفة» هي أن العالم قوامه ~~كثرة من أشياء، وليس هو بالحقيقة الواحدة التي تخلو من التعدد، فما دام العالم - ~~كما أعرفه - مؤلفا من كائنات شتى: أشجار وأنهار وأحجار وأجرام في السماء وأفراد ~~من إنسان وحيوان على الأرض، ثم ما دام هذا الذي أعرفه عن العالم هو صورة له، إذن ~~فالعالم في حقيقته هو هذه الكثرة في الأشياء والوقائع والحوادث التي قد تتصل حينا ~~وتنفصل حينا، وإذا كانت هذه هي حقيقة الأمر فيه كان خير سبيل إلى معرفته أدق معرفة ~~هو تحليله إلى مقوماته ومكوناته، فحلل الطبيعة إلى عناصرها، وانظر إلى هذه ~~العناصر كيف تختلف وكيف تأتلف؛ ينكشف لك الستر عن سرها الدفين، حللها تظهر لك ~~الأشياء ذرات هي لب الحقيقة وصميمها، فكأنما نحن بهذا نقول: إن حقيقة العالم هي ~~ما يظهر لنا منها، على شرط أن يكون الناظرون هم أولئك الذين زودوا أنفسهم بأدق ~~آلات النظر؛ أي هم العلماء. # وعند هذه النقطة الأخيرة بعينها يبدأ الاعتراض على مذهب الواقعية الساذجة ~~التي تجعل «المعرفة» تصويرا ذهنيا للشيء المعروف، فالاعتراض الأول على ذلك هو ~~هذا، من من الناس تكون الصورة الذهنية التي عنده عن ms06 الشيء هي الفكرة ~~الصحيحة عن ذلك الشيء؟ أهو الإنسان العادي بحواسه المجردة أم العالم بمجاهيره؟ ~~إنني أنظر إلى سطح هذه المنضدة التي أمامي بعين مجردة فأراه أملس، حتى إذا ما نظرت ~~إليه بمجهر العالم رأيت فيه ما هو أشبه بالوديان والجبال؛ لأن أليافه الخشبية ~~ليست في حقيقتها التي تظهر تحت المجهر مستوية ملساء كما بدت للعين العارية، ~~وأنظر إلى القمر بالعين المجردة، فإذا هو قرص مستو، ثم أنظر إليه بالمنظار المقرب ~~فإذا سطحه كسطح الأرض من وعورة، فأي المعرفتين هي الصواب؟ ستقول إن الصواب ~~هو - بالبداهة - ما يبدو تحت المجهر أو ما يبدو بالمنظار المقرب. لكن ذلك المجهر ~~وهذا المنظار قد يجيء ما هو أدق منهما، وعندئذ تزداد وعورة القمر، وعندئذ أيضا ~~نعلم أن ما كنا ظنناه حقيقة المنضدة والقمر قد تبين أنه لم يكن الحقيقة كلها، ~~وهكذا، ثم تزداد الحال سوءا حين يجيئنا عالم الطبيعة الحديث فينبئنا بأن هذه ~~المنضدة التي أراها خشبا صلبا هي في الواقع مجموعة كبيرة من كهارب موجبة وكهارب ~~سالبة، وأن هذه الكهارب في حركة وتغير، وإذن فليست المنضدة على الصلابة التي أحسها ~~بأصابعي ولا هي على السكون الذي يظنه فكري. فالخلاصة التي أنتهي إليها من ذلك هي ~~أن الصورة الذهنية التي أكونها لنفسي عند رؤيتي لشيء ما ليست هي بالمعرفة ~~الصواب عن حقيقة ذلك الشيء؛ وبالتالي لا تكون الواقعية الساذجة قد أصابت ~~الرأي حين قالت إن الفكرة التي أكونها بحواسي عن الشيء الذي أدركه هي صورة ~~مطابقة للشيء نفسه، وأن المعرفة بوجه عام هي صورة العالم الخارجي في رأس ~~الإنسان العارف. # ويتصل بالاعتراض الذي أسلفناه اعتراض آخر: وهو أنه لو كانت معرفتي بشيء ما صورة ~~لذلك الشيء؛ للزم أن تدوم تلك المعرفة على حالة واحدة ما دام الشيء المعروف ~~هو هو محتفظا بذاتيته. مثال ذلك: أنه لو كانت معرفتي لهذه المنضدة التي أمامي ~~صورة تطابق المنضدة؛ لتحتم أن تظل الصورة على حالة واحدة مهما تغيرت وجهة ~~نظري إلى المنضدة، ما دامت المنضدة - وهي الشيء ms07 المصور - محتفظة بذاتيتها، لكني ~~ألاحظ أن إدراكي للمنضدة يتغير كلما غيرت موضعي منها، فاستطالة سطحها لا تظل ~~على صورة واحدة بل تختلف باختلاف الزاوية التي أنظر منها، وإن شئت فانظر إلى الرسوم ~~المختلفة التي يرسمها عشرة أشخاص جلسوا حول المنضدة ليرسمها كل منهم كما يراها، ~~فعندئذ تجد شكل السطح قد تغير من رسم إلى رسم، فلو نظرت إلى السطح من أعلى ~~بزاوية قائمة رأيته مستطيلا، وإن نظرت إليه وأنت جالس إلى جانبه هنا أو هناك ~~قريبا أو بعيدا؛ وجدته متوازي أضلاع تختلف درجات زواياه باختلاف وضعك وهكذا. وقل ~~هذا في لون المنضدة؛ إذ قد يخيل إليك للوهلة الأولى أن لونها بني في جميع ~~أجزائها على السواء، لكن أمعن النظر - كما يمعنه رسام يريد أن يرسم المنضدة ~~رسما ملونا كما يراها - تجد لمعات الضوء في أجزائها مختلفة، وباختلافها تختلف ~~درجات اللون اختلافا بعيدا، حتى إذا ما حبست عنها الضوء جملة واحدة امتنع لونها، ~~وإذن فللمنضدة من حيث شكلها ولونها صور مختلفات، فأي هذه الصور هو المعرفة ~~الصحيحة التي تطابق الشيء المعروف؟ أم أن المنضدة في حقيقتها هي جملة هذه ~~الحالات المختلفة، وعندئذ لا تكون المعرفة بها متشابهة عند مجموعة المشاهدين لها، ~~بل لا تكون المعرفة بها متشابهة عند الفرد الواحد في لحظاته الزمنية المختلفة ~~وفي مواضعها المختلفة بالنسبة إليها؟ # وإذا سلمنا بأن صفات الشيء تتغير بالنسبة لتغير موضعي منه ووجهة نظري ~~إليه، فهل ينطبق هذا القول على كل صفاته بغير استثناء، أم ينطبق على بعضها دون ~~بعضها الآخر؟ هاتان برتقالتان لهما صفات من لون واستدارة وغير ذلك، فلو كان لونهما ~~يتغير بتغير الضوء الساقط عليهما، فهل تتغير درجة الاستدارة كذلك بتغير موقفي منهما ~~أم أنهما تبدوان مستديرتين على صورة معينة دائمة مهما تغير وضعي؟ ثم هل هناك من ~~الظروف ما يغير من حقيقة كونهما اثنتين من حيث العدد؟ الظاهر أن الصفات ليس ~~كلها سواء من حيث تغيرها تبعا لطريقة إدراكي لها، وإن منها ما يتغير ومنها ما ~~يدوم على حاله، وإذا ms08 كان ذلك كذلك فلا أستطيع القول بأن معرفتي للشيء عبارة عن صورة ~~مطابقة لحقيقته في الواقع، بل ينبغي أن أفرق بين صفات ذلك الشيء، فأقول إن ~~معرفتي لهذه الصفة المعينة منه (كمعرفتي باللون مثلا) لا تطابق الواقع كما ~~هو، إنما تتغير بطريقة إدراكي لها، وأما معرفتي لتلك الصفة المعينة منه ~~فتطابق الواقع كما هو ولا تتغير بتغير الشخص المدرك. # وهذه التفرقة إن هي إلا تمحيص ونقد لنظرية الواقعية الساذجة في المعرفة، ~~وإذن فهذه النظرية بحاجة إلى تعديل يزيد من دقتها. ~~(2) الواقعية النقدية # إن أول ما يلفت النظر في رأي الواقعية الساذجة من أن المعرفة صورة ~~للواقع هو أن العقل يصبح بهذا الرأي لوحة قابلة لا فاعلية فيه، كأنه اللوحة في آلة ~~التصوير تأتيها أشعة الضوء من الخارج فترتسم عليها كما أتتها بغير تحوير، لكن تعال ~~معي نحلل أمثلة من معارفنا، وسيتبين لنا في جلاء أن الأمر ليس كذلك، وأننا وإن ~~نكن قد تلقينا من الخارج مادة خامة فإننا نتناولها في الداخل بالتأليف والتركيب، ~~بحيث ينتج لنا من ذلك تكوينات عقلية هي أساسية في معرفتنا، ومع ذلك فلا تطابق ~~بينها وبين عالم الأشياء. # فأنت تعرف ما «البرتقالة» مثلا، بحيث إذا عرضت لك برتقالة عرفت أنها برتقالة ~~على أساس الصورة العقلية التي تحملها معك جزءا من معرفتك، فمم تتكون فكرة ~~البرتقالة التي تحملها في رأسك؟ لقد رأيت في خبرتك برتقالات كثيرة ليست كلها سواء، ~~فاللون فيها على شيء من الاختلاف، والاستدارة فيها على شيء من التفاوت، والطعم فيها ~~على كثير من التباين، وهكذا، لكنها - على ما بينها من اختلاف في بعض التفصيلات - تشترك ~~كلها في صفات بحيث يستحيل أن تكون هنالك برتقالة إلا وقد اتصفت بتلك الصفات، هذه ~~الصفات المشتركة هي التي تجمع بعضها إلى بعض في رأسك، وهي التي تتكون منها معرفتك ~~بالبرتقالة. ولكن لاحظ أن هذه «البرتقالة العامة» التي رسمت لها صورة في ذهنك ~~تختلف عن أية برتقالة تصادفك في العالم الواقع؛ لأنك عندما ركبت صورة ~~«البرتقالة العامة» كنت قد ms09 طرحت من حسابك بعض التفصيلات التي تختلف فيها برتقالات ~~الواقع التي عرضت لك في خبرتك، وإذن فهذه الصورة العامة التي لديك، والتي هي في ~~الحقيقة معرفتك بالبرتقالة، ليست صورة مطابقة تمام المطابقة لأفراد البرتقال في ~~الواقع. وحسبنا هذا المثل الواحد لنعلم أن الواقعية الساذجة قد أخطأت حين قالت ~~إن معرفتنا هي صورة مطابقة للشيء المعروف. ولنعلم كذلك أن الأمر يحتاج إلى ~~تحليل، وليس هو بالبساطة التي أخذته بها الواقعية الساذجة، وذلك ما فعله بعض ~~الفلاسفة حين تناولوا نظرية المعرفة بالبحث الدقيق. نسوق لك منهم مثالا «جون لوك». # 1 # إذا ألقيت على «لوك» السؤال المطروح أمامنا الآن، وهو: ما المعرفة في طبيعتها؟ ~~ماذا أعني على وجه الدقة حين أنظر إلى برتقالة - مثلا - وأقول: إنني «أعرف» أن هذه ~~برتقالة؟ إذا كانت معرفتي هذه بالبرتقالة هي علاقة قائمة بيني وبين شيء أدركه، فما ~~نوع هذه العلاقة؟ أهي علاقة التطابق التي تقوم بين الصورة والشيء المصور كما ~~يقول أنصار الواقعية الساذجة؟ # لا، ليست هي علاقة التطابق التام الشامل، هكذا يجيبك «لوك» عن سؤالك؛ ذلك أن ~~صفات البرتقالة ليست كلها على درجة سواء، بحيث تكون معرفتك إياها من نوع واحد ~~وطبيعة واحدة، فلو أحصيت صفات البرتقالة: شكلها الكري ولونها الأصفر وطعمها ... إلخ؛ ~~وجدت أن هذه الصفات تقع في قسمين مختلفين، فبعضها متصل بالبرتقالة اتصالا ~~يستحيل انفصاله، وأما بعضها الآخر فليس في الحقيقة قائما في البرتقالة ذاتها، بل ~~نشأ حين اتصلت البرتقالة بحاسة من حواسك. ويطلق «لوك» على النوع الأول اسم «الصفات ~~الأولية» وعلى النوع الثاني اسم «الصفات الثانوية». # فشكل البرتقالة الكري جزء لا يتجزأ من البرتقالة كما هي في الواقع، فهي كرية سواء ~~رأيتها بعينيك أو لم ترها، لمستها بأصابعك أو لم تلمسها. وإذن فإذا عرفت عنها ~~أنها كرية الشكل، فهذا الجانب من معرفتي مطابق لحقيقة الشيء كما هي خارج نفسي، ~~ولا دخل لي في تكوين هذا الشكل أو إحداثه، إنما أتلقاه كما هو، وهكذا قل في درجة ~~صلابتها وفي امتدادها وفي حركتها أو سكونها ms10 وفي عددها. كل هذه صفات للبرتقالة، إذا ~~عرفتها كانت «معرفتي» مطابقة للأصل الذي في الخارج. # لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لبعض صفات أخرى كاللون والصوت والطعم، وهي التي ~~أسماها «لوك» بالصفات الثانوية، خذ اللون مثلا: فأنت إذ تصف البرتقالة ~~بأنها صفراء، فإن لونها هذا ليس فيها على نفس الصورة التي تراه فيها، فالذي ~~ينبعث من البرتقالة ليلتقي بعينيك هو موجات ضوئية ذات طول معين، ولا تتحول هذه ~~الموجات الضوئية إلى اللون الأصفر كما تعرفه إلا بعد أن تلتقي بعينيك وتنتقل ~~عن طريق أعصابك إلى المخ، أما الموجات الضوئية نفسها التي انتقلت من ~~البرتقالة إليك فليست صفراء، ولو كانت صفراء في ذاتها لرأيت خطوطا صفراء ممتدة من ~~البرتقالة إلى عينيك، لكن المسافة التي بينكما لا تكون ذات لون على الرغم من أن ~~موجات الضوء المنبعثة من البرتقالة تنتقل من خلالها. ومعنى ذلك كله هو أن ~~اللون الأصفر قد تم تكوينه داخل جسمك على أساس الأشعة الضوئية التي جاءتك من ~~الخارج، وإذن فليس اللون الذي «تعرفه» عن البرتقالة مطابقا لما هو موجود ~~فيها. # وقل هذا بعينه في الصوت، فهذه الدقات التي أسمعها الآن آتية إلي من ~~الساعة، إنما كانت موجات هوائية قبل أن تطرق أذني. ولم تتحول تلك الموجات إلى ~~صوت مسموع إلا داخل جسمي. أو بعبارة أخرى: لولا أن في العالم آذانا تسمع لكان ~~العالم صامتا لا صوت فيه، كما أنه لولا أن في العالم عيونا ترى لكان العالم ~~بغير لون. وكذلك قل في الطعم؛ فحلاوة الشيء أو مرارته لا تتكون إلا حين يلتقي ~~بلسان الطاعم، أما قبل ذلك فلا حلاوة ولا مرارة، وحسبك أن تذكر أن الشيء الواحد ~~قد يتغير طعمه بالنسبة إليك حسب حالاتك المختلفة من صحة أو مرض، وبالطبع ليس ~~الشيء هو الذي تغير بل هو أنت، فتغير الطعم نتيجة للتغير الذي طرأ ~~عليك. # ففي اللون والصوت والطعم لا تكون معرفتنا صورة للواقع، إنما هي صورة ~~محورة، فكل ما يجيء إلينا من الشيء الخارجي مؤثرات خاصة، ثم تحدث ms11 هذه ~~المؤثرات فينا آثارا لا شبه بينها وبين المؤثر. مثل ذلك مثل الشمس تبعث حرارتها ~~إلى قطعة الشمع فتذيبها، فلا يكون الأثر الذي هو السيولة الحادثة في الشمع ~~شبيها بالمؤثر الذي هو قرص الشمس، ولو كانت قطعة الشمع لتتكلم لقالت عن ~~السيولة التي تحدث فيها إنها الشمس، ولظنت أن الصورة التي حدثت - وهي ~~السيولة - شبيهة بالشيء المحدث وهو الشمس. # الصفات الأولية والصفات الثانوية كلتاهما تجيء إلينا من الشيء ~~الخارجي عن طريق حواسنا، لكن الأولى صورة مطابقة للواقع، وأما الثانية فيتم ~~تكوينها داخلنا بحيث لا تكون صورة مطابقة للواقع، وإن تكن دالة عليه. ومن مجموعة ~~المحصول الذي أحصله من هذه الصفات وتلك يأخذ عقلي في تركيب الأفكار، كأن يجمع اللون ~~الذي يأتيه من البرتقالة إلى طعمها وشكلها وملمسها وصوتها، إذ تتدحرج على الأرض، ~~يجمع هذه الأشتات التي ذهبت إليه من طرق مختلفة، فهذه الصفة جاءت من العين وتلك ~~من الأذن وثالثة من الأنف ورابعة من الأصابع وهكذا، يجمع العقل هذه الأشتات في صورة ~~واحدة على لوحته، فتكون هي فكرة البرتقالة عنده، حتى إذا ما اجتمعت لديه صور عدة ~~لعدد من برتقالات قارن بينها واستخرج منها «صورة عامة» تنطبق على أية برتقالة، وإن ~~تكن مختلفة بعض الشيء عن كل برتقالة على حدة. وإذن فالصورة العامة التي ~~أعبر عنها بكلمة كلية هي فكرة مركبة من مجموعة إحساسات، غير أن التركيبة في ~~النهاية لا تطابق الواقع وإن تكن دالة عليه. ومثل هذه المدركات الكلية التي ~~يكونها الإنسان - مثل شجرة ومنزل وكتاب وإنسان ونهر ... إلخ - هي - في رأي «لوك» - ~~أفكار مركبة قوامها صفات عرضية تأتي عن طريق الحواس أشتاتا، ثم يركبها العقل ~~بفاعليته. # لكن علام يركب العقل هذه الصفات العرضية للشيء؟ كيف - مثلا - يضم لون ~~البرتقالة إلى شكلها وطعمها ورائحتها وصلابتها لتتكون له بذلك صورة مؤتلفة لشيء ~~واحد؟ هل يلف العقل هذه الصفات بعضها على بعض بغير محور يديرها حوله؟ كلا، بل لا بد ~~من افتراض وجود عنصر تتعلق به هذه الصفات، وإلا كانت صفات ms12 بغير شيء تصفه، وهذا ~~العنصر الذي تنتمي إليه الصفات العرضية من لون وطعم ورائحة وشكل ... إلخ هو «جوهر» ~~الشيء أو كنهه ولبابه، ألا ترانا نقول: «البرتقالة» صفراء، و«البرتقالة» كرية، ~~و«البرتقالة» طعمها كذا ورائحتها كيت؟ ثم ألا يدل هذا على أننا ننسب هذه الصفات ~~كلها إلى شيء محوري جوهري هو الذي يكون «البرتقالة» في ذاتها وحقيقتها، وهو الذي ~~يتصف بهذا اللون أو ذاك وبهذا الشكل أو ذاك؟ إذن فهذا نوع آخر من معارفنا عن ~~الأشياء، فإلى جانب «أعراض الشيء» المتغيرة من لون وطعم ورائحة وشكل نعرف «جوهره» ~~الثابت الذي يجعله هو ما هو. # وبعد أن تتركب في أذهاننا صور للأشياء، لكل شيء جوهره وأعراضه، فهذه منضدة، وهذا ~~مصباح، وهذه ورقة، وذلك قلم ... إلخ، لا تظل هذه الصور في الذهن فرادى متفرقات لا ~~شأن للواحدة بالأخرى، بل ترتبط الصور الذهنية، أو قل: ترتبط معارفنا عن الأشياء ~~بروابط وعلاقات، فشيئان يرتبطان بعلاقة السببية، وشيئان يرتبطان بعلاقة التجاور، ~~وشيئان يرتبطان يكون الواحد منهما حدث قبل الآخر في الزمن أو بعده وهكذا؛ وبهذا ~~تنشأ مجموعة ثالثة من معارفنا، وهي العلاقات التي تربط أفكارنا عن الأشياء بعضها ~~ببعض. # هكذا يحلل «جون لوك» معرفة الإنسان إلى أفكار بسيطة هي أحاسيسنا التي تأتي عن ~~طريق حاسة واحدة كاللون حين يأتي عن طريق البصر، أو تأتي عن طريق حاستين كالشكل حين ~~يأتي عن طريق البصر واللمس معا؛ ثم إلى أفكار مركبة يركبها العقل بفاعليته من ~~تلك الأفكار البسيطة، وهذه الأفكار المركبة إما أن تكون فكرة عن الشيء في صفاته ~~العارضة أو فكرة عن الشيء في جوهره الثابت أو فكرة عن العلاقات التي تربط شيئا ~~بشيء، وهذه المعرفة - على اختلاف أنواعها من بسيطة ومركبة - منها ما يكون صورة ~~مطابقة للواقع، ومنها ما لا يكون بينه وبين الواقع شبه وإن يكن دالا عليه، وتلك ~~هي الواقعية النقدية التي تجعل الواقع مصدر معلوماتنا، لكنها لا تتسرع بوصف ~~معرفتنا كلها بوصف واحد، كأنها كلها من طبيعة واحدة، بل تحلل أنواع المعرفة لترى ~~ماذا ms13 يتشابه في أجزائها، وماذا يختلف، وماذا يصور الأشياء الخارجية تصوير الشبيه ~~لشبيهه، وماذا لا يصورها؟ # الفصل الثاني # | طبيعة المعرفة عند البراجماتيين # عندما أراد أنصار المذهب الواقعي بقسميه أن يجيبوا عن السؤال الذي طرحناه عن المعرفة ~~وهو: «ما طبيعة المعرفة؟» كان مدار البحث عندهم - كما رأيت - هو النظر فيما إذا كانت ~~الفكرة من أفكارنا صورة مطابقة للشيء الخارجي الذي تشير إليه تلك الفكرة، أو غير ~~مطابقة، ومتى يكون بين الفكرة والشيء الخارجي تطابق ومتى لا يكون، فكأنهم بذلك يريدون ~~أن يقولوا إن طبيعة المعرفة هي تصوير للواقع، بحيث تكون الصورة تامة الشبه بمصورها ~~أحيانا، ولا تكون كذلك أحيانا أخرى، فأنت «تعرف» - بناء على مذهب الواقعيين في ~~المعرفة - بمقدار ما في رأسك من صور عن أشياء العالم ووقائعه. # لكنك قد تحمل في رأسك صورا لكائنات العالم بأسره دون أن يؤدي بك هذا إلى عمل تعمله، ~~أي أن المعرفة على مذهب الواقعيين لا تتضمن سلوكا معينا يقوم به الشخص العارف، فما ~~دام العقل عندهم مرآة تنطبع عليها آثار الأشياء الخارجية، وبمقدار ما يتزاحم في المرآة ~~من صور تزداد خبرات الشخص ومعارفه؛ إذن فأمر الشخص العارف كأمر المرآة التي تتلقى صور ~~الأشياء فلا تحركها تلك الصور خطوة إلى يمين أو يسار. ومن هنا كان الفلاسفة يفرقون بين ~~الفكر والعمل، فيقولون إن رجل الفكر قد لا يكون رجلا عمليا، ورجل العمل قد لا يكون ~~صاحب فكر، إيمانا منهم بأن المعرفة شيء لا يستدعي بالضرورة سلوكا معينا في الحياة ~~العملية. # وجاء المذهب البراجماتي - أو المذهب العملي - في عصرنا الحديث، فغير النظرة إلى ~~طبيعة المعرفة بحيث لم يجعلها مجرد تصوير لعالم الواقع كما ظن الواقعيون، بل جعلها أداة ~~للسلوك العملي؛ أي أن الفكرة من أفكارنا هي بمثابة خطة يمكن الاهتداء بها في القيام ~~بعمل معين، والفكرة التي لا تهدي إلى عمل يمكن أداؤه ليست فكرة، بل ليست شيئا على ~~الإطلاق، إلا أن تكون وهما في رأس صاحبها. # لو وقفت عند مفترق الطرق ورأيت النور الأحمر في مصباح ms14 المرور، ثم قلت: إني «أعرف» أن ~~هذا اللون أحمر، فما معنى «معرفتي» هذه؟ أجابك الواقعيون بأن معناها هو أن في رأسك صورة ~~للواقع - سواء كانت صورة مطابقة للواقع أو غير مطابقة - أما البراجماتي فيقول إنها ~~لا تكون «معرفة» إلا إذا هدتك إلى السلوك الذي تسلكه عند رؤيتك للنور الأحمر، فتعرف إلى ~~أي اتجاه يجوز السير وفي أي اتجاه لا يجوز، أما مجرد ارتسام صورة لون أحمر على صفحة ~~ذهنك فليس «معرفة» في قليل أو كثير. وهكذا تكون الفكرة فكرة إذا كان فيها ما يدل على ~~نوع السلوك الناجح. # ولماذا تشذ «المعرفة» عن سائر وظائف الإنسان العضوية؟ إن كل هذه الوظائف إنما أريد ~~لها حفظ البقاء، فالهضم والتنفس ودورة الدم وما إلى ذلك كلها وسائل لبقاء الكائن الحي ~~حيا، فردا كان أو نوعا، فكيف لا تكون هذه الوظيفة البشرية الهامة، وظيفة «معرفة» ~~الإنسان لما يحيط به هي الأخرى أداة تطورية بيولوجية يراد بها أن يحتفظ الإنسان ببقائه، ~~وهو إنما يحتفظ ببقائه بنوع السلوك الذي يسلكه فينجح به في بيئته، وقد كانت «المعرفة» ~~تفقد كل قيمتها لو كانت مجرد تصوير العالم على صفحة الذهن دون أن تكون إجراءات سلوكية ~~تؤدي إلى حفظ البقاء في هذا المعترك الذي تنازل فيه الكائنات بعضها بعضا؛ ليبقى منها ~~الصالح للبقاء ويفنى منها غير الصالح. # الفكرة التي تحيا في الذهن ولا تخرج إلى عمل ليست من «المعرفة» بمعناها الصحيح، ~~ومقياس صواب الفكرة هو رسمها لطريقة إنجاز عمل معين؛ ولذلك كانت الفكرة الصائبة هي ~~الفكرة النافعة، وإذا لم يكن للفكرة المعينة أثر عملي أو نفع في حياة الإنسان، لم تكن ~~جديرة أن تسمى ب «معرفة»، ففكرة الجاذبية مثلا صادقة بمقدار ما هي نافعة نفعا عمليا، ~~فتراني أنظم علاقاتي بالأشياء تنظيما يصون لي حياتي وحاجاتي، فأحمل كوب الماء مثلا ~~وفوهته إلى أعلى حتى لا ينسكب الماء بفعل الجاذبية، وأمشي معتدل القامة خشية السقوط ~~بفعل الجاذبية، وأشيد سكني مستقيم الجدار؛ لئلا ينهار بفعل الجاذبية، وهلم جرا. أما ~~إذا فرضنا أن ms15 فكرة الجاذبية لا أثر لها في حياتنا العملية قط، فإنها عندئذ لا تكون من ~~«المعرفة» في شيء؛ إذ ماذا عساني أن «أعرف» إذا لم أعرف كيف أسلك إزاء العالم الذي أعيش ~~فيه؟ # هل تقول عن الطبيب إنه «يعرف» شيئا من علم الطب إذا لم يكن قادرا على ترجمة معرفته ~~إلى عمل ناجح إزاء مريضه؟ وهل تقول عن المهندس الميكانيكي إنه «يعرف» شيئا عن عدة ~~السيارة إذا كان عاجزا عن عمل إزاءها حين يصيبها العطب حتى تعود إلى الحركة والسير؟ هل ~~تقول عن نفسك إنك «تعرف» الطريق إلى المحطة إذا لم تكن قادرا على رسم خطة للسير بحيث ~~تنتهي بك إلى هناك إذا أردت ذلك؟ وهكذا قل في كل ضروب المعرفة، إنها لا تكون معرفة إلا ~~إذا كانت في حقيقتها خطة مرسومة لعمل ناجح يؤدى في عالم الأشياء فيغيره على النحو الذي ~~يجعله أكثر ملاءمة لحياة الإنسان. الفكرة التي لا تساعد صاحبها على تغيير أوضاع الأشياء ~~من حوله تغييرا يؤدي إلى ارتياحه ليست من الفكر في شيء، إنه لا فرق بين الفكر والعمل؛ ~~لأن الفكر في حقيقته وفي طبيعته هو برنامج للعمل. # ومن أكثر الفلاسفة توضيحا لهذا المذهب البراجماتي (أو العملي) في تفسير المعرفة: ~~الفيلسوف الأمريكي «وليم جيمس» # 1 # الذي يعده العالم ممثلا للفلسفة الأمريكية الحديثة. وأهم ما نهتم له ~~الآن من آرائه نظريته في معنى الكلام؛ لأننا ما دمنا نعبر عن «معرفتنا» في عبارات ~~كلامية، فإن تحليلنا وتحديدنا لماذا عسى أن يكون معنى العبارة التي نقولها، هو في الوقت ~~نفسه تحليل وتحديد لطبيعة ما لدينا من معرفة. # وتستطيع بصفة عامة أن تقول إن طريقة فهمنا لفكرة من الأفكار هي أن نتصور ما قد ينتج ~~عن هذه الفكرة من آثار في خبراتك العملية، فتكون مجموعة هذه النتائج هي بذاتها معنى ~~الفكرة التي أردنا فهمها. وأحب لك أن تلاحظ جيدا مقدار النقلة التي انتقلها ~~البراجماتيون بالنسبة إلى الواقعيين الذين أسلفنا لك شرح رأيهم؛ فقد كان معنى الفكرة من ~~أفكارنا عند هؤلاء الواقعيين ms16 هو الشيء الذي في العالم الخارجي والذي كان أصلا للصورة ~~التي ارتسمت في الذهن، أما معنى الفكرة عند البراجماتيين فليس هو «أصلها» بل «نتائجها»، ~~ليس هو في البداية التي ابتدأت منها بل في النهاية التي ستنتهي إليها. # خذ لذلك مثلا قولي «قد نفد المداد من قلمي» فما المعنى الذي تفهمه من هذه العبارة؟ ~~ما المعرفة التي تحصل منها؟ يجيب الفيلسوف البراجماتي عن ذلك بقوله إنني لو أحصيت ما ~~أتوقعه من نتائج في خبرتي العملية لهذه العبارة فقد فهمتها وعرفتها، فمثلا أتوقع ألا ~~يكتب القلم شيئا لو خططت به على الورق، وأتوقع أن يجتذب إلى داخله قطرات من المداد لو ~~أردت أن أملأه وهكذا. خذ مثلا آخر قولي «قد انطفأت النار في غليوني»، فماذا تفهم من ~~هذه العبارة؟ أفهم العبارة لو عرفت نتائجها، كأن أعرف أني لو استنشقت خلال الغليون لما ~~أحسست تبغا، ولو وضعت إصبعي في إنائها لما احترق، وهكذا، ولتلاحظ أن هذه النتائج التي ~~أتوقعها في الخبرة العملية من فكرة بعينها هي بذاتها معنى الفكرة. وإذن فالفكرة التي لا ~~أستطيع أن أهتدي منها إلى ما عساه أن يقع في الخبرة من نتائج لا تكون فكرة على الإطلاق؛ ~~لأنها عندئذ تكون بغير معنى. # هذه هي النظرية البراجماتية في معاني أفكاره، ومما يترتب على هذه النظرية العملية ~~أننا لو كنا إزاء فكرتين يبدو عليهما التناقض أو الاختلاف، ثم وجدنا أن كلا منهما من ~~حيث نتائجها العملية كزميلتها سواء بسواء؛ حكمنا عليهما بأنهما فكرتان متطابقتان ~~متساويتان. مثال ذلك: افرض أني قلت لك عن هذه المنضدة إن طولها متر، ثم قال عنها قائل ~~آخر إن طولها ليس مترا بل هو أكثر من متر بمقدار يتعذر قياسه بآلات القياسة المعروفة ~~لنا، فإن هذين القولين يبدوان مختلفين، لكن حاول أن تفهم معنى كل منهما بتتبع النتائج ~~المرتقبة؛ تجد أنك في الحالة الأولى وفي الحالة الثانية على حد سواء لن يسعك إلا أن ~~تقوم بعملية واحدة، وهو أن تقيس المنضدة بأدوات القياس المعروفة لتجد طولها مترا، ms17 وإذن ~~فالقولان متساويان مهما ظهر في لفظهما من اختلاف. # وكذلك مما يترتب على هذه النظرية أن أية عبارة تحدثك حديثا لا تكون له نتائج فعلية ~~أو ممكنة في خبرتك العملية؛ كانت عبارة بغير معنى. مثال ذلك: أن أقول لك إن في المكان ~~الفلاني كائنا روحانيا لا يمكن أن تراه الأبصار وليس هو بذي صوت تسمعه الآذان ولا ~~رائحة له تشمها الأنوف، ولا تستطيع أن تصدمه بجسم صلب أو تمسه بيديك. فهذا كلام فارغ ~~أجوف ليس له معنى؛ لأنه لا يتضمن نتائج عملية يمكنك أداؤها إزاء هذا الكائن ~~المزعوم. # لكن وليم جيمس يبدي رأيه في العبارة التي تحدثنا عن وجود الله فيقول إنها ذات معنى، ~~على أساس نظريته، على الرغم من أنني لن أحس لوجوده إحساسا بواحدة من حواسي كالعين أو ~~الأذن أو الأصابع؛ ذلك لأن هذا الاعتقاد عند الناس له آثاره الكثيرة في وجهة نظرهم إلى ~~الحياة؛ فهو قد يسبب لهم التفاؤل والأمل وغير ذلك مما يؤثر تأثيرا مباشرا في طريقة ~~العيش التي يحيونها. # وكذلك من النتائج التي تترتب على النظرية البراجماتية فتجعلها بعيدة الاختلاف عن ~~النظرية الواقعية أن صدق المعرفة درجات؛ أي أنك قد تجد فكرتين كلتاهما صادق، لكن واحدة ~~أصدق من الأخرى؛ لأنها أنجح منها في مجال السلوك العملي، مع أنه لو كان رأي الواقعيين ~~في المعرفة صوابا - أي أنه لو كانت المعرفة هي صورة للواقع ترسم على الذهن - لكانت ~~المعرفة إما صوابا كل الصواب أو خطأ كل الخطأ؛ لأنه لا وسط بين الطرفين؛ إذ الفكرة ~~عندئذ إما أن تكون صادقة التصوير لما تصوره أو غير صادقة. أما وقد جعلنا معنى الفكرة ~~نتائجها لا أصلها؛ أعني أننا قد جعلنا معنى الفكرة نفعها العملي لا مجرد تصويرها ~~للحقيقة تصويرا محايدا قد ينفع وقد لا ينفع، فمن الممكن أن تتفاوت الأفكار في النفع؛ ~~وبالتالي تتفاوت في درجة الصدق. # والخلاصة هي أن المعرفة عند البراجماتيين ليست نسخة من أصل هو الحقيقة الخارجية، بل ~~المعرفة بيان لما يمكن أن يكون عليه سلوكنا ms18 في حياتنا العملية، بحيث نحقق رضى النفس ~~لأكثر عدد ممكن من الناس. # وبالطبع لا تخلو هذه النظرية البراجماتية من أوجه النقص، فليس من العسير أن تجد أمثلة ~~من معارفنا لا تفسرها هذه النظرية تفسيرا مقبولا. خذ لذلك هذا المثل: إذا قلت لي ~~إن كولمبس قد عبر المحيط الأطلسي سنة 1492م، وأردت أن أعرف إن كان قولك هو الصواب، ~~فبناء على النظرية البراجماتية ينبغي أن أنظر في نتائج هذا القول لا في أسبابه، فإن ~~وجدتها نتائج أدعى إلى السلوك الناجح كان القول صحيحا. لكن ما الفرق من حيث النتائج ~~العملية بين من يقول ذلك، ومن يقول عن رحلة كولمبس إنها وقعت سنة 1491 أو سنة 1493م؟ إنه ~~من العسير أن نتبين فرقا في النتائج، اللهم إلا أن القائل بالعبارة الأولى لو كان ~~طالبا في امتحان فإنه يجتاز امتحانه بنجاح، على خلاف القائل بالعبارة الثانية أو ~~الثالثة. # إننا لو جعلنا حسن النتائج المترتبة على الفكرة هو مقياس صدقها؛ لوجدنا عبارات ~~مقطوعا ببطلانها صحيحة على هذا المقياس، فمثلا قولنا عن سانتا كلوز: إنه موجود (سانتا ~~كلوز شخص خيالي يقال للأطفال في عيد الميلاد المسيحي: إنه يزورهم وهم نيام فيترك لهم ~~هدايا العيد) يكون قولا صحيحا إذا قيس بنتائجه الطيبة على أنفس الأطفال وآبائهم ~~جميعا. # وخذ أيضا هذا المثل: إذا رأيت البرق يلمع في السماء وتوقعت أن تسمع الرعد بعد ذلك ~~ثم سمعته فعلا، فإنك تقول إن توقعك كان صوابا لا لأن اعتقادك بأنك ستسمع صوت الرعد ~~سينفع أو لا ينفع في حياتك اليومية، بل هو صواب لأنه اعتقاد مطابق لما وقع في العالم ~~الخارجي لا أكثر ولا أقل. والظاهر أن كثيرا جدا من معلوماتنا في الحياة اليومية ~~الجارية يكون صوابا أو خطأ على الرغم من نفع الصواب في حياتنا أو عدم نفعه؛ فمعرفتي ~~مثلا بأن فلانا يسكن في المنزل الفلاني، وأن قطار الإسكندرية يقوم من القاهرة في ~~الساعة الفلانية وهكذا، تكون معرفة صحيحة أو غير صحيحة لمطابقتها أو عدم مطابقتها ~~للواقع. وبعد ذلك ms19 فقد تكون معرفة نافعة في حياتي أو غير نافعة، أي أن الصواب والخطأ في ~~كثير من الأحيان يتقرران قبل تتبع نتائج الفكرة لمعرفة نفعها أو ضررها، ولو كان عامل ~~النفع العملي وحده هو مقياس صواب الفكرة، بل مقياس معناها وقابليتها للفهم كما يقول ~~البراجماتيون؛ لكان صواب الفكرة من أفكارنا متوقفا إلى حد كبير على قانون العقوبات ~~ونوع الحكومة القائمة وأمزجة أصحاب السلطة، فاعتقاد ساكن الروسيا بالشيوعية يكون صوابا ~~حتما واعتقاده بالديمقراطية يكون خطأ حتما، على حين يكون اعتقاد ساكن الولايات ~~المتحدة بالديمقراطية صوابا واعتقاده بالشيوعية يكون خطأ؛ لأنه إن كان مدار الصواب ~~على النتائج فساكن الروسيا إذا اعتقد في الديمقراطية وضع في السجن، وكذلك يضطهد في ~~أمريكا من يعتقد في النظام الشيوعي. وهكذا يتغير الصواب بتغير الظروف السياسية إن ~~أخذنا بوجهة نظر البراجماتيين على إطلاقها. # الفصل الثالث # | طبيعة المعرفة عند المثاليين # الواقعية والبراجماتية كلتاهما - كما رأيت - تفسر طبيعة المعرفة بالاستناد إلى شيء ~~واقع خارج العقل، على اختلاف بينهما في نوع العلاقة التي تقوم بين العقل العارف والشيء ~~المعروف، فبينما يجعلها الواقعيون علاقة الصورة بأصلها يجعلها البراجماتيون علاقة ~~سلوكية؛ أي يجعلون المعرفة - أيا كان نوعها - خطة يتبعها الشخص العارف في سلوكه وفي ~~معالجته للأشياء الخارجية. # لكننا الآن إزاء مذهب يختلف عن الواقعية والبراجماتية معا اختلافا يتناول الأساس، ~~فلئن اعترف هذان المذهبان بوجود عالم خارجي من أشياء، وجودا مستقلا عن الإنسان، بحيث ~~يظل موجودا سواء وجد فيه الإنسان الذي يعرفه أو لم يوجد، ترى المذهب المثالي - الذي ~~نحن الآن بصدد عرضه فيما يختص بطبيعة المعرفة - لا يعترف بوجود شيء خارج العقل، فلا ~~وجود إلا لما يدركه عقل ما، وما ليس يدركه عقل ما يستحيل أن يكون موجودا؛ وإذن ~~فمعرفة الشيء ووجوده جانبان لحقيقة واحدة. وبذلك يكون جواب السؤال المطروح أمامنا في ~~هذا الباب وهو: «ما طبيعة المعرفة؟» هو «طبيعة المعرفة هي نفسها طبيعة الوجود»، لا فرق ~~بين الشيء باعتباره كائنا من كائنات العالم وبينه باعتباره مدركا من مدركات العقل، ~~فمعرفتي لهذا المصباح ms20 الذي أمامي الآن هي نفسها المصباح؛ أي أنه ليس هناك أصل في الخارج ~~وصورة عقلية في الداخل، بل كل الموجود عن المصباح هو الصورة العقلية وحدها. حلل ما ~~يحدث عند رؤيتي للمصباح - حتى من وجهة نظر الواقعيين أنفسهم - تفهم الرأي الذي يذهب ~~إليه المثاليون؛ تنتقل موجات ضوئية إلى شبكية عيني، فتتأثر هذه الشبكية لهذا المؤثر ~~الطارئ، وتنتقل منها اهتزازات دقيقة خلال العصب البصري إلى المخ؛ حيث مركز الإبصار، ~~وهناك يحدث في خلايا المخ من الحركة ما أسميه أنا «مصباحا». وهنا يقول الواقعيون: إن ~~هذه الحركة العصبية التي حدثت داخل المخ قد أحدثت فيه «صورة» للمؤثر الخارجي الذي هو ~~المصباح نفسه، ويرد المثاليون على هذه الدعوى بقولهم: من ذا أدراك أن ما لديك ~~صورة لشيء خارج جسدك؟ إن كل ما تعرفه وكل ما يمكن أن تعرفه هو هذه الصورة - أو قل هو ~~هذه الفكرة - التي هي في داخلك، وكل ما عدا ذلك فهو استدلال قد تخطئ فيه وقد تصيب، إنه ~~يستحيل على إنسان أن يخرج من جلده لينظر إلى العالم الخارجي من غير طريق نفسه، ولا سبيل ~~أمامه إلى معرفة شيء إلا أفكاره التي في رأسه. إنني حين أنظر إلى برتقالة وأقول إني ~~قد «عرفتها» من حيث لونها وشكلها وصلابتها، فلست أعني بالطبع أن البرتقالة نفسها قد ~~تسللت داخل رأسي، بل كل ما أقصده أن آثارا معينة قد انتقلت داخل جسمي خلال الأعصاب، ~~بادئة سيرها من العين أو من الأصابع؛ فالذي أعلمه - إذن - عن البرتقالة هو ما بداخلي ~~فقط، هو الآثار التي أحدثتها اهتزازات الخلايا العصبية، أو قل هو «فكرتي» التي تكونت ~~عن البرتقالة، ولو لم تكن لي العين التي تبصر أو الأصابع التي تلمس؛ لما كان للبرتقالة ~~عندي وجود، وإذن فوجودها هو إدراكها، وبغير الإدراك العقلي للشيء لا يكون له ~~وجود. # قد تسأل: وماذا يقول المثاليون عن وجود البرتقالة إذا تركتها ورائي في الغرفة لا ~~أراها ولا ألمسها ولا أحسها بأية حاسة أخرى، أينعدم وجودها لغيابي؟ والمثاليون يجيبون ~~عن هذا ms21 السؤال بقولهم إن البرتقالة حين لا تدركها أنت فقد يدركها سواك من الناس، وإذا ~~لم يكن يدركها إنسان فهنالك العقل الإلهي يدركها مع سائر الكائنات. # لماذا تدهش إذا قيل لك إن الأشياء التي تقع في خبرتك الآن - من مرئيات ومسموعات ... إلخ ~~- وجودها منحصر في نفسك أنت، على حين أنك لا تدهش إذا قيل لك القول نفسه عن خبراتك ~~الماضية، فأين ماضيك؟ أين المرئيات التي مرت بك والمسموعات وما لمست وما طعمت؟ أليست هذه ~~الخبرة عن الماضي كله كائنة فيك، وليس هنالك في الخارج الآن شيء يقابلها؟ إذن فما نقوله ~~لك عن خبرة اللحظة الحاضرة شبيه بما نقوله عن خبرة اللحظات التي مضت، وجودها لا يكون ~~إلا في نفسك، والخروج من نفسك لترى ماذا يقع خارجها محال، وكذلك محال - في رأي ~~المثاليين - أن يتصور الإنسان شيئا ما لا يقع في خبرة كائن ذي إدراك، وإن شئت فحاول ~~- مثلا - أن «تتصور» شجرة موجودة دون أن تكون هذه الشجرة جزءا من إدراك أحد، تجد أن ~~هذه المحاولة تنقض نفسها بنفسها؛ لأنك في الوقت الذي تريد أن تعزل تلك الشجرة عن كل ~~إدراك تجعلها جزءا من إدراكك أنت. # وإذا كان وجود الشيء متوقفا على أن يدركه مدرك ما، وإذا كانت مجموعة المدركات ~~العقلية عند الفرد من الناس هي كل ما يستطيع أن يعرفه عن الوجود، كان كل فرد دنيا نفسه، ~~فالعالم الذي أعيش فيه أنا هو مدركاتي، والعالم الذي تعيش فيه أنت هو مدركاتك، وهكذا. ~~وهنا يجد الناقدون فرصة للهجوم على هذا المذهب؛ إذ لو كان كل إنسان دنيا نفسه، ولو لم ~~يكن هناك عالم خارجي موضوعي نحتكم إليه عند اختلافنا في المعرفة؛ لاستحال أن يلتقي ~~فردان من الناس على اتفاق؛ إذ كيف يكون الاتفاق بينهما إذا كان كل منهما منحصرا في ~~ذاته وما فيها من مدركات وأفكار؟ لكن بعض أتباع المذهب المثالي يردون على مثل هذا ~~النقد بقولهم: إن عقول الأفراد ليست في الحقيقة أشتاتا فرادى، بل هي أجزاء من عقل واحد ~~يشملها ms22 جميعا ومن ثم يتساوى إدراكها للأشياء. كما يرد بعضهم الآخر بقوله: إن كل عقل ~~مستقل عن العقول الأخرى استقلالا لا سبيل معه إلى الاتصال، فكأنما كل عقل غرفة ~~مقفلة على نفسها ليس في جدرانها نوافذ تطل منها على الغرف الأخرى، لكن مدركاتها مع ~~ذلك تتشابه؛ لأن كلا منها صورة مصغرة لحقيقة كبرى هي الله. # هكذا يلتقي المثاليون في المبدأ الذي يطابق بين المعرفة والوجود فيجعلها شيئا ~~واحدا، لكنهم يختلفون فيما ينتهون إليه من تفصيلات، وسنسوق لك مثلا واحدا منهم؛ هو «هيجل» # 1 # الذي يعد من أعظم الفلاسفة المثاليين في العصور الحديثة، وسنحصر حديثنا ~~عنه في موضوعنا فقط؛ وهو طبيعة المعرفة: # المهمة الرئيسية للمعرفة هي أن تفسر لنا العالم، بحيث نهتدي خلال ما نعرفه إلى حقيقة ~~هذا العالم الذي نعيش فيه، لكن «التفسير» نفسه ما معناه؟ متى تقول عن حقيقة يراد ~~تفسيرها إن هذا التفسير قد تم ولم تعد الحقيقة المشار إليها بحاجة إلى تفسير؟ # التفسير أو التعليل هو باختصار نسبة الشيء المراد تفسيره إلى حقيقة أعم منه تشمله ~~وتحتويه، فإن كانت هذه الحقيقة الأعم هي نفسها بحاجة إلى تعليل نسبتها إلى ما هو أعم ~~منها ويشملها مع غيرها، وهكذا دواليك حتى ينتهي الصعود إلى مبدأ أول يفسر نفسه ويفسر كل ~~شيء يترتب عليه، ولو استطعنا أن نهتدي إلى هذا المبدأ الأول بالنسبة للكون كله أمكننا ~~بذلك أن نفسر الكون ونفهمه. # تقول عن صديقك: إنك «تفهمه» وتستطيع تفسير سلوكه في المواقف المختلفة، حين تضع إصبعك ~~على مبدأ عام يسري في تصرفاته ويكون محورا لشخصيته، كأن تعرف فيه مثلا حبه للمال أو ~~حبه للظهور، وعلى ضوء هذا المبدأ أو ذاك تفسر سلوكه وأفعاله مهما تنوعت الظروف المحيطة ~~به، وتقول عن ظاهرة اجتماعية إنك «تفهمها» حين تستطيع ردها إلى مبدأ عام يشملها هي ~~وغيرها من الظواهر. كأن تقول - مثلا - عن ظاهرة التعطل إنها مفهومة؛ لأنها نتيجة ~~زيادة عدد السكان على موارد الإنتاج، وهكذا؛ فالذي تصنعه حين تريد أن «تفهم» شيئا ~~كائنا ما كان ms23 هو أن تبحث عن المقدمة المنطقية التي يكون الشيء نتيجة محتومة لها. ~~وهكذا الأمر إذا أردت فهم العالم، فما هي المقدمات المنطقية التي يتحتم أن يجيء العالم ~~نتيجة لها؟ ونسأل السؤال بعبارة أخرى فنقول: ما هي الشروط التي كان لا بد من توافرها ~~حتى يتكون العالم بكل ما فيه؟ # إن الأشياء الجزئية في ذاتها لا تفسر نفسها، فما الذي دعا - مثلا - إلى وجود هذه ~~الشجرة أو تلك، وإلى وجود هذا الفرد من الناس أو ذلك؟ لكي «أفهم» فلا بد لي - كما ~~أسلفنا القول - من البحث عن مبدأ عام حتم وجوده وجود الأشجار، ومبدأ عام آخر حتم ~~وجوده وجود أفراد الناس، وهكذا، فما هي المبادئ العامة التي اقتضى وجودها وجود الأشياء ~~على اختلافها؟ وخير وسيلة تعينك على الإجابة عن هذا السؤال هي أن تأخذ الأشجار مثلا ثم ~~تسأل: ما الذي جعل الشجرة شجرة؟ أنا لا أقول عن المصباح الذي أمامي إنه شجرة لأنه يفقد ~~الصفة أو الصفات التي تجعله كذلك، فما هي الصفة أو الصفات التي إذا وجدت في شيء ~~جعلته شجرة؟ إنها ليست الأوراق؛ لأن أوراق الشجر تختلف بل قد تزول في الشتاء دون أن ~~يمتنع أو يتأثر وصفنا للشيء بأنه شجرة، وليست هي نوع الثمار؛ لأن الثمار قد تختلف في ~~الأشجار المختلفة وتظل الأشجار أشجارا. وهكذا تستطيع أن تمضي في استبعاد الصفات التي ~~لا يؤثر وجودها أو عدم وجودها في أن يكون الشيء شجرة؛ لتستبقي في النهاية الصفات التي ~~لا بد من وجودها في كل شجرة كائنة ما كانت، وأنت بعدئذ على حق حين تقول إنه يستحيل على ~~شجرة أن توجد إلا إذا وجدت قبلها هذه الصفات؛ لكي تمتزج تلك الصفات بمادة الشيء ~~فيكون شجرة. # هذه الصفات التي لا بد من وجودها أولا حتى يمكن لأي شجرة أن توجد ليست بالشيء ~~الجزئي؛ لأنها - كما ترى - قائمة في كل الأشجار على السواء، وإذن فهي عامة وليست خاصة ~~بشجرة دون أخرى، أو هي «كلية»؛ لأنها تشمل «كل» الأشجار بغير استثناء. # نعم، ms24 نحن على حق إذ نقول - وإن بدا قولا غريبا - إنه لا بد من وجود الصفات ~~الكلية أولا حتى يمكن أن توجد الأشياء الجزئية المتصفة بتلك الصفات، لكن هذه الصفات ~~حين لا يلبسها شيء جزئي معين لا تكون قائمة إلا في العقل، وإذن فهي مدركات عقلية قبل أن ~~تمتزج بالأشياء المحسوسة التي تتصف بها؛ أي أنها تكون «أفكارا» قبل أن تدخل في دنيا ~~الأشياء الحسية؛ أي أن «الفكر» لا بد أن يسبق «الأشياء» التي تأتي مطابقة لذلك الفكر، ~~وها هنا تضع إصبعك على ركن هام من أركان المذهب المثالي في المعرفة، وهو أسبقية الفكر ~~في الوجود على الأشياء الجزئية التي تصادفها الحواس. # بغير هذه الأولوية المنطقية للفكر - أي الأولوية المنطقية للصفات العامة أو المعاني ~~الكلية - تصبح معرفة أي شيء جزئي مستحيلة (من وجهة نظر المثاليين)؛ لأننا - كما أسلفنا ~~القول - نعرف أي شيء بصفاته، وإذن فلا بد من إدراك الصفات أولا، والصفات مشتركة؛ أي ~~عامة، فهي في العقل قبل أن تكون في الجزئيات التي تتصف بها. ولزيادة التوضيح: حلل ~~موقفك حين تنظر إلى برتقالة فتعرف أنها برتقالة، كيف عرفتها؟ عرفتها بلونها الأصفر ~~واستدارتها وملمسها ... إلخ، لكن اللون الأصفر ليس قاصرا عليها بل هو متمثل في أشياء كثيرة ~~غيرها. وإذن كان لا بد لك قبل أن تعرف في البرتقالة لونها الأصفر أن تسبق ذلك بمعرفة ~~للون الأصفر أينما كان؛ أي أن تسبق ذلك بمعرفة اللون الأصفر كفكرة عامة أو كمعنى كلي؛ ~~حتى تستطيع بعد ذلك أن تطبق تلك الفكرة العامة على هذا الشيء الجزئي الذي أمامك وهو ~~البرتقالة. وهكذا قل في سائر الصفات التي بواسطتها عرفت أن ما أمامك برتقالة، ومعنى ذلك ~~هو أن البرتقالة في حقيقة أمرها هي عبارة عن مجموعة من معان كلية تجمعت في مركز واحد، ~~والمعاني الكلية إدراكها من شأن العقل لا الحواس. # هذه المعاني الكلية هي شروط لا بد أن تتوافر قبل أن تتم معرفة كائنة ما كانت. وهي ~~نوعان: فمنها معان قوامها الصفات التي يمكن إدراكها بالحواس ms25 كاللون الأصفر مثلا؛ ولذلك ~~نجد من الفلاسفة المثاليين أنفسهم من يقول إن أمثال هذه المعاني الكلية تتكون بعد ~~الخبرة الحسية بالأشياء التي تحيط بنا، لكن هنالك معاني كلية أخرى لا مندوحة لنا عن ~~افتراض وجودها في العقل قبل أي خبرة حسية؛ لأنها شرط ضروري لكل معرفة، فقبل أن تبدأ في ~~خبرتك الحسية بالأشياء لا بد أن تعرف - مثلا - أن الشيء، أي شيء، يستحيل أن يكون ~~في مكانين في وقت واحد. # هذا النوع الثاني من المعاني الكلية خال من الصفات الحسية وهو لذلك فكر خالص، وهو ~~الذي أراد هيجل أن يبحث عنه؛ لأنه اعتقد أنه هو المبدأ الأول الذي يفسر كل معرفة؛ إذ لا ~~تكون معرفة بغيره، وهذا النوع من المعاني الكلية هو الذي يصطلح الفلاسفة على تسميته ~~بالمقولات، أو إن شئت فقل عن المقولات إنها القوالب التي لا بد من وجودها لتنصب فيها ~~معارفنا جميعا. وإن قلنا عن هذه المقولات إنها شرط منطقي لا بد من توافره لكي يستطيع ~~الفكر أن يفكر، فقد قلنا بالتالي إنها شرط منطقي لا بد من توافره لكي يمكن وجود العالم ~~الواقع؛ لأن الفكر يسبق العالم الواقع، كما أسلفنا. # لكن أين تكون هذه المقولات الأولى التي هي شرط المعرفة؛ وبالتالي فهي شرط الوجود كله؟ ~~أتكون في عقلي أنا أو في عقلك أنت؟ لكننا قد نزول غدا أو بعد غد، وتظل شروط المعرفة ~~قائمة، وإذن فوجودها لا يتقيد بوجودي أنا أو بوجودك أنت أو بوجود أي فرد آخر من أفراد ~~الإنسان، بل إن وجودها مطلق من قيود المكان والزمان جميعا، وإن يكن متمثلا في عقول ~~الأفراد؛ أي متمثلا في الطريقة التي يفكر بها هؤلاء الأفراد. # وألخص ما قد أسلفته في عبارة توجز رأي هيجل في المعرفة وطبيعتها، فأقول: الشيء ~~المعين؛ كالبرتقالة مثلا، هو مجموعة مركزة من معان كلية، والمعاني الكلية لا ~~يدركها إلا عقل؛ وإذن فأي شيء لا يكون إلا فكرة في عقل، ولما كانت «الفكرة» هي نفسها من ~~طبيعة «العقل» كان هنالك تشابه في النوع ms26 بين الذات العارفة والشيء المعروف، فوجود شيء ~~ما معناه أن يكون فكرة موضوعه أمام ذات عاقلة تفكر فيها؛ أي أن وجود شيء ما متوقف على ~~عقل يعيه؛ ومن ثم كان التطابق الذاتي بين أن يكون الشيء موجودا وأن يكون معروفا، ~~واستحالة أن يوجد شيء دون أن يكون مدركا؛ فالأشياء هي أفكارنا عنها، والمنطق الذي تجري ~~عليه أفكارنا هو نفسه المنطق الذي تجري عليه الأشياء. # الباب الثاني # | مصدر المعرفة # الفصل الرابع # | مصدر المعرفة عند التجريبيين # ألقينا على أنفسنا في الباب الأول سؤالا عن طبيعة المعرفة ما هي؟ وتتبعنا ~~الإجابة عند المذاهب المختلفة، وها نحن أولاء نلقي عن «المعرفة» سؤالا ثانيا، هو: ما ~~مصدرها؟ ما وسيلتنا إليها؟ لتكن طبيعتها ما تكون، لتكن كما قال عنها الواقعيون من أنها ~~صورة لعالم الواقع، أو كما قال عنها البراجماتيون من أنها طريقة للسلوك في دنيا الواقع، ~~أو كما قال عنها المثاليون من أنها مدركات عقلية تكون هي الفكر وهي الأشياء في آن ~~معا، لتكن ما تكون في طبيعتها، ولكن سؤالنا الآن هو: من أي السبل جاءتنا؟ ومن أي مصدر ~~استقيناها؟ # يجيب التجريبيون بقولهم: إن مصدر معارفنا جميعا هو الخبرة الحسية، ووسيلتها هي ~~الحواس. عرفت البرتقالة - مثلا - لأني رأيت لونها بالعين، وذقت طعمها باللسان، ~~وشممت رائحتها بالأنف، ولمست سطحها بالأصابع فعرفت استدارتها ومدى صلابتها وهكذا، وما ~~البرتقالة عندي إلا هذه الإدراكات الحسية جميعا، ولو أقفلت أبواب الحواس واحدا بعد ~~واحد؛ لامتنعت علي المعرفة جانبا بعد جانب حتى تمتنع المعرفة كلها إذا أقفلت الأبواب ~~كلها. # وسنضرب لك مثلا لهذا الرأي «ديفيد هيوم»؛ # 1 # لأنه تتبع الفكرة إلى نتائجها في جلاء ووضوح. # تتألف معرفة الإنسان من الإحساسات التي يتلقاها عن طريق حواسه المختلفة، فها أنا ذا ~~أشخص ببصري إلى المكتب الذي أمامي فأتلقى صورة لونية، لكنني إذا ما أقفلت عيني ~~فإني سأظل محتفظا بهذه الصورة اللونية التي كنت تلقيتها وأنا شاخص ببصري. غير ~~أن الصورة في الحالة الثانية وإن احتفظت بما كانت عليه في الحالة الأولى من ~~تفصيلات ms27 إلا أنها أقل منها وضوحا. ويطلق (هيوم) على الصورة التي تلقيتها في الحالة ~~الأولى اسم «الأثر الحسي»، ويطلق على الصورة التي احتفظت بها في الحالة الثانية اسم ~~«الفكرة». وهكذا يقسم مدركاتنا قسمين أساسيين، هما: «الآثار الحسية» و«الأفكار»، وما ~~«الأفكار» إلا «الآثار الحسية» نفسها ولكن بعد غياب المؤثرات التي أحدثتها؛ ومن هنا كان ~~الفرق بينهما في القوة والوضوح، فكأنما الأفكار آثار حسية تقادم عهدها فوهنت قوتها ~~وقل وضوحها، وما دام الأمر كذلك فلا تنشأ في العقل «أفكار» إلا إذا سبقتها «آثار ~~حسية»؛ وإذن فالأثر الحسي - أو الانطباع الحسي - هو المرجع الذي نقيس به صحة الفكرة ~~التي نريد اختبار صوابها، فإذا استطعنا أن نتعقب الفكرة إلى أصولها الأولى التي جاءت ~~مباشرة عن طريق الحواس، كان للفكرة سند من الواقع تستند إليه؛ وبالتالي كانت فكرة ~~صوابا، أما إذا حللنا الفكرة إلى عناصرها فوجدنا أن هذه العناصر - كلها أو بعضها - ~~لم يكن مما انطبعت به الحواس بادئ ذي بدء، فليست هي بالفكرة الصحيحة التي يصح الركون ~~إليها، وإنما نقول ذلك؛ لأن العقل بعد أن يتلقى ما يتلقاه من انطباعات حسية لا ~~يبقيها على حالها أفكارا بينها وبين تلك الانطباعات تطابق، بل يتناولها بالتركيب حتى ~~لتتكون فيه صور مركبة لا تشبه في تركيبها هذا شيئا مما تلقيناه من الحواس، فعلينا ~~عندئذ أن نعيد تحليل هذه الأفكار المركبة إلى أجزائها وعناصرها؛ لنرى إن كانت تلك ~~الأجزاء والعناصر قد جاءت أول ما جاءت عن طريق الحواس. # والآن فلنطبق هذا المبدأ على ثلاثة أفكار هامة؛ ليتضح المبدأ بتطبيقه أولا، ولنتبين ~~حقيقة هذه الأفكار الهامة ثانيا، وأعني بها فكرة السببية التي نفسر بها ارتباط ~~الحوادث، وفكرة العنصر أو الجوهر التي بواسطتها نتصور أن الشيء يدوم على الرغم من ~~تغير حالاته، وفكرة الذات التي نفترضها في الإنسان لنفسر بها وحدته واستمراره فردا ~~بذاته مهما طرأ عليه من أحداث: ~~(1) # إننا نقول أحيانا عن الحوادث في تتابعها إن حادثة منها سبب لأخرى؛ فمثلا إذا ~~رأينا كرة متحركة تصدم أخرى ساكنة فتحركها قلنا ms28 إن الكرة الأولى بحركتها قد سببت حركة ~~الكرة الثانية، ونريد الآن أن نحلل هذه العلاقة السببية التي نجعلها رباطا يربط حادثة ~~بحادثة أخرى ؛ فبناء على المبدأ الذي أسلفناه والذي قلنا إنه الأساس الذي نحكم به على ~~فكرة بالقبول أو بالرفض؛ نسأل أنفسنا: ما هي الانطباعات الحسية الأولى التي تلقتها ~~حواسي بحيث كونت منها فيما بعد فكرة السببية هذه؟ انظر إلى المثال السابق: كرة متحركة ~~صدمت كرة ساكنة فتحركت هذه الكرة على أثر الصدمة، ماذا رأت عينك مما حدث؟ كل ما رأته هو ~~الفكرة الأولى متحركة وبعد لحظة معينة بدأت الكرة الثانية في الحركة، فعينك لم تر فيما ~~رأت «سببية» تربط الكرة الأولى بالكرة الثانية، وإذن فلم يكن لهذه الفكرة أصل بين ~~الإحساسات التي تلقيتها؛ وبالتالي لم يكن تكوينها مشروعا. # هكذا ترى الإنسان كلما لاحظ أن حادثتين قد اطرد وقوعهما معا، أو اطرد وقوعهما ~~متتابعتين؛ ظن أن بينهما علاقة ضرورية بحيث إذا وقعت الأولى فلا بد كذلك أن تقع ~~الثانية، وأطلق على هذه العلاقة الضرورية بين الحوادث اسم «السببية»، ثم ~~عمم القول عن السببية بحيث يتعذر عليه التسليم بوقوع حادثة إلا إذا كان لها سبب ~~أحدث وقوعها، بل إن القوانين العلمية نفسها كانت تتضمن التسليم بضرورة قيام علاقة ~~السببية هذه بين ظواهر الطبيعة، بحيث إذا تكرر وقوع السبب فلا بد أن يتكرر كذلك وقوع ~~المسبب، والقانون العلمي نفسه كان مأخوذا على أنه ربط سببي بين ظاهرتين، كأن نربط ~~العلاقة - مثلا - بين اتجاه الرياح وسقوط المطر، فلو اتجهت الرياح في هبوبها اتجاها ~~معينا سببت نزول المطر، ولا يمكن أن تحدث الظاهرة الأولى دون أن تتبعها الظاهرة ~~الثانية. # لكننا نعود فنكرر أنني مهما أنعمت النظر فيما يجري في الطبيعة من حولي فلن أشاهد إلا ~~ظواهر تقع معا أو تقع متتابعة، ولن أشاهد بينها «ضرورة» تحتم أن يكون وقوعها على هذا ~~النحو الذي وقعت عليه، فقد ألاحظ اتجاه الرياح وألاحظ سقوط المطر، لكني لا ألاحظ بينهما ~~«ضرورة» تجعل سقوط المطر محتوما لو هبت الرياح ms29 في اتجاهها ذاك؛ إذن فلنا أن نسأل: ما ~~الذي أغرى الإنسان بالتبرع من عنده بهذه العلاقة السببية يربط بها الحوادث إذا كانت لم ~~تكن بين انطباعاته الحسية؟ # إن حقيقة الأمر لا تزيد على أن الإنسان «يتعود» رؤية الحادثة «أ» مرتبطة بالحادثة ~~«ب»؛ لأنه يراهما متجاورتين دائما تجاورا زمنيا، فكلما حدثت «أ» توقع أن تحدث «ب» ~~كذلك كما فعلت في المرات السابقة، وقد يكون مصيبا في توقعه لحدوث «ب»؛ لأن الحوادث إذا ~~اطرد تلازمها فيما مضى فالأرجح أن تظل على اطرادها في المستقبل كذلك، لكن وجه الخطأ هو ~~أن يظن أن حدوث «ب» أمر ضروري محتوم لا مفر منه ما دامت «أ» قد حدثت، وما دام الاثنتان ~~قد شوهدتا متلازمتين دائما فيما مضى، وكثيرا ما يخطئ المرء في توقعه هذا؛ فقد يزورني ~~صديق يوم الجمعة كل أسبوع، وقد يكرر ذلك ألف مرة، حتى إذا ما جاء يوم الجمعة توقعت على ~~ترجيح شديد أن يزورني هذا الصديق على عادته، لكن لا «ضرورة» هناك تحتم هذه الزيارة. ~~وهكذا قل في أي حادثتين في الطبيعة تلاحظ بينهما التلازم دائما؛ فهذا التلازم الذي ~~لاحظته بينهما لا يبرر لك أن تفترض بينهما علاقة «ضرورية» تحتم وقوع إحداهما إذا وقعت ~~الأخرى؛ إذ لا يزيد الأمر على ترجيح شديد أن يتكرر هذا التلازم في المستقبل، لكن ~~الترجيح مهما اشتدت درجته فهو ليس الضرورة اليقينية التي يفترضها الناس في العلاقة بين ~~السبب ومسببه. # إن من طبيعة الإنسان - بل والحيوان أيضا - أن يربط بين أجزاء الخبرة على هذا ~~النحو، بحيث يستدعي جزءا جزءا ما دام الجزءان قد تكرر وقوعهما متلازمين أو متلاحقين، ~~وهذا هو أساس العادات. إنك إذا تعودت الكتابة أو السباحة أو ركوب الدراجة أو ربط رباط ~~الرقبة، كان معنى ذلك أنك كررت حركات واحدة بعد أخرى بحيث ارتبطت الحركة بالتي تليها ~~ارتباطا يجعل حدوث الأولى داعيا لحدوث التي تليها. وقد يكون هذا النوع من الارتباط ~~نفسه في التفكير، فإذا تلازمت فكرتان أو تلاحقتا في عقلك عدة مرات، ثم ms30 حدث أن وردت ~~أولاهما كان ورودها داعيا لورود الأخرى، وإنك لتشاهد الظاهرة نفسها في الحيوان، فلو ~~أخذت الطعام إلى كلب عندك أو قطة عدة مرات، حدث ارتباط عند الحيوان بين شكلك وبين ~~الطعام، بحيث لو رآك بعد ذلك في الموعد نفسه سال لعابه كما لو كان قد شاهد طعاما. ~~وهذا الارتباط بعينه بين ظواهر الطبيعة هو الذي يؤدي بالإنسان إلى توقع حدوث إحدى ~~الظاهرتين المتلازمتين لو وقعت الأخرى، وهو هو الارتباط الذي أطلق عليه الإنسان اسم ~~«السببية» بين الحوادث. # إننا لا نقول إنه ليس بين حوادث الطبيعة ارتباط وصلات، بل كل ما نقوله هو أن ~~هذا الارتباط ليس «ضروريا» حتى لو شوهد مطردا بين الحوادث آلاف المرات؛ ذلك لأنه ليس ~~في مشاهداتنا الحسية مشاهدة انطبعت على شبكية العين أو قرعت طبلة الأذن اسمها «ضرورة» ~~في التلازم، كما تنطبع على حواسنا الألوان والأصوات والروائح والطعوم. ~~(2) # وننتقل الآن إلى تحليل فكرة هامة أخرى من أفكارنا وهي: فكرة «العنصر» أو «الجوهر»؛ ~~لنرى إن كانت هي الأخرى فكرة مشروعة فنقبلها أم غير مشروعة فنرفضها، وذلك على أساس ~~المبدأ الذي أسلفناه، وهو أن الفكرة تقبل إذا أمكن ردها إلى الانطباعات الحسية ~~التي منها تكونت الفكرة فيما بعد. # لكن ماذا نعني بالعنصر أو بالجوهر في لغة الفلسفة؟ خذ البرتقالة مثلا؛ فكل ما تدركه ~~منها ظاهرات حسية، كل حاسة من حواسك تدرك من البرتقالة جانبا من جوانبها؛ فالعين تدرك ~~اللون واللسان يدرك الطعم والأنف يدرك الرائحة، وهكذا، فهل إذا أنت أحصيت كل ظاهرات ~~البرتقالة كما تتلقاها الحواس تكون بذلك قد استنفدت حقيقة البرتقالة بأسرها؟ أم أن هذه ~~الظاهرات إن هي إلا ظواهر البرتقالة؟ إنك تقول إن «البرتقالة» صفراء، و«البرتقالة» ~~مستديرة و«البرتقالة» حلوة، وهكذا. وواضح من قولك هذا أن اللون الأصفر والشكل المستدير ~~والطعم الحلو كلها صفات تصف «البرتقالة»؛ وإذن فالبرتقالة شيء غير الصفات التي تصفه، ~~البرتقالة «جوهر» تطرأ عليه هذه الصفات التي هي أعراض قد تتغير دون أن تصبح البرتقالة ~~شيئا آخر. قد يتغير اللون فيكون أخضر ms31 بدل الأصفر، وقد يتغير الطعم فيكون مرا بدل ~~الحلو، لكن «البرتقالة» هي هي برتقالة كما كانت. هذا الشيء الثابت فيها، والذي تتعلق ~~به تلك الصفات جميعا هو ما تسميه الفلسفة بالعنصر أو بالجوهر. # وليست الفلسفة وحدها هي التي تفترض وجود جوهر لكل شيء تتعلق به صفاته، بل الإنسان ~~العادي في حياته اليومية يعامل الأشياء على هذا الافتراض نفسه، فلو أطلعت إنسانا ~~عاديا على مكتبي هذا الذي أكتب عليه، وجعلته يلاحظ كيف أن اختلاف الضوء يغير من ~~لونه، وكيف أن اختلاف البعد يغير من حجمه، وكيف أن اختلاف زاوية النظر يغير من درجة ~~استطالة سطحه وزوايا أركانه. ثم لو طلبت إليه أن يستنتج من هذه الاختلافات كلها بين ~~الحالات المتتابعة التي نشاهد فيها المكتب. أقول: إني لو طلبت منه أن يستنتج من ذلك أن ~~ليس هناك مكتب واحد دائم على حال واحدة، بل هناك عدة حالات متتابعة لا يربط بينها رابط ~~دائم؛ لرفض ذلك على أساس الافتراض الذي أشرنا إليه، وهو أن هناك «داخل» هذه الحالات ~~المتغيرة المتتابعة «حقيقة» ثابتة أو «عنصرا» ثابتا هو الذي نعنيه حين نتحدث عن هذا ~~المكتب، بغض النظر عما يطرأ عليه من حالات مختلفات، وهذا «العنصر» الثابت هو الذي يخلع ~~على المكتب ذاتيته ودوامه. # لكن أرجع إلى مبدئنا الذي أسلفناه، وهو المبدأ الذي يرفض الفكرة التي لم تنطبع بها ~~حواسنا، ثم اسأل نفسك: ما الحاسة التي انطبعت عليها صورة هذا «العنصر» الخفي المزعوم؟ ~~إنها لم تكن العين، ولا الأذن، ولا الأصابع، ولا أية حاسة أخرى. وإذن فالفكرة اختلاق ~~من أوهامنا، وليس هناك من المكتب - أو من أي شيء في العالم - إلا حالاته المتتابعات ~~التي يمكن أن تنطبع الحواس بآثارها. ~~(3) # والقول نفسه ينطبق على «الذات» الإنسانية؛ فانظر إلى باطن نفسك تجد ما تلاحظه هناك ~~حالات نفسية متلاحقة واحدة بعد أخرى، ولن تلاحظ بينها حالة يمكن أن تطلق عليها اسم ~~«ذات» أو «عقل» أو «وعي» أو «روح» أو أي اسم آخر من هذه الأسماء التي نطلقها لنعني بها ms32 ~~«جوهرا» أو «عنصرا» خفيا نفرض وجوده ليمسك هذه الحالات النفسية في «شخص» واحد أو ~~«ذات» واحدة لها استمرار ودوام، فحالاتنا النفسية متتابعة لكنها منفرطة منفصلة كحبات ~~العقد التي لا يمسكها خيط واحد، لكن الإنسان يميل إلى أن يجعل من نفسه «شخصا» واحدا ~~امتد خلال الطفولة والشباب والكهولة، نعم إن مختلف الحالات تتعاوره وتطرأ عليه من صحة ~~ومرض ووقوف ومشي وقعود وأكل وهضم وصحو ونعاس ... إلخ إلخ، لكنه يريد لنفسه أن يكون «ذاتا» ~~واحدة مستمرة هي التي تطرأ عليها هذه الأحوال، أما هي فثابتة، وثباتها هذا هو الذي يخلع ~~على الفرد ذاتيته، لكننا لو أخذنا بمبدأ هيوم في اكتساب المعرفة؛ ألفينا هذه «الذات» ~~الثابتة وهما لا ضرورة لافتراضه؛ لأنه ليس مما تأثرت به الحواس. # الفصل الخامس # | مصدر المعرفة عند العقليين # يقول أنصار المذهب العقلي ردا على ما يزعمه التجريبيون من أن المعرفة مصدرها ~~الحواس: إن الحواس كثيرا ما تخدع، فكم مرة ترى العين ما يظنه الرائي رجلا وهو ليس ~~برجل، وكم مرة رأى المسافر عبر الصحراء ما ظنه ماء وهو سراب؟ فإن كانت الحواس مصدر ~~معارفنا، فهذه المعارف إذن يحتمل فيها الخطأ لاحتمال أن تكون الحواس قد نقلتها على صورة ~~مالت بصاحبها نحو الخطأ في الحكم. هذا إلى أن المعرفة الآتية عن طريق الحواس تفقد ~~الشرطين الأساسيين اللذين يجعلان المعرفة معرفة بمعنى الكلمة الصحيح، وهما الضرورة ~~وصدق التعميم. # أما عن «الضرورة» فنقول إنه ليس بين المعلومات الآتية إلينا عن طريق الحواس ما ~~يتحتم أن يكون على الصورة التي أتى بها ولا أن يكون على غيرها، فها أنا ذا أرى المصباح على ~~المنضدة، فماذا كان يمنع أن يكون على أرض الغرفة أو على أحد المقاعد؟ فوجوده على ~~المنضدة لا «ضرورة» فيه، إنما هكذا حدث، وكان يمكن أن يحدث شيء آخر. وكذلك تدلني الحواس ~~على أن الماء يغلي إذا بلغت حرارته 100 درجة مئوية وكان على مستوى سطح البحر، لكن ماذا ~~كان يمنع أن تكون طبيعة الماء غير ذلك بحيث يغلي إذا بلغت ms33 حرارته أقل من مائة أو أكثر من ~~مائة؟ لم يكن يمنع ذلك ضرورة عقلية، وإنما جعلناها حقيقة؛ لأننا هكذا وجدناها فسجلنا ما ~~وجدناه، ولو وجدنا غير ذلك لكان هو القانون الطبيعي الذي نسجله، لكن قارن ذلك ~~بقولنا: «إذا كانت «أ» أكبر من «ب» و«ب» أكبر من «ج» كانت «أ» أكبر من «ج».» فليست هي ~~بالحقيقة التي نقول عنها إنها هكذا حدثت، وكان يمكن لها أن تحدث على صورة أخرى؛ لأن ~~صدقها «ضروري» لا يتوقف على تجاربنا الحسية، بل على عكس ذلك هي التي تهدينا في تجاربنا ~~الحسية. هذه الحقيقة وأمثالها صادرة عن العقل لا عن الحواس، وما يصدر عن العقل صدقه ~~ضروري محتوم، وأما ما يصدر عن الحواس فصدقه يدل عليه الإحصاء والمشاهدة؛ ولذلك فصدقه ~~مرهون بالمشاهدة والإحصاء، وهذه قد تتغير نتائجها فيتغير صدق ما يترتب عليها. يدلك على ~~ذلك أنك قد تراجع مشاهداتك وإحصاءاتك لتستوثق من دقة نتائجك، كأنما تقول لنفسك إن ~~المشاهدات والإحصاءات قد تأتي بأي شيء، وما علي إلا تسجيل ما تأتي به، لكنك لا تراجع ~~شيئا لتستوثق من صدق العبارة القائلة: (إذا كانت «أ» أكبر من «ب» و«ب» أكبر من «ج» ~~كانت «أ» أكبر من «ج»)؛ لأنها من نوع الحقائق التي لا تخطئ مرة وتصيب مرة، بل هي صادقة ~~دائما؛ أي صادقة بالضرورة. # وأما الصفة الثانية التي تنقص المعرفة الحسية والتي هي شرط للمعرفة بمعناها الصحيح ~~(في رأي العقليين) فهي إمكان تعميم الحكم على أفراد النوع كله تعميما لا نشك في صدقه؛ ~~فافرض مثلا أنك قد حللت ذرة من ذرات الماء فوجدتها مركبة من جزأين من الأيدروجين وجزء ~~من الأوكسجين، وأردت أن تعمم هذا الحكم على كل ذرة ماء أينما كانت، فلن تستطيع ذلك وأنت ~~معتمد على الحواس وحدها؛ لأنك في هذه الحالة إنما تحكم على ذرات مائية لم تشهدها ~~عيناك، فأنت إذن بهذا الحكم العام تجاوز مصدر الحس. ولو وجدت في نفسك ما يبرر أن تطلق ~~الحكم على ذرات الماء كلها، ما وقع في خبرتك ms34 الحسية منها وما لم يقع، فلن يكون هذا ~~المبرر معتمدا على الحواس، بل لا بد أن يكون هنالك عامل آخر إلى جانب الحواس هو الذي ~~يؤيدني في إطلاق الحكم على بقية أفراد النوع الذي خبرت بعض أفراده، وذلك العامل الآخر ~~هو العقل. # فإذا قارنت بين التجريبيين والعقليين من حيث نوع المعرفة التي يعترفون بها؛ وجدت أنه ~~بينما التجريبيون لا يقبلون إلا معرفة جاءت عن طريق الحواس، حتى إنهم ليعدون الفكرة ~~التي لا يمكن ردها أو رد عناصرها إلى أصولها الأولى من انطباعات حسية فكرة باطلة، ترى ~~العقليين لا يرفضون ما تجيء به الحواس من معلومات، غاية ما في الأمر أنها معلومات لا ~~يقطع بيقينها؛ إذ تنقصها صفتا الضرورة والتعميم، وإذن فلا بد من مصدر آخر، هو الذي ~~تركن إليه إذا أردنا معرفة صدقها، ضروري وشامل. # والنموذج الذي يتخذه العقليون مثلا للمعرفة في صورتها الكاملة هو نموذج الرياضة، ~~فالقضية في الرياضة - مثل قولنا 2 + 2 = 4، أو أن زوايا المثلث تساوي قائمتين - صدقها ~~محتوم، وهو صدق لا تغير منه الظروف. ولما كان التفكير في الرياضة يسير على منهج ~~استنباطي، وهو المنهج الذي يبدأ شوطه بمقدمات مسلم بصحتها، ثم ينتزع منها نتائجها، ومن ~~النتائج نتائجها، وهكذا، بحيث يتحتم أن تصدق هذه النتائج جميعا ما دامت المقدمات ~~مسلما بصحتها؛ فقد أراد العقليون أن يكون هذا المنهج الاستنباطي هو منهج التفكير في ~~كل ميادينه على السواء، لا فرق في ذلك بين علم وعلم، فما تسير عليه العلوم الرياضية ~~يمكن أن تسير عليه العلوم الطبيعية كذلك، فنصل إلى مثل اليقين الذي تصل إليه العلوم ~~الرياضية. وسنسوق إليك «ديكارت» # 1 # مثلا للعقليين ورأيهم في مصدر المعرفة. # ينهج «ديكارت» منهجا من الشك عرف بعد ذلك باسمه فيقال عنه: «الشك الديكارتي»، فلكي ~~يبني فلسفته على أساس متين؛ قرر أن يشك في صدق معلوماته التي كان قد حصلها ما دام الشك ~~فيها له ما يبرره. ويبدأ بالشك في الحواس وما تجيء به، ويسأل نفسه ساعتئذ: أفي مستطاعي ~~أن أشك بأنني ms35 الآن جالس إلى جانب النار ومتدثرا بعطافي؟ ثم يجيب نفسه قائلا: نعم؛ ~~لأنه قد حدث لي أحيانا أن رأيتني في الحلم جالسا هكذا إلى جوار النار متدثرا، مع ~~أنني في حقيقة الأمر الواقع كنت عندئذ عاريا في مخدعي، فضلا عن أن حالات الجنون ~~تصحبها الأوهام أحيانا، ومن الجائز أن أكون الآن في حالة من هذه الحالات. # وعلى الرغم من أن علوما كالحساب والهندسة أكثر يقينا من العلوم الطبيعية، إلا أن ~~الشك فيها ممكن؛ فقد يكون الله قد أراد لي أن أخطئ كلما حاولت أن أعد أضلاع المربع أو ~~أن أجمع اثنين إلى ثلاثة. فإذا قيل إن مثل هذه الإرادة المضللة مستحيلة على الله، أفلا ~~يجوز أن يكون هنالك شيطان شرير قادر على الخداع والتضليل، فيضلني عن طريق الصواب؟ فإن ~~فرضنا وجود شيطان كهذا كان من الجائز أن يكون كل ما أراه أوهاما باطلة. # لكني مهما مضيت في شكي على هذا النحو فسيبقى لي شيء لا أستطيع أن أشك فيه، فلو لم أكن ~~موجودا لما استطاع شيطان أن يضللني. ووجودي هذا قد لا يعني وجود بدني؛ لأن إدراكي ~~لوجود بدني قد يكون من قبيل الأوهام. أما الفكر فشأنه غير هذا؛ لأنني إذا أردت أن أحكم ~~بفكري على كل شيء بالبطلان؛ فقد اعترفت ضمنا بأنني موجود بفكري؛ إذ كيف أحكم بفكري على ~~شيء بالبطلان والفكر غير موجود؟ وما دام فكري موجودا فأنا موجود. ونضع هذا المعنى في ~~العبارة المشهورة التي قالها ديكارت في هذا الصدد فنقول: «أنا أفكر فأنا - إذن - ~~موجود.» وهي حقيقة لها في رأي ديكارت من اليقين ما يستحيل على أي شكاك أن ينفذ إليها ~~بشكه؛ ولذلك فهو يقول عنها: «لقد حكمت بأن في مستطاعي أن أتقبل هذه الحقيقة تقبلا ~~خاليا من الريبة، فأجعلها المبدأ الأول للفلسفة التي كنت أنشدها.» هكذا انتهى ديكارت ~~من شكه إلى حقيقة يثق في صدقها ويتخذها أساسا لاستدلالاته، ومثل هذا الشك الذي ينتهي ~~إلى أساس وطريق معرفته أيسر جدا من الطريق إلى معرفة الجسم، وسيظل ms36 الروح محتفظا ~~بخصائصه حتى ولو لم يكن له جسد يستقر فيه. # ويسأل ديكارت نفسه بعد ذلك قائلا: لكن لماذا تكون هذه الحقيقة: «أنا أفكر إذن فأنا ~~موجود» بهذا اليقين كله؟ ثم يجيب عن سؤاله بأنها يقينية لأنها واضحة ومتميزة، فأخذ هذا ~~الجواب وجعله قاعدة عامة هي: «كل شيء ندركه بعقولنا إدراكا غاية في الوضوح وغاية في ~~التميز فهو صواب.» ولو أنه يعترف بأنه ليس من اليسير أن نهتدي إلى أي الأشياء التي يكون ~~إدراكها واضحا ومتميزا. # ومما ينبغي ملاحظته أن ديكارت يستعمل كلمة «التفكير» بمعنى واسع، فالشيء الذي يفكر - ~~باستعمال الكلمة عند ديكارت - هو الشيء الذي يشك ويفهم ويدرك ويثبت وينفي ويريد ~~ويتخيل ويشعر، فعنده أنه حتى الشعور الذي يحدث لنا أثناء النوم ضرب من التفكير. # المعرفة إذن أساسها العقل الذي يدركه صاحبه إدراكا مباشرا. ولننظر الآن ماذا يحدث ~~حين نظن أننا ندرك شيئا بحواسنا؟ أو بعبارة أخرى: فلننظر فيما يحدث عند معرفتنا ~~للأشياء المادية، ويأخذ ديكارت مثلا لذلك قطعة من شمع العسل، فلها صفات معينة تبدو ~~للحواس: طعمها طعم العسل، ورائحتها كأريج الزهر، ولها لون معين تراه العين، كما أن لها ~~حجما وشكلا، وهي ذات صلابة وبرودة، ولو نقرتها بعثت صوتا له رنين معين. لكن ضع قطعة ~~الشمع هذه إلى جوار النار تتغير هذه الصفات، ولو أن الشمع باق؛ وإذن فالصفات التي كانت ~~تبدت للحواس لم تكن هي الشمع في حقيقته، وحقيقته قوامها امتداد ومرونة وحركة، وهذه ~~خصائص يدركها العقل، ولا ترتسم لها صور ذهنية على نحو ما ترتسم الصور الذهنية للمحسوسات؛ ~~وعلى ذلك فالشيء الذي نعنيه بقولنا: «شمع» ليس في حقيقته مما تدركه الحواس، وحسبنا أن ~~نذكر أن حقيقة الشمع حاضرة على السواء في الحواس المختلفة، مع أن الحواس المختلفة ~~متباينة جدا فيما تدركه؛ فالعين ترى لونا، والأذن تسمع صوتا، والأنف يشم رائحة، ~~وهكذا، فإذا كانت حقيقة الشمع حاضرة في اللون حضورها في الصوت أو الرائحة - على اختلاف ~~هذه الإحساسات - كانت حقيقة الشمع مختلفة عن هذه الإحساسات جميعا. ms37 إنني في الحقيقة لا ~~أرى الشمع إلا بعقلي، أما هذه الظواهر التي تتلقاها الحواس فليست من حقيقة الشمع إلا ~~بمقدار ما تكون ثيابنا دالة على حقيقتنا، فلو جاز لي أن أقول إنني حين أرى ثيابا ~~وقبعات في الطريق فإني أرى حقائق الناس، جاز أن أقول كذلك إنني حين أحس من الشمعة ~~صفاتها بحواسي فإني أدرك حقيقتها. جرد قطعة الشمع من ثيابها الحسية هذه تدرك حقيقتها ~~بعقلك، وهكذا تكون معرفتك للأشياء الخارجية بالعقل لا بالحواس، وإن بدا الأمر غير ~~ذلك. # وينتقل ديكارت بعد ذلك إلى تقسيم الأفكار أنواعا مختلفة (وهو هنا يدخل الإدراكات ~~الحسية ضمن الأفكار) قائلا: إن أكثر الخطأ شيوعا بين الناس هو ظنهم بأن أفكارهم شبيهة ~~بالأشياء الخارجية، والأفكار في ظنه تنقسم أنواعا ثلاثة: (1) أفكار فطرية فينا. (2) أفكار تأتي إلينا من خارج أنفسنا. (3) أفكار نخلقها نحن خلقا. والصنف الثاني من هذه الأصناف الثلاثة هو الذي نخطئ حياله؛ إذ ترانا مدفوعين بميل ~~طبيعي إلى الظن بأن أفكارنا التي تأتي من خارج أنفسنا هي صور شبيهة بالأشياء الخارجية ~~التي أحدثت فينا تلك الأفكار. أضف إلى ذلك أنها أفكار لا يخضع حدوثها فينا لإرادتنا، بل ~~هي تتكون عن الأشياء أردنا ذلك أو لم نرد؛ فيزيد ذلك من اقتناعنا بأنها تصور أشياءها ~~تصوير الشبيه بشبيهه، لكن لا الميل الطبيعي الذي يدفعني إلى هذا الاعتقاد ولا استقلال ~~هذه الأفكار عن إرادتي بحجة منطقية تدل بالضرورة على صدق الاعتقاد. # ولكن إذا كانت أفكاري التي تأتيني من الأشياء الخارجية ليس فيها ما يدل على أنها تصور ~~الأشياء التي في العالم تصويرا أمينا، أفلا يكون هنالك وسيلة تزيل عني الشك في وجود ~~تلك الأشياء؟ يجيب ديكارت أن الوسيلة هي الاعتقاد في إله خير لا يخدع كما خدعنا الشيطان ~~الذي افترضنا وجوده عندما بدأنا عملية الشك. الله هو الذي وهبني هذا الميل الطبيعي الذي ~~يدفعني إلى القول بأن أفكاري عن الأشياء الخارجية صور أمينة لها، ولو لم يكن الأمر كذلك ~~لكان هذا الميل في طبيعتي خديعة، وما دام ms38 الله الواهب لا يخدع كان ما يدفعني إليه ميلي ~~الطبيعي من حيث صدق الأفكار التي تأتيني من الخارج حكما صحيحا؛ وإذن فالعالم الخارجي ~~- عالم الأشياء - موجود كما تدركه الحواس. # ولعلك تلاحظ أن ديكارت قد سار في رأيه عن مصدر المعرفة ومدى يقينها في خطوتين: ~~إحداهما تهدم والثانية تبني، لكنه كان أقوى في جانب الهدم منه في جانب البناء؛ فلئن كان ~~في المرحلة الأولى - مرحلة الشك - فيلسوفا ثائرا على تقبل الناس في العصور الوسطى ~~لأفكارهم تقبل التسليم، فقد عاد في المرحلة الثانية فانتكس إلى إيمان العصور ~~الوسطى. # الفصل السادس # | مصدر المعرفة عند النقديين # رأينا التجريبيين والعقليين يختلفون على مصدر المعرفة: أهو الحواس وحدها كما يقول ~~الفريق الأول أم هو العقل كما يقول الفريق الثاني؟ كأنما اختيارنا لا بد أن يقع على ~~إحدى الوسيلتين دون الأخرى، وكأنما هو محال على الوسيلتين أن تجتمعا معا في تحصيل ~~المعرفة، فجاء «كانت» # 1 # بمذهبه النقدي ليقرر أن المعرفة لا تتم إلا بالخبرة الحسية والمبادئ ~~العقلية معا. # والمقصود بكلمة «النقد» حين تستعمل في وصف فلسفة بأنها «نقدية» هو تحليل الأحكام ~~التي نطلقها على الأشياء - أو إن شئت فقل هو تحليل المعرفة - تحليلا ينتهي بنا إلى ~~استخراج الأصول الصورية التي لا بد من افتراضها لكي نطلق ما أطلقنا من أحكام أعني لا ~~بد من افتراضها لكي نعرف ما نعرف؛ فافرض مثلا أني قلت هذه العبارة الآتية: ركبت القطار ~~«قبل» قيامه بدقيقتين، فهل كان يمكن أن أقول قولا كهذا وأن يكون له معنى مفهوم ما لم ~~يكن قد سبق ذلك في ذهني افتراض؛ هو أن الحوادث تتتابع في الحدوث؛ أي أن هنالك تسلسلا ~~في اللحظات الزمنية؟ إنه بغير هذا الافتراض يكون محالا أن أنسب حادثة إلى حادثة أخرى ~~فأجعلها «قبلها» أو «بعدها»، ثم هل يمكن أن أفترض وجود اللحظات الزمنية متتابعة دون أن ~~يسبق ذلك في الذهن افتراض بأن العالم ليس حقيقة واحدة بل يتألف من كثرة من حقائق تأتي ~~متتابعة؟ إذن فعبارتي الأولى التي قلتها لأصف بها ms39 ما حدث - وهو أني ركبت القطار قبل ~~قيامه - كانت تنطوي على أصل عقلي - أي أصل منطقي - وهو «الكثرة» أو «التعدد»، ولولا تصوري ~~للكثرة لما تصورت تسلسل الزمن، ثم لولا تصوري لتسلسل الزمن لما استطعت أن أقول عن ركوبي ~~القطار إنه جاء «قبل» قيامه. هذه المحاولة وأمثالها التي نحاول بها أن نستخرج ما وراء ~~أحكامنا من أصول عقلية هي التي تسمى في الفلسفة «بالنقد» أو «التحليل». والفلسفة تكون ~~«نقدية» إذا جعلت هدفها الأساسي تحليل أفكارنا لاستخراج الأصول المنطقية الكامنة ~~وراءها، والتي لولاها لما استطعنا أن نكون تلك الأفكار. # والفيلسوف النقدي - إذ يستعرض أحكامنا ويحللها على هذا النحو الذي يستخرج به تلك الأصول ~~المنطقية - يحاول أن يرد هذه الأصول إلى أقل عدد ممكن؛ هي التي تكون - في رأيه - الصور ~~الأولى التي تملأ بالمعارف المختلفة، وهذه الصور أو هذه الإطارات التي تصب فيها ~~خبراتنا تسمى في الفلسفة ب «المقولات»؛ فقولي - مثلا: «إن المنزل قد أحرقته النار.» ~~وقولي: «إن الرجل قد قتله الرصاص.» هما قولان من «مقولة» واحدة على الرغم من اختلاف ~~العبارتين اختلافا بعيدا في مادة معناهما؛ لأن الصورة في كل منهما هي نفسها الصورة في ~~الأخرى، وهذه الصورة أو هذا الإطار أو هذا القالب المشترك بينهما هو أن «أ» سبب «ب». ~~وإذن فهذان القولان وكل قول آخر يشبههما إنما ترتد كلها إلى «مقولة» واحدة هي مقولة ~~السببية؛ فالسؤال الذي يلقيه الفيلسوف النقدي على نفسه ويحاول الإجابة عنه هو: ما هي ~~«المقولات» التي ترتد إليها أحكام الناس البادية في كلامهم مهما اختلفت هذه الأحكام في ~~مضمونها؟ # فالفرق الجوهري بين المقولة وما يملؤها من معرفة هو أن الأولى عقلية تكون في طبيعة ~~الإنسان قبل الخبرة، وأما الثانية فتأتي بعد الخبرة؛ أي أن القالب نظري والحشو مكتسب. ~~وإذن فعمل الفيلسوف النقدي وهو يحلل حكما من أحكامنا على الأشياء؛ أي وهو يحلل جملة من ~~الجمل التي نقولها لنعبر بها عن أفكارنا. أقول: إن عمل الفيلسوف النقدي - وهو يحلل ~~حكما من أحكامنا ليستخرج الإطار الذي صب فيه ms40 ذلك الحكم - هو أن يحلل الحكم ليفرز فيه ~~أحد عنصريه عن الآخر، فيفصل القالب الصوري عن المضمون التجريبي الذي يملؤه. وقد كانت ~~هذه هي المحاولة التي قام بها «كانت» في كتابه المشهور «نقد العقل الخالص»؛ إذ أراد ~~به أن يقيم البرهان على أنه على الرغم من أن معرفة الإنسان يستحيل أن تجاوز حدود خبرته ~~الحسية إلا أن هذه الخبرة الحسية نفسها لا بد لها من إطارات أو قوالب أو مقولات تكون ~~فطرية في طبيعة العقل لتتشكل الخبرة الحسية على غرارها. # ولكي نفهم رأي «كانت» الذي انتهى إليه لا بد أولا من فهم التفرقة التي فرق بها ~~بين أنواع القضايا؛ أي بين أنواع العبارات اللغوية التي نعبر بها عن أفكارنا، فجعلها من ~~حيث نقلها للمعلومات نوعين: فقضايا إخبارية # 2 # وأخرى تكرارية، # 3 # ثم قسمها مرة أخرى من حيث كونها قبل الخبرة الحسية أو بعدها إلى قسمين: ~~فقضايا قبلية وأخرى بعدية. # أما التقسيم الأول الذي يقسم الأحكام إلى ما هو تكراري وما هو إخباري فشرحه كما ~~يأتي: # الجملة تكون تكرارية إذا كان الخبر الذي جاءت لتخبر به هو نفسه جزء من الموضوع الذي ~~تتحدث عنه الجملة وتخبر عنه. ونضع هذا المعنى بلغة المنطق فنقول: إن القضية التكرارية ~~هي التي يكون فيها المحمول جزءا من الموضوع، فمثلا إذا قلت لك: «إن المصباح المضي ~~مصباح» أو «إن المثلث المتساوي الأضلاع مثلث» كان قولي تكراريا، الخبر فيه جزء من ~~المخبر عنه؛ وإذن فهو قول لا يأتي بجديد سوى أن يبرز بعض عناصر الموضوع الذي هو مدار ~~الحديث، وبالطبع لا يكون التكرار دائما في الجملة التكرارية بهذا الوضوح الذي تراه في ~~المثلين السابقين، بل كثيرا ما يخفى على التفكير العابر السريع.؛ فمثلا إذا قلت «إن ~~الكوكب هو ما يدور حول الشمس» فقد يخيل إليك للوهلة الأولى أنني هنا أجيئك بخبر جديد عن ~~«الكوكب»، وأنني بهذه الجملة لا أكرر لفظ المخبر عنه في الخبر، لكنك إذا أمعنت النظر ~~وجدتني في هذه الجملة أيضا أكرر الشيء الواحد مرتين ms41 دون أن أضيف خبرا جديدا؛ لأنك ~~لو اعترضت علي بقولك: عرف لي الكوكب قبل أن تخبرني عنه بأنه يدور حول الشمس أو لا ~~يدور؛ لما وجدت تعريفا للفظة «كوكب» أقوله لك سوى أنه «ما يدور حول الشمس»؛ وإذن ~~فأنا في الحقيقة لم أزد في عبارتي التي قلتها أولا على أن وضعت الشيء وتعريفه، ولما ~~كان الشيء مساويا لتعريفه، فقد وضعت في عبارتي الأولى لفظا وما يساويه؛ أي كررته ~~مرتين، وإن يكن تكراره قد جاء في صورتين مختلفتين ظاهرا. # وأما الجملة الإخبارية فهي التي تضيف خبرا جديدا يقال عن موضوع الحديث، بحيث إذا ~~عرفت هذا الموضوع جاء التعريف خاليا من ذلك الخبر الجديد، وكل معرفة تجيء عن طريق ~~الخبرة الحسية هي من هذا القبيل، فلو قلت مثلا «كان السبت الماضي يوما ممطرا» كنت ~~بهذا القول أخبر عن يوم السبت الماضي بخبر ليس بالضرورة جزءا من معناه، فمهما حللت ~~معنى «السبت الماضي» فلن تجد جزءا من هذا المعنى أنه يوم ممطر؛ فوصفي له بهذه الصفة هو ~~نتيجة الخبرة الفعلية التي خبرتها بحواسي. # فبينما الجملة التكرارية لا تحتاج إلى خبرة حسية تؤيدها أو تفندها؛ لأنها تكرر القول ~~ولا تضيف جديدا، فالجملة الإخبارية مدار تأييدها أو تفنيدها على الخبرة الحسية. فإن ~~قلت لك «إن المصباح المضيء مصباح» فليس هناك ما يدعو إلى مراجعة شيء في عالم الواقع ~~لتعرف إن كان قولي هذا صحيحا أو خاطئا. أما إذا قلت لك «إن المصباح المضي مصنوع من ~~الفضة» فها هنا إذا أردت التحقق من صدق قولي كان لا بد لك من الرجوع إلى الواقع لترى إن ~~كان المصباح - الذي هو موضوع الحديث - مصنوعا من الفضة أو لم يكن، فإن كان صدق الجملة ~~التكرارية متوقفا على اتساق أجزائها - أي على عدد التناقض بين أجزائها - فصدق الجملة ~~الإخبارية متوقف على مطابقة الخبر للواقعة التي جاءت الجملة لتصورها وتخبر عنها. # وننتقل الآن إلى التقسيم الثاني لأحكامنا إلى ما هو قبل الخبرة وما هو بعدها، أو ~~بالعبارة الاصطلاحية في الفلسفة: إلى ms42 ما هو «قبلي» وما هو «بعدي». # فالقضية البعدية - أو إن شئت فقل عنها القضية الخبرية أو التجريبية - لا نصل إليها ~~إلا بعد إدراك حسي نقوم به نحن بأنفسنا أو يقوم به من نثق بشهادته، وكل حقائق التاريخ ~~والجغرافيا هي من هذا القبيل؛ فكيف تعرف أن جبال الهملايا ارتفاعها كذا إلا إذا أدركتها ~~بحواسك أو أدركها من تثق بشهادته؟ وكيف تعرف أن نابليون جاء إلى مصر سنة 1798 إلا إذا ~~كان شاهد قد شهد ذلك بحواسه وأثبت شهادته هذه؛ فصدقت أنت شهادة الشاهد. وكذلك قل في كل ~~قوانين العلوم الطبيعية، فهذه القوانين لا يمكن الوصول إليها إلا بعد ملاحظة وتجربة ~~للأشياء التي صيغت القوانين الطبيعية عنها، فكون الماء يتركب من أوكسوجين وأيدروجين ~~بالنسبة الفلانية يحتاج إلى تجربة في المخابير ألاحظها بعيني، وهكذا. # وأما القضية «القبلية» فشأنها مختلف؛ لأنها لا تعتمد على الخبرة الحسية؛ مثل قولي: 2 ~~+ 2 = 4، فحتى لو وصلت إلى هذه الحقيقة بادئ الأمر بالنظر إلى برتقالتين وبرتقالتين، أو ~~قلمين وقلمين كما يفعل المدرس في تعليم الأطفال، فإنني بعد أن أجرد المعنى من ~~البرتقال والأقلام وغيرها، فإني أدرك أن صدقه لا يتوقف على خبرة حسية، ولا أتطلب بعد ~~ذلك أمثلة من دنيا الواقع لتأييده؛ لأنني أدرك فيه يقينا لا يتطرق إليه الشك، وكل ~~قضايا الرياضة من هذا القبيل. # الآن وقد عرفت ما القضية التكرارية وما القضية الإخبارية، كما عرفت الفرق بين القضية ~~القبلية والقضية البعدية؛ فقد بات الطريق ممهدا لوضع المشكلة كما رآها «كانت» وكيف ~~كان حلها على يديه. # لو قلنا لك إن القضية التكرارية تكون قبلية؛ أي يكون صدقها غير معتمد على الخبرة ~~الحسية؛ لما في هذا القول ما يثير دهشة؛ لأنك لست بحاجة إلى خبرة لتثبت أن «المصباح ~~المضيء مصباح». وكذلك لو قلنا لك إن القضية الإخبارية تكون بعدية لما أثار القول ~~دهشتك؛ لأنه ما دام في القول خبر جديد فهو إذن مستقى من الخبرة ولا يجيء إلا بعدها، ~~كأن أقول لك عن حائط غرفتي إنه أزرق، لكن ms43 كيف يكون موقفك حين أزعم لك أن هنالك ضربا ~~من العبارات تكون الواحدة منها إخبارية وقبلية في آن واحدة؟ أي أنها تروى خبرا ~~لكنها في الوقت نفسه لا تحتاج إلى خبرة تؤيد صدقها؟ # هذه هي مشكلة المعرفة كما صاغها «كانت» ثم حاول حلها؛ فالمشكلة عنده هي أننا في كل ~~القوانين العلمية - في الرياضة وفي العلوم الطبيعية على السواء - إنما نعمم القول على ~~نحو يجعله إخباريا وقبليا في آن واحد. والسؤال هو: كيف أمكن هذا الجمع بين الجانب ~~الخبري وبين الجانب الذي يسبق الخبرة بحيث يتكون من الجانبين حكم واحد؟ # الجواب عند «كانت» هو أن جانبا يأتي من الخارج، وهو جانب الخبرة الحسية تأتينا ~~منبعثة من الأشياء، لكنها إذ تأتي لا تجد نفسها بغير ضابط يضبطها، بل يتلقاها في العقل ~~إطار ينظمها في حدوده؛ ومن ثم يكون كل جزء من معرفتنا معتمدا في مضمونه على خبرة ~~الحواس وفي قالبه على نظرة العقل في طريقة الإدراك، وهكذا يكون كل جزء من معرفتنا ~~حسيا وعقليا، إخباريا وماديا، في آن واحد. وفيما يلي شيء من التفصيل في توضيح ~~ذلك. # هذه برتقالة معي، فكيف أدركها؟ أولا تأتيني منها إحساسات مختلفة؛ إذ يأتيني منها لون ~~عن طريق العين، ورائحة عن طريق الأنف، وطعم عن طريق اللسان، وملمس عن طريق الأصابع، ~~وهكذا. وهذه الإحساسات تأتي من أبواب مختلفة، وتسلك إلى المخ طرقا مختلفة كما رأيت، ~~فليس الطريق الذي يسلكه اللون هو نفسه الطريق الذي يسلكه الطعم أو الرائحة أو الملمس؛ ~~وإذن فالنتيجة الطبيعية لهذا هي أن الإحساسات تظل في الذهن أشتاتا إذا كان اعتمادنا ~~على الحواس وحدها، لكنها لو ظلت هكذا أشتاتا متفرقة لما أمكنني إدراك البرتقالة؛ لأن ~~مجرد الإحساس ليس هو الإدراك؛ وبالتالي ليس هو المعرفة، فليست البرتقالة هي لونها وحده ~~أو طعمها وحده أو رائحتها وحدها، إنما هي هذه جميعا متجمعة في «شيء» معين؟ ما الذي يضم ~~الإحساسات المتفرقة التي جاءت من قنوات مختلفة بعضها إلى بعض في الداخل؟ أم هل تسارع ~~هذه الإحساسات إلى ms44 اجتذاب بعضها إلى بعض بطريقة آلية دون أن تحتاج في ذلك إلى عامل خارج ~~عنها؟ نعم، هذا هو ما يقوله «هيوم»؛ إذ يقول إن الانطباعات الحسية الواردة إلي من ~~الخارج تترابط من تلقاء نفسها بما يسميه قوانين الترابط أو قوانين التداعي، وأما ~~«كانت» فرأيه غير ذلك. # رأيه هو أن في فطرة الإنسان وسيلتين للإدراك الحسي؛ أعني أن في فطرته وسيلتين لجمع ~~الإحساسات المتفرقة جمعا تصبح معه صورا ذهنية متصلة مترابطة للأشياء التي انبعثت منها ~~تلك الإحساسات، وهاتان الوسيلتان هما: «المكان» و«الزمان»، تأتي إلينا الإحساسات ~~المتفرقة في خليط مهوش؛ فنرتبها في داخل أنفسنا ترتيبا يجعل هذا الإحساس على صلة ~~مكانية بذلك الإحساس، كأن يكون مثلا على يمينه أو يساره أو فوقه أو تحته، وبربط هذه ~~الإحساسات المتفرقة ربطا مكانيا تتكون منها صورة للشيء؛ وبالتالي يتكون له عندنا ~~إدراك حسي. على ألا تنسى أن هذا الترتيب الذي وضعنا فيه الإحساسات الواردة إلينا هو من ~~عندنا، وليس في الإحساسات نفسها، فنحن الذين نخلعه على الإحساسات فتكتسب به معنى. وكذلك ~~قل في تتابع الأشياء تتابعا زمنيا بحيث نقول عن شيء إنه قبل شيء آخر أو بعده، فهذا ~~التتابع هو من عندنا أيضا؛ لأن ما يأتينا من الخارج - كما قلنا - إحساسات بغير ترتيب؛ ~~فالحواس أبواب مفتوحة ينفذ منها ألوف الإحساسات في كل لحظة، فنتناولها نحن في الداخل ~~بالترتيب المكاني وبالتتابع الزماني؛ فتصبح مدركات منظمة بعد أن كانت خليطا ~~مهوشا. # إذا تكونت في ذهني صورة للبرتقالة التي معي الآن، فأنا الذي صنعت هذه الصورة صنعا، ~~لكنني صنعتها من المادة الخامة التي أتتني من الخارج، وهي الانطباعات الحسية المختلفة، ~~كما يصنع النجار منضدة من خشب يعطى له، والأداتان اللتان أصنع بهما مدركاتي هما ~~«المكان» و«الزمان»؛ أي هما ترتيب العناصر الخامة على نحو يربط أجزاء المدرك الواحد ~~بعضها ببعض، ثم على نحو يتابع بين المدركات في سلسلة زمنية فيها ما هو سابق وما هو ~~لاحق، وليس في الأشياء نفسها مثل هذا الترتيب المكاني أو التتابع الزماني، إنما هما ms45 ~~صفتان ذاتيتان من عندي خلعتهما على الأشياء لتصبح ذات معنى، فما أشبه الأمر هنا بمن ~~يلبس منظارا أزرق فيرى كل شيء أزرق اللون، لكن الزرقة تكون في منظاره ولا تكون في ~~الأشياء المرئية. # وواضح أنه ما دام المكان والزمان أداتين يستخدمهما الإنسان بواسطة الحواس، فهما ~~يبطلان إذا ما استخدما في غير الظواهر المحسوسة؛ فالحقائق الخارجية إن كانت من غير ~~المحسوسات استحال أن يكون لها مكان أو زمان. # وما دمان قد سلمنا بأن الزمان والمكان أداتان ذاتيتان تستخدمان في الإدراك ~~الحسي، وأنهما لم يستمدا من التجربة الحسية مع أنهما الوسيلتان اللتان تجعل ~~المدركات الحسية ذات معنى، فإنه ينتج من ذلك أن كل ما نطلقه على الأشياء من أحكام تتعلق ~~بمكانها أو بزمانها فهو معتمد في أحد وجهيه على ذواتنا نحن لا على خبراتنا الآتية عن ~~طريق الحواس؛ ومن ثم كانت كل القضايا الرياضية مرتكزة على الطبيعة الإنسانية نفسها ~~في إدراك الأشياء؛ لأن هذه القضايا تتعلق إما بالمكان في علم الهندسة أو بالزمان - أي ~~بتتابع الوحدات - في علم الحساب؛ فالقضايا الرياضة صادقة صدقا يقينيا، غير معتمدة في ~~صدقها هذا على التجربة الحسية، بل هي صادقة من «قبل» التجربة؛ أي هي قضايا «قبلية»، ~~ولولا فطرة الإنسان في طريقة إدراكه للعالم بوسيلتي المكان والزمان لما أمكانه تكوين ~~الأحكام الرياضية. # ومن هذا يتضح أن «كانت» قد وقف بمذهبه هذا بين الواقعية والمثالية؛ لأنه من ناحية ~~اعترف بالإحساسات التي تأتي إلينا من الخارج كمادة أولية للمعرفة، ولكنه من ناحية أخرى ~~قرر فاعلية العقل واشتراكه في صياغة تلك الإحساسات في مدركات حسية. # ليس المكان والزمان بالفكرتين؛ أعني أنهما في ذاتيهما ليستا بالمدركين العقليين ~~اللذين نستخلصهما من تجاربنا؛ لأنهما ليستا جزءا من التجربة، بل هما «المنظار» الذي ~~نرى به تلك التجربة؛ «فالمكان» - مثلا - لم تتكون فكرته في عقولنا بعد أن رأينا عدة ~~«أمكنة» بحيث استطعنا أن نقارنها ونجردها من أوجه الاختلاف لنستخلص أوجه الشبه فتكون ~~هذه هي قوام المدرك العقلي عن «المكان». كما نفعل حين نستخلص معنى «المقعد» ms46 من مجموعة ~~المقاعد التي تمر بنا في تجاربنا، ومعنى «الشجرة» من مجموعة الأشجار، ومعنى «الكتاب» من ~~مجموعة الكتب، وهكذا. لا، ليس «المكان» ولا «الزمان» بمدرك عقلي يتكون على هذا النحو في ~~عقولنا، بل هما الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء بحيث نحول أشتات الإحساسات المنبعثة ~~منها إلينا إلى إدراكات حسية؛ لأن مجرد الإحساس ليس إدراكا. # لكن هنالك في العقل - فيما عدا وسيلتي الإدراك الحسي اللتين هما المكان والزمان كما ~~أسلفنا - مدركات عقلية موجودة فيه «قبل» أية خبرة حسية، هي مدركات «قبلية» نستعين بها ~~في تكوين المعاني الكلية من المدركات الحسية، ثم في ربط هذه المعاني الكلية بعضها ببعض ~~بحيث نكون الأحكام التي نطلقها على الأشياء إيجابا أو سلبا؛ فأنت حين تدرك ~~البرتقالة الواحدة التي أمامك مستعينا في إدراكها «بمنظار» المكان الذي يضم اللون إلى ~~الشكل والطعم والرائحة والملمس في مجموعة واحدة متلاصقة تكون هي إدراكك الحسي ~~للبرتقالة. أقول إنك حين تفعل هذا لا تكون قد كونت لنفسك بعد «مدركا عقليا» أو ~~«معنى كليا» عن البرتقالة بصفة عامة، بل لا بد لك من خطوة أخرى تقارن فيها عدة ~~البرتقالات الجزئية التي تمر بك في خبرتك لتجردها من صفاتها العرضية ولتبقي لها صفاتها ~~التي يجب أن تكون في الشيء لكي يكون برتقالة، هذه الصفات الجوهرية إذا ما تكونت لديك ~~كان عندك بذلك «معنى كلي» عن البرتقالة بصفة عامة، لا هذه البرتقالة الواحدة أو تلك ~~البرتقالة الواحدة. وعلى هذا النحو تمضي في تكوين «مدركات عقلية» عن الأشياء، ثم ماذا؟ ~~إنك لو وقفت عند هذه المرحلة لما كان لديك «معرفة» بمعناها الصحيح؛ لأن «المعرفة» ~~إنما تكون في الأحكام التي تطلقها على الأشياء إيجابا أو سلبا؛ أي أنها تكون بربط ~~مدركاتك العقلية وإيجاد الصلات بينها مما يدخل بعضها في بعض أو يبعد بعضها عن بعض؛ ~~فنقول مثلا: «النار تحرق الورق» و«النحاس يوصل الكهرباء» و«الخشب لا يغوص في الماء»، ~~وهكذا وهكذا. # لكي تستطيع أن تخطو هاتين الخطوتين بعد مرحلة إدراكاتك الحسية للأشياء الجزئية التي ~~تقع في ms47 خبرتك، وهما الخطوتان اللتان تكون بهما «مدركات عقلية»، وتربط هذه المدركات ~~العقلية في أحكام، زودت فطرتك بنوع من المدركات العقلية لا يحتاج - كغيره من المدركات ~~العقلية - إلى خبرة حسية لتكوينه؛ فالمدرك العقلي «شجرة» لا يتكون إلا بعد أن تدرك ~~بالحس أشجارا، أما المدرك العقلي «سببية» فمفطور في عقلك قبل أن تحصل بحواسك أية خبرة ~~حسية، بحيث إذا جاء ضمن خبرتك الحسية شيئان «أ» و«ب» مرتبطان برابطة السببية كالنار ~~والورق المحترق، لم يكن هنالك داع أن تبحث عن الرابطة السببية بين العناصر الحسية ~~ذاتها؛ لأنها من عندك وفي فطرتك، تجعلها على أمثال هذه الحوادث التي ترتبط بها، فتقول: ~~إن «أ» سبب في حدوث «ب» على الرغم من أن الخبرة الحسية ليس فيها إلا «أ» تتبعها «ب»، ~~وليس في مجرد التتابع المحسوس معنى الضرورة؛ أي ليس فيه ضرورة أن تكون «أ» دائما ~~متبوعة ب «ب»، إنما الذي فرض هذا الدوام أو هذه «الضرورة» هو المدرك العقلي الذي ~~زودت به فطرة الإنسان. # هذه المدركات العقلية الفطرية القبلية (أي التي توجد قبل الخبرة الحسية) هي التي تسمى ~~بالاصطلاح الفلسفي «مقولات»، ووجودها شرط لا محيص عنه ليتمكن الإنسان من «معرفة» العالم ~~الخارجي، ولولاها لبقيت مدركاتنا عن العالم الخارجي خليطا مهوشا لا اتساق فيه ولا ~~معنى. # خذ مقولة «الجوهر» مثلا، فما الذي يجعله متعذرا عليك أن تتصور أن البرتقالة إن هي ~~إلا مجموعة صفات تحسها الحواس المختلفة دون أن يكون هنالك من الصفات ما يمسكها في وحدة ~~واحدة؟ ما الذي يجعله متعذرا عليك أن تتصور أن الفرد الواحد من أفراد الناس إن هو إلا ~~سلسلة من حادثات متتابعة عابرة دون أن يكون في داخله محور ثابت هو الذي يوحد بين هذه ~~الحادثات في شخص واحد؟ أو بعبارة أخرى ربما كانت أوضح: ما الذي يضطرك اضطرارا أن تفرض ~~وجود نفس أو روح في الإنسان؟ الذي يضطرك إلى هذا هو فطرتك التي تفرض «جوهرا» تتعلق به ~~الظاهرات العرضية ليتكون الشيء في تصورك، وإلا لانحل الشيء إلى حالات مفككة ms48 لا ~~وحدة بينها ولا دوام لوجودها؛ فقد كان «هيوم» على حق حين قال إن الشيء ليس إلا سلسلة ~~ظواهره؛ لأن هذه نتيجة تلزم حتما عن المقدمة التي بدأ بها، وهي أن المعرفة مصدرها ~~الحواس وحدها؛ إذ لو كان الأمر كذلك؛ لما كانت البرتقالة إلا محسوساتها، ولما كان ~~الإنسان أيضا إلا ما يظهر منه للحواس؛ وبالتالي لما جاز لنا أن نفترض في داخله وجود ~~نفس أو روح؛ لأنها ليست مما يأتي عن طريق الحواس. أقول: إن «هيوم» كان على حق على شرط ~~أن نسلم معه بالمقدمة. لكن لماذا لا نبدأ بمقدمة أخرى كما فعل «كانت»، ونقول إن في ~~العقل مقولات فطرية ذاتية قبلية هي التي نصب فيها خبراتنا الحسية؟ ومن تلك المقولات ~~مقولة «الجوهر»؛ فجوهر الإنسان - أي نفسه أو روحه - فرض لا بد منه لتتكون للفرد وحدته ~~واستمراره، وجوهر البرتقالة فرض لا بد منه كذلك لتمسك الظاهرات الحسية في وحدة شيئية. ~~نعم ليس «الجوهر» نفسه من بين المحسوسات لكنه شرط لازم لاجتماعها وتماسكها، وإلا لكان ~~تصورنا لصفات البرتقالة المتفرقة أو لصفات الإنسان وهي معلقة وحدها بغير محور تتعلق به ~~كتصورنا لمجموعة ثياب معلقة في الهواء بغير مشجب تستند إليه. # هذه المقولات شأنها شأن وسيلتي الإدراك الحسي - المكان والزمان - ذاتية نخلعها من ~~عندنا على مدركاتنا ليتكون لنا علمنا بالعالم الموضوعي؛ أي أنها جزء من بنية عقولنا، ~~وهي بمثابة القوالب الفارغة أعدت لتنصب فيها خبراتنا الحسية كائنة ما كانت، ولكن ~~حدود تطبيقها تقف عند حدود الخبرة الحسية، فلا يجوز أن تطبقها على ما ليس يأتي عن طريق ~~الحس. # ولئن كانت وسيلتنا الإدراك الحسي من مكان وزمان قد مكنتانا من ترتيب أشتات الإحساس ~~المتفرقة ترتيبا يجعل بينها اتصالا مكانيا وتتابعا زمنيا؛ وبالتالي استطعنا أن ~~نطلق الأحكام الرياضية في علمي الهندسة والحساب، بحيث تكون أحكاما إخبارية عن عالم ~~الأشياء، وفي الوقت نفسه تكون أحكاما قبلية يقينية، فإن هذه المقولات تمكننا من إطلاق ~~الأحكام في العلوم الطبيعية بحيث تأتي هي الأخرى إخبارية وقبلية في آن واحد؛ ms49 أي تأتي ~~مخبرة عن عالم الأشياء، وفي الوقت نفسه يكون فيها اليقين الذي يأتي من العقل ولا ينتظر ~~التجربة الحسية. # ليس ما في العالم من اطراد الحوادث في نظام واتساق يبدوان في قوانينه، ليس هذا ~~الاطراد موجودا في الطبيعة نفسها، بل خلعه الفكر الذي عرفه وأدركه حسب قوانينه ~~المتأصلة في فطرته؛ أي أنه ليس للعالم الطبيعي قوانين خاصة به يسير بمقتضاها غير ~~القوانين التي يعمل بها العقل؛ فقوانين الأشياء هي نفسها قوانين الفكر، والعلاقة التي ~~تربط أفكارنا بعضها ببعض هي نفسها العلاقة التي تربط الأشياء في الواقع الخارجي بعضها ~~ببعض، فإذا كنت ترى الأشياء مرتبطة برابطة السببية؛ فذلك لأن السببية مقولة عقلية ~~مفطورة فينا. ولا غرابة؛ فنحن لا نعلم الأشياء الخارجية إلا بمعونة الفكر وقوانينه، ~~فبديهي أن تكون تلك القوانين العقلية هي نفسها القوانين التي ندركها في الطبيعة. # الفصل السابع # | مصدر المعرفة عند المتصوفة # وسيلة المعرفة عند التجريبيين هي الحواس، ووسيلتها عند العقليين هي العقل، وعند ~~النقديين وسيلتها هي الحواس والعقل معا، أما المتصوفة فمن رأيهم أن الحق المطلق - وهو ~~الله - لا تكون الوسيلة إلى معرفته هي الحواس أو العقل أو الحواس والعقل معا، بل تكون ~~الوسيلة إلى معرفته هي «الحدس» أو العيان المباشر أو البصيرة، فكل هذه ألفاظ تسمى بها ~~وسيلة المعرفة حين يمتزج الشخص العارف بالشيء المعروف، بحيث لا تكون هنالك تفرقة بين ~~الذات من جهة والموضوع من جهة أخرى. وإن شئت مثالا قريبا فانظر إلى نفسك كيف تعرف أنك ~~موجود؟ إنك لا تعرف ذلك بعين أو أذن أو أنف؛ لأنك لو أغلقت هذه الأبواب كلها فستعرف أنك ~~موجود. وأنت كذلك لا تعرف وجود نفسك بالبرهان تقيمه فتكون هناك مقدمات تستنتج منها ~~النتائج؛ أي أنك لا تعرف وجود نفسك بالعقل بل تعرف بأن تدركه إدراكا مباشرا، وهذا ~~الضرب من الإدراك هو الذي يقال له في الفلسفة اصطلاحا: إدراك بالحدس، وهو هو بعينه ~~طريقة الإدراك التي ندرك بها الله. # والمتصوفة على اختلافهم يتفقون على نقط هامة حتى تعد هذه ms50 النقط من أخص خصائص التصوف ~~باعتباره طريقة للمعرفة؛ فهم فوق اتفاقهم جميعا على أن الحدس هو وسيلة الإدراك التي ~~يركن إليها، تراهم كذلك يتفقون على أن الحقيقة التي يدركها الإنسان بحدسه ليست مما يمكن ~~التعبير عنه بكلمات؛ لأنه في هذه الحالة يندمج في موضوع إدراكه اندماجا يجعلهما شيئا ~~واحدا، وأما الكلمات فهي وصف يحوم حول الموضوع ولا يصل أبدا إلى قلبه ولبابه. وإن شئت ~~فقارن بين حالتين: حالة قراءتك لكلمات تصف الحب بين عاشقين، وحالة شعورك أنت بالحب؛ ~~فالمكابدة والمعاناة تجربة ذاتية تصل الإنسان بموضوعه وصلا مباشرا، أما الألفاظ فمهما ~~بلغت من دقة الوصف فهي شيء آخر غير الوجدان الذي يكابده صاحب التجربة النفسية ~~ويعانيه. # وكذلك هم يتفقون على أن ظواهر الكون ليست هي بحقيقته، بل حقيقته كامنة وراء تلك ~~الظواهر وتختلف عنها، فإن كانت الظواهر تدرك بالحواس، ويقارن العقل بينها ليصنفها في ~~أنواع وأجناس ويستخرج قوانين اطرادها، وهكذا، فإن الحقيقة التي وراءها يستحيل إدراكها ~~إلا بالحدس، وذلك بأن يروض الإنسان نفسه على الاتصال بها والاندماج فيها. # وعندهم أن هذه الحقيقة المطلقة الكامنة وراء الظواهر هي واحدة لا كثرة فيها ولا تعدد. ~~نعم، إنها تعبر عن نفسها في هذه الظواهر الكثيرة المتعددة المتنوعة، لكنها هي واحدة، وما ~~دام الأمر كذلك فكل ما يدل على كثرة فهو باطل؛ ولهذا كان الزمن وهما لا حقيقة؛ لأنه ~~سلسلة من لحظات، لكل لحظة منها لحظة قبلها ولحظة بعدها، وأما الحقيقة المطلقة (أي الله) ~~فلا زمان لها، وليس في وجودها «قبل» و«بعد»، فانقسام الزمن إلى ماض وحاضر ومستقبل إن ~~هو إلا تقسيم يتفق مع الظواهر العابرة، وليس هو بذي معنى بالنسبة إلى الله. # وسنضرب لك مثلا للمتصوف: «الإمام الغزالي» # 1 # الذي انتهى إلى ما انتهى إليه بعد أزمة نفسية حادة، وبعد استعراضه لما ~~يقوله مفكرو عصره من متكلمين وفلاسفة حتى يطمئن إلى أن خروجه عليهم قائم على أساس ~~صحيح. # تشكك الغزالي في شهادة الحواس، فهي - في رأيه - لا تصلح أداة يركن إليها في تحصيل ~~المعرفة ms51 الصحيحة، فهل تستطيع العين أن تدرك حركة الظل؟ إذن فهنالك من الحقائق ما لا ~~يمكن إدراكه بحواسنا، ثم انظر كيف إذا وضعت أمام عينك قطعة من النقود بحيث تقع بين ~~العين وبين نجم في السماء، رأيت قطعة من النقود تغطي النجم كله كأنما هي أكبر منه. وإذن ~~فلا يقتصر الأمر على عجز الحواس عن إدراك بعض الحقائق، بل إنها لتوهمنا بالخطأ على أنه ~~الصواب. # وكذلك تشكك الغزالي في أحكام العقل نفسه، وحسبك أن تأخذ مبدأ واحدا من مبادئه ~~الأولية التي يقال إنها قوانين الفكر العقلي، والتي نقبلها بالتسليم الذي لا يحيط به ~~شيء من الشك، وهو مبدأ عدم التناقض، فعند العقل أنه يستحيل على الشيء أن يكون وألا ~~يكون في وقت واحد، ولكن أيستحيل حقا على الشيء أن يكون وألا يكون؟ إنه لا استحالة ~~في ذلك، ومن الجائز أن تتصور في كائن ينمو بحيث تتغير حاله تغيرا متصلا أنه في كل ~~لحظة من حياته كائن وغير كائن في آن معا؛ لأنه لو كان كائنا على حاله لما تغيرت تلك ~~الحال. # وبعد تشككه في الحواس وفي العقل يسأل قائلا: ألا تكون هنالك وسيلة فوق العقل تبين ~~مواضع خطئه وتدل على بطلانه، كما أن العقل نفسه فوق الحواس يبين خطأها ويدل على ~~بطلانها؟ ويجيب بأن نعم، وأن تلك الوسيلة التي هي فوق العقل والحواس معا هي ~~الحدس. # وهو لا يرسل القول إرسالا بغير بحث، بل يتناول الجماعات الفكرية في عصره ممن كانوا ~~يستندون في تفكيرهم إلى البراهين العقلية كالمتكلمين والفلاسفة؛ ليحلل ما كانوا يفعلونه ~~ويبين أنه طريق لا يؤدي إلى شيء. # فأما المتكلمون فجماعة تسلم بما جاء به الدين من نصوص، وكل ما عليها هو أن تستخلص ~~من هذه الأصول المسلم بها ما يمكن استخلاصه من نتائج منطقية؛ وإذن فأقصى ما يمكن أن ~~يبلغوه هو أن يبينوا للمخطئ في فهم تلك الأصول الدينية خطأه؛ بأن يدلوه على مواضع ~~انحرافه في استدلال النتائج من المقدمات المسلم بها، لكن لنفرض أن شاكا قد تشكك ms52 في ~~صدق المقدمات نفسها، فعندئذ لا تكون أمام المتكلمين حيلة فيه؛ لأنه خرج على النطاق الذي ~~ألزموا أنفسهم بالتحرك في حدوده؛ وبذلك يصبح منطقهم العقلي كله لا غناء فيه لرجل - ~~كالإمام الغزالي نفسه - أخذه القلق حينا: كيف يستطيع أن يقيم إيمانه بالله على أساس ~~يطمئن إليه. # وأما الفلاسفة فهم كذلك فريق من المفكرين أراد أن يستخدم منطق العقل في البرهنة على ~~وجود الله، فما معنى «برهان»؟ معناه أن تجد للقضية التي تريد إقامة البرهان على صدقها ~~قضية أخرى أعم منها، وتكون لها بمثابة المقدمة التي يلزم عنها بالضرورة تلك القضية ~~المراد إقامة البرهان عليها؛ فمثلا إذا أردت البرهان على أن فردا من الناس سيلحق به ~~الموت، كان البرهان هو القضية الأعم الأشمل، وهي أن كل إنسان سيلحق به الموت، وما دام ~~الأمر كذلك فكيف يمكن أن تقيم البرهان العقلي على وجود الله إذا لم يكن هنالك ما هو أعم ~~منه ولا أشمل؟ إقامة البرهان تكون بإيجاد المقدمات التي تنتج النتيجة المطلوب إقامة ~~البرهان عليها، والله ليس نتيجة لمقدمات سبقته؛ وإذن فالبرهان العقلي على وجوده ~~محال. # هذا إلى أن الفلاسفة في محاولة البرهنة على وجود الله يلجئون إلى ما يسمونه علة أولى، ~~وشرح ذلك أنهم يسلمون أولا بمبدأ السببية بين الأشياء والحوادث، أي أنهم يسلمون أولا ~~بأن لكل شيء سببا، فإذا أخذت شيئا ما كوجود فرد معين من الناس، وسألت نفسك: ماذا سبب ~~وجوده؟ ثم ماذا كان سببا في السبب؟ وهكذا، فإنك تعود بسلسلة الأسباب حلقة وراء حلقة ~~حتى تنتهي حتما إلى سبب أول هو الله. وعندهم أن ذلك برهان كاف على وجود الله؛ لأنك لا ~~تستطيع بعد ذلك أن تسأل قائلا: وما السبب في وجود الله؟ ذلك لأنك لو فعلت ذلك فستمضي ~~في سلسلة لا تنتهي أبدا، وهذا - في رأيهم - موقف لا يقره العقل، فلا بد من الوقوف عند ~~حلقة أولى تكون هي العلة الأولى لكل شيء بعدها، ولا تكون هي نفسها معلولة لشيء قبلها، ~~وهذه العلة هي الله. # لكن ms53 ماذا لو شككنا في مبدأ السببية ذاته؟ وانظر إلى هذا الإمام الغزالي العظيم يسبق ~~في هذه النقطة «ديفد هيوم» (وقد أسلفنا لك شرح وجهة نظره في مبدأ السببية في الفصل ~~الرابع) يسبقه بما يقرب من سبعة قرون. يوجه الغزالي سؤاله إلى الفلاسفة الذين يبرهنون ~~على وجود الله بمبدأ السببية فيقول: ماذا يبرر أن نسلم بهذا المبدأ كأنه بديهية واضحة ~~بذاتها لا تحتاج إلى جدل؟ إننا لا نلحظ في مجرى الأشياء إلا حالة تتبعها حالة أخرى، ~~وشيئا يتبعه شيء آخر، أما أن يكون في هذا التتابع الملحوظ «سببية» تجعل المسبب محتوما ~~عليه أن يتبع سببه فذلك افتراض لا يلزم بالضرورة، ليس العقل وبراهينه إذن بكاف لبعث ~~الطمأنينة فيمن أراد أن يطمئن إلى إيمانه بوجود الله، فكيف تكون السبيل إلى ذلك؟ يكون ~~«بالحدس» أي بالعيان المباشر لذاتك، فإذا عرفت نفسك عرفت الله، فانظر إلى نفسك من ~~الداخل، انظر إليها إذ أنت تهم بفعل كأن ترفع ذراعك مثلا أو أن تخطو بقدمك، انظر إليها ~~وأنت بصدد «إرادة» تهم بتنفيذها وتحويلها إلى فعل. لا تنظر إلى نفسك وهي تفكر؛ لأن ~~تفكير العقل - كما رأينا - لا ينتهي بنا إلى النتيجة المطلوبة، بل انظر إليها كائنا ~~مريدا تجدها وجودا لا شك فيه. لا حاجة بك إلى حواس ولا حاجة بك إلى عقل لتعلم أنك ~~موجود، كل ما أنت بحاجة إليه لتعلم بوجودك هو أن تريد شيئا وتفعله. ولو جاز لنا أن ~~نقارن الغزالي بديكارت من حيث نقطة الابتداء؛ لقلنا: إن ديكارت قد جعل نقطة الابتداء هي ~~إثبات وجود نفسه على أساس أنه يفكر: «أنا أفكر، إذن فأنا موجود»، وأما الغزالي فقد جعل ~~نقطة الابتداء هي إثبات وجود نفسه على أساس أنه يريد، فكأنما يقول: «أنا أريد، إذن فأنا ~~موجود». وكيف أعرف أني أريد؟ لست أعرف ذلك عن طريق الحواس؛ لأني لا أرى شيئا ولا أسمع ~~شيئا. ولست أعرف ذلك عن طريق العقل؛ لأني لم أستنتج نتيجة من مقدماتها، بل إني أعرف ~~ذلك؛ لأني أدركه في نفسي ms54 إدراكا مباشرا. # والله مريد لأنه خالق والخلق فعل، ولما كان الإنسان كائنا مريدا فهو في ممارسته ~~لإرادته فيما يقوم به من أفعال إرادية يكون من الله بمثابة الصورة الصغرى، فروح الإنسان ~~في سيطرتها على الجسد بالإرادة شبيهة بالله في سلطانه على الكون الذي خلقه، فإذا أردت ~~أن تعرف الله خالقا فانظر إلى نفسك مريدا. # وبأنواع من رياضة النفس على تحررها من قيود الجسد ورغباته، يستطيع الإنسان - كما يقول ~~المتصوفة - أن يسمو روحه حتى يشهد الحق (الله) شهودا مباشرا، بحيث لا تكون به حاجة ~~إلى برهان عقلي على وجوده. إن الصوفي ليشهد الله أوضح شهود في نفسه؛ لأن نفسه وإن لم ~~تكن نظيرة الله فهي شبيهة به وصورة له. وأسعد ما يسعد النفس الإنسانية هو أن تبلغ من ~~الله منزلة الشهود المباشر الذي يفنيها فيه، بحيث يصبح العارف والمعروف حقيقة ~~واحدة. # ويجعل المتصوفة الحواس والعقل والحدس ثلاث درجات تتفاوت صعودا من حيث درجة يقين ~~المعرفة التي تأتي عن طريقها؛ فالمعرفة عن طريق الحواس أدناها مرتبة، والمعرفة عن طريق ~~العقل وسطاها، والمعرفة عن طريق الحدس أعلاها، وفيها يكون اليقين الكامل؛ المعرفة عن ~~طريق الحواس هي معرفة العامة التي تستند إلى المشاهدة الحسية الجزئية يقومون بها هم ~~بأنفسهم أو ينبئهم بها من يثقون في صدقه. والمعرفة عن طريق العقل مرحلة أعلى؛ لأنها ~~تقوم على الاستدلال الذي تلزم فيه النتيجة عن مقدماتها لزوما ضروريا؛ فعندئذ لا ~~تتعرض النتيجة لكل ما تتعرض له المشاهدة الحسية من خطأ، وأما المعرفة عن طريق الحدس فهي ~~الحق يشهده العارفون مباشرة بغير حجاب. # الباب الثالث # | إمكان المعرفة وحدودها # الفصل الثامن # | الاعتقاديون والشكاك # نلقي على أنفسنا الآن سؤالا ثالثا وأخيرا عن المعرفة هو: ما حدودها؟ ما هو المدى ~~الذي يستطيع الإنسان أن يبلغه بعلمه لو مكنته ظروف التحصيل؟ وأول ما يرد على أذهاننا ~~من محاولات الفلاسفة في الإجابة عن هذا السؤال - إجابة صريحة أو متضمنة - أن ثمة ~~فريقين يقفان أحدهما من الآخر موقف النقيض من نقيضه، فهنالك «الاعتقاديون» الذين يرون ms55 ~~أن ليس للمعرفة الإنسانية نهاية تقف عندها، فإن قصر الإنسان في معرفته للكون بكل ما ~~فيه، فما ذلك لقصور في طبيعة عقله أو في طبائع الأشياء، إنما هو قصور مرهون بزوال ~~العوائق فيزول، وهنالك «الشكاك» من ناحية أخرى، يرون أن ليس للجهل الإنساني بحقائق ~~العالم حد يقف عنده؛ إذ لا وسيلة أمام الإنسان في وسعه التماسها ليعرف شيئا خارج ~~نفسه. # أما «الاعتقاديون» فهم بصفة عامة أصحاب المذهبين: العقلي والتجريبي على السواء؛ ~~لأن كلا من هذين المذهبين - قبل «كانت» - كان يعتقد في مصدر المعرفة الذي يأخذ به، ثم ~~لا يرى بعد ذلك أي مانع يمنع الإنسان من أن يستقي من ذلك المصدر علما بكل شيء، فإذا ~~قال العقليون: إن العقل هو مصدر المعرفة؛ أي أننا نبدأ شوط المعرفة من مبادئ عقلية غير ~~مكسوبة من خبرة الحواس، ثم نستطيع بعد ذلك أن نستولد هذه المبادئ علما كاملا بكل ما ~~في الوجود من حق. إذا قال العقليون ذلك تضمن قولهم هذا أن ليس خارج العقل شيء يمكن ~~أن يقف عقبة في سبيل تحصيله المعرفة كاملة. وكذلك إذا قال التجريبيون إن التجربة ~~الحسية هي مصدر المعرفة تضمن قولهم أن ليس هنالك ما يحد من المعرفة إذا هيئت ~~الظروف المناسبة للحواس أن تتصل بما يراد معرفته. # غير أن العقليين والتجريبيين على السواء لم يطرأ ببالهم أن هذا المصدر أو ذاك مما ~~اتخذه كل منهم أساسا للمعرفة، هو في ذاته بحاجة إلى التحليل، أي أن نقطة الابتداء ~~ليست في الحقيقة نقطة ابتداء، بل لها ما وراءها مما قد يظهره التحليل. و«الاعتقادية» ~~كلمة تطلق لتعني هذا الموقف كائنا من كان واقفه، وهو الموقف الذي يتخذ فيه الإنسان ~~لعلمه نقطة ابتداء يسير بعدها دون أن يتناولها هي نفسها بالتحليل والنقد. وعلى هذا ~~الاعتبار يكون «العلماء» من الاعتقاديين بهذا المعنى؛ لأن العالم في علمه يفرض نقطة ~~ابتداء يبني عليها بناءه العلمي، لكنه لا يحفر تحتها ليرى ماذا في الأساس. حتى الرياضة ~~تبدأ بما تسميه تعريفات وبديهيات ثم تشتق من ms56 هذه البداية نظرياتها؛ فنظرياتها صحيحة إذا ~~كانت مستدلة استدلالا سليما من تلك المسلمات الأولى، لكن الرياضي لا يجعل جزءا ~~من عمله الرياضي تحليل المسلمات نفسها. وكذلك قل في العلوم الطبيعية حين يبدأ العالم ~~بافتراض أشياء أو مبادئ كالمادة والمكان والزمان والسببية وما إلى ذلك، دون أن يجعل ~~جزءا من عمله - باعتباره عالما - تحليل تلك الأشياء والمبادئ. نقول: إن «العلماء» في ~~علومهم المختلفة «اعتقاديون» بهذا المعنى الذي أسلفناه، غير أن الكلمة تنصرف - إذا قيلت ~~- أول ما تنصرف إلى المذاهب الفلسفية التي لا تناقش فروضها الأولى، كالعقليين حين لا ~~يناقشون فكرة «العقل» نفسها، وكالتجريبيين حين لا يناقشون فرضهم الأول بأن المعرفة ~~مستحيلة خارج حدود التجربة. وقد أسلفنا الحديث في الباب السابق عن هاتين الجماعتين من ~~حيث رأيهما في مصدر المعرفة عند كل منهما، ونكتفي هنا بإثبات أنهما معا من ~~«الاعتقاديين» حين يكون سؤالنا هو: هل المعرفة ممكنة؟ وما حدودها؟ لأن كلا منهما يجيب ~~بما خلاصته: نعم، هي ممكنة وليس لها حدود تنتهي عندها. مع اختلاف كل منهما عن الأخرى ~~فيما تراه مصدرا لتلك المعرفة. # وأما الشكاك - فعلى نقيض ذلك - إذ يرون أن المعرفة بمعنى العلم بالشيء كما هو في ~~حقيقته الخارجية مستقلا عن ذات الشخص العارف فمستحيلة؛ إذ لا يسع الإنسان أن يعرف ~~شيئا إلا في صلة ذلك الشيء بنفسه، ومنظورا إليه من وجهة نظره. وحتى لو فرضنا أن في ~~وسع الإنسان أن يعرف شيئا ما كما هو في حقيقته الموضوعية، فليس في وسعه أن ينقل معرفته ~~هذه إلى سواه؛ لأنها ستصبح جزءا من ذاته، وكل ما في مستطاعه إزاء الآخرين هو أن ينطق ~~بكلمات، وليست الكلمات هي نفسها المعرفة الذاتية التي عرفها. # وجدير بنا في هذا الموضع أن نفرق بين الفيلسوف الشاك والفيلسوف الذي يستخدم منهج ~~الشك - مثل ديكارت - فبينما الأول يشك في إمكان حصول الإنسان على المعرفة إطلاقا، ترى ~~الثاني يؤمن بإمكان المعرفة، وغاية ما في الأمر أن الوصول إلى المعرفة اليقينية يحتاج ~~إلى حذر وحرص. # وسنضرب مثلا للفيلسوف الشاك ms57 «بروتاجوراس» # 1 # الذي أخرج كتابا أسماه «في الآلهة» بدأه هكذا: «أما عن الآلهة فلا أراني ~~على يقين من وجودهم أو عدم وجودهم، ولا من شكلهم كيف يكون؛ ذلك لأن ثمة أشياء كثيرة ~~تعوق المعرفة اليقينية، منها غموض الموضوع وقصر حياة الإنسان.» حتى ليقال: إنه اتهم ~~بالإلحاد واضطهد من أجل ذلك؛ ففر من أثينا. # ويصفه لنا أفلاطون في محاورة أسماها باسمه؛ إذ أسماها «بروتاجوراس»، وفي هذه المحاورة ~~لا يقدمه أفلاطون في الصورة الجدية اللائقة به، لكنه يعود في محاورة أخرى هي محاورة ~~«تياتيتوس» فيناقش - جادا - الرأي المشهور عن بروتاجوراس والذي يعد محور فلسفته، وهو ~~الرأي القائل بأن «الإنسان مقياس كل شيء، فهو مقياس أن الأشياء الموجودة موجودة، وأن ~~الأشياء غير الموجودة غير موجودة.» وهو رأي يفسرونه بأنه يعني أن كل فرد من الناس هو ~~مقياس الأشياء جميعا، حتى إذا ما اختلف الناس على رأي ما، فليس هنالك حقيقة موضوعية ~~يمكن الرجوع إليها لتصويب المصيب وتخطيء المخطئ. # هذا هو جوهر مذهب الشكاك جميعا، وهو أن المعرفة نسبية لا مطلقة؛ أي تكون صوابا أو ~~خطأ بالنسبة للشخص العارف، ويستحيل أن أجد غير الإنسان نفسه ليقيس الرأي من حيث صوابه ~~أو خطؤه. وهذه النسبية في المعرفة تكون ظاهرة في الآراء الأخلاقية بوجه خاص؛ فالخير خير ~~بالنسبة للشخص الذي يقول عنه إنه خير، ولا يمنع أن يكون هذا الخير نفسه شرا ~~بالنسبة لشخص آخر ومن وجهة نظر أخرى. # وإذا أخذنا بتفسير أفلاطون في محاورته المذكورة (تياتيتوس) لمبدأ بروتاجوراس هذا، كان ~~الشبه قريبا جدا بينه وبين المذهب البراجماتي الحديث، (وقد أسلفنا شرحه في الفصل ~~الثاني) حتى لقد قال زعيم من زعماء المذهب البراجماتي «هوشلر» عن نفسه إنه تلميذ ~~لبروتاجوراس. ووجه التشابه هو في اعتبار صدق الرأي متوقفا على منفعة الإنسان صاحب ~~الرأي؛ فقد تكون فكرتان صادقتين معا، لكن إحداهما أنفع من الأخرى فتكون أصدق منها ~~بمقياس منفعتها ونتائجها، ولو أنها لا تكون أصدق منها من حيث دلالة كل منهما على واقع ~~معين؛ مثال ذلك أنه لو ms58 كان شخص مصابا باليرقان، فإن كل شيء يبدو في عينيه أصفر، ولا ~~معنى لقولنا له إن الأشياء في حقيقتها ليست صفراء، وكل ما نستطيع قوله له هو أن ~~الأشياء التي يراها هو صفراء يراها المعافون من مرض اليرقان بالألوان الفلانية. فعلى ~~الرغم من أن ما يقوله المريض صادق؛ لأنه يرى الأشياء صفراء فعلا، وكذلك ما يقوله ~~المعافون صادق؛ لأنهم يرون الأشياء ملونة على نحو آخر، إلا أن الأخذ برأي المعافين ~~«أفضل»؛ لأنه «أنفع» في تيسير الحياة العملية وتسييرها. # فالمقياس في صدق الرأي ليس هو الرجوع إلى الحقيقة الموضوعية الخارجية؛ إذ إن ذلك - في ~~رأي هذا المذهب - محال؛ فمحال أن تنظر إلى الشيء الخارجي بغير عينيك، وأن تمسه بغير ~~جلدك، وأن تسمع صوته بغير أذنك، أو تذوق طعمه بغير لسانك. وإذن فلا مناص من استخدام ~~حواسك أنت في إدراك الشيء؛ وبالتالي لا مناص من جعل حقيقته قائمة على إدراكك الذاتي ~~له مهما اختلف ذلك الإدراك من إدراك الآخرين. وكثيرا ما يحدث هذا الاختلاف، فلن تقنع ~~المريض بأن الطعام ليس مرا كما يقول هو حكما بوقع الطعام على لسانه، ولن تقنع ~~المحموم بأن الأشباح التي يراها غير موجودة كما يظن. # وكثيرا ما يقال - خطأ - عن مبدأ بروتاجوراس هذا: - القائل بأن الإنسان مقياس ~~الأشياء جميعا - إنه مبدأ ينتهي إلى هذه التقاليد والعقائد؛ لأن كل فرد من الناس سيذهب ~~مذهبه دون أن تكون هنالك الحقيقة الموضوعية الواحدة التي يلتقي عندها الجميع. وواضح أن ~~هذه النتيجة لا تلزم عن مقدمتها، بل على عكس ذلك ما قاله بروتاجوراس نفسه من أنه ما دام ~~اتفاق الناس مستحيلا بالرجوع إلى حقيقة موضوعية لاستحالة هذا الرجوع؛ إذن فلا مناص في ~~حياتنا العملية من الأخذ بالأنفع كما تقرره أغلبية الآراء، ولما كانت التقاليد هي ~~التعبير عن رأي الأغلبية؛ فالأخذ بها أنفع اجتماعيا من الخروج عليها. # الفصل التاسع # | حدود المعرفة الممكنة عند النقديين والوضعيين # أسلفنا لك القول في رأي المذهب النقدي متمثلا في «كانت» من أن المعرفة وسيلتها ~~الحواس والعقل معا: ms59 الحواس تأتي إلينا بالمادة الخامة التي هي الإحساسات المختلفة من ~~لون وصوت إلخ، والعقل بما في فطرته من قوالب أو مقولات يصب هذه الإحساسات المتفرقة ~~ويصوغها، فإذا هي مدركة إدراكا حسيا بعد أن كانت شتيتا متفرقا من إحساسات، ثم ~~من المدركات الحسية يكون العقل مدركاته العقلية، ومن هذه يكون أحكامه التي تصدق على ~~العالم الخارجي صدقا مطلقا. # لكن إذا كانت هذه المعرفة الصادقة صدقا مطلقا في مستطاع الإنسان بواسطة حواسه وعقله ~~معا، فلا بد أن تكون حدودها هي حدود الخبرة الحسية ما دامت هذه الخبرة شرطا لازما، ~~ولما كانت الخبرة الحسية لا تتعلق إلا بظواهر الشيء كما تبدو للحواس؛ وجب ألا يجاوز ~~علمنا هذه الظواهر؛ وإذن فالمعرفة اليقينية عن العالم الخارجي ممكنة على شرط ألا تجاوز ~~حدود ظواهر الأشياء كما تتلقاها حواسنا. # لكن ظواهر الشيء هذه قد تكون مختلفة كل الاختلاف عن حقيقته في ذاته، ومع ذلك فلا ~~حيلة لنا إلا الوقوف عند هذه الظواهر، أما إذا حاولنا أن نعرف «الشيء في ذاته» كما هو ~~في العالم الخارجي المستقل عن ذوات أنفسنا، كنا كمن يحاول إدراك ما يستحيل إدراكه، ~~ومعنى ذلك أن كل محاولة يحاولها العلم أو الدين للوصول إلى حقائق الأشياء في ذاتها هي ~~محاولة فاشلة؛ لأنه لا يمكن للعقل أن يجاوز الظواهر الحسية لتلك الأشياء، فإن مضى العلم ~~في محاولته الدخول في عالم الأشياء في ذاتها مع أنه عالم مجهول فوق متناول الإنسان ~~تورط في الخطأ. # فإذا حاول العقل - مثلا - أن يحكم على العالم كله إن كان ذا نهاية محدودة أو كان لا ~~نهائيا من حيث امتداده في المكان، على الرغم من كون العالم كله غير داخل في حدود ما ~~يجوز للإنسان أن يبحث فيه؛ لأن العالم ككل لا يدخل في خبرة الإنسان، أقول: إن العقل إذا ~~حاول مثل ذلك البحث وقع في تناقض وإشكال؛ لأنه سيجد نفسه مضطرا إلى رفض الفرضين معا؛ ~~لأننا من جهة نتصور أن وراء كل حد مكاني حدا أبعد منه وهكذا إلى ما ms60 لا نهاية، مع أنه ~~يتعذر علينا من جهة أخرى أن نتصور اللانهاية في المكان كيف تكون. كذلك لو حاول العقل أن ~~يعرف هل كان للعالم بداية في سلسلة الزمن أم أنه كائن منذ الأزل؛ وقع في الإشكال نفسه؛ ~~لأننا لا نحن قادرون على تصور الأزلية التي بغير ابتداء زمني كيف تكون، ولا نحن في ~~الوقت نفسه نتصور كيف يمكن أن يكون العالم قد بدأ وجوده في لحظة زمنية معينة؛ إذ لا ~~يسعنا سوى أن نسأل قائلين: وماذا قبل تلك اللحظة؟ وكذلك لو تساءل العقل: هل لسلسلة ~~العلة والمعلول بداية أولى أم أنها سلسلة تمتد إلى الوراء إلى غير نهاية؟ لما أمكنه ~~أن يجيب عن سؤاله؛ لأن العقل لا يستطيع أن يتصور أن سلسلة الأسباب والمسببات تظل ممتدة ~~إلى غير نهاية بحيث يكون للمسبب سببه وللسبب سببه، ولهذا سببه، وهكذا إلى ما لا نهاية، ~~وفي الوقت نفسه هو لا يتصور أيضا كيف يمكن أن تقف هذه السلسلة عند حلقة يصح أن نقول ~~عندها: هذه هي العلة الأولى للكون، وهي نفسها غير ناشئة عن علة سابقة عليها. # هذه كلها متناقضات لا يمكن للعقل أن يتخلص منها؛ لأنه قد حاول أن يستخدم أداتي ~~الزمان والمكان ومقولة السببية التي لم يزود بها إلا ليستخدمها في مجال خبراته الحسية، ~~حاول أن يستخدمها في فهم المكان نفسه والزمان نفسه والسببية نفسها، كأن هذه الأشياء ~~كائنات خارجة عنا ممتدة مع العالم حيث امتد، فعلى الرغم من أن كل ما نصادفه من تجارب لا ~~يمكن فهمه إلا إذا تمت صياغته في عبارات دالة على مكان أو زمان كما تدل على العلاقة ~~السببية بين أجزاء تلك التجارب، إلا أننا نخطئ ونقع في التناقض حين نتصور هذه الأشياء ~~واقعا ونجعل منها موضوعا لمعرفة. # هكذا يجعل «كانت» للمعرفة الإنسانية الممكنة حدودا تقف عندها، وحدودها هي حدود ~~الخبرة الحسية؛ إذ الخبرة الحسية هي المضمون الذي ينصب في مقولات العقل فتتكون بذلك ~~معارفنا عن العالم الخارجي، وبغير هذه الخبرة الحسية تظل مقولات العقل ms61 فارغة جوفاء بغير ~~موضوع، كما أنه لولا مقولات العقل التي فيها تجد الخبرة الحسية شكلا وصياغة لكانت ~~عمياء بغير معنى. # وليست جماعة «النقديين» تقف وحدها في القول بضرورة أن يقف الإنسان بمعرفته عند الحدود ~~التي لا يجوز له أن يتعداها، بل يؤيدها في ذلك فريق آخر هو فريق «الوضعيين»؛ فالمذهب ~~الوضعي على يدي «أوجست كونت» # 1 # كذلك يرى وجوب الوقوف بمحاولاتنا نحو معرفة العالم الخارجي عند حدود ~~الظواهر التي يمكن مشاهدتها وإقامة التجارب عليها واستخراج قوانينها العلمية القائمة ~~على علاقة السببية، أما أن نجاوز الطبيعة المنظورة إلى ما وراء الطبيعة الغيبي فتلك ~~محاولة غير مشروعة ولا غناء فيها، إن جاز للأسبقين في مرحلة الطفولة البشرية أن ~~يحاولوها فلا يجوز ذلك لنا نحن الذين نعيش في عصر العلم ودقته؛ ذلك أن الفكر الإنساني ~~قد اجتاز في سيره وتطوره مراحل ثلاثا: ففي المرحلة الأولى كان الإنسان يعلل الظواهر ~~تعليلا دينيا؛ إذ يفسر كل ظاهرة بإله وراءها خاص بها، فإله للنبات - مثلا - وإله أو ~~آلهة للنجوم وهكذا. وفي المرحلة الثانية أخذ يعلل الظواهر تعليلا ميتافيزيقيا، ~~ومعناه أن ينسب الظواهر إلى مبادئ أولية يفرض وجودها ليشتق منها سائر الكائنات، كأن ~~يفسر الظواهر المادية التي تقع في خبراتنا بإنكار أزلية قائمة بذاتها مجردة من المادة، ~~فأفراد الإنسان مثلا جاءوا على غرار فكرة الإنسان، وأفراد المثلث جاءت على غرار فكرة ~~المثلث، وأفراد الشجر جاءت على غرار فكرة الشجر وهكذا، فعلى الرغم من أن الأصول الكامنة ~~وراء الأشياء الجزئية في هذه المرحلة الثانية من مراحل تطور الفكر لم تكن آلهة كما كانت ~~في المرحلة الأولى، إلا أنها في كلتا المرحلتين أصول غيبية لا تقع لنا في خبرة حسية. ~~وأما المرحلة الثالثة والأخيرة ففيها يفسر الإنسان ظواهر الطبيعة تفسيرا علميا ~~قائما على الملاحظة الدقيقة والفروض العلمية والتجارب المحكمة، حتى إذا ما تبين لنا ~~من هذا كله أن الظاهرة الفلانية تنشأ عن كذا وكذا من الأسباب والظروف، أثبتنا ذلك في ~~صيغة قانون يفسر وقوعها دون حاجة إلى اللجوء إلى ms62 كائن غيبي نفسرها به. # وللمذهب الوضعي شعبة حديثة معاصرة تسمى بالمذهب الوضعي المنطقي مؤداها أن ما يجاوز ~~حدود الخبرة الحسية ليس هو - كما ظن «أوجست كونت» وكما ظن «كانت» - متعذر المعرفة على ~~الإنسان لقصور أدوات المعرفة عند الإنسان، وأنه لو كان مزودا بوسائل أخرى للمعرفة غير ~~وسائله الحالية لجاز أن يكون في مستطاعه معرفة ذلك العالم الأسمى، بل هو مستحيل المعرفة ~~بحكم تحليل اللغة نفسها التي يستخدمها من يتحدثون عن ذلك العالم الذي يجاوز حدود ~~الخبرة الحسية الممكنة؛ إذ إن تحليل تلك العبارات تحليلا منطقيا يبين أنها عبارات ~~بغير معنى. # ولزيادة الإيضاح أضرب هذا المثل فأقول: إنه إذا صادفتنا عبارة كهذه: «الروح حر من ~~قيود السببية»، وسئل «النقديون» و«الوضعيون» ما رأيكم في هذه العبارة؟ لقالوا إنها ~~تتحدث بلغة العقل (لأن السببية من المدركات العلمية القائمة على التحليل العقلي) عما ~~هو فوق متناول العقل؛ وإذن فرفضهم لهذه العبارة قائم على أساس نفسي لا على أساس منطقي، ~~أي أنهم يرونها عبارة ذات معنى، وكل ما في الأمر أن العقل الإنساني لا يتطاول إلى بلوغ ~~ذلك المعنى، وربما استطاع الإنسان بلوغه بوسيلة أخرى غير العقل. أما «الوضعيون ~~المنطقيون» فإذا سئلوا عن رأيهم في عبارة كهذه؛ رفضوها؛ لأن التحليل المنطقي ~~لأجزائها وطريقة تركيبها يبين أنها بغير معنى، فلا يجوز قولها، لا لأنها فوق مستوى ~~العقل، بل لأنها عبارة فارغة. # وخلاصة القول في إمكان المعرفة وحدودها هي أن «العقليين» و«التجريبيين» يرون إمكانها ~~إلى غير حد تقف عنده، وأما «النقديون» و«الوضعيون» فيرون إمكانها بشرط أن تقف عند حدود ~~الخبرة الإنسانية، وهنالك نفر قليل من الشكاك يرون استحالة أن يعرف الإنسان معرفة ~~يقينية عن حقيقة العالم الذي يعيش فيه. ms63