######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.QissatAdabFiCalam01.Hindawi74291969 #META# Tags: literature :: history #META# ID: 74291969 #META# Title: قصة الأدب في العالم (الجزء الأول) #META# AuthorID: 64904748 :: 20953090 #META# Author: زكي نجيب محمود :: أحمد أمين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # قصة الكتابة‏ # نشأة الأدب‏ # الأدب القديم وبدايته‏ # 1 - الأدب في الشرق القديم‏ # 2 - الأدب العبري‏ # 3 - الأدب اليوناني‏ # 4 - الأدب الروماني‏ # الأدب في العصور الوسطى‏ # 1 - الأدب الإنجليزي في العصور الوسطى‏ # 2 - الأدب الفرنسي في العصور الوسطى‏ # 3 - الأدب الألماني في العصور الوسطى‏ # 4 - الأدب الإيطالي في العصور الوسطى‏ # 5 - الأدب العربي في العصور الوسطى‏ # 6 - الأدب الفارسي الإسلامي‏ # قصة الكتابة‏ # نشأة الأدب‏ # الأدب القديم وبدايته‏ # 1 - الأدب في الشرق القديم‏ # 2 - الأدب العبري‏ # 3 - الأدب اليوناني‏ # 4 - الأدب الروماني‏ # الأدب في العصور الوسطى‏ # 1 - الأدب الإنجليزي في العصور الوسطى‏ # 2 - الأدب الفرنسي في العصور الوسطى‏ # 3 - الأدب الألماني في العصور الوسطى‏ # 4 - الأدب الإيطالي في العصور الوسطى‏ # 5 - الأدب العربي في العصور الوسطى‏ # 6 - الأدب الفارسي الإسلامي‏ # | قصة الأدب في العالم (الجزء الأول) # | قصة الأدب في العالم (الجزء الأول) # تأليف # زكي نجيب محمود وأحمد أمين # بسم الله الرحمن الرحيم # هذه «قصة الأدب في العالم» بعد قصة الفلسفة اليونانية، و«قصة ~~الفلسفة الحديثة»، عرضنا فيها للآداب العالمية قديمها وحديثها، ~~شرقيها وغربيها، في أسلوب أقرب ما يكون إلى القصص، وعرفنا ~~بأشهر رجالها، ولخصنا أشهر نتاجهم، وقدمنا بعض نماذج من ~~آدابهم. # ودعانا إلى هذا العمل ما رأينا من حاجة الأدب العربي إلى أن ~~يضع عينه على الآداب الأخرى، يستفيد من موضوعاتها واتجاهاتها، ~~ويستلهم بعض نماذجها كما تفعل كل أمة حية الآن، فلم تترك ~~أدبا من الآداب الشرقية والغربية إلا أعلمت قومها به ووقفتهم ~~عليه، وذكرت لهم خصائصه، وعيوبه ومميزاته، ونقلت شعره شعرا ~~ونثره نثرا، وعرفتهم بأشهر رجاله، وترجمت أقوم آثاره؛ فلو شاء ~~إنجليزي أو فرنسي أو ألماني أن يعرف أي أدب؛ صيني أو ياباني أو ~~هندي أو فارسي أو عربي، أو أي أدب آخر غربي، لوجد من كل ذلك ~~الأدب الكثير بلغته، ووجد المطولات والمختصرات، والمجموعات ~~والمتفرقات. واستغل أدباء كل أمة هذه الآداب المعروضة خير ~~استغلال، فاستغلوا ألف ليلة وليلة، ورباعيات الخيام، والشعر ~~الجاهلي، والقصص الهندي. وكل يوم يزيدون من ثروتهم ونتاجهم؛ ~~أخرجوا ms0001 المجموعات الواسعة في قصص العالم، ومختارات من الكتب ~~الدينية في العالم، والكتب الكبيرة في أهم آداب العالم، وهكذا ~~حتى لم يعد الأدب ملك الأمة التي أنتجته، بل أصبح ملكا مشاعا ~~لكل أمة يقظة تستثمره وتستغله. وأصبح شأن الآداب شأن ~~البريد، وغلات العالم، والمستكشفات الطبية والعلمية ليست ملكا ~~لأحد حتى ولا مخترعها، بل هي ملك لكل أحد شاءها واستطاع ~~الاستفادة منها. # ومما يؤسف له أن النهضة العربية في عصر الدولة العباسية ~~أسست نهضتها على الترجمة، وكان هذا طبيعيا، ولكنها أضربت عن ~~ترجمة الأدب، فترجمت الفلسفة والطب والرياضة والفلك وكل شيء، ~~واستغلت كل معارف اليونان والرومان وغيرهم، حتى إذا وصلت إلى ~~الأدب أغمضت عينها عنه، وسدت الباب في وجهه لأسباب عرضنا ~~لها في ثنايا هذا الكتاب. ولكن مهما كانت الأسباب فقد كان ذلك ~~خسارة كبيرة، نشأ عنها أن صار الأدب العربي - وخاصة الشعر - لا ~~يجري إلا في المجرى الذي شقه الأدب الجاهلي في أوزانه وقوافيه ~~وموضوعاته، فإن فعل ما أتي بعده من أدب شيئا فهو أنه وسع ~~المجرى القديم، ولكنه لم ينشئ مجري جديدا، ولا حفر روافد ~~جديدة تمد المجرى الأصيل، ولو فعلوا لكان لنا تنويع في البحور ~~وتنويع في الموضوعات، ولكان لنا شعر ملاحم وشعر تمثيل، وروايات ~~وقصص استلهم فيها الأدب اليوناني والروماني وغيرهما. # وكان من نتيجة هذا الإضراب عن استغلال الآداب الأخرى أن ~~توجه كل النشاط الأدبي إلى الأنواع المأثورة لا الأبواب ~~المفتوحة، فأصبح الأدب العربي غنيا كل الغنى في بعض أبوابه، ~~فقيرا كل الفقر في بعض أبوابه، مما لا مجال هنا لبيان ذلك، ~~فلعل القارئ يصل إلى هذه النتيجة بنفسه إذا هو قرأ هذا ~~الكتاب. # أملت ألا تقع نهضتنا الحديثة في الخطأ الذي وقعت فيه نهضتنا ~~القديمة، وتمنيت أن تنقل إلينا الآداب الأخرى كاملة، فيكون لنا ~~كتاب بل كتب في الأدب اليوناني، ومثلها في الأدب الروماني، ~~ومثلها في الأدب الهندي، وكتاب في الأدب الإنجليزي الحديث، ومثله ~~في الأدب الفرنسي، ومثله في الألماني، ويقوم بوضع كل كتاب ~~المتخصصون في موضوعه، ms0002 وأشرف على هذا العمل وأوجه إليه؛ ~~ولكني رأيت هذا العمل مع كماله وقيمته يتطلب السنين الطوال، ~~والمجهود المحفوف بالعقبات والصعاب. ومع هذا فقد لا يكون هذا ~~العمل أوجب شيء الآن، ولا بد أن يبدأ بألف باء قبل قراءة ~~الجمل؛ ورأيت أن ربما كان من الخير أن نبدأ بعرض الآداب ~~المشهورة عرضا قريبا، حتى إذا استساغه القراء وتفتحت نفوسهم ~~لمادة أوسع وغذاء أوفى، كان ذلك الخطوة الثانية بعد الخطوة ~~الأولى، وقام بها من يأتي بعدنا، ويكون أوسع في الأدب والعلم ~~حظا منا؛ سنة التطور الطبيعي. # ولكن خفنا - إذا نحن اعتمدنا على الكتب الإفرنجية التي كتبت في ~~هذه الموضوعات - أن نقع في أخطاء قد تكون هذه الكتب وقعت فيها، ~~أو أن تكون قد انحرفت عما ينبغي أن يختار، أو نحو ذلك من وجوه ~~الزلل. ولسنا ندعي التخصص في كل أدب، ولا العلم العميق في ~~كل فن، فرأينا - توفيقا بين الرغبة في إنجاز هذا العمل الهام، ~~وبين الأمانة العلمية - أن نعرض كل فصل على المتخصصين فيه؛ ~~فعرضنا فصل الأدب العبري على الدكتور فؤاد حسنين، وقد أعاننا ~~كثيرا على تحضيره، كما عرضناه على الأستاذ عطية الإبراشي ~~فأقره. وعرضنا الأدب اليوناني على الدكتور محمد مندور، فقرأه ~~بعناية، وأفادنا فيه فوائد كثيرة، ولم يوافقنا على وجهة نظرنا ~~في فصل التاريخ، فكتبه من جديد كما نشر في هذا الكتاب. وعرضنا ~~فصل «دانتي» على الدكتور حسن عثمان؛ وعرضنا الأدب الفارسي القديم ~~على الدكتور عبد الوهاب عزام، فزاد فيه، وكتب فصل الأدب الفارسي ~~في العصور الوسطى، فلهم جميعا منا وافر الشكر. # ومع هذا فمحال أن يخلو مثل هذا المشروع الضخم من خطأ بل أخطاء، ~~فقد نكون أجملنا حيث يجب التفصيل، أو فصلنا حيث يجب الإجمال، ~~أو اخترنا ما غيره خير منه، أو اعتمدنا في الترجمة على نص ~~إنجليزي، والنص اليوناني الأصيل يخالفه بعض المخالفة، أو نحو ~~ذلك. ولكن هذا مدى جهدنا، وهو ما استطعنا، ولنا الشرف أن ~~نسمع نقد الناقد والمرشد إلى الخطأ والموجه إلى ~~الصواب. # وتأتي عقبة أخرى ms0003 شائكة جدا، وهي ترجمتنا النماذج اليونانية ~~أو الرومانية أو الهندية أو غير ذلك إلى اللغة العربية، فقد بذلنا ~~في ترجمتها جهدا شاقا، وحاولنا أن ننغمها جهد طاقتنا، ثم ~~بعد ذلك قد لا يستسيغها القارئ، وقد لا يحس من جمالها ما يحس ~~قارئ الأصل بلغته، وهذا طبيعي، وخاصة الشعر؛ فقد أدرك كل من ~~حاول ترجمته أن من المحال نقل جماله من لغة إلى لغة، فكل ~~كلمة شعرية لها معنى معجمي (تفسره المعاجم)، ولها هالة ~~حولها تكونت من وسطها وبيئتها ودلالتها الالتزامية وغير ذلك. ~~وللبيت في لغته نغمة موسيقية وحلاوة صوتية، وإشارات اجتماعية، ~~وأساليب تقليدية، وإيماءات تبعث إلهامات، فإن استطاع المترجم أن ~~ينقل المعاني المعجمية، فلا يستطيع أن ينقل الهالات والنغمات ~~والإيماءات. ومع هذا فشيء خير من لا شيء، وعصفور في اليد خير من ~~كركي في الجو. # ومعذرة لرجال الآثار المصرية، فقد رأينا ما ترجموه، قد راعوا ~~فيه الترجمة العلمية، فحولنا ما اخترنا من تراجمهم إلى لغة ~~أدبية لتناسب موضوع الكتاب، كما رأينا ترجمة الكتاب المقدس إلى ~~اللغة العربية لا يتفق والذوق الأدبي للغة العربية، لا من حيث ~~لغته، ولا من حيث أسلوبه، فأنشأنا ما اخترناه إنشاء عربيا ~~جديدا مع المحافظة على المعنى ما وسعنا. # وحزرنا أن يقع الكتاب في ثلاثة أجزاء: الجزء الأول في أدب ~~العصر القديم وأدب العصور الوسطى، والجزء الثاني في الأدب من بدء ~~النهضة إلى أول القرن التاسع عشر، والجزء الثالث في أدب القرن ~~التاسع عشر إلى اليوم. وسنذكر في آخر الكتاب المصادر التي ~~اعتمدنا عليها إن شاء الله. # والله المسئول أن ينفع به، ويعين على إتمامه. # أحمد أمين # 5 جمادي الثانية سنة 1362ه # 8 يونيه سنة 1943م # | قصة الكتابة # أرأيت إلى صفحة مطبوعة تنشرها أمامك؟ إنها لتنشئ فصلا رائعا من ~~قصة ممتعة ترجع فصولها الأولى إلى الماضي السحيق، وهي قصة بلغت من ~~السعة والعمق مبلغا يستحيل على إنسان واحد أن يلم بأطرافها. ومن ~~ذا الذي يدري متى وأين بدأت هذه القصة في الظهور، وماذا تبديه في ~~مستقبل ms0004 الأيام؟ وما ظنك بقصة كتبتها الإنسانية كلها منذ دب على ~~ظهر الأرض إنسان؟ # بل إننا اليوم أجزاء حية من هذه القصة، فلنبدأ حيث نقف اليوم، ~~ثم لنعد مع السنين القهقرى حتى نبلغ من الرواية بدايتها؛ فعيناك ~~قد ألفتا أن تنظرا إلى صفحات مطبوعة، حتى لم يعد يستوقف هذا ~~الضرب من الكتابة منك النظر. وعلام تعجب وأنت ترى الصحيفة اليومية ~~المطبوعة في انتظارك كل صباح على مائدة الإفطار؟ دراهم معدودة ~~كفيلة أن تأتيك بآية الآيات من رفيع الأدب، مطبوعة في كتاب أنيق ~~جميل، فأصبحت وكأنما إخراج المطابع للكتب أمر مألوف لا دهشة فيه ولا ~~عجب، مع أنه في حقيقة أمره يستثير كل عجب وإعجاب. انظر إلى هذه ~~الوسائل التي تتوسط بين قلم الكاتب وعقل القارئ؛ فلعل أعجبها هي ~~المطبعة التي قد يكون لها من الأثر في المدينة الحديثة ما ليس لعامل ~~آخر على الإطلاق؛ وقبل أن تدور من المطبعة عجلاتها لا بد أن تكون ~~آلات أخرى قد أخرجت الأحرف مسبوكة جميلة الرسم بديعة التنسيق؛ ولا ~~خير في هذه الأحرف إن لم تكن مصانع الورق قد أخذت تخرج من لباب ~~الشجر وبالي الخرق مثل هذا الذي تسرح فيه بصرك من ورق صقيل ~~جميل. فإذا ما أعد ذلك كله، أخذت المطبعة تفيض بأوراقها المطبوعة ~~لتسلمها إلى آلات تطويها فتغلفها بين جلدتين، فإذا هي كتاب ~~منشور بين يدي قارئ في ناحية من نواحي الدنيا الفسيحة ~~الأرجاء. # سر خطوة قصيرة إلى الوراء لتبلغ عصرا كان يجهل قوة البخار ~~والكهرباء، فكانت المطابع - كسائر آلات الصناعة - تدار بالأيدي، فماذا ~~ترى؟ ترى القوم يخرجون الكتب متقنة الصنع جميلة الشكل، إذ كانت ~~تطبع على ورق من ألياف التيل، فعوض آباؤنا من قلة النسخ ~~المطبوعة من الكتاب الواحد متانة الصناعة التي تؤدي إلى طول البقاء؛ ~~وهكذا حسنات الرقي كثيرا ما تتبعها السيئات، ونواحي الإصلاح ~~كثيرا ما تلاحقها نواح من الفساد. فلئن كان آباؤنا قد طبعوا كتبهم ~~بمطابع الأيدي، على ورق من صنع الأيدي، فلقد أخرجوا كتبا أقوى ~~بناء من معظم ms0005 ما تخرجه مطابع اليوم، وأبقى على وجه الدهر؛ إذ الورق ~~الذي نستخدمه اليوم مصنوع من لب الخشب، ممزوجا بأحماض قوية، ~~فسرعان ما يصفر وجهه وتضعف قواه، ولولا تلاحق الطبعات للكتاب ~~الواحد لأسرع إليه الزوال. على أن آباءنا إلى جانب ما كان لهم من ~~كتب متينة، كانت لهم طباعة رديئة، فكم صغرت الأحرف ودقت حتى ~~أجهدت أبصار القارئين، اقتصادا للورق، فضلا عن قلة الكتب ~~وارتفاع ثمنها، فلم يكن في مستطاع كثير من الناس أن ~~يقتنوها. # إلى هنا قد خطونا إلى الوراء خطوتين هما: عهد المطبعة تدار ~~بالكهرباء، وعهد المطبعة تدار بالأيدي. ثم قف لحظة وقفة إكبار ~~وإعجاب أمام دكان صغير لرجل ألماني عاش في منتصف القرن الخامس عشر، ~~وهو يوحنا جوتنبرج، # 1 # الذي يعد - بحق - أبا الطباعة غير مدافع؛ فهو الذي ~~ابتكر وسيلة لصب الحروف بحيث يمكن نقلها وتحريكها، فيسهل رصها ~~في سطور وصفحات. وليتنا ندري أي كتاب أخرج هذا الطباع الخالد، ~~فليس في المتاحف كلها كتاب يحمل اسم جوتنبرج؛ غير أن الأناجيل ~~اللاتينية التي ما يزال بعضها باقيا، يرجع الفضل في طبعها إليه مع ~~نفر من الأعوان والأتباع. ولنذكرها عبرة من عبر الزمان أن هذا ~~المخترع العظيم - ككثير غيره من رجال الاختراع ممن يدين لهم العالم ~~بالفضل الجزيل - قد دفعته الحاجة أن يرزح تحت عبء من الدين، لم ~~يكن له بوفائه قبل، فجاءه الدائن وانتزع منه ما يملك من أدوات ~~وأحرف، وخلفه لفاقة فموت. وليس من شك في أن ذلك الدائن قد ~~انتفع بما أخذ من جوتنبرج، فلم يمض على الدنيا نصف قرن من الزمان ~~حتى انتشرت الطباعة على وجه أوروبا من الشمال إلى الجنوب. # ثم ماذا قبل المطبعة والطباعة؟ تابع الرحلة إلى الماضي البعيد ~~حتى تبلغ عهدا لم تعرف فيه أوروبا كيف يكون الورق، أو عرفت منه ~~القليل الضئيل؛ إذ الورق صنيعة أهل الصين، ثم أهل مصر، وعنهم أخذ ~~العرب الذين علموا صناعته لجيرانهم من أهل الغرب؛ فالأوروبيون ~~مدينون بهذه المادة - التي لها من القيمة في تقدم العلوم ما ms0006 لها - ~~لثلاثة أجناس من أجناس البشر، وهم الصينيون والمصريون والعرب. # وقبل أن يذيع استخدام الورق، كانت تكتب الكتب والوثائق والرسائل ~~على نوع خاص من الجلد؛ والجلد بطبعه طويل البقاء بطيء البلى، فما ~~نزال نرى في المتاحف صفحات من الجلد خطت كتابتها منذ ثلاثة آلاف ~~عام على أقل تقدير؛ فالغنم والأبقار التي تغذي أجسامنا بلحومها، ~~قد أتمت على الإنسان نعمتها فوهبته جلودها، لا لينتعلها ولا ~~ليلبسها فحسب، بل ليتخذ منها حافظا أمينا يصون له ذخر ~~الآداب مدى آلاف السنين. # وكان الفرس يكتبون في جلود الجواميس والبقر والغنم. وكانت العرب ~~تكتب في أكتاف الإبل وفي العسب - وهو جريد النخل يكشفون الخوص عنه ~~ويكتبون في الطرف العريض منه - كما كانوا يكتبون في اللخاف، وهي ~~الحجارة البيض الرقيقة، وأحيانا يكتبون في الجلد. وفي هذا كله كتب ~~القرآن الكريم أول ما نزل في عهد النبي، فكانوا يكتبون الآيات في ~~العسب واللخاف وعظام الأكتاف والأضلاع والأدم (الجلد). # ولقد حفظت لنا الكتب المكتوبة على الجلد الجزء الأعظم من تراث ~~الأدبين اللاتيني واليوناني، كما حفظت أكثر ما خطه الإنسان في ~~القرون المسيحية الوسطى التي امتدت أربعة عشر قرنا؛ فقد أخذ ~~النساخ يكتبون على صفحات من الجلد المتين ما وجدوه مكتوبا على ~~أوراق البردي المهلهلة من آيات الأدب القديم، وكان هؤلاء النساخ - ~~من الرهبان والقساوسة - يتخذون من الأديرة ملاذا للعمل والمأوى، ~~تلك الأديرة التي ظلت قرونا عدة آمن ما يلوذ به رجال العلم من ~~مكان. وليس من شك في أن هؤلاء النساخ قد وجهوا همهم الأكبر ~~فيما ينسخون إلى الكتب المقدسة، فنسخوا الإنجيل وسائر المخطوطات التي ~~منحوها التقديس. على أن بعض هؤلاء النسخة من الرهبان قد اتجهوا ~~إلى إحياء الآداب القديمة؛ فكم من راهب أنفق جهده في إخراج كتاب ~~أدبي، أو في تحقيق نص مجهول. وها هي ذي متاحف الفن ودور الكتب تحوي ~~نماذج فخمة من هذا العمل الجليل الجميل، ولا نزال نشاهد بعض هذه الكتب ~~التي نشروها وزخرفوها بأحرف مذهبة وألوان ناصعة كأنما نقشت ~~بالأمس القريب. # ولئن كان ms0007 استخدام الجلد للكتابة يرجع عهده إلى ماض سحيق، إلا أنه ~~لم يكن شائعا؛ فلو كنت ممن عاشوا في روما أو أثينا قبل القرن ~~الرابع الميلادي وأردت أن تبتاع نسخة من كتاب لفرجيل # 2 # أو هومر، # 3 # لما ظفرت به مكتوبا على صفحات الجلد، بل لوجدته ~~يباع مكتوبا على مادة من الورق صنعت من ألياف نبات جاف هو ~~البردي؛ والبردي نبات مائي قوي ينمو في مصر، تؤخذ سوقه وتشق ~~وتضغط وتجفف، ثم تصنع منها الأوراق. وكانت مصر تبعث بهذه ~~الأوراق البردية إلى اليونان وإلى روما وغيرهما من البلدان المجاورة، ~~وعلى هذه الأوراق كانت تكتب روائع الأدب اليوناني والأدب اللاتيني، ~~حتى شاع استخدام صحائف الجلد. # إن العالم إذ يذكر قدماء المصريين بالإعجاب، يرى أول ما يستثير ~~إعجابه أهرامهم الشوامخ، وما خلفوا من أنفس الذخائر في مقابر ~~ملوكهم، ولكن تلك الآثار على جلالها وخلودها لم تضف إلى ~~المدنية ما أضافته هذه اللفائف الضئيلة الهزيلة من أوراق البردي، ~~التي أتاحت للمصريين وسائر أمم البحر الأبيض أن يسجلوا أفكارهم ~~فيخلدوها. ولم يقف فضل المصريين على المدنية فيما يتصل بالكتابة ~~أن صنعوا الورق في صورته الأولى، بل لعلهم كذلك أول شعب ابتكر ~~كتابة تمثل الحروف المنطوقة، فأثروا بذلك في سير المدنية تأثيرا ~~قويا مباشرا. # وكان المفتاح الذي يفتح مغاليق كتابتهم مفقودا مدى قرون طوال، ثم ~~أراد الله لأصحاب العلم أن يفكوا تلك الرموز في عهد حديث، لا يذهب ~~في الماضي إلى أكثر من قرن واحد، وذلك حين وجد «بوسار» # 4 ~~- وهو مهندس في حملة نابليون على مصر - حجر رشيد المعروف، ~~وهو حجر نقش عليه بيان طويل أصدره القساوسة المصريون تكريما لأحد ~~ملوكهم. والبيان منقوش على الحجر في ثلاث لغات: نقش بالأحرف ~~الهيروغليفية، وباللغة الديموطيقية - وهي لغة كان يتكلمها أهل مصر ~~حين نقش الحجر - كما كتب باللغة اليونانية. ولما كانت اليونانية ~~لغة معروفة مألوفة، أمكن بعد جهد طويل أن تقارن بها الكتابة ~~المصرية وتحل رموزها. ويرجع الفضل في هذه المقارنة وفك الرموز ~~إلى العالم الفرنسي شامبليون. # 5 ms0008 # وأصبح اليوم يسيرا على عالم الآثار المصرية أن يقرأ ~~المكتوب على المسلات والتوابيت، بل استطاع علماء اليوم أن ينطقوا ~~أبا الهول بعض سره المكتوم. # فإذا جاوزت مصر إلى ما يجاورها من بلاد الشرق، ألفيت فينيقيا على ~~الساحل الشرقي للبحر الأبيض، وصادفت في أبنائها شعبا يعمل ويتاجر، ~~ولا يخصص من مجهوده للثقافة إلا قليلا. ومع ذلك فقد أريد لهؤلاء ~~الفينيقيين أن يكونوا بحق أصحاب الفضل علينا في كل كتاب نطالعه، ~~لأنهم هم الذين أنشئوا حروف الهجاء مكان الكتابة المصورة التي ~~اصطنعها المصريون من قبل! ولا بد أن تكون هذه الأحرف الهجائية قد ~~نشأت عندهم قبل الميلاد بما يقرب من ألف عام؛ حيث كان استخدام ~~البردي شائعا معروفا؛ وأتاح وجهه الصقيل للكاتب أن يجري عليه ~~كتابة مرنة سهلة كهذه الكتابة التي ابتكرها الفينيقيون، ومن يدري؟ ~~فلعل الفينيقيين أن يكونوا قد اتخذوا من هذه الكتابة سلعة تباع ~~فتعود على أصحابها بربح وافر؛ فقد كانوا يشترون من مصر فيما يشترون ~~أوراق البردي، ثم يبيعونها إلى اليونان وغيرهم مضافا إليها ما ~~ابتكروه من أحرف الهجاء. # فإذا خطوت في أغوار الماضي خطوة أخرى قبل عهد البردي، بلغت ~~زمانا كانت مادة الكتابة فيه من الجوامد الثوابت التي لا تكاد ~~تنتقل من مكانها، وذلك هو بمثابة العصر الحجري للعلوم والآداب؛ إذ ~~كان المصريون الأوائل وغيرهم من الشعوب القديمة ينحتون ما يكتبون ~~على عمد وجدران؛ ولكن لولا أن أسعفت الكتب هاتيك الأحجار لفني ~~ما خط عليها في عهد قريب أو بعيد، لأن الزمان الذي يأكل كل ~~شيء يبيد جلاميد الصخر فيما يبيد. زد على هذا أن الكتب قد ~~يسرت للعلم المنقوش على الحجر أن يدور بين قراء العالم في ~~سهولة ويسر؛ وإلا فكيف كانت تكون مكتبة جدرانها من الصخر ~~ومكنوناتها من الصخر؟ وكيف تكون مثل هذه المكتبة ذات نفع لقارئ ~~يطالع في داره مستدفئا بنار مدفأته، أو مستلهما هدوء ~~مكتبته؟ # ولئن كان المصريون الأولون ينقشون آثارهم على جلاميد الصخر، فقد ~~كانت بابل تكتب آثارها على ألواح من الطفل، وهي ms0009 أيسر من تلك ~~حملا وأخف ثقلا، وإن كانت أسهل كسرا، ولكن على الرغم من ~~خفتها فأين هي من الكتاب المطبوع؟ وإن أردت أن تقدر نعمة هذا ~~العصر - عصر المطبعة - فسائل نفسك كيف يكون الأمر إذا أنت طلبت إلى ~~بائع الكتب في عصر الكتابة على ألواح الطفل أن يبعث إليك بنسخة ~~من كتاب جديد؟ عندئذ تجيئك عربات مثقلات بأحمال من اللبنات! ~~قد يسأل: وهل كان يحدث ذلك أيام البابليين؟ والجواب أنه لم يحدث، ~~لأن القراءة الشعبية لم يكن لها وجود، ولم يكن يعرف القراءة ~~والكتابة إلا نفر قليل من القساوسة والنساخ، وكانت الكتابة ~~مقصورة على موضوعات الدين وأعمال الملوك. # لكن الآداب والعلوم مدينة في تقدمها - أيضا - لاستخدام مادة ~~للكتابة فيها خفة ونعومة ومرونة، لتهون الكتابة عليها، فيسهل ~~تسجيل الأفكار فيها وتبادلها. وثمة مادة توفرت لها المتانة ~~والخفة وسهولة الاستعمال، وتلك هي الخشب؛ فهو إذن جدير من هذه القصة ~~بمكان ظاهر؛ فعلى ألواح شقت من أشجار الزان كان «السكسون» ~~القدماء يكتبون؛ فاذكر بعد اليوم إن قرأت كتابا تحت شجرة أن ~~من هذه الشجرة التي تمدك بالظل، جاء هذا الكتاب الذي يمدك ~~بالنور. # فمن الصخر الذي نقش عليه الأقدمون، نبتت الشجرة التي كتب على ~~أخشابها وقشورها المحدثون، وعلى أفنانها اتخذت الطيور أعشاشها، ~~فاستمد الكاتب منها «ريشته»، وفي ظل هذه الشجرة - شجرة النور ~~والعرفان - يجلس الإنسان ليقرأ الكتب وينشئ الأفكار. # قد تطالبنا الآن أن نقيس لك هذه الأعصر المتعاقبة بعضها إلى بعض، ~~ونحن عن ذلك نجيب: تصور تلا من الكتب يرتفع ما ارتفعت إحدى ~~نواطح السحاب، ثم اجعل هذا التل يمثل ما لبثه الإنسان على ~~وجه الأرض من قرون؛ فالكتاب الذي في الذروة يمثل عصر الكتاب ~~المطبوع، والكتب الثلاثة أو الأربعة التي تليه تمثل عصور الكتابة ~~اليدوية على صحائف الجلد والبردي؛ والكتب الستة التي تجيء بعد ذلك ~~تمثل عصور النقش على الصخر والآجر والخشب، فإن هبطت بعد ذلك في ~~تل الكتب بضعة أقدام، صادفت ترقيما وتصويرا ونقشا، خلفه ~~الإنسان الأول ولم ندخله في عصور ms0010 الكتابة لأن تفسيره عز على ~~أفهام العلماء. ثم ماذا في بقية التل وقد بقي جزؤه الأكبر؟ كلها ~~كتب صحائفها بيض، إما لأنها تمثل عصورا طويلة لم يكتب فيها ~~الإنسان، وإما لأن الزمان قد أتى على ما خط في صحائفها فمحاه ~~من صفحة الوجود. # | نشأة الأدب # انتهى بنا الفصل الأول إلى أن الجزء الأعظم من تاريخ الإنسان خلا ~~من كتابة وكتاب، وأنه لو كان لأسلافنا الأولين أدب فقد ذهب أدراج ~~الرياح؛ ولكنا نرجح أن ذلك العصر الطويل الذي خلا من الكتابة لم ~~يخل من أدب؛ فليس من شك في أن القوم عندئذ كانوا يتفاهمون ويبعثون ~~الرسل بالكلام المنطوق، وإن عز عليهم أن يثبتوه في مكتوب، فنحن ~~على حق إن زعمنا أن الإنسان تكلم قبل أن يكتب. # لا بد أن تكون الأفكار - وهي أحد عناصر الأدب - قد أنشئت قبل أن ~~تدون بزمان طويل؛ فقد كان آباؤنا الأولون الذين سكنوا الكهوف ~~يجلسون حول النار يستدفئون، ثم يأخذون في قص الأقاصيص حول ما ~~صادفهم من الحيوان في صيد النهار، وما وقع لهم مع جيرانهم من ضروب ~~القتال والنزال. ولا بد أن يكون أولئك الآباء قد أنشئوا القصص حول ~~آلهة الأنهار والأشجار. ومن ذا يشك في أن القوم كانوا بعد عناء ~~النهار يجلسون فينشدون الأناشيد، وأنهم كانوا يلقنون الأبناء حكمة ~~الآباء؟ صنعوا ذلك فوضعوا أساس الأدب، بل وضعوا كذلك أساس القانون ~~والأخلاق والدين. # إن هذا الذي نزعمه قائم على أساس متين من الشاهد والبرهان؛ ~~فأولا: ليست أقدم القصص المكتوبة التي وصلت إلينا صبيانية فارغة، ~~بل هي مملوءة بالحكمة وتجارب الأيام، ولا يمكن للإنسان أن يخلق مثل ~~هذه القصص بين عشية وضحاها، بل لا بد لها من قرون طوال تنشأ فيها ~~وتنمو؛ وثانيا: لا يزال يعيش في أنحاء الأرض هنا وهناك أقوام من البشر ~~في طور الجاهلية الأولى، فهم لذلك يشبهون أولئك الأسلاف الأولين؛ ~~ولهؤلاء الأقوام قصص وقوانين يرثونها جيلا عن جيل، من غير تسجيل؛ ~~فالأرجح أن يكون أسلافنا كهؤلاء: فكروا وعبروا قبل الكتابة ~~والتدوين. # إذن ms0011 فقد لبث الأدب زمنا طويلا يعتمد على الرواية قبل أن يعتمد ~~على الكتابة، ولا يزال الجبليون الأجلاف في أمريكا يرددون القصائد ~~الطوال التي هبطت إليهم من أجدادهم النازحين من إنجلترا في ماض ~~بعيد. ولقد قام بعض العلماء بمقارنة ما ينشده هؤلاء الجبليون من ~~القصائد بأصلها، ليروا كم أصابها من التلف حين اجتازت هذا الشوط ~~البعيد في ذاكرات الحافظين، فوجدوها محتفظة بروحها الأولى، وإن يكن ~~قد أصاب ألفاظها تبديل يسير. وكلنا يعلم كم ظل الأدب العربي يرويه ~~اللسان ولا يكتبه القلم، وحسبنا ذلك دليلا على أن الأدب قد ~~يزدهر بين قوم لا يكتبون. # وإذن فلم تخل حياة الإنسان من أدب في مرحلة من مراحلها؛ غير أن ~~الإنسان قد أنشأ الشعر وأنشده قبل أن يكتب نثرا فنيا؛ فالشعر ~~لغة الوجدان والنثر الفني لغة العقل. وإن الإنسان ليشعر بوجدانه قبل ~~أن يفكر بعقله. # فالهمجي الذي عاش قبل التاريخ عاريا في الغابات، يتسلق أشجارها ~~ويقفز بين أغصانها صائحا: «را، را، را، بو، بو، بو» هو الواضع الأول ~~لأساس الشعر المنظوم؛ فقد أخذت هذه الصيحات الأولى تصاغ في أناشيد ~~قبل أن يبتكر الإنسان ألفاظ اللغة للتعبير عن أفكاره؛ حتى إذا ما جاء ~~طور اللفظ، كانت قد أعدت قوالب الشعر وأوزانه، فانصب فيها ~~اللفظ الجديد، فكان منه شعر منظوم مفهوم، بعد أن كان الشعر صيحات ~~يمرحون بها في الرقص، ويهتفون بها في الغضب، ليهب الناس للقتال، ~~ويناغمون بها وقع المجاديف في الماء، أو وقع أقدام الإبل في ~~الصحراء. # كان الشعر - إذن - أول مراحل الأدب، فلما سارت الإنسانية في طريق ~~المدنية شوطا، وبلغت حد الترف والفراغ، هدأت العاطفة الحادة ~~بعض الشيء، وزاد التفكير المنظم، فلما عبر الإنسان عن تلك ~~الأفكار جاء تعبيره نثرا. ولسنا بالطبع نعني بهذا أن الإنسان بدأ ~~يتكلم شعرا بل هو بدأ يتكلم نثرا غير فني، ولكنه لما أراد ~~أن يعبر عن عواطفه بطريقة فنية عبر عنه شعرا ثم نثرا فنيا، ~~كما أنا لا نعني أن الشعر ظهر ثم زال ليفسح المجال للنثر الفني، ms0012 ~~بل إن الإنسان - في كل عصر حتى في عصر المدنية - كلما جاش ~~صدره بالعواطف الحادة لجأ إلى الشعر، وقد يزخرفه بمحسنات ~~صناعية تجعل للألفاظ والأنغام وقعا في آذان السامعين، فقد ظل ~~الشعر ألوفا من السنين يقرض لينشد في صوت مسموع، لا ليقرأ في ~~صمت على ورق مطبوع؛ فكان الشاعر بمثابة الممثل، يتفنن في إخراج ~~اللفظ ليبلغ الغاية في امتلاك القلوب. # ويكاد الشعر يتطور في مراحل معينة في كل عصر وفي كل أمة، ~~فهو يبدأ صورة ساذجة للتعبير عن العواطف، ثم يستخدم المحسنات ~~اللفظية، ثم يمعن في ذلك حتى تختفي العاطفة نفسها وراء زخرف ~~الألفاظ، ثم يثور الناس والشعراء على المبالغة في الصناعة فيرتد ~~الشعر مرة أخرى إلى التعبير البسيط عن العواطف. # كان الشعر أول الصور الأدبية ظهورا، وكان الكهان من أول ~~الأدباء المنشئين، فهم الذين صاغوا أناشيد الحرب وقصص الأبطال ~~وعقائد الدين في قالب الشعر ليسهل على الناس حفظها. ثم أخذ ~~الأدب بعدئذ يتطور في صوره كلما تطور المجتمع في أوضاعه؛ ~~فليس الأدب سوى ظاهرة اجتماعية تنشئها العوامل الطبيعية التي تنتج ~~كل الظواهر الاجتماعية الأخرى. والاجتماع قائم على أساس المادة، أي على ~~أساس الغذاء، يتطور المجتمع ويترقى كلما تطور مورد الغذاء ~~وتكاثر. # فكلما توافر الغذاء وسهلت أسبابه، أصبح المجتمع قوة منظمة، ~~وأخذ يسعى - وقد استتب له النظام والطمأنينة - نحو الرقي الأدبي. ~~فحياة الإنسان الأولى كان نظامها المختل غير المستقر نتيجة ~~حتمية لتيهانه في الأودية والأصقاع، ينشد الصيد الذي يقتات به؛ ~~فكان الأدب بين تلك القبائل الأولى متواضعا، لا يزيد على أنغام ~~تتم على توقيعها حركات الرقص، فإن تعدى ذلك فإلى غناء يتكون من ~~لفظة أو لفظتين، وإلى قصص خرافي حول آلهة الأشجار والأنهار وما ~~إليها من ظواهر البيئة، فإذا جاءت مرحلة الرعي استتب لقبائل الرعاة ~~نوع من الاستقرار، ولم يعد الإنسان معتمدا في قوته على مجرد ~~المصادفة العارضة، بل أصبح مورد غذائه مكفولا نوعا ما، وتوفر ~~لديه بعض الأغذية الزائدة عن حاجته، فأحس شيئا من الاطمئنان نحو ~~المستقبل، ووجد بعض ms0013 الفراغ في الوقت والفكر يصرفه في التفكير ~~والأدب، وانفسح المجال بعض الشيء أمام الشخصية الفردية لتظهر، بعد أن ~~كانت معدومة بكل معاني الكلمة في الإنسان الأول الذي يحترف الصيد. ~~أما وقد توفر القوت، فكان من الطبيعي أن يستولي الرجال الأقوياء ~~على القوت المدخر، ويصبحوا قادة لإخوانهم، وإن كانوا قادة ~~تقيدهم تقاليد القبيلة إلى حد كبير. # هذا النظام الاقتصادي وما يتولد عنه من نظام سياسي، ينعكس ~~تأثيرهما على الأدب الشفوي للقبيلة، لأن الأدب هو التعبير الجميل عن ~~العاطفة والإرادة والخلق، فترى الأدب الذي يزدهر في مثل تلك ~~المرحلة شعرا حماسيا يشيد بالخلال التي يتحلى بها رئيس القبيلة ~~المسيطر على المجتمع، أو بمزايا القبيلة نفسها، أو بهجاء من عاداها ~~من أفراد وقبائل أو نحو ذلك. ~~••• # ثم يظهر نظام الأوتوقراطية (نظام الحكم المطلق) في أمم ~~وجماعات نشأت في أراض قريبة من البحار والأنهار الكبيرة؛ أراض ~~تنبت غلات غذائية وافرة، فيصبح المدخر الغذائي أكثر مما ~~كان، وتتسرب ثروة البلاد إلى أيدي الذين استولوا على معظم السلطة، ~~فيصبح الملوك وفي استطاعتهم أن يعتلوا ذروة الرفعة والمجد، وأن ~~يمتلكوا أقصى الثراء والغنى، ولا يعود المجتمع كما كان قبل؛ ~~مجموعة من الرعاة القبليين يرأسهم من لا يكاد يزيد عليهم في ~~الثروة، بل يصبح الملك ومعه قليل من الرؤساء في طبقة، وتصبح عامة ~~الناس في طبقة أخرى، فيلجأ الرجال الذين وهبوا ملكات ممتازة إلى ~~التغني بالترانيم والشعر القصصي، يشيدون فيه بمجد الملوك والقادة، ~~ومجد الآلهة والأبطال الذين بنوا صرح الأوتوقراطية؛ ومعنى هذا أن ~~أدب الأوتوقراطية - المتمثل في الترانيم والملاحم - ليس إلا ~~مجرد ظاهرة اجتماعية أنتجتها الظروف المادية. # في هذا الطور الأوتوقراطي لا يعتمد المجتمع على ما بين أفراده من ~~وحدة الدم ورابطة النسب، بل يكفي لارتباط الجماعات سيطرة الملك ~~على البلدة الأصلية والبلاد المجاورة، بوسائط الحرب أو بالوسائل ~~السياسية. وفي مقابل الولاء الذي يقدمه رؤساء هذه البلاد يتعهد ~~هذا الملك أو الرئيس الأكبر بحمايتهم من العدوان الأجنبي. # هذه الجماعات المتفاوتة في النزعات، المتنوعة في الأغذية، تخضع ~~كلها لقانون ms0014 واحد، وتصبح معاملاتها المتبادلة حافزا على ~~الاختراع والابتكار، ويوسع ذلك من أفقها الفكري الذي لا يخطو ~~المجتمع بدونه نحو المدنية والحضارة، ويشجع - من طريق مباشر أو ~~غير مباشر - التجارة الأجنبية، لتجد الأوتوقراطية سوقا تصرف ~~فيه صناعتها وغلاتها. # وإذ تتنوع حاجات الناس وتتعدد مطالبهم تتعدد كذلك أشكال الأدب؛ ~~إذ الإنسان في هذا الطور يكون قد تقدم فكره واتسعت تجاربه، ~~فأدبه يرقى بتعلمه من هذه التجارب، وتعلمه إتقان التعبير ~~عنها. # ثم إن تغير الوسيلة التي يقيد بها الأدب - من المشافهة ~~والرواية إلى التقييد بالكتابة - يدفع الأدب في سيره إلى الأمام، ~~فالكتابة هي التي ستنتشل الأدب الأوتوقراطي، والأدب الديمقراطي من ~~بعده، من أصوله البدائية إلى مكان أسمى ومنزلة أرفع. # في هذا العصر الأوتوقراطي نجد الأمم المتمدنة القديمة قد عرفت ~~التمثيل، وأدارته حول موضوعات دينية وأساطير خرافية فاضت بها ~~الروح الأدبية أكثر مما كانت في العصور القبلية - نجد ذلك في ~~«بابل»: فكان الملك والكهنة يشاركون في الحفلات الدينية، التي كانت ~~نوعا دينيا من المسرحية، وكان المعبد يقوم مقام المسرح، وكان لمصر ~~القديمة كذلك رقص وموسيقى، وكان لها مسرحيات دينية تصطبغ بصبغة ~~العقائد المقدسة، ولم يكن الكهنة وحدهم هم الذين يقومون ~~بالتمثيل في هذه الروايات، بل كان العامة يشاركون فيها أيضا - وكان ~~لليونان القديمة التي وصفها هوميروس الشاعر، أعيادها المقدسة تقام ~~فيها حفلات التمثيل والرقص والغناء. # كل ذلك على نمط أرقى مما كان عليه البدو أيام بداوتهم. # كما نرى الشعر يتطور في هذا العصر الأوتوقراطي، سواء في ذلك ~~الشعر الغنائي الذي يعبر عن العواطف أو الشعر القصصي كشعر ~~الملاحم؛ فأغاني الحرب والزواج ترتقي في أسلوبها وعاطفتها وتصبح ~~أكثر تجانسا وانسجاما؛ ونرى شعر المغنين المحترفين آخذا ~~مكان شعر العامة، أعني أن الشعر الذي يقصد الشاعر إلى إنشائه، ~~ويحتفل لإنشاده، آخذ في الحلول محل الشعر الذي تولده المصادفة؛ ~~وأصبحت صولة الجمال وانصقاله بالحضارة يعمل في الشعر بالنمو ~~والتزايد والصقل؛ ورأينا الشاعر يأخذ في التعبير عن الحياة ~~الإنسانية الباطنة - حياة العاطفة - وعن الحياة الإنسانية الظاهرة - ~~حياة الخلق والسلوك ms0015 - وأخذت البحور والأوزان تتنوع وتتعدد بسبب ~~نمو الخيال المبتكر ودقة الأذن الموسيقية. # وكذلك الشعر القصصي، فهو يبلغ ذروته في هذا الطور الأوتوقراطي، ~~ويرجع ذلك إلى السلطان المطلق، والتملك التام، والثروة الوافرة؛ ~~فلا شيخ القبيلة في الطور القبلي، ولا الرئيس في الطور الديمقراطي، ~~يملكان مثل هذه السيطرة المطلقة. فكثير من الأمم في هذا الطور ~~كان يعتقد أن الملك يستمد سلطانه من الله لا من الأمة، فتصبح ~~هذه الفكرة شعارا جديدا للأساطير الدينية والخرافات والتهاويل، ~~ويصبح هذا الحاكم المتصل بالآلهة والأبطال الماضين رمزا تنسج ~~حوله أقاصيص التقديس والتبجيل، وعلى الأخص حين يكون هذا الملك بطلا ~~في فنون الحرب، بصيرا بأساليب القتال؛ ومن هنا ينشأ شعر القصص أو ~~شعر الملاحم. # أما النثر الفني في هذا الطور الأوتوقراطي فينشأ حول النصوص ~~الدينية وحكايات السحر والخطابة والرسائل وقصص الجن، ويتسع مداه ~~وموضوعاته أكثر مما كان في العصر القبلي، ويرتقي في الشكل والقالب، ~~وفي الفكرة والموضوع والخيال. نشاهد ذلك في أقاصيص بابل وأساطيرهم، ~~وفي أساطير الهند، وفي قصص المصريين كقصة خوفو والسحرة، وفي أساطير ~~اليونان. # وكان النثر الأوتوقراطي أصعب في الإنشاء من الشعر، ويبدو ذلك ~~جليا من قلة التراث النثري إذا قيس بالتراث الشعري، لأن ~~قواعد موسيقية النثر الفني لم تكن مضبوطة، بل هي حتى في أزماننا ~~ليست مضبوطة مفصلة. ويبدو أن بابل قد فاقت الهند ومصر واليونان ~~الأولى في فن إنشاء الرسائل، كما فاق النثر المصري في باب تحليل ~~الشخصيات. ~~••• # وأخيرا تأتي الديمقراطية ويتنوع فيها النشاط الاقتصادي، وتتعدد ~~صوره أكثر مما كانت، وينشأ رجال يستكشفون ميادين جديدة للحصول ~~على الرزق فيكدسون المقادير الهائلة من الثروة، فينعكس كل ذلك على ~~أوضاع الأدب، كما ينشأ رجال مليئون بروح المغامرة، يزورون الأقطار ~~البعيدة، ويتصلون بثقافتها الفكرية؛ هؤلاء الرجال المغامرون ~~المفكرون لا يرضيهم أن يظلوا في تفكيرهم خاضعين لسلطان حاكم ~~مطلق يبسط على الجميع نفوذه، فيعملون على دك صرح الأوتوقراطية، ~~ويجدون أتباعا يعاونونهم على هدم هذا النظام ووضع أسس النظام ~~الديمقراطي الجديد. وهذا النظام الناشئ قائم على تقدير ذاتية ms0016 الفرد ~~واستقلاله، فيكون لهذا الاتجاه أثره السريع في الأفكار الجديدة، ~~والمخترعات الجديدة، والصناعات الجديدة، والأوضاع الأدبية ~~الجديدة. # فإن كان الأدب القبلي محدودا بحدود الإقليم، لأنه أدب قوم يعتقدون ~~أنهم يجمعهم أصل دموي واحد، وكان الأدب الأوتوقراطي لا يصطبغ بهذه ~~الصبغة الإقليمية، ولكنه يمجد الطبقة الحاكمة، فالأدب الديمقراطي ~~يعنى بشخصية الفرد المتميزة وذاتيته المتفردة، ويقدر شخصية كل ~~فرد؛ عظيما كان أو وضيعا. فهذا تدرج في الأدب نحو تقدير الفرد ~~وذاتيته، تبع تدرج المجتمع نحو هذا الغرض نفسه. # فالأدب الديمقراطي الحق هو تعبير عن التسامح والعطف، والسماح لحرية ~~الرأي بالظهور. وهذا الأدب الديمقراطي ينبت - أولا - في جماعات ~~يسود فيها النظام الأوتوقراطي فيتكون فيها جماعة من الأدباء ~~والمفكرين ينقدون بيئاتهم ونظمهم الاجتماعية، وينادون بنظام خير ~~من هذا النظام الذي تتحكم فيه طبقة خاصة، فيكونون هم طلائع الأدب ~~الديمقراطي. # ويتنوع الأدب في العهد الديمقراطي بأكثر مما تنوع في العهد ~~القبلي والأوتوقراطي، فتعمل الديمقراطية على ترقية الأدب التمثيلي ~~الذي يصور حياة الفرد، وتوجه أكبر عنايتها إلى تحليل حياة العامة ~~والجمهور، لا حياة الأفذاذ من الأبطال والملوك، ويساعدها على ذلك ~~تجمع الناس في مدن محصورة تسمح بالملاحظات اليومية، والتجارب ~~الاجتماعية وتحليل الصنوف المختلفة من الشخصيات الإنسانية، فالأدب ~~التمثيلي الديمقراطي إن لم يعن بحياة البلاط والحياة الدينية الشعبية ~~عناية المسرحية الأوتوقراطية، فإنه يفوقها في الاهتمام بالطبع البشري ~~والجبلة الإنسانية. # وقد كانت أثينا الجمهورية أولى من أقامت المسارح لتسلية الجمهور ~~وتثقيفه، فارتقى الأدب التمثيلي على يدها، وحذت حذوها الأمم ~~الأوروبية عندما اعتنقت الديمقراطية. # كذلك تطور الشعر تطورا جديدا؛ فأكثر الشعر القبلي تظهر فيه ~~روح القبيلة لا روح الفرد، وقلما تظهر فيه شخصية الشاعر نفسه من حيث ~~شعوره وعواطفه الذاتية. وكان الشعر في العهد الأوتوقراطي ينحو نحو ~~تقديس الأبطال وتمجيد العظماء، ومدح الملوك والأمراء، وشغل الشاعر ~~بذلك عن نفسه. أما في العهد الديمقراطي فقد أحس الشاعر شخصيته، ~~وبانت له عواطف ذاتية مستقلة، من حقها أن تظهر وتصور في ~~شعره. # ويظهر أن الشعر القصصي لم يبلغ في العصر الديمقراطي مبلغه ms0017 في ~~العصر الأوتوقراطي، ولم يعد الناس يقدرونه تقدير الأولين، ~~لأن الأوضاع الاجتماعية تغيرت، فإذا أراد الفكر الحديث المحلل ~~أن يغذي عاطفته القومية بسير الأولين، فإنه يفضل أن يلجأ إلى ~~النثر التاريخي لا إلى الشعر القصصي، وقد حاول بعض الشعراء المحدثين ~~أن ينظم ملاحم كما فعل ملتن في «الفردوس المفقود»، ولكنها مع فضلها ~~لم تبلغ روعة الملاحم القديمة. # فإذا نحن وصلنا إلى النثر رأينا أنه لم يشهد عظمته في عصر من ~~العصور كما شهدها في عصر الديمقراطية، وإنا - وقد ألفنا منذ ~~الطفولة استعمال النثر الفني الكتابي - ليعسر علينا أن نتصور هذه ~~الحقيقة العجيبة، وهي أن العالم اضطر أن ينتظر آلاف السنين قبل ~~أن يجيء هيرودوت وأمثاله فيرتقوا بالنثر إلى مرتبة النثر الفني، كما ~~مر على الأدب العربي مئات السنين قبل أن يرتقي الجاحظ وأمثاله ~~بنثره الفني. # وبينما تصر الأوتوقراطية على أن الفرد وجد للدولة والحكام، ~~إذا بالديمقراطية تنادي بأن الدولة والحكام هم الذين وجدوا ~~للفرد، فكانت هذه العقيدة هي المشجع الأعظم للاختراع والابتكار في ~~كل نواحي الحياة ومنها الأدب؛ فترى النثر يرقى في كل أنواعه، ~~سواء في ذلك التاريخ السياسي والرسائل والمقالات الأدبية والنثر ~~الفكاهي والنثر الفلسفي، ثم نرى ولادة الجريدة والمجلة. # ونرى الاتجاهات الجديدة في النثر ممثلة في النثر المسرحي، ~~وكتب الرحلات، والنقد الأدبي النثري، والرواية الواقعية، والقصة ~~الغرامية والتاريخية، ونرى - باختصار - النثر يحتل أعظم مكان في ~~عالم الأدب في القرن الحاضر. # ولا يدري إلا الله عم يتمخض العالم من نظم اجتماعية وسياسية ~~واقتصادية تؤثر في الأدب فتطبعه بطابعه الجديد، وتوجهه الوجهة ~~الملائمة للبيئة الاجتماعية. # | الأدب القديم وبدايته # الفصل الأول # | الأدب في الشرق القديم # عرفت من حديثنا إليك في نشأة الأدب، أن تاريخه يبدأ قبل ~~الكتابة بزمن طويل. وكان الرقص أول ما ظهر من الفنون، فإذا ما ~~أرخى الليل سدوله على إنسان العصر الأول، رقص الراقصون حول نار ~~يشعلونها ليمرحوا ويفرحوا بعد ما أصابوه من ظفر ونصر على ~~أعدائهم في ساعات النهار؛ وإنهم في رقصهم ذاك ليصيحون ويصرخون ~~من نشوة ms0018 الطرب، فلا تلبث تلك الصيحات والصرخات أن تتماسك ~~أجزاؤها، وتنسجم نغماتها، بحيث تناسب توقيع الرقص. وهكذا كانت ~~أول أغنية بدأت في تاريخ الأدب أغنية حربية يتغنى بها ~~الظافرون . # وفي الوقت نفسه كانت فكرة الله عند الناس تستوي وتستقيم في ~~أذهانهم؛ فما إن صارت كذلك حتى أنشئوا الصلوات والدعوات يضرعون ~~بها إلى الله، وكلما تقادم الزمن أخذت تلك الأناشيد الحربية، ~~وهذه الصلوات الدينية، تزداد رسوخا بتكرارها جيلا بعد جيل؛ كل ~~جيل يضيف إلى تراث السالفين. # فلما تقدمت بالإنسان حضارته اضطرته الحاجة إلى الكتابة؛ ~~فقد كان لا بد له من طريقة يسجل بها أشياء يخشى عليها ~~النسيان، وكان لا بد له من وسيلة يخاطب بها من يفصله عنه ~~بعد المكان، لهذا اضطر الإنسان الأول - مدفوعا بضرورة الحياة - ~~أن يصطنع طريقة للكتابة. أما وقد كتب فليدون إذن ما كان قد ~~أنشأه من أناشيد النصر ودعوات الدين. ولا شك أن من كان يستطيع ~~الكتابة والقراءة بين أولئك الأقدمين نفر قليل. وأول صورة ظهرت ~~فيها الكتابة لم تزد على نقوش ساذجة، يصورها كاتب، وينحتها ~~على الصخر ناحت، ثم أصبحت الكتابة نقشا بمسمار على أقراص ~~من الطفل المجفف، وقد وجدت في «كلديا» # 1 # نماذج من هذه القوالب الطفلية، دونت في إحداها ~~قصة الطوفان، ولعلها أن تكون أقدم أثر مكتوب، وهناك شبه ~~كبير بين قصة الطوفان الواردة في سفر التكوين والرواية الكلدانية ~~التي سبقت التوراة بآلاف السنين. # كان الكاتب في كلديا مأجورا للملك يصحبه إلى حومات الوغى ~~وساحات الحروب، ليثبت لمليكه ما يغزو من المدن، وما يفتك به ~~من الأعداء، وما يظفر به من الغنائم والأسلاب، ثم ليشيد قبل كل ~~شيء بإقدام سيده وبسالته في القتال. وكانت الدولة تستخدم إلى ~~جانب هؤلاء الكتاب طائفة من الكهان تنقش على قوالب الطفل ~~الصلوات والدعوات، وطائفة ثالثة تكتب قواعد الزراعة وحوادث ~~السياسة ومبادئ التنجيم. ~~(1) الأدب المصري # ويشارك الأدب الكلداني في القدم أدب المصريين القدماء ~~الذي سجل على الآثار وأوراق البردي. وأقدم كتاب مصري ~~انتهى إلينا علمه هو «كتاب الموتى» الذي ms0019 دون في عصر بناء ~~الهرم الأكبر، ولا تزال نسخة منه محفوظة في المتحف ~~البريطاني؛ وفيه دعوات للآلهة وأناشيد وصلوات، ثم وصف لما ~~تلاقيه أرواح الموتى في العالم الآخر من حساب، يتبعه ~~عقاب أو ثواب؛ وكانت توضع نسخة من هذا الكتاب مع جثمان الميت ~~في قبره، ليكون دليلا للروح يهديها في رحلتها إلى العالم ~~الثاني. ومن هذا ترى أن الفكرة الأدبية في مصر القديمة ~~ازدهرت بين جدران المعابد، وأن الجزء الأكبر من الأدب المصري ~~كان قائما على أساس الدين، وهاك مثالا لما ورد في «كتاب ~~الموتى» من الدعوات، وهو ما يدافع به الميت عن نفسه أمام ~~قضاته في العالم الثاني: # السلام عليك أيها الإله الأعظم؛ إله الحق. لقد جئتك ~~يا إلهي خاضعا لأشهد جلالك ... جئتك يا إلهي ~~متحليا بالحق متخليا عن الباطل، فلم أظلم ~~أحدا ولم أسلك سبيل الضالين، لم أحنث في يمين، ولم ~~تضلني الشهوة فتمتد عيني لزوجة أحد من رحمي، ~~ولم تمتد يدي لمال غيري، لم أقل كذبا، ولم أكن لله ~~عاصيا، ولم أسع في الإيقاع بعبد عند سيده. إني - ~~يا إلهي - لم أجع أحدا ولم أبك أحدا، وما قتلت ~~وما غدرت، بل وما كنت محرضا على قتل؛ إني لم ~~أسرق من المعابد خبزها، ولم أغتصب مالا حراما، ~~ولم أنتهك حرمة الأموات، ولم أرتكب الفحشاء، ولم ~~أدنس شيئا مقدسا؛ إني لم أبع قمحا بثمن فاحش، ~~ولم أطفف الكيل ... أنا طاهر، أنا طاهر، أنا طاهر، ~~أنا طاهر ... وما دمت بريئا من الإثم ... فاجعلني ~~اللهم من الفائزين. # ولكن إلى جانب هذا الأدب الديني، لم يعدم المصريون القدماء ~~أن يكون لهم أدب في تمجيد الملوك، وأن يكون لهم كذلك أدب شعبي ~~يروي ما يدور بين الناس من قصص وأساطير وحكمة وقانون، ولهم ~~في ذلك كتاب «الوصايا» ل «بتاح حوتب». # 2 # فمن أشهر أساطير المصريين القدماء قصة «أوزيريس» # 3 # و«إيزيس»، # 4 # وخلاصتها: أن أوزيريس كان رسول الله في الأرض ~~يحكمها بالعدل، فعلم الناس كيف يفلحون الأرض، وكيف يستخرجون ~~المعادن من بطونها، وكان يلهمه ms0020 هذه الرسالة «تحوت» # 5 # إله العلوم والمعارف؛ فلما أراد «أوزيريس» أن ~~ينشر الحضارة في أنحاء الأرض، خلف زوجته «إيزيس» على عرش ~~مصر، وخرج في جيش عظيم أخذ يجول به في البلاد، يعلم الناس ~~هنا وهناك كيف يستثمرون الأرض ليأكلوا من طيبات الله رزقا ~~حلالا؛ ثم قفل راجعا إلى مصر بعد أن أدى رسالته، فكان ~~جزاؤه عند أخيه «سيت» # 6 # أن أرداه قتيلا؛ فقد تآمر «سيت» مع نفر من ~~حزبه على الغدر بأخيه؛ فأعد في داره وليمة فاخرة تكريما ~~لأوزيريس، وجهز في قاعة الوليمة صندوقا ثمينا زين ~~بالحجارة الكريمة، وكان - لزينته - موضع إعجاب الحاضرين؛ ~~فقال لهم «سيت» مازحا: «لقد وهبت هذا الصندوق لمن يملأ ~~جسمه فراغه في دقة وإحكام.» فأخذ السامعون - وهم ~~المتآمرون - يلجون الصندوق واحدا فواحدا، هذا يقصر عنه ~~وذاك يطول، وهذا يضخم عنه وذلك يدق، حتى جاء دور أوزيريس، ~~فساوى الصندوق وفاقا، ولم يكد يفعل حتى أسرع المتآمرون إلى ~~الغطاء فأغلقوه وأحكموا إغلاقه، ثم ألقوا به في ~~النيل. # ذاع النبأ بين الناس وشاع؛ فحزنت إيزيس على زوجها حزنا ~~شديدا، وشرعت تبحث عن جثة القتيل في طول البلاد وعرضها، ~~حتى وجدتها وعادت بها، فوارتها قبرا يليق بجثمانه الطاهر. ~~لكن «سيت» لم يرضه أن ينال أخوه هذا الإكرام، فاستخرج ~~الجثة من قبرها وقطعها إربا إربا، ونثر أجزاءها ~~نثرا، فطافت إيزيس مرة ثانية تجمع أشلاء زوجها، وكانت ~~كلما صادفت جزءا أقامت له قبرا حيث كان. # ومن رثاء إيزيس لزوجها: # انظر إلي يا أوزيريس، أنا زوجتك الحبيبة الوفية، ~~هذا قلبي قد فطره الحزن عليك، وهاتان عيناي شاخصتان ~~إليك. ليتني أراك! إن جنتي - أيها الإله الصالح - ~~في لقياك. تعال إلى حبيبتك، ادن من زوجتك، ولا ~~تعزب عنها! إن الآلهة ترنو إليك، والناس تبكي عليك، ~~ويزيد بكاؤهم أن يروني باكية جاثية أبث إلى السماء ~~شكواي! لم لا تستجيب لدعائي وأنا زوجتك ~~وحبيبتك؟ # وقد لجأت «إيزيس» هي وابنها «حوريس» إلى محكمة الآلهة فقضت ~~لهما، وحكمت على «سيت» وأجلست «حوريس» على عرش أبيه ~~«أوزيريس». # هذا ملخص القصة، ms0021 وتتخللها أساطير كثيرة، مثل أن ~~أوزيريس لما حانت ولادته ارتفع صوت من معبد أمون يبشر ~~العالم بأن «قد ولد الملك العظيم المنعم على ~~الكون.» # وأن إيزيس توسلت إلى الآلهة فأعادته إلى الحياة، ولكنه عاد ~~إلى نوع من الحياة الخالدة لا الحياة المألوفة ... إلخ. # وانتقلت قصة أوزيريس وإيزيس وعبادتهما من المصريين إلى ~~اليونان، فأنشئ في ثغر «بيريه» اليوناني معبد لإيزيس في القرن ~~الرابع قبل الميلاد. # كما انتقلت عبادتهما وقصتهما إلى الرومان فبني لهما معبد ~~في الميناء الإيطالي بوزول، # 7 # وبني لإيزيس معبد في «بومبي». كما انتقلت إلى ~~أجزاء الإمبراطورية الرومانية في إسبانيا وفرنسا وألمانيا ~~وإنجلترا، وتلونت القصة بلون البيئات والعقليات المختلفة، ~~وزيد فيها وحذف. # وقد أشار «بلوتارك» الكاتب اليوناني المشهور، الذي اعتنق ~~عبادة إيزيس، والذي ألف كتابا عن «إيزيس وأوزيريس»، إلى ~~أن هذه القصة قصة رمزية، وأن الشعب المصري «كان يقيم ~~عاداته على قواعد أدبية ... وعلى الافتنان في تسجيل ذكريات ~~تاريخية قديمة، وعلى إيضاح نواميس طبيعية.» # وقال بعض الباحثين: إن أوزيريس رمز إلى النيل واهب الخصب، ~~وإلى الرطوبة التي هي أصل الإنتاج، وإلى القمر ينتج الندى ~~في الليل فينشر الرطوبة؛ وعلى الجملة إلى قوة الخير ~~والإنتاج والخصوبة في العالم، و«سيت» رمز إلى البحر الأبيض ~~يصب فيه النيل ماءه فيبدده ويفنيه، ولكنه يحيا في ~~العالم التالي، والمؤامرات التي دبرها «سيت» رمز إلى ~~انخفاض مياه النيل بعد الفيضان، و«سيت» أيضا رمز إلى الجفاف ~~أو النار التي تحارب الخصب؛ وعلى الجملة هو رمز لقوة الشر ~~في العالم؛ وانتصار حوريس هو الفيضان الذي يعود، وإلى انتصار ~~قوة الخير والحق آخر الأمر؛ وإيزيس رمز العطف والحنان ~~والوفاء، ورمز الأرض الخصبة، ورمز العنصر النسائي المنتج، ~~ورمز البحث عن الحقيقة؛ والحياة التي حييها أوزيريس بعد هي ~~الحياة الأخرى التي ينعم فيها الإنسان بما يأتي من أعمال ~~صالحات ... إلخ. # وكانت الطقوس الدينية وكهنة المعابد تبعث هذه المعاني عند ~~الخاصة والفلاسفة والمثقفين، وإن لم يفهمها العامة؛ ولذلك ~~أقبل على هذه الديانة الطبقة الراقية المثقفة من اليونانيين ~~والرومانيين، فكانوا يشعرون بالطمأنينة ms0022 لعقيدة الحياة الأخرى ~~والعمل الصالح، وكانت تمدهم عقيدة الخير والشر والثواب ~~والعقاب بغذائهم الروحي. # وأخيرا أحيا الشاعر الألماني «جوته» في القرن التاسع عشر ~~الميلادي قصة «أوزيريس وإيزيس» باللغة الألمانية، فكان ~~لقصتهما «الناي المسحور» بشعرها وموسيقاها أثر في النفوس ~~بليغ. # ومن قصص المصريين المشهورة قصة «رمسينيت واللص» وخلاصتها - ~~كما رواها «هيرودوت»: أن رمسينيت كان يملك من المال كنوزا ~~تنوء بالعصبة أولي القوة، فحار في طريقة حفظها، ثم أداه ~~التفكير أن يبني لها حجرة في قصره، يعد لها من الحجارة ~~الكبيرة ما لا يستطاع حمله، وجعل أحد حوائط الحجرة جزءا من ~~السور المضروب على القصر. # ولكن المهندس الذي تولى بناء الحجرة ركب في حائط السور ~~حجرا يستطيع رجلان بل رجل تحريكه وزحزحته بطريقة مهندسة. # 8 # وجمع الملك فيها كنوزه وأمن أن تنالها يد، ولكن المهندس ~~لما شعر بدنو أجله دعا إليه ابنيه وأخبرهما بخبيئة ~~الأمر. # ومات المهندس ولم يلبث ابناه أن ذهبا ليلا وبحثا عن ~~الحجر فعرفاه، وحركاه في سهولة ويسر، فدخلا إلى الحجرة ~~فأصابا من مالها ما شاءا. # وتفقد الملك حجرته فرأى نقصا في كنوزها، وحيره أن رأى ~~الباب سليما وأختامه لم تمس. وتكرر ذلك مرات والملك ~~حائر في أمره، ولم يجد حيلة إلا أن ينصب فخاخا في جوانب ~~الخزائن، وعاد اللصان، فما إن قرب أحدهما حتى وقع في ~~الفخ وأطبق عليه. # فأشار من وقع في الفخ على أخيه أن يقطع رأسه ويرجع به ~~إلى بيته حتى تختفي الجريمة، وألح عليه في ذلك ففعل، ورد ~~الحجر إلى مكانه ورجع برأس أخيه. # ولما دخل الملك رأى الأمر ازداد تعقيدا، والجريمة لم ~~تكتشف؛ فأمر بصلب الجثة وإقامة الرقباء حولها، لعل ~~أحدا يبكي لرؤيتها فيتكشف الأمر. # ولكن الأم بكت في بيتها، وعز عليها صلب ابنها، فهددت ~~أخاه إن هو لم يأتها بالجثة أن تفضح السر للملك؛ فأعمل ~~الحيلة وأعد حمرا حمل عليها زقاق الخمر، فلما قرب من ~~الحراس فك بعض الزقاق وتظاهر بأنها سالت على الرغم منه، ~~وأخذ يبكي ويندب. وجاء الحراس فوجدوا خمرا ms0023 تسيل فشربوا، ~~فأخذ يتصنع تأنيبهم، ثم مال إلى الطريق ميلة، وهدأ من ~~سورته، وأخذ يحدث الحراس ويسقيهم حتى أسكرهم، فناموا، ~~وقام ليلا إلى جثة أخيه فحلها وعاد بها إلى ~~أمه. # وجن جنون الملك لما علم بسرقة الجثة. # ففكر في وسيلة أخرى يكشف بها هذه الجريمة بل الجرائم، ~~فأمر ابنته فأحل لها أن تستقبل الناس، وتمكن نفسها ~~ممن يحدثها عن أعجب جرائمه ودهائه، فإذا جاءها من ~~حدثها بسرقة الجثة حجزته وغلقت عليه الأبواب. # فعرف اللص الخبر، فأراد أن يظهر للملك عجزه، فاستحضر ~~ذراع رجل مات حديثا وخبأها في ثيابه، وقابل بنت الملك ~~وقص عليها قصته، وكان الظلام قد ساد الحجرة، فهمت بالقبض ~~عليه فقبضت على شيء ظنته يده، ولكنها كانت الذراع ~~المخبوءة، أما هو فقد كان قفز وهرب. # فعجب الملك من كل هذا، وأعلن في جميع أنحاء المملكة أنه قد ~~عفا عنه، وأنه سيجزل له الخير إذا أظهر نفسه؛ فتقدم اللص ~~إلى الملك فوفى بوعده وأنعم عليه وزوجه بنته، لأنه أمهر ~~المصريين الذين هم أمهر الأمم. ~~••• # ولكن إلام ترمز هذه القصة؟ لعلها - فيما نرى - ترمز إلى ~~السلطان والقدر، فالملك بعزه وسلطانه، وحيلته وحيطته، لم ~~يستطع أن يغالب القدر، وكلما أبرم أمرا نقضه القدر، ~~وهو يحتال الحيلة بعد الحيلة، والقدر يفسدها عليه، ~~وأخيرا تجلى له الحق فأقر بالسلطان الأعلى وصالح ~~القدر. # لعل هذا أو نحوا من هذا هو ما ترمز إليه القصة. # ولهم قصص أخرى كثيرة من هذا القبيل، كقصة خوفو والسحرة، ~~والبحار الغريق والأمير الهالك ... إلخ. نكتفي منها بهذا ~~القدر. ~~••• # ثم كان لهم نوع آخر من الأدب وهو أدب الحكم والمواعظ، منها ~~ما هو أدب للنفس، ومنها ما هو أدب للمجتمع، ومنها ما هو أدب ~~سياسي، ومنها ما هو أدب ديني. فمن نصائح «بتاح حوتب» لابنه: # 9 # إذا أردت حسن الثناء فتجنب الطمع، فإنه داء لا يشفى، ~~ومحال أن تكون معه صداقة، وهو مركب من جملة شرور، ووعاء ~~لكل مرذول. # إذا أصبحت عزيزا بعد هوان، وغنيا بعد فقر، فلا تنس ~~أيام ms0024 هوانك وفقرك إن استطعت؛ فوجه عنايتك للعلم وبلاغة ~~القول، وفكر قبل أن تأمر، فما أقبح التصرف من غير تفكير، ~~ثم إذا أمرت فلا تتعاظم في أمرك، ولا تحتد في قولك، وتحر ~~أن تكون مطاعا في أمرك، مسددا في إجابتك، فالحلم يذلل ~~الصعاب، والغضب ينغص العيش. # تحر بفضلك من صادقك في شدتك، فإنهم أحق بفضلك ممن ~~لا يعرفونك إلا في رخائك. # الرجل الغر ينصح فلا يسمع، ويرى العلم في الجهل، والربح ~~في الخسارة، ويأتي ما يأتي على غير هدى، ويجد في كلام ~~السوء غذاء لنفسه. # تلطف مع زوجك، واقصد أن تجعلها أسعد امرأة في بلدها، ~~وأسلس قيادها يستقم سيرها، وبشرها ولا تنفرها، ~~وتحبب إليها بموافاتها بما تطلب. # لا يغرنك علمك ولا تثق به، وشاور الجاهل والعاقل، ~~فالعلم لا حد له، والوصول إلى نهايته لا يستطيعه أحد وليس ~~هناك عالم بفن يستطيع أن يقول فيه الكلمة الأخيرة، والكلام ~~القيم أخفى من الحجر الكريم الأخضر، ومع هذا فقد تجده في ~~يد أمة تدير الرحا. # أطع تستفد، فإني لم أبلغ ما بلغت إلا بالطاعة، وإن ~~الطاعة تستجلب المحبة وتدر الخير، والله يحب من أطاع ~~ويكره من عصى. # إذا دعيت إلى مائدة من هو أكبر منك مقاما فخذ مما ~~يقدم لك، ولا تمدن عينيك إلى ما وضع أمامه، ولا ~~توجه نظراتك إليه. ~~••• # ومن المواعظ السياسية موعظة «خيتي الثالث» لابنه «خيتي ~~الرابع»، وكانت نصائحه إبان ثورة شعبية على نظام الحكم، فمن ~~قوله: # كن بليغا تكن قويا؛ فاللسان للملك أصدق سيف في ~~القتال. # والملك مدرسة لمن حوله من العظماء، وهو إذا اتسع اطلاعه ~~أمن من أن يخدع بالكذب؛ لأن الحقيقة تأتيه خالية من ~~الشوائب. # اجعل أساس اختيارك للرجال الكفاية، سواء في ذلك ابن العظيم ~~وابن الحقير. # من الخير لك أن تكون رحيما، واجعل وكدك أن يقيم لك الناس ~~تمثال الحب في قلوبهم، فإن فعلت فسيذكرون لك جميلك، ويدعون ~~لك بالصحة وطول العمر. # تمسك بالعدل ما حييت، وإياك والإساءة إلى الأيامى، ~~والتعرض لمال أحد فيما يرثه من أبيه، ms0025 والعقوبة في غير ~~جريرة. # ليس لأحد أن يظلم، فسوف يحاسب كل إنسان على عمله. ولا ~~تغتر بطول العمر، فما حياة الإنسان في هذه الدنيا إلا لمحة، ~~وسيبعث الإنسان حين وصوله إلى الشاطئ الثاني (في الحياة ~~الأخرى)، وكل نفس بما كسبت رهينة، وهناك الأبدية لا شك فيها، ~~وويل لمن يحتقرها، وطوبى لمن أتى إليها وليس له ذنب، إنه ~~يحيا كما تحيا الآلهة. # إن الناس عبيد الله، وهو يهديهم سواء السبيل، خلقهم منه، ~~وعلى صورته؛ وخلق لهم ما في الأرض جميعا، وهو يسمع بكاءهم ~~وشكواهم، وقد جعل لهم رؤساء أوصياء عليهم يأخذون بيد ~~الضعفاء منهم. ~~••• # وقد عثر - فيما عثر عليه - على نوع من الأدب طريف، وهو ~~كتاب سماه علماء الآثار «شكاوى الفلاح»، # 10 # وقد استرعى هذا الكتاب الأنظار لبلاغته. # وخلاصته أن فلاحا من إقليم وادي النطرون نفدت ~~غلاله، فحمل حمره بعض نتاج قريته، وذهب إلى أهناس ~~ليبادل بها غلالا، فمر في طريقه على حاكم بلدة فراقت ~~الحمر بما عليها في عينه، فتعلل الحاكم بأن الحمر ~~أكلت في طريقها بعض زراعة القمح، فضربه ضربا مبرحا، ~~واغتصب حمره وما حملت؛ فالتجأ الفلاح إلى رئيس الحاكم فلم ~~ينصفه، واستعظم هو وأعوانه أن ينتصفوا لفلاح من حاكم، ~~ولكنهم عجبوا من فصاحته وقوة حجته. # وقد قص الرئيس قصته على الملك مبينا له ما منح ~~الفلاح من قوة في الأدب وبلاغة في القول، فشاركه الملك في ~~إعجابه، وأمره أن يبطئ في حل قضيته حتى يستخرج كل ما ~~عنده من قول بليغ، ولكن يجري عليه ما يقيم أوده ~~سرا. # فصاغ الفلاح في شكواه تسع خطب تتدفق معاني جليلة ~~في مدح العدل وذم العمال بروح عصره، وأسلوب قومه، ~~فمنها يخاطب الرئيس: # يا سيدي يا عظيم العظماء، يا أغنى الأغنياء، ومن ليس فوقه ~~إلا عظيم أعظم، وغني أغنى ... # أليس عجيبا أن ينحرف الميزان، ويعوج المستقيم، ويختل ~~الوزن؟ # تأمل؛ إن العدل يتزلزل من تحتك، والقضاة يظلمون، ومن ~~يشعر بالراحة يترك الناس في عناء، ومقسم الأرزاق متلف، ~~والمكلف بالعدل يأمر بالسرقة، ومن عمله ms0026 أن يقضي على ~~الفقر يحيي الفقر! # ثم يؤنب الرئيس ويتمنى له الشر، فيقول: # ليت بيتك يخرب، وكرمك يذبل، وطيورك وماشيتك تفنى، ~~فقد عمي البصير وصم السميع، وضل المرشد. # لقد تخطتك الرحمة، وأصبح مثلك كرسول التمساح أو «ربة ~~الوباء». # إن الملك في قصره وسكان السفينة في يدك، وقد كثر الشغب ~~بجوارك، والشكاية تطول والفصل فيها يبطؤ، والناس يتساءلون ~~ماذا تعمل. أعن المظلوم حتى تتبين للناس قيمتك، والتزم ~~الحق في القول فالمرء قد يكون مصرعه في لسانه. # يا من يملك مرافق الماء! قد أصبحت أملك مجرى الماء ولا ~~أملك سفينة، ويا من ينجي الغارق! نج من غرقت ~~سفينته. # كن كإله النيل يجعل الأرض الجدباء أرضا خضراء، ولا تكن ~~كالسيل يدمر ما يأتي عليه، واحذر الآخرة. # إن لسانك لسان الميزان، وقلبك وشفتيك ذراعاه، فإذا لم ~~تعدل فمن الذي يكبح الشر؟ # إن مثلك كمثل بلدة لا حاكم لها، وطائفة لا رئيس لها، ~~وسفينة لا ربان لها، وعصابة لصوص لا كابح لها. # إنك حاكم يسرق، ورئيس يرتشي، وموكل بالقضاء على ~~المجرمين يصبح نموذج المجرمين. # يا أيها المدير العظيم، لا تحرمن فقيرا مثلي من ملكه، ~~فمال الفقير نفسه، ومن اغتصبه كتم نفسه. ماذا ~~تصنع؟ # إنك لتسمع الشكوى فتنحاز إلى اللص، ويضع المتقاضي أمله ~~فيك فتعتدي، ويأمل الفقير أن يجد منك سدا يقيه الغرق ~~فيجدك تيارا يجرفه. # أقم العدل لرب العدل الذي يصدر عنه العدل؛ إن العدل ~~لا يفنى، سيذهب مع صاحبه إلى القبر ويدفن معه، ولكن لا ~~يمحى اسمه ... إلخ. ~~••• # ثم كانت لهم الأناشيد الدينية والأغاني الشعبية والغزل ~~الرقيق، وهاك نموذجا لقطعة غزلية: # قد أتعالل وما بي من علة، ولكن ليعودني جيراني، ~~وتعودني أختي، # 11 # وستهزأ إذ ترى أطبائي، لأنها تعلم كامن ~~دائي. # دار أختي! # ليتني كنت بوابا لدارها، فإن أغضبها ذلك ~~نعمت بسماع صوتها في غضبها، ووقفت أمامها موقف ~~الطفل ممن يهابه إجلالا. # بل ليتني كنت أمتها السوداء التي تلازم ~~خدمتها، إذن لملأت عيني برؤيتها وسعدت بالنظر ~~إلى محاسنها. # بل ليتني كنت خاتمها في إصبعها، ms0027 أو عقد الزهر ~~يطوق عنقها، ويداعب صدرها. # ولكن هل في هذه الأماني غناء؟ # لخير لي أن أركب النيل، وأندفع في تياره، ~~وأحج إلى بيت الله في ممفيس، وأضرع إليه أن ~~يوفقني لرؤية أختي. # إذا قدمت خفق قلبي، وطوقتها بذراعي، فشعرت ~~بالسعادة في أعماق نفسي. # وإذا دنت مني، وفتحت ذراعيها لي، شعرت كأن ~~أزكى روائح العطور تغمرني. # فإذا أدنت شفتها من شفتي، ولثمتني، فهناك ~~السكر ولا خمر! # ومن غزل الفتاة: # إني لأذكرك فيضطرب قلبي ويشتد خفقانه. # إن حبك ليخرج بي عن المألوف من حياة ~~أمثالي. # فلا أعرف كيف ألبس ثيابي، ولا كيف أنظم متاعي، ~~أو أكحل عيني، أو أعطر جسمي. # اسكن يا قلب وخفف من خفقانك، وإلا رماني ~~الناس بالجنون. # اهدأ يا قلب وتماسك ولا تضطرب إذا فكرت فيمن ~~أحب. # وقد جاء في غزلهم تشبيه سواد شعرها ~~بالظلام، وبريق ثناياها بالشرر من حجر الصوان؛ كما تغزلوا ~~بقدها الممشوق، وصدرها الريان، ونهدها الناهد. ~~••• # ومن أناشيدهم: # ما التكاثر في الأرض، والنهاية القبر؟ # تشبه بالحي الأبدي العادل، الذي لا يظلم أحدا؛ ~~السلام الذي لا يحب تعكير الصفاء أبدا. # إليه يرجع الناس كلهم منذ خلق الإنسان الأول ~~إلى أن صار الناس ولا حصر لهم. # إذا خلق الإنسان دعي إلى سبل الرشاد، ووعظ ~~بأن يكون سليما معافى، يعمل الخير، ويذكر الموت، ~~حتى إذا جاءه أجله استقبل القبر جذلا ~~مغتبطا. # أيها الكاهن! # إن الموت الذي تتحدثون عنه ليس إلا الاتحاد ~~بأرباب الأبدية. # 12 # وكان لهم شعر، يدل عليه كتابة الفقرات ~~منفصلة؛ كل فقرة في سطر، وقد يرتبط السطر الثاني بالأول، وهذه ~~الفقرات متقاربة الطول، ولولا الشعر ما كان هناك داع لقطع ~~الكتابة، ولكن لم يهتد الباحثون بعد لأوزانهم الشعرية. وكان ~~هذا الشعر مرتبطا بالغناء الذي بلغ عندهم مبلغا ~~عظيما. # وقد لاحظ الباحثون أن مقطوعات الشعر المصري يكثر فيها جملة ~~تتكرر وتدور عليها القصيدة، مثل: «من أكلم اليوم» ونحوها. ~~وقد يبتدئ الشاعر باسم زهرة، ثم يردده في كثير من أبياته، ~~كأنه يريد أن يستوحيها المعاني التي يصوغها. # وهناك ms0028 حقيقتان في الأدب المصري يجب أن ننبه إليهما: # الأولى: # أن مترجمي النصوص الأدبية من الآثار ~~وأوراق البردي يختلفون فيما بينهم في ترجمتها، ~~وسبب ذلك أن نظام الكتابة كان ناقصا عندهم، ~~فالكتابة لم توضع فوقها حركات تبين بالضبط ~~موقع الكلمة من الجملة؛ ونتيجة ذلك أنه يمكن ~~نطق الكلمة بأشكال مختلفة، والكلمة الواحدة ~~تصح أن تصدق على الكلمة ومشتقاتها من ~~اسم فاعل، ومفعول، ومصدر، وفعل مضارع وهكذا؛ ~~فمن هنا يأتي الخلاف، فضلا عن خطأ النساخ ~~عند الكتابة. # والثانية: # أن كل لغة - وخاصة في الآثار الأدبية - ~~تؤثر في القارئ والسامع بمعانيها ونغمات ~~موسيقاها، وما يحيط بالكلمات من هالة، ~~وبالبيئات والملابسات التي تحيط بها، فإذا ~~أمكن نقل المعاني في أمانة صعب أو تعذر ~~نقل ما عداها من جوها وملابساتها نقلا ~~صادقا صحيحا، وهذا ما سيواجهنا في كل ~~أدب غير الأدب العربي العصري. # وعلى الجملة فقد ظلت الآداب المصرية تنمو وتنضج وترتقي ~~وتعمل عملها في النفوس نحو أربعين قرنا، وكانت علاقة المصريين ~~بغيرهم علاقة قوية، إما بالحروب والفتوح للأمم المجاورة، وإما ~~بوساطة التجارة الواردة والصادرة، وإما البعوث ترد إلى مصر ~~لدراسة حضارتها وعلومها وفنونها ودينها. ومن بعثوا كانوا ~~ينقلون ذلك كله إلى بلادهم. # كل هذا جعل آدابهم تؤثر - كعلومهم وفنونهم - في الأمم ~~حولهم إما من طريق مباشر كتأثر العبرانيين واليونانيين ~~بالمصريين، أو غير مباشر كتأثر الآداب الأخرى بالعبرية ~~المتأثرة بالمصرية، أو تأثر الرومانيين باليونانيين ~~المتأثرين بالمصريين. ~~(2) أدب الصين # ولندع الآن مصر وغيرها من أقطار الشرق القريب، ولنسر ~~إلى الشرق القصي البعيد، إلى حيث الصين، إلى حيث كتبت ~~الكتب قبل أن تنبت دوحة الأدب في أوروبا بمئات من السنين. ~~وآثار الصين القديمة مكتوبة على ألواح من ألياف الخيزران، ~~يخط عليها بالمسمار آنا، ويكتب عليها بالمداد آنا ~~آخر. وكذلك كتب الصينيون على نسيج الحرير، وصنعوا الورق في ~~القرن الأول قبل الميلاد، وعرفوا الطباعة بالحروف المتحركة ~~قبل أن تعرفها أوروبا بثلاثة قرون. # كان الأدب الصيني القديم يدور حول مبادئ الأخلاق، فجمعوا ~~حكمة السلف فيما يجب أن يكون عليه ms0029 سلوك الخلف، ودونوها ~~لتكون أمام الناس مثلا يحتذى، فيهيئ لهم سعادة الدنيا ~~والآخرة؛ وكان الكاتب الصيني يحتل في نفوس الناس وفي نظر ~~الدولة مكانة ممتازة، حتى كانت تجرى عليه الرواتب العالية. ~~وبلغ الأدب الصيني القديم من التنوع والجودة حدا بعيدا ~~حتى لا يكاد يضيف إليه أدبهم الحديث شيئا جديدا، فالأدب ~~الحديث لا يعدو أن يكون تعليقا على الأدب القديم؛ وإن لهذا ~~التراث الأدبي القديم من الأثر في نفوس أهل الصين ما جعلهم ~~يحيطونه بشيء من التقديس، ولا يجيزون لأحد أن يخرج على ~~قواعده؛ ولهذا كان الصينيون من أكثر سكان الأرض جمودا ~~وتشبثا بالقديم، فهم يعدونها زندقة أن ينافس كاتب حديث ~~كاتبا قديما؛ ولذلك بقيت اللغة الصينية كما هي، لم ينلها ~~شيء من التغيير والتجديد. # ونبي الصين، وواضع الأسس لأدبها وأخلاقها، هو كونفوشيوس. # 13 # والذي نسميه بالديانة الكونفوشية إنما هو في ~~حقيقة الأمر ديانة قديمة صبها هذا العظيم في فكر جديد، ~~وأسلوب جديد، ونظام خلقي جديد، ليتخذه بنو وطنه دليلا ~~يهتدون به في سلوكهم، وينهجون على نهجه في سياستهم. فلم يكن ~~كونفوشيوس حالما ولا شاعرا، ولا هو أراد أن يجعل من ديانته ~~عقيدة لاهوتية وكهنوتية؛ إنما وجه همه الأكبر نحو مشكلات ~~الحياة - حياة الفرد وحياة الدولة على السواء - وما أشبهه ~~في ذلك بسقراط الذي شهدته اليونان بعد أن ظهر كونفوشيوس في ~~الصين بقرن كامل؛ ولكن سقراط كان ينظر إلى مشكلات الأخلاق ~~من الجانب النظري، أما كونفوشيوس فلم تكن تعنيه إلا سعادة ~~الأفراد في حياتهم العملية. فأهل الصين من حيث هم أتباع ~~كونفوشيوس، قوم لا دين لهم، إن فهمنا كلمة الدين ~~بمعناها الضيق المحدود؛ لأن الدين بهذا المعنى يعترف ~~بوجود قوة تسيطر على البشر وتشرف على شئونهم، ولكن فيلسوف ~~الصين لم يعترف في تعاليمه بوجود مثل هذه القوة، وإنما حصر ~~نفسه حصرا في الإنسان نفسه، ورسم له خطة السلوك؛ وعلة ذلك ~~أنه ظهر بين قومه في القرن السادس قبل الميلاد، حين أخذ ~~النظام الإقطاعي في الصين يتداعى بناؤه وتنحل روابطه، وأخذت ~~تنشب ms0030 على إثره حروب أهلية فتاكة قاضية؛ فجاء هذا الرجل ~~رسولا للنظام، يؤمن بضرورة أن تجتمع السلطة في يد واحدة ~~قادرة ماهرة، ما أشبهها بما أطلق عليه «كارليل» # 14 # اسم «البطل»، وما دعاه «نيتشه» # 15 # ب «الإنسان الكامل». # 16 # هذه الحكومة التي يمسك زمامها فرد واحد ممتاز كانت معقد ~~الأمل عند كونفوشيوس؛ وقد كان وزيرا لأحد أمراء الصين، فأحب ~~أن يعلمه الحكمة الخلقية العملية ليعتدل سلوكه، واستمع ~~له الأمير حينا، ثم ضاق به ونفاه، لأنه آثر على وعظه ~~صحبة الغواني الراقصات؛ فأنفق كونفوشيوس خير سنيه مرتحلا ~~من دولة إلى دولة، يعلم الأخلاق حيثما حل، ثم عاد إلى ~~وطنه في سن الشيخوخة ليجمع في الكتب أشتات حكمته. # ويجمع هذه الحكمة الكونفوشية خمسة كتب: كتاب التاريخ، وكتاب ~~التغيرات، وكتاب الشعر، وكتاب الشعائر، وأخبار الربيع ~~والخريف. وليست هذه الكتب بالجديدة في مادتها، إنما هي ~~إنتاج قديم في ثوب جديد، والكتاب الوحيد الذي يعد من ~~إنشاء كونفوشيوس هو «أخبار الربيع والخريف». وهاك مثالا لأدبه: # قال الشيخ: إن الرجل الكامل هو الذي يقيم أخلاقه ~~على الشعور بالواجب، ثم يضيف إلى شعوره ذاك ~~اتزانا وتناسقا في سلوكه؛ وهو يدل على ذلك بما ~~يبديه من روح التضحية، وعليه أن يكمل أخلاقه، ~~فيضيف إلى ذلك كله الصدق والإخلاص، فإن فعل، فهو ~~حقا ذو خلق نبيل. # الإنسان الكامل يبحث عن حاجته في نفسه، والإنسان ~~الأدنى يلتمس حاجته عند الآخرين. # الإنسان الكامل حازم في غير صخب، يحب الإنسانية ~~في غير تعصب لقومه. # الحكيم لا يرفع من قول لقائله، ولا ينزل من قدر ~~قول لقائله. # وفي الصين اليوم مئات الألوف ممن يحفظون كتب كونفوشيوس عن ~~ظهر قلب، بل إن أقواله لتجري على ألسنة العامة مجرى ~~الأمثال. ~~(3) الأدب الهندي # كانت السهول الفسيحة القريبة من بحر قزوين في الماضي السحيق ~~موطنا لطائفة من قبائل الرعاة تربطها وشائج القربى واتحاد ~~اللغة، وكان يسمي بعضهم بعضا «آرياس» أي الأصدقاء، ولكن ~~سرعان ما دب بينهم التنافس ونشب القتال، وانتهى الأمر ~~ببعضهم إلى الهجرة جماعات جماعات، وأخذوا يضربون ms0031 في مسالك ~~الأرض شرقا حتى ألقوا عصا التسيار في غاب كثيف، فاتخذوا ~~الفئوس من الصخر القاسي الغليظ، يحطمون بها الشجر، ثم يحركون ~~بأغصانها التربة ويفلحونها، وبهذا تحول هؤلاء الرعاة ~~الرحل إلى فلاحة الأرض. لكن فلاحة الأرض لبثت زمانا ~~طويلا مزدراة لا تليق بغير العبيد؛ ولهذا أخذ سادة هؤلاء ~~الرعاة يملكون الأرض ويستخدمون الطبقات الوضيعة في حرثها ~~وفلاحتها. # ولكن هل تقنع تلك القبائل الراحلة الطامحة ببقاع ضيقة ~~محصورة فوق الجبال، وعلى مقربة منهم - في الشمال الغربي من ~~بلاد الهند - سهول خصبة غنية تمتد ما امتد البصر؟ إلى ~~تلك السهول الفسيحة الخضراء شدوا الرحال، فلقيهم أهلوها «الداسيون» # 17 # بعنف المستميت في الذود عن حياضها، لكن ماذا ~~تجدي الحماسة أمام قوة الغزاة؟ فلهؤلاء الآريين كتب النصر، ~~فاستقروا وطاب لهم المقام، وأصبح يطلق عليهم فيما بعد اسم ~~الهندوس. وأما «الداسيون» فقد خضع منهم فريق استخدمه السادة ~~الظافرون في فلاحة الأرض، وهم من أطلق عليهم فيما بعد اسم «شودراس» # 18 # وهم أدنى طبقات الهنود، وأبى فريق آخر أن يستسلم ~~فلاذ بالفرار إلى الدكن، # 19 # وأوى إلى مستنقعاته وغاباته حيث لا يزال إلى ~~اليوم رابضا. # وكانت هذه الحرب بين الآريين الغزاة وأهل البلاد الأصليين ~~مصدرا لطائفة كبيرة من الأساطير والأغاني والترانيم ~~والدعوات، أخذت تتجمع على مر الزمن، وتكتسب قداسة في ~~أعين الهندوس، ومنها يتألف «الفيدا» # 20 # الذي هو الكتاب المقدس عند الهندوس، وعقيدتهم ~~فيه أنه وحي من الله أوحى به إلى قادة العهد الغابر ~~وأنبيائه، وعن هؤلاء تلقاه «البراهمة»، # 21 # وهم طبقة الكهان الذين أخذوا على أنفسهم صيانة ~~الفيدا من الدنس. والترانيم التي في الفيدا دعوات موجهة إلى ~~قوى الطبيعة، فهذا الفجر الذي يبدد ظلمة الليل وينشر ضوءه ~~على جبين الصباح، وهذا الغروب الذي ينعش النفس المكروبة ~~بعد عناء النهار وشمسه المحرقة، وهذا الغيث الذي ينبت لهم ~~الحب؛ كل هذه نعم تستوجب الحمد. ثم ماذا يجنب القوم ~~غضبة الصواعق وثورة العواصف غير الترانيم الدينية ~~والقرابين؟! ففي الفيدا صلوات ودعوات ليكثر الله الحب ~~والماشية ويطيل الأعمار ويبارك ms0032 الأبناء، وفيه دعوات الله أن ~~يكون للآريين مولى ونصيرا، وأن يكون على الأعداء نقمة ~~وبلاء، وفيه ترانيم عن الحياة الآخرة وخلود الروح. # وبعد أن استقر الأمر للهندوس في سهول البنجاب استأنفوا ~~الزحف شرقا، وأسسوا ممالك على ضفاف الكنج، وغلبت منهم ~~قبيلتان على غيرهما من القبائل هما : «بانجالا» # 22 # و«بهاراتا»؛ # 23 # ثم نشبت بين القبيلتين حروب في الوقت الذي كانت ~~فيه جيوش الإغريق تحاصر مدينة طروادة؛ وهذه الحروب هي موضوع ~~ملحمة شعرية طويلة يمتزج فيها التاريخ بالأساطير، وتسمى ~~قصة «ماها بهاراتا». # 24 # وخلاصتها أن «باندو» # 25 # كان حاكما على «بهاراتا»، ومات عن خمسة أبناء، ~~فتولى العرش بعده أخ له ضرير هو «ذريتارشترا» # 26 # وكفل أبناء أخيه الخمسة، وقام على تربيتهم في ~~قصره مع أبنائه، وكان يطلق على أبناء باندو «أمراء باندافا»، # 27 # وعلى أولاد الملك الضرير «أمراء كورافا». # 28 # أما «بانجالا» فكان يحكمها عندئذ «دروبادا»، # 29 # وحدث أن استخف بأحد أشرافه وهو «درونا» # 30 # فانتقم لنفسه بانضمامه إلى الدولة المنافسة، دولة ~~«بهاراتا» حيث قام بتدريب أمراء البيت المالك على أعمال ~~الفروسية، وأبلى في ذلك بلاء حسنا، وكافأه الملك الضرير بأن ~~أعد له جيشا يقاتل به عدوه «دروبادا»، وبهذا الجيش ~~استطاع «درونا» أن يستولي على شطر عظيم من أرض ~~«بانجالا». # وأراد الملك الضرير «ذريتارشترا» - نزولا على رغبة أخيه - ~~أن يعين أكبر «أمراء بندافا» وارثا للعرش، لكن «أمراء ~~كورافا» - وهم أبناؤه - قاوموه وحملوه على أن يجعل ولاية ~~العهد فيهم، فلم يسع ذلك الشيخ الضعيف إلا أن يقيم ابنه «در يوزان» # 31 # وليا للعهد، وكان هذا الأمير حقودا فظل ~~يدبر لأبناء عمه المكائد حتى صدر الأمر بنفيهم، ولم ~~يكفه ذلك، فأعد العدة سرا أن يشعل النار في دارهم وهم ~~نيام، لكن أمراء بندافا علموا بالأمر وفروا هاربين إلى ~~الغابات يختبئون في مكانها. # وكان من تقاليد الهندوس أنه إذا أرادت إحدى فتياتهم الزواج، ~~دعت خاطبيها إلى مباراة حربية، يكون للظافر فيها حق ~~زواجها. فبينما كان أمراء بندافا في مخبئهم من الغابة، جاءهم ~~نبأ أن ابنة ms0033 الملك «دروبادا» قد اعتزمت أن تقيم المباراة ~~لزواجها، وأن الأميرة قد صممت أن تتخذ أمهر الرماة ~~لها زوجا؛ فلما علم بذلك «أرجون» # 32 ~~- أحد الإخوة الخمسة - وكان في الرماية ماهرا ~~لا يبارى، قصد إلى عاصمة «بانجالا» وتوجه إلى قصر «درو ~~بادا» حيث تقام المبارزة في فنائه، وجاء يوم المباراة ~~وازدانت طرقات المدينة ومنازلها بأكاليل الزهور، ووصل الأمير ~~«أرجون» متنكرا في ثياب كاهن برهمي، وضرب في الحشد ~~المتزاحم أمام القصر، وما إن نفخ في الأبواق إيذانا ~~بوصول الخاطبين إلى حلبة النزال، حتى شخصت الأبصار إلى ~~الفرسان وهتف لهم الشعب هتافا عاليا، واشتد الهتاف حين ~~قدمت الأميرة المخطوبة «دروبادي» # 33 # في ثياب عرسها، وحول ذراعها طوق من الزهر، ~~وجاء إلى الحلبة عدد من أشداء الجند يحملون قوسا ضخمة ~~ثقيلة أعدت للمتنافسين، وعجز الفرسان واحدا بعد واحد عن ~~حملها والرمي بها، وعندئذ برز من الجمع المحتشد شاب ~~في ثياب البراهمة وحمل القوس ورمى بسهمه فإذا به يصيب ~~الهدف في الصميم، فنزعت الأميرة طوق الزهر عن ذراعها، ~~وطوقت به عنق الظافر إعلانا لزواجها منه. وكان سائر ~~الخاطبين من طبقة المحاربين # 34 # فسرت بينهم موجة من الحزن الكئيب، وتهامسوا ~~مستنكرين أن تؤثر الأميرة كاهنا على الفرسان الأشراف. ~~وكان بين طبقتي الكهنة والأشراف عداوة شديدة، فلم يسع ~~الأمير «أرجون» إلا أن ينزع عنه ثياب الكاهن ليبدو بين ~~الجمع على حقيقته أميرا نبيلا. # هكذا عاد نجم «أمراء بندافا» إلى السعود حين تزوج أحدهم ~~من ابنة الملك دروبادا، فكان لهم من هذا الملك حليف قوي، ~~أيدهم في المطالبة بحقهم في أرض بهاراتا التي كان لا يزال ~~على عرشها «ذريتارشترا» - الملك الضرير - فأجابهم هذا الملك ~~إلى طلبهم، ونزل لهم عن النصف الغربي من مملكته، وكانت ~~يبابا بلقعا، وترك لأبنائه «أمراء كورافا» النصف الشرقي ~~الخصيب. لكن «أمراء بندافا» أخذوا يوسعون من ~~ملكهم ويشيدون فيه ~~المدن - ومنها مدينة دلهي - حتى أثاروا بنجاحهم كامن الحقد ~~والغيرة في نفس «در يوزان» الذي سيئول إليه ملك أبيه الضرير؛ ~~فأدار في ذهنه مكيدة نكراء، ودعا ms0034 أبناء عمه الخمسة إلى ~~حفل بهيج يقيمه في قصره، وهنالك أخذ يلاعب أكبر الإخوة ~~فيقامر هذا في اللعب على ما يملك من ذهب وفضة وعجلات ~~وفيلة، فلا يخرج من أشواط اللعب إلا خاسرا، ولا تزيده ~~الخسارة إلا حماسة في مواصلة اللعب حتى يخرج صفر اليدين، ~~وانتقل كل ملكه إلى ملاعبه ومنافسه الذي قمره بخدعته لا ~~بمهارته. # بهذا تشرد الإخوة من جديد، واشترط عليهم أن يهيموا على ~~وجوههم اثني عشر عاما، ثم يستقروا في إحدى المدن عاما ~~آخر، فإن عجز أمراء كورافا أن يجدوهم طوال هذه السنين، أعيد ~~لهم ملكهم الضائع. وقصد الإخوة إلى حيث الغابات البعيدة، ~~وكان معهم الأميرة درو بادي؛ زوجة أرجون - أحد الإخوة الخمسة - ~~لكنها لم تعد في مفاخر ثيابها كعهدنا بها، بل كانت مهلهلة ~~الثياب حافية القدمين. # ولقد رويت القصص عما لقيه الإخوة الخمسة من ضروب ~~العناء والضيق في حياة الغابة، وجمعت في كتاب اسمه «كتاب ~~الغابة»، وفيه من القصص أروعها ومن الأمثال أحكمها؛ ولذا فهو ~~من أجمل أجزاء قصيدة «ماها بهاراتا» التي نروي لك ~~خلاصتها. # ولما انقضى على الإخوة في نفيهم الأمد المضروب، جاءوا إلى ~~إحدى المدن في هيئة زرية، فارتدي أحدهم ثوب الرعاة، ~~واستخدم ثان في مطبخ القصر الملكي، وعمل ثالث في اسطبلات ~~الملك، والتحقت درو بادي بحاشية الملكة وصيفة لها. ومضى من ~~العام الثالث عشر عشرة أشهر، وابتهج الإخوة أن قد دنا موعد ~~الفكاك من هذا النفي والتشريد. ولكن حدث أن رأى قائد الجيش ~~درو بادي فأحبها، فلما صدت عنه وأعيته الحيل في ~~اجتذابها، أساء إليها القائد، فثارت من أحد الإخوة ثورة ~~الغضب وقتل ذلك القائد الصفيق. # وكانت عيون «در يوزان» عندئذ تتطلع في كل أرجاء الهند ~~بحثا عن هؤلاء الإخوة، ولكنها عادت لا لتنبئ مولاها بموضع ~~الإخوة، بل بنبأ اضطراب وقع في «ماتسيا» - وهو البلد الذي ~~كان يقيم فيه الإخوة - فانتهز أمراء كورافا هذه الفرصة ~~السانحة ليضموا ماتسيا إلى ملكهم؛ فخرج جيش ماتسيا ليلاقي ~~العدو المغير، وكان على رأسه أمير صغير لم يمارس ms0035 الحروب، ~~وكان يقود عربته «أرجون» - أحد الإخوة، وهو من ذكرنا قصة ~~زواجه بالأميرة درو بادي - فلم يكد الأمير الصغير يرى العدو ~~مقبلا حتى سقط مغشيا عليه، فوثب «أرجون» صائحا: «أنا ~~أرجون.» وهجم في وجه العدو هجمة ارتعدت لها فرائصهم، ~~ودب الاضطراب في صفوفهم، ففروا في هرج كأنما هم قطيع من ~~الغنم يعدو من الفزع إذ سمع زئير الليث . # وانقضى العام الثالث عشر، وطالب الإخوة بملكهم، ولكن «در ~~يوزان» أخذ يراوغهم متعللا بأن «أرجون» قد كشف عن نفسه ~~قبل أن ينقضي العام، ودارت بين الفريقين حرب كان النصر ~~فيها حليف الإخوة الخمسة - أمراء باندافا - وسقط فيها در يوزان ~~صريعا. ~~••• # ومن أجمل القصص الشعرية التي وردت في «ماها بهاراتا» قصة ~~«نالا» و«دامايانتي» # 35 # وهي ضرب من شعر الرعاة، ويشبهها بعض النقاد ~~ب «أناشيد الرعاة» للشاعر الروماني «فرجيل». وخلاصة القصة ~~أن «نالا» ملك ساء طالعه يوما فقامر بملكه وكان من ~~الخاسرين، وأخذ «نالا» وزوجته يضربان في غابة، حتى شاء لهما ~~الحظ العاثر أن يفترقا فيضل كلاهما عن زميله، ومرت ~~بالملكة «دامايانتي» قافلة تحمل المتاجر فعطفوا عليها، ~~وعرضوا أن يحملوها إلى مدينة قريبة، وجلسوا يستريحون في ~~مكان جميل، حيث: # مجرى الماء ينساب هادئا بغير موج، # وفي حواشيه الغاب منتثر. # ووقف الطير ألوانا يغني، # وتزاحم اليمام، وسبحت الأسماك وتلوت ~~الأفاعي، # وازدانت حافة الماء بالزهر والشجر، # ورنت في الهواء أغاريد الطيور الصادحة. # في هذا المكان جلس أصحاب القافلة يستريحون، ~~وإذا بقطيع من الفيلة يفجؤهم من حيث لا يعلمون، فتسقط ~~«دامايانتي» مغشيا عليها، ثم تفيق وقد زال الخطر، ولكن ~~وا أسفاه، قد ارتحلت القافلة وخلفتها وحيدة كما كانت، ~~فأخذت المرأة المسكينة تمشي بقدمين داميتين وشعر أشعث، ~~تضل في متاهة الغابة حينا، وتهتدي إلى الطريق السوي حينا ~~آخر؛ حتى ذهل عقلها، وأنهك جسدها، وأصبح الموت لها أمنية ~~ترتجى، وأخذتها سنة من النوم، فلما استيقظت واصلت ~~سيرها، فرن في مسمعها خرير ماء دافق، فأسرعت نحوه، وإذا ~~بها، وا فرحتاه! تجد عند جدول الماء مخرجا من الغابة، ~~وامتدت أمام بصرها ms0036 الحقول اليانعة، وشهدت هنالك في الأفق - ~~حيث الشمس الغاربة ترسل ضوءها الخافت - عمودا من الدخان ~~يتلوى صاعدا، فأخذت سمتها نحو المدينة. وبينا هي في ~~طريقها إليها إذا بالملكة في عربتها ماضية إلى نزهتها، ~~فاستوقف نظرها هذه المرأة التي ينم وجهها عن جلالها على ~~الرغم من أسمال ثيابها، فأمرت بركوبها، وأعجبت بحديثها، ~~فاحتفظت بها وصيفة في قصرها. وليس هذا القصر الذي انتهى إليه ~~مطافها سوى قصر ابن خالتها. ولما علمت الملكة أن ~~وصيفتها هي الأميرة «دامايانتي» أقبلت عليها تضمها في لهفة، ~~وتقبلها وعيناها تدمعان إشفاقا وسرورا. ثم أرسلتها إلى ~~أبيها - وهو أحد الملوك - في حاشية تليق بمكانتها، ~~وحملتها من ثمين الهدايا ما هو خليق بها. # أما «نالا» فكان قد انتهى به الأمر أن يعمل في حاشية أحد ~~الأمراء سائقا لعربته الحربية، ولم يكن يحزنه سوى فراق ~~زوجته، وكلما تخيلها شريدة في الغابة أو ملقاة بين ~~أشجارها جثة هامدة ضاق صدره ودمعت عيناه. ولم تكن ~~«دامايانتي» بأقل منه حزنا على فراق زوجها، فأعلنت على ~~الملأ أنها ستقيم حفل المباراة بين الفرسان لتختار لنفسها ~~زوجا - لعل الدعوة تبلغ زوجها فيأتي للقائها - وكان بين ~~الأمراء الخاطبين من كان «نالا» يعمل في خدمته، وجاء الأمير ~~يقود له العربة «نالا»، فما كان أشد دهشته حين وجد المدينة ~~خاوية لا حفل فيها ولا زينة؛ وإنما جلست «دامايانتي» هنالك ~~ترقب الزائرين حتى أبصرت زوجها قادما في عربة الأمير، ~~فاندفعت إليه وارتمت بين ذراعيه، وكان اللقاء حارا ~~جميلا. ~~••• # تلك خلاصة قصيرة لملحمة طويلة يروي فيها الهندوس تاريخهم ~~ممزوجا بالأساطير. ويرجح مؤرخو الأدب الهندي أن تكون هذه ~~الملحمة من نتاج عدة شعراء. وحسبك أن تعلم من ضخامتها ~~أنها لو وضعت «الإلياذة» و«الأوذيسة» و«الإنياذة» و«الفردوس ~~المفقود» إلى جانبها لما بلغت من الطول ما بلغته ~~قصيدة ماها بهاراتا. ولكن الرأي الشعبي لا يرضيه إلا أن ~~تكون هذه الملحمة الوطنية لشاعر واحد، فينسبها إلى «فياسا». # 36 ~~(3-1) قصيدة رامايانا # 37 # لم تكن أغاني «ماها بهاراتا» وحدها مستأثرة بألسنة ~~المنشدين، بل قام إلى جانبها ms0037 قصيدة أخرى أوسع منها ~~انتشارا بين عامة الهنود؛ وهي قصيدة تروي مغامرات «راما» ~~وشاعرها هو «فالميكي». # 38 # ولئن كان أساس «ماها بهاراتا» هو الفروسية في ~~الحروب، فإن محور «رامايانا» هو الحب. وقد ظلت ~~«رامايانا» معينا لا ينضب للمسرح مدى ألف عام أو يزيد. ~~وخلاصتها: # أن قبيلة «فيديها» # 39 # وقبيلة «كوشالا» # 40 # كانتا جارتين صديقتين، أضافتا إلى رباط ~~الود صلة المصاهرة، فتزوج «راما» - وهو أمير في ~~كوشالا - من «سيتا» # 41 ~~- وهي أميرة في فيديها - وتدور القصيدة حول ما ~~لقيه الزوجان في الحياة من بؤس ونعيم. # كان «راما» وليا للعهد في مملكة أبيه، لكن أباه وعد ~~إحدى ملكاته - وكن كثيرات - أن ينفي ابنه «راما» عن أرض ~~الوطن أربعة عشر عاما، وأن يوصي بالعرش من بعده لابنها ~~«بهاراتا». # وكان «راما» بارا بوالده مطيعا، فغادر الوطن طوعا ~~لأمر أبيه، وصحبته زوجته «سيتا» وأخوه «لاكشمان»، # 42 # وقصد ثلاثتهم إلى غابة في الجنوب. ولما ~~كان «راما» متدينا بطبعه، كان أثناء إقامته في الغابة ~~يزور الرهبان في صوامعهم حيث يتعبدون ويتلقون الوحي من ~~الله، وقد أعجب أحدهم - وهو أجاستيا # 43 ~~- براما إعجابا شديدا، فمنحه سهما ~~مسحورا يساعده في خطر سيحيق به. # ولم يمض طويل زمن على نفي «راما» حتى أحس الملك ~~فداحة فعلته، فهده الحزن وأسلم الروح في حسرة ~~ولوعة، وتولى الملك بعده ابنه «بهاراتا»، لكن هذا ~~الأمير الصغير كان من شرف النفس ونزاهة الضمير بحيث أسرع ~~من فوره إلى أخيه «راما» ليعيده إلى العرش، فكان جواب ~~«راما» أن موت أبيه لا يبرئه من عهد قطعه على نفسه أن ~~يظل بعيدا عن أرض الوطن أربعة عشر عاما. وعاد ~~«بهاراتا» كارها ناقما على أمه التي وضعته - ~~بحمقها - في هذا الوضع البغيض، لكن «راما» أوصاه ~~بأمه خيرا. # وكان على جزيرة سيلان في ذلك العهد ملك يدعى «رافانا» # 44 # هو في القصيدة مثال الشر والسوء، بينما ~~تتجسد في «راما» الفضيلة والخير وروح التضحية؛ ولم يكن ~~«رافانا» فظ العاطفة غليظ القلب فحسب، بل زاده الله ~~سوءا، فخلقه في جسم بشع مخيف، ms0038 وكان له صديق يدعى «ماريكا»، # 45 # وكلاهما ساحر ماهر، يستطيع أن يتقمص أي ~~جسد ويحاكي أي صوت. وقد حدث أن صادفت أخت «رافانا» ~~أثناء تجوالها في الغابات «راما» فهامت بحبه، ولكنه ~~لم يبادلها حبا بحب، فسرعان ما تحول رحيق شفتيها ~~إلى سم زعاف، وصممت أن تأخذ بالثأر لقلبها الجريح، ~~فعادت إلى أخيها «رافانا» وأخذت تطنب له في وصف «سيتا» ~~التي تفتن القلوب بجمالها. ولم تزل به حتى أشعلت الحب ~~في نفسه، وأقسم ليقصدن إلى حيث هذه الفتاة الرائعة ~~فينتزعها من ذراعي حبيبها، وأمر بعربته الهوائية أن ~~تعد، واصطحب صديقه «ماريكا»، وقصدا إلى الغابة. وهنا ~~يبدع الشاعر ويجيد في وصف تلك العربة المسحورة وما نقش ~~عليها من رسوم، حتى ليذكر القارئ بقطعة جميلة في ~~إلياذة هوميروس يصف فيها درع «أخيل» وما نقش عليه من ~~صور. # كان «راما» وزوجته «سيتا» وأخوه يستمتعون ذات مساء ~~بهواء الغابة المنعش العليل، وإذا بهم يشاهدون غزالا ~~رشيقا يعدو إلى جانبهم مسرعا، وكان الغزال يلمع كأنما ~~يسيل من جسده ذوب النضار، فودت «سيتا» حين رأته ~~أن تظفر به. فما هو إلا أن ذهب «راما» يطارده ليمسكه؛ ~~وما كان الغزال إلا «ماريكا» بدل بقوة السحر هيئته، ~~فلبث «ماريكا» يعدو قريبا من مطارده حتى يغريه، لكنه ~~يفلت يمينا أو يسارا فلا يمكنه من نفسه، ولم يزل به ~~يخادعه على هذا النحو ليبعده عن موضع حبيبته «سيتا» حتى ~~ضاق صدر «راما» وقذف بسهم يريد أن يفتك به؛ فصاح ~~«ماريكا» صيحة عالية يقلد بها صوت «راما»، فارتاعت ~~«سيتا» لاستغاثة زوجها، واستحثت أخاه ~~«لاكشمان» أن ينقذ ~~زوجها وحبيبها، وبقيت في مكانها وحيدة تنتظر «راما» ~~بصبر نافد وصدر مضطرب، وشاركتها الطبيعة في حزنها، ~~فغامت السماء، وأمسك الطير عن تغريده، وارتعشت الأزهار ~~وأحنت رءوسها العطرة، ورفعت «سيتا» بصرها فإذا بكاهن ~~يقف إلى جانبها؛ إنه «رافانا» اللعين، وأسرع هذا ~~الشيطان البغيض قبل أن يعود «راما»، وانقض على «سيتا» ~~كما ينقض النمر على فريسته، وعاد بها مسرعا إلى قصره ~~في مدينة «لانكا» بجزيرة سيلان. # وعاد «راما» ms0039 فلم يجد زوجته، فهام على وجهه في أرجاء ~~الغابة باحثا نادبا. فلما علم بحقيقة الأمر قصد ~~مسرعا إلى مكان «رافانا»، وفي طريقه إلى الساحل الجنوبي ~~مر بإقليم تسكنه قبيلة متوحشة، صورها الشاعر في ~~هيئة القردة، فحاولت تلك الأمساخ أن تعوقه عن السير، ~~ولكنه شق طريقه بينها في غير خوف، فأعجبت القردة ~~ببسالته وحالفته، وتطوع جيش جرار منها أن يصحب ~~«راما» ليعاونه على عدوه. # بلغ «راما» - على رأس جماعة القردة - الشاطئ الجنوبي، ~~ويظهر أنه لم يكن للهندوس في العصر القديم سفن، فكيف عبر ~~«راما» وصحبه البحر إلى سيلان؟ عادت القردة إلى جبال ~~الهملايا، وجاءت تحمل أثقالا لا حصر لها من الصخر، قذفت ~~بها في الماء فشيدت بها جسرا يصل ما بين الأرضين، ~~وعطف إله البحر على «راما» أيضا، فرفع له قاع البحر حتى ~~يهون على القردة ما كانوا يصنعون، «وما دامت السماء ~~سماء والأرض أرضا، فسيظل هذا الجسر ناطقا باسم راما.» # 46 # وعبر جيش القردة إلى مدينة «لانكا» ~~فحاصروها، وتدفق من المدينة سيل من الجند يدفعون عنها ~~هذا العدو المغير، ولكن هيهات أن يتزحزح القردة عن ~~مواقفهم قيد أنملة؛ ولبثت الحرب سجالا سبعة أيام، ثم ~~نال اليأس من «رافانا» فهجم على «راما» هجمة عنيفة يريد ~~أن يهوي عليه بفأسه، ولكن «راما» سدد إلى صدر عدوه ~~سهمه المسحور الذي كان أخذه من «أجاستيا» الراهب، ~~فأرداه قتيلا يتضرج في دمائه. # أطلق سراح «سيتا» من سجنها، ولكن محنتها لم تبلغ ~~النهاية بعد، فقد ارتاب «راما» وشك أن يكون «رافانا» ~~دنس طهرها، وكان لا بد من إقامة ~~البرهان على طهارتها. ~~وهل لمثل هذا البرهان من سبيل في تلك العهود الأولى ~~غير نار تشعل ثم يلقى بالمتهمة في سعيرها، ~~لتحترق بلظاها إن كانت آثمة، أو تكون عليها النار بردا ~~وسلاما إن كانت بريئة؟! وأعدت النار - وكانت «سيتا» ~~قد حز في نفسها شك زوجها - فوثبت إلى جوف اللهيب ~~المستعر، لكن «آجني» - إله النار - أعاد الزوجة ~~الطاهرة إلى زوجها الذي ضمها إلى صدره وعيناه تدمعان من ~~الفرح. # وعاد ms0040 الزوجان إلى عاصمة ملكهما في «كوشالا»، وكان قد ~~انقضى عليهما في النفي أربعة عشر عاما. وجلس «راما» على ~~عرشه. ~~••• # ومن أعظم شعراء الهندوس - فيما بعد - كاليداسا. # 47 # ومن قصائده قصيدة عنوانها «سلالة راما»، فيها ~~وصف جميل لمدينة كانت قصبة الملك وموطن الأبهة ~~والجلال، ثم زال عنها كل ذلك حين انتقل مقر الحكومة إلى ~~مدينة غيرها: # كانت هنا بحيرة ترد إليها الغانيات لتتبرد ~~بمائها، # وكان لموجها المتلاطم أنغام تشجي ، # فأصبحت اليوم موردا لوحشي البقر تضرب ~~ماءها بقرونها؛ # فلا تسمع الأذن غير الصدى لصوت الماء تلطمه ~~القرون. # وهنا كان الطاووس يختال بتاجه الساطع، # بين الأغصان المترنحة حيث طاب له ~~المقام. # وهذا البستان كان مرتع الحسان؛ # كن للزهر قاطفات، وبالماء عابثات، # فأصبحت اليوم لا أرى غير القردة في مرحها ~~الوحشي، # تعرك الزهر بأقدامها، وتمزق النبات ~~بحركاتها. # وفي القصيدة صبغة من نغمة الفيدا، إذ ~~تمتزج فيها اللمحات الفلسفية بأشعار الوصف في كثير من ~~مواضعها. # ولهذا الشاعر أيضا قصيدتان غنائيتان: قصيدة عنوانها ~~«رسول السحاب» وأخرى عنوانها «الفصول»، هاك بعض ~~أجزائها: # ها هي شمس الصيف المحرقة، # قد مدت على عرش السماء سلطانها، # وأخذت لوافح الريح تهب طليقة من ~~أغلالها، # فيبس العشب وصوح الشجر. # وها هو الليث ملك الغاب؛ # انظر إليه هائما بين أشجارها! # وقد اشتدت عليه وطأة الظمأ؛ # فظل صدره اللاهث صاعدا هابطا. # وها هي الكهوف في صخر الجبل، # قد اندفعت من جوفها الثيران الهائجة؛ # ألسنتها مدلاة من أفواهها والزبد يحيط ~~بها، # ترفع خياشيمها الواسعة عاليا. # واكتوت الطواويس بلذعة الشمس فطوت ~~أذيالها، # واضطربت الضفادع فوثبت من الماء لا تأبه لها ~~الأفاعي، # وقد رفعت رأسها إلى الهواء هامدة؛ # لعل هبة ريح تمر بها في الطريق ~~شاردة، # ثم يسقط المطر فيحيي الأرض بعد موتها، ويملأ ~~الجو بأريجها، # وتتفتح الأزهار في مختلف ألوانها، # وبحيرات الماء تزدان بالأزهار تفتحت ~~أكمامها، # والحدائق ضاحكة طروب بأعراش رياحينها، # والغابات ازينت لتبهج الناظرين؛ # فكشفت عن زهر ناصع جميل. # ولنعد بعد إلى الأدب الديني فنرى أن ~~تقادم العهد على حياة الآريين الأوائل في سهول البنجاب، ms0041 ~~جعل الجيل الجديد ينسى ما لازم تلك الحياة من دقائق ~~وتقاليد. ولما كان كتاب «الفيدا» - كما قدمنا - يدور ~~حول حياة الهندوس الأولين، فقد أخذت معانيه وإشاراته ~~تغمض، ولغته تصعب على الأجيال الناشئة؛ لذلك لحقت ~~بالمتن شروح تناولتها الأجيال جيلا بعد جيل. وكان من ~~الطبيعي أن تتسع دائرة الشرح حتى تتعدد ألوانها، فكان ~~واجب البراهمة عندئذ - وهم طبقة الكهان - أن يجمعوا هذه ~~المجموعة المتباينة من الشروح ليوفقوا بينها؛ فنشأ من ~~هذا التوفيق أثر أدبي جديد هو الذي يطلق عليه اسم ~~«براهمانا»، ثم تبعه ال «يو بانشاد» وهو ذيل ~~للبراهمانا (وضع نحو سنة 500ق.م.) يحتوي على التأمل ~~اللاهوتي الذي ساد في ذلك العصر، وفيه نزعات صوفية ودعوة ~~إلى طهارة القلب وصفاء النفس، وأن المعرفة أساس ~~التحرر. والعجيب أن «يو بانشاد» فيه نسخ لما في ~~البراهمانا من شعائر، ومع ذلك يلحق به كأنه متمم له، ~~وهو في ذلك شبيه ب «العهد الجديد» لا يقوم على الشعائر ~~اليهودية التي في «العهد القديم»، ومع ذلك فهو يعد ~~متمما له، بحيث يكون كلاهما الكتاب المقدس. و«يو ~~بانشاد» فيه ذخيرة ثمينة من الشعر والقصص إلى جانب لمحاته ~~الفلسفية التي تسطع آنا بعد آن. # و«الفيدا» و«براهمانا» و«يو بانشاد» هي كتب الوحي عند ~~الهندوكيين، وهي تشتمل على نزعات مختلفة متباينة، فنرى ~~فيها تعدد الآلهة والآلهات ونزعة التوحيد، ونزعة الحلول ~~ووحدة الوجود؛ فهي نظام اجتماعي يسمح بالعقائد المختلفة ~~أكثر منها دعوة إلى عقيدة معينة. تعددت الآلهة في ~~«الفيدا» وتنوع اختصاصها، وأسند إلى كل عمل، ~~واختلطت أعمالها لأنها كانت آلهة قبائل متعددة، ~~وترقت هذه الآلهة المتعددة إلى وحدة منها انبثق ~~الخلق وإليها يعود، وظهرت هذه النزعة الراقية - على الأخص ~~- في ال «يو بانشاد». ويصل هذا الرقي إلى «الفيدانتا»، ~~ومعناها الحرفي خاتمة «الفيدا». # ومحور «الفيدانتا» # 48 # هو أن الله والنفس الإنسانية شيء واحد، فإن ~~خيل للإنسان أنهما شيئان مختلفان، فما ذاك إلا لأن ~~إدراكه أضيق من أن يرى اتحادهما، وإن الإنسان ليظل على ~~ضلاله هذا حتى يحطم من نفسه حدود الذات. وفي ms0042 هذا ~~الكتاب تشبيهات جميلة لتوضيح ما بين النفس والله من صلة ~~لو أزيلت بينهما الحواجز؛ من أمثلة ذلك قولهم: إن الهواء ~~في قدح مقلوب يظل منفصلا عن الهواء المحيط، حتى إذا ~~ما رفعت القدح زالت الفواصل، واتحدت أجزاء الهواء؛ ~~فالذات الفردية هي بمثابة هذا القدح، فلو رضت نفسك على ~~إنكار ذاتك، حطمت هذا القدح الفاصل بينك وبين الله، ~~وحققت لنفسك السجينة حريتها. إن أشعة الشمس ~~لا تختلف عن الشمس التي منها انبثقت، والموج الصاعد من ~~البحر لا يختلف عن البحر، والشرر المتطاير من النار هو ~~النار نفسها، فكذلك النفس الفائضة عن الله هي الله. ~~(3-2) البوذية # لبثت طبقة الكهان مسيطرة على العقول حتى قامت في ~~الهند «حركة عقلية جديدة» تدعو إلى الإصلاح الديني، وقد ~~تمخضت هذه الحركة عن «الفدانتا» من جهة و«البوذية» من ~~جهة أخرى. أما «الفدانتا» فتقيم تعاليمها على أساس ~~«الفيدا» غير أنها تهتم بروحه لا بألفاظه. وأما ~~«البوذية» فترفض الفيدا من أساسه. ونشب صراع بين البوذية ~~الجديدة والفيدا وما إليها، وظل قائما مدى قرنين ~~كاملين، حتى أقبلت جحافل الإسكندر الأكبر تغزو سهول ~~البنجاب (عام 327ق.م.) فوجدت البرهمية القديمة تغرب ~~شمسها، ونجم البوذية الجديدة يسطع في سماء الشرق، لكن ~~البوذية لم يدم سلطانها في الهند إلا إلى القرن الخامس ~~بعد الميلاد، ثم أفسحت الطريق للبرهمية مرة أخرى. # ولد «بوذا» واسمه «جوتاما» في بلد قريب من «بنارس» بين ~~القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد، وكان من الأسرة ~~الحاكمة، غنيا، جميلا، وقد بدت عليه علائم التفكير ~~والتأمل العميق، وهو ما يزال في مقتبل حياته، فكان ~~يتخير مكانا منعزلا يأوي إليه ساعات ينفقها في ~~التفكير، ولداته من الفتيان يلهون ويلعبون. وأول ما هز ~~قلب الفتى اليافع أن رأى الطبيعة من حوله تتفتح عن ~~ألوان من الجمال الرائع الخلاب، لكن تلك الروائع ~~الفاتنة ما أخرجتها الطبيعة من جوفها إلا لتعيدها إلى ~~قبورها؛ فكل ما تلده الحياة مقضي عليه بالتغير ~~والفناء، فهذا الشباب الملتهب النضير ستلفحه ثلوج ~~الشيخوخة فيجمد؛ فالحياة أمدها قصير، وهو على قصره ms0043 مليء ~~بأسباب الهم والعناء. ومهد الوليد وسرير الميت كلاهما ~~تحوطه ألوان العذاب والأسى، ولا يحقق الإنسان لنفسه ~~مطمعا حتى يعاني في سبيله الشقاء والألم، وكل محاولة ~~يبذلها الفرد ليثبت ذاته بمثابة كأس من العلقم المر ~~يجرعها، وأشد مسرات الحياة بهجة تشوبها شوائب ~~الحزن. آه لو استطاع الإنسان أن يتخلص من الحياة التي ~~تسبب له هذا الهم والشقاء! لكن الانتحار عبث لا ~~يجدي، لأنه لا يقتلع الشر من جذوره؛ فقطفك الورود ~~الناضجة لا يقتل شجرة الورد، فسرعان ما تزهر وردا ~~يانعا جديدا. إن جذور الحياة، هي الرغبة في الحياة، فإن ~~محوت من نفسك هذه الرغبة فقد طمست مصدر الألم، وأعددت ~~لنفسك الطمأنينة والرضا. # تلك كانت بواكير الفكر التي دارت في رأس بوذا وهو في ~~صدر شبابه، فلما أقبلت رجولته كان عزمه المصمم قد ~~اتجه إلى العزلة، فما كاد يبلغ التاسعة والعشرين حتى ~~غادر قصر أبيه، تاركا وراءه زوجة جميلة وطفلا رضيعا، ~~وكان في صحبته خادم واحد، ولم يمض في رحلته طويلا حتى ~~أعاد هذا الخادم وأعطاه سيفه وجواده، ثم لم يلبث أن ~~صادف في بعض الطريق سائلا فقيرا، فبادله ثيابا جميلة ~~برداء ممزق بال؛ لقد هاجر بوذا وخلف وراءه أبهة ~~القصور وجلال الملك، فلم يطمع أن يكون بين الناس حاكما، ~~إنما أراد أن يكون لهم معلما وصديقا. ~~«إن الحياة في الأسرة مليئة بالعوائق، إنها طريق ~~أفسدته العاطفة. أما ذلك الذي نفض عن نفسه كل رغبة ~~دنيوية فحياته حرة طليقة كهذا الهواء، إنه ليتعذر على ~~رجل يعيش مع أسرته أن يحيا حياة رفيعة بكل ما في ~~الحياة الصحيحة من خصوبة ونقاء وكمال! دعني إذن أزل ~~شعري ولحيتي، دعني أرتدي ثوبا أصفر (ثوب الزاهدين)، ~~وأغادر حياة الأسرة والدار إلى حياة بغير ~~مأوى.» # وقصد الأمير أول أمره إلى البراهمة يتلقى عنهم الدين، ~~ولكنه وجد في تعاليمهم نظرا ضيقا جامدا كان لروحه ~~الوثابة كالشبكة تمسك بالطائر المحلق فلا يطير؛ ~~فازدرى تعاليم الفيدا، بل استخف بكل هيئة تزعم لنفسها ~~سلطانا دينيا، وأيقن أن تجربته الشخصية وتفكيره ms0044 خير ~~مرشد يهديه في أمور الدين، فها هو ذا الدين القائم إذ ~~ذاك يدعو إلى ذبح الأضاحي قربانا، لكن قلبه يرتعد ~~هلعا إذ يرى الذبائح تنحر إرضاء لله، وتساءل كيف يمكن ~~لهذا الشر أن ينتج خيرا؟! # فشل رجال الدين من البراهمة في بعث الطمأنينة إلى نفسه ~~القلقة، فالتمس الهداية عند مورد آخر، وشاءت له ~~المصادفة أن يلاقي جماعة مترهبة يروضون عقولهم ~~وحواسهم رياضة منظمة تتبع منهاجا معينا؛ ~~فانخرط بوذا في جماعتهم وأخذ يلجم حدة العقل وشدة ~~الحواس كما كانوا يفعلون، لكنه عاد إلى قلقه بعد ستة ~~أعوام؛ إذ لم يفلح ذلك المنهج في إرضاء نفسه، فلا تعذيب ~~الجسد ولا رياضة العقل أتاحت لنفسه السجينة ما ينشد ~~لها من حرية وفكاك. # فبينا هو جالس ذات يوم في ظل شجرة يتأمل، إذا به ~~يحس فيضا من النور يشرق على نفسه، فقد تكشف الحق ~~عندئذ لبوذا، وذابت شكوكه أمام ذلك الإشراق الساطع، كما ~~تنقشع سحب الصيف أمام شمسه الحرور؛ إذ تبين لبوذا ~~ساعتئذ أن خلاص النفس من خطيئتها وشقائها هو في شيء ~~واحد؛ أن يحب الإنسان كل كائن حي حبا لا يرجو من ~~ورائه غاية غير الحب. ~~«إن إنسانا تأخذه الرحمة ويملؤه الحب، ويصفو قلبه ~~ويملك زمام نفسه، لقريب من نعيم النرفانا.» # 49 # والنرفانا حالة روحانية يمحى فيها كل تفكير في الذاتية ~~الشخصية؛ فكلما سرت خطوة في إنكار نفسك دنوت من ~~النرفانا، وكلما حصرت تفكيرك في نفسك بعدت عنها. إن ~~كل ما في الحياة من ألوان الهم والشقاء مصدره الأنانية ~~التي لا تشبع؛ فهذا العذاب الأليم الذي يشقى به الناس ~~مرده إلى الأثرة الطامحة، والشهوات الجامحة، ولا تزال ~~حياة الإنسان شقاء موصولا حتى يقمع في نفسه كل شهوة ~~شخصية. وتقع هذه الشهوات في ثلاثة أنواع رئيسية؛ فالأولى ~~شهوة الإنسان أن يمتع الحس، والثانية رغبته في تخليد ~~شخصه، والثالثة حب الإنسان أن يكون في الحياة ذا مال ~~وجاه، فهذه الشهوات الثلاث لا مندوحة عن قمعها إذا أراد ~~الإنسان لنفسه عيشا سعيدا. فإذا ما اجتثت ms0045 هذه الشرور ~~من جذورها، وزالت كلمة «أنا» من حياة الإنسان، فقد بلغ ~~الحكمة العليا، أو «النرفانا» كما تسمى عندهم، وهي ~~صفاء الروح واطمئنانها؛ فليس معنى «النرفانا» طمس الحياة ~~ومحوها كما يفهمها كثيرون، إنما هي طمس ومحو لهذه ~~الغايات الشخصية التافهة التي تهبط بالحياة، وتملؤها ~~بالهم والشقاء. # وهذا الفناء الذاتي لب البوذية وصميمها، وفيه عرض ~~لحل مشكلة الحياة المعذبة، ووضع خطة لهدوء الروح ~~وسكونها. والبوذية في ذلك ليست بمنأى عن سائر الأديان ~~والفلسفات الكبرى، فكلها تريدنا أن نفني أشخاصنا في ~~شيء أعظم من أشخاصنا. لكن البوذية تعود فتختلف عن كثير ~~غيرها من الديانات في أنها ديانة ترسم خطة للسلوك في ~~الحياة اليومية، ولا تفرض شيئا من الشعائر وأنواع ~~الضحايا والقرابين. وإذا لم يكن ثمة شعائر فلا معابد، بل ~~ليس للبوذية لاهوت، هي تثبت ولا تنفي مئات الآلهة التي ~~كان يعبدها الهنود إذ ذاك، وما حاجتها إلى نفي الآلهة أو ~~إثباتها ما دامت لا تنشد إلا سلوكا عمليا فاضلا في ~~هذه الحياة الدنيا؟ وكانت آخر كلمة فاه بها «بوذا» «إن ~~الفناء لاحق بالأجسام جميعا فجاهدوا لتحرير أنفسكم ما ~~استطعتم.» # ولما مات أخذ أتباعه ينشرون أقواله عن طريق الرواية، ~~ولم تدون إلا بعد ذلك بأعوام طوال. # وإليك مثالا من كتب البوذيين، وهو مأخوذ من مجموعة ~~الأشعار التي تسمى «طريق الحق». # إن الكراهية في هذا العالم لا تمحوها كراهية ~~مثلها، # إنما يمحو الكراهية الحب، وهذه أبدا ~~طبيعتها. # إذا ما جد الحكيم في قمع غروره، # وصعد في مدارج الحكمة إلى ذراها؛ # فسينظر إلى الحمقى من أعلى، # وسينظر نظرة المطمئن إلى تلك الجموع ~~الكادحة، # كما يصوب الواقف على قمة التل ~~أنظاره # إلى من يقف في أسفل الوادي. # إن الخير للعقل أن تفل حدته؛ # فالعقل جموح صعب المراس، # ينزع إلى ميله وهواه، # أما العقل المروض فطريق إلى النعيم. # وكما تمتص النحلة رحيقها - في غير ~~إيذاء # للزهرة في لونها وشذاها - # ثم تطير، # فليكن كذلك مسلك الحكيم على هذه الأرض. # إنك لن تجني من الخطيئة ثمرا، # وقد يحسبها الحمقى ms0046 مترعة بالرحيق. # لكن إذا تم للخطيئة نضجها، # هوى الحمقى بإثمهم في هاوية الأسى. # قد تقهر في حومة الوغى ألوف الرجال، # لكن من يقهر نفسه خير الظافرين. # لا تستخفن بالخطيئة فتقول: «لن تملك مني ~~زمامي.» # فكما يمتلئ الإناء بقطرات الماء ~~المتساقطات، # كذلك نفس الأحمق تملؤها الخطيئة إذا انصبت ~~فيها رويدا رويدا. # ومع أن بوذا هندي الأصل، ويعد مذهبه ~~تهذيبا للبرهمية فإن مذهب البوذية في الهند قليل ~~نسبيا . وأما الكثرة الغالبة من البوذيين فمن أهل ~~اليابان والصين. # 50 ~~(3-3) كتاب «بيورانا» # 51 # بيورانا هو الكتاب الذي يقدسه الهندوس المحدثون، ~~وقد كتب لأول مرة في القرن السادس الميلادي؛ فالهندوس ~~بطبعهم محبون للقصص التي تروى عن الآلهة، ونشأت حول ~~ذلك مجموعة كبيرة من الأساطير يتلقاها الأبناء عن ~~آبائهم، ثم يضيف إليها الشعراء حينا بعد حين ما ~~يخلقه خيالهم؛ فكم من عجوز تجلس إلى مغزلها وحولها ~~الأبناء والأحفاد ينصتون إليها وهي تروي قصص الجن التي ~~سمعتها في طفولتها. # من هذه المجموعة الزاخرة بالأساطير والقصص يتألف ~~«بيورانا»، حتى لكأنه موسوعة تحوي بين دفتيها كل شيء، ~~ففيه بسط مستفيض لحياة الآلهة والقديسين، وفيه قصص عن ~~الخلق كيف كان، وترى فيه التراتيل الدينية، إلى جانب ~~حقائق عن تكوين طبقات الأرض وصخورها؛ وشيئا عن التشريح ~~إلى جانبه بعض قواعد الموسيقى؛ وترى فيه معلومات فلكية عن ~~مسالك النجوم إلى جانب دروس في قواعد اللغة، فكأنما هذا ~~الكتاب الضخم شيخ أثقلته تجارب الأيام، تطيب لك ~~صحبته، ويحلو لك حديثه، حين يستطرد من موضوع إلى موضوع ~~مما لقنته حوادث السنين. # والآلهة في هذا الكتاب ثلاثة، كل منهم يمثل جانبا من ~~جوانب القوة؛ «فبراهما» هو الإله الخالق، و«فشنو» # 52 # هو الإله الحافظ، و«شيفا» # 53 # هو الإله المهلك المبيد، وهو يصور براهما ~~في هيئة رجل له لحية وأربعة رءوس وأربع أيد، في يد منها ~~يحمل الصولجان رمز القوة، وفي ثانية يحمل طائفة من ~~أوراق الشجر تمثل الكتب المقدسة، وفي ثالثة يحمل ~~زجاجة ملئت من ماء الكنج، وهو نهر مقدس عند الهندوس، ~~وفي رابعة يحمل ms0047 عقدا يمثل الصلاة. ~~••• # ويشيع بين الهندوس عقيدة تناسخ الأرواح، ولا يعرف ~~على التحديد مبدأ ظهورها في الهند، فلا أثر لها في ~~الفيدا، ولها أثر قليل في البراهمانا، وهي ظاهرة مقبولة ~~في اليو بانشاد وفي البوذية، وعن البوذية انتشرت في آسيا. ~~وخلاصة هذه العقيدة أن الأرواح لا تموت ولا تفنى، ~~وأنها تنتقل من بدن إلى بدن كما يستبدل البدن ~~اللباس إذا خلق، وتترقى النفس في الأبدان المختلفة كما ~~يترقى الإنسان من طفولة إلى شباب إلى كهولة إلى شيخوخة، ~~لأن النفس تتطلب الكمال، وتشتاق إلى العلم بكل شيء، ~~وعمر الإنسان قصير فلا بد من تنقل النفس من بدن إلى ~~بدن لتستفيد تجارب جديدة، فالأرواح الباقية تتردد في ~~الأبدان البالية وهي تتردد من الأرذل إلى الأفضل حتى ~~تبلغ كمالها وتتحد بالله. ~~(3-4) القصص والأمثال # وبعد هذا كله، فلا ريب أن أظرف صورة للحياة في الهند ~~القديمة إنما نجدها في كتاب «جاتا كا» # 54 ~~«قصص عن مولد بوذا»؛ وهي قصص مليئة بالفكاهة ~~والحكمة العملية والشواهد المنتزعة من الحياة الشعبية ~~في صميمها؛ فكما تستطيع أن تتصور الحياة في بغداد في عهد ~~هارون الرشيد، من قراءة قصص «ألف ليلة وليلة» لا من ~~المؤلفات التاريخية، فكذلك قصص «جاتا كا» تصور لك ~~الهند القديمة في أسواقها وقوافلها، ومزارعها ~~ومعسكراتها، ومصانعها ومعابدها. # وإلى جانب قصص «جاتا كا» توجد مجموعة أخرى عنوانها «بانكاتانترا» # 55 # ومعناها «المقالات الخمس»، فكثير من حكايات «إيزوب» # 56 # اليونانية المشهورة لها نظائر في هذه المجموعة ~~الهندية. ومما يستحق الذكر أن هذا الكاتب اليوناني ~~«إيزوب» صاحب الحكايات ~~الخرافية قد نزل ضيفا في آسيا الصغرى على «كرويسس»، # 57 # فلعله وهو هناك قد تصيد حكاياته من نفس ~~المعين الذي استقت منه مجموعة «بانكاتانترا» بعض ~~حكاياتها. هذا إلى أن الحكايات الهندية الخرافية قد ~~تسربت إلى العالم عن طريق الفرس في الزمن ~~القديم. # وحسبك أن تعلم أن كتاب «كليلة ودمنة» المنقول من ~~الفارسية إلى العربية فيه أبواب من «بانكاتانترا» وهي؛ باب ~~الأسد والثور، والحمامة المطوقة، والبوم والغربان، ~~والقرد والغيلم، والناسك وابن ms0048 عرس. كما أن في هذا ~~الكتاب قصصا من «الماهابهاراتا» التي تقدم ذكرها، وهي ~~باب الجرذ والسنور، والملك والطائر فنزة، والأسد وابن ~~آوى. فالظاهر أن الفرس جمعوا كتاب كليلة ودمنة من ~~أصول هندية، ثم نقله ابن المقفع إلى العربية بعد أن ~~حور فيه بما يتفق مع الذوق العربي الإسلامي. # وكتاب «بانكاتانترا» مكتوب باللغة السنسكريتية - وهي من ~~اللغة المستعملة حديثا بمثابة اللاتينية من الإيطالية ~~الحديثة - أما حكايات «جاتا كا» فمكتوبة بإحدى لهجات ~~الهندوس، لهذا كان من حظ «بانكاتانترا» أن يتسع ~~انتشارها، على حين ظلت «جاتاكا» محصورة مجهولة لم تجد ~~من يترجمها إلى اللغات الأوروبية الحديثة إلا في هذا ~~العصر الحديث، بينما ترجمت حكايات «بانكاتانترا» منذ ~~زمن بعيد إلى كثير من لغات آسيا وأوروبا على السواء. ~~وهاك مثالا لها: # يحكى أن حمارا أنفق اليوم كله يجر عربة غسال، ~~فما أقبل المساء حتى هده النصب، فأراد أن يمتع نفسه ~~بأكلة شهية تعوضه تعب النهار، فقصد إلى حقل مجاور ~~زرع قثاء، وصحبه إلى الحقل ابن آوى، وأكل الزميلان ~~من القثاء الرطبة الشهية حتى شبعا، فقال الحمار لابن ~~آوى: «ألا تراه مساء جميلا يا صديقي؟ إني لأحس بنشوة ~~تدفعني إلى الغناء.» فأشار إليه ابن آوى بحكمته أنه خير ~~للصوص أن يلزموا الصمت، لكن الحمار الأحمق نهق في ~~مرح حتى أيقظ صاحب الحقل، فجاءه وأشبعه ضربا ~~بالعصا. # ثم لهم كثير من الأمثال والحكم الرائعة جمعت في ~~كتب؛ مثل: ~~(1) # محك الصداقة الحقة الشدائد. ~~(2) # إن المرض والغم والمصائب والأغلال، إنما ~~تنتج من أخطاء ارتكبت في الماضي. ~~(3) # عدم العجب عند النعمة، وعدم اليأس عند ~~البؤس، والرأي السديد والقول الفصيح عند ~~المشورة، والشجاعة في ميادين الحروب، ~~والمنافسة في الشرف، والتزام العمل بالحكمة؛ ~~ست فضائل تتحلى بها النفس النبيلة. ~~(4) # ارحم من استرحمك، وعمم نعمتك، فالقمر ~~يسوي في ضوئه بين المعافى والمبتلى، ~~والسيد والمسود. ~~(5) # اتبع العدو إذا أخلص أكثر مما ~~تتبع الصديق إذا لم يخلص، فالعداوة ~~والصداقة لا تتميز بالألفاظ والأسماء، بل ~~بالعقل والأعمال. ~~(6) # لا تشمخ بأنفك عند غناك، فالقدر يلعب ~~بأعراض الدنيا ms0049 كما تلعب البنت ~~بالكرة. ~~(7) # ليس الدين الحق ما يثرثر به الوعاظ، ~~إنما هو أن تحب ما يحب الله؛ يحب كل ~~شيء صغر أو كبر، عظم أو حقر، والنعمة ~~الحقة عقل صحيح في جسم صحيح، والمعرفة ~~الحقة معرفتك الخير من الشر. ~~(8) # قد تلمع الزجاجة - كما تلمع الدرة - إذا ~~ركبت على قطعة من ذهب، كذلك الغر ~~الجاهل إذا صاحب الحكيم العاقل. # وهكذا. ~~(4) الأدب الفارسي القديم # للفرس أدب ديني عماده «زرادشت» وديانته، وبيان ذلك ~~أن الفرس القدماء كانوا يعبدون الأوثان حتى ظهر فيهم ~~نبيهم «زرادشت» # 58 # فجاءهم بالدين والحكمة. ولسنا ندري على وجه ~~الدقة أين نضع زرادشت من عصور التاريخ، فالمؤرخون يختلفون ~~في وضعه بين القرن العاشر قبل الميلاد والقرن الخامس. # ويروى عن نبي الفرس أساطير، منها أنه لما حملت به ~~أمه هتف بها هاتف في النوم ينبئها بما قدر الله ~~لوليدها من مستقبل عظيم، وأنه سيعرج إلى السماء حيث ~~يتلقى عن الله، وهو «أهورا مزدا»، # 59 # الكتاب المقدس - «الأفستا» # 60 ~~- قالوا: ومنذ أن شهد زرادشت نور الحياة بدت فيه ~~علائم النبوة، فقد قيل إنه ضحك ساعة مولده، وإنه منذ ~~الصبا كانت له مكانة ممتازة في نفوس الناس، فلما اكتملت ~~رجولته أخذ يدعو إلى التوحيد ويقاوم عبادة الأوثان. # ودعي زرادشت ليمثل بين يدي الملك حين بدأ دعوته الجديدة، ~~فلبى وذهب إليه في ردائه الأبيض الفضفاض، يحمل في يد شعلة ~~النار المقدسة وفي أخرى صولجانا من غصون السرو، وأخذ ~~يحاج الملك ويقنعه برسالته الجديدة التي أوحي إليه بها من ~~«أهورا مزدا» لينهض بالشعب الآري إلى ذروة التوحيد؛ فآمن ~~الملك وابنه بديانة زرادشت، وتحمس الأمير الشاب «أسفنديار» # 61 # فدعا الناس أن يحطموا أوثانهم ليدخلوا في دين ~~الله الجديد، فنهض يعارضه أمير آخر من أسرة أخرى هو «رستم»، ~~وتقابل الأميران في ميدان القتال. أما «أسفنديار» فتروي عنه ~~الأساطير أن جسمه قد تحول إلى كتلة من الصفر، ولم ~~يبق فيه مقتل إلا عيناه، ومع ذلك استطاع عدوه العنيد أن ~~ينفذ إليه منهما فأعماه، وعاد أسفنديار إلى أبيه ms0050 ضريرا، ولم ~~يلبث حتى أسلم الروح. # وانقسم الفرس فريقين: فريق موحد تؤيده الدولة، وفريق ~~احتفظ بديانته القديمة؛ وكان لا بد من صراع طويل بين ~~الفريقين، انتهى بهجرة الفريق الأضعف - فريق الوثنيين - إلى ~~سهول الهند الخصيبة، حيث استقر وتطورت عقيدته حتى أصبحت ~~«البرهمية» كما يعتنقها الهندوس المحدثون. وبقي الفريق ~~الآخر في أرض الوطن، وازدهر قرونا طوالا، وشيد إمبراطورية ~~عظيمة، وشاعت الديانة الزرادشتية في أرجاء فارس بفضل تأييد ~~الدولة لها، ثم اتسعت رقعتها حين اتسعت أملاك الفرس على ~~أيدي ملوكها من أمثال «كورش» و«دارا»، ولبثت مسيطرة على ~~النفوس حتى فتح المسلمون فارس. # آمن زرادشت في كتابه «الأفستا» بإله واحد عظيم، ثم أخذ ~~يفصل لقومه كيف ينبغي أن يعيشوا وفق قانون الطبيعة، فلكي ~~يكون الإنسان جزءا سليما في هيكل الكون يجب أن يعيش صحيحا ~~معافى، وألا يكون ضعيفا خائر القوى، ومن هنا أخذ يدعو إلى ~~أن يحيا الإنسان حياة نقية نظيفة ليجنب نفسه العلل ~~والأمراض. ولقد طبع الله في الإنسان بصيرة يميز بها بين ~~الطاهر والدنس، أو بعبارة أخرى بين الحق والباطل، ذلك هو ~~الضمير الذي يهدي صاحبه سواء السبيل؛ فمن يعش وفق ضميره ~~تكن حياته متسقة مع إرادة الله. # ولقد كان «أهورا مزدا» رمزا للحياة الطاهرة النقية، و«أهريمان» # 62 # يمثل التلوث والدنس، والصراع لا ينفك ~~قائما بين «أهورا مزدا» و«أهريمان»، أو إن شئت فقل بين ~~الطهر والدنس، أو بين الحق والباطل. وإذا اصطرع الخصمان في ~~نفس الإنسان فإن الضمير يهدي - في وضوح لا لبس فيه - إلى أين ~~يقع طريق الحق. # ومن أهم اللفتات الفلسفية في تعاليم زرادشت وجود مبدأين في ~~الطبيعة يعملان متضادين، وهما «الروح الخالقة» و«الروح ~~المبيدة»، أو الكون والفساد. ومنذ تم الخلق وبين هذين ~~الروحين كفاح وصراع وتنافس، ولكن، هل هذان المبدآن إلهان؟ في ~~الحق أن بعض النصوص في الأفستا تدل على التوحيد مثل: ~~«إن «أهورا مزدا» عليم بكل شيء، ولذا فهو يعلم بوجود ~~أهريمان ... أما أهريمان - وهو روح الشر - فلم يكن لديه علم ~~بوجود «أهورا مزدا» ...» # إن «أهورا مزدا» ms0051 فوق كل ذي علم وخير، فهو في جلاله لا ~~يشبهه شيء ... # 63 # ولذا ذهب بعض الباحثين إلى أن رب الكون واحد عند زرادشت، لا ~~شريك له، وإن يكن في الكون خير وشر يتنافسان، فنزعة الشر ~~بادية في برد الشتاء يجمد الماء ويثلج الأرض ويعوق الشجر ~~عن النمو والإثمار، وفي الخواطر الشريرة تطوف بالرءوس وفي ~~الشك والإلحاد، وفي الفقر والكسل، وفي الأوثان وعبادتها، وفي ~~الحياة، وفي الخيانة والكذب، والظلام وكريه الروائح، والأمراض ~~وضروب الوباء، وفي الحيوان ~~المفترس والزواحف السامة والحشرات ... تلك وما إليها صنائع ~~«روح الشر» التي أخذت على نفسها أن تهدم وتهلك وتبيد. ودعا ~~زرادشت في تعالميه أن يكون الانسان خيرا في قوله وفي تفكيره ~~وفي عمله. وخير إنسان عند الله يتمثل في «يما» # 64 # وهو الذي ورد في الشاهنامة والأساطير الفارسية ~~باسم «جمشيد»؛ # 65 # فقد وهب الله «يما» محراثا ورمحا ذهبيا ~~ليتخذ منهما شارتين لسلطانه فوق الأرض، وأخذ «يما» يعمل ~~في الأرض بما أمره الله ففلحها وأعدها للزراعة، وأسكنها ~~رجالا وماشية وكلابا وطيرا، ثم أمدها بالنار. # أخذ «يما» يقيم في الأرض دولة الخير، غير عالم أن «روح ~~الشر» كامنة في حنايا الطبيعة تتربص له، فأنذره الله بما قد ~~يغشاه من سيل وصقيع ليكون على حذر، فهب «يما» من فوره ~~يعد الحظائر المنيعة لماشيته وخيوله، ورجاله ونسائه، ~~ومختلف أنواع الطير، كما أعد أمكنة آمنة يخزن فيها ~~الحب، ويحفظ شعلة النار. أعد من كل شيء زوجين، كأنه نوح ~~ينقذ في سفينته صنوف الكائنات. إن «روح الخير» قد بذرت ~~بذور الشجرة المثمرة وتعهدتها بماء الطهر والنقاء، ~~وراقبت نموها لكي تثمر أطيب الثمرات «وإذا بروح الشر ~~يندفع من جهة الشمال، فينفخ نفخة واحدة من الثلج والصقيع - ~~هي الخيانة والسوء - فتأتي على الشجرة النضرة وتحولها ~~حطبا يابسا. هكذا بدأت المعركة بين الخير والشر؛ بين التقوى ~~والضلال؛ بين النور والظلام؛ الأول يصون صنع الله والثاني ~~يهلكه ويفنيه. وتتجه الديانة الزرادشتية بكل همها ~~نحو حماية الإنسان من روح الشر وصحبته.» # أراد زرادشت أن يجتث روح الشر ms0052 من جذورها، ويفني روح ~~التدمير ولا يبقي على وجه الأرض إلا البناء والتعمير، ~~ففصل القواعد الصحية ونظم الحياة التي من شأنها أن ~~تصون الفرد والمجتمع. وأول ما ذكره «الأفستا» من هذه ~~القواعد هو: كيف ينبغي أن يتصرف الأحياء في جثة الميت حتى ~~يتخلصوا مما يترتب على وجودها من وباء خبيث. ويعبر ~~كتاب الأفستا عن هذه الحقيقة الصحية بعبارة مجازية فيقول: ~~إن روح الشر إذا ما وجدت جثمان ميت تحولت من فورها إلى ~~ذبابة خبيثة تملأ جسدها بالمرض وتروح بين الناس وتغدو ~~لتنشر بينهم حملها الخبيث. ثم يستطرد الكتاب في ذكر ~~الدقائق التي يجب على ~~الإنسان أن يؤديها تأييدا لروح الخير: أين يضع الجثة؟ ~~كيف يطهر مكانها من الدار؟ ماذا يصنع بملابس الميت؟ ... ~~إلخ. # ويتلو ذلك في أوامر الكتاب وجوب فلاحة الأرض لتنتج الحب ~~والشجر؛ فالله يأمر الإنسان أن يروي اليابس الجاف، وأن ~~يجفف المستنقعات، وأن يسكن الأرض ناسا وماشية وكل ذي ~~نفع وخير. وإن «زرادشت» لتأخذه رعدة الفزع حين يتصور أن ~~الإنسان قد تحدثه نفسه أن يدنس الأرض بدفن الموتى في ~~جوفها، وما خلقت إلا للزرع الذي يقيم الحياة في ~~الأحياء. إن الموتى موضعهم قمم الجبال، تلتهمهم سباع ~~الطير، أو تأكلهم عوامل الطبيعة. # ثم يأمر الكتاب بما ينبغي أن يراعى في الحبالى إبان ~~الحمل وعند الولادة، حتى تسلم الوالدة والولد، ثم ~~يفصل قواعد النظافة والطهارة والوقاية من الأمراض ~~المعدية. # أما وقد سلم الجسد بهذا التدبير، فإن «زرادشت» يستطرد في ~~بسط قواعد الأخلاق، فيقول: إن الإنسان قد ولد وفي فطرته ~~عقلان: عقل خير وعقل شرير، وكل من العقلين يحاول أن تكون ~~له السيطرة على توجيه الإنسان في أفكاره وألفاظه وأعماله. وقد ~~لخص زرادشت الحياة الخلقية في ثلاثة أركان أساسية؛ أفكار ~~خيرة، وألفاظ خيرة، وأعمال خيرة؛ فهذه الجوانب الثلاثة ~~طرق ثلاثة تؤدي إلى الجنة، ومن يسعى لتحقيقها، إنما يسعى ~~لتأييد الخير وإعلاء كلمة الله: «فلا تنحرف عن أفضل الأشياء ~~وهي ثلاثة: تفكير خير وقول خير وفعل خير.» # والمقصود ب «التفكير الخير» أن ms0053 يحصر الإنسان عقله في ~~الله الخالق، وأن يعيش مع الناس في سلام وانسجام؛ فإن أحب ~~الإنسان الإنسان عمل على وقايته من الخطر، وعاونه وقت ~~الضيق. وعلمه إن كان جاهلا، وهداه إلى خير طريق يزيد بها ~~غلته وثماره. # والمقصود ب «الأقوال الخيرة» أن يكون الإنسان حافظا ~~للعهود، منجزا للوعود، موفيا للدين، لا ينطق بما يؤذي، ~~ويقول ما من شأنه أن يوثق عرى الحب بين عباد ~~الله. # و«الأفعال الخيرة» تقتضي الإنسان أن يخفف عن الفقير، وأن ~~يزرع الأرض، وأن يستنبط الماء العذب، وأن يشجع على إقامة ~~الحياة الزوجية، وأن ينفق ما زاد على حاجته في وجوب ~~الإنسان. # ودعا زرادشت الإنسان أن يتزوج لينشئ الأسرة، فكما تصلح ~~الأرض بالإخصاب تصلح الإنسانية باتخاذ الأزواج. ويشير كتاب ~~الأفستا إلى أن أول ما يرضي الله من عبده أن ينشئ لنفسه ~~دارا ويختار لنفسه زوجة، وينسل الأطفال، وأن يحتفظ في بيته ~~بشعلة النار موقدة، وأن يكون له قطيع من ماشية. # ثم يعرج زرادشت بتعاليمه على الحيوان ووجوب الرحمة به؛ ~~فلنذبح منه ما نحن بحاجة إليه، أما أن نلهو بقتله في الصيد ~~وسائر ضروب العبث فجناية كبرى عند الله خالق الإنسان ~~والحيوان على السواء. # إلى هنا ينتهي تفصيل زرادشت في الأفستا من شروط الحياة ~~الخيرة الصالحة، ثم ينتقل بعدئذ إلى ما يكون في الحياة ~~الآخرة، فيبدأ بتقرير خلود الروح، وبأن الروح الصالحة تصعد ~~إلى الجنة في انتظار جسدها يوم البعث، وأما الروح الشريرة ~~فتلقى العذاب ألوانا حتى يوم الدين. # إن زرادشت يؤمن بحياة الجسد والروح معا، فلا هو ينصرف ~~إلى الحياة المادية وحدها حتى ينسى حياة الروح في اليوم ~~الآخر، ولا هو يحصر تفكيره في الروح بحيث يهمل الجسد. ~~الحياة بجانبيها هي محور الديانة الزرادشتية، فللجسد ما ~~أسلفنا من عناية بالصحة والطعام وما إلى ذلك، وللروح ما ~~طبعه الله في الإنسان من ضمير يهديه سواء السبيل. وقد رمز ~~زرادشت للحياة بجانبيها المادي والروحي بالنار، فلا حياة بغير ~~سعي ونشاط، وفي النار هذا النشاط الدائب، ولا حياة بغير طهر ms0054 ~~ونقاء، والنار أول عوامل التنقية والتطهير؛ فلا عجب أن يبقي ~~سدنة الفرس على شعلة النار مشتعلة ملتهبة، على سبيل ~~الرمز لا على أن تكون هي موضع التقديس والعبادة، ثم خلف ~~خلف من بعده لم يفهموا رمزه في النار فعبدوها. # مقتطفات من كتاب «الأفستا»: # و«الأفستا» واحد وعشرون نسكا في موضوعات ثلاثة: ~~(1) العقائد والعبادات. (2) المعاملات. (3) الفلسفة ~~والعلم. # ولكن لم يصل «الأفستا» إلينا كاملا، فما بقي منه عبارة ~~عن قطع من القسم الأول والثاني، وأما القسم الثالث فلم يبق ~~منه شيء، وهاك نموذجا منه: # أسألك بالحق يا أهورا أن تعلمني: # من كان أبا الخلق منذ يوم الخلقة الأول؟ # من الذي سير الشمس والنجوم؟ # من الذي يملأ القمر حينا ويفرغه حينا؟ # يا مزدا أريد أن أعلم هذا، وأريد أن أعلم أشياء ~~كثيرة أخرى. # أسألك يا أهورا بالحق أن تعلمني: # من الذي يحفظ هذه الأرض السفلى، # ويمسك الفلك الأعلى أن يسقط؟ # من الذي خلق الماء والعشب؟ # من يا مزدا! خالق الخلق الطاهر؟ # أسألك بالحق يا أهورا أن تعلمني: # من خالق الضياء النافع في الظلام؟ # من خالق النوم اللذيذ واليقظة؟ # من خالق الصبح والظهر، # والليل الذي يدعو الناس إلى الصلاة؟ # وقد وضع على الأفستا شروح وتعليقات تسمى ~~«زند أفستا»، كما وضعت كتب تشرح تعاليمها، بقي إلى ~~الآن بعضها، ومن أمثلة ما فيها. # الطهر: # الطهر للإنسان يأتي - في القيمة - بعد ~~الحياة نفسها، هو أعظم خير بعد الحياة، وإن ~~الله ليسبغ ثوب الطهر على من يطهر نفسه ~~بالأفكار الخيرة، والأعمال الخيرة؛ طهروا ~~أنفسكم يا أيها المتقون. # وصايا في الجسد والروح: # سأل الشيخ «روح الحكمة» قائلا: كيف يمكن ~~الإنسان أن يتعهد جسده بالنماء دون أن ~~يؤذي الروح، أو أن يصون الروح دون أن يؤذي ~~الجسد؟ # فأجابت «روح الحكمة»: انظر إلى من هو أدنى منك كأنه قرين، ~~وإلى القرين كأنه أرفع منك، وإلى من هو أرفع منك كأنه ~~سيدك، وإلى سيدك كأنه حاكمك، وكن لأولي الأمر ~~خاضعا، مطيعا، صادقا ... لا تكن واشيا حتى لا يلحقك العار ~~والسوء، لأنه يقال إن ms0055 الوشاية شر من صناعة ~~السحر. # لا تبلغ برغبتك حد الجشع، فيخدعك شيطان الشره، ~~وتفقد التلذذ من خيرات الدنيا. # لا تسترسل في الغضب، لأن المسترسل في غضبه ينسى ما عليه من ~~واجب يؤديه وخير ينجزه ... وتطوف بعقله الجريمة والخطيئة ~~بكل صنوفها، وإلى أن يكظم الغاضب غضبته سيكون شبيها ~~بأهريمان «روح الشر». # لا تعذب نفسك بالهموم، لأن المهموم لا يشعر بلذة ~~الدنيا ومتعة الروح، فيذبل جسده وتذوي روحه ... # إن قاتلت الأعداء ~~فقاتلهم بالعدل، وإن سايرت صديقا فسر معه بما يرضي ~~الأصدقاء، وإن كنت في صحبة حقود فلا تنازعه، ولا تثر ~~كامن ضغنه، ولا تشارك نهما في نهمه، ولا تلق إليه ~~بزمام أمرك. إياك أن تصل الوشائج بينك وبين من ساءت ~~سمعته. لا تحالف جاهلا ولا تصاحبه. إن كنت مع أحمق فلا ~~تجادله، ولا تمش مع السكران في طريق واحد ... # إياك والصلف من أجل كنوزك ومالك، لأنك تاركها - ولا ~~شك - في نهاية أمرك. # إياك والفخر بحسبك ونسبك، فإنما تركن آخر أمرك إلى ~~ما قدمته يداك، وإياك والعجب بحياتك نفسها، فإن ~~الفناء لاحقك في النهاية، وسيعود إلى الأرض جزؤك ~~الفاني. ~~••• # وبجانب الأفستا وشروحها الدينية توجد آثار قديمة عليها ~~نقوش بلغة فارسية قديمة من أمثلتها أثر لدارا في مدينة ~~إصطخر هذه ترجمته: # عظيم أهورا مزدا الذي خلق هذه الأرض، والذي خلق تلك ~~السماء، والذي خلق الإنسان، والذي خلق سعادة الإنسان. ~~الذي جعل دارا ملكا؛ ملكا واحدا على كثير من ~~الناس، وشارعا واحدا لكثير من الناس. # أنا دارا الملك العظيم، ملك الملوك، ملك الأرض التي ~~تغمرها الشعوب كلها، ملك هذه الأرض العظيمة منذ ~~زمن بعيد، ابن وشتاسب الكياني، فارسي ابن فارسي، آري ~~من نسل آري. # يقول دارا الملك: بفضل أهورا مزدا، هذه هي الأقطار ~~التي أملكها وراء فارس، والتي أسيطر عليها، والتي ~~أدت الجزية إلي، والتي امتثلت أمري، وأطاعت ~~شريعتي: # مديا، سوسيانا، برتيا، هريفا «هراة» بكتريا «بلخ» ~~سغد، خوارزم ... الهند، بابل، آشور، بلاد العرب، مصر، ~~أرمينية، كبذقيا، إسبرتا. # يقول دارا الملك: حينما رأى أهورا مزدا الأرض ms0056 ~~ائتمنني عليها؛ جعلني ملكا، بحمد أهورا مزدا قد ~~أحكمت تدبيرها، نفذ فيها أمري. إذا حدثتك نفسك كم ~~الأرضون التي سيطر عليها الملك دارا فانظر إلى هذه ~~الصورة. إنهم يحملون عرشي فعسى أن تعرفهم، فتعلم أن ~~رماح الفرس قد بلغت مدى بعيدا، وتعلم أن الفرس ~~أضرموا الحرب نائين عن فارس. # يقول دارا الملك: كل ما عملت فإنما عملت بفضل ~~أهورا مزدا، أهورا مزدا أيدني حتى أكملت العمل. ~~لعل أهورا مزدا يحفظني وبيتي وهذه الأرض، لذلك أدعو ~~أهورا مزدا، لعل أهورا مزدا يمنحني ذلك. # أيها الإنسان هذا أمر أهورا مزدا لك: # لا تظن سوءا، لا تحد عن الطريق السوي، لا ~~تقترف إثما. # وكان للفارسيين في موطنهم الممتد بين دجلة في الغرب ~~ووادي السند في الشرق لهجات كثيرة - منها ما كتب واتخذ ~~لغة علم وأدب - وهي أربع لغات؛ ثلاث قديمة، ورابعة حديثة ~~وهي لغة الفرس اليوم. فأما القديمة فهي: (1) الفارسية القديمة ~~التي هي لغة كثير من الآثار على الأحجار. (2) ولغة الأفستا. (3) واللغة الفهلوية وكانت لغة الدولة والعلم والأدب بعد ~~اللغة الفارسية القديمة، وهي وسط في تطور اللغات الفارسية ~~بين الفارسية القديمة والفارسية الحديثة. # والآداب الفهلوية الباقية أوسع موضوعا، وأكثر أنواعا، ~~وأقرب إلى التاريخ من الآداب القديمة. وقد ألفت بها كتب ~~كثيرة أدبية وتاريخية كانت في متناول المسلمين في القرون ~~الأولى للهجرة؛ نقلوا منها كثيرا من تاريخها كما فعل الطبري ~~في تاريخه للفرس في كتابه الكبير تاريخ الأمم، وكما فعل ~~المسعودي في كتابه مروج الذهب، كما نقلوا كثيرا من حكمها ~~وأدبها في كتب الأدب العربية مثل: عيون الأخبار لابن قتيبة، ~~وكتاب التاج المنسوب للجاحظ، وكتب الثعالبي. # مثال ذلك ما رووا من أن بزرجمهر قال: «إذا اشتبه ~~عليك أمران فلم تدر في أيهما الصواب فانظر أقربهما إلى هواك ~~فاجتنبه.» # وكتب إبرويز إلى ابنه شيرويه: «اجعل عقوبتك على القليل من ~~الخيانة كعقوبتك على الكثير منها، فإذا لم يطمع منك في ~~الصغير لم يجترأ عليك في الكبير.» # ويقول ابن قتيبة: قرأت في كتب العجم «حسن الخلق خير ms0057 قرين، ~~والأدب خير ميراث، والتوفيق خير قائد.» # وقال أردشير: «إن للآذان مجة وللقلوب مللا، ففرقوا ~~بين الحكمتين.» # وقال كسرى: «احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا ~~شبع.» ... إلخ ... إلخ. # وقد ضاعت أكثر الكتب الفهلوية التي نقل عنها العرب وبقي ~~إلى وقتنا بعض الكتب، منها «ياتكار زربران» ويسمى ~~الشاهنامة الفهلوية أو شاهنامة «كشتاسب»، وهو قصة الحرب التي ~~كانت بين كشتاسب ملك إيران وأرجاسب ملك توران. وكان كشتاسب من ~~أنصار زرادشت والمؤيدين لدينه، فدعا الملوك للدخول في هذا ~~الدين، فثارت الحرب بين إيران وتوران، وهي صفحة من الحروب ~~الكثيرة بين الأمتين التي تصورها شاهنامة الفردوسي في ~~كثير من فصولها. # ومن الكتب الباقية أيضا بالفهلوية «كارنامك أردشير بابكان» ~~أي أعمال أردشير بن بابك. # الفصل الثاني # | الأدب العبري # الأدب العبري حلقة من سلسلة الآداب السامية القديمة التي نمت ~~وأزهرت في شبه جزيرة العرب وما حولها. وقد جاء العبريون من ~~الصحراء وعبروا الأردن ونزلوا فلسطين، وكانوا قبل أن ينزلوها ~~يتكلمون بلهجة آرامية # 1 # أقرب إلى العربية منها إلى أي لغة أخرى، فلما ~~وفدوا على فلسطين تكلموا لغة سكانها الأصليين؛ أعني اللغة ~~الكنعانية، واتخذها اليهود لغة التخاطب والكتابة، وكانوا وهم ~~يتخاطبون أو يكتبون متأثرين بلغتهم الأولى الآرامية؛ لذلك ~~اختلفوا في لغتهم ولهجتهم بعض الاختلاف عن الفلسطينيين أو ~~الكنعانيين، وأطلق على لغتهم اللغة العبرية، وكان هذا النزوح ~~حول سنة 1400 قبل الميلاد. والثروة الأدبية العبرية التي حفظت ~~لنا يرجع تاريخها من نحو سنة 1100ق.م. إلى نحو سنة 200ق.م. # وأول ما ينبغي أن نشير إليه هو أن الكتاب المقدس - وهو يشمل ~~العهد القديم والعهد الجديد، أو التوراة والإنجيل - يمكن اعتباره ~~آية من آيات الأدب قد نقرؤها لنستمتع بها كما نستمتع بأي كتاب ~~أدبي آخر من كتب الشعر والنثر. وعلى هذا الاعتبار وحده ~~وضعنا حلقة في هذه السلسلة التي تصور الأدب العالمي؛ فنحن قد ~~ندرس الكتاب المقدس على أنه كتاب دين كما ندرس الكتب الدينية، ~~وقد ندرس ما فيه من تاريخ كما ندرس آثار هيرودوت أو غيره من ~~المؤرخين، ms0058 وقد ندرسه على أنه أدب، ونستمتع بما فيه كما نستمتع ~~بخير الآثار الأدبية من شعر ونثر. وهذا موقف إزاء الكتاب المقدس ~~ينفع التاريخ والأدب، ولا يضر الدين. # و«التوراة» - وهي العهد القديم من الكتاب المقدس # 2 ~~- هي أساس الأدب العبري والديانة اليهودية، كما أنها ~~أساس الديانة المسيحية، والكتاب الرئيسي في آداب الأمم المسيحية؛ ~~إذ اليهود والمسيحيون متفقون على «العهد القديم» - أي التوراة - ~~ثم يبدأ بعد ذلك الخلاف؛ فكتاب اليهودي بعدئذ هو «التلمود»، ~~وكتاب المسيحي هو: «العهد الجديد» الإنجيل. # فأما «التلمود» فطائفة من القوانين تناولها بالشرح والتعليق ~~قادة الديانة اليهودية على مر القرون، وهي مؤسسة على التقاليد ~~التي تناقلها اليهود من خلف إلى سلف إلى موسى عليه السلام، ~~ولها من نفوسهم منزلة التقديس إلى يومنا هذا. وزاد في تعلقهم ~~بهذه التقاليد هذا الصراع الدائم الذي كان بينهم وبين الأمم، ~~والذي ما انفك قائما بينهم وبين المسيحيين في أوروبا إلى اليوم، ~~والذي حفز اليهود أن يصونوا تقاليدهم من الفناء، ويحفظوا نقاء ~~جنسهم أن تشوبه شوائب الاختلاط. فلا ريب أن التلمود في ~~طليعة الكتب العالمية ما دامت له هذه القوة في جماعة لها بين ~~الناس خطرها وأثرها، ولأنه يحتوي ما حباه الله قادة الفكر منهم من ~~حكمة، وإن يكن طفيف الأثر في الآداب الأخرى بسبب هذه العزلة ~~العقلية التي اختارها اليهود لأنفسهم؛ فلن تجد من غير اليهود ~~كثيرين طالعوا التلمود، ولكنه مع ذلك قد ترجم إلى اللغات ~~الأوروبية، وتسربت بعض آياته إلى الأدب الأوروبي، فكثيرا ما ~~تصادفك مقتطفات منه في القصص التي تصور أشخاصا من ~~اليهود. # على أن أهمية التلمود تكاد تنحصر في أنه كتاب الهداية عند ~~الكثرة الغالبة من اليهود، فإذا قال التلمود فقوله الفصل الذي ~~يوضح للمرتاب سواء السبيل. # وقد استغرق جمعه ثلاثة قرون أو تزيد؛ فقد بدئ في جمعه في ~~مستهل القرن الرابع بعد الميلاد، ولم يكمل حتى القرن السادس، ~~وهو ينقسم قسمين يسمى أولهما «مشنا»، # 3 # وهو مجموعة من أحكام شرعية قيست على ما ورد في ~~العهد القديم، ويسمى ثانيهما ms0059 «جمارا». # 4 # أما المشنا فقد كتب بالعبرية، وأما جمارا فكتب بالعبرية ~~والآرامية. والآرامية هي اللغة التي كان الجزء الأعظم من العهد ~~الجديد مكتوبا بها بادئ الأمر. والقصة الآتية مثال لما ورد في التلمود: # حدث ذات مرة أن أرسل حاكم مدينة خادمه إلى السوق ~~ليشتري له سمكا، فلما بلغ الخادم حلقة البيع وجد السمك ~~قد بيع كله إلا واحدة كان يساوم في شرائها خائط ~~يهودي؛ فقال خادم الحاكم: «سأدفع قطعة ذهبية ثمنا لها.» ~~فقال الخائط: «سأدفع اثنتين»؛ فلم يلبث الخادم أن عرض ~~ثلاثا، لكن الخائط لم يدعها تفلت من يده، حتى إن ~~اقتضاه شراؤها عشر قطع ذهبية؛ فعاد الخادم إلى سيده ~~وقص عليه ما حدث وهو مغضب، وأرسل الحاكم في طلب ~~الرجل، فلما مثل بين يديه سأله: ~~«ما مهنتك؟» # فأجاب الرجل: «خائط يا سيدي.» ~~«إذن فكيف تستطيع أن تغالي في الثمن لتشتري سمكة، وكيف ~~تجرؤ أن تضع من كرامتي بأن تعرض ثمنا أعلى مما يعرض ~~خادمي؟» # فأجاب الخائط: «لقد نويت الصيام غدا، وأردت أن أقتات ~~بالسمكة اليوم لتكون لي القدرة على صيام الغد، لهذا ما ~~كنت لأدع السمكة تفلت من يدي ولو اشتريتها بعشر قطع ~~من الذهب.» # فسأله الحاكم: «وبماذا يفضل غد أي يوم سواه؟» # فأجاب الرجل: «ولماذا تفضل أنت أي رجل سواك؟» # فقال الحاكم: «لأن الملك أراد لي أن أكون في هذا ~~المنصب.» # فأجاب الخائط: «وعلى هذا النحو أراد ملك الملوك لهذا ~~اليوم أن يفضل سائر الأيام، ونحن في هذا اليوم نرجو أن ~~يغفر لنا الله ما اقترفنا من إثم.» # فقال الحاكم: «إن كان هذا فإنك على حق.» # ومضى الإسرائيلي سالما. # وهكذا إن عقد إنسان عزمه على طاعة الله فلن يثنيه ~~عن عزمه حائل كائنا ما كان؛ فقد أمر الله عباده أن ~~يصوموا هذا اليوم، فلا بد لهم أن يقتاتوا في اليوم ~~السابق له؛ ليزيدوا من قوة أجسادهم حتى يقووا على طاعة ~~الله؛ وواجب الإنسان أن يطهر نفسه جسدا وروحا ~~ليستقبل هذا اليوم العظيم. # وأما «العهد القديم» - التوراة - فقوامه تسعة ms0060 وثلاثون سفرا، تقع ~~في مجموعات ثلاث: أسفار القانون (الشريعة)، وأسفار الأنبياء، ~~ومجموعة من متنوعات. وليست كل هذه عند الأديب من حيث القيمة ~~الفنية سواء؛ فالجمال الأدبي رائع فيما تحتوي من قصص وروايات ~~وسير. # أما الفصول التي تمس تاريخ الإنسان وما يقتضيه الشرع من ~~واجبات، فهي إن أثارت اهتمام رجل الدين، لا تغري الأديب بالوقوف ~~والإمعان لما يكتنف عبارتها من عسر وغموض. وغموض هذه الأجزاء ~~راجع إلى اقتضابها، فمادة غزيرة في حيز صغير. ولسنا ندري لماذا ~~لم يتناولها الشراح بالتفسير الذي يزيل غموضها. لعلهم ~~تركوها على إيجازها لتوحي ما توحيه إلى قرائها، أو لعل ~~تنافس الشراح قد انتهى إلى رفض الشروح جميعا، فلم يبق إلا ~~أصل قصير موجز. # خذ مثالا لهذا الإيجاز الشديد الذي أدى إلى غموض بعض فصول ~~التوراة، الفصول الأربعة الأولى من سفر التكوين، تجد قصة الخلق ~~كلها قد اختصرت في صفحات قلائل، فيها تقرأ عن الجنة وآدم ~~وحواء وقابيل وهابيل، وفي بقية السفر التي لا تتجاوز قصة من ~~قصار القصص الحديثة ذكرت سير نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف ~~وإخوته وكثير غيرها، وأجدرها بالذكر من الناحية الأدبية قصة ~~يوسف؛ فقد قال عنها «تولستوي» # 5 ~~- وهو متدين متحمس وفنان قدير - إنها قصة بلغت ~~من الفن حد الكمال؛ وقد يكون من أسباب ذلك أن شخصية يوسف ~~تنبض بالحياة، وهي واضحة الملامح على خلاف من سبقه من الأنبياء. ~~وحسبك لتحكم على قصة يوسف - كما وردت في التوراة - بالكمال ~~الفني، أن تعلم أن الكتاب الذين تناولوها فيما بعد في قصصهم لم ~~يكادوا يضيفون إلى خيالها روعة جديدة. أما قصة الخلق التي وردت ~~غامضة في التوراة، فقد استطاع بعض الشعراء - مثل ملتن - أن ~~يزيدوها جلاء وخصوبة؛ لأنها تومئ إلى ضروب لا حصر لها من ألوان ~~الخيال. # والسفر الثاني من التوراة - بعد سفر التكوين - هو سفر ~~الخروج، وسمي بذلك لتناوله الحديث عن خروج بني إسرائيل من ~~مصر، وتجلي الله لموسى في سينا؛ ويشمل الجزء الأول منه سيرة ~~موسى عليه السلام، ثم تتصل رواية هذه السيرة ms0061 التي تمثل ~~تاريخ بني إسرائيل خلال أسفار موسى الخمسة. # والسفر الثالث هو سفر اللاويين نسبة إلى أسرة تنتمي إلى ~~لاوي أو «ليفي» ويتناول الحديث عن الشعائر الدينية الخاصة ~~بالقرابين وعن هارون وابنيه. والرابع سفر العدد، وسمي كذلك ~~لأنه يعدد القبائل ويبين أنصباءهم في الغنائم ونحوها، وفيه ~~حديث عن خروج بني إسرائيل من سينا إلى شرق الأردن، وعن انتشار ~~الاضطراب بين الشعب. والخامس سفر تثنية الاشتراع، أي إعادة ~~التشريع مرة ثانية بتطهيره من بعض الشعائر، مع تعيين مكان ~~خاص بالعبادة. # وهذه السير كلها تكون ملحمة أدبية عظمى تصور شعبا ~~بأسره، كيف هاجر، وكيف عاد إلى وطنه فاستقر تحت لواء زعيم ~~عظيم. # وليس يتسع المقام لنا فنتناول أجزاء التوراة بالبسط سفرا ~~فسفرا، ولكن إن تعذر ذلك فسنمر مرا سريعا على أروع ما في ~~التوراة من أسفار. # فهنالك سفر يوشع - خليفة موسى - الذي تمت على يديه ثلاث ~~معجزات كبرى: فقد سار على رأس بني إسرائيل وعبر بهم نهر الأردن ~~من غير أن تبتل أقدامهم، واحتل مدينة «أريحا» # 6 # بمجرد الصياح والنفخ في الأبواق، وأشار إلى الشمس ~~والقمر فوقفا في الفلك عن المسير؛ فسفر يوشع ملحمة رائعة ~~وسيرة بطل مغوار، بل هو تاريخ شعب بأسره، ممزوج بالقصص وعقائد ~~الدين. وفيه إلى جانب ذلك قصة صغرى كثيرا ما يستوحيها كتاب ~~القصة والرواية، وهي قصة «راحاب»، فقد أراد يوشع أن يتمم ما ~~بدأ به موسى وهو عبور الأردن والاستيلاء عليه وعلى ما حوله، ~~فأعد العدة وجمع بني إسرائيل للفتح، وبدأ ذلك بإرسال جاسوسين ~~إلى «أريحا» يستكشفان له الأرض، ويستطلعان خبر العدو ~~وقوته، فنزلا على بغي اسمها «راحاب» وقضيا ليلتهما ~~عندها، ولكن ملك أريحا علم بخبرهما، فأرسل إلى راحاب يطلب ~~إليها أن تسلم الجاسوسين، فأنكرتهما وزعمت أنهما تركاها ~~وذهبا، على حين أنها كانت خبأتهما في سطح منزلها وضللت رسل ~~الملك، فلما ذهبوا للبحث عنهما أخرجت الرسولين من مخبئهما وطلبت ~~منهما عهدا أن يستحييها بنو إسرائيل هي وأباها وأمها ~~وإخوتها وأخواتها إذا انتصروا ودخلوا المدينة، فوعداها بذلك. ~~فلما ms0062 دخل يوشع أريحا حرم على جنوده أن يقربوا ما فيها، ~~وأمرهم أن يبقوا على حياة راحاب لإيوائها الجاسوسين، وأن ~~يخرجوها وأهلها من المدينة، ثم أمر بإحراق أريحا بكل ما ~~فيها. # وقد كان يوشع قائدا حربيا يشتعل بالحماسة الدينية ولا يرحم ~~الأعداء، فكأنما رسم بذلك خطة لكل من جاء بعده من قادة الحرب ~~المتحمسين للدين. # ويجيء بعد ذلك سفر «القضاة» الذي لا تكاد تأخذ في مطالعته حتى ~~تصادفك إحدى بطلات التوراة - دبورة - التي قامت في شعبها بدور ~~يشبه ما قامت به «جان دارك » # 7 # في فرنسا؛ ذلك أن دبورة كانت نبية لبني إسرائيل، ~~وكان لها نخلة في جبل تعرف بها، تجلس تحتها، وتقضي بين من ~~احتكم إليها، فدعت «باراق» أن يقود بني إسرائيل ليحاربوا ~~الكنعانيين ويتحرروا من سلطانهم، فأبى أن يقود الجيوش ويذهب ~~للحرب إلا أن تذهب معه، ففعلت، وظلت دبورة تحمس الجيش، ~~وتحرض على القتال، وترسم الخطط، حتى انتصر بنو إسرائيل ~~وتحرروا من الكنعانيين، ووضعت «دبورة» بعد ذلك أنشودة النصر، ~~وفيها «اسمعوا أيها الملوك وأصغوا أيها العظماء، إني أغني لله ~~إله بني إسرائيل؛ يا إلهي! لقد تجليت للجبال فدكت، وللأرض ~~فزلزلت، وللسماء فانشقت، وللسحب فأمطرت.» # وفي سفر القضاة كذلك قصة «شمشون» التي تعد في طليعة قصص ~~الأبطال، وشمشون هذا رجل أعدته العناية الإلهية منذ كان في بطن ~~أمه للفتك بأعداء الإسرائيليين، فأرسل لأمه ملكا يبشرها ~~بغلام، ويحذرها من شرب الخمر وأن تقرب محرما أثناء ~~الحمل. لأن الله يعده لتخليص الإسرائيليين من سطوة ~~الفلسطينيين. وولد شمشون وشب قويا متينا، ورأى فتاة ~~فلسطينية فأحبها وهام بها، وعرض على أبويه أن يتزوجها فأبيا ~~أولا، وقالا له إن في بنات جنسك غنى عنها، فأصر شمشون، ~~وكان لله في ذلك حكمة، للصلة بالفلسطينيين أعداء ~~الإسرائيليين. # وأخيرا رضي أبواه وسافروا جميعا ليتزوج شمشون بالفتاة، وفي ~~الطريق ينتحي شمشون ناحية فيعترضه أسد يهجم عليه ليمزقه ~~ويلتهمه، فيقف له شمشون وليس معه سلاح فيفتك بالأسد كأنه ~~حمل وديع، ويعود شمشون إلى أبويه وهما في الطريق فلا يخبرهما ~~بشيء. ms0063 وبعد أيام يعود شمشون إلى مكان الأسد فيجد النحل قد بنى ~~خلاياه في جوف الأسد، فاشتار منه وأكل. # وتزوج شمشون الفتاة، وأعد وليمة لثلاثين من الشبان، وأراد ~~أن يسرهم بلغز يلقيه عليهم، فإذا حلوه أعطاهم ثلاثين ثوبا ~~وثلاثين قميصا، وإذا لم يحلوه في سبعة أيام أعطوه هم مثل ما ~~كان يعطيه لهم؛ واللغز يدور حول الأسد والعسل، وصيغته هكذا: «ما ~~شيء كان آكلا فنتج منه الأكل، وكان جافا خرجت منه ~~حلاوة.» # فلما لم يعرفوا حل اللغز ألح الشبان على امرأة شمشون ~~لتحتال عليه فتعرف منه حله، ففعلت وأخبرتهم، فقال لهم: لولا ~~ما احتلتم على نعجي ما عرفتم أحجيتي، ونزل إلى قرية وقتل منها ~~ثلاثين رجلا وأخذ سلبهم فأعطاه لمن راهنهم. # ثم نجد شمشون قد هام بامرأة أخرى بغي في غزة، فعرف أهل ~~غزة به فأغلقوا أبواب المدينة عليه وحبسوه ليقتلوه إذا أصبح ~~الصباح، فقام شمشون في نصف الليل وخلع مصراعي باب المدينة ~~ووضعهما على كتفه وصعد بهما إلى الجبل. # وأخيرا أحب امرأة اسمها «دليلة»، فاتصل بها قادة ~~الفلسطينيين وتآمروا معها أن تعرف منه سر قوته، فخدعها ~~مرارا، فمرة يقول لها إنه إذا أوثق بحبال من حديد ضعفت ~~قوته، فكان يوثق بها فيتمطى فيها فيقطعها كأنها خيط. وأخيرا ~~ضاق شمشون بالمرأة ذرعا فأخبرها بالسر الحقيقي في قوته، ~~وأنها في شعره، فجاء الفلسطينيون وغافلوه وهو نائم في حجرة ~~المرأة وحلقوا رأسه، فذهبت قوته؛ فأخذه الفلسطينيون وقلعوا ~~عينيه وأوثقوه بسلاسل من نحاس، وذهبوا به إلى غزة وسجنوه هناك ~~حتى يقتلوه. # ولكن شعره كان قد نبت، وعادت إليه قوته وما درى بذلك ~~خصومه. # ففي ليلة اجتمع فيها جميع أقطاب الفلسطينيين، ودعوا شمشون ~~ليلعب لهم ويسخروا منه، فحضر شمشون، ودعا ربه أن يلبي ~~دعاءه، ويعيد إليه قوته ولو مرة واحدة، فاستجاب دعاءه، وقال ~~للغلام الذي يمسك بيده: دعني ألمس الأعمدة التي يقوم عليها ~~البيت، ففعل الغلام، وأمسك شمشون العمودين أحدهما بيمينه والآخر ~~بيساره، وجذبهما فسقط البيت على من فيه، وخر جميع من في البيت ~~ومعهم ms0064 شمشون صرعى، فكان من قتلهم في موته أكثر ممن قتلهم ~~في حياته. ~~••• # وقد تناول الشاعر الإنجليزي «ملتن» هذه القصة فخلع عليها في ~~قصيدته «شمشون الجبار» # 8 # ثوبا زادها بهاء وجلالا، كما تناولها كذلك الكاتب ~~الفرنسي «سانت ساينس» # 9 # في رواية تمثيلية غنائية هي في الطليعة بين مثيلاتها ~~في الأدب الحديث. # ويأتي بعد سفر القضاة سفر صغير ولكنه جليل جميل، وهو سفر روث أو «راعوث»، # 10 # ويقع في أربعة فصول قصار، لا تزيد أسطرها على مائة، ~~وتحتوي قصة يشمل جانب منها دستورا وضع للمرأة، وقانونا سن ~~لضبط قواعد الميراث؛ ولكن ذلك الجانب من القصة لا يهم الأدب ~~كثيرا، وإنما يهمه منها ما فيها من عاطفة مرهفة عميقة. # فتروي القصة أن إسرائيليا ضاقت به الحال في بلاده، فدخل هو ~~وامرأته «نعمى» إلى بلاد مؤاب، ورزق فيها بابنين تزوجا ~~مؤابيتين، إحداهما راعوث هذه، ومات الرجل ومات ابناه. # وأرادت «نعمى» أن تعود إلى وطنها، فتعلقت بها راعوث وأرادت ~~السفر معها وألحت، على الرغم من إلحاح «نعمى» عليها ~~بالبقاء. # فقالت راعوث قولتها المشهورة: «حتما أن أموت حيث تموتين، ~~وأدفن حيث تدفنين، شعبك شعبي، وإلهك إلهي؛ محال أن يفرق ~~بيني وبينك إلا الموت». # ففي القصة قلبان لامرأتين يفيضان بعاطفتين قويتين تعزان ~~على التحليل - وهذا هو ما جعل القصة معروفة للعالم - عاطفة الحنين ~~للوطن، وعاطفة الوفاء، وهما عاطفتان ينبض بهما قلب كل ~~إنسان. # وهناك أسفار أربعة تسمى أسفار «الملوك»، تروي قصة الدولة ~~اليهودية إبان مجدها، لكن بني إسرائيل في مجدهم ضلوا سواء ~~السبيل، فتغافلوا عن ذكر الله، فكان جزاؤهم بعد ذلك المجد عذابا ~~وهزيمة وأسرا. وإن هذه الكتب الأربعة لتؤلف ملحمة من الطراز ~~الأول، متينة البناء، قوية التركيب، ولا بد أن تكون قد صادفها ~~شاعر عظيم مسها بخياله ونبوغه، بل ربما تناولها على مر الأيام ~~أكثر من شاعر واحد بالصياغة والتجويد؛ إذ الملاحم الكبرى تنمو مع ~~الزمن على أيدي الشعراء، وقلما تكون الملحمة الكبرى وليدة عقل ~~واحد. # وهاك موجزا للقصة: فصموئيل، وهو المتحمس لدينه، الباسل ~~المغامر في ms0065 قتاله، يجاهد جهاد الأبطال ليقهر الأعداء، داخل ~~ملكه وخارجه على السواء، ولكن الشيخوخة تدب إليه فيصير الأمر ~~إلى بنيه، وفيهم ما فيهم من ضعف وفساد؛ عندئذ يستنجد القوم بشاءول، # 11 # لكن شاءول لم يخلقه الله للقتال فينتهي أمره إلى ~~خضوع، وينبذه القوم نبذ النواة، فيعقبه ابنه يوناثان، # 12 # وهو أشد من أبيه استبسالا في القتال، وأسمى منه ~~روحا، ولكنه بعد لم يبلغ من القوة ولا من سعة التجربة ما ~~يجعله صالحا لقيادة بني إسرائيل، وكأنما أراد به الله أن يكون ~~سلما يدرج عليه بنو إسرائيل ليصلوا إلى داود ، وهو شخصية جبارة ~~في التوراة؛ فقد كان داود قائدا حربيا، وحكيما عظيما؛ فهو في ~~القتال معجزة، لأنه قتل «جولياث»، # 13 # وهو في القدرة العقلية فذ فريد، لأنه سلك في حياته ~~مسالك الحكماء. # فقد جاءت صورة داود في التوراة من الكمال الفني بحيث تنبض ~~بالحياة. وإنها لتفوق تصوير يوسف على ما في هذه من حياة ~~وقوة،وحيكت في التوراة حول داود - كما حيكت حول سائر أبطال ~~الملاحم - صفات خارقة لطبائع البشر، ولكنه رغم ذلك صورة لشخصية ~~حقيقية أبدع تصويرها فأصبح معروفا مألوفا، تميزه بعواطفه ~~وأحزانه وغضباته، كما تميزه بتسامحه وحبه وقوته وإرادته ~~وجوانب ضعفه. إنها شخصية أتم الفنان تصويرها وتحديدها، كما ~~أتم الشاعر تصوير «أخيل»، # 14 # في الإلياذة # 15 # لهذا كله كانت قصة داود في التوراة آية الأدب ~~العبري. # وتكاد تدنو من قصة داود في وضوحها وقوتها قصة ابنه سليمان ~~الحكيم العظيم، وإن سليمان في جلاله ليصور بني إسرائيل جميعا ~~حين بلغوا أقصى مراتب المجد والثراء. لقد أفاض الكتاب ما أفاضوا ~~في وصف عظمة سليمان وجلال ملكه، ولعل ما يحرك العاطفة في ~~هذا الوصف هو أنه كتب بعد أن دالت دولة بني إسرائيل، فأخذ ~~الكتاب ينظرون إلى الوراء فيما يكتبون، فيرن حديثهم في ~~الآذان رنين الأسى والأسف، حسرة على ماضي اليهود الذاهب. وسليمان ~~- كما يبدو في التوراة - شخصية متناقضة، فبينما هو مثال الحكمة ~~بحيث لو اقتصرنا على عشر ما نسب إليه من أمثال وأقوال ms0066 لظل ~~رغم ذلك أحكم الحكماء؛ تراه - في التوراة - ينحرف في مسلكه، ~~وخاصة في شيخوخته، فيرتد إلى الوثنية متأثرا بإغراء النساء، ~~وبهذا ترك سليمان ملكه مصدع البنيان مزعزع الأركان. وجاء ~~خلفاؤه من بعده على حال من الضعف لا تجدر بأبناء سليمان وحفدة ~~داود. # فلما دالت دولة الملوك المدنيين ظهر في اليهود نبيان ~~قويان شديدا البأس هما «إلياهو» # 16 # ثم أحد أتباعه «اليسع» # 17 # وهما من أصحاب المعجزات، تشبه معجزاتهما معجزات موسى ~~أحيانا، مثال ذلك حين انحسر لهما ماء الأردن فانفتح أمامهما ~~الطريق. وتشبه أحيانا معجزات المسيح حين أعادا الحياة إلى ~~الموتى، وأضافا إلى طعام الأرملة الفقيرة طعاما من لا شيء، ~~ولكنهما رغم ذلك لا يقعان من القلوب مواقع الحب الخالص لما فعلا ~~- في إرغام الناس على الإيمان - من صنوف القسوة والانتقام؛ فقد ~~يكون لها وجه من الصواب فيما أنزلاه بالملوك الآثمين من عقاب، ~~ولكن كيف تغتفر لهما تلك القسوة التي دفعتهما إلى الفتك بأربعين ~~يافعا حين سخروا من اليسع كما يسخر الأطفال؛ اللهم إلا إن كانت ~~قصة الفتك بهؤلاء الأيفاع الأربعين قصة رمزية تشير إلى معنى ~~خبيء مستتر. # ثم أخذت الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، حتى إذا ما سقطت ~~«أورشليم» في يدي «بختنصر» # 18 # ملك البابليين، وأصاب اليهود ما أصابهم من سبي ونفي ~~وتشريد، كان ذلك - على وجه التقريب - خاتمة بني إسرائيل. # على أنك تعود فتقرأ في سفري «عزرا» # 19 # و«نحميا» # 20 # عودة اليهود من بابل، وكيف أعادوا بناء «أورشليم»، ~~وإنه لمما يثير عجب القارئ أن يقرأ هذين السفرين بعد ما ~~أصاب ملوك اليهود من صنوف الكوارث والبلاء؛ فقد وضع عزرا ونحميا ~~لتجديد المدينة برنامجا منظما، فأعاد نحميا بناءها، ونفخ فيها ~~عزرا روحا جديدة، إذ أعاد لها ما كانت قد بددته الأيام من ~~قوانين. ويستوقف نظر مؤرخ الآداب أن يرى عزرا ومعه خمسة من ~~الكتاب، ونشروا في أربعين يوما مائتي كتاب وأربعة. ~~••• # يأتي بعد ذلك سفر «إستير» # 21 # الذي نسوقه مثالا لروعة الخيال في تلك الأعصر ~~الأولى، واليهود يقدسون هذا ms0067 السفر لأنه يمجد في هذه الملكة ~~اليهودية - التي تزوجت من ملك فارسي - ذكاءها وجمالها ~~وأعمالها. # فقد كانت «إستير» امرأة فارسية يهودية حظيت عند ملك الفرس، ~~وكان في مملكة الفرس يهود كثيرون، يعمل الوزير «هامان» على ~~اضطهادهم وسفك دمائهم، فاحتالت «إستير» مع مربيها اليهودي الآخر ~~«مردوخاي» على الإيقاع بهامان، والإيقاع بالفرس، وإنجاء اليهود، ~~وتحريرهم من الاضطهاد، واستطاعت إستير بنفوذها عند الملك أن يقتل ~~اليهود في يوم واحد 75800 فارسي، وجعل اليهود من هذا اليوم عيدا ~~لهم يسمونه «بوريم». # وقد قال لوثر: «ليت هذا السفر لم يوجد.» ولعله نظر في ذلك ~~إلى ناحيته الخلقية لا الأدبية. # وسواء كانت تلك القصة تاريخا صحيحا أو من نسج الخيال، فهي ~~تحرك العاطفة في نفس قارئها، وما ظنك بقصة تروي لك كيف دبر ~~فريق أن يفتك بفريق، فيصطنع هذا حيلة يخرج بها من أحبولة ~~المتآمرين، ثم يكون محور الحوادث كلها امرأة بارعة الجمال؟ ~~••• # وأقوى مثل يساق للقصة في التوراة هو سفر أيوب الذي يجد فيه ~~القارئ صراعا بين الشخصية وما يحيط بها من ظروف، صراعا بين ~~الرجل وما يرصد له من عوامل الشر، فينجو الرجل المجاهد آخر ~~الأمر بما أوتي من صبر وإيمان. وكأن هذا السفر الجليل رواية ~~تمثيلية قوية تدور حول الله والإنسان والشيطان. ويرجع بعض ~~الباحثين في قصص التوراة المتعقبين لأصولها، أن لقصة أيوب - ~~كما وردت - بداية لم تذكر، وهي أن أيوب عصى ربه أول أمره، ~~ولكنه عاد آخر الأمر فآمن وأطاع، فعوضه الله شيخوخة مطمئنة ~~سعيدة؛ إذ رزقه يسارا في أخريات سنيه، ورزقه بنين وبنات عوضا ~~له عما فقد من أبناء إبان محنته الأولى، لكنه عوض لا يطمئن ~~نفس الوالد الثكلى، لأن الأبناء لا يعوضون عددا بعدد ~~كالأغنام؛ فإن الوالد ليتمنى عودة أبنائه الذين فقدهم حتى إن ~~وهبه الله ما وهب أيوب، سبعة أبناء وثلاث بنات. # لهذا نرى الستار ينسدل في ختام قصة أيوب على نهاية لا تطمئن ~~لها النفس طمأنينة كاملة؛ ولكن إن كان بناء القصة مصدوعا، فإن ~~شعرها جميل رائع من ms0068 أول بيت فيها إلى آخر بيت؛ وإن شئت فانفذ ~~إليها من أي موضع أردت تجدك قد وقعت منها على سطر جميل. يقول ~~قراء العبرية: إن جمال النص في لغته الأصلية يستحيل أن ينتقل ~~مع الترجمة إلى أية لغة أخرى، وهو قول صائب، فكل من حاول ~~الترجمة من لغة يعلم علم اليقين أن الشعر سائل سيال لا ~~تكاد تصبه من وعاء إلى وعاء يختلف شكلا حتى ينسكب ويعسر ~~إمساكه. ولقد أجمع النقاد على أن أسفار أيوب والمزامير ونشيد ~~الأناشيد قد كتبت كلها شعرا جيدا ممتازا. وسفر نشيد الأناشيد ~~سفر غرامي يظن بعض الباحثين أنه مجموع من الأغاني التي كان ~~الشعب الإسرائيلي يرددها في مناسبات الزواج والزفاف في عصور ~~مختلفة كما يذهب آخرون إلى أنها أغان دينية رمزية. ~~••• # وتفرغ من نشيد الأناشيد فإذا بك عند سفر «أشعيا»، # 22 # وهو من الأنبياء الذين امتزج إيمانهم بروح التشاؤم. ~~وإن الأنبياء لينطقون بأبلغ درجات البلاغة حين يقفون موقف ~~الرثاء والبكاء لإثم الإنسان وخطيئته، يتوعدونه على لسان الله ~~عذابا أليما، ويدعونه للعودة إلى الدين الصحيح، ويكون لقولهم من ~~الأثر فوق ما للشعر الجميل فيما يأتون به من قول بليغ، وروح ~~نبيل. # جاء أشعيا لليهود نذيرا وبشيرا؛ فهو يتوعد أصحاب السوء ~~عذابا أليما، ولكنه يعلن قدرة «يهواه» # 23 # على تخليص أورشليم، ثم يتنبأ آخر الأمر بقدوم ~~المسيح هاديا ومخلصا. ولما كانت تجتمع في أشعيا القسوة على ~~أصحاب الضلال، والأمل في مستقبل شعبه، جاءت رسالته مزيجا ~~متباينا من العواطف. حتى ظن بعض النقاد أن هذا التباين ~~الظاهر ينفي أن يكون مصدرها رجلا واحدا، ولكنا لا ندري لماذا ~~يستبعد هؤلاء النقاد أن يقف النبي والمصلح والشاعر مواقف ~~تختلف باختلاف مظاهر أممهم ومشاعرهم، فيؤدون لكل موقف ~~رسالته. ~~••• # ويتلو أشعيا سفر «أرميا» # 24 # الذي يصف عهد اليهود المظلم، وكان ذلك قبيل ~~سبيهم، وإنك لتلمس تشاؤم أرميا في سفره، وفي «مراثي أرميا» ~~التي لا يكتفي فيها بالعويل والبكاء على ما حل باليهود من ~~كوارث، تراه ثائرا على الدولة التي دب فيها الفساد، ms0069 وعلى ديانة ~~الدولة التي أصبحت صورة لا حياة فيها ولا روح. ~~••• # ثم يتلوه في الأسفار سفر «حزقيال» # 25 # الشغوف بالرمز في أدبه الفاتن، بما له من روعة في ~~التصوير وجمال في التشبيه: انظر مثلا كيف يصور ملك مصر وقد ~~تحطم بشجرة دب في جذعها السوس، ونخرت منها الفروع. وهو يملأ ~~سفره بأمثال هذه الصورة، فيؤثر في نفس قارئه تأثيرا قويا، ~~ولكنه إلى جانب ذلك في بعض المواضع ترتفع أستار التشبيه والرمز، ~~فيأتي بعبارات التأنيب التي تلهب القارئ كأنها السياط في نثر ~~واضح قوي. ~~••• # ويجيء بعد ذلك سفر «دانيال»، وهو على صغره يروي من الأحداث ~~شيئا كثيرا، وغايته أن يسري عن أنفس اليهود كربها، وأن ~~يحثهم على طلب المجد والعلا. وقد قرب دانيال من قلوب ~~اليهود ما أظهره من معجزات؛ فقد كان قديرا على تفسير الأحلام ~~التي عجز سحرة الكفار أن يفسروها، وألقي في عرين الأسد ~~فخرج منه سليما من الأذى، وقذف في أتون مستعر فكانت النار ~~عليه بردا وسلاما. # ويمتاز سفر دانيال ببساطة التصوير ووضوحه، فهو من جلاء العبارة ~~وسلاسة اللفظ بحيث يصلح قصصا يروى للأطفال فيستمرئونه ~~وينصتون إليه. ~~••• # وعلى الجملة فقد عني الباحثون من علماء أوروبا بكتاب العهد ~~القديم من حيث أصله ومصادره، وتاريخ كتابة كل جزء منه، وبيان ~~الظروف التي كتب فيها؛ لهم في ذلك نظريات طويلة لا مجال لذكرها، ~~وهي تكاد تجمع على أن العهد القديم يؤرخ شعبا بأسره، بأحداثه ~~وحالته الاجتماعية، وانتصاره وانكساره، ومجده وذهاب مجده، كما ~~أنه سجل لحياتهم العقلية والروحية والأدبية فيما يقرب من تسعة ~~قرون. # وإذا كان الذي يهمنا هو الناحية الأدبية فإن هذا الكتاب ~~ينطبق عليه ما قدمنا من سبق الشعر للنثر، فإن أقدم نص أدبي ~~عبري كان شعرا كقصة «دبورة» التي يرجح العلماء أنها ترجع إلى ~~عام 1100ق.م. وهي مظهر من مظاهر الشعب الإسرائيلي وحياته، فهي ~~أغنية كانت تغنى في البيوت والشوارع، في المدن والقرى، في ~~المراعي وفوق قمم الجبال. # وتدل هذه الأغنية وغيرها من الأغاني الإسرائيلية على وجود ~~طائفة كانت ms0070 حرفتها الغناء والتأليف والتلحين، وكان الإسرائيليون ~~ينظرون إليها نظرة العرب إلى الشعراء، وقد سميت «دبورة» في ~~الكتاب المقدس نبية، لأن كلمة النبي عندهم كانت توحي ~~بالشعر ودقة الحس والخبرة بأعقاب الأمور. وإلى جانب هذا ~~النوع من فنون الشعر نجد في العهد القديم فنونا أخرى شعرية تدور ~~حول المديح والهجاء، ووصف الأحداث التاريخية، والحديث عن المعجزات ~~والشعائر الدينية، فلما ظهرت الملكية، واستقرت الحياة ~~الإسرائيلية، تطلبت الحياة الجديدة أخبارا تفصيلية تعنى بتدوين ~~تاريخ الملوك والرؤساء والقادة، وإذ ذاك نجد النثر هو الذي يؤدي ~~هذه الرسالة، فنجد أخبارا كثيرة نثرية تعنى بأسرة داود وتقصي ~~أخبارها، كما نرى قصصا تدور حول إسناد تاريخ الشعب الإسرائيلي ~~إلى عهد ممعن في القدم. ومن القرن السابع ق.م. تقريبا نجد ~~الأدب العبري يدخل في دور جديد، فيتأثر بالأنبياء ويتجه إلى ~~التشريع والتاريخ، فنقرأ كثيرا عن موسى وما جاء به من التشريع ~~والوصايا العشر. # وبعد ذلك نجد أنفسنا في العصر المعروف في الأدب العبري بالعصر ~~الكلداني ومن زعماء ذلك العصر «أرميا»، وكانت رسالته موجهة إلى ~~العالم أجمع وليست مقصورة على بني إسرائيل، وفي هذا العهد كان ~~للأشوريين السلطان السياسي العالمي؛ إذ كانوا يسيطرون على مصر وعلى ~~كثير من بلاد الشرق، وكان «أرميا» شاعرا ناثرا تجلت عبقريته ~~في خطبه وفيما كتبه، ولكن مما يؤسف له أن أجمل أغانيه لم ~~تصل إلينا كاملة. وحدث حادث بعد ذلك تغير له تاريخ الأدب العبري ~~والتفكير العبري، وذلك أن عصر السبي (586-537ق.م.) انتهى بسقوط ~~«بابل» في أيدي ملك الفرس، وسمح الفرس لليهود بالعودة إلى ~~أورشليم، فعاد منهم من عاد، وبقي منهم من بقي، فهبت على الأدب ~~ريح جديدة؛ إذ أخذت الأمة تحيا وتتجدد، وأخذ الشعب ينصرف ~~مرة أخرى إلى الحياة الأدبية الدنيوية، وفي هذا العصر نجد قصتي ~~«راعوث» و«إستير». # والأدب العبري مملوء بالشعر الذي يطلق عليه الشعر الغنائي ~~أو العاطفي، ولعل أقدم نوع من أنواع هذا الشعر هو الرثاء، وهي ~~أشعار شعبية حزينة تتحدث عن مجد صهيون الغابر والبكاء ~~عليه. # وإلى الرثاء نجد المزامير ms0071 ويسميها العرب «الزبور»، ونستطيع أن ~~نقسم المزامير إلى أقسام عدة: فمنها ما يتصل بالعبادة، ومنها ~~ما يتصل بالأغاني الدينية، ومنها ما يتصل بالمراثي وبالشكر ~~وبالمدائح الملكية، وكما أنها مختلفة المواضيع فهي أيضا من وضع ~~مؤلفين عديدين في صور متوالية، ثم نشيد الأناشيد، وموضوع هذا ~~الشعر من المواضيع الغرامية، ويختلف الباحثون في أنه غزل رمزي ~~أو هو غزل دنيوي. # وبين أيدينا نوع من الشعر العبري يعرف بالشعر التعليمي، وقد ~~حفظ لنا في كتاب الأمثال، وسفر الجامعة، وكتاب أيوب. أما كتاب ~~الأمثال فهو مجموعة متفرقة من الحكم والأمثال، وقد تناولت مختلف ~~المواضيع، كما نلمس فيه آثار عصور مختلفة ومؤلفين عديدين . وكذلك ~~سفر الجامعة، فواضعه حكيم عظيم له الخبرة التامة، والمعرفة ~~الواسعة، متشائم فاقد الأمل «باطل في باطل، وكل شيء باطل.» هكذا ~~يبتدئ، وهكذا ينتهي، وهو شاك في قيمة كل شيء في الحياة، فليس ~~أمام الإنسان إلا الأخذ بأسباب الحياة والتمتع بهذه الأيام. ~~أما سفر أيوب فمن خير الكتب لا في الأدب العبري وحده، بل في ~~سائر الآداب؛ فأسلو به الشعري الأدبي من أحسن الأساليب وأروعها، ~~وموضوعه من المواضيع الفلسفية العميقة التي تتصل بالجزاء. وهو ~~إلى جانب ذلك مملوء بالقوة والجودة حتى يصح أن يوضع في مصاف ~~نتاج العبقريات العالمية، وقد أثبت رجال الأدب الألماني تأثر ~~«جوته» به في «فوست». ~~••• # حسبنا ذلك عن «العهد القديم» (التوراة) لنقول كلمة ختام قصيرة ~~عن «العهد الجديد» (الإنجيل) الذي هو قبل كل شيء تاريخ حياة ~~المسيح عليه السلام. فليس في الأمم المسيحية كتاب واحد قرأه الناس ~~وحفظوه وناقشوه بقدر ما صنعوا بهذا الكتاب، فهو بين الكتب التي ~~تروي تراجم العظماء أشدها تأثيرا في نفوسهم، حتى الذين لا ~~يؤمنون بالعقيدة المسيحية تراهم يلمون بطرف من قصته؛ لأنها قصة ~~تغلغلت في حياة الأمم الأوروبية وآدابها حتى بلغت منها ~~الصميم. # وقصة عيسى عليه السلام كما جاءت في الأناجيل الأربعة - أناجيل ~~متى ومرقص ولوقا وحنا - قصة قصيرة، وتزداد قصرا إذا حذفنا ~~الأجزاء المكررة في الأناجيل الأربعة. # ولم يكن أصحاب المسيح وتابعوهم ms0072 بكاتبين، بل كانوا - كالمسيح - ~~يعظون الناس بالقول، وحتى رسائل بولص - وهو أعلم من شرح ~~تعاليم المسيح - تطالعها فكأنما تستمع إلى وعظ يلقى، لا إلى ~~كتابة تقرأ؛ ولم يضطره إلى كتابتها سوى أن الكتابة هي وسيلته ~~الوحيدة التي يبلغ بها من لا يستطيع أن يتصل بهم اتصالا ~~قريبا. # وقد نشأ أدب عريض حول «حياة المسيح»، وحاول كثير من الكتاب ~~المحدثين أن يعيدوا رواية هذه الحياة العظيمة في لغة حديثة، ~~ولعل أروع هذه المحاولات كتاب «حياة المسيح» الذي دبجته ~~براعة الفيلسوف الفرنسي «إرنست رينان»، # 26 # فذاك كتاب اعترف له النقاد جميعا بأنه آية من ~~أجمل ما جادت به قرائح الأدباء. # ولا يقتصر «العهد الجديد» على تاريخ حياة المسيح؛ بل يروي حياته ~~في أشخاص حوارييه ورسله، وعلى الأخص «بولص»، الذي لولا نبوغه لما ~~نشرت النصرانية لواءها على أوروبا بأسرها؛ ففي رسائله تقرأ ~~العقيدة المسيحية مشروحة في جلاء وتفصيل، كما تلمح صورة لشخصية ~~بولص نفسه. # وينتهي «العهد الجديد» بسفر الرؤيا، وهو قصيدة صوفية مليئة ~~بالرؤى وألوان التشبيه، ولكنها جاءت غامضة فتعذر فهمها ~~وشرحها. والفكرة الرئيسية في هذا السفر هي الوعد بمدينة مقدسة ~~طاهرة تجيء في إثر هذا العالم الذي دنسته الخطايا، وهي مدينة ~~لن تكون لغير المؤمنين. ~~••• # ومع الأسف فالترجمة العربية للكتاب المقدس يعوزها البلاغة ~~وقوة البيان وجزالة الأسلوب؛ ومن أجل ذلك لم يستطع قراء ~~العربية أن يتذوقوا ما فيها من جمال فني. وأي أثر أدبي يفقد ~~روعته وجماله إذا ضعف أسلوبه، فهو إلى اليوم ينتظر ترجمة عربية ~~بليغة. ولعل هذا أحد الأسباب التي منعت من استغلال أدباء العربية ~~لهذا الكتاب كما استغله الأدباء الأوروبيون، مع أن المسلمين ~~الأولين قد استغلوه في بعض كتب التفسير والتاريخ كالطبري وأبي ~~الفداء، وفي بعض كتب الأدب كابن قتيبة في «عيون الأخبار»، وفي بعض ~~كتب الجدل كما فعل ابن حزم في كتابه «الفصل في الملل ~~والنحل». ويظهر أنه كانت لديهم تراجم للكتاب المقدس أصح ~~عربية من التراجم التي بين أيدينا الآن. ~~(1) نماذج من الأدب العبري # 27 ~~(1-1) سفر ms0073 الخروج # الإصحاح العشرون ~~: ~~الوصايا العشر: قال الله: إني أنا ربك، أخرجتك من أرض ~~مصر، بيت العبودية، فلا تتخذ إلها غيري. # لا تنحت لك تمثالا، ولا تتخذ لك صورة مما في ~~السماء فوقك، ولا من الأرض تحتك، ولا من الماء تحت الأرض. ~~ولا تسجد لشيء منها ولا تعبدها ولكن اعبدني، فإني أنا ~~الله إلهك، وإني غيور، أتعقب ذنوب الآباء في الأبناء إلى ~~الجيل الثالث والرابع ممن يبغضني، وأحسن إلى من ~~يحبني ويطيع أمري. # لا تتخذ اسم الله لهوا أو عبثا؛ فإن الله لا يغفر ~~العبث باسمه. # اذكر يوم السبت وقدسه، فللعمل ستة أيام تعمل فيها ما ~~ينبغي أن تعمل، وأما اليوم السابع «السبت» فلله إلهك - ~~لا تعمل فيه أنت ولا ابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ~~ونزيلك الذي تضمه دارك - فقد خلق الله السماء والأرض ~~والبحر وما فيها في ستة أيام، واستراح في اليوم السابع، ~~فباركه الله وقدسه. # أكرم أباك وأمك تطل أيامك على الأرض التي أعطاك ~~الله. # لا تقتل، ولا تزن، ولا تسرق، ولا تشهد زورا على ~~جارك، ولا تمدن عينيك إلى بيته، ولا تتطلع إلى ~~زوجه ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا ~~شيء مما يملكه. ~~(1-2) سفر أشعيا # الإصحاح الأربعون ~~: ~~يقول الله: العزاء العزاء يا شعبي. # حدثوا أورشليم حديثا قلبيا، حدثوها أن قد تم ~~جهادها، وأن الله قد عفا عن إثمها، وآتاها كفلين من ~~رحمته عما اقترفت من خطايا. # إن في البيداء هاتفا يهتف: مهدوا لله الطريق، ~~واتخذوا له سواء السبيل، فلينهض الوهد، ولينخفض ~~النجد، وليستقم المعوج، وليسهل الوعر، فسيعلن الله ~~عن مجده، وسيراه البشر جميعا إذ ينطق الله به. # قال الهاتف: صح؛ فقال بماذا أصيح؟ إنما الجسد عشب، ~~وإن جماله كزهرة البستان، وقد يذوي العشب، ويذبل ~~الزهر إذا طاف به طائف من الله؛ إلا إن الناس كالعشب، ~~وقد يجف العشب، ويذبل الزهر، ولكن كلمة الله باقية ~~أبدا. ~~(1-3) سفر حزقيال # الإصحاح السابع ~~والثلاثون ~~: مستني يد الله، ونفحني ~~بروح منه، فساقتني إلى واد قد ملئ بعظام الموتى، ms0074 ~~وجعلت تطوف بي حولها تقول: انظر إليها، ما أكثرها في ~~أرض الوادي وما أجفها، وما أيبسها. # قال لي: يا ابن آدم! أيمكن أن تحيا هذه العظام، قلت: ~~أنت يا ربي أعلم. قال: قل لها أيتها العظام اليابسة! ~~أصغي إلى كلمة ربك، لقد شاء الله أن ينفخ فيك من روحه ~~فتبعثين، وشاء أن يمد فيك أعصابا، ويكسوك لحما، ~~وينشر عليه جلودا، فتعودين إلى الحياة، وتعلمين أن ~~الله ربك. # لقد فعلت كما أمرت، وإذا بصوت يدمدم، انظر إلى ~~العظام ترتج، ويدنو عظم من عظم. ونظرت فإذا هي مكسوة ~~عصبا ولحما وجلدا، ولكنها بغير روح. # فقال لي يا ابن آدم: نبئ الروح أن الله أمرها أن ~~تأتي من الرياح الأربع، وتنبث في هؤلاء القتلى، ففعلت ~~ما أمرت، فدبت فيهم الروح، ونهضوا على أقدامهم، جيشا ~~جرارا عظيما. ~~(1-4) مزامير داود # 139 ~~: يا إلهي، إنك ~~عالم بي في كل أحوالي، في قيامي وقعودي، عالم بما يدور ~~بخلدي، بما ظهر وما بطن مني، لا أنطق بكلمة إلا وتعلمها، ~~قد أحطت بي من جميع جهاتي، وشملتني قدرتك، فما أعجب ~~علمك، وما أبعدني عن إدراك كنهك. # لا مهرب منك إلا إليك، إن صعدت إلى السماء فأنت ~~هناك، أو هبطت الهاوية فثم أنت، إن طرت بأجنحة ~~الصباح، وسكنت في أقصى البحار، تلقتني يدك، وأمسكتني ~~يمينك. # وإذا قلت إن الظلمة تلفني، رأيت أن الظلام ليس ~~ظلاما، ورأيت أن الليل كالنهار لديك، وأن الظلمة ~~والنور سواء عندك. # أنت مالك كل أمري، لأنك واضعي بيدك في بطن ~~أمي. # أحمدك وأشكرك، فقد أتيت بالأعاجيب في خلقي، ~~كونت عظامي في الخفاء، وصنعتني على عينك، وقدرت ~~أموري في كتابك ... # أنا لا أحصي نعمك؛ فهي أكثر عددا من الرمل ~~... # إني - يا رب - أبغض من يبغضك، وأمقت من يحاربك، ~~وأعادي من يعاديك. # راقبني - يا إلهي - واعرف قلبي، واعلم ما يجول ~~بنفسي، فإن رأيتني ضللت فاهدني الصراط المستقيم. # 137 ~~: على ضفاف نهر ~~بابل جلسنا، ثم بكينا إذ ذكرنا «صهيون»، # 28 # وبين أغصان الصفصاف علقنا كناراتنا. # 29 # طلب إلينا ms0075 آسرونا أن نغنيهم، وأراد مهلكونا أن ~~نفرح لهم، وننشدهم نشيدا من أغاني «صهيون». # كيف لنا أن نترنم بنشيد الله في مطارح الغربة! إن ~~نسيتك يا أورشليم ولم أفضلك على كل أسباب فرحي ~~فلتنس يمناي ما عملت، وليلتصق لساني بأعلى ~~فمي! # اذكر اللهم لبني أدوم يوم أورشليم؛ إذ هتفوا: دكوا ~~المدينة دكا، وائتوا عليها من أساسها. # يا بنت بابل! طوبى لمن يجازيك بما جازيتنا، فيطوح ~~بصغارك ويضرب بهم الصخور. ~~(1-5) سفر أيوب # مقتبسات 38، 39 ~~: ~~كلم الله أيوب من العاصفة: # من هذا الذي يظلم الفضاء بكلام لا علم فيه؛ اشدد ~~حيازيمك كما يفعل الرجال، لتجيب عما أسأل. # أين كنت حين أسست للأرض أساسها، ووضعت لها ~~ميزانها، وبسطت فوقها كساءها ...؟ # من وضع للبحر برزخا حين تدفق الماء من ينابيعه؟ متى ~~جعلت من السحاب للبحر لباسا، ومن الظلام له ألفافا؟ ~~ومتى شققت له مستقره، وأقمت من دونه الحواجز، وقلت ~~له لك أن تبلغ هذا الحد فلا تعده، فها هنا كتب على ~~أمواجك الشامخة أن تقف؟ ~~••• # هل انتهيت إلى ينابيع البحر أو سرت في أعماقه؟ # هل تكشفت لك أسرار الموت وعرفت مداخله؟ # هل أدركت عرض الأرض؟ # تكلم إن كنت تعلم! # أين يسكن النور وأين مقام الظلمة؟ # هل أنت تنظم الثريا، وتحل نظم الجبار، ~~وتنزل النجوم في منازلها، وتهدي بنات نعش، وتعرف سنن ~~السماء وتسلطها على الأرض؟ أتنادي السحب فتهطل ~~بالمطر الغزير، أو تستدعي البرق فيجيبك؟ # من وضع في باطن الأشياء الحكمة، وفي الفؤاد ~~الفطنة؟ # هل أنت الذي يهدي الأسد إلى فريسته أو يشبع أشباله؟ ~~من يرزق الغراب طعامه، إذا نعبت فراخه إلى ربها ~~طالبة قوتها؟! ~~(1-6) سفر الجامعة # الإصحاح الأول ~~والثاني ~~: قال ابن داود ملك أورشليم: # باطل في باطل، وكل شيء باطل. # ماذا يجني الإنسان من جهده تحت الشمس؟ # جيل يذهب، وجيل يأتي، والأرض باقية أبدا. # الشمس تشرق، والشمس تغرب، ثم تظهر في مكانها حيث ~~أشرقت. # تجري الرياح جنوبا، ثم تجري شمالا، وتدور في جريانها، ~~ثم تعود من حيث دارت. # تتدفق الأنهار في البحار، والبحار ms0076 لا تمتلئ، وإذا ~~الأنهار والبحار كما كانت. # كل شيء في حركة، والكلام يقصر عن وصفها. لا تشبع العين ~~من النظر، ولا الأذن من السمع. # ما كان سيكون، وما سبق عمله سيعاد عمله، ولا جديد ~~تحت الشمس. # هل في الدنيا شيء تستطيع أن تنظر إليه وتقول إنه جديد؟ ~~كلا؛ لقد كان قديما، وكان قبل أن نكون. # لقد عفت آثار الغابرين ونسي ذكرهم، وسيكون شأن ~~الآخرين شأن الأولين. # لقد كنت ملكا لبني إسرائيل في أورشليم، ووهبت قلبي ~~للبحث عن حكمة ما حدث تحت قبة السماء، فإذا كل ذلك ~~عناء نصب الله فيه الناس وشغلهم به. # رأيت كل ما تحت الشمس باطلا، وقبض الريح، فلا ~~المعوج يستقيم، ولا النقص يجبر. # لقد سألت نفسي، ماذا بعد عظمتك، وتمام حكمتك، تفوقك ~~على من كان قبلك على أورشليم، وتفتح قلبك للحكمة ~~والمعرفة، وتمييزك بين الحكمة والغفلة، والعلم والجهل؛ ~~فإذا هذا أيضا قبض الريح، فمن زادت حكمته زاد غمه، ~~ومن ازداد علما ازداد حزنا. # قلت لنفسي: سأمتحنك بالفرح، فلعلك ترين في ذلك ~~خيرا، فإذا هذا أيضا باطل. رأيت الفرح جنونا، فماذا ~~يغني الفرح؟! # قلت تعلل بالخمر، والهج بالحكمة، واسلك سبل ~~الجاهلين، لتدرك ما ينبغي أن يعمل الناس في دنياهم، ~~فوسعت ملكي، وبنيت البيوت، وزرعت الكروم واتخذت ~~لنفسي الجنان والبساتين، وغرست فيها الأشجار من كل صنف، ~~وأجريت فيها الماء يسقي أشجارها، وملكت العبيد ~~والجواري، وملأت بيتي بالخدم، واقتنيت من البقر والشاه ~~ما لم يملكه أحد من قبلي في أورشليم، وجمعت الذهب والفضة، ~~وأصبح في يدي كنوز الملوك والبلدان، وكان لي المغنون ~~والمغنيات، ونعمت بأطيب ما نعم به البشر، وزدت في ~~النعيم على ما كان لآبائي، واحتفظت مع كل ذلك بحكمتي، ~~ولم أحرم عيني أن تستمتع كما تشاء، ولا قلبي أن يفرح ما ~~يشاء. # ثم نظرت، فوجدت كل ذلك باطلا وقبض الريح، ولا خير ~~يرتجى تحت الشمس. # وقلت: إن الحكمة تفوق الجهل كما يفوق النور الظلام، ~~فالحكيم عينه في رأسه، والجاهل يضل السبيل، ولكن رأيت ~~أن الأحداث تحدث للحكيم ms0077 كما تحدث للجاهل، فما غناء ~~الحكمة؟ كل شيء باطل، فالحكيم ينسى بحكمته، والجاهل ~~ينسى بجهله، ويموت الحكيم كما يموت الجاهل، فما ~~الحياة؟ # كل ما تحت الشمس باطل وقبض الريح. # سخرت من عملي الذي أعمله؛ إذ علمت أنه صائر لمن بعدي، ~~ولا أعلم ما سيكون؟ حكيما أو جاهلا؟ # وكل شيء باطل. # حاولت أن أيأس من كل ما عملت، فالإنسان يجد في حياته، ~~وينجح بحكمته، ثم يترك ما عمله لمن يبذل فيه جهدا، ~~ولم يتعب فيه قلبا. # كل شيء باطل وبلاء عظيم. # فماذا ينال الإنسان من عنائه في يومه، وغمه في عمله، ~~وهمه في ليله؟ # كل شيء باطل. # لا شيء للإنسان خير من أن يأكل ويشرب ويستمتع بلذة ~~الخير في عمله، وقد رأيت هذا من نعمة الله، ومن أولى بها ~~مني؟ # إن الله ليهب للخير الحكمة والعلم ورضا النفس، ~~ويدع الشرير يجمع المال ويعدده، يحسب أن ماله ~~يخلده. # كل شيء باطل وقبض الريح. ~~(1-7) نشيد الأناشيد # الإصحاح الثاني ~~: أنا ~~وردة «شارون» وسوسنة الوادي. # حبيبي بين البنات، كالسوسنة بين الأشواك. وحبيبتي بين ~~البنين كشجرة التفاح بين أشجار الغاب. # تفيأت ظلاله في أعظم نشوة، ووجدت ثمرته أحلى ~~مذاق. # أدخلني إلى دار الشراب، ونشر فوقي لواء الحب. # أسعفوني بشراب، وانعشوني بتفاح، فأنا مريضة ~~بحبي. # إن يسراه تحت رأسي، ويمناه تعانقني. # نشدتكن الظباء وآرام الحقول، يا بنات أورشليم، ألا ~~توقظن الحبيب ولا تثرن نعاسه حتى يشاء. # ذاك صوت حبيبي! انظر، ها هو قادم يطفر فوق الجبل، ويقفز ~~فوق التلال؛ ما أشبهه بظبي أو ريم. # انظر، ها هو يقف وراء الجدار يتطلع من النوافذ، ~~ويبين من خلالها. # وتحدث إلي الحبيب فقال: انهضي يا حبيبتي وفتنتي، ~~وتعالي معي بعيدا؛ فقد مضى الشتاء، وأقلعت السماء، ~~وازينت الأرض بزهرها. ها قد آن أوان تغريد الطير، وغنى ~~الحمام في أرضنا، وأخرجت شجرة التين خضر ثمارها، ~~وعبقت الكروم بأريج أعنابها. # انهضي يا حبيبتي، يا فتنتي، وتعالي معي بعيدا. # إيه يا ورقاء! دعيني أشهد محياك بين شعاب الصخر ~~وستر المعاقل. أسمعيني رنين صوتك، ms0078 إنه لطروب، وأريني ~~محياك، إنه لجميل. # أبعدوا عنا الثعالب، صغار الثعالب؛ لأنها تفسد الكروم، ~~وإن كرومنا قد نضجت أعنابها. # أنا من أهوى ومن أهوى أنا، وها هو يطعم بين زهرات ~~السوسن. # إلى أن يقبل الصباح وينهزم الظلام عد - يا حبيبي - كما ~~كنت ظبيا أو رئما في شعاب الجبال. ~~(1-8) من أمثال سليمان # رأس الحكمة مخافة الله، ولكن الجاهل يزدري الحكمة ~~والموعظة. اسمع يا بني وصاة أبيك ولا ترفض شريعة ~~أمك؛ توكل على الله بكل قلبك، ولا تعتمد على عقلك. لا ~~تمنع الخير عن أهله متى استطعت أن تفعله؛ لا تقل لصاحبك ~~اذهب اليوم وسأعطيك غدا إن كنت تملك اليوم ما تعطيه. ~~اذهب إلى النملة أيها الكسلان، وتعلم طرائقها وكن ~~حكيما، ولا تمل إلى الزانية، ولا تشرد في مسالكها، ~~فإن بيتها طريق إلى الهاوية، وسبيل هابطة إلى القبر. ~~العامل بيد رخوة مصيره الفقر، والغنى في يد المجد. ~~تأتي الكبرياء فيأتي معها الهوان، ومع المتواضعين ~~الحكمة. طريق الجاهل مستقيم في نظره، وسامع المشورة حكيم. ~~إن من الناس من ينطق بمثل طعن السيف، ولسان الحكماء ~~شفاء. المرأة الحكيمة تبني بيتها والحمقاء تهدمه. الكلام ~~اللين يمحو الغضب، والكلام الموجع يثير السخط. لقمة ~~يابسة ومعها سلام خير من بيت مليء بالذبائح وفيه خصام. ~~الأخ أمنع من مدينة حصينة. الصيت أفضل من الغنى، ~~والنعمة الصالحة أفضل من الفضة والذهب. الغني والفقير ~~يلتقيان، فكلاهما من صنع الله. ~~••• # ولليهود أمثال شعبية قديمة جرت على ألسنتهم في أزمان ~~مختلفة، تمثل حياتهم وتفكيرهم وعاداتهم في تلك العصور، ~~التي تعاقبت عليهم فيها العزة والذلة والاستقلال ~~والاستعباد؛ تصف الحياة العائلية وفضائل الناس ورذائلهم، ~~وقواعد السلوك في الحياة البيتية والاجتماعية، والحظ ~~والقسمة، والفقر والغنى، في عبارة منتقاة، ~~كتلك التي في الأدب ~~العربي. ومن خصائصها أنها لا تصوغ الحكمة في قاعدة عامة ~~تنطبق على كثير من الجزئيات، ولكنها غالبا تنطق بجزئية ~~يمكن أن يشبه بها كثير من الحالات. وأكثرها يدل شكلها ~~على أنها نبعت من قرى صغيرة لا من مدن كبيرة. # نسوق بعض أمثلة ms0079 منها للدلالة على ما فيها: # 30 ~~(1) # الشباب إكليل من الورد، والشيخوخة إكليل من ~~الصفصاف. # أي إن الإكليل في عهد الشباب خفيف وجميل، ~~أما في عهد الشيخوخة فثقيل قبيح. ~~(2) # شجرة الشوك من صغرها تنتج الإبر؛ أي أن ~~الطفل تنبئ أعماله في صغره عما سيكون في ~~كبره. ~~(3) # قد يعلمك الحكمة بعض ولدك. # ومعناه أن الكبار كثيرا ما يتعلمون ممن ~~يصغرونهم سنا. والقصة التي من أجلها جرى هذا ~~المثل هي: # أن حبرا يهوديا كان له زوجة عنيدة ~~تعمل دائما عكس ما يريد، فلو رغب في الفول ~~أعدت له عدسا، وفي العدس أعدت له فولا. ~~وحدث يوما أن أرسل الوالد ابنه يحمل رسالة ~~إلى أمه، يأمرها بعمل، فنقل الابن إلى ~~أمه عكس ما أمر به أبوه، وبهذا حقق ~~لأبيه ما يريد. ولما علم الرجل بما فعل ~~ابنه أنبه على عصيانه، ولكنه تعلم من ~~تصرف الولد ما ينبغي له أن يصنع مع ~~زوجه. ~~(4) # كنا في شبابنا رجالا، فلما أصبحنا ~~شيوخا صرنا في أعين الناس صغارا. # والمعنى أن كثيرا من الناس يبدون قدرة في ~~سن الشباب فيعهد إليهم بهام الشئون، فإذا ~~ما تقدمت بهم السن عجزوا عن القيام بخطير ~~الأعمال، كأنما هم صغار. ~~(5) # قال الشيخ: إني أبحث عن شيء لم ~~أفقده. # والمعنى أن الشيخ إذا احدودب ظهره مشي ~~وعيناه إلى الأرض كأنما يبحث عن مفقود. ~~(6) # كم من جمل مسن يحمل جلد جمل ~~صغير. # والمعنى أنه كثيرا ما يلاقي الشاب حتفه ~~قبل الرجل المسن، كما تحمل الجمال التي ~~تقدمت بها السن جلود صغارها التي ذبحت إلى ~~السوق. ~~(7) # الفقر يقتفي أثر الفقير. ~~(8) # إذا ما فرغت الدار من شعيرها، جاءها ~~العناء يدخل من بابها. ~~(9) # الكلب الجائع تزدرد الروث. ~~(10) # تحل الآلام بأسنان من يسمع جاره يمضغ ~~الطعام وهو لا يملك ما يأكله. ~~(11) # إلى أن يهزل سمان الرجال يفنى منهم ~~العجاف. ~~(12) # عند باب الدكان يكثر الإخوان والأصدقاء، ~~وعند باب البؤس لا تجد أخا ولا ~~صديقا. # أي أن الأصدقاء يكثرون في اليسار، ويختفون ~~في العدم. ~~(13) # إن قيل مات الصديق فصدق، وإن قيل ms0080 أثرى ~~الصديق فكذب. # أي أن سوء الأخبار أقرب إلى الحدوث من ~~حسنها. ~~(14) # من امتلأ جوفه زادت شروره. ~~(15) # تغزل المرأة وهي تتحدث. # أي أن المرأة تنتهز كل فرصة ممكنة ~~لتحقيق أغراضها، فهي تركز انتباهها في الغاية ~~التي تنشدها، حتى وهي تتلهى مع غيرها ~~بالحديث. ~~(16) # كما أن النعجة تتبع النعجة، كذلك تفعل ~~البنت ما تفعله أمها. ~~(17) # سليلة الأمراء والملوك قد تمتهن ~~للسفلة. ~~(18) # المرأة في الستين كالصبية في السادسة، ~~تسرع نحو الموسيقى التي تعزف في احتفال ~~الزواج. # ومعنى ذلك أن المرأة لا تفقد ميلها نحو ~~أمور الأمومة مهما بلغت سنها. ~~(19) # انزل درجة في اختيار الزوجة، واصعد درجة ~~في اختيار الصديق. # أي أن الزواج من امرأة أرفع منك منزلة، ~~خليق أن يضعك موضع الزراية من زوجك ~~وأقاربها، أما مصادقة من هم أعلى منك فقد ~~ينفعك. ~~(20) # لا أريد لقدمي حذاء أوسع منها. # أي أن الزواج من أسرة أرفع ليس سبيلا إلى ~~السعادة. ~~(21) # تعجل في شراء الأرض، وتردد في اختيار ~~الزوجة. ~~(22) # إن كانت زوجتك قصيرة فانحن إليها لتهمس في ~~أذنها. # أي لا بد لك من استشارة زوجتك في كل شيء، ~~حتى لو ظننت نفسك أوسع منها علما وخبرة ~~وذكاء. ~~(23) # الرذيلة في البيت كالدودة في ~~الفاكهة. ~~(24) # حب الوالد لبنيه، وحب الأبناء ~~لأبنائهم. ~~(25) # إذا نبحك كلب فادخل الدار، وإذا نبحتك ~~كلبة فاخرج منها. # الكلب هنا رمز لزوج البنت، والكلبة رمز ~~لزوجة الابن، أي أن الأول غضبه محتمل، وأما ~~الثانية فغضبها لا يحتمل. # الفصل الثالث # | الأدب اليوناني # (1) أساطير اليونان # كانت حياة الإنسان الأول شاقة عسيرة، وكان العالم من حوله ~~يعج بظواهر لا يفهمها، ومشكلات لا يقوى على تعليلها، ولكنه ~~كلما ازداد على مر الزمان خبرة وذكاء ازداد رغبة في فهم هذه ~~الطبيعة وتفسيرها؛ فما أصل العالم؟ وكيف خلق الإنسان ~~والحيوان؟ كيف نشأت أفلاك السماء في مسالكها ونظامها؟ كيف ~~نعلل حركات الشمس والقمر؟ لماذا كانت هذه الشجرة حمراء ~~الزهر وذلك الطائر أسود الذيل؟ ما أصل هذا وذاك من كل ما ~~يحيط بالإنسان؟ # حاول الإنسان الأول أن يجيب عن هذه الأسئلة ms0081 وأشباهها، وهو ~~في محاولته الإجابة لم يكن يفرق بين الإنسان وسائر الكائنات ~~كما نفعل اليوم، إنما الكائنات في رأيه مخلوقات سواء؛ فكل ~~حيوان له روح كروح الإنسان، وكل شيء في الوجود له شخصية كشخصية ~~الإنسان. وينبئنا «هيرودوت» أن المصريين الأولين كانوا ~~يعدون النار حيوانا نشيطا، والرياح كائنا حيا يتزوج ~~ويعقب الأبناء. # على هذا الأساس أخذ الإنسان الأول في تفسير الطبيعة، فكان من ~~الطبيعي أن ينسج القصص حول ظواهر الكون كما تنسج حول أفراد ~~الإنسان؛ فلكل ظاهرة قصتها، أو أسطورتها التي تشرح تاريخها، ~~فتكونت بذلك طائفة من الأساطير تصور عقلية الإنسان الأول في ~~فهمه للأشياء. ولما بدأ الإنسان في إنشاء أدبه وتدوينه، لم ~~يجد بدا من تسجيل تلك الأساطير الأولى التي أخذت تتوارثها ~~الأجيال، وكل جيل جديد ~~يضيف إليها شيئا من إنتاجه يصور وجهة نظره في مشكلات ~~الحياة والموت وعلاقة الإنسان بالعالم الذي يعيش فيه. # هذه الأساطير - التي اتخذها الأدب أساسا يقوم عليه - ~~متنوعة متعددة كما تتنوع ظواهر الحياة وتتعدد. # فهذه أساطير عن أصل العالم وأصل الإنسان، وهذه أساطير عن ~~فنون الحياة تقص علينا كيف تعلم الإنسان رماية الرمح وجر ~~المحراث وصناعة الخزف وهكذا، وهذه أساطير تدور حول الشمس ~~والقمر والنجوم، وأخرى تتعلق بالموت وما بعد الموت. ثم هذه ~~مجموعة من الأساطير - لعلها أروعها وأمتعها - تتصل بالحب ~~وعلاقة الرجال بالنساء. والصفة المشتركة بين هذه الأساطير كلها ~~هي الشخصية التي تخلعها على الحيوان والجماد. وقد أدت هذه ~~النظرة بالإنسان إلى العقيدة بوجود آلهة لا عدد لهم يسكنون ~~ويكمنون في كل ظواهر الوجود، ويعنون بشئون البشر فيرقبونها ~~ويتدخلون في مجراها في شغف واهتمام، وكثيرا ما يقف بعض ~~الآلهة موقف العداوة من الإنسان، لهذا لم يكن بد عند الإنسان ~~الأول من عبادة الآلهة وخشية بطشها. ومن هنا كانت هذه الأساطير ~~وثيقة العلاقة بنشأة الدين. ولما كانت طلائع الأدب تدور في ~~جملتها حول الآلهة وما يعملون، ثم لما كان الدين قد استتبع ~~في تطوره إنشاء المعابد، فقد صار المعبد الديني في كثير من ~~بلاد العالم ms0082 القديم مأوى الآداب. # وإنه لمن أروع وأهم ما يرويه تاريخ الإنسانية هذا التشابه ~~الشديد بين أمم الأرض في أغانيها الشعبية وفي أساطيرها، ~~فأغاني الشرق وأغاني الغرب متفقة في الموضوع، وكل شعوب العالم ~~تقص قصصا متشابهة أو متقاربة. أيكون هذا الاتفاق حادثا ~~عارضا؟ أم نعلل اتفاق الهنود والفرس والإغريق والرومان ~~والجرمان وأهل اسكندناوه والروس والكلتيين بأنهم جميعا ~~استمدوا أساطيرهم من الجنس الذي عنه تفرعوا جميعا، وهو ~~الجنس الآري الذي كان مقره هضبة آسيا الوسطى قبل أن يهاجر ~~نحو الغرب في موجات متلاحقات ليؤسس الأمم الأوروبية؟ قد يكون ~~هذا التعليل مقبولا لولا أنه لا يفسر التشابه بين الآريين ~~وغير الآريين. # لهذا كان الأرجح أن يكون تشابه الأساطير عند مختلف الشعوب ~~راجعا إلى أنها نتيجة تجارب متشابهة وعقليات متقاربة وعواطف ~~متجانسة يحسها الإنسان ما دام إنسانا، فهي إنتاج العقل ~~والعاطفة الإنسانية في بدايتهما. # ونحن نبسط لك أمثلة من أساطير اليونان، لما لها من أثر قوي ~~في الآداب العالمية وخاصة الأدب الأوروبي: ~~(1-1) قصة: كيوبد وسيكه # 1 # كانت سيكه صغرى بنات أحد الملوك، وكانت من الجمال بحيث ~~أثارت الغيرة في إلهة الجمال نفسها «فينوس»، # 2 # فأمرت الإلهة ابنها كيوبد أن يقتل هذه ~~الإنسانة التي تنافسها في جمالها، فتسلل كيوبد إلى مخدع ~~سيكه، ولكنه لم يكد يبصر هذا الجمال الفاتن حتى ارتد ~~مذهولا، وانطلق أحد سهامه إلى صدره، فأقسم ألا يعتدي على ~~مثل هذا الجمال البريء، وسرعان ما أحبها، وأخذ يزورها في ~~ظلمة الليل، بعد أن وعدته بألا تحاول التعرف باسمه أو ~~النظر إلى وجهه، وتوعدها بالهجر والقطيعة إذا هي أخلفت ~~وعدها. ولبثت سيكه زمانا طويلا حافظة لعهدها، ضابطة ~~لأمرها، ولكن رغبة الاطلاع غلبتها آخر الأمر، فنهضت ذات ~~ليل وأشعلت سراجها وحدقت معجبة في حبيبها الراقد. ~~وشاءت المصادفة أن تسقط من المصباح قطرة زيت على كيوبد ~~فتوقظه؛ ففر لساعته من النافذة المفتوحة، وظلت سيكه ~~تعاني ما تعاني من هجر حبيبها حتى عاد إليها. ~~••• # وهي قصة ترمز إلى حقيقة إنسانية قريبة، وهي أن النفس ~~لا يجوز ms0083 لها أن تمعن النظر في الحب وإلا تبدد، وقريب ~~من هذا قول الشاعر العربي: # ليس يستحسن في شرع الهوى # عاشق يحسن تأليف الحجج ~~(1-2) قصة: ديانا وإنديميون # 3 # كانت ديانا - إلهة القمر - تسوق جيادها البيض النواصع ~~في السماء، فلمحت إنديميون نائما على سفح جبل، وإنديميون ~~شاب من الرعاة فاتن الجمال، فانحنت إليه تقبله، وأخذت ~~كل ليلة تقف بعربتها في هذا المكان، فتقضي مع الشاب ~~الجميل لحظة قصيرة، هي عندها السعادة والنعيم، ثم ما لبثت ~~ديانا أن أشفقت على هذا الجمال أن يفلت منها أو ~~تتلفه الحياة على الأرض، فأغرقته في نعاس دائم ~~وأخفته في غار لا يدنسه إنسان من البشر. # هذه القصة من أساطير النجوم، ويقول شارحوها إن إنديميون ~~يمثل الشمس الغاربة التي يتطلع إليها القمر كلما بدأ في ~~الليل رحلته. ~~(1-3) طريق الدمار أو قصة: فيتون # 4 # قصة فيتون هي قصة الكون كله، فقد كان فيتون ابن أبولو # 5 # إله الشمس وهو يمثل السائق الأرعن الذي ~~يتخبط بعربته هنا وهناك. طلب فيتون من أبيه أبولو أن ~~يقيم له برهانا على حبه الأبوي، فأقسم أبولو أن يستجيب ~~لطلب ابنه مهما كان. # ولكنه سرعان ما ندم على قسمه، لأن فيتون قد طلب إلى ~~أبيه أن يعهد إليه بعربة الشمس يقودها يوما واحدا، فقال ~~أبولو: «لن يقود عربة النهار ذات اللهب إلا أنا.» وأنذر ~~ابنه بما يصيب الكون من الكوارث لو عهد إليه بعربة الشمس ~~يقودها، وأخذ يصف له مخاطر الطريق: «أول الطريق شديد ~~الانحدار ... ووسطه عال في أجواز السماء، حتى أكاد أنا نفسي ~~لا أستطيع أن أصوب نظري نحو الأرض التي تمتد تحتي دون ~~أن يأخذني الفزع ... أضف إلى ذلك كله أن السماء لا تنفك ~~دائرة تحمل معها النجوم، فلا بد لي أن أكون على حذر ~~خشية أن تدفعني حركة السماء الدائرة التي تدفع كل شيء. ~~فهبني أعرتك العربة يوما، فماذا أنت صانع؟ # إن الطريق مملوء بالمخاوف؛ فستمضى بجانب قرني «الثور» ~~أمام «السهم»، بالقرب من فكي «الليث»، حيث «العقرب» ~~تمد إحدى ms0084 ذراعيها في ناحية و«السرطان» في ناحية أخرى، ~~ولن تجد الأمر يسيرا أن تقود هذه الجياد بصدورها المليئة ~~باللهب الذي تلفظه من ~~الأفواه والخياشيم.» ولكن فيتون الأحمق أبى إلا أن يكون ~~أبوه عند وعده؛ فأسلمه أبوه عربة الشمس فأمسك بالعنان ~~وبدأ رحلته في السماء، وسرعان ما أحاطت به الصعاب، فقد ~~أحست الجياد رعونة سائقها فانطلقت منحرفة عن طريقها، ~~فتلاحقت الكوارث: احترق الدب الأكبر والدب الأصغر، ~~وذوت مجموعات بأسرها من النجوم. فلما قارب الأرض أخذها ~~الهلع من كل صوب، فسقط العنان من يد فيتون، وجثا راكعا ~~أمام أبيه يطلب معونته، لكن دعاءه ذهبت به ضجة الفزع ~~تنبعث من أرجاء الأرض جميعا: فالغابات تشتعل، والجبال ~~تذوب، والبحر يفيض، والقاع يبرز على هيئة الجزر، والأرض ~~تنشق، والمدائن تصعد دخانا في الفضاء ثم تهبط ذرات من ~~رماد، ونهر النيل ينحرف إلى الصحراء حيث لا يزال حتى ~~اليوم، واسودت وجوه أهل النوبة، وماج البحر حتى كاد إلهه ~~يغوص في اليم غرقا، واهتزت الأرض ضارعة إلى «جوبتر» # 6 # أن يخمد نارا كادت تجعلها رمادا. # وسمع «جوبتر» (إله المشتري) دعاء الأرض، ودعا الآلهة أن ~~يشهدوا ما دبر للأرض من خلاص؛ وما هو إلا أن طوح بسهم ~~من البرق الخاطف نحو السائق المجنون، فارتج فيتون وسقط ~~من مكانه في العربة إلى نهر «أريدانوس» # 7 # حيث غرق في موجه، وأقامت عرائس النهر قبرا ~~له، وبكت عليه أخواته بكاء مرا طويلا، حتى أشفق ~~عليهن «جوبتر» فأحالهن شجرات من الحور ما تزال ~~ورقاتها تسقط عبراتها القانيات، وحزن عليه صديقه «سجنوس» # 8 # حزنا كاد يقضي عليه، فبدله الله تما # 9 # لن يزال إلى الأبد سابحا على النهر ينشد قبر ~~فيتون. # هكذا علل عقل الإنسان الأول - وفيه ما فيه من ضعف ~~التعليل وشرود الخيال - نشأة الصحراء والأصقاع المجدبة ~~وما إلى ذلك على ظهر الأرض. ~~(1-4) قصة إكو ونارسيس (الصدى والنرجس) # 10 # كانت إكو - عروس الجبال - بارعة في جمالها، ولكنها ~~أحرجت صدر ديانا # 11 # بحديثها الذي لا ينقطع، وكثرة لجاجها ~~واعتراضها في الكلام والحوار، فقضت ms0085 عليها ديانا بالعقاب ~~الآتي: ~~«ستحرمين هذا اللسان الناطق الذي تخدعينني به؛ فلن ~~ينطق لسانك بعد الآن إلا بشيء واحد أنت به مغرمة، وهو: ~~الجواب. وسأبقي لك القدرة على رد الكلمة الأخيرة من ~~حديث المتكلم، وأسلبك القدرة على البدء بالحديث.» ~~فتذهب إكو صامتة اللسان لا تحركه إلا لكي تكرر به آخر ~~كلمات المتحدث، ثم يشاء حظها الأنكد أن تغرم بشاب جميل ~~«نارسيس» (النرجس) وتهم بمغازلته فلا تستطيع؛ فنال منها ~~الحزن والعار كل مبلغ، وآوت إلى الصخور والجبال حيث أخذت ~~تذوي وتذبل حتى فني منها الجسد، ولم يبق لها إلا الصوت ~~تردد به الكلمة الأخيرة مما تسمع، ولا تزال حتى اليوم ~~نعرفها بصوتها. وشاءت المقادير أن تنتقم لها من نارسيس ~~الذي رفض حبها بل أشاح بوجهه عن العرائس جميعا. # وذلك أن نارسيس رأى يوما صورة وجهه معكوسة في الماء ~~فأحبها ، ولكن لا سبيل إلى ضم هذا الحبيب. # لذلك اعتزل في حزنه حتى مات؛ فأرادت العرائس أن تواري ~~جسده في جدث يليق به، ولكنها لم تجد من جسده إلا ~~زهرة تحمل اسمه، هي زهرة النرجس. ولعلها رمز إلى زهرة ~~النرجس التي تنمو على حافة المياه. ~~(1-5) قصة بروزربين المغتصبة # 12 # لم يستطيع بلوتو # 13 ~~- إله جهنم - أن يغري إلهة من الآلهات ~~بزواجه، فظل في مملكة الموت وحيدا حتى ضاق بهذه الوحدة ~~ذرعا. وحدث مرة أن كانت «سيريز» # 14 # إلهة القمح والحصاد تجول مع ابنتها ~~«بروزربين» في سهل مزهر من سهول صقلية، فأخذت الفتاة ~~تجمع الزهر مع جماعة من الرفاق، فباغتها «بلوتو» وقد ~~أقبل في عربته مسرعا، وأحبها للنظرة الأولى فاختطفها ~~لتكون قرينة له في مملكته الصامتة الموحشة؛ فسقط ~~الزهر من حجر الفتاة وأخذت تصيح مستنجدة، ولكن الإله ~~المغتصب استحث جياده حتى وقف به الطريق عند نهر، فغضب ~~بلوتو وضرب الأرض بصولجانه فانشقت له وهبط إلى جوفها مع ~~عروسه المغتصبة، فحرمت ضوء الشمس وهواء الأرض وأصبحت ~~زوجة لملك الموت، وأخذت أمها سيريز تبحث عن فتاتها في ~~سورة من الغضب والحزن، وأشعلت سراجين وهاجين على ms0086 ~~قمة «إطنة» لتبحث عن ابنتها في سواد الليل؛ فلم يجرؤ أحد ~~من الآلهة ولا من الناس أن ينبئها خبر ابنتها خوفا من ~~بلوتو! ولبثت الأم هائمة على وجهها تسعة أيام، حتى ~~صادفت إلهة أنبأتها قصة ابنتها التي أصبحت ملكة على ~~دولة الأموات. # فأسرعت سيريز في عربتها إلى مقر الآلهة لترفع إليهم ~~شكاتها، فاستجاب لها «جوف» # 15 # وأرسل عطارد # 16 # يسترد بروزربين من خاطفها بلوتو، ولكنه اشترط ~~لردها ألا تكون قد أكلت شيئا من طعام العالم السفلي، ~~وذهب عطارد وكاد بلوتو يصدع بأمر كبير الآلهة، لولا أن ~~بروزربين عندئذ شوهدت وفي يدها رمانة تمتص رحيقها، ~~فكان ذلك مانعا من ردها، ولكنهم اتفقوا آخر الأمر أن ~~يقفوا من الطرفين موقفا وسطا، فقضي على بروزربين أن ~~تنفق نصف عامها مع أمها والنصف الثاني مع زوجها. # وبروزربين في هذه القصة ترمز لحبة القمح التي تقضي ~~الشتاء راقدة في مخبأ مظلم تحت التراب، ثم تعود فتبرز على ~~وجه الأرض في الربيع مورقة مزدهرة. أو بعبارة أخرى ترمز ~~هذه القصة لموات الشتاء تتلوه حياة الربيع إلى أبد ~~الآبدين. ~~••• # هذا نموذج من الأساطير اليونانية وتسمى الميثولوجيا # 17 # وهو اسم يطلق على أساطير كل أمة تتعلق ~~بآلهتها، فيقال الميثولوجيا اليونانية والميثولوجيا ~~الهندية ... إلخ. # وقد تناولها العلماء بالبحث في أصولها ونشأتها ورموزها، ~~وسموا هذا العلم «ميثولوجيا» أيضا، وهو علم واسع ~~احتدم فيه الجدل واختلفت فيه وجوه التفسير. # ولعل أقدم محاولة كانت ما زعمه فلاسفة أيونيا من أن ~~الأساطير ليست إلا رموزا لقوى الإنسان النفسية ~~والأخلاقية، وعن هؤلاء الفلاسفة أخذ أفلوطين وفرفريوس ~~وغيرهما من فلاسفة الإسكندرية، فأسرفوا في التخريج، وإن لم ~~تخل آراؤهم من عمق وجمال. خذ لذلك مثلا قصة «يوليسيز» ~~والساحرات المعروفات باسم سيرينا، # 18 # فقد حدثنا هوميروس عن وجود أولئك الساحرات ~~بأعلى الصخور في إحدى المضايق الخطرة، وقال إن أصواتهن ~~كانت رائعة الجمال وإنهن كن إذا غنين أذهلن ~~البحارة عن سفنهم، فتركوها تسير مع الموج إلى أن ترتطم ~~بصخور المضيق وتتحطم. ولهذا عندما اقترب «يوليسيز» ~~منهن عائدا من ms0087 حرب طروادة أمر بحارته أن يسدوا ~~آذانه وأن يشدوه إلى شراع السفينة، وبذلك نجا من سحرهن، ~~واستطاع أن يظل يقظا معنيا بقيادة سفينته وإصدار ~~أوامره إلى البحارة. # في هذه الأسطورة يرى أفلوطين وتلاميذه أنها رمز للصراع ~~بين العقل والغواية، وهو بعد تفسير قريب مقبول، ولكن موضع ~~الخطر كان في تعميمهم لمثل ذلك الفهم ومحاولتهم تطبيقه على ~~كافة الأساطير. # وفي القرن الرابع قبل الميلاد ظهر مذهب آخر يعرف ب «اليهيميرية» # 19 # نسبة إلى الفيلسوف اليوناني يهيميروس، # 20 # وهو يرى أن الأساطير ليست إلا قصصا خياليا ~~لحوادث تاريخية، فالآلهة وأشخاص الأساطير الأخرى ليسوا ~~عنده إلا ملوكا وأبطالا أصبحوا آلهة بعد موتهم؛ ف ~~«ريوس» مثلا ليس إلا غازيا شجاعا مات بجزيرة كريت ودفن ~~بها، وبعد موته عبد على أنه إله. وبهذا المذهب أخذ رجال ~~الكنيسة في التاريخ القديم وفي القرون الوسطى، لأنهم وجدوا ~~فيه ما استطاعوا معه تجريح آلهة الوثنية. وهذا المذهب وإن ~~كان في عبادة الأموات التي شاعت عند الشعوب القديمة ما ~~يؤيده إلا أنه لا يمكن أن يفسر نشأة كل تلك الآلهة التي ~~ملأ بها اليونان الأرض والسماء. # هاتان هما المحاولتان الكبيرتان اللتان عرفهما ~~القدماء ورجال القرون الوسطى في تفسير الأساطير. وأما ~~العصور الحديثة - أعني منذ النهضة الأوروبية - فقد تفننت ~~في الفروض يضعها العلماء ثم يأخذون في البرهنة على ~~صحتها معتمدين على المقارنة. ولقد كان في اكتشاف ~~أمريكا ومجاهل أفريقيا وجزر الأوقيانوس ما مكن العلماء ~~من تدوين كثير من أساطير الشعوب الفطرية التي لا تزال تسكن ~~بعض تلك الجهات. وعلى ضوء تلك الأساطير حاولوا تفسير ~~الأساطير القديمة. فقال البعض إن الأساطير لم توضع إلا ~~لتفسير الطقوس الدينية التي توارثها الأقوام البدائيون ~~دون أن يفهموا لقيامها معنى، فأخذوا ينسجون لتفسيرها ~~القصص، وقال آخرون إنها وضعت لكي تنفث نوعا من الحياة ~~في الأصنام والتماثيل التي توارثها أولئك القوم. وقال ~~آخرون إنها نشأت عن عبادة الشمس أو غيرها من قوى الطبيعة ~~التي خشيها الإنسان البدائي وعجز عن فهمها فعبدها. ~~وهكذا تنوعت المذاهب مما لا ms0088 سبيل إلى حصره، وفي كل ~~منها شيء من الحق، ولكنها كلها لا تقوم إلا على الفروض ~~التي لا تفيد يقينا. # والأساطير اليونانية لم تصل إلينا على حالتها الفطرية ~~الأولى، بل إن الشعراء الذين أتوا بعد تلقفوا ~~الأساطير من أفواه الشعب، وهم لم يقفوا عند مجرد ~~التدوين أو الصياغة الشعرية بل نموا ما سمعوا وفهموه ~~بعقولهم الممتازة، ووجهوه نحو معان جديدة عميقة، ثم ~~عادوا فردوا إلى الشعب ما أخذوه عنه، وإذا بالشعب ينسى ~~الصيغ الأولى لأساطيره ولا يعود يذكر غير ما يرويه ~~الشعراء. وعلى هذا النحو نستطيع أن نقول إن الشعراء هم ~~الذين خلقوا الأساطير التي بين أيدينا الآن. # وأقدم شعراء اليونان الذين خلقوا لنا ما كتبوا هو ~~«هوميروس» الذي عاش على الأرجح في القرن العاشر قبل ~~الميلاد. ولقد تحدث هوميروس عن الكثيرين من آلهة اليونان ~~وذكر الكثير من خصائصهم وصفاتهم، ولكن ما ذكره ذلك الشاعر ~~العظيم عن الأساطير لم يأت إلا عرضا، وفي جلال قصصه ~~للحوادث التي اتخذ منها موضوعا لملحمتيه اللتين ~~سنتحدث عنهما بعد. ومع ذلك فمن البين أنه كانت لدى ~~هوميروس فكرة جامعة عن روح الأساطير الإغريقية، تلك الروح ~~التي نجدها شائعة في كل ما يقول وكأنه يفترضها معلومة، ~~وهي لا شك كانت معلومة لسامعيه، وأما نحن الذين نجهلها ~~فلا بد لنا من الاعتماد على شاعر آخر أتى بعد هوميروس ~~بأربعة قرون تقريبا، وحاول أن يعرض تاريخ الآلهة ~~اليونانية والأساطير التي تتعلق بها، ولكن عرضه لم يخل ~~من تناقض وتشتت، نفسره اليوم بمحاولته التوفيق بين ~~تقاليد المدن اليونانية المختلفة. ومن المعلوم أن بلاد ~~اليونان كانت مقسمة إلى عدة مدن تكون كل مدينة منها ~~مملكة صغيرة، وكان لكل مدينة نظمها وتقاليدها وآلهتها ~~وأساطيرها، وإن تشابه ما كان قائما بالمدن المختلفة، ~~كما أن قيام الأعياد الإغريقية العامة والمسابقات الرياضية ~~المشتركة، ووجود معابد في مدينة دلف وجزيرة ديلوس # 21 # ومدينة أولمبيا وغيرها يحج إليها الإغريق ~~كافة، كل هذا ساعد على وجود آلهة مشتركة موحدة الخصائص، ~~ولكن دون أن يمحو الاختلاف في ms0089 التفاصيل. # ذلك الشاعر هو «هزيود» الذي سيأتي ذكره، وكتابه الذي ~~نشير إليه هو «نسب الآلهة»، # 22 # وبإمعاننا في ذلك الكتاب نستطيع أن نفهم ~~الأساطير اليونانية فهما يوضح لنا الكثير من خصائص ~~الأدب الإغريقي بل والروح الإغريقية عامة. # والذي لا شك فيه أن أساطير الإغريق كغيرها من الأساطير ~~تدور حول العناصر الأبدية الثلاثة؛ (1) الإنسان. (2) ~~الطبيعة. (3) الآلهة؛ فهذه العناصر الثلاثة هي أبطال كل ~~تلك القصص. والذي شغل الإنسانية منذ أقدم الأزمنة - ~~ولايزال يشغلها حتى اليوم - هو فهم العلاقة بين هذه ~~العناصر وحل المشكلة القائمة بينها. ولقد استطاع اليونان ~~أن يفهموا تلك العلاقة وأن يحلوا ذلك الإشكال حلا ~~شعريا فيه تتركز كل خصائصهم الروحية. # ولعلهم لم يستطيعوا حل تلك المشكلة العويصة - مشكلة ~~الإنسان والطبيعة والآلهة - ذلك الحل الشعرى إلا بفضل ~~تلك الخاصية التي يجمع النقاد على توفرها لديهم؛ ~~ونعني بها أنهم قوم كانوا يفكرون بخيالهم، وبذلك استطاعوا ~~أن يجمعوا بين نشأة الآلهة ونشأة العالم، حتى لنقرأ اليوم ~~كتاب هزيود السابق فنرى فيه بوضوح فلسفة للكون تماشي ~~تسلسل الآلهة وتوزيع الاختصاص بينهم، وكانت هذه أول ~~مرحلة لحل المشكلة، وكانت الثانية خلع صفات الإنسان على ~~آلهتهم وبذلك قربوها إليهم وحملوها نزعاتهم، ومنذ أن ~~أصبحت لهم آلهة شبيهة بالبشر أخذوا يتصورون آلهة أخرى ~~وربات في كل ما في الطبيعة من جبال وأنهار وغابات ~~وأشجار، حتى لنستطيع أن نقول: إذا كان الهنود يعتقدون ~~بالحلول الإلهي في الكون، فإن اليونان قد آمنوا بالحلول ~~الإنساني في الآلهة، فالإنسان عندهم حال بكل شيء، حال ~~بالآلهة ثم حال بالطبيعة التي تصوروها بملك كل خصائص ~~الإنسان. وهكذا اتخذ اليونان من الإنسان محورا للوجود ~~كله ومنبعا له. # وعن خصائص هذا الحل تصدر خصائص الأدب اليوناني كله، ~~فهو أدب (1) إنساني، أعني أنه يعالج مشاكل الإنسان التي ~~تمس حياته القريبة، ويسلط الضوء على النفس البشرية ليكشف ~~عن أسرارها، وهذه الخاصية من الوضوح بحيث لم يجد علماء ~~النهضة اسما يصدق على الدراسات اليونانية اللاتينية ~~خيرا من الإنسانيات. (2) وهو أدب تشخيص «دراما» ولقد أتته ~~تلك الميزة من ms0090 تشخيصه لعناصر الطبيعة التي ملئوها بالآلهة ~~البشرية، فأصبح الوصف نفسه أشبه ما يكون بالرواية ~~التمثيلية التي تشتبك فيها الإرادات المختلفة وتتعارض أو ~~تتعاطف. (3) وهو أدب انسجام # 23 # تتناغم أجزاؤه ولا تصنع فيها، وتلك خاصية ~~امتازت بها أساطيرهم التي غذت ذلك الأدب. # خذ لذلك مثلا ما ذكره هزيود من أن الأرض «جيا» # 24 # لما خلقت وخلقت السماء «أورانوس» # 25 # تزوجت الأرض السماء - وبهذا فسر الخيال ~~اليوناني جثوم السماء على الأرض عند الأفق - ونتج منهما ~~أبناء نخص بالذكر منهم الزمن «كرونس» # 26 # ولما كان الزمن لا يبقي على أحد ولا على ~~شيء، وكان قاسي الفؤاد لم يتورع عن أن ينال بمعونة أباه ~~أورانوس نفسه يطعنه فيهوي إلى الأرض. # هوى أورانوس فحل محله كرونس في السيطرة، ولقد كان من ~~الطبيعي أن يتصور اليونان سيطرة «الزمن» على الوجود، ~~والتمس كرونس له زوجة فلم يجد خيرا من «ريا» # 27 # وريا معناها «الجريان»، وإذن فقد تزوج الزمن ~~من جريانه وكانت لهما أبناء، ولكن كرونس الذي لم يبق على ~~أبيه أخذ يتلقف أبناءه بمجرد أن يولدوا ويبتلعهم، إلى ~~أن كان يوم ولد له فيه «زيوس»، # 28 # ومعنى زيوس «النهار أو الضوء»، ونظرت الأم ~~فوجدت ولدها مشرق المحيا، فعز عليها أن يبتلعه ~~أبوه واحتالت لنجاته فلفت حجرا في قماط وألقمته ~~الأب وهربت بابنها إلى جزيرة كريت حيث أودعته عند جدته ~~جيا. # بجزيرة كريت نما «زيوس» وترعرع، ولكنه لم يكد يبلغ ~~أشده حتى علم بوجود التيتان # 29 # أعمامه إخوة كرونس، فثار غضبهم؛ إذ إنهم لم ~~يسلموا لكرونس بالسيادة إلا على شرط ألا يعقب أحدا ~~يمكن أن يخلفه في الملك، فأما وقد أفلت من أبنائه ولد ~~فهم في حل من عهدهم، بل لا بد لهم من إنزاله عن عرشه ~~ليتخلصوا منه ومن ولده. وكانت معركه حامية اهتز لها ~~الوجود كله وأوشك «كرونس» أن ينهزم وقد وجد نفسه وحيدا ~~أمام جموع إخوته التي تركزت فيها قوى العالم لولا أن خف ~~«زيوس» إليه. ونظر زيوس فرأى بوادر الهزيمة، فأسرع إلى ~~أبيه يجرعه ms0091 شرابا لم يكد يتناوله حتى رد ما ابتلع ~~من أبنائه، فقاموا بجوار أبيهم في مناهضة أعدائهم، حتى ~~كانت لهم ولأبيهم الغلبة. # انتصر كرونس وكان الفضل الأكبر في انتصاره لزيوس الذي لم ~~ينس أنه لم ينج من أبيه إلا بحيلة أمه، والذي كان ~~يعلم حق العلم أن لا بقاء مع «الزمن» لشيء ولا لأحد. ~~وتطلع زيوس إلى الخلود فأخذ بتلابيب «كرونس» وألقاه إلى ~~الأرض حيث سقط إلى جوار روما، فيما يروي «فرجيل» شاعر ~~اللاتين الذي حسب أن سقوطه بجوار تلك المدينة العريقة ~~سيضمن لها الخلود، ولكننا لسوء الحظ نلحظ أن نزوله ~~إلى الأرض لم يحفظ روما ولا حفظ غيرها. # تخلص زيوس من كرونس فضمن الخلود. # وانتصار زيوس هو انتصار النهار على الزمن. انتصار هذا ~~الجزء من اليوم الذي يعود كل صباح إلى الظهور، فهو انتصار ~~الحياة المتجددة على الفناء المستمر. وهكذا عبر الخيال ~~اليوناني من الزمن المدمر الذي يفني بعضه بعضا إلى ~~النهار الذي يعقبه الليل، إلى الحياة يتلوها ~~الفناء. # انتصار النهار على الزمن انتصار لمقياس محدود وقانون ~~مطرد على امتداد الزمن الذي لا أول له ولا نهاية، فهو ~~انتصار للمحدود على اللامحدود، انتصار للنظام على الفوضى، ~~ومن هنا سمى هوميروس زيوس «سيد النظام». # بذلك وصل الخيال اليوناني في فهمه لنشأة الآلهة ونشأة ~~الكون إلى مبدأين أساسيين: (1) مبدأ الخلق والفناء. (2) ~~مبدأ النظام الذي يسود هذا الوجود. # انفرد زيوس بالسيادة وقد ضمن الخلود بخلاصه من الزمن، ~~و«زيوس» كما رأينا رمز النظام. رمز هذا الخبر الذي يسير ~~الوجود وفقا لقوانينه، بحيث لا بد لهذا الإله الجديد من ~~إخضاع ما بقي من قوى خلفتها الآلهة القديمة. فها هي ~~الرياح ما تزال تهب والبراكين تثور ... إلخ، على غير سنن ~~واضح، حتى لكأنها عناصر الثورة في هذا الوجود، ثورة إليها ~~يرمز الخيال اليوناني عندما يحدثنا عما كان من نشوب ~~الحرب من جديد بين زيوس وبين إخوته وبني عمومته من العمالقة، # 30 # وأوشكت الهزيمة أن تحل بزيوس لولا أن خف ~~إليه أحد بني عمه برومثيوس # 31 # أي ms0092 «المتبصر» جد البشر فيما يزعم البعض، ~~ورمز الإنسانية وحاميها، فشد من أزره حتى كان له النصر، ~~ولا أدل على أن هؤلاء العمالقة هم قوى الطبيعة من أن ~~هزيمتهم لم تتم إلا بعون البشر ممثلين في برومثيوس، ~~البشر الذين يتلخص تاريخ جهادهم الطويل في نفوذهم إلى ~~قوانين الطبيعة نفوذا يمكنهم من السيطرة عليها. ثم من ~~هم أولئك العمالقة؟ أليسوا أمثال تيفون # 32 # الذي قضى عليه زيوس بعد الهزيمة بالسجن تحت ~~جبل «الأتنا» حيث لا يزال إلى اليوم يثور من وقت إلى آخر ~~فينفث الحمم لهيبا، ثم أطلس # 33 # الذي ألقاه زيوس بشمال إفريقية حيث لا يزال ~~جبلا يحمل على أذرعه قبة السماء؟ # هكذا انتصر «زيوس» على العمالقة من قوى الطبيعة فساد ~~الجبر عالم المادة، ولكن هل سيبسط هو نفوذه أيضا على ~~البشر؟ وهل سيخضع له هؤلاء البشر في شخص برومثيوس أم لا ~~بد من قيام صراع بينهما؟ وإن كان فلمن ستكون ~~الغلبة؟ # وفي الحق أن هذا الصراع لم يكن منه بد ، فبرومثيوس ~~لم ينس أن له الفضل الأكبر في تمكين زيوس من الانتصار ~~وبرومثيوس يمثل هؤلاء البشر الذين يحسون أن لهم ~~إرادة حرة أو يعتقدون أنها حرة، وفي تلك الحرية أملهم ~~العذب ومصدر شعورهم بكرامة الإنسان المسئول عما يأتي وما ~~يدع. # ولقد كانت لهذا الصراع قصة طويلة، وإنما يهمنا الآن ~~أن نقرر أن زيوس وبرومثيوس، أو قل إن مبدأ الجبر ~~والبشرية قد وصلا إلى كلمة سواء، فكف زيوس عن البشر ~~أذاه وخضعت الإنسانية لأحكامه. ولكن بعد زمن طويل تحول ~~فيه الإله عن طبيعته الاستبدادية إلى إله مقيد بقوانين ~~الحق والعدل والخير، وأشرك معه في الملك من إخوته وأقاربه ~~عددا انفرد كل منهم بالسيادة على جزء من الوجود وإن ~~ظلت له السيطرة العليا، بل ودنا من البشر فاتخذ ~~الكثير من خصائصهم، فأصبح يفرح ويحزن، ويلهو ويتألم، ~~ويحب ويكره، ويشتهي، كما يفعل البشر سواء بسواء. # فأما مثل الخير والعدل والحق، فقد احتال لاكتسابها بأن ~~ابتلع «الحكمة» # 34 # التي استقرت برأسه يصدر عنها في ms0093 قيادة ~~العالم، إلى أن كان يوم ناء بحملها فدعا إليه هفيستوس # 35 # إله الحدادين وأمره أن يشق رأسه ~~بمعوله خرجت منه الحكمة مشخصة في تلك الإلهة الرائعة ~~أتينا «بالاس أتينا». # 36 # خرجت من عقل الإله وبيدها رمحها، وبرأسها ~~خوذتها، رمزا لقوة الحكمة. ثم تزوج من «تيميس» # 37 # أي الشريعة، فولدت له «الساعات» وحدة الزمن ~~ومقياسه، وولدت إينوميا # 38 ~~«الحكم الصالح» تحمل إلى العالم العدل ~~والسلام، ثم «البارك» # 39 # آلهة الأعمار الثلاثة تغزل إحداهن خيط ~~آجالنا، وتطوي الثانية ما تغزل الأولى، وأما الثالثة ~~فتقطع الخيط عندما يحين الحين. # كذلك أشرك معه في الملك إخوته وأقاربه بنزعة ~~ديمقراطية إغريقية بحتة، وممن أشركهم معه بوزيدون # 40 # الذي ولي سيادة البحار، وهديس # 41 # الذي ذهب بالسيطرة على العالم الآخر، وأما ~~هو فقد استقل بالسماء ليشرف منها على من دونه، بينما ~~ظل سطح الأرض ملكا شائعا للجميع بما فيه الأولمب، ذلك ~~الجبل الجليل الذي اتخذته الآلهة ندوة يجتمع بقمته ~~حفلها، وكان لهؤلاء الأرباب أبناء كثيرون انضموا إلى ~~آبائهم في السيادة، وقد انفرد كل منهم بظاهرة من ظواهر ~~الطبيعة المتعددة، فأصبح للبحار حوريات، وللأنهار ~~والغابات والينابيع والمروج الرطبة ربات، وذهب الإله ~~الرابع أبولو # 42 # بالفنون على رأس جوقة جميلة من الفتيات ~~التسع المسميات بالميز، # 43 # ولكل منهن اختصاص من موسيقى أو شعر أو ~~تاريخ ... إلخ. # وأخذت كل تلك الآلهة صفات البشر حتى قال بعضهم إذا ~~كانت بعض الأديان تقول إن الله خلق آدم على صورته. ~~فاليوناني هو الذي خلق آلهته على صورته «صورة ~~الإنسان». # ولما كان كل أدب قديم وليد الدين وصورة له، فقد ~~اتصف الأدب اليوناني بما اتصفت به آلهتهم، فجاء كما ~~قلنا أدبا إنسانيا، أدب انسجام، أدب تشخيص فيه كل ما ~~في أساطيرهم من صفات. ~~(2) شعر الملاحم عند اليونان # 44 # في القرن التاسع أو العاشر قبل الميلاد، كان شاعر ضرير ~~يتنقل بين المدن اليونانية في آسيا الصغرى ينشد الأناشيد، ~~ويرتل الأساطير التي صيغت في قوالب الشعر وقوافيه، ذلك هو ~~هومر أو «هوميروس» الذي يقال ms0094 عنه إنه منشئ الإلياذة والأوذيسة. # 45 # وقد يكون القول صحيحا، وقد يكون اسم «هوميروس» ~~رمزا لطائفة من الشعراء أخذ كل منهم بنصيبه في خلق هاتين ~~الآيتين. وأيا ما كان، فقد كان القدماء يروون هذا الشعر على ~~أنه لشاعر واحد يتنازع شرف مولده كثير من البلدان. # ولسنا ندري من أمر هوميروس في حياته الخاصة شيئا؛ إذ إنه ~~لما أتيح لمؤرخي اليونان ونقادهم في القرنين الخامس ~~والرابع قبل الميلاد أن يتعقبوا أشخاص التاريخ ويقفوا على ~~أصولهم ليرووا صحيح أخبارهم، كان هوميروس بين أيديهم أسطورة ~~يعجزون عن تحقيقها كما هو اليوم أسطورة عند الباحث الحديث، فلم ~~يكن اليونان في عصر أفلاطون وأرسطو يعلمون عن شعرائهم السابقين ~~ما نعلمه نحن عن شعرائنا، لأن شعراءنا قريبو العهد بنا، وإذا ~~تجاوزنا الأولين فقد كانوا يعيشون في عهد الكتابة، وفي خمسة ~~القرون الأخيرة كانوا يعيشون في عصور مطبعة ونشر. أما اليونان ~~في عصر بركليز فلم يكن لهم بالطباعة عهد، وكان عليهم أن يحفظوا ~~أشعار هوميروس عن ظهر قلب. والأرجح أن تلك الأشعار لم تتخذ ~~وضعها وترتيبها كما هي اليوم إلا في القرن السادس قبل ~~الميلاد. # ولم تنشأ ريبة في نسبة هذه الأشعار إلى شاعر معين اسمه ~~هوميروس إلا في أواخر القرن الثامن عشر، وذلك حين أثار هذه ~~المشكلة العالم الألماني، «فردريك ولف» # 46 # وهي مشكلة لن تجد لها حلا حاسما. # وبعد، فما الإلياذة؟ وما الأوذيسة؟ ~~(2-1) الإلياذة # نشبت بين الآلهة خصومة إذ ألقت إلهة الشقاق «إيريس» # 47 # بين الأضياف - في حفلة عرس - تفاحة نقشت ~~عليها هذه الكلمات «إلى ربة الجمال.» وكان بين الحضور ~~ثلاث إلهات هن: «جونو» # 48 # و«فينوس» # 49 # و«مينرفا» # 50 # وكل منهن تزعم لنفسها السيادة في دولة الجمال، ~~وترى أن لها الحق في التفاحة؛ فقرر كبير الآلهة «جوبتر» # 51 # أن يكون «بارس» # 52 # بن «بريام» # 53 # ملك طروادة حكما بين الإلهات الثلاث؛ فحكم ~~بارس لفينوس # 54 # وأعطاها التفاحة؛ فتعرض بذلك لسخط ~~الإلهتين الأخريين. # وحدث بعد ذلك بقليل أن أبحر «بارس» إلى بلاد اليونان ~~ونزل ضيفا ms0095 على «مينلاوس» # 55 # ملك إسبرطة، فأكرم الملك ضيافته؛ ولكن الضيف ~~أساء لمضيفه؛ إذ أحب زوجته «هلن» # 56 # وهي امرأة بارعة الجمال وأغراها أن تفر معه ~~من خدر زوجها إلى بلده طروادة، فثارت لذلك ثائرة ~~«منلاوس» وأهاب بأخدانه ملوك اليونان وأبطالها أن ~~يعاونوه على رد زوجته الهاربة؛ فلبى الدعوة من ~~هؤلاء. يوليسيز، # 57 # وأخيل، # 58 # وأجاكس، # 59 # وديومد، # 60 # ونسطور، # 61 # وأجاممنون، # 62 # أخو منلاوس، وكلهم من الأبطال الفحول، واختير ~~أجاممنون قائدا للجيش اليوناني، وكان على رأس الجيش ~~الطروادي «هكتور» وهو الأبن الأكبر لبريام ملك طروادة ~~وزوج أندروماك. # 63 # وانقسم الآلهة في القتال معسكرين، كل جماعة ~~تناصر فريقا من المتحاربين. أما «جونو» و«مينرفا» ~~فكانتا بالطبع في جانب اليونان لتنتقما من «باريس» وأهله. ~~وأما «فينوس» و«مارس» - وهو إله الحرب - فكانا في جانب ~~طروادة، ومال «نبتيون» إلى جانب اليونان، ووقف «جوبتر» ~~و«أبولو» على الحياد ولبثت الحرب نحو تسع سنين، ثم حدث ~~خلاف بين أخيل وأجاممنون، ومن هذا الخلاف تبدأ قصة ~~الإلياذة. # يحدثنا الشاعر في السطور الأولى من ملحمته أن الجيش ~~اليوناني الرابض أمام طروادة، قضى عليه الآلهة أن تفتك به ~~الأمراض، ففشا فيه الطاعون، فلما سئل العراف عن تعليل ~~هذا القضاء، وأجاب بأن «أبولو» قد رماهم بحرابه ~~المسمومة، لأن أجاممنون قد أبى أن يفدي ابنة كاهنه ~~لما وقعت أسيرة في إحدى المدن التي فتحها اليونان ~~فقسموا بينهم نساءها وأسلابها؛ فما إن سمع أجاممنون ~~جواب العراف حتى رد للكاهن ابنته، واستبدل بها ~~«بريسيس» التي كانت نصيب «أخيل» من السبايا؛ فلم يسع ~~أخيل إلا أن يقفل راجعا إلى سفينته. وهو يكاد يتميز من ~~الغيظ، وأعلن أنه لن يحارب في صفوف اليونان بعد، وطلب ~~إلى أمه ثيتس - وهي من عرائس البحر - أن تصب نقمتها ~~هي المستبد الغاصب، ودعا «جوف» أن ينتقم له من قائد ~~اليونان وجنده، فأبى «جوف» أن ينزل باليونانيين شرا ~~لأنهم في حمى زوجته. # وتضرعت «ثيتس» إلى «جوبتر» أن يكون لابنها أخيل عونا ~~على عدوه أجاممنون، فأوحى جوبتر إلى أجاممنون حلما ~~زائفا يزعم له ms0096 أن طروادة قد آن لها أن تسقط في يديه، ~~فعليه أن يبادر بالهجوم. وانخدع أجاممنون بالحلم، وصف ~~جند اليونان في حومة الوغى استعدادا للقتال، إلا أخيل ~~وأتباعه الذين غادروا المعمعة غاضبين. وتقدم جند طروادة ~~للقاء اليونان، وعندئذ تحدى «منلاوس» عدوه «بارس» أن ~~يبارزه بمفرده، إذ كان هذان الفارسان هما سبب القتال، ~~مذ اختطف الثاني زوجة الأول، وأعلنت الهدنة بين الجيشين ~~حتى تتم المبارزة بين القائدين، فطوح بارس برمحه ~~ولكنه لم ينفذ في درع مقاتله، وتأهب منلاوس واستعان ~~بجوف ثم: # هز رمحه ورماه، فاخترم به درع بارس، # وكانت الضربة قوية فأطاحت بالفارس، # وتمزقت عليه الدروع، لكنه اجتنب أن يذيقه ~~المنون، # فأتبع هذه الطعنة سيفا سله من غمده ~~الفضي، # ورفع السيف ثم هوى به على العدو فوق ~~الناصية؛ # فتحطم السيف وانتثرت أجزاؤه من كفه ~~البائسة، # وقال: «انظر! لم يصرعه رمحي وتبدد السيف من ~~يدي، # ونجا من السيف والرمح معا.» قال هذا وكر ~~على العدو مهاجما، # وأمسك بجواده من غرة تدلت فوق ~~الجبين # ليجذبه إلى معسكر الإغريق، وذلك ما فعل؛ # وبهذا أضاف إلى النصر مجدا رائعا، # لولا أن قطعت فينوس الرباط، فنظر الظافر ~~إلى كفه؛ # فإذا به لا يمسك من عدوه شاكي السلاح إلا ~~خوذة فارغة؛ # فأدار الخوذة حول رأسه وألقى بها بين ~~الأصدقاء، # وتجمع حول الخوذة الصحاب في هرج ~~صائحين، # وجدد الفارس العزم أن يستل من عدوه دماء ~~حياته، # واندفع إليه بعنف يهز الرمح، وإذا بالمليكة ~~التي يعشقها العاشقون. # 64 # تبدو من جديد لتنجد صاحبها من هذا ~~اللقاء، # وأنجزت ما أرادت في يسر وإسراع. # وإنها لتستطيع ذلك وهي الإلهة القادرة؛ # فلفته في سحابة من نضار وغيبته عن ~~العيون. # وفي غرفته استعادت له الطلاقة والنشاط. # وزالت الهدنة المعقودة بين الجيشين حين ~~غدر «بانداروس»؛ # 65 # فطعن «منلاوس» بسهم، وعندئذ التحم الجيشان، ~~وأبلى «ديومد» وهو في صفوف الإغريق بلاء حسنا. ودخل ~~هكتور المعركة، وكانت زوجته «أندروماك» ترقبه فوق سور ~~المدينة: # فأسرعت إلا هكتور ومعها ابنها الوليد تحمله ~~المرضعة # وليد رقيق قلبه ويداه، مشرقة في جلال ms0097 ~~طلعته # كأنما هو لمحة من سماء رصعت بالنجوم ~~الساطعات # فابتسم من الفرح هكتور، رغم حزن قطع أنفاس ~~الكلام # فصاحت أندروماك باكية، وشبكت يديها في ~~يديه # وصبت حبها طروادة في بكاها، وفي سبيل ~~مجدها قالت: # يا أشرف الرجال مقصدا! كأني بك تلقي بنفسك في ~~اللهيب، # إذ يلهب عقلك حب الخير للآخرين # هلا رحمت وليدا أو زوجة هي بعدك ~~أرملة # وتركت القتال! فإن فعلت فأنت هدف ~~الضاربين # فأجاب: كلا، لن تسطع محنتي إلا في ~~اللهيب؛ # ففي شخص هكتور سيبلغ المجد وطني وأبي ~~والأصدقاء، # على أني أحس - بعقلي وروحي - أن سيغشى طروادة ~~يوم عاصف # يوم تدك فيه طروادة أبراجها كأنها دموع ~~المنهزم. # وستغمر تلك الدموع الساقطات بريام بما له من ~~محتد وسلطان # لكن فجيعة أخلاقنا لا تحز في نفسي، # كلا ولا يحز فيها ما يلاقي بريام وهكوبا # 66 # والأصدقاء من أحزان ~~(فهؤلاء جميعا - على كثرتهم وجودتهم - مصيرهم ~~طعام الأعداء.) # إنما يحز في نفسي أحزانك، يوم يحملك إغريقي ~~وقح ساكبة العبرات. ~~••• # قال هذا ومد يديه لابنه يحمله، والوليد بين ~~ذراعي أبيه خائف فزع # وكانت على رأس هكتور شارة من شعر الجياد # فأومأ لابنه فاهتزت الشارة المخيفة، فأطبق ~~الولد الذراعين وأعول باكيا # وتكلف أبوه العظيم الضحك، وأزاح عن رأسه ~~الخوذة المخيفة جانبا # ولمعت الخوذة فاستضاءت الأرض بضوئها ~~اللامع # ثم أخذ الوليد الحبيب وقبله: زوجتي العزيزة ~~لا تحزنيني # بأحزانك هذي التافهة؛ ليس بين الأحياء من يزهق ~~حياتي # أو يخترم هذا الصدر الثابت. إنما ذاك من فعل ~~القدر # وأين من بجناحيه استطاع النجاة من ~~القدر؟! # ويمتشق هكتور حسامه ويدخل معمعان ~~النزال، فيبارز «أجاكس» مبارزة تنتهي أول الأمر ~~بالتعادل، فيتبادل البطلان كلمات طيبات وهدايا كأنهما ~~الصديقان، وبعدئذ يمتد القتال إلى آلهة الأولمب أنفسهم، ~~إذ يشتركون مع الفريقين في الحرب، وهنا يحذر «زيوس» ~~الآلهة متنبئا بالهزيمة لفريق اليونان، ويعد هكتور ~~عدته للهجوم على أعدائه في الصباح التالي، فيوجس أبطال ~~اليونان خيفة، ويذهب منهم «يوليسيز» و«فينكس» و«أجاكس» إلى ~~أخيل يصلحون ما فسد بينه وبين أجاممنون، ويعدونه أن ~~ترد له فتاته ms0098 المغتصبة «بريسيس»، وأن يسمح له ~~بزواج إحدى بنات أجاممنون، وأن يعطى فوق ذلك المنح ~~والهدايا، وبينها سبع من أجمل المدن، ولكن أخيل يرفض ~~كل هذا في حديث هو أروع ما بلغته قدرة الشاعر في ~~البلاغة الخطابية. # فأجاب أخيل فخر الإغريق قائلا: # إيه، «أجاكس»، يا رب المعارك، ومن لشعبه ~~هاد وقائد. # قد أجدت الخطاب، لكنك إذ نطقت باسم ~~الطاغية # غضبت واحتدم الغضب، واضطرمت نفسي بين ~~الجوانح، # وإن غضبتي لعادلة جديرة ببطل مغوار # نيل من شرفه، وديست كرامته كأنه عبد ~~ذليل! # عودوا إذن أيها الأبطال واحملوا مني ~~الجواب، # لم يعد القتال العظيم يعنيني حتى تراق من ~~الإغريق الدماء، # وتسيل دفاقة بين سفائن الأسطول الإغريقي ~~الغريق، # فيصطبغ بها البحر القائم حتى يصبح ~~قانيا. # سأظل رابضا حتى تلتهم النار - يلقي بها ~~هكتور في غضبته - سفائنكم، وحتى يدنو لهيبها من ~~سفينتي! # عندئذ ستبلغ هذه المجزرة البشرية الفظيعة ~~غايتها؛ # عندئذ ستسكن المعركة؛ إذ يحس العدو ضرب ~~حسامي. # وكانت ليلة مليئة بالأحداث، يتلوها صباح ~~يشهد جند طروادة - وعلى رأسهم هكتور - يهجمون على الإغريق ~~هجمة لا سبيل إلى ردها. وحاول «نبتيون» الإله أن ينقذ ~~الإغريق من الأسر فلم يستطع، لولا حيلة نسجت حبائلها ~~الإلهة «جونو » وجعلت الحب قوامها؛ فالحب والحرب هما ~~في الإلياذة ما يقصد إليه الآلهة والناس. # ذلك أن «باتروكلس» # 67 ~~- من أبطال اليونان وصديق «حميم» لأخيل - رأى ~~موجة الدمار تنصب على جند الإغريق كاسحة طاغية، فأسرع ~~إلى أخيل يستأذنه في أن يساهم في القتال، وطلب إليه أن ~~يعيره عدته وشكته يقاتل بها إذا لم يكن في عزمه هو ~~أن ينهض للدفاع عن بني وطنه؛ فأذن له أخيل بما أراد، ~~وأعطاه درعه، وظل في سفينته غاضبا. # حمل «باتروكلس» درع أخيل وعدته - ما عدا الرمح الذي ~~لا يستطيع القتال به غير سيده وصاحبه أخيل - ونزل ~~المعمعة «باتروكلس» وصحبه من أتباع أخيل. ~~... أرأيت في وعر الجبال عرين الذئاب # في قلوبها بأس شديد، تعهدته حتى تجاوزت به ~~الحدود! # أرأيتها عائدة بعد أن نهشت وعلا وفي ~~أنيابها بقية من دماء؛ # وجاءت ms0099 إلى ينبوع ماء كدر وازدحم ~~قطيعها، # وأخذت بألسنة رقاق مدلاة تلعق ~~الماء # فلما كرعت صفوة الماء، راحت تتجشأ من ~~رئاتها # منجمد الدماء، تنفث من نظراتها الرعب وهي ~~لا تعرف الرعب. # قد ملأت معداتها في نهم حتى أتخمت؟! # لو رأيت هذي الذئاب، فقد رأيت رجال أخيل ~~العظيم قوة ومظهرا # حين دعاهم الداعي لهذا القتال المخيف ... # نزل «باتروكلس» المعمعة متشحا بدرع ~~أخيل. فلما رآه الطرواديون ظنوه أخيل وفروا ~~هاربين، لكن «أبولو»، الذي كان هواه مع الطرواديين منذ ~~استبى قائد الإغريق ابنة كاهنه، نزع عن باتروكلس عدته ~~ليكشف للطرواديين عن حقيقته، فهجم عليه طروادي من الخلف ~~فأسقطه، وأسرع إليه هكتور وأرداه قتيلا؛ وهنا هب من ~~أبطال الإغريق «أجاكس» و«منلاوس» ينقذان جثة البطل ~~الصريع، وفر هكتور، بعد أن انتزع من باتروكلس عدته، ~~وها هنا نقطة التحول في حوادث هذه المأساة الكبرى التي ~~أثارت آلهة السماء وأهل الأرض على السواء. فلما جاء ~~النبأ إلى أخيل بموت ~~صديقه الحميم، غضب غضبة جبارة ارتفعت بها الملحمة إلى ~~أسمى مراتب الشعور؛ فلم تكن غضبة أخيل الأولى - من أجل ~~فتاة أسيرة - جديرة بمأساة عظيمة كالإلياذة، لكنها هذه ~~الغضبة الثانية هي الخليقة بالبطولة. # فهذا هو أخيل يثور كالليث الهائج، غاضبا حزينا على ~~موت أعز أصدقائه «باتروكلس»، ويحز في نفسه ويلطخ ~~صفحة شرفه أن تؤخذ دروعه، فذلك عار لا يحتمله محارب ~~حر كريم. وسمعت أمه ثيتس أنينه وشكواه، فجاءت إليه ~~مسرعة من جوف البحر - فهي من عرائس البحر - تنذره ~~ألا ينازل الأعداء حتى تذهب إلى «فلكان» # 68 # إله النار وتطلب أن يعد لابنها درعا ~~جديدة، لكنه لم يستمع لنصح أمه، واستجاب لدعوة الإلهة ~~«إيريس» فنهض من فوره إلى حومة الوغى. # ودنا من سور المدينة، وأرسل الصوت داويا # وردد الصوت الصدى، فرن الدوي قويا ~~عاليا # وسمع الصوت الداوي فدب الرعب في النفوس ~~دبيبا # فأنصتوا، وصاح البطل ثلاثا # وثلاثا في حومة القتال ارتد أهل طروادة ~~راجعين. # وفي هذه الأثناء كانت «ثيتس» قد قصدت إلى ~~«فلكان» وطلبت إليه أن يصنع للبطل درعا جديدة يصفها ms0100 ~~هوميروس في مقطوعة هي من أجمل ما جاء في الإلياذة. ولم تكد ~~ثيتس تتسلم الدرع الجديدة من صانعها، حتى هبطت بها من ~~قمة الأولمب واثبة كأنها البازي يندفع وراء ~~فريسته. # ويتم الصلح بين أخيل وأجاممنون، ويدرع أخيل بدرعه ~~الجديدة، ويهبط إلى ساحة القتال، يضرب بسيفه هنا وهناك، ~~فيقتل عددا من أبطال طروادة، ولكنه لا يبغي سوى هكتور ~~ليورده الحتف جزاء ما قتل صديقه الحميم، وذلك هو هكتور ~~يأبى أن يحتمي بأسوار المدينة مع سائر الطرواديين ~~الهاربين، ويظل واقفا في مكان كأنما جاءت به إليه أيدي ~~القدر، وهذا أبوه الكهل «بريام» يجلس على سور المدينة، ~~فيرى أخيل مندفعا إلى ~~ابنه كأنه رسول القضاء، فيصيح بريام الوالد وهكوبا ~~الوالدة بابنهما هكتور أن يتوارى من عدوه داخل ~~الأسوار. # هنالك أمه اندفعت، وبالعبرات عينها ~~هطلت، # تعال! تعال، فالأسوار في وجه العدى ~~امتنعت، # إليها لذ، وبها تحصن، وقاتل ذلك ~~العاتي، # ولا تلاق العدو وحيدا! # ولكن هكتور يعير والديه أذنا صماء، ~~ويعتدل للقاء عدوه؛ انظر إلى أخيل يقترب منه كأنه ~~الأفعى الجبلية في عرينها، سار السم في بدنها، ~~واحتدمت بالغضب. # فارتج هكتور في وقفته، ثم فر ~~وجلا # يريد النجاة من يد تلقي في النفوس ~~الفزع، # وانقض أخيل كأنه الصقر، في سرعة يشق ~~الهواء، # يطارد حمامة جزعت، لكنه ماض في طراده ~~العنيف، # وتسرع الورقاء، ويتبع الصقر في رفيف ~~مخيف، # ويدور يمنة ويسرة مع الورقاء حيث تدور. # هكذا كانت الحال حين انقض أخيل على ~~عدوه بدرعه اللامعة، فأدرك هكتور في انقضاضه معنى ~~الموت، وعمد إلى الفرار فزعا، فتابعه أخيل حول أسوار ~~المدينة كأنه البازي يلاحق حمامة، لينشب فيها أظفاره ~~الشداد، ودارا حول الأسوار ثلاث مرات، وكان أرباب الأولمب ~~عندئذ يرقبون، فقال «جوف»: «أننقذ هكتور أم ندعه لأخيل ~~يعمل فيه السيف»؟ فاحتجت الإلهة «مينرفا» أن ينقذ ~~الآلهة من أراد به القدر هذا القضاء منذ زمن طويل، قالت ~~ذلك «مينرفا» ثم نزلت إلى ساحة القتال متنكرة في هيئة «ديفوبس» # 69 # أخي هكتور، لتوقع بهكتور وتنصب له الحبائل؛ ~~زعمت له أنها ms0101 أخوه جاء يعينه على عدوه، فدبت في هكتور ~~الشجاعة من جديد، ووقف يتحدى أخيل أن ينازله، ولكنه طلب ~~إليه قبل النزال أن يتعاهدا - كما يتعاهد الأبطال - أن ~~من يسقط منهما في القتال صريعا فله على صاحبه أن ~~يسلم جثمانه إلى أصدقائه ليقيموا له ما يليق به من ~~شعائر الموت، فرفض أخيل رفضا حاسما، فلا تعاهد اليوم ~~بينه وبينه؛ وهل يكون تعاهد بين رجال وأسود، أو بين ~~ذئاب وخراف؟ # ويقذف أخيل برمحه، فهبط هكتور جاثيا، ويمر الرمح ~~فوق رأسه فلا يصيبه فتتسلل منيرفا خفية وتعيد الرمح ~~إلى أخيل، ليعيد البطل العظيم ضربته، ويقذف هكتور هذه ~~المرة برمحه، ولكنه لا يصيب الهدف، فينادي بأخيه ~~«ديفوبس» أن يناوله رمحا جديدا؛ ولكن أين «ديفوبس»؟ ~~إنه ليس هناك، وهنا تشرق الحقيقة لهكتور أن «منيرفا» قد ~~حبكت هذه الخيانة فخدعته، ويدرك أن قضاءه محتوم، ولكنه ~~يستل حسامه ويهاجم عدوه لعله يأتي عملا من ~~البطولة قبل أن يلفظ الروح، غير أن أخيل يضرب عنقه ~~بالرمح ضربة تقضي عليه، ويسقط المهزوم، ويضرع إلى ~~قاتله ألا يدع جثمانه طعاما تنهشه الكلاب التي ~~يطلقها الإغريق من سفائنهم، ولكن أخيل يجيبه - ولا يزال ~~الغضب في وجهه باديا - «وددت لو أطاعني قلبي، إذن ~~لمزقتك إربا إربا، وطعمت بلحمك الآن، جزاء ما ~~جرعتني من غصص وأورثتني من كروب.» # وقضى هكتور نحبه، فأنزل به أخيل شر ما ينزل عدو ~~بعدوه؛ فقد ثقب قدميه وشد وثاقهما إلى عربته برباط ~~من الجلد، ودفع الجياد دفعا سريعا، وجثة عدوه برأسها ~~تتمرغ في التراب، حتى بلغ به معسكر الإغريق. # وشهد «بريام» الوالد و«هكوبا» الوالدة مصرع ابنهما ~~هكتور، وهما جالسان على قمة السور يرقبان. أما زوجته ~~«أندروماك» فلم تكن تعلم أن زوجها بقي خارج الأسوار ~~طريدا لأخيل، حتى سمعت ضجيج الأصوات يملأ الفضاء! # فصعدت إلى برجها، صعقت، سقط الغزل من يدها، اضطرب ~~فؤادها، نادت خدمها، إنها تريد أن تعلم ما وراء تلك ~~الصيحة المشئومة؟ صاحت «تعالوا». # ومضت ثائرة، وتبعتها خادمتان - كما أرادت - ~~أعانتاها على الصعود إلى قمة البرج ... وأدارت ms0102 بصرها ~~الملهوف نحو الجمع المحتشد. # فرأت هكتورها قتيلا مشدودا إلى عربة أخيل. # يجذبه - في غير إكرام - إلى حيث سفائن الإغريق. # فغشيتها الغاشية كأنها الليل البهيم، وخار قدماها، ~~وسقطت في غير وعي ... # وحزنت طروادة على بطلها الصريع حزنا شديدا. أما أخيل ~~فقد أقام شعائر الجنازة لصديقه «باتروكلس»، وأقيمت لتكريمه ~~الألعاب؛ حتى جاءت إليه أمه «ثيتس» مبعوثة من الآلهة ~~تأمره أن يمنع سخطه على هكتور، فقد كفاه ما صنع، وأن ~~يجيز للطرواديين أن يستردوا جثة فتاهم مقابل فدية ~~للظافر. وذهبت الإلهة «إيريس» إلى «بريام» الوالد المحزون ~~تعرض أن يدفع فدية لأخيل يفتدي بها جثمان ولده هكتور؛ ~~وما عتم الشيخ المكروب أن حمل أثمن الهدايا، وقصد إلى ~~أخيل في خيمته، وجثا على ركبتيه أمام البطل مستعطفا ~~مسترحما: ~~«ارحم شيخا عجوزا مثل أبيك، وإن كنا في هذا ~~مختلفين: # أنا البائس الذي يرزح تحت عبء الشقاء، # بما لم يرزح تحته رجل من قبل، وشفتاي ~~التعستان # عليهما أن يلثما يدا قتلت بني!» قال ~~هذا # وانحنى برأسه على قدمي أخيل. # 70 # فاهتز قلب أخيل رحمة بالشيخ، وطاعة ~~للرسالة التي حملتها إليه أمه ثيتس من عند الآلهة، فقبل ~~الفدية وأذن لبريام أن يحمل جثمان هكتور، ومنحه اثني ~~عشر يوما يقف فيها القتال؛ ليتمكن الوالد الحزين من ~~إقامة شعائر الجنازة على فقيده الكريم، وإنه بها ~~لجدير. # ووضع الجثمان فوق النار حتى احترق، ثم جمع رماده في ~~وعاء من ذهب دفن في القبر. ~~••• # ولم ير الإغريق في الأجيال التالية فيما صنعه أخيل ~~بجثة عدوه هكتور موضعا للتمجيد، لأنهم يمقتون ~~التمثيل بأجساد الموتى، ولم يغفروا قط لأخيل هذه الغضبة ~~الشنعاء وما انتهت إليه؛ ولذا لا تجد أحدا من كتاب ~~المأساة من بعده يتخذ من أخيل بطلا لمأساته، مع أن ~~حياته أصلح ما تكون لأبطال المآسي. وتنتهي الإلياذة ~~بجنازة هكتور. أما طروادة فقد قوض الإغريق بنيانها، ولم ~~يذكر الشاعر في الإلياذة شيئا عن موت أخيل وبارس، ~~ولكنهما قتلا أثناء الحصار. ~~(2-2) الأوذيسية # سقطت طروادة في أيدي الإغريق، واستعاد «منلاوس» زوجته ~~«هلن» وعاد ms0103 بها إلى إسبرطة، كما عاد سائر أبطال الإغريق ~~إلى أوطانهم، إلا «يوليسيز» الذي لبثت زوجته «بنلوب» # 71 # وابنه «تلماكس» # 72 # يرقبان عودته إلى وطنه «إثاكا». # 73 # لم يعد يوليسيز مع من عاد لأنه خاطر وغامر، والأوذيسية ~~هي قصة هذه المغامرات والمخاطرات. ومن الممكن تقسيمها إلى ~~ستة أجزاء كل جزء يشتمل على أربع أغان؛ أما الجزء الأول ~~فيدور حول ما لقيه «تلماكس» من عنت مع الذين جاءوا ~~يخطبون أمه «بنلوب» ليظفروا بها وبمالها، وفي هذا الجزء ~~وصف لرحلة تلماكس إلى «بيلوس» # 74 # وإلى أسبرطة يتسقط الأنباء عن أبيه المفقود. ~~ومضت عشر سنوات بعد سقوط طروادة، ولم تأت الأنباء بجديد ~~عن يوليسيز وما عسى أن يكون قد أصابه من شر أو ~~خير. # كان يوليسيز في عودته مع جماعة من أتباعه، وبينا هم في ~~طريق العودة إلى «إثاكا» زل رجاله زلة فادحة وذبحوا ~~ثيرة يملكها أحد الأرباب، فأودوا بحياتهم إلى التهلكة، ~~وبقي يوليسيز وحيدا، فقذفه البحر إلى جزيرة منعزلة ~~كانت مسكنا لإحدى عرائس البحر، وهي «كالبسو»، # 75 # وأعجبت كالبسو بيوليسيز وأحبته وأرادت أن ~~تتزوج منه؛ فأخذت تغريه بالزواج وبنسيان زوجته، ولم ~~تشك لحظة في أن الرجل لا يمانع أن يستبدل بزوجة ~~فانية زوجة من عرائس البحر الخالدة، لكن خاب رجاؤها ورفض ~~يوليسيز زواجها، فأمسكته على جزيرتها زمانا طويلا ~~لعله يقلع عن عناده فلم يفعل؛ فاجتمع الآلهة على ~~الأولمب ودبروا عودة يوليسيز إلى وطنه؛ عودة الرجل ~~الذي: # جاب قصي البلاد، # بعد أن أتى على طروادة المقدسة وقوض ~~أركانها، # وطوف حول عالم تباينت فيه الشعوب # فكم رأي وكم عرف من عادات وأفكار ~~وأنماط، # وكم لاقى في لجة البحر من أحزان، # لشد ما كافح المهالك لينجو # بنفسه وبصحبه في الطريق إلى الوطن، # لكن حطمت صحبه الأقدار، ولم يستطع لها ~~دفعا. # اجتمع الآلهة ودبروا أن يعود يوليسيز ~~إلى وطنه، وبعثوا بالإله «هرمس» - رسول الآلهة - ينبئ ~~كالبسو بهذا القرار. وفي الوقت نفسه بدت منيرفا متنكرة ~~أمام تلماكس، وأشارت عليه أن يستطلع أخبار أبيه من صديقي ~~أبيه: نسطور ومنلاوس. ms0104 # فأرسل تلماكس في اليوم التالي منادين بجوسون خلال ~~المدينة ليطلبوا إلى الناس أن يعقدوا جمعا يسمعون فيه ~~شكاة تلماكس من خاطبي أمه الذين أحرجوه غاية الحرج، ~~وأرسلت بنلوب إلى هؤلاء الخاطبين تماطلهم وتخادعهم، ~~ولبثت أربعة أعوام تزعم لهم أنها تغزل رداء لأبي ~~زوجها، وظلت تغزل في النهار وتنقض في الليل ~~غزلها. # وتنكرت منيرفا ~~في هيئة جديدة، وهيأت لتلماكس سفينة أقلع بها إلى ~~«بيلوس» ليلتقي بصديق أبيه «نسطور» عسى أن يعلم منه ~~شيئا عن أبيه؛ فعلم منه نبأ الفتك بأجاممنون - وهو أخو ~~نسطور - لكنه لم يسمع شيئا عن غيبة أبيه. ونصح «نسطور» ~~«تلماكس» أن يقصد إلى منلاوس في أسبرطة لعله يعلم عن ~~أبيه شيئا، وذهب الفتى إلى أسبرطة، وهناك التقى ب «هلن» ~~فعرفته وذكرته، وأخذ أصدقاؤه يبكون أياما جميلة مضت، ~~ثم أخذ منلاوس يقص على السامعين كيف جيء بالحصان الخشبي ~~في طروادة يحمل في جوفه أبطال الإغريق، وكيف أخذت هلن ~~تدور حوله وتقرعه بكفها وتنادي أبطال اليونان واحدا ~~فواحدا، وتقلد لكل واحد منهم صوت زوجته حتى ~~تستفزه للجواب، وكانت في تقليد الأصوات بارعة حتى كاد ~~الأبطال المختبئون في جوف الحصان يلبون النداء، لولا أن ~~رأوا في زميلهم يوليسيز رباطة جأش كانت لهم جميعا شكيمة ~~رادعة. ثم أنبأ «منلاوس» «تلماكس» أنه شهد أباه في الجزيرة ~~المنعزلة التي تسكنها عروس البحر «كالبسو». # لقد شهدت ابن ليرتيز # 76 # في قصر عروس البحر كالبسو، # وقد أرغمته على البقاء في صحبتها، # فما انفك نادبا أن حرمت عيناه أرض ~~الوطن. # إلى هنا ينتهي الجزء الأول من الأوذيسية. وأما الجزءان ~~الثاني والثالث فيقصان مغامراته وهو في طريقه إلى أرض ~~الوطن؛ ذلك أن «كالبسو» حين جاءها رسول من الآلهة ينبئها ~~أن الأرباب اجتمعوا على الأولمب وقرروا أن يرحل ~~يوليسيز إلى بلده، أباحت لمعشوقها السجين أن يغادر ~~أرضها، ولو أنها عجبت من أمر هذا الرجل الذي آثر زوجته ~~عليها وهي فتانة بارعة الجمال. هذا مع خطر الرحلة إلى ~~زوجته في بحر عاصف؛ لكنها أعدت له سفينة وأقلع ~~يوليسيز. وبينا هو ms0105 يشق العباب نحو الأهل والوطن، إذا ~~بنبتون إله البحر يلمحه من بعيد - وكان نبتون كارها ~~ليوليسيز لأنه قتل ابنه «سيكلوب» # 77 ~~- وأخذ نبتون يتربص بيوليسيز الدوائر ~~ويدبر له المكائد حتى لا يعود إلى وطنه، لكنه ارتحل إلى ~~أرض أثيوبيا لبعض شأنه، فانتهز سائر الآلهة فرصة غيابه ~~وأذنوا ليوليسيز بالسفر. أدرك نبتون كل هذا حين رأى ~~عدوه الممقوت يسبح على الموج بسفينته، فنفخ في البحر ~~عاصفة عاتية، فارتجت سفينة يوليسيز وهوى إلى اليم. ~~لكن «إينو» تنكرت في هيئة طائر بحري وأعارته قناعا ~~مسحورا يعينه على السباحة آمنا إلى البر. ورسا يوليسيز ~~في أرض فيقيا، # 78 # ولم يكد يجد له مأوى حتى رقد منهوكا وغط ~~في النوم، وعندئذ طارت «منيرفا» إلى «نوسكا» # 79 # ابنة ملك الإقليم الذي رسا بأرضه يوليسيز ~~وبدت لها في الحلم: # وسرعان ما أشرق الصباح الجميل # فنهضت معه «نوسكا» ذات القناع الساحر # وفي نفسها ما رأته في حلمها من ثناء ملأها ~~إعجابا # وذهبت مع وصيفاتها إلى النهر يغسلن بعض الثياب، ~~فلما فرغن من غسلها: # غسلن أجسادهن، وبالدهن المتلألئ # دلكن بيض جلودهن، ثم انتعشن بعد عناء ~~الكدح # بشهي الطعام. وأخذت نوسكا # تمرح لاعبة مع سائر العذارى ... # وصاح الكل صياحا عاليا، # فاستيقظ مع الصياح يوليسيز الرزين، # وأسرع فأطل من خلف الغصون كي يرى؛ # فذاك صوت حسان ما سمع بمثله، # فوقعت أنظار العذارى ناعمات الشعر على ~~منظره. ~~... فما أبشعه منظرا كان مظهره، # قد أذواه الطريق الصعب على متن ~~العباب، # ففزعن لمنظره، وانتثر العذارى هاربات. # فررن جميعا إلا نوسكا، وقفت في مكانها لا ~~تريم. # فقد بثت منيرفا الجرأة في صدر الفتاة، # فاحتبست رعدة خوفها في جوارحها، # وظلت واقفة تحدج فيه كأنما صممت # أن تدري من هذا الرجل ومن أين جاء، ~~فقال: # نشدتك الله، أي مليكتي، أن تحدثيني؛ # أبشر أنت أم من سلالة الأرباب؟ # فإن كنت من آلهة السماء، فما أجد لك بين ~~الآلهة # شبيها سوى «سنثيا» # 80 # ولدتك من جوف. # وإن كنت وليدة بشر على سطح الأرض، # فأنعم ثلاثا بوالدين أخرجاك إلى ~~الحياة! ms0106 # وأكبر النعمى لمن يكون خطيبا لك، # فيخضع هذا العنق المتلالئ لنير الزواج. # ثم طلب إليها يوليسيز أن تنعم عليه ببعض ~~الثياب، لأنه خرج من البحر عاريا، وأن تهديه إلى طريق ~~المدينة. فنادت نوسكا وصيفاتها فأحضرن له طعاما وثيابا، ~~وابتعدن قليلا حتى يغسل جسده ويرتدي ثيابه. وبينما هو ~~جالس وحده: # أخذت عينا نوسكا تهز بالفتنة قلبها. # فما رأت منه حتى الساعة إلا نزرا ~~قليلا، # لكنه قليل شف عن جلال كأنه جلال ~~الآلهة. # وخشيت نوسكا أن تلوكها الألسنة، فأمرت ~~الرجل أن يتبع وصيفاتها إلى قصر أبيها؛ فحل يوليسيز في ~~قصر الملك محل إكرام، ولقيه أهل فيقيا أجمل اللقاء، ~~وأقاموا له الألعاب، وأعدوا له مأدبة كبرى، ومنحوه ~~الهدايا ليدخلوا إلى قلبه المرح فيقبل على عشائه بنفس ~~راضية. وبينما هم جالسون إلى مائدة العشاء أخذ المغني ~~ينشدهم ما أصاب طروادة من دمار، ويصف بغنائه هجمة ~~الإغريق على طروادة من الحصان الخشبي، فكان لذلك أعمق ~~الأثر في نفس يوليسيز حتى سالت عبراته على وجهه، لكن ~~أحدا لم يلحظ ذلك الدمع المسفوح سوى الملك. فنهض الملك ~~من فوره يخطب الناس ويطلب إلى الضيف أن يبوح لهم باسمه؛ ~~فأعلن يوليسيز عن نفسه وعن وطنه وما لقيه من مخاطرات ~~ومغامرات منذ غادر طروادة قاصدا بلده، فقال إنهم بعد ~~تجوال كثير جاءوا إلى جزيرة «سيكلوب»، # 81 # ونزل يوليسيز مع اثني عشر رجلا من أتباعه في ~~كهف سيكلوب، فلما جاءهم العملاق ووجدهم في كهفه خاطبهم ~~قائلا: # من أنتم أيها الأضياف، ومن أين جئتم تذرعون ~~البحار؟ # أللتجارة جئتم، أم تجوبون الأرض، لتسطوا ~~كاللصوص # على الرحالة الغرباء المساكين، فتعرضون ~~بهذا السطو # أرواحكم للخطر، وحياتكم للهم ~~والأحزان؟ ~~«أنت يا أعظم الأحياء، نحن - بحق الآلهة ~~- # لرحمتك ضارعون!» فأجاب: «أيها الحمقى، # أجئتم هذا السفر البعيد لتثقلوا علي # بأيمانكم وحبكم المصطنع! # نحن - معشر السيكلوب - لا نبالي بإلهكم ~~جوف، # ولا بغيره من الأرباب، فنحن عنهم بمنأى ~~هادئون. # بل إني لا أبالي أن أتحدى جوف إلى ~~نزال.» # ثم التهم «سيكلوب» اثنين من رجالي ونام، ~~ولم أستطع أن أقتله ms0107 وهو نائم لأنه قد سد مدخل الكهف ~~بصخرة ضخمة لا قبل لنا بحملها، فلو قتلنا هذا العملاق ~~لظللنا سجناء في الكهف حتى يدركنا الموت. ولما جاء ~~الصباح أخرج «سيكلوب» قطيع غنمه من الكهف وراح يرعاها بعد ~~أن أحكم إغلاق الكهف بتلك الصخرة الكبرى، وقبل أن يغادر ~~الكهف مع غنمه التهم اثنين آخرين من رجالي؛ وفي غيبته ~~أعددنا قضيبا نفقأ به عينه الواحدة إذا عاد، وعاد مع ~~المساء يسوق قطيعه ودخل الكهف وأغلقه. # واختطف اثنين آخرين من جندي. # وذهب يعد طعام العشاء. # فجمعت قوتي وخاطبته بهذه الكلمات. # وقدمت له - وأنا أحدثه - كأسا من ~~نبيذ: ~~«خذ هذا الكأس يا سيكلوب.» فشربه وقال: ~~«ما اسمك كي أجازيك خير الجزاء؛ فهذا # الخمر الشهي لعله انساب مع النهر، إنه صنع ~~الآلهة ...» ~~«اسمي يا سيكلوب، لا أحد.» فأجاب في عنف: ~~«لا أحد! سآكلك بعد صحبك جميعا. ونام.» # فأخذنا القضيب وقد أرهفنا حده، وغيينا ~~السنان في عينه. # فانتفض يزأر بصوت كأنه الرعد. # واجتمعت عشيرة السيكلوب تسأل من اقترف الإثم، فقال ~~لهم: ~~«قد فتك بي (لا أحد) بخدعته لا ~~بقوته.» # فأجابوه: «إنك لم يفتك بك أحد إلا ~~نفسك؛ # فالذي أنزل بك الأذى هو جوف الإله.» # فزمجر في كهفه جيئة وذهابا، وتحسس # حتى بلغ الصخرة فأزاحها، وجلس عند الباب # يتحسس الأغنام عند خروجها كي لا يفلت # من أسراه إنسان. # لكنا رصصنا الأغنام ثلاثا ثلاثا ~~وربطنا أنفسنا في أسفل بطونها، وخرجنا بها مسرعين حتى ~~بلغنا السفينة، فما إن احتوتنا حتى صحت ~~قائلا: ~~«أيها السيكلوب! إن سألك سائل؛ # من فقأ عينك فأعماها، # فقل إنه يوليسيز بن ليرتيز الشيخ، # وطنه إثاكا، وهو من بات يدعى # باسم مخرب المدن.» # فلما سمع السيكلوب هذا صاح بصوت داو # حتى هز الهواء من حوله بأصدائه، # واحتدم غضبه فأمسك بصخرة # وألقى بها نحو السفين ... # هكذا نجونا، لكن سيكلوب أثار علينا سخط ~~أبيه نبتيون إله البحر، فهيج البحر ونفخ فيه العاصفة، ~~وبعد لأي بلغنا مغارة رب الريح، وبعدها وصلنا أرض ~~العمالقة، وهنالك لم تفلت من الهلاك إلا سفينة ms0108 واحدة ~~من سفننا، ثم أدركنا جزيرة تسيطر عليها «سيرس»، # 82 # فأرسلت جماعة من زملائي يجوبون ~~الجزيرة: # فأبصر الزملاء في وهد دار «سيرس»، # وأمام بابها جثمت ذئاب وأسود # استأنستها «سيرس» بما تملك من عقاقير؛ # فلا ذئب منها ولا أسد عاد مستوحشا، # ورفعت أذنابها الطوال الضخام تهزها، # كما تبصبص الكلاب الأليفة بأذيالها، # فدهش أصحابي وظلوا عند الباب ~~واقفين، # وسمعوا داخل الدار صوت الإلهة رنينا ~~ملائكيا؛ # إذ كانت تغني وهي تغزل غزلها غناء رقيقا ~~جميلا. # ودعتهم الإلهة أن يدخلوا، فلبوا إلا ~~رئيسهم إذ ظل يرقبهم خارج الدار، فرآها تطعمهم شهي ~~الطعام، ثم مستهم بعصاها السحرية فإذا هم خنازير! فلما ~~جاء رئيسهم ينبئني بذلك قصدت إلى دارها مسرعا، ~~ولقيني في الطريق رسول من الآلهة وأعطاني عشبا يقيني ~~سحرها، ودخلت الدار فأطعمتني «سيرس» ومستني ~~بعصاها: # فسللت حسامي وهاجمتها لأفتك بها # كما دبرت، لكنها صاحت وثنت ~~ركبتيها # تحت سيفي، واحتضنت بذراعيها ركبتي، # وقالت وعيناها تسفح الدمع الغزيرة: «من ~~أنت # ومن أي أسلاف أمجاد هبطت؟ لا بد أن # تكون يوليسيز صاحب الهمة الشماء!» ~~فأجبتها: ~~«أنا من ذكرت يا سيرس؛ هيا انزعي # أغلال السحر التي تغل أصحابي، # وردي كرام أصدقائي أناسا كما كانوا.» # ففعلت كما أمرتها، وأكرمت بعدئذ ~~ضيافتنا، حتى طاب لنا المقام فمكثنا معها عاما كاملا، ~~ولم نغادر ذلك المكان حتى زرت العالم الأسفل حيث ~~التقيت بكثير من أعلام الرجال الذين ماتوا. وودعنا ~~سيرس بعد أن حذرتنا مما عساه أن يصادفنا في الطريق ~~من صعاب ومخاوف، وظللنا نقع في الخطر بعد الخطر حتى ~~بلغنا جزيرة يأكل من عشبها ثيران الشمس، فهم أصحابي ~~أن يذبحوها، وحقت عليهم كلمة ربها وأهلكوا، ونجوت ~~وحدي ورسوت في جزيرة كالبسو. ~~••• # ولما فرغ يوليسيز من قصته، أرسله ملك «فيقيا» إلى وطنه ~~«إثاكا» بكل ما معه من هدايا في سفينة أعدها له. وها هنا ~~نعود مع يوليسيز إلى هذا العالم الأرضي، بعد أن حلق بنا ~~وهو يقص مغامراته في عالم الآلهة والأرواح، وكان لا ~~بد له حين وصل إلى «إثاكا» أن يدخل بحذر شديد ms0109 خشية أن ~~يقتله خاطبو زوجته غيرة وانتقاما. ويصل يوليسيز إلى ~~داره فلا يعرفه بادئ الأمر إلا كلبه، لكن كلبه الوفي لا ~~يلاحقه أو يداعبه، لأنه لم يكد يعرف سيده حتى يقضي ~~نحبه. ثم يدخل يوليسيز داره في هيئة سائل مسكين، فيقابله ~~الخدم وخاطبو زوجته في زراية وعنف. وهكذا تشاء سخرية ~~المقادير أن يقاتله في داره قوم لا شأن لهم بها، وما ~~دروا أنه مرسل من القدر لينتقم. # ولما حانت ساعة الحساب، نشبت بين يوليسيز وأعدائه ~~معركة هي أقرب إلى المذبحة منها إلى المبارزة والقتال، ~~وأنزل يوليسيز وابنة تلماكس بالخدم الذين خانوا عهد ~~سيدهم ضروبا من الانتقام المر، نفرت منها نفوس ~~اليونان فيما بعد. # وأخيرا يلتقي يوليسيز بزوجته الوفية، فيضمها بين ~~ذراعيه، وتبذل «منيرفا» وسعها لتطيل ليل اللقاء بعد أن ~~قضى الزوجان ما قضياه من أعوام طويلة مليئة بالأحزان ~~والصعاب. ~~••• # ولعل الأوذيسية أن تكون بين آيات الأدب العالمي ~~أشدها تحريكا للمشاعر والعواطف، وهي في موضوعها أقوى ~~وأجمل من أختها الإلياذة، فهذه سلسلة من دسائس ومعارك بين ~~الآلهة فيها كثير من التكرار المملول. # وأما سيرة يوليسيز فتعبير جميل عن دوافع الحياة البشرية ~~ونوازعها، وهي تمس في قلب الإنسان شعوره الفطري، ~~وتستثير منه مصادر الحيوية والنشاط. # أضف إلى ذلك أن يوليسيز في حلبة البطولة أفحل من ~~أخيل، وانتصار يوليسيز يبعث في نفس القارئ طمأنينة لا ~~تشوبها شائبة من قلق؛ لأن نصره نتيجة صبره وذكائه، وهو ~~نصر أسمى منزلة من فوز يظفر به أخيل بجسمه القوي وعضلاته ~~المفتولة. وفي أعمال يوليسيز ومغامراته تنوع سريع يستولي ~~على قلب القارئ؛ فهو إنسان فيه الإنسانية بمعناها الصحيح، ~~أو إن شئت فقل إنه إنسان أعلى. # فلا عجب أن يخلد شخصه بين أعلام الشخوص الأدبية في ~~آداب العالم جميعا. وقد استوقفت شخصية يوليسير أقلام ~~الشعراء فصوروها؛ فهذا «فرجيل» # 83 # يصوره ماهرا ماكرا، وهذا «دانتي» # 84 # في «الجحيم» يصف موت يوليسيز في بضعة سطور ~~فيبلغ في جمال التصوير والتعبير حدا كبيرا؛ وتناوله ~~بالوصف الشاعر الإنجليزي «تنسن» # 85 # فأبدع وأجاد. وقد ms0110 أصاب الأوذيسية من التوفيق ~~عند قراء الإنجليزية ما أصاب الإلياذة، فترجمها «تشابمان» # 86 # ثم ترجمها «بوب» # 87 # كما ترجما الإلياذة. ~~••• # وبعد، فهذه خلاصة ضئيلة للإلياذة والأوذيسية، فإن أردت ~~أن تستمتع بجمالها - حقا - فليس لذلك من سبيل سوى ~~قراءتهما في أصولها أو في تراجمهما الوافية ~~الدقيقة. # وقد نالتا إعجاب الأدباء في كل العصور، وترجمتا إلى ~~أكثر اللغات، وترجمت الألياذة إلى العربية، ولكنها فقدت ~~كثيرا من جمالها. # ويرجع ما لهوميروس وملحمتيه من شهرة أدبية خالدة إلى ~~ما فيهما من البساطة، والقوة في الأسلوب، والصدق، ~~والجمال. # فهوميروس في عرضه للأحداث يؤثر ببساطته وإيجازه، فلا ~~تكلف، ولا إطناب، ولا تعقيد، وإنما هي بساطة كبساطة ~~الطفل. # انظر إليه في موقف هكتور وأندروماك وطفلهما الرضيع؛ ~~فالولد يبكي من منظر والده، والوالد يضحك من بكائه، ثم ~~يخلع خوذته ويقبله ويقول: «يا إلهي زيوس ويا جميع الآلهة، ~~أدعوكم أن يبلغ ابني بين أهل طروادة ما بلغته من العظمة ~~والقوة والشجاعة، وأن يكون ملكا كبيرا لطروادة.» # والزوجة تبكي مشفقة على زوجها، وهو يردها قائلا: ~~إن القضاء المحتوم لا ينجو منه أحد. والزوجة تعود إلى ~~بيتها حزينة، فيثير منظرها في وصيفاتها الأشجان؛ إذ ~~توقعن ألا يعود سالما من الحرب. # كل هذه عواطف إنسانية تحدث في كل عصر ولكل الناس، ~~عرضت في سهولة وبساطة. والطريقة التي عولج بها الموضوع ~~بسيطة، والاهتمام كله موجه إلى النقط الأساسية ~~للمأساة. # وبجانب البساطة، كان الفن في تصوير الأشخاص والأحداث، ~~كخلق أخيل، وموت هكتور، وموقف أبيه. # كذلك مما امتاز به شعر هوميروس صدقه، ولسنا نعني ~~بالصدق مطابقة الخبر للواقع، وإنما نعني به إجادة الفنان ~~في التعبير عن شعوره؛ فهوميروس ليس آلة صماء، ولكنه ~~يشعر كل الشعور بما يقصه، ويسبغ شعوره على ما يحكيه، ~~كما ترى في موقف أبي هكتور من أخيل. # كذلك امتاز هوميروس في ملحمتيه بأنه - فيما يحكي - لا ~~يتحيز، فالقارئ يعطف مثلا على هكتور أكثر مما يعطف على ~~أخيل، ولكن هوميروس يقف متجردا يبتعد عن هذا النزاع ~~كل البعد، وكان عمله الوحيد أن يسجل ms0111 لكل منهما ما له ~~وما عليه من غير أن يحكم، وفي صراحة تامة. # إلى ذلك ما يراه قارئو الإلياذة والأوذيسية في أصولهما ~~من جمال فني رائع هو جمال البساطة والجمال الفطري ~~الطبيعي. # كل هذا جعل للإلياذة والأوذيسية هذه القيمة الكبيرة التي ~~لا تزال لهما إلى اليوم. # ومن شعراء اليونان «هزيود» # 88 # مؤلف «الأعمال والأيام» وهي قصيدة تهذيبية ~~لم يبق منها سوى ثمانمائة بيت من الشعر، وله أيضا «نسب ~~الآلهة»، وهي قصيدة قوامها ألف بيت من الشعر، تدور حول ~~أساطير اليونان. وأما سائر الشعر الذي ينسب إلى ~~«هزيود» فقد بددته الأيام. وليس يتردد ناقد في يومنا ~~هذا أن يحكم على شعر هزيود بقلة الشأن إذا قيس إلى عظمة ~~هوميروس، مع أن اليونان أنفسهم لبثوا قرونا طويلة ~~يضعونه مع هوميروس في منزلة واحدة من السمو والنبوغ، ~~واتخذه الشاعر اللاتيني العظيم «فرجيل» أستاذا احتذاه ~~في قصائده «الريفيات» التي تشبه «الأعمال والأيام» بما ~~ورد في الكتابين من وصف لحياة الريف وأعمال الريف في فصول ~~السنة المختلفة. ~~(3) الشعر الغنائي عند اليونان # منذ أقدم العصور كان ببلاد اليونان قصص شعبي كما كان بها ~~غناء شعبي، ونحن لا نستطيع أن ندعي أسبقية أحدها في الظهور ~~إلا أن يكون ذلك على سبيل ~~الفروض التي لا تستند إلا إلى الحقائق النفسية العامة. وهنا ~~قد نستطيع أن نجازف فنقول بأسبقية الغناء لتأصله في طبائع ~~البشر، ثم لأن القصص لا ينشأ إلا بتراخي الزمن، وبعد اجتماع ~~أحداث تعود الشعوب أو القبائل إلى ذكرها. # ذلك إذا نظرنا إلى هذين النوعين كأدب شعبي، وأما إذا نظرنا ~~إليهما كأدب فني فالثابت تاريخيا هو أسبقية القصص الشعري ~~على الغناء. وتلك ظاهرة يمكن تفسيرها من الناحية التاريخية إذ ~~يمكن تتبع المراحل التي انقرض فيها شعر الملاحم وحل ~~محله الشعر الغنائي. # ويمكن القول بوجه عام إن الشعر القصصي الفني (شعر ~~الملاحم) قد سيطر على بلاد اليونان ثلاثة قرون (من القرن ~~الحادي عشر قبل الميلاد إلى القرن الثامن قبل الميلاد)، ثم ~~سيطر الشعر الغنائي ثلاثة قرون أخرى (من ms0112 الثامن قبل الميلاد ~~إلى الخامس). وأخيرا سيطر الشعر التمثيلي خلال القرنين الخامس ~~والرابع، ومنذ القرن الرابع يمكن القول بأن عصور الإنتاج ~~الحقيقي قد انتهت بغزو المقدونيين لبلاد اليونان وتحطيمهم ~~لاستقلال مدنها. # برجوعنا إلى الإلياذة والأوذيسية نجد إشارات إلى الشعر ~~الغنائي؛ ففي مناسبات كثيرة يحدثنا هوميروس عن ترديد الجند ~~لنغمات البيان Pean ~~، وهو نشيد ~~ديني كانوا يمجدون به أبولو أو غيره من آلهتهم. نذكر لذلك ~~مثلا غناء جند «أخيل» عندما قتل قائدهم هكتور أشجع أبطال ~~طروادة. «والآن يا أبناء الآكيين لنعد على نغمات البيان إلى ~~سفننا الجوفاء ساحبين تلك الجثة. لقد كسبنا مجدا عظيما. ~~لقد قتلنا هكتور الإلهي، هكتور الذي كان أهل طروادة يجلونه ~~كإله.» وكذلك يشير الشاعر إلى أغاني الرثاء المسماة ~~باليونانية «ترينوس». # 89 # وذلك عندما بكى صديقه بتروكلس، وعندما بكى بريام ~~وبكت هيكوبا ولدها هكتور من أعلى الأسوار، وكذلك عندما بكته ~~جوقة من النساء المحترفات أولا ثم سيدات المنزل: هيكوبا ~~وهيلانة وأندروماك ثانيا بعد أن رد أخيل جثته إلى أهله، بل ~~وفي الأوذيسية يحدثنا هوميروس عن شاعر غنائي متجول هو ديمودوكس # 90 # الذي كان يطرب الملوك في قصورهم بشعر مرح، فيه ~~إقبال على الحياة. # وإذن، فالنصوص تؤيد وجود شعر غنائي معاصر للشعر القصصي أو ~~سابق عليه، ومع ذلك لم يحرص هوميروس على أن يصوغ ذلك الشعر، ~~ولا أن يرويه، وإنما انصرف جهده إلى كتابة الشعر القصصي. ~~لأن الشعر الغنائي كان نواة لم تكتمل. # ثم في القرون الثلاثة التي سبقت الحروب الميدية (من القرن ~~الثامن قبل الميلاد إلى القرن الخامس) تطورت بلاد اليونان من ~~الناحيتين السياسية والعقلية، فقد اختفت الملكيات القديمة ~~التي تغنى بها هوميروس، وكثرت الغزوات والهجرات التي ~~قلبت أوضاع الحياة، وعلى أنقاض الملكية نشأت حكومات ~~أرستقراطية وحكومات ديمقراطية. ومن حين إلى حين نظم ~~استبدادية، وفي وسط تلك الحركات والانقلابات أرهف الإحساس، ~~ونمت الشخصية، وتيقظ التفكير يبغي إخضاع الأشياء للعقل أو ~~فهم قوانينها، أو العبارة عن تأثيرها في النفوس. # هذا الانقلاب في الحياة العامة كانت له نتيجتان: الأولى ظهور ms0113 ~~الشخصية الفردية، والثانية نمو الحالة العقلية. وفي هاتين ~~النتيجتين ما يفسر انصراف الشعراء إلى الشعر الغنائي ~~وتفضيلهم له على الشعر القصصي؛ فالشاعر الغنائي يضع نفسه في ~~شعره، كما يصدر فيه عن واقع الحياة التي يدركها بحواسه، ~~فتترك في نفسه انفعالات شعورية، أو ترسب بعقله ~~أفكارا. # ونحن بعد نستطيع أن نلمح مرحلة انتقال بين القصص والغناء، ~~تتمثل في الشعر المسمى بالتعليمي، # 91 # كشعر هزيود الذي عاش على الراجح في القرن الثامن ~~قبل الميلاد؛ فكتابه المسمى «نسب الآلهة». واضح فيه الحرص ~~على المعرفة المنظمة والتسلسل المنطقي، رغم تضارب ~~الروايات، وفي كتابه الآخر «الأيام والأعمال» نجده يتحدث عن ~~أعمال الحقول، وفصول السنة، ويصف الحياة اليومية وصفا ~~واقعيا، وفي الكتاب الأخير تظهر شخصية الشاعر بوضوح؛ تظهر ~~آراؤه في الحياة وفلسفته في فهمها، بل وتظهر بعض حوادث حياته، ~~كالخلاف بينه وبين أخيه في اقتسام تركة أبيهما واحتكامهما ~~إلى القضاة. # شعر هزيود التعليمي إذن مرحلة بين القصص والغناء. مرحلة ~~عابرة؛ إذ سرعان ما غلب الغناء وأصبح هو الفن الشعري السائد ~~في بلاد الإغريق كافة. # لقد كان اليونان ينشدون الشعر القصصي بمصاحبة القيثارة، ~~ولكن الموسيقى لم تكن تماشي الشاعر عندئذ مقطعا مقطعا، ~~بل كانوا يكتفون من الموسيقى بخلق الجو، وأما في الشعر ~~الغنائي فقد استخدموا الموسيقى - وبخاصة في الأغاني الشخصية ~~وفي الأناشيد الجماعية - استخداما أشمل وأعمق، فتعددت ~~الآلات وتعددت النغمات، وأصبحت كل نغمة تماشي مقطعا في ~~التفاعيل، ولقد فطنوا إلى استخدام كل آلة فيما يلائمها من ~~موضوعات، فتراهم يستخدمون الناي حينا والقيثارة حينا آخر ~~كما قد تجتمع الآلتان في أناشيد النصر، وكل ذلك دون أن تطغى ~~الموسيقى على الشعر كما نرى اليوم في الأوبرا. وقد استطاع ~~اليونان ذلك لبساطة موسيقاهم، فهي موسيقى قريبة من موسيقانا ~~الشرقية. # ولقد أتي على الإغريق زمن كانوا ينشدون فيه الشعر القصصي ~~دون أي مصاحبة موسيقية. وأما الشعر الغنائي بمعناه الدقيق ~~الذي سنراه فيما بعد فقد ظل ينشد مع الموسيقى، وكان المميز ~~لأنواع الشعر الغنائي المختلفة هو أوزانها الشعرية أولا ثم ~~موضوعاتها بعد ms0114 ذلك. # والشعر القصصي مكتوب كله فيما يسمى بالوزن السداسي # hexameter ~~، أعني ذلك الذي ~~يبنى البيت فيه من ست تفاعيل، وهذا وزن سهل مطرد رحب يلائم ~~القصص. وأما الشعر الغنائي فليس له وزن واحد، وإنما تختلف ~~أوزانه باختلاف موضوعاته، وهي بعد أوزان معقدة متنوعة غنية ~~بموسيقاها. # والناظر فيما يسمى بالشعر الغنائي عند اليونان يستطيع أن ~~يقسمه إلى نوعين كبيرين: ~~(1) # الشعر ~~الإليجي والشعر الأيامبي # elegy - iambic poetry ~~. ~~(2) # الشعر الغنائي بمعناه الدقيق. وهذا ينقسم إلى ~~قسمين: ~~(أ) # أغان ~~فردية # song ~~. ~~(ب) # أناشيد جماعية ~~دينية وغير دينية # hymns & odes ~~. # وأساس هذا التقسيم يستند قبل كل شيء إلى الأوزان ~~الشعرية، فكلمة إليجي وكلمة إيامبى عند اليونان لا تصدق إلا ~~على وزنين معينين: الوزن الإليجي وحدته ما نستطيع أن ~~نسميه بالمثنوي، والمثنوي الإليجي عبارة عن بيتين: أحدهما ~~سداسي التفاعيل والآخر ~~خماسي، وطبيعة التفاعيل فيه تقرب من تفاعيل الشعر القصصي. ~~وأما الأيامبى فوحدته البيت الواحد المكون من ست ~~تفاعيل إيامبية، والأيامب عبارة عن مقطع قصير وآخر ~~طويل. # شعر الإليجي إذن لا يتميز إلا بوزنه، وأما موضوعاته ~~فمتباينة أشد التباين، ونحن لا نعرف لماذا سمي بذلك ~~الاسم، وإن يكن الرأي الراجح اليوم عند العلماء أن لفظة # elegy # ليست إغريقية، وإنما ~~هي أرمنية مشتقة من كلمة معناها الناي، وذلك لأن هذا ~~النوع من الشعر كان في أول نشأته يتغنى به بمصاحبة الناي، ~~بحيث نستطيع - إن أردنا - أن نسميه «أشعار الناي». وهذه ~~اللفظة وإن غلب عليها في العصور الحديثة معنى الرثاء والحزن ~~والشكوى لموت أو ألم أو تعثر في الحب، فإنها عند اليونان ~~لم تتخصص بموضوع بذاته، بل إن أقدم الأشعار الإليجية التي ~~وصلت إلينا إنما هي أشعار حماسية وحربية. # وأما الرثاء، فلا نجده إلا عند أرخلوكوس، ثم عند الشاعرة ~~سافو، وأخيرا عند سيمونيدس الكيوسي أيام الحروب ~~الميدية. # وأما الشعر الأيامبي، فاسمه مشتق من فعل يوناني معناه ~~«يرمي» أو «يقذف»؛ ولهذا استعمل هذا الوزن السريع الدافق في ~~الهجاء بحيث نستطيع أن نسميه بالشعر الهجائي، وإن كان قد ~~استخدم فيما بعد ms0115 في الحوار في المأساة (التراجيديا)، كما ~~استخدم في الملهاة (الكوميديا)، ومع ذلك فالشعر الذي لدينا ~~من هذا الوزن - بصرف النظر عن الشعر التمثيلي - كله في ~~الهجاء: كشعر أرخلوكوس وشعر سيمونيدس الأمورجي؛ # 92 # وهما من شعراء القرنين السابع والسادس قبل ~~الميلاد. # هذان النوعان من الشعر - أشعار الناي، وأشعار الهجاء - ~~ليسا من الشعر الغنائي بالمعنى الدقيق، لأن الموسيقى لم ~~تصاحبهما دائما، وإنما صاحبتهما في أوائل نشأتهما، ثم ~~استقلا عنها منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وأصبحا ينشدان ~~مجرد إنشاد، ولهذا يميز النقاد بينهما وبين الشعر ~~الغنائي بمعناه الدقيق. # والشعر الغنائي بالمعنى الضيق الدقيق لا يشمل غير ~~الأغاني الفردية والأناشيد الجماعية، فهذان النوعان هما ~~اللذان ظلت الموسيقى تصاحبهما حتى العصور المتأخرة. ~~وأكبر شعراء الأغاني هم: أنا كربون، وسافو، وألكيوس، وأما ~~شعراء الأناشيد الجماعية، فزعماؤهم باخليدس وسيمونيدس الكيوسي، # 93 # ثم بندار أكبرهم جميعا. ~~••• # ونحن إذا ما أخذنا نفصل الحديث عن الشعر الغنائي عند ~~اليونان، فجأتنا في أول الطريق خسارتان فادحتان أصابتا ~~تاريخ الأدب، أما صغراهما فهي أننا لا نجد أحدا، مهما ~~بلغت دراسته في اليونانية القديمة، يستطيع أن يقرأ الشعر ~~اليوناني في صوت إيقاعي على نحو يبين تفاعيله ووقفاته ~~بيانا صحيحا جميلا، وأما كبراهما فهي أن معظم الشعراء ~~الغنائيين من اليونان القدماء قد امحت آثارهم، ولم يبق ~~من تراثهم إلا نبذ قليلة، وإنما عرفنا قيمة أشعارهم من ~~تلاميذهم الفحول الذين اقتفوا أثرهم وخلدوهم في ~~شعرهم. ~~(3-1) شعر الإليجي # وما كان أضخمه من تراث أدبي لو حفظ لنا الدهر كل ما ~~جادت به قرائح اليونان من جيد الشعر! فهذا «صولون» ~~المشرع الحكيم الذي ظهر في أثينا بين القرنين السابع ~~والسادس قبل الميلاد، وهذا «ثيوجنيس» # 94 # لم يبق لنا من أشعارهما إلا قليل، وهما من ~~شعراء الإليجي، ويتضح من شعرهما ما سبق أن ذكرنا من أن ~~الإليجي عند الإغريق لم يكن معناها المرثية كما هو معناها ~~الآن عند الأوروبيين، وإنما كانت تتميز بوزنها العروضي. ~~فالإليجي عند صولون سياسية وطنية وعند ثيوجنيس كانت نظرات ~~أخلاقية، وهما أبعد ما ms0116 يكون عن رثاء الموتى والبكاء على ~~بؤس الفقراء، بل إن ~~ثيوجنيس ليمقت الفقراء ويزدريهم لأنه أرستقراطي معتز، ~~شامخ الأنف، ولو أنه قد ينزل من عليائه ليعطف على الفقراء ~~أحيانا. # وهاك مثالا من شعره الذي وصلنا منه ما يقرب من 1400 ~~بيت: # اختيار الأصدقاء # بني: لا تتخذ من عصبة السوء ~~أخدانا؛ # نصحتك فالتمس بين أهل الجاه إخوانا، # خالطهم في طعامهم وشرابهم واتخذهم رفاقا ~~وخلانا، # وادرس العظماء، إن في درسهم لذة ~~ونعيما. # صاحب ذوي الجاه يزدد منك العقل ~~رجحانا، # وعاشر أهل السوء تحرم الحجى حرمانا. # ومن شعره أيضا: # لا تلم فقيرا على فقره # لا تسخرن من فقر مدقع قتال. # لا تنقمن على من ساءت حاله بجيب ~~خال؛ # إن زيوس ينصب يوما بعد يوم قوائم ~~الميزان، # فيمنح هذا المال العريض ويقضي على هذا ~~بالحرمان. # ومن شعره أيضا: # الأموات لا يشعرون # لا أريد لعظمي البالي فخم المراقد. # وأوثر أن أقضي الحياة في عيش راغد؛ # فسواء لدى الجثمان وثير الفراش وصلد ~~الجلامد، # وما البساط الناعم عند الموتى بخير من الأشواك ~~الشدائد. ~~(3-2) الشعر الأيامبي # ومن أئمة شعر الأيامب عند اليونان «أرخيلوكوس»، # 95 # ولعله مبتكر الوزن الذي يستخدم في قصائد ~~الهجاء، وهو وزن يشبه إلى حد ما أوزان «دريدن» # 96 # و«بوب» من شعراء الإنجليز فيما أنشداه من ~~أشعار الهجاء اللاذع، ولكن الزمن قد أغرق في موجه آثار ~~«أرخيلوكوس»، وعلينا أن نصوره لأنفسنا من القليل ~~الباقي، لنتصور فيه تلك الشعلة الحماسية التي أعجبت ~~«هوراس »، وذلك اللفظ الفخم الذي قلده كثير من شعراء ~~اليونان واللاتين. # ومن شعراء الهجاء سيمونيدس الأمورجي، وله هذه القصيدة ~~الجميلة: # بضعي النساء # جعل الله عند الخلق طبائع النساء ~~مختلفات، # فجاءت إحداهن كأنما أخرجها الله من ~~خنزير، # يسرح بنوها في الدار في فوضى واضطراب، # وتراهم طرحى على الأرض يتمرغون في أشكال من ~~القذر متباينات، # بينا تراها في أقذارها وثوبها ~~المتهدل # تمرح كما تمرح الخنازير في حظائرها، وتزداد ~~شحما على شحم. ~~••• # وأخرى كأنما ~~أخرجها الله من ثعلبة ماكرة؛ # فهي بكل أمر محيطة؛ لا تغفل عن شيء، ms0117 # شرا كان أو خيرا. بكل شيء خبيرة ~~عليمة، # كم تنطق بالشر والأذى، # لكنها قد تفعل الخير: هكذا جبلت طبيعتها ~~قلبا. ~~••• # وأخرى كأنما هي الكلبة حركة ونشاطا، # يشوقها أن تسمع كل شيء وتكشف عن كل ~~خافية، # تجوس أرجاء المكان فاحصة متطلعة، # فإن لم تجد شيئا أطلقت بالسوء لسانها، # ولن يجدي فيها وعيد زوجها، # كلا ولا يسكتها الغضب، ولا حجر يلقى ~~عليها فيحطم أسنانها، # ولا تجدي كلمة طيبة ولا مسح بكف ~~عطوف، # بل وهي في ضيافة غيرها، # تظل كالكلبة في صياحها ونباحها. ~~••• # وصاغت آلهة السماء من تراب الأرض امرأة، # قدمتها على نقصها للرجل زوجة، # يعوزها العلم، فلا خيرا عرفت ولا ~~شرا، # ولا تعرف عليها واجبا إلا أن تأكل، # إن لفحها برد الشتاء فارتعشت، # فلن تزحزح نفسها نحو النار تصطلي. ~~••• # وأخرى خلقت كالبصر ذات طبعين، # فيوما تراها مشرقة ضحوكا، # إن رآها في دارها غريب لم يدخر ثناء، # قائلا ليس على وجه الأرض مثلها ظرفا ~~وسناء # ويوما تعبس فلا تقوى على الدنو منها ~~والنظر إليها # فكأنما مسها عندئذ مس من جنون؛ # غضوب كما تكون الكلبة مع جرائها، # حقود تصيب نقمتها الجمع على السواء، # كأنها حجر يتعثر به الأصدقاء ~~والأعداء، # ولكنها كالبحر، قد تسكن في هدوء ~~رحيم، # كالبحر في الصيف، هو للملاحين بهجة لا ~~تحد # ثم قد ينقلب السكون إلى جنون، # فيدوي بموجه دوي الرعود، # مثل هذه المرأة تحنو على ذوي قرباها، # وطبعها شبيه باليم في تقلبه. ~~••• # وأخرى تراها نحلة في دارها ؛ فطوبى ~~لحائزها! # لن يجد اللوم في أخلاقها مستقرا # فهي تجعل الحياة منتجة خصيبة، # وتنجب من بنيها كل مجيد نبيل، # حتى تبلغ الشيخوخة في حب زوجها، # وتزداد على مر الأيام طيب أحدوثة بين ~~لداتها، # ويفيض عليها الله من بركاته الطيبات # إنها لا تجد متعة في المكث بين النساء، # حين يتحدثن في الحب ولقاء الرجال. # مثل هذه المرأة نعمة من الله لزوجها، # وهي بين الزوجات أكثرهن فضلا وحكمة. ~~(3-3) الأغاني الفردية # ومن خير ما يمثل الأغاني الفردية ما أنشده «ألكيوس»، # 97 # وما أنشدته «سافو»، # 98 ms0118 # وما أنشده «أنا كربون»، وقد فقد أكثر شعره. ~~أما أن ألكيوس كان شاعرا مجيدا فذلك ما يشهد به «هوراس» # 99 # الشاعر اللاتيني العظيم الذي جرى على نسقه ~~في شعره. # وأما أن «سافو» كانت رائعة بارعة، فدليل ذلك أنها كانت ~~في القرن السادس قبل الميلاد معترفا لها بزعامة مدرسة ~~للشعر في الزبوس، إحدى جزر اليونان ومهد الأغاني فيما ~~يذكر القدماء. # وإن الأشعار القليلة التي بقيت لنا من نظمها لتنطق ~~بعلو كعبها، وبما كان لها من عاطفة حادة وإحساس شديد ~~بنعيم الحب وجحيمه. وقد كانت «سافو» في أعين اليونان ~~شاعرة مجيدة وضعوها في صف هوميروس، وسرعان ما أصبحت في ~~أساطيرهم بطلة تحاك حولها الأنباء والأخبار. ولقد سمي ~~باسمها وزن من أوزان الشعر ابتكرته أو وجدته هزيلا ~~فبلغت به حد الكمال؛ وهذا الوزن «السافي» كان نموذجا ~~لكثير من شعراء اللاتين، وبخاصة هوراس. # ونحن نسوق لك مثالا من شعر «ألكيوس» ثم نتبعه بمثال ~~من شعر «سافو». # قال ألكيوس في أشعار من أغاني الشراب: # إن «زيوس» مزنه هامية، وريح السماء صرصر ~~عاتية، # وفي الأنهار تجمدت مياهها الجارية. # هدئ من العاصفة قوتها؛ جمع للنار ~~جذوتها؛ # امزج - كما تشتهي - من الصهباء صفوتها، # ثم طوق منك الجبين # بأكاليل من رياحين. # لا تسلمن القلب للأشجان؛ # أي خير ترتجيه من أحزان؟ # ليس للداء يا صاح غير هذا الدواء: # الخمر؛ فاحتس الخمر حتى تنتشي. # 100 # إلى الشراب هيا! فيم انتظارك ~~المصباح؟ # لم يبق إلا ساعة ويدهمك الصباح. # 101 # هات الكئوس واختر منها الضخام ~~الكبار ، # ها هي تدلت من المشاجب فوق الجدار، # إن «سملى» و«زيوس» أنجبا «باكوس» # 102 # حفيدا، # فخلق الحفيد لذيذ الخمر خلقا ~~جديدا، # ثم هيأها للإنسان وسقاها، # فكانت لهمومه بلسمها وسلواها. # اقتلها بالماء: واجعل من الخمر قدرا ومن ~~الماء مثليها؛ # واملأ الأقداح مترعة حتى نهايتها، # وأعطني قدحا وانتظر حتى تراني # حسوته، فقدم الثاني. # وهذا مثال من شعر سافو. قالت في امرأة ستنسى لأنها ~~ليست فنانة: # صفية # غدا سترقدين في جمود الموت جثمانا، # وذكرك لا يحرك لسانا أو يثير ~~جنانا؛ # إذ ms0119 لم تكوني في دوحة الفن غصنا ~~فينانا، # بل ستكونين في جنبات الجحيم # وفي زمرة المصفدين. # لن يصاحب ظلك ظل حبيب. # 103 # المساء # إيه يا مساء، قد عدت إلى الديار ~~بساكنيها، # بعد أن بعثرهم الفخر في الأرض، قاصيها ~~ودانيها؛ # فإلى الحظائر عدت بالخراف والنعجات، # ورجعت البنين إلى صدور الأمهات. # أما «أناكريون» # 104 # الذي لم يبق لنا من شعره إلا شذرات، فقد ~~أدار غناءه على الحب والخمر في أسلوب رقيق، ولكنه ~~أقل عاطفة من شعر سافو. وقد كانت رقة لفظه مبعث ~~إعجاب الشعراء اليونان والمحدثين، وقد كان له مقلدون ~~أنشدوا شعرا في أسلوبه، وضاعت أسماؤهم، فظل ينسب له ~~خطأ قرونا متلاحقات. # والعجب أن مقلديه ومترجميه من المحدثين إنما يقلدون ~~ويترجمون تلك الأشعار المنحولة، أكثر مما يرجعون إلى ~~أشعاره الصحيحة. # والحق أن مجموعة من هذه القصائد المنحولة قد جمعت في ~~ديوان اسمه «أناكرونيات»، وهي من الجمال والروعة بحيث ~~تستحق النسبة إلى هذا الشاعر العظيم. # وهاك مثالا منها: # الشيخوخة # لن يعود الشباب الحلو ويخطو إلي # بعد أن كان لي أصدق الخلان، # وابيض رأسي فوق كتفي، # كما ابيض مني العارضان # وأسناني؛ لقد تحطم اليوم بنيان أسناني. # سلخت عمري، ما أبقيت إلا قليلا، # أستمرئ فيه نعيم اللذات، # ومزقتني الشكوك تمزيقا وبيلا، # وبقيت لهفتي وعويلي واحسرتاه، # ألا ما أعمق مراقد الأموات! # ما أعمق ما يرقدون ولا يحزنون! # وقد تقطعت بهم إلى العودة أسبابها، # وعلى الدرج صعدا لم يعودوا يملكون # أن يسلكوا الطريق بين إيابها؛ # فهم في الهوة السحيقة يرقدون! # إن القصائد الغنائية التي أنشدها ~~«أناكريون» و«سافو» وغيرهما، فيها من الطابع الشخصي شيء ~~كثير؛ فهي تعبير عن عاطفة فردية، إذ تلمس فيها أنة ~~الحزن وصرخة الألم، وتسمع فيها ضحك السرور وإشفاق الأسف، ~~وغير ذلك مما كان يحسه الشاعر في حياته الشخصية. ~~(3-4) الأناشيد الجماعية # وأما الأناشيد الجماعية فقد قرضها قارضوها لتغنيها ~~مجموعة من الناس، وهي تعبر عن عواطف جماعة لا عاطفة فرد. ~~ومن أمثال ذلك التراتيل الدينية وأناشيد المجد التي كانت ~~تغنى للأبطال الظافرين. # فأمثال هذه القصائد، وإن ms0120 تكن بغير شك مطبوعة بطبائع ~~قارضيها، إلا أنها من حيث موضوعها لا تمس تجربة الشاعر ~~في حياته اليومية، وإنما تعبر عن الحياة الدينية ~~والاجتماعية التي تحيط به. وأعظم شعراء هذا الضرب من ~~الشعر الغنائي هم «سيمونيدس الكيوسي» # 105 # و«باخليدس» # 106 # و«بندار» # 107 # وثلاثتهم عاشوا في القرن الخامس قبل ~~الميلاد. # أما «سيمونيدس» فقد أجاد في قصائد المدح يتوجه بها ~~إلى من أراد مدحه من العظماء، وكانت طريقته أن يذكر ~~بطلا من أبطال الماضي ليعرضه على سبيل المقارنة بالعظيم ~~الممدوح؛ ولذلك فقد حفظت لنا أشعاره كثيرا من أساطير ~~الأولين. # وهذه أمثلة من شعره: # موتى الإغريق في ترموبولي # إن صرعى «ترموبولي» لمن العظماء ~~الأمجاد، # فما أشرفها نهاية، وما أسماها غاية! # رقدوا هنالك تحت مذبح، إذ لا تشق لهؤلاء ~~اللحود، # ولا يغشى مراقدهم الراثون النائحون، # إنما يحج إليهم الذاكرون المادحون، # فلله ما أعظمه من قربان مجيد، # لن يطمسه الصدأ، ولن يفنيه الزمان ~~المبيد! # قدست أرض باتت للأبطال مستقرا ~~ومراقد؛ # فها هنا أقام «الشرف الإغريقي» له ~~معبدا، # وها هنا بين الصرعى رجل جدير أن ~~يمجدا: ~~«ليونيداس # Leonidas ~~» سليل ملوك ~~أسبرطة # الذي خلف الأعقاب كاللآلئ النواصع # شجاعة وشهرة؛ # فاسمه باق على الدهر # يتوارثه عصر بعد عصر. # الصعود إلى الفضيلة # عن الفضيلة قال الرواة: # إنها على جبل صعب مرتقاه، # وعرائس الجن المقدسات لها حماة، # ووجهها في حرز هيهات لإنسان أن يراه، # إلا رجلا شق الطريق مصعدا، # لا يبالي نصبا مضنيا وقلبا ~~مجهدا، # حتى يبلغ بالبأس ذاك المرقدا. # قبر # ها هنا دعهم يرقدون، إنهم بالذكر ~~خالدون # قد قضوا في سبيل «تيجيا» # 108 # وهم على الرماح قابضون، # كانوا لحصونها الليوث الحماة، # كانوا لقطعانها الحراس الرعاة. # اتخذوا حرية «هلاس» إكليلا وتاجا، # واندفعوا في حومة الوغى أفواجا ~~فأفواجا؛ # لتظل «هلاس» باقية على الأيام، # فلا يعفر إكليلها غبار الرغام. # وأما «باخليدس» فكان من شعراء الأناشيد ~~تغنى للظافرين. ومن أروع قصائده نشيد قاله في تمجيد ~~جواد كسب السبق في حلبة الألعاب الأولمبية. وقد كان ~~الإغريق ينظرون إلى الرياضة البدنية نظرة فيها الروح ~~الوطنية ms0121 وفيها العبادة الدينية، مما ليس لنا به عهد نحن ~~المحدثين. # وأعظم شعراء الأناشيد الجماعية التي تقال في مواقف ~~القلب والنصر «بندار»، وقد بقي لنا من أدبه قصائد كاملة ~~قيلت في تمجيد السابقين الغالبين في حلبات الألعاب ~~الأولمبية وما شابهها من المباريات. ولعظمة «بندار» وكثرة ~~ما بقي من شعره، أصبحت الأناشيد في العصور الحديثة ~~تقترن باسمه، والقصيدة الغنائية من هذا الضرب كانت ~~تغنيها جوقة في نوع من الرقص في حلبة، فمقطوعة من ~~القصيدة تلازمها حركة الراقصين من اليمين إلى اليسار، ~~والمقطوعة التي تليها تلازمها حركة من اليسار إلى ~~اليمين، وفي المقطوعة الثالثة يقف الراقصون في سكون؛ وهذه ~~الوحدة الثلاثية يكررها الشاعر في قصيدته عددا من ~~المرات كما يشاء. وقد أصبح هذا البناء الفني للقصيدة ~~الغنائية قالبا هاما في الشعر الإنجليزي، ولو أن ~~القصائد الغنائية الإنجليزية تختلف كثيرا من حيث الموضوع ~~عن اليونانية. ومن أمثلة هذه الأغاني في الشعر الإنجليزي ~~قصيدة «شلي» # 109 # وعنوانها: «نشيد الرياح الغربية» وقصيدة «كيتس» # 110 # وعنوانها «أغنية العندليب» وقصيدة «سونبرن»: # 111 ~~«نشيد عيد الميلاد» وقصيدة «تنسن» # 112 ~~«الدوق ولنجتن»؛ فهذه كلها تشبه أصلها ~~اليوناني في نقطة رئيسية وهي وقار موضوع القصيدة وما فيه ~~من جد العاطفة. # ولقد وصلنا من شعر بندار أربعة وأربعون نشيدا ~~موزعة في أربع مجموعات حسب نوع الألعاب التي قيلت ~~فيها: # وها هو أحد أناشيده قاله تمجيدا لزينوقراط أمير مدينة ~~«أجرجنتوم» بجزيرة صقلية. والنشيد موجه إلى «تراسيبولس» ~~ابن الأمير المذكور. والراجح أن الشاعر قد كتب قصيدته ~~بعد موت الأمير. قال: ~~(المقطوعة الأولى: تنشدها الجوقة وهي تتحرك ~~من اليمين إلى اليسار): # أي تراسيبولس! إن القدماء الذين صعدوا إلى ~~عربة ربات الوحي الذهبية ليأخذوا بأيديهم ~~القيثارة النبيلة، لم يتوانوا عن أن يطلقوا ~~أناشيدهم الحلوة كالعسل، تمجيدا لجمال الشباب، # 113 # أولئك الذين يدعونا شبابهم المحبب ~~إلى أن نحلم بأفروديت الإلهة ذات العرش ~~المشرق. # إن ربة الوحي إذ ذاك لم تكن جشعة ولا أجيرة. # 114 # لم تكن «تربسيكورة» # 115 # تضع قناعا من القصة على وجهها، ولم ~~تكن أغانيها ms0122 العذبة الحلوة تباع بالمال، وأما ~~الآن فها هي تدعونا إلى أن نقبل تلك الكلمة ~~القريبة من الحق، كلمة أحد أبناء «أرجوس»: ~~«المال. المال. هو الرجل.» قالها عندما فقد ~~أصدقاءه لما فقد ماله. وأما أنت فرجل حكيم. ~~إني أشيد بنصر لا يجهله أحد، هو النصر الذي ~~وهبه «بوسيدون» لزينوقراط مكافأة لعربته، ذات ~~الخيول الأربعة، ليتوج بإكليل الآس. ~~(المقطوعة الثانية: تنشدها الجوقة وهي تتحرك ~~من اليسار إلى اليمين): # لقد مجد فيه الإله سيد العربات النابه، مجد ~~فيه فخر «أجرجنتوم»، ومن قبل قد رمقه أبولون ~~بعنايته في «كريسته»، حيث وهبه النصر هنالك أيضا. ~~وفي أثينا المشرفة نال حظوة أبناء «إركتيوس» # 116 # الأماجد، ولم يجد مأخذا على تلك اليد ~~الماهرة في قيادة العربة، يد السائق «نيقوماخوس»، # 117 # نيقوماخوس الذي ساط الخيل في حرارة، ~~حتى إذا جد الجد أطلق لها الأعنة. وهو الذي ~~شاد بذكره «الأليون»، # 118 # رسل مواسم الألعاب وحاملو القربان ~~إلى «زيوس»، وذلك عندما بلوا كرمه، لقد حيته ~~أصواتهم الجميلة عندما تلقاه النصر الذهبي على ~~فخذيه ببلادهم. تلك البلاد التي ندعوها حرم ~~«زيوس» الأولمبي. لقد لقي هنالك أبناء ~~«أبنسيديموس» مجدا خالدا. آه! إن قصوركم - ~~تراسيبولس! - لا تجهل الولائم المحبوبة، ولا ~~تنقطع عنها الأناشيد المجيدة. ~~(المقطوعة الثالثة: تنشدها الجوقة وهي ~~ساكنة): # إن رسل عذارى «الهليكون» # 119 # لا يصدمون بالصخور، ولا تتوعر بهم ~~السبل عندما يخفون إلى النابهين من الرجال، ~~حاملين هدايا هؤلاء العذارى. ليتني أستطيع أن أصل ~~بسهامي حيث وصل زينوقراط بكرمه النفسي العذب، ~~مخلفا وراءه الناس كافة. لقد حاطه مواطنوه ~~بإجلالهم. لقد أحب تربية الخيل لكي يساير تقاليد ~~الإغريق في أعيادهم. لقد أقام دائما الولائم في ~~بشاشة تمجيدا للآلهة. ولم تحمله يوما رياح ~~الكرم التي تهب حول مائدته على أن يطوي قلاعه. ~~في الصيف يبحر حتى «فاسس»، وفي الشتاء يبحر حتى ~~ضفاف النيل. ولما كانت آمال الحسد تهوم حول ~~البشر، كان من واجب «تراسبولس» ألا يمسك قط عن ~~الإشارة ببطولة أبيه. عليه ألا يترك هذه الأناشيد ~~تهوي إلى النسيان. إنني لم أكتبها لكي ms0123 تنام ~~خامدة. أحملك - يا نيكاسيوس! # 120 ~~- هذه الرسالة وأنت عائد إلى الكريم ~~الحبيب إلى نفسي. # هذا النشيد الصغير يرينا مثلا من أناشيد النصر عند ~~اليونان، فالشاعر يتغنى بجمال تراسيبولس الشاب الذي أرسل ~~إليه مدحه لأبيه، وهو يشيد بذلك الأب لانتصاره في ~~الألعاب في سباق العربات، وهو يذكر ما كان من نصر سابق ~~في كريسه وفي أثينا وفي أولمبيا، نصر أحرزه الممدوح أو ~~غيره من أسرته، ثم يمجد سائق العربة، وأخيرا يتحدث ~~الشاعر عن نفسه معلنا اعتزازه بشعره. وليست كل أناشيد ~~بندار في هذا الاختصار؛ إذ إن من بينها ما يبلغ خمسمائة ~~بيت تقريبا، أي ما يقرب من أغنية من أغاني الإلياذة أو ~~الأوذيسية. والشاعر يلتمس عندئذ مادة لشعره في الأساطير ~~التي تدور حول أجداد البطل أو حول مدينته. # وشعر بندار يمتاز بقوة التركيز، وهو شعر غامض حارت في ~~فهمه العقول. انظر مثلا إلى جمعه بين «رياح الكرم التي ~~تهب حول مائدة الممدوح» و«رحلات الممدوح إلى الشمال حتى ~~فاسس، وإلى الجنوب حتى ضفاف النيل.» التماسا لوجاهة ~~الثراء، وكيف جمع الشاعر بين المعنيين الحقيقي والمجازي، ~~واصلا بينهما بقوله «إن رياح الكرم لا تمنع الممدوح من ~~أن يبحر طلبا للمال من التجارة.» فهذا تركيز لا يخلو من ~~غموض، ولكنه من مصادر عظمة ذلك الشاعر الذي يرى فيه ~~النقاد أكبر شاعر غنائي. ~~••• # كانت أثينا طوال ذلك الزمن الذي عاش فيه من ذكرنا من ~~الشعراء زعيمة اليونان العقلية، ولكن المدنية اليونانية لم ~~تقتصر على أثينا، بل ترامت إلى آسيا الصغرى وإلى صقلية ~~وجنوبي إيطاليا، وازدهرت الفنون في كثير من هاتيك المدن ~~والأقاليم، وإنه لمما يدل على تنافسهم وتسابقها أن ~~ادعى سبع منها بنوة هوميروس، كل منها يدعيه لنفسه. ~~وقد ظهر من ذكرنا من شعراء في مدن مختلفة من البلاد ~~اليونانية، ولكنهم كانوا يحجون إلى أثينا؛ هذا يذهب ~~إليها في زيارة قصيرة، وذلك يقصد إليها لإقامة ~~طويلة. # فلما بسط الإسكندر الأكبر سلطانه على العالم، فقدت ~~المدن اليونانية قوتها وإن لم تفقد طابعها، فأخذ الأدب ~~هنالك يضعف ms0124 وتنهار دعائمه، ولم يعد - على مر الزمن - ~~تعبيرا طبيعيا عن خواطر الشعب تجري على ألسنة شعرائهم؛ ~~لم يعد الأدب - تدريجا - صوت الحياة، بل أصبح موضوعا ~~يدرس في كتب، وأصبح الأثر الفني تقليدا وصناعة ~~يؤديها الأديب بعقله لا بقلبه. # وانتقلت الزعامة الأدبية إلى الإسكندرية بعد أثينا، ~~الإسكندرية التي أسسها الإسكندر في نهاية القرن الرابع ~~قبل الميلاد، وسرعان ما بلغ سكانها ثلاثمائة ألف، وأخذت ~~تجذب إليها أرباب العلم وأصحاب الفن بسبب هذه المكتبة ~~العظيمة التي أقامها فيها البطالسة؛ فازدهر العلم وازدهرت ~~الفلسفة وقوي النقد، لكن الشعر لم يزدهر لسبب لا ~~ندريه، فقد فقد جزالته وضاعت قوته، ولعل ما ~~أدى إلى ذلك أن الشاعر كان يكتب قصيدته لتقرأ لا ~~لتنشد وتسمع، أصبح يكتبها للعين لا للأذن، فضاعت ~~من الشعر أنغامه الحلوة، وبقيت له القوالب المتحجرة ~~والصور الفارغة، أو لعل العبقرية اليونانية قد أفرغت ~~جعبتها، فلم يعد لديها شعور جديد ولا أسلوب جديد، لكن ~~لا! فقد ظهر بعد ذلك شاعر آخر كان له فكر جديد صاغه في ~~أسلوب جديد، وذلك هو «ثيوقريطس» # 121 # الذي جود الشعر الريفي حتى أصبح هذا اللون ~~من الشعر ينسب إليه كما ينسب الشعر الغنائي إلى ~~«بندار»، والشعر الريفي إنما يجري على ألسنة الرعاة: ~~يعبر عن عواطفهم، ويقص خرافاتهم ويصف ما يحيط بهم ~~من مناظر الطبيعة الخلوية، ويسجل ما يدور بينهم من حوار، ~~وما يترنمون به من أناشيد. وإن في محاورة الرعاة ~~وأغانيهم لرقة وعذوبة وشاعرية حتى ظن بعض النقاد في ~~العصور التي سادت فيها الصناعة في الأدب، أن هؤلاء الأجلاف ~~السذج لا تصدر عنهم هذه العواطف الرقيقة، غير عالمين ~~أن الأغاني الشعبية الريفية كثيرا ما تبلغ حد الإبداع ~~في خيالها وجمالها وألفاظها وقوافيها. # استمد ثيوقريطس أغانيه من أناشيد الرعاة الذين كانوا ~~يعيشون في صقلية فوق تلالها الخضراء، وتحت سمائها ~~الزرقاء، يمرحون ويترنمون. وعلى الرغم مما خلعه ~~ثيوقريطس على تلك الأناشيد الحلوة التي جرت على ألسنة ~~أصحابها مع السليقة والطبع، من صناعة لفظية أبعدته عن ~~جمال الطبع، فإن ما في ms0125 قصائده من صدق التعبير ودقة ~~التصوير لهؤلاء الرعاة السذج جعله شاعرا ~~مجيدا. # وهذا مثال من الشعر المنسوب لثيوقريطس: # الصيادون # إنه الفقر وحده يوقظ الفنون، # ويلهم الحذق يد الصانع الصناع، # ويعلم الكدح فلا ينام العامل إلا ~~غرارا، # وترى العناء والهم من حوله زاحفا، # فإذا ما أخذه الكرى دهمه العناء والهم ~~بزئيره الداوي، # انظر إلى هذين الشيخين - وقد حذقا صيد السمك ~~- # يتخذان من أعشاب البحر الجافة مخدعا ~~وطيئا، # تحت كوخ معروش بجانب جدار من أوراق ~~الشجر، # والشباك مطروحة على مقربة منهما، # وحولهما انتثرت قضبان وسلال من الغاب، # كما انتشرت مشابك وشباك وخيوط جمدتها ~~الأعشاب، ~~... وعلى مقربة منهما مجدافان متآكلان، # وحبال تشابكت كلها في خليط، # وزورق مشدود إلى اليابس في عرض الطريق، # والوسادتان تحت رأسيهما معطفان رقيقان من صوف ~~غليظ، # والغطاء فوق جسديهما عطيفان ~~سميكان، # فهذه عندهما كل ما يملكان، # وما عداها فيض ليس فيه غناء، # فلا حاجة بهما للحراسة إلى مفتاح وكلب ~~وباب، # فقد وقف الفقر من دونهما حارسا أمينا # فلن يتخذ جار من جوار كوخهما موطنا، # فما الجار عندهما سوى مد البحر الزاحف في رفق ~~ولين ... إلخ إلخ. # وقد أصبح الشعر الريفي بعد ثيوقريطس ~~تقليدا في كل اللغات الحديثة فالشاعر «فرجيل» في ديوانه ~~«أناشيد الرعاة» تأثر خطو ثيوقريطس ثم أثر هو في الشعر ~~الإنجليزي؛ فإليه يرجع الفضل في اصطناع الأدب الإنجليزي ~~للشعر الريفي. ولئن كان كثير من الأدب الريفي في الآداب ~~الأوروبية الحديثة كاذب العاطفة لبعد ما بين قائليه وبين ~~البيئة الريفية، فإن كثيرا من هذا الشعر الريفي قد بلغ ~~الكمال لأن قارضيه كانوا يسكنون الريف ويحبونه ~~فيصدرون عنه صدور الطبع لا عن تقليد وصناعة. وقد ظهر ~~الشعر الريفي في الآداب الأوروبية الحديثة في أربعة ~~ألوان: # أما اللون الأول فكانت فيه «أناشيد الرعاة» قصائد قصارا ~~تحمل طابع «ثيوقريطس» و«فرجيل» وقد دام هذا اللون زمانا ~~طويلا، وهو يكثر جدا في الأدب الإنجليزي في عصر ~~اليصابات، وأشهر أناشيد الرعاة في هذا الأدب عندئذ هو ~~قصيدة «سبنسر» # 122 # وعنوانها: «تقويم الرعاة» كتب فيها اثني ms0126 عشر ~~نشيدا، كل واحد يصف شهرا من شهور السنة. ولئن كان ~~«سبنسر» مقتفيا في قصيدته تلك أثر الآداب الكلاسيكية ~~القديمة، إلا أنه عبر فيها عن الروح الإنجليزية أصدق ~~تعبير، ثم ترى في القرن الثامن عشر «جون جاي» # 123 # في قصيدته: «أسبوع الرعاة» يستخدم هذه ~~الأناشيد الريفية ليصور فيها حياة الفلاح الإنجليزي في ~~جده وشرفه وإخلاصه. والصورة الثانية التي شهدها الشعر ~~الريفي، هي امتداد الحوار القصير حتى أوشك النشيد أن يكون ~~رواية تمثيلية قصير. وخير مثال لهذا في الأدب الإيطالي هو ~~قصيدة «أمنتا» للشاعر «تاسو»، # 124 # وفي الأدب الإنجليزي قصيدة «الراعي الحزين» ل ~~«بين جونسن»، # 125 # وفيها عبر الشاعر عن روح الغابة الإنجليزية ~~ورواية «الراعية الوفية» للشاعر «جون فليتشر»، # 126 # الذي استوحى فيها شعر «تاسو» والأساطير ~~اليونانية. # واللون الثالث هو قصة نثرية خيالها شعري، كما في رواية ~~«أركاديا» للكاتب الإيطالي «سانازارو»، # 127 # وعلى أساسها كتب الكاتب الإنجليزي «فلب سدني» ~~روايته «أركاديا» في أسلوب مزوق مزخرف لا يدنيه من ~~أوساط أهل الريف، بل لا يدنيه من أية طائفة أخرى غير ~~طائفة الأدباء؛ والأدب الريفي النثري الذي يعنينا هو ~~القصة العاطفية التي تصور أهل الريف، مثل قصص «جورج ~~ساند» في فرنسا و«توماس هاردي» في إنجلترا وقد لا يكون ~~هذان الكاتبان متأثرين بثيوقريطس، ولكنهما مع ذلك ينخرطان ~~في سلك «أدباء الريف»، لأن رعاتهم صور حقيقية لأهل ~~الريف. # واللون الرابع للأدب الريفي - وهو أعلاها في الروح ~~الشعرية يتمثل أبرع تمثيل في قصيدة «ليسيداس» للشاعر «ملتن» # 128 # وقصيدة «أدونيس» للشاعر «شلي» # 129 # فهنا يرثي الشاعر صديقا له مات، فيصور ~~نفسه وصديقه شخصين يونانيين، ويشيع في القصيدة روحا ~~ريفية. ونرى «ملتن» في قصيدته المذكورة يرثي صديقه «كنج» - ~~وهو من يطلق عليه اسم ليسيداس - فيقول عن نفسه وعنه ~~إنهما: ~~... أرضعا رحيق تل واحد # وأطعما سويا قطيعا واحدا، إلى جانب الينبوع ~~والظل والجدول. # قال ذلك ليعبر عن أنهما كانا طالبين زميلين في ~~الجامعة، وبعد فالأرجح أن هذا اللون من الشعر قد ذهب ~~زمانه، ولن يعود إلى الأدب الحديث عظيما ms0127 كما كان. ~~(3-5) الرواية المسرحية عند اليونان # نشأت الرواية المسرحية عند اليونان - أول ما نشأت - في ~~احتفالات دينية كانت تقام تكريما للإله «ديونيسوس» # 130 # إله الإيماء والإثمار وبخاصة العنب والخمر، ~~فكانت العادة - فيما يرى بعض المؤرخين - أن يقوم نفر في ~~تلك الاحتفالات، ويظهرون على نشز وسط قومهم على هيئة ~~البشر في نصفهم الأعلى، وصورة الماعز في نصفهم الأسفل، ~~فيمثلون أدوارا ويديرون حوارا. ومن هذه البداية ~~الساذجة تكونت آخر الأمر الرواية المسرحية على أيدي ~~جماعة من فحول الشعراء؛ ومن هذه الأمساخ التي كانت تظهر ~~بين الناس اشتق اليونان كلمة أطلقوها على المأساة، ~~فلفظة «تراجيدي» # 131 # أي المأساة مشتقة من لفظة الماعز ولفظة ~~أغنية في مركب مزجي، على أن ذلك التطور قد تم بغير ~~شك في قرون طوال. # وشعراء المأساة النوابغ عند اليونان ثلاثة، أولهم «إسخيلوس» # 132 # الذي بقيت لنا سبع روايات كاملة مما كتب، ~~وقد بلغ ما كتبه سبعين مأساة تدور كلها حول موضوعات ~~دينية أو أسطورية، شأنها في ذلك شأن سائر الروايات ~~المسرحية عند اليونان؛ ففيها يصف الكاتب كيف ينزل الآلهة ~~عقابهم ويصبون عذابهم على الناس جزاء وفاقا بما قدمت ~~أيديهم من إثم، وما اعتزوا به من كبرياء، فوراء الآلهة ~~إله أعلى، هو «القدر» يتربص بالناس الدوائر، وهيهات أن ~~يفلت من براثنه أحد؛ فلئن كان اليونان ينظرون إلى الحياة ~~أحيانا في شيء من التفاؤل والمرح، ولئن كان كثير من ~~حكمائهم - مثل سقراط - قد نظر إلى الأشياء والأحداث نظرة ~~باسمة بهيجة، إلا أن الفلسفة الأساسية التي أقام عليها ~~كتاب المأساة فنهم كانت - على الجملة - قائمة على ~~روح الجد والصرامة الخلقية، وهي في ذلك شبيهة بأدب ~~«العهد القديم». # كان إسخيلوس جنديا حارب في الجيش الأثيني الذي هزم ~~الفرس في «ماراتون» # 133 # هزيمة منكرة خلدها التاريخ، خلد فيها كيف ~~تغلب فئة قليلة دولة قوية عريضة السلطان. # وكان لهذا النصر الباهر أثر عميق في شخصية إسخيلوس ~~وفنه، فقد كتب رواياته في عصر يموج بذكر البطولة ~~والأبطال على أثر هذا النصر العظيم، فصور فيها مزيجا ms0128 ~~من الإيمان الديني والزهو بالوطن والجنس. # ولا عجب، فقد كان بلده «إليوسس» # 134 # مركزا دينيا يحج إليه الناس زرافات ~~يلتمسون لمشكلاتهم حلا عند معابدها، فنشأ إسخيلوس على ~~عقيدة تملأ شعاب نفسه، وهي استحالة أن يفلت الإنسان من ~~أيدي القدر أينما حل أو ارتحل، فلا حياة بغير عقيدة ~~وإيمان. # أخرج إسخيلوس أول مسرحية له في سن السادسة والعشرين، ~~وكان يقوم بدور في التمثيل كما فعل شيكسبير من بعده، وقد ~~استقى مادة مسرحياته من أساطير قومه، وإنه ليعترف أن ~~رواياته «فتات تناثر من مائدة هوميروس.» ولم يطرق ~~إسخيلوس في كتبه موضوع الحب وما يؤججه في القلوب من ~~عاطفة، إنما عني بالقوى العليا التي تدخل أصابعها في ~~الحياة الإنسانية، فتدفعها هنا وهناك، رضي الإنسان أو ~~غضب، وقد خلع على «القدر» و«الخوف» و«العدل» و«الظلم» ~~صفات مشخصة جعلت منها أفرادا تتصرف وتروح وتغدو. وبلغ ~~إسخيلوس في فنه حدا من السمو لم يألفه اليونان ~~من قبل، فألقي في روعهم أن الآلهة توحي إليه وحيا ~~مباشرا، وتروي عنه الأسير أنه كلف في يفاعته حراسة ~~كرمة فغلبه النعاس واستغرق في النوم فهبط إليه ~~«ديونيسوس» وأمره بكتابة مسرحياته، فلما استيقظ شرع ~~يكتب وأصابه التوفيق من فوره. وقد قال عنه سوفوكليس # 135 ~~- وهو منافسه العظيم - إنه أجاد الرواية ~~ولكن بغير وعي منه، يريد أنها تصدر عنه بغير تعمد ~~وتدبير. وقال بعض معاصريه إنه كان يكتب كتبه وهو مخمور؛ ~~قيل عنه هذا وذاك، لأنه بلغ من العبقرية في الإنشاء ~~والإبداع حدا دهش له معاصروه، فلم يسعهم إلا أن ~~يلتمسوا له تعليلا خارقا لمألوف البشر. # ونرجح أن تكون رواية «برومتيوس المصفد» # 136 # أجود رواياته السبع الباقية، وهي الوسطى من ~~ثالوث روائي ألفه إسخيلوس . # فأما أولاه. فرواية «برومتيوس حامل النار». # وأما الثالثة فهي «بروميتوس الطليق»، وقد ضاعت الأولى ~~والثالثة، وبقيت لنا الوسطى التي نلخصها فيما ~~يلي: # يسيء برومتيوس إلى زيوس، فيأمر هذا إلها من أتباعه هو «هفيستوس» # 137 ~~- إله النار والحدادين - أن يشد برومتيوس ~~إلى صخرة عاتية؛ فقد كان زيوس حديث عهد بإنشاء ms0129 أسرة له ~~في السماء، ثم شاءت إرادته أن يمحو البشر من وجه الأرض ~~ليفسح مجالا لمخلوقات جديدة أرق وألطف؛ فيثور برومتيوس ~~على مشيئة الإله الأعلى زيوس؛ لأنه يحس نحو الإنسانية ~~عطفا وحبا، ولا يريد لها هذا الدمار والفناء الذي قضى ~~به زيوس، فسارع ووهب الإنسان نعمة النار وعلمه كيف ~~يشعلها، فكان ذلك أقدم ما عرف الإنسان من فنون الحياة، ~~ثم علمه النجارة والزراعة والطب والملاحة، فكان عذابه ~~عند زيوس ذلك العقاب الشديد الذي ذكرناه. وقد شاءت عزة ~~برومتيوس عندما شد وثاقه إلى الصخرة ألا يتألم أو ~~يتكلم أمام حارسه «هفيستوس»، ولكن لم يكد يمضي عنه حارسه ~~حتى صاح برومتيوس بالأرض والشمس أن تنظرا كيف أساءت إليه ~~الآلهة وإنه لإله من بينهم: # ها أنا ذا مصفد في مكاني، أنا إله منكود ~~الطالع، # ها أنا ذا أناصب زيوس العداء. # ويمقتني كل من تناله قوته، وإنه على ~~كل شيء قدير، وذنبي أني شديد الحب للإنسان. # وتفد عرائس البحر إلى برومتيوس زائرة فينبئها أنه ~~يعاني الآلام المبرحة لأنه أراد الخير بالإنسان، لكن ~~برومتيوس في محنته تلك لم ييئس، فلا يزال يلمع في أفق ~~حياته بصيص من الأمل، وذلك أنه يعلم - دون غيره - أن ~~قضاء محتوما يتربص الدوائر بزيوس الإله، وسينزل به ~~من ذروة سلطانه إلى أسفل سافلين. فتبلغ هذه النبوءة ~~السيئة مسامع زيوس، ويرسل «هرميس» # 138 # يستفسر من برومتيوس عن تفصيل الأمر، لكن ~~برومتيوس يمسك عن الجواب، فيتهدده هرميس مذكرا ~~إياه كيف نزلت به النوازل حين أعلن على ربه العصيان، ~~لكنه يجيب: # لن أرتضي الرق لهذا العقاب بديلا # فالكرب عندي خير من أن أعيش ذليلا. # فما هي إلا أن تنصب على الثائر ألوان ~~العقاب، فيرسل الله نسرا جارحا ينهش لحمه نهشا، ~~وهنا تنشق الأرض وتغوص الصخرة التي شد إليها برومتيوس ~~إلى أعماق الهاوية. # وقد روى المؤلف في الرواية الثالثة من ثالوثه المسرحي ~~أن برومتيوس وزيوس قد وصلا إلى اتفاق بينهما وانحسم ~~الخلاف. # ولعل الحكمة التي قصد إليها الكاتب هي أن الآلهة ~~كانت في بداية ms0130 الأمر تريد أن تأخذ الإنسان بالقانون ~~الصارم، لكنها بعد جذب وشد، رأت أن تخفف من حدة ~~القانون الذي تفرضه على الإنسان، فأصبح على نحو ما يرى ~~قانونا مقبولا معقولا يجمع بين العدل والرحمة، والشدة ~~واللين، والجبر والاختيار. # وإذا استثنينا برومتيوس، فإن أمتع شخصية خلقها ~~إسخيلوس في مسرحياته هي «كليتمنسترا» # 139 # في روايته القوية «أجاممنون»، فهي امرأة ~~صلبة العود شديدة المراس؛ يشبهها النقاد ~~بشخصية «الليدي مكبث» # 140 # عند شكسبير، فكانت كيلتمنسترا لا تخشى أن ~~تجهر بما تراه الحق في وجه الآلهة والناس، وقد قتلت ~~زوجها «أجاممنون»، ولم تحس على فعلتها أسفا ولا ندما، ~~ولم يعتورها ضعف أو خور، فكأنما هي فيما فعلت يد ~~«القدر» ورسول «العدل»؛ فشخصية أجاممنون ممقوتة، ولذا ~~فغدر زوجته به لم يعد ما هو جدير به، لكن ذلك لا ~~يبرر جريمتها الشنعاء، ولا يشفع لها إذا جاء يوم ~~الحساب، لذلك يدبر «القدر» أن ينتقم ابنها «أورستيس» # 141 # لأبيه من أمه فيقتلها. # فتتعقبه الآلهة بالعقاب، ولكنها تعود - في رواية أخرى ~~للكاتب - فتعفو عنه. # فكأنما أراد إسخيلوس أن يقرر مذهبه وهو أن الخطيئة لا ~~بد أن تلقى جزاءها قبل العفو عنها. # وأعظم تجديد جدده إسخيلوس في الرواية المسرحية أنه ~~أدخل أكثر من ممثل واحد على المسرح في وقت واحد، لأنه ~~بذلك هيأ الظروف للمحاورة التي هي ركن أساسي في ~~المسرحية. # ولسنا ندرى - على وجه التحقيق - كيف كان بناء المسرح عند ~~اليونان في عهد ازدهار الرواية المسرحية، ولا كيف كان ~~ممثلوهم يمارسون صناعتهم المسرحية، إذ لم يبق لنا ~~أثر لمسرح بني في القرن الخامس قبل الميلاد نستشهد ~~بمعالمه، فمسرح ديونيسوس الذي كشف عنه في النصف الأخير ~~من القرن التاسع عشر بسفح الأكروبول بأثينا لم يتم بناؤه ~~إلا في القرن الرابع ق.م. # ولكنا نرجح أنهم بلغوا في ذلك من الدقة مبلغا ~~عظيما، وإلا فكيف استطاعت الجوقة في رواية إسخيلوس؛ ~~«برومتيوس المصفد» أن تمثل عرائس البحر سابحة في ~~الهواء، وتظل سابحة حتى يأمرها «برومتيوس» ~~بالهبوط؟ # وقد يكون تمثيلهم للمناظر على غير ما نفهمه ms0131 في عصرنا ~~الحديث، لأننا إن قرأنا الرواية اليوم وجدناها أقرب إلى ~~أن تكون قصة تروى مصحوبة بغناء الجوقة منها إلى أن ~~تكون عملا ومحاورة بين الممثلين يراه النظارة ويسمعونه ~~كما يحدث اليوم. ومهما يكن من أمر، فقد كان لا يظهر على ~~المسرح إلا ممثلان يتبادلان حوارا، يتبعه ويفسره غناء ~~تنشده الجوقة التي كان الغرض منها أن تعلم من مشيئة ~~الآلهة وتدبير القدر ما لا يعلمه البطل في تخبطه ~~ومحنته. ~~••• # وثاني شعراء المأساة النوابغ عند اليونان هو «سوفوكليس» ~~الذي يصغر جيلا عن «إسخيلوس». وقد كانت عادة الشعراء أن ~~يتنافسوا من أجل جوائز معينة تعطى للفائزين، وتنافس ~~سوفوكليس وإسخيلوس في إحدى هذه المساجلات، فظفر بالجائزة ~~سوفوكليس. # ومنذ ذلك الحين أخذ نجاحه يطرد اطرادا موصولا لا ~~ينقطع، حتى وافته منيته حول سنة 400ق.م. وكانت سنه إذ ~~ذاك تسعين عاما. # كتب «سوفوكليس» أكثر من مائة رواية، بقي منها سبع، وهي ~~تدور حول الأساطير ومسائل الدين كروايات إسخيلوس، فلم يكن ~~كتاب الرواية المسرحية من اليونان - وهم في هذا مثل ~~شيكسبير وبعض الشعراء المحدثين - يزعمون لأنفسهم ~~ابتكارا في الموضوع، بل كان موضع التنافس والفخر كيف ~~يعالج موضوع معروف في قالب الرواية. # ومن أشهر رواياته «أوديب الملك» و«أنتيجونا» و«إلكترا» و«أياس». # 142 # وإن لهذه الروايات لأثرا كبيرا في الأدب الحديث، # 143 # وفي مسارح العالم أجمع. # ولعل قصة أوديب الذي قتل أباه وتزوج من أمه عن غير ~~علم، أن تكون من أروع وأبشع ما يراه الإنسان ممثلا ~~على المسرح، ولا بد أن يكون أثرها أشد وقعا في نفوس ~~اليونان منه في نفوسنا، لأنهم كانوا يعرفون القصة، فينظر ~~المتفرجون في إشفاق إلى أوديب على المسرح يعمل غير ~~عالم بما يخبئه له القدر من أحداث جسام. # إن ما كسبته المسرحية على يدي سوفوكليس، هو أنه حد ~~بعض الشيء من سلطان الآلهة على سلوك البشر؛ فقد كان ما ~~يقضي به الآلهة عند إسخيلوس، هو ما يرسم للإنسان سلوكه. ~~أما سوفوكليس، فقد جعل الإنسان مسيرا بقدر هو نتيجة ~~أعمال الإنسان نفسه إلى حد ms0132 كبير. # وللمصادفة عنده قسط موفور في تحديد تلك الأعمال، ~~فالإنسان عند سوفوكليس كائن مجيد نبيل، فترى أشخاصه ~~يجاهدون ويرسمون لأنفسهم الخطط، وهم إذا جابهوا الكوارث، ~~فإنما يجابهونها كما يواجه السباح الماهر موج ~~البحر الهائج: يصارعه ويكافحه ما استطاع إلى الكفاح ~~سبيلا. # ولنا أن نتخذ «أنتيجونا» نموذجا لفن سوفوكليس، ~~فنحن نلخصها فيما يلي: شاءت إرادة «كريون» # 144 # ملك طيبة اليونانية # 145 # أن تظل جثة «بولينيس» # 146 # الذي قتل أثناء الهجوم على المدينة في ~~العراء، لا يشق لها في جوف الأرض رمس تستقر فيه؛ ~~فقد «أعلن الأمر ألا يدفن الشقي بولينيس ولا يبكي، ~~وأن يترك - من غير أن يقبر أو تؤدى إليه الشعائر ~~الدينية - نهبا لسباع الطير التي تتأهب لافتراسه.» لكن ~~أنتيجونا أخت بولينيس تصمم على دفن أخيها على الرغم من ~~أمر الملك. ~~«أما أنا، فلا بد أن أواري أخي، فإذا أديت هذا ~~الواجب، فما أجمل بي أن أموت، ولئن مت فإنما أنا صديقة ~~لحقت بصديقها، سأؤدي واجبا عدلا ملؤه التقوى، لأن ~~الوقت الذي سأقيم فيه بين الموتى أطول من الوقت الذي ~~سأقيم فيه بين الأحياء.» # فقبض عليها أولو الأمر لعصيانها، وجيء بها بين يدي ~~كريون، فلم تحاول إخفاء ما فعلت، بل أعلنت أمام الملك ~~أنها كانت عالمة بأمره، مقدرة ما يترتب على عصيانها ~~من نتائج: # كريون ~~: # وكيف جرأت على مخالفة هذا الأمر! # أنتيجونا ~~: # ذلك لأنه لم يصدر عن «زيوس» ولا عن «العدل» ~~مواطن آلهة الموتى، ولا عن غيرها من الآلهة الذين ~~يشرعون للناس قوانينهم، وما أرى أن أمورك قد ~~بلغت من القوة مبلغا تجعل القوانين التي تصدر ~~عنك أحق بالطاعة والإذعان من القوانين التي ~~تصدر عن الآلهة الخالدين، تلك القوانين التي لم ~~تكتب، والتي ليس إلى محوها من سبيل. # وبعد حوار طويل بين الملك وأنتيجونا، يقضي الملك أن ~~تدفن الفتاة حية في غار صخري. # لكن أنتيجونا كانت خطيبة «هيمون» # 147 # بن «كريون»، فيتوسل هيمون إلى أبيه أن يعفو ~~عن حبيبته، ولكن رجاءه يصادف من أبيه أذنا صماء. ~~فيدور بين الابن وأبيه ms0133 حوار غاية في القوة والحياة، وهو ~~أقرب ما يكون شبها بالحوار في الرواية الحديثة: # كريون ~~: # لن أسمح بأن تكون زوجا لك، إنها ستموت. # هيمون ~~: # لئن ماتت فليتبعن موتها موت آخر. # كريون ~~: # كيف! أتبلغ بك الجرأة أن تهددني! # هيمون ~~: # أأهددك حين أحارب فيك عواطف ظالمة؟ # كريون ~~: # سأعلمك أن تكون أعدل في عواطفك ~~وميولك! # هيمون ~~: # لو لم تكن أبي لقلت إن عواطفك تضاد ~~العقل. # كريون ~~: # أيها العبد الدنيء تملكه امرأة، لا تثقل ~~علي بلغطك. # هيمون ~~: # أتريد أن تتكلم من غير أن تسمع؟ # كذلك يجعل كريون نصيحة «تريسياس» # 148 # دبر أذنه، وتريسياس عراف ضرير، فينذر ~~العراف الملك بأنه ملاق في سبيل عناده أشد ألوان ~~العقاب. # تريسياس: ~~«إذا فاعلم أنك لن ترى الشمس تطلع ~~مرات دون أن تصاب بموت كائن أنت ~~أبوه، دية لموت آخر، لأنك ألقيت في ~~بطن الأرض كائنا كان يعيش على ظهرها، ~~ولأنك أخزيت نفسك؛ حبست حيا في ~~القبر، وخليت جثة بالعراء، بعيدا عن ~~آلهة الموتى، في غير ما ينبغي لها من ~~الشرف والمأوى.» # وينفذ أمر الملك في أنتيجونا، فيزهق هيمون نفسه ~~بجوار قبرها، فتطعن أمه «يوريديس» # 149 # نفسها حزنا على موت ولدها، ويظل كريون ~~«ذلك الأرعن الأحمق» يندب حظه دون أن يجد إلى جانبه من ~~يواسيه. # والغاية الخلقية من الرواية تلخصه الجوقة في ختامها: # إن الحكمة لأول ينابيع السعادة، لا ينبغي ~~أن نقصر في تقوى الآلهة. إن صلف ~~المتكبرين ليعلمهم الحكمة بما يجر عليهم ~~من الشر، ولكنهم لا يتعلمون إلا بعد فوات الوقت ~~وتقدم السن. # 150 # وثالث نوابغ المأساة عند اليونان «يوربيدس»، # 151 # وهو أصغر من سوفوكليس بأعوام قلائل، وقد لبث ~~الشاعران العظيمان نصف قرن يتنافسان أمام النظارة من ~~اليونان، ولكن القدر كان أرحم بآثار يوربيدس منه بآثار ~~زملائه، فاحتفظ للأجيال التالية بتسع عشرة من رواياته ~~التسعين. وكان «يوربيدس» شاعر الحب بين كتاب المسرحية ~~اليونانية، لأنه أدار كثيرا من قصصه حول هذا الدافع ~~الإنساني. # ولم يكن الحب باعتباره حافزا للإنسان في سلوكه، ~~مجهولا قبل يوربيدس. ألم يكن فرار «بارس» مع ms0134 حبيبته ~~«هلانة» هو الذي أثار حرب طروادة، ولكن «يوربيدس» هو أول ~~من اتخذ عاطفة الحب وغيرها من العواطف الإنسانية ~~محورا أساسيا في سلوك أشخاصه؛ فالناس من البشر في ~~رواياته أهم من الآلهة، بل إنه حين يقص عن الآلهة ~~وأشخاص الأساطير فإنما يطلق ألسنتهم بحديث هو أقرب شيء ~~إلى حديث الناس في مضطرب الحياة؛ فقد كان «يوربيدس» أعرف ~~الناس بالمجتمع اليوناني في عصره، عرف كم بلغت المدنية ~~والفلسفة والثقافة العقلية والشك عند قومه، وكيف صرفهم ~~هذا كله عن الإيمان الخالص الساذج بآلهتهم. وأدرك أنه إذا ~~أراد أن يحرك العاطفة في نفوس نظارته، فليضرب على أوتار ~~العواطف الإنسانية التي لا ترتكز على الدين؛ فهذه «ميديا» # 152 # الساحرة - إحدى شخصياته الروائية - يصورها ~~في الظاهر كما صورتها الأساطير القديمة: ساحرة تقتل ~~أبناءها انتقاما من «جيسن» # 153 # وتطير في عربة مجنحة، ولكنه يجري من ~~الكلام على لسانها، ويثير من العواطف في قلبها، ما يجعلها ~~امرأة معذبة من هؤلاء النسوة اللائي يصادفنك في ~~الحياة. # كان يوربيدس يميل إلى العزلة، لأنه كان في نغمة عصره ~~نشازا لا ينسجم مع ميول العامة من الناس، زاعما أنه ~~يؤثر حياة الريف الساذجة على حياة المدينة المتحضرة. ~~وقد كان في فنه مجددا، فكان تجديده ذاك وخروجه على ~~التقليد المألوف موضع السخرية من شيخ الساخرين «أرستوفانس» ~~الذي كان زعيما للرجعية وإماما، فقد كره كل جديد وسخر ~~منه، لكن يوربيدس كان مر النفس، ضيق الصدر، يكره أن ~~يكون أضحوكة الضاحكين: # وإن روحي لتمقت # أولئك الساخرين الذين يطلقون للسخرية ~~عنانها # فتقتحم خطير الأمور وجدها. # ولعل ما زاد صدر الشاعر حرجا أنه ~~تزوج مرتين، وكانت الزوجتان بعيدتين عن الوفاء؛ فغادر ~~أثينا في أخريات أيامه ناقما ساخطا ليعيش في مقدونيا حيث ~~ألف آخر رواياته وهي «كاهنات باخوس». # 154 # وقد قربه الملك إليه، فأثار ذلك غيرة في ~~نفوس طائفة من رجال البلاط، فدبروا له فيما يزعم ~~القدماء عددا من الكلاب الضارية تهاجمه وتفتك به فتكا ~~مروعا ذريعا. # ولكن إن جاء شاعرنا نشازا في نغمة عصره، فقد كان ms0135 ~~متسقا، مع ذلك العصر من بعض الوجوه؛ ذلك أنه شاطر ~~زمانه ما ساده من شك في الآلهة والعقائد، وكان شكه ~~قائما على أساس خلقي، فقد رأى في الأساطير القديمة ما ~~ينافي الأخلاق، لأنه إن كانت تلك الأساطير صادقة فيا ترويه ~~عن الآلهة، فليست الآلهة - إذن - جديرة بالعبادة والتقدير، ~~وإن كانت الأساطير كاذبة فقد انهدم بناء الديانة ~~الإغريقية القديمة من أساسه، فإذا اتهمه أرستوفانس بعد ~~ذلك بالإلحاد، فلم يتهمه زورا وباطلا؛ لكن يوربيدس ~~يصر على أن الشك في الله أو الآلهة لا يعني فساد ~~الأخلاق عند الشاك، ولا تعجب من مثل هذا الرأي يصدر ~~عن شاعر يوناني؛ فالفضيلة عند اليوناني العريق تجتذب ~~النفس بجمالها لا بثوابها. # وقد عني يوربيدس في رواياته بالتحليل الدقيق للشخصية ~~الإنسانية، وبخاصة شخصيات النساء؛ وهذا الفهم العميق ~~لأحوال المرأة ودوافعها النفسية هو الذي حدا ببعض الكتاب ~~المحدثين أن يطلقوا عليه: «إبسن العصر القديم». # 155 # وخير مسرحياته هي «ميديا» التي كتبها في صدر شبابه حين ~~اضطرمت في صدره جذوة الشك، والتهبت نفسه حبا في ~~الحقيقة الخالصة. # وتبدأ الرواية إذ يكون «جيسن» قد ضجرت نفسه من رفيقته ~~الساحرة «ميديا»، فتزوج من الابنة الوحيدة لملك كورنثة، ~~وتمضي السنون ويبلغ جيسن سن الرجولة المكتملة، ~~فيمل شواغل الحب ودواعيه، ويلمح فيها سخفا لا ~~تحتمله النفس، فيصدف عنه ليقبل على شئون حياته بكل ~~ما وسعه من عناية وجهد، وعندئذ تكون «ميديا» قد أدركت ~~سن النساء وتمتلئ مقتا وبغضا؛ ويأمر ملك كورنثة بهذه ~~الساحرة أن يطوح بها في المنفي بعيدا عن أرض الوطن ~~ليخلو لابنته الجو فلا تتهددها «ميديا» ولا تناصبها ~~العداء، لكنه يسمح لميديا بيوم واحد تقضيه في المدينة قبل ~~نفيها. وها هنا نشهد لقاء مرا بينها وبين «جيسن» تكيل ~~له اللوم والتأنيب كيلا لما أبداه نحوها من نكران ~~للجميل. # ألم تكن هي التي عاونته حتى بلغ أوج المجد؟! ألم تكن ~~هي التي أنجته من خطر كاد يورده موارد الهلاك؟! ألم ~~تكن هي التي قتلت عمه «بلياس» # 156 # الذي هم باغتصابه؟ حتى إذا ms0136 ما فرغت ميديا ~~من تقريع جيسن قال رئيس الجوقة ما معناه: # إن القلوب إذا تنافر ودها # مثل الزجاجة كسرها لا يجبر # فيغضب جيسن ويثور في نفسه السخط كما يصنع الرجال إذا ~~سلقتهم ألسنة النساء الحداد: # وددت لو شاء الله، # لنا نحن أبناء الفناء أن ننبت ~~الأجنة، # في غير أجواف النساء. # لكن ميديا لم تكن المرأة التي تعفو ~~وتغفر، فأخذت تدبر كيدها لتصب على أعدائها النقمة ~~والانتقام؛ فضرتها مصيرها الموت المحتوم، ولكن لا ~~يكفيها أن يعدم جيسن الزوجة ويبقى له البنون. ~~فلتدبر لقتل هؤلاء الأسباب حتى ينال ذلك من أبيهم، ~~ولكنهم أبناؤه منها، فهل تفتك بفلذات كبدها انتقاما ~~من غدر حبيبها؛ ولم لا تفعل، فهل للثأر عين ~~تبصر؟ # فلن أبقي لجيسن من ذريتي أحدا # تقر به عيناه، كلا ولن ينسل أحدا # من عروسه الجديدة. # وحينما تلتقي «ميديا» بجيسن مرة أخرى ~~تتظاهر بالإذعان لما أراد لها القضاء من تعذيب، وتقع ~~عيناها على أبنائها فتنفجر باكية، وتعود لها العاطفة ~~الإنسانية أمدا قصيرا: # أواه! كم لقلبي الكسير فيكم يا بني من أمل ~~عريض؛ # فأنتم أساتي إذا ما دهم المشيب، # وبأيديكم العزيزة ستلفون كفني حول ~~جثماني، # حين أرقد جثة باردة. # لكن هذه العاطفة الحنون سرعان ما تمضي، ~~ويبلغها نبأ موت ابنة الملك فتأخذها نشوة السرور، ~~وتصمم أن تورد أبناءها موارد الحتوف، وتستحث نفسها ~~لتقترف ذلك الإثم الفظيع، ثم يتم لها ما دبرت. وكان ~~جيسن قد أنبئ بما اعتزمته ميديا من قتل بنيها وبنيه، ~~فطار برأسه الجنون، واندفع ينقذ الأبناء الأبرياء من ~~تلك المرأة المجرمة الغشوم. وها هو ذا عند دارها يدق ~~الباب دقا حتى ليكاد يدك البناء دكا، ولكن ماذا ~~تجدي لهفته؟ لقد سبق السيف العزل ونفذ القضاء المحتوم في ~~الأبناء. # وتبدو ميديا في عربة تجرها وحوش مجنحة وعلى ~~سطحها رصت جثث أطفالها، فلما أبصرت جيسن نظرت إليه ~~محنقة وتنبأت له بأفدح الخطوب. # أما أنت فانظر! إن الموت يدنو ليطبق عليك. # وحكمة الرواية أن فعل الشر يتبعه العذاب، فقد ~~غدر جيسن بميديا وأنكر عليها ما ms0137 صنعت له من جميل ~~فأصيب بالكوارث تترى. وإن ميديا لتعترف أنها ضحية ~~لقسوة قلبها. وقد يبدو للقارئ أو الرائي أن العقاب كان ~~أفظع من الإثم، ولكن هكذا الحياة التي حرص يوربيدس على ~~تصويرها. # وفي روايته «هيبوليتس» # 157 # ترى «فيدرا» # 158 # تقتل نفسها، لأن ابن زوجها لم يبادلها ~~حبا بحب، وتلمس فيها امرأة تصلح شخصية لرواية في العصر الحديث، # 159 # ولكن على الرغم من حسن لفتات يوربيدس نحو ~~العواطف الإنسانية في رواياته، مما جعله يمتاز عن أقرانه، ~~فإن آيته الكبرى هي رواية «كاهنات باخوس» التي تدور كلها ~~حول الآلهة وما قد ينزلونه من عقاب على بني الإنسان ~~ملوكا كانوا أو صعاليك، إن حدثتهم النفس بمعارضة ~~العقائد الدينية وشعائر العبادة. # فإن يوربيدس يعتقد عقيدة جازمة بأن العقاب لا ~~مندوحة عنه للقصاص من الخطيئة. # فالإثم دين على الآثم ولا بد من الحساب ليتم ~~للدين الوفاء، ولا عبرة بعد ذلك إن جاء العقاب أخف ~~من الجرم أو أشد وأقسى. # ذلك هو يوربيدس الذي مجد فيه أرسطو العبقرية والنبوغ. ~~ولما جاءته منيته لبس عليه سوفوكليس ثوب الحداد، كما ~~حزن لفقده أهل المدينة جميعا. # وبموته انتهى عصر المأساة (أو التراجيدي) الذهبي عند ~~اليونان. ~~(3-6) الكوميديا (الملهاة) # معنى لفظ كوميديا في اليونانية - على الأرجح - ~~«أغنية ~~الكوموس» # Komses-Odia # والكوموس معناه عيد أو وليمة، ~~والمقصود بذلك هو تلك الولائم والأعياد التي كانت تقام ~~احتفالا بالإله باكوس (المسمى أيضا ديونيسوس) وهو إله ~~العنب والخمر، وتلك أعياد مرحة كان اليونان يجتمعون فيها ~~فيأكلون ويشربون ويغنون، سائرين في مواكب على رأسها ~~مغن يغني وبقية أفراد الموكب يرددون غناءه أو ~~يجاوبونه، وكان موسم تلك الأعياد في الشتاء، حول آخر ~~يناير وأول فبراير، ففي ذلك الحين كان الفلاحون يحملون ~~إلى آثينا دنان الخمر التي عصروها، ولهذا سميت تلك ~~الأعياد بأعياد العصير. # فأعياد العصير إذن هي الأصل الشعبي للكوميديا الإغريقية، ~~كما أن أعياد العنب كانت الأصل الشعبي للتراجيديا، فكلا ~~الفنين قد نشأ من عبادة باكوس. التراجيديا بعد الجني، ~~حول شهري نوفمبر وديسمبر عندما يأخذ العنب ms0138 في الجفاف ~~فيبكون إلهه، والكوميديا عندما يبيعون العصير فيعبثون ~~ويمرحون. وإلى جانب هذين العيدين نشأت أعياد كبيرة في ~~آثينا كانت تقام في شهر مارس، وكثيرا ما كان يجتمع فيها ~~الفنان؛ التراجيديا والكوميديا. وقد بلغت من الشهرة ~~في بلاد اليونان كافة مبلغا عظيما حتى إن الكثيرين من ~~الإغريق كانوا يأتون من كافة المدن لحضورها. # كانت الكوميديا إذن تمثل في أعياد العصير، ولقد أصبحت ~~فنا أدبيا بأثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، وكان ~~ظهورها في هذا المظهر متأخرا عن التراجيديا بنحو ثلاثين ~~أو أربعين سنة؛ إذ إن الثابت تاريخيا هو أن الدولة لم ~~تنظم مسابقات الكوميديا إلا قبل سنة 458ق.م. ~~بقليل. # ذلك في أثينا، ولكن الكوميديا قد عرفت في البلاد ~~اليونانية الأخرى حتى إن أرسطو في كتابه عن «الشعر» ~~ليحدثنا عن زعم الدوريين - وهم أحد شعوب الإغريق - ~~أنهم خالقو الكوميديا، زعم ذلك أهل «ميغارا» قائلين إن ~~الكوميديا قد نشأت عندهم في القرن السادس قبل الميلاد ~~عندما وصلوا في مدنيتهم إلى الحكم الديمقراطي الذي مكن ~~شعراءهم من أن يستخدموا هذا الفن الأدبي في النقد السياسي ~~والاجتماعي، وهم يزعمون أن شاعرا لهم اسمه سيسريون # 160 # هو الذي رحل إلى أثينا سنة 570ق.م. ناقلا ~~إليها ذلك الفن، وزعم ذلك أيضا أهل صقلية، وزعمهم أقوى ~~تاريخيا من زعم الميغاريين، فقد ظهر بالفعل في بلادهم ~~شاعر كوميدي كبير هو إبيكارموس # 161 # الذي يضعه أفلاطون في قمة شعراء ~~الكوميديا، كما يضع هوميروس على رأس شعراء الملاحم. ولقد ~~أخذ هذا الشاعر يؤلف الكوميديات منذ سنة 486ق.م. فيما ~~يروي القدماء. ولقد بلغ من ذيوع الصيت أن استدعاه ~~حكام سيراقوصة إلى مدينتهم حيث استقر زمنا طويلا، ~~وعاش فيما يقولون حتى بلغ التسعين من العمر وألف ما ~~يقرب من أربعين كوميديا، ولكن مؤلفاته لسوء الحظ قد ~~ضاعت ولم يبق لنا منها إلا فقرات صغيرة لا تكفي للحكم ~~على فنه حكما شاملا، ومع ذلك فأرسطو يحدثنا أن ~~إبيكارموس قد أحدث تجديدا خطيرا في الكوميديا إذ جعل لها ~~موضوعا، أي قصة تشبه قصة التراجيديا، ms0139 فأصبحت تتناول ~~حادثة بعينها تعالجها في مراحلها المختلفة حتى تنتهي ~~بها إلى حل. وبذلك أصبحت الكوميديا رواية مسرحية بعد أن ~~كانت مكونة من عدة مناظر وأغان مفككة يرتجل ~~معظمها. والظاهر أن إبيكارموس كان يأخذ موضوعاته من ~~الأساطير ومن الحياة الواقعية على السواء، بل إنه ليبدو ~~لنا من بعض الفقرات التي وصلت إلينا أنه قد عرف كيف يصف ~~الحالات النفسية والخلقية بروح فلسفية تجعل منه في مجال ~~الكوميديا شبيها ليوربيدس في ميدان التراجيديا، وربما كان ~~هذا هو السبب في إدراج القدماء له في عداد الفلاسفة ~~الفيثاغوريين. # وها هي فقرة يصف فيها شاعرنا «الرجل الطفيلي»: ~~«أتناول العشاء مع أي إنسان يريدني. يكفي أن يدعوني ~~أحد، بل وأتناوله مع من لا يريدني، فلا داعي للدعوة. وأنا ~~على المائدة حاضر النكتة أضحك الجميع وأمدح مقدم ~~العشاء، وإذا سولت لأحد نفسه أن يعارضه في شيء وقفت ~~ضد هذا المعارض، وأخذت قتاله على عاتقي، حتى إذا أكلت ~~وشربت ملء بطني انصرفت والمصباح بيدي لا يصحبني عبد. ~~أسير وحيدا وسط الظلام وأتعثر أحيانا، فإن قابلت ~~الحراس مصادفة حمدت الله إذا لم يقتلوني واكتفوا بأن ~~يطوقوني بعصيهم. وعندما أصل في النهاية إلى منزلي وقد ~~نضح جلدي أضطجع على الأرض الصلدة، ولكنني لا أستطيع أن ~~أنام قبل أن يحدث النبيذ النقي أثره الطيب ~~بوعيي.» # ولا شك أن مثل هذا الوصف يدل على نزعة واقعية ~~تعتمد على الملاحظة المباشرة. # ولعل الكوميديا قد ازدهرت في صقلية قبل أن تزدهر في ~~أثينا لوجود نوع من الأدب الشعبي عرف بتلك الجزيرة يشبه ~~الكوميديا، ونعني به ما يسمى «حوار المحاكاة» وهو ~~عبارة عن حوار واقعي بين فردين من أفراد الشعب: بين ~~امرأتين أو بين رجلين يتبادلان فيه حديثا عاديا كالذي ~~نسمعه كل يوم في الأزقة والحارات. ولقد وصلتنا ~~أسماء كتاب صقليين برعوا في ذلك الفن خلال القرن الخامس ~~قبل الميلاد. ولقد ~~قلدهم فيما بعد شعراء الإسكندرية وعلى رأسهم ثيوقريطس ~~نفسه. وقيمة هذا الفن إنما تأتيه من بساطته ورصده للحياة ~~وتخيره للتفاصيل الدالة على النفوس ms0140 وما يشغلها من ~~توافه. وهو بذلك يعالج عقلية السواد الأعظم من الشعب ~~كما يعالج الحياة في مظاهرها البدائية الشائعة؛ لهذا كان ~~يكتب في أول الأمر نثرا ليكون أقرب إلى الواقع. # ويلاحظ أن سكان صقلية كانوا ميالين بطبعهم إلى ~~السخرية والمرح والمحاكاة وكثرة الحركات المعبرة. لقد ~~كانوا يحاكون كل أمر جدي ليحيلوه إلى سخرية، حتى ~~ولو كان ذلك الأمر من الأساطير الدينية. وكانت لهم فيما ~~يظهر مقدرة واضحة على الملاحظة والنقد، وكل هذه خصائص ~~الكوميديا. # نشأت إذن الكوميديا بصقلية فنا أدبيا قبل أن تنشأ ~~بأثينا، وكان فيما أحدثه إبيكارموس من تجديد أن جعل ~~للكوميديا موضوعا كما كان لحوار المحاكاة الذي تحدثنا ~~عنه أثر كبير في الوصول إلى مرتبة النضوج، ومع ذلك فلا ~~شك أنها قد تأثرت أيضا بالتراجيديا الأثينية من حيث ~~الموضوع والشخصيات والتمثيل. وأيا ما كان فالكوميديا ~~في جملتها فن أثيني وإن كانت الدولة الآثينية قد ~~ترددت طويلا في تنظيمها وإدخالها في الأعياد الرسمية. ~~ولعلها كانت تخشاها لما فيها من نقد لاذع لرجال ~~الحكم. ولقد حدث بالفعل أن قيدت الدولة من حرية شعراء ~~الكوميديا، ولكن تلك القيود لم تدم طويلا، ولم يلبث ~~هؤلاء الشعراء أن تمتعوا بحرية كاملة وإن لم يفلتوا ~~دائما من المحاكمة أمام القضاء. # وللكوميديا بأثينا تاريخ طويل تطورت في خلاله وتغيرت ~~روحها وموضوعاتها. ولقد كانت الكوميديا والفلسفة ~~المظهرين الوحيدين للنشاط العقلي بأثينا بعد سقوط تلك ~~المدينة العظيمة في يد المقدونيين، في النصف الأخير من ~~القرن الرابع قبل الميلاد؛ إذ ذوت عندئذ كل فنون الأدب ~~والتفكير فلا ملاحم ولا غناء ولا تراجيديا ولا خطابة ولا ~~تاريخ، فلم يبق كما قلنا غير الفلسفة ثم ~~الكوميديا. # وإذن فاستمرار الكوميديا حية مزدهرة بأثينا خلال ~~القرن الخامس قبل الميلاد، ثم خلال القرن الرابع - رغم ~~انحطاط الفنون الأدبية الأخرى بل وانقراضها - قد أدى ~~بذلك الفن إلى التطور ؛ ولهذا نرى مؤرخي الأدب ~~اليوناني يقسمون الكوميديا الأثينية إلى ثلاثة أقسام: ~~(1) الكوميديا القديمة. (2) الكوميديا المتوسطة. (3) ~~الكوميديا الحديثة. ~~(3-7) الكوميديا القديمة # هذه هي كوميديا القرن الخامس حتى ms0141 سنة 400ق.م. وتمتاز هذه ~~الكوميديا بأنها كانت سياسية أو شخصية؛ فهي تتخذ صيغة ~~الحوار وتعتمد على قصة لا لتصور شخصيات ولا لتحلل ~~حالات نفسية، ولكن لتنقد نظاما قائما، ولتسخر من ~~حالة اجتماعية بذاتها، أو لتخرج شخصية من الشخصيات ~~البارزة: لقد كانت أشبه ما تكون ب «الهجاء التمثيلي» ~~وروحها روح هزل صراح؛ هزل لا يتحرج من أقبح الألفاظ، ~~فهي مسرفة في الواقعية، ومع ذلك فقد استطاع أكبر ممثل ~~لتلك الكوميديا وهو أرستوفان أن يعبر بذلك الهزل عن ~~كثير من الحقائق، بل وأن يجمع إلى الهزل أرق الشعر؛ ~~فلقد ترى جوقات كوميدياته تتكون من السحب أو الضفادع ~~أو الزنابير، ومع ذلك تسمع تلك الجوقات تتغنى بأجمل ~~الغناء. وهكذا يأتي الشعر مصاحبا لهزل الشخصيات الروائية ~~فتدهش لمقدرة ذلك الشاعر العظيم على العبور من الشعر ~~الرقيق إلى العبث المسف في هذا اليسر وتلك القوة. ~~ولعل أغاني الجوقات في كوميديا أرستوفان هي التي أوحت ~~إلى ناقد لاتيني كبير قوله عن الكوميديا القديمة: «لقد ~~كانت الكوميديا القديمة الفن الأدبي الوحيد الذي احتفظ ~~بنقاء اللغة الأتيكية ورشاقتها الأصيلة؛ فهي فصيحة فصاحة ~~صريحة رائعة في نقدها للرذائل، مليئة بالقوة في الوصول ~~إلى ما تريد. لقد امتازت بالعظمة والرشاقة والسحر، وفي ~~ذلك تركزت خصائصها.» فهذا الحكم يصدق على الأجزاء ~~الغنائية وعلى بعض الحوار، ولكنه لا يصف تلك الكوميديا ~~وصفا شاملا إذ نجد فيها إلى جانب الرشاقة والعظمة القبح ~~والإسفاف في اللفظ. # أكبر ممثل لتلك الكوميديا - كما قلنا - هو أرستوفان ~~المولود حوالي سنة 450ق.م. ولد هذا الشاعر الموهوب ~~لأبوين أثينيين من أصل حر، وكان لوالديه إقطاع صغير ~~بجزيرة «إيجينا» يستغلانه فيقوم بأودهما. وقد عاش ~~الشاعر منقطعا لفنه فكل ما نعرفه عنه إنما يتصل بذلك ~~الفن، ومن كوميدياته نفسها استقى المؤرخون معلوماتهم عنه، ~~وذلك لوجود عنصر في الكوميديا القديمة هو «الاستطراد» وفيه ~~يتحدث الشاعر دائما عن نفسه وعن روايته وعما يريد أن ~~يدلل عليه. ولقد كان أرستوفان مبكر النضوج، فمنذ سنة ~~427ق.م. أخذ يقدم للمسرح كوميدياته وكانت أولاها بعنوان ~~«ضيوف هرقل» ms0142 وهي مفقودة، ولكننا نعلم أن الشاعر قد هاجم ~~فيها الاتجاه الذي أخذ يسود إذ ذاك تربية الشبان ~~وتوجيههم نحو النقد الفلسفي للتقاليد القديمة؛ دينية كانت ~~أو اجتماعية. وفي السنة التالية 426ق.م. قدم «البابليون» ~~ونال بها الجائزة الثانية، وهذه الرواية أيضا مفقودة، ~~ولكنا نعلم أنه قد هاجم فيها الزعماء الشعبيين ~~وبخاصة كليون. ولقد قدم للمحاكمة من أجل تلك ~~الرواية، ولم يستطع أن يفلت من العقاب إلا بعد مشقة ~~كبيرة، ولكنه خرج من المحاكمة أشد إقداما وأحمى قلما، ~~وقدم في سنة 425ق.م. رواية جديدة في «الأكارنيون» وهي ~~أقدم رواية وصلت إلينا من رواياته. ولقد نال بها الجائزة ~~الأولى، وفي تلك الرواية يعرض الشاعر قصة فلاح أتيكي ~~مل الحرب (حرب البلبونيزيا التي كانت قائمة وقتئذ بين ~~أثينا وإسبرطة) التي أكرهته على التخلي عن حقله ~~والالتجاء إلى المدينة، ومن ثم فهو يريد السلام ولكنه ~~يريده وحده، ولهذا نراه يعقد - وحده وباسمه الخاص - ~~الهدنة مع الأعداء. ويصل الخبر إلى المحامين وهم الذين ~~يكونون الجوقة فيسرعون إلى الرجل ليقتلوه كخائن، ولكن ~~فلاحنا ينجح في أن يقنعهم بمزايا السلم، وبأنه كان ~~على حق فيما فعل. ونراه عندئذ ينعم بكل خيرات السلم ~~فيشتري ويبيع ويولم ويمزح، بينما الآخرون يتضورون ~~جوعا ويصلون ويلات الحرب. وفي سنة 424ق.م. قدم رواية ~~«الفرسان» وفيها أعنف هجوم على «كليون» خصمه اللدود، مع ~~أن هذا الزعيم الشعبي كان عندئذ في أوج المجد بفضل ~~انتصاراته الحربية. وفي سنة 423ق.م. قدم رواية «السحب» ~~وهي من أشهر رواياته، وفيها يعود إلى نقد التربية ~~الفلسفية. وقد اختلطت الفلسفة عنده بالسفسطة. ومن غريب ~~الأمر أنه عد سقراط كبير السوفسطائية. وقصة الرواية ~~تتلخص في أن فلاحا بسيطا نشيطا مقتصدا له ولد ~~مسرف ما فتئ يبدد أموال أبيه حتى أثقلت الرجل الديون ~~وعجز عن دفعها، فأراد أن يتعلم البلاغة معتقدا أنها ~~الفن الذي يمكنه من العبث بدائنيه والإفلات من ~~القضاة. وقد بلغه أن معلم هذا الفن هو سقراط الذي ~~يمثله الشاعر محتالا كبيرا. وذهب الفلاح إلى سقراط ~~ولكنه كان أصلد عقلا ms0143 من أن يعي دروس الأستاذ، ولذلك أرسل ~~ابنه بدلا منه، وتعلم الابن فن البلاغة وحذقه، ~~ولكنه بدل أن يستخدمه مع القضاة والدائنين استخدمه مع ~~أبيه يضربه ويعبث به ويقنعه بأنه هو المخطئ، وهذه هي ~~مزايا التربية الجديدة التي تستطيع أن تجعل الحق باطلا ~~والباطل حقا. وهاج الأب الفلاح وغلى دمه فأخذ نارا ~~واتجه إلى بيت سقراط وأشعلها فيه. والسحب في الرواية ~~هي التي تكون الجوقة، وهي تمثل الأبخرة التي يعبدها ~~الفلاسفة. وبرغم قوة هذه الرواية لم ينل الشاعر بها غير ~~المرتبة الثالثة، ولكنه مع ذلك قد أصاب نجاحا واضحا؛ إذ ~~كانت روايته من الأسباب التي مهدت الرأي العام لقبول ~~الحكم على سقراط بالموت بعد ذلك بخمس وعشرين عاما. ونحن ~~اليوم لا نملك أنفسنا من الدهشة عندما نرى شاعرا كبيرا ~~كأرستوفان يمثل أبا الفلاسفة في هذه الصورة الظالمة، ~~وإنه لمما يسوء أن يتحمل الشاعر نصيبا في مأساة تلك ~~الروح النبيلة الخالدة روح سقراط، وفي سنة 422 قدم ~~الشاعر رواية «الزنابير» وموضوعها أن رجلا مسنا ~~تطن من حوله الزنابير الذين يمثلون رجال المحاكم ولكن ~~ابنه يأخذ في علاج داء أبيه، ومحاولات الابن في هذا السبيل ~~هي التي تكون الجزء الأساسي من الرواية، ولقد شفي الرجل ~~من دائه فتخلص من هموم المحاكم والدعاوى وراق له العيش، ~~ومن هذه الرواية استوحى الشاعر الفرنسي راسين روايته ~~الشهيرة «المتقاضون» وهكذا. ولكن ابتداء من سنة 414ق.م. ~~تتتابع رواياته التي تمثل مرحلة ثانية في فن ~~الشاعر؛ إذ أصبح أقل عنفا وأكثر بعدا عن الهجاء ~~الشخصي، ففي تلك السنة قدم رواية «العصافير» وموضوعها أن ~~رجلين أثينيين قد سئما معاناة العمل من الصباح إلى ~~المساء فهجرا البشر ليعيشا مع الطير. وقد اتفق ~~مزاجهما ومزاج الطير، واستطاعا حمل الطير على بناء ~~مدينة جديدة معلقة بين السماء والأرض. وعندما يحاول ~~الدساسون من رجال الأرض أن يشقوا سبيلهم إلى تلك ~~المدينة يحال بينهم وبين ذلك بالضرب بالعصى. وأما الآلهة ~~فعبثا تحاول السيطرة على تلك المدينة، وأخيرا يعقدون ~~صلحا مع أولئك الآلهة ويقبل «زيوس» ms0144 أن يتخلى عن السيطرة ~~لأحد الرجلين. # والظاهر أن الشاعر قد قصد بهذه الرواية إلى المرح ~~أكثر مما قصد إلى درس أخلاقي بعينه، وكل ما نستطيع ~~استخلاصه منها هو مهاجمته للدساسين والمحتالين. # ويختتم الشاعر هذه الدورة برواية الضفادع وهي من أهم ~~روايات أرستوفان، وفيها وصف كامل لفن يوربيد الذي كان ~~قد مات فأخذ ديونيسوس القلق إذ لم يعد للتراجيديا من ~~يمثلها فصمم على الذهاب إلى العالم الآخر ليعود بأحد ~~شعراء التراجيديا، ولكن بمن يعود؟ هنا موضع الحيرة فالإله ~~يتردد بين أسكيلوس ويوربيد وأخيرا يقرر تنظيم مسابقة ~~بين الشاعرين اللذين يأخذان في مهاجمة أحدهما الآخر. ~~وبذلك ينقد كل منهما شعر صاحبه نقدا دقيقا مفصلا ~~من الناحيتين الأخلاقية والشعرية، وينتهي الأمر بأن يظهر ~~يوربيد في مظهر السوفسطائي الذي أفسد التراجيديا وحط من ~~المثل العليا وأنزل الاضطراب بالنفوس وساق إلى انحلال ~~الأخلاق، وبذلك يفضل ديونيسوس أسكيلوس ويعود به إلى ~~الأرض. # في سنة 404ق.م. كانت الهزيمة قد حلت بأثينا فسلمت ~~لإسبرطة بما تريد فعم الحزن المدينة ولم يعد للمرح مكان، ~~وهنا نرى أرستوفان يحد من مزاجه ويكتم من ضحكاته وقد ~~تطور فنه فماشى الحالة الجديدة ولكنه لم يعد في ~~قوته الأولى. وأقدم رواية بعد سنة الهزيمة هي «جماعة ~~النساء» التي قدمها سنة 392ق.م. وفيها يعرض نساء أثينا ~~وقد ثرن فسيطرن على مجلس الشعب وقررن الأخذ ~~بالاشتراكية المطلقة فلا ملكية ولا أسرة، والذي يريده ~~الشاعر هو إظهار نتائج اشتراكية كهذه، فلا ترى في الرواية ~~نقدا لذوي الأمر أو هجاء لأشخاص، وإنما يريد الشاعر أن ~~يهاجم شيئا لا وجود له، وإنما هو مجرد فرض وشبح ~~فكرة؛ إذ ليس من الثابت تاريخيا أنه قد هاجم بذلك الفكرة ~~التي سيقول بها أفلاطون فيما بعد، ونحن لا نعلم لتلك ~~الفكرة وجودا تاريخيا في ذلك الحين. وفي روايته الأخيرة ~~المسماة «بلوتس» # 162 # أي إله الذهب نجد نفس المنحى . وموضوعها أن ~~أحد رجال أثينا قد عثر بإله الذهب الأعمى وقاده إلى ~~معبد أسكلبيوس # 163 # إله الطب حيث شفي الإله، وذهب الرجل إلى ms0145 ~~منزله، وبذلك أثرى هو وجيرانه وعمهم البذخ، ولكن آلهة ~~الفقر لم تلبث أن ظهرت لتدافع عن مزاياها، ولعل في ~~ظهور تلك الآلهة ما يشير إلى مغزى الرواية، فأصل الثراء ~~ليس الذهب وإنما هو عمل الإنسان، فلو أن الأرض امتلأت ~~ذهبا وجلس الناس بجواره لماتوا جوعا وهم لن يأكلوا ~~الذهب. ولقد كانت هذه الرواية فيما يظهر آخر رواية ~~قدمها أرستوفان الذي يحكي أحد القدماء أن أفلاطون قد ~~كتب على قبره «إن ربات الحجال عندما بحثن عن معبد لا ~~يصيبه الفناء لم يجدن خيرا من روح أرستوفان فأوين ~~إليها.» وفي الحق أن أرستوفان لم يكن شاعرا كبيرا ~~فحسب، بل كان قوة اجتماعية لها خطرها. ولقد رأيناه يتناول ~~المشاكل الكبيرة في عصره يدلي فيها بآراء لا تقف صحتها ~~عند عصره بل تسري إلى كافة العصور، فتفضيل السلم على ~~الحرب، ومهاجمة السفسطة الفلسفية، ومناهضة الاشتراكية ~~وتجريح التهريج الذي يستخدمه الزعماء الشعبيون، كل هذه ~~مشاكل إنسانية خالدة وأرستوفان بوجه عام رجل محافظ، وفي ~~المحافظة التي لا تبلغ التحجر خير لا شك فيه؛ وذلك ~~لما هو معروف من أن الحياة الاجتماعية لا يمكن أن تتماسك ~~إذا تفككت التقاليد القديمة. ~~(3-8) الكوميديا المتوسطة والكوميديا الحديثة # لقد رأينا في الكوميديا القديمة آثار التطور فروايات ~~أرستوفان التي كتبها بين 426 و421 تغاير تلك التي كتبها ~~بين 411 و404؛ إذ خفت حدة الشاعر وهدأت مهاجمته ~~للأشخاص نوعا ما، وأخيرا جاءت روايتاه الأخيرتان «مجمع ~~النساء» و«بلوتس» من منحى جديد، فهو لا يعالج فيهما ~~نظما قائمة بل يتصور مجرد فروض كفرض الاشتراكية وفرض ~~الثراء العام، ويبحث ما ينتج عن ذلك من مشاكل، وهذه هي ~~خصائص الكوميديا المتوسطة التي يعتبر العلماء روايتي ~~أرستوفان بدءا لها. # ولو أننا أضفنا إلى ذلك اختلاقا فنيا في بناء ~~الكوميديا المتوسطة - هو خلوها من الجوقة ومن الاستطراد ~~- لكمل لنا تعريف الكوميديا المتوسطة، فهي رواية تعالج ~~مسائل فرضية يتصور الشاعر حدوثها ثم يعالج نتائجها ~~كمشاكل الغنى والفقر والتطفل والغرور. وهي قد تستخدم ~~لذلك الأساطير ترمز بها لما تريد كما ms0146 قد تتصور بالخيال ~~المواقف والأوضاع. # ونحن لسوء الحظ لا نملك شيئا من تلك الروايات وإن كنا ~~نعرف أسماء بعض الشعراء المؤلفين مثل أنتيفانس الذي كتب ~~فيما يقولون ما يقرب من 300 رواية أو يزيد، والذي توج ~~بالنصر ثلاث عشرة مرة، ثم ألكسيس # 164 # الذي كتب 245 رواية وغيرهما كثير. # تطورت الكوميديا إذن من معالجة المسائل الواقعية إلى ~~معالجة الفروض، وبذلك انتقلنا من الكوميديا القديمة إلى ~~الكوميديا المتوسطة، ولكن التطور لم يقف عند هذا الحد، فلم ~~تلبث الكوميديا المتوسطة أن أسلمت مكانها للكوميديا ~~الحديثة وهي الكوميديا الأخلاقية النفسية التي تصف الحياة ~~كما هي، وتصور الحالات الأخلاقية. # وإن كان هناك فرق في معالجة ما يسمى بالكوميديا ~~المتوسطة وما يسمى بالكوميديا الحديثة لتلك الموضوعات ~~فإنه يقوم كذلك في جودة العلاج فالكوميديا الحديثة هي التي ~~وصلت بتلك الشخصيات إلى حد الصور الأخلاقية، وإن لم تصل ~~إلى مستوى كاتب كبير كموليير في القرن السابع عشر، وذلك ~~لأن هذا الشاعر الفرنسي الكبير لم يصور شخصيات واقعية ~~فحسب، بل صور شخصيات نموذجية؛ صور البخيل والمنافق ~~وكاره البشر ... إلخ، على نحو يجعل الرجل البخيل يتعرف ~~صفاته المستترة في نفسه على ضوء الصورة التي رسمها ~~موليير «هار يجون» مثلا. وهذه مرحلة لم يصل إليها الإغريق ~~قط. لقد صور الإغريق الواقع ولكنهم لم يستطيعوا أن يصلوا ~~إلى الواقع النفسي الدفين ولا أن يحسموا خفايا ~~القلوب. # ثم إن الكوميديا الحديثة قد استغلت موضوعا لا ~~نجد له أثرا في الكوميديا القديمة، وهو موضوع الحب. ~~شاب يحب شابة يجهل كل شيء عنها، وتقوم عدة صعوبات في ~~سبيله، كأصل الفتاة أو فقرها أو إرادة أبيها، ولكن ~~الفتى يستخدم عبدا ماكرا في تذليل الصعوبات، ويتناوب ~~الشاب النجاح والإخفاق، والأمل واليأس، وأخيرا يكتشف أن ~~الفتاة من أصل حر أو أنها قد ورثت، أو يغير الأب ~~رأيه لسبب من الأسباب وينتهي الأمر بالزواج. وفي مثل ~~هذه الموضوعات نرى الروح الأبيقورية التي كانت منتشرة ~~عندئذ تغزو المسرح، وهي واضحة لا في الناحية الخلقية أو ~~العقلية فحسب بل وفي ms0147 الناحية الفنية، ناحية الحبكة ~~المسرحية؛ فكثير من الروايات تنتهي بفضل المصادفة البحتة ~~كتعرف شخص حقيقة آخر أو حدوث أمر غير متوقع، ~~والأبيقوريون - كما نعلم - قد قالوا بالمصادفة نتيجة ~~لإنكارهم وجود إله يحكم سير العالم. ومع ذلك فلا يجوز ~~أن نتوهم أن المسرح قد أخذ يطبق الأبيقورية كمذهب ~~شامل. # لقد كانت للكوميديا القديمة مثلها العليا: الشرف في ~~السياسة والبساطة في الخلق؛ فنقدها إذن كان نقدا سليما ~~قويا. وأما الكوميديا الحديثة فأصبحت لا تهتم بالنقد ~~قدر اهتمامها بإثارة الضحك، بفضل إظهارها ما في البشر من ~~مواضع ضعف ومضحكات وشهوات لا يحكم قيادها. # وأكبر ممثل لتلك الكوميديا الحديثة هو «مناندر» # 165 # الذي قلده فيما بعد كبار مؤلفي ~~الكوميديا من اللاتين كتيرانتيس # 166 # وبلوتس # 167 # بل إن بعض رواياتهما ليست إلا ترجمة عن ~~الشاعر الإغريقي. # ولد مناندر بأثينا سنة 340ق.م. ودرس بنوع خاص يوربيد، ~~وتعرف فيما يقولون بأبيقور، وقدم أول رواية له سنة ~~322ق.م. أي بعد موت الإسكندر بعامين. والظاهر أن الحوادث ~~المؤلمة التي اجتاحت بلاد الإغريق في ذلك الحين لم ~~تؤثر كثيرا في شاعرنا الأبيقوري المستهتر، إذ أولع ~~بإحدى الفتيات وعاش معها في بيريه ميناء أثينا، وعبثا ~~حاول بطليموس سوتير أن يغريه بالمجيء إلى مصر. # ولقد جعل كل همه كتابة الكوميديات حتى أنهم ليقولون ~~إنه قد كتب مائة كوميديا خلال ثلاثين عاما وكانت وفاته ~~سنة 292ق.م. بعد أن نال الجائزة في ثمان مسابقات. # ولقد كنا لا نملك مما كتب مناندر إلا فقرات صغيرة ~~ولكنها غنية بمعانيها حتى كانت سنة 1907م فاكتشفت بمصر ~~أوراق بردي عليها أجزاء طويلة من ست روايات لذلك الشاعر ~~العظيم وهي الحارث، المتملق، البطل، التحكيم، السامية ~~(نسبة إلى ساموس)، المرأة المقصوصة الشعر. # وأطول قطعة وصلتنا تبلغ خمسمائة بيت وهي من رواية ~~«التحكيم» وهي تمكننا من استقراء خصائص الشاعر ومواضع ~~قوته، من غريزة تمثيلية قوية، إلى مقدرة على وصف ~~الحالات الأخلاقية، إلى تملك لوسائل الإثارة العاطفية، ~~مجتمعة مع المهارة في تحريك الضحك، وأخيرا نلمح في تلك ~~القطعة اتجاهه نحو المزج بين ms0148 معارك الشهوات ومبادئ ~~الأخلاق وإضاءة أحدهما الآخر. # وثمة خاصية أخرى امتدحها جميع النقاد القدماء عند ~~هذا الشاعر وهي تفوقه في القصص وفي خطب الدفاع، ~~ولدينا فصل من فصول «التحكيم» يؤيد ما ذهب إليه هؤلاء ~~النقاد، وهو يعرض عبدين أحدهما راع والآخر فحام، ~~يحتكمان إلى حكم وذلك أن الراعي كان قد عثر بطفل ~~أعطاه للفحام، ولكنه احتفظ بما كان على الطفل من ~~حلي دليلا على أنه هو الذي عثر على الطفل وأعطاه ~~للفحام، ويأبى الفحام إلا أن يطالب بالحلي. ~~وأخيرا يحتكمان إلى حكم كما قلنا، ويعرض كل منهما ~~وجهة نظره ويدافع عنها دفاعا قويا. وموضع قدرة الشاعر ~~في هذين الدفاعين هو في الكيفية التي استطاع بها أن ~~يظهرنا على خلق كل من الرجلين بنوع دفاعه وطبيعة ~~الحجج التي يدلي بها. وما ننتهي من قراءة الدفاعين حتى ~~نحس أننا أمام رجلين من أبناء الشعب وأن لكل من ~~الرجلين صفاته، فالفحام رجل أثر، به جشع مادي ~~ولكنه مخلص مؤمن بحقه. والراعي رجل كريم خيالي مثالي ~~في سذاجة، وما نظن أن تلك القدرة العجيبة على تصوير ~~الشخصيات بخطب يقولونها قد استطاعها عدد كبير من شعراء ~~الإنسانية وكتابها. # هذه هي التخطيطات العامة للكوميديا الإغريقية، نخلص ~~منها بأن هذا الفن قد نشأ كما نشأت كافة الفنون ~~الأدبية عند الإغريق نشأة شعبية، حتى إذا توفر عليه ~~الشعراء أصبح فنا أدبيا. ولقد كان في أول أمره ~~مختلطا بالأساطير والعبادات ولكنه لم يلبث أن تخلص ~~منها ليصبح نقدا سياسيا وشخصيا، نقدا يقصد منه ~~إلى مهاجمة الواقع وتغييره والدعوة إلى ما يخالفه. وهذه ~~هي الكوميديا القديمة، وبتراخي الزمن وتغير الحالة ~~السياسية والعقلية في أثينا بسبب الهزيمة التي لحقت بتلك ~~المدينة العريقة في حرب بلبونيزيا ثم سقوطها في يد ~~المقدونيين، تغير منحى الكوميديا، ولعله قد حد من ~~حريتها فلم تعد تنقد الواقع وتريد تغييره، ولم تعد ~~تهاجم الشخصيات البارزة وتعمل على هدمها، بل أصبحت تكتفي ~~بتصوير ذلك الواقع كما هو ، وقد عدلت عن التجريح إلى ~~تصوير حالات خلقية أو شخصيات روائية. ms0149 وهذه هي ~~الكوميديا الحديثة التي لم تكن الكوميديا المتوسطة إلا ~~تمهيدا لها. وكانت الروح الفلسفية قد أخذت تنمو أيام ~~الكوميديا الحديثة، ولهذا جاءت ملاحظات كتابها النفسية ~~أنفذ وأعمق، وإن تكن روح الضحك الصراح قد ضعفت كما ~~ضعفت جرأة الشعراء وقوة نفوسهم وحرصهم على خير ~~مدينتهم. ومن المعلوم أن الكوميديا من بين فنون الأدب فن ~~يمكن أن يوضع في خدمة الحياة الأخلاقية والاجتماعية ~~للدول دون أن يفقد شيئا من قيمته. # كانت الكوميديا القديمة إذن نقدا سياسيا شخصيا، ~~وأصبحت الكوميديا الحديثة روايات أخلاقية وبقيت مرحلة ~~أخيرة لم يصل إليها الإغريق ولا اللاتين هي مرحلة ~~الكوميديا ذات الشخصيات النموذجية، وهذه كما أشرنا من ~~قبل هي المرحلة التي حققها موليير أكبر شعراء فرنسا بل ~~أكبر شعراء الكوميديا في العالم. ~~(4) النثر عند اليونان ~~(4-1) التاريخ والمؤرخون # نشأة النثر: لم يظهر النثر الفني عند اليونان إلا ~~متأخرا، وبعد أن ظهر الشعر بقرون؛ فليس لدينا منه - ~~سواء في الفلسفة أم في التاريخ - نصوص أقدم من القرن ~~السادس قبل الميلاد. أما الشعر فقد سبق أن قلنا إن ~~الإلياذة والأوذيسية يرجعان إلى القرن العاشر قبل الميلاد ~~تقريبا. # ولقد حاول المؤرخون تعليل تلك الظاهرة، فرجعها بعضهم ~~إلى الجهل بالكتابة وعدم وجود البردي. ومن المعلوم أن وزن ~~الشعر يساعد على روايته الشفوية، كما يحفظ تلك الرواية من ~~الاضطراب. وأما النثر فليس من السهل حفظه. ولكن هذا ~~التعليل قد ثبت عدم صحته؛ فالإغريق كانوا يعرفون الكتابة ~~قبل ذلك بزمن طويل، والدليل على هذا يمكن استنتاجه من ~~طبيعة الكتابة الإغريقية ذاتها، فهي مأخوذة عن الكتابة ~~الفينيقية، وقد كانت العلاقات قائمة بين الإغريق ~~والفينيقيين منذ أقدم الأزمنة، ثم إن هناك نصوصا قديمة ~~نثرية كتبت على بعض الآثار. وأما عن البردي فنحن نعلم ~~أن الإغريق كانوا يكتبون على الجلود قبل أن يعرفوا ~~البردي، وبذلك حدثنا هيرودوت. # وإذن فهذا التعليل غير صحيح، وسبيل فهمنا لتلك الظاهرة ~~هو أن ننظر في طبيعة الشعر وطبيعة النثر وفي موضوعاتهما ، ~~فنرى أن أقدم الشعر كان قصصا للماضي؛ لماض بعيد ~~يتخذ ms0150 شكل التاريخ وهو في باب الأساطير أدخل، ولكن ~~الإغريق آمنوا بأنه تاريخ، وكانت النفوس ساذجة لم تستيقظ ~~فيها بعد ملكة التفكير أو النقد، ومن ثم قامت الملاحم ~~مقام التاريخ، والشعر أنسب شيء لهذه الأساطير وهذه ~~الملاحم التي يسودها الخيال. ولم يشعر أحد بحاجة إلى ~~كتابة التاريخ الدقيق نثرا. وأما الفلسفة فمن الواضح أن ~~نشأتها لم تكن منتظرة قبل القرن السادس، وهي دليل نضوج ~~عقلي وتفتح لفهم حقائق الوجود. # ولقد كانت نشأة النثر بأيونيا في آسيا الصغرى، حيث كانت ~~نشأة الشعر أيضا؛ وذلك لأن تلك البلاد - لاتصالها ~~بالحضارات الشرقية القديمة ولتوفر أسباب الحضارة المادية ~~بها - كانت أسبق من بلاد الإغريق الأوروبية في كافة ~~مظاهر النشاط العقلي؛ ففيها ظهرت الفلسفة وفيها ظهر ~~التاريخ، وهذان هما المظهران الأولان للنثر. # وكان بعد ذلك أن استولى الفرس على كثير من بلاد ~~الإغريق بآسيا الصغرى فخف لنجدتهم إغريق أوروبا، وكان ~~لأثينا في ذلك الفضل الأول، فأصبحت تلك المدينة المجيدة ~~أقوى مدن اليونان وأغناها وأشدها منعة وأوفرها حرية، ~~وإذا بالنثر يزدهر بها بعد أن ازدهر الأدب التمثيلي، وإذا ~~بالأثينيين يكتبون في الفلسفة والتاريخ ويضيفون إليهما ~~الخطابة. ومن ذلك الحين لم يكتب نثر قط في غير اللغة ~~الأتيكية - لغة مقاطعة أثينا - ولقد استطاعت أثينا - مدينة ~~بركليس - أن تجمع كل ألوان الأدب والتفكير لأنها أصبحت ~~زعيمة العالم الإغريقي كله ما يقرب من نصف قرن، وذلك ~~في المدة التي تقع بين الحروب الميدية وحروب البيلونيزيا ~~خلال القرن الخامس قبل الميلاد. # نشأ النثر إذن بأيونيا في القرن السادس قبل الميلاد، ~~ونقتصر هنا على الحديث عن النثر التاريخي؛ فنلاحظ أنه ~~في أول الأمر كان يتناول نفس الموضوعات التي تناولها ~~الشعر القصصي، وأنه لا يكاد يفرق بينه وبين ذلك الشعر ~~شيء غير الوزن، فهو قصصي نثري، بل إن لغته ذاتها لم ~~تخل من تأثر بلغة الشعر. # لقد سبق المؤرخين في أيونيا جماعة من الكتاب ~~يسمون اللوجوجراف # 168 # أي الكتاب الناشرين، معارضة للميثوجراف # 169 # أي الشعراء من قصاص الأساطير. وكان هؤلاء ~~الناثرون يتحدثون عن ms0151 نشأة المدن القديمة وتاريخ بنائها ~~وعن الأبطال الذين فيها والآلهة التي هيمنت على ~~مصائرها، وعن المعارك الخارقة التي كسبها أبناؤها. كانوا ~~بالجملة يكتبون نثرا عن موضوعات تشبه موضوعات الشعر ~~القصصي. ولقد كان في كتابات هؤلاء الناثرين ما مهد ~~السبيل لظهور المؤرخين، فكتاباتهم وسط بين الشعر القصصي ~~وكتب التاريخ التي يعتبر كتاب هيرودوت أقدم أنموذج ~~لها. ~~(أ) هيرودوت # ولد هيرودوت - أقدم مؤرخي الإغريق في آسيا ~~الصغرى - بمدينة هليكرناسوس سنة 480ق.م. وكانت تلك ~~المدينة الدورية الأصل قد اصطبغت في ذلك الحين ~~بالحضارة الأيونية اصطباغا تاما، فأصبحت لغتها ~~اللغة الأيونية. # ولد هيرودوت من أسرة عريقة، كان من بين أفرادها ~~من أولعوا بالتواريخ القديمة وبقراءة الشعراء واحترام ~~التقاليد الدينية. وكانت هليكرناسوس - مسقط رأسه - ~~قد وقعت في قبضة الفرس الذين لم يكف سكان المدينة ~~عن مناهضتهم، وكان مؤرخنا من أنصار الحزب القومي ~~الذي لم يلبث رئيسه - وهو أحد أقرباء هيرودوت - أن ~~قتل، فنفي هيرودوت إلى جزيرة ساموس لمدة قصيرة، ~~ثم عاد إلى وطنه، ولكنه لم يكد يستقر حتى نفي ~~مرة ثانية سنة 454ق.م. فقام عندئذ بسياحاته الطويلة ~~التي زار فيها مصر وجابها حتى معبد الفيلة، كما زار ~~الفرس وأوغل فيها حتى وصل إلى ما بعد سوس، وفي ~~الشمال سافر حتى وصل إلى البوسفور فيما يحدث هو عن ~~نفسه، ونضيف إلى ذلك أنه قد زار أيضا آشور وفينيقيا ~~وطبرق وقبرص، وأنه قد استقر في آخر حياته بجنوب ~~إيطاليا في مدينة توريم # 170 # الإغريقية حيث مات فيما يرجح سنة ~~425ق.م. # وأما أثينا فقد زارها بلا ريب غير مرة، وأقام فيها ~~إقامات طويلة، وهم يحدثوننا أنه قد قرأ في سنة ~~446ق.م. جزءا من كتابه في الساحة العامة بتلك المدينة ~~فنال إعجاب السامعين، وكافأته المدينة مكافأة مالية ~~كبيرة، وفي سنة 440ق.م. حياه الشاعر سوفوكليس تحية ~~شعرية جميلة عند عودته إلى مدينة بركليس. # لقد كتب هيرودوت كتابه عن الحروب الميدية، # 171 # وهي الحروب التي نشبت بين الفرس والإغريق ~~من سنة 492ق.م. إلى سنة 449ق.م . ولهذا سمي كتابه ~~«عرض للبحث» # 172 ms0152 # أي بحثه عن نشأة تلك الحروب وأسبابها ~~ووقائعها ونتائجها، وذلك فيما يقول: «لكيلا تمحى ~~ذكرى وقائع الماضي بمضي الزمن، ولكي تظل أعمال ~~البطولة التي قام بها الإغريق والبرابرة عنوان المجد، ~~وأخيرا لكي يعلم اللاحقون لماذا قامت تلك الحرب.» ~~ولكنه في الحقيقة لم يقتصر في كتابه على تلك الحرب، ~~بل تناول الحديث عن الدول التي اشتركت في تلك الحروب ~~حديثا مفصلا استطرد فيه إلى ذكر ماضيها ونظمها ~~وأخلاقها، كما وصف بلادها أو البلاد التي اتصلت بها ~~تاريخيا عن طريق المحالفة أو الغزو؛ فهو في الواقع ~~لم يتحدث عن الحروب الميدية إلا في النصف الأخير من ~~كتابه، وأما النصف الأول فقد كتبه عن الإمبراطورية ~~الفارسية وممتلكاتها، بما فيها مصر. # كتاب هيرودوت مقسم إلى تسعة كتب، كل كتاب منها ~~يحمل اسم إحدى ربات الوحي التسع، # 173 # وإليك ملخصا لموضوع كل كتاب: ~~(1) الكتاب الأول يحمل اسم كليو # 174 # ربة التاريخ، وبه يتحدث المؤلف عن نشأة ~~الإمبراطورية الفارسية وتاريخ نموها، وعن أخلاق ~~وعادات الميديين والفرس. (2) الكتاب الثاني يحمل اسم إيتربه # 175 # ربة الموسيقى، وبه تاريخ قمبيز من ~~(529-522ق.م.) وحملته على مصر ثم وصف مسهب لمصر. (3) ~~الكتاب الثالث يحمل اسم تاليا # 176 # ربة الكوميديا، وفيه أخبار استيلاء قمبيز ~~على مصر ونهاية حكمه وإصابته بالجنون، ثم حكم دارا ~~(521-485ق.م.) وتنظيمه للإمبراطورية في عشرين مقاطعة. ~~(4) الكتاب الرابع باسم ملبومينا # 177 # ربة التراجيديا، وبه حديث الحملة التي قام ~~بها دارا على بلاد السكيت # 178 # وفشل تلك الحملة فشلا ذريعا، ثم وصف ~~لتلك البلاد الواقعة على البحر الأسود في شمال الدانوب ~~ووصف لأخلاق أهلها. (5) الكتاب الخامس باسم تربسيكورا # 179 # ربة الرقص، وفيه يبدأ المؤلف حديثه عن ~~الحروب الميدية فيقص أنباء ثورة أيونيا على الفرس ~~واستيلاء هؤلاء على مدينة سرد. # 180 ~~(6) الكتاب السادس باسم كراتو # 181 # ربة الشعر الغنائي، وبه أخبار الحرب ~~الميدية الأولى أي حملة دارا على بلاد الإغريق بأوروبا ~~وانتهائها بمعركة مرتون الخالدة في تاريخ اليونان ~~(490ق.م.). (7) الكتاب السابع باسم بولمنيا # 182 # ربة الأناشيد المتعددة الاختصاص، وفيه ~~حديث الحرب ms0153 الميدية الثانية - إعداد إكسرسيس للحملة ~~وبدء الحرب حتى معركة الترموبولي (480ق.م.). ~~(8) الكتاب الثامن باسم أورانيا # 183 # ربة الفلك، وبه بقية الحرب الميدية ~~الثانية حتى معركة سلامين البحرية (480ق.م.). (9) ~~الكتاب التاسع باسم كليوبه # 184 # ربة الشعر الحماسي والخطابة، وبه ~~المراحل الأخيرة للحرب الميدية الثانية حتى معارك ~~«بالاتيه» «وميكال» واستيلاء الأثينيين على مدينة سستوس # 185 # سنة 479ق.م. # ومن ذلك نرى أن الكتب الخمسة الأولى تتحدث عن ~~إمبراطورية الفرس، وأن الأربعة الأخيرة هي التي تقص ~~أنباء الحروب الميدية. # وأما تقسيم الكتاب على هذا النحو وتسميته بهذه ~~الأسماء فلسنا نعرف على وجه التحقيق سببه، وإن يكن ~~القدماء قد أخبرونا بأن الإغريق جميعا قد اتفقوا ~~على تسمية كل جزء باسم ربة من ربات الوحي بعد ~~قراءة تامة للكتاب في أولمبيا أثناء انعقاد ~~مسابقاتها الرياضية الشهيرة، ولكن قولهم هذا أشبه ~~ما يكون بالأسطورة، وربما يكون هذا التقسيم من عمل ~~علماء الإسكندرية. # ولقد تناقش العلماء المحدثون مناقشات كثيرة في ~~قيمة هذا الكتاب وفي وحدته وفي تاريخ تأليفه وتأليف ~~أجزائه المختلفة، وبحثوا في هل هو تام أم ناقص إلى ~~غير ذلك من الأبحاث التي لا تزال مستمرة. ولكننا ~~نكتفي بأن نقول إن الكتاب كما هو الآن يكون وحدة ~~متسلسلة متجانسة. وأما قيمته التاريخية فليست سواء في ~~كل أجزائه، فالكتب الخمسة الأولى ليست في قيمة ~~الأربعة الأخيرة، وهذا أمر من السهل تعليله، فالمؤلف ~~عندما يتحدث عن تاريخ الفرس القديم وعن مصر أو بلاد ~~السكيت لم يكن لمعلوماته ولا لمصادره من اليقين ما ~~كان لحديثه عن الحروب الميدية التي عاصرها وسمع عنها ~~ولقي شهودها، ومع ذلك فحتي النصف الضعيف من كتابه لا ~~نزال حتى اليوم نستقي منه أقدم المعلومات نقارنها ~~بنتائج الأبحاث الأثرية فنهتدي إلى الكثير من الحقائق ~~التاريخية الثابتة. # ثم إن المؤلف كان يتمتع بالكثير من الصفات التي ~~نتطلبها في المؤرخين المحدثين، فهو بعيد عن ~~التحيز حتى لنراه يعترف للفرس بمزاياهم كما يعترف ~~للإغريق سواء بسواء، وهو وإن كان قد أخطأ في بعض ~~التفاصيل فإنه كان يملك القدرة على ms0154 إدراك الكليات ~~وعرضها عرضا شاملا، ثم إنه قد حرص على جمع أكبر ~~كمية ممكنة من المعلومات التي أخذها عن ألسنة الرجال ~~أو عن مشاهداته أثناء سياحاته المختلفة، وأخيرا عن ~~النصوص المكتوبة كنبوءات العرافات التي يوردها ~~بنصها، وعن كتابات اللوجوجراف الذين أشرنا إليهم ~~فيما سبق. # وأما مواضع ضعفه فهي في سذاجته التي حملته على ~~الإيمان بكثير من الخرافات ثم في عدم دقته، كما ~~نلاحظ ذلك في وصفه للمعارك وفي النقص الواضح في ~~تثبته من المعلومات التي تروى له. # وأعظم عيب يؤخذ على كتابه هو عدم نفاذه إلى معنى ~~الحوادث التاريخية وأسبابها وعدم تعمقه في فهم ~~النفس البشرية ودوافعها، ولهذا قلما نعثر عنده على ~~تحليل دقيق لعقلية القادة والزعماء، وهو في هذا ~~يغاير «ثيوسيديد» كل المغايرة. # وإذا كانت لهيرودوت فكرة جامعة عن سير التاريخ فهي ~~سيطرة القضاء على حياة البشر وغيرة الآلهة من صلف ~~الإنسان، فكم من مرة يقف ليحدثنا عما أنزلت ~~الآلهة بهذا الرجل أو ذاك من عقاب عندما أخذه الغرور ~~وتطاول إلى حيث لا ينبغي له. # هذا عن قيمة الكتاب التاريخية. وأما قيمته الأدبية ~~فالإجماع منعقد على توفرها. وإنك لتقرأ كتابه فلا ~~يأخذك ملل أو فتور قط، وذلك لأن هيرودوت يطلعك ~~أحيانا على سذاجة ساحرة يلهو بها العقل فيمسك عن ~~أعمال النقد، ويطلعك أحيانا أخرى على قوة في ~~التصوير والقصص، فإذا بك كأنك تحضر المعركة الحامية ~~فتنفعل وتستثار، وهو يمر بك طورا بعد طور من ~~القصص إلى الحوار إلى الخطب في أسلوب سهل واضح ~~قريب. ~~(ب) ثيوسيديد # ولد ثيوسيديد سنة 469ق.م. أي بعد هيرودوت بعشرين ~~عاما فقط، ومع ذلك يخيل إلينا عندما نقرأ كتابه ~~ونقارنه بكتاب هيرودوت أن بينهما قرونا ~~طوالا. # لقد رأينا المؤرخ الأيوني يقصد إلى تمجيد أعمال ~~البطولة وتخليد ذكراها وأما ثيوسيديد فيعلن في أول ~~كتابه أنه لا يريد أن يبهر الناس بروائع القصص وإنما ~~يريد أن يصل إلى الحقيقة العارية وأن يعرضها في غير ~~تحيز فيقول: إنه يود أن يترك للإنسانية «شرعية ~~أبدية»، ولهذا يرفض أن يأخذ ms0155 معلوماته عن كل طارق، ~~ويحرص على التثبت أدق حرص؛ ومن ثم جاء كتابه ~~أقرب ما يكون إلى كتب المؤرخين المحدثين من حيث ~~تحرير الحقائق التاريخية. وقد استطاع ذلك المؤرخ ~~العظيم ما لم يستطعه إلا القليل من كبار الكتاب في ~~تاريخ الإنسانية كلها: استطاع أن يشق الحجب عن ~~النفوس وأن يستخرج دوافعها الخفية، وكتابه من هذه ~~الناحية لا يعتبر كتاب تاريخ فحسب، بل كتابا ~~إنسانيا يجد فيه المفكرون وقادة الشعوب بل ~~والفلاسفة كثيرا من الحقائق الخالدة التي لا نزال حتى ~~اليوم نبحث عنها في زوايا النفوس أو نتلمسها في مضمون ~~الحوادث؛ سياسية كانت أو أخلاقية أو اجتماعية. # ولد ثيوسيديد في إحدى ضواحي أثينا من أسرة نبيلة ~~ثرية، وهم يحدثوننا أنه قد استمع وهو طفل لهيرودوت ~~يقرأ جزءا من تاريخه ففاضت دموعه إعجابا، وأن ~~هيرودوت قد هنأ أباه بأن له ولدا مولعا بالمعرفة ~~ذلك الولع القوى. والعلماء يرجحون أنه قد تتلمذ ~~للسوفسطائي أنتيفون # 186 # معلم الخطابة الشهير، كما تتلمذ للفيلسوف ~~أنكساغوراس الذي سماه معاصروه في شيء من السخرية ب ~~«الروح». والذي لا شك فيه أن أثر السوفسطائية في ~~ثيوسيديد واضح، ونحن لا نقصد بذلك إلى المعنى ~~المرذول من السوفسطائية وهو القدرة على قلب الحق ~~باطلا وإنما نقصد إلى مقدرتهم القوية على الحاجة ~~والتصرف في مفردات التفكير والإمعان في إدراك ~~المفارقات الدقيقة، وكذلك الأمر في تأثره ~~بأنكساغوراس فثيوسيديد يكاد يكون ذكاء خالصا. وإنك ~~لتقرأ كتابه فلا تعثر بإحساس مؤلفه الخاص يسفر ~~عن وجهه، وإنما هو كما قلنا ذكاء خالص يجمع الوقائع ~~ويعرضها ويستخرج دلالتها فيما يشبه البرود التام، ~~فإذا انفعلت - وأنت لا بد منفعل - جاء ذلك من فن ~~ثيوسيديد الرائع في ترتيب القصص أو صياغة الخطب على ~~نحو يحرك القارئ ويهز مشاعره. # كتاب ثيوسيديد عنوانه «حرب البلبونيزيا» وهي تلك ~~الحرب التي قامت بين أثينا وإسبرطة وحلفاء كل منهما ~~بعد انتهاء الحرب الميدية بما يقرب من نصف قرن، وسبب ~~قيامها كانت الغيرة التي استشعرتها إسبرطة وغيرها من ~~مدن اليونان نحو أثينا التي تمكنت بفضل ms0156 جهودها ~~الرائعة في الحرب ضد الفرس من أن تتزعم مدن ~~اليونان كافة وأن تضرب عليها نفوذها. ولقد دامت تلك ~~الحرب المدمرة ما يقرب من ست وعشرين عاما (من 431 ~~إلى 404ق.م.) وانتهت بهزيمة أثينا، بل بتحطيم بلاد ~~اليونان كلها مما مهد السبيل إلى استيلاء ~~المقدونيين في القرن الثاني على مدن اليونان كافة ~~والقضاء على ما كان لها من حرية ومجد. # والظاهر أن ثيوسيديد قد أخذ، منذ بدء تلك الحرب، ~~في جمع الوثائق والمعلومات، ونحن نعلم أنه قد عين ~~(قائدا) في سنة 424ق.م. وكلف أن يحمى المقاطعة ~~الساحلية المجاورة لمدينة أمفيبوليس # 187 # في تراقيا، ولكنه لسوء الحظ لم ~~يستطع أن يمنع الإسبرطيين من الاستيلاء على تلك ~~المدينة الهامة، فاتهم بالخيانة وحكم عليه ~~بالنفي، فعاش عشرين عاما في تراقيا حيث كانت له مناجم ~~معدنية يستغلها. وفي تراقيا أخذ يعد كتابه. ولقد قام ~~بعدة رحلات وصل فيها إلى إيطاليا وصقلية ليجمع ~~الوثائق وليتحرى المعلومات. وفي سنة 404ق.م. ~~استدعي للعودة إلى وطنه فعاد حيث كتب جزءا من ~~كتابه، ومات فيما بين سنة 400ق.م. وسنة 395ق.م. دون أن ~~ينتهي من كتابة تاريخ تلك الحرب؛ إذ يقف مؤلفه ~~عند حوادث سنة 411ق.م. # كتاب ثيوسيديد ينقسم إلى ثمانية كتب، ولكن هذا ~~التقسيم لا يرجع إلى المؤلف نفسه، ولقد قسمه ~~القدماء أحيانا إلى ثمانية كتب وأحيانا إلى تسعة ~~وأحيانا إلى ثلاثة عشر، وإن يكن التقسيم المستقر ~~اليوم هو التقسيم الثماني. # وبالنظر في الكتاب يبدو لنا أن مؤلفه كان قد ~~قسمه إلى قسمين: # القسم الأول: # من الكتاب الأول إلى الفصل الخامس ~~والعشرين من الكتاب الخامس، وبه مقدمة ~~الكتاب ثم أخبار الحرب حتى معاهدة نكياس ~~سنة 421ق.م. # القسم الثاني: # يبدأ من الفصل السادس والعشرين من ~~الكتاب الخامس ويستمر إلى آخر الكتاب ~~الثامن، وبه مقدمة أخرى، ثم حوادث ~~الحرب من معاهدة نكياس حتى آخر سنة ~~411ق.م. وهناك أدلة كثيرة ترجح أن ~~الجزء الأول كان قد نشر منفردا. # وخطة ثيوسيديد في تأليف كتابه هي متابعة الزمن، ~~فهو يقسم كل عام إلى صيف ms0157 وشتاء، ويتتبع ~~الحوادث تتبعا تاريخيا حتى ليشبه كتابه ~~اليوميات. وهو في هذا يغاير المؤرخين المحدثين ~~الذين يقسمون كتبهم إلى موضوعات فيعالجون كل ~~موضوع في فصل خاص. ومن مجموع تلك الفصول نخرج ~~بفكرة جامعة عن العصر الذي يتحدثون عنه من نواحيه ~~المختلفة: السياسية والحربية والاجتماعية والثقافية. ~~وإنما أملى على ثيوسيديد خطته طبيعة الموضوع الذي ~~كتب فيه، فهو يريد أن يقص أنباء حرب البلبونيزيا ~~كما قص هيرودوت من قبل أخبار الحروب ~~الميدية. # وليس معنى هذا أن ثيوسيديد لم يحدثنا إلا عن ~~المعارك التي حدثت، فكتابه أعمق وأهم بكثير مما ~~يدل عليه عنوانه، وما تدل عليه خطته، ولعل مصدر ~~غناه يأتيه من أنه ليس قصصا فحسب بل قصص وخطب. ~~في الكتاب ما يقرب من أربعين خطبة طويلة تعد من ~~أثمن ما خلفت العبقرية اليونانية، وهذه الخطب ~~ينسبها المؤلف إلى القادة والزعماء، وهو يخبرنا ~~أنها لم تقل بحرفها، وذلك لأنه قد حاول أن يوردها ~~نقلا عمن سمعها. ومن الواضح أنه ليس من السهل أن ~~نروي خطب الغير نقلا عن سامعيها، ولهذا لم يكن ~~بد للمؤلف من أن يستعين بما روي له منها مجرد ~~استعانة في كتابة تلك الخطب التي هي في الواقع من ~~أسلوبه الخاص، ولكنها مع ذلك لا تفقد شيئا من ~~قيمتها، بل لعلها قد اكتسبت من القيمة التاريخية ~~والإنسانية أكثر مما كان لها، وذلك لعظم ذكاء ~~المؤلف الذي عرف كيف يلخص المواقف ويكشف عن ~~الدوافع ويناقش الأهواء ويستعرض النظر في تلك الخطب ~~الرائعة. # ولثيوسيديد ملكة قوية في إدراك فهم الأشياء، ~~فبالرغم من أنه قد كتب حوادث عاصرها فغمرته من ~~جميع النواحي إلا أنه قد استطاع أن ينظر إليها وكأن ~~بينه وبينها أعواما بل قرونا، فميز الأهم من ~~المهم، ووضع كل حادثة في مكانها وأعطاها أهميتها ~~بلا إفراط ولا تقصير، وتلك ملكة لم يوهبها إلا ~~القليل. # وثيوسيديد مؤرخ ثبت دقيق يعرف كيف ينقد مصادره، ~~وهو يرفض التسليم بخوارق الأمور فلا يقبل من ~~الخرافات ما قبل هيرودوت، وهو لا يقف عند الحوادث ~~ليعلق على ms0158 ما توحي به من فلسفة أخلاقية رخيصة عن ~~تفاهة الحياة أو بؤسها ونعيمها كما يفعل هيرودوت. ~~ثيوسيديد مؤرخ جاف غزير التفكير مركز الأسلوب، ~~وهو أحرص على فهم النفوس منه على دروس الأخلاق ~~المبتذلة. # وباستطاعة القارئ أن يعود إلى قراءة خطبة بركليس في ~~تأبين جند أثينا الذين قتلوا في السنة الأولى من ~~الحرب ليرى الكثير من المواهب التي تميز بها مؤرخنا، ~~فالخطبة لا شك من تحرير المؤلف نفسه، وإن يكن من ~~الراجح أن يكون بركليس قد قال من المعاني ما يقرب ~~مما ورد فيها. # يبدأ الخطيب بالحديث عن نظم أثينا الديمقراطية، تلك ~~النظم التي عنها صدر مجد المدينة وبفضلها أحب ~~المواطنون مدينتهم فقاتلوا في سبيلها حتى قتل منهم ~~من قتل، وأخيرا يصل إلى التأبين، وهنا يظهر ذكاء ~~الخطيب أو على الأصح ذكاء المؤرخ، فهو يدرك «أنه من ~~الشاق أن يدعو الآباء إلى التعزي بالمجد عن فقد ~~أبنائهم وأمامهم فرح الغير بسلامة أبنائهم يذكرهم ~~بما كانوا فيه من فرح هم أيضا بأبنائهم.» ~~والمتكلم يعلم «أننا لا نألم للحرمان من شيء ~~لم نألفه قدر ما نألم لفقد ما اعتدنا المتعة ~~به.» ولهذا يدعوهم «إلى الشجاعة والتزود بالأمل في ~~أن يكون - لمن يستطيع منهم - خلف جديد يعوض من ~~فقد. وأما من لم تعد السن تسمح له بخلف جديد ~~فعليه أن يذكر أن معظم حياته قد تقضى سعيدا، وأن ~~ما بقي هو الأقل، وأنه سوف يجد في ذكرى أبنائه ~~المجيدة ما يخفف من آلامه.» هذا حديثه إلى الآباء ~~وفيه تحس ما أشرنا إليه من فهم عميق للنفس البشرية، ~~فهو لا يتجاهل حقائق تلك النفس وإنما يسلم بها ثم ~~يلتمس لها علاجا، وإنه لمن الحمق ألا نسلم ~~للمتألم بأسباب ألمه ظانين في ذلك ما يصرفه ~~عنه، وإنما السبيل هو أن تجاري إحساسه وأن تسلم له ~~بمشروعية ذلك الإحساس، ثم تحاول بعد ذلك أن تخفف ~~عنه حمله. وفي حديثه لإخوة وأبناء الموتى ~~حقائق نفسية أخرى ~~يعترف بها الخطيب في قوة خلقية وإنسانية نقف ~~أمامها حيارى. انظر إليه ms0159 يخاطبهم: «وأما أنتم، ~~أبناء هؤلاء الأبطال وإخوتهم! فأمامكم صراع عنيف، ~~وإنه لحبيب إلى كل نفس أن تمتدح ما مضى، ولهذا ~~أرجو لكم أن تصلوا إلى ما وصل إليه هؤلاء الأبطال أو ~~على الأصح إلى ما يدانيهم، وذلك لأن الحسد ينال ~~دائما من فضل الأحياء، حتى إذا ذهب الموت بما يلقون ~~على معاصريهم من ظلال تغمرهم بظلمتها نزل فضلهم من ~~كل القلوب منزلة التقديس.» أليس في هذه الصراحة ~~النفسية ما يرفع من قدر قائلها وهو يعترف بأن الحسد ~~شيء طبيعي في النفوس، وأنه من الخير أن يوطد كل ~~فرد نفسه على قبوله من الغير مدركا أنه ليس من ~~السهل على النفوس أن تقبل «الظلمة»، التي يلقيها ~~عليها «ظل الغير»، وأنه ليس للأحياء أن يروا الناس ~~مجمعين على فضلهم، فهذا لن يكون إلا بعد موتهم! ~~وتلك حقيقة فيها أكبر العزاء لبطولة الأحياء، كما فيها ~~أكبر دافع إلى الإقدام وطرح ما يمكن أن يصيب النفوس ~~الخيرة من يأس يوحيه ما يهولها من عدم الاعتراف ~~بما لها من فضل. # وأما النساء فكل ما يطلبه إليهن هو «أن يلتمسن ~~المجد في ألا يظهرن من ضعف غير ما تقضى به فطرتهن، ~~وأن يتنافسن في أن يكون تأثيرهن في الرجال أقل ما ~~يكون سواء أكان هذا التأثير في الخير أم ~~الشر.» # هذا هو الذكاء الخارق الذي تحدثنا عنه. الذكاء ~~الذي يدرك حقائق النفوس ويسلم بتلك الحقائق، وعلى ~~هذا الأساس يصوغ أقواله ويضع خططه. # ومقدرة ثيوسيديد الفذة لا تظهر في الخطب فحسب ~~بل وفي القصص والوصف، وباستطاعة القارئ أن يعود إلى حديث # 188 # المؤلف عن الطاعون الذي تفشى بأثينا ~~في ذلك الحين ليرى مقدرة الكاتب الخارقة على الوصف ~~وصفا قاسيا مثيرا، وكأننا نرى المرضى «يجرون ~~أجسامهم على الأرض جرا ليلقوا بأنفسهم إلى الآبار ~~لعلها تطفئ النار التي ترعى أجوافهم ... إلخ.» مما ~~تقشعر له الأبدان. # هذا هو ثيوسيديد الكاتب القوى والمؤرخ الثبت. رجل ~~عبقري من كبار العقول اليونانية بل العقول الإنسانية ~~على الإطلاق، وهو بعد مؤلف ليست قراءته أمرا ms0160 سهلا ~~لا في أصله اليوناني ولا في ترجماته المختلفة، وذلك ~~لعمق تفكيره عمقا يشبه الغموض، وإن لم يكن من ~~الغموض في شيء لأنك بالصبر وإمعان النظر تستطيع ~~دائما أن تدرك ما يريد قوله، وإنما يكون الغموض ~~عندما يعجز عقل الكاتب عن أن يدرك بوضوح ما بنفسه من ~~أفكار ثم يتعجل صياغتها. وثيوسيديد أبعد الناس عن ~~هذا العجز، وذلك لأن عقله كان من القوة بحيث استطاع ~~دائما أن يسيطر سيطرة مهيمنة على كل ما تحدث ~~عنه. ~~(ج) أكسينوفون # لم يظهر في القرنين التاليين لوفاة ثيوسيديد أي ~~مؤرخ كبير، ومؤلفات من كتب في التاريخ خلال هذين ~~القرنين قد ضاع معظمها إن لم يكن كلها. ومع ذلك فمن ~~الواجب أن تستثني أكسينوفون الكاتب المعروف في تاريخ ~~الفلسفة، وذلك لأن أكسينوفون قد كان مؤرخا كما كان ~~فيلسوفا، وإن لم يصل في التاريخ إلى ما يداني من ~~قريب أو بعيد ثيوسيديد، كما لم يصل في الفلسفة إلى ~~ما يدنو من مستوى أفلاطون مع أن كليهما قد تتلمذ ~~لسقراط وكتب عنه في صيغة الحوار. # ومع هذا فلأكسينوفون أهميته في تأريخ التاريخ عند ~~الإغريق، وذلك لأنه قد كتب فيه بعض الكتب التي نخص ~~بالذكر منها «التقهقر إلى البحر». # 189 # ولعله خير كتبه، كما كتب كتابا عن ~~«حكومة إسبرطة» وفيه يصف نظم تلك المدينة كما وصف ~~أرسطو «نظم الحكم عند الأثينيين»، وأخيرا كتابه ~~المسمى «الهلينيات» الذي يقص فيه تاريخ بلاد ~~الإغريق منذ سنة 411ق.م. وهي السنة التي يقف عندها ~~تاريخ ثيوسيديد إلى سنة 362ق.م. وهو تاريخ معركة ~~مانتينيه الشهيرة. # ولد أكسينوفون فيما يرجح سنة 430ق.م. ومات سنة ~~300ق.م. تقريبا. ولد في إحدى ضواحي أثينا لأسرة ~~أرستقراطية غنية وتتلمذ لسقراط، وفي سنة 401ق.م. ~~صحب الحملة التي وجهها الإغريق إلى آسيا الصغرى ~~لمحاربة الفرس وأتباع الفرس. ولم يكن أكسينوفون في ~~تلك الحملة جنديا ولا ضابطا ولا قائدا، كما يقول، ~~بل مجرد هاو، وكان ما كان من هزيمة الحملة بعد قتل ~~قوادها غدرا. وهنا يتولى أكسينوفون رياسة الجند ~~ويتقهقر بهم إلى ms0161 البحر، وهو يصف لنا ذلك التقهقر وما ~~اعترضه من عقبات، وكتابه أشبه ما يكون بالمذكرات، ~~ومع ذلك ففيه كثير من الملاحظات الهامة عن الأراضي ~~التي مروا بها وعن فنون القتال، كما أن قصصه لا ~~يخلو من يسر وجمال. # عاد أكسينوفون إلى أثينا فوجد أن سقراط قد حكم ~~عليه بالموت ونفذ الحكم فيه وإذا به هو الأخير ~~يقضى عليه بالنفي إما لأنه كان تلميذا لسقراط وإما ~~لما كان معروفا عنه من ميله إلى إسبرطة التي كان ~~يعجب بنظمها وحياتها القائمة على الأرستقراطية. ~~وبالفعل نجد أكسينوفون في إسبرطة ونعلم تاريخيا ~~أنه قد صاحب ملكها أجيسيلاس # 190 # في حملته على آسيا الصغرى سنة 396ق.م. ثم ~~في حروبه ضد طيبة الإغريقية، بل وضد أثينا نفسها ~~مسقط رأس أكسينوفون، وذلك في سنة 394ق.م. # بعد ذلك التاريخ استقر أكسينوفون في ضيعة ~~اشتراها بإحدى مقاطعات البلبونيزيا حتى سنة 371ق.م. إذ ~~ضرب المغيرون ضيعته، وهنا ينتقل إلى كورنثة يقيم ~~فيها حتى تعود أثينا عن قرار نفيه وتسمح له بالعودة ~~إلى وطنه حيث مات. # لأكسينوفون أربعة عشر كتابا من بينها الثلاثة التي ~~ذكرناها، وأما بقيتها فمنها ما تتعلق بتربية ~~الخيل وركوبها والحرب على ظهورها، ومنها ما يتعلق ~~بالصيد ومنها ما يتعلق بالاقتصاد وإدارة الأموال، كما ~~أن منها الكتب الفلسفية. # لقد كان أكسينوفون رجلا أرستقراطيا مولعا ~~بالخيل والصيد، رجلا سهل الطبع، راضيا عن الحياة، ~~ولكنه سطحي، وكل هذه الصفات واضحة في أسلوبه وفي ~~كتاباته. ~~(د) بوليبوس # وجاء بعد بوليبوس مؤرخ متأخر عاش من سنة 201ق.م. ~~إلى سنة 120ق.م. ولكنه مؤرخ كبير يكاد يكون ثاني ~~مؤرخي الإغريق بعد ثيوسيديد؛ فهو من ناحية الدقة ~~التاريخية وفهم الحوادث وتحليلها وشرح أسبابها لا ~~يقل عن مؤرخ حرب البلبونيزيا إن لم يفقه، وأما من ~~الناحية الأدبية ومن الناحية الإنسانية فهو ينحط عن ~~ثيوسيديد بمسافات بعيدة. # ولد بوليبوس بمقاطعة أركاديا في البلبونيزيا من ~~أسرة أرستقراطية وكان صديقا لزعماء الحرب والسياسة في ~~ذلك العهد، وقد تعلم من أبيه فن الحرب واشترك في ~~الحياة السياسية والحربية، وفي سنة ms0162 168ق.م. وقع أسيرا ~~في يد الرومان الذين قادوه إلى روما حيث ظل حتى سنة ~~150ق.م. ولقد استطاع أن يصادق كبار زعماء روما، وبفضل ~~تلك الصداقة لم يحجز في إحدى مدن إيطاليا كما حجز ~~غيره من الأسرى، بل ترك طليقا بروما حيث استطاع أن ~~يبحث في محفوظات الدولة وأن يدرس التاريخ ~~الروماني. # وفي أثناء إقامته الطويلة بتلك البلاد أعجب بخلق ~~الرومانيين، ذلك الشعب الحكيم الصبور الجاد إذا قيس ~~بإغريق ذلك العهد الخفاف الأحلام المتقلبي ~~الأهواء. وفي سنة 150ق.م. سمح له بالعودة إلى بلاد ~~الإغريق وإن كان قد عاد إلى روما غير مرة؛ إذ أصبحت ~~تلك المدينة بمثابة وطن ثان له. ولقد صاحب أسكبيون ~~القائد الروماني الشهير في حملاته ضد القرطاجانيين ~~وشهد استيلاءه على قرطاجنة عاصمة ملكهم. ولقد حاول أن ~~يمنع ثورة الإغريق الأخيرة ولكنه لم يستطع، وكان أن ~~أخضع الرومان بلاد الإغريق كلها بعد استيلائهم على ~~كورنثة، وبذلك أصبحت اليونان مقاطعة رومانية سنة ~~146ق.م. ولم تقم لها بعد ذلك قائمة. وأما بوليبوس فقد ~~استخدم نفوذه عند أصدقائه الرومانيين ليخفف من ~~قسوة الشروط التي أملوها على مواطنيه. ولقد قام ~~بوليبوس بعدة سياحات في سبيل الدرس، وزار ليبيا ~~وإسبانيا وبلاد الغال، ومات وهو في الثانية والثمانين ~~من عمره، إذ سقط من فوق حصان. # وكتاب بوليبوس عنوانه «التاريخ العام»، # 191 # تاريخ بلاد الإغريق وبلاد الشرق وبلاد ~~قرطاجنة مجتمعة حول روما. ولقد كان كتابه مؤلفا من ~~أربعين كتابا، ولكن لم يبق منها سوى الخمسة الأولى، ~~ثم فقرات من الخمسة والثلاثين كتابا الأخرى. ومنهجه ~~في التأليف منهج عملي، فهو يريد أن يقص الوقائع ~~لينفع بكتابه رجال الدولة، وذلك بتحليله للحوادث ~~وأسبابها تحليلا دقيقا. وهو حريص بنوع خاص على أن ~~يظهر كيف أصبحت روما سيدة العالم، ولذلك يدرس ~~دستورها ويقارن حكومتها بالحكومات الأخرى، وعلى ~~الخصوص بحكومة قرطاجنة، وهو - لحرصه على الدقة - قد ~~حذف من كتابه كل الخطب التي حرص غيره من المؤرخين ~~السابقين له واللاحقين أن يوردوها. وهو يفعل ذلك ~~مكتفيا بأن يلخص الأقوال التي قيلت فعلا ms0163 إن لم ~~يستطع أن يوردها بنصها، وهو يفضل إذا كان ~~يجهلها ألا يخترعها. # فكتابه من الناحية التاريخية عظيم الأهمية، وذلك ~~لاعتماده على محفوظات الدولة كما ذكرنا وعلى كل كتب ~~سابقيه، ثم على أقوال من شهدوا الوقائع التي يتحدث ~~عنها، وأخيرا لأنه قد رأى كثيرا من الحوادث التي ~~وردت في كتابه. وهو بعد ذلك يملك القدرة على مناقشة ~~مصادره وإعطاء كل منها ما يستحق من أهميته، كما أنه قد ~~خلا من كل تحزب. وهو في كتابه يتتبع خطى الزمن ~~ولكنه كثير الاستطراد إلى مسائل تتعلق باشتقاق الأسماء ~~والألفاظ وبمناقشة التواريخ وبالمسائل الفلسفية، ثم ~~إنه كثيرا ما يقف ليحاج سابقيه محاجات ~~طويلة. # وأما عن قيمة كتابه الأدبية فضعيفة كما قلنا، وذلك ~~لبرودة قصصه وخلوه من كل تلوين، ثم لثقل أسلوبه ~~وتعثره وغموضه لكثرة الاصطلاحات الفنية والألفاظ ~~المجردة. وليس هذا لعدم حرصه على فن الكتابة - ~~فأسلوبه لا يخلو من عناية متكلفة - بل لأنه لم يكن ~~يملك هبة الأسلوب ذاتها. ~~(ه) بلوتارك # ويمضي قرنان آخران قبل أن يظهر بلوتارك، الذي يعتبر ~~آخر مؤرخ إغريقي كبير. # ولد بلوتارك في مقاطعة بيوشيا سنة 46 بعد الميلاد ~~وعاش حتى سنة 120 بعد الميلاد، وهو لم يكتب في ~~التاريخ فحسب، بل وفي الفلسفة التي كتب فيها عدة ~~كتب. # تربى بلوتارك في أسرته حيث أشرف أبوه وجده على ~~تعليمه، ثم قام بعدة رحلات إلى أثينا وروما، وألقى ~~بالمدينتين عدة محاضرات عامة باليونانية وباللاتينية ~~فلقي نجاحا عظيما، وأخيرا عاد إلى مسقط رأسه حيث ~~مضى الجانب الأكبر من حياته موزع الجهد بين حياته ~~الخاصة كرب أسرة، وبين مهامه كأديب ومؤرخ وفيلسوف ~~بل وعمدة لمدينته. # لقد كان بلوتارك رجلا شريفا وديعا هادئا سمح ~~الخلق، شديد التعلق بدينه الإغريقي، وبخاصة بعبادة ~~أبولون الدلفي حيث كان يقوم ببعض أعمال الكهنوت. وكان ~~إلى جانب هذا رجلا متفتح النفس للمعرفة والبحث عن ~~الحقائق، فدرس كافة العلوم التي كانت معروفة في عصره، ~~وبخاصة التاريخ والفلسفة الأخلاقية. # ولقد ألف بلوتارك في الفلسفة الأخلاقية عدة كتب ~~نذكر منها: «مهلة ms0164 القضاء الإلهي» وفيه يعالج مشكلة ~~القدر، و«كتاب الحب» وهو دفاع عن الحب الشرعي، و«عزاء ~~لزوجته عند وفاة بنتها»، و«كيف نقرأ الشعراء»، ~~و«التطير»، و«الزواج»، و«النبل»، و«صمت العرافات»، ~~و«إزيس وأوزيريس» وفيه يتحدث عن الميثولوجيا بوجه ~~عام، و«كيف ننصت»، و«كيف نميز الصديق الحق من ~~المتملق»، و«كيف نمدح أنفسنا دون أن نجرح غيرنا»، ~~و«عن كثرة الأصدقاء»، و«عن فائدة الأعداء»، و«عن ~~الصحة»، و«عن الثرثرة»، و«عن شيطان سقراط»، و«عن ~~الموسيقى»، و«أحاديث المائدة» ... إلخ. # وهو يعلن عن أخذه بمذهب أفلاطون، ولكنه في الحقيقة ~~قد أخذ عن جميع المذاهب، كما حاول أن يوفق بين ~~الميثولوجيا وفلسفة أفلاطون. وهو يقول بوجود إله واحد ~~مسيطر ومن دونه آلهة ثانوية تقوم على أمور البشر، وهي ~~آلهة خيرة وشريرة، تعيش عدة قرون، وتسرف على ~~التطير والعرافة. # فلسفة بلوتارك في الواقع ضعيفة الأصالة، وهي ليست ~~سبب مجده، وإنما اشتهر بلوتارك وظل يقرأ طوال ~~القرون الماضية حتى يومنا هذا من حيث هو مؤرخ كتب ~~كتابا كان له ولا يزال أكبر الأثر في الكتاب في ~~مختلف الأجيال، ونعني بذلك كتابه المسمى ~~«الحيوات المتوازية»، وفيه يورد أربعا وأربعين ~~حياة كل حياة لكبير من كبراء الإغريق مقارنة ~~بكبير من كبراء الرومان: تيموستكليس وكاميل، ~~ليساندروس وسيلا، الإسكندر ويوليوس قيصر، أجيسيلاس ~~وبومبيوس، ديموستين وشيشرون، ألسبيادس وكوريولانوس ... ~~إلخ. # كتابه - إذن - عن حياة العظماء اليونان والرومان، ~~وقد آخى وقارن في كل فصل بين اثنين من هؤلاء العظماء: ~~قائد مع قائد، وخطيب مع خطيب، وإمبراطور مع إمبراطور، ~~وهكذا. ولقد قرأ بلوتارك الكثير من الكتب التي ~~ألفها سابقوه، ولهذا جاء كتابه غنيا بالمعلومات ~~التاريخية الهامة؛ ولكنه كان رجلا جماعا حظه من ~~النقد قليل، وأثر السرعة وعدم التمهل واضح في ~~كتابه، وهو أقل حرصا على الحقيقة العارية منه على ~~مغزى الوقائع ودروسها الأخلاقية؛ ومن ثم تراه يسوق ~~الكثير من القصص لمجرد جمالها. وهو - وإن حاول ألا ~~يتحيز - لا يخلو من ميل إلى الإغريق. # لقد حرص بلوتارك على أن يصور الشخصيات أكثر من ~~حرصه على أن يقص الوقائع؛ ومن ثم لم يكتب تاريخا ~~سياسيا كما ms0165 فعل ثيوسيديد أو بوليبوس ولكنه قد نجح ~~فيما أراد نجاحا رائعا، فشخصياته حية واضحة ~~المعالم، وكتابه من هذه الناحية فريد في بابه. # بلوتارك كاتب جذاب له حس صادق بعناصر الإثارة في ~~الإنسان، وهذا سر مجده وإقبال الناس على قراءته، ~~وأما أسلوبه فلا روعة فيه ولا جمال، ولهذا كان من ~~الكتاب القلائل الذين تزداد قيمة كتبهم إذا ~~ترجمت؛ ففي فرنسا مثلا لا شك أن ترجمة «أميو» # 192 # التي ترجع إلى عصر النهضة، خير بكثير من ~~أصلها، ولقد عملت تلك الترجمة في شهرة بلوتارك بفرنسا ~~أكثر مما يستحق الأصل؛ فهي رائعة الأسلوب. # ولقد كان لبلوتارك تأثير قوي على الكثيرين من ~~الكتاب وبخاصة شيكسبير الذي صدر عنه في تصويره ~~لكوريلانوس ويوليوس قيصر وغيرهما. # وهاك مثلا من كتابه: # ديموسثنيس وشيشرون # حسبنا أن نرى ما بين الرجلين من تشابه ~~في الميول لنعلم أن الطبيعة قد أنشأت هذين ~~الخطيبين العظيمين منذ البداية في صورة واحدة؛ ~~فكلاهما يطمح لغاية بعينها، وكلاهما يحب ~~الحرية، وكلاهما جبان في الوغى ومواقف ~~الخطر. كذلك تشابهت السيرة عند الرجلين، ~~فكلاهما نشأ من أصل مغمور وشق طريقه إلى ~~مناصب النفوذ والسلطان، وكلاهما عارض الملوك ~~والطغاة، وكلاهما نفي عن أرض الوطن ثم عاد ~~عود الكريم ثم اضطر أن يلوذ بالفرار، ثم ~~وقع في أيدي الأعداء. وذهب بذهاب كل من ~~الرجلين حرية بلاده. # فلما كان ديموسثنيس في نعومة الطفولة ~~يافعا في السابعة فقد أباه وبدد ثروته ~~أوصياؤه الذين لم يكونوا بالوصاية جديرين، لكن ~~طموح الفتى قد اشتعل في سنه الباكرة حين ~~سمع «كايستراتس» # 193 # الخطيب ينفذ بخطابته إلى قلوب ~~سامعيه، وحين أدرك ما عسى أن يعود به فن ~~الخطابة على الخطيب الموفق من أسباب ~~الشرف؛ فلم يلبث أن خصص جهده لممارسة هذا ~~الفن فدرس البلاغة على «إيزاوس» # 194 # حتى إذا ما بلغ أشده ظهر في ~~ساحة القضاء يتهم أوصياءه بانتهاب ~~ثروته. # وعلى الرغم من نجاح ديموسثنيس في دعواه تلك، ~~كان عليه أن يواصل الدرس ليتم نقصا ~~كبيرا، إذ كانت أولى خطبه تثير في سامعيه ~~الضحك، ms0166 فقد كان أسلوبه عنيفا ومضطربا، وصوته ~~خافتا متلعثما وإلقاؤه مقطوع الأنفاس، لكن ~~هذه الأخطاء أصلحت كلها بالمران الطويل ~~الشاق الذي قام به في جب أنشأه لنفسه تحت ~~الأرض، كان يقيم فيه شهرين أو ثلاثة دفعة ~~واحدة. وقد أزال من لسانه اللعثمة بالتحدث ~~والحصا ملء فيه، وزاد من قوة صوته ~~بالجري صاعدا فوق سطح الجبل يصيح وهو يلهث، ~~وكان يطيل النظر إلى موقفه وحركاته في ~~المرآة. # ولم يلق ديموسثنيس الخطاب ارتجالا إلا ~~نادرا، فقد كان الناس يصيحون به في المجامع ~~ليخطبهم لكنه كان يظل صامتا، إلا إن ~~كان قد أعد ما يلقيه، وكانت عادته أن يكتب ~~الشطر الأعظم من خطابه - إن لم يكتبه بأجمعه ~~- قبل أن يلقيه؛ ولذا كان يعترض عليه ~~بأن الحجج في خطبه تفوح برائحة المصباح، ~~ولكنه مع ذلك قد خطب في حالات قليلة بغير ~~إعداد فجاءت خطابته عندئذ وكأنها تتدفق ~~من معين خارق لقدرة البشر. # وكان حقودا بطبعه، يقاوم ما استطاع، فلم ~~يجار عصره قط قولا ولا عملا، إنما ~~استمسك حتى النهاية بوجهة نظره السياسية التي ~~اعتنقها منذ البداية، ومطمحه الأول هو الدفاع ~~عن قضية اليونان ضد فيليب. # 195 # ومعظم خطبه بما فيها هذه «الفيلبيات» # 196 # كتبها على مبدأ أن الخطة القويمة ~~الجديرة بأن تتبع يجب أن تختار دون سواها ~~من أجل نفسها لا لغاية وراءها، فهو لا ~~يستحث بني وطنه إلى أداء ما هو ملائم ويسير ~~ونافع، ولكنه يدعوهم إلى ما يؤدي بهم إلى ~~مواضع الشرف؛ فلو كان الله قد حبا ديموسثنيس ~~فوق مطمحه النبيل وسمو مبدئه في خطابته، ~~شجاعة في الحرب، ولو كان طهر يديه من دنس ~~الرشوة، لكان جديرا أن يوضع في منزلة ~~واحدة مع «سيمون» # 197 # و«ثيوسيديد» و«بركليز». # كذلك لمعت عبقرية شيشرون العظيمة في أيام ~~دراسته، فقد كانت له القدرة كما كان له الميل ~~إلى تعلم الفنون كلها، وإن يكن أميل إلى ~~الشعر منه إلى غيره من الفنون. وجاء يوم ~~عرفته فيه روما أمجد الشعراء وأعظم الخطباء ~~في آن معا؛ فبعد دراسته للقانون وتدريبه ms0167 في ~~أعمال الحرب ، أوى إلى حياة العزلة يدرس ~~الفلسفة. # ولكنه اضطر أن يظهر في ساحة القضاء ليدافع ~~عن «روسكيوس» # 198 # الذي اتهم ظلما بقتل أبيه؛ ~~فسرعان ما ذاعت شهرته في الخطابة. # وكان شيشرون معتل الصحة لا يستطيع أن ~~يأكل إلا طعاما قليلا، ولا يكون ذلك إلا ~~في آخر النهار، وكان صوته أجش عاليا ~~مرذول النغم، لكنه كسلفه ديموسثنيس استطاع ~~بمران طويل أن يهذب من نغمة صوته، حتى ~~أصبحت مليئة منغمة حلوة الرنين، ودراسته على ~~فحول البلاغة قومت من فصاحته. # وإن ما عرف عنه من مثابرة وعدل واعتدال ~~قد تجلى في مسلكه في المناصب السياسية؛ في ~~هجمته على مؤامرة «كاتلين» # 199 # بين كيف يمكن للبلاغة أن تضيف ~~إلى الحق سحرا، وأن العدالة لا تهزم إن ~~وجدت من يؤيدها على وجه صحيح. # إن ديموسثنيس قد ركز كل قوته في فن ~~الخطابة وحده، فبات لا يشق له غبار في قوة ~~فصاحته وجزالتها ودقتها. أما شيشرون فقد ~~كان أوسع مدى في دراسته، فلم يجاهد أن يكون ~~خطيبا نابغا وكفى، لكنه أراد أن يكون كذلك ~~فيلسوفا وعالما. واختلاف الخطيبين في ~~المزاج متبين في اختلافهما في الأسلوب، ~~فديموسثنيس في خطابته دائما صارم جاد ~~ينشد الفكرة الجافة. أما شيشرون فيحب ~~النكتة، وقد يبلغ به المزاح في الحديث ~~أحيانا حد المهاترة، ولم يكن الخطيب ~~اليوناني يمدح نفسه في خطبه إلا إن قصد بذلك ~~هدفا ساميا، وحتى إن فعل ففي تواضع وفي ~~غير اعتداد. أما الخطيب الروماني فلا يحاول أن ~~يخفي غروره بنفسه إلى حد الإسراف، مما ~~جعله ممقوتا عند كثير من معاصريه. # وكان للرجلين جميعا مقدرة سياسية ممتازة، ~~لكن بينما نجد ديموسثنيس لا يشغل منصبا ~~سياسيا قط، ويشك في أنه أحيانا كان ~~يبيع موهبته لمن يجزل له العطاء، نرى ~~شيشرون يحكم إقليما في عصره كان الجشع فيه ~~قد بلغ أقصى درجاته، لكنه لم يعرف عنه إلا ~~العطف الإنساني وازدراء المال حتى ليرفض ~~الهدايا البريئة. # إلى هنا ننتهي من استعراض المؤرخين الإغريق، ~~ونخلص مما رأينا بأن فن كتابة التاريخ ms0168 عند اليونان ~~وإن يكن قد وصل أحيانا من العمق في الفهم إلى ~~أبعد المراحل، إلا أنه لم يصل في الواقع إلى ما وصل ~~إليه المؤرخون المحدثون؛ وذلك لأنه ظل جزئيا، ~~يتحدث عن ناحية خاصة من نواحي الأمم ويهمل ما ~~عداها، فهم لم يكتبوا مثلا تاريخ عصر من العصور ~~يفضلون فيه القول عن الحياة السياسية والحياة ~~العقلية والحياة الحربية والحياة الاجتماعية، بحيث ~~يخرج القارئ بصورة تامة لذلك العصر. ولكننا ~~عندما نذكر أن هذا المنهج الشامل في كتابة التاريخ ~~لم يهتد إليه المؤرخون إلا في القرن التاسع عشر، ~~نستطيع أن نتصور أنه لم يكن من الممكن أن يقفز ~~الإغريق إلى الكمال. # ومع ذلك فقد امتاز المؤرخون الإغريق بصفة هامة ~~هي عدم التحيز، وكانت لهم فوق ذلك قدرة عجيبة على فهم ~~النفس البشرية وإيضاح دوافعها، وفي هذا ما يضمن ~~لكتبهم الخلود، لا من حيث هي مصادر التاريخ فحسب، بل ~~ومن حيث هي كتب أدب إنساني خليق بأن يخصب النفس ~~ويشحذ الإدراك. ~~(4-2) الفلسفة والخطابة ~~(أ) الفلسفة # أغرم العقل اليوناني - بعد أن قطع مرحلة الأساطير ~~والإمعان في الخيال - بإطالة التفكير والتأمل فيا ~~يصادف من ظواهر، فيحاول تعليلها وتعقب أسبابها. وإنك ~~لتقرأ عن اليونان وفلسفتهم فتحسب القوم يتنفسون ~~الفلسفة مع الهواء. وما ظنك بجماعة تناقش موضوعات ~~الفلسفة إذا التقوا في الأسواق، أو صادف بعضهم بعضا ~~في عرض الطريق! وحسبك أن تقرأ ما كتبه أفلاطون ~~وأرسطو، وما بلغت إليه الفلسفة في العصر الحديث، لتعلم ~~أن الإنسانية لم تكد تخطو - في الفلسفة - إلى الأمام ~~بعد اليونان خطوات، بل لتعلم أن الإنسان الحديث في ~~ركضه السريع يوشك أن يتخلف عما أدركه اليونان من ~~حكمة في بعض النواحي. ولنمض مسرعين على هامات ~~القرون، مخلفين وراءنا فلاسفة اليونان الأولين، ~~فأولئك على عظيم قدرهم لا يتسع لهم مقام ~~كتابنا. # ولنقف عند القرن الخامس قبل الميلاد، حيث سوفوكليز ~~ويوريبيد يعرضان على المسرح آياتهم، لننظر إلى هذا ~~الفيلسوف الذي يذرع شوارع أثينا ويغشى أسواقها، يناقش ~~ويحاور في منطق سليم وأسلوب أخاذ، لننظر إلى ms0169 سقراط ~~جالسا ومن حوله معارضوه ومؤيدوه ؛ فما يزال يلقي ~~هنا سؤالا وهناك سؤالا، ويتلقى من هذا جوابا ومن ~~ذاك جوابا حتى يستقيم له الموضوع الذي يناقشه، ~~ويبلغ النتيجة التي يريد، متهكما ساخرا بمن ~~زعموا لأنفسهم العلم وهم جاهلون، مستحثا الشباب أن ~~يفكروا لأنفسهم ليدركوا الحق بأنفسهم معلنا أنه لا ~~يدري شيئا، وأنه إنما ينشد الحكمة عند الآخرين ~~مسيرا في ذلك كله بصوت باطني لعله أن يكون ~~وحيا من الآلهة. ولقد أحب سقراط من فهموه، وسخط ~~عليه من كانت لهم في نفوس الناس مكانة علمية فزلزلها ~~سقراط وعرضهم لسخرية الساخرين؛ فرفع ثلاثة من هؤلاء ~~أمر سقراط إلى القضاء بتهمة إفساد عقول الشبان، ~~وإنكار الآلهة، ومهاجمة الدولة ونظامها. وكانت ~~المحاكمة وكان الحكم، فإذا هو أن يجرع سقراط كأسا ~~من السم ليموت، فلم يظهر من شخصية سقراط عندئذ ~~إلا جانب الفيلسوف. وقضى آخر أيامه في السجن يحاور ~~تلاميذه في النفس وخلودها! وهل ترى أمر سخرية في ~~تاريخ الإنسانية كله من هذه الحقيقة المرة: وهي أنها ~~تقتل من أبنائها من يعلو وينبغ. # و إن أردت أن تقرأ ما نطق به سقراط في محاوراته مع ~~الناس، فارجع في ذلك إلى تلميذه الأكبر «أفلاطون» الذي ~~كان كأستاذه محاورا، ولكن بالقلم لا باللسان؛ فأخذ ~~يكتب «المحاورات» يديرها بين النابهين من أهل أثينا، ~~ويتخذ من سقراط شخصية رئيسية ليجري على لسانه ما ~~يريد لنفسه من أفكار؛ فبات متعذرا أن نميز بين آراء ~~سقراط وآراء تلميذه التي أجراها على لسان أستاذه، ولكن ~~هل يعني ذلك شيئا عند من ينشد حكمة اليونان؟ كلا! ~~فاقرأ المحاورات الأفلاطونية تقرأ حكمة يونانية، ~~وحسبك ذاك، وسترى في تلك المحاورات أسلوبا فنيا ~~رائعا يضع أفلاطون في الصف الأول بين الأدباء؛ ~~ففيها أخذ ورد، وسؤال وجواب، وموافقة واعتراض، مما ~~جعلها قطعة حية بين آيات الأدب. وتبلغ هذه المحاورات ~~في عددها ما يقرب من عشرين، تكاد لا تستثني شيئا من ~~جوانب الفكر الإنساني إلا مسته مسا رقيقا أو ~~عميقا، حتى قيل: إن بذور الفكر الإنساني كله قديمه ms0170 ~~وحديثه تراها منشورة مبذورة في محاورات أفلاطون، لا ~~تستثني من ذلك عقائد المسيحية نفسها! هذا ما يقوله ~~عنها أبرع مترجميها إلى اللغة الإنجليزية وهو ~~«بنيامين جووت» # 200 # الذي أصبحت ترجمته لها تعد في نفسها ~~قطعة من الأدب، ومقدماته لتحليلها آية في النقد، ~~وترجم إلى اللغة العربية قبس منها. # 201 # ولا بد لك - إن أردت أن تعلم ما قاله ~~أفلاطون - من قراءته. وحسبنا في هذا الموضوع أن ~~نشير إلى فكرتين أساسيتين: الأولى فكرة سقراط في ~~الفضيلة بأنها العلم والرذيلة بأنها الجهل، أي أن ~~الإنسان لا يسيء السلوك إلا عن جهل، ولو عرف لاهتدى، ~~وهذا رأي له قيمته ونصيبه من الصواب. وقد عبر ~~سقراط عن ذلك حين ذكر قاتلوه ساعة موته، فقال: ~~«سامحوهم فإنهم لا يعرفون ما يعملون.» والفكرة ~~الرئيسية الثانية في «المحاورات» هي رأي أفلاطون بأن ~~عالم الأشياء الذي يحيط بنا إنما يصور عالما ~~آخر قوامه أفكار عقلية، فكل شيء هنا شبح لفكرة ~~هناك، فإذا ما أحببت إنسانا جميلا أو زهرة جميلة ~~فأنت إنما تحب في حقيقة الأمر فكرة الجمال التي ~~تتمثل في الإنسان والزهرة، لا هذا الإنسان الشخص ~~بعينه، ولا تلك الزهرة بذاتها، وهذه خلاصة موجزة ~~«للحب الأفلاطوني»، الذي أخذت تلوكه الألسنة في ~~غير معناه حتى أفسدته. ولعل أجمل ما يمتع ~~القارئ الذي لا يريد أن يغوص في الفلسفة العميقة ~~محاورة «الجمهورية» ومحاورة «الدفاع» ومحاورة ~~«المأدبة»؛ ففي «الجمهورية» وصف للدولة المثلى التي ~~يجب أن يكون على رأسها فيلسوف مفكر يسيطر عليها كما ~~يسيطر العقل على شئون الجسد، وفي «الدفاع» رواية ~~جميلة لمحاكمة سقراط ودفاعه عن نفسه أمام قضاته، ~~وفي «المأدبة» شرح مفصل للحب الأفلاطوني صيغ في ~~أسلوب هو أجود ما جرت به براعة الفيلسوف في جمال ~~التعبير. وفيما يلي مثال لنثر أفلاطون، وهي قطعة ~~ختمت بها محاورة فيدون، وفيها يصور موت سقراط: ~~... نهض ودخل غرفة الحمام، يصحبه ~~أقريطون، الذي أشار إلينا بأن ننتظر؛ ~~فانتظرنا نتحدث ونفكر في أمر الحوار وفي ~~هول المصاب. لقد كنا كمن ثكل أباه، ~~وأوشكنا أن نقضي ms0171 ما بقي من أيامنا ~~كالأيتام. فلما تم اغتساله جيء له بأبنائه ~~(وكانوا طفلين صغيرين ويافعا)، كما وفدت ~~نساء أسرته، فحادثهن وأوصاهن بعض ~~نصحه، على مسمع من أقريطون، ثم صرفهن ~~وعاد إلينا. # ها قد دنت ساعة الغروب، فقد قضى داخل الحمام ~~وقتا طويلا، وعاد بعد اغتساله فجلس إلينا، ~~ولكنا لم نفض في الحديث. وما هي إلا أن ~~جاء السجان وهو خادم الأحد عشر، ووقف إلى ~~جانبه وقال: لست أتهمك يا سقراط بما ~~عهدته في غيرك من الناس من سورة الغضب، فقد ~~كانوا يثورون ويصيحون في وجهي حينما آمرهم ~~بتجرع السم، ولم أكن إلا صادعا بأمر ~~أولي الأمر. أما أنت، فقد رأيتك أنبل وأرق ~~وأفضل ممن جاءوا قبلك إلى هذا المكان، فليس ~~يخامرني شك أنك لن تنقم علي، فليس الذنب ~~ذنبي، كما تعلم، إنما في جريرة سواي ... وبعد، ~~فوداعا، وحاول أن تحمل راضيا ما ليس من ~~وقوعه بد، إنك لتعلم فيم قدومي إليك. ثم ~~استدار فخرج منفجرا بالبكاء. فنظر إليه ~~سقراط وقال: لك مني جميل بجميل، فسأصدع ~~بما أمرتني به، ثم التفت إلينا وقال: يا له ~~من فاتن! إنه ما انفك يزورني في السجن، وكان ~~يحادثني الحين بعد الحين، ويعاملني بالحسنى ~~ما وسعته ... انظر إليه الآن، كيف يدفعه ~~فضله أن يحزن من أجلى! فلزام علينا، يا ~~أقريطون، أن نفعل ما يريد. مر أحدا أن ~~يجيء بالقدح إن كان قد تم إعداد السم، ~~وإلا فقل للخادم أن يهيئ شيئا منه؛ فقال ~~أقريطون: ولكن الشمس لا تزال ساطعة فوق ~~التلاع، وكثير ممن سبقوك لم يجرعوا ~~السم إلا في ساعة متأخرة بعد أن كانوا ~~يأكلون ويشربون وينغمسون في لذائذ الحس، ~~فلا تتعجل إذن؛ إذ لا يزال في الوقت ~~متسع! # فقال سقراط: نعم يا أقريطون، لقد أصاب من ~~حدثتني عنهم فيما فعلوا، لأنهم يحسبون أن ~~وراء التأجيل نفعا يجنونه، وإني كذلك لعلى ~~حق في ألا أفعل كما فعلوا، لأني لا أظن ~~أني منتفع من تأخير شراب السم ساعة ~~قصيرة! إنني بذلك إنما أحتفظ وأبقي على ~~حياة ms0172 قد انقضى أجلها فعلا، إني لو فعلت ~~ذلك سخرت من نفسي. أرجو إذن أن تفعل ما أشرت ~~به ولا تعص أمري! فلما سمع أقريطون هذا، ~~أشار إلى الخادم فدخل، ولم يلبث إلا قليلا ~~حتى عاد يصحبه السجان يحمل قدح السم؛ ~~فقال سقراط: أي صديقي العزيز! إنك قد مرنت ~~على هذا الأمر، فارشدني كيف أبدأ؟ فأجاب ~~الرجل: لا عليك إلا أن تجول حتى تثقل ~~ساقاك، ثم ترقد فيسري السم. وهنا ناول ~~سقراط القدح، فحدق في الرجل بكل عينيه، ~~يا أشكراتس، وأخذ القدح جريئا وديعا لم ~~يرع ولم يمتقع لون وجهه؛ هكذا تناول ~~القدح وقال: ما قولك إذا سكبت هذا القدح ~~لأحد الآلهة؟ أفيجوز هذا أم لا يجوز؟ فأجاب ~~الرجل: إننا لا نعد يا سقراط إلا ~~بمقدار ما نظنه كافيا. فقال: إني أفهم ما ~~تقول، ومع ذلك فيحق لي بل يجب علي أن ~~أصلي للآلهة أن توفقني في رحلتي من هذا ~~العالم إلى العالم الآخر؛ فلعل الآلهة ~~تهبني هذا؟ فهو صلاتي لها، ثم رفع القدح ~~إلى شفتيه وجرع السم حتى الثمالة ~~رابط الجأش مغتبطا، وقد استطاع معظمنا أن ~~يكبح جماح حزنه حتى تلك الساعة، أما وقد ~~رأيناه يشرب السم، وشهدناه يأتي على ~~الجرعة كلها، فلم يعد في قوس الصبر منزع، ~~وانهمر مني الدمع مدرارا على الرغم مني، ~~فسترت وجهي وأخذت أندب نفسي ... حقا، إني لم ~~أكن أبكيه، بل أبكي فجيعتي فيه حين أفقد مثل ~~هذا الرفيق، ولم أكن أول من فعل هذا، بل إن ~~أقريطون، وقد ألفى نفسه عاجزا عن حبس عبراته، ~~نهض وابتعد، فتبعته، وهنا انفجر إيولودورس ~~الذي لم ينقطع بكاؤه طول الوقت في صيحة عالية ~~وضعتنا جميعا موضع الجبناء، ولم يحتفظ ~~بهدوئه منا إلا سقراط. فقال: ما هذه ~~الصرخة العجيبة؟! لقد صرفت النسوة خاصة حتى ~~لا يسئن صنيعا على هذا النحو؛ فقد ~~خبرت أنه ينبغي للإنسان أن يسلم ~~الروح في هدوء، فسكونا وصبرا ... فلما ~~سمعنا ذلك اعترانا الخجل وكفكفنا دموعنا، ~~وأخذ سقراط يتجول حتى بدأت ساقاه تتخلخلان - ~~كما قال - ثم ms0173 استلقى على ظهره، كما أشير له ~~أن يفعل . وكان الرجل الذي ناوله السم ~~ينظر إلى قدميه وساقيه حينا بعد حين، ثم ~~ضغط بعد هنيهة على قدميه وسأله: هل أحس ~~فأجاب أن لا، ثم ضغط على ساقه، وهكذا صعد ~~ثم صعد، مشيرا لنا كيف أنه برد وتصلب. ~~ثم لمس سقراط نفسه ساقيه وقال. ستكون ~~الخاتمة حين يصل السم إلى القلب. فلما ~~أخذت البرودة تتمشى في أعلى فخذيه كشف عن ~~وجهه، إذ كان قد دثر نفسه بغطاء وقال ~~(وكانت هذه آخر كلماته): # إنني يا أقريطون مدين بدين لأسكلبيوس، # 202 # فهل أنت ذاكر أن ترد هذا ~~الدين؟ فأجاب أقريطون إنه سيوفي الدين، ~~ثم سأله إن كانت لديه رغبة أخرى، ولم يكن ~~لهذا السؤال من جواب. وما هي إلا دقيقة أو ~~دقيقان حتى سمعت حركة؛ فكشف عنه الخادم، ~~وكانت عيناه مفتوحتين فأقفل أقريطون فمه ~~وعينه. # هكذا يا أشكراتس قضى صديقنا الذي أدعوه ~~بحق أحكم من قد عرفت من الناس، ~~وأوسعهم عدلا وأكثرهم فضلا. # ثم جاء أرسطو الذي شق للفلسفة طريقها مدى عشرين ~~قرنا، فقد لبث حتى القرن السابع عشر يعرف بين ~~الفلاسفة ب «الفيلسوف»، وبلغت سيطرته على عقول الناس ~~حدا لم يعرفه فيلسوف سواه، حتى جاء رجال النهضة - ~~بيكون في إنجلترا، وديكارت في فرنسا - فرفعوا لواء ~~الثورة على رجل الفلسفة الأكبر، وطالبوا بحقهم في ~~التفكير المستقل الذي لا يعرف الحدود والقيود. وما ~~كان أرسطو نفسه لينكر على أحد هذا الفكر الحر، ~~لكنهم تابعوه ومشايعوه خلال القرون هم الذين ~~وضعوه من الناس موضع المعلم الذي تجري كلماته مجرى ~~القضاء الذي لا يرد. وكيف ينكر أرسطو على أحد حرية ~~الفكر، وهو ذاك الروح الطليق، والعقل المتطلع، ~~والعالم الذي يبحث ويبحث حتى ينتهي ببحثه إلى الحق؟! ~~أخذ أرسطو عن أستاذه أفلاطون ثم انشق عليه؛ وأهم ~~ما يختلفان فيه هو فكرة المثل، أو العالم العقلي ~~الذي جزم أفلاطون بوجوده نموذجا تجيء على نسقه ~~الأشياء. فما كان لأفلاطون الحالم الشاعر الفنان سوى ~~أن يمزق بخياله حجب المادة التي تحيط ms0174 به ليرى من ~~ورائها أفكارا مجردة هي من الأشياء بمثابة الأصل من ~~الصورة. أما أرسطو ذو العقل العلمي والفكر المنطقي ~~فحصر نفسه في حدود ما يرى ويلمس، فهذه الأشياء في ~~الحقائق ذاتها ولا شيء وراءها، وليس للمعاني ~~المجردة وجود إلا في عقل الإنسان الذي يجردها. ~~وماذا يعني تاريخ الأدب من هذا الفيلسوف؟ يعنيه ~~أسلوبه العلمي الواضح الدقيق، فلئن كان أفلاطون ~~بمثابة قصيدة من الشعر الطائر بأجنحة الخيال، فأرسطو ~~قطعة من النثر الرزين الرصين؛ اقرأ له كتاب الأخلاق، # 203 # واقرأ له كتاب السياسة، ثم اقرأ كتابه في ~~«الشعر» الذي لا يزال عمدة للنقاد إلى هذا اليوم ~~فلن تقرأه قراءة الدرس العميق حتى يكون منك ناقد صائب ~~الحكم على إنتاج الأدباء. ~~(ب) الخطابة # وكانت الخطابة من الفنون الأدبية التي بلغت من ~~الكمال حدا بعيدا في أثينا. والخطابة إنما تكون ~~أدبا حين تحتفظ الألفاظ المنطوقة بقوة فصاحتها إذا ~~ما خطت على الورق لتقرأ، فما أكثر ما تفنى خطب ~~الخطباء مع الهواء كما تفنى ألحان المنشدين وأصوات ~~الممثلين. والخطب ثلاثة أنواع: خطب تسمع ولا ~~تقرأ، وخطب تقرأ ولا تسمع، وثالثة تشمل ~~بتأثيرها العيون والآذان؛ فها هو ذا «غلادستون» # 204 # مثلا حرك النفوس بخطبه، ولكنها حين ~~صبت في أحرف المطابع بردت نارها، وذلك هو ~~«إدمند بيرك» # 205 # لم يكن له من القدرة الخطابية ما يقنع ~~أعضاء البرلمان الإنجليزي، ومع ذلك فخطبه - مكتوبة ~~- ساحرة فاتنة، وهي تحتل مكانة رفيعة في الأدب ~~الخالد. وأما خطباء اليونان فقد بلغوا بهذا الفن - كما ~~قلنا - حدا بعيدا من الكمال. وذلك لأن حظوظهم ~~السياسية كانت ترتكز - إلى حد بعيد - على قدرتهم ~~الخطابية، وذلك طبيعي في عصر لم يعرف الصحف اليومية ~~التي تشيع بين الناس فتحمل إلى أعينهم عشرات من ~~المقالات، وهي خطب يلقيها رجال السياسة من أسنة ~~الأقلام، وأول من نذكره من خطباء اليونان خطيب صامت! ~~خطيب لم يكن من أهل أثينا في عرف القانون، فلم يكن ~~له حق الكلام في ساحات القضاء أو الخطابة أمام جموع ~~الشعب؛ ذلك هو «لسياس» ms0175 # 206 # الذي أخذ يكتب الخطب بقلمه ليلقيها ~~غيره بلسانه، ولم يخطب «لسياس» في الناس إلا مرة ~~واحدة؛ حين دبر أحد الطغاة قتل أخيه. وعاصر ~~«لسياس» خطيب آخر يكتب خطبه ولا يلقيها، ذلك هو «إسقراط» # 207 # الذي أخذ يستحث دويلات اليونان أن ~~تمتشق الحسام ضد الفرس، ووجه دعوته إلى مقدونيا. ~~فلما أن رأي مقدونيا تستغل ما غنمته من حروب ~~الفرس في تدبير جيش يخضع أثينا نفسها ندم «إسقراط» ~~على دعوته إياها وكفر عن سيئته بأن حرم على ~~نفسه الطعام حتى مات، وأهم خطبة له «الثناء على ~~أثينا». وأما أعظم خطباء اليونان جميعا فهو «ديموسثنيس»، # 208 # وقد بلغت قدرته على الخطابة مبلغا أغرى ~~الرواة أن ينسجوا حولها الأساطير؛ فقالوا مثلا - ~~إنه قوم لسانه بوضع الحصا في فمه، والصياح بذلك ~~الفم المملوء على شاطئ البحر. ومهما يكن من أمره فقد ~~كانت بلاغته تفتن سامعيه، وخطبه الباقيات قطع ~~من النثر الممتاز. وكان مذهبه السياسي أن يكون الحكم ~~لصالح اليونان كلها بقيادة أثينا، لا أن يكون الحكم ~~موجها لصالح أثينا وحدها أو أي بلد آخر، لذلك خاصم ~~فيليب المقدوني أبا الإسكندر؛ إذ كان يرى أن يحكم ~~حكما مقدونيا بحتا. وكانت أشهر خطب «ديموسثنيس» ~~ما وجهه إلى أهل أثينا ليحرضهم على فيليب ~~المقدوني الذي كانت جيوشه تجتاح مدائن اليونان، ~~ممهدة لابنه الإسكندر أن يقيم دعائم ملكه، ومن ~~أجل هذه الهجمات القوية العنيفة التي وجهها ~~«ديموسثنيس» إلى «فيليب»، سمي هذا اللون من الخطابة ~~- مكتوبا كان أو منطوقا: ب «الخطابة الفليبية». # 209 # وتفصيل ذلك أن أثينا حين أثرت في ~~عهد «بركليز» ألهاها التكاثر، ففقد الأثينيون ما ~~كان لهم من نشاط، وكرهوا أن يساهموا في نفقات ~~الدولة، بعد أن كانت واجبات الأثيني تقضي أن يشارك ~~الأغنياء في إعداد الجيش وبناء الأسطول، وكان فيليب ~~الناهض إذ ذاك يجهز جيشه للفتوح، فقام ديموسثنيس ~~يوجه الخطاب إلى قومه: «يجب أن تعدوا أنفسكم ~~فتقصدوا بأنفسكم إلى العدو في سفائنكم.» فقد كان ~~الأثينيون يلقون بأعباء الحروب على عواتق الجند ~~المأجورة والعبيد لينعموا هم في ms0176 مدينتهم الغنية بالأمن ~~والعافية، ولكن خطيبهم لم يجد بدا - إذا أرادت ~~أثينا أن تظفر بالنصر - من أن ينهض الأثينيون أنفسهم ~~إلى الدفاع، بعد أن أصبح خطر الغزو داهما، واجتاح ~~فيليب بعض المدائن: «لا تظنوا أن قوة فيليب ~~الحاضرة خالدة له أبد الدهر كأنه إله من الآلهة: ~~كلا! إنه مكروه مخوف محسود، حتى من أنصاره الذين ~~يظهرون له اليوم قلوبا مخلصة.» ولكن الأثينيين ~~لم تحركهم أول الأمر هذه الخطب، وخدعتهم ~~النعرة الكاذبة، وظلوا على عقيدتهم أن ~~المقدونيين جماعة مزدراة لا تستحق أن يخشى لها ~~بأس، واكتفوا بأن يرسلوا إلى فيليب الرسل؛ فأفسد ~~عليهم فيليب سفراءهم بما أجزل لهم من العطاء، حتى ~~كون له من هؤلاء الرسل أنفسهم حزبا قويا في ~~أثينا يظاهره ويناصره، وعلى رأس هذا الحزب «إيسكنيز» # 210 # الذي أصابه من رشوة فيليب نصيب الأسد. ~~وكان إيسكنيز هذا خطيبا مصقعا، لا يبذه إلا ~~ديموسثنيس الذي ما زال بالناس يخطبهم حتى أفلح في أن ~~يبعث الأثينيون جيشا صغيرا يحاصر الغزاة في شعاب ~~الجبل، ونجح في صده عن البلاد، فاقترح «تسيفون» أن ~~تصنع الدولة تاجا ذهبيا ليكون إكليلا يجلل ~~هامة ديموسثنيس منقذ الوطن، فعارضه «إيسكنيز» في ~~خطبة رنانة بارعة، تسمى «خطبة التاج»، يزعم ~~للناس أن «تسيفون» يريد أن يجعل من ديموسثنيس حاكما ~~بأمره، فرد ديموسثنيس بخطبة هي خطبة من الطراز ~~الأول وتسمى أيضا «خطبة التاج»، وقد كان لها من ~~الأثر في نفوس الناس أن «إيسكنيز» لم تطب له ~~الإقامة في أثينا بعد، ففر منها إلى رودس، ~~ويقال إنه أثرى هنالك من مدرسة فتحها ليعلم ~~الشبان أصول البلاغة. واستأنف ديموسثنيس خطبه ~~«الفيلبية»، ولكن ماذا تجدي الألفاظ أمام ~~الرماح؟! لقد غلبت أثينا على أمرها وأصبحت جزءا ~~من إمبراطورية الفاتح الغازي. وحدث بعد موت الإسكندر ~~أن طلب حاكم مقدونية إلى أثينا أن يهادنها ~~ويسالمها إذا دفعت له ديموسثنيس ثمنا، ولكن ~~خطيبنا سارع إلى أحد المعابد وجرع السم وأسلم ~~الروح سنة 322ق.م. وأهم ما تمتاز به خطابته ~~بالقياس إلى منافسيه أنها لم تعن كثيرا بزخرف ~~اللفظ ms0177 وتزويق العبارة، إنما وجهت عنايتها إلى الحجج ~~الدوامغ تسوقها حجة في إثر حجة، حتى إذا ما بلغ ~~الخطاب ختامه كان مقنعا مفحما. # غلبت اليونان على أمرها أمام المقدونيين الغزاة، ثم ~~غلبت على أمرها مرة أخرى أمام الرومان، ولكن المغلوب ~~في كلتا الحالتين ظل يحتفظ له بالسيادة العقلية ~~على الغالب، وظلت أثينا في كلتا الحالتين حاكمة ~~في دولة الفكر، فكان الروماني المثقف يتكلم ~~اليونانية ويكتبها ليدل على ثقافته، ولكن هذه ~~السيادة لم تدم؛ فما جاء القرن الرابع الميلادي حتى ~~اتسع سلطان الرومان وسادت الكنيسة الرومانية، فأفسحت ~~اليونانية مكانها للغة اللاتينية وبقيت اليونانية ~~مغمورة قرونا عشرة، حتى بعثتها من مراقدها حركة ~~النهضة الأوروبية التي كانت لثقافة أوروبا بمثابة ~~الميلاد الجديد. ولا نستطيع أن نطوي صفحات اليونان ~~الأخيرة قبل أن نذكر لهم كاتبا ساخرا هو لوسيان، # 211 # الذي كان لعصره في الفكاهة الساخرة ما ~~كان «سوفت» # 212 # و«فولتير» # 213 # و«مارك توين» # 214 # لزمانهم، وكتابه: «التاريخ الصحيح» يصف ~~رحلة إلى القمر، وقصته في هذا الكتاب - عما نشب ~~بين أهل الشمس وأهل القمر من قتال - قطعة من الأدب ~~الساخر، لعلها أوحت إلى «سوفت» شيئا في كتابه ~~«رحلات جلفر». # 215 # وقد عاش «لوسيان» في عصر من الشك، فجاء ~~شكاكا لا يؤمن بشيء، يطعن في آلهة اليونان ~~وفلاسفة اليونان، ولم يحترم منهم سوى ثلاثة: سقراط، ~~وأفلاطون، وأرسطو؛ فالدين عند لوسيان خرافة هزيلة، ~~والفلسفة سفسطة فارغة. # الفصل الرابع # | الأدب الروماني # (1) تاريخ الرومان ومؤرخوهم # رجل الكلام ليس دائما - بل ليس غالبا - رجل العمل، فصاحب ~~القلم الذي يسجل أحداث التاريخ ويصور جوانب الحياة كثيرا ~~ما تراه حييا عاكفا على نفسه لا يجرؤ أن يقود كتيبة إلى ~~حومة الوغى، أو يقود في السياسة حزبا من المعارضين، ولكن ~~أين - في الأدب أو في الحياة - تلك القاعدة التي تخلو من شذوذ؟ ~~فقد يحدث أحيانا أن يكون حامل القلم صاحب العمل. وإن أردت ~~من رجال التاريخ أمثلة تلتقي فيها فصاحة القول وعظم العمل ~~وجدت في مقدمة هذه الأمثلة «يوليوس قيصر» # 1 # الذي صنع التاريخ ms0178 بحروبه، ودون التاريخ ~~بقلمه؛ فكتابه «تعليقات» كتبه عن حروب الغال والحرب ~~الأهلية بينه وبين «بومبي» # 2 # في أسلوب القصة الواضحة المستقيمة، مما يشهد له ~~بالبراعة في دولة الأدب. وإنما كتب قيصر هذا الكتاب ليدافع عن ~~نفسه أمام الرومان، ولكنه كان سياسيا قديرا وفنانا ~~بارعا، فعرف كيف يعتدل في حديثه فيبسط للناس قضيته لا ~~يرائي ولا يفاخر ولا يشوه الحقائق، فهو يدون مذكراته ~~ويصف مغامراته في خضم الحوادث التي أحاطت به، والتي كان ~~هو نفسه مصورها وباريها إلى حد ما، ولكن حوادث الزمان ~~كانت أقوى من مصورها وخالقها، فصرعته على يدي «بروتس» # 3 # وعصبته، ممن أكل الحقد قلوبهم، فجاء مصرعه ~~عبرة من عبر الزمان توحي للشعراء بالشعر؛ فأوحت إلى شيكسبير ~~هذه المأساة التي تصور قيصر: كيف مد له في السلطان وكيف ~~قصفه الموت. # تقرأ كتاب «التعليقات» فترى كيف استطاع قيصر أن يضم ألوف ~~الأشتات في عبارة مطردة: فهذه ألوف الحادثات، وهذه طائفة ~~كبيرة من حملاته الحربية، وهذه دسائس ومؤامرات يحوكها حوله ~~الأصدقاء والأعداء، وغير هذه من ألوان الحديث في شتى المسائل ~~تطرد كلها في نسيج محبوك، إنه لفنان قدير! وهاك مثالا من ~~كتابه «تعليقات على حروب الغال»: # تنقسم الغال ~~إلى ثلاثة أقسام، فقسم للبلجيين، # 4 # وقسم للأكوتيين # 5 # وثالث لمن يسمون في لغتهم بالكلتيين # 6 # وفي لغتنا بالغاليين، # 7 # وهذه الأقسام الثلاثة يختلف بعضها عن بعض ~~في اللغة والعادات والقوانين. والهلفيتيون # 8 # طائفة من الغاليين تمتاز عن سائر الطوائف ~~ببأسها لأنها في قتال متصل مع الألمان، وفي العهد ~~الذي كان فيه «مسالا» # 9 ~~«وبيزو» # 10 # قنصلين، دبر «أورجيتوركس» # 11 ~~- وهو بين الهلفيتيين في الطليعة - ~~مؤامرة من الأشراف، وألقي في روعهم أنه من اليسير ~~عليهم أن يكونوا سادة الغاليين جميعا ما داموا ~~أشدهم بأسا، وما هي إلا أن أعدت العدة لذلك، ~~لولا أن باغتت المنية «أورجيتوركس» وكان من ~~الطبيعي أن يشك بأنه انتحر. ومع ذلك فقد حاول ~~الهلفيتيون بعد موته أن يخرجوا عن نطاق أرضهم. فلما ~~أنبئ قيصر أنهم يحاولون أن يشقوا ms0179 لأنفسهم طريقا في ~~أرضنا، جمع كل قوة استطاع جمعها، وسار بها مدججة ~~بسلاحها حتى بلغ جنوا؛ فأرسل الهلفيتيون سفراءهم ~~إلى قيصر يلتمسون الإذن باختراق الإقليم الروماني، ~~لكن قيصر رفض أن يجيبهم إلى ما طلبوا لأنه ذكر أن ~~القنصل «لوسيوس كاسيوس» # 12 # قد اغتاله الهلفيتيون الذين مزقوا جيشه ~~وأخضعوه تحت نيرهم. فلما خاب رجاء الهلفيتيين ~~حاولوا أن يشقوا طريقهم بالقوة عبر الرون، ~~لكنهم سرعان ما كفوا عن المسير إذ رأوا مقاومة ~~الجند الرومان. فلما انتهت حرب الهلفيتيين جاء السفراء ~~من معظم أجزاء الغال ومثلوا بين يدي قيصر ~~يهنئونه ويعلنون أن انتصاره لا ينفع بلاد الغال ~~أقل مما ينفع الشعب الروماني؛ لأن الهلفيتيين قد ~~غادروا أرضهم معتزمين إخضاع الغال كلها. ولما ~~انفض اجتماع السفراء بقي منهم رؤساء «إيدوي» # 13 # و«سكواني» # 14 # يرفعون شكاتهم إلى قيصر بأن ملك الألمان «أريوفستوس» # 15 # قد حل بجنده في بلادهم وانتزع ثلث ~~أراضيهم وهو خير مكان في الغال كلها، ثم أمرهم أن ~~يخلوا له ثلثا ثانيا، فأرسل قيصر سفراءه يطلبون من ~~«أريوفستوس» أن يحدد مكانا لمؤتمر ينعقد، لكن ~~«أريوفستوس» رد السفراء بجواب جاف، وأعاد الجواب ~~نفسه في عرض آخر. فلما بلغ قيصر أن ملك الألمان ~~كان ينذر باحتلال «فيسونشيو» # 16 # عاصمة إقليم «سكواني» سارع بجيشه ~~فاحتلها، فما كاد «أريوفستوس» يعلم هذا النبأ حتى ~~غير موقفه وأرسل الرسل لتنبئ قيصر أنه لا يمانع ~~في لقائه ما دام قد اقترب أحدهما من الآخر وأصبح ~~اللقاء ميسورا بغير التعرض للخطر. وانعقد المؤتمر ~~ولكنه لم يؤد إلى نهاية موفقة، لأن «أريوفستوس» ~~طالب الرومان بالانسحاب من بلاد الغال، ثم سلك نحو ~~الرومان سلوكا ينم عن عداء شديد انتهى آخر الأمر ~~بالقتال، ووقعت بين الفريقين وقعة على بعد خمسين ~~ميلا من الرين، فدبت الفوضى في صفوف الألمان ~~وفروا نحو النهر هاربين، فعبر منهم من عبر، وقتل ~~الباقون أثناء الفرار. وهكذا أتيح لقيصر أن يفرغ في ~~حملة واحدة من حربين كانتا من أهم حروبه، فقاد ~~الجيش بعدئذ إلى مرابض الشتاء ... أمر قيصر أن يبنى ms0180 ~~من السفن أكبر عدد يمكن بناؤه أثناء الشتاء، وأن ~~يصلح من السفن الموجودة قديمها؛ فبنيت ستمائة من ~~الناقلات وستون سفينة حربية. وبعد أن فض قيصر ما ~~كان بين رؤساء الغال من نزاع، قصد إلى ميناء «إتيوس» # 17 # يصحبه جنوده، واستصحب عددا كبيرا من ~~أعظم رؤساء الغاليين ليكونوا في قبضته رهينة، ~~وليحتفظ بهم أثناء حملته المقبلة على بريطانيا، ~~خشية أن يثيروا في غيبته اضطرابا في بلاد الغال. ~~ولما عبر قيصر إلى الشاطئ البريطاني وأنزل جنوده ~~في مكان ملائم، تقدم نحو اثني عشر ميلا، ورد ~~كل هجمة قام بها فرسان العدو وراكبو العجلات، ثم ~~سار على رأس جيشه نحو نهر التيمز مخترقا ملك «كاسيفلونس»، # 18 # وكان التيمز لا يستطاع خوضه إلا من ~~مكان واحد، وهنا حدثت مناوشات انتهت بمقاتلة ~~البريطانيين. وقد أرسل «كاسيفلونس» رسله إلى أربعة ~~الملوك الذين كانوا يحكمون «كنت» # 19 # والأقاليم المتاخمة للبحر ... يأمرهم أن ~~يحشدوا كل قوتهم ليهجموا على المعسكر البحري، وانتصر ~~الرومان في الموقعة التي نشبت بعدئذ، فلما سمع ~~«كاسيفلونس» نبأ الكارثة، أرسل سفراءه إلى قيصر ~~يفاوضونه في أمر التسليم. ولما كان قيصر قد اعتزم ~~أن يقضي الشتاء في أوروبا للثورات المفاجئة التي ~~اشتعلت في بلاد الغال، طلب عددا من الرهائن، وحدد ~~جزية يدفعها البريطانيون كل عام للشعب الروماني ~~... # وكان يعاصر قيصر ويناصره مؤرخ آخر، لعله أول من أرخ ~~للرومان في حياد، ينظر إلى الحوادث نظرة موضوعية، وهو «سالست» # 20 # الذي أثراه أن كان حاكما على «نوميديا» # 21 # وهي إقليم في أفريقيا تابع لروما؛ فلما مات ~~قيصر عام 44ق.م. اعتزل «سالست» منصبه وأوى إلى داره في أرض ~~الوطن حيث عاش عيش العلماء في هدوء البحث، وهو مؤرخ صائب ~~الحكم، استخدم أعوانه يدرسون له الوثائق ويقاربونها فيبني ~~حكمه على دراستهم، وكان فوق ذلك كاتبا فنانا يعرف كيف ~~يصوغ قصته في أسلوب شائق، وقد بقي لنا من مؤلفاته كتابان ~~كاملان هما «مؤامرة كاتلين» # 22 # و«تاريخ الحرب بين الرومانيين وملك نوميديا»، ~~فكأنما تتعاون كتب قيصر وسالست على تصوير روما: كيف نشرت ms0181 ~~سلطانها؛ فقيصر يروي كيف امتدت سيادتها في الشمال، وسالست ~~يقص علينا كيف اتسعت رقعتها في الجنوب. وفيما يلي مثال من ~~كتاب «كاتلين» الذي يصف فيه وصفا ضافيا مؤامرة دبرها ~~كاتلين سنة 63ق.م. لقلب الحكم في روما. ~~«إني أضع المواهب العقلية للإنسان في منزلة أعلى من ~~الخصائص الجسدية، وقد استهواني عمل المؤرخ لأنه يشحذ ~~مواهب الكاتب إلى أقصى الحدود، وكانت المطامع الشخصية قد ~~اجتذبتني بادئ الأمر إلى خوض المعترك السياسي، لكن جو ~~السياسة بما يملؤه من ضعة وفساد كان يتنافر مع طبعي، فاعتزمت ~~اعتزاله، لأخصص نفسي لإخراج سلسلة في البحوث التاريخية ~~التي وجدت نفسي أشد ملاءمة لها؛ إذ تحررت من المؤثرات ~~التي تلون وجهة نظر المتحزب السياسي، وقد اخترت مؤامرة ~~كاتلين لتكون أول حلقة من مباحثي. # كان «لوسيوس كاتلينا» # 23 ~~[وهو معروف باسم كاتلين] شريف النسب موهوبا، ذا ~~بسطة في العلم والجسم على خير ما يوهب الإنسان، ولكنه كان ~~غاليا في فجوره قوي الاحتمال إلى درجة الشذوذ مستهترا، ~~ماكرا متعدد الجوانب، أستاذا في فنون الخداع، مقترا ~~ومسرفا في آن معا، ذا عاطفة محتدمة لا تشكمها الشكائم، ~~حاضر البديهة لكنه لم يوهب من البصيرة النافذة إلا قليلا. ~~وكان متطرفا في مطامعه حتى لا سبيل إلى إشباعها، يتحرق ~~شوقا أن يبسط سلطانه على الدولة، بعد أن انقضت سيادة «سالا»، # 24 # لا يعبأ بالوسائل لبلوغ غايته. ولما كان بطبعه ~~شديد المراس فقد شجعه على المضي في سبيله شهوة المال ~~وإحساسه بما يقترف من آثام، والانحلال الخلقي في مجتمع ~~ساده الترف والشره جنبا إلى جنب. وسرعان ما اجتذب ~~كاتلين إلى عصبته أشرس الناس وأشدهم استهتارا وأكثرهم ~~إسرافا، وأمعنهم في الإجرام، فمن لم يكن من هؤلاء قد بلغ ~~منه الفساد أقصاه فمثل هذه العصبة كانت خليقة أن تفسده ~~بتأثير زعيمها المضلل المشئوم؛ فإن هذا الرجل لم يتورع في ~~سبيل مفاسده أن يقتل ابنه، ولم يتردد أن يستحث أتباعه ~~إلى اقتراف الجرائم بكافة صنوفها. وبمثل هؤلاء الأصدقاء، ~~وبمساعدة جيش «سالا» المنحل الذي كانت تحتشد جموعه في ~~إيطاليا، ms0182 طمع كاتلين في قلب الدولة الرومانية بينما كانت ~~جيوشها مغتربة في القتال تحت قيادة «بومبيوس»، # 25 # وكانت خطوته الأولى أن يضمن انتخابه قنصلا، وقد ~~فشلت إحدى مؤامراته لأنه هو نفسه قد تحرك للعمل قبل سنوح ~~الفرصة الملائمة، لكن المتآمرين لم يلحقهم أذى. وكانت ~~عصبة كاتلين عندئذ قد ضمت أعضاء من أعرق الأسر ومن ~~مرتبة الفرسان، بل إن «كراسوس» # 26 # نفسه - فيما يظن - قد ساهم في المؤامرة لما ~~بينه وبين «بومبيوس» من تنافس، وألقى «كاتلين» في جمعية ~~المتآمرين خطابا يحرك كوامن الضغينة في النفوس، فحث ~~هؤلاء الذين نبذهم المجتمع أن يثوروا على البلوتقراطية # 27 # المتكبرة، التي أسمنتها ثروة جمعت من ~~أسوأ السبل، والتي كان للسامعين حق فيها لا يقل عن حق ~~مغتصبيها، ووعدهم أن يلغي الديون كلها، وأن يخضع الأثرياء ~~لأحكام القانون من نفي وإعدام، وأن يعمم تطبيق القاعدة ~~القائلة بأن «من قتل قتيلا فله سلبه.» وذكرهم بأن له ~~أصدقاء في مراكز القيادة من جيوش إسبانيا وموريتانيا، # 28 # وأنه لو وفق أنطونيوس # 29 # في انتخابه قنصلا ثانيا معه لضمن ~~تعاونه. # ذلك هو ملخص خطابه، ولكني لا أصدق الخرافة الشائعة ~~بأن المتآمرين قد تعاهدوا في إناء ملئ خمرا ممزوجا ~~بالدماء. لكن أنباء المؤامرة أخذت تتسرب على لسان امرأة ~~تدعى «فولفيا» # 30 # كانت خليلة «لكونتوس كبوريو» # 31 # الذي كان قد طرد من مجلس الشيوخ لما ارتكبه ~~من ألوان العسف، وربما كان ذلك حافزا لكثير من الأشراف أن ~~يؤيدوا شيشرون لمنصب القنصلية، مع أنهم لولا ذلك لعارضوا ~~شيشرون من الوجهة الدينية لما عرف عنه من حرية الرأي؛ ~~ونتيجة هذا أن فشلت مساعي كاتلين من أجل القنصلية، وأن تم ~~انتخاب شيشرون قنصلا وإلى جانبه أنطونيوس قنصلا ثانيا. ~~ولما رأى شيشرون آخر الأمر أن بذور الثورة تنتشر في كل ~~مكان إلى حد لا تكفي لكبحها القوانين العادية، فقد ظفر من ~~مجلس الشيوخ بسلطة استثنائية يحكم بها الأمة كما تحكم في ~~حالة الطوارئ المفاجئة، وكان للمجلس حق دستوري في أن يمنحه ~~مثل هذه السلطة، فلما جاءت الأنباء ms0183 بأن «مانليوس» # 32 # وهو من أتباع كاتلين، قد شق عصا الطاعة في «إتروريا» # 33 # على رأس قوة مسلحة، اتخذ على الفور تدبيرا ~~إداريا، وبعث بقوات حربية كافية إلى أرجاء البلاد جميعا. ~~أما كاتلين نفسه فلم يفعل شيئا في العلن، وحضر إلى مجلس ~~الشيوخ فهاجمه شيشرون على الملأ، فلما أجابه بألفاظ السباب ~~قوطع بصيحات مستنكرة، فاندفع خارج المجلس وهو يصيح: «ما ~~دمت محاطا بالأعداء منبوذا، فإن النار التي أشعلتموها ~~حولي لن ينطفئ لهيبها إلا بدمائكم.» وأدرك أن التلكؤ قد ~~يقضي عليه، فقصد من فوره إلى معسكر «مانليوس» تاركا وراءه «سيثيجوس» # 34 # و«لنتيوس» # 35 # يشعلان الفتنة في روما. وأرسل خطابات إلى كثير ~~من ذوي المناصب العليا يعلن فيها أنه سيعتزل في مرسيليا، ~~ولكنه بعث برسالة تختلف وما ورد في الخطابات، إلى رجل ظن ~~خاطئا أنه موضع ثقته هو «كاتالس» # 36 # الذي بادر إلى تلاوة الرسالة في مجلس الشيوخ، ثم ~~علم فيما بعد أن كاتلين قد اتخذ لنفسه حقوق القنصل واتصل ~~بمانليوس، وعندئذ أعلن أنه خائن مارق على أمته، وفرضت ~~ضريبة على الشعب، وعين أنطونبوس قائدا في حومة القتال، ~~وبقي شيشرون في العاصمة لتصريف الأمور ...» # في جيل واحد شهدت روما من كتاب النثر قيصر وشيشرون ~~وسالست. وفي الجيل الذي تلاه، دخلت المسيحية روما وأصبحت ~~الإمبراطورية الرومانية هي العالم يحكمها قياصرة ذوو فخامة ~~وجلال. وأول هؤلاء «أوغسطس» # 37 # حتى سمي العصر الأدبي عندئذ بالعصر ~~الأوغسطي، كما يسمى العصر الذي شهد شيكسبير في إنجلترا ~~بعصر أليصابات. في ذلك العصر الأوغسطي الزاهر كان في طليعة ~~المؤرخين، وعلى رأس كتاب اللاتينية الناثرين «ليفي» # 38 # الذي حاول أن يدون قصة روما كاملة منذ نشأت ~~حتى عصره في مؤلف عنوانه «كتب في التاريخ منذ أسست ~~المدينة»، ولكن لم يبق من كتابته سوى ربعها. فكان هذا القليل ~~الباقي كفيلا وحده أن يضعه في الصف الأول من رواة ~~التاريخ، وذلك بإجماع الآراء من مؤرخي العصر الحديث؛ فهو ~~لروما كاتب ملحمتها النثرية الكبرى كما كان «فرجيل» كاتب ~~ملحمتها شعرا، وإن لنثره نفحة ms0184 قوية من الشعر؛ فروما في ~~العصر السابق للمسيح لا تحيا على صفحات التاريخ إلا في هذه ~~الصورة التي رسمها «ليفي»، فكأنما هو خالقها أو على الأصح هو ~~باعثها وناشرها من كتب المؤرخين السابقين. كان «ليفي» ~~ينظر إلى عصره نظرة المتشائم، شأنه في ذلك شأن كثير من ~~الفلاسفة والمؤرخين، فتلفت إلى الوراء يرنو إلى تاريخ ~~أمته في مجدها الماضي بعين ملؤها الحسرة على سؤدد قديم ~~يتهدم. وليس ذلك بعجيب من رجل ولد مؤرخا، فمن لم يفتنه ~~ماضي أمته لم تهيئه الطبيعة أن يكون مؤرخا لها. ~~وهكذا كان «ليفي» مؤرخا موهوبا مثل من سبقه من المؤرخين، ~~ووضع الأساس لكل من جاء بعده يريد أن يؤرخ لروما. # وفي النصف الثاني من القرن الأول بعد ميلاد المسيح، وفي ~~أوائل القرن الثاني، جاء «تاسيت» # 39 # ثالث الأعلام من مؤرخي اللاتين وكتابه «جرمانيا» ~~أول رواية قصها مؤرخ عن التيوتون الأوائل الذين عاشوا منذ ~~ألفي عام؛ فقد أعجب «تاسيت» - كما أعجب قيصر - بهؤلاء القوم ~~الذين كانوا في نظر المثقفين من الرومان شعبا بدائيا من ~~الهمج المتوحشين، ولكن كان من عوامل سيادة الرومان أنهم ~~على ما أظهروا من قسوة وبطش بغيرهم من الشعوب والقبائل، كانت ~~لا تعميهم الأنانية عما لها من حسنات فيزنونها بميزان ~~فيه شيء من العدل والإنصاف. ولعل «تاسيت» حين أشاد بفضائل ~~تلك القبائل الجرمانية في بساطتهم وشهامتهم أراد بذلك أن يلقي ~~درسا على جماعة الرومان الذين أفسدهم الترف والإسراف. ~~اقرأ له هذه القطعة الوصفية ~~نقتبسها من كتاب ~~«جرمانيا» يعرض فيها على بني وطنه صورة من الحياة بين ~~القبائل الآرية تفضل ما ألفوه: «إن رباط الزوجية بينهم ~~صارم وشديد، وليس في أخلاقهم ما هو أجدر منه بالثناء؛ فإنهم ~~يكادون يتفردون بين البرابرة بالاكتفاء بزوجة واحدة مع ~~استثناء نفر قليل منهم يعددون الزوجات، لا عن إغراق في ~~الشهوة، ولكن بقصد التحالف الذي يطلب إليهم أن يعقدوه، ~~لما لهم في قومهم من مكانة ممتازة، ولا تمهر الزوجة ~~زوجها بل يمهر الزوج زوجته، ويجتمع الآباء والأقرباء ~~ليبدوا علائم الرضا ms0185 بما قدم للزوجة من هدايا، وإنها ~~لهدايا لا تختار لتشبع أذواق النساء أو تستخدم في زينة ~~العروس، ولكنها ثيرة وخيول مطهمة ودروع وحراب وسيوف، فتلك ~~هي الوسائل لخطبة الزوجة التي تقدم أيضا الهدايا إلى ~~زوجها مؤلفة من صنوف السلاح؛ فذلك في رأيهم أدوم ما يربط ~~بين الزوجين، وفيه كل أسرار التقديس وشعائر الدين. ولكيلا ~~تظن أن الزوجة معفاة مما تفرضه عهود الشدة من جهود، أو ~~مستثناة من أخطار الحروب، فإنها تقسم يوم الاحتفال بزواجها ~~أنها إنما جاءت إلى زوجها لتشاركه كدح العمل وأهوال الخطر، ~~وتقاسمه النعمة والنقمة في السلم والحرب ... هكذا تحيا وهكذا ~~تموت، فقد ورثت ما لا بد أن تورثه أبناءها مصونا كريما ~~...» # وكذلك دون «تاسيت» تاريخ عصره وبقي لنا من كتابه هذا جزء ~~كبير هو أساس علمنا بالقياصرة الأولين. وإن عبقرية ~~«تاسيت» لتبدو على أوضحها وأجلاها في قدرته على تصوير الأشخاص ~~وفي أسلوبه الذي يمتاز بالإيجاز المحكم، وهو فيما كتب ~~أخلاقي صارم، يعرض لقارئه آثام الأباطرة لا يخفي منها ~~شيئا، ولكنه رغم ذلك يؤمن بالإمبراطورية الرومانية ويمجد ~~الخلق الروماني لأن الفضيلة قلبه وصميمه، فتاسيت - ~~كسائر المؤرخين القدماء - كاتب أخلاقي وطني فنان، وتلك روح لا ~~نزال نلمسها في المؤرخين المحدثين حتى أولئك الذين يصرون ~~على أن تكون دراسة التاريخ موضوعية محايدة تعتمد على ~~الوثائق وحدها، وعلى البحث عن الحق وحده؛ فليس للمؤرخ - ~~فيما يبدو - بد من أن يكون كذلك. على أن قراء هذا ~~العصر لا يطالعون تاريخ روما في تلك الأصول اللاتينية التي ~~ذكرناها، بل يطالعونه فيما كتب المؤرخون المحدثون الذين ~~درسوا هذه الأصول واعتصروها في اللغات الحديثة، وأولاهم ~~بالذكر هو «إدورد جيبون» # 40 # الذي يعد كتابه «تدهور الإمبراطورية الرومانية ~~وسقوطها» آية في الأدب الإنجليزي. ~~(2) شعر الملاحم في اللاتينية # كان مطمح الأدباء ~~الرومان أن ينشئوا أدبا يوازي في عظمته ما أنشأته اليونان، ~~فذلك ما أملاه عليهم الطموح في الفن وأوحاه إليهم حب الوطن. ~~ولئن فاتهم أن يحققوا هذا الأمل في الروايات المسرحية، فقد ~~أوشكوا أن يحققوه في الشعر على ms0186 يدي شاعر اللاتين الأكبر ~~«فرجيل» (70-19ق.م.) الذي ظل الأوربيون قرونا يطلقون عليه ~~اسم «الشاعر» كما كانوا يطلقون على أرسطو اسم «الفيلسوف». وما ~~أسرع ما أحاطه الأوربيون في القرون الوسطى بهالة من ~~التقديس، كأنما هو رسول من رسل المسيحية، وظنوا به السحر ~~وألفوا حوله الأساطير. واتخذه «دانتي» في القرن الثالث عشر ~~مرشدا وهاديا ودليلا؛ فهو شاعر الرومان غير منازع، وواحد ~~من أئمة الشعر في العالم لو عددت منهم خمسة أو ستة تضعهم ~~من قافلة الشعر في الطليعة ومكان القيادة. وأول ما أنشده ~~فرجيل من خالد الشعر «أناشيد الرعاة» وعددها عشرة، يصف ~~بها حياة الرعاة في الريف وما يدور بينهم من أساطير، يحاكي ~~بها شعر ثيوقريطس في اليونانية، ولكنها مترعة بحب فرجيل ~~للطبيعة، ومليئة بنفحات الحقول في شمال إيطاليا حيث أقام ~~الشاعر. وإن هذه «الأشعار الريفية» لكافية وحدها أن تجعل ~~من فرجيل شاعرا قوميا لإيطاليا القديمة وإيطاليا الحديثة ~~على السواء، وهل تغيرت مناظر الريف في إيطاليا أو تغير ~~فيها الربيع؟ ولقد أحس فرجيل بجمال الريف في الربيع على ~~نحو لم يتوافر لشاعر إيطالي سواه، فمتى كتب الشاعر هذه ~~الأناشيد؟ كتبها في صدر الشباب، وكانت الغابة التي يملكها ~~أبوه أول ما شهدت عيناه. فلما شب وغشي روما، ذهب إلى ~~المحكمة يدافع عن قضية أمام القضاء فالتاث عليه القول ~~وتعثر منه اللسان، فعرف أنه لم يخلق لذاك. ثم أراد أن ~~يكتب تاريخا لروما، ولكنه وجد نفسه جاهلا بروما وتاريخها، ~~فأدرك أنه لم يخلق لهذا أيضا، فأدار عينيه نحو الريف ~~الذي نشأ بين أعشابه وأشجاره ورعاته، فكان أن أخرج هذه ~~المجموعة من الأناشيد، وكان الإمبراطور قد أخذ يقسم الحقول ~~والمزارع بين أتباعه، فوقعت مزرعة فرجيل التي ورثها عن ~~أبيه نصيبا لضابط فظ غليظ، ولكن رجلا من حاشية ~~الإمبراطور كان قد قرأ «أناشيد الرعاة»، وطرب لها، فتوسل ~~إلى الإمبراطور أن يرد للشاعر أرضه المنزوعة. وهنا تقرأ ~~لفرجيل شعرا جميلا يصف كيف دار الحوار بين الضابط وبين من ~~ذهب ليسترد المزرعة: # صاح الضابط في نغمة جافية # عني ms0187 أيها الأوغاد فارحلوا. # فأجاب ليسداس # 41 # صديق الشاعر: # اللهم رحماك! كيف أباح الغضب الهائج # لابن إله الحرب في سورته أن ينال من إلهة ~~الشعر؟ # من ذا إذن يغني عرائس الجن، ومن ذا ينشر ~~الظلال الخضر فوق ينابيع المياه؟ # وإن قصة لتروى عن نشيد من هذه «الأناشيد ~~الريفية»، وهي تافهة في ظاهرها، ولكنها هامة في تاريخ ~~الأدب لأنها تعلل هذا الإكبار الذي قوبل به فرجيل عند رجال ~~الكنيسة في العصور الوسطى؛ فقد روى الشاعر في هذا النشيد ~~رواية غامضة عن طفل يولد فينشر السلام في الأرض، ففسرها ~~المسيحيون بأنها نبوءة لقدوم المسيح. على أن الأشعار الريفية ~~مهما بلغت من حلاوة وطلاوة، لم تكن سوى تدريب أدبي يمهد ~~الشاعر نفسه به لمجموعة أشعاره الثانية وهي: «أشعار الحقول» # 42 ~~- وتقع في أربعة كتب - هذه الأراجيز هي شعر ~~الطبيعة بكل صفاته وخصائصه؛ هي أنشودة الفلاح حين يحرث الأرض، ~~ويفلح الزرع ويرعى الماشية، ولعل «ميسناس» # 43 # وزير أوغسطس وحامي الأدب ومشجعه، هو الذي أراد ~~أن يحمل على الذين هجروا الريف إلى المدينة، فاتفق مع الشاعر ~~أن ينشئ هذه المجموعة من الشعر تدور كلها حول الزراعة، حتى ~~لتعد كتابا نادرا في أصول الزراعة، زراعة الكرم والزيتون ~~وأشجار الفاكهة. وقد ترجمها الشاعر الإنجليزي العظيم «دريدن» # 44 # إلى الإنجليزية شعرا جميلا هو خير عوض لمن لم ~~يظفر بالأصل في لاتينيته. وهاك مثالا من هذه القصائد: # جاء الربيع فزين الغاب وجدد الورق، # وتفتحت أرحام الأرض تستقبل البذور، # فهبط عندئذ كبير الآلهة من عليائه ليدفق # في عروسه الفتية رذاذا مثمرا # وخالطت أعضاؤه أعضاءها، # فطعم صغار النبت عصيرا كريما، وازدهرت في ~~رعاية الله أعشاب متزاحمة، # وأخذت الأطيار المرحة تؤم الغاب المنعزل # وأخذ الحيوان - وقد مسته الطبيعة - يعيد ~~ألوان الحب والغزل. # وبعد «أشعار الحقول» أنشد الشاعر ملحمته ~~الكبرى «الإنيادة». # 45 # وهي تقع في اثني عشر كتابا، أنشئت الستة الأولى ~~منها على مثال الأوذيسية لهوميروس، وفيها يقص الشاعر ~~مغامرات بطله إينياس بعد أن دمر الإغريق مدينته طروادة، ~~وقد دمر إينياس في أسفاره على ms0188 قرطاجنة، وكان ما كان من حب ~~بينه وبين ملكتها «ديدو» مما سيأتي ذكره بعد، وزار العالم ~~السفلي ليلتقي بروح أبيه أنشيز في جنة الخلد. أما الستة ~~الكتب الأخرى من الملحمة فقد جاءت على غرار الإلياذة في أنها ~~تدور كلها حول الحروب التي شنها إينياس ليبسط سلطانه على ~~مملكة أرادت له الآلهة أن يكون حاكمها - وهي إيطاليا - وقد ~~أراد فرجيل بالإنيادة أن تكون واجبا يؤديه نحو وطنه ~~العزيز، وأن يمجد بها إمبراطوره أوغسطس؛ أليس أوغسطس بعيدا ~~عن مستوى البشر قريبا من مرتبة الآلهة؟ إذن لا بد أن يكون ~~سليل أسرة إلهية مقدسة، وما دام أوغسطس على هذا الجمال ~~الفاتن في تكوينه وخلقه، فمن ذا عسى أن يكون جده الأكبر ~~وأصله الأول؟ لا بد أن يكون الأمير سليل «فينوس» إلهة ~~الجمال، وفينوس كانت قد أيدت طروادة ضد «أثينا» التي ~~ناصرت اليونان في ذلك القتال القديم الذي نشب بين الشعبين؛ ~~وإذن فلا ريب أن أهل طروادة هم أسلاف الرومان. هذا هو الأساس ~~الذي أقام عليه فرجيل ملحمته «الإنيادة»، ولكن كيف تم ~~لهؤلاء الطرواديين القدامى أن يغادروا أرضهم إلى روما ~~فينسلوا أبناءهم الرومان؟ إن «أنشيز» # 46 ~~- وهو من أسرة طروادية عريقة - قد اتصل إبان ~~شبابه وجماله بفينوس؛ فأثمر الاتصال بينهما «إينياس»، # 47 # وهو الذي رحل إلى روما مع أتباع وأشياء، فكان هذا ~~الأمير الإلهي الجليل جدا أكبر لأوغسطس العظيم. # وتخطئ في حق الشاعر لو صورت لنفسك الإنيادة قصيدة ~~مدح تقدم بها إلى الإمبراطور ليلقى منه جزاء حسنا على ~~ما أنشد، لأن فرجيل كان عندئذ قد ضخمت ثروته وقوي ~~تأثيره على الإمبراطور، وإنما أنشدها فرجيل شعرا بسيطا ~~جميلا يشيد فيه بمجد الرومان، ويمتع قارئه لا أكثر ولا ~~أقل. والعجيب في الأمر أنه حين فرغ من قرض ملحمته أخذه ~~الحياء والخجل، أو قل كان من الشك في قيمة شعره بحيث ~~لبث أعواما لا يعرض قصيدته على أوغسطس، وأخذ الإمبراطور ~~يرجو ثم يرجو ثم أخذ يعد ثم يتوعد، حتى أطلعه ~~الشاعر على ما أنشد. ومن لطيف ما ms0189 يروى أن فرجيل وهو يقرأ ~~الملحمة أمام الإمبراطور وزوجته الإمبراطورة أوكتافيا # 48 # قد أثر في قلب الإمبراطورة حين ورد في القصيدة ~~ذكر ابنها، فسقطت في إغماء لم تفق منه إلا بعد عسر ~~ومشقة، ولقد قال في الإنيادة إذ ذاك شاعر: # أذعنوا يا كتاب الرومان، وأمسكوا أيها ~~اليونان! # إن هذا الرجل لينطق بشعر أين منه شعر ~~هوميروس. # لكن «فرجيل» أحس في قصيدته نقصا شديدا، ~~وأثار ثائرته نقد النقاد بأنه سارق سطا على هوميروس، ~~فصمم أن يهجر روما إلى أرض اليونان وآسيا الصغرى حيث يقيم ~~ثلاث سنوات يصقل أشعاره ويزيل عنها كل أثر لسلفه ~~الضرير، لكنه وهو في طريقه قابل أوغسطس في أثينا، وألح ~~أوغسطس أن يرافق الشاعر في مسيره، وفعلا صحبه إلى ميغارا، # 49 # وهنالك لفحته حرارة الشمس فأصابته الحمى ~~ومات في عامه الثالث والخمسين. # ليس الشعراء إلا بشرا؛ ولكن لو صدق خيال الإنسان فيهم وكان ~~لهم وحي وإلهام، لما وجدنا عبارة نصف بها فرجيل خيرا ~~من عبارة أجراها في ملحمته على لسان «ديدو» # 50 # تقولها لحبيبها «إينياس»: «إني أؤمن أن دماء ~~الآلهة تجري في عروقه.» وهاك خلاصة لهذا الأثر الأدبي ~~الجليل. ~~(2-1) كيف وفد إينياس الطروادي على قرطاجنة # قرطاجنة، تلك المدينة القديمة التي بناها المهاجرون ~~النازحون من صور. # 51 # تواجه إيطاليا ومصب التيبر # على مبعدة، عبر العباب؛ تلك المدينة الغنية ~~بمالها، # المقدامة في حومات قتالها # قد فضلتها «جونو» # 52 # على سائر البلدان # ورسمت لها خطة، إن شاء القدر، # أن تجعل منها سيدة العالمين، # ولكن علمت «جونو» أن قبيلا من أنسال ~~طروادة، # كتب له أن يدك من أرض «صور» ~~قلاعها، # وينشر فوق الأرض سلطانا، ثم يخطو في ازدهاء ~~الظافرين، # ويورد أرض ليبيا حتفها ودمارها. بهذا جرى ~~حكم القدر! # فارتاعت لذلك جونو، واستعادت ما مضى من ~~قتال # حمي وطيسه عند طروادة من أجل اليونان، وهم ~~أحبابها، ~~... # فجاهدت الإلهة أن تكون في الطريق إلى أرض ~~اللاتين سدا منيعا، # فتحول دون أولئك الطرواديين الذين سلمت ~~جلودهم من سيف الإغريق، # ومن عنف أخيل، فتعرضهم لأهوال ms0190 ~~البحار. # وهكذا لبث الطرواديون أعواما وأعواما، # يجوسون خلال البحار هائمين في مهب ~~القدر؛ # فيا له من جهد كابدوه لينشئوا شعب ~~الرومان! # لم يكد هؤلاء الطرواديون الهاربون - ~~إينياس وأتباعه - يقلعون بسفنهم من صقلية بعد تجوال ~~طويل، حتى أصرت جونو أن تمضي في عنادها وأن تصب ~~عليهم نقمتها؛ فذهبت من فورها إلى «أيولس» # 53 # ملك الرياح، والتقت به في جبه المخيف ~~الموحش، وتوسلت إليه أن يثير عاصفة هوجاء تذهب ~~بأولئك المناكيد إلى أغوار الماء. # فسدد رمحه وضرب به جنب الجبل، # فأوغل، وانبثقت رياح كأنها الفرسان إلى أرض ~~الوغى اندفعت. # خرجت من مكان الطعن تجتاح الأرض ~~اجتياحا، # وانقضت على اليم فنفذت إلى أعمق ~~الأعماق؛ # ترجها بريح من شرق وريح من جنوب، # وأخذت الأمواج المخيفة نحو الشط ~~زحفها، # فملأ الجو صياح الرجال وصرير الحبال، # وسرعان ما حجب الغمام عن أعين الناظرين # زرقة السماء وضوء النهار، # وجثم على صدر البحر ليل قاتم محزون. # ثم انشقت السماء عن لمحات من البرق ~~خاطفات، # فلمعت بضوئها وأنذرت رواد البحر بموت ~~قريب. # ويلقى بعض الراحلين حتوفهم في تلك العواصف الهوجاء، ~~ولكن «نبتون» # 54 # لا يلبث أن يسكت الريح، وينحو باللائمة ~~على تلك الرياح التي عصفت بالبحر دون أن يأذن لها وهو ~~رب البحار. وكانت سفينة إينياس قد رست فيما رسا على ~~شاطئ ليبيا بنجوة من الخطر. وهنا تنتقل الملحمة ~~بأحداثها إلى أجواز الأثير؛ حيث الإلهة حامية إينياس ~~- وهي فينوس - قد أوت تسكب من عينيها الدمع الغزير ~~حزنا على ابنها، وتصب الشكاة صبا في مسامع أبيها «جوبتر» # 55 # مما قضت به «جونو» على إينياس ورجاله من ~~أهوال وخطوب: # رباه يا من يحكم بسلطانه الأبدي # الأناسي والأرباب بقواصف رعده المخيف، # فيم أغضبك صاحبي إينياس؟ # وما الذي جناه أهل طروادة حتى أوصدت ~~- بعد ما عانوه من فوادح الكروب - # في وجوههم - هذه الدنيا العريضة بما ~~وسعت، # فحيل بينهم وبين إيطاليا لا ~~يبلغونها؟ # إني لأعلم علم اليقين أن قضاءك قد جرى ~~بأنه في مجرى السنين، # ستنجب تلك العشيرة ذلك الزعيم ~~الروماني، # الذي ستنهضه دماء ms0191 أسلافه الأمجاد، # فيحكم البحر والبر حكما غير محدود. # فيسري جوبتر عن فينوس حزنها بأن ~~يكشف لها عما قضي به في عالم الغيب، ويؤكد لها أن ~~قضاءه لم يتغير فابنها إينياس سينشئ ملكه في أرض ~~اللاتين وسيخلفه من بعده ابنه «أسكانيوس»، # 56 # فيعلو مجده وينقل مقر ملكه من حاضرة ~~أبيه «لافينوم» # 57 # إلى مكان جديد هو «ألبا لونجا»، # 58 # ثم تمضى ثلاثة قرون على ألبا لونجا قبل أن ~~ينشئ «روميلوس» # 59 ~~- سليل الطرواديين - مدينة روما، قال ~~جوبتر: # وسيطلق روميلوس اسمه على عشيرة ~~الرومان، # ولن أضع لسلطانهم قيودا أو حدودا؛ # فإني واهبهم ملكا لا تحده الأطراف، # وستخشاهم جونو التي تستبد اليوم بأرجاء الأرض ~~والسماء، # فيتبدل شعورها، وتقف إلى جانب «جوق» # من دون الرومان حارسة تحميهم وهم سادة ~~البشر. # ويمضي جوبتر فيتنبأ بالنصر يحرزه الرومان على اليونان، ~~ويختم حديثه بنبوءة عن قدوم القياصرة من أصلاب الرومان، ~~ثم تعود القصة إلى إينياس تروي أنباء رحلته، فها هو ذا ~~يجوب الأرض على مقربة من شاطئ إفريقية فيلتقي بأمه ~~الإلهة، وقد تنكرت في هيئة فتاة صائدة وتنبئه أنه إنما ~~يجوب في أرض تحكمها ملكة «صور»، واسمها «ديدو»، وقد ~~هجرت وطنها في فينيقيا بعد أن مكر أخوها «بيجماليون» # 60 # بزوجها «سيخاوس» ففتك به، وهي الآن تبني ~~حاضرة جديدة لملكها، وهي قرطاجنة، ثم تشير فينوس على ~~فتاها أن يأخذ سمته نحو قصر الملكة، وتزعم له أن بها ~~من قدرة الكشف عن الغيب ما ينبئها أن سفنا أخرى غير ~~سفينة إينياس قد بلغت الشاطئ سالمة من العطب. # ثم استدارت، فاهتز على جيدها ضياء من لون ~~الورود، # وفاحت خمائل شعرها بعبير كأنه أريج من ~~الفردوس، # وفاضت على الأرض حواشي ردائها، # فكشفت عن الإلهة الفاتنة بحسن طلعتها، # 61 # إنها أمه! فقفل إليها راجعا يصيح بها ~~هاتفا: ~~«إلهتي ما أقساك! فيم حيرة ابنك؛ # تربكينه بهذا التنكر العجيب؟ ولم لا ~~نتصافح بالأيدي، # فيسمع بعضنا من بعض ويجيب بعضنا بعضا ~~بكلام صريح؟» # فكان جوابها على قول ابنها ذاك أن ~~زملته بغمامة عجيبة تخفيه عن ms0192 الأبصار، فدنا هو ~~وصاحبه الوفي «أشاتس» # 62 ~~- متلفعا بغمامته - من مدينة الملكة ~~وصوب إليها البصر من نشز كان يرتقيه، فلم يسعه ~~إلا أن يغبط أهل قرطاجنة على هذه الحركة الدائبة فهم ~~يغدون ويروحون، في شغل يشيدون، كأنهم النحل في ~~خليته. ولما دنا «إينياس» من معبد أقيم بين عرائش ~~الأشجار، أدهشه أن يرى حروب طروادة قد صورت على ~~الجدران فيلتفت إلى زميله أشاتس ويقول: # هل تجد - أي أشاتس - من الأرض موقعا أو ~~موضعا # لا يموج بأنباء طروادة الحزينة؟ # ذلك هو «بريام »، انظر! ها هنا كذلك قد لقيت ~~الشهرة جزاءها إن العالم لتغمره الدموع: ~~ألا إن خطوب الإنسان لتهز قلب ~~الإنسان. ~~(2-2) الملكة ديدو وبلاطها # بينما كان كل شيء يبدو عجيبا للأمير ~~إينياس؛ # إذ وقف مبهوتا في دهشة عميقة. # عندئذ برزت إلى الحرم مليكة فتانة ~~الجمال؛ # هي «ديدو» تحوطها حاشية من البواسل ~~الشجعان. # وأخذت الملكة وهي متربعة على عرشها تصرف شئون ~~ملكها، وإينياس وصاحبه أشاتس يرقبانها وهما في ردائهما ~~يختفيان. وكم بلغت منهما الدهشة حين أبصرا بفريق من ~~أصحابهما في الرحلة يدنون من مجلس الملكة، وكانا قد يئسا ~~من وجودهم بين الأحياء، وها هما ذان يسمعان أولئك الرفاق ~~الذين تحطمت بهم السفين يضرعون إلى الملكة «ديدو» أن ~~تكرم لقاءهم وهم رجال إينياس، فتجيب ديدو على ~~ضراعتهم جوابا كريما: # ألا أزيحوا عن قلوبكم الخوف وانفضوا الهم ~~فلا تحزنوا! # فمن الذي لا يدري ما طروادة، وما عشيرة ~~إينياس؟ # من الذي لا يعرف الرجال وأعمال الرجال واشتعال ~~القتال؟ # كلا، إن نفوسنا نحن الفينيقيين لم تبلغ من ~~البلادة هذا الحد البعيد. # إن هذه المدينة - التي أقيمها - مدينتكم، ~~فهاتوا إلى البر # سفينكم، إن أهل طروادة وأهل صور # سيجدون في ديدو مليكة تعرف الهوى؛ # أواه! وددت لو دفعت الريح التي دفعت ~~فلككم # أميركم إينياس، إذن لكان ازدان به ~~بلاطي! # وكانت ديدو على وشك أن تنفذ رسلها ~~ليبحثوا عن إينياس، فكشف البطل عن نفسه بخروجه من ~~تلك الغمامة العجيبة التي كانت تلفه ~~لتخفيه. # وهكذا وجه للمليكة الخطاب، وفاجأ ~~الحضور ms0193 # بحديثه فبهت السامعون: «انظري! ها أنا ~~ذا؛ # أنا الرجل الذي عنه تبحثين. ها أنا ذا إينياس ~~ماثل بين يديك. # أنا سليل طروادة الذي سلم من أمواج ~~ليبية. # مولاتي! أنت يا من أحسست وحدك الرحمة نحو ~~طروادة، # فأشفقت عليها في المحنة القاسية، # وها أنت ذي تقاسميننا البلد والدار، # أيتها الملكة ديدو! لأن نجزيك على فضلك ~~الجزاء الوفاق، فذلك فوق مقدورنا، بل فوق مقدور ~~قبيلة «داردانوس» في أنحاء العالم أجمع. # فإن كان هنالك بين الأرباب من يرقب ~~الخير، # وإن كان ميزان العدل قائما ، وإن كان للشعور ~~بالحق وجود صحيح، إذن فليجزك الآلهة عما ~~فعلت خير الجزاء. # أي عصر سعيد قد أنجبك؟ حدثيني؛ # من أولئك الأسلاف الذين نسلوك رائعة ~~الجمال؟ # ما دامت جداول الماء نحو البحر دافقة، وما دامت ~~ظلال الجبال نحو الوهاد منحدرة، وما دامت ~~السماء ترعى أفلاكها، # فسيظل قلبي نابضا بذكر ديدو مادحا ~~ومكرما؛ # أينما كنت في طول البلاد وعرضها.» # فدهشت ديدو بادئ الأمر أن ترى # ذاك الأمير، ثم فكرت كم لاقي من خطوب: ~~«أنت يا من ولدتك الإلهة، أي حظ منكود ~~اقتفاك # في مغامراتك المحفوفة بالخطر؟ أي قوة # دفعت بك إلى هذا الشاطئ الموحش؟ # أأنت هو بعينه إينياس ذاك الذي ولدته ~~فينوس # وكان أنشيز الداردي له أبا؟» # وتروي الملكة ما كانت قد سمعته عن ~~الطرواديين من صديق قديم لأبيها، ثم تبسط يدها بالعطاء ~~الكريم واللقاء الحسن لإينياس ورفاقه. # وحدث أن أقامت الملكة مأدبة فاخرة، وبينا الحفل قائم ~~نهضت ديدو بين تلك الأنوار الزاهية الساطعة، وطلبت إلى ~~ضيفها أن يقص قصة الكارثة الأخيرة التي نزلت بطروادة، ~~وأن يروي عن تجواله الذي أنفق فيه سبع سنين. ~~(2-3) سقوط طروادة # حزن يخرس اللسان؛ ذلك - أي مليكتي - # ما أمرتني أن أجدده؛ تطلبين أن ~~أروي # كيف دك الإغريق من طروادة سلطانها، # وتلك المشاهد الأليمة ما وصفها، # وكان لي أن ألعب فيها دورا عظيما، أفي قصة ~~كهذه # يستطيع جندي من «الميرميديين» # 63 # أو من «الدولونيين»، # 64 # بل هل يستطيع أحد من رجال «يوليسيس» ~~القاسي القلب أن ms0194 يمسك عن سفح الدموع؟ # ها هو ذا الليل الرطيب يسارع إلى السماء ~~يغشاها، # والأنجم الزواهير تشير بإطباق الجفون، # ولكن إن كنت بأحزاننا مشغوفة، # وأردت خلاصة لآخر ما حل بطروادة من ~~خطوب، # فرغم ما ترتج به النفس من أليم ~~الذكرى، # ورغم ما يذيب النفس من الأسى، # سأروي لك ما تطلبين. # ويأخذ إينياس في شرح خدعة الحصان الخشبي ~~الذي انتقل في جوفه المحاربون الإغريق إلى مدينة طروادة ~~التي كتب عليها الدمار، ويروى عن سفك الدماء واشتعال ~~النيران في الليلة الأخيرة التي بعثت الرعب في النفوس، ~~ويتذكر إينياس وهو يروي كيف نهض من نعاسه فزعا على ~~أثر حلم مخيف شهد فيه أخاه هيكتور جثة تتقلب في ~~دمائها وتتمرغ في الرغام حين أخذ أخيل يجري بها ~~مشدودة إلى عربته: # أنهضت نفسي من نعاسي، وعلوت # من الدار سطحها، وأرهفت أذني ~~تنصتان، # فكما تنشر النار عاصفة جنونية ~~هوجاء، # فتلتهم الحصاد التهاما، وتترك الحقل ~~بلقعا، # أو كما ينحط سيل دفاق الماء من أعلى ~~الجبل، # فيغرق الحقول إغراقا، ثم يغرق الزرع ~~البهيج # الذي كدحت الثيرة في إعداده كدحا، # ثم ينساب فيقتلع الغاب ويكتسحه؛ # كما يحدث هذا فيهب الراعي غير عالم بما ~~حدث، # يهب وقد سمع فرقعة على مبعدة، # فيقف مشدوها على رأس صخرة عالية؛ # هكذا كنت ونزلت النازلة، وافتضحت خدعة ~~الإغريق، # فها هنا دار تقوضت بلهيبها، # وانعكس وهج النار على أمواه «سجيوم»، # 65 # وصاح الرجال ونفخت الأبواق، # فجن جنوني وامتشقت حسامي فما أحرها ~~شهوة # أن تجمع حفنة من الرجال وأن تخف مع الرفاق ~~إلى القلاع ... # واستحث عزمي ثورة السخط ومس ~~الجنون، # وحدثتني النفس أنه جميل أن نموت تحت ~~السلاح. # لكن كل جهد في مقاومة الأعداء كان عبثا لا ~~يغني عن المدينة شيئا. وجاء رسول ينبئ إينياس ~~أن قد ضاع كل شيء. ~~••• # ولقيت «داردانيا» # 66 # يوم حتفها # وتلك ساعة رهيبة هيهات أن يجدي في دفعها كفاح ~~الإنسان، # وذهبت ريحنا نحن الطرواديين، وقضي الأمر ~~في «إليوم» # 67 # ومجدنا ذاك العظيم # قد تحول كله - بعمل جوف الجبار - إلى قبضة ~~الإغريق، # ومدينتنا ms0195 - وهي باللهيب تستعر - بات الإغريق ~~سادتها. # وهكذا انتصر الإغريق على طروادة نصرا ~~حاسما؛ فأسرت الأميرة «كاساندرا» # 68 # وقتل الملك الشيخ «بريام»، وتظهر «فينوس» ~~لتأمر إينياس بالفرار؛ فيحمل إينياس أباه الكهل على ~~عاتقه ليخرجه من أسوار المدينة: ويتبعه ابنه «إيولس»، # 69 # لكن زوجته «كروزا» # 70 # تضل في المدينة المضطربة فلا تلحق به، ~~حتى إذا ما عاد إينياس يتفقدها ألفاها جثة ~~هامدة. ~~(2-4) مغامرات إينياس # بقي على إينياس أن يروي للملكة وسائر الحضور قصة ~~مغامراته وهو في طريقه إلى بلد أراد له القدر أن يكون ~~موطنه؛ فقد ابتنى لنفسه أسطولا وأبحر به حتى بلغ تراقيا، ~~لكن روح «بوليدورس» # 71 # المقتول رفرفت حوله منذرة إياه أن يسرع ~~فيغادر «تلك الأرض القاسية» هاربا؛ وواصل هو وصحبه السفر ~~حتى أدركوا «ديلوس» # 72 # فأشارت عليهم راعية أبولو أن يرحلوا للبحث عن ~~«أمهم الأولى»، فأخطئوا عنها الفهم وقصدوا إلى كريت، ~~وهنالك أنبئ إينياس في رؤياه أن غايتهم المنشودة تقع ~~ناحية الغرب، وهي بلد يسمى إيطاليا، فأقلع إينياس عن ~~الشاطئ الغربي لبلاد اليونان، وأرسى سفينه في «أكتيوم». # 73 # حيث أقام حفلا للألعاب، ثم أقلع ليرسو في «بوثروتوم» # 74 # حيث التقى بأرملة «هكتور» - أندروماك - التي ~~كانت قد تزوجت من «هلنيوس». # 75 # الذي أنبأ إينياس أن وطنه المقصود هو الشاطئ الغربي من ~~إيطاليا. هكذا أراد له القدر، وإلى هنالك يجب أن يشد ~~الرحال: # وأخذنا في المسير فنشرنا أجنحة القلاع، # ها نحن أولاء قد طلع علينا الفجر أحمر ~~قانيا # وعمدت أنجم السماء إلى الفرار؛ # فرأينا على بعد تلالا يكسوها الضباب، # إذ رأينا الساحل الإيطالي الوطيء، # فكان «أشاتس» أول من صاح «إيطاليا»! ~~- فردد صيحته «إيطاليا» رجالي في مرح ~~بهيج، ~~- ثم جاء أبي «أنشيز» بكأس عظيمة وبالإكليل ~~توجه، # وملأه بصافي الخمر ونادى بالآلهة # من موقفه في مؤخرة السفينة العالية: أيتها ~~الآلهة! # يا سادة البر والبحر في الصحو والعاصفة، # عبدوا لنا السبيل ولتصاحبنا أنفاسكم. # وهكذا انطلقت بهم السفن سراعا تجاه ~~صقلية، وعبروا المضيق الخطر، هنالك مروا سالمين ببركان ~~إتنة الذي يتوهج منه اللهب كأنه ms0196 الجحيم، لكن لم يلبث ~~في هذا الوضع من الرحلة أن قضى «أنشيز»، وهو خير سند ~~لإينياس فخلفه لسلسلة من العناء المضني والشقاء ~~المميت. وهنا سكت إينياس عن رواية قصته، وما بقي من ~~رحلته. ~~(2-5) مأساة ديدو # اشتعلت نار الحب في قلب ديدو، ولم تستطع كتمانه عن ~~أختها «أنا». # 76 # فنفضت لها بعض ما يضطرم في فؤادها من ~~عاطفة ملتهبة، فرأت لها أختها أن تعقد أواصر الحلف بين ~~قرطاجنة والطرواديين، وهنا يضاف إلى القصة عنصر جديد؛ ~~فإن جونو التي ما برحت تعوق إينياس وأتباعه وتحول دون ~~بلوغهم الوطن الجديد قد شرعت الآن تنسج أحبولة ~~لعدوها إينياس حتى ينثني عن غايته المنشودة من رحلته، ~~وهي إيطاليا التي اختارها الله لتكون وطنا جديدا له ~~ولأحفاده من بعده؛ فخرجت الملكة ديدو وإينياس، وبعض ~~الحاشية والأتباع في رحلة للصيد، لكن السماء لم تلبث ~~أن تجهم وجهها، واسود بالسحاب أديمها، ولمع برقها ~~وقصف رعدها، فانقطع بالملكة وحبيبها إينياس الطريق عن ~~سائر الرفاق وأويا إلى مخبأ يحتميان فيه، وهنالك في ~~ذاك المكان البعيد المنعزل أفضى الحبيب إلى حبيبه بما ~~أفضى، وعدت ديدو نفسها منذ ذلك الحين عروسا للبطل ~~الطروادي إينياس؟ فما ذاع في الناس هذا الحب الجديد حتى ~~ثارت الغيرة في قلب «آيارباس» # 77 # وهو أمير ليبي أحب ديدو، وأراد زواجها، فرفع ~~أكف الضراعة إلى ربه جوبتر يدعوه العون في محنته، ~~فاستجاب لدعائه جوبتر وبعث عطارد رسولا يأمر إينياس أن ~~يشد رحاله إلى إيطاليا وطنه الموعود؛ فلم يملك إينياس ~~أن ينبئ ديدو برحيله، ودبر مع ملاحيه أن تقلع بهم ~~الفلك في طي الكتمان. # لكن هل يمكن للحبيب أن ينخدع، لقد أحست ديدو بالمكيدة ~~تجرى من وراء ستار، وجاءتها الأنباء عن سفن تعد وخطط ~~توضع، فجن جنونها والتهب باللوعة قلبها، واندفعت على ~~وجهها هائمة تجوس خلال المدينة حتى فاجأت إينياس: # هكذا رجوت يا خائن أن تسدل على خبثك ~~الستار، # وأن تقلع عن بلادي في صمت وكتمان، # هلا أثناك عن السفر شيء؟ فلا الحب ~~أقعدك، # ولا عهود الأمس، ولا ms0197 رحمة بديدو من قضائها ~~المحتوم؟ # أمني تلوذ بالفرار يا إينياس؟ نشدتك ~~هاتيك الدموع، # نشدتك يمينا عاهدتني بها - فلم يبق منك ~~لديدو المنكودة # غير يمينك والدموع - ثم نشدتك عناق الحب، # نشدتك شعائر الزواج وقد بدأناها، # نشدتك ما أبديت نحوك من حسن اللقاء، # بل نشدتك ما سرك من جمالي، أن تشفق على ~~داري من خرابها # فإن بقي للدعاء متسع فها أنا ذا أتوسل ~~أن تبدل ما اعتزمت؛ # إنه من أجلك بات يمقتني عشائر ليبيا ~~وشيوخها، # وامتلأت قلوب الصوريين بغضا ~~ونفورا, # حدثني لمن - أيها الضيف - أنت تاركي حين ~~أموت؟ ~~«فبالضيف» لا «بالزوج» اليوم أدعوك. ~~(2-6) إينياس في العالم السفلي ثم في إيطاليا # لكن ضراعة الحبيبة لحبيبها أن يقيم في بلادها ذهبت ~~أدراج الرياح، فطعنت ديدو نفسها بسيف حبيبها. # ويستأنف إينياس رحلته نحو البلد المنشود، ويرسو على ~~الشاطئ الغربي لإيطاليا ويسارع إلى كهف «سيبيل» # 78 # حيث ينبئ الكاهنة أنه يريد الرحلة إلى ~~العالم السفلى ليرى هنالك أباه أنشيز، فتصحبه الكاهنة ~~تهديه السبيل ويهبطان معا إلى منازل الموتى وقد ~~امتلأت أرواحا وأشباحا. # ولم يكادا يبلغان ذلك العالم السفلي حتى يعبران نهر «ستكس». # 79 # ويشرف على عبورها «شارون» # 80 # النوتي الكئيب، ثم تمضي الكاهنة يتبعها ~~إينياس خلال عالم كله يأس وقنوط، تروح فيه وتغدو صنوف ~~من أشباح الموتى. وهنالك يلتقي إينياس بكثيرين من أبطال ~~طروادة ويقابل الملكة ديدو، فيرى عينيها تقدحان ~~الشرر مقتا وغيظا، ثم يبلغان «اليزيوم» # 81 # حيث يجد إينياس أباه فينبئه أبوه بما قد كتب ~~لسلالته من مجد وفخار. ~~(2-7) حروب إينياس في إيطاليا # وكان بين النبوءات التي تنبأت بها «سيبيل» لإينياس ~~قتال عنيف تراق فيه الدماء، وعروس من أجلها يلاقي ~~الطرواديون أفدح الأخطار. فلما بلغ إينياس نهر التيبر ~~آمنا، وقع ذلك موقع الرضا من ملك ذلك الإقليم «لاتينوس» # 82 # الذي وعد إينياس أن يزوجه ابنته الأميرة «لافينيا»، # 83 # لكن ملكا آخر هو «تورنوس» # 84 # كان يعتبر «لافينيا» عروسه المرتقبة، ~~فأثار نفسه ذلك الوعد الذي قطعه أبوها أن يزوجها ~~لإينياس، أضف إلى ذلك أن ms0198 الإلهة «جونو» - وهي التي ~~تناصب إينياس العداء - غضبت لهذا الحظ السعيد يصادف ~~إينياس، وأسرعت فنادت من العالم السفلي شيطان الانتقام ~~ليشعل نار القتال وينفر الملكة الوالدة من هذا الزواج ~~الموعود حتى تقف حائلا دونه، وهكذا تأهب أهل إيطاليا ~~القديمة لصراع وشيك الوقوع. # وفي هذا الموقف الخطير أشار إله النهر «تيبر» # 85 # على إينياس أن يبحر على ظهره حتى موطن ~~الملك «إفاندر» # 86 # فيحالفه على عدوه، وكانت عاصمة ملكه - ~~مدينة «بلانتيوم» # 87 ~~- قائمة في الموضع الذي أنشئت عليه روما ~~فيما بعد. وحالفه ذلك الملك وأتباعه وأصدقاؤه، كما ~~صنع له «فلكان» # 88 ~~- إله النار والحدادين - عدة حربية ~~أوصته بصنعها «فينوس». # وانتهز «تورنوس» - عدو إينياس ومنافسه - فرصة غيابه - ~~غياب إينياس - عن معسكره وحاصر جنوده الطرواديين . ~~وأخيرا عاد إينياس وفي صحبته «بالاس» # 89 ~~- وهو ابن حليفه إفاندر - لكن القتال لم ~~يكد يبدأ حتى فتك تورنوس ببالاس هذا، وثار إينياس ~~ثورة جبارة انتقاما لصديقه الصريع، فقتل من صفوف ~~أعدائه عددا من الأبطال، وكان من مؤيدي «تورنوس» امرأة ~~فارسة تدعى «كاملا» # 90 # كان أبوها قد وهبها قربانا لإلهة الصيد «ديانا»، # 91 # فنشأت في الغابات نشأة جعلت منها محاربة ~~ماهرة شديدة الفتك بعدوها؛ فأبدت هذه الفارسة وأتباعها ~~مهارة في القتال تستوقف الأنظار لكنها أصيبت آخر الأمر ~~بضربة قاتلة. # ولم يكد يبلغ تورنوس نبأ موت هذه الفارسة حتى خارت ~~عزيمته وبدأ الحظ يبسم لإينياس، والتقى هو وعدوه تورنوس ~~في مبارزة حامية. وبينما هما في حر القتال إذا بتورنوس ~~تغشاه موجة عجيبة من النوم تذهب منه اليقظة والوعي ويعجز ~~عن قذف الصخرة الضخمة التي رفعها ليضرب بها عدوه. وهكذا ~~أرداه القدر ووقع فريسة باردة لإينياس الذي أعمل فيه ~~الرمح فأهواه على الأرض طريحا، وتم له النصر. وأنشأ ~~إينياس لنفسه مدينة ذهبت بذكرها الأساطير وهي مدينة ~~«روما» وحول تلك المدينة نشأت الأساطير التي تروى عن ~~نشأتها فيما بعد. ~~(3) الشعر المسرحي والفلسفي والغنائي عند الرومان # أخذ الرومان عن اليونان كل صور الأدب على اختلاف ألوانها، ~~ولكنهم كانوا في المسرحية أشد اعتمادا ms0199 على اليونان وأكثر ~~تقليدا، حيث جاءت الروايات اللاتينية وكأنما هي روايات ~~يونانية فيها شيء من التعديل والتبديل. ومما يستوقف النظر في ~~تاريخ الأدب أن كتاب الرواية المسرحية - ولا نستثني من ~~ذلك أعلامهم النوابغ - كانوا أكثر من سائر الكتاب استعارة ~~من إنتاج السابقين، كأنما أبيحت السرقة الأدبية في هذا النوع ~~من الأدب؛ فهذان موليير وشيكسبير ومعاصروهما قد استعاروا من ~~الأقدمين شيئا كثيرا، وهؤلاء كتاب المسرحية في الأمم ~~الحديثة ينقل بعضهم عن بعض، معترفين بهذا النقل تارة ~~ومنكرين له طورا. # وأول من نذكر من كتاب المسرحية اللاتينية، اثنان من أصحاب ~~الملهاة (الكوميديا) هما: «بلوتس» # 92 # و«ترنس». # 93 # ولو أنه من العسير علينا أن نقرر كم بلغت ~~الملهاة القديمة - يونانية كانت أو رومانية - من التوفيق في ~~إثارة الضحك عند النظارة، وكم كانت صادقة في تصوير الحياة ~~عندئذ؛ لأن الفكاهة - وبخاصة حين تصطبغ بلون محلي ~~معين - أثر أدبي سرعان ما يفنى؛ فلا تحسب القارئ الحديث - ~~مهما بلغت دراسته للآداب القديمة من دقة وعمق - بقادر على ~~أن يستمرئ فكاهة «بلوتس» و«ترنس» حتى تهتز لها ~~جوانبه. أخذ «بلوتس» كثيرا من آرائه من الملهاة اليونانية، ~~ومن ملاهي «مناندر» على وجه أخص، وكان كثير من هذه ~~الملاهي قد بددته يد الزمن، فجاء «بلوتس» وأظهرنا بما ~~كتب وما استعار على شيء منها. ولما كان كتاب المسرحية ~~الأوروبيون فيما بعد - الفرنسيون منهم والإيطاليون والإنجليز - ~~أخذوا قصصهم من هذا الكاتب اللاتيني، فقد اكتسب شهرة لم يكن ~~ليظفر بها من آثاره الأدبية وحدها. # ثم جاء بعده «ترنس» فكان أصقل منه أسلوبا، وأقرب إلى ~~اليونان روحا، ولكنه استعبد نفسه لسادته اليونان، فقلد ~~ولم يخلق، والتقليد المطلق في الأدب نذير الموت. وفي الحق ~~إنا لا ندري لماذا عجز الرومان عن الإجادة في أدب المسرح؛ ~~فلئن قلدوا مسرح اليونان، فقد قلدوا كذلك سائر ألوان الأدب ~~اليوناني، ولكنهم كشفوا في هذه عن عبقرية وأصالة، وربما كان ~~عجزهم في أدب المسرح راجعا إلى اشتغال الناس بحفلات ~~المصارعة والمبارزة وما إليها، حتى لم يعد متسع كبير من ~~الزمن ms0200 يختلفون فيه إلى المسارح، فماتت ومات أدبها، كما نقول ~~اليوم عن السينما واشتغال الناس بها إنها تهدد المسرح ~~تهديدا مخيفا. أما المأساة «التراجيدية» فكاتبها عند ~~الرومان هو «سنكا»، لكن مأساته أبعد ما تكون المأساة عن ~~الجودة؛ فلا يعرف التاريخ «سنكا» بكتابته المسرحية بقدر ما ~~يذكره فيلسوفا يعتنق المذهب الرواقي، وأستاذا مربيا ~~لطاغية الرومان «نيرون». # كان العقل الروماني ينزع إلى الفلسفة مهتديا بهدي ~~اليونان، وكان عقل «لوكريشس» # 94 # هو الملتقى الذي تزاوجت عنده الفلسفة والشعر، ~~فأنتج ازدواجهما قصيدة فلسفية أدبية هي «في طبائع الأشياء»، ~~وإنها لقصيدة فخمة تغوص في خضم الحياة إلى أعمق الأعماق؛ ~~فلوكريشس في قصيدته هذه من الشعراء القلائل الذين أفلحوا في ~~إلباس الفلسفة ثوبا من الشعر، وليست قصيدته من قبيل النثر ~~المنظوم، بل إن فيها لروحا من الشعر الصحيح، وقد بقيت ~~لنا هذه القصيدة كاملة، وهي من حيث الجزالة والبلاغة مثال ~~للشعر اللاتيني الممتاز لا يفوقها إلا شعر فرجيل، لكن ~~«لوكريشس» لم يعدم من النقاد من يخرجه من طائفة الشعراء ~~الفحول، فلا موضوعه عند هؤلاء بصالح للشعر، ولا ألفاظه ولا ~~أوزانه وقوافيه من الجمال بحيث تبرر أن يوضع في صف أولئك ~~الشعراء، كما قال مثل ذلك القول بعض نقاد العرب في ~~لزوميات أبي العلاء المعري. أما موضوعه في قصيدة «في طبائع ~~الأشياء» فهو بسط لفلسفة الأبيقوريين في قالب منظوم، وهاك بعض ~~فصول قصيدته لتحكم مع هؤلاء النقاد أنها لا تصلح موضوعا ~~للشعر: «الشيء لا يخرج من لا شيء، والشبيه يحدث عن شبيهه.» ~~«الكون مؤلف من ذرات وخلاء.» «المادة لا تفنى.» وهكذا ~~يأخذ الشاعر في شرح الذرات وحركاتها وتكوين الأجسام ~~وفسادها. وإن شاء قارئنا أن يكون بنفسه رأيا في «لوكريشس» ~~فليقرأ ترجمته الإنجليزية للشاعر الأمريكي «ليونارد» وهاك ~~مثالا من شعره: # قال مخاطبا أبيقور: # أنت يا أول من رفع في الظلام الدامس # شعلة تنير بها الطريق إلى السعادة! # أنت يا فخر اليونان! أنا تابعك، # وسأقتفي خطاك خطوة فخطوة، # لا أباريك ولكن أحاكيك؛ # وهل ينافس السنونو طائر التم ~~الجميل؟ # وقال في ms0201 خصوبة الأرض عند نشأتها: # أخرجت الأرض منذ نشأتها صنوف العشب ~~أشكالا، # فاعشوشبت ناصعة نجادها ووهادها، # وازدانت حقول الزهر بسندس أخضر، # وألهم الشجر أن يسابق في النماء بعضه ~~بعضا، # واكتسى الطير والحيوان بالريش والشعر ~~والفراء؛ # فالأرض النضرة قد أنبتت كلأها وشجرها، # ثم أخرجت من جوفها الحيوان يرعاه، # وتكاثر الحيوان بعدئذ أشكالا وألوانا؛ # فالأرض - لهذا - «أمنا» لا شك في ~~أمومتها، # فمنها جاءت الأحياء طرا. # وعاصر «لوكريشس» شاعر شاب هو «كاتلس» # 95 # الذي قصفته المنون في سن الثلاثين، ولم يكن ~~«كاتلس» كزميله مشغوفا ب «طبائع الأشياء» ولكنه عني ~~بطبيعة نفسه، فأدار شعره حول عواطفه، ليعبر به عن حبه ~~وكرهه، فاجتمعت في شعره نزعات القلب وقواعد الفن، فهذا هو ~~يخاطب حبيبته «لزبياه» # 96 # يعليها آنا ويسفل بها آنا؛ فهو صادق الشعور ~~صادق التعبير، ينشد القصيد فتحسبه إنسانا يصيح صيحة ~~الطبيعة من الأعماق، ولكنها صيحة شذبت أطرافها وصبت في ~~أوزان الشعر وقوافيه. وهذا مثال من شعره: # قال في قصيدة عنوانها «طيش الحب»: # تعالي نعش يا لزبيا حبيبين، # ولنصم الآذان من لوم الكهول العاذلين. # لتذهب الشمس في خدرها غاربة ولتخرج الشمس ~~مشرقة، # فسنغمض عن ضوئها الفاني العيون، # ونظل على مخدع واحد في نوم عميق، # نقضيه ليلا سرمديا لا يعرف الإصباح. # دعيني أقبلك ألف قبلة، بل أريد أكثر! # سأضيف مائة إلى الألف، سأضيف إلى الألف ~~ألفا # وعليها مائة، بل أريد ألفا أخرى ومائة أخرى. # دعيني أقبلك ألوفا وألوفا، # ولنخطئ في عدد القبلات عامدين؛ # فما أنكد الطالع لو عرفنا كم عددها. # فإذا عرف الحاسدون كم قبلتك يا لزبيا، # أصابتنا بشرها أعين الحاسدين. # وقال في قصيدة أخرى عنوانها «إلى لزبيا التي لم تبق على ~~العهد»: # كنت يا لزبيا أيام حبنا تزعمين # أن قلبك كله لي ملك اليمين، # وكنت يا لزبيا لمخدعي لا تهجرين، # حتى إن دعوك إلى جوف تشاركين، # فما كان أخلص عندئذ عبادتي إياك، # فلم تكن نار قلبي غامضة ولا فاجرة # كالتي يؤججها الجمال في الصدور الخاوية، # لكني أحببتك يا لزبيا كما يحب الأطفال ~~آباؤهم. # هذا الحلم الخادع ms0202 وا أسفاه قد زال؛ # فقد عرفتك الآن، فإن رأيت عيني # ما تزالان تحدجانك كما كانتا تفعلان، # فاعلمي أني حتى عند النظر إليك مزدريك، # نعم، أيتها الساحرة، وقد يبدو ذلك ضربا من ~~الجنون. # إنك لتضيفين بصناعة السحر جمالا إلى ~~جمالك، # قد أقدرك وقد أزدريك، ولكني أحبك؛ # فأنا لك مقدس ومحتقر معا. # وجاء بعد «كاتلس» في القرن السابق لميلاد ~~المسيح، وهو العصر الأوغسطي الزاهر من عصور الأدب اللاتيني، «هوراس» # 97 # أبعد أدباء اللاتين صوتا، وأسرعهم بين القراء ~~سيرورة، وأكثرهم عند المحدثين إغراء بالترجمة ~~والاقتباس. # ولد «هوراس» من أب عبد اشتغل بجباية الضرائب، فجمع ~~من ذلك مالا قليلا، ثم جاء بابنه إلى روما، لينفق ما جمع ~~على تعليم ابنه، لا يدخر لنفسه شيئا؛ فلا يجب أن تطالع ~~في بعض أناشيد الشاعر لونا من عرفان الجميل لأبيه لم يبلغ ~~مدى جودته إلا قليل من الشعراء؛ فلم يكن الوالد العطوف أن ~~يضحي بماله في تربية ابنه، بل كان يصحبه إلى المدرسة في ~~الصباح، ويصحبه من المدرسة في المساء، حرصا عليه؛ فلما ~~بلغ «هوراس» عامه التاسع عشر، بعث به أبوه إلى اليونان ~~يتعلم ما لليونان من فلسفة وشعر. ولما نشب القتال بين ~~بروتس وقيصر، وقف الشاعر دراسته حينا ليناصر بروتس، وحارب ~~إلى جانبه في معركة «فلبي»، فما هو إلا أن تنفض روما عن ~~نفسها غبار المعركة حتى يرى الشاعر نفسه في فقر مدقع؛ فقد ~~مات أبوه، وصادر أوغسطس ميراث الشاعر عن أبيه، فظل «هوراس» ~~يعمل ليكسب قوته، ويقرض الشعر في أوقات الفراغ؛ فاستوقف ~~شعره الجميل نظر «فرجيل» الذي قدمه إلى «ميسناس»، # 98 # ولم يكن «ميسناس» هذا صديقا حميما لأوغسطس ~~فحسب، بل كان يشجع الفن بماله الكثير، حتى أصبح اسمه يطلق ~~مجازا على كل من يبسط كفه بالعطاء لأصحاب الفنون. فلما ~~كان «هوراس» في عامه الثاني والثلاثين، منحه ميسناس مزرعة ~~أتاحت له أن ينفق بقية العمر في عيش رغيد، فانصرف بمجهوده ~~إلى النشيد. # وأول آثاره الأدبية كتابان أسماهما «سخريات»، ولكن دعك من ~~هذا العنوان، فالشاعر في هذين ms0203 الكتابين يقبل على الدنيا ~~راضيا، فلا تؤذيه ظروف الحياة كما هي، بل يعبها عبا ~~وينتهز منها سوانح الفرص قبل أن تفلت من يديه، كأنه عمر ~~الخيام: # لقد عاش في أمن وفي دعة، # من يقول: «هذا اليوم قد عشته.» # وغدي فليجعله الله صحوا أو مطيرا؛ # فلن يسلبني بهذا سرورا ملكته. # إن ما قد كان هيهات لقوة أن تفسده. # ولكنه في هذين الكتابين لا يفوته أن يسخر ~~سخرية خفيفة من العظماء في سلوكهم، وأن يسوق من حياة عصره ~~أمثلة تبعث على الضحك لأنها تصور نقائص الإنسان. # ثم كتب في سن السادسة والثلاثين «الأناشيد» وهي حلقة وسطى ~~بين «السخريات» و«الأغاني». وإن هذه الأخيرة لموضع شهرته ~~ونبوغه؛ فلم تكد تنشر الكتب الثلاثة الأولى من أغانيه حتى ~~صعد من فوره إلى الصف الأول بين شعراء عصره، لا بل إلى ~~الطليعة من شعراء العالمين. فهذا حق لا ينكره عليه ناقد أو ~~يرتاب في صدقه مرتاب؛ فهوراس - منذ أن نشر أغانيه - رحبت ~~به زمرة الشعراء الفحول فوقف بينهم على سفوح أولمب! ولم ~~ذاك؟ لأنه يشبع جانبا من جوانب القلب الإنساني؛ ألا تريد أن ~~تصطحب في غدواتك وروحاتك إنسانا يبتسم لك فتبتسم، وينبسط ~~أمامك جبينه فينبسط منك الجبين؟ ألست تلتمس إذا ما ضاقت بك ~~أمور العيش من يريك الحياة وضاحة مشرقة، ويسمعك ألحانا ~~تظهر لك من دنياك وجهها المشرق وتخفي عنك وجهها الباكي؟ ~~ذاك هو هوراس في أغانيه. إن من يصيب السعادة في الحياة قلما ~~يحس الحاجة للتعبير عن نفسه؛ ولهذا كان من نوادر المصادفة ~~وشوارد الاتفاق أن تجد شاعرا سعيدا، وهوراس هو هذه المصادفة ~~النادرة والاتفاق الشارد، لأن السعيد والشاعر قد سكنا منه ~~إهابا واحدا. إن هوراس في أغانيه يعلمك أن الإنسان يكبو ~~لينهض، وينهزم ليقتحم. إنه يعلمك أن الحياة سعيدة بهيجة، ~~لا تشوبها من دواعي الهم إلا توافه، إذ هو يقص لك قصة ~~حياته فإذا هي هذه، فتقول: إن استطاعها هوراس، فلم لا ~~أستطيعها، ولم لا يستطيعها ألوف الألوف من البشر؟ بل إن ~~هوراس ليزعم لك ms0204 أن المدينة الفاضلة التي تنشدها هي بجوار دارك ~~إن صح منك العزم ولم ينضب فيك معين الخير؛ استمع إليه في ~~أغنية «عيد الميلاد»: ~~«عندي قدر من جيد النبيذ عتقته ما يربو على تسع ~~سنوات، وفي حديقتي نبات البقدونس أنسج منه الأكاليل، وفيها ~~لبلاب إن عقصت به شعر رأسك أبدى لك جبينك وضاحا. إن ~~الدار لتسطع بالأواني الفضية، وإن المذبح - تكلله أوراق ~~الشجر المقدسة - ليرقب في شوق أن تنسكب على ظهره دماء ~~الأضاحي، ها هم أولاء أهل الدار يسرعون هنا وهناك، ويندفع في ~~حشد مختلط أيفاعهم واليافعات. وإن ألسنة النار لترقص حين ~~تطوي الدخان الأسود فتعلو به حويات حويات كأنها الأكاليل ~~...» # وحتى حين ينذر صديقه «بوستيومس» بدنو الشيخوخة ~~فالموت، تراه يغني في هدوء ورباطة جأش، مع أن موضوع الأغنية ~~كفيل أن يثير الفزع في نفس قائله: # وا أسفاه بوستيومس، # 99 # أي بوستيومس، إن السنين لتمضي مسرعات كأنها ~~من الأسر هاربات. # ولن تغني فضائلك بأسرها أن تؤخر عن وجهك غضونه إن ~~حل موعدها، أو تحول دون شيخوخة قادمة وموت لا مفر منه. ~~إنك قد تستعطف الموت ليبطئ، ولكنه لا يتوانى في أداء قضائه ~~المحتوم؛ فلنكن من جبابرة الملوك أو فقراء الزارعين، فلا ~~مناص لمن أسمنت جسومهم فاكهة الأرض من عبور مجرى الموت ~~الكئيب غير مبطئين. # لن يغني عنك شيئا أن تنجو من حرب زبون. لن يغني عنك ~~شيئا أن تفر من أمواج البحر في الأدرياتيك الصخاب، ولن ~~يغني عنك شيئا أن يمضي الخريف دون أن تنالك بفوادحها رياح ~~السيروكو الهوجاء؛ فلا بد آخر الأمر أن تواجه نهر الموت في ~~تياره الواني، فتشاهد من صرعتهم المنون بقضائها ~~المحتوم. # لا بد يوما أن نزول عن وجه الأرض؛ لا بد أن نفارق ~~يوما هذا الشجر الذي عهدناه فوق السقوف، وأن نغادر زوجاتنا ~~ذوات الصدر الحنون. لن نصطحب مما أنبتناه من شجر إلا ~~سروة حزينة تظل القبور. # لكن أبناءنا من بعدنا - ويا خيرهم أبناء - سيحتسون نبيذنا ~~المخزون مهما تكن دونه الأقفال، وسيسكبون على أرض الدار ~~المزخرفة ms0205 نبيذا لم تشهد حلاوته موائد الأحبار. # ذلك هو «هوراس» الشاعر، لكنه لم يقرض الشعر وكفى، بل كان ~~أستاذا في فن الشعر النظري، فألف كتابا عنوانه «فن ~~الشعر» وهو على قصره عميق الأثر في الأدب الحديث، فأثر في ~~إيطاليا بفضل الشاعر «فيدا»، وأثر في فرنسا بفضل الشاعر ~~الناقد «بوالو»، وأثر في إنجلترا بفضل «بوب». # إن هوراس الرجل لا يقل عظمة عن هوراس الفنان، ~~فشخصيته التي تسطع خلال أشعاره طريفة ممتعة، لها وقارها ~~ولها ظرفها في آن واحد. # وكان يعاصر هوراس في أخريات سنيه - قبيل ميلاد المسيح - ~~جماعة من شعراء المراثي (الإليجيا). ولسنا نقصد بالمراثي ~~بكاء على ميت، وإنما هي - كما ذكرنا قبل - كلمة يطلقونها ~~ليدلوا بها على صياغة القصيدة وبنائها وأوزانها، لا على ~~موضوعها ومعناها، فأول شعراء المراثي عند الرومان هو «جالس» # 100 # وهو الذي أجهد نفسه لنقل هذا القالب الشعري من ~~اليونانية إلى اللاتينية، وكانت معظم «مراثيه» تدور حول ~~الحب، فلما وفق في صياغة شعره في هذا الوزن الجديد، ~~أصبح قالب «المرثية» بدعا يصطنعه الشعراء. وأكبر شعراء ~~المراثي ثلاثة: «بروبرتيوس» # 101 # و«تيبلس» # 102 # و«أوفد»؛ # 103 # أما «بروبرتيوس»، فقد أجاد الشعر وهو يافع، ~~وأتقن دراسة النماذج اليونانية إتقانا جعله في سن العشرين ~~شاعرا مجيدا ذا أصالة وابتكار. وكان الحب موضوع شعره، ~~وأصبحت «سنثيا» حبيبته إحدى غواني الشعر الخالدات. ولقد ~~أفسد حبه لهذه المرأة حياته حتى قضي وهو في سن باكرة؛ ~~فقد كانت الحبيبة امرأة متهتكة، فاستحال عليه زواجها، ~~ولكنها على فجورها ما زالت تستولي على لبه لمواهبها الفنية ~~في الغناء والرقص وقرض الشعر فضلا عن جمالها الفتان. ~~استمع إليه في وصف أمسية في إحدى «مراثيه»: ~~«ما دامت سنثيا # 104 # قد خانت فراشي مرارا، فقد صممت أن أبدل ~~مخدعي وأقيم رواقي في مكان آخر، فهناك امرأة أعرفها اسمها ~~«فلس» لا تمتعني وهي صاحية، أما إن شربت فهي السحر ~~الفاتن، وهنالك امرأة أخرى اسمها «تيا»، جميلة ولكنها إن ~~سكرت فلا يكفيها من الرجال حبيب واحد. صممت أن أدعو هاتين ~~المرأتين لأقضي معهما الليلة، ms0206 لعلي أسري عن النفس بعض ~~حزنها ... لقد كانتا تغنيانني، ولكني كنت عن غنائهما في ~~صمم؛ وكانتا تكشفان لي عن الأثداء، ولكني كنت عن ذلك في ~~عمى. # انظر! لقد فجأتنا قوائم الباب بصرير حين استدار المصراع ~~على مركزه، وسمعنا صوتا خافتا عند مدخل الدار، واندفعت ~~«سنثيا» وضربت خلفها بمصاريع الباب المطوية؛ ها هي «سنثيا» ~~منفوشة الشعر جميلة في سورتها؛ فارتخت أصابعي وسقط الكأس، ~~وارتدت شفتاي المخمورتان إلى شحوب؛ فقد لمعت عيناها ~~بالشرر، وثارت ثائرتها بكل ما وسع المرأة من غضب ... ودفعت ~~أظافرها المغيظة في وجه «فلس»، فصاحت «تيا» فازعة حتى ~~دوى المكان بصياحها، واستيقظ النوام على سرج راقصة ~~بنورها، ورن الطريق كله بجنون المساء، أما الفتاتان ~~فأسرعتا هاربتين في ثياب مهلهلة وشعر ممزق، ولاذتا ~~بأول حانة صادفتهما في الطريق.» # لقد استمد «بروبرتيوس» أصول فنه من الإغريق، ولكنه كان ~~في أدبه صدى لبيئته وحياته، يرى فيسجل. ولئن كان رفقاؤه ~~صحبة سوء، وكانت حبيبته فاجرة، إلا أنه أخرج من هذه الحياة ~~شعرا جميلا خالدا، لجرس ألفاظه ورنين أوزانه وقوافيه. وهاك ~~من تصويره مثالا آخر: ~~«لو همت حبيبتي أن ~~تذرع البحار طولا وعرضا فإني متابعها؛ فسيدفعنا فوق ~~الماء نسيم واحد حبيبين وفيين، وسنستلقي للراحة فوق شاطئ ~~واحد حين يأخذنا النعاس، ستظلنا شجرة واحدة، ونستقي ينبوعا ~~واحدا، سيتخذ الحبيبان لنومهما مخدعا قد من لوح ~~خشبي واحد، وسواء لدي أقيم السرير من السفينة عند ~~دفتها أو حيزومها، سأحتمل كل الصعاب لا أبالي إن دفعت ~~الرياح الشرقية الهوجاء سفيننا، أو عبأت الرياح الجنوبية ~~الباردة شراعنا إلى حيث لا ندري ... فلو ضمنت ألا تغيب حبيبتي ~~عن ناظري، فليشعل الله في السفينة نارا، إذ جسدانا ~~العاريان عندئذ سيقذف بهما اليم معا إلى شاطئ واحد، ~~لا، بل ليقذف الموج بجسدي وحده، لو وجد جسمك يا حبيبتي في ~~الثرى جدثا يواريه.» ولكن «بروبرتيوس» على ما في شعره من ~~قوة وجمال، قد كان فيما يظهر معيبا بعض الشيء في فنه؛ ~~فإن النقاد الرومان بعد أن مارسوا أصول الآداب الإغريقية ~~وقواعدها، تبينوا في ms0207 شعره نقصا لعله يرجع إلى سرعة ~~الإنشاء وعنف عاطفة الشباب، وليس في وسع رجال النقد الحديث أن ~~يحكموا له أو عليه، لأن ما بقي لنا من شعره شذرات ~~ناقصة. # ولعل هؤلاء النقاد الرومان قد آثروا شاعرا آخر من ~~شعراء المراثي، هو «تيبلس»، إذ وجدوا أن رشاقة أسلوبه ~~ووضوح عبارته يلائمان رقة معانيه وجمالها، فليس في شعر ~~«تيبلس» نصف القوة التي تحسها في «بروبرتيوس»، ولكن ما ~~غناء القوة في شعر غنائي؟ # كان «تيبلس» شابا يحب فتاته «ديليا» # 105 # التي قست عليه حتى أدمعت عينيه: # هل لي أن تبصرك عيناي حين تدنو ساعتي؟ # هل لي أن أضمك بذراعي الواهنتين؟ # ابكيني يا «ديليا»، إذا حان الأجل. وإذا ما ~~أسجيت # على السرير الذي سرعان ما تلتهمه النيران، # قبليني وقبليني، وامزجي قبلاتك بعبرات ~~حزينات. # ابكيني؛ فليس قلبك في صندوق من صلب الحديد، # كلا، ولا قلبك هذا الحنون يحتوي صخرا؛ # فلن يعود شاب ولا شابة بعد جنازتي # لا تترقرق في عينيه أو عينيها الدموع، # وما أحسبك مسيئة إلى روحي بغيابك عن ذلك ~~الحفل، # ولكن لا تكوني عنيفة على شعرك المحلول، أو ~~خدك الناعم. # هكذا كان شعر «تيبلس» حلوا في سذاجته ولونه ~~الريفي؛ فقد أنفق معظم حياته في مزرعته، يمتعه أن يزرع ~~ويحرث بيديه، ويزدري حياة الترف التي تسلم المزارع ~~إلى العبيد يفلحونها ثم لا تستمتع بجمال الريف. # لكن أحب شعراء ~~المراثي إلى قراء العصر الحديث هو «أوفد» وهو من أسرة ~~رفيعة، وكان ممن أحاطوا بالإمبراطور أوغسطس، وظل في حاشيته ~~حتى غضب عليه الإمبراطور لسبب لا ندريه فأمر به أن ينفى من ~~مدينة روما. وقد قيل في تعليل غضبة الأمير عليه أنه نفر من ~~قصيدته «فن الحب» التي لم يتورع فيها الشاعر، ولكنا ~~نشك في أن تكون هذه القصيدة الجميلة الممتعة سببا في ~~تشريد الشاعر، مع أنها صورة صحيحة لعصره. إن «أوفد» في قصيدته ~~«فن الحب» لم ينظر إلى الحب من جانب الروح والخيال، لكنه ~~كان فيها أمينا صادقا، ومن أجل هذه الأمانة في الشعور ~~والتعبير استحق ms0208 مكانته العالية التي يشغلها بين ~~الشعراء. # على أن خيال «أوفد» يبلغ أوجه في قصيدة «تغيرات» التي ~~جمع فيها كثيرا من أساطير اليونان والرومان؛ فكان معينا ~~للشعراء المحدثين يستقون منه، فعنه أخذ أدباء الطليان في ~~عصر النهضة، ومنه استمد شيكسبير ومعاصروه وشعراء الإنجليز ~~في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولو عرف «أوفد» في منفاه ~~ما قد يصيب أدبه من نجاح وتوفيق بعد موته لخفت عنه آلام ~~النفي؛ فقد كان أدبه ذا أثر عميق بالغ في آداب الأمم ~~الحديثة كلها، لا يوازيه في ذلك شاعر آخر، ولا نستثني عن هذا ~~الحكم فرجيل. # والأسطر الآتية مثال من قصيدته المشهورة «تغيرات»: # كان بادئ الأمر عصر ذهبي قام على الإخلاص والحق ~~بمحض إرادته، لا يزجره قانون ولا يحفزه ~~انتقام. # لم يكن بعد خوف أو عقاب، # ولم يتهدد الناس قانون منقوش على أقراص ~~النحاس، # كلا، ولم تروعهم خوذة ولا سيف، بل عاش في أمن ~~السلام. # وهكذا انقضت على القوم أعوام سعيدة لا يعرفون ~~الأعداء، # وأخرجت الأرض كل شيء دون أن يشقها ~~محراث، # واكتفى الناس بما أثمرته الأرض من غير قسر ولا ~~إكراه. ~~••• # وكان الزمان ربيعا كله. رحيا بنسيمه ~~العليل، # وتهب النسائم فتزهر الأزهار لم تلدها ~~بذور. # وسرعان ما آتت الأرض أكلها بغير محراث، # وابيض وجهها بالقمح الغزير، ولم يشق جوفها ~~سلاح ~~... ثم تلاه على مر الزمان عصر فضي # هو أدنى من سابقه الذهبي وأسطع من لاحقه ~~النحاسي؛ # عندئذ قصر الإله من أمد الربيع، وقد كان قبل ~~دائما موصولا، # وأتم الحول بأن قسمه فصولا فصولا، # فتوهجت بوادر الهواء وقد لفحتها حرارة ~~ظامئة، # وعلقت أوائل ذرات الثلج وقد جمدتها ~~الريح، # واتخذ الإنسان دورا فأوى إلى الكهوف # أو اتخذ سياجا من شجر أو غاب مجدول، # ثم بذرت بذور الزرع لأول مرة في قنوات الحقول، ~~حيث لبثت طويلا، # وخارت الثيرة تحت نيران المحاريث. # وثالث المراحل المتعاقبات عصر نحاسي، # ازدادت فيه الروح افتراسا واشتدت للقتال ~~اشتياقا، # لكن الجريمة لم تلطخ وجهه بعد. # وأخيرا جاء عصر الحديد، فانبثق من فوره خسيسا ~~دنيا، ms0209 كله سوء؛ فلاذت بالفرار صفات «الحياء» ~~و«الحق» و«الإخلاص» وحل محلها الكيد والخداع # والعنف وشهوة الكسب المجرمة، # ونشر الرجال قلاعهم لريح لم يعرفها الملاحون من ~~قبل، واتخذ الشجر - وقد كان باسقا على قمم ~~الجبال - حيازيم تشق بها الفلك مياها لم تكن ~~من قبل تعرفها، # وطالب الإنسان التربة الخصبة أن تنتج أكثر من ~~محصولها، بل شق أمعاء الأرض شقا، # واحتفرها ليبلغ كنوزها الدفينة في ظلال ~~الجحيم، # وهي هنالك تغري الإنسان بالعسف والجور، # ثم جاء عصر الصلب الفتاك، ثم الذهب وهو أشد ~~فتكا. # فاتخذت الحرب من المعدنين سلاحا، # وأخذت تهز سلاحها المدوي بيد تلطخها ~~الدماء، # وأصبحت الغنائم للعيش موردا؛ فلا الضيف من مضيفه ~~ولا القريب من قريبه بات آمنا. # إلى هنا ينتهي العصر الأوغسطي الزاهر الزاهي، ~~ويأخذ الشعر اللاتيني في التدهور والهبوط، ولكن طريقه إلى ~~التدهور لا يطرد؛ فالأدب لا يسير في هذه الخطوات المنطقية، ~~مطردا في صعوده وهبوطه، كلا ولا الحياة نفسها - وهي ~~لحمة الأدب وسداه - تسير في هذه الخطوط المستقيمة صعودا أو ~~هبوطا؛ فلا تعدم في حركة الصعود شاعرا ضعيفا، ولا تخطئ في ~~طريق الهبوط شاعرا قويا؛ وهكذا كان تدهور الشعر اللاتيني - ~~كتدهور الإمبراطورية نفسها - ممتدا على قرون طوال تستطيع ~~أن تشهد فيها أدبا سليما إن فاته أن يكون أدبا عظيما؛ فبين ~~شعراء القرن الأول بعد الميلاد «لوكان»، # 106 # وهو خطيب نابه بالإضافة إلى شاعريته، وهو معروف ~~بكتابه «فارساليا» # 107 # الذي نظم فيه بعض حوادث التاريخ شعرا، فشاع بين ~~قراء عصره والعصور الوسطى. وإن للوكان لأثرا في الأدب ~~الفرنسي بفضل ما نقله عنه «كورني» # 108 # كما أنه معروف مألوف لقراء الأدب الإنجليزي ~~لأن «مارلو» # 109 # ترجم له الجزء الأول من «فارساليا» ترجمة بلغت ~~غاية الإبداع. # وفي العصر الفضي اللاتيني - الذي أعقب عصر أوغسطس - شاعران ~~أجادا شعر السخرية إجادة جعلتهما في هذا الفن إمامين، ~~وهما: «مارشال» و«جوفنال»، وإن هذا الأدب الساحر لمن طبيعة ~~العقل الروماني، بل هو الذي ابتكر هذا اللون من الشعر ~~ابتكارا، فاصطنعه «هوراس» وفي رقة ولطف، ثم زاده «مارشال» ms0210 # 110 # و«جوفنال» # 111 # قوة وعنفا، وأعانهما على ذلك ما ساد العصر من ~~صنوف الفساد وانحلال الخلق. نعم إن في كل زمان ومكان ~~معينا لا ينضب للشاعر الساخر، لكن السخرية فن لا يقوى ~~على أدائه كل شاعر. وجدير بنا في هذا الصدد أن نذكر ما ~~لأدباء الإنجليز من إنتاج خصب في أدب السخرية، لكنهم كانوا في ~~ذلك مدينين لجوفنال إلى حد كبير. # ومن شعر جوفنال قصيدة عنوانها «عبث الشهوات الإنسانية» ~~يسخر فيها من التوافه التي يقتتل الناس من أجلها، وعلى ~~رأسها المال. ومنها: # جل ببصرك في العالم المأهول، # وانظر كم من الناس يعرف موضع الخير، # وإن عرفه قليل فكم منهم يقصد إليه؟ # إن حب المال أحبولته الفتاكة ممتدة ~~الشباك، # فترى الكنوز يكدسها الكانزون في شغل ~~وانهماك، # فكم من وغد في العهود السود - إذا ما أشار ~~نيرون - # سل من أجل المال سيفه البتار، # أما الدور التي خلا من المال وفاضها # فما أقل ما يغشاها من يؤيده السلطان من قطاع ~~الرقاب، # إن المسافر الذي يمضي مثقلا بثرائه # ليتلفف في سواد الليل، ويتسلل في الطريق ~~مختفيا، # ثم تراه رغم هذا يخشى وقع السيف والهراوة، # ويفزعه ظل الحلفاء في ضوء القمر، # أما السائل فيمضي في الطريق خلي الفؤاد، # يغني أناشيده في أوجه اللصوص. # ولمارشال كتاب في «الأمثال» لم يجود الشاعر ~~فيه صناعته، ولكنه - مع ذلك - صور به الحياة الرومانية كما ~~رآها في صدق وإخلاص. هذه خاتمة شعراء اللاتين، فقد مات الشعر ~~بعدئذ، أما النثر اللاتيني فقد لبث قائما بضعة ~~قرون. ~~(4) النثر اللاتيني # عاش شيشرون في النصف الأول من القرن السابق للمسيح، وكان ~~كاتبا وخطيبا حتى أصبح إمام النثر اللاتيني في عصره، وفي ~~عدة قرون تالية؛ فحسبك أن تعلم عن نثره أنه ظل مثالا ~~يحتذيه الكتاب مدى ستة عشر قرنا، وتكاد لا تجد في تاريخ ~~الآداب رجلا يعادل شيشرون في فرض أسلوبه على كل كاتب ~~أوروبي حمل القلم من بعده ليكتب نثرا فنيا. تعلم في ~~روما القانون والبلاغة والفلسفة اليونانية والأدب اليوناني، ~~وقضى سنتين في آسيا ms0211 وبلاد اليونان تعمق فيهما دراسة ~~الفلسفة، وعاد إلى روما فانغمس في السياسة وبلغ أسمى المناصب ~~السياسية وألف حزبا له أنصاره وخصومه. # وبعد وفاة قيصر وأيلولة السلطة إلى أنتوني وأوكتافيوس ~~وليبيدس كانت خطب شيشرون ضد أنتوني سببا في فقدان حياته، ~~فقد حكم عليه بالإعدام وهم بالفرار، ولكنه قبض عليه وقتل ~~وعلق رأسه فوق المنبر الذي كان يخطب من فوقه. ولم يكن ~~شيشرون كاتبا وخطيبا وكفى، بل كان إلى جانب ذلك سياسيا ~~ومؤرخا وفيلسوفا وناقدا ومحاميا، فكان لسانه أداة تفتك ~~بأعدائه فتكا. ولا عجب حين قتل أن تتقدم إلى جثمانه زوجة ~~«مارك أنتوني» فتنفذ إبرة من مشابك شعرها في لسانه ~~إمعانا منها في إسكات ذاك اللسان، ولم تدر أنه سيظل على ~~مدى الأيام حيا ناطقا. # نحن نسوق مثالا لقوة شيشرون الخطابية، هذه الخاتمة التي ~~اختتم بها خطابه الذي هاجم به «مارك أنتوني» حين دخل روما ~~ظافرا؛ والذي لم يكد يسمعه أنتوني حتى أقسم لينتقمن من ~~الخطيب. وإن هي إلا أيام قلائل حتى قتل شيشرون وأرسل قاتله ~~رأس المقتول ويديه إلى سيده أنتوني؛ فأخذها هذا وسمرها ~~على منبر كان شيشرون قد ألقى منه كثيرا من خطبه: # قال شيشرون: «أفيجوز أن نقرنك إلى قيصر بأي وجه من ~~الوجوه؟ لقد كان لقيصر قدرة موهوبة وعقل راجح وذاكرة وعلم ~~وبصيرة وتأمل وروح. إن أعماله الحربية - وإن جاءت على ~~أمته دمارا - فقد كانت لشخصه فخارا؛ لقد احتط لنفسه ~~كيف يظفر بالسلطان أمدا طويلا بما أتي من جهاد يجل عن ~~الوصف، وما خاطر من أخطار تفوق الحصر، ثم عرف كيف يتمم ما ~~شرع؛ فبالهدايا والمحافل والمنح والملاهي أنام السوقة ~~البلهاء، وبالعطاء الكريم اكتسب نفوس الأصدقاء، وبالتظاهر ~~بالرحمة كسر شره الأعداء. وصفوة القول أنه استطاع بإلقاء ~~الرعب حينا وبالصبر حينا أن يجعل الاستعباد شيئا سائغا ~~في دولة حرة. # نعم إني لأعترف لك أن شهوة السلطان كانت لكما صفة ~~تشتركان فيها، ولكنك لن تستطيع أن تزعم سواها للمقارنة بينك ~~وبينه. إن الكوارث التي صبها قيصر على رأس أمته قد أنتجت ms0212 ~~خيرا، وذاك أن أهل روما قد تعلموا منها إلى أي حد تجوز ~~الثقة بقول إنسان كائنا من كان. لقد عرفوا بأي الرجال يؤمنون ~~وأي الرجال يحذرون، ولكن مالك أنت ولهذا؟ بل إنك لا تدري ~~ماذا عسى أن يصنع البواسل حين تعلمهم الأحداث أن البطش ~~بالطاغية شيء حبيب إلى النفس في ذاته، سائغ في نتائجه، عظيم في ~~روايته. إذا ضج الناس من بطل كقيصر، تراهم يحتملون رجلا ~~كأنتوني؟ # صدقني إن القوم ستدفعهم الحماسة بعد إلى مثل هذا ~~البطش، كلا، ولن يتوانوا انتظارا لفرصة سانحة. أي ~~أنتوني! ألق بعين مبصرة آخر الأمر إلى وطنك، لا ~~تفكر فيمن تعيش بينهم، بل فكر في أسلافك الذين انحدرت ~~منهم، وكيفما تصنع بي فأنا موصيك أن توفق بين نفسك وبين ~~أمتك، وإنك بهذا لخير خبير، ولكني سأعلن ها هنا شيئا ~~واحدا: لقد دافعت عن وطني في شبابي، فلن أهجر وطني في ~~كهولتي؛ لقد ازدريت سيف «كاتلين»، فلن أخشى لك سيفا، وإني ~~لأقدم - راضيا - نفسي فداء لو كان دمي يعيد لروما ~~حريتها من فورها، ويزيح عن أهل روما ذلك العبء الثقيل الذي ~~رزحوا تحته هذا الأمد الطويل ...» # وليس العجيب أن يؤثر شيشرون في كتاب اللاتينية من بعده، ~~ولكن أعجب من ذلك أن يبلغ سلطانه هذا المبلغ البعيد على ~~كتاب الإنجليزية حتى القرن الثامن عشر، فقد كان كثير من ~~كتاب هذه اللغة يحاكونه في حسن الصياغة ورشاقة الأسلوب، ~~وكان شيشرون - فضلا عن خطابته - من أعظم كتاب الرسائل، ولا ~~تزال رسائله تمتع قراءها وتصور بتفصيلاتها حياة ذلك ~~العصر تصويرا دقيقا. وقد اقتفي أثره في هذا الفن كتاب ~~الرسائل من الإنجليز في القرن الثامن عشر حين كانت كتابة ~~الرسائل فنا جميلا. # ثم انحط النثر بعد شيشرون وذهبت عنه معظم قوته، ولكن ~~الشفق المنذر بغيبة الشمس لا يخلو من ألوان جميلة؛ فهذا «بترونيس» # 112 # الذي كان صديقا للإمبراطور نيرون، يمتع بفنه ~~في «مزيج» ويقدم فيه صورة للحياة الرومانية في عصره، ولم ~~تبق لنا يد الدهر من هذا الأثر إلا جزءا، وهو ms0213 كل تراث ~~الأدب اللاتيني فيما يشبه القصة الحديثة، وهو صورة ساخرة ~~أمينة للمجتمع أو لجزء منه. ولما كان المجتمع الروماني إذ ~~ذاك منحلا في أخلاقه فقد جاءت صورته التي رسمتها ريشة ~~«بترونيس» مما تتأذى له أسماع المتزمتين في الأخلاق، ~~ولكن دعنا نثبت في هذا الموضع أساسا من الأسس التي أقيم ~~عليها هذا الموجز في تاريخ الآداب، وهو أن القارئ الذكي ~~فسيح الأفق له أن يقرأ كل مكتوب دون أن يخشى على بنائه ~~الأخلاقي هدما أو تصدعا، أما أولئك الذين تنقصهم روح ~~الفكاهة كما يعوزهم الذكاء، فهم كذلك في مأمن من أمثال هذه ~~الآثار الأدبية التي تصور أخلاق المجتمع على حقيقتها، لأنهم ~~لن يقرءوا أدبا، وإن قرءوه فلن يفهموه. # ومضى قرن بعد «بترونيس»، ثم ظهر كاتب آخر هو «أبيوليس». # 113 # كاتب «الحمار الذهبي» الذي قص فيه قصة «كيوبد ~~وسيكا » وهي من مشهور الأساطير اليونانية، وقد لخصناها في ~~موضعها من الكتاب. وإن «أبيوليس» بخياله الرائع وإشراقه ~~البهيج ليبدو كالجزيرة الساطعة في نهر كئيب، ذلك لأن النثر ~~اللاتيني لم يعد أداة فنية، بل أصبح لغة رسمية يصطنعها رجال ~~الكنيسة والفلسفة المدرسية في العصور الوسطى لعرض ما يكتبونه ~~في الدين والفلسفة. # فلئن كانت الكنيسة قد غزت روما بديانتها، فإن روما قد بسطت ~~على الكنيسة سيادتها بلغتها؛ فاللاتينية لا تزال حتى هذا ~~اليوم لغة الكنيسة الكاثوليكية، بل لبثت اللاتينية قرونا ~~طوالا لغة العلماء والحكماء، لا يعد المتعلم متعلما ~~بدونها. # | الأدب في العصور الوسطى # الفصل الأول # | الأدب الإنجليزي في العصور الوسطى # العصور الوسطى في رأي التاريخ عهد طوله ألف عام، يمتد من ~~منتصف القرن الخامس إلى منتصف القرن الخامس عشر، وعندئذ نهض في ~~أوروبا رجال الفكر، وتلفتوا إلى الوراء ليستخرجوا كنوز القدماء. ~~واشتدت بهم الحماسة نحو ثقافة اليونان والرومان حتى تعلقوا ~~بأذيالهم، ونظروا إلى العهد الطويل الذي فصل بينهم وبين أولئك ~~الأسلاف فاعتبروه عصرا «وسيطا» بين الأصول والفروع، ونعتوه ~~بالجدب والإظلام، ولكنهم لم يكونوا في ذلك منصفين؛ فلئن كانت تلك ~~العصور يشوبها شيء من ظلام، فإن ms0214 بها للمحات من ضياء. # وأخصب جوانب الأدب الوسيط من حيث القيمة الفنية هو الشعر، أما ~~النثر فلم يكن قد بلغ من الرقي حدا يجعله أداة فنية للتعبير ~~الأدبي. # ونستطيع أن نقسم الأدب في العصور الوسطى - على أساس الجنس ~~واللغة - إلى أدب جرماني (وهو يشمل الأدب الإسكندناوي والأدب ~~الإنجليزي في ذلك العهد)، ثم الآداب الكلتية والفرنسية والإسبانية ~~والإيطالية. ولو أن هذه الأقسام المختلفة متشابكة، قد أخذ بعضها ~~عن بعض بحيث لا تستطيع أن تجزم - إلا بعد درس طويل عميق - أين بدأ ~~هذا الأثر الأدبي أو ذاك، وكيف نما وأضيف إليه؛ لذلك كان من حقك ~~حين تستعرض هذه الآداب الأوروبية في العصر الأوسط أن تبدأ بأيها ~~شئت، ولكنك تحسن صنعا أن تذكر قبل البدء أنها تشترك جميعا في ~~خصائص وسمات؛ فالكثرة الغالبة من القصص والملاحم والأساطير ~~والأغاني من الآداب الأوروبية في العصور الوسطى تدور حول بطولة ~~الفرسان في الحرب والحب معا. وإنها لتجتمع كلها حول ملك حقيقي ~~أو خيالي، بحيث تتكون منها مجموعات: فمجموعة محورها الإسكندر ~~الأكبر، وثانية مدارها قيصر، وثالثة نواتها شرلمان، ورابعة ~~أرثر، وهكذا. وإن ألوان البطولة في تلك الآثار الأدبية جميعا ~~لتتشابه وتتكرر. ومن أكثرها شيوعا أن يلقى البطل الأفعوان ~~فيقتله، وأن يصادف الغواني في كرب وضيق فيمد لهن يد ~~المعونة والنجاة، وأن يتعقب أصحاب السوء بالعقاب لينقذ ~~الخصال الشريفة أن يصيبها الفساد والأذى، ومبادئ الأخلاق - التي ~~يتصدى الفارس البطل ليدرأ عنها السوء - إنما هي مجموعة من ~~القواعد الخلقية أوجب العرف عندئذ أن يتحلى بها الفرسان. وقد ~~أمكن تطبيق بعضها وتعذر تطبيق سائرها فظلت مثلا أعلى يحلم به ~~الشعراء ولم تتحقق كلها إلا في نفر قليل من رجال النهضة، ~~فخلدهم تاريخ الأدب على أنهم نماذج حية تتمثل فيهم تلك ~~الصفات، وعلى رأس هؤلاء اثنان هما «بيار» # 1 # الفارس الفرنسي و«السير فليب سدني» # 2 # الإنجليزي. # أما وقد بسطنا لك بعض الخصائص التي شاعت في العصور الوسطى ~~فسنبدأ لك بعد ذلك بالأدب الإنجليزي فنعرض أهم ما دار حوله من ~~أساطير. # وأول ms0215 تلك الأساطير قصة أرثر # 3 # التي نقلت إلى الأدب الإنجليزي بعد أن نمت ~~وتكاملت في الأدب الفرنسي، وقد جمع أطراف القصة وأجزاءها «السير ~~تومس مالوري» # 4 # في النصف الثاني من القرن الخامس عشر في كتابه «موت ~~أرثر» الذي أوحى إلى كثير من شعراء العصور الحديثة وكتابها ~~فأعادوا كتابة القصة. ولعل أوسعها شهرة في الشعر الإنجليزي ~~الحديث قصيدة «تنسن» # 5 # وعنوانها: «أناشيد الملك» # idylls of the king ~~، وفيها يصبغ الشاعر أرثر ~~بصبغة إنجليزية خالصة، وإنها لقصيدة من عيون الشعر ~~الإنجليزي. # أما كتاب «السير مالوري» الذي أسلفنا الإشارة إليه فمجموعة من ~~القصص تروي عن «أرثر» و«لانسلت» # 6 # و«جالاد» # 7 # و«برسفال» # 8 # و«ترسترام»، # 9 # وغيرهم من الأبطال ذوي المغامرات في الحب والحرب. ~~وينقسم هذا الكتاب إلى واحد وعشرين جزءا، يقص أولها مولد ~~أرثر ونشأته أم طفولته؛ فقد ظهرت فجأة ذات يوم صخرة ضخمة في فناء ~~كنيسة بإنجلترا وإلى جانبها سيف دس في سندان، وعلى الصخرة نقشت ~~هذه العبارة بأحرف من ذهب: «إن من يجذب هذا السيف من هذه ~~الصخرة والسندان ملك شرعي أنجبته إنجلترا بأجمعها ليحكم.» وحدث ~~أن قصد أرثر ذات عام - بعد مباراة في الفروسية - إلى داره ليحضر ~~سيف أخيه الأكبر، ففكر في أن يكفي نفسه مئونة السفر الطويل إلى ~~بلده طلبا لسيف أخيه، ويعرج على فناء الكنيسة ليستل من ~~الصخرة ذلك السيف المطمور، وجذب جذبة فإذا السيف ينسل في ~~يده، فحق له إذن أن يعتلي عرش بلاده، ولكن ذلك لم يكن هينا ~~يسيرا، فقد نازل وقاتل من أجل الملك، فكان في نزاله وقتاله ~~يبعث على العجب والإعجاب. # وتزوج أرثر من «جوينيفر» # 10 # الفاتنة، وعاش في مدينة بويلز عيش الأبهة والجلال، ~~تحوطه مئات الفرسان وفاتنات الغواني، كلهم مثل أعلى للبسالة ~~وطيب النشأة ورشاقة الحركات. ومن أشجع هؤلاء الفرسان وصفوتهم ~~المختارة اتخذ أرثر بطانته التي كانت تجالسه حول «المائدة ~~المستديرة». وقد كان يتفرق فرسان أرثر ليجوبوا البلاد ينشدون ~~المغامرة؛ فيحمون النساء، ويتعقبون الطغاة، ويطلقون من ~~قيدهم سحر الساحرين، يصفدون المردة والأقزام. وأنت إذ ms0216 ~~تقرأ قصص هؤلاء الأبطال فإنما تقرأ أجمل غرام تصادفه عند ~~المحبين، وتجوس معهم خلال المدائن ذات الأبراج حيث تتحقق أحلام ~~الشعراء في بطولة الفرسان ... وتقرأ في قصة أرثر كيف خانته زوجته ~~فأحبت سواه، وكيف قضى أرثر نحبه بيد أثيمة. # ومن القصص الواردة في كتاب «موت أرثر» للسير مالوري قصة ~~«الوعاء ~~المقدس # the Holy Grail ~~» وهي مثال جميل لامتزاج الأساطير ~~المسيحية بالقصص القديمة التي سبقت عهد المسيحية، أو التي لم يكن ~~يصلها بالمسيحية سبب من الأسباب؛ فهذا «الوعاء المقدس» هو ~~الإناء الذي صب فيه دم المسيح، وهو رمز للكمال، ولا يجوز لغير ~~الفارس الطاهر المتخلق بأخلاق المسيح أن ينظر إليه. وتروي القصة ~~أن «لانسلت» الذي ثلم الفضيلة بشين سلوكه أراد أن يمس ~~الوعاء فخانته قواه، ولم يستطع ذلك غير أفاضل الفرسان «جاوين» # 11 # و«جالاد» # 12 # و«برسفال». # 13 # وهنالك غير هذه قصص مما يتصل بأرثر وأبطاله وفرسانه، وكلها ~~مستمد من أصول فرنسية أو كلتية، لكن الأدب الإنجليزي ~~الوسيط لم يكن مدينا كله لتلك الأصول الكلتية والفرنسية، بل إنه ~~ليضيف إليها لونا جرمانيا ناصعا جاءه من آبائه السكسون. فعلى ~~الرغم من ضعف الخيال عند الإنجليز السكسون إذا قيس بالخيال عند ~~جيرانهم من الكلتيين والفرنسيين - ذلك الضعف الذي أدى إلى تأخر ~~الفنون عندهم - استطاعت اللغة الإنجليزية السكسونية أن تثبت ~~وتستقيم أداة فنية في ذلك العهد، الذي اتخذ اللاتينية لغة ~~للعلم والفرنسية أداة للتفاهم بين السادة. وليس الأدب الذي ~~بقي لنا من الإنجليزية السكسونية أدبا خصبا غزيرا، ولكنه مع ~~ذلك جدير منا بالذكر والتسجيل. # وخير مثال نسوقه للشعر الإنجليزي السكسوني قصة «بيوولف # Beowulf ~~» وهي تقع في فصلين: في ~~الفصل الأول يأخذ بيوولف سمته نحو الدانمارك، لأنه سمع أن ~~أهل تلك البلاد يشكون من عدوان غول فظيع اسمه «جرندل»، ~~وبعد صراع عنيف يتغلب بيوولف على ذلك الوحش المخيف الذي طالما ~~أنزل الفزع في نفوس الناس كلما أغار عليهم في ظلام الليل، لكن ~~أم الغول لا تدع ابنها يقضي نحبه من غير أن تنتقم، فتغتر في ~~الليلة ms0217 التالية وتفتك بشريف من أشراف الدانمارك، فلما أصبح ~~الصباح اقتفى بيوولف أثر أم الغول إلى عرينها تحت البحر ~~وصارعها صراعا عنيفا حتى صرعها، وهكذا تخلص الدانماركيون من ~~ذلك الفزع المروع. ويلقى بيوولف جزاء ما صنع، فيعود مثقلا ~~بالهدايا متشحا بالشرف كسبه لنفسه ولأمته. # وفي الفصل الثاني من القصيدة يحدثنا الشاعر أن بيوولف أصبح ~~ملكا على قومه في شيخوخته، وقد فزعت إليه أمته لينقذها ~~من أفعوان مفترس يفتك بالناس فتكا ذريعا، فيلاقي بيوولف ذلك ~~الأفعوان في قتال شديد ينتصر فيه، لكن الأفعوان ينفث في البطل ~~سمومه فيرديه قتيلا. وتنتهي القصيدة ببناء مقبرة عالية لذلك ~~البطل المغوار فوق الصخور المرتفعة على الشاطئ، يراها الملاحون ~~من بعد فتثير فيهم شعورا بالمجد والعظمة. # وعلى الرغم مما في هذه القصيدة من شرود في الخيال، إلا أنها ~~تصوير دقيق صحيح للحياة الواقعة في عصرها؛ فشخصية بيوولف تصوير ~~حي للأمير المقاتل في العصر القديم، بل إن الغول وأمه في ~~الجزء الأول من القصيدة، ثم الأفعوان في جزئها الثاني، لتصور ~~هذا الفزع الشديد الذي يساور النفوس من كائنات مخيفة تعيث في ~~الأرض فسادا إذا ما جن الليل. ولا فرق بين أن يستعين الناس ~~ببطل كبيوولف لينقذهم من الغول وشره، وبين أن يلجأ الناس - ~~فيما نرى - إلى رجل من رجال الدين يقرأ العزائم ويكتب التمائم ~~ليطهر الأرض من الجن المخيفة. # ومن رجال الأدب الإنجليزي في العصور الوسطى شاعران دينيان هما «كادمن» # 14 # و«ساينولف» # 15 # ولو أننا لا ندري على وجه الدقة في أي قرن عاشا. ~~أما كادمن - الذي يرجح أنه قد عاش في القرن الثامن - فقد ~~نظم شعرا قصة «التكوين» وقصة «الخروج» وهما سفران في العهد ~~القديم. وأما «ساينولف» فلا شك في أنه مؤلف ثلاث قصائد من ~~«القصائد المقدسة» التي جمعت بعنوان «المسيح»، وقد ذكر اسمه في ~~قصائده تلك، وأغلب الظن أنه كتب تراجم لأربعة من القديسين، ~~في بعض مواضعها دقة الشعور وقوة القصة. # كان الشعر - كما رأيت - أول أداة فنية اتخذتها اللغة ~~الإنجليزية للتعبير الأدبي، وذلك لأن الشعر ms0218 - وهو لغة العاطفة - ~~أسبق ظهورا من النثر وهو لغة العقل والمنطق كما أسلفنا؛ ومع ذلك ~~فقد شهدت العصور الوسطى إلى جانب الشعر إنتاجا في النثر لا بأس ~~به قدرا ومقدارا. ولعل أجدره بالذكر ما كتبه الملك ~~«ألفرد الأعظم» الذي حكم إنجلترا في الثلث الثالث من القرن ~~التاسع، وجاهد أن يثقف شعبه فعلمهم القانون وبصرهم بشئون ~~الفن ومسائل الفلسفة. والأرجح أن يكون قد ساهم في كتابة «كتاب ~~التاريخ» # Chronicle # وهو أهم وثيقة ~~نثرية في الأدب الإنجليزي السكسوني، ومصدر كثير مما نعلمه عن ~~إنجلترا من منتصف القرن الثامن إلى منتصف القرن التاسع. ولقد ~~ترجم هذا الكتاب إلى اللغة الإنجليزية الحديثة لقيمته في ~~التاريخ وفي الأدب على السواء. # الفصل الثاني # | الأدب الفرنسي في العصور الوسطى # ونبذة عن الأدب في إسبانيا # كانت فرنسا في العصور الوسطى تنقسم من حيث اللغة والأدب - كما ~~كانت تنقسم من حيث طبيعة الأرض والسياسة - قسمين يفصلهما خط ~~يمتد من شرقيها إلى غربيها، وهو يقع بحيث يقسمها ثلثين إلى ~~الشمال وثلثا إلى الجنوب؛ فشطرها الجنوبي أضيق من شطرها ~~الشمالي مساحة وأضعف أدبا، وقد سادت أخيرا لغة الشمال وأدبه ~~وتدهورت لغة الجنوب، مع أن تلك اللغة الجنوبية ازدهرت في العصور ~~الوسطى ازدهارا جعل ذلك الإقليم الجنوبي من فرنسا خلال القرن ~~الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر زهرة المدنية الأوروبية ~~وموضع سحرها. # وشعراء هذا الإقليم الجنوبي - إقليم بروفانس - هم «الشعراء ~~الطوافون» أو «التروبادور # Troubadours ~~»، الذين يعدون طليعة الأدب الرومانتيكي - أدب ~~الخيال والعاطفة - في أوروبا الحديثة. وكان هؤلاء «التروبادور» ~~يكونون طبقة ممتازة منها السادة والفرسان والأشراف بل والملوك؛ ~~فملك إنجلترا «رتشارد قلب الأسد» يعتبر أحدهم، وقد كتب شعرا ~~باللغتين الفرنسيتين الشائعتين إذ ذاك - لغة الشمال ولغة ~~الجنوب - وخلف لنا قصيدة ذات جمال فني ممتاز، كتبها حين كان ~~سجين دون المجر الذي زجه في السجن وهو في طريقه إلى إنجلترا ~~عائدا من الحروب الصليبية. # فلم تكن تلك الطائفة من الشعراء تدخل في زمرتها إلا من ~~ظهرت له موهبة في إنشاد الشعر، لا فرق في ms0219 ذلك بين شاعر تنجبه ~~الطبقات الدنيا، أو شاعر يظهر بين الأمراء والنبلاء. ولا بد من ~~التمييز بين هؤلاء الشعراء وبين جماعة من «الندماء» كثروا عندئذ ~~في حاشيات القصور، لم يكونوا منشئين مبدعين، ولكنهم مهروا في ~~الغناء والإلقاء: يلقون القصائد والقصص في توقيع جميل. # وشعر طائفة «التروبادور» يدور حول الحب، وهو في وزنه وبنائه ~~من الشعر الغنائي. وإن أغانيهم - التي لا يزال كثير منها باقيا ~~- لتمتاز بالبساطة وتحريك العاطفة وقربها من الأغاني الشعبية، ~~وإن يكن بعضها مزخرف اللفظ عميق الفكرة. وليست جدة شعر ~~«التروبادور» آتية من ناحية موضوعه، ولكنها آتية من ناحية الطريقة ~~التي اتبعت في صوغ هذا الموضوع، وذلك العشق الخفاق الذي كان ~~يعبر عنه هذا الشعر تعبيرا غنيا بالصور الخيالية ~~ممتازا بالصقل والتجويد. لم يكن من نوع ذلك العشق الذي كانت ~~تعبر عنه الأغاني الشعبية الساذجة، وإنما كان هذا العشق ~~(التروبادوري) مذهبا عاطفيا أو بدعة رومانتيكية ... ولم يكن ~~يجد ذلك العشق مثله الأعلى في الفتاة، وإنما كان يجده في ~~الزوجة. وقد ذهب كثير من المستشرقين إلى أن شعر التروبادور ~~ظهر في الجزء الجنوبي من فرنسا أخذا عن الشعر العربي في الأندلس ~~من حيث موضوعه وأوزانه. # 1 # وإذا قيس ما وعاه التاريخ من أزجال ابن قزمان الأندلسي ~~المتوفى سنة 555ه بأشعار التروبادور تبين أن الثانية ~~مأخوذة من الأولى. وكان أحد شعرائهم وليم دي بواتييه # 2 # ينظم أحيانا في أوزان ابن قزمان، وأحيانا في أوزان ~~تقاربها جدا؛ بل رد بعض الباحثين كلمات من اصطلاحات هذا ~~الشعر إلى كلمات عربية. # 3 # أما أدب الشمال في فرنسا - شعرا كان أو نثرا - فقد أتيحت له ~~حياة أطول من أدب الجنوب؛ فأدب الشمال هو الأدب الفرنسي الذي ~~كتبت له السيادة على أوروبا قرونا متواليات، والذي لا تزال ~~تقاليده باقية إلى يومنا هذا. وقد كان الشاعر في الشمال - وكانت ~~تطلق عليه لفظة تروفير # trouvère ~~- تقابل تروبادور لشاعر الجنوب - يحترف الشعر على ~~حين كان شاعر الجنوب يتخذه هواه، وكذلك كان شاعر الشمال أكثر من ~~زميله في الجنوب ms0220 ميلا إلى رواية القصة وانغماسا في الحياة؛ وكان ~~شاعر الجنوب أميل إلى الغناء والنغم الموسيقي؛ فنتج عن ذلك ~~أن أصبح الجنوب أرض الغناء، وأضحى الشمال موطن القصة. وذلك بالطبع ~~لا يعني أن أدب الشمال لم تزهر فيه القصيدة الغنائية، وأن ~~المنشدين في إقليم بروفانس لم يرووا أروع القصص، إنما نريد ~~الميل الغالب والاتجاه بوجه عام. # وبواكير الشعر الفرنسي يطلق عليها اسم أنشودة المغامرة # Chanson de geslè ~~، وكان ~~موضوع الشعر عندئذ بطولة الفرسان وبسالة الأبطال من الملوك أو ~~بطانتهم؛ وهو من نوع الملاحم في روحه ومادته، وكثيرا ما ينحو ~~منحى قوميا وطنيا مسرفا؛ ف (أنشودة المغامرة) بمعناها ~~الصحيح إنما تعالج تاريخ فرنسا وما فيه من صفحات مجد وفخار، ~~ولكنك ترى إلى جانب ذلك قصصا تدور حول عمالقة الماضي من أمثال ~~إسكندر الأكبر، وقصصا أخرى تقوم على أبطال الأساطير ممن ذكرهم ~~هومر وفرجيل، وطائفة ثالثة تروي قصة «أرثر» وفرسانه. وهذه ~~الأناشيد والقصص الموضوعية في قوالب الشعر كانت تكفي لإشباع ~~الرغبة الطبيعية عند الناس في القصة ، وإن يكن هذا القصص الوسيط لا ~~يصادف عند القارئ الحديث قبولا، بل إنه ليبعث على الملل، ولا ~~يثير الاهتمام إلا عند العلماء الذين يتعقبون كل ما خلف ~~الأسلاف. # ومهما يكن من أمر هذه الأناشيد - التي يبلغ ما بقي لنا منها ~~مائة - ففيها عدد قليل من الآيات الروائع، ومن هذه أنشودة رولان # Chanson de Roland # فقد كان ~~رولان هذا شخصا حقيقيا من أشخاص التاريخ، وهو فارس من فرسان ~~شرلمان، قتل وهو يتقهقر مهزوما في شعاب جبال البرانس الممتدة ~~شمالي إسبانيا أمام جيش المسلمين في الأندلس. وشاعر هذه الأنشودة - ~~وهو مجهول عاش في القرن الحادي عشر - يروي قصة عراك عنيف ينشب ~~بين المتقاتلين في ممر من جبال البرانس، حيث انخدع شرلمان ~~بحيلة من أعدائه، فتراجع عبر الجبال إلى جنوبي فرنسا، تاركا ~~رولان يحمي له المؤخرة من هجمات الأعداء، وهناك قتل البطل ~~وفني من حوله من الفرسان. ولم تستكشف أنشودة رولان إلا منذ ~~مائة عام، ولكنها طبعت في هذه الفترة ms0221 مرارا، وترجمت إلى ~~الفرنسية الحديثة وإلى الإنجليزية. وقد كان لقصة رولان هذه شيوع في ~~إيطاليا إبان النهضة واتخذ منها أريوستو # 4 # الشاعر الإيطالي موضوعا لخير كتبه أورلاندو # 5 # ولكنها فيما يظهر لم تكن لها عندئذ مكانة ملحوظة في ~~إنجلترا، لأن القصص في إنجلترا وفي فرنسا في ذلك الحين لم يدر ~~حول أخبار شرلمان، إنما كان مداره أرثر، وما يروى عنه من ~~أساطير. # ومن الشعراء الفرنسيين الذين ساهموا بنبوغهم في إنشاء تلك ~~المجموعة من القصص اثنان جديران بالذكر، وهما ماري دي فرانس # 6 # وكرتيان دي تروا. # 7 # أما ماري دي فرانس، فقد أنفقت الشطر الأعظم من حياتها في ~~إنجلترا، وربما كانت هنالك من حاشية البلاط الملكي في عهد هنري ~~الثاني، حيث سادت الثقافة الفرنسية. وكانت الملكة اليانور أميرة من ~~إقليم بروفانس. وماري شاعرة مجيدة تروي قصصها في تدفق وسلاسة في ~~غير تكلف أو عناء، وقد ترجم وشرح كتابها «الأشعار # Lais ~~»، ويستطيع القارئ الحديث أن ~~يقرأها في اللغات الحديثة. # وأما كرتيان دي تروا فشاعر عظيم له أثر قوي في بناء قصة أرثر، ~~وقد عاش في النصف الثاني من القرن الثاني عشر. وتعد قصصه الآتية ~~زهرة الشعر القصصي الفرنسي الباكر وأساسا للقصص النثرية التي ~~ظهرت بعد في كتاب مالوري الذي تقدم ذكره، وقصصه هي: فارس ~~الليث، وإرك وإيند، وفارس العربة، وترستان، وبرسفال. ~~وسنرى في الفصل التالي أن قد كان لكرتيان أثر عميق في الأدب ~~الألماني. # وهنالك إلى جانب تلك القصص التي تروي حوادث أرثر وغيره من ~~الأبطال ضروب ثلاثة من الشعر أنشدها المنشدون في العصور الوسطى، ~~ولا تخلو في بعض أجزائها من روعة خيال. أما أولها فهو الخرافة ~~التي تقص عن الحيوان، وهو ضرب من الخيال تناوله فيما قبل ~~إيسوب اليوناني # 8 # بقصصه الخرافية المشهورة، فأصبح منذ عهده لونا ~~مطروقا من ألوان القصص. ومما بقي لنا من هذه الخرافات التي ~~تتحدث عن الحيوان مجموعة مفككة الأجزاء تسمى «قصة الثعلب ~~رينار». وأعظم قصصي للخرافة في الأدب الفرنسي فيما بعد العصور ~~الوسطى هو لافونتين، # 9 ms0222 # الذي لم يستمد خياله من أسلافه الفرنسيين في تلك ~~العصور الوسطى - فهؤلاء لم يستكشف أدبهم إلا في القرن التاسع ~~عشر - بل استقاه من منابع كلاسيكية ومن خياله الحاد الذي طبع ~~على السخرية. ولم تكن الخرافة القديمة سوى قصة ساذجة عن الحيوان ~~لم يرد بها الراوي أن تكون صورة للمجتمع، وإن لم تخل عادة ~~من لمحات فكهة تسخر من الخلق الإنساني. # وثاني تلك الضروب الثلاثة من الشعر التي ظهرت في العصور ~~الوسطى، هو القصيدة الرمزية التي يقصد بها أن تكون درسا خلقيا ~~تهذيبيا، والأشخاص في مثل هذه القصيدة إنما تكون فضائل ورذائل ~~مجردة مثل: «الحب» و«البغض» و«الحسد» وما إلى ذلك. وأشهر مثال ~~للقصيدة الرمزية «قصة الوردة»، وهي قصيدة طويلة موضوعها فن الحب، ~~وهي تعرض ما في هذا الفن من شهامة ونخوة عرضا تشيع فيه ~~سخرية جميلة. ولا شك أن أهل العصور الوسطى على ما بهم من ~~رزانة الفروسية وصرامة الأخلاق لم يفتهم أن يضحكوا من نقائص ~~الإنسان؛ ف «قصة الوردة» في رزانتها ووقارها، ثم في سخريتها ~~وفكاهتها تصور زمانها تصويرا أمينا جعلها أثرا أدبيا من ~~الطراز الأول في أهميته، ولعلها أن تكون القصيدة الوحيدة ~~المتماسكة التي كتبها شاعران، لا عن طريق التعاون ولكن في ~~تتابع؛ إذ أتم الثاني منهما ما تركه الأول حتى اكتمل بناء ~~القصيدة. أما الجزء الأول فقد كتبه «وليم لورس» # 10 # في النصف الأول من القرن الثالث عشر، وكتب الجزء ~~الثاني من القصيدة «جان دي مونج» # 11 # بعد ذلك بنصف قرن تقريبا. وكان هذا الأخير شاعرا ~~موهوبا، ولم تقتصر مادة القصيدة على «الحب»، إنما لخصت الجزء ~~الأكبر من الآراء الاجتماعية التي سادت في العصور الوسطى، فليس ~~ثمة من يرتاب في قيمتها التاريخية. أما هل تهيئ القصيدة ~~لقارئها متعة أو لا تهيئ فذلك موضوع آخر؛ فالقارئ الحديث لا ~~يستسيغ كسلفه في العصور الوسطى قصيدة رمزية طويلة تقصد إلى ~~التهذيب الخلقي، حتى وإن خفف من حدتها فكاهة لطيفة كما في ~~هذه القصيدة، أو سمت شاعريتها كما في قصيدة سبنسر «الملكة ms0223 ~~الجميلة» التي سيأتي ذكرها بعد في تاريخ الأدب الإنجليزي في عصر ~~النهضة. # والضرب الثالث من شعر العصور الوسطى هو الشعر الغنائي الذي ~~أينع وازدهر وتكاثرت ألوانه، وأصحاب هذا الشعر الغنائي لم ~~تنجبهم طبقة في المجتمع دون أخرى، بل ساهمت في إخراجهم طبقات ~~الناس جميعا، فمنهم العالم الذي مزج أنغام غنائه بعلمه، وحاول ~~أن يكسب اللغة الأدبية وقار العلم وأسلوبه، ومنهم النبيل الذي ~~شجع الفن ومارسه، بل منهم الملوك: فبين من أنشد وغنى من ~~أصحاب العروش «تيبولت الرابع ملك شمبانيا» # 12 # و«رتشارد الأول» ملك إنجلترا (وهو رتشارد قلب الأسد ~~بطل الحروب الصليبية)، وجيمس الأول ملك اسكتلنده، وألفونسو العاشر ~~ملك إسبانيا، ولكن القصائد الغنائية التي أنشدها شعراء من طبقات ~~الشعب الدنيا كانت خيرا مما قاله هؤلاء السادة، وتسمى هذه ~~الأخيرة «الأغاني الشعبية» وهي ألصق من تلك الحياة، كما هي الحال ~~في الأغاني الشعبية عند الأمم جميعا. # وقد ظهر في القرن الرابع عشر كتاب عظيم نستطيع أن نسلكه في قصص ~~الفروسية التي سلف ذكرها، وذلك هو كتاب «أخبار التاريخ # Chronicles ~~» ومؤلفه «فرويسار»، # 13 # فهذا الكتاب الذي يقص تاريخ فرنسا وإنجلترا ~~واسكتلندة وإسبانيا قرنا كاملا تقريبا يثير خيال القارئ أكثر ~~مما تفعل القصة الخيالية، وهو صورة عظيمة لعصره؛ فقد كان ~~«فرويسار» رحالة لا ينقطع عن الرحلة، وينظر إلى العالم نظر ~~المشغوف الذي لا يمل، ويسجل ما يراه وما يسمعه. وإن لأسلوبه ~~لجدة وطلاوة وحياة، وفي إثباته للأخبار أمانة ظاهرة لا تخفى ~~على القارئ، مما وضعه في الصف الأول من المؤرخين، حتى ليطلق ~~عليه أحيانا «هيرودوت العصور الوسطى»، وذلك فضلا عن مكانته في ~~فن القصة. وقد كان «فرويسار» إلى جانب ذلك شاعرا، وإن لم يكن ~~شاعرا ممتازا، لأنه عاش في قرن سادت فيه كتابة النثر، فقد صمتت ~~قيثارة الشعر خلال القرن الرابع عشر في فرنسا، ولم تعد إلى ~~أنغامها الساحرة إلا في القرن الخامس عشر. وكان لكتابة «فرويسار» ~~أثر بليغ في النثر الفرنسي، فقد اتجه به نحو الوضوح الذي ~~لبث قرونا طوالا طابع النثر في ms0224 فرنسا. ~~••• # ويتصل الأدب الإسباني بالأدب الفرنسي في العصور الوسطى، ~~وبخاصة أدب الإقليم الجنوبي - إقليم بروفانس - اتصالا شديدا؛ ~~فالقصيدة الإسبانية التي تقابل قصيدة «أنشودة رولان» في فرنسا هي ~~«قصيدة ~~السيد Poem of the Cid ~~»، وقد كان «السيد» رجلا حقيقيا قاتل ~~المسلمين في الأندلس قتال الأبطال، واسمه «راي دياز دي بيفار» # 14 # ويلقب ب «السيد»، وقد أصبح «السيد» موضوعا تحاك ~~حوله الأساطير التي تروي ضروب البسالة والبطولة. ولم تؤثر ~~شخصية «السيد» في الأدب الإسباني وحده، بل جاوزته إلى سائر ~~الآداب الأوروبية، فاتخذها «كورني» # 15 # الروائي الفرنسي العظيم موضوعا لإحدى مآسيه، وقد ~~ترجمت هذه الأخيرة إلى اللغة العربية. # ومن أدباء إسبانيا في القرن الثالث عشر ملكها «ألفونسو» ويلقب ~~ب «العالم» الذي أمسك السيف بإحدى يديه محاربا وحمل القلم ~~بالأخرى كاتبا؛ فقد أنشد شعرا وكتب نثرا، وأشرف على مؤلفات ~~وضعت في مختلف الفنون والعلوم، واستقدم إلى بلاطه أصحاب الفن ~~ورجال الغناء من فرنسا، وبخاصة «التروبادور» الذين كانوا عندئذ ~~لا يطمئنون إلى الحياة في إقليم «بروفانس» - وهو وطنهم - لما ~~شهده من انقلاب سياسي في ذلك العهد، ولم يزدهر الشعر الغنائي ~~للتروبادور في إسبانيا ازدهاره في فرنسا ، ولكنهم مع ذلك أنتجوا ~~مقدارا عظيما من الأغاني والأناشيد تعبر عن الحالات النفسية ~~على اختلاف ألوانها، وهي تتفاوت في الجودة من النظم الركيك إلى ~~الشعر الجيد الممتاز. # وسنجد في الأدب الإسباني في عصر النهضة أدبا زاهيا زاهرا ~~موضوعه فصل آخر. # الفصل الثالث # | الأدب الألماني في العصور الوسطى # لعل الشعراء لم يجدوا من التكريم في بلد ما وجدوه في البلاد ~~الألمانية، وفي أجزائها الجنوبية بصفة خاصة: في بافاريا والنمسا، ~~وهنالك نشأ بتأثير الشعراء «التروبادور» تقليد بين الشعراء أن ~~يقرضوا «أنشودة الحب» فيتغزلوا بالحبيب على تقاليد دقيقة معقدة ~~تقوم بين الشعراء مقام القانون الذي لا يجوز لأحد أن يعدو قيوده ~~وحدوده. غير أن الشاعر الغزل في ألمانيا كان أكثر من زميله ~~التروبادور في فرنسا جدا وصرامة، وأقل منه زخرفة وبهرجة؛ فقد ~~تناول فنه في جد لا يعرف الهزل، واستطاع في قرنين ms0225 - هما ~~الثاني عشر والثالث عشر - أن ينتج مقدارا كبيرا من الشعر ~~الغنائي الذي يشف عن عبقرية قوية في قرض الشعر، فكانت تلك ~~القصائد الغنائية بالإضافة إلى الأغاني الشعبية الساذجة أساسا ~~«للأغاني» الألمانية التي امتازت بألفاظها وأنغامها معا. وكان ~~الشاعر الغزل في ألمانيا - عادة - فارسا من الصفوف الدنيا، ~~وموضوع «أغنية الحب» إعجاب الشاعر بل تقديسه لامرأة من طبقة ~~اجتماعية تفوق طبقة الشاعر بحيث يستحيل عليه أن يظفر بها. وقد ~~تكون هذه المحبوبة أحيانا متمثلة بالفعل في زوجة سيده، وقد ~~تكون أحيانا أخرى وليدة خياله. وإن هذا اللون من الحب يحسه ~~شاعر شاب نحو معشوقة فوق مناله ليشيع في كثير من شعر العصور ~~الوسطى وعصر النهضة. ولئن كان هذا الحب مصطنعا أحيانا فإنه في ~~معظم الأحيان صادر عن عاطفة قوية سليمة تمكن الشاعر أن يعبر ~~عنه تعبيرا جميلا. # وأعظم «شعراء الغزل» في ألمانيا هو «وولتر فون در فوجلويد» # 1 # الذي برع في فن القريض، وكان ذا أثر عميق في النهوض ~~بالشعر الغنائي، وكان لا يتكلف الغزل بل يصدر في غنائه عن شعور ~~صادق، وإن العاطفة البادية في شعره لتصطبغ بصبغة هي أقرب إلى ~~نفوسنا من شعر كثير من المعاصرين، وقصيدته المشهورة هي «تحت ظلال ~~الزيزفون»، وليست معشوقته فيها سيدة من طبقة رفيعة، بل فتاة ساذجة ~~من غمار الشعب. # وقد حدث في مستهل القرن الثالث عشر أن التقى «وولتر فون در ~~فوجلويد» بزميله الشاعر «ولفرام فون إشنباخ» # 2 # في بلاط أحد الأمراء، فكان لقاء بين شاعرين هما أقوى ~~شعراء الألمان عاطفة وعبارة وأشدهم خلقا وابتكارا. وتاريخ ~~الأدب يعرف «ولفرام» بشعره الغزلي، كما يعرف له أنه الشاعر الذي ~~تناول قصة «بارسفال» # 3 # فصاغها وسواها، وهي أجمل قصة تروي أسطورة «الوعاء ~~المقدس» التي تقدم ذكرها، وقد جاءته القصة من فرنسا عن شاعرها ~~«كرتيان دي تروا» وغيره من مصادر الأساطير، ولكن «ولفرام» ~~كان أصلب عودا من سلفه الفرنسي «كرتيان» وأدق منه إحساسا ~~بفن القصص، وإن يكن «ولفرام» في بعض مواضع قصته يغمض ~~ويتعثر؛ وذلك لأن اللغة ms0226 الألمانية لم تكن بلغت في أدائها ~~للقصة ما بلغته من التهذيب والسمو في أدائها للغناء. # ويعاصر الشاعرين «ولفرام» وزميله «وولتر» شاعر ثالث بحيث ~~يكون معهما ثالوثا أدبيا في الشعر الألماني الوسيط وهو ~~«جوتفريد فون ستراسبورج» # 4 # الذي كتب أروع ملاحم البطولة في ألمانيا، بل في أوروبا ~~بأسرها؛ فقصته «ترستان» مستمدة من أصول فرنسية، ولكنها في ~~قوة التعبير وصدق التصوير ووحدة الفكرة لا يدانيها شيء من ~~الإنتاج الفرنسي. وقصة «جوتفريد» هذه عن «ترستان» اتخذت فيما ~~بعد أصلا يقاس عليه فيما كتب من قصص في هذا الموضوع. وقصة ~~«ترستان» فرع من قصص «أرثر» التي شاعت في الأدب الوسيط. # على أن «إلياذة» الألمان في العصور الوسطى هي «نبلنجن ليد» # 5 # ومعناها «أغاني أهل الظلام»، وهي كنز ثمين خصب هبط ~~عليه «فجنر» فيما بعد فاستمد منه قصصا لمسرحياته ~~الغنائية. # وكاتب هذه القصيدة العظمى شاعر ألماني مجهول عاش في القرن ~~الثاني عشر، وقد جمع أساطير الأبطال الأولين الذين ظهروا في شعوب ~~الشمال، تلك الأساطير القديمة التي لا بد أن قد تغنى بها ~~أصحابها الأوائل جماعات جماعات حول المدافئ قبل أن يخترع فن ~~الكتابة والتدوين. كما جمع هومر قبل ذلك بقرون أساطير الإغريق ~~الأقدمين فصبها شعرا في ملاحمه، وأطلق الشاعر المجهول على ~~مجموعة الأساطير التي أجراها في شعره «أغاني أهل الظلام»، التي ~~تقع من نفوس الألمان ما وقعت «الإلياذة» و«الأوذيسية» من نفوس ~~الإغريق. وكما اتخذت القصص الهومرية موضوعا للمآسي الإغريقية ~~الكبرى، كذلك اتخذت «أغاني أهل الظلام» معينا استمد منه ~~فن العصور الحديثة، فأخذ عنها «فجنر» - مثلا - مسرحياته ~~الغنائية. # وقصة «أغاني أهل الظلام» يرويها الراوي في تسع وثلاثين مغامرة، ~~وتبدأ بقدوم البطل سيجفرد، # 6 # وهو ابن سيجمند # 7 # ملك الأراضي الواطئة، إلى مدينة ورمز # 8 # ليخطب فتاة لا تضارعها في حسنها فتاة، وهي كريمهلد # 9 # أخت جونتر # 10 # ملك برجنديا. # وقد كان لسيجفرد هذا مغامرات عجيبة في شبابه حين كان يتلقى ~~تدريبه عند صانع للسيوف، فقد قتل أفعوانا واغتسل بدمائه، فأصبح ~~بعدئذ في مأمن من الجراح إلا ms0227 في موضع واحد من جسده، وهو موضع ~~يقع بين كتفيه حيث لصقت به ورقة من شجر الزيزفون حين اغتسل ~~بدماء الأفعوان، فكان هذا الموضع من سيجفريد ما كان العقب من ~~أخيل في قصة الإلياذة. فوق هذه الحصانة التي اكتسبها سيجفريد كان ~~قد حمل سيفا بتارا تروى عن أعاجيبه الأساطير، وظفر بثوب ~~الإخفاء إذا ما تلفع به اختفى عن نظر العيون، وقد أكسبه هذا ~~الثوب فوق ذلك قوة تعدل قوة اثني عشر رجلا متآزرين؛ وكان له ~~صولجان سحري أكسبه سلطانا على الآخرين. وفوق ذلك كله اجتمعت له ~~كنوز أهل مملكة الظلام، وهي تحوي ذهبا وأحجارا كريمة لا تقع تحت ~~الحصر، وأسلمت له دولة الأقزام زمامها وقيادها. # فلما أراد الملك جونتر أن يرحل إلى أيسنلنده # 11 # ليخطب - إن استطاع - الملكة برنهلد، # 12 # وهي بارعة الجمال ولكنها جريئة مغامرة، اتفق مع ~~سيجفريد أن يصحبه متنكرا في هيئة عبد من توابعه، فإن عاونه ~~سيجفريد في قضاء مطلبه - ودون ذلك أهوال - أباح له جونتر الزواج ~~بأخته كريمهلد التي جاء يخطبها، لكن أين هما من الظفر ببرنهلد ~~وهي تلك المرأة الشموس التي تضع نفسها في طليعة المقاتلين؟! إنها ~~في أهدأ حالاتها لا تهب نفسها زوجا إلا لمن يفوقها في رماية ~~الرمح والقفز وقذف الأحجار. # تلفع سيجفريد بثوبه السحري، فاختفى وازدادت قوته أضعافا ~~مضاعفة، ونازل الملكة المخطوبة برنهلد ولم يكن على جونتر الخاطب ~~إلا أن يهز جسده ويطوح بيديه كأنما يقوم هو بالنزال. وانتهى ~~الأمر بهزيمة برنهلد فكان لزاما عليها أن تنتقل مع خطيبها إلى ~~بلده ورمز، حيث أقيمت حفلات العرس للخاطبين جميعا: جونتر ~~يزف إلى برنهلد، وسيجفريد إلى كريمهلد. وكانت الحفلات تفيض ~~روعة وجلالا، لكن برنهلد - تلك الملكة الساحرة - قد استخدمت ~~بقية سحرها في ليلة الزفاف، فأمسكت بخطيبها جونتر وشدت ~~وثاقه شدا بمنطقتها وعلقته على مسمار في الحائط، فنهض ~~سيجفريد مرة أخرى يعين زميله جونتر على تلك المرأة المروعة ~~الغادرة، وما هو إلا أن فضت بكارتها حتى ذهبت عنها كل ~~قوتها، وأسلست القياد لزوجها، وكان جزاء ms0228 سيجفريد - لما قدم ~~من عون - أن أخذ من برنهلد خاتمها ومنطقتها وفيهما من قوة ~~السحر ما فيهما، ثم أهداها إلى زوجته كريمهلد. وتمضي أعوام ~~يتقلب فيها سيجفريد وزوجه في نعيم زاخر بفضل كنوزه العريضة التي ~~آلت إليه من مملكة الظلام، ولا يشوب سعادته تلك سوى شائبة واحدة، ~~وهي أن الملكة برنهلد لم تزل تشير إلى سيجفريد بأنه عبد رقيق ~~لجونتر، وأنها لذلك سيدة لزوجته كريمهلد. # وحدث يوما أن جاء سيجفريد إلى حفل أقيم في ورمز، وصحبته ~~زوجته وأبوه وعدد من الأتباع لا يكاد يحصيهم العد، وسارت الأمور ~~خلال الحفل على خير ما يرجى، ثم اشتبكت المرأتان - برنهلد ~~وكريمهلد - في نقاش حاد تزنان فيه قدر زوجيهما، وبلغ ~~النزاع أشده حين نهضت كريمهلد وخلفها حاشية عظيمة، وذهبت نحو ~~الباب تريد الخروج، فلحقت بها برنهلد التي لم يكن لها من جلال ~~الحاشية ما لتلك، وعنفتها قائلة: «لن تتقدم زوجة العبد في ~~الخروج على زوجة الملك.» وهنا ذاع السر المكتوم حين انفجرت ~~كريمهلد قائلة وهي مغضبة حانقة: # هلا أمسكت يا هذي عن الحديث؟ # فقد كان الصمت خيرا لك وأفضل. # ألم تجللي بالعار جسمك هذا الجميل؟ # فكيف استحلت عاهرة أن تكون زوجة لمليك؟ # ثم أبرزت لها الخاتم والمنطقة اللذين انتزعا ~~منها انتزاعا حين افترعها زوجها قسرا فانفجرت برنهلد باكية، ~~ثم أخذت تفكر وتدبر كيف يمكن لها أن تنتقم لما أصاب ~~كبرياءها من جرح بليغ. # وأنابت برنهلد عنها في الإيقاع بأعدائها محاربا مخيفا هو هيجن، # 13 # فما زال هذا بكريمهلد يصانعها حتى أفضت له بسر ~~سيجفريد أن في جسده موضعا واحدا يمكن جرحه فيه، وذلك بين ~~كتفيه. فلم يلبث هيجن أن باغت البطل سيجفريد، فأرداه قتيلا ~~وهو يتعقب صيده. ولكن برنهلد لم يكفها هذا، فلا بد أن ~~تستذل غريمتها كريمهلد بعد قتل زوجها، فعمل هيجن على استلاب ~~كنوزها، وبقيت المسكينة ثلاثة عشر عاما في فقر مدقع وحزن ~~شديد، حتى أرسل في خطبتها ملك من أقصى الأرض هو الملك إتزل، # 14 # فقبلت الزواج منه لعل الفرصة تعود ms0229 فتسنح لها ~~لتنتقم من عدوتها اللدود برنهلد. # ومضت أعوام، ثم أرسلت كريمهلد تدعو جونتر وبطله هيجن إلى قصر ~~زوجها، فأدرك هيجن ما قصدت إليه الداعية من سوء، وحاول أن يصرف ~~عنها سيده، ولكن جونتر لم يأبه له، وذهب في حاشيته وأتباعه. ~~ولم يكن إتزل زوج كريمهلد يعلم عن مكيدة زوجته شيئا، فأخذ ~~يستقبل الأضياف في حفاوة وإكرام، وما إن اكتمل الحفل حتى أخرجت ~~النفوس مكنون الضغائن فسلت سيوف، ورميت قسي، وطاحت ~~رءوس، وسالت دماء، ولقي الأعداء من الفريقين حتوفهم، ولم يبق ~~حيا سوى إتزل وبعض رجاله. # الفصل الرابع # | الأدب الإيطالي في العصور الوسطى # (1) دانتي # كان مولد دانتي في القرن الثالث عشر، وقد أوغل بحياته في ~~القرن الرابع عشر؛ فجاء قبيل الموعد الذي حدده المؤرخون ~~للنهضة في أوروبا، ولكن دانتي كان في ذاته نهضة كبرى. وقد ~~ولد دانتي في «فلورنسه» بإيطاليا، التي كانت في عهده - بل ~~ظلت قرنين أو ثلاثة قرون بعد زمانه - معقل الفنون والآداب، ~~لا يعدلها في ذلك بين مدائن العالمين إلا أثينا في عصرها ~~الذهبي. لكن شاء الله لشاعرنا العظيم ألا ينشئ آيته الفنية ~~الكبرى في مدينة الفنون، وذلك لما شهدته أيامه من صراع سياسي ~~عنيف، وكان هو منتميا إلى الحزب الخاسر ، # 1 # فنفاه ذوو السلطان من المدينة فاعتصم بحماة الأدب ~~من الموسرين في المدائن الإيطالية، وبخاصة في «فيرونا» # 2 # و«رافنا» # 3 # حيث أنشأ «الكوميديا». # وآية دانتي الكبرى هي «الكوميديا» التي أطلق عليها ~~«الكوميديا الإلهية» - ولم يكن دانتي هو الذي أطلق عليها هذا ~~العنوان الثاني - وهي رحلة خيالية في الجحيم وفي الأعراف، وفي ~~الفردوس، وقد بلغ بها الشاعر من الجودة ~~الفنية حدود الكمال. ~~و«الكوميديا» نمط خاص من الأدب، فلا هي تنخرط في سلك ~~الملاحم ولا هي تندرج تحت ضرب من ضروب الشعر المعروفة ~~المألوفة، فلم يأت بمثلها في الصياغة والتأليف سابق أو لاحق، ~~إنما خلقها دانتي خلقا وأنشأها إنشاء، فجاءت في عالم الشعر ~~وليدا جديدا مادة وصورة وعبارة. # 4 # ومع هذا فقد جمع في سطورها حكمة عصرها؛ فإنه ms0230 حين يرتحل ~~ليشهد الموتى، تراه يحمل في جعبته حقائق التاريخ وتراجم ~~الأعلام والأبطال، ثم يعيد في أشعاره قصص الآثمين ليصور ~~لهم ما يستحقون من ألوان العقاب، كما يقص أنباء المحسنين ~~وما وافاهم الله به من نعيم مقيم. والرواية عن هؤلاء وأولئك ~~هي مصدر ما يصادفه القارئ في القصيدة من متعة وجمال، ~~وبخاصة ما رواه الشاعر عن الجحيم وساكنيه، لأن القصة إذا ~~رويت عن مجرم آثم كانت أمتع من القصة تروى عن متبتل ~~قديس! وإن دانتي ليدرك هذه الحقيقة الإنسانية في وضوح، ~~ويستثمرها ما أسعفه الفن والنبوغ، فتراه ينزل بأصحاب الجحيم ~~عذابا أليما يهز النفوس هزا عنيفا، وينوع العذاب ~~فيصبه تارة على الجسم وطورا على الروح، ومع ذلك لا ~~تحس وأنت تقرؤه أنه عذاب صادر عن حقد وضغينة، بل تسوده ~~الرحمة والعطف الجميل. ويختم الشاعر رحلته برؤية الله، وعندئذ ~~تنطمس الإرادة الإنسانية في «الحب الذي يحرك الشمس ~~وسائر الأفلاك»؛ عندئذ يتحد الإنسان بالله. # وإنما أراد دانتي بهذا أن يهيئ لأبصارنا هذه الرؤية ليفتح ~~أمام بصائرنا آفاق الأمل الفسيح، فيخرجنا من إحساس بالشقاء ~~إلى رجاء في النعيم. # جاءت «الكوميديا» قصيدة رائعة بارعة، لكنها حوت ~~معميات في الفلسفة واللاهوت أخذ البحث العلمي في ستة قرون ~~تالية يجاهد في سبيل حلها وتوضيحها ثم أعلن إفلاسه، ولكن ~~فيم هذا العناء كله في حل المشكلات والغوص إلى الأعماق إن ~~كان السطح فاتنا خلابا؟ فلنستمتع بهذي القطوف الدانية إن ~~كان ما وراء ذلك فوق المستطاع. # ولا تقف عبقرية الشاعر عند حد الفكرة، بل تعدوها إلى ~~الصورة التي ألبسها إياها؛ فبناء القصيدة عنده معجزة من ~~معجزات التأليف والإنشاء، فالكوميديا تتألف من ثلاثة أقسام: ~~الجحيم، والمطهر (أو الأعراف) والفردوس، وفي كل قسم منها ~~ثلاثة وثلاثون مقطعا، وإذا أضفت إليها مقطعا زائدا ~~اتخذه الشاعر فاتحة للجحيم، كان لك بذلك مائة مقطع تكون ~~القصيدة. والمقاطع تكاد تتساوى كلها في عدد أبياتها، ففي ~~كل منها مائة وأربعون سطرا أو ما يدنو من ذلك، تتركب من ~~وحدات مثلثة القافية؛ فالوحدة قوامها ثلاثة أسطر ms0231 يتناغم ~~أوسطها مع السطرين الأول والثالث من الوحدة التي تليها. ولم ~~تكن هذه الصورة الشعرية التي ابتكرها دانتي لقصيدته دليلا ~~على براعته في الأوزان وكفى، لكنها فوق ذلك برهان على سلامة ~~فطرته وقوة سليقته، لأن هذه الوحدات المثلثة القافية خير ~~ما يصلح للتعبير عن موضوعه، وقد تعددت ألوانه وتباينت: ففيه ~~الفكرة، وفيه القصة، وفيه الوصف المستفيض والحكمة الموجزة، ~~بحيث جاءت كلها نسيجا واحدا متماسك الديباجة موصول ~~الأطراف والأجزاء. وما هو جدير بالذكر أن هذا الوزن ~~المبتكر قد حاوله من بعد دانتي كثيرون فلم يكن في أيديهم ~~طيعا متسقا كما كان عند صاحبه، لذلك ظل خاصا به لا ~~يشاركه فيه شاعر سواه. # ثم ماذا؟ ثم لا يقنع هذا النبوغ الخارق بالفكرة السامية ~~ينشئها وبالصورة الفنية في بناء القصيدة يخلقها، لكنه تجاوز ~~ذلك إلى الألفاظ نفسها، فاصطنع لغة لم يصطنعها الشعراء من ~~قبله؛ ففي ذلك العصر الذي كانت اللاتينية فيه أداة الكتابة ~~بين العلماء، لا ينازعها في ذلك منازع، اتخذ دانتي من ~~اللهجة العامية في إقليمه «تسكانا» لغة أدبية يستخدمها ~~لفنه، ثم أدخل عليها فيما بعد ما أدخل من تهذيب وتشذيب ~~حتى أصبحت أداة التعبير التي تجرى بها أقلام الأدباء في ~~إيطاليا، وهي ما نسميها اليوم ب «الإيطالية القديمة». لقد ~~كان في إيطاليا - ولا يزال بها - لهجات كثيرات، ولبعضها أدب ~~جميل، ولكن اللهجة التسكانية - وهي لهجة الحديث في فلورنسه ~~وما يجاورها - امتازت من دونها جميعا، واتخذت مقياسا ~~للتعبير الصحيح الخليق بطوائف المتعلمين، وذلك بفضل شاعرها ~~دانتي. # ويتخذ دانتي من سلفه فرجيل دليلا يهديه في رحلة ~~الجحيم، كأنما أراد بذلك أن يعترف بالجميل لأستاذه في «جمال ~~الأسلوب»، فليس من شك في أن لفرجيل أثرا عميقا في ~~دانتي، بل في شعراء أوروبا الوسيطة والحديثة على ~~السواء. ~~••• # لما بلغ دانتي التاسعة من عمره شاءت له المصادفة أن يلتقي ~~بفتاة في مثل سنه هي «بياترتشي»؛ # 5 # التقى اليافعان ولم يتبادلا حديثا، ولكن الشاعر ~~فيما بعد يقرر أنه «منذ ذلك اليوم قد تمكن سلطان الحب من ~~نفسي.» ms0232 ولبثت «بياترتشي»، حتى ختام حياته ملتقى خواطره ~~ومشاعره؛ فها هو ذا يستعيد في أواخر سنيه ذكريات ماضية، ~~فيذكر كيف شهد الحبيبة يوما يعده أسعد الأيام وهي ترتدي ~~ثوبا «أبدع ما تكون الثياب لونا، ثوبا قرمزيا جميلا ~~تطوق وازدان على نحو أتم ما يكون تناسبا مع يفاعة ~~سنها.» ومضت بعد هذا اللقاء أعوام تسعة، ثم قابل الشاعر ~~«بياترتشي» مرة ثانية، وكانت ترتدي ثوبا أبيض، وتسير في شوارع ~~فلورنسه في صحبة سيدتين تكبرانها، ولم يتبادل الحبيبان ~~حديثا في هذه المرأة أيضا، لكن الفتاة «أدارت عينيها إلى حيث ~~وقفت يعلوني الخجل الشديد، ثم حيتني في ظرف يعز على ~~التعبير، وعلى نحو من الجلال خيل إلي في موقفي ذاك أني ~~أشهد جنة النعيم.» ثم لم تقع عيناه على حبيبته بعد ذلك ~~إلا مرة ثالثة، فيا لها من سخرية للقدر أن تنفث «بياترتشي» ~~هذه العاطفة العميقة في أكبر قلب ضمه صدر إنسان، ثم تمضي ~~بها الأيام غير عالمة بما نفثت من سحر وإلهام! لكن ~~الأقدار تعود فتصلح ما أفسدت، فتهيئ لهذه العاطفة القوية ~~التي بعثتها «بياترتشي» في قلب دانتي أن تخلد في إحدى روائع ~~الأدب الإنساني، إذ خلدها دانتي في كوميدياه. # وتزوجت «بياترتشي» وماتت وهي في الخامسة والثلاثين عن ~~عمرها، فكتب عنها دانتي بعد موتها يقول: «ما إن فقدت أولى ~~مباهج نفسي حتى عراني حزن تغلغل في قلبي، فلم يعد أي ~~متاع يجدي شيئا.» ويقص دانتي قصة حبه هذا في أول كتاب ~~له كتبه بالإيطالية وهو «الحياة الجديدة»؛ والكتاب رسالة ~~فلسفية تتخللها مقطوعات شعرية، هاك إحداها يعلل فيها ~~الشاعر موت حبيبته في سن باكرة: # صعد هذا الجلال الفياض إلى السماء # فأيقظ الدهشة في رب الخلود، # حتى شاع في نفسه شوق لذيذ # إلى ذلك الجمال الباهر، # فقضى الله أن تكون الفتاة نحو الله طامحة؛ # إذ رأى هذه الأرض مترعة بالشر والعناء؛ # فليست خليقة بمخلوقة كهذي تفيض جلالا. # وبعد أن أتم دانتي كتابه «الحياة الجديدة» - ~~شرع ينشد «الكوميديا الإلهية» لتكون قربانا يقدمه إلى ~~المرأة التي أحبها، فقد ms0233 كتب دانتي الكوميديا ليتجه بها ~~إلى «بياترتشي» بعد موتها؛ فهو يقول في آخر فصول «الحياة الجديدة»: # لو شاء الذي يفيض الحياة على الكائنات جميعا أن ~~يمتد أجلى أعواما قلائل فإني آمل أن أكتب عنها ما ~~لم يكتب مثله لامرأة. فإن أتممت ذلك، فلتقض ~~إرادة الله رب الجلال أن يصعد روحي إلى السماء، ~~فيشهد جلال محبوبته إذ يرى «بياترتشي». # أما الكوميديا الإلهية فهي - كما أسلفنا - وصف للجحيم ~~والمطهر والفردوس، وهي تصور في ظاهرها حالة الأرواح بعد ~~الموت، لكنها في حقيقة أمرها رمز أريد به أن يبين حاجة ~~الإنسان إلى الهداية وإشراق الروح. وها نحن أولاء نعرض لك ~~موجزا وافيا لهذه القصيدة الخالدة: # ينظر دانتي فإذا هو قد ضل طريقه في غابة معتمة، وإذا ~~بفئة من الوحوش الكواسر تحول دون صعوده جبلا كان يعتزم ~~صعوده، ها هنا يلقاه «فرجيل» - الشاعر الروماني العظيم - ~~وبعد أن يطلعه على ما في الجحيم من ألوان العذاب، وأن ~~يريه المطهر بعد ذاك، فإذا ما تم ذلك صحبته «بياترتشي» ~~إلى الفردوس تهديه سواء السبيل. يسير «دانتي» ودليله «فرجيل» ~~حتى يأتيا باب الجحيم فيقرأ هذه الكلمات المفزعة التي ~~خطت عليه: # أدخلوني إلى مدينة الأحزان. # أدخلوني إلى أليم العذاب. # أدخلوني بين من ضلوا إلى أبد الآبدين. # إن بارئي قد أقام العدل ميزانا، # ثم شاءت قوة الله أن يقوم بنياني، # وإن هي إلا الحكمة العليا والحب الأول، # ولم يخلق الله قبلي غير الخوالد، # فإني على وجه الدهر باقية؛ # فيا أيها الواردون انفضوا عن أنفسكم كل ~~رجاء. # ويدخلان فإذا بالجحيم هوة سحيقة في هيئة ~~مخروط مقلوب، رأسه عند مركز الأرض وجوانبه مدرجة درجات ~~عراضا تقل حجما كلما ازدادت عمقا، وعلى هذا الدرج ~~حشر الآثمون: دنياها لمن ثقلت موازينه بخطاياه، وعلياها ~~لمن خفت موازينه؛ فلا يكاد الشاعران يدخلان أبواب الجحيم ~~حتى يبصران سهلا مظلما حشرت فيه أرواح الذين عاشوا ~~لأنفسهم وأنفقوا أيامهم - ولا يقول حياتهم لأنها لم تكن عنده ~~بالحياة - في تراخ وقعود، وهؤلاء كانت تلدغهم الزنابير ~~فلا تدعهم يطمئنون إلى قرار. # وعبر ms0234 الزائران ذلك السهل حيث بلغا «نهر أشيرون» # 6 # وهو نهر الأسف والأسى، وعلى شطه ألفيا زحاما ~~عند معبر «شارون» # 7 # كل يرقب العبور إلى الشاطئ الآخر. وكان «شارون» ~~هذا ينقل المتزاحمين في عنف وقسوة، وعيناه تدوران في وجهه ~~كأنهما حلقتان من نار؛ فلا يحتمل دانتي هذا المشهد الرهيب، ~~ويسقط في إغماءة لا يفيق منها إلا برعد يقصف قصفا شديدا، ~~فيرى أنهما قد عبرا «أشيرون». وعندئذ هبط مع دليله إلى ~~«لمبو»، وهي أولى حلقات الجحيم، وها هنا وجد عبدة ~~الأوثان الذين ماتوا قبل المسيحية، ولذا فقد حق عليهم ~~الحرمان من نعيم الفردوس على الرغم من حياة الفضيلة التي ~~عاشوها فوق الأرض. وفي هذه الحلقة الأولى يلتقي دانتي بأسلافه ~~«هومر» و«هوراس» و«أوفد» فيلقاه هؤلاء لقاء حسنا؛ ويهبطان إلى ~~الحلقة الثانية من الجحيم، فإذا بدانتي يبصر عند مدخلها «مينوس» # 8 ~~- وهو قاضى الجحيم - فيراه كلبا عظيما له وجه ~~إنسان؛ فلا يلبث «مينوس» أن ينذر دانتي أن يكون على حذر ~~في دخوله تلك الأصقاع. وها ~~هنا يشهد دانتي عقاب من استرسلوا في شهوات أجسادهم فأجرموا ~~في الحب، وإذا بهؤلاء قد عصفت بهم ريح شديدة فأخذتهم ~~الراجفة كأنهم الكراكي في العاصفة: # ها قد بدأت أسمع صيحات الحزن والأسى، # ها قد أتيت إلى حيث الأنات الشاكيات # تقرع أذني فتؤذيها، إذ أتيت إلى مكان # خفت فيه الضوء، وهنالك زمجرت رياح ~~عواصف، # كأنه البحر مزقته العاصفة برياحها الهوج، # إذ هبت في جنبات الجحيم رياح عاتية، # أخذت في سورة الغضب تسوق أمامها الأرواح # تدور بها حتى الدوار، وتدفعها دفعا عنيفا ~~موجعا، # حتى إذا ما بلغت بها عند الجائحة الفاتكة، # سمعت صرخات، وسمعت أنات وعويلا، # وسمعت اللعنات تسب قوة الخير في ~~السماء. # وهنالك أبصر الشاعران «بسيمراميس» و«كليو ~~بطرة»: # وهنالك لمحت «هلن» التي في سبيلها # عم البلاء حينا من الزمان طويلا، # وأبصرت ثم «أخيل» العظيم الذي قاتل مدفوعا ~~بالحب حتى النهاية، # ورأيت «بارس» ورأيت «ترستان» # وغير هؤلاء ألفا أراني - مشيرا إليهم ~~ومسميا - # ممن أفقدتهم لوعة الحب طعم الحياة. # وفوق هؤلاء وأولئك ms0235 رأي دانتي «فرانسسكا» # 9 # وحبيبها «باولو»، # 10 # وتقص «فرانسسكا» عليه قصتها، فتبلغ القصة من ~~الشاعر مواقع العطف والإشفاق. وهل يحتمل هذا القلب الرقيق أن ~~يستمع إلى امرأة تروي كيف بوغتت مع حبيبها، وكيف فتك ~~بالحبيبين زوجها «يوحنا الأعرج»، # 11 # فسقط الشاعر في إغماءة حتى إذا ما أفاق ألفى نفسه ~~في الحلقة الثالثة من حلقات الجحيم. # في هذه الحلقة الثالثة أعد عقاب النهم، فهنالك شوهد ~~الذين شغلتهم في الدنيا بطونهم، يتمرغون في حمأة من ~~الطين تحت وابل من المطر والثلج والصقيع، بينما أخذ ~~«سيربروس # Cerbru ~~» وهو ~~كلب عملاق - ينبح ويعوي ويمزق جلودهم تمزيقا. # إن «سيربروس» - ذلك الوحش الغليظ الكاسر العجيب - ~~أخذ ينبح نباح الكلاب من حلق عريض، له ثنايا ~~ثلاث # في جمع محتشد # وعيناه أرجوانيتان تلمعان، ولحيته رخوة ~~سوداء. # قد ضخمت منه المعدة، أما يداه فمخلبان، # بهما يهشم الأرواح وينهشها ويمزق ~~الأعضاء # شلوا شلوا. # ثم يدخل الشاعران حلقة الجحيم الرابعة ~~فيبصران عند مدخلها «بلوتس» # 12 # إله المال يراقب هنالك من بسطوا أكفهم ~~بالإسراف، ومن غلوا أيديهم إلى أعناقهم لا ينفقون، فهؤلاء ~~وأولئك قضي عليهم أن يدحرجوا جلاميد صخر عاتيات في ~~اتجاهين متقابلين، فلا تلبث جلاميدهم أن يصدم بعضها ~~بعضا، فينفجر الأشقياء - وقد نال منهم الإعياء - باللعنات ~~يصبها فريق منهم على فريق. # وبعدئذ يرد الراحلان إلى الحلقة الخامسة حيث الغضاب ~~الساخطون يتقلبون في عذاب أليم في بحيرة «ستيجيان»، ~~فيشير «فرجيل» لزميله قائلا: # أرأيت يا بني؟ # أرأيت أرواح من غلبتهم في الحياة سورة ~~الغضب؟ # فاعلم عن هؤلاء كذلك علم اليقين أن تحت # الماء تسكن منهم جموع، يتنهدون # فتنتفخ هذي الفقاقيع التي يعلو بفعلها صدر ~~الماء. # انظر تشهد هذا أينما وجهت البصر. # وإنهم وقد لصقوا بالوحل ليقولون: «كنا ذات ~~يوم حزانا؛ # كنا في الهواء الحلو تبهجه الشمس، # نحمل في أجوافنا نفوسا مظلمة وضبابا ~~ثقيلا، # فقد حق علينا الحزن في هذا المكان ~~القاتم.» # بهذه النغمة الحزينة كانوا يغمغمون، # لكنهم بالألفاظ واضحة لا يفصحون. # وبعدئذ ~~وصل الشاعران إلى برج شاهق تضيء من قمته شعلتان، وشهدا «فليجياس» ms0236 # 13 # القائم على العبور في بحيرة «ستيجيان» قادما ~~إليهما في سرعة الملهوف ليحملهما عبر البحيرة؛ فأبصرا خلال ~~الضباب الكثيف القائم مدينة «ديس» وهي مدينة الشيطان، شهدوا ~~أبراجها وقبابها متوهجة بألسنة اللهب. وكانت طائفة من ~~الجن قائمة على حراسة أبوابها. ولم يكد الراحلان يدنوان ~~من مدينة الشيطان حتى شهدا أرواح الشياطين على رءوس المنازل ~~تمزق شعورها التي كالأفاعي من الغيظ والغضب، وتصيح بقوة ~~السحر لتمنع الراحلين، فيجمدا، لكن ملكا يأتي إليهما ~~مسرعا عبر البحيرة دون أن تبتل أقدامه بمائها، فيسرد ~~أرواح الشياطين ويفسح للشاعرين الطريق، فيدخل الرجلان ~~المدينة ويبصران سهلا فسيحا ملأته أجداث مكشوفة لا يخفيها ~~غطاء، تتأجج في كل منها نار تلتهم روحا كان صاحبه قد ~~ضل عن دينه. وبلغ الراحلان حدود الحلقة السابعة فهبطاها ~~خلال شق من صخور ممزقة الجوانب حتى انتهيا إلى نهر من ~~دماء وقف في لججه الطغاة، بينما أخذت فصيلة من الجن ~~وعلى رأسها «شيرون» تجري على الشاطئ وتلهب بسهامها الحداد ~~جسوم أولئك الطغاة الذين اعتدوا على جيرانهم سلبا ونهبا. ~~وتقدم إلى الشاعرين واحد من تلك الفصيلة وقال مشيرا إلى ~~جماعة الآثمين الغرقى في نهر الدماء: # هذي أرواح الطغاة الذين استرسلوا # في سفك الدماء وسلب الأبرياء؛ انظرا إليهم يولولون # جزاء ما اقترفوا من إثم غليظ؛ ها هنا موطن ~~الإسكندر ، # وها هنا هوى ديونيسيوس الذي سام صقلية # ألوان العذاب أعواما طوالا. ~~... # انظر إلى عدالة السماء الصارمة تهوي بالعقاب # على «أتلا» الذي كان في الأرض سوط عذاب! # ولا يزال الشاعران في الحلقة السابعة، فيدخلان ~~جزأها الثاني وهو غابة كئيبة موحشة تكونت من أرواح الذين ~~أزهقوا أنفسهم بأيديهم، فانقلبت نفوسهم في هذه الغابة ~~أشجارا جافة قصيرة، تتدلى منها ثمار سامة يعيش عليها ~~ضرب من الطير القذر له وجوه النساء، وكان كلما انكسر فرع ~~من شجرة تدفق الدم كأنه ينصب من جسم مجروح، وبعض الأرواح ~~التي حشرت في تلك الغابة كان عذابه أن تقتفيه كلاب قوية ~~سوداء تنهش جسومهم نهشا. وللحلقة السابعة قسم ثالث حشر ~~فيه الذين اقترفوا الإثم نحو ms0237 الله أو الطبيعة أو الفن، فلهؤلاء ~~أعد سهل يغطيه رمل ملتهب جاف تتساقط عليه قطع النار، ~~ثم تهب عليها الريح فتحولها في بطء إلى ألواح من ~~الجليد. # وواصل الراحلان المسير على شاطئ نهر الدماء، الذي يجرى خلال ~~هاتيك الرمال الملتهبة، حتى بلغا من الطريق مكانا تتدفق ~~فيه دماء النهر ساقطة إلى مهوى سحيق؛ فأخذ «فرجيل» ~~منطقة زميله «دانتي» وألقى بها في الهاوية، فما لبثا ~~بعدئذ أن شاهدا حيوانا ضخما مخيفا يعلو من القاع سابحا ~~في أجواز الهواء المظلم القاتم حتى وصل إلى حيث يقفان، ~~فامتطياه إلى الحلقة الثامنة من حلقات الجحيم وهي تنقسم ~~عشر فجوات أعدت كلها للخداع بكل ضروبه؛ ففي أولاها ~~حشر الفاسقون تنطحهم فئة من الشياطين ذوي القرون، وفي ~~الثانية ألقي بالمرائين يتمرغون في الوحل، والفجوة الثالثة ~~للمتاجرين بالدين، فهؤلاء علقت أجسامهم في ثغرات ضيقة ~~عميقة، ورءوسهم مدلاة إلى أسفل، وأقدامهم تشتعل كأنها ~~المشاعل فوق الصخور، وكانت الفجوة الرابعة لطائفة المتنبئين ~~لويت أعناقهم بحيث أطلت الوجوه إلى الظهور. ويتلو ذلك ~~حفرة ملئت بقار يغلي أعدت للسالبين ينغمسون فيها، ~~ترقبها جماعة من الشياطين ذوي أجنحة سود وسنان حداد. ~~ووصف دانتي لهذا المنظر من أروع ما ورد في «الجحيم»، فهو ~~يجعل على هذه الطائفة من الحراس الشياطين رئيسا يسميه «بارباريتشا» # 14 # ويساعد على تنفيذ أوامره نفر منهم يسميهم ~~بأسمائهم، فمنهم «جرافيكاني» # 15 # و«فارفارلو» # 16 # وغيرهما: ~~... وإنه ليحدث الفينة بعد الفينة # أن يعلو الآثم بظهره فوق سطح القار من لذع ~~الألم، # ثم يختفي في سرعة أين منها لمحة البرق ~~الخاطف؛ # فكما تقف الضفادع من بركة الماء # عند حافتها، لا يبدو فوق الماء غير خياشيمها # أما الأقدام والخراطيم فتحت الماء خافية، # كذلك وقف الآثمون في لجة القار. # ولكن سرعان ما يكون «بارباريتشا» على مقربة، # فيغوص الجناة تحت الموج؛ فلقد شهدت - # وقلبي يخفق بين ضلوعي - شهدت أحدهم يطفو # كما قد يحدث لضفدعة أن تظل فوق الماء ~~طافية، # بينما تسرع أختها واثبة فتختفي، وكان ~~«جرافيكاني» # إذ ذاك أقرب الشياطين إلى ذاك المسكين، # فأمسك بخصلات ms0238 شعره الكثيفة يجذبها جذبا ~~شديدا، # وألقى به في عنف طريحا # حتى بدا لي كأنه كلب من كلاب الماء. # ويمضي الشاعران في طريقهما إلى سائر الفجوات، ~~فيشهدان المنافقين وقد أثقلتهم قلنسوات من الرصاص زخرف ~~بماء الذهب، ثم يريان اللصوص كيف ينقلبون حيات محتملين ~~في ذلك التحول عناء أليما، ثم كيف يرتدون إلى صورة ~~الآدميين. وبعدئذ يمران بمن استنصحوا فأشاروا بفعل ~~السوء، كل فرد منهم قد تحول إلى لسان من اللهيب يندفع هنا ~~وهنالك، حتى لكأنهم في ذاك الجب المظلم يراعات (ذباب ~~مضيء) تروح وتجيء، ثم يرى الشاعران فريق الخائنين وقد مزقت ~~الجراح أجسادهم تمزيقا، وقد تقدم من بينهم «بريان» # 17 # الذي أعلن عصيانه على هنري الثاني ملك إنجلترا، ~~وقد أمسك رأسه المقطوع من شعره وأخذ يتحدث إلى ~~دانتي. # وبعد ذلك أخذ الشاعران طريقهما إلى الحلقة التاسعة من حلقات ~~الجحيم، التي لم يكادا يبلغانها حتى أوشكت آذانهما أن ~~تصم بصوت بوق كان يقصف كالرعد، ثم ما لبثا أن رأيا ~~ثلاثة مردة تقف عند الحافة من قاع الجحيم الأسفل. أما ~~أحدهم «أنتيوس» # 18 # فينزل بهما إلى قاع الجحيم، وإذا به بحر تغطيه ~~ثلوج لا تذوب، وهنالك تبدو أشباح المعذبين، كأنما هي ذباب ~~يضطرب في وعاء من البلور، وقد شهد الشاعران من تلك الأشباح ~~اثنين في جحر واحد يقرض أحدهما جمجمة الآخر كما يفعل كلب ~~بالعظام. ولم يكد هذا القارض يدرك الزائرين حتى رفع أسنانه ~~العارية يقص قصته، وإذا بالمتحدث هو أوجولينو # 19 # الذي كان قد التقي به مع ابنيه في «برج المجاعة» ~~ولبثوا على الطوى يتضورون حتى أهلكهم الجوع، فكانت قصة ~~موت ابنيه أشد ما سمع الشاعران إثارة للعطف والإشفاق. وأما ~~زميله في الجحر المثلوج فهو «رودجيري» # 20 # رئيس الأساقفة الذي كان قد قضى على الرجل وابنيه ~~بهذا العقاب. ~~... فلما فرغ من الحديث # عاد فأنزل على الجمجمة المنكودة أسنانه # وثبتها في عظمها كما يفعل الكلب الكاسر ~~بأنيابه، # لا تنزاح ولا تتحول. # وأخيرا ... انتهى بهما المطاف إلى آخر مشهد ~~من مشاهد الجحيم، حيث يقف ms0239 إلى الأبد كبير العصاة، وهو ~~الشيطان، يمضغ بأنياب غاضبة ثلاثة آثمين في أفواهه ~~الثلاثة، وهو يضرب بأجنحته الخفاشية الضخمة، فيرسل رياحا ~~باردة تجمد ماء البحر. ~~... قال دليلي: «انظر - إذن - # إن كنت تستطيع النظر.» فرأيت ما أراه # حينما ينفجر السحاب المثقل الكثيف، أو ~~حينما # يرخي الليل على الأرض سدوله السود، فعلى ~~مبعدة # بدا الشيطان كأنه الطاحون الهوائي تدفعه الريح ~~الشديدة دفعا سريعا، # فذلك ما صور لي خيالي أني أراه، # ولكي أتقي تلك الريح العاتية عدت مسرعا # حيث احتجبت خلف دليلي، فليس لي سواه من ~~مأوى، # وسرنا إلى حيث الأرواح كلها محشورة في أسفل ~~الجحيم. ~~... # فبعضها مطروح وبعضها قائم: هذا يقف على ~~قدميه، # وذلك يرتكز على رأسه، وثالث وجهه إلى ~~رجليه # يحني ظهره كأنه القوس، ثم بلغنا موضعا # عنده أراد دليلي أن يشير لي إلى مخلوق # كان ذات يوم بارع الجمال، # فخطا الدليل أمامي وأمرني بالوقوف وصاح بي: ~~«انظر! انظر إلى مريض الشيطان، # وزود قلبك بقوة على قوة.» # وهنالك برز أمامنا ذلك العاهل صاحب السلطان # في مملكة الأحزان، والثلج يغمره إلى نصف ~~صدره، # فكم أدهش عيني أن ترى # ثلاثة وجوه ركبت في رأسه: وجه منها إلى ~~أمام # ولونه قرمزي، والوجهان الآخران يتصلان # بذاك امتدادا من نصف الكتف إلى قمة ~~الرأس؛ # الأيمن منهما في صفرة الشحوب، وإن شهدت ~~الأيسر # ألفيته كمن يفدون من منعرج النيل عند الأراضي ~~الواطئة، # وفي كل وجه عند أسفله جناحان عاتيان، يصلحان ~~لأضخم الطير؛ # فلم أشهد قط في لجة البحر العريض كهذي الأجنحة ~~قلاعا منشورة، # وهي عارية من الريش تشبه أجنحة الخفافيش. # وأخذ يضرب بأجنحته تلك في الهواء فانبعثت # منها رياح هنا ورياح هناك، تجمد منها البحر إلى ~~قاعه، # ثم شرع يبكي بست عيونه # فانسكبت على ثلاثة خدوده عبرات # امتزجت قطراتها بزبد من دماء. # وفي كل فم أخذت أنيابه تعض على أثيم، # فتحطمه كما يتحطم الجسم بآلة ثقيلة. # وعلى هذا النحو رأينا ثلاثة يتعذبون، # ولم يكن ما يعانيه أماميهم من القرض ~~شيئا # إلى جانب ما يلهث أحد الآخرين من ms0240 ~~تمزيق # مخيف ينزع عن الظهر جلده نزعا فظيعا. # وقال دليلى: أما ذاك الروح في أعلى، # الذي ينال من العقاب أقساه، فهو يهوذا # فانظر إلى رأسه كيف قذف إلى داخل # وإلى قدميه كيف طويتا إلى خارج. # أما الآخران اللذان يتدلى منهما الرأسان، # فمن تراه منهما عالقا في ذلك الفك الأسود؛ # فهو «بروتس»، انظر إليه كيف يتلوى ولا ~~يتكلم ~~... لكن الليل المسدول قد أخذ عندئذ يزول، # وحان لنا حين الرحيل، فقد شهدت كل شيء. # وبعد الراحلان عن مكان الشيطان، وأخذا يصعدان في ~~شق عميق شديد المنحدر ~~... خلال هذا الطريق المستور # دخلت مع دليلي، قافلين، # إلى العالم الجميل، ولم نقعد لراحة، # بل مضينا في الصعود، هو يقود وأنا أقتفي ~~أثره، # حتى أشرقت على نواظرنا أضواء السماء ~~الخلابة، # من فتحة مستديرة عند مدخل الكهف، # ومنها خرجنا فشهدنا أنجم السماء من جديد. # هذان هما قد خلفا الظلام والآلام، وانتهى ~~بهما المطاف فخرجا إلى سفح «جبل الطهر» تحت ضوء النجوم ~~الخافت؛ فوجداه يتحلق بحلقات سبع، تقابل سبع الخطايا التي ~~قالت بها كنيسة العصور الوسطى؛ في ثلاثتها السفلي تكفر ~~الروح عن خطيئتها، وفي رابعتها يتم التكفير عن خطيئة ~~الكسل والتراخي، وهي خطيئة اشترك في اقترافها الجسم والروح ~~معا، وأما في ثلاث الحلقات العليا فيكفر عن ذنوب الجسد ~~وحدها. وكان الشاعران يصادفان عند مدخل كل حلقة من هاتيك ~~الحلقات السبع أمثلة للفضيلة التي هي ضد الرذيلة التي ~~يكفر عنها في تلك الحلقة، ثم يشاهدان عند ختام كل حلقة ~~ملكا واقفا يشخص تلك الفضيلة ويجسدها. وهكذا يمضي ~~الراحلان خلال حلقات التطهير حتى يدخلان في «الفردوس الأرضي» ~~حيث يرى «دانتي» حفلا عظيما يسير على صورة موكب رائع ~~يمثل «الكنيسة» وهي ماضية في طريقها قدما إلى النصر. وفي ~~نهاية ذلك الموكب الحافل تظهر «بياترتشي» - معشوقة دانتي - في ~~مركبة تحف بها الملائكة ينشدون الأغاني وينثرون الأزهار، ~~وكانت «بياترتشي» ترتدي ثوبا يزدان بالألوان السحرية الثلاثة: ~~الأحمر والأبيض والأخضر، ويكلل هامتها تاج من أوراق ~~الزيتون، وهي رمز الحكمة والسلام. وينسدل على وجهها نقاب ~~ناصع ms0241 البياض، فما إن بدت «بياترتشي» حتى أسرع «فرجيل» ~~فتوارى ليقفل راجعا إلى محبسه الكئيب الذي كان قد خرج منه ~~ليرافق زميله في رحلته. # وتأخذ «بياترتشي» في هداية الشاعر خلال سماوات تسع، ~~وكلها يدور حول الأرض، فإذا ما جاوزت به ذلك كله بلغت معه ~~آخر سماء وهي ثابتة في مكانها لا تتحرك، يعلوها بحر هادئ ~~ساكن من الحب الإلهي حيث يبارك الله ملائكته ~~وقديسيه. # الفصل الخامس # | الأدب العربي في العصور الوسطى # (1) الشعر # ينطبق على الأدب العربي ما قلنا من أن الفن الأدبي أول ~~ما ظهر كان شعرا ولكن - مع الأسف - لم يصلنا هذا الشعر الأول ~~الذي كان محاولات أولية يصيب حينا ويخطئ أحيانا، في الوزن ~~والموضوع؛ وذلك أنهم كانوا أو أغلبهم بدوا لا يقيدون شعرهم ~~في كتاب أو نقش، فإذا تقدم الزمن ضاع ما نطق به شعراؤهم، ~~وخاصة إذا كان جديدهم خيرا من قديمهم، وأنسب لذوقهم ~~وأذنهم وأكثر ملاءمة لحياتهم. # وأقدم شعر وصل إلينا ~~كان الشعر الذي قيل في حرب البسوس أو قبل ذلك قليلا، وكان ~~ذلك قبل الهجرة بنحو قرن ونصف. وقد وصلت إلينا من ذلك قصائد ~~كاملة، محال أن تكون أول محاولة، بل لا بد أن تكون قد ~~سبقتها محاولات كثيرة دخلتها تحسينات كثيرة حتى وصلت إلى ~~ما وصلت إليه؛ فهذا الوزن الكامل، وامتلاك ناصية اللغة، ~~والقدرة على إجادة التصوير، لا يمكن أن تنشأ ابتداء، ولا ~~بد أن تكون خضعت لقانون النشوء والارتقاء، ولا بد أن يسبق ~~ذلك وزن مخلع قبل أن يهتدوا إلى البحور الستة عشر، ولا بد ~~أن يمر شعرهم بطور التعبير المهلهل والأبيات القصيرة ~~تقال في المناسبات المفاجئة، وأخيرا يصل إلى ما وصل إليه ~~في شعر امرئ القيس وأمثاله: من نظم منسجم، ونفس طويل، ~~وتعبير محكم، ووحدة في القافية؛ ولا بد أن يكون الشعر قد ~~بدأ في وزنه بالرجز مناغمة لسير الإبل ووقع أقدامها أو ~~نحو ذلك، ثم تدرج بعد في أوزانه من البسيط إلى المركب، ~~وهكذا. # ومما يلفت النظر ~~أن أكثر من نبغوا في الشعر ms0242 كانوا يسكنون شمالي الجزيرة ~~العربية، أعني الحجاز وما إليه، فمنهم من كان من أصل يمني رحل ~~إلى الشمال كامرئ القيس من كندة، وهي قبيلة يمنية الأصل، وحاتم ~~الطائي من طيئ كذلك، أو من أصل عدناني إما من قبيلة ربيعة ~~كالمهلهل وطرفة والأعشى، وإما من مضر كالنابغة وزهير ~~ولبيد. # وعلى الجملة فالشعر ~~الجاهلي الذي وصل إلينا مرحلة سبقتها مراحل، وقد قالوا إن ~~المهلهل أول من قصد القصائد، وامرأ القيس أول من أطالها ~~وتفنن في موضوعاتها. ~~••• # وكانت العرب وخاصة في هذا القسم الذي كثر فيه الشعر وهو ~~الحجاز تعيش عيشة بداوة، ينقسمون إلى قبائل، كل قبيلة تعتقد ~~أنها من دم واحد، لها لهجتها وتعبيراتها، ولها رئيس هو ~~سيدها، ولكنه لا يمتاز عن أفرادها كثيرا في الغنى ولا ~~السلطة، ويطغى على أفرادها الشعور بالقبيلة أكثر من شعور ~~الفرد بنفسه؛ فكان الفرد يتعصب لقبيلته ويرى أن خيرها ~~خيره وشرها شره، يصادق من تصادق، ويعادي من تعادي، ~~يعيشون على المرعى ويتنقلون من مكان إلى مكان، ويحملون ~~بيوتهم - أعني خيامهم - على جمالهم، ومن حسنت حاله بعض ~~الشيء قسم الخيمة قسمين بينهما ستار، مقدمها للرجال ~~ومؤخرها للنساء، يخرجون بإبلهم وشائهم لرعي الكلأ وارتياد ~~المرعى، وأكثر ما يكون ذلك في الربيع، فإذا اشتد القيظ ~~وجف الزرع عادوا إلى أماكنهم. وتنشأ بين القبائل خصومات قد ~~يكون سببها تافها كعبث أحد بجمل رجل من قبيلة أخرى ~~يقتله أو ينهبه، أو أن يتعاظم رئيس القبيلة فيتخذ له ~~حمى يحرم قربه فإذا قربه أحد قتله، وإذا قربت منه ماشية ~~قتلت، أو نحو ذلك، فيثور الشر بين القبائل ويتوالد، ~~وتنظم من أجل ذلك الحرب، ويكثر السلب والنهب. ~~••• # كان لهؤلاء القوم عواطف كالتي لكل الناس، وهذه العواطف ~~تتكون بالبيئة وتتشكل بشكل المعيشة، وكان لكل قبيلة ~~شاعرها أو شعراؤها، هم من أكثرهم شعورا، وأحدهم عاطفة، ~~وأقدرهم على تصوير عواطفهم القومية وعواطفهم الشخصية. وكانوا ~~كذلك من أعلم قومهم بما تتطلبه هذه المعيشة من معرفة ~~بالأنساب، ومثالب القبيلة وفضائلها ونحو ذلك. # وفي كل ما يجول بنفسهم وما ms0243 يحدث لهم ولقبيلتهم، قالوا ~~شعرهم، مشتقا من بيئتهم، وتنوع الشعر بتنوع ~~العواطف. # يبكي لفراق حبيبته إذا بعد عنها فيقول: # هجرت أمامة هجرا طويلا # وحملك النأي عبئا ثقيلا # وحملت منها على نأيها # خيالا يوافي ونيلا قليلا # ونظرة ذي شجن وامق # إذا ما الركائب جاوزن ميلا # وما أكثر ما لعبت النساء ~~بعواطفهم، لكثرة فراغهم واتصال حياتهم بحياة النساء ~~يشاركنهم في الحل والترحال، فإذا رحل وحده فلا يعدم في ~~الطريق خباء يضيفه، يرى فيه نساءه، ويحدثهن ويحدثنه ~~فتهيج عواطفه بالحب والذكرى، ويكثر من الزواج ما أمكنته ~~الأسباب. كل ذلك ونحوه ملأ حياته بالمرأة، يشعر فيها إذا ~~حل معها، ويشعر فيها ألما لفراقها، ويستفتح بذكرها ~~القصيدة، ولو لم تكن موضوعها، بل وتخطر في ذهنه في أحرج ~~مواقف القتال، كقول عنترة: # ولقد ذكرتك والرماح نواهل # مني وبيض الهند تقطر من دمي # فوددت تقبيل السيوف لأنها # لمعت كبارق ثغرك المتبسم # ويذكرها إذا هبت الريح من جانبها، ويذكرها إذا ناحت ~~حمامة بجانبه، فكل شيء يذكره بها ويقول في ذلك شعره، ~~فإن عدم النظر قنع بكل ما يذكره بها: # أرى كل أرض دمنتها - وإن ~~مضت # لها حجج - يزداد طيبا ترابها # وأقسم أني لو أرى نسبا لها # ذئاب الفلا حبت إلي ذئابها # ثم أكثر الشعراء من وصفها ووصف ملامحها وجمالها جملة ~~وتفصيلا، وحسن أحاديثها ولطف معانيها، وحللوا نفسيتها كما ~~حللوا نفوسهم وآمالهم وآلامهم، وفي كل ذلك قالوا شعرا ~~كثيرا. ~~••• # هذه ناحية من عواطفهم، وناحية أخرى: ناحية البغض لخصومهم ~~وخصوم قبيلتهم دفعتهم إلى الهجاء، وذكر معايب ~~الخصوم: # لعمري وما عمري علي بهين # لقد ساءني طورين في الشعر حاتم # 1 # أيقظان في بغضائنا وهجائنا # وأنت عن المعروف والبر نائم؟ ~~••• # كاثر بسعد إن سعدا كثيرة # ولا تبغ من سعد وفاء ولا نصرا # يروعك من سعد بن عمرو جسومها # وتزهد فيها حين تقتلها خبرا # وهو في نظير ذلك يفخر بنفسه وبقومه: # إنا نعف فلا نريب حليفنا # ونكف شح نفوسنا في المطمع # ونقي - بآمن ما لنا - أحسابنا # ونجر في الهيجا الرماح وندعي # ونخوض غرة ms0244 كل يوم كريهة # تردي النفوس وغنمها للأشجع # ونقيم في دار الحفاظ بيوتنا # زمنا ويظعن غيرنا للأمرع ~~••• # إذا ما أتتني ميتتي لم أبالها # ولم تذر خالاتي الدموع وعمتي # وإني لحلو إن أريدت حلاوتي # ومر إذا نفس العزوف استمرت # أبي لما آبى، سريع مباءتي # إلى كل نفس تنتحي في مسرتي # ويقف موقف الخطيب لقبيلته يحمسها للقتال ~~ويدعوها للأخذ بالثأر: # قاتلي القوم يا خراع ولا # يدخلكم من قتالهم فشل # القوم أمثالكم لهم شعر # في الرأس لا ينشرون إن قتلوا ~~••• # أقول للحيان وقد صفرت لهم # وطابي ويومي ضيق الحجر معور # هما خطتا إما إسار ومنة # وإما دم والقتل بالحر أجدر # وتنتابه الحوادث في أهله وولده ~~فيرثي: # نبئت أن النار بعدك أوقدت # واستب بعدك يا كليب المجلس # وتكلموا في أمر كل عظيمة # لو كنت شاهدهم بها لم ينبسوا # وإذا تشاء رأيت وجهك واضحا # وذراع باكية عليها برنس # تبكي عليك ولست لائم حرة # تأسى عليك بعبرة وتنفس # ولما كانت صحراؤهم محدودة المناظر، قد كفوا مشاغل ~~المدنية وتنوع مناظرها، وقد رزقوا القدرة على البيان ~~وتدفق القول، فوجهوا فصاحتهم إلى أشيائهم المحدودة، ~~فأكثروا من وصف حيوانهم، وخاصة الجمل، إذ هو صديقهم في ~~رحيلهم، ومادتهم في مأكلهم ومشربهم وملبسهم، فأكثروا القول ~~فيه من كل نواحيه. # وكأن قنطرة بموضع كورها # ملساء بين غوامض الأنساع # 2 # وإذا تعاورت الحصى أخفافها # دوى نواديه بظهر القاع # 3 # وكأن غاربها رباوة مخرم # وتمد ثني جديلها بشراع # 4 # وإذا أطفت بها أطفت بكلكل # نبض الفرائص مجفر الأضلاع # 5 # مرحت يداها للنجاء كأنما # تكرو بكفي لاعب في صاع # 6 # فعل السريعة بادرت جدادها # قبل السماء تهم بالإسراع # 7 # وكما وصفوا الجمل وصفوا الخيل وحمر الوحش والظباء وغيرها ~~من حيوانهم، ووصفوا الصحراء الجدباء والخضراء. # وعلى الجملة كان شعرهم صورة صادقة لحياتهم ومناظرهم ~~وعواطفهم. # وقد جاء تكوين القصيدة والإطالة في الشعر مرحلة تالية ~~لمرحلة المقطوعات القصيرة، ونحن إذا استعرضنا قصائد الجاهلية ~~- كالمعلقات ونحوها - رأيناها تبتدئ عادة بالتشبيب ~~بالمرأة، وقد يصف رحيلها عن مكانها فيقف على أطلالها، ويبكي ~~منها، ms0245 ويصف جمالها، ولوعته من حبها؛ ثم ينتقل إلى وصف ~~فرسه أو ناقته التي ~~يرحل عليها، وسرعتها، ونعومة سيرها، وقد يشبهها بما يعرف ~~من حيوانات وحشية: من وعل وظبي ونحوهما، ويخترع في ذلك ~~تشبيهات تدل على سعة علمه بطبائعها، وعاداتها في معيشتها، ~~وقد يصف ما مر عليه في طريقه من جبال ووهاد وسهل وحزن، ~~ثم ينتقل إلى غرضه من القصيدة فجاءه من غير تكلف في الربط ~~غالبا؛ من فخر بقبيلته أو هجاء للقبيلة المعادية، أو وصف ~~وقعة أو دعوة للصلح، أو تحذير لقبيلة أو إنسان من أن ~~تحدثه نفسه بالتعدي على قومه. ثم ينتهي في قصيدته من غير ~~تكلف أيضا في الوقوف. # والعربي قوي الملاحظة، حاد الذكاء، قوي العاطفة، ووحدته ~~في الصحراء الفسيحة ذات النغمة الواحدة تقريبا جعلته يشعر ~~بوحدته وعزلته فيلتفت إلى التفكير في نفسه ووحشته عن ~~عزلته، وحنينه إلى زوجته وحبيبته، وملاحظة ما يطرأ على ~~الطبيعة - التي تجري على نمط واحد تقريبا - من التغير، ~~فيلفت نظره الرعد إذا رعد، والبرق إذا لمع، والغزال إذا ~~ظهر، ويسجل ذلك كله في شعره. # حياة الشاعر بدوية، وجوه الذي يسبح فيه بدوي أيضا، ~~وشعره بدوي في موضوعه وصيغته، وبساطة وصفه، وبساطة ~~فنه. # ومما يستوقف النظر كثرة ما صدر عن الشعراء في هذه الحقبة ~~القصيرة، فكل ما روي لنا من الشعر الجاهلي الكثير هو نتاج ~~أقل من قرن ونصف - من قتل كليب إلى مبعث النبي - كما ~~يستوقف النظر وحدة اللغة واللهجة والأسلوب والوزن في الشعر ~~الذي صدر من قبائل مختلفة في اللهجة، فهل هذا يرجع إلى ما ~~قرب بينهم الحج إلى مكة، واجتماعهم بسوق عكاظ، أو اتخاذ ~~الشعراء عامة لهجة خاصة وأسلوبا خاصا في الشعر غير ~~أسلوبهم في حديثهم اليومي المألوف؟ قد يكون ذلك وقد يكون غير ~~ذلك. # على أن الشعر - في هذا العهد - لم يكن كله نتاج ~~بدويين، بل منهم من كان يخالط المدنية الفارسية في الحيرة ~~والعراق، ومن يخالط المدنية الرومانية في الشام، فيرتحل ~~الشعراء إلى المناذرة الواقعين تحت نفوذ الفرس، والغساسنة ms0246 ~~تحت نفوذ الروم. وقد تأثر شعر الشعراء بعض التأثر بهاتين ~~الحضارتين. # كما كان من شعراء العرب - غير الجمهرة العظمى من الوثنيين - ~~شعراء من اليهود وشعراء من النصارى تلون شعرهم بعض التلون ~~بالديانتين. # وأعظم ما خلفه لنا ذلك العصر المعلقات السبع، وفيها ~~مصداق ما ذكرنا في الشعر الجاهلي. # فامرؤ القيس، صاحب المعلقة الأولى، كان شابا لاهيا، وكان ~~أبوه حجر ملك بني أسد، فنشأ امرؤ القيس يحب اللهو ~~ويشبب بالنساء، وفي عهد شبابه قال معلقته، وموضوعها ~~الغزل في بنت عمه عنيزة، يبكي أطلالها، ويذكر أيام لهوه ~~مع أحبته، وهو في غزله فاجر داعر، لا يتعفف عن وصف، ولا ~~يكتفي بإيماء، ويجيد في أثناء ذلك وصف الليل، ووصف الوادي ~~المقفر تعوي فيه الذئاب، ووصف فرسه وسرعة عدوه، ووصف ~~صيده لبقر الوحش، ووصف البرق، ووصف المطر، ويختمها بأن ~~الطيور لما رأت الخصب بعد المطر فرحت وغنت كأنها سكارى. ~~ويعد امرؤ القيس إمام الشعراء، فتح لهم الطريق، وساروا على ~~أثره في غزله، وإطالة وصفه، وجودة تشبيهاته. # والمعلقة الثانية معلقة طرفة، وكان هو وقبيلته بكر بن وائل ~~يعيشون في البحرين (على الخليج الفارسي) حيث الماء والأمواج ~~والسفن والملاحة، فكانت تشبيهاته مشتقة من بيئته، فهو ~~يشبه الجمل بالسفينة، ويشبه سير الإبل بسير السفن «يجور ~~بها الملاح طورا ويهتدي.» # وموضوع معلقته، شرح نفسيته - وقد أنفق ماله في اللهو وعاد ~~إلى قومه صفر اليدين - وحالته ونظرته إلى الحياة. # يصف فراقه لخولة، ويصف ناقتها وناقته، ويفخر بنفسه ~~وصفاته ونظرته إلى الحياة، فهو فتى الفتيان، لا يبخل ~~بالعطاء، ويلجأ إليه في المشورة، وذو نسب رفيع؛ ينهمك في ~~اللهو والشراب، ويتلف ماله حتى تتحاماه عشيرته، وتفرده ~~إفراد البعير الأجرب، ثم يرد على من عنفه في سلوكه بأن ~~الحياة فانية والخلود محال. # ثم ينتقل إلى عتاب ابن عمه لأنه لم يعنه على استرداد ~~إبل أخيه، وقد سلبت منه، ويشكو من ظلم قومه، وينتابه ~~الحزن إذا ذكر ذلك، ويعود فيرفع رأسه ويفخر بنفسه، ويختمها ~~بأبيات من الحكمة. # وميزة هذه المعلقة أنها تصف طبقة من ms0247 شباب العرب تضيع ~~أموالها في اللهو والشراب، ولا تعبأ بالحياة، تطلب المجد من ~~طريق الكرم وبذل المال في الحروب، ولكن بعد ما يكون، فما ~~الحياة؟ إن الموت ليسوي بين الغني والفقير، والكريم ~~والبخيل. # ثم نأتي إلى معلقة عمرو بن كلثوم وهو من قبيلة تغلب، ومن ~~بيت الشرف فيها، أبوه كلثوم سيد قبيلته، وأمه ليلى أعز ~~امرأة في قومه، لأن أباها مهلهلا سيد ربيعة، وعمها ~~كليب وائل أعز العرب، وكان بين قبيلتي تغلب وبكر خصومة ~~حادة، تتنازعان الفخر ~~والشرف وتتحاكمان في ذلك، وقد قتل عمرو بن كلثوم ملك الحيرة ~~عمرو بن هند لأن أم الثاني أرادت أن تستذل أم الأول، ~~وفي هذا الجو كله قال عمرو بن كلثوم معلقته يصف الخمر ~~ويتغزل، ويفخر بنفسه وقومه، ويحكي قتله عمرو بن هند ~~ويذكر أسباب ذلك. # والمعلقة مملوءة فخرا صادقا قويا صدر عن نفس تعتز ~~بقوتها وقوة قبيلتها، وتتغنى بفعالها وفعال قومها، وظلت ~~هذه المعلقة أغنية بني تغلب ومفخرتها في الجاهلية ~~والإسلام. # وإذا كان عمرو بن كلثوم شاعر تغلب فالحارث بن حلزة شاعر ~~بكر عدوتها يشيد بذكرها، ويعدد فعالها، وينقض في ~~معلقته قول عمرو بن كلثوم في معلقته. ويظهر أن الحارث قال ~~معلقته وهو متقدم في السن، فلئن كان عمرو بن كلثوم نزقا ~~خفيفا، فالحارث وقور رزين، يرد في أناة وهدوء ولكنه هدوء ~~لاذع، يفند قوله، ويعدد مواقف قومه، ويحمل تغلب ~~تبعة الحروب. # ونأتي بعد إلى معلقة عنترة العبسي، وكان يسكن هو وقومه ~~نجدا، وكانت أمه أمة حبشية سوداء، فخرج هو أيضا أسود ~~كالغراب، فكان ذلك يحز في نفسه، ويدعوه إلى أن يأتي ~~بالأعمال العظيمة التي تعوض نقصه، فأبلى بلاء حسنا في ~~حرب داحس والغبراء، وأتى من البطولة في الدفاع عن قومه ما ~~جعله سيدا حرا. # يتمدح في معلقته بالشجاعة وصفات البدو من كرم ومروءة، ~~ويتغنى بمواقفه في الحروب - ويتغزل فيها بابنة عمه ~~«عبلة» ويسترضيها بوقائعه ومشاهده إذ عجز أن يسترضيها ~~بلونه - ويصف موقعة من وقائعه في القتال والأعداء تقبل، ~~والناس يلهجون بذكره ويهتفون ms0248 باسمه، فينازلهم وينال منهم ~~كل منال، ويتغنى كثيرا بمكارم الأخلاق، وكانت شجاعته ~~وأعماله مثارا للإعجاب حتى استغلها القصاص فوضعوا حولها ~~الروايات والقصص. # ثم معلقة زهير الرجل الوقور الحكيم، يروي في شعره ~~فينظم القصيدة في شهر، وينقحها ويهذبها في سنة، فيأتي ~~شعره متزنا يغلب فيه العقل، ويجمع الكثير من المعنى في ~~القليل من اللفظ، ويميل إلى قول الحكمة الدالة على كبر ~~عقله، وكثرة تجاريبه، وعلمه بأحوال الزمان - إن كان من ~~ذكرنا قبل أمثال عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة وعنترة ~~يؤججون نيران الحرب فهو يدعو إلى السلم، ويبين أهوال ~~الحرب ومزايا الصلح - لم يسلم في معلقته من الغزل الذي ~~التزمه الشعراء فيتغزل ~~في زوجه «أم أوفى»، ويصف الظعائن والهوادج، ثم يمدح هرم بن ~~سنان والحارث بن عوف لسعيهما في الصلح بين عبس وذبيان، ~~وتحملهما الديات؛ ويدعوه ذلك إلى وصف الحرب وويلاتها ~~وشرورها، والسلم ومزاياه، ويذم الحصين بن ضمضم لإشعاله ~~نار الحرب، ويختم ذلك بأبيات من الحكمة في الغاية من ~~الجودة. # وتأتي معلقة لبيد وهو شاعر بدوي، كان شريفا جوادا ~~شجاعا، فلما جاء الإسلام أسلم وترك الشعر. # ومعلقته يظهر أنه قالها في شبابه، يبدؤها - كالعادة - ~~ببكاء الأطلال وفعل السيول بها، حتى لم يبق منها أثر إلا ~~كأثر الكتابة في الحجارة لا يتبينها إلا من قرب منها، ثم ~~يصف ناقته وصفا طويلا، تارة يشبهها بالسحابة، وتارة ~~بأتان وحشية وتارة بقرة وحشية، وفي كل تشبيه من هذه ~~التشبيهات يستقصي وصف المشبه به حتى يصل إلى غايته، ثم ~~يصف نفسه بالإباء وبالكرم، وأنه يلعب الميسر على الجزور ~~ويطعمها الناس، ويصف قومه بأنهم أهل كرم ونجدة وعقل ~~وأمانة. ~~••• # وغير أصحاب المعلقات النابغة الذبياني والأعشى، وكلاهما ~~اتصل بالملوك على التخوم واستفاد من ذاك غنى وثروة وخبرة ~~بالحياة المدنية، فالنابغة اتصل بالنعمان ملك الحيرة ~~وبالحارث الغساني في دمشق ونال منهما ثروة طائلة، حتى قالوا ~~إنه كان يأكل في صحاف من الذهب والفضة، وصقل ذلك من شعره ~~وأجاد في وصف الطبيعة. والأعشى اتصل بنصارى نجران وبأهل الحيرة ~~وبشريح بن ms0249 السموءل اليهودي صاحب تيماء، فوسع ذلك في معارفه ~~وأثر في شعره، وأكثر من وصف الخمر حتى عد إماما للشعراء ~~الخمريين من بعده. ~~••• # وهنالك ضرب آخر من الشعراء يطلق عليهم الصعاليك لفقرهم ~~وعيشتهم على السلب والنهب؛ كالشنفرى وتأبط شرا، قد ~~ملئ شعرهم بوصف البيداء والسلب والانتقام، ووصف ~~المغامرات، وسرعة العدو، ومعرفة الصحراء ومسالكها، ونحو ذلك ~~مما تقتضيه حياة التصعلك. ~~••• # وفي الحق أن الشعر ~~العربي الجاهلي نمط وحده، مستقل في موضوعه وأوزانه وأساليبه ~~عن غيره من الشعر اليوناني والروماني ونحوهما مما هو ~~أساس للأدب الغربي، ذلك لأن الشعر العربي نبع من بيئة ~~تخالف تمام المخالفة بيئة اليونان والرومان، وطبيعة معيشة ~~العرب تخالف معيشتهما، ووحي إقليمهم ونظامهم الاجتماعي ~~يخالف وحي إقليمهما ونظامهما، فإن بحث فيما يشبه الشعر ~~العربي فليبحث عنه في الآداب التي نبعت من جزيرة العرب وما ~~حولها، كالأدب الفينيقي والأشوري والبابلي والعبري، لا في ~~الأدب اليوناني والروماني. # وإذا قال كثير من المستشرقين إنهم لم يتذوقوا أكثر ما ~~ترجم من الشعر الجاهلي العربي إلى اللغات الأوروبية، وأنهم ~~يرونه واقعيا لا مثليا، وماديا لا روحانية فيه؛ ~~فعلة ذلك أنهم لا يستطيعون تذوقه إلا إذا عاشوا ~~بمطالعتهم وكثرة قراءتهم في الجو العربي، وفهموا عاداتهم ~~وتقاليدهم وعيشتهم الاجتماعية، ثم عرفوا كيف اشتق العرب من ~~حياتهم هذه أدبا وشعرا، وحتى هذا نفسه شرط أساسي لفهم ~~أبناء العرب أنفسهم - من المعاصرين المتحضرين - للشعر ~~الجاهلي. # فتشبيه الليل بأنه كالجبل يتمطى بصلبه، والبرق كمصابيح ~~راهب أمال السليط، ونحو ذلك، قد لا يستسيغه المتحضر، ~~ولكنه بديع عند من عاش في بيئته، وكذلك الشأن في الوزن ~~الموسيقي للشعر، والخطوات التي يتبعها الشاعر في نظم ~~قصيدته، وهكذا. # وسبب آخر وهو ما أشرنا إليه قبل من أن الشعر إذا ترجم ~~فقد كثيرا من جماله، مهما صدقت ترجمته. # وقد ألف الأوربيون تقسيم الشعر إلى شعر الملاحم، أو ~~الشعر القصعي - كما أسلفنا - ويعنون به الشعر الذي قيل ~~في الوقائع الحربية والمناقب القومية ونحو ذلك في شكل قصصي، ~~كإلياذة هوميروس، وشاهنامة الفردوسي، وشعر تمثيلي وهو الشعر ms0250 ~~يصور حادثة، ويتصور لها أشخاصا ينطق كل منهم بما يتفق ~~وشخصيته وموقعه، وشعر غنائي، وهو الشعر الذي يعبر به ~~الشاعر عن شعوره. # وأتبعوا ذلك بنوع رابع، وهو الشعر التعليمي، ويعنون به ~~نوعا من الشعر يعلم به الشاعر طائفة من الحكم ~~ونحوها. # والشعر العربي لا ينطبق عليه هذا التقسيم، لأنه لم يتجه ~~نحو التمثيل ولا الملاحم، وأكثر شعرهم من النوع الذي يسميه ~~الفرنج شعرا غنائيا، ولذلك قسموه إلى فخر وحماسة ورثاء ~~وهجاء وغزل ... إلخ، وكلها داخلة في الغنائي. # ولم يرد من الشعر الجاهلي ملاحم إلا قصص قصيرة بدائية ~~كالقصة التي وردت في شعر عمرو بن كلثوم: # أبا هند فلا تعجل علينا # وأنظرنا نخبرك اليقينا ~~... إلخ. # وقصة الحارث بن حلزة: # أيها الشانئ المبلغ عنا # عند عمرو وهل لذاك لقاء؟ ~~... إلخ. # وقصة الأعشى في حادثة السموءل: # كن كالسموءل إذ طاف الهمام به # في جحفل كهزيع الليل جرار ~~... إلخ. # ولهم بعض شعر تعليمي كأبيات زهير ومن، ومن. # لذلك كله لا يصح أن نخضع الشعر العربي لهذا التقسيم، ~~وهذا الذوق، فقد كان للعرب منحاها وذوقها. ~~••• # جاء الإسلام فدعا إلى تعاليم تغاير العقلية الجاهلية، ~~وترسم مثلا للحياة غير المثل الجاهلي. # الجاهلي يفخر بالنسب، ويكاثر بالأموال والأبناء، وينصر ~~أخاه ظالما أو مظلوما، ويدل بإتلافه المال لحسن ~~الأحدوثة، ويقوم أعماله للدنيا وحدها، ويفنى في قبيلته، ~~فخيرها خيره، وشرها شره. والغني يزهى بمعاقرته ~~الخمر، ولعبه الميسر، وهبته للمكسب، وبفعاله وفعال ~~قومه، ويعتز بأنه يحمي ماله وجاره، ومن التجأ إليه، وإذا ~~فعل فلا حق لأحد أن يسأله عما جنى، والفقير يسلب من غير ~~قبيلته، وينهب إن استطاع ... إلخ. # فلما جاء الإسلام دعا إلى غير ذلك: لا فخر بالأنساب ولا ~~بالمال والبنين، إنما الفخر بالعمل الصالح، والظالم يقتص ~~منه كائنا من كان، والجاني يقاد منه أيا كان، والإنسان ~~مسئول عن ماله ينفقه في وجوه البر لا في العظمة الشخصية، ~~ولا خمر ولا ميسر، يدخل حساب الآخرة، فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره - الغني والفقير ~~سواء ms0251 عند الله، كل يحاسب بالعدل على ما أتى - وفوق ذلك ~~كله لا لات ولا عزى، ولا قرابين ولا صنم ولا أوثان، ولكن ~~لا إله إلا الله. # عقلية جديدة حاربت العقلية القديمة، وانضم تحت لواء ~~الإسلام قوم، وأبى آخرون، وتحاربوا بالبلاغة أولا، ثم ~~بالبلاغة والسيف ثانيا. # وظهر مظهر جديد، وهو أن الحروب الجاهلية كانت بين قبيلة ~~وقبيلة، أو مجموعة من القبائل ومجموعة مثلها. أما الآن فأساس ~~القتال دين ودين، أو إسلام وكفر، مسلمون من قبائل ~~متعددة أمام مشركين من القبائل نفسها أو نحو ذلك؛ لهذا ~~تلون الشعر تلونا جديدا، فلم يكن أهم ما يدور حوله ~~اعتزاز بقبيلة، وإنما اعتزاز بدين، وإن لم ينس القديم ~~تماما؛ فكان من شعراء المسلمين حسان بن ثابت وعبد الله بن ~~رواحة، ومن شعراء المشركين عبد الله بن الزبعري، والنضر ~~بن الحارث، وظهرت في الشعر المعاني الجديدة الدينية. فحمزة ~~يقول يوم بدر: # وفينا جنود الله حين يمدنا # بهم في مقام تم مستوضح ~~الذكر # فشد بهم جبريل تحت لوائنا # لدى مأزق فيه منايا بهم تجري # وحسان يقول يوم أحد: # فلا تذكروا قتلى وحمزة فيهم # قتيل ثوى لله وهو مطيع # فإن جنان الخلد منزلة له # وأمر الذي يقضي الأمور سريع # وقتلاكم في النار أفضل رزقهم # حميم معا في جوفها وضريع # وعلى هذا حلت العصبية الدينية محل العصبية القبلية، أو ~~بعبارة أدق جاءت العصبية الدينية بجانب العصبية القبلية، ~~لأن العرب لم يستطيعوا أن يتخلوا عن عصبيتهم ~~الموروثة. # فلما انتصر الإسلام ودخل العرب فيه أفواجا وقف الشعر ~~هنيهة، ولم يكن له من الحظ ما كان له في الجاهلية، لأن ~~القرآن يقول: # والشعراء ~~يتبعهم الغاوون * ألم تر ~~أنهم في كل واد يهيمون * ~~وأنهم يقولون ما لا يفعلون ~~، ~~ولأن دواعي الشعر القديمة لم تعد لها قيمتها، ولم تخلق ~~بعد الدواعي الجديدة التي تتفق والإسلام؛ ولهذا كان ~~الشعراء المخضرمون الذين عاشوا في الجاهلية والإسلام شعرهم ~~في الجاهلية أقوى منه في الإسلام كحسان بن ثابت، وأمية بن ~~أبي الصلت؛ حتى إذا جاءت الفتوح في عهد ms0252 أبي بكر وعمر وعثمان، ~~نشأ نوع من الشعر طريف يصح أن نسميه شعر الفتوح ~~والغزوات، فيه تعتز العرب بقوميتها ودينها وفعالها، مثل ~~قول قيس بن المكشوح: # جلبت الخيل من صنعاء تردى # بكل مدجج كالليث سام # إلى وادي القرى فديار كلب # إلى اليرموك فالبلد الشآمي # وجئن القادسية بعد شهر # مسومة دوابرها دوام # فناهضنا هنالك جمع كسرى # وأبناء المرازبة الكرام # فلما أن رأيت الخيل جالت # قصدت لموقف الملك الهمام # فأضرب رأسه فهوى صريعا # بسيف لا أفل ولا كهام # وقد أبلى الإله هناك خيرا # وفعل الخير عند الله نام # وقول عروة بن زيد الخيل: # برزت لأهل القادسية معلما # وما كل من يغشى الكريهة يعلم # وأقعصت منهم فارسا بعد فارس # وما كل من يلقى الفوارس ~~يسلم # ونجاني الله الأجل وجرأتي # وسيف لأطراف المرازب مخذم # وأيقنت يوم الديلميين أنني # متى ينصرف وجهي إلى القوم ~~يهزموا # فما رمت حتى مزقوا برماحهم # قبائي وحتى بل أخمصي الدم # محافظة إلى امرؤ ذو حفيظة # إذا لم أجد مستأخرا أتقدم ~~... إلخ. # ودوى المسلمون بالقرآن دوي النحل، وتذوقوه في موضوعه ~~وأسلوبه، وتشربوا روحه، واتخذوه إماما في الأدب، وتلاوة ~~في الصلاة، وقانونا يحكم فيما يعرض لهم من أحداث، ومادة ~~لغة، وشاهدا على صحة التعبير وجودة الأسلوب، فكان أثره في ~~الثقافة الإسلامية بجميع نواحيها، وتعدد فروعها لا يقدر. ~~ومن الناحية الأدبية كان تأثيره في اللغة والأسلوب في جميع ~~الأقطار الإسلامية قويا واضحا إلى اليوم، وكان أثره في ~~النثر أكثر منه في الشعر، فالنثر اتخذ إمامه القرآن، والشعر ~~اتخذ إمامه الشعر الجاهلي، وإن لم يخل الشعر الإسلامي من ~~أثر بالقرآن، أحيانا بلفظه وأحيانا بموضوعه، فاستعملوا ~~أحيانا ألفاظا قرآنية، كالمؤمن والكافر، والصلاة والصوم ~~والزكاة، وأحيانا موضوعات قرآنية، كقول القطامي يصف سفينة ~~نوح ويذكر قصته مع قومه ويذكر الطوفان: # ونادى صاحب التنور نوح # وصب عليهم منه البوار # وضجوا عند جيئته وفروا # ولا ينجي من القدر الحذار # وجاش الماء منهمرا إليهم # كأن غثاءه خرق تسار # وعامت وهي قاصدة بأذن # ولولا الله جار بها الجوار # إلى الجودي حتى ms0253 صار حجرا # وحان لتالك الغمر انحسار # فهذا فيه موعظة وحكم # ولكني امرؤ في افتخار # وقد اتجه المسلمون ~~إلى الفتوح ففتحوا فارس والعراق والشام ومصر والمغرب، وتدفق ~~العرب من الجزيرة إلى هذه البلاد التي غرقت بالمدنية ~~والحضارة، فاستفادوا كثيرا من هذه المدنيات، ووسعوا ~~أفقهم في الحياة، وظل أكثرهم أول الأمر محافظا على جنديته ~~وبدويته، وأقام بعضهم في المدن، ثم أخذوا جميعا يتشربون ~~الحضارة شيئا فشيئا. ونشأ تغير عظيم في الحياة الاجتماعية، ~~فالمال تدفق في مدن الحجاز - وخاصة مكة - بما نال الفاتحين ~~من نصيبهم في الفتوح، وكثرت فيها الموالي من رجال وإماء من ~~الفرس والروم وغيرهما، فأصبح الحجاز مصدرا لحياتين ~~متناقضتين تمام التناقض، حياة الدين والعلم الديني من ~~قرآن وتفسير وحديث وتشريع، ولا سيما المدينة، يرسل الناس ~~أبناءهم إليها لدراسة هذه العلوم؛ وحياة ترف ونعيم بعثت ~~على تقدم الغناء بفعل الإماء الفارسيات والروميات ولا ~~سيما مكة. وزاد ذلك وضوحا عندما استولى الأمويون على ~~الخلافة وحصروها في أيديهم، ونحوا غيرهم من القرشيين ~~والأنصار من مشاركتهم في الحكم، فكانت الحجاز - وأعني مكة ~~والمدينة - تصدر الإماء المغنيات والشبان المغنين حتى ~~للمدن المتحضرة كدمشق والبصرة والكوفة. وتبع رقي فن ~~الغناء رقي الشعر، وخاصة من الغزل بما أنشئ من الشعر ~~للغناء، وما اختير من القديم له، ولذلك لم يرتق من الشعر في ~~العصر الإسلامي رقيا واضحا إلى الغزل. وكثير من العرب ~~سكنوا الأمصار المفتوحة، ولم يعودوا إلى الجزيرة فضعف شأنها ~~إلا المدينتين الكبيرتين مكة والمدينة، ولهذا كان فحول ~~الشعراء الذين اتبعوا عمود الشعر الجاهلي عراقيين مسكنا، ~~كجرير، والفرزدق، والأخطل، وهم رافعو لواء الشعر القديم، ~~والجارون على سننه في تكوين القصائد واختيار ~~موضوعاته. # وزاد رجوع الشعر إلى العهد القديم قوة أن استولى الأمويون ~~على الخلافة وجعلوا عاصمتهم دمشق، حيث كان أسلافهم من ~~الغساسنة، وأعادوا استقبال الشعراء في بلاطهم، وأفسحوا لهم ~~صدورهم، وأجزلوا لهم العطاء، وحرضوا على القول في موضوعات ~~الفخر والهجاء كالذي كان بين القبائل أيام الجاهلية، وبذلك ~~حيي الشعر الجاهلي ونما. وكان لحياته سبب آخر ديني، وهو ms0254 أن ~~مفسري القرآن كابن عباس استخدم الشعر الجاهلي في ألفاظه ~~وتراكيبه للاستعانة به على تفسير ألفاظ القرآن وأساليبه، وجرى ~~الناس في ذلك على أثره. # وغاية الأمر أن الفخر والهجاء في العصر الأموي لم يقتصرا ~~على الخصومة بين قبيلة وقبيلة، بل كان - كذلك - بين أمويين ~~وهاشميين وأمويين وأنصار، وقبائل موالية للأمويين، وقبائل ~~معادية، فلما ظهرت الأحزاب من أمويين وزبيريين (أتباع عبد ~~الله بن الزبير) وعلويين (أتباع علي بن أبي طالب وذريته) ~~وخوارج، كان لكل مذهب شعراؤه يشيدون بذكره، ويفخرون بفعاله، ~~ويهجون خصومه. # كان أهم جديد في هذا العصر - كما أشرنا قبل - رقي شعر ~~الغزل، وفتح شعرائه أبوابا لم يفتحها الشعر الجاهلي لكثرة ~~السبايا الجميلات، ولما فعلته الحضارة والنعيم في صقل ~~الذوق، ولتوسيع الأمويين صدرهم للغزل والتشبيب، ولإقدام بعض ~~سادة قريش على الخوض في هذا الباب محتميا بعصبيته ~~ومنزلته، ولتحرر بعض القبائل العربية من قيود الحجاب ~~والتقاليد، وللفراغ مع الغنى. # فظهر جميل بن معمر المعاصر لعبد الملك بن مروان، وأكثر ~~من القول في حبيبته بثينة، وكان في غزله «إمام المحبين»؛ ~~كقوله: # ألا ليت ريعان الشباب جديد # ودهرا تولى يا بثين يعود # فنغنى كما كنا نكون وأنتم # قريب وإذ ما تبذلين زهيد # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة # بوادي القرى إني إذا لسعيد # وهل ألفين فردا بثينة مرة # تجود لنا من ودنا ونجود # علقت الهوى منها وليدا فلم يزل # إلى اليوم ينمى حبها ويزيد # وأفنيت عمري بانتظاري وعدها # وأبليت فيها الدهر وهو جديد # فلا أنا مردود بما جئت طالبا # ولا حبها فيما يبيد يبيد # فما أنس مل أشياء لا أنس قولها # وقد قربت نضوي أمصر تريد # ولا قولها لولا العيون التي ترى # لزرتك فاعذرني فدتك جدود # خليلي ما ألقى من الوجد قاتلي # ودمعي بما قلت الغداة شهيد # يقولون جاهد يا جميل بغزوة # وأي جهاد غيرهن أريد # لكل حديث بينهن بشاشة # وكل قتيل عندهن شهيد # إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي # من الحب قالت: ثابت ويزيد # وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به ms0255 # مع الناس قالت: ذاك منك بعيد # ألا قد أرى والله أن رب عبرة # إذا الدار شطت بيننا سترود # إذا فكرت قالت قد ادركت وده # وما ضرني بخلي، فكيف أجود # فلو تكشف الأحشاء صودف تحتها # لبثنة حب طارف وتليد # تذكرنيها كل ريح مريضة # لها بالتلاع القاويات وئيد # وقد تلتقي الأشتات بعد تفرق # وقد تدرك الحاجات وهي بعيد # وظهر مجنون ليلى، وقد اتخذ الناس من سيرته وشعره وحبه ~~منبعا للقصص والروايات الغرامية كما فعلوا في عنترة وشجاعته؛ ~~كقوله: # جرى السيل فاستبكاني السيل إذ ~~جرى # وفاضت له من مقلتي غروب # وما ذاك إلا حين أيقنت أنه # يكون بواد أنت منه قريب # فيا ساكني أكناف نخلة كلكم # إلى القلب من أجل الحبيب حبيب # أظل غريب الدار في أرض عامر # إلى كل مهجور هناك غريب # وإن الكثيب الفرد من أيمن الحمى # إلي وإن لم آته لحبيب # ولا خير في الدنيا إذا أنت لم ~~تزر # حبيبا ولم يطرق إليك حبيب # وكثير عزة، كقوله: # يزهدني في حب عزة معشر # قلوبهم فيها مخالفة قلبي # فقلت: دعوا قلبي وما اختار وارتضى # فبالقلب لا بالعين يبصر ذو ~~اللب # وما تبصر العينان في موضع الهوى # ولا تسمع الآذان إلا من القلب # وكل هؤلاء اقتصروا على ~~محبوبة واحدة قالوا فيها شعرهم، وإن سموها أحيانا أسماء ~~متعددة. أما عمر بن أبي ربيعة فقد تشبب بالنساء، ولم ~~يقتصر على واحدة وتبع الحسن أنى كان، وكان قرشيا من ~~بيت شرف، جميلا لاهيا، فاستطاع أن يتعرض لأشهر نساء ~~العرب وأجملهن، حتى لفاطمة بنت عبد الملك بن مروان، وإن لم ~~يذكر اسمها. وكان كثير من النساء يعجبهن تشبيبه بهن، ~~ويرين في شعره تسجيلا لجمالهن وإعلانا بين الناس ~~لحسنهن. وقصر شعره الكثير على النساء والتشبيب، وابتدع في ~~شعره القصص القصيرة، ورواية أحاديث النساء، وما يجول ~~بخاطرهن، وأكثر من وصفه لكل ما يتصل بهن من ملبس ~~ومداعبة وتلاوم وملاقاة، وزيارته لهن في المنازل، ~~ومقابلتهن في مناسك الحج، كقوله: # طال ليلي وتعناني الطرب # واعتراني طول هم ونصب # أرسلت أسماء في ms0256 معتبة # عتبتها وهي أحلى من عتب # أن أتى منها رسول موهنا # وجد الحي نياما فانقلب # ضرب الباب فلم يشعر به # أحد يفتح بابا إذ ضرب # قال أيقاظ ولكن حاجة # عرضت تكتم منا فاحتجب # ولعمدا ردني، فاجتهدت # بيمين حلفت عند الغضب # يشهد الرحمن لا يجمعنا # سقف بيت رجبا بعد رجب # قلت حلا فاقبلي معذرتي # ما كذا يجزي محب من أحب # إن كفي لك رهن بالرضا # فأقبلي يا هند! قالت: قد وجب # وظهر في هذا العصر الخليفة الأموي الوليد بن يزيد بن عبد ~~الملك، وكان ماجنا يفرط في الشراب ويهيم بالنساء، وقد أكثر ~~كذلك من شعر الغزل الرقيق ومن شعر الخمر حتى يعد في ذلك ~~إماما لأبي نواس، كقوله: # عللاني واسقياني # من شراب أصبهاني # من شراب الشيخ كسرى # أو شراب الهرمزاني # إن في الكأس لمسكا # أو بكفي من سقاني # إنما الكأس ربيع # يتعاطى بالبنان # وحميا الكأس دبت # بين رجلي ولساني # حتى إذا جاء العصر ~~العباسي رأينا أن الدولة العباسية قامت على أكتاف الفرس ~~والعرب المناهضين للدولة الأموية ممن يناصرون الهاشميين ~~(علويين وعباسيين). فأصبح نفوذ الفرس عظيما، وصبغوا الدولة ~~بصبغتهم بعد أن كان الأمويون يصبغونها بالصبغة العربية ~~الخالصة؛ فأصبحنا نرى من الفرس قواد جيوش ووزراء ~~وحجابا وولاة وكتابا. وكان من مظهر هذا النفوذ نقل ~~عاصمة الخلافة إلى العراق وإنشاء مدينة بغداد بجوار مدائن ~~كسرى، وظهرت حركة الشعوبية تدعو إلى المساواة وهدم سيادة ~~العرب. وتبع ذلك المناداة بمذهب التخير؛ أي تخير خير ما ~~في الحضارات القديمة وتوسيع الصدر لها والعمل بها. # فنسقوا الدواوين ~~وأساليب الحرب ونظم الحكم والحياة الاجتماعية العائلية من ~~ملبس ومسكن ومأكل ومشرب وأعياد على نظام الفرس، واقتبسوا ~~كثيرا من عاداتهم، وأخذ الخلفاء العباسيون يشجعون الحركة ~~العلمية في شتى نواحيها، ويمدونها بمالهم وجاههم، على ~~عكس الدولة الأموية؛ إذ كانت لا تشجع إلا الحركة الأدبية ~~وما إليها من موسيقى وغناء، وذلك لشدة تأثر العباسيين ~~بالحضارات القديمة، ولأن التقدم في المدنية يخطو بالتدريج ~~خطوات: خطا الأولى منها الأمويون، وخطا الخطوات الأخرى ~~العباسيون؛ ولأنهم حكموا ms0257 شعوبا مختلفة متعددة لكل منها ~~مميزات، فرأوا من حسن السياسة اختيار خير ما عند كل منهم، ~~فأخذوا من الفرس ما أشرنا إليه قبل، وكان اليونان قد بذروا ~~بذور علومهم وآدابهم في الشرق من عهد فتح الإسكندر، فنشروا ~~فيه فلسفتهم وطبهم وفلكهم، ووجد علماء في الشرق ~~يعكفون عليها ويترجمونها إلى اللغة السريانية وانتشروا في ~~الأديار العراقية والشامية، وفلسفوا بها النصرانية في شمالي ~~العراق، وأسس النساطرة مركزا هاما لهذه الثقافة اليونانية ~~في جند يسابور. وهناك في «حران» كانت جماعة وثنية نبغوا ~~في الدراسات اليونانية علمية وأدبية، وكانوا يسمون ~~«الصائبة»، وفي الإسكندرية كانت بقايا مدرسة الإسكندرية، وهي ~~وإن ضعفت تعاليمها ودراستها، فقد كان لها أثر باق في هذا ~~العهد - فهذه كلها ذابت في الدولة العباسية وروت أرضها ~~وملأت جوها بعد أن تحولت إلى اللغة العربية - وكذلك أخذوا ~~من الهنود فلسفتهم ورياضتهم. # هذا كله إلى نمو الثقافة العربية من علوم دينية ولغوية ~~وأدبية. وجاء الزمن الذي نضج فيه الموالي، فاستعربوا وأتقنوا ~~اللغة ودراسة الدين، فكانوا عنصرا هاما في بناء صرح ~~المدنية العلمية، وامتزجت هذه الثقافات امتزاجا غريبا، ~~وأثر كل فرع منها في الفروع الأخرى، وأثر كل ركن من ~~أركان الدولة في الأركان الأخرى في سرعة عجيبة. # كل هذا جعل الحركة العلمية والأدبية في العصر العباسي تبلغ ~~أوجها، ولكن العنصر العربي نفسه ضعف أمام هذه القوات ~~الكبيرة، وقبض الفرس على السلطة أولا والترك ثانيا، ~~فانحلوا وضعفت فيهم - بعد زمن - العصبية العربية، ~~وتكسبوا بالزراعة والحرف، بعد أن كانوا جند الدولة ~~وقادتها وولاتها وأمراءها. # ومما يؤسف له أن هذه الحركة العلمية والأدبية لم ~~تستغل الأدب اليوناني - كما استغلت العلم اليوناني ~~والفلسفة اليونانية - استغلالا كبيرا، فلم ينقلوا ملاحمهم ~~ولا رواياتهم التمثيلية ولا شعرهم ولا سائر فنونهم الأدبية، ~~وإنما نقلوا حكمهم وبعض قصصهم، ولو فعلوا لتأثر الأدب ~~العربي تأثرا كبيرا، وفتحت له مناح جديدة. ولعل السبب ~~في ذلك أنهم لم يتذوقوه لبعده عن الذوق العربي، ولأنه ~~مملوء بالآلهة التي تنفر منها عقيدتهم، ولأن البيئة ~~اليونانية الاجتماعية التي أنتجت أدبهم ms0258 مخالفة تمام ~~المخالفة للبيئة الإسلامية مما يجعل تذوقها عسيرا، إلى ~~غير ذلك من أسباب؛ فظل تأثير الأدب الجاهلي كبيرا على الشعر ~~العربي، من محافظة على التزام الأوزان والقافية، والابتداء ~~بالنسيب والغزل، وذكر الديار والأطلال والظعائن، ووصف ~~الناقة، وقطع الفيافي، ووصف ما فيها من الوحش والصيد. # ومع هذا فلم يخل الأدب - على العموم - من تأثر بالحضارات ~~والثقافات والحياة العقلية والاجتماعية الجديدة. # فقد تأثر الشعر بالحضارة، فوصف القصور والبساتين، ومجالس ~~الأنس، ومصايد الطير والسمك وأنواع السفن. # وزاد استعماله في المجون والخلاعة والتهتك - واستخدم ~~في العصبية بين شيعة العلويين والعباسيين، وبين العرب والعجم، ~~والغزل في المذكر ولم تكن تعرفه العرب - والتوسع في ~~شعر الخمر والإجادة في وصفها. # وحملتهم الحضارة على ترقيق شعرهم، واستعمال التشبيه الذي ~~يتفق ومدنيتهم والإكثار من الأوزان القصيرة ~~اللطيفة. # وكان زعيم هذا التجديد شاعر أعمى فارسي اسمه بشار بن ~~برد، فكان لسان عصره: تهتك عصره فتهتك، وتحضر ~~فتحضر، وتزندق فتزندق، وأجاب داعي النفوس حتى قالوا: ~~«إنه لم يبق غزل ولا غزلة في البصرة إلا ويروي من ~~شعر بشار، ولا نائحة ولا مغنية إلا تتكسب به، ولا ذو ~~شرف إلا وهو يهابه ويخشى معرة لسانه.» # دعا إلى التمتع بالحياة ما أمكن، والجري وراء النساء، ~~فعسرهن إلى مياسرة، وترقق في الغزل: # طال هذا الليل بل طال السهر # ولقد أعرف ليلي بالقصر # لم يطل حتى جفاني شادن # ناعم الأطراف فتان النظر # فكأن الهم شخص ماثل # كلما أبصره النوم نفر ~~••• # يكلمها طرفي فتومي بطرفها # فيخبر عما في الضمير من الوجد # فإن نظر الواشون صدت وأعرضت # وإن غفلوا قالت ألست على العهد؟! # ويهجو فيقذع في الهجاء: # دينار آل سليمان ودرهمهم # كالبابليين حفا بالعفاريت # لا يوجدان ولا يلقاهما أحد # كما سمعت بهاروت وماروت # ويعتب على القدر فيقول: # خلقت على ما في غير مخير # هواي ولو خيرت كنت المهذبا # أريد فلا أعطى وأعطى ولم أرد # ويقصر علمي أن أنال المغيبا # وأصرف عن قصدي وعلمي ثاقب # فأرجع ما أعقبت إلا التعجبا # لعمري لقد غالبت نفسي على الهوى # لتسلى ms0259 فكانت شهوة النفس أغلبا # ومن عجب الأيام أن اجتنابها # رشاد وأني لا أطيق التجنبا # ويصف المنتشي فيقول: # دارت له الكأس حتى راح باطله # فطرفه نائم في عين يقظان # ريحانة القلب لو كانت تساعدني # إذا رضيت بها من كل ريحان # ويصف ~~العناق فيقول: # فبتنا معا لا يخلص الماء بيننا # إلى الصبح دوني حاجب وستور # إلخ. # وله الشعر الجزل في الفخر والحكم. # وعلى الجملة فكان بشار داعيا إلى الإسراف في طلب ~~اللذات، واستمتاع الإنسان ما استطاع بمتع الحياة. # وجاء بعده أبو نواس، فزاد في الطنبور نغمة بل نغمات، فكان ~~يرى أن الحياة مهزلة، ولا خير فيها إلا في الاستمتاع ~~بنعيمها، ولا بد أن ينسى متاعب الوجود بالخمر، ففتح في ~~الخمر أبوابا لم يفتحها من قبله ولا من بعده، وانغمس في ~~اللهو والتشبيب بالنساء والغلمان، فكان مرآة لطائفة ~~اللاهين والعابثين في عصره، وكان ذا مقدرة أدبية عالية ~~فصرفها في هذه الفنون؛ وقد حدث عن نفسه فقال: «لا أكاد أقول ~~شعرا جيدا حتى تكون نفسي طيبة، وأكون في بستان مونق، ~~وعلى حال أرتضيها من صلة أو وصل أو وعد بصلة.» سار في ~~خمرياته على نهج الأعشى والأخطل والوليد بن يزيد، وفاقهم ~~بمراحل أوحت بها عبقريته وحضارة زمانه: # اصدع شجي الهموم بالطرب # وانعم على الدهر بابنة العنب # واستقبل العيش في غضارته # لا تقف منه آثار منتقب # من قهوة زانها تقادمها # فهي عجوز تعلو على الحقب # أشهى إلى الشرب يوم جلوتها # من الفتاة الكريمة النسب # فقد تجلت ورق جوهرها # حتى تبدت في منظر عجب # فهي بغير المزاج من شرر # وهي لدى المزج سائل الذهب # وابتدع الغزل في الذكور وأفرط فيه، ولم يبلغ في غزله ما ~~بلغه في خمره؛ يصف في خمره الحانة والخمار وامرأته ~~وخمرها المعتقة، ويصف حمله الخمر إلى أصدقائه في ~~بستان، وكيف شربوا بين الرياحين في غفلة الرقباء وأحداث ~~الزمان، ويصف زيارته للأديار، وكيف نعم فيها بالخمر ~~والفتيان والفتيات. وكل ذلك في صراحة واستهتار، لا يأبه ~~لنقد ولا عتاب. # غدوت إلى اللذات منهتك ~~الستر ms0260 # وأفضت بنات السر مني إلى الجهر # وهان علي الناس فيما أريده # بما جئت فاستغنيت عن طلب العذر # رأيت الليالي مرصدات لمدتي # فبادرت لذاتي مبادرة الدهر # وكانت له صيحة تجديدية في الشعر تنعي على الشعراء سلوكهم ~~مسلك الأولين في بكاء الأطلال والتزام الموضوعات القديمة ~~بالأساليب القديمة: # دع المعلى يبكي على طلله # وخل عوفا يقول في جمله # وقل لكلثوم المفضل بالشع # ر يطيل الإعراض عن حلله # وأعد على اللهو غير متئد # عنه فهذا أوان مقتبله # أما ترى جدة الزمان وما # أبدع فيها الربيع من عمله # فاشرب على جدة الزمان فقد # وافى بطيب الهوا ومعتدله # من قهوة تذكر السرور وتن # سي الهم عند اعتراض مشتكله # ويدعو إلى القول في آثار الحضارة الفخمة لا ~~في الأماكن البدوية التافهة: # دع الرسم الذي دثرا # يقاسي الريح والمطرا # وكن رجلا أضاع العل # م في اللذات والخطرا # ألم تر ما بني كسرى # وسابور لمن غبرا # منازه بين دجلة وال # فرات أخصها الشجرا # لأرض باعد الرحم # ن عنها الطلح والعشرا # ولم يجعل مصايدها # يرابيعا ولا وحرا # 8 # ولكن حور غزلان # تراعي بالملا بقرا # فذاك العيش لا سيد # بقفرتها ولا وبرا # إذا ما كنت بالأشياء # في الأعراب معتبرا # فإنك أيما رجل # وردت فلم تجد صدرا # ويقول: # دع الأطلال تسفيها الجنوب # وتبكي عهد جدتها الخطوب # وخل لراكب الوجناء أرضا # تحث بها النجيبة والنجيب # ولا تأخذ عن الأعراب لهوا # ولا عيشا فعيشهم جديب ~~••• # فهذا العيش لا عيش البوادي # وهذا العيش لا اللبن الحليب # فأين البدو من إيوان كسرى # وأين من الميادين الزروب # وكنا ننتظر مع هذه الصرخة المدوية في طلب التجديد، ~~والقدرة الفنية الفائقة، أن يفتح أبوابا جديدة كثيرة بما ~~تلهمه الحضارة التي ينشدها، ويخرج ولو بعض الشيء عن ~~الأوزان القديمة، والموضوعات القديمة كالمديح والهجاء، ولكنه ~~اكتفى في التجديد بتوليد معاني الخمر والغزل. وحتى عندما عرض ~~للمديح والهجاء عاد عن دعوته، فبكى الطلول وركب ~~النوق: # أقول والعيس تعروري الفلاة بنا # صعر الأعنة من مثنى ووحدان # لذات لوث عفرناة عذافرة # كأن تضبيرها تضبير ms0261 بنيان # يا ناق لا تسألي أو تبلغي ملكا # تقبيل راحته والركن سيان # ويظهر أن دعوته للتجديد لقيت مقاومة عنيفة من أدباء ~~عصره، بل ومن الخليفة نفسه، فلم يقو على الوقوف أمامهم، ونكص ~~على عقبه وقال: # أعر شعرك الأطفال والمنزل القفرا # فقد طالما أزرى به نعتك الخمرا # دعاني إلى نعت الطلول مسلط # تضيق ذراعي أن أرد له أمرا # فسمعا أمير المؤمنين وطاعة # وإن كنت قد جشمتني مركبا ~~وعرا # وإن كان بشار وأبو نواس ~~عنيا بتوليد المعاني التي أوحى بها عصرهما، فثم شاعر آخر ~~كانت عنايته في تجويد اللفظ، والإمعان في البديع، والعناية ~~بالموسيقى اللفظية، وهو «مسلم بن الوليد» الملقب صريع ~~الغواني، كقوله في مدح الفضل بن يحيى البرمكي: # تساقط يمناه ندى وشماله # ردى وعيون القول منطقه الفصل # عجول إلى أن يودع الحمد ماله # يعد الندى غنما إذا اغتنم ~~البخل # له هضبة تأوي إلى ظل برمك # منوط بها الآمال أطنابها السبل # وقوله: # إذا التقينا منعنا النوم ~~أعيننا # ولا نلائم يوما حين نفترق # أقر بالذنب مني لست أعرفه # كما أقول كما قالت فنتفق # وقوله: # وإني وإسماعيل يوم وداعه # لكالغمد يوم الروع زايله النصل # فإن أغش قوما بعده أو أزورهم # فكالوحش يدنيها من الأنس المحل # وقوله: # موف على مهج في يوم ذي رهج # كأنه أجل يسعى إلى أمل # ينال بالرفق ما يعيا الرجال به # كالموت مستعجلا يأتي على مهل # وقوله في الخمر: # ومانحة شرابها الملك قهوة # يهودية الأصهار مسلمة البعل # 9 # معتقة لا تشتكي يد عاصر # حرورية في جوفها دمها يغلي # وبجانب هؤلاء كان شاعر آخر لا يغني للملوك والأمراء، ولكن ~~يغني لنفسه وحبه، ويقف شعره على غزله في رقة ~~وعذوبة، وهو العباس بن الأحنف؛ لقد كان في العباسيين كما كان ~~عمر بن أبي ربيعة في الأمويين، والفرق بينهما فرق الحضارة وما ~~تدعو إليه من رقة في اللفظ، وعذوبة في المعنى، ورقة في ~~الذوق، وتوليد في المعاني، فيقول: # أشكو الذين أذاقوني مودتهم # حتى إذا أيقظوني بالهوى رقدوا ~~••• # أمتيني فهل لك أن تردي # حياتي من ms0262 مقالك بالغرور # أرى حبيك ينمى كل يوم # وجورك في الهوى عدلا فجوري ~~••• # وأنت إذا ما وطئت الترا # ب صار ترابك للناس طيبا ~~••• # هبوني أغض إذا ما بدت # وأملك طرفي فلا أنظر # فكيف استتاري إذا ما الدموع # نطقن فبحن بما أضمر ~~••• # لعمري لقد كذب الزاعمو # ن أن القلوب تجاري القلوبا # ولو كان ذاك كما يذكرو # ن ما كان يشكو محب حبيبا ~~••• # أتأذنون لصب في زيارتكم # فعندكم شهوات السمع والبصر # لا يضمر السوء إن طال الجلوس به # عف الضمير ولكن فاسق النظر # وكل ديوانه من هذا القبيل. # ويظهر أن دعوته إلى التجديد لم تجد سميعا حتى في العصور ~~بعده. # ولئن كان بشار ثم أبو نواس غنيا للناس ألحان الغرام ~~والخمر والاستهتار والمجون، ودعوا إلى الاستمتاع، وطلب ~~اللذات حيث تكون، فشاعر آخر رد على هذه الألحان بألحان ~~مثلها في الزهد واحتقار الدنيا وذكر الموت، وهو الشاعر ~~المعاصر لأبي نواس «أبو العتاهية». # فقد جدد في الشعر الديني ما لم نجد له نظيرا قبل إلا ~~قليلا من شعر قس بن ساعدة وأمية بن أبي الصلت، ولكن يظهر ~~أنه اتخذ شعره من منابع نثرية كمواعظ الحسن البصري، ~~وصاغه صياغة سهلة أشبه بالنثر، يفهمه العامة والخاصة على ~~السواء، فهو من ناحيته الفنية لا يصح أن يقارن ببشار ~~وأبي نواس. وإنما شهرته أتت من ناحية موضوعه وحسن توليده، ~~وسهولة نظمه، وجميل وعظه؛ فإن كان أبو نواس يزين ~~الدنيا، فهذا يظلمها ويذهب ببهجتها، ويصور الحياة أباطيل. ~~يذكر بالموت دائما، ويذكر بالقبور، ويصف غرور الإنسان ~~وأوهامه في مطامعه: # ألا يا موت لم أر منك بدا # أتيت وما تحيف وما تحابي # كأنك قد هجمت على مشيبي # كما هجم المشيب على الشباب # وإنك يا زمان لذو صروف # وإنك يا زمان لذو انقلاب # أراك وإن طليب بكل وجه # كحلم النوم أو ظل السحاب ~~••• # رجعت إلى نفسي بفكري لعلها # تفارق ما قد غرها وأذلها # فقلت لها يا نفس ما كنت آخذا # من الأرض لو أصبحت أملك كلها # فهل هي إلا شبعة بعد جوعة # وإلا ms0263 منى قد حان لي أن أملها # أرى لك نفسا تبتغي أن تعزها # ولست تعز النفس حتى تذلها ~~••• # تعلقت بآمال # طوال أي آمال # وأقبلت على الدنيا # ملحا أي إقبال # أيا هذا تجهز ل # فراق الأهل والمال # فلا بد من الموت # على حال من الحال # وهو يكثر في شعره من الأمثال والحكم، وله أرجوزة طويلة ~~كلها أمثال، قالوا إنها بلغت أربعة آلاف مثل، ولكن لم ~~يعثر عليها كلها، منها: # حسبك مما تبتغيه القوت # ما أكثر القوت لمن يموت # إن كان لا يغنيك ما يكفيكا # فكل ما في الأرض لا يغنيكا # لن يصلح الناس وأنت فاسد # هيهات ما أسعد ما تكابد # لكل ما يؤذي وإن قل ألم # ما أطول الليل على من لم ينم # وكل شيء لاحق بجوهره # أصغره متصل بأكبره # لكل إنسان طبيعتان # خير وشر وهما ضدان # والخير والشر إذا ما عدا # بينهما بون بعيد جدا # ما عيش من آفته بقاؤه # نغص عيشا طيبا فناؤه # إن الشباب والفراغ والجدة # مفسدة للعقل أي مفسدة # إن الشباب حجة التصابي # روائح الجنة في الشباب # اصحب ذوي الفضل وأهل الدين # فالمرء منسوب إلى القرين # ويصح بعد ذلك أن نقف وقفة عند شاعر أعقب أبا نواس، وهو ~~أبو تمام فقد طلع على الناس بأسلوب جديد وشكل جديد لا جوهر ~~جديد؛ لقد بنى قصيدته على النمط القديم، وعالج موضوعات من ~~قبله، ولكن أسلوبه غير أسلوبهم في شكل متميز به. هو شامي ~~الأصل تنقل في بلدان كثيرة فزار مصر وخراسان ونيسابور ~~والحجاز وأرمينيا والموصل وبغداد، وحط رحاله في مقام ~~الخلافة العباسية «سر من رأى»، وهو في رحلاته يوسع ~~ثقافته ويكثر اطلاعه على الشعر القديم والحديث، وفي إحدى ~~هذه الأسفار جمع ديوان الحماسة. # وأسلوبه في شعره يكاد يكون خاصا به: إمعان في الاستعارة، ~~وغلو في غموض المعنى وتوليده، وإفراط في الصنعة، وتعمد ~~للبديع، وحب شديد للإغراب، يشعر القارئ - وهو يقرؤه - ~~بتكلفه، وعرق جبينه في البحث عن المعاني المناسبة ~~وإدارتها في ذهنه ليغرب في توليدها، وفي خياله ليلبسها ~~ثوبا غير شفاف ms0264 من الجناس والاستعارة، كقوله: # فكأن أفئدة النوى مصدوعة # حتى تصدع بالفراق فؤادي # فإذا فضضت من الليالي فرجة # خالفنها فسددنها ببعاد # 10 # ومع هذا فقد وفق في كثير من صوره الشعرية وأقواله ~~الحكيمة، فيصف فائدة الرحلات، وإنه لا يبلغ الأرب ~~بقوله: # ولكنني لم أحو وفرا مجمعا # ففزت به إلا بشمل مبدد # ولم تعطني الأيام نوما مسكنا # ألذ به إلا بنوم مشرد # وطول مقام المرء في الحي مخلق # لديباجتيه فاغترب تتجدد # فإني رأيت الشمس زيدت محبة # إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد # ويصف ممدوحه فيقول: # وقد كان فوت الموت سهلا فرده # إليه الحفاظ المر والخلق ~~الوعر # ونفس تخاف العار حتى كأنما # هو الكفر يوم الروع أو دونه ~~الكفر # فأثبت في مستنقع الموت رجله # وقال لها من تحت أخمصك الحشر # فهو تلميذ بشار وأبي نواس في توليد المعاني، وتلميذ مسلم ~~بن الوليد في تجويد اللفظ والإمعان في البديع، ونسيج وحده في ~~الصياغة. ~~••• # ولا بد من وقفة عند شاعر يوناني الأصل اسم جده ~~«جورجيوس»؛ عظيم الشاعرية، غير موفق في مسالك الحياة، قوي ~~الخيال، ضعيف العقلية العملية، قوي الشهوة، فقير اليد، فهو في ~~شعره ناقم ساخر عابث هجاء، وصاف: # أسخطت إخواني وأخفق مطمعي # فبقيت بين الدور والأبواب # يذم الزمان ويعجب لكفايته الضائعة وحظه البائس، وغير ~~الأكفاء حوله ينعمون ويسعدون: # أيها الحاسدي على صحبتي العس # ر وذمي الزمان والإخوانا # ليت شعري ماذا حسدت عليه # أيها الظالمي إخائي عيانا # أعلى أنني ظمئت وأضحى # كل من كان صاديا ريانا # أم على أنني أمشي حسيرا # وأرى الناس كلهم ركبانا # أم على أنني ثكلت شقيقي # وعدمت الثراء والأوطانا؟ # من أجل هذا امتلأ شعره بالهجاء، وصب سخطه على الناس، ~~وأستاذه في ذلك جرير والفرزدق وبشار، وهو يفوقهم في إجادة ~~التصوير وإثارة الضحك ممن يهجوه، والإقذاع في هجائه - وقد ~~جرى على سبيل معاصريه في المديح وسائر فنون الشعر، ولكنه ~~عرف بالهجاء لأنه تميز به - وهجاؤه أكثره هجاء شخصي، ~~لأن مهجوه أساء إليه أو منع عنه العطاء، أو تخيل هو أنه ~~ناله بشر ms0265 أو أضمر له سوءا، وكثيرا ما كان يتخيل. وقد ~~انتفع أبو العلاء المعري بهجائه، ولكنه نقله إلى معنى ~~أسمى وهو هجاء المجتمع في عيوبه، وهجاء الإنسان في جوهره، ~~والطوائف في جملتها. # وقد جدد ابن الرومي في الشعر بأسلوبه الخاص، فهو يطيل ولا ~~يمل، ويعرض للمعنى فيولده ويستخرج منه حتى لا يبقي فيه ~~لمن يأتي بعده شيئا، ولا ينتقل إلى معنى حتى يستوفي ما ~~قبله استيفاء تاما. يمدح علي بن يحيى المنجم في قصيدة ~~تجاوز المائة، فيبدأ بوصف المشيب ودلالته عند الغواني في ~~نحو ثلاثين بيتا، ومطلعها: # شاب رأسي ولات حين مشيب # وعجيب الزمان غير عجيب # وهو إلى ذلك سهل النظم، لا تحس وأنت تقرأ شعره إلا كأنك ~~تقرأ نثرا مقفى، ليس فيه تعمل لتقديم أو تأخير، أو ~~لعب بالألفاظ ليستقيم الوزن إلا نادرا. # وهو يتعرض لموضوعات ليست جديدة في الأدب العربي، ولكنه ~~أفاض فيها ووسع معانيها كوصفه أهوال البحر، والإفاضة في ~~وصف الشيب والشباب، ووصف المياه والجنان، والسحاب والبرق ~~والرياح، والألوان والأصوات والمغنيات والمأكولات وسوء ~~الحظ. وله قصيدة رائعة في رثاء البصرة وما أصابها في ثورة ~~الزنج، ووقوعها في أيديهم، لعلها كانت فتحا جديدا في ~~الأدب العربي في رثاء المدن وما ينتابها من حوادث ~~معاصرة. # وهو في شعره يفخر بنسبه اليوناني فيقول: # ونحن بني اليونان قوم لنا حجى # ومجد، وعيدان صلاب المعاجم # وما تتراءى في المرايا وجوهنا # بلى في صفاح المرهفات الصوارم # ويقول: # قد تحسن الروم شعرا # ما أحسنته عريب # يا منكر المجد فيهم # أليس منهم صهيب # ولكن هل كان مثقفا ثقافة يونانية كان لها أثر في شعره؟ ~~ذلك ما لم يظهر في شعره وإن ظهر في طبعه. # فمن نماذج شعره: # لعمرك ما الحياة لكل حي # إذا فقد الشباب سوى عذاب # فقل لبنات دهري فلتصبني # إذا ولى بأسهمها الصياب ~~••• # يذكرني الشباب هوان عتبي # وصد الغانيات لدى عتابي # يذكرني الشباب سهام حتف # يصبن مقاتلي دون الإهاب ~~••• # فيا أسفا ويا جزعا عليه # ويا حزنا إلى يوم الحساب # أأفجع بالشباب ولا أعزى # لقد ms0266 غفل المعزي عن مصابي # تفرقنا على كره جميعا # ولم يك عن قلى طول اصطحاب # وكانت أيكتي ليد اجتناء # فعادت بعده ليد احتطاب # يصف الخمر وحسناء تشرب: # ومدامة كخشاشة النفس # لطفت عن الإدراك باللمس # لنسيمها في قلب شاربها # روح الرجاء وراحة اليأس # وتمد في أمل ابن نشوتها # حتى يؤمل مرجع الأمس # ومهفهف كملت محاسنه # حتى تجاوز منية النفس # أبصرته والكأس بين فم # منه وبين أنامل خمس # فكأنها وكأن شاربها # قمر يقبل عارض الشمس # ويقول في ~~رثاء البصرة: # ذاد عن مقلتي لذيذ المنام # شغلها عنه بالدموع السجام # أي نوم بعد ما حل بالبص # رة ما حل من هنات عظام ~~••• # لهف نفسي عليك يا قبة الإس # لام لهفا يطول منه غرامي # لهف نفسي لجمعك المتفاني # لهف نفسي لعزك المستضام ~~••• # بينما أهلها بأحسن حال # إذ رماهم عبيدهم باصطلام # دخلوها كأنهم قطع اللي # ل إذا راح مدلهم الظلام # أي هول رأوا هم أي هول # حق منه يشيب رأس الغلام # إذ رموهم بنارهم من يمين # وشمال من خلفهم وأمام # كم أغصوا من شارب بشراب # كم أغصوا من طاعم بطعام # صبحوهم فكابد القوم منهم # طول يوم كأنه ألف عام # ما تذكرت ما أتي الزنج إلا # أضرم القلب أيما إضرام # إلخ. # وله في الهجاء: # دعتني إلى فضل معروفكم # وجوه مناظرها معجبة # فأخلفتمو ما توسمته # وقل حميد على تجربة # وكم لمعة خلتها روضة # فألفيتها دمنة معشبة # ظلمتكم لا تطيب الفرو # ع إلا وأعراقها طيبة # وفي هجاء صاحب لحية: # إن تطل لحية عليك وتعرض # فالمخالي معروفة للحمير # علق الله في عذاريك مخلا # ة ولكنها بغير شعير # لو غدا حكمها إلي لطارت # في مهب الرياح كل مطير ~~••• # لحية أهملت فسالت وفاضت # فإليها تشير كف المشير # ما رأتها عين امرئ ما رآها # قط إلا أهل بالتكبير # روعة تستخفه لم يرعها # من رأى وجه منكر ونكير ~~••• # فاتق الله ذا الجلال وغير # منكرا فيه ممكن التغيير # أو فقصر منها فحسبك منها # نصف شبر علامة التذكير # لو رأى مثلها النبي لأجرى # في لحى الناس سنة ms0267 التقصير # ويصف طبعه فيقول: # شكري عتيد وكذاك حقدي # للخير والشر بقاء عندي # كالأرض مهما استودعت تؤدي # أحفظ للأعداء والأود # ما استودعوا من بغضة وود # ماذا يقول القائلون بعدي # ولمع في دولة الأدب ~~الخليفة المنكود الحظ، عبد الله بن المعتز، فأتى بالتشبيهات ~~الرقيقة البديعة مستمدة من عيشته المترفة، وولد من ~~المعاني ما توحيه الحياة المتحضرة، كقوله: # ومقرطق يسعى إلى الندماء # بعقيقة في درة بيضاء # والبدر في أفق السماء كدرهم # ملقى على ديباجة زرقاء # وقوله: # خليلي قد طاب الشراب المورد # وقد عدت بعد النسك والعود أحمد # فهاتا عقارا في قميص زجاجة # كياقوتة في درة تتوقد # يصوغ عليها الماء شباك فضة # له حلق بيض تحل وتعقد # وقتني من نار الجحيم بنفسها # وذلك من إحسانها ليس يجحد # وقوله يصف ~~رعدا: # وجلجل رعد من بعيد كأنه # أمير على رأس اليفاع خطيب # وقوله: # انظر إلى حسن هلال بدا # يهتك من أنواره الحندسا # كمنجل قد صيغ من فضة # يحصد من زهر الدجى نرجسا # وقد أتى بفن في شعره يكاد يكون مبتكرا، فأنشأ أرجوزة ~~في أكثر من أربعمائة بيت عنوانها مدح الخليفة المعتضد، ولكنها ~~في الحقيقة قصة تاريخية شاملة، وصف فيها معايب زمنه من ~~فساد حكم: # فكل يوم ملك مقتول # أو خائف مروع ذليل # وكل يوم شغب وغصب # وأنفس مقتولة وحرب # وكم فتاة خرجت من منزل # فغصبوها نفسها في المحفل # ويصف الثوار والخارجين على الدولة: كالعلوي، وأبي دلف، ~~والصفار، وصاحب الزنج، وأعمالهم وحروبهم وفسادهم. # ويصف التجار وسوء حالهم مما يصابون به من مصادرة ~~ونهب: # وتاجر ذي جوهر ومال # كان من الله بحسن حال # قيل له عندك للسلطان # ودائع غالية الأثمان # فقال لا والله ما عندي له # صغيرة من ذا ولا جليله # وإنما ربحت في التجارة # ولم أكن في المال ذا خسارة # فدخنوه بدخان التبن # وأوقدوه بثفال اللبن # حتى إذا مل الحياة وضجر # وقال ليت المال جمعا في سقر # أعطاهمو ما طلبوا فأطلقا # يستعسل المشي ويمشي العنقا # إلخ. # ولا بد أن نقف وقفة عند شاعرين ممتازين في العصر ~~العباسي ms0268 الثاني، وهما المتنبي وأبو العلاء المعري؛ ففي ~~المتنبي وصل فن تقصيد القصيد - الذي بدأ به امرؤ القيس ~~ورقا في العصر الأموي - إلى غايته، فقد خالط البدو وتطبع ~~بطباعهم، وتذوق ذوقهم، وعاش في الحضر محتفظا ببداوته ~~في اللغة والأسلوب، يصب فيها معانيه الحضرية، ومحتفظا ~~ببداوته في معيشته؛ فهو فارس تعرفه الخيل والليل والبيداء، ~~إلى عزة نفس وإباء، وخبرة وتجارب كثيرة أكسبته إياها ~~العيشة البدوية والحضرية، ثم لسان طيع يعبر به عن ~~كل ذلك في أسلوب خاص به؛ ولذلك لما طلع على الناس بشعره ~~أقبلوا عليه في عصره، وكادوا ينسون غيره، ورءوا فيه تغذية ~~لعواطفهم المختلفة: فمن هاجت عواطفه لفساد زمنه وجد في ~~شعر المتنبي بغيته، ومن اعتد بنفسه وأحس في شبابه ~~ميلا إلى العلا وطموحا إلى المجد، وجد كفايته، ومن احتاج ~~إلى إثارة الحماسة القومية، ومنازلة الخصوم والأعداء، ففي ~~شعره الغناء، ومن تفلسف ورأى أن الدنيا هباء، وجد في شعره ~~غذاء، ومن فشل في حياته فبكى حظه، ونقم على أولي الأمر في ~~زمانه ففي شعره مطلبه، وهكذا. كل ذلك في قول جزل، وتفنن ~~في الاستعارات والتشبيهات، ونفخ في الشعر من حماسته وحرارته ~~حتى لينبض بالحياة. لقد قبس قبسة من أبي تمام في غموضه ~~وإغرابه وتصنعه، وخاصة وهو في بلاط سيف الدولة، حيث ~~المنافسون كثيرون من الشعراء والعلماء، وقبس ممن قبله ~~توليد المعاني، ولكن كان نسيج وحده في أسلوبه وقوته وصدق ~~شعره، فلا يقول إلا ما يحس، ولا يصف من حوادث الحرب إلا ~~ما يرى. ثم ملأ شعره حكمة عملية هي خلاصة تجاربه ~~الشخصية، وهي ترقية للأمثال العربية لا ترجمة للحكمة ~~اليونانية. # يقول: # أين فضلي إذا قنعت من الده # ر بعيش معجل التنكيد # ضاق صدري وطال في طلب الرز # ق قيامي وقل عنه قعودي # أبدا أقطع الفيافي ونجمي # في نحوس وهمتي في سعود # عش عزيزا أو مت وأنت كريم # بين طعن القنا وخفق البنود # فرءوس الرماح أذهب للغي # ظ وأشفى لغل صدر الحقود # وقال في ~~مدح سيف الدولة: # ومن تكن الأسد الضواري ms0269 جدوده # يكن ليله صبحا ومطعمه غصبا # ولست أبالى بعد إدراكي العلا # أكان تراثا ما تناولت أم كسبا # فرب غلام علم المجد نفسه # كتعليم سيف الدولة الدولة ~~الضربا # إذا الدولة استكفت به في ~~ملمة # كفاها فكان السيف والكف ~~والقلبا # وقال يعاتبه: # يا أعدل الناس إلا في معاملتي # فيك الخصام وأنت الخصم والحكم # أعيذها نظرات منك صادقة # أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم # وما انتفاع أخي الدنيا بناظره # إذا استوت عنده الأنوار والظلم # سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا # بأنني خير من تسعى به قدم # أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي # وأسمعت كلماتي من به صمم # أنام ملء جفوني عن شواردها # ويسهر الخلق جراها ويختصم # ويصف المتنبي قوة نفسه ومضاء ~~عزيمته: # يحاذرني حتفي كأني حتفه # وتنكرني الأفعى فيقتلها سمي # طوال الردينيات يقصفها ~~دمي # وبيض السريحيات يقطعها لحمي # برتني السرى بري المدى ~~فرددنني # أخف على المركوب من نفسي جرمي # وأبصر من زرقاء جو لأنني # متى نظرت عيناي ساواهما علمي # كأني دحوت الأرض من خبرتي بها # كأني بنى الإسكندر السد من ~~عزمي # ويصف طموحه: # ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها # فمفترق جاران دارهما العمر # ولا تحسبن المجد زقا وقينة # فما المجد إلا السيف والفتكة ~~البكر # وتضريب أعناق الملوك وأن ترى # لك الهبوات السود والعسكر ~~المجر # وتركك في الدنيا دويا كأنما # تداول سمع المرء أنمله العشر # فلما ~~فشل فيما يطمح إليه قال: # تمن يلذ المستهام بذكره # وإن كان لا يغني فتيلا ولا يجدي # وغيظ على الأيام كالنار في الحشا # ولكنه غيظ الأسير على القد # يمتاز المتنبي في شعره بأنه فلسف القوة - قوي في ~~حملته على الناس والزمان، قوي في احتقاره اللذات ~~الوضيعة، وطلبه لمعالي الأمور، قوي في نفسه لا يهاب الدهر ~~ولا يكترث لأحداثه، قوي في دعوته للناس أن يثوروا ~~ويؤسسوا مملكتهم على حد السيف - يجد في شعره كل إنسان ~~وصفا لناحية من نواحي نفسه، ويرتاح للاستشهاد فيها ~~بشعره. ~~••• # ثم جاء أبو العلاء المعري ففتح في الشعر بابا جديدا، قد ~~عالج الشعر منذ شبابه، فسار فيه ms0270 على نهج من قبله من مديح ~~وفخر ورثاء وغزل، كما يتجلى ذلك في مجموعة شعره «سقط ~~الزند»، فلما نضج عقله وشعوره اتجه جهة جديدة في كتابه ~~اللزوميات، وهذا التجديد يتميز بشيئين: (1) نقده للحياة ~~الاجتماعية التي حوله. (2) تغنيه في شعره بإيمانه وشكه ~~ويقينه وإلحاده وحيرته بين المعقول والمنقول وتفكيره في ~~أمور الغيب من بعث وحساب وخلود الروح والجنة والنار؛ وهذان ~~بابان جديدان في الشعر العربي؛ نعم نقد النقاد الحياة ~~الاجتماعية قبله كما فعل ابن المعتز في أرجوزته التي قصصنا ~~عليك خبرها، وكما فعل قبله أبو العتاهية أحيانا، ونحو ذلك، ~~ولكن كان نقدهم عارضا وفي غير شمول وإمعان، أما أبو العلاء ~~فكان نظره شاملا وافيا متقصيا متوفرا عليه؛ فينقد ~~الملوك والأمراء: # يسوسون الأمور بغير عقل # وينفذ أمرهم فيقال ساسة # فأف من الحياة وأف مني # ومن زمن رياسته خساسة ~~••• # مل المقام فكم أعاشر أمة # أمرت بغير صلاحها أمراؤها # ظلموا الرعية واستجازوا كيدها # فعدوا مصالحها وهم أجراؤها # وينقد ~~رجال الدين والوعاظ: # رويدك قد غررت وأنت حر # بصاحب حيلة يعظ النساء # يحرم فيكم الصهباء صبحا # ويشربها على عمد مساء # يقول لكم غدوت بلا كساء # وفي لذاته رهن الكساء # إذا فعل الفتى ما عنه ينهى # فمن جهتين لا جهة أساء # وينقد النساء للغدر والخيانة: # فوارس فتنة أعلام غي # لقينك بالأساور معلمات # ودفن - والحوادث فاجعات - # لإحداهن إحدى المكرمات # ثم يذم الناس جملة: # وكل حي فوقها ظالم # وما بها أظلم من ناسها ~~••• # يحسن مرأى لبني آدم # وكلهم في الذوق لا يعذب # أفضل من أفضلهم صخرة # لا تظلم الناس ولا تكذب # وهكذا هو ينقد الناس في مرارة وسخط، ويتمنى أن لو امتنعت ~~الرجال عن الزواج والنساء عن الولادة حتى يفنوا عن ~~آخرهم: # لو أن كل نفوس الناس رائية # كرأي نفسي تناهت عن خطاياها # وعطلوا هذه الدنيا فما ولدوا # ولا اقتنوا واستراحوا من رزاياها # أما شعره الديني فيدل على أنه حائر يمر به طائف من ~~إيمان فيؤمن شعره، ويمر به طائف من إلحاد فيلحد شعره، ~~وتتنازعه الفكرتان فيختلف الشعران، ولكنه ms0271 في أكثر ~~شعره مؤمن بإله واحد؛ حائر في التفاصيل والشعائر، قائل ~~بسلطان العقل، مرتاب في النقل الذي لا يوافق العقل، ~~ساخط على رجال الدين الذين لا يعقلون. # في كل ذلك قال الشعر ممزوجا بشعوره وعواطفه، وإيمانه ~~وكفره وحيرته، وسمح له الشعر بما لم يسمح به النثر، فلم ~~يضطهد ولم يعذب، ولو قال نثرا ما قاله شعرا لما ~~نجا. # كثيرا ما نرى في شعره الإيمان بالله من مثل قوله: # والله حق وابن آدم جاهل # من شأنه التفريط والتكذيب # وقوله: # إذا كنت من فرط السفاه معطلا # فيا جاحد اشهد أنني غير جاحد # أخاف من الله العقوبة آجلا # وأزعم أن الأمر في يد واحد # ثم الشك في مثل قوله: # أما اليقين فلا يقين وإنما # أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسا # ويشك في القيامة فيقول: # أما القيامة فالتنازع شائع # فيها وما لخبيئها إصحار # ويشك في الأديان فيقول: # هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدى # ويهود حارت والمجوس مضللة # اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا # دين وآخر دين لا عقل له # وهكذا تردد بين الإيمان والشك، ولكن كما قلنا نرى الغالب ~~عليه الإيمان بالله والشك فيما عداه. # وبهذا كله نزع في الشعر نزعة جديدة قوامها نقد الحياة ~~الاجتماعية حوله وتحليل شعوره الديني. # فهو في اللزوميات قد تحرر من قيود الشعر القديم من حيث ~~الموضوع، وأما من حيث الأوزان والقوافي فقد التزمها، بل زاد ~~في التزامه فالتزم ما لا يلزم. ~~••• # ونحن إذا دققنا ~~النظر في الشعر العباسي كله وجدنا أنه عني - على وجه ~~العموم - بالنظر إلى الحياة الواقعية وتصويرها من وصف ~~للشراب ومجالسه وغلو فيه، واستقصاء معانيه، والإعجاب ~~بالأزهار والبساتين وجمال النساء والغلماء، ونحو ذلك من جمال ~~العين، كما أولعوا بوصف المباني والمصنوعات، كالبركة ~~والفوارة والشمعة والأطعمة، وكلما انغمس الناس في ~~الملاذ والملاهي تبعهم الشعراء يغنون بما يسرهم ~~ويعجبهم، حتى إذا بلغوا الغاية من السرف والترف ظهر ~~شاعران وقفا حياتهما الشعرية على المجون بأصرح لفظ ~~وأفحشه، وهما ابن الحجاج المتوفى سنة 391ه، وابن سكرة ~~المتوفى سنة 385ه. # وكانا لا ms0272 يقولان إلا في المجون الفاحش، وقد أقبل الناس ~~على شعرهما، وراج ديواناهما لأنهما يغذيان ميول الشعب في ~~ذلك العصر. # وغلب على الشعر الصنعة والنحت والاقتصار على العبارات ~~والأخيلة الجميلة، فهو يعجب السامع والقارئ من حيث صياغته ~~وتشبيهاته وخياله وفنه، وإن كان قلما يمس مشاعره ~~وروحه، هذا إلى ما يؤخذ عليهم من تقصير أكثرهم في الوصف ~~الشامل، ومن غلوهم البالغ في المديح، وإفراطهم في الغزل، ~~يقدمونه بين يدي المديح. ~~••• # وكان شعر العراق والشام الذي وصفنا شأنه، وألممنا ~~باتجاهاته، وعددنا بعض نوابغه، هو قبلة العالم العربي كله، ~~يقلد في مصر والمغرب والأندلس وسائر الأقطار، ويحذى حذوه، ~~فلا تشعر شعورا قويا بطابع إقليمي، ولا بفنون مخترعة ~~تقتضيها بيئة الإقليم، ولا بأوزان مبتكرة تنتج من رنات ~~موسيقية يوحي بها الإقليم، بل كلهم يقلد العراقيين في ~~مذهبهم ومنحاهم، وموضوعاتهم وأساليبهم. # ومن أجل ذلك لا ترانا في حاجة إلى وقفة لوصف الشعر في ~~الأمصار المختلفة لنبين خصائصها وميزاتها، إلا الفن ~~الشعري الذي اخترعه الأندلسيون وهو التوشيح. # فقد كان فنا جميلا، قالوا إن مخترعه مقدم بن معافى ~~القبري شاعر الأمير عبد الله بن محمد المرواني في أواخر ~~القرن الثالث الهجري، وتبعه ابن عبد ربه صاحب العقد ~~الفريد، وجرى على آثارهما آخرون نموه ورقوه، وكانوا ~~ينظمون الموشحات على أساليب شتى، أشهرها جعل اللازمة ~~بيتين وكل دور بعدها خمسة أبيات، وأحيانا ينهجون فيها مناهج ~~أخرى مختلفة خالفوا فيها أوزان الشعر المشهورة، وذلك ~~مثل: # بدر تم شمس ضحى # غصن نقا مسك شم # ما أتم ما أوضحا # ما أورقا، ما أتم # لا جرم من لمحا # قد عشقا قد حرم # ومثل: # يا هاجري هل إلى الوصال # منك سبيل # أو هل ترى عن هواك سالي # قلب العليل # ومثل: # قسما بالهوى لذي حجر # ما لليل المشوق من فجر # جمد الصبح ليس يطرد # ما لليلي - فيما أظن - غد # صح يا ليل أنك الأبد # أو فقصت قوادم النسر # فنجوم السماء لا تسري # ومثل: # لازمة # جادك الغيث إذا الغيث همى # يا زمان الوصل بالأندلس # لم يكن وصلك ms0273 إلا حلما # في الكرى أو خلسة المختلس # دور # إذ يقود الدهر أشتات المنى # تنقل الخطو على ما يرسم # زمرا بين فرادى وثنى # مثلما يدعو الوفود الموسم # والحيا قد جلل الروض سنى # فثغور الزهر فيه تبسم # لازمة # وروى الدهر عن ماء السما # كيف يروي مالك عن أنس # فكساه الحسن ثوبا معلما # يزدهي منه بأبهى ملبس # ومثل: # ما العيد في حلة وطاق # وشم طيب # وإنما العيد في التلاقي # مع الحبيب # إلى كثير من أمثال ذلك، وقد قلد الأندلسيين في هذا ~~الفن شعراء الأقاليم الأخرى، وأعجب به العامة من الشعراء ~~في الأمصار، فتركوا فيه الإعراب ونظموه على لغتهم ~~العامية، فنشأ من ذلك فن الزجل. ~~••• # و بعد فإذا نحن نظرنا إلى الشعر العربي في ضوء ما ~~استعرضناه من الشعر عند اليونان والرومان ومن سار على نهجهم ~~من الأمم الأوروبية، وجدنا أن الشعر العربي كله أو أكثره من ~~الشعر الذي اصطلحنا على تسميته بالشعر الغنائي، من: فخر ~~وغزل وهجاء ومديح وحماسة ورثاء وغير ذلك، وليس فيه ما يصح ~~أن نسميه شعر ملاحم، وليس فيه شعر تمثيلي. # أما الملاحم فقد رأينا كثيرا من الأمم لها ملاحمها، فرأينا ~~للهنود والمهايهاراتا، واليونانيين الإلياذة والأوذيسية، ~~وللرومان الإنيادة إلى غير ذلك؛ أما العرب فلم يكن لهم ~~ملاحم كهذه مع أن المواد الخامة للملحمة موجودة عندهم، ~~فالحروب الحارة بين القبائل وافرة كثيرة، وفيها الأبطال ~~فعنترة لا يقل شجاعة وبطولة عن أخيل، والخيال العربي أضفى ~~على عنترة ما أضفى اليونان على أخيل، والمعيشة ساذجة فطرية ~~كالجاهلية اليونانية، والكرم ونحر الجزور كحياة حاتم، ~~والعدو والصعلكة كحياة تأبط شرا، كلها مادة صالحة ~~لتغذية الملحمة، وأيام العرب المتلاحقة كحرب البسوس، ويوم ~~داحس والغبراء، ويوم الكلاب، ويوم الفجار كلها يصح أن ~~تؤلف فصولا من الملحمة، وكلها قيلت فيها أشعار، وليست ~~قدرة العرب على قول الشعر بأقل من قدرة الهنود واليونان ~~والرومان عليه، فما السر إذن في عدم الملحمة عند ~~العرب؟ # هل السبب أن الهندي واليوناني والروماني قد غذاهم في وضع ~~ملاحمهم الخيال البعيد في الأساطير والآلهة؛ ms0274 فآلهة في السماء، ~~وآلهة لكل مظهر من مظاهر الطبيعة وعرائس البحر، وتوزع ~~اختصاص الآلهة والخصومة بينهم كخصومة الأفراد والقبائل، كل ~~هذا وسع الخيال، وغذى الملاحم؛ فلما لم يكن للعرب أساطير ~~كثيرة وآلهة من هذا النوع، وكانت لهم فقط أصنام حجرية جامدة ~~لاصقة بالأرض ليست بذات أجنحة، لم تصلح أن تكون غذاء صالحا ~~للملحمة؟ # أو السبب أن العربي في الجاهلية اعتاد أن ينظر إلى ~~المسائل نظرة جزئية لا كلية، فرأى حرب البسوس ولكن لم ير ~~الحروب متتابعة كوحدة، وشعر في الوقعة الواحدة المعينة، ~~ولكن لم يشعر في الوقائع كلها متلاحقة يأخذ بعضها بناصية ~~بعض، ونتج عن ذلك أنه قال الشعر في أجزاء ملاحم، ولكنه لم ~~يقله في ملحمة واحدة، وأنه قصر شعره على اعتزازه بفعال ~~قبيلته ونكايتها بالقبيلة المعادية، ولم تسمح له أنفته ~~وإباؤه وعصبيته أن ينظم في فعال القبائل الأخرى غير ~~قبيلته؟ # أو السبب أن الشعر العربي الذي وصل إلينا تاريخه لا ~~يتجاوز مائة وخمسين سنة قبل البعثة، وهو زمن متقدم من حيث ~~رقي العقل البشري لا يسمح بالأساطير الممعنة في الخيال، ~~والتي كان يسبح فيها العقل البشري قبل أن يلمس الواقع، فلما ~~رقا حول الأساطير إلى تاريخ، والملحمة الشعرية إلى نثر ~~تاريخي، فرويت أيام العرب على أنها تاريخ لا أسطورة، واختلط ~~فيها النثر بالشعر إذ كان هذا مرحلة انتقال؟ # أو السبب أن الطبائع ~~البشرية مختلفة، ولا اختلفت بيئة كل أمة اختلافا كبيرا، ~~سواء أكان ذلك بيئة طبيعية أم اجتماعية، ونشأ عن هذا ~~الاختلاف في البيئة اختلاف في العقلية والقدرة الفنية ونوع ~~الفنون الناتجة، فإذا نظم اليونان الملاحم نظم العرب ~~المعلقات مثلا، وتكليف الأمم كلها أن يسير فنها ~~وأدبها على نمط واحد تكليف بالمستحيل، وخاصة في عصور لم ~~تتصل فيها الأمم بعضها ببعض اتصالا وثيقا كالذي يحدث ~~اليوم، وخاصة أيضا في الأمة العربية التي أدتها ظروفها ~~في الجاهلية أن يكون اتصالها بغيرها ضعيفا نسبيا؟ # قد يكون السبب بعض ذلك، وقد يكون كل ذلك، وقد يكون غير ~~ذلك. # وقريب من هذا ms0275 يصح أن يقال في الشعر التمثيلي، فليس عند ~~العرب شيء منه يعتد به، ويضاف إلى بعض الأسباب التي ~~ذكرناها - مما يصح أن يقال في تعليل ذلك - أن غلبة ~~البداوة في العصر الجاهلي لم تسمح بإقامة مسارح وتنظيم ~~اجتماعات، وأنهم لم يحتفلوا بالشعائر الدينية حول الأصنام ~~احتفالا عظيما كالذي كان عند الأمم الأخرى فنبع منه الشعر ~~التمثيلي. # ثم كانت العقدة الكبرى، وهي تقديس الخلف لآثار السلف في ~~الأدب، فقد سادت فكرة أن القوالب الأولى التي صب فيها الأدب ~~في العصر الجاهلي هي وحدها التي تحتذى، فيصح أن تهذب، ~~ويصح أن ترقى، ويصح أن تجمل بفعل الحضارة، ولكن لا ~~يصح أن تخترع قوالب جديدة، وأنماط جديدة، فلما لم يكن ~~في القوالب الجاهلية ملاحم ولا شعر تمثيلي، فكذلك لم يكن في ~~الشعر العربي الذي كان بعد ظهور الإسلام، إلى أن ظهرت النهضة ~~الحديثة، وليس هنا موضع الحديث عنها. ~~(2) النثر # طبيعي أن يكون ~~للجاهليين نثر يتكلمون به في شئون حياتهم، ولكن نثرهم الفني ~~المنمق اللفظ الذي صيغ في قالب أدبي قليل عندهم بالنسبة ~~لشعرهم؛ وطبيعي ذلك، فالنثر الفني لا ينضج إلا بالكتابة، ~~ولأن الشعر وليد الخيال، والنثر وليد العقل، والأمة في ~~بدء أمرها كالطفل، خيالها أكبر من عقلها، ولأن الشعر ~~يسهل حفظه وروايته، والنثر يصعب فيه ذلك. # وأكثر ما روي لنا من ~~نثرهم: (1) قصص تروى فيها أخبارهم وأيامهم، وقد ورد من هذا ~~كثير في كتاب الأغاني، وهذا النوع قد روي بألفاظ من العصر ~~الإسلامي - غالبا - احتفظ فيه الراوي بالمعنى. (2) مواعظ ~~دينية، كالتي رويت لقس بن ساعدة. (3) خطب قيلت في ~~المواقف الهامة، كالخطب يلقيها الحكم عند منافرة ~~عظيمين من قبيلتين، وخطب الوفود حين كان يفد العرب على ~~عمال كسرى. (4) أمثال، وهي من نوع ممتاز مملوء بالحكمة ~~والتجربة، وقد اختلط جاهليها بإسلاميها إلا في القليل ~~النادر. (5) سجع الكهان، وهو أقرب ما يكون إلى الشعر لما ~~فيه من غموض وسجع يشبه القافية. # ولا نطيل بذكر النماذج فهي في متناول قراء ~~العربية. ~~(2-1) القرآن # يعد القرآن كتابا أديبا، ms0276 كما أنه كتاب ديني، فهو ~~من الناحية الأدبية آية في البلاغة، ومن ناحيته الدينية ~~مبين للناس ما ينبغي أن تكون عليه عقائدهم وشعائرهم ~~ومعاملاتهم، ويقتصر قولنا هنا على ناحيته الأدبية إذ هي ~~موضوعنا. # فأسلوب القرآن لا يجري على وزن الشعر، ولا هو سجع ~~بالمعنى الدقيق للسجع - وهو موالاة الكلام على وزن واحد - ~~ولذلك سميت أواخر آياته فواصل عوضا عن القافية في ~~الشعر أو الحروف المتحدة في السجع. والقرآن يراعي هذه ~~الفواصل فيؤثر بذلك أيضا أثرا بليغا، فتارة يعبر ~~بهارون وموسى في الفواصل الألفية، وتارة بموسى وهارون في ~~الفواصل النونية، وهو - كما قلنا - لم يسر على قواعد ~~السجع المألوفة من التزام تساوي الفقرتين، فقد تكون ~~إحداهما قصيرة والأخرى طويلة، مثل: # ن والقلم وما ~~يسطرون ~~، وأحيانا لا تتحد الحروف ~~الختامية مثل: # وإن لك لأجرا ~~غير ممنون * وإنك لعلى ~~خلق عظيم ~~، ومع هذا فله من القوة ~~البلاغية ما ليس للسجع التام. ومراعاة هذا التناغم واضحة ~~في القرآن، فيحذف أحيانا ياء الفعل مراعاة للفاصلة، مثل: # والفجر * ~~وليال عشر * والشفع ~~والوتر * والليل إذا ~~يسر # أو حذف الياء مثل: # وكل شيء عنده بمقدار * ~~عالم الغيب والشهادة الكبير ~~المتعال ~~، أو يستغنى بالإفراد عن التثنية ~~نحو: # فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى ~~، أو بالفرد عن الجمع ~~مثل: # واجعلنا للمتقين ~~إماما ~~، أو يقدم الضمير على ما يفسره ~~نحو: # فأوجس في نفسه خيفة ~~موسى # أو حذف ياء المتكلم مثل: # فكيف كان عذابي ~~ونذر # إلخ، أو يزيد هاء السكت، مثل: # فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه ~~* إني ظننت أني ملاق ~~حسابيه * فهو في عيشة ~~راضية ~~؛ وأغلب الفواصل في القرآن تنتهي ~~بواو ونون أو ياء ونون، مثل: # فلا ~~تطع المكذبين * ودوا لو ~~تدهن فيدهنون ~~، أو ألف ودال مثل: # الذين طغوا في البلاد ~~* فأكثروا فيها ~~الفساد # أو ألف لينة مثل: # طه * ما أنزلنا ~~عليك القرآن لتشقى * إلا ~~تذكرة لمن يخشى ~~، أو حرف مد (من ألف ~~أو واو أو ياء) ككثير من آيات سورة الإسراء. وقد تأتي ~~الفاصلة حرفا لا يسبقه مد، ms0277 وأكثر ما يكون ذلك في الآيات ~~المكية، مثل: # اقتربت ~~الساعة وانشق القمر ~~، # لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد * ووالد وما ولد # ونحو ~~ذلك. # ونرى أن القرآن أحيانا يسلك مسلكا أدبيا خاصا، ~~فيجعل للسورة آية تتكرر، تدور حولها الفواصل، مثل سورة ~~المرسلات إذ تتكرر جملة # فويل ~~يومئذ للمكذبين # عقب كل مجموعة ~~من الفواصل، وسورة الرحمن تتكرر فيها كذلك # فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان ~~، وفي سورة القمر تتكرر # فكيف كان عذابي ~~ونذر ~~، وكذلك في كثير من الآيات التي تقص ~~سير الأنبياء. ~~••• # ثم إن القرآن تتنوع أساليبه بين شدة ولين، ~~وترغيب وترهيب، ووعد ووعيد، انسجاما مع السيرة النبوية، ~~وموافقة لحال المسلمين والمشركين في أوقات نزول الآيات؛ ~~ونلاحظ ذلك تمام الملاحظة إذا نحن أمعنا النظر في القرآن ~~حسب ما روي من ترتيب النزول، وهو يختلف عما رتب به ~~في المصحف، فهناك الآيات التي نزلت بمكة، والآيات التي ~~نزلت بالمدينة، ثم الآيات التي نزلت بمكة تعاقبت في ~~أزمان مختلفة وقف فيها المناهضون للدعوة مواقف مختلفة، ~~وكذلك الآيات المدنية. # ففي الآيات المكية نراها تتجه اتجاها قويا نحو ~~الدعوة إلى عبادة إله واحد هو رب العالمين، وبيده ملكوت ~~كل شيء، وإلى الدعوة إلى الإيمان بيوم آخر فيه البعث ~~والحساب، والمكافأة على الخير بخير، والشر بشر، ~~والاستدلال على الله بآثاره في العالم # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ~~* وإلى السماء كيف ~~رفعت * وإلى الجبال كيف ~~نصبت * وإلى الأرض كيف ~~سطحت ~~، وتقرير أن الأصنام عاجزة كل العجز ~~عن أن تعمل عملا في الكون، ثم صور رائعة لما أعد في ~~الجنة للمؤمنين، وفي النار للكافرين. # والآيات الأولى آيات قصيرة لها رنين قوي، تدعو إلى الله، ~~وتقسم بالليل والنهار، والسماء والأرض، والشمس والقمر، ~~والأماكن المقدسة، والوالد وما ولد، والنفس وما ~~سواها، إشعارا بعظمة الله في خلقه. # وقد سالم المشركون محمد # صلى الله عليه وسلم # أول الأمر، ثم ناصبوه ~~العداء ورموه بالكذب والجنون، فنزلت آيات القرآن شديدة ~~على الكافرين، متوعدة أشد الوعيد، مصورة لكبرائهم ~~صورة هزؤ وسخرية: # ذرني ومن ~~خلقت وحيدا ms0278 * وجعلت له ~~مالا ممدودا * وبنين ~~شهودا * ومهدت له ~~تمهيدا * ثم يطمع أن ~~أزيد * كلا إنه كان ~~لآياتنا عنيدا ~~، # ويل لكل همزة لمزة * ~~الذي جمع مالا وعدده * ~~يحسب أن ماله أخلده * ~~كلا لينبذن في الحطمة * ~~وما أدراك ما الحطمة * ~~نار الله الموقدة * التي ~~تطلع على الأفئدة * ~~إنها عليهم مؤصدة * في ~~عمد ممددة ~~، # تبت يدا أبي لهب وتب * ~~ما أغنى عنه ماله وما كسب # السورة؛ ويهاجم الذين يعتزون بمالهم وجاههم ونسبهم، ~~ويعد الله النبي بنصرته وإتمام نعمته: # ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى ~~، # فإن مع ~~العسر يسرا * إن مع ~~العسر يسرا # ويذكر قومه بقصة ثمود، ~~إذ خالفوا نبيهم وقتلوه # كذبت ~~ثمود بطغواها * إذ انبعث ~~أشقاها * فقال لهم رسول ~~الله ناقة الله وسقياها * ~~فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ~~ربهم بذنبهم فسواها * ~~ولا يخاف عقباها # وهي أول ما جاء في ~~العبرة بالأمم السابقة، وموقفهم من أنبيائهم. ويحفل في هذه ~~الفترة - رسول الله - ببعض الأغنياء، ويعبس في وجه ~~الفقراء، فيعاتبه الله على ذلك بقوله: # عبس وتولى * أن ~~جاءه الأعمى # مبينا أن لا عبرة ~~للغنى والجاه، ويشد الله أزر المؤمنين ويثبتهم، ~~ويحثهم على التمسك بدينهم بما يضرب من أمثال ~~المؤمنين في الأمم قبلهم: # قتل ~~أصحاب الأخدود * النار ~~ذات الوقود * إذ هم عليها ~~قعود * وهم على ما يفعلون ~~بالمؤمنين شهود * وما ~~نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله ~~العزيز الحميد ~~. وهو إلى ذلك يوضح في ~~قوة ما سيناله الكافرون من عذاب أليم، ولعل أوضح مثل ~~لهذا سورة القارعة، وما سيناله المؤمنون من نعيم مقيم: # وأزلفت الجنة ~~للمتقين غير بعيد * هذا ~~ما توعدون لكل أواب حفيظ * من خشي الرحمن بالغيب ~~وجاء بقلب منيب * ~~ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود * لهم ما يشاءون فيها ~~ولدينا مزيد ~~؛ ثم يدعو إلى الصلاة ~~والزكاة فيقول: # إلا المصلين ~~* الذين هم على ~~صلاتهم دائمون * والذين ~~في أموالهم حق معلوم * ~~للسائل والمحروم ~~. # ولبث القرآن في العهد المكي بعد المدة الأولى ~~يحاج المخالفين، ويقص العبرة من سيرة الأولين من ~~قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وآل فرعون، في فواصل أطول ~~وأسلوب ms0279 أهدأ، ويندر فيه القسم كما في الفترة الأولى، ~~ويكثر فيه الخطاب بيا أيها الناس. # وفي القرآن في هذا العهد المكي قصة الإسراء، وكثير من ~~قصص الأنبياء كقصة إبراهيم - ويشير في أكثر من موضع إلى ~~أن إبراهيم أبو العرب ومنبع الإسلام ومصدر شعائر الحج - ~~وقصص بني إسرائيل كقصة يوسف وموسى، كما أن فيه قصة مريم ~~وعيسى ويحيي، وقصصا نصرانية كقصة أهل الكهف، والأسلوب ~~فيها قصصي جميل، لا يتعرض للجزئيات والتفاصيل، ولا ~~يكثر من ذكر الأشخاص وذكر التاريخ كما يفعل الكتاب ~~المقدس، وإنما يعنى أكثر ما يعنى بموضع العبرة، ولكن ~~في هذا العهد لم يجادل القرآن اليهود ولا النصارى إلا ~~قليلا لقلة اليهود الذين كانوا بمكة ومسالمة ~~النصارى. # فلما هاجر النبي إلى المدينة كان الشأن فيها غير الشأن ~~في مكة؛ فأكثر سكان المدينة من الأوس والخزرج فشا فيهم ~~الإسلام، وآمنوا به إيمانا صادقا على العكس من أهل مكة ~~الذين لم يسلم منهم إلا القليل، وأسلم المسلمون من ~~الأنصار والمهاجرين أمرهم إلى رسول الله يقودهم في ~~دينهم ودنياهم كما يشاء الله، واستراح الأنصار - من ~~الأوس والخزرج - مما كان بينهم من حروب وإحن، واستراح ~~المهاجرون مما كان يؤذيهم به صناديد قريش في دارهم، وكان ~~المدنيون أكثر ثقافة بالكتب المنزلة السابقة لليهود ~~الذين يسكنون بينهم والنصارى على حددوهم، وكان هذا من ~~الأسباب التي دعتهم أن يتقبلوا دعوة النبي، ويفهموا ~~النبوة ومراميها أكثر مما فهمت قريش، ولكن كان ~~بجانب هؤلاء المسلمين من الأنصار والمهاجرين قبائل يهودية، ~~لهم مزايا العرب في الحروب والقتال ولكنهم - كشأن اليهود ~~عامة - شديدو المحافظة على تقاليدهم وأوضاعهم وشعائرهم؛ ~~فأبوا أن يتركوا شيئا من ذلك، وأبوا إلا الإصرار على ~~دينهم وشعائرهم، وناصبوا النبي العداء، وأخذ الخلاف ~~يشتد بينهم وبين المسلمين كلما تقدم الزمان وحدثت ~~الأحداث. # وبجانب هؤلاء وهؤلاء قوم من الأوس والخزرج - حتى من ~~رؤسائهم - حقدوا على الإسلام، إما لأن الإسلام أفقدهم ~~رياستهم الدنيوية وإما لأنهم أتباع هؤلاء أو نحو ذلك، ~~ولم يستطيعوا أن يجهروا بالخصومة لقلة عددهم، ولأن ~~التيار العام هو تيار ms0280 المسلمين فأسلموا ظاهرا وانطووا ~~على الكفر باطنا، وسموا «المنافقين». # في هذا الجو ~~الجديد نزلت الآيات المدنية تحمل على اليهود حملة شعواء، ~~فهم يدبرون له الدسائس، وهم يمطرونه بالأسئلة ~~المتعنتة، فيسألونه عن الروح وعن الأهلة وعن الساعة ~~وعن ذي القرنين، ويشيعون عدم تصديقه فيما ينزل عليه، ~~فجاء القرآن يكذبهم، ويذكر سلسلة أعمالهم التاريخية، ~~وخصومتهم لأنبيائهم: # فريقا ~~كذبوا وفريقا يقتلون ~~. # وكذلك المنافقون كانوا يدسون ويمكرون، ويحاولون أن ~~يفسدوا الخطط، فكان القرآن ينزل مبينا مكايدهم، ~~متوعدا لهم سوء أعمالهم من غير ذكر أسمائهم لعلهم ~~يهتدون، كذلك يجادل النصارى في عقيدة التثليث وألوهية ~~المسيح. # وإلى جانب هذه الآيات في الجدال والتسفيه ونقض ~~المؤامرات كانت الآيات الأخرى مخاطبة المؤمنين، ~~مبينة لهم شعائرهم، راسمة لهم طريق حياتهم الدينية ~~والدنيوية - وفي هذا العهد كان يخاطب المؤمنون بيا ~~أيها الذين آمنوا - واضعة لهم القوانين، متممة لهم ما ~~بدئ به في مكة من الشرائع والشعائر، ولذلك ترى أن الخطاب ~~والإخبار كثيرا ما يتجه إلى هذه الطوائف الثلاث، ~~مسميا لهم بطوائفهم: # يا بني ~~إسرائيل ~~، # يأيها ~~الذين آمنوا ~~، # وإذ ~~يقول المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض # وفي هذا العهد المدني يأتي التشريع ~~للعائلة من زواج وطلاق ووصية وتوريث، ويوضع نظام ~~المعاملات والعقوبات. # ولما كان القتال ~~بين المسلمين في المدينة والمشركين في مكة، وبين المسلمين ~~في المدينة واليهود فيها، كانت الآيات المدنية مبينة ~~قوانين الجهاد، مسجلة لأحداث الغزوات؛ فآيات في غزوة ~~بدر، وآيات في غزوة أحد، وسورة في غزوة الأحزاب وهكذا. وهي ~~قوية قوة الحرب، حتى إذا تم فتح مكة نزلت سورة الفتح، ~~وأخيرا نزلت: # إذا جاء نصر ~~الله والفتح * ورأيت ~~الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان ~~توابا ~~. # ويغلب على الأسلوب في الآيات المدنية الطول مع التزام ~~الفواصل التي أشرنا إليها قبل، ومع الهدوء الذي ينسجم ~~والتشريع، وليست الآيات وحدها هي التي تطول، بل السور ~~كذلك، ولذلك سميت بعض السور السبع الطوال. ~~••• # وفي القرآن صور أدبية رائعة متعددة من جمال تشبيه ~~كقوله: # والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة ms0281 يحسبه ~~الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ~~، # إنما مثل ~~الحياة الدنيا كماء أنزلناه من ~~السماء فاختلط به نبات الأرض مما ~~يأكل الناس والأنعام حتى إذا ~~أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلها أنهم قادرون عليها أتاها ~~أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها ~~حصيدا كأن لم تغن بالأمس ~~، # مثل الذين اتخذوا من ~~دون الله أولياء كمثل العنكبوت ~~اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت ~~لبيت العنكبوت لو كانوا ~~يعلمون ~~- وحسن استعارة مثل: # بل نقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق ~~، # وقدمنا إلى ~~ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا ~~، # ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا ~~تبسطها كل البسط فتقعد ملوما ~~محسورا ~~، # والصبح ~~إذا تنفس ~~، # فضربنا على آذانهم ~~، # فذو دعاء عريض ~~، # وآية لهم الليل نسلخ ~~منه النهار ~~، # أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى فما ربحت ~~تجارتهم ~~. # والأمثال اللطيفة: # فأما ~~الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع ~~الناس فيمكث في الأرض ~~، # ولكم في القصاص ~~حياة ~~، # من يعمل ~~سوءا يجز به ~~، # ولا يحيق المكر السيئ إلا ~~بأهله ~~، # هل جزاء ~~الإحسان إلا الإحسان ~~، # كل نفس بما كسبت ~~رهينة ~~، # تحسبهم ~~جميعا وقلوبهم شتى ~~، # قل لا يستوي الخبيث ~~والطيب ~~، # ولا ~~ينبئك مثل خبير ~~، # قل كل يعمل على ~~شاكلته ~~، # قول ~~معروف ومغفرة خير من صدقة ~~يتبعها أذى ~~. # ومن أمثلة الحجاج: # ما اتخذ ~~الله من ولد وما كان معه من إله ~~إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا ~~بعضهم على بعض ~~، # لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا ~~؛ وفي الوعيد والتهديد: # وترى الظالمين لما رأوا ~~العذاب يقولون هل إلى مرد من ~~سبيل ~~، # وتراهم ~~يعرضون عليها خاشعين من الذل ~~ينظرون من طرف خفي ~~. وفي ~~الترغيب: # وفيها ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها ~~خالدون ~~، ونجد في بعض المواضع استعمال ~~محسنات بديعية لم تكثر فتسأم مثل: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة ~~، # وجنى الجنتين ~~دان ~~، # فروح ~~وريحان ~~، # على شفا ~~جرف هار فانهار به ~~، # ليريه كيف يواري سوأة ~~أخيه ~~، # وإن يردك ~~بخير فلا راد لفضله ~~، # يا أرض ابلعي ماءك ويا ~~سماء أقلعي وغيض الماء ms0282 وقضي ~~الأمر ~~. # وإذا هجا في غير هجر: # أفي ~~قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون ~~أن يحيف الله عليهم ورسوله بل ~~أولئك هم الظالمون ~~. # وإذا راجع أوجز وأجزل: # قال إني ~~جاعلك للناس إماما قال ومن ~~ذريتي قال لا ينال عهدي ~~الظالمين ~~. # وإذا وصف الله أو دلل عليه ففي إجلال وإعظام: # سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى ~~، # قل اللهم مالك الملك ~~تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ~~ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل ~~من تشاء بيدك الخير إنك على كل ~~شيء قدير * تولج الليل ~~في النهار وتولج النهار في الليل ~~وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي وترزق من تشاء ~~بغير حساب ~~، # إن ~~في خلق السموات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار والفلك التي تجري ~~في البحر بما ينفع الناس وما أنزل ~~الله من السماء من ماء فأحيا به ~~الأرض بعد موتها وبث فيها من كل ~~دابة وتصريف الرياح والسحاب ~~المسخر بين السماء والأرض لآيات ~~لقوم يعقلون ~~. # وعلى الجملة فالكلمات مختارة حروفها، والجملة منسجمة ~~كلماتها، والفقر مؤتلفة جملها وشرح ذلك ~~يطول. ~~••• # والنثر الفني في العصر الأموي لم يرق كثيرا لحاجته إلى ~~الإمعان والتروي بالكتابة، ومع هذا فقد خلف لنا هذا ~~العصر بعض كتب دعا إليها تنظيم الحكومة والدواوين ووضع ~~نظم للدولة، ككتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري في القضاء، ~~وكتاب علي إلى الأشتر النخعي في نظام الدولة (وهو مذكور في ~~كتاب نهج البلاغة)، ويظهر أن له أصلا صحيحا وإن تزيد ~~فيه بعد، فلما استخدم العرب الموالي في كتابة الدواوين، ~~بعد أن عربوها ظهر موال مثقفون ثقافة فارسية أو ~~يونانية وثقافة عربية، أمثال سالم مولى ~~هشام بن عبد الملك، ~~وتلميذه عبد الحميد الكاتب كاتب مروان بن محمد؛ فسالم كان ~~يعرف اليونانية وعبد الحميد يعرف الفارسية، فحذقا ~~صناعة الكتابة الديوانية، وخاصة عبد الحميد الكاتب فقد ~~ابتكر في العربية الرسائل المطولة، المفصلة الموضوع، ~~المرتبطة الأجزاء، فكتب الرسائل الرسمية كرسالته إلى ولي ~~عهد مروان بن محمد على لسانه، وفي المسائل العامة كنصيحته ~~إلى ms0283 الكتاب، ونحو ذلك، ووضع للرسائل العربية نظاما ~~احتذي فيما بعد، كصور البدء والختام ~~والتحميدات. # وكان بجانب ذلك نوع من النثر يعد نموا للعصر ~~الجاهلي من كتب وخطب تشبه خطب الوفود، وحكم تشبه ~~أقوال أكثم بن صيفي، نجدها في كثير مما روي في هذا ~~العصر، كأقوال الأحنف بن قيس، وما روي من أقوال العرب في ~~كتب الأدب كالعقد الفريد، جمل حكيمة موجزة تشبه ~~الأمثال، منفصلة كل جملة عن الأخرى، يعتمد في ربطها على ~~الذهن وحده. والحق أن العرب أبدعوا في هذا النوع ~~إبداعا عظيما، فجرت ألسنتهم بالحكم الدالة على ~~حسن نظر وتجربة، والمركزة في جمل قصيرة ~~منتقاة. # وإلى هذين نوع ثالث من الحكم والمواعظ الدينية ~~متأثرة بتعليم القرآن وأحاديث الرسول، تدور حول قيمة ~~العمل الصالح والزهادة في الدنيا والتخويف من عذاب ~~الأخرى. وأحسن مثل لهذا ما روي عن الحسن البصري. وكل هذا ~~في جمل قصيرة متلاحقة ليس فيها تفصيل ولا ربط لفظي، ~~ولهذا عد العرب ما جاء به عبد الحميد الكاتب من تفصيل ~~وبسط وربط فنا مبتكرا. # ومن ضروب الفن الأدبي الخطابة، وقد جادت في العصر الأموي ~~لكثرة الفتن والثورات وتعدد الأحزاب السياسية، وكان ~~العرب فيها مهرة لاعتمادها على الفصاحة اللسانية لا ~~الكتابة. وقد كان الولاة الذين يتولون الخطابة عربا ~~يعرفون مناهج القول في الجاهلية وفي الوفود على كسرى، وفي ~~الإسلام في الوفود على رسول الله وفي سقيفة بني ساعدة ونحو ~~ذلك، وكانوا عارفين بنفسية العرب والظروف الاجتماعية ~~والنفسية التي تحيط بهم، ويعرفون الألفاظ المنتقاة التي ~~تتلاقى مع هذه الظروف، فمهروا في ذلك ونجحوا في خطبهم، ~~وخدموا بذلك خلفاء الدولة الأموية خدمة لا تقل عن ~~السيف. واشتهر من هؤلاء زياد بن أبيه في أول الدولة، ~~والحجاج في وسطها، وخالد بن عبد الله القسري في آخرها، ~~وكانوا في خطبهم يحافظون على التقاليد العربية من ~~تزييهم بالزي العربي، واعتمادهم على القوس وقائم ~~السيف. وممن برعوا في هذه الخطب الخوارج كقطري بن ~~الفجاءة، وعمران بن حطان، وأبي حمزة الأباضي، فقد عرف عن ~~الخوارج شجاعتهم ms0284 المتناهية، وعيشتهم البدوية، وتحمسهم ~~الشديد لمذهبهم وصفاء عربيتهم فكان ذلك كله داعيا ~~لإجادتهم. # أما التأليف فلا يهمنا هنا إلا ما كان متصلا ~~بالأدب كالتاريخ، فقد ولد التأليف فيه في العصر الأموي، ~~فقد بدأ الرواة يروون أحوال العرب في جاهليتهم وأخبار ~~الأمم الماضية؛ إذ كان بعض الخلفاء الأمويين مولعا ~~بسماع أخبارها، وقد روي كل ذلك في شكل بدائي مملوء ~~بالأساطير، مستعار مما يرويه الأخباريون عن الفرس، ~~والكتب غير الموثوق بها في اليهودية والنصرانية، كما ~~عنوا بشيء أقرب إلى الصحة وأدعى إلى الوثوق به وهو ~~تدوين السيرة النبوية وأحداث الفتوح، ولكن أكثر ما ~~كتب أو ألف في هذه الموضوعات لم يصل إلينا، وإن دخل ~~معظمه في ثنايا ما ألف في العصر العباسي، مثال ذلك ما ~~روي من أن عبيد بن شرية ألف كتاب الملوك وأخبار الماضين ~~لمعاوية بن أبي سفيان، وما ألفه عروة بن الزبير في ~~المغازي، وما روي عن وهب بن منبه اليهودي ~~الأصل. ~~••• # فلما جاء العصر العباسي رأينا أن عبد الحميد الكاتب ~~أثر في الكتابة أثرا كبيرا بما ابتدعه من طريقته، ~~التي من خصائصها إطالة الرسائل، وترتيب المعاني، وربط ~~بعضها ببعض، والميل إلى المزاوجة، وأعني بها الفقر ~~المتوازنة من غير التزام للسجع، وكثرة المترادفات، وخير ~~الألفاظ، كقوله ينصح الكتاب: «وإن نبا الزمان برجل ~~منكم فاعطفوا عليه، وواسوه حتى يرجع إليه حاله، ويثوب ~~إليه أمره، وإن أقعد أحدكم الكبر عن مكسبه ولقاء ~~إخوانه فزوروه وعظموه وشاوروه، واستظهروا بفضل ~~تجربته، وقدم معرفته.» # وقوله: ~~«ولا يجاوزن الرجل منكم - في هيئة مجلسه وملبسه، ~~ومركبه ومطعمه ومشربه، وبنائه وخدمه، وغير ذلك من فنون ~~أمره - قدر حقه، فإنكم - مع ما فضلكم الله به من ~~شرف صنعتكم - خدمة لا تحملون في خدمتكم على التقصير، ~~وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير؛ ~~واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم، ~~وقصصته عليكم، واحذروا متالف السرف وسوء عاقبة ~~الترف، فإنهما يعقبان الفقر، ويذلان الرقاب ... ثم ~~اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجة، وأصدقها ~~حجة، وأحمدها عاقبة.» # وقد تأثر في ms0285 ذلك بأصله الفارسي كما ذكر أبو هلال ~~العسكري، وجاء صديقه الفارسي أيضا عبد الله بن المقفع ~~في الدولة العباسية فكان رافع لواء النثر الفني. # وهو ربما فاق عبد الحميد الكاتب في سعة ثقافته وكثرة ~~إنتاجه، وتعرضه لضرب المثل الأعلى لكثير من الشئون ~~الاجتماعية، كالسلطان والقضاء والصداقة، ~~كما يمتاز بأنه رسم ~~لمن بعده أحسن مثل في الترجمة إلى العربية عن الكتب ~~المكتوبة باللغات الأخرى بترجمته كليلة ودمنة، وربما كان ~~في أسلوبه أميل إلى الإيجاز من صديقه عبد الحميد، وأقرب ~~إلى القصد في السجع والبديع، وربما أداه ذلك إلى الغموض ~~أحيانا، وهو لسعة ثقافته يملأ أقواله بالحكم المأثورة ~~والأمثال السائرة، وهو أكثر ميلا إلى التقسيم المنطقي في ~~التعبير؛ فالموضوع واحد مرتبطة أجزاؤه كفقرات السلسلة، ~~وكل فقرة مقسمة إلى جمل مترابطة، وهكذا. # وحسبنا أن نحيل القارئ على الأدب الصغير والكبير، ~~ورسالة الصحابة وكليلة ودمنة، ليظهر له صدق ما ~~ذكرنا. # وجرى على أثرها تلاميذهما من الكتاب، أمثال سهل بن ~~هارون، والحسن ابن سهل، وعمرو بن مسعدة. # حتى أتى إمام الناثرين الجاحظ، فوضع قواعد النثر الفني ~~علما، وطبقه عملا؛ فقد وضع في كتابه البيان والتبيين ~~قواعد البلاغة في اختيار اللفظ وانسجامه مع المعنى، وفي ~~الخطابة ونحو ذلك، ثم التزم ذلك فيما كتب وألف. # كان مثقفا ثقافة واسعة؛ ثقافة دينية في فروعها ~~المختلفة، وثقافة كلامية، فقد كان أحد أساطين المعتزلة، ~~والمعتزلة في ذلك العصر كانوا قادة الفكر، مزودين ~~بالمعارف الواسعة في الفلسفة والدين، وكانوا حاملي لواء ~~التفكير الحر حسبما يؤدي إليه النظر والمنطق، في حدود ~~الدين. وكان مثقفا ثقافة فلسفية، إذ قرأ ما نقل إلى ~~العربية من الفلسفة اليونانية في فروعها المختلفة. وكان ~~مثقفا ثقافة أدبية؛ إذ قرأ الأدب على شيوخه، وحصل منه ~~أقصى ما يمكن أن يحصله إنسان، ومزج كل ذلك وهضمه، ثم ~~أخرجه للناس تأليفا ممزوجا بشخصيته، وكاد بتآليفه ~~الكثيرة أن يمس كل موضوع في عصره من سياسة واجتماع ~~واقتصاد، وحيوان، ونبات، وشعوب، ونحو ذلك، معروضا عرضا ~~أدبيا فيه الفكاهة الحلوة، والاستطراد المريح. وخير ms0286 ~~كتاب له يمثل هذه الاتجاهات كلها «كتاب الحيوان» في ~~سبعة أجزاء، ليس الكلام فيه على الحيوان أكثر ~~الكلام. # وله الفضل الكبير على الأدب العربي في أنه جعل للأدب ~~موضوعا يعنى فيه بالمعاني والمعلومات الواسعة، وفي ~~أسلوبه الواسع الفضفاض المتدفق. # وأسلوبه إذا كتب كتابة أدبية أقرب إلى المزاوجة من غير ~~التزام للسجع الدقيق، كقوله: «والكتاب وعاء مليء علما، ~~وظرف حشي ظرفا، وإناء شحن مزاحا، إن شئت كان ~~أعيا من باقل، وإن شئت كان أبلغ من سحبان وائل، وإن ~~شئت سرتك نوادره، ~~وشجتك مواعظه، ومن لك بواعظ مله، وبناسك فاتك، ~~وناطق أخرس، ومن لك بشيء يجمع الأول والآخر، والناقص ~~والوافر، والشاهد والغائب، والرفيع والوضيع، والغث ~~والسمين؟ وبعد فما رأيت بستانا يحمل في ردن، وروضة ~~تنقل في حجر، ينطق عن الموتى، ويترجم عن الأحياء، ~~ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك، ولا ينطق إلا بما ~~تهوى، آمن من الأرض، وأكتم للسر من صاحب السر، ~~وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة ... إلخ.» # وقد أثر الجاحظ فيمن أتى بعده من الكتاب أثرا بليغا ~~من حيث موضوعاته وأسلوبه، فإذا نحن قرأنا لعبد العزيز ~~الجرجاني في كتابه الوساطة بين المتنبي وخصومه، أو ~~لعبد القاهر الجرجاني في كتابيه «دلائل الإعجاز» و«أسرار ~~البلاغة»، أو بعد ذلك لأبي حيان التوحيدي في كتابه ~~«الإمتاع والمؤانسة»، أو «الصداقة والصديق»، أو ~~«المقابسات»، رأينا أثر الجاحظ في كل ذلك واضحا جليا ~~حتى لقب أبو حيان بالجاحظ الثاني. # وجاءت بعد ذلك طبقة تبتعد قليلا قليلا عن المزاوجة، ~~وتقترب قليلا قليلا من التزام السجع الكامل، ونرى ~~مصداق هذا التحول في كتابات الثعالبي في مثل كتابه ~~«يتيمة الدهر»؛ فلما تم هذا التحول نرى السجع ~~غالبا في مدرسة على رأسها ابن العميد، ومن رجالها أبو ~~إسحاق الصابي، وأبو بكر الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني، ~~والحريري. # وهؤلاء لم يكتفوا بالسجع المطلق، بل نمقوه بكثير من ~~أنواع البديع، كقولهم: «من ألبسه الليل ثوب ظلمائه، ~~نزعه عنه النهار بضيائه.» وكقولهم: «قاصم الأصلاب، ~~وقاسم الأسلاب.» وكقولهم: «يتردد بين الرخاء والبأس، ~~والرجاء واليأس.» وكقولهم: «إذا ms0287 حالف فأحسبه قد خالف، ~~وإذا أعار فأحسبه قد أغار.» # وتفننوا في ذلك وأكثروا حتى قد يؤلفون الكتاب كله ~~مسجوعا، كما فعل العتبي في كتابه «اليميني»؛ «وقلائد ~~العقيان» للفتح بن خاقان، وتلون الأدب كله بهذا اللون ~~السجعي، ونسي الترسل والازدواج، واتبع ذلك في ~~الكتب الرسمية والإخوانيات، وغير ذلك إلا في القليل ~~النادر. # وقد نقد أبو حيان التوحيدي الصاحب بن عباد في ولعه ~~بالسجع فقال: ~~«كان يبلغ به حب السجع أنه لو رأى سجعة تنحل ~~بموقعها عروة الملك، ويضطرب بها حبل الدولة، ويحتاج من ~~أجلها إلى غرم ثقيل، وكلفة صعبة ... لما كان يخف ~~عليه أن يخليها، بل يأتي بها ويستعملها.» # وقد وصف هذه الحال ابن خلدون أجمل وصف، ونقده أشد ~~نقد، فقال: ~~«وقد استعمل المتأخرون أساليب الشعر، وموازينه في ~~المنثور من كثرة الأسجاع والتزام التقفية، وتقديم النسيب ~~بين يدي الأغراض، وصار هذا المنثور إذا تأملته من باب ~~الشعر وفنه، لم يفترقا إلا في الوزن، واستمر ~~المتأخرون من الكتاب على هذه الطريقة، واستعملوها في ~~المخاطبات السلطانية، وقصروا الاستعمال في المنثور كله ~~على هذا الفن الذي ارتضوه، وسلطوا الأساليب فيه، وهجروا ~~المرسل. وتناسوه وخصوصا أهل المشرق.» # ويعلل ذلك بفقر الكتاب في المعاني وغلبة العجمة ~~على الألسنة فيقول: ~~«وما حملهم على ذلك إلا استيلاء العجمة على ألسنتهم، ~~وقصورهم لذلك عن إعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى ~~الحال، فعجزوا عن الكلام المرسل لبعد أمده في ~~البلاغة، وانفساح خطوبه، وولعوا بهذا السجع يلفقون به ~~ما نقصهم من تطبيق الكلام على المقصود، ويجبرونه بذلك ~~القدر من التزيين بالأسجاع والألقاب البديعية، ويغفلون ~~عما سوى ذلك.» # وإلى جانب السجع تفننوا في ضروب من الأفانين ككتاب ~~يقرأ من آخره إلى أوله، وكتاب إذا قرئ من أوله إلى ~~آخره كان كتابا، وإذا عكست سطوره مخالفة كان جوابا، ~~وكتاب ليس فيه حرف منفصل كراء منفصلة أو دال منفصلة، أو ~~كتاب أول سطوره كلها ميم، أو كتاب إذا فسر على وجه ~~كان مدحا، وإذا فسر على وجه آخر كان ذما، أو كتاب ~~كله حروف ms0288 معجمة أو كله حروف مهملة ... إلخ. ~~(2-2) النثر القصصي # كان من أثر الفتوح الإسلامية، ودخول كثير من الأمم ~~المختلفة في الإسلام أن حملت كل أمة أسلمت أو خضعت ~~للإسلام قصصها، فكان بين يدي المسلمين قصص هندية وفارسية ~~ويونانية ورومانية ومصرية، وكل هذه كانت تقص في المملكة ~~الإسلامية باللغة العربية بعد أن دخل أهلها في الإسلام؛ ~~فبدأت عند الكتاب فكرة تدوينها وجمعها، فترجم ابن ~~المقفع كليلة ودمنة عن اللغة الفارسية المترجمة عن ~~الهندية. # ويمكننا القول إن هذا القصص اتخذ شكلين: شكل قصص ~~شعبي يحكى بلسان العامة أو بلغة عربية قريبة من اللغة ~~الشعبية، وقصص أرستقراطي يترجم أو يؤلف بلغة أدبية ~~راقية. # فكان من القصص الشعبي ألف ليلة وليلة، وكانت في عهدها ~~الأول نحو مائتي حكاية موزعة على ألف ليلة، ثم ظلت تنمو ~~مع الزمن؛ وقصة السندباد البحري ولم تكن ملحقة بألف ~~ليلة. وروي لنا أن الجهشياري ألف كتابا على نسق ألف ~~ليلة وليلة اختار فيه أسمارا من أسمار الأمم، ومات قبل ~~أن يتمه وهو لم يصل إلينا. ووجدت قصص أخرى كثيرة ضاع ~~أكثرها، حكي لنا أسماءها ابن النديم في كتابه «الفهرست»، ~~وحكي حمزة الأصفهاني المتوفى سنة 530ه أنه كان في عصره ~~من كتب السمر التي تتداولها الأيدي ما يقرب من سبعين ~~كتابا. # أما القصص الأرستقراطي المكتوب بلغة الأدب فكتاب كليلة ~~ودمنة المترجم، ثم أخذ الأدباء يعنون بالتأليف الأدبي ~~القصصي، ومن أشهر هذا الضرب في العصر العباسي المقامات؛ ~~مقامات بديع الزمان الهمذاني ومقامات الحريري. # والمقامات جمع مقامة، وهي المجلس أو الجماعة من الناس، ~~سميت بذلك لأن الشأن فيها أن كل مقامة تقص في ~~مجلس واحد يجتمع لسماعها جماعة، وكل مقامة حكاية قصيرة ~~تدور حول حيلة يحتالها رجل لكسب شيء من المال عن طريق ~~التكدي، صيغت في أسلوب أدبي. وكل مقامات مؤلف تجعل ~~بطلها رجلا واحدا يمثل دور المحتال لقنص المال في كل ~~مقامة، وهو أبو الفتح الإسكندري في مقامات البديع، وأبو ~~زيد السروجي في مقامات الحريري. # هذا في الأصل، وإن وضعت مقامات ms0289 بعد في غير الكدية ~~كمقامات الزمخشري في الوعظ، ونحو ذلك. # وأسلوب البديع في مقاماته أسهل وأقل تقيدا بالسجع ~~والمزاوجة، وهو أخف روحا وألطف نفسا وأكثر دعابة. ~~وأسلوب الحريري أكثر مادة لغوية، وأجود شعرا، وأكثر ~~التزاما للسجع وأنواع البديع، وأكثر تفننا في احتيال ~~بطلها. # وكلاهما إذا قسناه بمقياس أصول الرواية من حيث التصميم ~~والتشخيص والحوار، ونقد الحياة وشرف الموضوع لم يبلغ في ~~الفن القصصي منزلة رفيعة، ولكن إذا نظرنا إليه من حيث ~~مادته اللغوية وأساليبه الفنية والمهارة اللفظية كان - من ~~غير شك - موضع الإعجاب. # وربما كانت رسالة الغفران التي ألفها أبو العلاء ~~المعري - والتي ألفت في نفس الوقت الذي ألفت فيه ~~مقامات الحريري تقريبا - أمعن في باب الخيال وأدخل في ~~باب القصة، وإن كانت كذلك مليئة بالاستطراد الأدبي ~~واللغوي مما أبعدها عما تستحقه في باب الرواية، ~~وهي نوع من «الكوميديا الإلهية»؛ وكثيرا ما يقرن اسمها ~~بالكوميديا الإلهية لدانتي، وأبو العلاء أسبق منه. وقد ~~عرض فيها أبو العلاء للشعراء والزنادقة، ومن غفر الله لهم ~~ومن لم يغفر، ومكانهم في الجنة أو النار، كما عرض للآراء ~~الدينية والمعتقدات الشائعة في أسلوب ملفوف ساخر. # ولعل من الواجب أن نذكر هنا قصة ممتعة حقا، قصة ~~فلسفية محبوكة، فيها الفن القصصي أكثر إتقانا وأمتن ~~سبكا، وهي قصة «حي بن يقظان» ومؤلفها هو ابن طفيل ~~الأندلسي المتوفى سنة 581م، وبطل القصة «حي» ولد في ~~جزيرة من جزر الهند تحت خط الاستواء ، وقد نشأ في هذه ~~الجزيرة وحيدا لا يرى بها أحدا من بني آدم فأرضعته ~~ظبية، ونشأ نشأة الظباء يحاكي صوتها في الاستدعاء ~~والاستئلاف، وتعلم المشي واستطاع بالملاحظة والتجربة ~~والتفكير والتأمل أن يحصل غذاءه؛ وما زال عقله ينمو ~~وتجاربه تكثر، وتأمله ينضج حتى حصل من المعارف فيما ~~حوله من الطبيعة قدرا كبيرا، ثم أكثر من التفكير في ~~نفسه فجمع بين الملاحظة الخارجية والملاحظة الداخلية. ~~ولما قارن بين نفسه وبين الحيوانات التي حولها وجدها ~~مستورة وهو عار، ومسلحة وهو أعزل، فأخذ بعقله يستر ~~نقصه فستر جسمه، واتخذ من ms0290 الأدوات الطبيعية سلاحا ~~يتغلب به على الحيوان، وكلما نما زاد تفكيره في الأمور ~~المعنوية. فلما ماتت أمه الظبية أخذ يفكر فيما ~~عرض لها ويشرح جسمها ليعرف سر موتها، واهتدى ~~بتفكيره إلى أن القلب مصدر الحياة وفيه الروح الحيواني, ~~وقارن بين الأعضاء في الحيوانات المختلفة وبين النبات ~~والحيوان، واهتدى بالتأمل إلى أن جميع الأشياء في ~~الحقيقة تؤلف وحدة، وأن الأجسام من جمادات وأحياء ~~إنما هي مركبة من الجسمية ومن شيء وراء الجسمية، ~~واهتدى بذلك إلى العالم الروحاني، وآمن بقانون ~~السببية وطبقه على جميع ما يحدث حوله. وأخيرا اهتدى ~~إلى الله بتفكيره، وما زال يرقى حتى وصل إلى أرقى أنواع ~~التصوف من الاستغراق والفناء في الله وأن لا شيء في ~~الوجود غير الحق. # وأخيرا وصل إلى الجزيرة رجل صالح اسمه «آسال» رحل إلى ~~هذه الجزيرة طلبا للعزلة في عبادة الله، فتعرف بحي بن ~~يقظان وعلمه الكلام، وكان آسال متدينا أخذ تعاليمه ~~عن رجال الدين الذين تلقوا علمهم خلفا عن سلف عن ~~الأنبياء، فعرض كل من حي وآسال تعاليمه على الآخر، عرض ~~«حي» ما وصل إليه بطريق التفكير المحض، وعرض آسال ما وصل ~~إليه عن طريق الأنبياء، فوجدا أن الأساس في تعاليمهما ~~واحد، غاية الأمر أن «حيا» فيلسوف كل مبادئه تناسب ~~الفلاسفة، أما تعاليم الأنبياء فممزوجة بأشياء أتى بها ~~لتناسب العامة والشعب. # وقد عجب حي لما حكى له آسال معيشة الناس في الجزر ~~الأخرى واعتقاداتهم المشوبة بأشياء لا ترضى عنها الفلسفة، ~~وأراد أن يعظ الناس ليقتصروا من الديانات على المبادئ ~~الفلسفية، فرحل ووعظ، ولكنه فشل فترك الناس ومعتقداتهم، ~~ورجع مع صاحبه آسال إلى جزيرته يتأمل ويرتاض ويتصوف ~~ويتفلسف إلى أن مات. # والقصة فلسفية لذيذة ظريفة الأسلوب عميقة الفكرة، وفيها ~~نظرات دقيقة في كل ما يعرض له. # وقد تأثر بهذه القصة الروائي الإنجليزي دانيال دي فو # 11 # في رواية روبنسن كروزو، وصور رجلا عاش ~~وحيدا، واستطاع أن يعيش مدة ثمانية وعشرين عاما في ~~جزيرة خالية، وتوصل بعقله إلى أن يكشف كثيرا من الأمور ~~العملية ms0291 والصناعية ثم يهتدي إلى الله. # والفرق بينهما أن «حيا» فيلسوف ينظر إلى الحياة ~~بعينه الفلسفية وروبنسن رجل عملي يستخدم عقله في شئون ~~الحياة وتصريفها، وإن اهتدى أخيرا إلى الله وتصريفه ~~للكون. ~~(2-3) التاريخ # وبعد أن عني المسلمون بتاريخ السيرة والمغازي في آخر ~~العهد الأموي - كما أسلفنا - اتجهوا إلى تدوين تاريخ ~~الفتوح، وكان من أشهر من عني بذلك أبو جعفر أحمد بن يحيى ~~البلاذري (279ه)، فألف كتابه فتوح البلدان، ذكر فيه ~~أخبار الفتوح الإسلامية من أول الفتح الإسلامي إلى آخره؛ ~~يذكر فيه الفتح وأخباره قطرا قطرا بل وبلدا بلدا، مع ~~حسن التعبير ورصانة القول، ثم هو يعرض أثناء كتابته في ~~الفتوح لمعلومات اجتماعية ومالية. ومن أقدم المؤرخين ~~الإسلاميين ابن واضح اليعقوبي (278ه)، رحل إلى الهند ومصر ~~وبلاد المغرب، وألف كتابا في مجلدين: الأول في ~~التاريخ القديم من آدم إلى ظهور الإسلام، ويدخل فيه أخبار ~~الإسرائيليين والسريان والهنود واليونان والرومان والفرس ~~والنوبة والعرب في الجاهلية؛ يدون فيه معارف عصره ~~التاريخية بأساطيرها وخرافاتها، والثاني في تاريخ الإسلام ~~إلى زمن المعتمد على الله سنة 209ه مرتبا حسب الخلفاء. ~~وكان اليعقوبي شيعيا فلون تاريخه باللون الشيعي من ~~العطف عليهم، والنقد الهادئ لبعض أعمال العباسيين. # ثم جاء ابن جرير الطبري (المتوفى سنة 310ه) فألف ~~أعظم كتاب في التاريخ الإسلامي واسمه «تاريخ الرسل ~~والملوك»، وبدأه بتاريخ الأنبياء والملوك في الأمم ~~القديمة، ثم تاريخ الفرس في عهد الساسانيين، ثم السيرة ~~النبوية والخلفاء الراشدين، وهكذا إلى سنة 302ه. وقد جرى ~~من بدء تاريخه للمسلمين على حسب ترتيب السنين، فما حدث من ~~الأحداث في السنة الأولى الهجرية ثم الثانية، ~~وهكذا. # وقد اعتمد الطبري فيه على ما ألف قبله من الكتب، ~~وعلى سماعه من رواة الأخبار، وساعده على ذلك رحلاته ~~الكثيرة إلى الأقطار والأخذ عن شيوخها؛ فهو من طبرستان، ~~ورحل إلى بغداد، ثم شخص إلى مصر فالشام، ثم عاد إلى ~~العراق، وفي كل ذلك يلتقي العلماء ويأخذ عنهم في التفسير ~~والحديث والفقه والتاريخ. # وسلك في التاريخ مسلك المحدثين، فهو يروي الحادثة ms0292 ~~التاريخية بالسند عن فلان عن فلان، وإذا رويت في الحادثة ~~جملة روايات قصها بأسانيدها، ولذلك عد عمدة ~~المؤرخين، كما عد كتابه في التفسير عدة ~~المفسرين. # وهو إلى جانب قيمته التاريخية ذو قيمة كبيرة أدبية، ~~فهو يروي ما يروي بأسلوب جزل ضخم، وفي خلال قصته يروي ~~مأثور القول ومأثور الشعر، وما أثر من خطب وحوار ~~ومساجلات، ونحو ذلك مما يعد ذخيرة أدبية كبيرة. وكل ~~من ألف في التاريخ الإسلامي بعده كان عالة عليه. # وجاء المسعودي (المتوفى سنة 346ه) فنهج في تأليفه ~~منهجا آخر، فلم يقتصر على الفتوح كما فعل البلاذري، ولا ~~على ذكر الأحداث حسب السنين كما فعل الطبري، ولا وجه كل ~~عنايته لتاريخ الأنبياء والملوك، بل وسع معارفه من ~~ناحية خاصة وهي ناحية الشعوب وجغرافيتها وأديانها ~~وعوائدها وحالتها الاجتماعية والسياسية، واستفاد في ذلك ~~كله من رحلاته العديدة البعيدة، فقد رحل إلى الهند وسار ~~إلى «ملتان»، ثم قصد «سيلان»، ومن هناك ركب البحر إلى ~~الصين، وطاف في البحر الهندي إلى مدغشقر، ومنها إلى عمان، ~~ورحل رحلة أخرى إلى أذربيجان وجرجان، ثم إلى الشام ~~وفلسطين، ثم استقر بمصر ونزل الفسطاط وتوفي ~~بها. # وقد ألف كتبا كثيرة لم يصل إلينا - مع الأسف - إلا ~~أقلها. وأهم ما وصل إلينا كتاب «مروج الذهب»، ذكر ~~فيه الأمم القديمة أيضا وأديانهم وعاداتهم، ثم تاريخ ~~الأمة الإسلامية. ويتجلى فيما كتب ثقافته الواسعة ~~وتجاربه الكثيرة التي أشرنا إليها، ففيها نظرات اجتماعية ~~وسياسية وفوائد كثيرة من هذه النواحي لا نجدها في ~~غيره . # وربما وجب أن نقف على مؤلف آخر في التاريخ له مسحة ~~خاصة، هو كتاب «تجارب الأمم» لمسكويه، أو كما هو المشهور ~~ابن مسكويه (421ه)؛ فقد كان في ظل الدولة البويهية، ~~وكان مثقفا ثقافة فلسفية، وكان مجوسيا وأسلم. وقد ألف ~~هذا الكتاب في تاريخ الأمم، ويمتاز بأنه لم يجمع الحوادث ~~كما جمع غيره، وإنما عني بتخير أهمها والتعليق عليها ~~والوقوف على موضع العبرة منها. فإن كان الطبري عالم ~~دين يتأثر تاريخه بثقافته الدينية، وكان المسعودي رحالة ~~جغرافيا أخباريا، فمسكويه ms0293 فيلسوف أخلاقي يحتل ~~مكانته في السياسة الواقعية، وتتأثر كتابته التاريخية ~~بذلك كله، يعنى بالحكم على أخلاق الأشخاص وموضع المدح ~~والذم منهم، ويعرف كيف تدبر المؤامرات والدسائس، ولا ~~يؤمن بالأحلام والتنجيم والشعوذات والولايات، وإنما يؤمن ~~بمنطق الواقع، وربما دل اسم كتابه «تجارب الأمم» على ~~منزعه في كتابة التاريخ. وأسلوبه في كتابة التاريخ أسلوب ~~العالم لا الأديب. # وهناك كتب في التاريخ غلبت عليها الصبغة الأدبية ~~كالتاريخ المعروف باليميني، الذي ألفه أبو النصر العتبي ~~في سيرة محمود بن سبكتكين، وقد وضعه كله سجعا، ~~وتلاه عماد الدين الأصفهاني في كتابه «الفتح القدسي في ~~الفتح القدسي»، وصف فيه فتح صلاح الدين لبيت ~~المقدس. # وتنوعت كتب التاريخ عند العرب من تاريخ عام إلى ~~تاريخ خاص ببلد، إلى ترجمة رجال، إلى تاريخ علماء بلد، ~~إلى تاريخ علماء مذهب أو فرقة دينية أو فلاسفة أو أطباء، ~~إلى غير ذلك مما قل نظيره في الكثرة والوفرة عند ~~أمة أخرى، وإن كان يؤخذ على أكثره عدم العناية، وعدم ~~التوسع في شرح الحالات الاجتماعية للأمم المؤرخة، ~~وقلة النقد للمصادر والروايات، وقلة التحليل الوافي ~~الثاني إلا في القليل النادر، كما يؤخذ عليه الإجادة عند ~~النظر الجزئي في الحادثة، والتقصير في النظر الكلي ~~الشامل، وربط الحوادث بعضها ببعض. ~~(2-4) الفلسفة # عندما جاءت الدولة العباسية وبسطت سلطانها كانت الفلسفة ~~اليونانية قد انتقلت من اليونان إلى العراق باللغة ~~السريانية؛ فسرجيس الرسعني # 12 # الطبيب العراقي كان قد ترجم إلى السريانية ~~كثيرا من الكتب اليونانية الإلهية والأخلاقية والتصوفية ~~والطبية والطبيعية، وكان على علم وافر بنتاج مدرسة ~~الإسكندرية، وجاء بعده يعقوب الرهاوي وغيره، فاستمروا في ~~النقل، وصبغوا الفلسفة اليونانية صبغة مسيحية، واستعانوا ~~بمنطق أرسطو الذي ترجموه على المجادلات الدينية؛ فجاء ~~الخلفاء العباسيون وشجعوا نقل هذه الفلسفة من اللغة ~~السريانية إلى العربية، والذين بدءوا بهذا النقل في أول ~~الأمر كانوا هم السريان أنفسهم، فنقل في عهد أبي جعفر ~~المنصور كتب في الطبيعة والطب والمنطق، ثم تتابعت ~~الترجمة في سائر فروع الفلسفة. وكان أشهر المترجمين حنين ~~بن إسحاق (260ه)، ومدرسته ms0294 التي كان منها ابنه إسحاق بن ~~حنين وابن أخته حبيش بن الحسن، وجاء بعدهم في القرن ~~الرابع متى بن يونس، ويحيى بن عدي المنطقي وغيرهما، ~~فأكملوا ما بدأ السابقون. # وكان طبيعيا أن الفلسفة اليونانية يدخلها عند نقلها ~~إلى العرب شيء من الخلط، فينسب إلى أرسطو ما ليس له، ~~ولأفلاطون ما هو لأفلاطين وهكذا. وقد أثر هذا الخلط بعض ~~الأثر في فهم المسلمين للمذاهب اليونانية، وبدأ المسلمون ~~بعد هذه الترجمة إلى العربية يدرسون الفلسفة ويتفهمونها، ~~ويوفقون بينها وبين تعاليم الإسلام، ويخلعون على بعض ~~فلاسفة اليونان بعض صور المسلمين كما فعل النصارى من ~~قبل. # ومر أثر الفلسفة اليونانية في المسلمين في دورين: ~~«دور علم الكلام»، ثم «دور الفلسفة الصرفة». # ففي دور علم الكلام أخذ المسلمون يقيمون الدين على أساس ~~من الفلسفة والمنطق، ويحاجون غيرهم من أرباب الديانات ~~الأخرى، وقام بهذه الحركة أول الأمر المعتزلة، فوسعوا ~~ثقافتهم حتى شملت الفلسفة اليونانية، وخصوصا أبا الهذيل ~~العلاف والنظام والجاحظ، ويثيرون في بحوثهم كثيرا من ~~الإلهيات والطبيعيات والعلاقة بين الله والإنسان، ~~والعلاقة بين الإنسان والطبيعة. كل ذلك على أساس الدين، ~~فبحثوا في الجبر والاختيار وأفعال العباد وعلم الله، ~~وبحثوا في الشر وعلته، وفي قدرة الإنسان على خلق أفعاله، ~~وسلطة العقل ومقدرته على المعرفة ونحو ذلك. وجاء الجاحظ ~~فوسع دائرة البحث في الطبيعة والحيوان على أنها من دلائل ~~قدرة الله وعظمته. وعن المعتزلة أخذ غيرهم من المتكلمين ~~منهجهم وإن خالفوهم في بعض معتقداتهم كما فعل أبو الحسن ~~الأشعري. # ثم جاء دور الفلسفة الصرفة تعنى بالفلسفة اليونانية ~~وفهمها وشرحها والتعليق عليها وتلونها بلون الإسلام ~~لونا خفيفا. وكان من أول المشتغلين على هذا النمط ~~أبو يعقوب الكندي، وكان مرحلة الانتقال بين الكلام ~~والفلسفة، وكان عربي الأصل من كندة فسمي «فيلسوف ~~العرب». وقد رووا عنه أنه كان يعرف اليونانية ويترجم ~~منها إلى العربية بنفسه، وأمعن في دراسة الرياضيات ~~والطبيعيات، وتبحر في دراسة الفيثاغورية الحديثة ~~والأفلاطونية الحديثة وتأثر بهما في مذهبه، كما تأثر بكتب ~~أرسطو كما نقلت له وكما أصلحها هو، ms0295 وألف في ذلك كتبا ~~كثيرة وصل إلينا بعضها، وقد أفاض فيها بحث العقل ونظرية ~~المعرفة. # ثم جاء بعده الفارابي، فكان أعمق تفكيرا، وأوسع ~~اطلاعا، وأنضج رأيا، وحياته أكثر انطباقا على حياة ~~الفلاسفة من صدوف عن الدنيا، وانقطاع للنظر والتأمل. ~~وقد اتخذ أرسطو إمامه، وسماه المسلمون «المعلم الثاني»؛ ~~إذ كان أرسطو هو المعلم الأول، فهو الذي عني بفلسفة ~~أرسطو وتقريبها إلى أذهان فلاسفة المسلمين، وقد ألف ~~كتبا كثيرة في المنطق وفي الإلهيات، بحث فيها في ~~الله، وفي العالم السفلي، وفي العالم العلوي، وفي النفس ~~الإنسانية، وفي العقل وفي الأخلاق، وفي السياسية. # وقد كانت كتب الفارابي أستاذا للفيلسوف المشهور ابن ~~سينا، وهو أكثر فلاسفة المسلمين تأليفا في الفلسفة ~~وشرحها، ويكتب الموسوعات الكبيرة، والمختصرات الصغيرة، ~~والمطنبة والموجزة، وفي بعضها حلاوة الخيال والشعر على ~~أسلوب أفلاطون وفي بعضها العمق والغموض والواقعية على ~~نمط أرسطو، وهو يمزج الفلسفة اليونانية بالحكمة ~~المشرقية، وينظر إلى العالم كوحدة يوجه إليها نظراته ~~أحيانا جزئية، وأحيانا كلية، فقل أن تجد شيئا في ~~العالم لم يتعرض له بالبحث في تأليف من تآليفه، ~~مقلدا في ذلك أرسطو. # وتألفت في البصرة في القرن الرابع الهجري جماعة ~~تسموا «إخوان الصفاء» وضعوا رسائل فلسفية تشمل ما عرف ~~من الفلسفة في عصرهم ممزوجة بالدين، وملونة ~~بالتشيع، وتتكون من إحدى وخمسين رسالة في الرياضيات ~~والمنطق والطبيعيات والإلهيات. ومن حين لآخر ينفثون في ~~كتابتهم آراءهم السياسية وسخطهم على النظام القائم في ~~زمنهم والخوف من اضطهادهم، والأمل في قلب هذا النظام، ~~وحلول آخر خير منه محله، ولعل الذي كانوا يأملونه هو ~~نظام الدولة الشيعية من إمام معصوم يملأ الأرض عدلا. وهم ~~في رسائلهم متسامحون مع الديانات الأخرى، معظمون ~~للأنبياء والفلاسفة ودعاة الدين من كل ملة. # ومن أقوم هذه الرسائل رسالة الحيوان والإنسان، ففيها ~~استطاعوا أن يضمنوا انتقادهم للحياة الاجتماعية نقدا ~~لاذعا على طريقتهم الرمزية. # وكذلك أينعت الفلسفة الإسلامية في المغرب متأثرة ~~بأسلوب المشرق، فنبغ ابن باجه وابن الطفيل، ثم الفيلسوف ~~الكبير ابن رشد القرطبي. وكان أكثر الفلاسفة كلفا بفلسفة ms0296 ~~أرسطو وإخلاصا لها، شرحها وقربها إلى الأذهان. # وجاء الغزالي فتسلح بالفلسفة ثم هاجمها بسلاحها، ~~فأعلن الحرب عليها في كتابه «تهافت الفلاسفة» يريد ~~إفساد مذاهبها وقصور أدلتها، ويقصد من وراء ذلك الدعوة ~~إلى إحلال الدين والتصوف محل الفلسفة، والقلب والذوق ~~محل العقل. ولقد نجح في دعوته هذه عند الجمهرة العظمى ~~من المسلمين بما كان له من قوة خطابية فائقة، وأسلوب ~~واضح قوي، رغم ردود الفلاسفة عليه أمثال ابن رشد في تأليفه ~~في الرد عليه «تهافت التهافت». # وكان لابن سينا وابن رشد والغزالي أثر كبير في ~~الأوربيين في العصور الوسطى، فأول ما اشتغلوا بالفلسفة ~~نهلوا من فلاسفة العرب، وتعلموا عليهم، إما مباشرة أو ~~بواسطة اليهود الذين تعلموا في الأندلس على ابن رشد ~~وتلاميذه. واستفاد المسيحيون من دفاع الغزالي عن الدين، ~~واقتبسوا كثيرا من أقواله في إثبات الخلق من العدم، ~~وشمول علم الله للجزئيات، والبعث بعد الممات ونحو ~~ذلك. # وظلت الفلسفة الإسلامية، وكتبها العربية هي المنبع ~~الذي يستقي منه فلاسفة الغرب، إلى أن وضعوا يدهم على ~~المنابع الأصلية من كتب الفلسفة اليونانية. ~~••• # وبعد، فما منزلة الأدب العربي بين الآداب التي ~~استعرضناها، وخاصة الأدب اليوناني والروماني وآداب أوروبا ~~في القرون الوسطى؟ ما جوانب القوة فيه، وما جوانب الضعف؟ ~~هل هو مع الآداب الأخرى يقف على سلم واحد ذي درجات ~~كل أدب يقف على درجة مرتفعة أو منخفضة، أو هناك سلالم ~~مختلفة، يقف الأدب العربي منها على سلم خاص؟ هل الأدب ~~في جميع الأمم وفي كل العصور متكون من عناصر ثابتة ، ~~وإنما تختلف هذه العناصر فقط رقيا وانحطاطا، أو أن ~~العناصر تختلف، وفي الأدب العربي عناصر تخالف الأدب ~~الغربي والعكس؟ # هذه أسئلة من العسير جدا الإجابة عنها، وخاصة في مثل ~~هذا الكتاب الذي يحاول أن يقدم صورة عامة لكل ~~أدب. # لا شك أن الأدب العربي في الجاهلية كان أدب أمة واحدة ~~هي الأمة العربية في جزيرة العرب، فكان متأثرا في ~~الأعم الأغلب بهذه البيئة الطبيعية والاجتماعية. وإذا ~~كانت هذه البيئة العربية تخالف البيئات الأخرى - كالبيئة ms0297 ~~اليونانية والرومانية - كان طبيعيا أن يختلف عنها بوحي ~~البيئة، فالجمل وبكاء الدمن والأطلال وعادات القبائل ~~وتاريخها ونحو ذلك أثر في اللغة العربية تأثيرا لم تخضع ~~له الآداب الأخرى على هذا الوضع. # في كل أدب عناصر إنسانية اشتركت فيها الآداب عامة في ~~كل العصور، كالحب وما يستتبع من غزل، وأخلاق الناس وما ~~فيها من رفعة أحيانا، وضعة أحيانا، ووجود طامعين ~~دساسين، وبجانبهم أخيار كرماء عادلون ونحو ذلك. كل ~~هذا ملازم للإنسان من حيث هو إنسان، وكل هذا عالجته ~~الآداب المختلفة، والخلاف بينها في طرق العرض. # وبجانب ذلك أشياء خاصة هي نتيجة البيئة الخاصة، كأنواع ~~التشبيهات المشتقة من البيئة الصحراوية البدوية، فإنها ~~تخالف تلك المشتقة من البيئة البحرية أو الحضرية، ونوع ~~الأساطير الدينية، ونحو ذلك. ومقياس مقدرة الأمة الأدبية ~~- إذن - ليس في نوع ما عرضوا، ولكن بمقدار استخدامهم ~~لبيئتهم في أدبهم. والحق أن الأمة العربية الجاهلية ~~استخدمت بيئتها في أدبها استخداما يدعو إلى الإعجاب، فلم ~~تترك صغيرة ولا كبيرة إلا أولتها عنايتها، وأفاضت ~~عليها الطبيعة من فصاحة القول وقوة اللسن ما يصح أن ~~تقف به أمام الأمم الأخرى مباهية. # فلما جاء الإسلام وامتدت فتوحه، وتحولت ألسنة ~~الداخلين فيه إلى اللسان العربي، وأخذوا يساهمون في ~~النتاج الأدبي، أصبح الأدب العربي أدب أمم لا أدب أمة ~~واحدة، وأدب بيئات مختلفة لا بيئة واحدة؛ أصبح يشارك في ~~إنتاجه الفارسي والهندي والشامي والمصري والمغربي، وأصبح ~~كل عنصر يدخل في الأدب شيئا من خصائصه في الأخيلة ~~والتشبيهات وفي العقلية والصياغة الفنية، وكان هناك عاملان ~~تفاعلا: القالب الجاهلي القديم - بأساليبه وموضوعاته - ~~والعقلية والصياغة والأخيلة والموضوعات التي للأمم ~~المفتوحة. وهذان العاملان تنازعا كتنازع المحافظين ~~والأحرار، وكان من مظاهر هذا النزاع حركة الشعوبية، وأنصار ~~القديم وأنصار الجديد من العلماء، ثم كانت النتيجة ~~المصالحة، أعني أن ينزل كل عن بعض دعاويه، وفاز القديم ~~بالقوالب والموضوعات، وفاز الجديد ببعض الصياغة وبعض ~~الموضوعات، وربما كان حظ دعاة القديم في الشعر أكثر، ~~وحظ دعاة الجديد في النثر أوفر. # وعلى الجملة كان للأدب العربي المتكون ms0298 من هذه ~~العوامل طابع خاص وملامح مميزة. # فالذوق الذي يتذوق الأدب اليوناني والروماني قد لا ~~يتذوق الأدب العربي إلا بجهد وطول ممارسة، والعكس، ~~ولكن هذا لا يقدح في الأدبين كذوق الأمة في نوع عمارتها ~~وهندسة أبنيتها، ونوع أطعمتها وأشربتها. لقد يخالف ~~ذوق الأمة الأخرى وقد يكون ذلك الاختلاف نتيجة البيئة ~~الطبيعية والاجتماعية، وقد يكون الذوقان معا - مع ~~اختلافهما - راقيين، ومن العسير وجود حكم محايد في ~~هذا لا يكون متأثرا بتذوق أحد الأدبين بحكم نشأته أو ~~طبيعته أو تربيته؛ فإن نحن قاربنا وجدنا أن الأدبين ~~اليوناني والروماني وما تفرع عنهما ربما كانت أوفر ~~موضوعا وأكثر تنوعا وأكثر تفننا في نقد الحياة في ~~أشكالها المختلفة الخاصة منها والعامة. أدب الملاحم ~~وسع خيالهم، وأدب التمثيل وسع نقدهم في السياسة ~~العامة للحكومات وللقادة والزعماء، وللحياة العامة ~~ولحياة الأفراد الشعبية، والأدب العربي لم يتجه هذا ~~الاتجاه في وفرة وكثرة، وإن وجد منه بعض أمثلة. أما ~~الأدب العربي فغني غنى تاما في بعض النواحي، من ~~أهمها ناحية الأدب الذي سميناه أدبا غنائيا، أعني ~~وصف الأديب مشاعره من فخر وحماسة وغزل وهجاء ورثاء ~~ومديح، وخاصة الحب؛ فقد برع الأدب العربي فيه، ~~ونوعه من حب عذري إلى حب شهواني، ومن حب مادي ~~إلى حب فلسفي، ومن وصف للجمال الحسي إلى وصف للجمال ~~المعنوي، فهذه النواحي قد تفوق فيها الأدب العربي ~~تفوقا كبيرا، واهتزت عواطف الأديب فيها إلى درجة ~~كبيرة، وتفنن ما شاء له التفنن في عرض الصور حتى كاد ~~يستوفيها مع قوة وروح وحرارة ؛ حتى إن هذا النوع من ~~الأدب لما ظهر في الأدب الأوروبي في القرون الوسطى ~~اتجه كثير من النقاد الأوربيين يبحثون عن مصدره في ~~الأدب العربي، وكيف أخذ عنه، ومن أخذه؛ شعورا منهم بأن ~~منبع هذا النوع من الأدب هو الأدب العربي، وكذلك كان الشأن ~~لما ظهرت في أوروبا حركة الأدب الرومانتي # Romantic # فقد رأى ~~كثيرون أن لها بالشعر العربي علاقة وثيقة. # ثم الأدب العربي غني في أسلوبه حتى من قرأ الأدبين ~~اليوناني والعربي وحذقهما ms0299 أقر بغنى الأدب العربي في ~~ذلك، فهو متنوع الجمال، فيه ما يتحلى بجمال البساطة، ~~وفيه ما يتزين بالجمال المركب، ولذلك قل أن يتعثر ~~المترجم القدير بالأسلوب، فهو يجد الأسلوب العربي ~~مطواعا رحبا متنوعا، وإنما يتعثر أكثر ما يكون ~~بالألفاظ الحديثة، والمصطلحات الجديدة، وليس ذلك عيب ~~اللغة والأدب وإنما هو عيب القائمين عليهما. # فالأدب العربي غني في بعض النواحي فقير في بعض ~~النواحي، وسبب هذا الغنى أن الموضوع الذي غنوا فيه ~~كان هو الموضوع الذي وافق نفوسهم ونبع من بيئتهم منذ ~~جاهليتهم، فتقدمت فيه الأمة العربية بتقدم الزمان ~~وتقدم الحضارة وتتابع نوابغ الأدباء؛ وسبب هذا الفقر ~~فيما افتقروا فيه أنهم في أيام حضارتهم العباسية لم ~~يوسعوا صدرهم للأدب اليوناني والروماني فيترجموه ~~ويتذوقوه ويقتبسوا منه، ويهضموا ما يصلح منه لذوقهم ~~ويحاكوه، ويسبغوا عليه شخصيتهم كما فعلوا ذلك في العلوم ~~والفلسفة؛ فقد أفسحوا لها صدرهم ونقلوها إلى لغتهم ~~واستفادوا منها، ولم يفعلوا ذلك في الأدب لأسباب يطول ~~شرحها، من أهمها: أن الأدب اليوناني والروماني وليد ~~بيئات تخالف البيئة العربية، فلو نقل لم يتذوق، ~~وإنما استسيغت العلوم والفلسفة لأنها قدر مشترك بين ~~العقول، والعقول تتفاهم بأسرع مما يتجاوب الذوق، فشأن ~~الأدب اليوناني والروماني للذوق العربي كشأن الموسيقى ~~الغربية للأذن الشرقية، لا تستساغ إلا بعد طول مران، ~~ومراحل انتقال، ولم توفق الأمة العربية لمن يقوم لها ~~بهذا العبء في عصر الترجمة والنقل. ثم القارئون للأدب ~~اليوناني والروماني في ذلك العصر رأوه مملوءا بالأساطير ~~التي عرضنا بعضها فيما تقدم، وهذه الأساطير مملوءة ~~بالآلهة الخرافية وبالأخيلة التي إذا أخذت على ظاهرها ~~لا يرتضيها العقل إذا نضج، فكانت الاستفادة من الأدب ~~اليوناني تحتاج إلى مهرة في اللسانين يقومون بمهمة ~~الانتخاب من الأدب اليوناني والروماني، وأمامهم في ذلك ~~مجال فسيح في الروايات النقدية للحياة الاجتماعية، ونحو ~~ذلك، ثم تقريب بعض النماذج الأدبية إلى الذوق العربي ~~بشتى الوسائل، ولكن لم يوجد هذا الصنف أيضا، فظل ~~الأدب العربي محتفظا بمجراه لم تصب فيه روافد أجنبية ~~كثيرة، كتلك الروافد العامية والفلسفية التي ms0300 كانت تصب في ~~مجرى العقليات، إلى أن أتت حركة الترجمة في النهضة ~~الحديثة، ولها موضع آخر من هذا الكتاب إن شاء ~~الله. # الفصل السادس # | الأدب الفارسي الإسلامي # في العصور الوسطى # الأدب الفارسي الإسلامي، أو الأدب الفارسي الحديث، هو أدب الأمة ~~الفارسية المسلمة، نشأ في القرن الثالث الهجري، واستمر متصل ~~السنى، مسلسل التاريخ إلى عصرنا هذا؛ فعمره زهاء ألف ~~سنة. # وموطنه موطن الأمة الفارسية في العصور الإسلامية، وهو نجد ~~إيران من وادي دجلة في الغرب إلى بلاد الأفغان في الشرق، ومن خليج ~~البصرة وبحر الهند في الجنوب، إلى بحر الخزر ونهر جيحون في ~~الشمال. # وتتصل به الآداب التي أنشئت باللغة الفارسية في غير بلاد ~~الفرس - الآداب التي أنشئت في بلاد الهند والأفغان والترك - وهي ~~آداب واسعة جديرة بالعناية والدرس، ولكنا لا نعرض لها في هذا ~~البحث المجمل، اكتفاء بوصف الأدب الفارسي في موطنه الأصيل، فهو ~~المثل الذي احتذى عليه المنشئون في المواطن الأخرى. # ولا ريب أن الأدب الفارسي له مكانة في البلاد المجاورة لإيران، ~~وله أثر بين فيما أنشأت هذه البلاد من آداب، كالأدب التركي ~~والأدب الأردي، وكان واسطة لتأثير الأدب العربي في آداب تلك ~~البلاد أيضا؛ فالأدب الفارسي هو الأدب الثاني ذيوعا وتأثيرا في ~~الأمم الإسلامية بعد الأدب العربي. # والبحث في الفصول الآتية يتناول الأدب الفارسي في إيران ~~وحدها. ~~(1) اللغة # الفهلوية هي اللغة الوسطى من لغات إيران؛ هي بين الفارسية ~~القديمة التي عرفت في آثار الدولة الفارسية الأولى، دولة ~~الأكمينيين التي أزالها إسكندر المقدوني، واللغات المعاصرة ~~لها كلغة الآوستا (كتاب زرادشت) وبين الفارسية الحديثة التي ~~نشأت في القرن الثالث الهجري. # نشأت الفهلوية في الفترة التي تلت غارات الإسكندر إلى قيام ~~الدولة الساسانية في القرن الثالث الميلادي، فبلغت أوجها في ~~عصر هذه الدولة، إذ صارت لغة الدولة ولغة الأدب والعلم في ~~إيران. ووقفت بالفتح الإسلامي، فحلت العربية محلها ~~واستأثرت بالعلوم والآداب في تلك البلاد، إلى أن نشأت ~~الفارسية الحديثة فتبعتها ثم سايرتها ثم سبقتها على مر ~~العصور. # ومعظم الفروق بين الفهلوية ms0301 والفارسية الحديثة تتجلى في هذه ~~الأمور: ~~(1) # اعتماد الفارسية الحديثة على الثقافة الإسلامية ~~العربية. ~~(2) # اشتمالها على ألفاظ عربية كثيرة، وتأثرها ~~بالمفردات والجمل العربية في صياغة بعض مفرداتها ~~وجملها. ~~(3) # اتخاذ الأوزان والقوافي العربية والسجع ~~والمحسنات الأخرى. ~~(4) # كتابتها بالخط العربي بدل الخط الفهلوي. ~~(2) الثقافة الإسلامية العربية # دخل الفرس في أخوة الإسلام، واشتملت عليهم الجماعة ~~الإسلامية العظيمة التي يسيطر عليها الإسلام ويقوم عليها ~~العرب، فاستأثرت العربية بالعالم والأدب زهاء قرنين، ثم ~~ظهرت الفارسية في رعاية العربية فاستمدت الإسلام - عقائده ~~وكتابه ولغته - واستمدت التاريخ العربي، وزادت عليه ما ~~أورثها الزمان المديد والحضارة القديمة من تاريخ وأساطير ~~وآداب وأفكار وأخيلة؛ فكان الأديب الفارسي مثقفا بثقافة ~~إسلامية واسعة شاملة تجمع بين ثقافة العرب والعجم. وكانت ~~ثقافة العرب أو ثقافة اللغة العربية واعية خلاصة ما أدركه ~~البشر إلى تلك العصور. وقد بقيت ~~بلاد إيران موطنا للأدب ~~العربي منذ انتشر العرب في إيران، ودخل الفرس في أخوة ~~الإسلام إلى غارات التتار. وبقي الأدب العربي أدبا لشعرائها ~~وكتابها وأدبائها حتى عصرنا هذا. وحسب الباحث أن يتتبع تاريخ ~~أدباء العرب الخلص والمستعربين الذين عاشوا في إيران، ~~وحسبه أن يعبر كتابا مثل يتيمة الدهر، فيعرف نصيب إيران من ~~أدباء العربية، وحسبه أن يتعرف نصيب أدباء إيران المعاصرين ~~من الأدب العربي. # وهذه جملة من كتاب المقالات الأربع «جهار مقاله» لنظامي ~~العروضي، من مقالة الكتابة، تبين منهاج أدباء الفرس في ~~دروس الأدب: # وكلام الكاتب لا يبلغ درجة عالية حتى يأخذ من كل ~~علم نصيبا، ومن كل أستاذ نكتة، ويسمع من كل حكيم ~~لطيفة، ويقتبس من كل أدب طرفة، فينبغي أن يعتاد ~~قراءة كلام رب العزة، وأخبار المصطفى، وآثار ~~الصحابة، وأمثال العرب، وكلمات العجم، ومطالعة كتب ~~السلف، والنظر في صحف الخلف، مثل ترسل الصاحب ~~والصابي وقابوس، وألفاظ الحمادي والإمامي وقدامة بن ~~جعفر ومقامات البديع والحريري وحميد وتوقيعات البلعمي ~~وأحمد بن الحسن (الميمندي)، وأبي نصر الكندري، ورسائل ~~محمد عبده وعبد الحميد وسيد الرؤساء، ومجالس محمد ~~منصور، وابن عبادي، وابن النسابة العلوي. # ومن دواوين العرب ديوان المتنبي، ms0302 والأبيوردي، ~~والغزي؛ ومن شعر العجم شعر الأزرقي، ومثنوي الفردوسي، ~~ومدائح العنصري إلخ. ~~(3) الألفاظ # دخلت في اللغة الفارسية ألفاظ عربية كثيرة، في لغة الخطاب ~~ولغة الأدب والعلم. ونترك لغة الخطاب هنا لأنها لا تهم ~~القارئ في موضوعنا هذا ولأنها تختلف باختلاف البقاع. # ولغة العلم أكثر ألفاظا عربية من لغة الأدب، والنثر أكثر ~~من الشعر نصيبا من هذه الألفاظ؛ فالنثر العلمي تكثر فيه ~~الاصطلاحات العربية حتى لا يبقى أحيانا من الفارسية إلا ~~الفعل وروابط الجملة وحروف الجر؛ والنثر الأدبي بين هذا وبين ~~الشعر. والشعر قد يخلو فيه بيت أو بيتان متتابعان أو ثلاثة ~~من لفظ عربي، ولكن يندر أن تجد أكثر من ثلاثة أبيات خالية من ~~لفظ عربي. # ولا يحسبن القارئ أن الألفاظ العربية كثرت في الفارسية ~~حين نشوئها، ثم قلت على مر الزمان، فلعل الأمر على عكس ~~هذا؛ ربما تجد شعرا قديما أقل ألفاظا عربية مما هو أحدث ~~منه، وكذلك النثر. ~~(4) الصياغة الفنية # وكان نشوء الأدب الفارسي وازدهاره في حضانة الأدب العربي ~~وسيطرته، فتبع الأدب الناشئ الأدب القديم في الصياغة الفنية ~~التي أولع بها بعض شعراء العرب منذ القرن الثالث الهجري، ثم ~~زادت صنوفها وشاعت وعمت حتى صيرت الشعر صناعة لفظية في ~~القرون الأخيرة. فصيغت المجازات والاستعارات الفارسية على ~~غرار ما ألف في الأدب العربي. وكان في فارس من ينظم ~~باللغتين العربية والفارسية، فلا جرم تقاربت اللغتان في ~~بيانهما. وكثير من الشعراء نظموا شعرا ملمعا فيه بيت ~~عربي وآخر فارسي، أو شطر وشطر، وهو كثير في الشعر ~~الفارسي . # ومن أمثلته: # يضرب سيفك قتلى، حياتنا أبدا # فإن روحي قد طاب أن يكون فداك # وقوله: # در حلقه كل ومل خوش خواند دوش بليل # هاتوا الصباح حيوا يا أيها ~~السكارى # وطبق على النظم والنثر في اللغة الفارسية قواعد البلاغة ~~العربية حينما صارت البلاغة قواعد؛ فكانت كتب البلاغة ~~الفارسية في قواعدها واصطلاحاتها لا تختلف كثيرا عن نظيراتها ~~في اللغة العربية، بل طبقت هذه الكتب قواعدها على الكلام ~~العربي والفارسي على السواء، مثل كتاب حدائق السحر ms0303 في دقائق ~~الشعر لرشيد الدين الوطواط العمري الكاتب. وهو أحد بلغاء ~~اللسانين، وقد جمع بين أصله العربي وموطنه الإيراني. ولست ~~في حاجة إلى التمثيل ولا أراه يجدي كثيرا على القارئ العربي ~~في هذا الفصل المجمل. ~~(5) الأوزان والقوافي # اللغة الفارسية ليست معربة، وليس فيها علامات للتأنيث ولا ~~أداة للتعريف، فهي في جملتها أقصر ألفاظا وأقل حركات من ~~اللغة العربية، وقد يجمع في كلماتها ساكنان أو ثلاثة، ويقوم ~~المد في أوزانها مقام الحركة. وقد أدرك الجاحظ هذا من قبل إذ ~~قال: # العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة، والعجم ~~تمطط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع ~~موزونا على غير موزون. # 1 # ومن أجل هذا كان البيت من الشعر الفارسي في الغالب أكثر ~~ألفاظا من مثله في الشعر العربي. وكان لا بد أن تختلف ~~الأوزان في اللغتين بعض الاختلاف، وأن يجري من الزحاف ~~والعلل في إحداهما ما لا يجري في الأخرى، ويحسن من الوزن ~~وأجزائه في الفارسية ما لا يحسن في العربية. وهذا ما نجد ~~بيانه مجملا فيما يأتي: # لا مراء أن الشعر الفارسي الحديث نظم على أوزان الشعر ~~العربي، ولكن بعض أوزان العرب كانت أقرب إلى طباع الفرس ~~ولغتهم من بعض، وكذلك اقتضى مزاج الفرس وطبيعة لغتهم من ~~التغيير والزيادة والنقص في الأوزان التي أخذوها عن العرب ما ~~لا نجده في الأوزان العربية. # ولهذا كان العروض الفارسي في أصوله واصطلاحاته، ودوائره ~~وبحوره وتفصيلاته هو العروض العربي، وكان في بعض الأضرب ~~والزحافات والعلل مخالفا له. ولما أراد صاحب «كتاب المعجم» ~~أن يضع كتابا في العروض وضعه في العروضين معا، وكتبه ~~بالعربية وجعل شواهده بالعربية والفارسية. فأنكر عليه هذا ~~الصنع جماعة من أدباء الفرس، فقسم كتابه قسمين: المعرب ~~في معايير أشعار العرب، والمعجم في معايير أشعار العجم. وهذا ~~مصداق ما قلت من اتفاق العروضين في الأصل اتفاقا دعا المؤلف ~~إلى أن يضع كتابا واحدا لأوزان العرب والفرس، واختلافهما ~~اختلافا أدى إلى الإنكار عليه، وإلى أن يفصل هو العروضين ~~أحدهما عن الثاني، ms0304 ولكنه حين تكلم على العروض الفارسي لم يجد ~~بدا من شرح العروض العربي، فجاء كتاب معايير أشعار العجم ~~مشتملا على معايير أشعار العرب. # يقول صاحب المعجم في أول الباب الرابع في البحور القديمة والحديثة: # وصناعة الشعر في بدو الأمر مخترع طبع العرب، ~~ومبتدع خاطرهم، والعجم في كل الأبواب تابعون لا ~~واضعون، وفي تسمية الأجزاء والأركان وتقدير البحور ~~والأوزان، وتقرير الجائز وغير الجائز فيها ناقلون لا ~~مستقلون؛ فلزم أن نقدم في الكلام على البحور ~~والدوائر أجناس شعرهم، وتعديد أوزانهم، كما بدأنا ~~بشرح أوضاعهم واصطلاحاتهم ليتبين الصواب والخطأ، ~~والحسن والقبيح، فيما زاد العجم ونقصوا في ~~أشعارهم. # وخلاصة ما فعل الفرس بالأوزان العربية: ~~(1) # أنهم زادوا أبحرا على الأبحر الستة عشر ~~المعروفة في العروض العربي؛ وهي الغريب والقريب ~~والمشاكل. ~~(2) # وأنهم زادوا في أجزاء الأوزان فأجازوا أن يكون ~~الرمل - مثلا - ثمانيا، وهو في العروض ~~العربي لا يزيد على ستة أجزاء، وكذلك الهزج وهو ~~في العربية سداسي في الأصل، ورباعي في ~~الاستعمال. # ولهذا يشعر القارئ العربي، وهو ينشد الهزج ~~الثماني في الشعر الفارسي أن كل شطر بيت كامل. ~~ومن أمثلة هذا قول حافظ الشيرازي في أول ~~الديوان: # ألا يا أيها الساقي أدر كأسا ~~ونالها # كه عشق آسان نمود أول ولي أفتاد ~~مشكلها # حضوري كرهمي خواهي أزو غائب مشو ~~حافظ # متى ما تلق من تهوى دع الدنيا ~~وأهملها # فالشطر الأول من البيت الأول، والثاني من البيت ~~الثاني بيتان كاملان من الهزج في العروض العربي، ~~وهما شطران في هذه القصيدة. ~~(3) # وأنهم تصرفوا في الزحافات والعلل حتى أخرجوا ~~من الأوزان العربية أضربا تعد في نغماتها ~~مستقلة عن الأوزان العربية، ولا يربطها بها إلا ~~تخريج العروضيين، كما أخرجوا الرباعي ذا الأضرب ~~الكثيرة من بحر الهزج. ~~(4) # وأن طباعهم عدلت بهم عن الأوزان الكثيرة ~~الدوران في الشعر العربي فهجروها هجرا تاما، ~~فلم ينظموا في الطويل والمديد والبسيط إلا لإظهار ~~المقدرة على النظم فيها. وكما عدلوا عن هذه ~~الأوزان أولعوا بالأوزان التي قل فيها شعر ~~العرب، مثل المجتث والمضارع والمقتضب. ووافقوا ~~العرب في ms0305 أوزان كثر فيها النظم في اللغتين، مثل ~~الهزج والرمل والخفيف والمتقارب. وفي المتقارب ~~نظم الفردوسي الشاهنامة، والشيخ سعدي البستان ~~ونظامي إسكندر نامه. وفي الرمل نظم فريد الدين ~~العطار منطق الطير، وجلال الدين الرومي المثنوي. ~~وفي الهزج نظم نظامي الكنجوي خسرو وشيرين، ونظم ~~في الخفيف بهرام نامه. # وهذا دليل على ما بين طباع الأمتين ~~وأذواقهما من التقارب والتفاوت. فلا ريب أن ~~إحداث أبحر جديدة وهجر أبحر قديمة كان مقتضى ~~الطبع واللغة. # ويمكن أن يفسر هذا كله بأن طباع الفرس ~~أميل إلى الطرب والخفة، فالحركات البطيئة في ~~الأوزان لا تلائم طباعهم. وهذه الأبحر لا تتوالى ~~فيها الحركات تواليها في الأبحر الأخرى لكثرة ~~الأوتاد فيها. # وأما القافية، فقد ساروا فيها على السنن ~~العربية، وأخذوا اصطلاحاتها كلها، ولكنهم أولعوا ~~بالقافية المزدوجة وسموها المثنوي، نسبة إلى ~~كلمة «مثنى»، وكذلك أكثروا من الدو بيت أو ~~الرباعي، وذهبوا في الموشحات مذهبا غير مذاهب ~~العرب وسموها بندا، وقسموه قسمين: ترجيع بند، ~~وتركيب بند. ونظموا المسمط رباع وخماس إلى ~~عشار. # وأغرموا في أنواع القوافي بالرديف، وهو كلمة أو ~~أكثر تكرر في آخر الأبيات وتلغى في التقفية، ~~وتلتزم قافية قبلها. # وقد انتهى العرف بين أدباء الفرس إلى تقسيم المنظومات هذه ~~الأقسام: ~~(1) # القصيدة: وهي منظومة على روي واحد كثيرة ~~الأبيات لا تقل عن ثلاثين غالبا، ويغلب على ~~موضوعها المدح والوصف مثل قصائد الأنوري ~~والخاقاني. ~~(2) # والغزل: وهو منظومة ذات روي واحد، قصيرة لا ~~تقل أبياتها عن سبعة ولا تزيد على خمسة عشر ~~غالبا. وأصل موضوعها الغزل، وأحيانا تتناول ~~موضوعا آخر . ويلتزم الشاعر ذكر لقبه الشعري ~~(التخلص) في البيت الأخير مثل غزليات سعدي ~~وحافظ الشيرازي. ~~(3) # والمثنوي: وهو منظومة في القافية المزدوجة، ~~يتفق كل شطرين منها في الروي. وقد اتسع لهم ~~مجال النظم في هذه القافية، فنظموا فيها المنظومات ~~المطولة التي تتجاوز عشرات الآلاف من الأبيات ~~أحيانا، مثل الشاهنامة والمثنوي، وخمسة ~~نظامي. ~~(4) # والرباعي: وهو أربع أشطر فقط يتفق فيها الأول ~~والثاني والرابع في الروي وينفرد الثالث غالبا. ~~وهو ضرب شائع في الأدب الفارسي، وقد ms0306 انتقل إلى ~~العربية باسم الدو بيت. وقد خرجه العروضيون من ~~بحر الهزج، ولكنه فيما أظن اختراع الفرس. ويقول ~~شمس الدين الرازي: ~~«ولأن الزحاف المستعمل في هذا الوزن لم يعرف ~~في الشعر العربي القديم لم ينظم شعر عربي في هذا ~~الوزن، ثم أقبل عليه الآن المحدثون المطبوعون، ~~فشاعت الرباعيات العربية في بلاد العرب كلها، ~~وتداولتها الألسن.» # 2 ~~(5) # والمسمط: ونظامه أن تتوالى ثلاثة أشطر أو أكثر ~~متفقة في الروي، ثم ينفرد شطر بروي، تشاركه ~~فيه نظائره في المنظومة كلها، كالمربع ~~والمخمس المعروفين في النظم العربي. ~~(6) # البند: وهو قسمان؛ تركيب بند، وترجيع بند. وهو ~~منظومة مقسمة إلى أقسام (القسم يسمى خانه)، ~~وكل قسم فيه أبيات متفقة في الروي، يعقبها ~~بيت مستقل. وهذا البيت المستقل يكرر بعد كل ~~قسم كما هو، فيسمى النظم ترجيعا، أو ~~يكرر رويه فقط، فيسمى النظم تركيبا. وهو ~~يشبه الموشح العربي. ~~(6) الشعر الفارسي أوليته # لا نعرف شيئا من آثار الفرس القدماء في الشعر، وليس بين ~~أيدينا أثارة من الشعر في اللغة الفهلوية أو اللغة الفارسية ~~القديمة أو لغة الآوستا. # وبعيد ألا تنظم الشعر أمة ذات حضارة وأدب كالأمة ~~الفارسية، فلا مناص من أن نقدر أنهم نظموا الشعر، ولم يبق ~~منه شيء على مر الأيام. وربما كانت المنظومات القصيرة، التي ~~تسمى الفهلويات والتي تنظم باللغة العامية، مثلا عن الشعر ~~الفارسي القديم. وربما تكون بعض أضرب العروض التي لا نظير لها ~~في الأوزان العربية بقايا من النظم القديم، وإن وصلها ~~العروضيون بالأوزان العربية. # وقد أدى فقد آثار الشعر القديم إلى أن شاع بين مؤرخي ~~الأدب، من الفرس والعرب في العصور الإسلامية، أن الفرس ~~القدماء لم ينظموا الشعر. # يقول ابن قتيبة: ~~«وللعرب شعر لا يشركها أحد من الأمم الأعاجم فيه على ~~الأوزان والأعاريض والقوافي، والتشبيه، ووصف الديار والآثار ~~والجبال والرمال والفلوات، وسرى الليل، والنجوم. # وإنما كانت أشعار العجم وأغانيهم في مطلق من القول. ثم ~~سمع بعد قوم منهم أشعار العرب، وفهموا الوزن والعروض ~~فتكلفوا مثل ذلك في الفارسية وشبهوه بالعربية.» # وخلاصة ما ذكره ms0307 محمد عوفي في لباب الألباب - وهو أول كتاب ~~في تاريخ الأدب الفارسي - أن بهرام جور أول من أنشأ شعرا ~~بالفارسية، وأنه تعلم الشعر من العرب؛ إذ نشأ بينهم ووقف ~~على دقائق لغتهم، وأن له شعرا عربيا بليغا، وأن هذا ~~المؤلف رأى ديوانه في خزانة كتب في بخارى # 3 # وطالعه وكتب أشعارا منه وحفظ. ومنها أبيات ~~نظمها حينما رجع إلى فارس واستقر على سرير الملك بنصرة ~~العرب، وعرض عليه خواصه أن يتزوج، ومن شعره أيضا: # فقلت له لما نظرت جنوده # كأنك لم تسمع بصولات بهرام # فإني لحامي ملك فارس كله # وما خير ملك لا يكون له حامي؟ # ثم يذكر عوفي بيتا فارسيا ارتجله بهرام في وقت طربه ~~ويقول: ~~«فكان أول من نظم الكلام الفارسي. وأما الأغاني الخسروانية ~~التي وضعها باربد في الأصوات أيام برويز فكثيرة، ولكنها ~~بعيدة من الوزن والتقفية وأشباههما، فلهذا لا أتعرض لها هنا. ~~حتى جاءت نوبة آخر الزمان وسطعت شمس الملة الحنفية والدين ~~المحمدي على ديار العجم، وحاور لطاف الطباع من الفرس ~~فضلاء العرب، واقتبسوا من ~~أنوار فضائلهم، واطلعوا على أساليب لغة العرب، وحفظوا ~~الأشعار المطبوعة الرائقة وتعمقوا في معانيها، واطلعوا على ~~دقائق البحور والدوائر، وتعلموا الوزن والقافية، والروي، ~~والردف والإيطاء والأسناد، والأركان والفواصل، وشرعوا ينسجون ~~على هذا المنوال لطائف من نتائج طباعهم ... وحينما علت راية ~~دولة المأمون رضي الله عنه في آخر سنة ثلاث وتسعين ومائة - ~~وكان ممتازا في بني العباس بالحلم والحياء، والجود ~~والسخاء، والوقار والوفاء - كان في مرو واحد من أبناء ~~الكبراء اسمه عباس منقطع النظير في الفضل، وله مهارة كاملة ~~في علم الشعر، وبصر شامل في دقائق اللغتين، فنظم ~~بالفارسية قصيدة مطلعها: # أي رسانيده بدولت فرق خودتا فرقدين # كسترانيده بجود وفضل در عالم يدين ~~«يا من سما فرقه بالسعادة إلى الفرقدين، وبسط في العالم ~~بالجود والفضل اليدين.» # ويقول في أثنائها: # كس برين منوال بيش أز من جنين شعري ~~نكفت # مرزبان بارسي راهست تا أين نوع بين # ليك زان كفتم من أين مدحت تراتا أين ms0308 ~~لفت # كيرد أز مدح وثناء حضرت تو زيب وزين # وترجمته هذا: # ما قال أحد قبلي شعرا كهذا قط، وما كان للسان الفارسي بهذا ~~عهد. # ولكني نظمت هذه المدحة لتزدان هذه اللغة بمدحك والثناء ~~عليك. # فلما رويت هذه القصيدة في حضرة الخليفة أحسن إليه ووصله ~~بألف دينار عين، وخصه بمزيد العناية والعطف. # ولما رأى الفضلاء هذا صرف كل طبعه إليه، ونقش بقلم ~~البيان فضلا على صفحة الزمان. # ولم يقل أحد بعده شعرا فارسيا، حتى كانت نوبة آل طاهر وآل ~~الليث، فنبغ شعراء قليلون، فلما كان عهد آل ساسان علت راية ~~الكلام، وظهر كبار الشعراء، وبسطوا بساط الفضائل، ووضعوا ~~لعالم النظم نظاما، واتخذوا الشعر شعارا.» # وكذلك يذكر شمس الدين محمد بن قيس الرازي في كتابه «المعجم ~~في معايير أشعار العجم» تربية بهرام جور في الحيرة وتأدبه ~~بآداب العرب، ويقول: إن حماد بن أبي ليلى (حماد الراوية) ~~روى عن أهل الحيرة قطعا من الشعر العربي لبهرام، ثم يروي ~~بيت بهرام الذي يزعم الفرس أنه أول شعر فارسي ويقول: ~~«ورأيت في بعض كتب الفرس أن علماء عصر بهرام لم ينكروا ~~شيئا من أخلاقه وأحواله إلا قول الشعر، فلما بلغت إليه نوبة ~~الملك، واستقر له الأمر تقدم إليه الحكيم آذرباد بن ~~زرادستان ونصحه قائلا: «أيها الملك! اعلم أن قول الشعر من ~~كبار معايب الملوك، ودني عاداتهم، لأن أساسه على الكذب ~~والزور، وبناءه على المبالغة الفاحشة، والغلو المفرط؛ ~~ولهذا أعرض عنه عظماء فلاسفة الأديان وذموه، وعدوا ~~مهاجاة الشعراء من أسباب هلاك الممالك السالفة، والأمم الماضية.» # 4 # فارعوى بهرام ولم يقل شعرا بعد ولا سمعه، ونهى عنه ~~أولاده وأقاربه. ومن أجل هذا وضع باربد الجهرمي - وهو أستاذ ~~العوادين - في النثر لحونه وأغانيه في مجلس برويز؛ وهي ~~التي تسمى «خسروانية» مع أنها كلها في مدح خسرو، ولم ~~يستعمل قط فيها منظوما. # ويقول بعض الناس إن أول شعر فارسي قاله أبو حفص حكيم بن ~~الأحوص السغدي، وهو من سغد سمرقند، وكان له في صناعة ~~الموسيقى مهارة تامة. وقد ذكره ms0309 أبو نصر الفارابي في كتابه، ~~وصور الآلة التي تسمى شهرود التي لم يستطع أحد أن ~~يستعملها بعد أبي حفص، وقال إنه كان حيا سنة ثلاثمائة من ~~الهجرة. # والشعر الذي ينسب إليه هو: # أهوى كوهي در دشت جكونه دو ذا؟ يارندارد بي يارجكونه ~~رودا # كيف يسير الظبي الجبلي في الصحراء؟ لا أنيس له، فكيف يسير ~~بغير أنيس» ا.ه. # ذلكم ما يقوله محمد عوفي، وهو أقدم من كتب في تاريخ ~~الأدب الفارسي، وما يقوله شمس الدين الرازي، وهو معاصر له، ~~وهو القول المردد في كتب الفرس. # ومهما يكن فالتاريخ يعي اخبارا وآثارا لشعراء نظموا باللغة ~~الفارسية في القرن الثالث الهجري، على قلة المأثور من ~~أخبارهم وأشعارهم. وقد ذكر محمد عوفي واحدا فقط من الشعراء ~~أيام آل طاهر هو حنظلة البادغبسي، واثنين من الشعراء في عهد ~~آل الليث، هما فيروز المشرقي وأبو سليك الجرجاني. وإمارة بني ~~طاهر في خراسان استمرت من سنة 205ه إلى سنة 259ه. وبنو الليث ~~أو الصفاريون كانت لهم دولة بين سنة 254ه و296ه. # والناظر في تاريخ الأدب الفارسي يراه ينشأ ويترعرع في ~~خراسان والأطراف النائية من إيران، في رعاية الإمارات ~~الفارسية، ثم يمتد على مر الزمان إلى الأصقاع الأخرى، ~~ويعم حتى يصير أدب الأقاليم الإيرانية ترعاه الدول الفارسية ~~وغير الفارسية؛ بل نرى الفردوسي يقدم الشاهنامة للسلطان ~~محمود الغزنوي التركي، والشاهنامة في صميم فصولها الحماسية ~~تصف حروب إيران وتوران، وتتعصب للفرس، وتذم الطورانيين ~~وهم الترك. # فإذا نظرنا إلى الدول التي سيطرت على إيران منذ القرن ~~الثالث وهو العصر الذي نشأ فيه الأدب الفارسي الحديث وجدنا ~~مصداق هذا: # فلم يكن بنو طاهر ذوي عناية بالأدب الفارسي، ولا كان لهم من ~~السلطان وطول المدة ما يجعل لهم أثرا في هذا الأدب، ولا ~~عرفنا أن أحدهم مدح بشعر فارسي. # ويقول عوفي: «كان آل طاهر ذوي كرم ظاهر، وجود وافر، وكان فيض ~~فضلهم وإنعامهم عاما، ولكن لم يكن لهم اعتقاد في اللغة ~~الفارسية واللغة الدرية.» # وقد روي أن عبد الله بن طاهر أتي بقصة ms0310 فارسية قديمة فأمر ~~بإحراقها. # والصفاريون تتصل أخبارهم بتاريخ الأدب الفارسي قليلا، ~~ويقال إن أول شطر من الشعر الفارسي ترنم به طفل ليعقوب بن ~~الليث (254-265ه). وقد مدح يعقوب بشعر فارسي، ولكن أثر ~~الصفاريين في أدب الفرس ليس بينا. # وأما الساسانيون الذين ينتسبون إلى الملك الساساني بهرام جور ~~(261-389ه) فكان لهم من سلطانهم وطول عهدهم، وقيام دولتهم في ~~الأصقاع النائية عن مركز الحضارة الإسلامية والأدب العربي، ~~وانتسابهم إلى الفرس القدماء ما جعلهم من حماة الأدب الفارسي ~~الناشئ، وسجل مآثرهم في تاريخه. # فقد رعوا الأدب الفارسي وسمعوا المدائح الفارسية، ونظم بعض ~~أمرائهم الشعر الفارسي، ونبغ في أيامهم زهاء ثلاثين شاعرا. ~~وألف لهم العلماء في الفارسية، وترجموا إليها من العربية. ~~ألف كتاب أبي منصور الهروي في الطب، # 5 # وألف كتاب في التفسير، وترجم تاريخ الطبري ~~وتفسيره؛ فهذه كتب أربعة هي أقدم ما وعي تاريخ الأدب الفارسي ~~الحديث من نثر؛ وبذلك صارت الفارسية لغة علم وأدب، وشرعت ~~تشارك العربية بعض المشاركة فيما استقلت به العربية منذ ~~الفتح الإسلامي. # أما بنو بويه (320-447ه) فقد قامت دولتهم على مقربة من ~~العراق العربي ثم سيطرت عليه، فكان أدبها عربيا خالصا؛ نظم ~~كثير من أمرائهم شعرا عربيا، ومدحهم شعراء العربية. ~~وحسبنا قصائد المتنبي في عضد الدولة. وكان وزراؤهم من حماة ~~الأدب العربي وقادته. كابن العميد والصاحب ابن عباد. ولم ~~نعرف أن أحدا من ملوك بني بويه ووزرائهم مدح بشعر فارسي ~~إلا الصاحب؛ مدحه شاعران من شعراء الفارسية، هما الخسروي ~~والمنطقي. فإذا قسناهما بمن مدح الصاحب من شعراء العربية ~~تبينت الفروق بين الأدبين في تلك البقاع. # وكان ملوك الدولة الزيادية في طبرستان (316-470ه) ينتسبون ~~إلى ملوك الفرس القدماء إلى الملك قباذ (488-531م) وقد ~~احتجزوا قليلا عن مجرى الحوادث والحضارة، بمكانهم في هذا ~~الإقليم الساحلي الذي تقطعه من إيران تلك الجبال الشاهقة، جبال ~~البرز وما يتصل بها. وقد تسموا أسماء فارسية مثل قابوس ~~ومنوجهر وكيكاوس، وعنوا بالأدب الفارسي، وقصدهم بعض شعراء ~~الفرس. مدح قابوس بن وشمكير الشاعران؛ الخسروي والقمري ~~الجرجاني، ms0311 ومدح ابنه منوجهر الشاعر الذي سمى نفسه ~~منوجهري انتسابا إلى هذا الأمير. وقد ألف كيكاوس حفيد ~~قابوس كتابا فارسيا في الأخلاق سماه قابوس نامه. # ولكن شيخ هذه الدولة قابوس كان كاتبا في العربية، ولا تزال ~~رسائله المسماة كمال البلاغة في أيدينا. # وأما الدولة الغزنوية (351-579ه) فقد امتد سلطانها على ~~شرقي إيران وقسم من خراسان. وكان قيامها بعد أن ازدهر الشعر ~~الفارسي فقصد ملوكها - وهم ترك لا يتعصبون للفارسية - كثير ~~من شعراء الفرس، وألفت لهم كتب كثيرة بالفارسية. وأثر عن ~~السلطان محمود وابنه محمد شعر فارسي. وكانت غزنة في عهد محمود ~~وبنيه حافلة بكبار الشعراء من الفرس، أمثال العنصري والأسدي ~~والعسجدي والفرخي. # وحسبنا أن الشاهنامة - وهي الحماسة الفارسية الكبرى - ~~تم نظمها في عهد محمود وقدمت إليه. # 6 # وسنفصل الكلام عنها في فصل القصص الآتي: # وألفت لمحمود كتب بالفارسية؛ كتب اليميني أحد شعرائه ~~تاريخه بهذه اللغة، وكتب البيرواني كتاب التفهيم في النجوم ~~بالفارسية وبالعربية ... # وقد عد صاحب لباب الألباب ثمانية وعشرين من الشعراء الذين ~~نبغوا في عهد الغزنويين أيام سيطرتهم على خراسان وما وراء ~~النهر. # وفي عصر السلاجقة - هؤلاء الترك الذين سيطروا على آسيا ~~الغربية بين الهند والبحر الأبيض مدة طويلة على اختلاف ~~الأحوال - نبغ شعراء كثيرون عد منهم عوفي في لباب الألباب ~~أكثر من مائة شاعر، فيهم كثير من أكابر شعراء الفرس، مثل ~~الأنواري والخاقاني والخيام ونظامي. ~~(6-1) أول شاعر فارسي عظيم # اتفق مؤرخو ~~الأدب الفارسي على أن أول شاعر كبير، سجل شعره في ~~ديوان، هو أبو جعفر الرودكي؛ لم يكن أول من نظم الفارسية، ~~فقد سبقه جماعة إلى النظم. وقد جعله صاحب اللباب السابع ~~في ترتيب الشعراء، ولكنه كان أول من أفاض في الشعر فأثر ~~له ديوان. # وكان لتقدمه ومكانته أن أثنى عليه الشعراء من بعد، ~~وجعلوه مضرب المثل في الشعر والحظوة عند الملوك ونيل ~~صلاتهم. وقد أثر الثناء عليه والإعجاب به عن شعراء ~~عظام، مثل الدقيق والعنصري. وقد سماه معروفي البلخي ~~سلطان الشعراء. # ولد في قرية من قرى سمرقند، ms0312 اسمها رودك، وحفظ القرآن ~~وهو ابن ثماني سنين، وتعلم القراءات، ثم قرض الشعر ونبغ ~~فيه وفي الموسيقى، وكان حسن الصوت جدا. وحظي برعاية ~~ملوك بني سامان، ولا سيما نصر بن أحمد الساماني (301-331ه) ~~ومدحهم كثيرا، وقال بعض الشعراء: # لولا شهود الجود أنكر سامع # ما قاله حسان في غسان # وترى ثناء الرودكي مخلدا # من كل ما جمعت بنو سامان # ونال من الثروة منالا، حتى قيل إنه كان يركب في مائة ~~عبد، ويحمل ثقله على مائة جمل. وقد قال الشاعر ~~العنصري: # جهل هزاردرم رودكي زمهتر خويش # عطا كرفت زنظر آوري بكشور خويش ~~«نال الرودكي بالشعر وهو في موطنه أربعين ألف درهم من ~~ممدوحه.» # وقد بالغت الروايات في تقدير شعره، فقيل إنه دون في ~~مائة دفتر، وقال الرشيدي الشاعر. إنه عد أشعاره فإذا هي ~~ألف ألف وثلاثمائة ألف. # 7 # ومن القصص الشائعة التي لم يغفلها كتاب من كتب ~~التراجم التي ذكرت الرودكي، قصته مع الأمير نصر بن أحمد. ~~وخلاصة ما رواه العروضي صاحب كتاب جهار مقاله: # أن الأمير نصر بن أحمد الساماني كان يشتو بسمرقند ~~ويصيف ببخارى. ولكنه توجه سنة إبان الربيع إلى باذغيس ~~من نواحي هراة، فأعجبته مياهها ومراعيها، ثم رحل منها ~~إلى هراة فرأى من طيب هوائها وكثرة فاكهتها وأزهارها ما ~~حبب إليه المقام، ومازال يرجئ الرحيل من فصل إلى فصل ~~حتى أمضى أربع سنين. # واشتاق الجند إلى أوطانهم، ولم يستطع أحد من الخبراء أن ~~يكلم الأمير في الرحيل لما رأوا من إعجابه بهراة ~~وإطنابه في وصفها؛ فذهب رؤساء الجند إلى أبي عبد الله ~~الرودكي، ولم يكن بين ندماء الأمير الأعظم منه مقاما، ~~وأنفذ منه عند الأمير قولا، ووعدوه أربعة آلاف دينار إذا ~~صنع لحنا يحرك الأمير من هذه الأرض إلى بخارى ليروا ~~أولادهم وبلادهم، فقبل الرودكي وكان قد عرف مزاج الأمير، ~~فنظم قصيدة ودخل على الأمير حين الصبوح، وأخذ مكانه من ~~المجلس. # فلما بدأ المطربون أخذ هو الرباب وشرع ينشد هذه ~~القصيدة في نغمة العشاق: # بوي جوي موليان آيد همي ms0313 # بوي يار مهربان آيد همي # ثم يقترب وينشد: # ريك آموي ودرشتي رآه أو # زير بايم برنيان آيد همي # آب جيحون أز نشاط روي دوست # خنك ماراتا ميان آيد همي # أي بخارا شاد باش ودير زي # ميرزي تو شادمان آيد همي # مير ماهست وبخارا آسمان # ماه سوى آسمان آيد همي # مير سرو است وبخارا بوستان # سرو سوى بوستان آيد همي # 8 # فلما بلغ الرودكي هذا البيت بلغ من تأثر الأمير أن ~~نزل من التخت وركب فرس النوبة غير منتعل، وتوجه ~~إلى بخارا فحمل الخدم النعل واتبعوه فرسخين حتى ~~لبسها، ولم يلو على شيء حتى بلغ بخارا. # فضاعف الجند للرودكي خمسة الآلاف التي وعدوه ~~بها. # وقد أثبت هذه الأبيات في أصلها ليرى القارئ - وإن لم ~~يعرف الفارسية - نموذجا من الوزن والقافية في شعر ~~الرودكي طليعة الشعراء العظام. والقصيدة من الرمل، وهو ~~وزن عربي أولع به الفرس، والقافية مردوفة؛ والردف أن ~~تكرر كلمة أو أكثر في آخر الأبيات، ثم تقفى القصيدة ~~وتبنى على روي قبل اللفظ المكرر وهي صنعة محببة ~~إلى شعراء الفرس جدا، وليست مألوفة في الشعر العربي. وهي ~~مسألة جديرة بالاهتمام في تاريخ نشوء الأدب ~~الفارسي. # وليس يعنينا هنا تمحيص أخبار الرودكي ونقد الروايات التي ~~تضمنت أخباره وشعره، فحسبنا أن نقول إن الأخبار ~~متفقة على أنه طليعة الشعراء الكبار في الفارسية ~~الحديثة، ومن أجل هذا ينبغي أن نقف عنده وقفة لنعرف ~~ضروب شعره وأنواع قوافيه وأوزانه، ونقيسها بشعر ~~اللاحقين والمعاصرين، فنتبين خصائص الشعر الفارسي منذ ~~نشأته ونعرف كيف تطور من بعد. # شعر الرودكي الذي عد بمئات الألوف لم يبق منه إلا ~~قطع متفرقة في كتب اللغة والأدب . وقد جمع الدكتور إيتي ~~منه 52 قطعة فيها 242 بيتا. ومن هذه البقية الضئيلة ~~نستطيع أن نتبين بعض موضوعات شعره وضروب قوافيه وأوزانه، ~~وهي لا تختلف عن معاصريه ومن جاء بعده. # ويمكن أن يستخلص من أخبار الرودكي وشعره النتائج ~~الآتية: ~~(1) # الإكثار من النظم والإسهاب. وهي سنة ~~شعراء الفرس كلهم. ~~(2) # نظم الرباعيات، والوزن والتقفية فيها ms0314 ~~يشبهان أن يكونا فارسيين وإن خرجهما علماء ~~العروض من بحر الهزج. ولعله ضرب من النظم ~~عرفه الفرس قبل هذا العصر، ولم يؤثر إلا ~~حينما نبغ شعراء الفارسية فأثر ~~شعرهم. ~~(3) # النظم على الأوزان والقوافي العربية مع ~~التوسع في الزحافات والعلل وإدخال الرديف في ~~القافية؛ وهذا يدل على صنعة قديمة في ~~القافية قبل الرودكي, ولكن لا يبعد أن تكون ~~من اختراعه. ~~(4) # الاهتمام بالقصص، فقد نظم الردوكي كتاب ~~كليلة ودمنة في القافية المزدوجة التي ~~يسميها الفرس المثنوي. وقد سبق إلى نظم ~~هذا الكتاب في اللغة العربية، ولكن نظم ~~الردوكي يعد إيذانا بما في طباع الفرس ~~وما دل عليه تاريخ أدبهم من الولوع بالقصص ~~والإطالة فيه. ~~(5) # استمداد التاريخ الفارسي والتاريخ العربي في ~~الموضوع والتصوير. # وهذه سنن سار عليها شعراء الفرس منذ عصر الرودكي إلى ~~هذا العصر. ويرى مؤرخو الأدب الفارسي أن التطور في ~~ألفاظه وأساليبه وموضوعاته قليل، فشعر الرودكي ينشد ~~اليوم فلا يمتاز في لفظه ووزنه وقافيته وموضوعه كثيرا ~~عما نظم في العصور التالية إلى يومنا هذا. # ففي شعر الرودكي أكثر خصائص الأدب الفارسي ~~الحديث. ~~(7) الشعر الفارسي موضوعاته وخصائصه # 1 # كنت أسير في استانبول مع أديب تركي عالم نتحدث في ~~الأدب، فسألني ماذا ترى في الشعر العربي والفارسي؛ أيهما ~~أبلغ وأجمل؟ قلت: أرى أن الشعر العربي أبلغ وأجمل في ~~حقائق الحياة وعددها: من الأخلاق والسجايا والمكارم ~~والمآثر؛ فالحرب والسلم، والغنى والفقر، وغير الدهر ~~وحادثات الأيام، والشجاعة والإقدام، والصبر، والكبرياء ~~والإباء، والسخاء، والوفاء، والإيثار، وحماية الجار ~~والضعيف، والنفور من الهوان، والثورة على الضيم؛ كل هذه ~~الأخلاق أشيع في الأدب العربي وأجمل، قد فاض بها الشعر ~~العربي منذ عصور الجاهلية وعني بها في كل ~~عصوره . # ثم قلت: وأرى الشعر الفارسي أبلغ وأجمل في الدقائق ~~النفسية، والعواطف الخفية؛ ومن أجل هذا نبغ شعراء الفرس ~~في الشعر الصوفي. وكذلك يفوق الشعر الفارسي في ~~القصص. # كان هذا الجواب عفو البديهة، ولكن لم ينقصه التفكير من ~~بعد. وقد اطلعت في كتاب أردي اسمه «شعر الهند» ~~ألفه الأستاذ عبد السلام الندوي ms0315 على هذه الفقرات: # الشعر الأردي ظل الشعر الفارسي في أكثر موضوعاته، ~~ففيه من العيوب ما يرى في الشعر الفارسي إذا قيس بالشعر ~~العربي: ~~(1) # يفيض الشعر العربي بموضوعات البطولة، ~~والشجاعة، والإقدام، والمخاطرة، والعزة، ~~والغيرة، والحزم، والحرية، والسخاء والإيثار، ~~وقرى الضيف، وما إلى ذلك؛ وهي موضوعات قليلة ~~في الشعر الفارسي والشعر الأردي. ~~(2) # يصور الشعر العربي - تصويرا بينا - ~~أحوال الحضارة والاجتماع، وأحوال الأسرة، ~~وأساليب المعيشة والأزياء، وهذه أمور لا تظهر ~~في الشعرين الفارسي والأردي. ~~(3) # أغرم العرب بالمرأة، وأبانوا في التغزل ~~بها عن العواطف الإنسانية السامية، والشاعر في ~~الفارسية والأردية يتخيل معشوقا يتحدث ~~عنه في جوانب كثيرة غير مستحسنة. فينحط ~~العاشق والمعشوق من الوجهة الأخلاقية. # وكذلك نرى في الشعر الأردي مزايا الشعر الفارسي التي ~~يبذ بها الشعر العربي: ~~(1) # المثنويات كثيرة في الشعر الفارسي والأردي، ~~ولا توجد في العربية (يقصد المنظومات ~~المطولة في القافية المزدوجة وأكثرها ~~قصص). ~~(2) # مناظر الربيع والأمطار التي صورها شعراء ~~الفارسية والأردية تصويرا دقيقا لا يستطيع ~~شعراء العرب تصويرها، لأنهم لم يروها. # 9 ~~(3) # الفرس يفوقون العرب في خيالات الحب ~~والغرام. وقد أبدع الشعر الأردي في بيان ~~لطائف العشق ودقائقه محاكاة للشعر ~~الفارسي. ~~(4) # الفلسفة والتصوف في الشعر الفارسي ~~والأردي لا نظير لهما في الشعر العربي. # 10 # والخلاصة أني وجدت في هذه الفقرات تصديق ما قلته وإن ~~اختلف رأيي ورأي المؤلف الهندي في التفصيل. # 2 # الآداب الواسعة الكاملة تتناول كل عواطف الأمة وآمالها ~~وآلامها، وكل المشاعر والحوادث والمرائي؛ فلا تجد أدبا ~~كاملا من آداب الأمم يخلو من موضوع تناوله أدب آخر، ولكن ~~يختلف ميل الأمم إلى الموضوعات، وتصوير الآداب إياها؛ ~~بعض الموضوعات تولع به أمة وتفيض فيه، وتفنن في ~~تصويره حتى يكون ديدن أدبائها، وصورة واضحة في أدبها، ~~ومزية من مزاياها، بينما تتناوله الأمم الأخرى فلا تجيد ~~تصويره، أو تقل معالجتها إياه، أو يأتي في أدبها ~~عرضا أو إشارة. # وبالموضوعات الغالبة على الأدب، والصور المتلألئة فيه ~~التي تكشف الصور الأخرى، تتميز الآداب وتعرف. حسب ~~الكاتب في هذا الفصل المجمل أن نبين الموضوعات التي ~~تغلب ms0316 في الأدب الفارسي حتى تعد من معالمه، وتسمو حتى ~~تحسب من مفاخره؛ وإنما يجيء الحديث عن الموضوعات الأخرى ~~توفية للبحث وتكميلا للموضوع. ~~(7-1) القصص في الشعر الفارسي # رأينا في شعر الرودكي - أول شعراء الفرس العظام - كثيرا ~~من موضوعات الشعر الفارسي الحديث وخصائصه، وقلنا إن ~~نظمه كتاب كليلة ودمنة كان إيذانا بما عرف في الأدب ~~الفارسي بعد من الكلف بالقصة والإطالة فيها. ونقول هنا ~~إن ميل الشعراء إلى القصص لم يلبث أن استبان في شعر ~~أبي المؤيد البلخي، الذي نظم قصة يوسف وزليخا، وهو من ~~شعراء الدولة السامانية. وقد ذكره الفردوسي في مقدمة ~~منظومته «يوسف وزليخا». # ثم جاء أبو منصور الدقيقي من شعراء القرن الرابع، ومن ~~الذين مدحوا الصاغانيين ثم السامانيين، وتوفي حوالي سنة ~~370ه. وهو أول من شرع ينظم أساطير الفرس القدماء ~~وتاريخهم؛ أمره بهذا الأمير نوح بن منصور الساماني ~~(365-387ه) فاختار بحر المتقارب ونظم ألف بيت في سيرة ~~الملك كشتاسب وانتصاره لزرادشت واهتمامه بنشر دينه. ثم ~~فتل وهو شاب، فبقي هذا العمل المرهق ينتظر شاعرا ~~مفلقا صبورا يضطلع به، حتى جاء أبو القاسم الفردوسي ~~الشاعر المطبوع الصبور، فعكف على نظم الكتاب زهاء ~~ثلاثين سنة حتى فرغ منه. وهو يقول في مقدمة الكتاب: ~~«فلما قرئت هذه القصص على الناس أعارتها الدنيا ~~سمعها وقلبها، وأولع بها العقلاء والحكماء حتى ظهر فتى ~~فصيح اللسان، حسن البيان، ذكي الفؤاد، فقال سأنظم هذا ~~الكتاب، ففرح الناس به أي فرح ... ثم انقلب به جده ~~فقتله أحد عبيده؛ نظم ألف بيت عن كشتاسب وأرجاسب. ثم ~~انتهى عمره فذهب والكتاب لم ينظم ... إلخ.» # ثم يقول الفردوسي في مقدمة فصل كشتاسب إنه رأي ~~الدقيقي في المنام فسأله ألا يبخل عليه بإثبات ألف البيت ~~التي نظمها في كتابه فأثبتها. وقد نقدها الفردوسي وقاسها ~~بشعره، وبين قصور نظم الدقيقي عن نظمه. ~~(أ) الشاهنامة # في هذه المنظومة الهائلة زهاء خمسة وخمسين ألف بيت ~~من البحر المتقارب والقافية المزدوجة (المثنوي)، وهذا ~~الوزن يلائم الحماسة، ويفخم الإنشاد. # ولهذا الكتاب عند الفرس مكانة عظيمة؛ ms0317 هو سجل ~~تاريخهم وأساطيرهم، وأناشيد مجدهم، وديوان لغتهم، ~~وموضع سرهم ولهوهم، ينشدونه في المحافل، ويعنى ~~به العالم والجاهل. يقول شيكس: «وقد استمعت إلى ~~أبيات منها ينشدها بدوي غاضب لا يقرأ ولا يكتب، ~~فعرفت كيف يبذل الفارسي روحه في مثل هذا ~~الموقف.» # ويقول نلدكه ما خلاصته: # 11 ~~«إن الفردوسي شاعر مطبوع يستولي على فكر القارئ، ~~ويحيي القصة التافهة بإنطاق الممثلين، بل كثيرا ما ~~تختفي الأفعال في جلال الأقوال. وهو يفصل الحادث ~~المجمل تفصيلا حسنا، ويخلق حادثات صغيرة أحيانا ~~ليكمل الوصف، وهو بصير بإحياء الأبطال وأحيانا ~~يخلقهم على غير ما صورتهم الأساطير. وما أقدره ~~على بيان ما وراء أفعال الأبطال من أسباب وأفكار. ~~ووصفه النفساني رائع، ونغمة البطولة مسموعة في الكتاب ~~كله. وعظمة الماضي وأبهته، وفرحه وترحه، وجهاده ~~وجلاده مصورة في أسلوب عجيب، حتى ليسمع القارئ ~~صليل السيوف، وضوضاء المحافل. هو لا يبلغ في التفصيل ~~مبلغ هوميروس، ولا يستطيع أن يجمل واقعة في كلمات ~~قليلة مثله، ولكنه مع هذا، يمشي قدما إلى غايته حين ~~يصف الوقائع، وإن يكن في الخطب والرسائل ثرثارا ~~ككل فارسي. # مشاهد الحرب تلقى القارئ في كل فصل، ولكن هناك ~~ميادين للحب. والعواطف اللطيفة أيضا، هناك قصص ~~غرامية رائعة كقصة زال وروذابه وقصة بيزن وفينزه. وهي ~~أجمل فصول الكتاب. # والشاعر في هذا - بل في الكتاب كله - يملك القارئ ~~بسهولة الوصف. وعاطفة الأمومة والأبوة والقرابة ~~بينة في الكتاب كله، ولكن يصحبها الظمأ إلى الدماء ~~ثأرا للأقارب؛ فقصة الانتقام لسياوخش - مثلا - تشغل ~~صفحات كثيرة جدا. وهذا الظمأ إلى الدم يتجلى حتى ~~نجد الرجل الوقور جوذرز يشرب دم بيران أطيب أعدائه ~~نفسا.» # هذا الوصف المعجب الذي يصفه «نلدكه» لا ينقض ما ~~يرى في الشاهنامة من عيوب، كتكرار صور قليلة من ~~التشبيهات في مواضع كثيرة، وكالإطالة المملة، في ~~وصف تعبئة الجيوش وقتالها، وتكرار هذا في وقائع ~~متعاقبة، كما يصف المبارزة بين عشرة من قواد ~~الإيرانيين وعشرة من قواد التوارنيين، ويسمي كل ~~قرنين ويصف مبارزتهما ولاء. # 12 # وأنقل هنا الواقعة التي أشار إليها نلدكه ms0318 في آخر ~~الفقرة التي ترجمتها عنه، لتكون نموذجا من قصص ~~الشاهنامة على اختلاف ما بين النظم والنثر، والتفصيل والإجمال! # 13 # مبارزة جوذرز وبيران وقتل جوذرز له. ~~«فزحف البهلوانان أحدهما إلى صاحبه، وتقاتلا ~~زمانا طويلا، تارة بالسيوف، وأخرى بالرماح، ومرة ~~بالخناجر، وأخرى بالعمد، حتى كل كل منهما ومل. ~~فتراميا فأصاب جوذرز فرس بيران بنشابة خرقت ~~التجفاف، ومرقت فيه، فانقلب على بيران فانكسرت ~~يمنى يديه؛ فتقلب في التراب، ثم وثب وعدا هاربا ~~نحو جبل هناك، فارتقى فيه وهو يرجو ألا يتبعه ~~جوذرز. فنظر إليه جوذرز فأذرى دمعه واستشعر الخشية ~~من تصاريف الأيام، علما منه بأن الدنيا غدارة، ~~دأبها الجفاء، وعادتها الغدر وقلة الوفاء. # فصاح به وقال: # أيها البهلوان المذكور! مالك تفر بين يدي ~~راجلا؟ أما زعمت أنك لا ترى لنفسك مساجلا؟ أين ذلك ~~الفيلق الجرار؟ ما بالك لا يعنيك منهم أحد؟ أين ~~عدتك وشوكتك، وأين بطشك وقوتك؟ لقد أدبرت ~~السعادة عنك، وانكسفت شمس أفراسياب بما حدث بك. وإذا ~~بلغ بك الحال إلى هذا فينبغي لك أن تسأل الأمان حتى ~~أحملك حيا إلى الملك كيخسرو، فإنك شيخ مثلي أشيب ~~الرأس، وقد رق قلبي عليك ولست أريد قتلك. # بيران: «حاشاي من هذا، ومن أن أذل لأحد من ~~الأنام. إني لم أولد إلا للحمام، فلا أحب أن ~~أموت إلا ميتة الكرام. # فترجل جوذرز، ورفع الترس فوق رأسه، وصعد إليه. ~~فرماه بيران بمزراق كان معه فأصاب عضد جوذرز، ومرق ~~منه. فاستشاط جوذرز عند ذلك ورماه بمزراق في ظهره ~~فنفذ من كبده، ففار الدم إلى فمه، ووقع إلى الأرض ~~يتغرغر بحشائشه حتى قضى نحبه. فصعد إليه جوذرز، ~~وغرف من دمه غرفة وتشربها تشفيا لسياوخش ~~وأولاده (أولاد جوذرز) السبعين. وهم بأن يحتز رأسه ~~فأدركته رقة منعته من ذلك، فتركه وغرز علمه ~~عند رأسه ليحمي وجهه من حر الشمس. وركب وعاد إلى ~~عسكره والدم يفيض من عضده فيضا.» # فانظر إلى التفصيل فيما وقع بين المتبارزين، وهي ~~مبارزة القائدين بعد مبارزة عشرين من الأبطال. ثم ~~انظر ما أنطق به الفردوسي ms0319 جوذرز حين رأى قرنه قد ~~أصيب فرسه وانكسرت يمناه، فقد جعله يعتبر ويذكر ~~غير الدهر وتقلبه. وهذا ديدن الفردوسي في كل ~~الوقائع. ثم تراه لم يحاول تحقير عدو الإيرانيين ~~بيران فيجعله يؤثر الموت على الأسر، وجعل جوذرز ~~يغلبه برمية سهم أصابت فرسه بعد أن أعجزه أن ~~يغلبه بالسيف والرمح والخنجر والعمود. ثم جعله يشرب ~~من دمه انتقاما، ثم يرق له فلا يقطع رأسه، ويحمي ~~رأسه من الشمس بعلمه. # هذا مثال منثور مجمل من قصص هذا الكتاب. وفيما يلي ~~مثال ترجمته نظما، وهو يصف ما فعلته أم سهراب ~~حينما جاء الخبر بأن ابنها قتل بيد أبيه ~~رستم: # وتواران دوت بهذا الخبر # بمصرع سهرابها المنتظر # لملك سمنجان # 14 # جاءوا سراعا # فقد عليه الثياب التياعا # وأخبرت الأم أن البطل # بسيف أبيه أتاه الأجل # فمزقت الدرع أظفارها # وشقت من الحزن أستارها # تئن وتجأر جهد الحزين # وينتابها الموت في كل حين # تلف أصابعها بالشعر # فتجتز من أصلهن الطرر # وتذري على الخد دمع الدم # وتكبو وتنهض في المأتم # تعض على الكف في يأسها # وتذرو التراب على رأسها # تقول: بني وروحي! ترى # بأية أرض طواك الثري؟ # منحت الطريق ضياء البصر # عن ابني ورستم أبغي الخبر # حسبتك جاوزت سهلا وصعبا # وطوفت في الأرض شرقا ~~وغربا # وجئت أباك وحم اللقى # فأقبلت نحوي تحث الخطى # وما خلت أن الأب ~~المسعرا # يحطم في صدرك الخنجرا # ألم يرحم القامة الهائلة # ووجهك والوفرة السائلة # وذاك الشطاط - أما يرحم - # يمزقه بالظبى رستم! # إلى أن يقول: # وجاءت إلى تاجه تلتدم # دم القلب في دمعها ينسجم # وجاءت إلى طرفه الطائر # إلى زينة الزمن الناضر # فلزت إلى رأسه صدرها # يرى الناس في عجب أمرها # تقبل جبهته جهدها # وتدني لحافره خدها # وجاءت لحلته في كمد # تعانقها كابنها ~~المفتقد # وجاءت إلى السيف والمقمعة # 15 # خليفيه في حومة المعمعة # وجاءت إلى درعه والشليل # إلى القوس والسمهري ~~الطويل # وبالترس جاءت ولحم ~~الذهب # تصك بها رأسها المستلب # ووهق ثمانين في الأذرع # تغل بها جيدها لا تعي # وبالخود جاءت وبالخوشن # تهيب بليث الوغى ms0320 المطعن # وثارت تجرد من سيفه # تجز السبيبة من طرفه ~~... إلخ. # وتتبين قدرة الشاعر وجلده في القصص الطويلة ~~كقصة سهراب ورستم، وهي ستمائة وثمانون بيتا، وقصة ~~رستم واسفنديار وهي تسعون وستمائة وألف بيت. # كما تتبين مهارة الشاعر وحسن احتياله في المواقف ~~الحرجة، فهو يحتال لتقاتل رستم وابنه سهراب الذي خرج ~~من بلد أمه ليلقى أباه. وهو يحمل على عضده خرزة ~~أعطاها رستم أمه لتعلقها على عضده فيعرفه بها، ~~ثم يلتقي الابن والأب في معارك عدة، وتتعاقب الحوادث ~~ولا يعرف الأب ابنه إلا بعد أن يصرعه ويضربه ~~بخنجره ضربة قاتلة. والشاعر في هذا كله يحتال ~~ويتلطف ليجعل القصة ممكنة عقلا. # وأحرج من هذا موقف الشاعر في حرب رستم واسفنديار. ~~رستم بطل إيران الذي كفل لها النصر على أعدائها، ~~وأنقذها من كل كارثة أكثر من ثلاثمائة سنة. واسفنديار ~~ابن الملك كشتاسب البطل الناشئ، بل دين زرادشت الذي ~~أشبه رستم في وقائع كثير. وتنتهي الحوادث بالتقاء ~~البطلين في الحرب، ولا تريد القصة أن تجحد تاريخ ~~البطل القديم المتوج بمآثر العصور المتطاولة، ولا ~~أن تغض من بطولة اسفنديار ابن الملك، وبطل الدين ~~الجديد. وهذه خلاصة مجملة جدا: # كشتاسب وعد ابنه اسفنديار أن يفوض إليه الملك ~~إذا انتصر في بعض الحروب، ففعل واستنجز أباه الوعد. ~~ويريد كشتاسب أن يحرضه على حرب رستم البطل القديم ~~لأنه اغتر بنفسه وأقام في وطنه، ولم يبال بالملك ~~كشتاسب. ويعظم اسفنديار رستم ويثني عليه، فيأبى ~~أبوه إلا أن يسيره إليه؛ فيخرج البطل كارها حرب ~~البطل؛ فهذا أول تحيل في القصة. # وسار اسفنديار إلى زابلستان مواطن رستم، وأرسل ابنه ~~بهمن يدعو رستم إلى طاعة الملك، ويخبره أن الملك ~~أقسم في غضبه أن يأتيه رستم مقيدا. # فيجيب رستم ذاكرا مآثره وماضيه في خدمة الملوك، ~~ويدعو اسفنديار إلى ضيافته وعدا بأن يسير معه إلى ~~الملك. # ويتلاقى البطلان على الود والتصافي، فيستضيف رستم ~~اسفنديار، فيعتذر بأن الملك لم يأذن له في المقام، ~~ويدعوه إلى أن يبر يمين الملك. # وانتهى الأمر إلى أن احترب البطلان، وكانت ms0321 سهام ~~اسفنديار الملكية تنال رستم، ولا تصل سهام رستم إلى ~~اسفنديار، جرح رستم ورخشه (فرسه). # فاستعان زال أبو رستم بالعنقاء - وهي التي ربت ~~زالا رضيعا - فأبرأت رستم والرخش من الجراح، ~~وأعطته غصنا من الطوفاء يتخذه سهما يرمي به ~~اسفنديار. # ثم يذهب رستم إلى اسفنديار ويتضرع إليه ليكف عن ~~حربه فيأبى، فيرميه بالسهم فيصيب حدقته. # ويتوجع رستم لما أصاب اسفنديار، ويعترف اسفنديار ~~أن الذي قتله هو أبوه الملك كشتاسب الذي ألجأه إلى ~~حرب رستم. ثم يوصي إلى رستم بولده بهمن ليربيه، ~~ويتعاهدان على هذا. # وهكذا تنتهي القصة، والقارئ لا يدري من الغالب ومن ~~المغلوب، وإذا البطلان بريئان من جناية هذا القتال، ~~كلاهما مكره عليه، وكلاهما لم يجد منه بدا. # 16 # وقد قتل رستم اسفنديار وهو يحبه كما ~~قتل بروتس قيصر. ~~(ب) الشاهنامة والملاحم الأخرى # الشاهنامة سجل ما وعته الروايات الفارسية من ~~تاريخ وأساطير منذ أقدم العصور إلى الفتح الإسلامي. ~~وقد جمعت ونظمت لتكون تاريخا للقوم. وهي ~~مرتبة ترتيب التاريخ، تتناول أربع دول، تتدرج ~~من الخرافات إلى التاريخ حتى تنتهي بالدولة الساسانية ~~والفتح الإسلامي، ويستمر القصص فيها 3872 سنة. # فهي ليست قصة واحدة كالإلياذة والأوذيسية ~~والمهايهارتا والراما يانا والإنيادة وغيرها، ولكنها ~~تحتوي على قصص حماسية أو غرامية، كل واحدة منها تشبه ~~هذه الملاحم ويمكن فصلها من الشاهنامة؛ مثل: حرب بني ~~أفريدون أو حرب كيكاوس والجن في مازندران، أو قصة ~~سهراب ورستم، من القصص الحماسية. ومثل: قصة زال ~~وروذابه، وبيزن ومنيزه من قصص الحب. # وكذلك يظهر القاص - وهو الشاعر - في أثناء الفصول، ~~واعظا أو شاكيا، لأنه يجد فرجا بين القصص يظهر ~~فيها، لا كالقصص الأخرى التي يختفي فيها القاص في ~~القصص كله. # وهذا مثل من تحدث الفردوسي عن نفسه أثناء ~~المنظومة: # شكوى الفردوسي من الدهر # أيا فلكا دائرا عاليا # غدوت على كبري زاريا # حدبت علي وعمري قشيب # وأنحيت بالذل حين ~~المشيب # ويذوي على الدهر كل نضير # وكالشوك يصبح مس الحرير # حنى الدهر سرو الرياض ~~السوي # وأطفأ ذاك السراج البهي # وقد كنت كالأم لي ms0322 مكرما # وها أنا ذا منك أبكي دما # وما إن وفيت ولم تحلم # فويلاه من صرفك المظلم # فليتك لم ترني ناشئا # وليتك لم تنقلب شانئا # إذا حم تركي هذا الظلام # أبث شكاتي لرب الأنام # سأشكو إلى الله هذا العذاب # برأسي مما جنيت التراب # رأى الدهر ضعفي حين الكبر # فأضعف لي إثمه واكفهر ~~••• # فرد الجواب إلي الفلك # كفى أيها الشيخ ما أجهلك # لماذا ترد إلي الأمور # أهذي الشكاة شكاة البصير؟ # ومن لي بأوج تبوأته # لك العقل بالعلم روأته # طعام ونوم وعيش رغد # وحكمك بين الهوى والرشد # ومالي يدان بهذا الخطر # ولا الشمس تدري بذا والقمر # فسل عن سبيلك رب السبيل # ورب الدجى والضحى ~~والأصيل # أجل واحد ظاهر لا ينام # ولا بدء في فعله أو ختام # وإني في الخلق بعض العبيد # أوجه وجهي حيث يريد # وما إن أطعت سوى حتمه # ولا أعرف الوجه عن حكمه # إلى الله سر وعليه اتكل # وسل راضيا خير من قد ~~سئل # فما غيره قد أدار الفلك # وأذكى مصابيحه في الحلك ~~(ج) القصص الحماسية بعد الشاهنامة # كلف الناس بالشاهنامة، وأنشدوها في محافلهم، ~~وعاشروا أبطالها وأعجبوا بهم؛ فاتجه كثير من ~~الشعراء إلى نظم القصص القديمة التي أغفلها الفردوسي ~~أو لم يعرفها، فنظموا قصصا معظمها يدور حول أبطال ~~الشاهنامة أو ذوي قرابتهم ولا سيما أسرة رستم التي ~~لها المكانة الأولى في بطولة الشاهنامة. # 17 ~~(د) القصص الغرامية # ونظم الفردوسي بعد الشاهنامة قصة يوسف وزليخا، وهي ~~قصة قرآنية أراد الشاعر أن يكفر بنظمها عن نظمه ~~أساطير القدماء في الشاهنامة؛ يعلن هو هذا في مقدمة ~~القصة. ويقول الفردوسي إنه قد سبقه إلى نظمها ~~شاعران: أبو المؤيد البلخي والبختياري. # كان نظم هذه القصة بدء سلسلة أخرى من القصص ~~الفارسية، هي قصص ليست حماسية، ولكنها غرامية أو ~~تاريخية أو فلسفية وأخلاقية، يخالطها نزعات من الزهد ~~والتصوف، وتغلب عليها هذه النزعات أحيانا فتدخلها ~~في التصوف الذي يأتي حديثه من بعد. # نظم الشاعر عمعق البخاري - من شعراء القرن الخامس - ~~قصة يوسف وزليخا أيضا. ثم نظمها عبد الرحمن ms0323 الجامي ~~الصوفي العظيم - من شعراء القرن التاسع - ونظمها ~~آخرون من بعد. # وقد نظم الشاعر العنصري (المتوفى سنة 431ه، وهو ~~معاصر للفردوسي، وأحد كبار الشعراء الذين عاشوا في ~~حماية السلطان محمود الغزنوي) قصة وامق وعذراء، وهي ~~قصة قديمة كتبها سهل بن هارون بالعربية. ويروى أنها ~~نظمت بالفارسية في عهد بني طاهر أي في القرن الثالث ~~الهجري. ثم نظمها من بعد فصيحي الجرجاني - من شعراء ~~القرن الخامس - وكثير من الشعراء المتأخرين في عهد ~~الصفويين والقاجاريين. # وقصة أخرى من قصص الغرام الفارسية القديمة نظمها ~~خير الدين الجرجاني - شاعر السلطان طغرلبك - في القرن ~~الخامس، وهي قصة ويسن ورامين. # ومن القصص التي أولع بها الشعراء فنظموها مرات، ~~قصة خسرو وشيرين (كسرى برويز وحظيته شيرين)، نظمها ~~الشاعر العظيم نظامي وتبعه شعراء. # ثم القصة العربية الخالصة، قصة ليلى والمجنون، ~~نظمها نظامي، ثم الأمير خسرو الدهلوي (المتوفى سنة ~~825ه) أحد شعراء الفارسية في الهند، ثم عبد الرحمن ~~الجامي، ثم مكتبي الشيرازي (المتوفى سنة 895ه) ~~ونامي من شعراء القرن الثاني عشر. # وقد انتهت الصنعة والإحكام والدقة في هذا الضرب من ~~القصص إلى نظامي الكنجوى (المتوفى في حدود سنة ~~600ه) وقد نظم منظومات خمسا، منها أربع قصصية، هي ~~خسرو وشيرين، وليلى والمجنون، وقصة بهرام، وقصة ~~إسكندر. وقد كلف بعض الشعراء من بعده بأن يكونوا ~~أصحاب «خمسة» أيضا. # ولا يتسع المجال هنا لترجمة نماذج من هذه القصص ~~فأكتفي بهذا الإجمال. ~~(7-2) شعراء الصوفية # التصوف ليس فلسفة محدودة المسائل، ولا مذهبا بين ~~المعالم، يجتمع الذاهبون فيه على رأي واحد في الفكر، ~~وخطة واحدة في الفعل، بل الصوفيون يكرهون الحدود، وينفرون ~~من القيود، وقد قالوا: إن الطرق إلى الله كعدد أنفس بني ~~آدم، يعنون أن لكل نفس طريقها إلى الله، ولكن مع هذا ~~قد اجتمعت من أقوال الصوفية وأفعالهم على مر الزمان آراء ~~وأفعال تعد من قواعد مذهبهم ويسمي الناس من يرى هذه ~~الآراء، أو يفعل هذه الأفعال «صوفيا». # وقد كثرت تعريفات التصوف والصوف، لأن المعرفين لم ~~يحاولوا الحد المنطقي الجامع، ولكن نظر ms0324 كل واحد إلى ~~وصف مستحسن فعرف التصوف به، أو غلب عليه حال من ~~أحوالهم فآثره على غيره. وقد جاء في رسالة القشيري تعريفات ~~منها: # قال الجنيد: التصوف هو أن يميتك الحق عنك ويحييك ~~به. # وقال عمرو بن عثمان الملكي: أن يكون العبد في كل وقت ~~بما هو أولى به في الوقت. # وقال رويم. استرسال النفس مع الله تعالى على ما ~~يريد. # وقال معروف الكرخي: الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي ~~الخلائق. # وقال الشبلي: الجلوس مع الله بلا هم. # ومن التعريفات ما ينظر فيه إلى جانب العمل، كقول أبي ~~محمد الجريري وقد سئل عن التصوف: # الدخول في كل خلق سني، والخروج من كل خلق ~~دني. # وقول رويم: التصوف يبنى على ثلاث خصال: التمسك بالفقر ~~والافتقار، والتحقق بالبذل والإيثار، وترك التعرض ~~والاختيار ... إلخ. # وقال سمنون: هو ألا تملك شيئا، ولا يملكك ~~شيء. # وأرى أن العارف بتاريخ القوم وأحوال أئمتهم لا يبعد أن ~~يعرف التصوف تعريفا مجملا بأنه فكر وذكر وعمل ~~يراد بها الفناء في الله تعالى. # ثم الناظر في تاريخ التصوف الإسلامي يجد فيه ثلاث مراحل: # الأولى: # التعبد والزهد والخوف الشديد من ~~الجزاء. وهذا نجده في سيرة الحسن البصري ~~وسفيان الثوري، وأمثالهما. # والمرحلة الثانية: # ذكرت فيها المعرفة والمحبة، كما نجد ~~في أقوال معروف الكرخي، وبشر الحافي، ~~والسري السقطي وأمثالهم. قال ~~الجنيد سألني السري يوما عن المحبة: ~~فقلت، قال قوم الموافقة، وقال قوم ~~الإيثار. وقال قوم كذا وكذا. فأخذ السري ~~جلدة ذراعه ومدها فلم تمتد. ثم قال: ~~وعزته تعالى لو قلت إن هذه الجلدة ~~يبست على هذا العظم من محبته ~~لصدقت. # وممن أكثر الكلام في المعرفة ذو ~~النون المصري. # والمرحلة الثالثة: # مرحلة الفناء التي أدت إلى القول ~~بوحدة الوجود. ومن أوائل المتكلمين في ~~الفناء الجنيد، والشبلي. ومن ~~المفرطين فيها المغلوبين على أقوالهم ~~أبو يزيد البسطامي. وفي كتاب اللمع ~~لأبي نصر السراج صورة مما لقيه ~~الجنيد من العناء في تأويل أقوال أبي ~~يزيد. # وقد اتضحت هذه النزعات على مر الزمان، وشرحت ~~ووضعت فيها المؤلفات، ms0325 واختلفت فيها المناهج ~~والأقوال. # وانقسم الناس منذ القرن الثالث إلى أهل الصحو الحافظين ~~أقوالهم وأفعالهم، وأهل السكر الذين يغلبهم الوجد ~~على أنفسهم. # وليس يتسع المجال لإجمال الكلام في هذا الموضوع بله ~~تفصيله. # وإنما أردت أن أقدم هذه اللمحة قبل الكلام على ~~شعراء الصوفية في اللغة الفارسية. وفي شعرهم تتجلى هذه ~~المراحل الثلاث، ولكن اهتمامهم بالزهد والتعبد قليل، ~~وحديث المعرفة والعشق والوجد والفناء يفيض به شعرهم في ~~صور لا تعد، بين الحقيقة والمجاز، والتصريح والكتابة، ~~والوضوح والخفاء. وقد كثر حديثهم عن الحبيب والوجه ~~والطرة والعين، والخمر والكأس والساقي، ونحو هذا حتى ~~صار لهم لغة خاصة يعرفون هم ما يريدون بها. وقد ~~فسر كثيرا منها محمود الشبستري في كتابه كلشن راز ~~(حديقة السر). # ومع هذه المعاني ألوف من المعاني النفسية والآفاقية، ~~هي أسمى ما أحسه الإنسان في نفسه أو أدركه في العالم ~~مشاهدة أو سماعا، مما يتصل بمقاصد الإنسان وما يلقاه في ~~سبيله إلى هذه المقاصد. والخلاصة أن النفس الإنسانية ~~مصورة في جمالها وقبحها، وسموها وإسفافها، وحبها ~~وبغضها، وسعادتها وشقائها، وفي نزعاتها العليا إلى ~~عالمها وإلى الله مبدئها ومنتهاها. # والقصص والتمثيل له من اهتمامهم نصيب كبير، فالقصص ~~الطويلة والقصص الصغيرة المستقلة، أو التي تأتي في ثنايا ~~القصص الكبيرة، والتمثيل والإشارة إلى القصص والحوادث، ~~أظهر ما يراه قارئ الشعر الصوفي. # ويحسن - على ضيق المجال - أن أبين تصور الصوفية لوحدة ~~الوجود، فهي النغمة الشائعة في أناشيدهم، والفكرة ~~المستكنة وراء أبلغ أشعارهم. # وحدة الوجود نبع يفيض فيخرج الشجر المختلف، والزهر ~~المتعدد، والعشب الشتيت؛ صور متعددة مختلفة الأشكال ~~والألوان ووراءها هذه الفكرة. # وخلاصة ما تنم عنه أشعارهم فيها أنه ليس في العالم ~~كله إلا وجود واحد، هو الوجود الحق المطلق، وهو الخير ~~المحض والجمال المحض. وقد تجلى هذا الوجود المطلق فصدر ~~عنه العالم؛ أراد هذا الجمال أن يعرف، وأول صفات الجمال ~~التجلي أو كما قال أفلوطين: «الكمال يقتضي الظهور.» وفي ~~ذلك يروي الصوفية هذا الحديث القدسي: «كنت كنزا مخفيا ~~فأردت أن أعرف فخلقت الخلق فبي عرفوني.» ms0326 وما أكثر ما ~~يشير شعراء الصوفية إلى هذا الحديث. # وهذا العالم ليس وجودا، بل هو عدم ظهر كالخيال في ~~المرآة أو أشعة الشمس في الماء. # وفي هذا يروي الصوفية أثرا آخر، «كان الله ولا شيء ~~معه. وهو الآن على ما عليه كان.» # وقد تنزل الفيض عن الله في مراتب حتى بلغ عالم ~~المادة، ثم ترقت المادة فصارت نباتا، ثم حيوانا، ثم ~~إنسانا كاملا، وهو الحلقة التي تصل العالم بالوجود ~~المطلق مرة أخرى. # الإنسان خلاصة العالم، وهو العالم الأصغر الذي انطوى ~~فيه العالم الأكبر: # وتزعم أنك جرم صغير # وفيك انطوى العالم الأكبر # وهو وجدان العالم الشاعر بنفسه وبالله وهو صلة المادة ~~أو العدم بالموجود المطلق، فهو مركب من وجود وعدم، ~~من روح ومادة. # والروح من عالم الغيب، وهي في حنين دائم إلى ~~عالمها. وغاية الصوفي في هذه الحياة أن ييسر للروح ~~النجاة، وأن يخلصها من هذا التقفص، ويحررها من كل ~~علاقة حتى تتصل بالله. والطريق إلى النجاة هذه هي ~~الرياضات والمجاهدات التي تحرر الروح من الأهواء ~~والشهوات، وتطلقها من القيود، وترجعها وجودا مطلقا ~~غير محدود بزمان أو مكان أو ميل أو هوى. # ولهم في هذا الطريق مراحل وأودية يقطعها السالك ~~بهداية المرشد حتى يبلغ غايته. فيفنى ثم يوجد في ~~الفناء، وتلك حال وراء المعرفة والعقل يتحد فيها العاشق ~~والمعشوق. # والعشق هو النار التي تنفي كل خبث، وتطهر من كل ~~دنس، وهو أجرأ من العقل وأقدر منه على مباشرة الأهوال ~~واقتحامها. # يقول العطار: «العاشق من يمضي كالنار مضطرما سريعا ~~أبيا، يحرق مئات العالم ولا يبالي طرفة عين ... العشق ~~نار، والعقل دخان، فإذا جاء العشق ولى العقل ~~هربا.» # ويقول جلال الدين: «العشق أن تنظر إلى السماوات، ~~وتمزق كل لحظة مائة حجاب، وأول خطواته أن تهجر ~~الحياة.» # ويقول حافظ: «كم في الطريق إلى منزل ليلى من أهوال ~~وأخطار، شرط أول خطوة أن تكون المجنون.» # ويقول الجامي: «العشق ينغم ألحانا من وراء حجاب. ~~فأين العاشق ليسمع، إن له في كل نفس نغمة جديدة، وفي كل ms0327 ~~آن لحنا عجيبا. كل العالم أصداء نغماته، فمن ذا الذي ~~استمع لهذا الصدى الدائم؟ تلك أسرار يفشيها العالم، ~~وكيف تحفظ الأصداء أسرارا! إن سره على لسان كل ذرة، ~~فاستمع أنت فما أنا بنمام.» # ويتصل بعقيدتهم في الوحدة إعظامهم الحقيقة العليا ~~التي تجاهد النفس لمعرفتها، واحتقارهم الأشكال والصور ~~التي يختلف بها الناس: ~~«ليست وجوه الاثنتين وسبعين ملة إلا إلى هذه ~~السدة، عالم حائر وليس فيه ضال.» ~~«أطلبك تارة في الكعبة، وتارة في الدير، أعني أفتش ~~عنك في بيت بعد بيت.» # بل يقول بعضهم: ~~«إن الإيمان والفكر يتركان في صف النعال حين ~~يقصد الإنسان هذه الحضرة، كما يخلع المصلي نعليه، وكما ~~خلع موسى نعليه في الوادي المقدس.» # تطور الشعر الصوفي وكبار شعرائه: في شعر الفردوسي، ~~وشعر المعاصرين لمع من التصوف جاءت أثناء الموضوعات ~~الأخرى ولا سيما القصص الدينية مثل قصة يوسف وزليخا. ~~ولكن أحد معاصري الفردوسي قصر شعره على التصوف فلم ~~ينظم في غيره، فكان أول شاعر صوفي. وقد اختار هذا ~~الشاعر للإبانة عن أفكاره ضربا من النظم قصيرا هو ~~الرباعيات، فكان من أوائل الناظمين فيها، وكانت كل ~~رباعية تحوي فكرة من أفكاره تسير بها مسير الأمثال، ~~فتذيع الفكرة والصورة التي اختيرت لها، أي التصوف ~~والرباعيات. # أبو سعيد: ذلكم الشاعر هو أبو سعيد بن أبي الخير من ~~بلدة مهنا في خرسان (357-440ه)، وكان معاصرا للشيخ ~~الرئيس ابن سينا. ويروى أنهما التقيا فلما افترقا قال ~~أبو سعيد: «هو يعرف ما أرى.» وقال ابن سينا: «هو يرى ما ~~أعرفه.» فإن صحت الرواية أو لم تصح فهي إشارة إلى ما ~~بين الصوفية والفلاسفة من فرق. الأولون يحاولون الكشف ~~والمشاهدة، والآخرون يعتمدون على العقل والتفكير. # ويعتبر أبو سعيد أول من صاغ الفكرة الصوفية في الصور ~~الشعرية التي شاعت في أقوال الصوفية من بعده. # تعزى إليه هذه الرباعية العربية: # يا من بك حاجتي وروحي بيديك # عن غيرك أعرضت وأقبلت عليك # مالي عمل صالح أستظهر به # قد جئتك راجيا، توكلت عليك # ومن رباعياته الفارسية ما ترجمته: # يا من ms0328 وجهه قمر يضيء العالم، ووصله في كل ~~قلب تمن دائم؛ # ويلي إن كنت مع غيري خيرا منك معي، وإن كنت ~~مع كل إنسان مثلي، فويل بني آدم. ~~••• # الغازي للظفر بالشهادة يعمل، لا يدري أن ~~العاشق منه أفضل. # كيف يشبه هذا ذاك يوم القيامة، هذا قتيل العدو ~~وذاك بيد الصديق يقتل. ~~••• ~~«كل سير في طريقك جميل، وكل توجه إلى ذراك ~~جميل.» ~~«ووجهك بكل عين تراك جميل، واسمك بكل لسان ~~يذكرك جميل.» ~~••• ~~«جسمي كله ألم، وعيني كلها دمع من أجلك، ~~وإنما يعاش بغير جسم في عشقك.» ~~«لم يبق مني أثر، فما هذا العشق؟ صرت كلي ~~معشوقا فمن العاشق لك.» ~~••• ~~«منذ أحسست في قلبي نارا، حسبت النظر إلى ~~الجنة عارا.» ~~«ولو رأيت الجنة ولم أرك، لعددت هذه الجنة ~~نارا.» # الأنصاري: ثم ظهر في هراة الشيخ عبد الله ~~الأنصاري (396-481ه) وقد كتب كتبا منثورة في التصوف، ~~منها طبقات الصوفية، وله ديوان ومناجاة منثورة، هي من أجمل ~~ما وعى النثر الفارسي. وهذه نبذ منها: ~~«إلهي أمامي خطر، وليس خلفي طريق، خذ بيدي، فمالي إلا ~~فضلك والتوفيق.» # إلهي في رءوسنا خمارك، وفي قلوبنا أسرارك، وعلى ألسنتنا ~~أشعارك، إذا طلبنا فإنما نطلب رضاك، وإذا قلنا فإنما ~~نرتل ثناك. إلهي، كل إنسان مفلس مما ليس عنده، ~~وأنا مفلس مما عندي، لا حد لفضلك، ولا لسان لشكرك. ~~إلهي، ليست الجنة بدونك دار سرور، وكيف بغير محبتك ~~الحرية والحبور. إلهي امنحنا عينا لا ترى سواك، وهبنا ~~قلبا لا يختار إلا تقواك. إلهي إن سألت فليس لنا ~~حجة، وإن وزنت فليس لدينا سلعة، وإن أحرقت فما فينا ~~طاقة، نحن مفلسون معدمون، ومن زينة الطاعة عاطلون، ~~وإليك فقراء محتاجون. إلهي، أنت حاضر فماذا أطلب، وأنت ~~ناظر فماذا أقول؟ إلهي، كل الناس يرجون أن ينظروا إليك، ~~وعبد الله يرجو أن تنظر إليه. إلهي ، لك الجمال، وقبيح ما ~~سواك، والزهاد يشترون الجنة بتقواك. إلهي، ليل الفراق ~~مظلم رهيب، ولكن القلب يوقن أن صبح الوصال قريب. ~~إلهي، أنت ألقيت في حجر آدم در الاصطفاء، وأنت ms0329 نثرت ~~على فرق إبليس تراب الشقاء، نقول تأدبا فعلنا ~~الشر لا أنت، والحق أنك الذي فتنت. إلهي، عندك نار ~~الفراق، فلماذا تبغي في جهنم الإحراق. # سنائي: ثم جاء على آثار هؤلاء الشاعر الكبير الذي يعد ~~طليعة أئمة الشعراء الصوفية، وهو مجد الدين سنائي الغزنوي ~~المتوفى سنة 545ه. وقد قال جلال الدين الرومي: «كان ~~العطار وجها، وكان سنائي عينيه، وجئنا على أثر سنائي والعطار.» # 18 # فما زال الناس يجمعون الثلاثة في أحاديثهم ~~وكتابتهم لقول جلال الدين هذا. # ولسنائي أول مثنوي مطول في التصوف، وهو كتاب تعليمي ~~اسمه «حديقة الحقائق» نظمه سنة 525ه. # ومما يختار من آراء سنائي قوله: ~~«رجعت عن كل ما قلت حين لم أجد في الألفاظ معاني، ولا ~~للمعاني ألفاظا.» # 19 # وهو خلاصة ما يقوله الصوفية حين يحسون ~~العجز عن الإبانة عما في أنفسهم من الوجد أو الإدراك ~~الخفي. # ومن عجيب أقواله أبيات أحسبه يريد أن يبين فيها أن ~~الرقي في عالم المادة أو عالم الروح بطيء جدا لا ~~بد له من جهاد طويل وزمن مديد، وذلك قوله: ~~«ألم الدين ألم عجيب، كلما مرضت فيه كنت كالشمع ~~صحته أن يقطع عنقه. # 20 # كيف يبلغ الإنسان غايته في هذا الطريق بالقول واللسان؟ ~~لا بد من ألم يذيب الصبر، ورجل مقدام. # تمضي القرون حتى يصير الطفل بلطف طبيعته عاقلا كاملا ~~أو فاضلا فصيحا. # وتمضي السنون ليصير الحجر في حر الشمس لعلا في ~~بدخشان أو عقيقا في اليمن. # 21 # وتمضي الشهور لتصير قبضة صوف من ظهر شاة خرقة لصوفي ~~أو رسنا لحمار. # 22 # وتمضي الأسابيع لتخرج قطعة قطن من الماء والطين فتصير ~~حلة لجميل أو كفنا لشهيد. # وتمضي الأيام في انتظار بعد انتظار ليصير المطر في ~~جوف الصدف درا في عدن. # ولا بد من صدق وإخلاص، واستقامة، وطول عمر لتخرج ~~قرن رجلا قرينا للحق. # 23 # لا تمكن الاستقامة على طريق التوحيد بقبلتين، فاختر إما ~~رضا الحبيب وإما هوى النفس.» # ويظهر أن الشاعر أراد أن يبين أن الكمال ليس ~~يسيرا، ولكنه يقتضي جهادا ms0330 وزمنا طويلا. وينبغي ألا ~~يبالي القارئ بذكر القرون والسنين والشهور ... إلخ، فإن ~~حب الشاعر أن يذكر مقادير الزمان كلها أخل بالفكرة ~~بعض الإخلال. # العطار: مهد هؤلاء الطريق للشاعر العميق الفياض، ~~شاعر الحب الإلهي، الذي كانت أقواله تسمى «سوط ~~السالكين»؛ وهو فريد الدين العطار النيسابوري المتوفى ~~في أوائل القرن السابع. # نظم هذا الشاعر العظيم زهاء أربعين منظومة طويلة ~~وقصيرة، أسيرها بندنامه (كتاب النصائح)، ومنطق ~~الطير. # فأما الأولى فمنظومة أخلاقية دينية اتخذت للتأديب، ~~وترجمت إلى العربية والتركية. # منطق الطير: وأما منطق الطير فهو الكتاب الذي ضمن ~~للعطار الصيت والخلود. منظومة فيها زهاء أربعة آلاف ~~وستمائة بيت في بحر الرمل والقافية المزدوجة (المثنوي)، ~~لها مقدمة في التحميد والصلاة على الرسول ومدح الخلفاء ~~الراشدين تستغرق ستمائة بيت، ثم يقص الشاعر قصته في ~~خمس وأربعين مقالة وخاتمة. وخلاصة هذه القصة ~~العجيبة: # إن الطير اجتمعت فتشاكت ما هي فيه من التفرق ~~والفوضى، وأنها ليس لها رئيس يجمع كلمتها على حين لا ~~تخلو أمة من ملك. # الهدهد ~~: # خبرت الدهر، واعتزلت الناس، وجهدت في طلب ~~الحق، وصحبت سليمان، وطوفت في الأرض سهلها ~~وحزنها، ودانيها وقاصيها، وعرفت أن لنا ملكا ~~ولكني عجزت عن المسير إليه وحدي، فإن تعاونا ~~استطعنا أن نبلغ مكانه. ملكنا اسمه السيمرغ، ~~وراء جبل اسمه قاف، هو منا قريب، ونحن بعيدون. ~~هو في حرم جلاله، لا يحيط البيان بوصفه، ودونه ~~آلاف من الحجب. # وأول العهد به أنه كان طائرا في ~~ظلمات الليل في سماء الصين، فسقطت من جناحه ريشة، ~~فقامت قيامة الأمم تعجبا من ألوانها العجيبة. ألم ~~تسمعوا الأثر: اطلبوا العلم ولو في الصين؟ ولولا أن ~~ظهر نقش هذه الريشة في هذا العالم ما ظهر طائر ~~منكن. ~~(فلما سمعت الطير مقال الهدهد ~~هاجها الشوق إلى السيمرغ وأزمعت الرحيل إليه، ثم ~~ذكرت ما في الطريق من أهوال فأخذ كثير منها ~~يعتذر.) # البلبل ~~: # أنا إمام العاشقين ، أفعمت القلوب وجدا ~~بأغاريدي؛ فكيف أطيق فراق حبيبي الورد؟ # الببغاء ~~: # حسبي ما قاسيت. إن جمال هذا الريش أغرى الناس ~~بي فحبسوني فقاسيت ms0331 الغم الطويل والألم ~~الممض. على أني لا أستطيع الطيران تحت جناح ~~السيمرغ. # الطاووس ~~: # كنت مع آدم في الجنة فطردت منها، وكل همي ~~أن أرجع إليها، ولست أطيق مصاحبة السيمرغ. # البط ~~: # ألفت الطهارة، ولزمت الماء، وزهدت فيما عند ~~غيري، ولست أستطيع مفارقة الماء والعيش على ~~اليبس. # الحجل ~~: # وأنا ألفت الجبال، وسكنت إليها، فكيف أستطيع ~~أن أبرحها؟ # الصعوة ~~: # أنى لي أنا الصغيرة الضعيفة، أن أسلك هذه ~~السبيل إلى ذلك المقصد؟ # البازي ~~: # تعلمون مكاني من أيدي الملوك، ولا أود أن أترك ~~هذه المكانة. # الهدهد ~~: # لا آلوكن نصحا، ولست أبغي إلا الخير، كيف ~~تعتذرن بما ألفتن وتتركن هذا المطلب الخطير؟ ~~إن العزم والصبر يهونان كل صعب، ويقربان كل ~~بعيد. # الطير ~~: # كيف نقطع هذه الطريق الشاقة البعيدة؟ وما الذي ~~يصلنا بهذا الملك العظيم؟ (وتكثر ~~الأسئلة). # الهدهد ~~: # ما هذا التواني في الطلب، والركون إلى الدعة، ~~والوجل من لقاء الشدائد؟ تزودن بكفاء هذا ~~الطلب من الهمة والعزم والتجلد. وأما صلة ~~الطير بالسيمرغ فقد تجلى كالشمس من وراء الحجب ~~فوقعت على الأرض آلاف الظلال؛ فأنتن هذه الظلال ~~أيتها الطير. # إن العشق إذا صدق استسهل العاشق كل صعب ~~في سبيله، واقتحم كل عقبة إلى حبيبه. ~~(وهنا يستطرد الشاعر إلى قصة الشيخ ~~صنعان الذي أخرجه العشق من دينه، ونصحه تلاميذه فلم ~~يجد النصح، حتى أدركه لطف الله. وهي قصة عجيبة في ~~مائتي بيت.) # هاجت الطير شوقا إلى السيمرغ، ~~وأجمعت على المسير إليه، وعلى أن يقرع بينها ~~ليتولى أحدها الإمارة في الطريق، فأصابت القرعة ~~الهدهد. فوضع التاج على رأسه وتقدم، واجتمعت إليه ~~أسراب الطير فأوفى بها على طريق موحشة. # طائر ~~: # ما لهذه الطريق مقفرة موحشة مخيفة؟ # الهدهد ~~: # إن الناس تجنبوها إشفاقا وخوفا. أما سمعت ~~قصة أبي يزيد البسطامي حين خرج إلى البرية في ~~ليلة مقمرة والناس نيام، فراقه جمال الليل ~~وتهويده، وعجب كيف حلت هذه البرية من ~~السالكين. فسمع مناديا يناديه: إن الملك لا ~~يأذن لكل أحد أن يسلك طريقه، وإن عزتنا ~~أبعدت السائلين عن بابنا. # وسارت الطير فرأت طريقا ولا ms0332 ~~غاية، وألما ولا دواء. هنالك تهب ريح الاستغناء ~~فينحني لها ظهر السماء، # 24 # هنالك صحراء لا يعبأ فيها بطاووس الفلك ~~فكيف بطير هذه الدنيا؟ # الطير ~~: # أيها الهدهد، إنك طوفت في الآفاق، وعرفت كل ~~شيء فارق المنبر لنسألك عما حاك في صدورنا، ~~فلا بد أن تنفي الريبة عن قلوبنا. ~~(فصعد البلبل المنبر وغرد بعض ~~الطير تغريدا أذهل الطيور. ثم تواترت ~~الأسئلة.) # طائر ~~: # أخبرني أيها الإمام، كيف فضلتنا جميعا، ~~وما هذا التفاوت بيننا وبينك؟ # الهدهد ~~: # نلت هذه الدولة بنظرة من الملك؛ إنها دولة لا ~~تنال بالطاعة، فكم أطاع إبليس! لست أهون أمر ~~الطاعة فعليك بها، ولا تفتر عنها ساعة، ولكن لا ~~تقدمها ثمنا. أمض عمرك في الطاعة حتى تصيبك ~~نظرة من سليمان. ~~(ثم سئل الهدهد عشرين سؤالا أجاب ~~عنها مسهبا مفصلا ضاربا الأمثال، وكان السؤال ~~التاسع عشر والعشرون كما يأتي.) # طائر ~~: # ما الهدية اللائقة بتلك الحضرة التي نقصد ~~إليها؟ # الهدهد ~~: # لا تحمل معك شيئا، فهنالك كل شيء، ليس خيرا ~~لك من العشق والطاعة. # طائر ~~: # كم فرسخا مسافة هذه الطريق، وما الذي نلقاه ~~فيها؟ # الهدهد ~~: # أمامنا سبعة أودية لا نعرف مسافاتها، فإن ~~أحدا لم يرجع منها فيحدث عن طولها؛ أمامنا ~~أودية الطلب، والعشق، والمعرفة، والاستغناء، ~~والتوحيد، والحيرة، والفقر، والفناء. # ويصف الهدهد هذه الأودية وصفا هائلا مسهبا حتى ~~يبلغ الوادي السابع، فيقول إنه وادي الدهشة، والصم ~~والبكم والذهول. هناك آلاف من الظلال تمحى في ضوء الشمس. ~~إذا ماج البحر المحيط، فكيف يبقى النقش على صفحة الماء، ~~ولكن كل من فقد نفسه في هذا البحر فهو في فناء وسلام ~~أبدا. ويضرب الهدهد أمثالا منها: # إن الفراش اجتمع ليلة وأجمع على طلب الشمعة، ~~واقترح أن يذهب بعضه ليراها ويصفها، فذهبت فراشة إلى ~~قصر ينبعث منه نور الشمعة، فرجعت تصف الشمعة لأخواتها. ~~قالت فراشة خبيرة: مالك بالشمعة علم. فانبعثت فراشة ~~أخرى حتى أتت موضع الشمعة، فاقتربت ثم اقتربت، حتي ~~آلمها حر النار، فرجعت تصف ما عرفت من أسرار الشمعة. ~~قالت الفراشة العارفة أيتها الأخت: ما هذا إلا ms0333 الذي ~~سمعنا من قبل. فانطلقت ثالثة سكرى من الشوق راقصة، ~~مرفوقة حتى ألقت نفسها في لهب الشمعة أحاطت بها النار ~~فاحمرت كاللهب ثم رجعت. فلما رآها الخبير في ضوء ~~النار ولونها، قالت أجل: لقد عرفت هذه الشمعة، إنما ~~يدرك الحبيب بالفناء فيه. # ولما فرغ الهدهد من مقاله جزعت الطير، وعرفت أنها لا ~~طاقة لها بهذا السفر، ومات بعضها في مكانه فرقا. ثم سارت ~~الأسراب، فلقيت ما لا يوصف من الهول، وهلك أكثرها في ~~الطريق، فمنها غارق في البحر، ومنها ضال في الفيافي، ~~ومنها هالك عطشا على قنن الجبال، ومنها محترق في ~~وهج الشمس، وبعضها ساقط إعياء، وبعضها شغلته عجائب ~~الطريق فوقف، وبعضها وجد ما يلهو به فركن إلى الدعة ~~وآثر العافية، وبعضها أصابته مصيبة أخرى. # لم يبلغ الغاية من هذه الآلاف المؤلفة، إلا ثلاثون ~~طائرا (سي مرغ). بلغت الغاية، وقد أشرفت على الهلاك ~~ألما وإعياء؛ فماذا وجدن هناك؟ وجدن ما لا يدركه ~~العقل، ولا يناله الوصف؛ رأين برق الاستغناء يومض ~~فيحرق مئات العوالم في لمحة؛ رأين آلاف الشموس والكواكب ~~حائرة كالذرات. قال بعض الطير لبعض: وا أسفاه على ما ~~تحملنا من مشاق السفر. إن مائة فلك هنا كذرة من ~~التراب، فما وجودنا وما عدمنا في هذه الحضرة؟ # وبقين في حسرة وحزن حتى خرج حاجب العزة: # الحاجب ~~: # أيتها الحائرات المضنيات! من أين جئتن، ~~ولماذا أقبلتن؟ وما اسمكن؟ وماذا سمعتن، ~~ومن أخبركن أن قبضة من الريش والعظم مثلكن ~~تقدر على شيء؟ # الطير ~~: # جئنا هنا ليكون السيمرغ ملكنا. وقد طال علينا ~~الطريق؛ كنا آلافا فما بقي منا إلا ثلاثون. ~~جئنا من بعيد، راجيات أن يؤذن لنا في هذه ~~الحضرة. جئنا لعل الملك يرضى أعمالنا فتنالنا ~~منه نظرة. # الحاجب ~~: # أيتها الحائرات! ما أنتن؟ ما وجودكن وعدمكن ~~في حضرة الملك المطلق الباقي، إن مئات العوالم ~~لا تزن شعرة أمام هذا الباب. هلم فارجعن ~~أيتها المسكينات. # الطير ~~: # إن هواننا على هذا الباب عز، وسنبقى هنا ~~نحترق كالفراش في النار، ولن نيأس من رحمة ~~الملك. # فخرج حاجب ms0334 الرحمة، وفتح لهن الباب وتقدمهن يرفع ~~مئات من الحجب كل لمحة؛ فانبعث النور في الأرجاء، وبدا ~~عالم التجلي، وأجلست الطير على أرائك القرب. ثم ~~أعطي كل طائر ورقة، فقرأ فيها ما قدم من عمل، فغشي ~~عليه خجلا، ثم محيت الأعمال وأنسيت فلم تذكر ~~الطير شيئا. # ثم أضاءت شمس القرب محرقة كل روح فرأين السيمرغ ~~حينئذ، وما أعجب ما رأين! كن إذا نظرن إلى السيمرغ، ~~رأين سي مرغ (ثلاثين طائرا) وإذا نظرن إلى سي مرغ ~~(الثلاثين طائرا) رأين السيمرغ. وإذا نظرن إلى أنفسهن ~~والسيمرغ معا؛ رأين السيمرغ وحده. فأخذتهن الحيرة، ~~وسألن فقيل لهن: إن هذه الحضرة مرآة، فمن جاءها لا ~~يرى إلا نفسه، جئتن سي مرغ (ثلاثين طائرا) فرأيتن ~~السيمرغ. كيف تدركنا الأبصار، كيف تنال الثريا عين ~~النملة؟ ليس الأمر كما رأيتن وعلمتن، ولا كما قلتن ~~أو سمعتن، ولكن قد خرجتن من أنفسكن؛ فها هنا ~~مكانكن، فامحين وضاع الظل في الشمس. # فلما مضى مائة آلاف من القرون - القرون التي لا زمان ~~لها - أرجعت الطير الفانية إلى أنفسها. فلما رجعت إلى ~~أنفسها بغير أنفسها، رجعت إلى البقاء بعد الفناء.» ~~(7-3) مولانا جلال الدين الرومي # استبحر الشعر الصوفي، وفاض بمنظومات سنائي والعطار ومن ~~حذا حذوهما حتى القرن السابع، فولد في أوائله أكبر ~~شعراء التصوف وفلاسفته ومعلميه وشيوخه، محمد بن محمد ~~بن الحسين البكري البلخي المعروف باسم مولانا جلال الدين ~~الرومي. # رحل أبوه بهاء الدين من بلخ وجلال الدين في الرابعة من ~~عمره، وانتهى به التطويف في الأقطار الإسلامية إلى آسيا ~~الصغرى (بلاد الروم) ونشأ بها جلال الدين وعاش فيها ~~فسمي «الرومي». وإليه تنسب طائفة «المولوية» ~~الصوفية. # ولا يتسع المقال للكلام في تاريخ مولانا، ولا في تفصيل ~~الكلام في شعره ومذهبه الصوفي والفلسفي. فحسبنا هذه ~~الكلمة: # ترك جلال الدين أثرين خالدين على الدهر: المثنوي، ~~والديوان. ~~(أ) المثنوي # منظومة صوفية في بحر الرمل والقافية المزدوجة ~~(المثنوي)، فيها خمسة وعشرون ألف بيت وسبعمائة، في ~~ستة أجزاء، وقد صدر كل جزء بمقدمة منثورة منها ثلاث ~~مقدمات عربية. ms0335 # والشاعر فيها معلم مختلف الأساليب، ينتقل من ~~تفسير آية أو شرح حديث إلى ضرب مثل، وينصح ويعظ ~~وينتقل بتلاميذه من فن إلى فن، وكل هذا موصول بذكر ~~الله والفناء فيه. # والقصص شائع في ثنايا المنظومة، وفصولها لا ينفصل ~~بعضها من بعض، بل يؤدي الاستطراد من فصل إلى فصل. ~~وربما يبدأ القصة ثم يستطرد إلى قصة أخرى، ثم يرجع ~~ليتم الأولى على النسق المعروف في كتاب كليلة ~~ودمنة. ويأخذ القصة القصيرة يتوسل بها إلى مقاصده ~~فيطول بها البيان حتى تصير حوادث القصة ضئيلة خفيفة في ~~البيان الذي يبتغيه. # وهو قوي البيان فياض الخيال، رائع التصوير، ~~يضع المعنى الواحد في صور مختلفة، ويسوق المثل ~~إثر المثل، والمعاني تأتيه أرسالا، والمعاني تواتيه ~~انثيالا، وبحر الرمل يجاريه رهوا مسترسلا حتى ~~ينظم حول القصة الصغيرة مئات الأبيات، ويصل بها ما ~~يشاء من الآراء والنصائح والعبر. فقصة الوحوش والأسد ~~والأرنب التي أهلكته من قصص كليلة ودمنة، نظم فيها ~~زهاء خمسمائة بيت، وأخرج منها جدالا طويلا بين ~~الأسد والوحوش في الاختيار والجبر. # وقلب الشاعر مفعم بالعشق الإلهي، مستغرق به؛ فكل ~~بحث يذكر به، وكل فكر يؤدي إليه، فتراه يبدأ القصة ~~التي تحسبها بعيدة كل البعد من العشق ~~والفناء، فإذا هو ~~ينتهي إلى هذه المعاني ويغوص فيها، ويغلبه الوجد ~~بين الحين والحين فيرتمي في البحر الذي لا يعرف ~~سابحه أو غريقه ساحلا. تلكم قبلته أنى توجه، ~~وغايته حينما سار، ومقصد تصريحه وكناياته، ومرمى نفيه ~~وإثباته: ~~«أنا غريق العشق الذي غرق فيه عشق الأولين ~~والآخرين. إذا ذكرت الشفة فإنما أريد شفة البحر ~~(شاطئ البحر). وإذا قلت لا فإنما مرادي إلا (يعني ~~إذا نفى فإنما يبغي الإثبات كما في لا إله إلا ~~الله).» # هذا البيان وهذا الفيض، وهذه الحرفة، وهذا الوجد، كل ~~هؤلاء تقصر عن الإبانة عما في نفسه، فيشكو هذا العجز ~~في الحين بعد الحين، ويقف حائرا صائحا: إن الذي ~~أحسه وراء الحروف والأصوات بل وراء الأسماء ~~والأفهام. «ما الحرف فتفكر فيه، إنه الشوك على جدار ~~البستان، إني أمحق ms0336 القول والحرف والصوت لأناجيك ~~بغير هذه الثلاثة.» # وقد افتتح المثنوي بمقدمة في الناي، وهو رمز ~~الروح التي نحن إلى عالمها وتنوح، وقد أولع به ~~المولوية واستعانوا به في أذكاره: # وأول الكتاب: # استمع للناي غنى وحكى # شفه الوجد وهدرا فشكا: # مذ نأى الغاب، وكان الوطنا # ملأ الناس أنيني شجنا # أين صدر من فراق مزقا # كي أبث الوجد فيه حرقا # من تشرده النوى من ~~أصله # يبتغي الرجعى لمعنى وصله # كل ناد قد رآني ناديا # كل قوم تخذوني صاحبا # ظن كل أنني خير سمير # ليس يدري أي سر في ~~الضمير # إن سري في أنيني قد ظهر # غير أن الأذن كلت ~~والبصر # إن صوت الناي نار لا هواء # كل من لم يصلها فهو هباء # هي نار العشق في الناي تثور # وهي نار العشق في الخمر ~~تفور # حدث الناي بأهوال الطريق # وعن المجنون صبا لا ~~يفيق # أهل هذا الحس من لا حس ~~له # أرهف السمع لهذي المعضلة # ضلت الأيام في آلامنا # ليس إلا النار في ~~أيامنا # إلى أن يقول: # ومن العشق، وأنى يحمل؟ # رقص الطور وخف الجبل # عشق الطور أجل قد عشقا # فهوى إذ خر موسى صعقا # لو تسنى من نديم لي فم # قلت، كالناي، حديثا أكتم # صمت البلبل عن ألحانه # حين غاب الورد عن بستانه ~~... إلخ. # وتتخلل المثنوي أحيانا أبيات أو ~~أشطار عربية، منها هذه الأبيات: # عن لي يا منيتي لحن ~~النشور # ابركي يا ناقتي، تم السرور # ابلعي يا أرض دمعي قد كفى # اشربي يا نفس وردا قد صفا # عدت يا عيدي إلينا مرحبا # نعم ما روحت يا ريح ~~الصبا ~~(ب) الديوان # وأما الديوان فقد سماه «ديوان شمس تبريز» باسم ~~أستاذه في التصوف وصديقه شمس الدين التبريزي. وليس ~~الديوان منظومة متحدة البحر والقافية كالمثنوي، ~~ولكنه قصائد مختلفة الأوزان والقوافي متقاربة الموضوع. ~~وهي فيض من العشق والفناء وغيرها من المعاني العالية ~~في نحو ستة وأربعين ألف بيت. # وهو في معانيه وألفاظه وأساليبه أدخل في معاني ~~الشعر وصنعته من المثنوي. جلال الدين في المثنوي ~~أستاذ صوفي ms0337 حكيم شاعر، وفي الديوان شاعر صوفي. ~~(ج) مثال من آراء جلال الدين وأقواله # شرح جلال الدين آراءه في المسائل الدينية والصوفية ~~والفلسفية والأخلاقية، وصور عواطفه وإلهاماته في ~~المثنوي والديوان، في أكثر من سبعين ألف بيت؛ فعسير ~~على الباحث أن يفضل مذهبه ولو في مسألة واحدة من ~~المسائل الكبرى، وحسب المعرف بمذهب جلال الدين ~~وشعره أن يعرض أمثلة مجملة متفرقة. # العالم والله: أجملنا في أول الكلام عن الشعر ~~الصوفي رأي الصوفية في صلة العالم بالإنسان وبالله، ~~وعن وحدة الوجود والفناء، وجلال الدين يتحدث كثيرا ~~عن حال تزول فيها الاثنينية، وتمحى «أنا» و«أنت»، ~~ويذكر إلى جانب هذا تطور العالم وارتقاءه من مادة ~~إلى نبات إلى حيوان إلى إنسان إلى ملك، إلى الفناء في ~~الله. # يقول في الجزء الثالث من المثنوي في قصة وكيل صدر ~~بخاري على لسان العاشق الذي لا يبالي بالموت، وهذه ~~ترجمة تكاد تكون لفظية: # صرت، إذ مت جمادا، ناميا # مت نبتا صرت حيا ~~ساعيا # مت حيوان إذا بي بشر # كيف أخشى الموت ماذا أحذر؟ # ثم أغدو ميتا بين البشر # طائرا في ملك لا أستقر # ليس لي إلا مسير نحوه ~~«كل شيء هالك إلا وجهه» # 25 # ثم أفنى، والفنا كالأرغنون # منشدي؛ إنا إليه راجعون # ويقول في الديوان: # قد وضع أمامك منذ جئت إلى الوجود سلم للنجاة؛ ~~كنت جمادا فصرت نباتا ثم صرت حيوانا فكيف خفي ~~عليك هذا، ثم صرت إنسانا ذا عقل وعلم وإيمان، ~~انظر كيف أزهر هذا الجسم الترابي، وإذا جاوزت ~~الإنسان صرت - ولا ريب - ملكا فتترك هذه الأرض إلى ~~السماء. # جاوز الملكية كذلك، وادخل في ذلك اليم، لتصير ~~قطرتك بحرا هو مائة بحر. # الروح: يتفق الصوفية على أن الروح من عالم ~~آخر امتحنت بهذا السجن الأرضي، وهي في حنين دائم إلى ~~عالمها تسمع كل حين من عالمها نداء «ارجعي». # 26 # يقول جلال الدين في الديوان: ~~«نسمع الصوت كل حين ، من شمال ويمين، ها نحن أولاء ~~ذاهبون إلى الفلك، لقد كنا من قبل في الفلك، وكنا ~~أصدقاء الملك، وسنعود ms0338 فتلك ديارنا. # بل نحن أعلى من الفلك، وأسمى عن الملك. فلماذا لا ~~نجوزهما. ألا إن منزلنا الكبرياء. # 27 # أين عالم التراب من هذا الجوهر الطاهر؟ ~~سنعود وإن هبطنا، فما هذا لنا بمقام ... جاء موج «ألست» # 28 # فحطم سفينة القالب (البدن) وإذا حطمت ~~السفينة فقد حان اللقاء.» # الجبر والاختيار: ليس جلال الدين من دعاة الاستسلام ~~والخضوع للحوادث، والتنحي عن معترك الحياة، بل يدعو ~~إلى العمل الدائم، والجهاد المستمر، ويعلم الإنسان ~~أنه حر وضع على هذه الأرض ليكد ويكدح. # ومن نماذج كلامه في الجبر والاختيار محاورة بين ~~الأسد والوحوش في قصة أخذها من كتاب كليلة ~~ودمنة. # الوحوش: أي شيء خير من التسليم؟ كم فار من البلاء ~~إلى البلاء، وكم هارب من الثعبان إلى التنين، وكم ~~احتال الإنسان فكانت حيلته شركه، وأقفل الباب ~~والعدو في الدار. وكذلك كانت حيلة فرعون: قتل آلاف ~~الأطفال، الذي يخشاه في داره. إن أبصارنا كليلة ~~ينبغي أن تفنى في بصر الحبيب. نعم العوض عن ~~أبصارنا بصره. إن في بصره كل ما نبغي، ألا ترى ~~الطفل يحمل على عنق أبيه، فإذا اعتمد على رجليه ~~وكل إلى نفسه فوقع في الكبد والعناء. وكذلك كانت ~~أرواح الخلق قبل أن تخلق الأيدي والأرجل، طائرة ~~في صفاء؛ فلما أمرت بالهبوط لبثت في سجن من ~~الحرص والغم. نحن أطفال رضع وقد قيل: الخلق ~~عيال الله. والذي يقول المطر من السماء قادر على أن ~~يعطي الخبز والماء. # الأسد: نعم ولكن رب العباد نصب أمامنا سلما، ~~فعلينا أن نصعد فيه درجة بعد درجة، ما الجبرية إلا ~~غفلة. إن لك رجلين فكيف تجعل نفسك زمنا وإن ~~لك يدين فكيف تجحدها، إذا أعطى السيد عبده ~~فأسا فقد أعلمه ما يريد بغير قول. أليست اليد ~~كالفأس؟ # فافهم إشاراته فإنها عباراته ... إن السعي شكر ~~نعمه، والجبرية كفرها. الجبرية نوم في الطريق، ~~نوم بين قطاع الطرق. كيف يأمن الطائر إذا عطل ~~جناحيه؟ إن أردت التوكل فاعمل. ازرع ثم اتكل ~~على الخلاق ... إلخ. # وينتهي الحوار بما يريد جلال الدين من فلج المحتج ms0339 ~~للاختيار، ودحض حجة الداعين إلى التسليم. # والحياة في رأي جلال الدين جهاد دائم. يقول في ~~المثنوي، في قصة التاجر والببغاء من الجزء ~~الأول: ~~«الغريق يجتهد، ويرمي يده إلى كل عشبة يبغي ~~النجاة، والحبيب (الله) يجب هذا اضطراب، وإن الاجتهاد ~~سدى خير من النوم. الملك نفسه ليس فارغا من العمل؛ ~~ألم يقل الرحمن: كل يوم هو في ~~شأن؟» # وينبغي ألا يصد الإنسان عن السعي ما يلقى من ~~آلام وأحزان؛ فالألم وسيلة اللذة، بل الألم ~~واللذة كلاهما محبوب. ~~«كيف يضحك المرج إن لم يبك المطر؟ وهل ينال الطفل ~~اللبن بغير بكاء؟» # العناء أجدى والكد أنفع، ورجل الطريق أو رجل الله ~~يلقى الخير والشر واللذة والألم راضيا مقدما، ~~موقنا أنه يكمل بالآلام حتى يبلغ غايته. يقول في ~~المثنوي: ~~«إن مكروهه محبوب في نفسي، وروحي فدى للحبيب ~~المعذب قلبي. أنا أعشق نصبي وألمي في رضاه ... ~~إن الدموع التي تمطرها العين درر يحسبها الناس ~~ماء ... إني عاشق قهره ولطفه، فاعجب لعاشق الضدين! ~~أقسم لئن جاوزت هذا الشوك إلى البستان لأنوحن ~~نواح البلبل؛ فاعجب لبلبل يفغر فاه ليأكل الشوك ~~والورد معا! أي بلبل هو؟ إنه تنين ناري يحبب ~~العشق إليه كل مكروه.» # بل يرى جلال الدين أن أنين الأرواح المجاهدة مناجاة ~~دائمة ورقي مستمر: ~~«منه كل حين مائة صرخة، ومن الله مائة رسالة. منه ~~يا رب مرة، ومن الله سبعون لبيك. وله كل لمحة ~~معراج، ولرأسه مائة تاج، صورته على الأرض وروحه في ~~لا مكان.» # تلكم قطرة من بحر جلال الدين، وشرارة من ناره، ~~وشعاع من نوره. # وما تزال الأرواح الكبيرة تستضيء بحكمة جلال ~~الدين، وتقبس من ناره في البلاد التي عنيت بمعرفة ~~مذهبه وقراءة شعره. ~~(7-4) ضروب الشعر الأخرى # نظم الفرس في الموضوعات المعروفة في الأدب العربي: المدح ~~والهجاء والغزل والرثاء والوصف، ولا سيما وصف الرياض ~~والمياه، وفي الأخلاق والحكم. # ولست أجد حاجة إلى الكلام في هذه الأضرب، ووصف منهجهم ~~فيها فهي في جملتها صور مما في الشعر العربي - لا ~~سيما الشعر العربي المعاصر للشعر ms0340 الفارسي، شعر القرن ~~الرابع وما بعده - مع حساب ما في شعراء الفرس من نزوع ~~إلى الإكثار والغلو. # ولكن الشعر الأخلاقي جدير أن يخص بكلمة بعد هذا ~~الإجمال: # شعر الأخلاق والحكم يأتي كثيرا في ثنايا قصائد المدح ~~والرثاء كما نعهد في الشعر العربي، ويتخلل المنظومات ~~المطولة في الفارسية، مثل منظومات نظامي والجامي، ~~ولا سيما منظومات التصوف كحديقة «الحقائق»، ومثنوي جلال ~~الدين ومنظومات ناصر خسرو، ولكن شاعرا فارسيا عظيما ~~يستحق أن يذكر وحده في هذا الضرب من الشعر، شعر ~~الأخلاق والتهذيب، وهو: الشيخ سعدي الشيرازي المتوفى ~~سنة 691ه. # سلك سعدي في الأدب طرائق مختلفة حتى الهزل؛ فقد نظم فيه، ~~على تقواه وورعه، وله فيه قطع سماها «الخبيثات». وله ~~«غزليات» سماها الطيبات، بز فيها كبار الشعراء حتى ~~عد من أجلها أحد أنبياء الشعر الثلاثة، في أبيات ~~مأثورة بين الأدباء؛ وهم الفردوسي في القصص، والأنواري في ~~القصائد، والسعدي في الغزل. # ثم امتاز سعدي بالتعليم الأخلاقي، يتجلى في شعره ~~الدعوة إلى الرحمة والبر والعدل، والاتعاظ بعبر ~~الزمان، وغير الدهر. # طوف الشيخ في الأقطار زهاء ثلاثين سنة. ذهب إلى بلاد ~~الهند والأفغان والترك، وإلى الحجاز والشام، وآسيا الصغرى، ~~ويقال إنه ذهب إلى إفريقية الشمالية: مصر وغيرها. # وكان يسافر في ~~زي الدراويش، ويخالط الناس جميعا فقراءهم وأغنياءهم، ~~وعلماءهم وجهالهم، وخيارهم وأشرارهم. نراه في قصص ~~الكلستان والبستان تارة حاجا يتبع إحدى القوافل ماشيا، ~~وتارة معلما في كشغر، وتارة أسيرا في أيدي الفرنج في ~~الشام، وأخرى في معبد من معابد الهند، وحينا معتكفا ~~في جامع بني أمية، وحينا واعظا في مسجد بعلبك. # وقد شهد الكوارث الكبرى التي أصابت البلاد الإسلامية على ~~أيدي التتار ورثى بغداد. ثم أوى إلى بلده شيراز، وقد ~~بقيت في معزل من طوفان الحوادث بالصلح بين أمرائها ~~والتتار. وهنالك خلا بنفسه وبتجارب الأقطار الشاسعة، ~~والسنين الكثيرة، ووضع زبدة معارفه وتجاربه وصورة أخلاقه ~~وعواطفه، في كتابيه البستان والسكلستان. # والأول منظوم كله في البحر المتقارب والقافية ~~المزدوجة (المثنوي)، وفيه زهاء ألف بيت نظمها سنة 655ه ~~وضمنها عشرة أبواب: ms0341 # العدل والإنصاف والملك - الإحسان - العشق - التواضع - ~~الرضا - القناعة - التربية - الشكر على العافية - التوبة - ~~المناجاة. # والكتاب الثاني منثور تتخلله أبيات وقطع في ثمانية ~~أبواب. # والبستان كله دعوة خالصة للخلق الجميل، ولا سيما ~~الرحمة والإحسان والإيثار، وهو في هذا إنساني يشفق على ~~الناس جميعا لا يخص قبيلا دون قبيل. وكأن أبياته هذه ~~كانت شعاره في كلامه كله: # بنو آدم جسد واحد # إلى عنصر واحد عائد # 29 # إذا مس عضوا أليم السقام # فسائر أعضائه لا تنام # إذا أنت للناس لم تألم # فكيف تسميت بالآدمي؟ # وهذه أمثلة من حكايات البستان القصيرة: # 1 # سمع أحد كبراء العراق مسكينا تحت قصره يقول: أسعف ~~القائمين على الأبواب، فإنك مثلهم قائم على باب، خلص ~~هذه القلوب من أوجاعها يخلص قلبك من أوجاعه. إن ~~اضطراب قلوب العالمين يثل عروش المالكين. أنت ~~تقيل في حرمك سعيدا، والغريب يذوب في الهجير ~~وحيدا، من لم يستطع أن ينال من الملك عدله، فقد ~~كفل الله أن يأخذ له حقه. # 2 # سمعت أن جمشيد السعيد، كتب بحجر على رأس ينبوع: كم ~~مر أمثالنا على هذه العين، ثم ذهبوا في لمحة عين. قد ~~ملكنا العالم بالشجاعة اغتصابا، ولكن لم نأخذه ~~معنا إلى القبر. إن ظفرت بعدوك فلا تنتقم منه؛ ~~فحسبه ما نزل به، لأن يعيش عدوك أمامك ضعيفا، ~~خير لك من أن تبوء بدمه قتيلا. # 3 # شبت النار ليلة من آهات الخلق، فأحرقت نصف ~~بغداد. فقال أحد الناس، في هذا الدخان واللهب: الحمد ~~لله لم يصب دكاننا شر. قال شيخ مجرب: أنت لا ~~تبالي بغير نفسك أيها الأحمق، ولا يهمك أن تحترق ~~مدينة إذا لم يحترق بيتك. لا يشبع - وقد ربط الجائعون ~~على بطونهم الأحجار - إلا من استحجر قلبه. كيف ~~يهنأ الغني بلقمة وهو يرى الفقير يقتات دموعه؟ ~~وكيف يصح من يرى مريضا يتلوى من الآلام؟ إن ذا ~~القلب الرحيم لا ينام إذا بلغ المنزل حتى يلحق به ~~المتخلفون في الطريق، وإن قلوب الملوك ليبهظها ~~الهم حين ترى حمارا سقط بحمله في الطين. حسب أهل ms0342 ~~السعادة كلمة واحدة من مقال سعدي. وحسبك أن تعرف أنك ~~إذا زرعت الشوك لا تجني الياسمين. # حاكى كثير من الشعراء بستان سعدي؛ كتب نزارهي ~~القوهي (المتوفى سنة 720ه) دستور نامه، وكتب كاتبي ~~(المتوفى 838ه) ده باب (عشرة أبواب) وكتب هراتي ~~(المتوفى سنة 961ه) كلزار. ~~(8) النثر # لا يرج القارئ أن يجد وراء هذا العنوان فصلا في النثر ~~الفارسي مطولا كالفصل الذي تناول الشعر؛ فليس في النثر ~~الفارسي ما يستحق الإطالة والتفصيل في مثل هذا الفصل الذي ~~عقدناه للأدب الفارسي كله. # سمعت شاعرا تركيا كبيرا يجيد اللغة الفارسية يقول ليس ~~للفرس نثر. فعجبت من قوله، وما زلت أفكر فيه كلما سنحت ~~الفرصة. وقد سألت فيه العلامة محمد بن عبد الوهاب القزويني ~~في باريس سنة 1356ه/1938م، ففكر قليلا ثم قال: ما فكرت ~~في هذا الأمر. أو قال قريبا من هذا. # ولا ريب أن للفرس نثرا كثيرا قيما، ولكن نثر الفرس ~~لا يقاس من حيث مكانته في تاريخ الأدب، وتصويره حضارة ~~الأمة، والإبانة عن آراء الكبار من أدبائها ومفكريها؛ لا ~~يقاس في شيء من هذا بالشعر الفارسي؛ فقد كانت الأمة أقرب ~~بعواطفها وخيالاتها إلى الشعر، فأطالت فيه وتفننت حتى غنيت ~~به عن النثر أو كادت، فعندها تاريخ منظوم، وقصص منظوم، ~~ومنظومات طويلة في موضوعات شتي. # ثم النثر الفارسي لا يقاس بالنثر العربي صورة أو معنى، ~~وإن حاكاه في كثير من الموضوعات والأساليب. # في النثر الفارسي تاريخ ورسائل ومقامات، ومن التاريخ الرحلات ~~والتراجم: ~~(1) # فأما التاريخ فأوسع جوانب النثر الفارسي؛ حوت ~~الفارسية - منذ ترجم تاريخ الطبري من العربية ~~أيام الدولة السامانية إلى هذا العصر - كتبا ~~كثيرة في التاريخ العام والتاريخ الخاص، وأعظمها ~~ما كتب في عهد التتار الأبلخانيين الذين ~~تسلطوا على إيران بين سنتي 654ه و744ه، ~~وهي: ~~(أ) # تاريخ جهانكشاه (أي تاريخ فاتح ~~العالم وهو جنكيزخان) أتمه عطا ملك ~~الجويني سنة 658ه. ~~(ب) # وجامع التواريخ لرشيد الدين ~~المتوفى سنة 718ه، وهو قسمان في تاريخ ~~المغول، والتاريخ العام. وهو من أجمع ~~الكتب وأصحها. استعان مؤلفه بجماعة ~~من ms0343 أمم مختلفة ليأخذ الأخبار من مصادرها، ~~وأكمله في أوائل القرن الثامن الهجري. ~~وله نسخة عربية معروفة. ~~(ج) # تاريخ وصاف لعبد الله الشيرازي ~~الملقب «وصاف الحضرة» وهو تكملة لتاريخ ~~جهانكشاه، فرغ من تأليفه سنة 711ه، ~~وقدمه للسلطان ألجايتو (703-716ه). ~~وهو تاريخ عني فيه المؤلف كل العناية ~~بالصناعة اللفظية، فكان بدعة سيئة في ~~أسلوب التاريخ من بعد. وقد سماه: «تجزية ~~الأمصار، وتزجية الأعصار»، وهذه التسمية ~~مثال من صناعته اللفظية. ~~(د) # تاريخ كزيده، أي التاريخ المختار ~~لحمد الله القزويني المعروف بالمستوفي، ~~أتمه سنة 730ه، وقدمه للوزير غياث ~~الدين بن رشيد الدين مؤلف جامع ~~التواريخ. # وقد كتب في التاريخ من بعد كتب كثيرة من ~~أعظمها: # روضة الصفا في سير الأنبياء والملوك والخلفا، ~~لمير خواند المتوفى سنة 903ه، كتبه بإشارة ~~الوزير الشاعر الصالح مير عليشير نوائي، وهو تاريخ ~~عام لعصور الجاهلية والإسلام إلى عصر ~~المؤلف. # وكتاب حبيب السير في أخبار أفراد البشر، ~~لغياث الدين ابن مؤلف الكتاب السابق، لخصه ~~من كتاب أبيه في عهد الشاه إسماعيل الصفوي، ~~وأتمه سنة 927ه. # وتكثر كذلك تواريخ الأقاليم، مثل تاريخ ~~طبرستان، وأصفهان وشيراز وقم، ويزد، وششتر ... ~~إلخ. ~~(2) # ومن كتب التراجم تذكرة الأولياء للشاعر الصوفي ~~فريد الدين العطار من شعراء القرن السابع، ونفحات ~~الأنس للشيخ عبد الرحمن الجامي من شعراء القرن ~~التاسع. وهما في تراجم الصوفية. ومن تراجم الشعراء ~~لباب الألباب لمحمد عوفي الذي ذكرناه في مقدمة ~~الفصل، وهو أقدم كتاب فارسي في تراجم الشعراء. ~~وقد عني العلماء والأدباء من بعد بكتابه تراجم ~~أو «تذاكر» كما يسميها مؤلفو الفرس، فأخرجوا ~~تراجم لطبقات مختلفة مثل تذكرة الشعراء لدولت ~~شاه أتمه سنة 892ه وآنشكده للطيف علي، وتذكرة ~~الشعراء لسام ميرزا ابن الشاه إسماعيل الصفوي ومن ~~أحدثها مخزن الغرائب المؤلف في القرن الثالث ~~عشر الهجري. وهو يحتوي على نحو ثلاثة آلاف ترجمة، ~~ومعجم الفصحاء، ورياض العارفين لرضا قلي خان ~~مؤدب مظفر الدين شاه أحد الملوك ~~القاجاريين. ~~(3) # وأذيع المقامات عند الفرس؛ مقامات القاضي ~~حميد الدين المتوفى سنة 559ه، وهي ثلاث وعشرون ~~مقامة حاكى فيها ms0344 مقامات الحريري. ~~(4) # ومن القصص المنثور ترجمة كليلة ودمنة لنصر الله ~~بن عبد الحميد في القرن الخامس، وترجمة حسين بن ~~علي الواعظ الكاشفي التي سماها «أنوار سيلى» في ~~القرن التاسع. # ومن القصص الصغيرة التي يعنى فيها بالبلاغة ~~والموعظة أكثر من القصص كتاب كلستان للشيخ ~~سعدي، وبهارستان للجامي. # ولا ننس هذه الحكايات القصيرة في الموضوعات ~~المختلفة التي فاض بها الأدب الفارسي. # وقد جمعت في كتب منها «جامع الحكايات ولامع ~~الروايات»، جمال الدين العوفي. وقد ترجمه ابن ~~عربشاه إلى التركية بأمر السلطان مراد الثاني ~~العثماني. # هذه نظرة عاجلة جامعة في الأدب الفارسي أرجو أن تكون ~~معرفة بهذا الأدب بعض التعريف، كما أرجو أن يتلوها أبحاث ~~واسعة في هذا الأدب الواسع إن شاء الله. ~~(تم الجزء الأول من قصة الأدب في ~~العالم.) ~~(ويتلوه الجزء الثاني في عصر النهضة.) # القسم الأول: في الأدب الحديث إلى مبدأ القرن التاسع عشر‏ # 1 - النهضة في إيطاليا‏ # 2 - النهضة في فرنسا‏ # 3 - النهضة في ألمانيا‏ # 4 - النهضة في إسبانيا‏ # 5 - النهضة في إنجلترا‏ # 6 - الأدب الإنجليزي في عصر اليصابات‏ # 7 - من شيكسبير إلى ملتن‏ # 8 - جون ملتن1 (1608-1674م)‏ # 9 - من ملتن إلى العصر الأوغسطي أو الأدب الإنجليزي في النصف الثاني ~~من القرن السابع عشر‏ # 10 - الأدب الفرنسي في «القرن العظيم» وهو القرن السابع عشر؛ عهد لويس الرابع عشر‏ # القسم الثاني: في الأدب الغربي في القرن الثامن عشر والأدب الشرقي من سقوط بغداد إلى مبدأ القرن التاسع ~~عشر‏ # مقدمة‏ # 11 - الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر وهو الأدب الذي مهد ~~للثورة الفرنسية‏ # 12 - الأدب الإنجليزي في القرن الثامن عشر‏ # 13 - الأدب الألماني في القرن الثامن عشر‏ # 14 - في الأدب العربي‏ # 15 - الأدب الفارسي‏ # القسم الأول: في الأدب الحديث إلى مبدأ القرن التاسع عشر‏ # 1 - النهضة في إيطاليا‏ # 2 - النهضة في فرنسا‏ # 3 - النهضة في ألمانيا‏ # 4 - النهضة في إسبانيا‏ # 5 - النهضة في إنجلترا‏ # 6 - الأدب الإنجليزي في عصر اليصابات‏ # 7 - من شيكسبير إلى ملتن‏ # 8 - جون ملتن1 (1608-1674م)‏ # 9 - من ms0345 ملتن إلى العصر الأوغسطي أو الأدب الإنجليزي في النصف الثاني ~~من القرن السابع عشر‏ # 10 - الأدب الفرنسي في «القرن العظيم» وهو القرن السابع عشر؛ عهد لويس الرابع عشر‏ # القسم الثاني: في الأدب الغربي في القرن الثامن عشر والأدب الشرقي من سقوط بغداد إلى مبدأ القرن التاسع ~~عشر‏ # مقدمة‏ # 11 - الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر وهو الأدب الذي مهد ~~للثورة الفرنسية‏ # 12 - الأدب الإنجليزي في القرن الثامن عشر‏ # 13 - الأدب الألماني في القرن الثامن عشر‏ # 14 - في الأدب العربي‏ # 15 - الأدب الفارسي‏ # | قصة الأدب في العالم (الجزء الثاني) # | قصة الأدب في العالم (الجزء الثاني) # تأليف # زكي نجيب محمود وأحمد أمين # بسم الله الرحمن الرحيم # وهذا هو الجزء الثاني من «قصة الأدب» يصف الأدب من بدء النهضة إلى أول القرن التاسع ~~عشر. # وليس لدي الآن ما أقوله في وصف الكتاب وأغراضه أكثر مما قلت في مقدمة الجزء ~~الأول. # وقد طال هذا الجزء، حتى رأيت أن أقسمه قسمين، وأرجو ألا يفرغ القارئ من قراءة القسم ~~الأول، حتى يكون في يده القسم الثاني إن شاء الله. # ولا يفوتني أن أشكر الدكتور محمد مندور على عنايته بقراءة الكتاب أثناء طبعه. # والله أسأل أن ينفع به وبسابقه ولاحقه. # أحمد أمين # القسم الأول # | في الأدب الحديث إلى مبدأ القرن التاسع عشر # الفصل الأول # | النهضة في إيطاليا # إن ما يسمى عصر النهضة في مراحل التاريخ الأوروبي، عصر شهد بعثا جديدا للآداب ~~والفنون والعلوم، وامتد خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ويجوز لنا القول بأن ~~دانتي كان يحتضر طوال هذين القرنين؛ فقد زال الأدب الذي تمثله «الكوميديا الإلهية» ~~ليحل محله أدب آخر يعبر عن نزعات جديدة؛ إذ كانت حرية العقيدة الدينية وحرية ~~التفكير العلمي، وما نتج عنهما من العوامل، وليدة قرنين من الزمان. # فقد لبثت أوروبا في الشطر الأعظم من القرون الوسطى في ظلام دامس من الجهل، حيث طويت ~~ثمرات الفكر القديم في أديرة الرهبان، وما إن وجدت سبيلها إلى النشر، حتى أشرقت شمس ~~النهضة في طول البلاد ms0346 وعرضها تحيي بدفئها الجميل عقولا كانت قد ركنت إلى جمود الموت ~~زمانا طويلا، ولسنا في هذا المقام بصدد بسط مستفيض لبواعث النهضة وأسبابها، وحسبنا ~~أن نوجز في ذلك القول فنذكر أن سقوط القسطنطينية في أيدي الأتراك عام 1453م قد ~~تبعته هجرة العلماء اليونان إلى إيطاليا يحملون معهم علما بالأدب اليوناني كانت ~~أوروبا الغربية قد أضاعته، وجهلت من أمره كل شيء، وشاء الله أن يتعهد هذه الحركة ~~المباركة بالتوفيق، فهيأ للإيطاليين أن يتعلموا قبل ذلك بقرن صناعة الورق، وأن تخترع ~~المطبعة في ألمانيا قبل سقوط القسطنطينية بعشر سنوات، ثم حدث إلى جانب ذلك كله أن ~~استكشف كولمبس القارة الأمريكية عام 1492م، فانقلبت فكرة الناس عن دنياهم التي يسكنونها ~~رأسا على عقب. ويستحيل أن يقع كل هذا، ولا ينتج انقلابا في مذاهب الاجتماع والسياسة ~~والدين. # ولما كانت إيطاليا أقرب الدول الأوروبية إلى اليونان وألصقها بتراث الرومان القدماء، ~~فقد أصبحت مهدا للنهوض؛ ففي إيطاليا رفع الإنسان - لأول مرة بعد محنة القرون الوسطى - ~~بصره المكدود من طول النظر إلى القبور، والتفكير في يوم البعث والنشور، ليستمتع بجمال ~~الحياة فوق هذه الأرض الفاتنة، وكانت المدن الإيطالية بصفة عامة، وفلورنسه بصفة خاصة ~~مهبط النور، وقد استمدت ضياءها من أثينا كما يستمد القمر ضوءه من الشمس، وأول ما هم ~~العلماء الإيطاليون بصنعه أن أنقذوا الوثائق المخطوطة القديمة من فناء كاد يحيق بها ~~في مدافنها، وأخذ المترجمون ينقلون إلى اللغات الحديثة تراث اليونان والرومان، نعم كتبت ~~مؤلفات عظيمة القدر في عصر النهضة، لكن كان لنشر القديم في عالم الفكر القسط ~~الأوفى. # لم يلبث الفكر بعد موت دانتي أن نحا نحوا جديدا في فلورنسه أولا، ثم في إيطاليا ~~كلها، ثم في أوروبا بأسرها، فلئن ظل الأدباء يلتمسون في دانتي نموذجا يحتذى في جودة ~~الأسلوب، فإن رجال الفكر وأصحاب العمل لم يجدوا فيما كتبه دانتي عونا لهم فيما ~~تتطلبه ظروف الحياة الجديدة؛ فإذا قيل إن دانتي لم يؤسس مدرسة، وإنه في الحلبة فريد ~~لا يحيط به التلاميذ والأتباع، فما ذاك ms0347 إلا لأن العالم سارت قافلته في اتجاه جديد، ~~وخلف وراءه دانتي، وربما كان ذلك لأنه مثال من الأمل تعذر على الحياة العملية أن ~~تحققه فأهملته. # ارجع ببصرك إلى فلورنسه بعد موت دانتي بعشرين سنة (1348-1349م) حيث الوباء يفتك ~~بأوروبا فتكا ذريعا، «والموت الأسود» يحصد الناس ألوفا ألوفا، فماذا ترى؟ زالت من ~~الأذهان فكرة التمتع بالحياة، وأحل رجال الدين مكانها متعة أخرى هي البعد عن بهجة ~~الدنيا وزخرفها إلى الصوامع القصية والأديرة البعيدة، فماذا يكون «الموت الأسود» الفتاك ~~إن لم يكن نقمة من الله أراد بها القصاص من البشر على ما اقترفته أيديهم من خطيئة ~~وشر؟ فلينفض الناس عن أنفسهم دنس الحياة ليخلصوا لله العبادة والتفكير؛ فأثمرت تلك ~~العزلة أثرا أدبيا جميلا هو كتاب «محاكاة المسيح» لمؤلفه «توماس أكمبس»، # 1 # وكانت النزعة السائدة أن الآخرة قبل الدنيا، والموت فوق الحياة، وإرادة ~~الله نافذة وليس للإنسان بجانبها إرادة، وأن العقل الإنساني ضعيف عاجز فمن الحمق أن ~~يطالب بحريته. # لكن هل يمكن أن يخيم هذا الخمود على العقول من غير أن تحاول الإفلات؟ إن ذلك لا يستوي ~~وطبيعة البشر، فلا بد أن تشرق للنهضة طلائع، تمثلت أولا في «بترارك» و«بوكاتشو» حتى ~~إذا ما ازدهرت النهضة في إيطاليا شهدت من حماة الشعر والفن أسرة مديتشي وأسرة بورجيا ~~وأسرة أورسيني، وشهدت من رجال الفن «ميخائيل أنجلو» و«رفائيل» و«دافنشي»، ومن الأدباء ~~«أريوستو» و«مكيافلي»، وحسب إيطاليا في عصر نهضتها هذه الأنجم السواطع دليلا على ما ~~بلغته من عظمة ومجد. ~~(1) بترارك Petrarch ~~(1304-1374م) # لكن هذه النهضة الأدبية لم تكن لتزدهر لولا أن وجدت تربة صالحة تورق فيها وتثمر، ~~وإنما تعهد هذه التربة نفر هم من حركة النهوض بمثابة الطلائع والبشائر تهتف بقادم ~~جديد، ومن هؤلاء بترارك الذي كان يصغر دانتي بجيل واحد، ويكبر بوكاتشو بتسع سنوات، ~~والذي غلبت شهرته في زمانه - وإلى قرنين مقبلين - اسم دانتي، فضؤل دانتي عند الناس ~~بالقياس إلى بترارك الذي توج أميرا للشعراء في روما، وخلع عليه معاصروه كل ~~علائم التمجيد. # لقد أنفق بترارك ms0348 شطرا عظيما من حياته في بلد قريب من «أفنيون # Avignon ~~» ولم يكد يغادر مكتبته قط إلا إلى رحلة ~~يرجو بها أن يجد مخطوطات قديمة أخرى، وكان من الكنوز التي هبط عليها «شيشرون» الذي ~~وجد فيه بترارك متاعا لا حد له، إذ كانت غايته المنشودة أن يستمد لإيطاليا ~~الجديدة حياة من ينابيعها القديمة، فكان مما عبر فيه بترارك عن حبه للاتينية ~~القديمة ملحمته «أفريقيا» التي أدارها حول حروب «سيبيو # Scipio ~~» # 2 # و«هانيبال # Hannibal ~~»، والعجيب أن ~~بترارك قد آثر هذه القصيدة التي أعجمت على أهل عصره كما تعجم علينا الآن فلا نحاول ~~قراءتها، آثرها على قصائده الغنائية، مع أن هذه القصائد قد أصبحت في أوزانها ~~نموذجا يحتذيه الشعراء من بعده، فبترارك خالد في عالم الأدب بأغانيه، وأشهرها وارد ~~في ديوانه «أشعار إلى سيدتي لورا» ولعلها أنفس ما تقدم به رجل لامرأة، فالقصائد ~~التي عبر فيها بترارك عن حبه لها، وعن أمله ويأسه، والتي صب فيها حزنه العميق ~~لموتها، تعد من أروع ما أنتجت قرائح الشعراء. # كان بترارك يكتب اللاتينية في يسر وطلاقة، ويدعو الناس إلى دراسة الأدب الإغريقي ~~في أصوله، فكان بذلك أول مذيع للدعوة الهلينية في أوروبا الحديثة، مع أنه هو نفسه ~~لم يتعلم قراءة اليونانية، ومات وهو يقرأ ترجمة «الأوذيسية»، ويكتب مذكراته على ~~هوامشها في مكتبته على سفح جبل معشوشب، فكان حبه للإقامة في حضن الطبيعة حلقة ~~أخرى تربطه بالاتجاه الطبيعي الجديد، ذلك الاتجاه الذي أفصح عن نفسه في رحلات الناس ~~الاستكشافية في الزمان وفي المكان معا، أما رحلاتهم في الزمان فقد تمثلت في الرجوع ~~إلى ثقافة الماضي ونشرها، وأما رحلاتهم في المكان فقد تمثلت في كشف أمريكا وغيرها ~~من أصقاع الأرض. # ومن مقطوعاته الغنائية التي أنشدها في حبيبته لورا: # لا سكينة لي في الليل # نشر الصمت على الأرض والسماء جناحا، # ورقد الوحش والطير لا يبدي في النعاس حراكا، # وسرى الليل في محفة مرصعة يشق في السماء طريقا، # وسكن سطح البحر فوق القاع لا يعلو صدره موج، # وأنا - يا ربة ms0349 الشعر - يقظان أبكي وأحترق، # لا تزول عن خاطري علة شقائي، وما أحلاها! # إني خلقت لحياة النضال يملؤها الحزن والغضب، # تملك علي الحبيبة لبي، لكني أستمد من ذلك راحتي. # فمن معين واحد نابض متألق # ينبع غذائي من حلو ومر. # إن يدا واحدة فيها شقوتي وراحتي # وهكذا أجاهد في الحب جهادا غير محدود؛ # فأحس كل يوم ألف موت وألف حياة. # ألا ما أبعد الطريق إلى سكينتي وسلامي! # هذا هو بترارك الذي لا يزال حيا بيننا بأغانيه، بل إن البحر الذي ~~اختاره لأناشيده لا يزال قائما في الأدب الإنجليزي باسم «البحر البتراركي» # 3 # إبقاء على ذكره، واعترافا بفضله، ولم يكن بترارك شاعرا وكفى، بل كان ~~فوق ذلك بشيرا بالثقافة الإنسانية الصحيحة، يبذر للمدنية بذورها لتنمو وتورق، ~~والمدنية عنده هي مدنية اللاتين والإغريق. ~~(2) بوكاتشو # Boccaccio # ولكن أين بترارك في هذه النزعة الإنسانية من بوكاتشو الذي كان أول من نبغ بين ~~الكتاب الإيطاليين في النثر القصصي، بل إن كثيرا من النقاد ليذهبون إلى أنه لا ~~يزال حتى يومنا هذا رب القصة القصيرة وسيدها. # ولد جيوفاني بوكاتشو في باريس عام 1313م من زواج غير شرعي لأب كان يشغل منصبا ~~على كثير من الوجاهة واليسار، فقد كان في مقدمة رجال التجارة في مدينة فلورنسه في ~~وقت كانت تسود المدينة فيه جماعة من الطبقة الوسطى أثرت فأزاحت الطبقة العليا ~~عن عرشها، وقضت أعمال التجارة أن يذهب الوالد إلى باريس في رحلة قصيرة، فاتصلت ~~الأسباب بينه وبين امرأة فرنسية، وكان «جيوفاني» ثمرة ذلك الاتصال، ثم عاد الوالد ~~مع وليده إلى بلده فلورنسه. # ولما شب الغلام أراد أبوه أن يعلمه التجارة وشئون المال، فأرسله إلى نابلي ~~ليمارس تلك الأعمال في أحد أفرع تجارته الممتدة الأطراف، غير أن بوكاتشو الصغير لم ~~يتعلم شيئا عن البيع والشراء؛ إذ لم تصادف التجارة من نفسه إلا نفورا، لكنه وجد ~~الحياة هنالك زاخرة فعب منها عبا، وقد قال بوكاتشو في نابلي إذ ذاك: «إنها ~~مدينة بهيجة غنية فاخرة تفوق سائر المدن الإيطالية جميعا، يملؤها اللهو ms0350 واللعب ~~وأسباب المرح ... وكانت فينوس معبودة الناس، فكثير من النساء قدمن المدينة وهن في طهر لوكريس # 4 # وغادرنها في خلاعة كليوبطره.» فقد بلغت الأخلاق فيها غايتها من ~~الانحلال، وانغمس الناس في المجون، بحيث جاز أن ينازع الملك «روبرت الحكيم» رجلا ~~من أهالي نابلي في أبوة طفلة ولدتها زوجة ذلك الرجل، فزعمها الملك روبرت لنفسه بحجة ~~أنه اتصل بأمها في إحدى ساعات اللهو منذ تسعة أشهر، فأجابه الرجل إنه على فرض صدقه، ~~فما زال الأرجح أن تكون الطفلة ابنته؛ لأنه اتصل بزوجته في الفترة التي أشار إليها ~~الملك، فضلا عن شبابه وفتوته. # وشاء القدر أن تكون هذه الطفلة أشد المثيرات الوجدانية في حياة بوكاتشو، فقد ~~شهدها في الكنيسة لأول مرة، وكانت عندئذ في عامها السابع عشر تصغره بعام واحد، ~~وكانت قد تزوجت قبل ذلك بعامين، فأحبها للنظرة الأولى، وأخذ يحدق فيها حتى اضطرت ~~الفتاة أن تسدل على وجهها قناعها، على أنه لم تمض أيام حتى توثقت بينهما الصلات، ~~وهي التي أشار إليها بوكاتشو في حكاياته باسم «فيامتا # Fiametta ~~»، وما مضت على حبهما عشر سنوات حتى قضى عليها «الوباء ~~الأسود»، كما قضى على «لورا» حبيبة بترارك، ثم لم يلبث أن ألمت به ملمة أخرى، ~~وهي أن أباه أضاع كل ماله فهوت الأسرة كلها في مسغبة ردت عنها الأصدقاء، فلما ~~أثقل الهم قلب بوكاتشو حج إلى قبر فيرجيل، وهنالك قطع على نفسه عهدا أن يهب ~~حياته للأدب. # وأول ثمراته في الأدب قصيدة «فيلو ستراتو # Filostrato ~~» # 5 # التي تتكون كل مقطوعة فيها من ثمانية أشطر، وقد نسج على منوالها «شوسر» ~~قصته «ترويلس وكرسدا # Troilus and Criseyda ~~»، ~~وكذلك أثمر حبه للأدب أثرا أدبيا آخر هو قطعة نثرية عنوانها «فيلوكولو # Filocolo ~~» كتبها ليدخل السرور على قلب حبيبته، ثم ~~قصة «فيامتا» التي قيل عنها إنها أول قصة تحليلية عرفتها الآداب الأوروبية، وهي ~~تعالج عواطف الزوجة التي هجرها الحبيب، وبعدئذ أنشد قصيدة «ننفيل فيسولو # Ninfale Fiesolo ~~» التي قال عنها إنها خير ما ~~أنشد من شعر. # ولم يمض طويل ms0351 زمن بعد موت حبيبته «فيامتا» (واسمها الحقيقي مارية)، حتى عاد ~~بوكاتشو إلى فلورنسه، وأخذ في إنشاء آيته الكبرى، وهي كتاب «ديكامرون» أو الأيام ~~العشرة. وموضوع الكتاب عشرة أشخاص - سبع نساء وثلاثة رجال - قرروا أن يلوذوا ~~بالفرار من المدينة الموبوءة إلى الريف الطلق، وأخذوا على أنفسهم أن يسروا عن ~~أفئدتهم المحزونة بقصص يروونها، فيروي كل منهم حكاية كل يوم، وأن يظلوا على هذا ~~النحو عشرة أيام فيكون من ذلك مائة قصة، وسترى أن شوسر الشاعر الإنجليزي سيستوحي ~~الديكامرون في كتابه «حكايات كانتربري». # قرر هؤلاء العشرة ألا يذعنوا للموت في فلورنسه، وأن يفروا إلى حيث الحياة خارج ~~أسوارها، فجمال السماء لم يغير منه الموت الأسود الذي ألم بالأرض، وقصد الكاتب ~~بذلك أن يرمز إلى الإفلات من قيود العصور الوسطى إلى حيث الحرية والطلاقة، فكأنما ~~خروج تلك الفئة من مدينة فلورنسه هو خروج من التقاليد وانقشاع لغيوم اللاهوت وسحائب ~~التفكير العقيم. # تقول «بامبينيا Pampinea ~~» - أحد الأشخاص العشرة ~~- في مستهل الديكامرون: «لا بد أن يقي الإنسان حياته، وأن يصونها ويحميها ما استطاع ~~إلى ذلك سبيلا، فهذا ما يحتمه العقل الفطري في كل إنسان.» هذا حق طبيعي للإنسان ~~وسط «هذا الوباء الفتاك الذي قد يكون نتيجة لما يصنعه رجال الدين أو عقابا عادلا ~~من الله على ما اقترفت أيدينا.» ذلك الوباء الذي أصاب «مدينة فلورنسه البهيجة، أجمل ~~المدن الإيطالية على الإطلاق ... وقد تغلغل هذا الوباء في عقول الرجال والنساء؛ ~~فانصرف من هوله الأخ عن أخيه ... بل هجرت الزوجة زوجها، بل هجر الآباء والأمهات بنيهم ~~لغير راع أو زائر، فخلفوهم للفناء كأنما هم عنهم غرباء!» ومع ذلك الهلع والجزع ~~استشارت «بامبينيا» أصحابها كيف السبيل إلى نجاة الكرامة الإنسانية، حتى في مدينة ~~الموتى، وقالت: «لا بد لنا من بهجة بالحياة ما دمنا لا نجاوز حدود العقل في كل ~~صغير من الأمر، ففي الريف الجميل سنصغي إلى تغريد الطير، ونلقي بأبصارنا إلى ~~التلال والسهول الخضراء، وإلى حقول القمح تميل كما يميل موج البحر، وإلى ألوان ~~الشجر وما أكثرها! ms0352 هنالك سننظر إلى السماء نظرة أوسع أفقا، فمهما تكن قاسية علينا ~~فلسنا نحد ما لها من جمال فاتن دائم.» # تلك نظرة جديدة بغير شك، فبعد أن كان الناس في العصور الوسطى يركزون اهتمامهم في ~~أنفسهم، ويقيسون الأشياء بمقياس مصالحهم، فينظرون إلى السماء كأنما هي وحش يكشر لهم ~~عن أنيابه لينتقم، أصبح الناس في مستهل النهضة ينظرون إلى الطبيعة نظرة موضوعية، ~~يرون مناظرها، ويسمعون أنغامها ليعيشوا فيها وفق ما يحتمه العقل السليم، وحين أطلق ~~بوكاتشو لسان بامبينيا قائلا: «نريد أن نحيا حياة مرحة.» إنما أراد بذلك أن يخلق ~~جمهورا قارئا يستمتع بقراءة حكاياته. # والحق أن قصص الديكامرون ممتعة تشتمل على كثير من مواقف الجد والهزل؛ فيها سخرية ~~بالقساوسة والرهبان الذين غصت بهم العصور الوسطى، وفيها أصول لكثير جدا من ~~الملاهي التي جرت بها أقلام الكتاب المسرحيين، وفيها بهجة ومرح ومجون. ولعل خير ما ~~يوصف به هذا الكتاب هذه العبارة الموجزة الجامعة التي اختارها له مترجمه إلى ~~الإنجليزية في القرن السابع عشر، وهي: «نموذج للمرح والبديهة الحاضرة والفصاحة وحسن ~~الحديث.» فموضوعات هذه القصص من التنوع والتباين، بحيث لا تجد لها في ذلك ضريبا، ~~فمنها ما يخوض في مهاترات الحمقى، ومنها ما يستدر أرق العواطف وأرقاها، وبعضها ~~تافه الموضوع، وبعضها يخرج على حدود العرف الاجتماعي، بحيث لا يصلح أن ينشر اليوم ~~في مجلة تطالعها عامة الناس، ولكنك لن تجد في هذه القصص المائة واحدة قد زلت ~~فيما يزل فيه الكثير من الآثار الأدبية، وهو جمود العاطفة وبرودها. # إن من الآثار الأدبية ما يصور للإنسان مثله الأعلى ليجتذبه نحوه، ومنها ما يصور ~~له عيوبه ليضحكه من نفسه، فالكوميديا الإلهية لدانتي من الضرب الأول، والديكامرون ~~لبوكاتشو من الضرب الثاني. إن الإنسان حيوان طموح تراه دائما يزخرف حقائق طبيعته ~~بأوهام ليتوهم أنه كامل أو مقترب من الكمال؛ ولذا تراه أحيانا يبذل مجهودا ~~محمودا محاولا أن يحيا وفق أوهامه لعله يدنو فعلا مما رسمه لنفسه من مثل أعلى، ~~لكنه كثيرا ما يفشل ضعفا وعجزا، فيجد العزاء والسلوى ms0353 حين يقرأ كتابا ~~كالديكامرون يذكره بأن في الناس آلافا يماثلونه ضعفا ونقصا. # لقد زعمنا فيما سلف أن الكوميديا الإلهية تمثل ذروة ما بلغه الأدب في العصور ~~الوسطى، وأن الديكامرون يمثل البادرة التي بشرت بالنهوض والإحياء، فمن أين أتى ~~هذا الخلاف؟ هو في أن الكوميديا الإلهية تهيئ القارئ لحياة الآخرة، بينما أريد ~~بالديكامرون أن يعد الإنسان نفسه للحياة على هذه الأرض، وها هنا يقع الفارق بين ~~روح العصور الوسطى وروح العصر الحديث. # إن الديكامرون من أكثر الآثار الأدبية ميلا إلى تصوير الواقع من غير تأثر بالميل ~~والهوى، فأدبه موضوعي متطرف، إذ لا تلمس شخصية المؤلف في أي موضع من الكتاب، ولا ~~هو يلون القصة بميوله الخلقية، فالحكايات تروى من وجهة نظر إنسان متفرج يقص علينا ~~أن شيئا معينا وقع على نحو معين، دون أن يضيف الكاتب عاطفته من إشفاق أو تأنيب، ~~لذلك ترى بعض ما يثير الأسى والحزن في شخصيات القصة يثير فينا الضحك، وهذا تصوير ~~دقيق لما يحدث في الحياة الواقعة، فقد يحب فتى فتاة، وتقوم في وجهه عقبات تستدعي ~~منه سلوكا معينا فيه غرابة وشذوذ، فمثل هذا السلوك في عين صاحبه فرض محتوم عليه ~~لا قبل له برده، ولكنه حين يروى لنا قد نراه مهزلة مضحكة، وإذن فالقصة ~~الواحدة قد تضحك وقد تبكي حسب أسلوب روايتها. وقد حكى بوكاتشو حكاياته على نحو ~~يثير في قارئه الضحك من ضعف الإنسان؛ لأنه حكى الواقع، والواقع أكبر ~~المهازل. # كان بوكاتشو مبتكرا لبعض حكاياته، لكنه لم يصنع في بعضها الآخر غير الصياغة ~~والتعبير؛ إذ كان منها ما هو شائع يحكيه الناس بعضهم لبعض، ومنها ما ترجمه عن ~~الخرافات الفرنسية القديمة. ومهما يكن من أمر مصادر الكتاب، فقد أصبح الديكامرون ~~جزءا من الأدب العالمي، ولا يزال الشعراء الإنجليز من أقدمهم إلى أحدثهم يردون ~~حوضه الغزير، ويستقون منه. وقد ترجم إلى اللغات الأوروبية، وظهرت أول ترجمة ~~إنجليزية له في سنة 1620م، وقد نقله إلى الإنجليزية حديثا «رج # G. ~~M. Rigg ~~» كما نقلته الكاتبة القصصية «فرانسز ms0354 ونوور # Frances Winwor ~~»، وحاولت أن تنقل لهجة ~~بوكاتشو التسكانية المتدفقة المرنة إلى إنجليزية سلسة مما يستخدم في ~~الحديث. # ذلك هو كتاب ديكامرون الذي قال عنه أحد النقاد: إن الأدب قد انتقل به «من منطقة ~~ما وراء الطبيعة والقصة الرمزية واللاهوت، وأخذ يحيا حياة جديدة وفق الأصول ~~الكلاسيكية القديمة التي تعمل على تقليد الطبيعة تقليدا مباشرا.» # فرغ بوكاتشو من كتابة ديكامرون بلهجته التسكانية، ثم حدث أن ذهب إلى «بادوا» ~~مبعوثا من جمهورية فلورنسه ليعيد بترارك من منفاه، وكان بوكاتشو قد حفظ أغاني ~~بترارك عن ظهر قلب، وأعجب به منذ الصبا، فلما التقى ببترارك وجده مشتغلا بإحياء ~~اللاتينية واليونانية القديمتين إحياء جعله أبا للنهضة الأدبية غير مدافع، وقد ~~تأثر به بوكاتشو فأمسك عن الكتابة باللهجة التسكانية ليكتب باللاتينية كتابة ~~العلماء. ومما نذكره عن بوكاتشو أنه هو الذي أضاف إلى عنوان ملحمة دانتي لفظة ~~«الإلهية»، فأصبح «الكوميديا الإلهية» كما هو اليوم. # ومات بوكاتشو في ديسمبر من سنة 1375م، وهو في عامه الثاني والستين بعد أن أنفق ~~أواخر أعوامه في فاقة مريرة وحزن أليم، لكنه كان قد شق طريق الخلاص من العصور ~~الوسطى، وقد كان في أوله طريقا ضيقا وعرا، فهو ضيق؛ لأن الرائد الأول كان لا بد ~~له أن يحصر انتباهه في البقعة التي أمامه، ولذلك جاء كتاب بوكاتشو صورة لمكان ~~بعينه وزمان بعينه، حتى ليصح أن يقال عنه إنه يصور إيطاليا في القرن الرابع عشر، ~~وهو وعر؛ لأن تفتيت الصخر عمل مجهد شاق، لكن الطريق الجديد سلك بالنزعة الجديدة ~~عبر جبال الألب إلى مسالك فسيحة طيعة، هي آفاق الآدب الأوروبي الحديث. # وهاك موجزا لإحدى قصص بوكاتشو، وعنوانها «قصة شابين». ~~••• # طبقت شهرة سليمان في الحكمة الخافقين، فقصد إليه الناس من كل حدب وصوب ~~يستلهمون حكمته، فبين من حج إليه شاب يسمى «مليسو»، وكان غنيا نبيلا. ولما كان ~~«مليسو» في طريقه إلى أورشليم قادما من بلده أنطاكية، صادف شابا آخر يدعى ~~«جيوسيفو» في سبيله إلى الغاية نفسها، فبادله الحديث على نحو ما يفعل المسافرون، ms0355 ~~وتساءلا عن الغاية المقصودة، فأجاب «جيوسيفو» إنه إنما يريد مشورة سليمان في ~~الطريقة المثلى التي ينبغي له أن يعامل بها زوجته التي لا يضارعها بين النساء ضريب ~~في شذوذها وعنادها، فقد وعدها تارة وتوعدها طورا، لكنه أخفق في وعده ووعيده، ولما ~~سئل «مليسو» عن غايته أجاب: «إن حالي كحالك سوءا، فبرغم يساري وسخائي على بني وطني ~~جميعا، لست أجد فردا واحدا منهم يبدي لي الحب ، فها أنا ذا في طريقي إلى سليمان ~~أستفتيه كيف أستطيع أن أظفر من الناس بالحب.» # ومضى الشابان حتى بلغا بيت المقدس، ومثلا بين يدي سليمان، فلما ذكر «مليسو» أمره ~~موجزا أجابه الملك بكلمة واحدة وهي «أحب» وأخرج مليسو من الغرفة، ثم شرح ~~«جيوسيفو» سبب قدومه، فلم يزد سليمان في إجابته على قوله: «اذهب إلى جسر الأوز.» ~~وأخرج كذلك من حضرة الملك، فوجد «مليسو» في انتظاره وأنبأه جواب سليمان. وفكر ~~الرجلان في الإجابتين، فما وجدا فيهما شفاء، فأخذتهما الريبة لعل الملك قد سخر ~~منهما، وأخذا في المسير راجعين إلى بلديهما. # مضت أيام، ثم بلغا نهرا يصل شاطئيه جسر ضيق، وكانت طائفة من البغال والجياد ~~تعبره واحدا إثر واحد، فاضطر المسافران إلى الوقوف حتى يخلو لهما الطريق، فمضت ~~الدواب في سبيلها إلا بغلا ثبت قوائمه في مواضعها لا يتحول عنها قيد أنملة، ~~وعندئذ أخذ صاحبه يستحثه بالعصا، يضربه ضربا خفيفا، فأخذ البغل يلوي عنقه يمنة ~~ويسرة ولا يسير، فاستشاط الرجل غضبا وضربه ضربا مبرحا آلم المسافرين؛ فقالا له: ~~«ماذا تصنع أيها الوغد؟ أتريد قتل دابتك؟ لم لا تحاول أن تأخذها بالرفق واللين؟ ألا ~~تدري أن اللين أفعل أثرا من ضرب العصا؟» فأجاب الرجل: «أنتما أعرف مني بجواديكما، ~~وأنا أعلم منكما ببغلي، فاتركاني أفعل به ما أشاء.» واستأنف الضرب حتى لم يجد البغل ~~بدا من المسير، وتبعه مليسو وجيوسيفو، فسأل جيوسيفو شابا جالسا عند نهاية ~~الجسر: بماذا يسمي الناس ذلك الجسر، فقال الشاب: «إننا نسميه يا سيدي جسر الأوز.» ~~فتذكر جيوسيفو جواب سليمان، ونظر إلى زميله وقال: «أؤكد ms0356 لك يا صاحبي أني أدركت الآن ~~أن حكمة سليمان صائبة لا زلل فيها، فقد فاتني أن أعالج عصيان زوجتي بالعصا، وها قد ~~علمني هذا الرجل ماذا أصنع.» # وبلغ المسافران بعد أيام أنطاكية، فطلب «جيوسيفو» من «مليسو» أن يقيم معه يوما ~~أو يومين قبل أن يستأنف السفر، لكن زوجة جيوسيفو قابلتهما بوجه عابس، فأمرها ~~زوجها «جيوسيفو» أن تعد العشاء الذي يأمرها به صاحبه «مليسو»، ورغب الزائر في ~~ألوان معينة من الطعام، فأبدت الزوجة عصيانها المعهود، وأضافت إليه سخرية بما رغب ~~فيه الزائر من ألوان الطعام، فقال لها زوجها مهددا: «ألم يقل لك الضيف ماذا تعدين ~~لعشائه؟» فأجابت: «مرحى مرحى! ماذا تعني؟ إن أردت عشاء، فقم أنت وأعد ما تريد.» ~~فقال: «إنك لا تزالين على عنادك، ولكني سأعلمك هذه المرة كيف تسلكين!» ونظر إلى ~~زميله مليسو، وقال: «سترى يا صديقي بعد قليل حكمة سليمان وصدقها.» وأخذ يضرب زوجته ~~بالعصا، فصرخت صرخة تتوعد بها زوجها، فلما مضى جيوسيفو في ضربها، أخذت تستمطر عطفه ~~وتستدر رحمته، ووعدت أن تكون أوامره منذ ذلك اليوم مطاعة ... # وسافر مليسو بعدئذ إلى بلده، وأنبأ رجلا حكيما ما نصحه به سليمان، فقال ~~الحكيم: إن سليمان ما كان ليجيبك بأصدق من هذا الجواب، ولا بأحكم من هذه النصيحة، ~~إنك تسخو على الناس بمالك، لكنك لا تحبهم، فأنت تصنع ما تصنع حبا للظهور ~~والتماسا للنفوذ «أحب الناس» إذن كما نصحك سليمان يبادلك الناس حبا ~~بحب. # هكذا عوقبت المرأة العاصية فصلحت، وأحب الرجل الناس فأحبه الناس. ~~(3) مكيافلي # Machiavelli # اختار بوكاتشو لقصصه نثرا سلسا دفاقا ليلائم فنه الطروب، ثم جاء مكيافلي في ~~القرن الذي يليه، فصاغ من النثر الإيطالي لونا آخر يصلح للعرض والتحليل. # ولد مكيافلي في فلورنسه عام 1469م، وقبل أن ~~يبلغ الثلاثين عين في منصب رفيع في حكومة الجمهورية الفلورنسية، فاقتضاه منصبه ~~أن تبعثه حكومته سفيرا إلى سائر المدن الإيطالية كما أرسلته إلى بلاط لويس الثاني ~~عشر ملك فرنسا، ولعل أهم سفارة له هي التي حدثت سنة 1502م حين أرسل ممثلا ms0357 لحكومة ~~فلورنسه عند قيصر بورجيا # 6 # الذي كان عندئذ في أوج مجده، وقد قص مكيافلي للناس قصة سفارته تلك ~~في سلسلة من الخطابات وصف فيها قيصر بورجيا بأنه «أمير يحكم لنفسه.» ثم يتحدث عنه ~~في موضع آخر بأنه «رجل لا رحمة عنده، يكفر بالمسيح، وهو كالأفعى التي تقتل ~~بنظراتها أو كالهيدرا ذات الرءوس الكثيرة، وجدير أن ينتهي أمره إلى شر الخواتيم.» ~~ومع ذلك فقد أعجب مكيافلي بهذا الوحش الآدمي وساقه في كتابه «الأمير» نموذجا ~~ليحتذيه سائر الأمراء. # جاء عام 1512م وعادت أسرة مديتشي إلى حكم فلورنسه، فأقيل مكيافلي من منصبه وسجن ~~وعذب، وأخيرا اعتزل في ضيعة ريفية صغيرة، حيث أنشأ كتابه «الأمير» ومات في ~~فلورنسه وله من العمر ثمان وخمسون سنة. # كان مكيافلي سياسيا ينغمس في شئون الحياة إلى قمة رأسه، لكنه إذا ما خلا لقلمه ~~خرج من إهابه فنان بارع، يعرف كيف يستخدم الألفاظ، وإنها لظاهرة تستحق التسجيل في ~~النهضة الإيطالية، أن نرى مناشط العقل يتداخل بعضها في بعض؛ فهذا شاعر وسياسي في ~~آن، وذلك مثال يقرض الشعر ويمتشق الحسام ويضرب في شئون الدولة بنصيب، انظر ~~مثلا إلى «لورنزو دي مديتشي» طاغية فلورنسه الذي كان يكبر مكيافلي بأعوام قلائل، ~~والذي اتخذ مكيافلي من حياته موضوعا لدراسته، انظر إليه كيف كان يصرف سياسة ~~دولته، ثم يشجع رجال الفن، ويخلع عليهم الهبات، ثم لا يكتفي بذلك، فيحمل القلم ~~ليكتب كتابة الأديب. # كان مكيافلي - كما قدمنا - يسفر لأمته عند الملوك والأمراء، وكان مشتغلا بسياسة ~~بلده ينعم بها آنا ويشقى بها آنا، فعرف خفايا الحكم معرفة الخبير، لهذا هم أن ~~يبحث مشكلة الدولة في كتابه «الأمير» الذي يعد أول بحث واقعي تحليلي للمجتمع ~~السياسي، فتراه يبسط في كتابه هذا ما ينبغي أن يصنعه الأمير لو أراد لحكومته النجاح ~~والتوفيق. وبلغت به الجرأة في الرأي حدا لم تألفه الأسماع؛ فهو يقرر - مثلا - في ~~صراحة «بأن الأمير الذي يريد حفظ كيان دولته لا بد له في كثير من الأحيان أن يخالف ~~الذمة والمروءة والإنسانية والدين.» ms0358 لهذا أصبحت كلمة «مكيافلي» تعني في عالم ~~السياسة المخادع الماكر الذي لا يستمع إلى صوت الضمير، فقد قال مكيافلي في الدولة ~~رأيه عاريا ممثلا للواقع، فلم يزعم - رياء - أن الحكومة من شأنها أن تكون شريفة ~~خيرة، ولم يشطح به الخيال، فيطلب للشعب «دولة فضلى»، لكنه رجل عملي، يحتم أن ~~تقوم على أمور الناس حكومة تسلك في حكمهم ما يتفق وطبائع البشر وظروف الزمان ~~والمكان. إن كتاب «الأمير» أثر عقلي من أعظم ما أنتج الإنسان، وفيه أصالة في ~~الرأي، وإبداع في التفكير، وهو على ما فيه من تفصيلات ذهبت طلاوتها لارتباطها ~~بمكان معين وزمان خاص؛ لا يزال في أفكاره الرئيسية كأنما أخرجته المطبعة بالأمس. ~~وإنك لتجد من كتاب السياسة من يمجه ويلفظه لخروجه على مبادئ الأخلاق وقواعد ~~الشرف، لكن رجال السياسة العملية يعلمون في أعماق نفوسهم أن مكيافلي صريح يصف ~~الأمور كما تقع؛ فهو في كتابه هذا علمي الروح والأسلوب، يلاحظ ويسجل، وهو في ~~نظم الحكم أميل إلى المحافظة والجمود، لا يخضع لمثل أعلى ولا خلق أسمى، تعجبه - ~~إلى حد ما - حكومة الطاغية المستبد؛ لهذا تراه يؤيدها، ويضع لها القواعد والأصول. ~~ونحن فيما يلي نسوق مثالا من كتابه يصور طريقته وأسلوبه: «إن الأمير الذي يبتغي ~~لنفسه القوة لا يجوز له أن يعنى أو يفكر إلا في الحرب، وإلا فقد عرض ملكه ~~للضياع، فإن كان جاهلا بشئون الحرب فلن يظفر باحترام جنده، ولن يجد في نفسه ~~اطمئنانا إليهم؛ لهذا وجب عليه أن يمارس هذا الفن عمليا، وأن يدرسه دراسة ~~نظرية. فأما المران العملي فالصيد من وسائله؛ إذ الصيد يتيح فرصة نادرة لمعرفة ~~البلاد، كما يكسب الجسد قوة وفتوة. وأما الدراسة النظرية فوسيلتها أن يطالع ~~الأمير أخبار التاريخ، وأن يتدبر أعمال العظماء، وأن يبحث ما أدى بهم إلى النصر، ~~وما أدى إلى الهزيمة، وأن يقتفي في سلوكه خطى الأعلام المشاهير. # إن من يأخذ نفسه بمثل أعلى في الخير يحتذيه في كل شيء منته - ولا بد - إلى ~~الدمار؛ لأنه يعيش بين أناس لا يعرفون ms0359 إلى الخير سبيلا، وإذن فلا مندوحة للأمير ~~أن يعلم كيف ينحرف عن الخير، ومتى يستخدم خيره ومتى ينصرف عنه، تبعا لضرورة الظرف ~~القائم. # قد يكون مما ينفع الأمير أن يشتهر بين الناس بالكرم، أما أن يكون كريما ثم لا ~~يعلم عنه الناس ذلك؛ فمما يعود عليه بالضرر ... # يجب أن يعمل الأمير على أن يقال عنه إنه رحيم لا يعرف القسوة، لكن الأمير الجديد ~~لا ندحة له عن شهرة بالقسوة؛ لأن الذي يقضي على الفوضى بضربات قلائل حاسمات هو ~~الذي يكون في نهاية الأمر أرحم ممن سواه. # إن الناس أسرع إلى الإساءة إلى من وضع نفسه من قلوبهم موضع الحب، منهم إلى من جعل ~~نفسه مخوفا مهيبا، ومع ذلك فينبغي للأمير أن يلقي في نفوس الناس خوفا على نحو ~~إن لم يمكنه من اكتساب حبهم فلا يثير مقتهم، وليذكر أن الناس أسرع إلى نسيان ~~قتل آبائهم منهم إلى نسيان إرث فقدوه. # يجب أن يكون الأمير أسدا، ولكن ينبغي له أن يتعلم كيف يلعب دور الثعلب، فمن أراد ~~أن يخدع لن يعدم أن يجد بين الناس من يستطيب الخداع، وعلى الجملة يجب ألا ينحرف ~~الأمير عن طريق الخير لو استطاع، لكنه يجب أن يعرف كيف يسلك سبل الشر إذا دفعته ~~الضرورة إليها ...» ~~(4) ميخائيل أنجلو # Michelangelo ~~(1475-1564م) # وبينما كان مكيافلي منكبا على الدولة ونظامها، كانت تسطع في سماء فلورنسه ~~عبقرية أخرى لعلها بلغت حدا لم يبلغه سواها من نوابغ النهضة في إيطاليا، وتلك هي ~~عبقرية ميخائيل أنجلو، فهذا المصور والمثال ينتمي كذلك إلى دولة الأدب، فلم يقنع ~~بإزميل النحت وفرجون التصوير، لهذا هب إلى القلم يقرض الشعر، فكانت له مقطوعات ~~جميلة كتبها وهو في سن الستين. ~~(5) بنفنوتو تشليني # Benvenuto Cellini ~~(1500-1571م) # ثم ظهر بعده مثال آخر يشتغل بالأدب، وهو بنفنوتو تشليني الذي كتب بقلمه ترجمة ~~حياته، فأضاف إلى النثر الإيطالي تحفة، وإلى الأدب العالمي أثرا خالدا. وترجمة ~~حياته صورة للرجل تملكته العواطف، واستبد به الغرور. والحق أن آثاره في النحت ~~التي لا تزال ms0360 معروضة في متحف فلورنسه لتشهد أن الرجل لم يسرف في غروره بنفسه، وهاك ~~صفحة من ترجمته لحياة نفسه: # إنه لواجب حتم على كل ذي موهبة ~~وخلق قويم - مهما تكن طائفته التي نشأ فيها - أن يدون أحداث حياته ما ~~دام قد أنتج أثرا مجيدا أو جديرا بالثناء، ولقد أدرت البصر، ورأيت بعض ~~الحادثات سارا سعيدا، كما رأيت منها حادثات كثيرة تشهد بالحظ المنكود، ~~فهالني ما رأيت من ماضي حياتي، حتى أثار هذا المشهد الرهيب في نفسي عجبا ~~كيف بلغت من العمر عامي الثامن والخمسين، ولا أزال بنعمة الله موفور ~~النشاط؛ فحفزني ذلك أن أنشر على الناس قصة حياتي. # أنا بنفنوتو وأبي جيوفاني تشليني، وأمي ماريا ليزابتا ابنة استفانو ~~جراناشي، وكلا أبوي من أهل فلورنسه، وكان أجدادي يقيمون بوادي أمبرا حيث ~~كانوا يملكون فسيح الضياع، وقد مهروا جميعا في حمل السلاح، ونبغوا في ~~فنون الحرب، وكان جدي أندريا تشليني ذا موهبة لا بأس بها في فن البناء، ~~وبلغ أبي جيوفاني حدا عظيما في فن التصوير. # وجاء مولدي يوم «عيد القديسين» من عام 1500م، وكان الوالدان يرقبان ~~بنتا، لكن أبي لم يكد يرى بعينيه الغلام غير المرتقب مشبكا يديه حتى ~~رفع بصره إلى السماء قائلا: «أحمدك اللهم من أعماق قلبي على ما منحتني، ~~وإنه لعزيز علي، ومقدمه حبيب إلى نفسي.» فسأله الحاضرون في مرح: ماذا ~~اعتزم أن يسمي الوليد؟ فلم يجب بغير هذه الكلمات: «إن مقدمه لخير»، ثم صمم ~~أن يكون هذا اللفظ «مقدم الخير» - وهذا معنى بنفنوتو - اسما لي، وهكذا ~~سميت عند التعميد. ولما بلغت الخامسة عشرة من عمري، اشتغلت مع صائغ ~~يدعى ماركوني، وكان ميلي إلى هذه الصناعة من القوة، بحيث لم تمض شهور ~~قلائل، حتى نافست فيها مهرة صناعها، كذلك مارست فن صياغة الأحجار ~~الكريمة في «سيينا» و«بولونيا» و«لوكا» و«بيزا»، فأخرجت في كل مكان من هذه ~~مصنوعات من الدقة والجمال، بحيث كانت آية في ذلك الفن، فأوحى إلي ذلك أن ~~أكون شديد الطموح. وقد احتفرت لوحة من فضة نقشت فيها ms0361 مجموعة من أوراق ~~الشجر، وطائفة من أجسام الشباب، وغير هذه من المناظر الفخمة، فلما وقعت على ~~هذه اللوحة أبصار جماعة الصائغين في فلورنسه، ذاع بينهم أني أمهر من يشتغل ~~في ذلك الفن من الشباب ... إلخ. ~~(6) أريوستو # Ariosto # كان كتاب النهضة وفنانوها يجمعون بين الاتباع والابتداع (أو النزعة ~~الرومانتيكية والنزعة الكلاسيكية)، فكانوا من جهة يقلدون القدماء، ويعنون بالفكرة ~~وزخرفة اللفظ، ومن جهة أخرى كانت آثارهم تنبض بالعاطفة والخيال، ولست تجد فيهم ~~سمات واضحة تنحاز بهم إلى جانب دون آخر. ومن أجمل ما تمثلت فيه النزعتان ملحمة ~~أنشدها أريوستو، وسرعان ما ذاعت بين الناس، وأصبحت أحب ما أنتجه الخيال في ~~القرنين الخامس عشر والسادس عشر إلى قلوب القارئين، حتى أطلق على كاتبها لقب ~~«الإلهي». وقد وصف أحد النقاد المحدثين هذه الملحمة بأنها «أنقى وأكمل مثال مما ~~بقي لنا من شعر النهضة»، وهي تصور عصرها في إحدى نواحيه، إذ تتجه اتجاها ~~إنسانيا، ولا تعنى بشئون الدين أو الحياة الآخرة، مما كان يشغل أدباء القرون ~~الوسطى. فمن أخص خصائص النهضة الأوروبية أنها حولت الأنظار من الآخرة إلى الدنيا، ~~ومن السماء إلى الأرض. # ولد «لودو فيكو أريوستو» عام 1474م، ولما ~~بلغ عامه التاسع عشر، بدأ يخدم أحد الكرادلة، وأخذ ينشئ ملحمته الكبرى «أورلاندو ~~فيوريوزو أي أورلاندو الثائر # Orlando Furioso ~~»، ~~وأكمل إنشاءها في عشر سنوات، ولم تكد تنشر حتى طار صيته في أرجاء إيطاليا، ووضعه ~~البابا ليو العاشر تحت رعايته، وبعد أن أتم الشاعر قصيدته، أخذ يكتب الملاهي ~~مقتفيا فيها أثر كتابها من اللاتين، وعلى رأسهم «بلوتس» و«ترنس». ولما دنا ~~أريوستو من ختام حياته عين حاكما لإحدى المقاطعات في جبال الأبنين، ولم يدفعه ~~إلى قبول هذا المنصب الذي لا يتفق ونزعة الشعر والخيال إلا فقر نال منه كما ينال ~~من معظم الشعراء. وقد حدث أن اجتاحت عصابات اللصوص إقليمه ذاك، بل وقع في أسرهم ~~الحاكم الشاعر! ومن لطيف ما يروى في هذا الصدد أن زعيم اللصوص لما علم أن أسيره هو ~~صاحب قصيدة «أورلاندو» بادر إليه ms0362 يطلب المعذرة، وأطلق سراحه تقديرا منه لشعره ~~الجميل. # وأورلاندو الثائر قصيدة خيالية تصف عراكا حادا عنيفا ينشب بين طائفة من ~~الفرسان المسيحيين، وأخرى من الفرسان الوثنيين، وفيها بالطبع مغامرات تثير العاطفة ~~وحب فيه الهمة والمروءة الجديرتان بالفرسان. وموضوع القصيدة شديد الشبه بقصص ~~«أرثر» التي مر ذكرها في أدب العصور الوسطى، بل إن «أورلاندو» الإيطالي هو نفسه ~~«رولان» الذي دارت حوله أساطير الأدب الفرنسي الوسيط. وتقع القصيدة في سلسلة من ~~مقطوعات شعرية، تبدأ كل مقطوعة منها بمقدمة تكون بمثابة حلقة تربط الحادثة ~~السابقة بالحادثة اللاحقة، ثم تتيح للشاعر في الوقت نفسه فرصة التفكير العميق في ~~مبادئ الأخلاق وخصائص الوطنية الصحيحة وما إلى ذلك. وقد ترجمت قصيدة «أورلاندو» إلى ~~الإنجليزية في عصر اليصابات، وأثرت في الأدب الإنجليزي إذ ذاك أثرا قويا. ولعل ~~أجمل أجزائها تلك السطور التي يصف فيها الشاعر يأس «أورلاندو»، وما استتبعه من جنون ~~حين يعلم أن حبيبته «أنجلكا» قد خانت عهده، وتزوجت من رجل آخر: # أنا لست «أنا»، لم أعد الرجل الذي كنته، # لم أعد أورلاندو، فأورلاندو قد قبر ومات؛ # فحبيبته التي خانت عهده، أواه! أيتها الصبية الحمقاء! # قد قتلت أورلاندو وطاحت برأسه. # أنا - من أورلاندو - شبحه يروح ويغدو # هائما إلى الأبد في هذا الوادي الأليم؛ # ليكون عبرة هائلة عادلة # لسائر الحمقى الذين يركنون إلى عهود الحب. # وفي موضع آخر من القصيدة يصف «أريوستو» موت ملك شاب شهم وصفا ~~رائعا فيقول: # انظر إلى هذه الزهرة الأرجوانية تذبل وتذوي، # انظر إلى حامل المنجل يجزها ثم يلقيها. # ها هو ذا رأس الخشخاشة على أرض الحديقة يهوي، # طاحت به قطرات الغيث فألقت به حطيما، # هكذا سقط «داردنل» فوق الأرض على وجهه الشاحب، # وهكذا خلف الحياة ومضى؛ # مضى من الحياة فمضت بمضيه # كل حماسة وشجاعة من قلوب أتابعه. ~~(7) توركواتو تاسو # Torquato Tasso # على أن أنبغ الشعراء الإيطاليين في القرن السادس عشر هو توركواتو تاسو، وآيته ~~قصيدة طويلة عنوانها «إنقاذ بيت المقدس» وهي تقص أنباء الحروب الصليبية وتروي كيف ~~استرد «جودفري بويون» قبر المسيح. ms0363 وتكاد هذه القصيدة تكون ملحمة من حيث بناؤها ~~وأجزاؤها، ويظهر أنه قد كانت لها في عين ناظمها، وفي رأي قرائها قدسية دينية ترجع ~~إلى قدسية موضوعها، لكن القارئ الحديث لا يلمس فيها مثل هذه القدسية، ولا يجد فيها ~~أكثر مما يجد في قصة «الطلسم» للسير وولتر سكت، # 7 # التي يروي فيها قصة الحروب الصليبية أيضا، ولكنا في الحكم على قصيدة ~~«تاسو» لا يسعنا إلا أن نذعن لرأي «كاردوتشي» # Carducci # الشاعر الناقد الإيطالي الذي عاش في القرن التاسع ~~عشر، واعتبر «تاسو » خليفة دانتي، وقد أنشأ تاسو هذه القصيدة الكبرى وغيرها من ~~الآثار الأدبية، وهو لا يزال في شرخ شبابه، ثم قبل أن تكتمل رجولته وتنضج، أقعدته ~~العلة وأصابه مس من جنون، وهذا مثل من قصيدة «إنقاذ بيت المقدس» قال في ~~أوائلها: # إني بهذا النشيد أغني جموع التقوى وقائدها الأعلى؛ # ذلك البطل الذي رد عن قبر يسوع المبارك أيدي العدى، # فكم صال في حومة الوغى، وفي مجلس الشورى كم أبدى، # وكم عانى في الذي أداه من صنع جليل وكم أسدى، # وقفت جهنم في وجهه فعبثا ما قاومت وسدى، # وعبثا تحالفت أفريقية وآسيا وجردتا من الغمد مهندا، # وهل يغلب من مدت له السماء يدا؟ # ومن ضل من أصحابه عاد اليوم واهتدى. # ثم يقول الشاعر: إن الله قد أرسل من ملائكته جبريل إلى جودفري ~~يستحثه على المسير بغير إبطاء إلى بيت المقدس، فيلقي جودفري خطابا ثم يعقب عليه ~~بطرس الراهب بخطاب آخر، وبعدئذ يقع الاختيار على جودفري ليكون قائدا للحملة ~~الصليبية، فينهض من فوره ويستعرض جنده، ويبدأ المسير، فيهتز لهذا النبأ أهل ~~أورشليم، ويفزع له ملكها علاء الدين، ويأخذ العدة للدفاع والمقاومة. # وقد أثار «اسمينو» غضب علاء الدين، حين أراد أن يجعل من تمثال للعذراء حرزا يصون ~~أورشليم، وكان هذا التمثال محفوظا في إحدى الكنائس المسيحية، فانتزعه منها علاء ~~الدين، ووضعه في مسجده، لكن حدث أثناء الليل أن اختفى التمثال من موضعه في المسجد، ~~وعبثا حاول علاء الدين أن يعلم من اختطفه وأخفاه في ms0364 جنح الليل، فأخذته سورة الغضب، ~~وصمم أن يريق دماء المسيحيين في مذبحة شاملة، وهنا تنشأ قصة «سوفرونيا» # 8 # و«أولندو» # 9 # فتحول دون وقوع الكارثة. # فهنالك في بيت المقدس كانت تقيم فتاة كريمة النفس فاتنة الجمال، لكنها لم تأبه ~~لجمالها على روعته، ولا اتخذت منه حلية تزدان بها، وإنما انتبذت من المدينة مكانا ~~متواضعا بعيدا عن نظرات المحبين، وظلت في دارها بنجوة من كلمات الحب المعسولة، ~~ولكن هيهات للجمال أن يختفي، ذلك الجمال الذي لا تكاد تشخص إليه ببصرك مرة، حتى ~~يثير في فؤادك عشقا وهياما، فقد وقعت عينا «أولندو» على «سوفرونيا»، فكان لجمالها ~~في قلبه ما يكون لوقع السهام، وكان الفتى والفتاة من بلد واحد ونشآ على عقيدة ~~واحدة، لكنه كان من الحياء بقدر ما كانت الفتاة من الجمال، فتمنى العاشق أن يظفر من ~~معشوقته بشيء كثير، ولكنه لم يتوقع أن يحقق من أمنيته إلا قليلا، ثم انعقد لسانه ~~حين لقيها فلم يطلب منها قليلا ولا كثيرا، وظل يحترق بلذة حبه الصامت. # صممت «سوفرونيا» أن تنقذ بني عقيدتها المسيحيين، فزعمت للسلطان أنها سارقة ~~التمثال، وأنها أحرقته فأزالته من الوجود، وسمع منها السلطان ما زعمت، فثارت ~~ثائرته، وأمر أن يلقى بالآثمة في النار جزاء ما فعلت، لكن «أولندو» أسرع إليه ينفي ~~عن «سوفرونيا» جريمتها، ويعترف بأنه السارق، فأمر السلطان بإحراقه معها، لكن الفتى ~~والفتاة ينجوان من الموت بفضل امرأة مسلمة جديرة أن توضع في زمرة الأبطال، وهي ~~«كلورندا»، فقد أقبلت هذه البطلة مسرعة على ظهر جوادها إلى حيث أعدت موارد الردى ~~للحبيبين، وأمرت ألا تقع تلك الفعلة الشنعاء، وأذعن لها السلطان كارها، على شرط أن ~~ينفى من بيت المقدس ذلك الفتى ومعه فتاته، وعدد من طائفة المسيحيين ... # جاء السفراء من مصر ليعرضوا على جودفري أن يترك المسلمون للصليبيين ما فتحوه من ~~أصقاع، على شريطة ألا يهاجم الصليبيون بيت المقدس، فأعرض جودفري عن رسالتهم، وأعلن ~~مواصلة القتال: # واستيقظت نسائم الصبح بالنذير تهب وتخفق # معلنة أن الفجر الجميل أخذ يبدو ويشرق # وازين الفجر ms0365 على شعره الذهبي إكليل يتألق؛ # إكليل من ورود الفردوس جيء به نديا يعبق. # وقبل أن ينفخ للجند في الصور ماجوا ودمدموا # واهتزت حناجرهم ذات الصوت القوي وهمهموا، # وكانوا في السلاح ألوفا، وصاح البوق بأصدائه يترنم # فدوى في المسامع حيا له في النفس إيقاع وأنغم، # فكأنما اتخذت جناحا قلوب للوغى تواقة وأذرع، # وانطلقوا طيرا في غير وعي، وأسرعوا ثم أسرعوا، # حتى أخذت الشمس في كبد السماء تعلو وتسطع، # وبلغت أوج السماء واحترق بها الفضاء البلقع، # انظر ها قد تبدت أورشليم الجميلة للشاخصين ! # انظر! تشير إليها الأصابع في صيحة الصائحين، # وألوف الأصوات وألوفها ارتفعت من الجنود الهاتفين: ~~«إنها أورشليم! سلام الله، سلام الله يا أورشليم!» # أخذت جيوش المسيحيين تدنو من بيت المقدس، فهجمت البطلة المسلمة ~~كلورندا على رأس جماعة من المقاتلين، ولاقت طائفة من الصليبيين على رأسهم «جاردو» ~~وفتكت به، فأمر جودفري أحد قواده «تانكرد # Tancred ~~» ~~أن يتقدم لنصرة تلك الطائفة المسيحية المهزومة، لكن «أرمينيا» ابنة أحد الملوك صعدت ~~برجا عاليا، وأخذت تشير إلى علاء الدين، فتبين له مواضع القواد في الجيش ~~المسيحي، وما هي إلا أن منيت قوة من الأعداء (يقصد المسلمين) بالهزيمة، وجمع جودفري ~~أشتات جيشه، واقترب من بيت المقدس، وعسكر عند بابها الجنوبي، فلما رأى الشيطان - ~~واسمه في القصيدة بلوتو # 10 ~~- ما أحرزه المسيحيون من نصر ثار غيظه، وأسرع فجمع مجلسا في الجحيم ~~ليرسم الخطة لمقاومة المسيحيين: # فبينا تعد الفرنجة آلات القتال، # لتكون بها على أهبة لهذا النضال؛ # أدار عدو الإنسانية اللدود عينيه الغائرتين # نحو المسيحيين من مكانه في ظلمة الجحيم الدامسة، # فلما رآهم على أعمال التقوى مكبين؛ # عض كلتا شفتيه، واحترق بنار الغضب، # ثم أخرج تلك الغضبة - كأنما هو ثور جريح - # في زئير مدو رنت به جنبات الجحيم، # ولم يعد يعنيه إلا أن يصب دمارا # على المسيحيين ما بعده دمار، # وأمر جنده أن يجتمعوا حول عرشه # في مجلس، يا له من مجلس مخيف! # وبعد أن ألقى فيهم بلوتو خطابا، أرسل رسله إلى عضرءوت الساحر، ~~فأغروه أن يرسل ابنة ms0366 أخيه «أرميدا» وهي ساحرة كذلك لتضلل قادة المسيحيين، فلما وصلت ~~أرميدا إلى معسكر المسيحيين قابلت «يوستيس # Eustace ~~» فقدمها إلى جودفري، وعندئذ قصت للقائد عن نفسها قصة ~~زائفة، وطلبت أن يعينها جودفري في محنتها، فرفض بادئ الأمر، ثم ألح عليه أخوه ~~يوستيس أن يستجيب لدعاء الفتاة ففعل، وأرسل معها عشرة من فرسانه. وكان يوستيس قد ~~شغفه حب أرميدا، وأخذته الغيرة عليها من فارس مسيحي آخر اسمه «رنالدو» أن يزاحمه في ~~حبه، فأغراه بقتال منافس له حتى اشتبك رنالدو في ذلك القتال، وفتك بمنافسه، وهم ~~جودفري أن يقتص منه ففر رنالدو وخلا الجو ليوستيس ... وهنا يدب في معسكر المسيحيين ~~شيء من الفوضى بفعل الساحرة، من ذلك أنها أخذت تضلل «تانكرد» أحد أبطال الصليبيين، ~~حتى اعتقلته في قلعة لها بعيدة، لكن الله أرسل إلى معسكر المؤمنين كبير ملائكته ~~ميكائيل ليشتت رسل الشياطين: # وصاح كبير الملائكة وملك الملوك، # وقد اتشح بسلاح من الماس البهي الساطع اللامع، # وقال: «ألا ترون شياطين الجحيم المناكيد.» # كيف قذفوا بسلاحهم في وجه أتباعي من المؤمنين؟ ~~••• # وانحنى الملك المجنح بعد أن فاه بهذه الكلمات # على قدميه وقد جللتهما القداسة والهيبة، # ثم نشر في الريح جناحين من ذهب، # وشق بهما الهواء مسرعا يسبق سبحات الخواطر. # طرد ميكائيل الشياطين من حومة القتال، فاستأنف المحاربون نضالهم، ~~وقد ألمت بالمسيحيين الملمات؛ فالشمس محرقة، والظمأ شديد، فدعا جودفري أن ينزل ~~الله لهم غيثا يطفئ ظمأهم، فما هي إلا أن تمطر السماء وينتعش الجنود. ومن معجزاته ~~أيضا أن هبطت على صدره حمامة زاجلة، كان يطاردها بازي مفترس، فوجد تحت ~~جناحها رسالة بعث بها قائد الجيش المصري إلى أمير أورشليم يعده أن ينجده بعد أيام ~~قلائل، وعندئذ أمر جودفري بالهجوم فورا، واستطاع المسيحيون بذلك أن يدخلوا ~~أورشليم ظافرين: # هذا ميكائيل كبير الملائكة لا تدركه العيون؟ # لكنه بدا أمام جودفري متشحا بشكة متألقة! # خفت بضوئها ضوء الشمس الساطعة! # وصاح به: «قد دنت الساعة أيها الأمير المؤمن! # فارفع عن أورشليم نيرها الثقيل! # لا تخفض البصر، كلا لا تخفض بصرك ms0367 المبهور! # وانظر بأي جنود تؤيدك السماء!» # وبعد «تاسو» غربت في إيطاليا شمس نهضتها، ولكنه لم يكن غروبا ~~يستتبع موتها؛ إذ لبثت النهضة الإيطالية حية في نتاجها وثمارها، تراها ماثلة في ~~آثارها من مرمر التماثيل، وأصباغ الصور وكلمات الأدب. ومن إيطاليا شاعت النهضة في ~~سائر الأقطار، وعلى الرغم من أن الشعر قد أفل نجمه في إيطاليا، فقد بقي فيها الفكر ~~حيا ساطعا، بل لعله ازداد قوة وحياة حين خيمت على إيطاليا ظلمة في عالم ~~السياسة، وإنما ظهر ذلك الفكر القوي في النثر الفلسفي والعلمي الذي أنشأه «برونو» ~~و«جاليليو»؛ فهذان الفيلسوفان ينتميان إلى الفلسفة بالفكر العميق، وإلى الأدب ~~بالأسلوب الجميل. # الفصل الثاني # | النهضة في فرنسا # ليس من اليسير في تاريخ الأدب أن ترسم حدا دقيقا فاصلا يبين نهاية الأدب الوسيط ~~وبداية الأدب الحديث، وقد يتخلص بعض المؤرخين من هذه المشكلة بأن يعدوا القرن الخامس ~~عشر بأسره فترة انتقال تظهر فيها آثار القديم وبوادر الجديد جنبا إلى جنب. ومهما يكن ~~من أمر فلا شك في أن شعر «فيون» ونثر «كومين» يحددان بداية واضحة للنهوض الأدبي في ~~فرنسا؛ لأنهما يتميزان بما يتميز به الأدب الحديث من الأدب الوسيط؛ ألا وهو الصبغة ~~الإنسانية والنزعة الذاتية، فلم يعد أديب النهضة - كما كان أديب العصور الوسطى - ~~يعنى بالحياة الآخرة والخطيئة والعقاب والثواب، بل تحول بنظره إلى هذه الأرض، وهذا ~~الإنسان الذي يعيش عليها. # وقد اجتازت هذه الصبغة الإنسانية الجديدة - التي لونت أدب النهضة فميزته - جبال ~~الألب، فانتقلت من إيطاليا إلى فرنسا، ولم تكد تبلغها حتى تناولتها العقول والأقلام في ~~حرارة وحماسة. ولنا أن نتساءل لماذا أقبلت فرنسا هذا الإقبال كله، وفي هذه الحماسة ~~المشتعلة لتبذر في أرضها بذور ثقافة جاءتها من بلد أجنبي؟ وجوابنا عن ذلك السؤال أنها ~~الحرب التي تمزج العقول بالعقول، وتقارب بين النزعات والنفوس. فقد نشبت حرب فرنسية ~~إيطالية بين عامي 1494م و1559م، فكانت فرصة سانحة للمجتمع الفرنسي يدنو بها من قصور ~~الأمراء الباذخة في إيطاليا، فينظر إليها عن كثب، ويتأثر بما تزخر به ms0368 من فنون وآداب. ~~فلئن خرجت فرنسا من الحرب خاسرة فقد اكتسبت حضارة عميقة الأثر، بعيدة المدى، تصطبغ ~~بهذا اللون الجديد الذي أشرنا إليه، وعددناه أوضح ما يميز روح النهضة كلها؛ ألا وهو ~~التفات الإنسان إلى نفسه وحياته فوق هذه الأرض. # ولم تكن هذه النزعة الإنسانية مقتصرة في إيطاليا على دراسة آثار الأقدمين دراسة ~~نقدية عميقة، بل جاوزتها إلى نتائجها، فنفضت عن نفسها كل ما يعلق بها من غبار العصور ~~الوسطى، من حيث وجهة النظر إلى الحياة. فمحال أن ينكب الدارسون على أرسطو وأفلاطون، ~~وأن يستمتعوا بأدب لوكريشس وهوراس، ثم يسيغون مثلا أعلى في الأخلاق والسلوك ينبني على ~~إنكار الجسم والروح؛ لأن هذا الأخير مثل أعلى لا يفسح مجالا لتقدير الجمال لذاته، ولا ~~يفهم الفنون والآداب، إلا أن تكون معينة على تقويم الأخلاق، أما أن يقدر الأثر ~~الأدبي لروعة صورته، أو لجودة أسلوبه، أو لصدق تصويره، فذلك هراء لا تسيغه عقلية ~~القرون الوسطى. # درس رجال النهضة في إيطاليا أدب القدماء ونقدوه واستمتعوا به، فتعلموا بدراسته روح ~~النقد والتقدير لما يقرءون، ثم تناولوا بهذه الروح الجديدة الكتاب المقدس، فلم يكفهم ~~أن يقفوا عند ظاهر العبارة، ومجرد أداء الشعائر أداء آليا، إنما تعمقوا فيه ليستقطروا ~~منه روحه وخلاصته؛ ولهذا نشأت حركة إصلاح ديني جنبا إلى جنب مع النزوع إلى تمجيد ~~الإنسان، والرفع من شأن الحياة الدنيوية، فأصبح الإصلاح الديني ظاهرة ثانية تميز أدب ~~النهضة في إيطاليا، ثم في فرنسا. ~~(1) فيون # Villon # في سنة 1431م، وهو العام الذي ذهبت فيه جان دارك شهيدة جهادها لتحرير فرنسا، ولد ~~في باريس طفل كتب له أن يكون في الصف الأول من شعراء العالمين؛ إذ حباه الله موهبة ~~في الشعر الغنائي لا يكاد يضارعه في قوتها وجمالها ونفاذها منافس. # ذلك هو فرانسوا دي مونكور ~~بييه # Fronçois de Montcorbier # الذي يعرفه الأدب باسم فرانسوا فيون. ولد لأبوين فقيرين لم ~~يكن لهما حظ من التعليم، وكان مسقط رأسه موضعا مقابلا لجامعة باريس على ضفة النهر ~~الأخرى. ومات أبوه وهو يافع ms0369 فكفلته أم شابة أرهقت نفسها إرهاقا لترعى وليدها، ~~ولكنها عجزت آخر الأمر، ولم تطق أن تشاهد ابنها يتضور جوعا، فذكرت أن في الجامعة ~~قسيسا على شيء من اليسار تربطه بعائلة مونكوربييه وشائج القربى البعيدة. # كان الطفل إذ ذاك في عامه الخامس، وكانت باريس التي طال بها العهد، وهي تئن من ~~فقر بشع مخيف تخوض في ذلك العام شتاء قارسا، وكان الريف يبابا قد نفدت موارد ~~القوت منه، ومات ألوف وألوف من الناس في أشهر قلائل من الجوع والمرض، وعاش من عاش ~~على الكفاف، وأخذت تعوي في ضواحي باريس الذئاب الجائعة ، فلما عبرت الأم بابنها نهر ~~السين لتسلم الطفل إلى قريبه القسيس كانت أمارات الجوع والإنهاك بادية على وجهها ~~الشاحب، وفي جسم طفلها الهزيل. # رأى جيوم دي فيون - وكان قسيس كنيسة الجامعة وأستاذا للقانون - ذلك المنظر ~~المروع، فأخذته الرحمة بالوليد المسكين وتبناه وأكرم رعايته، بل لعل رحمته بالطفل ~~جاوزت الحدود، وكان يقضي أمسياته يقرأ له القصص آنا ويرويها له آنا آخر، حتى أحاط ~~اليافع علما بشعراء اللاتينية والفرنسية، ثم طلب إليه أن يدرس كتابا فيه قواعد ~~إنشاء الأغاني القصصية الشعرية، وكلما حاول الناشئ قرض الشعر منحه القسيس جوائز ~~التشجيع. # بلغ فرانسوا دي مورنكور بييه عامه الثالث عشر، فسجل اسمه في قائمة الطلاب لدرجة ~~الأستاذية في الآداب، وتلك درجة لا يظفر بها طالب، إلا إن أعد نفسه إعدادا ~~طويلا بعد الدرجة الجامعية في قانون الكنيسة ومذاهب الدين، وأطلق على نفسه اسم ~~متبنيه «فيون» الذي عرف به منذ ذلك اليوم. # وقبل أن نأخذ في وصف الحياة الشائنة التي زل في وهدتها فيون مما كاد ينتهي به إلى ~~المشنقة؛ لأنه سرق واغتال وخرج على القانون في كثير من جرائمه، يحسن أن نرى هل ~~صادفته في حياته ظروف خاصة تخفف من بشاعة ما اقترف. ومهما يكن من أمر، فإنا نحمد ~~الله على حياته تلك؛ إذ لولاها لما ورثنا هذه المجموعة من القصائد التي تكاد ~~تتفرد في نوعها؛ لأنه استمدها من صميم بؤسه وشقائه. # لم ينتفع ms0370 فيون إلا قليلا من دراسة الجامعة بكل فروعها، ولعل ما انحرف به عن ~~الجادة المستقيمة تراخي مربيه في رعايته، وانعدام الحافز الذي يستحثه على الجد في ~~العمل؛ لأن الجامعة كانت ستنتهي به إلى وظيفة في الكنيسة، ولم يكن فيون ينظر إلى ~~مثل هذا المستقبل المرتقب إلا بالمقت والنفور. # أضف إلى ذلك ما انتاب باريس عندئذ من فقر ~~مدقع شمل الناس جميعا، إلا فئة قليلة جدا؛ فلم تكن السرقة من تلك الفئة الغنية ~~من البشاعة كما يقع في حسابنا اليوم! نعم كانت باريس غاية في البؤس، فنضب المال، ~~وقلت الأعمال. ولكن ما حاجة فيون إلى عمل ومال؟ إنه الشاعر الموهوب الذي اتخذ ~~القريض متعة له وسلوة، ومع هذا كان له بمثابة المورد الذي يدر عليه المال؛ إذ كان ~~ينشئ الأغاني «البلدية» والقصائد المستهترة، ثم ينشدها في الحانات، فيقدم له ~~الموسرون خمرا وطعاما، لهذا غادر فيون أروقة الجامعة الباردة ليلتمس طعامه وشرابه ~~وصحبته عند من يرتادون الحانات، فقد وجد هؤلاء أقرب إلى نفسه بيسارهم وانحلال ~~أخلاقهم واستخفافهم بكوارث الأيام، ثم أحبهم فوق ذلك كله للهجتهم العامية الجميلة ~~التي حسن وقعها في أذنيه بعد تلك المحاضرات الميتة التي ألف سماعها في الجامعة ~~حول موضوعات غامضة ملتوية في قانون الكنيسة. فما عتم فيون أن جرفه هذا التيار ~~الجديد، وأخذ يقرض شعره فيمن يصادف في الحانات من طوائف الشبان والشابات المستهترين ~~والمتشردين، وكان يقرضه باللغة الدارجة بين تلك الطوائف. # ومع ذلك كله، فقد أتم فيون في عامه التاسع عشر دراسته الجامعية، وظفر بدرجة ~~«البكالوريوس»، ولم تمض بعد ذلك ثلاثة أعوام، حتى أصبح أستاذا في الآداب، واستحق ~~بذلك إما أن يحترف التعليم، أو أن يسير في سلك الكنيسة، لكنه كان عندئذ قد أوغل في ~~الطريق الآخر، وآثر آخر الأمر أن ينفض عن نفسه غبار الدراسة الجامعية، وأن يوثق ~~الروابط بينه وبين الصحبة الجديدة من طوائف المجون، ولعله وجد فيها ما يلائم ~~شاعريته؛ وقد اشتغل فترة من الزمن مع الفرق التمثيلية الجوالة وجماعات الموسيقيين ~~و«الحواة» والبهلوانات، لكن ms0371 هذه الفرق كان قد ضؤل شأنها في فرنسا في عهد فيون بعد ~~ازدهارها في عهد الإقطاع من العصور الوسطى. # وحدث له وهو في عامه الرابع والعشرين أن اقتتل مع قسيس فقتله، وافتضح الأمر وحكم ~~عليه بالنفي من باريس سنة لا ندري كيف أنفقها، والراجح أنه اتصل بعصبة من اللصوص ~~عاشت في الريف على النهب والسرقة، وقد أرغمته الفاقة أن يعيش في غضون ذلك العام على ~~نحو ترتعد له فرائص التقوى، يصفه لنا في قصيدة عنوانها «فرانسوا فيون والعاهرة ~~مارجو». # واتصلت وشائج العشق بينه وبين نساء كثيرات، منهن كاترين دي فوسل التي يطالعنا ~~اسمها في شعره، والتي كان حبه إياها على شيء من العفاف. # عاد فيون من منفاه في الريف، ولكنا لا نلبث أن نراه في إحدى ليالي الشتاء من نفس ~~السنة التي عاد فيها جالسا في منزل متبنيه يكتب له مذكرة منظومة لينبئه أنه على ~~وشك أن يغادر باريس من جديد. وهذه القصيدة هي التي يطلق عليها «الوصية» أو «العهد ~~الأصغر» تمييزا لها عن القصيدة الكبرى التي أنشأها فيما بعد، ويطلق عليها «العهد ~~الأكبر»؛ فقد اشترك فيون بعد عودته إلى باريس في ارتكاب جريمة، وأراد الفرار من وجه ~~الشرطة، ولعله قصد بتلك المنظومة التي تركها في منزل متبنيه أن يضلل الشرطة ~~بإيهامهم أنه لم يكن في باريس ساعة ارتكاب الجريمة. # كتب «العهد الأصغر» في ليلة واحدة، وفي فورة واحدة من فورات النفس، وقرأها بعد ~~أن فرغ من قرضها، فأخذته هزة الفرح لما رآها آية فنية، فقرأها في الصباح ~~مرة أخرى، وأخذته بها هزة أخرى من الطرب ~~والنشوة، فأضاف إليها مقطوعة جاء فيها: «تالله إن فرنسوا فيون لشاعر، فأما من حباهم ~~الله مالا وجمالا، فمصيرهم إلى النسيان، وأما فرانسوا فيون فسيحيا بين ~~الخالدين.» # وظهرت الجريمة بعد بضعة أشهر، وتبين أن الشاعر قد اشترك مع عصبة من اللصوص في ~~سرقة خزانة المال من كنيسة كلية نافار، وانتهى الأمر بسجن فيون في قلعة مان # Meung # وظل فيها صيف ذلك العام (1457م) لا يقتات ms0372 إلا ~~الخبز العفن والماء، حتى تحطمت قواه، وذبل ذبولا لم يبق له إلا هيكلا عظميا ~~يكسوه جلد متغضن، ويخلو من شعره وأسنانه، ويسعل سعال العلة بين آن وآن. ولم يطلق ~~سراحه إلا حين زار الملك لويس الحادي عشر مدينة مان زيارة رسمية، فأفرج عن ~~المسجونين وبينهم فيون. # عاد إلى باريس وكأنه الشبح المخيف، وأخذ يكتب آيته الكبرى «العهد الأكبر»، وهي من ~~أكثر الآيات الأدبية تصويرا لكاتبها وللطبائع البشرية على السواء، وهي من أجود ~~الشعر، يستعرض فيها حياته كلها، وكان عندئذ في الثلاثين من عمره، إلا أنه أصبح من ~~أهوال حياته كهلا محطما لم يبق له إلا أعصاب نشيطة وذهن وقاد. إنه في هذه ~~القصيدة يعرض نفسه عرضا يبدي كل ما فيها بغير حذف أو إضافة، ويفحصها فحصا ~~دقيقا، وينبئ القارئ عن كل أسرارها، ويطلب المغفرة ممن لحقهم أذاه، كما يغفر لمن ~~لحقه منهم الأذى، ولم يخل من الفكاهة وهو يصور نفسه، فيقول مثلا: إنه إن نفذ فيه ~~الإعدام الذي كان على وشك أن يقع، لاستحال ذلك لخفة جسمه، فلا بد أن تشد إلى رجليه ~~الأثقال، حتى تجذبه إلى أسفل، فيطبق على عنقه حبل المشنقة، ثم يقول إنه بعد ذلك لن ~~يجدي سباع الطير شيئا، فما به لحم ينهش. ~~«والعهد الأكبر» قصيدة طويلة تتألف من ثلاث وسبعين ومائة مقطوعة مثمنة ~~الأبيات، وفي كل بيت منها ثمانية مقاطع، وتجري القافية في الأشطر على هذا النحو: أ ~~- ب - أ - ب - ب - ج - ب - ج، ويستهلها بهذه الأبيات: # ها أنا ذا أشعر بنفسي إلى الشيخوخة تنحدر، # ها قد طار مني المال ونحل البدن، # لكن حسي باق لم يفتر ولم يفتقر. # ألا ما أقل ما أعطانيه الله من منن! # ولست على غير الله أرتكن. # ها هي وصيتي قبل الموت أكتبها، # ها هو ذا عهدي ثابت على الزمن، # لن يزول، فما لدي سوى وصيتي هذي أدونها، ~~••• # إني لأرثي لأيام الشباب، # ألا ما أسعد الحياة في عهدها! # قد فاجأتني الشيخوخة في غير ارتقاب، # ومضت أيام الشباب لم ms0373 أشعر بها. # عجبا لم يكن للشباب أقدام يجري بها! # عجبا، لم يفر الشباب على ظهر الجواد؟! # كيف إذن غافلتني أيام الشباب ولم أحس فرارها؟ # كيف أفلتت بغير رجعة ومعاد؟ ~~••• # لقد مضى الشباب وخلفني في عرض الطريق، # طار مني الجسم والعقل شعاعا # وبت حزينا واهيا كالريح وحيدا بلا رفيق. # وتبدد ملكي مالا وأرضا ومتاعا، # وانفض عني ذوو القربى تباعا، # لم تعد صلة الأرحام توحي لهم بعطف جميل، # بل أنكروني وآثروا لأنفسهم بعدا وانقطاعا؛ # فلم يبق من مالي كثير أو قليل. ~~••• # لو كنت - وا أسفا - أيام الشباب # واصلت درسي وزدت حكمتي، # وسرت لم أنحرف عن طريق الصواب، # لنعمت اليوم بالدفء في شيخوختي، # ولكن كما يفعل الطير السجين كانت فعلتي؛ # فررت من معهد الدرس هاربا، # وها أنا ذا إذ أدون فوق القرطاس سيرتي # يوشك قلبي أن يتحطم نادما تائبا # وفي «العهد الأكبر» أغنية هجا بها النساء قال فيها: # اعبد الحب والنساء مع الصباح وفي المساء، # فلن تجني منهن نفعا أو متاعا. # وأقم لهن من الملاهي والمآدب ما تشاء، # فلن ترجع إلا محطم الرأس ملتاعا؛ # فرعونة الحب قمينة أن تطير بلب الحكيم شعاعا. # واذكر سليمان الحكيم إن أردت مثالا، # أو شمشون الذي أضاع في الحب عينيه فيما أضاعا. # أنعم به رجلا من كان بالنساء جهولا! # حتى أنا وأنا الأحمق المسكين # ضربنني بالعصي كضرب الثياب # حين تخبطها في الأواني عصي الغاسلين. # ومن ذا أنزل بي ذاك العذاب # غير كاترين فوسل ذات المرح الخلاب؟ # وكذلك «نويل» فهن أنزلن به العذاب وبيلا، # فأشبعنه في ليالي اللهو باللطمات وبالسباب؛ # أنعم به رجلا من كان بالنساء جهولا! # وكذلك وردت في العهد الأكبر أغنيتان جميلتان، إحداهما على لسان ~~امرأة عجوز كانت أيام شبابها آية في الجمال، وكان لها عشاق كثيرون، ثم هي في ~~شيخوختها تتحدث إلى بعض الفتيات اللائي يغامرن في مهالك الحب، فيبدأ الشاعر أغنيته ~~بوصف للمرأة العجوز، ويقارن فيها كل لمحة من جمالها السابق بما آلت إليه، ثم تأخذ ~~المرأة في إسداء النصح للفتيات قائلة إن علة شقائها ms0374 أنها ذهبت في الحب إلى أغواره ~~العميقة، وما كان ينبغي لها أن تفعل، وأنها لم تكسب من عشاقها مالا تدخره، حتى ~~أتى زمن لم تصبح فيه موضعا لحب إنسان؛ ولذا فنصيحتها للبنات هي: خذن من عشاقكن ~~مالا، اخدعن الرجال بجمالكن الظاهر، ولكن حذار أن تسلمنهم قلوبكن، لأنكن إن فعلتن ~~أسرعت إليكن الشيخوخة، وعندئذ ماذا يكون في أيديكن؟ لا جمال ولا مال، ستفقدن ~~قيمتكن كورق النقد، حين يبطل استعماله فلا يرضى به أحد. # ثم عقبها الشاعر بأغنية أخرى يقف فيها هو نفسه من الشبان موقف الناصح، وهو الرجل ~~الذي عركه الدهر، فينصح للمستهترين الخليعين الذين يحيون في شبابهم كما كان يحيا في ~~شبابه، أن ينشدوا النساء دون أن يركزوا قلوبهم في امرأة واحدة، ولا يقعوا في ~~شراكها؛ لأن النساء مجلبة للهم والشقاء. # ذلك هو «العهد الأكبر» الذي لم يكد يفرغ من إنشائه، حتى زج في السجن لجريمة ~~أخرى، وحكم عليه بالموت شنقا، فاسترحم فيون أولي الأمر، فأعيد النظر في قضيته. ~~وعلم القضاة هذه المرة أن المتهم الماثل أمامهم شاعر نابغ نزل ضيفا في بلاط شارل ~~دوق أورليان، وأن شارل هذا قد أعجب به إعجابا حدا به أن يكتب قصائده بيده. وعلم ~~القضاة كذلك أن هذا المتهم هو الذي أنشد بعض القصائد الوطنية التي سار ذكرها في ~~البلاد عندئذ؛ فتبدل الحكم بحيث أصبح نفيا يدوم عشر سنوات. # ومات فيون وهو في منفاه خارج باريس. ولسنا ندري على وجه الدقة أين مات ولا متى ~~(وإن كان موته على الأرجح عام 1485م)، وجاء رابليه بعد ذلك بنحو خمسين عاما، فسمع ~~عنه من أهل تورين قصصا وأساطير، فاستخدمها في تكوين شخصيته البديعة، شخصية ~~بانيرج Panurge # التي خلقها في كتابه «مغامرات ~~بانتاجريل» كما سيأتي ذكره بعد. ~~(2) كومين # Commines # وهذا لون آخر من الأدب الفرنسي أيام النهضة يختلف أشد الاختلاف عن أدب فيون، ~~لكنهما يعودان فيلتقيان في تمثيل الروح الجديدة، غير أن كومين يمثل بأدبه تلك الروح ~~الجديدة إزاء الحياة العملية، وأما فيون فيمثل وجهة النظر الجديدة ms0375 في الفن ~~والعاطفة. # ولد فيليب دي كومين في عام يقرب من 1447م، ولم يكن تعليمه موضع عناية، فلم يتعلم ~~من اللاتينية شيئا، ولما شب التحق بحاشية فيليب أمير برجنديا، ثم بحاشية ابنه ~~شارل الجسور، وسفر لشارل هذا في فرنسا، # 1 # وإنجلترا وإسبانيا، لكنه لم يلبث أن غادر برجنديا وأميرها ليخدم لويس ~~الحادي عشر، الذي كان قد أجرى عليه راتبا، والذي أجزل له العطاء حين قدم إليه، ~~ولكن سرعان ما ولي الملك شارل الثامن، ولم يكن راضيا عن كومين فزجه في السجن، ثم ~~عاد فولي العرش لويس الثاني عشر، فارتدت إلى كومين مكانته. ولما نشبت الحرب ~~الفرنسية الإيطالية اتسع نفوذه، وذهب إلى إيطاليا ليمثل حكومته، فقابل مكيافلي في ~~فلورنسه، ولم يزل يزداد نفوذا ويعلو منصبا حتى وافته منيته عام 1511م، وله من ~~العمر ما لا يقل عن أربعة وستين عاما. # لم يكن كومين في أدبه بارع الأسلوب، ولو أنه في بعض المواضع يزاوج بين العبارة ~~السهلة، والفكرة العميقة، فيحدث في قارئه أثرا جميلا. ومن مميزاته انتقاء الألفاظ ~~الغريبة وتركيب الجمل على غير المألوف، فيقلب عبارته صدرا على عجز، ويقف وقفات ~~مفاجئة ليبث شيئا من الحياة في كتابته. ومع هذا كله فلسنا نمدح في كومين براعة ~~الأسلوب، بل ولا نحمد له دقة التصوير وروعته. وأهم ما عني به كومين فيما كتب تقلبات ~~الدهر، وصروف الزمان، والعبرة التي تلقيها على الإنسان حوادث الأيام، ولما كانت هذه ~~الغاية نصب عينيه، تراه دائم الاستطراد في أدبه، فهو يقص عليك حوادث أمة من الأمم، ~~فتتوارد على خاطره حوادث أمة أخرى، فيستطرد في سردها. # وإنما يمثل كومين روح النهضة؛ لأنه أضاف إلى مميزات العصور الوسطى نزعة جديدة، ~~ففي الوقت الذي تراه مهتما بالدين واليوم الآخر إلى حد ما، تراه يمجد في ~~السياسة أسلوبا ينافي أخلاق الدين تتطلبه الحياة العملية، هذا إلى الدعوة التي ~~تلمسها في كل ما كتب، والتي تعارض النظام الإقطاعي - وهو روح العصور الوسطى وصميمها ~~- وتدعو إلى حكومة مركزية تقوم مقام هذه المجموعة المفككة من ms0376 الأمراء. # وما خلفه لنا كومين من تراث أدبي هو «ذكريات»، وهي لمحات تاريخية لم تبلغ أن ~~تكون تاريخا متصلا، تقص الكتب الستة الأولى منها: أنباء الصراع الذي قام بين لويس ~~الحادي عشر وشارل الجسور من 1465م إلى 1483م، وأما الكتابان السابع والثامن فيرويان ~~أنباء الحروب الإيطالية التي شنها شارل الثامن. وله غير «الذكريات» «خطابات ~~ومفاوضات». # ومع هذا فكومين أول كاتب فرنسي يستحق أن يسمى مؤرخا؛ وذلك لأنه لم يكتف بسرد ~~الوقائع كما فعل سابقوه، بل بحث دائما عن أسبابها ووضح نتائجها كما قضى فيها وفقا ~~لقواعد الأخلاق التي كانت سائدة في ذلك العصر، وهي نفس القواعد التي جمعها بعد ذلك ~~بقليل مكيافلي في كتاب «الأمير»، وإن يكن كومين قد خالف مكيافلي في تسليمه لإرادة ~~الله بأثرها الفعال في كبار الحوادث التاريخية. ~~(3) مارو # Marot # ها نحن أولاء نوغل في القرن السادس عشر، وقد تمكنت عناصر النهضة الأدبية في الشعر ~~الفرنسي على يدي هذا الشاعر كليمان ~~مارو # Clément Marot ~~، فقد كانت بداية عصر النهضة في فرنسا مزيجا من مميزات ~~العصور الوسطى ومميزات العصر الجديد، وليس عجيبا أن يتأخر النهوض الأدبي في فرنسا، ~~حتى النصف الأول من القرن السادس عشر بعد أن جرى تياره زاخرا دفاقا في إيطاليا ~~في القرن الخامس عشر؛ لأن حركة التطور تسير وئيدة الخطى، وتتسرب خلال التقاليد ~~الكثيفة قطرة قطرة. # ولد كليمان مارو لأب شاعر في أوائل سنة 1497م، فأخذه أبوه في غير يسر بدراسة ما ~~يتصل بالشعر، ولم يلبث الناشئ أن عرف الشعراء وأعجب ببعضهم، ثم أخذ ينشد المواويل ~~كما ينشد غيرها من ضروب الشعر ذات الصياغة المحكمة والمعاني الرمزية، ولا شك في أن ~~هذه النشأة الأدبية قد كان لها أكبر الأثر في تكوينه الأدبي، فمهما بلغت مقدرته في ~~الأصالة والخلق، فلا مندوحة له عن التأثر بهذه النماذج القديمة التي درسها على ~~أبيه؛ ولهذا جاء شعره ذا وجهين: يتلفت بأحدهما، وينظر بالآخر إلى الأمام، فقد أحب ~~أدب العصور الوسطى حبا شديدا، مثال ذلك إعجابه ب «قصة الوردة» # 2 ms0377 # كما أحب شعر سلفه فيون، حتى إنه قام بنشر هذا وذلك. # ولما بلغ الفتى عامه العاشر «قدم إلى فرنسا» على حد تعبيره، وهي عبارة تدل على ~~انحلال فرنسا من الوجهة السياسية، إذ كانت مقسمة إلى دويلات مستقلة عن «فرنسا» ~~بمعناها الضيق المعروف إذ ذاك، ودخل جامعة باريس فاكتملت دراسته، وعين تابعا ~~لأحد النبلاء، فانفتح أمامه الطريق إلى منصب في البلاط الملكي، ولم يكد يتمم عامه ~~السابع عشر، حتى أنشأ قصيدة «حكم ملك عادل»، وقدمها إلى فرانسوا الذي أصبح ملكا ~~بعد قليل، بل إنه أنتج قبل ذلك ترجمة لأول أناشيد فرجيل الريفية. وكلتا القصيدتين ~~محكمة النظم، متينة اللفظ، لكنهما من غير شك جاءتا على غرار أدب البلاغة اللفظية ~~الذي سبقته إليه جماعة تعرف في الأدب الفرنسي باسم «أنصار البلاغة اللفظية». ثم ~~تعاورت حياته العقبات حتى اتهم بالزندقة أربع مرات، وزج في السجن مرة، ولاذ ~~بالفرار من فرنسا مرتين، كانت ثانيتهما إلى بيدمونت في إيطاليا، حيث مات سنة 1544م ~~بمدينة تورينو. # ترك لنا مارو تراثا أدبيا مختلف الألوان كالروضة تباينت أزهارها، فقد كتب ما ~~يقرب من اثنتي عشرة مقطوعة من الشعر التي نذكر منها قصيدة «معبد كيوبد» جعل وزنها ~~عشرة مقاطع للبيت الأول وثمانية للبيت الثاني، وسار في القصيدة كلها على هذا ~~التوالي، ثم كتب قصيدة «حوار بين حبيبين»، ثم «نشيد ريفي للملك»، وبعدئذ أنشأ ~~قصيدة «الجحيم» جاء فيها بوصف قوي جميل للأيام التي قضاها في السجن. وللشاعر بعد ~~ذلك خمس وستون رسالة منظومة كتبها في أبيات من ذوات المقاطع العشرة والقافية ~~المزدوجة (قافية واحدة لكل بيتين متتاليين)، ومن هذه الرسائل قطعة مشهورة ~~عنوانها «مفارقات» وهي ضرب من الدعابة الخفيفة التي تشيع فيها روح السخرية، وقد كان ~~شائعا عندئذ تقليدا لنوع من الشعر عرف في العصور الوسطى، وهذا يبين لك كيف اتجه ~~مارو بجزء من نظره إلى الوراء يستقي مصادر العهد الوسيط. # وكتب مارو كذلك ستا وعشرين مرثية بالقافية المزدوجة التي برهن في صياغتها على ~~براعة تستوقف النظر، وخمس عشرة أغنية شعبية، ms0378 واثنتين وعشرين أنشودة في مختلف ~~الأوزان، واثنين وثمانين موالا، واثنتين وأربعين أغنية قصد بها إلى التلحين ~~الموسيقي. # كل هذه الصور الأدبية كانت قمينة في قلم الشاعر الضعيف أن تنتج شعرا جافا ~~باردا لا طلاوة فيه، لكن مارو امتاز فيها جميعا بأسلوب سلس رشيق جذاب تغلب به ~~على ما قد تؤدي إليه تلك الصور من جفاف وبرود، بل استطاع أن يخلع على شعره بأسلوبه ~~ذاك نغما حلوا لا يكاد يفوقه فيه شاعر فرنسي آخر إذا استثنيت فيون. # وبعد ذلك كله كتب شاعرنا كثيرا جدا من شعر تهاني العيد، ونعي الموتى تختلف في ~~طولها وأسلوبها، وله ما يدنو من ثلاثمائة حكمة منظومة، وترجمات كثيرة، ومزامير ~~بلغ عددها خمسين، وأدعية، ونظم مسامرتين من «مسامرات إرزم». # 3 # وأنت ترى من هذا أن معظم ما أنتجه مارو هو مما نطلق عليه اسم شعر المناسبات؛ فليس ~~بين قصائده كلها قصيدة واحدة تزيد في طولها على بضع مئات من الأسطر، ويوشك إنتاجه ~~كله أن يكون ذا صلة بأشخاص وحوادث مما صادف في حياته. وقد كان لمارو شهرة بعيدة ~~في عصره، بل كان له كثير جدا من الأتباع بعد موته على الرغم من ظهور منافس قوي ~~في شخص «رونسار» الذي سيأتي ذكره فيما بعد. # ولطالما قيل عن مارو إنه أبو الشعر الفرنسي، وهذه الأبوة إن لم تخل من بعض ~~الخطأ، فهي كذلك لا تخلو من كثير من الصواب، فنسبة هذه الأبوة إليه خاطئة إن أريد ~~بالشعر الفرنسي تلك القصائد الجادة الرصينة الطامحة إلى أعلى مراتب الشعر، أما إن ~~أردت بالشعر الفرنسي ذلك الضرب الخفيف الذي يصادف في فرنسا وفي غيرها إقبالا ~~وإعجابا أكثر مما يلقى زميله الرصين الجاد، فالأبوة صحيحة لا سبيل إلى الشك فيها. ~~ولعل أهم ما يمتاز به أسلوبه السلاسة والرشاقة لا شدة العاطفة أو عمق الفكرة، فعلى ~~الرغم من أن الروح التي كانت تسود عصره هي الميل إلى الثقافة القديمة والاكتفاء ~~بتقليدها، ترى مارو قد خرج على هذا الاتجاه السائد، فهو لا يمثل روح عصره. ms0379 وليس ذلك ~~بعجيب؛ إذ تمثلت في شخصه الثورة على أسلوب «أصحاب البلاغة اللفظية» الذي عرف ~~بالجفاف والنبو والشذوذ. ولما كان مارو ثائرا على تجويد الصياغة والإسراف في ~~الصناعة والتزويق، فقد عده «السابوع» الذي أعقبه في تاريخ الأدب شاعرا من العوام ~~لا يسمو إلى مرتبة الشعر المهذب المصقول، لكنه حكم فيه كثير من الإجحاف؛ لأن مارو ~~لم يفعل سوى أن تناول الشعر الفرنسي القديم وجرده من الزوائد الصناعية التي تشوه ~~جماله ورقته، وأخرجه من جديد رقيقا رشيقا. فهو أديب فرنسي بكل ما تحمل هذه ~~الكلمة من خصائص ومميزات، وهذه الروح الفرنسية الخالصة التي تتمثل فيه هي التي ~~أوقفته في العبارة والأداء عند حدود معينة لا يجاوزها، حتى لا تشوب خصائصه ~~الفرنسية شائبة، ولكنها هي التي جعلت له منزلته ومكانته. # أمثلة من شعر مارو: # حلم # رأيت في حلمي في الليلة الماضية # أننا متعانقان ونحن عاريان، # فلما استيقظت طارت فرحتي # بما استمتعت به في نومتي، # فجئت من فوري إلى أبولو # أستفسره الحلم، # فأخذ أبولو يفكر فيك وهو غيران، # ثم أجاب: «ذاك نعيم لن تظفر بمثله» # وا حسرتاه يا غرامي! كذبيه فيما يقول # وددت لو كان أبولو من الخاطئين! # رسالة (قالها وهو يغادر القصر) # وداعا أيها القصر، وداعا أيتها السيدات # وداعا للعذارى، وداعا للغانيات، # هذا وداعي ولن يطول. # وداعا لما يحيط بكن من لهو وتسلية # وداعا للرقص والمرقص، # وداعا للنغم والإيقاع، # وداعا للدفوف والقيثار والكمان؛ # فنحن إلى الوغى ذاهبون ... # وداعا لهذه النظرات الفاتنات، # إنها رسل لقلوب العاشقين، # وداعا لما يدور هنا من عميق الأفكار # تارة ساخطة وطورا راضية، # وداعا للأصوات المنسجمة المتناغمة # تنبعث إذ تتلى المواويل والمقطوعات والأغاني # بل وداعا لهذا الفراق الحزين، # ثم وداعا لما لقيته هنا من حسرات وآلام ~~••• # وداعا يا من أنت بين الصديقات # أعلاهن فضيلة وأولاهن جمالا، # أتوسل إليك أن تردي لي الساعة # قلبا كنت أهديته إليك، # فلا بد لي منه في ساحة الوغى # وإليها يدعوني الواجب نحو سيدي، # فإذا ما هتف هنالك قلبي بذكراك # وإذا ما استحثه مهماز الشرف ms0380 # إلى النزال وجليل الأفعال، # ثم أثمرت أفعاله ونزاله ثمرا # جديرا بالثناء لا تشوبه الشوائب # فستكونين أنت وارثة ما أثمر، # إذن فاذكري قلبي فهو قلبك، # وإن كتب لي الله أن أعود # فسأرده إليك في هذا المكان الجليل، # وبهذا أختم وداعي. ~~(4) رابليه # Rabelais ~~(1490-1553م) # جاوزت النهضة الأدبية حدود إيطاليا لتنشر لواءها على فرنسا من بعدها، وكان ~~«رابليه» علم النهضة الفرنسية غير منازع، وهل من شك في أن رابليه الفرنسي، ~~و«سرفانتيس» الإسباني، و«شيكسبير» الإنجليزي، كانوا جبابرة النهضة الأدبية في ~~أوروبا وروادها؟ وهل كانت النهضة الأدبية إلا عهدا اشتد فيه الشعور بالحياة بعد ~~جمود طويل، وعهدا للتحصيل العلمي يستقبل الحياة في بشر وإقدام؟ وقد وجدت روح ~~النهضة هذه خير ما يعبر عنها فيما كتب رابليه. # ولد «فرانسوا رابليه» على أرجح الظن عام 1490م في إقليم «تورين» جنوبي فرنسا، ~~ولسنا ندري عن نشأته إلا قليلا، فيقال إن أباه كان صيدليا أو صاحب فندق، وكان ~~لأبيه كرمة إلى جوار دير فيه مدرسة، ففي تلك المدرسة تلقى رابليه أول تعلمه الذي ~~أريد به أن يعده للوظائف الدينية. ولما بلغ عامه الخامس عشر التحق بدير صادق فيه ~~بعض الزملاء، فكان لهؤلاء الأصدقاء شأن في مستقبل حياته. # ثم دخل «رابليه» ديرا لجماعة «الفرانسسكان»، وهي طائفة تعتقد أن الإمعان في ~~العلم والبحث عن الحقيقة كفر وزندقة؛ ولهذا كان على العضو الجديد أن يقسم أن يظل ~~جاهلا، وهكذا فعل رابليه، ولم يلبث أن نصب قسيسا، وهو أبعد الناس ميلا إلى ~~مثل هذا المنصب، وقد صادف في الدير رجلا يماثله روحا، ويضارعه منزعا، وهو الراهب ~~«بيير آمي Pierre Amy ~~» الذي استطاع أن يدرس في ~~غرفته عددا من الكتب اليونانية والعبرية، وكتبا في الفقه الإسلامي والقانون ~~الروماني، فأخذ هذان الثائران على تعاليم الطائفة يدرسان تلك الكتب في الخفاء، ~~وسرعان ما ألف رابليه وزميله جماعة مستنيرة تناقش المسائل الفكرية التي كانت في ~~ذلك العهد ذات شأن وخطر. وحسبك لكي تعلم في أي عصر عاش رابليه أن تذكر أنه عصر ~~شهد كولمبس وكوبرنيق وليوناردو دافنشي ms0381 وميخائيل أنجلو وروفائيل وسرفانتيس، فاتسعت ~~التجارة بسبب الكشوف الجغرافية الجديدة، وازدادت المعرفة والعرفان باختراع ~~الطباعة. # كانت جمعية نشيطة تلك التي كونها رابليه وزميله آمي، فوشى الواشون بهما لأولي ~~الأمر في الكنيسة أنهما يخفيان في غرفتيهما كتبا يونانية وغير يونانية، وضبطت ~~الكتب، وعوقب الرجلان بالسجن في حجرات ضيقة منعزلة في الدير، لكن «آمي» فر من ~~الدير إلى سويسرا، حيث هاجم الكاثوليكية، وتبع «لوثر» في دعوته الدينية، وأما ~~«رابليه» فخرج على طائفته الدينية، وانضم إلى سواها. # ودرس رابليه الطب، ومنح فيه الدرجة من جامعة مونبلييه، وعينته الجامعة أستاذا ~~للتشريح، وعندئذ أخذ يشتغل بدراسات دنيوية لا شأن لها بالدين، وألف ملهاة ~~عنوانها «الرجل الذي تزوج امرأة صماء»، وهكذا أخذ ينسحب شيئا فشيئا من الكنيسة ~~لينغمس في مجرى الحياة الاجتماعية. # وفي عام 1532م نشر ترجمة لاتينية لمؤلفات أبقراط وجالينوس في الطب، لكن الناشر ~~أصابته خسارة فادحة، فأقسم له رابليه أنه معوضه عن هذه الخسارة ربحا كثيرا ~~قال: «وأقسم لك إن رابليه الذي لا يعرفه الآن إلا نفر ضئيل لن يلبث طويلا، حتى ~~يصبح في أفواه الناس جميعا وبين أيدي الناس جميعا، وسيمتد صيته إلى خارج البلاد ~~كما ينتشر في أرجائها.» # فما هو إلا أن أخرج لذلك الناشر كتابا صغيرا عنوانه «بانتاجريل»، ثم لم يلبث أن ~~أعقبه بكتاب آخر عنوانه «جارجانتوا»، حتى نجح المؤلف ونجح الناشر نجاحا عظيما. ~~وسنتناول هذا الكتاب العظيم بالتحليل. # بدأ رابليه عام 1532م فأخرج «بانتاجريل» Pantagruel ~~، ولم تمض أعوام ثلاثة بعدئذ حتى أخرج «جارجانتوا» # Gargantua ~~، لكن جارجانتوا هذا، وإن يكن جاء ~~ثانيا في التأليف، إلا أنه أول في ترتيب الكتاب في مجموعته التي بين أيدينا اليوم. ~~ثم مضت إحدى عشرة سنة قبل أن يستأنف رابليه قصته، إذ أخرج في عام 1546م الجزء ~~الثاني من بانتاجريل، وبعد ستة أعوام أخرى نشر الجزء الثالث من بانتاجريل أيضا، ~~وأخيرا ظهر الجزء الرابع من هذه القصة في عام 1564م، وعلى ذلك يكون الكتاب كله ~~مؤلفا من خمسة أجزاء: جارجانتوا، وأربعة أقسام في بانتاجريل. # وليس من ms0382 اليسير أن نقدم للقارئ ملخصا لهذا الكتاب إلا بمقدار ما يتيسر التلخيص ~~لقصص ألف ليلة وليلة مثلا، فقد كتب الكاتب كتابه منجما على أعوام طوال، وفي ~~أيام متباعدة، يكتب في كل ساعة وحيها، بل يكتب وهو يأكل طعامه، وحين يشرب شرابه، ~~فليس من طبيعة هذه الأجزاء المتناثرة المفككة أن تختصر في صفحات قلائل. وحسبنا ~~أن نقول إن جارجانتوا وابنه بانتاجريل بطلان من أبطال المغامرات على غرار من جاء ~~وصفهم في قصص الفروسية في العصور الوسطى، غير أن الكاتب بالغ في الوصف، وهول في ~~التصوير كي ينشئ قصته في جو ساخر. وأشهر الحوادث التي جاء ذكرها في القصة الأولى ~~حرب نشبت بين «جرانجوزييه» # Grandgousier # 4 # أبي جارجانتو، وهو ملك من طراز متسامح لا يأبه كثيرا بفخامة الملك ~~وأبهته ، وبين بكروكول Picrochole # وهو ملك مستبد ~~لا يهوى شيئا غير الفتح والغزو، ومن حوادث القصة الأولى كذلك إنشاء «دير ثلما # Thelema ~~»، وهو دير خيالي يرسم له رابليه الخطط ~~والمبادئ، فيجعلها معارضة لذلك الحرمان البغيض الذي كانت تفرضه الأديرة على ~~رهبانها، فمن مبادئه الأولى «افعل ما بدا لك.» ونقش على باب الدير أبياتا من الشعر ~~تصف من لا يريدهم الدير بين نزلائه، كالمتعصبين والمنافقين والمرابين والسكارى ~~والمخرفين والكسالى والحاسدين والقساة والسذج، وأما نزلاء الدير فمتزوجون يعرفون ~~بالاعتدال والحكمة والذكاء والإحسان والتسامح والرحمة والشهامة والعدل. # ويبدأ كتاب جارجانتوا بقائمة طويلة تسجل أنساب الأسرة تسجيلا يبعث القارئ على ~~السخرية، ثم تتلو ذلك قصة عجيبة عن مولد جارجانتوا بعد حمل دام أحد عشر شهرا، ~~ونزل من جوف أمه وهو يصيح في صوت قوي عريض يسمعه الناس على مسافة أميال بعيدة ~~«ايتوني بالشراب! إني أريد شرابا! أريد بعض الشراب!» ثم يتلو ذلك كيف نشأ رضيعا ~~وطفلا ويافعا، ووصف ذلك كله وصفا مليئا بالسخرية الممتعة. # حتى إذا ما فرغ الكاتب من قصة جارجانتوا، أخذ يقص قصة ابنه «بانتاجريل» وهو كأبيه ~~عملاق تجري تصرفاته على قياس ضخامة جسمه، غير أن «رابليه» في هذا الجزء لم يطرد في ~~وصف حياته على ms0383 مقياس واحد كما استطاع أن يفعل في جزء جارجانتوا. ومن أبرع ~~الشخصيات التي صورها رابليه في قصة بانتاجريل «بانيرج Panurge ~~» الذي التقى به بانتاجريل في باريس فاصطحبه، وقد أبدع ~~رابليه في تصوير هذه الشخصية إبداعا لا يكاد يضارعه فيه إلا شيكسبير في شخصية ~~«فولستاف» # Falstaff ~~، والفكرة الرئيسية في ~~شخصية «بانيرج» انعدام المبادئ الخلقية بمعناها الواسع الذي ورد في فلسفة أرسطو، ~~غير أن بانيرج فيما عدا ذلك يتحلى بكل الخلال الحميدة. وما هو إلا أن يشتبك ~~بانتاجريل وإلى جانبه رفقاؤه جميعا، في حروب متصلة على نمط الحروب التي جاء ~~وصفها في القصص القديمة إذا ببانيرج يبدي مسلكا شاذا يختتم به القصة فجأة، ويميل ~~بانيرج إلى الزواج، فيخصص الكاتب جزءا كاملا من كتابه يبسط فيه الوسائل التي لجأ ~~إليها بانيرج ليرى هل يقدم على الزواج أو لا يقدم، وأخيرا يعتزم القيام برحلة ~~إلى راعية إلهية تتلقى الوحي من السماء ليستلهمها طريق الصواب. ويشغل وصف هذه ~~الرحلة الجزأين الأخيرين من الكتاب. فلما بلغ الراحل غايته، وألقى سؤاله على ~~الراعية ليهتدي بجوابها إلى الصراط المستقيم، أجابت الراعية الإلهية بكلمة واحدة ~~هي «امرح.» فجاءت الكلمة مبددة لما يساور بانيرج من وساوس، بل جاءت حلا لمشكلة ~~كبرى هي الحياة الأليمة فوق هذه الأرض. # هذا هو كتاب رابليه «جارجانتوا وبانتاجريل» الذي يمثل براعته الأدبية وميوله ~~الشخصية أصدق تمثيل، ولقد أثار هذا الكتاب نقاشا حادا، وبحثا مستفيضا حول ما ~~يقصده المؤلف من هذا الكتاب. وإنك لترى الكاتب يخلط في شخصياته خلطا عجيبا كأنما ~~يريد متعمدا أن يربك من بعده من الناقدين، فتارة يذكر أشخاصا حقيقين بأسمائهم ~~الصحيحة، وتارة يستر أشخاص كتابه بقناع خفيف يشف عما تحته من أشخاص حقيقيين، ~~وطورا ثالثا يستخدم شخصيات خلقها بخياله خلقا، ثم تراه أحيانا جادا رصينا ~~لا يهزل ولا يسخر، كما فعل في الفصول التي عقدها للكلام في تربية النشء، وأحيانا ~~أخرى - بل وأغلب الأحيان - يهزل ويسخر إلى حد الإسراف. ومن أوضح صفات رابليه أمران؛ ~~أولهما: حبه الشديد لاستعمال الألفاظ المترادفة في كثرة ms0384 تستوقف النظر والإفراط في ~~التفصيل حين يثبت قائمة بأشياء، وثانيهما إسرافه في ذكر إشارات وأوصاف لا ~~يراعى فيها الذوق المهذب المرهف. # وقد اختلف النقاد في تفسير هذا الكتاب وفي تقديره، فقيل إنه هجاء سياسي شخصي ~~تستطيع أن ترد كل حادثة فيه، وكل شخص من أشخاصه إلى مقابل في الحياة الواقعة في ~~عصره، وقيل كذلك إنه نقد للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وقيل أيضا إنه دفاع عن ~~الفلسفة المادية الأبيقورية التي تنادي بالبحث عن حياة لذيذة ممتعة، بل زعم فريق ~~آخر أن الكاتب إنما أراد مهاجمة العقيدة المسيحية من أساسها، وأخيرا ذهب بعض ~~الناقدين إلى أنه مخادعة ماكرة من مؤلف ماهر أراد بها أن يضلل قراءه، فيوهمهم ~~أن شيئا مقصودا يكمن وراء هذه الألفاظ، وعليهم أن يتعقبوه ليكشفوا عنه. والواقع ~~أن ليس وراء الستار من شيء مستور، وبعد فليس غرضه الصحيح بعسير - كما يقول ~~سانتسبري في كتابه عن تاريخ الأدب الفرنسي - إذا لم نفتعل إخراج المعاني مما يخلو ~~من المعنى، فالكتاب يجري في نسقه على نمط معروف مشهور، وهو قصة تروي مغامرة لبطل ~~أو أبطال. وإذن فرابليه لم يبتكر من حيث الصورة شيئا جديدا، وإنما الجديد هو ما ~~أخذ يحشره خلال قصة المغامرة من تعليق وإشارة واستطراد، وساعده على ذلك غزارة ~~علمه، فقد كان عالما ضليعا، ولم يغمض عينه عن الدنيا التي يعيش فيها، فجمع مما ~~حوله معرفة واسعة، وكان ذا مزاج مرح يميل إلى اللهو والسرور، فضلا عن انغماسه ~~في السياسة واتصاله بمشكلات الدين. وإذن فقد جمع رابليه عناصر النهضة في أولى ~~مراحلها، وهي حب اللهو والسعي وراء الربح والدراسة. # نعم إن كتاب «جارجانتوا وبانتاجريل» آية أدبية برغم ما فيه من فقرات طوال تبعث ~~الملل في نفس قارئها لفتورها وخلوها من المعنى، ولكأننا بالكاتب في مثل هذه الفقرات ~~يلهو لهوا بريئا بالألفاظ كما يلهو الطفل العابث بالرمل على شاطئ البحر، فالطفل ~~لا يفحص كومة الرمل حبة حبة، ثم هو لا يريد أن يستخدم الرمل لشيء ذي نفع أو غرض ~~مقصود، وكل ما ms0385 يعنيه منه أن يملأ منه وعاءه، ثم يفرغه مستمتعا بذلك، وهكذا ترى ~~رابليه في كثير من أجزاء كتابه يكيل الألفاظ بقلمه كيلا لغير ما غاية منشودة سوى ~~أن يملأ الوعاء فرحا مرحا مسرورا. # وإذا وجدت رابليه في هذا الكتاب قد خرج على حدود اللياقة، وأفحش القول، وأرخى ~~للشهوة الجسدية عنانها، فمرجعه أنه رجل ضاق صدره بقيود العصور الوسطى، ومحنة السلطة ~~الدينية. وإذا كنت ممن لا يطيقون قراءة الكلام الفارغ من المعنى، وإن كنت ذا عقل ~~صارم يريد أن يقرأ ما يفيد، وإذا كنت ممن يقرءون ليجدوا حلا حاسما مباشرا ~~لمشكلات الحياة، فليس رابليه بالكاتب الذي تريد؛ لأنه كاتب مارق خرج على كل هذه ~~الأوضاع ازدراء لها، واحتجاجا على الدوافع التي بعثت عليها. إن الكثرة الغالبة من ~~الناس تؤثر الحزن على المرح ، واليقين على الشك، هم يحبون الحزن، حتى ولو لم يكن ثمت ~~ما يحزن، وهم يحبون اليقين والتمسك بما يعتقدون، حتى ولو كانت عقائدهم أوهاما في ~~أوهام ينكرها الواقع إنكارا صريحا، وهم كذلك يحبون اطراد الفكر غير عالمين أن ~~صاحب الفكر المطرد هو المجنون الذي لا يتردد قطعا في أنه قيصر ذو السلطان ~~والجبروت. # لقد أخذ رابليه يقذف بمادة كتابه قذفا لا ينشد غاية ولا يترسم خطة، بل لعله لم ~~يقرأ ما كتب ولم يعن بالصقل والتجديد، وليس في كتابه قصة مطردة، وإنما يسوق ~~الحديث سوقا، فتتساقط الشخصيات في السياق بغير تمهيد لظهورها، ثم تختفي فجأة ~~إلى أن يتذكرها الكاتب بالمصادفة العابرة. ففي الكتاب محادثات ونكات وقصص وسخرية ~~ولعب بالألفاظ، وصور مختلفة للحياة الممتعة اللذيذة، وتصوير للأصدقاء ونقد أدبي، ~~وترى كل هذا يتدفق من عقل رابليه كأنما هي أنغام مختلفة تخرجها آلة كبرى تعددت ~~أوتارها، وتراها جميعا تتسابق أمام عينيك على صفحات الكتاب في تلاحق سريع ونغم ~~وتوقيع لا يضارع رابليه فيهما كاتب آخر. إن تاريخ «جارجانتوا وبانتاجريل» ~~لكالسيل المتدفق ينبثق من شبه الشعور بعد أن أترع بالأفكار والصور والرغبات ~~والتجارب، ثم فك إساره بعد قيد طويل؛ فكأنما هو تخليط ms0386 مخمور أسكرته ~~الراح. # نشر الكتاب فقالت عنه كلية اللاهوت بجامعة باريس إنه مناف للدين في بعض مواضعه؛ ~~فراجعه الكاتب وحذف منه إشارات جنسية صريحة، وملأ الفراغ بسخرية لاذعة برجال ~~اللاهوت في تلك الكلية؛ فصدر أمرها بمصادرة الكتاب، لكن ذلك لم يكن إلا إعلانا ~~قويا عنه فازداد نجاحا. # لقد قيل إن في الإنتاج الأدبي درتين نادرتين لا يظفر بهما إلا القليل من ~~الكتاب، أما أولاهما فهي النظم الذي يبلغ أن يكون شعرا، وأما أخراهما فهي ~~الفكاهة التي تبعث قارئها على الضحك، وقد كانت فكاهة «رابليه» من هذا القبيل ~~النادر، وما أكثر ما كتب من فصول فلسفية ونفسية في تحليل الفروق بين فكاهة ~~وفكاهة، فهذا «سوفت # Swift ~~» الكاتب الإنجليزي في ~~القرن الثامن عشر كاتب فكه، لكن فكاهته تثير في قارئها رعدة؛ لأنها تبعث على ~~الأسى، ويستحيل على قارئها أن يضحك في قهقهة عالية، وهذان «دكنز # Dickens ~~» و«مارك ~~توين # Mark Twain ~~» ينظران إلى الحياة نظرة جادة صارمة تفهم ما فيها من بؤس ~~ومرارة، ثم هما يجعلانك بفكاهتهما تقهقه طربا وتهتز مرحا، ويشعرانك بما في ~~الحياة من عبث يبعث على الضحك. ومن هذا القبيل كانت فكاهة رابليه، فهو حكيم عاقل، ~~لكنه ساخر ضاحك، فهو في كتابه الذي أشرنا إليه يرسل بطله «جارجانتوا»، ثم ابن بطله ~~«بانتاجريل»، ثم يرسل «بانيرج» - وهو أظرف أشخاص قصته - يرسل كل هؤلاء إلى دنيا ~~الواقع ودنيا الخيال، فيلاقون أثناء مغامراتهم ورحلاتهم كل صنوف الناس، وجميع ألوان ~~الحياة في هيئة مضحكة هي الحق بمقدار ما في النظرة الهازلة إلى الحياة من حق. ~~فهو يلطم بسخريته ضروب الناس على اختلافهم، لكنه يوجه أقسى لطماته إلى أصحاب المهن ~~المحترمة كالقساوسة ورجال القانون. # وقد أثارت سخريته بعض النفوس التي كانت تضيق بالنقد في عصره، فإذا أضفنا إلى ~~سخريته خروجه على حدود العرف في لفظه، وجدناه نابيا على الذوق السائد في عصرنا، ~~لكن قد يشفع له في ذلك أنه بضحكاته العراض يمزق عن وجوه الناس أقنعة النفاق ~~والتكلف، فلعله بلفظه الجارح يشفي من جسم المجتمع ms0387 العليل هذا الداء إن كان لمثله ~~دواء. # ويستخدم رابليه جزل الألفاظ ورنانها، وهو الذي خلق بعض ألفاظه خلقا، وتراه ~~فيما يكتب يكثر من الصور والتشبيهات، حتى أصبحت غزارتها وتلاحقها عيبا يؤخذ على ~~أسلوبه. وقد أراد رابليه بكتابه هذا أن يبشر بمذهب أدبي هو أن الفكاهة والسخرية ~~وحدهما السبيل إلى نجاة العالم، وتخليصه من شوائبه، حتى ليطلق على هذا المذهب في ~~الأدب «المذهب البانتاجريلي»، وقد اقتفى أثره من بعده كثير من الأدباء. # وهذه قطعة من وصفه لحياة الرهبان والراهبات في دير «ثلما» الذي تخيله رابليه، ~~وأورد ذكره في قصة جارجانتوا: # كانوا ينفقون حياتهم كلها في غير حرص على قانون ولا شريعة ولا نظام، ~~إنما يسيرون فيها وفق أهوائهم وإرادتهم المطلقة من القيود؛ فهم يغادرون ~~المخادع حينما يشاءون، ويأكلون ويشربون ويعملون وينامون، حينما يريدون ~~وحيثما مال بهم الهوى، فليس لأحد أن يوقظهم من نعاس، وليس لأحد أن يضطرهم ~~إلى طعام أو شراب أو أي شيء آخر. هكذا رسم لهم جارجانتوا طرائق العيش، ~~وليس فيما يتبعون من قواعد وروابط دقيقة تضبط جماعتهم إلا عبارة واحدة ~~جديرة في رأيهم بالاتباع ألا وهي: «افعل ما بدا لك.» ذلك لأن أحرار الرجال ~~الذين حسنت بيئتهم، وصلحت تربيتهم، وعرفوا كيف يعيشون في صحبة شريفة، ~~ورثوا في جبلتهم غريزة أو حافزا يستحثهم على عمل الفضائل، ويبعدهم عن ~~الرذائل، وذلك الحافز الفطري هو ما يسمى بالشرف، ولكن هؤلاء الرجال أنفسهم ~~لو خضعت نفوسهم خضوعا ذليلا، واضطرتهم القيود أن يذلوا ويخنعوا، فإنهم ~~ينحرفون عن ذلك الحافز الشريف الذي كان قبل يميل بهم نحو الفضيلة، ويتجهون ~~نحو أن يزيحوا عن أنفسهم تلك الأصفاد، ويحطموها تحطيما؛ لأنها أصفاد ~~استعباد تسترقهم في طغيان غشوم، فإن طبيعة الإنسان تملي عليه أن يسعى ~~وراء الممنوع، وأن يشتهي ما حرم عليه ... # وقد قيض الله لكتاب رابليه أن يترجمه إلى الإنجليزية في القرن السابع عشر ~~السير توماس إركارت # Sir Thomas Urquhart # ذلك ~~الاسكتلندي النابغ الذي جعل من رابليه علما في الأدب الإنجليزي، بل لعله في ~~إنجليزيته أقرب ms0388 إلى نفوس القراء الإنجليز المحدثين، منه في فرنسيته إلى القراء ~~الفرنسيين. ~~(5) السابوع الأدبي Pléiade # شهدت فرنسا في منتصف القرن السادس عشر حركة أدبية كبيرة تعرف باسم «السابوع ~~الأدبي». ولعلنا لا نعدو الحق إذا قلنا إن رجال هذه الحركة هم الذين أثبتوا قدرة ~~اللغة الفرنسية على أن تصبح لغة أدب وثقافة بعد أن كانت تعتبر لغة عامية ضئيلة ~~القدر إلى جانب اللغة اللاتينية التي ظلت إلى عصرهم لغة التأليف والأدب الرفيع. ومن ~~البديهي أنهم لم يسلكوا في جهادهم من أجل اللغة الفرنسية طريق الدفاع النظري فحسب، ~~بل رأوا بحق أن خير السبل لتأييد قضيتهم هي أن ينشئوا الشعر والنثر بتلك اللغة ~~العامية. ولقد وفقوا في ذلك الإنشاء أكبر توفيق حتى ليعدون في تاريخ الأدب ~~الفرنسي آباء ذلك الأدب وواضعي أسسه. ولا أدل على ذلك من أنه عندما ظهرت الحركة ~~الابتداعية (الرومنتيكية) في القرن التاسع عشر، ونادى القائمون بها بوجوب ترك ~~الآداب الإغريقية واللاتينية باعتبارها غريبة عن فرنسا، والرجوع إلى المصادر ~~الفرنسية البحتة؛ لم يجدوا خيرا من «السابوع» يتدارسونه ويستوحونه ويجددون ~~مذاهبه. # هذه الحركة من الأهمية، بحيث تستحق أن نقف عندها قليلا لنجمل بعض آرائها في ~~تجديد الأدب، وسيرى القارئ في مبادئها ما يمكننا أن نستفيد منه في المرحلة الراهنة ~~من حياتنا الثقافية. ~~(5-1) السابوع وتكوينه # حوالي منتصف القرن السادس عشر ظهر أستاذ كبير اسمه دورا # Daurat # كان يدرس اللغتين الإغريقية واللاتينية ~~بإحدى المدارس، وكان من بين تلاميذه شابان هما: رونسار # Ronsard # وباييف # Baif # سيصبح ~~لهما في الشعر شأن كبير. وانتقل الأستاذ رئيسا لمدرسة أخرى، فتبعه الشابان ~~النابهان. وفي المدرسة الجديدة تعرفا بشابين آخرين من أعلام المستقبل هما ~~بللو # Belleau # وجودل # Jodelle ~~، وبعد قليل انضم إليهم في حلقة الدرس دي بللي # Du Bellay ~~. # وتابع هؤلاء الشبان الخمسة دروس أستاذهم في حماسة بالغة، حتى ليروون أن ~~رونسار وباييف كانا يتناوبان في الليل مائدة المذاكرة، فيحتلها رونسار إلى ~~الساعة الثالثة صباحا، ثم يوقظ باييف ليحل محله. وبلغ بهم فرح النفس بالتحصيل ~~أن صاح أحدهم ms0389 يوما بأستاذهم عندما شرح لهم لأول مرة قطعة لشاعر إغريقي كبير ~~«لم أخفيت عنا - أستاذنا! - هذه الكنوز إلى اليوم؟» وطلبة قلوبهم في هذه ~~الحرارة لم يكن بد من أن تطمح نفوسهم الفتية إلى أن يكتبوا بلغتهم أدبا يستطيع ~~أن يثبت عند المقارنة بالآداب الإغريقية واللاتينية التي أحبوها كل هذا ~~الحب. # وهذا ما كان. فقد اجتمعت كلمتهم: رونسار، باييف، وبللو، جودل، دي بللي - ~~ومعهم طبعا أستاذهم دورا، ثم بونتيس دي ~~تيار Pontus de Tyard # الذي انضم إليهم عندما علم بحركتهم العظيمة - اجتمعت ~~كلمتهم على أن يجددوا كما قلنا اللغة الفرنسية والشعر الفرنسي. # وسموا أنفسهم في بادئ الأمر «الفرقة» # Brigade ~~، وكان اسما متواضعا لا يخلو من سذاجة ونبل، ~~ولكنهم كانوا فنانين، ورجال الفن لا يخلون قط من نوع من الكبرياء اللطيف. ~~ورأوا أنهم سبعة، وذكروا أن الإسكندرية قد شهدت في عصر البطالسة (بطليموس ~~فيلادلف) سبعة من شعراء الإغريق كونوا رابطة لتجديد الشعر الإغريقي، وسموا ~~أنفسهم «بالسابوع» قياسا على مجموعة من الكواكب التي تحمل هذا الاسم، فلم لا ~~يسمون أنفسهم هم أيضا «بالسابوع»؟ وهكذا تكون الاسم وتكونت المدرسة. # وفي سنة 1549م كتب دي بللي بالاشتراك مع رونسار دستورا للجماعة بعنوان «دفاع # 5 # عن اللغة الفرنسية وإثراء لها»، وهو كتاب عظيم الأهمية في تاريخ ~~اللغة الفرنسية وأدبها، ولقد لقي الكتاب معارضة من أنصار اللغة اللاتينية، ولكن ~~المعارضة لم تلبث أن خمدت. وانتصر «السابوع» انتصارا رائعا حتى لنرى رجاله ~~يسيطرون على حياة فرنسا الأدبية أربعين عاما لا ينافسهم في تلك السيطرة أحد ~~يذكر. بل لقد جاوزت شهرتهم فرنسا فامتدت إلى أوروبا كلها، ولكن الموت لم يلبث ~~أن تخطف أفرادهم الواحد تلو الآخر، حتى إنه لم يكد القرن السادس عشر ينتهي حتى ~~كانت حركتهم قد تهافتت، بل ابتلعها نسيان ظالم. وظل مجدها مطويا لم يبعث إلا ~~في القرن التاسع عشر على يد الرومانتيكيين. ~~(5-2) مبادئ السابوع # يمكن إجمال مجهودات السابوع وتعاليمه فيما يأتي: ~~(1) # الدفاع عن اللغة الفرنسية: وذلك لأن تلك اللغة كانت تعتبر عندئذ ~~بمثابة لغة ms0390 عامية إلى جوار اللغة اللاتينية، وكان الأمر شديد ~~الشبه بلغتنا العامية اليوم إزاء اللغة الفصيحة، وذلك مع ملاحظة أن ~~اللغة الفرنسية كانت قد بعدت عن أصلها اللاتيني أكثر من بعد لغتنا ~~العامية الآن عن العربية الفصحى بكثير. وكان الكتاب والعلماء ~~ينظرون إلى اللغة الفرنسية باحتقار، ويرون أنها لا تستطيع أن ~~تحل محل اللاتينية. فانبرى لهم السابوع؛ ليثبت أن اللغات لا تمدح ~~ولا تعاب في ذاتها، وإنما تمدح وتعاب بما كتب فيها، وليس غنى اللغة ~~وفقرها إلا من عمل المتكلمين والكاتبين بها. ولقد كان فيما فعل ~~الإيطاليون أمثال دانتي وبترارك وغيرهما خير مثل يحتذى؛ فهؤلاء قد ~~كتبوا عيون الأدب باللغة الإيطالية التي كانت تعتبر لغة عامية ~~كالفرنسية سواء بسواء إلى جوار اللغة اللاتينية، فما على ~~الفرنسيين إلا أن يعملوا كما عمل الإيطاليون، وسوف يكون في مؤلفات ~~السابوع ما يثبت أن اللغة الفرنسية لا تقل صلاحية للأدب الرفيع عن ~~اللغة الإيطالية إن لم تفقها. ~~(2) # إثراء اللغة الفرنسية وآدابها، وذلك بالطرق الأربع ~~الآتية: ~~(أ) # الاستعارة من اللغتين القديمتين الإغريقية ~~واللاتينية: ولقد اتهمهم خصومهم - بغير حق - بالإسراف ~~في هذا الاتجاه، حتى قال الناقد الفرنسي بوالو «إن ~~رونسار وجماعته قد أنطقوا ربة الوحي الفرنسية ~~باللغتين الإغريقية واللاتينية.» إشارة إلى كثرة تلك ~~الاستعارات. ~~(ب) # التجديد في الأوزان والقوافي: وقد كان اتجاههم العام ~~في ذلك نحو الاطراد وإحكام الأصول، وإن لم يصلوا في ~~ذلك إلى حد التزمت الذي سيصل إليه فيما بعد ~~الناقد ماليرب # Malherbe ~~، ونستطيع أن نضرب لذلك بعض ~~الأمثال بقولهم بوجوب انتهاء المعنى عند مقطع الشطر في ~~كل بيت، بحيث لا يكون هناك تدوير في المعنى، وأما ~~القافية فيلحون في ضرورة إشباعها. وفي الأوزان حرصوا ~~على أن يجعلوا الصدارة للوزن الطويل المكون من اثني ~~عشر مقطعا، وهو الوزن المسمى بالإسكندري كما استعاروا ~~من الإيطاليين «السونتا» البترركية. ~~(ج) # فنون الشعر: لقد عمل السابوع على التخلي عن الفنون ~~الشعرية الصغيرة كالمواويل وما شابهها من الأنواع التي ~~سادت في القرون الوسطى، وعادوا إلى الفنون الكبيرة ~~التي عالجها اليونان ms0391 والرومان القدماء كقصائد الهجاء ~~والرثاء وشعر الرعاة وشعر الملاحم، بل والتراجيديا ~~والكوميديا، وإن يكن إنتاجهم المسرحي ليس بشيء إذا ~~قيس بإنتاجهم الغنائي الذي خلدوا به. ~~(د) # ضرورة العمل: وهذا مبدأ لعله من أنفع مبادئهم، فقد ~~قالوا بأن خلق الأداة الشعرية من لغة وأوزان لا يكفي، ~~بل لا بد من طول الجهد والمران حتى تسلس الأداة لهم، ~~وعندهم أن العبقرية ذاتها لا تغني، بل لا بد من ~~مواصلة العمل، حتى تخرج العبقرية ثمرات سليمة. ~~(ه) # محاكاة القدماء: وهذا هو طابع السابوع الواضح، فقد ~~قالوا بأن المحاكاة هي خير وسيلة لتجديد الشعر ~~الفرنسي. ولقد كان إعجابهم بقدماء الإغريق واللاتين لا ~~حد له، وما كانوا يستنكفون من أن ينهبوا كنوزهم ~~الأدبية نهبا، حتى قالوا بمحاكاة الصياغة والموضوعات ~~على السواء؛ ومن هنا كثر استخدامهم للأساطير القديمة. ~~ولقد أثبت الزمن أنهم كانوا على حق؛ إذ أصبحت المحاكاة ~~مدرسة للأصالة. # وكما قلدوا القدماء قلدوا كذلك الإيطاليين الذين ~~كانوا قد سبقوهم إلى خلق أدب جديد. # وسنعرض فيما يلي موجزا لأكبر اثنين من أعلام ذلك ~~السابوع المجيد: ~~(6) رنسار # Ronsard # ولد «بيير دي رنسار» Pierre de Ronsard # في بلد ~~ريفي على ضفاف اللوار عام 1524م، ومات سنة 1585م. والعالم يعترف له بالزعامة بين ~~الشعراء الأحياء، حتى لقبه معاصروه «أمير الشعراء». ولقد قضى رنسار أولى سنيه ~~منغمسا في شئون الحياة، فقد كان أبوه تابعا في حاشية «فرانسس الأول»، والتحق ~~رنسار بخدمة البلاط حين كان صبيا في عامه العاشر، فسافر إلى اسكتلنده وإنجلترا في ~~حاشية السفراء الفرنسيين، كما التحق بالسفارات الفرنسية في فلاندر وهولنده ~~وألمانيا، لكنه لم يلبث أن أصابه مرض أحدث في سمعه صمما أعجزه عن العمل في مناصب ~~الحكومة، فارتمى في أحضان الأدب لعله يجد في رحابه العزاء والسلوى. وتتلمذ «لدورا»، ~~وزامله في الدراسة «دي بلاي» و«بيلو» و«باييف» فكانت جماعة قوامها هؤلاء الأربعة ~~وأستاذهم خامسهم، ثم أضيف إليهم «جودل» و«بونتي دي تيار»، وبذلك اكتمل السابوع الذي ~~أخذ على نفسه إصلاح اللغة الفرنسية والأدب الفرنسي، وأن تكون وسيلة الإصلاح دراسة ms0392 ~~الآداب القديمة والنسج على منوالها. # وأول ما أنتج السابوع ليدلوا على مذهبهم بطريقة عملية هو «أغان» للشاعر ~~رنسار، ثم عقب ذلك بإنتاج آخر هو «غراميات كاسندرا»، ثم أتبع ذلك بديوان عنوانه ~~«ترانيم»، ثم بطائفة من المقطوعات الشعرية. # لم يلبث رنسار طويلا بعد أن أخذ يقرض الشعر، حتى عظمت مكانته في القصر، وإن ~~قصة لتروى في هذا الصدد عن «مرغريت سافوا» أخت هنري الثاني، أنها سمعت منشدا في ~~القصر يقرأ شعر رنسار في صوت تهكمي، فجذبت منه الديوان جذبا، وأخذت هي تنشد ~~لأخيها الملك وحاشيته، فحكم الحضور جميعا للشاعر بالعظمة، ثم أخذت شهرة الشاعر ~~تزداد في القصر في أيام شارل التاسع. وقد أنفق رنسار بعدئذ عشر سنوات ينتج للقصر ~~قصائد الشعر في المناسبات المختلفة، كما ينتج لنفسه آنا بعد آن. وأخيرا ظهر في ~~سنة 1572م الجزء الأول من ملحمة «فرانسياد» التي كان يطمع أن يصل بها إلى ذروة ~~الشعر، لكنه لم يوفق فيما أراد، ولعلها أن تكون أسوأ ما أنشد من شعر. ومات شارل ~~التاسع وغادر الشاعر القصر، وقصد إلى إقليمه الريفي، وهنالك جادت قريحته بخير شعره ~~في «قصائد غزلية» و«مقطوعات شعرية إلى هلن» وغيرهما. # كان رنسار أميرا للشعراء في عصره، لكن النقد فيما بعد اختلف في تقدير أدبه ~~اختلافا بعيدا، فلم يتورع خلفه «ماليرب # Malherbe ~~» أن يخرجه من زمرة الشعراء إخراجا، ولم يتردد «بوالو # Boileau ~~» في الغض من شأنه، ولكن ما جاءت الحركة ~~الابتداعية في القرن التاسع عشر، حتى أوشك رنسار على يديها أن يستعيد مجده كما ~~كان في أيام حياته، وأصبحت آثاره إنجيلا يقدسه أتباع «سنت بيف # Sainte Beuve ~~» وتلامذة «هيجو». # ومهما يكن من رأي النقد في رنسار فلا شك في أن مجده يبدو على حقيقته حين ننظر ~~إلى مقدار ما أثر في خلفه، فقد تمكن بفضل دراسته للآداب القديمة أن يدخل على الأدب ~~الفرنسي أبحرا جديدة، وقد كان من أكبر عيوب الشعر في القرنين الرابع عشر والخامس ~~عشر، وفي أوائل السادس عشر أن بذل الشعراء كل عنايتهم في ms0393 ترتيب القوافي والمقطوعات، ~~وأهملوا البيت الواحد إهمالا تاما، فجاء رنسار وجعل البيت وحدة القصيدة كما هو ~~الشأن في الشعر العربي، ولعل ذلك نتيجة دراسته لشعر هوراس الذي ترى لكل مقطع فيه ~~أثرا في قوة البيت، ولكل بيت أثر في قوة المقطوعة. أضف إلى ذلك أن رنسار أطلق يده ~~في إدخال كلمات جديدة من اليونانية واللاتينية، وألوان من التعبير لم تألفها ~~أسماع الفرنسيين، ثم احتفظ مع ذلك بكلمات فرنسية قديمة لها روعة في التصوير. ~~وكان مما يميزه كذلك إسراف في استخدام صيغة التصغير، وكان هذان الجانبان الأخيران، ~~الكلمات القديمة وصيغة التصغير، مما امتدت إليه يد النقاد في القرن السابع عشر ~~بالحذف، ومع ذلك فقد بقي لما أدخله رنسار من تغيير وتعديل على الشعر الفرنسي أثر ~~عميق ولون ناصع نلمسه فيه كلما نهض واستقام بعد ركود وانحلال. # وهاك نماذج من شعره: ~~«ماري» استيقظي، ما هذا الكسل؟ # ها هي ذي القبرة المرحة في السماء تغني، # ها هو ذا البلبل الشجي نواح من الحزن، # ما أرق شجوه وهو جالس فوق الأسل! ~~••• # هبي انهضي نشهد العشب ولؤلؤه الندي، # نشهد البراعم تاجا لشجيرة ورد قد ملكتها، # نشهد القرنفلات الصغيرة الجميلة التي سقيتها # ليلة الأمس كأنما كنت حالمة يدا. ~~••• # لما أويت إلى الفراش مساء الأمس استحلفت عينيك # أن تبكرا عني هذا الصباح فتنفضا الكرى من فوق جفنيك، # لكن لذيذ النوم عند العذارى في السحر. ~~••• # ظل مطبقا في السبات الحلو عينيك، # فا هأنا ذا ألثم العينين، ثم جميل ثدييك، # مائة قبلة تعلمك النهوض وقت الفجر. # ومن أناشيده: # إلى كاسندرا # هيا بنا يا عزيزتي الصغيرة نشاهد الوردة # هل فتحت هذا الصباح # رواءها الأرجواني للشمس، # ولم تفقد خلال المساء # ثنيات ثوبها الأرجواني، # أو لونها الذي يماثل لونك؟ # وا حسرتاه! انظري يا صغيرتي # كيف انتثر جمالها # في هنيهة قصيرة! # وفي هذا المكان، وا حسرتى وا حسرتى! # أواه، ما أقساك أيتها الطبيعة! # أتذوي زهرة كهذه الزهرة، # فلا تعمر إلا يوما من الصباح إلى المساء؟ # صدقيني أي صغيرتي! # إذا كنت من عمرك في ms0394 زهرته، # أو كنت من عمرك في يانع خضرته # فاقطفي، ثم اقطفي ثمرات الشباب؛ # فسيذوي بالشيخوخة جمالك كما ذوت هذه الزهرة. ~~(7) دي بلاي # Du Bellay # ويأتي «دي بلاي» بعد رنسار، بل ربما تفوق عليه إذا اتخذنا أساسا للمفاضلة اطراد ~~الجودة لا ضخامة الإنتاج وتنوعه، وقد كان يصغر رنسار بأعوام قلائل، وزامله في ~~الدراسة الأدبية على يدي «دورا»، وقد ذكرنا من قبل منهاجه الذي عبر فيه عن مبادئ ~~السابوع، ثم لم يلبث أن أخرج ديوانا يطبق فيه تلك المبادئ عنوانه «مقطوعات شعرية ~~إلى أوليف» قصد به إلى حبيبته «فيول»، # 6 # وحدث بعد ذلك بقليل أن سافر إلى إيطاليا في صحبة عظيم من أقربائه ~~بالسلك السياسي، إلا أنه لأمر ما فقد عطف قريبه ذاك، وأخذت تتوارد عليه العقبات ~~والمصاعب، وعندئذ أخرج ديوانا آخر من مقطوعات شعرية عنونه «حسرات»، ولم تطل ~~بعد ذلك حياته فوافته منيته عام 1560م، وهو لم يعد الخامسة والثلاثين من ~~عمره. # وكانت إقامته بإيطاليا قد أوحت إليه بخير ما أنشد من شعر، وهي قصيدة «آثار روما» ~~التي ترجمها «سبنسر» إلى الإنجليزية، وكذلك من آياته قصيدة «الذاري» وقصيدة «رثاء ~~على قبر كلب صغير»، وقصيدة «ملاهي الريف»، وكلها من جيد الشعر. فلئن فوت الأجل ~~القصير على «دي بلاي» أن يكون غزير الإنتاج فقد عوضته العبقرية جودة، حتى أطلق ~~عليه «أبولو السابوع» إذ كان أجودهم شعرا، كما كان أقواهم نثرا. # وهاك نماذج من شعره: # رثاء على قبر كلب صغير # تحت هذه البقعة الخضراء # التي يغطيها السوسن والورد # يرقد «بيلوتون» الصغير. # كان شعره الناعم # يغطي ظهره وبطنه والفخذ بفراء متموجة بيضاء. # أفطس الأنف كبير العينين # لم يكن فيهما أذى، # طويل الأذن يكسوها الشعر # الحريري المائج، # في ذنبه ذؤابة صغيرة # كأنها الباقة الصغيرة، # دقيق الساق والقدم # إنه لأظرف من قطة # تداعب صغارها. # أثداؤه أربعة صغار، # وأسنانه عاجية دقاق، # وله لحية سوداء # تتدلى تحت فمه العذب، # كل هذا، كل محياه الباسم، # كل جماله من رأسه إلى القدم، # سمات هذا الكلب، # وإن كلبا له ذاك الجمال # حري ms0395 أن يكون له قبر أجل وأجمل. # ومن شعره في حبه لوطنه: # سعيد من طاف في رحلة جميلة كما فعل يوليسيز، # أو كما فعل الذي نال الجزة الذهبية جزاء، # 7 # ثم عاد وقد عرك الأيام تجربة ومرانا؛ # ليقضي بين عشيرته بقية عمره ~~••• # ويح نفسي! متى تبصر عيناي من بلدي مداخنه # ترسل في الهواء دخانها، متى؟ # متى أرى حديقة داري المتواضعة # وهي عندي تعدل إقليما بأسره، وأكثر؟ ~~••• # أحب إلي دار بناها أجدادي # من وجهات فخمة لقصور رومانية # فالأردواز الناعم في داري أحب إلي من مرمر القصور. ~~••• # إن اللوار يشق بلادي - بلال الغال - خير عندي من «تيبر» ~~اللاتين، # و«ليريه» الصغير خير من قمة بالاتان # 8 # والجو الرقيق في «إنجو» أفضل من هواء البحر. ~~(8) كلفن # Calvin # لقد كان رابليه - كما أسلفنا - يمثل النهضة الأدبية في كل خصائصها، يمثلها في ~~وجهة نظرها إلى مشكلات الدين والفلسفة، وهي نظرة يشوبها الشك والحيرة، ويمثلها في ~~إخلاصها للعلم القديم والأدب القديم، ويمثلها في محاسنها للانغماس في الحياة ~~وشئونها، ثم يمثلها في نزوعها إلى الاغتراف من متعة الدنيا ولذائذها. # هذه خصائص أربع تميز الروح السائدة في عصر النهضة الفرنسية، تجمعت كلها في ~~رابليه، لكنها تفرقت في الكتاب الناثرين الأربعة الذين ظهروا في النصف الثاني من ~~القرن السادس عشر، وهم «كلفن» و«أميو # Amyou ~~» ~~و«مونتيني # Montaigne ~~» و«برانتوم # Brantome ~~» نعم إن مونتيني كاد يمثل العناصر ~~الأربعة كلها في النصف الثاني من ذلك القرن كما تمثلت في رابليه في نصفه الأول، لكن ~~عنصرا منها كان له الرجحان على غيره في أدب مونتيني، وذلك هو الميل إلى الشك ~~الفلسفي، وكان كلفن أول من عني بمسائل الدين في نثر أدبي، أما «أميو» فتتمثل فيه ~~الدراسة المنظمة للآداب القديمة، وظهر في «برانتوم» الميل إلى شئون الحياة العملية ~~وما فيها من طيبات. # وسنكتفي من هؤلاء الأربعة الناثرين باثنين: كلفن ومونتيني. # ولد «كلفن» عام 1509م، وأخذ يدرس الدين في سن مبكرة، وكان له في دراسته تقدم ~~ملحوظ، ثم لم يلبث أن تحول إلى دراسة القانون، لكن اهتمامه لم ms0396 يزل متجها إلى دراسة ~~الدين، وقد صادفت المذاهب الجديدة التي دعا إليها المصلحون من نفسه قبولا حسنا، ~~لكن سرعان ما تجهم له وجه الزمان، فغادر فرنسا عام 1534م قاصدا مدينة ~~«بال # Basle ~~» حيث جد في دراسة اللغة العبرية، ~~وهنالك نشر كتابه «شرائع الديانة المسيحية»، ثم انتهى به الأمر إلى الإقامة في ~~جنيف، حتى وافته منيته عام 1564م. # كان كتاب «الشرائع» أهم ما أنتج كلفن في الأدب والدين على السواء، وقد كتبه ~~باللاتينية أول الأمر، ثم ترجمه بعد أربعة أعوام إلى الفرنسية، فكان بغير شك أول ~~كتاب جدي كتب بالنثر الفرنسي، وكانت له قيمة عظيمة في الأدب، وهو مصطبغ بالخصائص ~~اللاتينية في الصياغة والإنشاء، فالثروة اللفظية التي يستخدمها كلفن في هذا الكتاب ~~- على خصوبتها وتنوعها - هي في صميمها فرنسية خالصة، وأما الصبغة اللاتينية ~~فظاهرة في طريقة بناء الجمل لا في اختيار الألفاظ، وكانت هذه الطريقة الجديدة في ~~إنشاء العبارة ذات خطر عظيم؛ لأن الفرنسية - كسائر اللغات الدارجة على الألسن إذ ~~ذاك - كانت في طرق التعبير فقيرة عاجزة، فتركيب الجملة كان تركيبا خاليا من أصول ~~الفن، يصلح للحديث، ولكن لا يصلح لمعالجة موضوع رصين يناقش نقطة معينة بالدليل ~~والبرهان؛ لهذا أخذ كلفن يصب عباراته الفرنسية في قالب لاتيني، وأخرجها في ~~اطراد من الصياغة لم تعهده اللغة الفرنسية من قبل، وبهذا أكسب اللغة سلاسة ~~ووضوحا لم يستعصيا على قلمه، حتى في الجمل الطويلة، وهما خاصتان لم تعرفهما بعض ~~اللغات الأوروبية - بما في ذلك اللغة الإنجليزية - في نثرها إلا بعد ذلك التاريخ ~~بزمان طويل. ولا بد أن نضيف إلى السلاسة والوضوح صفة ثالثة امتاز بها كلفن في ~~نثره، وهي تخلصه من أكبر عيوب النثر الفرنسي، وأعني به الميل إلى الأسلوب الخطابي ~~في الكتابة، ومع ذلك فهو لم ينبذ المحسنات البديعية نبذا مطلقا، إنما زخرف نثره ~~بما تقتضيه أوضاع الفن والذوق السليم. فإذا عرفت أن كلفن قد فرغ من كتابه هذا قبل ~~أن يبلغ السابعة والعشرين من عمره، استطعت أن تقدر مبلغ قدرته ونبوغه؛ إذ ms0397 أمكنه ~~برغم فورة الشباب أن يجري قلمه متزنا هادئا في موضوع جاد رصين. # ويتألف كتاب «الشرائع» من أربعة أجزاء؛ الأول: موضوعه «الله»، والثاني: «التكفير ~~عن الخطيئة» أي مهمة المسيح، والثالث: في نتائج تلك المهمة الكبرى، والرابع: في ~~إدارة الكنيسة. والغرض من الكتاب كله أن يؤيد مذهب الجبر والخطيئة الأولى، ومهاجمة ~~بعض عقائد الكنيسة الكاثوليكية. # وهاك صفحة من هذا الكتاب: # معرفة الله # إن حكمة الإنسان تتألف من جزأين لا ثالث لهما: معرفة الله ومعرفة أنفسنا، ~~وإن ما بالإنسان من ضعف وجهل وفساد ليذكره بأن أسطع أضواء الحكمة ~~والفضيلة والخير لا تجتمع إلا في «المولى» دون سواه، وبديهي أن الإنسان ~~يستحيل عليه أن يعرف نفسه معرفة صحيحة إلا إذا تأمل وجه الله، ثم هبط بعد ~~تأمله إلى نفسه يتفكر فيها. # ليس من شك في أن العقل البشري قد جبل على إدراك الله على نحو ما، ~~وقد أصاب شيشرون - برغم وثنيته - في قوله إنك لا تجد أمة بلغت من الهمجية ~~مبلغا لا يمكنها من الاعتقاد بوجود الله، بل إن الوثنية نفسها لتنهض ~~دليلا على ذلك. # فالتجربة تدل على أن يد الله قد غرست العقيدة الدينية في نفوس الناس ~~جميعا، لكن قل بين الناس من يتعهد تلك البذرة المغروسة في قلبه، فمن ~~الناس من يهيم في الخرافات، ومنهم من تشاء له تعاسته أن يفر من الله ~~فرارا، وطائفة منهم تفكر في الله برغم أنوفها، وهي لا تدنو من الله دون أن ~~تجتذب إلى حضرته اجتذابا. # ولما كان كمال النعمة لا يتم إلا بمعرفة الله، فقد شاء - سبحانه - ألا ~~يكتفي بغرس بذور الدين في نفوسنا، بل أراد أن يتجلى بكمالاته في بناء الكون ~~بأجمعه، وأن يظهر نفسه كل يوم أمام أبصارنا، حتى لا نستطيع أن نفتح الأعين ~~دون أن نضطر اضطرارا إلى رؤيته، نعم إن حقيقته فوق إدراك العقول، لكن ~~جلاله منقوش على كل آية من آياته بأحرف ساطعة، حتى لا يسع إنسانا كائنا ~~ما كان غباء وجهلا، أن يتخذ الجهل ذريعة. # ولعل أقبح منظر ms0398 لعقوق الإنسان أنك تراه - برغم ما يحمل في شخصه من مصنع ~~يموج بأعمال الله - قد انتفخت أوداجه كبرا يدل أن يلهج بحمد الله. ما أقل ~~من يفكر في الله حين يشخص ببصره نحو السماء، أو يرسله إلى الأفق البعيد! ~~فعبثا - بسبب غبائنا - ما يعرض الكون أمامنا من سرج وهاجة أضيئت لتدل ~~على جلال خالقها! # لهذا كان لا بد لنا إلى جانب الكون من معين آخر يهدينا سواء السبيل، نحو ~~الله خالقنا، فأضاف الله «كلمته» ضوءا جديدا يكشف لنا عن سر خلاصنا ~~بفضله. ~~(9) مونتيني # Montaigne # كاتبان كان لهما التفوق في النثر الفرنسي إبان القرن السادس عشر، وهما بين أدباء ~~العالم كله في الطليعة من حيث الإبداع والابتكار، وهما «رابليه» و«مونتيني»، وقد ~~عاش رابليه في النصف الأول من القرن السادس عشر، وعاش مونتيني في نصفه الثاني. ~~وكانت طبيعتاهما على أشد ما يكون التباين؛ فرابليه لعوب طروب، ومونتيني جاد ساخر ~~متأمل. والأرجح أن مونتيني لم يطالع ما كتبه سلفه العظيم؛ إذ شغلته الآداب القديمة، ~~وكان يزدري كل ما أنتجته القريحة الفرنسية الخالصة. ومع هذا الاختلاف بين الرجلين، ~~فقد تعاونا على خلق النثر الفرنسي، وكان لهما أثر عظيم في الأدباء الإنجليز، كما ~~كان لهما أعمق الأثر في الأدب الفرنسي. ~~«هيا امرحوا يا بني، ولتفرح قلوبكم.» تلك كانت رسالة رابليه إلى الناس. أما ~~زميله مونتيني فلم يكن يعنيه في كثير أو قليل أن يمرح الناس أو لا يمرحوا، وعكف ~~هادئا على نفسه يستوحي خواطره ومشاعره، وانكب صامتا على كتبه يقرأ ما خلف ~~الأقدمون، وكان مونتيني هو رب المقالة الأدبية وخالقها في الأدب الأوروبي؛ ولهذا ~~كانت «المقالة» هي القالب الأدبي الوحيد الذي نستطيع أن نتعقبه إلى منشئه وإلى ~~يوم مولده. أما الرواية التمثيلية والقصيدة الغنائية والقصة القصيرة أو الطويلة، ~~فتضطرب أوائلها وأصولها في ظلام الماضي، بحيث لا تجد رجلا واحدا بعينه ينفرد بخلق ~~هذه الصورة الأدبية أو تلك، وإذن «فالمقالة» وحدها هي التي يحدد لها التاريخ ~~مولدا، لم تعرفها قبله أقلام الكتاب، وظهرت بعده عند كثير ms0399 من الأدباء. # ولد «ميشيل دي مونتيني» بين الساعة الحادية عشرة والساعة الثانية عشرة من اليوم ~~الثامن والعشرين من فبراير عام 1533م، وكان ثالث أبناء أبيه التسعة، لكن مات أخواه ~~الأكبران فآلت إليه ضيعة الأسرة، وتلقى تعليمه في سن مبكرة، فدرس اللاتينية ~~بالمحادثة في سن صغيرة، ثم درس اليونانية على سبيل التسلية، ولما بلغ السادسة ~~عشرة دخل كلية في بوردو، حيث قضى سبع سنوات أكمل فيها دراسته. ولسنا ندري إلا ~~قليلا عن حياته في أعوام شبابه. ثم نعود فنلتقي به في شهر مارس عام 1571م، وكان ~~عمره ثمانية وثلاثين عاما، إذ ضاق صدره بضجيج العالم الصخاب وفر إلى قلعته يأوي ~~إلى برجها الهادئ، وأخذ يحدث نفسه عن نفسه، وعندئذ ولدت «المقالة» الأدبية. # ظهر الكتابان الأولان من مجموعة «المقالات» عام 1580م، ثم لم يلبث بعد ذلك أن ~~تعاورته الأمراض، فارتحل إلى إيطاليا وسويسرا وألمانيا، وسجل هذه الرحلات في يوميات ~~ليست بذات خطر من الوجهة الأدبية. وبينا هو في رحلته جاءه نبأ تعيينه عمدة لمدينة ~~بوردو؛ فأسرع بالعودة إلى وطنه. وما جاء عام 1588م، حتى نشر الجزء الثالث من ~~«المقالات»، ومات بعد ذلك بأربعة أعوام، بعد أن أنجب أطفالا كثيرين ماتوا جميعا ~~إلا ابنة واحدة، وقد تبنى فتاة اسمها «جورني # Gournay ~~» سيكون لها شأن في الجيل المقبل، وهي أول من نشرت مؤلفات ~~مونتيني كاملة بعد موته. # ولسنا نستطيع في هذا المقام أن نلخص ما كتبه مونتيني تلخيصا وافيا؛ وذلك لأن ~~موضوعاته أشتات لا تربط بينها فكرة عامة أو آصرة واحدة، اللهم إلا وحدة الروح ~~وطريقة التفكير. # قلنا إن مونتيني كان أول من كتب «المقالة» الأدبية بالمعنى الذي يفهمه الأدب ~~الحديث من هذه الكلمة، وأعجب العجب أن أول كاتب للمقالة هو أعظم كتابها، فقد ~~حاول أن يقلده فيها كثيرون، لكن لم يصب فيها التوفيق إلا قلة ضئيلة، وهنا نرى ~~لزاما علينا أن نقول كلمة في أصول المقالة الأدبية كما تفهمها الآداب الأوروبية؛ ~~لأن المقالة توشك أن تكون في مصر القالب الوحيد الذي يصب فيه ms0400 الأديب خواطره ~~ومشاعره. # يراعى في المقالة الأدبية أنها على غير نسق دقيق من المنطق، أعني أن تكون أقرب ~~إلى قطعة مشعثة من الأحراج الحوشية منها إلى الحديقة المنسقة المنظمة، فكاتب ~~المقالة الأدبية على أصح صورها، هو الذي تكفيه ظاهرة صغيرة مما يعج به العالم من ~~حوله، فيأخذها نقطة ابتداء، ثم يسلم نفسه إلى أحلام يأخذ بعضها برقاب بعض، دون أن ~~يكون له أثر قوي في استدعائها عن عمد وتدبير، حتى إذا ما تكاملت من هذه الخواطر ~~المتتابعة صورة عمد الكاتب إلى إثباتها في رزانة لا تظهر فيها حدة العاطفة. # ويشترط في كاتب المقالة الأدبية أن يكون لقارئه محدثا لا معلما؛ بحيث يجد ~~القارئ نفسه إلى جانب صديق يساعده لا أمام معلم يعنفه. يشترط في كاتب المقالة ~~الأدبية أن يكون لقارئه زميلا مخلصا يحدثه عن تجاربه ووجهة نظره، لا أن يقف منه ~~موقف الواعظ فوق منبره، أو موقف المؤدب يصطنع الوقار، حين يصب في أذن سامعه ~~الحكمة صبا ثقيلا. يشعر القارئ وهو يطالع المقالة الأدبية أنه ضيف قد استقبله ~~الكاتب في حديقته ليمتعه بحلو الحديث، لا أن يحس كأنما الكاتب قد دفعه دفعا ~~عنيفا إلى مكتبته ليقرأ له فصلا من كتاب. # وما دمنا نشترط في المقالة الأدبية أن تكون أقرب إلى الحديث والسمر منها إلى ~~التعليم والتلقين، وجب أن يكون أسلوبها عذبا سلسا دفاقا، أما إن أخذت تجمل ~~نبرات اللفظ هنا وتزخرف تركيب العبارة هناك، كان ذلك متنافرا مع طبيعة السمر ~~المحبب إلى النفوس. هذا من حيث الشكل، وأما من حيث الموضوع فلا يجوز عند الناقد ~~الأدبي أن تبحث المقالة في موضوع مجرد، ولا بد أن تعبر عن تجربة معينة مست نفس ~~الأديب، فأراد أن ينقل الأثر إلى نفوس قرائه. ومن هنا قيل إن المقالة الأدبية قريبة ~~جدا من القصيدة الغنائية؛ لأن كلتيهما تغوص بالقارئ إلى أعمق أعماق نفس الكاتب أو ~~الشاعر، وتتغلغل في ثنايا روحه، حتى تعثر على ضميره المكنون. وكل الفرق بين المقالة ~~والقصيدة الغنائية هو فرق في درجة ms0401 الحرارة والإيقاع، تعلو وتتناغم فتكون قصيدة، أو ~~تعتدل وتتناثر فتكون مقالة أدبية. # هكذا كانت مقالة مونتيني، يتخذ من موضوعها نقطة ابتداء أو يبدأ بعبارة مقتبسة، ~~ثم يطلق خواطره إطلاقا حرا من القيود، فيستطرد إذا ما اعترضته نقطة أخرى في ~~طريقه، ثم يستطرد ثانية فثالثة، أو يعود إلى مجرى حديثه بغير ضابط ولا نظام. ومن ~~مميزاته في الكتابة كثرة الشواهد، التي يستقيها من الآداب القديمة. على أن أوضح ما ~~يميزه طابعان؛ الأول: صراحة جريئة في مناقشة شئونه الخاصة، وفي عرض نفسه أمام ~~القارئ عارية لا يخفيها ستار، والثاني: نغمة من الشك الخفيف تراها شائعة في كل ما ~~كتب. # يقول «مونتيني» إني أتحدث إلى القرطاس كما أحدث أول رجل أصادفه. ويقول أيضا: «إن ~~نفسي هي أساس كتابي.» فمقالات مونتيني هي نفسه أراقها على الورق، وقد أجاب هنري ~~الثالث حين امتدح له كتابه بقوله: «إنني وكتابي شيء واحد.» فهو في «المقالات» يشرح ~~دخائل نفسه ودقائقها، تلك الدقائق التي لا ينفذ إليها إلا كل أديب ثاقب النظر، ~~ويميط عنها اللثام ويعرضها لنا في جلاء ووضوح، لا يخشى في نقده عرفا ولا عقيدة، ~~وكان مونتيني يقول: «أنا الحقيقة!» يقصد بذلك أنه لا يعرف شيئا معرفة صحيحة غير ~~نفسه، ثم يقول: «لم أر في العالم كله ما يثير في العجب والدهشة أكثر من نفسي، إن ~~المرء ليتعود نفسه بطول عشرتها فينسى غرابتها، ولكني كلما عرفت نفسي زاد عجبي من ~~عيوبي وقلت قدرتي على تفسيرها.» # وكان مونتيني شكاكا يرتاب في أوضاع عصره، ولكنه في الوقت نفسه أميل إلى الإيمان ~~بالطبيعة البشرية، فتراه يسرع إلى تصديق ما يروى له عن نزوعها إلى الخير، وليس ~~هذا التناقض في وجهتي نظره إلا تناقضا في الحياة نفسها، هو تناقض لا بد منه لمن ~~يشهد الحياة في حالات نفسية مختلفة. ولعل مونتيني أول أديب غربي أدرك ما في ~~الإنسان من تناقض، وعنه أخذ كبار الأدباء الذين درسوا الطبيعة البشرية من أمثال ~~شيكسبير وسيرفانتيس وراسين، فكأن مونتيني يقدم لهم المبادئ النفسية التي يبنون ms0402 ~~على أساسها ما يكتبون من قصص ومسرحيات، فليس العاشق عنده عاشقا فحسب، وليس الشجاع ~~شجاعا خالصا، وليس الجبان جبانا دائما، وإنما قد يجمع الفرد في شخصه بين هذه ~~الصفات جميعا، بل قد تتألف نفسه من الأضداد والنقائض. # وكتاب «المقالات» مؤلف من ثلاثة أجزاء، وتختلف مقالات الجزء الأول عن مقالات ~~الجزء الأخير اختلافات شتى، أوضحها الاختلاف في الطول، ففي الجزء الأول سبع وخمسون ~~مقالة، طول الواحدة منها نحو عشر صفحات من قطع متوسط، وفي الثاني ست وثلاثون مقالة ~~طول الواحدة منها اثنتا عشرة صفحة، وقد كتب هذان الجزءان في وقت واحد تقريبا، ~~أما الجزء الثالث ففيه ثلاث عشرة مقالة طول الواحدة منها يزيد على أربعين صفحة في ~~المتوسط. # لقد قال «مونتيني» عن نفسه: «لست بالفيلسوف» وهذا قول صواب لو كانت الفلسفة ~~نظاما فكريا مرتب الحجج متساوق المقدمات والنتائج، ولكنه فيلسوف لو كانت ~~الكلمة تعني من يحب الحكمة وينشدها. وقد جاء «مونتيني» بعد «رابليه» بنحو نصف قرن، ~~ولم يشب أسلوبه ما شاب أسلوب زميله من فحش في القول، وإقذاع في السخرية، ~~لكنه أيضا لم يكن له ما كان لزميله من فكاهة لطيفة وابتهاج ومرح بالحياة. رأى ~~المذاهب الدينية تصطرع فوقف بينها يرقب ولا يميل هنا أو هناك، ويقول: «إنها لنقيصة ~~ممقوتة أن يظن الرجل بعقيدته متانة الأساس، وأن يعتقد أن نقيض تلك العقيدة لا يكون ~~موضع التصديق والإيمان أبدا.» فقد كره مونتيني العصبية الدينية، وكره ألوان القسوة ~~وفظائع التعذيب التي كانت شائعة في عصره، استمع إليه يقول في مقال «عن القسوة»: ~~«أما أنا فلم أحتمل قط أن أرى - بغير عطف وأسى - حيوانا مسكينا بريئا يتعقبه ~~المتعقب ليفتك به، وقد يكون غير ذي أذى، لم يسئ إلينا البتة، ولم يملك ما يدافع به ~~عن نفسه، وكثيرا ما يأخذ الأعياء وعلا هاربا، وأن تخور قواه، فلا يجد أمامه ~~حيلة سوى أن يستسلم ويسلم نفسه إلى متعقبيه، وكأنما يترقرق في عينه الدمع ~~ضارعا يطلب الرحمة. # فبالدماء من حلقه وبالدمع من مآقيه. # يصيح كأنما يستمطر الرحمة ms0403 من قانصيه. # ذلك منظر لم أشهده إلا أثار في الحزن، فقلما يقع لي الحيوان ~~حيا دون أن أرد له حريته السلبية. وكم ود فيثاغورس أن يشتري الأسماك من ~~صائديها، والأطيار من بائعيها ليطلقها حرة كما كانت.» # وهاك نماذج أخرى من مقالاته توضح طريقته في التفكير: # في عدم المساواة # يقول بلوتارك في بعض ما كتب إنه لا يجد بين الحيوان والحيوان مثل هذا ~~الفارق البعيد الذي يراه بين الإنسان والإنسان، وهو في مثل ذلك يشير إلى ~~عقل الإنسان وصفاته الذاتية. وإني لأحب أن أضيف إلى ذلك أن الفارق بين ~~إنسان وآخر قد يكون أبعد مما بين أدناهما وبين الحيوان، وأن هنالك في ~~التفاوت بين النفوس درجات قد تبلغ ما بين الأرض والسماء. # وأما تقويم الرجال بأقدارها، فليس أعجب من أن الإنسان وحده دون سائر ~~الكائنات لا يقوم نفسه بما فيه من أهم الصفات، فبالسرعة والقوة نمتدح ~~الجواد، لا بما في عدته من زخرف وزينة، ونثني على الكلب السلوقي ~~لخفته لا لجمال طوقه، ويعجبنا من الصقر جناحه لا أجراسه، فلماذا لا ~~نقدر الإنسان - على هذا النحو - بمواهبه؟ قد تكون له حاشية عريضة من ~~الأتباع، قد يسكن قصرا باذخا، قد يكسب مالا كثيرا، قد يكون له بين ~~الناس جاه وسلطان، ولكن وا أسفاه إن كل ذلك عنه لا فيه، إنك إذا اشتريت ~~حصانا، فإنك تفحصه عاريا من سرجه وغطائه، فلماذا لا تعنى في حكمك على ~~رجل إلا بلفائفه؟ إنك تقدر السيف بخصائص حده لا بقيمة غمده، فيجب كذلك أن ~~تقوم الإنسان بمخبره لا بمظهره. # فليتجرد الإنسان مما يملك من مال وسلطان مما هو خارج النفس لا داخلها، ~~وليعرض نفسه في غلالة لنرى: أله جسم سليم؟ كيف حال عقله؟ أهو متزن قدير ~~لم يصبه الفساد؟ هل أعد في كل ملكاته إعدادا طيبا؟ # في نفع الثياب # كنت أفكر - في هذا الشتاء الذي بلغ برده الزمهرير - فيما إذا كانت ~~حياة العري عادة فرضتها حرارة الهواء في البلاد المستكشفة حديثا، أم ~~العري حالة أصيلة في طبيعة الإنسان. ms0404 ورأيي أنه كما أن كل صنوف النبات ~~والأشجار والكائنات الحية قد أعدتها الطبيعة لحماية أنفسها بين عاديات الجو ~~بكل أنواعها؛ فكذلك نحن، ولكننا كهؤلاء الذين يطفئون نور النهار بالضوء ~~الصناعي؛ إذ أتلفنا ما خلعته علينا الطبيعة بما استعرناه، فهنالك من الأمم ~~من يعيش تحت سماء كسمائنا، في جو مثل جو بلادنا، بل أشد منه بردا، ولا ~~يعرفون الثياب، أضف إلى ذلك أن أرق أجزائنا مكشوفة عارية، وأعني ~~العينين والوجه والفم والأنف والأذنين، ولا يزال الفلاحون في الريف - كما ~~كان أسلافنا - يكشفون صدورهم، ولو كنا بطبيعة أجسامنا في حاجة إلى الأثواب ~~والسراويل، لحصنت الطبيعة أجزاءنا التي تركتها معرضة لضربات الفصول، ~~فكستها جلدا كثيفا كما فعلت في أطراف الأصابع وباطن الأقدام. # سأل رجل أحد الدهماء وهو يجول في الشتاء عاريا إلا من قميص لفه حول ~~جسده، وكان رغم ذلك مرحا مقبلا على الحياة كما يفعل من دثر نفسه بالفراء ~~حتى أذنيه، سأله عن ذلك، فأجاب الرجل العاري: «أوليس وجهك عاريا كله ~~يا سيدي؟ إذن فصور لنفسك أني وجه كلي ...» # الخوف # أولئك الذين هم في خوف متصل خشية أن يضيع ما يملكون، أو أن يلقى بهم ~~في مطارح النفي، أو أن يذلوا خاضعين، إنما يعيشون في عذاب موصول وركود ~~دائم، وهم بذلك كثيرا ما يفقدون لذة الشراب والطعام والراحة، على حين ترى ~~الفقراء والمبعدين والخدم الخاضعين يعيشون في أغلب الأحيان كما يعيش سواهم ~~في مرح لا يعرف الهموم. # المجد # قلب النظر في حماقات العالم، تجد السعي وراء الشهرة والبحث عن المجد ~~أوسعها انتشارا وأكثرها عند الناس قبولا، فترانا أمام رغبتنا في المجد ~~نهمل ونزدري الثراء والأصدقاء والراحة والحياة والعافية (وهي أشياء لها ~~أثرها وقدرها)، نزدري كل هذا لنتعقب خيالا موهوما، ولنتبع صوتا أجوف ~~ساذجا لا يتجسد في جسم، ولا يتماسك في حقيقة ... # وهكذا تقرأ «المقالات» التي دبجها يراع مونتيني فتحسبك مستمعا إلى حديث ممتع ~~من محدث ماهر، وقد ترجمها إلى الإنجليزية «فلوريو # Florio ~~» في أوائل القرن السابع عشر. وكان فلوريو يتقن كثيرا من ms0405 ~~اللغات، فهو إيطالي الأصل، وكان يعلم الإيطالية والفرنسية في جامعة أكسفورد، وقد ~~استطاع أن يجعل من مونتيني قطعة خالدة في الأدب الإنجليزي. # الفصل الثالث # | النهضة في ألمانيا # للألمان أدب قوي غزير، لكنه لا يستمد قوته - كغيره من الآداب - من طائفة من ~~الأعلام البارزين، بل يستمدها مما بينه وبين الشعب الألماني من صلة وثيقة لا تجد لها ~~مثيلا في سائر الشعوب، فللأمة - عادة - تراث ضخم من الشعر الشعبي والقصص الشعبي، ~~يعبر بها العوام عن أمانيهم وآلامهم الفطرية التي لم تصقلها المدنية، ولم تشذبها يد ~~التهذيب، ولكن كلما سارت المدنية شوطا إلى الأمام، وكبحت جماح الدوافع والنوازع ~~الغريزية الفطرية، ازداد الناس نفورا من أدبهم الشعبي ليلتمسوا التعبير عن عواطفهم عند ~~الأدباء المحترفين، وفي ذلك بالطبع تكلف وتصنع. ولهذا ترى في تاريخ الأدب حينا بعد ~~حين جماعة من المصلحين تضيق صدورهم بهذا النفاق المصطنع، فتنادي بضرورة العودة إلى ~~الأدب الشعبي، أو ما يماثله بساطة وصدقا، كما حدث في أول القرن التاسع عشر في ~~إنجلترا. # أما في ألمانيا فلم تنفصم قط تلك الروابط الوثيقة التي تصل قلوب الناس بالشعر الشعبي ~~والأساطير القومية. ومن هنا كان الشعر في ألمانيا عاملا قويا في تكوين عواطف الشعب ~~ونزعاته العقلية، ومن هنا أيضا كاد الأدب الألماني قبل نهاية القرن الثامن عشر لا ~~يسترعي أنظار العالم لشعبيته الصميمة، وكان البحث في تطور الأدب الألماني أمرا شاقا ~~عسيرا على مؤرخي الأدب من غير الألمان. # ولا شك أن مشكلة اللغة كانت قوية الأثر في هذه الظاهرة التي بسطناها؛ فقد جاء القرن ~~السادس عشر، ولما ترجح إحدى اللهجات الألمانية على سواها، فتصبح لغة قومية معترفا ~~بها، ولعلك تذكر أن الدويلات الألمانية لم تنصهر في وحدة سياسية إلا منذ عهد قريب، ~~فكان من الطبيعي أن تتنافس الدويلات في السيادة اللغوية كما تتنافس في السيادة ~~السياسية، ولم يكن يسيرا على دويلة منها أن تفرض لسانها على سائر الأجزاء. ~~(1) مارتن لوثر # جاء لوثر (1483-1546م) والحالة كما رأيت، فلما هم بترجمة الإنجيل إلى ~~الألمانية، وجد اللغة ms0406 السكسونية أوسع اللهجات انتشارا في المخاطبات الرسمية بين ~~الدويلات، فاستخدمها في الترجمة، وبذلك أصبحت لغة ألمانيا الوسطى لغة قومية ~~أدبية. # ولعلك لا تجد في التاريخ كله رجلا اجتمع في شخصه ما اجتمع في شخص لوثر من قوة في ~~توجيه أمته في السياسة والأدب والدين في آن معا، ولسنا ندري هل استطاع لوثر أن ~~يكون قوة دافعة في الدين والسياسة بسبب براعته الأدبية، أم كان في مقدوره أن يبلغ ~~ما بلغ من الزعامة بغيرها. وكذلك لا ندري إن كانت اللهجة الألمانية في مقاطعة ~~سكسونيا قد بسطت سيادتها، وأصبحت لغة أدبية قومية بسبب زعامة لوثر الوطنية، أم ~~تلك نهاية كان لا بد منها، ولم يكن لوثر إلا معجلا بها؟ ومهما يكن من أمر فقد شاء ~~القدر أن يظهر في ألمانيا المفككة في القرن السادس عشر بطل قومي وزعيم ديني ~~وأديب ممتاز هو «مارتن لوثر». ثم شاءت الظروف القائمة أن يكتب «لوثر» بلهجة معينة ~~دون سائر اللهجات الألمانية، فلم تلبث أن أصبحت لغة البلاد الأدبية القومية، وإن ~~هذا ليذكرنا بما صنعه دانتي حين كتب باللهجة «التسكانية»، ففرضها بذلك على سائر ~~اللهجات ، وأصبحت بفضله لغة إيطاليا الأدبية، كما يذكرنا كذلك بما تم على يدي «شوسر» ~~في إنجلترا حين أنشد شعره باللغة الشائعة في جنوبي إنجلترا بالقرب من لندن، فسرعان ~~ما طغت على سائر اللهجات في البلاد، واعترف بها الجميع لسانا قوميا. # استحق «لوثر» مكانته في الأدب لترجمته الإنجيل، إذ أراد بهذا الصنيع أن يقرب ~~بين الناس وبين كتابهم المقدس، حتى تتزعزع سلطة رجال الدين الذين تفردوا عندئذ ~~بقراءة الإنجيل في لغته العبرية، فلم يكن في وسع الشعب إلا أن يستعين بهم في فهم ~~الكتاب وأحكامه، أما وقد نقل الإنجيل إلى لغة يفهمها الناس، فقد بات يسيرا على ~~الزارع أن يتغنى بآياته وهو يفلح الأرض، وأن يترنم بأنغامه الصانع وهو إلى جانب ~~مغزله. ورب معترض يقول: وهل عرف الدهماء في ذلك العهد القراءة، حتى يقتنوا ~~الإنجيل ويطالعوه؟ والجواب على ذلك: أنهم إن لم يقرءوا هم ms0407 أنفسهم، فحسبهم أن يفهموا ~~ما يسمعون. والعجيب في أمر لوثر أنه استطاع أن يكتب نثرا سلسا مستساغا، برغم ما ~~عرف عن النثر الألماني، حتى في العهود التالية له من غموض وتعقيد. # ومما نذكره للوثر في عالم الفن أنه كمعظم معاصريه، من أميرهم إلى حقيرهم، قد ~~ألم بقواعد الموسيقى واشتهر ببراعته في العزف على «العود»، وقد أنشد طائفة من ~~الترانيم تميزت بقوة إنشائها، ولعله لحنها بعد الإنشاء، وأشهر هذه الترانيم ~~ترنيمة عنوانها «إلهنا حصن منيع». # وهي مستوحاة من المزمار السادس والأربعين من مزامير داود، ولما كان البروتستانت ~~لا يزالون إلى اليوم يرددونها في صلواتهم، فها نحن ننقلها للقارئ: # إلهنا حصن منيع، درع متين، سيف ماض، إنه سينقذنا من كافة الآلام التي ~~تطوقنا. إن شيطان الشر العتيق يتربص بنا اليوم الدوائر، فتحيك قوته ~~العاتية، ومكره الشديد دروعه المخفية. إن العالم لم يشهد له مثيلا. # إن قوتنا لا تجدي، فسرعان ما تنزل بنا الهزيمة، ولكنه يحارب من أجلنا، ~~ذلك البطل الذي اختاره الإله نفسه. أتريد أن تعرف اسمه؟ إنه اليسوع عيسى، ~~سيد الجيوش، الذي ستظل له الغلبة دائما. # إذا امتلأ العالم بالشياطين، وأرادت أن تبتلعنا، لم نستشعر أي خوف؛ لأننا ~~واثقون من النصر. فسيد هذا العالم (الشيطان) بالرغم من جهامة وجهه لن يمسنا ~~بسوء، لماذا؟ لأن الأمر قد بت فيه، فكلمة واحدة تقصمه. # و«الكلمة» بمنأى عن أيدي الشياطين، ونحن نتحداهم أن يمسوها ف «هو» الذي ~~معنا بروحه ونعمه. فإذا سلبونا أجسامنا وأموالنا وسعادتنا وأطفالنا ونساءنا ~~لم نكترث لشيء. إنهم لن يجنوا من ذلك شيئا، وأما نحن فسيبقى لنا ~~الملكوت. ~~(2) «شعراء الغناء» # Meistersinger # كان لوثر في عصر النهضة الألمانية علما بارزا، وكان الإصلاح الديني عنده شغلا ~~شاغلا، لكن لوثر والإصلاح الديني لم يكونا كل شيء في عصر النهضة في ألمانيا؛ إذ ~~ازدهر الشعر في موضوعات من الحياة الدنيوية، وكان القائمون به نقابات العمال ~~والصناع، كما ساهم في إنشاده بعض السادة والفرسان، وقد سارت تلك الطائفة من «شعراء ~~الغناء» على النهج الذي كان قد رسم ms0408 أصوله «شعراء الغزل» # 1 # في ألمانيا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وكان الشعر عند هؤلاء ~~الشعراء موضوع جد لا يأخذونه مأخذ اللهو والتسلية، ولم يكن الشاعر ليحشر في زمرة ~~«شعراء الغناء» إلا إذا أقام الدليل على براعته في ابتكار الألفاظ والأنغام، ولم ~~يكن نجاح الشاعر في هذا بأقل شأنا من تنصيب الرجل فارسا أو منح الطالب شهادته ~~الجامعية. وقد احتفظ لنا «فاجنر» في رواياته الغنائية بما كان لتلك الطائفة من روح، ~~وبما أنتجوا من شعر ومن ملاه تمثيلية. ~~(2-1) هنس سخس # Hans Sachs # وأشهر تلك الطائفة من الشعراء هو «هنس سخس» (1494-1576م)، وهو من أهل ~~نورنبرج، وكان معاصرا للوثر وتابعا من أتباعه، كان سخس إسكافا شاعرا، لكن ~~لا يذهب بنا الظن أن مثل تلك الصناعة في ذلك العهد كان مما يزري بصاحبه، فقد ~~كان الصانع عندئذ صاحب عمل مستقل وعضوا في نقابة قوية تكسبه في الناس مكانة ~~واحتراما. # كان سخس خصب الإنتاج في الشعر والنثر على السواء، فقد أنشد ما يربي على ~~أربعة آلاف أغنية، وأنشأ ما يزيد على سبعمائة وألف حكاية وقصة استقى بعضها من ~~الإنجيل، لكن سخس برغم هذا كله لم يكن شاعرا أو كاتبا من الطراز الأول، بل ~~أسره في نقده ناقد ألماني، فقال إنه كاد يجعل من كل شيء حوله قصيدة، ولكنه مع ~~ذلك لم ينشئ قصيدة واحدة! فلم يكن سخس إلى جانب معاصريه النوابغ أمثال ~~«رابليه» في فرنسا و«أريوستو» في إيطاليا سوى أديب متواضع. ~~(2-2) سباستيان برانت # Sebastian Brant # ولا نستطيع أن نستعرض النهضة الأدبية في ألمانيا دون أن نذكر سباستيان برانت ~~(1457-1521م) لشهرة كتابه «سفينة الحمقى». وفيه يعرض المؤلف أكثر من مائة صورة ~~للحماقة البشرية، تشيع فيها السخرية، وكلها ترمي إلى غاية خلقية. وقد كان لهذا ~~الكتاب أثر بليغ في الأدب الذي يعرض سخف الإنسان وغفلته، فلم يمض على إخراجه ~~خمسة عشر عاما، حتى نشر إرزم سنة 1509م كتابه «امتداح الجنون»، الذي أهداه إلى ~~زميله الأديب الإنجليزي المشهور «السير توماس مور» - وسيأتي ذكره ms0409 في النهضة ~~الإنجليزية - وقد ترجم الكتاب إلى الإنجليزية إسكندر باركلي (1475-1552م ~~تقريبا) الأديب الأسكتلندي. ~~(2-3) آثار من الأدب الشعبي # على أنه إلى جانب هذا نشأت أساطير شعبية، منها أسطورة «الدكتور فاوست» التي ~~كان أول ظهورها عام 1587م، ثم ضربت بجذورها بعدئذ في آداب العالم، فأخرج ~~«مارلو» الشاعر الإنجليزي بعد ذلك بعام واحد روايته «الدكتور فاوست»، ثم أخذت ~~القصة تلعب بخيال الأدباء، حتى أدركها «جيته» # 2 # الشاعر الألماني العظيم، فرفعها إلى أعلى ذراها، كذلك أضاف الأدب ~~الشعبي الألماني إذ ذاك شخصية مزاح مهرج لم تلبث أن أصحبت شخصية عالمية ~~في الأدب، وهي تيل ~~أيلنشبيجل # Thill Eulenspiegel ~~، ومعنى أيلنشبيجل الحرفي «مرآة البوم»، وهي ~~شخصية فلاح ذاعت عنه بين الشعب الألماني «حكايات» يعبث فيها بالأمراء والفرسان ~~والقسس وأرباب الحرف، وقد دونت حكاياته أول مرة بلهجة ألمانيا العليا، ثم ~~انتشرت في أوروبا كلها، حتى لقد تحور الاسم في اللغة الفرنسية، فأصبحت كلمة # Espiègle # وصفا للأطفال الأشقياء، ومن أهم ~~ما تتميز به حكاياته تنفيذ ما يصدر إليه من أوامر تنفيذا حرفيا بغير فهم، ~~فإذا أرسله سيده لشراء مشمش مثلا ذهب أيلنشبيجل واشترى من خادم الجيران قطه ~~«مشمش»، وأحضره للسيد. وهكذا. # فإذا أردت أن تلتمس النهضة الأدبية في ألمانيا، فلا تلتمسها عند أفراد ~~نوابغ، بل أدر بصرك إلى الحركة الشعبية التي كان أثرها ظاهرا في طبقات الناس ~~جميعا، فألوف وألوف من الأدباء الهواة بين صفوف الشعب ومن غمار الصناع أخذوا ~~ينشئون الأغاني ويتغنون بها، وقد يكون تعليل هذه الظاهرة الأدبية في ألمانيا ~~تغلغل الموسيقى في نفوس الشعب، حتى إنك لترى الألمان يفرضون على صغارهم فرضا ~~أن يتعلموا في طفولتهم أصول الشعر والموسيقى. # وأيا ما كانت الحال، فإن العبقرية الأدبية عند الألمان لم تظهر إلا في ~~القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أما القرن السابع عشر الذي ازدهر فيه الأدب ~~في فرنسا وإنجلترا، فكان عهدا مظلما في ألمانيا، ولعل حرب الثلاثين سنة التي ~~امتدت حتى 1648م أن تكون قد أصابت ألمانيا بالجدب والعقم، وأي غرابة في هذا ~~الزعم، ms0410 وهي حرب أطاحت برءوس الشباب وأثقلت نفوس الشيوخ؟ # كما أن من المؤرخين من يرى أن حركة الإصلاح الديني التي قام بها لوثر قد أخرت ~~ظهور النهضة في ألمانيا، وتفتح النفوس لنتاج ثقافي حر جديد؛ وذلك لما هو ~~معلوم من أن حركة لوثر كانت تسعى إلى بعث المسيحية في حالتها القديمة بما تحمل ~~من صرامة. والبروتستانت لا يزالون حتى اليوم ينفرون من كثير من الفنون، وتخلو ~~معابدهم من كافة الصور والتماثيل. يقول هذا النفر من المؤرخين: إن حركة الإصلاح ~~الديني قد أخرت ظهور النهضة في ألمانيا قرنين كاملين، وجعلت من هذين القرنين ~~امتدادا للعقلية المدرسية ( # Scolastique ~~) التي ~~سادت في القرون الوسطى بما عرف عنها من تزمت وضغط على الحرية الفكرية، وهذا ~~رأي لا نناقشه هنا، ولكننا نميل إلى التسليم بوجاهته. # فسراج النهضة الذي اشتعل وتوهج في سائر الدول الأوروبية كان ضوءه خامدا في ~~ألمانيا، فلم تنتج إلا أدبا هزيلا ضعيفا. # الفصل الرابع # | النهضة في إسبانيا # لقد تعاقبت على إسبانيا غزوات الغزاة، لكنها جميعا لم تستطع أن تفرض لغتها على أهل ~~البلاد، وهي في ذلك شبيهة بالفرس التي لبثت لغتها قائمة في وجه الفاتحين، ففي القرون ~~الثلاثة الخامس والسادس والسابع، كانت إسبانيا خاضعة لحكم الغوط، لكن لم يترك هؤلاء في ~~لغتها إلا أثرا طفيفا، ثم جاءت قرون سبعة كانت السيادة فيها للعرب، ومع ذلك بقيت ~~اللغة الإسبانية حافظة لكيانها، وإن ضمت إليها طائفة من الألفاظ العربية، أما بناء ~~العبارة وأوضاع الكلام فلم تتغير، والشطر الأعظم من الأدب الإسباني مكتوب باللغة ~~الكاستيلية (القشتالية) التي كان مركزها في «توليدو» (طليطلة) كما كانت اللغة ~~التسكانية هي لغة الأدب في إيطاليا، وكان مركزها فلورنسه، وكما باتت لهجة أهل الوسط ~~الشرقي في إنجلترا لسان الأدباء، وكانت تتمثل في أكسفورد ولندن. # وأول من نبغ من الكتاب الإسبان في أوائل النهضة هو «جوان رويز # Juan Ruiz ~~» حوالي 1350 ميلادية، الذي كان في إنتاجه وفي موقفه من ~~الحركة الأدبية شبيها بشوسر # 1 # في الأدب الإنجليزي، حتى لقب «بشوسر الإسباني»، وقد ms0411 صور لنا في أدبه حالة ~~إسبانيا وأهلها في القرن الرابع عشر. # ثم جاء «لوبيز دي أيالا # Lopez de Ayala ~~» ~~(1332-1407م)، الذي نظر إلى العالم الفاسد من حوله نظرة قاتمة. وقد لبث «دي أيالا» ~~بضعة أعوام سجينا في إنجلترا، وعاش في عهد أربعة ملوك غلاظ قساة هم «بطرس القاسي»، ~~و«هنري الثاني» و«يوحنا الأول» و«هنري الثالث»، وأرخ للحوادث في ذلك العهد في مذكراته # Les bhroniques ~~. ومن آثاره الأدبية الأخرى أنه ترجم ~~للإسبانية أجزاء من المؤرخ اللاتيني «لفي» # 2 # والكاتب الإيطالي «بوكاتشو»، وكذلك كانت له محاولات في قرض الشعر على ~~الأبحر المستحدثة في عصر النهضة، فكان بحق بشيرا بالنهوض الأدبي في إسبانيا. # ومن كتاب إسبانيا البارزين كذلك «جورج مانريك # Gorge ~~Manrique ~~» (حوالي ~~1440-1479م)، الذي عالج بأدبه الجوانب المألوفة من الحياة الإنسانية؛ ومن ثم كانت شهرته ~~الواسعة. وكذلك اشتهرت في النهضة الإسبانية امرأة متصوفة هي «سانتا تريزا # Santa Teresa ~~» (1515-1582م)، إذ عرفت بشعرها ~~وقصصها وخطاباتها الأدبية، ودعوتها إلى الإصلاح الديني، ثم أعقبها في الظهور أديب ~~إسبانيا العظيم «سرفانتيز»، وسنتناوله بشيء من التفصيل لمكانته العظيمة في آداب ~~العالم. ~~(1) سرفانتيز # Cervantes # كانت حياة «ميجويل دي سرفانتيس سافيدرا # Miguel de Cervantes ~~Saavedra ~~» (1547-1616م) معركة طويلة متصلة، ~~حارب بها البؤس والفقر والحظ العاثر، فقلما تجد بين رجال الأدب في العالم كله من ~~احتمل من العناء ما احتمله «سرفانتيز». # لم يكن حظ سرفانتيز من التعلم كبيرا؛ فقد وقف عند مرحلة التعليم الأولي، وليس ~~صحيحا ما زعمه بعض مؤرخيه من أنه دخل الجامعة، إذ حسبنا أن نعلم أنه يعترف بجهله ~~باللاتينية؛ لأن الجامعات في ذلك العهد لم تكن تعنى بشيء عنايتها بتلك اللغة. ولما ~~كان صبيا عمل خادما لأحد الكرادلة، وكان لسيده الكردنال ابن ربطته أواصر ~~الصداقة بسرفانتيز، ثم حدث لابن الكردنال أن اقتتل في سبيل فتاة أحبها مع رجلين ~~شهرا في وجهه السلاح، وكان يعاونه في القتال صديقه سرفانتيز، فقتلا الرجلين معا، ~~وفرا هاربين إلى دير، ومن ثم هاجرا إلى بلد أجنبي متنكرين في ثياب الرهبان، ~~وكان سرفانتيز إذ ms0412 ذاك قد بلغ من العمر اثنين وعشرين عاما. # ونشبت حرب بين إسبانيا وتركيا، فأسرع سرفانتيز إلى صفوف المحاربين، لكنه لم يلبث ~~أن فقد ذراعه اليسرى في معركة «لبانتو» التي انتصر فيها الأسطول الإسباني على ~~الأسطول التركي، فأراد سرفانتيز أن يعود إلى بلاده، وطلب إلى قادته أن يزودوه ~~بخطابات التوصية لملك إسبانيا فليب الثاني، وظفر بما أراد، وأقلع من نابلي على ظهر ~~سفينة تحمل جندا وتقصد إلى إسبانيا، لكن السفينة سرعان ما سقطت غنيمة في أيدي ~~القراصنة الجزائريين قرب شاطئ الرفييرا الفرنسية، وكان من سوء طالعه أن وجد ~~القراصنة خطابات التوصية التي كان يحملها موجهة إلى الملك ومرسلة من أعظم القواد، ~~فرسخت عندهم العقيدة أن أسيرهم رجل له مكانته، فضاعفوا في فديته وجعلوها مبلغا ~~طائلا من المال لم يكن في وسع أسرته أن تدفعه، وبقي سرفانتيز في الأسر خمس سنوات ~~عاش خلالها حياة هينة، إذ ظن آسروه أنه من أسرة نبيلة فلم يكلفوه ما كلفوا سواه ~~من العمل الشاق، ثم جاء راهب من إسبانيا ليفاوض في افتداء النبلاء الأسرى، وقد اتصل ~~بسرفانتيز وأحبه فافتداه فيمن افتدى، وكان على ظهر سفينة على وشك أن تقلع به إلى ~~القسطنطينية لتبيعه رقيقا في أسواقها بعد أن طال انتظار الآسرين لفديته. ومما يجدر ~~ذكره في هذا الصدد أن أمه كانت طوال تلك السنين تحاول ما وسعها أن تجمع لابنها ~~الفدية المطلوبة ، حتى ناءت في سبيل ذلك تحت عبء باهظ من الدين. # عاد سرفانتيز إلى إسبانيا فاطرح الجندية ليعتنق الأدب، وأخذ يقرض القصائد، ويكتب ~~الروايات التمثيلية وينشئ نقدا أدبيا، فكتب كثيرا من قصائد المدح لعله يجد من ~~يحميه بين رعاة الأدب الأغنياء، ولكنه لم يصب نجاحا، وكاد لا يجد ما يقتات به، ~~فأخذ يكتب للمؤلفين إعلانات منظومة عن كتبهم ليعيش من كسبه الضئيل، ثم تزوج ~~سرفانتيز من أرملة غنية، وحاول أن يكتب للمسرح، فأخرج له ما يقرب من ثلاثين رواية ~~جاءته بربح قليل مع أنها على حد تعبيره «لم تقابل من النظارة بالقذائف ترمى على ~~الممثلين ms0413 وبالصفير وبالمواء.» # وكانت إسبانيا حينئذ تعد أسطولها العظيم «الأرمادا» لتحارب به إنجلترا، فعين ~~سرفانتيز في إحدى الوظائف الرئيسية في الجيش، لكن شاء جده العاثر أن تضيع منه مائتا ~~جنيه فزج في السجن، ثم قدم للمحاكمة، فاختفى عامين ظهر بعدهما في «بلد ~~الوليد»، وكانت سنه سبعة وخمسين عاما، وكان معه مخطوط آيته الخالدة «دون كيشوت» # Don Quichote ~~، ولم يلبث الجزء الأول من هذا ~~الكتاب أن صادف رواجا شديدا، لكنه لسوء حظه لم يكسب منه إلا قليلا؛ لأن حقوق ~~الطبع لم يكن معترفا بها، فسطا على الكتاب من سطا، وهرب ربح الكتاب إلى ~~سواه. # لم ينقطع سرفانتيز عن إنتاجه الأدبي، وأخرج كتابا ثانيا عنوانه «القصص ~~النموذجية»، وهي مجموعة من القصص الرمزية، وكذلك أخرج قصيدة طويلة عنوانها ~~«رحلة إلى بارناسس ~~ثلاثية القافية» # Voyage to Parnassus in terza rima ~~، # 3 # لكنه في تلك الأثناء كلها لم ينقطع عن التفكير في أعز آثاره لديه ~~وأدناها إلى قلبه، وهو «دون كيشوت»، فأخرج الجزء الثاني منه وأعطاه للناشر عام ~~1615م، وعندئذ طبقت شهرته الخافقين، وترجمه إلى الإنجليزية عندئذ «سكلتن # Skelton ~~»، لكنه برغم ذلك كله ما انفك يعيش في فقر ~~مدقع وضنك شديد. # قصة دون كيشوت ضحكة ساخرة يوجهها سرفانتيز إلى ما يلعب بخيال الإنسان من مثل ~~عليا، كثيرا ما تكون لسوء الحظ متنافرة مع حقائق الحياة العملية، فدون كيشوت رجل ~~نبيل فقير يعيش في أرض لا زرع فيها، أزاح المطر عن سطحها التربة الخصبة ، ولم ~~يبق منها إلا صخورا ورمالا، فأصبح نبلاؤها كمزارعيها في مسغبة لا تنبت لهم ~~الأرض ما يقيم أودهم، فيفر دون كيشوت من هذا الواقع الأليم إلى دنيا الخيال، ويأخذ ~~في قراءة كتب عن فروسية العصور الوسطى، فما هو إلا أن يملك عليه اللب هذا اللفظ ~~الفخم، وتلك المشاعر الجياشة العالية، فيشتري كل ما يقع عليه من كتب الفروسية، لكنه ~~يحتاج مالا؛ ليشتري هذه الكتب، فلا يسعه إلا أن يبيع أرضه الجدباء جزءا جزءا، ~~وبدل أن يعنى بفلاحة أرضه واستنباتها أخذ يناقش قسيس القرية ms0414 (وكان قسيسا متبحرا ~~في العلم)، ويجادل حلاق القرية عن تقدير الفرسان القدامى والمفاضلة بينهم، ترى هل ~~يفضل «بامرين» الفارس الإنجليزي زميله الغالي «أماديس» أم العكس؟ تلك وأمثالها ~~كانت في نظره من أعوص المسائل التي لا مندوحة له عن إدمان القراءة حولها، حتى ~~يتبينها ويجتليها. وهكذا تدرج به الأمر، حتى أصيب المسكين بنوع من الجنون ~~الخفيف، وذلك أنه رأى حتما لازما عليه أن يكون هو نفسه فارسا كهؤلاء الفرسان ~~الذين يقرأ عنهم القصص، وأن يضرب في أرجاء الأرض على ظهر جواده وفي شكته ليبحث عن ~~مغامرة كتلك المغامرات التي استهدف لها أبطال الفرسان، وأن يمارس بنفسه كل ما قرأ ~~من أعمال الفرسان السابقين، فيثأر لكل ضروب العدوان، ويهب نفسه لأخطار ومغامرات لو ~~أصابه التوفيق فيها لكتب له الخلود. وهكذا رسخت عند المسكين تلك العقيدة رسوخا حدا ~~به أن يهم بالتنفيذ. # وكان فيما ورثه عن آبائه شكة يعلوها الصدأ وليس لها غطاء للرأس، لكنه لم يلبث أن ~~أكمل نقصها بقطع من الورق المقوى، وكان له كذلك سيف مكسور المقبض، فشرع يربط ~~أجزاءه بعضها ببعض، وله حربة نحيلة وحصان هزيل، لكنه ظن أنه جواد كريم، أين منه ~~جواد الإسكندر الأكبر المشهور الذي يطلق عليه «بيوسفالس» (ذو الرأسين)؟ وهل يجوز أن ~~يكون لجواد الإسكندر اسم خاص به، ولا يكون لجواده هو اسم؟ فأنفق أربعة أيام كاملة ~~يفكر، ويفكر ماذا عسى أن يسمي حصانه ذاك الكريم، وأخيرا استقر رأيه على أن يتخذ ~~«روسنانتي» اسما له، ثم نشأت له بعد ذلك مشكلة أخرى، وهي أن يختار لنفسه اسما ~~خليقا أن يقرن إلى مثله، فلا يصح أن يقنع باسمه العادي «كويسارا»، وقلب صحائف ~~كتبه، فإذا به يرى «أماديس» الفارس المشهور لا يقنع باسمه، فيضيف إليه اسم بلده، ~~ولهذا أطلق فارسنا على نفسه اسم «دون كيشوت لامانشا»، وبهذا ظن أنه يزيد من شرف ~~بلده «لامانشا». # بدأ دون كيشوت رحلته مرتديا شكته العتيقة المهشمة المضحكة، فسافر يوما كاملا ~~دون أن يصادف مظلوما يعمل على إنصافه، أو وحشا ضاريا يلاقيه ms0415 فيفتك به، أو فتاة ~~أحاط بها الخطر فيسرع إلى إنقاذها، وأخيرا بلغ فندقا صغيرا يقوم على إدارته رجل ~~عملي على شيء من بلادة الذهن، وفيه خادمتان فاجرتان، فتبدو لعينه هاتان المرأتان ~~«عذراوين جميلتين جالستين في غير تصنع عند باب الحصن» فيوجه الخطاب إليهما في ~~ألفاظ رنانة ومعان شعرية خلابة، وتنصت له العاهرتان في صبر ماكر، حتى إذا ما ~~فرغ من خطابه سألتاه: «هل تريد طعاما؟» فيتذكر دون كيشوت أنه لم يأكل طيلة نهاره، ~~وأنه لا بد له من قوت يسد به رمقه؛ ليحتفظ بقواه لما هو مقبل عليه من أهوال جسام، ~~فيطلب الطعام ويأكل، لكنه مؤرق الجنبين مهموم؛ لأنه يعلم أنه ليس فارسا حقا، إذ ~~لا بد للفارس الحق أن ينصب فارسا بصورة رسمية تواضع عليها العرف، فحول لصاحب ~~الفندق أن يضربه على رأسه بالسيف تلك الضربة التقليدية التي لا يكون الفارس فارسا ~~إلا بها، وأن ينطق بالعبارات المألوفة التي تقال عند تنصيب الفرسان، ويطيعه صاحب ~~الفندق؛ لأنه كسائر أصحاب الفنادق لا يترددون في إرضاء زبائنهم ما داموا يدفعون ما ~~يطلب إليهم أن يدفعوه. # ثم لم يلبث دون كيشوت أن أبدى جهلا شنيعا بشئون هذه الدنيا العملية، فها هو ذا ~~صاحب الفندق يقدم له قائمة بالحساب، فلا يجد في جيوبه مليما واحدا، ولم يحمل ~~المال مع أنه لم يقرأ قط في قصص الفرسان أن فارسا حمل ماله معه في رحلاته ~~ومغامراته، ولم يدر دون كيشوت أن مظاهر الشرف والفروسية لا بد لها من مال، فأفهمه ~~صاحب الفندق هذه الحقيقة، وبهذا تلقى أول درس في عيوب هذا العالم ونقائصه. ويعود ~~دون كيشوت إلى داره ليبيع هذا ويرهن ذاك، ويخرج في كلتا الحالتين بصفقة المغبون، ~~حتى تجمع لديه قدر ضئيل من المال. # وقبل أن يغادر منزله هذه المرة تذكر فجأة أنه لا بد له من تابع كما كان لسائر ~~الفرسان، لكن دون كيشوت لم يكن ليستطيع أن يظفر بمثل هذا التابع إلا إذا أغراه ~~بالمال والسلطان، وكان له جار يدعى «سانكوبانزا»، وهو ms0416 رجل شريف، لكنه محدود ~~الذكاء، فأخذ دون كيشوت يشرح له كيف أنه مقبل على حروب تحقق المثل الأعلى، وأنه لا ~~ريب منتصر ظافر، ثم وعد سانكوبانزا أن يمنحه أول جزيرة يغزوها، فتكون ملكا خالصا ~~له، فرضي سانكوبانزا أن يكون تابعا لدون كيشوت لعله يحقق هذا المجد الموعود، وفي ~~الوقت عينه يجد طريقا للخلاص من زوجته، ثم هو يمتطي بغله، ويرافق دون كيشوت في ~~رحلته. # ويأخذ سرفانتيز في وصف الرحلة، وما وقع فيها من فروسية كاذبة، في صورة فكهة ~~ساخرة، فها هو ذا يصادف في بعض الطريق فلاحا يضرب خادمه، فيطلب إليه الفارس ~~المخدوع أن يمسك عن ضربه وإلا طعنه بحربته، فيجيب الفلاح إن ضرب الخادم حق له بحكم ~~القانون، فيرد عليه دون كيشوت إنه مستعد لافتداء الخادم بالمال، فلا يمانع الفلاح ~~ويمسك عن ضربه، فيمضي دون كيشوت، وينتظر الفلاح عبثا أن يعود له الفارس بالمال، ~~وتغرب الشمس ويسخط الفلاح فينقض على خادمه المسكين ضربا مبرحا ليثأر وينتقم، ~~وهكذا أصلح دون كيشوت ما صادف من ظلم وإجحاف! # وهذا دون كيشوت يبصر طواحين الهواء دائرة، فيظنها وحوشا كواسر تتهيأ للوثوب ~~عليه، فيرفع رمحه في يده ويندفع نحوها في حماسة بالغة، حتى يصطدم بذراع إحداها ~~ويهوي إلى الأرض، فإذا أفاق ظن أن جماعة من السحرة قد ردت الوحوش طواحين هواء ~~لتنقذها منه! وهكذا. # وبعد، فماذا يقصد سرفانتيس بكتابه دون كيشوت؟ إنه يريد قبل كل شيء أن يقضي على ~~عصر الفروسية الذي ملأته الأوهام ليفتح أعين الناس لعلها ترى حقائق الدنيا الواقعة ~~التي يعيشون فيها، وفي هذا كان سرفانتيز نقيض السير وولتر سكت (الكاتب الإنجليزي ~~في القرن التاسع عشر)، الذي أراد في عصره أن يعيد الفروسية إلى الوجود ~~والحياة. # ثم أراد الكاتب فوق ذلك أن يصور لنا ضربا من الناس يعيش في أوهامه، وتتملكه ~~فكرة خاطئة، فتتحكم في سلوكه كأنما هي حق واقع. # وإننا في روايتنا لقصة الأدب في العالم لنتعلم دروسا من هذا الكتاب ومؤلفه، ~~فسرفانتيز مثل يصح أن يساق دليلا على استحالة ms0417 التنبؤ بالسن التي يظهر فيها نبوغ ~~النابغ، فقد حاول سرفانتيز في شبابه أنواعا كثيرة من الكتابة نثرا وشعرا، ولم ~~تبد فيما كتب علامات النبوغ، ثم لم يبدأ في كتابة هذا الأثر الخالد «دون كيشوت» ~~إلا وهو في سن السابعة والخمسين، فجاء كتابا في طليعة الآداب العالمية، ولم يتردد ~~«السير وولتر رالي» الناقد الإنجليزي في القول بأنه «أحكم وأعظم كتاب في ~~العالم». # ودون كيشوت مثل يصح أن يساق أيضا لتفنيد الرأي القائل بأن الأثر الأدبي العظيم ~~لا بد من وضع خطته كاملة في ذهن منشئه قبل الشروع في إنشائه، فقد بدأ دون كيشوت ~~بغير ما انتهى إليه، إذ كان ينحرف الكاتب في طريقه هنا وهنالك عفو الساعة، فها هو ~~ذا «سانكوبانزا» أحد الشخصيات الرئيسية في الكتاب، لم يدر بخلد سرفانتيز إلا بعد ~~أن سار في القصة شوطا بعيدا، بل إن هذه الشخصية نفسها حين ارتسمت أول الأمر في ~~ذهن الكاتب لم تكن كاملة الأجزاء إنما أخذت تتكامل كلما مضى في قصته. # وأخيرا تدلنا عظمة سرفانتيز على خطأ الرأي القائل إن العبقري ينبت في عصر ~~الازدهار؛ فقد كان سرفانتيز معاصرا لشيكسبير، ومات هذان النابغان في عام واحد، ~~أما سرفانتيز فكان قد بلغ نضجه بعد أن تجاوزت إسبانيا أيام مجدها، وأما شيكسبير فقد ~~ازدهر وأينع عندما خرجت بلاده ظافرة على «الأرمادا» الإسبانية، وكم قال النقاد ~~وأفاضوا في القول بأن العظمة الأدبية في عصر اليصابات نتيجة لعظمة إنجلترا في ~~السياسة والتجارة عندئذ! فمن قائل إن روايات شيكسبير ومارلو، وترجمة شابمان ~~لقصيدتي هومر، وغير هذه وتلك من آيات الأدب الرائعات في عصر اليصابات، نتيجة ~~مباشرة لانتصار الأسطول الإنجليزي على الأسطول الإسباني، إذ وسع هذا النصر الأفق ~~العقلي عند الإنجليز، وأيقظهم ليبصروا ما هم فيه من عظمة ومجد. لكنا نقول: هل كتب ~~«العهد القديم» حين كان اليهود سادة العالم؟ وهل أنشد هومر ملحمتيه لما بلغ ~~اليونان أقصى مجدهم؟ وهل تفجر من رابليه كتابه «جارجانتوا وبانتاجريل» إذ كانت ~~فرنسا ظافرة في حروبها؟ وأخيرا كيف أنتجت هزيمة الأرمادا ms0418 شيكسبير في إنجلترا ~~وسرفانتيز في إسبانيا في وقت واحد؟ إن كان شيكسبير نتيجة النصر العظيم، فهل جاء ~~سرفانتيز نتيجة الهزيمة المنكرة؟ كم يبهرنا التعليل بعمق الفكرة فيه، مع أن عمق ~~الفكرة قد لا يخفي وراءه من الحق شيئا! ولعل سرفانتيز كان يرمي بكتابه، فيما يرمي ~~إليه، إلى مهاجمة «الأفكار العميقة». # هكذا تجلت النهضة الأدبية الإسبانية في سرفانتيز، ولقد شهدت النهضة في إسبانيا ~~- كما شهدت في إيطاليا وفرنسا وإنجلترا - اتجاها عاما نحو الشعور القومي ~~والإحساس بالوطن، وظهر ذلك الاتجاه فيما نتج عندئذ من آداب وفنون، وكان سرفانتيز ~~لإسبانيا إذ ذاك لسانها الناطق، ولو استثنينا روايات شيكسبير، لكان كتاب «دون ~~كيشوت» أجمل ما أنتجه عصر النهضة في أوروبا على الإطلاق. # وشاء الله أن يلفظ سرفانتيز وشيكسبير آخر أنفاسهما في يوم واحد. ~~(2) لوب دي فيجا # Lope de Vega ~~(1564-1635م) # بلغت إسبانيا نهاية مجدها عام 1588م حين أصيب أسطولها العظيم «الأرمادا» بهزيمة ~~نكراء أمام الأسطول الإنجليزي، وكان سرفانتيز إذ ذاك في الأربعين من عمره، وكان بين ~~البحارة الإسبان شاب لا يزال في فتوته وهو «لوب دي فيجا» الذي عاد إلى وطنه سالما؛ ~~ليكون مؤسس المسرح الإسباني وزعيم الأدب هناك في القرن السابع عشر، وهو رجل ذاع ~~صيته في بلده، لكن قل من يعرفه في سائر البلدان، على خلاف زميله سرفانتيز الذي ~~أصبح أديب العالم أجمع. وقد كان «لوب» غزير الإنتاج إلى حد تدهش له العقول؛ إذ ~~أنتج ما يقرب من 1800م رواية تمثيلية! وصلنا منها ما يقرب من 470 رواية. وذلك إلى ~~جانب ما أنشأه من غير الروايات كالملاحم والأغاني الريفية والأقاصيص. والعجيب أنك ~~لا تجد بين هذا الإنتاج الخصيب شيئا واحدا يصح أن يتخذ نموذجا لأدبه ونبوغه، ~~ولعل كثرة الإنتاج من شأنها دائما أن تؤدي إلى مثل هذه الحيرة عند الاختيار. لكننا ~~يجب أن نعجب بهذا الكاتب الذي استطاع أن يكتب الرواية من ذوات الفصول الثلاثة في ~~اليوم الواحد! # لم يكن «لوب» في تصويره لشخصياته يتقيد بنماذج معينة، فهو يطلق الشخصية على ~~سجيتها ms0419 لتكون مطابقة للحياة الإنسانية الصحيحة، ولم يأبه قط للأوضاع والقيود التي ~~يحتمها أصحاب المذاهب النظرية من رجال النقد، وهو في تلك الثورة شبيه بمعاصريه ~~الروائيين في عصر اليصابات في إنجلترا. ولو قارنا بينه وبين شيكسبير لقلنا إن له ~~ما لشيكسبير من نظرة إنسانية واسعة عميقة، ومن قدرة في الملهاة فائقة، بحيث ~~استطاع أن يرج النظارة رجا من الضحك، لكنه بالطبع لم يبلغ ما بلغه ذلك الجبار ~~من أوج، وخصوصا في المأساة، ولعل ضعفه في الشعر هو الحائل المنيع الذي صده عن ~~مجاراة شيكسبير في المأساة كما جاراه في الملهاة، أو لعل كثرة إنتاجه وسرعته هما ~~علة ضعفه، فقد كتب عشرة أمثال ما أنتجه شيكسبير. ~~(3) بدرو كالدرون Pedro Calderon ~~(1600-1681م) # وأعقب «لوب دي فيجا» في الكتابة للمسرح «بدرو كالدرون» الذي يعده العالم أعظم ~~كاتب مسرحي شهدته إسبانيا، وعلة هذا التفضيل أن العالم لا يعرف «لوب» حق المعرفة. ~~ومهما يكن من أمر، فقد أخذ «كالدرون» يكتب للمسرح بعد «لوب»، حتى أشرف القرن السابع ~~عشر على ختامه، وكان أقل إنتاجا من سلفه، لكنه كان أعظم منه شاعرية. # وقد ترجم «فتز جرلد» # Fitz Gerald ~~- مترجم ~~رباعيات الخيام إلى الإنجليزية - ست روايات لكالدرون خيرها «عمدة زالاميا»، وهي ~~تبرز نواحي الضعف في كالدرون كما تبين جوانب المقدرة سواء بسواء؛ فقد كان عسيرا ~~عليه أن يسلك أجزاء الرواية في وحدة مسرحية متصلة، ففيها مأساة وفيها ملهاة، بل ~~وفيها ألوان أخرى من ضروب المسرحية، لكنه لم يوفق إلى صب هذه الأنواع المتباينة في ~~قالب واحد متسق كما استطاع شيكسبير حين ألف في بعض رواياته بين المأساة ~~والملهاة - مثال ذلك «قصة الشتاء» - ومما يؤخذ على كالدرون فوق ذلك استطراده ~~وانحرافه عن الجادة كلما عن في سياق الرواية ما يغريه بالاستطراد والانحراف، فينتج ~~عن هذا أن تكون الرواية سلسلة من المناظر التمثيلية لا أكثر ولا أقل، أضف إلى ذلك ~~أنه يورد في الرواية أشخاصا لا داعي لوجودهم، غير أن هذه العيوب كلها إنما تمس ~~الرواية من حيث البناء والتأليف، وذلك ms0420 لا ينفي أن تستمتع بالرواية جزءا جزءا، ففي ~~كل منظر لذة فنية قائمة بذاتها، وإن فشلت مجموعة المناظرة في أن تكون تأليفا ~~جميلا. # ولئن فات «كالدرون» أن يكون رائعا في تأليفه المسرحي، فقد كان بغير شك بارعا في ~~مواهبه الأدبية من حيث جمال التعبير، نعني بهذا أن رواياته كانت تعتمد في تأثيرها ~~على جمال العبارة وقوتها لا على حوادثها وشخصياتها. ومما يستحق الذكر أيضا أن ~~«كالدرون» كان أمهر في بداية الرواية منه في ختامها - وهو عيب ملحوظ في كثير من ~~كتاب المسرحية - وأنه كان يقدم الشخصيات في سياق الرواية، لكنه يعجز عن تصويرها ~~من نواحيها جميعا، وبخاصة في شخصياته الهزلية، فكثيرا ما كان بارعا في تقديم ~~الشخصية للوهلة الأولى، ثم لا يستطيع أن يواصل تصويرها كما بدأها، ولهذا ترى ~~الشخصية في ملاهيه لا تضحك النظارة إلا بموقف واحد في أغلب الأحيان. # ومن رواياته التي ترجمها «فتز جرلد» غير «عمدة زالاميا» «مصور العار» ورواية ~~«احذر الماء الذي ينساب هادئا»، وفيها تصوير بديع لأختين مختلفتي المزاج - هما ~~كلارا ويوجينيا - أما الأولى فتحب الوداعة والتحفظ، وأما الثانية فتحب المرح ~~والنشاط، استمع إليها - مثلا - إذ هما تتحدثان في غرفة من بيت أبيهما في ~~مدريد: # كلارا ~~: # أحب في هذا المكان هدوءه. # يوجينيا ~~: # أريد الشوارع الصخابة مزهرة بحوانيتها وعرباتها وجنودها وسيداتها ~~وفرسانها، أريدها بما فيها من غبار الصيف ووحل الشتاء، أريد مكانا تجلس ~~فيه المرأة خلف ستار النافذة فترى كل ما يمر في الطريق. # ذلك هو كالدرون بعيوبه ومزاياه، وقد وصفه «جيته» - وهو خير حكم في الإنتاج ~~الأدبي - بقوله: «إن رواياته قد بلغت حد الكمال في فنها المسرحي.» لكنه عاد في ~~موضع آخر فقال عن شخصياته: «إنها متشابهة كأنها جنود صفت كلها في قالب من ~~صفيح.» وحسبنا لكي نبين ما بلغه كالدرون من البراعة في الفن المسرحي أن نشير إلى ~~قصة تروى عن خفير كان ذات يوم بين النظارة، وجاء على المسرح منظر تباع فيه البطلة ~~الإسبانية لعربي، فانتفض الخفير شاهرا سلاحه يرد ذلك العربي عن ms0421 ابنة وطنه، ففي ~~هذا دليل على ما في المنظر المسرحي من حياة وقرب من الواقع. # ولا نستطيع أن نطوي الحديث عن كالدرون قبل أن نشير إلى نوع من المسرحية أجاد فيه ~~إجادة منقطعة النظير، ونعني به تلك الروايات الدينية التي تشبه «رواية المعجزة» ~~التي سادت في فرنسا وإنجلترا - وسيأتي وصفها عند الكلام على الأدب الإنجليزي في عصر ~~النهضة - وذلك أن عادة جرت بأن يمر في الشوارع موكب فيه أشخاص يمثلون بملابسهم ~~ومواقفهم بعض المناظر الدينية، وقد ألف كالدرون من هذا النوع سبعين رواية. ~~(4) لويس دي كامينس # Louis de Camoëns ~~(ولد عام ~~1524م) # وجدير بنا في هذا المقام أن نوجه نظرنا لحظة إلى جارة إسبانيا وأختها الصغرى، ~~وهي البرتغال، فنذكر أمير شعرائها في القرن السادس عشر «دي كامينس # de Camoens ~~» الذي كان بحارا يضرب في المناطق ~~البحرية المجهولة بسفينة ضئيلة، فعلمته التجربة المرة القاسية كم عانى «فاسكو دي ~~جاما» - المستكشف العظيم الذي دار حول رأس الرجاء - من أهوال، فأنشد الشاعر ملحمة ~~لا يغفل ذكرها مؤرخو الأدب الأوروبي، ففي هذه الملحمة التي يطلق عليها اسم ~~«لوسياداس» # Lusiadas # أي سكان لوسيتانيا أو ~~اللوسيتانيون [لاحظ أن اسم البرتغال كما ورد في الأساطير هو لوسيتانيا] يقص قصة ~~أمته، ويروي بطولة «فاسكو دي جاما»، بل إنه ليتجاوز ذلك، فيجعل ملحمته قصة الكشف ~~البحري أينما كان. وقصة الكشف البحري تروعك بما بين الإنسان والموج من صراع عنيف ~~جبار، وبما في استكشاف الأراضي الجديدة من نشوة وانتصار، فجاءت «لوسياداس» أقوى ~~ملحمة تدور حول أهوال البحر بعد «الأوذيسية»، فلو كان دي جاما شاعرا، لما جرت ~~شاعريته بأفضل من ملحمة «لوسياداس»، وقد ترجمها إلى الإنجليزية في القرن التاسع عشر ~~«رتشارد بيرتن # Richard Burton ~~»، الذي كان مثل ~~«دي كامينس» شاعرا ومغامرا. # وكان لهذه الملحمة فضل وطني عظيم، وذلك أنه لما احتل الإسبانيون لشبونة - ~~عاصمة البرتغال - وجعلوا لغتهم الكاستيلية لغة البلاد الرسمية، وقفت ملحمة «لوسياد» ~~وحدها تحتفظ باللغة القومية، وتثير في البرتغاليين غيرة على لغتهم أن تجتاحها لغة ~~الإسبان الفاتحين، وإن في ms0422 هذا لمثلا قويا يساق لقدرة القلم أحيانا على أن يقرر ~~مصائر الأمم. # نهضت إسبانيا - كما رأيت - في القرنين السادس عشر والسابع عشر نهضة زاهرة، ~~لكنها عادت فهوت إلى الحضيض في إنتاجها الأدبي، حتى إنك لا تكاد ترى فيها في ~~القرنين التاليين أديبا واحدا يستحق أن يذكر إذا ما أردت أن تقص قصة الأدب في ~~العالم. # الفصل الخامس # | النهضة في إنجلترا # (1) الشعر في القرن الرابع عشر ~~(1-1) جوفري شوسر # Geoffrey Chaucer # لبثت إنجلترا قرونا طوالا مجدبة عقيما في قريحتها الأدبية، فكادت لا تنجب ~~أديبا واحدا نابغا قبل القرن الرابع عشر، ثم شاءت الأيام بغتة أن تلد لها ~~شاعرا عظيما هو في الطليعة بين شعراء العالم، وذلك هو «شوسر» الذي جاء في ~~التاريخ الأدبي لإنجلترا كالواحة الخضراء في البيداء القاحلة، أو كالدوحة ~~السامقة ارتفعت بفرعها إلى السماء، وكل ما حولها كلأ ضئيل. # نبت «شوسر» في أسرة أقامت في لندن أجيالا متعاقبة، وكان أبوه وجده يتجران ~~في الخمر، ويجنيان من تجارتهما ربحا طائلا، وجاء مولد شاعرنا في عام قريب ~~من 1340م، ولم يلبث أن التحق بحاشية دوق كلارنس، وتزوج من فتاة كانت وصيفة ~~لزوجة الدوق، وما جاء عام 1359م حتى سافر «شوسر» في صحبة «كلارنس» إلى فرنسا في ~~حملة حربية أرسلها «إدورد» ملك الإنجليز، وينبئنا «فرويسار» # 1 # في تاريخه «أنه لم يبق في البلاد فارس ولا محارب ولا سيد ممن تقع ~~أعمارهم بين العشرين والستين دون أن يرحل في تلك الحملة.» وما هو إلا أن وقع ~~«شوسر» أسيرا في أيدي الأعداء، لكنه لم يطل به زمن الأسر، حتى افتدوه بالمال، ~~وساهم الملك في فديته بمبلغ كبير، ثم وضعت الحرب أوزارها، وعاد «شوسر» إلى ~~إنجلترا وعين عضوا في حاشية الملك، وأخذ يدرج صاعدا في مناصب القصر ~~ويسفر لملكه في بعثات سياسية، وزار إيطاليا في عام 1373م، وكان لهذه ~~الزيارة أثر كبير في حياته الأدبية، ثم عين بعد ذلك محصلا للرسوم الجمركية ~~المفروضة على الصوف والجلود في ميناء لندن، وكان دخله إذ ذاك قد ضخم ms0423 إلى حد ~~كبير. أما إنتاجه الأدبي في تلك الأعوام التي ازدهر فيها من الوجهة المادية، ~~فلم يزد على بعض القصائد والأغاني والمواويل التي لم يبق لنا منها إلا شطر ~~ضئيل، وأما الجزء الأعظم من أدبه، فلم يظهر إلا في عهد الملك رتشارد الثاني. # 2 # أرسل شوسر في بعثة سياسية أخرى عام 1378م إلى إيطاليا، ثم انتخب بعد ذلك ~~بثمانية أعوام ممثلا لمقاطعته «كنت # Kent ~~» ~~في البرلمان، وعندئذ انقلب النواب على دوق لانكستر الذي كان يحميه، ومن ثم ~~أخذت الأيام تقلب للشاعر ظهر المجن، فحرم مناصبه جميعا وماتت زوجته، لكن شاء ~~الله أن يكون حرمانه خيرا للأدب؛ إذ أنفق الشاعر فراغه الطويل في الإنتاج ~~الأدبي، فقضى عامين خصبين، لا ينفك عن الكتابة والإنشاء. # وفي عام 1389م تولى الملك بنفسه زمام الأمور في الدولة، فأعاد شوسر إلى ~~مناصبه، وعينه كاتبا خاصا له، ثم عبس له الدهر من جديد، وعزل مرة أخرى، ~~وعانى ما عانى من الفقر والعوز، حتى ولي العرش هنري الرابع في آخر عام من حياة ~~الشاعر، فأرسل له شوسر قصيدة عنوانها «شكاة إلى كيس نقودي الفارغ» فاستجاب ~~الملك دعاءه، ومات شوسر عام 1400م، ودفن في مقبرة العظماء في «دير ~~وستمنستر». # كان أول ما أنتجه «شوسر» في الأدب مما يستحق الذكر ترجمته لقصيدة «قصة الوردة»، # 3 # ولا عجب فقد كان للأدب الفرنسي أعمق الأثر في «شوسر» في المرحلة ~~الأولى من حياته الأدبية، وإنك لتلمس هذا الأثر واضحا فيما يميز شعره من سلاسة ~~ورشاقة، والقصيدة الأصلية لشاعرين فرنسيين هما «لورس» و«دي منج» وهي مفرطة ~~الطول تربي أبياتها على اثنين وعشرين ألفا، ولم يترجم إلى الإنجليزية منها ~~إلا أقل من ثلثها، وهذا الثلث نفسه ينقسم في الترجمة ثلاثة أقسام، فأما القسم ~~الأول الذي يمتد من فاتحة القصيدة إلى البيت الخامس بعد السبعمائة والألف، فلا ~~شك في نسبة ترجمته إلى شوسر، وأما القسم الثاني الذي يمتد إلى السطر العاشر بعد ~~الثمانمائة والخمسة الآلاف، فلا شك أنه لم يكن من ترجمة شوسر، وأما الجزء ~~الثالث ms0424 الذي يشمل ثمانمائة وألفا من الأبيات فموضع شك. وأما موضع القصيدة ~~فيتخذ صورة الحلم - كما هو مألوف في الأدب الوسيط - فيرى محب ولهان في حلمه ~~أنه صادف حديقة طويلة عريضة مسورة، أسوارها عالية كأسوار القلاع الحصينة، ~~فلما دخل قابل فيها أشخاصا كثيرين كل منهم يرمز إلى شخص معروف، حتى انتهى ~~به السير إلى بئر نارسيس، # 4 # فرأى في قاعها البلوري اللامع منظر الحديثة منعكسة على سطحه، ~~وكان فيما رأى شجرة ورد جميلة، ورأى بين أزهارها وردة فتنته بجمالها، حتى ~~ليتعذر على الشاعر أن يصف شيئا من بهائها ورونقها، فيشغف بها حبا وترشقه ~~خمسة من سهام الحب في وقت واحد، ويأخذ من فوره في السعي وراء هذه الوردة ~~الفاتنة ليقتنيها. وبقية القصيدة وصف لهذا السعي في سبيل الوردة ~~المعشوقة. # وفي عام 1369م أنشأ شوسر «كتاب الدوقة»، ينعى به موت زوجة الدوق لانكستر. ~~وإن هذه القصيدة لتوضح في جلاء خصائص شعره في صدر حياته، وتبين إلى أي حد كان ~~تأثره بالأدب الفرنسي إذ ذاك، فتراه ينسج فيها على منوال العصر في أوضاع الشعر، ~~فيجسد الأفكار المجردة، ويتحدث عنها كأنما هي أشخاص حية من لحم ودم، وهو في ~~تلك المرحلة الأولى من حياته الأدبية لم يمزج شعره بالفكاهة إلا قليلا، مع أن ~~روح الفكاهة أصبحت فيما بعد طابعا يميزه. # تلك كانت آثار الشباب، فلما نضجت رجولته وقعت له الزيارة الثانية لإيطاليا، ~~فتأثر بها في سفره أعمق الأثر؛ إذ تعلم الإيطالية ودرس «دانتي» و«بوكاتشو»، وقد ~~كتب قصته الشعرية «ترويتس وكرسدا» على غرار قصيدة بوكاتشو «فيلوستراتو» # 5 ~~(ومعناها جندي الحب). وتتألف قصة «ترويتس وكرسدا» من ثمانية آلاف ~~بيت، لم يكن شوسر مدينا فيها للقصصي الإيطالي العظيم، إلا بما يدنو من الثلث، ~~ولعل هذه القصة تكون أجمل أثر أدبي كامل بين آثار شوسر جميعا، وإنما نقول ~~ذلك لأن «حكايات كانتر بري» - وهي أروع إنتاجه على الإطلاق - لم يكمل إنشاؤها ~~كما أراد لها، ويقسم «شوسر» هذه القصة خمسة أقسام، وموضوعها هو الحب بين الفتى ~~ترويتس ومعشوقته كرسدا ms0425 إبان الحرب الطروادية، وهو بعينه الموضوع الذي أدار عليه ~~شيكسبير روايته التي أطلق عليها هذا العنوان، أما «ترويتس» فيصوره الشاعر على ~~نهج عشاق القرون الوسطى كما رسمتهم «أنشودة الوردة» فهو محب متفان في حبه، ~~يضحى بكل شيء في سبيل معشوقته، ويراعي أوضاع الحب كما تواضع عليها فرسان العهد ~~الوسيط، وأما صورة «كرسدا» فهي من إبداع الشاعر إلى حد كبير، على أن خير صورة ~~وردت في هذه القصة شخصية «بانداروس» - وهو عم كرسدا - الذي جعله الكاتب يسعى ~~للتوفيق بين العاشق ومعشوقته. وشخصية «بانداروس» فكهة مرحة لا تحلق في ~~الخيال، بل تعالج الأمور من جانبها العملي المنتج. وقد أجرى الشاعر على لسانه ~~حكمة الساخر الهازئ، فكان له في كل موقف مثال يضربه، وهو يشبه إلى حد ما ~~شخصية شيكسبير الفكهة المشهورة؛ وأعني بها «فولستاف». وقصة «ترويتس وكرسدا» ~~تحدد مرحلة في حياة شوسر الأدبية؛ لأنها وسط بين النقل والإبداع، فقد كان شوسر ~~في شبابه ينقل ولا يضيف من عنده شيئا، ثم تقدم في رجولته خطوة هي المزج بين ~~الجانبين، ثم خطا بعد ذلك خطوة أخرى في «حكايات كانتر بري»، فكان أغلب إنتاجه ~~خلقا خالصا. والقصة منظومة في البحر الذي اشتهر به شوسر، وهو الذي يقسم ~~القصيدة مقطوعات من ذوات الأسطر السبعة تجري القافية فيها على هذا ~~النحو: # أ - ب - أ - ب - ب - ج - ج. # ثم لم يلبث شوسر أن أخرج بعد ذلك قصيدة «برلمان الطير»، وهي قصيدة رمزية ~~يشير بها إلى المفاوضات التي كانت قد دامت عاما كاملا بشأن زواج الملك رتشارد ~~الثاني من «آن بوهيميا» # 6 # التي كان يخطب ودها ثلاثة رجال في وقت واحد، والقصيدة مكونة ~~من البحر نفسه الذي كتبت به قصة ترويتس وكرسدا، أعني أنها تتألف من مقطوعات من ~~ذوات الأسطر السبعة التي تجري قوافيها على النحو الذي ذكرناه، وهي كذلك تتخذ ~~صورة الحلم، # 7 # فيبدأ الشاعر يروي عن نفسه أنه بينما كان يقرأ أثرا أدبيا لأحد ~~الكتاب اللاتين القدماء إذا به يغفو ويأخذه النعاس، فيرى في حلمه حديقة ms0426 غناء، ~~حيث السطوة كلها في قبضة إلهة - هي «الطبيعة» - تصرف الأمر هنالك كيف تشاء، ~~وبينا هو يجوس خلال ذاك البستان رأى الطير كله قد اجتمع لينتقي كل زوج زوجة ~~ترافقه طوال العام، وكانت «الإلهة» الرئيسة - وهي «الطبيعة» - وقد أمسكت في ~~يدها بأنثى النسر، ووقف بين يديها ثلاثة ذكور من النسور تتنازع أيها يظفر بملكة ~~الطير، فأصدرت «الطبيعة» أمرها أن يمثل كل نوع من الطير طائر واحد، يبدي ~~رأيه في الأمر على سبيل الشورى، وهنا يبدي شوسر غاية البراعة في وصف ذلك المنظر ~~الريفي، وفي إطلاق الحديث على ألسنة الطير، كما يبدي روحا فكهة بلغت من الروعة ~~حدها الأقصى، واشتد النقاش والجدل، فلم تجد «الطبيعة» بدا من أن تترك أنثى ~~النسر تختار من الذكور المتنافسة ما تشاء. # ولم يمض عامان على إخراج «برلمان الطير»، حتى أنشأ شوسر قصيدة جديدة ~~عنوانها «دار الشهرة»، وهي مزدوجة القافية، أعني أن كل سطرين متتاليين يشتركان ~~في قافية واحدة، وفي كل سطر منها ثمانية مقاطع، وتتألف من ثلاثة فصول، لكن ~~الشاعر لم يتمها على ما أراد لها، وطول ما كتبه منها ألفا بيت ومائة، وهي ~~أيضا تتخذ الصورة المألوفة، صورة الحلم، فيرى الشاعر في رؤياه أنه في معبد من ~~زجاج امتلأ بالتماثيل الذهبية والتصاوير التي تمثل أشخاصا ومناظر من الأدب ~~القديم، وقد حمله نسر إلى «دار الشهرة» بأمر من الإله «جوبتر» جزاء وفاقا ~~بما أسدى من يد بيضاء في سبيل الحب، فوجد تلك الدار العجيبة قائمة على ذروة ~~صخرة عالية من الثلج، وهي - كما يقول الشاعر - «أساس ضعيف لقصر شامخ»، ~~ويستعرض الشاعر في قصيدته ما يشاهد من تماثيل وصور تمثل الآداب القديمة، فيعرض ~~لقارئه اطلاعا واسعا على تلك الآداب، ثم هو ينتهز فرصة الرمز والتلميح، فيبيح ~~لنفسه التعليق على ما كان في عصره من أحداث وأشخاص. # ولا شك في أن شوسر قد تأثر في هذه القصيدة «بدانتي» في الكوميديا الإلهية # 8 # فهي - كالكوميديا - ثلاثة فصول، وهي كذلك حلم يراه الشاعر في ~~نعاسه، وكما يتخذ «دانتي» من ms0427 «فرجيل» دليلا له يهديه، يتخذ شوسر من النسر ~~دليلا هاديا. غير أن الفارق بعيد في قوة الشعر في القصيدتين، «فدار الشهرة» ~~ضئيلة متهافتة البناء إذا قيست «بالكوميديا» ذات البناء الأشم الجبار، وشوسر ~~في هذه القصيدة لا يزال محاكيا ومقلدا يترسم الأوضاع التقليدية في الشعر، ~~إلا أنه بدأ يعبر عن شخصيته ونفسيته حين أخذ يحدث النسر عن نفسه، ويشيع في ~~القصيدة كلها فكاهة ساخرة كالتي أجراها على لسان «بانداروس» في قصة «ترويتس ~~وكرسدا» التي أسلفنا ذكرها. # وكان آخر ما أنشأه «شوسر» في وسطى مراحله الأدبية قصيدة عنوانها «أسطورة ~~المحصنات»، وهي تقع في ستمائة وألفي بيت من الشعر، وقافيتها مزدوجة، أنشدها ~~الشاعر ليشيد بالمحصنات من النساء كأنما أراد أن يكفر عما اقترف في حقهن في ~~الجزء الذي ترجمه من «أنشودة الوردة»، فقد رأى الشاعر في حلمه أن إله الحب جاءه ~~يؤنبه على استخفافه بالنساء وسخريته بعاطفة الحب الخالدة، فدافع عن نفسه ~~«بأسطورة مجيدة عن المحصنات من النساء، العذارى منهن والزوجات، اللاتي أخلصن ~~للحب طوال حياتهن.» ولم يستطع شوسر إتمام القصيدة، فتركها ناقصة كما فعل بقصيدة ~~«دار الشهرة». وإن القارئ ليحس في كلتا الحالتين أن الشاعر إنما نفض يده من ~~القصيدة حين أدركه الملل، ففي قصيدة «دار الشهرة» اندفع هو ونسره إلى عالم ~~خيالي، ثم لم يسغ أن يعود من عليائه هابطا فوق هذه الأرض، فظل مع النسر ~~محلقا. وفي هذه القصيدة تحس كأنما مل الشاعر رواية قصص قديمة؛ لأنه عند ~~بداية القصيدة اعتزم أن يروي قصة عشرين امرأة من نساء التاريخ والأساطير ممن ~~كن مخلصات في الحب، لكنه لا يقدم لنا سوى سبع قصص من بينها قصة عن كليوبطره، ~~وقصة عن ديدو ملكة قرطاجنة. # 9 # وأهم أجزاء القصيدة «مقدمتها» التي يمهد بها لحلمه، ويقطع فيها على نفسه ~~عهدا أن يقص هذه القصص عن طيبات النساء، ليعتذر بها عن كفرانه بالحب الذي ~~أبداه في ترجمته لأنشودة الوردة، وفي تصويره لكرسدا التي لم تخلص في حبها ~~لترويتس، وكذلك يبين في المقدمة مقدار حبه للكتب ms0428 ولزهور الأقحوان، ويثبت فيها ~~قائمة بقصائده، منها أسماء لقصائد لم تهبط إلينا، ومما هو جدير بالذكر عن ~~«مقدمة» هذه القصيدة أن لها صورتين باقيتين، تختلفان في اللفظ وصياغة بعض ~~الأبيات، والمفروض في إحداهما أن تكون قد كتبت أولا، وفي الأخرى أن تكون ~~إصلاحا للأولى، فمن هاتين الصورتين يتبين كم كان «شوسر» يعنى بتجويد ~~شعره. # وأروع آية أبدعتها عبقرية شوسر «حكايات كانتر بري» التي لم يكن إنتاجه السابق ~~بالقياس إليها سوى إرهاص وتمهيد، وقد تابع فيها «بوكاتشو» في كتابه «ديكامرون» ~~الذي روى فيه عددا من حكايات أجراها على ألسنة عشرة من الرجال والسيدات فروا ~~من الوباء المتفشي في مدينة فلورنسه، إلى منزل بالريف النقي الخالص. # كان ضريح القديس تومي أبكت # St. ~~Thomas-à-Becket # في كانتر بري بإنجلترا مكانا مقدسا يحج ~~إليه الناس من كل حدب وصوب في أوروبا إبان العصور الوسطى، وكان هنالك في ~~الطريق إلى ذلك الضريح فندق يسمى «فندق تابرد» فتخيل الشاعر أن تسعة وعشرين ~~حاجا اجتمعوا ذات مساء في ذلك الفندق، فاقترح «هنري بيلي» صاحب الفندق أن ~~يروي كل مسافر قصتين وهم في طريقهم إلى ضريح القديس، وقصتين أخريين وهم عائدون، ~~وأن يوازن بين القصص جميعا ليكافأ المتفوق الممتاز عشاء على حساب زملائه حين ~~يعودون إلى الفندق، هكذا وضع الشاعر تصميما ليروي لقارئه أكثر من مائة وعشرين ~~قصة، المسافرون تسعة وعشرون، أضف إليهم صاحب الفندق والشاعر، هذا في رواية، وفي ~~رواية أخرى أن مسافرين آخرين انضما إلى تلك المجموعة في الطريق، وفي كلتا ~~الحالتين كان عدد من يقص القصص في نية الشاعر واحدا وثلاثين، فقد كان مشروعا ~~أدبيا عظيما، لكن الشاعر لم يرو مما اعتزم أن يرويه إلا أربعا وعشرين، منها ~~واحدة لم تكمل وأخرى ليس منها سوى بدايتها. # وكان شاعرنا أشد طموحا في قصصه من «بوكاتشو» لأن الشخصيات التي صورها ~~«بوكاتشو» كانت كلها تمثل طبقة واحدة من الناس، فسرعان ما تبعث القصص ~~المتشابهة مللا في نفس قارئها على الرغم من كل ما فيها من براعة وفن، أما ~~«شوسر» ms0429 فقد اختار «حجاجه» من طبقات المجتمع المختلفة ليجعل كلا منهم يصور ~~بقصته وبشخصيته طبقة معينة من الناس، فإذا استثنيت طبقة النبلاء الرفيعة، وطبقة ~~السفلة الوضيعة، وجدت كل طوائف المجتمع الإنجليزي مرسومة مصورة في قصص شوسر ~~أدق رسم وأبرع تصوير. وقد أعمل الشاعر فنه في تتابع القصص ليكون بينها شيء من ~~التباين يزيل ما عساه أن يحدث في نفس القارئ من ملل، وقدم الشاعر لقصصه ~~«بمقدمة» هي آية آياته على الإطلاق، إذ عرض فيها شخصياته عرضا سريعا قبل أن ~~يبدءوا رحلتهم ويقصوا قصصهم، فعرف كيف يقدم لك كلا منهم في صورة ناطقة ~~ساطعة، حتى لكأنك حين تقرأ «المقدمة» تنظر إلى معرض للصور علقت على حوائطه صورة ~~كل مسافر في إطار خاص. فمن أشخاصه «فارس» و«محارب» و«حامل السلاح للفارس»؛ ~~فهؤلاء يمثلون الطبقة المحاربة في تلك العصور، ومنهم «رئيسة دير» تمثل البساطة ~~والطهر، وامرأة أخرى يسميها «زوجة باث» تصور المرأة التي انغمست في شئون ~~الدنيا، ومنهم «قسيس» فقير متقشف لا يزن للدنيا وحطامها وزنا، تراه طيلة ~~اليوم ضاربا في الأرض وعكازته في يده يعظ الناس من قلب مخلص، وإلى جانبه ترى ~~صورة «راهب» تريك كم كان له من الجياد والثياب الجميلة! وكم كان يلهو بالصيد ~~ويكره العمل! فعباءته من فاخر النسج، يحلي أطرافها جميل الفراء، ويشبك غطاء ~~رأسه بمشبك من ذهب تدلت منه شارة الحب، هكذا يصور لك «الراهب» ساخرا ~~هازئا. وفيمن يصورهم كذلك «طالب علم في أكسفورد»، و«رجل قانون» و«طباخ»، ~~و«ملاح»، و«طحان»، و«فلاح»، و«تاجر» إلخ إلخ. وهكذا يصور كل طبقات المجتمع؛ ~~رجال الدين ورجال الأعمال والصناع والزراع والفرسان والمحاربين وغيرهم. ولا ~~يقتصر الشاعر في تصوير إنجلترا في القرن الرابع عشر على الحكايات التي يحكيها ~~الحجاج في رحلتهم، بل يزيد على ذلك تعليقات بين كل حكايتين وأوصافا لمناظر ~~مما يجعل الصورة أشد وضوحا. # وسنقدم لك فيما يلي نموذجا من تصويره للشخصيات في «المقدمة»، فهاك وصفا ~~«لرئيسة دير»: # وكان بين القوم راهبة، هي رئيسة ديرها، # وكانت في ابتسامتها غاية في السذاجة والحياء، # إن أقسمت ms0430 ف «لوي» القديس أغلظ أيمانها؛ # واسمها السيدة «إجلنتين». # إذا رتلت الدعاء المقدس أحسنته ترتيلا؛ # فجاء منغما من أنفها أجمل النغم. # وكانت تتكلم الفرنسية في روعة وطلاقة، # تتكلمها بلهجة «ستراتفورد-آت-بو» # 10 # لأنها جهلت فرنسية، باريس، # وفي تناول طعامها قد أجيد تدريبها؛ # فلا تسمح للقمة واحدة بالسقوط من شفتيها، # ولا بللت أناملها في المرق العميق، # لا تسقط منه قطرة على صدرها؛ # لأنها تجيد حمل الطعام إلى فيها، # وكانت تمسح شفتها العليا مسحا نظيفا، # ولا ترى على فنجانها ذرة واحدة # من الدهن، حين تشرب شرابها؛ # فكانت تبدو بعد طعامها غاية في البهاء. ~~••• # وكانت تفيض إحسانا وإشفاقا؛ # حتى لتبكي إن رأت جرذا # أمسكه الفخ فمات أو جرح! # وكان لها عدد من كلاب الصيد تطعمها # بمشوي اللحم واللبن وطازج الخبز، # فإن مات كلب منها بكته بالدمع السخين، # بل كان يبكيها أن يضرب ضارب كلبها بعصاه! # فقد كانت كلها ضميرا حيا وقلبا رحيما. # وحول عنقها حزام محبوك، # هي شماء الأنف رمادية العينين اللامعتين # صغيرة الفم، وكان بضا قانيا، # ولها جبهة لا شبهة في جمالها، # عريضة بعض الشيء فيما أرى، # لا ضيق في أبعادها. # ورأيتها أنيقة الثياب # تطوق ذراعها خرزات من المرجان # وعقدان من خرز خضر «الشواهد»، # وتدلت حلية من ذهب وهاج # نقش عليها «أ» مزخرفة، # ثم كتبت هذه العبارة: «الحب قهار.» # فإذا ما فرغ الشاعر من استعراض أشخاصه في «المقدمة» واحدا ~~فواحدا، بدأ بحجاجه المسير، وأخذوا يحكون، وكان أول من روى «الفارس» فقص قصة ~~من بوكاتشو خلاصتها أن «بالامون» و«أرسيتي» كانا صديقين، ثم تنازعا على فتاة ~~تسمى «إملي»، فكان لا بد لهما من مبارزة لتكون الفتاة للظافر، وفي اللحظة ~~التي كاد يكتب النصر فيها لأرسيتي تدخل «بلوتو» في الأمر وأنزل «أرسيتي» عن ~~جواده، فخرج «بالامون» من المبارزة ظافرا، وتزوج من «إملي». هذه خلاصة لا ~~قيمة لها إلى جانب ما حكاه شوسر في قصته؛ لأنه إنما يرمي قبل كل شيء إلى تصوير ~~الفرسان في ذلك الزمان حين يقتتلون، فكل القيمة الفنية إنما هي في تفصيلات ~~الوصف، وفي ms0431 نصوع الصورة التي ترتسم في ذهن القارئ، وهكذا قل فيما نعرضه من ~~ملخصات لبعض حكاياته. ~~«فرجل القانون» يروي قصة عن فتاة اسمها «كونستانس» ابنة الإمبراطور الروماني ~~تزوجت من سلطان الشام، على شرط أن يعتنق هذا السلطان العقيدة المسيحية، لكن أم ~~السلطان لا تحتمل ردة ابنها عن دينه فتقتله وتطلق الفتاة هائمة في ~~سفينة على وجه البحر، وتبلغ «كونستانس» بسفينتها «نور ثمبريا» وتتزوج ~~ملكها، لكن أم الملك في هذه المرة أيضا يغضبها هذا الزواج، فتنتهز فرصة غياب ~~ابنها، وتبعد الفتاة عن المدينة، فلا يسع الفتاة إلا أن تعود إلى روما. ويعود ~~الملك فلا يجد زوجته «كونستانس» فيقتل الأم الآثمة، ويرحل إلى روما؛ ليكفر ~~عما اقترف، وهنالك يصادف زوجته. # ويأتي دور «رئيسة الدير» فتحكي حكاية ولد مسيحي صغير قتله اليهود في بلد ~~أسيوي، إذ كان يرتل آيات من الإنجيل. # وهنا ينادي «صاحب الفندق» شوسر، # 11 # ويأخذ في مداعبته قليلا، ثم يطلب إليه أن يقص على الجماعة قصته، ~~وها هنا تبدو من الشاعر لفتة فنية جميلة؛ إذ قص على السامعين إحدى القصص ~~الخيالية القديمة - حكاية السير توباس - وإنما قصد إلى المعاتبة والنقد، ~~فقصها في صورة الحكايات المنظومة القديمة، فلم يطق صاحب الفندق هذا «النظم ~~الركيك» على حد تعبيره، وطلب إلى الشاعر أن يحكي حكاية أخرى، فروى شوسر قصة ~~نثرية. # ويأتي دور «المحارب» فيروي قصة جميلة عن قمبيز ملك التتار، وابنته «كاناس». ~~فبينما كان قمبيز ذات عام يحيي عيد تتويجه في قصره العظيم، إذا بهذا «المحارب» ~~يجيئه راكبا جوادا سحريا، ويحمل معه خاتما ومرآة فيهما كذلك قوة السحر، ~~فأما الخاتم فيمكن لابسه من فهم لغة الطير والحيوان، ومن معرفة خصائص العشب ~~في معالجة المرضى، وأما المرآة فتبدي لمن ينظر فيها أوجه الأصدقاء والأعداء ~~منزوعا عنها أقنعة الرياء والنفاق، وأما الجواد فيطير براكبه في الجو أنى ~~شاء، وبأية سرعة أراد، وقصة الجواد هذه مأخوذة - على الأرجح - من قصص ألف ليلة ~~وليلة بكل تفصيلاتها، ولم يتمم الشاعر «قصة المحارب» لسبب لا ندريه. # ويحكي «طالب العلم في ms0432 أكسفورد» حكاية مأخوذة من بوكاتشو، وتحكي «القسيسة ~~الراهبة» حكاية «الديك والثعلب». وهكذا مما لا يغني التلخيص عن قراءته شيئا ~~لترى إلى أي أوج ارتفعت عبقرية شوسر في خصوبة الإنتاج، وفي رشاقة الأسلوب ~~وقوته. # ومما هو جدير بالملاحظة أن شوسر، على الرغم من أنه عاش في عهد امتلأت أيامه ~~بالقلاقل والاضطراب، وعلى الرغم من أنه غاص في تلك الحياة جنديا وسفيرا ~~ورجلا من رجال الأعمال، وعضوا في بلاط الملك، وقاضيا وعضوا في البرلمان ~~وشاعرا، فإنه لم يذكر في شعره حادثة واحدة من كبريات الحوادث التي وقعت في ~~زمانه، وذلك دليل على إيمانه بأن أحداث الحياة المادية مؤقتة عابرة ليست جديرة ~~بالشعر الخالد مهما بلغت جسامتها، وإنما عني شوسر بتصوير الإنسان؛ لأنه كان ~~قبل كل شيء شاعرا. # بقي لنا أن نقول كلمة موجزة في تأثيره في اللغة الإنجليزية نفسها، فقد كان ~~له أثر عميق في توحيد اللغة القومية في البلاد؛ إذ كان ثمت لهجات مختلفة، فلما ~~كتب شوسر بلغة الوسط الشرقي لإنجلترا - وكانت أكثر اللهجات طلاقة وأبسطها في ~~القواعد - لم تلبث أن أصبحت اللغة الأدبية في البلاد كلها، وهذا يذكرنا من جديد ~~بدانتي حين كتب باللهجة التسكانية، فأصبحت بفضله لغة بلاده، كما يذكرنا ~~بسرفانتيز حين كتب باللهجة الكاستيلية (القشتالية)، فجعلها أداة التعبير الأدبي ~~في إسبانيا. # لهذا كان شوسر قمينا أن يكون كما أسماه دريدن # Dryden ~~«أبا الشعر الإنجليزي». ~~(1-2) وليم لانجلاند # William Langland ~~(1332-1400م) # عاش لانجلاند معاصرا لشوسر، فشهد عهدا ملأته الحوادث الكبرى؛ إذ عصفت به ~~عواصف الانقلاب في السياسة والاجتماع والدين، ودارت فيه أعنف المعارك وأبشع ~~الحروب، وتفشى به الطاعون، ففتك بالناس فتكا ذريعا. # وأهم شعره قصيدتان؛ «بيرز الحراث» وقصيدة «أحسن صنيعا»، وكلتا القصيدتين ~~في صورة الحلم، كمألوف ذلك العهد، فتأخذ الشاعر سنة من النوم إذ هو على سفح ~~تل ذات صباح جميل من شهر مايو، فيرى حلما رائعا «رأيتني أدثر نفسي ~~باللفائف، في يوم صائف، حين كانت الشمس رخية، فكنت في هيئة الراعي، أرتدي ~~ثوبا شبيها بمسرح الراهب، ولست أعني ms0433 الراهب القابع في صومعته، بل الذي يجوس ~~خلال الأرض باحثا عن الأخطار يركبها.» # ويرى «بيرز» في حلمه حقلا جميلا يموج بالناس، وما هو إلا أن تتقدم «الرشوة» ~~لتتزوج من «الزيف»، لكن اللاهوت يتدخل ليمنع الزواج، فتعرض القضية أمام الملك ~~في لندن، وهنا يصف الشاعر مناظر لندن ومناظر الريف. والقصيدة كلها رمزية تشير ~~حوادثها وأشخاصها إلى غير معانيها المباشرة. # وكذلك تتألف قصيدة «أحسن صنيعا» من سلسلة من الأحلام الرمزية. # وأما عن اللغة التي استخدمها «لانجلاند» في شعره، فلم تكن لهجة الوسط الشرقي ~~لإنجلترا «صافية» خالصة - كما هي الحال مع شوسر - إنما هي خليط بين لهجتي ~~الوسط والجنوب. وقد أجرى بعض العلماء مقارنة دقيقة بين شوسر ولانجلاند من حيث ~~الألفاظ، فوجد أن ثمانية وثمانين في كل مائة من ألفاظ مقدمة «بيرز الحراث»، ~~وفي ألفاظ الأربعمائة والعشرين سطرا الأولى من «مقدمة» شوسر، كلمات ~~أنجلوسكسونية أصيلة، وأن عدد الكلمات الفرنسية عند «لانجلاند» كبير نسبيا. ~~والحقيقة هي أنه قبل أن يبلغ القرن الرابع عشر ختامه، كانت الألفاظ الفرنسية قد ~~شاعت في اللغة الإنجليزية، فلم يستطع شوسر أو لانجلاند، أو أي كاتب آخر ~~اجتنابها إذا أراد أن يعبر عما في نفسه تعبيرا كاملا تاما؛ فقد كانت ~~الفرنسية عندئذ لغة المحاكم والسياسة ولسان الملك وحاشيته، ولم يبطل استخدامها ~~بصفة قاطعة إلا في منتصف القرن الخامس عشر، أي بعد موت شوسر ولانجلاند بخمسين ~~عاما. # وخلاصة القول أن الشاعرين كليهما استخدما نسبة واحدة من الألفاظ الإنجليزية ~~الأصيلة والألفاظ الفرنسية الدخيلة، غير أنهما يعودان فيختلفان في الاتجاه ~~والصبغة؛ فشوسر يصطبغ باللون النورماندي، ولانجلاند تسوده النزعة السكسونية. ~~ويصف شوسر طبقة الموسرين والمحاربين الذين يعيشون في شيء من البذخ، فيتناول ~~بقلمه قصور النبلاء وحصون الفرسان ومدن التجارة والصناعة. أما لانجلاند فيتجه ~~ببصره نحو الفقراء فيصف لنا من ساء غذاؤهم وشق عليهم العمل، ويصور حياة ~~الريف التي أبهظها وأضناها الظالمون من الطبقات العالية، بل التي أرهقها ~~وأذواها قانون الدولة. وكذلك يختلف الشاعران في الاتجاه الأول نفسه، فشوسر يصور ~~بقلمه أفرادا ذوي معالم محدودة ms0434 وألوان ناصعة، حتى إنك لتصادف في أدبه كل ~~أنماط الناس في العصور الوسطى، أما لانجلاند فيعنى بجموع الدهماء، وينصت ~~لأنينهم وشكواهم، وكان شعره أول صيحة بعثها الأدب الإنجليزي في سبيل ~~الديمقراطية. وشوسر أشمل نظرا من لانجلاند، فبينا تراه يجيل البصر في العناصر ~~الإنسانية المشتركة بين شعوب العالم أجمع، ترى لانجلاند يقصر نظره على بلاده، ~~حتى قيل عنه إنه بحق الإنجليزي الصميم. يعرض لنا شوسر أشخاصا ضاحكين يمرحون ~~ويرفلون في فاخر الثياب، ويعرض لانجلاند الطبقات العاملة منهوكة القوى في أداء ~~واجبها بأمانة وبسالة، لكنهم صفر الوجوه، يرتدون الأسمال. ~~(1-3) جور # Gower ~~(1327-1408م) # كان «جور» صديقا حميما لشوسر، ولد قبله ببضع سنوات ومات بعده ببضع سنوات، ~~وله ثلاث من طوال القصائد؛ كتب إحداها بالفرنسية، والأخرى بالإنجليزية، ~~والثالثة باللاتينية. فأما الفرنسية فقصيدة «مرآة المفكر»، وأما الإنجليزية فهي ~~«اعتراف المحب»، وأما القصيدة اللاتينية فعنوانها «صوت إنسان يصيح». وكانت ~~الفرنسية التي كتبها هي اللغة الفرنسية النورماندية، # 12 # التي أطلق عليها فيما بعد «فرنسية ستراتفورد-آت-بو» وهي اللهجة ~~التي أشار إليها شوسر في تصويره الدير في «مقدمة» حكايات كانتر بري، وكذلك كتب ~~«جور» بالفرنسية مجموعة أشعار عنوانها «خمسون حكاية منظومة». # لبث «جور» طوال حياته تقيا ورعا، ولما أدركته الشيخوخة اعتزل مع زوجته في ~~أحد الأديرة، وقد أجزل الإحسان للكنيسة التي دفن فيها، والتي لا نزال نرى فيها ~~قبره الجميل، حيث رقد جثمانه واستند رأسه على مجلدات ثلاثة اشتملت على قصائده ~~الثلاث. وكان «جور» موسرا نبت في أسرة مجيدة، وقد اتصل بالقصر وصادق الملك ~~رتشارد الثاني، وكان لهذا الملك سيئات وآثام لم يشأن جور أن يسجلها له في ~~قصيدته «صوت إنسان يصيح» مع أنه استعرض في القصيدة كافة سيئات العصر. وإلى ~~«جور» أهدى شوسر قصته العظيمة «ترويتس وكرسدا». # ولسنا نزعم أن شعر «جور» قد بلغ حدا بعيدا من الجودة والروعة، بل إن الأمر ~~على نقيض ذلك؛ فقصائده باردة الشعور، ضعيفة التركيب، رتيبة النغم، ولا يقرؤها ~~إلا قلة من الناس، لكنه برغم ذلك كله جدير بمكانة عالية في تاريخ ms0435 الأدب ~~الإنجليزي؛ لأنه يمثل في أدبه التقاء اللغات الثلاث التي كانت مستعملة في ~~إنجلترا مدى قرون متتابعة، فكتب قصائده الثلاث بتلك اللغات المختلفة كما ~~أسلفنا، أما اللاتينية فقد كانت أداة الكتابة عند العلماء جميعا منذ القرن ~~السابع حتى القرن السادس عشر. وأما الفرنسية النورماندية فقد لبثت أمدا طويلا ~~سدا منيعا في وجه اللغة الإنجليزية، فلا تسمح لأصحاب العبقرية والمواهب أن ~~يدفعوا بلغتهم الأصيلة إلى مكان السيادة. وها نحن أولاء بصدد أديب يقف في مفترق ~~الطرق مترددا بين اللغات الثلاث، ولعله لم يكتب بعض شعره بالإنجليزية إلا بعد ~~أن ضرب له شوسر المثال فاحتذاه، وقد أنشأ «جور» قصيدته الإنجليزية «اعتراف ~~المحب» في أبيات مثمنة المقاطع مزدوجة القافية، وهي تتألف من عدد يزيد على ~~خمسة عشر ألفا من الأبيات، وتقع في خمسة أجزاء. وهذه القصيدة إنما كتبت بدعوة ~~من الملك الشاب رتشارد الثاني؛ ولذلك أهداها عند أول إخراجها إليه، لكنه عاد ~~بعد ذلك فأهدى طبعتها الثانية لدوق لنكستر الذي أصبح فيما بعد الملك هنري ~~الرابع. # وأما قصيدته الفرنسية «مرآة المفكر» فتتألف من ثلاثين ألفا من الأبيات على ~~وجه التقريب، تدور كلها حول الفضائل والرذائل. # ثم قصيدته اللاتينية «صوت إنسان يصيح»، وقد أوحى له بها ثورة الفلاحين في ~~مقاطعة «كنت» عام 1381م بسبب فداحة الضرائب، وكان «جور» صاحب أرض في تلك ~~المقاطعة، ولا بد أن يكون قد لحقه الأذى. # وظهر في القرن الرابع عشر شاعران آخران هما «جون لدجت» # John Lydgate # و«توماس ~~أكليف» # Thomas Occleve ~~، وبعد ذلك تدهور الشعر الإنجليزي قرنا كاملا هو ~~القرن الرابع عشر، وأخذت ترد أنغام الشعر الغنائي من الشمال، حيث طائفة من ~~الشعراء الأسكتلنديين الذي اقتفوا أثر شوسر دون أن يقتصروا على تقليده، بل كانت ~~لهم شخصياتهم المستقلة التي زادها خصوبة واستقلالا ما أضافوه من ألفاظ ~~أسكتلندية، وسنستعرض هؤلاء الشعراء بعد قليل. ~~(2) كتاب النثر في القرن الرابع عشر # أمسك بزمام النثر في القرن الرابع عشر ثلاثة كتاب، هم «السير جون ماندفيل» و«جون ~~ويكلف» و«جوفري شوسر»، ولم تكن براعة هؤلاء ms0436 الكتاب في أدب مبتكر، بل بدت قدرتهم ~~على الكتابة النثرية فيما ترجموه عن اللغات الأخرى. وسنعرض موجزا قصيرا لكل ~~منهم. ~~(2-1) السير جون ~~ماندفيل # Sir John Mandeville # هذا اسم أطلق إطلاقا على أديب مجهول ترجم عن الفرنسية كتابا عنوانه «رحلات ~~السير جون ماندفيل»، والراجح أن المؤلف الأصلي لهذا الكتاب طبيب فرنسي اتخذ ~~لنفسه اسم «جون ماندفيل»، ليكون ضربا من التنكر الأدبي. ويقول المؤلف عن نفسه ~~إنه أنفق أربعين عاما في خدمة «السلطان» وفي خدمة «الخان الأعظم» إمبراطور ~~الصين، وفي الرحلة في ربوع آسيا وأفريقيا. ويظن أنه نشر كتابه هذا سنة 1356م ~~فترجمه بعضهم إلى اللاتينية، ثم تناوله كاتب آخر فترجمه إلى الإنجليزية، فجاءت ~~الترجمة مثالا من أروع ما كتب بالإنجليزية في ذلك العهد لما فيه من سلامة ~~وتدفق، بل إن هذا الكتاب ليعد من أمتع الآيات في الأدب الإنجليزي كله؛ ففيه ~~مجموعة من القصص الرائعة، وهو في مجموعه بمثابة «دليل» يهدي المسافر إلى «الأرض ~~المقدسة»، فالكاتب الفرنسي، الذي يطلق عليه عادة اسم «يوحنا ذو اللحية أو ~~يوحنا البرجندي # Jean de Bourgogne ~~»، قد ~~صور هذه الشخصية الخيالية «السير جون ماندفيل» على نحو ما ابتكر «سويفت # Swift ~~» شخصية «جلفر»، وكما خلق «دفو # Defoe ~~» شخصية «روبنسن كروسو»، ثم أطلق السير جون ~~ماندفيل هذا يضرب في الأرض مرتحلا من بلد إلى بلد، فيزور بيت المقدس والصين ~~وغيرهما، ويجمع أثناء رحلته قصصا من أي كتاب يصادفه، يجمعها من كتب الرحلات ~~مثل كتاب ماركو بولو، # 13 # ومن كتب الحكايات الخرافية ومن كتب الأحلام وغير ذلك. ويذكر للقارئ ~~أعجب ما رأى خلال رحلته، من ذلك - مثلا - أنه رأى أهل القاهرة يفقسون البيض ~~بطريقة صناعية، وأنه رأى شجرة تنتج صوفا (يقصد القطن)، ويؤكد للقارئ عقيدته ~~بأن الأرض كروية، ودليله أنه لو بدأ الملاحون من بلد وساروا بسفينتهم في ~~اتجاه واحد، فإنهم يعودون من جديد إلى البلد الذي بدءوا منه الرحلة. والألفاظ ~~التي اختارها المترجم غاية في السهولة كأنما جرت بها براعة كاتب حديث، ولذة ~~الكتاب راجعة إلى سذاجته ms0437 وإلى الصور الزاهية المختلفة التي يرسمها آنا بعد ~~آن. # وشاع الكتاب في القرنين الرابع عشر، والخامس عشر شيوعا عظيما، يدلك على ~~مقداره أن بين أيدينا اليوم ثلاثمائة نسخة مخطوطة بقيت منذ ذلك العهد. وقد ~~تواضع بعض النقاد على تسمية «ماندفيل» «أبا النثر الإنجليزي» - كما عد شوسر ~~أبا للشعر - لكن هذا اللقب يتنازعه أيضا «جون ويكلف» و«السير تومس مور»، على ~~أن النثر الإنجليزي كانت له بدايات عدة، ولا يجوز أن ننسب ابتداءه لكاتب ~~واحد كائنا من كان. ~~(2-2) جون ويكلف # Gohn Wyclif ~~(1324-1384م) # كان «ويكلف» يمقت البابوية مقتا شديدا، فحفزه ذلك إلى الكتابة ضدها، ولكنه ~~لم يلبث أن اتهم بخروجه على الدين وحوكم على زندقته سنة 1377م، فأرسل في ~~حمايته دوق لانكستر قوة مسلحة تصحبه إلى دار المحكمة، ثم حدث أثناء المحاكمة ~~أن نهض هذا الدوق - وقد أرهقته المناقشات الطويلة - وأعلن أنه لو أدانت المحكمة ~~صديقه «ويكلف»، فلن يتردد في أن يجر الأسقف من شعره، حتى يخرجه من الكنيسة ~~التي كانت تجري المحاكمة في حرمها، وعندئذ انفضت الهيئة الدينية التي كانت ~~منعقدة لمحاكمته، ثم حوكم «ويكلف» مرة أخرى لخروجه على الدين أيضا، ونجا من ~~العقاب بفضل «أميرة ويلز». # وإنما يحتل «ويكلف» مكانته في الأدب الإنجليزي؛ لأنه ترجم «الكتاب المقدس» ~~إلى لغة بلاده؛ إذ نقل إلى الإنجليزية «العهد الجديد» (الإنجيل)، واستعان بآخر # Hereford # في ترجمة «العهد القديم» ~~(التوراة)، وكانت الترجمة نقلا عن اللاتينية، واستطاع أن ينقله إلى نثر قوي ~~سلس مستقيم العبارة، لكن هذا العمل الأدبي الجليل قوبل من أعدائه بالسخط، حتى ~~إنهم أخرجوا جثمانه من قبره، وأحرقوه، وذروا رماده في نهر قريب. ~~(2-3) شوسر # Chaucer # لقد درسنا شوسر شاعرا، وها نحن نثبت له في النثر أثره، وإن يكن ضئيلا إلى ~~جانب شعره، فأول ما نسجله له أنه كتب نثره كله بالإنجليزية؛ لأنه آثر لغته ~~القومية على اللاتينية والفرنسية، وخير ما أنتجه في النثر ترجمته لكتاب ~~«بيثيس # Boethius ~~» # 14 # وعنوانه «عزاء الفلسفة»، وكذلك كتب نثرا حكاية القسيس وحكاية أخرى ~~حكاها هو باعتباره ms0438 حاجا من الحجاج في «حكايات كانتر بري». ~~(3) الشعر في القرن الخامس عشر # كان القرن الخامس عشر حقبة مجدبة في تاريخ الشعر الإنجليزي لم يكد يشهد نصفه ~~الأول شاعرا واحدا، ثم ظهر في نصفه الثاني ضرب من الشعر هو «الحكايات المنظومة» # Ballads # ومعظم «الحكايات المنظومة» لم ~~يجد سبيله إلى الكتابة أو الطباعة، بل أخذ ينشده المنشدون وينصت إليه السامعون، ~~معتمدين في روايته على الذاكرة وحدها، على أن هذه «الحكايات المنظومة» لم تحتفظ ~~بصورة واحدة، وإنما تغيرت وتبدلت حسب الظروف المكانية والمشاعر القومية، مثال ~~ذلك أن يسمع إنجليزي حكاية منظومة عن عشيرة في اسكتلنده، فيحفظها ثم يرويها في ~~بلده بعد تعديل بعض أجزائها، بحيث تناسب المقام الجديد، وهكذا تدور الحكاية ~~المنظومة في مختلف الأرجاء، فيضاف إليها هنا ويحذف منها هناك، ويتعاورها التغيير ~~والتبديل في مختلف البلدان. فتكون في نهاية طوافها شيئا جديدا اشترك في صياغته ~~عدد كبير من الناس، وكان المنشدون الطوافون يتغنون بالحكايات المنظومة على ~~القيثارة في المدن والقرى والفنادق والحانات والأسواق، وكان لكل حكاية منها نغمة ~~خاصة عرفت بها، وأحيانا تشترك عدة حكايات في نغم واحد، وعلى كل حال فقد كانت هذه ~~الحكايات المنظومة تجد آذانا مصغية أينما تغنى بها المنشدون أو عزف ألحانها ~~العازفون على القيثار، واختصت كل جماعة من العمال بأغان آثرتها على غيرها وأصبحت ~~كأنها شعار لهم يتغنى بها كل منتسب إلى تلك الصناعة المعينة. # وجدير بنا في هذا المقام أن نحدد على وجه الدقة ما يراد «بالحكاية المنظومة» في ~~الآداب الأوروبية، فهي قصيدة قصصية قصيرة، لقارئها أن يتلوها تلاوة أو يتغنى بها، ~~وهي مزيج من «شعر الملاحم» و«الشعر الغنائي». وقد تتخذ بعض الحكايات المنظومة ~~قالبا تمثيليا فيه حوار بين أشخاص، وأما موضوع «الحكاية المنظومة» فقد يكون ~~بطولة المحاربين أو مغامرة المحبين أو عجائب بلاد الجن، والخيال فيها ساذج جامح، ~~والشعور عميق يصور عواطف الإنسانية بأسرها، وكثيرا ما تتخير المواقف والمناظر التي ~~تثير في السامعين الحزن والشجن. تلك هي المميزات العامة للحكاية المنظومة، على أن ~~بعضها يقوم ms0439 على أساس من التاريخ مع تغيير في الحوادث من حيث الزمان والمكان ~~والأسماء، بحيث لا تكاد تتبين فيها من الحقيقة التاريخية شيئا. # وهنا قد يسأل سائل: ومن نظم تلك الحكايات؟ والجواب أن تاريخ الأدب لا يسمي من ~~شعرائها أحدا. فقد كان في إنجلترا قبل شوسر بقرون عدة طائفة من هذه الحكايات ~~المنظومة، وأخذت تنتقل من جيل إلى جيل، ومن بلد إلى بلد، ويطرأ عليها أثناء ~~انتقالها ما تحدثنا عنه من ألوان التغيير التي تقتضيها مشاعر الناقل أو ظروف المكان ~~المنقولة إليه، فهي حكايات «نظمها الشعب للشعب» كما يقولون، وشاعت أمثال هذه ~~الحكايات المنظومة الشعبية في ألمانيا والدنمركة وغيرهما من أقطار أوروبا. ومما ~~يلفت النظر أن معظم الأقاصيص التي ترويها تلك المنظومات الشعبية مشتركة في مختلف ~~البلاد، وكلما وجد النقاد هذا الأساس المشترك جزموا بقدم المنظومة إلى ما قبل عهد ~~الكتابة، وكان الناس يتغنون ببعض هذه المنظومات عند الحرث والبذر والحصاد، ويتغنون ~~ببعضها الآخر عند الزواج، ويرتلون طائفة منها عند دفن الموتى، ولبثوا كذلك طوال ~~القرون الثلاثة: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، ومع ذلك فلم تجد سبيلها إلى ~~الطباعة حتى جاء القرن الثامن عشر. # ومن أشهر الحكايات المنظومة مثلا: # منظومة «سير باترك سبنس» وهي تروي قصة مأساة وقعت في القرن الثالث عشر، وذلك أن ~~ملك اسكتلنده أرسل حملة حربية إلى النرويج عام 1285م لتحمل «فتاة النرويج» إلى ~~اسكتلنده كي يتزوج منها ولي عهد البلاد، لكن السفينة تحطمت فوق الصخور وحلت بالحملة ~~كارثة فادحة، ومنظومة «تشفي ~~تشيس # Chevy Chace ~~» تصف رحلة صيد قام بها «إيرل نورثمبرلاند» والتقاءه بعصبة ~~«دوجلاس» جاء فيها: # بدأ القتال صبيحة الاثنين # على سفوح «الشفيات» العالية؛ # مشهد يحزن له الطفل وهو جنين # يا لها من مأساة باكية! ~~••• # خمسمائة وألف من حملة الحراب الإنجليز # لم يعد منهم سوى ثلاثة وخمسين! # وألفان من أصحاب الرماح الاسكتلنديين # لم ينج منهم سوى خمسة وخمسين! # وفي منظومة «الفتاة السمراء» يجري الحوار بين العاشق ومعشوقته على ~~نحو جميل، وقد قال عنها ناقد إنها أبدع ms0440 قصيدة التقى فيها الشعر الشعبي والشعر ~~الفني، والبطل في هذه المنظومة من أتباع «روبن هود» [وهو رئيس عصبة مشهور في ~~الأساطير] يحاول أن يسبر غور معشوقته ليرى مقدار ثباتها على حبه، فيقول (ونعتذر ~~للقارئ عما يفقده الأصل في الترجمة من نغم حلو ولفظ سلس جميل): # أنا الفارس، جئت في الليل الدامس، # في ستر خفي، # أصيح وا حسرتى، هذي كما رأيت حالتي! # كالمبعد المنفي # فتجيب «الفتاة» قائلة: # يا حبيب الفؤاد، ما الداهي، ما العادي؟ # عجل بربك ما الخبر؟ # فليس لي في النفس، سواك دون الإنس، # لست أحب إلاك بين البشر. # فينبئها أنه قد أتى أمرا وقع به تحت طائلة القانون، وأنه لا ~~مندوحة له عن الفرار إلى جوف الغابة، فتعرض عليه أن ترافقه إلى مخبئه من الغابة، ~~لكنه يبين لها ما عساها أن تواجهه من مشاق وصعاب، فتصر على أن تشقى في رفقته، ~~فيذكر لها احتمال أن تجده الشرطة، وأن يكون مصيره الشنق، فلا يكون جوابها سوى أن ~~تكرر «لست أحب إلاك بين البشر.» فيعترض عليها بأنه لا يطمح في اختطاف ابنة رجل من ~~علية القوم، لكنها تجيبه بأنها لا تستطيع الحياة بعد فراقه، ثم يلقي بآخر سهم ~~عنده فيعلنها بأنه يحب امرأة سواها أروع منها جمالا، فلا تتحول الفتاة عن ثباتها، ~~وعندئذ يفصح لها عن جلية الأمر قائلا: إن ذلك كله لم يكن سوى اختبار يمتحن به ~~حبها له، ثم يختتم اعترافه قائلا: # الآن اسمعي لي، إلى «وستمورلند» سبيلي # فهي ضيعتي # وهناك سوف أدعوك، خاتما سوف أهديك؛ # لتكوني زوجتي. # ستكونين في صحبتي، ستكونين زوجتي، # غير مبطئ ولا وئيد # إن من اتخذته حبيبا، لم يكن إلا حسيبا، # وما هو بالطريد. # ومن هذا المثال تستطيع أن ترى أوضح ما يميز «الحكاية المنظومة» من ~~بساطة الفكرة واستقامة التعبير. # وما دمنا قد ذكرنا «روبن هود»، فجدير بنا أن نتحدث عنه قليلا في هذا الموضع؛ إذ ~~كان شخصية دارت حولها «الحكايات المنظومة»، حتى بلغ ما كتب عنه عددا يقرب من ~~الخمسين، ولسنا ندري هل كان ms0441 «روبن هود» شخصا حقيقيا أو وهميا، فيقال إنه عاش ~~في عهد هنري الثاني، وإنه كريم المحتد، غير أنه شرد بحكم القانون لسبب لا ندريه، ~~وصحبه في تشريده صحبة من الإخوان، وأووا جميعا إلى «الغابة الخضراء»، حيث يصيدون ~~غزلان الملك، ويسطون على الأغنياء، ويعاونون الفقراء، كصعاليك العرب، واشتهروا ~~برقتهم وعطفهم على الأطفال والنساء، ولم يلبث «روبن هود» أن أصبح رمزا يشير به ~~الناس إلى كراهيتهم لما كان سائدا عندئذ من قوانين حددت بها الحكومة حق الصيد في ~~الغابات. # هكذا كان للحكايات المنظومة شأن أي شأن في القرن الخامس عشر. تصدر من قلوب الناس ~~في غير تكلف ولا تصنع، تتحدر على الشفاه جيلا بعد جيل، لكن نشأت المطبعة وشاعت ~~الطباعة، فزالت «الحكاية المنظومة» شيئا فشيئا؛ ذلك لأن أصحاب المطابع شرعوا ~~ينشرونها مطبوعة، فاستأجروا لها الشعراء يصلحونها فأفسدوها، وزال عنها ما كان ~~طابعا مميزا لها، وهو السذاجة والبعد عن التكلف. ~~••• # وظهرت في القرن الخامس عشر طائفة من الشعراء الاسكتلنديين قرضوا الشعر بلهجة ~~بلادهم، واللهجة الاسكتلندية لون من الإنجليزية أصابها بعض التغير، وليست هي لغة ~~مستقلة قائمة بذاتها. # 15 # وأول من استخدم اللهجة الاسكتلندية في قرض الشعر ملك اسكتلندي شاعر هو جيمس الأول ~~(1394-1436م)، وقد اعترضته في حياته مأساة أليمة، ذلك أن عمه حبس عن أخيه القوت ~~حتى مات، فخشي أبوه أن يصيب ابنه جيمس ما أصاب أخاه، فأرسله إلى فرنسا في طي الخفاء ~~لينجو به من براثن عمه، لكن سفينة إنجليزية وجدته في طريقه إلى الفرار. فقبضت عليه ~~وعادت به إلى لندن، حيث زج به في «البرج» وفي غيره سجينا مدى ثمانية عشر عاما، ~~غير أنه لم يلق عنتا في سجنه. وجاء له ساجنوه بمن يتعهده بالتعليم والتثقيف، ~~فشجعه هؤلاء على دراسة آيات الفن والأدب، وقد أعجب الطالب السجين بشوسر وجور ~~ولدجت، حتى أطلق عليهم «القادة»، وأنشد وهو في سجنه قصيدة عنوانها «كتاب الملك» ~~تكريما لسيدة تزوج منها فيما بعد، وقد اغتيل في قلعته بعد زواجه بثلاثة عشر ~~عاما، وكان جيمس في قصيدته ms0442 تلك متأثرا بشوسر. وبفضل تلك القصيدة نشأت في اسكتلنده ~~طائفة من الشعراء تنسج على المنوال نفسه في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل السادس ~~عشر، فبحر القصيدة هو نفس البحر الذي آثره شوسر، وهو الذي يقسم القصيدة مقطوعات ~~كل منها تتألف من سبعة أسطر تجري قوافيها على هذا النحو: أ - ب - أ - ب - ب ج - ~~ج. # وقيل عن جيمس إنه «خير من أنشد الشعر بين الملوك وخير من تولى الملك بين ~~الشعراء.» ~~(3-1) روبرت هنريسن # Robert Henryson ~~(1430-1500م) # كان في زمرة الشعراء الاسكتلنديين الذين اقتفوا أثر شوسر، وقد كتب «وصية ~~كرسدا» يعقب بها على قصة شوسر «ترويتس وكرسدا» كما كتب «حكاية أورفيوس» وقصيدة ~~«روبن وماكين» وهي حوار لطيف بين راع وراعية، وهذه القصيدة لها شهرة في تاريخ ~~الأدب الإنجليزي من «الشعر الريفي»، على أن أوضح ما امتاز به «هنريسن» هو ~~نظمه لخرافات إيزوب، # 16 # وقد استطاع أن يقصها في شعر سلس جذاب تشيع فيه الفكاهة على نحو ~~لا يقصر فيه باعا عن «لافونتين» كاتب الخرافات الفرنسي الذي يعده العالم أجمع ~~أمير هذا اللون من الأدب. # وتبدأ مقدمة «الخرافات» بحلم يظهر فيه «المستر إيزوب أمير الشعراء» وينبئ ~~«هنريسن» أنه (أي إيزوب) من أسرة نبيلة، وأن موطنه الأصلي مدينة روما، ثم يأخذ ~~في رواية حكاياته الخرافية. ~~(3-2) وليم دنبار # William Dunbar ~~(1460-1513م) # لو استثنيت «بيرنز # Burns ~~»، # 17 # كان «دنبار» أعظم شاعر أنجبته اسكتلنده في كل عصورها، وهو بغير شك ~~أفحل من شهده الأدب الإنجليزي بين شوسر وسبنسر. # أراد له ذووه منذ نعومة أظفاره أن يكون للكنيسة، حتى اعتادت مربيته أن تطلق ~~عليه «الأسقف الصغير»، فلما فرغ من دراسته الجامعية وظفر بالأستاذية في الآداب ~~عام 1479م، اتصل بطائفة دينية معينة تحتم على عضوها أن يجوب البلاد سائلا. ~~فأخذ يرتحل من بلد إلى بلد يعظ ويطلب الإحسان، لكنه لم يلبث أن ضاق ذرعا بهذه ~~الحياة، وانسلخ عن تلك الطائفة، بعد أن أفاد خبرة واسعة من تجواله، وخالط ~~أفرادا من أعلام القوم، وجمع بملاحظته الدقيقة تجارب ms0443 عن دقائق الحياة وبواطن ~~النفوس، كانت خير عون له حين شرع في إنشاء شعره. # كان «دنبار» قد بلغ الثلاثين من عمره حين هجر حياته الدينية، والتحق بخدمة ~~القصر الملكي في اسكتلنده، وبعث في بعوث سياسية كثيرة إلى ألمانيا وإيطاليا ~~وفرنسا وإسبانيا، ولا شك أنه زار لندن فيما زاره من بلدان خلال رحلاته. ولما ~~دنا القرن الخامس عشر من ختامه استقر به المقام في أدنبره، وظل على اتصاله ~~بالقصر، حتى أصبح أميرا للشعراء، وعرف في إنجلترا باسم «رب القوافي في ~~اسكتلنده»، ثم حدث عام 1501م أن أرسل عضوا في سفارة بعث بها إلى لندن لتفاوض ~~في زواج جيمس الرابع من «مرغريت» # 18 ~~- وهي من أسرة تيودور المالكة في إنجلترا إذ ذاك - وتم الزواج ~~فعلا عام 1530م، فأنشأ دنبار قصيدة جميلة تكريما لهذه المناسبة عنوانها ~~«الحسك والوردة»، وسرعان ما انعقدت أواصر الصداقة بين الشاعر والملكة، ووضعته ~~الملكة في رعايتها، ولبث الشاعر متصلا بالقصر، حتى خرج مع الملك في موقعة ~~حربية عام 1513م، وهنا تختلف الرواية، فمن قائل إنه لاقى منيته في تلك ~~الموقعة، ومن قائل إنه اختفى حيا، حتى مات عام 1530م، والرواية الأولى أقرب ~~إلى الصواب. # وأجود قصائده: «الحسك والوردة» و«الدرع الذهبية» و«رثاء الشعراء»، و«رقصة ~~الخطايا السبع الفاتكة»، وتعد هذه الأخيرة آية شعره، ففيها قوة في التعبير، ~~وروعة في التصوير، فضلا عما تمتاز به من رشاقة وتنوع وفكاهة ودراسة دقيقة ~~لطبائع البشر. وكان «دنبار» في معظم شعره متأثرا بشوسر، واختار لبعض قصائده ~~البحر الذي كان كثيرا ما يستخدمه شوسر، وقد تقدم وصفه، وهاك نموذجا نقتطفه من ~~قصيدة «الحسك والوردة»: # لما انقضى مارس برياحه الهوج، # وأقبل أبريل برذاذه الفضي، # وهب على الطبيعة بريح من الشرق، # وأعقبه مايو الزاخر بالأزاهير؛ # انطلق الطير مغردا # بين الورود الشذية أبيضها وأحمرها، # فكان اتساق ألحانها متعة للسامعين. ~~••• # كنت نائما في مخدعي حتى الصباح، # فخلت فلق الفجر بأعين من بلور # يطل من نافذتي ليبدأ النهار، # ويحييني بوجه فيه خضرة وشحوب، # وعلى كفه قبرة تغرد له تغريدا متلاحقا: ~~«قم، ms0444 انهض، هب من نعاسك # انظر كيف انتعش الصباح الزاخر بالحياة.» ~~••• # وظننت «مايو» النضر أمام مخدعي قائما # في ثياب ازدانت بشتى الأصباغ، # رزينا هادئا يفيض بعنفوان الحياة # يتلفع بثوب ناصع من نضر الزهور # ذوات الأصباغ الفاتنة، بيضاء، حمراء، قاتمة، زرقاء، # يعلوها الندى وتصبغها أشعة الشمس بلون عسجدي؛ # فتشيع في الدار كلها أضواء شعاعها. ~~(3-3) جاون دوجلاس # Gawain Douglas ~~(1474-1522م) # ظفر «دوجلاس» بدرجة الأستاذية في الآداب من جامعة «سنت أندروز» - وهي الجامعة ~~التي تخرج فيها عدد كبير من أعلام اسكتلنده - وهو في العشرين من عمره، ثم ~~عين في منصب ديني، لكن طوائف الدين وأحزاب السياسة لم تلبث أن نشب بينها ~~نزاع عنيف، ففر شاعرنا هاربا إلى إنجلترا قاصدا لندن، وما أقام طويلا في ~~تلك المدينة، حتى تفشى بها الطاعون فقضى عليه. # وله في الأدب ثلاثة آثار تستحق الذكر، وهي «قصر الشرف» و«القلب الملك» وترجمة ~~«الإنياذة»؛ أما القصيدتان الأوليان فتتخذان أسلوب الرمز وتتبعان الطريقة التي ~~سادت في الأدب الإنجليزي، بل في معظم الأدب الوسيط في أوروبا كلها، منذ القرن ~~الثاني عشر، وأعني بها طريقة الحلم، فيأخذ الشاعر نعاس ذات صباح من شهر مايو ~~الجميل إذ هو سائر في حديقة غناء، ويرى في حلمه آلهة ينبئونه كيت وكيت. # وقصيدة «القلب الملك» قصة الصراع بين البدن والروح، وأما آيته الكبرى التي ~~استحق بها الذكر في تاريخ الأدب، فهي ترجمته للإنياذة؛ إذ أبدى براعة عظيمة في ~~نظمها، ولقد قدم لكل جزء من الملحمة بقصيدة مبتكرة، وفي هذه المقدمات ~~الشعرية أظهر الشاعر نبوغه، ومما هو جدير بالذكر - في هذا الصدد - أن هذه ~~الترجمة لإنياذة فيرجيل كانت أول ما نقل إلى الإنجليزية من الأدب اللاتيني، وقد ~~استخدم «دوجلاس» في ترجمته القافية المزدوجة. # وهذه أبيات - في الشمس - مأخوذة من مقدمته للأغنية الثانية عشرة من ~~الإنياذة: # مرحبا ربة الضياء ومصباح النهار! # مرحبا منشئة العشب الأخضر الرقيق! # مرحبا مسرعة النماء في الزهور ذات البريق! # مرحبا ربة الكروم والجذور كلها! # مرحبا منضجة الحب والفاكهة بكل صنوفها! # مرحبا يا مأوى الطير فوق الغصون ms0445 ! # مرحبا يا من لسلطانه تدين السنون! # مرحبا يا صابغة المروج المزهرة! # مرحبا يا روح الحياة المثمرة! # مرحبا يا كافلة البقاء لكافة الحيوان! # مرحبا بشعاعك الوهاج وكلنا به فرح نشوان. ~~(4) النثر الإنجليزي في القرن الخامس عشر وأوائل السادس عشر # الشعر أسبق من النثر ظهورا في آداب العالم كلها، لكن النثر لم يبطئ في بلد ~~مثلما أبطأ في إنجلترا؛ فقد لبث الشعر قائما وحده قرونا عدة قبل أن تبدأ الكتابة ~~النثرية، لهذا قد يسارع القارئ إلى الحكم بأن القرن الخامس عشر الذي أجدب في الشعر ~~الإنجليزي، لا بد أن يكون أشد إجدابا في النثر؛ لأنه إذا تلكأت حركة النهوض ~~بالشعر، فالأرجح أن تتلكأ معها نهضة النثر، لكن عاملا جديدا نشأ في القرن الخامس ~~عشر كان من جرائه أن تغيرت أوضاع الأمور؛ ذلك أن بدأت المطبعة حياتها في إنجلترا في ~~القرن الخامس عشر على يدي «وليم كاكستن». والطباعة أفعل أثرا في نشر النثر منها ~~في استنهاض الشعر؛ لأنها تعمل على بذر بذور العلم والعرفان، وما أداة العلم سوى ~~الكتابة النثرية، أضف إلى ذلك أن صاحب المطبعة إن أراد لبضاعته رواجا عمد إلى نشر ~~ما يصادف الهوى عند عامة الناس كالقصص، أما الشعر فأدب أرستقراطي إلى حد ما، لا ~~يقبل على قراءته إلا فئة قليلة، فالأرجح - إذن - أن تبدأ المطبعة بنشر المنثور ~~قبل المنظوم، وفي هذا ما فيه من تشجيع الأدباء على الكتابة نثرا. # شهد القرن الخامس عشر بداية قوية في النثر ~~تمثلت في كتاب «سير تومس مالوري» «موت آرثر»، إلا أن النثر برغم هذه البداية الجيدة ~~لم يقنع، فأخذ يجود ويجود حتى إذا ما شرع بيكن في ختام القرن السادس عشر يكتب ~~«مقالاته» كان قد انتقل النثر من العبارة الفضفاضة القصصية المنحلة المفككة إلى ~~الجمل القصيرة الواضحة المركزة المصقولة. # وسنعرض فيما يلي أنبغ الناثرين في ذلك العهد: ~~(4-1) سير تومس مالوري # Sir Thomas Malory ~~(1430-1480م) # لسنا ندري من حياته إلا قليلا، وحسبنا علما به أنه كاتب الآية الخالدة «موت ~~أرثر»، وهذا الكتاب المشهور ms0446 مقتبس من الحكايات الفرنسية القديمة التي رويت عن ~~«الملك أرثر» الذي اتخذه سكان إنجلترا وشمال فرنسا معا بطلا في أساطيرهم، ~~وتكون قصصه في مجموعها شيئا أقرب ما يكون إلى الملحمة التي تدور حول حياة ~~ذلك الملك وموته، وتروي الأعاجيب عن بطولة فرسانه الذي يطلق عليهم «فرسان ~~المائدة المستديرة»، وفرغ الكاتب من كتابه هذا عام 1470م وطبعه «كاكستن» سنة ~~1485م، ونثر الكتاب يتميز بالأسلوب القصصي والبساطة القوية، ولم يلق كتاب من ~~الرواج بين قراء القرن السادس عشر ما لقيه هذا الكتاب، ثم أصبح فيما بعد ~~مصدرا استقى منه كثير من الكتاب الإنجليز مادة أدبهم. # وهذا نموذج نقتبسه منه يدل بعض الدلالة على أسلوب مالوري: # كيف حصل «أرثر» بمعونة «مرلين» ~~على سيفه «إكسكالبتره» من «سيدة البحيرة» «رحل الملك يرافقه زميله، ~~وبلغا راهبا في صومعته، وكان رجلا صالحا، فأخذ الراهب يفحص للملك ~~جروحه، ثم أعطاه لها بلسما شافيا، ومكث الملك عنده ثلاثة أيام التأمت ~~فيها جروحه التئاما يمكنه من الركوب والسفر، فاستأنف السير، وبينما ~~هما في الطريق راكبين، قال أرثر: «لست أحمل سيفا.» فأجاب «مرلين»: ~~«على مقربة منا سيف سيكون سيفك لو استطعت إلى ذلك سبيلا.» ولبثا ~~راكبين حتى أقبلا على بحيرة نقية الماء فسيحة الأرجاء، ورأى أرثر في ~~وسطها ذراعا حولها كساء أبيض، وفي قبضتها سيف جميل، قال «مرلين»: ~~«انظر! ذلك هو السيف الذي حدثتك عنه.» ثم ما لبثا أن شاهدا فتاة تسير ~~فوق ماء البحيرة، فسأل أرثر: «من تلك الفتاة؟» فقال «مرلين»: «تلك سيدة ~~البحيرة، وإن في جوف البحيرة لصخرة، وإلى جوارها مكان كأجمل ما ترى فوق ~~الأرض من مكان، وستأتيك تلك الفتاة بعد حين قصير، فلاطفها في الحديث ~~تمنحك ذلك السيف.» وما عتمت الفتاة أن أقبلت نحو أرثر وحيته. فرد ~~لها التحية، ثم قال: «أيتها الفتاة! ما ذلك السيف الذي ارتفعت به تلك ~~الذراع فوق سطح الماء؟ وددت لو كان سيفي؛ لأنني لا أحمل سيفا.» فأجابت ~~الفتاة: «أيها الملك أرثر، إن السيف سيفي، وهو لك إن وهبتني هبة حين ~~أطلبها.» ms0447 فقال أرثر: «أقسم لك بشرفي إني معطيك تلك الهبة التي تطلبين.» ~~فردت الفتاة: «اذهب إذن في ذلك الفلك وادفعه بالمجداف، حتى تبلغ مكان ~~السيف، فخذه مصحوبا بغمده، وسأطلب هبتي حين تسنح لي فرصة لذلك.» فترجل ~~سير أرثر ومرلين وربطا جواديهما إلى شجرتين، وأقلعا بالسفينة، حتى ~~إذا ما بلغا مكان السيف الذي ارتفعت به اليد أمسكه السير أرثر بمقابضه ~~وعاد به، وعندئذ غاصت الذراع وغاصت اليد في جوف الماء، ثم بلغ الرجلان ~~الشاطئ، وامتطيا الجوادين وأخذا في المسير.» # ذلك هو الكتاب وهذا مثال منه، ولسنا نذكره إلا ذكرنا معه القصيدة الرائعة ~~التي كتبها «تنسن» - الشاعر الإنجليزي في القرن التاسع عشر - وعنوانها «أناشيد ~~الملك»، وهي مستمدة من هذا الكتاب، بل لم يفعل «تنسن» في بعض أجزائها سوى أن ~~حول نثرها إلى نظم جميل. ~~(4-2) السير تومس مور # Sir Thomas More ~~(1478-1535م) # ولد في لندن، وتعلم في أكسفورد، وهنالك تملكته رغبة شديدة في دراسة ~~اليونانية، ولما كان في عامه العشرين ربطته أواصر الصداقة بالعالم الهولندي ~~الذائع الصيت «إرزم»، وأخذا يتراسلان ما بقيا على قيد الحياة. وقد اختير «مور» ~~عضوا في البرلمان سنة 1504م نائبا عن جزء من مدينة لندن، واتصل فيما بعد ~~بالملك هنري الثامن، ثم أخذ يعلو في مناصب الدولة صعدا، حتى إذا ما سقط «ولزي» ~~- كبير الوزراء في عهد هنري الثامن - تولى مكانه «تومس مور»، لكنه لم يلبث أن ~~لمح في الجو السياسي مشكلات معضلات تنشأ من طلاق الملك لزوجته كاترين، فاعتزل ~~منصبه وأوى إلى الريف. غير أن الملك هنري الثامن حمل البرلمان على أن يدعو كل ~~من تولى الوزارة في الماضي إلى جانب من كانوا يتولونها عندئذ، ليقسم الجميع ~~يمين الإخلاص لقانون أصدره إذ ذاك يعلن فيه أن زواجه من الملكة كاترين لم يكن ~~زواجا شرعيا، وأن رئاسة البابا أصبحت منسوخة ملغاة في البلاد، فرفض «مور» أن ~~يقسم كما طلب إليه، فلم يتردد الملك في إعدامه. # وأشهر ما خلفه لنا «مور» هو كتابه المعروف «يوتوبيا» # 19 ~~- أي المدينة الفاضلة - وقد ms0448 نشره باللاتينية أول الأمر سنة 1516م، ~~ثم ترجم إلى الإنجليزية عام 1551م، # 20 # وأهم ما كتبه «مور » بالإنجليزية كتاب «تاريخ إدورد الخامس ورتشارد ~~الثالث»، كتبه سنة 1513م، لكنه لم ينشر إلا سنة 1543م. # ويتحدث «مور» في كتابه «يوتوبيا» على لسان رحالة جاب البلاد وطوف، ثم ألقى ~~مراسيه في تلك الجزيرة الخيالية، وأخذ يصف لنا أوضاع الحياة الصميمة فيها، ~~فاستطاع في سياق قصته أن يعرض صورة واضحة لأوجه الإصلاح التي كانت بلاده في ~~أمس الحاجة إليها. # لا ريب في أن «مور» استوحى في كتاب «يوتوبيا» جمهورية أفلاطون، كما أوحى ~~بدوره لبيكن أن يكتب «أطلنطس الجديدة» ولغيره من الكتاب أن يكتبوا أحلامهم ~~في مستقبل الإنسانية على هذا النحو من الخيال. # إنه ليتعذر عليك أن تفهم روح النهضة بمعناها الصحيح، إلا إذا ذكرت أن العصر ~~كان عصر كشف عن قارة جديدة كما كان عصر استكشاف للتراث الأدبي القديم، وما ~~عساه أن يحدث في النفوس المستنيرة من لذة ومتاع، فشهدت النهضة أعظم الرحالة، ~~وأنبغ الشعراء في آن معا، فكان من الطبيعي لأديب أنقضت ظهره سيئات عصره، وأخذ ~~يجيل البصر لعله واجد للمجتمع الإنساني أملا جديدا. من الطبيعي لأديب النهضة ~~- وتلك حاله - أن يطير على جناح الخيال إلى إحدى تلك الجزائر القصية التي كشف ~~عنها المغامرون، فهنالك إذن في جزيرة جديدة وقع الشاعر بخياله فوجد مجتمعا ~~سعيدا، وواجبه أن يصفه لبني قومه لعلهم يصلحون ما في أنفسهم من فساد. ~~(5) المؤرخون # كان التاريخ مجال الناثرين منذ نشأ النثر في الأدب الإنجليزي، وقد بدأ مزيجا من ~~الحقيقة والأساطير، ثم تطور وسار نحو الدقة شيئا فشيئا، حتى بلغ في ذلك شأوا ~~بعيدا في القرن الخامس عشر والنصف الأول من السادس عشر، وهو العهد الذي نتحدث الآن ~~عنه، وتولت كتابته جماعة من المؤرخين لا نرى المقام يتسع لذكرهم. ~~(5-1) هيو لاتمر # Hugh Latimer # 21 ~~(1491-1555م) # ومن الناثرين في ذلك العهد «هيو لاتمر» الذي تخرج في جامعة كمبردج عام ~~1510م، والتحق بمناصب الكنيسة قسيسا فأسقفا، وقد جاهد في سبيل الإصلاح ms0449 الديني ~~في عهد الملك إدورد السادس، فلما وليت العرش الملكة ماري زج في برج لندن، ثم ~~أحرق. # ويتألف إنتاجه الأدبي من «عظات دينية» كتبها في أسلوب ينبض بالحياة ولا ~~تشوبه شائبة من حذلقة علمية، فهي أقرب إلى الحديث وأدنى إلى السمر الخفيف، ~~فأسلوبه في «عظاته» على نقيض الأسلوب اللاتيني القديم؛ إذ هو يميل دائما إلى ~~البساطة، واستقامة التعبير والجدة، ويؤثر قصار الجمل على طوالها. # والعبارة الآتية مثال نسوقه دليلا على وضوح أسلوبه واستقامة عبارته، وبعدها ~~عن التواء التركيب: # كان أبي مزارعا لا يملك أرضا، فكل ما لديه مزرعة تدر عليه ثلاثة ~~جنيهات أو أربعة كل عام على أكثر تقدير، وكان يجيد فلاحتها، بحيث تكفي ~~غلتها طعاما لستة رجال، وكان يملك حظيرة تسع من الأغنام مائة، وكانت ~~أمي تحلب ثلاثين بقرة ... لقد بعث بي إلى المدرسة وإلا ما استطعت أن أعظ ~~الآن بين يدي جلالة الملك. ~~(5-2) روجر أسكام # Roger Ascham ~~(1515-1568م) # ومن كتاب النثر أيضا في النصف الأول من القرن السادس عشر «أسكام» وهو ~~مشهور بكتابته في الرمي بالسهام وفي التربية، تخرج في جامعة كمبردج؛ حيث انكب ~~على دراسة اليونانية وتدريسها لصغار الطلاب، وقد أغرم برمي السهام منذ صدر ~~شبابه، وألف فيه كتابا قدمه إلى الملك هنري الثامن وله من العمر ثلاثون ~~عاما، فصادف الكتاب عند الملك قبولا حسنا، وقرر لكاتبه راتبا سنويا لا ~~بأس به، وبعد ذلك بثلاثة أعوام عين مربيا للأميرة اليصابات، التي كانت في ~~دراستها ذكية جادة، وخصصت لقراءة اليونانية على أستاذها بضع ساعات كل يوم. ~~وأما كتابه الثاني فموضوعه التربية، وعنوانه «المعلم»، ولم ينشر إلا بعد موت ~~كاتبه. وعلى الرغم من تعمق أسكام في دراسة اليونانية، كان يؤثر في كتابته ~~الألفاظ الإنجليزية الخالصة، على الكلمات المزوقة الثقيلة المشتقة من اللاتينية ~~واليونانية، وكان يسمي مثل هذه الألفاظ «ألفاظ المحبرة» يريد بذلك أنها نتيجة ~~الدراسة العلمية لا ثمرة للحياة الشعبية. وقد كتب في مؤلفه عن رمي السهام يقول: ~~«أنا أكتب في هذا الموضوع الإنجليزي باللغة الإنجليزية ليقرأه الإنجليز.» ms0450 # وفيما يلي عبارة مأخوذة من هذا الكتاب، يعلل بها ما أصاب رياضة الرمي ~~بالسهام من تدهور: # أما صغار الأطفال فلا يمارسون، وأما الشباب فخوفا ممن يكبرونهم لا ~~يجرءون، والعقلاء من الرجال لاشتغالهم بما هو أهم لا يريدون، والشيوخ ~~لعجز في قواهم لا يستطيعون، والموسرون جشعا لا يبالون، والفقراء ~~لنفقاتها وتكاليفها لا يقدرون، وأرباب الأسر هما لا يأبهون، والخدم ~~يمسكهم سادتهم في المنازل معظم الوقت فهم على تركها مرغمون، والصناع ~~يكدحون لكسب القوت، فالفراغ لا يجدون، ويبدؤها كثيرون، ثم تعوزهم ~~المهارة فلا يمضون، وفئة كبيرة من الرماة يمهرون فيها ثم يهملون، ~~فعامة الناس - لهذا السبب أو ذاك - عن الرماية يرغبون. # 22 ~~(6) المسرحية وكتابها في عصر النهضة # تستمد المسرحية أصولها من الطبيعة البشرية ذاتها، فالأطفال يحبون «التمثيل» ~~بطبعهم، فيمثلون في لعبهم ألوانا من الحياة المحيطة بهم، تراهم مرة يلعبون دور ~~البائع والشاري، ومرة أخرى يلعبون دور الجنود المحاربين يتقاذفون الأحجار وهكذا، ~~فالفعل والحديث والضحك عناصر الملهاة، والفعل والحديث والبكاء عناصر ~~المأساة. # وقد نشأت المسرحية الإنجليزية أول ما نشأت في الشعائر والطقوس الدينية، ففي وقت ~~أن كانت الكثرة الغالبة من الشعب الإنجليزي تجهل القراءة، أخذ رجال الكنيسة ~~يعلمونهم ما جاء في الكتاب المقدس من أنباء وحوادث بتمثيلها، فيلبس رجل الدين ~~ثيابا معينة ترمز لشخص ورد ذكره في الإنجيل، ثم يتحرك ويتكلم على نحو يصور للناس ~~ما يريد تصويره لهم، فنتج عن هذا التمثيل الديني نوعان من الرواية التمثيلية، أو إن ~~شئت فقل لونان من نوع واحد: «روايات الألغاز الغامضة» # 23 # و«روايات المعجزات»، # 24 # أما رواية «اللغز الغامض» فتدور حول أشخاص الكتاب المقدس وأحداثه، وأما ~~«رواية المعجزة» فتوضح ما لقيه القديسون الصالحون إبان الحياة من حوادث. وأول ما ~~كتب من روايات الألغاز الغامضة كتب ومثل باللاتينية، وكانت الكنائس نفسها مسارح ~~التمثيل، ورجال الكنيسة هم الممثلون. # أما «رواية المعجزة» فقد بدأت في أوائل عهد الملك إدورد الثالث (1327-1377م) ~~تمثل بالإنجليزية، واختاروا لتمثيلها أعياد الكنيسة التي كانت أيام عطلة للسادة ~~والدهماء والأغنياء والفقراء على السواء، وموضوعها ms0451 - كما قدمنا - أبناء القديسين ~~ومعجزاتهم، والقائمون بتمثيلها رجال الكنيسة أنفسهم، لكنها أخذت - على مر الزمن - ~~تنتقل من أيدي رجال الدين إلى «نقابات العمال في المدن»، فكانت كل نقابة تعد ~~لنفسها مركبات تسير الواحدة منها على أربع عجلات أو ست، وتقيم فوق كل عربة بناء ~~من طابقين، في أسفلهما يرتدي الممثلون ثيابهم ويصبغون وجوههم، وفي أعلاهما يمثلون ~~الرواية التي أعدوها، وما نظارتهم إلا جمهور الناس في الطريق. فإذا ما فرغوا من ~~تمثيلها في مكان، انتقلت بهم العربة إلى مكان آخر، حيث يعيدون تمثيلها وهكذا، ~~فكأنما كانت المدينة كلها مسرحا واحدا عظيما في العراء. وكان الناس يقبلون على ~~رؤية التمثيل مؤثرين هذه المتعة على أعمالهم. وكثيرا ما كانت تشترك عدة مركبات ~~في تمثيل رواية واحدة، فتقف متباعدة بعضها عن بعض ليمثل كل منها مكانا معينا ~~من الأمكنة التي وقعت فيها أحداث الرواية. فإن كانت القصة طويلة ذات حلقات متتابعة ~~كان الأغلب أن تشترك في تمثيلها عدة نقابات، فتقوم كل نقابة بتمثيل حلقة واحدة، ~~فمثلا جرى العرف في أحد الأعياد أن يقوم «دباغو الجلد» بتمثيل «سقوط الشيطان»، ثم ~~يقوم «البزازون» بتمثيل «خلق العالم وسقوط الشيطان»، ثم يمثل «السقاءون» قصة ~~«الفيضان ونوح». وكان على كل نقابة أن تعد الأثاث والثياب وغير ذلك مما يطلب لتمثيل ~~الحلقة الخاصة بها، مثال ذلك، أن يعد الذين يمثلون أرواح الصالحين (في رواية «يوم ~~الحساب») جلودا بيضاء يكتسون بها رمزا للطهر والنقاء، وأن يعد الذين يمثلون أصحاب ~~النار ثيابا من التيل يلونونها بأصباغ سوداء وصفراء وحمراء لتوحي إلى الناظرين ~~بنار الجحيم. # وقد بقي لنا حتى اليوم مثال من «رواية المعجزة» في أول مراحلها - أعني حين كانت ~~تمثل داخل الكنيسة - عنوانها «القديس نقولا» كتبت باللاتينية في القرن الثاني عشر ~~بقلم كاتب إنجليزي يسمى «هلاريوس # Hilarius ~~»، ~~وكانت تمثل هذه الرواية في الكنيسة التي بنيت تمجيدا لذكرى القديس نقولا، ففي ~~عيد مولده كانوا يزيلون تمثال القديس من مكانه في الكنيسة ليحل محله في الضريح ~~ممثل يرتدي ثيابا شبيهة بالثياب التي يكتسي بها ms0452 القديس في تمثاله، وتقف الصلاة ~~والشعائر القائمة يومئذ فترة قصيرة، يدخل فيها «وثني» غني فاخر الثياب، ويضع ~~كنزه الثمين إلى جوار الضريح، ويدعو القديس أن يرعى الأمانة أثناء غيابه في رحلة ~~يعتزم القيام بها، ثم تدخل جماعة من اللصوص وتلوذ بالكنز هاربة، وبعدئذ يعود ~~الوثني فلا يجد أمانته، فيرفع سوطا في يده ويشرع في الهوي به على القديس جزاء ما ~~أهمل، وهنا يتحرك التمثال (هو في الحقيقة ممثل يقف مكان التمثال)، ويغادر المكان ~~ويتحدث إلى اللصوص حيث هم، فيفزع اللصوص إذ يرون القديس قد ارتدت إليه الحياة، ~~ويعيدون الكنز المسروق. # وكذلك لدينا من «روايات المعجزة» في طورها الثاني - أي حين انتقلت إلى أيدي ~~نقابات العمال تمثلها في الطرق بدل الكنائس - مجموعات أربع سميت بأسماء المدن ~~التي كانت تنتجها وتمثلها، وهي: # مجموعة «يورك» وقوامها ثمان وأربعون رواية كتبت في منتصف القرن الرابع عشر، ~~ومجموعة «ويكفيلد»، وتشتمل على اثنتين وثلاثين رواية كتبت في منتصف القرن الخامس ~~عشر، ومجموعة «كفنتري» وتحتوي على اثنتين وأربعين رواية كتبت في القرن الخامس عشر، ~~واخيرا مجموعة «تشستر» وفيها أربع وعشرون رواية كتبت في ختام القرن الخامس ~~عشر. # وقد كتبت هذه الروايات في أبحر متباينة أشد ما يكون التباين، تلتزم القافية ~~أحيانا والجناس أحيانا، وترى فيها مقطوعات غنائية ترد في السياق آنا بعد آن. ~~وكانت هذه المدن الأربع تستعير الروايات بعضها من بعض، لكننا نستطيع القول بوجه ~~عام إن كل مدينة منها استقلت بمجموعاتها وتميزت بها. # كانت الأعياد الدينية - كما أسلفنا - أهم المناسبات لتمثيل هذه الروايات التي ~~توضح مناظر الكتاب المقدس، وتبين معجزات القديسين، لكنهم لم يقتصروا على تلك ~~الأعياد، بل كانوا ينتهزون غيرها من المناسبات كحفلات الزواج، وزيارات الملوك وسفر ~~الحجاج إلى فلسطين وغير ذلك من أيام يحتشد فيها الناس، وكانت العادة أن تكنس ~~الشوارع في أمثال تلك الأيام وتزين بالأعلام وأكاليل الزهر والشموع والمصابيح ~~وغير ذلك. وإن يوما من هذه الأيام ليضرب مثالا لما امتاز به من زينة، وذلك أن ~~أهل لندن كانوا قد أساءوا إلى ms0453 رتشارد الثاني، فأرسل إليهم الملك أنه قد عفا عنهم، ~~وأنه معتزم زيارة لندن في موعد حدده لهم (29 أغسطس سنة 1393م)، فبذل أهل لندن كل ~~ما في وسعهم لتمجيد ذلك اليوم استرضاء لمليكهم، فأخذت نقابات العمال واحدة بعد ~~أخرى تسير في شوارع المدينة مرتدية أفخر الثياب، ويحيط بها الأقزام والعمالقة، ~~وتحمل معها أمساخا وصنوفا من غريب الحيوان اجتلبتها من البلاد النائية، بل أعد ~~الناس لذلك اليوم غابة صناعية وضعوا فيها أنواعا من الحيوان، فأطلقوا فيها ~~الثعابين والأسود، ووضعوا بها دبا ونمرا وفيلا وقردة، وتركوها تعدو وتقفز ~~ويقاتل بعضها بعضا، هذه صورة ليوم تبين كيف كان يحتفل القوم ببعض أيامهم، وفي مثل ~~تلك الأيام كانت تمثل الروايات في الميادين، وعند تقاطع الطرق لتشهدها جموع ~~الناس. # لكن «روايات المعجزات» كانت بالطبع تتميز بالجد والرصانة ما دامت تمثل حوادث ~~الإنجيل وأبناء القديسين، فلا بد للقوم، في فترات تقع حينا بعد حين، من لون مرح ~~يخفف عن أنفسهم كربها، ولهذا أعدت بعض المناظر المضحكة تتخلل المشاهد الجادة، وهكذا ~~دخلت عناصر الملهاة. ومن الموضوعات التي وقع عليها المنظمون لتلك المناظر المضحكة ~~في كثير من الأحيان، النزاع بين الرجل وزوجته، فذلك - فيما يظهر - ميدان خصيب ~~للملهاة منذ نشأتها، فكنت تراهم يصورون نزاعا يقع بين نوح وزوجته، في صور مختلفة، ~~لكن زوجة نوح كانت في كل حين امرأة جموحا تأبى أن تركب الفلك مع زوجها، وفيما يلي ~~نموذج للحوار الذي كان يدور في مثل هذا المنظر، فيعجب السامعين: # نوح ~~: # السفينة معدة وآن لها أن تقلع، فتعالي معي أي زوجتي الصالحة! # الزوجة ~~: # ماذا؟ أدخل السفينة وأغادر الأرض اليابسة؟ كلا، ثم كلا، لا تحاول ذلك ~~معي، فلدي كثير من عمليات الشراء لا بد من إنجازها. # نوح ~~: # لكن الفيضان آت وستغرقين. # الزوجة ~~: # كلا، لست أخشى ذاك. # نوح ~~: # ها هو ذا المطر يزداد غزارة، لقد طال بانهماره الأمد، حتى ليخيل إلي أن ~~لا حد لهطوله، فبالله تعالي واتخذي مكانك من السفينة. # الزوجة ~~: # السفينة؟ ماذا تعني؟ أي سر هذا الذي أخفيته عني ms0454 طوال هذه السنين؟ لماذا ~~لم تستشر زوجتك في هذا؟ # نوح ~~: # سر! لا سر في الأمر، لقد لبثت قرنا كاملا أعد هذه السفينة، وكان ~~بوسعك أن تريها في الفناء أي وقت شئت من هذه الأعوام المائة . # الزوجة ~~: # قد يكون ذاك، لكني لا أميل إلى ركوب السفينة، فأنا أستطيب الإقامة حيث ~~أقيم، ولا تعجبني البتة حياة فوق سطح الماء، وليس في نيتي أن أرحل. # نوح ~~: # ولكنك ستغرقين، ولا ريب. # الزوجة ~~: # هل أعددت في سفينتك مكانا لرفيقاتي لكي أتحدث إليهن أحاديثي المستفيضة ~~التي أعددتها؟ إنه لا غنى لي عن الثرثرة في مثل هذه الجماعة، أما أن تزجني ~~في سفينة كبيرة، وليس إلى جانبي أحد أحدثه، فتضعني في زمرة الوحش والطير ~~والزواحف فلا! أواه! إن مجرد الفكرة في ذهني حري أن يصيبني ~~بالدوار. ~~(وهنا تلطم زوجها فوق أذنه.) # نوح ~~: # أي زوجتي الصالحة! اهدئي. ~~(وتدخل الزوجة في نهاية الأمر سفينة زوجها، لكنهما يواصلان ~~النزاع أثناء الرحلة حينا بعد حين.) # ولما استهل القرن الخامس عشر، شاع لون آخر من الرواية التمثيلية، أطلق عليها ~~«المسرحية الخلقية»؛ # 25 # لأنها تقصد إلى درس في الأخلاق تلقنه النظارة. ومن مميزات هذا النوع، ~~أن شخصيات الرواية لم يكونوا أشخاصا من الناس، بل طائفة من المعاني المجردة، ~~كالفضائل والرذائل، وقد أعجب الناس بهذا اللون من تجسيد المعاني؛ لأن القصائد ~~الرمزية كانت شائعة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، فكأنما تهيأت بها النفوس ~~لروايات أساسها الرمز بالأشخاص إلى المعاني، ومن المعاني التي ألف الكتاب أن ~~يرمزوا لها عندئذ «الخطايا السبع القاضية»، و«العدالة» و«الحقيقة» و«السلام» ~~وغيرها، وكانت «الشخصية» الرئيسية في أمثال هذه الروايات الخلقية هي «الرذيلة»، وقد ~~أخذت شخصية «الرذيلة» شيئا فشيئا تكتسب خصائص معينة؛ لأن ممثلها كان دائما يركن ~~إليه في التهريج والتنكيت وتدبير الأضاحيك؛ لأن الناس كانوا في حاجة إلى عنصر ~~التخفيف عن النفس في رواية تثقل بحوادثها وعظاتها. ومما هو جدير بالذكر في هذا ~~الصدد أن هذه الشخصية أخذت تتطور في المسرحية الإنجليزية، حتى أصبحت عند شيكسبير ~~شخصية «المضحك» التي يلجأ ms0455 إليها في مآسيه للتخفيف من شدة المأساة على المشاهدين ~~(كما نرى في رواية «الملك لير»). # ثم تفرع عن المسرحية نوع جديد، كانوا يمثلونه في حفلات الطبقة العليا ومآدبها، ~~ليملئوا به الفراغ بين مرحلتين متعاقبتين من مراحل الاحتفال لتسلية الحاضرين ~~وإدخال السرور على نفوسهم، ويمكن أن نطلق على هذا النوع من المسرحية «رواية الفترة» # 26 # وهي - بالطبع - قصير مليئة بأسباب المرح. # وأول رواية من هذا القبيل كتبها «جون ~~هييود # John Heywood ~~» عام 1521م في عهد الملك هنري الثامن، وأجود هذا النوع ~~رواية عنوانها «الباءات الأربعة»، وإنما سميت كذلك؛ لأنها تقص عن أربعة أشخاص هم: ~~حاج وقسيس وصيدلي وبائع جائل، والألفاظ الدالة على هذه المهن في الإنجليزية تبدأ ~~كلها بحرف « P # ب»، # 27 # وتتلخص الرواية في أن نزاعا نشأ بين الحاج والقسيس أيهما أنفع في ~~السمو بالروح، فيقول الحاج لبيان فضله إنه سافر في بلاد كثيرة، وإن خير ما يصلح ~~الروح هو السفر. فيجيب القسيس قائلا: إن مجرد الرحلة قد لا يفيد أن الراحل قد أفاد ~~شيئا من رحلته، فربما عاد كما سافر دون أن يضيف إلى علمه شيئا جديدا. وهنا يدخل ~~الصيدلي فيفاخر الآخرين بعلمه الواسع بالسموم والعقاقير. ثم يدخل البائع الجائل ~~فيضع حمل بضاعته فوق الأرض، ويعرض ما لديه من صنوف مختلفة، لكنه لا يجد بين ~~الحاضرين شاريا. ويتفق الثلاثة الآخرون على أن يحكموا هذا البائع الجائل في موضوع ~~الخلاف: أي المهن الثلاث تفيد الروح؟ ويرفض البائع أن يكون حكما في مثل هذه ~~المشكلة العسيرة، ولكنه يلحظ في الرجال الثلاثة مقدرة على تلفيق الأكاذيب، فيقول ~~إنه قمين أن يبين لهم أيهم أقدر على الكذب. وهنا يأخذ كل منهم في حكاية قصة يتعذر ~~على العقل تصديقها، وفاز بالجائزة الحاج؛ لأنه قرر أنه زار كثيرا جدا من بلاد ~~الأرض، منها الريف ومنها الحضر، وتحدث إلى ألوف وألوف من النساء، لكنه لم يصادف ~~بينهن امرأة واحدة تهورت وانفعلت واحتدت في النقاش، وتلك بالطبع أكذوبة الأكاذيب ~~وأعجوبة الأعاجيب. # ونلاحظ أن «رواية الفترة» ضرب من ms0456 «الرواية الخلقية» إلا أنه يتميز بالقصر، ~~فضلا عن إهماله للرمز وبعده نوعا ما عن قصد التعليم والتلقين، و«رواية الفترة» من ~~ناحية أخرى تسير بالمسرحية خطوة في طريق التطور؛ لأنها كانت تمثل داخل الدور لا في ~~العراء، وكانت تمثل للطبقة الممتازة لا للطبقة الوسطى والدنيا من الدهماء. # وكما شهد أوائل عهد هنري الثامن «رواية الفترة»، شهد لونا آخر من المسرحية يطلق ~~عليه «رواية القناع» ورد إلى إنجلترا في ذلك الحين من إيطاليا. ورواية القناع قصيرة ~~وتصاحبها الموسيقى ويشترط فيها أن تكون مناظرها زاهية الألوان، وأن يلبس الممثلون ~~فيها ثيابا مزخرفة، وأن يسايرها رقص. ولا يمثل «رواية القناع» ممثلون محترفون، بل ~~يقوم بتمثيلها السادة والسيدات أنفسهم، كل يضع على وجهه قناعا يتنكر به. وقد بقي ~~هذا النوع من التأليف المسرحي في إنجلترا حتى القرن السابع عشر، فكان من كتابه ~~الأعلام «بن جونسن» و«بومنت» و«فلتشر» و«ملتن» كما سيأتي بعد، حين نتحدث ~~عن هؤلاء الأدباء في القرن السابع عشر. ~~••• # كانت «روايات المعجزات» - كما رأيت - يؤلفها ويمثلها رجال النقابات، كما كان ~~يمثلها قبل شمامسة الكنيسة، فلما أخذت الروايات التمثيلية تبعد عن موضوعات الدين ~~شيئا فشيئا، وتخوض في أمور دنيوية، بدأ اتجاه جديد نحو تدريب فئة خاصة من ~~الناس على صناعة التمثيل، ومن هنا سار التمثيل في طريقه إلى الاستقلال عن النقابات ~~الصناعية وعن الكنائس ورجالها ليصبح فنا قائما بذاته، وبدأت تتكون فرق التمثيل ~~على نحو عجيب، وذلك أن تألفت لكل قصر من قصور الأشراف والنبلاء فرقة خاصة به، ~~بحيث لا تسمح الحكومة لفرقة تمثيلية أن تباشر عملها إلا إذا انتسبت لواحد من ~~هؤلاء، ثم تطور الأمر خطوة جديدة، إذ شرعت تلك الفرق تضرب في أنحاء البلاد لتعرض ~~على الناس تمثيلها كلما مرت بإحدى المدن، ولكنها في تجوالها ظلت محتفظة بانتسابها ~~لهذا أو ذاك من طبقة الأشراف خشية أن يطبق عليها قانون التشرد فينزل بها أليم ~~العقاب. # وإن كان ذلك كذلك فأول المسارح التي شهدتها إنجلترا لم تكن إلا أبهاء القصور ~~وأفنية الفنادق، فإن كانت الفرقة ms0457 التمثيلية في مقر سيدها وراعيها، مثلت رواياتها ~~في بهو قصره تسلية له ولذويه، وإن كانت مرتحلة نزلت في الفنادق العامة، وأقامت ~~تمثيلها في أفنيتها؛ إذ كان لكل فندق في إنجلترا فناء في وسط البناء أعد لمركبات ~~النزلاء، وكان يطل على الفناء من اضلاع البناء الأربعة شرفة طويلة تمتد بامتداد ~~الجوانب الأربعة، وكانت الغاية منها أن تكون طريقا للوصول إلى غرف الفندق. في هذا ~~الفناء الذي تحيط به شرفة ذات أضلاع أربعة كانت تمثل الروايات إذا ما حلت ~~بالمدينة فرقة تمثيلية، وكانوا يقيمون مصطبة في أحد جوانب الفناء لتكون مسرحا ~~للتمثيل، وكانت تلك المصطبة - بالطبع - يظللها جزء من الشرفة البارزة من جوانب ~~البناء، فكانوا يستخدمون الجزء من الشرفة الواقع فوق المصطبة في تمثيل «الغرفة ~~العليا» أو «الحصن» إن اقتضت ظروف الرواية حصنا أو غرفة عليا، ولم يكن في المسرح ~~عندئذ مناظر مرسوم لتوهم المتفرج ببيئة معينة، كأن يتخيل أن القوم في بحر - مثلا ~~- أو في غاية أو غير ذلك، بل تواضع الممثلون على أن يعلقوا سبورة إلى جانب المسرح ~~يكتبون عليها المكان الذي تقع فيه الحوادث المعروضة على المسرح، وعلى النظارة أن ~~يتخيلوا، كأن يكتبوا عليها مثلا «هذه غابة كذا.» أو «هذا حصن كذا.» أو «هذه مدينة ~~كذا.» وكلما اقتضى التمثيل تغيير المكان محي المكتوب على السبورة، وكتب اسم المكان ~~الجديد، وهكذا. وأما النظارة فقسمان؛ قسم يقف أو يجلس في الفناء نفسه أثناء ~~التمثيل، وقسم آخر يجلس في الغرف أو في الشرفة المحيطة بالفناء في موضع يمكنهم من ~~السمع والرؤية. وجدير بنا أن نلاحظ في هذا المقام أن صفوف المقصورات التي تمتد في ~~مسارحنا اليوم ما امتد الجدار إن هي إلا تهذيب للمسرح الأول، فهي تقوم مقام غرف ~~النوم التي كانت تحيط بفناء الفندق، وفيها كان يجلس نزلاء الفندق، ويرون ما يدور ~~فوق المسرح. # ثم لم يلبث المسرح الحقيقي أن بدأ حياته حين أنشئ أول مسرح مستقل بذاته عام ~~1576م على مقربة من لندن، وإنما نشأ على غرار ما اعتاده الناس؛ ms0458 فناء مكشوف في ~~الوسط تحيط به شرفة أو شرفات بعضها فوق بعض. وكان لبعض النظارة الحق في أن يجلسوا ~~على جوانب مصطبة التمثيل ذاتها لقاء أجر إضافي يدفعونه. ولم يكن في فرق التمثيل ~~الأولى ممثلات، بل قام بأدوار النساء غلمان. وقد كان للمسرح عند أول إنشائه في لندن ~~بعض التقاليد، منها أن يقف «مضحك» الفرقة عند نهاية كل فصل، فيغني أغنية يشير فيها ~~إلى أهم الحوادث والأشخاص مما كان يشغل الأذهان. ومنها أن يجثوا الممثلون إذا ما ~~فرغوا من تمثيل الرواية، ويرتلوا دعوات معينة أن يحفظ الله مليكة البلاد (الملكة ~~اليصابات). ومنها أن يبدأ التمثيل عصرا حول الساعة الثالثة دائما، وأن يعلن ~~البدء بثلاث نفخات في بوق، وإذا كانت الرواية مأساة روعي في تذكرات الدخول أن تكون ~~حمراء. ولم يكن بالمسرح الأول مناظر - شأنه في ذلك شأن التمثيل في الفندق - بل كان ~~يكتفي في تعيين المكان بما يكتب على لوحة أو سبورة معلقة إلى جانب المسرح. ~~••• # وما دمنا نتتبع المسرح الإنجليزي في أصوله، فجدير بنا أن نختم القول بخلاصة ~~وجيزة لأول ما شهد المسرح الحقيقي من روايات بمعناها الصحيح: # أول ملهاة منظمة مثلت باللغة الإنجليزية، رواية عنوانها «رالف رويستر ~~دويستر» ومؤلفها هو «نقولا ~~يودل # Nicholas Udall ~~» (1505-1556م) الذي كان ناظرا لمدرسة إيتن فناظرا ~~لمدرسة وستمنستر، وكانت العادة في أمثال تلك المدارس الخاصة الكبرى أن يمثل الطلاب ~~في مناسبات معينة روايات تنتخب من الأدب اللاتيني القديم، فرأى «يودل» أن ~~يطالع الناس بشيء جديد يميز مدرسته من سواها، وهو أن ينشئ لطلابه رواية ~~إنجليزية؛ فألف هذه الملهاة التي نحن الآن بصددها، فكانت أول ما شهدت اللغة ~~الإنجليزية من ملاه كتبت على أصول فنية، وإن لم تكن من الطراز الأول في الأدب. ~~وخلاصتها أن «رالف» كثير المفاخرة بنفسه على أساس كاذب، وهو فدم أحمق يثير الضحك ~~بغفلته، تراه يطلب الزواج من أرملة مخطوبة لغيره، ولا يرى في ذلك غضاضة ولا ~~شذوذا. # والملهاة الثانية هي «إبرة الجدة جيرتن» كتبها «جون ستل # John Still ~~» (1543-1607م)، ms0459 وخلاصتها أن هذه الجدة العجوز كانت ~~تصلح سراويل خادمها، فافتقدت إبرتها ولم تجدها، وتصادف أن مر بدارها سائل مخبول، ~~فأنبأها أن امرأة معينة سرقت إبرتها؛ وهنا تنشأ معركة حانية يشترك فيها عدد كبير ~~من أهل القرية، ثم وجدت الإبرة مغروزة في السراويل التي كانت تصلحها حيث ~~تركتها. # وأما أول مأساة في اللغة الإنجليزية فرواية «جور بودك» اشترك في تأليفها ~~كاتبان هما «تومس ساكفيل # Thomas Sackville ~~» ~~و«تومس نورتن # Thomas Norton ~~»، وقد مثلت هذه ~~الرواية أمام الملكة اليصابات في العام الثالث من حكمها، وكانت هذه أول مسرحية ~~إنجليزية كتبت بالشعر المرسل. وخلاصتها أن كان لجور بودك - ملك بريطانيا العظمى - ~~وملكته «فيدينا» ولدان هما «فركس» و«بوركس»، وحدث أن قسم جور بودك ملكه بين ولديه، ~~فاقتتل الولدان وانتهى الأمر بهما أن قتل «بودكس» أخاه «فركس»، فأقسمت فيدينا ~~لتثأرن لولدها المقتول من ولدها القاتل، وطعنته الطعنة القاضية وهو نائم، فثار ~~الشعب الإنجليزي لهذا الانتقام الشنيع تقترفه أم ضد ولدها، وفتك بالملك والملكة ~~معا. ويلاحظ أن هذا القتل كله لم يكن يحدث على المسرح، إنما كان يخرج إلى النظارة ~~رسول ينبئ بما حدث في سياق الحوار بين الممثلين. # وإنما أوحى بهذه البواكير من الملهاة والمأساة روايات «بلوتس» و«سنكا» ~~الكاتبين الرومانيين القديمين، فعلى أساس أولهما قامت الملهاة الحديثة، وعلى أساس ~~ثانيهما نهضت المأساة، ولكن وحيهما لم يكن إلا قطرا لم يلبث أن انهمر غيثا في ~~شيكسبير ومعاصريه، وموضع ذلك فصل قادم. # الفصل السادس # | الأدب الإنجليزي في عصر اليصابات # (1) الشعر في عهد اليصابات # في سنة 1557م - قبل أن تبدأ اليصابات حكمها الزاهر بعام واحد - أخرج ناشر يدعى ~~«توتل # Tottel ~~» مجموعة من الأغاني ~~والمقطوعات الشعرية، باتت تعرف في تاريخ الأدب باسم «متفرقات توتل»، ولما كانت هذه ~~المجموعة الشعرية تعبر عن روح النهضة الجديدة، عدت فاتحة للشعر في عصر اليصابات ~~العظيم. # وفي هذه المجموعة ما يقرب من ثلاثمائة قصيدة أنشدها شعراء مختلفون، لكننا نخص ~~منهم بالذكر شاعرين، هما «سري» و«ويت»؛ إذ كانا أول من أدخل «المقطوعة الشعرية» # 1 # في الأدب ms0460 الإنجليزي، ثم كان «سري» - فوق ذلك - أول من أنشأ شعرا ~~مرسلا بين الأدباء الإنجليز، وقد أطلق على هذين الشاعرين «نجما الفجر التوأمان»، ~~فهما إذن طليعتان للمدرسة الحديثة في الشعر الإنجليزي. ~~(1-1) سير تومس ويت # Sir Thomas Wyatt ~~(1503-1542م) # ولد «ويت» في «كاسل آلنجتن» في مقاطعة «كنت» بإنجلترا، ولم يتم عامه ~~الخامس عشر حتى أتم معه الدراسة الجامعية في كمبردج، واتصل بالبلاط الملكي، ~~فارتبط بأواصر الصداقة مع الملكة «آن بولين»، # 2 # وقد تعددت جوانب المهارة في «ويت» فكان مبارزا بالسيف ماهرا، ~~وكان عازفا على القيثار بارعا، وكان محدثا يستوقف الأسماع، وأتقن من ~~اللغات الأجنبية الفرنسية والإيطالية والإسبانية، وكان يسفر لمليكه «هنري ~~الثامن» عند الإمبراطور شارل الخامس. ولم يسلم من وساوس هنري التي كادت لا ~~تستثني أحدا من أعوانه، فلقي «ويت» نصيبه من السجن حينا من الزمن، وحدث في ~~عام 1942م أن أرسل الإمبراطور شارل الخامس سفيرا له في إنجلترا، فأمر ~~«ويت» أن يستقبل السفير الجديد، ويصحبه إلى لندن، فركب شاعرنا إلى الميناء ~~في يوم عاصف، وهطلت عليه الأمطار في الطريق، فأصابته الحمى، ولم يكد يأوي إلى ~~فراش المرض حتى أسلم الروح، وله من العمر تسعة وثلاثون عاما. # ويتألف إنتاجه الأدبي من مقطوعات شعرية وقصائد غنائية وحكم منظومة ~~ومواويل، وهو متأثر فيها جميعا بالشعراء الإيطاليين بصفة عامة، وبيتراك على ~~وجه أخص. وروح الشاعر في شعره إنما تجلو روح النهضة بأسرها، في العودة إلى ~~نماذج الأقدمين يحتذيها، وفي اتساق الأنغام والعناية ببناء القالب الأدبي الذي ~~يصب فيه مادة شعره، وهو فوق ذلك يمتاز بالوضوح وطلاقة التعبير وإحكام ~~الوزن. # وفيما يلي نموذج من شعره: # المحب يشكو لقيثارته قسوة حبيبه # إيه يا قيثارتي استيقظي! هبي فأدي # آخر ما أبدد وتبددين من جهد، # أنجزي لي الآن ما فيه شرعت، # فإذا ما تم هذا النشيد وانقضى # يا قيثارتي! اصمتي بعد ذاك فقد قضيت. ~~••• # لن نسمع إن لم تصغ آذان # إلا كما ينصت في القبر المرمري جثمان # فكالقبر الأصم قلبها، لا ينسل إليه نشيد بعثت، # أيجوز لنا بعد ms0461 ذاك تنهد وبكاء وأحزان؟ # كلا، كلا، يا قيثارتي! فإني قد قضيت. # كفي الآن يا قيثارتي! فهذا آخر ما تبذلين # من الجهد الذي أبدد وتبددين. # فقد انقضى ما فيه شرعت # هذا نشيدك قد أنشدته وذهب مع الذاهبين؛ # فاصمتي يا قيثارتي! لأني قد قضيت. ~~(1-2) سري # Surrey ~~(1517-1547م) # كان «سري» جنديا محاربا ورجلا من حاشية القصر، وقد أنفق في البلاط ~~الفرنسي عاما، وساهم في كثير من الحروب. وفي عامه الثامن والعشرين كان حاكما ~~على بولونيا، لكن وساوس هنري الثامن امتدت إليه بلهبها كما فعلت بزميله ~~«ويت»، فظن الملك أن أبا الشاعر يعمل في الخفاء ليعتلي العرش بعد هنري، فأمر ~~بالوالد والولد جميعا أن يزجا في برج لندن، وما هو إلا أن أعدم الشاعر ~~الشاب، وهو في الثلاثين من عمره. # وكان «سري» قد هام حبا بفتاة يشير إليها باسم «جيرالدين # 3 # الحسناء»، رآها وهي ما تزال في عامها الثاني عشر، وكان أبوها قد ~~لقي حتفه في برج لندن، فعطف الشاعر على هذه الأسرة المنكودة بما كان يضطرم في ~~نفسه من نوازع الفروسية، وكانت هذه الفتاة مصدر سيل دافق من العواطف التي ~~سكبها في شعره. # ولم يكد «سري» ينشد من الشعر إلا القصائد الغنائية والمقطوعات الشعرية، وكذلك ~~ترجم الجزأين الثاني والرابع من إنياذة فيرجيل إلى شعر إنجليزي مرسل، فكان بذلك ~~أول كاتب إنجليزي يستخدم هذا الضرب من الشعر، الذي كتب له أن يكون فيما ~~بعد أداة قوية في أيدي الشعراء الفحول، ويتصف شعره بالصفاء والرشاقة ~~والحيوية، ونصوع الصورة، واتساق الأنغام، وطلاقة العبارة. # وهاك مثالا من شعره: # أمسكوا أيها العاشقون # أمسكوا أيها العاشقون عن ذكر المفاخر، # لا ترسلوا عبثا ما ترسلون من زهو ومن فخر؛ # أين من حبيبتي في الجمال الساحر # أجمل معشوقاتكم؟ لست أغلو ولا أفتري؛ # فبينها وبينهن أبعد مما بين الشمس والشمعة الواهية، # وبينها وبينهن أبعد مما بين النهار المشرق والليلة الداجية. ~~••• # أستطيع لو شئت أن أعيد وأردد # ما راحت به الطبيعة شاكية، # إذ غاب عنها القالب الأسمى وبدد، # وعجزت أن تعيد له ms0462 قرينا في صورته الزاهية، # يا لصياحها وهي تفرك من أسف كلتا اليدين! # لقد وعيت ما قالت، لم يغب قصدها عني. ~~••• # إن كانت الطبيعة تثني عليها كما تشهدون، # إذ رأتها آية ما تصنع، # فاسلكوا سبيلا غير التي تسلكون؛ # ذلك عندي أجدى وأنفع. # فلا تقارنوا - كما فعلتم - لا توازنوا؛ # وهل شمعة بضوء الشمس توزن؟ # على أن «متفرقات توتل » - التي ورد فيها شعر ويت وسري، ~~والتي كانت طليعة الشعر الناهض في عصر اليصابات - لم تكن سوى القطر الذي يسبق ~~الغيث؛ فقد أخذت مجموعات الشعر الغنائي تترى واحدة في إثر واحدة لتنهض دليلا ~~على تفجر ينبوع الشعر في القلوب، كما أخذت دواوين الشعراء تظهر وتذيع، نذكر ~~منها «مرآة العظماء» # 4 # لتومس ساكفيل # Thomas Sackville ~~(1536-1608م). وأهم ما جاء في هذا الديوان قصيدتان، هما «شكوى هنري ستافورد، ~~دوق بكنجهام» و«المقدمة»، والأسلوب في كلتا القصيدتين قوي رائع ناصع ~~التصوير، يشهد بأن ساكفيل أعظم شاعر شهده الأدب الإنجليزي بين شوسر وسبنسر - لو ~~استثنينا الشاعر الاسكتلندي دنبار - والقصيدتان مكتوبتان في البحر الذي ~~استخدمه شوسر في شعره. # أما قصيدة «شكوى هنري ستافورد» فتصور سقطة العظيم من أوجه، مبينة أن ~~المنصب العظيم إنما يتكئ على دعامة واهية، إذ يرتكز على ابتسامة واحدة، فليس ~~أيسر من هوي صاحب المنصب الرفيع إلى هاوية البؤس والشقاء. # وأما في قصيدة «المقدمة» فينبئنا الشاعر كيف هبط إلى العالم الأسفل الذي يخضع ~~لحكم «بلوتو» - إله الجحيم - وهنالك أخذت أرواح الموتى تقص عليه أنباء سقوطها ~~في الحياة الدنيا من الأوج إلى الحضيض الأسفل، وكان «الأسى» مشخصا مجسدا هو ~~الذي يهدي الشاعر في رحلته، وهاك مثالا قصيرا من «المقدمة»: # واستطرد «الأسى» في قصته المروعة: # تعال فاسمع الشكاة والحزن المرير، # من رجال أمجاد أطاح بهم «القدر». # تعال فانظر إليهم، وقد اصطفوا مستعطفين؛ # لم يكونوا سوى أشباح كسوتها بعقلك لحما ودما. # تعال، تعال معي لتشهدهم عيناك. # والمقطوعة الآتية من قصيدة «شكوى هنري ستافورد»: # لقد بقيت - ما أذن لي «الحظ» أن أبقى - # بين خيار القوم حاكما ثريا، # وأنفقت أيامي أرفل في ms0463 شرف ومجد، # فلم يدر بخلدي خوف أن يسوء طالعي، # لكن «الحظ» الغادر - حينما كنت أقل ما أكون ريبة فيه - # أدار عجلته وأسقطني سقطة منكودة؛ # سلبني بها مجدي وحياتي وما ملكت يدي. # وكذلك نذكر من قصائد الشعراء التي ظهرت حينئذ، قصيدة للشاعر ~~جورج جاسكوين # George Gascoigne ~~(1536-1577م) عنوانها «مرآة الصلب»، # 5 # وهي قصيدة ساخرة قوامها مائة وألف بيت من الشعر المرسل، أريد بها ~~أن توضح للناس قيمة الحياة البسيطة القوية؛ «فمرآة البلور» خداعة تبدي الأشياء ~~خيرا مما هي في الواقع، وأما «مرآة الصلب» فصادقة تصور الرجال والأشياء ~~تصويرا أمينا. # وللشاعر غير ذلك مجهودات يسجلها له تاريخ الأدب، فهو أول من كتب ملهاة في ~~النثر الإنجليزي، وقد ترجمها عن أريوستو الشاعر الإيطالي؛ وهو أول من أنشأ ~~قصيدة ساخرة في الشعر المرسل، وهي قصيدة «مرآة الصلب» التي أشرنا إليها، وهو ~~أول من ترجم عن الأدب اليوناني رواية تمثيلية، إذ نقل إحدى روايات يوريبيد، ~~وهو أول من كتب مقالا في النقد الأدبي إذ كتب في «صناعة الشعر»، فهذه كلها ~~محاولات أولى في ألوان مختلفة من الأدب. ~~(1-3) سير فلب سدني # Sir Philip Sidney ~~(1554-1586م) # على أنك تستطيع أن تضع «سير فلب سدني» في طليعة المنشدين للشعر الغنائي ~~الجديد. # كان «فلب سدني» شاعرا وناقدا وعالما وجنديا ورجلا من رجال السياسة، ~~فكان يصور بشخصه ما يصبو إليه الناس في عصر النهضة من مثل أعلى، ولم يكد يتمم ~~دراسته في أكسفورد، حتى غادر بلاده مرتحلا في أنحاء القارة الأوروبية، وشاءت ~~له المصادفة أن يكون في باريس في اليوم الذي وقعت فيه «مذبحة بارثلوميو»، وهو ~~الرابع والعشرون من شهر أغسطس سنة 1572م، ولم ينج من الموت إلا بأن لاذ بدار ~~السفير الإنجليزي هناك، ولم يلبث أن غادر باريس إلى فيينا، حيث أنفق فراغه كله ~~في ركوب الجياد والمبارزة بالسيف والتدرب على استخدام آلات القتال المختلفة، ثم ~~غادر فيينا إلى البندقية وبادوا حيث تعلم الهندسة والفلك، وبعدئذ عاد إلى ~~وطنه، فكان للبلاط الملكي فخرا. ولما بلغ عامه السابع والعشرين ms0464 انتخب عضوا في ~~البرلمان عن مقاطعة كنت، وأرسل بعد ذلك بعام واحد ليقاتل الإسبانيين، وهناك ~~لقي حتفه، فحمل جثمانه إلى أرض الوطن، ودفن في كنيسة «القديس بولس» الشهيرة بين ~~مظاهر الحزن التي شملت الأمة كلها. # وإنما أفضنا بعض الإفاضة في ذكر جوانبه المختلفة؛ لأنه خالد في التاريخ بشخصه ~~وبأدبه معا، ففي عصر النهضة تغير في تقدير الناس مثلهم الأعلى، ولم يعد - كما ~~كان في العصور الوسطى - يتمثل لهم في المسيحي المتبتل الزاهد، بل أصبح مثلهم ~~المنشود عالما يدرس ظواهر الطبيعة، أو مغامرا يركب الصعاب، أو رجلا يستمتع ~~بلذات الحياة، فإن اجتمعت لرجل واحد هذه الصفات؛ فكان محبا للعلم والأدب، ~~مقاتلا باسلا، ممعنا في ألوان الرياضة والصيد، عاشقا توافرت فيه شروط الحب ~~الصحيح؛ فذلك هو المثل الأعلى. وقد جاهد الأدباء في عصر النهضة أن يصوروا ذلك ~~المثل. ورأى الناس أن هذه الصفات قد تجسدت في «السير فلب سدني» فخلدوه ~~نموذجا يحتذى. # كان سدني قد تشرب الروح الإيطالية، فكما أهدى دانتي شعره إلى حبيبته ~~«بياترس»، وكما أهدى بترارك قصائده إلى حبيبته «لورا»، فكذلك سدني توجه ~~بأشعاره إلى معشوقته «ستلا»، وهي ابنة إيرل إسكس، صادفها وهي لا تزال في ~~عامها الثاني عشر، وهو في ذلك شبيه بدانتي أيضا حين لاقى حبيبته في نحو هذه ~~السن، وشبيه بزميله الشاعر الإنجليزي «سري» حين التقى لأول مرة «بجيرالدين ~~الحسناء». تزوج سدني من فتاته زواجا لم يقم له حفل في الكنيسة، لكن العلاقة ~~بين الفتى والفتاة سرعان ما وهنت، وأصابها الفتور لضائقة مالية ألمت بسدني، ~~فلم يمض على ذلك أعوام أربعة، حتى أعلن زواج الفتاة من رجل سواه، وهنا ~~تضرمت جذوة الحب في قلب الحبيب، فأنشأ قصائده في حبها. ومن مجموعة المقطوعات ~~الشعرية التي أنشدها تكون ديوانه المشهور «آستروفل وستلا»، # 6 # ومن أجمل ما جاء في هذا الديوان هذه المقطوعة: # إلى القمر # بأي خطى حزينة - أيها القمر - تصعد أجواز السماء! # ما أشد ما في سيرك من صمت وما في وجهك من شحوب! # ماذا! أو يكون هذا حتى ms0465 في معارج السماء # فيقذفك رامي السهام # 7 # بحاد سهامه، وهو لا ينفك يرمى بها؟ # حقا، إذا استطاعت أعين طال إلفها للحب # أن تحكم عليه، فقد أصابتك علة العاشقين، # إني أطالعها في نظراتك وفي رقتك الواهنة # هذا ما ألمحه فيك، أنا الذي أشعر بمثل ما تشعر، # فناشدتك - المشاركة في الحب - أيها القمر، إلا حدثتني، # هل الثبات على الحب عندك إلا ضعف في الذكاء؟ # هل تبلغ الكبرياء بجميلات النساء عندك ما تبلغه هنا ؟ # هل يظفرن عندك بجب فوق الحب المألوف، # ثم يسخرن من المحبين الذين ملك عليهم اللب ذلك الحب؟ # هل يسمين الفضيلة عندك نكرانا للجميل؟ ~~(1-4) أدمند سبنسر # Edmund Spenser ~~(1552-1599م) # هو بغير شك أعظم الشعراء في عهد اليصابات - إذا استثنينا كتاب المسرحية - حتى ~~جاز «لشارلز لام» # 8 # أن يسميه «شاعر الشعراء»، فقد كان عميق الأثر في الشعراء من بعده، ~~واعترفوا له جميعا بالفضل، فقال فيه «فلتشر»: # 9 # هو الذي أرضعته ربات الفن والجمال جميعا. # وقال «دريدن»: # 10 # لقد كشف للشعر عن منجم خصيب. # وقال «تومسن»: # 11 # هو ابن أنجبه «الخيال» طروبا. # ويصوره «وردزورث» # 12 # بقوله: # سبنسر الحبيب، إنه يشق طريقه في سمائه الغائمة، # في فتنة القمر، وفي خطوه الوئيد. # ويعترف «شلي» # 13 # بالجميل فيقول: # لله شيكسبير وسدني وسبنسر وسائر الشعراء # الذين جعلوا من بلادنا جزيرة مباركة! # ويطرب «كيتس» # 14 # لإيقاع ألفاظه فيقول: # إن النبرات السبنسرية تنساب في يسر # وتمضي مرفرفة كما تفعل الأطيار فوق بحار الصيف. # ويقول في شعره «تنسن»: # 15 # تلك القباب المتناغمة التي ملأت # أياما رحيبة في عهد اليصابات العظيمة # لا تزال إلى اليوم ترن بأصدائها. # وهكذا كلما جاء شاعر في إنجلترا، وتلفت فوجد هذا المعين ~~الدافق الفياض، لم يسعه إلا أن ينطق معترفا بالجميل. # ولد «شاعر الشعراء» في لندن التي شهدت مولد كثير من أعلام الأدباء، وكان أبوه ~~خياطا، فأرسله إلى مدرسة تتعهد أبناء الطائفة، ومنها أرسل إلى «كيمبردج» ~~يتلقى العلم فيها بأجر زهيد نظير خدمات يؤديها، وهنالك توثقت أواصر الصداقة ~~بينه وبين «جبريل هارفي» # 16 # الناقد ms0466 المشهور في ذلك العهد. ولما أتم سبنسر دراسته الجامعية، ~~قصد إلى شمالي إنجلترا يقضي بين ربوعه زمنا، ولعله أراد زيادة ذويه في ~~لانكشير، فصادف فتاة هام بحبها، تدعى «روزالند»، # 17 # ولم يوفق إلى خطبتها، فكان لذلك رجة عنيفة في نفسه، لا يبعد ~~أن تكون إرهاصا لشاعريته. ولم يكد يعود من ربوع الشمال حتى قدمه صديقه «هارفي» ~~إلى «سير فلب سدني»، فنشأت بينهما صداقة قوية، هيأت له أن يتصل بعم عظيم ~~لسدني، هو «إيرل لستر» الذي ما لبث أن ضم الشاعر إلى حاشيته، ورحب ~~شاعرنا بهذه الفرصة السانحة لعلها تعرج به إلى ذروة المجد، ولم يلبث سبنسر أن ~~أخرج «حكاية الأم هبرد» # 18 ~~- أخرجها في صورة أولية، ثم أدخل عليها تعديلا فيما بعد - ~~وأراد بها أن يؤيد لستر بأن يبين ما زلت فيه الملكة من ضلال، قائلا عن ~~«لستر»: إنه الرجل الذي يستطيع أن ينقذ البلاد ومليكة البلاد جميعا، لكن ~~الشاعر قد أسرف في سخريته في هذه القصيدة، فما نفع أميره ولا انتفع، ولبثت ~~قصيدته ما يربي على عشر سنوات لا تجد سبيلها إلى النشر. # ولم تكن «حكاية الأم هبرد» أول ما أنتج، فقد كان أنشأ وهو في عامه السابع عشر ~~- أيام أن كان طالبا - خمس عشرة مقطوعة شعرية قدمها إلى أديب جاء هاربا من ~~هولنده ومعه مجموعة من شعره كتبها بالهولندية، ونشر لها ترجمة إنجليزية، فأراد ~~شاعرنا سبنسر أن يضيف مقطوعاته إلى هذا الكتاب، ومعها قصائد أخرى ترجمها عن ~~«بترارك» الشاعر الإيطالي، و«دي بلاي» الشاعر الفرنسي، وفي صدر شبابه أيضا كتب ~~سبنسر تسع ملاه فقدت كلها، فكانت خسارة جسيمة على الأدب. # وفي 1579م ظهرت لسبنسر أولى خرائده، وهي قصيدة «تقويم الراعي» # 19 # التي أهداها إلى صديقه «سير فلب سدني»، وإنها لتعد بمثابة الفجر ~~الذي إذا ما بلغت شمسه الضحى كان لنا شيكسبير العظيم. # و«تقويم الراعي» من الشعر الريفي، وهو من الصور الأدبية الكثيرة التي دخلت ~~إنجلترا في عصر النهضة لاتصالها بالشعراء الإيطاليين، فقد كان «بترارك» في ~~القرن الرابع عشر قد ms0467 نسج في هذا الشعر الريفي على منوال سلفه «فيرجيل»، وكان ~~هذا قد تأثر خطو «ثيوقريطس»، # 20 # ثم ازداد الشعر الريفي شيوعا في إيطاليا في القرن الخامس عشر، ~~وكان في طليعة منشئيه «جون بابتست سبانيولي»، # 21 # الذي يعرف عادة باسم «مانتوان» # Mantuan ~~، وكثر كتاب هذا الضرب من الشعر في أواخر القرن ~~الخامس عشر وأوائل السادس عشر، فكان منهم في إيطاليا «سانازارو» # Sannazzaro ~~، وفي فرنسا «مارو» الذي أعجب ~~به سبنسر فترجمه إلى الإنجليزية، واتخذه مثلا يحتذيه. # كتب سبنسر «تقويم الراعي» بلغة تعمد أن ينتقي ألفاظها من المهجور؛ ليعيد ~~إلى الحياة ألفاظا جميلة بادت، وكان سبنسر قد درس سلفه العظيم «شوسر» ودرس ~~تراثه دراسة دقيقة، فاستمد منه كثيرا من ألفاظه، وجمع طائفة أخرى من الألفاظ ~~المهجورة إبان إقامته في ربوع الشمال، أو من دراسته لشعراء تلك الأصقاع ~~الشمالية، بل ذهب به حبه لحوشي اللفظ وغريبه أن خلق بعضه خلقا. وإذن فقد ~~كانت اللغة التي قرض بها شعره على كثير من التكلف والصناعة - وهو في هذا شبيه ~~بهومر - إذ نسج ديباجتها من لهجات كثيرة مختلفة، واستعمل جملا وعبارات يرجع ~~تاريخها إلى عصور مختلفة، وسواء أكانت هذه اللغة المصنوعة حسنة من حسناته أم ~~لم تكن، فلم تصادف قبولا عند معاصريه، ولكن ما لشاعرنا ولرأي معاصريه، فقد كان ~~يقصد بشعره هذا أن يصور «أغاني الرعاة»، فلم يسعه إلا أن ينطق بألفاظ الرعاة، ~~وأن يتحدث فيما يتحدثون فيه، وأن يطلق على رعاة قصيدته أسماء الرعاة في حياتهم ~~الواقعة أو أسماءهم كما وردت في أدب الأقدمين والمعاصرين. # والقصيدة مقسمة إلى اثني عشر قسما، كل قسم منها يقابل شهرا من شهور ~~العام، وهي تختلف بعضها عن بعض في الأسلوب والبحر ومصدر الوحي، فيناير أغنية ~~حزينة ينشدها «كولن كلاوت # Colin Clout ~~» ~~ليشكو ما يلقاه من حبيبته «روزالند» من الزراية بحبه، والبحر في هذا الجزء هو ~~المقطوعة ذات الستة الأبيات، وفي كل بيت عشرة مقاطع، وتجري القافية على هذا ~~النحو: أ - ب - أ - ب - ج - ج. وفي فبراير حوار فكه يدور ms0468 بين «كدي # Cuddie ~~» و«ثينوت # Thenot ~~»، ويشتمل على قصة «السنديانة والعوسج» يرويها على ~~أسلوب شبيه بأسلوب «شوسر» في حكاياته، والبحر هنا هو المزدوج الذي يقفي كل ~~بيتين ويجعل منهما وحدة. ومارس فيه وصف جميل لرماية «الصبي المجنح» - ~~كيوبد - وبحره هو المقطوعة ذات الأبيات الستة، وقوافيها: أ - أ - ب - ج - ج - ~~ب، وهو في هذا الجزء يحاكي ثيوقريطس؛ رب الشعر الريفي. وأبريل يشتمل على ~~إشارات كثيرة جدا إلى الآداب القديمة، وفيه تكلف وصناعة في ألفاظه ~~وأوزانه، وقد جاء في هذا الجزء نشيد رائع تقدم به «كولن» إلى الملكة التي ~~يقتضب اسمها، فيطلق عليها «إليزا» اختصارا لإلزابث اليصابات. وفي مايو ينسج ~~الشاعر على منوال الشاعر الفرنسي «مارو» في وقوفه موقف المدافع عن الكنيسة التي ~~أخذت بمبدأ الإصلاح الديني. ثم يجيء يونيو وفيه استمرار لما أورده الشاعر في ~~شهر يناير، فنرى روزالند تؤثر حبيبا آخر - هو # Menalcas ~~- على حبيبها كولن، فيرثي كولن ~~لحبه الضائع في مقطوعات موسيقية تشتمل الواحدة منها على ثمانية أبيات، ~~وقوافيها: أ - ب - أ - ب - ب - أ - ب - أ، وكذلك يعود الشاعر في يوليو فينشد ~~نشيدا دينيا ريفيا كما فعل في مايو، والبحر هنا مقطوعات رباعية الأبيات، ~~قوافيها: أ - ب - أ - ب، قوام الأول والثالث منها ثمانية مقاطع، والثاني ~~والرابع ستة مقاطع. وفي أغسطس نرى الشاعر متأثرا بفيرجيل، فيتنازع ~~«ولي # Willie ~~» و«بريجوت Perigot ~~» أيهما أشجى غناء، ويقف «كدي» من ~~المتنافسين موقف الحكم. وفي سبتمبر يشكو «دجن ديفي # Diggon Davie ~~» لؤم قساوسة الكنيسة الرومانية. وفي أكتوبر يعود ~~الشاعر فيحاكي رب الشعر الريفي - ثيوقريطس - في أبيات تفيض بالشاعرية. وفي ~~نوفمبر يرثي لديدو إخفاقها في حب إينياس. وفي ديسمبر جزء نسجه على منوال ~~«مارو»، بل نقل بعض أبياته نقلا عن هذا الشاعر الفرنسي. # واختلاف الأوزان في قصيدة «تقويم الراعي» نقطة هامة جدا، فكأننا بالشاعر ~~قد اتخذ من هذه القصيدة حقلا لتجاربه ليرى أين يقع نبوغه من أبحر الشعر. ~~والقصيدة في بعض أجزائها تبعث الملل في نفس القارئ الحديث، لكنها على وجه ~~الجملة آية من ms0469 آيات الأدب الإنجليزي. ولا بد لنا إذ نزنها بميزان النقد أن ~~نتغافل عن حالة اللغة الإنجليزية حينئذ، وأن نتذكر كيف استطاع الشاعر أن يذلل ~~صعابها، حتى تسلس في يده، فلك أن تعد «تقويم الراعي» بمثابة الطليعة التي ~~استكشفت الطريق وعبدتها لسائر الشعراء من بعد، ولو لم يكتب سبنسر غير قصيدته ~~تلك لسلكانه في الصف الأول من الشعراء الإنجليز. ~~••• # سافر شاعرنا عام 1580م إلى أيرلنده التي كانت يومئذ قد امتشقت حسامها في وجه ~~حكامها من الإنجليز، وإنما سافر كاتما لسر «لورد جراي» (وهو الذي يشير إليه في ~~قصيدته الكبرى «ملكة الجن» باسم «آرتجول فارس العدالة»). ومنذ ذلك الحين أقام ~~سبنسر معظم أيامه في أيرلنده، وكان لتلك البلاد أثر واضح فيما أنتج بعد من ~~نثر وشعر، فقد كتب «عرض للحالة القائمة في أيرلنده»، # 22 # وهي رسالة نثرية يصف فيها حالة البؤس الشديد التي غشيت تلك ~~البلاد، فبرع أيما براعة في تصوير الدمار الشامل الذي أحدثه السيف والنار، وفي ~~تصوير المجاعة المخيفة التي أعقبت ذلك الدمار. والعجيب أن الشاعر لم يقف في ~~جانب الشعب المهضوم المهزوم، فقد كانت الأراضي الأيرلندية قد صودرت، وقسمت بين ~~مستعمرين من الإنجليز، وكان سبنسر ممن ظفر بنصيب من تلك الأراضي؛ لهذا رأى ~~الحرب على أنها مظهر لمبادئ الفروسية العالية، وجهاد في سبيل الثقافة والتنوير ~~العقلي، وكفاح من أجل الديانة الحقة يصرع الهمجية والجهل، ويستأصل العقيدة ~~البابوية. وكما ترى هذه الآثار في رسالته النثرية، تراها في وضوح في قصيدته ~~«ملكة الجن» التي سنعرضها بعد حين. # ففي نفس العام الذي انتقل فيه الشاعر إلى أيرلنده، قدم إلى صديقه الناقد ~~«جبريل هارفي» هيكلا لقصيدة ينوي صياغتها عن «ملكة الجن»، # 23 # ولم يكد يستقر في أيرلنده حتى أخذ في قرضها، وحدث بعد تسع سنين من ~~ذلك التاريخ أن وهنت صلات الود قليلا بين الملكة اليصابات وبين «سير وولتر رالي»، # 24 # فارتحل «رالي» إلى أيرلنده، وقصد إلى زيارة سبنسر، فأطلعه الشاعر ~~على أجزاء ثلاثة أتمها من القصيدة، فأعجب بها «رالي» إعجابا شديدا، واستصحب ms0470 ~~الشاعر وشعره إلى إنجلترا، حيث قدمه إلى القصر، وكانت هذه هي المرة الثانية ~~التي يتصل فيها الشاعر بالقصر. ولم يمض عامان حتى طبعت تلك الأجزاء الثلاثة من ~~«ملكة الجن»، وأمل الشاعر أن يرقى في مناصب القصر، لكنه لم يظفر من الملكة ~~إلا براتب سنوي قدره خمسون جنيها. # ولما كان عام 1594م تزوج سبنسر من «اليصابات بويل»، وأنج منها طفلين، وقد ~~كتب تكريما لزوجه مجموعة من المقطوعات الشعرية كما كتب «إبثالاميون»، # 25 # وهي أجمل ما في الأدب الإنجليزي على إطلاقه من أناشيد العرس، بل ~~قيل إنها أجمل ما عرفت الآداب في العالم كله من ذلك الضرب من فنون الشعر. وقد ~~اتخذ الشاعر في مقطوعاته بحرا خاصا به، إذ يقسم المقطوعة أربعة أقسام، في كل ~~من الثلاثة الأولى أربعة أبيات، وفي القسم الرابع بيتان، فأما قوافيها فتجري ~~هكذا: أ - ب - أ - ب، ب - ج - ب - ج، ج - د - ج - د، ه - ه. # ظهرت مجموعة المقطوعات وقصيدة إبثالاميون في سنة 1595م، فلما كان العام الذي ~~يليه أخرج الشاعر «الترانيم الأربع» # 26 # و«بروثالاميون»، # 27 # وهذه الأخيرة أنشدها تكريما لزواج ابنتي «إيرل ووستر»، وقد اعتمد ~~الشاعر في هذه القصيدة، بل اقترف فيها سرقة أدبية جريئة؛ إذ اعتمد على قصيدة ~~مغمورة عنوانها «حكاية طائرين من طيور التم»، ثم أخرج في السنة نفسها ~~الثلاثة الأجزاء الثانية من «ملكة الجن». وحدث عام 1598م أن قامت ثورة في ~~أيرلنده، وأحرق الثوار القلعة التي كان الشاعر اتخذها مقاما له ولأسرته، ~~واستطاع سبنسر أن يفر مع زوجته سالمين إلى لندن، حيث لاقى منيته في منتصف ~~يناير سنة 1599م، ونشر الجزآن الباقيان من «ملكة الجن» بعد موت الشاعر بعشر ~~سنوات. # وما أجدرنا في هذا الموضع أن نحدثك عن آيته الكبرى «ملكة الجن»، ولعلنا نحسن ~~صنعا لو تركنا الحديث للشاعر نفسه، يبسط لنا ما أراد لقصيدته، كما جاء في خطاب ~~وجهه إلى «رالي» مقدمة لتلك القصيدة: ~~... الغرض العام من هذا الكتاب بأجمعه هو أن أصوغ سيدا، أو إنسانا ~~نبيلا، في قالب من الفضيلة ms0471 والرقة ... وقد اخترت لذلك تاريخ الملك ~~أرثر ... واقتفيت آثار الشعراء القدامى جميعا؛ فأولا هومر الذي ضرب ~~مثالا في شخص أجاممنون ويوليسيز، للحاكم الصالح والرجل الفاضل، أما ~~الأول ففي الإلياذة، وأما الثاني ففي الأوذيسية، وثانيا فيرجيل الذي ~~كان يرمي إلى نفس الغاية في شخص إنياس، ثم جاء بعد ذلك أريوستو الذي ~~ضم الجانبين معا في شخص «أورلاندو»، وأخيرا جاء تاسو ففصلهما من ~~جديد، وصاغ الجانبين في شخصين، وأعني بذينك الجانبين ذلك الذي يسمونه ~~في الفلسفة ب «الأخلاق» أو فضائل الرجل من عامة الناس، وقد صور ذلك ~~الجانب في شخص «رنالدو». وأما الجانب الثاني فما يسمونه ب «السياسة»، ~~وقد صوره في شخص جودفرد، ونسجا على منوال هؤلاء الشعراء الأفذاذ ~~تراني أجاهد أن أصور في أرثر - قبل أن يصبح ملكا - صورة الفارس ~~الباسل، وقد تحلى بالفضائل الخلقية الاثني عشر كما رسمها لنا أرسطو، ~~وذلك هو ما أقصد إليه من هذه الأجزاء الاثني عشر التي أبدأ بها كتابي، ~~والتي إن صادفت حسن القبول، فربما شجعني ذلك أن أمضي في صياغة الجزء ~~الثاني الذي يصور الفضائل السياسية ممثلة في شخصه بعد أن تولى الملك ~~... # وإنما قصدت ب «ملكة الجن» أن أصور بها المجد، تمشيا مع الغرض العام ~~الذي أرمي إليه، على أن لي غرضا خاصا بعد ذلك الغرض العام، وهو أن ~~أصور بها مليكتنا التي بلغت بشخصها أوج العلا والمجد، وأن أصور ~~مملكتها في بلاد الجن، ... وكذلك في شخص الأمير أرثر أصور سمو الروح ~~بصفة خاصة، وهي الفضيلة التي يتمثل ~~فيها كمال سائر الفضائل جميعا (كما ورد في أرسطو وغيره)، وهي تشملها ~~كلها؛ ولهذا تراني في الكتاب كله أذكر أفعال أرثر كما تقتضي تلك ~~الفضيلة التي أكتب عنها في هذا الكتاب. # وأما عن الفضائل الأخرى الاثني عشر، فإني أسوق اثني عشر فارسا آخرين ~~لأصورها فيهم، وهذه الأجزاء الثلاثة (التي أقدمها) تشتمل على ثلاثة من ~~أولئك الفرسان؛ أما أولهم ففارس يدعى «الصليب الأحمر» أمثل القداسة ~~في شخصه، وأما ثانيهم فهو «سيرجاين» # 28 # الذي أصور به «الاعتدال»، ms0472 وأما الصورة الثالثة فلفارسة ~~تدعى «برتومارتس» # 29 # صور فيها «العفاف». # انتهى خطاب المقدمة الذي صدر به الأجزاء الثلاثة الأولى من «ملكة الجن»، وقد ~~أراد لها أن تكون اثني عشر جزءا - كما رأيت - ولكنه لم يكتب منها إلا ستة. ~~فرابع الأجزاء يصور الصداقة ممثلة في «كامبل وتريامند»، # 30 # والخامس يصور العدالة ممثلة في «آرتجول»، # 31 # والسادس يصور الرحمة ممثلة في «سير كاليدور. # 32 # وكل جزء من هذه الأجزاء الستة التي تم إنشاؤها مقسم إلى اثني عشر فصلا، في ~~كل فصل ما يزيد على خمسين مقطوعة من ذوات الأبيات التسعة، فانظر إلى هذا البناء ~~الشامخ الجبار! إن الجزء الأول وحده، «أسطورة فارس الصليب الأحمر، أو القداسة» ~~يشتمل على خمسة آلاف وخمسمائة بيت، فلو تمت القصيدة لبلغت أبياتها ستة وستين ~~ألفا! # ولعل أعظم ما أبدعه الشاعر في هذه الآية الخالدة هو البحر الذي أجرى فيه ~~مقطوعاته، فقد وفق في ابتكاره توفيقا كبيرا؛ لأنه جاء ملائما أتم ~~الملاءمة لأنغامه الموسيقية التي امتاز بها ونبغ فيها، حتى ليقال إن الأدب ~~الإنجليزي كله لا يعرف لسبنسر ضريبا في اتساق الأوزان والألفاظ والأنغام. وجد ~~سبنسر عند سلفه شوسر بحرا استخدمه ذلك الشاعر في «حكاية الراهب»، وهو أن تنقسم ~~القصيدة مقطوعات قوام الواحدة منها ثمانية أبيات، تجري قوافيها هكذا: أ ب - أ ب ~~- ب ج - ب ج، فأضاف سبنسر سطرا تاسعا يتحد في القافية مع البيتين السادس ~~والثامن، على أن يكون هذا البيت التاسع من الوزن الإسكندري - والبيت الإسكندري ~~يشتمل على ست تفعيلات في كل تفعيلة جزآن لا يكون في أولهما ضغط صوتي عند ~~النطق، ويقع على ثانيهما ضغط صوتي عند النطق - فكان له بذلك مقطوعة قوامها ~~تسعة أبيات تاسعها طويل بطيء يكون للقارئ بمثابة الخاتمة الموسيقية الهينة ~~الهادئة، فيرى نفسه مضطرا أن يقف عندها وقفة قصيرة قبل أن يبدأ في تلاوة ~~المقطوعة التالية. # لكن القصيدة - إلى جانب حسناتها - جاءت معيبة من بعض الوجوه، فهي أجزاء ~~مفككة لا يصل بينها رباط متين كأنما هي خرزات متناثرة لا تنتظم ms0473 في عقد، فلولا ~~هذا الخطاب الذي قدم به الشاعر كتابه إلى «سير وولتر رالي» - وقد أسفلنا ~~بعضه - لما أدرك قارئ القصيدة إلا حكايات منظومة يتبع بعضها بعضا، هذه تقص ~~قصة عن فارس متعبد، وهذه تقص عن فارس غلب عليه الاعتدال، وهكذا. أضف إلى هذا ~~عجز الشاعر عن تمييز الشخصيات التي يصورها تمييزا يجعل لكل منها فردية ~~مستقلة قائمة بذاتها، فكل من حاول تصويرهم من الفرسان والسيدات متشابهون في ~~الملامح والقسمات، حتى الفرسان الذين أراد بهم أن يكونوا نماذج تمثل فضائل ~~معينة، لم يستطع أن يبرز فيهم تلك الفضائل، بحيث تميزهم من سواهم، فقد لا ~~يكون الفارس الذي جاء ليمثل فضيلة الاعتدال أكثر اعتدالا من سواه. وكذلك ~~المغامرات التي جعل الفرسان يخوضونها، متشابهة كلها، فلا بد للفارس أن يصادف ~~أفعوانا يصارعه ويصرعه، وعملاقا يقاتله ويقتله، وغانيات اشتد بهن الكرب ~~فيتقدم إليهن بالنجدة. # ويؤخذ على سبنسر إغراقه في الخيال وبعده عن الواقع، ثم قدرته على التدفق ~~اللفظي العجيب - فهي قدرة وامتياز، ولكنها انقلبت نقيصة ومأخذا في بعض المواضع ~~- لأنك تراه إذا ما بدأ وصف شيء راح يطنب ويطيل ويهلل إلى حد لا يحتمله ~~القارئ العادي؛ فلا يكاد مثل هذا القارئ يخطو في قصيدة من قصائد الكتاب، حتى ~~يشعر كأنما هو في متاحة لا يعرف لنفسه مخرجا منها، فالشاعر لا يفتأ ينعرج به ~~في الحنايا والمسالك، حتى يضل عن معالم الطريق. ولهذا قلما يصبر على قراءة ~~سبنسر إلا شاعر لا يضنيه أن يماشي زميله الشاعر في حناياه ومسالكه؛ لأن الشعراء ~~يطيب لهم المقام حيث الجمال، ليس لديهم سوى هذه الغاية غاية يتعجلونها؛ من هنا ~~كانت تسمية سبنسر بشاعر الشعراء، ومن هنا أيضا قيل عن «ملكة الجن» إنها ليست ~~قصيدة بالمعنى المألوف، وإنما هي جبل شامخ من الشعر ليس له إطار محدود ~~المعالم. # ولكن مع كل هذا الإغراق في الخيال والبعد عن الواقع، كانت حوادث العصر ~~وأعلامه البارزون تملأ ذهن الشاعر، فأخذ يشير إليها هنا وهناك في قصيدته، فإلى ~~جانب الغرض الرمزي الأساسي في ms0474 «ملكة الجن» - وهو تصوير الفضائل الاثنتي عشرة في ~~اثني عشر فارسا، بحيث يخلق بالصورة في مجموعها إنسانا كاملا - كانت هنالك ~~رموز أخرى تستشف منها تاريخ العصر، فملكة الجن نفسها هي اليصابات، و«دوسا» # 33 # التي رمز بها إلى الريف في الجزء الأول هي «ماري» ملكة اسكتلنده في ~~بعض المواضع، وهي «كنيسة روما» في مواضع أخرى، وفي الجزء الأول أيضا مخلوق ~~عجيب أطلق عليه الشاعر اسم «الخطأ» - وهذا من قبيل تشخيص المعاني - وقد أخذ هذا ~~«الخطأ» يتقيأ كتبا، وبهذا يشير الكاتب إلى مجموعة من الرسائل الثورية التي ~~نشرتها جماعة من الكاثوليك ضد اليصابات، والجزء الخامس كله دفاع رمز عن ~~السياسة التي اتبعها «لورد جراي» في أيرلنده، وهكذا وهكذا. # ولكي نقدم للقارئ صورة من هذه الآية الأدبية سنكتفي بعرض موجز للجزء الأول ~~الذي أراد به أن يصور القداسة ممثلة في «فارس الصليب» الأحمر، ولا تكمل الصورة ~~للقارئ إلا إن قدمنا بين يديه شذرة مما اعتزم الشاعر أن يورده في الكتاب ~~الثاني عشر، إذ مما هو جدير بالذكر عن «ملكة الجن» أن مقدمته أرجئت لتوضع في ~~آخره، فلما وجد الشاعر أن القراء تعذر عليهم الفهم، اضطر أن يقدم كتابه بخطاب ~~وجهه إلى «سير وولتر رالي» - وقد أسلفنا ذكره - يشرح فيه غايته. # فقد كان المفروض في الكتاب الثاني عشر أن تقيم «ملكة الجن» حفلا اعتادت أن ~~تقيمه كل عام، يدوم اثني عشر يوما، تقابل فيها الفرسان الاثني عشر، تخليدا ~~لمغامراتهم الاثنتي عشرة، التي بسطها الشاعر في أجزاء كتابه الاثني عشر، فإذا ~~بدأ الاحتفال يتقدم شاب ممشوق إلى الملكة، ويجثو بين يديها ملتمسا أن تخلع ~~عليه من نعمها، وما أراد من نعمة سوى أن توكل إليه مغامرة جديدة. # ولم يكد يفرغ الفارس الشاب من حديثه، حتى أقبلت فتاة رائعة الجمال اسمها ~~«يونا» ترتدي ثوب الحداد، وتمتطي حمارا أبيض، وخلفها قزم يقود جوادا حربيا ~~أعد بشكة الفرسان، وقدمت الفتاة شكاتها بأن أفعوانا ضخما قد أمسك بأبيها ~~وأمها، فألقاهما في سجنه، وتضرعت إلى ملكة الجن أن تبعث بفارس ms0475 من فرسانها ~~ليفتك بالأفعوان ويطلق سراح أبويها، وهنا وثب الفارس الشاب ملتمسا أن يعهد ~~إليه بهذه المغامرة الجديدة. ولم يعجب الفتاة أن يكون فارسها ذلك الشاب الناشئ، ~~لكنها عجزت عن رده، واشترطت لقبوله أن تلائمه الشكة التي جاءت بها، ~~فتناولها الشاب ولبسها، فإذا هي عليه أتم ما تكون اتساقا، فراق الشاب عندئذ ~~للفتاة واستصحبته. وهنا يبدأ الجزء الأول فيقص أنباء المغامرة، وإنما سمي ~~الفارس بفارس الصليب الأحمر؛ لأن علامة الصليب كانت منقوشة على الدرع: # فارس وديع على صهوة الجواد عبر البطاح، # يلفه قوي السلاح ويحميه درع قوي متين، # وبقيت في الدرع آثار قديمة لعميق الجراح، # فهي للمعارك الدموية التي خاضها دليل بشع مبين. # لكنه لم يكن حتى ذلك اليوم قد هز الحسام ، # وجواده الغضبان يعض على الشكيمة الراغية، # يأبى ازدراء أن يذعن للجام. # والفارس معتدل، وعلائم البشر عليه بادية، # كأنما هيئ لمنازلة الفوارس، وللمعارك الحامية، ~~••• # يحمل الصليب على صدره # أثرا عزيزا يذكره «بالسيد» الذي مضى # فقد حمل الصليب المجيد في سبيله الحبيب، # فهو يمجد «السيد» ميتا، كما لو كان حيا، # وكذلك ارتسم الصليب على درعه # آملا أملا عظيما، ما زال له معينا، # وهو إن قال أو فعل كان الأمين - المصيب - الصادق، # لكنه في بشره نم عن حزن عميق دفين، # لم يخف شيئا، وكان أبدا هو المخوف! # وركبت سيدة جميلة بجواره # حمارا وطيئا أنصع بياضا من الثلج الأبيض، # لكنها في بياضها أشد نصوعا، وإن سترت ذاك البياض # تحت غلالة عقدتها عند أسفل أطرافها، # وطرحت على كل ذاك ثوبا أسود، # كما يفعل من ضم الفؤاد على الأسى، وإنها لحزينة # جلست على مطيتها الوئيدة، وقد أثقل الهم قلبها، # فكأنما دست في سويدائها غما خبيئا، # وإلى جانبها ضمت حملا أبيض ناصعا. ~~••• # فهي كذاك الحمل براءة وطهرا # في حياتها وفي فضيلتها # هبطت نسلا لسلالة ملكية # من ملكات وملوك أقدمين، حملوا الصولجان يوما، # فامتد من الشرق إلى شاطئ الغرب ما يملكون، # وذلت لهم أعناق العالمين طرا، # حتى مرق عليهم في خسة شيطان مريد؛ # فأفسد أرضهم كلها ms0476 وأخرجهم منها هائمين، # وفي سبيل الثأر جاءت بهذا الفارس من قصي البلاد. ~~••• # وخلفها من بعيد تثاقل قزم سائرا، # فلعله من كسل تخلف آخرا، # أو لعله من نصب بما حمل من حقيبة # على ظهره حوت حوائجها، فلما أمعن الركب ماضيا، # تجهمت بغتة صفحة النهار بالسحاب، # وأنزل «جوف» في غضبته عاصفة هاطلة مروعة، # جاء مدرارها فاجئا سريعا؛ # فراح كل بدريئة يتقيها، # والتمس الفتى والفتاة كذلك منها ملاذا. ~~••• # لم يكن مناص أن يجدا ملاذا ~~قريبا # فأبصرا على مقربة منهما دغلا ظليلا، # أحيا فيهما أملا أن يدرآ عنهما هول العاصفة، # فأشجاره بواسق ألبسها الصيف ما يزدهي به، # وانتشرت أفنانها حتى أخفت ضوء السماء، # هيهات أن ينفذ خلالها نجم مهما بلغت قوته، # وانشق جوفها بعريض المسالك والمماشي ، # دقها المشاة بأقدامهم، وهي في قلب الغاب ضاربة # فبدت لهما مأوى جميلا، فدخلاها آمنين. ~~••• # أخذتهما النشوة فأخذا يتسليان في الغاية ماشيين، # حتى أفرغت العاصفة الهوجاء أنفاسها، # ثم شاءا الرجوع إلى حيث انحرفا عن جادة الطريق، # فلم يهتديا إلى الطريق وقد كان في البداية واضحا، # وأخذا يضربان في مجهول المسالك جيئة وذهوبا، # وكلما ظنا أن قد دنوا كانا في الحقيقة بعيدين! # فأخذتهما الريبة أن يكون مسهما جنون، # فما أكثر ما يشهدان من حنيات ومسالك! # حتى توزعتهما الشكوك أي سبيل يسلكان! ~~••• # وامتلأ الفارس الشاب حماسة وبسالة طامحة، # فأبى القرار في الغابة مهما كان الجزاء. # وفي جب مظلم اندفع داخلا، # ونظر في جوفه، وهنالك انبعث من شكته الناصعة # ضوء خافت ضئيل، ما كان بالظل أشبهه! # فانكشف له بالضوء مسخ ساذج الخلق كئيب، # شبيه الثعبان في نصفه، بشع مخيف، # وأما نصفه الثاني ففي هيئة النساء تبدى # ألا إنه لكريه، قذر، خبيث، يملؤه ازدراء خسيس. ~~••• # أصابه في حسه بهر لما أفزعته من الفارس قوته # لكن احتدمت غضبته فاستجمع في حوية أطرافه، # وما هو إلا أن ارتفع بجسمه وهو كأجسام الوحوش، # ارتفع به فوق الأرض عاليا وقد ضاعف قوته # ثم التفت منه مؤخرة كللتها الزعانف، # ووثب على درع الفارس وثبة جبارة فباغته # بذيلها الضخم ms0477 يلفه حول البدن # وعبثا جاهد الفارس أن يحرك قدما أو يدا # كان الله في عون الذي يلفه «الخطأ». # 34 # بذيل لا ينتهي. # واستطاع الفارس بعد لأي أن يتخلص من هذا المسخ القبيح، وخرج ~~تصاحبه «يونا» من جوف الغابة إلى حيث السهل الطليق، لكن ساحرا خبيثا - يدعى ~~«أر كماجو» - تنكر لهما في هيئة الراهب وباعد بينهما، فأخذت «يونا» من جديد ~~تضرب وحدها في الغابة: # وذات يوم كادت وعثاء الطريق تنهكها، # فترجلت عن دابتها الوئيدة الخطى، # وعلى النجيل أرخت دقاق أطرافها، # في مكمن ظليل بعيدا عن أبصار الرجال جميعا، # وخلعت عن رأسها الجميل عصابته، # واطرحت رداءها جانبا، فأضاء وجهها الملائكي # كما تضيء في السماء عينها الكبرى؛ # فشعت كضوء الشمس في ذاك المكان الظليل، # فما رأت مثل هذا الحسن السماوي عين من بشر. ~~••• # وشاءت الأقدار أن يخرج من أكثف الغاب # هزبر وثاب على غير ارتقاب. # يتصيد دماء الحيوان في نهم شديد، # فما كادت تقع العذراء الملكية تحت البصر، # حتى اندفع في شره فاغر الأنياب نحوها # ليفتك من فوره بجسمها الرقيق، # لكنه ما دنا من فريسته واقترب # حتى سكنت سورته العنيفة في ندم، # ووقف حيال ما يرى دهشا، فأنسي من نفسه سطوة حامية، # لم يفترسها، بل قبل قدميها المنهوكتين، # ولعق بلسانه المتذلل يديها وهما في بياض السوسن، # لأنه - فيما ظن - أساء إلى طهرها. # فكم للجمال من سلطان على أقوى الأقوياء! # وكم يخضع للحق البسيط خطأ منتقم؟ # ولبثت من خضعت في كبرياء وتكبرت في خضوع # تخشى منيتها، إذ طال من عينيها النظر، # ثم أخذ قلبها يذوب من فرط ما عطفت، # وأخذت تذرف الدمع مدرارا من إخلاص حبها، ~~••• # وأبى الهزبر أن يخلفها وحيدة، # فسايرها حارسا قويا، # يصون عفيف شخصها، وزميلا وفيا، # يشاطرها الهموم الحزينة والجد العاثر، # فإذا ما أخذت في نعاس كان حاميا وحارسا، # وإذا ما استيقظت كان لها خادما معينا، # مستعدا أن يكون رهينة ما تشاء، # يستمد الأمر من جميل عينيها، # فمن نظراتها يدرك ما تريد. # ولكن شاء حظها المنكود أن يفتك بالأسد فارس همجي ms0478 أرعن نقش ~~على درعه حكمة «خارج على القانون»، واختطفها على ظهر جواده وفر بها هاربا، ~~وكان «فارس الصليب الأحمر» قد التقى حينئذ بامرأة خادعة زائفة تسمى ~~«دوسا» سارت به إلى بيت يدعى «دار الكبرياء» حيث زج فيه سجينا. # أما «يونا» فقد أنقذها من براثن الفارس الخارج على القانون جماعة من آلهة ~~الغاب. ولما نمى إليها سجن فارسها، أسرعت في سبيله، وصحبها الملك أرثر ~~ليعاونها، وكان أن أخرج الفارس من سجنه، وأخيرا أوت «يونا» وحاميها الفارس ~~إلى مكان يطلق عليه «دار القداسة»، حيث علم فارس الصليب الأحمر أنه أمير ~~إنجليزي اختطفه الجن من مهده رضيعا، وأنبأه راهب أن اسمه الحقيقي هو «جورج»، ~~ثم تنبأ له أنه سوف يكون بين عباد الله الصالحين قديسا، وأن إنجلترا ستتخذ منه ~~شعار النصر. # واستأنفت «يونا» سيرها من «دار القداسة» يصحبها الفارس، فقصدا معا إلى برج ~~نحاسي يسكن فيه الأفعوان، ووقعت بين الفارس والأفعوان معركة مخيفة عنيفة ~~ارتجت لها الأرض ارتجاجا، وانتهت بموت الأفعوان، فأطلق والد «يونا» من ~~سجنهما، وكان ختام القصة زواجا سعيدا بين الفارس والفتاة. ~~••• # ذلك موجز للجزء الأول من «ملكة الجن» يبين كيف كان الشاعر يحلم في خياله، ~~وكيف كان يسوق القصة في مقطوعاته الشعرية. على أن «ملكة الجن» لم تكن وحدها ~~مجال نبوغه، فله قصيدتان أشرنا إليهما فيما سلف، هما «بروثالاميون» ~~و«إبثالاميون» وهما من أناشيد العرس قيلتا في مناسبات زواج كما سبق القول، ولئن ~~كان الشاعر في القصيدة الأولى قد سطا على إنتاج غيره سطوا جريئا، فقد مس ~~المادة المستعارة بسحر عبقريته، كما هي الحال دائما حينما يسطو أديب نابغ على ~~أديب. ومهما يكن من أمر، فالقصيدة الثانية تفضل الأولى، ومحال أن نقتبس شيئا ~~ونترك شيئا بغير إجحاف بالشاعر؛ لأنك لن تجد بيتا أجمل من بيت، وقوة القصيدة ~~في مجموعها، وروعتها في اتصال أنغامها من بدايتها إلى ختامها، وهاك مطلع ~~إبثالاميون (نشيد عرس): # افتحوا لحبيبتي أبواب المعبد، # افتحوها واسعة أمامها لتدخل، # زينوا الدعائم كلها بما يلائمها، # وزخرفوا العمد كلها بأنيق الأكاليل؛ # لتستقبل ms0479 هذه البتول بالتكريم الواجب # حين تدخل إليكم. # إنها بخطوات مرتعشات ووقار خاشع # تتقدم بين يدي الله العلي القدير، # تعلمن منها أيها العذارى طاعة الله، # إذا ما أتيتن بيوت الله كما جاءت اليوم، # تعلمن أن تطأطئن وجوهكن الشوامخ، # تعالين بها إلى المذبح الرفيع؛ # كي تشارك عنده في الحفل والشعائر # التي لا تزال تعقد زواجا بعد زواج. # مرن «الأراغن» الصداحة أن تعزف عاليا؛ # لتحمد الله في أنغام تنبض بالحياة، # ثم قلن بأصوات خواشع # للمرتلين أن يغنوا مرح الأناشيد، # فترددها الغابات كلها، وتدوي بأصدائها. ~~••• # اشهدنها واقفة أمام المذبح، # تنصت إلى حديث القس الأقدس # الذي يباركها بيديه السعيدتين، # فانظرن كم تحمر الورود في وجنتيها! # ويصطبغ بياضها الصافي بالقرمز الجميل! # كأنما هو في صبغته قرمزي أصيل، # فحتى الملائكة التي ما فتئت # حول المذبح المقدس قائمة، # نسيت فروض واجبها، وأخذت تحوم حولها، # فهي لا تني محدقة في وجهها، # فكلما أنعمت نظرا، ازدادت فتنة بجمالها. # لكنها ما زالت تصوب نحو الأرض عينين خاشعتين # يملؤهما حياء جميل، # فلا تأذن لبصرها أن ينحرف بنظرة واحدة # تثير في الأذهان أدنى ما ينم عن سوء، # لم تستحيين يا حبيبتي أن تسلمي يدك إلي؛ # لتكون لدي عهدا وميثاقا؟ # أنشدوا أيها الملائكة! ثم لله سبحوا؛ # لتردد أناشيدكم الغابات كلها، وتدوي بأصدائها. # ومن «بروثالاميون» (نشيد تمهيدي لعرس) نقتبس ما يلي: # هناك في المرج على صفة النهر # صادفت ببصري سربا من الحور، # كلهن من بنات هذا النهر الحسان، # تتدلى على ظهورهن ذوائب الشعر المخضر المنفوش؛ # لأن كلا منهن في ذلك اليوم عروس، # وكل منهن في يدها سلة من الصفصاف، # ضفرها دقيق من رقيق الغصون، # يجمعن فيها الزهور ليملأن بها المزاهر، # وبالأنامل الرقيقة كن يقطعن في مهارة # رقيق الغصون العالية. # ومن كل ما ازدهر فوق ذلك المرج # أخذن يقطفن شيئا، فمن البنفسج الأزرق الشاحب، # ومن الأقحوان الدقيق الذي يضم أوراقه في المساء، # ومن السوسن الغض وزهر الربيع الأصيل، # يصاحبها مئات من ورود القرنفل، # ليزين بها أزواجهن # يوم الزفاف، وإنه لوشيك الزوال. # يا نهر «التيمز» الجميل، تدفق ms0480 برفق حتى أتم نشيدي! ~~••• # ورأيت تمين # 35 # لونهما جميل، # يسبحان على الماء العكر في ترفق ولين، # لم أشهد قط أجمل منهما طائرين، # فلا الثلج المنثور فوق جبال «بندس» # 36 # كان يوما أنصع من الطائرين بياضا، # ولا «جوف» نفسه حينما تنكر في صورة التم # في سبيل حبه «لليدا» بدا أشد منهما بياضا، # مع أنه بلغ من بياضه - فيما يقال - بياض ليدا، # كل هذا لم يكن في بياض الطائرين ولا دنا منه، # لقد كانا من صفاء لونهما الأبيض، # بحيث بدا النهر الرقيق الذي احتواهما # كدرا ليس بهما خليقا، فأمر النهر موجه أن قف، # لا تبلل منهما ناعم الريش! # خشية أن يلوث بياض ريشهما بماء لا يدانيه بياضا، # أو يشوه ذلك الجمال الرائع، # الذي تلألأ مثل نور السماء # في يوم عرسهما، وإنه لوشيك الزوال. # يا نهر «التيمز» الجميل، تدفق برفق حتى أتم نشيدي. # أما «الترانيم الأربع» فكان الشاعر قد أنشد منهما اثنتين أول ~~الأمر، وكانت الأولى منهما تمجيدا «للحب»، والثانية تمجيدا «للجمال»، لكنه ~~عاد فاعتذر عنهما؛ لأنه كتبهما - كما يقول في مقدمة «الترانيم الأربع» عند ~~نشرها سنة 1596م بعد تمامها - «في أيام الشباب الغضة»، ثم شعر فيما بعد كأنما ~~صوت الوحي يدفعه دفعا أن يكتب ترنيمتين ~~أخريين عن الحب الإلهي والجمال السماوي ليصلح بهما أولئك الذين ضللتهما ~~الترنيمتان الأوليان اللتان امتدح بهما حب الإنسان وجمال الطبيعة، ولسنا ندري ~~فيم هذا الاعتذار كله؟ إنه في «ترنيمة الحب» يصرح أن الحب هو الدعامة التي ~~تمسك اتساق الكون فلا يتهافت أو ينهار، فالحب: # هو للعالم خالقه العظيم، وهو للأحياء # حافظ رحيم، وهو لكل شيء مولاه الحاكم. # والإنسان الذي لا يزال يحتفظ في دخيلته بقبس سماوي من أصله ~~الإلهي، يستطيع مستعينا بالحب أن يسمو عن القدرة المفطورة في تراب الأرض ~~الكثيف، حتى يصعد إلى ذروة السماء. وكذلك في «ترنيمة الجمال» ترى الشاعر يعلن ~~أن الجمال ليس في ظواهر الأشياء كما تبدو للعين، إنما هو سلطان خالد، هو سراج ~~«لن يخمد ولن يخبو ... لأنه وليد الآلهة ويستحيل عليه ms0481 الفناء.» وذلك لأنه «نموذج ~~مثالي» وضعه الخالق العظيم نصب عينيه حين شرع يصوغ الكائنات، فلما صفت روح ~~الإنسان لطفت مادة جسده؛ لأن «النفس صورة وهي التي تصوغ البدن.» # هكذا تلمس في ترنيمتيه الأوليين اللتين اعتذر عنهما فيما بعد؛ لأنهما ~~تصفان ما في الأرض من حب وجمال، تلمس فيهما - برغم اعتذار الشاعر - نزعة ~~أفلاطونية صريحة، استمدها من رجال النهضة الإيطالية، وهؤلاء بدورهم استمدوها ~~من أفلوطين # 37 # فيلسوف الإسكندرية الذي تأثر بفلسفة أفلاطون. # ومهما يكن من أمر، فلم يقتصر الشاعر في ترنيمتيه الأخريين «في الحب الإلهي» ~~و«في الجمال الإلهي» على النزعة الأفلاطونية، إنما أضاف إليها شيئا من الفلسفة ~~المسيحية، فأصبحت عاطفة الحب روحية خالصة، يتمثلها في التضحية بالمسيح، وأصبح ~~جمال العالم صورة لله، وصفحة نطالع فيها ما لله من خير وجمال؛ لأن كل ما هو ~~خير جميل. ~~(1-5) ميخائيل درايتن # Michael Drayton ~~(1563-1631م) # كانت مجموعة المقطوعات الشعرية «آستروفل وستلا» التي لم تنشر إلا سنة ~~1591م، أي بعد موت صاحبها «سدني» بخمس سنوات، هي كل ما شهده ~~الناس، حتى ذلك الحين من هذا الضرب من ضروب ~~الشعر، منذ أدخله «ويت» و«سري» في الأدب الإنجليزي، لكن لم تكد هذه ~~المجموعة تجد سبيلها إلى النشر، حتى أعقبها سيل دافق من المقطوعات، فبلغ ما ~~كتبه الشعراء منها بين عامي 1591 و1957م ما يزيد على ألفين، كان بينها المجموعة ~~التي أخرجها «إدمند سبنسر»، والتي أشرنا إليها عند الحديث عن هذا الشاعر، بل ~~كان شيكسبير نفسه ينشد مقطوعاته في تلك السنين، وكذلك كان بينها مجموعة أخرجها ~~«درايتن» الذي نتحدث الآن عنه. # إن عد الشعراء في عصر اليصابات - ~~فيما عدا كتاب المسرحية - كان «سبنسر» - كما أسلفنا - في طليعتهم جودة، وكان ~~«درايتن» تاليا له. وإنه ليمثل الشاعر في ذلك العهد من حيث تنوع الإنتاج، فهو ~~يقرض «المقطوعة» و«الحكاية المنظومة» و«القصيدة الغنائية» وطوال القصائد ~~التاريخية، بل إن «داريتن» ليعد في طليعة شعراء الموضوعات التاريخية في ~~عصره. ومما كتبه في هذا الباب «رسائل البطولة عن إنجلترا»، # 38 # نظمها في قافية مزدوجة (لكل ms0482 بيتين قافية واحدة) وقوام كل بيت ~~عشرة مقاطع. ومن بين تلك الرسائل التاريخية رسالة بعثت بها «جيرالدين» إلى ~~حبيبها «سري»، وأخرى أرسلتها الملكة «كاترين» إلى «أون»، # 39 # وثالثة وجهتها «روزامند» إلى هنري الثاني، وله كذلك «حروب البارون» # 40 # يقص فيها قصة «مورتمر» والملكة «إزابل» واغتيال إدورد ~~الثاني، وهي مكونة من أجزاء مثمنة الأبيات، على أن خير ما كتبه «درايتن» من ~~الشعر التاريخي قصيدته «حكاية منظومة عن وقعة أجنكورت»، # 41 # وله غير ذلك كله قصيدة هي أطول قصائده، عنوانها «بولياولبيون» # 42 ~~- ومعناها أرض النعم الكثيرة - كتبها في البحر الإسكندري ~~وبالقافية المزدوجة، # 43 # وهو في هذه القصيدة يبسط تاريخ بريطانيا وجغرافيتها وأساطيرها، ~~وكانت قصة «أرثر» الأسطورية بين ما أورده الشاعر من تلك الأساطير، وللشاعر فوق ~~هذه القصائد التاريخية قصيدة ممتعة - لعلها أمتع ما جادت به قريحته الشاعرة - ~~عن الجن عنوانها «نمفيديا» # 44 ~~- بلاد الجن - يقص فيها قصة غرام بين جنية تدعى «تيتانيا» وجني ~~يسمى «بجوجن» وما يحسه «أوبرن» في ذلك من غيرة. # مثال من مقطوعاته الشعرية: # طغت على «الحب» نزوة مالت به إلى الإسراف، # وأدب للحس مني وليمة وقورة ودعاه، # ثم أضاف من كرم إلى الرفاق رفيقا؛ # إذ دعا قلبي ليكون بين الأضياف ضيفا أولا. # ولم يرض هذا المنهوم أن يدير شرابا # سوى عبرات مني غوال تقطرها محاجري، # فاحترق هذا العربيد بحر أنفاسي، # وأخذ يعب الكئوس من هذا الخمر الثمين، # فلما غلبه في شرابه إفراط بغيض # تمثل فيه من فور مسلك المأفون المختال، # وأخذ في الوليمة من سكره # يفتك بعزيزه الحبيب، وهو قلبي الرحيم، # هكذا ترون في ذاك - يا أحبائي - نذيرا رقيقا؛ # فتدركون ما يصيبكم إن أبقيتم على زميل سكران. # وهذا مثال من «رسائل تاريخية»، وهي رسالة بعث بها الملك هنري ~~إلى روزامند ردا على خطابها: # الزهرات الرقاق التي تقطر طلها المعسول، # والتي - كما تقولين - تسفح فوق حذائك عبرات، # ليست تئن - أي روزامند الجميلة - لجريرة اقترفتها، # إنما هي ترثى إذ رأتك ماضية عنها سريعة، # لأنه إن مس النبات السام قدماك إذ تسيرين ms0483 # انقلب ذاك النبات السام أحلى من الورود. ~~••• # ها هي صيحات القتال العنيفة داوية في معسكري # لكن صدري يرتج بصراع أهول من صراع القتال، # فإن ضجت المعركة كانت صيحتي # اسم روزامند الجميلة، وإنه لاسم كريم، # ألا لعنة الله على قلب، أو لسان، أو نفس # يجري بموتك خاطرا، أو حديثا، أو همسا، # فإن في ابتسامة واحدة من عينيك أو أدنى، # حياتي، وأملي، وانتصاري. ~~(1-6) جورج تشابمان # George Chapman ~~(1559-1634م) # أقبل شعراء عصر اليصابات على روائع الأدب اليوناني والأدب الروماني يترجمونها ~~إلى الإنجليزية، فكما ترجم «نورث» # 45 # كتاب بلوتارك «حيوات متوازية» في نثر إنجليزي، قام تشابمان بترجمة ~~الإلياذة والأوذيسية - ملحمتي هومر الخالدتين - في شعر جيد، أما الإلياذة فقد ~~أجراها في أجزاء يتألف كل جزء منها من أربعة عشر بيتا، وأما الأوذيسية فقد ~~استخدم فيها القافية المزدوجة، وترجمته للإلياذة على وجه الإجمال أقوى وأجود، ~~وعلى كل حال فقد جاءت الترجمة كلها من القوة، بحيث استثارت إعجاب الأدباء، ولعل ~~خير ما جوزيت به من ثناء الشعراء مقطوعة شعرية «لكيتس» # 46 # عنوانها: «عندما طالعت هومر للمرة الأولى في ترجمة تشابمان»، ولم ~~ينافس تشابمان في ترجمة هومر إلا «بوب» الذي ظفرت ترجمته بالإيثار خلال القرن ~~الثامن عشر، لكن هذا لا ينفي الحقيقة التي كاد يجمع عليها رجال النقد، وهي أن ~~تشابمان كان أقرب من «بوب» إلى روح الشاعر اليوناني. # وما دمنا بصدد الترجمة في عصر اليصابات، فخليق بنا أن نثبت في هذا الموضع ~~أنه كان بين ما ترجم عندئذ من آيات الأدب القديم قصيدة «أورلاندو فيور يوزو» ~~لأريوستو وقد نقلها «سير جون هارنجتن» # 47 # سنة 1591م، وقصيدة «إنقاذ بيت المقدس» لتاسو، وقد نقلها «فيرفاكس». # 48 ~~(2) النثر في عصر اليصابات ~~(2-1) القصة # ظهر في عصر اليصابات نوعان من القصة: نوع يريد به كاتبه تسلية العظماء من ~~رجال القصر، فيجعل أبطاله وأشخاصه من الأشراف والسادة، ونوع يدور حول الطبقتين ~~الوسطى والدنيا من طبقات المجتمع، يخوض فيه الكاتب في صميم الحياة الواقعة، ~~ويقصد به إلى قراء الطبقة الوسطى. # أما النوع ms0484 الأول فمن أبرز أعلامه «للي» و«سيرفلب سدني» و«جرين» و«لدج»، ~~وأما النوع الثاني فأهم من كتب فيه «تومس دلوني». ~~(أ) جون للي # Gohn Lyly ~~(1554-1606م) # لسنا ندري عن حياته إلا قليلا؛ فقد تخرج في عامه التاسع عشر في جامعة ~~أكسفورد، وأنفق معظم سنيه متصلا بالقصر، ومن أجل القصر أخرج ما أخرج من ~~روايات مسرحية سنعرض لها حين نعرض لرجال المسرحية في ذلك العصر. # وأعظم ما جادت به قريحة هذا الكاتب العظيم كتاب «يوفيوز» # 49 # وهو جزآن، جزء عنوانه «يوفيوز، أو تحليل للفطنة»، وجزء آخر ~~عنوانه «يوفيوز في إنجلترا». # و«يوفيوز» هذا شاب آثيني من السادة الأغنياء، أخذ يطوف في إيطاليا، ~~فيناقش من يصادفه أثناء رحلته ويكتب الرسائل لأصدقائه، فيتخذ لأحاديثه ~~ورسائله موضوعات من الدين وتربية النشء وما إلى ذلك من موضوعات تستثيرها ~~في نفسه الحوادث العارضة العابرة التي تلاقيه في أسفاره، وهو إنما يقصد في ~~كل ما تحدث به أو راسل به الأصدقاء إلى دروس خلقية في الفضيلة؛ ففي ~~الجزء الأول تتوشج أواصر الصداقة بينه وبين «فلاوطس»، # 50 # ويأخذ الصديقان معا في خوض المخاطر مدفوعين بحبهما لابنة حاكم ~~نابلي، وهي فتاة تدعى «لوسلا»، # 51 # ثم تنتهي الرحلة بعودته إلى جامعة أثينا. وفي الجزء الثاني ~~يزور «يوفيوز» إنجلترا وفي صحبته صديقه «فلاوطس»، ثم يعود إلى أثينا مرة ~~أخرى لينتبذ منها مكانا معتزلا، تاركا صديقه، وقد سعدت حياته ~~بالزواج. # على أن ما يستوقف النظر في هذا الكتاب هو أسلوبه الذي كانت له خصائص ~~واضحة جعلت النسبة إلى «يوفيوز» صفة تشير إلى لون معين من الكتابة، ~~فالأسلوب اليوفيوزي هو الذي يكثر فيه التقابل بين أجزاء الجملة، فترى الصدر ~~نقيضا للعجز أو مقابلا له على نحو ما، بحيث يتم للجملة توازن في السمع ~~وهو ما يسمى بالمزاوجة، وكذلك ترى الأسلوب اليوفيوزي مسرفا في الشواهد ~~يسوقها من الأساطير ومن تراجم العظماء، بل يستمدها من الحقائق العلمية عن ~~ظواهر الطبيعة، وتراه أيضا يكرر الكلمة الواحدة تكرارا يريد به المقابلة ~~بين أجزاء الجملة، ويحاول جهده أن يدل جرس اللفظ ms0485 على المعنى. وبعبارة أخرى ~~أراد «للي» - منشئ هذا الأسلوب - أن يكتب نثرا فيه كل ما يستوقف السمع ~~من خصائص النظم، لكننا لا نستطيع - رغم ذلك - أن نعد كتابته قصيدة من ~~الشعر المنثور؛ لأنه إن وفق في محاكاة النظم في أيسر جوانبه، فقد فاته ~~لب الشعر وصميمه، وهو ذلك الروح الحساس المرهف الذي يجعل الشعر شعرا، ~~فهو يعلم أنه يكتب قصة فيها الخيال وفيها الغرام، ويعلم أن مثل هذه القصة ~~لا بد لها - فيما جرى به العرف حتى ذلك الحين - أن تتخذ النظم أداة ~~للتعبير، فلا مناص له إذن عن اصطناع أدوات النظم، لكنه في الوقت نفسه يريد ~~أن يكون في كتابه واعظا يبشر بالأخلاق الفاضلة، وليس الوعظ مجال الشعر. ~~وهكذا تجاذب الكاتب محوران، فسقط صريعا بين المحورين، فلا هو الشاعر الحق ~~في روحه، ولا هو الناثر الحق في أسلوبه، لكن عصر اليصابات لم يكن يفرق بين ~~قصة تطير بجناح الخيال وبين موعظة خلقية، فلم ير في أسلوب «للي» شيئا ~~مما نأخذه عليه اليوم، بل ذاع اسمه في الطبقة العليا ذيوعا بعيد المدى، ~~فكان «البدع» بين سيدات الطبقة الرفيعة أن يجري الحديث بالأسلوب ~~اليوفيوزي المنمق المزخرف، وجرى في إثرهن من كان يبغي رضاءهن من ~~العاشقين. # وهاك نموذجا قصيرا من نثره لعله يوضح بعض خصائص أسلوبه التي ذكرنا: # أراك قد ثقل على نفسك أن تتهم في غير إثم، وأن تنفى بغير ~~علة، لكني أعدك سعيدا لخلاصك من حاشية القصر، ولطهارة ذيلك من ~~الجرم. إنك تزعم أن النفي مرير لمن ولد حرا، لكني أظنه أجدى ~~عليك إذا برئت من مواضع اللوم، هنالك أطعمة كثيرة مذاقها مر في فم ~~الإنسان ووقعها أليم في معدته، لكنك إن مزجتها بألوان المرق السائغ ~~جعلت مذاقها شهيا وغذاءها صحيا في آن معا. وهنالك ألوان ~~كثيرة هي للعين أذى، فإن خلطت بها اللون الأخضر أصبحت للبصر ~~شاحذة. وإنما قصدت بهذا القول أن نفيك وإن بدا لك محزنا، ففي ~~وسعك أن تهتدي بهدي الفلسفة فتهون من كربه. إن من يحس ms0486 البرد ~~لا يدثر نفسه بالهم، بل بالثياب يلبسها، وإن من تبلله الأمطار ~~لا يجفف نفسه بخياله، بل بالنار يصطليها. وأنت يا من أصابك نفي ~~لا ينبغي أن ترثي لحالك بالدموع، بل عليك بالحكمة فهي بلسم ~~جرحك. ~~(ب) سير فلب سدني # اشتهر «سدني» في عالم النثر بقصته «أركاديا»، # 52 # وهي من القصص التي تعالج أمورا يقصد بها إلى إمتاع الطبقة ~~الرفيعة. وقد فرغ سدني من كتابة قصته هذه سنة 1580م، لكنها لم تنشر إلا بعد ~~كتابتها بعشرة أعوام، وقد كانت غايته الأولى من تأليفها أن تتخذ منها ~~شقيقته «كونتس بمبروك» # 53 # وسيلة للتسلية. وهي قصة أميرين يونانيين كانت لهما مغامرات ~~ومخاطرات، ولكل من هذه المغامرات والمخاطرات قصة، وإذن فأركاديا مجموعة من ~~حكايات كتب بعضها على غرار حكايات الفروسية التي شاعت في العصور الوسطى، ~~وكتب بعضها الآخر على نسقي الأدب الريفي الذي يعنى بوصف الريف وحياته ~~الساذجة. # وأما الأسلوب فشبيه بالأسلوب اليوفيوزي الذي حدثناك عنه عند الكلام على ~~«جون للي». ووجه الشبه بينهما هو الزخرفة والتزويق، إلا أن سدني كان أقل من ~~زميله «للي» في اصطناع فنون البيان والبديع، فكان في بعض المواضع أطلق ~~روحا وأقرب إلى النثر الشعري الصحيح. # وللكاتب أثر نثري آخر هو «دفاع عن الشعر» سنحدثك عنه بعد قليل حين ~~نستعرض أدب النقد في عصر اليصابات. ~~(ج) روبرت جرين # Robert Greene ~~(1560 ~~تقريبا - 1592م) # هو أيضا من كتاب القصة للطبقة الراقية، كما كان «جون للي» و«فلب ~~سدني»، وهو في قصصه يتأثر خطو «يوفيوز» في أسلوبه، وينسج على منوال ~~«أركاديا» في سياق القصة. # تخرج «جرين» في جامعة كامبردج، وله من العمر عشرون عاما، وعندئذ شد ~~رحاله إلى القارة الأوروبية يجول في أقطارها وربوعها مسايرة للروح السائدة ~~عندئذ بين شباب ذلك العصر، ولبث في رحلته عامين أو ثلاثة، فزار إيطاليا ~~وإسبانيا حيث «شهدت ومارست من ألوان الفجور ما يروعني أن أذكره!» ولما بلغ ~~الثلاثين من عمره نشر قصة «باندوستو» # 54 # أو انتصار الزمن، فكانت هذه القصة أساسا لرواية من أروع ~~روايات ms0487 شيكسبير هي «قصة الشتاء». # عاش «جرين» - كما عاش كثير من أدباء العصر - حياة مستهترة، وانتهى به ~~الأمر إلى فقر وإفلاس، فمات في بيت حقير لحذاء فقير، ويقال إن زوجة ~~الحذاء توجت رأس الأديب عند موته بإكليل من الغار. # وهاك مثالا من قصة «باندوستو» يمثل سياقه في النثر: # وا أسفاه أيها الرضيع الوديع البائس! إنك لم تكد تشهد النور، حتى ~~حسدك الدهر، فيا ليت يوم ميلادك كان ختاما لحياتك؛ إذن لختمت ~~بذلك هموم أبيك، وحلت دون مرارة نفسه. ومهما يكن لك من وزر فلست ~~تستحق كل هذه النقمة المضطرمة؛ فقد كانت أيامك أقصر من أن تستوجب ~~هذه الضربة الحامية. لكن موتك هذا الذي جاء وشيكا لا بد أن يشفع ~~لأمك آثامها ... أفأسلمك للدهر أيها الرضيع الوديع، والدهر قد ~~صب عليك نقمته؟ أتكون أمواه البحر مثواك، والقارب الصلب ~~مهدك أتعصف بثغرك الرفيق هوج العواصف بدل أن تلثمه القبل ~~الحنون؟ أتكون الرياح الصافرات أنشودة مهدك، ترقد على أنغامها ، ~~ويكون رغاء البحر الأجاج في مكان اللبان المستساغ؟ # وا أسفاه، أي المقادير قد أرادت لك هذه النازلة الفادحة؟ دعني ~~ألثم شفتيك أيها الرضيع الوديع وأبلل بدمعي وجنتيك ~~الرقيقتين، دعني أطوق جيدك بهذه السلسلة، حتى إذا ما أنجاك ~~«الدهر» ساعدتك على النجاة. لئن كان محتوما عليك أن تغوص في ~~اليم المخيف، فها أنا ذا أودعك بقبلة حزينة، وأضرع إلى الآلهة ~~أن تحالفك في رحلتك. # لكن «روبرت جرين» كان أعظم في المسرحية منه في كتابة النثر، فلنا إليه ~~عودة حين نعرض كتاب المسرحية في عصر اليصابات. ~~(د) تومس دلوني # Thomas Deloney ~~(1543 ~~تقريبا - 1600م) # ذكرنا ثلاثة من أصحاب القصة التي قصد بها كتابها إلى الطبقة الرفيعة، ~~والتي اختارت لأشخاصها نفرا من النبلاء أو السراة، وها نحن نختم الحديث ~~عن القصة في عهد اليصابات بكاتب يمثل الضرب الثاني الذي يعالج حياة الطبقة ~~الوسطى، وهو «تومس دلوني» الذي يعد أبرع من كتب في هذا الضرب إذ ذاك، ~~وقد كان نساجا، أنفق معظم سنيه في لندن، وأنشأ قصتين وهما «تومس ms0488 من أهل ردنج»، # 55 # وهي تدور حول رجل قماش و«جاك من أهل نيوبري»، # 56 # التي أهداها إلى جماعة النساجين، ذلك فضلا عن مجموعة قصص ~~عالج فيها حياة الأساكفة، وأطلق عليها «الصناعة الرقيقة»، # 57 # وقد اتخذ أحدها كاتب مسرحي فيما بعد، هو «دكر» # 58 # أساسا لرواية له عنوانها «عطلة الحذاء». ولعل أعظم أثر ~~خلفه «دلوني» في تاريخ القصة - مما جعله قمينا أن يسجل في صفحات ~~التاريخ الأدبي - هو أولا: نقله موضوع القصة من طبقة النبلاء إلى الطبقة ~~الوسطى، وتحركه في جو من الأمانة والشرف، بعد أن كانت القصة التي تكتب ~~لحاشية القصر تختار بين أشخاصها رجلا محتالا متشردا ليتفكه قارئوها ~~بخبثه وخداعه. وثانيا: تصويره للحياة في لندن في عصره تصويرا قويا ~~ناصعا. ~~(2-2) الترجمة # وأعظم ما جرى به القلم نثرا في عهد اليصابات مما ترجمه المترجمون عن الأدب ~~القديم والأدب المعاصر، كتابان كان لهما أثر قوي في شيخ أدباء ذلك العصر - ~~شيكسبير - فقد ترجم «تومس نورث» # 59 # كتاب بلوتارك «حيوات متوازية» عن ترجمة فرنسية «لأميو »، # 60 # وقد استطاع «نورث» أن يسوق عبارته في نثر سلس قوي، وكانت هذه ~~الترجمة معينا لشيكسبير استقى منه رواياته الرومانية مثل «يوليوس قيصر» ~~و«أنطون وكليوبطره»، حتى ليقال إن شيكسبير قد نقل عن المترجم عبارات بأسرها ~~دون أن يدخل عليها تغييرا يذكر. # وكذلك ترجم «جون فلوريو» # 61 # كتاب «المقالات» للكاتب الفرنسي «مونتيني»، وإن يكن في نثره أقل ~~جودة من زميله «نورث»، وكانت «المقالات» أيضا مما أعان شيكسبير على إعداد ~~مادته. ~~(2-3) النقد الأدبي # النقد الأدبي لون من الأدب يأتي دائما في مرحلة متأخرة من مراحل التاريخ ~~الأدبي؛ لأن العقل مصدره، ونتاج العقول يتخلف في الظهور عن نتاج القلوب، كما ~~بسطنا في الجزء الأول من هذا الكتاب؛ لذلك لم يكن عجيبا أن تظهر باكورة النقد ~~الأدبي في إنجلترا سنة 1580م، وكانت تلك الباكورة الأولى رسالة «للسير فلب ~~سدني»، الذي حدثناك عنه شاعرا وقصاصا، وهي «دفاع عن الشعر». # 62 # ومما يستوقف النظر في هذه الرسالة النقدية رأي «سدني» في ms0489 الشعر، إذ لا يرى ~~النظم ضرورة من ضروراته، استمع إليه يقول: ~~... نعم إن الكثرة العظمى من ~~الشعراء قد ألبسوا إنتاجهم الشعري ثوبا من الإنشاء الموزون الذي نطلق ~~عليه اسم النظم، لكن ليس النظم الموزون إلا زخرفا لا يبرر أن يجعل من ~~الكتابة شعرا. وحسبك أن تعلم أن كثيرين من أنبغ الشعراء لم ينظموا، ~~وإننا نشهد اليوم حشدا من الناظمين يستحيل أن نسلكهم في زمرة الشعراء ~~... إن القافية والوزن لا يجعلان من الرجل شاعرا، كما لا تجعل العباءة ~~الطويلة الواسعة من لابسها محاميا، وليس المحامي الذي يرافع في شكة ~~حربية جنديا محاربا، إنما العلامة التي تميز الشاعر هي تلك الصور ~~الخيالية الرائعة، التي يرسمها الشاعر للفضائل والرذائل وما إليها، ~~فيكون منها درسا تتلقاه النفس في ارتياح. نعم إن قادة الشعراء قد ~~رأوا في النظم أجمل ثوب يلبسونه إنشاءهم؛ وذلك لأنهم يريدون أن يمتازوا ~~عن سواهم في طريقة الأداء كما يمتازون في المعاني سواء بسواء، فهم لا ~~يرسلون الحديث كما يرسله المحدثون، ولا يلقون الألفاظ من أفواههم كما ~~اتفق كأنما هم يحلمون، بل تراهم يقدون كل مقطع في كل لفظة بنسب ~~مضبوطة تتناسب مع جلال الموضوع. # وحارب «سدني» في هذه الرسالة أيضا ~~ميل الكتاب في عصره إلى التكلف والإغراب في اختيار اللفظ وصياغة العبارة، ~~فهو يريد طلاقة التعبير وسلاسته، ووضوح التصوير ونصوعه، وهو ينقد كذلك خروج ~~الكاتب المسرحي على قاعدة «الوحدات»، فهنالك مذهب في الرواية التمثيلية يحتم ~~على الكاتب أن يلتزم «وحدات» ثلاثا؛ فلا بد أن تقع حوادث الرواية كلها في ~~مكان واحد، ولا بد أن تتم حوادث الرواية كلها في يوم واحد، ولا بد أن تتصل ~~حوادث الرواية كلها بسلك واحد. لكن فريقا من كتاب المسرحية في عصر اليصابات ~~آثر الخروج على هذه القيود، فنقدهم «سدني» بهذه العبارة الآتية التي يوجهها ~~بصفة خاصة إلى رواية «جور بودك»: # 63 ~~... إنها أخطأت في المكان والزمان معا، وهما لازمان ضروريان لكل ما ~~يؤديه الناس من أعمال، فالواجب أن يمثل المسرح مكانا واحدا، ~~وأن يكون ms0490 الحد الأقصى للزمن المفروض ~~للرواية يوما واحدا، تبعا للمبدأ الذي وضعه أرسطو ولما تمليه ~~الفطرة السليمة، لكنك ترى في هذه الرواية أياما عدة وأماكن عدة لا ~~تتفق في تصورها مع قواعد الفن. # ولئن كان ذلك كذلك في رواية جور بودك، فلقد أسرفت سائر المسرحيات في ~~ذلك إسرافا شديدا، فقد تشهد آسيا على جانب من المسرح، وأفريقيا على ~~جانب آخر، وقد يكون هنالك أيضا من الأقطار عدد كثير، بحيث لا يجد ~~الممثل عند دخوله على المسرح مناصا من افتتاح حديثه بإيضاح يدل على ~~مكانه، وإلا تعذر فهم الرواية! فقد ترى حينا ثلاث نساء سائرات يجمعن ~~الزهور، وإذن فلا بد لك أن تتخيل حديقة على المسرح، ولكنك لن تلبث ~~قليلا حتى تجيئك الأنباء بأن سفينة تحطمت في هذا المكان بعينه، وإذن ~~فلنا الويل إذا لم نصور لأنفسنا ذاك المكان صخرة، ثم ما هو إلا أن ~~يتبدى لك وحش مخيف يبعث الدخان واللهب، وإذن فعلى النظارة المنكودة ~~أن تتخيل هنالك كهفا، وما هي إلا لحظة حتى يندفع في المسرح جيشان ~~تمثلهما أربعة سيوف؛ وإذن فأين هذا القلب الغليظ الذي لا يتصور المسرح ~~حومة للقتال العنيف؟ # وهم في وحدة الزمان أكثر تحللا من قيودهم، فليس بمستغرب عندهم أن ~~تلتقي أميرة شابة وأمير فيقعا في شراك الحب، وما هي إلا مرات تغدو ~~فيها الأميرة على المسرح وتروح حتى تلد طفلا، وإذا بالطفل يافع جميل، ~~ثم يضل اليافع ويشب رجلا ويقع هو كذلك في شراك الحب، ويتأهب لإنسال ~~طفل جديد، وكل هذا في زمن طوله ساعتان ... # هكذا كتب «سدني» رسالة «دفاع عن الشعر»، وتستطيع أن تلمح خلال النماذج ~~المترجمة استقامة تعبيره ووضوح معانيه، فهو في هذه الرسالة لا يثقل نفسه ~~بالتكلف الذي التزمه في قصته «أركاديا» فأفسد عليه كتابته بعض الشيء. ~~(3) المسرحية قبيل شيكسبير # كان قد نشأ عدد من المسارح اشتدت بينها المنافسة، وحرص كل منها أن يحتجز لنفسه ~~مجموعة من الروايات التمثيلية يسابق بها منافسيه، كما حرص كل منها كذلك أن يطالع ~~الجمهور بروايات جديدة ms0491 بين حين وحين، لهذا تسابق أصحاب المسارح في استخدام ~~الممثلين والكتاب الذين في وسعهم أن يحوروا من الروايات القديمة لتبدو أمام ~~النظارة في ثوب جديد، ولقد لبث شيكسبير نفسه أعواما لا يعدو بفنه حدود التغيير ~~والتحوير، فلما دنا القرن السادس عشر من ختامه ظهرت طائفة من كتاب المسرحية أطلقت ~~على نفسها «فطناء الجامعة»؛ # 64 # لأن رجالها تخرجوا في جامعتي أوكسفورد وكيمبردج، وأراد فطناء ~~الجامعة أن يعيشوا بأقلامهم، فعرضوا على المسارح بضاعتهم من روايات بعضها تحوير ~~للقديم، وبعضها جديد مبتكر، وإنما أطلق هؤلاء الكتاب على أنفسهم هذه الكنية ~~ليمتازوا بها من فريق الكتاب الذين لم يدرسوا دراسة جامعية، وكانوا بالطبع يلمون ~~بما خلفته الآداب القديمة في الفن المسرحي، فيعلمون ما كتبه «بلوتس»، # 65 # وما تركه «سنكا» # 66 # من أدباء الرومان، وحاولوا جهدهم أن يطبعوا أذواق الناس على هذا النمط ~~الموروث من المسرحية، وقد أنتج فطناء الجامعة هؤلاء طائفة كبيرة من المآسي ~~والملاهي، ومن الروايات التي تمزج بين المأساة والملهاة، وهذا ضرب جديد من ~~المسرحية يميز المحدثين عن القدماء. # وأشهر هؤلاء «الفطناء»: «مارلو» # 67 # و «جرين» # 68 # و«ناش» # 69 # وهم من أبناء كيمبردج، ثم «للي» # 70 # و«بيل» # 71 # و«لدج»، # 72 # وهم من أبناء أكسفورد. ~~(3-1) جون للي (1554-1606م) # لقد حدثناك عنه قصاصا، وقدمنا بين يديك كتابه «يوفيوز» الذي هو عماد شهرته ~~الأدبية، والذي خلق في الأدب أسلوبا متميزا بخصائصه، وها نحن نعرضه مسرحيا ~~شق طريق الرواية التمثيلية أمام بطلها الجبار وليم شيكسبير، كتب «للي» تسع ~~ملاه قصد بها إلى متعة رجال القصر، منها رواية «المرأة التي في القمر»، # 73 # وقد كتبها على غرار الشعر الوسيط، فاختار له حلما وجعل شخصياتها ~~معاني مشخصة، فمن أشخاصها «الطبيعة» و«الاتساق» و«التنافر»، ومن ملاهيه «انديميون» # 74 # و«سافو دفاو» # 75 # و«إسكندر وكامباسبي» # 76 # و«ميداس» # 77 # و«الأم بمبي» # 78 # و«جالاتيا» # 79 # و«تحول الحب» # 80 # وكلها نثر إلا «المرأة التي في القمر» فقد كتبها شعرا. # وكان «للي» يكثر في رواياته تلك من القصائد الغنائية وأروعها القصيدة الآتية ~~التي وردت في ms0492 «إسكندر وكامباسبي»: # جلس «كيوبد» وحبيبتي «كامباسبي» يلعبان # الورق، وللرابح منهما قبلات، فخسر كيوبد، # فقد قامر بكنانته وقسيه وسهامه، # ثم قامر بما ملكت أمه من حمائم وعصافير، # فضاعت كلها منه، ثم طوح # بعقيق شفتيه، وبالورد # الذي ازدهر على خديه (وليس يدري أحد كيف استطاع)! # ثم ألقى مع العقيق والورد بلور جبهته، # وبعدئذ طوح بنونة ذقنه # وقمرته حبيبتي «كامباسبي» كل هؤلاء، # وأخيرا أسلم لها عينيه، # فربحتهما ونهض كيوبد من لدنها ضريرا، # وا أسفا - أيها «الحب» # 81 ~~- أصنعت فيك كل ذاك؟ # فيا ويحي! ما عسى أن يكون مصيري! # وجدير بنا أن نذكر فضلا ل «للي» على شيكسبير؛ فقد ترسم شيخ ~~المسرحية خطوه في روايتين من رواياته، هما «جهد الحب ضائع» و«حلم ليلة في ~~منتصف الصيف». ولعل أبقى أثر ل «للي» في تاريخ المسرحية استخدامه النثر في ~~تأليفها، وقد برع في إدارة الحوار براعة كانت لشيكسبير بمثابة النموذج فاحتذاه، ~~وكان مما أخذه عنه شيكسبير كذلك إدخال القصائد الغنائية في مواضع مختلفة من ~~الرواية التمثيلية، وتنكر البطلة الأنثى في هيئة الغلام، واستغلال هذه ~~الحيلة المسرحية في وقت كان يمثل الغلمان فيه أدوار النساء، ولو أن حيلة ~~التنكر هذه كانت شائعة لم تقتصر على «للي» دون سواه. ~~(3-2) جورج بيل # George Peele ~~(1558 تقريبا - ~~1597م) # هو من طائفة الجامعيين الذين أمدوا المسرح بإنتاجهم، وكان أهم ما أنتجه ~~«محاكمة بارس» # 82 # و«تاريخ إدورد الأول» # 83 # و«حكاية الزوجات العجائز» # 84 # و«داود وباتشيبع»، # 85 # ثم رواية أخرى يرجح المؤرخون نسبتها إليه وهي «معركة ~~القصر». # أما «محاكمة بارس» فتعرض لنا بارس وقد مثل بين يدي زيوس ليحاكمه على إيثاره ~~فينوس بالتفاحة، فقد كانت نشبت بين الآلهة خصومة إذ ألقت إلهة الشقاق «إيزيس» ~~بين الأضياف في حفلة عرس تفاحة نقشت عليها هذه الكلمات «إلى ربة الجمال»، وكان ~~بين الحضور ثلاث إلهات هن «جونو» و«فينوس» و«مينرفا»، وكل منهن تزعم لنفسها ~~السيادة في دولة الجمال، وترى أنها أولى من زميلتها بالتفاحة، فقرر كبير الآلهة ~~أن يكون «بارس» ابن ملك طروادة حكما بين الإلهات ms0493 الثلاث، فحكم بارس لفينوس. # 86 # وترى الشاعر في رواية «محاكمة بارس» يستخدم أوزانا منوعة؛ فهو يستخدم ~~حينا طوال الأبيات المقفاة، وحينا آخر القافية المزدوجة، وحينا ثالثا ~~يكتب شعرا مرسلا وهكذا. وهو يجعل الأشخاص الذين يمثلون «القدر» - جريا على ~~طريقة القدامى - يتكلمون اللاتينية، ثم هو يجري أغنية باللغة الإيطالية على ~~لسان «هلن»، ولعله التزم كل هذا ليدل على دراسته الجامعية العلمية التي كانت ~~مصدر زهو لتلك الطائفة جميعا. # وأما «تاريخ إدورد الأول» فجديرة بالذكر؛ لأنها تحدد مرحلة التطور التي ~~بلغتها طريقة الكتابة التاريخية، فهي حلقة وسطى بين أنباء التاريخ كما كانت ~~تكتب قديما وبين التاريخ كما أجراه شيكسبير في رواياته التاريخية ~~الخالدة. # و«حكاية الزوجات العجائز» ملهاة ممتعة قصد بها الكاتب فيما قصد إليه أن يسخر ~~من الناقد المعاصر له «جبريل هارفي»، ولهذه الرواية فوق ذلك أهمية في تاريخ ~~الأدب؛ لأنها أوحت بقطعة أدبية عظيمة جادت بها قريحة ملتن فيما بعد، ~~وأعني بها «كومس» التي سنحدثك عنها في فصل تال سنعقده لهذا الشاعر العظيم. ~~ومما يزيد في أهمية هذه الرواية من الوجهة التاريخية أيضا أنها كانت أول ~~مسرحية تقصد إلى السخرية. # على أن أروع ما خلفه لنا «بيل» رواية «داود وباتشيبع» التي كتبها في شعر ~~مرسل سلس جميل. # وهاك بضعة أسطر منها تجري على لسان «داود» لتلم بقبس من طريقته في التعبير ~~والخيال: # ها قد أقبلت حبيبتي طافرة كالغزال، # أقبلت ومعها مهجتي موشجة في شعرها، # ولكي أستمتع بحبها سأقيم لها مخدعا باذخا # سأقيمه على مسمع من مائة جدول بالماء جارية، # تدور بموجاتها الرشيقات في منشعب من الحنايا، # تلف مناطق تطوافها الجميلة # كما تتحوى الثعابين في أعشاشها، # وذاك خشوعا منها لجلال غبطتها، # إنها ستجتلب بغمغمتها النعاس المريح؛ # ليمس بصولجانه الذهبي منها الجبين. # افتحوا الأبواب واستقبلوا حبيبتي! # أقول افتحوها وانشدوا وأنتم تفعلون، # مرحبا باتشيبع الجميلة، يا مهجة الملك داود. ~~(3-3) روبرت جرين # Robert Green ~~(1560 تقريبا - ~~1592م) # لقد ذكرناه منذ قليل بين كتاب القصة، وبسطنا لك طرفا من حياته المستهترة ~~الخليعة التي أورثته الندم ms0494 في أخريات سنيه، وأما نتاجه المسرحي الذي أنتجه كله ~~في خمسة أعوام تقع بين عامي 1586 و1591م، فهو «بيكن الراهب وبنجي الراهب» # 87 # و«ألفونس ملك أرجون» # 88 # و«أورلاندو فيور يوزو»، # 89 # وله كذلك «مرآة للندن ولإنجلترا» # 90 # اشترك في تأليفها مع زميله «تومس لدج» كما ساهم - فيما يقال - ~~في رواية هنري السادس مع شيكسبير، وله غير هذه رواية أو روايتان ليس لهما شأن ~~كبير. # وخير مسرحياته «بيكن الراهب وبنجي الراهب» وهي في حقيقتها روايتان ~~موصولتان بصلة واهية، ويمكن فصلهما في غير عسر، وهما: قصة ساحر يجري فيها ~~على نسق «الدكتور فاوست» لمارلو، # 91 # ثم قصة حب ريفي جاءت في جودتها دليلا قويا على موهبة «جرين» ~~في الأدب المسرحي. ولعل شيكسبير أن يكون مدينا لهذه القصة بشيئين، فهو مدين ~~لها بشخصية من أبدع شخصياته الريفية، وهي «برديتا» # 92 # في «قصة الشتاء»، وهو كذلك مدين لها بالجو الريفي العذب الجميل ~~الذي أشاعه في المناظر الريفية التي وردت في رواية «كما تهواه». # وجدير بنا قبل أن نختم الحديث عن «روبرت جرين» أن نشير إلى حقده المضطرم على ~~شيكسبير حين رآه يصعد في عالم المسرح ويتلألأ في سمائه، بينما ألفى نفسه يهوي ~~ويتضاءل. فقد أرسل نفثة حامية وهو على فراش الموت يحذر بها زملاءه الثلاثة: ~~«مارلو» و«ناش» و«بيل» من الخطر الداهم الذي يوشك أن يكتسحهم جميعا، وينصحهم ~~أن يتخلوا عن الكتابة للمسرح؛ لأن طائفة من الممثلين - يقصد شيكسبير - تستغل ما ~~ينتجونه من مسرحيات في بناء مجدها، قال جرين في هذه الرسالة المشهورة: # توافه العقول ثلاثتكم إذا أنتم لم تتعظوا بشقوتي، إن تلك الدببة لم ~~ترد أن تفتك بأحد منكم كما أرادت أن تفتك بي، وإنما أعني تلك ~~الدمى الي تتحدث بأفواهنا، وتلك الأمساخ التي تزدان بألواننا الزاهية ~~... لا تركنوا إلى هؤلاء الممثلين، فإن بينهم «غرابا» ناشئا يتحلى ~~بريشنا، ويظن أنه بمثل قوله «قلب نمر اكتسى بجلد ممثل.» # 93 # قادر على صياغة الشعر المرسل في لفظ جزل كأحسن رجل بينكم ~~... ~~(3-4) كرستفر مارلو # Christopher Marlowe ms0495 ~~(1564-1593م) # هو أعظم «فطناء الجامعة» إطلاقا، وأفحل من شهدهم الأدب الإنجليزي قبل ~~شيكسبير من كتاب المسرحية، ولد في نفس العام الذي ولد فيه شيكسبير من أب ~~حذاء، وتلقى تعليمه بالمجان في المدرسة الثانوية في بلده «كانتر بري»، ومنها ~~قصد إلى كيمبردج، حيث تخرج عام 1583م. وهنالك في تلك الجامعة توشجت أواصر الود ~~بينه وبين «جرين» و«ناش» من كتاب المسرحية. وقد عاش «مارلو» مستهترا ماجنا ~~حتى ختم حياته قبل أن يبلغ الثلاثين بطعنة من خادم في حانة. # كتب «مارلو» سبع روايات مسرحية أهمها «السيرة المفجعة للدكتور فاوست» ~~و«يهودي مالطة» و«تيمور لنك» و«إدورد الثاني» التي تعد أولى المسرحيات ~~التاريخية العظيمة التي ظهرت في عهد اليصابات. # لم تكن رواية «تيمور لنك» رائعة في فنها وشعرها فحسب، بل جاءت فاتحة قوية ~~للمسرحية تكتب بالشعر المرسل ليستمتع بها الشعب على اختلاف طوائفه، فلئن ~~سبقتها «جور بودك» في الشعر المرسل، فلم تكن هذه شعبية إنما قصد بها إلى ~~الخاصة المستنيرة. وتقع «تيمور لنك» في جزأين قوام كل منهما خمسة فصول، وهي ~~تتميز بفخامة أسلوبها وبما فيها من مواقف تستثير العاطفة، ويؤخذ على الشاعر ~~فيها إغراقه في اختيار اللفظ الرنان وإطنابه فيما كان يكفي فيه الإيجاز. وهاك ~~أسطرا منها : # قال تيمورلنك عن مرض زوجته الملكة «زيتوقراط»: # سواد جمال يوم هو أسطع الأيام ضياء، # إن الكرة الذهبية التي تحمل للسماء نارا سرمدية، # والتي كانت ترقص في جلال فوق مفضض الموج؛ # ليعوزها اليوم وقود كان يذكي شعاعها، # فاعتراها الإعياء، ولما جللها شنيع العار # عمدت إلى سحابة عابسة فعصبت جبهتها، # واستعدت أن تظلم الأرض بليل لا ينتهي. # ولما ماتت زوجته وجه الخطاب إلى صديقه ملك فاس قائلا: # ماذا! أماتت؟ جرد أي «تكليز» حسامك، # واثلم به الأرض علها تنشق نصفين، # فنهبط إلى قباء كانت منذ الأزل؛ # لنجذب «أخوات الفناء» من الذوائب، # ونلقى بهن في خندق الجحيم ذي الشعب الثلاث # جزاء ما اختطفن جميلتي زيتوقراط. # أما رواية «الدكتور فاوست» فهي قصة الساحر والشيطان التي تناول ~~«جيته» فيما بعد وجلاها في آيته الخالدة، ms0496 وهي بغير شك أعظم مسرحية شهدها ~~الأدب الإنجليزي قبل شيكسبير، وقد ظهر فيها «مارلو» شاعرا مجيدا كما ظهر ~~مسرحيا من الطراز الأول. اقرأ له هذه الأسطر الممتازة التي قالها «فاوست» ~~مخاطبا بها شبحا لهلن - بطلة طروادة - أتى له به الساحر: # أذاك هو الوجه الذي سير في البحر ألفا من الأفلاك؟ # وأحرق في «اليوم» أبراجها الشوامخ؟ # أي هلن الجميلة! خلديني بقبلة منك. # إن شفتيها لتمتصان الروح من جسدي: انظر إليها سابحة! # تعالي، هلن، تعالي ردي إلي روحي! # لأقيمن ها هنا، فالفردوس في هاتين الشفتين، # كل ما عداك يا «هلنا» حثالة ممجوجة، # سأكون لك «بارس» # 94 # وفي سبيل حبي إياك # سأقوض «ورتنبرج» كما تقوضت في سبيلك طروادة، # سأنازل «منلاوس» الضعيف، # وأضع رايتك على قبعتي المريشة، # نعم، وسأطعن «أخيل» في عقبيه، # ثم أعود إلى هلن لقبلة أقبلها، # يا لهف نفسي! لأنت أرق من هواء المساء، # وقد لفه جمال خلعته مئات النجوم. # ويختتم الشاعر رواية «الدكتور فاوست» بخاتمة هي من أروع ما ~~نصادفه في الأدب المسرحي على إطلاقه، يقولها البطل «فاوست»، وهو ينتظر قضاءه ~~المحتوم، وها نحن ننقلها إليك: # فاوست (تدق الساعة الحادية عشرة): لهفي عليك يا فاوست! # لم يعد لك في العيش إلا ساعة واحدة، # وبعدئذ ستنزل بك النازلة إلى أبد الآبدين! # اجمدي يا أفلاك السماء. فأنت دوارة منذ الأزل، # اجمدي ليقف الزمن فلا ينتصف الليل أبدا، # يا عين الطبيعة الفاتنة أشرقي، عودي إلى الشروق، # واجعليه نهارا دائما، أو فاجعلي هذه الساعة الباقية # تدوم عاما، أو شهرا، أو أسبوعا، أو ليلة ونهارا. ~~••• # لعل فاوست أن يتوب فينقذ روحه! # إن النجوم ما تزال تتحرك، والزمن ما يزال يجري، وستدق الساعة دقتها. # إن الشيطان آت وستنزل اللعنة بفاوست، # أواه! أريد الصعود إلى ربي واثبا - من ذا إلى الأرض يجذبني؟ ~~- # انظر، انظر إلى حيث دماء المسيح دافقة تحت القبة الزرقاء! # إن قطرة واحدة لتنقذ روحي، بل تنقذها نصف قطرة، أواه يا ~~مسيحي! # أواه، لا تصدعوا قلبي لندائي باسم المسيح! # سأظل أناديه: آه! اعف عني أيها الشيطان! ms0497 # أين هو الآن؟ إنه اختفى، انظر إلى حيث الله # يمد إلي ذراعا ويحني جبهة متجهمة. # إلي أيتها الجبال والتلال، إلي فانقضي علي، # واستريني من غضبة الله العاتية! # لا، لا! # لأغوصن في الأرض رأسا وعقبا، # فانشقي أيتها البطحاء! أواه، لا تفعلي، لن تكون الأرض لي ~~مستقرا! # أيتها النجوم التي سطعت عند ولادتي، # فأجرت لي الأقدار بالموت والجحيم، # اجذبي اليوم فاوست كما ينجذب الضباب الكثيف، # اجذبيه فاحشريه في أحشاء تلك الغمائم السارية، # حتى إذا ما نفثت نفثك في أرجاء الفضاء # كان لأطرافي أن تمرق من أفواهك الداخنة. # فيتاح لروحي عندئذ أن تصعد إلى السماء! ~~(الساعة تدق نصف الساعة.) # وا حسرتاه نصف الساعة قد مضى! وسرعان ما تمضي الساعة كلها. ويلاه يا ~~رباه! # إن لم ترد أن تشمل روحي برحمتك # فباسم المسيح الذي افتداك بدمه # مر بختام لهذا العذاب الموصول، # مر فاوست أن يحيا في الجحيم ألف عام، # بل مائة ألف إذا كان يأتيه في النهاية خلاص! # أواه! ليس للنفوس المنكودة ختام محدود! # لم لم تكن مخلوقا بغير روح؟ # أو لماذا كتب لروحك التي فيك الخلود؟ # آه! وودت لو صدق فيثاغورس في تناسخ الأرواح؛ # إذن لطارت هذه الروح عني، وتحولت # إلى حيوان أعجم! ألا إن العجماوات كلها سعيدة، # لأنها إذ تموت # لا تلبث أرواحها أن ترتد إلى عناصرها، # أما روحي فلا بد أن تبقى وأن تنغمس في الجحيم، # يا لعنة الله تنزلي على أبوين أنجباني! # كلا، فاوست، لا تلعن إلا نفسك والشيطان # الذي استلبك نعيم الفردوس. ~~(تدق الساعة الثانية عشرة.) # آه! دقت الساعة. دقت الساعة! فتحول يا جسد إلى هواء، # أو حملك الشيطان سريعا إلى جهنم! ~~(رعد وبرق.) # أيتها الروح تحولي إلى قطرات ماء دقاق، # ثم اسقطي في المحيط فلا يجدك واجد! ~~(تدخل الشياطين.) # رباه، رباه، لا تلق إلي بهذه النظرات الحداد! # أيتها الأفاعي والثعابين، دعيني أتنفس قليلا! # لا تفتحي فاك أيتها الجحيم البشعة! لا تقبل أيها الشيطان! # سأشعل النار في كتبي! أواه مفستوفولس. ~~(يخرج فاوست في صحبة الشياطين.) # وله غير ذلك - كما ms0498 أسلفنا - «يهودي مالطة»، التي ربما أوحت ~~بشيء لشيكسبير في روايته «تاجر البندقية»، ثم «مذبحة باريس» التي عبر فيها عن ~~روح المقت للعقيدة الكاثوليكية، وهي روح سادت عصره، وله فوق ذلك «إدورد الثاني» ~~التي هي بحق أول رواية تاريخية عظيمة في تاريخ الأدب الإنجليزي، وبدأ رواية ~~أخرى عنوانها «ديدو ملكة قرطاجنة»، لكنه لم يتمها وأكملها «ناش». # ولكي تعرف لمارلوا قدره في الأدب الإنجليزي نسوق لك العبارة الآتية التي ~~قالها عنه الشاعر الإنجليزي «سونبيرن»: # 95 ~~«مهما قيل في مكانة «كرستفر مارلو» وقيمته كزعيم في زمرة الشعراء الإنجليز، ~~فلن يتجاوز حدود الإنصاف، إذ لست تجد بين هؤلاء الشعراء شاعرا سواه كان له ~~مثل ما لمارلو من أثر عميق مباشر، كان مارلو - وحده دون سواه - أول من هدى ~~شيكسبير في العمل الأدبي سواء السبيل، وليس في موسيقاه نغمة واحدة جاءت مرددة ~~لشاعر سابق، بيد أن أصداءه أخذت تتردد في أنغام «ملتن» الإنجليزي، التي ~~كانت أطول نفسا، لكنها ليست بحال أعلى قدرا، ومارلو أعظم مستكشف في الشعر ~~كله، فهو في هذا المجال رائد لا يشق له غبار في الجرأة وصدق الوحي، فما ~~سبقه في اللغة الإنجليزية شعر مرسل بمعناه الصحيح، ولا سبقته مأساة بالمعنى ~~الدقيق، ثم تمهد الطريق من بعده واستقامت المسالك أمام شيكسبير.» # فبماذا يمتاز مارلو؟ # يمتاز بمذهبه في المأساة، فهو فيها ~~يعتنق مذهب اليونان القدماء، وقد دخلته روح النهضة، ففي مأساته بطل عظيم ~~عملاق يعلو برأسه فوق سائر الشخوص، ويزدري سلطان الآلهة، ثم يسقط سقطة قاضية ~~لا حياة له بعدها، لكنه إلى جانب ذلك لا يجعل أبطاله أنصاف آلهة أو رجالا أريد ~~بهم أن يتبوءوا مكانة عالية، فهذا هو «تيمورلنك» يصعد من أصل وضيع، ثم هذا ~~«باراباس» اليهودي و«فاوست» لم يبلغا في الحياة شأوا بعيدا. # وتستطيع أن تلمس أثر النهضة واضحا بارزا في هذا التعديل الذي أدخله «مارلو» ~~على المأساة القديمة؛ إذ كان من آثار النهضة أن ضاعفت شعور الإنسان بفرديته، ~~فلم يعد يجوز للمسرحي بعدئذ أن يجعل أساس مأساته سقطة العظيم؛ لأنه ms0499 عظيم ~~سقط، بل ها أنت ترى «مارلو» يقيم مأساته على شخصية ضخمة تتجسد فيها عاطفة ~~مضطرمة تطمح إلى المجد، وقد يكون هذا المجد سلطانا كما في «تيمور لنك»، وقد ~~يكون ثراء عريضا كما في «يهودي مالطة»، وقد يكون علما ومعرفة كما في ~~«الدكتور فاوست»، ثم يجعل هذه الشخصية ~~الطامحة مندفعة بعاطفتها القوية، حتى تلاقي حتفها في سبيل تحقيقها. فليس سر ~~المأساة إذن عند مارلو هو مجرد السقوط، بل سرها في الصراع العنيف بين دوافع ~~الطموح وبين عقبات الحياة وعوائقها، ثم هو يضيف في «فاوست» صراعا آخر يحتدم ~~أواره في دخيلة نفس البطل. # الغاية من المسرحية عند مارلو أن يصور ~~بها بطلا عملاقا يصارع الظروف التي تعترض سبيله إلى ما يريد لنفسه من عظمة؛ ~~ولذا ترى سائر الشخصيات في الرواية أعراضا عابرة تتجمع حول الشخصية الرئيسية ~~التي هي قطب الرحى، وليس لها قيمة في مجرى الحوادث إلا بمقدار ما تتصل بحياة ~~ذلك القطب العظيم. وللنساء عنده جانب ثانوي؛ ولذلك لا يقيم الرواية على الحب. ~~لكنه حين كتب روايته «إدورد الثاني» غير من طريقته لتلائم موضوعا تاريخيا، ~~فقد جعل بطله محورا رئيسيا لحوادث الرواية، غير أنه اضطر أن يصور أعداء ~~الملك على شيء من القوة ليستطيع أن يمهد لسقوطه، ولكيلا يعدو الحقيقة التاريخية ~~التي تشير إلى ما كان عليه إدورد من ضعف وتهافت. ومما هو جدير بالذكر أن ~~شيكسبير جرى على منواله في الطريقتين جميعا، ففي رواية «رتشرد الثالث» طغت ~~شخصية رتشرد على كل من عداها، بحيث لم تكن هذه سوى أشياء تافهة، وفي رواية ~~«رتشرد الثاني» نفخ في شخصيات أخرى شيئا من القوة تنافس به الشخصية ~~المحورية. # من ذلك ترى أن المأساة عند مارلو نوعان: نوع نسج فيه على منوال المسرحية ~~اليونانية مع تعديل اقتضته النهضة، وآخر كان فيه بعيد الشبه عن آثار اليونان. ~~فأما في النوع الأول فقد جعل في الرواية محورا واحدا جبارا تدور حوله ~~الحوادث كلها، وأما في النوع الثاني فقد عني بعض العناية بشخصيات الرواية ~~الأخرى؛ لأن ms0500 حبكة الرواية تقتضيها. وقد يجمل بنا في هذا الصدد أن نقول إن ~~شيكسبير قاس على مارلو حينا، وتقدم عليه حينا، وخرج عليه حينا ثالثا. فأما ~~خروجه عليه ففي إيثاره أن تكون أبطاله دائما من ذوي المكانة العالية، وأما ~~تقدمه عليه ففي أنه في الكثرة الغالبة من رواياته عني بتصوير طائفة من ~~الشخصيات إلى جانب الشخصية الرئيسية، وذهب في ذلك إلى حد جاوز ما ذهب إليه ~~مارلو في «إدورد الثاني». وأما قياسه عليه ففي أنه جرى على غرار «فاوست» في أنه ~~جعل أمس المأساة ما يضطرم في دخيلة نفس البطل من صراع. # كانت روح المأساة عند مارلو يونانية ~~إلى حد كبير في موضوعها، أما في صورتها فقد اتخذت وضعا مبتدعا جديدا، ~~فشقت بذلك الطريق أمام المسرحية بعده. فالمأساة اليونانية تتوخى «الوحدات ~~الثلاث»، إذ هي تركز زمن المأساة فلا يجاوز يوما واحد، ثم هي لا تكاد تغير ~~مكان الحوادث، وهي فوق ذلك تربط الحوادث كلها في سلك واحد. أما عند مارلو ~~فيجوز أن تقع حوادث الرواية في أعوام كثيرة، ويجوز أن يتغير موضع الحوادث من ~~بلد إلى بلد، ثم يجوز ألا ترتبط حوادث الرواية إلا بكونها متصلة بشخصية البطل ~~الواحد، وسواء بعد ذلك أكان في الرواية حبكة واحدة أم حبكتان. وكذلك كان مما ~~أدخله مارلو فانحرف به عن المسرحية اليونانية أنه أجاز القتل والقسوة والعنف ~~على مشهد من النظارة؛ وذلك لأن أهل عصره قد مالت بهم العاطفة القوية الجارفة ~~إلى استساغة مثل هذه المناظر، أما النظارة في عصر اليونان فلم يجيزوا قط أن ~~يروا على المسرح فتكا ولا تعذيبا. # ولا بد لنا قبل ختام الحديث عن مارلو أن نذكر كلمة قصيرة عن تجديد عظيم في ~~الشعر الإنجليزي كان له فيه أكبر الفضل، وذلك أنه استخدم الشعر المرسل، فمهد ~~بذلك الطريق سوية أما شيكسبير. ولقد قلنا إن «ساكفيل» سبقه إلى الشعر المرسل في ~~رواية «بوربودك»، لكن لم تكن تلك البداية إلا باكورة ضئيلة لهذا الشعر ~~المرسل القوي الذي كتب به «مارلو» حتى سمي ms0501 البيت من شعر مارلو «بالبيت ~~الجبار»، وأصبحت هذه كنية تطلق على البيت ذي المقاطع العشرة الذي تدوي ~~تفعيلاته في الأذن كما تدوي ضربات الطبل، وهو الوزن الذي استخدمه مارلو. وتبع ~~شيكسبير زميله في الشعر المرسل، وأدخل عليه تعديلا ليس هنا موضع تفصيله. ولسنا ~~ندري ماذا كان شيخ الشعراء ليصنع لولا هذه الأداة الطيعة التي خلقها له ~~«مارلو» فأحسن استخدامها. ~~(3-5) تومس كد # Thomas Kyd ~~(1558-1595م ~~تقريبا) # هؤلاء هم «فطناء الجامعة»، وما أدوه للأدب المسرحي قبل شيكسبير، وسنضيف ~~إليهم الآن كاتبا آخر نكاد نجهل عنه كل شيء، إلا أنه أخرج روايتين أو ثلاثا، ~~وذلك هو «تومس كد»، الذي ولد عام 1558م، وزامل سبنسر في الدراسة، ومات سنة ~~1595م تقريبا. # وإنما نذكره في قصة الأدب؛ لأنه كان أول كاتب مسرحي أنشأ في الأدب الإنجليزي ~~ما يسمى «بمأساة الدم»، التي لا تدور حوادثها إلا على سفك الدماء، ولا تكاد ~~تنتقي من الحوادث إلا الطعن والضرب والفتك والمنازلة والجنون. وقد استمد «تومس ~~كد» مأساته هذه من «سنكا» كاتب المأساة في الأدب اللاتيني القديم، وأشهر ما ~~خلفه لنا هذا المسرحي «المأساة الإسبانية». # لكن «كد» لم يكن مقلدا «لسنكا» بغير تجديد، فلئن أخذ عنه فكرة أن يكون ~~للمسرحية مقدمة تمهد لها، كما أخذ عنه فكرة أن يكون في الرواية «شبح» لأحد ~~الموتى يعد ويتوعد، فقد حاول أن ينزل من جفاف العلماء وتكلفهم إلى ما يثير ~~العاطفة في عامة الشعب، ونبذ من روايته «الجوقة» التي كان يستخدمها المسرحي ~~القديم لتستخلص العظة والعبرة من الحوادث. # وجدير بنا في هذا الصدد أن نذكر أوجه الشبه بين مأساة كد وبين رواية هاملت ~~لشيكسبير، لنرى في جلاء أن شيخ المسرحية قد اهتدى بزميله «كد» في أثر من أعظم ~~ما جادت به قريحته من آثار؛ فالمسرحيتان كلتاهما تقومان على الثأر، وفي كل ~~منهما «شبح» يؤثر في مجرى الحوادث، وفي كل منهما تسفح على خشبة المسرح دماء ~~القتلى، وفي كل منهما رواية تمثل ليكون تمثيلها عاملا هاما في سير الأمور ~~إلى غاية منشودة، ms0502 وفي كل منهما جنون حقيقي وجنون مفتعل، ثم في كل ~~منهما بطل متردد يقدم رجلا ويؤخر أخرى! فكأنما كانت «المأساة الإسبانية» ~~نصب عيني شيكسبير وهو يكتب هاملت. # بهؤلاء الكتاب عبد طريق المسرحية حتى انتهت إلى جبارها العظيم وليم ~~شيكسبير. ~~(4) وليم شيكسبير (1564-1616م) # على نهر آفن الذي ينساب خلال المروج، تقع مدينة ستراتفورد عندما ينعطف مجراه في ~~قوس جميل. وهنالك على ضفة النهر ترى كنيسة بنيت على غرار الفن القوطي الجميل، ~~وعلى مقربة منها حديقة غناء فسيحة الأرجاء، ويحيط بستراتفورد ريف فاتن رائع، ~~تعلو فيه الأرض هضابا وتهبط وهادا، تكسوها الخضرة في كل أرجائها، فإن ارتفعت على ~~السفوح وجدت قطعان الضأن ترعى، وإن هبطت إلى بطون الوديان رأيت الماشية زرافات. ~~والحياة الريفية في تلك المنطقة زاخرة بصنوف النشاط، ففيها الرعي، وفيها الزراعة، ~~وفيها صيد الحيوان. # في هذه المدينة ولد الشاعر العظيم «وليم شيكسبير»، وفي كنيستها القوطية عمد، ~~وفي ريفها الجميل نشأ وتربى، وعرف ما الرعي والرعاة وما الأرض وزارعوها، وكيف ~~يكون صيد الحيوان، وفي حديقتها الفسيحة كان يقضي أماسيه إن صفا الجو وعذب ~~الهواء. # أبوه «جون شيكسبير» لم يكن من أبناء ستراتفورد، إنما هبط إليها سليلا لأسرة كانت ~~من ملاك الأرض يوم كانت الأرض عصب الحياة. جاء أبو الشاعر إلى هذا البلد وهو ~~ما يزال في شرخ الشباب، ولم يلبث أن اختار شريكة حياته «ماري آردن» وهي ابنة ~~تاجر غني كان يقيم في بلد قريب من ستراتفورد، وهو سليل أسرة من أمجد الأسر في ~~إنجلترا وأعرقها أصولا، فورث الأرض والحدائق، ولم يكن له ابن يئول إليه ماله، إنما ~~كانت له بنات كثيرات، صغراهن هذه الفتاة التي كتب لها أن تنجب أعظم الشعراء، وكانت ~~أحب البنات إلى أبيها، فأوصى لها بما يملك من فسيح الضياع، ولولا أن هذا الإرث قد ~~ضاع في سداد دين لانتهى أمره إلى شاعرنا وليم شيكسبير. # استهل «جون شيكسبير» حياته العملية في يسر وتوفيق، وسرعان ما أصبح علما ~~بين أبناء ستراتفورد، ومن بين عقار كان يملكه بيت لا ms0503 يزال قائما يحج إليه ~~الزائرون ألوفا كل عام. # ففي تلك الدار ولد «وليم شيكسبير» في الثالث والعشرين من أبريل عام 1564م، ولما ~~بلغ عامه السابع، أرسله أبوه إلى المدرسة في ستراتفورد، حيث تعلم اللاتينية وطالع ~~أجزاء من الأدب اللاتيني كان لها أثر أبلغ الأثر في تكوينه الأدبي. ولبث «وليم» في ~~مدرسته ما يقرب من ثمانية أعوام، ثم غادرها وله من العمر أربعة عشر عاما ونيفا، ~~وأخذ يتقلب في أحضان الطبيعة بين أترابه من الشباب، يعب من خضمها عبا حتى ~~امتلأت بها نفسه. فإذا ما آن أوان الكتابة أخذ ينثر علمه الواسع بأجزائها هنا ~~وهناك. ويختلف الرواة في الصناعة التي امتهنها في سني شبابه، فقال منهم قائل إنه ~~اشتغل بالتدريس في مدرسة ريفية، وزعم لنا آخر أنه مارس صناعة أبيه فكان قصابا، ~~ولما كان النقد الحديث قد نفى عن أبيه هذه الصناعة، فالأرجح أنها تسقط كذلك عن ~~ابنه. # وتزوج «وليم شيكسبير» عام 1582م من «آن هاثاواي»، وهي ابنة مزارع غني كان يقيم ~~على مقربة من المدينة، وكان بين أبويهما صداقة قديمة، وكانت الفتاة تكبره بما يدنو ~~من ثمانية أعوام، وأنجب منها «سوزانا» وتوأمين هما ولد أسماه «هامنت» وبنت أطلق ~~عليها «جودث». # ولما بلغ الفتى عامه الحادي والعشرين، كان لا يزال متصلا بصحبة الشباب المستهتر ~~الماجن، وشاءت لهم ميعة شبابهم ذات ليلة أن يتسوروا حديقة يملكها عظيم المنطقة ~~«السير تومس لوسي» على مقربة من ستراتفورد؛ ليسرقوا من غزلانه، فكان وليم شيكسبير ~~بين من أمسك بهم الحراس، ووضع في محبس الاتهام حينا، وهنا أزهرت الباكورة ~~الأولى من شعره، فأنشأ «حكاية منظومة» يهجو بها السير لوسي انتقاما لما أصابه. وقد ~~ضاعت هذه الباكورة الأولى، التي أثارت الغضب في نفس المهجو، فشدد عليه النكير، ~~حتى لم يجد شاعرنا بدا من الفرار إلى لندن. # ويقول بعض الرواة: إنه لما وصل إلى لندن أخذ يرتزق من إمساك الجياد لأثرياء القوم ~~الذين كانوا يقصدون إلى المسارح على ظهور جيادهم، لكنها رواية يميل النقد الحديث ~~إلى نفيها، وسواء صحت ms0504 الرواية أو كذبت، فسرعان ~~ما وجد شاعرنا سبيله إلى جوف المسرح، وكان أول ~~عمله به أن يعاون الملقن، فيعلن الممثلين أن يستعدوا للظهور على المسرح كلما ~~اقترب دور أحدهم، ثم ما لبث بعد ذلك أن علا شأنه ممثلا وكاتبا، فدر عليه ~~التمثيل والكتابة مالا وفيرا، مكنه من شراء عقار في بلده الذي أوى إليه عام ~~1612م بعد أن أفرغ جعبته في لندن. ولم تمض عليه سنوات أربع حتى أسلم الروح عام ~~1616م في الثالث والعشرين من أبريل، وهو نفس اليوم الذي شهد مولده. # ولقد تواضع النقاد على أن يقسموا حياته الأدبية أربعة أقسام، يتميز كل منها ~~بسمات وخصائص، ويمتد كل قسم منها ستة أعوام على وجه التقريب، فأما ثمرات المرحلة ~~الأولى (1588-1594م)، فهي «تيتس أندرونكس» # 96 # و«جهد الحب ضائع» # 97 # و«ملهاة الأخطاء» # 98 # و«حلم ليلة في منتصف الصيف» # 99 # و«روميو وجوليت» # 100 # و«سيدان من فيرونا» # 101 # و«هنري السادس» بأجزائها الثلاثة و«رتشرد الثاني» و«رتشرد الثالث»، كما ~~أنتج في هذه المرحلة عدا رواياته قصيدتيه العصماوين «فينوس وآدنس» # 102 # و«لوكريس». # 103 # وأما نتاج المرحلة الثانية (1595-1601م) فهو «الملك جون» # 104 # و«تاجر البندقية» # 105 # و«ترويض المتمردة» # 106 # و«هنري الرابع» بجزأيها و«زوجات وندسور المرحات» # 107 # و«هنري الخامس» و«جعجعة ولا طحن» # 108 # و«كما تهواه»، # 109 # و«الليلة الثانية عشرة» # 110 # و «خير كل ما ينتهي بخير»، # 111 # كما أنتج أيضا «مقطوعاته الشعرية» في هذه المرحلة. # وأما المرحلة الثالثة (1601-1607م)، فقد أنتج فيها «يوليوس قيصر» # 112 # و«هاملت» # 113 # و«كيل بكيل» # 114 # و«عطيل» # 115 # و«ماكبث» # 116 # و«الملك لير» # 117 # و«ترويتس وكرسدا» # 118 # و«أنطون وكليوبطره» # 119 # و«كوريولانس» # 120 # و«تيمن الأثيني». # 121 # وفي المرحلة الرابعة (1608-1613م) أخرج «بركليس» # 122 # و«العاصفة» # 123 # و«سمبلين» # 124 # و«قصة الشتاء» # 125 # و«هنري الثامن». # ولما كانت رواياته تقع في ثلاثة أقسام، فهي إما أن تكون روايات تاريخية، أو ~~ملاهي، أو مآسي، فسنتناول كل مرحلة من مراحل إنتاجه الأربعة، لنعرض فيها ما أنتجه ~~الشاعر من تلك الأنواع الثلاثة في شيء من التفصيل. ~~(4-1) المرحلة الأولى (1588-1594م) ~~(أ) الروايات ms0505 التاريخية # يظهر أن الشاعر في هذه المرحلة من حياته الأدبية لم يكد يصنع في رواياته ~~أكثر من تنقيح الموجود مما أنتجه سواه، وهو هنا في شبابه المرح الطليق ~~المضطرم بحدة العاطفة؛ ولذلك تراه يعنى بالعبارة الجزلة الرنانة، ويصوغ ~~الفكرة الواحدة في عبارات كثيرة مختلفة، ويستخدم ألوان البديع ليزيد ~~عبارته قوة على قوة. # فيرجح النقاد أن الجزء الأول من «هنري السادس» إنما كان نصيبه من ~~شيكسبير لمسة خفيفة أمرها بيده الصناع على رواية كان قد سبقه إلى ~~كتابتها ثلاثة من أدباء المسرح هم «مارلو» و«بيل» و«جرين». وموضوع هذا ~~الجزء من «هنري السادس» هو القتال بين إنجلترا وفرنسا، والخصومات العنيفة ~~التي شب أوارها بين الأشراف الإنجليز. ومضى على إخراج الجزء الأول عام أو ~~عامان، ثم أعقبه الجزآن الثاني والثالث، وهما كذلك يعتمدان على روايات كان ~~أخرجها من قبل أولئك المسرحيون الجامعيون، أما الجزء الثاني ففيه استمرار ~~للنزاع الحزبي بين طوائف الأشراف، وينتهي بانتصار أسرة يورك # 126 # على أسرة لانكستر # 127 # في وقعة «سنت أولبانز» # 128 # في حروب الوردتين # 129 # المعروفة في تاريخ إنجلترا، ثم يأتي الجزء الثالث من الرواية ~~نفسها فيستأنف قصة حرب الوردتين، ويبين كيف أخذ النصر يحالف هذا الفريق ~~مرة، وذلك الفريق مرة أخرى، حتى انتهى بفوز أسرة يورك. # وأما رواية «رتشرد الثالث» فتدور كلها حول هذا الرجل، وكيف استطاع بغدره ~~وختله وخداعه أن يذلل كل عقبة تعترضه في الطريق إلى عرش البلاد. وكان رتشرد ~~هذا أحدب الظهر مشوه الخلق يحمل في صدره نفسا شريرة مجرمة كأنما ~~أرادت أن تنتقم لذلك الجسد القبيح. وفي هذه الرواية ختام لسلسلة الحروب ~~الأهلية، وإنما كان الختام طعنة صوبها رتشمند (سيكون هنري السابع) ~~إلى صدر رتشرد فقضى عليه في حومة القتال. ويذهب بعض النقاد إلى أن شيكسبير ~~في هذه الرواية أيضا كان ناقلا عن روايات قديمة؛ لأنها تختلف اختلافا ~~بينا عن الروايات التاريخية التي لا شك في نسبتها إليه، ولأنها من جهة ~~أخرى شديدة الشبه بأجزاء من «هنري السادس» التي لا شك في نقلها. ms0506 على أن ~~الرأي الراجح عند «دودن» # 130 ~~- وهو من أنبغ من كتب عن شيكسبير - أن مادة الرواية من ابتكار ~~الشاعر، أما الصورة فقد نهج فيها نهج «مارلو» كما أسلفنا القول عند الكلام ~~على هذا الأخير، فقد اقتفى أثره في جعل محور الرواية شخصية واحدة جبارة ~~هي شخصية رتشرد الثالث، وأما سائر الشخصيات في الرواية فلم تصور ~~لذاتها، إنما خلقها الشاعر لتكون منافذ لنقمة البطل وشره وقسوته. وكذلك ~~اقتفى أثره في جعل الغضبة الباطشة التي تفجرت نيرانها من نفس البطل ~~المتأججة غضبة جامحة لا تحدها القيود الخلقية، وتكيل ضرباتها متلاحقة في ~~نهم لا يشبع. # لكن الشاعر في رواية «رتشرد الثاني» يخفف من هذه الحدة في تصوير البطل، ~~فترى ألوان الصورة أقل نصوعا وبهرجة، وترى ريشة الفنان أخف وقعا وأدق ~~وضعا وأبرع لفتة، حتى لتعد هذه الرواية فاتحة لرواياته التاريخية ~~الأصلية، وإن يكن قد تأثر فيها خطو «مارلو» إلى حد كبير في رواية ~~«إدورد الثاني» التي أسلفنا الحديث عنها. ~~(ب) الملاهي # تبدأ ملاهي شيكسبير براوية «جهد الحب ضائع»، وهي ملهاة ضاحكة طروب ~~مليئة بالنكات والعبارة المرحة، التي تفصح عن فؤاد خلي فرح. وخلاصة ~~قصتها أن فردناند ملك نافار قد اعتزم أن ينتبذ من العالم مكانا معزولا عن ~~الدنيا وصخبها، بحيث لا يصاحبه من الناس إلا ثلاثة أصدقاء، وكان بين ما ~~قرره هؤلاء المعتزلون ألا تكون صلة بينهم وبين النساء، لكن الخطة لم تلبث ~~أن انهارت من أساسها، إذ قدمت لهم أميرة فرنسا ووصيفاتها الثلاث، فلم ~~يكد يراهن المعتزلون المترهبون، حتى وقعوا في فخاخ الحب صرعى، ولبث كل ~~منهم يخفي عن زملائه ما اعتراه من ضعف ووهن، ثم لم يطل بهم هذا الموقف ~~الشاذ، إذ تفاهموا جميعا على سخف سلوكهم، وقرروا أن يسلكوا مسلك الناس، ~~فيعملوا ما تمليه طبائع البشر، لكن شاء لهم سوء الطالع أن تسمع الأميرة ~~بموت أبيها، فتعود مع وصيفاتها قبل أن يكاشفهن المحبون رغبتهم في ~~الزواج. # والرواية كلها حملة شعواء على التكلف والتصنع في كل أوضاعه، فهي كذلك ~~تسخر ms0507 من رجل يتكلف في اختيار ألفاظه، وتسخر من قسيس ومدرس يتعالمان بما ~~يدخلانه في حديثهما من عبارات لاتينية وإشارات تدل على حذلقة علمية. ~~ولما كنا لا نملك ما يدل على أن شيكسبير قد استعار قصة الرواية من سواه، ~~فالأرجح أنها من خلقه وابتكاره. # أما «ملهاة الأخطاء» فتحوير لرواية كانت ترجمت عن «بلوتس» كاتب ~~المسرحية الروماني، وهي ملهاة صاخبة فكاهتها صارخة عالية النبرات غليظة ~~اللفتات، وخلاصتها أن تاجرا من سرقسطة وجد في «إفسوس» # 131 # التي كانت عندئذ عدوة لبلاده، فحكم عليه «سولينوس» # 132 # حاكم «إفسوس» بالموت أو يفتدي نفسه بمبلغ ضخم من المال. ولما ~~سأله الحاكم عن علة وجوده في بلاده، أخذ الرجل يقص عليه قصته، فيقول إنه ~~كان في سفينة مع زوجته وتوأميه فضلا عن توأمين اشتراهما لينشئهما ~~تابعين لابنيه، فارتطمت بهم السفينة، وأنقذ أحد الولدين وأحد ~~العبدين، أما الأولى فيدعى «أنتفولس السرقسطي»، # 133 # وأما الثاني فاسمه «دروميو السرقسطي»، # 134 # أما زوجته وولده الآخر «أنتفولس الأفسوسي»، وتابعه الآخر ~~«دروميو الأفسوسي» فقد ابتلعهم اليم. ولما شب ابنه أنتفولس السرقسطي ~~استأذن أباه أن يسعى بصحبة تابعه لعله واجد أمه وأخاه اللذين ظن بهما ~~الهلاك، فذهب ابنه هذا ولم يعد وخشي الوالد المحزون أن يفقد من بقي له ~~من أسرته، فأخذ يطوف البلاد ليبحث عنه، وها هو ذا قد جاء إلى أفسوس بحثا ~~عن ولده، فحكم عليه حاكمها بالموت. سمع الحاكم هذه القصة فأجاز للرجل أن ~~ينطلق يوما واحدا لعله يوفق فيه إلى جمع فدية يفتدي بها نفسه، وفي غضون ~~هذا اليوم الواحد وقعت حوادث الملهاة كلها. # فقد بلغ «أنتفولس السرقسطي» وتابعه «دروميو» مدينه أفسوس في صبيحة ذلك ~~اليوم، ولم يكد يبلغها حتى أرسل تابعه في بعض شأنه، وشاءت المصادفات أن ~~يكون أولئك الذين ظن بهم الغرق قد وجدوا سبيلهم إلى أفسوس، فالتقى ~~«أنتفولس السرقسطي» بتوأم تابعه، ويدعى «دروميو الأفسوسي» كما أسلفنا، فظن ~~السيد أن هذا خادمه، وظن الخادم أن ذاك سيده، وهكذا تفجر ينبوع الفكاهة ~~في الرواية، ويتضح آخر الأمر كل ما ms0508 غمض، وتوجد زوجة «إيجيون» # 135 # التاجر السرقسطي، ويطلق سراح الرجل ويصلح الأمر كله. # وأما «حلم ليلة في منتصف الصيف»، فهي كذلك من قبيل الملهاة التي يصدر ~~اللهو فيها عن «أخطاء»، غير أن «أخطاءها» لا تنشأ عن تصرفات أشخاصها، وإنما ~~تنشأ عن الخطأ في توجيه الرقى، فقد أراد بها الجن أشخاصا ثم أصابت - ~~خطأ - أشخاصا آخرين. # 136 # وخلاصة هذه الرواية أن شيخا يدعى «إجيوس» شكا ابنته «هرميا» # 137 # إلى حاكم أثينا «تسيوس» # 138 # إذ أمرها أن تتزوج بشاب يدعى «دمتريوس» # 139 # من أسرة أثينية نبيلة فأبت؛ لأنها كانت تحب شابا آخر من ~~أهل أثينا هو «ليسندر»، # 140 # وهو الآن يلتمس من الحاكم أن يأمر بموتها تنفيذا للقانون ~~الأثيني. ودافعت هرميا عن نفسها بأن «دمتريوس» قد جهر من قبل بحب صديقة ~~لها تدعى «هلنا»، # 141 # وأن هذه الصديقة كانت تحب دمتريوس حبا شديدا، لكن دفاعها ~~هذا لم يصادف من حاكم أثينا أذنا واعية، فأمهل «هرميا» أربعة أيام تفكر ~~خلالها في الأمر، حتى إذا ما انقضت هذه الأيام الأربعة وهي على إبائها حق ~~عليها الموت، فذهب «هرميا» إلى حبيبها «ليسندر» وأنبأته بالخطر الداهم، ~~فعرض الحبيب على حبيبته أن يلوذا بالفرار من أثينا، واتفقا أن يتلاقيا في ~~غابة على بضعة أميال من المدينة، وكانت هذه الغابة مأوى لطائفة من الجن، ~~ملكها «أوبرن» # 142 # وملكتها «تيتانيا»، # 143 # وكان بين الملك وملكته نزاع شديد، فشاءت المصادفة أن يدفع ~~الكيد بأوبرن إلى الانتقام من زوجته تيتانيا في نفس الليلة التي قدم فيها ~~«ليسندر» وحبيبته «هرميا» إلى الغابة فرارا من أثينا وقانونها الظالم. ثم ~~شاءت المصادفة أيضا أن يجيء إلى الغابة في ذلك المساء عينه «دمتريوس» ~~وحبيبته «هلنا». فلكي يكيد ملك الجن لملكته دعا كبير أصفيائه «بك»، # 144 # وهو عفريت ماكر خبيث، فقال له الملك: «... جئني بالزهرة التي ~~يسميها الفتيات «الحب الكسل»، وهي زهرة صغيرة أرجوانية اللون، إذا عصر ~~ماؤها على جفون النائمين هاموا بحب أول شيء تقع عليه أعنيهم عندما ~~يستيقظون، وسأعصر شيئا من ماء تلك الزهرة ms0509 على جفني تيتانيا وهي نائمة، ~~فإذا فتحت عينيها شغفها حب أول شيء تراه، ولو كان هذا الشيء أسدا أو ~~دبا أو نسناسا أو قردا ...» وكان «بك» يحب الخبث من صميم قلبه، ولذلك سره ~~كل السرور هذا اللهو الذي أراد أن يلهو به سيده، وذهب من فوره ليأتيه ~~بالزهرة المطلوبة، وبينا كان «أوبرن» ينتظر عودة بك سمع اشتجارا بين ~~دمتريوس وهلنا علم منه أن الحبيب قد أعرض عن حبيبته فأشفق عليها. وأوصى بك ~~حين عاد إليه ومعه الزهرة الأرجوانية أن يضع بضع قطرات من عصيرها في عيني ~~هذا الحبيب الجافي وهو نائم لعله يفتح عينيه حين يصحو على حبيبته المهجورة، ~~فيشتعل حبه لها من جديد. أما «أوبرن» نفسه فقد أخذ عصير الزهرة، وتربص ~~بملكته تيتانيا، حتى أطبق النعاس جفنيها، فألقى عليهما قطرات من ذلك ~~العصير. # انطلق بك بزهرة الحب يبحث عن الشاب الأثيني الذي أنبأه بأمره الملك ~~أوبرن، لكنه لسوء الحظ صادف في طريقه «ليسندر» و«هرميا» نائمين فظنهما ~~«ديمتريوس» و«هلنا»، فمسح جفني «ليسندر» بعصير الحب، ولما استيقظ «ليسندر» ~~كانت «هلنا» على مقربة منه هائمة على وجهها في جوف الغابة تبحث عن حبيبها ~~الغادر، فما إن وقعت عينا ليسندر عليها عقب يقظته، حتى شغف بحبها بفعل ~~الزهرة العجيبة وامحى من قلبه كل حب نحو «هرميا»، ولما علم أوبرن ~~بالخطأ الذي وقع فيه بك، أسرع بنفسه يبحث عن «دمتريوس» حتى ألفاه نائما، ~~فعصر وردة الحب على جفنيه، وصحا «دمتريوس» وإذا بهلنا على مقربة منه، فأخذ ~~يناجيها بعبارات الحب والهيام، وبهذا أصبحت «هلنا» محبوبة الشابين معا، ~~و«هرميا» حيرى لا تدري لهذا التحول العجيب سببا. # أما تيتانيا ففتحت عينيها على مهرج ضال كان أوبرن قد ألبسه رأس حمار، ~~وجاء به على مقربة من مخدع زوجته لتقع عليه عيناها حين تستيقظ، فتهيم بحبه ~~وتكون أضحوكة الساخرين، وتم ذلك كله، وكان إشباعا لنقمة «أوبرن» على ~~زوجته. # وأخيرا أزيلت الرقى فعادت القلوب إلى قديم حبها، فديمتريوس عاشق ~~لهلنا، وليسندر هائم بهرميا، وأوبرن على صفاء مع تيتانيا. # وأخيرا نختم ms0510 هذه المجموعة الأولى من ملاهي شيكسبير بموجز لرواية «سيدان ~~من فيرونا». فموضوع الرواية تلك الصداقة التي كانت بين «بروتيس» # 145 # و«فالنتين» # 146 ~~- وهما السيدان من فيرونا - وكيف فصمتها الخيانة التي ولدها ~~الحب، ثم كيف عادت إلى حيث كانت بتوبة الخائن، فبروتيس يحب فتاة من فيرونا ~~تدعى «جوليا»، # 147 # وجوليا تبادله الحب. وشاءت حوادث الأيام أن يلحق «بروتيس» ~~هذا بصديقه «فالنتين» في مدينة ميلان، فوجده يهيم بابنة حاكم المدينة «سلفيا»، # 148 # لكن الحاكم كان يطمع لابنته في زوج أكثر مالا وأعز جاها، ~~فما إن رآها «بروتيس» حتى نسي حبه لجوليا وصداقته لفالنتين، وصمم أن ~~يخطب ابنه الحاكم لنفسه، ولم يتورع أن ينبئ الحاكم بمؤامرة كان قد ~~أسرها له صديقه فالنتين؛ إذ اعتزم أن يفر بسلفيا من قصر أبيها، فلم ~~يلبث الحاكم أن أخرج فالنتين من مدينته. وهنا شرع الصديق الخائن «بروتيس» ~~يكيل عبارات الغزل لسلفيا، لكنها أصمت أذنيها، ولما بلغ بها الحرج ~~غايته عمدت إلى الفرار. وعندئذ كانت «جوليا» قد أقلقها غياب حبيبها ~~«بروتيس» فجاءت تسعى إلى ميلان باحثة عنه، وتنكرت في ثياب غلام حين علمت ~~بخيانة حبيبها وتحول قلبه عنها، ثم التحقت بخدمته فاستخدمها رسولا بينه ~~وبين حبيبته النافرة «سلفيا»، وحدث أن التقت سلفيا بحبيبها الأول فالنتين، ~~وأن كشفت جوليا عن نفسها لبروتيس الذي ندم على خيانته، فانتهى الأمر ~~بالزواج والصفاء. ~~(ج) المآسي # أنتج شيكسبير في المرحلة الأولى من ~~مراحل إنتاجه مأساة واحدة هي «روميو وجوليت» التي تقع حوادثها في فيرونا، ~~ولطالما شهدت طرقات فيرونا أعنف المعارك تنشب بين الأسرتين المتنافستين ~~أسرة «كابيولت» # 149 # وأسرة «مونتاجيو». # 150 # وحدث أن روميو وهو شاب من أسرة مونتاجيو - أحب «جوليت» - وهي ~~فتاة من أسرة كابيولت - وأحبته الفتاة فتزوجا سرا، لكن شاء سوء الطالع أن ~~يقتل روميو شابا من أسرة كابيولت فنفي من المدينة، وأرغمت جوليت على ~~الزواج من «بارس»، فلم يسعها في الليلة السالفة لليوم المعقود لزفافها ~~إلا أن تجرع مخدرا يذهب عنها الشعور ولا يميتها، فظن الجميع أنها ماتت ~~إلا قسيسا كان ms0511 يعلم خفية الأمر، وهو الذي هيأ الجرعة المخدرة للفتاة، ~~ونقلت الفتاة إلى بهو الموتى حيث رقدت، وأنبئ روميو - وكان حينئذ في ~~مانتوا - أن جوليت قد ماتت، فجاء إلى قبرها مسرعا، حيث وجدها مسجاة ~~كالميتة، فأزهق روحه بيده عند جثمانها؛ لأنه لم يجد للحياة معنى بغيرها، ~~ثم ما هي إلا أن أفاقت جوليت من إغمائها الطويل فرأت حبيبها صريعا إلى ~~جوارها فطعنت نفسها بخنجر وماتت. # وتستطيع أن تعد رواية «روميو وجوليت» قصيدة غرامية طويلة، فالحبيبان ~~هما أهم أشخاصها، وعاطفة الحب العنيفة التي يتبادلانها هي ما يستوقف انتباه ~~القارئ، والعجيب أن شيكسبير لم يحاول قط بعد «روميو وجوليت» أن يكتب مأساة ~~غنائية أخرى، فلعله أحس أنه قد بلغ بها الأوج في هذا الفن، ولم يرد ~~أن ينتج ما عساه أن يقع دونها من المآسي الغنائية، فيكاد يجمع رجال النقد ~~الأدبي على أن هذه الرواية أعظم ما عرفت آداب العالم أجمع من قصائد الحب ~~الذي يشتغل في قلوب الشباب، ثم يحطمه القدر. # قصيدتا «فينوس وآدونس» و«لوكريس» # لا بد لنا قبل أن نختم الحديث عن إنتاج شاعرنا في المرحلة الأولى من ~~مراحل نتاجه الأدبي أن نذكر له هاتين القصيدتين الرائعتين اللتين أنشأهما ~~في نفس الوقت الذي كان ينشئ فيه رواية «روميو وجوليت» - أو في وقت قريب ~~منه - أي أنه أنشأهما حين كان خياله مشتغلا بخلق مآس تصلح أن تصب في ~~قالب الشعر، فروميو وجوليت - كما أسلفنا - هي في جوهرها قصيدة غرامية ~~تنتهي بالأسى، وكذلك قل في قصيدتيه هاتين. # كتب الشاعر قصيدته الأولى «فينوس وآدونس» بين عامي 1855 و1587م لكنها لم ~~تنشر حتى سنة 1593م، وهي تقص غرام فينوس بشاب جميل لقي حتفه، حين كان ~~يطارد خنزيرا بريا. وأسلوب القصيدة مزخرف بألوان البيان والبديع، فتراه ~~لا يدخر وسعا عند كل معنى من المعاني في أن يحشد العبارات حشدا يتلو ~~بعضها بعضا بكل ما وسعه من قدرة على التعبير والخيال! وهي مليئة ~~بالاستعارات والإشارات. والقصيدة مقسمة إلى مقطوعات من ذوات الستة ~~الأبيات، في كل بيت منها ms0512 خمس تفعيلات أيامبية (تتألف كل تفعيلة من جزأين ~~ليس على أولهما ضغط صوتي ويقع الضغط على ثانيهما. أما الأسطر الأربعة ~~الأولى فتجري فيها القافية هكذا: أ - ب - أ - ب أي يتفق الأول والثالث في ~~قافية واحدة، والثاني والرابع في قافية أخرى. ثم يتلوها بيتان منتهيان ~~بقافية ثالثة). # أما قصيدة «لوكريس» فقد نشرت سنة 1594م حين كان الشاعر في سن الثلاثين، ~~وهو في هذه القصيدة أكثر احتفالا بالأسلوب منه في قصيدة «فينوس وآدونس» ~~وأشد عناية بألوان البيان والبديع. وهي أيضا مقسمة إلى مقطوعات تجري على ~~غرار المقطوعة التي اشتهر بها «شوسر»؛ أي التي تتألف من سبعة أبيات تجري ~~قافيتها هكذا: أ - ب - أ - ب - ب - ح - ح. # وقصة لوكريس مأخوذة من الأساطير الرومانية القديمة، فقد قيل إنها كانت ~~زوجة جميلة طاهرة، لكن فتى من أبناء «تاركوين» ملك روما اغتصب عفافها في ~~ساعة من ساعات الإثم، فجزعت السيدة وأفضت إلى زوجها وأبيها بما حدث، ~~ودعتهما إلى الأخذ بثأرها، ثم قتلت نفسها. # وهاك مثالا من «فينوس وآدونس»: ~~(فينوس عند جثمان آدونس.) # إنها ترنو إلى شفتيه وإنهما لشاحبتان. # إنها تشد على يده، وإنها لباردة. # إنها تهمس في أذنه رثاء حزينا، # كأنما هو منصت لما تقوله من حزين الرثاء. # إنها ترفع غطاءي اللحدين اللذين أطبقا على عينيه، # فانظر! لقد انطفأ في عينيه سراجان فأضحيا في ظلام! ~~••• # أما وقد أتاك الردى فها أنا ذا أقول نبوءتي: # سوف يكون الأسى للحب تابعا ملازما، # ستكون الغيرة من حواشيه، # سيكون الحب حلو البدء مر الختام. # لن يكون في الحب اعتدال، فإما إلى زيادة، وإما إلى نقصان، # ولن تعدل كل لذائذ الحب حسرته! ~~••• # سوف يكون الحب أرعن باطلا مليئا بالخداع، # سوف يمحى في سرعة الزفير بالأنفاس. # قاعه سم وسطحه مغر جذاب، # فيخدع السطح حديد البصر عن سمه الزعاف. # سيهد الحب أقوى الأبدان فيوهنها، # سيخرس الحب لسان الحكيم، ويطلق لسان الفدم بالكلام. # هذا عرض سريع لما أنتجه الشاعر العظيم في مرحلته الأولى ~~من مسرحيات وقصائد. ويجمل بنا أن نذكر في ختام ms0513 الحديث عن هذه المرحلة أنها ~~تتميز بكثرة الشعر المقفى، إذ لم يكن الشعر المرسل قد رسخت قدمه بعد، ففي ~~رواية «جهد الحب ضائع» - مثلا - ترى ما يقرب من ثلثي الرواية شعرا ~~مقفى، والثلث الثالث شعرا مرسلا (هذا إذا استثنينا الأجزاء النثرية في ~~الرواية)، ثم يأخذ الشاعر في إهمال القافية شيئا فشيئا إذا ما كانت مرحلة ~~إنتاجه الثانية التي سنحدثك عنها بعد قليل، وأخيرا تختفي القافية من شعره ~~أو تكاد، إلا في الأغاني التي يستلزمها سياق الرواية. # وكما أن القافية تظهر في إنتاجه الأول وتختفي في إنتاجه الأخير، كذلك ~~نلاحظ تطورا آخر، هو أنه في شعر المرحلة الأولى يغلب عليه أن يختم المعنى ~~عند نهاية البيت؛ أعني أنه يجعل كل سطر وحدة معينة قائمة بذاتها، فلما ~~ازداد مهارة ورشاقة في الكتابة بالشعر المرسل أخذت تقل هذه الظاهرة، فيجري ~~المعنى من البيت إلى الذي يليه، ولا يحرص الشاعر على أن ينتهي المعنى ~~بنهاية البيت. وقد عدت الأسطر المستقلة المعنى في إحدى روايات المرحلة ~~الأولى فوجدت تسعة عشر سطرا في كل عشرين، وعدت أمثال هذه الأبيات ~~المستقلة في إحدى رواياته الأخيرة، فوجد أنها لا تزيد على الثلثين. # وهذان تطوران يدلان بغير شك على أن التحلل من القيود من علامات النبوغ ~~عند الشاعر العظيم. ~~(4-2) المرحلة الثانية (1595-1601م) ~~(أ) الروايات التاريخية # لم يزل شيكسبير في هذه المرحلة مشتغلا بتاريخ بلاده ممثلا في ملوكها، ~~فكان ما أنتجه من الروايات التاريخية «الملك جون» و«هنري الرابع» بجزأيها، ~~ثم «هنري الخامس ». وسنلاحظ أن الشاعر بعد ختام هذه المرحلة لم يعد يتخذ من ~~التاريخ الإنجليزي موضوعا لمسرحياته (لا نستثني إلا رواية هنري الثامن ~~التي كانت آخر ما أنشأه). ولقد كانت هذه المسرحيات التاريخية التي ظهرت في ~~المرحلة الثانية مجالا مكن الشاعر من التعبير عن العاطفة الوطنية القوية ~~التي سادت أوروبا كلها في عصر النهضة، وسادت إنجلترا على وجه أخص عقب ~~انهزام «الأرمادا» الأسطول الإسباني العظيم الذي حاول غزو إنجلترا في عهد ~~الملكة اليصابات. # ولا يحسبن القارئ أن شاعرنا حين ms0514 كان ينشئ رواية تاريخية لم يكن يعبر عن ~~أحاسيس نفسه، فانظر مثلا إلى هذه الأسطر التي جاءت في رواية «الملك جون» - ~~وقد كتبها في نفس العام الذي مات فيه وحيده «هامنت» - وذلك حين قيل لأم ~~حزينة فقدت ولدها فلازمها الحزن: «إنك مشغوفة بالحزن شغفك بوليدك!» ~~فقالت: # إن الحزن ليملأ الفراغ الذي أحدثته غيبة ولدي، # إنه ليرقد في مخدعه، إنه ليسايرني في جيئتي وذهوبي، # إن فيه لشبها من عينيه الجميلتين، وترديدا لألفاظه، # إنه ليذكرني برشيق أعضائه عضوا عضوا، # إنه يملأ ثيابه الخالية بصورته، # فمن حقي - إذن - أن أكون بالحزن مغرمة! # أفلا ترى الشاعر ينفث في هذه الأبيات لوعته على فقيده ~~متخفيا وراء الحادثة التي يرويها في سياق التاريخ؟ # ولا بد لنا في هذا الموضع أن نشير إلى شخصية «فولستاف» التي وردت في ~~«هنري الرابع» - وسترد مرة أخرى، وفي صورة أخرى في رواية «زوجات وندسور ~~المرحات» - فلعلها بين الشخصيات الفكهة التي رسمتها ريشة الشاعر أروعها ~~وأبدعها. ~~(ب) الملاهي # أول ما نلاحظه على إنتاج هذه الفترة أنه يكاد يتجه كله نحو الملهاة، حتى ~~رواياته التاريخية مثل «هنري الرابع» و«هنري الخامس» فهي ملاه إلى جانب ~~كونها تاريخا. وقد ذكرنا أن شخصية من أكبر شخصيات شيكسبير الهزلية - نعني ~~فولستاف - وردت في «هنري الرابع»، ثم استأنفها الشاعر في ملهاة أخرى من ~~ملاهي هذه المرحلة الثانية، وهي «زوجات وندسور المرحات»؛ وذلك لأن الملكة ~~أعجبت بتلك الشخصية في «هنري الرابع»، واستوقف نظرها إسراف أنانيته، فطلبت ~~إلى الشاعر أن يصور لها هذا الرجل الأناني في مواقف المحب العاشق؛ لترى ~~كيف يلتقي الحب والأنانية، ومعلوم أن الحب يتطلب التضحية؛ فاستجاب لها ~~الشاعر في رواية «الزوجات المرحات». # ومن ملاهي هذه الفترة رواية «ترويض المتمردة»، وملخصها أن «كاترين» # 151 # كبرى بنات «بايتسته» # 152 # أحد أثرياء مدينة بادوا كانت فتاة متمردة جامحة، حتى كاد ~~يستحيل في رأي الناس أن يتقدم لها رجل للزواج منها، ولكن أباها رفض أن ~~يزوج ابنته الصغرى «بيانكا»، # 153 # إلا إذا تزوجت كاترين. واتفق أن جاء إلى بادوا رجل ms0515 يدعى ~~«بتروشيو» ليبحث فيها عن زوجة غنية، فما إن سمع بكاترين، حتى صمم على ~~خطبتها غير عابئ بما يقال عن جموحها؛ لأنه رأى في نفسه القدرة على ~~ترويضها، حتى يجعل منها زوجة وديعة طيعة. وكان أن التقى بالفتاة في منزل ~~أبيها، فما زالت الفتاة المتمردة تخاشنه وتسيء إليه، وما زال هو ~~يحاسنها ويتودد إليها، حتى استمالها واتفقا على الزواج. # وفي اليوم المحدد اجتمع المدعوون لحفلة الزفاف، وطال انتظارهم لبتروشيو، ~~حتى تحرج موقف «كاترين» بين أهلها وصواحبها، فبكت لجرح كبريائها. وأخيرا ~~جاء الزوج في هيئة زرية تثير السخرية والضحك، فكان ذلك إذلالا جديدا ~~للفتاة الشموس، ولم يستطع أحد أن يحمل بتروشيو على تغيير ملبسه، وقال حين ~~خوطب في ذلك: إن «كاترين» ستتزوج منه لا من ملابسه، ثم ذهب الجميع إلى ~~الكنيسة فسلك بتروشيو هناك مسلكا شاذا أيضا؛ إذ أخذ يصخب في ذلك المكان ~~المقدس، وفي تلك الساعة الرهيبة، وضرب القسيس وأسقط من يده الإنجيل، حتى ~~ارتاعت «كاترين» رغم ما لها من جرأة وسلاطة. # وكان والد الفتاة قد أعد للزواج حفلة فخمة، ولكنهم عندما عادوا من ~~الكنيسة أعلن بتروشيو أنه يعتزم أخذ زوجته إلى داره من فوره، ولم يفلح ~~الوالد باحتجاجه ولا الزوجة الغاضبة بصخبها في أن يثنياه عن عزمه، قائلا: ~~إن من حق الزوج أن يتصرف في زوجته كما يشاء. وخرج بها وأركبها على جواد ~~ضئيل هزيل، وسار بها نحو بلده في طريق وعرة مضنية، ووصل الركب أخيرا ~~إلى بيت بتروشيو بعد سفر طويل شاق لم تسمع «كاترين» في أثنائه إلا صخبا ~~ولعنات يصبها بتروشيو على الخادم تارة، وعلى الخيل طورا. ورحب بتروشيو ~~بزوجته عندما دخلت داره، ولكنه اعتزم ألا يسمح لها في تلك الليلة بشيء من ~~الطعام أو الراحة. وهيئت المائدة، ووضع عليها العشاء، ولكن بتروشيو ~~ادعى أن الطعام معيب؛ فألقى باللحم أرضا، وقال إنه يفعل ذلك حبا في ~~«كاترين». وما زال معها على هذا النحو حتى اضطرت - وهي الشامخة بأنفها - أن ~~تتوسل إلى الخدم أن يأتوها بشيء من الطعام ms0516 خفية، لكنهم أجابوها إن أمر ~~سيدهم يحول دون ذلك. # واعتزم الزوج أن يستصحب زوجته في زيارة لأبيها، وفرحت كاترين لهذه ~~الزيارة، ثم أمر أن تسرج الخيل، وأكد أنه لا بد من الوصول إلى بلد أبيها ~~قبل موعد الغداء؛ لأن الساعة كانت وقتئذ السابعة صباحا، وكان الوقت في ~~الحقيقة ظهرا لا صباحا باكرا كما يزعم، لذلك لاحظت كاترين أن الوصول قبل ~~الغداء مستحيل؛ لأن الساعة كانت الثانية بعد الظهر، فقال الزوج العنيد إنه ~~لن يبرح مكانه إلا إذا وافقت على أن الوقت هو ما يريده هو أن يكون. ومن هذا ~~القبيل أيضا أنهما أثناء الطريق اختلفا على الشمس أهي الشمس حقا أم ~~القمر! قالت الزوجة إن الشمس طالعة، فعارضها بأنه القمر الذي يسطع وقت ~~الظهيرة. وتظاهر بإلغاء الرحلة وبالعودة إلى بلده إذا هي لم توافق على ~~قوله، فقالت كاترين مطيعة: «أرجو أن نواصل السير بعد أن قطعنا هذه المرحلة، ~~وليكن هذا هو القمر أو الشمس أو ما تريد أنت أن يكون، وإذا شئت أن تسميه ~~شمعة، فإني أقسم لك أنه سيكون كذلك بالنسبة لي.» # بهذا وبأمثاله استطاع الزوج أن يذل كبرياء زوجته، حتى أخرج منها في ~~النهاية امرأة وديعة طيعة، حتى بلغت من الطاعة والوداعة مبلغا حسده عليه ~~سائر الأزواج. # ومن ملاهي الفترة الثانية رواية «تاجر البندقية» التي صور فيها الشاعر ~~اليهودي الجشع في شخص «شيلك» # 154 # الذي أقرض «أنطونيو» مبلغا من المال، واشترط إذا هو لم يرد ~~المال في الموعد المضروب، كان له الحق في أن يأخذ من جسده رطلا من اللحم ~~يقتطعه من أي مكان يرتضيه. وحان الموعد وكان «شيلك» على وشك أن ينفذ شرطه ~~في أنطونيو، لولا أن جاءت «بورشيا» # 155 # بذكائها المفرط ولبست ثوب المحامي، وقالت لليهودي حين هم ~~بفعلته: «... إن هذا الصك لا يعطيك نقطة دم واحدة، فهو ينص صراحة على رطل ~~من اللحم، فإذا أرقت وأنت تقتطع اللحم نقطة واحدة من دم هذا المسيحي، فإن ~~أرضك ومالك يصادران بحكم القانون.» وهكذا أنقذت حياة أنطونيو من ms0517 براثن ~~اليهودي القاسي. # أما ملهاة «جعجعة ولا طحن» فخلاصتها أنه قد كان يعيش في قصر «ليوناتو» # 156 ~~- حاكم مسينا - سيدتان تسمى إحداهما «هيرو» # 157 # وتدعى الأخرى «بياترس»، # 158 # فأما هيرو فكانت ابنته، وأما «بياترس» فكانت ابنة أخيه، وكانت ~~«بياترس» ذات طبع مرح، وكان يسرها أن تروح بفكاهاتها عن ابنة عمها ~~«هيرو» التي كانت أكثر منها جدا ورزانة. # وحدث أن جاء لزيارة ليوناتو جماعة من الشبان بعد حرب أبدوا فيها ضروبا ~~من الشجاعة النادرة، وكان من بينهم «دن بدرو» # 159 # أمير أرغونة، وصديقه «كلوديو» # 160 # من أشراف مدينة فلورنسه، و«بندك» # 161 # من أشراف بادوا، وكان شابا فكها جريئا. # ولم يكد يجلس هؤلاء الأضياف وتقدم إليهم الفتاتان، حتى نشبت معركة عنيفة ~~من النكات اللاذعة بين «بندك» و«بياترس» وكلاهما طروب لعوب ساخر، ~~أما «هيرو» فقد ظلت صامتة لحيائها، فأعجب بها «كلوديو» وصمم على الزواج ~~منها، وتم الاتفاق مع أبيها على يوم قريب يحتفل فيه بذلك الزواج. # ثم نشأت فكرة لطيفة في أذهان بعضهم أن يتفكهوا بمؤامرة يدبرونها، وتلك ~~أن يحتالوا بالخديعة على إشعال نار الحب في نفس «بندك» و«بياترس» ~~رغم ما كان بينهما من كره ظاهر، فحاولوا أن يدخلوا في روع «بندك» أن ~~«بياترس» هائمة بحبه، وأن يقنعوا «بياترس» بأن «بندك» صريع غرامها. ~~وتحقق لهم ما يريدون بأن أسمعوا كلا منهما حديثا من وراء ستار، يفهمونه ~~به ذلك الحب المجهول. ولقد كان منظر «بندك» و«بياترس» ممتعا بعد أن ~~تبدلت عداوتهما حبا، فما كان أجمل لقاءهما بعد أن خدع كلاهما، وأدخل في ~~وهمه أن زميله يحبه! # وبينما كانت الجماعة تلهو على هذا النحو وتمرح انتظارا ليوم زفاف ~~«كلوديو» «بهيرو»، إذا بأخ غير شقيق للأمير، هو «دن جون» يعكر عليها ذلك ~~الصفو بما طبعت عليه نفسه من شر وسوء؛ وذلك أنه دبر مكيدة ليوقع الشقاق ~~بين «كلوديو» و«هيرو»، حتى لا يتم الزواج، فأوصى خادمة هيرو أن ترتدي ثياب ~~سيدتها في منتصف الليل، وتغازل خطيبا لها، ثم جاء بكلوديو ليستمع إلى ~~خطيبته الفاجرة تغازل غيره من ms0518 الرجال. وتمت الخديعة وأعلن كلوديو الأمر، ~~فكانت فضيحة ارتاع لها الأمير، وارتاعت لها «هيرو» الطاهرة البريئة ~~وارتجت لها المدينة كلها، لكن ما هي إلا أيام حتى عرفت حقيقة الأمر، وعقد ~~الزواج بين «كلوديو» و«هيرو»، ثم بين «بندك» و«بياترس». # ومن أجمل ملاهي هذه الفترة الثانية ملهاة «كما تهواه»، وموجزها أنه في ~~الوقت الذي كانت فيه فرنسا مقسمة إلى ولايات كان يحكم إحدى تلك الولايات ~~مغتصب خلع أخاه الأكبر وهو الدوق الشرعي، وأخرجه من البلاد، ولجأ الدوق بعد ~~أن خرج من ملكه هو وعدد قليل من أتباعه الأوفياء إلى غابة «أردن»، ~~وكان للدوق المنفي ابنة وحيدة تدعى «روزالند» # 162 # استبقاها «فروديك» - الأخ المغتصب - لتكون رفيقة لابنته «سليا»، # 163 # ونشأت بين الفتاتين صداقة وثيقة العرى. # وحدث ذات يوم أن شهدت الفتاتان ~~مبارزة بين شابين، فظنتا أنها سوف تفضي إلى مأساة مروعة، إذ رأتا ~~رجلا قويا مارس فن المصارعة يوشك أن ينازل شابا صغير السن قليل ~~التجارب في هذا اللون من الصراع، فتقدمتا واحدة بعد الأخرى تنصحان الفتى ~~ألا يلقي بنفسه إلى هذه التهلكة المحتومة، لكن الشاب أبى إلا أن يمضي في ~~القتال قائلا: «... وإذا قتلت فقد مات شخص راغب في الموت، ولن أسيء بموتي ~~إلى أصدقائي؛ لأنه ليس لي أصدقاء يبكونني، ولن أضر العالم في شيء؛ ~~لأنه ليس لي في العالم شيء.» فزاد هذا ~~القول من إشفاق الفتاتين عليه، وبخاصة روزالند. ولعل عطف الفتاتين استثار ~~الحماسة في نفس الشاب، فأبدى من البسالة ما كان خليقا بكل إعجاب، وتغلب ~~على خصمه القوي آخر الأمر. # وعلم الحاكم المغتصب أن هذا الشاب الباسل ابن صديق لأخيه المنفي فطرده من ~~المدينة، بل ذكره هذا الفتى - واسمه «أورلاندو» # 164 ~~- بنقمته على أخيه، فصبها على ابنة أخيه «روزالند»، وأصر ~~على إخراجها من قصره وتشريدها، فلم تر ابنة عمها بدا من مرافقتها خفية؛ ~~إذ كان بينهما من الود ما ربط قلبيهما رباطا قويا، وكانت «روزالند» قد ~~هامت حبا بأورلاندو. # تنكرت «روزالند» في ثوب راع وتخفت «سليا» في ملابس راعية، وأخذتا ms0519 ~~تضربان في فجاج الأرض، حتى بلغتا غابة «أردن»، وكان قد هدهما الجوع، ~~ونال منهما التعب، فأوتا إلى كوخ أقامتا فيه، وشاءت المصادفة أيضا أن ~~ينتهي الفتى أورلاندو إلى هذه الغابة، وكان حبه لروزالند قد اشتعل في ~~فؤاده، فأخذ يكتب اسمها على جذوع الشجر، ويرسل فيها الأغاني. فلما صادفته ~~روزالند في الغابة جاذبته أطراف الحديث، وهي لم تزل متخفية في ثوب الراعي، ~~وهو بذلك الحديث سعيد إذ رأى شبها قويا بين الراعي وحبيبته ~~روزالند. # أخذ «أورلاندو» يتردد على الراعي في كوخه كل يوم، فعرض عليه الراعي - ~~روزالند في حقيقته - أن يأتيه بفعل السحر بحبيبته روزالند ليتزوج منها إن ~~كان حبه إياها على ذلك النحو العنيف الذي كان يبديه، فقبل ما عرض عليه وهو ~~في عجب من الأمر. وكان «أورلاندو» قد التقى بالدوق المنفي في الغابة - ~~والد روزالند - فأنبأه الخبر. ولبث الدوق في قلق لما سمع أن ابنته سيؤتى ~~بها إلى الغابة بهذه الطريقة العجيبة، ولم يكن في الأمر عجب، فما هو إلا أن ~~خلعت روزالند ثياب الراعي وبدت على حقيقتها، فشاع في النفوس مرح وطرب وتم ~~الزواج. وشاءت العدالة الإلهية أن يتم سرور القوم، فجاء عندئذ رسول ينبئ ~~الدوق أن أخاه قد تاب عما أساء ونزل لأخيه عما اغتصب. # وبملهاتين أخريين «الليلة الثانية عشرة» و«خير كل ما ينتهي بخير» ينتهي ~~إنتاج المرحلة الثانية في المسرحيات. ولقد أخرج في هذه الفترة من حياته ~~الأدبية «مقطوعاته الشعرية» التي كان قد أنشأ معظمها في عامي 1593 و1594م، ~~وهو بين الثلاثين والحادية والثلاثين، وهي تنقسم إلى قسمين؛ القسم الأول ~~وقوامه ست وعشرون ومائة مقطوعة موجه إلى نبيل صغير السن، والقسم ~~الثاني وعدده ثماني عشرة مقطوعة موجه إلى سيدة حسناء، ففي القسم الأول ~~من هذه المقطوعات يتقدم الشاعر إلى نبيل مجهول الاسم، فيعبر له عما يكنه ~~له من الحب، ويذكر ما يلقاه في البعد من الوجد والألم، ثم هو يريد أن يصف ~~جمال الربيع، وأن يحس بهجة الصيف، لكنه لا يجد إلى ذلك سبيلا حينما يخلو ms0520 ~~إلى عاطفته المشبوبة، إنه يعشق هذا الفتى، ويكاد يقتله الشوق إليه، وهو ~~يعتب على الفتى أنه خان الأمانة فسلبه عشيقته، وهو يغفر له تلك الإساءة ~~ويجزيه عنها إحسانا، ثم يطغى الحزن والألم أحيانا على الشاعر، فيدب في ~~نفسه اليأس، ويثور على الرذيلة التي فشت في أيامه، ويضيق بصناعة التمثيل ~~التي اتخذها حرفة، هذه المعاني تشيع في مقطوعات القسم الأول. # أما في القسم الثاني فيلتفت الشاعر إلى حبيبة ذات شعر أسود وإهاب ~~أسمر، وهذه الغانية التي يستعطفها تتجاهله وتتعالى عليه وتدعه فريسة للأمل ~~الخائب والألم المبرح، بل هي تعشق الفتى النبيل، وتبذل له من النفس والجسد ~~ما كان يبتغيه الشاعر، ثم هو في محنة نفسية حادة؛ إنه موزع بين الفتى ~~والفتاة، فهو يحب هذا ويعشق هذه، وهو يخرج من هذه المحنة خروجا فلسفيا؛ ~~لأنه يدرك أن الحب لا بد أن ينتهي إلى البوار، وأن الشعراء من أمثاله ينبغي ~~ألا يسرفوا في عشق الغانيات. # وبعد، فالمقطوعة عند شيكسبير تتألف من ثلاث رباعيات، ثم بيتين ~~مقفيين، فتجري القافية فيها هكذا: ~~«أ - ب - أ - ب» «ج - د - ج - د» «ه - و - ه - و» «ز - ز». ~~(4-3) المرحلة الثالثة (1601-1607م) ~~(أ) الملاهي # هنا ذهبت عن شيكسبير فرحته ~~بالحياة، وعلمته الحوادث أن ينظر إلى الدنيا من جانبها المظلم القاتم، فهو ~~حتى في ملاهيه ينقصه الجذل والمرح اللذان عهدناهما في ملاهي المرحلتين ~~الأوليين. فها هي ملهاته «كيل بكيل» يسيء فيها الظن بالطبيعة ~~البشرية، ويكاد ييئس من فضيلة الإنسان، فقد كان يحكم مدينة فيينا دوق بلغ ~~من حلمه أن كان يسمح لرعاياه أن يخرجوا على شريعة البلاد دون أن يخشوا ~~عقابا، وكان من قوانين الدولة قانون كاد ينساه الناس؛ لأن الدوق لم ينفذه ~~قط أثناء حكمه، وكان هذا القانون يقضي بالإعدام على كل شخص يعيش مع امرأة ~~غير زوجته، فتتابعت الشكاوى في كل يوم من آباء الفتيات يقولون فيها إن ~~بناتهم قد أغرين بالخروج عن طاعتهم ليصاحبن الرجال الأغراب. # ولما لم يكن في وسع الدوق أن يخرج عن ms0521 طبعه، فقد ترك بلاده وقتا ما ونزل ~~لغيره عن سلطانه كله ليستطيع من يتولى الأمر عنه أن ينفذ القانون؛ واختار ~~الدوق لهذا الواجب الخطير رجلا عرفته فيينا بالصلاح والتقوى، وهو «أنجلو»، # 165 # لكن الدوق لم يغب في الحقيقة عن بلاده، بل عاد إليها سرا في ~~ثياب راهب ليراقب خفية مسلك أنجلو الذي يظنه الناس قديسا صالحا. # وحدث أن أغرى «كلوديو» # 166 # فتاة، فقبض عليه وزج في السجن تمهيدا لموته، فأرسل ~~«كلوديو» إلى أخته «إزابل» # 167 ~~- وهي فتاة طاهرة - أن تتوسل إلى «أنجلو» لعله يستجيب إلى ~~شفاعتها فينقذ أخاها من الموت، فما هو إلا أن جثت إزابل أمام الحاكم ~~القاسي، وما زالت به ترجوه أن يعفو عن أخيها، ومما قالته: وارجع إلى قلبك، ~~وسله هل طاف به ما يشبه الذنب الذي ارتكبه أخي؟ فإذا أقر لك بأنه قد ~~ارتكب هذا الذنب الذي هو من طبيعة البشر، فلا تترك له مجالا للتفكير في ~~موت أخي. وكان لهذه العبارة وقع شديد في نفس «أنجلو»؛ لأن جمال إزابل كان ~~قد أثار في نفسه عاطفة أثيمة، واستمهلها يوما، فلما عادت قال لها: إنها ~~إذا أسلمت شرفها إليه وهب لها حياة أخيها. فخرجت إزابل إلى أخيها في ~~السجن، حيث قالت: «لا بد أن تموت، هل تصدق يا كلوديو أن هذا الذي يتظاهر ~~بالصلاح والتقى يرضى بأن يهب لك الحياة إذا رضيت بأن يدنس شرفي؟ قسما ~~لو أنه طلب حياتي لقدمتها راضية ... استعد للموت غدا.» فقال كلوديو: «إن ~~الموت رهيب!» فأجابته أخته: «وحياة العار شيء كريه!» وتملك حب الحياة نفس ~~كلوديو فصاح : «أختي العزيزة! دعيني أعيش، إن الله ليعفو عن الذنب الذي ~~ترتكبينه لتنقذي به حياة أخيك، حتى ليصبح هذا الذنب فضيلة.» # وكان الراهب - وهو في حقيقته دوق ~~فيينا المتنكر - يتسمع إلى هذا الحديث، فدخل عليهما وأشار على الفتاة ~~الطاهرة أن تتظاهر بالرضا لما طلبه «أنجلو»، حتى إذا ما كان الليل بعثت له ~~«ماريانا» متخفية في ثيابها، وماريانا هذه زوجة أنجلو، إلا أنه لم يبن ~~بها؛ لأن ms0522 السفينة التي كانت تقل مالها غاصت في اليم، وأصبحت فقيرة بغير ~~مال ... وهكذا أخذ الدوق المتخفي يحبك الخطط ليكشف للناس «أنجلو» على حقيقته، ~~ثم أعلن نفسه، وختم الرواية بأن زوج كلوديو من حبيبته، وأنجلو من زوجته، ~~وتزوج هو إزابل الطاهرة. # هكذا أخذ الشاعر ينظر إلى ما في طبائع الناس من لؤم ونفاق. وتستطيع أن ~~تسلك ملهاته الثانية «ترويلس وكرسدا» في هذا الضرب القاتم من ~~الملاهي التي لولا خواتيمها السعيدة لكانت من أبشع المآسي، وهو في هذه ~~الملهاة يقص قصة الحب بين الشاب الطروادي «ترويلس»، والفتاة الطائشة ~~اللعوب «كرسدا»، وكيف خابت أحلام العاشق، وتحطمت على صخرة الواقع المر ~~الكريه. ومن شخصيات هذه الرواية التي أبدع الشاعر تصويرها شخصية «بانداروس»، # 168 # الذي كان حلقة الاتصال بين العاشقين. ~~(ب) المآسي # في هذه المرحلة الثانية كانت نفس الشاعر قد أترعها الكمد والأسى لما لقي ~~في حياته العائلية من كوارث فادحة كموت وحيده «هامنت» وما كان بينه ~~وبين زوجته من نفور وشقاق، فأخرج أروع مآسيه الخالدة، فهو في «عطيل» يجعل ~~الغيرة الزائفة التي أثارها في نفس عطيل ذلك الماكر الخبيث «إياجو»، # 169 # سببا في أن يقتل البطل زوجته الطاهرة «دزدمونا»، # 170 # وموضع المأساة في هذه الرواية هو أن يقتل رجل نبيل الأخلاق ~~كعطيل، زوجة طاهرة بريئة كدزدمونا، لأسباب نبيلة شريفة! # ومن أروع مآسيه «ماكبث» وخلاصة حوادثها أن ماكبث وصديقه «بانكو»، # 171 # كانا عائدين إلى بلادهما اسكتلنده بعد حرب ظفرا فيها بنصر ~~عظيم، فاعترضتهما ثلاثة أشباح شبيهة بالنساء، أما الأولى فحيت ماكبث ~~باسمه، ثم زادت الثانية على تحية أختها بأن سمته شريف «كودر»، # 172 # مع أنه لم يكن له في هذا اللقب مطمع، ثم تقدمت الثالثة فحيته ~~بقولها: «مرحبا بملك المستقبل»، ثم التفتت هذه المخلوقات إلى «بانكو»، ~~وتنبأن له بأن أبناءه سيكونون ملوكا على اسكتلنده، وإن لم يجلس هو على ~~عرشها، ثم استحلن هواء واختفين عن الأنظار. # وما هي إلا فترة وجيزة بعد ذاك، حتى جاء إلى «ماكبث» رسول من الملك ~~ينبئه أنه قد خلع عليه ms0523 لقب «شريف كودر»، فأخذت الآمال تجيش في صدره بأن ~~تتحقق النبوءة الثانية، فيصبح ملكا على البلاد كما تنبأت الساحرات. # وكان لماكبث زوجة أسر إليها نبوءة الساحرات وما تحقق منها، وكانت هذه ~~الزوجة شريرة طموحا، لا تبالي إذا ما وصلت هي وزوجها إلى العظمة أي ~~السبيل يسلكانها، فأخذت تحرض ماكبث وتغريه بأن يقتل الملك «دنكن» # 173 # أثناء زيارته لهما في قصرهما، وبعد تردد طويل تقدم «ماكبث» ~~بخنجره نحو الملك النائم وقضى عليه بطعنة واحدة. # وأصبح الصباح وكشفت الجريمة، فتظاهر ماكبث وزوجته بالحزن الشديد ~~واتهما بالقتل حراس الملك. فلما خلا العرش بموت الملك وفرار ابنيه، آل ~~الملك إلى ماكبث فتحققت نبوءة الساحرات، وبلغ ماكبث وزوجته ما كانا يبغيان ~~من مجد، ولكن أين لهما طمأنينة النفس وهما يعلمان مما قالته الساحرات ~~لبانكو أن الملك من بعدهما سيئول إلى أولاده، إذن فليقتلا بانكو وابنه ~~ليبطلا هذا الشطر من نبوءة الساحرات. # وأقاما لهذا الغرض وليمة كبرى كان ~~بانكو ممن دعي إليها، غير أنهما رصدا له في الطريق من يقتله فكان ذلك، ~~قتل بانكو ولاذ ابنه بالفرار، ومن نسل هذا الابن تعاقب الملوك على عرش ~~اسكتلنده، وشاء الله بعد أن تم ذلك الاغتيال المخيف أن خيل لماكبث وهو في ~~الحفل كأنما دخل الحجرة طيف بانكو، وكأنما جلس الطيف على المقعد الذي ~~أوشك ماكبث أن يجلس عليه، وارتاع لذلك ودهش المدعوون لارتياعه وهم لا يرون ~~شيئا يدعو إلى الفزع، فأسرعت زوجته إلى فض الحفل خشية أن يؤدي اضطراب ~~زوجها إلى افتضاح الأمر. # وأخذت الرؤى تنتاب ماكبث، فذهب إلى الفلاة ينشد الساحرات يستنبئهن حوادث ~~الأيام، فأخرجن له روحا ناداه باسمه، وأمره أن يحذر «شريف فايف»، # 174 # ثم أخرجن له روحا ثانيا في صورة طفل مدرج بالدماء ينبئه أن ~~لن يكون لابن أنثى قدرة على إيذائه، ثم أخرجن له روحا ثالثا في صورة طفل ~~على رأسه تاج وفي يده شجرة، فقال له إنه لن يغلب على أمره حتى تسير ~~نحوه غابة «بيرنم». # عاد «ماكبث» بعد هذه النبوءات الجميلة راضي ms0524 النفس، مطمئن الفؤاد، فلن ~~يؤذيه ابن أنثى، ولن يغلب إلا إن تحركت نحوه غابة، وهل تتحرك أشجار الغاب ~~من منابتها؟ لكن حدث أن تجمع أعداؤه في إنجلترا، وانضم إليهم «شريف فايف»، ~~وسار جيش الأعداء، حتى اقترب من قصره، ولكن نبوءة الساحرات كانت لا تزال ~~تفسح له الأمل، حتى جاءه رسول ينبئه أن غابة «بيرنم» قد تحركت، ولم يكن ~~ذلك وهما ولا خيالا؛ لأن جيش العدو قد اقتلع غصون الشجر ليحمي نفسه بها، ~~فبدا الجند وفي أيديهم تلك الغضون كأنما هم غابة تسير، وكان الختام أن ~~التقى في حومة القتال ماكبث بعدوه «مكدف» # 175 # شريف فايف، فما إن علم منه أنه لم تلده أنثى كما تلد النساء ~~الرجال، إنما أخرج من بطن أمه قبل أن يحين يوم مولده، حتى خارت قواه، ~~وانتهى الأمر بأن قتل ماكبث وقدم رأسه هدية إلى «ملكلم» # 176 # بن «دنكن» وهو بحكم الوراثة ملك البلاد الشرعي. ~~••• # ولعل عبقرية الشاعر لم تتجل في مسرحية من مسرحياته بقدر ما تجلت في ~~مأساة «الملك لير»، فقد كان لهذا الملك ثلاث بنات، هن: «جنرل» # 177 # و«ريجن» # 178 # و«كورديليا»، # 179 # وكان «لير» قد جاوز الثمانين من عمره، فقرر أن ينفض يده من ~~شئون الدولة، ولذلك دعا إليه بناته الثلاث ليعرف منهن أيهن أكثر حبا له، ~~فيقسم مملكته بينهن بنسبة هذا الحب، فقالت كبراهن «جنرل» إنها تحب أباها ~~حبا تعجز الألفاظ أن تعبر عنه، فنزل لها أبوها عن ثلث ملكه. وقالت الوسطى ~~«ريجن» إن ما يفيض به قلبها من الحب لأبيها ليتضاءل أمامه كل حب سواه، ~~فوهبها أبوها ثلث ملكه، أما صغراهن «كورديليا»، فعافت نفسها هذا الرياء، ~~وأجابت حين سئلت بأنها تحب أباها بما يليه واجب البنوة نحو الآباء، فغضب ~~الأب وقسم ثلثها بين أختيها وتركها بغير مال، ومع ذلك فقد اختارها ملك ~~فرنسا زوجة له واستصحبها إلى بلاده. وكان «لير» حين نزل لابنتيه عن ملكه ~~اشترط أن يقيم عند كل منهما شهرا بالتناوب هو ومائة من فرسانه ليكونوا ~~حاشية له. # ولكن ما ms0525 هي إلا أيام حتى أخذت «جنرل» تضيق صدرا بأبيها وحاشيته، ~~وأساءت إليه إساءة لم يجد معها بدا من الانتقال إلى ابنته الأخرى ~~«ريجن»، لكنه كان بذلك كالمستجير من الرمضاء بالنار، فقد أخطأ حين ظن أن ~~«ريجن» ستكون أحنى عليه من «جنرل»، فضاق الرجل بنفسه لما لقيه من عقوق ~~ذميم، وخرج إلى العراء في الليل وقد عصفت بالبلاد عاصفة هوجاء فيها رعد ~~وبرق ومطر، ولكنه كان يرى ذلك كله أرحم من عقوق ابنتيه، وسرعان ما انتهى ~~به الأمر إلى جنون وشرع يغني لنفسه بصوت عال وعلى رأسه تاج من ~~القش. # وترامت الأنباء إلى ابنته الصغرى في فرنسا، فجاءت على رأس جيش لتنتقم ~~لأبيها من أختيها الجاحدتين، وشاءت الأقدار أن تجزيا السوء بالسوء، ~~فتنازعت الأختان على حب رجل واحد، فقتلت إحداهما الأخرى، ثم زجت ~~القاتلة في السجن، حيث أزهقت روحها بيدها، ولكن لما كانت الفضيلة لا تلقى ~~جزاءها في هذا العالم دائما، فقد هزمت «كورديليا» المخلصة، وقضت حياتها في ~~السجن حيث ماتت، ولم تطل حياة أبيها بعدها. # على هذا النحو أخذ الشاعر يخرج المأساة في إثر المأساة، فأنشأ في هذه ~~المرحلة عدا ما ذكرنا «هاملت» و«يوليوس قيصر» و«تيمن الأثيني» و«أنطون ~~وكليوبطره» و«كوريولانس». ~~(4-4) المرحلة الرابعة (1608-1613م) # ها نحن قد بلغنا بشاعرنا مرحلته الرابعة والأخيرة من تاريخ إنتاجه الأدبي، ~~وهي مرحلة ينتقل فيها انتقالا مفاجئا من المآسي المفجعة التي انبثقت من نفسه ~~المكروبة الحزينة في الفترة الثالثة، إلى ملاه رائعة يسودها الوئام والسلام ~~والدعة؛ فهو في هذه المجموعة من الملاهي يربط ما انفصم بين الناس من أواصر، ~~ويلاقي بين من شتت الدهر من أهل وأحباب، ويجعل العدو يصفح ويعفو عن عدوه، ~~والآثم يكفر عن إثمه بالتوبة لا بالموت، في هذه الملاهي ترى الزوجين يتصافحان ~~بعد خصومة والولد يستغفر الوالد بعد عقوق. # ففي ملهاة «بركليس أمير صور» خرج بركليس من ملكه منفيا، وكانت مدينة طرسوس ~~أول بلد يممه، وكان قد سمع أن هذه المدينة حل بها وقتئذ قحط شديد، فأخذ معه ~~مقادير عظيمة من ms0526 الطعام ليدفع عن أهلها غائلة الجوع، ورحب به «كليون»، # 180 # وشكر له حسن صنيعه. وبعد أيام غادر بركليس مدينة طرسوس، ولكنه لم ~~يبعد عن البر إلا قليلا حتى ثارت في البحر عاصفة هوجاء هلك فيها كل من في ~~السفينة إلا بركليس؛ فقد ألقته الأمواج عاري الجسد على شاطئ مجهول، ولم يكد ~~يقيم في ذلك البلد، حتى أقام حاكمه احتفالا في عيد ميلاد ابنته «تايسا»، # 181 # وقد أبدى بركليس يومئذ من البراعة في فنون الفروسية ما جعل الحاكم ~~يزوجه من ابنته «تايسا»، ثم لم يمض طويل زمن، حتى جاءه النبأ أنه يستطيع أن ~~يعود إلى عرشه المفقود، فاستصحب زوجته عائدا إلى صور، ولكن عاصفة أخرى هبت ~~عليهم وهم فوق متن البحر، فمرضت الزوجة، وجاءت إلى بركليس مربية تحمل رضيعا ~~وتنبئه أن «تايسا» قد ماتت حين ولدت هذه الطفلة في السفينة، وظلت الريح تعصف ~~بالسفينة، فطلب البحارة إلى الأمير أن يأذن لهم بإلقاء جثة الملكة في اليم؛ ~~لأن من الأوهام التي تسيطر على عقولهم أن العاصفة لا تسكن ما دام في السفينة ~~جثة ميتة، فلفها بركليس في كفن ووضعها في صندوق وقذف بها في الماء، فحملها ~~الماء إلى الشاطئ، حيث وجدها طبيب، فعرف أنها حية أصابها إغماء، فأنعشها ~~بعقاقيره. # أما بركليس فقد حمل طفلته الصغيرة إلى طرسوس، وسماها «مرينا»، # 182 # وتركها عند «كليون» حاكم المدينة، واستأنف هو السفر إلى صور، حيث ~~عاد إلى عرشه آمنا، وشبت «مرينا» في قصر كليون، فأثار جمالها نار الحسد في ~~صدر الملكة؛ لأنها كانت تستأثر بإعجاب الرجال دون ابنتها، فدبرت لقتلها، وكاد ~~القاتل المأجور يجهز عليها لولا أن جماعة من قراصنة البحر اندفعوا إليه، ~~واختطفوا الفتاة، وباعوها رقيقا، ومنذ ذلك اليوم أخذت الفتاة تنتقل من بلد ~~إلى بلد، حتى شاءت المصادفة أن تلتقي بأبيها، وأن تكتشف علاقة الأبوة والبنوة ~~بينهما، وبعدئذ طاف ببركليس في نومه طائف أن يزور «أفسوس»، حيث كانت تقيم ~~زوجته، وكانت الزيارة وكان اللقاء. # وتنتقل إلى ملهاة أخرى وهي «قصة الشتاء» فتراها - مثل «بركليس» ms0527 - تحوي ~~انفصالا بين زوج وزوجته وأب وابنته، وعاصفة في البحر وسفينة تتحطم، ثم التئام ~~للشمل بعد افتراق. # لكن الملكة «هيرميوني» # 183 # في هذه الرواية لا يفصلها عن زوجها الجد العاثر كما حدث لتايسا في ~~بركليس، وإنما فصلها عنه حمق الزوج وغيرته الطائشة الرعناء، فقد دعا زوجها ~~الملك «ليونتيس» # 184 # صديقه «بولكسنيس» # 185 # ملك بوهيميا ليقضي معه في قصره بضعة أيام، فما إن رأى الضيف يحادث ~~«هيرميوني»، حتى ظن الظنون، واحتدمت في صدره الغيرة، وأصر على قتل ضيفه، لولا ~~أن لاذ هذا بالفرار إلى بلده، فزج زوجته «هيرميوني» في السجن، حيث ولدت طفلة ~~سميت «بيرديتا»، # 186 # فحسبها الوالد الغيران أنها من سفاح، فأمر بها أن تلقى في الفلاة ~~في بلد ناء، فحملت المسكينة إلى شواطئ بوهيميا، حيث وجدها راع فنشأها في ~~أسرته، وهنالك رآها ابن بولكسنيس فأحبها، لكن بولكسنيس لم يرض لابنه أن يتزوج ~~من راعية من غمار الشعب، فلم يسع الشاب الولهان إلا أن يفر بفتاته إلى البلد ~~الذي يحكم فيه أبوها «ليونتيس»، وهنالك انكشفت الأمور الغوامض وردت ~~هيرميوني إلى زوجها، وعاد الصفاء بين الصديقين القديمين، وتزوج الفتى من ~~فتاته. وعلى هذا النحو من ختم الملهاة بالصفاء والوئام كتب الشاعر الملاهي ~~الأخرى في مرحلته الرابعة: «سمبلين» و«العاصفة». وكان ختام نتاجه الأدبي رواية ~~تاريخية عن «هنري الثامن». # تلك لمحة خاطفة عن الصرح الباذخ الذي أقام شيكسبير أركانه في عالم الأدب. ~~فمن أين جاء بمادة هذه المجموعة الزاخرة من المسرحيات؟ لقد كفى الشاعر العظيم ~~نفسه مئونة العناء في خلق موضوعاته، وربما أخذك العجب حين تعلم أن شيكسبير ~~قد أخذ عن غيره موضوعات رواياته كلها إلا اثنتين: «جهد الحب ضائع» و«العاصفة »، ~~ونستثني هاتين؛ لأن النقاد لم يجدوا حتى اليوم دليلا على أنهما مستعارتان، أي ~~قد تكونان مستعارتين والدليل مفقود. ومصادره التي استقى منها ثلاثة: (1) فقد ~~استمد بعضها من أساطير الأقدمين وأغانيهم وأشعارهم. (2) كما استمد بعضها الآخر ~~من كتب التاريخ. (3) على أن أهم مصدر اعتمد عليه في استخراج موضوعات لرواياته ~~هو كتاب «حياة المشهورين ms0528 من الرجال» لبلوتارك، وقد ترجمه إلى الإنجليزية «نورث» ~~في عهد اليصابات، وكانت هذه الترجمة من الروعة والجمال، بحيث لم يتحرج الشاعر ~~من أن ينقل عنه أجزاء كما هي، وجدير بنا في هذا الموضع أن نثبت لفتة طريفة ~~لأحد النقاد؛ إذ لاحظ أن شيكسبير ربما كانت خسارته من وروده حوض المؤرخ العظيم ~~أرجح من كسبه؛ لأن الشاعر أضعف في الروايات الرومانية التي استقاها من بلوتارك ~~(مثل يوليوس قيصر) منه في الروايات الأخرى مثل هاملت ولير وعطيل وماكبث، كأنما ~~عطلت عبقرية المؤرخ العظيم قدرة الشاعر العظيم. ~~••• # لئن كان النقاد يقرون اليوم لشيكسبير بزعامة الشعر، فلا تحسبن أن ذلك ~~التقدير للشاعر قد سبق القرن التاسع عشر، أما قبل ذلك فلم يكن شيكسبير في حساب ~~النقاد أعظم من بعض معاصريه «بن جونسن» و«بومنت» و«فلتشر» وسيرد لك ~~ذكرهم بعد قليل. ولعل شاعرنا لم تهبط قيمته عند قوم بقدر ما هبطت عند الأدباء ~~الإنجليز في النصف الأول من القرن الثامن عشر، فقد كان المثل الأعلى في الأدب ~~إذ ذاك فنا يعنى بالصقل، ويلتزم القواعد التزاما لا يحيد عنها قيد أنملة، ~~فليس عجيبا ألا تجد الحرية التي أباحها شيخ الشعراء لنفسه عند أولئك القوم ~~قبولا حسنا. # فلما أشرقت شمس الحركة الابتداعية (الرومانتيكية) في أول القرن التاسع عشر، ~~عاد الأدباء فأقبلوا على شيكسبير يدرسونه ويقدسونه، ومنذ ذلك العهد حتى اليوم ~~حل شيكسبير في مكانة الزعامة بإجماع شمل أطراف العالم، بحيث لا تجد له ~~شذوذا، فليس شيكسبير في ألمانيا بأقل شيوعا منه في إنجلترا ذاتها، وقد أصبح ~~في فرنسا بفضل عبقرية «فكتور هيجو» كأنما هو نتاج أدبي وطني أنبتته فرنسا، ~~وترجم شيكسبير إلى اللغات الروسية والبولندية والإيطالية والإسبانية ترجمة يقال ~~إنها بلغت من الروعة حدا يدنيها من أصلها الإنجليزي، ولقد نقلت إلى العربية ~~طائفة من رواياته، ولا نزال نطمع في أن ينقل سائرها لنضيف إلى لغتنا هذا الكنز ~~الثمين، فتزداد به ثراء. وإنه لمما يلفت النظر في ترجمة شيكسبير إلى أية لغة من ~~اللغات أنه يحتفظ في الترجمة بقبسات ms0529 من جمال الأصل، مع أن احتفاظ النص الأدبي ~~بجماله في الترجمة أمر عسير. # أصبح شيكسبير شاعر العالم غير منازع؛ لأنه أضخم من أن تستأثر به أمة واحدة، ~~فقد سئل طالب ياباني عقب قراءته لإحدى روايات الشاعر العظيم: «أتستطيع بحق أن ~~تشارك أشخاص هذه الرواية جميعا وجدانهم؟» فأجاب: «نعم؛ لأنهم ~~يابانيون.» # ولقد كتب في نقد شيكسبير وفي شرحه والتعليق عليه ألوف وألوف من الكتب، حتى ~~غصت بها رفوف المكاتب، تخرج منها كلها بهذه النتيجة التي عبر عنها الطالب ~~الياباني في بساطة وقوة، فشيكسبير شاعر العالم؛ لأن رجاله ونساءه يصورون ~~الطبيعة البشرية على اختلاف الأمم، إنه لم يصور عصره وحده، بل صور الزمان ~~كله، فلا عجب إن كان القراء يطالعونه في كل مكان وفي كل زمان، فيجدون أشخاصه ~~أحياء بينهم. اقرأ شيكسبير فلن يسعك إلا أن تحب هذا النفر من أشخاصه وأن تكره ~~ذاك، كما تحب فريقا من جيرتك وتمقت فريقا، نعم إن كل روائي له هذه القدرة على ~~تصوير الأشخاص، لكن قدراتهم في ذلك تتفاوت، ولشيكسبير من هذه القدرة أكبر ~~نصيب. # أضف إلى عالمية هذا الشاعر الفحل تعدد جوانبه وتنوع نتاجه، فقد خلف لنا أروع ~~المآسي وأمتع الملاهي، وخلف لنا طائفة من أجود المقطوعات الشعرية، وعددا من ~~ألطف الأغاني وأحلاها، وخلف لنا شذرات من النثر هي في الذروة من الكتابة ~~النثرية جمالا وقوة، يستشهد بأقواله في الحياة والموت رجال الفلسفة وعلماء ~~الأخلاق، ويرجع إليه العاشقون ليستمدوا من آياته إذا ما أرادوا التعبير عن ~~عواطفهم، بل نستقي منه في أحاديثنا اليومية مأثور القول في مواقف الجد ومواقف ~~الهزل على السواء. ~~(5) معاصرو شيكسبير ~~(5-1) بن جونسن # Ben Gonson ~~(1573-1637م) # كان «بن جونسن» من أصدقاء شيكسبير المعجبين بنبوغه، وكان يصغره بما يقرب ~~من تسع سنوات، مات أبوه - وكان واعظا دينيا - قبل ولادته بشهر واحد، فتزوجت ~~أمه من بناء، ويقال إن «بن» قد اتخذ حرفة زوج أمه فترة من الزمن، ثم تركها ~~ليحترف الجندية، فاشترك في قتال دارت رحاه في الأراضي المنخفضة، على أن «بن» ms0530 ~~لم تهمل دراسته، فقد أرسل إلى المدرسة وتلقى الآداب الكلاسيكية ~~فأجادها. # عاد الفتى من حرب الأراضي المنخفضة وله من العمر ثلاث وعشرون سنة، فتزوج وبدأ ~~يكتب للمسرح ليرتزق، لكن لم تمض على اتصاله بالمسرح كاتبا وممثلا سنتان، حتى ~~اعتدى على ممثل بالقتل فزج في غيابة السجن حينا، ثم أطلق سراحه، فاتصل من ~~جديد بجماعة المسرح، وكان يغشى ندوة مشهورة تسمى «ميرميد»، # 187 # حيث يجتمع بأعلام الأدب: شيكسبير و«بومنت» و«فلتشر» وغيرهم، ~~فتحتدم بينهم المعارك الكلامية، كل يحاول أن يعلو بذكائه وفطنته على الآخرين. ~~ولم يكد يفرغ شيكسبير من رسالته الأدبية، حتى ارتفع «بن» إلى إمارة الأدب، ~~وأحاط به الأتباع والأشياع. # في عام 1616م - وهو العام الذي مات فيه شيكسبير - نشر «بن جونسن» أول ما نشر ~~من نتاجه الأدبي، فكان كتابا ضمنه مسرحيات وأشعارا مختلفة، ولم تمض ~~سنوات ثلاث بعد ذلك، حتى منحته جامعة أكسفورد درجة الأستاذية، ونصب أميرا ~~للشعراء، وأجريت عليه الرواتب، لكنه أخذ منذ ذلك الحين يتقلب بين يسر ~~وعسر، يهجر الكتابة حينا، ويلجأ إليها حينا، حتى وافته منيته في شهر أغسطس ~~سنة 1637م، وقد ترك تراثا من مسرحيات ومقنعات وقصائد من الشعر الغنائي ~~وقليل من النثر. # أما إنتاجه المسرحي، فكانت طليعته ملهاة عنوانها «كل وطبعه»، # 188 # وقد اشترك في تمثيلها شيكسبير، ولهذه الرواية أهمية كبرى في تاريخ ~~الأدب؛ لأنها توضح مذهبا في الملهاة اختص به «بن جونسن» دون أكثر معاصريه، ~~وقد نقل أصوله من الآداب القديمة، فقوام الملهاة في رأي «جونسن» أن تتعقب ~~نزوات الأشخاص ونزعاتهم التي يتميز بها بعضهم من بعض، فلكل إنسان عادة غالبة ~~أو عاطفة مميزة، فيكفي أن تعارض بين هذه النزوات في المسرحية لتكون لك ~~الملهاة في مذهبه، وذلك ما صنعه في روايته «كل وطبعه». # ومن ملاهيه المشهورة أيضا «فولبون، أو الثعلب»، # 189 # وهي قصة رجل غني، لكنه ماكر شرير يبتز المال من أصحابه وعارفيه ~~بكل وسيلة ممكنة. ومن ملاهيه «الكيمياوي»، # 190 # التي يسخر فيها من أولئك الذين يزعمون أنهم قادرون على تحويل ~~المعادن الخسيسة ms0531 إلى ذهب باستخدامهم «حجر الفلاسفة»، ومن خير ملاهيه «إبكين، ~~أو المرأة الصامتة» # 191 # وفيها ترى «موروز» # 192 # الشيخ يمقت الصخب والضجيج، ويكره ابن أخيه «دوفين»، # 193 # أراد «موروز» أن يتزوج حتى لا يرثه «دوفين»؛ لأنه كان أقرب ~~الأقربين إليه، لكنه في الوقت نفسه خشي أن تزعجه الزوجة بلجبها، وأخيرا دبر ~~له ابن أخيه مكيدة، فعمل على أن تقدم له فتاة صامتة تدعى «إبكين»، فأعجب ~~«موروز» بصمتها وهدوئها، وبصوتها اللين الخافت الذي سمعه في الكلمات القليلة ~~التي فاهت بها؛ لذلك لم يتردد في الزواج منها، ولو أنه تعرض لليلة صاخبة يوم ~~زواجه، إذ قضى ابن أخيه ورفاقه تلك الليلة في هرج شديد تسترا وراء تلك ~~الحادثة السعيدة، لكن لم يكد «موروز» يفرغ من حفل زواجه، حتى تبين له في ~~زوجته الصامتة امرأة ثرثارة كانت تدعي الصمت ادعاء، هذا إلى الضجة التي كان ~~يفتعلها ابن أخيه ورفاقه، فكاد يجن الشيخ الهرم الذي يؤثر الهدوء على كل ~~شيء، وحاول المسكين عبثا أن يستعين بالقانون على التخلص من زوجته، ولكي يزيد ~~الرفاق المناكيد من شقائه زعموا له أن امرأته تلك كانت مثلومة الشرف، ولا تصلح ~~زوجة لرجل شريف، لكن القانون لم يسعفه حتى بعد هذا؛ لأن التهمة - وإن صدقت - ~~كانت قد وقعت قبل زواجه منها، فليست تبرر طلاقها، وأخيرا عرض عليه ابن أخيه أن ~~يخلصه من تلك الزوجة إن هو قطع على نفسه وعدا أن يجعل ابن أخيه وارثه الوحيد، ~~ولم يجد «موروز» بدا من الإذعان، وعندئذ كشف «دوفين» عن مكيدته، إذ لم تكن ~~«إبكين» إلا غلاما يرتدي ثياب الفتاة! # هذه ملاه ثلاث مما أخرجه «جونسن»، وهي من أروع الملاهي في الأدب ~~الإنجليزي إطلاقا، وتفوق في حبكاتها الروائية ملاهي شيكسبير، لكن شيكسبير يعود ~~فيفوقه في كل شيء بعد هذا. # وله كذلك مأساتان هما «سجانس وسقوطه» # 194 # و«مؤامرة كاتلين»، # 195 # وهو في هاتين المأساتين يبالغ في اتباعه لقواعد الأدب الكلاسيكي، ~~ويسرف في تعالمه، بحيث جاءت المسرحيتان نابيتين عن الذوق العام، وفشلتا على ~~المسرح فشلا ذريعا. ms0532 # وحقيق بنا في هذا الموضع أن نوازن في لمحة سريعة بين شيكسبير وجونسن، ~~فكلاهما عرف المسرح ممثلا وكاتبا، وكلاهما بدأ حياته الأدبية بتهذيب روايات ~~قديمة، وكلاهما تأثر بمارلو من ناحية، ثم شق لنفسه طريقة جديدة من ناحية ~~أخرى، غير أن شيكسبير يعتمد على خياله وابتكاره، وجونسن يرتكز على علمه بأصول ~~الفن القديم، وشيكسبير يصور الإنسانية أينما كان الإنسان وأنى كان، أما ~~جونسن فيصور شذوذ السلوك في رجال عصره؛ فكانت نتيجة هذا أن أصبح شيكسبير شاعر ~~العصور كلها، وبات جونسن ذكرى تتردد على صفحات التاريخ الأدبي، ولئن كنا نذكر ~~«جونسن» اليوم، فإنما نذكره بقصائده الغنائية أكثر مما نذكره لمسرحياته. # ننتقل الآن إلى «المقنعات»، # 196 # التي كان لجونسن فيها باع طويل، و«المقنعة» هي تطور حفلات ~~الرقص والمرح التي كانت تحدث في قصور الملوك والأمراء، والتي كان الراقصون فيها ~~يتنكرون بأقنعة يسترون بها أنفسهم ليزيدوا من مرحهم وسرورهم، ثم تطورت حفلة ~~الرقص والموسيقى، وأصبحت فصلا تمثيليا رمزيا يقوم بتمثيله الأمراء ~~والأشراف أنفسهم ترويحا لأنفسهم، وكانوا عادة يلبسون في تلك الفصول التمثيلية ~~أفخر الثياب وأشدها زخرفة وبريقا، على أن التمثيل كان يلازمه غناء وموسيقى ~~وشعر ورقص، والمنظر المزخرف في هذه المقنعات كان أهم الجوانب، أما التمثيل نفسه ~~فشيء عرضي طفيف، والمقنعة لا تزيد على فصل تمثيلي، وتختلف عن الفصول ~~التمثيلية العادية في أنها شيء يراد به التسلية الخاصة داخل القصور. # كانت «المقنعة» - إذن - من عمل ~~رجلين: رسام يقوم بالزخرف والتزويق، وشاعر ينشئ الغناء والحوار، وكان ~~الرسام أهم الرجلين، ثم أخذت مكانة الشاعر تزداد في «المقنعة» شيئا ~~فشيئا، ومكانة الرسام تتضاءل شيئا فشيئا، حتى كادت تصبح المقنعة أدبا ~~خالصا، وكان ذلك على يدي «بن جونسن» وإن نبأ طريفا ليروى عن عراك ~~نشب بين جونسن وبين رسام يزخرف مناظر المقنعات على أيهما أهم وأنفع، وكانت ~~نتيجة المعركة وبالا على الشاعر؛ لأنه طرد من القصر على أثرها، ولم يعد يكلف ~~بكتابة المقنعات للقصر. وعلى كل حال فقد جاءت الحرب الأهلية في إنجلترا عام ~~1642م، فقضت على بهجة ms0533 القصور وترفها، فوقع ذلك على «المقنعة» موقع الضربة ~~القاضية، فزالت من الوجود أو كادت، ولم نعد ~~نسمع بها إلا عند «ملتن» إذ كانت له «مقنعة» مشهورة رائعة عنوانها «كومس». # 197 # ولا ينافس «بن جونسن» في هذا اللون الأدبي منافس لا في القدر ولا في المقدار، ~~ومن مقنعاته المشهورة «عودة العصر الذهبي» و«مقنعة البوم» و«مقنعة الملكات». ~~وفي تمثيل هذه الأخيرة اشتركت زوجة الملك جيمس الأول. # أما في الشعر الغنائي فقد تجد من يساويه جودة، ولكنك لا تكاد تجد من يفوقه ~~في الأدب الإنجليزي كله، وأشعاره الغنائية منثورة هنا وهناك في رواياته ~~ومقنعاته، وفي دواوين شعره. # ومن آثار جونسن قليل من النثر أهمه كتاب عنوانه «مستكشفات في الإنسان ~~والمادة» وأسلوبه فيه واضح محكم يشبه نثر «بيكن» من بعض الوجوه. ~~(5-2) فرانسز بومنت # Francis Beaumont ~~(1584-1616م) وجون فلتشر # John Fletcher ~~(1579-1625م) ~~«بومنت» و«فلتشر» صديقان تعاونا في تأليف المسرحيات معا على نحو ~~يندر وجوده في تاريخ الأدب، بحيث لا تستطيع أن تذكر أحدهما غير مقرون بزميله، ~~وقد مزجا نفسيهما مزجا يعسر معه - أو قل يستحيل في كثير من المواضع - أن تفصل ~~إنتاج الواحد عن إنتاج أخيه. # أما «جون فلتشر» فسليل أسرة عرفت بميلها إلى الأدب، وقد تلقى تعليمه في ~~إحدى كليات كيمبردج، كان أبوه عميدا لها، وبدأ يكتب للمسرح وهو في عامه السابع ~~والعشرين، وكان حتى في محاولاته الأولى شريكا لزميله «بومنت». # وكذلك نشأ بومنت - كزميله - في أسرة طيبة عرفت بنزعة أفرادها إلى الدراسة ~~الأدبية، وتعلم «بومنت» في أكسفورد، وكان ذا مال موروث، وهنا يختلف عن أكثر ~~زملائه من كتاب المسرحية، فلم يكن - مثلهم - مضطرا إلى الكتابة ليكسب ~~القوت. # عاش الصديقان متلازمين متحابين متعاونين، والرأي السائد بين مؤرخي الأدب ~~الإنجليزي هو أن «بومنت» كان صاحب النقد والتوجيه، وكان «فلتشر» صاحب الخلق ~~والإبداع، ذلك يرسم الخطة ويصلح فيها، وهذا يبتكر لها وينشئ. # ومات بومنت عام 1616م، فلبث زميله تسع سنوات ينتج وحده، وقد استطاع النقاد أن ~~يميزوا الشطر الأعظم من هذا الإنتاج الفردي. فأما المسرحيات ms0534 التي تنسب إلى ~~الكاتبين معا، مضافا إليها ما انفرد كل منهما بكتابته، فتزيد على الخمسين، ~~أهمها «فيلاستر» # 198 # و«ملك ولا ملك» # 199 # و«السيدة المزدرية» # 200 # و«فارس مالطة» # 201 # و«مأساة عذراء» # 202 # و«فارس المدق المحترق». # 203 # وحسبنا واحدة من هذه نسوقها إليك مثالا. ~~«فيلاستر» ملهاة مأساة بطلها ولي العهد لعرش صقلية الذي كان قد اغتصبه «ملك ~~كالابريا»، وقد سمح لولي العهد الشرعي فيلاستر أن يقيم في قصر الملك الغاصب، ~~فأحب «أرثيوزا» # 204 # ابنة الغاصب وأحبته، لكن «فارامند» # 205 # أمير إسبانيا ينشد زواجها. وكان لأحد رجال البلاط ابنة اسمها «يوفرازيا» # 206 # أحبت فيلاستر، لكنها علمت أنه حب لا أمل فيه، فتنكرت في زي ~~غلام، والتحقت بخدمة حبيبها، فقدمه فيلاستر هدية إلى حبيبته «أرثيوزا»، وكان ~~فارامند - الأمير الإسباني الذي يريد الزواج بأرثيوزا - يمتع نفسه بمعاشرة ~~امرأة شهدت الأميرة المخطوبة ذات مرة، وهي على صلة تدعو إلى الريبة مع غلامها ~~«بلاريو» - وبلاريو هو في حقيقته الفتاة المتنكرة - فوشت بها. # وصدق فيلاستر الوشاية وغضب لحبه الجريح، فطعن «أرثيوزا» وغلامها «بلاريو» ~~في آن معا، وعندئذ تقدم «بلاريو»، فأعلن أنه هو الذي كان يريد اغتيال مولاته ~~أرثيوزا، وإنما فعل ذلك - أو على الأصح فعلت ذلك - ليدرأ الخطر عن الحبيب ~~فيلاستر، الذي في سبيل حبه تنكر وانخرط في زمرة الخدم، لكن ذلك أضره ولم ينفع ~~الحبيب؛ إذ قدم كلاهما إلى الجلاد ليحز رأسيهما، الأول لاعترافه بالجريمة، ~~والثاني للريبة القوية التي حامت حوله، وهنا التمست «أرثيوزا» أن تقام سجانة ~~عليهما ما دامت الجريمة كانت موجهة إليها، ثم ما هي إلا أن أعلنت «أرثيوزا» ~~أباها الملك الغاصب أن سجينها فيلاستر هو زوجها، فاستشاط الملك غضبا، وأراد أن ~~يسرع إلى قتله، فثار الشعب لينقذ ولي عهده الشرعي، ولم يجد الغاصب بدا من ~~إطلاق سراح فيلاستر لتهدأ ثائرة الشعب، وتزوج من الأميرة أرثيوزا، وطرد خطيبها ~~فارامند من القصر، أما «بلاريو» - الفتاة المتنكرة - فقد أصر الملك على أن ~~ينتقم منه لما قيل عن علاقته بابنته، وأمر به أن تنضى عنه ثيابه ليلقى ~~عذابه، ms0535 وهنا لم تجد الفتاة بدا من إعلان سرها، فاهتز الجميع من فرح لكذب ~~الوشاة، وقال فيلاستر: خبريني فيم التنكر في زي الرجال؟ # فأجابته: «لطالما تحدث أبي عن نبلك وفضلك، فلما ازددت دراية وفهما تمنيت أن ~~أرى رجلا موضع هذا الثناء، لكن تلك الأماني لم تكن حينئذ إلا اشتياق فتاة لم ~~يكد ينشأ حتى يزول، ثم كان أن جلست يوما إلى النافذة أسرح الفكر في المروج، ~~فأبصرت من ظننت إلها - لكنه أنت - يدخل بابنا، عندئذ طار مني دمي، ثم عاد ~~إلي، كأنما نفثته من بدني، ثم امتصصته في عروق بسرعة الشهيق والزفير، وهنا ~~نوديت في سرعة لأحييك، فما أظن إنسانا ارتفع من حظيرة الأغنام إلى حيث ~~الصولجان قد أحس بنفسه يصعد في فكره كما أحسست عندئذ، وسمعتك تتكلم فأين من ~~كلامك الغناء! فلما مضيت عنا عدت إلى قلبي أسائله: ماذا أثاره وحركه؟ ~~فوجدته الحب وا أسفا! لكنه الحب الذي لا تشوبه من الشهوة شائبة؛ لأنني لو ~~استطعت أن أعيش إلى جوارك لكان في ذلك بغيتي، ولهذا أوهمت أبي النبيل برحلة ~~مزعومة، وارتديت ثوب غلام ...» # على أن أشهر ملاهيهما وأجودها هي ملهاة «فارس المدق المحترق» التي يسخران ~~فيها من حب أهل لندن لأوضاع الفروسية وتقاليدها. # وبعد «بومنت» و«فلتشر» جاء كاتب واحد للملهاة يستحق أن يذكر وهو «ماسنجر» # Massinger ~~(1583-1640م)، وكاتب واحد ~~للمأساة وهو «وبستر» # Webster ~~(1580-1625م ~~تقريبا). ~~••• # إن كل حركة أدبية تسير في طريق مرسوم منذ نشأتها حتى نهايتها، فتبدأ بتمهيد ~~يتلوه اطراد في الصعود يتلوه نضج وازدهار، ثم تأخذ في تدهور وانحلال، وهكذا ~~كانت المسرحية في إنجلترا في عهد اليصابات وما بعده، بدأت تمهد لنفسها في ~~كتاب المسرحية في عصر النهضة من أمثال «ساكفيل» و«نورتن»، ثم اطرد صعودها ~~على أيدي «فطناء الجامعة»، ثم بلغت نضجها وازدهارها عند شيكسبير، وبعدئذ شرعت ~~عوامل الضعف تدب فيها عند «جونسن» و«بومنت وفلتشر»، وكان انحلالها ~~بطيء الخطى أول الأمر، حتى إذا ما انتصف القرن السابع عشر كان الفساد قد تطرق ~~إلى المسرحية من نواحيها كلها، بحيث ms0536 لم يكن ثمة منها ما يستحق أن يمثل حين ~~امتدت يد «المتزمتين» الدينيين إلى المسرح بالإغلاق. # الفصل السابع # | من شيكسبير إلى ملتن # (1) الشعر # كان للشعر في عصر اليصابات نغمة غنائية حلوة الإيقاع، وكان يجري في سلاسة ~~طبيعية لا صنعة فيها ولا تكلف، فجاء رشيقا خفيفا تقرؤه فتحسب الشاعر قد أرسله من ~~فوره إرسالا لا عناء فيه. # وكان من الطبيعي إذا ما انقضى ذلك العصر الزاهر أن تنهض جماعة من شباب الشعراء، ~~فتزعم أنها قد سئمت ذلك الضرب من الشعر الذي يجري في يد الشاعر في هوادة ورفق، لذلك ~~قام «دن» وأتباعه فغيروا أوضاع الشعر في عصر اليصابات، رأوا في الشعر الأليصاباتي ~~إفاضة في القول، فاستبدلوا بها في شعرهم إيجازا واقتضابا، ورأوا في الشعر ~~الأليصاباتي صورا واستعارات مستقيمة لا عوج فيها ولا التواء، فاستبدلوا بها ~~مقارنات بين الأشياء فيها عنصر الغرابة والمباغتة والدقة، ورأوه شعرا وصفيا ~~فاستبدلوا به شعرا يحلل، وألفوا شعراء عصر اليصابات يسودهم الفرح بالدنيا ~~والإقبال عليها في تفاؤل، فآثروا هم صبغة الجد والتشاؤم والإغراق في التفكير ~~الديني، وكان الشعراء في عهد اليصابات متشابهين في الروح والأسلوب، حتى ليتعذر أن ~~يميز شاعر من شاعر، أما هذه الطائفة الجديدة التي أعقبتهم فنمت في أفرادها ~~الروح الفردية، وأصبح لكل منها طابع خاص يتميز به. # تلك هي الجماعة من الشعراء التي أطلق عليها «الدكتور جونسن» اسم «الشعراء ~~الميتافيزيقيين» (شعراء ما وراء الطبيعة)، فأصبح هذا الاسم دالا عليها في تاريخ ~~الأدب. ولعل السبب في إطلاق هذا الاسم على «دن» وأتباعه الذين عاشوا في النصف ~~الأول من القرن السابع عشر هو أنهم كانوا ينشدون المعاني الغريبة، ويستخدمون عقولهم ~~ويؤثرون الفكرة العميقة، ويتجهون بمجهودهم العقلي والخيالي نحو التأمل في ذات الله، ~~وفي علاقة الإنسان به، فكان شعرهم مما يصح أن يسمى شعرا دينيا. # ولنتناول هذه الجماعة الميتافيزيقية بشيء من التفصيل: ~~(1-1) جون دن # John Donne ~~(1573-1631م) # هو مؤسس «المدرسة الميتافيزيقية» في الشعر الإنجليزي وأعظم شعرائها. ويمكن ~~تقسيم شعره إلى شعر غزلي يمتد منذ بدأ ينشئ ms0537 الشعر، وهو في عامه العشرين، حتى ~~بلغ من عمره الثامنة والعشرين، وشعر ديني سبقته بعض القصائد التي يسودها عمق ~~التفكير. # أما قصائده الغزلية، فكانت قبل زواجه تختلف عنها بعده، فهي قبل الزواج تنم عن ~~الشاب الذي غلبته الحواس، فأرخى لنفسه العنان في شهواته وعواطفه، دون أن يكون ~~له من ضميره رادع زاجر، ثم أصبح غزله بعد الزواج أعف وأطهر، ولئن كان بين ~~المرحلتين صفة مشتركة، فهي الإخلاص في التعبير. # وتنقضي فترة الغزل في شعره لتبدأ المرحلة التمهيدية لشعره الديني، نعني مرحلة ~~التأمل العميق، وأهم قصائده فيها قصيدة «ترقي الروح» # 1 # وقصيدة «تشريح العالم»، # 2 # ففي القصيدة الأولى يتتبع خطوات الترقي لروح يفرض وجودها في تفاحة ~~حواء، فيتعقبها في النبات، ثم في الحيوان، حتى يبلغ بها أعلى مراحلها في ~~الإنسان، وفي القصيدة الثانية يستأنف مسير الروح من هذا العالم إلى العالم ~~الآخر. # وتجيء بعد ذلك مرحلة شعره الديني الذي يسجل فيه خطرات حياته الروحية، فتراه ~~يسبح بفكره الدقيق النافذ وخياله القوي المشتعل في مشكلات الكفر والإيمان، فهو ~~آنا خاضع لله العلي خضوعا لا ثورة فيه: # رباه يا جامع الثالوث حطم فؤادي. ~~••• # اطرحني أرضا، ثم علي بقواك # تمزيقا وتحطيما وإحراقا، لتصوغني من جديد # لعلني بذلك أنهض وأستقيم على قدمين. # وهو آنا يقف ليتساءل: «إذا لم تكن الأفاعي الحاقدة حقيقة ~~بلعنة الله، فماذا أكون؟» # ويتميز شعر «دن» في هذه المرحلة الدينية - فضلا عن خصائصه العقلية ~~والعاطفية والخيالية التي أشرنا إليها - بالغموض والمفارقة والعنف، فغموضه راجع ~~إلى أن أفكاره أعمق مما تستطيع الألفاظ أن تعبر عنه في يسر وطلاقة، أضف إلى ~~ذلك محاولته الإيجاز وعدم الإسراف في استخدام الكلمات مما يزيده غموضا، ~~والمفارقة في قصائده كثيرا ما تبلغ حدا ينبو بها عن الذوق، فتبدأ القصيدة ~~رخية جميلة لتنتهي وعرة غامضة. أما عنف عباراته فكثيرا ما يكون حسنة في ~~شعره، وذلك حين يكون انسجام بين تلك العبارة القوية المفاجئة الشاذة وبين فكره ~~القوي وعاطفته المحتدمة. # وهاك بعض أمثلة من شعره: # الرسالة # ردي إلي عيني اللتين ms0538 طال بهما الضلال، # واللتين - وا حسرتى - أسرفتا في النظر إليك، # لكن إن كانتا قد تعلمتا السوء حيث كانتا # فعرفتا الأساليب المفتعلة، # ومارستا العواطف المبتذلة، # بحيث أصبحتا # بالذي منك تعلمتا؛ # لا تصلحان للبصر السليم، فاحفظيهما لديك، # ردي إلي وديع قلبي من جديد، # الذي لم تكن دنسته الأباطيل، # لكن إن كنت قد علمته # أن يكون في الجد # ما يكون في الهزل، # وأن يكون مخلفا حانثا # في الحلف والوعد؛ # فاحفظيه لا ترديه، إنه لم يعد قلبي. ~~••• # ومع ذاك فردي إلي قلبي وعيني؛ # لعلي أرى وأعلم ما تكذبين علي، # أو لعلي أضحك وألهو # حين تكتئبين، # وحين تضعفين فتنشدين؛ # تنشدين زميلا # فلا تجدين زميلا، # أو حين تبدين ما يبدو منك اليوم من زيف. # ومن شعره: # أيتها الألفاظ! لشد ما بك من ضعف وضيق، # فهيهات أن ننفث فيك كروبنا، إن عظائم الكروب لا تتكلم، # فلو استطعنا أن ننفث التنهد نبرات، والبكاء كلمات # لقل الكرب وامحى؛ لأن له في العبرات مخرجا. # إن القلوب الحزينة كلما بدا حزنها ضئيلا كان حزنها جسيما ~~- كما يزداد صمت المجرم أمام القضاء كلما ازداد وزرا - # لا لأن القلوب الحزينة لا تدرك حالها ولا تشعر به، # بل لأن شدة الإحساس قد أفقدتها الرجاء. # ومن شعره الديني: # ترنيمة إلى الله # أفتغفر لي يا رباه الخطيئة التي بها بدأت، # والتي وإن اقترفت قبل وجودي فهي خطيئتي؟ # أفتغفر لي يا رباه تلك الخطيئة التي في لوثها أخوض، # وما أزال فيها أخوض، وإن كنت لا أنفك نادما؟ # إنك إن غفرت لي، فلم تغفر؛ # لأن وزري غيرها كثير. ~~••• # أفتغفر لي يا رباه تلك الخطيئة التي استملت إليها سواي؛ # فزل فيها، فجعلت لهم من خطاياي أبوابا منها يدخلون؟ # أفتغفر لي يا رباه تلك الخطيئة التي اجتنبتها # عاما أو عامين، لكني تدنست بها عشرين عاما؟ # إنك إن غفرت لي، فلم تغفر؛ # لأن وزري غيرها كثير. ~~••• # إن من خطاياي الخوف، فأخشى أنني إذا ما أتممت # غزلي حتى آخر خيوطه، فنيت على الشاطئ، # فأقسم لي بنفسك أن يضيء «ابنك» عند موتي # كما ms0539 يضيء الآن ولن يزال يضيء إلى يوم الدين. # فإن فعلت هذا، فقد فعلت كل شيء؛ # فلن أخشى بعد ذلك شيئا. # ذلك هو «جون دن» زعيم «المدرسة الميتافيزيقية» في الشعر. وكان ~~له أتباع نكتفي بذكر أسمائهم مقرونة بنماذج من شعرهم، لعلنا بذلك نلقي ضوءا ~~أقوى على اتجاهات الشعر الميتافيزيقي الذي أعقب شعراء عصر اليصابات. فمن هؤلاء ~~الأتباع «جورج هربرت» # 3 ~~(1593-1633م)، ومن خير شعره قصيدة عنوانها «الفضيلة»: # أيها النهار الجميل الذي اجتمع له السكون والإشراق وعليل ~~الهواء، # كأنك يوم عرس للسماء والأرض، # إن الندى سيبكيك حين تنقضي عند إقبال المساء؛ # لأنك عندئذ لا بد أن تموت. ~~••• # أيتها الوردة الجميلة التي أرى صبغتها - من غضب وإقدام - # تأمر المحدق الجريء أن يغض من عينيه، # إن جذورك ما تزال أبدا في قبرها، # ولا بد لك يوما أن تموتي. ~~••• # أيها الربيع الجميل الذي تملؤه جميل الأيام والورود، # كأنك الصندوق امتلأت جنباته بالحلوى صنوفا، # إن أنغامي لتنبئني أن لأيامك أجلا عنده تزول، # ولا بد لكل شيء يومئذ أن يموت، ~~••• # إلا نفسا رضية فاضلة # فلن تفنى كأنما هي الخشب تجمد من تغير الأجواء، # فلو رد العالم كله فحما هشيما # لظلت وحدها قائمة. # ومن رجال هذه المدرسة «رتشرد كراشو» # 4 ~~(1613-1649م) الذي يطلق لنفسه العنان في تصوراته الميتافيزيقية ~~متابعا في ذلك «دن» و«هربرت»، وله في الشعر الديني قصائد غر جياد. # قال في قصيدته «القديسة تريزا وقلبها المشتعل»: # 5 # أنت يا وليدة الشهوات التي لم تفزع، # نشدتك كل ما تملكين من أنوار ونيران، # نشدتك كل ما فيك من قوة النسر ورقة الحمائم، # نشدتك كل ما لقيت في الحب من حياة وموت، # نشدتك ساعات طوالا أنفقتها من نهارك في التأمل، # ثم نشدتك ساعات أطول منها ظمئت فيها للحب، # نشدتك تلك القبلة الأخيرة وما لها من ملك عريض، # نشدتك كل ما لك من كئوس أترعت بالشهوة الحامية، # نشدتك جرعة من ذوب النار ارتشفتها ذاك الصباح، ~~••• # لا تبقي مني على شيء، # دعيني أطالع سيرتك؛ # كي أفني ما بقي لي من حياتي! # ومن ms0540 شعره: # العبرة # أي ماري الجميلة، وما ذلك الشيء الوضيء اللامع # الذي تسفحه عيناك الجميلتان؟ # إنه جذوة مبتلة، # إنه ماسة من ماء. # ولعل منها ما قال القائلون: ~~«ماء الماسة.» ~~••• # كلا، فما هي بعبرة # إنها نجم على وشك السقوط # من فلكها، وعينك ذاك الفلك، # سوف تنحني لها الشمس لتعلو بها، # وستختال أخت الشمس بها كبرياء؛ # إذ تحلي أذنها بجوهرة سقطت من عينك. # ومن رجال المدرسة الميتافيزيقية أيضا «هنري فوجن» # 6 ~~(1622-1695م)، ومعظم قصائده الجيدة ديني الموضوع والروح، ومن ~~خيرها قصيدته «العودة» # 7 # التي يتمنى فيها أن يرتد طفلا صغيرا لا يدور في خلده إلا أفكار ~~طاهرة. فالطفل في استطاعته أن يرى لمحة من وجه الله، حين ينظر إلى سحابة أو ~~زهرة. إن الناس قد يتمنون السير إلى الأمام، أما الشاعر في هذه القصيدة فيود أن ~~تسير به الأيام إلى الوراء؛ ليعود إلى حيث الطهر والنقاء. # وكذلك تستطيع أن تسلك في جماعة الميتافيزيقيين من أتباع «دن» «إبراهام كاولي» # 8 ~~(1618-1667م)، ولو أنه في الحقيقة مرحلة انتقال بين هذه الجماعة ~~وبين طائفة من الشعراء أعقبتها تؤثر الأوضاع القديمة التقليدية. وسنحدثك عنها ~~بعد قليل. # اقرأ له هذه الأبيات التي تدل على نزعته الميتافيزيقية القوية التي تتعلق ~~بالمقارنات العجيبة والتشبيهات التي تستوقف القارئ بغرابتها: # الحب في عينيها المشمستين # الحب يمرح في عينيها المشمستين ليصطلي الدفء فيهما، # الحب يمشي في المتاهات الممتعة التي في ثنايا شعرها، # الحب ما ينفك شاردا على كلتا شفتيها، # وهنالك يبذر ثم يحصد ألوف القبل، # الحب دوما يرى في ظاهر أجزائها طرا، # ولكنه - أواه - لم ينفذ إلى دخيلتها أبدا. # ومن لطيف شعره: # النفس # لو أن عيني يوما أعلنتا # أن شيئا في جمالك قد رأتا، # أو زعمت أذناي أن صوتا سوى صوتك # فيه من الموسيقى لحن مثل لحنك، # أو أنني استمرأت شيئا في الطعم # فوجدته في حلاوة قبلة منك على فمي، # أو حاسة اللمس مني ضلت سبيلا # فظنت سواك بضا جميلا! # لو كان ما به الربيع يزدهر، # أو ما يرسله الشرق من صيف عطر؛ ms0541 # يستطيع أن يقنع شمي # بالأريج غير أنفاسك أن يسمي، ~~••• # لحق علي أن تراني تافها عيناك # كما أرى كل شيء تافها إلاك. # وبينما كانت «المدرسة الميتافيزيقية» بمثابة رد فعل أعقب عصر ~~اليصابات، فحل فيها التصنع وغرابة المقارنة والتشبيه محل النغمة الطبيعية ~~في عصر اليصابات، وأنشأت قصائدها في الدين بعد أن كان الشاعر الأليصاباتي وثني ~~النزعة، يسترعي انتباهه الشيء الجميل؛ نقول بينما كانت «المدرسة ~~الميتافيزيقية» سائرة في طريقها الذي أوضحنا، نشأت في إنجلترا طائفة أخرى من ~~أصحاب الشعر الغنائي في النصف الأول من القرن السابع عشر، تحتفظ بالروح الشعرية ~~الغنائية التي عهدناها في عصر اليصابات من حيث الطلاوة والطلاقة والتدفق، لكنها ~~تختلف عن عصر اليصابات في شدة عنايتها بالصقل والتجويد، فكأنما كان الشعر ~~الغنائي في عصر اليصابات ينبوعا يتفجر منه الماء بطبيعته. وشعر هذه الطائفة ~~آلة صناعية مركبة تستخرج الماء، كلاهما ينساب منه الشعر سلسا رشيقا، لكن ~~الشاعر الأليصاباتي ينشده بغير نصب أو عناء، والشاعر من هؤلاء يبذل في ~~إخراجه مجهودا مضنيا. # وكان على رأس هذه الطائفة «بن جونسن» الذي قدمناه في ختام الفصل السابق، ~~ومن شعره: # إلى سيليا # لا تسقيني الخمر إلا بعينيك، # وسأجعل لهما من ناظري رهينة، # أو اتركي لي في الكأس قبلة، # فلن أنشد بعد ذاك شرابا، # إن ما بالروح من ظمأ # إنما يرويه خمر إلهية، # ولكني لو أعطيت من خمر الأرباب ما أشتهي # ما رضيت بها عن خمر عينيك بديلا. ~~••• # لقد بعثت إليك منذ قريب بإكليل من الورد، # ولن يزيد ذلك من قدرك # بقدر ما يفسح للورد من أمل، # فأملها ألا يصيبها لديك ذبول، # لكنك نفثت في الإكليل أنفاسا، # ثم أرجعته إلي، # ومنذ ذلك الحين والورد ينمو ورسل عبقا، # وما ذاك - وربي - من الورد، إنما هو من نفثتك. # ومن أغانيه الرائعة التي وردت في روايته «إبكين، أو المرأة ~~الصامتة» هذه الأغنية: # تأنقي ما شئت، والبسي ما شئت، # كأنما أنت إلى وليمة ذاهبة، # تزيني بالمساحيق ما شئت، وانثري من العطر ما شئت، # فأنا زعيم لك، سيدتي # أنك وإن أتقنت ms0542 الفن فأخفيت أسبابه، # فليس ذاك جمالا وليس ذاك كمالا. # أعطيني جميل الملامح، ثم أعطيني صبوح المحيا، # مما يجعل البسيط جميلا، # إن الثوب ترسلينه إرسالا والشعر تهملينه إهمالا، # فمثل ذاك الإهمال الجميل أشد سحرا لنفسي # من خوادع الجمال المصنوع كلها، # فهذه تستوقف عيني ولا تستهوي فؤادي. # وكان روبرت هرك # 9 ~~(1591-1674م) أنبغ «أبناء بن» - كما كان يطلق على أتباع «بن ~~جونسن» - وقد تغزل في جمال الجسد وافتتن بجمال الريف وأحب الأزهار. ومن ~~جيد شعره: # إلى أزهار النرجس # أيها النرجس إنا لنبكي إذ نراك # تمضي إلى الفناء وشيكا، # ها أنت ذا تمضي والشمس التي بكرت في شروقها # لم تبلغ بعد في السماء أوجها. # قف، قف، # حتى ترى النهار المسرع في خطاه # قد تقضى. # قف، حتى نغني أنشودة المساء، # فإذا ما أدينا الصلاة معا # فسنمضي معك إلى حيث تريد. ~~••• # إن آجالنا لتماثل أجلك في القصر، # وربيعنا ينقضي في سرعة ربيعك، # وننمو مسرعين كما تنمو، ثم نفنى # كما تفنى أنت وتفنى سائر الأشياء، # إنا لنقضي # كما تنقضي ساعاتك، # ثم نذبل ونذوي # ونمضي كما تمضي أمطار الصيف، # أو كلآلئ الندى في الصباح؛ # فنذهب ولا نئوب. # ومن «أبناء بن» - كذلك - «رتشرد لفليس» # 10 ~~(1618-1658م) الذي كان مشايعا للملك فأوذى في سبيله. ومن جميل ~~شعره قصيدة يوجهها إلى حبيبته وهو ذاهب إلى حومة القتال، فيقول فيها إنه ليعد ~~بغير قلب إذا هو خلف حبيبته وذهب إلى القتال، لكنه إذا لم يكن محبا للشرف ~~فليس هو جديرا بحبها. # وسجن الشاعر في سبيل الملك، فكتب إلى حبيبته من السجن يقول: # ليس السجن جدرانا من صخور، # وليس القفص قضبانا من حديد، # فتلك عند العقول الهادئة البريئة # كصوامع الرهبان، # فلو كنت في حبي حرا، # ولو كنت في نفسي طليقا، # فذاك ما أبغي، فلا يعرف مثل هذه الحرية # إلا الملائكة التي تحلق في أجواز السماء. ~~(2) النثر # لئن بلغت آيات العصر الأليصاباتي في الشعر والمسرحية من الروعة ما لا يكاد يدنو ~~منها منافس في سائر العصور، فقد كان النثر في ذلك العصر معيبا ms0543 لا يؤدي رسالته على ~~الوجه الأكمل. ولعلك تذكر خصائص الأسلوب «اليوفيوزي» الذي ساد عندئذ، والذي ينمق ~~العبارة ويزخرفها، كأنما نسي معه الكاتب أنه ناثر؛ فراح يثقل عبارته بخصائص الشعر، ~~أو ما خيل إليه أنه من خصائص الشعر، فجاءت كتابته لا هي بالشعر الصحيح ولا هي ~~بالنثر الصحيح. # وجاء النصف الأول من القرن السابع عشر فتقدم النثر خطوة نحو النثر بمعناه الحديث، ~~وذلك على يدي «بيكن»، # 11 # وإن كان ذلك التقدم لم يخل من علامات انتكاس ورجعية، فلبث «براون» # 12 # و«بيرتن» # 13 # و«ملتن» يكتبون العبارات الطويلة الملتوية جريا على أوضاع ~~القديم. # وكما لاحظنا في الشعر أن شعراء العصر الأليصاباتي تشابهوا حتى تتعذر التفرقة ~~بينهم، أما من جاءوا بعدهم في النصف الأول من القرن السابع عشر، فقد تحددت ~~شخصياتهم، وأصبحت لهم خصائصهم المميزة، فكذلك نلاحظ في النثر. فهيهات أن تفرق بين ~~نثر كتبه «للي»، # 14 # ونثر كتبه «سدني» - مثلا - لكنك تستطيع بعد دراسة وجيزة أن تميز نثر ~~بيكن، فلا تخلط بينه وبين نثر «بيرتن» أو «براون» ممن أعقبوا عصر ~~اليصابات. # ونحن نصور لك في إيجاز أعلام النثر في الفترة التي نؤرخها من شيكسبير إلى ~~ملتن، أي النصف الأول من القرن السابع عشر. ~~(2-1) فرانس بيكن # Francis Bacon ~~(1561-1626م) # ولد «بيكن» في الثاني والعشرين من شهر يناير سنة 1561م في مدينة لندن، من ~~كريمة مجيدة، فقد كان أبوه السير نكولاس بيكن يتربع في منصب من أسمى مناصب ~~الدولة، وكان نابغا نابها ذائع الصيت واسع الشهرة، فإن يكن قد خفت اسمه ~~فما ذاك إلا لأن ذكر ابنه قد طغى عليه فبدده في ظلاله، فكأنما كانت أسرة بيكن ~~تسير نحو العبقرية صاعدة جيلا بعد جيل، حتى بلغت الذروة في فرانسس بيكن. ~~وكانت أمه سليلة بيت عريق، حصلت من العلم وأصول الدين قدرا محمودا، ~~فأخذت ترضع ابنها من علمها الواسع، ولم تدخر وسعا في تنشيئه وتكوينه منذ نعومة ~~أظفاره لتخرج منه رجلا قويا. ولما بلغت سنه الثانية عشرة أرسل إلى جامعة ~~كيمبردج ، حيث لبث أعواما ثلاثة ms0544 ترك الجامعة بعدها ساخطا ناقما على مادة ~~التدريس وطريقته على السواء، فقد كره ذلك الجدل الفارغ العقيم، الذي لا ينتهي ~~في أغلب الحالات إلى شيء ذي غناء. # وما بلغ السادسة عشرة من عمره، حتى انخرط في سلك الوظائف السياسية، فعين في ~~السفارة الإنجليزية في فرنسا، ولبث هناك عامين، ثم باغته القدر بموت أبيه، ~~فعاد مسرعا إلى لندن. وما هو إلا أن أخذت مواهبه الأدبية في الظهور والذيوع، ~~فانتخب عضوا في مجلس النواب، وسرعان ما جذب إليه الأنظار لبلاغته الساحرة ~~وبيانه الخلاب. # ولما كان عام 1595م، أهداه صديق له معجب بنبوغه، هو الأيرل إسكس # 15 # ضيعة واسعة درت عليه ثروة طائلة عريضة هيأت له أسباب الترف ~~والنعيم، وكانت هذه الهبة العظيمة من ذلك المحسن الكريم جديرة أن تأسر بيكن، ~~ولكن حدث لهذا الصديق أن فترت بينه وبين الملكة اليصابات ما كان بينهما من ~~روابط وصلات، واستحكمت بينهما الخصومة واشتد النفور، فدبر إسكس هذا مؤامرة ~~خفية يريد بها أن يزج الملكة في ظلمات السجن، ثم يرفع إلى العرش ولي عهدها، ~~وكاشف بيكن بما صحت عليه عزيمته، وهو لا يشك في أنه إنما يكاشف صديقا ~~مخلصا، ولكنه لشد ما دهش حين أجابه بيكن باحتجاج صارخ على هذه الخيانة ~~الشائنة ضد مليكة البلاد، وبإنذاره أنه سيؤثر ولاءه للملكة على عرفانه للجميل. ~~ومضى إسكس في مؤامرته، وحشد جيوشا سار بها إلى لندن، لكنه هزم وقبض عليه، ~~وكان بيكن عندئذ في أكبر مناصب القضاء، فلم يتردد في اتهام الرجل الذي أكرمه ~~وأحسن إليه، حتى حكم عليه بالإعدام. # واتهم بيكن في أخريات حياته بالرشوة، واستدان وعجز عن الوفاء بدينه. وهكذا ~~خالطت تلك العظمة عناصر الضعف والضعة، وحق لبوب أن يقول عنه بيته ~~المشهور: # إنه أعظم وأحكم وأخس إنسان بين البشر. # كان «تقدم العلوم» # 16 # في طليعة الإنتاج الأدبي لبيكن، وهو كتاب فيه جانب من فلسفته، ثم ~~هو في الوقت نفسه يذكر لوضوح عبارته وجودة بنائها. # ولكن آيته الأدبية التي استحق من أجلها أن يذكر علما من أعلام ms0545 الأدب هي ~~مجموعة «مقالاته»؛ فإليه يرجع الفضل في إدخال «المقالة» في الأدب الإنجليزي، ~~فلقد ذكرنا فيما سلف عن «مونتيني» أنه أول من كتب «المقالة» بالمعنى الأدبي ~~الذي تواضع عليه الناقدون، وقد أخرج «مونتيني» الجزأين الأولين من مقالاته سنة ~~1580م، فترجمهما إلى الإنجليزية «فلوريو» سنة 1603م كما ذكرنا من قبل. وعن ~~«مونتيني» أخذ بيكن اسم «المقالة» وروحها، والمقالة عند بيكن مجموعة من ~~الخواطر يسوقها حول موضوع معين بغير أن يعنى بترتيبها، فليس لها فاتحة يستهل ~~بها الحديث، وليس لها ختام يشعرك بنهايته. إنما هي - كما قلنا - سلسلة من ~~الخواطر يسوق بعضها بعضا، ويتخللها أقوال مقتبسة وحكايات يذكرها لتوضيح ~~المعنى ولتأييد وجهة نظره، وليس بين هذه الخواطر من رباط إلا أنها تقع تحت ~~عنوان واحد. ومما يميز أسلوب بيكن في «مقالاته» التركيز الشديد، فمعنى ضخم ~~في لفظ قليل. على أن بيكن لم ينته بكتابة «المقالة» كما بدأها، فقد نشر من ~~المقالات أول ما نشر عشرا، وكان ذلك سنة 1597م، وكانت المقالة في هذه ~~البداية قصيرة مركزة حتى لكأنها مجموعة من الحكم، فلما كان عام 1612م، ~~أعاد كتابة هذه المقالات الأولى ووسع فيها، ثم أضاف إليها تسعا وعشرين، ثم عاد ~~سنة 1625م فزاد في إطالة مقالاته الأولى، وأضاف إليها مقتبسات وحكايات، ونشر ~~معها إحدى وعشرين مقالة جديدة. # ونستطيع أن نقسم هذه «المقالات» إلى مجموعات أربع، فمجموعة تدور حول الإنسان ~~في حياته الخاصة، ومجموعة ثانية تتناول الإنسان في حياته العامة، وثالثة تعالج ~~أمور السياسة، ورابعة تبحث في موضوعات مجردة. # ومن أمثلة المجموعة الأولى «الحب» و«الآباء والأبناء» و«الزواج والعزوبة» ~~و«الصداقة». وإنك لترى الكاتب في هذه المرحلة كأنما يكتب بغير عاطفة، ويكاد ~~يكون عقلا خالصا يحتكم إلى منطق العقل ولا يأبه بالمشاعر الإنسانية التي تصدر ~~عن القلب؛ ولهذا تراه يقيس الأمور بالنجاح المادي في الحياة. # ومن أمثلة المجموعة الثانية «المنصب الرفيع» و«الرياء والتصنع»، وهو في هذه ~~المرحلة أسوأ ما يكون مبدأ، فبلوغ الغاية هو كل شيء، وليس للأخلاق القويمة في ~~ذاتها وزن كبير، ولعله في ذلك ms0546 قد تأثر بمكيافلي ومبادئه السياسية، ومع ذلك فلا ~~تخلو مقالات هذه المجموعة من عبارات تصادفها هنا وهناك يرجع فيها الكاتب عن ~~هذا الشطط، ويدعو إلى الفضيلة، فتراه يقول مثلا: «إن القدرة على فعل الخير هي ~~الغاية الحقيقية المشروعة من الطموح إلى المنصب الرفيع.» # ومن أمثلة المجموعة الثالثة «ما للمالك من مجد حقيقي» و«المستعمرات»، وهو في ~~هذه المقالات السياسية يبسط لنا السياسة التي تنطوي على بعد النظر والاتزان، ~~فهو - مثلا - يوجه مر النقد إلى سياسة حصر الثروة القومية في أيد ~~قليلة؛ لأن «المال كالسحاب لا يجود إلا إذا انتشر.» لكنه مع ذلك لم يكن يرمي ~~إلى ديمقراطية صحيحة؛ لأنه لا يؤمن بمقدرة الدهماء، فهو لا يريد أن تسود ~~المساواة بين الناس جميعا، ويتقرح أن يمنح المزارعون ملكية أرضهم، ثم تقوم ~~على رأسهم أرستقراطية تدبر أمرهم، ثم يحكم هؤلاء وأولئك جميعا ملك فيلسوف، ~~ولعله تمنى أن يكونه. # وأما في المجموعة الرابعة التي تعالج موضوعات مجردة، فتجد مقالات «الموت» ~~و«الحق» و«الجمال» وما إليها، وهو في هذه المجموعة أعمق ما يكون علما، وأبعد ~~ما يكون عن التحزب لوجهة نظر بعينها. # وهاك أمثلة من مقالاته: # يقول في مقالة عنوانها «في تصنع الحكمة»: # لقد قيل إن الفرنسيين أحكم مما يبدو عليهم، والإسبانيين يبدو عليهم ~~من الحكمة أكثر مما لهم، ومهما يكن أمر هذه الفوارق بين الأمم، فلا ريب ~~في أن هذا موجود بين الأفراد، فكما يقول «الرسول» عن التقوى بأن من ~~الناس «من يتظاهرون بالتقوى ولا حظ لهم منها.» فكذلك لست أشك في أن ~~من الناس من لا يعملون شيئا، أو قل يعملون قليلا ويتظاهرون بعمل ~~الكثير. إنه لمن المضحك الذي يصلح لسخرية أصحاب الرأي الصائب أن يروا ~~ما يصطنعه هؤلاء المتصنعون للحكمة ليجعلوا معلوماتهم السطحية تبدو ~~كأنما هي ذات عمق وعظمة؛ فبعضهم كتوم متحفظ كأنهم معرضون عن إخراج ~~سلعهم إلا في الظلام، وهم يحرصون دائما على أن يتظاهروا بأنهم أفصحوا ~~عن شيء واحتفظوا في أنفسهم بشيء، وهم حين يوقنون بينهم وبين أنفسهم ~~أنهم إنما يتحدثون ms0547 فيما لا يحسنون الحديث فيه، تراهم مع ذلك يظهرون ~~للناس بمظهر العارف لشيء هم في الحقيقة يجهلونه، وبعضهم يستعين على ~~تصنع الحكمة بالملامح والحركات، فهم حكماء بما يبدون من إشارات، وذلك ~~كالذي قاله شيشرون عن «بيزو» أنه حين أجابه رفع أحد حاجبيه إلى جبهته، ~~وأنزل الآخر إلى ذقنه ... # ويقول في مقالة عنوانها «في الدراسة»: # القراءة تملأ الإنسان بالعلم، والنقاش يجعله مستعدا بعلمه، والكتاب ~~تجعل منه إنسانا دقيقا، ولذلك لو كان الرجل قليل الكتابة وجب أن يكون ~~قوي الذاكرة، ولو كان قليل النقاش وجب أن يكون حاضر البديهة، ولو كان ~~قليل القراءة لزم أن يكون شديد الدهاء ليظهر العلم بما لا يعلم. إن ~~دراسة التاريخ تزيد الإنسان حكمة، ودراسة الشعر تزيده فطنة، ودراسة ~~الرياضة تزيده دقة، وتزيده الفلسفة الطبيعية عمقا، والأخلاق رصانة، ~~والمنطق والبلاغة قدرة على الجدل. # ولبيكن عدا «مقالاته» كتاب «تاريخ هنري السابع» الذي كتبه بأسلوب نقدي ~~موضوعي، فكان بذلك من طلائع المؤرخين بالمعنى الذي نفهمه اليوم من كتابة ~~التاريخ، فقد كان المؤرخون في العصور الوسطى يستخدمون الشعر أداة للتعبير، ~~ويؤرخون لفترات طويلة من الزمن، ولم تكن لهم القدرة على تصوير الشخصيات التي ~~يؤرخون لها تصويرا واضحا. كما لم يكن في مقدورهم أن يميزوا بين الحقيقة ~~والخيال، فلما جاءت النهضة لم يستطع مؤرخوها أن يتخلصوا دفعة واحدة من ذلك ~~الأسلوب القديم، فظل تاريخهم أقرب - في مجموعه - إلى الحكايات المستطردة منه ~~إلى التاريخ الصحيح، ثم أخذت كتابة التاريخ تتحول بحيث تعنى بتسجيل الحقائق دون ~~الأساطير والخرافة، وبهذا الأسلوب التاريخي الجديد كتب بيكن كتابه عن «هنري ~~السابع»، لقد تناول فيه الموضوع كما تناول أي علم من العلوم، مطبقا في ~~دراسته الطريقة الاستقرائية التي ابتكرها، فكانت آية عظمته في تاريخ الفكر، فهو ~~يجمع الحقائق ويرتب النتائج، فتستطيع أن تعد «تاريخ هنري السابع» أول كتاب ~~تاريخي كتب بالأسلوب العلمي الحديث، وقد برع فيه الكاتب براعة تستوقف النظر ~~من حيث تصويره الناصع لشخصية الملك، وإرجاعه الحوادث إلى أسبابها، وحسبه في ذلك ~~فخرا أن البحث الحديث ms0548 لم يجد في كتابه شيئا يحتاج إلى تصويب وتصحيح. # ونحب أن نختم لك الحديث عن «فرانسس بيكن» بكتابه «أطلنطى الجديدة» # 17 # الذي أراد فيه الكاتب أن يرسم دولة مثلى يقوم بنياتها على أساس ~~العلم وحده، فالأمر فيها زمامه في أيدي المهندسين والفلكيين والنباتيين ~~والأطباء والكيمياويين والاقتصاديين وعلماء الاجتماع والنفس ثم الفلاسفة، ~~والحكومة فيها لا تصب سلطانها على الإنسان، إنما توجه حكمها إلى الطبيعة، في ~~هذا الكتاب يتمنى بيكن - كما تمنى قبله كثير من الفلاسفة - أن يسود العلم ~~بدل السياسة، وأن يتربع العالم الفيلسوف على عروش الملك والسلطان. ~~(2-2) روبرت بيرتن # Robert Burton ~~(1577-1640م) # هو أيضا من كتاب النثر في النصف الأول من القرن السابع عشر، وقد اشتهر ~~بكتابه «تشريح المرة السوداء»، # 18 # وفيه يحدد معنى المزاج السوداوي، ويبحث في أسبابه وطرق علاجه. ~~ويخصص الكاتب جزءا لظواهر المرض السوداوي في الحب، وهو في هذا الجزء فكه ~~إلى حد بعيد، ويختم كتابه بالبحث في ظواهر هذا المرض في نطاق الدين، وهو كلما ~~ذكر لك حقيقة أيدها بمقتبسات استمدها من الآباء والعلماء القدماء والمحدثين ~~على السواء. # ولا نستطيع أن نترك الحديث عن بيرتن وكتابه هذا، دون أن نذكر ما صادفه عند ~~طائفة من أكبر الأدباء من إعجاب شديد، فقد أعجب به «الدكتور جونسن» وافتتن ~~بجماله «تشارلز لام» الذي قال في إحدى رسائله: «إني أمعن النظر للمرة المتممة ~~للألف في إحدى عبارات بيرتن.» وهنالك بعض عبارات ابتكرها هذا الكاتب، فشاعت ~~ولا تزال شائعة لما فيها من طلاوة التفكير وقوة التعبير، نذكر منها: «القزم ~~الواقف على كتف العملاق يستطيع أن يرى أبعد مما يرى العملاق نفسه.» «إن صانع ~~الأحذية حافي القدمين.» «يبني قصورا في الهواء.» «إن الطيور على أشكالها ~~تقع.» ~~(2-3) سير تومس براون # Sir Thomas Browne ~~(1605-1682م) # هو مؤلف الكتاب الذي يحتل في الأدب الإنجليزي مكانة عالية «رلجيو مدتشي»، # 19 # الذي لم يكد يظهر حتى ترجم إلى الفرنسية والهولندية والألمانية ~~والإيطالية. وقد كان براون في هذا الكتاب من أرباب الأسلوب المصقول؛ فهو يعنى ~~بجودة ms0549 اللفظ أكثر مما يعنى بقوة الفكرة، ولم يدخر وسعا في تزويق عبارته ~~وترصيعها، بحيث يخرجها وكأنها النسج المزخرف الموشى، والكتاب في مجموعه ~~تأملات فلسفية في معاني الحياة والموت، نقتطف منه هذه العبارة لتمثل اتجاهه الفكري: # ليست حياتي سوى معجزة تمت في ثلاثين عاما، فإن رويت قصتها فلست ~~بذلك أروي تاريخا، وإنما أقدم قصيدة من الشعر، وستتلقاها المسامع كما ~~تتلقى خرافة من خلق الخيال. أما هذا العالم فلست أراه فندقا بقدر ما ~~أراه بمثابة المستشفى، فليس هو بالمكان الذي نحيا فيه، إنما هو مكان ~~نلفظ فيه الروح ونموت. وما العالم الذي أراه إلا نفسي، فلست بمستطيع ~~أن أرسل البصر إلا ليشهد جرمي الضئيل الذي ينطوي فيه العالم ~~الأكبر. # ليست الأرض نقطة صغيرة بالنسبة إلى أجواز السماء التي فوقنا فحسب، ~~بل هي كذلك بالنسبة إلى الجوهر السماوي الإلهي الذي فينا، إن هذه ~~الكتلة اللحمية التي تحيط بي لا تحد من عقلي، إن هذا السطح الجسدي ~~الذي ينبئ أن لي حدودا لا يحملني على الظن بأنني كائن محدود ... لست ~~أشك في أننا ننطوي على شعلة من الله، إنها شعلة وجدت قبل أن توجد ~~السماء، ولم تستمد ضوءها من الشمس. إن الطبيعة لتنبئني أنني صورة لله ~~كما أن الكتاب المنزل صورة أخرى، وإن من لا يعلم هذا لا يعلم المقدمة ~~ولا الدرس الأول، وعليه أن يعيد دراسته للإنسان مبتدئا بأحرف ~~الهجاء. # الفصل الثامن # | جون ملتن1 (1608-1674م) # انقضى عصر اليصابات بأدبه المرح الجذل الطروب، فلاحت في الأفق علائم عصر جديد وروح ~~جديد، فها هو القرن السابع عشر قد أقبل، ثم انتصف أو كاد، وها هي روح التزمت في ~~الحياة والأدب قد ملكت على النفوس زمامها، وإنما تجسمت تلك الروح، وبلغت ذراها في شاعر ~~العصر: جون ملتن. # ولقد أجمع النقاد على أن «ملتن» أحد ثلاثة هم أعظم الشعراء قاطبة في الأدب الإنجليزي. ~~ولسنا نعني بهذا أنك لا تجد بين أدباء الإنجليز عددا من الشعراء قد يبلغ العشرين ممن ~~يرتفعون في بعض أدبهم إلى الأوج الذي ارتفع ms0550 إليه ملتن، وإنما نعني أن ما أداه هذا ~~الشاعر العظيم من تجسيد روح عصره في شعره، ومن الصعود بشعره إلى أوج لم يهبط منه، لم ~~يتوافر في تاريخ الأدب الإنجليزي كله إلا في ثلاثة: «شيكسبير» و«ملتن» و«وردزورث». فقد ~~تجد من شعراء عصر اليصابات من يبلغ في أروع إنتاجه مبلغ شيكسبير، لكنك لا تجد بينهم من ~~يضارعه في اتساع أفقه، وفي المحافظة على ما ارتفع إليه، فكل ما أنتجه شعراء عصر ~~اليصابات تجد له نظيرا عند شيكسبير، والعكس غير صحيح، أعني أن لشيكسبير آيات لا يدنو ~~منها شيء مما أنتجه سائر الشعراء في عصره، وهكذا قل في «ملتن» و«وردزورث». # كان «ملتن» أصدق لسان يعبر عن خواطر عصره كله، فكانت له غاية واحدة رئيسية ينشدها ~~في كل ما أنشد من الشعر، وما تلك الغاية المنشودة إلا بغية عصره، وأعني بها أن يقيم ~~للناس برهانا على عدل الله وحكمته، تلك هي غايته التي قصد إليها تلميحا في شعره كله، ~~وأفصح عنها تصريحا في مطلع «الفردوس المفقود»، ولكي نفهم روح العصر الذي عاش فيه ملتن، ~~نعود خطوة إلى الوراء حيث عصر اليصابات، فماذا نرى؟ نرى حيوية جارفة تسود العصر، ~~حيوية تدفع الإنسان إلى الانغماس في كل ما يزيده استمتاعا بالحياة دون أن يجد من العقل ~~أو الضمير ما يكبحه، فمغامرات في جوف المحيط، وتلقف لكل ثقافة جديدة يستخرجها رجال ~~النهضة من أسفار القدماء، فعهد اليصابات في الأمة هو مرحلة الشباب الفتي الطموح، فيه ~~تحطيم القيود الذي نعهده في الشباب، وفيه الأمل الباسم، وفيه الجدة والنضارة، وفيه ~~الرغبة الملحة في تحصيل العلم، وفيه الخروج على معايير الأخلاق، وفيه حب الاستطلاع ~~وركوب المخاطر مما نراه كذلك في فتوة الشباب. # فلما انقضت عن العصر دوافع الشباب ونزواته، وذهبت عنه نضارة الشباب وروعته، أقبل على ~~الناس عهد استيقظ فيه الضمير ليحاسبهم على ما قدمت أيديهم في العهد الذي أدبر، عهد لم ~~يعد يقبل الحياة بكل ما فيها وهو بها فرح مغتبط، بل أخذ يقدر خيرية العمل وشريته قبل ms0551 ~~أدائه، عهد أراد فيه القوم أن يحتكموا إلى الكتاب المقدس كما هو بحروفه وألفاظه بغير ~~تأويل وتحريف، وذلك هو عهد التزمت الديني الذي كان له شاعرنا جون ملتن لسانه المعبر ~~الناطق. ~~«جون ملتن» سليل أسرة من أوساط الناس، ولد في لندن عام 1608م، وأكمل تعليمه في ~~كيمبردج عام 1632م، حيث درس الآداب القديمة درسا دقيقا، وغادر الجامعة وهو يعرف اللغة ~~العبرية خير معرفة، كما يجيد من الآداب الحديثة الإنجليزي والإيطالي والفرنسي، وفضلا ~~عن ذلك فقد برع في الموسيقى، واستمد منها لذة ومتعة. # وما لنا نطيل الوقوف عند أنباء حياته، كأنه ليس أمامنا خضم من أدبه زاخر! فلنأخذ من ~~فورنا في استعراض هذا التراث العظيم، وسنقسمه لتيسير دراسته إلى ثلاث مراحل: ~~(1) المرحلة الأولى # شعره قبل سنة 1639م (أي قبل أن يجاوز الحادية والثلاثين من عمره). # كان من أروع شعره الذي أنتجه مذ غادر الجامعة حتى سنة 1938م قصيدتا «للجرو» # 2 ~~(أو الطروب) و«إلبنسروزو» # 3 ~~(أو المتأمل) ثم مقنعة مشهورة عنوانها «كومس»، # 4 # وأخيرا قصيدة تعد من آيات الأدب الإنجليزي هي «لسداس»، # 5 # التي رثى بها صديقه «كنج». # ففي القصيدتين المتعارضتين «للجرو» و«إلبنسروزو» أي الطروب والمتأمل يصور ~~لنا الشاعر الحياة كما تبدو في حالتين مختلفتين، يصورهما كما تبدو فيمن يستبشر ~~بالحياة، ويطرب لها، ويسترعيه منها اللذائذ والمباهج، ثم يصورها كما تبدو فيمن ~~يغرق في تفكيره وتأمله، ويأخذ الحياة من جانبها الجاد الرصين، وهاتان الحالتان على ~~اختلاف ما بينهما إنما تصوران وجهين لحياة الشخص الواحد، فليس منا من لا يطرب ~~للحياة ساعة، ثم لا يشهد فيها إلا الجد ساعة أخرى، ففي قصيدة الطروب تلمح الشاعر ~~وهو فرح بمباهج الطبيعة سعيد هانئ، وفي قصيدة المتأمل تراه في تفكيره الجاد مثقل ~~الفؤاد، مهموم النفس. ولقد كان يظن أن ملتن أراد بالقصيدة الأولى أن يصور لنا ~~الرجل من حاشية الملك في عصره، وقد كان فارغ القلب لا يرى في الحياة إلا لهوا ~~ومرحا، وأنه أراد بالقصيدة الثانية أن يصور الرجل من «المتزمتين» الدينيين الذين ~~كان الشاعر ms0552 واحدا منهم، وقد كان لا ينشد في الحياة إلا الجد الذي لا يعرف المزاح ~~والعبث، ولكن عاد رجال النقد فبينوا أن الشاعر لا يريد بقصيدتيه إلا أن يصور ~~نفسه بوجهيها، فليس من اللذائذ التي يحتفل لها في قصيدة «للجرو» ما يتنافى مع خلق ~~التزمت الديني الذي عرف به ملتن، فمباهج النفس في هذه القصيدة هي الربيع ونضارة ~~الصباح وتغريد القبرة وشروق الشمس والرجال والنساء يشتغلون في الحقول، والقصص ~~يروى بجوار المدفأة في المساء، وضجة الحياة في المدينة الشامخة بأبراجها والروايات ~~التمثيلية تجرى على المسارح. # وأما في قصيدة «إلبنسروزو» فترى الشاعر بين كتبه في برج عال منعزل، يقرأ ~~الفلسفة والعلم، وتراه إذا غادر برجه ليمشي فإنما يختار المماشي المنعزلة بين ~~الأحراش، ويقصد إلى الكنائس التي بنيت على أساس الفن القوطي الجليل، تراه يلتفت إلى ~~غروب الشمس لا إلى شروقها، وإذا أنصت إلى تغريد الطير، فإنما ينصت إلى البلبل وهو ~~يغني في جوف الليل، هكذا يصور لك الشاعر نفسه في حالتيه، لكنه يختار لنفسه الحالة ~~الثانية ويؤثرها على الأولى. # استمع إليه في قصيدة «للجرو» - أي الطروب - وهو يقول على لسان شاب ~~جذل: # عني أيتها الكآبة الكريهة، عني. ~~••• # ثم أقبلي أيتها الآلهة الجميلة الطليقة، # يا من يطلق عليها في السماء «يوفروزين»، # ويسميها الناس «بالمرح» المنفس للكروب. ~~••• # أقبلي وفي يمنى يديك هاتي ~~«الحرية» الجميلة عروس الجبال الشاهقات، # وإذا كرمتك يا ربة المرح بما تستحقين # فاسلكيني يا ربة المرح بين التابعين، # حتى أكون لها ولك في الحياة رفيقا، # فأعيش في بريء اللذائذ حرا طليقا، # وأسمع القبرة وهي تأخذ في طيرها، # فتهز وهي تغني جمود الليل بسحرها، # وتظل صداحة في برجها العالي في السماء، # حتى يشرق الفجر بطلعة حسناء. ~~••• # سأظل أستمع إلى كلاب الصيد والبوق # في طرب توقظ الصباح بعد رقاد، # من سفح تل أشيب، # بصرخة الصدى خلال الغابة العالية، # فآنا تراني في غير خفاء سائرا # بجانب صف الدوح فوق خضر التلال، # فأواجه في الشرق مدخلا # حيث تبدأ الشمس العظيمة موكبها الجليل، # ملفعة بلهب وضوء من ms0553 كهرمان، # والسحائب ترتدي من ألوان الثياب ألوفا، # بينما الحراث مني قاب قوسين، # يصفر فوق حقله المحروث، # وحالبة اللبن تغني طربا، # وحاصد النجيل يرهف منجلا، # والرعاة كل يقص قصته، # إذ تفيأ ظل الأشجار في الوادي. # وهكذا ترى الشاعر في حالة طربه وبهجة نفسه يتخير المواضع التي يرى ~~أنها تزيده طربا وبهجة. # أما في «إلبنسروزو» - أو قصيدة المتأمل - فتراه يهيب بصنوف المباهج الفارغة ~~الخادعة أن تنفض عنه فما هو لها ولا هي له، فهو الآن يريد أن يستمع إلى البلبل في ~~صوته الحزين لا إلى القبرة في تغريدها الشجي، وهو الآن يريد أن يشهد المأساة على ~~المسرح تبدو له بجلالها الرهيب، فهي أقرب إلى نفسه من ألوان المسرحيات الأخرى التي ~~تزدان بصنوف الزخارف، كالمقنعات والمواكب التي عرفتها الأعوام السوالف، والتي ~~صادفت هوى عند «الطروب» في قصيدة «للجرو»، وهو يؤثر أنغام الأرغن الرزينة ~~الرصينة على ألحان الغناء العذبة الشجية، ويفضل الحياة يملؤها العمل على الحياة ~~تقضى في أسباب المتعة. # وبعد فالقصيدتان في حقيقة أمرهما وحدة متصلة؛ إذ هما تبينان معا كيف تكون ~~الحياة المعقولة بوجهيها. # أما مقنعته # 6 # المشهورة «كومس»، فقد استمد مادتها من الأدب القديم ومن أدباء ~~النهضة وعصر اليصابات على السواء، فقد رجع إلى أسطورة «سيرسي» # 7 # الساحرة التي وردت في الأوذيسية، وجعل «كومس» ثمرة اتصال هذه ~~الساحرة «بباكس» - رب الخمر عند اليونان - وجمع فيه خصائص الأبوين معا، ولهذا ~~فأنت تصادف في هذه المقنعة إشارات كثيرة للأساطير القديمة، كما تجد فيها ما يذكرك ~~آنا بعد آن بشيكسبير وسبنسر وفلتشر ممن استمد منهم الشاعر واستعان بهم، أضف إلى ~~هذا وذاك ما تراه في هذه المقنعة من عناصر فلسفية استقاها من أفلاطون، ومع ذلك كله ~~فالأثر الأدبي في النهاية مطبوع بطابع الشاعر، وهو مبتكر جديد، فيه ما امتاز به ~~ملتن من نغم في اللفظ وجلال في المعنى. # تفقد البطلة في هذه المقنعة إخوتها في الغابة، فيأسرها الإله العربيد، ويحاول أن ~~يعتدي على عفتها، لكنه يحاول عبثا، فهيهات أن ينال من سيدة يصونها الطهر ms0554 والفضيلة ~~والعفاف، وكان يحرس السيدة روح، فعمل هذا على أن يهدي إخوتها إلى مكانها، فيسرع ~~إليها الإخوة ويطلقون سراحها، وينتزعون من الساحر جرعة السم التي هم أن يصبها ~~في أسيرته، وعندئذ يلوذ الساحر وأتباعه بالفرار. # اقرأ ما تقوله «السيدة» إذ ألفت نفسها في الغاب وحيدة: ~~... إن ألوف الأوهام # لتزدحم الآن في مخيلتي، # فأطياف تنادي، وظلال بشعة بأصابعها تشير، # وألسنة من هواء تنطق بأسماء الرجال، # على الرمال والشطئان وفي قفر البوادي، # ولشد ما تفزع هذه الخواطر، لكنها لن تطير شعاعا # بعقل نشأ على الفضيلة، يسير دوما وفي حراسته # بطل قوي مخلص هو «الضمير». # مرحبا أيها «الإيمان» الذي لم يزغ له بصر، # مرحبا أيها «الأمل» الذي لم تلطخ له يد، # أيها الملك المحوم بأجنحة من نضار، # مرحبا أيها «العفاف» الذي لم تشبه الشوائب! # إني لأراك رأي العين، وها أنا ذا قد آمنت # أن الله - وهو «الخير الأسمى» - الذي ليست الشرور كلها # سوى رسل انتقام تخدمه كالعبيد، # آمنت أن الله باعث بحارس لألاء إن دعا الداعي، # ليذود عن حياتي وشرفي عدوان المعتدي. # وإنما أراد ملتن في «كومس» أن يهاجم الإباحية وتحلل الأخلاق ~~الذي شاع بين حاشية الملك شارل الأول، وأحب أن يرسم لهؤلاء المستهترين مثلا ~~خلقيا أعلى مما يحتذون. # ونختم الحديث عن شعر المرحلة الأولى بكلمة عن قصيدة «لسداس» وهي المرثية ~~الرائعة التي بكى بها الشاعر زميله في الدراسة «إدورد كنج» الذي ابتلعه اليم ~~وهو يعبر البحر إلى أيرلنده. # و«لسداس» قصيدة من الشعر الريفي، # 8 # الذي يحاول فيه الشاعر أن يلبس أشخاصه أثواب الرعاة، وأن ينطقهم ~~بحديثهم، وأن يجعل الجو كله فواحا بأريج الريف الساذج، فهو يطلق على صديقه «كنج» ~~اسما ريفيا هو «لسداس»، وهو يشير إلى زمالتهما أيام الطلب في الجامعة ~~بقوله: ~~... أرضعا رحيق تل واحد # وأطعما سويا من قطيع واحد، إلى جانب الينبوع والظل والجدول. # وهو يستهل القصيدة بهذه الأبيات: # إني لأعود إليك من جديد يا غصون الغار، ومن جديد # أعود إليك يا أشجار الآس الداكنة التي أبدا لا يجف لبلابها، ms0555 # وإنما جئت لأقطف منك الثمار فجا نيئا # وبهذه الأصابع العنيفة الغليظة # سوف أهشم منك الأوراق قبل أوان النضج # 9 # لكنها الضرورة المرة والحادث الحزين العزيز # ويدفعاني إلى القطف قبل أوان الثمر، # لأن «لسداس» قد مات، مات قبل ريعانه، # مات لسداس في شبابه ولم يخلف ضريبا، # فمن ذا الذي لا ينشد الشعر من أجل لسداس؟ # وهو الذي عرف كيف ينشد الشعر وينشئ سامي القريض، # إنه لا يجوز أن يطفو على كفن من الموج # 10 # بغير رثاء، ولا أن تلفحه الرياح الحرور # دون أن نجزيه بدمعة حارة. # كتب ملتن قصيدة لسداس سنة 1637م، وهو ما يزال في بيت أبيه ~~الذي أوى إليه بعد أن غادر الجامعة، ولم يكن بعد قد اشتغل بالحياة العملية، بل كان ~~يواصل الدراسة بالقراءة، وفي العام نفسه ماتت أمه، فلم يلبث أن ارتحل إلى أوروبا ~~يجوب أقطارها، وزار إيطاليا بصفة خاصة، والتقى بأعلام الأدب فيها، وهنالك كتب بعض ~~القصائد اللاتينية والإيطالية، ثم أسرع بالعودة إلى بلاده حين جاءته الأنباء أن ~~حبل الأمور قد اضطرب فيها، وهنا تبدأ مرحلته الأدبية الثانية. ~~(2) المرحلة الثانية 1640-1660م # في هذه المرحلة أنتج مؤلفاته السياسية وأدبه النثري، وكان من أول ما كتبه بعد ~~عودته إلى لندن رسالة صغيرة «في التربية» نشرت سنة 1644م، وفيها يقترح أن تشمل ~~تربية الناشئ ثقافة عريضة تقوم على أساسين هما: الآداب القديمة والمواد التي تنفع ~~في الحياة العملية؛ فيدرس الطالب الأدب والفلسفة والسياسة والقانون والطب وفن ~~الحروب، إذ لا بد أن يعنى في التربية بأجسام الناشئين وعقولهم ونفوسهم على السواء، ~~ثم هو يوصي إلى جانب ذلك بالموسيقى التي تبعث البهجة في النفوس. # وكان قبل نشره لرسالة التربية قد كتب بضع رسائل دينية يدافع فيها عن عقيدة ~~«المتزمتين»، وعقب عليها بمجموعة أخرى من الرسائل الصغيرة تدور حول الطلاق ووجوب ~~تنظيمه، وذلك على أثر فشله في زواجه، فقد كان تزوج من «ماري باول» # 11 # التي لم يطل بها العهد معه، حتى ذهبت في زيارة إلى أبويها وأبت أن ~~تعود إليه. # لكن ms0556 حماسة ملتن في هذه الرسائل الخاصة بالطلاق سرعان ما فترت حين استسلمت له ~~زوجته بعد نفور وعصيان، وأنجبت له ثلاث بنات، وعاشرته في هدوء، حتى جاءتها المنية، ~~وهي ما تزال شابة في عامها السادس والعشرين. # وننتقل الآن إلى أشهر ما جرت به يراعة ملتن نثرا، وأعني رسالة عنوانها ~~«أريو باجتكا» # 12 # فقد حدث في سنة 1643م أن فرض على النشر رقابة، بحيث لا ينشر كتاب جديد ~~إلا إذا أجازته لجنة أقيمت لذلك، فقابل ملتن هذا النظام بالمقاومة والتحدي، ونشر ~~أولى رسائله الخاصة بالطلاق دون أن يستأذن في نشرها الرقيب، وزاد في تهكمه بأن أهدى ~~الرسالة إلى البرلمان الذي فرض تلك الرقابة الأدبية، ثم عقب على ذلك التحدي بنقد ~~صريح وجهه للرقابة في هذه الرسالة التي نحدثك عنها، والتي عنوانها «أريو باجتكا ~~خطبة موجهة إلى برلمان إنجلترا دفاعا عن حرية الطباعة بغير رقابة»، وهاك نموذجا ~~من هذه الرسالة: # إننا نعلم أن الخير والشر في هذا العالم ينموان معا لا يكادان ينفصلان ... ~~إنه من جوف تفاحة واحدة أكلها آدم قفزت إلى هذا العالم معرفة الخير ~~ومعرفة الشر اختلطت إحداهما بالأخرى، بل ربما كان ذلك هو ما قدر لآدم أن ~~يسقط فيه، وهو معرفة الخير والشر، أعني معرفة الخير عن طريق الشر، وإن كانت ~~هذه هي طبيعة الإنسان فأية حكمة نستطيع أن نختار وأي جهد يجب أن يبذل إذا ~~اجتنبنا معرفة الشر؟ إن الذي في وسعه أن يرى الرذيلة وأن يفهمها بكل ما ~~تحوي من مغريات ومتع ظاهرة، ثم يمتنع عنها ليختار لنفسه ما هو في حقيقته ~~خير منها وأفضل لهو المسيحي الصحيح الذي يسير على الهدى. إني لا أستطيع ~~أن أثني على فضيلة لاذت بالفرار وغلقت دونها الأبواب، فضيلة ينقصها المران ~~والجهد، فضيلة لا تقتحم الحياة باحثة عن عدوها لتهاجمه، بل تنكص على ~~عقبيها وتخلف ميدان السباق، حيث الإكليل الخالد جدير أن يجرى في سبيله ~~ليظفر به، ولكن بعد عناء الحر والغبار ... إذن فتلك الفضيلة التي تحجم عن ~~التأمل في الرذيلة، والتي ms0557 لا تدري كل ما تعده الرذيلة أتباعها من جزاء، ~~ثم تنبذها بعد هذا، إنما هي فضيلة خاوية وليست مقطوعاته بالفضيلة النقية، ~~إن بياضها بياض الروث ... # ولنمض الآن مسرعين، فلا نقف عند سائر نثره السياسي - الذي أخذ يخرجه رسالة بعد ~~رسالة، والذي أفقده البصر وهو في عامه الرابع والأربعين - لنقول كلمة قصيرة في ~~الشعرية ننتقل بعدها إلى آيته الكبرى «الفردوس المفقود». # فقد صمت ملتن عن قول الشعر عشرين عاما امتدت منذ عودته من إيطاليا، حتى عادت ~~الملكية إلى إنجلترا بعد أن أبعدت عن البلاد حينا، كان يتولى الحكم فيه «كرمول» ~~الذي كان شاعرنا من أنصاره، نقول قد صمت ملتن عن قول الشعر خلال تلك الأعوام ~~العشرين التي تفرغ خلالها إلى النثر؛ لأنه أداة أنسب للعراك السياسي الذي اشتمل ~~البلاد، صمت شاعرنا عن قرض الشعر إلا «مقطوعات شعرية» قالها بهذه المناسبة أو تلك، ~~وبعض هذه المقطوعات ذاتي يعبر عن حالته الشخصية كالمقطوعة المشهورة التي قالها ~~حين فقد البصر، وبعض المقطوعات متصل بالأحداث السياسية التي شغلت أكبر جهده وانصرف ~~إليها أكثر نبوغه. # ولما كان عام 1658م - وهو العام الذي فقد فيه زوجته الثانية التي أحبها حبا شديدا # 13 ~~- مات كرمول رئيس الجمهورية، فذهبت بموته آمال أنصار الجمهورية ومن ~~بينهم ملتن، وما هو إلا أن عاد إلى البلاد شارل الثاني سنة 1660م، حتى أوى الشاعر ~~إلى مكان يختبئ فيه لعله ينجو من الخطر الذي كان لا بد أن يحيق بأعداء الملكية، ~~وظل في مخبئه حينا، وأحرقت بعض كتبه علنا، وبهذا انتهى جهاده السياسي وانصرف بكل ~~مجهوده إلى آياته الخالدات. وللمقطوعة الشعرية عند ملتن قافية خاصة به، يجاري ~~«بترارك» في بعضها، وينفرد هو ببعضها، حتى أصبحت في مجموعها مطبوعة بطابعه، تختلف ~~عن المقطوعة عند سبنسر وعند شيكسبير؛ إذ كان لكل من هذين قافيته الخاصة وتقسيمه ~~الخاص. # فالمقطوعة الشعرية - كما تعلم - قوامها دائما أربعة عشر بيتا، إلا أن تقسيم هذه ~~الأبيات ومجرى القوافي فيها يختلف عند الشعراء الذين عالجوها، فملتن يقسمها إلى ~~رباعيتين وثلاثيتين أحيانا، أو ms0558 إلى رباعيتين وثلاثة أزواج أحيانا أخرى، وفي ~~الحالة الأولى تجري القافية هكذا: ~~«أ - ب - ب - أ» «أ - ب - ب - أ» «ج - د - ه» «ج - د - ه». # وفي الحالة الثانية تكون القافية على هذا النحو: ~~«أ - ب - ب - أ» «أ - ب - ب - أ» «ج - د» «ج - د» «ج - د». # وهو في الرباعيتين يحذو حذو بترارك، ثم يجدد في الستة الأبيات الأخرى. # ومن أمثلة هذه المقطوعات: # في عماه # إني إذ أرى كيف غاب عن عيني الضياء، # وبت أقضي نصف دهري في عالم معتم رحيب، # وكيف أصبحت نفحة الشعر التي إخفاؤها عندي كالموت الرهيب # معطلة بغير جدوى رغم أن نفسي أشد انحناء، # لعلي بالشعر أخدم خالقي، # فأقدم بين يديه - خوف اللوم - الحساب. # وهل يقتضينا الله واجب اليوم كاملا، ودون الضوء حجاب؟ # هكذا أسائل في عناء، وسرعان ما أرد على الخوف المقلق: # ليس الله محتاجا # من الإنسان إلى عمله ومواهبه؛ # فخير من يخدمون الله هم خير من يصبرون على قضائه. # لله ملك الأرض والسماء، يأمر فتسرع الألوف # في البر والبحر لا تعرف قرارا، # وكذلك يخدم الله من يصبر وينتظر. ~~(3) المرحلة الثالثة 1660-1674م # ها قد زالت من الشاعر شواغله السياسية بعودة الملكية إلى إنجلترا، فانصرف إلى ~~تحقيق أمنية طالما تمناها، وهي أن ينشئ في الشعر آية خالدة لا تعرف لها بين ما ~~أنتج الشعراء ضريبا، ففيم يكتب؟ أيختار «أرثر» بطلا لآيته الكبرى التي اعتزم أن ~~ينهض بإنشائها؟ لقد جال بنفسه هذا الخاطر، ثم لم يطل، ولم يلبث أن اتجه بفكره نحو ~~موضوع قصيدتيه الكبراوين «الفردوس المفقود» و«الفردوس المردود». أما الأولى فتقص ~~ثورة الملائكة على الله، ثم كيف تم خلق الإنسان وإغراؤه وسقوطه طريدا من الفردوس، ~~وأما الثانية فتصف كيف حاول الشيطان أن يغري المسيح وهو في البيداء المقفرة بشتى ~~المغريات، لكنه لم يوفق في إغرائه وخرج المسيح ظافرا. # ونريد الآن أن نقف وقفة طويلة عند «الفردوس المفقود»؛ لأنها في آداب العالم درة ~~فريدة. # تقع «الفردوس» في اثني عشر جزءا، يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات، فثورة ms0559 الملائكة ~~وكفاحهم ضد الإله يشغل الجزء الأول والثاني والثالث، كما يشغل الشطر الأعظم من ~~الجزأين الخامس والسادس، وخلق الإنسان وشفاعة المسيح له يرد ذكرها في الجزأين الأول ~~والرابع، ثم يشغل جانبا من الخامس والسابع والثامن، وإيقاع الشيطان بالإنسان، ثم ~~عصيان آدم وحواء وطردهما من الجنة هو موضوع الأجزاء الباقية من التاسع إلى الثاني ~~عشر. # وهاك خلاصة لهذه الملحمة العظيمة. # يستهل الشاعر قصيدته بدعاء يوجهه إلى ربة الشعر يستلهمها الوحي: # يا ربة الشعر أنشدينا: # كيف كان من الإنسان أول العصيان؟ # ما تلكم الشجرة الحرام وما جناها؟ ~~••• # فإياك أستعين على نشيدي العصيب، # الذي أعتزم ألا يلوى في تحوامه # حتى يحلق صاعدا فوق سامق «أونيا»، # ينشد غاية لم يحاولها قبل نثر ولا قصيد. # ثم يتجه الشاعر إلى المسيح: # وأنت يا ذا الروح إليك أنحو، # يا من يؤثر على جلاميد المعابد طهر القلب والتقوى، # فأتني العلم إنك أنت العليم، # قد شهدت الوجود منذ فاتحة الوجود. ~~••• # اجل يا ذا الروح قاتمي، وارفع وطيء ~~دعائمي، # علي بهذا المقال الجليل أبلغ شأوا، # فأكون للحكمة السرمدية ترجمانا، # ولرحمة الله بالإنسان برهانا # ألا حدثينا ... # عن أبوينا الأولين: ماذا دعاهما ... # أن يخرجا على «الباري» فيهويا، وأن يعصيا مشيئة الله # لمحظور واحد؟ # إنه «الأرقم» الرجيم ثارت غيلته # حقدا وغلا، فمكر بأم البشر. ~~••• # فقد دعاه الأمل الطامع في العرش والملكوت # أن يثير في الجنة حربا وقودها الغرور والفجور، # فخاب الرجاء، إذ طوح به الله ذو الجبروت، # فهوى من السماء يتقد لهيبا ... # وتردى في هاوية ما لها من قرار، بها يأوي # مغلولا بصم السلاسل يصطلي النار جزاء ... # وفي قرار مهواه تسع فضاوات # مما يذرع به الأناسي خطو الليل والنهار؛ # تردى الأثيم هزيلا بصحبة شيعته # يتقلب في حمأة الجحيم ... ~~••• # ورأى ما حوله موحشا قفرا يبابا، # ورآه في جب مخيف التهبت جوانبه التهابا، # كأنه أتون سحيق مستعر، ناره لا تبعث النور. ~~••• # فهو ما ينفك يصلى عذابا مقيما وطوفانا من حميم، # تغذو لظاه شواظ تذكو أبدا ولا تخبو، # فذلك مستقر العصاة كما أراده عدل الإله. ~~••• # وهنالك ms0560 سرعان ما شهد الأثيم رفاق هويه ~~... ورأى إلى جواره ... «إبليس»، # فاتجه إليه كبير أعداء الله، # وهو من سمي في السماء منذ ذلك الحين «شيطانا». # وألقى عبارة جريئة دوت في ذلك السكون الرهيب، فقال: ~~«أفأنت هو؟» # لئن كنت من وشجني به يوما # تبادل العهد واجتماع الرأي والكلمة، واتحاد الأمل، ~~••• # فها هي ذي أواصر الشقاء توشج اليوم بيننا، فتوحد هلكنا، # أرأيت إلى أي هاوية أوينا، ومن أي الذرى هوينا؟ # ألا إن الله في غضبته، ساق الدليل على رجحان قوته ... # ولكني على ذاك لست بنادم، وإن صب علينا «الظافر» القادر # ما استطاع في صورته من صنوف العذاب، # فعزمي المصمم لن يحول، وإن حال مني رونق الإهاب. ~~••• # وماذا إن فاتنا النصر في حومة الوغى؟ # فنحن بذاك لا نفقد كل شيء # وهل يكون هزيما من له هذا العزم الحديد، # والثأر السديد والمقت الذي لا يزول؟ # ومن له هذا الجنان الذي لا يلين ولا يحول؟ # فما كان أخسها ضعة # لو أني جثوت له مسترحما وركعت ضارعا! ~~••• # فلنثرها على عدونا الألد - بالقتل أو بالختل - حربا عوانا. ~~••• # فلم يلبث رفيقه الجريء أن ~~أجاب: # مولاي! وأنت زعيم العديد من العتاة متوجين # قدت إلى الوغى تحت لوائك «السيروفيم» مدججين. ~~••• # يا ويح نفسي أن ترى جليا هذا الخطب الرهيب، # الذي طوحنا فأشجانا وهزمنا فأردانا، # وأضاع منا الجنة، وهوينا به إلى هذا الحضيض! ~~••• # لم لا يكون الله قد أبقى على نفوسنا وقوانا، # فلم ينتقصها ليشتد أذانا ونضطلع بمر العذاب، # لكي يرضي فينا غيظه الناقم، # أو ليأمرنا بما شاء من فادح الأعمال، فنستطيع الأداء؟ # فقد أمسينا له - بحق النصر - عبيدا أرقاء، # إن شاء أصلانا النار في قلب الجحيم، # وإن شاء سخرنا في اللج البهيم، # فإن أحسسنا بالقوة موفورة، فأين في ذلك الغناء؟ # وهل أجدى علينا خلود البقاء إلا دوام الشقاء؟ # وأخيرا احتشد الملائكة الثائرون وتوسطهم الشيطان وخطب فيهم بعزمه ~~على مقاتلة الله تعالى، فاجتمعوا يتداولون الرأي، فمنهم من يؤيد فكرة القتال ومنهم ~~من يفندها، وأخيرا نهض إبليس - وهو الذي يتلو الشيطان في رفعة ms0561 المقام - واقترح ~~رأيا كان قد سبقه إليه الشيطان، وهو أن يحاربوا الله في مخلوقه الجديد وهو ~~الإنسان، وصادف الاقتراح قبولا، لكن نشأت مشكلة وهي: من ذا الذي ينهض بعبء البحث ~~عن العالم الجديد الذي فيه الإنسان، وعندئذ تطوع الشيطان نفسه أن يأخذ على نفسه ~~هذه المهمة، وانفض اجتماع الملائكة الثائرين، وانصرف كل إلى سبيله، فهذا إلى ~~رياضة، وذاك إلى قتال، وثالث إلى جدال، وأما الشيطان فقد شق بجناحيه الطريق إلى ~~أبواب الجحيم التسعة، تحرسه «الخطيئة» وابنها الشائه وهو «الموت»، وفتحت «الخطيئة» ~~أبواب الجحيم للشيطان فخرج منها طائرا. ~~••• # هنا يتوجه الشاعر بالقول إلى «الضياء» ويرثي لعماه، ليتخذ من ذلك مقدمة ينتقل ~~منها إلى صورة يصور فيها السماء ويصور حديثا يدور بين «الأب» (الله) و«ابنه» ~~(المسيح): # عليك سلام الله أيها الضياء الأقدس، يا أول ما أنجبت السماء! # أنت الذي تفجر من ذات ساطعة فيضا ساطعا، # ومن يدري أي نبع سقاك؟ فقد كنت - يا ضوء - # قبل أن تكون الشمس وقبل أن ترفع السماء، ثم جاء أمر الله، # فكسوت يا ضوء - كأنك الثوب - # عالما نهض من الماء العميق، # عالما نشأ من العدم وخرج من عماء اللانهاية! # لكنك لم تعد إلى عيني اللتين تدوران عبثا في المحاجر، # تبغيان منك شعاعا نافذا، لكن ليلهما بغير فجر! # كلما حال الحول عادت الفصول، والنهار # ليس إلي يعود، كلا ولا حلو البوادر التي تنبئ باقتراب المساء ~~والصباح، # ولا يعود إلي رونق الربيع المزدهر ولا ورد الصيف، # ولا قطعان الأغنام والماشية ولا طلعة الإنسان الإلهية، # ففي مكان ذلك كله أرى قتاما، والظلام السرمدي # يحيط بي فيباعد بيني وبين حياة الناس البهيجة. # ويرى الله الشيطان يدنو من العالم فيتنبأ «لابنه» بسقوط الإنسان، ثم ~~يسأله: أين الحب الذي يرضي العدالة الإلهية ويخلص الإنسان من زلته، ~~فيجيب الابن: # احشرني في زمرة الإنسان، ففي سبيل الإنسان # أنزع نفسي عن صدرك، وسأرجئ - مختارا - # هذا المجد الذي يتلو مجدك، وفي سبيل الإنسان سأموت # راضيا، فدع «الموت» ينقض علي بغضبته، # فلن أظل في هزيمتي أمدا طويلا. # وبينما ms0562 الملائكة يرتلون ويسبحون اقترب الشيطان من العالم، وأبصر بالشمس ~~والأرض والقمر، فدنا من الشمس، حيث التقى بأوريل وخاطبه قائلا: ~~... يا أسطع ملائكة السيرافيم، # نبئني: أين من هذه الأفلاك المشرقة # قد اتخذ الإنسان لنفسه مقاما دائما؟ # فأجابه أوريل: # تلك الأرض مقر الإنسان ومقامه، وذلك الضوء # نهاره، ولولاه لطمسه حالك الليل ... # وهذا المكان الذي أشير إليه هو الفردوس، # هو موطن آدم، وتلك الظلال السامقة مسكنه. # سمع الشيطان جواب أوريل، فانحنى له إجلالا، وانصرف. # ويمم شطر الأرض يملؤه النجاح المأمول، فلما دنا الشيطان من الفردوس ~~استيقظ ضميره، وارتاع لهول الفعلة الشنعاء التي يقبل على اقترافها ~~فصاح: # يا لشقوتي! أين أنفث من نفسي، # نقمة ليست تحد ويأسا لا ينتهي! # فأينما حللت كان جحيما؛ لأني في نفسي جحيم. # ولما اقترب من الفردوس أثرت فيه روعة المكان وجماله، كما يحدث لمن ~~يجتازون بسفنهم رأس الرجاء، ويتوغلون في المحيط، فتهب عليهم رياح من الشمال ~~الشرقي تفوح بعطر التوابل الذي تحمله إذ تمر على جزيرة العرب المباركة، ~~فيتلكئون ويتراخون في السير إذ تأخذهم نشوة الأريج الطائر مع الريح، فهكذا ~~أنعش أريج الفردوس في الشيطان الذي أخذ يقلب النظر في صنوف الخلائق التي لم ~~يكن له بها عهد، وأخيرا وقعت عينه على الإنسان: # اثنان هما أنبل الخلائق صورة، مستقيمان ممشوقان، ~~... كأنهما على الجميع سيدان، # وعليهما جلال؛ إذ في طلعتيهما الإلهيتين، # أشرقت صورة الخالق المجيد ... # أما الرجل ففيه التأمل وشدة البأس، # وأما هي ففيها الطراوة والرشاقة الحلوة الجذابة، ~~... هكذا مضى الزوجان يدا في يد، # أجمل ما يكون الزوجان مذ عرف الحب لقاء الزوجين، # فآدم خير الرجال منذ نسل الأبناء، # وحواء بين بناتها أجمل النساء. # فلما رأى الشيطان آدم وحواء في مثل ذاك الجلال والجمال يسيران، أخذته ~~الدهشة للمرة الثانية، وأخذ يتلون في صور مختلفة من صنوف الحيوان، ودنا ~~منهما لينصت إلى حديثهما، فعرف من آدم أن شيئا واحدا حرم عليهما في ~~الجنة، وهو أن يأكلا من شجرة المعرفة، وسمع حواء وهي تقول لزوجها إنها شهدت ~~صورتها معكوسة في الماء، فظنت ms0563 أنها أجمل مخلوقات الله، بل أجمل من ~~آدم. ~~... حتى أمسكت يدي بيدك الرقيقة، # فأذعنت، وعرفت منذ ذلك الحين، # كيف تعلو الرجولة برشاقتها وحكمتها على جمال النساء . # وأخذ الشيطان يجوس خلال الفردوس، وبينا هو كذلك إذا بأوريل يهبط على ~~شعاع من أشعة الشمس الغاربة لينذر جبريل - وهو على رأس الملائكة الحارسين ~~- بأن ملكا يثير الريبة بنظراته قد تسلل إلى الأرض، فوعده جبريل أن يكشف ~~أمره قبل طلوع الفجر. # وأقبل المساء الساكن، وانتشر الشفق في لون الرماد، # فلف كل الكائنات بثوبه الهادئ، # وساد الصمت، وأوى الحيوان والطير، # إلى معشوشب المخادع، فاستكن الطير في أعشاشه، # وراح في نعاس، إلا البلبل اليقظان، # طفق يغرد طوال الليل أناشيد الغزل، # وأخذ آدم وحواء يتحدثان قبل أن يأويا إلى مخدعهما، فقالت حواء: # حلوة أنفاس الصباح، هذا الإصباح ما أحلاه، # مع البواكير من فاتن الطير، وما أجمل الشمس، # أول ما نشرت - فوق هذه الأرض الحبيبة - # أشعتها الشرقية على العشب والشجر، والثمر والزهر، # وهي تتلألأ بقطرات الندى، ما أمتع عطر الأرض الخصيبة # بعد الرذاذ الرخي! وما أحلى قدوم # المساء الجميل! ثم ما أجمل الليل الساكن، # بطيره هذا الوقور، وهذا القمر الجميل، # وتلك اللآلئ السواطع في السماء، هذه الأنجم المحتشدة! # لكن لا أنفاس الصبح حين يصبح، # مفتونا بسحر بواكير الطير، ولا الشمس حين تشرق، # على هذه الأرض الحبيبة، ولا العشب ولا الثمر ولا الزهر # وهي تتلألأ بالندى، ولا الشذى بعد الرذاذ، # ولا المساء الجميل ولا الليل الساكن # بطيره هذا الوقور، ولا السير في ضياء القمر # أو في ضوء النجوم المتلألئ؛ حلو بغيرك، # ولكن أين تضيء هذه الأفلاك طيلة الليل؟ ولمن # هذا المنظر الفاتن حين يأخذ الكرى بمعاقد الأجفان؟ # فيجيبها آدم قائلا: # لا بد لها أن تقطع أفلاكها حول الأرض، # وهي إذا لم تشهدها الأبصار في جوف الليل # فلا تضيء عبثا، لا تظني أنه بغير الأناسي # يعوز السماء راءوها، وينقص الله حامدوه، # فألوف الملائكة تقطع الأرض سيرا # في خفاء، حين نستيقظ وحين يأخذنا النعاس، # وكل هؤلاء يرون آيات الله ويحمدونه حمدا ms0564 لا ينقطع # إن أصبح صباح أو أمسى مساء ... # ومضى آدم وحواء إلى حيث يقضيان الليل، فأرسل جبريل أعوانه ليتولوا ~~الحراسة، وأمر «إثوريل» و«زيفون» أن يبحثا في أرجاء الفردوس عن الشيطان ~~الهارب، فوجداه جالسا على مقربة من حواء يلون لها أحلامها بما يريد، ~~فمد «إثوريل» رمحه ومسه به مسا رفيقا؛ ففزع الشيطان وارتد إلى ~~صورته، وسيق إلى جبريل الذي أخذ يجادله وكاد يقاتله، لولا أن تذكر الشيطان ~~أنه لا يستطيع النصر في قتال مكشوف، فلاذ بالفرار، وتفرقت معه ظلال ~~الليل. # ولما استيقظ آدم في الصباح، رأى حواء قد احمرت خجلا وحيرة، وقصت ~~عليه أحلامها المخيفة، فسرى عنها كربها، ومضيا إلى مكان من الأرض ~~الفضاء، وأخذا يرتلان ترنيمة الحمد لله. # عندئذ أرسل الله روفائيل من السماء؛ لينذر آدم وحواء بالخطر الداهم، ~~فأنبأهما نبأ عصيان الشيطان وسقوطه من السماء، وكيف أعد الشيطان عدته ~~للثورة والقتال، وأمر جبريل وميكائيل أن يقودا جند السماء في وجه هذا ~~الثائر، ونشب بين الفريقين قتال دام سجالا، وفي اليوم الثالث أرسل الله ~~المسيح في عربة ليقف القتال: # وحل بينهم يحمل في يمناه # عشرة آلاف من قواصف الرعد، يرمي بها # إلى أمام، فنزلت في نفوسهم منزل الطاعون، # وأخذتهم الدهشة فوقفوا لا يقاومون، # وطارت عنهم بسالتهم، وتهاوى كليل سلاحهم، # وفزعوا جازعين لهذا المنظر المخيف # فقذفوا بأنفسهم رءوسا على أعقاب # من حافة السماء هويا، وغضبة الله # تشتعل في إثرهم، وهم يهوون في هاوية ما لها من قرار. # وأنذر روفائيل آدم بمثل هذا القضاء يصيب الإنسان لو اقترف جريرة ~~العصيان. # ولما كان روفائيل في الفردوس لجأ الشيطان إلى التخفي، فاختفى سبع ليال، ~~كان خلالها يتشكل في هيئة الضباب فلا تراه الأبصار، ودخل في جوف الحية؛ ~~لأنها أنسب أداة للخداع. # وأقبل الصباح، وهم آدم وحواء أن يعملا، فاقترحت حواء أن يبعد كل ~~منهما عن الآخر أثناء قيامهما بالعمل؛ لأنهما إذ يقتربان يتبادلان النظرات ~~والبسمات والأحاديث، فيدافع آدم عن وجوب «هذا اللقاء الحلو بين النظرات ~~والبسمات»؛ لأنهما ما خلقا للعمل المضني، إنما أريد لهما ms0565 أن يعملا عملا ~~هينا لذيذا. # فإن تكوني قد مللت الإفراط في الحديث، # ففي وسعي أن أغيب عنك برهة قصيرة، # فقد تكون العزلة خير رفيق، # والاعتزال القصير يدعو إلى حلو اللقاء، # لكن شكا يساورني، فإني لأخشى # أن يلحق بك الضر ... # لكن حواء طمأنته بأنها لن تقع فريسة لخداع العدو المتربص إن كان ثمة ~~عدو متربص. وأجابها آدم بأنه يخشى عليها الإغراء، وأنهما لو سارا معا ~~كانا أكثر حذرا وحيطة، فأبت حواء أن تذعن ومضت وحدها، وما هي إلا أن ~~صادفها الشيطان وحيدة، فوقف أمامها وقد تقمص الحية، وأبدى لها من ~~الإعجاب ما يبديه العابد نحو معبوده، وأخذ يخاطبها بلسان البشر: «يا أميرة ~~هذا العالم الجميل! يا حواء الباهرة!» فسألت حواء: كيف أمكن للوحش أن ينطق ~~بلسان الإنسان؟ فأجاب بأنها قدرة استمدها حين أكل ثمرة شجرة معينة، فقد ~~بثت فيه تلك الثمرة عقلا مفكرا، وحملته على عبادة حواء؛ لأنها «مليكة على ~~الخلق»، فطلبت إليه حواء أن يدلها على مكان تلك الشجرة ذات الثمر العجيب، ~~فأسرع بها إلى «الشجرة المحرمة»، ولما ساورتها الوساوس والمخاوف ~~قال: # يا مليكة هذا الكون! لا تلقي بالا # إلى ذاك الوعيد بالموت، لن تموتي. # وكيف تموتين؟ أبالثمرة تموتين؟ إنها تهبك الطريق # إلى العرفان؟ أيقتلك صاحب الوعيد؟ انظري إلي، # أنا الذي أمسك بالثمرة وذاقها، ها أنا ذا أحيا، # بل علوت بحياتي عما أراد لي «القدر»؛ # لأني لم أرض بما قسم لي فغامرت طامحا، # أيغلق دون الإنسان ما انفتح للحيوان؟ # أم هل يغضب الله حقدا # على هذا العدوان الجميل؟ # يستحيل على الله أن يصيبك بالأذى إن كان عادلا، # فيأيتها الإلهة البشرية أقدمي، كلي الثمرة ولا تحجمي! # ووقعت كلمات الشيطان من حواء موقع القبول، فأخذت تقول: ~~... يوم نأكل # هذه الثمرة الجميلة كتب علينا أن نموت! # أين الموت من هذه الحية؟ إنها أكلتها ولا تزال حية، # وباتت ذات علم تتحدث وتفكر وتدرك، # وكانت بغير عقل حتى أكلت، ألنا وحدنا # خلق الموت! أم حرام علينا # هذا الغذاء العقلي، حلال للحيوان؟ # ها هنا شفاء الجميع، ms0566 هذه الفاكهة المقدسة # جميلة في مرأى العين، وتستثير الذوق ... # فماذا يمنعني أن أدنو منها لأطعم جسمي وعقلي معا؟ ~~... قالت هذا وامتدت إلى الثمرة يدها الرعناء ، # واقتطفتها ثم أكلت ... # وتاهت حواء عجبا بنفسها أول الأمر، ثم أخذت تتساءل ماذا عسى أن يكون ~~وقع ذلك النبأ على آدم؟ وقالت لنفسها لتخفف من ألمها: # ربما كنت الآن في مكان خفي، إن السماء عالية # عالية! إنها قصية لا ترى على هذا البعد في وضوح # كل شيء على الأرض، وربما كانت الشواغل # قد صرفت عن رقابتنا ~~«حارمنا» العظيم ... # ولكن أي صورة أبدو لآدم؟ أأنبئه # بما اعتراني من تغير؟ # ماذا لو كان الله قد رآني، # فجاءني الموت تباعا؟ إذن فمصيري إلى فناء، # ويزوج آدم من حواء غيري، # ويحيا معها في نعيم، أنا أموت! # ويحي! لقد حزمت أمري إذن، لقد اعتزمت # أن يقاسمني نعيمي وشقوتي، # إني أحبه حبا يجعلني أحتمل الموت في صحبته، # وبغيره لا أطيق الحياة ~~... وآدم عندئذ # ينتظر عودتها في شوق، وضفر لها # إكليلا من أحاسن الزهر ليزين جدائلها. # لكن جاءت حواء، وعلم منها بعصيانها، فوقف واجما، وسقط من يده الإكليل ~~الذي ضفره لحواء، ثم التفت إلى حواء، وأخذ يسري عنها: # قد لا تموتين ... # فما أحسب أن الله، وهو الخالق الحكيم، ~~- رغم وعيده - سيعمل جادا على فنائنا، # ونحن زهرة خلقه ... # وعلى أية حال فقد وصلت مصيرك بمصيري، # واعتزمت أن أقاسي ما تقاسين من قضاء، # فلو دهمك الموت، كان الموت لي كالحياة. # وناولته حواء الفاكهة المغرية الجميلة، فلم يحجم عن أكلها، مع أنه يعلم ~~وخيم العواقب، ولم يكن مخدوعا كما كانت حواء، لكن كيف له أن يقاوم سحر ~~المرأة؟ وسرعان ما أحس كلاهما الندم على فعلته، واختفيا في الغابة، ~~وتدثرا بأوراق الشجر، وأخذا يبكيان ويوجه أحدهما اللوم للآخر، فصاح ~~آدم: # هلا أصغيت لكلماتي ولبثت # معي - كما رجوتك - حين تمكنت # منك تلك الرغبة العجيبة في التجوال هذا الصباح المنكود! # فقالت حواء: # ولو بقيت أنت على رأيك ثابتا # لما زللت ولا زللت معي. # وعاد ملائكة الحراسة إلى السماء ms0567 ثقال الخطا ليبلغوا فشلهم، فعلموا من ~~الله أن القضاء محتوم، وأرسل «ابنه» إلى الأرض ليحاكم الزوجين، ولينزل ~~بهما العقاب لعنتين، هما العمل والموت، ومن ناحية أخرى اتخذ الشيطان ~~«الخطيئة» و«الموت» معينين له على الأرض. # وتاب آدم وحواء فاستجاب لهما الله، وأرسل إليهما ميكائيل ليعلن أن الموت ~~لن يقع عليهما حتى يكملا التوبة، أما الفردوس فلن يعود لهما مقرا، فأخذت ~~حواء تنظر إلى الفردوس بعين باكية، واستسلم آدم لعبراته. # وآن أوان الخروج، فهبط آدم وحواء إلى الأرض، وأخذا يضربان في أرجائها ~~يدا في يد يسيران بخطو وئيد ... # تلك خلاصة «الفردوس المفقود»، مما أخذ عليها أن الشاعر - أراد أو ~~لم يرد - أن يكون بطله الشيطان لا آدم، وقد يكون ذلك صحيحا في الجزأين الأولين ~~من الملحمة، اللذين اضطر فيهما الشاعر أن يجعل الشيطان شديد البأس، قوي العزيمة، ~~ليهيئ الطريق للصراع العنيف المقبل، وليثير الإشفاق والخوف في نفس القارئ، حتى ~~يزداد عطفه على أبويه الأولين، ويزداد شكره لمن مهد له الخلاص، لكن لم يفت ~~الشاعر بعد ذلك أن ينقص من جبروت الشيطان شيئا فشيئا، حتى تضاءل وهزل في ~~«الفردوس المردود». ألا تذكر حين كان الشيطان متنكرا يسر في أذن حواء وهي ~~نائمة، كيف فزع حين لمسه «إثوريل» برمحه؟ ~~«الإنسان» لا «الشيطان» هو بطل الملحمة، فهو يستدر عطف القارئ على الرغم من ~~هزيمته، ثم تجيء بعد ذلك قصيدة «الفردوس المردود»، فينتصر فيها الإنسان الإلهي على ~~مغريات الشيطان نصرا حاسما. # وللشاعر عدا هذا كله قصيدة رائعة عنوانها «شمشون الجبار»، # 14 # هي أقرب إلى المأساة المسرحية منها إلى القصيدة، وهو يصور نفسه في ~~شمشون، فقد عانى من النساء مثل ما عاناه شمشون، وكف بصره كما حدث لشمشون، ووقع ~~أسير أعدائه كما وقع شمشون. # الفصل التاسع # | من ملتن إلى العصر الأوغسطي أو الأدب الإنجليزي في النصف الثاني ~~من القرن السابع عشر # (1) الشعر ~~(1-1) أندرو مارفل # Andrew Marvell ~~(1621-1678م) # هو - إلى جانب ملتن - شاعر من طائفة المتزمتين الدينيين، ولو أنه كثيرا ما ~~أحس العطف على الملك شارل الأول ms0568 الذي كان عدوا لهؤلاء المتزمتين. # كان مارفل متعدد النواحي في شعره، فهو أعظم شعراء الطبيعة في القرن السابع ~~عشر بقصيدته العصماء «أفكار في حديقة»، وهو شاعر الفكر الذي يغذي عقل قارئه ~~بنبيل الأفكار، وهو في ذلك شبيه بملتن، وهو في بعض قصائده يغرق في التشبيه ~~الغريب، وهي النزعة «الميتافيزيقية» التي عرفناها في «دن»، تراه يقول أجود ~~الشعر في زعيم المتزمتين الدينيين «أولفر كرمول» كما يقوله في عدو المتزمتين ~~«شارل الأول». # اقرأ له قصيدة «أفكار في حديقة» تجدها جياشة بحبه للطبيعة حبا لا تكاد ~~تلمس نظيرا له في شاعر إنجليزي سواه، مليئة بالأفكار الطريفة واللفتات الفنية ~~الرائعة، ففيها يقول إن الناس يحاولون أن يتوجوا عملهم المجهد بأكاليل النبات، ~~والنبات يسخر منهم؛ لأن صنوف النبات كلها قد تعاونت في هذه الحديقة على صنع ~~إكليل للراحة والدعة، فإن شئت هدوءا وطهرا، فسبيلهما هذه الحديقة لا مجتمع ~~الإنسان الصاخب، وهو يلاحظ أن حمقى العاشقين قد نقشوا أسماءهم على جذوع الشجر ~~في الحديقة، مع أن هذا الشجر أفتن جمالا من ~~معشوقاتهم. إن العاشقين من أرباب الأساطير قد انتهى بهم السعي وراء حبيباتهم ~~إلى اللقاء تحت الشجر، «فأبولو» أخذ يطارد معشوقته «دافني» حتى التقى بها تحت ~~شجرة من أشجار الغار، و«بان» تعقب حبيبته «سرنكس»، حتى وجدها عند شجرة من ~~أشجار الغاب، وبعد ذلك يتلفت الشاعر في الحديقة ويعدد ما يراه في جنباتها من ~~ألوان الفاكهة، ويعبر عما يحسه العقل من سعادة في هذه الحديقة حين يطلق لنفسه ~~عنان الخيال، ثم يقول إنك إن جلت في هذا الفردوس وحيدا، فأنت تنعم ~~بفردوسين: فردوس العزلة، وفردوس هذا البستان. وأخيرا يرى الشاعر في أزهار ~~الحديقة وأعشابها «مزولة» تبين له أوقات العام كأنها الساعة تسجل مر ~~الزمان. ~~(1-2) جون دريدن # Gohn Dryden ~~(1631-1700م) # ننتقل بك الآن إلى شاعر عظيم يعد في طليعة الأدباء الإنجليز، هو «جون ~~دريدن» الذي هبط من أسرة عريقة، وتلقى علومه في مدرسة وستمنستر، حيث أنشأ وهو ~~في الثامنة عشرة من عمره قصيدة رثاء عنوانها «في موت ms0569 اللورد هيستنجز» فجاءت ~~متأثرة بالطريقة الميتافيزيقية في كتابة الشعر - وقد كانت سائدة - وهي التي ~~ابتدأها «دن» وحدثناك عنها في أكثر من موضع. وحسبنا أن نذكرك بخصيصة ~~تميزها وهي أنها تغرب في التشبيه والاستعارة، بحيث تربط بين أشياء هي أبعد ~~ما تكون صلة بعضها ببعض، بهذه الطريقة في قرض الشعر بدأ «دريدن» في رثاء ~~هيستنجز الذي نقتبس منه هذه الأبيات الآتية على سبيل المثال: # كان جسمه فلكا، وروحه السامية # تتحرك حول قطب من العلم والفضيلة، # وإنما بلغت في حركاتها - فيما تبدو لنا - من دقة النظام # ما لم تبلغه أفلاك السماء كما بدت لأرشميدس، # فحلو الشمائل والفضائل واللغات والفنون # والجمال والعلم، هذا ما يملأ فيه سائر الأجزاء. # إن مواهب الله التي - كأنها الأنجم الهاوية - # تبدو في الناس منتثرة، قد تركزت فيه # كأنها النجوم في سمائها مثبتة، واتخذت مكانها في نفسه، # وأخذت تشع خلال جسمه أثرها الجميل، # وهي في إشعاعها تترك على أعضائه جلالا من جلالها، # بحيث بات منه الجسد كله جسما سماويا. # ذلك مثال من المقارنات العجيبة والتشبيهات الغريبة التي عرفت ~~بها المدرسة الميتافيزيقية في الشعر، والتي بدأ «دريدن» متأثرا بها. ولا بد ~~لنا إثباتا للحق أن نقول إنه مثال سيئ، إن دل على اتجاه الشعر الميتافيزيقي ~~فإنما يدل على أردأ ما فيه، ولعله من الخير أن نسوق مثالا آخر لدريدن نفسه في ~~موت هيستنجز، ينسج فيه على غرار المدرسة الميتافيزيقية أيضا، ولكن بصورة ~~أجود، قال (لاحظ أن هيستنجز مات بالجدري): # انتفخت فيه البثور من كبرياء، إذ نبتت في إهابه # كما تنبت براعم الورد فتلتصق على إهاب السوسنة، # في كل بثرة منها دمعة # لتبكي بها ما اقترفته من جريرة في ثورتها. # إن هذه البثرات شبيهة بالخوارج، اشتغل مولاهم بالجهاد، # فنهضوا بثورة يتآمرون على حياته. # ولنترك هذه الفاتحة الضعيفة التي استهل بها دريدن حياته ~~الأدبية، وهو ما يزال طالبا ناشئا، لننتقل إلى شعر أخرجه في عامه الثامن ~~والعشرين يرثي «أولفر كرمول»، فالظاهر أن شاعرنا اعتنق مذهب التزمت الديني ~~بعد تخرجه في جامعة كيمبردج، ms0570 مقتفيا أثر قريب له عظيم، كان شديد الصلة بزعماء ~~حزب المتزمتين. ومهما يكن من أمر فهذه القصيدة التي عنوانها «مقطوعات حماسية ~~في موت أولفر كرمول»، # 1 # تعد أول شعره الجيد؛ إذ أجاد فيها النظم والأسلوب، ولو أن ~~بقية من التشبيهات المتكلفة والعبارات المصطنعة أفسدت عليه القصيدة بعض الشيء، ~~وفيها يقول: # تلك كانت فعال أميرنا، لكن بين جنبيه نفسا تسمو # على أعلى ما أخرجت وأبدت من فعال، # وهكذا السلوك الآلي الهزيل أمام الناس يبدو، # والأسرار الدفينة أعز من الظهور في أعمال. ~~••• # إنه لم يمت حين أخذت شهرته الطافحة في زوال، # بل مات وأكاليل مجد جديد تغريه أن يحيا، # مات وكأنما ينظر إلى فوز جديد قريب المنال؛ # فوز هو أسمى من كل نصر تهبه هذه الدنيا. ~~••• # سيبقى رفاته في مستقره راضيا، # ويظل اسمه مثالا يسطع، # يدل كيف يبارك الله جهدا ساميا # إذا تضافرت فيه البسالة والورع. # لكن الظروف لم تمهله حتى يستفيد من اتصاله بحزب المتزمتين الذي ~~كانت له السلطة حين كان كرمول قابضا على زمام الأمور في البلاد؛ إذ عادت ~~الملكية الطريدة وسدت الطريق في وجه المتزمتين وأنصارهم، فاعتمد شاعرنا في ~~حياته على ميراث ضئيل ثم على قلمه الذي سرعان ما استخدمه في مدح الملك القادم، ~~فكتب قصيدة يحيي بها عودة الملك، وعقب عليها بأخرى يمدحه في يوم تتويجه، ~~وكلتا القصيدتين مكتوبتان «بالقافية المزدوجة الحماسية»، # 2 # التي برع فيها هذا الشاعر براعة تلفت النظر، وسار فيها على منهاجه ~~«بوب» في العصر الأوغسطي في أول القرن الثامن عشر كما سنحدثك في حينه. # لكن عودة الملكية لم تعد على «دريدن» بالكسب من أمثال هذه المدائح، وإنما ~~أكسبته عودة الملكية عن طريق المسرح، ذلك أن المسارح التي أغلقت في عهد ~~المتزمتين عادت الآن ففتحت أبوابها، فوجدت في «دريدن» كاتبا خصبا ممتازا ~~يمدها بمسرحياته، ويستمد منها المال، ثم ما هي إلا أن أغلقت المسارح أبوابها من ~~جديد قرابة عامين (1665-1666م)، وذلك حين فشا الطاعون، ونشبت النار في لندن؛ ~~مما دعا الناس إلى الهجرة إلى الريف، ms0571 وفي عام 1666م الذي شهد هذه الكوارث ~~العظمى كتب «دريدن» قصيدته المشهورة «سنة العجائب»، # 3 # وهي قصيدة طويلة مؤلفة من رباعيات وموضوعها الحرب الهولندية ~~وحريق لندن، ثم أضاف إلى ذلك مدحا توجه به إلى الملك وآل بيته . # وانجابت عن البلاد نكبتها، فعاد المسرح وعاد «دريدن» إلى الكتابة المسرحية ~~التي ظل مشتغلا بها بعد ذلك أعواما طوالا، أكسبه مالا وفيرا، ورفع قدره في ~~قصر الملك فنصب أميرا للشعراء. ولا شك أن هذا التوفيق أغار صدور أعدائه، ~~لكنه استطاع بما أوتي من قدرة نادرة على السخرية أن يخرسهم جميعا. # وهنا ننتقل إلى الجانب الساخر من أدبه، فنحدثك عن ثلاث قصائد تعد من الطراز ~~الأول في أدب الهجاء في العالم أجمع، أما أولاها فهي قصيدة «أبشالوم وأكيتوفل»، # 4 # ولكي نقدمها إليك، لا بد لنا من شرح الموقف التاريخي الذي دعا إلى ~~كتابتها، فقد كتبها الشاعر عام 1681م حين بلغت حماسة الشعب أشدها حول ما يسمى ~~«قانون الإقصاء عن العرش» الذي أريد به أن يقصي جيمس الثاني عن وراثة العرش ~~بعد شارل الثاني؛ لأن جيمس كان يدين بالعقيدة الرومانية الكاثوليكية، وهي تنافي ~~ميل الشعب بصفة عامة، وكان المؤيدون لهذا القانون هم حزب الأحرار ومعهم ~~شافتسبري، لكن الملك لجأ إلى حل البرلمان، وأخذ يصب اضطهاده ونقمته على أصحاب ~~هذا المشروع، فكان أن زج شافتسبري في «البرج» بتهمة الخيانة العظمى، فنتج عن ~~ذلك سيل من الرسائل والمقالات هاجم فيها كاتبوها استبداد الملك وتعسفه، فرأى ~~الملك ووزراؤه أن يردوا على هذه الحملة أولا، وأن يهيئوا الرأي العام قبل حلول ~~الموعد الذي حدد لمحاكمة شافتسبري ثانيا، فمن ذا يؤدي لهم هذه المهمة ~~الخطيرة سوى أمير الشعراء «جون دريدن»؟ وأجاب الشاعر دعوة القصر، وأخرج هذه ~~القصيدة «أبشالوم وأكيتوفل» قبيل يوم المحاكمة بأيام قلائل، فنجحت القصيدة ~~نجاحا منقطع النظير، فطبعت عدة طبعات في أيام قليلة، وأخذ الناس في كل مكان ~~يرددون منها أبياتا وعبارات، والقصيدة رمزية إلا أن رمزها شفاف لم يتعذر على ~~القراء أن يكشفوا عما تحته، فأبشالوم يرمز ms0572 به لمونمث، # 5 # وأكيتوفل يرمز به لشافتسبري، # 6 # والملك شارل رمز له بداود، ورمز لدوق بكنجهام # 7 # باسم «زمري»، # 8 # وفيما يلي الصورة المشهورة التي صور بها الشاعر ~~شافتسبري: # وفي طليعة هؤلاء كان أكيتوفل الزائف، # وهو اسم حقت عليه لعنة العصور اللاحقة جميعا ، # بارع في حبك الدسائس والنصح الملتوي، # وإنه لحكيم باسل، مشاغب بفطنته، # قلق لا يستقر على مبدأ ولا يدوم في منصب، # يكون بيده الأمر فلا يقنع، ويزول عنه السلطان فلا يرضى، # له نفس مشتغلة لا تنفك تشق الطريق لنفسها، # فتبرى بذلك جسما نحيلا وتذويه، # وقد أبهظت جسده بعبئها، وإنه لمن طين، # إذا اشتد الخطر ألفيته ربانا جريئا، # يغتبط للمخاطر حين يعلو الموج # ويبحث عن العواصف لا يتقيها، بل إنه ليعجز إن ساد الهدوء، # تراه يدنو بسفينته من الرمال ليزهي بفطنته. # إن المواهب العظمى - بغير شك - قريبة الشبه بالجنون، # فلا يفصل النبوغ عن الجنون إلا فاصل رقيق، # وإلا فلماذا - وقد وهب رفعة الشأن والمال - # يأبى على شيخوخته راحة تريدها؟ # لماذا يضني جسدا وفي وسعه أن يمتعه؟ # قد أفلس من حياته ومع ذلك يسرف في راحته. # لكن شافتسبري برئ على الرغم من هذه القصيدة الساخرة، وأصبح ~~في أعين الشعب بطل الساعة، وضربت أوسمة تحمل اسمه وصورته ونقشت عليها الشمس ~~تبدد غياهب السحب، تخليدا لذلك الحادث العظيم. # فكان ذلك داعيا لإخراج القصيدة الهجائية الثانية وعنوانها «الوسام»، # 9 # وقد صدرت سنة 1682م، وهي شبيهة بسالفتها «أبشالوم وأكيتوفل» في ~~الوزن والأسلوب، وحدث أن عارض هذه القصيدة شاعر يدعى «تومس شادول» # 10 # بقصيدة يهاجم فيها «دريدن» مهاجمة شخصية عنيفة، فهب شاعرنا ~~لينتقم لنفسه بالقصيدة الهجائية الثالثة، وهي «ماك فلكنو»، # 11 # فجاءت السخرية فيها لاذعة مرة، يتخيل فيها دريدن شويعرا ركيك ~~النظم يسمى «فلكنو». # بويع بالحكم يافعا - كأوغسطس - فحكم زمانا طويلا، # ولبث في عالم النثر والشعر حاكما بغير منافس # يبسط على دولة «الكلام الفارغ» سلطانا مطلقا. ~~••• # وفكر أي أبنائه جميعا لوراثة الملك يختار، # بحيث يثير على الذكاء حربا لا يخبو لها أوار، # ثم صاح: قضي ms0573 الأمر، فالطبيعة تنادي # ألا يحكم بعدي إلا من يشابهني بين أولادي، # وليس سوى شادول يحمل صورتي كاملة؛ # فقد نضج في الغباء منذ نعومة أظفاره، # ليس بين أبنائي جميعا سوى شادول # رسخت قدماه في البلادة الوافية، # فقد يدعي سائر الأبناء معنى ضئيلا فيما ينطقون، # أما شادول فيستحيل أن ينحرف به القول إلى معنى معقول. # وكأنما لم يكف الشاعر هذه القصيدة في الثأر لنفسه من ~~«شادول»، فانتهز فرصة أخرج فيها شاعر من أنصاره قصيدة تكمل «أبشالوم ~~وأكيتوفل»، فأضاف إليها «دريدن» مائتي بيت يهجو فيها شادول مرة أخرى. ~~••• # ولعل شاعرنا بذلك قد أفرغ جعبته في الهجاء، ثم عمر قلبه بالإيمان الديني ~~فوجه شعره ناحية الدين، فأخرج سنة 1682م قصيدة «رلجيوليسي» # 12 # يعرب فيها عن إيمانه بعقيدة الكنيسة الإنجليزية، ثم عقب عليها ~~بعد أربعة أعوام بقصيدة دينية أخرى عنوانها: «الغزال والنمر الأرقط»، # 13 # وهي دفاع عن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية ساقه في حكاية رمزية، ~~يشير فيها إلى الكنيسة الكاثوليكية بالغزال الناصع البياض، وإلى كنيسة إنجلترا ~~بالنمر الأرقط، كما يشير إلى كثير من العقائد السائدة في عصره بصنوف من ~~الحيوان ساقها في حكايته، ولسنا نريد أن نتعرض للأسباب التي حملت الشاعر على ~~تغيير عقيدته بين هاتين القصيدتين، فهو في الأولى - كما ترى - مشايع لكنيسة ~~إنجلترا، وهو في الثانية مهاجم لها؛ لأننا معنيون بالرجل أديبا، يقول ~~الشاعر في هذه وتلك. # وننتقل بك بعد هذا إلى لون آخر من الشعر؛ شعر الأناشيد، ضرب فيه الشاعر ~~بسهم وافر في قصيدتين عما من أجمل وأروع ما يصادفك في دولة الشعر، وأعني بهما ~~قصيدة عنوانها «أغنية لعيد القديس سيسليا»، # 14 # وأخرى عنوانها «وليمة الإسكندر» # 15 # التي بلغت في تصوير العواطف الإنسانية المختلفة مبلغا عظيما، ~~والتي بلغ من شهرتها في عالم الأدب أنها تقرن باسم «دريدن» أكثر مما يقرن به ~~سائر نتاجه الأدبي، وكلتا القصيدتين تمجد الموسيقى، وتبين ما لها من أثر ~~عظيم جليل. # ففي أغنية القديس سيسليا يقول الشاعر إن الموسيقى قد أشاعت الاتساق والتناغم ~~والانسجام في الذرات المتنافرة التي يتألف ms0574 منها الكون، بحيث أصبح على النحو ~~الذي نرى، وفي وسع الموسيقى أن تثير في الإنسان كل صنوف العواطف على اختلافها، ~~فهي التي تستثير الجند للقتال، وهي التي يبث فيها المحبون أناتهم، ثم يعرج ~~الشاعر على «أورفيوس» الذي جاء في الأساطير أنه كان يحرك الجماد بأنغام ~~موسيقاه. # وفي «وليمة الإسكندر» يصور لك «تيموذيوس » العازف جالسا على عرش رفيع، وعلى ~~مقربة منه جلس الإسكندر إلى جانب تاييس، وتبدأ الموسيقى ويبدأ الغناء بقصة ~~زواج الإله «جوف» من «أولميبيا»، ثم ينتقل العازف إلى التغني برب الخمر ~~«باكس»، فتفعل الأنغام في نفس الإسكندر فعلها، وتأخذه الحماسة ويملؤه الغرور، ~~ويقص على الحضور قصة حروبه موقعة بعد موقعة، وهنا يرى العازف أن يكبح هذا ~~الغرور في نفس الإسكندر، فيحول موسيقاه وأنغامه وغناءه، بحيث يروي بها هزائم ~~«دارا»، فتتحرك الشفقة في نفس الإسكندر، ويرق لذلك البطل الكسير ويرثي. ولما ~~كان بين الشفقة والحب وشيجة قوية وصلة قريبة، انتهز العازف تحرك الشفقة في ~~قلب الملك وعرج من فوره على أنغام الحب فلان لها فؤاد الإسكندر، ثم ختم ~~الموسيقار أنغامه بنغمة الثأر والانتقام. وهكذا أخذ يلعب بعواطف الإسكندر، يعلو ~~بها آنا ويهبط آنا. # وبعد فللشاعر غير هذا كله «متفرقات» و«مترجمات»، وكان أهم من ترجم لهم ~~«دريدن» من الأدباء القدماء «فيرجيل» إذ وفق في ترجمته إلى شعر إنجليزي ~~توفيقا قل أن تجد له نظيرا في كل ما ترجم من عيون الأدب في العالم. ~~••• # ولم يكن دريدن شاعرا وكفى، إنما كان إلى جانب ذلك ناثرا وكاتبا مسرحيا. ~~ومن الخير أن نتحدث عنه ناثرا حين نتناول الناثرين في الكلمة التالية لحديثنا ~~عن الشعراء، ثم نتحدث عنه مسرحيا عند الكلام على المسرحية في هذا النصف ~~الثاني من القرن السابع عشر. ~~(1-3) صموئيل بتلر # Samuel Butler ~~(1612-1680م) # لو كان لشعراء الفترة التي نؤرخ لها - النصف الثاني من القرن السابع عشر - ~~طابع يميزهم، فذلك هو الهجاء وكتابة المقالة منظومة في شعر، ولعل من يتلو ~~«دريدن» في هذه الفترة من هؤلاء الشعراء هو «بتلر» مؤلف «هيودبراس»، # 16 ms0575 # التي صدرت على أجزاء، فنشر أول أجزائها سنة 1663م، وبعد إخراج بضعة ~~أجزاء منها تركها المؤلف ولم تبلغ ختامها بعد. والقصيدة - رغم نقصها عن التمام ~~- طويلة، يسخر فيها الشاعر من طائفة المتزمتين، فبطلها «هيودبراس» يخرج ~~مصحوبا بتابعه «رالفو» - على نحو ما خرج دون كيشوت مصحوبا بتابعه سانكوبانزا # 17 ~~- ليثير حربا شعواء على ما امتلأ به العصر من شر وانحلال، وفي ~~سياق الحديث يعرض الشاعر بأعلام المتزمتين تعريضا يثير الضحك في القارئ؛ إذ ~~لا يسعه إلا أن يهزأ بهم كما يهزأ بهم الشاعر. ولئن رأينا هذا الأثر الأدبي قد ~~زالت عنه اليوم قيمته، فما ذاك إلا لأن كاتبه قد عني بأخلاق عصره، وشئون العصر ~~الواحد لا يطول بها الأمد، ولا يفسح لها في صفحة الخلود. # وله حكاية رمزية لطيفة عنوانها «الهر والهرة» نسوق منها هذا المثال. # الهرة ~~: # رويدك أيها الغاصب اللعين، لا تغازل على هذا النحو ~~الجريء. # وهل في استطاعتك - في آن واحد - أن تغازل وتسيء؟ # الهر ~~: # إنك - بفنون سحرك القوي - فتنت روحي، # فأردت - بامتصاص دمائك - أن أشفي جروحي. # الهرة ~~: # إن من واجب المحب أن يجعل قلبه هدفا للشقاء، # قبل أن يريق من الحبيبة قطرة من دماء. # الهر ~~: # أرى جراحك فوق السطح، وجرحي دفينا عميقا. # جرحتني في الفؤاد، وخدشت جلدك خدشا رفيقا. # فبينما غاصت عيناك أعمق مما غرست المخلب، # أراك لائمة على أثر كنت له السبب. # الهرة ~~: # كيف استطاعت عيناي البريئتان أن تفتكا بفؤادك؟ # ألم تفش عيناك أنت قبل ذاك سر غرامك؟ # فالجريرة العظمى التي اقترفتها يدي # أني رؤيت (بعينيك أنت لا بعيني). # الهر ~~: # إني أجرح كي أحب، ولست أحب لأجرح. # الهرة ~~: # ذلك شر ممن يقسو ليمرح. ~~(2) النثر ~~(2-1) جون دريدن # لقد حدثناك منذ قريب عن «دريدن» شاعرا، وإن نثره لجدير أن تقال فيه كلمة ~~ما دام يحلو لبعض الناقدين أن يعدوه عظيما بنثره لا بشعره! ومعظم النثر الذي ~~كتبه «دريدن» مقدمات لمسرحياته وخطابات إهداء لقصائده، وذلك فضلا عن «مقالة ~~في الشعر المسرحي» # 18 # نشرها سنة 1667م، فسجلت اسمه بين الطبقة ms0576 الأولى من رجال النقد، ~~و«مقدمة الحكايات» # 19 # التي صدر بها ترجمته لحكايات شوسر وبوكاتشو. # أما مقالته في الشعر المسرحي، فقد أنشأها وهو في الريف حين كانت لندن مصابة ~~بالطاعون، وهي في صورة حوار يدور بين أشخاص ترمز أسماؤهم لفريق من أدباء ~~العصر، فاسم منها يشير إلى «دريدن» نفسه وآخر إلى «هاورد» # 20 # وهكذا، ويدور الحوار حول مشكلات النقد الكبرى، فتبسط مشكلة القديم ~~والحديث، ويدافع عن الأخذ بقواعد الأدب القديم متحدث ويعارضه متحدث آخر، ثم ~~يقارن المتحاورون بين أدب المسرح في فرنسا وإنجلترا، فيقول قائل: إن المسرحية ~~الإنجليزية كانت منذ أربعين عاما تفوق زميلتها الفرنسية، ثم انقلب الوضع وأصبح ~~الأدب المسرحي في فرنسا أصح وأجود؛ لأنهم هناك لا يثقلون مسرحياتهم بكثرة ~~«الحبكات» الفرعية التي تفسد مجرى «الحبكة» الأصلية، ويتجنبون ما يزل فيه ~~المسرحيون الإنجليز من مزج المأساة بالملهاة في رواية واحدة، ولا يملئون ~~المسرح بمناظر القتل والفتك وغير ذلك من الفظائع التي تنبو عن الذوق المهذب ~~السليم، وهنا يرد عليه من يتكلم بلسان «دريدن» فيقول إنه إذا كانت المسرحية ~~الفرنسية أدنى إلى الوقار والهدوء والحشمة من المسرحية الإنجليزية، فذلك كما ~~تزداد هذه الصفات في التمثال المنحوت عنها في الإنسان الحي، ثم يضيف إلى ذلك أن ~~كاتب المسرحية الفرنسية لا ينطق أشخاصه بما يعبر عن العواطف تعبيرا صحيحا، ~~وتقل الحركة في المسرحية الفرنسية قلة ملحوظة معيبة، ويتلو ذلك عرض نقدي ~~بديع لشيكسبير وبومنت وفلتشر وجونسن. وختام المقالة حوار حول القافية والشعر ~~المرسل، أيهما أفضل؟ وفي هذا الحوار يدافع «دريدن» عن وجوب استخدام القافية في ~~المآسي. ومما هو جدير بالذكر في هذا الصدد أن «دريدن» عاد فعدل عن هذا الرأي ~~حين كتب رواية «أنطون وكليوبطره». # وأما مقالته النقدية الثانية «مقدمة الحكايات» ففيها نقد مقارن قوي، إذ ~~يوازن الكاتب بين شوسر وبوكاتشو موازنة يرجع فيها لتأييد رأيه إلى أعلام الأدب ~~القديم: هومر وفريجل وأوفد، فجاءت مقالة تفيد وتمتع في آن معا. ~~(2-2) جون بنين # Gohn Bunyan ~~(1628-1688م) # ولد «جون بنين» في قرية قريبة من ms0577 بدفورد من «أب شريف فقير عامل»، ~~ولما شب أرسل إلى المدرسة الثانوية في بدفورد، حيث تعلم «القراءة والكتابة ~~بالقدر الذي يسمح به لسائر أبناء الفقراء»، ولما غادر المدرسة دربه أبوه على ~~حرفته، وهي الصفاحة (السمكرة) فاتخذها «جون» مهنة يرتزق منها في قريته، وقد ~~كان ثائر العاطفة قوي الخيال، إذا ما اجتمعت جماعة الصبيان في بلده على سوء كان ~~هو على رأسها، وبهذا يعترف حين جاوز حد الشباب وعمر قلبه بالتقوى، فقد جرى ~~لسانه بألفاظ السباب، وافترى كذبا وتسور الحدائق ليسرق ثمارها، لكنه إن كان ~~قد اقترف هذه الهفوات الهينة في شبابه، فقد دفع لها ثمنا غاليا في رجولته من ~~ندم وفزع من العقاب الذي لا بد واقع به على ما فرط، وأخذت تلاحقه الرؤى ~~المخيفة منذرة إياه بأليم العذاب. # شبت في إنجلترا الحرب الأهلية بين الملك شارل الأول وأنصاره من جهة وبين ~~البرلمان والمتزمتين الدينيين من جهة أخرى، فانخرط فيها «بنين» جنديا ~~محاربا، ولبث يقاتل عاما، عاد بعده إلى بلده حيث تزوج. يقول: ~~«صادفت زوجة عرف أبوها بتقواه، فتزوجنا ونحن كلانا على أشد ما نكون فقرا ~~وعدما، لا نملك من أدوات الدار طبقا أو ملعقة، لكن زوجتي كان معها كتابان ~~«طريق الإنسان إلى الجنة» و«الشعائر العملية للورع» وهما ما خلفه لها أبوها ~~عند موته، وكنت أقرأ معها هذين الكتابين حينا بعد حين، فوجدت فيهما بعض ما ~~سرني، لكني لم أصادف فيهما ما حملني على العقيدة المخلصة، وكثيرا ما كانت ~~تنبئني زوجتي عن تقوى أبيها، وكيف كان يؤنب على الرذيلة ويصلحها، سواء وقعت ~~تلك الرذيلة في داره أو بين جيرته، وتقول إنه عاش حياة دينية صارمة في قوله ~~وعمله. إن هذين الكتابين لم يبلغا مني القلب، لكنهما حركا في نفسي شيئا من ~~الرغبة في الدين.» # كان «بنين» في تلك الفترة من حياته يختلف إلى الكنيسة في نظام واطراد لا ~~يتخلف، ولكنه إلى جانب ذلك لم يستطع أن يتخلص من نزوعه في حياته إلى بعض ~~الشر، كان يطالع الإنجيل ويأسف على خطاياه، ms0578 فكان هذا الصراع في نفسه بين عمل ~~الرذيلة والندم عليها مصدر شقاء حرمه لذة العيش، ثم أشرق عليه شيء كأنه ~~الإلهام: ~~«كنت ذات يوم أسافر في الريف، فأغرقت في التفكير في خبث نفسي، والتأمل ~~فيما ينطوي عليه قلبي من عداوة الله، فطافت بذهني آية الإنجيل: «لقد أخرج الله ~~السلام من الدماء التي أريقت على الصليب»، فرأيت عندئذ أن عدالة الله ونفسي ~~الآثمة تستطيعان أن تلتقيا وأن تقبل إحداهما الأخرى، لقد أوشكت أن يصيبني ~~الإغماء، لا عن غم وشقاء، بل عن غبطة عظيمة وطمأنينة نفس.» # والتحق «بنين» بجماعة دينية في بدفورد، وأخذ يعظ الناس وسرعان ما ذاع ~~صيته واعظا قديرا، لكن عادت الملكية الطريدة إلى إنجلترا، وصدر قانون يوحد ~~العقائد الدينية المتباينة في أنحاء البلاد، فحرم بذلك على طوائف البروتستنت أن ~~يجتمعوا، كما عد التخلف عن الكنيسة جريمة يعاقب عليها القانون، فاتفق ~~«الخوارج» على أن يجتمعوا في الغابات وفي الدور النائية عن العمران، لكن رجال ~~الحكومة كثيرا ما ألقوا عليهم القبض، وقد قبض على «بنين» نفسه في نوفمبر ~~سنة 1660م، فقدم إلى القضاء في بدفورد، وكان القضاة يكرهون أن يزجوا برجل ~~كهذا في السجن، فحاولوا ما وسعتهم الحيلة أن يحملوه على الوعد بألا يعظ على ملأ ~~من الناس علنا، فأبى «بنين» أن يعد بهذا، ولم يجد القضاة بدا من ~~الحكم بسجنه، فأرسل إلى سجن بدفورد حيث قضى في غياهبه اثني عشر عاما، ولما ~~عرض الحكم على المحكمة العليا في لندن، حاول أعضاؤها ما حاولته محكمة بدفورد ~~من قبل، وهو أن يحملوا الرجل على وعد يتعهد به ألا يعظ علنا، لينجو بهذا ~~الوعد من السجن، ولكنه عاد فأبى؛ لأن الوعد المطلوب مناف لما يمليه الضمير، ~~وكم تثبت حوادث الأيام أن الناس يكرهون ما هو خير لهم! إن «بنين» لو أطلق ~~سراحه من السجن لما زاد على واعظ مشهور! لكن السجن أتاح له أن يقرأ وأن يفكر، ~~ثم يكتب. أكب بنين على قراءة الإنجيل، وهو في سجن بدفورد، يتلوه مرة بعد ~~مرة بعد ms0579 مرة، ويظهر أنه قرأ فيما قرأ بعض القصائد الدينية، كما قرأ «ملكة الجن» ~~لسبنسر، و«الفردوس المفقود» لملتن، ثم كتب وهو في سجنه «الرحمة تشمل كبير الآثمين» # 21 # والجزء الأول من «رحلة الحاج»، # 22 # وهو الكتاب الذي خلده بين أعلام الأدب، وأطلق سراح الأديب السجين ~~في الثامن من شهر مايو سنة 1672م، وله من العمر أربعة وأربعون عاما. # وكتب في الأعوام التي تلت خروجه من السجن «مستر بادمان (أي الرجل الشرير): ~~حياته وموته»، # 23 # والجزء الثاني من «رحلة الحاج» و«الحرب المقدسة». # 24 # أما كتاب «الرحمة تشمل كبير الآثمين» - وهو أحد الكتابين اللذين ألفهما في ~~السجن - ففيه تاريخ لحياته وما شهدته تلك الحياة من صراع نفسي أتينا على ~~طرف منه. وكتاب «مستر بادمان: حياته وموته» يقص علينا في أسلوب المحاورة قصة ~~رجل لا يتمسك بالفضيلة، ولا يرتدع بصوت الضمير، لكنه ناجح في حياته، وفي كتاب ~~«الحرب المقدسة» وصف لقتال يدور بين قوى الشر ~~وقوى الخير في سبيل الحصول على مدينة «مانسول» (أي نفس الإنسان)، أو بعبارة ~~أخرى هو وصف لمعركة يقتتل فيها المسيح والشيطان للظفر بالنفس الإنسانية. وأما ~~«رحلة الحاج» - وهو أعظم كتبه جميعا - فهو من أشهر الكتب عند القراء الإنجليز ~~بعد الكتاب المقدس، وقد ترجم إلى معظم اللغات الأوروبية، إذ وجد فيه العالم ~~المسيحي كله أدبا جميلا ووعظا خلقيا مستساغا. # ويبدأ الكتاب بهذه العبارة: «بينما كنت سائرا في بيداء هذا العالم أبصرت ~~بمكان فيه كهف، فأويت إليه لأنام، فلما أخذني النعاس رأيت حلما ...» ثم يقص ~~الحلم، وهو رحلة قام بها «كرستيان» (أي المسيحي) صادفته فيها مواقف وأهوال ~~يحلل لك الكاتب فيها مشاعر المسيحي الخالص المخلص لدينه. # جسد «بنين» في «رحلة الحاج» بعض المعاني المجردة لتقوم مقام الرمز، ~~وكان في فنه من البراعة بحيث خلع على هذه المعاني المجردة لحما ودما، فتقرأ ~~ما يجري على ألسنتها، فتحسبك مستمعا إلى حديث يدور بين أشخاص، وفي ذلك يقول ~~«مانولي» إن بنين «يكاد يكون الكاتب الوحيد الذي استطاع أن يجعل من المعاني ~~المجردة أشخاصا مجسدة.» ms0580 فقد كان له من دقة الخيال ما استطاع معه أن يصور من ~~تلك المعاني رجالا من لحم ودم، فإذا ما أجرى حديثا بين معنيين كان ~~الحديث أقرب إلى الواقع من كثير من الحوار الذي تراه في معظم الروايات ~~التمثيلية، وأعجب العجب أن يخرج هذا الكتاب صفاح بن صفاح (سمكري بن ~~سمكري). # كان بنين كاتبا عظيما قوي العبارة بسليقته، وهو ثاني اثنين في الأدب ~~الإنجليزي - الآخر هو دكنز في القرن التاسع عشر - جاءا لسانا معبرا عن ~~سواد الشعب وعما يدور في رءوسهم ونفوسهم من آمال وأحلام ومخاوف، وكلاهما من ~~طبقات الشعب الدنيا ولم يتلق من التعلم إلا قسطا ضئيلا. ~~(2-3) صموئيل بيبس # Samuel Pepys ~~(1633-1703م) # تلقى بيبس تعليمه الثانوي في لندن، ثم أكمله في جامعة كيمبردج، فلما بلغ ~~الثانية والعشرين من عمره تزوج، ولم يلبث بعد زواجه أن عينه «سير إدورد مونتاجو» # 25 ~~- وتربطه القرابة بأسرة بيبس - كاتما لسره، وأسكنه هو وزوجته في ~~دار بلندن، وبعدئذ عين بيبس في منصب في البحرية، ولبث فيه حتى شبت الثورة ~~سنة 1688م، فكان فيها ختام ذلك المنصب، وزج في السجن سنة 1690م بتهمة ~~سياسية، ثم أخرج بعد حين قصير. # وقد عرف بيبس في الأدب بيومياته التي بدأها في يناير سنة 1660م، وكان آخر ~~عهده بها آخر يوم من شهر مايو سنة 1669م، حيث منعته العلة التي أصابت عينيه ~~أن يستأنف تدوينها، كتب بيبس هذه اليوميات بكتابة مختزلة، وكان يملؤها ~~بالكلمات الأجنبية، ولعله لجأ إلى كل هذا ليخفي معانيه عن كثرة القراء، خصوصا ~~وقد كان ما يكتبه ماسا بأخص شئونه، ولما دنا بيبس من ختام حياته، أهدى ~~يومياته تلك إلى الكلية التي تخرج فيها - وكانت تملأ ست كراسات في كل كراسة ~~خمسمائة صفحة - ولبثت تلك الأوراق حيث وضعت من الجامعة حتى سنة 1818م، ثم قيض ~~الله لها من يحل رموزها بين عامي 1819 و1822م. ونشرت يوميات بيبس للمرة ~~الأولى سنة 1825م، أي بعد موته بما يقرب من قرن وربع قرن. # وإن مؤرخ الآداب ليحتفل بهذه ms0581 اليوميات ~~لما تفردت به من خصائص بين سائر اليوميات؛ ففيها فقرات رائعة في أسلوبها قوية ~~في تعبيرها عن العواطف الإنسانية كما يحسها رجل من عامة الناس، نعم شهدت ~~الآداب رجالا عبروا عن كوامن نفوسهم أصدق التعبير، فهذا هو القديس أوغسطين في ~~القرون الوسطى، وهذا هو روسو في فرنسا، بل هذا هو «بنين» الذي حدثناك عنه ~~منذ قليل. كل هؤلاء أفرغوا أنفسهم فيما يكتبون، لكنهم كانوا رجالا أعلى من ~~متوسط الرجال، فلم تكن حياتهم هي حياة الرجل العادي كما يألفها كل إنسان، وإن ~~شئت فقل كان هؤلاء وأمثالهم يمثلون النوابغ، ولا يمثلون عامة الناس، وبالطبع قد ~~يعبر النابغ فيما يكتب عن عواطف الناس، لكنه مع ذلك ليس منهم في طريقة تفكيره ~~وإحساسه، أما بيبس في يومياته فرجل عادي يخرج ما يدور في نفسه من الخواطر ~~والمشاعر إخراجا أمينا صادقا، ويحدثنا عن دقائق حياته، حتى ليصور لنا حياة ~~عصره - منعكسة فيه - تصويرا دقيقا، فلم يخف شيئا من دلائل ضعته وخيانته، ~~ولم يهمل شيئا مما كان ينشب بينه وبين زوجته من خلاف وشجار، فكأنما كان ~~«بيبس» يستمد من حياته - بكل ألوانها - متعة ولذة، فأراد أن يزداد بها ~~استمتاعا بتسجيل حوادثها ما دق منها وما جل؛ إذ لا فرق عنده بين الحادثة ~~الهامة والحادثة التافهة ما دام قد وجد في كل منهما لذة ومتاعا. ولنتصفح هذه ~~اليوميات لنطالع فيها نتفا هنا وهناك، لنرى كيف يبسط الرجل حياته أمامك كما ~~وقعت: # أنا شديد الفرح بطعام الغداء، أفرح وقت الأكل وقبله وبعده، وإنما ~~يزيد من فرحي أن غدائي شهي، أجادت طهيه وتقديمه خادمتنا التي لم يكن ~~لنا سواها، أكلنا دجاجا وأرانب قطع لحمها في مرق الطماطم (الصلصة) ~~وفخذا من الضأن، وكان في أحد الأطباق ثلاث أسماك، وطبق عظيم آخر فيه ~~ضلع الضأن، وطبق فيه حمام مشوي، وآخر فيه أربعة من «الجنبري» وثلاث ~~فطائر، ثم نوع من فطير السمك (وهو نادر جدا) وطبق من السمك الصغير، ~~وشربنا ألوانا من الخمر، وكان كل شيء على خير ما يرجى، ms0582 حتى لقد وقع كل ~~شيء من نفسي موقع الرضى العظيم. # ألا يلقي لك مثل هذا القول ضوءا على اهتمام الناس بطعامهم في القرن السابع ~~عشر؟ ولكنك يجب أن تذكر أن القوم في ذلك العهد كانوا يأكلون وجبة كبيرة واحدة ~~في الغداء، ثم لا يأكلون في الليل إلا عشاء خفيفا، ومن هنا كان ازدحام مائدة ~~بيبس بألوان الطعام! # ذهبت بصحبة زوجتي إلى مسرح «كنجز هاوس» # 26 ~~(معناها بيت الملك) لأشهد «الشهيدة العذراء» # 27 # تمثل لأول مرة، وهي رواية ممتعة حقا، لا لأن الرواية في ~~ذاتها كبيرة القيمة، ولكن لأن «بك مارشال» # 28 # أجاد تمثيلها، على أن ما سرني سرورا لم يبعثه في نفسي ~~شيء في العالم، هو «موسيقى القرب» حين يهبط «الملك» من السماء، ~~فقد كانت الموسيقى من الحلاوة، بحيث ملكت علي فؤادي، وبعبارة موجزة، ~~لفت نفسي لفا أوقع بي العلة، وهو إحساس أحسست مثله في عهد سلف ~~حين كنت أحب زوجتي، فلم أستطع والموسيقى تعزف، بل لم أستطع وأنا في ~~طريقي إلى داري ذاك المساء، ولا حين كنت في الدار، أن أركز ذهني في ~~شيء، بل ظللت طوال الليل مسحورا، ولم أكن أصدق أن الموسيقى استطاعت في ~~يوم من الأيام أن تتمكن من نفس إنسان بمثل ما تمكنت من نفسي ذاك ~~المساء، وقد صممت عندئذ أن أمارس بنفسي عزف «موسيقى القرب» وأن ~~أحمل زوجتي على ممارستها. # ومن ذلك ترى مقدار حبه للموسيقى، وهي صفة عرف بها على الرغم من قلة ~~ثقافته؛ فقد كان لا يعنى بالقراءة إلا قليلا، وكان ماديا في نزعاته وميوله، ~~يهمه جمع المال وادخاره أكثر مما تهمه جوانب الجمال في العالم من حوله، لكنه ~~إلى جانب هذه المادية كان مخلصا في عقيدته الدينية، محبا للموسيقى - كما ~~رأيت - ولعل هاتين الصفتين أن تكونا كل ما اتصف به الرجل من الخلال الروحية، ~~وأما سائر جوانب حياته فمادية صميمة. # وما دمنا قد ذكرنا في اليومية السابقة ذهابه إلى المسرح، فيحسن أن نشير في ~~هذا الموضع إلى ولعه بالمسرح، وقد شارك ms0583 أهل عصره - عصر عودة الملكية - في ~~التقليل من شأن شيكسبير، فرواية «روميو وجوليت» في رأيه أسوأ مسرحية شهدها في ~~حياته، ورواية «عطيل» مسرحية حقيرة، و«حلم ليلة في منتصف الصيف» مسرحية باردة ~~لا طعم لها. # وهاك بعض أمثلة أخرى تتناول شئون حياته اليومية: ~~«لما صحوت من نومي بغتة هذا الصباح، صدمت زوجتي بمرفقي صدمة قوية على وجهها ~~وعنقها، فأيقظتها الصدمة وهي تتألم، وأبديت أسفي وأخذني النعاس من ~~جديد. # عدت إلى الدار ووجدت كل شيء على وجهه الصحيح، إلا أنني كنت منقبض النفس ~~قليلا لما أبدته زوجتي من إهمال؛ إذ تركت غلالتها وصدارها وملابس نومها في ~~العربة التي أقلتنا من وستمنستر اليوم، ولو أنني أعترف أنها كانت قد أعطتها لي ~~لأرقبها، إن خسارتنا بهذا تبلغ خمسة وعشرين شلنا.» # يوم آخر: ~~«ذهبت مع زوجتي إلى غرفتها لأفحص حساب المطبخ كما أثبتته، وهنالك اشتجرنا ~~لشرائها منديلا مطرزا وقلنسوة بغير إذني، ومن ثم غضبنا وواصلنا الغضب حتى ~~ساعة النوم.» # وهكذا تقرأ في يوميات بيبس عن دقائق حياته، كما تطالع فيها آراءه في المسرح ~~وفي الكتب القليلة التي قرأها وفي المواعظ التي سمعها في الكنيسة أيام الآحاد، ~~وفي الحوادث السياسية الهامة، ولو أنه كان ~~شديد الحرص فيما يمس السياسة؛ لأنه عاش في عصر مضطرب مليء بالقلاقل، هو عصر ~~عودة الملكية، وتقرأ له أيضا مذكراته الشائقة عن الطاعون الذي تفشى في لندن ~~وعن حريق لندن المعروف، تقرأ كل هذا فتحسبك شاهد عيان يرى ويسمع. # إن لهذه اليوميات قيمة عظيمة في الأدب الإنجليزي؛ لأنها - كما قلنا - تصور ~~لنا عصر بيبس - النصف الثاني من القرن السابع عشر - تصويرا فيه كل الدقائق، ~~ولأنها تدلنا على الذوق الأدبي الذي كان سائدا إذ ذاك، وذلك استنتاجا من ~~الإشارات الكثيرة التي أثبتها الكاتب عن المسرحيات التي شهدها؛ ولأنها تزيد من ~~علمنا باللغة الإنجليزية الدارجة في ذلك العهد؛ ولأنها فوق ذلك كله خير ما شهد ~~الأدب الإنجليزي من يوميات واعترافات يصب فيها الكاتب نفسه في غير حياء أو ~~حرج، فيوميات بيبس في الأدب الإنجليزي ms0584 تحتل مكانة شبيهة بمكانة «اعترافات» ~~روسو في الأدب الفرنسي وذكريات «بنفنوتو تشليني» الذي تحدثنا عنه في أدب ~~النهضة في إيطاليا. ~~(2-4) جون إفلن # Gohn Evelyn ~~(1620-1706م) # وهذا كاتب آخر نعرفه بيومياته، لكن مسافة الخلف بعيدة جدا بينه وبين ~~«بيبس» في هذا الفن من فنون الأدب. سافر «إفلن» في أرجاء أوروبا في وقت كانت ~~فيه إنجلترا تضطرب فيها الأحداث السياسية اضطرابا شديدا، وأنفق في رحلته ثلاث ~~سنوات سجل حوادثها في الجزء الأول من يومياته. # ولما عاد إلى بلاده أنفق معظم وقته يطالع ويفلح حديقته، وعلى الرغم من أنه ~~عاش في القرن السابع عشر، إلا أن ذوقه وأسلوبه أقرب إلى الذوق والأسلوب اللذين ~~سنشهدهما في أدب القرن الثامن عشر، فهو كلف بالصناعة في الكتابة وفي ألوان الفن ~~جميعا، يكره غابة فونتنبلو - في فرنسا - لأنها على غير نظام وتنتثر فيها ~~الصخور، ولا تعجبه جبال الألب؛ لأنها خشنة لا تستقيم فيها الجوانب والسفوح، ~~ولكنه يحب الحديقة المنسقة التي تناولتها يد البستاني بالتشذيب. وهكذا يكره ~~الأسلوب إذا لم تكن فيه العناية بالصقل بادية ظاهرة، شأنه في ذلك شأن المدرسة ~~الاتباعية (الكلاسيكية) التي استهل بها الأدب الإنجليزي القرن الثامن عشر، ~~كأنما كان «إفلن» - وكما كان دريدن أيضا - طليعة تبشر بقدوم عهد أدبي ~~جديد. # وإن كانت يوميات بيبس تدلنا على صورة الحياة التي كان يحياها رجل ضحل ~~الثقافة متوسط الثراء في القرن السابع عشر، فإن يوميات «إفلن» ترسم لنا حياة ~~السيد من سادة الريف، كيف كان يفكر وعلى أي نحو كان يعيش. ~~(3) المسرح # أغلق المتزمتون الدينيون أبواب المسارح سنة 1642م؛ لأنهم رأوا فيها مباءات ~~إفساد لا تتفق مع الدين القويم، لكن هذا التحريم القانوني لصناعة التمثيل لم يمنع ~~جماعات الممثلين أن يجوبوا في البلاد، فيمثلوا مسرحياتهم في أفنية الفنادق وساحات ~~الأسواق. ثم حدث أن سافرت جماعة من الممثلين إلى ألمانيا لتمثل هناك روايات ~~إنجليزية، وبهذا احتفظ الممثلون بصناعتهم حتى زالت عنهم غاشية التزمت بعودة ~~الملكية، أضف إلى ذلك أن بعض الكتاب المسرحيين لم يمتنعوا عن كتابة مسرحياتهم، ms0585 ~~وإن لم تجد سبيلها إلى المسرح، فعمل ذلك كله على بقاء التقاليد والأوضاع المسرحية ~~على الرغم من تحريم التمثيل في عهد المتزمتين. # فلما عاد شارل الثاني إلى عرش البلاد، بعد زوال جمهورية المتزمتين، سمح للمسارح ~~أن تفتح أبوابها من جديد، فوجدت المسرحية نفسها موصولة العلاقة بما كان سائدا قبل ~~إغلاق المسارح، وأخذ القوم يكتبون روايات جديدة، ويمثلون إلى جانبها روايات قديمة ~~من إنتاج شيكسبير وبن جونسن وبومنت وفلتشر وغيرهم؛ فكان ذلك داعيا لكتاب العهد ~~الجديد أن يترسموا خطى رجال العهد السابق، ولكنهم تأثروا إلى جانب ذلك بالأدب ~~الفرنسي إلى حد بعيد عميق، فقد طردت الملكية من إنجلترا وأقام رجالها في فرنسا، ~~حيث عرفت مآسي «كورني» وملاهي «موليير»، واستمد شارل الثاني ذوقه الأدبي من هذا ~~الجو الجديد، فلما عاد إلى بلاده لم يكن بد من فرض ذوقه المكتسب على الكتاب ~~الإنجليز، فأخذت الملهاة تقتفى في بعض أوضاعها آثار موليير، ودخلت القافية المزدوجة ~~في كتابة المأساة نقلا عن الفرنسيين، وترجمت عن الفرنسية مسرحيات لتمثل على ~~المسارح في لندن. # ولسنا نستطيع أن نصف حالة الكتابة المسرحية في النصف الثاني من القرن السابع عشر، ~~أي في عهد عودة الملكية، دون أن نشير إلى التحلل الخلقي العجيب الذي ساد الأدب ~~المسرحي عندئذ، فلئن اشتد المتزمتون في قيودهم الأخلاقية التي فرضوها على الناس ~~وبالغوا في فرضها، فقد تطرف رجال القصر عند عودتهم من فرنسا ~~في مجونهم واستهتارهم، ولما كان المسرح مكان ~~متعتهم، فلم يكن مناص من أن يمتعهم أدباء المسرح بما يحبون، من خلاعة واستهتار ~~ومجون، بحيث أصبحت المسارح ضربا من اللهو يجفل منه المحافظون ويتحرجون من ~~مشاهدته. # أما المسرح نفسه من حيث إعداده وإخراج الرواية ممثلة عليه، فقد دخلته تغيرات ~~هامة جديرة بالذكر في هذا الموضع. # كان المسرح في عهد اليصابات غنيا بملابس الممثلين فقيرا بالمناظر التي ترسم ~~على جدران المسرح نفسه، فالممثلون يرفلون في ملابس مزخرفة مزركشة على مسرح يكاد ~~يكون خاليا من كل رسم مما نعهده على مسارحنا اليوم، ويصور لنا البيئة التي ms0586 تجرى ~~فيها حوادث الرواية، نعم كانت «المقنعات» تعنى برسم المناظر، لكن المقنعات - ~~كما عرفت - كانت تمثل في قصور الملوك والأمراء ولا تمثل على المسرح، فلما عادت ~~الملكية إلى إنجلترا وافتتح المسرح عهدا جديدا أخذ أصحاب المسارح يدخلون المناظر ~~على مسارحهم، فكان لذلك نتائج هامة وخطيرة في تأليف المسرحية، منها أن يقتصد ~~الكاتب جهد طاقته في الأماكن التي تقع فيها حوادث روايته، حتى لا يضطر المخرج إلى ~~إعداد المناظر الكثيرة التي تلائم تلك الأماكن، فشيكسبير في رواية «أنطون ~~وكليوبطره» - مثلا - لم يجد مانعا من الانتقال بحوادث روايته من الإسكندرية إلى ~~مسينا إلى روما إلى سوريا وأثينا وغيرها، إذ لم يكن على الممثلين إلا أن يعلقوا ~~لوحة على المسرح يكتب عليها اسم المكان الذي تقع فيه الحوادث الممثلة، أما ~~«دريدن» الذي تناول نفس الموضوع في إحدى رواياته التمثيلية في عهد عودة الملكية، ~~فقد حصر حوادث روايته كلها في الإسكندرية ليسهل على المخرج أن يصور منظرا يمثل ~~مكان الحوادث. ونتيجة أخرى ترتبت على إدخال المناظر المصورة في الفن المسرحي، وهي ~~أن تغيير تلك المناظر من فصل إلى فصل يستدعي أن يقف التمثيل برهة قصيرة، ومن هنا ~~لم تعد الرواية تمثل في اتصال لا ينقطع - كما كانت الحال في عصر شيكسبير - بل أخذت ~~فترات الراحة تتخلل الفصول كما نرى اليوم، وعن هذه النتيجة تفرعت نتيجة أخرى، وهي ~~أن يقصر الكاتب روايته حتى يعوض بقصرها فترات الراحة فلا يطول مكث النظارة عما ~~كان. # وكان المسرح في عهد اليصابات مصطبة بارزة في فناء مكشوف، ويجلس النظارة على ~~جوانبه الثلاثة، بل ويجلس بعضهم فوق المسرح نفسه نظير أجر إضافي يدفعونه. أما في ~~العهد الجديد فقد تغير وضع المسرح، بحيث أصبح النظارة يواجهونه من ناحية واحدة، ~~على هيئة قريبة جدا مما نشاهد اليوم، وأصبح المسرح الجديد مسقوفا، ومن هنا ~~أخذوا يضيئونه بمصابيح، ولم يعد ما يمنع أن يقع التمثيل ليلا. أما في عصر شيكسبير ~~فكان التمثيل في فناء مكشوف، فلا مصابيح تضاء ولا تمثيل بعد الغروب. # ولعل أهم ms0587 ما دخل على المسرح من تغير، هو استخدام النساء في أدوار النساء، بعد أن ~~كان الغلمان يلعبون هذه الأدوار، ولعلك تذكر كيف كان يلجأ شيكسبير في كثير جدا ~~من رواياته إلى خدعة مسرحية؛ هي أن يجعل الفتاة تدعي أنها فتى، وتلبس ملابسه، ~~وتتحدث بلسانه؛ وذلك لأنه يعلم أن دور الفتاة سيمثله فتى، فالأفضل أن يجرى على ~~لسانه ما يتفق مع طبيعته، أضف إلى ذلك أن كتاب المسرحية في عصر اليصابات كانوا ~~يقتصدون في أدوار النساء لعلمهم بصعوبة تمثيلها، أما بعد عودة الملكية فقد ظهر ~~النساء على المسرح، وكثرت - تبعا لذلك - أدوار النساء في المسرحيات المؤلفة في ~~ذلك العهد. # وحسبنا هذه الكلمة العامة لنقدم إليك بعض كتاب المسرح في ذلك العهد: ~~(3-1) جون دريدن # ذكرناه شاعرا وناثرا، وها نحن نقدمه مسرحيا نابغا. # أول مسرحية له مثلت ملهاة نثرية عنوانها الشهم «الغليظ»، # 29 # ولكنها لم تصادف نجاحا، فأعقبها «النساء المتنافسات»، # 30 # وهي ملهاة أيضا كتبها شعرا، قفى بعضه وأرسل بعضه الآخر، ~~فكانت أنجح من سالفتها. # وكان «دريدن» في بدء حياته الأدبية مؤمنا بأن المأساة لا يجوز أن تكتب إلا ~~في شعر مقفى؛ لأن الشعر المرسل لا يلائمها، وعلى هذا الأساس أخرج روايتيه ~~«الملكة الهندية» # 31 # و«الإمبراطور الهندي»، # 32 # وقد شاركه في كتابة الأولى صهره «هاورد»، لكن هذا الشريك عاد ~~فانقلب على استخدام الشعر المقفى في المسرحية، ومن هنا نشأت معركة أدبية ~~لطيفة بين «دريدن» مدافعا عن القافية و«هاورد» مدافعا عن الشعر المرسل، وقد ~~ذكرنا طرفا من هذه المعركة عند الكلام على «مقالة في الشعر المسرحي» التي ~~كتبها «دريدن» في النقد الأدبي. # ومن المآسي المشهورة التي كتبها شعرا مقفى، رواية «الحب الطاغي» # 33 # و«فتح غرناطة»، # 34 # وفي هذه الرواية الأخيرة ترى «المنصور» يقوم بأعمال البطولة التي ~~بالغ فيها الشاعر مبالغة أخرجتها عن الطبيعي المعقول، وهو يصور لنا بطله ~~قلبا لا يستقر على حال، فهو يأسر مخطوبة الملك ويشغف بها حبا، ويعلن ~~للمحبوبة هذا الحب الشديد، وتصد عنه الفتاة، فينقلب المنصور على أصدقاء الأمس ms0588 ~~ليقف إلى جانب أعدائه لعل ذلك يؤدي به إلى الظفر بحبيبته، ويعيد الملك المخلوع ~~إلى عرشه، ثم يطلب يد الفتاة بعد هذا كله فيرفض طلبه، فينقلب من جديد على هذا ~~الملك ليعين عليه أعداءه. ورواية «فتح غرناطة» مكتوبة بأسلوب فخم جاوز بفخامته ~~كل حد معقول، فظهرت فيها الصناعة ظهورا قبيحا، ومع ذلك فقد صادفت إعجابا ~~شديدا عند الملك شارل الثاني ومنحه بعدها لقب أمير الشعراء. # هنا حاول أعداؤه أن يهدموا مجده الأدبي، فتعاونت طائفة منهم على إخراج رواية ~~أطلقوا عليها «التسميع» # 35 # جعلوا بين أشخاصها شخصا يسمى «مستر بايز» # 36 # يرمزون به إلى دريدن، وأخذوا يصبون عليه السخرية والنقد اللاذع، ~~ويضحكون من نوع المسرحية التي أغرم بها دريدن، وهي التي تسمى «بالمسرحية الحماسية»، # 37 # وقد كانت المسرحية الحماسية هي الشائعة السائدة في عصر عودة ~~الملكية، وأهم خصائصها أنها مقفاة بالقافية المزدوجة، وأنها تبالغ في كل ~~شيء. وخلاصة رواية «التسميع» هي أن مدنيا يدعى «جونسن»، وريفيا يسمى ~~«سمث» جاء إلى المدينة لتوه، التقيا برجل يكتب المسرحيات اسمه «بايز» (وهو ~~اسم يشير إلى دريدن) فدعاهما «بايز» أن يصحباه إلى المسرح ليطلعهما على رواية ~~له، وهي في مرحلة التسميع، أي حين يتدرب الممثلون على أدائها. ويذهب الرجلان مع ~~«بايز»، ويأخذ الممثلون في أداء التجربة، فيسأل المدني والريفي أسئلة تبعث ~~النظارة على الضحك، وتبين مواضع الضعف جلية واضحة، وهو ما أراده مؤلفو ~~الرواية، وأخيرا ينتهز الرجلان الزائران فرصة اشتغال «بايز» مع أحد الممثلين ~~فيخرجان خلسة، فيسرع «بايز» وراءهما ليعيدهما حتى يشهدا الرواية إلى آخرها، حتى ~~إذا ما رجع بهما وجد الممثلين قد غادروا المسرح ليأكلوا طعام الغداء. # ظهرت رواية «التسميع» فتلقاها «دريدن» بصدر رحب، ويقال إنه لبث بعدها أمدا ~~لا يكتب المأساة ويكتفي بكتابة الملاهي؛ لأن «الرواية الحماسية» التي ضحك منها ~~مؤلفو «التسميع» لا تكون إلا مأساة، فأراد «دريدن» فيما يظهر أن يبعد عن موطن ~~السخرية حينا، وفي هذه الفترة أخرج ملهاتين هما «الزواج البدع» # 38 # و«الحب في دير الراهبات» # 39 # وفي السنة التي ms0589 مات فيها «ملتن» - 1674م - حول «الفردوس ~~المفقود» إلى قالب تمثيلي مقفى، وأطلق عليها «حالة الطهر» # 40 # ولم يرد بها أن تمثل على المسرح، بل لعله أراد أن يحيي بها ~~الشاعر العظيم. # ومضى بعد ذلك عام واحد، ثم أخرج «دريدن» مسرحية هي على الأرجح خير مسرحياته ~~جميعا، عنوانها «أورنج زيب»، # 41 # وهي آخر مآسيه التي تجري فيها القافية، وقد كتب في مقدمتها أنه لم ~~يعد يعتنق الرأي الذي دافع عنه بحرارة اثني عشر عاما ضد صهره الشاعر «سير ~~هاورد»، ونعني به رأيه في وجوب أن تكون المأساة شعرا مقفى. # ولهذا كانت روايته التالية شعرا مرسلا، وموضوعها أنطون وكليوبطره، وعنوانها ~~«كل شيء في سبيل الحب»، # 42 # وهي أحب رواياته إليه، والحق أنها مسرحية غاية في الجودة، ولولا ~~أن شيكسبير له رواية في نفس الموضوع خفتت إلى جانبها رواية دريدن، لما أصبحت ~~هذه مغمورة مجهولة من جمهرة المتأدبين على نحو ما نرى اليوم، فقد تكون رواية ~~«دريدن» أجود من رواية سلفه العظيم في البناء والحبك؛ لأنه حصر الحوادث في ~~الإسكندرية ولم يوزعها على مدن كثيرة كما فعل شيكسبير، وأشخاصه أقل عددا من ~~الأشخاص في رواية شيكسبير، فساعده هذا وذاك على أن تخرج روايته موحدة موصولة ~~الأجزاء، وقد برع «دريدن» وأجاد في تصوير «أنطون»، لكنه قصر في رسم كليوبطره ~~عما بلغه شيكسبير في تصويرها وإجراء الشعر على لسانها، فكان هذا وحده خافضا ~~لروايته رافعا لرواية سلفه. # وللشاعر غير ما ذكرنا روايات أخر، إذ بلغ ما أنتجه نحو ثلاثين رواية، بينها ~~كثير لا قيمة له في ميزان النقد، ولكن اثنتين أو ثلاثا منها ارتفعت إلى صف ~~المسرحية العظيمة، فلم يدن منها شيء مما كتب في عصر الشاعر. بل لم يدن ~~منها شيء مما كتب في الإنجليزية منذ عهد اليصابات العظيم. ~~(3-2) وليم كنجريف # William Congreve ~~(1670-1729م) # هو أنبغ من شهد الأدب الإنجليزي إطلاقا في ضرب من الملهاة يسمى «ملهاة السلوك»، # 43 # والملهاة من هذا النوع إنما تصور سلوك الناس كما هو في حياتهم ~~المنزلية، ولا ms0590 تحاول أن تسخر من الرذيلة ومن غفلة الناس وحمقهم في طريقة ~~سلوكهم، فتصوير الواقع في «ملهاة السلوك» هو كل شيء، ولا عبرة بما توحيه ~~الرواية في أنفس النظارة من رذيلة أو فضيلة، وبطل مثل هذه الملهاة هو الشاب ~~المستهتر الماجن، الذي لا يعبأ بالأخلاق قيد أنملة، ولا يشغله إلا غرامه ~~ومتعته، وقد كثر الشباب من هذا الطراز عند عودة الملكية؛ إذ التف بالملك ~~وحاشيته أبناء الأسر الرفيعة من أمثال هؤلاء، وبطلة الرواية تتصف بشدة حيويتها ~~ورشاقتها، فالمرأة الخفيفة الرشيقة أفضل عند رواد المسرح عندئذ - حاشية الملك ~~وأتباعهم - من المرأة الفاضلة، وموضوع الرواية عادة هو أن «تستغفل» الزوجة ~~الماجنة زوجها أو أباها أو ولي أمرها كائنا من كان. # تلك هي «ملهاة السلوك» التي عنيت في عصر عودة الملكية بتصوير الواقع، والتي ~~برع فيها «كونجريف» وأجاد. # ولد كونجريف في بلد قريب من ليدز عام 1670م، وكان أبوه ضابطا في الجيش، ~~لكن لم يكد ولده وليم يشهد النور، حتى عين في منصب جديد في أيرلنده، فانتقل ~~إليها مصحوبا بأسرته، وهنالك تلقى وليم علومه زميلا للكاتب المشهور ~~«سوفت» (صاحب رحلات جلفر). # ولما دنا الشاب من عامه العشرين، عاد إلى إنجلترا، وكان قد أحس في نفسه ~~ميلا قويا نحو الأدب، فسرعان ما توشجت الأواصر بينه وبين دريدن، فتعاونا ~~معا على ترجمة بعض الآثار الأدبية القديمة، ولما بلغ من العمر ثلاثة وعشرين ~~عاما أخرج أولى ملاهيه «العزب العجوز»، # 44 # وقد نجحت على المسرح نجاحا عظيما، ولبثت قائمة أربعة عشر يوما، ~~وهي مدة طويلة جدا في ذلك العهد، وكوفئ الكاتب بما لم يكافأ به كاتب سواه ~~على رواية؛ إذ أسند إليه وزير المالية عندئذ (لورد هالفاكس) منصبا يدر عليه ~~راتبا كبيرا، وأخذت المناصب تتكاثر عليه، حتى بلغ دخله الحكومي مائتين وألفا ~~من الجنيهات في العام، وسمع كونجريف من عبارات الثناء والمدح يوجهها إليه أئمة ~~الأدب في عصره - دريدن وبوب - كما يوجهها إليه سيدات القصر والحاشية، ما ملأه ~~بالغرور، وقد جاءه فولتير في زيارة فقال له كونجريف في ms0591 كبرياء إنه يود أن ينظر ~~إليه فولتير سيدا من السادة لا كاتبا يؤلف المسرحيات، فأجابه زعيم الساخرين ~~بقوله: «لو كنت سيدا من السادة وكفى لما جئت لزيارتك» وتركه في ~~ازدراء. # وأخرج الكاتب ملهاته الثانية «المخادع» # 45 # فلقيت من نقاد الأدب أعظم الثناء، لكنها لم تصادف قبولا حسنا في ~~أول الأمر عند عامة الناس، ثم عقب عليها بملهاة ثالثة عنوانها «حب بحب»، # 46 # وهي أفضل من سابقتيها؛ إذ لا تقل عنهما في حلاوة الحوار، ثم ~~تفوقهما في تصوير الشخصيات تصويرا جاء أقرب إلى الحياة النابضة. # ثم أخرج كاتب الملاهي بعد ذلك مأساة «العروس الحزينة»، # 47 # التي لبثت أمدا طويلا أشهر نتاجه بين القراء، وقد وردت في هذه ~~الرواية قطعة يصف بها الشاعر كنيسة، قال عنها الدكتور جونس - وهو نقادة مشهور ~~في أدب القرن الثامن عشر - إنه لو طلب إليه «أن يختار من الشعر الإنجليزي كله ~~أجود ما فيه لما وجد قطعة يؤثرها على هذه الأبيات التي صاح بها رجل في فناء ~~الكنيسة الخاوية»: # كلا، لقد أخرس كل شيء، إنه سكون كسكون الموت، ألا ما أبشعه! # إن هذه البنية السامقة لها وجه وقور، # عمدها القديمة شامخة برءوسها المرمرية؛ # لترفع سقفها الثقيل بقبابه العالية، # وإن السقف لمكين بثقله راسخ، # كأنما هو الهدوء يرنو بناظريه! إنه يبعث رهبة # وفزعا في عيني الكليلتين، والقبور # وكهوف الموتى العتيقة تبدو باردة، # وتبعث القشعريرة في قلبي الراجف، # هات لي يدك وأسمعني صوتك، # أسرع فتحدث إلي، لأسمع # صوت حديثك، فصوتي يفزعني بأصدائه. # لكن العصر الحديث بنقاده وقرائه يرفض أن يجعل لهذه القطعة ~~الشعرية كل القيمة التي قومها بها الدكتور جونسن. # وختم «وليم كونجريف» نتاجه المسرحي بملهاة «طريقة الدنيا» # 48 # التي اختلف في تقديرها رجال النقد اختلافا عظيما، فمنهم من جعلها ~~آية إنتاجه، ومنهم من وصفها بالفشل. ومهما يكن من أمر فلم تصادف على المسرح عند ~~إخراجها نجاحا. # وزخر الأدب في «عصر العودة» بكثير غير هذين من رجال المسرحية، منهم «وليم وتشرلي» # 49 # و«فانبره» # 50 # و«ناثانيل لي»، # 51 # وغيرهم ممن ms0592 لا يتسع هذا العرض السريع لذكرهم. # ها قد بلغنا بالأدب الإنجليزي ختام القرن السابع عشر، وأشرفنا به على حركة ~~اتباعية (كلاسيكية) جديدة استهل بها القرن الثامن عشر، فلنقف حينا لننتقل ~~إلى أدب زاخر زاهر خصيب ظهر في فرنسا في القرنين السابع عشر والثامن ~~عشر. # الفصل العاشر # | الأدب الفرنسي في «القرن العظيم» وهو القرن السابع عشر؛ عهد لويس الرابع عشر # جرى العرف بين مؤرخي الأدب الفرنسي أن يصفوا القرن السابع عشر ب «القرن العظيم»، # 1 # وختام هذا القرن في تاريخ الأدب هو العام الذي شهد موت عاهل فرنسا العظيم ~~لويس الرابع عشر، عام 1715م. # شهد هذا «القرن العظيم» ما بذله «ريشليو» من جهود موفقة انتهت بتركيز السلطان في ~~صاحب التاج، بعد أن كان موزعا بين أشراف الإقطاع، حتى بلغ الحكم المطلق أبعد مداه في ~~عهد لويس الرابع عشر، وصحب هذه المركزية السياسية مركزية في الأدب، بل مركزية في ~~الثقافة بأوسع معانيها، انتهت بسيادة النزعة الاتباعية (الكلاسيكية) سيادة مطلقة، فقد ~~كان أدب القرن السادس عشر فرديا في جوهره، يستمع فيه الأديب إلى وحي نفسه وهواه، ولم ~~يكن ثمة مقياس عام ظاهر يقاس به نتاج الأدباء الذي تنوعت صنوفه وتعددت، كما تنوعت ~~أذواق الأدباء أنفسهم وتعددت نزعاتهم، ثم جاء القرن السابع عشر، فطبع الأدب بالطابع ~~الذي وسمت به السياسة، وهو الجمع والتوحيد تحت سيطرة السلطان ونفوذه، فطمست شخصيات ~~الأدباء وضاعت حريتهم في الأدب، كما طمست وضاعت في السياسة سواء بسواء. # هذه الحركة التي سارت بالأدب والثقافة نحو التوحيد والتنظيم، والتي تمثلت في ~~«الصالونات» الأدبية التي شاعت عندئذ، وفي «المجمع العلمي الفرنسي» الذي أنشئ ليكون ~~صاحب الكلمة العليا في الثقافة الفرنسية، لم تبلغ أوجها إلا حين قبض الملك ~~الشاب لويس الرابع عشر على زمام الأمر بيده بعد موت ~~وزيره «مازاران» سنة 1661م، وعندئذ فنيت «الصالونات» ليحل محلها «القصر»، فمنه كانت ~~تصدر القوانين التي تتحكم في أذواق الأدباء كما كانت تصدر سائر القوانين، فالذوق الفني ~~الذي تجلى في بناء «فرساي» هو نفسه الذي فرض نفسه ms0593 على الأدب، الرشاقة والفخامة وسلامة ~~القواعد. # في هذا الجو «الأرستقراطي» نشأ الأدب الاتباعي في فرنسا، وهو أدب «أرستقراطي» ~~صورة وجوهرا، ولو أن منشئيه كادوا جميعا أن يكونوا من أهل الطبقة الوسطى، ارتفعوا ~~إلى أوج الشهرة بفضل من الملك، فالمسرحيون العظماء والشعراء النوابغ والناثرون الفحول، ~~كانوا بمثابة المأجورين ليمتعوا طبقة رفيعة لا ينتسبون هم إليها وإن عاشوا بينها، ومن ~~هنا كان أدبهم يمثل أرفع المثل التي سادت في عصرهم، دون أن يزلوا في الأخطاء ~~والعيوب التي تنزل عادة بأدب رجال الطبقة الرفيعة، وهي الضحولة والتكلف، فجاء أدبهم - ~~على نقيض ذلك - عميقا جيد الصناعة. # لكنا إن رأينا هذه الوحدة المصطنعة، التي ضمت أذواق الأدباء في مسلك واحد خلال القرن ~~السابع عشر، فلا ينبغي أن نغمض الأعين عن عوامل كانت تعمل في الخفاء رويدا رويدا حتى ~~انتهى بها الأمر إلى تحطيم هذا السلطان الأدبي الذي صدر عن «الصالونات» أولا وعن قصر ~~«فرساي» ثانيا، ونعني بتلك العوامل جهود الطبقة الوسطى التي أثرت - البورجوا - فقد ~~ظل هؤلاء يرتفعون في المجتمع ويزداد خطرهم، حتى إذا ما تحطمت قوة الملك بعد لويس الرابع ~~عشر، انتقل مركز الثقافة والأدب من القصر وحاشيته إلى الأغنياء من رجال البورجوا، ~~وسنلمس آثار هذا الانتقال حين نعرض لأدب القرن الثامن عشر. # وسبيلنا الآن أن نقدم بين يديك أعلام الأدب في «القرن العظيم» فنعرض الشعراء، فرجال ~~المسرحية، فالناثرين وأصحاب القصة. ~~(1) الشعر الفرنسي في القرن السابع عشر ~~(1-1) ماليرب # Màlherbe ~~(1555-1628م) # أول من نتناول من شعراء هذا القرن هو «فرانسوا دي ماليرب» الذي ولد في «كان» # 2 # من أب يتولى القضاء، وقد أراد «ماليرب» ~~أول الأمر أن يسير على نهج أبيه، فيتجه ~~إلى دراسة القانون واحترافه، ولكنه ما لبث أن خلع رداء القانون ليمتشق الحسام ~~محاربا في الحروب الدينية التي كانت ناشبة إذ ذاك، ثم انتهى به الأمر إلى ~~القرار في باريس حيث اتصل بالقصر وانصرف للشعر. # أغدق عليه القصر وأصحاب السلطان في باريس إغداقا كريما، لكنه دفع الثمن ~~غاليا؛ إذ رد الجميل شعرا ms0594 ذليلا خاضعا يتقرب به من أولي الأمر، ولو أن ذلك ~~لم يمنعه عن الإنشاء في المناسبات الشعبية العامة. # لم يكن «ماليرب» شاعرا من الطراز الأول، وإنما يذكره تاريخ الأدب لموقفه ~~أكثر مما يخلده لشعره، فقد كان اللسان المعبر عن المثل الأعلى للحكومة الذي أخذ ~~يسعى ريشيليو نحو تحقيقه، ولولا ذلك لما تناول ديوانه قارئ حديث إلا ليقرأ له ~~قصيدة أو اثنتين، مثل قصيدة «العزاء» التي وجهها إلى والد فقد ابنته. أما سائر ~~شعره فلا يمتاز بقوة الخيال ولا عمق الشعور ولا طلاوة الأسلوب على الرغم من ~~عنايته بالصقل والتجويد؛ ولهذا جاء شعره أقرب إلى النثر في بروده. # نقول إن تاريخ الأدب يذكر «ماليرب» ~~لموقفه أكثر مما يذكره لشعره، فقد ظهر في عصر كان الذوق الأدبي يتجه اتجاها ~~يطابق مزاجه ونزعته ، فكان من حسن حظه أن اقترنت باسمه الحركة الجديدة كلها، ~~وكان هو بغير شك عاملا من عوامل رسوخها؛ إذ وضع الأساس الذي قام عليه الشعر ~~قرنين كاملين من الزمان، ولم يكن ذلك الأساس قواعد إيجابية رسمها لينهج على ~~غرارها الشعراء، بل كانت جهوده سلبية تحذف ولا تضيف، فقد أخذ ينقي الشعر من ~~الألفاظ القديمة والعبارات الإقليمية التي أدخلها رجال «السابوع»، وعارض رأي ~~«رنسار» في أن تكون للشعر لغة خاصة به، فلغة الشعر - في رأيه - هي الفرنسية ~~النقية الخالصة، وإذن فهي لغة النثر الجيد. وكان «ماليرب» يبذل مجهودا ضخما ~~في العناية بقواعد النحو في أدق تفصيلاتها، حتى لا تفلت منه في إحدى قصائده ~~غلطة نحوية واحدة، لهذا كان يكتب المقطوعة أو القصيدة، ثم يعيد كتابتها، ~~ويعيدها مرة بعد مرة، وهو في كل مرة يصلح أخطاءها ويصقل ألفاظها ويجود ~~أسلوبها، حتى لقد أثر عنه أنه كان يستنفد «رزمة» كاملة من الورق ليفرغ من ~~مقطوعة واحدة فيها بضعة أبيات من الشعر. ومن بين القواعد التي اشترطها في ~~النظم ألا يتدفق المعنى من زوج الأبيات إلى الزوج الذي يليه، فيجب عنده أن يتم ~~المعنى في كل زوج على حدة. # هكذا يجب أن تكون العناية ms0595 بكتابة الشعر، فلا خطأ في النحو ولا إدخال للفظ ~~الغريب، ولا طلاقة في تدفق المعنى، وشعاره في الشعر هو الوضوح والصحة وجودة ~~المعنى، فلا غرابة إن عده تاريخ الأدب واضع الأساس للمدرسة الاتباعية التي ~~سادت في القرن السابع عشر، وهي مدرسة تعمل على كبت الحرية الفردية، وتجتنب كل ~~ما يؤدي إلى الإسراف في الفكر والأسلوب. ولنضرب مثالا لشعره أبياتا من خير ~~قصائده «عزاء إلى مسيو دي برييه»: # أحزنك هذا - إذن - «برييه» حزن سرمدي؟ # أيظل هذا الحديث الحزين ~~- الذي يوحي إليك به عطفك الأبوي - # يزيد في أحزانك أبد الآبدين؟ # أتكون فادحة ابنتك التي نزلت بها في قبرها # بموت هو للجميع مآب؛ # متاهة ضل رشدك في أنحائها، # فلن يعود إليك صواب؟ ~~••• # إني لأعلم ما كان لها من سحر في طفولتها # فلم أكن لك بالصديق الآثم، # وأحجمت، لم أخفف من مصيبتها، # ولم أستهن برزئها القاصم. ~~••• # لكنها تنتمي إلى عالم أجمل ما به عابر، # يرقبه أسوأ المصير في الأرض، # وقد عاشت - زهرة - كما تعيش الأزاهر # صباحا واحدا ثم تقضى. # وهب أن الله استجاب لك الدعاء، # فامتد بها الأجل، # وعاشت حتى أمست كهلة شمطاء؛ # فأين أين الأمل؟ ~~••• # أم تظنها لو عمرت، فإنها في دار المقر # تزداد من ترحابها؟ # أم كانت تقل إحساسا بتربة القبر، # وبالدود في لحدها؟ ~~(1-2) رينييه # Regnier ~~(1573-1613م) # وضع «ماليرب» قواعده واستن للشعراء الشرائع، فتبعه التابعون، وظن «بوالو» - ~~الناقد المشهور الذي سنحدثك عنه في الكلمة التالية - أن جميع الشعراء قد ~~اعترفوا بالقوانين التي فرضها «ماليرب»، لكنه أخطأ الظن، فكان هنالك من عارض ~~وقاوم، وعلى رأس هؤلاء المعارضين للحركة الجديدة «رينييه». # كان «ماتوران رينييه» # 3 # شاعرا عبقريا يبتكر ولا يقلد، وله فضلا عن قصائده الرائعة ست ~~عشرة سخرية تضارع أروع ما عرفه الأدب الفرنسي من الشعر الساخر، وأهمها «الشعراء»، # 4 # التي يعرض فيها وصفا دقيقا لحالة الأدب في عصره، و«إلى نقولا رابان»، # 5 # وفيها يهاجم ماليرب، و«ماست» # 6 # وهي دراسة قوية لامرأة عجوز منافقة. ولعل هذه السخرية أن تكون ~~آيته، رغم ما فيها ms0596 من فحش في القول ينبو عنه الذوق المهذب، و«الشاعر رغم أنفه»، # 7 # وفيها يعرض طريقته في الكتابة وخصائص مزاجه ونزعته. # وأهم ما يمتاز به رينييه تصويره للشخصيات تصويرا فيه قوة وشمول، ومع ذلك ~~فتاريخ الأدب يذكره لخروجه على قواعد ماليرب أكثر مما يذكره لسائر صفاته ~~ومميزاته، وهو في السخرية التي يهاجم فيها ماليرب، تراه يهزأ بأولئك الذين ~~يبذلون أقصى جهدهم في دقائق القواعد اللغوية وقواعد العروض، فكأنما هم بذلك ~~ينثرون النظم وينظمون النثر، ويحسبون ألا يكون الأدب أدبا إلا إذا نسج الأديب ~~على منوالهم، أما رينييه فيرفض الإذعان لهذه القيود، ويدافع عن حرية الأديب، ~~وعما يجب أن يتمتع به العبقري النابغ من حقوق في الابتكار هي فوق كل قاعدة وكل ~~قانون. وأسلوب رينييه فيه قوة وطلاقة، لكنه كثيرا ما يكون مهلهل الديباجة وفيه ~~أخطاء لغوية ، نعم إنه يقدم لذلك بقوله إن ما يبدو في أدب النوابغ من إهمال هو ~~نفسه الدليل على مواضع نبوغهم، لكننا حتى إن سلمنا معه بصدق هذا الرأي، فلا ~~يسعنا إلا أن نلاحظ أن مواضع إهماله وخطئه أكثر من أن تغتفر. # وإمعانا في الخروج على ماليرب، كان رينييه كثيرا ما يجري المعنى في ~~القصيدة من وحدة زوجية إلى الوحدة التي تليها، ولا يحرص على أن يتم المعنى في ~~كل وحدة كما أوصى ماليرب، وهذا مثال من شعره: # مقطوعات # إن كانت عيناك تلمعان نورا وغراما، # فقد كانتا لقلبي الذي استعبدته ضراما، # وإن كنت أجثو لعينيك كما أجثو لنجم أقدس، # فلماذا لا تحبينني؟ ~~••• # وإن كان قد خلع عليك الجمال جلالا # فينبغي - كالزهرة فوق العشب تذوي ذبولا - # من بطش الفصول وعنفها أن تعاني، # فلماذا لا تحببني؟ ~~••• # أتريدين أن يكون فيض الغرام من عينيك # هبة من الطبيعة بغير جدوى علي ولا عليك! # فإن كان الغرام - مثل الله - على الجميع يفيض، # فلماذا لا تحبينني؟ ~~••• # أم تنتظرين يوما يتولاك فيه الندم، # إن في ذلك حرمانا لنا من كثير من النعم، # وما دمنا نعيش من عمرنا في أحلاه، # فلماذا لا تحبينني؟ ~~(1-3) بوالو ms0597 # Boileau ~~(1636-1711م) # ولكن ماذا تجدي ثورة «رينييه» على «ماليرب» والعصر كله يتجه الوجهة التي وجدت ~~في «ماليرب» لسانا معبرا؟ لقد أخذت تعاليم «ماليرب» تزداد رسوخا واتساعا، ~~حتى إذا ما انقضى بعد موته نصف قرن جاء أديب آخر فأكمل رسالته، أديب يحتل في ~~الأدب الفرنسي مكانة عالية، دان له الشعر في فرنسا، بل في أوروبا كلها حينا ~~من الدهر؛ إذ أصبحت قواعده في النقد مقياسا يؤمن بصدقه الشعراء، فتستطيع أن ~~تعده بحق ممثل المذهب الاتباعي (الكلاسيكي) في الأدب والمعبر عن أصوله ~~وقواعده. # ولد «بوالو» في باريس، وكان في شبابه يعد لوظائف الكنيسة، لكنه لم يلبث ~~أن انحرف بمجرى الدراسة إلى القانون، ثم عاد فترك دراسة القانون لينصرف إلى ~~الأدب، وذلك حين مات أبوه وخلف له إرثا يكفيه مئونة العمل لاكتساب القوت، ~~واشتغل «بوالو» بالنقد الأدبي خاصة، فأثار بنقده عداوة كثير من الأدباء ~~المعاصرين، لكنه في الوقت نفسه اكتسب صداقة «موليير» و«راسين» و«لافونتين» كما ~~ظفر برعاية الملك، ولبث بوالو أمدا طويلا يسير المجمع العلمي ويرسم له ~~الطريق. # ويتألف نتاجه الأدبي من اثنتي عشرة رسالة، واثنتي عشرة سخرية، وطائفة من ~~الأناشيد والحكم والقصائد القصيرة، وله كذلك آثار نثرية، غير أن ما يعنينا ~~من إنتاجه كله قصيدتان: «منصة الخطابة» # 8 # و«فن الشعر». # 9 # أما «منصة الخطابة» فأساسها معركة نشبت بين رجلين في إحدى الكنائس على ~~موضع منصة الخطابة، فاتخذ «بوالو» من هذه الحادثة موضوعا لقصيدة من «الشعر ~~الحماسي الساخر»، وهو نوع جديد مبتكر من شعر السخرية في فرنسا سرعان ما انتقل ~~إلى إنجلترا إذ اتخذ «بوب» - في أوائل القرن الثامن عشر - من قصيدة «منصة ~~الخطابة» نموذجا احتذاه في قصيدته المشهورة «اغتصاب الخصلة»، # 10 # فقد كانت طريقة السخرية قبل ذاك أن يتناول الكاتب الساخر موضوعا ~~حماسيا جادا رصينا، فيعالجه بطريقة تبعث على الضحك؛ إذ يسوقه في عبارات ~~مبتذلة لا تتناسب مع جلال الموضوع، فجاء «بوالو» وقلب الطريقة بأن تناول ~~موضوعا تافها، ثم عالجه بأسلوب جليل وقور يناسب الملحمة العظيمة، وإذن ~~فأساس «الشعر الحماسي الساخر» أن ms0598 يكون بين مادة القصيدة وأسلوبها فارق وتباين، ~~فيمتنع التناسق والتناسب، فبدل أن كانت طريقة السخرية القديمة - كما قال بوالو ~~- تجرى على لساني «ديدو» و«إينياس» # 11 # كلاما شبيها بما يجري على ألسنة السماكين والحمالين، أصبحت ~~الطريقة الجديدة تجرى على ألسنة الحلاقين وزوجاتهم كلاما شبيها بما تبادله ~~«ديدو» و«إينياس»، بل لا تكتفي طريقة «الشعر الحماسي الساخر» التي أدخلها بوالو ~~في الأدب الفرنسي، على مجرد استخدام الحديث الذي يلائم الملحمة الكبرى في ~~موضوع تافه، بل تستخدم أيضا تقاليد الملحمة وقواعدها كما جرى بها العرف في ~~الآداب القديمة، فأحلام وحروب تجري على نمط الحروب الهومرية وهكذا. # وأما قصيدته الأخرى «فن الشعر» فموضوعها قواعد النقد الأدبي وأصول الشعر كما ~~يجب أن تكون، وقد لبثت هذه القصيدة حينا طويلا من الزمان مرجعا هاما يرجع ~~إليه الأدباء كلما مست بهم الحاجة إلى هداية في أصول الأدب الاتباعي ~~(الكلاسيكي)، والقصيدة منظومة في أربعة أجزاء، فصلت في الجزء الأول منها ~~القواعد العامة، كما روي فيها تاريخ قصير للشعر الفرنسي من «فيون» إلى ~~«ماليرب» وخصص الجزآن الثاني والثالث لبيان أنواع الشعر، وما يضبط كل نوع منها ~~من قوانين وقواعد، وأما الجزء الرابع فيقدم به بوالو وصفا لحياة الشاعر ~~الخلقية والخلال التي ينبغي للشاعر أن يتحلى بها. # والمحور الرئيسي الذي يدور حوله مذهب بوالو هو أن الشاعر يجب أن يحذو حذو ~~الطبيعة، أو بعبارة أخرى يهتدي بهدي العقل، وإنما أراد برأيه هذا أن الشاعر ~~عليه أن يجتنب المبالغة والإسراف والشذوذ، وألا يحيد عما هو طبيعي ومعقول، ~~والطبيعي المعقول هو ما يطابق سير الحياة المألوف، فمن المبادئ التي أخذ بوالو ~~يكررها ويشرحها: «لا جميل إلا الحق، فالحق وحده محبب إلى النفوس.» إذ يعتقد أن ~~سائر أصول الفن الشعري مستمدة من هذه القاعدة. # أراد «بوالو» للشاعر أن يستمع إلى ما يمليه العقل ليجيء قوله حقا يتفق مع ~~ما يجري في الطبيعة، وأخذ يناقش هذا المبدأ ويشرحه حتى انتهى به الأمر إلى ~~نتيجة غريبة، وهي أن لا مناص للشاعر عن محاكاة الآداب القديمة، إذ ms0599 ما سبيل ~~الشاعر إلى معرفة ما هو طبيعي معقول، كيف يميز بين الحق وغيره؟ لا سبيل إلى ذلك ~~إلا أن يدمن الشاعر مطالعة الأقدمين حتى يكتسب الذوق الأدبي السليم، وتكون له ~~ملكة الحكم الصحيح. # قد تقول: ولكن هذه القواعد الضيقة خانقة لحرية الأديب قاتلة لابتكاره، ولكنك ~~إذ تقول هذا قد نسيت أننا نمهد لعصر طابعه الحكم المطلق الموحد في السياسة ~~والأدب. ~~(1-4) لافونتين # La Fontaine ~~(1621-1695م) # ولد «جان دي لافونتين» في إقليم شمبانيا بفرنسا، من أب كانت له حراسة ~~الغابات في إقليمه، وهو منصب لا بأس به، وورثه الابن عن أبيه، وشاءت الأيام ~~لأديبنا ألا يتلقى من العلم إلا مبادئ لا تغني ولا تفيد، لكن سرعان ما اجتذبه ~~الأدب إلى حظيرته، فأخذ يطالع الروائع الأدبية في مكتبة جده الغنية بالنفائس، ~~فدرس آثار «مارو» و«رابليه» وغيرهما من أعلام الأدب في القرن السادس عشر، ~~والعجيب أن لافونتين الذي خلقه الله كاتبا، لم يفكر في حمل قلمه إلا بعد زمن ~~طويل أنفقه في القراءة، فكانت أول آثاره ترجمة عن «ترنس» المسرحي المعروف ~~في أدب الرومان الأقدمين، ثم انتقل لافونتين من الريف إلى باريس، حيث لم يلبث ~~أن سطع نجمه وذاع اسمه في عالم الأدب، وقد عاش في باريس عيش المستهتر الذي لا ~~يأبه لشيء، ينشد متعة نفسه ولا يردعه في سبيلها أخلاق أو ضمير، وقد كان ذا ~~صفات لطيفة، ظريفا خفيف الظل؛ فأحبه الأصدقاء وتعاموا عن جوانب ضعفه، وسرعان ~~ما وجد من رعاة الأدب الأغنياء من يجعله في كنفه ويغدق عليه المال، فاكتفى ~~بذلك، وأخذ يتنقل بين مشاهد الحياة كأنما هو الطفل سذاجة وصراحة واستخفافا ~~بأعباء العيش، لكنه في حقيقة الأمر إنما كان ينظر إلى الأشياء بذلك البصر ~~النافذ الذي يكشف عن كوامن النفوس، وقد تملكه إحساس قوي يعبث بالأشياء ويشعر ~~بتفاهتها. # كان لافونتين أثناء إقامته في باريس يخالط أئمة الأدب في عصره: بوالو وموليير ~~وراسين، فكان الأربعة يجتمعون على فترات منظمة في حانة أو في منزل، لكنه إلى ~~جانب ذلك كان يعاشر ms0600 صحبة السوء حتى تلوث اسمه، فكان ذلك سببا في أن يشير على ~~الملك مشيروه ألا يأذن بقبوله عضوا في المجمع الفرنسي، فلما مات أحد الأعضاء، ~~رشح لملء مكانه اثنان، هما لافونتين وبوالو، وهما - كما رأيت - صديقان ~~حميمان، وكان القصر يؤيد بوالو والمجمع يفضل لافونتين، فاختاره المجمع دون ~~زميله، فأرجأ الملك موافقته، وأوشك أن يرفض ~~ما قرره المجمع، لولا أن خلا مكان جديد، فانتخب له بوالو وحل بذلك ~~الأشكال، ومع ذلك فقد أشار الملك عند إعلان الموافقة على لافونتين إشارة لها ~~مغزاها: «لكم أن تضموا إليكم لافونتين، فقد وعد أن يكون حكيما.» ولما اقترب ~~لافونتين من ختام حياته تاب وندم على مجونه ومات سنة 1695م ورعا ~~تقيا. # كتب لافونتين ملهاتين وعددا من القصائد، ولكنه خالد بمجموعة «قصصه» # 12 # و«حكاياته الخرافية». # 13 # أما «القصص» فقد استمدها من «بوكاتشو» و«أريوستو» و«مكيافلي» و«رابليه » ~~وغيرهم من أدباء النهضة، كما استمد بعضها من الأدب اليوناني واللاتيني، وأخرجها ~~لافونتين آيات روائع تتألق بعلائم النبوغ وتفيض بدلائل الفن، لولا ما يشيع ~~فيها من إباحية كانت سبب شهرتها وذيوعها في عصر إباحي مستهتر، لكنه جاوز ~~بإباحيته في «القصص» حد العصر، فلم يسمح أولو الأمر عندئذ بنشر آخر جزء من ~~أجزائها. # وأما «الحكايات الخرافية» فهي آيته الخالدة التي اتصفت بكل ما اتصفت به ~~«القصص» من مزايا، ثم سلمت بعد ذلك من نقائصها، ففيها ما في «القصص» من براعة ~~الرواية وحسن الفطنة والسخرية والخيال والرشاقة والتنوع ومرونة النظم، ولا ~~تشوبها شائبة من إفراط ومجون، فقد أثبت لافونتين أنه أمير «الحكاية الخرافية» ~~في آداب العالم أجمع غير منازع، فلا يزال الناس ولن يزالوا يطالعونها في شوق ~~ورغبة «فالطفل يغتبط بها لما في القصة من نضارة ونصوع، وطالب الأدب المتحمس ~~يشوقه فيها الفن الرفيع الذي ينتظم رواية الحوادث، والرجل الذي حنكته تجارب ~~الدنيا يستمتع بها لما فيها من لمحات دقيقة عن الحياة وأخلاق الناس». # 14 # لم تكن موضوعات «الحكايات الخرافية» من خلق لافونتين وابتكاره، فقد يتناول ~~حكاية شائعة يتناقلها الناس في أحاديثهم، وقد ms0601 ينقل حكاية قرأها لكاتب هنا أو ~~كاتب هناك، وإنك لتعلم سعة اطلاعه من تنوع المصادر التي استمد منها تلك ~~الحكايات، فبعضها شرقي، وبعضها من الأدب القديم، وطائفة من الأدب الوسيط، ~~وأخرى من الأدب الحديث، ولكنك تقرأ القصة في قالبها الجديد، فكأنما هي جديدة ~~مبتكرة؛ وذلك لأنه يستعير مادتها، ثم يخرج المادة المستعارة مطبوعة بطابعه ~~موسومة بروحه وعبقريته، فنبوغ لافونتين - كما يقول «سانت بيف» # 15 ~~- في طريقة الأداء لا في مادة الموضوع. # والحكاية الخرافية في رأي لافونتين قوامها عنصران: الجسد والروح، فأما الجسد ~~فهو القصة ذاتها، وأما الروح فما تدل عليه القصة من مغزى، وهو ينظر إلى القصة ~~ذاتها نظرته إلى ملهاة تجري مجرى الرواية القصصية، وهو يصف «الحكايات الخرافية» ~~في مجموعها بأنها ملهاة طويلة تشتمل على مائة فصل يختلف بعضها عن بعض، وما ~~الأشخاص في هذه الملهاة الكبرى إلا صنوف الحيوان في معظم الأحيان، جريا على ~~تقليد عرف في أدب الحكاية الخرافية منذ أقدم العصور، وجدير بنا في هذا الصدد ~~أن نذكر حقيقة عن لافونتين، وهي حبه للحيوان ودقة ملاحظته لطرائق عيشه؛ لهذا ~~كان بارعا في فنه صادقا في نظرته كلما عرض حيوانا في موقف من المواقف، ولم ~~يكن أقل براعة وصدقا حين ساق في حكاياته أشخاصا من البشر. وليس ثمة فرق في ~~حقيقة الأمر بين أن يعرض أفرادا من الحيوان أو أفرادا من الإنسان، فهو في ~~كلتا الحالتين إنما يصور النماذج البشرية البارزة في عصره؛ يصور الملك ~~ورجال حاشيته، ويصور رجال الدين ورجال القانون ورجال المال من «البورجوا» كما ~~يصور الزارعين السذج وغيرهم من الطبقات، فالحكايات الخرافية التي خلفها لنا ~~لافونتين من أصدق الصور الأدبية التي تعكس دقائق عصرها، ولا يفوقها في تصوير ~~العصر من آثار ذلك العهد إلا ملاهي موليير. # وأما «روح» الحكاية الخرافية فهي - كما أسلفنا - مغزاها، لكنا نخطئ إن ظننا ~~أن لافونتين كان يستخرج المغزى ليتخذه القارئ درسا خلقيا يهتدي به، فهكذا ظن ~~بعض الناقدين وأخذوا عليه - مثلا - أن يعلم الناس الخضوع للظروف بدل الوقوف في ms0602 ~~وجهها، كما جاء في حكاية «السنديانة وقصبة الغاب»، إنه بمثل هذا يسجل ما هو ~~واقع كما تشهد به التجربة، ولا يقرر قواعد الأخلاق كما يجب أن تكون، ومن ~~الإجحاف أن نعيب على الكاتب تصويره للحياة الواقعة كما شاهدها ومارسها، فليس ~~لافونتين بالأديب الذي يحصر نفسه وحياته في حدود العرف والتقليد، ولعل أكبر ما ~~يميز «حكاياته الخرافية» عن حكايات السالفين - مثل أيسوب # 16 ~~- هو أن عنصر التعليم والإرشاد في أدبه ضئيل جدا إذا قيس بحكايات ~~أولئك، فلافونتين متفرج يراقب الحياة بنظر ثاقب ناقد، فيرى منها وجه الرذيلة ~~والحمق والنفاق، ثم يسخر مما يرى سخرية لاذعة، لكنها حلوة الفكاهة ~~مستساغة. # ولئن عد أدب لافونتين اتباعيا بسبب إعجابه بالقدماء وعنايته الشديدة ~~بالتجويد والصناعة، فهو في حقيقة الأمر لا يجري مع الاتباعيين إلى نهاية الشوط، ~~لهذا الذي تراه في أدبه من حرية الابتكار والتنوع؛ فهو مثال فريد في أدب القرن ~~السابع عشر. # وبعد، فكتاب «القصص» وكتاب «الحكايات الخرافية» وحدة يتمم أحدهما الآخر، ~~بحيث يكونان معا «لافونتين» فلا تستطيع أن تحكم عليه بهذا الكتاب دون ذاك، ~~وأهم ما يمتاز به الكاتب؛ أولا: أسلوبه من حيث المرونة والتنوع، وثانيا: ~~سلاسة القصة في رواية منظومة، فليس يعوق النظم عنده مجرى الحوادث في سهولة ~~وتدفق، وثالثا: براعته في الرمز والإيماء، ولهذه الحسنات في أدبه يكاد ~~يستحيل على قارئ أن يقرأه ولا يفتن به. والعجيب أن «لافونتين» في غير قلمه ~~غر ساذج، أما إذا حمل القلم ليكتب كان اللوذعي الحاذق المتعمق البصير بطبائع ~~البشر، وهو في هذا شبيه بأديب إنجليزي سنحدثك عنه في القرن الثامن عشر، ونعني ~~به «أوليفر جولد سمث». # 17 # ونسوق لك فيما يلي مثلا من «حكاياته الخرافية»: # بلاط الأسد # صاحب الجلالة الأسد يوما أراد # أن يعلن، على أي الشعوب حكمته السماء سيدا؛ # فأرسل الرسل ينادي # تابعيه من كل جنس، # باعثا في أرجاء ملكه بكتاب، # وعليه خاتمه، ومضمون الخطاب # أن الملك سيعقد خلال شهر # مجلس البلاط كاملا وستكون الفاتحة # وليمة عظيمة باذخة، # يتبعها من القرد ألعاب! # فبمثل ms0603 هذا الحفل العظيم # سيعرض الأمير ماله على الرعية من نفوذ، # وقد دعاهم إلى قصره # ويا له من قصر! مخزن فيه الأشلاء مكدسة، # تنبعث منها الرائحة إلى الأنوف، فزم الدب خيشومه، # ألا ما كان أغناه عن مثل هذا الزم، # فقد عاد عليه بالويلات؛ إذ استشاط الملك غيظا، # فأرسل الدب إلى «رب الجحيم» يتقزز بين يديه، # واهتز القرد من طرب لهذه القسوة الصارمة، # وامتدح غضبة الأمير عن رياء مفرط، # كما أعجبه من الأمير مخلب وعرين ورائحة، # ولم تكن الرائحة عنبرا ولا وردا، # لكن رياءه الأحمق لم يصب نجاحا، بل لقي شر الجزاء، # وكان السيد الأسد بهذا # شبيها «بكالجولا». # وكان الثعلب على مقربة، فقال له مولاه: ~~«وأنت، ماذا تشم؟ خبر، تكلم ولا تخف شيئا!» # فاعتذر الثعلب من فوره، # متمارضا بالزكام الشديد، وليس في وسعه الحكم # بغير عضو الشم، وجملة القول أن تخلص الثعلب. # فليكن لك ذلك عبرة: # إن أردت في بلاط الملك أن تصادف القبول، # فلا تخلص الحديث ولا تمعن في نفاق مرذول، # وحاول ما استطعت أن تجيب بما فيه النجاة. # وقد نظمها محمد عثمان بك جلال فقال: # أرسل السبع إلى أهل الجبل # فأتى كل إليه ودخل، # ومغار السبع هذا جامع # رمة الجدي على لحم الجمل، # ورءوسا من عظام نشرت، # وجسوما من بقايا ما أكل. # دخل الدب ودارى أنفه # من أذى رائحة فيها ثقل # فرآه السبع في أحواله # معجبا فاغتاظ مما قد حصل! # عضه بالناب عضا مفرطا، # وله في محضر القوم قتل! # فرآه القرد مفري الحشا؛ # فاعتراه الخوف من هذا العمل، # أخذ التمليق في أقواله # كلها خوفا على فقد الأجل! # قال: «ذي رائحة ممدوحة، # وكذاك الورد مؤذ بالجعل، # لم أجد للروض نفحا مثلها، # لا ولا للند نشرا في الجبل. # منزل السلطان مسك عرفه، # ولقد طاب الذي فيه دخل.» # وعلى كل فلم ينجح بما # زاد في إطنابه فوق الأمل، # ظنه السبع به مستهزيا؛ # فتوضا من دماه واغتسل؛ # ثم قام السبع يمشي بينهم، # فرأى الثعلب يزهو بالحيل، # قال يا ثعلب! قل لي ما ترى، # كيف ms0604 ريح الغار؟ قال: لا تسل؛ # فإلى السلطان أنفي اشتكى # لزكام فيه من أمس نزل، # فعفا عنه وولى خارجا # يوسع الأصحاب ضربا بالمثل؛ # جانب السلطان واحذر بطشه # لا تعاند من إذا قال فعل ~~(2) الأدب المسرحي # لا يسعنا ونحن نروي قصة الأدب في العالم أن نهمل طائفة من رجال الأدب المسرحي في ~~فرنسا في القرن السابع عشر، كان لهم الفضل في شق الطريق ووضع الأصول. فنبدأ ~~الحديث «بكورني» الذي يعد أبا المأساة الاتباعية في الأدب الفرنسي، ولكننا لا ~~نبدأ القول في «كورني» حتى نوضح للقارئ أسس المأساة الاتباعية (الكلاسيكية) التي ~~تنسب الأبوة فيها لهذا الكاتب العظيم. # المأساة الاتباعية تنسج على منوال المسرحية اليونانية وتقوم على مبادئ أرسطو التي ~~فصلها في كتابه عن الشعر، هذا من الوجهة النظرية، أما من الوجهة العملية فقد سارت ~~المأساة الاتباعية على نهج المآسي اللاتينية التي خلفها «سنكا»، والتي تمثل ~~المبادئ اليونانية في صورة جافة متطرفة، مع التجاوز عن نقطتين لم يذهب فيهما ~~شعراء القرن السابع عشر مذهب القدماء؛ الأولى: عناية هؤلاء المحدثين بإدخال عنصر ~~الحب في مسرحياتهم، وهو عنصر كادت تخلو منه المسرحية في الآداب القديمة، والثانية: ~~إهمالهم للجوقة التي كانت جزءا هاما في المسرحية القديمة، والتي كانت وسيلة ~~الكاتب للتعليق على الحوادث، وإنما أهمل المحدثون الجوقة وأسقطوها من مسرحياتهم لما ~~رأوا عبئا يعطل سهولة السياق وسلاسته. # استثن - إذن - هاتين النقطتين اللتين اختلف فيهما المحدثون عن نماذج القدماء، ~~ثم قل بعد ذاك إن المسرحية الفرنسية في القرن السابع عشر اقتفت أثر «سنكا» في كل ~~شيء، فكانت «أرستقراطية» مادة وقالبا، موضوعا وأسلوبا، فتستمد موضوعها من أمجد ~~ما خلد التاريخ وما روت الأساطير، وبخاصة تاريخ اليونان والرومان وأساطيرهم، ~~وتختار أشخاصها رجالا عمالقة يسمون برءوسهم فوق مستوى العامة، وما دام الموضوع ~~والأشخاص على هذا النحو من العظمة والجلال، فلا بد أن يكون الأسلوب فخما رنانا ~~ينم عن البطولة السامقة، ولا بد أن تكون الألفاظ من أول الرواية حتى ختامها مختارة ~~منتقاة بعيدة عن ألفاظ الحديث الدارج المألوف المبتذل، وفي هذه ms0605 المسرحية ~~الاتباعية ترى الخطب الطويلة القوية تأخذ مكان الحوار الطبيعي والعمل والحركة، ~~فالمذهب الاتباعي يرفض أن يقع على المسرح فعل عنيف كالقتال والقتل. نعم قد يكون ~~في صلب الرواية حادثات مثيرة مروعة، لكنها لا تمثل على المسرح، إنما تروى ~~للنظارة نبأ من الأنباء، وهذا في حد ذاته عامل جديد يزيد من ضرورة العبارة الفخمة ~~القوية. فإذا لم ترد لنظارتك - مثلا - أن يشهدوا مصرع بطل أو معركة عنيفة أو ~~مبارزة تشتد فيها الحماسة وتشتعل، فلا أقل من أن تروي لهم هذه الحوادث بأسلوب ~~رنان يعوض ما فقدوه، ومن هنا اشتدت عناية المأساة الاتباعية ببلاغة الأسلوب على ~~حساب العنصر المسرحي الحقيقي، وهو الحركة والعمل. كذلك كان من خصائص المسرحية ~~الاتباعية التوحيد، فإن كانت مأساة فيجب ألا يدخلها غير الأسى من الفاتحة إلى ~~الختام، ولا يجوز أن تخفف الفواجع بالهزل والنكات. وأخيرا عنيت المسرحية الاتباعية ~~بالوحدات الثلاث عناية كبرى، وقد وضحنا معنى هذه الوحدات الثلاث في موضع سابق من ~~هذا الكتاب، لكنا نعود فنوجز شرحه ليتضح معنى ما نريد، فالوحدات الثلاث المشهورة في ~~الأدب المسرحي، هي وحدة الزمان ووحدة المكان ووحدة العمل، أما وحدة المكان فتشترط ~~أن تقع حوادث الرواية كلها في مكان واحد، وكلما ضاقت حدود هذا المكان الواحد كانت ~~الرواية ألصق بأصول المذهب الاتباعي، كأن تقع الحوادث في حجرة واحدة مثلا، على ~~أن ذلك متعذر بل مستحيل في كثير من الأحيان؛ ولهذا يتجاوز الاتباعيون فيه ~~قليلا فيجيزون أن تقع الحوادث في منزل ذي غرف عدة، أو في مدينة بأسرها. وأما ~~وحدة الزمان فتشترط أن تقع حوادث الرواية في أربع وعشرين ساعة، وقد يتجاوز ~~الاتباعيون في هذا أيضا، فيجعلون زمان الرواية نهارين بينهما ليل واحد أو نحو ~~ذلك. وأما وحدة العمل فيراد بها أن يكون في الرواية حبكة واحدة، أو سلك واحد ~~للحوادث، ولا يجوز أن تتداخل حبكتان في رواية واحدة. # واتباع مذهب الوحدات الثلاث يؤدي إلى بعض النتائج في تأليف الرواية المسرحية، ~~منها ضرورة البساطة في الموضوع المختار، حتى لا تتطلب ms0606 حوادثه أكثر من مكان واحد، ~~وأكثر من يوم واحد. وبساطة الموضوع تقتضي بدورها قلة عدد الأشخاص في الرواية. ومن ~~هنا كان من أبرز خصائص المسرحية الاتباعية قلة أشخاصها، وتمتع كل شخص بقسط أوفر ~~من عناية الكاتب. ومنها أنه لما كان متعذرا أن تجد حادثة هامة تبدأ أسبابها ~~وتنتهي نتائجها في يوم واحد، كان لزاما على الكاتب أن يأخذ من الحادثة المختارة ~~نتائجها مهملا أسبابها، فيعرض على نظارته الختام دون البداية. ولعلك تدرك أن هذه ~~الخصائص: قلة الأشخاص وتصويرهم في موقف واحد من مواقف الحادثة، واستبعاد الحركة ~~والعمل من المسرح، والاكتفاء بالأخبار عما يفرض وقوعه من الحوادث؛ لعلك تدرك أن ~~هذه الخصائص تفقد الرواية قوة الحياة، ومن هنا كانت المسرحية الاتباعية جامدة ~~ساكنة تخلو من النمو والتطور، تنظر إليها ممثلة فتكون أقرب إلى لوحات مرسومة من ~~حياة نامية متطورة في حركة دائمة. # تلك قيود يرفضها الذوق الأدبي الحديث، ولكن في مثل هذه القيود كتب كاتبان من ~~أعظم رجال المأساة في آداب العالم، هما «كورني» و«راسين». ~~(2-1) كورني # Corneille ~~(1606-1684م) # ولد «بيير كورني» في «روان» # 18 # من أسرة اشتغل كثير من أبنائها في القضاء، فدرس القانون في كلية ~~يسوعية في بلده، وتخرج فيها محاميا، لكنه ~~لم يلبث أن ترك المحاماة لينصرف إلى أدب المسرح، بعد أن طبعه الاشتغال بالقانون ~~بطابع لازمه في مسرحياته، تراه واضحا في المناقشات والمرافعات التي تصادفك ~~هنا وهناك. # بدأ حياته المسرحية بملهاة «مليت»، # 19 # التي أخرجها وهو في الثالثة والعشرين من عمره، وصادفت نجاحا كان ~~أكبر حافز له على المضي في طريق الأدب المسرحي، ولفتت إليه أنظار وزير فرنسا ~~الأكبر «ريشيلو»، فجعله واحدا من خمسة شعراء استخدمهم لتنفيذ سياسته، لكن ~~«كورني» لم يتحرج يوما من نقد الوزير، فكان في ذلك ختام ما بينهما من صلة، ~~وكان ذلك سنة 1634م إذ بلغ شاعرنا الثامنة والعشرين من عمره، ثم لم يمض على ~~ذلك الحادث عام واحد، حتى أخرج أولى مآسيه «ميديه»، # 20 # ثم عام آخر حتى ارتجت باريس لمأساته العظيمة ms0607 «السيد»، # 21 # التي تعد باكورة ما أثمرت المدرسة الاتباعية من آيات. # استمد «كورني» موضوع «السيد» من مسرحية إسبانية كتبها عن ذاك البطل كاتب ~~يدعى «دي كاسترو»، لكن الرواية في أصلها الإسباني أبعد ما تكون عن الأصول ~~الاتباعية التي بسطناها منذ قليل، فهي كثيرة الشخصيات دائمة الحركة، ولا تقيد ~~نفسها بقيود الوحدات الثلاث؛ فلكي يجعلها «كورني» صالحة متمشية مع قواعد ~~المذهب الاتباعي الذي كان يتحكم في الأدب الفرنسي في القرن السابع عشر، أخذ ~~يشذب أطرافها، فيقلل من حوادثها ومن أشخاصها، بحيث لا يبقي من الأشخاص ~~والحوادث إلا ما يمس الموضوع الرئيسي مسا مباشرا، وحذف ما يضطره إلى إحداث ~~العمل أمام نظارته، فاستبدل بالمعركة التي تنشب بين البطل وبين الجيش العربي ~~خطبة طويلة يصف فيها «السيد» - البطل - ما دار في تلك المعركة. وقيد كورني ~~روايته بحدود المكان والزمان، فمكانها واحد وزمانها يوم، ومع ذلك الجهد كله في ~~التغيير والتحوير لم يوفق كورني في جعل مسرحيته اتباعية خالصة، وظلت فيها ~~عناصر لا تتمشى مع قواعد هذا المذهب، فلم يسع المجمع الفرنسي الذي كان له ~~الإشراف على الحركة الثقافية والأدبية كلها إلا أن ينقدها ويبين مواضع الخطأ ~~والضعف فيها، فقد سمح «كورني» لنفسه أن يجعل والد البطلة «شيمين» # 22 # يصفع والد البطل «السيد» على مرأى من النظارة، وفي هذا خروج على ~~قواعد الاتباع، وفضلا عن ذلك فقد جعل «كورني» زمان روايته يوما واحدا، ~~لكنه سرد من الحوادث ما يستحيل أن يقع في يوم واحد، فخرج بذلك على وحدة الزمان ~~بمعناها الصحيح. هكذا وجهت الهيئة الأدبية الرسمية نقدا «رسميا» إلى رواية ~~«السيد»، لكن ذلك لم يحل دون نجاحها الباهر، غير أنه في الوقت نفسه علم ~~«كورني» درسا أن يكون فيما يلي من مآسيه أكثر عناية وأشد حذرا، حتى لا يخرج ~~على المذهب الأدبي المقرر مثل هذا الخروج! # نعم تعلم «كورني» مما لقي من نقد المجمع الفرنسي لرواية السيد أن يكون أشد ~~«اتباعا» مما كان، وذلك ما وفق إليه في مآسيه الأربع «هوراس» # 23 # و«سنا» # 24 ms0608 # و«بوليكت» # 25 # و«موت بومبي»، # 26 # وحسبك أن تطالع هذه الروايات الأربع مع روايتين أخريين هما «نيكوديم»، # 27 # و«الكذاب» # 28 # لترى «كورني» في أعلى ذراه، وهذه المسرحية الأخيرة «الكذاب» ملهاة، ~~وهي خير ملهاة شهدها المسرح الفرنسي قبل موليير. بهذه المسرحيات الجيدة ~~الرائعة بلغ «كورني» مجده الأدبي، فلم تمض سنوات قلائل حتى عين عضوا في ~~المجمع الفرنسي، وكان له من العمر إذ ذاك إحدى وأربعون سنة، فتم له بذلك كل ما ~~يرجوه أديب أو عالم من عظمة ومجد. وبينا هو يتمتع بكل هذه المكانة الرفيعة، ~~إذا به يخرج مسرحية جديدة «برثاريت» # 29 # لم تصادف حسن القبول، فكان لفشله صدمة عنيفة في نفسه لم يحتملها؛ ~~فأوى إلى بلده «روان» ليختفي عن الأنظار! وهناك ملأ فراغه بشيئين؛ الأول: ~~إخراج مؤلفاته كلها في طبعة عليها نقد وشرح. والثاني: نظم أثر أدبي جليل ~~ظهر في بواكير النهضة الأدبية في فرنسا، وهو كتاب «محاكاة المسيح» لتومس أكمبس، # 30 # وقضى أديبنا في عزلته ما يدنو من عشر سنوات عاد بعدها إلى الكتابة ~~للمسرح، لكنه لم يستطع قط أن يبلغ القمة التي كان قد بلغها من قبل. # على الرغم من أن «كورني» يعد أبا المأساة الاتباعية في فرنسا، وعلى ~~الرغم من أنه استطاع في «هوراس» و«سنا» و«بوليكت» أن يضرب المثل الأعلى ~~للمسرحية الاتباعية في أدق أوضاعها وأصولها، فقد كان بطبعه يميل بعض الميل ~~إلى الخروج على هذه الأوضاع والأصول التي تقيد الكاتب بأغلالها، فهو بطبعه ~~«ابتداعي» (رومانتيكي) إلى حد ما، ترى ذلك في مأساته «السيد» التي هاجمها ~~المجمع الفرنسي لخروجها على قواعد المذهب الاتباعي، كما تراه في المقدمات ~~القيمة التي قدم بها مجموعة مسرحياته، وهو في عزلته في «روان»، وتراه في ~~مقالات ثلاث كتبها على فن المسرحية، ففي هذه المقدمات والمقالات كانت وجهة ~~نظره أن يتخفف الاتباعيون من قيودهم بعض الشيء، وألا يسرفوا في تطبيق وحدتي ~~الزمان والمكان، فليس حتما أن يكون الزمان يوما واحدا، وليس حتما أن يكون ~~المكان منظرا بعينه لا يتغير. # ومهما يكن من أمر هذه ms0609 النزعة الفطرية عند «كورني» نحو المسرحية الابتداعية ~~والتحلل من قيود الاتباع، فقد أخرج للناس أمثلة بارعة لما تستطيع المسرحية أن ~~تبلغه، وهي في قيود المذهب الاتباعي، وكان محور فنه فيها أن ينصرف بعنايته ~~إلى ما تضطرب به صدور شخصياته من عواطف متضاربة، وبهذا أمكنه أن يستغني عن مجرى ~~الحوادث الخارجية إلى حد كبير - ومع ذلك فقد استخدم في رواياته من الحوادث ~~الخارجة عن نفوس الأشخاص أكثر مما فعل راسين - نقول إن كورني ركز معظم ~~اهتمامه في تحليل ما يدور في نفوس أشخاصه من العواطف المضطرمة والنوازع ~~والدوافع المتعارضة المختلفة، وخصوصا بين ما تمليه العاطفة وما يمليه الواجب، ~~وكان دائما يجعل النصر في مثل هذا الصراع للواجب على العاطفة، ففي «السيد» ~~صراع بين ما يقتضيه الشرف وما يمليه الحب، ينتصر فيه الشرف آخر الأمر، وفي ~~«هوراس» صراع بين ما توجبه الوطنية وما توحي به روابط الأسرة، تنتصر فيه ~~الوطنية آخر الأمر، وفي «سنا» و «نيكوديم» صراع بين المرء ونفسه، ينتصر فيه ~~صوت العقل والواجب على إغراء الرغبة والعاطفة، فكورني يدعو في مسرحياته كلها ~~إلى الشجاعة الأدبية التي تعلو بإرادة الفرد على كل ما عداها من دوافع، والطابع ~~الذي يميز أشخاص مسرحياته - سواء أكانوا ينزعون إلى الخير أو ينزعون إلى الشر - ~~هو أنهم جميعا ذوو نفوس كبيرة تسمو على الطراز البشري المألوف، هم نماذج من ~~الإنسان أعلى من متوسط الإنسان، فهم - لذلك - شواذ بعلوهم، يضعهم الكاتب في ~~ظروف شاذة ليست كالظروف التي تجري بها الحياة كل يوم، فينتج من ذلك أن يكون ~~صراعهم النفسي شاذا فريدا، فالمبالغة - التي هي من خصائص الفن الابتداعي - ~~صفة بارزة في فن كورني. ولما كان ينزع بفطرته إلى القوة والبطولة في أشخاصه، ~~كان بالطبع أجود وأبرع في عرض الرجال وتحليلهم منه في عرض النساء؛ لأن القوة ~~والبطولة تتمثلان في الرجال دون النساء، ولهذا لم يحسن كورني معالجة الحب في ~~رواياته، بل إن من عرضن من النساء عند كورني أقرب إلى الذكورة منهن إلى ~~الأنوثة في أخلاقهن، فهن ms0610 متكبرات طامحات شامخات بأنوفهن إلى السماء راغبات ~~في السيطرة والنفوذ. # لم يكن كورني مطرد الجودة فيما أنتج، فله الجيد وله الرديء، وهو في جيده ~~يعلو حتى لا يلحق في ارتفاعه، وفي رديئه يسفل حتى يزدرى، بل إنا في ~~رواياته الجيدة نفسها نراه يزل أحيانا في مواضع لا ترى فيها إلا لفظا ~~رنانا لا هو بالشعر الجيد، ولا هو بالحوار الحي الصالح للمسرحيات، ومن ~~نواحي ضعفه أنه كثيرا ما يستطرد في مناقشات دقيقة عميقة يجريها على ألسنة ~~قوم لا تحتمل شخصياتهم مثل تلك الأمور الذهنية المجردة، لكنك - رغم هذا كله - ~~تقرأ مسرحياته الجيدة فتراه إذا ما سطعت فيه شعلة النبوغ أبدع وأجاد، وفي هذه ~~اللمعات الخاطفة يقول صديقه موليير: «إن لصديقي كورني شيطانا يهبط عليه آنا ~~بعد آن فيهمس له بأروع ما يعرفه العالم من شعر، لكن شيطانه هذا قد يهجره ~~أحيانا، وعندئذ تراه فيما يكتب لا يفضل أحدا من الناس.» ~~(2-2) راسين # Racine ~~(1639-1699م) # ولد «جان راسين» الذي كان يصغر منافسه ~~العظيم كورني بنيف وثلاثين عاما في بلد قريب من «سواسون». # 31 # وماتت أمه ثم مات أبوه وهو لم يزل في طفولته، فكفله جداه وربياه ~~تربية كاملة، حتى أتم دراسته. ولبث بضع سنوات وهو في حيرة أي طريق يختار في ~~حياته. أما ذووه فقد أرادوا له وظيفة دينية تدر عليه كسبا منظما. وأما هو ~~فكان بطبعه نفورا من مثل هذا، وأخيرا شاء له الحظ الباسم أن يبل الملك من ~~مرض ألم به، فكتب شاعرنا قصيدة في ذلك صادفت إعجابا، فأجرى عليه راتبا ~~يكفيه، وكان له إذ ذاك خمسة وعشرون عاما من عمره. وفي السنة نفسها أخرج رواية «تبائيد»، # 32 # ثم لبث بعدها ثلاثة عشر عاما يخرج الرواية تلو الرواية. وكان ~~«راسين» يحظى عند الملك وتابعيه بمكانة ممتازة، أما عند الخبيرين بالنقد ~~الأدبي، فكان هو وكورني يتنافسان في الزعامة؛ ففريق يؤثر هذا وفريق يفضل ذاك. ~~ومن بين مآسيه «الإسكندر الأكبر» و«أندروماك» التي ارتجت لها باريس كما ~~ارتجت منذ إحدى وثلاثين سنة ms0611 لرواية كورني «السيد»، فقد ظهرت في هذه الرواية ~~خصائص راسين ودلائل نبوغه، وأعقب هذه المأساة ملهاة «المترافعون»، # 33 # التي سخر فيها بالقانون سخرية لاذعة، ثم أخرج بعد هذه الملهاة ست ~~مآس «برتانكيس» # 34 # و«برينيس» # 35 # و«بايازيد» # 36 # و«متريدت» # 37 # و«إفجينيا» # 38 # و«فيدر». # 39 # وفشلت هذه الأخيرة حينا، فاضطربت لهذا الفشل نفسه الحساسة التي لم ~~تكن تحتمل النقد، فنفض يديه من الأدب المسرحي، وتزوج وعاش عيشا هادئا دام ~~عشرين عاما، ولم يكتب بعد ذاك إلا روايتين تصطبغان بصبغة دينية، كتبهما ~~بدعوة من «مدام دي مانتنون» # 40 # لتمثلهما الطالبات في معهدها، وهما «إستير» # 41 # و«آتالي». # 42 # كان «راسين» من أولئك الشعراء الذين لم يهبهم الله قدرة الابتكار في ~~الموضوعات، لكنه وهبهم قدرة أخرى في سعة وإفراط، ونعني بها قدرة النسج على ~~منوال موجود والكتابة على غرار مثل ونماذج سبقتهم إلى الوجود، ويحضرنا من ~~هذا الفريق من الشعراء «فيرجيل» في الأدب الروماني القديم، و«بوب» في الأدب ~~الإنجليزي في مستهل القرن الثامن عشر. لهذه الطائفة من الشعراء قدرة عجيبة على ~~تناول النماذج الأدبية بالتعديل والتبديل، بحيث تلائم ملكاتهم، وكثيرا ما ~~يسمون بما ينتجونه عن النموذج المحتذى، فأمثال هؤلاء الشعراء يستحيل وجودهم ~~بغير سلف يضرب لهم المثال، ثم يكاد وجودهم يستحيل كذلك بغير ناقد معاصر يأخذ ~~بأيديهم ويهديهم سواء السبيل، وكان راسين مجدودا في السلف الذي يحتذيه، كما ~~كان مجدودا في الناقد الذي يهديه، أما سلفه الذي شق له الطريق وظل ~~يعبده له ويمهده ثلاثين عاما فهو «كورني»، وأما ناقده المرشد الهادي فهو ~~«بوالو» الذي وهب القدرة على الهداية والإرشاد. # لهذا جاء «راسين» في فن المأساة الاتباعية ماهرا بارعا صناعا، وكانت دقة ~~الصناعة أروع ما فيه، فالقواعد الصارمة التي ضجر بها كورني وأبهظته بعبئها، ~~لاءمت «راسين» وطابقت فنه وميوله، فقد التزمها وراعى أصولها لا كما يلتزم ~~الإنسان قانونا مفروضا عليه من قوة خارجة عنه، بل كما يطيع الفنان رغبة ~~فطرية وميلا طبيعيا يصدر عن النفس في غير حرج ولا ضيق، فلست ترى في مسرحياته ~~تفصيلات ms0612 معقدة وتشعبات مركبة لمجرى الحوادث؛ لأن المثل الأعلى الذي كان يرمي ~~إليه، ووضعه نصب عينيه هو تركيز الانتباه والمجهود في موضوع بسيط لا تتشعب ~~منه الفروع. وعنده أن كثرة الحوادث في مسرحية ما - تلك الكثرة التي يبتكرها ~~الكاتب المسرحي ليظفر بانتباه النظارة - ليست دليلا على خصب الخيال بمقدار ما ~~هي برهان على نضوب العبقرية وإفلاسها، فالشاعر الحق مستطيع - في رأي راسين - أن ~~يمسك من النظارة انتباههم ويسترعي التفاتهم، بحيث لا يفتر ولا يزول خلال فصول ~~الرواية الخمسة «بحوادث بسيطة تؤيدها العواطف الحادة والمشاعر الجميلة والتعبير ~~الرشيق». وبناء على رأيه هذا في المسرحية، تراه يختار لروايته أزمة نفسية ~~واحدة تكون عواطف الأشخاص عنده على أحدها وأرهفها، وتكفي لديها الحادثة ~~اليسيرة لتستتبع الكارثة. ولئن كانت مسرحيات «كورني» تعالج الصراع النفسي الذي ~~تنشب دوافعه في طوية الشخص ودخيلته، دون صراع الشخص مع الحوادث الخارجية ~~المحيطة به، فقد كان «راسين» في هذا الاتجاه أبعد مدى، فالحوادث الخارجية - ~~عند راسين - لا قيمة لها في ذاتها ، وكل قيمتها أنها سبب أو نتيجة لما تضطرب به ~~نفوس أشخاصه من العواطف المصطرعة. ثم يختلف راسين عن سلفه كورني في أنه جعل ~~الحب دافعا رئيسيا في سلوك أشخاصه، ولم ينظر إليه نظرته إلى الحافز الثانوي ~~التافه كما فعل كورني، ولكنه بالطبع لم يقصر الحوافز على الحب، بل أفسح المجال ~~هنا وهنالك لغيره من الدوافع كالولاء والطموح على أنها هي العوامل الثانوية إلى ~~جانب الحب؛ ففي كل مسرحية من مسرحياته مشكلة غرامية، وتكاد مشكلاته الغرامية ~~تتخذ صورة واحدة؛ فشخص يحب شخصا لا يبادله الحب؛ لأنه يحب ثالثا، وما يتبع ~~ذلك الموقف العاطفي المعقد هو موضوع الرواية، لكن هذه المشكلة الواحدة التي لا ~~تتغير في جوهرها تتخذ في الروايات المختلفة صورا متباينة بتفصيلاتها، وقد كان ~~طبيعيا مع هذا الاختلاف بين راسين وكورني في نظرتهما إلى الحب، أن يكون راسين ~~أنجح من سلفه في تصوير النساء، بل لم ينجح راسين في تصويره للرجال بقدر ما ~~وفق وأجاد في تصوير النساء. # وظاهرة أخرى ms0613 نلاحظها في أدب راسين، وهي أنه يميل إلى تصوير الواقع، وهنا قد ~~يختلط الأمر على القارئ، إذ يراه في رواياته يرسم عالما أبعد ما يكون عن هذا ~~العالم الذي نعيش فيه، لكن النظرة الفاحصة سرعان ما ترد الأمر إلى الصواب، ~~فلقد رأينا أن «كورني» ينزع بطبعه إلى اختيار الشواذ، ثم يحيطهم بالمواقف ~~الشاذة، فتكون العواطف الناشئة في نفوسهم عن تلك المواقف شاذة أيضا. أما ~~راسين فيختار من الأشخاص والمواقف والعواطف ما يطابق الطبيعة البشرية، ولا عبرة ~~بعد ذلك بأي الأشخاص والمواقف يختار، إنه لا يميل إلى المبالغة والتهويل اللذين ~~لمسناهما في كورني؛ لأن المبالغة من خصائص الأدب الابتداعي، وراسين اتباعي ~~صميم لحما ودما، فلا مبالغة ولا إسراف في تصوير الناس ووصف ما تجيش به ~~صدورهم، قد يختار راسين موقفا من عهد غابر وأشخاصا انقضى زمانهم، لكن ليتخذ ~~منهم وسيلة يبرز بها الطبيعة البشرية كما نعهدها بقوتها وضعفها، فتحت ستار ~~من الأوضاع التقليدية للمأساة تتبين الحوافز التي تدفع الناس إلى العمل في ~~الحياة الواقعة التي تحيط بنا. # ولعل أكبر عيب في الأدب الفرنسي إطلاقا هو أنه أقرب إلى تصوير النماذج ~~البشرية منه إلى تصوير الأفراد. ولقد قيل - وحقا ما قيل - إن واجب الفن هو أن ~~يصور الجنس في الفرد، أي أن يبلور الكلي في الجزئي، فالفن الصحيح إذ ~~يقدم لك شخصية إنما يقدم لك نوعا بأسره من الجنس البشري ممثلا في تلك ~~الشخصية، ولكن هذه المهمة شاقة عسيرة؛ لأنه ينبغي للفنان أن يعلم أين يقف بين ~~التعميم والتخصيص، فخطأ الأدب الفرنسي عند بعض رجاله هو أنه يسرف في التعميم، ~~ويهمل التخصيص والتشخيص إلى حد كبير. كما أن عيب الأدب الإنجليزي والأدب ~~الألماني هو أنهما - على عكس ذلك - ينصرفان إلى تصوير الفرد الجزئي، فيهملان ~~النوع المتجسد في ذلك الفرد. ولنعد الآن إلى شاعرنا «راسين»، فلو أنك محوت ~~الأسماء من إحدى مسرحياته ووضعت مكانها الألفاظ الدالة على الأنواع، فقلت بدل ~~زيد وعمر وهند «محب» و«أم» و«طاغية» وما إلى ذلك لما تبدل في الرواية ms0614 شيء؛ لأن ~~زيدا وعمرا وهندا لم يكونوا عند الشاعر أفرادا لهم خصائصهم الجزئية المميزة ~~لهم دون سائر الأفراد، بل كانوا رموزا لنماذج وأنواع. قد تقول: ولكني مع ذلك ~~أقرأ راسين فأجدني بإزاء أشخاص لهم فرديتهم مثل «أندروماك» و«هيرميون» و«فيدر» ~~و«أخيل» و«برينيس» و«أتالي»، فكل من هؤلاء «فرد» يتميز من سائر أفراد طائفته، ~~فليست كل «أم» مثل أندروماك، وليست كل «حبيبة» مثل برينيس، وهذا صحيح على ~~اعتبار واحد، هو أن طائفة الأمهات التي منها أندروماك، والتي تميز أندروماك عن ~~سائر أفرادها، إنما تمثل مجموعة من النماذج المختلفة للأمهات، ولا تمثل مجموعة ~~من أفراد مشخصين. وصفوة القول أن «راسين» - كغيره من الأدباء الفرنسيين - ~~يصور بأشخاصه أنواعا فيفقدهم كثيرا من الحياة؛ لأنك تراهم فلا تحس أنهم ~~كصحبتك وجيرتك، لكنك ترى في شيكسبير أشخاصا «كهاملت» و«عطيل» و«فولستاف» ~~فترتبط بينك وبينهم الأواصر كأنهم ناس من الناس؛ وذلك لأن طريق راسين ينعكس عند ~~شيكسبير، فها هنا يستخرج الشاعر من أنماط البشر أفرادا، هو يرى الفرد خلال ~~النوع، ولا يرى النوع خلال الفرد كما فعل راسين. # ولعلنا في هذا الموضع نحسن صنعا لو ~~أجرينا موازنة سريعة بين شيخ المأساة الاتباعية «راسين» وشيخ المأساة ~~الابتداعية «شيكسبير»، ففيها توضيح لمذهبين أدبيين، وفيها تمييز بين الفن ~~الذي ساد في إنجلترا، والفن الذي ساد في فرنسا، فإذا أردنا أن نركز الفرق بين ~~المسرحية عند شيكسبير وبينها عند راسين في كلمتين اثنتين، قلنا إن الأولى ~~طابعها «الشمول» والثانية طابعها «التركيز»؛ الأولى تضم ما استطاعت أن تضمه من ~~أوجه النشاط الإنساني، والثانية تحدد لنفسها غرضا تسير إليه في خط مستقيم ~~لا عوج فيه، الأولى لا تتقيد بوحدات الزمان والمكان والموضوع، والثانية تلتزم ~~هذه الوحدات ولا تحيد عنها. # خذ مثالا لشيكسبير «أنطون وكليوبطره» ومثالا لراسين «برينيس»، والمقارنة ~~بين هاتين الروايتين عادلة؛ لأنهما - على اختلافهما في الطريقة - متحدتان في ~~الموضوع، فكلاهما يعالج محبين لهما مكانة ممتازة، وكلاهما يجعل المأساة في ~~تعارض ما يقتضيه الحب وما تقتضيه ظروف الحياة، وكلاهما تقع حوادثه أيام عظمة ~~الرومان، ويرتب على ms0615 أقدار الأفراد أخطر النتائج بالنسبة للدولة. أما رواية ~~شيكسبير فطافحة بأوجه النشاط الإنساني ومترعة بألوان الحياة على اختلاف ضروبها، ~~تطالعها فتحسب أن الشاعر لم يدع من الدنيا شيئا لم يصوره، فالأشخاص في ~~الرواية مختلفة أنواعهم وطبقاتهم: منهم قادة الجيش، والوصيفات، والأميرات، ~~والقراصنة، والساسة، والمزارعون، والخصيان والأباطرة، ترى في الرواية كل هؤلاء ~~ومئات غير هؤلاء، بل حسبنا أن يكون بعض الأشخاص «كليوبطره» بتعدد جوانبها وتشعب ~~نواحيها، ويستحيل - طبعا - أن يعرض الكاتب لهذا الحشد العظيم من الشخصيات، دون ~~أن يكون إلى جانبها مئات الحوادث، فمأساة «أنطون وكليوبطره» زاخرة بحوادثها، ~~ففيها المعارك والدسائس والزواج والطلاق والخيانة واختلاف الأصدقاء وائتلاف ~~المتخاصمين والموت، وهذا العالم الزاخر بحوادثه يمتد في الرواية على أمد طويل ~~من الزمن، ويشمل رقعة واسعة من الأرض، فترى مشهد الحوادث في الإسكندرية آنا ~~وفي روما آنا آخر، وينتقل إلى أثينا، ثم إلى مسينا. ولقد وقف بعض الناقدين ~~إزاء هذا التغير السريع والانتقال المفاجئ في حوادث الرواية موقف المشفق على ~~«وحدة المكان» أن يصيبها هذا التفكك الشديد، لا سيما أن الشاعر لا يتحرج من أن ~~يعرض عليك منظرا لا يدوم أكثر من بضع دقائق، تشهد فيه جيشا رومانيا يخوض ~~أرض سوريا، فيعد هؤلاء الناقدون ذلك تحديا للوحدات التقليدية لم تبرره ~~الظروف، ناسين أن بمثل هذه النفحات الفنية واللمسات العبقرية استطاع شيكسبير أن ~~يعرض على نظارته صورة قوية للقلقلة التي شملت أرجاء البلاد جميعا، فيحسون ~~انهيار الإمبراطوريات واندثار العروش. # ننتقل الآن إلى رواية راسين «برينيس»، فنرى الأمر كالنقيض مع نقيضه، ~~فالمأساة كلها تقع في غرفة واحدة صغيرة، وحوادث الرواية تتطلب لحدوثها في ~~عالم الواقع زمنا لا يكاد يزيد على زمن تمثيلها ساعتين ونصف ساعة! وأشخاص ~~الرواية عددهم ثلاثة، وموضوع الرواية نقطة بسيطة لا تعقيد فيها ولا تشعب، ~~فعجيب أن يؤلف راسين من هذه المواد القليلة مأساة، وأعجب من ذلك أن يبلغ فيها ~~غاية التوفيق، فاهتمام النظارة بالرواية لا يفتر، والموقف البسيط يبدأ عرضه ~~وتطوره، ثم يبلغ ختامه في سرعة شديدة ودقة فنية بارعة، فالكاتب ms0616 لا يحذف من ~~الموقف عنصرا واحدا من عناصره الرئيسية ولا يضيف إليه عنصرا واحدا ~~ثانويا، وقد حرص راسين كل الحرص ألا يقع في روايته فعل عنيف أو مفارقة أو ~~تعقيد في مجرى الحوادث، وكل اعتماده في التأثير على النظارة إنما ينحصر في ~~طريقة علاجه لعدد قليل من المشاعر الإنسانية يتفاعل بعضها مع بعض، ولا تكاد ~~تحس في الرواية أثرا للعالم الخارجي الواقع؛ ذلك العالم الذي كان لب رواية ~~شيكسبير وصميمها. وكل ما يقدمه إليك راسين من حوادث العالم الخارجي أن يشعرك ~~- بفنه الرائع العجيب - أن وراء الأزمة النفسية الهادئة التي وقعت في تلك ~~الغرفة الصغيرة، مؤثرات في العالم الخارجي تلعب دورها وتفعل فعلها، فالقوة التي ~~فصلت بين الحبيبين أمر من أولي الأمر، وواجب للدولة يجب أداؤه، فإذا ما جاءت ~~الساعة الفاصلة رأيت المحب «تيتس» يتردد قليلا، ثم يختار لنفسه أداء واجبه ~~مؤثرا ذلك على بقائه إلى جانب حبيبته، وما الحافز له في اختياره إلا كلمة ~~واحدة ينطق بها هي «روما»، فبهذه الكلمة الواحدة يستغنى عن الخروج بك من الغرفة ~~الضيقة إلى العالم الفسيح الذي يجول بك شيكسبير في رحابه. # وليس من شك في أن رواية راسين دون رواية زميله جلالا، لكن ذلك لا ينفي أن ~~تفضل الرواية الفرنسية زميلتها الإنجليزية في بعض النواحي، فهي أفضل منها في ~~قابليتها للتمثيل على المسرح، فلا تزال «برينيس» تعرض على رواد المسرح في ~~نجاح عظيم. أما «أنطون وكليوبطره» فمحال أن تعرض على المسرح بكل جمالها ~~وجلالها، فلا بد لتمثيلها من حذف هنا وتبديل هناك، بل لا بد من إعادة تنظيم ~~عناصرها لكي تصلح للتمثيل، ثم هي بعد كل هذا الحذف والتبديل وإعادة التنظيم لا ~~تترك في النظارة إلا أثرا لخليط مهوش من فخامة وجلال، وما المشكلة هنا إلا ~~محاولة وضع رطلين في زجاجة لا تسع إلا رطلا واحدا! فمحال أن تضع عالما ~~فسيحا على مسرح ضيق محدود، أما «برينيس» فرطل واحد يوضع في زجاجة تسع ~~رطلا واحدا! فقد قيست عند تأليفها بمقياس المسرح وما ms0617 يقتضيه، وإنها لمتعة ~~عظيمة أن تشهدها ممثلة؛ لأنك إنما تشهد فيها جمالا رائعا لا تشوبه شائبة من ~~نقص أو تشويه. # ولا نحب أن نطوي الحديث عن راسين قبل أن نعرض موجزا لعناصر «أندروماك» التي ~~لم يكد يخرجها في الثامنة والعشرين من عمره، حتى ارتفع إلى أوج الشهرة الأدبية، ~~ففي الرواية أربعة أشخاص: رجلان وامرأتان، يسيطر على كل منهم شعور قوي ~~محدود المعالم، فأندروماك - زوجة هكتور - لا تزال في شبابها الغض اليانع، ولا ~~تعنى في هذا العالم كله إلا بشيئين، خرصها على ابنها «أستياناكس»، # 43 # واحتفاظها بذكرى زوجها، والزوج والابن كلاهما أسير في قبضة «بيروس»، # 44 # الذي حارب طروادة وغزاها، وهو أمير قاس غليظ، أحب أندروماك على ~~الرغم من تعاقده مع «هيرميون» على الزواج، وهيرميون هذه امرأة جبارة تكاد تذوب ~~غراما بخطيبها «بيروس» الذي صرفه عنها حبه لأندروماك. وكان «أورست» في الوقت ~~نفسه يحب هيرميون، لكنها لا تبادله الحب، تلك هي عناصر المأساة كأنها المواد ~~المتفجرة تنتظر شرارة ليشتغل أوارها، وقد كانت هذه الشرارة حين أعلن «بيروس» ~~معشوقته أندروماك أنها إذا لم تقبل الزواج منه فتك بابنها الأسير، فلا يسع ~~أندروماك إلا أن تذعن، معتزمة بينها وبين نفسها أن تزهق روحها عقب الزواج، ~~وبهذا تصون ابنها وشرف زوجها في آن معا، هنا تلعب الغيرة بهيرميون؛ لأن ~~خطيبها أوشك أن يتزوج من سواها، فأسرت إلى «أورست» الذي يهيم بها أنها لن ~~تترد في قبوله زوجا إذا هو قتل خطيبها الغادر «بيروس»، فما هو إلا أن ينفذ ~~«أورست» ما طلبت إليه حبيبة فؤاده أن يعمله ويقتل بيروس ضاربا بالصداقة والشرف ~~عرض الحائط، وهنا تشهد منظرا رائعا مروعا، لعله أبدع ما جرت به يراعة ~~الشاعر، ترى فيه هيرميون التي أوحت بقتل حبيبها «بيروس» قد أخذها الذعر ونال ~~منها الهلع؛ إذ رأت ذاك الحبيب قد مات فعلا، فانقضت على القاتل «أورست» - ~~متجاهلة أنها هي دافعته إلى فعلته الشنعاء - وصاحت في وجهه صارخة في صوت ~~يدوي: «من قال لك اقتله؟» ثم تندفع خارجة لتقتل نفسها بيدها، ms0618 وتنتهي الرواية ~~بأورست واقفا على المسرح، وقد طار صوابه ومسه الجنون. ~~(2-3) موليير # Molière ~~(1622-1673م) # حدثناك عن المأساة الفرنسية في القرن ~~السابع عشر وكاتبيها العظيمين «كورني» و«راسين». وبقي أن نحدثك عن الملهاة ~~ممثلة في أعظم رجالها في فرنسا، بل في التاريخ الحديث بأسره. # ولد «جان بابتست بوكلان» # 45 # في باريس من أب يشتغل بالتجارة في سعة ويسر، ~~هيأ لابنه نشأة صالحة وتعليما متينا في ~~كلية الجزويت في «كليرمون» حيث درس الطالب عيون الآداب القديمة، كما درس ~~الفلسفة على فيلسوف معاصر هو جاسندي، # 46 # وقد عرف هذا الفيلسوف بجرأة نادرة في التفكير، فلعله هو الذي ~~أوحى إلى أديبنا بما عهدناه فيه من تفكير حر، ثم إلى تعاليمه يرجع الفضل في ~~ميل الأديب نحو مناقشة المسائل الفلسفية في سخرية ممن يقيمون المعارك حول ~~اختلافات سخيفة تافهة. # وقد أريد لجان أول الأمر أن يخلف أباه ~~في مهنته أو أن يشتغل بالقانون، ولكن تأثير المسرح في نفسه كان أقوى مما أريد ~~له، فلم يكد يشب ويجاوز سن الوصاية، حتى كان له من إرث أمه ما أغناه عن ~~التفكير في احتراف التجارة أو الاشتغال بالقانون. والتحق بالمسرح ممثلا، وأطلق ~~على نفسه إذ ذاك اسما مستعارا هو «موليير» الذي يعرف به حتى اليوم، وقد شارك ~~أسرة يشتغل أفرادها بتمثيل الملاهي في استئجار ملعب أقاموا على أرضه مسرحا، ~~لكن المسرح انتهى إلى فشل؛ فاضطر «موليير» وشركاؤه أن يغادروا باريس ليجولوا في ~~أرجاء البلاد. ولبثوا في تجوالهم هذا اثنى عشر عاما، شهد موليير خلالها ~~ألوانا من الحياة، وصنوفا من التجارب، وتعلم أثناءها أصول الفن المسرحي من ~~ناحيته العملية الخالصة، فهو لم يكن يكتب إذ ذاك ليرضي نقدة الأدب، بل كان ~~يكتب ليمتع النظارة وكفى. ومن بواكير إنتاجه في هذه المرحلة مسرحيتان أقرب إلى ~~التهريج، تنقصهما دقة الفن وبراعته، ولكنهما يبشران بالقدرة والنبوغ، ثم أخرج ~~اثنتين أخريين في هذه المرحلة التدريبية أيضا دنا بهما من فنه الصحيح وهما «المشدوه» # 47 # و«إحنة الغرام». # 48 # فلما بلغ عامه السادس والثلاثين عاد ms0619 من تجواله إلى باريس، حيث اشترك في تمثيل ~~رواية «نيكوديم» لكورني في حضرة الملك فظفر بإعجابه، وأصبح على رأس فرقة ~~تمثيلية لها مكانة عالية في القصر وفي سائر باريس. ولما أقبل العام الجديد ~~استهل حياته في الأدب المسرحي الكامل برواية «المتحذلقات المضحكات» # 49 # سخر فيها من أرباب التكلف وأصحاب «الصالونات» الأدبية التي كانت ~~عندئذ في طريقها إلى الزوال ليحل محلها القصر، ومن ثم بدأ «موليير» حياة ~~خصبة منتجة، فرغم اشتغاله بإدارة المسرح ورغم اشتراكه في التمثيل، استطاع أن ~~يخرج في خمسة عشر عاما بقيت له من حياته ثماني ~~وعشرين رواية، أي بنسبة روايتين في كل عام، ~~فلم تحتمل بنيته الضعيفة هذا المجهود المتواصل المضني، فجاءته المنية فجأة ذات ~~مساء من فبراير سنة 1673م، إذ نزلت به النازلة وهو يمثل دوره في آخر رواياته ~~«المريض الموهوم». # 50 # ونحن إذ نستعرض سيرة «موليير» لا بد لنا من الوقوف في حياته عند نقطتين كان ~~لهما في إنتاجه أثر عميق، الأولى زواجه من «أرماند بيجار » # 51 # الجميلة اللعوب، فقد كان لسلوكها ولغيرته أثر ملحوظ في طريقة ~~تصويره للنساء في أدبه، فقد نظر إليهن بعين الناقم الساخط، خصوصا حين أخذ ~~يصور «سليمين» # 52 # في رواية «كاره البشر» # 53 # التي يقال إنه يصور جانبا من نفسه في «ألسست» بطل هذه الرواية، ~~ويمثل زوجته في «سليمين». والثانية علاقته الوثيقة بالملك، فقد أثرت في أدبه ~~أثرا طيبا وأثرا غير طيب، أما الأثر الطيب فهو أن الملك أظله بحمايته من ~~أعدائه الكثيرين الذين ثارت عليه نفوسهم من سخريته اللاذعة بهم، فمكنه بتلك ~~الحماية أن يمضي في رسالته الأدبية وهي نقد المجتمع في عصره، وأما الأثر غير ~~الطيب فهو أن الملك كان يضطره حينا بعد حين أن يهمل ما هو مشتغل به ليكتب ~~للقصر رواية في هذه المناسبة أو تلك، فكان هذا العمل التافه عائقا له عن ~~الإنتاج الفني الرفيع. # وتستطيع أن تقسم نتاج موليير إلى قسمين: مسرحيات خفيفة يسود فيها الصخب ~~والتهريج، ويراد بها الإضحاك، وملاه عظيمة عنيت بتصوير ms0620 أشخاص. وليس هذا ~~التقسيم بالجامع المانع الدقيق، فقد تجد من الروايات ما يقف من هذين القسمين ~~بين بين، فهو من هذا ومن ذاك على السواء، مثل رواية «جورج داندان» # 54 # و«السيد البورجوازي»، # 55 # وقد تجد كذلك روايات لا تدخل في هذا القسم ولا ذاك مثل رواية «نقد ~~مدرسة النساء» # 56 # ورواية «مسرحية فرساي المرتجلة»، # 57 # فليست هاتان الروايتان تهريجا صاخبا لإضحاك النظارة، ولا هما ~~تصويرا لأشخاص، ولكنهما بمثابة دفاع جدلي يوجهه إلى ناقديه ليفند به ~~آراءهم، ويؤيد وجهة نظره، فلهما من أجل هذا شأن خطير؛ لأنهما يبصراننا بنظراته ~~في الفن المسرحي. # فأما ملاهيه المضحكة فطافحة باللهو والمسرح تستخرج الضحكات من أعماق القلوب ~~وإن تكن تفحش بنكاتها أحيانا، ولكنك تتبين في غير عناء - وسط الضحكات المرحة ~~والنكات الفكهة - الساخر الذي يريد بسخريته إصلاح المجتمع وتقويم مفاسده، ومن ~~أمثال هذا الضرب من ملاهيه رواية «الزواج بالإكراه» # 58 # و«الطبيب رغم أنفه» # 59 # و«مسيو دي بورسونياك». # 60 # لكن عظمة موليير لا تتجلى على أتمها وأكملها إلا في الطائفة الثانية من ~~ملاهيه، الملاهي النفسية التي يصور بها أشخاصه، فبهذه المجموعة من ملاهيه استحق ~~أن يحشر في زمرة الخالدين. وتختلف «الملاهي النفسية» عن «الملاهي المضحكة» في ~~أنها تقيم الفكاهة على أساس من الجد، وتحمل في طي نكاتها فكرا عميقا ~~رصينا، وتعمق فيها العاطفة، بحيث تبلغ حدا قد تتحول عنده الملهاة إلى مأساة ~~على غير وعي من المشاهدين، وهي فضلا عن ذلك تقصد إلى غرض تهذيبي، فقد شاهد ~~موليير من حوله التوافه والسفاسف يهتم لها الناس، فحلا له أن يهزأ بها في مرح ~~ولهو، لكنه شاهد إلى جانب تلك التوافه شرورا خطيرة تنال من المجتمع في صميمه، ~~فهم بردها وتقويمها بهذه الملاهي النفسية التي أشرنا إليها، ومن أمثلة هذا ~~النوع «مدرسة النساء» # 61 # و«تارتيف» # 62 # و«دون جوان» # 63 # و«كاره الإنسان» # 64 # و«البخيل» # 65 # و«النساء العالمات». # 66 # يشغل موليير في الأدب الفرنسي المكانة التي يشغلها «سيرفانتيس» في إسبانيا، ~~و«دانتي» في إيطاليا، و«شيكسبير» في إنجلترا، فليس مجده بمقتصر على ms0621 حدود أمته ~~وقومه، ولكنه أديب عالمي يخاطب العالمين، فشأنه شأن هؤلاء الأعلام يلخص في ~~شخصه مقومات جنسه، ثم يخرج على حدود المكان واللغة ليبسط سلطانه على قلوب الناس ~~أجمعين، فهو عند غير الفرنسيين أديب فرنسا الفذ، وإمامها المعبر عن روحها ~~غير منازع في إمامته، وهنا قد تأخذ المستعرض حيرة أي الأديبين جدير بهذه ~~المكانة؟ زعيم المأساة راسين أم زعيم الملهاة موليير؟ فالحق أننا لو وضعنا ~~خصائص الرجلين في كفتي الميزان لتعذرت الموازنة؛ فليس يسيرا أن تحكم لأيهما ~~الرجحان، أهو لموليير في اتساع أفقه وتنوع إنتاجه والحياة النابضة في ملاهيه، ~~أم هو لراسين لجودة شعره وبراعة فنه التي بلغت أوج الكمال دقة وإحكاما في ~~مآسيه؟ إنه من رأي «ليتون ستراتشي» # 67 ~~- الأديب الإنجليزي المعاصر - أن راسين هو الخاسر في هذه الموازنة، ~~وهو خاسر بسبب كمال فنه ودقة إحكامه! فقد انتهى به ذلك الكمال الفني وهذا ~~الإحكام الدقيق إلى أن يكون نتاجه فرنسيا خالصا، بحيث يكاد يستحيل على غير ~~الفرنسي أن يتذوقه إلى حده الأقصى، وأما موليير فهو الراجح الرابح في هذه ~~الموازنة بسبب تهاونه في فنه بعض التهاون، بل بسبب ما في فنه من نقائص وعيوب! ~~فهو أقل تزمتا من زميله في الأخذ بقواعد المذهب الاتباعي؛ لأن طبيعته الفياضة ~~الدافقة أوسع وأشمل من أن تنحصر في هذا القالب الضيق الحدود، فهو يغمر بفنه كل ~~ما يستثير الفكاهة من العواطف البشرية، لا تفلت منه دقيقة ولا جليلة، وينغمس في ~~خضم الحياة وينظر إليها عن كثب، فجاء فنه حيا، لكن أعوزته الصناعة ~~المحكمة المحبوكة التي تميز بها راسين، فلغته لا تخلو من الخطأ ونظمه يقرب من ~~النثر، ونثره يحاول أحيانا أن يحاكي الشعر في إيقاعه، فلا غرابة أن قال عنه ~~الاتباعيون المتزمتون في القرن الثامن عشر إن بناءه الضخم قائم على أساس من ~~الطين، ولكن هذا «الطين» في بنائه الفني هو الذي ربط الصلة بينه وبين الأرض ~~المألوفة، فتوثقت العلائق بينه وبين أهل هذه الأرض أجمعين. # وحسبه فخرا أنه خالق «الملهاة الفرنسية» في ms0622 أكمل صورها، فقد كانت الملهاة ~~قبله صخبا للإضحاك، فصنع لها موليير ما صنعه راسين للمأساة، وذلك أنه سما بها ~~إلى مرتبة الفن الرفيع، فهو أول من تبين في جلاء كيف يمكن أن تستخرج آيات ~~فنية جميلة من نسيج الحياة اليومية المألوفة؛ فموضوع الملهاة عنده مستمد من ~~صميم الحياة من الدعاوى الفارغة التي يتشدق بها الأغنياء، من غرور الشعراء ~~والفلاسفة ورجال القانون، من طوائف الشبان، من الأطباء في جهلهم وادعائهم العلم ~~بما يجهلون، من رجال الدين ونفاقهم، من طموح جماعة الأثرياء من الطبقة الوسطى ~~الذين يحاولون أن يقلدوا الطبقة الرفيعة، فيلقون منها الزراية والاحتقار، من ~~حماقات الحمقى وجرأة المخادعين وسخافات الحياة المنزلية التي نصادفها كل يوم، ~~وهكذا مكن للملهاة أن تزدهر، ووضع لها الأساس الذي ظلت تقوم عليه وتتطور ~~وفق أوضاعه قرنين كاملين من الزمان. # ولئن فات موليير أن يحقق بملاهيه كل ما يتطلبه المذهب الاتباعي بالقدر الذي ~~استطاعه راسين في مآسيه، فليس معنى ذلك أنه لم يحدد فنه بأوضاع الاتباع التي ~~وفينا شرحها في الصفحات السالفة، فها هو ذا يختار لملهاته عددا قليلا جدا ~~من الحوادث، لكنه يحسن اختيارها، ويرتبها في تعاقب دقيق بحيث يؤثر بها في ~~نظارته أبلغ الأثر، وهو إذ يختار حوادث الملهاة، فإنما يهتدي في هذا الاختيار ~~بشيء واحد، وهو الضوء الذي تلقيه الحادثة المختارة على الشخصية التي هو بصدد ~~تصويرها، وهو حريص حين يعرض شخصا من أشخاصه أن يبديه من جانب واحد، أو من ~~جوانب قليلة، ويأبى أن يحلل الشخصية ويشرحها ليخرج للناس كل ما تحويه من ~~عناصر، وهنا يجمل بنا أن نقارن بينه وبين شيكسبير في سرعة وإيجاز، لنوضح أين ~~يختلفان في وجهة النظر إلى الملهاة، كما بسطنا ذلك عند الكلام على راسين كيف ~~يختلف هذا عن شيكسبير في وجهة النظر إلى المأساة. # ها أنت ذا قد رأيت موليير يختار لملهاته حوادث قليلة على أساس أنها تلقي ~~ضوءا على الشخص الذي يصوره، وهو يحصر نفسه في تصوير الشخص، بحيث ينصرف إلى ~~ناحية واحدة منه أو ms0623 إلى قليل جدا من نواحيه، أما الملهاة الابتداعية ~~(الرومانتيكية) عند شيكسبير فزاخرة بالحوادث مليئة بالدقائق، وشيكسبير يصور ~~لنا أشخاصه من نواحيهم جميعا لا يبقي من عناصرهم شيئا ولا يذر، تتبع الملهاة ~~لشيكسبير فتطالعك أوجه الشخص المصور وجها بعد وجه، وفي أثرها تشرق عليك ~~صفاته واحدة تلو أخرى، يسجل لك الشاعر أدق ما يجول في نفس من يصوره فلا تفلت ~~منه الخطوط الخافتة والخواطر القصية التي من شأنها أن تكمل الصورة، حتى إذا ~~ما جئت في الرواية إلى ختامها استوى أمامك الشخص كائنا حيا يدب ويسعى، ~~ويفكر ويمكر، ويخادع، ويضحك ويبتئس، ويسخر من غيره ويسخر منه غيره، فالحياة كما ~~نراها في الواقع الملموس معقدة متشعبة كثيرة الأطراف، بحيث يتعذر أن تتقن ~~فهمها، وهكذا الشخص في ملهاة شيكسبير أو مأساته، يقدمه إليك الشاعر في تعقده ~~وتشعبه وتعدد نواحيه. أما أمير الملهاة الفرنسية فيختلف عن ذلك في منهاجه ~~اختلافا بينا، فبدل أن يوسع الصورة لتشمل أطراف النفس جميعا، يضيق ~~حدودها لتتقن طرفا واحدا أو طرفين من تلك النفس التي يريد تصويرها ، وهو إذا ~~ما استقر اختياره على الخصائص القليلة التي يريدها، راح يستخدم فنه كله في ~~إبرازها وترسيخها في ذهن القارئ أو المشاهد، بحيث يصعب نسيانها، صور «موليير» ~~البخيل في «أرباجون» # 68 # وصوره شيكسبير في «شايلك» # 69 # فجاء «أرباجون» بخيلا هرما وكفى، وجاء شايلك كزا حقودا ~~متكبرا جشعا مرهف الحس. تعرف الشخصية من أول الرواية عند موليير، ثم تمعن في ~~القراءة فلا تتوقع أن تفاجئك تلك الشخصية بشيء لم تكن تتوقعه، وكل ما تلاقيه ~~حوادث وأمثلة تؤكد الصفة الأساسية التي عرفتها فيها منذ البداية، ولكنك كلما ~~أمعنت في قراءة الرواية لشيكسبير طالعتك من الشخصية جوانب لم تكن تحسب لها ~~حسابا، وتكاد تهمس لنفسك قائلا: لم أكن أظن أن هذا الغر - مثلا - سيقف هنا ~~مثل هذا الموقف الحكيم، ما كنت أحسب أن هذا الفظ سيبدي في هذا الموضع كل هذه ~~الرحمة. خذ شخصية «تارتيف» - مثلا - عند موليير، وربما كانت خير صورة أخرجتها ~~يراعة موليير، ms0624 ترها متصفة بثلاث صفات: النفاق الديني وحدة الشهوة وحب ~~السيطرة، وليس ينطق الرجل في الرواية كلها لفظة واحدة لا تضيف قوة إلى صفة أو ~~أكثر من هذه الصفات الثلاث. # فموليير يختار من شخصيته مساحة ضيقة يصب عليها ضوء فنه، لكنه يعمق بك في ~~هذه المساحة الضيقة، ثم يعمق ويعمق، حتى يصل بك إلى أبعد الأغوار، هو يختار ممن ~~يريد تصويره عناصره الجوهرية، ثم ما يزال بها، حتى يخرجها في ضوء النهار ~~الساطع. # وما قلناه - في الكلمة التي خصصناها لراسين - عن الفن الفرنسي كله بصفة ~~إجمالية، نعيده الآن عن موليير، وهو أنه يصور نماذج إنسانية لا أفرادا من ~~البشر، يصور في «تارتيف» المنافق، لا منافقا من المنافقين، ويصور في «أرباجون» ~~البخيل لا بخيلا من البخلاء. ~~(3) النثر الفرنسي # قام النثر في القرن السابع عشر بمثل الحركة التي قام بها الشعر، فكلاهما خرج على ~~ما كان سائدا بين الكتاب والشعراء من قبل، من تعقيد في المعنى أساسه الحذلقة ~~العلمية، وتعقيد في العبارة مصدره اختلاط اللغة بالألفاظ الغريبة والتواء ~~العبارة، غير أن الشعر في ثورته تلك قضى على القديم وأصاب نفسه بالأذى في آن واحد، ~~فقد كبل حريته بأغلال عاقت فيه المرونة وسهولة انبثاق المعاني، أما النثر فقد ~~انتفع بالثورة على القديم، ولم يكد يصيبه في سبيل ذلك أذى، نعم استتبعت تصفية ~~اللغة وتنقيتها خسارة في تنوع الصور ونصوعها؛ لأن حرمان اللغة من ثروة لفظية ~~أيا ما كان مصدرها ونوعها معناه حرمانها من صور كانت تؤديها تلك الألفاظ، لكن ~~الأدب النثري في فرنسا إلى جانب ذلك قفز إلى الأمام قفزة بعيدة، حين وضع الكتاب ~~نصب أعينهم قواعد الذوق الأدبي الجديد، وفي طليعتها العناية بحسن استعمال الألفاظ، ~~والتخلص من العبارة الطويلة الملتوية المعقدة التي يكثر فيها الوصل والاستطراد، ~~فانحلت الجملة الواحدة المركبة إلى جمل كثيرة بسيطة في النثر الحديث، تتتابع ~~على النحو الذي يقتضيه أداء المعنى جليا واضحا، ومن ثم بلغ النثر الفرنسي ~~مكانته التي نعرفها له من حيث الدقة والوضوح. # وإن شئت أن ترد ms0625 هذه الحركة إلى أصولها تعذر عليك أن تربطها بكاتب بعينه كما ~~ينسب إصلاح الشعر إلى «ماليرب»، غير أنه ظهر في أوائل القرن السابع عشر كاتب هو: ~~«جان لوي بلزاك» # 70 ~~(1594-1655م) كان له على النثر الفرنسي فضل عظيم، إذ نحا به نحو سلامة ~~التركيب والصقل ودقة الجرس وتنظيم الفكر، وقد أصبح لأسلوب «بلزاك» سيطرة على من جاء ~~بعده من الناثرين؛ فاقتفى أثره معظم أعلام البيان في «القرن العظيم» سواء شعر ~~بذلك أولئك الأعلام أو لم يشعروا. # ويعرف «بلزاك» في الأدب بخطاباته التي خاطب بها - اسما - بعض عظماء الرجال في ~~عصره، لكنه أراد بها - فعلا - أن تكون موضوعا للقراءة العامة. # ثم أنشئ المجمع الفرنسي فكان فيصلا يحكم بين الأساليب الجديدة، فيؤثر أسلوبا ~~على أسلوب، فكان لذلك المجمع أقوى الأثر في تقدم النثر في شوطه الجديد. وقد يقال إن ~~تلك المقاييس الجديدة - وأهمها حسن اختيار الألفاظ والعناية التامة بتركيب ~~العبارة - قد ضيقت الخناق على حرية الكاتب وسدت دونه المسالك، فلم تجز له ~~إلا أسلوبا يتصف بالجزالة الخطابية والكمال الفني على غرار «شيشرون»، لكن ذلك ~~القول بعيد عن الصواب؛ لأن ذلك العصر كان غنيا بنوابغه، ومن شأن النابغة أن يصغي ~~إلى من يهديه فيهتدي به دون أن يجد في ذلك ما يقيد وثباته. ~~(3-1) باسكال Pascal ~~(1623-1662م) # لقد قيل حقا إن كل كاتب عظيم في القرن السابع عشر كان كاتبا خلقيا، ~~فالعناية بتقويم الأخلاق ظاهرة بارزة تلمسها في أدباء العصر جميعا، تلمسها في ~~مآسي «كورني» و«راسين» وفي ملاهي «موليير»، وتلمسها في «الحكايات الخرافية» ~~للافونتين، لكن هذا القصد الخلقي الذي ساد ذلك العصر، لم يكن غرضا مباشرا عند ~~أمثال هؤلاء الأدباء الذين ذكرنا أسماءهم، فكل أديب منهم منصرف إلى الصورة ~~الأدبية التي يريد إخراجها، ثم بعد ذلك تجيء الغاية الخلقية عرضا كأنما هي شيء ~~يقتضيه السياق. لكن إلى جانب هؤلاء قامت طائفة أخرى مهمتها الكتابة في ~~الأخلاق، وإنما يهتم تاريخ الأدب بثلاثة من هؤلاء: «باسكال» و«لاروشفوكو» ~~و«لابريير». # ولد «باسكال» لأب عرف برقة أخلاقه وقوة ms0626 ذكائه، وبدت بوادر النبوغ فيه، وهو ~~لم يزل يافعا صغيرا، فأبدى مقدرة نادرة في الرياضة وهو في سن مبكرة. وحسبك ~~أن تعلم أنه وهو في السابعة عشرة من عمره كتب رسالة رياضية في «القطاعات ~~المخروطية»، وفي سن الثامنة عشرة اخترع آلة للعد، وإنك لتجد في شخصية هذا ~~الرجل من المتناقضات ما تقف أمامه حائرا، فهو عالم وصوفي في آن معا، وهو ~~منطقي وحالم في وقت واحد، له عقل مطبوع على إقامة الدليل والبرهان، حتى قال ~~عن نفسه: «إن لي عقلا هندسيا.» أي يقيم الدليل على نحو ما تقيمه الهندسة، ~~لكنه إلى جانب ذلك مؤمن حار الإيمان يجرفه الخيال، فيخرجه عن حدود المنطق ~~الصارم. وتلاقي هذين الجانبين في نفسه: قوة العقل وقوة الروح - وهما قليلا ما ~~يتلاقيان في رجل - هو طابع أدبه. وأهم ما يعنينا من أدبه كتابان: «ريفيات» # 71 # و«آراء». # 72 # أما «ريفيات» فمؤلفة من ثماني عشرة قطعة كتبت في صورة الخطابات، ونشرت على ~~فترات بين عامي 1656 و1657م، وموضوعها ديني يتصل بخصومة مذهبية نشأت في ~~البلاد إذ ذاك، وقد يكون الموضوع جافا عند كثرة القراء، لكن أسلوب باسكال من ~~السلاسة، بحيث جعل من الجدل اللاهوتي والتأمل الديني موضوعا يقرأ في لذة ~~وإقبال. وأما «آراء» فنتف ومذكرات نشرت سنة 1670م في خليط مهوش لا ينتظمها ~~ترتيب ولا تجري على خطة، ومع ذلك فلها مكانة عالية في الأدب الديني لعمق ~~أفكارها ونفاذ البصيرة فيها، وتركيز المعاني في ألفاظ قليلة، فقد برع باسكال ~~في صياغة الجملة القصيرة القوية التي سرعان ما تجري في الناس مجرى الأمثال، ~~والتي يصح أن تتخذ موضوعا لفصل كامل يوضحها ويشرح معانيها، وقد أعجب به ~~فولتير فقال عن كتابه «خطابات ريفية»: «إن كل ضروب الفصاحة يحتويها هذا ~~الكتاب.» ~~(3-2) لاروشفوكو # La Rochefoucauld ~~(1613-1680م) # ولد في باريس سليلا لأسرة نبيلة قبل أن يولد باسكال بسنوات عشر، ولما كان ~~في ميعة شبابه تآمر مع آخرين على وزير فرنسا «ريشيليو»، وجرح جرحا بليغا في ~~موقعة دارت بين قوة الحكومة وأعدائها، فأوى ms0627 إلى الريف بعيدا عن عالم السياسة ~~الصاخب، حتى استرد العافية، ثم عاد إلى باريس، وسرعان ما سطع نجمه في ~~«الصالونات» الأدبية الكبرى، وبخاصة صالون «مدام دي سابليه». # 73 # كان «لاروشفوكو» يميل بطبعه إلى التشاؤم، وينظر إلى العالم نظرة سوداء، وقد ~~ازدادت نفسه مرارة بالدنيا وأهلها لما تعلمه من التجارب التي اجتازها، وهو يدبر ~~المكائد السياسية من جهة، ولخيبة رجائه في كل آماله من جهة أخرى، ومن ثم ~~تقرأ كتابه الصغير الرائع «حكم وتأملات خلقية»، # 74 # فتلمس فيه الرجل الذي عركته الأيام وعلمه الفشل في الحياة ألا ~~ينخدع بالأوهام. والفكرة الرئيسية عنده، أو قل كان من بين أفكاره العديدة، أن ~~الإنسان مدفوع في حياته بالأنانية. ولقد لبثت أمثاله تدور على الألسن لما فيها ~~من قوة التعبير الذي يركز أضخم المعاني في أقل عدد من الألفاظ. وهاك مختارات منها: ~~«إن كان للعيي عاطفة كان أقوى إقناعا من أفصح الناس بغير ~~عاطفة.» ~~«ما أسهل أن نتغلب بالفلسفة على سيئات الماضي والمستقبل. أما ~~سيئات الحاضر فلا يتعذر عليها أن تتغلب على الفلسفة.» ~~«الشيوخ مغرمون بإسداء النصح الجميل، عزاء لأنفسهم؛ إذ لم ~~تعد لهم القدرة على أن يكونوا قدوة في السوء.» ~~«عرفان الجميل شبيه بتبادل الثقة بين التجار، لا تطرد التجارة ~~بغيره، فكثيرا ما نوفي الدين لا حرصا على الأمانة، بل لنجد ~~بين الناس من يثق فينا بغير مشقة.» ~~«لشد ما كنا نخجل من خير أعمالنا، لو عرف الناس الدوافع إلى ~~إنتاجها.» ~~«كثيرا ما نكون أقرب إلى قلوب الناس بأخطائنا منا بخير ~~صفاتنا.» ~~«لست تجد بين الناس من بلغ به الشقاء، أو بلغت به السعادة إلى ~~الحد الذي يتوهمه.» ~~«رأس الإنسان دائما مخدوع بقلبه.» ~~(3-3) لابريير # La Bruyèue ~~(1645م) # ولد «جان دي لابريير» في باريس من أسرة تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وتلقى ~~علومه في جامعة أورليان حيث هيأ نفسه بدراسة القانون أن يكون محاميا، لكنه ~~سرعان ما آثر عزلته في مكتبته ينفق شطرا كبيرا من زمنه في مطالعة أفلاطون، ~~ولم يحمل قلمه ليكتب إلا بعد ms0628 أعوام طوال درس فيها وشاهد، فسجل كل مشاهداته ~~وآرائه في كتاب واحد يخلده على صفحات التاريخ الأدبي هو «النماذج الخلقية» ~~يصور فيه أشخاصا عاشوا في عصره، وكان في نقده ينفذ بقلمه فيصمي كأنما يضرب ~~بسيف بتار. وقد نشر هذا الكتاب أول ما نشر على هيئة ملحق بترجمة أخرجها لكتاب ~~«نماذج خلقية» الذي نقله عن الفيلسوف اليوناني «ثيوفراسطس». # 75 # وليس كتاب «لابريير» بالكتاب المبوب المنظم على الصورة التي ~~نفهمها اليوم، بل هو خليط امتزجت فيه العناصر المختلفة المتباينة، وإن يكن أبرز ~~ما فيه هو الدراسات التي يحلل بها أشخاص عصره. يقول الكاتب: «إن روح المؤلف ~~تنحصر في حسن التحديد وجودة التصوير.» وهو بهذا القول يصف لك منهجه؛ لأنه قبل ~~كل شيء يحدد المعاني ويصور الأشخاص، في أسلوب يعد نموذجا للفرنسية في أصفى ~~ما تكون وأنقى. وفيما يلي مقتطفات من كتاب «النماذج الخلقية»: ~~«لو تجنب موليير الرطانة والسوقية في أسلوبه وكتب بأسلوب أصفى ~~لبلغ حد الكمال.» ~~«إن كورني - في أجود آثاره - أصيل ممتنع على التقليد، لكنه لا ~~يطرد في الجودة، عقله جبار وبعض شعره من أجود ما كتبه ~~الشعراء.» ~~«راسين أقرب إلى الإنسانية من كورني، قلد الأدب الإغريقي القديم ، ~~فترى في مآسيه بساطة ووضوحا وشجنا يحرك العواطف.» ~~«إن كورني يصور الناس كما ينبغي أن يكونوا، أما راسين فيصورهم ~~كما هم، كورني أميل إلى النزعة الخلقية المثالية، وأما راسين ~~فأميل إلى الواقع، والبعد عن التكلف. ويظهر أن كورني مدين بالكثير ~~لسوفوكليس، وأن راسين مدين ليوريبيد.» ~~«إذا سما الكتاب بعقلك وأوحى إليك شريف المعاني، فلست بعد ~~بحاجة إلى شيء لتحكم للكتاب؛ فهو آية في الجودة والسمو.» ~~«ما علة أن يضحك الناس في المسرح. ويسترسلون في الضحك، ثم يخجلهم ~~أن يسترسلوا في البكاء؟ أهو أن طبيعة نفوسنا بعيدة عن أن تتحرك لما ~~يستثير العطف من أن ننفجر ضاحكين مما يثير الضحك؟ أم ذلك لأننا ~~نعد البكاء ضعفا؟ ...» # وقال عن النساء: ~~«لماذا نحمل الرجال تبعة جهل النساء؟ هل سنت القوانين وصدرت المراسيم ~~تنهاهن أن يفتحن عيونهن، ms0629 وأن يقرأن وأن يذكرن ما قرأن، وأن يبين في ~~أحاديثهن وكتبهن أنهن فاهمات لما قرأن؟ ألم يكن النساء هن اللائي اعتزمن أن ~~يعرفن قليلا، أو ألا يعرفن شيئا؛ لضعف في أجسادهن، أو لبلادة في عقولهن، أو ~~لما يقتضيه جمالهن من وقت، أو لأنهن غير موهوبات ولا نابغات إلا في أشغال ~~الإبرة وسياسة الدار، أو ربما كان ذلك لأنهن بالغريزة يمقتن الجد الذي يتطلب ~~الجهد؟ ...» ~~(3-4) بوسويه # Bossuet ~~(1627-1704م) # على أن أكثر الناثرين خصبا وإنتاجا في العصر الاتباعي في فرنسا هو ~~«بوسويه» الذي عرف بنشاطه الذي لا ينفد، حتى لقد استطاع في حياته المليئة ~~بالعمل مدرسا فقسيسا، أن يضع نفسه في طليعة الأدباء الفرنسيين إذ ذاك، وإنما ~~احتل هذه المكانة في الأدب الفرنسي بخطبه الكنسية ومواعظه الدينية، وما كان ~~ينشره الحين بعد الحين من رسائل يجادل فيها خصومه ويحاجهم؛ في هذا الاتجاه ~~الخطابي اتجه «بوسويه» بفنه، وإن خطبه لتعد من آيات الفصاحة والبيان، ~~وكانت وحدها كفيلة أن تسلكه في زمرة القادة من رجال الفن الأدبي. على الرغم من ~~أن الخطابة لا تحتل في عالم الأدب مكانة ممتازة، كان «بوسويه» خطيبا في كل ما ~~قال وكل ما كتب، خطيبا في نهجه وفي تأثيره على السامعين أو القارئين، فهو خطيب ~~إن وعظ في الكنيسة، وهو خطيب إن هاجم المسرح وقواعده، وهو خطيب إن هاجم المذهب ~~البروتستانتي أو أيد الكاثوليكية، ولم يكن في وعظه مملولا مرذولا، بل كان ~~جذابا في شخصيته، ساحرا بعبارته، وهو عالم بغير حذلقة العلماء، ومتدين بغير ~~تصعب رجال الدين، إن نقد كان لاذعا قاسيا، لكنه لم ينقد بغير حق. ~~(3-5) فينيلون # Fénelon ~~(1661-1715م) # ونبغ في فن الخطابة من رجال الدين غير «بوسويه» قسيس آخر هو «فينيلون»، وإن ~~يكن أقل من بوسويه قدرة ونبوغا، وقد كتب «فينيلون» ما كتبه إتماما لواجبات ~~مهنته، ولم يقصد به إلى الأدب ولم يكتبه لوجه الفن. وينبغي أن نذكر أن أكثر ~~نوابغ الفكر كانوا في ذلك العصر يتجهون إلى خدمة الكنيسة والدين؛ لأن الكنيسة ~~كانت في ms0630 أوج عظمتها، فكان طبيعيا أن تجد رؤساء الحكومات من الكرادلة، وأن تجد ~~من رجال الدين على اختلاف طبقاتهم من ساهم بقسط موفور في الإضافة إلى ذخيرة ~~النثر والشعر، حدث ذلك في فرنسا كما حدث شبيه له في إيطاليا من قبلها، فرأينا ~~المصورين يرتدون ثياب الرهبان، وما أشبه الذي حدث في أوروبا إذ ذاك بالذي ~~رأيناه في مصر في تاريخها الحديث؛ إذ خرج من رجال الأزهر بعض زعماء السياسة ~~وقادة الفكر. # حفزت «فينيلون» إلى ما كتب حوافز الدين، ولكن سرعان ما ينسى العالم للأديب ~~والفنان حوافزه الدينية ولا يذكره إلا بما خلد من آيات باقيات، فقد دون ~~«فينيلون» في كتابه «حكم القديسين» عقيدته بوجوب أن يفنى الإنسان في الله، ~~وأن ينظر إلى المسيح مخلصا للإنسانية جملة واحدة، لا مخلصا لهذا الفرد ~~الآثم أو ذاك، فهاجم عقيدته هذه «بوسويه» كما أنكرتها عليه كنيسة روما، ولكن ~~ذهبت على مر الزمان حرارة الخلاف الديني بين هذين القسيسين، وبقيت لنا ~~آثارهما حية في عالم الأدب. # لقد أحب «فينيلون» إخوانه من بني الإنسان قاطبة، فتراه في قصة رمزية اسمها «تلماك» # 76 # يصور بخياله دولة فضلى يعيش فيها الناس على أسس من الحرية ~~والإخاء، فسبق بخياله أحلام الكتاب في القرن الثامن عشر. ~~(3-6) مدام دي سفنييه # Mme de Svigny ~~(1626-1696م) # ولعب النساء دورا عظيما في السياسة والأدب إبان «القرن العظيم» في تاريخ ~~الأدب الفرنسي، وأشرفت عظميات السيدات على كثير من «صالونات» الأدب فأثرن ~~بذلك في الحركة الأدبية أعمق الأثر، فضلا عما أنتجه بعضهن من آثار. # ومن أكثر هؤلاء فتنة وأشدهن سحرا بما كتبت «مدام دي سفنييه» وهي بين كاتبات ~~الرسائل في الطليعة الأولى، وقد كان غشي بواكر سنيها الغم وخيبة الرجاء، ~~ولكنها امتازت بقلب قوي ورأس رزين، فاحتملت أحزانها في جلد محمود ونفس ~~راضية، وما رسائلها تلك سوى ثرثرة امرأة علت ثقافتها فتركت لقلمها العنان ~~يجول في شئون الحياة اليومية، ويمس أحيانا شئون الدولة وفنون الأدب، لكنها ~~لم ترسل القلم وعيناها مغمضتان، بل كانت حذرة فيما تكتب، ms0631 تمحص موضوعها وتتأنق ~~في أسلوبها، على نحو ما تعنى سيدة باختيار ثوبها مادة وزخرفا. وتشف رسائلها ~~عن كثير من حياة عصرها وما كان يدور بين الطبقات العالية، وهي على ثرثرتها تدل ~~على عقل راجح، وفكر واضح، وخلق متين. ~~(3-7) مدام دي مانتنون # Mme de Maintenon ~~(1635-1719م) # وظهرت سيدة أخرى وهبها الله قدرة بالغة في التعبير عما يجول بنفسها، وهي ~~«مدام دي مانتنون» التي ارتفعت من غمار الناس، فأصبحت زوجة للملك لويس الرابع ~~عشر، ولم يعلن زواج الملك منها في صورة رسمية، لكن أحدا لم يجهله من أهل ~~البلاد جميعا، ولبثت «مدام دي مانتنون» ثلاثين عاما تتمتع بحياة الملكة وتشقى ~~بسيئاتها، كانت خلالها تصرف بعض شئون زوجها تصريفا يشهد لها بالإدراك ~~السليم، ورسائلها من أهم ما يكشف عن أسرار عصرها من الوثائق السياسية ~~والاجتماعية، وقد كتبت عن تعليم البنات كتابة فيها حسن الفهم وصدق ~~الحكم. ~~(3-8) مدام دي لافييت # Mme de La Fayette ~~(1634-1693م) # لم تقصد «مدام دي سفنييه» و«مدام دي مانتنون» أن تكونا صاحبتي فن أدبي، ~~لكن انتهى بهما النبوغ الفطري - على غير تدبير منهما - إلى مزاملة قادة ~~الأدباء، ثم ظهرت كاتبة ثالثة، أقل منهما قدرا، لكنها تمتاز بأنها قصدت إلى ~~فنها عامدة، وهي «مدام دي لافييت» التي قد تكون قصتها «أميرة كليف» # 77 # أول قصة صادقة كتبتها امرأة، بل إنها لتعد بين من أحدثوا ثورة ~~وانقلابا في فن القصة، إذ استبدلت بالمغامرات الصبيانية الشاطحة بخيالها، ~~مواقف بسيطة طبيعية، كما استبدلت بالأسلوب الضخم المتكلف لغة الحياة اليومية، ~~فالقصة الفرنسية التي تطورت فيما بعد مدينة لها برزانة الحكم وصدق ~~التصوير. # اختارت الكاتبة لقصتها «أميرة كليف» القصيرة البسيطة الأخاذة، بلاط الملك ~~هنري الثاني، ولو أنها تأثرت في تصوير الجو التاريخي للقصة بما شاهدته في قصر ~~لويس الرابع عشر. وبطلة القصة امرأة لبثت أعواما طويلة زوجة لأمير تجله ولا ~~تحبه، حتى هامت حبا برجل آخر بغتة هو دوق نامور، شاءت لها المصادفة أن ~~تلاقيه في ليلة راقصة، وغلب الواجب الزوجي المرأة الوفية، لكنها ms0632 خشيت أن ~~يقهرها هذا الحب الجديد، فقررت أن تدلي بالنبأ لزوجها ليكون لها ذلك بمثابة ~~الوقاية من نزوات نفسها، وكان أن قصت على الأمير قصة حبها الجديد، فأكبر فيها ~~الأمير الزوج هذه الصراحة وهذا الوفاء، لكن الغيرة أخذت تأكل قلبه، حتى أرهقته ~~العلة ومات، فاعتقدت الزوجة أنها السبب في وفاة زوجها، ولذلك رفضت الزواج من ~~حبيبها الدوق وانتبذت مكانا معزولا قصيا في أحد الأديرة. # تلك هي خلاصة القصة، وهي كما ترى «أرستقراطية» الجو، لكنها تمس المشاعر ~~الإنسانية الصادقة. وقد دلت الكاتبة على بصيرة نافذة ولمسة فنية بارعة في ~~تصويرها لأشخاص القصة. ولأول مرة في تاريخ القصة نرى التحليل النفسي ينصب على ~~الحياة اليومية المألوفة، ولا يتبدد سدى في موضوعات بعيدة عن الواقع، ولهذا ~~كله عدت قصة «أميرة كليف» بداية لطور في القصة جديد. ~~••• # وما دمنا قد مسسنا موضوع القصة فحقيق بنا أن نختم لك فصل النثر بكلمة ~~موجزة عن القصة في الأدب الفرنسي في القرن السابع عشر، فالقصة في الشطر الأعظم ~~من ذلك القرن كانت صنيعة أهل الطبقة الرفيعة، ولما كانت تصور أخلاقهم وتعبر ~~عن عواطفهم، فقد جرى العرف أن تسمى تلك القصة «بالقصة الأرستقراطية»، وقد كانت ~~هذه «القصة الأرستقراطية» في أولى مراحلها «قصة ريفية» بالمعنى الذي فهمناه من ~~الأدب الريفي في مواضع متعددة مما سلف. # 78 # كان المراد بالأدب الريفي في أول نشأته أن يصف الحياة الريفية الساذجة كما ~~هي، لكنه تطور، فأصبحت القصيدة أو الرواية التمثيلية أو القصة التي نصفها بأنها ~~«ريفية» لا تعني وصف الحياة الساذجة في الريف وصفا حقيقيا، ولكنها قد ~~تصف أفرادا من الطبقة الراقية في مشاعرهم وأحاديثهم، وتخلع عليهم جوا ~~ريفيا مصطنعا. # وأول قصة «ريفية» ظهرت في الأدب الفرنسي - وهي في الوقت نفسه خير ما يمثل هذا ~~اللون من ضروب القصة في الأدب الفرنسي - هي قصة «أستري» # 79 # لكاتبها «درفيه» # 80 ~~(1568-1625م)، ولست تجد فيها رعاة وراعيات يتعهدون قطعان الغنم كما ~~كان المفروض في الأدب الريفي الرعوي في أول نشأته، بل ترى سيدات وسادة ms0633 ~~جعلهم الكاتب في قصته راعيات ورعاة ليعيشوا في جو بعيد عن حضارة الدور ~~والقصور. والقصة تروي حب رجل وامرأة من هذا الطراز المدني المتحضر، خلع عليهما ~~الكاتب ثياب الرعاة ووضعهما في وسط ريفي، هما «سيلادون» # 81 # و«أستري» اللذان فرقت بينهما الغيرة وسوء التفاهم، لكنهما تلاقيا ~~بعد كثير من المغامرات والمشاق. # لبثت «القصة الريفية» شائعة في الأدب الفرنسي، يقبل عليها القراء في شغف ~~ويحبذها جهابذة النقد مثل بوالو، ثم حلت محلها «قصة المغامرة» وأهم فارق ~~بين النوعين هو كما وصفه «بوالو» أن يختار كاتب القصة الريفية «رعاة لا ~~يشغلهم إلا اكتساب قلوب حبيباتهم»، أما كاتب قصة المغامرة فيختار لهذا العمل ~~«أمراء وملوكا، بل مشاهير القادة القدماء». وأول من كتب قصة مغامرة هو «جومبرفيل» # 82 ~~(1600-1674م) الذي كان بين أول من انتخبوا للمجمع الفرنسي، وهو ~~يروي في قصته «بولكساندر» # 83 # مغامرات ملك جزائر كناري في سبيل «الملكة ألسديان» التي أخذ ~~يجوب في إثرها أقطار الأرض، وجاء بعده «جوتييه دي كوست» # 84 ~~(1610-1663م) الذي يطلق عليه لغزارة إنتاجه وخصب قريحته «ديماس ~~الأب للقرن السابع عشر»، والذي خلف للأدب ثلاث قصص جميلة صبغها بصبغة ~~تاريخية، هي «كليوبطره» و«كاسندرا» و«فاراموند»، # 85 # وجاءت بعدئذ كاتبة للقصة مبدعة هي «مادلين دي سكيدري» # 86 ~~(1607-1701م) التي أخرجت بمعاونة أخيها «جورج» قصة «إبراهيم أو ~~الباشا العظيم» # 87 # و«كورش العظيم» # 88 # و«سليلي». # 89 # هذان الضربان من القصة: «القصة الريفية» و«قصة المغامرة» يعدان فرعين لما ~~يسمى بالقصة الأرستقراطية؛ لأنهما يعنيان بأشخاص من الطبقة العالية، وهما ~~يتميزان بطابعين أساسيين؛ الأول: ضخامة حجم القصة إلى حد يعجب له القارئ ~~الحديث، فقصة «أستري» - مثلا - تقع في خمسة آلاف وخمسمائة صفحة، ~~و«بولكساندر» في ستة آلاف، وتقع «كليوبطره» في اثني عشر جزءا، و«كاسندرا» في ~~عشرة أجزاء، وكذلك «كورش العظيم»، وعلة هذا الطول المستفيض الإطناب في الوصف، ~~والإطالة في تحليل العواطف، ثم الاستطراد من القصة الأصلية إلى حكايات فرعية، ~~وكلما دخل القصة شخص جديد أخذ يقص قصته وسيرته في تفصيل وإطناب. والطابع ~~الثاني الذي يميز هذه القصص: ms0634 خيالها الجامح في غير ما هو واقع في الحياة ~~المألوفة، ثم عدم مراعاة الصدق في الوصف، فرعاة لا يشعرون ولا يتحدثون كما يشعر ~~ويتحدث الرعاة، ويونان ورمان ومصريون وفرس يعيشون كما يعيش الطبقة ~~الأرستقراطية في فرنسا في القرن السابع عشر، فأنت في رواية «إبراهيم» في تركيا، ~~وفي «سليلي» في روما، وفي «كاسندرا» في فارس حين كان يحكمها دارا، وفي ~~«كليوبطره» في مصر، لكنك مع ذلك لا ترى في كل هذه القصص إلا جو القصر الملكي في ~~فرنسا، ولا تسمع إلا أحاديث كالتي تجري على شفاه رواد «الصالونات» الأدبية في ~~ذلك العصر. # فكان من الطبيعي أن تنشأ في القصة حركة جديدة ترمي إلى مراعاة الصدق في ~~التصوير، فهذا «شارل سورل» # 90 ~~(1599-1674م) يخرج قصة ريفية تهكمية يسميها «الراعي المسرف» # 91 # يقص فيها سيرة طالب يدعى «ليسيس» # 92 # أخذ يدمن مطالعة «أستري» حتى ملكت عليه لبه، فصمم أن يعيش عيش ~~الرعاة في سبيل الحب. وأخذ يقلد «سيلادون» - بطل قصة «أستري» - في دقائق سلوكه ~~وطريقة حديثه، وهنا مصدر التهكم بالقصة الريفية كما عرفت وكما تمثلها قصة ~~«أستري». ولعلك تدرك الشبه بين هذا الأسلوب وما رأيته في قصة «دون كيشوت» الذي ~~ظل يقرأ أدب الفروسية، حتى أصبح هو نفسه فارسا يقلد فرسان العصور الوسطى في ~~مغامراتهم، فلا شك في أن «سورل» متأثر في طريقته بسيرفانتيس. # ثم ظهرت قصة أخرى تعمل على توطيد الحركة الجديدة التي ترمي إلى صدق الوصف في ~~القصة، وهي «القصة المضحكة» # 93 # لصاحبها «بول سكارون» # 94 ~~(1610-1660م) الذي كان كسيحا مشوها عليلا، ومع ذلك كان ذا ~~مزاج مرح ضحوك، وهو في قصته هذه يسخر من حب الأمراء والملوك الذي اتخذته «قصة ~~المغامرة» موضوعا لها، ويتلو هذه قصة أخرى في الاتجاه نفسه، هي «القصة البورجوازية» # 95 # وكاتبها «أنطون فيرتيير»، # 96 # وهو في هذه القصة يسخر من رجال الطبقة الوسطى الذين يحاكون الطبقة ~~الراقية في أخلاقهم وسلوكهم، فتراه يجعل أحد أشخاص الرواية - واسمه نيكوديم - ~~يشتغل بالمحاماة أثناء النهار، ومحبا مغرما منازلا أثناء الليل. ms0635 ويحب ~~«نيكوديم» هذا فتاة تسمى «جافوت» وهي ساذجة تنظر إلى الأمور نظرة الفطرة ~~السليمة العملية، فيخاطبها حبيبها بعبارة مزخرفة منمقة ليناجيها الغرام كما ~~يفعل أرباب الصالونات، فلا تجيبه إلا بقولها «لا أفهم ما تقول!» ويستصحب ~~نيكوديم حبيبته «جافوت» إلى «صالون» فتكون هناك موضع سخرية وضحك لما تبديه من ~~جهل فاضح بالأدب. # وأخيرا جاءت مدام دي لافييت بقصة «أميرة كليف» فحددت بها المذهب الواقعي ~~الجديد في القصة تحديدا واضحا. # القسم الثاني # | في الأدب الغربي في القرن الثامن عشر والأدب الشرقي من سقوط بغداد إلى مبدأ القرن التاسع ~~عشر # | مقدمة # وهذا هو القسم الثاني من الجزء الثاني، عرضنا فيه للأدب الفرنسي والإنجليزي والألماني ~~في القرن الثامن عشر. # وألقينا نظرة خاطفة على الأدب العربي من سقوط بغداد إلى أوائل القرن التاسع عشر، ولم ~~نتوسع فيه توسعنا في غيره؛ لأنه موضوع قريب المنال لقراء العربية، ألفت فيه الكتب ~~الكثيرة مجملة ومفصلة، وآثرنا أن نتوسع في الأدب الأجنبي المجهول عند أكثر قراء ~~العربية. # وقد تكفل صديقنا الدكتور عبد الوهاب عزام بكتابة الفصل الخاص بالأدب الفارسي من غزوة ~~التتار إلى آخر الدولة الصفوية، أي إلى منتصف القرن الثاني عشر الهجري. # وبقي من فصول قصة الأدب في العالم الفصل الذي يمثل الأدب من ابتداء القرن التاسع عشر ~~إلى اليوم، وهذا هو موضوع الجزء الثالث من هذا الكتاب. # والله المسئول أن ينفع به ويعين على إتمامه. # أحمد أمين # 10 ذو القعدة سنة 1364ه # 16 أكتوبر سنة 1945م # الفصل الحادي عشر # | الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر وهو الأدب الذي مهد ~~للثورة الفرنسية # الفترة التي نطلق عليها اسم القرن الثامن عشر في تاريخ الأدب الفرنسي لا تبدأ ببداية ~~هذا القرن ولا تنتهي بنهايته، وإنما هي فترة تمتد من العام الذي شهد موت العاهل ~~الفرنسي العظيم لويس الرابع عشر (1715م) إلى العام الذي انفجر فيه بركان الثورة ~~الفرنسية الكبرى (1789م)، وعصور الأدب لا تفصلها الفواصل الحاسمة، بل يتداخل سابقها في ~~لاحقها، حتى يفنى في تدرج بطيء رويدا رويدا. وهكذا كانت ms0636 الحال حين بدأ القرن الثامن ~~عشر: بقيت آثار العصر الاتباعي السالف واضحة ظاهرة، وبدأت بشائر المستقبل وبوادر ~~التحول والانقلاب جلية لا يخطئها النظر، حتى شاء الله للأولى أن تزول، وللثانية أن ~~تسود، فكنت ترى رجال الأدب في النصف الثاني من القرن الثامن عشر يؤيدون قواعد المذهب ~~الاتباعي من الوجهة النظرية، حتى إذا ما أخذوا يكتبون وينشئون كانوا هم أنفسهم أقوى ~~عوامل الهدم لذلك المذهب بما يكتبونه وينشئونه؛ لأن موجة الزمن عنيفة جبارة، ولا بد أن ~~تسير، فتستطيع أن تقول إن القرن الثامن عشر في فرنسا كان مرحلة انتقال بين الحكم المطلق ~~والحكم الذاتي في السياسة، بين التقيد بأوضاع الكنيسة الكاثوليكية في روما وروح التسامح ~~في الدين، بين المذهب الاتباعي والمذهب الابتداعي في الأدب. # وكانت التغيرات السياسية والاجتماعية في مقدمة العوامل التي انتهت بالبلاد إلى هذا ~~التحول والانقلاب، فقد كان «القرن العظيم» عهدا سادت فيه الحكومة المركزية المطلقة، ~~حيث الأمر كله في يد وحدة تصرفه، فسار كل شيء في ذلك العصر على وتيرة مطردة متسقة ~~كأنها النظام، وظهر القوم في طاعة كأنها استقرار النفس ورضاها، وجاء القرن الثامن عشر، ~~فكان عهد قلقلة واضطراب في أمور الدولة وفي نفوس الناس على السواء، فلئن أنتج النظام ~~السياسي في القرن السابع عشر وحدة في الأدب بأن ساد المذهب الاتباعي كما رأينا، فقد ~~أنتج اضطراب القرن الثامن عشر تفككا لتلك الوحدة، وانحلالا لذلك المذهب. وقد بدأ ~~التدهور السياسي منذ أواخر عهد لويس الرابع عشر، ثم تولى البلاد بعده وصي كان داعية ~~للفساد الخلقي بفساده، ثم جاء لويس الخامس عشر، فكان فاجرا عربيدا في غير حياء ولا ~~خجل، وبذلك وصم الملكية بوصمة العار، وأعقبه حفيده الضعيف المسكين المنكود؛ وهكذا ساءت ~~الحكومة في البلاد، وأصابها الوهن أعواما طوالا، فماذا ينشأ عن هذا في أنفس الناس غير ~~التذمر والتبرم؟ ثم إلى أي شيء ينتهي الشعب الساخط المتذمر إن لم ينته إلى ~~ثورة كبرى تكتسح أمامها كل شيء؟ # وتريد الأيام أن تتآمر العوامل وتتحد؛ لتنتهي إلى نتيجة بعينها، فلئن ms0637 كان الحكم ~~السيئ قد أدى إلى قلق في النفوس، فقد زادت من ذلك القلق النفسي روح التشكك التي نشأت ~~عن ازدهار العلوم ورقيها، كما زاد منه موقف الكنيسة التي كانت فيما سبق حصنا قويا ~~يعمل على الحكم المطلق في شئون الدين، كما كانت الملكية تعمل عليه في أمور الدولة، لكن ~~شاء التعصب الأعمى لرجال الكنيسة أن يقفوا في وجه الرقي والتقدم مع ما أصابهم من تحلل ~~خلقي بغيض، فكان أن نفر الناس منهم، ونظروا إليهم بعين الشك والريبة، ومن هنا رأيت ~~التشكك في أواخر القرن الثامن عشر سمة بارزة في رجال الفكر إذ ذاك، فجاء هذا التشكك ~~العقلي في سلامة الأوضاع العتيقة عاملا آخر أدى إلى الثورة عليها وتحطيمها، فلم يعد ~~لشيء قداسة في أعين الناس، وأخذوا يسألون عن كل شيء، ويتحدون كل سلطة، ورفضوا ~~أن يكون للعهد الماضي سلطان على حياتهم الحاضرة. # قلنا إن انحلال السلطة السياسية في فرنسا بدأت بوادره في أواخر عهد لويس الرابع عشر ~~نفسه، ولم يعد للقصر تلك الكلمة العليا التي كان يفرضها على الثقافة في البلاد، ~~وانتقل الحكم في ذلك من فرساي إلى الشعب في باريس، فمن علائم هذا التحول عودة ~~«الصالونات» الأدبية إلى الظهور بعد أن طمسها قصر فرساي حينا من الدهر؟ لكن تلك ~~«الصالونات» لم تعد - على نحو ما كانت في العهد السابق - تنصرف بجهدها إلى تحديد ~~الأوضاع الملائمة في دنيا الحب والغزل والبدع، بل أصبحت مراكز فلسفية يؤمها قادة ~~الفكر ليكون أهم ما يتحدثون فيه شئون العلم والسياسة والاجتماع، ونشأ إلى جانب ~~«الصالونات» رأي عام ما لبث أن أصبح أقوى عوامل التوجيه في مجرى الحياة الفرنسية، وبات ~~تطور الأدب في فرنسا في القرن الثامن عشر مرهونا بالحالة الاجتماعية للطبقة الوسطى، ~~لما أصابته التجارة والصناعة من رقي بعيد؛ ذلك لأن هذا التحول الاقتصادي كان من شأنه ~~أن تثري طبقات الشعب العاملة، وأن تزداد قوتها في السياسة ازديادا مطردا، وأن ~~تكون الجمهور القارئ الذي يتجه إليه الأدباء حين يكتبون. # وأضيف إلى هذه العوامل ms0638 السياسية والاجتماعية عامل جديد كان له في الأدب الخالص ~~أكبر الأثر، ونعني به تيارا أدبيا أخذ يتدفق من إنجلترا إلى فرنسا فيفعل فعله في ~~أدبائها، وهذه حقيقة تستوقف النظر؛ لأن أنصار الاتباع في فرنسا إبان القرن السابع ~~عشر أغمضوا عيونهم عن الأدب الإنجليزي، بل جهلوه جهلا كاد أن يكون تاما، فشيخ النقد ~~الأدبي في فرنسا في ذلك العهد - بوالو - مثلا - لم يكن يدري شيئا عن «الفردوس ~~المفقود» لملتن، فكتب عن فن الملحمة، ولكنه لم يذكر شيئا عن أعظم ملاحم العصر ~~الحديث، وعني بأدب السخرية والهجاء، ولكنه لم يعلم شيئا عن شيخ الهجاء في الأدب ~~الإنجليزي «جون دريدن»! أما في القرن الثامن عشر فقد انعكس الوضع، وأخذ الفكر الإنجليزي ~~والأدب الإنجليزي يشقان طريقهما إلى فرنسا. فكان من أثرهما أن تحطمت قواعد الاتباع في ~~الأدب، وأن ذاعت في رجال الفكر من الفرنسيين مبادئ الحرية والتسامح الديني، وحقوق ~~الأفراد، واحترام الصناعة والتجارة. # وظاهرة أخرى في الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر جديرة بالذكر، وهي أنه اتخذ ~~وسيلة لتحقيق أغراض عملية، فلم يعد الأدب أدبا خالصا مقصودا لذاته، بل أصبح أداة ~~لنقل الأفكار إلى جمهور القراء، أو بعبارة أخرى أصبح أدب القرن الثامن عشر في فرنسا ~~«أدبا تطبيقيا» لا «أدبا بحتا» - إن صح لنا أن نستخدم ما يقال في الرياضة والعلوم ~~عند قسمتها إلى ما هو «بحت» وما هو «تطبيقي»؛ فالقطعة الأدبية باتت تقوم ~~بمحصولها الفكري لا بجمالها الفني، وانظر في آيات ذلك العصر، تجدها لا تدل على الخيال ~~المبتكر المبتدع، بل هي عبارة عن رسائل سياسية، مثل «روح القوانين» لمونتسكيو، و«العقد ~~الاجتماعي» لروسو، أو رسائل في التربية مثل «إميل» لروسو، أو أبحاث في العلوم والتاريخ ~~وما إلى ذلك. بل إن الشعر والمسرحية اتخذت كذلك وسائل لغايات، فأصبح الأدب كله أدوات ~~للدعاية السياسية على أيدي «الفلاسفة» - كما كان يسمى رجال الفكر في الحركة ~~الثقافية الجديدة - يحاربون بها النظم القائمة في الكنيسة والدولة معا، وينشرون بها ~~آراءهم الجديدة في الدين والسياسة، فلا غرابة إن قلنا ms0639 - بعد ذلك كله - إن أدب القرن ~~الثامن عشر هو الذي مهد للثورة الفرنسية. ~~(1) النثر ~~(1-1) مونتسكيو # Montesquieu ~~(1689-1755م) # ولد قريبا من بوردو، من أسرة اشتهر أبناؤها في القضاء والقانون، ولهذا اشتغل ~~بالقانون جريا على سنة أهله، وأصبح مستشارا في محكمة بوردو وهو في عامه ~~الخامس والعشرين، ثم أعقب عمه في رئاسته بعد ذلك بعامين، ولكنه كان قد درس ~~«نيوتن»، وانهمك في المطالعة العلمية، وانتخب عضوا في المجمع الفرنسي، ولم يكد ~~يتم انتخابه هذا حتى أنفق ثلاثة أعوام يرتحل في أنحاء أوروبا باحثا في الأحوال ~~الاجتماعية والنظم السياسية لكل دولة حل في أرضها، وقضى نصف هذه المدة في ~~إنجلترا وحدها، حيث انصرف بكل مجهوده إلى دراسة «لوك» ودرس مبادئ الدستور ~~الإنجليزي، ثم عاد إلى بلاده ينشئ ويكتب. # كان مونتسكيو في كتابته مصلحا ينشد الحرية لقومه، لكنه لم يكن في إصلاحه ~~المنشود حالما كما كان «روسو»، بل لم يكن ثائرا يريد هدم النظام القائم وكفى، ~~إنما كان أرستقراطيا محافظا لا تدفعه النزعة إلى الإصلاح إلى أن ينكر على ~~طبقة حقوقها وامتيازاتها، وكان مما كتبه مونتسكيو كتابه في التاريخ «تأملات في ~~أسباب مجد الرومان وانحلالهم». # 1 # ولا شك أنه قد طالع قبل أن يكتب مؤلفه كتاب «جبن» # 2 ~~- المؤرخ الإنجليزي المشهور - المعروف عن «تدهور الإمبراطورية ~~الرومانية وسقوطها»، وكان «جبن» متأثرا بالثقافة الفرنسية، كما تأثر ~~مونتسكيو بالثقافة الإنجليزية، لكن مونتسكيو في كتابته للتاريخ قد زل في خطأ ~~فاحش، وذاك أنه لم يتريث عند تعميمه الأحكام. بل تراه يقفز من أمثلة جزئية ~~قليلة إلى القانون العام في غير روية العالم الحذر، فأنت تطالعه وتأخذ عليه هذا ~~المأخذ، لكنك - مع هذا - يستحيل أن تفر من فتنة حديثه، فهو يمتاز بما يحدثه ~~في نفس قارئه من لذة ومتاع، وأسلوبه متدفع متحدر يتعرج به هنا وهناك، ~~فيبسط لك شتى الآراء والأفكار. # وله كذلك كتاب «روح القوانين» # 3 # الذي وضع به أساس البحث المقارن في الحكومات والتشريع، وفيه يبحث ~~الأخلاق والعادات في الأمم القديمة والحديثة على السواء. # على أن ms0640 أهم ما يعنينا من إنتاجه الأدبي كتابه «خطابات فارسية»، # 4 # الذي يسخر فيه من أباطيل الكنيسة والدولة والمجتمع والأدب السائد، ~~وفكرة هذا الكتاب أنه يتخيل رجلين من بلاد الفرس لهما قسط موفور من الثقافة ~~والمال، هما: «ريكا» و«أزبك»، # 5 # أخذ هذان السيدان الفارسيان يضربان في أرجاء أوروبا، حتى انتهى ~~بهما المطاف إلى باريس وشاهدا الحياة فيها. فاستوقفت أنظارهما بغرابتها، وطفقا ~~يتبادلان الرأي فيما يشاهدان، ثم يسجلان ما يلاحظان لينقلاه إلى أصدقائهما في ~~فارس، وكانت تأتي الرسائل في ذلك الحين إلى «أزبك» تنبئه أن مؤامرة تجري في ~~«حريمه»، وإنما أدخل الكاتب هذا العنصر في «خطاباته» ليشبع في قرائه رغبة ~~شديدة في مطالعة مثل هذه الأنباء عن النساء، حتى يكفل لنفسه متابعتهم لقراءة ~~«خطاباته» بما فيها من نقد للحياة الفرنسية نفسها، وليس الناقد هنا رجلا ~~تعود ما ألف من أوضاع سياسية واجتماعية فأفقدته العادة رهافة حسه، بل ~~النقد صادر عن سيدين مثقفين غريبين عن البلاد، لا يعميهما الغرض والهوى، ~~وبهذا استطاع مونتسكيو أن يلقي ضوءا ساطعا على مفاسد عهد الوصاية، الذي أعقب ~~عصر لويس الرابع عشر، فبين مفاسد السياسة، وانحلال المجتمع والنفاق في ~~الدين. ~~(1-2) فولتير # Voltaire ~~(1694-1778م) # لقد قيل إنه لو كان القرن السابع عشر عصر لويس الرابع عشر، فإن القرن الثامن ~~عشر هو عصر فولتير، وهذا حق لا ريب فيه، فلن تجد رجلا يصور ذلك العهد خيرا ~~من فولتير؛ ففي القرن الثامن عشر نشأت الطبقة الوسطى، وزاد ثراؤها، وكان فولتير ~~«بورجوازيا» ثريا، وفي القرن الثامن عشر ازدهرت العلوم الطبيعية التي تسلك ~~أسلوب البحث الجديد، وكان فولتير من هواة العلم يلتمسه أينما وجد إليه السبيل، ~~وفي القرن الثامن عشر استهدف بناء المجتمع بكل ما فيه من نظم دينية وملكية ~~وأرستقراطية للتغيير والتحوير، وكان فولتير في هذا الإصلاح رائدا وإماما، ~~فكأنما كان فولتير لعصره بوقا يعبر عما يضطرب فيه من مذاهب وآراء، فبات على ~~وجه الدهر وثيقة نطالع فيها نوازع ذاك الزمان. # في عام 1694م ولد لأسرة في باريس طفل نحيل ضئيل، ms0641 أسماه أبواه، إذ عمداه ~~«فرانسوا ماري أرويه»، # 6 # ولكنه أطلق على نفسه فيما بعد اسم فولتير، وقد كان له من هزال ~~جسمه ما أكسبه مزاجا حادا عنيفا، وعلة لا تنقطع أسبابها، حتى نيف عمره ~~على الثمانين وهو يشكو شكاية متصلة من ضعفه الذي يشرف به على الهلاك، ولكن هذه ~~العلة الملازمة لم تحل بينه وبين العمل الذي لا ينقطع، والعراك الذي لا ~~يهدأ، والكتابة المتصلة، والسخرية بعباد الله. # أراد له أبوه أن يكون محاميا، ولكن فولتير الشاب طمع في المناصب السياسية، ~~فاتصل ببعض العلية، ووفق إلى السفر إلى هولندا تابعا للسفير الفرنسي، ولكنه ~~ما لبث أن أثار السخط بسلوكه، من ذلك محاولته الفرار بفتاة أحبها، فأعيد إلى ~~فرنسا حيث الحكومة ضعيفة مستبدة، فحمل فولتير القلم وملأ الدنيا بالرسائل ~~والأناشيد، مع أنه يعيش في زمن تكفي فيه الإشارة من نبيل ليزج في السجن بمن ~~يشاء، فما هي إلا أن ألفى فولتير نفسه محكوما عليه بسنة يقضيها بين جدران ~~الباستيل، فكان ذلك درسا قاسيا حفزه إلى التفكير الجاد العميق في أخطاء ~~الحكومة المستبدة، مع أنه عومل في سجنه برفق ولين، وتركت له الحرية يعمل ما ~~يشاء، فانصرف إلى كتابة القصائد والمآسي فأنجز كثيرا من ملحمة أخرجها فيما ~~بعد، وهي ملحمة «هنرياد»، # 7 # حتى إذا ما خرج إلى الحياة الطليقة مثلت له رواية «أوديب»، # 8 # فلقيت نجاحا عظيما، وشاع اسمه بين الناس. # والشهرة في سن الثلاثين متعة، استمتع بها فولتير، وعاش بفضلها بين العظماء، ~~حتى لكأنه يعيش في حلم أذهله عن الدنيا الواقعة من حوله، ولكن حادثا وقع إذا ~~ذاك أيقظه من ذلك الحلم البديع، وألقى به في مسالك وعرة شائكة، وذلك أن ~~نبيلا استشاط منه غضبا، فأوحى إلى خدمه أن يوسعوه ضربا وتعذيبا، ففزع ~~فولتير إلى العدالة أن تقتص له من الأثيم المعتدي، ولكن هيهات! أيشكو نبيلا ~~جليلا فرد من الشعب؟ وسارعت أسرة النبيل فقذفت بهذا الذي اجترأ عليها ~~بالشكاية في ظلمات الباستيل، فلما قضى عهد السجن وأطلق سراحه، أقسم ليؤججنها ~~حربا ms0642 شعواء على المجتمع الذي احتمل مثل هذا الظلم الشنيع. # ها هنا ولد فولتير مولدا جديدا، فقد سافر إذ ذاك إلى إنجلترا، ولم يكد ~~يستقر به المقام هنالك حتى صادفه ما ازداد به فكره ثورة وانقلابا. فقد شاهد ~~أن أبناء الطبقة الوسطى من الإنجليز لهم أن يطمحوا إلى أرفع المناصب، ورأى ~~بعيني رأسه في تلك البلاد كيف يمكن للحرية والنظام أن يستقيما جنبا إلى جنب، ~~وأن الإيمان الديني السليم والفلسفة الحرة الطليقة يمكن أن يقوما في غير تشاحن ~~ولا عداء، شهد المذاهب الدينية الكثيرة تختلف وتصطرع، فتعلم الشك، وطالع «جون ~~لوك» فتعلم الفلسفة وقرأ «سوفت» فاتخذ طريقته الساخرة نموذجا يحتذيه، ودرس ~~«نيوتن» فعرف مذهبا علميا جديدا، وقابل في إنجلترا فريقا من أعلام ~~أدبائها: «بوب» و«سوفت» و«تومسن»، وتعلم الإنجليزية قراءة وكتابة وحديثا، ~~فأتقن مطالعة جزء كبير من الأدب الإنجليزي، إذ قرأ «شيكسبير» و«ملتن» ~~و«دريدن». حقا لقد علمته مرارة السجن في الباستيل أن يتمنى للناس مجتمعا ~~جديدا، ثم بينت له زيارته لإنجلترا كيف يمكن لهذا المجتمع الجديد أن ~~يكون. # عاد إلى فرنسا، وسرعان ما أعاد لنفسه الشهرة والثراء، فقد جاء هذه المرة إلى ~~أرض الوطن، وقد تغير وجه الدنيا في رأيه، فأخذ يكتب بقلم من نار كتابه ~~«رسائل فلسفية» أو «رسائل عن الإنجليز»، # 9 # وقد أراد حين يبسط لقومه النظم الإنجليزية أن يحفزهم إلى إعادة ~~النظر في أفكارهم السياسية والدينية، وبهذا وضع الأساس لمذهبه الجديد، على نحو ~~غير مباشر، وهذا المذهب الجديد يتلخص في كلمة واحدة: «الحرية»، فضلا عن أنه ~~أبان في هذا الكتاب أهمية التجارة وقيمة العلم، فكان هذا الكتاب وحده كفيلا أن ~~يضعه موضع الزعامة في الطبقة الوسطى فيما نشب بينها وبين الطبقة العليا من ~~عراك، وأدركت الشرطة ذلك فصادرت الكتاب وأحرقته في ساحة العدل بقرار من ~~المحكمة، وكان لا بد لكاتبه - إن أراد لنفسه النجاة - أن يلوذ بالفرار، فاحتمى ~~بصديقته المعجبة به «المركيزة دي شاتليه»، # 10 # وأقام في كنفها ستة عشر عاما، درست معه خلالها علوم الفلك ~~والميكانيكا والكيمياء، كما ms0643 درست عليه التاريخ بصفة خاصة، ومن أجلها كتب ~~فولتير في التاريخ كتاب «حياة شارل الثاني عشر» # 11 # وغيره من كتب التاريخ، وقد أرادت «مدام دي شاتليه» - كبعض النساء ~~اللائي أحببن عظماء الرجال - أن يعترف العالم ببطلها، فحاولت أن توفق بينه ~~وبين البلاط، وأصابت التوفيق فيما حاولت، كما وفقت في ضمه إلى المجمع ~~الفرنسي، ثم أراد الله لفولتير أن يحرم هذا الوكر الهادئ، إذ هامت «مدام دي ~~شاتليه» حبا بشاب جميل أذكى فيها العاطفة، وما هي إلا أن جاءتها المنية ~~وهي تضع ثمرة ذلك الحب، فحزن فولتير على فقدها حزنا شديدا عميقا. # عندئذ أوى فولتير إلى فردريك الثاني ملك بروسيا، وقد كان بينهما تبادل ~~الرسائل الودية، وكان فولتير يتمنى للإنسان «حكيما حاكما»، أو مستبدا ~~مستنيرا، وظن أن هذه الأمنية الجميلة تتمثل في فردريك، ولكنه لم يلبث مع ذلك ~~المستبد المستنير في مقر حكمه طويلا، حتى تبين له أن الملوك الفلاسفة يصطنعون ~~من وسائل الحكم ما يصطنعه الملوك الطغاة في فرنسا، فأين المفر؟ إلى سويسرا. ~~فلعله واجد في تلك الجمهورية من الدعة والأمن ما لم يجده في أحضان الملوك، ~~ولكنه سرعان ما صادف لونا جديدا من ألوان العسف البغيض، وهو ما يضطرم في نفوس ~~الناس من تعصب ممقوت، فلم يطمئن رجال الدين في سويسرا إلى مقامه بينهم، وأخذوا ~~يتحرشون به ويثيرون الناس عليه، وإذن فلن يجد الرجل حياة آمنة في سويسرا أو ~~فرنسا، فاتخذ لنفسه منزلين على جانبي الحدود الفرنسية السويسرية، ليفر إلى هنا ~~إذا عصفت به العاصفة هناك، ثم يقفز راجعا إلى هنالك إذا دارت به الدوائر ~~ههنا. # على هذا النحو أقام أمدا طويلا أتاح الفرصة لاسمه أن يسير بين الناس شهرة ~~وذيوعا، فمن عرينه ذاك الذي كمن فيه واختفى من وجه الشرطة، أخذ ينثر رسائله ~~ومقالاته نثرا متلاحقا، فلا تكاد تظهر حتى تشيع في أرجاء أوروبا، وهو في هذه ~~الرسائل يجد حينا ويسخر حينا، وكثيرا ما أخذ على نفسه أن يدفع عن بريء ~~تهمة باطلة، فاقترن اسمه بين الناس بالشجاعة ms0644 الأدبية والإنسانية الرحيمة، فسمع ~~عنه من الناس ألوف لم يطالعوا ما كتب، حتى بات فولتير في أفواه الشعب أسطورة ~~تروى. # وكان بين ما أنتجه فولتير في حياته الأدبية الخصيبة في صحبة «مدام دي شاتليه» ~~«الدنيا كما تسير» # 12 # و«صادق» # 13 # و«ميكرومجا»، # 14 # فلما ذهب إلى بروسيا وأقام مع ~~فريدريك كتب «قرن لويس الرابع عشر»، # 15 # وانتقل من بروسيا إلى سويسرا حيث أقام قريبا من جنيف، فكتب قصائده ~~المشهورة «كارثة لشبونة»، # 16 # و«القانون الطبيعي»، # 17 # كما أخرج «مقالة في السلوك»، # 18 # وأخيرا وهو في مستقره عند الحدود الفرنسية السويسرية، أخرج ~~عددا من المآسي منها «تانكريد»، # 19 # وقصصا قصيرة منها «كانديد»، # 20 # ونقدا أدبيا من بينه «تعليق على كورني»، # 21 # وتاريخا مثل كتابه «تاريخ الروسيا في عهد بطرس الأكبر»، # 22 # وكتابه «تاريخ محكمة باريس»، # 23 # وفلسفة منها «رسالة في التسامح»، # 24 # و«قاموس فلسفي». # 25 # إن مؤلفات فولتير تؤلف مكتبة كاملة، فهي تبلغ عددا يربي على مائتين وستين ~~مؤلفا - منها الطويل ومنها القصير - فيها ملحمة، وفيها قصائد تهذيبية، وفيها ~~ضروب مختلفة من الشعر، وفيها مآس وملاه وتاريخ وسير، وفيها أبحاث علمية ~~ورسائل دينية ومقالات فلسفية، وفيها قصص ونقد، أضف إلى ذلك كله أنه كان دائم ~~المراسلة مع أصدقائه العديدين، حتى بلغ ما كتبه من رسائل أكثر من عشرة آلاف! ~~فانظر إلى هذه الخصوبة النادرة التي لم تمض بغير أثر سيئ، فقد اقتضته أن ~~يبعثر قواه بعثرة لم تمكنه أن يكون أديبا من الصف الأول في إنتاجه! فلم ينتج ~~شيئا نستطيع أن نضعه في الطراز الممتاز من نوعه. # وسنرجئ فولتير الكاتب المسرحي، وفولتير الشاعر، إلى أجزاء أخرى تالية. أما ~~في هذا الجزء الذي خصصناه للنثر الفرنسي، فلا يسعنا أن نقول عن أسلوبه، إلا أنه ~~المثل الأعلى الذي يطمح إليه كل من حمل القلم؛ فهو أسلوب زاخر بالصور، ولكنه ~~واضح، قوي نفاذ إلى القلوب، لكنه سهل سلس، تراه دائما كأنما لم تمسسه يد ~~الفنان إلا مسا رفيقا، لكنه مع ذلك مترع بلفتات الذكاء الوقاد، فبهذا ms0645 ~~الأسلوب الموسيقي الرخيم أنشأ فولتير ما أنشأه على اختلافه وتنوعه. ولئن حقق ~~له أسلوبه سائر أغراضه، فقد كان قبل كل شيء أداة طيعة مكنته من السخرية ~~التي بلغت في كتابته حدا لم تكد تبلغه عند كاتب آخر، فاستحق من أجلها في ~~تاريخ الأدب أن يلقب «بالساخر العظيم». وممن كان يسخر فولتير؟ من كل ما نفر ~~منه قلبه من القساوسة والملوك والطغاة والظالمين؛ فهؤلاء جميعا أعداء لما أحب ~~واشتهى وجاهد حياته من أجله، هم أعداء الله والحب والعطف، هم أعداء الحرية في ~~الفكر والعمل. وجدير بنا في هذا الصدد أن ننفي عن فولتير تهمة الإلحاد التي ~~لصقت به مع أنه أنفق حياته يحارب مذاهب الملحدين من معاصريه، وبنى كنيسة نقش ~~على جدرانها «مهداة إلى الله من فولتير.» وفي ذلك قال: «لن تجد كنيسة غير هذه ~~أهديت إلى الله، إنما تبنى الكنائس للقديسين، أما أنا فأوثر أن أكون خادما ~~للسيد على أن أكون خادما لأتباعه.» # وفولتير - فضلا عن مكانته الأدبية - مؤرخ بدأ طريقة جديدة في كتابة ~~التاريخ، فمؤلفة «مقالة في السلوك» تحدد بداية طور جديد في دراسة الإنسان ~~لماضيه، وأخذ المؤرخون ينهجون منهجه، فتطور علم التاريخ بهذا تطورا ملحوظا، ~~نعم تستطيع أن تأخذ على هذا المؤلف بعض المآخذ، فهو أحيانا يذكر تفصيلات ~~خاطئة، وهو كثيرا ما يصل إلى تعميمات لا عمق فيها، وتراه في بعض المواضع ~~يتأثر بالهوى، ومع ذلك كله فهو - كما قلنا - يحدد طورا جديدا في كتابة ~~التاريخ؛ لأنه ينتزع من الحوادث التاريخية فلسفة قائمة على التطور الطبيعي، لا ~~على تدخل قوة فوق الطبيعة، فقد كان المؤرخون قبله يعللون مجرى الحوادث بإرادة ~~عليا تشرف عليها فتوجهها كيف شاءت. أما فولتير فلا يرى في حوادث التاريخ - بل ~~في حوادث الكون كلها - إلا أسبابا تعقبها مسببات، وهو أيضا لا يجعل التاريخ ~~سجلا للحروب والملوك، بل يجعله قبل كل شيء تاريخا للمدنية الإنسانية والتقدم ~~العقلي. # وهو في فلسفته يتابع المدرسة الإنجليزية وعلى رأسها «بيكن» و«لوك»، التي ~~تعتد بإدراك الحواس وبالتجربة في علمها بالأشياء، ms0646 وفي الدين لا يعادي المسيحية ~~في ذاتها، بل يعادي النظام الكنسي السائد في عصره؛ إذ كان هذا النظام في رأيه ~~مقرونا بالتعصب والقسوة والهوس، هو يعادي المذهب الكاثوليكي الروماني الذي ~~يراه عاملا من عوامل الجمود التي تعوق حركة التنوير والتقدم، فهو مؤمن بالله، ~~لكنه لا يحترم الشعائر التي تدل على نفاق، وهو كذلك لا يؤمن بالوحي، وذلك عنده ~~لا يتنافى مع إيمانه بالله، وأما مذهبه في الأخلاق فهو المذهب النفعي الذي يجعل ~~الفضيلة فضيلة؛ لأنها تنفع الإنسان، لا لأنها واجب مجرد يجب أداؤه بغض النظر ~~عن نتائجه، فمصلحة المجتمع هي المقياس الوحيد الذي يقاس به العمل إن خيرا ~~وإن شرا. # وفيما يلي موجز لقصته «كانديد» لعلها تدلك على شيء من خصائصه: # كان شاب يعيش في قصر بارون بوستفاليا، وكان بطبعه قويم الخلق، طيب القلب ~~صريحا؛ ولهذه الصفات أطلق عليه اسم «كانديد». وقد كان خدام القصر يظنون ~~كانديد ابن أخت البارون نجلته من جار فاضل لم تقبل الزواج منه؛ لأنه لا ~~يحفظ من أسماء أجداده إلا واحدا وسبعين اسما، ومحا الزمان بقية أسلافه، وليس ~~هذا دليلا على النسب الشريف. # وكان للبارون ابنة اسمها «كونجوند» في السابعة عشرة من عمرها، فتانة جذابة، ~~وكان «بانجلوس» شيخا في قصر البارون يلقي فيه المواعظ الدينية التي اعتاد ~~كانديد أن يصغي إليها في سذاجة سنه وبساطة أخلاقه، وكانت أولى تعاليم الشيخ ~~وأهمها «أن لا معلول في هذا العالم بغير علة، وأن هذه الدنيا خير ما يمكن ~~خلقه من الدنى.» يقول بانجلوس: إن الأشياء لا يمكن أن تكون على غير ما هي ~~عليه، فكل شيء أعد لغاية مقصودة، وهي بالضرورة خير غاية يمكن أن يقصد الخالق ~~إليها، فالأنف قد أعد ليحمل المنظار، ومن ثم كانت لنا مناظير، والساق قد أعدت ~~للجورب، ومن ثم كانت لنا جوارب، والصخور أعدت لتنحت في حصون وقصور، ومن ثم ~~كان لسيدي البارون هذا القصر الجميل، والخنزير خلق ليؤكل، ومن ثم كان لحم ~~الخنزير لنا طعاما، فلا يكفي إزاء هذا كله أن نقول ms0647 إن العالم خير، بل ينبغي أن ~~نضيف أن ليس في الإمكان أبدع مما كان. # أصغى كانديد في انتباه إلى تعاليم الشيخ، وآمن بما سمع، وكان طوال إقامته ~~بالقصر مفتونا بابنة البارون «كونجوند»، ولكنه لم يجرؤ أن يعلن لها إعجابه ~~بها، فقد تقابلا ذات صباح، وعلتها حمرة الخجل وعلته، وحيته بصوت ~~متقطع وحياها، وفي اليوم التالي تقابلا مصادفة وراء ستار. فأسقطت كونجوند ~~منديلها والتقطه كانديد، فأمسكت الفتاة بيد الفتى، فقبل كانديد يدها في لهفة ~~وعاطفة مشتعلة، وتقابلت منهما الشفاه وتلاقت النواظر وارتعشت الأطراف، ثم شاءت ~~المصادفة كذلك أن يجيء البارون على مقربة من الستار، فوقعت عينه على سبب ~~ومسبب من أسباب الدنيا الكثيرة ومسبباتها، لكنه قذف بكانديد خارج القصر ~~وركله ركلا عنيفا، وسقطت كونجوند في إغماءة لم تكد تفيق منها حتى صفعتها أمها ~~البارونة على أذنها صفعة قوية؛ وبهذا اضطرب الأمر كله في قصر كان أبدع ما يمكن ~~لقصر أن يكون. # خرج كانديد من فردوسه الأرضي طريدا، فطوف أمدا طويلا، لا يدري إلى أين ~~يسير، يبكي ويصعد البصر إلى السماء، ثم يصوبه الحين بعد الحين إلى أجمل ~~القصور التي تحوي أروع النساء، وكان يبيت على الطوى، ويفترش الحصباء في الحقول ~~العارية والثلج يتساقط فوقه أكداسا فوق أكداس، فلما أوشك أن يجمد جمود الموت ~~أخذ يزحف في الصباح، حتى بلغ القرية المجاورة، وليس معه من المال شيء، ثم ~~هده النصب، فوقف منهوكا أمام فندق، فمر به سيدان في ثياب زرقاء، ~~فقال أحدهما للآخر حين أبصراه: «هذا يا أخي رجل جميل البنية ملائم الطول.» ~~وتحدث السيدان إلى كانديد واصطحباه في رفق إلى حيث تناول معهما طعام ~~الغداء . # قال كانديد: ليس معي يا سادة ثمن الطعام. # فقال أحدهما: لا عليك، فإن من في أسمالك لا يدفعون شيئا، ألست تبلغ في ~~الطول خمس أقدام وخمس بوصات؟ # فقال كانديد: نعم، سيدي، فهذا مقياس طولي. # فقال أحدهما: تعال يا سيدي واجلس إلى هذه المائدة، فأنت ضيفنا، بل لن ندع ~~رجلا مثلك بغير مال، فقد خلق الناس ليعين ms0648 بعضهم بعضا. # قال كانديد: إنك لعلى حق فيما تقول، وهذا ما أنبأنيه بانجلوس، وها أنا ذا أرى ~~كل ما في العالم يسير نحو الخير. # قال أحدهما: ألا تحب ... # فقال كانديد: نعم، أحب كونجوند. # قال أحدهما: بل أسألك هل تحب ملك البلغاريين؟ # فأجاب كانديد: كلا، فلم أره. # قال أحدهما: وكيف ذاك! إنه أفضل الملوك، وينبغي أن تشرب نخبه. # فقال كانديد: ها أنا ذا أشرب نخبه بكل قلبي. # فقال السيد: كفاك هذا، فقد غدوت الآن من حماة البلغاريين وبنيت مجدك. # ثم قيداه في أغلال الحديد وساقاه إلى فرقة بالجيش وعلماه كيف يسل ~~السيف وكيف يطلق النار، وكانا يجلدانه كلما أخطأ حتى بات كانديد بين الجند ~~بارعا. # ولكن عن له ذات يوم أن يسير على عقيدة عنده بأن للإنسان ما للحيوان من حق ~~في استخدام أعضاء جسمه كيف شاء، ولكنه لم يكد يبعد في مسيره حتى أقبل عليه ~~أربعة رجال وشدوا وثاقه، وألقوا به في غياهب السجن، ثم جيء به أمام القضاء، ~~فسألوه أيهما يفضل؟ أن يضرب بالسياط ستا وثلاثين مرة، في كل مرة يضربه ~~جنود الفرقة جميعا، أم أن يطلق عليه اثنا عشر رصاصة؟ وعبثا حاول أن يقيم ~~الدليل على أن إرادة الإنسان حرة، وأنه يرفض العرضين جميعا، ولكنه أرغم ~~على الاختيار فآثر العقاب الأول، وكان اختياره هذا دليلا على ما وهبه الله ~~للإنسان من حرية في الإرادة! فأخذت السياط تنوشه، حتى بلغت الضربات ألفين في ~~مرتين اثنتين، وكان ذلك كافيا أن يمزق جسده تمزيقا، فلما هم الجند أن ~~يبدءوا في المرة الثالثة صاح بهم كانديد أن يرحموه فيقتلوه، وقبل منه الرجاء ~~وشد فيه الوثاق، لولا أن ملك البلغاريين مر بهم، وسأل المذنب ما ذنبه؟ ~~فأجاب الفتى قائلا: إنه شاب حدث اشتغل بالفلسفة فجهل أمور الدنيا وتلك ~~جريرته، فعفا عنه الملك وتولى علاجه طبيب فبرئت جروحه بعد ثلاثة أسابيع، وما ~~كاد يستقيم على قدميه حتى نشبت الحرب بين البلغاريين وأعدائهم، ها هي ذي ~~المدافع تحصد الجند حصدا في هذا العالم الذي هو ms0649 خير ما يمكن خلقه، وليس في ~~الإمكان أبدع منه! وكان كانديد فيلسوفا فلم يطق أن يرى تلك المجزرة البشرية ~~فاختبأ، ثم انتهز فرصة كان الجند فيها يرتلون أناشيد الصلاة، وأسرع هاربا يخطو ~~فوق جثث وأشلاء، حتى بلغ قرية في أرض أعداء البلغاريين، فألفاها رمادا إذ ~~أحرقها البلغاريون وفقا للقانون الدولي، وشهد هنالك كهولا أثخنتهم الجراح ~~يرمقون بعيون كليلة جثث زوجاتهم ملقاة على الأرض طرحى، وشهد في موضع آخر ~~ناسا تأكلهم ألسنة النار في بطء، فأخذوا يضرعون إلى الله أن يمن عليهم ~~بموت سريع، فسارع كانديد إلى قرية أخرى من قرى البلغاريين أنفسهم، فلقي ~~الكوارث بعينها، فها هو ذا يطأ أعضاء مبتورة لتوها لا تزال ترتعش بالحياة، ~~فمضى مسرعا حتى خلص من ميدان القتال، وليس في وفاضه إلا قليل من زاد، لكنه لم ~~ينس قط فاتنته كونجوند! # وبلغ كانديد أرض هولنده، وطفق يسأل الناس إحسانا، فيتهدده الناس بالسجن ~~إذا هو لم يكف عن السؤال، وأخيرا صادف رجلا كان قد أنفق ساعة كاملة يحاضر ~~جمعا حاشدا في وجوب الإحسان، فمد إليه كانديد يد المحتاج، فنظر إليه الخطيب ~~سائلا: «ماذا أنت صانع هنا يا فتى؟» فأجاب كانديد: إن ضرورة الحوادث قد دفعته ~~إلى طلب الإحسان دفعا، ولم يكن له قدرة على تحوير مجرى الأسباب والمسببات في ~~هذه الدنيا، فنهره الخطيب قائلا: عني أيها الوغد! # وهكذا مضى عنه من كان يدين بالعقيدة المسيحية في الحب والإحسان، وشاءت ~~المصادفة أن يمر به رجل لا يدين بالمسيحية، وأشفق الرجل على هذا الإنسان ~~البائس، وإنه لإنسان كسائر الناس يمشي على قدمين، وليس هو من ذوات الظلف أو ~~الجناح! فاستصحبه إلى داره وأطعمه وعلمه صناعة يؤديها في مصانعه. # وخرج كانديد في صبيحة اليوم التالي يجول في الطريق، فقابل سائلا كادت حروق ~~النار تمزق جسمه، وقد عشيت عيناه وتآكل أنفه، واعوج فمه واسودت أسنانه، ~~فتحركت الشفقة في قلب كانديد وناول ذلك المسكين قطعتي النقود اللتين كان رجل ~~الأمس قد أعطاهما إياه، فنظر إليه الشيخ، وكاد يسقط على الأرض ودمعت ms0650 عيناه، ~~فذعر كانديد وخطا إلى الوراء فزعا. # قال الشيخ: وا أسفاه! ألست تعرف صديقك بانجلوس؟ # فأجاب كانديد: ماذا تقول؟ أهو أنت أستاذي العزيز؟ كيف حالت حالك وماذا أصابك ~~من السوء؟ ما الذي أخرجك من أجمل القصور، وماذا حدث لكونجوند؟ # قال الشيخ (وقد نقله كانديد إلى إسطبل سيده وأطعمه): ماتت كونجوند. # فطار صواب كانديد، ثم أفاق، فقال: هل ماتت كونجوند؟ أيتها الدنيا وأنت خير ما ~~يمكن خلقه من الدنى! وكيف ماتت؟ # فأجاب الشيخ: بقرها الجند البلغاريون، ولما أراد البارون أن يحميها ضربوه، ~~ثم قطعوا البارونة إربا إربا، وهدموا القصر، حتى لم يبق فيه حجر على حجر، ~~لكننا انتقمنا، إذ أحدث جندنا مثل هذا في قصر لأمير بلغاري. # واستعطف كانديد سيده أن ينفق على علاج أستاذه، وشفي بانجلوس لولا أنه فقد ~~عينا وأذنا، واستخدمه السيد حاسبا؛ لبراعته في الحساب، وبعد حين شاءت ~~الضرورة لذلك الرجل أن يرحل إلى لشبونة، فاستصحب الفيلسوفين بانجلوس وكانديد، ~~وأخذ بانجلوس يشرح لسيده وهما في الطريق كيف لم يكن في الإمكان أبدع مما كان، ~~فلم يوافقه الرجل على رأيه ذاك، فأضاف بانجلوس: إن طبيعة الإنسان قد فسدت، ~~فالله لم يخلق الناس ذئابا، لكنهم قد باتوا من الذئاب، إن الله لم يعط ~~الناس مدافع أو بنادق، لكنهم صنعوها ليفتك بعضهم ببعض ... ولكن الشرور الفردية ~~تكون في النهاية الخير العام، وبينما هو ماض في حديثه ذاك، اكفهرت السماء ~~وهبت الريح، وعصفت العواصف بالسفينة وهي على مرأى من ميناء لشبونة. # ولم تلبث السفينة أن باتت حطاما، وغرق كل من عليها إلا بانجلوس وكانديد ~~ومعهما بحار فظ غليظ القلب، ولكن لم يكد الفيلسوفان يطآن أرض لشبونة ، حتى ~~زلزلت الأرض زلزالها، واندلعت نار بركانها. وامتلأت الشوارع باللهب والرماد ~~وترنحت الدور فوق أساسها، واندكت قوائمها، وقضى ثلاثون ألفا من سكان ~~المدينة نحبهم صرعى، وأصابت كانديد قطع من الصخر هوت عليه فجرحته وسقط يتمرغ ~~من الألم. # وبينما الناس في فزعهم والهون، أخذ بانجلوس يهدئ من روعهم، وينزل السكينة ~~على قلوبهم بقوله: إن كل ما يحدث ms0651 في الدنيا معقول مقبول؛ لأن العالم خير، ولا ~~بد أن يقع فيه ما وقع؛ لأن لكل شيء سببا، فجذبه شاب يتشح بالسواد - وكان ~~عضوا في محكمة التفتيش - وقال له: يظهر أنك يا سيدي لا تؤمن بالخطيئة الأولى، ~~فلو كان كل شيء خيرا لما هوى الإنسان من الجنة، ولا كان هناك عقاب، وكأني ~~أسمعك تقول: إن كل شيء مقدور، وإذن فأنت لا تؤمن بحرية الإرادة. فبدأ بانجلوس ~~يجيب بأن حرية الإرادة لا تعارض الجبر؛ لأنه من جبر الإرادة أن تكون ~~حرا. # لكن الشاب القسيس لم يمهله حتى يفرغ من جوابه، وأمر به فقبض عليه وزج في ~~السجن، كما سجن تلميذه كانديد؛ لأنه كان يستمع إليه في إعجاب. # هدأت الأرض بعد زلزالها، وقد تهدم من لشبونة ثلاثة أرباعها، فأجمع حكماء ~~المدينة أن لا وسيلة للإنقاذ خير من أن يلقى ببعض المذنبين في النار ليحترقوا ~~احتراقا بطيئا في حفل من الناس يرتلون لله الصلاة والدعاء، وإن هي إلا أيام ~~قلائل تمضي حتى جيء برجل رفض أن يأكل الطعام مطهيا بالشحم، مع أنه تقليد لا ~~بد من احترامه، وألقي بالمسكين في النار، كذلك جيء بكانديد وأمر أن ~~يجلد بالسياط، كما سيق بانجلوس إلى حبل المشنقة؛ لأنه إباحي التفكير، حدث ~~كل هذا والناس من حولهم يرتلون الدعوات وينشدون الصلوات أن ينقذ الله لشبونة من ~~زلزالها المخيف. # فلم يسع كانديد - وقد هاله ذلك كله - أن يصيح: «إن كانت هذه الدنيا خير ما ~~يمكن خلقه، فما عسى أن تكون أسوأ الدنى؟» # هذا مثال لفولتير، ولن تخطيء فيه روحه الهازلة الساخرة، فهو يهزأ بمن ينظر ~~إلى الدنيا نظرة التفاؤل، لما يراه في العالم من ألوان الشرور، وقد أمسى أسلوب ~~فولتير - الذي يمتاز بالتدفق والصقل والبساطة والوضوح - مثلا أعلى يطمح إليه ~~الكاتبون، وأوحت قصة «كانديد» بما أوحت إلى «رينان» و«أناتول فرانس» من كتاب ~~فرنسا، ثم تعدى تأثيره أرض الوطن إلى سائر الأقطار المجاورة، فاحتذاه «بيرون» ~~في تهكمه، وتمنى «برناردشو» أن يقوم في إنجلترا بالدور الذي قام به فولتير في ms0652 ~~فرنسا من نقد وتهذيب يقومان على السخرية اللاذعة. ~~(1-3) ديدرو # Diderot ~~(1713-1784م) # وهذا رجل آخر وقف بإنتاجه العظيم الضخم إلى جانب فولتير، هذا يذيع في الناس ~~آراء «جماعة الفلاسفة» الذين أرادوا قلب المجتمع عن طريق التنوير العقلي بفطنته ~~وسخريته وسحر أسلوبه، وذاك ينشرها نشرا علميا هادئا، وقد أراد له أبوه بادئ ~~الأمر أن يلتمس سبيله إلى وظائف الكنيسة، أو أن يدرس القانون أو الطب، فأبى ~~الفتى على أبيه ما أراد له، وفقد بذلك معونته، فأصابه الإملاق، ولم يستطع العيش ~~إلا بمجهوده الشاق، معلما وكاتبا مأجورا لأصحاب المكاتب، فيكتب لهم ما ~~يؤجرونه على كتابته، فهذا كتاب يطلب إليه ترجمته، وتلك قصة وضيعة يكتبها إجابة ~~لدعوة من الناشر الذي يتلمس موارد الكسب بكل السبل، بل هذه مواعظ يعدها لتلقى ~~في الكنائس، وكان قد جمع نتاجه الفكري الخاص في «آراء فلسفية»، # 26 # لكنها أحرقت بأمر من برلمان باريس، ثم ازداد عليه سخط القابضين ~~على زمام الحكم حين نشر «خطاب عن العمي موجه إلى المبصرين»، فألقوه في ~~السجن، وبعدئذ هم بعمله الجسيم الذي لبث مشتغلا به عشرين عاما أو يزيد، ~~وهو إعداد موسوعة شاملة للمعارف الإنسانية جميعا، ولو أن ذلك لم يمنعه أن ~~يتابع إخراج ما يجيش به صدره من خواطر، ومع ذلك كله ألمت به ضائقة مالية في ~~أخريات سنيه، فأعانته عليها «كاترين» إمبراطورة الروسيا التي شاءت أن تكون ~~راعية له تحميه، وزارها الكاتب في قصرها زيارة لم تطل، ثم عاد إلى باريس حيث ~~عاش عيشة هادئة إلى أن وافته منيته. # هكذا أخذ «ديدرو» ينثر كفايته ومواهبه نثرا ذات الشمال وذات اليمين، لا يحرص ~~لنفسه على وقت أو عافية أو مال، قد حباه الله عقلا يموج بالأفكار المبتكرة، ~~كأنه الحقل الخصيب ينبت في كل يوم من صنوف النبات ألوانا، لكنه مع ذلك أعوزته ~~القدرة على التفكير المتسلسل المتساوق، كما امتنعت عليه القدرة على التركيز، ~~ومن هنا كان غزير الإنتاج، قوي الفكر، لامع القريحة، ومع ذلك لم يخلف لنا ~~شيئا نستطيع في وضوح وجلاء ms0653 أن نرى فيه فلسفته الخاصة، ولا هو ترك فيما ترك ~~أثرا فنيا واحدا يدل على الصقل والتجويد، على أن لنا أن نقول عن فلسفته ~~إنها مادية صميمة، وهو في وجهة نظره إلى الأدب يبشر بمذهب الابتداع، إذ دعا ~~إلى ضرورة اعتماد الفكر العبقري الموهوب على نفسه، فلا حاجة به إلى قواعد ~~القدماء ونماذجهم يحتذيها، فها هي الطبيعة أمامنا، ففيم العودة إلى ما قاله ~~آباؤنا؟ نعم إن للآثار الأدبية القديمة قدرها العظيم، ولكن هل يعني ذلك أن ~~نحد قرائحنا بحدودها؟ لهذا كنت تراه شديد الإعجاب بالخارجين على قواعد ~~الاتباع من أدباء الإنجليز، أمثال «رتشردسن» # 27 # و«ليلو» # 28 # و«مور» # 29 # و«ستيرن». # 30 # ولنا إلى هذا الحديث عودة حين نتناول أديبنا في جزء تال كاتبا مسرحيا، ~~ولديدرو فوق ما ذكرنا «آراء غريبة عن ممثل الملهاة»، # 31 # ولعله أمتع كتبه جميعا، وفيه بحث في قواعد الفن التمثيلي، وله ~~كذلك «ابن أخي رامو»، # 32 # وهي قصة جميلة يسخر فيها من أخلاق العصر، وقد ترجمها «جيته» إلى ~~الألمانية. وقصة أخرى عنوانها «الراهبة»، # 33 # فيها وصف لحياة الأديرة، وله كذلك «جاك المؤمن بالقدر وسيده»، # 34 # وهي ليست قصة بالمعنى الصحيح للقصة، بل هي سلسلة محاورات ومناقشات ~~تتخللها حكايات ومغامرات. وأخيرا نذكر مقالاته التي كتبها عن معارض التصوير ~~التي أقيمت في باريس من سنة 1759م إلى سنة 1795م، وقد نشرها باسم «الصالون»، ~~وهو في هذه المقالات يميل إلى مذهب الابتداع، معترضا على رجال الفن الذين ~~يشترطون التقيد بأوضاع الفن القديم بقوله: «وماذا لو لم يكن في الوجود ~~قديم؟» # وأجل إنتاجه قدرا هو «الموسوعة» - أو دائرة المعارف - التي أدارها وساهم ~~في تحريرها، فقد أحس الناس أن المعارف المتفرقة لا بد من جمعها ليكون ~~للإنسانية من مجموعها سبيل مؤدية إلى الحق، وكان هذا الإحساس هو الحافز الذي ~~دفع «ديدرو» إلى إنشاء الموسوعة، فجاءت كنزا زاخرا بكل صنوف العلم والمعرفة ~~التي وصل إليها العقل البشري حتى ذلك الحين، بل أضافت إلى ذلك أنها وضعت أساس ~~المذهب الديمقراطي. وقد عاون «ديدرو» في ms0654 هذا المشروع الضخم طائفة ممتازة من ~~الأعلام والفحول - كان بينهم فولتير وروسو - ولعل هذا الخطاب الذي أرسله فولتير ~~إلى ديدرو، يقرب لك أساس هذه الموسوعة، قال: «ما أشبه موسوعتك ببرج بابل؛ ~~فيها الطيب والخبيث، وفيها الحق والباطل، وفيها الجد والمرح، كلها مجتمعة في ~~كتاب واحد، ويخيل إلي أن بعض فصولها قد كتبه متأنق متحذلق وهو جالس في ~~«صالونه»، وأن بعضها قد كتبه خادم قذر وهو في مطبخه. إن قارئ الموسوعة لينتقل ~~فها من أعلى سماء يحلق فيها الفكر إلى أسخف السفاسف التي تبعث في نفسه ~~الملل.» # ورأى أولو الأمر أن ظهور هذه الموسوعة ~~يفتق الأذهان فيؤدي إلى خطر، فاضطهدوها وقاوموها، واضطر ناشرها إلى إخراج ~~مجلداتها الأخيرة في طي الكتمان خشية أن يصيبه من الشرطة أذى، وقد حدث أن ~~أصابت ديدرو خسارة فادحة حين داهمت الشرطة يوما دار المطبعة فأتلف عامل ~~جبان كل «التجارب» بغير إذن من سيده. وهكذا أخرجت موسوعة العلوم للناس، فكانت ~~عملا جليلا يخلد اسم «ديدرو» على وجه الزمان، ولو أنه لم يدر على صاحبه من ~~الربح أكثر من جنيهات عشرة في كل شهر مدى عشرين عاما كاملة أنفقها في إخراجها، ~~وبهذه الموسوعة كان «ديدرو» رسول المعرفة في عصره، فقد كان ينكر الوحي مثل ~~فولتير وروسو، ويؤمن بأن إنقاذ العالم مرهون بنشر المعرفة والفضيلة. # هذا هو «ديدرو» بإنتاجه المتنوع الغزير، فهو - في عصره - الصحفي الموهوب ~~الذي ينتج إنتاجا سريعا متلاحقا فيه سمات الإهمال إلى جانب ما فيه من طابع ~~النبوغ والتجديد واستقلال الرأي. ويقول عنه سانتسبري: «إنه يوشك أن يكون أكثر ~~الأدباء خصوبة في تنوع آرائه؛ فيستحيل أن تجد موضوعا لم يعالجه ديدرو، ويكاد ~~يستحيل أن تذكر موضوعا لم يقل فيه بعض الآراء الخالدة التي تدعو إلى ~~الإعجاب.» ~~(1-4) روسو # Rousseau ~~(1712-1778م) # كانت «جماعة الفلاسفة»، التي يمثلها فولتير وديدرو، تعتد بالعقل وحده، ولا ~~تؤمن إلا به، فجاء «جان جاك روسو» مزدريا العقل ومنطقه، مؤمنا بالعاطفة ~~والشعور، فكان بذلك بمثابة رد الفعل الذي يعقب التطرف ليرده إلى الصواب. # ولد ms0655 لأب يصلح الساعات في جنيف، ولما بلغ الثالثة عشرة أمر أن يعاون رجلا ~~يسجل العقود كي يحترف هذه المهنة بعد تدريبه، لكن سرعان ما رأى فيه «المسجل» ~~غبيا بليدا ففصله، فوضع الفتى حيث يتعلم فن النحت، وقضى ثلاثة أعوام يعمل ~~مع رجل فظ غليظ أخذ يقسو عليه ويستذله، فما وسع صاحبنا إلا أن يعمد إلى ~~الفرار، وهام على وجهه لا يعلم لنفسه غاية يقصد إليها، حتى انتهى به السير إلى ~~قرية تسمى «كونفينيون»، # 35 # وهنالك استطاع القسيس أن يرده عن عقيدة أبويه البروتستنتية إلى ~~الكاثوليكية، لقاء غداء طيب قدمه إليه، ثم أرسله إلى سيدة في «آنسي» # 36 # هي «مدام دي وارنز» # 37 # رجاء أن تعظه وترشده، ولم يكد الفتى يتصل بالسيدة حتى أحبها، وما ~~هي إلا أن أرسلته «مدام وارنز» إلى «تورين» ليعمد على العقيدة الجديدة ~~ويؤخذ بشعائرها، وقضى هنالك فترة أطلق بعدها ومعه قليل من الفرنكات أعطيها، ~~فراح ينفق هذا المال القليل بغير حساب، حتى نفد، واشتغل خادما بضعة أشهر، ثم ~~لم يطق على ذلك صبرا، فهم بالرحيل إلى «مدام وارنز»، وهنالك في دارها أقام ~~ما يقرب من عشر سنوات إقامة كادت تتصل؛ إذ تخللتها فترات صغيرة غاب فيها عن ~~دارها؛ ليشتغل معلما للموسيقى في لوزان مرة، وليكون خادما لأحد الضباط مرة ~~أخرى، وهكذا. ثم حدث أن طاف بدار «مدام وارنز» حلاق جوال، فاغتصب حب السيدة ~~لنفسه، وبادلته السيدة الحب، فما عتم «جان جاك» أن غادر الدار مغيظا محنقا، ~~وقصد إلى باريس وليس معه إلا قليل مال، وملهاة كتبها عنوانها «نارسيس»، # 38 # وطريقة جديدة في الترقيم الموسيقي من ابتكاره، تلك كانت عدته حين ~~قدم إلى المدينة الكبرى، فسرعان ما تبدد ماله القليل وبات في باريس خالي ~~الوفاض لا يدري ماذا يصنع، لولا أن شاء له القدر أن تعينه سيدتان عرفتاه، على ~~أن يعين كاتما لسر السفير الفرنسي في البندقية، فما مضت عشرة أشهر، حتى ~~اشتجر مع السفير، وقفل راجعا إلى باريس حيث نزل بفندق حقير قريب من ~~السوربون، وبدأ ms0656 يرتزق من نسخ «النوتات» الموسيقية، وهنا اتصل بخادمة ~~أمية ساذجة، ولبث يعيش في مسغبة، لكنه على الرغم من سوء حالته استطاع أن ~~يلتمس السبيل إلى بعض السيدات البارزات، وطائفة من رجال الأدب الظاهرين، منهم ~~«ديدرو» الذي دعاه أن يكتب فصولا عن الموسيقى في موسوعته. # ولما بلغ السابعة والثلاثين من عمره، حدثت نقطة التحول في حياته؛ إذ أعلن ~~المجمع العلمي في «ديجون» موضوعا للتسابق بين الكتاب، وهو: هل عمل تقدم ~~العلوم والفنون على رقي الأخلاق؟ فما وقعت عيناه على موضوع المسابقة في الصحف ~~حتى أحس بهزة الوحي في نفسه، واعتزم أن يسابق، وكتب مقالة يهاجم فيها الثقافة ~~كلها مهاجمة عنيفة حارة، كان لها السبق عند المحكمين، وأحدث نشرها حركة ~~قوية، فما هو إلا أن أصبح رجلا مذكورا مشهورا، إذ عده الناس رسولا لمذهب ~~جديد ينادي بالعودة إلى الطبيعة، ثم أخرج بعد أربع سنوات «بحث في نشأة وأساس ~~التفاوت بين الناس»، # 39 # ورأيه في هذا الكتاب هو أن المدنية كلها فساد في صميمها. # شاع اسم «روسو» في «صالونات» باريس، وكان يستطيع أن يحتل في المجتمع مكانة ~~عالية، لكن كبرياءه وغروره أبيا عليه، إلا أن ينفر من الناس وأن يجافي ~~المجتمع، واعتزل في بيت صغير تملكه إحدى صديقاته، وهناك كتب «جولي أو هلويز الجديدة» # 40 # و«العقد الاجتماعي» # 41 # و«إميل»، # 42 # وكان «إميل» يحتوي على نظرات دينية وسياسية تزعج أولي الأمر، ~~فصدر الأمر بإحراقه والقبض على كاتبه، ففر روسو من باريس إلى «موتييه» ~~بسويسرا، لكنه سرعان ما غادرها طريدا، إذ نشبت بينه وبين أهلها الشحناء على ~~اختلاف ديني بينه وبينهم. وهام الرجل على وجهه يضرب في فجاج الأرض لا يعرف ~~لنفسه مستقرا، حتى دعاه الفيلسوف الإنجليزي «دافيد هيوم» أن يهبط على إنجلترا ~~فيتخذ فيها مأوى له، واستجاب للدعوة رجاء أن يجد في تلك البلاد راحة نفسه، ~~لكنه عندئذ كان قد اعترته حالة من الجنون التي تخيل للمصاب بها أنه مضطهد، ~~فظن الظنون بكل شيء، وارتاب في كل شخص، وتوهم أن العالم كله يتربص به، ms0657 فلا ~~يرى في الأصدقاء إلا ألد الأعداء، وقضى في إنجلترا أشهرا وهو في مثل تلك ~~الحالة النفسية، ثم تسلل إلى فرنسا وظل ثلاثة أعوام شريدا طريدا، وعلم أولو ~~الأمر بوجوده، فأمنوه على نفسه، وعاد إلى باريس واستأنف بها حرفته الأولى وهي ~~نسخ «النوتات» الموسيقية، لكن وساوسه وأوهامه أخذت تتسع وتزداد، فكان يحسبه إذا ~~ما سار في الطرقات متبوعا بالجواسيس، بل إنه كان إذا ما صادف في طريقه صبية ~~يلهون جرى مسرعا لما يراه فيهم من خطر، وظل في هذا العذاب النفسي ثمانية ~~أعوام، كان فيها موضع الإشفاق عند عارفيه. وأخيرا عرض عليه صديق غني أن يرحل ~~إلى بيت ريفي صغير له على مقربة من باريس، وفي ذلك البيت الهادئ قضى نحبه فجأة ~~في يوليو سنة 1778م، ولم يكن مضى إلا شهر واحد على موت فولتير. # ولروسو إنتاج أدبي غزير، لكنه معروف بكتبه الأربعة العظيمة «الاعترافات» ~~و«جولي» و«العقد الاجتماعي» و«إميل»، أما «الاعترافات» فلا نجد لها نظيرا في ~~كتب السير، وليست قيمة هذا الكتاب في صدق ما ورد فيه من حقائق؛ لأنه كتبه ~~في أخريات سنيه حين انتابته العلة العصبية، واعترته الوساوس والأوهام، فنظر إلى ~~ماضيه وحاضره بمنظار العاطفة المضطربة السقيمة، ولكن قيمته في تصوير نفسه ~~تصويرا تكاد لا تجد له مثيلا في آداب العالم كلها، وكانت غاية الكاتب فيه أن ~~يصف نفسه في أمانة تعلن كل شيء ولا تخفي شيئا، وهو يستهل الكتاب بقوله: # إني بهذا الكتاب أؤدي عملا لا أجد له مثيلا، ولن يجد بين الناس ~~مقلدا، وغاية الكتاب أن يعرض رجلا على حقيقته لا ينقص من الحق ~~شيئا، والرجل الذي أعرضه هو نفسي، نفسي دون سواها؛ لأني أعتقد حقا ~~أن ليس لي بين الأحياء شبيه. إنني في هذا الكتاب لا أخفي سيئة ولا أضيف ~~حسنة، وأتحدى رجلا في وسعه أن يقول، بعد أن يكشف عن سريرة نفسه بمثل ~~إخلاصي: إنني خير منه! # كان مولدي في جنيف عام 1712م، وأبى إسحق روسو رجل يصلح الساعات، وأمي ~~سوزان، ومولدي - الذي كان ms0658 أول حلقة من سوء طالعي - قد كلف أمي حياتها، ~~وجئت إلى العالم في ضعف لم ينتظر لي معه أن أعيش، وكفلتني عمتي حتى ~~غمرتني بحنانها، وأما أبي فقد كان في يأسه يحبني أبلغ الحب. # ولقد شعرت قبل أن أفكر، شأني في ذلك شأن سائر الأطفال، بل لعلي ذهبت ~~في ذلك أبعد من سواي، وكان أول ما أيقظ شعوري قصص قرأتها مع أبي، وحدث ~~أحيانا أن ظللنا نقرأ معا حتى مطلع النهار، فما بلغت السابعة حتى ~~فرغنا من قراءة كل ما احتوت عليه خزانة أمي من قصص قديمة، وارتددنا ~~إلى «بوسويه» و«موليير» و«بلوتارك» و«أوفد» وأضرابهم، وأبعدتني قراءة ~~«بلوتارك» عن القصص، فتراجمه هي التي نفثت في هذه الروح الحرة ~~الديمقراطية التي لا تصبر على الاستعباد الذي أرق جنبي، وأنا مدين ~~لعمتي التي كانت تحفظ ما لا حصر له من الأغاني، وتغنيها بصوت حلو ~~رخيم، أنا مدين لها بعاطفتي نحو الموسيقى، فهذه كانت أول ما تعلق به ~~حبي، تلك هي العوامل التي كونت لي هذا القلب الذي أسرف في كبريائه، ~~ولكنه مع ذلك قلب شديد الإحساس، هذه العوامل صاغت لي هذه الشخصية ~~المخنثة التي هي رغم ذلك جموح لا تسلس القياد، وقد ظللت بهذه ~~الشخصية أندفع إلى مواقف الضعف مرة وإلى مواضع الفضيلة مرة أخرى، فقد ~~كنت من التناقض مع نفسي، بحيث أفلتت مني اللذة والحكمة في آن معا، ~~فلا أنا بالذي عف عن المتعة ولا بالذي نعم باللذة ... # وأما كتاب «جولي أو هلويز الجديدة»، فهو سلسلة من خطابات تبدأ بقصة عن حب ~~آثم، وتنتهي برسالة في التهذيب. وروسو في هذا الكتاب مدين للقصصي الإنجليزي ~~«رتشردسن» في قصته «كلارسا» من حيث الطريقة والنغمة الخلقية التي تسود ~~الكتاب، لكن الكاتب الفرنسي يكتب بعاطفة لا تدنو منها عاطفة زميله ~~الإنجليزي. # و«العقد الاجتماعي» كتاب يختلف عن السابقين، فهو رسالة في مبادئ الحكومة ~~والمجتمع، كتبت بالأسلوب العلمي المحكم الدقيق، ولكن اتباع الكاتب للأسلوب ~~المنطقي في كتابه هذا لم يمنع أن يجيء الكتاب بعيدا عن الحقائق التاريخية، ~~سابحا ms0659 في الخيال، ومع ذلك فقد كان «للعقد الاجتماعي» أثر قوي في عصر اضطربت ~~فيه الأمور السياسية، بحيث اتخذه رجال الثورة بعدئذ انجيلا يهتدون به ~~ويستمدون منه المبادئ، وروسو في هذا الكتاب مؤمن بأن الإنسان خير بطبعه، ~~وإنما أفسده نظام المجتمع، ومن رأيه أن يضحي الفرد بمصلحته في سبيل الصالح ~~العام؛ لأن الغاية المنشودة عنده هي «أعظم خير لأكبر مجموعة من الناس»، وهو ~~يريد بالإنسان الرجوع إلى الحالة الفطرية الأولى التي كانت قائمة قبل أن يفسد ~~الإنسان بالحضارة الدخيلة الطارئة، وهو من جهة أخرى يتمنى العودة إلى الماضي ~~المجيد الذي يتمثل في اليونان والرومان، فقد بهر روسو ذلك الماضي العظيم، وصوره ~~لنفسه أعظم مما تجيز له حقائق التاريخ، ولكن ماله وللحقيقة التاريخية! إنه كاتب ~~يستلهم العاطفة ليثير النفوس ويحفزها على النهوض. # هذه العقيدة التي آمن بها إيمانا قويا - وهي أن الإنسان ولد نقيا لا ~~يشوبه شر - أدت به إلى رأي في التربية بسطه في كتاب قريب في سياقه من القصة. ~~وهو «إميل» ومحور الرأي فيه هو أن الطفل ينبغي أن يترك حرا من كل قيد إبان ~~نشأته، فلا يغله معلموه بما يملأ رءوس الكبار من ترهات وأباطيل، وحسب هذا ~~الكتاب قيمة أنه ما يزال عمدة بين المراجع عند علماء التربية. ولهذا الكتاب ~~قيمة أخرى، وهي أن روسو يعرض فيه مذهبه الديني، فهو معتقد بوجود الله، لكنه ~~يرى أن طريقة البرهنة على وجوده لا تكون بالحجج العلمية العقلية، بل بالحدس ~~واللقانة، بإحساس من القلب لا يفهم العقل كنهه. # يستهل روسو كتاب إميل بقوله: «إن كل شيء يكون خيرا حين تخرجه يدا خالق ~~الأشياء، ثم يفسد كل شيء بين يدي الإنسان، وفي هذه العبارة تتلخص فلسفة روسو ~~التي قوامها التفرقة بين ما هو طبيعي وما هو صناعي، بين الإنسان الطبيعي كما ~~أرادت له الطبيعة أن يكون، وبين الإنسان المتحضر الذي أفسده المجتمع، إن كل ما ~~هو طبيعي خير، وكل انحراف عن الطبيعة شر، ولهذا فالحضارة الإنسانية غلطة كبرى، ~~لا نتخلص منها بغير العودة ms0660 إلى أحضان الطبيعة.» وليس يخفى ما في هذا القول من ~~دعوة صريحة للديمقراطية؛ لأنه يمزق لفائف الحضارة عن وجه الإنسان ليخرج العنصر ~~الإنساني من تلك الأكفان فيبدو تحت ضوء الشمس واحدا متشابها في الناس جميعا؛ ~~لا فرق بين متعلم وجاهل، ولا بين شريف وعامل. وهو بهذه الدعوة أيضا يمهد ~~للمذهب الابتداعي في الأدب، يمهد له بحبه للطبيعة وباعتداده بالفرد وشخصيته، ~~ويمهد له بحدة عاطفته وبأدبه الذاتي الذي يخرج فيه مكنون نفسه. ~~(2) الشعر # كاد الشعر يختنق في فرنسا في القرن الثامن عشر، للقيود الثقيلة التي فرضها ~~«بوالو»، والتي ما كان لينجو من أثرها غير النوابغ، وللنزعة العقلية التي سادت في ~~فرنسا إبان ذلك القرن، وإن سيطر منطق العقل نضب معين الشعر، نعم قد تستطيع أن ~~تسمي في ذلك العصر طائفة كبيرة من الشعراء الذين غزر نتاجهم وتنوع، ولكنهم ~~كانوا ينشدون الشعر عن غير طبع وفي صورة آلية، فهو كلام منظوم لا روح فيه، اللهم ~~إلا قليلا جدا مما قيل. # ونبدأ قائمة هؤلاء الشعراء بفولتير الذي عرفناه ناثرا عظيما، وشعره - كنثره - ~~متنوع مختلف الألوان، فله ملحمة «هنرياد» التي كان يطمح أن يجاري بها الملاحم ~~العظيمة وهي مقسمة عشرة أقسام، وموضوعها الحروب الدينية وبطلها هنري الرابع. وهذه ~~القصيدة الكبيرة في مجموعها لا تخرج عن هجوم عنيف يتجه به الشاعر نحو التعصب ~~والهوس الديني والخرافة، وتمجيد للتسامح وحرية الفكر. أما من حيث طريقة الأداء فهو ~~يحذو حذو الملاحم القديمة، ولا سيما ملحمة الإنياذة، فكما أن «إنياس» أخذ يقص قصته ~~للملكة «ديدو» ملكة القرطاجنيين فهكذا أخذ هنري يروي أخباره للملكة اليصابات، وكما ~~أن إنياس أوحى إليه الله بما سيئول إليه أمر شعبه في المستقبل، فكذلك هنري، لكن أين ~~ملحمة «هنرياد» في ضعف خيالها وبرودة أسلوبها من الملاحم القديمة الكبرى؟ ومما ~~زادها ضعفا أنه لم يرد أن يختار العوامل الروحية في الملحمة وجوها الشعري من ~~اللاهوت المسيحي؛ لأن هذه من القواعد التي حرمها «بوالو»، ولم يستطع من جهة أخرى ~~أن يجعل ذلك الجو الشعري يونانيا أو ms0661 رومانيا، ولا أن يستمد عناصرها الروحانية ~~كالآلهة وغيرهم من الأساطير اليونانية والرومانية؛ لأن ذلك لا يناسب موضوعا ~~مختارا من التاريخ الحديث، ولكن لا بد للملحمة - جريا على العرف الأدبي - أن يكون ~~لها جو روحاني أسطوري خيالي تجري فيه الحوادث، فعمد فولتير إلى تجسيد المعاني ~~لتكون له بمثابة الأشخاص الأسطورية: «فالسياسة» و«التعصب» و«الرحمة»، وما إلى ذلك ~~تكتب بأحرف كبيرة وتعامل معاملة الأشخاص، لكن أمثال هذه المعاني المجسدة تعوزها ~~الحياة التي تكسب القصيدة حرارة، غير أن ملحمة «هنرياد» إلى جانب عيوبها تمتاز ~~بحسن السياق التاريخي ووضوحه، والوصف في بعض مواضعها قوي ناصع، مثل وصفه لمذبحة ~~سنت بارثلوميو في الجزء الثاني، وحصار باريس في الجزء الرابع. # ومهما يكن من أمر، فشاعرنا تتم له البراعة إذا ما كان موضوع القصيدة فلسفيا، ~~مثل قصيدة «حديث عن الإنسان» # 43 # و«كارثة لشبونة» و«القانون الطبيعي»، وهو كذلك مجيد في بعض رسائله ~~المنظومة مثل «رسالة إلى بوالو» و«رسالة إلى هوراس» وفي قصائده الهجائية الساخرة ~~مثل «المسكين»، # 44 # وله فوق ذلك قصائد قصيرة كثير قيلت في مناسبات مختلفة، لا يخلو كثير ~~منها من روعة الخيال وجمال الأسلوب. # ولم يشهد القرن الثامن عشر في الشعر ~~الغنائي إلا شاعرا واحدا هو جان بابتست روسو # 45 ~~(1670-1741م)، الذي ليس بينه وبين سميه العظيم «جان جاك روسو» علاقة ~~سوى أن كليهما عانى في حياته البؤس والشقاء، فقد كان شاعرنا هذا ابن حذاء في ~~باريس، وشايع في شبابه بوالو في مذهبه، ولم يكد يبدأ في بناء مجده الأدبي، حتى اتهم ~~بالاعتداء على غيره في بعض قصائده وحكم عليه بالنفي من فرنسا، حيث قضى بقية عمره ~~بعيدا عن بلاده، ولم يكن «روسو» هذا من شعراء الطراز الأول المجيدين، وحسبك أن ~~تعلم أن الناس في عصره أوشكوا أن يبايعوه أميرا للشعر الغنائي؛ لتعلم إلى أي حد ~~رضي الناس من موهبة الشعر بالنزر القليل، ومع ذلك فالأدب مدين له بالمحافظة على ~~شعلة الشعر الغنائي حية، حتى أسعفتها الحركة الابتداعية الجديدة في مستهل القرن ~~التاسع عشر. # ولعل الشعر التهذيبي ms0662 أن يكون أكثر ملاءمة لروح العصر الذي ساده التفكير العقلي. ~~وظهر من شعراء التهذيب الخلقي فريق أجادوا الحكمة وفاتهم الشعر فيما نظموا، منهم ~~«لويس راسين» # 46 ~~- أصغر أبناء الكاتب المسرحي المعروف - وأهم قصائده «العقيدة الدينية»، # 47 # وهي تذكر لما فيها من ورع وتقوى لا لجودة شعرها؛ وشعر الهجاء قريب ~~الشبه بشعر التهذيب؛ لأنه تهذيب سلبي يبين عيوب المهجو، فظهر من شعراء الهجاء «جلبير» # 48 ~~(1751-1780م) الذي ربما انتهى إلى تجويد الشعر لولا أن باغتته المنية ~~شابا، وهو عدو لدود لجماعة الفلاسفة، وهاجمهم بقصيدتين ساخرتين إحداهما ~~«القرن الثامن عشر» والثانية «دفاعي». # 49 ~~••• # وكان الأدب الإنجليزي قد أثر في بعض الشعراء الفرنسيين، فمال بهم إلى الشعر ~~الوصفي فأنشأ «سانت لامبير» # 50 # قصيدة «الفصول» تقليدا ل «فصول» الشاعر الإنجليزي «تومسن»، لكن ~~الشاعر الفرنسي قلد زميله في أسوأ نواحيه - في تضخيمه اللفظي وخروجه عن مجرى ~~القصيدة ليقول درسا تهذيبيا - ولم يستطع أن يجاريه في خبرته بالطبيعة وحسه ~~المرهف إزاءها، ومع ذلك فقد لقيت قصيدة «الفصول» إعجابا عند طائفة الفلاسفة، حتى ~~قال عنها فولتير إنها القصيدة الوحيدة من إنتاج العصر، التي ستبقي على الأيام ~~للأجيال المقبلة. # ونذكر كذلك من الشعر الوصفي قصيدة «الشهور» للشاعر «روشيه» # 51 ~~(1745-1794م)، ثم «الحدائق» و«رجل الحقول» و«ممالك الطبيعة الثلاث» ~~للشاعر «جاك دليل» # 52 ~~(1738-1813م)، وهو مترجم «أشعار الحقول» عن فيرجيل و«الفردوس المفقود» ~~من «ملتن»، ولكن كل هذه القصائد خالية من الروح والعاطفة. # وربما كان أجدر بالذكر من شعراء التهذيب وشعراء الوصف الذين أسلفنا ذكرهم، شاعران ~~كانا ينظمان شعرا فكها خفيفا، هما «جرسيه» # 53 # و«فلوريان». # 54 # وللثاني منهما «حكايات خرافية» على غرار حكايات لافونتين الخرافية، ~~لكنها بالطبع لا تدنو منها جودة وأصالة طبع، ولا يشبه «فلوريان» سلفه العظيم في ~~دقة علمه بالحيوان، ونفاذ بصره إلى صميم نفس الإنسان، وعلى كل حال فحكايات ~~«فلوريان» لا تخلو من جمال، فالشاعر بارع في سوق القصة، ماهر في النظم السلس ~~المستساغ. ~~••• # ونختم حديثنا عن الشعراء بشاعر جاء في ختام القرن، فكأنما جاء ليبشر بعصر جديد ms0663 ~~قادم ينهض فيه الشعر من العقم والجمود اللذين أصيب بهما طوال القرن الثامن عشر كما ~~رأيت، وذلك الشاعر هو «أندريه شينييه» # 55 ~~(1762-1794م)، الذي ولد في القسطنطينية، حيث كان أبوه قنصل فرنسا ~~العام، وهنالك تزوج الوالد من امرأة يونانية بارعة الجمال كاملة التهذيب، هي أم ~~الشاعر، وقد انتقل «أندريه» إلى باريس، وهو لم يزل طفلا، فدخل كلية نافار في ~~باريس، ولما تخرج فيها التحق بالجيش، لكنه سرعان ما ترك الحياة العسكرية كارها ~~لها، وأخذ يجول في أوروبا الجنوبية بضع سنين، عاد بعدها إلى باريس، حيث كان لأمه ~~«صالون» أدبي، فكان هذا الصالون حلقة اتصال بين «شينييه» وبين كثير من رجال الفن ~~والشعراء والفلاسفة، وعين كاتما للسر مدى ثلاثة أعوام للسفارة الفرنسية في لندن، ~~لكنه كره إنجلترا والشعب الإنجليزي، ولم يكن لإقامته بتلك البلاد أثر فيه كالذي ~~أحدثته في عظماء أسلافه: فولتير وروسو وغيرهما. ولما عاد إلى بلاده انغمس في تيار ~~السياسة، واشتغل بالصحافة، فأيد الثورة في أولى مراحلها، لكنه لم يلبث أن ازور ~~عنها لسياسية اليعقوبيين المتطرفة؛ فأدى ذلك إلى موته تحت المقصلة. # ويظهر من آثار «شينييه» التي لم تنشر إلا ~~بعد موته، أنه كان يجاهد في سبيل الخلاص من ربقة القيود الصارمة التي فرضها أشباه ~~الاتباعيين على أنفسهم فقضوا بها على فنهم، فهو في «مراثيه» # 56 # يحاكي شعراء الرومان الأقدمين «تيبلس» و«بروبرتيوس» و«أوفد»، و«ريفياته» # 57 # زاخرة بما استقاه من الأدب اليوناني، خذ مثالا لذلك قصيدة «الأعمى»، # 58 # التي يجعل هومر فيها يغني لطائفة من الرعاة، وقصيدة «السائل» # 59 # التي يقص فيها سائل جوال مغامراته لرجل أضافه، فتبين له أن مضيفه هو ~~ابنه، ففي أمثال هذه القصائد تراه يستعير المادة من الأدب اليوناني ويمسها بخياله ~~الشعري فيخرجها شعرا صادقا، تلك كانت أولى مراحله في الشعر التي اعتمد فيها على ~~الآداب القديمة اليونانية والرومانية على السواء، ثم أخذ يطمح إلى نوع جديد من ~~الشعر، جديد في موضوعه وغايته، وإن اتبع الأصول الفنية عند الأقدمين: «هيا نبدل» ~~- في استخراج رحيقنا - زهرات لهم ms0664 (أي للأقدمين) طالت عهودها، وحسبنا أن نستعير ~~منهم الأصباغ في تصوير فكرنا، «هيا نضيء مشاعلنا من شعلة أشعارهم، فنصوغ شعرا ~~قديما للتعبير عن فكرنا الجديد.» في هذه العبارة رسم خطته الجديدة التي تمنى أن ~~يسير على منهاجها، وكان لا بد له أن يفعل لو امتد به الأجل، وقد بدأ فعلا يحاول ~~تحقيق أمله بأن يعبر عن فلسفة عصره، وما ساد في أيامه من مختلف العلوم في شعر ~~يلتزم قواعد الشعر القديم. # هكذا جاء «شينييه» حلقة تصل القديم والجديد، فشعره مزيج من هذا وذاك، ولكن ما ~~زالت الصبغة الاتباعية أبرز طابع يميزه، فهو يوناني العاطفة والمزاج، ~~ولعله استمد ذلك من أمه اليونانية، ثم أضاف إلى ~~الطبع والسليقة تحصيلا من الأدب اليوناني إذ أخذ يغذي فطرته بمدد من هومر وغيره ~~من تراث اليونان، فتعاون الدم اليوناني الذي يجري في عروقه مع الاستعداد الفطري ~~الذي مال به نحو الأدب اليوناني، ثم أضيف إلى هذين العاملين دراسة متصلة لما ~~خلف اليونان، فأنتج هذا كله شاعرا فيه العنصر اليوناني مليء بالحياة، ولم يكن ~~كسائر معاصريه من أشباه الاتباعين يسلكون في أشعارهم الأصول القديمة جامدة ميتة. ~~ولا غرابة أن يعد «شينييه» بداية للعصر الابتداعي في الأدب لما تراه في شعره من ~~صور حية ناصعة، وأسلوب واضح مبين يبزر لك المعاني إبرازا، حتى لتكاد تلمسها ~~وتراها. # وهذا مثال من شعره: # إلى فتاة تارنتو # لقد ماتت «ميرتو» فتاة تارنتو! # أخذتها السفينة إلى شواطئ «كامارين» ... # وقد غلق مفتاح الحرص - من أجل يوم العرس - # خشب الأرز على ثوب الزفاف، # وعلى ذهب كان ليزين ذراعيها، # وعطور أعدت لشعرها الأشقر، # لكن، وهي وحدها عند حيزوم السفينة تبتهل إلى النجوم، # لفتها الرياح الهوج التي انتفخ بها الشراع، # فصاحت جازعة، وهي على مبعدة من البحارة، # ثم هوت بين أحضان الموج، # لقد أمست بين أحضان الموج فتاة تارنتو! # وطوت موجة البحر جسدها الجميل، # فاغرورقت من «ربة البحر» عيناها - وهي في جوف صخرتها - # فجاهدت أن تخفي الجسد الجميل عن سباع البحر الضارية، # فأمرت فرفعتها عرائس البحر ms0665 الفاتنة من فورها فوق هام الماء، # وحملنه إلى الشاطئ ... ثم نادين رفيقاتهن من بعد بصرخات داوية، # وطفقت عرائس الغاب وعيون الماء والجبال # تضرب صدورها، وقد جللها الحداد، # مرددة - وا حسرتاه - حول قبرها: # وا أسفا! إلى حبيبك لم ترجعي، # وثوب عرسك لم ترتديه، # وحول ذراعيك أساور الذهب لم تعقد # وفي شعرك لم يفح ذكي العطور. ~~(3) الأدب المسرحي ~~(3-1) المأساة # تدهور الشعر في القرن الثامن عشر - كما رأيت - فتدهورت معه المأساة، وكان ~~انحطاطها - في رأي ديدرو - نتيجة للقيود الثقيلة والتقاليد الباهظة التي فرضت ~~عليها، فأعجزتها عن النهوض والسير، فأصبحت المأساة شيئا آليا تراعى فيه ~~مجموعة معينة من القواعد والقوانين، وتعالج فيها الموضوعات القديمة بعينها، ~~بأشخاصها ودوافعها ومواقفها، دون أن تعبأ بحقيقة نفسية تصورها، أو طبيعة ~~تعكسها في مرآتها، فعلى كثرة من كتب المآسي في القرن الثامن عشر، لا تكاد تجد ~~بينهم كاتبا يستوقفك بابتكاره، ويسترعيك بجودته، بل لولا كاتبان فيه أجادا في ~~كتابة المأساة بعض الجودة، لما ترددنا في الحكم على ذلك القرن بالنضوب التام في ~~ذلك الفن من فنون الأدب، ونريد بهذين الكاتبين: «كربيون» و«فولتير». # أما «كربيون» # 60 ~~(1674-1762م) فقد ذاع صوته بين الناس في سن باكرة، ثم خفت ذلك ~~الصوت فغمره النسيان، حتى فارق الحياة، وله عبارة مشهورة تلقي ضوءا على فنه ~~في المأساة، قال: «أخذ كورني الأرض وراسين السماء فبقيت لي الجحيم.» وقد تكون ~~عبارة منحولة عليه، ولكنها على كل حال تصف مآسيه التي أراد بها أن يثير في ~~نظارته الرعب أكثر مما يثير فيهم الإعجاب والإشفاق، ومن هنا تراه يعالج في ~~رواياته أحد العواطف وأفظع الجرائم، منها: «أتري وثيست» # 61 # و«إلكترا» # 62 # و«رادامست وزنوبي». # 63 # وهو يعلو في أسلوبه آنا ويهبط آنا، وكثيرا ما يكون ثقيلا على ~~النفس، وقد تغمض معانيه في بعض المواضع، والجو السائد في رواياته مكفهر ~~كئيب، ومع ذلك كله فهو جيد بارع في فنه التمثيلي في بعض ما كتب. # ومهما يكن من أمر فقد أفل نجمه أمام كاتب سيطر على فن المأساة كما سيطر ms0666 على ~~سائر ميادين الأدب، واستطاع وحده أن يحتفظ بتقاليد القرن السابع عشر وأوضاعه، ~~حتى دنا القرن الثامن عشر من ختامه، ذلك هو فولتير الذي أخرج عددا من المآسي ~~يقرب من خمس عشرة، بدأها برواية «أوديب» وختمها «بأيرين»، # 64 # ومنها «بروتس» و«زائير» # 65 # و«محمد» و«تانكريد» و«ميروب»، # 66 # وقد وضعه معاصروه في صف كورني وراسين، بل زعموا أنه جمع في فنه ~~محاسن الرجلين، لكن رجال النقد الحديث لا يضعونه في هذه المكانة العالية، ~~وينكرون عليه قوة كورني، ونفاذ بصيرة راسين، فلئن برع فولتير وأجاد في بناء ~~الرواية التمثيلية وسياقها فقد فاتته الروعة في تصوير الأشخاص، والقدرة على ~~تحليل نفوسهم تحليلا عميقا يغوص إلى أغوارها. # وعلى كل حال فلمأساته مكانة هامة في تطور المأساة، فعلى الرغم من تمسك ~~فولتير بقواعد المأساة الاتباعية كما وضعها أسلافه في القرن السابع عشر تمسكا ~~نظريا، فهو من الوجهة العملية قد خرج على تلك القواعد بعض الخروج متأثرا ~~بشيكسبير، لا سيما في توسيعه لنطاق المأساة، بحيث يشمل موضوعات لم تكن تقرها ~~قواعد الاتباع من قبل، فقد كان يشترط أن تستمد المأساة موضوعها من أصول ~~يونانية ورومانية، وأن يكون للأشخاص أسماء يونانية ولاتينية، فاتبع فولتير هذا ~~العرف في بعض رواياته مثل «بروتس» و«موت قيصر» و«ميروب»، لكنه خرج عليه في ~~روايات أخرى، فهو ينقلك في «تانكريد» إلى ~~عالم الفروسية في العصور الوسطى، وفي «محمد» و«زائير» ينقلك إلى بلاد الشرق، ~~وهكذا. بل إنه حتى في رواياته الاتباعية الخالصة تراه خارجا بعض الخروج على ~~أسلافه ممهدا السبيل للحركة الابتداعية القادمة، فقد كان أسلافه في المأساة لا ~~يلتفتون إلى تصوير الجو المحيط بهم في عصرهم، ويحاولون أن تظهر رواياتهم في ~~جو يوناني أو روماني حسب الموضوع المختار. أما فولتير فقد عني بما أهمله ~~هؤلاء الأسلاف، مثال ذلك أنه أصر على أن يظهر «بروتس» في ثياب فرنسية تمثل ~~الثياب السائدة في القرن الثامن عشر. ~~(3-2) الملهاة # سارت ملهاة النصف الأول من القرن الثامن عشر على قواعد زعيم الملهاة ~~«موليير»، وأهم وأجود ما ظهر إذ ms0667 ذاك من الملاهي، رواية «تيركاريه» # 67 # لكاتبها «لي ساج» # 68 # الذي سنحدثك عنه بعد قليل قصصيا بارعا، فلو لم يكتب قصته ~~المشهورة «جيل بلاس» # 69 # لخلدته ملهاته تلك التي يسخر فيها سخرية جميلة من طبقة محدثة ~~من رجال المال والأعمال، ويعرض لأساليبهم وأخلاقهم فيبين مواضع الضعف فيها ~~بتهكمه الظريف. # وكتب الملهاة كاتب آخر سنصادفه مع «لي ساج» بين رجال القصة، وهو «ماريفو» # 70 ~~(1688-1763م)، وبدأت الملهاة بفضله طريقا جديدا، بأن أخذت توجه ~~مجهودها نحو دقة التحليل النفسي، وتختار «الحب» موضوعا لها، وموضع التجديد هنا ~~هو أنه اتخذ عاطفة الحب موضوعا للتحليل، بدل أن يجعلها - كما فعل السابقون - ~~عنصرا بين سائر العناصر التي تتكون منها حوادث الرواية، وهو يعالج الحب في ~~ألوانه المختلفة؛ الحب حين لا يشعر بوجوده العاشقان، والحب حين يشعران به ~~ويخفيانه، والحب الذي لا يجرؤ على إعلان نفسه، والحب حين يكون موضع شك وريبة، ~~فهو باتخاذه تحليل الحب موضوعا لملهاته، كان شبيها براسين الذي اتخذ تحليل ~~الحب موضوعا لمأساته. ومن ملاهيه: «لهو الحب والمصادفة» # 71 # و«الاعترافات الزائفة» # 72 # و«المخلصون» # 73 # و«المحبة». # 74 # كان «ماريفو» عاملا على تطور الملهاة نحو ما يسمى «الملهاة الباكية» # 75 ~~- وهي شبيهة بضرب من الملهاة شاع في إنجلترا في القرن الثامن عشر ~~أيضا، ويسمى هناك بالملهاة العاطفية - والملهاة الباكية تستدر عبرات النظارة ~~بأن تعرض عليهم حياة الناس الخاصة بما فيها من فضائل وما تعانيه من آلام، أكثر ~~مما تستثير ضحكاتهم بأن تعرض عليهم تلك الحياة الخاصة بما فيها من حماقة وسخف، ~~أو هي بعبارة أخرى تضع مأساة في إطار ملهاة، ولما كانت «الملهاة الباكية» ~~تخالف طبائع الأشياء، فقد ظهرت حركة تقاومها، وعلى رأسها «بومارشيه» # 76 ~~(1732-1799م)، الذي حاول أن يعيد للملهاة ضحكاتها الخالصة التي ~~تنبعث من قلوب خلية مرحة كما كانت عند موليير، وذلك بملهاتيه الساخرتين ~~الرائعتين «حلاق إشبيلية» # 77 # و«زواج فيجارو». # 78 # وذكر «الملهاة الباكية» التي تمزج بين عنصري المأساة والملهاة معا يؤدي بنا ~~إلى الحديث عن «المأساة البورجوازية» أو «الدراما» كما أطلق ms0668 عليها، وهي ضرب من ~~المسرحية ظهر في فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر، فلعلك تذكر أن أصحاب المذهب ~~الاتباعي لم يجيزوا قط أن تختلط ألوان الأدب بعضها ببعض، فلا يجوز لمأساة أن ~~تقبل عنصرا من عناصر الملهاة. والمأساة عندهم شرطها أن تكون أرستقراطية في ~~موضوعها، فتعالج مصرعا لعظيم، وتعرض أشخاصا فوق المستوى المألوف من عباد ~~الله، وأما الملهاة فشرطها عندهم أن تعالج مضحكات مأخوذة من حياة الطبقة ~~الوسطى أو الطبقة الدنيا، وكان طبيعيا في عصر أخذت روح الديمقراطية تظهر فيه ~~وتزداد أن يثور الأدباء على هذه الأوضاع الأدبية التي تفرق بين الطبقات، وقد ~~رأينا بداية هذه الثورة في «الملهاة الباكية»، حين حاولت أن تطمس الفوارق بين ~~المأساة والملهاة، ثم أخذ رجال الأدب يتساءلون: فيم هذه التفرقة؟ لماذا لا ~~تتخذ حياة الطبقة المتوسطة إلا موضوعا للهو والفكاهة؟ لماذا لا تكون كوارث هذه ~~الطبقة من الناس مصدرا للأسى لا يقل في فجيعته عما تحدثه كوارث عظماء التاريخ ~~القديم وأشخاص الأساطير؟ لا بد إذن من أن يفسح في مجال المأساة ليتسع ~~«للمأساة الشعبية» إلى جانب «المأساة الحماسية» المألوفة، ولئن أعوز هذه ~~المأساة الشعبية ما في زميلتها «الحماسية» من أبهة وجلال، فسيعوض عن هذا النقص ~~قربها من الحق الواقع وعمق أثرها في تقويم الأخلاق. # كان هذا - كما ذكرنا - نتيجة لازمة للتطور السياسي في القرن الثامن عشر الذي ~~كان يسير نحو الديمقراطية، ونحو ثورة الشعب على التفاوت القائم، بخطوات سراع، ~~لكنه كان كذلك نتيجة مباشرة لروايات انتقلت من الأدب الإنجليزي إلى فرنسا، ~~فقد ترجمت رواية «للو» «تاجر لندن، أو تاريخ جورج بارنول»، # 79 # ورواية «المقامر» # 80 # لإدوردمور، ولم تكد هاتان الروايتان تنقلان إلى الفرنسية حتى ~~امتدحهما النقاد وقلدهما الكتاب، وتحمس لهما الشعب، وأصبحتا نموذجا يحتذيه ~~كل من أراد السير على المنهاج الجديد، وما هذا المنهاج الجديد سوى «المأساة ~~البورجوازية» (وقد تسمى «الدراما» فقط) التي تستمد عناصر المأساة من الحياة ~~المنزلية المألوفة عند أوساط الناس، والتي تتوخى الصدق في الوصف ~~والتصوير. # وأعظم رجال «المأساة البورجوازية» - إذا ms0669 قيست العظمة بعمق الأثر - هو «ديدرو» ~~في مأساتيه النثريتين «الابن الطبيعي» # 81 # و«رب الأسرة»، # 82 # ولو أنه لم يوفق في تأليفهما، وكان «سيدن» # 83 ~~(1719-1797م) أقرب منه إلى التوفيق في رواية «فيلسوف وهو لا يدري»، # 84 # ويعد «سيدن» طليعة القرن التاسع عشر في هذا اللون من الأدب ~~المسرحي. ~~(4) القصة # كثيرا ما يتشابه مجرى الأمور في الأمم المختلفة، ففي إنجلترا في القرن الثامن ~~عشر، أخرج الكاتب المسرحي «للو» - الذي سلف ذكره في الكلمة الماضية - روايته ~~«التاجر اللندني» محاولا بها أن يضع أساسا لنوع جديد من المأساة يعالج شئون ~~الطبقة الوسطى في حياتهم الخاصة، وأخرج الكاتب القصصي «رتشردسن» قصة «باملا» يقصد ~~بها إلى الغاية نفسها، فجاء المجهودان في وقت واحد، يشد أحدهما أزر أخيه، وكذلك ~~حدث في فرنسا أن اتجهت جهود الأدباء نحو تحويل المسرحية والقصة في هذا الاتجاه ~~الجديد في آن معا، فالمسرحية الجديدة والقصة الجديدة كلتاهما أريد بها أن تصور ~~الحياة الجارية لسواد الناس، وكانت كلتاهما نتيجة لتطور الحركة الديمقراطية ~~واتساعها. ~~(4-1) لي ساج # Le Sage ~~(1668-1747م) # هو أول من يصادفك بين رجال القصة من الفرنسيين، درس القانون، والتحق بسلك ~~القضاء، لكنه هجر القضاء لينصرف إلى الأدب، ولبث حتى نهاية حياته معتمدا في ~~عيشه على قلمه، وقصته التي خلدته هي «جيل بلاس»، # 85 # وبطلها طالب فرنسي شاب يدعى «أوفيدو»، # 86 # قصد إلى جامعة «سالامانكا» ليتمم دراسته، وبينما هو في طريقه أطبق ~~عليه اللصوص، لكنه استطاع أن يلوذ بالفرار وتقلبت به الحياة؛ فهو آنا يخدم ~~الكنيسة، وآنا يعاون طبيبا، وطورا يتصل بالمسرح، وبعد أن دارت به عجلة الحظ ~~صعودا وهبوطا، عرفه رئيس الوزراء فوثق به وجعله كاتما لسره؛ وجمع ثروة عريضة ~~وسلطانا قويا. لكن عجلة الحظ عادت فهبطت به من جديد وطوحته أسفل سافلين، ~~ثم صعدت به مرة أخرى، واستعاد سابق مجده إذ عينه أحد الأشراف كاتما لسره، ~~وانتهى به الأمر أن تزوج للمرة الثانية، وأوى إلى قصره، حيث قضى بقية عمره في ~~هدوء وسعادة ... وحوادث الرواية - كما ترى - مفككة لا ms0670 حبكة فيها ولا وحدة ولا ~~منطق يضبط تتابعها، فالمغامرات يعقب بعضا بعضا كما اتفق، بغير خطة مرسومة ~~مدبرة، وكثيرا ما يستطرد الكاتب في قصص فرعية لا تربطها بمجرى الحوادث الرئيسي ~~رابطة قوية، وإن شئت فقل إن «جيل بلاس» مجموعة من القصص سيقت واحدة تتبع ~~واحدة، دون أن تتصل هذه الخرزات بخيط واحد لتصبح عقدا موصولا، لكن انتقال ~~البطل في أوساط مختلفة، بحيث يخالط أدناها ويعاشر أرقاها، هيأ للكاتب فرصة ~~نادرة ليصور أخلاق عصره على اختلاف ألوانها، وساعد الكاتب على حسن التصوير ~~دقة ملاحظته التي لم تفلت منها دقيقة ولا جليلة من شئون الحياة في كافة ضروبها، ~~وكذلك براعته في تحليل الأشخاص، حتى ليضرب ببعض أشخاص قصته المثل في جودة ~~التحليل والعرض - مثل شخصية الدكتور سانجرادو # 87 ~~- والتحليل عند «لي ساج» لا يتميز بالعمق، ولكنه يتصف بالصدق ~~ومطابقة الواقع، وهو في قصته ساخر يهزأ بالتحليل الخلقي الذي أصاب عصره الذي ~~يصوره، لكنها سخرية عفيفة لم تزل مرة في هجر القول وفحشه، حتى لقد نقده ~~تلميذه «سمولت» - القصصي الإنجليزي الذي سنروي لك نبأه في الفصل القادم - ~~بقوله إنه كان أرفق مما ينبغي بحماقات الإنسان وسيئاته. ~~••• # ونذكر من أصحاب القصة في ذلك العصر أيضا «ماريفو» الذي أسلفناه كاتبا ~~مسرحيا مجددا في فن الملهاة، وقصته المشهورتان - وكلتاهما ناقصتان - هما ~~«حياة ماريان» # 88 # و«الفلاح المحدث»، # 89 # أما الأولى فمذكرات على لسان نبيلة تسجل فيها تاريخ حياتها من ~~طفولتها حتى يومها الراهن، وأما الثانية فقصة فلاح شاب يدعى «يعقوب» يهجر ~~قريته في سن الثامنة عشرة ليلتمس الثراء في باريس. وهاتان القصتان شبيهتان بقصة ~~«جيل بلاس» في تفكك الأجزاء وتتابع المغامرات وتلاحق صور الحياة المختلفة ~~الألوان والوجوه، لكن «ماريفو» أقرب إلى تصوير الواقع من «لي ساج»، فبدل أن ~~يقص الحوادث في جو إسباني، ويخلع على أشخاصه ثيابا إسبانية وأسماء إسبانية ~~ليخفي وراءها رجاله ونساءه من الفرنسيين، كما فعل «لي ساج»، ترى «ماريفو» يحدثك ~~عن رجال فرنسيين ونساء فرنسيات في غير تنكر ولا إخفاء، ويعرض لك أشخاصه في ms0671 ~~جو فرنسي خالص، وكذلك كان «ماريفو» أحرص من زميله «لي ساج» على تسجيل دقائق ~~الحياة كما تقع، ثم إنه عنى بالتحليل النفسي لأشخاصه، فكانت هذه الأداة عند ~~وسيلة اجتذاب القارئ، وهي تقابل عنصر السخرية والفكاهة عند «لي ساج». # وأخيرا نذكر من كتاب القصة «بريفو» # 90 ~~(1697-1763م) الذي بدأ حياته جنديا، ثم ترك الجيش لينخرط في ~~جماعة دينية وأصبح قسيسا، ولكن نفسه القلقة لم تطمئن إلى حياة الدير، ففر ~~إلى هولنده، ثم ألقى عصا تسياره في إنجلترا، حيث أقام حينا عاد بعده إلى ~~بلاده. # كتب «بريفو» أكثر من مائة كتاب، بينها قصص ثلاث: «مذكرات ومغامرات رجل ذي شأن»، # 91 # وتقع في ثمانية أجزاء، و«الفيلسوف الإنجليزي أو تاريخ مسيو كليفلاند»، # 92 # وتقع كذلك في ثمانية أجزاء، و«أسقف كيلرين»، # 93 # وتقع في ستة أجزاء، وكان مما عمله «بريفو» أن ترجم «رتشردسن» - ~~القصصي الإنجليزي - وهنا كثيرا ما يخطئ المؤرخون، فيزعمون أن القصاص الفرنسي ~~تأثر خطو زمليه الإنجليزي بما ترجمه له، فينبغي أن نذكر أن «بريفو» سبق ~~بكتابة قصصه ترجمته لرتشردسن، فهو إذن لا يدين له فيها بشيء، ولم يبق لنا من ~~هذا الإنتاج الضخم إلا شذرات قليلة تكفي وحدها أن تضع الكاتب في مكانة ~~ممتازة بين رجال القصة في الأدب الفرنسي، ولنذكر من هذه الشذرات بصفة خاصة ~~«تاريخ مانون ليسكو» # 94 ~~- وهو في الأصل شطر من الجزء السابع من قصة «مذكرات رجل ذي شأن» - ~~فهذا الجزء يكون قصة قصيرة هي بحق أول قصة - في موضوعها وصبغتها - تلمح فيها ~~شبها بما نسميه اليوم بالقصة، فحكاية الحب فيها تثير عطف القارئ ومشاعره، ~~والحوافز التي تدفع أشخاصها إلى النشاط والعمل طبيعية، تصور الواقع أتم ~~تصوير، وأسلوبها سلس مستقيم، لا يشوبه الإسراف في الصنعة والتكلف. وها قد ~~انقضى على الإنسان قرنان من الزمان يمارس فيهما كتابة القصة منذ «بريفو» ولا ~~تزال «مانون ليسكو» تهز قلب القارئ وتحرك مشاعره. # الفصل الثاني عشر # | الأدب الإنجليزي في القرن الثامن عشر # (1) النثر ~~(1-1) جوناثان سوفت # Jonathan Swift ~~(1667-1745م) # ولد في «دبلن»، وكان ms0672 أبوه قد مات قبل ولادته، فكفله عمه، حتى أتم دراسته في ~~الجامعة، ولم يكن في دراسته الجامعية تلميذا نابها، حتى لقد منح الدرجة عن ~~غير جدارة علمية، ولم يلبث أن عينه قريب له عظيم كاتما لسره، وكان ذلك ~~القريب العظيم هو «السير وليم تمبل» # 1 # رجل السياسة المشهور في تاريخ بلاده، وكان إذ ذاك يقيم في «مور بارك» # 2 # بمقاطعة «سري» في إنجلترا. # لبث «سوفت» في منصبه ذاك نحو عشرة أعوام، ملأها بالقراءة والدرس، فأكمل ~~بهذا المجهود الشخصي نقص دراسته الجامعية، وكان إذ ذاك يكتب ويكتب، ثم يقذف في ~~النار بما يكتبه، وحاول قرض الشعر ولم يوفق، وقد عرض إحدى منظوماته الشعرية على ~~«دريدن» - وبينه وبينه صلة من الرحم - فقال له الناقد الكبير قولا كان له في ~~نفس الكاتب أعظم الأثر: «سوفت يا ابن العم، إنك لن تكون شاعرا.» # وكان في «مور بارك» - حيث أقام السير تمبل ومعه سوفت - طفلة تنتمي بصلة ~~بعيدة إلى أسرة الكاتب، هي «إستر جونسن»، تعهد سوفت بتعليمها وتثقيفها، ~~فنشأت صلة من الود بين التلميذة وأستاذها، ثم تطور الود فأصبح حبا وغراما، ~~كان أقوى في جانب الفتاة منه في جانب الأستاذ، وهذه هي الفتاة التي أطلق عليها ~~الكاتب في أدبه اسم «ستلا»، ومات «السير تمبل» بعد حين، فعني «سوفت» بنشر ~~مؤلفاته - وكان تمبل سياسيا أديبا له مكانته في عالم الأدب - وبعدئذ عاد ~~«سوفت» إلى وطنه أيرلنده قسيسا لحاكمها «لورد باركلي»، فسافرت في إثره ~~«ستلا»، ومعها صديقة لها، واتصلت صلة الصداقة بين الكاتب وفتاته، فكانت له ~~مصدر سعادة لولاها لأصبحت حياته معتمة كئيبة. # وأول ما أخرجه «سوفت» من أدبه الخالد «قصة الدلو»، # 3 # كتبها وهو في التاسعة والعشرين من عمره، وهي عند بعض الناقدين أعظم ~~ما جرى به قلم الكاتب، وفيها يسخر من العقائد الدينية الثلاث: الكنيسة ~~الإنجليكانية، والكنيسة الرومانية، والكنيسة الكهنوتية، وهو يرمز إلى الكنائس ~~الثلاث بأسماء إخوة ثلاثة: «جاك» و«بطرس» و«مارتن». وقد ذكر سوفت كتابه هذا بعد ~~كتابته بأعوام طوال، فقال: «يا إلهي! يا لها ms0673 من عبقرية وهبتها حين أنشأت ~~هذا الكتاب!» والحق أن هذه القصة دليل ناهض على أصالة فكره وقوة ابتكاره، ~~تجلت فيها مواهبه إلى حدها الأقصى، والهجاء في هذا الكتاب منصب على رجال ~~الدين الذين يثيرون اختلافات في المذاهب بتعالمهم وسخفهم. # ثم تلا هذه القصة «معركة الكتب» # 4 # التي تدور حول المفاضلة بين أدب القدماء وأدب المحدثين. فقد نشبت ~~معركة أدبية حامية بين الأدباء حول هذه المفاضلة - وبدأت المعركة في فرنسا - ~~وكان «السير وليم تمبل» في ذلك العراك مدافعا عن الأدب القديم، فأيده «سوفت» ~~في وجهة نظره، و«معركة الكتب» ملحمة تهكمية يتخيل فيها الكاتب حربا تنشب بين ~~الكتب القديمة والكتب الحديثة التي في مكتبة قصر سنت جيمس، نسوق لك منها هذا المثال: # كان جيش القدماء أقل عددا من جيش المحدثين قلة ظاهرة، وكان لهومر ~~قيادة المدفعية الراكبة، ولبندار قيادة كتيبة الفرسان الخفيفة، وكان ~~إقليدس رئيس المهندسين، وعهد بقيادة رماة القوس إلى أفلاطون وأرسطو، ~~وبقيادة المشاة إلى هيرودت ولفي، وكان هبوقراط على رأس فرقة من ~~الفرسان، واصطف في المؤخرة جنود الحلفاء يقودهم «فوسيس» ~~و«تمبل». # ودلت الدلائل كلها على أن معركة فاصلة وشيكة الوقوع، فطارت ~~«الشهرة» - وقد كانت كثيرا ما تطوف بالمكتبة الملكية، وكان لها فيها ~~مكان فسيح تأوي إليه - طارت في عجل إلى جوبتير، فقصت عليه كل ما ~~حدث بين الحزبين في العالم الأرضي، وكانت أمينة فيما قصت؛ لأنها ~~لا تقول إلا الصدق وهي بين الآلهة، فأبدى جوف اهتماما عظيما بالأمر، ~~وجمع من فوره مجلسا في مجرة السماء، ولما اجتمع شيوخ السماء أنبأهم ~~كبير الآلهة النبأ، قائلا إن معركة دامية وشيكة الوقوع بين جيشين ~~قويين من القدماء والمحدثين، وما تلك الكائنات القديمة والمحدثة إلا ~~كتب يهتم بأمرها آلهة السماء اهتماما شديدا، وربما أسرفت الآلهة في ~~اهتمامها ذاك ... # ولما رأى «أرسططاليس» (بيكن) يتقدم نحوه مقطب الجبين من غضب، رفع ~~قوسه إلى رأسه وأرسل رمحه يشق الهواء، لكن الرمح أخطأ «المحدث» ~~المقدام، ومضى فوق رأسه يئز أزيزا، حتى صادف ديكارت فأصماه ~~... # وأخرج «سوفت» بعد ذلك ms0674 «يوميات إلى ستلا»، # 5 # وهي خطابات قصد بها إلى حبيبته، ولم يرد نشرها، أخذ يتحدث فيها ~~حديثا طليا عن دقائق حياته ويصب فيها عواطفه كما تجيش في صدره، تراه آنا ~~يثرثر ثرثرة الخلي المرح، ثم ينتقل فجأة إلى أهم الحوادث السياسية في عصره، ~~وهو بعبارة واحدة من قلمه ينفث الحياة والقوة في شخص، وبعبارة أخرى يضرب ~~شخصا آخر الضربة القاضية التي لا قيامة لذكره بعدها، وبالطبع يتخلل الأحاديث ~~كلها حبه لستلا وحاجته إلى حبها وعطفها. ولقد كانت علاقته بها موضع ~~اختلاف كبير، والأرجح عند بعض الناقدين أنه تزوج منها. # كان «سوفت» أول الأمر مؤيدا لحزب الأحرار، ثم ساءته سياستهم، فانضم إلى حزب ~~المحافظين، وسرعان ما أصبحت له مكانة سياسية ممتازة، بل لسنا نسرف إن زعمنا ~~أنه أصبح في عالم السياسة - كما كان في عالم الأدب - قطب الرحى، وكان من ~~الأدباء الأصدقاء الذين تجمعوا حوله «بوب» و«أدسن» و«ستيل» ونوشك أن نقول ~~في غير تحفظ إن الأدب الإنجليزي لم يشهد رجلا بلغ من السلطان وقوة المركز ما ~~بلغه «سوفت» إذ ذاك، وأخذ يخرج رسالة في إثر رسالة يهاجم بها «الأحرار» أصدقاء ~~الأمس، والعجيب أنه رغم جبروته لم يستفد شيئا مما يأمله، فقد كان يطمح أن يكون ~~أسقفا لكنيسة في إنجلترا، ولكن أولي الأمر أبوا أن يعهدوا بمثل هذا المنصب ~~الديني إلى رجل طعن الكنيسة طعنات دامية في قصة «الدلو»، وأخيرا نصب ~~نائبا لأسقف في كنيسة «سنت باترك» في دبلن، ولم يكن «سوفت» مقتنعا بهذا ~~المنصب، ولم يرضه أن يستقر به المقام في دبلن بعيدا عن النشاط السياسي في ~~إنجلترا، وما هي إلا فترة قصيرة مضت، حتى سقط المحافظون وفقد سوفت بسقوطهم كل ~~رجاء. وظل مقيما في دبلن وكأنه منها في مطارح النفي. # وفي سنة 1726م نشر «سوفت» أشهر كتبه وأقربها إلى نفوس القراء على اختلافها ~~وهو «رحلات جلفر» # 6 # الذي ما فتئ منذ نشر مصدر متعة لا تنقطع للصغار والكبار على ~~السواء، مع أن كاتبه يقول: «إن الغاية الأساسية التي أرمي إليها ms0675 هي أن أحرج ~~صدور الناس لا أن أسليهم.» ويقول أيضا في خطاب أرسله إلى «بوب» أنا أكره ~~وأمقت بقلبي ذلك الحيوان الذي يسمى بالإنسان، ولو أنني أحب بقلبي زيدا وعمرا ~~وخالدا ... فالكاتب ناقم على الإنسانية باعتبارها جنسا عاما، لكنه يحب ~~الأفراد إن بدا منهم ما يدعو إلى الحب، وهذا الكتاب نقد مقذع لاذع للإنسانية ~~البغيضة. # وموضوع الرحلات - كما يعلم القراء جميعا - وصف لأسفار جلفر في أرض الأقزام، ~~ثم في أرض العمالقة، فهو بين أولئك مارد جبار وبين هؤلاء قزم ضئيل، وقد برهن ~~الكاتب على قدرة توشك أن تكون إعجازا في حفظ النسب بين حجوم الأشياء، ~~فالعالم كله في بلاد «ليليبت» # 7 # أرض الأقزام ضئيل بنسبة مطردة، والعالم كله في بلاد «بروبدنجناج» # 8 ~~- أرض العمالقة - ضخم بنسبة مطردة أيضا، فلو قلنا - مثلا - إن ~~البوصة عندنا تمثل قدما في أرض الأقزام والقدم عندنا تمثل بوصة في ~~أرض العمالقة سار كل شيء على هذه النسبة في ~~دقة عجيبة لا تخطئ، فالبقرة عند الأقزام في حجم الفرخ الصغير، والمنزل في حجم ~~الصندوق، والرجل من الناس يمكن حمله في الجيب، وهكذا. وقل عكس ذلك عند ~~العمالقة. # ولم يرق للدكتور جونسن أن يجعل في هذا قدرة ونبوغا، قائلا: «يكفيك ~~أن تفكر في ناس ضخام وناس ضئال، ثم يسهل عليك بعد ذلك بقية القصة.» ولكن يظهر ~~أن سهولة الأمر قد أوحى بها الاطراد العجيب الذي استطاع سوفت أن يحافظ عليه من ~~بدء القصة إلى ختامها، فظن الناقد أن تصغير الأشياء والأحياء أمر طبيعي في ~~مقدور كل إنسان، وقد يقول قائل: إن القصة أكذوبة واحدة، ومن اليسير أن يكذب ~~الإنسان، ولكن فكر قليلا تجد الأكذوبة المتسقة المطردة التي لا تتناقض ~~أجزاؤها ليست من السهولة، بحيث ظننت للوهلة الأولى. # ولكن ماذا يريد «سوفت» بهذه الرحلات ~~العجيبة؟ يريد أن يهاجم الإنسانية عامة في غرائزها وحماقاتها، وأن يسخر من رجال ~~عصره خاصة في خصوماتهم وسفاسفهم، فإذا قال لك مثلا إن قومين من الأقزام ~~اقتتلا، واستعان فريق منهما بجلفر؛ لأنه كان يخشى ms0676 سطوة أسطول الأعداء ، فيذهب ~~جلفر إلى ذلك الأسطول المخيف، فيحطمه بإحدى يديه. ضحكت من زهو هؤلاء الذين ~~اعتدوا بسطوة أسطولهم. والخطوة التالية أن تضحك من زهو الإنسان بقدرته وإنه ~~لضعيف، بل إذا قال لك إن جيشين من هؤلاء الأقزام تلاقيا في حومة الوغي، وأنت ~~تعلم أن الجندي منهم لا يزيد على طول إصبعك، ضحكت ملء شدقيك عجبا من ~~خصومة تشتد بين تلك المخلوقات الضئيلة، حتى تؤدي بهم إلى القتال، والخطوة ~~التالية لذلك أن تضحك ملء شدقيك أيضا عجبا من بني الإنسان يختصمون ويقتتلون، ~~وإنهم كذلك لتوافه ضئال، وإن روى لك الكاتب عن أرض الأقزام أن حزبين هنالك ~~أحدهما يلبس أعضاؤه أحذية عالية الأعقاب، والآخر يلبس أعضاؤه نعالا وطيئة ~~الأعقاب، وأن هذين الحزبين يختلفان في تلك البلاد على ولاية الحكم، وأن ~~الإمبراطور قرر ألا يعهد بأزمة بلاده إلا لذوي النعال الوطيئة، وأن ~~ابن الإمبراطور كان مترددا بين الحزبين أيهما أقوم سبيلا فلبس نعلا عاليا ~~ونعلا وطيئا، فاعلم أن الكاتب يرمز بذلك إلى حزب «الكنيسة العالية» وحزب ~~«الكنيسة الواطئة» - فهكذا كانا يسميان في إنجلترا في القرن الثامن عشر - أي ~~إلى المحافظين والأحرار، وهو يرمز بإمبراطور الأقزام إلى الملك جورج الأول، وقد ~~كان يميل بهواه مع الأحرار، وابن الإمبراطور يمثل أمير ~~ويلز الذي أبدى بعض الميل نحو المحافظين، ~~وإن رأيت الكاتب يروي لك عن الأقزام أنهم اختلفوا من أين تكسر البيضة؟ أتكسر ~~من طرفها العريض أم من طرفها الدقيق؟ وأن هذا الاختلاف أدى بينهم إلى خصومة ~~وشحناء، فاعلم أنه يشير بذلك إلى الاختلافات الدينية التافهة التي يثيرها رجال ~~الدين بتعصبهم، ولو نظر إلى تلك الخلافات من أعلى لوجد أنها لا تزيد في ~~جدها عن مشكلة البيضة من أين تكسر، وهكذا، وهكذا ... فلو قرأت «رحلات جلفر» تحت ~~هذا الضوء لرأيت أنه أعظم كتاب في الهجاء الساخر بالإنسان عامة وبرجال عصره ~~خاصة. # والآن نعرض عليك فكرة موجزة عن أجزاء الكتاب: # أبحر «مستر لميول جلفر» # 9 ~~- وهو جراح على سفينة - من مدينة برستل في الرابع من ms0677 شهر مايو ~~سنة 1699م ميمما شطر جزائر الهند الشرقية، وتحطمت السفينة عند خط عرض 30 ~~تقريبا، فقذف الموج بجلفر إلى جزيرة مجهولة، فإذا بتلك البلاد مملكة «ليليبت» ~~التي يسكنها أقزام صغار، وأخذ هؤلاء الأقزام رحالتنا أسيرا. وهنا يصف ~~«سوفت» حياة هؤلاء الناس، وما ينشب من قتال بينهم وبين جيرانهم أهل «بليفسكو»، # 10 # وحياة رجال القصر، والأحزاب المختلفة، وما إلى ذلك، ونشب بين أهل ~~«ليليبت» - يقصد بهم الإنجليز - وأهل «بليفسكو» - ويقصد بهم الفرنسيين - قتال ~~فظيع نسوق لك العبارة الآتية في وصف أسبابه؛ لأنها تدلك على طريقة الكاتب في التهكم: # بدأ القتال على الوجه الآتي: ~~يسلم الناس جميعا بأن الطريقة البدائية لكسر البيض قبل أكله هي أن ~~يكسر من طرفه العريض، لكن جد جلالة الملك الحاضر حدث له مرة ~~حينما شرع يأكل بيضة وهو صبي أن جرح إصبعه لما أراد كسر البيضة وفق ~~التقليد القديم، فلم يلبث أبوه الإمبراطور أن أصدر مرسوما يأمر فيه ~~أبناء الشعب جميعا أن يكسروا البيض من طرفه الدقيق، وإلا تعرضوا ~~للعقاب الصارم، ولكن الشعب اتخذ موقف المقاومة، بحيث ينبئنا التاريخ أن ~~ست ثورات نشبت لهذا السبب، ومات أحد الأباطرة في تلك الثورات، وضاع ~~التاج من آخر. وقد كان ملوك «بليفسكو» لا ينفكون يزيدون هذه ~~الثورات الأهلية اشتعالا، وكانت إذا ما هدأت ثورة فر الطريدون إلى ~~تلك الإمبراطورية يحتمون فيها، ويقال إن أحد عشر ألفا من الناس كانوا ~~بين آونة وأخرى يؤثرون الموت على أن يذعنوا لما أمروا به من كسر ~~البيض من طرفه الدقيق. وكتبت مئات عديدة من الكتب في موضوع هذا ~~الخلاف، لكن مؤلفات «أصحاب الطرف العريض» حرمت منذ أمد بعيد، كما ~~حرم القانون على ذلك الحزب كله أن يشغل رجاله مناصب الدولة. ~~وكثيرا ما احتج أباطرة بليفسكو خلال ذلك الشغب بوساطة سفرائهم، وهم ~~في احتجاجهم يتهموننا بإحداث فتنة دينية؛ إذ زعموا أننا بذلك إنما ~~نسيء إلى مذهب أساسي في الدين كما بشر به نبينا العظيم ~~«لسترج» في الجزء الرابع والخمسين من الكتاب المقدس ~~«بلندكرال» (وهذا ms0678 الكتاب هو «قرآنهم»)، # 11 # لكنا نحسب أن قولهم هذا مبالغة في تأويل النص؛ لأن العبارة ~~كما وردت هي: «وأمر المؤمنون جميعا أن يكسروا بيضهم من الطرف ~~الملائم.» وأي الطرفين هو الملائم؟ يجب - في رأيي المتواضع - أن يترك ~~لضمائر الأفراد، أو أن يخول كبير القضاة - على الأقل - حق ~~الفصل. # وفي الجزء الثاني من الكتاب يفر جلفر من أرض «ليليبت» إلى بلاد ~~«بروبدنجناج»، وأهل هذه البلاد عمالقة يكبرونه حجما بمثل ما يصغره أقزام ~~ليليبت. وأخذ جلفر في حضرة الملك العملاق، وأمر أن يروي عن أمته، فأخذ جلفر ~~يعظم في الوصف ويفخم، لكن الملك ورجاله أحرجوه بكثرة الأسئلة، حتى اضطر أن ~~يقول الصدق في أمته، وهنا يبين سوفت نقائص البلاد المتمدينة في رأيه، ويستمع ~~الملك إلى ما يقوله جلفر، ثم يقول: # لست أرى مما تقول ... أن رجالكم يكرمون بما لهم من فضيلة، أو أن ~~القساوسة يرتقون بما لهم من علم وتقوى، أو أن الجنود يرقون بما ~~لهم من خلق وإقدام، والقضاة بما لهم من سلوك قويم، والنواب بما ~~يبدونه من حب لبلادهم، والمشيرين بما يتحلون به من حكمة ... فلا يسعني ~~إلا أن أحكم بأن الشطر الأعظم من مواطنيك أسوأ فصيلة من الدود الصغير ~~الكريه مما يزحف على سطح الأرض من ديدان. # ثم يزور «جلفر» بعد ذلك أرض «لابوتا»، # 12 # وهنا يصب سخريته على العلماء، فالطعام في القصر الملكي يقطع ~~على أشكال هندسية، ورجال الفكر مغرقون في تفكيرهم، حتى لا يفيقون إلا إن ~~ضربوا بأطراف السياط، وكان من بينهم عالم يحاول أن يستخرج أشعة الشمس من ~~القثاء، وفي هذه الأرض أيضا يلتقي الرحالة بفئة بغيضة حكم عليهم أن يقضوا ~~حياة أبدية لا يستخدمون فيها ملكاتهم ومواهبهم. # وفي الجزء الرابع والأخير من «رحلات جلفر»، يطوف الرحالة ببلاد يسكنها «الوينيم»، # 13 # وهم ضرب من الكائنات لها هيئة الخيل، ولهذه الخيل هناك مكانة ~~الإنسان في سائر البلدان، وأما الناس في تلك البلاد فيبدون في شكل بشع مخيف، ~~ويلقون من «الخيول» كل مقت وازدراء، ويمثل «سوفت» بهذه الفصيلة ms0679 البشرية ~~الوضيعة التي يسميها «ياهو» # 14 # الجنس البشري كما يراه، وفي هذا الجزء أقذع وألذع هجاء يوجهه ~~الكاتب للإنسانية التي يمقتها أشد المقت، حتى ليقال إن الجنون الذي مس الكاتب ~~في أخريات سنيه كان قد أخذ يلعب بقواه العقلية، وهو يكتب هذا الجزء المظلم ~~المعتم الكئيب من كتابه، وحسبه ظلما للإنسان أن يضعه في مرتبة أدنى من ~~الحيوان. ~~«أدسن» و«ستيل». # لا بد أن نقرن هذين الكاتبين أحدهما بالآخر، وأن نضعهما جنبا إلى جنب في ~~كلمة واحدة، فقد اتصلت حياتهما الأدبية وتعاونا على نحو ما تعاون «بومنت» ~~و«فلتشر» في القرن السابع عشر، فأصبح عسيرا أن تذكر زميلا بغير ~~زميله. ~~(1-2) جوزيف أدسن # Joseph Addison ~~(1672-1719م) # هو من أئمة النثر في الأدب الإنجليزي، تخرج في جامعة أكسفورد وأتقن دراسة ~~اللاتينية إتقانا مكنه أن يقرض فيها الشعر، وأن يصادف هذا الشعر إعجابا عند ~~«بوالو» - الناقد الفرنسي الذي عرفته في الفصول السابقة - حين عرضه عليه ~~«أدسن» أثناء إقامته في فرنسا، وكان «أدسن» حييا خجولا يتعثر في ~~القول إن كان بين جماعة، ومن هنا أحجم عن ~~النقاش وهو عضو في البرلمان، ويميل بطبعه إلى التفكير الهادئ المتأمل، وقد كان ~~يهيئ الكاتب نفسه لينخرط في سلك الكنيسة، لكن مواهبه الأدبية استوقفت أنظار ~~«لورد هاليفاكس» الذي كان زعيما لحزب الأحرار، وراعيا للأدب والأدباء، فمنحه ~~راتبا يمكنه من الرحلة في أوروبا، وإنما قصد الزعيم بذلك أن ينشئ شابا ~~أديبا تنشئة قد تعود على حزبه بالنفع إذا ما عاد الأديب، واكتمل نضجه، وأخذ ~~يدافع عن الحزب بقلمه، وانتهز «أدسن» هذه الفرصة السانحة، وطاف بفرنسا ~~وسويسرا وإيطاليا وألمانيا يجمع التجارب، ويزيد من معارفه، حتى أثقلت حديقة ~~فكره بالثمار، فراح يقطفها وينثرها في أدبه بعد عودته إلى بلاده. # تغيرت الظروف السياسية في إنجلترا، وانقطع عن الكاتب راتبه، فعاد إلى ~~إنجلترا ليضع أول حجر في مجده الأدبي سنة 1704م، وذلك حين أرادت الوزارة ~~القائمة أن تشيد بالنصر الذي ظفر به «مولبرا» # 15 # في موقعه «بلنهايم» # 16 # في قصيدة قوية تسري بين الناس، ms0680 فتكون للحزب السياسي الحاكم ~~دعاية ودعامة، واقترح «هاليفاكس» أن يعهد بذلك إلى «أدسن»، فظهرت قصيدة «الحملة »، # 17 # التي لقيت نجاحا عظيما عند أولي الأمر، وعند الشعب القارئ على ~~السواء، وكان الذي أعجب الناس من هذه القصيدة بصفة خاصة هذه الأبيات ~~التالية: # عندئذ ظهر في «مولبرا» العظيم روحه الجبار، # فما اهتز حين اهتزت الأرض بالجحفل الجرار، # فبين الهرج والمرج واليأس والجزع # خبر مشاهد الحرب المخيفة كلها بلا فزع، # فإن ملك هبط بأمر الله من السماء، # وزلزل الأرض الأثيمة بالعواصف الهوجاء، # كالتي عصفت منذ قريب بأرض «بريتاني» الشاحبة؛ # رأيته في رزانة وسكون يصد الرياح الغاضبة، # فهو يؤدي ما أمر الله العلي بنفس راضية، # وتراه في غمرة الإعصار موجها للرياح العاتية. # ففي هذه الأبيات - كما ترى - وصف جميل لرباطة الجأش وضبط ~~الأعصاب وسط زعازع الحرب ورياحها الهوج، وهي الصفة التي كسب بها «مولبرا» موقعة ~~«بلنهايم». وعلى كل حال أعجب الوزراء الأحرار بالقصيدة، وكوفئ شاعرها ~~«أدسن» بمنصب يدر مائتي جنيه كل عام، ثم أخذ طالعه في سعود ما دام الأحرار ~~في مناصب الحكم، حتى تربع في دست الوزارة وزيرا. ~~(1-3) رتشرد ستيل # Richard Steele ~~(1672-1729م) # ولد في دبلن، لكنه لم يقم في أيرلنده طويلا؛ إذ مات أبوه وهو في سن ~~الخامسة، فانتقل إلى إنجلترا، ودخل مدرسة زامل فيها «أدسن» زمالة دامت ~~طول الحياة، وتمم «ستيل» دراسته الجامعية في إكسفورد، وكانت إنجلترا عندئذ ~~تخوض في الحرب إلى ركبتيها، فانخرط الأديب في سلك المحاربين، وظل في الجيش ~~عشرين عاما. # وأول ما لفت إليه الأنظار قطعة أدبية أخرجها وهو في التاسعة والعشرين، هي ~~«البطل المسيحي»، # 18 # وأراد بها أن تكون له بمثابة الشكيمة التي تضبط نوازعه ودوافعه ~~القوية نحو الحياة المستهترة؛ فقد كان في «ستيل» اتجاهان متعارضان: فهو عربيد ~~يندفع وراء شهواته، ولكنه نادم دائما يتمنى أن يهديه الله الصراط المستقيم، ~~وكان مبذرا مسرفا بغير حساب، فوقع تحت عبء من الديون أقض مضجعه وأشقى ~~حياته، ثم أخرج بعد ذلك ثلاث ملاه لم تصب نجاحا على المسرح، هي ms0681 «الجنازة»، # 19 # و«المحب الكاذب»، # 20 # و«الزوج الرقيق الحس»، # 21 # وعلة فشل هذه الملاهي اعوجاج في ذوق الشعب لازمه منذ عودة ~~الملكية، فما كان لنظارة ألفت المسرحيات الماجنة في عهد عودة الملكية ~~لترتد في أعوام قلائل إلى الذوق المهذب السليم، فواجب الأديب - إذن - هو قبل ~~كل شيء تهذيب الذوق الشعبي وتطهيره من فساده، وذلك عن طريق الصحافة. وهكذا صمم ~~«ستيل» أن يخرج مجلة «تاتلر»، # 22 # ثم عقب عليها بمجلة «سبكتيتر». # 23 ~~••• # صدرت مجلة «تاتلر» وقد وضح محررها «ستيل» في عددها الأول غايته من ~~إصدارها: «الغاية من هذه الصحيفة أن تعرض بفنون الحياة الزائفة، وأن تمزق ~~أقنعة الدهاء، والغرور، والتكلف، وأن تشيد بالبساطة العامة في ثيابنا ونقاشنا ~~وسلوكنا.» وكانت «تاتلر» تصدر ثلاث مرات كل أسبوع، ولم تكد تظهر، حتى صادفت ~~نجاحا عظيما، وظهورها يحدد بداية واضحة للصحافة الحديثة. # وكان «ستيل» يخاطب قراءه في صحيفة «تاتلر» باسم مستعار هو «إسحق بكرستاف»، # 24 # ولهذا الاسم قصة لطيفة يجمل ذكرها، فقد كان ثمة منجم مشهور ~~اسمه «بارتردج» # 25 # يخرج التقاويم، وفيها نبوءات تخدع العامة الساذجة، فصمم «سوفت» ~~وزملاء له من الأدباء أن يسخروا بهذا المخادع، فأصدروا تقاويم يتنبئون فيها ~~بموت «بارتردج»، وصدرت تلك التقاويم باسم منجم وهمي هو «إسحق بكرستاف»، ~~واستطاع سوفت وصحبه أن يوهموا الشعب أن «بارتردج» قد مات فعلا، وعبثا حاول ~~«بارتردج» أن يثبت للناس أنه حي، فكسدت تقاويمه وبطل خداعه، ومن هنا علق باسم ~~«إسحق بكرستاف» شيء من الفكاهة اللطيفة. فاختاره «ستيل» اسما مستعارا. # ولما صدرت مجلة «تاتلر» كان «أدسن» في أيرلنده، ولكنه ما عتم أن واصلها ~~بمدده، ولبثت المجلة قائمة مدة عام وتسعة أشهر أقفلت بعدها لظروف سياسية، غير ~~أن «ستيل» سرعان ما أعلن عزمه على إصدار صحيفة يومية. # وفي غرة مارس من سنة 1711م صدرت «سبكتيتر» معتزمة أن لا تمس شئون ~~السياسة، وأن تقتصر على الأدب وتهذيب الذوق، وإصلاح الحياة الاجتماعية، ولقيت ~~تجاحا هائلا، وشاعت في طول البلاد وعرضها، وما يزال قراء الأدب حتى يومنا ~~هذا يقرءون الصور الأدبية التي ms0682 كانت تنشرها ~~تلك الصحيفة، وما تزال شخصية «سير روجر دي كفر لي» # 26 # تحتل مكانة عالية بين أروع الشخصيات التي صورتها أقلام الأدباء، ~~ثم ختمت الصحيفة حياتها في ديسمبر 1712م بعد أن أصدرت خمسة وخمسين وخمسمائة من ~~أعدادها، جمعت في سبعة مجلدات أضاف إليها بعدئذ «أدسن» مجلدا ثامنا يحتوي ~~طائفة من أجمل ما دبجته براعته من المقالات الأدبية. # 27 ~~••• # وفي سنة 1713م بعد أن طويت «سبكتيتر» بعام واحد، أخرج «أدسن» مأساة «كاتو»، # 28 # فنجحت عقب نشرها، لكنها لم تلبث أن كسدت سوقها في عالم المسرح، فلم ~~يكن «أدسن» بالذي يجيد إنشاء المسرحية على الرغم من نبوغه في تصوير الشخصية، ~~وذلك لعجزه عن تحليل الدوافع التي تتحكم في أعمال الناس وتسيرهم في هذا ~~الطريق أو ذاك. ~~••• # أما «ستيل» فقد أخرج مجلة جديدة تسمى «جارديان»، # 29 # وبعد عامين - أي في سنة 1715م - أشرف «أدسن» على مجلة أخرى، هي «فريهولدر». # 30 # وهنا تزوج «أدسن» من نبيلة ثرية وعين وزيرا، وسارت حياته سيرا هادئا ~~مطردا لولا أن نشبت معركة أدبية بينه وبين صديقه القديم «بوب» مصدرها ما ~~تأجج به صدر «بوب» من حسد وغيرة، وسنذكر طرفا من هذه الخصومة الأدبية ~~الطريفة حين نتناول «بوب» بالعرض في الجزء الثاني من هذا الفصل. # وكذلك خاض «ستيل» ميدان السياسة، وانتخب عضوا في البرلمان، ثم فصل منه ~~لنشره مقالة عنيفة عنوانها «الأزمة»، # 31 # وعلى كل حال فقد فرقت السياسة بين «ستيل» و«أدسن» اللذين ~~لبثت بينهما الصداقة طوال هذه السنين. ~~(1-4) دانيال دفو # Daniel Defoe ~~(1661-1731م) # هو البادئ الحقيقي للقصة في الأدب الإنجليزي، ولد في لندن لأب قصاب، وقد ~~أراد له أبوه أن يكون واعظا دينيا، لكن الفتى لم يطع أباه فيما أراد، وبدأ ~~حياته صانعا يصنع الجوارب، ثم عاش بعد ذلك حياة شهدت من صنوف العيش ألوانا، ~~فهو تارة في رغد، وطورا في ضنك وضيق، ثم مات مفلسا لا يملك من حطام الدنيا ~~شيئا. # ويخلده تاريخ الأدب لكتابه «روبنسن كروزو»، # 32 # ويكاد لا يعرف له الناس غير هذا ms0683 الكتاب، مع أنه ألف مائتين ~~وخمسين كتابا، كتب قصصا أقربها إلى نفوس القراء المحدثين: «كابتن جاك» # 33 # و«مول فلاندرز» # 34 # و«ركسانا» # 35 # وكلها فياضة برائع الوصف للحياة في لندن إذ ذاك، وكتب تاريخا ~~وسيرا، وكتب رحلات وأنشد القصائد، ونشر الرسائل يصف فيها السيد الكامل والتاجر ~~الكامل، وكتب دروسا نموذجية يرشد بها الآباء والعاشقين، ودبج المقالات ~~السياسية، والرسائل الهجائية، وأنشأ صحيفة تصدر ثلاث مرات كل أسبوع كان يكتبها ~~كلها بنفسه! # ومع ذلك فكتابه الذي نعرفه به هو «روبنسن كروزو» الذي نشر وله من العمر ~~ستون عاما، ولا نحسب أن قارئا واحدا يجهل مادة هذا الكتاب، فلا تكاد تصادف ~~بين الناس من لم يقرأ هذه القصة في صباه. وفكرة القصة مستمدة من حادثة حقيقية ~~وقعت سنة 1704م لرجل يدعى «اسكندر سلكيرك» # 36 # انقطع به الطريق في جزيرة موحشة أربعة أشهر، فأوحت الحادثة بالقصة ~~إلى «دفو»، وأما شخصية و«روبنسن كروزو» فهي شخصية الكاتب نفسه، فروبنسن رجل ~~يفيض نشاطا، ويأبى أن يذعن لعقبات الحياة التي تعترض طريقه، وهو مقدام لا يهاب ~~شيئا ويؤمن بالله إيمانا صادقا، فلو كان للقصة مغزى يريده الكاتب، فهو ~~الصبر الجميل على أفدح الكوارث وأشق الصعاب، فأنت تعلم كيف حاول «روبنسن ~~كروزو» وهو وحيد في الجزيرة الموحشة أن يصنع لنفسه كل شيء، فلم تحل دون ~~غايته الحوائل، ولم ينهض في وجهه صعب إلا ذلله. وروعة القصة تنحصر في ~~تصويرها لهذا الرجل الذي يعتمد على نفسه في كل شيء، يبني بيتا يسكنه، ويخبز ~~خبزه، ويطهي طعامه، ويشعل ناره، ثم لا ييئس ولا يبتئس مع كل هذه الصعاب؛ لأنه ~~يحمل بين جنبيه قلبا يعمره الإيمان! إنها قصة فريدة في بابها؛ لأن سائر ~~القصص تروي لنا حياة توشجت فيها روابط الجماعة وصلاتها، وأما هي فتروي لنا ~~حياة شخص تقطعت بينه وبين الجماعة الصلات، إنها قصة للأطفال والرجال في آن ~~معا تقرؤها فلا تجد فيها ما يضحك ولا تجد فيها ما يبكي، فلا عجب أن ترجمت ~~هذه الآية الفريدة إلى لغات الأرض جميعا. # 37 ms0684 # وأهمية هذه القصة في تاريخ الأدب أنها بدأت ضربا من القصص الواقعي، يتعمد ~~فيه الكاتب أن يوهم قراءه بأن ما يطالعونه حقيقة لا خيال. يقول «تشارلز لام» ~~في «روبنسن كروزو»: «إنه يستحيل عليك أن تشك وأنت تقرؤها في أن شخصا حقيقيا ~~يقص عليك ما حدث له في حياته الواقعة.» # وأبدى «دفو» قدرته هذه على الخيال الواقعي في كتاب له آخر، هو «يوميات في ~~سنة الطاعون»، # 38 # الذي كانت وقائعه كلها من خلق خياله ومع ذلك انخدع معاصروه وظنوه ~~تاريخا صحيحا لما حدث في لندن حين فتك بها الطاعون. # ولئن بدأ «دفو» بقصة «روبنسن كروزو» القصص الواقعي فقد أنشأ كذلك ضربا آخر ~~من القصص، هو القصص التاريخي الذي يمزج حقائق التاريخ بخلق الخيال، وذلك بكتابه ~~«مذكرات فارس»، # 39 # وهي طريقة سار على نهجه فيها «وولتر سكت» و«اسكندر ديماس» في ~~القرن التاسع عشر. ~~(1-5) صموئيل رتشردسن # Somuel Richardson ~~(1689-1761م) # على الرغم مما لقيه رجال القصة ~~الفرنسية من نجاح في أوائل القرن الثامن عشر، ونخص منهم «لي ساج» في قصته ~~«جيل بلا» و«بريفو» في قصته «مانون ليسكو»، وعلى الرغم من ظهور مبادئ القصة ~~في إنجلترا عند «دفو» فلنا أن نقول إن أدب القصة لم تتكامل نشأته إلا بين يدي ~~«رتشردسن» في قصة «باملا أو الفضيلة تلقى جزاءها»، # 40 # التي نشرت عام 1740م. ومما هو جدير بالذكر أن رجال الأخلاق كانوا ~~قبل «باملا» يحرمون قراءة القصة؛ لأنها في رأيهم مباءة إفساد، ثم جاءت هذه ~~القصة على غير ما يظن بالقصص؛ إذ جاءت درسا في الأخلاق، تقي قراءتها ضعاف ~~النفوس موارد الزلل، فقد قصد «رتشردسن» إلى تقويم الأخلاق قبل كل شيء، وقال ~~عنه جونسن الناقد الإنجليزي المعروف في القرن الثامن عشر إنه علم العواطف ~~الإنسانية كيف تضع زمامها في يد الفضيلة. # لسنا نعرف من طفولة الكاتب إلا قليلا، ~~فهو يحدثنا عن نفسه أنه في سن الحادية عشرة أخذ على نفسه أن يكتب خطابا يستشهد ~~فيه بكثير من آيات الكتاب المقدس إلى سيدة في الخمسين من ms0685 عمرها عرفت بالنميمة ~~ليعظها ويهديها سواء السبيل، وأنه في سن الثالثة عشرة كان يكتب خطابات غرامية ~~لكثير من الفتيات اللائي عرفن فيه القدرة على الإنشاء، وأنه في سن السابعة ~~عشرة التحق «صبيا» بمطبعة يمارس فيها فن الطباعة، وفي سن الثلاثين أدار بنفسه ~~عملا يرتزق منه، وبعد عامين تزوج من ابنه «معلمه» الذي دربه على الطباعة، ~~ولم يبدأ كتابة قصته «باملا» إلا وهو في الخمسين من عمره. وباملا فتاة ~~ريفية عفيفة ساذجة، حاول سيدها المستهتر العربيد أن يغريها بالفجور، لكنها ~~قاومت إغراءه بكل ماله من شباب ومال، وأخيرا «لقيت الفضيلة جزاءها» - كما يشير ~~عنوان القصة - بأن اضطر السيد المتعقب إلى الزواج من الفتاة التي يشتهيها. ~~ويعلق المتزمتون في الأخلاق على هذه الخاتمة بقولهم إن زواج الفتاة الطاهرة ~~ممن أراد بها الغواية ليس فضيلة من الطراز الممتاز، إنما هي فضيلة «تجارية» ~~تقاوم الرذيلة حتى تستفيد منها، ثم تذعن لها وتستسلم، فحقيق بنا أن نقول إن ~~«رتشردسن» في محاولته تقويم الأخلاق كان رجلا عمليا لا يحلق في سماء ~~الخيال والتجريد، ومهما يكن من شيء، فقد كانت قصة «باملا» بداية قوية للكاتب، ~~بل بداية قوية للقصة في الأدب الإنجليزي، وهي تجري في سلسلة من الرسائل التي ~~يستشف القارئ من ثناياها طبيعة المرأة على حقيقتها، وهذه الناحية هي أظهر ما ~~امتاز به الكاتب في فنه القصص. # ثم أخرج وهو في التاسعة والخمسين قصة ~~«كلارسا أو مغامرات فتاة» # 41 # يتقدم شاب بغيض ممقوت لخطبة «كلارسا هارلو» فترفض الفتاة، ~~وتضطهدها الأسرة لهذا الرفض، فيحبك لها الخطيب الدنيء «لفليس» # 42 # أحبولة من الأكاذيب والدسائس وألوان الخداع، حتى يتمكن بمعونة ~~طائفة من بنات جنسها أن يخدرها فيفقدها الوعي، ثم يسلبها الشرف، فتنكرها ~~أسرتها، وتلاقي الفتاة من المحن ما تلاقي، ويستيقظ الضمير في الفاجر المعتدي ~~فيعرض عليها الزواج، لكن كبرياء الفتاة تأبى عليها هذا الإذعان الذليل، والفتاة ~~مطمئنة في أعماق نفسها إلى طهارة ذيلها وقوة إرادتها، لكنها تعلم بغير شك أنها ~~قد أوذيت وأثلم شرفها فتسلم نفسها إلى كروب النفس ms0686 تذويها وتضنيها حتى ~~تلفظ الروح، فتتنبه الأسرة إلى الجريرة التي اقترفتها في ظلم الفتاة فيعذبها ~~تأنيب الضمير، ويلقى «لفليس» جزاءه الطبيعي بأن يقتل في مبارزة مع ابن عم ~~الفتاة. # هذه هي القصة التي لم تقتصر شهرتها على إنجلترا، بل ذاعت في أرجاء أوروبا ~~كلها، وترجمها «ديدرو» لينشر فنها القصصي في فرنسا، وكذلك ترجم «بريفو» ~~القصصي الفرنسي آثار «رتشردسن» في حينها كما أسلفنا لك القول عند الكلام على ~~الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر، وقد كان لقصة «كلارسا» أثر قوي في تنمية ~~الروح الديمقراطية؛ إذ لم يكن مألوفا بين الكتاب والقراء على السواء أن ~~تختار فتاة من غمار الشعب بطلة لقصة تثير اهتمام الناس جميعا، ولعل ذلك ما ~~حدا بالفرنسيين في القرن الثامن عشر إلى الإسراع في نقلها إلى أدبهم لتكون ~~عاملا من العوامل التي أخذت تتجمع حتى انفجر بقوة ضغطها بركان الثورة ~~الفرنسية. وقد لقيت هذه القصة إعجابا وتقديرا بين أعلام الفرنسيين إذ ذاك، ~~حتى وضع «ديدرو» كاتبها في صف «هومر» و«يوريبيد» و«سوفوكليز» واتخذه «جان جاك ~~روسو» نموذجا احتذاه في قصة «جولي أو هلويز الجديدة»، ثم جاء بعد ذلك «ألفرد ~~دي ميسيه» # 43 # الشاعر الفرنسي فزعم أن «كلارسا» أعظم قصة في أدب العالمين ~~إطلاقا. # والقصة الثالثة والأخيرة لرتشردسن هي «السير تشارلز جراندسن»، # 44 # والبطل في هذه القصة - وهو الذي سميت القصة باسمه - رجل قويم ~~الخلق لا يعرف الخطيئة، وقد قصد به الكاتب أن يمثل الرجولة في أكمل ~~صورها. ~~(1-6) هنري فيلدنج # Henry Fielding ~~(1707-1754م) # نشأ في كلية «إيتن» التي تنشئ أبناء الخاصة، وجاء إلى لندن يعتمد في عيشه ~~على رزق مضطرب تدره عليه مسرحياته، إذ ماتت أمه وتزوج أبوه من غيرها، فكان لا ~~يأتيه المدد إلا لماما متقطعا، ولما بلغ الثالثة والثلاثين التحق بسلك ~~القضاء، وإنما يخلده الأدب بقصصه الروائع. # وأول ما نشر من قصصه «جوزيف أندروز»، # 45 # وقد أراد بها أن يتهكم بزميله «رتشردسن» في قصته «باملا»، ~~وطريقته في التهكم أن يجعل «جوزيف» أخا لباملا، وكما أخذ سيد باملا ms0687 يغريها ~~بالغواية عن نفسها، فقد أخذت سيدة «جوزيف» تغريه بالغواية عن نفسه، فيقاوم ~~الفتى إغراء سيدته، كما كانت تقاوم الفتاة في قصة رتشردسن إغراء سيدها. هكذا ~~بدأ «فيلدنج» قصته بنية السخرية والتهكم من الفضيلة كما تصورها زميله، لكنه ~~سرعان ما توثقت العلائق النفسية بينه وبين شخصياته التي خلقها بقلمه، فاطرح ~~روح التهكم وجعل يصور لنا في سائر القصة حياة عصره أصدق تصوير وأروعه. ~~ويقول «بيرن» عن «فيلدنج» بمناسبة هذه القصة: «إنه هومر النثر في وصف ~~الطبيعة البشرية.» ذلك لأن قصة «جوزيف أندروز» صورة مزدحمة بالأشخاص الذين ~~يمثلون صنوف الناس جميعا، ففيها الحوذية والرحالة ورجال الدين وسادة الريف ~~والخادمات والزوجات والبائعون الجوالون وأصحاب الدكاكين، كل هؤلاء وغيرهم ~~يسوقهم لك في قصة جميلة السبك ممتعة السياق، على أن أبدع ما في القصة قوة ~~تصوير الأشخاص تصويرا صادقا ناصعا، وروح الفكاهة اللطيفة التي تميل أحيانا ~~نحو السخرية والهجاء. # وبين أشخاص هذه القصة شخصية كتب لها الخلود بين الشخصيات الأدبية الخالدة، ~~ونعني بها شخصية «القس آدمز»، # 46 # الذي اتخذه بطل القصة «جوزيف» زميلا وصديقا. و«القس آدمز» يمثل ~~المسيحي الصالح الذي يجتذب قلوب عارفيه، لكن في سلوكه شذوذا وبعدا عما ~~تقتضيه الحياة الدنيا بحيث لا يسعنا إلا أن نضحك منه، لكنه ضحك العطف الذي لا ~~تشوبه شائبة من زراية واحتقار، فهو رجل عالم بكل شيء إلا بما تنطوي عليه نفوس ~~الناس من ضعة وخسة، وجهله بهذه الناحية من النفس البشرية يؤدي به إلى ~~كثير من المواقف المضحكة، لكن ذلك كله لا يخمد من حرارة قلبه وإيمانه، وحسبك ~~أن تلم بصورة هذه الشخصية وحدها لتحدد موضع فيلدنج في القصة، فهو يحب أن ~~يبعث الضحك في قارئه، لكنه الضحك الذي يزيده حبا في الفضيلة وطيبة القلب، وقد ~~تأثر بهذه الشخصية قصصي إنجليزي آخر في القرن الثامن عشر، هو «جولد سمث» ~~حين أنشأ قصته المشهورة «راعي ويكفيلد». # 47 # وفي سنة 1749م، نشرت قصته الثانية «توم جونز»، # 48 # وصفوة القصة أن «السيد أولورذي» # 49 # يقوم على تربية ابن أخته ms0688 ولقيط يسمى «توم جونز» كأنهما ولداه، وكان ~~الولدان مختلفين اختلاف النقيض عن نقيضه، فابن الأخت «بلايفل» # 50 # منافق لئيم حذر، و«توم» طيب القلب ساذج سريع الغضب، ويزل ~~«توم» في أخطاء كثيرة هي أخطاء الشباب المتحمس المحتدم العواطف، وهو سرعان ما ~~يندم على خطئه؛ لأنه يحمل نفسا قوية ليس فيها عوج، وما زال «بلايفل» بدهائه ~~ولؤم طبعه يوقع «بتوم» ويدس له الدسائس ، وما زال «توم» على حمقه وطيش شبابه ~~حتى ضاق «أولورذي» به ذرعا وأخرجه من كنفه، فخاض الفتى مغامرات كلها صعاب، ثم ~~انتهى الأمر بأن كشف عما ينطوي عليه «بلايفل» من خبث، وما يضمره «توم» من ~~نفس خيرة، فكان «توم» هو الظافر، وتزوج من الفتاة الحسناء «صوفيا وسترن» # 51 ~~- وهي بطلة القصة - وذهبت جهود «بلايفل» في الإيقاع بينهما أدراج ~~الرياح. # وكل ما أراد الكاتب أن يؤكده هو أن طيبة القلب خير شفيع لما يزل فيه الإنسان ~~من أخطاء، وأن من يحب إخوانه من بني الإنسان جدير أن تغفر له رذيلته، فها هو ذا ~~«توم جونز» يحمل قلبا طيبا، لكن فضيلته ليست من القوة، بحيث تستعصي على ~~الإغراء فيزل في الرذيلة آنا بعد آن، فنحبه ونعطف عليه ونغفر له ~~ذنوبه. # وأخيرا نشر قصته الثالثة «أمليا»، # 52 # ثم أصابته علة اضطر معها أن يقصد إلى لشبونة وقد قص أنباء رحلته ~~الشاقة في يوميات نشرت بعد موته، وجاءته المنية وهو في لشبونة حيث رقد ~~جثمانه. # كان «رتشردسن» يكتب للنساء و«فيلدنج» يكتب للرجال، وكان «رتشردسن» يميل ~~بخياله مع العاطفة و«فيلدنج» واقعي يشاهد ويكتب، وعلى كل حال فأدب «فيلدنج» ~~عند النقاد يرجح أدب زميله، يقول عنه «هازلت»: # 53 ~~«إنه في ملاحظته للطبيعة البشرية يقل قليلا عن شيكسبير، فلو عددت ~~في الأدب الإنجليزي كله ست قصص وجدت «توم جونز» واحدة منها.» # والقصة عند «فيلدنج» لها طابع خاص يميزها، بحيث قال عنها «ثاكري» # 54 # إنها «ملحمة تهكمية عظمى»، وقد رأينا «بيرن» يسمي فيلدنج ~~«هومر النثر في وصف الطبيعة البشرية» فما الذي يقرب القصة عند هذا الكاتب من ms0689 ~~الملحمة؟ يقول فيلدنج نفسه في مقدمة قصته «جوزيف أندروز»: «إن الملحمة يمكن ~~تأليفها نثرا كما يمكن إنشادها شعرا، إذ القصة التي تحمل كل خصائص الملحمة ما ~~خلا الوزن؛ جديرة أن تعد ملحمة تمييزا لها من القصة التي لا تصور الواقع.» ~~فقصة مثل «جوزيف أندروز» ملحمة هزلية نثرية، تختلف عن الملهاة المسرحية ~~بمقدار ما تختلف الملحمة الجادة عن المأساة المسرحية، والفرق هو أن دائرة الفعل ~~والحركة تمتد في نطاق أوسع مما تمتد فيه المسرحية، وفيها عدد أكبر من الحوادث ~~ومجموعة من الشخصيات أكثر تنوعا، ومن أخص خصائص قصة فيلدنج التي - على حد ~~قوله - لم تعرف لها اللغة الإنجليزية مثيلا قبلها، أنها تعالج أشخاصا من ~~طبقات المجتمع الدنيا، وتصور ألوانا من السلوك الدنيء المرذول. # ويقول فيلدنج في مقدمة «توم جونز»: إنه يتأثر خطو أصحاب الملاحم الكبرى هومر ~~وفرجيل، كما يقتص أثر القصصي الإسباني سيرفانتيز في قصته، «دون كيشوت» ويصرح ~~بأن غايته من القصة أن يعكس الدنيا الحقيقية كما تجري في عالم الواقع، وأن يحصر ~~نفسه في حدود الممكن المحتمل، قائلا إن القصصي لا ينبغي أن يكتب إلا فيما ~~يعلمه حق العلم من صور الحياة. ~~(1-7) توبياس سمولت # Tobias Smollett ~~(1721-1771م) # هو اسكتلندي تخرج في جامعة جلاسجو طبيبا، ولما بلغ سن الثامنة عشرة ارتحل ~~في أنحاء إنجلترا، وأثبت ملاحظاته عن تلك الرحلة في الفصول الأولى من قصته ~~«رودريك راندم»، # 55 # وزار مدينة لندن وهو لا يحمل في جعبته إلا مأساة «قتل الملك»، # 56 # ولكنه لم يستطع أن يلتمس لها سبيلا إلى المسرح، ولم يجد في قلمه ~~معينا له على كسب قوته، فاشتغل جراحا في سفينة، ولبث في البحر ستة أعوام أو ~~سبعة، شهد خلالها حصار قرطاجنة سنة 1741م، ووصفه فيما بعد في قصته «رودريك ~~راندم»، كما خبر البحارة وصورهم في بعض قصصه. # وترك البحار وعاد إلى إنجلترا، وكانت سنه إذ ذاك خمسة وعشرين عاما، وعندئذ ~~أنشد قصيدة «عبرات اسكتلنده»، # 57 # إذ تحركت نفسه لما كان يعانيه الاسكتلنديون بعد وقعة كالدون، ~~والقصيدة تتألف من ms0690 سبع مقطوعات هذه أولها: # حدادا، كالدوينا التعيسة، حدادا # على إكليلك الممزق وأمنك الذي بادا، # فبنوك الذين عرفتهم الأيام بسلا ميامين # أراهم على أرض أوطانهم صرعى راقدين، # وديارك الكريمة بعدئذ لن تعودا # تدعو الغريب إلى أبوابها كرما وجودا # إذ اندكت أساسها في خرائب واهنة # ستظل أنصابا عن العسف معلنة. # وأخذ بعدئذ يحاول ألوانا من فنون الأدب، ثم تزوج سنة 1747م ~~فاضطره الفقر والإسراف أن يحترف الكتابة، وأصدر في العام الذي تلا زواجه قصة ~~«رودريك راندم» فجاءته بالشهرة والمال معا، وعقب عليها بقصة «برجرين بكل» # 58 # وهي شبيهة بقصة «رودريك راندم»، وفيها كثير من سيرة حياته، ~~وبعدئذ كف عن الكتابة قليلا إذ عاد إلى مهنة الطب، ثم ما لبث أن أخرج قصة ~~«مغامرات فردناند»، # 59 # وبعدها نشر خير قصصه جميعا «همفري كلنكر»، # 60 # ومات غريبا عن بلاده في «مجهورن» في العام الذي صدرت فيه هذه ~~القصة الأخيرة. ومن آثاره الأدبية غير قصصه ترجمته لدون كيشوت، وكتابة بعض ~~الرسائل التاريخية عن إنجلترا وفرنسا وإيطاليا وغيرها. # في قصة «رودريك راندم» يقص الكاتب سيرة حياته إلى حد كبير، فهو لا ~~يبتكر أحداثها إنما يستذكر ويستعيد، ثم يسجل، ويشيع في القصة روح الفكاهة التي ~~يخرج بها أحيانا عن حد التهذيب، فيجعل كثيرا من نكاته فاحشا غليظا، وقد كان ~~«سمولت»، في هذه القصة تلميذا للقصصي الفرنسي «لي ساج»، فقصته - كقصة «جيل ~~بلا» - سلسلة من المغامرات يتلو بعضها بعضا في غير اتصال وثيق بين السابقة ~~واللاحقة. # وأما «همفري كلنكر» فالقصة فيه تروى في سلسلة من الرسائل كتبت عن رحلة في ~~أرجاء اسكتلنده وإنجلترا، بأقلام أشخاص عديدين، أهمهم جميعا «ماثيو برامبل»، # 61 # وهو رجل كهل طيب القلب يقوم برحلته مستردا لصحته، و«همفري ~~كلنكر» وهو سائق في خدمة «برامبل» تقي ورع، ثم يتبين آخر الأمر أنه ابن ~~«برامبل»، وغير هذين أشخاص كثيرون يبعثونك على الإعجاب الشديد بفن الكاتب في ~~تصوير الأشخاص. # ومما يجدر ذكره عن «سمولت» أنه كان ذا أثر قوي في قصصي إنجليزي عظيم في ~~القرن التاسع عشر، هو ms0691 «دكنز» الذي قرأ «سمولت» طفلا، فتعلم منه فن القصة، ~~وكلا الكاتبين يتشابهان في الفكاهة الصارخة، وفي التصوير «الكاريكاتوري» ~~لأشخاصهم، فتراهما يبرزان فيمن يصورانه جانبا، ثم يبالغان في تصويره، وكلاهما ~~يحدد نفسه بالواقع فيما يصف فلا يشطح بخياله في أوهام، على أن «سمولت» امتاز عن ~~كتاب عصره بقدرته العظيمة على وصف دخائل بعض الطبقات، كوصفه لحياة البحارة في ~~أدق تفصيلاتها. ~~(1-8) لورنس ستيرن # Laurance Sterne ~~(1713-1768م) # كان أبوه من رجال الجيش، وكان بحكم عمله يتنقل من بلد إلى بلد وأسرته في ~~صحبته. فلم يستقر «ستيرن» في مكان واحد إبان طفولته، فكان لذلك أعظم الأثر ~~فيه؛ لأنه أتاح له الفرصة أن يجمع في سنيه الباكرة تجارب الحياة ويختزنها حتى ~~يحين حين الكتابة، وهو في هذا شبيه «بسمولت»؛ فكلاهما يتخذ من أسفاره وحوادث ~~حياته مادة لقصصه، فلما بلغ الفتى عامه العاشر عهد به إلى مدرسة استقر فيها ~~نحو ثمانية أعوام، ثم أرسل إلى كمبردج حيث أتم علومه، وبعد تخرجه انخرط في ~~الوظائف الكنسية حينا، حتى إذا ما بلغ السابعة والأربعين من عمره طلع على ~~الناس بأثر أدبي عظيم هو قصة «حياة ترسترام شاندي وأفكاره»، # 62 # فكانت له ضجة هائلة بين جمهور القارئين على الرغم من أنه كتاب ~~لكاتب مغمور لم يسمع به أحد من قبل، حتى لقد زار الكاتب لندن عقب صدور ~~الكتاب، فألفى نفسه - على غير توقع منه - مشهورا مذكورا بين الناس، وقد ~~تلقى من الدعوات ما كان يكفي أن يطعمه الأيام القليلة التي بقيت له من ~~حياته، ونفقت سوق الكتاب بحيث لم تكد تخرج طبعته الأولى حتى بدئ في الطبعة ~~الثانية. # يقع «ترسترام شاندي» في تسعة أجزاء، ومع ذلك لم يتركه الكاتب عند ~~خاتمة تنهيه، ويستحيل علينا أن نوجز لك حبكة الحوادث في هذه القصة؛ لأن أبرز ~~ما يميز الكتاب أنه بغير حبكة ولا خطة ولا نظام، فالمفروض أن تدور القصة حول ~~حياة «ترسترام شاندي» وأفكاره، لكنك تقرؤها فتصادف فيها كل ما وسع كاتبها من ~~مشاعر وخواطر. ومما يلفت النظر في ms0692 الكتاب غرابة استعمال علامات الوقف وما ~~إليها، مما تعمده الكاتب وكان مصدرا للضحك عند القراء، فتراه مثلا يترك ~~مسافة خالية بغير مبرر، أو يقطع مجرى الكلام بعلامة غريبة لا معنى لها، أو ~~يضع نجمة صغيرة على كلمة دون حاجة إليها، وهكذا. وفي الكتاب كذلك استطراد ~~كثير، وعن هذا الاستطراد يقول الكاتب: «إنه حياة القراءة وروحها.» وقد برع ~~«ستيرن» براعة تستحق الإعجاب في جودة تصوير الأشخاص مثل «العم توبي» # 63 # الضابط المتقاعد، و«الجاويش ترم» # 64 # و«الأرملة وادمن» # 65 # وغيرهم، ومن بين ما لجأ إليه الكاتب في تصويره للأشخاص ليزيدهم ~~وضوحا وتمايزا وصف حركاتهم التي تلازمهم. # و«لستيرن» كتاب آخر هو «رحلة عاطفية في فرنسا وإيطاليا»، # 66 # والقصة تجري على لسان «يورك» # 67 # الذي هو «ستيرن بعينه»، وفي الكتاب كثير من تجارب الكاتب الشخصية ~~أثناء ارتحاله في تلك البلاد، وهو يحتوي على كثير من الصور النابضة بالحياة ~~للفنادق القديمة والرهبان والغلمان والخدم والحوذية والسائلين، وأصحاب الفنادق ~~والجنود والسيدات وما إلى ذلك. # وليس في هذا الكتاب قصة، بل هو وصف لرحلة يسجل فيها الكاتب ما يعن له من ~~خواطر، وهاك مثالا ذكره حين رأى زرزورا في قفص وهو في فندق في باريس: # أزعجني وأنا مستغرق في تأملي صوت ظننته لطفل، يقول شاكيا، إنه لا ~~يستطيع الخروج، فصعدت بصري وصوبته على طول الممشى، ولما لم أجد ~~رجلا ولا امرأة ولا طفلا خرجت أنظر الأمر. # ولما عدت مارا بالممشى سمعت الألفاظ بعينها تتردد مرتين، فنظرت ~~إلى أعلى، ورأيت أنه زرزور معلق في قفص صغير، فقال الزرزور: «لا أستطيع ~~الخروج! لا أستطيع الخروج!» # وقفت أنظر إلى الطائر، وكلما جاء إلى الممشى قادم، طار يرف إلى ~~الناحية التي يدنو منها القادم الجديد، وفي كل مرة يرثي لأسره ~~بالعبارة نفسها «لا أستطيع الخروج!» فقلت: «كان الله في عونك، لكني ~~سأطلق سراحك، وليكن بعد ذلك ما يكون!» فأخذت أدور حول القفص ألتمس ~~بابه، لكني وجدته ملفوفا بالسلك في طيات مزدوجة، بحيث يستحيل ~~فتحه بغير تحطيم القفص، فهممت أن أفعل بكلتا ms0693 يدي. # وطار الطائر إلى حيث كنت أحاول خلاصه، ودفع رأسه خلال القضبان وضغط ~~بصدره عليها كأنما أخذه القلق، فقلت: «لكم أخشى أيها الطائر المسكين ~~ألا أستطيع لك فكاكا!» فأجاب الزرزور: «كلا، لا أستطيع الخروج، لا ~~أستطيع الخروج!» # وأقسم أن مشاعري تحركت ~~عندئذ بعطف ما أحسست له مثيلا قبل ذلك، ولست أذكر في حياتي كلها ~~حادثة أثارت في نفسي فجأة ثورة جامحة - وقفت قواي العقلية إلى جانبها ~~فقاعة واهية - بمثل ما أثارت تلك الحادثة، نعم كانت نبرات الطائر في ~~شكاته آلية، لكنها جاءت مطابقة في أنغامها لأنغام الطبيعة؛ حتى لقد ~~ارتدت قواي العقلية المنطقية في لحظة إلى الباستيل، وصعدت ~~السلم بخطوات ثقيلة، منكرا على نفسي كل لفظة نطقت بها إذ كنت ~~أهبطه قلت: «تنكر بما شئت من قناع أيها الرق، فما زلت جرعة ~~مريرة، ورغم ما شهدته العصور كلها من ألوف أرغمت على اجتراعك، فلم ~~تقل بذلك عما كنت مرارة.» ثم توجهت بالخطاب إلى (الحرية) قائلا: ~~«إن الناس لا يعبدون إلاك في السر والعلن، أيتها الإلهة الرحيمة ~~المحببة إلى النفوس، إن مذاقك حلو، وسيظل كذلك إلى أبد الآبدين، حتى ~~تتبدل الطبيعة غير الطبيعة، إن ثوبك الأبيض الناصع لن تلوثه شوائب ~~الألفاظ، كلا ولن تستطيع قوة أن ترد صولجانك إلى قضيب من حديد، إنك ~~إذا افتر ثغرك بابتسامة على القروي الساذج وهو يأكل خبزه القديد ~~جعلته أسعد من ملك أنت عن قصره ~~مبعدة ...» # وبعد، فقد استطاع «ستيرن» بكتابيه - و«ترسترام شندي» على وجه أخص - ~~أن يحرك أجيالا متعاقبة إلى الضحك والبكاء في آن معا، وقلما تجد في الأدب ~~الإنجليزي أديبا آخر كان في مقدوره أن ينال بمثل إنتاجه القليل ما ناله من ~~أثر عميق، فمهما قلت مادته رأيت في مستطاعه أن ينسج من خيوطها نسيجا ~~فاتنا جذابا حلو الفكاهة، وإن كان لنا أن نقسم الأدباء صنفين، صنف كدودة القز ~~تغزل غزلها؛ لأنها مليئة، وصنف كالعنكبوت يغزل غزله لأنه خاو، كان أديبنا ~~«ستيرن» بغير شك من دود القز الذي يفرغ في غزله مادة أترع ms0694 بها جوفه، ~~ومهما جاءت خيوطه دقيقة رفيعة، رأيتها ~~قوية محبوكة، وهو - في رأي كارليل - ضريب لسيرفانتيز في طلاوة الفكاهة التي ~~استحق بها أن يحتل مكانه في طليعة الأدباء. ~~(1-9) أولفر جولدسمث # Oliver Goldsmith ~~(1728-1774م) # ستقرأ عن هذا الأديب العظيم في ثلاثة مواضع من هذا الكتاب، ستقرأ عنه هنا ~~ناثرا، وفي مكانين آخرين مسرحيا وشاعرا. # ولد لقسيس فقير، ولما كان في سنته الثامنة أصابه جدري ترك وصماته ~~الشائهة على وجهه طول الحياة، وأرسل حين بدأ عهد الطلب إلى مدرسة تديرها سيدة، ~~فقالت عنه: «لم أصادف قط طفلا في غباء هذا الطفل!» ثم عهد به بعدئذ إلى ~~معلم كان قبل جنديا في جيش «مولبرا»، وكان هذا المعلم الجندي زاخر ~~الذاكرة بالقصص عن البر والبحر وعن مغامراته ومغامرات سواه، كما كان يحفظ ~~كثيرا من الأغاني الشعبية الإيرلندية القديمة والقصص الخرافية، ولعل هذا ~~المعلم أن يكون أول من وجه أديبنا في سن الصبا إلى كتابة القصة. وأخذ ينتقل ~~الفتى في المدارس الريفية، حتى أكمل ثلاثة عشر عاما من سنه، فالتحق بكلية في ~~دبلن يتعلم فيها بالمجان لقاء خدمات يؤديها، وكان «جولد سمث» في الكلية ~~متراخيا لا يحافظ على موعد أو نظام، تؤرقه حاجته إلى المال، فكان يكتب الأغاني ~~ويبيعها، وحدث أن أشرف عليه في الكلية مرب غليظ القلب طاغية، فلقي منه صاحبنا ~~عنتا، من ذلك أن زاره بعض أصدقائه يوما، فدخل عليهم المربي محتدم العواطف ~~ثائر النفس، وصفع جولد سمث وركله فأوقعه أمام رفاقه، فما طلع الصباح حتى باع ~~الطالب كتبه وغادر الكلية ليضرب في فجاج الأرض هائما على وجهه، فصادفه أخوه ~~وكساه بكساء جديد، وأعاده إلى كليته، حيث أقام حتى ظفر بدرجته العلمية وهو في ~~عامه الحادي والعشرين. # وما فرغ من الكلية حتى أرسل له عمه مبلغا من المال يمكنه من دراسة القانون ~~في «دبلن»، لكن أديبنا أضاع المال على مائدة القمار، وسافر إلى أدنبره حيث شرع ~~يدرس الطب، ولبث عاما ونصف عام، ثم حفزه حافز أن يرحل عن أرض الوطن، فيمم شطر ms0695 ~~بوردو في سفينة تحمل طائفة من الجنود الخوارج على القانون، فسيق راكبوها جميعا ~~إلى السجن، وظل جولد سمث في ظلماته أربعة عشر يوما، ثم عاد فصمم على الإبحار ~~مرة أخرى، وكانت غايته هذه المرة مدينة «روتردام»، ومنها واصل الرحلة إلى ~~«ليدن» حيث التحق بجامعتها عاما يواظب مرة وينقطع أخرى. # وعندئذ بدأ جولد سمث «الرحلة الكبرى» سائرا على قدميه، لا يملك من حطام ~~الدنيا إلا جنيها واحدا ومزمارا، فكان وهو يجول في فرنسا يزمر للزارعين في ~~رقصهم لقاء نومه وطعامه، وطوف بعد فرنسا في ألمانيا وسويسرا وإيطاليا. ويقال ~~إنه وهو في بادوا ظفر بإجازة الطب، ولكن كيف السبيل إلى الرزق في إيطاليا، فلئن ~~استطاع مزماره في فرنسا أن يكسب له قوتا ومخدعا، فماذا هو صانع بمزماره في ~~بلاد كل زارع في حقولها يفضله في العزف والموسيقى؟ # أسرع إلى العودة إلى إنجلترا مفلسا مهلهل الثياب بشع المنظر، فتعذر عليه أن ~~يجد عملا يقتات منه، ثم بدأ ينتقل من عمل إلى عمل كيفما اتفق له، فهو اليوم ~~معين لصيدلي، وهو غدا طبيب يعالج المرضى، وهو تارة يصلح التجارب في مطبعة (هو ~~الذي أصلح تجارب قصص رتشردسن)، وهو طورا حاجب في مدرسة، وأخيرا عين محررا ~~لمجلة شهرية. # هنا بدأ جولد سمث حياة أدبية يعتمد فيها على قلمه، وأخرج سلسلة خطاباته ~~المشهورة منجمة في إحدى المجلات، وهي التي تعرف باسم «المواطن العالمي»، # 68 # وتجري هذه الخطابات على لسان فيلسوف صيني يرسلها إلى صديق له في ~~الصين، وفيها يصف الحياة كما شهدها في إنجلترا، وآيته في النثر قصة «راعي ~~ويكفيلد»، وسنترك الحديث عن قصائده ومسرحياته إلى موضع آخر. # أما مجموعة مقالاته - أو خطاباته - التي نشرت باسم «الموطن العالمي» فهي ترمي ~~إلى تصوير الحياة الإنجليزية كما يراها الأجنبي، وبين هذه المجموعة مقالات هي ~~من أجود ما جرى به في الإنجليزية قلم، نذكر منها بصفة خاصة «صاحب الرداء الأسود» # 69 # و«بوتبز»، # 70 # فهاتان شخصيتان جديرتان أن توضعا إلى جانب «سير روجر دي كفرلي» ~~الذي صوره أدسن، وقد سلف ms0696 الحديث عنه، فاقرأ هذه المقالات تجد متاعا لا يعد ~~له متاع، فأسلوب رشيق رائق، وفكاهة جيدة لطيفة، وسخرية مستساغة ~~رقيقة. # طارت هذه المقالات بشهرة جولد سمث، ~~فتسابق عليه الناشرون، وأجزلوا له العطاء، فتدفق المال غزيرا في جيوبه، لكنه ~~ظل على فقره. وماذا يصنع المال الغزير أمام هذا الإسراف الشديد؟ فلباس فاخر، ~~وميسر، وإحسان في تبذير! واتصل جولد سمث بأعلام الأدب، فهو صديق حميم لإمام ~~العصر «الدكتور جونسن» وهو مجالس لمعشر الأدباء في «الندوة الأدبية» ~~المشهورة في تاريخ الأدب، والتي سيرد ذكرها عند الكلام على «جونسن». # أما قصة «راعي ويكفيلد» فهي - كما يقول ناقد - شبيهة بسفر أيوب، تتناول ~~رجلا طيب القلب، وتمتحنه بالكوارث المتلاحقة، فتظل شعلة نفسه صافية النور وسط ~~ما يحيط به من ظلام، وفي آخر الأمر تجزيه عما صبر، فترده إلى السعادة التي ~~سلبها، وليست تمدح القصة لفنها القصصي، فهي هنا ناقصة معيبة، وهي كثيرا ~~ما تجاوز حدود المعقول الممكن في عالم الواقع، وتجعل في مجرى الحوادث دخلا ~~للمصادفة أكبر مما نشاهده في الحياة. ويظهر أن «جولد سمث» حين بدأ كتابة هذه ~~القصة لم يكن في ذهنه حبكة الحوادث في إطارها، ولكنا لا نقرأ هذا الكتاب ~~لحبكته، وإنما نقرؤه ويقرؤه العالم كله لهذه الشخصيات الإنسانية التي أجاد ~~الكاتب تصويرها. إن هذا الكتاب وحده لدليل على تشابه النفوس الإنسانية أينما ~~كان الإنسان، وإلا فكيف تهتز قلوب القراء من كل أرض وفي كل زمن لهذه القصة التي ~~تصف أسرة إنجليزية تعيش حياة هادئة في بيت ريفي متواضع؟ ~~(1-10) صموئيل جونسن # Somuel Johnson ~~(1709-1784م) # هو من الأدباء القلائل الذين سيطروا ~~على الحركة الأدبية في عصرهم، ولم يسلمه الأدباء قيادهم لكثرة ما أنتج من أدب ~~أو لامتيازه فيما أنتجه؛ إنما سلس له قيادهم لقوة خلقه ورجحان عقله، فبمثل ~~تلك الخلال الخلقية العالية والخصائص العقلية الممتازة تكون العظمة في الرجال، ~~ولقد كان «جونسن» طوال حياته يعاني العلل، ويقاسي ما ينتج عن ذلك من نفس ~~ضيقة ومزاج مكتئب، لولا أنه سرعان ما وجد في قوة ms0697 الإيمان الديني ما كان ~~يرجوه لنفسه من طمأنينة وهدوء. ولا عجب؛ فهو المسيحي الورع صاحب الخلق القوي ~~القويم والإحسان المتصل الذي لا ينقطع، وكان لا يدنو منه أحد من معاصريه في ~~حدة فهمه وقدرته العجيبة على الإعراب عما في نفسه من خواطر ومشاعر؛ مما جعله ~~محدثا من الطراز الأول، يجلس بين رفاقه في «الندوة الأدبية»، فيصب ذخيرة ~~عقله في عبارات تأخذ بجمالها الألباب، ولقد قيض الله للأدب «بوزويل» # 71 ~~- صديقه الحميم - فكتب سيرته وسجل حديثه في كتاب هو في ذاته ~~آية أدبية فريدة نادرة. # ولد في لتشفيلد، وأبوه «ميخائيل جونسن» كان يبيع الكتب في ذلك البلد، وقد ~~عرف بسعة علمه وسلامة رأيه، بعث بابنه إلى مدارس لتشفيلد، ولبث بها الفتى ~~حتى بلغ السادسة عشرة، وعندئذ أقام في الدار عامين وضع فيهما أساس علمه ~~وثقافته؛ إذ انصرف إلى الكتب التي في مكتبة أبيه، وهي كثيرة منوعة، ووجه ~~عنايته بصفة خاصة إلى المؤلفات اللاتينية، وبذلك اكتسب علما واسعا بالأدب ~~اللاتيني. وبعد ذلك التحق بجامعة أكسفورد، التي لقي بها ما جرح عزته وكبرياءه، ~~فقد كان فقيرا يلبس الثياب البالية أحيانا، وكثيرا ما يلمح على وجوه أصحابه ~~نظرات الإشفاق تارة والازدراء طورا، وأخذت الرحمة قلب صديق فوضع أمام غرفة ~~صديقه «جونسن» - في الخفاء - حذاء ليستبدله الطالب المسكين بحذائه الممزق ~~العتيق، فما أبصر به «جونسن» حتى طوح به من النافذة، وترك أكسفورد بغير درجة ~~علمية. # وظل الأديب ينتقل من عمل إلى عمل، ~~وكلها لا يتناسب مع ما كتب الله له من مكانة عظيمة في أيامه المقبلة. وصادف ~~في تنقله أرملة تكبره بعشرين عاما فأحبها، مع أنها امرأة لا تفتن بجمالها ولا ~~تجذب بحسن حديثها، تلبس الثياب المزخرفة التي تتنافر ألوانها، ولا تدل على ذوق ~~سليم، وتصبغ وجهها على هيئة زرية، لكن «جونسن» - بعينيه الضعيفتين - لم ير ~~فيها كل هذه النقائص، فهام بها حبا لا يرجو منه مالا؛ لأنها فقيرة، لكنها ~~كانت له في الحق زوجة صالحة، وبعد ذلك بقليل فتح مدرسة لم يشأ لها الله ms0698 ~~نجاحا، فاعتزم الأديب أن يأخذ سمته نحو لندن ليحترف الأدب ويكسب منه القوت، ~~فما انغمس في العاصمة الصخابة حتى أحس مرارة الفقر على أشدها، وكاد يهلك ~~جوعا، ثم هداه الله إلى عمل ينتفع فيه بموهبته الأدبية، وذلك أن يعرض في إحدى ~~الصحف مناقشات النواب، وكان مثل هذا العرض لما يدور في مجلس النواب محرما في ~~ذلك الزمان، فلجأ «جونسن» إلى الرمز والإيماء، فالمناقشات يزعم أنها تجري في ~~مجلس الشيوخ ببلاد ليليبت، # 72 # و«بليفسكو» وهي فرنسا، # 73 # وهكذا وهكذا، فلكل مكان اسم ولكل شخص رمز، لكي يفهم القراء ولا ~~ينال منه القانون. على أن الرجل لم يعترف له بالقدرة الأدبية، حتى نشر قصيدة ~~«لندن»، وطبعت طبعتين في أسبوع واحد، ولفت بها أنظار «بوب» فعرفه وكان «بوب» ~~إذ ذاك في أوج عظمته. # ذاع صوته وعرفه الناشرون، فعرض عليه بعضهم أن يكتب «قاموسا» للغة الإنجليزية ~~في مجلدين، وكان الأجر المعروض ألفا وخمسمائة جنيه، لكن معظم هذا الأجر ~~تسرب إلى من عاونوه، ولم يكسب من هذا العمل المضني إلا قليلا، وظهر ~~«القاموس» فجاء دليلا على دقة لغوية ممتازة وسعة اطلاع على الآداب بدت ~~فيما كان يسوقه من الشواهد. # وظهرت له بعد ذلك قصيدة ثانية عنوانها «شهوات الإنسان وعبثها»، # 74 # وفيها يعرض لبعض من صعد، ثم سقط من العظماء، ويسخر أمر السخرية ~~بما نسميه العظمة والمجد وما إلى ذلك من عبث وغرور. # وأخرج مأساة «أيرين»، # 75 # ولم يكن فيها موفقا، ثم اتجهت نيته نحو إخراج صحيفة ينسج فيها ~~على منوال صحيفة «سبكتيتر» - التي كان يحررها «أدسن» و«ستيل» - ~~وأطلق على صحيفته «رامبلر» # 76 ~~(الطواف) ودامت عامين، وقد حكم لها «رتشردسن» - القصصي الذي ~~عرفته فيما مضى - بأنها تضارع صحيفة «أدسن» إن لم تفقها، لكن أسلوبها كان ~~ثقيلا مسرفا في غزارة العلم الذي يسوقه والوعظ الخلقي الذي يرمي إليه، فأعوزه ~~ما كان يتحلى به أسلوب «أدسن» من خفة ورشاقة، وطلاوة ساحرة نفذت به إلى قلوب ~~القراء، ومضت بعد ذلك ستة أعوام من 1752 إلى 1758م. ثم أخرج جونسن ms0699 مجلة ~~أخرى أطلق عليها اسم «أيدلر»، # 77 # ودامت هي الأخرى عامين كزميلتها. # وماتت أمه وهو لم يزل فقيرا لا يملك المال الذي ينفقه على جنازة جديرة بها، ~~فنشط نشاطا يخالف تراخيه المعهود، وصمم على أن يؤلف كتابا يدر عليه ما يسد ~~به نفقات الجنازة، ولم يمض أسبوع واحد، حتى فرغ من الكتاب، وأرسل مسوداته إلى ~~المطبعة بغير مراجعة. ودفعت له فيه مائة جنيه، ذلك الكتاب هو «راسلاس أمير الحبشة»، # 78 # وتروي القصة كيف ضاق «راسلاس أمير الحبشة» ذرعا بعزلته في قصره ~~الذي يقع في واد بعيد عن خضم الحياة، فصمم على أن يلوذ بالفرار من ذلك القصر ~~إلى حيث الحياة الزاخرة فيراها. وهكذا يبدأ «راسلاس» رحلة طويلة يطوف بها أرجاء ~~العالم ويمر خلالها بأقوام مختلفة. وأهمية القصة تنحصر في الخواطر التي ~~تستثيرها مشاهد الرحلة، والمناقشات التي تدور بين الأمير وبين من يلاقيهم في ~~طريقه. وإذن فالقصة في حقيقة أمرها ذريعة يستخدمها جونسن لعرض فلسفته وآرائه، ~~فلا حوادث القصة ذاتها تثير انتباه القارئ ولا تصوير الأشخاص يستحق أي ثناء، ~~ذلك على قلة ما فيها من حوادث وأشخاص. وأما موضوعات البحث والحديث والتعليق ~~فكثيرة، يرد ذكر العلم فيقول: «إن حياة خصصت للعلم تمضي هادئة ولا ~~تفزعها الحوادث إلا قليلا.» ويذكر الشعر فيقول: «إن الشاعر لا يعد ~~خطوط السوسنة، ولا يصف الظلال المتباينة التي تغشى خضرة الغابة، إنما عليه أن ~~يبرز في تصويره للطبيعة المعالم الواضحة الرئيسية التي تستعيد صورة الأصل في ~~ذهن كل قارئ.» ويذكر الزواج فيقول: «في الزواج آلام كثيرة، لكن العزوبة ليس ~~فيها من المباهج شيء.» وعلى الجملة فالفلسفة العامة التي تشيع في الكتاب كله هي ~~فلسفة المتشائم التي ترى الدنيا غرورا وعبثا ليس وراءه من طائل. «الحياة ~~البشرية - أينما كانت - فيها كثير من الألم وقليل من المتعة.» ومما هو جدير ~~بالذكر في هذا الصدد أن «فولتير» نشر كتابه «كانديد» في نفس السنة التي نشر ~~فيها «جونسن» كتابه «راسلاس» والكتابان - كما ترى - يشتركان في النظرة ~~المتشائمة إلى الحياة، ولا شك ms0700 أن «كانديد» أروع فنا من «راسلاس». # كان «صموئيل جونسن» قد بلغ في عالم الأدب عندئذ مكانة الإمام الذي يقول ~~الكلمة، فإذا هي القول الفصل، وهي نفس المكانة التي احتلها سميه «بن جونسن» ~~في القرن السابع عشر. وتكونت في لندن ندوة أدبية يجتمع فيها قادة الأدب، ~~وكان «جونسن» في تلك الندوة رئيسا، وسائر الأدباء إلى جانبه أتباع ومريدون، ~~وبين أعضاء تلك الندوة «أولفر جولد سمث» الأديب المطبوع صاحب «راعي ويكفيلد»، ~~و«إدمند بيرك» أعظم السادسة في عصره و«جبن» المؤرخ العظيم وغيرهم كثيرون. ~~في تلك الندوة نتج الشطر الأعظم من الحديث الأدبي الذي ورثناه عن «جونسن»، فقد ~~كان جونسن - كما ذكرنا - محدثا بارعا ~~يتحدر الأدب من بين شفتيه إذا ما تحدث، فسجل صديقه «بوزويل» أحاديثه تلك ~~في السيرة التي كتبها عنه، ولعلها أعظم ما شهدت الآداب من أدب ~~السير. # وحدث أن زار «جونسن» اسكتلنده في صحبة ~~«بوزويل» وجاسا خلال نجادها المهجورة، وعرجا على جزائر «هبريديز» التي كاد ~~الناس لا يعلمون عنها شيئا، وأنتجت هذه الرحلة كتابا هو «رحلة إلى جزائر ~~اسكتلنده الغربية»، وكان ذلك سنة 1775م، وهي السنة التي منحته فيها جامعة ~~أكسفورد درجة الدكتوراه، وبعد ذلك بعامين طلب إليه كبار الناشرين في لندن أن ~~يكتب مقدمات لمجموعة كاملة أرادوا نشرها عن الشعراء الإنجليز، فرحب «جونسن» ~~بهذه المهمة، وأقبل على أدائها في شغف ولذة، فقد كان إناؤه طافحا بالمحصول ~~الأدبي والآراء النقدية، وظل يكتب ويكتب، حتى بلغ ما كتبه أربعة مجلدات كاملة، ~~وكان المطلوب فقرات قصيرة يمهد بها لكل شاعر، فجاء «تراجم الشعراء» # 79 # خير إنتاجه، واستحق به أن يوضع في الطليعة بين رجال النقد في الأدب ~~الإنجليزي، وكانت خطته أن يبدأ بترجمة لحياة الشاعر، ثم يعقب بنقد لشعره ~~موضحا ذلك بالأمثلة التي يظهر فيها حسن الاختيار. ولسنا ندري أي الجزأين كان ~~أروع، وصف السيرة أو النقد، فهو في عرض السيرة فنان بارع يصور الشخصية ~~تصويرا قويا في أسلوب قصصي جذاب، وهو في النقد قدير حاد الذهن نافذ ~~البصيرة. على أننا لا نحب ms0701 أن نذهب في مدحه إلى حد الإسراف الذي يجاوز الإنصاف، ~~فقد كانت للرجل عيوبه ونقائصه، فهو في جانب السير متأثر بوجهة نظره ~~السياسية؛ إذ كان محافظا جامدا متعصبا، فإن كان الشاعر الذي يترجم له على ~~غير مذهبه رأيته يجحف به ولا يزنه بميزان عادل، وهو في جانب النقد متأثر أيضا ~~بتشيعه للآداب القديمة، ولذلك تراه ناقما على كل أدب فيه نزوع نحو ~~«الابتداع»، أضف إلى ذلك عجزه أحيانا عن تقويم الشعر بقيمته الصحيحة؛ إذ لم ~~تكن له الأذن الموسيقية التي تميز الأنغام تمييز الخبير، ومن أخطائه النقدية ~~المشهورة أنه قلل من قيمة «المقطوعات الشعرية» لملتن؛ لأنه كان يكره هذا ~~اللون من الأدب، وأنه لم يتذوق قصيدة «لسداس» التي رثى بها ملتن صديقه ~~كنج، مع أنها من أجود الشعر، وأنه قسا في الحكم على سوفت لا لشيء سوى أنه ~~ارتاب في إخلاصه الديني ... أما إن خلا جونسن من دواعي التعصب، رأيت أحكامه ~~صادقة، فنقده لدريدن وبوب بلغ حد الإعجاز، خذ هذا المثال من «حياة بوب»: # في المعرفة المكتسبة لا بد لنا أن نعترف بالتفوق لدريدن، الذي جاء ~~تعلمه أكثر انطباقا على النظم المدرسية، والذي أتيح له - قبل أن ~~يأخذ في التأليف - زمن أطول للدرس، وموارد أفضل لنيل المعرفة، وعقله ~~أوسع أفقا، وهو يجمع صوره الذهنية من نطاق علمي أوسع محيطا. وكان ~~«دريدن» أكثر معرفة بالإنسان في سلوكه الخاص، والأفكار عند «دريدن» ~~تتكون بعد تأمل شامل، وهي تتكون عند «بوب» من توجيه الانتباه إلى ~~الأجزاء، والمعرفة عند «دريدن» أكثر اتزانا وهي عند بوب أكثر ~~دقة. # لم يكن الشعر هو الحسنة الوحيدة فيهما، فكلاهما ضرب في النثر كذلك ~~بسهم موفور، غير أن «بوب» لم يستمد نثره من سلفه، فالأسلوب عند «دريدن» ~~متقلب متنوع، والأسلوب عند بوب متأنق مطرد، فدريدن يستمع إلى ~~خلجات عقله، أما بوب فيقسر عقله على التزام قواعده في الإنشاء، ودريدن ~~في بعض الأحيان قوي متدفع، أما بوب فلا ينفك سلسا مطردا رقيقا، ~~والصفحة عند دريدن كالحقل الطبيعي، فيها تفاوت، وتتنوع ms0702 باختلاف الخصوبة ~~حيث يكثر النبات، أما الصفحة عند «بوب» فرقعة من المخمل شذ بها ~~المنجل وسواها المقراض. ~~••• # عرف جونسن بالتفخيم في أسلوبه، فهو يؤثر الألفاظ القوية الطويلة، حتى ~~ليوصف باسمه كل أسلوب يجري على هذا النسق. والحقيقة أن أسلوبه يختلف باختلاف ~~الموضوع الذي يكتب فيه، فهو أحيانا يستخدم الألفاظ القصيرة إن اقتضتها طبيعة ~~الموضوع، وهو أجود ما يكون أسلوبا حين يكتب كما يتحدث، غير أنه في حديثه كان ~~يتوخى العبارة القوية، وفي ذلك يقول لأحد أصدقائه من رواد الندوة الأدبية: ~~«لقد اتخذتها قاعدة منذ بعيد أن أبذل قصاراي في كل مناسبة وبين أية صحبة من ~~المجالسين في أن أعبر عما أعلمه كائنا ما كان في أقوى عبارة أستطيع أن أعبر ~~بها عن المعنى الذي أريد، حتى أصبح ذلك عادة بالمران المتصل، وبالحرص الشديد ~~على ألا تلفت مني عبارة واحدة أهمل تركيبها، وألا أخرج أفكاري قبل ترتيبها ~~ترتيبا يؤدي إلى توضيح المعنى إلى أقصى حد مستطاع.» وكتابه «راسلاس» مثال ~~للأسلوب المتكلف الفخم. أما «تراجم الشعراء» ففيه القوة مع السلاسة، وفيه ~~التنوع الخصيب في الأسلوب، وفيه مرونة الجرس وبراعة الفطنة وروعة الخيال، غير ~~أن «جونس» يميل إلى موازنة العبارة صدرها مع العجز، وإلى المقابلة التي كثيرا ~~ما تكون آلية لا تصدر عن طبع، كما يميل إلى الجملة الثقيلة في لفظها المثقلة ~~بمعناها، فهو مثلا يجرى على لسان فتاة في سن السادسة عشرة، تتحدث عن عمتها، ~~هذه العبارة: «لم تكن عواطفها سامقة التسامي ولا نظراتها رحيبة الأفق، لكنها ~~خيرة المبادئ خالصة النوايا، فلئن جاز أن يكون بعض الناس أكثر منها فضيلة، ~~فقل أن تجد من يقل عنها إثما.» وهو كذلك يميل أحيانا إلى استخدام ~~الألفاظ التي تدل على العلم والثقافة، ولو لم يقتض الموقف مثل هذه الألفاظ، ~~وفي ذلك يقول ماكولي: «إن كل كتبه مكتوبة بلغة علمية (المقصود باللغة العلمية ~~هنا اللغة التي تنم عن ثقافة عالية) لغة لا يسمعها أحد من أمه أو مرضعته، ~~لغة لا يشتجر بها الناس ولا يعقدون بها ms0703 الصفقات ولا يغازلون بها، لغة لا ~~يفكر بها أحد.» ~~(1-11) إدرود جبن # Edward Gibbon ~~(1737-1794م) # هو صاحب الآية التاريخية العظيمة «تاريخ تدهور الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»، # 80 # وقد ظهر منه الجزء الأول سنة 1776م، ثم بلغ ختامه بعد ذلك باثنى ~~عشر عاما. # أرسل «جبن» إلى جامعة أكسفورد، وهو في سن الخامسة عشرة، حيث أقام عاما ~~وبعض عام هي «أشد أيامي خمولا وأقلها نفعا!» ثم حدث له أن قرأ «بوسويه» # 81 # فتأثر به وارتد عن عقيدته الدينية البروتستنتية ليعتنق ~~الكاثوليكية الرومانية؛ فاقتضى ذلك أن يفصل عن الجامعة، فأرسله أبوه إلى قسيس ~~في لوزان ما زال به حتى رده إلى عقيدته الأولى من جديد. وأقام جبن في ~~لوزان خمسة أعوام أدام فيها اطلاعه على الأدب اللاتيني والأدب الفرنسي، فكان ~~لطول غيابه عن بلاده أثر في انعدام اللون الإقليمي في أدبه، فهو في مزاجه ~~وأحكامه وأسلوبه ليس بالإنجليزي الصميم، وبهذا الطابع امتاز من سائر أدباء ~~الإنجليز. وعاد الكاتب إلى أرض الوطن حيث التحق بالجيش المرابط أعواما عدة، ~~أفادته - كما يقول - حين أخذ فيما بعد يكتب عن الحملات الحربية والمعارك في ~~مؤلفه التاريخي العظيم، ولكنه ما لبث أن عاد إلى القارة الأوروبية من جديد، ~~يطوف بفرنسا وسويسرا وإيطاليا. فلما كان في مدينة روما نضجت في ذهنه الفكرة عن ~~إخراج شيء في التاريخ. يقول جبن: «كنت في روما في الخامس عشر من شهر أكتوبر ~~سنة 1764م، جالسا أفكر بين آثار «الكابتل»، بينما كان القساوسة الحفاة ~~يرتلون صلاة المساء في معبد جوبتر، وعندئذ بزغت في ذهني لأول مرة فكرة الكتابة ~~في تدهور روما وسقوطها.» ثم عاد إلى إنجلترا مرة ثانية، وأخذ يعد لمؤلفه ~~التاريخي الذي اعتزم إخراجه، وهنالك انخرط في جماعة «الندوة الأدبية» التي ~~التف أعضاؤها حول «جونسن». # صدر الجزء الأول من كتابه فتقبله الجمهور قبولا حسنا، بل صادف المدح ~~والإعجاب عند العلماء والناقدين، حتى من عرف منهم بالتزمت والعنت. والحق أنه ~~كتاب ما كان ليصدر لولا ما بذله فيه مؤلفه من جهود مضنية متصلة وصبر جميل ms0704 لا ~~ينفد، فهو في الواقع يؤرخ للعالم المتمدين كله «فليس سقوط روما سقوطا ~~لإمبراطورية وكفى، بل هو زوال للون من الفكر وطور من أطوار العقائد الدينية ~~والأخلاق والسياسة وأوضاع الحضارة بوجه عام، فسقوط روما فيه فناء الوثنية ~~القديمة ومولد العالم المسيحي الجديد، وهو أكبر تطور شهده التاريخ.» # 82 # وقد عالج جبن هذا الموضوع المتشعب بقدرة لا تزال تثير إعجابا ~~عند العلماء، فعلى الرغم من تفرع الموضوع وتعقد الحوادث والأشخاص، لم ~~تفته الدقة في موضوع من المواضيع، وأخذت تصدر أجزاء الكتاب تباعا، وقد كتب ~~الأجزاء الأخيرة وهو في لوزان. # والكتاب يبدأ بعرض جميل للتاريخ الروماني منذ عهد أوغسطس، ثم يبدأ التفصيل ~~من تربع كومودس على عرش البلاد (180م)، ويتتبع في وصف جميل وعبارة واضحة ~~تاريخ الرومان، وانحلال الإمبراطورية الغربية نتيجة لغارات القبائل الهمجية ~~القادمة من أواسط أوروبا، وتطور الكنيسة المسيحية ونموها، وتوطيد الدولة ~~البيزنطية، حتى يصل إلى سقوط القسطنطينية سنة 1453م. # وهاك مثالا من هذا الكتاب: ~~... وعلى رأس هؤلاء الأمجاد وحد ابنه نور الدين قوى المسلمين رويدا ~~رويدا، فأضاف مملكة دمشق إلى مملكة حلب، وشن حربا طويلة موفقة ~~على المسيحيين في سوريا، فبسط سلطانه القوى من دجلة إلى النيل، وكافأ ~~العباسيون عاملهم الأمين بكل ما يتمتع به السلاطين من ألقاب وحقوق، ~~وقد اضطر اللاتينيون أنفسهم أن يعترفوا بما لهذا العدو العنيد من حكمة ~~وشجاعة، بل بما له من عدل وتقوى، وكان هذا المجاهد الورع في حياته ~~وحكومته قد أعاد ما عرفت به عهود الخلفاء الأولين من حماسة ~~وبساطة، فأزال من قصره الذهب والحرير، ومنع في أرجاء ملكه احتساء ~~الخمر، وأنفق دخل الدولة في خدمة الشعب، لا يتهاون في ذلك قيد أنملة. ~~وأما نفقات بيته - وكان فيها كزا - فقد اعتمد فيها على نصيبه المشروع ~~من الغنائم، الذي استثمره في ضيعة خاصة اشتراها، وحدث أن تحرقت زوجته ~~العزيزة «سلطانة» شوقا إلى حلية ثمينة مما يتحلى به النساء، فأجاب ~~الملك: «وا أسفاه! إني لأخشى الله، فما أنا إلا خازن لمال المسلمين، ~~وليس في وسعي ms0705 أن أتصرف في ملكهم، لكن لي ثلاثة حوانيت لا أزال ~~أملكها في مدينة حمص، فلك أن تأخذيها، وليس لي أن أهب شيئا سواها.» ~~وكانت ساحة عدله ملجأ للعظيم ومأوى للفقير. فلما مضت بضعة أعوام بعد ~~موت السلطان، صاح في شوارع دمشق رجل أصابه غبن: «نور الدين! نور الدين! ~~أين أنت اليوم؟ انهض، انهض لترحمنا وتحمينا!» ~~(1-12) إدمند بيرك # Edmund Burke ~~(1729-1797م) # هو من أعظم من أنجبتهم إنجلترا من الخطباء والمفكرين السياسيين، ولد في ~~دبلن، وكان زميلا لجولد سمث في الجامعة، وقد أطال القراءة في الأدب الإنجليزي ~~والشعراء الإنجليز وهو طالب، وأسس في الجامعة «جمعية تاريخية»، فكانت أول حلبة ~~تجلت فيها مواهبه الخطابية والأدبية. # وكان أول نتاجه الأدبي «دفاع عن المجتمع الطبيعي»، # 83 # ثم نشر له بعد ذلك «بحث فلسفي في نشأة آرائنا عن الجليل والجميل». # 84 # وهو كتاب في علم الجمال استوقف الأنظار وأثار الاهتمام عند صدوره لجدة ~~الموضوع وطرافته؛ إذ لم يكن قبل ذاك موضوع الجمال مطروقا مألوفا، غير أن ~~الكاتب في هذا البحث ينقصه كثير من العلم الضروري بشئون الفن لكي يستطيع ~~الإجادة، ثم اتفق مع ناشر على إصدار مجلة تاريخية، هي «السجل السنوي»، # 85 # وظل أمدا طويلا من حياته يواصل المجلة ببحوثه. # ولما بلغ السابعة والثلاثين من عمره دخل البرلمان حيث لبث عضوا مدى ثلاثين ~~عاما. وكان «بيرك» رغم فصاحته الخطابية عضوا برلمانيا فاشلا، فقد كان يلقي ~~الخطاب الجيد البليغ فلا يصغي إليه أحد، ثم ينشره في صحيفة فإذا هو مثير ~~لاهتمام القراء جميعا، وهنا يجدر بنا أن نعيد ما قلناه في الخطابة في الجزء ~~الأول من هذا الكتاب. ~~«والخطابة إنما تكون أدبا حين تحتفظ الألفاظ المنطوقة بقوة فصاحتها إذا ما ~~خطت على الورق لتقرأ، فما أكثر ما تفنى خطب الخطباء مع الهواء كما تفنى ~~ألحان المنشدين وأصوات الممثلين! والخطب ثلاثة أنواع: خطب تسمع ولا تقرأ، ~~وخطب تقرأ ولا تسمع، وثالثة تشمل بتأثيرها العيون والآذان. فها هو ذا ~~«غلادستون» مثلا حرك النفوس بخطبه، ولكنها حين صبت في ms0706 أحرف المطابع بردت ~~نارها، وذلك هو «إدمند بيرك»، لم يكن له من القدرة الخطابية ما يقنع ~~البرلمان الإنجليزي، ومع ذلك فخطبه - مكتوبة - ساحرة فاتنة، وهي تحتل ~~مكانة رفيعة في الأدب الخالد، وأما خطباء اليونان فقد بلغوا بهذا الفن حدا ~~بعيدا من الكمال ...» # كان «بيرك» يلقي الخطبة فيبهت لها الأعضاء الحاضرون، لكنهم لا يتحمسون لها ~~ولا يقتنعون بها إلا إن قرءوها مكتوبة في صحيفة، بل أطلق عليها في أخريات ~~سنيه كنية تصف وقع خطبه، هي «جرس الغداء»؛ لأن نهوضه للخطابة كان ~~إيذانا بانصراف الأعضاء، والعجيب أن خطبه في جموع الشعب كانت على النقيض من ~~ذلك؛ إذ حركت نفوس سامعيها وهزت قلوبهم هزا حارا عنيفا، فقد وجه ~~اتهام إلى «هيستنجز»، # 86 # وقام «بيرك» يخطب في اتهامه، فاسمع ما تقوله أديبة كانت تناصر ~~المتهم: «أثار اهتمامي، ثم ملأ علي شعاب قلبي، ثم حطم قواي في نهاية ~~الأمر تحطيما، أحسست أن القضية التي أناصرها قد ضاعت، فكدت لا أستطيع القرار ~~في مجلسي، ولم تقو عيناي على أن توجها لمحة واحدة إلى رجل بلغ اتهامه ما ~~بلغه مستر هيستنجز، وودت لو ابتلعتني الأرض حتى لا أكلف عيني مثل هذا ~~المنظر الأليم!» والحق أن خطبته في اتهام هيستنجز بلغت من جودة الصناعة وروعة ~~الفن ما يتعسر معه أن تجد لها شبيها. # ومن آياته الباقية «آراء في حالة التبرم القائمة» # 87 # و«خطاب في الضرائب الأمريكية» # 88 # و«خطاب إلى رؤساء الأقاليم في برستل» # 89 # وغيرها، مما يعد نموذجا للقول في الشئون السياسية، فهي مترعة ~~بالحكمة العميقة، والحكم الصائب، والتأمل الفلسفي. ولم تشهد الكتابة السياسية ~~قبل «بيرك» هذه الذخيرة الزاخرة الخصيبة من الشواهد تساق في لغة تتألق بلمعات ~~الخيال، وتكتسب حرارة من الرأي الأصيل والشعور الدافق الفياض. ولا عجب؛ فقد كان ~~الرجل يشتعل حماسة للذود عن المظلوم ورفع السياسة الإنجليزية - في الداخل ~~والخارج - إلى مستوى رفيع. ومما يميز كتابته السياسية كلها نفوره من النظريات ~~المجردة وانتزاع القواعد العامة، فقد كان من المحافظين عمليا لا يتعلق ~~بالآراء النظرية، ولئن أراد ms0707 الإصلاح فقد كره التجديد. # وإن كان ذلك كذلك، فلا بد أن تكون ~~الثورة الفرنسية قد ساءته بعنفها، فتصدى لها يوجه إليها أمر النقد ويقاوم ~~عوامل الهدم التي خلفتها الثورة، وعندئذ ألف كتابه الخالد «تأملات في الثورة الفرنسية» # 90 # سنة 1790م، وحسبك أن تعلم أنه قد طبع إحدى عشرة طبعة في عام ~~واحد، لتدرك منزلته من القراء، وكان كتاب «تأملات في الثورة الفرنسية» من أقوى ~~الحوافز التي استحثت ملوك أوروبا على مقاومة الحركة الثورية، لكن الثورة ~~الفرنسية مضت في طريقها تقوض كل بناء للنظام والقانون، فيتميز صاحبنا من ~~الغيظ ويغلي صدره بالعواطف المشتعلة، ويخرج غضبته الحامية في «آراء في ~~الشئون الفرنسية». # 91 # واعتزل «بيرك» معترك السياسة؛ إذ مات وحيده الذي حل من قلبه في السويداء، ~~فتحطمت قواه وازور عن الدنيا وعبثها، فلم يعد لها فيها مأرب ولا رجاء. # ومن خصائص أسلوبه تلاحق الإشارات وكثرة الاستعارات، وهو يمتاز بالقوة ~~والطلاقة، وكثيرا ما يستعير الشواهد من الكتاب المقدس، فقد أدمن قراءته حتى ~~كانت آياته على سنان قلمه وتوقيع أنغامه حاضرة في ذهنه وهو يكتب، وكان يحب ~~التعبير عن المعنى الواحد في عبارات مختلفة، ويميل إلى التكرار أحيانا، شأن ~~الخطيب المصقع الذي يقصد بكلامه إلى صميم القلوب، وهو يؤثر الأمثلة العملية ~~المحسوسة على الأقوال النظرية المجردة، وتراه يجمع بين الجمل القصيرة الحادة ~~والجمل الطويلة المديدة. # وهذا مثال من «تأملات في الثورة الفرنسية»: # مضت ستة عشر أو سبعة عشر عاما ~~مذ رأيت ملكة فرنسا في فرساي، وكانت إذ ذاك ولية للعهد، وإني لعلى يقين ~~أن هذا الفلك السماوي - الذي لم تكن قد مسته إلا مسا رفيقا ~~- ما شهد قط أبهج منها منظرا، رأيتها وقد أشرقت في الأفق منذ قليل، ~~تزين ذلك العالم الرفيع الذي بدأت لتوها تتحرك في أرجائه فملأته ~~مرحا وبهجة، وهي تتلألأ كأنها نجمة الصبح، تملؤها الحياة والجلال ~~والغبطة. أواه! يا لها من ثورة! ويا له من قلب لا بد أن أحمله بين ~~أضلعي لأتخيل ذلك الارتفاع وذاك السقوط دون أن يهزني انفعال! ms0708 ... لم ~~يدر بخلدي أني سأحيا حتى أرى هذه الكوارث تنصب عليها في أمة ~~عرف بالشهامة رجالها، في أمة يتصف بالشرف أبناؤها، في أمة في ~~أهلها نخوة الفرسان، لقد حسبت أن ألوف السيوف ستنسل من أغمادها ~~لتثأر لها لو توجهت إليها نظرة واحدة تتهددها بالهوان، لكن عهد ~~الفروسية انقضى، وأعقبه عهد فيه رجال الجدل الزائف والاقتصاد والحساب، ~~فذهب عن أوروبا مجدها إلى الأبد، ولن نرى بعد، لن نرى ذلك الولاء ~~السمح لأبناء الطبقة النبيلة وبنات الجنس اللطيف، لن نرى بعد ذلك ~~الإذعان في عزة، وتلك الطاعة في كرامة، وذلك الخضوع يصدر عن القلب ~~ويبقي روح الحرية الشامخة حية حتى في العبودية نفسها. ~~(2) الشعر # كانت بوادر المذهب الاتباعي قد ظهرت في الشعر الإنجليزي في أواخر القرن السابع ~~عشر، ثم بلغ هذا المذهب نهاية شوطه في النصف الأول من القرن الثامن عشر على يدي ~~«بوب» أو فيما يسمى بالعصر الأوغسطي، وهنا نرى لزاما علينا أن نوضح العناصر ~~الأساسية في المذهب الاتباعي في الأدب، ونحاول التفرقة بينه وبين المذهب ~~الابتداعي. # لسنا نريد بلفظ الاتباع أن الأديب يستقي وحيه من الآداب اليونانية والرومانية ~~القديمة فحسب؛ فذلك وحده لا يكون اتباعا؛ لأن الأدب في عصر اليصابات كان يستوحي ~~تلك الآداب القديمة، ومع ذلك فهو أدب ابتداعي خالص، وإنما نعني مجموعة من ~~الخصائص مجتمعة، فالاتباعيون يعنون كل العناية باللفظ قبل المعنى، بالصورة قبل ~~المادة، هم يكثرون من القيود التي يراعون فيها أن تكون مستمدة من الآداب القديمة، ~~ثم تكون البراعة عند الأديب أن يحافظ على تلك القيود، والشاعر الابتداعي يهتم ~~بالمعنى وبالمادة التي يريد أن يعبر عنها، ثم لا يتقيد بشيء حين يختار لنفسه أداة ~~التعبير؛ لأنه حر يختار أنسب أداة تخرج المعنى الذي يريد إخراجه قويا سليما، ~~أما الشاعر الاتباعي فيبدأ بالتسليم بضرورة صور معينة للتعبير، ثم يحاول أن ~~يعرب عما في نفسه في حدود تلك الصور. # وقد يتشابه الاتباعي والابتداعي في المعاني، لكن هنالك سمات تميز أحدهما من ~~الآخر، فالكاتب الاتباعي يميل إلى السخرية والهجاء، ms0709 وإلى أن يكون أدبه تعليميا ~~تهذيبيا، ويحب أن يصف حياة المدينة لا حياة الريف، ووصفه موضوعي يتعلق ~~بالشيء الموصوف أكثر منه ذاتيا يعبر عما يجيش في نفس الأديب الواصف، على نقيض ~~الكاتب الابتداعي، فهو يميل نحو الطبيعة كما تبدو في كافة صورها، ومن بينها الحقول ~~والأزهار والحياة الريفية، ويميل كذلك إلى وصف الغريب دون المألوف، والمغامرة دون ~~الاستقرار، ثم هو في وصفه ذاتي يدون خلجات نفسه إزاء ما يصف. ولئن كان الأديب ~~الاتباعي يريد أن يعلم قارئه درسا بما يكتبه، فإن الأديب الابتداعي يكفيه أن ~~يغني بما في قلبه ولا يعنيه بعد ذلك أفاد القارئ شيئا أو لم يفد، والاتباعي ~~يحتكم إلى العقل، ويلجم العواطف الحادة، أما الابتداعي فيرخي العنان لخياله ولا ~~يكبت شيئا من عواطفه، بل - على نقيض ذلك - لا يرى الأدب إلا أداة للتعبير عن تلك ~~العواطف. ~~(2-1) إسكندر بوب # Alexander Pope ~~(1688-1744م) # ولد في لندن لأب كان يشتغل بالتجارة، وقد نشأ على عقيدة أبيه كاثوليكيا ~~رومانيا، ولبث يعتنق تلك العقيدة طوال حياته، وأهم ما يلفت النظر في سيرة ~~الشاعر حقيقتان؛ الأولى: نضجه المبكر، والثانية: علة جسده، فقد ورث الدوار من ~~أمه والجسم الشائه عن أبيه، وحيل بينه وبين الجامعات بسبب عقيدته الدينية. لكن ~~الله وهبه نبوغا يستغني به عن الجامعات؛ ففي سن الخامسة بدأت تظهر عليه بوادر ~~الذكاء الوقاد، فأوصت له عمته بكل كتبها وصورها، وفي الثامنة ترجم بعض أشعار ~~لاتينية، وفي الثانية عشرة ترك المدرسة، وبدأ في داره دراسة ينظمها لنفسه ~~بنفسه، انصرف بها نحو الأدب، وكان أكثر قراءته منصبا على «سبنسر» و«دريدن»، ~~وفي سن الخامسة عشرة نظم ملحمة طويلة ألقى بها في النار بعد نظمها، وفي ~~الثامنة عشرة كتب مجموعة «الأشعار الريفية»، # 92 # وقبل أن يتم عامه الخامس بعد العشرين بدأ مجهوده الشاق الطويل في ~~ترجمة هومر، وحسبك ذلك دليلا على نضجه الباكر. أما علة جسده فقد قال هو عن ~~حياته في إحدى قصائده إنها «علة واحدة طويلة.» كان أصلع الرأس قزما لا يزيد ~~طوله ms0710 على أربع أقدام، محدودب الظهر قميئا يبدو عليه المرض، فهو لم يستطع حتى ~~بعد اكتمال نموه أن يلبس ثيابه أو ينضوها بنفسه، ففي الصباح كانوا يلفون له ~~جسده بأربطة من القماش السميك لتقيمه، وكان يلبس تحت القميص صدارا من فراء، ~~ويلبس ثلاثة أزواج من الجوارب تزيد قليلا من سمك ساقيه، فقد كان من ضآلة ~~الجسم، بحيث يتطلب مقعدا عاليا كلما جلس إلى مائدة كما هي الحال مع صغار ~~الأطفال، لكن إلى جانب هذا كله كانت له عينان جميلتان وصوت رخيم، حتى ~~ليسمونه بالبلبل الصغير. # أول ما نشر من شعر «بوب» «الأشعار الريفية» وهي أربع قصائد: واحدة عن الربيع، ~~وثانية عن الصيف، وثالثة عن الخريف، ورابعة عن الشتاء، وهو يحاكي بها «أشعار ~~الحقول» لفيرجيل، ونستطيع أن نعد هذه الأشعار بمثابة مرحلة التدريب، على ~~الرغم مما فيها من حلاوة أنغام ومرونة سياق وصقل. # ثم نشر له بعد عامين (1711م) «مقالة في النقد» # 93 # أنشأها وهو في التاسعة عشرة من عمره، وقد قرظها «أدسن»، وكانت ~~صلة التعارف بين الأديبين الكبيرين. ويلخص الشاعر في هذه القصيدة مبادئ النقد ~~الأدبي التي وردت في قصائد نقدية سلفت، مثل قصيدة «الفن الشعري» لهوراس ~~الشاعر الروماني، و«الفن الشعري» أيضا لبوالو الناقد الفرنسي في القرن السابع ~~عشر، ويقسم الشاعر قصيدته هذه ثلاثة أقسام يبين في أولها ضرورة أن يدرس ~~الأديب أصول الذوق السليم وقواعده، وأن يكون عماده على الطبيعة وعلى دراسة ~~الأقدمين. ويبين في ثانيها الأسباب التي تعطل فينا ملكة النقد السليم والحكم ~~الصائب، ويحصرها في عشرة أسباب: الغرور، والعلم الناقص، والحكم على القصيدة ~~جزءا جزءا دون أن ينظر إليها كلا واحدا، والتطرف إما إلى ناحية التعنت ~~الذي لا يعجبه العجب، وإما إلى ناحية التسرع في المدح فيقرظ كل شيء، والتحزب ~~لقديم أو جديد، والهوى، والشذوذ، والتذبذب، والتعصب الحزبي، والحسد. وفي ~~القسم الثالث من القصيدة يبين وظيفة الناقد وطريقة أدائها، فالناقد لا بد أن ~~يجمع إلى سلامة ذوقه وصدق حكمه وسعة علمه؛ صراحة وتواضعا وأدبا ولباقة، وهو ~~يبين في ms0711 هذا القسم أيضا خصائص الشاعر الرديء، والناقد المعيب، ويقابل بينها ~~وبين صفات الناقد الكامل، ويستعرض تاريخ النقد الأدبي بادئا من أرسطو حتى ~~عصره، والقصيدة مكتوبة بالقافية المزدوجة، نقتبس منها ما يلي: # قلة العلم خطب بالغ الخطر حتما؛ # فاشرب من القاع أو لا تذق للشعر طعما. ~~... # من يكس الطبيعة بالثوب القشيب فذاك الشاعر الفطن الأريب # قل ما قيل تكرارا، في صيغة لم يسبقها في الجمال ضريب ~~... # فمعظمهم حكمه على القريض بما للشعر من أوزان # إن سلست، كان الصواب، أو خشنت - في رأيهم - شالت كفة ~~الميزان، # إن ربة الشعر الساطعة فيها ألوف من ضروب السحر تجتمع، # لكن حمقى الأنغام هؤلاء لا يعجبهم من مفاتنها إلا الصوت ~~يستمع # إن من يرتد دولة الشعر - لا إلى تهذيب العقل يقصد - # بل لمتعة الآذان، كمن إلى الكنيسة يذهب # لا من أجل العقيدة، لكن العزف إليه محبب. # وأنشأ الشاعر بعد ذلك قصيدة «اغتصاب الخصلة»، # 94 # وهي قصيدة تهكمية تعالج موضوعا تافها بالأسلوب الذي عالج به ~~شعراء الملاحم العظمى موضوعاتهم الجادة الهامة، فقد حدث أن غافل أحد ~~اللوردات سيدة جميلة فجز من شعرها خصلة، فاختصمت من أجل ذلك الأسرتان، ~~فاتخذ الشاعر هذا الحادث موضوعا لقصيدته، أو لملحمته التهكمية. ولما كان لا بد ~~لكل ملحمة من عدة خارقة للطبيعة تسير حوادثها - كالأرباب والآلهة في ~~الملاحم القديمة - فقد اتخذ بوب من عرائس الجن والشياطين عدة لملحمته، وهو ~~يبدأ القصيدة - كما تبدأ الملاحم الكبرى - بتوجيه الخطاب إلى ربة الشعر أن ~~تنشده: # أي عدوان مخيف من أسباب الغرام ينشأ، # وأي عراك عتي عن التوافه يطرأ. # وما «العدوان المخيف» هنا إلا اغتصاب خصلة من شعر من أطلق ~~عليها في قصيدته «بلندا» # 95 ~~(وهي في حقيقتها مس فيرمر)، # 96 # ثم أخذ الشاعر يقص في أبدع تهكم وأروع سخرية كيف تم ذلك الاغتصاب، ~~وماذا كانت نتائجه، وهو يجري القول في نغمة الجد على نحو يستثير فيك العجب ~~والإعجاب. انظر كيف يصف أدوات الزينة التي وقفت عندها «بلندا» تزين نفسها ~~قبيل خروجها إلى ذلك الحادث المشئوم: ms0712 # فهذا وعاء عن لآلئ الهند الوضاءة يفتح، ~~«وبلاد العرب» تنفست من ذلك الصندوق طيبا ينفح، # السلحفاة هنا والفيل متحدان، # تحولا أمشاطا: منها البيض ومنها أرقط الألوان، # ها هنا خطوط من المشابك امتدت صفوفا صفوفا تتألق، # أريج ومسحوق وزينة، وإنجيل وخطاب مغرم يتحرق. # وبعدئذ هم الشاعر بعمل جليل استغرق من سنيه ستا ملأها ~~بالمجهود المتصل، فقد أخذ ينقل الإلياذة والأوذيسية شعرا إنجليزيا، وكان ~~«سوفت» عندئذ يروج له في القصر وفي طبقات المجتمع الراقية، فيذيع بينهم ~~أن «أنبغ شاعر في إنجلترا» يترجم هومر، ويستحثهم بقوله: «أريدكم جميعا أن ~~تساهموا في ترجمته لهومر؛ لأنه لن يبدأ الطبع إلا إن جمعت له ألف جنيه.» وما ~~أتم «بوب» إخراج الملحمتين حتى كان له منهما تسعة آلاف ضمنت له العيش ~~الرغيد بقية حياته. # لم يترجم «بوب» عن اليونانية رأسا، إنما نقل عن ترجمة فرنسية «لمدام داسييه »، # 97 # وكان يرجع أحيانا إلى ترجمة «تشابمان». وقد انشق النقاد في ~~الحكم على ترجمة «بوب»، فمنهم من رفعها حتى جعلها أروع ما يستطيعه مترجم - مثل ~~بيرن - ومنهم من اتهمها بالعجز والقصور، فقد قال عنها «بنتلي» # 98 # الناقد العالم: «إنها - يا مستر بوب - قصيدة جميلة، ولكن لا يجوز ~~لك أن تسميها هومر.» وقال عنها «جبن»: إن فيها كل ما يستحق المدح، إلا ~~أنها ترجمة أمينة، ولعل أجمل ما قيل فيها إنها تشبه تمثالا خزفيا مزخرفا ~~نقل عن تمثال يوناني من المرمر القوي في بساطة. # وبينما كان «بوب» مشتغلا بترجمته للإلياذة، أخرج بضع قصائد صغيرة بلغ فيها ~~غاية ما يستطيعه جودة وإتقانا، منها قصيدة «رسالة إلويزا إلى أبلارد»، # 99 # وهي تدور حول قصة مشهورة لحبيبين حلت بهما الكوارث، فلجأ كل ~~منهما إلى دير يقضي فيه ما بقي له من حياته. وكتب «أبلارد» خطابا إلى صديق، ~~فوقع في يدي «إلويزا» وأيقظ في قلبها سالف حبها، فأنشدت هذه الرسالة، وفي ~~ختامها تخيلت الراهبة نفسها متكئة على قبر، وأنها تسمع أصوات الموتى في ~~القبور: # في كل نسيم يرف حسبت روحا يناديني، # وجوار الجدار ظننت صوتا ms0713 - لم يكن بالصدى - يناجيني، # وها هنا - وكنت في المصابيح الخابية من حولي أحدج - # من ذلك الضريح هناك سمعت صوتا يتهدج: ~~«تعالي - أختاه - تعالي» (هكذا قال أو خيل لي) ~~«مكانك ههنا - أختاه الحزينة - تعالي لا تمهلي، # فيوما رجفت كما ترجفين، وكان مني بكاء ودعاء، # كنت آنئذ ضحية الحب وبت اليوم قديسة عذراء، # فسكون شامل ههنا في هذا النوم الدائم # نسي الأسى أناته ولا بكاء من المحب الهائم ...» # فرغ «بوب» من ترجمة هومر، وتدفعت عليه الأرباح، فاتخذ مسكنا ~~هادئا على ضفاف «التيمز»، حيث كان يستضيف أعلام الأدباء في عصره، وعلى رأسهم ~~«سوفت»، وها هنا أنشأ «بوب» ملحمة تهكمية أطلق عليها «دنسياد» # 100 ~~- أو قصة الأغبياء - وفيها هجاء مر للأدباء الذين ناصبوه ~~العداء. # ثم أخرج «مقالة في الإنسان»، # 101 # وهي تتألف من أربع رسائل موجهة إلى «اللورد بولنجبروك»، # 102 # الذي أوحى إليه بفكرة القصيدة، وهي محاولة - كالتي حاولها ملتن ~~- فهو يسلط عقله الخالص على ما تحتويه الحياة البشرية من ألوان الشقاء وضروب ~~التناقض، ويبين أن الشر إن هو إلا نتيجة عجز الإنسان أن يرى الكون في مجموعه، ~~فينظر إلى أجزائه جزءا جزءا، فيخيل إليه أن هذا الجزء شر في ذاته، مع أنه مع ~~غيره من الأجزاء يكون خيرا. # يزعم الشاعر في الرسالة الأولى من الرسائل الأربع أن الإنسان مخلوق كامل، ~~غير أن سعادته في الحاضر تعتمد على جهله بالمستقبل، وعلى أمله في أن يتاح له ~~عالم أكمل وظروف أصلح من العالم القائم والظروف الراهنة، والغرور هو أس ~~شقاء الإنسان؛ لأنه يعميه عن حدوده، التي يجب أن يقف عندها لا يجاوزها، ويشير ~~الشاعر إلى حماقة الإنسان في اعتبار نفسه علة الخلق، وفي شكاته من أن الله لم ~~يخلقه كاملا، ويبين تسلسل الكائنات من الأنواع الدنيا إلى الإنسان، ~~فالملائكة فالله، قائلا إنه إذا تحطمت حلقة واحدة في هذه السلسلة المتدرجة ~~انهار بناء الكون كله. ومن هنا كان من دلائل الفوضى والخروج على النظام أن يطمح ~~نوع من الكائنات أن يكون أعلى مما خلق له، وأن ms0714 يتألم مما فرضه عليه الله من ~~واجبات، وهو يختم الرسالة الأولى بهذه الأبيات: # رويدك لا تقل عن نظام الكون إنه نقص ذميم، # فنعيم الحياة الصحيح معتمد على هذا الذي تلوم، # اعرف من الكون موضعك: هذا الضرب وهذا النصيب # من العمى والضعف، إرادة الله إياك تصيب. ~~... # ما «الطبيعة» إلا «فن» جهلت مداه، # ما «الصدفة العمياء» إلا «قضاء» ولست تراه، # ما «النشاز» إلا «تناغم» لم يفهم، # ما «الشر في الجزء» إلا «الخير للكون» ولم يعلم! # فرغم الغرور ورغم العقل المخطئ، # حق واضح «أن كل ما في الكون صواب» لم يخطئ. # وفي الرسالة الثانية من «مقالة في الإنسان» يوضح «بوب» ~~فلسفته، ويبحث في الإنسان باعتباره فردا، وهنا ينصح الإنسان أن يعرف نفسه - ~~كما أوصى بذلك سقراط منذ قرون - وألا يحاول توجيه بحثه نحو الله؛ لأن الدراسة ~~التي يجدر بالبشرية أن تنهض بها هي دراسة الإنسان نفسه، وبعدئذ ينتقل في ~~الرسالة الثالثة إلى بحث الإنسان باعتباره عضوا في المجتمع، ثم يبين في ~~الرسالة الختامية عناصر السعادة ومقدماتها. # والقصيدة - كسائر شعره - قوية الديباجة رصينة الأسلوب مزدوجة القافية، أما من ~~حيث المعاني، فقد قال عنها ناقد حديث إنها مضطربة متناقضة صبيانية في كثير ~~من مواضعها، ومهما يكن من أمر فهي القصيدة التي طارت بشهرته في أوروبا، إذ ~~ترجمت إلى الألمانية والفرنسية بعيد صدورها. # وكان ما أخرجه «بوب» بعد قصيدته «مقالة في الإنسان» مجموعتين من الشعر هما: «هجائيات» # 103 # و«رسائل» # 104 # و«مقدمة الهجائيات» قصيدة مشهورة عنوانها «رسالة إلى الدكتور أربثنت»، # 105 # وترجع أهمية هذه القصيدة التي تتألف من أربعمائة بيت، إلى أنها ~~نموذج صادق لكل ما يتصف به الشاعر من خصائص، فضلا عن أنها تنبئ عن كثير من ~~سيرته كأنما هي ترجمة لحياته، وتعد الهجائيات - من حيث الألفاظ وجودة النظم ~~- آية الشاعر. # كان في شخصية «بوب» كثير من المتناقضات - ولعل تناقض الشخصية من سمات الإنسان ~~- فهو نحيل هزيل عليل، لكنه وهب عقلا دائم الحركة دائب النشاط، لا يهن ولا ~~يفتر، وهو مبتدع مبتكر، لكنه في الوقت نفسه ms0715 يحب أن يهتدي في أدبه بمن هو أعلى ~~منه موهبة ونبوغا، وهو عدو قاس عنيف، ومع ذلك فقد كان له أصدقاء حميمون ~~يحبونه حبا نادرا بين الأصدقاء. # وإن أردت أن تعرف لبوب فضله على الأدب الإنجليزي، فذاك هو ارتفاعه «بالقافية ~~المزدوجة الحماسية» # 106 # إلى ذروة الكمال، وقد أضحى هذا الوزن الشعري منذ «بوب» و«دريدن» ~~خير أداة يستخدمها الشاعر في الشعر التهذيبي والشعر الهجائي، فلئن كان «بوب» ~~تلميذا لسلفه «دريدن» فقد تفوق التلميذ على أستاذه في إتقان هذه «القافية ~~المزدوجة» تفوقا جعله أستاذا لها غير مدافع، ومما عرف به بوب عنايته ~~الشديدة بصقل شعره، فكان لا يني يهذب البيت ويشذب أطرافه هنا وهناك، حتى يجعل ~~منه بيتا سليما واضحا محكما، تراه جالسا في بيته أو في حديقته يمحو لفظا ~~ويثبت لفظا ليبلغ بقصيدته ما أراد لشعره كله من جودة الصقل، ومتانة التركيب، ~~وإحكام المعنى، ولم يستهن في سبيل ذلك شيئا مهما كان تافها؛ لأنه يوقن ~~«أن التوافه تصنع الكمال.» ولم يكن يأخذه الملل من تغيير ما كتب وتحويره ~~وإصلاحه وتهذيبه، حتى ليقال إن كل بيت من نتاجه الفخم كتب مرتين على الأقل، ~~فلئن كانت شاعريته موضع ريبة من بعض الناقدين، فحسبه هذه الصناعة التي بلغ بها ~~أوج الكمال. ~~(2-2) جيمس تومسن # James Thomson ~~(1700-1748م) # لم تمض روح الاتباع التي سادت في ~~العصر الأوغسطي، والتي تزعمها «بوب» بغير مقاومة ومعارضة ورد فعل، بل بدأ ~~هذا الرد وتلك المقاومة و«بوب» لم يزل حيا يقرض الشعر، إذ اتجه بعض الشعراء ~~إلى الطبيعة يستوحونها، ثم أخذت الحركة الجديدة تتسع وتزداد، حتى بلغت أوجها في ~~نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر، وقلة ضئيلة من الشعراء هي التي ~~تابعت «بوب» في اتباعيته وصناعته، ولعل ذلك راجع إلى اليأس من مجاراته في ~~صنعة القريض على مذهبه، إذ لم يدع بوب في ذلك الفن زيادة لمستزيد، وكان ~~«جيمس تومسن» بطل الشعر الطبيعي في عهد الصنعة والاتباع إبان العصر ~~الأوغسطي. # بدت أول بوادر الشعر في «تومسن» حين نظم النشيد ms0716 التاسع عشر من المزامير، ~~فكان توفيقه في نظمه أقوى ما أوحى إليه أن ينصرف إلى الأدب، فقصد إلى لندن حيث ~~التحق بإحدى الأسر النبيلة مربيا لأبنائها، وهنالك وجد الفراغ الذي مكنه ~~أن ينشئ قصيدة «الشتاء» التي نشرها وعمره ستة وعشرون عاما، والتي عقب عليها ~~«بالصيف» «فالربيع» «فالخريف»، وكان من مجموعة هذه القصائد الأربع ديوانه ~~«الفصول». # من هذا الاتجاه نحو الطبيعة يتبين لك الوجهة الجديدة التي خرج بها تومسن ~~على بوب ومدرسته، فقد عصى زعيم الشعر في القاعدة التي استنها للناس وهي «أن ~~ما يجب على الإنسان درسه هو الإنسان.» وأجال «تومسن» بصره في أرجاء الطبيعة ~~التي أحبها وهام بها، فكان الشتاء أول ما ظفر منه بالشعر؛ يصف لك عاصفة ~~مطيرة عاتية، فالسماء متجهمة اختلط في أديمها الضباب والمطر، والسهل مغمور ~~بسيل أدكن طام، وقمم الجبال وأشجار الغابات اضطربت أمام العين، فلا تراها في ~~وضوح وجلاء، والماشية تدلت أعناقها وهي تغوص في السهل كساه الوحل، والدجاج ~~اجتمع زرافات في أركان الحظائر فوقف ساكنا لا حراك به تتساقط من ريشه قطرات ~~الماء، لكن ذلك لم يكن كل شيء في الشتاء، فهنالك الحراث يمرح، وهو يصطلي مدفأته ~~الوهاجة في بيته الصغير، يتحدث ويضحك غير عابئ بهذه العاصفة التي تقعقع فوق سطح ~~البيت، ثم يخرج بك الشاعر مرة أخرى إلى الطبيعة ليطلعك على الأنهار، وقد فاضت ~~بمائها وعلى سيول الماء الدافقة، وقد جرفت أمامها كل شيء، فجسور محطمة ~~وطواحين مهشمة، وهيهات أن يقف سيل الماء شيء، فهو يصدع السدود، ويجتاز ~~جلاميد الصخر في الطريق، ثم يغير الشاعر المنظر كأنما تبدل بفعل السحر، فإذا ~~أنت في سكون رائق صاف أعقب العاصفة، وها هو ذا العصفور الصغير ينقر الزجاج ~~في نافذة غرفتك، ويضرب بصدره الأحمر كسف الثلج التي جمدت على الزجاج، ~~فيسمعك حفيفا لطيفا، ويراه الأطفال داخل الغرفة، فيجتمعون له وراء ~~الزجاج، وينظر إليهم الطائر بعينيه الدقيقتين يلوي عنقه ذات اليمين وذات ~~اليسار، لكن هذا السكون لا يطول، فينقلك الشاعر من جديد إلى مراعي الأغنام في ms0717 ~~السهل الطليق، فإذا الشتاء يستجمع قواه في الهواء الذي أخذ يزداد بردا ~~وظلاما، والثلج يساقط ويكثف، فيوجس الراعي خيفة؛ لأن الثلج الكثيف قمين أن ~~يخفي عنه معالم الطريق، فتبدو الأماكن المألوفة غريبة أمام عينيه، فالويدان ~~الجوفاء تظهر له مليئة، والمكان الجبلي الوعر يتخذ صورة السهل البسيط، وذلك ~~ما حدث للراعي، فقد غشيت الغاشية ووقف المسكين حائرا ضالا، وبدا السهل كله ~~كأنما يدور من حوله إذ أخذت هبات الريح تعلو بطبقات من الثلج، وتدور بها في ~~الهواء كأنها تدير ملاءة بيضاء، وتمت المأساة ومات الراعي، ويأخذك الشاعر إلى ~~بيته، فترى الأطفال تجمعوا عند النافذة أو الباب يرقبون أباهم، ولكن أباهم لن ~~يئوب. # وليست كل أيام الشتاء بهذا السواد الحالك، ففي الشتاء أيام بهيجة صافية لا ~~ينساها الشاعر. انظر إلى هذا القروي الساذج، وهو يمشي فرحا فوق الثلج الجامد ~~كأنه يخطو على أرض من البلور الشفاف! # هكذا تجري الصور في قصيدة «الشتاء » وتتعاقب، وحسبك هذا لتعلم كيف انحرف ~~«تومسن» بالشعر إلى الطبيعة بعد أن كان يحصره «بوب» في المدينة ~~وأهليها. # وللشاعر غير «الفصول» قصيدة «حصن التراخي»، # 107 # وهي قصيدة رمزية نظمها في البحر السبنسري - ذات المقطوعات ~~التساعية التي تجري قوافيها أ - ب - أ - ب - ب - ج - ب - ج - ج على أن يكون ~~البيت في الثمانية الأولى مركبا من عشرة مقاطع، والبيت التاسع من البحر ~~الإسكندري، أي مركبا من اثني عشر مقطعا، وقصيدة «حصن التراخي» قسمان، في ~~أولهما يصف الشاعر مباهج الحصن، وفي ثانيهما يسوق ما أبدعه رجال الفن ~~والصناعة. ~~(2-3) تومسن جراي # Thomas Gray ~~(1716-1771م) # بلغ الشعر في منتصف القرن الثامن عشر ~~قصاراه على يدي «جراي» الذي كانت له جودة الصقل التي ألفناها في «بوب»، ثم ~~أضاف إليها الاتجاه نحو الطبيعة الذي رأيناه عند «تومسن» والذي سيمهد السبيل ~~إلى الحركة الابتداعية العظمى ممثلة في «وردزورث» ولد في لندن ونشئ في ~~«إيتن»، وهي التي أهدى إليها قصيدته «نشيد الذكرى البعيدة لكلية إيتن»، # 108 # وبعدئذ ألقى عصاه في كيمبردج، حيث استقر طيلة حياته إلا ms0718 فترات ~~قصيرة، وكان منذ الصبا الباكر قد أبدى قدرة على الشعر اللاتيني، فترجم إلى ~~الشعر الإنجليزي طائفة من شعراء اللاتين الصغار، ولما بلغ الثالثة والعشرين قام ~~برحلة في أنحاء فرنسا وإيطاليا، وقد تركت فيه جبال الألباين الإيطالية أعمق ~~الأثر، ومات أبوه فعاد حيث استقر في كيمبردج سنة 1742م، وهي من أخصب سنيه ~~إنتاجا، ففيها أخرج «نشيد إلى الربيع»، # 109 # وهي مقطوعة شعرية (أربع عشرية) قالها رثاء لصديق له، وأخرج ~~نشيدا وجهه إلى كلية أيتن أسلفنا لك ذكره، كما أنتج «ترنيمة المحنة»، # 110 # ثم بدأ في ذلك العام نفسه ينشئ قصيدته المشهورة التي خلدته في ~~صفحات الأدب، وهي «مرثية كتبت في فناء كنيسة»، # 111 # وبعدئذ لم ينتج الشاعر إلا عددا قليلا من الأناشيد والقصائد، ~~أهمها «تقدم الشعر». # هذا مثال نادر في تاريخ الأدب، فإنتاجه - كما ترى - ضئيل جدا، فلم يكد ~~«جراي» يزيد على ثلاثين بيتا من الشعر في كل عام، ومع ذلك له مكانة عالية لا ~~يدانيه فيها إلا أعظم الأدباء ، وأبرز ما يطبعه عنايته بالصقل عناية لا تجد لها ~~مثيلا عند أديب آخر، فهو يكتب القصيدة القصيرة في عامين كاملين! ولا يفتأ ~~طوال العامين يراجع ما كتب ويعدل ويبدل، ومن هنا كانت قصيدته الكبرى «مرثية ~~كتبت في فناء كنيسة ريفية» درة لامعة برئت من كل النقائص والعيوب، ولعل هذا ~~الكمال في «الكيف» هو الذي عوض الشاعر عن النقص في «الكم»، فسلكه التاريخ ~~بين الخالدين. وسنقتبس من هذه القصيدة الرائعة المقطوعات التالية خجلين إذ ننقل ~~هذا البناء المحكم والأسلوب الرصين: # ربما يرقد في هذا المكان المغمور # قلب كان يوما يعمره قبس سماوي، # ويدان كانتا تحملان صولجان الملك، # أو توقظان إلى نشوة قيثارة شجية. ~~••• # لكن العرفان لم ينشر أمام أبصارهم صحائفه المترعة # المليئة بما خلفته الدهور من آثار، # وألجم الفقر المدقع فيهم غضبة شريفة، # وجمد في أنفسهم تيار النبوغ. ~~••• # كم من لؤلؤة وضاءة أنقى ما تكون شعاعا، # تحملها كهوف البحر المدلهمة البعيدة الأغوار! # وكم من زهرة نبتت ليحمر وجهها خفية؛ # فيذهب عنها ms0719 الشذا في ريح البوادي مبددا! ~~••• # ربما يرقد «هامدن» # 112 # ريفي ذو قلب جريء، # قاوم الطاغية الصغير في مزارعه، # أو ربما يرقد «ملتن» صامت في غير مجد، # أو «كرمول» لم تدنس يديه دماء مواطنيه. ~~(2-4) وليم كوبر # William Cowper ~~(1731-1800م) # هو سليل أسرة كريمة خلقه الله مرهف الحس حييا، وقد عانى من حيائه وحسه ~~المرهف ما عانى أيام كان يطلب العلم في مدرسة داخلية، فيحرجه صغار الشياطين من ~~زملاء الدراسة، ويوغرون صدره، حتى يضيق بحياته ذرعا، وبدت له قدرة بارعة، ~~وهو طالب، في نظم الشعر اللاتيني، وخرج من معاهد العلم ولم يكد يخوض خضم ~~الحياة حتى مات أبوه، وتعاورته بعد ذلك حالات نفسية غريبة، ما زالت تزداد ~~خطرا، حتى أصبحت مرضا نفسيا عضالا دفعه مرة أن يزهق روحه بيده. ويظهر أن ~~قد نشأت علته من العزلة والبطالة واليأس، وعهد به إلى مصحة خاصة ردت ~~إليه العافية بعد قليل، لكنه فقد عملا كان يرتزق منه وبدد ما كان معه من مال ~~مدخر، فامتدت إليه أيادي الإحسان من أصدقائه وذوي قرباه، وانتظم له دخل ~~ضئيل ركن إليه وأوى إلى مكان هادئ في الريف. # وكانت الحركة الإصلاحية في الدين، التي قام بها «وزلي»، # 113 # قد أثرت في كوبر تأثيرا أوشك أن يكون ثورة وانقلابا؛ فحمله على ~~شيء من التصوف الهادئ الذي يبعث الطمأنينة في النفس القلقة الحيرى. وسرعان ما ~~وحدت وجهة النظر المشتركة بينه وبين رجل من رجال الدين في عيشة واحدة ~~ومسكن واحد، هو «وليم أنون»، # 114 # لكن «أنون» فاجأته المنية، فارتحلت أسرته واستصحبت كوبر، وهنا ~~عاود شاعرنا هوسه المرضي، وتجهمت نفسه من جديد، وحاول الانتحار للمرة ~~الثانية، ثم تعهده الأطباء واسترد العافية، وأشفقت عليه زوجة أنون من ~~الفراغ فاستحثته أن ينشئ سلسلة من القصائد هي التي تعرف الآن باسم «حديث المائدة»، # 115 # وعندئذ توثقت صلة الود بينه وبين صديقة أخرى هي «ليدي أوستن» # 116 # أرملة نبيل، فكانت هذه السيدة مصدر وحي قوي لشعره، من ذلك أنها ~~قصت عليه ذات ليلة قصة «جون ms0720 جلبن»، # 117 # فحولها كوبر في الصباح التالي «حكاية منظومة». # وأوحت إليه الصديقة الجديدة بموضوع لقصيدة جديدة هي أطول قصائده، أطلق عليها ~~أول الأمر «الأريكة»، ثم بدل عنوانها فجعله «الواجب»؛ # 118 # ليشير بذلك إلى أنه واجب أداه تبعا لأمر صديقته. وفي هذه ~~القصيدة الجديدة عثر الشاعر على ميدانه الذي خلق له، فإن كان الله قد وهب «بوب» ~~قدرة بارعة في تصوير الحياة في الحضر المتأنق، فقد كتب لكوبر أن يصور ~~الحياة في الريف الساذج، ولم تكد قصيدة «الواجب» تجد سبيلها إلى النشر، حتى جاء ~~في إثره الصوت البعيد والشهرة الواسعة، وبعد ذلك نشر «ترجمة لهومر» في شعر ~~مرسل، لكن الترجمة لم تصادف قبولا حسنا على الرغم من أنها لا تخلو من الإجادة ~~في بعض المواضع، ولم تمض أيام حتى نشأت خصومة بينه وبين صديقته «ليدي أوستن» ~~فتركته، وشهد نفس العام موت صديقته الأولى زوجة «أنون» وهي التي توجه ~~إليها الشاعر أثناء مرضها بقصيدته المشهورة «إلى ماري»، ولم ينتج الشاعر بعد ~~ذاك قصائد طوالا. وكل ما أنشأه في أخريات أعوامه مجموعة من القصائد القصار مثل ~~«فقد رويال جورج»، # 119 # و«إسكندر سلكيرك»، # 120 # وعلى هذه القصائد القصيرة الأخيرة ترتكز شهرته اليوم. # وقصيدة «الواجب» هي أروع آثار الشاعر، وهي شعر مرسل ومقسمة ستة أجزاء: ~~«الأريكة» و«الساعة» و«الحديقة» و«المساء في الشتاء» و«مشية الصبح في الشتاء» ~~و«مشية الظهر في الشتاء»، وسنعرض عليك موجزا لأحد هذه الأقسام نموذجا ~~لبقيتها، وليكن ذلك «مشية الصبح في الشتاء». # يستهله الشاعر بهذه الأبيات: # إنه الصبح، والشمس في فلكها الوردي # صاعدة، فأشعلت الأفق بنارها، والسحاب ~~- الذي يفر في جموع أمام الرياح الطاردة - # يزداد إسراعا كلما ازداد قرص الشمس صعودا، # فما أشد ما يشبه مدينة اندلع لهيبها! # ننظر إليها خلال غابة تعرت أوراقها، وشعاع الشمس # ينحدر في غير أثر إلى جوف الوادي كسته الثلوج، # ملونا بصبغته الوردية كل شيء # من العشبة إلى النبتة اللولبية. # ثم يمضي الشاعر فيصف ما يصادفه في «مشية الصبح» يصف الماشية ~~كاسفة في أركان الحقول والحظائر، والحطاب يسرع الخطى، ms0721 والدجاج يختال ~~إلى طعامه، وآثار الثلج والجليد على المياه الساقطة، وما ينتج عن ذلك من أشكال ~~جميلة ورشاش يستوقف النظر، فيدعوه هذا إلى حكاية قصر من الثلج شيدته أميرة، ~~ثم يستدعي ذلك إلى ذهنه الحروب ونشأتها ونمو الملكية وما يترتب عليها من شر، ~~ثم يقارن بين ولاء الشعب لمليكه في فرنسا وفي إنجلترا، ويعرج على الكلام في ~~الحرية فيوجه إليها خطابا غاية في البلاغة، ويذكر استبداد الحكم المطلق في ~~فرنسا فيستنكره، ويتجه بخطابه إلى سجن الباستيل فيتمنى الأماني التي لم تلبث أن ~~حققتها الأيام، ويمتدح الحرية السياسية والاجتماعية التي تتمتع بها إنجلترا، ~~وتكون فخارها ومجدها، ثم يذكر الحرية الروحية في الدين فيثني عليها ويعدها ~~الخير الأسمى. # لم يكن «كوبر» من أعظم الشعراء الإنجليز، لكنه يمثل بشعره خير تمثيل تطور ~~العناصر الجديدة التي دخلت على الشعر، وهي العناصر التي انتهت في فرنسا بالثورة ~~الفرنسية، وفي إنجلترا بثورة أدبية نهض بها «وردزورث»، ونعني بها عناصر الحرية ~~وتحطيم القيود. ~~(2-5) أولفر جولد سمث # قدمناه إليك ناثرا، وها نحن أولاء نعرضه أمامك شاعرا، وإنما حشر جولد سمث ~~بين الشعراء لقصيدتين مشهورتين هما «الرحالة» # 121 # و«القرية المهجورة». # 122 # أما «الرحالة» فقصيدة تهذيبية يقصد بها الشاعر إلى تلقين مبادئه، تلمس فيها ~~الروح الجديدة التي دخلت الشعر منذ منتصف القرن الثامن عشر؛ إذ تراه يصف ~~المناظر الطبيعية وصفا صادقا، وهو في هذه القصيدة وفي «القرية المهجورة» ~~أيضا ينفر من عناصر المدنية الدخيلة على الإنسان، ويتمنى أن تعود الحياة إلى ~~أحضان الريف ورحاب الطبيعة. # إن الطبيعة لا تني - وهي للناس جميعا أم رءوم - # تعطي خيراتها إن دعا داع بجد العمل # تطعم بالقوت الزارع ... أينما كان، # ولئن تجهمت قمم الجبال التي تتوجها الصخور # فتلك الصخور - بحكم العادة - انقلبت فراشا وثيرا، # وللصناعة أنعم - بالقياس إلى الطبيعة - كثيرة مختلفات، # فثروة، وتجارة، وكرامة، وحرية، ورضى، # لكن هذه يقاتل بعضها بعضا أحر قتال، # فكأنما كل لكل فاتك هدام، # فحيثما سادت الحرية والثراء، ضاع الرضى، # وغاضت الكرامة إذا امتد بازدهار التجارة الأمد. # فهو لهذا ms0722 يؤثر خيرات الطبيعة على أنعم الحضارة الصناعية، ~~وفي «القرية المهجورة» كذلك يستدر إشفاق القارئ على قرية هجرها أهلوها، ~~وقصدوا إلى المدينة ليعملوا في صناعتها، وعجيب أن يؤثر الإنسان المدينة على ~~الريف، والريف من صنع الله والمدينة من صناعة الإنسان! هو في هذه القصيدة ~~يصور لك القرية، وهي عامرة بأهلها، ثم يصورها وقد خلفها أبناؤها، وفي ~~القصيدة كذلك شخصيات أبدعت ريشة الشاعر تصويرها، منها واعظ القرية، ومنها معلم ~~القرية: # هنالك إلى جوار السياج المتعرج الذي يحد الطريق # بأشجار من الرتم الزاهر البهيج بلا ثمر، # هنالك - في بيته اللجب - على بسط النفوذ قد مهر، # كان معلم القرية في مدرسته الصغيرة يعلم صغاره، # إنه رجل عنيف، عبوس في مرأى النظر، # عركته فعرفته، كما كل طفل شرود قد عرف، # والراجفون من الصغار قد مرنوا أن يتنبئوا # من وجهه عند الصبح أي خطر خلال اليوم ينتظر، # وفي مرح زائف يتصنعون لقوله الضحكات # إن قال نكات، وما أكثر ما كان له من نكات! # وسرعان ما ترى كل جار لجاره قد همس، # لينشروا أنباء المصيبة بينهم إن عبس، # لكنه كان - رغم هذا - ذا قلب رحيم، فإن قسا # كان حبه للعلم إلى قسوته حافزا، # لم يخف عن كل أهل القرية علمه الغزير، # فهو على الكتابة - لا شك - قادر، وعلى الحساب كذاك قدير، # يقيس الأراضي، وينبئ بالفصول ومد البحار وجزرها، # بل أشاع عنه الناس علما بالمكاييل ومعيارها، # وكان كذلك يبدي في النقاش مهارته؛ # تراه في الجدال هزيما، لكنه ماض يواصل حجته، # ينطق باللفظ الطويل العميق الأجزل الرنان؛ # فيدهش الحضور السذج الرامقيه بنظرة الحيران، # وما ينفكون في دهش، تزداد حيرتهم وتعظم # أن يحمل رأس واحد صغير كل هذا الذي يعلم. ~~(2-6) روبرت بيرنز # Robert Burns ~~(1759-1796م) # لن نجد خيرا من هذا الشاعر مثالا نسوقه لما طرأ على الشعر الإنجليزي من ~~تغير بين أول القرن - في بوب - وآخره في الحركة الابتداعية التي تتجه إلى ~~الطبيعة بأنظارها، وهو - بعد - شاعر اسكتلندي أعظم من أنجبتهم اسكتلنده في ~~تاريخها من الشعراء، ولد في مكان ms0723 قريب من «أير»، # 123 # حيث كان أبوه يعمل عند صاحب ضيعة صغيرة بستانيا ومشرفا على ~~ضيعته، ولما بلغ الوليد سابعته، استأجر أبوه مزرعة وانتقل إليها بصحبة أسرته، ~~فكانت حياتهم عندئذ - كما وصفها بيرنز فيما بعد - «حياة راهب مكتئب، لا يعرف ~~المرح، يملؤها عمل شاق متصل، كأنهم العبيد الأرقاء.» وتعلم الصبي كما ~~يتعلم سائر الصبيان في القرى، لكن والديه كانا مشغوفين بالقراءة فجرى الابن ~~على غرار الأبوين، وواصل القراءة في غير انقطاع، لا يدخر لحظة واحدة من ~~فراغه إلا أنفقها يطالع في الكتب - ولم تكن لحظات الفراغ طويلة مواتية - ~~فالتقى في مطالعته بخيرة الأدباء الإنجليز من شعراء وناثرين، ثم لم يكفه ~~هذا مع ما كان يبذله في المزرعة من جهود مضنية تبدأ عند الشروق، ولا تنتهي ~~إلا مع المساء، بل استطاع كذلك أن يتعلم الفرنسية وقليلا من اللاتينية وبعض ~~الرياضة، ومات أبوه فانتقل شاعرنا مع أخيه إلى مزرعة أخرى، وكان إذ ذاك في ~~عامه السادس والعشرين، فأنفق أربعة أعوام أخرى في عمل متصل بمزرعته الجديدة، ~~لكن المزرعة لم تغل شيئا يقيم الأود، وفي هذه السنوات التي أضنته ~~بمجهودها أخذت تنضج شاعريته وتتفتح، فقد كان أنشد قبل ذاك أغاني غرامية ~~وأناشيد. أما اليوم فقد استنبطت ظروف حياته نبوغه الدفين، وأخرجت كل ما تنطوي ~~عليه نفسه من قوة في الهجاء لا يجاريه في مضمارها قرين، وازدهر أمام عينيه ~~الأمل في أن يكون شاعر العصر في أمته جميعا. # كانت روح الثورة تملأ الآفاق في أرجاء أوروبا جميعا، فتشرب الشاعر تلك ~~الروح الثائرة، وجاء شعره متأججا بالثورة على الأوضاع العتيقة القائمة، ~~واشتد به العنف أحيانا، حتى جاوز به حدود الرصانة العقلية وأدب السلوك؛ مما ~~دعا الكنيسة أن تضعه موضع اللوم والتأنيب، وكانت اسكتلنده تضطرب إذ ذاك ~~بانشقاق ديني قامت فيه الخصومة بين حزبين، أطلق على أحدهما حزب «الأضواء ~~الجديدة»، وأطلق على الآخر حزب «الأضواء القديمة»؛ فأما الحزب الأول فيأخذ ~~بالأفكار الجديدة الحرة، وبضرورة التخفيف من قواعد الكنيسة الكلفنية السائدة في ~~اسكتلنده، ومع هذا الفريق المجدد ms0724 وقف «بيرنز» وكتب سلسلة من القصائد الهجائية ~~اللاذعة يهاجم بها مساوئ الكنيسة ونفاق القائمين عليها مهاجمة لم يعرف فيها ~~هوادة ولا رحمة، فكانت قصائده تلك بمثابة السياط أثقلت أطرافها بالرصاص، وأخذ ~~يهوي بها على جلودهم يمزقها شر ممزق، وأشهر هجائياته «السوق المقدسة» # 124 # و«دعوات (ويلي) المتدين» # 125 # و«خطاب لذي الخلق القويم الصارم»، # 126 # وقد أراد بتلك القصائد الهجائية أن يطهر الكنيسة من أدرانها، وأن ~~ينزع عن رجال الدين مسوح النفاق التي لم يرتدوها إلا ليخفوا نفاقهم تحت سترها، ~~ولكنه في الحق قد جاوز في هجائه حدود اللياقة وحسن الخطاب، وأنشد في الوقت ~~نفسه قصيدة عنوانها «مساء السبت عند ساكن البيت الصغير»، # 127 # عرض فيها صورة جميلة للعقيدة الدينية السليمة في بيت زارع ~~متواضع فقير، وكان الشاعر أخصب ما يكون إنتاجا بين عاميه الخامس والعشرين ~~والسابع والعشرين، ففي هذه الفترة أنتج هذه القصائد وغيرها. # ونشر الشاعر قصائده، لكن صعاب الحياة أحاطت به فلم يصبر على المقام في أرض ~~الوطن، واعتزم الرحيل إلى «جامايكا» واحتجز مكانه في السفينة، لولا أن السفينة ~~لم تقلع في الموعد المضروب، فاستطاع بعض رفاقه أن يحملوه على البقاء، وشجعه ~~على ذلك ما لقي ديوانه من نجاح، فظل يطوف باسكتلنده ويقضي الشهور في أدنبرة، ثم ~~عاد فاستأجر مزرعة وتزوج من فتاة أحبها، ثم عين في منصب متواضع فترك ~~المزرعة، وعندئذ أنشد بعض الأغاني، ونظم إحدى قصائده الجياد وهي «تام أوشانتر»، # 128 # وأخذت قصائده الغنائية تترى، حتى كون منها مجموعة هي أشجى ما ~~يعرفه الأدب الإنجليزي من قصائد الغناء. # عندئذ هم أديب اسكتلندي بنشر مجموعة من الأغاني الاسكتلندية أطلق عليها ~~«المتحف الموسيقي»، فساهم «بيرنز» في هذه المجموعة بأربع وثمانين ومائة قصيدة ~~معظمها جديد مبتكر، واضطلع آخر بعد ذلك بقليل بنشر مختارات من الشعر ~~الاسكتلندي كذلك، فساهم شاعرنا في تلك المختارات بستين أغنية، وكانت مساهمته ~~في كلتا الحالتين بغير أجر، وفي ذلك قال حين أرسل قصائده: «أما عن الأجر فلك ~~أن تعد قصائدي فوق أن تؤجر أو دون أو تؤجر؛ ms0725 لأنها ستكون بغير شك إما هذه وإما ~~تلك.» فلا عجب أن عاش «بيرنز» في فقر شديد، فقد كانت قصائده غالية القدر، ~~عظيمة الثمن، ولو أراد بها الربح لكفا نفسه مئونة العناء المادي الذي لاحقه ~~طيلة حياته. # كان هذا الأديب القوي النابغ ثائر النفس - كما أسلفنا - فلم يتوان في إعلان ~~عطفه على الثورة الفرنسية، حتى لقد أرسل إلى «حكومة الإدارة» في فرنسا بأربعة ~~مدافع بحرية، ومعها خطاب يفيض بالعطف والتأييد، لكن المدافع لم يؤذن لها ~~بالخروج من دوفر وورطه هذا الحماس الأحمق في مشكلات مع أولي الأمر، ومع ذلك ~~فقد كان «بيرنز» وطنيا يلتهب بالشعور القومي، حرك الأمة كلها بقصائده الوطنية ~~ومس بسحره صميم فؤادها، ولما هدد نابليون البلاد بالغزو، نظم نشيدا يتغنى به ~~المتطوعون - وكان واحدا منهم - فجرت به ألسنة القوم من أقصى البلاد إلى ~~أقصاها. # لم يكن «بيرنز» مكثارا في شعره، ولكن قليله كثير غزير إذا قسته بهذه ~~الظروف التي نشأ فيها، وهذا الصراع العنيف المضني الذي لم ينقطع طول حياته ~~يوما في سبيل القوت، بحيث لم تمكنه الحياة من الانصراف إلى القريض في أمن ~~ودعة ، ومن هنا استحال عليه أن يكتب القصائد الطوال؛ لأنه إذا ما أمسك القلم ~~أسرعت ضرورات الحياة فاضطرته للعمل، فجاء شعره نفحات خاطفة ولمعات سريعة ~~بارقة، تستثيرها أعراض الحياة العابرة في نفسه الشاعرة. ولما كان زارعا يفلح ~~الأرض بيديه كان أصدق من يعبر عن خواطر الزارعين من أهل بلاده، يخفف من عنائهم ~~بحلو فكاهته، ويفيض عليهم عطفا؛ لأنه واحد منهم، وما نظن أن حياة الفقير وجدت ~~من يصورها في وضوح وقوة كما صورها «بيرنز» في قصيدة «مساء السبت عند ساكن ~~البيت الصغير»، وهو فيها إنما يصور حياة أبيه وأسرته: # فما إن فرغوا من عشاء بهيج، حتى نهضوا بوجه واجم، # والتفوا في حلقة كبيرة حول دفء النار، # وتناول رب الأسرة في وقار الوالد الحازم # إنجيلا ضخما كان عند أبيه موضع اعتزاز وافتخار، # ونحى عن رأسه القبعة في إجلال وإكبار، # وبدا عارضاه الأشيبان في نحول الذابل، ms0726 # ومن أسطر سرت يوما على «صهيون» في حلاوة الأوتار # انتقى جزءا في عناية البصير الأمثل، # ثم صاح «هيا نعبد الله» في لهجة الوقور الأكمل. # وفي قصيدة «الكلبين» # 129 ~~- قيصر ولواث، فهكذا يسميهما - يقارن بين الغني والفقير أيهما ~~أسعد، وهو موضوع طالما تناوله الأدباء، لكن جدته لا تبلى؛ لأنه يمس النفس ~~الإنسانية من قريب، وهو يدير الحوار فيها بين الكلبين في قوة وبراعة واتزان، ~~وإن لم يكن إلى جانب الفقير أميل، يقول «لواث»: # هلا أنبأتني، سيدي قيصر، # إن كانت حياة الأغنياء سعادة خالصة؟ # فلا ينال منهم برد ولا جوع؟ # فيجيب كلب الغني: # لو أقمت، سيدي، ساعة حيث أقيم # ما غبطت السادة الأغنياء على نعيم! # نعم هم لا يتضورون من جوع ولا يجهدون # إن قر الشتاء ببرده أو اشتد قيظ الصيف، # وليس يبري عظامهم عمل منهك شاق، # ولا هم يعرفون في الشيخوخة العلل والآلام، # لكن بني الإنسان أفدام وحمقى ... # فإذا لم يكن ثمة ما يضيقون به من المتاعب والصعاب # عمدوا إلى خلق ما يعكر صفوهم من حمق ومن غباء. # وأعظم ما ورثه «بيرنز» للأدب الإنجليزي من ثراء هو أغانيه، ~~فهو منشد القصائد الغنائية الذي لا يدنو منه شاعر آخر في ذلك الأدب، فكأنما ~~كانت روحه معينا تنبثق منه الأنغام انبثاقا متداركا متلاحقا، وهو عجيب في ~~سرعة تفجر ينبوع الشعر في نفسه كلما عرض لقول الشعر عارض، تراه في مثل لمح ~~البصر يلقف المعاني الشاردة، ويسوقها في عبارة يحسن اختيار ألفاظها، بحيث ~~يستحيل أن تبدل بلفظه لفظا آخر خيرا منه، فهو يختار الألفاظ التي تفتن الآذان ~~بسحر أنغامها وهو وإن يكن قوميا في أغانيه، إلا أنه يمس بها العواطف ~~الإنسانية العامة بين البشر، فهو - مثلا - في أغنيته «قبلة حارة» يعبر - كما ~~قيل - «عن أبجدية الشعور، وهو يضمنها جوهر هذا الوجود الذي تتجاوز فيه اللذة ~~والألم، فيخرج ذلك الجوهر في قطرة واحدة محترقة.» وهذه الأسطر الأربعة ختام ~~الأغنية: # لو لم نحب بكل قلبينا # لو لم يعم الحب عينينا # لو كنا أبدا لم نلتق، أو ms0727 كنا أبدا لم نفترق # لما أحسسنا قط بهذا القلب المحترق. ~~(3) المسرح # ذهب القرن السابع عشر، فذهبت معه المأساة بموت «دريدن»، والملهاة الفطنة الفكهة ~~بعد «كونجريف»، ولبثتا في ركود حينا طويلا من الدهر؛ إذ لم تجدا في القرن الثامن ~~عشر إلا قليلا من النوابغ يسعفونهما. # فالنظارة الذين أيدوا المسرحية في عصر عودة الملكية (النصف الثاني من القرن ~~السابع عشر) كانوا من رجال القصر وطبقة النبلاء وعلى رأس هؤلاء وأولئك الملك نفسه، ~~ولما جاء القرن الثامن عشر ذهب عن المسرح تأييد القصر؛ فلم يكن وليم الثالث ولا ~~الملكة آن من رواده. ثم اتسعت الهوة بين القصر والمسرح، حين تولى ملك البلاد ~~جورج الأول الذي لم يكن يفهم الإنجليزية، وتلاه جورج الثاني الذي كانت إنجليزيته ~~مصبوغة بصبغة ألمانية، فلم يعد للمسرح أمل في تلك الطبقات الرفيعة، وإن لم يوفق ~~إلى اجتذاب الطبقيتين الوسطى والدنيا إليه فلا رجاء له في حياة أو بقاء، لكن ~~الطبقة الوسطى أخذت تعود إلى المسرح رويدا رويدا، وذلك بفضل ما طرأ على المسرحية ~~نفسها من تطور وتغير في وجهة النظر، ففي عصر عودة الملكية، كان تفكه الملهاة كله ~~يدور حول أخلاق تلك الطبقة الوسطى ليضحك النبلاء والسادة، وكان من الطبيعي أن ~~ينفر أبناء تلك الطبقة من المسرح فلا يختلفون إليه، فلما تبدل أساس الملهاة في ~~القرن الثامن عشر، وقام على أساس خلقي يرضى عنه الناس من تلك الطبقة، أقبلوا على ~~التمثيل يشاهدونه ويستمتعون به، وتسمى هذه الملهاة الجديدة «بالملهاة العاطفية»، # 130 # والأساس فيها عرض مشكلات الأسرة التي تنشأ كل يوم، فليست ترمي إلى مجرد ~~الهزل والإضحاك، إنما تريد التقويم الخلقي وإصلاح السلوك المعوج، حتى لينفر ~~النظارة من كل منظر أو حديث فيه خروج عن حدود العفة اللفظية والاحتشام في السلوك، ~~والملهاة من هذا النوع قد تستدر الدمع أكثر مما تستدر الضحك. # 131 # وأشهر من نذكره من كتاب الملهاة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر «رتشرد كمبرلاند» # 132 ~~(1732-1811م) الذي كتب ما يربي على ثلاثين مسرحية، بعضها مآس. وأشهر ms0728 ~~ملاهيه «رجل من أهل الهند الغربية»، وتتمثل فيها النزعة العاطفية التي أسلفنا عنها ~~الحديث، كما تظهر فيها الغاية الخلقية. وملخصها أن رجلا من جزائر الهند الغربية ~~يدعى «بلكور» يشتغل بالتجارة وأثرى عن طريقها، تبنى طفلا أطلق عليه اسم ~~«بلكور» أيضا، وجعله وارثا له بعد موته، وورث الفتى ثروة متبنيه ورحل إلى ~~إنجلترا، فسرعان ما أحب فتاة للنظرة الأولى هي «لويزا ددلي» رآها بين حشد من ~~الناس في متجر، وتعقبها في الطريق، لكنه فقدها في الزحام، وخيل إليه أنها دخلت ~~منزلا معينا، فطرقه وصادف فيه زوجين يميلان إلى الشر، وتصادف أن والد فتاته ~~لويزا يساكنهما في نفس الدار، ولمح هؤلاء في الأجنبي الغريب سذاجة وكرما، فعرفوا ~~أنهم وقعوا فيه على مورد للكسب، ووعدوه أن يقدموا إليه فتاته المنشودة، بعد أن ~~أفهموه أنها تخدم شابا يدعى «ددلي» تدعي أنه أخوها (والحقيقة أنه أخوها) وفي ~~ضوء هذا التضليل حاول «بلكور» أن يغازل الفتاة، وأدى ذلك إلى مبارزة بين الأخ ~~والحبيب، وعلم «بلكور» أن «ددلي» هو أخ لفتاته فاعتذر عن خطئه وغفر له، وسارت ~~الأمور كلها في طريق الخير، فورث «ددلي» ضيعة كان أوصي له بها وأخفت ~~خالته الوصية لتحول دون إتمام الإرث، لكنها فشلت وانتهت الضيعة إليه، وقبلت لويزا ~~أن تتزوج من بلكور، وأخيرا ظهر رجل كان يتابع بلكور عن كثب منذ وصوله إلى إنجلترا، ~~وكشف عن نفسه وإذا به والد بلكور وتنتهي الرواية والأشياء كلها في وضعها ~~المستقيم. # ثم جاء «جولد سمث» - وقد أسلفنا عنه الحديث ناثرا وشاعرا - فرأى تكلفا في ~~الملهاة العاطفية وخرج عليها، وكان أول خروجه في ملهاة «الرجل الطيب بفطرته»، # 133 # لكنها فشلت؛ لأنها تعارض الذوق العام، فهي مهزلة، ورواد المسرح لا ~~يحبون المهازل، إنما يريدون ملهاة رصينة لا تنحرف عن تحليل العواطف الجادة ~~المحزنة أحيانا، ثم ظهرت له ملهاته الثانية «تمسكنت فتمكنت»، # 134 # وهي كذلك مهزلة من نوع سالفتها، لكنه كان فيها رائعا بارعا فاجتذب ~~إليه النظارة رغم أنفها. # وتابعه في هذا اللون الجديد «شريدان» # 135 ~~(1751-1816م)، وكانت ms0729 أولى مهازله «المتنافسون»، # 136 # وفيها يبعد عن روح الجد التي سادت الملهاة العاطفية، ويقصد إلى التسلية ~~لا إلى التحليل، وأعظم مهازله «مدرسة الفضائح»، # 137 # و«الناقد» # 138 # ولا يجدي في مثل هذه المسرحيات تلخيص؛ لأنها تعتمد على المواقف المضحكة ~~والنكات البارعة، فلا بد لمن شاء أن يستمتع بها من قراءتها أو مشاهدتها، وهي مما ~~يعود إليه رجال المسارح آنا بعد آن. # وأما المأساة في القرن الثامن عشر فضعيفة لا تكاد تجد لها مكانا في هذا الكتاب، ~~وحسبنا أن نشير من رجالها إلى «للو» (1693-1739م) بمأساته «التجار اللندني أو ~~تاريخ جورج بارنول» و«مور» بمأساته «المقامر»، وقد ذكرنا لك كلتا ~~المأساتين، ونحن نحدثك عن المسرحية في فرنسا في القرن الثامن عشر لما كان لهما من ~~أثر في توجيه المسرحية إلى مشكلات الطبقة الوسطى التي تنشأ في الحياة ~~اليومية. # الفصل الثالث عشر # | الأدب الألماني في القرن الثامن عشر # لقد قيل إن في الأدب الأوروبي فترتين خفقت فيهما أوروبا بقلب واحد كأنها أمة ~~واحدة، إحداهما عصر الحروب الصليبية والأخرى هي القرن الثامن عشر، ففي الأولى اتجهت ~~جهود الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين أوطانهم نحو غاية واحدة، وشخصت أبصارهم جميعا ~~إلى أمل واحد، هو استرجاع بيت المقدس من أيدي المسلمين، فكان إذن عصر جهاد ونضال، ~~وكان المثل الأعلى هو الفحولة في البطولة والمهارة في القتال، فجاء الأدب الأوروبي كله ~~ناطقا بالفروسية في شتى أوضاعها، وأما القرن الثامن عشر فهو عصر التنوير والتحرير، ~~فأوروبا كلها ساعية نحو حرية الفرد والجماعة. فأما نصيب إنجلترا في هذا السعي فهو ~~الصناعة والاستعمار، إذ من شأن الاستعمار والصناعة أن يخلقا طبقة عاملة كاسبة ~~مستثمرة، هي الطبقة الوسطى، فإن أثرت هذه الطبقة كان لا بد لها أن تتوسع في حقوقها ~~السياسية، ومن ثم تقل الفوارق بين الطبقات أو تزول، وكانت النغمة السائدة في الأدب ~~الإنجليزي في القرن الثامن عشر هي هذه الطبقة الوسطى تكتب القصة من أجلها. وتمثل ~~المسرحية لتشبع حاجتها، وينشد الشعراء ما ينشدون عن رجالها، ومن هنا جاء الأدب ~~الإنجليزي ms0730 في ذلك العهد عمليا واقعيا لا يشطح مع الخيال الشارد. وأما نصيب الأدب ~~الفرنسي في هذا التحرير، فهو وضع الأصول والقواعد، فهو لا يزال في المرحلة النظرية ~~الخالصة، ولم يكن يسعه غير هذا قبل انفجار الثورة الفرنسية الكبرى، فبينما كان ~~الإنجليزي قد ألف الحرية في حياته، كان الفرنسي يتأمل نظرياتها ويفكر في قواعدها، ~~ففولتير وروسو وديدرو ومنتسكيو وغيرهم من رجال الأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر لم ~~يريدوا بما كتبوا إلا محو القديم، وإنشاء الجديد على أساس الحرية العقلية والسياسية. ~~وهنا نتفلت إلى ألمانيا لنرى نصيبها في بناء هذا الصرح الذي ساهمت في بنائه أوروبا ~~كلها، فنراها أمة لا كالأمم، بل مجموعة من دويلات قام على كل منها أمير يطمح أن يضارع ~~بملكه الصغير أبهة فرساي! لم يكن الألمان في القرن الثامن عشر شعبا سياسيا واحدا، ~~فبديهي ألا يكون الأدب سياسي الصبغة كالأدب الفرنسي في ذلك العهد مثلا، ولم يكن ~~الأدباء الألمان قد ذاقوا طعم القومية، فبديهي كذلك ألا يجيء أديبهم الكبير أو شاعرهم ~~العظيم ناطقا بالعزة القومية والفخار الوطني، فانطوى الأدباء على أنفسهم ~~يحررونها! # الأدب الألماني في القرن الثامن عشر يهتم بالفرد لا بالجماعة، والغاية التي ينشدها هي ~~تحرير النفس الإنسانية من قيودها، حتى تحلق صاعدة في أجواز السماء، فهو لم يرد للفرد ~~حرية سياسية واجتماعية كزميليه في إنجلترا وفرنسا، بل أراد له حرية روحية، وليس يحط ~~من قدره أنه لم يعالج الأغلال المادية ليطلق سراح الناس من أصفادها؛ لأنه وهو يحاول ~~تحرير الروح وفك إسارها، علم الناس كيف يحررون أنفسهم من طغيان العوامل الخارجية ~~التي تعطل النمو وتحول دون التقدم، علمهم أن يروضوا الإرادة على أن تساير المثل ~~العليا في تناغم واتساق، وألا تستعبدها الشهوات والرغبات، وإنما يكون ذلك التحرير ~~الروحي بتربية النفس على تقدير الجمال، وتلك هي مهمة الأدب، بل مهمة الفنون على اختلاف ~~ضروبها. # لقد كان نصيب الأدباء الفرنسيين الذين جاهدوا في سبيل الحرية في عصر التحرير - القرن ~~الثامن عشر - أن زجوا في ظلمات الباستيل، بينما ms0731 كان زملاؤهم الألمان على صلة من الود ~~والتفاهم مع أولي الأمر في بلادهم، لماذا؟ لأن الأديب الفرنسي يحارب أوضاعا سياسية ~~قائمة، أما الأديب الألماني فيعمل على تحرير نفسه ورياضتها، بحيث تعلو على العوائق ~~المادية القائمة في وجهها، فلئن كسبت فرنسا حريتها بدماء الثورة الفرنسية، ولئن كسبت ~~إنجلترا حريتها في سكون وهدوء عن طريق التشريع لها في مجلس النواب، فقد كسبت ألمانيا ~~حريتها في معركة باطنية نشبت في نفوس الأفراد، وها هنا قامت رسالة الأدب الألماني في ~~القرن الثامن عشر، فلن تجد روح الفرد مصورة في غيره من الآداب - إبان ذلك القرن - ~~بمثل الدقة والأمانة التي صورت بها في الأدب الألماني، ولم يواجه أدب غير الأدب ~~الألماني مشكلات الفرد وحياته النفسية بمثل ما واجهها ذلك الأدب في جد وعزم وبصيرة ~~نافذة، فمن ضلت نفسه في متاهة الحياة، وأراد لها سواء السبيل، ومن تحطمت سفينته على ~~موج نفسه المضطربة، فلن يجد العون والعزاء في أدب غير هذا الأدب، ومن هنا كانت «فاوست» ~~- آية جيته الخالدة - أعمق وأعظم ما شهدت الآداب الحديثة في حياة الفرد، فهي العزاء ~~الذي لا تبلى جدته ولا تبرد حرارته «لكل من أكل خبزه تحيط به الهموم ، وأنفق طوال ~~الليالي يسفح الدموع.» وقل في الأدب الألماني كله في القرن الثامن عشر ما تقوله في ~~«فاوست». # وسنختار لك من ذلك الأدب فحوله الثلاثة: جيته، وشلر، # 1 # ولسنج. # 2 ~~(1) جوهان ولفجانج جيته # Johann Wolfhgang Goethé ~~(1749-1832م) # ذلك رجل كان أخص ما يميزه صحة العقل وصحة البدن، فأما صحة بدنه فموهبة من الله ~~الذي بسط له في قوة الجسم وسلامته، وأما صحة عقله فكذلك، ونتيجة لمجهود طويل ما ~~فتئ خلاله يتخفف من الأثقال التي تقعد بالروح فلا تسمو، فطرد للمخاوف وتنزه عن ~~الهوى، واطراح لتركة نفسية مثقلة بالأوضار خلفتها خرافة العصور الوسطى، ~~والتمست سبيلها إلى نفسه أيام الصبا، أحاطت به الكروب فهم أن ينتحر، لكنه سارع ~~إلى كتابة «فرتر» لينجو بنفسه من هذه الظلمة الغاشية، فجعل بطله يزهق روحه ليجد في ~~انتحاره ms0732 متنفسا لكروبه، وبذلك ألقى عن نفسه وسواسا كان يشوب صحة عقله التي ~~امتاز بها، وشاءت الأقدار لقصة «آلام فرتر» أن تنشر، فكان من نتائجها العجيبة أن ~~أخذ الشباب في أوروبا الذين كانوا يعانون مثل ما عاناه «فرتر» ينتحرون كما انتحر! ~~وهكذا قد تبلغ قوة الإيحاء في الأثر الفني، أراد به الأديب لنفسه تطهيرا من ~~أدرانها، فإذا بهذه الأدران تصيب القارئين! # وتستطيع أن تقول في كل ما أنتجه «جيته» من آثار أدبية ما قلناه في «فرتر»، فهي ~~وسائل أريد بها تطهير الروح من شوائبها لتصفو، فإذا لم تستطع أن تقرأ جيته لتنفض ~~بأدبه عن نفسك ما نفضه الكاتب به عن نفسه، فخير لك ألا تقرأه. # ولد «جيته» في فرانكفورت على نهر مان في الثامن والعشرين من أغسطس لأب يشتغل ~~بالقانون كان سليل أسلاف مهنتهم الحدادة أو الحياكة، وأم هبطت من أسرة نبيلة، ~~وكان أبوه متعصبا متعالما ضيق الأفق، وقد صمم أن يهيئ لابنه من التعليم ما يواجه ~~به خضم الحياة العنيف، وأخذه أخذا شديدا - وهو ما يزال طفلا - بدراسة تستغرق ~~ساعات طوالا في اللاتينية واليونانية والعبرية والفرنسية والإنجليزية وفي العلوم ~~الطبيعية وفن العروض! بل استحث ولده أن يكتب عما يرى ويسمع، وألا يحاول قرض ~~الشعر ، فكان لهذا التدريب الصارم أثره في عقل الناشئ من غير شك، لكنه نفر الابن ~~من أبيه، ولم يعد يضمر له من الحب ما يضمر الأبناء للآباء، ولعلنا إذ نقرأ في ~~«فاوست» كيف اعتزم فاوست هجر كتبه ليغامر في الحياة مغامرة تستثير فيه العاطفة ~~الحية نلمس صدى لثورة تأججت في نفس جيته الطفل نفورا من الدراسة المسرفة ~~البغيضة. # أرسل جيته إلى جامعة ليبزج ليدرس القانون، فكان فكاكه من أسر أبيه أول فرصة ~~سنحت يمس فيها الحياة عن كثب مسا مباشرا، فلم ينصرف إلى كتب القانون كما أريد ~~له، بل راح يشاطر الطلاب في نشاطهم، وأحب فتاة يشتغل أبوها بتجارة الخمر، وأنفق ~~وقتا غير قصير في قرض الشعر والتصوير وقراءة الأدب، فكان أن قرأ كتاب «لسنج» «لاوكون»، # 3 ms0733 # فكان له بمثابة الوحي الملهم، ولعله أسرف في حريته وأطلق العنان ~~لشهواته أكثر مما ينبغي، فأصابته العلة في رئتيه، وعاد إلى فرانكفورت ولم يظفر ~~بدرجة علمية. # وذهب جيته بعد عامين - وقد استرد العافية - إلى ستراسبورج يدرس القانون في ~~جامعتها، فظفر فيه بالأستاذية، وأنشأ إلى جانب دراسته مجموعة من القصائد الغنائية، ~~وكتب «جيتس ذو اليد الحديدية» # 4 # متأثرا فيها بشيكسبير، واختمرت في ذهنه فكرة «فاوست»، وكذلك حدث له ~~وهو في ستراسبورج أن تأثر بالناقد الشاعر الفيلسوف «هيردر»، # 5 # الذي كان إمام الفكر في ألمانيا في القرن الثامن عشر، كما حدث أن أحب ~~فتاة هي «فردريكا برايون»، # 6 # فأوحى له حبه إياها عددا من أجمل قصائده الغنائية. # عاد جيته بعد ذلك إلى فرانكفورت ليشتغل ~~بالصحافة، وليبدأ سيرته الأدبية، وذاعت شهرته في الشعر، بحيث لم يكمل عامه السادس ~~والعشرين، حتى أصبح في طليعة الشعراء، ثم ازدادت شهرته اتساعا حين أخرج «فرتر» ~~ونشر «جيتس» التي صادفت عند أعلام النقد الأدبي كل إعجاب، وهنا في فرانكفورت كانت ~~له مغامراتان جديرتان في الحب، منهما غرامه «بشارلوت بف» # 7 ~~(وهي شارلوت التي تراها مذكورة في فرتر)، وأما الأخرى فهي «ليلي»، # 8 # التي كان حبه إياها مضطرما يشتعل بالغيرة، وقد كانت «ليلي» هذه امرأة ~~لعوبا قلبا وخطبها، لكن الخطبة لم تدم طويلا وافترق الخطيبان وجاءته بعد ~~ذلك دعوة من «كارل أوجست» # 9 # دوق فيمار، وكان الدوق الشاب قد أنشأ مركزا أدبيا في قصره، وأراد أن ~~يضيف إليه هذا الأديب النابغ، فأغراه بمرتب كبير ومنصب عظيم في دوقيته، فلبى ~~الدعوة جيته، وابتاع له دارا في فيمار حيث أقام طيلة حياته إلا فترات ~~قصارا. # جد الأديب في منصبه فارتقى وزاد راتبه ~~وأنعم عليه بألقاب النبلاء، وما أكثر ما وجه النقاد إلى الأديب اللوم على ~~الإذعان للألقاب والمناصب، لكن فلسفة جيته لم تكن إلا هذا: قبولا للحياة كما هي، ~~واضطلاعا بما تفرضه واجبات العيش من أعباء، ولم يكن ذلك ليمنع سيل إنتاجه الدافق، ~~حتى أسلم الروح في الثاني والعشرين من أكتوبر ms0734 سنة 1832م. # ذهب جيته إلى فيمار شابا طويل القامة، جميل الطلعة، رشيقا تجري فيه حرارة ~~العاطفة، حتى شبهوه بأدونيس الذي أغرمت به فينوس في أساطير اليونان، وعاش عيش ~~المتعة من شراب وغرام، وكانت «فراوفون شتاين» # 10 # ممن ملكن عليه فؤاده، وهي متزوجة وتكبره بسبعة أعوام، وقد قيل ما ~~قيل في علاقته بهذه المرأة، والأرجح أن الحب دام بينهما عذريا بضعة أعوام، وما إن ~~دنسته الشهوة، حتى طار الخيال ودب الخلاف، وازدادت الهوة بين القلبين حين اتصلت ~~الروابط بين الأديب وبين امرأة أخرى، فاستشاطت «فراو» غيرة وكادت له، حتى لم يسعه ~~إلا السفر إلى إيطاليا، حيث أنفق عاما وبعض عام. # أما تلك الحبيبة الجديدة فهي «كرستيانة»، # 11 # وكانت فتاة ريفية ساذجة، لكنها بارعة الجمال، جاءت إلى فيمار، حيث ~~عملت صانعة في معمل، وحدث أن تقدمت إلى جيته - وهي في الثالثة والعشرين وهو في ~~الأربعين - بطلب تلتمس أن يعين أخاها في عمل، ففتن بها أديبنا. واتصل بها في ~~طي الخفاء حينا، وذاعت بين الناس الأقاويل، وافتضح الأمر، ولم يكن ذلك بذي خطر ~~عند عامة الشعب الذين لم تخف عليهم خافية من شئونه الغرامية، لكن الأمر خطير في ~~دائرة القصر ورجال البلاط، فما كان لنبيل - فقد خلعت على جيته ألقاب النبلاء - أن ~~يتصل بفتاة من غمار الناس ، فما هو إلا أن زاد الأديب الطين بلة، وأعلن زواجه من ~~«كرستيانة»، وكان قد أسكنها منزله قبل ذلك زاعما روابط القربى بينه وبينها. # وأبت سيدات فيمار أن تكون هذه الريفية ندا لهن في المجتمع، فإذا ما انعقد حفل ~~في بيت جيته عاملها الزوج والأضياف جميعا معاملة الخادمة، فلم تجلس إلى مائدة بين ~~الحضور، ولبث الأمر قائما على هذا النحو، حتى بدلته «مدام جوهانا شوبنهور» - أم ~~الفيلسوف المعروف، وهي أديبة لها في الأدب قسط موفور - وذلك أن وجهت إليها الدعوة ~~كما توجه إلى سيدات الطبقة الراقية، لكن هيهات أن تنحطم الفوارق الاجتماعية ~~بمثل هذا اليسر، فقد لبثت «كرستيانة» طريدة المجتمع الرفيع في فيمار حتى ماتت، مع ~~أنها ms0735 أنجبت ولدا شب وتزوج من نبيلة، ونجل لها ولجيته من تلك النبيلة ثلاثة ~~أحفاد. # ونعود إلى آيته الأدبية الخالدة بشيء من التفصيل: أسطورة فاوست قديمة قدم ~~العصور الوسطى، وقد أتينا لك على طرف من أخبارها إذ حدثناك عن الأدب الألماني في ~~عصر النهضة، لكن جيته تناولها على أساس جديد، ولب الأسطورة أن الدكتور فاوست ~~رجل عاش في وتنبرج بألمانيا في أوائل القرن السادس عشر، وكان يشتغل بالسحر ~~والتنجيم، ويزعم لنفسه القدرة على استحضار الأرواح واستعادة ما بددته الأيام ~~من صحائف القدماء، وكان ماكرا مخادعا يستخدم ذكاءه في ابتزاز أموال السذج ~~الغافلين، وشاع عنه أنه باع روحه للشيطان. وتفصيل الأمر أنه ورث من عمه ثروة عريضة ~~بددها في عربدته ومجونه، فلما أفلس عز عليه أن يكسب القوت بالعمل الشريف، فاتفق ~~مع الشيطان أن يمد له في حياة المتعة أربعة وعشرين عاما، للشيطان الحق بعدها أن ~~يتصرف في جسده وروحه كيفما شاء. # تلك هي الأسطورة التي بنى عليها جيته قصيدته الكبرى، وهي من جزأين؛ الأول: مأساة ~~غنائية، والثاني: حوار فلسفي شاق ينثني بك ها هنا، وينعرج هناك ليدلك على كل ما ~~يدور في نفس الأديب من خواطر وآراء، فأما الجزء الأول ففيه المتعة الخالصة لكل من ~~يطالعه، وأما الثاني فلا يستمرئه إلا من له جلد وصبر على متابعة الرأي العميق ~~الجاف الملتوي، وإنما أراد جيته أن يبين في فاوست اصطراع العواطف في قلب الإنسان: ~~أنقدم على الحياة فننغمس فيها أم نحجم عنها فلا نأخذ منها بنصيب؟ وليس المقصود ~~بالإحجام عن الحياة ونبذها أن نلجأ إلى دير نعيش فيه عيشة الرهبان، ولكن للإحجام عن ~~الحياة صورا وألوانا، فمن يحدد نفسه بقيود الأخلاق وتقاليد المجتمع، فقد نبذ ~~جانبا من حياته، ومن يغلق من دونه الأبواب ليشطح في تأملاته الفلسفية، فقد نبذ ~~الحياة، ومن يعش في أوهامه وأحلامه ولا يأبه بالواقع من حوله، فقد نبذ الحياة كما ~~هي في حقيقتها. ورسالة «فاوست» أن يهيب الأديب بالناس أن واجهوا الحياة وغامروا في ~~معمعانها، والتقوا بصعابها، وأن ms0736 أبرزوا من أنفسكم وجوهها وجوانبها، ولا تقنعوا ~~بجانب واحد ووجه بعينه. فهكذا أراد لنا جيته أن نعيش حياة مليئة لا حياة ~~خاوية جوفاء، وليس من الخير أن نقتطف من الكتاب مثالا يوضحه، فقد نقل إلى العربية ~~والخير كل الخير أن يقرأ. # 12 # وأعظم قصصه «ولهلم مييستر»، # 13 # وهي في أهميتها بالنسبة إلى أدبه كله تتلو «فاوست»، وفيها معظم فلسفته ~~في الحياة، ولعلها أن تكون أول قصة في الآداب قصد بها كاتبها إلى غرض خلقي وتهذيب ~~ثقافي، وموضوعها ضرورة أن يحسن كل شخص اختيار مهنته ليختار ما هيأته له ~~مواهبه، وهي تصور الحياة الألمانية أدق تصوير. # أما إن أردت ما لجيته من حكمة خالصة لا تجري في مأساة كفاوست ولا في قصة كولهلم ~~مييستر، فعليك بمجموعة له تسمى «حكم وتأملات» وهي أربعة أقسام: فقسم يدور حول ~~الحياة والأخلاق، وقسم حول الآداب والفنون، وثالث حول العلم، ورابع حول الطبيعة، ~~وليست حكمه مصقولة محبوكة قصيرة كعهدنا بهذا اللون من فنون القول، لكنها خواطر ~~تتميز بعمق المعنى وصدق الرأي، خذ منها هذه الأمثلة القليلة: ~~«كيف يستطيع الإنسان أن يعرف نفسه؟ إنه لن يعرفها بالتفكير، ولكن ~~بالعمل، فحاول أن تؤدي واجبك وستعلم من فورك قدر نفسك.» ~~«إن أقل الناس شأنا يمكنه أن ~~يكمل إذا عمل في حدود قدرته وقواه الموهوبة والمكسوبة على السواء، ~~وخير الملكات قد ترين عليها غشاوة ويصيبها الجمود والفساد إذا ~~أعوزتها صفة لا مناص من وجودها، هي صفة التوازن، وذلك شر سيعاود ~~الناس كثيرا في العصر الحديث؛ إذ من ذا يستطيع أن يسد حاجات عصر بلغ ~~هذا المبلغ من الامتلاء والعمق، ثم هو فوق ذلك عصر مسرع في ~~خطاه؟» ~~«خطأ فاحش من المرء أن يعلو بنفسه عن قدرها، أو أن ينزل بها عما هي ~~جديرة به.» ~~«ليست التقوى غاية في ذاتها، لكنها وسيلة، هي وسيلة يبلغ بها المرء ~~ذروة الثقافة إذ يهيئ لنفسه أخلص ما يستطيع لها من سكون.» # ولجيته عدا ما ذكرناه إنتاج غزير، فله مسرحيات منها: «إفجينيا» # 14 # و«إجمنت» # 15 ms0737 # و«هرمن ودروتيه» # 16 # و«توركواتو تاسو»، # 17 # وله غير ذلك كثير من ضروب الأدب الأخرى. # ذلك هو جيته الذي يعادل في عظمته شيكسبير، أو قل إنه من ذلك القبيل السامق ~~الجبار، فإذا قصر باعا عن زميله الإنجليزي فلنذكر له أنه أسس الأدب الألماني ~~مما يشبه العدم، على حين كان شيكسبير لجهود السابقين زهرة وتاجا، فمن ورائه ~~«شوسر» و«سبنسر» وإلى جانبه «مارلو» و«بن جونسن»، وسائر هذا الرعيل الذي ~~عاصره في عهد اليصابات، أما جيته فمن ورائه خواء، وإلى جانبه ما يشبه ~~الخلاء. ~~••• # هنا جدير بنا أن نلقي بعض الضوء على موضوع قد يثير فيك الحيرة والتساؤل، فقد ~~عرضنا لك الأدب الأوروبي في القرن السابع عشر، ولم نذكر الأدب الألماني إذ ذاك ~~بكلمة واحدة، وذلك لسبب بسيط هو أن القرن السابع عشر لم يشهد للألمان أدبا، ثم ~~ها نحن أولاء نعرض عليك أدبهم في القرن الثامن عشر، فنجتاز النصف الأول من هذا ~~القرن لنلتقي بجيته في نصفه الثاني، ثم نزعم لك أنه يطاول شيكسبير! فكيف يمكن أن ~~تخلو أمة من ثمار الأدب قرنا ونصف قرن، ثم تقفز بغتة إلى الأوج بقفزة واحدة، وفي ~~رجل واحد لم يجد من يعبد له الطريق ويمهد أمامه السبيل؟ # نشبت في النصف الأول من القرن السابع عشر حرب طويلة فتاكة تعرف باسم حرب ~~الثلاثين سنة (1618-1648م) كانت ألمانية أول الأمر، ثم أخذت تتسع حتى أوشكت أن ~~تشترك فيها الدول الأوروبية جميعا، فلما وضعت تلك الحرب الضروس أوزارها كانت ~~ألمانيا قد بلغت من الضعف حدا بعيدا يعجزها عن التفكير والعمل. ثم حدث سنة ~~1685م أن ألغى لويس الرابع عشر في فرنسا مرسوم نانت، فصودرت بمقتضى هذا الإلغاء ~~العقيدة البروتستنتية في فرنسا وفقد الهيجونوت حرية العبادة والمساواة أمام ~~القانون، فهاجر سرا عدد كبير منهم، إذ بلغت الأسر الراحلة خمسين ألفا، ~~ولجئوا إلى هولندا وإنجلترا وبروسيا وأمريكا، فكانت خسارة فرنسا عظيمة بفقد هذه ~~الطائفة الفنية النشيطة التي كان لها أوفر قسط في الحركة الثقافية، فكان أن لجأ ~~كثيرون من هؤلاء في ms0738 مهاجرهم إلى أقلامهم، وأسسوا المطابع وأصدروا الصحف، وأخذوا في ~~كل بلد هاجروا إليه يترجمون ويكتبون وينشرون، وكانوا يستخدمون في ذلك كله لغتهم ~~الفرنسية التي كان لها في أوروبا إذ ذاك السيرورة والمقام الأول، وبذلك جعلوا ~~الفكر الفرنسي والأدب الفرنسي سائدا شائعا، وأصبحت الموازين الأدبية الفرنسية هي ~~المسيطرة في مراكز الثقافة الأوروبية جميعا، فكأنما كان إلغاء مرسوم نانت حادثا ~~ساقته الطبيعة لتتعاون أوروبا على حركة التنوير التي تعد طابعا يميز الأدب ~~الأوروبي في القرن الثامن عشر، كما أسفلنا لك القول في أول هذا الفصل. # فلما دنا القرن السابع عشر من ختامه لم يكن ~~في ألمانيا من الأدب إلا صور منقولة عن الأدب الفرنسي، والصورة لا بد أن تكون ~~ضعيفة هزيلة إذا قيست بأصلها ومثالها الذي استمدت منه الوحي واحتذته احتذاء ~~التلميذ للمعلم، والأدب الفرنسي في القرن السابع عشر - كما تعلم - اتباعي صارم ~~يلتزم قيود المذهب الاتباعي فلا يحيد عنه، فلم تكد تترجم من الأدب الإنجليزي في ~~القرن الثامن عشر بعض روائعه مثل مقالات «أدسن» و«روبنسن كروزو» لدانيال دفو، ~~وأخيرا قصص «ردتشردسن» وقصائد «تومسن»، حتى هبت نسائم الحرية على الأدباء ~~الألمان، وأزاحوا عن كواهلهم نير المذهب الاتباعي الفرنسي. ومهما يكن من أمر فقد ~~أخذت ألمانيا تستقي الأدب الفرنسي حينا والأدب الإنجليزي حينا آخر، وهي ~~جامدة لا تنتج شيئا ، ولكنها في فترة النقل كانت تهضم ما تنقله حتى اختمر في نفوس ~~أدبائها، وخرج رحيقا مستساغا دفعة واحدة في «جيته» و«شلر» و«لسنج». ~~(2) جوتهولد إفرايم لسنج # Gotthold Ephraim Lessing ~~(1729-1781م) # ولد «لسنج» في الثاني والعشرين من يناير سنة 1729م في بلد قريب من «درزدن» ~~بمقاطعة سكسونيا بألمانيا، فتهيأت له بهذا المولد فرصة كانت تتاح لأبناء سكسونيا ~~دون سواهم من شباب ألمانيا، وهي فرصة التعلم في مدرسة تشبه المدارس الخاصة في ~~إنجلترا، هي مدرسة «سنت أفرا» بمدينة «ميسن»، # 18 # ومن ثم انتقل إلى جامعة ليبزج ليعد نفسه لوظائف الدين كأبيه، ~~لكنه وهو في الجامعة انعرج به الطريق، وذلك أن «جوتشد»، # 19 # الذي كان في دولة الأدب ms0739 في ألمانيا حاكما يأمر وينهى، كان قد أغرى ~~شباب الجامعة الذين بدرت فيهم بوادر النبوغ الأدبي بالآمال العريضة والمستقبل ~~العظيم، إذا هم أعدوا عدتهم لاستخدام أقلامهم، فما لبث «لسنج» أن أطاع ~~«جوتشد» إذ وجدت دعوته صدى في نفسه التي خلقها الله للأدب، فانصرف عن الدراسة ~~الدينية التي أريدت له أول الأمر، وعن دراسة الطب التي كان قد تحول إليها بعدئذ، ~~وأقبل على المسرح يكتب له، فذلك عنده خير من قاعة المحاضرة يستمع فيها إلى ما لا ~~يميل إليه بفطرته، وطمع ساعة فاض عليه فيها الوحي أن يكون لألمانيا ما كان موليير ~~لفرنسا، لكنه كان بطبعه إلى النقد الأدبي أميل منه إلى كتابة الملاهي، فسرعان ما ~~نراه في برلين، حيث يتربع فردريك الأكبر على عرش الملك، يجاهد - لا في سبيل أن ~~يكون «موليير» - بل أن يسمو إلى نجم أعلى وأسطع في ذلك الزمان، هو «فولتير»، ولم ~~يكن الجهاد الأدبي هينا يسيرا في بلد يؤمن فيه الملك أن ينبوع الأدب لن ~~يتفجر في أحد من أفراد شعبه بمثل ما تفجر في نابغة عصره «فولتير»، وها هو ذا ~~فولتير في قصر فردريك له الحظوة الكبرى، فأين الرجاء أن يلتمس أديب ألماني طريقه ~~إلى رعاية فردريك؟ لكن ذلك لم يفت في عضد الأديب الشاب، وأخذ «لسنج» يكتب ~~كتابة المأجور، فيعرض الكتب عرضا نقديا في الصحف ، ويترجم ويكتب كل ما يجد السبيل ~~إلى كتابته، لا يفرق بين شيء وشيء، ومع ذلك فلم يجر قلمه بسطر واحد يحتاج إلى ~~محو أو تعديل. # في هذه الحياة الأدبية الشاقة التي عصفت به إبانها الأعاصير العواتي، صلب ~~عوده، وأخذت موهبته في النقد تزداد وضوحا يوما بعد يوم، حتى بات ناقدا يؤتم ~~برأيه ويخشى بأسه في الهجوم، وصادقه قوم وخاصمته أقوام، وأصدر صحيفة أدبية مع ~~بعض أصدقائه، حمل فيها على القواعد الاتباعية الجامدة، وأخذ يبسط رأيه في كيف ~~يكون الاتباع في الأدب، بحيث يحتفظ الأدب بنضارته ورونقه، فالمذهب الاتباعي كما ~~أخذت به أوروبا في القرن الثامن عشر زائف يشبه الاتباع ms0740 وليس منه، وهنا أتيح ~~للأديب العظيم أن يرد حياض اليونان ويتملى من جمالها وسحرها، فارتسمت في ~~ذهنه صورة جديدة للاتباع الأدبي، وأنشأ في النقد كتابه الجليل «لاوكون» فمهد ~~هذا الكتاب بما فيه من توضيح جلي للفوارق بين ألوان الفنون، مهد الفريق ~~لأدب جديد وفن جديد. # نشر «لاوكون» سنة 1766م، وكان أعظم كتاب في النقد الأدبي مما أنتجته قرائح ~~الأدباء في القرن الثامن عشر، فهو بحث مبتكر مطبوع بأصالة الرأي حول مبادئ ~~النقد، وليس من الإسراف في شيء أن نزعم أن هذا الكتاب الخالد هو الذي مكن لجيته ~~وشلر من التكون والظهور، ومجمل ما في هذا الكتاب تفرقة واضحة بين مهمة الشعر ~~ومهمة النحت والتصوير، وقد أطلق على كتابه هذا اسم «لاوكون»؛ لأنه وهو يعرض ~~للتمييز بين النحت والشعر، اختار نموذجا للنحت تمثال «لاوكون» الذي يمثل لاوكون ~~وابنتيه وقد التفت بهم الأفاعي التي أرسلها جوف عندما حذر لاوكون أهل ~~طروادة من قبول الحصان الخشبي، والتمثال يمثل جزع الوالد وولديه وهم فريسة ~~الأفاعي، واختار «فرجيل» نموذجا لتصوير الجزع في ألفاظ الشعر، ليبين الفرق بين ~~اللونين من التعبير، وعلى أساس فكرته بأن النحت والتصوير لا يمكنهما أن يقوما بما ~~يؤديه الشعر بحث لسنج كل ما يريد بحثه من مبادئ النقد. # كانت الحياة عندئذ لم تيسر لأديبنا بعد، فهو حينا في رغد من العيش، ~~وأحيانا في شظف وعسر، حتى لقد بلغ عامه السابع والثلاثين، ولم يوفق بعد لكسب ~~قوته بقلمه، ثم صادفه ما أزاح عن كاهله عبء العيش وهمومه حينا، وذلك أنه عين ~~كاتما لسر الحاكم في مدينة «برسلاو»، فاستطاع أن يخرج خير ملهاة عرفها الأدب ~~الألماني، وهي «منا فون بارنهلم». # 20 # لكن ملهاته هذه لم تفتح أمامه طريق المجد ~~عن طريق الأدب «وقفت في ساحة السوق لا أدري ماذا أصنع، فما استأجرني أحد؛ لأن ~~أحدا بغير شك لم يعرف كيف ينتفع بي.» وأخيرا مد إليه المسرح يده من جديد، ~~فاستخدمه «المسرح القومي الألماني» في هامبرج، ليعلق له عن مسرحياته في صحيفة ~~تنشر مرتين ms0741 أو ثلاث مرات كل أسبوع، فيكون له بتعليقه ذاك أداة دعاية بين الناس، ~~فلم يؤد لسنج واجبه كما طلب إليه؛ إذ أبى أن يمتدح ما كان يعرض من مسرحيات؛ ~~لأن المعروض ضعيف لم يعجبه، وكانت هذه فرصة أخرج فيها كتابا عن المسرح في القرن ~~الثامن عشر، له أعظم الشأن في موضوعه وهو «الفن المسرحي في هامبورج». # 21 # فلما انتهى مسرح هامبرج إلى الفشل والإفلاس، تعطل لسنج من جديد، حتى عين ~~آخر الأمر أمينا لمكتبة في بلد صغير، وفي هذا المنصب المتواضع لبث حتى وافته ~~منيته في الخامس عشر من فبراير سنة 1781م. # في ذلك البلد الصغير لم يجد الحياة الهادئة، فسرعان ما ثارت خصومة عنيفة بينه ~~وبين قسيس جبار، وخرج أديبنا من الخصومة هزيما خاسرا، لكنه من هذه المحنة ~~المظلمة أمدنا بقبس من الضوء، فمن حر القتال المستعر أخرج لنا «ناتان الحكيم»، # 22 # وهي صرخة داوية في سبيل التسامح وحرية الفكر أضافت نغمة إلى ما كنت ~~تصر به الأقلام في مختلف الأمم إذ ذاك سعيا وراء الحرية. # واحلولكت أيام «لسنج» وعاش من شقائه في ليل داج، فهو في معركة متصلة تعود ~~عليه بالآلام، ثم ازداد ليله البهيم سوادا حين تزوج من أرملة صديق له في هامبورج، ~~فما لبثت الزوجة «إيفا كينج» # 23 # أن ماتت بعد عام من زواجها وهي تضع للأديب وليدا، ومات معها وليدها ~~بعد أن لمح فيه «لسنج» دليلا ملموسا للخلود، وبهذا انسدل الستار إلى الأبد على كل ~~أمل في أن يعيش الرجل سعيدا بأسرته كما يعيش سائر الناس. # من هذا الذي عرضناه عليك من حياة «لسنج» تستطيع أن تلمس في الرجل ثلاث نواح ~~بارزة؛ الأولى: أنه أمد المسرح في بلاده بالدعائم التي جعلت بناءه منذ ذلك الحين ~~ثابت الأركان، والثانية: أنه ناقد وضع القواعد والأصول في الشعر والفن، والثالثة: ~~أنه مجاهد كافح رجال الدين ليظفر للناس بحرية الرأي والتسامح. # كان «لسنج» في مسرحياته يستمد الوحي من الآداب الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، ~~ولكنه كان يطبعها بطابعه، وهو في الحوار ms0742 المسرحي بارع لا يدنو منه مسرحي آخر في ~~القرن الثامن عشر، ومن أشهر مآسيه «مس سارا سامسن» # 24 # التي نقل بها عن الأدب الإنجليزي فن المأساة التي تعالج الحياة ~~المألوفة في أوساط الناس، وهو ضرب من المأساة لم ينشأ إلا منتصف القرن الثامن عشر، ~~وظلت ألمانيا منذ عرفت ذلك الفن بفضل «لسنج» لا تنفك مخلصة له في أدبها ~~المسرحي، فإن كانت قد ساهمت في ذخيرة الأدب المسرحي في العالم، فإنما كان قسطها هو ~~البلوغ بهذا الضرب من المأساة حد الكمال. كان «لسنج» في مأساة «مس سارا ~~سامسن» ناقلا عن الأدب الإنجليزي متأثرا إلى أبعد الحدود بكتاب المسرحية من ~~الإنجليز المعاصرين له، فالرواية مناظرها إنجليزية وأشخاصها إنجليز، استعارهم من ~~القصة الإنجليزية ومن «رتشردسن» بصفة خاصة، ففي «سارا» تلمح شبها قويا بينها ~~وبين «كلارسا»، بل إنه استعار أسماء أشخاصه من المسرحي الإنجليزي «كونجريف»، ~~فلما تلفت «لسنج» إلى إنجلترا ليستمد من أدبها المسرحي لم ينظر إلا إلى ~~إنجلترا المعاصرة، وما علم أن هنالك في إنجلترا التي سلفت كاتبا مسرحيا هو ~~بالقياس إلى من أخذ عنهم عملاق جبار، لكن شيكسبير لم يكن عند لسنج إلا ما صوره ~~به فولتير، شاعرا ضعيفا ليس بذي شأن يذكر. # وفي سنة 1767م - بعد «مس سارا سامسن» باثني عشر عاما - ظهرت مسرحيته ~~الثانية وهي ملهاة «منافون بارنهلم» التي تدب الحياة الصحيحة في أشخاصها، ~~وهي كذلك مدينة للأدب الإنجليزي بدين، فها هنا للمرة الأولى والأخيرة يتأثر ~~الكاتب بشيكسبير، إذ لا يسعك وأنت تصور لنفسك «منا» إلا أن تذكر شخصية «بورشيا» ~~عند شيكسبير في رواية تاجر البندقية، بل إن «لسنج» سار على نهج شيكسبير في حل ~~العقدة كما جاءت في رواية تاجر البندقية، لكنه لم ينس أن يستعير بعض العناصر - ~~أو قل معظم العناصر - من مسرحي إنجليزي معاصر هو «فاكر»، # 25 # فأنت إذا أردت أن تضيف ملهاة «منا» إلى أشباهها وضعتها إلى جانب ~~الملاهي الإنجليزية التي شهدها القرن الثامن عشر «خطة الشاب الأنيق» لفاكر، ~~«تمسكنت فتمكنت» لجولد سمث، و«مدرسة الفضائح» لشريدان، ms0743 وأمثالها؛ فهي ~~إلى هذه أقرب جدا منها إلى ملاهي ذلك العصر في فرنسا. # وله كذلك مسرحيتان عظيمتان غير ما ذكرنا هما: «إميليا جالوتي» # 26 # و«ناتان الحكيم»، أما الأولى فهي خطوة فسيحة نحو تثبيت فن المأساة ~~الذي يعالج الحياة المألوفة، والذي أشرنا إليه في حديثنا عن رواية «مس سارا ~~سامسن»، وهي تعد من أحجار الأساس في بناء المسرحية الألمانية الحديثة، وأما ~~الثانية فقد أخرجها - كما أنبأناك - لتكون سهما يسدد إلى رجال الرجعية ~~والجمود، ولينشد بها الحرية والتسامح، وهي من حيث فنها تبشر بعهد جديد في ~~كتابة المسرحية؛ لأنها عنيت بالتحليل النفسي لأشخاصها أكثر من عنايتها بأي جانب ~~آخر، ومع ذلك فهي نادرة الظهور على المسارح؛ لأنها تعالج موضوعا كان يسيغه أهل ~~القرن الثامن عشر، ولكننا نمجه اليوم، ونعني به الحب ينشأ بين أخ وأخته، ومما ~~يعيبها أيضا أنها ضحت بما يقتضيه البناء الفني للمسرحية في سبيل نشر الآراء ~~التي يريد الكاتب أن يذيعها عن التسامح الديني. ومما هو جدير بالذكر في صدد هذه ~~الرواية كذلك، أن الكاتب عاد فانحرف عن شيكسبير، وجثا على ركبتيه خضوعا أمام عدوه ~~الأدبي اللدود فولتير؛ إذ جاءت هذه المسرحية شبيهة أشد الشبه بمسرحيات فولتير، الذي ~~كانت حياته - كحياة لسنج - معركة طويلة متصلة في سبيل تحرير الإنسانية ~~المستعبدة. # وأما لسنج الناقد فحسبك أن تعلم ما قاله عنه ماكولي من أنه «أعظم ناقد في ~~أوروبا.» وقد ذكرنا لك كتابيه في النقد «لاوكون» و«الفن المسرحي في هامبرج»؛ أما ~~أولهما فيحدد مرحلة من مراحل التطور الفكري في القرن الثامن عشر، فهو أول من فرق ~~بين الفنون المختلفة على أساس اختلاف غاياتها، وقد فقد الكتاب شيئا من أهميته التي ~~كانت له عند صدوره؛ لأنه جاء عندئذ احتجاجا قويا على الشعراء، الذين يطغون ~~بفنهم على ما ينبغي أن يترك للنحت والتصوير. أما نحن اليوم فلا نشاطر الناقد وجهة ~~نظره، ونحاول أن نوحد بين الفنون ونزيل ما بينها من فواصل وفوارق، لا أن نباعد ~~بينها بالحدود الفاصلة كما أراد لسنج. وأما كتابه الثاني ms0744 عن الفن المسرحي فهو - كما ~~رأينا - نقد صحفي لروايات يومه وممثليها، ولم تكن الروايات والممثلون مما يستحق ~~التقدير والتقريظ، فكان في هذا الركود المسرحي نفسه فرصة سانحة للسنج أن يملأ ~~صحيفته النقدية بالقواعد العامة في المسرحية ما دام المسرح القائم وممثلوه لا ~~يمدونه بالمادة الكافية. والمحور الرئيسي الذي يدور حوله الناقد في بحوثه هو فولتير ~~- لا كتاب الشعر لأرسطو كما يذهب بعض الناقدين - إذ كتاب «الفن المسرحي» في صميمه ~~نقد لفولتير وللأسس التي بنى عليها أشباه الاتباعيين في فرنسا فنهم، هو نقد شديد ~~يهاجم به القيود الخانقة التي فرضتها «المأساة الاتباعية» على نفسها، فضيقت بها ~~على نفسها الخناق. نعم إن لسنج يعرض لكتاب أرسطو، فيعلي من شأنه ويرفع من قدر ~~مبادئه النقدية، لكنه إنما فعل ذلك ابتغاء غاية يرجوها، هي أن يحطم المأساة ~~الاتباعية التي كانت تسود فرنسا، بأن يبين أنها تنحرف عن تلك المبادئ إذا فسرت ~~بمعناها الصحيح، وحقيق بنا أن نذكر في هذا الصدد أنه يرى شيكسبير أقرب إلى القواعد ~~الأرسطية في المأساة من هؤلاء الذين يفاخرون ويتشدقون بحرصهم على اتباع تلك ~~القواعد في فنهم، ولم يقل لسنج ما قاله عن شيكسبير إكبارا له، فقد ذكرنا لك فيما ~~سلف أنه لا يقف موقف الإجلال من شيكسبير، إنما قاله استثارة لغيظ عدوه الأكبر ~~فولتير. وعلى كل حال فلست ترى شيكسبير مذكورا في هذا الكتاب إلا لماما؛ لأن ~~المسرح في هامبرج لم يكن يمثل من رواياته شيئا يذكر، فلم يجد لسنج الفرصة للتعليق ~~الكثير والقول المستفيض حول شيكسبير. ولئن امتدحنا في لسنج صدق النظر في إدراكه أن ~~شيكسبير أكثر انطباقا على قواعد أرسطو من كورني - مثلا - مخالفا بذلك ما يبدو ~~للوهلة الأولى، فإننا لا شك نعد هذا القول وضعا مقلوبا، فكان أولى بالناقد ~~البارع أن يعلي من شأن أرسطو في نقده الأدبي؛ لأنه جاء من المرونة واتساع الأفق، ~~بحيث اتسع لفن شيكسبير، لكننا لا نتوقع مثل هذا القول من رجل يؤمن بالاتباعية في ~~الأدب، غير أنه لا يرضى عن الاتباعية ms0745 كما أخذ بها الفرنسيون، ويريدها كما يراها في ~~فن اليونان الأقدمين، فهو إن رأى في شيكسبير شيئا يستحق المدح فذلك أنه يطبق ~~قواعد أرسطو وأنه أخ «لسوفوكليز»! كان لسنج ناقدا اتباعيا لا تجري في عروقه ~~قطرة واحدة من النظرة الابتداعية التي وجدت طريقها أول ما وجدت في قلب شيكسبير، ~~غير أنه - كما قلنا - يمتاز من سائر الاتباعيين إذ ذاك في أنه لا يأخذ المذهب كما ~~فسره الإيطاليون والفرنسيون، بل يعود في الطريق بنفسه حتى يواجه فن اليونان عن كثب، ~~فينقل منه رأسا بغير وسيط ... وسواء أخذنا بوجهة نظره في نقد المأساة أو لم نأخذ ~~بها، فقد كان كتابه في «الفن المسرحي» أعظم كتاب أنتجه القرن الثامن عشر في ذلك ~~الفن. ~~(3) شلر # Schiller ~~(1759-1805م) # ولد شلر في «مارباخ» # 27 # عام 1759م، فهو يصغر جيته بعشر سنوات، وقد عاش حياة يشقيها الفقر ~~والمرض، لكنه احتمل صعابها بصدر رحب وجأش رابط يشتغل جراحا مرة، ومحررا في ~~الصحف مرة، ومديرا لمسرح تارة وأستاذا للتاريخ في جامعة يينا طورا، وقد حدث أن ~~طارده الدوق كارل يوجين ليقذف به في ظلمات السجن، لكنه اختفى وفر، وكان إذ ذاك في ~~عامه الخامس والثلاثين، فكان فراره ذاك فرصة التقائه بجيته. # في ظل هذه الصداقة الأدبية أنجز شلر رواية يعدها «كارليل» أعظم آية في ~~الأدب المسرحي حقيقة أن يفاخر بها القرن الثامن عشر على الرغم من علته الشديدة ~~التي كانت تقتضيه ساعات من الألم كلما جلس إلى مكتبه ساعة واحدة، وتلك هي رواية «والنشتين» # 28 # وهي ثلاثية، أي أنها تتألف من ثلاث روايات يكمل بعضها بعضا. # بدأ شلر أدبه المسرحي بروايات نثرية مثل «اللصوص» و«أكلة البشر والحب» وهي ~~كلها مسرحيات تعالج شئون الحياة المألوفة في حياة الطبقة الوسطى، وهو النوع الجديد ~~الذي ظهر في أدب القرن الثامن عشر نتيجة لارتفاع تلك الطبقة الوسطى وشعورها بوجود ~~نفسها، ويمتاز شلر في رواياته بقوة «الحبكة» وبراعة التصوير للشخصيات، ولك فوق ~~ذلك أن تعده واضع الأساس لفن الحوار النثري في مآسي العصر الحديث، ms0746 وإن كانت تلك ~~المسرحيات الأولى معيبة في شيء، فذاك إسرافها في العنف والتهويل، وهو أمر طبيعي ~~من شاب يضطرم صدره بالعواطف الجياشة، فلما أن نضج واكتمل وتعمق في التاريخ ~~والفلسفة، أخذ يكتب المسرحية التاريخية الرصينة والمأساة القوية شعرا، فأنتج وهو ~~في «يينا» و«فيمار» مجموعة من المسرحيات تعد بين الروائع، منها «دون كارلوس» ~~و«عذراء أورليان» و«ماري ستيورت» و«وليم تل» # 29 # والمسرحية الثلاثية «والنشتين» والأخيرتان هما أجمل ما كتب. # كانت «وليم تل» آخر ما جادت به قريحته، فقد حدث أن هم جيته بكتابة ملحمة تدور ~~حول هذا البطل السويسري الذي تتألف سيرته من التاريخ الصحيح وأوهام الأساطير في ~~مزيج واحد، ومن أخباره أن «جسلر» # 30 # الطاغية أمره أن يضرب بسهمه تفاحة توضع على رأس ابنه، فإن أخطأ الهدف ~~كان جزاؤه القتل، لكن جيته لم ينته في مشروع ملحمته إلى شيء، فصمم شلر أن ~~يخرج الموضوع في مأساة مسرحية، إذ كان الأديبان الصديقان قد تحدثا في الأمر ~~مليا فملأ الموضوع نفس شلر واعتزم أن يخرجه، وجاءت المأساة رائعة بارعة، ~~تقبلها الناس أحسن القبول؛ لأنها رمز حي قوي لما ينشدونه من حرية لأنفسهم، ~~وقد عمل جيته على تمثيلها في «فيمار». ومن مواقف الرواية التي تملك على النظارة ~~الأفئدة والقلوب ساعة ينتصر «تل» في تصويب سهمه إلى التفاحة، فيخلص بهذا من ~~المحنة القاسية التي تعرض لها بأمر من المستبد الطاغية، وهنا لحظ المستبد ~~«جسلر» سهما آخر في منطقة «تل» فاستوضحه الأمر. # تل ~~(مضطربا) ~~: # إنها عادة اعتادها رماة السهام يا مولاي. # جسلر ~~: # كلا يا «تل» لا أستطيع أن أغضي عن هذا الجواب. # إني لموقن أن قد دفعك إلى ذلك دافع آخر. # خبرني الحق في صراحة وصدق # وأعدك بالنجاة كائنا ما كان الأمر، # فيم هذا السهم الثاني؟ # تل ~~: # إذن فاسمع يا مولاي. # فما دمت قد وعدت ألا توردني موارد الهلاك # فسأعلن الحق في غير خفاء. ~~(يجذب السهم من منطقته، وينظر إلى الحاكم نظرة ~~مخيفة): # لو كنت أصبت ولدي العزيز بيدي # لوجهت هذا السهم الثاني إلى قلبك # وثق ms0747 أني ما كنت عندئذ لأخطئ الهدف. # ومات شلر سنة 1805م فانتهت بموته الفترة الاتباعية في الأدب الألماني، فلئن بقي ~~جيته بعد ذلك حيا حتى سنة 1832م فقد كان المذهب الابتداعي الجديد الذي استهل به ~~القرن التاسع عشر قد ذاع وانتشر. # الفصل الرابع عشر # | في الأدب العربي # من سقوط بغداد إلى نهاية القرن الثامن عشر # بلغ الأدب العربي ذروته قبل سقوط بغداد، أي في ~~النصف الأول من القرن السابع الهجري، أو النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي، وقد ~~تغلب الفرس أولا والترك ثانيا، ولكنهم حافظوا على السيادة العربية، ولو ظاهرا ~~بالبقاء على الخلافة، وانتقالهم إلى اللغة العربية يتأدبون بها، ويظهرون بها نتاج ~~أفكارهم وعقولهم، وعلى كل حال فلم تكن سلطة الفرس والأتراك سلطة تدمير وتخريب، وظلت ~~الحركة العلمية والأدبية في عهدهما نامية زاهرة، ولم يترك المتكلمون باللغة العربية ~~ناحية من نواحي العلم والأدب إلا عالجوها وبحثوا عنها وألفوا فيها، فكانت ثروتهم إذا ~~قيست بثروة الأمم الأخرى في عصرهم من أغنى الثروات، وعقليتهم وتفكيرهم وأدبهم من خير ما ~~في العالم إن لم يكن خيره. # حتى جاء هجوم التتار فأفسد كل شيء، إذ كان اعتداء مخربا مدمرا، من قوم ~~متبربرين لا ثقافة عندهم، ولا مبادئ، ولا عدل، ولا دعوة، ولا غرض إلا التسلط والإبادة ~~والإخضاع. # فقد تحرك المغول من التتار الذي يسكنون جنوبي سيبيريا، وهم قوم شداد غلاظ كانوا ~~يعيشون على الغارة والصيد، وكان بأسهم بينهم شديدا، حتى رأسهم جنكيز خان فوحد ~~كلمتهم. وبعد أن أتم فتوحه في الشرق الأقصى اتجه نحو الغرب، فهجم على المملكة الإسلامية ~~فيما وراء النهر، واستولى على مملكة شاه خوارزم، ثم اكتسح بجيوشه خراسان وفارس يذبح ~~أهلها، ويخرب حضارتها. # ثم جاء هولاكو حفيد جنكيز خان، فصمم على الاستيلاء على الدولة العباسية سنة ~~654ه / 1256م وعرج على قلعة ألموت ففتحها، وأخذها من الإسماعيلية وقتل من فيها، ~~واستولى على الري، ثم قصد بغداد سنة 655ه / 1257م وكان أهلها في خلاف بين سنيين ~~وشيعيين، وقد خدع الخليفة المستعصم وفقهاء المدينة ms0748 وأعيانها، حتى حضروا إلى هولاكو في ~~معسكره فأمر بذبحهم، ثم هجم على دار الخلافة، فاستولى على ما بها وأباح بغداد أربعين ~~يوما وقتل من أهلها - كما يقول بعض المؤرخين - أكثر من مليون وثمانمائة ألف، وخرب ~~عمرانها ورمى كتبها في دجلة، وبذلك قضى على حضارة ونتاج عقول ظلت تعمل قرونا. وأصبحت ~~بغداد - التي كانت ملجأ العلماء والأدباء ومضرب المثل في المدنية والحضارة - تنعى من ~~بناها. # وقد أثرت هذه الغزوات في العالم العربي أسوأ الأثر، فهذه المنطقة التي اكتسحها التتار ~~كانت أنضر وأنضج بقعة في الحياة العقلية والأدبية، يقلدها ويحذو حذوها سائر الممالك ~~العربية، فلما فقدت فقد المتعلمون أساتذتهم. وقد استمر هذا الإفساد والتخريب مدة ~~طويلة اجتثت فيها الأشجار من جذورها، فقد ظل هؤلاء المغول من 654-750ه أي نحو قرن، وهم ~~يحكمون المسلمين بقسوتهم وجهالتهم ووثنيتهم إلى أن بدءوا يتحضرون ويقومون العلم ~~ويسلمون. # قال الديار بكري في تاريخه «الخميس»: # وفي سنة أربع وخمسين وستمائة خرج الطاغية العنيد مبيد الأمم هولاكو، فأخذ ~~قلعة ألموت من الإسماعيلية وقتلهم، وأخرب نواحي الري، وبذلت السيوف على ~~عوائدهم، فتوجه الكامل محمد - صاحب ميافارقين - إلى خدمة هولاكو، فأعطاه ~~الفرمان، ثم نزل هولاكو بأذربيجان وأخذها. # وفي سنة خمس وخمسين وستمائة ثارت فتنة مهولة ببغداد بين السنية ~~والرافضة أدت إلى نهب عظيم وخراب، وقتل عدة من الرافضة، فغضب لها ~~وتنمر ابن العلقمي الوزير، وجسر التتار على العراق ليشتفى من ~~السنية. # وفي أول سنة ست وخمسين وستمائة وصل الطاغية هولاكو - ابن تولى بن جنكيز خان ~~المغلى - بغداد بجيوشه وبالكرج وبعسكر الموصل، فخرج الدويدار بالعسكر، فالتقى ~~بطلائع هولاكو وعليهم ياجنوس، فانكسر المسلمون لقلتهم. ثم أقبل ياجنوس فنزل ~~على بغداد من غربيها ونزل هولاكو من شرقيها. فقال الوزير ابن العلقمي للخليفة ~~المستعصم بالله: إني أخرج إلى القاءان الأعظم في تقرير الصلح. فخرج الكلب ~~وتوثق لنفسه ورجع. فقال: إن القاءان قد رغب في أن يزوج بنته بابنك، وأن ~~تكون الطاعة له كالملوك السلجوقية ويرحل عنك. فخرج المستعصم في أعيان دولته ~~وأكابر الوقت ليحضروا العقد، ms0749 فضربت رقاب الجميع، وقتلوا الخليفة رفسوه حتى ~~مات. ودخلت التتار بغداد واقتسموها، وأخذ كل ناحية، وبقي السيف يعمل أربعة ~~وثلاثين يوما، وقل من سلم، فبلغت القتلى ألف ألف وثمانمائة ألف وزيادة. ~~فعند ذلك نادوا بالأمان، ثم أمر هولاكو بضرب عنق ياجنوس، لكونه كاتب ~~الخليفة، وأرسل إلى صاحب الشام يهدده إن لم يخرب أسوار بلاده. # كذا في «دول الإسلام». # وفي تاريخ الجمالي يوسف: سبب قتل ~~المستعصم بالله أنه لما ولي الخلافة لم يتوثق أمره؛ لأنه كان قليل المعرفة ~~بتدبير الملك، نازل الهمة، مهملا للأمور المهمة، محبا لجمع المال. أهمل ~~أمر هولاكو وانقاد إلى وزيره ابن العلقمي، حتى كان في ذلك هلاكه وهلاك الرعية، ~~فإن وزيره ابن العلقمي الرافضي كان كتب كتابا إلى هولاكو ملك التتار في الدشت ~~أنك تحضر إلى بغداد، وأنا أسلمها لك. وكان قد داخل قلب اللعين الكفر. فكتب ~~هولاكو: إن عساكر بغداد كثيرة، فإن كنت صادقا فيما قلته وداخلا في طاعتنا ~~فرق عساكر بغداد ونحن نحضر، فلما وصل كتابه إلى الوزير، دخل إلى المستعصم ~~وقال: إن جندك كثيرة، وعليك كلفة كبيرة، والعدو قد رجع من بلاد العجم، والصواب ~~أنك تعطي دستورا لخمسة عشر ألفا من عسكرك، وتوفر معلومهم. فأجابه المستعصم ~~لذلك. فخرج الوزير لوقته، ومحا اسم من ذكر من الديوان، ثم نفاهم من بغداد، ~~ومنعهم من الإقامة بها، ثم بعد شهر فعل مثل فعلته الأولى، ومحا اسم عشرين ألفا ~~من الديوان، ثم كتب إلى هولاكو بما فعل. وكان قصد الوزير بمجيء التتار أشياء، ~~منها: أنه كان رافضيا خبيثا، وأراد أن ينقل الخلافة من بني العباس إلى ~~العلويين، فلم يتم له ذلك، من عظم شوكة بني العباس وعساكرهم، فأفكر أن ~~هولاكو إذا قدم يقتل المستعصم وأتباعه، ثم يعود إلى حال سبيله، وقد زالت شوكة ~~بني العباس، وقد بقي هو على ما كان عليه من العظمة والعساكر وتدبير المملكة، ~~فيقوم عند ذلك بدعوة العلويين الرافضة من غير ممانع لضعف العساكر ولقوته، ثم ~~يضع السيف في أهل السنة. # فهذا كان قصده، ms0750 لعنه الله. # ولما بلغ هولاكو ما فعل الوزير ببغداد، ~~ركب وقصدها إلى أن نزل عليها، وصار المستعصم يستدعي العساكر ويتجهز لحرب ~~هولاكو، وقد اجتمع أهل بغداد وتحالفوا على قتال هولاكو، وخرجوا إلى ظاهر بغداد، ~~ومشى عليهم هولاكو بعساكره، فقاتلوا قتالا شديدا، وصبر كل من الطائفتين ~~صبرا عظيما، وكثرت الجرحى والقتلى في الفريقين، إلى أن نصر الله تعالى عساكر ~~بغداد، وانكسر هولاكو أقبح كسرة، وساق المسلمون خلفهم، وأسروا منهم جماعة، ~~وعادوا بالأسرى ورءوس القتلى إلى ظاهر بغداد، ونزلوا بخيامهم مطمئنين بهروب ~~العدو. فأرسل الوزير ابن العلقمي في تلك الليلة جماعة من أصحابه، فقطعوا شطر ~~الدجلة، فخرج ماؤها على عساكر بغداد وهم نائمون، فغرقت مواشيهم وخيامهم ~~وأموالهم، وصار السعيد منهم من لقي فرسا يركبها. وكان الوزير قد أرسل إلى ~~هولاكو يعرفه بما فعل، ويأمره بالرجوع إلى بغداد، فرجعت عساكر هولاكو إلى ~~ظاهر بغداد، فلم يجدوا هناك من يردهم، فلما أصبحوا استولوا على بغداد، ~~وبذلوا فيها السيف، ووقعت منهم أمور يطول شرحها. # والمقصود أن هولاكو استولى على بغداد وأخذ المستعصم أسيرا، ثم بذل السيف ~~في المسلمين، فلم يرحم شيخا كبيرا لكبره، ولا صغيرا لصغره. # ولما أخذ الخليفة أسيرا هو وولده أحضر بين يديه، وأمر به هولاكو، فأخرج ~~من بغداد، وأنزله بمخيم صغير بظاهر بغداد هو وولده. ثم في عصر ذلك اليوم وضع ~~الخليفة وولده في عدلين وأمر التتار برفسهما إلى أن ماتا في المحرم سنة ست ~~وخمسين وستمائة، ثم نهبت دار الخلافة ومدينة بغداد، حتى لم يبق فيها لا ما قل ~~ولا ما جل. ثم أحرقت بغداد بعد أن قتل أكثر أهلها، حتى قيل إن عدة من قتل ~~في نوبة هولاكو يزيد على ألف ألف وثلاثين ألف إنسان. وانقرضت الخلافة من ~~بغداد بقتل المستعصم هذا، وبقيت الدنيا بلا خلافة سنين، إلى أن أقام الملك ~~الظاهر بيبرس البندقداري بعض بني العباس في الخلافة، حسبما يأتي ذكره على سبيل ~~الاختصار. # وكانت خلافة المستعصم خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأياما، وتقدير عمره ~~سبع وأربعون سنة. وزالت ms0751 الخلافة من بغداد. # قال الشاعر: # خلت المنابر والأسرة منهم # فعليهم حتى الممات سلام # أما الوزير ابن العلقمي فلم يتم له ما أراد من أن التتار يبذلون السيف في ~~أهل السنة، فجاءوا بخلاف ما أراد، وبذلوا السيف في أهل السنة والرافضة كلهم، ~~وهو في منصبه مع الذل والهوان، وهو يظهر قوة النفس والفرح، وأنه بلغ مراده، ~~فلم يلبث أن أمسكه هولاكو بعد قتل المستعصم بأيام، ووبخه بألفاظ شنيعة ~~معناها أنه لم يكن له خير في مخدومه ولا في دينه، فكيف يكون له خير في ~~هولاكو؟ # ثم إنه قتله شر قتلة، في أوائل سنة سبع وخمسين وستمائة. # إلى سقر، لا دنيا ولا آخرة! اه. # وما كادت الأمة تفيق من غشيتها، حتى جاء تيمورلنك فأعاد سيرة أجداده جنكيز خان ~~وهولاكو، واجتاح آسيا الصغرى، وأكثر في الأرض الفساد والتخريب والقتل. # والشام التي استعصت على هولاكو لم تستعص على تيمورلنك، فخربها فيما خرب، وقتل ~~علماءها فيمن قتل، ومات سنة 807 بعد أن عصف بالبلاد عصفة ثانية. # فلا عجب بعد هذا كله أن تذبل الحياة العلمية والأدبية في العالم العربي، وأن يكون ~~طابع النتاج العقلي والفني طابع تقليد للسابقين، أو جمع لما قال الأولون، وألا ترى ~~ابتكارا إلا في القليل النادر. # لقد أغلق الشرق على نفسه من القرن الثالث عشر الميلادي إلى نهاية القرن الثامن عشر ~~تقريبا، فلم يتصل بالغرب إلا اتصالا عدائيا حربيا في الحروب الصليبية، أو اتصالا ~~تجاريا ضعيفا، أما اتصالا ثقافيا علميا أدبيا فلا. ولهذا لما بدأ الغرب في ~~القرن الخامس عشر والسادس عشر يضع أساس نهضته في العلوم والفنون والسياسة والاجتماع ~~والاقتصاد وغير ذلك مما غير وجه حياته تغييرا تاما لم يصل إلى الشرق شيء منها، ولم ~~يشعر بها، واستمر في دائرته المغلقة يقلد حياة الشرق الأولى من غير روح، ولم يتنبه ~~للحياة الجديدة في الغرب إلا عند غزو نابليون مصر. # العراق وما حوله أفسده وخربه التتار، وعرب الأندلس انسحبوا أمام غزوات الإسبان، وبلاد ~~الغرب أصبحت فريسة للبربر، ومصر والشام خضعتا لاستبداد ms0752 المماليك، ثم الأتراك ~~العثمانيين. فكيف نرجي من هذا كله نهضة علمية أو أدبية، ولا حرية لأهل البلاد، ولا عدل ~~حكام، ولا استقاء من منابع جديدة تحرك الركود؟ لذلك كان أكثر ما نعرضه من الحياة ~~العلمية والأدبية حياة تقليدية لما كان قبل سقوط بغداد غالبا. # وفي هذه الحقبة من التاريخ كانت أصلح بقعة في ~~العالم العربي للعلم والأدب هي مصر والشام؛ لأنهما أمنا من تخريب هولاكو - أولا - ~~وأمنت مصر من تخريب تيمورلنك ثانيا، ولأنهما كانتا تحت حكم المماليك، وهم كانوا أرحم ~~من التتار، وكانوا يجلبون من بلاد مختلفة ليس لهم فيها تاريخ ولا لغة ولا أدب يتعصبون ~~له، ثم رأوا أن البلاد التي يحكمونها تتعصب للغتها ودينها وتاريخها، ورأوا أن الحاكم ~~لا بد لسهولة حكمه أن يجاريهم في شعورهم الديني واللغوي، فتحببوا إلى الناس بمظاهر ~~الدين، ومظاهر اللغة والأدب، وأكثروا من بناء المساجد والمدارس، وقربوا العلماء ~~والشعراء، فحيى العلم والأدب في حمايتهم ما لم يحي مثله في سائر البلاد العربية، ~~فازدحمت القاهرة والإسكندرية وأسيوط وقوص في مصر، ودمشق وحلب في الشام، بالعلماء ~~والمدارس والمكاتب، ونشطت الحياة العلمية والأدبية، ولكن في الحدود التي رسمناها من ~~قبل. ~~(1) الشعر # كان الشعر العربي في العصر العباسي وقبله شعرا أرستقراطيا في الأعم الأغلب، ~~يزهر في بلاط الخلفاء، وقصور الأمراء، ولهذا كان أكثره مديحا، وقل أن نجد شاعرا ~~يشعر في نقد المجتمع أو تحليل مشاعره، كما فعل أبو العلاء المعري. وبجانب هؤلاء ~~شعراء غنوا لأنفسهم في حبهم وغزلهم أو ولوعهم بالخمر كأبي نواس، ولكنهم بجانب شعرهم ~~هذا هم شعراء مداحون أيضا، متصلون بالبلاط والأمراء، يعتمدون عليهم في معيشتهم، ~~وقل أن نجد مثل العباس بن الأحنف الذي يشعر لحبه فقط. # ولهذا كان عماد الشعر هم الخلفاء والأمراء في مجالسهم وذوقهم، وكان هؤلاء الخلفاء ~~والأمراء يتذوقون الشعر، ويعرفون جيده ورديئه، وكثير منهم يشارك في قوله، ويثيب ~~عليه بمقدار جودته وخدمة أغراضه. فلما سقطت بغداد، وأصبح البلاط بلاط أعاجم، ~~والأمراء ومن بيدهم مقاليد الأمور أعاجم، لا يحسنون العربية، ولا يتذوقون ms0753 المديح ~~وإن أثابوا الشعراء فعن تقليد لا عن ذوق؛ ضعف هذا النوع وهو أكثر الشعر، وصار ~~تقليدا ضعيف الروح، فاتر الحرارة، مهلهل النسج. # ثم لم يكن الجو جو حرية تنمو فيه مشاعر الفنان فيغني لنفسه، ويشعر لعواطفه، بل ~~كان الجو خانقا، وعيشة الشعب ضنكا، ومن لم يكن من طبقة الحكام وأتباعهم جاهد في ~~الحياة جهادا مرا لتحصيل القوت، ومحال أن تنمو مشاعر الفنان الذي يريد أن يغذي ~~مشاعره ومشاعر من حوله بفنه في هذا الجو الخانق البائس. ثم أصيب الفن بفكرة قاتلة، ~~وهي ظن أهله أن قيمته في كثرة حليته، كالفلاحة الساذجة ترى أن جمالها في ملء ~~يديها بالأساور الكثيرة، وصدرها بالعقود الضخمة، وأذنها بالقرط الثقيل الوزن، ~~ورجلها بالخلخال الضخم، وثيابها بما يبرق ويلمع، فإن لم تفعل ذلك لم يكن جمالا. ~~وهيهات أن تفهم أن هناك جمالا للبساطة يفوق جمال التركيب والتعقيد، وأن جمال ~~السوار ليس في ضخامته، ولا القرط في ثقل وزنه، ولا الثوب ببريقه ولمعانه، فقد يكون ~~سوار بسيط فيه من الجمال ما يفوق أضعافه وزنا، وأن من الألوان الباهتة ما يفوق ~~الألوان الصارخة، ولكن هذا الجمال الذي أدركه أمثال البهاء زهير لم يدركه كثير من ~~شعراء هذا العصر وكتابه، وأفسدهم أمثال الصاحب بن عباد، وابن العميد، والقاضي ~~الفاضل، والعماد، وشعراء البديع، فظنوا أن الفن هو الحلية. وما زال كل جيل يأتي ~~يتفنن في زيادة هذه الحلية، حتى ثقلت عليه وأعجزته عن الحركة، وأفقدته ~~روحه. # وما أكثر من نجد في هذه العصور من أسماء الشعراء، ولكن ما أقل من نجدهم من ~~الشعراء حقا! # لقد كان الشعر تقليدا، يقرأ الشاعر من المتأخرين ما تصل إليه يده من دواوين ~~السابقين، ويستل معانيهم، ويصوغها صياغة من عنده هي في الأغلب أقل قيمة من صياغة ~~من سبقه، وإن زاد في حليتها. كما قال مجير الدين بن تميم الأسعردي الذي توفي بحماة ~~سنة 684ه: # أطالع كل ديوان أراه # ولم أزجر عن التضمين طيري # أضمن كل بيت فيه معنى # فشعري نصفه من شعر غيري ms0754 # والشاعر يقلد ولو لم يذق، يكون رجل دين فيتغزل في الخمر، وعفيفا فيتغزل في ~~المذكر، وفي وسط المدينة فيبكي الأطلال والدمن، وهكذا من أنواع التقليد ~~السمج. # ولما فقدوا المعاني والعواطف عمدوا إلى الزينة يفرطون فيها؛ لتكون عوضا عما ~~فقدوا، وهيهات أن تعوض الروح بمادة، فأسرفوا في التورية، كقول نصير الدين ~~الحمامي، وكتب به إلى السراج الوراق، وكان يسكن «الروضة». # كم قد ترددت للباب الكريم لكي # أبل شوقي وأحيي ميت أشعاري # وأنثني خائبا مما أؤمله # وأنت في «روضة» والقلب في نار # والتضمين كقول أبي الحسين الجزار: # قفا نبك من ذكري قميص وسروال # ودراعة لي قد عفا رسمها البالي # وما أنا من يبكي لأسماء إن نأت # ولكنني أبكي على فقد أسمالي # والاقتباس كقول ابن العفيف التلمساني: # يا عاشقين حاذروا # مبتسما من ثغره # فطرفه الساحر مذ # شككتم في أمره # يريد أن يخرجكم # من أرضكم بسحره # وهكذا تفننوا في أنواع البديع، وتسابقوا في استكشافها وتسميتها والإكثار من القول ~~فيها، حتى أوصلها ابن حجة الحموي إلى 142 نوعا، زادها من أتى بعده أيضا، وجاءوا ~~في شعرهم بأمثلة كثيرة منها: # ومما كثر في هذه العصور وذاع وشاع؛ المدائح النبوية، فكأنهم لما حرموا عطاء ~~الملوك والأمراء على مدائحهم، وغلب على الناس الالتجاء إلى الدين لفساد الدنيا، ~~وشاع التصوف سواء ما كان منه صحيحا أو مزيفا، كثر اتجاه الشعراء إلى المدائح ~~النبوية، وكان كل شاعر يتفوق في الشعر يرى واجبا عليه أن يقول في هذا الباب. وكان ~~من أسبقهم في هذا البوصيري المصري (1211-1294م)، وقد قلد قصيدة «بانت سعاد» لكعب ~~بن زهير. وكان البوصيري من تلاميذ أبي العباس المرسي في التصوف، وكان فقيرا كثير ~~الشكوى من كثرة الأولاد، وكان كاتبا صغيرا من كتاب الحساب، وقد مدح الأمير التركي ~~أيدمر واستجداه في قصيدة بلغت 310 من الأبيات. # وأهميته الكبرى في مدائحه النبوية، فقد أنشأ البردة التي مطلعها: # أمن تذكر جيران بذي سلم # مزجت دمعا جرى من مقلة بدم # وهي في 159 بيتا. # والهمزية التي مطلعها: # كيف ترقى رقيك الأنبياء ms0755 # يا سماء ما طاولتها سماء # وهي طويلة ذكر فيها حياة الرسول ومعجزاته وغزواته. # وذخر المعاد على وزن «بانت سعاد»، وهي 206. # وقد راجت قصائده هذه رواجا كبيرا بين الشعب، وخاصة البردة والهمزية؛ لأن شعره ~~فيهما من أحسن الشعر في نظر أهل العصر، ولأنهما تتفقان ومشاعر الجمهور وميله إلى ~~الابتهال وتجاوبان مطالب نفسه. # ومن عظم شأن البردة أن كانت مثل كثير من الشعراء يقلدونها إلى زمن البارودي، ~~فقال على وزنها وقافيتها قصيدته: # يا رائد البرق يمم دارة العلم # واحد الغمام إلى حي بذي سلم # وشوقي في قصيدته «نهج البردة» ومطلعها: # ريم على القاع بين البان والعلم # أحل سفك دمي في الأشهر الحرم # وأكثر الناس من تشطيرها وتخميسها. # وتفنن المقلدون للبردة كل تفنن، فمن ذلك أنهم وضعوا قصائد في المديح النبوي ~~ضمنوها كل أنواع البديع، فكل بيت فيه نوع من البديع وفيه تمثيل له، وسميت كل قصيدة ~~«بديعية»، وبدأ ذلك صفي الدين الحلي (750ه) فعمل بديعيته التي أولها: # إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم # واقر السلام على عرب بذي سلم # وجاء بعده ابن نباتة (768ه) فعمل بديعيته: # صحا القلب لولا نسمة تتخطر # ولمعة برق بالفضا تتسعر # وجاء عز الدين الموصلي (789ه) فزاد على ذلك أن جعل البيت من القصيدة يحمل اسم ~~النوع البديعي وأولها: # براعة تستهل الدمع في العلم # عبارة عن نداء المفرد العلم # وتبعه ابن حجة الحموي (837ه)، فعمل بديعيته المشهورة على هذا المنوال ~~ومطلعها: # لي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم # براعة تستهل الدمع في العلم # إلخ إلخ ... # وهكذا سال سيل هذا النوع من الشعر في ذلك العصر، فما وجد الشعراء بابا يفتح ~~للتقليد حتى ازدحموا عليه، وأوسعوه قولا، وما أسهل التقليد وأصعب الابتكار. # وقد ترجمت البردة إلى الفرنسية والإنجليزية والألمانية. ~~••• # وأكثروا من المقطعات في وصف الأشياء المألوفة كوصف سجادة ووصف مسبحة، وفي الحوادث ~~التي تعرض كوصف سقوط مئذنة وقتل زنديق، كما أكثروا من الأبيات في الألغاز وأمثال ~~ذلك من موضوعات خفيفة. # وفي العصر العثماني أكثروا من مقطوعات التاريخ ms0756 وعدوه نوعا من البديع، وهو أن ~~يأتي الشاعر بكلمات إذا حسبت حروفها بحساب الجمل بلغت عدد السنة التي يريدها ~~الشاعر، فأرخوا لقدوم وال، وعرس غني، وموت عالم. # وأفرطوا في أقوال الهجر بألفاظ عارية صريحة لا تورية فيها ولا إيماء، مع ضعف ~~في الأسلوب، وضعة في المشاعر، وإغارة على معاني السابقين. # وعلى الجملة فقد سقط الشعر أسلوبا ومعنى وعاطفة وخيالا إلا في القليل ~~النادر. # شهد هذا العصر في أوله «صفي الدين الحلي»، وقد عده بعضهم أكبر شعراء عصره ~~(1278-1351م)، وقد ولد في الحلة (مدينة كبيرة في العراق على شاطئ الفرات)، وزار ~~القاهرة في عهد الملك الناصر، ثم عاد إلى ماردين، واتصل ببلاط الأسرة الأرتقية في ~~ماردين وكان شاعرها. # وهو يمثل أكبر تمثيل شعر عصره من التصنع واللعب بأنواع البديع. فمثلا أنشأ ~~القصائد الأرتقيات وهي تشتمل على 29 قصيدة، كل قصيدة 29 بيتا، وكل قصيدة لحرف من ~~حروف الهجاء، يبتدئ كل بيت به وينتهي به، فقصيدة أول كل بيت فيها همزة وآخره همزة ~~وهكذا. ومحال أن تجتمع الروح الشعرية العالية مع هذا التصنع البالغ. وكلها في مدح ~~الملك المنصور الأرتقي الذي حكم ماردين من سنة 1274 - سنة 1312م، وقد قال شعرا في ~~مصر في مدح ملكها، وقد ترجم شعره المصري إلى اللاتينية والألمانية، وطبع ديوانه في ~~دمشق وبيروت، ومن أحسن شعره قوله: # إن غبت عن عياني # يا غاية الأماني # فالفكر في ضميري # والذكر في لساني # ما حال عنك عهدي # ولا انثنى عناني # شوقي إليك باق # والصبر عنك فاني # وقوله: # قد نشر الزنبق أعلامه # وقال : كل الزهر في خدمتي # لو لم أكن في الحسن سلطانه # ما رفعت من دونه رايتي # فقهقه الورد به ساخرا # وقال: ما تحذر من سطوتي؟ # وقال للسوسن: ماذا الذي # يقوله الأشيب في حضرتي؟ # فامتعض الزنبق من قوله # وقال للأزهار: يا رفقتي # يكون هذا الجيش بي محدقا # ويضحك الورد على شيبتي # ومن ملحه الطريفة الدالة على نزعة تجديدية قوله: # إنما الحيزبون والدردبيس # والطخا والنقاخ والعلطبيس # لغة تنفر المسامع منها # حين ms0757 تروى وتشمئز النفوس # وقبيح أن يذكر النافر الوح # شي منها ويترك المأنوس # أين قولي: هذا كثيب قديم # ومقالي: عقنقل قدموس # خل للأصمعي جوب الفيافي # في نشاف # 1 # تخف فيه الرءوس # إنما هذه القلوب حديد # ولذيذ الألفاظ مغناطيس ~~••• # وتنوعت بسط الرياض، فزهرها # متباين الأشكال والألوان # من أبيض يقق، وأصفر فاقع # أو أزرق صاف، وأحمر قاني # والظل يسرق في الخمائل خطوه # والغصن يخطر خطرة النشوان # وكأنما الأغصان سوق رواقص # قد قيدت بسلاسل الريحان # والشمس تنظر من خلال فروعها # نحو الحدائق نظرة الغيران # والطلع في خلل الكمام كأنه # حلل تفتق عن نحور غواني # والأرض تعجب كيف تضحك والحيا # يبكي بدمع دائم الهملان # فاصرف همومك بالربيع وفصله # إن الربيع هو الشباب الثاني # كما اشتهر ابن نباتة (1287-1366م)، وقد ولد في ميافارقين ونشأ في مصر، ورحل إلى ~~دمشق، واتصل بالملك المؤيد أمير حماة، وكان كاتبا له، ودعاه السلطان حسن ليكون ~~كاتبه في مصر فلبى الدعوة، ولكن السلطان مات في السنة التالية، وقد خلف لنا ديوان ~~شعر، وهو كثير الشكوى فيه من فقره وبؤسه وشيبه وزمانه وكثرة أولاده، ومن أمثلة شعره ~~قوله: # منعتني الدنيا جنى فتزهد # ت ولكن تزهد المغلوب # ووهت قوتي فأعرضت كرها # عن لقاء المكروه والمحبوب ~~••• # لا عار في أدبي إن لم ينل رتبا # وإنما العار في دهري وفي بلدي # هذا كلامي وذا حظي فيا عجبا # مني لثروة لفظ وافتقار يد ~~••• # لقد أصبحت ذا عمر عجيب # أقضي فيه بالأنكاد وقتي # من الأولاد خمس حول أم # فوا حرباه من خمس وست! ~~••• # تركت المال والجاه # لأهل القدر والقدرة # فحسبي من حمى كسر # وحسبي من غنى كسره ~~••• # لقد أصبحت في حال # يرق لمثلها الحجر # مشيب وافتقار يد # فلا عين ولا أثر ~~••• # وقالوا فلان رم بالشعر عيشه # فيا ليت أني ميت لست أشعر # تصرم أقصى العمر أدعوك للمنى # وأرقب آفاق الرجاء وأنظر # وأصبر والأيام تقتلني أسى # فها أنا في الدنيا قتيل مصبر # أرى دون حظي مسلكا متوعرا # إذا ما جرت فيه المنى تتعثر # ويحمر دمعي حين تصفر وجنتي ms0758 # فألبس ثوب الهم وهو مشهر # ولا ذنب لي عند الزمان كما ترى # سوى كلم كالروض تبهى وتبهر # ومما شغف به ابن نباتة مراعاة النظير، كقوله: # وكنت أخا سعدى فأصبحت عمها # فهيهات لي جد بتقبيل خالها # وقد تنازع صفي الدين الحلي، وابن نباتة المصري زعامة الشعر في عصرهما، هذا في مصر ~~وذاك في العراق، وقالا الشعر في كل الأغراض التي قال فيها الشعر من سبقهما، من ~~غزل، وخمريات، ومديح، وشكوى. ويغلب على ابن نباتة الشكوى، ويغلب على صفي الدين ~~الفخر والمديح. وقد كانت نفسية ابن نباتة أضعف، فقد عاش أكثر حياته في ظل الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون، وقد كان مستبدا جبارا، وعهده مملوء بالفتن والقلاقل، وقد ~~دعاه حذره إلى كثرة سفكه للدماء ومصادرته للأموال والإفراط في التجسس، فأمات بذلك ~~النفوس، هذا إلى أن ابن نباتة كان مرزأ من فقر، وكثرة عيال، وموت أطفال، ومن أجل ~~ذلك لا ترى في شعره هجاء قويا ولا نقدا لعمل من الأعمال، ولا التفاتا إلى ~~الشعب، وظلم الراعي له، وإذا عاتب عاتب عتابا رقيقا كقوله: # لئن ضاع مثلي عند مثلك إنني # لعمر المعالي عند غيرك أضيع # متى تنجع الشكوى إذا أنا لم أجد # لديك اعتناء غير أنك تسمع # وإذا عادى أحدا فوض أمره إلى يوم الحساب: # لي خصوم ولست الآن شاكيهم # لكنهم في غد يدرون أين شكوا # ولكن صفي الدين الحلي كان أقوى وأكثر اعتدادا بنفسه، يقول الكثير في الفخر من ~~مثل قوله: # وفتية إن نقل أصغوا مسامعهم # لقولنا أو دعوناهم أجابونا # قوم إذا استخصموا كانوا فراعنة # يوما وإن حكموا كانوا موازينا # وعلى الجملة فكان شعر صفي الدين أجزل وأقوى، وأقرب إلى الديباجة العربية ~~العباسية، وأقل احتفالا بالبديع، وكان ابن نباتة أسهل وأرق وأملأ بالفكاهة، ~~وأكثر زينة بأنواع البديع. # وكان بين الشاعرين صلة ود، تبادلا الشعر، وتقارضا المديح، وكان كل منهما ~~مثالا يحتذى لشعراء عصره. # ثم البوصيري، وقد تقدم ذكره. # ثم الشاب الظريف، وهو محمد بن سليمان، ولد بمصر سنة 661ه ومات شابا، وقد كان ms0759 ~~أبوه عفيف الدين التلمساني شاعرا كذلك محسنا. # والشاب الظريف شاعر غزل خفيف الروح، أولع بالبديع كأهل زمانه، ولكنه استعمله ~~في رقة وعذوبة، كقوله: # عفا الله عن قوم عفا الصبر منهم # فلو رمت ذكرى غيرهم خانني الفم # تجنوا كأن لا ود بيني وبينهم # قديما وحتى ما كأنهم هم # وبالجزع أحباب إذا ما ذكرتهم # شرقت بدمع في أواخره دم # ألم وما في الركب منا متيم # وعاد وما في الركب إلا متيم # وليس الهوى إلا التفاتة طامح # يروق لعينيه الجمال المنعم # خليلي ما للقلب هاجت شجونه # وعاوده داء من الشوق مؤلم # أظن ديار الحي منا قريبة # وإلا فمنها نفحة تتنسم # وقال فيما يجد العاشق وما يصنع: # لا تخف ما فعلت بك الأشواق # واشرح هواك فكلنا عشاق # فعسى يعينك من شكوت له الهوى # في حمله، فالعاشقون رفاق # لا تجزعن فلست أول مغرم # فتكت به الوجنات والأحداق # واصبر على هجر الحبيب فربما # عاد الوصال وللهوى أخلاق # كم ليلة أسهرت أحداقي بها # وجدا وللأفكار بي إحداق # يا رب قد بعد الذين أحبهم # عني وقد ألف الفراق فراق # واسود حظي عندهم لما سرى # فيه بنار صبابتي إحراق # عرب رأيت أصح ميثاق لهم # ألا يصح لديهم ميثاق # ثم سراج الدين الوراق (1218-1296م) وهو شاعر مكثر، ملأ شعره كثيرا من الكتب ~~التي تعرض للنماذج الشعرية. عمل في الديوان المصري، وقد قالوا إن شعره يبلغ ثلاثين ~~جزءا ولم يبق منه الآن إلا مقتطفات جمعها الصفدي. # ومن أمثلته: # قال في شكر الله على نعمائه: # إلهي لقد جاوزت سبعين حجة # فشكرا لنعماك التي ليس تكفر! # وعمرت في الإسلام فازددت بهجة # ونورا؛ لذا قالوا: السراج المعمر # وعمم نور الشيب رأسي فسرني # وما ساءني أن السراج منور # وقال في لوم النفس على المعصية: # يا خجلتي وصحائفي سود غدت # وصحائف الأبرار في إشراق # وموبخ لي في القيامة قال لي: # أكذا تكون صحائف الوراق؟ # وقال في الترفع: # أصون أديم وجهي عن أناس # لقاء الموت عندهم الأديب # ورب الشعر عندهم بغيض # ولو وافى به لهم حبيب # وقال ms0760 في الحنين إلى الأحباب: # وقفت بأطلال الأحبة سائلا # ودمعي يسقي ثم عهدا ومعهدا # ومن عجب أني أروي ديارهم # وحظي منها حين أسألها الصدى # ثم ابن الوردي المولود في معرة النعمان 1290م والمتوفى في حلب 1349م، وقد كتب في ~~النحو والفقه والتصوف، وقد اشتهر في الشعر بقصيدته في الحكم والمواعظ منها ~~قوله: # اعتزل ذكر الأغاني والغزل # وقل الفصل وجانب من هزل # ودع الذكر لأيام الصبا # فلأيام الصبا نجم أفل # إن أهنا عيشة قضيتها # ذهبت لذاتها والإثم حل # واهجر الخمرة إن كنت فتى # كيف يسعى في جنون من عقل # صدق الشرع ولا تركن إلى # رجل يرصد بالليل زحل # حارت الأفكار في قدرة من # قد هدانا سبلنا عز وجل # كتب الموت على الخلق فكم # فل من جمع وأفنى من دول! # ثم ابن حجة الحموي (1366-1434م) ولد في حماة، وزار الموصل ودمشق ومصر، ورأى دمشق ~~وهي تحترق أثناء حصار السلطان برقوق لها، ووصف ذلك في رسالة بعث بها إلى «ابن ~~مكانس». وقد اشتهر في شعره بالمدائح النبوية، وبما أنشأ في ذلك من بديعية، وقد جمع ~~شعره الذي ألفه في الشام ومصر، وألف كتابا في مختارات من النثر والنظم سماه ~~«ثمرات الأوراق». ~~••• # ويصح أن نقف وقفة عند شاعر مشهور في ذلك العصر، وهو عبد الغني النابلسي ~~(1641-1731م)، وهو شاعر صوفي على الطريقة النقشبندية والقادرية، وقد ولد في دمشق ~~من أسرة من أصل نابلسي وقد تعلم علوم الدين، ثم غلبت عليه النزعة الصوفية، وقد ~~سافر إلى القسطنطينية سنة 1664م، وعاد منها إلى البقاع ولبنان، وفي سنة 1693م رحل ~~إلى مصر، ثم إلى الحجاز، ثم عاد إلى الصالحية بدمشق ، وقد شرح ديوان ابن الفارض، وله ~~شعر صوفي كثير سار بين الناس، وقد أعاد لنا في شعره نغمة من نغمات ابن الفارض ~~وابن العربي تشعر بوحدة الوجود. # وقد اشتهر في العصر العثماني من المصريين، عائشة الباعونية، اشتهرت بمدائح الرسول ~~أيضا، وعبد الله الشبراوي، وهو من أكابر شيوخ الأزهر، أغرم بالشعر وقال قصائد في ~~المدائح النبوية والغزل، ومن أمثلة ms0761 شعره قوله في مدح آل البيت: # آل طه ومن يقل آل طه # مستجيرا بجاهكم لا يرد # حبكم مذهبي وعقد يقيني # ليس لي مذهب سواه وعقد # منكم أستمد بل كل من في ال # كون من فيض فضلكم يستمد # بيتكم مهبط الرسالة والوح # ي ومنكم نور النبوة يبدو # ولكم في العلا مقام رفيع # ما لكم فيه آل ياسين ند # يا ابن بنت الرسول من ذا يضاهي # ك افتخارا وأنت للفخر عقد # يا حسينا هل مثل أمك أم # لشريف أو مثل جدك جد # ويقول في بعض أسفاره متشوقا إلى مصر: # أعد ذكر مصر، إن قلبي مولع # بمصر، ومن لي أن ترى مقلتي مصرا؟ # وكرر على سمعي أحاديث نيلها، # فقد ردت الأمواج سائله نهرا # بلاد بها مد السماح جناحه # وأظهر فيها المجد آيته الكبرى # رويدا إذا حدثتني عن ربوعها، # فتطويل أخبار الهوى لذة أخرى # إذا صاح شحرور على غصن بانة # تذكرت فيها اللحظ والصعدة السمرا # عسى نحوها يلوي الزمان مطيتي # وأشهد بعد الكسر من نيلها جبرا # لقد كان لي فيها معاهد لذة # تقضت وأبقت بعدها أنفسا حسرى # ومن الشاميين شمس الدين الهلالي، وحسين بن الجزري، ومنجك باشا، وأحمد بن إلياس ~~الكردي إلخ. # وفي العراق ابن معتوق الموسوي (1614-1676م)، وله ديوان مشهور امتلأ بمديح حكام ~~من الفرس في عهد الصفويين. ~~••• # وهكذا تقرأ في دواوين الشعراء في ذلك العصر، فتراها كرقعة الشطرنج تتحد حجارتها، ~~وتختلف أوضاعها، وللحجارة أسماء من ذوات الروح كالفرس والفيل والجندي والوزير ~~والشاه، ولكن ينقصها الروح، وأقوال مرددة هي صدى لما قبلها، ولذلك كثر في هذا ~~العصر التأليف في السرقات الشعرية، يقول البحتري: # فسقى الغضا والساكنيه وإن همو # شبوه بين جوانحي وضلوعي # فيردده آخر بقوله: # إن الغضا لست أنسى أهله فهمو # شبوه بين ضلوعي يوم بينهمو # وقد ذكروا أن صلاح الدين الصفدي بالشام أغار على معاني جمال الدين بن نباتة في ~~مصر، فلم يترك له معنى إلا أخذه، حتى اضطر ابن نباتة أن يؤلف كتابا يجمع فيه هذه ~~السرقات سماه «خبز الشعير»، واستهله ms0762 بقوله: # رب اغفر لي ~~ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ~~. # ومما ورد في هذا الكتاب من أمثلة السرقة قول ابن نباتة: # بروحي طيب الأنفاس ألمى # ملي الحسن حالي الوجنتين # له خالان في دينار خد # تباع له القلوب بحبتين # فقال الصلاح: # بروحي خده المحمر أضحت # عليه شامة، شرط المحبة # كأن الحسن يعشقه قديما # فنقطه بدينار وحبه # فقال ابن نباتة: «لا إله إلا الله سرق الصلاح - كما يقال - من الحبتين حبة.» # وتلتفت إلى الغرب وتستعرض قصة الشعر فيه، فترى الشعر كان قبل «النهضة» كشعرنا أو ~~أقل، ثم عملت فيه عوامل الرقي كما عملت في كل مرافق الحياة، فبدأت الحياة تدب فيه ~~وأخذ النزاع يثور بين الأدباء حول الكلاسيكية والرومانتية، وأخذ التحول من ~~الأرستقراطية إلى الديمقراطية، ونبغ شيكسبير في إنجلترا، وأمثاله في إسبانيا ~~وإيطاليا وفرنسا كما أسلفنا، وأخذ هؤلاء الشعراء يفتحون في الشعر أبوابا جديدة، ~~وآفاقا جديدة في الموضوع وفي الأسلوب وفي الأوزان، وأخذ الشعر يرقى شيئا فشيئا، ~~كما أخذ الشعر العربي في مثل ذلك العصر ينحط شيئا فشيئا. وذلك تبعا للبيئة ~~الاجتماعية والسياسية. فالنهوض هناك شمل كل مرافق الحياة ومعها الفن ومنه الشعر. ~~والحريات السياسية والاجتماعية أخذت تثمر ثمارها؛ إذ كانت في الشرق تختنق شيئا ~~فشيئا من ظلم الحكام ورفاهيتهم وفقر الشعوب وبؤسها، ودعا الدعاة هناك إلى تقويم ~~الدنيا كما تقوم الآخرة، وأن يستمتع بالحياة ما أمكن. وفي الشرق رأوا الاستمتاع ~~بالحياة غير ممكن في ظل ظلم الحكام، فغرقوا في التفكير في الآخرة إلى حد التخريف، ~~ونسوا قول الله: # قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده والطيبات من الرزق ~~. ومما زاد الطين ~~بلة أن عدوى الشرق مما يحدث في الغرب لم تكن؛ لأن الأبواب موصدة والحواجز بين ~~الإقليمين في الأمور الثقافية متينة، واستمر الحال على هذا المنوال إلى دخول ~~الفرنسيين مصر. ~~••• # وقد اعتاد مؤرخو الأدب العربي أن يترفعوا عن تأريخ الأدب الشعبي وعرضه في ~~مختارهم، مع أنه يمثل خير تمثيل ذوق الشعب ومشاعره. وقد كان في هذا العصر نوع من ~~الشعر الشعبي ms0763 يقال ويتغنى به وتوصف به الأحداث، وتحكى به المشاعر من موشحات وأزجال ~~ودوبيت ومواويل وكان وكان. # وقد كثرت هذه الأنواع من الشعر في هذه العصر، وتحرروا فيها من التقيد باللفظ ~~الفصيح، والنحو الصحيح، واستراحوا فيه من قيود القوافي والأوزان، وكان في الواقع ~~أكثر قبولا عند العامة، بل وبعض الخاصة، وأنبض بالحياة، وكان أقرب إلى نفس الملوك ~~والأمراء أيضا؛ لأنهم أقرب إلى العامة في ذوقهم اللغوي. # وراج الزجل في أيام بني قلاوون وأيام برقوق وشغل به الناس. # واشتهر من الزجالين في هذا العصر «خلف الغباري» وبدر الدين الفرضي وأحمد الدرويش ~~وغيرهم. # ومن أمثلة ما قاله الغباري في مدح الملك الأشرف شعبان: # حب قلبي «شعبان» موفق رشيد # وجمالو أسرف ومالو حدود # وأبوه الحسن وعمه الحسين # وارث الملك من جدود الجدود # سل لحظك صارم لقتل العدى # وأنت منصور طول المدى والسنين # زعق السعد بين يديك «جاويش» # فرح القلب بعد ما كان حزين # ونصب لك كرسي على المملكة # ظهر لك نصره بفتحه المبين # وترى للشعر العامي أمثلة كثيرة في قصة «الزير سالم» و«الزناتي خليفة» وفي بدائع ~~الزهور لابن إياس. # وقد استعمله في الفكاهة المرة الشيخ الشربيني في كتابه «هز القحوف في شرح قصيدة ~~أبي شادوف»، الذي ألفه في سنة 1687م، فكتبه باللغة العامية المصرية، وجعل بطل ~~القصيدة «أبا شادوف» نموذجا للفلاح المصري يصف فيها شقاءه وبؤسه وجهله وقلة ذوقه، ~~ويشير في لباقة إلى أن ذلك نتيجة ظلم الحكام وقسوتهم في استخراج الأموال، وسوء ~~معاملتهم للفلاح. فكان موضوع الكتاب على هذا الوضع منحى جديدا في الأدب، واتجاها ~~به إلى الديمقراطية، ووصفا للفلاح وكوخه الحقير، حيث كان الأدب إنما يتجه إلى قصور ~~الأمراء والملوك. ~~(2) النثر # كان النثر الفني ينقسم إلى قسمين: كتابة ديوانية أو «رسمية» تستعمل فيما يصدر ~~عن الحكومات أو السلاطين، وقد أنشي له ديوان خاص اسمه «ديوان الإنشاء» يشرف عليه ~~أشهر من عرف بالأدب، وكان رئيس هذا الديوان يجمع بين السياسة والقلم، فإليه تنتهي ~~أسرار الدولة، ويتصرف فيها عن السلطان، ومنه تصدر المكاتبات الهامة، ms0764 وإليه ترد، ~~وهو يشارك السلطان الرأي والمشورة، ويتولى الكتابة في أدق الأمور كالعلاقات ~~الخارجية، والأزمات السياسية، والثورات الداخلية، وتقليد المناصب، ومكاتبات العمال ~~والأمراء، والإنباء بالوقائع الحربية، ونحو ذلك؛ ولذلك لا يكفي في اختياره القدرة ~~الكتابية، بل القدرة السياسية أيضا، والثقافة الواسعة. وقد تولى هذا المنصب ~~للمماليك في مصر فخر الدين بن لقمان، ثم محيي الدين بن عبد الظاهر، ثم ابنه فتح ~~الدين، وعلاء الدين بن الأثير، وشهاب الدين الحلي، وابن فضل الله العمري إلخ. وقد ~~صدر عن هذا الديوان كتب كثيرة كانت نماذج للأدب، كما ألفت كتب كبيرة ليتربى ~~عليها من يعدون لهذا المنصب. # وقد قوي هذا الديوان في عصر المماليك، ثم ضعف في عصر الأتراك العثمانيين لما ~~تحولت الكتابة الرسمية من العربية إلى التركية. # ويتميز هذا النوع من الكتابة بالمحافظة على ~~الألقاب الرسمية، فلا يوضع لأحد لقب أعلى ولا أقل من لقبه الرسمي، وقد تواضعوا على ~~مصطلحات في ذلك كما نتواضع نحن الآن على التفرقة بين صاحب السعادة وصاحب العزة، فقد ~~اصطلحوا - مثلا - على أن يكون الأشرف أرفع من الشريف، والشريف أرفع من الكريم، ~~والكريم أرفع من العالي، والعالي أرفع من السامي، وركن الإسلام والمسلمين أرفع من ~~عز الإسلام والمسلمين، كما جعلوا اللقب الملحق به ياء النسبة أرفع من الخالي منها، ~~فالقاضوي أرفع من القاضي وهكذا. # وقد وضعوا للكتابة في الموضوعات المختلفة مناهج مختلفة، ففي التهنئة بالنصر يتبسط ~~الكاتب في شكر الله، وتعظيم النصر، وذكر ما يتصف به الممدوح من عزم وإقدام وصبر، ~~ووصف جيش عدوه والتهويل فيه، وبذل الجهد في التغلب عليه، والتنكيل به إلخ، وهكذا في ~~كل لون من ألوان الكتابة. # وقد عرض القلقشندي في كتابه صبح الأعشى نماذج كثيرة لهذا النوع من الكتابة في ~~العصور المختلفة. # وهذا النوع يحتاج - أول ما يحتاج - إلى دقة تامة في التعبير، فرب كلمة في غير ~~موضعها، أو عبارة غير دقيقة أضاعت على الدولة فوائد كثيرة أو أوقعتها في مضار ~~كبيرة، كما يحتاج إلى الوضوح التام، حتى يفهم المعنى المقصود على ms0765 حقيقته، فإن احتيج ~~إلى نوع من المحسنات فإظهار القوة في موضع القوة، واللين في موضع اللين، ومعرفة ~~موضع نوع الكلام المكتوب في نفسية المكتوب إليه، حتى يؤدي الغرض المطلوب ~~منه. # ومع هذا فقد انصرف كثير من كتاب هذا النوع عن هذه الأوصاف، ومالوا إلى السجع، ~~والبديع، والتورية، والتضمين، والاقتباس، وما إلى ذلك كما فعلوا في الشعر، ولو ~~أضاعوا في ذلك جوهر الموضوع. وكان الذي يحمل كبر ذلك قديما ابن العميد، والصاحب بن ~~عباد في الري، ثم القاضي الفاضل، والعماد الأصفهاني في مصر، وهؤلاء وإن كان في ~~كتابتهم شيء من الروح، فقد ضعفت أو فقدت على تقدم الزمان، ونحن إن قسنا هذا النتاج ~~الرسمي بمقياس زمننا استخرج منا التبسم. # وقد وصف القلقشندي حالة الكتابة في عصره بقوله: وإنما تقاصرت الهمم عن التوغل في ~~صناعة الكتابة، والأخذ منها بالحظ الأوفى لاستيلاء الأعاجم على الأمر، وتوسيده لمن ~~لا يفرق بين البليغ والأنوك؛ لعدم إلمامه بالعربية، والمعرفة بمقاصدها، حتى صار ~~الفصيح لديهم أعجم، والبليغ في مخاطبتهم أبكم، ولم يسع الآخذ من هذه الصناعة ~~بحظ إلا أن ينشد: # وصناعتي عربية وكأنني # ألقى بأكثر ما أقول الروما # فلمن أقول وما أقول وأين لي # فأسير بل أين لي فأقيما؟ # والنوع الثاني من النثر الفني ما يسمى بالرسائل الأدبية، أو ~~الإخوانيات، وهي - عادة - تكون مكاتبة بين أصدقاء من الكتاب في عتاب، أو ~~استهداء، أو إهداء، أو مناظرات أدبية، أو وصف مشاهدات، أو فكاهات، أو مقامات أو ~~نحو ذلك، وقد يضاف إلى ذلك كتب في موضوعات تاريخية، أو أدبية، عني فيها بالصياغة ~~الفنية «كفاكهة الخلفاء» لابن عربشاه في حكم على ألسنة الحيوانات ، و«عجائب المقدور ~~في أخبار تيمور» و«ريحانة الألباء» لشهاب الدين الخفاجي. # وكل الكتاب من هذا النوع، ساروا على نفس المنهج، الذي سار عليه كتاب ~~الدواوين، من التزام السجع، والإغراق في البديع، ورعايتهم للشكل اللفظي أكثر من ~~المعنى والموضوع، وتفاخرهم بما يأتون به من حلية البديع، فإذا تم له تركيب حلاه ~~بحلى شتى من التورية والتضمين والاقتباس والجناس؛ فخر ms0766 كل الفخر، ولو كان المعنى ~~سخيفا، بل قد يدير المعنى ليتفق والبديع، ولم يستطيعوا أن يدركوا أن المعنى الجميل ~~أو الشعور الجميل في اللفظ السهل، الجاري مع الطبع، أجمل بكثير من معنى تافه، ~~محلى بكل أنواع البديع أو مشاعر متصنعة جملت بكل أنواع الزينة، وقد أدرك هذا ~~المعنى في دقة تدعو إلى الإعجاب كاتب انغمس في هذا الوسط، ولكنه تحرر منه، وهو ابن ~~خلدون إذ قال: ~~«وقد استعمل المتأخرون أساليب الشعر وموازينه في المنثور، من كثرة الأسجاع، ~~والتزام التقفية، وتقديم النسيب بين يدي الأغراض، وصار هذا المنثور إذا تأملته من ~~باب الشعر وفنه، ولم يفترقا إلا في الوزن. واستمر المتأخرون من الكتاب على هذه ~~الطريقة، واستعملوها في المخاطبات السلطانية، وقصروا الاستعمال في المنثور كله على ~~هذا الفن الذي ارتضوه، وخلطوا الأساليب فيه، وهجروا المرسل، وخصوصا أهل المشرق ... ~~وما حمل عليه أهل العصر إلا استيلاء العجمة على ألسنتهم، وقصورهم لذلك عن إعطاء ~~الكلام حقه من مطابقته لمقتضى الحال، فعجزوا عن الكلام المرسل لبعد أمده في ~~البلاغة، وانفساح خطوه، وولعوا بهذا السجع يلفقون به ما نقصهم من تطبيق الكلام على ~~المقصود، ومطابقة الحال فيه، ويجبرونه بذلك القدر من التزيين بالأسجاع والألقاب ~~البديعية، ويغفلون عما سوى ذلك. وأكثر من أخذ بهذا الفن وبالغ فيه في سائر أنحاء ~~القول كتاب المشرق، وشعراؤه لهذا العهد، حتى إنهم ليخلون بالإعراب في الكلمات ~~والتصريف إذا دخلت لهم في تجنيس أو مطابقة لا يجتمعان معها، فيرجحون ذلك الصنف من ~~التجنيس، ويدعون الإعراب، ويفسدون بنية الكلمة عساها تصادف ذلك التجنيس.» # فعند ابن خلدون أن الكلام المرسل المطابق لمقتضى الحال خير من المسجوع، وأن السجع ~~والبديع دليل فقر المعنى، وأن الإفراط في التحلي بهما دليل الانحطاط، ومصداق ذلك ~~ابن خلدون نفسه، فلما غزرت معانيه تحرر قلمه، ولما رقي أسلوبه تحلى ببساطة ~~الجمال. ~~••• # فمن أشهر البارزين من أوائل الكتاب في هذا العصر القلقشندي المصري، عمل بديوان ~~الإنشاء بمصر، وله إلى كتاباته الرسمية كتابات من النوع الثاني في التهاني، أو وصف ~~انتصار ms0767 أو مقامة أو نحو ذلك. # وكتابته من أمثل ما عرف لأهل زمانه في أداء الغرض، وقلة التكلف، وعدم الإلحاح في ~~البديع. # وهو من أصل عربي، ينتسب إلى قوم من بني فزارة، نزلوا مصر في مديرية القليوبية، ~~ومنها بلدة قلقشندة التي ينسب إليها، ولعل لأصله العربي هذا دخلا في صحة أسلوبه ~~إلى حد ما. # ومن إنشائه المشهور رسالة سماها «حلية الفضل وزينة الكرم، في المفاخرة بين السيف ~~والقلم» مثالها: # قال القلم للسيف: «فررت من الشريعة وعدلها، وعولت على الطبيعة وجهلها، فافتخرت ~~بحيفك وعدوانك، واعتمدت في الفضل على تعديك وطغيانك، فملت إلى الظلم الذي هو إليك ~~أقرب، وغلب عليك طبعك في الجور والطبع أغلب، فلا فتنة إلا وأنت أساسها، ولا غارة ~~إلا وأنت رأسها، ولا شر إلا وأنت فاتح بابه، ولا حرب إلا وأنت واصل أسبابه، تؤكد ~~مواقع الجفاء، وتكدر أوقات الصفاء، وتؤثر القساوة، وتوتر العداوة، أما أنا فالحق ~~مذهبي والصدق مركبي، والعدل شيمتي، وحلية الفضل زينتي، إن حكمت أقسطت، وإن ~~استحفظت حفظت وما فرطت، لا أفشي سرا يريد صاحبه كتمه، ولا أكتم علما يبتغي ~~متعلمه علمه ... أدير في القرطاس كاسات خمري، فأزري بالمزامير وأهزأ بالمزاهر، وأنفث ~~فيه سحر بياني، فألعب بالألباب وأستجلب الخواطر، وأنفذ جيوش سطوري على بعد فأهزم ~~العساكر: # فلكم يفل الجيش، وهو عرمرم # والبيض ما سلت من الأغماد # فقال السيف: أطلت الغيبة، وجلت بالخيبة، وسكت ألفا، ونطقت خلفا. # السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد واللعب # إن نجادي لحلية للعواتق، ومصاحبتي آمنة من البواتق، ما تقلدني عاتق إلا بات ~~عزيزا، ولا توسدني ساعد إلا كنت له حرزا حريزا، أمري المطاع، وقولي المستمع، ~~ورأيي المصوب، وحكمي المتبع، لم أزل للنصر مفتاحا، وللظلام مصباحا، وللعز ~~قائدا، وللعداة ذائدا، فأنى لك بمساجلتي ومقاومتي في الفخر ومنافرتي، مع عري ~~جسمك، ونحافة بدنك، وإسراع تلفك، وقصر زمنك، وبخس أثمانك على بعد وطنك، وما أنت ~~عليه من جري دمعك، وضيق ذرعك، وتفرق جمعك، وقصر باعك، وقلة اتباعك. # ويستمر الجدل بينهما في نحو ms0768 عشر صفحات، وأخيرا يميل القلم إلى الصلح، فيحتكمان ~~إلى الأمير أبي يزيد الدوادار للسلطان برقوق فيعقد الصلح بينهما.» # 2 ~~••• # وفي الشام - مثلا - كان بدر الدين الحلبي، ~~وقد ألف كتابه «نسيم الصبا»، الذي كان يعد في زمنه قطعة فنية رائعة، وهو فصول ~~نحو الثلاثين، في وصف الطبيعة، والأخلاق والأدب ونحو ذلك، ملأ كل فصل منه بكل ما ~~استطاع من أنواع الزينة. يقول - مثلا - في وصف الكتاب: «الكتاب عماد الملك ~~وأركانه، وعيونه المبصرة وأعوانه، وبهاء الدولة ونظامها، ورءوس الرياسة وقوامها، ~~ملابسهم فاخرة، ومحاسنهم باهرة، وشمائلهم لطيفة، ونفوسهم شريفة، مدار الحل والعقد ~~عليهم، ومرجع التصرف والتدبير إليهم، بهم تحلى العواطل، وتبتسم ثغور المعاقل، ~~مجالسهم بالفضائل معمورة، وبندائهم أندية القصاد مغمورة، يهدون إلى الأسماع أنواع ~~البديع، وينزهون الأحداق في حدائق التوشيح والتوشيع، هم أهل البراعة واللسن، ~~وشيمتهم لف القبيح ونشر الحسن، يميلون إلى القول بموجب المدح، ولا يميلون من مراجعة ~~الراغبين في المنح، دأبهم استخدام الناس بالمعروف، وعدم التورية عن العاني ~~والملهوف، يجلون الكبير، ويبجلون الصغير، ولا يخلون بمراعاة النظير، لهم إلى الخير ~~رجوع والتفات، وبالجملة فقد حازوا جميع جميل الصفات. # بأيديهم أقلام، تختلس بلطفها الأحلام، صافية الجواهر، زاهية الأزاهر، لينة ~~الأعطاف، ناعمة الأطراف، تبكي وهي مبتسمة، وتسكت وهي بما يطرب السمع متكلمة، قد ~~اعتدلت قدودها، وأشرقت في سماء البراعة سعودها، ... نشأت على شطوط الأنهار، وتعلمت ~~اللحن من أعراب الأطيار، الشجاعة كامنة في مهجتها، والفصاحة جارية على لهجتها، تبهر ~~بالنضارة نواظر البهار، وتطرز بالليل أردية النهار، إن قالت لم تترك مقالا لقائل، ~~وإن صالت رجعت السيوف مستترة بأذيال الخمائل ...» إلى أن يقول: ~~«فاجتهد أعزك الله في طلابها، واحرص على الدخول في زمرة أربابها، وتمسك بأذيال ~~بنيها، تجد جوادا أو نبيلا أو نبيها، حسبهم شرفا أن الله تعالى نوه بذكرهم في ~~العالمين، ووصف الكتبة بالحفظ والكرم فقال: # وإن عليكم ~~لحافظين * كراما كاتبين ~~». # وفي هذا الفصل صورة دقيقة لوصف الكاتب في هذا العصر في مظاهره وأغراضه ونفسيته ~~وفنه. ~~••• # ويقول في وصف سفينة: # يا لها سفينة، على ms0769 الأموال أمينة، ذات دسر وألواح، تجري مع الرياح، وتطير بغير ~~جناح، وتعتاض عن الحادي بالملاح، تخوض وتلعب، وترد ولا تشرب. لها قلاع ~~كالقلاع، وشراع يحجب الشعاع، وسكينة وسكان، ومكانة وإمكان، وجؤجؤ ~~وفقار، وأضلاع محكمة بالقار، وجسم عار عن الفؤاد، وهو في عين الماء بمنزلة ~~السواد. بعيد ما بين السحر والنحر، من أحسن الجواري المنشئات في البحر، معقود ~~بنواصيها الخير كالخيل، لا تمل من سير النهار ولا من سرى الليل. # ما رأى الناس من قصور على الما # ء سواها تسير سير القداح # كأنها وعل ينحط من شاهق، أو عرباض سابق يحثه سائق، أو عقرب شائلة، أو ~~عقاب صائلة، أو غراب أعصم، أو تمساح أو أرقم، أو ظليم نفر في الظلام، أو جواد ~~فر مستنكفا من صحبة الأنام. حاكمها عادل في حكمه، عارف بنقض أمرها وبرمه، ~~يهتدي بالنجوم، ويبتدئ باسم الحي القيوم، يبرز من نواتيها في جنود، ويشمل ~~إحسانهم أهلها أيقاظا وهم رقد، يتأنقون فيما يعملون، ويفعلون ما يؤمرون. # يكثرون الصياح حتى كأن الس # فن تجري من خوف ذاك الصياح # وفي آخر أيام العرب بالأندلس ظهر خاتمة الكتاب «لسان الدين بن ~~الخطيب»، الذي ترجم له المقري في كتابه «نفح الطيب» في نحو جزأين. وقد نشأ من بيت ~~وزارة، وكان هو نفسه وزيرا لبني الأحمر في غرناطة، وانغمس في الأحداث السياسية، ~~وسفر إلى الملوك، واكتوى بنار الفتن المشتعلة في أيامه، وقد وصف في بعض كتبه ما ~~يعاني رجال السياسة والوزارة في عصره من عناء من «توقع المكروه صباحا ومساء، ~~وارتقاب الحوالة التي تديل من النعيم البأساء، ولزوم المنافسة التي تعادي الأشراف ~~والرؤساء، وترتب العتب، على التقصير في الكتب، وضغينة جار الجنب، وولوع الصديق ~~بإحصاء الذنب، ونسبة وقائع الدولة إليك وأنت بري، وتطويقك الموبقات وأنت منها ~~عري، وقطع الزمان بين سلطان يعبد، وسهام للغيوب تكبد، وعجاجة شر تلبد، وأقبوحة ~~تخلد وتؤبد، ووزير يصانع ويدارى، وذي حجة صحيحة يجادل في مرضاة السلطان ويمارى ~~... وسوق للإنصاف والشفقة كاسد، وحال فاسد، ووفود تتزاحم بسدتك، مكلفة لك غير ms0770 ما في ~~طوقك، فإن لم يقع الإسعاف قلبت عليك السماء من فوقك، وجلساء ببابك، لا يقطعون زمان ~~رجوعك وإيابك، إلا بقبيح اغتيابك. # وما الفائدة في فرش تحتها جمر الغضا، ومال من ورائه سوء القضا، وجاه يحلق عليه ~~سيف منتضى ...» # إلى أن يقول في أعباء الوزير ومتاعبه: «أما ليله ففكر أو نوم، وعتب بجرائر ~~الضرائر ولوم، وأما يومه فتدبير، وقبيل ودبير، وأمور يعيا بها ثبير، وبلاء مبير، ~~ولغط لا يدخل فيه حكم كبير، وأنا بمثل ذلك خبير.» # ثم تحقق ما وصف، فدست له الدسائس، فترك الوزارة وذهب إلى فاس سنة 1371م، فاستقبل ~~فيها استقبالا حسنا. # ثم لما عاد السلطان الذي يولي ابن الخطيب عطفه أعاد ابن الخطيب إلى غرناطة، وما ~~زالت تحاك حوله المؤامرات، حتى اتهموه أخيرا بالتهمة التي تثير العامة، ويتخلصون ~~بها - دائما - ممن يضايقهم وهي الزندقة، فقد كان ابن الخطيب ألف كتابا اسمه «روضة ~~التعريف بالحب الشريف»، وهو كتاب في التصوف، نحا فيه منحى القول بوحدة الوجود، ~~فنسبوا إليه القول بالحلول، وأحضر إلى مجلس الشورى، ووبخ وسجن، وأفتى المفتون ~~بقتله، ودسوا إليه من قتلوه خنقا سنة 1374م. # وقد كان واسع الثقافة، ملما بعلوم أهل زمانه، فقد أخذ الطب والمنطق والفلسفة عن ~~ابن زهر، والعلوم اللسانية عن ابن مرزوق، كما كان واسع الاطلاع على التاريخ، وخاصة ~~تاريخ الأندلس ورجالها، وألف فيه كتاب «الإحاطة في تاريخ غرناطة». # وأسلوبه الأدبي من أرقى ما وصل إليه أسلوب زمانه، يلتزم طريقتهم في السجع ~~والبديع، ولكن يخفف ثقله غزارة معانيه التي تأتيه من سعة اطلاعه، إلى نبله وخفة ~~روحه. وقد عرف في أسلوبه بالإطناب، وطول النفس، وإن لم يبلغ حد الإملال. وقد كان ~~له آثار أدبية في نواحي الأدب المختلفة من مخاطبات الملوك، ومقامات وإخوانيات وغير ~~ذلك، ومن أمثلة أسلوبه قوله لمعلم كتاب عاد إلى حرفة التعليم بعد أن ~~هجرها: ~~«تعرفت ما كان من مراجعة سيدي لحرفة التكتيب والتعليم، والحنين إلى العهد القديم، ~~فسررت باستقامة حاله، وفضل ماله، حبذا والله عيش التأديب، فلا بالضنك ولا ms0771 بالجديب، ~~معاهدة الإحسان، ومشاهدة الصور الحسان، يمينا إن المعلمين، لسادة المسلمين، وإني ~~لأنظر منهم - كلما خطرت على المكاتب - أمراء فوق المراتب، من كل مسيطر الدرة، ~~متقطب الأسرة، متنمر للوارد تنمر الهرة، يغدو إلى مكتبه، كالأمير في موكبه، حتى ~~إذا استقل في فرشه، واستوى على عرشه، أظهر للخلق احتقارا، وأزرى بالجبال وقارا، ~~ورفعت إليه الخصوم، ووقف بين يديه الظالم والمظلوم، فتقول كسرى في إيوانه، والرشيد ~~في أوانه، أو الحجاج بين أعوانه، فأي عيش كهذا العيش، وكيف حال أمير هذا الجيش، ~~طاعة معروفة، ووجوه إليه مصروفة، فإن أشار بالإنصات، لتحقق القصات، فكأنما طمس على ~~الأفواه، ولأم بين الشفاه، وإن أمر بالإفصاح، وتلاوة الألواح، علا الضجيج والعجيج، ~~وحف به كما حف بالبيت الحجيج، وكم بين ذلك من رشوة تدس، وغمزة لا تحس، ووعد ~~يستنجز، وحاجة تستعجل وتحفز؟ هنأ الله سيدي ما خوله، وأنساه بطيب أخراه ~~أوله.» # هذا نموذج من خير من أخرجه هذا العصر من الكتاب. # وفي العصر العثماني ربما كان أمثل الكتاب شهاب الدين الخفاجي، وهو مصري ولد ~~بسرياقوس من مديرية القليوبية، ودرس بالأزهر، وقد جمع بين الفقه والأدب واللغة ~~وأفادته حياته فاطلع على كثير من شئون الدنيا وتجارب الحياة، فقد رحل إلى مكة مع ~~أبيه، ثم سافر إلى القسطنطينية وشغف هناك بتعلم الرياضة، ثم عين وهو في الأستانة ~~قاضيا للروملي ثم سالونيكا، ثم أرسل إلى مصر «قاضي عسكر»، ثم عاد إلى القسطنطينية، ~~ثم عاد إلى مصر قاضيا، وهنا وجه همته إلى التأليف في الأدب واللغة. # ومن خير ما ألفه «شفاء الغليل بما في كلام العرب من الدخيل» أتى فيه بمقدمة ~~حسنة عن التعريب، ثم أورد الكلمات المعربة مرتبة على حروف المعجم. # وفي موضوعنا الأدبي خلف لنا «خبايا الزوايا» في ترجمة أدباء عصره، وقسمه إلى خمسة ~~أقسام: أدباء سوريا والحجاز ومصر والمغرب والروم (القسطنطينية)، وقد أعاد هذا ~~الكتاب في كتابه ريحانة الألبا ونزهة الحياة الدنيا. # وأسلوبه مسجوع متكلف للبديع كقوله في ترجمة ابن منجك: # الأمير محمد بن منجك الجركسي أصلا ومحتدا، الشامي ms0772 ~~منشأ ومولدا، أديب أريب، ونجيب وابن نجيب، أورق عوده بالشام وأثمر، ~~فإذا عدت السجايا عرضا فسجاياه جوهر، نشأ بها والدهر أبيض أقمر، ~~ونادم العيش والعيش أخضر، وللبقاع تأثير في الطباع، والعرق - كما قيل ~~- لمغرسه نزاع، ومن كان جار الرياض، لبس طبعه برد نسيمها ~~الفضفاض، كما لبس النهر الجاري، درع النسيم الساري. # وقد نسجت كف النسيم مفاضة # عليه وما غير الحباب لها حلق # وقد صحبني بجلق ونسيمه سجسج، وخيوط شبيبته بيد الكهولة لم ~~تنسج، ولازمني إذ رأى انعطافي عليه، وشبه الشيء منجذب إليه. # وله شرح درة الغواص للحريري ونقدها. قال في أوله: «دعاني الانتصار للسلف، إلى ~~تمييز الدر من الصدف، فضممت إليها دررا تصيرها عقدا، ونشرت عليها من جلستان ~~الآداب نورا ووردا، مما تتقرطق به الآذان، وتتوشح ببرده معاطف الزمان.» إلخ، وقد ~~مات في مصر سنة 1659م. ~~••• # ثم توالى الضعف في الكتابة، حتى أصبحت لا لفظا ولا معنى، وحتى أنواع البديع ثقلت ~~وسمجت كقول عبد الوهاب الحلبي إلى الشهاب الخفاجي: «لقد طفحت أفئدة العلماء بشرا، ~~وارتاحت أسرار الكاتبين سرا وجهرا، وأفعمت من المسرة صدور الصدور، وطارت الفضائل ~~بأجنحة السرور، بين قدوم من اخضرت رياض التحقيق بإقدامه، وغرقت بحار التدقيق من ~~سحائب أقلامه.» وسبب ضعف النثر ما قلناه في سبب ضعف الشعر. # وأكبر مصيبة أصيب بها أدباء العربية - شعراء وكتابا - أنهم شدوا أعينهم إلى ~~قصور الخلفاء والأمراء، وربطوا مشاعرهم بها، ولم ينظروا إلى غيرها إلا تبعا، ولم ~~يشعروا بأنفسهم، ولا لأنفسهم إلا قليلا، فكان لهذا نتائج سيئة من وجوه ~~شتى: ~~(1) # أن الأدب - أكثر ما كان - أصبح أرستقراطيا في أغراضه من مديح ~~واستعطاف واستمناح واعتذار ونحو ذلك، وفي ألفاظه، إذ كان تحفة كالتحف ~~التي تهدى أو تباع للملوك. أما أن تهيج مشاعر الشاعر أو الناثر فيفرج ~~عن نفسه بالفن فقليل نادر. ~~(2) # أن كثيرا من الشعراء والكتاب أصيبوا بهذه الرابطة إصابات قاتلة من ~~غضب السلطان أو النزاع السياسي بين الأمراء، وتغلب أحدهم على الآخر، ~~فينكل بأتباعه، وكانت تلك سنة قديمة من عهد خلفاء بني ms0773 أمية إلى مثل ~~ما رأينا في لسان الدين بن الخطيب، ولو شعروا أو كتبوا لمشاعرهم ومشاعر ~~الناس لأجادوا وسعدوا وحفظوا أرواحهم. ~~(3) # لما ربطوا أنفسهم بالقصور ربطوا فنهم بها، فالأمراء يعطون فيجود ~~الفن، ويمنعون فيضعف الفن، والأمراء يجيدون العربية فيرقى الأدب، ~~ويجهلون العربية فيضعف الأدب. والعثمانيون يحولون الدواوين إلى اللغة ~~التركية فينهار الأدب، ولو كان الأدب مستقلا لاستقام سيره، ولو اختلت ~~القصور. ~~(4) # كان لهذه الظاهرة أثر سيئ في حياة الشعوب الشرقية نفسها، فلو اتجه ~~الشعراء والكتاب إلى الشعوب لوضعوا بذور الثورة على الملوك والأمراء ~~إذا ظلموا الرعية، ولأشعروا الشعب بآلامه، ورسموا له آماله، واستحثوه ~~على بلوغ غايته - كما حدث من رجال الأدب في الغرب - فكان عملهم مبعث ~~نهضتهم. أما في الشرق فلم يتجه الأدب شعرا ونثرا إلى الإصلاح ~~الاجتماعي، ولم يغن الفنان لنفسه ولقومه، فكانت النتيجة ما ~~نرى. # لقد كان الأدب الغربي في عصور الإقطاع على هذا المنوال، فكان الشعراء والأدباء ~~يستمدون شعرهم وأدبهم من الأمراء؛ لأن الشعب لم يكن يطعم ولم يكن يغذى فنا، إنما ~~يفعل ذلك سادة الإقطاعات، وكان لكل شاعر أو أديب راع من هؤلاء السادة، وكان الأديب ~~يستمد وحيه وموضوعاته من حياة الأمراء في لغتهم وأسلوبهم وملابسهم وسلوكهم، وكانت ~~الروايات التي تمثل إنما يقصد بها - أولا - إلى تسلية هؤلاء السادة باختيار ~~الموضوعات التي تلذهم، والمناظر التي تغذي كبرياءهم، ولكن «النهضة» حولت هذا ~~التيار، وجعلت الأدباء يتحولون إلى الطبقة الوسطى من الشعوب، وغيرت الموضوعات من ~~قصور الأمراء إلى كوخ الفقراء، وصورت حياة الطبقات الفقيرة كما كانت من قبل تصور ~~حياة الطبقات الرفيعة، وأمكن بانتشار المطابع أن يقوم ناشر الكتاب مقام الأمير في ~~إمداد الأديب بالمال، وأن يقوم رضا القراء من الشعب مقام رضا القصور. وقراء الشعب ~~إنما يرضيهم أن يجدوا فيما يقرءون ما يصور نفوسهم وآمالهم وآلامهم. # أما في الشرق فلم يحدث هذا التحول؛ لأن الحالة الاقتصادية لم تمكن الطبقات الوسطى ~~والدنيا من اليسر المالي، ولم تكن المطابع وانتشار القراءة والكتابة حتى يغني ~~الأدباء لهم، فبقي الأدب العربي ms0774 في أوضاعه القديمة لم يسعفه ما طرأ على ~~الغرب. # وظلت موضوعاته كما هي في القديم، فإن أنت نظرت إلى كتاب في المختارات من أدب هذا ~~العصر رأيت ما يأتي: قال «صفي الدين الحلي» يمدح الملك الناصر محمد بن قلاوون، وقال ~~يهنئ المؤيد بالقدوم من الصعيد، وقال ابن نباتة يمدح السلطان الأفضل ويعزيه في ~~والده، وقال في الناصر حسن. فإن خرجوا عن هذا رأيت ابن الوردي يقول في الحكم، ~~والشاب الظريف في الغزل، وسراج الدين الوراق في شكر الله على نعمائه، وفي لوم النفس ~~على المعصية، ومحيي الدين الحموي يصف روضا أو نهرا ... أما الدنيا وشئونها والناس ~~وحياتهم ومطالبهم فلا نجد فيها شيئا. # وزاد الأمر سوءا أن العثمانيين لما فتحوا مصر والشام وغيرها أرادوا أن يجملوا ~~القسطنطينية بخير ما في هذه البلاد، فأخذوا من خزائن المدارس بمصر والشام أكثر ~~الكتب القيمة التي فيها، فحرموا البلاد أغلى كنوزها، ونقلوا كثيرا من الأدباء ~~والعلماء والمهندسين والوراقين وأرباب الصناعات إلى بلادهم، وقد قدرهم ابن إياس ~~بنحو ألف وثمانمائة، وغرقت بعض السفن التي تحملهم، وكان هؤلاء الذين أخذوا خير من ~~في مصر علما وأدبا وفنا، فتركوا البلاد في ظلام. ~~••• # وكما كان الشعراء والأدباء ينشئون كان بجانبهم من يجمع المختارات من أدبهم وأدب ~~من قبلهم، فألف جمال الدين الوطواط (1235-1318م) كتابه «غرر الخصائص الواضحة» ~~و«مباهج الفكر». # وألف شهاب الدين الأبشيهي المولود نحو سنة 1388-1446م كتابه «المستطرف في كل فن ~~مستظرف» جمع فيه شعرا وقصصا وأمثالا. # وألف شمس الدين النواجي المتوفى سنة 1455م «حلبة الكميت» جمع فيه كثيرا مما قيل ~~في الخمر. # وألف داود الأنطاكي الطبيب المشهور صاحب التذكرة كتابا في الحب، وما قيل فيه ~~سماه «تزيين الأسواق»، وقد توفي سنة 1599م. # وألف عبد القادر البغدادي المتوفى سنة 1682م كتابه الكبير «خزانة الأدب» ترجم ~~فيه لكثير من الأدباء والشعراء من الجاهليين ومن بعدهم، وجمع فيه معلومات قيمة، ~~وهو في الأصل شرح لشواهد «الكافية» في النحو بنى عليه هذه التراجم. ~~(3) القصص # أما الأدباء الكلاسيكيون فأغلب نتاجهم القصصي كان ms0775 إنشاء مقامات يقلدون فيها ~~مقامات الحريري، حتى كاد كل أديب يقيم البرهان على أدبه بإنشاء مقامة أو ~~مقامات. # فعمل شمس الدين بن الصيقل الجزري المتوفى سنة 701ه خمسين مقامة نسبها إلى ابن ~~نصر المصري، وروايتها إلى القاسم بن جريال الدمشقي. # وعمل محمد بن إبراهيم الدمشقي (727ه) خمسين مقامة فلسفية، وشهاب الدين الخفاجي ~~بعض مقامات في كتابه «ريحانة الألبا» وهكذا إلى الشيخ ناصيف اليازجي. # وكلها إذا وزنت بميزان القصة كانت خفيفة الوزن لضيق خيالها وقصر نفسها، وضعف ~~عاطفتها، وقلة حبكتها، ورخاوة عقدتها. # وأما القصص الشعبية فكانت أوفر حياة، وأوسع خيالا، وأدخل في باب القصص. وعلى ~~رأس هذه القصص «ألف ليلة وليلة»، وهو كتاب لم يعره أدباء العربية التفاتا إلا بعد ~~أن ذاع في أوروبا وترجموه إلى لغات كثيرة، وقدروه تقديرا كبيرا. والسبب في ~~انصراف الأدباء العلماء من أهل العربية عنه هو أنه شعبي في أسلوبه وموضوعه. # وإنما ذكرناه هنا؛ لأنه لم يستكمل شكله الذي بين أيدينا إلا في عهد المماليك، فقد ~~ذكر المسعودي أن أصله فارسي، واسمه «هزار أفسانا»، ومعناه ألف ليلة، وترجم من ~~الفهلوية إلى العربية، ويدل على فارسيته أسماؤه الفارسية في هذا القسم من مثل ~~«شيرازاد» ومعناه: النبيلة بالحسب، وقد غيرت إلى شهر زاد، ودنيا زاد، ومعناه: ~~النبيلة بالنسب، وقد حرفت إلى دينار زاد. وقد زادت فيه الأمم العربية المختلفة على ~~توالي العصور إلى آخر عصر المماليك. وقد اجتهد المستشرقون في تحليل قصصه ورد كل ~~مجموعة منها إلى الأمة التي صدرت عنها وتحديد تاريخها، فهناك قصص بغدادية تمثل ~~حياة بغداد في عصر الرشيد ووزيره جعفر البرمكي، وهناك قصص مصرية تمثل حياة مصر ~~«كأحمد الدنف ودليلة». # وهناك قصص من أصل يهودي أدخلها فيها يهود تعربوا كقصة كريم الدين، وقصص من عصر ~~قديم، حيث أزهرت التجارة في الخليج الفارسي والمحيط الهندي كقصة السندباد البحري، ~~وبعضها تدل حوادثها على قرب عهدها كقصة معروف وزوجته فاطمة، فإن حوادثها تدل على ~~أنها ألفت في القرن السادس عشر، وكقصة أبي قير وأبي صير، فإنها من ms0776 أحدث ما ~~كتب. # وأسلوبها قريب التناول يفهمه العامة والخاصة، سواء في ذلك شعرها ونثرها، وبعض ~~القصص تظهر فيها خصائص اللغة العامية السورية، والبعض المصرية، وكلها تصور الحياة ~~الشرقية في دينها ودنياها، ونظرتها إلى النساء، وأوهامها وخرافاتها، وإيمانها ~~بالقدر، ومباهجها وأحزانها وحياة قصورها، وعلاقة حكامها بشعوبها إلخ. وقد انعكست ~~فيها كل هذه الصور من غير شعور مؤلفيها. # وهي من الناحية الفنية تفوق المقامات بسعة خيالها، وتنوع ألوانها وتصوير الحياة ~~في مختلف أشكالها، وحسن حبكتها، ومن أجل هذا لم ينل كتاب شرقي في الغرب ما لقيه ~~كتاب «ألف ليلة». # وقصة عنترة بن شداد المعروفة بسيرة عنتر، والمنسوبة إلى الأصمعي العالم اللغوي ~~المشهور في عصر الرشيد، ولا شك أنها نسبة مختلقة، وهي مؤلفة - كما يرى بعض ~~المستشرقين - أيام الحروب الصليبية، وقد عدها بعضهم «إلياذة العرب»، وقيمتها في ~~أنها تمثل حياة البدو، من كرم، وانتقام، ونجدة، وحب، وتذوق للشعر، مزجت فيها حياة ~~البدو في الجاهلية بحياتهم بعد الإسلام، وحيك حولها كلها قصص لطيف بطلها عنترة بن ~~شداد العبسي صاحب إحدى المعلقات. # وقد ترجمت أجزاء منها إلى الإنجليزية والفرنسية. # ومن أشهر القصص قصة بني هلال، وهي في الحقيقة سلسلة من القصص تصور أحداث بني هلال ~~ممزوجة بالخيال الواسع، منها قصة جابر وجبير تمثل بني هلال في القرون الأربعة ~~الأولى للإسلام، وقصة الخضراء - أم أبي زيد الهلالي - وقصة الشماء وزهر البان، وقصة ~~أبي زيد إلخ، وكلها تستمد حوادثها مما كان من غزوات وحروب من قبيلة بني هلال بين ~~الغرب وحدود مصر في القرن الحادي عشر الميلادي، وغير ذلك من القصص كثير كقصة سيف ~~اليزن، وهي تدور حول شخصية عجيبة، تفتح العالم وتحارب الجن، وتخضع أهل الكفر ~~للإسلام ، وكقصة ذات الهمة والظاهر بيبرس إلخ. # وكلها قصص من الأدب الشعبي كانت تسلي الشعب، وتغذي خياله وعواطفه، يقرؤها من ~~يعرف القراءة، ويستمع لها الناس في المجتمعات من قارئين يحترفون قراءتها. # وهي - وإن فضلت المقامات من ناحية فنها - فلا تعد راقية أمام الذوق الفني ~~المهذب. # وربما كان من أهم أسباب ms0777 ضعف القصص في الشرق ورقيه في الغرب في هذا العصر حركة ~~التمثيل في المسارح، فقد رقيت في الغرب تقليدا للمسرح اليوناني وترقية له مع ~~الزمان. وقد أبى الشرق أن يستعير الأدب اليوناني منذ العصر العباسي، فاستعار ~~العلوم، ولكن لم يستعر الآداب، ولو استعارها لاقتبس منها المسرح، ولكنه لم يفعل ~~واقتبسه الغرب، وسار به مع الزمان، فكان مبعثا للقصص الراقي، وما كان يكون شيكسبير ~~وأمثاله لولا المسرح. # وقد نشأ في الشرق مسرح هو «خيال الظل» اشتهر فيه وفي عمل الروايات له ابن دانيال، ~~ولكنه لم يتم، ولم يرتق مع الزمان، وظل بدائيا طول حياته، حتى انقضى ~~أجله. # وقد نلاحظ - أيضا - الانفصال الشديد بين أدب الخاصة وأدب العامة مع أن هذا ~~الانفصال يقضى عليه في الأدب الغربي، فكان للخاصة في الشرق مقاماتها وشعرها ~~وإعرابها، وكان للعامة زجلها وقصصها، وليس يمكن أن تعيش طائفة من غير أدب، فالشعب ~~لا بد أن يغذي مشاعره بأغانيه وزجله وأمثاله وأحاديثه (حواديته)، فنبغ منهم أدباء ~~يقومون بهذه الأغراض، عندهم ملكة الأدب وإن لم يثقفوا ثقافة واسعة عميقة، وكان من ~~حسن الحظ أن لم يثقفوا؛ لأنهم لو فعلوا لقالوا في أدب الخاصة، والخاصة يترفعون عن ~~أن يقولوا للشعب، وإنما يتجهون إلى الأمراء وأمثالهم. ولا تزال الحواجز بين الأدبين ~~قوية إلى اليوم، فكل من يكتبون في الأدب إنما يكتبون لمن يقرءون العربية الفصحى، ~~وهم المتعلمون، وهم الأقلون. والسواد الأعظم من الأميين يعيش على الأغاني البلدية ~~والأمثلة الشعبية والحواديت العامية، ولم تحل مشكلة التقريب بين طبقتي الشعب في ~~لغتها وأدبها إلى اليوم. ~~(4) التصوف والفلسفة # وقد فشا في هذا العصر التصوف، سواء بين الخاصة والعامة؛ ذلك لأن الناس فقدوا ~~الدنيا فانصرفوا إلى الأخرى، ويئسوا من العدالة الاجتماعية في الأرض فأملوها في ~~السماء، ولم يجرءوا أن يثوروا في وجه الحكام يطالبونهم بتحقيق العدل فقنعوا ~~بالسلامة في ظل الأمل، وضعفت عقولهم عن تمييز الحق من الباطل، فملئوا التصوف ~~بالخرافات والأوهام، ولم تتجرد طبيعتهم من حب اللهو فأدخلوه في التصوف، فكان فيه ~~الغناء والموسيقى ms0778 والرقص وألعاب البهلوان، وهرع الناس إلى المتصوفة يستمنحونهم ~~البركة، ويستقضون منهم حوائجهم، ويقرعون بهم أبواب السماء، وامتلأت البلاد بأرباب ~~الطرق، ومشايخ الصوفية والأولياء ومدعي الولاية، وعلى الجملة فكان في الحياة ~~الصوفية على سعتها وانتشارها حق قليل وباطل كثير. # وكان لهذا كله صدى في الأدب، فكان عبد الغني النابلسي شاعر المتصوفة، وأشعاره ~~الكثيرة تعيد علينا نغمات ابن الفارض وابن العربي. # وكان عبد الوهاب الشعراني زعيم المتصوفة المؤلفين في هذا العصر، مصري قاهري ولد ~~في أوائل القرن السادس عشر الميلادي، ومصر ولاية عثمانية، وقد شاهد في هذا العصر ~~ظلم الحكام للفلاحين، وكثرة الضرائب عليهم، وسوء تحصيل المال منهم، كما شاهد سوء ~~حال الصناع والتجار، فحبب ذلك إليه التصوف، وعاش في كنفه ينعم بمشاهدة الملائكة ~~والأنبياء والتحدث إليهم، وتلقي أوامرهم ونواهيهم، وقص علينا في كتابه «لطائف ~~المنن» كثيرا مما نعم به في مشاهداته الروحانية، وألف كتبا كثيرة في التصوف ~~شاعت في الناس وتأثروا بها، وربما كان من خيرها «طبقات الصوفية»، يترجم فيها ~~للمتصوفين، ويحكي لكل صوفي بعض حكمه وأقواله وأحداثه، وكتابه «الميزان» يبحث فيه في ~~أسباب اختلاف الأئمة بحثا صوفيا طريفا. # أما الفلسفة فلم تلق رواجا في هذا العصر، ونظر إليها على أنها نمط من الزندقة، ~~وربما نمت الفلسفة الإسلامية في الجو الشيعي أكثر مما نمت في الجو السني كما ~~كان ذلك قديما، فقد أزهرت في العصر الفاطمي الشيعي في مصر، ثم ضعفت في العصر ~~الأيوبي السني، وكذلك في عصرنا ربما عد بهاء الدين العاملي الشامي الشيعي أظهر ~~رجال الشام ومصر في الفلسفة ممزوجة بالتصوف، ولم يقتصر على الفلسفة، بل تعدى ذلك ~~إلى الرياضة والأدب، وتظهر سعة نواحيه وتعددها في كتابيه «المخلاة» و«الكشكول »، ~~فهما دائرة معارف غير منظمة؛ فيها الأدب والتصوف والفلسفة والحساب والهندسة إلخ. ~~وقد توفي سنة 1031ه/1621م. إنما نشطت حركة الفلسفة في هذا العصر في فارس في عهد ~~الدولة الصفوية، وكانت فلسفة إشراقية ممزوجة بالتصوف تعد من أساتذتها فيثاغورس ~~وأفلاطون أكثر من أرسطو. وقد كان نتاج هؤلاء الفلاسفة الفرس كثير منه ms0779 باللغة ~~العربية، ورأسهم في هذا الباب صدر الدين الشيرازي المتوفى سنة 1641م، وكتابه ~~«الأسفار» من أعظم الكتب في الفلسفة، مزج فيها آراء الفلاسفة اليونانيين بآراء ~~ابن سينا بتصوف ابن العربي، واستخرج من كل ذلك خلاصة قيمة، وكانت شخصيته وكتبه ذا ~~أثر كبير في الحركة الفلسفية في فارس إلى عصرنا الحاضر. ~~(5) التأليف # الحق أن حركة التأليف في هذه الفترة كانت كبيرة نشيطة - وخاصة في مصر والشام - ~~فنظرة إلى ما ألف في هذا العصر في مختلف العلوم تدل دلالة واضحة على هذا ~~النشاط. # وكان من حسن حظ العلم أنه لم يقصر نفسه على القصور كما فعل الأدب، نعم إن بعض ~~العلماء ألف للأمراء واتصل بهم، واستفاد منهم، ولكن الكثير كان يشتغل بالعلم في ~~عزلة عن القصور، وكان أهم باعث لهم الباعث الديني، فهم يؤلفون في التفسير والحديث ~~للباعث الديني، ويؤلفون في اللغة والأدب؛ لأنهما وسيلتان من وسائل فهم القرآن ~~والحديث، على أن سلاطين المماليك من جانبهم فهموا من مقتضيات الملك وتأييده وعظمته ~~وتخليد ذكره بناء المساجد عادة توارثوها من أول أمرهم؛ ولذلك حليت مصر في عهدهم ~~بكثير من المساجد. وكان الصالح منهم يبني المسجد تدينا، والفاسق يبنيها مكفرا ~~عن فجوره وظلمه، إذ كانت عقيلتهم أن لا بأس من الجمع بين تذبيح وتسبيح، وسرقة ~~وصدقة، وأن التسبيح يجب التذبيح، والصدقة تذهب بالسرقة. # وكان المسجد قطعة فنية جميلة حيى بها الفن، ولا يزال يعيش عليه دارسو الفن ~~الإسلامي إلى الآن، وكان أيضا مدرسة، لكل مسجد شيخه، بل شيوخه، ولهم تلاميذ، ~~وعليهم جميعا الأوقاف تعينهم على طلب العلم، وفي المسجد مكتبة للاطلاع والبحث، ~~فكان في كل مسجد حركة علمية تقوى وتضعف بمقدار الأوقاف، وبكفاية شيخ المدرسة، ~~وعناية الأمراء بالمسجد، وكان كثير من العلماء البارزين في هذا العصر شيوخ هذه ~~المدارس أو المساجد، كمدرسة بيبرس، وقلاوون، وشيخون، وبرقوق، والمؤيد. # وقد تعاون على التأليف في الأدب هذه المدارس من جهة، وديوان الإنشاء وإعداد رجاله ~~من جهة أخرى. # ونحن نعرض في إيجاز حركة التأليف في الأدب وما يتصل ms0780 به. # فأول ما يلفت نظرنا في أول هذا العصر، التأليف في الموسوعات، أو دوائر المعارف، ~~وكان القصد منها جمع المعارف التي وصلت إلى زمانهم، وإمداد رجال الديوان بالمعلومات ~~التي تلزمهم، ولو جاءتهم فكرة ترتيبها على حسب حروف الهجاء، لكان لنا من ذلك دوائر ~~معارف قيمة سهلة التناول. # وكان من أسبقهم في ذلك النويري أبو العباس شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب ~~(1282-1332م)، وهو مصري من نويرة، وقد اشتهر بالفقه والتاريخ، وألف موسوعته ~~التي اسمها «نهاية الأرب»، وهي تطبع في دار الكتب الآن، وقد انتهى منها طبع ثلاثة ~~عشر جزءا، وقد تبلغ الثلاثين. وقسم كتابه إلى أقسام: (1) السماء والآثار العلوية، ~~والأرض والمعالم السفلية. (2) الإنسان وما يتعلق به. (3) الحيوان الصامت. (4) ~~النبات. (5) التاريخ من بدء الخليقة إلى سنة 1331م أي قبل وفاته بعام. # وكان النويري من رجال الملك الناصر محمد بن قلاوون. # وقد استغله كثير من المستشرقين في بحوثهم، فترجم بعضهم إلى الفرنسية ما كتبه عن ~~صقلية، وبعضهم ما كتبه عن فتح العرب للمغرب، واعتمد بعضهم عليه فيما كتبه عن الظاهر ~~بيبرس إلخ. # وجاء ابن فضل الله العمري (1301-1348م)، وقد كان معاصرا للنويري، فألف كتابه ~~«مسالك الأبصار»، وهو من نسل عمر بن الخطاب، وقد ولد في دمشق، ورحل إلى بلاد ~~كثيرة، وانتقل إلى القاهرة، وتولى بها القضاء، وعمل أيضا في ديوان الملك ~~الناصر. # وكتابه «مسالك الأبصار» في التراجم والتاريخ والجغرافيا مملوء بالفوائد القيمة ~~والمعلومات الواسعة، إلى أناقة في التعبير، وجمال في الأداء يفوق النويري، وهو يقع ~~في أكثر من عشرين جزءا طبع منه جزؤه الأول في دار الكتب. # ثم القلقشندي المصري، وقد تقدم ذكره، وهو من أصحاب الموسوعات، إذ ألف كتابه ~~الضخم، «صبح الأعشى في صناعة الإنشا». # قدمه بمقدمة في فضل الكتابة، وصفات الكتاب، والتعريف بديوان الإنشاء ~~وقوانينه. # ثم المقالة الأولى فيما يحتاج إليه الكاتب من الأمور العلمية والعملية، والثانية ~~في المسالك والممالك. # والثالثة والرابعة في تاريخ الكتابة وتطوراتها، وما التزم في بدئها وختامها، ~~واختلافها باختلاف المكتوب إليه وموضوع الكتاب. والخامسة في البيعة ms0781 والعهد وأنواع ~~المناصب من رجال السيف والقلم. ثم ما يحتاج إليه الكاتب من الإقطاعات وما يكتب في ~~شأنها، وعقد الصلح وفسخه وما يكتب في ذلك، وتاريخ البريد، ومراكزه في مصر والشام، ~~وحمام الرسائل، ومطاراته وأبراجه إلخ إلخ. # وقد أراد به أن يزود الكاتب بكل ما يحتاج إليه من معلومات، وقد طبع في دار ~~الكتب في أربعة عشر مجلدا، وقد توفي القلقشندي سنة 1418م. # فكتاب النويري أوسع موضوعا، وكتاب العمري أوسع في الجغرافيا والتاريخ، وكتاب ~~القلقشندي ألصق بالكتابة وأدواتها ولوازمها، ولكل فضل. # وقد كانت كلها مصدرا للأدباء والعلماء، كما أنها حفظت لنا ثروة كبيرة من مؤلفات ~~الأقدمين، ومن معلومات هامة عن الأحداث المعاصرة، وكما كانت مادة قيمة للباحثين من ~~المستشرقين والشرقيين. ~~(5-1) المؤرخون # كثر مؤلفو التاريخ في هذا العصر من تراجم رجال إلى تاريخ مدن إلى تاريخ ~~سياسي لدولة إلى تاريخ عام. # وكان من أوائل المؤلفين في هذه الفترة ابن خلكان، فقد ألف كتابه وفيات ~~الأعيان، فكان مرجع كل باحث، ومؤلفه ابن خلكان هذا ينتمي إلى يحيى بن خالد ~~البرمكي، وقد ولد في أربل (1211م)، ودرس في حلب ودمشق والقاهرة، وكان قاضي ~~القضاة في الشام في عهد الظاهر بيبرس. # وكتابه من أهم الكتب في تراجم المشهورين من رجال العلم والأدب والصناعة ~~والمال غير الصحابة والتابعين والخلفاء، واجتهد فيه في تحري الحقائق بعين ~~ناقدة، في لغة سليمة بسيطة، متوقيا قدر الإمكان ألفاظ الفجور. وقد احتوى نحو ~~865 ترجمة، وعني أشد العناية بتحقيق سنة الوفاة، ومن ثم سماه «وفيات الأعيان»، ~~وربما ترك مشهورا من العلماء والأدباء؛ لأنه لم يتحقق من تاريخ وفاته، وربما ~~كان كتابه هذا أول كتاب من نوعه لشموله وعدم اقتصاره على نوع معين من ~~المشهورين ولا على بلد معين . # وقد مات سنة 1282م. # وقد ذيل هذا الكتاب ابن شاكر الكتبي المتوفى نحو سنة 1303م مترجما لبعض من ~~تركه ابن خلكان، ولابن خلكان نفسه ولبعض من جاءوا بعده، وسمى ذيله «فوات ~~الوفيات». وهو دون الوفيات في استيفاء الترجمة، وتحري سنة الوفاة. ms0782 ~~••• # وألف محمد بن علي بن طباطبا نزيل الموصل في عهد فخر الدين عيسى بن إبراهيم ~~كتابه الذي نسبه إليه وسماه الفخري. وعرض فيه لتاريخ الدولة الإسلامية من أول ~~عهدها إلى آخر الدولة العباسية، وقد عنى فيه بالأسلوب، ودقة التعبير، وحسن ~~السبك، كما أن له نظرات دقيقة في شئون السياسة العامة وقواعد كلية يستشهد ~~عليها بالأحداث الإسلامية الجزئية، وقد ولد ابن طباطبا سنة 1262م. # كما ألف أبو الفداء أمير حماة، من قبل الملك الناصر ومن نسل الأيوبيين، والذي ~~عاش من سنة 1273-1331م كتابه في التاريخ العام، وقد اعتمد فيه على الطبري وابن ~~الأثير، وهو أكثر فائدة في تأريخه للفترة الأخيرة التي كانت بعد ابن الأثير، ~~وانتهت سنة 1329. # واشتهر بالتاريخ شمس الدين الذهبي (1274-1348م)، وهو من أصل تركماني، ولد في ~~دمشق ورحل إلى بلاد كثيرة يلقى علماءها، وقد اشتهر في التاريخ بكتابيه «طبقات ~~الحفاظ» في تراجم المحدثين ونقدهم والحكم لهم أو عليهم، وكتاب «تاريخ ~~الإسلام» وكان عمدة كثير من المؤرخين بعده، وهو لم يطبع إلى الآن. # وخليل بن أيبك الصفدي المتوفى سنة 1363م الفلسطيني، وقد اشتهر بكتابه الواسع ~~في التراجم المسمى «الوافي بالوفيات» في ستة وعشرين جزءا، وقد طبع منه بعض ~~أجزائه. # ثم ابن كثير (1302-1372م)، وقد خلف الذهبي في التدريس بدمشق وألف في التاريخ ~~كتابه «البداية والنهاية» بدأه ببدء الخليقة، وانتهى إلى سنة 1337م، وقد طبع في ~~مصر في أربعة عشر مجلدا. # وألف لسان الدين بن الخطيب الذي تقدم ذكره «الإحاطة في أخبار غرناطة» ترجم ~~فيه لرجالها كما ألف في تاريخ الأندلس والمغرب. # وكان من المؤرخين في هذا العصر ابن الفرات المصري المولود سنة 1334م، وله ~~كتاب كبير في جملة أجزاء طبع بعضها، وأهميته في أنه يعد مرجعا عظيم القيمة ~~في الحروب الصليبية. # وقد تفوق في التاريخ - وكان نسيج وحده - «ابن خلدون» (سنة 1332-1406م) منحه ~~الله عقلا نفاذا، وذكاء لامعا، وملاحظة دقيقة، ثم انغمس في الحياة ~~السياسية المضطربة في الأندلس والمغرب ومصر فأفاد منها، اتصل بالملوك والأمراء ~~والخاصة والعامة، فدرس أحوالهم ms0783 عن قرب، وتولى المناصب الكبيرة، وسفر بين الملوك ~~فاطلع على بواطن الأمور، وربط الأحداث بعضها ببعض، وعرف أسبابها ونتائجها، ~~واستخرج من ذلك علما هو علم التاريخ. لقد كان المؤرخون قبله يسردون الحوادث، ~~ويسمون ذلك تاريخا، فجاء هو يستخرج من الجزئيات كليات ونظريات، ويطبقها على ~~الأحداث وأمثالها. # أصله عربي من كندة من حضرموت. رحل بعض أجداده «خالد» إلى الأندلس، وسميت ~~الأسرة ببني خلدون، وسكنت أولا بالقرب من إشبيلية، ثم في إشبيلية، ثم في تونس. ~~وبعد أن أتم دروسه التحق بخدمة السلطان أبي إسحاق إبراهيم من بني حفص، وتوالت ~~عليه أيام البؤس والرخاء، وتدخل في نزاع السلاطين، ونصر بعضا على بعض، فإذا ~~جاءت دولته كرم، وإذا زالت عذب وسجن، إلى أن أتى مصر، وتولى التدريس فيها، ~~ثم على كره منه ولاه السلطان برقوق القضاء، فعرف بشدته، ورفضه الرجاء، فكان ~~له من ذلك أعداء، فعزل، ثم ولي، ثم عزل، ثم ولي، وصحب الملك الناصر «فرجا» ~~الذي خلف برقوق إلى الشام في حروبه مع تيمورلنك، ولقي ابن خلدون تيمورلنك ~~فأكرمه وأعجب به، وعاد إلى مصر حيث مات بها سنة 1406م. # ألف ابن خلدون تاريخه الضخم «العبر»، وأعظم جزء فيه مقدمته، فهي الموضوع ~~المبتكر، وضع فيها أسس التاريخ من حيث هو علم، فنقد المؤرخين السابقين في ~~طريقتهم من عدم الدقة، والتحري، وإعمال العقل فيما يروون، ورأى أن العالم ينتقل ~~في أدوار طبيعية، من بدو إلى حضارة، وشرح هذا الترقي في الاجتماع والدين ~~والسياسة والاقتصاد والفن والعلم، فمزج بين ما سمي بعد بعلم الاجتماع وعلم ~~الاقتصاد وعلم السياسة وعلم الحضارة مزجا تاما. # بين لنا كيف تتكون الدول، وكيف تنمو وكيف تنهار، وما لذلك من أعمار، ووسائل ~~الرقي والانحطاط، وطبائع البدو وطبائع الحضر، إلخ. وأسلوبه فيها أسلوب رياضي ~~أشبه ما يكون بشرح نظرية هندسية - الفرض ثم الدعوى أو المطلوب ثم البرهان - في ~~تعبير لا يزيد عن المعنى ولا ينقص، ليس فيه من المحسنات اللفظية ما يصرف النظر ~~عن الجوهر، قد تحرر لفظه من قيود السجع، كما تحرر ms0784 فكره من قيود السياسة والتعصب ~~لمذهب ديني معين، أو جنس من الناس معين حتى ولا جنسه العربي. # فإذا نحن علمنا أنه لم يحذ في ذلك حذو أحد قبله أدركنا سر عظمته، وقد أخذ ~~عليه بعض المستشرقين أن كل أمثلته وتطبيقاته إنما هي على الدول الإسلامية. ولو ~~كان قد توسع في التاريخ السياسي اليوناني والروماني لكان له أفق أوسع، ونظر ~~أشمل، ولكن أي إنسان خلا من «لو»! # وبقية الأجزاء كسائر كتب التاريخ، ولكن تمتاز بمقدمة صغيرة بين يدي الموضوع ~~وبذكر حوادث مما حدثت بعد الطبري وابن الأثير، وبمعلومات وافية عن تاريخ ~~المغرب. # وقد كتب هذا التاريخ - أولا - سنة 1337م، ثم أعاد تنقيحه مرارا. # وعلى الجملة، فإن كان غيره من المؤرخين شريطا مسجلا، فإنه ترفع عن ذلك ~~وأبى إلا أن يبحث في الآلة كيف تسجل، وكيف تصنع، ومتى تجود، وكيف يكون في ~~الإمكان أن تكون خيرا مما كان. # ومن الأسف أن لم يكن بين المسلمين من نهج نهجه، ورقى نظرياته، وإنما كان ~~ذلك في الغرب أخيرا إذ أسس علم الاجتماع وعلم السياسة وعلم الاقتصاد وعلم ~~التاريخ. # ومن أمثلة أسلوبه وتفكيره قوله في التربية وطرق التعليم: ~~«اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا ~~فشيئا، وقليلا قليلا، يلقي عليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي ~~أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعي في ذلك قوة ~~عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفن. وعند ذلك ~~تحصل له ملكة في ذلك العلم، إلا أنها جزئية وضعيفة، وغايتها أنها هيأته ~~لفهم الفن، وتحصيل مسائله، ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن ~~تلك الرتبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال، ويذكر له ~~ما هنالك من الخلاف ووجهه ، إلى أن ينتهي إلى آخر الفن، فتجود ملكته. ثم يرجع ~~به وقد شدا، فلا يترك عويصا ولا مبهما ولا مغلقا إلا وضحه، وفتح له ~~مغلقه، فيخلص من الفن وقد ms0785 استولى على ملكته. هذا وجه التعليم المفيد، وهو ~~- كما رأيت - إنما يحصل في ثلاث تكرارات، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما ~~يخلق له ويتيسر عليه. وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد الذي ~~أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفاداته، ويحضرون المتعلم في أول تعليمه ~~المسائل المقفلة من العلم، ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها، ويحسبون ذلك ~~مرانة على التعليم وصوابا فيه، ويكلفونه وعي ذلك وتحصيله، ويخلطون عليه ~~بما يلقون له من غايات الفنون في مباديها، وقبل أن يستعد لفهمها، فإن ~~قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجا، ويكون المتعلم أول الأمر ~~عاجزا عن الفهم بالجملة إلا في الأقل، وعلى سبيل التقريب والإجمال، وبالأمثال ~~الحسية. ثم لا يزال الاستعداد فيه يتدرج قليلا قليلا بمخالفة مسائل ~~ذلك الفن وتكررها عليه. والانتقال فيها من التقريب إلى الاستيعاب الذي فوقه، ~~حتى تتم الملكة في الاستعداد، ثم في التحصيل، ويحيط هو بمسائل الفن. وإذا ~~ألقيت عليه الغايات في البدايات - وهو حينئذ عاجز عن الفهم والوعي، وبعيد عن ~~الاستعداد له - كل ذهنه، وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه، فتكاسل عنه، ~~وانحرف عن قبوله، وتمادى في هجرانه. وإنما أتى ذلك من سوء التعليم.» # ثم المقريزي أبو العباس تقي الدين، أصله من بعلبك وتحول والده إلى القاهرة، ~~فولد تقي الدين (1365-1442م)، ونسبته إلى حارة بعلبك تسمى المقارزة، وقد أكثر ~~من التأليف في التاريخ، وخاصة في تاريخ مصر في عصورها المختلفة، من الخلفاء ~~الفاطميين «اتعاظ الحنفا» إلى المماليك «السلوك»، وفي تخطيطها «المواعظ ~~والاعتبار»، وهو واسع الاطلاع، كثير النقل من غير عزو، قليل النقد، ومع هذا ترك ~~لنا ثروة من المعلومات قيمة ما كان يمكننا الوصول إليها لولاه. وجاء في أول ~~خططه قوله: ~~«وبعد، فإن علم التاريخ من أجل العلوم قدرا، وأشرفها عند العقلاء ~~مكانة وخطرا؛ لما يحويه من المواعظ والإنذار ، بالرحيل إلى الآخرة عن هذه ~~الدار، والاطلاع على مكارم الأخلاق ليقتدى بها، واستعلام مذام الفعال ~~ليرغب عنها أولو النهى. لا جرم أن كانت الأنفس الفاضلة به وامقة، ~~والهمم ms0786 العالية إليه مائلة وله عاشقة. وقد صنف الأئمة كثيرا، وضمن ~~الأجلة كتبهم منه شيئا كبيرا. # وكانت مصر هي مسقط رأسي، وملعب أترابي ومجمع ناسي، ومغنى عشيرتي ~~وحامتي، وموطن خاصتي وعامتي، وجوي الذي ربى جناحي في وكره، ~~وعش مآربي فلا تهوى الأنفس غير ذكره. لا زلت مذ شدوت العلم، وآتاني ربي ~~الفطانة والفهم، أرغب في معرفة أخبارها، وأحب الإشراف على الكثير من آثارها، ~~وأهوى مساءلة الركبان عن سكان ديارها، فقيدت بخطي في الأعوام الكثيرة من ~~ذلك فوائد قلما يجمعها كتاب، أو يحويها لعزتها وغرابتها إهاب، إلا أنها ~~ليست بمرتبة على منوال، ولا مهذبة بطريقة واحدة ومثال. فأردت أن ~~ألخص منها أنباء ما بديار مصر من الآثار الباقية، عن الأمم الماضية والقرون ~~الخالية، وما بقي بفسطاط مصر من معاهد غيرها - أو كاد - البلى ~~والقدم، ولم يبق إلا أن يمحو رسمها الفناء والعدم، وأذكر ما بمدينة ~~القاهرة، من آثار العصور الزاهرة، وما اشتملت عليه من الخطط والأصقاع، وحوته ~~من المباني البديعة الأوضاع، مع التعريف بحال من أسس ذلك من أعيان ~~الأماثل، والتنويه بذكرى الذي شادها من سراة الأعاظم الأفاضل، وأنثر خلال ~~ذلك نكتا لطيفة، وحكما بديعة شريفة، من غير إطالة ولا إكثار، ولا إجحاف ~~يخل بالغرض ولا اختصار، بل وسط بين الطرفين، وطريق بين بين ...» ~~إلخ. # وجاء ابن عربشاه (1389-1450م) وهو دمشقي الأصل أخذ أسيرا في غزوة تيمورلنك ~~للشام، وأرسل إلى سمرقند، وقد استفاد من إقامته في هذه البلاد ومن رحلته إلى ~~خوارزم وطراخان وغيرها معلومات قيمة عن الفرس والترك ومعرفة بلغتهما، وقد اتصل ~~بالسلطان محمد الأول بن بايزيد وقربه إليه، ثم حج وأتى مصر. # وقد ألف كتابه «عجائب المقدور في أخبار تيمور» وهو مسجوع مملوء بالمحسنات ~~البديعية، وفيه معلومات طريفة عن تيمورلنك ودولته، كما ألف «فاكهة الخلفاء» ~~وهو كتاب في السياسة الرمزية ككليلة ودمنة، وقلد فيه كتابا فارسيا اسمه ~~مرزبان نامه. # وألف أبو المحاسن بن تغري بردي (المتوفى سنة 1459م) كتابه النجوم الزاهرة في ~~أخبار مصر والقاهرة مرتبا حسب السنين من فتح ms0787 العرب لمصر إلى سنة 1453م، مع ~~ذكره في كل سنة من توفي فيها من المشهورين. # ثم شهاب الدين أبو العباس المقري (سنة 1591-1632م) ولد في تلمسان، ورحل إلى ~~فاس ومراكش، ثم حج وجاء إلى مصر ورحل إلى بيت المقدس ودمشق. # وقد ألف كتابه «نفح الطيب» أثناء إقامته في القاهرة وهو قسمان؛ قسمه الأول: ~~في تاريخ الأندلس ورجالها، والثاني: في ترجمة لسان الدين بن الخطيب ومشايخه، ~~ومن يتصل به، وفي الكتاب معلومات قيمة عن الأندلس لا نظفر بها في غيره. # وكتب طاشكبرى زاده التركي الأصل (1495-1560م) كتابه شقائق النعمان ترجم فيه ~~لنحو 522 رجلا من علماء الترك ومتصوفتهم، كما ألف «نوادر الأخبار» ترجم فيه ~~لأعلام الإسلامي ... إلخ إلخ. ~~••• # وإذا انحرفنا قليلا عن خط التاريخ وجدنا شيئا كبير القيمة قريبا منه وهو ~~الرحلات، وعلى رأسها رحلة ابن بطوطة (1304-1377م). ولد مؤلفها في طنجة، ونشأ ~~طلعة. وبعد أن تثقف نوى أن يزور العالم الإسلامي ويتعرف أحواله، ويقيد ما يرى ~~في البلاد وأحوال سكانها وعاداتهم ونحو ذلك، وقد رحل إلى شرق أفريقيا ~~والقسطنطينية والهند وسيلان والصين. وعاد إلى بلده طنجة سنة 1349م، واستقر بها ~~أشهرا، ثم زار غرناطة، ثم بلاد السودان. # وقد فاق في وصفه الرحالين في العصور القديمة والوسطى في دقة تصويره رغم ما ~~وقع فيه من أخطاء ومبالغات وأوهام، ولا يزال مصدرا معولا عليه في وصف ~~الحياة الاجتماعية والثقافية للعالم الإسلامي في عصره. ~~••• # وألف في هذا العصر من معاجم اللغة كتاب لسان العرب لأبي الفضل محمد بن ~~مكرم المتوفى في القاهرة سنة 1311م في عشرين مجلدا جمع فيه كتاب التهذيب ~~للأزهري، والمحكم لابن سيده، والصحاح للجوهري، والجمهرة لابن دريد، والنهاية ~~لابن الأثير. # وهو يجمع مادة ضخمة في اللغة والأدب، إذا استشهد ببيت أو حديث أو آية فسره، ~~وأتى في ذلك بفوائد قيمة، وقد قال في مقدمته: «وإني لم أقصد سوى حفظ هذه اللغة ~~العربية وضبط فضلها؛ إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية ... وذلك ~~لما رأيته قد غلب في هذا الأوان، ms0788 من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح ~~اللحن في الكلام يعد لحنا مردودا، وصار النطق بالعربية من المعايب معدودا، ~~وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير ~~العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع ~~نوح الفلك وقومه منه يسخرون.» # ثم «القاموس المحيط» لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي (1329-1414م) ولد ~~بكازرين إحدى بلاد فارس، وتعلم في واسط وبغداد ودمشق، ورحل إلى مصر، ثم إلى ~~آسيا الصغرى ولقي تيمورلنك في شيراز، فقابله مقابلة حسنة، ثم دخل زبيد ~~فتلقاه الأشرف إسماعيل سلطان اليمن بالقبول، وعينه قاضي القضاة باليمن، حتى ~~مات. # ولقي كتابه «القاموس» شهرة كبيرة، حتى سمي كل معجم قاموسا، وهو شديد ~~الاختصار وأقل قيمة من لسان العرب، وإن كان يمتاز ببعض مزايا كتمييزه بين ~~الواوي واليائي، وضبطه البلدان والأعلام، ونصه على صيغة المؤنث إلخ. # وقد جاء في العصر العثماني السيد المترضى الزبيدي، ولد في اليمن ونشأ بها، ثم ~~جاء إلى مصر، وكان يعرف العربية والفارسية والتركية، فشرح قاموس الفيروزابادي ~~في عشرة مجلدات ضخمة وسماه تاج العروس. ~~••• # وكما كان هناك موسوعات في الكتب، كان هناك رجال موسوعيون يؤلفون المؤلفات ~~المختلفة الكثيرة في الموضوعات المختلفة، ولعل من يمثل هذا خير تمثيل جلال ~~الدين السيوطي (1445-1505م)، وقد سكنت أسرته أسيوط فنسب إليها، ولكنه ولد في ~~القاهرة من أب كان قاضيا، وقد درس العلوم المختلفة في عصره، وحدث عن نفسه ~~فقال: رزقت التبحر في سبعة علوم - التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني ~~والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة - ~~والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم سوى الفقه والنقول التي اطلعت ~~عليها فيها لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي فضلا عمن دونهم. # وأما الفقه فلا أدعي ذلك فيه، بل شيخي فيه أوسع نظرا وأطول باعا (يريد ~~شيخه علم الدين البلقيني )، ودون هذه السبعة في المعرفة أصول الفقه والجدل ~~والتصريف، ودونها الإنشاء والترسل والفرائض ودونها القراءات، ولم آخذها ms0789 عن شيخ، ~~ودونها الطب، وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده من ذهني، إذا نظرت فيه ~~مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلا أحمله. # وقد عد هو من تآليفه ثلاثمائة كتاب في فروع مختلفة، في اللغة «المزهر» - ~~مثلا - وهو من خير كتبه، وفي النحو كالأشباه والنظائر، وطبقات النحويين ~~واللغويين، وفي التاريخ كحسن المحاضرة، وفي علوم القرآن كالإتقان ... إلخ. # ويظهر أن إعجابه بنفسه - كما تدل عليه كلمته السابقة - وإغارته على بعض تأليف ~~غيره جعلت له أعداء كثيرين من علماء عصره؛ مما دعا السلطان طومان باي أن ~~ينحيه من مناصبه، وقد اتهم كثيرا بأنه يأخذ من تآليف غيره ويحورها ~~وينسبها إلى نفسه، حتى تنازع هو والقسطلاني في كتاب «المواهب اللدنية» أيهما ~~ألفه، والقسطلاني يدعي أن السيوطي أغار عليه، حتى تحاكما إلى شيخ الإسلام ~~زكريا الأنصاري، فحكم به للقسطلاني. # وأيا ما كان، فقد كان جماعا أكثر منه مبتكرا أو ناقدا. ~~••• # وجاء حاجي خليفة المعروف بكاتب جلبي، وهو تركي من الأستانة تعلم والتحق ~~بالجيش واشترك في حملة وجهت إلى بغداد وإلى همذان وإلى حلب، وانتدبه السلطان ~~محمود الثاني في لجنة لإصلاح مالية الدولة، ومات سنة 1658م. # فألف موسوعة يذكر فيها كل ما اطلع عليه ووصل إلى علمه من الكتب، وسماه «كشف ~~الظنون في أسامي الكتب والفنون» يشتمل على نحو خمسة عشر ألف اسم لكتاب مع ذكر ~~مؤلفيها وتاريخ وفاتهم ما أمكن. # ويذكر فذلكة عن كل علم عند ذكر حرفه حسب حروف الهجاء، فتاريخ علم الأدب في ~~الهمزة، والفقه في الفاء، والحساب في الحاء وهكذا. # وقد حظي هذا الكتاب لحاجة الباحثين إليه، وهو مرجع للباحث العربي والفارسي ~~والتركي. ~~••• # من هذا كله يتجلى أن حركة التأليف هذه كانت حركة قوية، ورجالها مخلصون في ~~بذل الجهد والرغبة في التحصيل والمسابقة في التأليف، ولكنها حركة معادة كحركة ~~الماء على سطح البحيرة الراكدة، فأكثر هذا التأليف جمع لأقوال من سبق، أو تجميع ~~لمتفرق ، أو تفريق لمجتمع أو تسجيل لما حدث، وإذا استثنينا ابن خلدون وقليلا من ~~المؤلفين لم نجد ms0790 جديدا. # والأدب ليس إلا صورة ممسوخة لأدب ابن العميد، وابن عباد، والقاضي الفاضل، ~~ومقامات الحريري، وشعر أبي تمام، والبحتري، وأمثالهما. وكان الأمر في العصر ~~العثماني أسوأ منه في عهد المماليك، فقد أصبح الأدب والعلم تقليدا للتقليد، ~~وأصاب البلاد ركود في الحركة العلمية والأدبية، وصار نفسا ينبعث من صدر شيخ ~~فان، واستمر الحال على هذا المنوال إلى الحملة الفرنسية، ثم محمد علي. ~~••• # هذه لمحة خاطفة في قصة الأدب العربي في ذلك العصر لم نطل فيها كما أطلنا في ~~الآداب الأخرى؛ لأن كتبها المطولة في متناول القارئ العربي. # فإذا نحن نظرنا إلى الأدب العربي في هذه الفترة في ضوء ما حكيناه عن الأدب ~~الغربي رأينا البون شاسعا، في هذه الفترة في أوروبا كانت النهضة، والثورة على ~~القديم، ووضع أسس جديدة لحياة جديدة، وتحكيم العقل في المسائل العلمية، ~~وتحرير العواطف من قيود التقاليد، واستمرت العواطف والعقل ترقى طوال القرن ~~السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر. وشهدت هذه النهضة قصص شيكسبير، ومآسي ~~راسين، وملاهي موليير، وأساطير لافونتين، وروائع جوته إلى كثير من أمثال ذلك، ~~كما شهدت فلسفة بيكون وديكارت وهجل، ووضع كل قضية موضع البحث والتجربة، وكما ~~شهدت الرقي الصناعي، واكتشاف البلدان والتقدم في كشف المخترعات. # لقد كان الشرق والغرب يسيران متحاذيين تقريبا قبل النهضة الأوروبية إن لم ~~يفق الشرق، فلما جاء عصر النهضة كان الغرب يسير إلى الأمام، والشرق يسير إلى ~~الخلف في العلم والأدب والفن والصناعة وسائر ضروب الحضارة، وكلما مضى الزمن كبر ~~الفرق. # ويرجع ذلك إلى سوء الحالة الاجتماعية والسياسية في الشرق، فظلم الحكام من ~~المماليك والعثمانيين خنق الشعب، وإسرافهم في ترفهم أفقر الشعب، ولكن كان الحال ~~كذلك في الغرب، فثار الشعب، فلم لم يثر الشرق على حكامه وينتزع حقوقه من ~~أيديهم؟ # لقد أصيب الشرق بكوارث خطيرة من غزوات التتار وتيمورلنك والصليبيين، وكان ~~الخراب والتدمير والفقر وتوالي النكبات، فضعفت من ذلك نفوس الشعوب. # وكان رجال الدين في يد الحكام يسخرونهم كما يشاءون إلا في القليل النادر، ~~والشعوب تحترم رجال الدين، وتصغي ms0791 إليهم، وتسمع لأوامرهم ونواهيهم، فكان الصمت، ~~وكان الاستسلام، وكان الاعتقاد بأن الظلم من غضب الله، والفقر من قدر ~~الله. # لقد كان من أهم ما اتجه إليه الأدب والعلم في النهضة الأوروبية الدنيا ~~وشئونها، فلا حرج على الإنسان أن يستمتع بملذات الحياة، وأن يهتم بالدنيا وما ~~فيها، بل أفرطوا في ذلك، وعلى أثر ذلك قوي العلم وقويت العواطف فقوي الأدب. أما ~~في الشرق فلم يضموا الدنيا إلى الآخرة في الحساب، ونسوا قوله تعالى: # قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق ~~، وقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا»، وكان نظرهم إلى الآخرة يصبرهم على بؤسهم في ~~الدنيا، فنظروا إلى الآخرة وحدها؛ ولذلك كانت الحركة العلمية حركة دينية بحتة ~~من تفسير وحديث وفقه، واللغة لخدمة الدين، والنحو والصرف لخدمة الدين، أما ~~النظر إلى الطبيعة والصناعة والمادة والعمل على ترقيتها واستخدامها فليس في ~~الحساب، ولذلك غلبهم الأوروبيون - في أول احتكاك - بمهارتهم في شئون الدنيا، ~~ودهش الجبرتي وأمثاله مما رأوا من عمل الفرنسيين في الطبيعة والكيمياء. ولم ~~يرزق الله الشرق بعظماء يغيرون هذا الاتجاه، ويدعون إلى النظر في الدنيا كما ~~ينظرون إلى الآخرة، ومن بدأ في ذلك كابن خلدون لم يستطع أن يكون مدرسة. في ~~الغرب كان من دعا مثل هذه الدعوة، ثم سجن أو عذب لتعاليمه الجديدة الجريئة، كان ~~يجد من يحمل اللواء عنه حتى تستقر الدعوة، ولكنه في الشرق كان يسجن أو يعذب، ~~فتنكمش النفوس، ولا يجرؤ أحد على نصرته فتموت الفكرة، وذلك لما ذكرنا مما أصاب ~~نفسية الشعب. # ماتت الفلسفة التي تحيي الفكر ومات الاعتزال الحر، وبقي الأمر في يد الفقهاء ~~والصوفية، والفقه تحول إلى شكل، والتصوف تحول إلى شعوذة إلا في القليل ~~النادر، وكان هؤلاء جميعا قادة الشعوب روحيا، والملوك الظلمة والأمراء ~~الطغاة قادتهم إداريا، وتصالح هؤلاء وهؤلاء على إماتة الشعوب، فمن فاه بكلمة ~~تخالف المألوف فويل له ، فوقفت حرية الفكر، وليس ينهض الأدب إلا في جو ~~الحرية. # ثم إن الأدب لا ينهض إلا ms0792 بالتطعيم، لقد نهض الأدب العربي في آخر العصر الأموي ~~وفي العصر العباسي بتطعيمه بالأدب الفارسي والهندي والعلم اليوناني، ونهض الأدب ~~الأوروبي في عصر النهضة بتطعيمه بالأدب اليوناني والروماني، ونهض أدب كل أمة ~~أوروبية من إنجليزية وفرنسية وألمانية وإيطالية باقتباسها من غيرها، وترجمة خير ~~ما تخرجه الأمم الأخرى إلى لغتها، فبذلك كان الأدب في حركة مستمرة وحياة ~~متدفقة غير راكدة. # والأدب العربي في هذه الفترة أغلق على نفسه، لم يطعم أي تطعيم ولم يتفتح ~~أمامه أي أفق جديد، ولم يتأثر أي تأثر بما كان يجري في أوروبا من نهضة، فلما ~~لم تهب عليه ريح جديدة، ولا جرى إليه جدول جديد أصيب بالركود. ~~••• # لقد كان ذلك إلى حملة نابليون على مصر سنة 1798م، حيث اتصل الشرق بالغرب، ~~وأخذ يطلع على علومه وآدابه، ويدخلها مع الأدب العربي القديم في منهاجه، ولكن ~~مع الأسف شعر الشرق حين اطلاعه على علم الغرب وأدبه بشيء من «مركب النقص» كما ~~امتزج إعجابه بتقدم العلم والأدب في أوروبا بشعوره بكراهية الاستعمار الذي جرته ~~معها المدنية الغربية، فكان من ذلك كله نتائج هي موضوع بحثنا في الجزء الثالث ~~إن شاء الله. # الفصل الخامس عشر # | الأدب الفارسي # من غارات التتار إلى انقضاء الدولة الصفوية من منتصف القرن السابع الهجري إلى ~~منتصف القرن الثاني عشر # أجملنا في الجزء الأول من قصة الأدب أحوال الأدب الفارسي الإسلامي منذ نشأته إلى ~~غارات التتار؛ أي من أواخر القرن الثالث الهجري إلى منتصف القرن السابع. فصورنا بعض ~~مظاهر هذا الأدب القيم الواسع على قدر ما يحتاج قراء العربية الذين يبغون أن يعرفوا ~~من هذا الأدب ما لا يسع المتأدب جهله. # وفي هذا الفصل نسوق الكلام في تاريخ هذا الأدب أو التعريف ببعض أحواله بعد غارات ~~التتار إلى انقضاء دولة الصفويين. وذلكم زهاء خمسة قرون، سيطر فيها على إيران كلها أو ~~أكثرها التتار الإيلخانيون، ثم تيمورلنك وخلفاؤه، ثم الصفوية. وبين هذه الدول دول ~~صغيرة نشأت في الاضطراب الذي يقارن سقوط دولة كبيرة وقيام أخرى، كما عاصرت ms0793 الإيلخانيين ~~والتيموريين دول أخرى في أرجاء إيران، ولكن تاريخ هذه الدول الثلاث الكبيرة يوضح عصور ~~التاريخ الإيراني في هذه القرون الخمسة. # مقدمة # فجئ التتار الأقطار الإسلامية بغاراتهم المدمرة في العقد الثاني من القرن السابع ~~الهجري. وسرعان ما اجتاحوا بلاد ما وراء النهر، لم يثبت أمامهم جيش، ولا ردت بأسهم ~~مدينة. ولم يستطع ملوك خوارزم أن يصدوا هذا السيل الجارف بالبأس ولا بالحيلة. وعبرت ~~الجيوش التتارية نهر جيحون إلى بلاد الفرس، ويممت فرق منهم الغرب فانساحت في أوروبا ~~الشرقية. # وكان التتار حيثما ساروا ينشرون الخراب والدمار، ويشيعون الفزع والهلع كالنيران ~~المضطرمة، والرياح العاصفة. وقد صدقت فيهم مقالة الفرس: جاءوا وقتلوا وأخربوا، وأحرقوا ~~وحملوا وذهبوا. # ولا يسعني - كلما كتبت عن غارات التتار - أن أنسى الكلمات المبكيات التي خطها مؤرخ ~~معاصر؛ ابن الأثير صاحب التاريخ الكامل، فليقرأها من شاء. # ظلت حوادث التتار تضطرب فيما وراء النهر وشمال إيران حقبة. فلما كانت سنة إحدى وخمسين ~~وستمائة وجه منكوقا آن ملك التتار - حفيد جنكيز خان - أخاه هولاكو للقضاء على حصون ~~الإسماعيلية وعلى الخلافة العباسية في بغداد، فأخضع أمراء إيران والقوقاز إلى آخر سنة ~~ثلاث وخمسين. ثم فتح قلاع الإسماعيلية سنة أربع وخمسين. ثم عمد إلى بغداد ففتحها، وقتل ~~الخليفة المستعصم بالله آخر الخلفاء العباسيين في المحرم سنة ست وخمسين. # ثم توجه صوب الغرب يبغي الشام ومصر واستولى على البلاد، حتى كانت موقعة عين جالوت في ~~فلسطين سنة ثمان وخمسين، فردت الجيوش المصرية والشامية التتار، وعلمت المسلمين أن ~~هذا العدو الهائل لا يستعصي على الشجاعة والصبر. فارتد خطر التتار عن مصر، ثم انحسر ~~شرهم عن الشام سريعا، ولكن بقي سلطانهم في العراق، واتصل ملكهم من بادية الشام إلى ~~التركستان الشرقية. # وكان لهولاكو من هذه الأقطار ما فتحه منذ وجهه أخوه للفتح، وهو ما بين جيحون إلى ~~البحر الأبيض، وما بين جبال القوقاز إلى المحيط الهندي. وقامت له ولذريته من بعده دولة ~~واسعة استمرت إلى سنة 744ه، وعرفت باسم الدولة الإيلخانية، أي دولة ملوك الأقاليم، ~~تمييزا لهم ms0794 عن دولة الخاقان الأعظم، وكانوا يعترفون بسلطان الملك الأعظم الخاقان وارث ~~عرش جنكيز خان. # فصل قيام الدولة الإيلخانية - في العالم الإسلامي الشرقي عامة وفي إيران خاصة - بين ~~عهدين من التاريخ مختلفين في السياسة وفي الآداب والعلوم والفنون. وفيما يلي إجمال ~~الكلام في الدول التي سيطرت على إيران منذ زالت الخلافة العباسية سنة 656ه، إلى أن زالت ~~الدولة الصفوية سنة 1148ه، وذلك خمسة قرون، وإجمال الكلام في الأدب في تلك ~~العصور. # ويمكن أن نقسم هذه الحقبة قسمين؛ الأول: عصر التتار والتيموريين، والثاني: عصر ~~الصفويين، الأول من سقوط بغداد إلى سنة 907ه، والثاني من هذه السنة إلى سنة ~~1148ه. # القسم الأول: التتار والتيموريون # الفصل الأول: التتار # توفي هولاكو بعد ثماني سنين من فتح بغداد، فخلفه ابنه أباقا سنة 663ه، ثم توالى على ~~الملك تسعة بعد أباقا، لا ينفسح المجال لتعدادهم بله وصف أحوالهم وسيرهم، ولكن الذي ~~يعنينا أن نبين كيف استجاب التتار سريعا للحضارة المحيطة بهم، ودخلوا في الجماعة ~~الإسلامية. بعد أن تنازعتهم الأديان حينا، وطمع الصليبيون ودول أوروبا في محالفتهم ~~ومحالفة الخاقان الأعظم على قتال المسلمين. أسلم تكودار بن هولاكو وتسمى أحمد، فلما ~~مات أباقا تنازع الملك هو وأرغون بن أباقا، فانتصر أكثر المغول للأول، فملك متسميا ~~السلطان أحمد، وسارع إلى إعلام علماء بغداد وسلطان مصر برغبته في نصرة الإسلام وموادة ~~المسلمين، ولكن أرغون ائتمر مع بعض كبراء المغول، حتى خلع السلطان أحمد وقتله. # ولم يمض أكثر من أحد عشر عاما بعد قتل السلطان أحمد، حتى تولى الملك غازان حفيد ~~أباقا، وكان توليه إيذانا بظفر الإسلام بالمغول كلهم في الدولة الإيلخانية. # وكان غازان قد وعد مربيه الأمير نوروز أن يسلم إذا أظفره الله بالملك على عمه ~~بايدو، فلما ملك أنجز وعده. ففي الرابع من شعبان سنة 694ه أسلم هو وعشرة آلاف من ~~المغول في حضرة الشيخ صدر الدين إبراهيم ابن الشيخ سعد الدين الحموي. واستمر الإسلام ~~منذ ذلك اليوم دينا لملوك المغول في إيران، حتى انتهت دولتهم سنة 744ه. # كان سيل ms0795 التتار طاميا جارفا مدمرا، ولكن لم يجرف كل الزروع والأشجار في إيران، ~~ولم يذهب بالبذور كلها من هذه الأرض الخصبة، فنمت على الزمان جذور، ونبتت بذور، فلم ~~تعدم إيران في عصر التتار أدبا. ثم كان إقليم من إيران بنجوة من هذا السيل، إقليم ~~فارس؛ الإقليم الجنوبي الغربي من إيران، الذي نشأت فيه الدولة الفارسية الأولى، والذي ~~حفظ تراث إيران بعد غارات الإسكندر المقدوني حقبا طوالا. # كان في هذا الإقليم إمارة أنشأها أحد أتابكة السلاجقة سنقر بن مودود، ودامت زهاء قرن ~~ونصف (542-685ه)، وحفظت نفسها في هذه العصور المضطربة بمسالمة الفاتحين، والتودد ~~إليهم. أدى أمراؤها الجزية للسلاجقة ولملوك خوارزم، ثم صانعوا ملوك التتار وأدوا إليهم ~~الجزية كذلك فجنبوا بلادهم الكوارث التي حلت بغيرها. وانتهت دولتهم بتزوج الأميرة ~~أبش خاتون - آخر من ملك من هذه الأسرة - بالأمير منكو أحد أبناء هولاكو، فدخل الإقليم ~~في سلطان التتار، حتى توفيت الأميرة في 11 ذي القعدة سنة 865ه. # كانت هذه الإمارة إبان غارات التتار مثابة للناس وأمنا؛ فلجأ إليها كثير من ~~العلماء والأدباء. وقد أشاد الشيخ سعدي الشيرازي - وهو ينتسب إلى الأمير سعد بن أبي بكر ~~من أمراء هذه الدولة - بما فعل هؤلاء الأتابك لحماية البلاد، قال في مقدمة كتابه ~~«البستان» أبياتا ترجمتها بالعربية: # فمن يبغ أمنا بهذي الفتن # فليس له غير هذا الوطن # فطوبى لبيت كبيت العتيق # حواليه من كل فج عميق # لقد صد إسكندر بالحديد # وبالقطر يأجوج يبني السدود # وقد فقت إسكندرا في النوب # أقمت ليأجوج سد الذهب # 1 # وفي شيراز من هذا الإقليم نشأ اثنان من أعظم شعراء إيران: الشيخ سعدي الشيرازي، وقد ~~تقدم ذكره في الجزء الأول من قصة الأدب، وحافظ الشيرازي. وحسبنا أن نذكره من بين شعراء ~~هذا العصر؛ عصر التتار: ~~(1) حافظ الشيرازي # شمس الدين محمد الحافظ الشيرازي، ولد في شيراز في أسرة فقيرة، وتوفي أبوه وهو ~~صبي، فاضطرته الفاقة إلى أن يكسب قوته بالعمل في مخبز، ولكن طموحه إلى المعرفة ~~وميله إلى التعلم نزعا به إلى مناهل العلم في ms0796 شيراز؛ فكان يغشاها كلما أمكنته ~~الفرصة. # ولسنا ندري كيف طلب الحافظ العلم، ولكنا نظن أنه سار في طلبه على نهج معاصريه. ~~وقد حفظ القرآن، وبهذا لقب «الحافظ»، وأخذ عن علماء شيراز في الدور والمساجد ~~والمدارس. # وقد تولى التدريس من بعد في بعض مدارس شيراز، درس التفسير والكلام والنحو ~~والأدب. # حافظ الشيرازي (بجانب الشجرة) وصديقه الشيخ أبو إسحاق. # وعرف حافظ في بلاده عالما، ثم ذاع صيته عارفا، وانتشر كلامه في الآفاق شاعرا. ~~وعظمه العامة والخاصة، والملوك والرعية وحسن اعتقادهم فيه، فكانوا يتلقون ~~أشعاره على أنها رموز للأسرار الإلهية، وإشارات للمعارف القدسية، وأبيات تشبه في ~~ظاهرها كلام الشعراء، وفي باطنها كلام العارفين والأولياء. ومن أجل هذا سموه ~~«لسان الغيب» ودعوه «ترجمان الأسرار». # واتصل ببعض أمراء زمانه وكبرائه، وذكرهم في شعره وسجل بعض الخطوب في منظوماته، ~~ولكن ذكر هؤلاء الأمراء والكبراء، وتسجيل هذه الخطوب كان يأتي جملا موجزة، أو ~~إشارات خفية في أثناء شعره. لم يصرح بالمدح إلا قليلا، ولم يذهب فيه مذاهب ~~المداحين، بل كان البيت أو الأبيات القليلة تأتي في ثنايا غزل من غزلياته لا يكاد ~~القارئ يدرك أن الشاعر قطع سياقه ليمدح. # ولحافظ في الشعر أسلوب دقيق جميل يشبه النغم الموسيقي المحكم، جانست كل لفظة ~~صاحبتها، وأصابت كل كلمة دلالتها. ومعانيه بين التصريح والتلويح، والظهور والخفاء، ~~تستغرق عناية القارئ، وتستولي عليه، فيتأملها حريصا عليها معجبا بها. وقل من ~~يساير حافظا في إحكام السبك، ودقة النسج، وإجادة النظم. فلا تجد في أوزانه وقوافيه ~~- على كثرة ما كنى وورى وجانس - تكلفا أو اضطرابا أو فضولا. وكثيرا ما ~~أتى بالرديف في شعره فلم يهن ولم يتكلف. # 2 # وتبدو مهارته في أكمل وجوهها حين يضمن ~~المعاني الصوفية المعاني الظاهرية المألوفة، فيقسم كلامه بين أهل الظاهر وأهل ~~الباطن، فمن شاء تغنى به في مجلس شراب بين الندماء والأحباب، ومن شاء تواجد به ~~بين الصوفية، وتجاوز ظاهره إلى معانيه الخفية. # هو كذلك في معظم ديوانه المسمى الغزليات، # 3 # ولكنه بين الحين والحين يبدو صوفيا صريحا ، أو ms0797 يعرض معانيه في صور ~~شعرية غير محتملة إلا التفسير الصوفي، ثم يسارع إلى التحجب بين أزهار الرياض، ~~ومجالس الشراب، ويسمعك رنين الكئوس وأحاديث الندامى، وأغاريد البلابل، ويحدثك عن ~~الخدود والعيون والحواجب والطرر والأفواه، سنة شعراء الغزل والخمر. # ولولا هذه الجلوات التي يمر بها قارئ شعره، وهذه اللمعات التي يدل بها على ~~نفسه ما التمس الناس في شعره شيئا وراء المعاني الظاهرة. # وعابر ديوان حافظ كالسائر في حديقة ورد؛ تروعه الصور الكثيرة، والألوان ~~المختلفة، ولكنها كلها ورد. فهو يعرض صورا كثيرة لحقائق قليلة. # أو هو كالمطرب يسمعك كثيرا من الأوزان والألحان والأنغام، ولكنها لا تعدو حديث ~~الحبيب في جماله ووصله وهجره وبعده وقربه ورضاه وغضبه. وكل ما سمعت من هذا معجب ~~مطرب رائع، وكأن كل قطعة - بإحسان التعبير وإجادة التصوير - تتضمن معاني جديدة لم ~~تتناولها قطعة قبلها. # وهذه قطع من شعر حافظ ترجمتها منثورة إلا واحدة نظمتها. وقد أردت أن تكون الترجمة ~~عطلا من الزينة مبينة عن المعنى في غير تكلف: # 1 # لا ترجون طاعة وصدق عهد مني أنا السكران الذي طار ذكري باحتساء ~~الكأس يوم «ألست». # 4 # حينما توضأت من ينبوع العشق، كبرت أربع تكبيرات على كل ~~كائن. # ناولني الصهباء أعلمك - من أسرار القضاء - أي وجه تيمني وأي عرف ~~أسكرني! # إن الطود هنا أخف من النملة، فلا تيأسن من الرحمة يا عابد ~~الخمرة. # ليفد فمك الروح، فما أنبت بستاني العالم في حديقة النظر، أجمل من ~~هذا الكم بين الزهر. # ما اطمأن تحت هذه القبة الزرقاء غير هذه النرجسة السكرى لا مستها ~~الضراء! # لحافظ من عشقك ملك سليمان، ولم تنل يده من وصلك إلا الريح. # 2 # وهذه قطعة من أجمل ما عرف الشعر الصوفي وأبعده مرمى: # تحدث شعاع حسنك بالتجلي في الأزل، فبدا العشق وأضرم في العالم نارا ~~لم تزل. # وتجلى عشقه فما رأى الملك ولهان، فقلبته الغيرة نارا تشتعل في ~~الإنسان، وأراد المدعي أن يطالع السر فيعلم، فدفعت يد الغيب في صدر ~~غير المحرم. # 5 # وهم العقل أن يضيء من ms0798 هذه الشعلة سراجا ، فتلألأ برق ~~الغيرة وزلزل العالم هياجا. # اقترع الآخرون على العيش وقلبي المغتم، عاودت قرعته الغم. نظر ليرى ~~في العالم صورته، فضرب في مزرعة الإنسان خيمته. إنما خط حافظ سجل ~~الطرب في عشقك، حينما خط على أسباب الفرح من أجلك. # 6 # وحافظ يبين في شعره عن انقباض واكتئاب وحزن، ويعرب عما يمتحن به في هذا ~~العالم، ويغلب عليه التشاؤم، ولكنه يبين عن فرحه وسروره أحيانا، وعن تهلله ~~وإشراقه، وتأميله وانبساطه، كأنه برئ من مرض، أو استراح من ألم، أو ظفر بما ~~يريد بعد عناء، أو حم له بعد طول الفراق لقاء. فغزله الذي أوله: # تعال فإن قصر الأمل واهن القواعد، وهات الخمر فأساس العمر على ~~الرياح. # يقول فيه: # لا تؤمل صدق العهد من الدنيا المتقلبة، فإن هذه العجوز عروس لألف ~~زوج. # ويقول بعد هذا البيت كالذي أفاق من غفوة: # ماذا أقول لك؟ كم بشرني ملك الغيب البارحة، وأنا في الحانة سكران ~~خائر! # قال: أيها البازي الطموح، أليف السدرة، ليس مقامك في زاوية المحن ~~هذه. لا لا! استمع، ألا تسمع الصفير ينبعث من شرفات العرش. ما الذي ~~أصابك في هذا الشرك. # وله غزل أوله: # ترك شيخنا البارحة مسجده إلى الحانة، فما ترون يا إخوان ~~الطريقة. # يقول فيه: # جلا علينا وجهك الجميل آية من اللطف، فليس في تفسيرنا إلا اللطف ~~والجمال. # وهذا البيت يبين عن الأصل الذي يصدر عنه حافظ، فقد أدرك من الجمال ~~الإلهي في هذا العالم ما أنطقه بتفسير هذا الجمال كالطائر الغرد الذي ~~يشرف على شجرة في روضة يقلب نظره بين المياه والأزهار والأشجار، وكأن ~~تغريده ترجمة الجمال الذي يرى، وتفسير الحسن الذي يبصر، بالأصوات ~~والأنغام. # ولا أنسى كلما تحدثت عن حافظ غزله الرائع الذي أوله: # رأيت البارحة الملائكة تدق باب الحانة، وتصوغ طينة آدم كأسا. # ويعلن عن اغتباطه بما أدرك فيقول: # إن سكان حرم الملكوت شاركوني الشراب وأنا حلس التراب. أحمد الله ~~فقد وقع الصلح بيني وبينه. وهذه الحور راقصة تشرب كئوس الشكر ~~فرحة. # ويقول بعد ms0799 هذا البيت وكأن هذا الصلح هو إدراك الستر المحجب، ~~والاطلاع على الحقيقة الخفية التي ضل عنها الناس: # التمس عذرا لحرب الاثنتين والسبعين ملة، فقد عميت عليهم الحقيقة، ~~فضربوا في بيداء الخرافات. # 3 # وهذه قطعة أخرى من قطعه التي يبين فيها عن نفسه في ثورة وهياج: # تعالى الله أي سعادة لي الليلة فقد أوافي حبيبي بغتة الليلة! # سجدت حين رأيت وجهه الجميل بحمد الله ما أحسن عملي الليلة! # قد أثمر غصن عيشي بوصله، فأنا مجدود ظافر الليلة! # ينقش دمي على الأرض «أنا الحق» كالحلاج إن صلبتني الليلة! # في يدي براءة ليلة القدر أتى بها طالعي اليقظان الليلة! # صح عزمي على أن أرفع الغطاء عن الطبق ولو ذهب رأسي الليلة! # أنت صاحب نعمة وأنا مستحق فهات زكاة الحسن فلي الحق هذه ~~الليلة! # إني لأخشى أن يمحي حافظ من الثورة التي في رأسي الليلة. # فهذه إحدى قطعه التي لا تفسر في جملتها إلا بالمعاني الصوفية. ~~وهي من الأبيات التي يرمي بها الوجد أحيانا، فيغلب حافظ على تقنعه ~~وتحجبه، فقد عزم على أن يبوح بالسر ولو كان في هذا قتله. وإن قتل فلن يحوله ~~القتل عن هذا الإدراك الذي أحاط به، وتغلغل في سريرته، وسرى في دمه، فلو سال ~~دمه على الأرض ما دل إلا على هذا المعنى، وما رسم على الأرض إلا الكلمة ~~الناطقة بالفناء، والتي صلب بها الحلاج «أنا الحق»، بل يخشى حافظ مما ثار نفسه ~~هذه الليلة أن يمحي. # الحافظية في مدينة شيراز، حيث ضريح حافظ الشيرازي. # وهذه قطعة يدعو حافظ فيها إلى الرجاء والتفاؤل ترجمتها نظما: # يوسف المفقود في أوطانه، لا تحزنن! # عائد يوما إلى كنعانه، لا تحزنن! # بيت الأحزان تراه عن قريب روضة، # يضحك الورد على بنيانه، لا تحزنن! # 7 # رأسك الأشعث يوما سوف يلقى زينة، # ويفيق القلب من أشجانه، لا تحزنن! # هذه الأفلاك إن دارت على غير المنى # لا يدوم الدهر في حدثانه، لا تحزنن! # أيها البلبل تغدو في ربيع ثانيا، # تستظل الورد في أغصانه، لا تحزنن! # لست ms0800 تدري الغيب في أسراره، لا تيأسن ؛ # كم وراء الستر من أفنانه، لا تحزنن! # إن إلى الكعبة في أشواقك اجتزت الفلا # فدهاك الشوك من سعدانه، لا تحزنن! # يعلم الله محيل الحال ما أحوالنا، # والعدى والحب في هجرانه، لا تحزنن! # يا فؤادي إن يسل بالكون طوفان الفنا # فلك نوح لك في طوفانه، لا تحزنن! # منزل جد مخوف ومراد شاحط، # لم يدم فج على ركبانه، لا تحزنن! # حافظ ما دمت بالفقر وليل مظلم # في دعاء الله أو قرآنه، لا تحزنن! # وفي هذه القطعة مثل من الأوزان والقوافي الفارسية. فالوزن من الرمل المثمن ~~أي ذي التفعيلات الثماني. والرمل في العربية لا يزيد على ست. # والقافية مردوفة، تكررت فيها كلمة «لا تحزنن» والتزم الروي في الكلمات التي ~~قبلها. وهذا شائع في الشعر الفارسي عامة، وشعر حافظ الشيرازي خاصة. # وقد كتب تاريخ حافظ وترجم ديوانه الدكتور إبراهيم أمين المدرس بكلية الآداب، ~~فليرجع إليه من شاء المزيد. ~~••• # ولا يتسع المجال لتتبع الآثار الأدبية في عهد التتار، وحسبنا أن نقول إنه كان ~~عصر اضطراب في أوله، اضطرب فيه الأدب، فكانت فترة دهش فيها الناس لما أصابهم، ~~ولم يجدوا من يشجعهم أو يستمع لهم، فانقطع النسق فكان عهد التتار فاصلا بين ~~عهدين. # والذي يثير إعجاب المؤلف في هذه الحقبة التأليف التاريخي وحده. فقد عني ~~التتار بتسجيل أخبارهم، وتدوين مآثرهم وتعريف الناس بسير آبائهم، فألفت كتب ~~في التاريخ هي أحسن ما أنتجه عصر من عصور إيران. # ومن أجل هذا يحسن أن نفصل الكلام في هذا الجانب من الثقافة الإيرانية في ~~ذلك العصر. # وأترجم لأكبر مؤرخي هذا العصر، الذي مهد السبيل لمن بعده، وهو رشيد الدين فضل ~~الله صاحب الكتاب المعروف «جامع التواريخ». ~~(2) رشيد الدين وكتابه جامع التواريخ # استجاب التتار سريعا للإسلام وحضارته، واستعانوا بالمسلمين في تدبير دولتهم، ثم ~~أسلموا واندرجوا في الجماعة الإسلامية. # وقد نبه في عهدهم وزراء رعوا السياسة والعلم، وتركوا في التاريخ آثارا محمودة ~~منهم أسرة الجويني؛ شمس الدين محمد صاحب الديوان، وأخوه علاء الدين عطا ملك، وابنه ms0801 ~~بهاء الدين. تولى شمس الدين الوزارة لهولاكو ولابنه أباقا. وولي علاء الدين أمر ~~بغداد أربعا وعشرين سنة منذ عام 657ه. وكان بهاء الدين واليا على العراق العجمي ~~وفارس. # وكان لهذه الأسرة فضل في تدبير الملك ورعاية العلم والأدب، وكان فيها الأدباء ~~العلماء. وقد ألف عطا ملك كتابا ضخما في تاريخ التتار سماه «تاريخ جهانكشا» أي ~~فاتح العالم، يعني جنكيز خان. أكمله سنة 658ه، بعد فتح بغداد بسنتين، وانتهى فيه ~~إلى حوادث سنة 655ه. # ومن كبار الوزراء والعلماء والمصلحين في دولة الإيلخانيين رشيد الدين فضل الله بن ~~عماد الدولة أبي الخير بن موفق الدولة علي. كان جده موفق الدولة هو ونصير الدين ~~الطوسي في أسر الإسماعيلية في قلعة ألموت حينما استولى عليها هولاكو سنة 646ه، ~~السنة التي ولد فيها رشيد الدين، فدخل موفق الدولة في خدمة هولاكو. # وصار رشيد الدين طبيبا لأباقا بن هولاكو، ونبه شأنه، وعلت مكانته. فلما ولي ~~محمود غازان 694ه زادت مكانة رشيد، وعرف فضله، وتمكنه في علوم أخرى إلى الطب الذي ~~عرفت خبرته فيه من قبل. فلما عزل الوزير صدر الدين الزنجاني المعروف بصدر جهان ~~وقتل، ولي رشيد الدين الوزارة وأشرك معه سعد الدين سنة 697ه. وذلك بعد ثلاث سنين ~~من ولاية غازان. وصحب غازان في غزواته في الشام، وكان كاتبه باللغة العربية. واستمر ~~رشيد الدين وزيرا بعد موت غازان، فوزر لأولجايتو (خدا بنده) وأغدق عليه خدا بنده ~~الهبات وقربه إليه، وركن إليه في تدبير الملك، فبلغ رشيد الدين أوج سلطانه، وتصرف ~~كما يشاء خلقه وعلمه وحكمته. # بنى رشيد الدين بجوار السلطانية دار الملك الجديدة ضاحية سماها الرشيدية. وبنى ~~فيها مسجدا كبيرا ومدرسة ومارستانا ومستشفى، ودورا أخرى للخيرات وزهاء ألف ~~منزل. # وبعد قليل بنى ضاحية أخرى قرب الغازانية شرقي تبريز، وأنفق أموالا كثيرة، حتى ~~ساق إليها الماء من نهر سراو (سراورود) في قنوات منحوتة في الصخر، مكنه من هذه ~~الأعمال ما أفاض عليه السلطان من الأعطية. # وفي عهد أبي سعيد بن أولجايتو (716-736ه) أشرك معه في الوزارة ms0802 علي شاه، ونالت ~~الدسائس المتمادية من رشيد الدين فعزل. ورغب في أن يعيش في دعة بعيدا عن ~~الدسائس، وكان من الأمراء من يود رجوعه إلى الوزارة، فاهتم منافسه علي شاه فاتهمه ~~أنه هو وابنه الصبي إبراهيم وضعا السم لأولجايتو في دواء صنع له، وصدق أبو سعيد ~~التهمة، وكان صبيا في الخامسة عشرة من عمره؛ فقتل الرجل العالم الخير الحكيم ~~الحازم بعد أن لبث يدبر ملك المغول عشرين عاما. قتل سنة 718 وقد نيف على ~~السبعين، وقتل معه ابنه إبراهيم وهو صبي في السادسة عشرة من عمره، وتلك كانت غاية ~~وزراء المغول الإيلخانيين لم ينج منها إلا قليل. # وتبع قتله مصادرة أمواله وتعذيب أقاربه ونفيهم وإبطال أوقافه، وأبيحت المحلة ~~التي بناها، وسميت الربع الرشيدي. # دفن رشيد الدين في القبر الذي أعده لنفسه، ولكن هذا الرجل الكبير لم يترك له حتى ~~قبره، فقد أمر ميرانشاه ابن تيمورلنك بعد مائة عام أن ينبش القبر، وتنقل عظام ~~المقبور إلى مقبرة اليهود. وكان حساد الرجل يزعمون أنه يهودي الأصل، ومنهم من زعم ~~أنه لم يزل على اليهودية. ~~(2-1) كتبه # كان رشيد الدين - على كثرة شواغله - معنيا بتأليف الكتب في موضوعات شتى، ~~فألف: ~~(1) # جامع التواريخ، وسنعود إلى الكلام فيه. ~~(2) # وكتاب الأحياء والآثار، وهو 24 فصلا تتناول موضوعات مختلفة في ~~الطبيعة والزراعة والغرس وتربية الحيوان وقتل الحشرات الضارة، وفي ~~العمارة والتحصين وبناء السفن، واستخراج المعادن إلخ. وهذا الكتاب ~~مفقود. ~~(3) # والتوضيحات، وهو في العقائد والتصوف، كتبه بأمر أولجايتو ومنه ~~نسخة في مكتبة باريس. ~~(4) # ومفتاح التفاسير، في بلاغة القرآن وفي المفسرين وطرائقهم ~~وموضوعات دينية أخرى. ~~(5) # والرسالة السلطانية في العقائد، ألفها على أثر مجادلة وقعت في ~~مجلس أولجايتو. ~~(6) # ولطائف الحقائق في العقائد أيضا، وهي ثلاثون رسالة صدرها ~~بمقدمة حدث فيها برؤيا رأى فيها الرسول صلوات الله عليه ليلة ~~السادس والعشرين من رمضان سنة 705ه، وهذه الأربعة الأخيرة مكتوبة ~~بالعربية، وقد جمعت وسميت المجمومة الرشيدية، ونسخها ~~موجودة. # وكتب أخرى. ~~(2-2) عناية رشيد الدين بكتبه # توسل رشيد الدين بوسائل عدة لتخليد كتبه، ms0803 كان يأمر أن تنسخ من كل كتاب نسخ ~~كثيرة ويعيرها للعلماء مرخصا لهم في نسخها. # وأمر بأن يترجم كل كتاب له عربي إلى الفارسية، وكل كتاب له فارسي إلى ~~العربية، وأن ينسخ من هذه وهذه نسخ كثيرة لتحفظ في خزانة الجامع في المحلة ~~المنسوبة إليه «الربع الرشيدي». # وأمر أن تجمع رسائله مع ما يتصل بها من صور وخرائط في مجموع واحد، سمي جامع ~~التصانيف الرشيدي، وتوضع في خزانة هذا الجامع. # وأمر أن تكتب أربعة من كتبه في الطب وتدبير المغول للحكومات باللغات الثلاث ~~العربية والفارسية والصينية. # وأباح نسخ كتبه كلها لمن يشاء، وخصص مالا من وقف الجامع لنساخين يكتبون في ~~كل سنة نسختين من كل كتبه؛ إحداهما بالعربية والأخرى بالفارسية ترسلان إلى ~~إحدى المدن الإسلامية الكبرى. # وأمر أن تنسخ هذه الكتب على أحسن الورق البغدادي بأحسن الخطوط وأوضحها، وأن ~~تقابل بالأصول مقابلة دقيقة. # وأمر أن يختار النساخون من مهرة الكتاب الذين يجيدون الكتابة، ويسرعون فيها، ~~وأن يعملوا في المساجد. وكلما كملت نسخة وضعت على كرسي بين المنبر والمحراب، ~~وتلي عليها دعاء للمؤلف كتبه لنفسه، ويكتب هذا الدعاء آخر كل نسخة، ويتلوه ~~تحميد أنشأه رشيد الدين، وخاتمة يكتبها قيم الوقف يبين فيها تاريخ النسخة، ~~والمدينة التي كتبت لها، ويذكر اسمه ونسبه ليدعو له المسلمون. # ثم تحمل النسخة إلى قضاة تبريز ليشهدوا أن وصايا الواقف قد أنفذت في كتابتها. ~~وترسل إلى المدينة التي كتبت لها، فتوضع في خزانة عامة، وييسر للناس الاطلاع ~~عليها واستعارتها برهن يقدره قيم الخزانة. # وأمر أن تكتب نسح من المجموعة الرشيدية وبيان الحقائق وكتاب الأحياء ~~والآثار، وتعطى لأحد المدرسين في الجامع يقرأ منها كل يوم ويفسرها للطلاب. وعلى ~~كل مدرس أن ينسخ من أحد هذه الكتب نسخة عربية وأخرى فارسية في مدة محدودة، ~~فإن لم يفعل عزل. والنسخة التي يكتبها تكون له يتصرف بها كما يشاء. وتيسر ~~مطالعة هذه الكتب لمن يشاء، ولكن لا تنقل من خزانتها. # وعلى قوام الوقف أن ينفذوا شروط الواقف في غير تبديل ولا ms0804 تحريف ولا ونى، ~~ومن لم يفعل فعليه لعنة الله. ~~(2-3) جامع التواريخ # هو بالعربية والفارسية. # أشار السلطان غازان أحد الملوك من بني هولاكو على وزيره رشيد الدين فضل الله ~~بأن يكتب تاريخ المغول وقبائلهم وأنسابهم باللغة الفارسية. وجمع إليه كل خبير ~~بتاريخ المغول، ويسر له الاستفادة من سجلات الدولة، فلم تمنعه شواغله الكثيرة ~~أن يجمع هذا التاريخ الجامع، ويقول دولتشاه: إن المؤلف لم يجد وقتا للكتابة ~~إلا ما بين صلاة الفجر وشروق الشمس من كل يوم. وقد توفي غازان قبل أن يتم ~~الكتاب، فأمر أخوه وخليفته أوليجايتو بإتمامه وتصديره باسم غازان الذي أشار ~~بتأليفه. # في كشف الظنون: «لما شرع في التبييض مات السلطان غازان في شوال سنة 704ه، ~~وجلس مكانه أخوه خدابنده محمد، فأمره بإتمامه وإدخال اسمه في العنوان. وأمر ~~أيضا بإلحاق أحوال الأقاليم وأهلها وطبقات الأصناف، وبأن يجعل جامعا لتفاصيل ~~ما في كتب التاريخ. # وأمر من تحت حكمه من أصحاب تواريخ الأديان والفرق بالإمداد إليه من كتبهم. ~~وأمر أيضا بأن يجعله مذيلا بكتاب صور الأقاليم ومسالك الممالك، فأجاب وكتب ~~أحوال الدولة الجنكيزخانية، وأمة الترك مفصلا في مجلد، وذكر خلاصة الوفيات ~~في مجلد آخر، وذكر صور الأقاليم في مجلد آخر على أن يكون ذيلا له، ونقل ~~أخبار كل فرقة على ما وجد في كتبهم بغير تغيير ...» إلخ. # فقد أمر أولجايتو بكتابة جزء آخر، في تاريخ البشر وبخاصة المدن الإسلامية، ~~وجزء ثالث في تقويم البلدان. والذي في أيدينا اليوم الجزء الأول الذي يتضمن ~~تاريخ المغول، ويسمى أحيانا التاريخ الغازاني، والثاني المتضمن التاريخ ~~العام. # وتم الكتاب كله سنة 910ه. # والجزء الأول فيه بابان؛ الأول: في قبائل المغول والترك وفروعها وأنسابها ~~وأساطيرها. والثاني: تاريخ جنكيز خان وآبائه وخلفائه إلى غازان خان. # والجزء الثاني مقدمة؛ تاريخ آدم والأنبياء، وبابان؛ الأول: في ملوك الفرس قبل ~~الإسلام، والثاني: في سيرة الرسول صلوات الله عليه والخلفاء إلى زوال الخلافة ~~العباسية بأيدي المغول، وملوك الفرس بعد الإسلام الغزنويين والسلاجقة وملوك ~~خوارزم وأتابكة فارس، وتاريخ الإسماعيلية. # ثم في الترك، ms0805 وأهل الصين، واليهود والفرنج وملوكهم وبابواتهم والهند وبوذا ~~ودينه. # وهذا كتاب له قيمته وخطره في التاريخ بما جمع تواريخ أمم كثيرة في عصور ~~متطاولة، وبما استقصى المواقف في جمع الأخبار من مصادرها المكتوبة وغير ~~المكتوبة، وهو نسيج وحده في طريقته وأسلوبه. # وقد يسر للمؤلف من المصادر وأتيح له من الرواة ما لم يجتمع مثله ~~لمؤرخ. # يزاد على هذا التقاء تواريخ الأمم، وحوادث العصور فيه؛ فهذا مؤلف مسلم ~~يكتب لسلاطين تجاذبتهم الأديان حينا، ثم سكنوا إلى الإسلام. وهو يكتب في حدود ~~عصور مختلفة، ما قبل غارات التتار وما بعدها. وحسبنا أنه يؤرخ لبني جنكيز وهم ~~في مركز الحضارة الإسلامية، ولكنهم متصلون بأمتهم وبسننهم إلى قلب ~~الصين. # قال المؤلف في أول الكتاب: # أكتب تواريخ أصل المغول ونسبهم، ونسب سائر الأتراك الذين يشبهون ~~المغول، فصلا بعد فصل، وأرتب تلك الروايات والحكايات التي تتعلق بهم ~~مما كان موجودا في خزائنهم المعمورة، ومما وجد عند بعض الأمراء ~~ومقربي الحضرة الشريفة مودعة. وإلى هذا الزمان لم يجمعها أحد، ولم ~~يتيسر له سعادة هذا التصنيف، وشرف هذا التركيب والتأليف. وكل واحد من ~~المؤرخين كتب سطرا من ذلك من غير معرفة بحقيقة الحال، بل سمعه من ~~أفواه العوام وتصرف فيه على وجه اقتضاه رأيه، ولم يتيقن صحة ذلك ~~لا هو ولا غيره. # وقد تلا رشيد الدين مؤرخون في العهد التتاري، فكتبوا كتبا في التاريخ قيمة ~~منها تاريخ كزيده للمستوفي وتاريخ الوصاف، كما كتب قبل رشيد الدين تاريخ ~~جهانكشا (فاتح العالم) لعطا الجويني. # واتصل التأليف في التاريخ بعد عهد التتار، فكتبت روضة الصفا وحبيب السير ~~وغيرهما. # الفصل الثاني: عصر التيموريين # 1 # تيمورلنك وأولاده # سنة توفي أبو سعيد ثامن ملوك المغول الإيلخانيين وآخرهم، ولد رجل قدر له أن ~~يسير على إيران وما يليها عاصفة من الخراب والدمار كالتي أثارها بنو جنكيز من ~~قبل. ذلكم تيمور الذي عرف باسم تيمورلنك. # 8 # ولد في كش فيما وراء النهر سنة 736ه. وقد وصل نسبه بجنكيز خان، وليس يتسع ~~مجال القول هنا لنبين كيف ms0806 نشأ تيمور، وكيف تسلط، وكيف نشر فتوحه في إيران والهند ~~وآسيا الصغرى والشام. # حسبنا أن نقول إن إيران في الحقبة التي بين وفاة أبي سعيد وغزو تيمور إياها، وهي ~~خمسة وأربعون عاما، كانت مقسمة بين أربع دول صغيرة، أعظمهم وأجداهم على الأدب آل ~~المظفر في ولاية فارس والعراق العجمي وكرمان. وكانت دار ملكهم شيراز، وهم الأسرة ~~التي عاش في كنفها حافظ الشيرازي. # ثم شرع تيمور يفتح إيران سنة 782ه، فاستولى عليها سريعا فيما استولى عليه من ~~الأقطار. # وتوفي سنة 807ه وقد امتدت دولته من دهلي إلى دمشق، ومن بحيرة آرال إلى خليج ~~البصرة، وكانت سمرقند دار ملكه. # وكان عسيرا أن يحتفظ بهذا الملك الفسيح، فاسترد بعض الدول المغلوبة ما سلبوه ~~بعد موته، وتمكن أولاده من تثبيت سلطانهم في الولايات الشمالية من إيران. # وتنازع بنو تيمور على الملك زمنا إلى أن قضى عليهم الشيبانيون فيما وراء النهر ~~والصفويون في إيران. # ودامت دولة تيمور وخلفائه إلى سنة 907ه، فقد استمرت زهاء مائة وأربعين عاما ~~(771-907ه). # 2 # كان القرن التاسع الهجري عصر اضطراب سياسي في إيران والبلاد المتصلة بها، فقد ~~أعقب موت تيمورلنك سنة 807ه اضطراب الدولة التي بناها بالسيف والرعب. واستطاع ~~ابنه شاه رخ أن يثبت سلطانه على معظم أرجاء المملكة، وأن يثبت لثورات أقاربه ~~بين الحين والحين. فلما مات شاه رخ سنة 850ه خلفه ابنه ألغ بك، فلم يغن غناء ~~أبيه، وتوفي بعد قليل. فكان الأمر بعده كما قال السير جون ملكولم: «بعد موت ألغ بك ~~نرى طائفة من ذرية تيمور يتنازعون أرجاء الإمبراطورية. وقد بلغ إجلال الناس للدم ~~التيموري حدا يسر لكل من يفخر بجريان هذا الدم في عروقه أنصارا يمكنونه من ~~الظفر بعرش أو قبر مجيد.» # ونشأت في هذا القرن دول جديدة، فنازعت بني ~~تيمور المتنازعين: دولة الأزبك فيما وراء النهر، ودولتا التركمان المعروفتان: ~~قره قيونلو (ذوو الشاة السوداء)، وآق قيونلو (ذوو الشاة البيضاء). وكانت خاتمة ~~هذا الاضطراب المستمر انتصار الشاه إسماعيل مؤسس الدولة الصفوية في موقعة شرور سنة ms0807 ~~907ه بعد مائة سنة من موت تيمور. وكان هذا الانتصار على جيوش آق قيونلو فاتحة ~~انتصارات مدت سلطان إسماعيل ما بين نهر جيحون وخليج البصرة وأفغانستان والفرات؛ ~~فجمع شمل هذه البلاد مرة أخرى. # 3 # وإنما يعنينا من ذرية تيمور الأمراء الذين كان لهم أثر حميد في السياسة والعلوم ~~والفنون: ~~(1) # شاه رخ بن تيمور، وكان أمير خراسان أيام أبيه، تولاها وعمره عشرون ~~سنة عام 799ه، وضرب النقود باسمه. ثم امتد سلطانه بعد أبيه على معظم ~~إيران وما وراء النهر. ولم يكن همه توسيع ملكه، بل إصلاح ما أفسده أبوه ~~وتعمير ما أخربه. وقد أجمع مؤرخوه على مدحه والإشادة بحبه للسلم ~~وعنايته بتعرف أحوال الرعية وإسعادها. وكان مكرما رجال العلم والأدب ~~فقصدوه من كل جانب. ~~(2) # ولم يدم ملك ابنه ألغ بك أكثر من ثلاث سنين، ولكنه شارك في نشر ~~العلم. وقد بنى مرصد سمرقند حينما كان أمير تركستان في عهد أبيه، وإليه ~~ينسب زيج ألغ بك أو الزيج الجديد السلطاني. ~~(3) # وكان السلطان أبو سعيد حفيد ميران شاه بن تيمور ذا عناية بالعلم ~~والأدب كذلك. وقد استقر ملكه في هراة اثني عشر عاما. # وأعظم بني تيمور أثرا في العلوم والآداب السلطان أبو الغازي حسين الذي ملك هراة ~~بعد موت أبي سعيد سنة 873ه، واستمر ملكا إلى أن توفي سنة 911ه. وفي كنفه عاش ~~الجامي زمنا طويلا، وإليه أهدى كثيرا من مؤلفاته. وكان السلطان أديبا شاعرا، ~~ولكن الفضل الأكبر في تثبيت دولته واجتماع العلماء والأدباء حوله يرجع إلى وزير ~~عالم شاعر خير معمر محب للعلماء صارت هراة في أيامه مجمع النابغين من ~~رجال العلوم والفنون، حتى عدت إذ ذاك كمدينة غزنة في عهد السلطان محمود، فلا ~~يستطيع من يتكلم في هذا العصر أن يغفله، ذلكم هو الوزير الكبير علي ~~شيرنوائي. # ولد في هراة سنة 844ه، ومات ودفن بها سنة 906ه، وكانت وزارته في ذلك العصر ~~المضطرب مصدر سلم وإصلاح. وقد وثق به السلطان حسين، وكان رفيقه في طلب العلم، فألقى ~~إليه مقاليد الدولة، فيسر ms0808 الله الأمور، وعم السلم، حتى استطاع هذا الوزير أن يفرغ ~~بعض الفراغ للإشراف على المؤلفين، وأن يشاركهم في التأليف والنظم، ووجد سبيلا ~~للرياضة الروحية، وأدخله صديقه الشيخ الجامي في الطريقة النقشبندية. # وقد أجمع مؤرخوه على أنه كان من الأفذاذ الذين تزين بهم تاريخ الإسلام، حتى ~~بابر، وهو أدق نقدا وأكثر اقتصادا في المدح من أصحاب التراجم، يقول إنه لا يعرف ~~مثله في السخاء ورعاية العلماء. # وقد شجع هذا الوزير كثيرا من العلماء والأدباء على التأليف وقرض الشعر. وكان ~~صديقا للجامي ومحسنا إليه، وقد أهدى إليه الجامي كثيرا من كتبه. ورثى الوزير ~~صديقه الجامي حين مات ونظم منظومة طويلة سماها «خمسة المتحيرين» تخليدا لذكرى ~~صديقه وشيخه في التصوف. # وكان هذا الوزير مولعا بالموسيقى والغناء والتصوير والنقش، فعاش في رعايته كبار ~~المصورين والموسيقيين، ومنهم المصور الكبير بهزاد، وشاه مظفر، والموسيقي قول محمد ~~وشيخي النائي، وحسين العودي. # وكان شاعرا عظيما أغنى اللغة التركية الشرقية بمنظوماته المطولة، وهي ستة ~~مثنويات كبيرة. وكان مؤلفا خصب القريحة كتب تسعة وعشرين كتابا في موضوعات ~~مختلفة في عهد السلطان حسين، آخرها «محاكمة اللغتين». وهو كتاب أراد أن يبين فيه ~~امتياز اللغة التركية على الفارسية، كتبه سنة 1905م قبل وفاته بسنة واحدة. وقد ~~رأيت في إستانبول معجما له في اللغة العربية سماه سبعة الأبحر. # وقد أهدى إليه كثير من المؤلفين كتبهم، منهم الشيخ الجامي، وله ألف كتابه ~~«نفحات الأنس» في تراجم الصوفية، ودولتشاه الذي أهدى إليه كتابه «تذكرة ~~الشعراء». # وأما كلفه بالتعمير وبره بالفقراء وعنايته بدور العبادة والعلم، فحسبنا في ذلك ~~أن نعرف أن بناءه وترميمه ووقفه تناول ثلاثمائة وسبعين بناء بين مسجد ومدرسة وخان ~~ودار صدقة في خراسان، وأنه جلب الماء من عين بعيدة في طريق وعر إلى مدينة المشهد، ~~فهي تسقى منها حتى اليوم. # 4 # نرى إذن أن عصر بني تيمور، على كثرة فتنه وحروبه، كان عصر ازدهار للآداب والفنون. ~~كان هؤلاء الأمراء المتنازعون كالأمراء الذين استقلوا في العراق والشام وإيران في ~~القرن الرابع الهجري، فتنافسوا في ms0809 إحياء الآداب، بل كانوا كملوك الطوائف في ~~الأندلس، تنافسا في تقريب العلماء والشعراء. # يقول الدكتور مارتن: «إن تكن جيوش تيمور قد محت آثارا جميلة، فإن خلفاءه أحدثوا ~~كثيرا من بدائع الصناعات، وأبلغوا الفنون الفارسية أعلى درجاتها. كانوا في فترات ~~السلم يعنون بالكتب، وينظمون الشعر، وكثير منهم أجاد في شعره، فالسلطان حسين مرزا ~~لم يكن شاعرا قليل الخطر، وشعره التركي يفوق شعر كثير من شعراء وقته، وقد كتب ~~أيضا باللغة العربية. # إنهم كانوا في أساليب حياتهم يشبهون أمراء أوروبا المعاصرين، أو أمراء فرنسا في ~~القرن الثامن عشر، ولكنهم كانوا في الأدب أعظم أثرا. كان شاه رخ وألغ بك، وباي ~~سنقر، والسلطان حسين، محبين للكتب يعنون بالإجادة في نسخها وتذهيبها وتحليتها، ~~فهم لا يقلون عن معاصريهم دوقات برجندي # Bergundy ~~، ~~ولا يقاس بهم عشاق الكتب في إيطاليا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. # كان باي سنقر والسلطان حسين في إيران كما كان وليم موريس في إنجلترا بعد أربعة ~~قرون، إنهم لم يكتفوا بجمع الكتب، بل خلقوا فنونا لها، ولا يمكن أن يقاس بالكتب ~~الشرقية في ذلك العصر أجمل ما عرفته أوروبا من الكتب. وكان باي سنقر خاصة مولعا ~~بالفنون الكتبية، فنشأ في رعايته أجمل الأساليب في صناعة الكتب، وكان من أعاظم ~~المولعين بالكتب في العالم كله. كان يعمل بأمره وتشجيعه أربعون صنعا في النسخ، ~~وبلغت العناية بالورق والتصوير والتجليد حدا لا يعرف نظيره حتى اليوم. # وقد أخرجت إيران أجمل بسطها في عهد التيموريين، لا في عهد الشاه عباس، وصنع في ~~قصورهم من السلاح والدروع والأدوات والآنية المحلاة بالعاج ما لم تعرف مثله الأقطار ~~الأخرى.» # 5 # العلماء والكتاب والشعراء # وقد نبغ في هذا العصر كثير من الكتاب والمؤلفين، عد المؤرخ خوندمير في كتابه ~~«حبيب السير» زهاء مائتين من الكتاب والمؤلفين في ذلك العصر. # فمن المؤرخين حافظ أبرو صاحب «زبدة التواريخ» ألفه لشاه رخ، وفصيحي الخوافي ~~صاحب «المجمل» في التاريخ والجغرافيا، ألفه لشاه رخ أيضا، وعبد الرازق السمرقندي ~~صاحب «مطلع السعدين» أهداه إلى أبي سعيد، ms0810 ومعين الدين الإسفيزاري صاحب «روضات ~~الجنات» في تاريخ مدينة هراة، كتبه للسلطان حسين. # ومنهم المؤرخ الكبير ميرخوند صاحب «روضة الصفا» أمضى معظم حياته في هراة في كنف ~~الوزير علي شير. # ومن أصحاب التراجم دولتشاه صاحب «تذكرة الشعراء»، وحسين الواعظ صاحب «روضة ~~الشهداء » في مصارع آل البيت، وعلي بن حسين الواعظ صاحب «رشحات عين الحياة» في تراجم ~~الصوفية. وقد ألف السلطان حسين كتابا في التراجم سماه «مجالس العشاق»، كما ألف ~~وزيره علي شير «مجالس النفائس» في تراجم الصوفية والشعراء. # وكان للشعر رواج في ذلك العصر، وقد أثر شعراؤه في تركيا وما وراء النهر والهند، ~~وكانت الصناعة والتكلف غالبين على الشعراء، إلا جماعة من كبرائهم. # ومن كبار الشعراء شاه نعمة الله الكرماني، وهو صاحب طريقة في التصوف، توفي ~~834ه، وسيد قاسم الأنوار ولد في ولاية تبريز سنة 757ه، ومات في خرجرد سنة 873ه ~~وكاتبي النيسابوري، وإمامي الهروي. # وقد ذكر علي شير 46 شاعرا معاصرا. # وأما التصوف فكان غالبا على العلماء والشعراء. وقد ألفت في تراجم الصوفية ~~«نفحات الأنس» للجامي و«الرشحات» للواعظ و«شرح المثنوي» لكمال الدين ~~الخوارزمي. # وإذا أردنا أن نختار من أدباء هذا العصر من يتمثل فيه علم العصر وأدبه وتصوفه في ~~أكمل صورها فذلكم: ~~(3-1) الشيخ عبد الرحمن الجامي # أ # هو نور الدين عبد الرحمن الجامي بن نظام الدين أحمد الدشتي بن شمس الدين ~~محمد، كان جده من دشت إحدى محلات أصفهان، ثم رحل إلى ولاية جام من خراسان، ~~وهناك تقلد القضاء والإفتاء، وتزوج امرأة من ذرية الإمام محمد بن الحسن ~~الشيباني صاحب أبي حنيفة، فولد له نظام الدين، وكان شمس الدين وابنه ~~يعرفان هناك بلقب الدشتي، نسبة إلى دشت أصفهان. # وهنالكم في قرية اسمها خرجرد من قرى جام، ولد عبد الرحمن وقت العشاء، ~~ليلة الثالث والعشرين من شعبان سنة 817ه. # وقد بين هو مولده في بيتين له بالفارسية. # ورحل في صغره مع أبيه إلى هراة، وهنالك غلب عليهما لقب الجامي نسبة إلى ~~ولاية جام التي رحلا عنها، وللجامي بيتان يذكر ms0811 فيهما أنه يسمى الجامي من ~~جهتين: # لأنه من ولاية جام، ولأنه من المقتدين بشيخ الإسلام أحمد الجامي. # ب # بدأ عبد الرحمن تعلمه في المدرسة النظامية في هراة، فدرس علوم الدين وأخذ ~~علوم البلاغة، فقرأ المفتاح والمطول وحواشيه. وكان من أساتذته علي ~~السمرقندي من تلاميذ السيد الشريف الجرجاني. قال عنه الجامي إنه لم يكن له ~~نظير، ولكنه استغنى عنه بعد أربعين يوما. وكذلك سمع دروس شهاب الدين ~~الجاجرمي الذي تتصل تلمذته بسعد الدين التفتازاني. قال الجامي إنه لزمه ~~مدة طويلة فلم يستفد منه إلا مسألتين اثنتين. # ثم توجه إلى سمرقند في طلب العلم، وحضر درس قاضي زاده الرومي، ووقعت ~~بينهما مباحثات طويلة انتهى فيها الشيخ إلى رأي تلميذه. وقد قال قاضي زاده ~~وهو يتحدث عن الأذكياء: إنه لم يعبر نهر جيحون إلى هذا الجانب منذ حللت به ~~مثل الشاب الجامي ذكاء وجودة طبع. # وكذلك درس في سمرقند الهيئة وظهرت براعته فيها، ونقد أقوال علمائها، وقد ~~سئل مرة في هراة عن مسائل من الهيئة، فأجاب عنها ارتجالا. # تجلى نبوغ عبد الرحمن في كل ما قرأ أو سمع من العلوم، ولعل حدة ذكائه ~~هونت عليه التلقي عن الأساتذة، فقد روي عنه أنه قال وقد ذكر أساتذته: «لم ~~أقرأ على واحد منهم درسا، فكان فهمه خيرا من فهمي، بل كنت أفوقهم في ~~البحث والإدراك، ولا أعرف لأحد منهم علي حق الأستاذية، وإنما أنا تلميذ ~~والدي أخذت عنه اللغة.» # وكان عبد الرحمن ممتازا بعلو نفسه كما امتاز بذكائه، أراده جماعة من ~~إخوانه طلاب العلم على أن يذهب معهم إلى أحد أمراء السلطان شاه رخ؛ ليحصلوا ~~على وظيفة. فطال وقوفهم على الباب، ثم قابلوا الأمير، فلما خرجوا قال ~~الجامي: «لا أعود إلى مثل هذا أبدا.» فلم ير بعدها على باب أحد من ~~أرباب المناصب. # ج # تصوفه # ثم ذهب إلى خراسان، فلقي سعد الدين الكشغري، وسلك طريقته. وكان سعد الدين ~~خليفة الطريقة النقشبندية، ويحكى أن هذا الشيخ كان يجلس على باب جامع هراة، ~~وكلما بصر بالجامي مارا ms0812 قال: «إن في هذا الشاب مخايل عظيمة، ولا أدري ~~كيف نصطاده لطريقتنا.» فلما جاء الجامي إليه قال: «اليوم ظفرت شبكتنا ~~بصقر!» وكان أسف العلماء على تصوفه بمقدار فرح الصوفية به، قال محمد ~~الجاجرمي: «إن خراسان أخرجت بعد خمسمائة سنة رجلا كاملا، فقطع عليه سعد ~~الدين الطريق وأضاعه.» يعني أن سعد الدين نقله من طريق العلماء إلى طريق ~~التصوف. # ارتاض عبد الرحمن رياضة صوفية، وأخذ نفسه بالمجاهدات الشاقة، واعتزل ~~الناس واستوحش منهم، وساح في البلاد، فلقي كثيرا من كبار الصوفية في ~~خراسان وما وراء النهر. # د # حجه وسياحته # عزم على الحج سنة 877ه، فتأهب للسفر في ربيع الأول، فاجتمع كبراء بلده ~~ليمنعوه من الحج قائلين إن خيرا كثيرا يصيب الفقراء من السلاطين على ~~يديك، وإن كل فائدة تفيدها الفقراء تعدل الحج مشيا، فأجابهم وكان يحب ~~الفكاهة: «لقد تعبت من كثرة حجي ماشيا، وأود أن أحج مرة راكبا.» # أخذ طريقته إلى الحج، حتى بلغ همذان، فلقيه حاكمها فضيفه هو وكل ~~القافلة، ثم أرسل معه خفراء حتى جاوز جبال كردستان وبلغ العراق. بلغ بغداد ~~أول جمادى الآخرة، وزار مزارات أهل البيت في النجف وكربلاء. وقد اعترض بعض ~~الشيعة في بغداد على أبيات في كتابه «سلسلة الذهب»، وتألبوا عليه. فجلس ~~الشيخ في إحدى مدارس بغداد، واجتمع إليه الكبراء والعلماء، فقرأ الأبيات ~~التي اعترض عليها، وفسرها تفسيرا أرضى الحاضرين، ثم قال: «لقد مدحت ~~العلويين في «سلسلة الذهب» مدحا خفت معه من السنيين في خراسان، وما ~~حسبت أني سأتعرض لثورة الروافض في بغداد.» # وقد نظم قصيدة يشكو جفاء أهل بغداد، ولعلها الواقعة الفذة التي تطاول ~~فيها الناس على الشيخ، ثم ذهب إلى الحرمين، ونظم قصائد يترجم فيها عن شعوره ~~هناك. # وبعد الحج توجه إلى الشام، وسمع الحديث في دمشق، ثم توجه إلى حلب. # ه # ولما سمع السلطان العثماني محمد ~~الفاتح (855-886ه)، أن الشيخ ذاهب إلى الحجاز أرسل إليه بعض خواصه ومعه ~~خمسة آلاف قطعة ذهبا، وبضعة آلاف فلوري ووعد بآلاف أخرى، وسأله أن يشرف ~~بلاد الروم ms0813 بزيارته. فلما جاء الرسول إلى دمشق كان الشيخ قد ذهب إلى حلب، ~~وعلم وهو في حلب بمقدم رسول الفاتح، فخشي أن يدركه هناك، فعجل الخروج منها ~~إلى تبريز. وكانت الحرب إذ ذاك ناشبة بين العثمانيين وأمير أذربيجان، فتطوع ~~بعض الأمراء لحفاوة قافلة الجامي، حتى جاوز بها المواضع المخوفة . ودعاه بعض ~~الناس إلى التوقف في طريقه، فاعتذر بأنه يريد أن يرى والدته العجوز، ورجع ~~إلى هراة سنة 878ه، فبقي بها في رعاية السلطان حسين ووزيره علي شير، حتى ~~توفي سنة 898ه. # وقد رثاه علي شير وكثير من الشعراء، وأرخوا موته بكلمات منها الآية: # ومن دخله كان آمنا # ومنها: «آه ~~أز فراق جامي، آه أز فراق جامي.» # و # وكان الشيخ الجامي، على علمه وزهده وتقواه وتصوفه، حسن العشرة فكها يحب ~~المزاح، وقد سارت له لطائف دقيقة وأجوبة مسكتة، فهو من هذه الناحية ~~يشبه الشيخ سعدي الشيرازي. # كان من معاصريه شاعر يسمى ساغري، وكان يدعي أن الشعراء تسرق معانيه، ~~فنظم الجامي بيتين في هذا المعنى: # يقول ساغري إن لصوص المعاني سرقوا من شعره كل معنى جيد. صدق، لقد سرقوا ~~معانيه، فما رأيت في شعره بيتا له معنى. # ومما يذكر في كتابه بهارستان أن رجلا أحس بضيق صدره، فذهب إلى طبيب، ~~فسأله: ما عملك؟ قال: شاعر، قال: أنظمت شعرا من قريب؟ قال: نعم، قال: هل ~~أنشدته أحدا؟ قال: لا، قال: فأنشدني. فأنشده فاستعاده مرة بعد مرة، ثم ~~سأله: كيف تجدك الآن؟ قال: قد استرحت، قال: نعم، كان هذا الشعر معقدا في ~~صدرك. # ز # وقليل من العلماء والأدباء من بلغ في حياته المكانة التي بلغها الجامي ~~بين العامة والخاصة؛ فقد أجمع الناس على تعظيمه والتبرك به، وراسله الملوك ~~ورغبوا في زيارته فأبى. وممن راسله وتودد إليه السلطان يعقوب من أمراء آق ~~قيونلو (844-896ه) وجهان شاه قره قيونلو (841-872ه)، والسلطان محمد الفاتح ~~(855-886ه)، وقد ذكر هؤلاء في شعره، والسلطان بايزيد الثاني ابن الفاتح ~~(886-918ه). # وفي منشآت السلاطين رسالتان من هذا السلطان وجواب الجامي عنهما. ومنهما ~~يتبين ms0814 تعظيم السلطان للشيخ، وإمداده إياه بالمال. # ح # كان الجامي عالما شاعرا صوفيا، وقد كتب في موضوعات كثيرة نظما ~~ونثرا. # فأما مؤلفاته المنثورة، فمنها «نفحات الأنس» في تراجم الصوفية ألفه ~~(سنة 883ه)، وشواهد النبوة (سنة 885ه)، وشرح اللمعات للعراقي (سنة 886ه)، ~~واللوائح واللوامع شرح فصوص الحكم لابن عربي، وشرح النصوص لصدر الدين ~~القنوي، وشرح التائية والخمرية لابن الفارض ، وناي نامه، وهو شرح مقدمة ~~المثنوي، وشرحه على الكافية في النحو العربي، وقد سماه الفوائد الضيائية ~~نسبة إلى ابنه ضياء الدين، وهو شرح ذائع جدا في البلاد الإسلامية ~~الشرقية، ألفه لابنه بعد أن قرأ له كلستان سعدي، وكتاب بهارستان، وهو ~~قصص أدبية أخلاقية. # وله مؤلفات أخرى في التفسير والحديث والتوحيد والتصوف إلخ تقارب ~~الأربعين. # وأما منظوماته فضربان؛ الأول: الديوان، وهو ثلاثة أقسام: فاتحة الشباب، ~~وواسطة العقد، وخاتمة الحياة. # والضرب الثاني: سبع منظومات قصصية مطولة تسمى هفت أورنك، ~~وهي: ~~(1) # سلسلة الذهب، وتتضمن مسائل فلسفية ودينية وأخلاقية، أتمها ~~سنة 890 وقدمها للسلطان حسين بيقرا. ~~(2) # وسلامان وأبسال، وهي قصة فيها ألف ومائة بيت تذكر القارئ ~~بقصة حي بن يقظان، نظمها ليعقوب بن أوزون حسن (آق ~~قيونلو). ~~(3) # وتحفة الأحرار في التصوف، جعلها على مثال مخزن الأسرار ~~لنظامي، وأتمها سنة 886ه، وهي ألف وسبعمائة بيت. ~~(4) # وسبحة الأبرار في التصوف كذلك، وفيه قصص وأمثال كثيرة، ~~وقدمه للسلطان حسين. ~~(5) # يوسف وزليخا، وهو أسير منظومات الجامي أتمه سنة 888ه، ~~وقدمه للسلطان حسين. ~~(6) # ليلى والمجنون، ويشتمل على 3760 بيتا نظمها في أربعة أشهر ~~سنة 889ه. ~~(7) # خسرونامه سكندري، في الأخلاق والحكم، نظمها للسلطان ~~حسين. # ويضيق المقام عن التحدث في بعض منظوماته أو إيراد شيء من شعره، فأكتفي ~~بالحديث عن أقصر هذه المنظومات القصصية، قصة سلامان وأبسال، وهي قصة ~~رمزية صوفية، وهذه خلاصتها: # كان في بلاد اليونان ملك ذو شوكة، وكان في عهده حكيم يعترف الحكماء ~~بإمامته، وعرف الملك قدره فقربه واصطفاه واتبع مشورته في أموره كلها، ~~فسخرت له ممالك الأرض كلها، واستقر له السلطان، وسعد الناس بعدله ~~وسخائه. # وفكر الملك في أمر نفسه، ms0815 فرأى أنه ظفر بكل ما تمنى إلا ولدا يخلفه، ~~ويحيي ذكره، فأفضى للحكيم بأمنيته، وقال: لا نعمة أعظم من الولد. وبين ~~عون الولد لأبيه، ودفعه عنه في الحادثات. # فلما سمع الحكيم كلام الملك قال إن الولد لا يكون إلا بالشهوة، ومن ~~الشهوة يظلم العقل والفكر ويزين القبيح، وتذهب الحكمة من القلب، والنور ~~من العين. # وتكلم الشاعر في مضار الشهوة، وانتقل إلى ذم النساء، ووصفهن بالغدر ~~وكفر النعمة. # ودبر الحكيم تدبيره فأخذ نطفة من صلب الملك بغير شهوة، ووضعها في مكان ~~ملائم، فنشأ منها بعد تسعة أشهر طفل سوي. وفرح الملك به أي فرح، وسماه ~~سلامان واختار له مرضعة شابة، سنها دون العشرين اسمها أبسال، أوتيت من ~~الجمال ما يعجز عنه البيان، وقد وصف الشاعر جمالها وصفا مفصلا، وأحبت ~~المرضعة طفلها، بل جنت به. وافتنت في تنظيفه وتزيينه، وشغلت به ليلا ~~ونهارا، حتى بلغ الرابعة عشرة من عمره كالبدر في الرابعة عشرة من الشهر. ~~وشب سويا جميلا روعة للناظرين، وفتنة للمتأملين. # وكان من حدة الفهم والذكاء، وتصريف الكلام منثوره ومنظومه، وجودة الخط ~~موضع الإعجاب والتعجب. وقد أوتي حظا من كل حكمة، وحذق حكمة ~~اليونان. # وكان ذا ولع بتهيئة مجالس الطرب بالليل، وكان إذا لعب برأسه الشراب شارك ~~المغنيين والموسيقيين، «تارة يمزج صوت الناي بالسكر فيملأ الآذان ~~سكرا، وتارة يتناول الرباب، فيشعل النغمات التي تحرق الألباب. ويسلط ~~البندق الرطب على الوتر، فيرمي الأخضر واليابس بالشرر. وحينا يحتضن العود ~~كالطفل الصغير، ويعرك أذنه فيثير الأنات الحزينة، ويقطر الأهداب دما.» # وكان يسمر كل ليلة حتى السحر، وينام قليلا، ثم يخرج إلى الميدان صبحا ~~بين السكر والنوم. فيلعب بالكرة مع أترابه من بني الملوك، فيبزهم في تلقف ~~الكرة بالصولجان، لا تطيش له ضربة، ولا تخيب له عزمة. # ثم ينصرف إلى المناضلة فيوتر أقواسه ويرمي، فلولا السماء لجاوزت سهامه ~~الأفق، لا يسلم من سهمه غزال عداء، ولا طائر يخفق في جو السماء. # وهو في الجود والبذل بالغاية التي لا تدرك، إذا قيس به حاتم ومعن فهما ms0816 ~~بخيلان. # تعود بسط الكف حتى لو انه # ثناها لقبض لم تطعه أنامله ~~... إلخ. # وبلغ سلامان مبلغ الرجال، وحدثت أبسال نفسها به، وعز عليها مرامه، ~~فجعلت تتجمل له، لتعرض نفسها في فنون من الصور، وألوان من الجمال، لتأسر ~~قلب سلامان. # واستطرد الشاعر إلى قصة يوسف فقال إن زليخا أمرت، فبني لها قصر أبيض ~~ناصع، ثم أمرت نقاشا ماهرا أن يصورها في كل جانب منه. فلما راودت يوسف ~~كان كلما أعرض عنها رأى صورتها، ففتنته لولا أن رأى برهان ربه. # وعمل في سلامان جمالها وتجملها، وتزينها وتحيلها، ولكنه خاف ~~العاقبة، وآثر العافية، وخشي أن تذهب اللذة الزائلة بما يطمح إليه من جاه ~~وجلال. # ثم غلبه هوى أبسال فأذعن له، وطابت بينهما الصحبة، فأفضى اليوم إلى ~~الأسبوع، والأسبوع إلى الشهر، والشهر إلى السنة. # ولكن الدهر كان يناديهما بالغيب أن ليس من دأبي أن أترك الصفاء لأهله، كم ~~صحبة وصلتها نهارا، ثم قطعتها ليلا! وكم دولة طلعت بها مع الليل، وفي ~~الصباح سال بها السيل. # وانقطع سلامان عن لقاء الملك وحكيمه. فسألا حتى أخبرا الخبر، فدعواه ~~وسألاه فعرفا كنه الأمر، فعمدا إلى النصيحة، وكان من قول أبيه: ~~«لقد أدميت قلبي كالشقائق سنين، حتى نالت يدي وردة مثلك ... إنما يجدر بك ~~اللعب بالصولجان، وركض الخيل في الميدان، لا الإمساك بالطرر كالصوالج، ~~والقعود مع الغواني اللواعب. ويجدر بك أن ترمي الصيد فتصميه في البيداء، ~~لا أن تكون كالصيد غرضا لهذه الظباء، وأن تضرب بالسيف في صفوف الرجال، ~~وتقطع أعناق الأبطال، لا أن تفر من الشجعان، وتعرض رقبتك لسيوف النساء، ~~بالله يا بني دع هذا واطمح للمقصد الأسمى، وإلا قتلت أباك غما.» # فأجاب سلامان إنه طوع أمر والده، ورهن إشارته. وشكا إليه ما يلقى من حب ~~أبسال، وقال إنه مغلوب على أمره. # وقال الحكيم: ~~«إيه يا باكورة البستان القديم وآخر ما أبدع قلم التكوين، يا قارئ كتاب ~~السبع والأربع، # 9 # وعالم صفحات الليل والنهار! أنت خازن كنز آدم، وأنت نسخة هذا ~~العالم. اعرف نفسك ولا تحسبنها هملا، ms0817 فأنت أرفع من كل ما أقول. # إن الذي صورت جنتك يد قدرته كتب في قلبك حروف حكمته؛ فأنق صدرك من ~~نقوش الصور، ووجه هذه المرآة إلى المعاني الكبر، حتى يكون صدرك للمعاني ~~كنزا ومرآتك لنور المعرفة مظهرا ... # لقد كنت عالي المنزلة في مبدئك، وكان على الأفلاك موكبك، فرمتك شهوة ~~النفس من علاك، وجعلت حضيض التراب مثواك.» # وأجاب سلامان: ~~«يا من روح أفلاطون منه في حبور، وأرسطو لأمره أسير. كانت العقول عشرة ~~أول الأمر، فجعلتها أنت أحد عشر. # أنا سالك طريقك، وأصغر تلاميذك، ولكن لا يعزب عن رأيك المنير، أنه ليس ~~باختيار المسير. إن قدرة الفاعل على قدر القابل، وليست القابلية بجعل جاعل. ~~فكيف أنقطع آخرا، عما كنت له في بدايتي قابلا!» # وضاق الأمر على سلامان بما لقي من اللوم، وهجر الملك والحكيم وهرب مع ~~أبسال. # ويصف الشاعر ما يفعل اللوم بالعشاق، ويبين أن سلامان لم يجد بدا من ~~فراق وطنه، وأنه هيأ محملا له ولأبسال، وسارا لا يفترقان ليل نهار، حتى ~~أتيا بحرا واسعا عميقا مائجا، السمك فيه ظاهر جميل الألوان والأشكال، ~~يشق الماء كما يشق الديباج الأزرق بمقراض من الفضة. وأراد سلامان أن ~~يعبرا فوجد زورقا كالهلال، فركبا فيه مسرورين فصار الهلال منزلا للشمس ~~والقمر. وسار الزورق تملأ شراعه الريح كالبط يسبح على الماء، ويشق صفحة ~~البحر بصدره مسرعا إلى مقصده، له سرعة السهم وإن كان محنيا ~~كالقوس. # ولاحت وسط اللج غابة يعجز الوهم عن وصفها، اجتمعت فيها أصناف الطير ~~كله، أسرابا إثر أسراب، وأفواجا بعد أفواج، والأشجار ناضرة متشابكة، ~~والثمر في أصول الشجر يابسا وجنيا. وفي ظل كل شجرة ينبوع كعين الشمس، ~~والأغصان تهزها الريح فتنثر ما عليها من زهر وثمر. ~~«فلما رأى سلامان جمال المكان، كف عن السفر العنان، وأقام مع أبسال فيه ~~وادعين، ومن الخوف والرجاء فارغين، فرحين ممتزجين كالروح والبدن، ~~نضرين كالورد والسوسن، صحبة لا يعلق بها فساد الدخلاء، وراحة لا يشوبها ~~عناء. وورد لا يصحبه وخز الشوك، وكنز لا يقاربه نكز الثعبان. فهما ~~نائمان ms0818 في المرج كل آن، شاربان من الينابيع لا يفتران، تارة مع العنادل في ~~غناء، وأخرى في حديث حلو مع الببغاء، يجولان حينا مع الطاووس، ~~ويتبختران حينا مع الحجل. # وقصارى القول أنهما وصلا النهار بالليل في طرب وحبور وجذل. وماذا بعد ~~أن يؤنسك الحبيب، ويبعد عنك الحاسد والرقيب!» # وعرف الملك بعد حين خبرهما؛ فاشتد حزنه لهما، وتتبع أخبارهما، فلم يقف ~~لهما على أثر، فعمد إلى «مرآة العالم» التي يتجلى فيها كل شيء. وهي كقلب ~~العارف لا يخفى عليه ما في العالم من خير أو شر، فرآهما الملك في هذا ~~النعيم فرق لهما. # وازداد الملك على مر الزمان حسرة، ولم يرعو ابنه - معقد رجائه - عن ~~غيه. فوجه همته وفكره إلى سلامان، حتى حال على البعد بينه وبين ~~حبيبته. وكانت العاقبة أن عاود أباه معتذرا إليه مما جناه. # وذهب الفرح بالملك كل مذهب حين رأى وجه ابنه، وبالغ في الحفاوة به ~~وإعظامه وإكرامه، وقال له: # الملك لك فخذه، ولا تخرجه من سلالتك. انفض يدك من هذه الغانية، وامح من ~~يدك حناء هذه الجميلة. فما يجتمع تدبير الملك وعبادة الغانيات، فاختر أن ~~تكون ما تشاء، إما ملكا وإما زير نساء. # وفعلت النصيحة بسلامان فعلها، فضاق بالدنيا وضاقت به. فانطلق هو وأبسال ~~إلى البادية، وجمعا حطبا، وركما بعضه على بعض، حتى صار كالجبل، ثم أضرما ~~فيه النار، ونظرا إليها فرحين، ثم تقدما إليها فدخلاها غير ~~هائبين. # واطلع الملك على هذا بالغيب، فوجه همته إلى إهلاك أبسال وإنجاء سلامان، ~~فظفر بما أراد. ~~«كان هذا ذهبا، وكانت هذه غشا على الذهب، فبقي الذهب خالصا وذاب ~~الغش، إذا ألقي الذهب المغشوش في النار لم يعمل حرها إلا في غشه. إن ~~للرجال مددا من الله، فليس هذا من همة الرجال بعيدا. يعرف هذا كل ذي همة، ~~وإنما ينكره من لا همة له. ورأى سلامان أنه بقي واحترقت حبيبته، بقي جسما ~~بغير روح، فاضطرم في نفسه الحزن، وأرسل الآهات نارا، وأسال الدمع ~~مدرارا.» # وكلما جنه الليل في داره، أطال الحديث ms0819 مع خيال حبيبته: ~~«يا من أحرقني فراقه، وحرمت عيني جماله، كنت أنيس روحي سنين، وكنت ~~نور ناظري الحزين. # كان كل لصاحبه قرة عين، وكنا بالوصال سعيدين. عشنا فارغين من هم ~~الناس، لا نعرف أحدا ولا يعرفنا أحد، وقد كف الفلك يد جوره، وسارت ~~الأمور على هوى الفؤاد، يجمعنا الليل سرين، ويرانا النهار نجيين. ليت ~~النار حين اضطرمت، أحرقتني وأبقت عليك! ويلي قد احترقت وبقيت، ويلاه إنه ~~حظي العاثر. ليتني حم لي لقاء، وسلكت معك طريق الفناء، وخلصت من الوجود ~~الشقي، ووصلت إلى النعيم الأبدي!» # ونمى خبر سلامان إلى الملك، فذهب به الغم المذاهب. قال: وا رحمتاه ~~لسلامان! لقد كان مع أبسال في هم، وهو بدونها أسير الغم، كان في غم ~~بها، وهو في غم من دونها. إن قبة السماء دار غم عجاب، الخلو من الغم ~~فيها كذاب. حينما ضربت طيبة آدم، وخلعت عليها الصورة أمطر عليه سحاب ~~البلاء مطر الغم أربعين صباحا. فلما مضت الأربعون أمطر عليه الطرب يوما ~~واحدا. فلا يخلص من الغم إنسان، ولا يجد السرور إلا يوما واحدا من ~~أربعين، ثم تنتهي الأمور إلى السرور، ولكن يعلم العارفون أن هذا في الدار ~~الآخرة. # وبهظ الملك أمر سلامان، وعجز عن التدبير له فعرضه على الحكيم العالم، ~~وسأله أن ينقذه بحكمته. قال الحكيم: إن لم ينقض سلامان عهدي، ولم يخرج عن ~~أمري، رددت إليه أبسال عما قليل، وخلصته من هذا الحال الوبيل. أطب لأمره ~~أياما، وأرده نجي أبسال دواما. # وسمع سلامان هذا من الحكيم، فأسلس له قياده، وأخلص له طاعته، وفتح قلبه ~~لأمره. # فلما انقاد سلامان للحكيم أقبل عليه يعلمه ويفقهه، وأتى بالسحر في تلقينه ~~وتقويمه. وكان سلامان كلما ذكر أبسال صاح وناح. فصنع الحكيم صورة أبسال، ~~فكان يجلوها عليه كلما ثار به الوجد، فتسكن ثورته، فيزيل الحكيم ~~الصورة. ~~«إذا قويت همة العارف خلق ما يشاء غير عاجز، فإذا غفل عنه لحظة فارقته ~~صورة الوجود.» # وكان الحكيم بين الحين والحين يعرض في أحاديثه للزهرة يصف جمالها، ~~ومكانتها بين الأنجم، ms0820 ويحدث عن غنائها وطربها، وإصاخة الأفلاك ~~لأغانيها. # وكان سلامان يصغي إلى حديث الزهرة فيشرب قلبه الميل إليها. وازداد ~~الميل على تكرار الأحاديث. فلما آنس منه الحكيم هذا توجه إلى الزهرة، ~~فأثر فيها، حتى تجلت في جمالها كاملا، وفعلت فعلها في روح سلامان وقلبه؛ ~~فامحت صورة أبسال من ضميره، وتمكن حب الزهرة في قلبه. # رأى الحسن الباقي فأعرض عن الفاني، وآثر العيش الخالد على المتاع ~~البائد. # مبايعة الملك وأركان دولته سلامان بالملك # رأى الملك سلامان قد خلص من هذه المحنة، وسمت همته إلى المعالي، ففوض ~~إليه الملك. وأعد حفلا دعا إليه الملوك والكبراء ورؤساء الجند. وبويع في ~~هذا الحفل لسلامان، ووضع الملك التاج المرصع على رأسه، وأجلسه على عرش ~~من الذهب، وفوض إليه الأقاليم السبعة، وعلمه كيف يسوس الملك، وكتب له ~~وصية تليت على الحضور. # وهي وصية بليغة تتضمن سياسة الناس بالعدل، والعطف على المظلوم والقسوة ~~على الظالم، واختيار الوزراء والعمال، وتعرف أخبار الرعية كل حين. # مغزى القصة # في كل صورة من القصص حصة من المعنى لأهل الدقائق. وقد تمت صورة هذه ~~القصة، فعليك الظفر بمعناها. فليس الغرض منها القيل والقال بيننا وبينك، بل ~~كشف حالنا وحالك، ما المراد بالملك والحكيم؟ وسلامان هذا الذي ولده الملك ~~بغير صاحبة؟ ومن أبسال التي سعدت بسلامان؟ وما جبل النار والبحر؟ ومال ~~الملك الذي ناله سلامان حين صحا من حب أبسال؟ وما الزهرة التي سلبت ~~قلبه، وجلت عن المرآة صورة حبيبته؟ # استمع لشرحها واحدة واحدة، وكن من الفرق إلى القدم أذنا مصغية: ~~لما خلق الصانع الواحد هذا العالم، بدأ بالعقل الأول، وتمت العقول عشرة. ~~وعاشرها مؤثر في العالم. وهو لهذا يسمى العقل الفعال، وهو في العالم ~~مفيض الخير والشر، وكفيل بالنفع والضر، وهو مستغن عن الجسم والجسمانيات، ~~وهو بذاته وفعله منفصل عنها، يؤثر فيها دون اتصال. وروح الإنسان وليدة ~~تأثيره، ونفسه أسيرة تدبيره. هما طوع حكمه وغريق إحسانه، هو الملك الآمر ~~المؤمر، وسواه مأمور مسخر. # وهو المقصود بالملك في هذه القصة. وأما الحكيم فهو الفيض ms0821 الذي ينزل منه ~~على العالم، وروحه الطاهرة تسمى النفس الناطقة، وهي وليدة هذا العقل دون ~~صلة جسمانية. ومفارقة هذه الصلة الجسمانية هي التي كنى عنها بالولادة من ~~غير أب. # وهذا الوليد الطاهر سمي سلامان، وأما أبسال فهو هذا الجسم أسير الشهوة، ~~والخاضع لأحكام الطبيعة. # الجسم حي بالروح، والروح بالجسم تدرك المحسوسات. فكلاهما، من هذا، عاشق ~~صاحبه. # وما البحر الذي كانا فيه، وسعدا بالوصال في نواحيه؟ بحر الشهوات ~~الحيوانية، ولجة اللذات النفسانية. # عالم في موجه مستغرق، وهو في استغراقه بعيد عن الحق. وأما حرمان سلامان ~~من أبسال على قربها منه، فقد عني به تأثير الشيخوخة، وطي بساط ~~الشهوة. # وما ميل سلامان نحو الملك، وتوجهه إلى عرشه؟ # هو الميل إلى اللذات العقلية، والتوجه إلى مملكة العقل. # وما هذه النار؟ هي الرياضة الشاقة، إلى أن تحترق الطبيعة. # احترقت بها آثار الطبع، وبقيت الروح، وقد عزفت عن الشهوات ~~الحيوانية. # ولكن لإلفها هذا الطبع عمرا عاودها ألم فراقه بين الحين والحين. # ولهذا وصف الحكيم جمال الزهرة، وأوحى عشقها إلى نفسه، حتى سكن على مر ~~الزمان إليها، وخلا من عشق أبسال وهمها. فما الزهرة؟ هي الكمالات العليا، ~~التي تكمل الروح ببلوغها. # ومن هذا الجمال يصير العقل نورانيا، وملكا في الملك ~~الإنساني. # قد أجملت لك هذه الأسرار، واختصرت هذا المقال. فإن لم يكن لك من التفصيل ~~بد، فأعمل فكرك، حتى تتجلى لك الأسرار القديمة. # القسم الثاني: عصر الدولة الصفوية (907-1148ه) # 1 # الشاه عباس الأول أعظم الملوك الصفويين وعلى يده باز ~~للصيد. # كان صفي الدين الأردبيلي من أسرة علوية تنتسب إلى موسى الكاظم بن جعفر ~~الصادق، وبين صفي الدين وموسى تسعة عشر أبا. # وكان لصفي الدين هذا مكانة عظيمة في أردبيل وما حولها، يعظمه الناس ويقصدونه من ~~البلاد القريبة والبعيدة. # وتوفي في جيلان سنة 735ه، وخلفه أبناؤه وازدادت على مر الأيام مكانتهم وشوكتهم، ~~حتى حارب بعضهم لحماية طريقتهم ودعوتهم الشيعية، وقتل بعضهم في الحرب. # قتل الشيخ حيدر، وهو الحفيد الخامس لصفي الدين سنة 893ه، وترك أطفالا، أحدهم ~~عمره ms0822 سنة واحدة اسمه إسماعيل، وتقلبت الحوادث بإسماعيل، حتى بويع بالملك في تبريز ~~سنة 905ه، وسنه ثلاث عشرة سنة. # وكان هذا إيذانا بقيام دولة هي أعظم الدول التي تسلطت في إيران بعد الإسلام، وهي ~~الدولة التي سميت الصفوية نسبة إلى الشيخ صفي الدين أحد أجداد الأسرة التي ~~أقامتها. # وكان في إيران اثنا عشر أميرا متفرقين في أرجائها حين بويع إسماعيل في تبريز، ~~منهم أمراء من ذرية تيمورلنك. # وقد دانت البلاد سريعا لهذه الدولة الجديدة، فبلغت جيوش إسماعيل هراة بعد سنين ~~قليلة. وشمل ملكه ما بين نهر جيحون وخليج البصرة وأفغانستان ونهر الفرات. ودام ~~الملك لهذه الدولة زهاء قرنين ونصفا. وبلغت حدودها في عهد الشاه عباس الأول حدود ~~الدولة الساسانية القديمة. # وهذه الدولة تخالف الدول التي نشرت سلطانها على إيران قبلها من وجوه: # الأول: # أنها بسطت سلطانها على إيران كلها، واتخذت دار ملكها في إيران ~~نفسها. وكانت الدول قبلها تنشأ خارج إيران، ويمتد سلطانها على جانب ~~منها، أو تنشأ في إقليم من إيران وتسيطر عليه. # والثاني: # أنها نشرت المذهب الشيعي بالترغيب والترهيب، وجعلت من العصبية ~~المذهبية عصبية سياسية في نزاعها مع الأمم المجاورة، ولا سيما ~~الترك العثمانيين. # والثالث: # أنها كانت في التاريخ الإيراني صلة بين العصور القديمة والعصور ~~الحديثة، واتصلت بدول أوروبا وغيرها، وقبست من الحضارة ~~الأوروبية. # ولهذه الدولة آثار جليلة تشهد بعمران البلاد في عهدها وازدهار الصناعات. # وأعظم آثارها في أصفهان، التي اتخذها الشاه عباس الأول ومن بعده دار الملك، ~~فاتسع عمرانها، وبنيت فيها المساجد والقصور التي لا تزال قائمة يتجلى فيها الجمال ~~والجلال. وقد زخرت أصفهان بالعمران، حتى شاع بين الفرس هذا القول: # إصفهان نصف جهان (إصفهان نصف الدنيا). # ونبغ في هذا العصر كبار المصورين مثل رضاي عباسي، ولا تزال آثارهم زينة في ~~القصور القديمة والكتب. ~~(3-1) المذهب الشيعي # جد الصفويون في نشر المذهب الشيعي بالترغيب والترهيب. وقسوا على الناس في ~~هذا قسوة شديدة، واصطنعوا لتبليغ دعوتهم علماء كثيرين من أهل إيران ومن ~~البلاد العربية. فانحاز إليهم علماء الشيعة من ms0823 البلاد الإسلامية الأخرى، ولا ~~سيما جبل عامل من بلاد الشام، والبحرين، فرحين بالدولة القائمة على مذهبهم، ~~الداعية إليه، والناصرة له بالسيف. وتعاونت الدولة والعلماء على إدخال الناس في ~~التشيع طوعا وكرها، وجد العلماء في تأليف الكتب المبسوطة والموجزة، ووضحوا ~~أصول المذهب وفروعه. # وكان أكثر هذه المؤلفات بالعربية، وقليل منها بالفارسية؛ إذ كانت العربية ~~لسان العلم إلى ذلك العصر. # وقد بالغ الملوك الصفويون في إكبار المجتهدين وتعظيمهم، واعتقدوا أنهم نواب ~~الإمام المعصوم أو المهدي المنتظر صاحب الزمان (عجل الله فرجه). # روي أن ملا عبد الله التوني سار راكبا في ميدان الشاه بأصفهان وأمامه عباس ~~الأول أعظم السلاطين الصفويين ماشيا، ليرى الناس منزلته وقوته. # وكذلك روي أن الأمير محمد علي ميرزا أعطى مجتهدين كلا منهما ألف تومان؛ ~~ليكتبا له دعاء يضعان عليه توقيعهما ويختمانه، يضمن به مكانا في الجنة. فلما ~~تردد أحد المجتهدين - السيد رضا - قال له الأمير: اكتب الوثيقة، وأشهد عليها ~~علماء النجف وكربلاء أنل ذلك المكان من الله سبحانه وتعالى. # ويروى أن أحد ضباط الشاه عباس الكبير اقترف ذنبا، فاستشفع الملا أحمد ~~الأردبيلي، فكتب الشيخ إلى الشاه عباس: # يعلم باني ملك العارية عباس أن هذا الرجل إن كان ظالما أول الأمر ~~فهو الآن في صورة المظلوم، فإن غفرت ذنبه فلعل الحق سبحانه وتعالى يغفر ~~ذنوبك. # كتبه عبد سلطان الولاية # 10 ~~(بنده شاه ولايت) أحمد الأردبيلي # فأجاب الشاه عباس: # يعرض عباس أنه عد الخدمة التي أمرتم بها منة فأنفذها، لا ينسي هذا ~~المحب من دعاء الخير. # كتبه كلب أستانة (عتبة) علي، عباس # وسيطر المجتهدون على الناس، وعظم سلطانهم فأمروا ونهوا، وأحيوا وأماتوا. روي ~~أن حجة الإسلام محمد باقر قتل سبعين، وعرف من بعد محمد علي - وكان معاصرا ~~لكريم خان زند - باسم قاتل الصوفية (صوفي كش) لكثرة من قتل منهم. # والخلاصة أن المجتهدين بلغوا من السلطان والتمكن في نفوس العامة والخاصة ما ~~جعلهم ذوي الكلمة العليا في المملكة. فكان أكبر أمل الناشئ من طلبة العلم أن ~~يبلغ يوما رتبة الاجتهاد أو يقاربها، ms0824 فتوجهت الهمم إلى العلوم الدينية، ~~وانصرفت على الأدب. وأشبهت المملكة كلها مدرسة دينية يدبر أمرها ~~المجتهدون. ~~(3-2) الأدب في عهد الصفويين # 1 # اتفقت كلمة مؤرخي الآداب الفارسية على أن عصر الصفويين - على عظمة ملوكه، ~~واتساع عمرانه، وازدهار صناعاته - كان عصر كساد في الأدب الإيراني. # ذلكم أن سلاطين الصفويين كانوا ~~حماة المذهب الشيعي، فصرفوا همتهم إلى نشره وتأييده. ودعوا الأدباء إلى مدح ~~الأئمة العلويين ورثائهم، والتحسر لما أصابهم. ولم يشجعوا الشعراء على ~~النظم في فنون الشعر المألوفة التي سار عليها شعراء إيران من قبل. # كان الصفويون، ولا سيما طهماسب وعباس الأول، يحرضون الشعراء على مدح ~~آل البيت ورثائهم. # روي أن محتشما الكاشاني نظم قصيدة بليغة يمدح بها الشاه طهماسب، ~~وأرسلها إليه من كاشان. فقال: «لا يرضيني أن يشغل الشعراء بمدحي. فينبغي ~~أن يمدحوا صاحب الولاية والأئمة المعصومين. ويلتمسوا الصلة من أرواحهم ~~المقدسة قبل أن يلتمسوها منا.» فنظم محتشم موشحه المسمى هفت بند في رثاء آل ~~البيت، ونال الصلة التي كان يرجوها، وتبعه شعراء زمانه، فنظم كثير منهم ~~موشحا سباعيا (هفت بند). # ولإعراض الصفويين عن الشعر، كسد في إيران، فقصد الشعراء بمدائحهم سلاطين ~~الدولة التيمورية في الهند (الدولة المغولية)، فلقوا من الكرامة والعطاء ما ~~فاتهم في بلادهم. وقد عد البداءوني زهاء مائة وسبعين شاعرا من أصل ~~إيراني مدحوا هؤلاء السلاطين، ونالوا جوائزهم. وذكر الشيخ شبلي النعماني في ~~كتابه «شعر العجم» واحدا وخمسين شاعرا هاجروا من إيران إلى الهند في عصر ~~جلال الدين أكبر (963-1014ه)، وحظوا بلقاء السلطان ومدحه. # وقد جمع شبلي أبياتا من الشعر الفارسي تبين عن حنين شعراء الفارسية في ~~ذلك العصر إلى بلاد الهند، وتمنيهم أن يظفروا بالسفر إليها، منها قول ~~صائب: «لا يخلو رأس من الفكر في حبك كما لا يخلو قلب من أمل السفر إلى ~~الهند.» # ومن أعظم شعراء الفرس الذين هاجروا إلى الهند عرفي الشيرازي وصائب ~~الأصفهاني، هاجر الأول في صباه، واتصل بجلال الدين أكبر، وتوفي في الهند ~~سنة 999ه في سن السادسة والثلاثين. وسيأتي ذكر الثاني. ms0825 # 2 # ومع هذا فلم تخل هذه العصور من شعراء مجيدين ساروا على نهج سلفهم، ~~وحفظوا سنن الشعر الفارسي، ونظموا في القصص والتصوف كعهدنا بالعصور ~~الماضية، إلى موضوعات الشعر الأخرى. # فالشاعر هلالي المتوفى 935ه نظم قصة الملك والسائل (شاه وكدا) ومنظومة ~~أخرى سماها صفات العاشقين، ووحشي المتوفى سنة 991ه، وهو أحد شعراء الشاه ~~طهماسب، نظم منظومتين سماهما الخلد الأعلى (خلد برين) والناظر ~~والمنظور، كما نظم قصة فرهاد وشيرين التي أولع شعراء الفرس بنظمها، ولكنه ~~خلف هذه القصة غير كاملة، حتى انتدب لها الشاعر وصال فأتمها سنة 1265ه بعد ~~ما يقارب قرنين من نظمها. # ومن شعراء هذا العصر شوكت البخاري المتوفى 1107ه، وهو ذو مكانة عالية ~~عند الشعراء العثمانيين. ومنهم فضولي البغدادي أحد شعراء القرن العاشر ~~الهجري (توفي 970ه)، وهو شاعر بالألسن الثلاثة: العربية والفارسية ~~والتركية، ولكنه غلبت شهرته بالشعر التركي، وشعره مثال بين لما بين ~~الآداب الثلاثة من اتصال. # وله منظومة ليلى والمجنون باللغة التركية، وقد ترجم كتاب حسين واعظ ~~الكاشفي المسمى «روضة الشهداء» إلى اللغة التركية، وسماه «حديقة السعداء»، ~~وهو في ذكر الشهداء من آل البيت النبوي. # ومن أدباء هذا العصر وعلمائه الشيخ بهاء الدين العاملي صاحب المخلاة ~~والكشكول في اللغة العربية، وله منظومات فارسية مختلفة يغلب عليها ~~التصوف، وستأتي ترجمته. ومنهم ملا محسن فيض الكاشاني، وهو شاعر ~~متصوف. # ولا بد للباحث، مهما أوجز، من الاهتمام بموضوع حديث في أدب هذا العصر ~~هو: مراثي آل البيت، وموضوع قديم هو التصوف. ~~(3-3) مراثي أهل البيت # لم تزد فنون الشعر الفارسي في هذا العصر، ولم تخرج عن النهج الذي سلكه السلف ~~من شعراء الفرس، ولم يبلغ شعراء العصر شأو من تقدمهم، إلا فنا واحدا عني به ~~شعراء الفرس منذ ذلك العصر، ووسعوه وافتنوا فيه على مر الزمان، وفاقوا فيه ~~من سبقهم من الشعراء، وهو رثاء آل البيت، فهو أولى فنون الشعر بالكلام في هذا ~~العصر: # أ # كانت واقعة كربلاء مثار غم وحزن في نفوس كثير من المسلمين، وتلتها ~~وقائع زادت هذه النفوس ms0826 غما وحزنا. # وقد وجدت هذه الوقائع أول ترجمان بليغ لها في الشاعر العربي الأسدي ~~الكميت بن زيد. # وقفى شعراء العربية على أثره، وكان أبعدهم صيتا في هذا الأمر السيد ~~الحميري من شعراء القرن الثاني الهجري، ودعبل الخزاعي من شعراء القرن ~~الثالث، والشريف الرضي من شعراء القرن الرابع. # ب # وانتقل هذا الفن إلى الفارسية، ~~فنظم فيه الشعراء بين مقل ومكثر، حتى كان هذا العصر الذي نؤرخه - عصر ~~الصفويين - فوجه السلاطين الشعراء إلى رثاء آل البيت وحرضوهم عليه. ~~فأكثروا فيه وتفننوا، وعالجوه بما عرف في الشعر الفارسي من الإطناب ~~والغلو. # وكان من السابقين إليه المبرزين فيه محتشم الكاشاني، ومن شعره السائر ~~في المراثي موشحه المعروف «هفت بند». # وفيه ستة وتسعون بيتا مقسمة على اثني عشر قسما، في كل قسم سبعة أبيات ~~على روي واحد والثامن مطلق. وبهذه السبعات المتفقة في الروي سمي هذا ~~الموشح هفت بند. وقد ترجمت منه الفاتحة والخاتمة وأربعة أقسام أخرى، ~~وحاولت أن أجعل النثر في الترجمة مسايرا للشعر في الأصل على قدر الإمكان، ~~فحافظت على الرديف، وهو الكلمة المكررة في أواخر الأبيات، وجعلت كل بيت في ~~سطر. # 1 # ماذا الهياج في العالم، وماذا النواح والبكاء والمأتم؟ # ما هذه القيامة الهائلة تصعد إلى العرش من الأرض، ولم ينفخ في ~~الصور ليوم العرض؟ # من أين تنفس هذا الصبح المظلم، فماج به الناس والعالم في ~~غم؟ # أترى الشمس قد طلعت من المغرب، فذرات العوالم كلها تهيج ~~وتضطرب؟ # إنها قيامة الدنيا لا جرم، هذه القارعة المسماة ~~بالمحرم. # إن ملكوت القدس وليس مكان جزع، سمدت فيه الملائكة من ~~الهلع، # والملك والجن في نواح دائم، يشاركون في مأتم أشرف بني ~~آدم؛ # شمس السماء والأرض نور المشرقين، # ربيب صدر رسول الله الحسين. # إلى أن يقول: # 2 # ليت سرادق السماء خوى، وليت هذا السقف الرفيع هوى! # ليت سيلا أسود عم الأقطار، وطلا وجه الأرض بالقار! # ليت شعلة من آهات أهل البيت المحرقة، رمت هذه السماء ~~بصاعقة! # ليته، وقد تحرك الفلك بهذا المصاب، ظل وجه الأرض كالزئبق ms0827 في ~~اضطراب! # ليته حينما دخل جسمه في الرغام، خرجت أرواح الخلائق من ~~الأجسام! # ليته حين فلك أهل البيت انحطم، غرق العالم في بحر من ~~الدم! # إن لم يقع هذا الانتقام بالدهر، فكيف تكون مؤاخذة الدهر يوم ~~الحشر؟! # إن بيت النبي حين يرفع أيديه يتظلم # يزلزل أركان العرش الأعظم. # ثم يقول بعد أربعة أقسام: # 3 # ولما بلغت هذه القافلة الميدان، ثارت ضوضاء الحشر في الكون ~~والمكان، # ودوت بالنواح ست الجهات، وعم البكاء ملائك سبع ~~السموات، # لم يبق في البادية غزال إلا شلت رجله، ولا طائر إلا هوى من ~~عشه، # وكانت قيامة تنسي القيامة الأخرى، حين وقعت عيون آل البيت على ~~القتلى. # فما تقلبت العين من أجسام الشهداء، إلا على ضربة أو طعنة ~~نكراء! # ووقعت بغتة عين بنت الزهراء، على جسد إمام الزمان في ~~العراء؛ # فصاحت: «هذا الحسين»، بغير اختيار، فاشتعلت في العالم كله ~~النار! # ثم رجعت شاكية بضعة البتول # إلى المدينة تقول: يأيها الرسول، # 4 # هذا القتيل الملقى في البيدا، حسينك، هذا الصيد المضرج بالدماء ~~حسينك! # هذه الشجرة الناضرة التي بنار العطش، صعدت الدخان من الأرض إلى ~~العرش، حسينك! # هذا القمر الساقط في بحر من الدم، وجروحه تربي على عدد الأنجم، ~~حسينك! # هذا الغريق في محيط الشهادة، وقد تورد من موج دمائه وجه ~~البادية، حسينك! # هذا الظمآن المحروم من الفرات الميمون، وقد صارت الأرض من دمه ~~جيحون، حسينك! # هذا الملك القليل الجند الذي خرج من الدنيا الخدوع، بجيش الآهات ~~والدموع، حسينك! # هذا القالب الملقى بغير كفن، الملك الشهيد الذي لم يدفن، حسينك! # ثم توجهت شطر البقيع تخاطب الزهراء؛ # فأحرقت سمك البحر وطير الهواء. # 5 # يا أنس القلوب الكسيرة إلينا انظري، غرباء بغير صديق ولا عشيرة، ~~إلينا انظري! # انظري أولادك شفعاء المحشر، في صولة قلوب قاسية كالحجر، ~~انظري! # لا لا! تعالي كالسحاب الراعد إلى كربلاء، وإلى طغيان سيل الفتنة ~~وموج البلاء، انظري! # انظري أجساد القتلى في الدم والتراب، ورءوس الرؤساء على الحراب، ~~انظري! # ذلك الرأس الذي كان مكانه كتف المصطفى، فصلته من ms0828 كتفه طعنات ~~العدى، فانظري! # وذلك الجسد الذي كان صدرك مرباه، يتدحرج في تراب كربلاء، ويلاه، ~~فانظري! # ويختم التركيب بهذا القسم: # 6 # صمتا محتشم! فقد ذاب قلب الحجر، وزلزل العزاء وعيل ~~المصطبر. # صمتا محتشم! فمن هذا الكلام الذي يقطر الدماء، احترق طائر ~~الهواء وحوت الدأماء. # صمتا محتشم! فمن هذا الكلام ذي الشرر، فاضت عيون السامعين بصافي ~~الدرر. # صمتا محتشم! فمن هذا الشعر المثير البكاء، تخضب وجه الأرض ~~بدموع مازجتها من القلوب دماء. # صمتا محتشم! فمن هياجك صار نور الشمس، كاسفا كالقمراء في ~~الحندس. # صمتا محتشم! فقد بكى الفلك بالدم، حتى جاش البحر بحباب ~~كالعندم. # صمتا محتشم! فمن غبار غم الحسين القتيل، احتجب من وجه الرسول ~~جبريل. # لم يقترف الفلك الغادر كهذا الإثم منذ كان، # ولم يقس هذه القسوة على مر الزمان. # عنى محتشم بهذه المراثي المبكية المفظعة التي يملؤها ~~النواح والبكاء، والدموع والدماء، ويسيطر فيها الغلو والإغراق. وسار ~~شعراء على هذا النهج، وافتنوا في الرثاء، وعنوا بالحوار في المراثي ~~ويسروها للتمثيل. فنشأت قصص منظومة تمثيلية كمل تطورها في العصر الذي ~~يلي هذا العصر الذي نؤرخه، وهو عصر القاجاريين، وكان لها على العامة تأثير ~~بالغ يبكون لسماعها وينوحون، ويلطمون الخدود ويلتدمون، ويبلغ بهم الهياج ~~أحيانا حد الجنون. ~~(3-4) التصوف # لم يخل الشعر الفارسي في هذا العصر من شعر صوفي صريح، واستمرت النزعة ~~الصوفية واضحة في الشعر الفارسي كله، ولكن المؤرخ لا يظفر في هذا العصر بشاعر ~~صوفي يلحق كبار الشعراء الذين نشأتهم العصور الماضية مثل سنائي والعطار ~~والرومي والجامي. # وكان من أسباب هذا بغض الصفويين للصوفية، وقسوتهم عليهم، والعداء بين شيعة ~~ذلك العهد عامة وبين الصوفية. # وحسبنا أن ننقل هنا كلام المجلسي أحد أكابر مجتهدي الشيعة في العصر الصفوي. ~~فقد قال وهو يدفع عن أبيه تهمة التصوف: «لا يسيئن أحد الظن بأبي، فيتوهم ~~أنه كان من الصوفية. كلا، ما كان منهم، فقد عرفت أحوال أبي سرا وعلانية، ~~وأحطت بعقائده. كان أبي سيئ الظن بهم، ولكنه في أول أمره حينما كان الصوفية في ms0829 ~~عنفوان قوتهم، انتظم في صفوفهم ليستطيع أن يمحو ويستأصل جذور هذه الشجرة ~~الخبيثة الزقومية، فلما أخمد نار عارهم صرح بما يكن في نفسه.» # وقد كتب كثير من علماء الشيعة في الطعن على الصوفية والتشنيع عليهم، وأثاروا ~~عليهم العامة فقتل كثير منهم. # فقد نال الصوفية من الاضطهاد، وأصاب شعرهم من الكساد في دولة الصفويين ما نال ~~كثيرا من فروع الفكر والأدب الأخرى. # وفي التصوف تجلى نبوغ شعراء الفرس، والشعر الصوفي أجمل أشعارهم وأعلاها، ~~وأرقها وأعمقها؛ فكان من العدوان على الصوفية أن نال الشعر الصوفي خاصة ~~والشعر الفارسي عامة ما ناله من فتور وخمود. # ولكن الصفويين - وإن بطشوا بالصوفية - لم يمحوا من الأدب الفارسي هذه النزعة ~~الروحية التي شاعت فيه، ولم يطمسوا هذه الصور الجميلة التي أبدعها فيه شعراء ~~التصوف العظام. فما خلا الشعر الفارسي في جملته من نفحات التصوف، حتى عصرنا ~~هذا، وما خلا أدباء الفرس من متصوفين في العصور كلها. # وحسبي هنا مثلا من الشعر الصوفي في العصر الصفوي وما تلاه، موشح هاتف ~~الأصفهاني المسمى «ترجيع بند»، والترجيع اصطلاح في الأدب الفارسي لموشح ~~يكرر فيه بيت بعينه بعد كل قسم من أقسامه. # هاتف عاش أكثر عمره بعد زوال دولة الصفويين، ولكنه عاش في آثار هذه الدولة، ~~وفي الأحوال الأدبية التي سيطرت في عهدها. # السيد أحمد هاتف الأصفهاني من أسرة آذرية الأصل، ولكنه ولد في أصفهان وعاش ~~بها أكثر عمره، وأمضى سنين في قم وكاشان. # وطلب العلم في صباه وبرع في اللغة العربية، ويروى أن له فيها شعرا، وكان له ~~منزلة في الأدب بين معاصريه. # وتوفي في مدينة قم سنة 1189ه. # وله ديوان فيه قصائد وغزليات ورباعيات، وهو في الغزل يسير على آثار سعدي ~~وحافظ. وله مراث بليغة يرثي بها أصدقاءه وكبراء عصره. # وصيت هاتف في الأدب يرجع معظمه إلى ترجيعه الصوفي، فهو من الشعراء الذين ~~أذاعت بصيتهم منظومة واحدة، وهم في تاريخ الأدب كثير. # ولعل هذا الفصل الذي أكتبه عن الأدب الفارسي في كتاب قصة الأدب، لا يتسع ~~لترجيع طويل ms0830 كهذا، ولكن لا بد منه للتمثيل، ولا يحسن الاكتفاء بجزء منه، فقد ~~ترجم إلى العربية لأول مرة أثناء كتابة هذا الفصل، فينبغي أن يقدم تحفة ~~لقراء الكتاب على طوله. # وليس هاتف مبتكرا في ترجيعه، فقد سبقه شعراء التصوف فلم يدعوا لقائل بعدهم ~~مقالا، وفي ترجيعه هذا معان وألفاظ من شعر العطار، وجلال الدين الرومي، ~~وأوحدي المراغي، وغيرهم من أئمة الشعر الصوفي، ولكن حسب هاتف أنه ارتفع إلى هذه ~~الطبقة، فأحسن محاكاتها، وعارض أشعارها معارضة شاعر مطبوع، لا ناظم مقلد. ~~(3-5) موشح هاتف # 1 # يا فداك الأرواح والأبدان # وهي نثر الطريق لا العقيان # مالك القلب! في فدائك قلبي # مالك الروح! مهجتي قربان # مخلص القلب من يديك عسير # ويسير للروح فيك امتهان # ملء طرقي إلى وصالك هول # داء عشقي يعيا به الحسبان # أعبد، روحنا فداك ورهن ال # أمر منك العيون والآذان # ذا فؤادي إن شئت صلحا، وروحي # إن تر الحرب، كلنا إذعان # طاف بي الشوق والصبابة وهنا # هائم القلب، والهوى حيران # وانتهى بي هوى الحبيب لدير # فيه جمع المجوس والرهبان # خلوة جئت - لا رأت عين سوء - # عندها الحق ضاء لا النيران # ورأيت النار التي راء موسى # ليلة الطور والدجى ضحيان # يوقد النار بالتبتل شيخ # حوله من مجوسه ولدان # كل فضي العذار والخد ورد # مبسم ضيق، وحلو لسان # ورباب والناي والعود والشم # ع ونقل والراح والريحان # ويدير الكئوس كالبدر ساق # فكه مطرب له ألحان # وشيوخ المجوس والولد والمو # بذ كل أمامه غلمان # ومن الدين قد عراني حياء # فتنحيت أن يراني العيان # سأل الشيخ: من ترون؟ فقالوا: # عاشق عيل صبره ولهان # قال: كأسا من الرحيق وإن لم # يدع في الشرب ذلك الندمان # صب نارا في الكأس ناري كف # 11 # عابد النار كأسه ملآن # ضل حين احتسيت عقلي وحسي # أحرق الكفر في والإيمان # سقط السكر بي، وفي ذلك السكر # بلفظ يعيا به التبيان # قال هذا الكلام لي كل عضو # في حتى الوريد والشريان: # واحد ليس في الوجود سواه # وحده لا إله إلا هو # 2 # لست ms0831 يا خل صارما منك حبلي # لا وإن فيك قطعت أوصالي # فمئات الأرواح منا تفدي # بسمة حلوة بفيك الحالي # يا أبا في الغرام يكثر نصحي # لن ترى الابن أهل هذا المقال # ينصح الناس بالسلو فهلا # نصحوني بعشقك القتال # أنا نحو النجاة أعرف نهجي # ما احتيالي؟ علقت بالأحبال # راعني في الكنيس ظبي النصارى # قلت: يا آسر القلوب الخالي # في خيوط الزنار قد شد شعري # شعرة شعرة بهذا الجمال # عن طريق التوحيد حتام تجفو # وإلام التثليث يا ذا المحال؟ # كيف يسمى الحق الوحيد بروح # وأب وابنه لدى الضلال # فتح الثغر ساحرا بكلام # في ابتسام ينسيك عذب الزلال # لو بسر التوحيد كنت خبيرا # تهمة الكفر لم تدر بالبال # في ثلاث من المرايا شعاع # من محيا الجميل في الآزال # أنت تدعو الحرير خزا وديبا # جا وإبريسما على أقوال # بينما نحن في الحديث إذ النا # قوس دوى لنا بلحن عال: # واحد ليس في الوجوه سواه # وحده لا إله إلا هو # 3 # جئت بالأمس حانة للمدام # وبقلبي للعشق وقد الضرام # مجلسا جئت ذا بهاء ونور # بائع الخمر رأس هذا النظام # وقف الخادمون صفا فصفا # ومن الشرب حلقة في انتظام # جلس الشرب حول شيخ مهيب # بين سكر ودهشة الأحلام # طاهرو القلب، والسريرة ود # صمتوا والقلوب فيض كلام # كل عين، من العناية، للحق # وأذن للسر والإلهام # قول هذا لذلك: اشرب هنيئا # وهناك الشراب رد الندام # أذن للرباب، والعين للكا # س وطوع اليدين كل مرام # فتقدمت قائلا في خشوع # يا نجي الملائك الأعلام # عاشق موجع يريد معينا # فانظرن ما دواء هذا السقام # ضحك الشيخ قائلا: إيه يا من # لك شيخ العقول في الخدام # أين منا أنت الذي من حياء # منك بنت الكروم رهن اللثام # قلت: في الروح شعلة هات ماء # يطفئ النار وهي ذات ضرام # هذه النار أحرقتني أمس # ليت كالأمس ليلتي في الغرام # ضاحكا قال: هاك كأسا فلما # نلتها قال: خف كثير المدام # فتجرعت جرعة خلصتني # من شعوري ومحنة الأفهام # ثم أبصرت واحدا ما سواه # ليس غير الخطوط والأرقام ms0832 # بغتة من صوامع الكون أسمع # ت حديث المقربين الكرام: # واحد ليس في الوجود سواه # وحده لا إله إلا هو # 4 # افتح القلب تبصر الروح جهرا # والذي لا يرى تراه مقرا # إن توجه لساحة العشق وجها # تر كل الآفاق وردا وعطرا # وتر الأنجم العلى دائرات # بمنى أهل هذه الأرض طرا # والذي يبتغي الفؤاد تراه # وكذا كل ما ترى العين سرا # وترى السائل الذي لا تبالي # يزدري ملك ذلك الكون كبرا # وترى للحفاة أقدام صدق # في ذرى الفرقدين تخطر خطرا # وترى حاسري الرءوس وظل ال # عرش فوق الرءوس يبسط سترا # وترى كل واجد في سماع # نفضت كفه العوالم حرا # وترى الشمس حين يسفر عنها # كل قلب لذرة حين تفرى # وترى العشق كيمياء لروح # إن تذبها في وقدة العشق حرى # وترى ملك «لا مكان» فسيحا # إن تجد من ضيق الجهات مفرا # والذي لا ترى العيون تراه # سامعا ما اختفى عن الأذن سرا # وإلى أن ترى من الخلق والعا # لم فردا له الفؤاد أقرا # أخلص الروح والفؤاد لفرد # تر عين اليقين سرا وجهرا: # واحد ليس في الوجود سواه # وحده لا إله إلا هو # 5 # وجهه من مشارق الأنوار # في تجليه يا أولي الأبصار # في متوع النهار تطلب شمسا؟ # أنت في الليل من ضياء النهار # خلص النفس من ظلامك تبصر # كل شيء يفيض بالأنوار # قائدا تبغي والعصا كالأعمى # في طريق أضاء للتسيار # ألف لون، والماء في غير لون، # لك تبدو في الورد والأزهار # في طريق الطلاب أقدم جريئا # وتزود بالعشق للأسفار # رب أمر في العشق يبدو يسيرا # وهو في العقل عقدة النظار # قل «حبيبي» بغدوة وأصيل # واطلبن بالعشي والإبكار # إن يقل ألف مرة: لن تراني # فاجعل الوجه قبلة الأنظار # لتنال المكان تعجز عنه # قدم الوهم أو رؤى الأفكار # وترى في حضرة ليس فيها # جبرئيل الأمين في الحضار # ذلك الزاد والطريق وذا المن # زل أقدم إن كنت أهل خطار # وإذا للطريق لم تك أهلا # قل حبيبي، ونم إلى الأعذار # هاتف! العارفون حين دعوهم # أهل صحو حينا ms0833 وصرعى عقار # من مدام ومطرب وسقاة # ومجوس والدير والزنار # قصدوا رامزين أسرار غيب # هي بين الإيماء والإظهار # إن يلح سرهم لقلبك تعلم # إن هذا لسر ذي الأسرار: # واحد ليس في الوجوه سواه # وحده لا إله إلا هو # وأختم هذا الفصل بالكلام عن شاعر من ~~أكبر شعراء الفرس في العصر الصفوي، وعالم أديب من أكبر علمائهم ~~وأدبائهم: ~~(3-6) صائب الأصفهاني # ولد في قرية عباس آباد على مقربة من أصفهان وحصل العلم في هذه المدينة. ~~وسافر في شبابه إلى الهند، وكانت مطمح أدباء الفرس وشعرائهم، ولحق به أبوه ~~فرده إلى أصفهان. ونبه شأنه هناك واتصل بالشاه عباس الثاني الصفوي ~~(1052-1077ه)، وتوفي بأصفهان. # وله مختارات من الشعر الفارسي دلت على سعة اطلاعه وحسن ذوقه، ويشبهه ~~الشيخ شبلي النعماني بأبي تمام في هذا الاختيار. # وكان صائب معجبا بحافظ يتخذه إماما، فظهرت في شعره مشابه من شعر حافظ، من ~~بعد الغور ودقة التصوير وجمال التعبير. # وله ديوان كبير متداول مخطوط ومطبوع. # وفي شعر صائب تتجلى القوة الروحية، والعظمة النفسية، التي تهزأ بما تلقى من ~~محن وشدائد، وتعلو على كل رغبة ورهبة في هذه الدنيا، وهو في هذا يشبه جلال ~~الدين الرومي، ومحمد إقبال شاعر الهند في العصر الحاضر. وإقبال يكرر القول ~~إنه من نفحات جلال الدين، وصائب يذكر في مواضع من كتبه «مرشد الروم» يعني جلال ~~الدين، معظما له معجبا به. # وهذه أمثلة قليلة من شعر صائب ذهبت ~~الترجمة المنثورة بكثير من جمالها وروعتها: # 1 # تلون براعيم القلوب أنفاسنا، وتأبى عار الرنين أجراسنا. # 12 # إن هيجان الربيع كامن في عالمنا الحائر، وإن بدا يابسا قفصنا # 13 # الظاهر. # عطلنا زينة المرج الناضر، وشوكنا نظام الروض العاطر. # نصعد كصدر الشمس أنفاسنا ناضجة، لا كأنفاس الصباح ~~الباردة. # استيقظ الورد المصور من نوح البلابل، وكذلك إمدادنا للربيع ~~النائم. # أشفق قلب العشق من فجاجتنا، ودمى قلب البستان من غض ثمارنا. # 14 # كل برعوم ضحك بنفسنا اللطيف، لا يبرد قلبه الحار برياح ~~الخريف. # 2 # لست ممن يحلفون بالذهب والنثار، إنما تحفة ms0834 المحترفين قبضة من ~~شرار، # لا أتخذ البساتين والحصون في البلاد، إنما بستاني البيداء وحصوني ~~الأطواد. # تدارك من أظلمت أيامهم بسراج يبعث النور، ليكون شمعا على قبرك ~~المهجور. # إن شوكا من أجل الناس ترفعه، ينقلب ربيعا في ترابك ~~منبعه. # إن تصب قلب نملة بغم يسير، أوقظت في قبرك للحساب ~~العسير. # 3 # جرحنا يتحدى الخنجر، وزجاجنا يصادم الحجر. # إن شوق الساقطين في طريق العشق، يأخذ القدم ويمنح الجناح ~~برفق. # اليأس أول أملنا، وإنما يثمر حين يذبل، نخلنا. # لا يحرم العنكبوت صيد الذباب، يعطي الرزق جناحا ذلك الرازق ~~الوهاب ... إلخ. # 4 # الفلك من تجملنا بغير قرار، والسيف من تحملنا في نار. # بلغت أوج الشمس قطرة الندى، كذلك تنزلنا في رقي على ~~المدى. # نبلغ المطالب بالانكسار، ولنا من الانكسار سلم كموج ~~البحار. # حتام الشكوى من عناء الشباك، إن في هذا العناء روح ~~الإدراك. # يا صائب! من الأفكار شعر ذو ألوان، ومن تغريد بلبلنا هذا الروض ~~ذو أفنان. # ومن علماء هذا العصر وأدبائه الذين تتمثل فيهم الثقافة في نواحيها ~~المتعددة: ~~(3-7) بهاء الدين العاملي # بهاء الدين محمد بن حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي الهمداني، ولد في ~~بعلبك سنة 953ه. # كان أبوه حسين من علماء الشيعة في جبل عامل، وكان من تلاميذ الشيخ زين الدين ~~الملقب بالشهيد الثاني. فلما قتل الترك زين الدين لتشيعه، هاجر الشيخ حسين إلى ~~إيران. وكانت إذ ذاك موطنا لدعوة الشيعة، وملجأ لعلمائهم، في سلطان الدولة ~~الصفوية، وسافر معه ابنه بهاء الدين صبيا. # وفي إيران جد بهاء الدين في تحصيل العلوم، ولا سيما العلوم الدينية ~~والرياضة والطب، وأخذ عن والده وعلماء آخرين منهم ملا عبد الله اليزدي تلميذ ~~جلال الدين الدواني تلميذ السيد الشريف الجرجاني. # وذاع صيت بهاء الدين، وعلت مكانته، حتى تولى مشيخة الإسلام في أصفهان دار ~~الملك. # ثم سافر للحج وطوف في الحجاز ومصر والشام والعراق في زي الدراويش سنين ~~كثيرة، يقال إنه ساح ثلاثين سنة. # وفي مصر جمع كتاب الكشكول، قال المنيني: # 15 # وكان يجتمع مدة إقامته بمصر ms0835 بالأستاذ محمد بن أبي الحسن البكري، ~~وكان الأستاذ يبالغ في تعظيمه، فقال له مرة: يا مولانا أنا درويش فقير، فكيف ~~تعظمني هذا التعظيم؟ قال: شممت منك رائحة الفضل. # وامتدح الأستاذ بقصيدته المشهورة التي مطلعها: # يا مصر سقيا لك من جنة # قطوفها يانعة دانية # والظاهر أنه كان يكتم أمره في سياحته، ولا ~~يرغب في التعريف بنفسه. وقد لقي كثيرا من العلماء والصوفية، ثم رجع إلى ~~أصفهان. وبلغ عند السلاطين الصفوية أرفع المنازل، قال المنيني: ~~«ثم عاد وقطن بأرض العجم، وهناك همى غيث فضله وانسجم، فألف وصنف، وقرط ~~المسامع وشنف، وقصدته علماء تلك الأمصار، واتفقت على فضله أسماعهم والأبصار. ~~وغالت تلك الدولة في قيمته، واستمطرت غيث الفضل من ديمته، فوضعته على مفرقها ~~تاجا، وأطلعته في مشرقها سراجا وهاجا، وتبسمت به دولة سلطانها شاه عباس، ~~واستنارت بشموس رأيه عند اعتكار حنادس الباس، فكان لا يفارقه سفرا ولا حضرا، ~~ولا يعدل به سماعا ونظرا. # وكانت له دار مشيدة البناء، رحبة الفناء، يلجأ إليها الأيتام والأرامل، ~~ويغدو عليها الراجي والآمل. فكم مهد به وضع! وكم طفل بها رضع! وهو يقوم بنفقتهم ~~بكرة وعشيا، ويوسعهم من جاهه جنابا مغشيا.» # وكانت وفاته سنة 1031ه بأصفهان ونقل منها إلى طوس، فدفن بداره على مقربة من ~~مسجد علي الرضا، وقد زرت قبره حينما ذهبت إلى مشهد طوس عام 1352ه. # وكان الشيخ العاملي من كبار علماء الشيعة ودولة الصفويين في أوجها، أيام ~~الشاه عباس الكبير. وقد ألف في فقه الشيعة وأصول الفقه والتفسير والحديث والنحو ~~البلاغة والهيئة والفلك والحساب والهندسة. # وله كتابا الكشكول والمخلاة في مسائل شتى غير مرتبة، يغلب عليها الأدب ~~والتصوف والفلسفة والرياضة. وقد كتب في كل موضوع عرف في عصره، حتى الجفر والرمل ~~والطلاسم، وله في هذه الفنون خمسة وتسعون كتابا ورسالة. # 16 # وللشيخ بهاء الدين من سعة العلم، وتعدد الفنون، وجودة التأليف والتلخيص، ~~وصحة التعبير، ومن البراعة في النظم والنثر ما لم يتفق إلا لقليل من ~~العلماء. # وكانت عيشته واسعة مختلفة الجوانب كسعة علمه وتعدد فنونه. ms0836 كان شيخ الإسلام ~~في دولة الصفويين، وكان ذا منزلة عالية عند سلاطينهم، وكان يخالط أصناف الناس ~~كلها؛ يخالط العلماء والصوفية، ويشهد حلقات الحوائين والمشعوذين، ويرى ~~حينا مع الشاه عباس الكبير، وحينا في بيت عجوز فقيرة. # وقد طالت سياحته، وامتدت إلى أقاليم مختلفة، فزادته معرفة بالناس، وتجربة ~~بالجماعات والأفراد. # وكان مرجع العلماء والأدباء في حياته، وما تزال كتبه مرجعا لهم بعد مماته، ~~ولا سيما كتاب الجامع العباسي في الفقه، وزبدة الأصول في أصول الفقه، والحبل ~~المتين في الحديث والفقه، ومفتاح الفلاح في الأوراد والأذكار، إلى شعره العربي ~~والفارسي الذي يتمثل به الناس في أحوال مختلفة، وموضوعات شتى. # وكان الشيخ على مشاركته في كل فن ومخالطته لكل صنف، نقي السيرة، مبرأ ~~من المطاعن ، تقيا زاهدا، لم تشغله مشيخة الإسلام، وممارسة الفنون الكثيرة عن ~~رياضة نفسه وتصفيتها، وسلوك طريق الصوفية، بل رأى هذه الرياضة أعلى وأجدى من ~~علوم الظاهر، ونعى على الواقفين عند حدود العلوم، الغافلين عما وراء هذه ~~الرسوم: # أيها القوم الذي في المدرسة # كل ما حصلتموه وسوسة # ذكركم إن كان في غير الحبيب # ما لكم في النشأة الأخرى نصيب # علم رسمي سر بسر قيلست وقال # نه أزو كيفيتي حاصل نه حال # علم نبود غير علم عاشقي # ما بقي تلبيس إبليس الشقي # أدبه: # كان العاملي من أدباء اللغتين العربية والفارسية، وله شعر عربي جيد منه ~~قصيدة في مدح الإمام المهدي، صاحب الزمان، أولها: # سرى البرق من نجد فجدد تذكاري # عهودا بحزوى والعذيب وذي قار # وهيج من أشواقنا كل كامن # وأجج في أحشائنا لاعج النار # ألا يا لييلات الغوير وحاجر # سقيت بهام من بني المزن مدرار # ويا جيرة بالمأزمين خيامهم # عليكم سلام الله من نازح الدار # خليلي مالي والزمان كأنما # يطالبني في كل وقت بأوتار # فأبعد أحبابي وأخلى مرابعي # وأبدلني من كل صفو بأكدار # وعادل بي من كان أقصى مرامه # من المجد أن يسمو إلى عشر معشار # وللشيخ تمكن في الأدب الفارسي له فيه ~~مؤلفات منثورة ومنظومة، منها قصة القط والفأر، وهي قصة ms0837 صوفية منثورة، وكتاب ~~اللبن والسكر، وكتاب الخبز والحلوى. وهما منظومتان صوفيتان كذلك. # وفي خلال شعره الفارسي كثير من الأبيات العربية تصلح أن تكون مثالا من ~~شعره، وتغني عن ترجمة بعض أبياته الفارسية. # في فاتحة منظومة الخبز والحلوى: # أيها اللاهي عن العهد القديم # أيها الساهي عن النهج القويم # استمع ماذا يقول العندليب # فهو يروي من أحاديث الحبيب # يا بريد الحي أخبرني بما # قاله في حقنا أهل الحمى # هل رضوا عنا ومالوا للوفا # أم على الهجر أقاموا والجفا # وفي الكتاب فصل عنوانه: «في التأسف والندامة على صرف العمر فيما لا ينفع يوم ~~القيامة» وأوله: # قد صرفت العمر في قيل وقال # يا نديمي قم فقد ضاق المجال # واسقني تلك المدام السلسبيل # إنها تهدي إلى خير السبيل # هاتها صهباء من خمر الجنان # دع كئوسا واسقنيها بالدنان # ضاق وقت العمر عن آلاتها # هاتها من غير عصر هاتها # قم أزل عني بها رسم الهموم # إن عمري ضاع في علم الرسوم # وأول فصل آخر عنوانه «في تأويل قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: حب الوطن من ~~الإيمان.» # أيها المأسور في قيد الذنوب # أيها المحروم من سر الغيوب # لا تقم في إثر لذات الجسد # إنها في الجيد حبل من مسد # قم توجه شطر إقليم النعيم # واذكر الأوطان والعهد القديم # وفي المنظومة فصل عنوانه: «في نغمات الجنان من جذبات الرحمة» منه: # اشف قلبي أيها الساقي الرحيم # بالتي يحيا بها العظم الرميم # خمرة من نار موسى نورها # دنها قلبي، وصدري طورها # دأبها إرجاع أيام الشباب # من يذق منها عن الكونين غاب # قم ولا تمهل فإن الصبح لاح # والثريا غربت والديك صاح # يا مغني قم فإن العمر ضاع # لا يطيب العيش إلا بالسماع # وارو عندي من أحاديث الحبيب # إن وقتي في سواها لا يطيب # واطو عني ذكر أيام الفراق # إن ذكر العهد مما لا يطاق # قم وزمزم لي بأشعار العرب # كي يتم الحظ فينا والطرب # وافتتح منها بنظم مستطاب # قلته في بعض أيام الشباب # قد صرفت العمر في قيل وقال # يا ms0838 نديمي قم فقد ضاق المجال # ثم زمزم لي بأشعار العجم # كي تريح الروح من هم وغم # وابتدئ منها ببيت المثنوي # للحكيم المولوي المعنوي # بشنو أزني جون حكايت ميكند # از جدائيها شكايت ميكند # 17 ~~(وينقل هنا مقدمة المثنوي كلها، ثم يعود إلى النظم العربي، فيختم به ~~المنظومة): # قم وخاطبني بكل الألسنة # عل قلبي ينتبه من ذي السنة # إنه في غفلة عن حاله # خابط في قيله مع قاله # كل آن زاده قيد جديد # قائلا من جهله: هل من مزيد؟ # نائم في الغي قد ضل الطريق # هائم من سكره لا يستفيق # عاكف دهرا على أصنامه # يهزأ الكفار من إسلامه # كم أنادي وهو لا يصغي التناد # وا فؤادي وا فؤادي وا فؤاد # يا بهائي اتخذ قلبا سواه # فهو ما معبوده إلا هواه # القسم الأول: الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر‏ # الفصل الأول: عصر الابتداع‏ # الفصل الثاني: العصر الفكتوري‏ # القسم الثاني: الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر‏ # الفصل الأول: عصر الابتداع في النصف الأول من القرن التاسع عشر‏ # الفصل الثاني: عصر الابتداع في فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر‏ # القسم الثالث: الأدب الألماني في القرن التاسع عشر‏ # الفصل الأول: أدب الابتداع في النصف الأول من القرن التاسع عشر‏ # الفصل الثاني: النصف الثاني من القرن التاسع عشر‏ # القسم الرابع: الأدب الروسي في القرن التاسع عشر‏ # الأدب الروسي في القرن التاسع عشر‏ # القسم الخامس: الأدب الأمريكي في القرن التاسع عشر‏ # الأدب الأمريكي في القرن التاسع عشر‏ # القسم السادس: الأدب العربي في القرن التاسع عشر‏ # فنون الأدب‏ # القسم السابع: الأدب الفارسي في القرن التاسع عشر‏ # الفصل الأول: عصر النهضة‏ # الفصل الثاني: الحياة الأدبية‏ # خاتمة‏ # القسم الأول: الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر‏ # الفصل الأول: عصر الابتداع‏ # الفصل الثاني: العصر الفكتوري‏ # القسم الثاني: الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر‏ # الفصل الأول: عصر الابتداع في النصف الأول من القرن التاسع عشر‏ # الفصل الثاني: عصر الابتداع في فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر‏ # القسم الثالث: الأدب الألماني ms0839 في القرن التاسع عشر‏ # الفصل الأول: أدب الابتداع في النصف الأول من القرن التاسع عشر‏ # الفصل الثاني: النصف الثاني من القرن التاسع عشر‏ # القسم الرابع: الأدب الروسي في القرن التاسع عشر‏ # الأدب الروسي في القرن التاسع عشر‏ # القسم الخامس: الأدب الأمريكي في القرن التاسع عشر‏ # الأدب الأمريكي في القرن التاسع عشر‏ # القسم السادس: الأدب العربي في القرن التاسع عشر‏ # فنون الأدب‏ # القسم السابع: الأدب الفارسي في القرن التاسع عشر‏ # الفصل الأول: عصر النهضة‏ # الفصل الثاني: الحياة الأدبية‏ # خاتمة‏ # | قصة الأدب في العالم (الجزء الثالث) # | قصة الأدب في العالم (الجزء الثالث) # تأليف # زكي نجيب محمود وأحمد أمين # القسم الأول # | الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر # | الفصل الأول: عصر الابتداع # (أ) الشعر # لقد تواضع مؤرخو الأدب الإنجليزي على أن يطلقوا على الثلث الأول من القرن التاسع عشر ~~«عصر الابتداع» # 1 # ليميزوه من عهد الاتباع # 2 # الذي كان سائدا قبل؛ ولعله من الخير - لكي نفرق بين «الاتباع» ~~و«الابتداع» - أن نعيد هنا ما ذكرناه في هذا الصدد في الجزء الثاني من هذا ~~الكتاب. ~~«لسنا نريد بلفظ الاتباع أن الأدب يستقي وحيه من الآداب اليونانية والرومانية القديمة ~~فحسب، فذلك وحده لا يكون اتباعا، لأن الأدب في عصر «اليصابات» كان يستوحي تلك الآداب ~~القديمة، ومع ذلك فهو أدب ابتداع خالص؛ وإنما نعني مجموعة من الخصائص مجتمعة؛ ~~فالاتباعيون يعنون كل العناية باللفظ قبل المعنى، بالصورة قبل المادة؛ هم يكثرون من ~~القيود التي يراعون فيها أن تكون مستمدة من الآداب القديمة، ثم تكون البراعة عند الأديب ~~أن يحافظ على تلك القيود؛ والشاعر الابتداعي يهتم بالمعنى وبالمادة التي يريد أن يعبر ~~عنها، ثم لا يتقيد بشيء حين يختار لنفسه أداة التعبير، لأنه حر يختار أنسب أداة تخرج ~~المعنى الذي يريد إخراجه قويا سليما؛ أما الشاعر الاتباعي فيبدأ بالتسليم بضرورة ~~صورة معينة للتعبير، ثم يحاول أن يعرب عما في نفسه في حدود تلك الصور. # وقد يتشابه الاتباعي والابتداعي في المعاني، لكن هنالك سمات تميز أحدهما من الآخر؛ ~~فالكاتب الاتباعي يميل ms0840 إلى السخرية والهجاء، وإلى أن يكون أدبه تعليميا تهذيبيا؛ ~~ويحب أن يصف حياة المدنية لا حياة الريف، ووصفه موضوعي يتعلق بالشيء الموصوف أكثر منه ~~ذاتيا يعبر عما يجيش في نفس الأديب الواصف؛ على نقيض الكاتب الابتداعي، فهو يميل نحو ~~الطبيعة كما تبدو في كافة صورها، ومن بينها الحقول والأزهار والحياة الريفية، ويميل ~~كذلك إلى وصف الغريب دون المألوف، والمغامرة دون الاستقرار، ثم هو في وصفه ذاتي يدون ~~خلجات نفسه إزاء ما يصف؛ ولئن كان الأديب الاتباعي يريد أن يعلم قارئه درسا بما يكتبه ~~فإن الأديب الابتداعي يكفيه أن يغني بما في قلبه ولا يعنيه بعد ذلك أفاد القارئ شيئا ~~أو لم يفد؛ والاتباعي يحتكم إلى العقل ويلجم العواطف الحادة، أما الابتداعي فيرخي ~~العنان لخياله ولا يكبت شيئا من عواطفه، بل - على نقيض ذلك - لا يرى الأدب إلا أداة ~~للتعبير عن تلك العواطف.» # 3 # كانت هذه الفترة التي نتحدث عنها الآن ابتداعية خصيبة الإنتاج في شعرها ~~ونثرها، لكن كانت للشعر السيادة على النثر، ولعلنا في هذا نجد فارقا آخر يميز لنا أدب ~~الابتداع عن أدب الاتباع؛ فقد كانت للنثر السيطرة في الفترة الاتباعية التي امتدت طوال ~~القرن الثامن عشر تقريبا، وذلك بمعنيين، الأول أن الإنتاج المنثور كان أغزر من الإنتاج ~~المنظوم، والثاني أن الإنتاج المنظوم ذاته كان أقرب إلى المنثور صب في قوالب الشعر منه ~~إلى الشعر الخالص، ذلك لأنه كان عصرا سادت فيه أحكام العقل على أحكام الخيال، وأحكام ~~العقل بطبيعتها تصغي إلى قواعد المنطق، والمنطق ينصب في قوالب النثر على نحو أيسر جدا ~~مما يجد وسيلة تعبيره في صور الشعر؛ أما الفترة التي نحن بصددها الآن فقد كان الأمر ~~فيها على عكس ذلك؛ كان للخيال المنزلة الأولى، ولذلك ساد الشعر على النثر بمعنيين كذلك: ~~الأول أن الإنتاج الشعري في ذاته كان أغزر من الإنتاج النثري، والثاني أن الأدب النثري ~~لم يعد يعنى بتدوين الحقائق بمقدار ما عني بالتعبير عن الخيال؛ لم يكن ميدان النثر ~~تاريخا أو اجتماعا أو فلسفة، ms0841 وإنما كان أداة للتعبير عن مشاعر الكاتب وخواطره الذاتية ~~على نحو ما تكون القصيدة أداة الشاعر في ذلك؛ فإن أردت طابعا مميزا لهذه الفترة ~~الابتداعية التي نقدم لك تاريخها، فقل إنه تعاون الشعر والنثر معا على أن يجريا مع ~~خيال الأديب؛ فلم ينشئ الناثرون نثرهم بغية أن يعلموا قراءهم أو أن يكونوا وسيلة لنشر ~~مذهب بعينه في السياسة أو الاقتصاد، بل لم ينشئ الناثرون نثرهم إذ ذاك ليقوموا خلقا ~~معوجا أو رأيا سقيما، إنما أنشئوا نثرهم ليعبروا عما يجيش في صدورهم وكفى؛ فإن قال ~~قائل: ألم يكتب الأدباء في النقد الأدبي، والنقد الأدبي - مهما قيل فيه - فهو مبادئ ~~نظرية يصطنعها الأديب الناقد ويطبقها على ما ينقد؟ هذا صحيح، لكن النقد إذ ذاك كان ~~أيضا تعبيرا عن نفس الأديب، كان الأديب يقرأ إنتاج غيره ليرضى عنه أو يسخط، ثم يصب ~~هذا الرضا أو هذا السخط في إنشاء أدبي ليشرك القارئ معه في شعوره، أو بعبارة أخرى كان ~~الناقد يحاول أن يفتح عيني قارئه إلى مواضع الجمال، لا أن يسوق له الحجج التي تقنعه ~~بوجود الجمال في إنتاج معين؛ لم يكن الناقد قاضيا يزن الأمور بعقله ليصدر في النهاية ~~حكما عادلا، إنما كان الناقد أقرب جدا إلى رجل يقرأ لك ليبصرك بسر الجمال فيما ~~يقرأ؛ ولسنا نريد بذلك أن الناقد الابتداعي قد حرم على نفسه أن يسجل حكمه، لكن العبرة ~~هنا بطريقة الأداء، فكل الفرق بين الشاعر والناقد أن الأول يرى الجمال في الكون فيعبر ~~عنه لينتشي قارئه بسحر ما فتنه هو، والثاني يرى الجمال في إنشاء الأدباء فيعبر عنه ~~ليمتع قارئه بما استمتع به هو في قراءته. # كان أدباء العصر الابتداعي «أفرادا» بكل ما في الفردية من طيب وخبيث؛ هم «أفراد» ~~بمعنى أن الواحد منهم لا يجري قلمه إلا بتجربته الشخصية الفردية الذاتية التي لا يشاركه ~~فيها فرد آخر، ولتكن هذه التجربة النفسية بعد ذلك ما تكون؛ وثقوا بأنفسهم وأخلصوا ~~لمشاعرهم، واستمعوا لخلجات نفوسهم، ثم أجروا كل ذلك في شعر ونثر ms0842 لا يتهيبون شيئا ولا ~~يحول دونهم شيء؟ وهم «أفراد» بمعنى الفردية الهادم لأوضاع المجتمع، فليس للمجتمع ولا ~~لأوضاعه وقواعده عندهم المكانة الأولى، فالفرد أولا، وللجماعة أن تكون بعد ذلك أو لا ~~تكون. # ولئن كان من العسير في كثير من الأحيان أن تحدد بداية للفترات الأدبية - لأنها ~~تتداخل - فمن حسن الحظ ألا يتعذر علينا هنا أن نجد الحادث الأدبي الفريد الذي يحدد ~~بداية العصر الابتداعي الذي نتحدث عنه، وذلك هو صدور ديوان «الحكايات الوجدانية المنظومة» # 4 # عام 1798، أخرجه الشاعران «كولردج» # 5 # و«وردزورث» # 6 # فجاء فاتحة عهد جديد؛ فهو جديد في لغته، لأنه لم يعبأ بما جرى عليه ~~الشعراء من أن يكون للشعر لغة خاصة، وهو جديد في موضوعه لأنه لم يجعل للشعر موضوعا ~~خاصا؛ فكل شيء في الطبيعة والحياة الإنسانية جدير أن يكون موضوعا للشعر إن تحركت له ~~نفس الشاعر. وحسبنا هذا القدر من التقديم للعصر، ليراه القارئ في رجاله. ~~(1) صموئيل تيلر كولردج # Samuel Taylor Coleridge ~~(1772-1834م) # هذا بغير شك في طليعة الرواد الذين رفعوا علم الحركة الابتداعية في الأدب ~~الإنجليزي في أول القرن التاسع عشر. ولم يكن كولردج غزير الإنتاج في شعره، ولم يبلغ ~~تمام الإجادة إلا في قليل أنشأه، ولكنه في هذا القليل الجيد قد بلغ الذروة التي ليس ~~بعدها مطمع لشاعر. وليست مكانة «كولردج» في تاريخ الأدب مرتكزة على جيد شعره فحسب، بل ~~إنها لتعتمد كذلك على الأثر العميق الذي كان له في عصره، فكم من رجل من أعلام الأدب ~~يدين في ظهوره ونبوغه إلى «كولردج»! فهذا «سذي» # 7 # ظل سابحا في قراءة الكتب دون أن يبدي شيئا من علائم فطرته الأدبية حتى ~~اتصل به «كولردج»، بل هذا «وردزورث» # 8 # نفسه لم يكن قد أنشد من شعره الجيد شيئا يذكر حتى عرفه «كولردج»، ثم قل ~~ما شئت في مبلغ أثره في «لام» # 9 # الذي ربطته به أواصر الصداقة منذ الصبا، حتى «هازلت» # 10 # الذي لا تكاد تجد بين رجال الأدب من له مثل كبريائه واعتداده بنفسه، ~~تراه يعترف ms0843 في صراحة أنه لم يتعلم شيئا من رجل كائنا من كان ما خلا «كولردج»، بل ماذا ~~تقول في هذا الشاعر الذي غير بفلسفته مجرى الفلسفة في بلاده؟ ولقد قيل صدقا إنك ~~توشك ألا تجد حركة أدبية سواء أكانت في الشعر أم في النثر - ما بين العام الذي أخرج ~~فيه مع زميله «وردزورث» ديوان «الحكايات الوجدانية المنظومة» # 11 ~~(1798م) والعام الذي فارق فيه الحياة (1834م) - توشك ألا تجد بين هذين ~~العامين إنتاجا في الشعر أو في النثر لم يتأثر بكولردج بطريق مباشر أو غير مباشر؛ فلو ~~وضعنا نصب أعيننا هذا النشاط الروحي العجيب، الذي كان مصدر وحي لرجال الأدب في ~~إنجلترا جميعا مدى ثلث قرن، لما أدهشتنا قلة إنتاجه، بل لأخذتنا الدهشة كيف استطاع أن ~~ينتج ما أنتجه! # التحق «كولردج» بجامعة كيمبردج ولكنه غادرها ولم يظفر بدرجتها الجامعية ، ولم يلبث أن ~~تفرغ بجهده كله للأدب، ولم يشأ له الله أن يعيش في هدوء وميسرة، فما فتئ، شاعرنا قلق ~~النفس جوالا يكتنفه الغموض، يدمن على الأفيون إدمانا يبلغ به حد الإفراط، ولم يكن على ~~وجه الجملة مستقيم السيرة في حياته الخاصة، فما كان أبعد الفرق بين سلوكه وبين ما يبشر ~~به من مبادئ الأخلاق! ولا عجب أن تراه يضع لنفسه الخطط فيما ينبغي أن يكتب، ثم تذهب ~~الخطط الموضوعة هباء لأن صاحبها لا يجد فراغ الوقت وهدوء البال اللذين يعينانه على ~~تنفيذ ما يريد لنفسه! # انصرف «كولردج» ببعض جهده الأدبي إلى الصحافة التي ارتفعت أجورها عندئذ بحيث تكفيه ~~موردا يغنيه عن السؤال لولا اضطراب حياته، لكنه لم يتردد في قبول ما كان المريدون ~~الأغنياء يبعثون به إليه من المنح، بل لم يتردد في كثير من الأحيان أن يلتمس منهم ~~العطاء التماسا، ومع ذلك كله ناء بحمل أسرته، فألقى بعبء زوجته على عاتق عديله ~~«سذي»، وأخذ يضرب في أنحاء الأرض، آنا في لندن وآنا في غيرها، ثم ألقى عصاه آخر ~~الأمر في لندن، حيث التف حوله نفر من أدباء الشباب، أخذ يمدهم بالوحي ms0844 حتى وافته ~~منيته. # كان في طليعة ما أنتجه كولردج «سقوط روبسبيير» # 12 # الذي اشترك في تأليفه مع «سذي» ونشراه سنة 1794م، ولم يكن أي من ~~الأديبين قد كشف عن موهبته الصحيحة بعد. ثم نشر بعد عامين ديوانا يحوي ما أنشأه من ~~الشعر، وكان في أثناء ذلك يحاضر في الأدب فيعرض وجهة نظره في قواعد النقد، ويقوم بتحرير ~~صحيفة أدبية. وفي عام 1798م أخرج مع «وردزورث» ديوان «الحكايات الوجدانية المنظومة» ~~الذي جاء نشره بمثابة الإعلان عن قدوم عهد جديد في الشعر؛ وقد نشرت له في هذا ~~الديوان طائفة من أجود شعره. نخص بالذكر منها قصيدة «النوتي الهرم» # 13 # ثم نشر بعد ذلك قصيدة «قبلا خان» # 14 # وقصيدة «كرستبل» # 15 # ومجموعة من محاضراته في النقد الأدبي أطلق عليها «سيرة أدبية»؛ # 16 # وسنعود بعد قريب إلى عرض قصيدتيه العصماوين «النوتي الهرم» و«كرستبل» ~~وترجمة نماذج منهما. # كان «كولردج» روحانيا في نظرته إلى الوجود، فالأشياء المادية عنده لا تنحصر حقائقها ~~في مادتها، بل هي وسائل للتعبير عن روح الوجود الكامنة وراءها؛ فأنت تعلم أن الفلاسفة - ~~منذ نشأة الفلسفة - ينقسمون شعبتين، وكل فيلسوف إما أن ينتمي إلى هذه أو تلك؛ ففريق يرى ~~أن الأشياء مركبات مادية، وإن اختلف بعضها عن بعض في طريقة التركيب؛ وفريق آخر ينفذ ~~ببصره خلال سجف المادة البادية فيرى وراءها فكرة أو روحا اتخذت من هذه الأشياء التي ~~نراها وسيلة للتعبير عن وجودها، ومن هذا الفريق كان أفلاطون. وبهذه النظرة الأفلاطونية ~~أخذ «كولردج» ولم يكفه أن يأخذ بالعقيدة لنفسه، بل طفق يذيعها في كل ما يكتب من نثر، ~~وكانت الفلسفة الألمانية - فلسفة كانت مثلا - أقرب ما تكون لهذه النظرة التي ارتضاها ~~الشاعر لنفسه، فأخذ ينشر بين قرائه من الإنجليز شيئا من آراء الفلاسفة الألمان، فيما ~~يكتب لهم من سياسة ودين ونقد أدبي وفلسفة؛ فضع هذا الأساس المشترك نصب عينك إذا أخذت ~~تقرأ شيئا من نثر «كولردج» يبد لك الكاتب وحدة متجانسة على تباين الموضوعات التي أدار ~~فيها الفكر وأجرى بها القلم، وإلا ms0845 لألفيت مقالاته أشتاتا يعوزها اتحاد الروح والغاية ~~كأنما كتبها رجال عدة. # وتستطيع كذلك أن تلمس في نثره - وفي شعره - طابعين آخرين؛ أولهما دراسة لألفاظ ~~اللغة ومآخذها، وثانيهما درايته بحقائق النفس البشرية، فهو - من حيث هذه الخاصة الثانية ~~- يكاد يدرك بقوة البداهة ودقة الملاحظة ما ينتهي إليه العالم النفسي بعد بحث ~~وتجريب. # ولسنا نريد أن نطيل الوقوف عند «كولردج» الناثر، لأنه قبل كل شيء شاعر، وشاعر من قادة ~~الشعراء، وأعجب العجب في إنتاجه الشعري أنه يكاد كله أن يكون ثمرة عام واحد، ~~(1797-1798م) فكل قصيدة من جياد قصائده - التي خلدته شاعرا - تم إنشاؤها أو وضع أساس ~~بنائها في تلك الفترة الوجيزة من حياته، فحياته الشاعرة - على خلاف كثير من الشعراء - ~~لم يتدرج إليها النضوج قليلا قليلا بحيث تستطيع أن تجد لتطورها بداية وختاما ~~يتخللهما نمو هنا وهبوط هناك مما تقتضيه عادة ظروف البيئة وعوامل النفس ودوافعها إزاء ~~تلك الظروف؛ إنما جاءه النضوج الشعري فجأة وزال عنه فجأة، كأنما هو الثمرة تبلغ تمام ~~إيناعها في لحظة ثم لا تكاد تينع حتى تلفحها السموم فتذوي. ولو قرنا هذه الظاهرة في ~~شعره بما رويناه عن نثره، تبين لنا أن الرجل كأنما آمن بأن رسالته في نشر المبادئ ~~والأصول أكثر منها في الخلق والإبداع على أساس ما نشر من مبادئ وأصول. ولعل إيمانه ~~بقدرته على قرض الشعر لم يكن شديدا؛ فانتهى به ذلك إلى قصر في أمد شاعريته وقلة في ~~نتاجه الشعري على السواء، وما أبعد الفرق في ذلك بينه وبين صديقه وردزورث، وإن يكن ~~الصديقان قد التقيا في وجهة نظر واحدة؛ كولردج يبسط أصولها، ووردزورث ينشئ القصيد على ~~أساسها. # لننتقل الآن إلى عرض قصيدتيه «كرستابل» و«النوتي الهرم»، وهذه القصيدة الثانية نشرت ~~له عام 1798م في الديوان المشترك الذي أخرجه مع زميله وردزورث ليكون لهما بمثابة ~~الإعلان عن مذهبهما الجديد في الشعر، أعني ديوان «الحكايات الوجدانية المنظومة» الذي ~~سبقت الإشارة إليه؛ وكلتا القصيدتين أنشئت في العام الخامس والعشرين من عمر الشاعر، وهو ~~أغزر أعوام عمره ms0846 إنتاجا، والقصيدتان تمتازان بصفة شعرية عجيبة لعلها أخص ما يميز الشعر ~~من صفات، تلك أنهما تنمان عن إحساس مرهف واغتباط مرح بالجمال ثم بقوة هذا الاغتباط وذلك ~~الإحساس يسريان إلى نفس القارئ، وهما بعد منظومتان في أسلوب «الحكاية المنظومة» # 17 # بما لهذا الأسلوب الشعري القديم من تقاليد، وهما «ابتداعيتان» # 18 # جريئتان من الخيال البديع المبتكر، تحركان في القارئ ميله الفطري إلى ~~الرواية عن الأمور الخارقة للطبيعة؛ وربما كان الفارق الأساسي بين كولردج وصديقه ~~وردزورث في الشعر هو هذا: كولردج يروي عن الخارق فيخيل لقارئه أنه يروي له عن شيء يجري ~~مع الطبيعة المعهودة مجرى الإلف والعادة، ووردزورث على عكس ذلك يحكي لقارئه عن أشياء ~~يألفها فعلا في حياته الجارية لكنه يكاد يفتن قارئه عن حسه الواعي بالحياة الواقعة ~~فيخيل له أنه يقرأ عن أشياء لم تقع عليها عين من قبل. # ولئن كان الإنسان نزاعا بفطرته إلى القصص يروى عن الكائنات الخارقة للطبيعة ~~المألوفة، فتراه يفتن بما يروى له عن الغيلان والجن والمردة - وعلى أوتار هذه النزعة ~~الفطرية أنشد كولردج قصيدتيه هاتين - إلا أن هذه الفطرة المغروزة في طبيعته لم تبق على ~~حال واحدة في مراحل الرقي العقلي؛ فالإنسان في العصر الحديث لا ينخدع بمثل ما كان ينخدع ~~به الأجداد الأولون في سذاجتهم، وإذن فشاعر العصر الحديث إن أخذ نفسه بإشباع هذا الميل ~~الفطري في الإنسان، فلا مندوحة له عن إتقان فنه وإرهاف حسه وخفة لمسه فيما يروي لنا من ~~تهاويل، حتى تجوز خدعته الفنية على عقولنا التي دق منطقها وشحذت قدرتها على النقد، وها ~~هنا نبوغ شاعرنا كولردج، وإنه ليقال - على سبيل الجد أو الفكاهة - إن إدمانه على ~~«الأفيون» قد أكسبه هذه القدرة على ما يشبه الأحلام في الوعي، فيروي لك شيئا لا تدري ~~إزاءه أأنت بصدد حلم أو حقيقة. # وهاك شيئا من قصيدة «كرستابل» التي لم يتم الشاعر بناءها كما أراد له أن يكون؛ إذ ~~أنشأ منها جزءا وبعض جزء من أربعة أجزاء، وهذا الذي نقدمه إليك بداية الجزء ms0847 ~~الأول: # انتصف الليل في جيران ساعة الحصن، # وأيقظت البوم الديك فصاح # تو - وت! - تو - وو! # ثم أنصت مرة أخرى؛ أنصت إلى الديك الصانع: # كيف صاح في شبه النعاس ~~••• # وللسيد «ليولين» - وهو البارون الغني - # كلبة عقور بغير أسنان، # ومن تحت الصخرة، وهي في كنها، # أجابت الساعة في دقاتها، # فأربع لأرباعها واثنتا عشرة للساعة في تمامها، # وما انفكت الكلبة - أشمس الجو أو أمطر - # تعطيك ست عشرة نبحة لا تزيد عليها بالصياح؛ # ويقال إنها ترى كفن سيدتي. ~~••• # أكانت الليلة باردة معتمة؟ # كانت الليلة باردة، لكنها غير معتمة؟ # وانتشر في السماء سحاب رمادي رقيق # لا يحجب السماء ولكن يغطيها، # والقمر خلف السحاب في تمه، # لكنه يبدو ضئيلا أدكن؛ # الليلة باردة والسحاب رمادي، # والشهر شهر قبل مايو، # والربيع يدنو رويدا إلى هذي الربوع. ~~••• # والغادة الجميلة «كرستابل» # التي يحبها أبوها حبا شديدا # ماذا استبقاها إلى هذه الساعة المتأخرة في الغابة؟ # على ربع ميل من بوابة الحصن؟ # لقد امتلأت بالأحلام ليلتها البارحة، # بالأحلام عن خطيبها الفارس؛ # أحلام أنت لها ثم وثبت # بعد أن كانت في فراشها غارقة في نعاس؛ # فقد أرادت أن تضرع بالدعاء في الغابة انتصف فيها الليل، # بالدعاء لحبيبها أن يسعد، وحبيبها في منأى بعيد. ~~••• # تسللت خلال الطريق صامتة # تزفر تنهداتها لينة خافتة، # وقد تعرت السنديانة من كل خضرتها، # ولم يكن ثمة إلا أعلاق من حشائش، # فركعت عند جذع السنديانة الشامخة، # وأخذت تدعو في سكوت. ~~••• # وبغتة فزعت الغادة واقفة؛ # الغادة الجميلة «كرستابل»! # فقد سمعت أنة من قريب، جد قريب، # لكنها لم تدر من أين هذا الأنين، # فيظهر أن قد جاءها من وراء # السنديانة العتيقة الضخمة ذات الصدر العريض! ~~••• # الليلة باردة والغابة جرداء! # أهي الرياح الباردة التي بعثت ذاك الأنين؟ # لكن الهواء ساكن لا ريح فيه # تهز خصلة شعر # للغادة الجميلة تدلت فوق خدها! # لم تكن ثمة ريح ترقص # الورقة الحمراء الوحيدة، الأخيرة من نوعها، # الورقة التي ما ونيت راقصة كلما واتتها الظروف أن ترقص، # الورقة العالقة في خفة، العالقة في ارتفاع # فوق الغصن الأعلى الذي ms0848 يرنو إلى السماء. ~~••• # صه أيها القلب النابض، قلب «كرستابل»! # يا مارية اليسوع إنها في حماك! # وطوت ذراعيها تحت معطفها، # واسترقت خطاها إلى جانب السنديانة الآخر، # فماذا رأت هناك؟ ~~••• # رأت هنالك فتاة باهرة الضياء # ارتدت ثوبا من حرير أبيض، # وبدت كالطيف وضاءة في نور القمر، # نقص بياض عنقها من بياض ثوبها؛ # فجيدها الأملد والذراعان كانت عارية، # وقدماها حافيتان شفتا عن زرق عروقها، # وسطعت ببريقها الأخاذ هنا وهناك، # جواهر انعقدت في ثنايا شعرها؛ # ما أرعبه منظرا أن تقع العينان في ذاك المكان # على امرأة في مثل تلك الثياب الفاخرة! # إنها جميلة دونها كل جميل! ~~«مارية يا أماه عونك الآن!» # ثم قالت كرستابل: «من عساك أن تكوني؟» ~~••• # فأجابت المرأة الغريبة من فورها # في صوت خافت رخيم: ~~«اعطفي علي في موجع كربتي # أكاد أعيى عن النطق من نصب هد قوتي # مدي إلي يدا ولا تخافي!» # فقالت كرستابل: «كيف جئت إلى هذا المكان؟» # فطفقت الفتاة عن ذلك تجيب ~~••• # في صوتها الخافت الرخيم: # إن بعلي ذو حسب شريف # واسمي «جيرالدين» # أمسك بي في صبيحة الأمس خمسة من رجال القتال؛ # أمسكوا بي أنا، نعم أنا المرأة العزلاء! # وعنوة وبالإرهاب كمموني لا أصيح، # وشدوني على جواد مسرج أبيض، # وانطلق بي الجواد في سرعة الريح، # وامتطوا جيادهم خلفي راكضين # يركضون في سرعة البرق على غر الجياد، # واجتزنا معا ما اجتزنا من عتمة الليل؛ # ورب السماء الذي به أعوذ # ما أدري من هؤلاء الرجال! # كلا ولا أدري كم لبثت ها هنا ~~(فقد كنت في غيبوبة لا أعي)! # كم لبثت مذ جاءني أحدهم، أطول الخمسة جميعا، # وحملني عن ظهر الجواد، # حملني امرأة منهوكة القوى أشرفت على الموت؛ # وتمتم رفاقه بكلمات، # فوضعني الرجل تحت هذه السنديانة # وأقسم لي أنهم عائدون على عجل، # ولست أدري أين ذهبوا؟ # وخيل إلي منذ دقائق أني سمعت # صوتا كأنه صوت جرس لحصن؛ # مدي إلي يدا وأعيني # امرأة منكودة الحظ على القرار (وختمت حديثها). # وهكذا يمضي الشاعر في حكاياته عن «كرستابل» و«جيرالدين»، ولعلك قد أدركت ما زعمناه ~~من ms0849 أن عدوى إحساس الشاعر تمتد إليك فتسايره وأنت مخدوع عن وعيك، فلا تدري أهو حلم ما ~~تقرأ أم أمر من الواقع! ولا بد لك أن تعوض بخيالك ما لا بد أن تفقده الترجمة من حلاوة ~~في اللفظ وإيقاع في الوزن والقافية. وعلى نفس هذا المنوال نسج آيته الكبرى «النوتي ~~الهرم» وهاك مثالا منها، وهو جزء من سبعة أجزاء. ~~(يقابل النوتي الهرم ثلاثة رجال من ذوي النخوة جاءتهم الدعوة إلى حفلة عرس ~~فيستوقف أحدهم.) # إنه نوتي هرم، # استوقف رجلا من ثلاثة؛ ~~«أستحلفك بلحيتك الطويلة البيضاء، وعينك الوضاءة، إلا # أخبرتني فيم استوقفتني؟ ~~••• # إن ~~دار العريس فتحت أبوابها # وإني له أقرب قريب، # واستقبل الأضياف، والوليمة قد أعدت # ألا تسمع طنين الفرح؟» ~~••• # فيمسكه من يده الهزيلة # ويقول: «هنالك كانت سفينة ...» ~~«أمسك! خل يدي، أيها السفيه ذو اللحية البيضاء!» # فأرخى قبضته عن يده، ~~(ضيف العرس تسحره عين النوتي العجوز ويرى نفسه مجبرا على الوقوف ~~ليستمع إلى حكاية.) # لكنه بوميض عينه أمسكه، # ووقف ضيف العرس لا يستطيع حراكا، # ويصغي كأنه الطفل في عامه الثالث، # وتتم للنوتي إرادته. ~~••• # وجلس ضيف العرس على صخرة # لا يملك إلا أن يستمع! # وهكذا تحدث ذلك الرجل العجوز؛ # ذلك النوتي ذو العين البراقة: ~~••• ~~«هتفوا للسفينة وأخلوا لها الميناء # وهبطناها في مرح طروب # حذاء الكنيسة، حذاء التل، # حذاء المنار.» ~~(يحكى النوتي كيف سارت السفينة تجاه الجنوب والريح مواتية والجو ~~معتدل.) ~~«أشرقت الشمس ذات اليسار، # إذ صعدت من جوف المحيط، # وسطعت وضاءة، ثم ذات اليمين # هبطت الشمس إلى جوف المحيط، ~~••• # ثم ظلت كل يوم في صعود # حتى حاذت القلع عند الزوال ...» # هنا ضرب ضيف العرس على صدره # إذ طن في سمعه ضرب العازفين. ~~(يسمع ضيف العرس موسيقى الفرح لكن النوتي يمضي في حكايته.) # والعروس إلى القاعة قد أقبلت # حمراء كأنها وردة # والمنشدون في طرب تقدموها # يومئون بالرءوس. ~~••• # ضرب ضيف العرس على صدره # ولكنه لم يملك سوى أن يستمع، # وهكذا تحدث ذلك الرجل العجوز؛ # ذلك النوتي ذو العين البراقة. ~~(يعصف بالسفينة عاصفة تجذبها نحو القطب ms0850 الجنوبي.) # وهنا هبت العاصفة # قوية عاتية # تضرب بجناحيها العريضين # وتقتفينا صوب الجنوب، ~~••• # ومالت القلاع وانغمس الحيزوم في الماء # فالمقتفي ما فتئ في إثرنا يهب ويصيح # ولم تزل قدمه دائسة على ظل عدوه # منحنيا برأسه إلى أمام؛ # أسرعت السفينة سيرها، وعلا من العاصفة زئيرها # وصوب الجنوب أخذنا طريق الفرار، ~~••• # ثم جئنا إلى ثلج وضباب # وانقلب البرد زمهريرا # وعلا الثلج ما علت القلاع، ومضى حذاءنا طافيا # على خضرة الزمرد. ~~(أرض الثلج وأرض الأصوات المخيفة حيث لا تقع العين على كائن حي.) # وأرسلت جبال الثلج على ظهور الموج # ضوءا تنقبض له النفوس؛ # لا ترى العين إنسانا ولا حيوانا، # كل ما تراه ثلج من ورائه ثلج، # ثلج هنا وثلج هناك، # ثلج أينما أدرت البصر، # تشقق الثلج فأز وزأر وعوى؛ # أصوات خليط كأنما غشيتنا الغاشية. ~~(لبثت الحال كذلك حتى مرق من الضباب الثلجي طائر بحري ضخم يدعى القادوس ~~واستقبلوه بفرحة كبرى واحتفال عظيم.) # وأخيرا أقبل علينا القادوس؛ # جاءنا من خلال الضباب، # كأنما كان روحا مسيحيا؛ # فباسم الله حييناه! ~~••• # أكل طعاما لم يأكله من قبل # وحلق فوقنا ثم حلق، # وانشق الثلج في مثل صوت الرعد، # ووجه بنا السفينة صاحب السكان. ~~(ها هو ذا الطائر يدل إلى أنه بشير بالخير، ويتبع السفينة في طريق عودتها صوب ~~الشمال خلال الضباب والثلج الطافي.) # وهبت من الجنوب ريح مواتية، # وتبعنا القادوس، # وكل يوم إن أراد طعاما أو أراد مزاحا # أقبل على النوتي يحقق له ما أراد. ~~••• # تراه يرقب ما طال المساء # آنا على السارية وآنا على الشراع، لا يثنيه ضباب أو سحاب، وفي الليل خلال دخان ~~الضباب الأبيض # كان يسطع ضوء القمر. ~~(لكن النوتي العجوز غدر بالطائر البشير بالخير فقتله.) # كان الله في عونك أيها النوتي العجوز! # ووقاك الشياطين التي أضلتك سواء السبيل! # ما هذه النظرة الغريبة في عينيك؟ لقد وجهت سهمي إلى # القادوس فأردته قتيلا! # وعلى هذا الغرار يمضي الشاعر في الأجزاء الباقية من القصيدة؛ ففي الجزء الثاني ~~ينبئنا بثورة البحارة على النوتي الهرم لقتله الطائر الذي جاءهم بشيرا ms0851 بالخير، لكن ~~لم يكد الضباب ينقشع حتى نسي البحارة جرم زميلهم بل أيدوه فيما فعل، وبذلك التأييد ~~كانوا شركاءه في جرمه. واستمر النسيم رخاء، ودخلت بهم السفينة في المحيط الهادي وسارت ~~صوب الشمال تجاه الغاية المقصودة، ثم وقفت السفينة فجأة كأنما بدأ الانتقام لموت ~~«القادوس»؛ فقد كان يتابعهم روح من هذه الأرواح التي لا تراها العين ولكنها تسكن هذا ~~الكوكب الأرضي الذي نعيش فيه؛ هنا أخذ البحارة الهم من جديد، وألقوا بالتبعة كلها ~~على زميلهم النوتي الهرم، وللدلالة على جريمته النكراء علقوا جثة الطائر القتيل حول ~~عنقه. وفي الجزء الثالث من القصيدة ينبئنا الشاعر بأن النوتي الهرم أبصر بشيء في الأفق ~~البعيد، فلما اقتربوا قليلا خيل إليه أنها سفينة، فأخذت الجميع هزة من الفرح وشربوا ~~اغتباطا لهذه النجدة القريبة، لكنهم سرعان ما عاودهم الفزع؛ إذ تساءلوا: أيمكن أن تسير ~~سفينة بغير ريح وتيار؟ وهكذا ذهب رجاؤهم أدراج الرياح وأخذوا يسقطون صرعى رجلا في إثر ~~رجل. وفي الجزء الرابع يحدثنا الشاعر أن ضيف العرس الذي يستمع إلى قصة النوتي الهرم ~~خشي أن يكون المحدث نفسه روحا من هاتيك الأرواح، لكن النوتي الهرم طمأنه على حقيقة ~~حياته وأنها جسد من لحم ودم، ومضى يقص له حكايته: كيف ارتاع لجثث زملائه ملقاة إلى ~~جانبه، بينما يرى خلائق المحيط حية! أفما كان الأجدر بتلك الحياة زملاؤه؟ لكن لعنة الله ~~قد أصابته وقد لمسها في أعين هؤلاء الموتى. وطلع القمر وفي ضوئه الفضي شاهد النوتي ~~الهرم بعض خلائق البحر في جمالها وجذلها، فدعا لها الله بدوام ذاك الجذل بالحياة. وما ~~كاد يبدل نظرته إلى تلك الخلائق حتى انبسط لسانه بالدعاء، وسقط عن عنقه جثمان الطائر ~~القتيل. وفي الجزء الخامس من القصيدة يقول الشاعر إن رحمة الله نزلت على النوتي الهرم ~~غيثا، وسمع أصواتا وتبدت له في السماء أشباح، وسارت السفينة قدما، ودبت حركة الحياة في ~~جثث زملائه الموتى! وفي الجزء السادس من القصيدة تأخذ النوتي الهرم غيبوبة روحية إذ ~~يستوثق من وجود الملائكة معه تعينه، ms0852 فها هي ذي قوة ملائكية تدفع السفينة دفعا نحو ~~الشمال في سرعة تستحيل على البشر. ويعود النوتي الهرم إلى وعيه وتزول عنه اللعنة ويبصر ~~بأرض بلاده تدنو في الأفق، وعندئذ تخرج أرواح الملائكة مرة أخرى من أبدان زملائه ~~الموتى، وتتبدى في هيئة من الضوء. وفي الجزء السابع والأخير يلتقي النوتي الهرم براهب، ~~ويقدم توبته، وتكون كفارته أن يظل طول حياته مرتحلا من بلد إلى بلد، فيكون مثالا ~~للناس يتعلمون منه أن يضمروا الحب والتقدير لخلائق الله جميعا. ~~(2) وليم وردزورث # William Wordsworth ~~(1770-1850م) ~~«وليم وردزورث» هو الذي شارك «كولردج» في إخراج ديوان الحكايات الوجدانية ~~«المنظومة» التي تعد فاتحة العهد الابتداعي الجديد، لكنه مع ذلك يختلف عن شريكه كل ~~الاختلاف؛ مات أبوه وهو يافع في الثالثة عشرة من عمره، وكانت أسرته حينئذ تعاني الضنك، ~~ومع ذلك التمس الفتى طريقه إلى مدرسة ثانوية فجامعة كمبردج، بل إن ما كانت تعانيه أسرة ~~الشاعر من عسر لم يحل دون أن يستمتع بما لا يستمتع به عادة إلا الأثرياء من فراغ ~~وارتحال وانقطاع للدرس. وقد كان لإقامته في فرنسا إبان ثورتها أثر عميق في نفسه، جعله ~~بادئ الأمر يتعصب للمذهب الجمهوري، لكن هذه الحماسة سرعان ما بردت في نفسه وزال ~~أثرها. # فقد كانت الثورة الفرنسية في أوائلها حين كان «وليم وردزورث» طالبا في كمبردج فتأثر ~~بتعاليمها كما تأثر سائر شباب جيله، وكان من الطبيعي أن يظهر ذلك الأثر في شخصيته وفي ~~شعره. والعجيب أن حماسته للثورة في بداية الأمر ذهبت به إلى حد التطرف، فلم يهز نفسه ~~- كما هز نفوس غيره - إفراط رجال الثورة في حز الرقاب وإراقة الدماء، بل كان يرى في كل ~~ذلك قصاصا عادلا لما نال الفقراء والضعفاء من عسف على أيدي الأشراف والملوك. ولم يجفل ~~من إعلان رأيه بأنه إبان الثورة للحرية لا يمكن أن تكون حرية؛ إذ في فترة التحول تزكو ~~الفضائل السياسية على حساب الفضائل الخلقية، لكنه رغم هذه الحماسة كلها في بادئ الأمر، ~~لم يسعه في النهاية إلا أن ms0853 يستنكر الطغيان العسكري وحمى الغزو التي انتهت إليهما الثورة ~~الفرنسية. نعم ظل الشاعر ثابتا على مبادئه الأساسية من حيث قيمة الإنسان وما له من ~~حقوق وما عليه من واجبات، لكن الذي انقلب في نفسه رأسا على عقب هو رأيه في تطبيق ~~تلك المبادئ وفي حكمه على رجال عصره وأحزابه السياسية والوسائل التي اتخذت لتنفيذ ~~الدعوة إلى حرية الإنسان. ولما خابت آمال الشاعر في فرنسا الثائرة أن تحقق له ما يريد ~~للإنسانية، تحولت تلك الآمال إلى شيء آخر تتعلق به؛ تحولت إلى وطنه إنجلترا فتعلقت بما ~~فيها من تقاليد دامت مع الزمن وضربت بجذورها في قلوب الناس فطبعتهم على أسلوب مقبول من ~~الحياة المتزنة. وقد كان هذا التحول العجيب من النقيض إلى نقيضه يكاد يشبه الارتداد ~~المفاجئ من دين إلى دين، لكن الشاعر لم يعبأ بما قد يقوله الناس في هذا التغير السياسي ~~السريع، بل لم يحاول أن يبرره لهم، إنما ترك لشعره أن يقص على الناس قصة نفسه. لكن على ~~الرغم من ذلك كله، ظل للثورة وحوادثها في نفسه ذلك الأثر الذي لا بد أن تتركه الهزات ~~الإنسانية العنيفة في أصحاب النفوس القوية المرهفة، فقد شحذت فيه ذكاءه وإرادته مرتين؛ ~~حين اعتنقها أولا، وحين عاد إلى نفسه ثانيا فغربل حوادث الثورة ليقبل منها ما يقبل ~~ويرفض ما يرفض؛ ومن هذا كله خرجت شخصيته الفذة بارزة بكل ما آتاها الله من ~~مواهب. # كان «وردزورث» مفكرا فيلسوفا، أخذ على نفسه أن يفكر لنفسه في أمانة وإخلاص، في كل ~~ما يتعلق بالطبيعة والإنسان. ثم كان شاعرا، أولا؛ لأن موهبة الشعر جزء من طبيعته فلا ~~يسعه إلا أن يشعر، وثانيا؛ لأنه وجد في الشعر وسيلة أخصب وأتم للوصول إلى الحق فيما ~~يعنيه من أمور الطبيعة والحياة الإنسانية، ثم لتبليغ ذلك الحق وتركيزه في أفئدة الناس، ~~فالشاعر عنده معلم والشعر تعليم، ويقول: «كل شاعر عظيم معلم، والذي أرجوه لنفسي هو ~~إما أن أعد معلما أو ألا أعد شيئا على الإطلاق.» فما هو من الشعراء الذين ms0854 يكتبون ~~ليمتعوا، ولا هو من الشعراء الذين يرون أن الشعر تعبير عما ارتآه الآخرون ولكن في ~~صيغة أجمل، ولا هو من الشعراء الذين لا يمزجون نفوسهم كل المزج بما ينشئون وإنما ~~يقفون إزاء خلقهم موقفا أشبه ما يكون بموقف المتفرج، ولا هو من الشعراء الذين ~~اضطربت في رءوسهم الفكرة ثم أبت عليهم ثورة نفوسهم أن تتبلور هذه الفكرة وتتحدد معالمها ~~فتخرج شعلة من غير صورة؛ بل لم يكن من الشعراء الذين ينظمون ليزيحوا عن صدورهم ما ~~أثقلها من مشاعر، أو ليجتذبوا العطف على آمالهم وآلامهم؛ إنما وردزورث يقرض الشعر ليعلم ~~الناس مذهبا جديدا، كان يقرض الشعر لأن الشاعر من طبيعة كل الأنبياء، وشعره وسيلة ~~الأداء في نشر الدعوة، كان يقرض الشعر «ليسري عن المكروب كربته، ليضيف إلى ضوء النهار ~~إشراقا بأن يجعل السعيد في حالة أسعد، ليعلم الشباب وذوي النفوس الحية من كل سن أن ~~ينظروا وأن يفكروا وأن يشعروا، فيكونوا بذلك أقرب إلى عمل الفضيلة وكأنهم يعبرون عن ~~أنفسهم.» تلك هي رسالة الشاعر كما عبر عنها بألفاظه. # ليس «وردزورث» شاعرا وكفى، بل هو صاحب مذهب جديد في الشعر، فصله تفصيلا في مقدمة ~~طويلة قدم بها الطبعة الثانية من ديوان «الحكايات الوجدانية المنظومة»، والفكرة ~~الرئيسية في مذهبه هي أن الشعر لا ينبغي أن تكون له ألفاظ خاصة به، وأنه يجب أن يصاغ في ~~أبسط عبارة ممكنة كالتي يتفاهم بها عامة الناس في الريف البعيد عن عوامل المدنية التي ~~قد تفسد نقاء العبارة، وأن جوهر الشعر في المادة المكتوبة، وليس للوزن أو القافية إلا ~~أتفه الأثر في طبيعة الشعر، فهما عرضان لا يكونان جزءا من جوهره؛ إذ جوهر الشعر هو ~~التعبير عن تجربة روحية عاطفية مرت بنفس الشاعر. وقد أخذ «وردزورث» ينشد الشعر على أساس ~~مذهبه هذا، والعجيب أنه - في رأي بعض النقاد - لم يضعف في شعره إلا حين طبق مذهبه، وأنه ~~لم يكتب قصيدة ممتازة على منهاجه الجديد في الشعر؛ فكثيرا ما كان الشاعر ينسى مذهبه ~~ويطلق العنان لطبيعته الشاعرة ms0855 فيبدع ويجيد، بل إن هذا الشاعر الذي أنكر أن يكون ~~للشعر ألفاظ خاصة به، كان من أكثر الشعراء التزاما للألفاظ الشعرية في قصائده! فلئن ~~ذهب «وردزورث» مذهبا في ألفاظ الشعر لم يخلص له في قصائده، فقد كان لمذهبه جانب آخر ~~أخلص له حتى النهاية، وذاك رأيه بأن جوهر الشعر في المعنى وحده، وكل ما عدا ذلك من بحور ~~وأوزان وقواف أعراض ليست من الجوهر في كثير ولا قليل. # كان «وردزورث» مستكشفا لشيء جديد، وشأنه في كشفه الجديد شأن سائر رجال الكشف عن ~~الجديد بكل ضروبه، وذلك أن نبوغه الحقيقي هو أنه رأى ما لم يره غيره على الرغم من وجوده ~~أمام الأعين جليا واضحا، وما إن يوجه المستكشف إليه أعين الناس حتى يروه في وضوح ~~ويعجبون معه كيف ظل مستترا خافيا. وبكشفه الجديد فتح «وردزورث» عالما جديدا من ~~الفكر ومتعة الشعور، وتستطيع أن تعد شعره علامة ترمز إلى بداية شوط جديد في مراحل الفكر ~~والأخلاق من تاريخ البشر. ولكنه أمام هذا الخلق المبتكر الجديد لم يكن له مندوحة عن ~~تغيير أذواق الناس حتى يتذوقوه، وتعليمهم الفن الذي يرون به فنه ويحكمون عليه؛ لأن ~~الناس لم يكونوا على استعداد نفسي لهذا الانقلاب، فلما رأوه يلتمس أسمى مشاعر الإنسانية ~~وأعمقها وأدقها في توافه الأشياء وأبسط الألفاظ والأساليب لم يسيغوه، بل زادوا على ذلك ~~أن جعلوا منه موضوعا للهزؤ والسخرية. # ففي دار هادئة في منطقة البحيرات شمالي إنجلترا، لبث الشاعر نصف قرن كامل ينشئ الشعر ~~في تؤدة وعلى مهل، وينشر إنشاءه حينا بعد حين، وكله إيمان بجودة شعره، لكن جمهور ~~القراء لم يقبل عليه بادئ الأمر إقبالا يتناسب مع ثقة الشاعر الشديدة في قيمة شعره، ثم ~~ما لبث أن وجد الطريق إلى قلوب فئة ممتازة من القارئين، وأخذ المعجبون في ازدياد حتى ~~أصبحت لشاعرنا المكانة الأولى بين قراء الشعر. وما هي إلا أن منحته جامعة أكسفورد درجة ~~فخرية اعترافا بمنزلته في دولة الأدب، كما أجرى عليه الملك راتبا، ثم عين أميرا ~~للشعراء في ms0856 السنوات السبع التي ختمت حياته؛ فما الذي حول وجهة النظر إلى شعره هذا ~~التحول العجيب؟ ما الذي جاء في شعره من جديد حتى عرضه أول الأمر لسخرية الساخرين، بل ~~لسخط رجال كان يعترف لهم في عصره بالقدرة وسعة العلم؟ أما أنه امتاز بموهبة شعرية من ~~الطراز الأول فذلك ما لم يكن قط موضعا لشك منذ أخرج ديوان «الحكايات الوجدانية المنظومة» ~~وحسبه في ذلك الديوان قصيدة واحدة - قصيدة «أشعار نظمت بالقرب من كنيسة تنترن» # 19 ~~- ليعترف له كل قارئ بالشاعرية الفذة، كلا ولا كانت مواهبه من حيث قوة ~~العبارة وأصالة الفكرة ونصوع الخيال وخصوبته والسيطرة على اللغة في نقائها وجمالها ~~وجلالها، ما كان ذلك كله ليجحد إذ لم تكن سبيل إلى جحوده منذ نشر أول نتاجه. وإذن فليس ~~شيء من هذا ما أثار حوله ثائرة القارئين، لأن هذا وحده - وهو كثير - لا يشتمل على ~~العلامة المميزة التي جعلت من وردزورث نسيج وحده وإمام عصره، ورسولا يبشر باتجاه جديد ~~في الفكر والشعور؛ وإنما امتاز «وردزورث» بخاصة أخرى، هي أنه رأى في الموضوع البسيط وفي ~~التعبير البسيط كل ما يريد من مادة وأداة! لم ير «وردزورث» ضرورة لزخرف العبارة ولا ~~لجسامة الموضوع الذي يتحدث عنه، وفي هذا الانقلاب الذي يبدو شيئا تمليه البداهة ~~التي لا تحتاج إلى عميق فكر، في هذا الانقلاب اليسير كان خروجه على المألوف وكان بدؤه ~~لعالم جديد، ثم كانت الثورة عليه من أنصار القديم المألوف! كانت له العينان اللتان ~~تدركان عناصر الشعر في الأشياء الساذجة التي عميت عنها أعين السابقين، أو قل التي رأتها ~~أعين الشعراء السابقين، واهتزت لها نفوسهم، ولكن أوضاع الشعر التقليدية أبت عليهم أن ~~يتخذوها موضوعات لشعرهم! فكانت رسالة «وردزورث» أن يفتح أعين الناس ويزيل الغشاوة التي ~~رانت على قلوبهم لعلهم يرون في أصغر الأشياء «وأحقرها» قرينا يعدل أي شيء مما جرى ~~العرف أن يعد أعظم الأشياء وأسماها. # الحق، والحق وحده، رائدك إن أردت أن تقول شعرا، وليس في الحق تافه وعظيم؛ الحق هو ~~القانون الأول ms0857 في تكوين الشعر الصحيح، تلك هي الدعوة التي حمل لواءها «وليم وردزورث»، ~~وقد أفلح في أن يهدي القراء والشعراء على السواء إلى هذا النهج القويم؛ ومن هنا كانت ~~طريقته في اختيار موضوعاته التي يقول فيها الشعر، فقد تعلم كيف يرقب الطبيعة في كل ~~ظواهرها ومظاهرها، وكيف يرى فيها ذخرا لا نهاية له ولا حدود؛ ذخرا من أشياء تلمس صميم ~~القلب فتنطق اللسان بالشعر، لقد أحب وردزورث الطبيعة حبا بلغ به حد العبادة، فهو يمجد ~~شوامخ الجبال وهوج العواصف كما يقدس الزهرة النحيلة تهزها الريح. # أخرج «وردزورث» دواوين تشتمل على مجموعات من قصار القصائد، ثم أخرج مجموعة كبرى من ~~«القصائد الأربع عشرية» فيها الجيد والرديء، لكنها في مجموعها - وقد بلغت ما يقرب من ~~خمسمائة قصيدة - تعد من عيون الأدب في العالم، ثم له من القصائد الطوال «الرحلة» # 20 # التي هي جزء من مشروع قصيدة أطول وأشمل يكون عنوانها «المعتزل»، # 21 # وله كذلك «المقدمة»، # 22 # ويطول بنا الحديث لو أخذنا في ذكر قصائده، بل جياد قصائده، فهذا رجل لبث ~~خمسين عاما لا يكاد يفكر في شيء أو يكتب شيئا ليس شعرا أو ما يتصل بالشعر، والآن ~~فلنعرض بعض أمثلة من شعره: # هذه قصيدة «جسر وستمنستر» # 23 # نختارها نموذجا لمقطوعاته الأربع عشرية. # 24 # قالها الشاعر إذ وقف على جسر (كوبري) وستمنستر في لندن في أول الصباح، ~~حين كانت مدينة لندن الجبارة لا تزال ناعسة. احتفظنا في الترجمة بتوزيع القوافي وهي ~~تجري على هذا النظام: ~~«أ - ب - ب - أ» «ج - د - د - ج -» «ه - و - ه - و - ه - و» # الأرض لا تملك أروع من هذا منظرا تبديه # يا له من صغير النفس إنسان هنا يعبر # فلا يستوقفه بسحر الجلال هذا المنظر! # فالمدينة الآن قد نشرت ثوبا ترتديه # من جمال الصبح الساكن العريان؛ # أفلاك وأبراج ومسارح ومعابد وقباب # كشفت صدرها فلا يحجبها عن الحقول أو السماء حجاب، # كلها ساطع لألاء في هواء بغير دخان. # لم أر الشمس قبل اليوم بهذا الجمال تغمر # بطلائع نورها الوهاد ms0858 والصخر والنجاد، # لم أشهد ولم أحس سكونا كهذا السكون ينشر، # والنهر ينساب في رقة كما أراد. # رباه! حتى المنازل خلتها في سبات تظهر، # وهذا القلب القوي # 25 # بأسره في سكتة ورقاد. # وهذه قصيدة قصيرة له عنوانها «جبت وحيدا»: # 26 # جبت وحيدا كالسحاب # ينساب فوق الوديان والتلال، # إذ رأيت جمعا على غير ارتقاب؛ # جمعا من نرجس ذهبي # إلى جانب البحيرة، تحت الشجر # ترف مع النسيم وترقص، ~~••• # موصولا غير مقطوع كالنجوم لألاءة # في نهر المجرة تلمع، # امتد في خط على حاشية الخليج، # امتد ما امتد البصر، # عشرة آلاف رأيت منها في طرفة عين، # تومئ برءوسها في رقص بهيج، ~~••• # وإلى جانبها رقص الموج؛ لكنها # فاقت الموج المتلألئ في نشوتها! # وهل يملك شاعر إلا أن ينتشي # في صحبة هذا الجمع الطروب؟ # حدقت بعيني - وحدقت - لكني عندئذ ما قدرت! # أي ذخر اقتنيت من ذلك المنظر! ~~••• # فكلما استلقيت بعدئذ على أريكتي # خلي الفؤاد أو متأملا # وثب هذا المنظر إلى عين الخيال، # التي هي نعمة الوحيد في عزلته؛ # عندئذ يملأ البشر قلبي، # فيهتز راقصا مع أزهار النرجس. # وهاك أسطرا من قصيدته الكبرى «المقدمة»: # إننا من تراب، لكن الروح الخالدة - رغم ذلك - تراها # تعمل عمل الاتساق بين أنغام الموسيقي؛ فلها ضرب من الفن # يخفى على العين الفاحصة، به توفق # بين العناصر المتنافرة، وتجعلها متآزرا بعضها مع بعض # في صحبة واحدة؛ ألا ما أعجب أن أرى # مخاوفي وآلامي وما رأيت في سالف أيامي من شقاء # وندم وانفعال نفس وفتور همة! كلها يمتزج # في وحدة عقلي، ثم تتعاون كلها على الأخذ بنصيب - # بل بالنصيب الذي لا غنى عنه - في تكوين هذه الحياة الهادئة # التي أحياها حين أكون جديرا بنفسي! # والحمد على ذلك للغاية التي ينشدها الوجود! # والفضل للوسائل التي تصطنعها الطبيعة لبلوغ تلك الغاية؛ # سواء اتخذت لوسيلتها سبلا لا تبعث الخوف في النفوس، # أو جاءت بشيء من الفزع الرفيق، كأنها الضوء الذي لا يؤذي # يشق السحاب المستكن، أو اختارت وسائل أشد عنفا # وأغلظ أسلوبا توائم ما تنشده من غرض. ~~(3) ربرت ms0859 سذي # Robert Southey ~~(1774-1843م) ~~«ربرت سذي» زميل معاصر «لكولردج» و«وردزورث» لكنه كان - بغير شك - دونهما قدرة ~~ونبوغا. ومهما يكن من أمر منزلته بالقياس إلى زميليه ففي شعره أجزاء بلغت من الروعة ~~حدا يدعو إلى الإعجاب، وقد كان لشعره أثر غير قليل في عصره، وهو يمثل نزعات ذلك العصر ~~تمثيلا صادقا دقيقا. # مات عنه أبوه وهو صغير، فكفله خاله وأرسله إلى جامعة أكسفورد، غير أنه غادرها دون أن ~~يظفر منها بدرجة، وتزوج وهو في سن صغيرة وليس أمامه الأمل المزدهر في رزق يسمح له ~~ولأسرته بالعيش الرغيد، فارتحل إلى البرتغال حيث أقام زمنا، وهنالك اشتدت صلته بالأدب ~~الإسباني، وما هو إلا أن شغف حبا بالأدب وتوفر عليه بمجهوده كله؛ وما كان ليستطيع ذلك ~~بغير مورد ثابت للرزق، فأجرى عليه زميل له في الدراسة مبلغا من المال يعينه على العيش. ~~وقد لبث «سذي» أربعين سنة من حياته متفرغا للأدب، قانعا بدخل ضئيل، ومع ذلك استطاع ~~- رغم هذا العسر - أن يجمع مكتبة زاخرة، وأن يعنى بتربية أبنائه، لا بل يعنى إلى جانب ~~ذلك بأسرة «كولردج» - عديله - الذي كثيرا ما كان يحمل عبئها؛ وكان «سذي» متصل ~~الإنتاج الأدبي، وإن لم يعد عليه أدبه إلا بالقليل، ومات بعد أن قضى بضعة أعوام لم يكن ~~فيها موفور الصحة العقلية. # كان «سذي» أميرا للشعراء. وقد ظن أنه سيخلد بشعره، ولكنه ناثرا أعظم منه شاعرا، ~~ونثره هو الذي أفسح له مكانا رفيعا في الأدب، وأهم إنتاجه «سقوط روبسبيير» # 27 # التي أخرجها مع كولردج، وخمس حكايات منظومة أراد أن يحلل ويصف في كل منها ~~لونا من ألوان الخرافات الأسطورية (الميثولوجيا) في الشعوب المختلفة؛ من هذه الحكايات ~~«جان دارك» التي نظمها وهو في التاسعة عشرة من عمره. ومنها «ثعلبة المدمر» # 28 # وقد أراد بها أن يصف شيئا من أساطير المسلمين، تقرؤها فكأنك من حيث الجو ~~الخيالي الذي يحيط بك تقرأ قصة من ألف ليلة وليلة. ولم يجر الشاعر في نظمها على سنن ~~معلومة مرسومة، لأنه ارتأى أن في مثل هذه ms0860 الحكاية - التي تستخدم عناصر خارقة للطبيعة ~~فتخرج عن قوانين الطبيعة - ينبغي للشاعر كذلك أن يحيد عن قوانين النظم المطردة، فليس من ~~الملائم مثلا أن يلتزم الشاعر فيها شيئا من القافية؛ ولذلك أنشأها شعرا مرسلا، لكن ~~الشعر المرسل نفسه قد يصعد إلى أعلى درجات التوقيع الموسيقي، كما هي الحال في «الفردوس ~~المفقود» ل «ملتن»؛ وإذن فلا يكفي الشاعر في قصيدة «ثعلبة» أن يستخدم الشعر المرسل على ~~إطلاقه، بل يجب عليه فوق ذلك أن يجعله مهلهل الديباجة نوعا ما، ليتناسب الموضوع ~~والأسلوب. ومن هذه الحكايات أيضا «لعنة كيهاما» # 29 # بنيت على موضوع من الأساطير الهندية؛ و«لذريق الغوطي» # 30 # وهي خير هذه المجموعة - على غير ما قدر الشاعر نفسه؛ إذ كان في ظن الشاعر ~~أن قصيدته التي تسمى «مادك» # 31 # هي آية فنه - وقد يكون بعض قيمة هذه القصيدة في نزعتها الخلقية، إلى جانب ما ~~في حوادثها من مآس تحرك عواطف النفس. # وهاك مثالا من «ثعلبة»: # وجد في الكهف «امرأة»؛ ~~«امرأة» تعيش في عزلة، # كانت تغزل إلى جانب المدفأة، # وتغني وهي تغزل. # وكانت أغصان الصنوبر من بهجة تتوهج، # ووجهها من وهج النار يلمع، # وجهها وجه «الفتاة» # ولكنها مبيض شعرها، # حيته بابتسامة # ومضت في غزلها، # تغني وهي تغزل ... # والخيط الذي نسجت كان يلمع كالذهب # في ضوء النار ذات الأريج، # لكن الخيط كان رفيعا جد رفيع! # فلولا لمعانه في الضوء # لاقتربت منه باحثا عبثا! # وجلس الشاب يرقب الخيط، # ورأت فيه المرأة نظرة العجب، # فعاودت الحديث مرة أخرى # ولم يزل كلامها غناء: ~~«سألتك أن تلفه حول يديك، # رجوتك أن تلفه حول يديك؛ # خيطي صغير، خيطي رفيع، # لكني أريد له أن يكون # أشد منك بأسا وقوة، # من ذا يستطيع أن يقطع خيطى هذا؟» ~~••• # وشخصت بعينيها الزرقاوين البراقتين، # وابتسمت له ابتسامة رقيقة، # ولم ير في ابتسامتها شرا. # وحول يده اليمنى أخذ يلف الخيط ويلف، # وحول يده اليسرى أخذ يلف الخيط ويلف؛ # يلف الخيط الدقيق الرفيع. # ثم عاودت «المرأة» الحديث، # ولم يزل حديثها غناء: ~~«اجمع الآن - أيها الغريب - قوتك ms0861 # واقطع هذه السلسلة الرقيقة.» ~~••• # وحاول «ثعلبة» أن يقطع الخيط، # لكن الخيط غزلته يدان سحريتان! # وعلت خده حمرة الخجل، # وامتزج بالخجل شيء من الوجل؛ # نظرت إليه وضحكت منه ساخرة، # ثم عاودت الغناء: ~~«خيطي صغير، خيطي رفيع، # لكني أريد له أن يكون # أشد منك بأسا وقوة. # من ذا يستطيع أن يقطع خيطى هذا؟» ~~••• # وشخصت بعينيها الزرقاوين البراقتين، # وابتسمت له ابتسامة الفاتك: ~~«أشكرك ثم أشكرك يا ابن حضيرة! # أشكرك فقد حبكت لي ما ليس تنقض حبكته، # أشكرك على قيد نفسك بغل أنا التي نسجته!» # ثم من رأسه انتزعت # خصلة من شعره الفاحم، # وبالخصلة في نارها قذفت، # وصاحت والشعر يحترق: ~~«أختاه! أختاه! اسمعي صيحتي! # أختاه! أختاه! تعالي واشمتي! # إن الخيط قد غزل، # والجزاء قد بذل، # والعمل قد عمل؛ # فقد اتخذت أسيرا من ابن حضيرة.» ~~(4) وولتر سكت # Walter Scott ~~(1771-1832م) ~~«وولتر سكت» يكبر «كولردج» بعام، ويصغر «وردزورث» بعام. وهو ينتمي إلى قبيلة كبيرة ~~موطنها عند الحدود التي تقع بين اسكتلنده وإنجلترا. ولد في «إدنبره» وقد كان في صدر ~~طفولته عليلا حتى لم يكن يرجى له طول البقاء، ثم بقي له من مرضه عرج لازمه حتى ختام ~~حياته. تلقى علومه في جامعة «إدنبره» وكان يديم القراءة حتى اتسعت دائرة مطالعاته، لكنه ~~في أعوام شبابه لم يبد شيئا من علائم النبوغ في الأدب، سوى كتاب صغير نشره وهو في ~~الخامسة والعشرين من عمره يحتوي على قطع منقولة عن الأدب الألماني، وقليل من «الحكايات ~~المنظومة» نشرها بعد ذلك بزمن قصير؛ ولما بلغ الثامنة والعشرين تزوج من سيدة على شيء من ~~اليسار، وعين في منصب إداري في إحدى مقاطعات اسكتلنده؛ فكان له من دخل زوجته ودخله ~~ما هيأ له عيشا رغيدا. فلما كان عام 1805م نشر قصيدته المشهورة «أغنية المنشد الأخير» # 32 # فكانت أروع ما شهدته اللغة الإنجليزية من شعر لأعوام سبعة مضت، منذ أصدر ~~«كولردج» وزميله «وردزورث» ديوانهما المشترك «حكايات وجدانية منظومة»؛ فقصيدة «سكت» ~~هذه جاءت علامة للمذهب الابتداعي الجديد لا يخطئها النظر، حملت المترددين في قبول ~~الابتداع ms0862 في الشعر على الإيمان به؛ فقد كان بعض الناس قد رأى جمالا رائعا في قصيدة ~~«كولردج» «النوتي الهرم» لكنهم رأوا تفاهة موضوعها فلم يشفع لها عندهم جمالها. كذلك ~~قصيدة «وردزورث» «كنيسة تنتيرن» لم تكن كافية وحدها أن تفرض المذهب الجديد على قراء ~~الشعر. فجاءت قصيدة «المنشد الأخير»، وضمنت النصر لمذهب الابتداع، ثم أتبعها «سكت» ~~بطائفة من طوال القصائد: «مارميون» # 33 # و«سيدة البحيرة» # 34 # و«أمير الجزائر» # 35 # وذلك فضلا عن عدد كبير من القصائد الغنائية القصيرة. ومن العجب أن هذا ~~الشاعر لم يكن يعزف شيئا من الموسيقي، ولم تكن له بها دراية، ومع ذلك أنشأ للموسيقيين ~~طائفة من أجمل الأغاني وأروعها، ولما اتجه «سكت» إلى كتابة القصة - وسنحدثك عنه ~~كاتبا للقصة في الفصل التالي - لزمته موهبته في إنشاء الأغاني، فصار ينتهز لها الفرص ~~في سياق قصصه. # لم يكد شاعرنا يخرج قصائده الكبرى حتى توطدت حياته الأدبية، وأخذ أدبه يدر عليه مالا ~~كثيرا، وجاءته قصائده بدخل كبير، لكنه لا يقاس إلى ربحه من قصصه التي ظلت أعواما عدة ~~تكسبه كل عام شيئا يقع بين خمسة عشر ألفا وعشرين ألفا من الجنيهات. وقد أنشأ لنفسه ~~دارا جميلة واشترى حولها أرضا فسيحة الأرجاء وأنعم عليه بلقب «سير» وزوج أكبر أبنائه ~~من فتاة غنية من أسرة نبيلة، وانفتحت أمامه السبيل إلى غايته التي كان ينشدها ويتمناها، ~~وهي أن يؤسس أسرة تعد بين كرام الأسر، لكنه لسوء حظه شارك القائمين على طبع كتبه في ~~تجارتهم فانتهى أمره إلى إفلاس، وصمم «سكت» ألا يرضى لنفسه بهذه الخاتمة، فضاعف ~~مجهوده في الإنتاج ليرد عن نفسه دينا بلغ مائة ألف من الجنيهات أو يزيد، وقد أفلح فيما ~~أراد، لكن مجهوده أضناه وأصابه بشلل ومس من جنون، ثم عاجلته بعد ذاك منيته. # ولكي نقدر شعر «سكت» قدره الصحيح - بل لكي نقدر شعر شاعر على الإطلاق - ينبغي لنا ~~أن ننظر إليه من وجهتين؛ الأولى وضعه في عصره ومقدار تأثيره فيمن عاصروه ومن أعقبوه، ~~والثانية قيمته الذاتية الباقية على وجه الزمان بغض ms0863 النظر عن بيئته وعصره. فأما من وجهة ~~النظر الأولى فتكاد لا تجد من الشعراء من يضارع «سكت» في عمق أثره، فقد كان يتعذر - ~~لولاه - أن يتحول الذوق الأدبي السائد إذ ذاك إلى الاتجاه الجديد، ولولاه لقضي على شعر ~~قادة الابتداع وأعلامه: «كولردج» و«وردزورث» و«شلي» و«كيتس» أن يظل طويلا دون أن يجد ~~من الناس من يسيغه أو يزنه بميزانه الصحيح. وربما اعترضك في ذلك ناقد بقوله: إن من الخطأ ~~أن تعول كثيرا على حكم جمهور القراء، فليس هناك كبير خطر إن أسرع الناس إلى تقدير ~~الشاعر أو أبطئوا؛ إذ ما دام لشعره قيمة فنية ذاتية، فلا بد أن يفرض هذا الشعر نفسه ~~فرضا على القراء إن عاجلا وإن آجلا. وهذه النظرة في النقد الأدبي صحيحة إلى حد ~~كبير، لكنا لا نستطيع أن نغض من شأن رجل يفلح في توجيه الناس توجيها صحيحا، لأنه إذا ~~سلم ذوق الناس في الأدب تهيأت الفرصة لنوابغ الشعراء أن يظهروا. # وأما قيمة شعره الذاتية فليست موضع شك، وإن يكن بعض النقاد أميل إلى وضعه في الصف ~~الثاني من الشعراء؛ فالرجل شاعر لا ريب في صدق شاعريته ولو أنه في سوق الحكاية أنبغ منه ~~شاعرا، فلو قارنته بالشعراء الأربعة الأعلام في حركة الابتداع: «كولردج» و«وردزورث» ~~و«شلي» و«كيتس» لحرت في كثير من المواضع أيهم أجود شعرا، على أنه إذا ما كانت القصيدة ~~حكاية منظومة فلن تتردد لحظة واحدة في تفضيل «سكت» عليهم جميعا من حيث براعة ~~الرواية، وفضلا عن ذلك كله فشاعرنا من الشعراء القلائل الذين سرعان ما يدور شعرهم ~~على ألسنة الناس؛ ففيه ما يقربه من قلوبهم ويحببه إلى نفوسهم، وليس ذلك على الشاعر ~~بقليل. # وفيما يلي مثال من قصيدة «آخر المنشدين»، وهو بمثابة المقدمة للقسم الأول من ~~القصيدة: # كانت الطريق طويلة والرياح صرصرا، # وكان «المنشد» عاجزا عجوزا مدبرا # ذابل الخدين مبيض الذوائب، # تبدل حالا بعد عز ذاهب # قيثارته، وهي الندم الوحيد المقيم، # يحملها له ولد يتيم. # جاء هذا المنشد آخر من أنشدوا، # فتغنوا بالحماسة عند «الحدود» ms0864 ومجدوا، # ولكن وا حسرتا! يومهم تولى إلى غير معاد، # وأذهبت المنايا عنه صحبة الإنشاد، # فلما رآه مهملا تمنى # لو لحق الإخوان فاستكنا، # لم يعد على جواد راقص يركب، # وكالقبرة عند الصبح يغنى ويطرب، # لم يعد موضع احتفاء واحتفال؛ # فلا يكرم من ضيف ولا له في البهو المقعد العال، # فيهز صاحب الدار وزوجه في جذل # بأغنية عفو الساعة ترتجل. # تلك عهود تقضت فتقضى طبع أصيل، # وآل «ستيورت» عرشهم اعتلاه دخيل # 36 # والمتزمتون في العهد الجديد الذي سيطرا # عدوا فنه المسالم جرما منكرا. # يغني على القيثار في فقر زري وتجواب، # يسأل الخبز في طريقه من باب إلى باب، # جلف غليظ هو الآن من يسر ويمتع # إذ يشد قيثارا كانت تصغي إليه الملوك وتسمع. ~~(5) جورج جوردن بيرن # George Gordon Byron ~~(1788-1824م) # ولد «بيرن» لأب عربيد وأم بلغت من حدة الطبع حدا لا يكاد يحتمل. وقد ورث لقب ~~اللوردية وهو لم يزل طفلا، ثم أضاف إلى مجد الحسب طلعة جميلة لولا ظلع يسير؛ فأحس وهو ~~في مدرسته الثانوية شموخا وكبرياء لهذا اللقب الذي يحمله دون سائر الطلاب، وكان ~~مشتعل الذكاء، ملتهب المواطن، قلبا لا يستقر على حال، فقد عرف الحب وهو في الثامنة من ~~عمره، فلما كان طالبا في المدرسة الثانوية أحب فتاة تكبره، وتزوجت من سواه، فلم ينقطع ~~تفكيره في حبيبة قلبه التي لم يظفر بها، وأخذ ينشد فيها الشعر. # وانتقل «بيرن» من مدرسته الثانوية «هارو» - مدرسة يرتادها أبناء العلية - إلى ~~جامعة «كيمبردج» فعرف فيها بعناده وازدرائه لرؤسائه. ولما بلغ التاسعة عشرة ~~أخرج أول ديوان له وأطلق عليه «ساعات الفراغ»، # 37 # طبعه أول الأمر طبعة خاصة قصد بها إلى الأخصاء، ولم يرد أن ~~ينشره على الناس عامة، وليس لشعره في هذا الديوان كبير قيمة، لو استثنينا بعض ~~أجزائه، فهاجمه النقاد في مجلة أدبية مشهورة إذ ذاك، هي «مجلة إدنبره»؛ # 38 # ولم يكن الديوان ليستوقف أنظار النقد لولا أن صاحبه «لورد»، ويظهر ~~أن توجيه النقد لأصحاب الألقاب فيه لذة للنقاد! وما هو إلا أن ms0865 قابل «لورد بيرن» ~~هذه الهجمة النقدية بهجمة أشد منهما وأعنف، وكان في رده ذاك ساخرا لاذعا ~~مجيدا في سخريته اللاذعة، ولقد حدث أن راجع «بيرن» بعد ذلك بسنوات كل ما كتبه ~~في هذا الباب، فوجد أنه لم يكتب شيئا يعدل هذه القطعة الساخرة التي أنشأها وهو ~~في الحادية والعشرين. # ارتحل «بيرن» في أوروبا بين عامي 1809 و1811م، ثم ظهر له بعد ذلك مباشرة الجزآن ~~الأولان من قصيدته الكبرى «تشايلد هارولد» # 39 # في بحر يجري على غرار ما أنشأه «سبنسر»، # 40 # ولم يكد ينشر له هذا الشعر حتى «استيقظ ذات صباح فألفى نفسه ذائع الصيت.» - ~~على حد تعبيره - وقد صادف هذا الجزء من «تشايلد هارولد» إعجابا شديدا عند «وولتر ~~سكت» بحيث أصبح الشاعران بعدئذ صديقين حميمين، بعد أن كان بينهما عداوة ونفور، ~~وتبادلا الثناء؛ ف «سير وولتر» معجب بشعر «بيرن» و«لورد بيرن» مفتون بقصص «سير ~~وولتر». # ولم ينبه ذكر شاعرنا في دولة الأدب وحدها، بل اشتد نفوذه في دوائر المجتمع، حتى أصبح ~~فيها «ضرغاما» - فقد كان ينعت بهذه الكنية بين عارفيه - فهو وسيم الطلعة جميل الهندام ~~معني برشاقته وفخامة مظهره، ولبث نجمه يسطع في تلك الدوائر الاجتماعية ما أقام في ~~إنجلترا قبل أن يغادرها إلى أوروبا مرة أخرى. وقد أنشأ في تلك الأعوام قصصه الشرقية ~~التي حاول فيها أن يقتفي أثر زميله «سكت» وهذه القصص الشرقية حكايات منظومة اتخذ منها ~~ستارا ليحكي قصة حياته خلال الفترة التي كان فيها «ضرغام» المجتمع في بلاده. وفي ذلك ~~كتبت زوجته بعد انفصالها عنه إلى صديقة لها تقول: «إن الأنانية هي المحور الرئيسي في ~~خياله، فمن العسير عليه أن يشعل قوة خياله موضوع لا تتمثل فيه شخصيته وأهواؤه.» وقد ~~صدقت؛ فقصائده كلها تعبير عن حياته ومغامراته ومشاعره وخواطره، رغم ما تكلفه من عناء في ~~إخفاء ذلك بما ابتكره من أسماء يتنكر وراءها. # ففي قصيدتيه «الكافر» # 41 # و«عروس أبيدوس» # 42 # إشارات لمن أحب من النساء، وله غير هاتين مما تصح الإشارة إليه قصيدة «القرصان» # 43 # و«حصار ms0866 كورنثه»؛ # 44 # وحسبنا - لكي نقدر وقع هذه القصائد عند أول نشرها - أن نقول إن «القرصان» ~~بيع منها عشرة آلاف نسخة في اليوم الأول من نشرها. # وفي عام 1815م - والشاعر في السابعة والعشرين من عمره - تزوج من فتاة كان ينتظر لها أن ~~ترث ثروة طائلة، لكنه لم يقم على حياته الزوجية إلا ريثما ولدت له ابنته، وبعدئذ ضاقت ~~زوجته بالعيش معه وهجرته إلى أهلها. ولم يستطع «بيرن» الإقامة في إنجلترا لكثرة ما أحاط ~~به من هموم الدين واضطراب الأسرة، فغادرها إلى سويسرا حيث لبث بضعة أشهر في صحبة الشاعر ~~«شلي» - الذي سنتحدث عنه بعد قليل - ولشاعرنا رواية تمثيلية عنوانها «مانفرد» # 45 # تصوره في شخص بطلها، ففي مغامرات البطل فوق قمم الجبال وأمام العواصف ~~القوية ومجاري الثلج الكاسحة تصوير لعواطف الشاعر ومطامعه، ومما يصح ذكره عن رواية ~~«مانفرد» أنها صادفت هوى عند شاعر الألمان «جيته» ويظهر أن «بيرن» قد تأثر فيها بما ترجم ~~له من رواية «فاوست» لجيته. # ثم أخذ وهو في سويسرا ينشئ القصيدة بعد القصيدة، فيبث في شعره لواعج نفسه فيما يمس ~~العلاقة بينه وبين زوجته وأخته، ومن هذه المجموعة قصيدة جميلة عنوانها «حلم» # 46 # كذلك أنشأ في تلك الفترة الجزء الثالث من قصيدته الكبرى «تشايلد هارولد» ~~الذي جاء عامرا بما يشف عن نفسه. وبعدئذ سافر إلى البندقية فروما حيث أتم «تشايلد ~~هارولد» بإخراج جزئها الرابع الذي عرض فيه وجهة نظره فيما شاهد في تلك البلاد من آيات ~~الفن - وكان مما أخرجه وهو يتنقل في ربوع إيطاليا قصيدة «السماء والأرض» # 47 # التي أعجبت «جيته»، وقصيدة «دون جوان» # 48 # التي بلغ فيها منتهاه من روعة الفن. # وعندئذ كانت الحرب قائمة بين تركيا واليونان، فتحمس الشاعر لأهل اليونان الذين ~~يجاهدون في سبيل حريتهم، وقصد إلى بلادهم يريد القتال في صفوفهم، فنالت منه حمى ~~الملاريا هناك ومات في أبريل سنة 1824م. # قليل هم الشعراء الذين اختلف في تقديرهم النقاد بمثل ما اختلفوا في شعر «بيرن»؛ ~~فقد رن صداه في أرجاء أوروبا حيث كانت ms0867 له منزلة فوق منزلة شيكسبير، وفي إنجلترا نفسها ~~ترى رجلا له مكانته العالية في النقد، هو «ماثيو آرنلد» # 49 # يقول عنه إنه أقوى قوة دافعة في الأدب الإنجليزي، بينما تجد شاعرا عظيما ~~مثل «سونبرن» # 50 # لا يدع من عبارات النقد شيئا إلا وجهه إلى «بيرن» فشاعر كهذا اختلف فيه ~~الرأي كل هذا الاختلاف، يحسن أن يترك الحكم فيه لكل قارئ على حدة، ومما ييسر هذا أن قد ~~نقل له بعض شعره إلى العربية. # هذا مثال من قصيدته «حلم»، وتقع القصيدة في تسعة أقسام؛ والمثال الآتي بعض جزأيها ~~الأول والثاني: # 1 # حياتنا ذات شقين: فللنوم عالمه، # وهو حد يفصل شيئين أسميناهما خطأ # فناء ووجودا؛ للنوم عالمه، # وهو عالم فسيح، وجوده لا ينكر، # وللأحلام في تطورها أنفاس # ودموع وآلام وهزة من الفرح، # وهي تثقل عقولنا اليقظى بحمل من حملها، # كما تخفف من هموم اليقظة برفع جزء من حملها؛ # تقسم وجودنا شطرين، فهي تصبح # جزءا من أنفسنا كما هي تملأ جزءا من دهرنا، # وكأنما هي تباشير الخلود؛ # إنها تنقضي كما انقضت أرواح السالفين - وإنها لتنبئ # بما هو آت كأنما هي إحدى متنبئات العهد الغابر، وإن لها لسلطانا - # إذ تطغي علينا بأفراحها وأحزانها. ~~... ... ... ... # 2 # رأيت شخصين في إهاب الشباب # واقفين على تل؛ تل رقيق # اخضرت جوانبه وتدرج انحداره؛ وهو حلقة أخيرة # من سلسلة من التلال طويلة، كأنه رأسها؛ # غير أنه لم يكن ثمة بحر يغتسل فيه أسفله، # بل كانت هنالك بقعة من الأرض تنبض بالحياة؛ وكانت موجات # من أشجار الغاب وحقول القمح، ومنازل القوم؛ # كل ذلك تناثر، فهو يبدو آنا ويختفي آنا؛ والدخان ينعقد على هيئة الأكاليل # تصدر من هاتيك الأسطح الريفية، وازدان # التل على رأسه بإكليل عجيب # من الشجر صف في دائرة، ولم تحلقه في دائرته # يد الطبيعة، بل هكذا صفته يد الإنسان. # وهذان الشخصان: فتاة عذراء في صحبتها شاب، كانا هنالك # يرسلان البصر، فأما الفتاة فتنظر إلى كل ما دونها، # وقد كان ما دونها في مثل جمالها؛ وأما الفتى فأمعن فيها النظر؛ ms0868 # وكلاهما شاب، والفتاة رائعة! # كلاهما شاب، لكن الشباب فيهما لم يتشابه، # وكما يكون القمر الرقيق على حاشية الأفق، # كانت تلك الفتاة في بكرة الأنوثة؛ # كان الفتى يصغرها؛ لكن قلبه # كان يكبر أعوامه بشوط بعيد؛ ولم يكن لعينه # على وجه الأرض سوى وجه واحد حبيب، # وكان ذاك الوجه مشرقا عليه؛ وقد أخذ يحدق # في ذلك الوجه حتى لم يعد يستطيع أن يزول عنه؛ # وقفت في الفتى أنفاسه، فلا حياة له إلا في حياتها؛ # كانت هي صوته؛ فلم يتحدث إليها، # لكنه كان يرتعش لكلماتها؛ كانت هي بصره # إذ تبعت عيناه عينيها، حتى لكأنه ينظر بناظريها. # وتلونت دنياه بما أرادت له فتاته؛ لم يعد الفتى # يعيش في نطاق نفسه لأن فتاته كانت حياته؛ # كانت لمجرى أفكاره بمثابة البحر الخضم # تندفق فيه وتختفي؛ فحسبه منها نبرة، # حسبه منها لمسة، لتفيض دماؤه وتفيض، # وتضطرب وجنتاه اضطرابا عنيفا؛ وقلبه # ما يدري سبب عذابه، # لكنها لم تقاسمه من هذه المشاعر الغرامية شيئا؛ # لم تكن تنهداتها له؛ فلم يكن لها # أكثر من أخ شقيق، أخ لا أكثر، وكان هذا الإخاء شيئا ثمينا؛ # إذ كانت بغير إخوة، وهذا أخ ولو لم يشاركها لقب أسرتها، # فما أكثر ما اكتسب من تلك الصداقة البريئة! ~~... ... ... ... # وهذه قطعة عن «البحر» نختارها من آيته الخالدة «تشايلد هارولد»: # إني لأستمتع بالغابات انسدت مسالكها، # وإني لأنعم على شاطئ البحر خلا من الأناسي؛ # فهنالك أجد سامرا حيث لا يقتحم علي الحياة إنسان، # هنالك إلى جوار البحر العميق الذي لزئيره لحن الموسيقى؛ # ليس في ذلك انتقاص لحبي للإنسان، ولكنه ازدياد في حبي للطبيعة؛ # فحيثما التقيت بها فاستطعت أن أنسلخ # مما عسى أن تكون عليه نفسي، أو مما كانت عليه قبل، # أنسلخ عن نفسي لأتحد مع الوجود، فأحس # ما يستحيل أن أبديه، ولكني أستطيع أن أخفيه. ~~••• # اضرب بأواذيك أيها الخضم العميق ذو الزرقة الدكناء! # فعبثا تنساب على متنك السفائن ألوفا ألوفا، # فلئن وصم الإنسان وجه الأرض بعلامات الدمار، # فعند شطك حد سلطانه؛ أما على ظهر الماء # فالتدمير فعل يديك، ms0869 فلست ترى هنالك # أثرا من تخريب الإنسان، اللهم أن يحيق به # عندما يغوص إلى أغوارك وهو يبعث أنة تجلجل بالماء، # فتراه قد اختفى في طرفة عين كأنه قطرة الغيث، # اختفى مجهولا: فلا لحد يشق ولا جرس يدق ولا كفن يؤويه! ~~••• # ليس يدب الإنسان بخطوه فوق مماشيك؛ كلا ولا رحابك # كانت لسطوه مرتعا؛ فإنك لتنهض # لتقذف به عنك بعيدا، مزدريا كل سلطان له دنيء # يصبه فوق الأرض لينتهي بها إلى الدمار، # تنفضه في ازدراء عن صدرك صوب السماء، # فتبعث به مرتعشا فوق رشاشك اللعوب، # وهو يعوي لآلهته حيث علق # آمالا له ضئالا في مرفأ قريب أو خليج # تتطوح به نحو الأرض من جديد، وهنالك تتركه سطيحا. ~~••• # أدوات القتال التي دكت كأنها الصواعق أسوار # المدائن أنشئت على الصخر الأصم، فارتعدت لها أمم # وارتعشت ملوك فوق عروشهم؛ # وجبابرة السفائن التي بنيت من السنديان، فجعلت بضخام ضلوعها # قطعة الأديم التي أنبتتها تنتفخ من غرور فتتخذ لنفسها لقبا؛ # سيدة البحار وحكم القتال! # كل أولئك لعب في يديك، وتراها - كأنها رقائق الثلج - # تذوب بين أواذيك التي سخرت # من زهو «الأرمادا» وغنائم «الطرف الأغر». ~~••• # شطآنك دول عراض، تبدلت في كل شيء إلاك. # ما آشور واليونان وما روما وقرطاجنة، ما أولئك اليوم؟ # إن أمواهك نفحتها السلطان، إذ كانت حرة، # وبعدئذ كم من طاغية هنالك ساد، فأرضها تأتمر # بالدخيل والرقيق والهمجي، وانهيارها # صوح عمرانها فبات يبابا! ولا كذلك أنت؛ # فأنت لا تتغير إلا حين يهتز من لعب موجك الجبار. # إن الزمان لا يخط أثرا فوق جبينك اللازوردي # فما تزال تموج اليوم كما كنت في فجر الزمان. ~~••• # وإني لأحبك يا بحر فكانت متعتي # أيام الصبا أن تحملني فوق صدرك، # فأطوف كأني من حببك الطافي؛ # لاعبت موجك مذ كنت غلاما، فكان موجك # لي متاعا، فإن تغيرت فجعلت من موجك # مصدر رعب، كان لي رعبا لذيذا؛ # فقد كنت لك بمثابة الوليد، # ووثقت في أمواجك قريبها والبعيد، # فكنت أضع يدي فوق لبدك كما أفعل الآن. ~~(6) بيرسي بيش شلي Percy Bysshe Shelley ~~(1792-1822م) # ولد ms0870 «شلي» لأب من الطبقة الرفيعة، وكان منذ نشأته ثائرا كأنما أريد له أن تتجسد فيه ~~روح الثورة، فلم يكن له إخوة يحدون نزواته بحقوقهم، وكان له أخوات بسط عليهن سلطانه. ثم ~~بدأ حياته الدراسية في مدرسة خاصة كان فيها بغير رفقاء، ومنها انتقل إلى «إيتن» - مدرسة ~~لأبناء الخاصة - حيث قاوم كل من أراد أن يستبد بالأمر من الأساتذة والطلاب على السواء؛ ~~فقربه ذلك من قلوب الزملاء على الرغم من شذوذه المنكر المرذول. ولم يكن «شلي» طالبا ~~مجدا في درسه؛ فقد كان يهمل واجبه المدرسي ليترك نفسه على سجيتها فيقرأ ما يحلو له. ~~وأكثر ما أثار اهتمامه «جدون» # 51 # وفلسفته، وقد تأثر بتعاليمه تأثرا ظهر في أول إنتاجه الأدبي الذي أخرجه ~~وهو طالب؛ وبعدئذ انتقل شاعرنا إلى جامعة أكسفورد، وهنالك أخرج «ديوان فكتور وسازير». # 52 # لم يكن لشلي في الجامعة صديق حميم سوى من أرخ له حياته فيما بعد، وهو «تومس هج»، # 53 # وكانت دراسته في أكسفورد على غير نظام، فهو الذي يوجه نفسه في ~~مطالعاته، وكان أكثرها مما يتصل بالعقائد يهدم بعضها ويبقي على بعض، وأخرج عندئذ ~~«ضرورة الإلحاد» # 54 # فلم تر الجامعة بدا من إخراجه، وخرج معه صديقه «هج». # تزوج شلي من فتاة صغيرة كانت صديقة لأخته، وأخذ يتنقل بها في الريف حيث واصل الكتابة ~~والقراءة، وبخاصة قراءة «جدون» الذي طفق يراسله ويجاهد في نشر مبادئه؛ ثم أرادت له ~~المصادفة أن يلتقي بابنة ذلك الفيلسوف «ماري جدون» وكان إذ ذاك قد مل زوجته التي رفضت ~~أن تحيا معه حياة الأخت بعد أن ملأت «ماري» مكانها من قلب الشاعر؛ ولم يلبث شلي أن سافر ~~مع حبيبته «ماري» إلى سويسرا، وهنالك التقي بهما «بيرن» ثم عاد معها إلى إنجلترا بعد ~~قليل. # أخرج «شلي» بعد عودته إلى إنجلترا «الملكة ماب» # 55 # التي ظهرت فيها شاعريته الفذة و«ألاستر» # 56 # وهي قصة روح وحيد يحاول الفرار من نفسه إلى حيث مشاهد الطبيعة الشامخة ~~المنعزلة؛ روح شرير قلق غير قانع مثل «شلي». وسافر شلي من ms0871 جديد إلى إيطاليا، وتزوج من ~~«ماري جدون» بعد انتحار زوجته التي أوذيت في كرامتها، وأنشأ قصيدته الطويلة «لاوون وسذنا»، # 57 # التي أعاد نظمها وبدل عنوانها فجعله «ثورة الإسلام». # 58 # كان شلي حالما بطبعه يرى في ظواهر من الأسرار ما لا يبدو لغيره، وأخذت شاعريته تقوى ~~وتزداد خصوبة ونضوجا؛ ولا يعلم إلا الله ماذا كان هذا الشاعر لينتج من آيات الفن لو ~~امتد به الأجل. ومن خير ما كتب في أخريات سنيه قصيدة رائعة رثى بها زميله الشاعر «كيتس» ~~عنوانها «أدونس» # 59 # ثم قصيدة «برومثيوس الطليق» # 60 # الذي يثور فيها على العالم كما هو، ويدافع عن حقوق البشر الذين نال ~~منهم الظلم والألم. # ومات شلي غريقا في إيطاليا على إثر عاصفة هوجاء، وألقي في النار ما طوح به ماء البحر ~~من جسده على أرض الشاطئ؛ ووضع رماد جثمانه إلى جوار مثله من جثمان صديقه «كيتس» في ~~«مكان له من الجمال ما يحببك في الموت». # وهذا مثال من قصيدته «ألاستر، أو روح العزلة»: # أيتها الأرض ويا أيهذا البحر والهواء، أيتها الأخوة المحببة إلى فؤادي! # لو كانت أمنا الكبرى قد عمرت نفسي # بشيء من الورع الفطري فشعرت # بحبك، وبادلت هذا النعيم من عندي بنعيم مثله؛ # لو كان الصبح الندي، والظهر الأريج، والمساء # بشمسه الغاربة في موكبها الجليل، # ومنتصف الليل بسكتته الرصينة ذات الصدى؛ # لو كانت زفرات الخريف الجوفاء بين أشجار الغابة الزاوية، # والشتاء الذي يكسو بثلجه النقي ويتوج # بجليده المتلألئ رمادي العشب وعاري الغصون؛ # لو كان الربيع بلهثاته الشبقة حين يتنفس # أولى قبلاته الحلوة؛ لو كان هذا كله حبيبا إلى نفسي؛ # إذن لم أكن عن عمد قد آذيت طائرا مرحا # ولا حشرة ولا حيوانا وديعا، بل لبثت على حبها، # وأعززتها جميعا لأنهن عندي من ذوي قرباي؛ إذن فاغفري لي # هذا الزهد، أيتها الأخوة المحببة إلى فؤادي، ولا تحرميني شيئا # مما عودتنيه من حدب وعطف. ~~... ... ... ... # كان هنالك شاعر لم تشيد قبره الذي جاء قبل أوانه # يد بشرية خاشعة من التقوى، # بل أقامته دوامات رياح ms0872 الخريف المسحورة، # أقامته على عظامه النخرة هرما # من أوراق الشجر اليابسة في الفلاة اليباب، # كان شابا جميل المحيا، لم تقصد إلى قبره فتاة محزونة لتزين # بالزهور الباكية أو أكاليل السوسن المنذورة # مخدعه الموحش الذي رقد عليه رقدته الأبدية. # كان رفيقا شجاعا كريما، يجيء إلى قبره منشد، # فيتأوه بزفرة واحدة منغومة حسرة على ما أصابه من قضاء بهيم؛ # عاش، ومات، وغنى، وهو في عزلة. # كم من غريب أبكاه أن يسمع نغماته الحرى! # والعذارى، حين قضى هذا الشاب مجهولا، شقين # وأبلاهن الغرام بعينيه العارمتين، # كان في محجريهما شعلة لم تعد متقدة، # و«الصمت» من فرط غرامه بذلك الصوت لم يسعه # سوى أن يحبس موسيقاه الصامتة في سجن غليظ الجدر. ~~... ... ... ... # ضرب ذلك الشاعر في تجوابه # يتبع خواطره بخطاه، فزار # ما خلفته الأيام السوالف من آثار تخشع لها النفوس؛ # حج إلى أثينا وصور بعلبك، كما قصد إلى اليباب # الذي كانت أورشليم ذات يوم تعمره؛ وزار الأبراج الهاوية # في بابل، والأهرامات الخالدات؛ # زار ممفيس وطيبة، وكل ما يستوقف النظر # من منحوت على مسلات المرمر، # ومن قبور قدت في صخر الجرانيت المزركش الألوان، # ومن أبي الهول برته عوادي الزمن، # ومما تخفيه إثيوبيا المعتمة في ثنايا التلال من صحرائها؛ # وبين المعابد المتهافتة جدرها هناك ، # بين العمد الشوامخ والتماثيل الغلاظ # التي تصور من هو أكثر من الإنسان، حيث وقف شياطين المرمر # يلحظون سر السماء في مسالك نجومها؛ وحيث الموتى # يعلقون خواطرهم الصوامت على الجدر الصوامت التي تحيط بهم؛ # هنالك أخذ الشاعر يسير الهوينى، يتأمل ما خلفته # الدنيا من عهد شبابها؛ وقضى يومه الطويل القائظ # وهو يحدق البصر في تلك الأشباح الخرساء، ولم ينصرف # حين ملأ القمر رحاب الأبهاء الملغزة أشباحا سابحة، # بل واصل الشاعر تأمله وظل يحدق بالبصر، # ثم يحدق، حتى أشرق على ذهنه الخالي معنى # كأنه الوحي الملهم؛ إذ رأى # مولد الزمان الذي يهز بأسراره النفوس. # وهذه أبيات قصيدة له رائعة عنوانها «إلى قبرة»: # 61 # نعماك أيها الروح المبارك ~~- فإنك لم تكن قط طائرا - # أيها الروح الذي يصب ms0873 صميم فؤاده صبا # من السماء أو قربها # في نغمات دافقات من فنك الفطري، ~~••• # فما تزال تصعد ثم تصعد # مبعدا عن الأرض في صعودك، # كأنك سحابة من نار، # وترف بجناحيك عبر محيط من القبة الزرقاء، # لا تني مغردا في صعودك، ولا تنفك صاعدا وأنت مغرد، ~~••• # في بريق ذهبي # من الشمس الغاربة # سطعت السحب في ضيائه، # أراك طافيا عاديا، # كأنك مرح «مجرد» انطلق لتوه يسري. ~~••• # المغرب الأرجواني الشاحب # يفنى حولك إذ تطير # كأنه نجم في السماء # غمره الضحى من ضوء النهار؛ # خفيت عن النظر، لكني أسمع صياح نشوتك، ~~••• # أسمعها نفاذة كأنها السهام # من ذلك الكوكب الفضي # الذي يذوي سراجه الوهاج # كلما وضح من الفجر الضياء؛ # يذوي حتى لا نكاد نبصره، لكننا نحس وجوده هناك، # الأرض كلها والهواء # بصوتك تدوي # كأنه القمر حين يتعرى الليل # فلا تحجبه سحابة واحدة، # كأنه القمر يدفق أشعته فتترع بها حفاف السماء. ~~••• # لسنا ندري ماذا عساك أن تكون # فماذا يقرب منك شبها يا ترى؟ # إن قوس قزح سحابه إذ يفيض، # قطراته لا تسطع بحيث ترى، # كذلك حيث أنت يسيل هاطل من النغم. ~~••• # إنك كالشاعر اندس # في شعلة من فكره، # وأخذ ينشد الألحان، ولم يطلب إليه إنشادها، # حتى يستوقف مسامع الدنيا # فتصغي إلى آمال ومخاوف لم تكن بها آبهة. ~~(7) جون كيتس # John Keats ~~(1795-1821م) ~~«شلي» و«كيتس» بين الشعراء السبعة # 62 # الذين يمثلون حركة الابتداع، هما أخلصهم من آثار الماضي وأقواهم تصويرا ~~للمذهب الجديد. وقد ولد «جون كيتس» بعد زميله بثلاث سنوات ومات قبله بعام؛ مات في ~~السادسة والعشرين وهو في ريعان الشباب. ولقد قلنا عن «شلي» إن قوة شاعريته أخذت تعلو ~~وتزداد حتى يستحيل الحكم ماذا كان ينتهي إليه شعره لو مد له في أجله، أما «كيتس» فقد ~~بلغ ببعض قصائده ذروة الكمال التي ما كان له ولا لغيره من الشعراء أن يجاوزها، فما ~~فقدناه بموته السريع هو نقص في كمية الإنتاج لا قصور في درجة الكمال. ولد «كيتس» لأب ~~فقير يسوس الجياد، لكنه لم يحرم نعمة الدرس، وتخرج ms0874 طبيبا جراحا، ومارس مهنته سبعة ~~أعوام، ثم جذبته فطرته إلى الاشتغال بالأدب، وقد ربطته صلات الصداقة برجلين من أئمة ~~النقد الأدبي إذ ذاك هما «لي هنت» # 63 ~~«هازلت» # 64 # فتعلم من الأول بعض خصائص الشعر الحديث، وحفزه الثاني على دراسة الشعر ~~الإنجليزي القديم؛ لكن الشاعر الشاب لم يكن في حاجة إلى كثير إرشاد؛ فحسبه أن يترك نفسه ~~لدوافع نفسه، فله من فطرته الشاعرة ما يكفل له الأصالة والابتكار. # أخرج «كيتس» أول إنتاجه في الشعر وهو في الثانية والعشرين، ديوانا لا يبين عن نبوغه ~~في أكمل مراتبه، ثم نشر بعد عام قصيدته «أنديميون» # 65 # وهنا بدأت علته تستفحل وتقوى، وأخذت علائم السل تظهر عليه واضحة جلية، ومع ~~ذلك استطاع بعد عامين أن يخرج ديوانا آخر فيه طائفة من القصائد الروائع مثل «لاميا» # 66 # و«هايبريون» # 67 # و«ليلة عيد القديس أجنيرس» # 68 # ثم سافر إلى إيطاليا ليلقى حتفه في روما. # كان ل «كيتس» خصائص واضحة تميزه عن سواه، منها أنه كان يبحث في كل عصور الأدب عن ~~موضوعات تصلح ليتخذ منها هياكل لقصائده، بحيث يستطيع أن يقرن فيها الصورة بالنغم، ثم ~~يؤدي بها المعنى الذي يريد أداءه، ومنها قدرته العجيبة على التغلغل إلى صميم الشعوب ~~التي يقرأ عنها، فهو لم يعرف اللغة اليونانية، ومع ذلك يكاد يجمع النقاد أن الأدب ~~الإنجليزي كله لا يشتمل على قصيدة تمثل الروح اليونانية كما تمثلها قصيدته «نشيد على ~~وعاء يوناني»؛ # 69 # وكذلك كان ما قرأه عن الأدب الوسيط قليلا، وبهذا القليل تمكن من تصوير ~~روح الحياة في العصور الوسطى وكتب قصيدته # La Belle Dame Sans merci # فصور بها تلك ~~الحياة أروع تصوير. # وهذه أمثلة من شعره: # ففي قصيدة «أنديميون» قال عن الجمال هذه الأسطر: # الشيء الجميل متعة لا تزول، # جماله يزكو ولا يحول # قط إلى عدم، بل ما ينفك يجعل من مخادعنا # كنا هادئا لمأوانا، ومن نعاسنا # نوما مليئا بحلو الرؤى وبالعافية والتنفس الهادئ؛ # وإذن فكأنما نحن في كل صبح نضفر # من الزهر رباطا يربطنا بالأرض، # رغم ms0875 ما يعاودنا من غم وما نعاينه من قحط # في نبل الطبائع لا يتفق ومنزلة الإنسان، # ورغم ما نصادفه من أيام داجية، ومن صعاب # شائكة معتمة تعترض سبيلنا، # فتحول دون سيرنا؛ نعم. على الرغم من كل هذا # ترى لونا من ألوان الجمال يزيل الغشاوة # عن أنفسنا القواتم، كالشمس والقمر، # والشجر قديمه والجديد، إذ يمد ظلا تتفيؤه # الأغنام الساذجة؛ وكالنرجس # بعالمه السندسي الذي يعيش فيه، وكالجداول الصافية # التي نسجت لأنفسها غلالة بليلة # تقيها الصيف الحرور، وكالأعشاب تنمو في جوف الغابة # غنية بما انتثر فيها من الزهرات ذات الأريج؛ # وكالذي أصاب مشاهير الموتى من قضاء # فيه جلال صوره لنا الخيال؛ # وكالذي سمعنا أو قرأنا من رائع القصص، # كل هذا معين لا ينضب من شراب خالد # ينصب علينا من حافة السماء. # وهذه قصيدة أخرى عنوانها «أغنية للخريف»: # يا فصلا فيه الضباب وفيه ينضج الثمر، # يا صديقا حميما للشمس المبدعة التي تمنح الأزهار النضرة والإيناع، # كأنما دبرتما معا أمر الكروم التي تلف حفاف السقوف، # فاتفقتما كيف تباركانها وتثقلانها بالثمار، # كما اتفقتما كيف تحنيان بالتفاح أشجار الكوخ غطى جذوعها الطحلب، # لقد دبرتما معا كيف تترعان الفاكهة كلها بالنضج حتى الصميم، # وكيف تكبران اليقطين وتملآن قشور البندق # باللباب الحلو؛ ثم كيف تزهران الزهر # وما تزالان تزهرانه في أواخر الفصل لتهيئا للنحل طعاما، # حتى يحسب النحل أن أيام الدفء ليس لها نهاية؛ # إذ يرى أن «الصيف» قد أترع له الخلايا حتى فاض شهدها. ~~••• # من ذا الذي لم يرك يا خريف وسط محصولك المخزون؟ # فإن لم تكن خزينا، فها أنت ذا عند مجمع الغلال # قد افترشت الأرض في غير احتفال، # وشعرك رفرفته الريح التي هبت لتذروه؛ # أو ها أنت ذا غارق في نعاسك في أخدود المحراث الذي لم يتم حصاده # أنعستك من الخشخاش نفحات، فألقيت منجلك # لتبقي على حزمة من الحصاد انضفرت أزاهرها، كانت ستقطف بأول ضربة من منجلك، # وأحيانا أراك في نبتة من فضلات الحاصدين # لبثت محنية رأسها المثقل عبر مسيل الماء، # أو أراك إلى جوار معصرة التفاح ms0876 ترقب صابرا # آخر القطرات تساقط ساعة بعد ساعة؛ # أين أناشيد الربيع، أين؟ # دع عنك أناشيد الربيع، فلك يا خريف أنغامك، # فحين تزخرف السحائب المخططة نهارك إذ ينحدر برفق إلى الغروب، # فتصبغ بالورد سهولا جمعت منها الحنطة وبقيت أعقابها؛ # عندئذ يأخذ البعوض الصغير في تغريد لحن حزين # بين صفصاف النهر، حينا تراه يعلو # وحينا يهبط، كلما هبت النسمة الخفيفة أو سكتت عن الهبوب، # وكذلك تسمع الحملان التي اكتمل نموها تثغو عند السفوح، # والصراصير عند حفاف الحقول تغني، وفي صوت رخيم # يصفر أبو الحناء في البستان، # كما تزقزق العصافير طارت في الهواء زرافات. ~~(ب) القصة ~~(1) وولتر سكت # لقد تحدثنا عن «سكت» شاعرا من شعراء الحركة الابتداعية في الأدب الإنجليزي، ~~ونتحدث عنه الآن كاتبا للقصة من الطراز الأول بين قصاص العالم أجمع. وربما عجبت للدافع ~~المباشر الذي حول أديبنا من قرض الشعر إلى كتابة النثر، وذلك أنه رأى ذكر «بيرن» ~~يتسع ويزداد حتى لم يعد لنفسه خطر بالقياس إليه، فأخذته الغيرة وضرب بقلمه في مجال آخر، ~~فكان هو المجال الذي أعدته له الطبيعة التي قلما تخطئ هدفها. على أن «سكت» حين ~~اتجه بجهده إلى القصة لم يكن يخطو في أرضها أولى خطاه، فهو حكاء منذ الصبا، وكانت له ~~محاولات موفقة فيها، فلما اعتزم أن تكون القصة ميدانه أخذ يقلب في أوراقه القديمة حتى ~~أخرج من بينها فصولا كان قد أنشأها من قصص «ويفرلي» # 70 # فمضى فيها الآن حتى ختامها ونشرها، فجاءت آية أدبية كبرى أثارت إعجاب ~~النقاد جميعا، كما صادفت هوى القراء؛ فأما الإنجليز منهم فقد رأوا فيها جدة وطلاوة ~~فيما عرضته عليهم من مناظر اسكتلندة وأخلاق شعبها، وأما أهل اسكتلندة فقد وجدوا ~~فيها ما عهدوه في بلادهم فأعجبهم منها دقتها وصدقها. على أن هؤلاء القراء من إنجليز ~~وإسكتلنديين على السواء قد فاتهم أن عظمة هذه المجموعة الخالدة لا ترتكز على صدق ~~وصفها لاسكتلندة وأهلها فحسب، بل ترتكز قبل ذلك على أنها تعرض الحياة الإنسانية عامة ~~في ثوب من الفن الرفيع، فالمناظر والأشخاص ms0877 فيها - على الرغم مما يكسوها من خيال الكاتب ~~- تصور ما يصادفنا في الحياة، فكأنما هي حية تسري فيها الدماء وتدب فيها الحركة ~~والنشاط، وليست من قبيل القصص القديمة التي تهول وتشطح في الخيال وتزخرف الأشخاص، فتجعل ~~كل ما فيها دمى خشبية يحركها اللاعب وهي في ذاتها ميتة جامدة. # ولم يكد ينشر هذا الأديب الفحل مجموعته هذه حتى أحس كأنما وقع من نفسه على كنز ثمين، ~~فأخذت قصصه بعد ذلك تتوالى في تتابع سريع؛ فكنت تراه يفرغ من القصة الطويلة في ستة ~~أسابيع، ولم ينفق في أي منها أكثر من بضعة شهور؛ وبذلك أخرج سلسلة كل حلقة فيها آية ~~خالدة، فالحق أن قصصه كلها من الجودة والروعة بحيث يكاد يستحيل القول إن هذه أو تلك ~~أفضلها جميعا. حسبنا أن نذكر أنه أخرج أول الأمر نحو عشر قصص طوال تدور كلها حول وطنه ~~اسكتلنده، ثم لعله أحس أن الموضوع قد أنهكته إفاضة الحديث، فاكتفى منه بهذا القدر ~~واتجه إلى تاريخ بلاده وتاريخ أوروبا عامة يسرد الحوادث في لون قصصي بديع. ولقد تصادف ~~ناقدا يأخذ على الكاتب أنه لم يراع الدقة في سرد حوادث التاريخ، لكن مثل هذا النقد لا ~~يصدر إلا عن رجل تعوزه الدراية بالفن الأدبي في كتابة القصص التاريخي، وخير قصصه في هذا ~~الباب قصة «أيفانهو» # 71 # التي صور بها عصر الملك شارل قلب الأسد، وقصة «كونتن درورد» # 72 # التي عالج فيها صورة من صور التاريخ الأوروبي، وله في الحروب الصليبية ~~قصتان «الطلسم» # 73 # و«الخطيبة». # 74 # إنك لا تستطيع أن تستعرض القصة في مراحل نموها دون أن تذكر «وولتر سكت» الذي ~~دفعها إلى الأمام دفعة قوية؛ فهو الذي خلق القصة التاريخية خلقا بعد أن لبثت ما ~~يقرب من ألف عام تحاول الظهور محاولات كانت تنتهي دائما بالخيبة والفشل، وهو الذي ~~عرف كيف يجعل الخصائص القومية لأمة من الأمم محورا أساسيا للقصة. ولو عرض الأشخاص ~~الذين خلقهم خيال الأدباء - في كل العصور - في متحف لوجدت «سكت» قد خلق منها ~~عددا لا ms0878 يجاريه في كثرته أديب آخر إلا شيكسبير، ثم هو يفضل شيكسبير في كثرة ما صور من ~~مناظر في قصصه. وكان له أعظم الفضل في رفع القصة إلى مستوى الأدب الرفيع؛ إذ جاء وهي ~~على شيء من الزراية، توضع في منزلة أدنى من سائر الصور الأدبية، ولا يحاولها إلا قلة من ~~الأدباء ويقرؤها الناس في شيء من التخفي والاستحياء، فتركها وهي - بفضله - في منزلة ~~واحدة مع سائر ضروب الأدب احتراما ودرا للمال وخصوبة في الإنتاج. ~~(2) جين أوستن # Jane Austen ~~(1775-1817م) # تصغر هذه الكاتبة معاصرها «سكت» بأربعة أعوام فقط، لكن لم يكتب لها أن يمتد بها ~~الأجل بقدر ما امتد به؛ إذ ماتت ولها من العمر اثنان وأربعون عاما. ولئن عد «سكت» ~~أبا للقصة في القرن التاسع عشر، فلا شك أن «جين أوستن» أم لها؛ فكلاهما كان للقصة ~~واضعا للأسس، مقيما للدعائم. فبينا ترى «سكت» قد طرق بقصصه كل الأبواب الممكنة، ثم ~~مضى في بعضها إلى حد بعيد من الجودة والإتقان، ترى زميلته «أوستن» قد تناولت بنجاح - ~~يوشك ألا يقل عن نجاحه - أبواب القصة التي لم يمسها «سكت» إلا مسا رفيقا. # تلقت «جين» درجة عالية من التعليم، وعاشت معظم سنيها في الريف قراه ومدنه؛ وماتت ولم ~~تتزوج. وقد بدأت كتابة القصة وهي حول العشرين من عمرها، لكنها لم تجد ناشرا، وكانت ~~أولى قصصها «كنيسة نورثانجر»، # 75 # اشتراها منها ناشر، لكنها لم تنشر إلا بعد موتها؛ وأول ما نشر لها في حياتها ~~قصة «سلامة إدراك ودقة إحساس» # 76 # ثم تبعها قصة «كبرياء وتعصب» # 77 # ثم جاء بعد هذه ثلاث أخرى، وهي في كل قصصها هذه كادت لا تعالج إلا موضوعا ~~واحدا هو حياة الطبقة العالية في أنحاء الريف. ولن تجد في عالم النقد ناقدا لرأيه وزن ~~إلا رأيته يضع هذه الكاتبة في الصف الأول بين أصحاب القصة أجمعين. ~~«كنيسة نورثانجر» موضوعها قصة فتاة جميلة ذكية ظنها أحد الأغنياء وارثة فرحب بها ~~وأغدق عليها من كرم وفادته إغداقا رجاء أن تكون زوجة لابنه، فلما ms0879 تبين له فقرها طردها ~~من منزله طردا عنيفا. و«سلامة إدراك ودقة إحساس» تدور حول شخصيتين مختلفتين لأختين ~~شقيقتين، إحداهما على شيء من الرعونة تستجيب لدوافع العاطفة بغير احتكام للعقل، والأخرى ~~هادئة تحكم إدراكها العقلي في شتى أمورها، تركهما أبوهما في عسر فعاشتا مع ذوي قرباهما ~~الأغنياء. وأساس القصة مقارنة بين الأختين في مختلف المواقف. والدرة العصماء بين هذه ~~القصص كلها، قصة «كبرياء وتعصب» وهي قصة فتاة طموح أبية النفس أحبها شاب غني، لكنها ~~نبذته في كبرياء لما لمسته فيه من ازدراء لأهلها وذويها. وهكذا تمضي الكاتبة في قصصها ~~جميعا تصور لنا الفقراء على اختلاف صورهم وهم يخالطون الأغنياء لترينا كيف يفكر ~~الأغنياء وكيف يعيشون. وهي تختار أبسط الموضوعات لقصصها، لكنها حين تجري الحوار أو تحلل ~~الأشخاص تبدي براعة قل أن يكون لها نظير. ولو لم يكن في قصتها حبكة لكفاها جودة مثل ذلك ~~الحوار البارع وهذا التحليل الدقيق. ويتميز أسلوبها بشيء من السخرية الرفيقة التي لا ~~تفارق قلمها، وقد يأخذ عليها الناقدون أحيانا أنها تقسو في بعض المواضع في سخريتها. ~~ومهما يكن من أمر هذه الكاتبة القديرة، فقد وجهت أدب القصة توجيها جديدا حين بينت في ~~وضوح وقوة أن الحياة اليومية المألوفة المعروفة إذا أجاد الفنان ملاحظتها والاختيار من ~~أجزائها، كانت له معينا خصيبا لا ينضب، للقصة في أعلى مراتبها. ~~(ج) المقالة # على الرغم من هذا المجهود الجبار الذي بذله «سكت» و«جين أوستن» ربما لم تكن ~~للقصة المنزلة الأولى في عالم النثر في الثلث الأول من القرن التاسع عشر. وربما كنا ~~أدنى إلى الصواب إذا جعلنا تلك المنزلة الأولى للمقالة التي وجدت مجالا خصيبا في ~~الصحف الأدبية التي كثرت في ذلك العهد لتسد حاجة عند القراء. ولم تكن المقالة عريقة ~~الأصول في الأدب، فقد رأينا في الجزء الثاني من هذا الكتاب، ونحن نؤرخ لمونتيني في ~~الأدب الفرنسي، كيف خلقت المقالة خلقا على يدي «مونتيني» في القرن السادس عشر، لكن ~~العجيب في أمرها أنها حين ولدت جاءت كاملة الخلق والتكوين، وأخذت ms0880 - منذ ظهرت في عالم ~~الوجود - توسع من نطاقها من حيث الموضوعات التي تعالجها، فكانت مجالا لتحليل الشخصيات، ~~ومتنفسا للأديب يبث فيها مشاعره وخواطره، وميدانا للنقد الأدبي، ووسيلة للإصلاح ~~الاجتماعي. وهكذا لبثت المقالة طوال القرنين السابع عشر والثامن عشر أداة طيعة في يد ~~الأديب يتخذها لكل موضوع شاء أن يكتب فيه، ومن حسن حظها أن تناولتها أيدي فحول الأدباء ~~فضمنت لها القوة وطول البقاء. فلما كان الثلث الأول من القرن التاسع عشر - وهو العهد ~~الذي نحن الآن بصدده - تعهدتها طائفة من الأفذاذ، حسبنا أن نذكر منهم الأربعة ~~الأعلام: «لام» و«هنت» و«هازلت» و«دي كونسي». ~~(1) تشارلز لام # Charles Lamb ~~(1775-1834م) # هو لندني المولد والنشأة والإقامة، تلقى بعض التعليم المدرسي ولم يبلغ في شوطه إلى ~~غايته؛ إذ أريد له أن يستخدم في إحدى الشركات الكبرى، لكن حياته اضطربت بسبب جنون موروث ~~لم يبلغ في حالته حد الجنون الكامل إلا فترة قصيرة، ثم كانت علامته بعد ذلك شذوذا في ~~سلوكه، غير أنه كان أشد ظهورا في أخته «مارية» حيث انتهى بها إلى قتل أمها في ثورة من ~~ثورات جنونها. وأخذت هذه الثورات الجنونية تنتابها على فترات تزداد قصرا كلما تقدمت ~~بها السن. وكانت «مارية» تقيم مع أخيها «تشارلز» الذي أحبها حبا شديدا، ولم يتزوج ~~حرصا على راحتها. # التقى «لام» بكولردج فكان له في حياته الأدبية أبلغ الأثر، وقد يكون هو الذي وجه ~~«لام » إلى دراسة الأدب في عهد اليصابات دراسة ملكت عليه نفسه حتى إنه أنشأ مأساة على ~~غرار المآسي في ذلك العهد عنوانها «جون وودفيل» # 78 # وأخرج مع أخته «مارية» «قصص من شيكسبير»، # 79 # ونشر مجلدين فيهما مختارات من الأدب التمثيلي في عهد اليصابات، علق عليها ~~بمذكرات نقدية رائعة، وأما آيته الكبرى فهي «مقالات إليا» # 80 # التي طبعها بطابعه مادة وأسلوبا حيث جاءت شيئا فريدا في الأدب الإنجليزي ~~كله، وقد حاول أن يقلده المقلدون لكنهم جميعا انتهوا في محاولتهم إلى الفشل؛ ففي ~~خياله، وفي أسلوبه، وفي فكاهته خصائص تدركها بذوقك ولا تستطيع لها تحليلا ms0881 ولا ~~وصفا. # اتخذ لام المقالة أداة للتعبير عن نفسه، واتخذ من شخص خيالي يرمز به إلى نفسه أطلق ~~عليه «إليا»، محورا تدور حوله أفكاره وخواطره وذكرياته وتأملاته. وهو في كل ما كتب ~~سواء أكان ذلك تعليقا على كتاب أو على شخص صادفه في حياته أو على وضع من أوضاع ~~المجتمع؛ إنما كان يعبر عن صدى هذا الشيء أو ذاك في نفسه هو دون أن يجعل هذه النظرة ~~الذاتية صريحة مباشرة. لكن النظرة الذاتية في أدبه لها خصائص يتميز بها عن سواه، فكل ~~أديب ذاتي فيما يكتب إلى حد ما، لكن ليس كل أديب ذاتيا بمعنى أن يشق نفسه شطرين، ~~شطر منهما ينقد شطرا آخر نقد الحذر البصير الذي لا يغيب عن ذهنه قط ما يقع فيه ~~الإنسان من خداع، إذ يحكم على الأشياء وفق هواه فيخطئ أحيانا وهو لا يدري بخطئه لأن ~~هواه قد أعماه. وبهذا الأسلوب الذاتي المحايد عادت المقالة إلى ما كانت عليه عند أول ~~خلقها على يدي «مونتيني». # ومع ذلك فلم يكن «لام» في مقالته صورة مكررة من «مونتيني»، بل ظل بينهما هذا الفارق ~~الذي جعل لكل منهما شخصيته في أدبه؛ «مونتيني» يحلل نفسه تحليلا أقرب جدا إلى ما ~~يصنعه عالم النفس إذ يرد المركب إلى عناصره الأولية، ثم هو يستخرج العبرة لعلها تكون ~~درسا يقوم الأخلاق، أما «لام» فلا يجعل همه هذا التحليل ولا ذلك التقويم إنما أراد ~~شيئا واحدا، هو أن يمتع نفسه بما يكتب وأن يمتع قارئه بما يقرأ، وهو في ذلك فنان ~~مطبوع، إن أراد أن يرهف حس قارئه أو أن يعلو بنفسه، اصطنع لذلك سبيلا غير مباشرة بحيث ~~لا يحس قارئه أنه إزاء معلم يؤدبه. ~~(2) لي هنت # Leigh Hunt ~~(1784-1859م) # لم يكد «هنت» يفرغ من دراسته حتى وجد سبيله إلى منصب في الحكومة يضمن له ~~اطرادا في حياته، لكنه لم يلبث أن تركه مدفوعا برغبته في الاشتغال بالأدب؛ ~~وكان له أخ يعرف كيف يشق طريقه في الحياة العملية؛ فتعاون الشقيقان على إخراج ms0882 ~~صحيفة تلونت بالدعوة إلى الحرية ومعارضة الحكومة. وقد زج «لي هنت» في السجن ~~لمهاجمته للوصي على العرش عندئذ، ولبث بعد خروجه من السجن خمسين عاما، لم يكد ~~يغادر فيها مدينة لندن، ولم يشتغل خلالها إلا بالأدب. ولم يكن «هنت» في الصف ~~الأول من رجال الأدب في شعره أو نثره؛ إذ أعوزه الفراغ وطمأنينة العيش، فكان ~~يكتب على عجل لكسب قوته، كما أعوزه الذوق المرهف. والفراغ وسلامة الذوق الأدبي ~~شرطان لازمان للأديب الممتاز. وأبرع ما برع فيه قدرته على النقد الأدبي؛ فقد ~~كان سديد الرأي في تقدير إنتاج غيره من الأدباء، ثم قدرته على كتابة المقالة ~~الصحفية التي تتناول شتى الشئون؛ فهو في هذه نابغ قدير لا يدين لسابقيه إلا ~~بالقليل، وله أعمق الأثر في عشرات من لاحقيه في هذا المجال. وقد حاول «هنت» أن ~~يكتب أدبا قصصيا وغيره من ألوان الأدب فلم يفلح؛ فكأنما خلق بطبعه كاتبا ~~صحفيا. غير أنه في الصحافة أقرب شبها بأدباء الصحافة الأقدمين منه ~~بالمحدثين؛ إذ كان يتولى كتابة الصحيفة بنفسه، أو - على الأقل - كان العامل الرئيسي ~~في تحريرها؛ فلم تكن الصحيفة الأدبية - مثلها اليوم - ميدانا تتعاون فيه أقلام ~~طائفة كبيرة من الكتاب. كان «هنت» مخلصا فيما جاهد في سبيل نشره من آراء في ~~إصلاح السياسة والاجتماع والدين، فقد أراد للأفراد والمجتمع نظرة للأمور تسودها ~~القيم الروحية العليا، وله أعظم الفضل في أن خفف عن المقالة الأدبية بعض ~~أعبائها وهيأها للصحافة، بحيث جعلها أداة صالحة لكثير جدا من أغراض الإصلاح، ~~ولعله كان في الأدب الإنجليزي أول من استخدم المقالة في النقد المسرحي، وفي هذا ~~تبعه «هازلت» وتفوق عليه إلى مدى بعيد. وله في النقد آراء صائبة صدر فيها عن ~~تمثله بنماذج الأدباء القدامى، وخير ما خلفه لنا هذا الكاتب سيرة حياته # 81 # التي ملأها بما يستوقف القارئ بالإعجاب، والتي تلقي ضوءا قويا ~~على الرجل وعلى عصره الذي كان غنيا بالأدباء الأعلام. ومما خلفه أيضا ~~مجموعات مقالاته وأهمها «رجال ونساء وكتب» # 82 # و«الفطنة والفكاهة» # 83 # و«الخيال السوي ms0883 والخيال الشاطح». # 84 ~~(3) وليم هازلت # William Hazlitt ~~(1778-1830م) # هو في النقد أعظم من زميليه «لام» و«هنت»؛ بل إن شئت فقل إنه من أئمة النقد في آداب ~~العالم كلها. ربطته الصلات بكولردج كما ربطت غيره من أدباء العصر، فكان لكولردج أعمق ~~الأثر في توجيهه وإشعال نبوغه، كما صنع بكل من اتصل به. وعاش «هازلت» حياة فيها كثير من ~~المتعة لكن تنقصها السعادة، فقد تزوج مرتين، وساء حظه فيهما معا؛ إذ اختلف مع الأولى ~~اختلافا أدى إلى الطلاق، وهجرته الثانية بعد زواجها منه بأمد قصير، ولعله المعيب في ~~كلتا الحالتين، لأنه كان معروفا بحدة طبعه التي ضاق بها حتى أخلص الأصدقاء. وكان يهاجم ~~الناس عن طبع يميل إلى المشاكسة بداع وبغير داع، بل حمله ذلك الطبع المشاكس على ~~الخوض بنقده وهجومه في أدب الأسبقين فضلا عن المعاصرين. وكانت تنقص «هازلت» الدراية ~~التامة بالآداب واللغات الأجنبية، لكنه رغم هذه النقائص كلها، أنتج في نقد الأدب ~~الإنجليزي مجموعة من المقالات والمحاضرات تكاد لا تجد لها نظيرا؛ ولهذا كان في عصره ~~كاتبا يحسب حسابه، ومن العجيب أنه لم يلق كل هذا التقدير عند الجيل الذي تلاه، لكنه ~~عاد بعدئذ إلى الصعود في نظر الأجيال التالية، ولعله حتى اليوم لم يوضع بعد موضعه ~~الصحيح. ~~«هازلت» فردي في روحه، بحيث وقف إزاء العالم موقف التحدي والمصارعة في السر والعلن، ~~فكل ما تواضع عليه الناس من رأي وعقيدة أصابته طعنات نقده التي لم تصدر عن جهل عابث، بل ~~صدرت عن رجل أوتي من نفاذ البصيرة وصواب الحكم قسطا موفورا. وإن شئت أن تتخيله فصور ~~لنفسك رجلا بلغت به الكبرياء حدا مفرطا، واعتد بنفسه اعتدادا حدا به أن يستهين ~~بسواه، بل أن يمقت غيره من أفراد الإنسان، ولم تكن له هذه النفس السمحة ولا هذا الصدر ~~الرحب الذي ييسر على نفسه طريق الحياة، لكنه مع ذلك كان إذا ما أراد نقدا ضبط من ~~نفسه جماحها واتزن في حكمه على نحو يدعو حقا إلى كل إعجاب. فهو بهذا ثنائي الشخصية ms0884 ~~تراه على لون في حياته وعلى لون آخر في نقده، ولعل في هذا الازدواج مصدر شيء من خصوبته ~~وإن يكن بغير شك مصدر تعاسته وشقائه. وهو على أي الحالين صاحب نظرة نقادة، من طبعه أن ~~ينقد ما يصادفه، وهو في هذه الثورة أو ما يشبه الثورة صنيعة الثورة الفرنسية ووليد دعوة ~~قوية الأصداء إلى تحكيم العقل في كل الأمور والاهتداء بهديه؛ وهو من هؤلاء الرجال ~~الذين يرون أن «الحياة عقيدة وجهاد» أعني أنه يعتقد بصواب المبدأ النظري ثم لا يلين ~~بعد ذلك في جهاده في سبيل ما اعتقد صوابه. # وإنه لمما يبدو تناقضا في القول أن نزعم أنه من رجال الأدب الابتداعي - والأدب ~~الابتداعي أميل إلى الأخذ بالعاطفة - ثم نزعم في الوقت نفسه أنه يسلم قياده لأحكام ~~العقل. لكن هذا التناقض الظاهر ربما زال لو أضفنا إلى هذين الزعمين تحديدا، فاحتكامه ~~إلى العقل هو في تبين الحدود التي ينبغي أن تقف عندها العاطفة؛ أعني أنه يسلم بضرورة أن ~~يترك الإنسان نفسه على سجيتها في التأثر بالأشياء والحكم عليها بالفطرة واللقانة، على ~~ألا يجاوز ذلك الحدود المشروعة. # كان «هازلت» ناقدا للأدب وناقدا لأوضاع الحياة في آن معا، وهو في نقده مطبوع ~~بصراحة عجيبة، صراحة مصدرها ثقته بنفسه؛ فلا يعبأ في قليل أو كثير أجاء رأيه مستطابا ~~عند الناس أم مريرا. وهو في تبينه للعيوب لا يصطنع التحليل بقدر ما يلجأ إلى الإدراك ~~المباشر، فعينه الفاحصة لا تخطئ ما يريد أن يراه؛ ولذلك تحس وأنت تسايره في أيما طريق ~~شئت كأنما يلفتك الرجل لفتات مفاجئة متداركة، تقلب لك آراءك التي ألفتها رأسا على عقب، ~~ويزيح عن عينيك الغشاوة التي تريك ظواهر الأشياء حقائق ثابتة. وقد تمدحه على صنيعه لك، ~~وقد تسبه وتلعنه لأنه سيريك رغم أنفك الحقائق المرة عن بعض الأشياء، وليس الإنسان على ~~استعداد دائما أن يصغي إلى الحق. # وكذلك ترى هذه اللفتات المفاجئة القوية في نقده الأدبي، فهو - بحركة واحدة سريعة ~~ماهرة - يجد نفسه في صميم الشخصية التي هي موضوع ms0885 نقده، لا يحاور في ذلك ولا يداور؛ ثم هو ~~يتدرج في خروجه من ذلك الصميم الذي وقع عليه شيئا فشيئا؛ فإذا بك ترى المعالم ~~والقسمات في جلاء ووضوح. وكثيرا ما كان يقع على جانب خفي من نفس الأديب الذي يكون ~~موضوع بحثه، حتى ليخيل إليك أنه يهتدي في ذلك بهذه الأساليب التي يستخدمها أصحاب ~~التحليل النفسي في هذه الأيام فيبرزون بها ما خفي عن العيون. على أنه بغير شك لم يكن ~~معصوما من الخطأ، فقد يضل بسبب تعصب سابق لرأي بذاته. ومن أمثلة خطئه في الحكم أنه لم ~~ير في «شلي» شاعرا مجيدا. لكنه على كل حال من أقل النقاد ضيقا في الأفق وجريا مع ~~الهوى، وفضله عظيم في تحليل كثير من شخصيات شيكسبير، فهو من المعجبين بأدب النهضة عامة، ~~وإن يكن من العسير عليك أن تجد له عصرا معينا أو شاعرا خاصا أو مدرسة بذاتها تنسبه ~~لها، فهو مادح أينما وجد ما يستحق المدح، مهاجم أنى صادف ما يستثير الهجوم. ~~(4) تومس دي كونسي # Thomas De Quincey ~~(1785-1859م) # مات أبوه وخلفه صغيرا، لكنه ترك له إرثا لا بأس به، وإن يكن «دي كونسي» بدده فيما ~~بعد على نحو لا يشينه، غير أنه يدل فيه على غرابة وشذوذ؛ مثال ذلك أنه أجزل العطاء ~~لرجال الأدب - فقد أعطى مبلغا كبيرا لكولردج - وأنه لم يعمل شيئا مما يعود عليه بالكسب ~~اعتمادا على ثرائه الموروث، وأنه لم يتم دراسته الجامعية، إلى غير ذلك من أمور. ولما ~~كان الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة، كان لأديبنا بدوات في شبابه، منها ~~إدمانه المفرط في «الأفيون»، وقد ذكر لنا مغامرات شبابه في سيرة حياته التي كتبها بقلمه ~~وفي كتاب آخر عنوانه «اعترافات مدمن في الأفيون». # 85 # عرف «دي كونسي» في نفسه القدرة على الإنشاء؛ ثم نفد ماله الموروث، فأخذ يكتب كتابة لا ~~تنقطع مدى أربعين سنة من حياته. وفي أخريات أيامه جمع كثيرا مما كتب وأعاد طبعه، فكان ~~لنا بذلك أكبر مجموعة في الأدب الإنجليزي من ms0886 أدب المتفرقات وأكثرها تنوعا؛ فقد كان هذا ~~الأديب يجمع في نفسه دقة التحقيق العلمي وسعة الاطلاع، وكانت له قدرة على القصص، وموهبة ~~نادرة المثال في العرض والتلخيص، فضلا عما امتاز به من فكاهة ونبوغ في الأسلوب المنمق ~~المزخرف الذي لن تجد من يفضله فيه، ذلك إن وجدت من يجاريه. وكان يعلم أنه موهوب في ~~هذا الضرب من الكتابة، لكنه أخطأ فظن أن مثل ذلك النثر المزوق أعلى منزلة من النثر ~~السلس المتدفق. ومهما يكن من أمر فإنه إنما يحتل مكانه في تاريخ الأدب لأنه في طليعة من ~~غيروا مجرى النثر الأدبي في القرن التاسع عشر، فجعلوه نثرا مزخرفا بعد أن كان ساذجا ~~عاريا من كل تنميق. وقد وجد «دي كونسي» في ميدان الأحلام مجالا فسيحا لنثره، وهذه ~~حقيقة لها مغزاها الواضح ودلالتها القوية؛ إذ لبث النثر الفني مائة وخمسين عاما لا ~~يريد لنفسه شيئا فوق أن يكون أداة للتعبير عن شئون الحياة العملية، وها هو ذا ينتقل ~~بمثله الأعلى إلى ميدان آخر، فصار على يدي «دي كونسي» أداة للخيال قبل أن يكون وسيلة ~~للتعبير عن الواقع. ولا شك في أن هذه نتيجة طبيعية لمذهب «وردزورث» في الشعر - الذي ~~أسلفنا الكلام عنه - بأن جوهر الشعر في المعنى لا في طريقة الأداء؛ فقد يكون الكلام ~~شعرا حتى إن خلا من الوزن والقافية؛ فكان من أثر هذه الدعوة أن رأينا بعض أنصار ~~المدرسة الجديدة يكتبون الشعر منثورا، أو قل يكتبون النثر ليكون شعرا. ~~(د) ضروب أخرى من النثر # آثرنا أن نقسم الحديث في النثر قسمين، فقسم للمقالة أسلفناه، وقسم آخر لضروب النثر ~~الأخرى التي ظهرت فيما كان يؤلف من الكتب على اختلاف موادها، وذلك لأن الأسلوب في ~~الحالتين مختلف أشد اختلاف، فما أساغه الذوق في المقالة لم يكن ليسيغه في الكتاب. فقد ~~كان يتعذر على «دي كونسي» - مثلا - أن يجد ناشرا لكتابه «اعترافات مدمن في الأفيون» ~~لو أنه أخرجه كتابا كاملا، فلولا أنه نشره في الصحف الأدبية منجما في مقالات لما وجد ~~سبيله ms0887 إلى المطبعة. فقد اختار أدباء المقالة في العصر الذي نؤرخه - الثلث الأول من ~~القرن التاسع عشر - الأسلوب المنمق لمقالاتهم، وكان هذا التنميق في الأسلوب علامة ~~التجديد، لكن مثل هذا الأسلوب لا يصلح في كتاب طويل متصل؛ لهذا كان للنثر في ذلك العهد ~~أسلوبان مختلفان: أسلوب للمقالة وأسلوب للكتاب، وسنختار اثنين من أصحاب الأسلوب الثاني ~~لنسوقهما مثالا للنثر الأدبي في غير المقالة، وهما: «سذي» و«ماكولي». ~~(1) سذي # Southey # لقد أسلفنا الحديث عن «سذي» شاعرا من شعراء الابتداع، وزعمنا إذ ذاك أنه خالد ~~بنثره أكثر منه بشعره؟ فلو فرضنا أن للنثر الإنجليزي معيارا يقاس به الجيد والرديء، ~~كان نثر «سذي» أقرب ما يكون إلى ذلك المعيار؛ فيوشك أسلوبه أن يكون نموذجا يحتذى. ~~نقول ذلك على سبيل الافتراض الذي يقرب الصورة إلى الأذهان، لأننا نعلم أنه يستحيل أن ~~يكون لكل ضروب النثر طريقة واحدة وأسلوب بعينه، فلكل موضوع طريقة تصلح له، ولكل كاتب ~~أسلوبه الخاص الذي ينبغي أن يحكم عليه باعتباره كائنا حيا مستقلا دون النظر إلى ~~سواه. وآيته النثرية الكبرى هي «حياة نلسن»؛ # 86 # ولو أنه من الحق أن يقال إن قدرة الكاتب في التعمق في أسرار النفس كانت ~~لها حدودها، وإنه حين تسلف «كارلايل» في التأريخ للأبطال كان مثله الأعلى في البطل ~~مشوبا بعاطفته الوطنية. ومهما يكن من أمر فقد قدم لنا «سذي» في شخص «نلسن» صورة ~~للرجل النشيط الطامح الذي لا يزال يدنو من غايته في نمو لا ينحرف ولا ينتكس. وقد ~~أظهر الكاتب براعة ممتازة في تلخيص الحوادث الكثيرة التي صادفت بطله تلخيصا جاء في ~~سياق رائع خلاب. وإن شئت وصفا لما يمتاز به نثر «سذي» في هذا الكتاب فقل إنه الوضوح ~~والنقاء، وللكاتب قدرة عجيبة على استخدام الألفاظ الفصحى والعامية والمتداولة والمزخرفة ~~كلها جنبا إلى جنب بحيث تأتي الديباجة رغم ذلك كله متسقة البناء سليمة الحبك. ~~(2) ماكولي # Macaulay ~~(1800-1859م) # ماكولي نابغ منذ طفولته، فقد كانت سنه العقلية أسبق من سنه الزمنية بمرحلة بعيدة، ~~وكانت له ذاكرة هي أعجوبة الأعاجيب؛ ms0888 فلما كان في التاسعة من عمره قرأ قصيدة «سكت» ~~«المنشد الأخير» # 87 # مرة واحدة فحفظها وأنشدها؛ ولازمته هذه الذاكرة القوية مدى الحياة، فكانت ~~له أكبر عون على ملء كتابته بالإشارات التاريخية والأدبية؛ مما جعل لمقالاته وتاريخه ~~قيمة نادرة، وكان في ذلك غير منافس، لكن إلى جانب ذلك كان اعتماده على ذاكرته في بعض ~~المواضع مؤديا به إلى الزلل. وكان «ماكولي» يقرأ في سرعة تكاد تستحيل على سواه، ويقرأ ~~كل ما تقع عليه يداه، دون أن ينسى شيئا مما قرأ. وقد عالج كتابة الأدب وهو دون ~~العاشرة، وظفر وهو طالب بالجوائز الأدبية على بعض ما أنشأ. # ليس الصواب كل الصواب أن يحشر «ماكولي» في زمرة أدباء الابتداع بغير تحفظ، فهو في ~~حقيقة أمره مرحلة وسطى بين ذلك العهد وما تلاه؛ فهو ربيب أعوام سادت خلالها في إنجلترا ~~الفلسفة العملية النفعية التي تقيس العمل بمقدار ما يعود به على الناس عامة من خير، ~~وكان لهذا الاتجاه الفكري أكبر الأثر في «ماكولي» إذ جعله يؤثر أحكام العقل المنطقي ~~وينشد في الظواهر تتابع الأسباب ومسبباتها، بل إن معيار الحق عنده هو ما يسود الظواهر ~~من اطراد ينم عن انسياق للقواعد، ولذلك أثره في كتابته للتاريخ، فلم يكن بالمؤرخ ~~الذي يتعقب الوثائق بحثا عن الحقائق، بل كان يقرأ عن العصر الذي يؤرخ له، ثم ~~يكون فكرة واتجاها عقليا إزاءه، ثم ينسق كل ما يكتبه عن ذلك العصر وفق هذه الفكرة ~~وهذا الاتجاه العقلي؛ يثبت ما يؤيده ويمحو ما ينفيه؛ فوراء تاريخه رجل له نزعاته ~~وأفكاره وآراؤه يريد أن يعبر عنها فيما يكتب من التاريخ. وفي رأيه إذا لم يكتب التاريخ ~~ليكون درسا لقارئه ففيم يكتب؟ فلا غرابة أن يرفضه المؤرخون المحترفون، وأن يرحب به ~~الأدباء؛ لأنه رجل لم تعنه الحقيقة في ذاتها بقدر ما عنته آثارها في نفسه ونفس قارئه؛ ~~ولهذا تراه يرسل لقلمه العنان فيختار ما يعجبه من الصور ليبلغ أعمق ما يمكن أن يبلغه من ~~أغوار قارئه. # ولكنك تخطئ لو ظننت أنه شطح ms0889 مع خياله في كتابة التاريخ إلى حد يقربه من القصة، ~~فتاريخه تاريخ يتوخى الصدق في الرواية، على نحو يختلف بعض الشيء عن طريقة المؤرخ ~~المحترف، فهو يبحث عن الوثائق والشواهد التي تعينه على تصوير إطار وبطانة تبرز عصره ~~الذي يتناوله بالوصف إبرازا واضحا. وهو ممتاز في قدرته على وصف أوضاع الحياة وعلى ~~أن يحيط الأشخاص والحوادث بجو نابض بالحياة، بحيث يستحيل عليك أن تقرأه دون أن تمتزج ~~نفسك بحياة العصر الذي يقدمه إليك، وذلك كله يرجع إلى قدرته على النفاذ إلى قلب ~~الشخص أو صميم الحادثة فيفهمها على حقيقتها ويفهمك إياها. # له كتاب عن تاريخ إنجلترا يصور عصر الانتقال من القرن السابع عشر إلى القرن الثامن ~~عشر، وله مقالات - كل مقالة بمثابة كتاب صغير - عن بعض رجال الأدب ورجال التاريخ، وهو ~~أبرع في مقالاته منه في تاريخه؛ لأنه على كل حال مقيد في كتابة التاريخ ببعض القيود التي ~~هو منها طليق حين يؤرخ لشاعر أو كاتب، على أن أسلوب الحديث فيهما متشابه، والمادة في ~~«المقالات» أضحل منها في «التاريخ» وهو كثيرا ما يبعد فيها عن الصواب في أحكامه، لكنه ~~إذا كتب عن أديب صادف هواه فهنالك تجده في أعلى ذراه. # ولا يمكن الحديث عن «ماكولي» دون أسلوبه وخصائصه، فهو دفاق سلس واضح تكثر فيه ~~المقابلة كما يكثر فيه القول القصير القوي؛ مرة تطول معه الجمل ومرة تقصر وتتركز كأنها ~~الأمثال السائرة، وهو على كل حال يعنى أكبر العناية بهندسة بنائه بحيث يخرجه متزنا ~~متسقا، هنا عبارة طويلة يقابلها هناك عبارة طويلة مثلها، وفي هذا الجانب استعارة ~~تقابلها في الجانب الآخر استعارة مثلها وهكذا. ويؤخذ عليه جمود في طريقة تفكيره ~~وتعبيره؛ فهو يمضي في كل ما يكتب على صورة واحدة وضع فيها كل ثقته، ولا نظنه قد وقف مرة ~~ليناقش نفسه الحساب فيرى إن كان في ذلك مخطئا أو مصيبا. # | الفصل الثاني: العصر الفكتوري # وهو الثلثان الأخيران من القرن التاسع عشر ~~(أ) الشعر # يمثل الشعر في عصر فكتوريا شاعران بينهما من ms0890 التفاوت ما لا تجد مثيلا له بين شاعرين ~~في عصر واحد، وهما «تنسن» و«براوننج»؛ لكنهما على اختلافهما في طريقة الأداء يكمل ~~أحدهما الآخر؛ الأول يغني لعاطفته والثاني يغني لعقله. ~~(1) ألفرد تنسن # Alfred Tennyson ~~(1809-1892م) # أما أولهما «تنسن» فقد وجد سبيله إلى مدرسة ثانوية فإلى جامعة كيمبردج حيث ظهر نبوغه ~~في الشعر، فظفر بجائزة من الجامعة على إحدى قصائده. وقد نشر له أول ديوان وهو في ~~الحادية والعشرين من عمره، ولم تكن يراعة الشاعر في هذا الديوان الأول قد ثبتت بين ~~أنامله، وإن يكن قد أظهر براعة فائقة في التصوير وانسجام النغم مع المنظر الذي ~~يصوره. ثم أصدر بعد ذلك بعامين وبعض عام ديوانا آخر جاءت قصائده أقرب إلى الكمال من ~~قصائد الديوان الأول. ومن أبرز قصائد الديوان الثاني قصيدة «سيدة شالت»، # 1 # ولكنه لم يكن بعد قد بلغ منتهي كماله، ووجه إليه رجال النقد طعنات قاسية. ~~ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن الشاعر اهتدى بهذا النقد وأصلح من شعره، فلم تجئ حملة ~~النقد بمثابة الصقيع الذي يفتك بالنبات قبل اكتمال نموه، بل كانت كلذعة البرد تمس ~~شجرة أفرطت في النمو فتمسكها ليحسن فيها الزهر والثمر فيما بعد. ولبث «تنسن» بعد ذلك ما ~~يقرب من عشرة أعوام يقرض الشعر ولا ينشره، ثم نشر مجموعتين في آن واحد، إحداهما تحتوي ~~على طائفة من قصائده القديمة، وقد راجعها وأصلحها على ضوء ما وجه إليه من نقد، والأخرى ~~مجموعة من قصائد جديدة، وهنا يكاد يجمع النقاد على أن الشاعر بلغ في هذه المجموعة أقصى ~~مداه. وجاء في هذه المجموعة بعض قصائده المشهورة مثل قصيدة «يوليسيز» # 2 # و«موت أرثر». # 3 # كان العنصر الجديد في هذه المجموعة الجديدة هو السلاسة في عرض المناظر وتصويرها، ثم ~~اتساق الأنغام في الألفاظ والجمل والأبيات والمقطوعات، بحيث تأتي موسيقى القصيدة في ~~النهاية على أتم اتفاق مع المعنى. أما براعته في التصوير فسرها دقة ملاحظته للطبيعة ~~بحيث لم تفلت منه دقيقة من دقائقها. وأما روعة موسيقاه فقد أعانه فيها ضخامة ms0891 ثروته ~~اللفظية وقدرته على وزن الكلام وزنا يخلب السمع مهما كان البحر الذي يجري فيه ~~قصيدته، وبخاصة في شعره المرسل غير المقفى، فهو في هذا الضرب من الشعر في سماء وحده ~~بالقياس إلى من حاول هذا النوع من شعراء الإنجليز، لا يعلو على منزلته فيه سوى ~~«ملتن». # لبث «تنسن» بعد ذلك خمسين عاما يقرض الشعر الجيد، فيضيف بذلك إلى إنتاجه إنتاجا ~~جديدا يزداد تنوعا وكمالا، لكنه في كل ذلك لم يكد يأتي بالجديد المبتكر من ضروب ~~الشعر، شأنه في ذلك شأن الكثرة الغالبة من أئمة الشعر في العالم؛ فقلما يأتي الشاعر ~~العظيم بالمبتكر الجديد في نوعه، وهو إن جاء بشيء مبتكر لم يكن من أعظم إنتاجه. # أخذ «تنسن» منذ ذلك الحين يشتهر بين القراء حتى أصبح ما يباع من دواوينه موردا من ~~الرزق لا بأس به، ثم أضيف إليه مورد جديد هو راتب أجري عليه من القصر؛ ولذلك لم ينفق ~~جهده إلا في الشعر، وظل على مهل يصقل مجموعة أخرى لها أعظم الخطر في إنتاجه، وهي طائفة ~~من «المراثي»، ثم أخرج قصيدة «الأميرة» # 4 # وهي أطول قصائده وأروع ما ظهرت فيه عبقريته في الشعر المرسل، وهي تعد من ~~أعظم الشعر في الأدب الإنجليزي كله، وهي تمثل ضربا من الشعر الابتداعي الطروب الذي ~~يقابل في الشعر الاتباعي ما يسمى «بالشعر الحماسي الساخر»: # 5 # كلاهما يتناول موضوعا تافها ويعالجه كأنه موضوع هام خطير؛ فقصيدة ~~«الأميرة» في هذا النوع في الأدب الابتداعي تقابل قصيدة «بوب» «اغتصاب الخصلة» # 6 # في الأدب الاتباعي، وكل منهما آية نوعها. وأخيرا نشر الشاعر ديوانه ~~«أناشيد الملك» # 7 # الذي كفل له إمارة الشعر الإنجليزي حتى ختام حياته، وقد اتخذ الشاعر من ~~أسطورة الملك أرثر # 8 # موضوعا لهذا الديوان. # وهذه قصيدته «سيدة شالت» نسوقها مثالا لشعره: # 1 # على جانبي النهر تمتد # حقول مديدة من شعير، # تكسو النجد، وبالأفق تلتقي، # وخلال الحقول يمتد الطريق # إلى ذات البروج العديدة، إلى «كاملت»، # والناس هنالك في جيئة وذهوب # يحدقون حيث السوسن عابق، # حول جزيرة ms0892 ثمة في مرمى البصر؛ # جزيرة «شالت». ~~••• # الصفصاف مبيض والرجراج مهتز، # وهبات النسائم ارتعشت قائمة # خلال الموجة التي ما تنفك تجري # في النهر جنب الجزيرة، # تجري منسابة إلى «كاملت»؛ # جدران رمادية أربعة وأبراج رمادية أربعة، # كلها تطل على فضاء فسيح من زهور، # والجزيرة في سكونها تؤوي # سيدة شالت. ~~••• # حذاء الحاشية - والصفصاف لها قناع - # تنزلق السفائن الثقال مشدودة # إلى خيل وئيد؛ ثم في غير احتفاء # مرق الزورق حريري الشراع # يطير سبحا إلى «كاملت» # لكن من ذا رآها بيد ملوحة؟ # من ذا رآها عند شباكها واقفة؟ # بل من ذا في طول البلاد عرف # سيدة شالت؟! ~~••• # لا يعرفها سوى الحاصدين يحصدون عند الفجر، # يتخللون أعواد الشعير الملتحي، # وهنا يسمعون أغنية يرتد صداها مرحا، # من النهر ينثني رائقا # متجها صوب ذات البروج، صوب «كاملت»، # وعندما يضيء القمر ترى الحاصد المنهوك # يكوم ما ضمه فوق النجاد ذات الهواء الطليق، # تراه يصغي، ثم يهمس: «إنها ربة الفتنة»، # إنها سيدة شالت. # 2 # لبثت هنالك تنسج بالنهار والليل # نسيجا سحريا ساطع الألوان، # فقد سمعت هامسا يقول # إن عليها اللعنة لو وقفت! # شاخصة بعينيها إلى «كاملت» # لم تدر ماذا عسى اللعنة أن تكون، # فمضت في نسجها لا تني، # ليس غير النسج يشغلها # سيدة «شالت». ~~••• # وتحركت على مرآة مجلوة السطح؛ # مرآة تدلت أمامها طوال العام. # أشباح العالم التي أخذت أمامها تبدو، # فرأت هنالك الطريق القريب # إذ ينثني صوب «كاملت». # وعند انثنائه تدور دوامة النهر، # وهنالك ترى أبناء الريف أجلافا غلاظا، # وترى البائعات حمر المعاطف # يمضين مبعدات عن «شالت». ~~••• # آنا ترى جمعا من مراح الغواني، # وآنا ترى رئيس الدير ممتطيا جوادا، # ومرة ترى الغلام الراعي أجعد الشعر، # وأخرى ترى الصبي الخادم طويل الشعر قرمزي الرداء # ماضيا في طريقه إلى ذات البروج؛ إلى «كاملت». # وحينا ترى في مرآتها الزرقاء؛ # ترى الفرسان اثنين اثنين على الجياد # وليس لها بينهم فارس مخلص وفي # سيدة «شالت». ~~••• # لكنها في نسجها لم تزل يسرها # أن تنسج ما يبدو على سحري مرآتها # فكم مرة، خلال الأمسية الساكنة، # جاءت جنازة، ms0893 فيها ريش وأضواء # وموسيقى، ماضية إلى «كاملت»! # وكم مرة حين كان البدر في كبد السماء # جاء المحبان تزوجا منذ قريب! ~~«لقد أوشكت بالأشباح أن يضيق صدري» هكذا قالت # سيدة «شالت». # 3 # وقاب قوس من سقف مخدعها # جاء راكبا بين أكوام الشعير، # وسطعت الشمس خلال أوراق الشجر، # وانعكس بريقها على درع ساقيه؛ # ساقي الباسل «سير لانسلت». # فارس شارته الصليب الأحمر لم ينفك جاثيا # أمام سيدة وهو مدرع # درعا تلألأ على الحقل الأصفر # بجوار القصر البعيد، قصر «شالت». ~~••• # وتلألأ في الفضاء سرجه ذو اللآلئ # كأنه جمع من النجوم نراه # عالقا في المجرة الذهبية، # ورنت أجراس السرج في مرح # إذ هو في طريقه إلى «كاملت». # ومن نجاده المزركش تدلى # بوق فضي ثقيل، # وبينا هو راكب شنت عدته # بجوار القصر البعيد، قصر «شالت». ~~••• # كان الجو أزرق صافيا # فأضاء سرجه المغطى باللآلئ، # ولمعت فوق رأسه الخوذة وريشتها، # سطع كلاهما معا كأنهما الشعلة اندلعت، # بينا هو راكب نحو «كاملت». # وكثيرا ما حدث خلال الليل الأرجواني # تحت عناقيد النجوم اللألاءة # أن هوى في السماء جرم مضيء يجر وراءه ذيلا من ضياء # هوى في السكون الشامل حول «شالت». ~~••• # أشرق في ضوء الشمس جبينه الوضاء العريض، # وعلى السنابك الصقيلة خطر الكمي، # وفاضت من أسفل خوذته # ذوائب شعره الفاحم بينا هو راكب؛ # راكب صوب «كاملت». # من الشط حينا ومن النهر حينا # لمع ضوءه على بلور مرآتها، # وحذاء النهر أخذ يغني ~~«سير لانسلت» ~~••• # تركت نسجها، تركت منوالها، # خطت في الغرفة ثلاثا من خطواتها، # رأت سوسن الماء مزدهرا # رأت خوذة الفارس وريشتها؛ # شخصت بعينها صوب «كاملت». # طار النسج في الهواء سابحا ، # انشقت المرآة شقا فادحا، ~~«لقد حلت بي اللعنة!» هكذا صاحت # سيدة شالت. # 4 # الرياح الشرقية العاصفة تدوي، # والغابات الشاحبة الصفراء تذوي، # والمجرى العريض على شطآنه يشكو، # والسماء الوطيئة أمطارها هطالة # فوق أبراج «كاملت». # وجاءت هابطة فوجدت زورقا # تحت صفصافة على الماء طافيا، # فحول حيزومه كتبت ~~«سيدة شالت». ~~••• # وعلى امتداد النهر ما امتد قاتما - # كأنها النبي المقدام في ذهوله # يرى كل ما ms0894 سوف يصيبه من سوء - # شخصت وعلى محياها بريق آسن؛ # شخصت إلى «كاملت». # وعندما غاب النهار # أرخت لزورقها الرباط وانطرحت، # وحملها المجرى العريض بعيدا بعيدا # سيدة شالت. ~~••• # وبينا هي راقدة في ثوبها الأبيض الناصع # الذي رف في الهواء يمينا وشمالا، # وأوراق الشجر تساقط عليها خفافا، # ومن حولها لغط المساء # طافت صوب «كاملت». # وبينا شق زورقها الماء بحيزومه # خلال الحقول، حذاء التلال غطاؤها الصفصاف، # غنت آخر أغانيها، وسمعها الناس تغني # سيدة شالت. ~~••• # سمعوا نشيدا حزينا عليه جلال، # تنشده في صوت عال مرة، ومرة في صوت خفيض، # وأخذت دماء عروقها تجمد رويدا رويدا، # وأظلم في عينيها الضياء، # وهي ما تزال مصوبة نحو «كاملت»، # إذ قبل أن يطفو بها الماء # إلى أول دار على شاطئ النهر # ماتت وهي تغني نشيدها # سيدة شالت. ~~••• # تحت البرج والشرفة # وحذاء البهو وحائط البستان # مرت طافية في محياها الوضيء # مرت - وعليها شحوب الموت - بين شاهق الدور # صامتة نحو «كاملت». # وجاء الجمع مندفعا إلى مرفأ النهر؛ # جاءوا فارسا وحاكما، سيدة وسيدا، # وعلى الحيزوم قرءوا اسمها ~~«سيدة شالت». ~~••• # من هذه؟ ماذا نرى؟ # وفي القصر القريب المضاء # سكتت أصوات المرح الطروب، # وكلهم رسموا الصليب على صدورهم فزعا # كل الفرسان في «كاملت». # أما «لانسلت» فظل يخطو مفكرا # قال: «إن لها لوجها فاتنا! # يا رحمة الله تنزلي عليها # سيدة شالت.» ~~(2) روبرت براوننج # Robert Browning ~~(1812-1889م) # ولد «براوننج» في ضاحية إلى الجنوب من لندن، ولم يتلق دراسة منظمة ولا هو ممن تخرجوا ~~في أكسفورد أو كيمبردج؛ لذلك تراه على الرغم من سعة اطلاعه وحسن تذوقه لما قرأ، كانت ~~تنقصه لمسة العلماء التي تميز بها معاصره «تنسن»، ومع ذلك فقد كانت لشعره خصائص وسمات ~~لا تكاد تخطئها من أول قصيدة نظمها إلى آخر إنتاج أخرجه، ذلك لو استثنينا بعض إنتاجه ~~الغث الذي لم يقصد به إلى شيء سوى أن يطعم جمهرة من القراء أرادت أن تقرأ لبراوننج ~~حين اتسعت شهرته كائنا ما كان الموضوع أو الأسلوب. # كانت باكورة شعره قصيدة «بولين» # 9 # أنشأها في عامه التاسع ms0895 عشر، ونشرت وهو في الحادية والعشرين، وهي وإن لم ~~تبلغ حد الكمال بالقياس إلى نتاجه المتأخر، إلا أن عليها طابعه الشعري الذي لم يفارق ~~قلمه حتى النهاية، وهو في القالب المسرحي الذي عرفت به الكثرة الغالبة من شعره؛ ~~فالقصيدة عند «براوننج» قطعة تمثيلية يدور فيها الحوار، لكنها مع ذلك لم تكتب للمسرح بل ~~لا تصلح للمسرح؛ إذ قد يكون فيها شخص واحد، ثم قد تخلو من الحوادث خلوا تاما، لكنها ~~عندئذ تغوص في تحليل هذا الشخص الواحد الذي تدور حوله القصيدة، فكأنما خواطره يحاور ~~بعضها بعضا، وكأنما نفسه تنحل إلى نفوس عدة تبين تركيب شخصيته في شتى ظلالها وأضوائها. ~~وعقب الشاعر على قصيدته تلك بقصيدة «باراسلسس» # 10 # التي فاقت زميلتها جمالا، وتقدمت عليها خطوة نحو القالب المسرحي الذي ~~أشرنا إليه، فها هنا لم يعد الشاعر يتحدث عن أشخاصه، بل ترك الأشخاص تعبر عن ~~نفسها. # بهاتين القصيدتين وضع «براوننج» خطة مستقبله الشعري كله، وإلا يكن قد ظفر بالإعجاب ~~منذ باكورة نتاجه، فقد أخذ المعجبون يزدادون، وأخذ صوته بين القراء يتسع، وظل رجال ~~النقد على شيء من الحيرة أيثبتونه في قائمة الشعراء أم يتمهلون، حتى أخرج للناس ديوانه ~~«نوار ورمان» # 11 # فقطع عندهم حبل الشك، وبات - عند أشد النقاد ترددا وتحفظا - بين الشعراء ~~الذين لا ريبة في صدق شعرهم، وكان عمره إذ ذاك نحو الثلاثين، ثم ظهرت له بعد ذلك ~~مجموعة أطلق عليها «غنائيات مسرحية» # 12 # أجرى فيها القصائد على نمطه المعروف؛ وعندئذ تزوج الشاعر من شاعرة معروفة ~~«اليصابات براوننج» وأخرج قطعتين جميلتين «وقفة عيد الميلاد ويوم شم النسيم» # 13 # و«رجال ونساء»، # 14 # ثم ماتت زوجته واضطرب إنتاجه، وبعدئذ أصدر «شخصيات مسرحية» # 15 # الذي يعد آخر نتاجه العظيم. ولسنا نستطيع أن نختم القول في تفصيل ~~قصائده الكبرى دون أن نذكر له قصيدتي «جيمزلي» # 16 # و«الحبر ابن عزرا» # 17 # اللتين تعدان من أعظم ما أنتجه القرن التاسع عشر كله من شعر. # طريقة «براوننج» في إنشاء القصيدة هي أن يتخذ شخصية معينة أو حكاية ms0896 بذاتها، ويرجها ~~رجا عنيفا ليفرق عناصرها ويشرحها تشريحا ليعرض لك أعضاءها عضوا عضوا دون أن يعينك ~~على تركيب هذه الأعضاء في النهاية جسما مترابط الأجزاء. وأما طريقته في الأداء فهي ~~النظم المرسل الذي لا قافية فيه. وكثيرا ما ينحط نظمه إلى مستوى النثر من حيث ~~الإيقاع والرنين، أو ينقص جماله بما يصطنعه أحيانا من ألاعيب في تركيب ألفاظه، وقد لا ~~تجد في نظمه في بعض المواضع ما يغريك بالإعجاب، وعلى الرغم من أنه لا يكاد يخطئ في ~~قواعد العروض إلا أنك تحس في أمثال هذه المواضع أن شيئا ينقص هذا الكلام الذي أنت ~~بصدده ليكون شعرا له في الأذن وقع الشعر. # لقد قال عنه ناقد حين كان يرثيه عند موته، إنه كان «شاعر الحب»؛ فدهش الناس لهذا الوصف ~~ينعت به هذا الشاعر الذي لم يمجد فيه أنصاره ومريدوه سوى فكره وفلسفته! كيف يكون ~~شاعر الحب هذا الذي نراه يضرب بعقله في أغوار موضوعه، هذا الذي ترك لزميله «تنسن» ~~أن يعبر عن عواطف العصر ليتولى هو التعبير عن نزعاته العقلية؟ لكن الناقد سرعان ما تبعه ~~آخرون، ثم لم يلبث الآخرون أن لحق بهم آخرون حتى أصبح «براوننج» في تاريخ الأدب من ~~شعراء الحب في غير ريبة ولا جدل. لماذا؟ لأنه لم يفتأ يبشر بقوة الحياة وعنفوان الحياة ~~وانتصار الحياة وظفرها على كل ما يقف في سبيلها من جمود. لم تذكره الشيخوخة الموت بل ~~بامتداد الحياة، ولم يذكره الفشل بالفناء بل بالنجاح يكتب آخر الأمر للأحياء. لقد كان ~~«براوننج» شاعر الحب حين كان اللسان الناطق بقوة الحياة وتيارها الزاخر، وربما أصاب ~~شوقي حين قال إن «الحياة الحب والحب الحياة.» # وهاك بعض قصيدته «الحبر ابن عزرا» مثالا لشعره: # شخ معي عجوزا حمل السنينا، # أفضل العمر أعوام بقينا، # هي للعمر انتهاء، ومن أجل النهاية كان ابتداء؛ # أعمارنا في يديه (أي في يدي الله) # يدي الذي يقول: «أردت أن يكون العمر كلا بجزأيه، # وما الشباب إلا نصف، فتوكل على الله، لا تخف وأقدم لتخبر الكلا.» ms0897 ~~••• # لست أنتقص شبابا يقول في صوت المتنهد ~~- إذ يجمع الزهر أكداسا - أين فيك يا زهر ما يكون وردتي، # أي سوسنة أخلي لتكون لي موضع الذكرى؟ # لست أنتقص شبابا يدعو بصوت الطامح المتحرق ~~- إذ يجعل النجم نبراسا - ولا بالمشتري أنا قانع ولا بالمريخ المتألق، # وليكن نجمي نجما يضم ويعلو الأنجم الأخرى! ~~••• # لست أشكو في الشباب آمالا وآلاما # تفسد أعوامه، وأقصر بهن أعواما؛ # فذلك حمق لا أرتضيه، # بل إني لأحمد في الإنسان هذ القلق # فلم يخلق الحيوان الأدني بمثل هذا القلق، # خلق الحيوان طينا له منتهى وحدود، لم تنفخ فيه شرارة تشقيه. ~~••• # ألا ما كان أكذبها حياة حين تزدهي! # لو لم يخلق الإنسان إلا ليشتهي # متعته، لو كان مخلوقا ليسعى فيجد القوت فيطعم. # فإذا ما فرغ الطعام # كان في ذاك الختام. # وهل يشقي الهم طيرا مليء الحويصلة؟ هل يضني الشك وحشا جوفه أفعم؟ ~~••• # وافرحتا! إننا الآن نقترب # من الله الذي يهب # ولا يرجو، يؤثر وليس عليه مؤثر؛ # شرارة في طينة أجسادنا تحركها # فتدنو بها نحو خالقها # المعطي وهم إليه في فقر. ~~••• # إني لأرحب بالصدمات من دهري، # تجعل سير الحياة يسرا بعد عسر، # أرحب بكل لسعة منه تحفزني: لا تقعد، لا تقف، بل واصل الدأبا. # ليت غبطتنا أن يكون ثلاثة أرباعها وصبا! # اكدح، واسترخص في سبيل كدحك النصبا. # تعلم، لا يوقفنك رهق؛ غامر، لا تشكون التعبا. ~~(3) ماثيو آرنلد # Matthew Arnold ~~(1822-1888م) # أما وقد فرغنا من نابغتي الشعر في عصر فكتوريا، وهما «تنسن» و«براوننج» فقد بقي علينا ~~أن نذكر شاعرين آخرين أو ثلاثة جاءوا في الشطر الثاني من العصر، ولم يكونوا من تفاهة ~~الشأن بحيث لا يجدون مكانا في هذا التاريخ. # ومن هؤلاء «ماثيو آرنلد» الذي عرف شاعرا وناقدا، وهو في شعره أقل إنتاجا وأقصر ~~مدى من زميليه «تنسن» و«براوننج»، ولكن لعله أوضح منهما دلالة على ما تعاور العصر من ~~تحلل في قوة الإيمان؛ فهو - مثل «براوننج» - قد انغمس في الحياة الاجتماعية حتى ~~أعماقها، لكنه لم يحاول - كما فعل «براوننج» - أن يدخل هذه الحياة ms0898 الاجتماعية في شعره، ~~وجعل ميدان ذلك نثره الذي يدل على بصيرة نافذة، وملاحظة دقيقة، وتحليل بارع لكل ما ~~يدور في العقل الإنساني من خواطر ونزعات. # تلقى أول مراحل تعليمه في مدرسة «رجبي» التي لا يزال ذكرها يدوي في كتب التربية بفضل ~~المشرف عليها إذ ذاك، وهو «تومس آرنلد» والد الشاعر، فالولد والوالد كلاهما ممن تحتفظ ~~لهم إنجلترا في العهد الفكتوري بالفضل العظيم. ثم استأنف «ماثيو» دراسته في أكسفورد حيث ~~برز ودل على قدرة ونبوغ جعلاه موضع التكريم من الجامعة. ثم غادر أكسفورد ليشتغل ~~بالتدريس حينا ثم عين كاتما لسر وزير المعارف في عهده، ولم يلبث أن نصب مفتشا ~~للتعليم، وفي هذا المنصب قضى خمسة وثلاثين عاما كان له فيها اليد الطولى في كثير من ~~الإصلاح، ولا تزال كتبه وتقاريره في شئون التربية مما يشار إليها بالإجلال والتقدير. ~~ومات في نحو الخامسة والستين من عمره وهو لم يزل شابا في روحه وتفكيره وطلاوة حديثه، ~~فقد قال عنه عارفوه إنه كان نعم الصديق المهذب الوفي المرح. # كان لأبيه بيت في منطقة البحيرات قريب من موطن «وردزورث» فكان «ماثيو» يقضي عطلاته ~~المدرسية مع أبيه في هذا البيت؛ وبهذا أتيح له أن ينظر بعينيه ما كان «وردزورث» قد رأى ~~من مفاتن الطبيعة، وأن يسمع بأذنيه ما كان «وردزورث» قد سمع من أنغامها، فلا عجب أن ~~رأيناه فيما بعد يقدم للعالم «وردزورث» مشروحا منقودا ليفتح الأعين والآذان لما في ~~شعره من جمال، ولا شك أن قد كان لهذا كله أثره العميق في شعره كلما شعر. # كان «ماثيو آرنلد» متزمتا في نشر شعره، حريصا على ألا يبدو للجمهور إلا وهو في ~~كماله، وكان ينشر دواوينه أول الأمر دون أن يذكر اسمه على غلافها، مكتفيا بأن يقول ~~«بقلم أ.» صنع ذلك مرتين متواليتين، ثم حدث فيما بعد أن جمع قصائد الديوانين في ديوان ~~واحد وأصدره باسمه كاملا، وأضاف بعض القصائد الجديدة التي لم تكن قد نشرت، أهمها ~~«زهراب ورستم» # 18 # ثم عقب على هذا الديوان بديوان آخر. ms0899 # عين «ماثيو آرنلد» بعد ذلك أستاذا للشعر في أكسفورد، ولما كان في عامه الثالث بعد ~~الأربعين أصدر كتابه المشهور «مقالات في النقد» # 19 # الذي قيل في التعليق عليه إن «آرنلد» لم يكن في هذا الكتاب ناقدا ~~للأدب وكفى، بل علم الناس كيف ينقدون؛ إنه وضع للنقد أصولا وقواعد حتى لم يعد عذر لمن ~~قرأ كتابه هذا ألا يكون ناقدا. # كان «ماثيو آرنلد» يتخذ لنفسه مكانا وسطا بين الشك والإيمان، فلا هو بالشكاك ~~الذي يهدم العقائد بجرة من قلمه، ولا هو بالمؤمن الذي يعتقد بغير تفكير وتردد؛ ~~لذلك كنت تراه يكثر التأمل في العقائد السائدة، لعله يستطيع أن يتبين فيها الصحيح ~~والباطل، فكل قارئ من هؤلاء الذين يتشككون ولكنهم لا ييئسون، يتشككون وفي أنفسهم ~~رغبة صادقة أن يجدوا ما هو جدير بالإيمان الصحيح، كل قارئ من هؤلاء سيجد التعبير عن ~~وساوس نفسه في شعر «ماثيو آرنلد». # استمع إليه يقول في قصيدته «ساحل دوفر» # 20 # حين استثار صوت البحر تأملاته: # إن «بحر الإيمان» # كان ذات يوم مثلك يا بحر مترعا حتى حوافيه، وكان يمتد # حول شطآن الأرض كأنه الثنايا في ثوب ناصع مطوي. # أما الآن فلست أسمع # إلا زئيره الكئيب ذا الصوت المديد الرهيب، # أسمع زئيره ينسحب ليتصل بأنفاس # رياح الليل التي تهب على أطراف الأرض الفسيحة المخيفة، # وعلى الفيافي البلقع من أصقاع الأرض؛ # إيه يا حب! لنخلص الود ~~••• # أحدنا للآخر! فهذا العالم الذي أراه # يمتد وراءنا كأنه أرض الأحلام # في تنوعه وجماله وجدته # ليس يحتوي في حقيقته على هناءة أو حب أو ضياء، # ليس يحتوي على يقين أو سلام أو معونة عند الألم، # ونحن ها هنا كأننا على سهل معتم # شاع فيه مضطرب المفازع من عراك وقتال، # حيث الجحافل الغاشمة يصدم بعضها بعضا في ديجور المساء! ~~(4) تشارلز سونبرن # Charlss Swinburne ~~(1837-1909م) # هذا رجل فريد في شخصيته، فريد في شعره؛ أبواه من علية القوم، لم يشذا في وجه من وجوه ~~الحياة، أما الابن فقد جاء ذا شذوذ يستوقف النظر، شذوذ في هيئة ms0900 جسمه وشذوذ في سلوكه؛ ~~فيروى عنه أنه كان يساكن قسيسا وزوجته، وذات مساء حلا له أن يقرأ لهما رواية تمثيلية ~~كتبها، فوجه إليه القسيس نقدا في بعض أجزائها؛ فما هو إلا أن حدج الشاعر بنظره فترة، ~~ثم صرخ صرخة داوية وأسرع إلى غرفته في الطابق العلوي، حيث ضم مخطوط روايته إلى صدره، ~~وظل يذرع الغرفة جيئة وذهوبا، وعبثا حاولت زوجة القسيس أن ينزل لعشائه، ولبث طول ~~الليل في غرفته يتحرك ويحدث أصواتا تدل على حالة عصبية شديدة، خشي الزوجان أن تؤدي به ~~إلى خطر. فلما أن كان الصباح استيقظ متأخرا ونزل شاحب اللون، ولما هم القسيس أن يعتذر ~~عما بدر منه، أجابه الشاعر بأنه أشعل نارا في مدفأته وأحرق الرواية كلها ورقة ورقة، ~~فارتاع القسيس لهذا النبأ، فقال له الشاعر: «لا عليك فقد سهرت الليل كله وكتبت الرواية ~~من ذاكرتي مرة أخرى.» ذلك هو الرجل العجيب الذي أراد له الله أن ينشد للناس شعرا ~~عجيبا. # في نحو الثلاثين من عمره ظهر له ديوان «قصائد وحكايات منظومة». # 21 # الذي لو لم يكن له سواه لضمن له المجد في دولة الشعر؛ لكنه قوبل بالسخط ~~لأنه - في رأي القوم عندئذ - قد خرج عن مألوف القول العف، والعصر الفكتوري معروف بتمسك ~~أهله بكثير من آداب القول والسلوك في المجتمع؛ فاضطر الناشر أن يجمعه من المكتبات، ~~فتصدى لإصداره ناشر آخر. ومن القصائد التي عدت إفكا وعارا قصيدة «دولورس» # 22 # التي رمز بها «سونبرن» للنساء اللاتي يستخدمن جمالهن ليجذبن المحبين إلى ~~قضائهم المحتوم، مع أن الشاعر قد رمى بها إلى غاية خلقية - ذلك لو طالبنا الشاعر أن ~~تكون له غاية سوى التعبير عما يجيش في نفسه كائنا ما كان - إذ أراد أن يبين أن أمثال ~~هؤلاء النسوة ينتهين مع ضحاياهن إلى نفس الهاوية: # جفون باردة تخفي - كالجوهر المكنون - # عيونا صلابا تلين سويعة، # وأطراف بيض ثقال، وفم # أحمر قاس كأنه الزهرة المسمومة؛ # إن ذهبت هذه عنك وذهبت معها مفاتنك # فماذا يبقى عندئذ لديك يا «دولورس»؟ # ثم صدر ms0901 له ديوان آخر عنوانه «أناشيد الفجر»، # 23 # وعقب عليه بحلقة أخرى من «قصائد وحكايات منظومة» وهو أقل جودة من الجزء ~~الأول. ثم أخذ بعد ذلك يصدر منظومات طويلة واحدة في إثر واحدة، تدهورت فيها شاعريته ~~رويدا رويدا؛ فقد بقي له اللفظ سلسا دفاقا، لكن غابت عنه موسيقاه، وهي التي وضعته ~~في الصف الأول من شعراء الإنجليز. وإذ كان إنما يمتاز بموسيقاه، نرى عبثا أو كالعبث أن ~~نترجم له مختارات من شعره؛ لأننا إن فقدنا في الترجمة نغمات ألفاظه وأوزانه فقد فقدنا ~~كل شيء. ومع ذلك فهذه أمثلة من شعره، من قصيدة «أغنية المسير» # 24 # التي يصح أن يتغنى بها قادة الإنسانية في سيرها نحو الكمال: # نحن أخلاط من شتى البلاد، # مرادنا بالسير غرض قصي، # في القلوب والشفاه والأيدي # عدتنا: عسكر وقسي. # ضياؤنا تخبو له الشمس والبدر والكوكب الدري. ~~••• # ضياؤنا لا يعتوره توهج وأفول # مع السنين، وكلما دارت في السماء أفلاكها، # الزعازع لا توهي ولا تديل # قوة وحدت في الشعلة أجزاءها، # شعلة تستمد لنا الضوء من روح ربها. # وهذه «منظومة أرض الأحلام»: # 25 # أخفيت قلبي في عش من ورود، # أخفيته هنالك من أشعة الشمس، # أرقدته على فراش أندى من القطن المندوف، # تحت الورود أخفيت قلبي. # لماذا لا يأخذه النعاس؟ لماذا ينتفض يقظان # وليس على شجرة الورد ورقة تتحرك؟ # ما الذي جعل النعاس يرف بجناحيه مبعدا عني؟ # لعلها أنشودة طائر خفي! ~~••• # قلت يا قلب اسكن إن الريح أرخت جناحيها، # والأوراق الحنون ترد عنك شعاع الشمس إن قسا. # اسكن يا قلب فقد غفت الريح على البحر الدفيء؛ # الريح التي هي أشد منك قلقا! # أفيك يا قلب فكرة تؤرقك كأنها وخزة الشوك؟ # أما تزال تتحرق لآمال عنك تنأى؟ # ماذا يبعد الكرى عن جفنيك؟ # لعلها أنشودة طائر خفي! ~~••• # أرض الأحلام السندسية اسمها مغلق بطلسم سحري # لم يره قط رحالة مخطوطا على مصوره، # وعلى أشجارها الشهد كأنه الفاكهة الشهية # لم تعرفه قط أسواق البائعين بين السلع، # وعصافير الأحلام تنطق على مروجها المعتمة، # وأنغام النعاس تنبعث من ms0902 أعالي الشجر، # ليس ثمة كلب للصيد يوقظ بنباحه الظبي في الغابة، # ليس ثمة إلا أنشودة طائر خفي! ~~••• # في عالم الأحلام اخترت موضعي، # حيث أغفو من الدهر حينا لا أسمع لفظا # عن حقيقة الحب الحق، أو فنون الحب الطائش، # لا أسمع إلا أنشودة طائر خفي. ~~(5) دانتي جبرائيل روزتي # Dante Gabriel Rossetti ~~(1828-1882م) # ولد «روزتي» في لندن لأب شاعر كان أستاذا للأدب الإيطالي في جامعة لندن؛ وحسبك أن ~~تلقي نظرة على صورته لتعلم أن شاعرنا تجري في عروقه الدماء الإيطالية؛ فهو إنجليزي في ~~ربعه، إيطالي في ثلاثة أرباعه. وكانت أخلاق أوروبا الجنوبية بادية في شخصيته وسلوكه، ~~تراها واضحة في سرعة انقلابه وحدة انفعاله؛ فهو الآن يضحك من كل قلبه كأنه الطفل ~~الغرير، وهو الآن في ثورة من الغضب لا يستطيع كبح جماحها. # كان «روزتي» شاعرا ومصورا في آن معا، وبدت فيه مخايل الفنين إذ كان غلاما في عامه ~~الخامس عشر. ولم تكتمل سنته الحادية بعد العشرين حتى كان الفتى مصورا معروفا يرسم ~~بريشته لوحات عليها طابعه ولا يدرك غايتها منافس. وكذلك لم تكتمل سنته الحادية بعد ~~العشرين حتى كان الفتى شاعرا معروفا ينشد القصائد عليها سمته، وتجد مكانها بين جيد ~~الشعر. بل كان الفتى أكثر من مصور وشاعر؛ كان زعيما لمدرسة في الفن ألف أعضاءها ورسم ~~لها الطريق، يتلخص برنامجها في محاولة رسم الطبيعة بكل تفصيلاتها. وللمصادفة أحيانا ~~تدبير محكم؛ فقد تصادف أن كانت أم شاعرنا الفنان تسير في أحد الشوارع الكبرى في لندن ~~وفي صحبتها صديق لابنها فنان، وصادفتهما فتاة ود الفنان الشاب لو جلست ليصورها، وطلب من ~~الأم أن تعرض على الفتاة أمنيته هذه، ورضيت الفتاة، وكان ما تمنى الفنان، ثم كان شيء ~~غير ذلك، كان أن رسمها أيضا «روزتي» فأحبها فتزوج منها. ولو زرت متحف الفن في لندن ~~لوجدتها مصورة بريشة زوجها في أوضاع عدة. ولم يمض على هذا الزواج الذي نسجته وربطت ~~عراه أيدي الفن عامان حتى لقيت الزوجة حتفها، ووقف الزوج الشاعر إلى جانب تابوتها وفي ~~يده ms0903 مخطوط شعره كله الذي نظمه حتى ذلك الحين، ثم قال إن في سبيلها كان ذلك الشعر قد ~~أنشد، ومعها إلى قبرها لا بد لذلك الشعر أن يمضي، ودفن الشعر مع من أوحت به في قبر ~~واحد. ومضت أعوام قبل أن يلح الأصدقاء على «روزتي» ألا يدع تلك الدرة الثمينة في ظلمة ~~القبر لا تشهد نور الحياة، ووافق الشاعر بعد إلحاح الأصدقاء أن يفتح قبر زوجته وأن ~~تسترد القصائد الدفينة بين جدرانه. وطبع الديوان وطالعه الناس فطالعوا شعرا جميلا، ~~وكان ذلك والشاعر في الثانية والأربعين من عمره. وبعد عشر سنوات أصدر ديوانا آخر يدور ~~معظمه على الحب، ومعظم قصائده مليئة بالمعاني إلى حد الغموض؛ مما دعا الشاعر أن يعتزم ~~شرح ديوانه بنفسه، ولو أنه لم ينفذ ما اعتزم؛ مما دعا أخاه أن ينثر ديوان أخيه ليفهم ~~القراء معانيه! # قال في قصيدته «العذراء المباركة»: # 26 # العذراء المباركة أطلت برأسها # في السماء عبر الحاجز الذهبي؛ # كانت عيناها أعمق من البحر العميق # إذا ما سكنت ساعة الغروب، # وكان في يدها ثلاث سوسنات # وفي شعرها أنجم سبعة. ~~••• # ذلك الحاجز يمتد في السماء عبر غمر # من الأثير، كأنه الجسر؛ # وفي أسفله ترى مد النهار وجزر الليل # يتتابعان من نور وظلام، فيكونان # للخلاء إطارا؛ في أسفله حيث هذه الأرض # تدور حول نفسها كأنها الحشرة الغاضبة. ~~••• # ومن مقامها في السماء رأت # الزمن - كأنه النبض - يهتز في عنف # خلال سائر الأكوان؛ وظلت تجاهد بنظراتها # أن تعبر بها فجوة الخليج، # ثم قالت في صوت رخيم # كأنه ألحان الكواكب في دورات الفلك: ~~••• # سيقدم إلي حبيبي وجلا، وسيكون من خوفه معقود اللسان؛ # عندئذ سأضع خدي # على خده وأقص عليه قصة حبنا، # حبنا الذي عف عن الخجل ولم يعتره الضعف مرة، # وستصادف عزة نفسي من «أمنا» العزيزة # قبولا، وستأذن لي بالكلام. ~~••• # ستأخذنا بنفسها ونحن سائران يدا في يد # إلى «الله» الذي حول عرشه تجثو # أرواح العباد؛ وحيث الرءوس الطاهرة التي لا حصر لعدها # تنحني وحولها هالات من النور، # فإذا ما التقت بنا الملائكة ms0904 غنت # الألحان والأناشيد. ~~••• # حدقت بنظرها وأصغت ثم قالت # في صوت تغلب على نغمته الحزينة رقته: ~~«سيحدث هذا كله عند مقدمه.» وأمسكت عن الحديث # واهتزت موجات الضياء تجاهها # وعليها الملائكة صفوفا صفوفا سابحين، # وخشعت عيناها لله وابتسمت. ~~••• ~~«ورأيت ابتسامتها» وسرعان ما # غمض أمام عيني طريقهم في الأفلاك النائية، # ثم طوحت بذراعيها حذاء # الحواجز الذهبية، # ووضعت وجهها بين كفيها # وبكت «وسمعت بكاءها». # وكان للشاعر أخت شاعرة تصغره بعامين، هي «كرستينا روزتي»، # 27 # التي عاشت حياتها في عزلة، يفيض منها الشعر كأنه الماء ينبثق من نبعه؛ ~~مما ينهض حجة على فطرتها الشاعرة. فمن رأي «فيكتور هيجو» أن قول الشعر إما يسير وإما ~~مستحيل ولا وسط بين الطرفين، ومن رأي «كيتس» أنه إذا لم يفض الشعر بطبيعته كما تورق ~~الشجرة بطبيعتها فخير للشاعر ألا يحاول الشعر إطلاقا، ولو أخذنا سهولة فيض الشعر ~~مقياسا للشاعرية لما وجدت أشعر من «كرستينا روزتي» أخرجت ديوانين، الأول: «سوق ~~العفاريت وقصائد أخرى». # 28 # والثاني: «رحلة الأمير»؛ # 29 # وهي في قصيدة «سوق العفاريت» التي سمت باسمها الديوان الأول تروي قصة ~~فتاتين قابلتا جماعة من العفاريت إلى جانب مجرى ماء في غابة، واشترتا منهم بخصلة من ~~الشعر الذهبي عددا من الفاكهة السحرية، أكلت منها إحداهما ورفضت الأخرى؛ أما التي أكلت ~~الفاكهة فأخذت تذبل وتذوي؛ مما دعا أختها، رغم ما كان يملأ قلبها من رعب وخوف، أن تعود ~~إلى جماعة العفاريت فتظفر منهم بدواء يرد للبنت المسحورة العافية. # وأما «رحلة الأمير» فقصة تروى عن أمير بدأ رحلته في سبيل عروسه، وكان وحيدا وكانت ~~الطريق شاقة مليئة بالعقبات والصعاب، والعروس من ناحيتها ترتقب قدومه في صبر نافد، ~~وحيدة في قصرها المعزول. فيلاقي الأمير في رحلته بائعة لبن هي في حقيقتها ساحرة تعرقل ~~له السفر، ثم يصادف رجلا هرما في كهف يحاول أن يستخرج بعلمه في الكيمياء من النحاس ~~ذهبا. وينجح الشيخ في أن يوقف الفتى حينا ينفخ له النار، ثم يقطع عليه الطريق بعد ذلك ~~فيضان كاد يغرقه؛ حتى إذا ما بات على ms0905 مقربة من قصر عروسه رأى جنازتها سائرة بجسدها نحو ~~قبرها؛ فقد أضناها الانتظار حتى جاءها الموت. # ومن شعرها: # إذا مت يا حبيبي # فلا تغن من أجلي حزين الغناء، # لا تزرع عند رأسي ورودا، # كلا ولا السرو الظليل، # فحسبي أخضر العشب فوق رأسي # بليلا بقطرات المطر والندى، # وإن شئت فاذكرني، # وإن شئت فانسني، ~~••• # لن أرى بعد الظلالا، # لن أحس بعد المطر، # لن أسمع بعد صوت البلبل # إذ يغني كأنما يبث الألم، # فبينا أنا حالمة في شفق # لا يعقبه شروق أو غروب # ربما عاودتني الذكرى # وربما طال نسياني. ~~(ب) القصة ~~(1) تشارلز دكنز # Charles Dicknes ~~(1812-1870م) # قل ما شئت فيما أنتجه القرن التاسع عشر من شعر وتاريخ، وقل ما شئت فيما أنتجه من أدب ~~النقد وأدب المقالة، فسيتخذ القرن التاسع عشر مكانته في تاريخ الأدب باعتباره عصر ~~القصة، ذلك إن أردت أن تجمع القرن كله في حكم واحد. وحسبك أن تذكر أنه عصر شهدت فاتحته ~~«سير وولتر سكت» وأنتجت أواسطه «تشارلز دكنز» و«وليم ثاكري» # 30 # اللذين يوضعان في طليعة الطليعة من كتاب القصة في الأدب الإنجليزي. # ولد «تشارلز دكنز» عام 1812م في «بورتسموث» من أب كان يشتغل كاتبا في أرصفة الميناء، ~~ولم يلبث أبوه أن فقد مورد رزقه هذا؛ مما انتهى بالأسرة إلى كثير من ألوان العسر ~~والعناء، ووجد هذا صداه في صدر أديبنا حين حمل القلم ليكتب؛ فأبوه هو «مستر مكوبر» # 31 # تلك الشخصية الرائعة التي صورها «دكنز» في قصة «ديفد كبرفيلد» # 32 # التي تعد من خيرة إنتاجه، والتي هي إلى حد كبير ترجمة لحياته. # لم يتلق «تشارلز دكنز» تعليما مدرسيا منظما، إنما لقف العلم من هنا وهناك، ثم كان ~~مصدر معرفته فوق كل شيء هذا الذي لاحظه بعينيه من حياة الناس في الطرقات والدور. ~~ولما بلغ السابعة عشرة من عمره استخدم مخبرا لإحدى الصحف، لكنه لم ينشر شيئا قبل سنته ~~الثانية والعشرين؛ وبعدئذ أخذ يبعث للمجلات الأدبية مقالات يغلب عليها الوصف والخيال. ~~جمعت فيما بعد، وأطلق عليها: «صور بريشة بز» # 33 ms0906 # ثم بدأ بعد ذلك بقليل في نشر «صحائف بكوك» # 34 # التي كتبت له الشهرة والذيوع في عالم الأدب، ودرت عليه مالا جعله منذ ~~ذلك الحين في ميسرة من العيش حتى ختام حياته، وقد جاء هذا الختام لحياته بغتة في شهر ~~يوليو من عام 1870م، وهو أكمل ما يكون في قواه العقلية، وأوسع ما يكون الأديب شهرة بين ~~أهل عصره. # وأهم ما خلفه لنا «دكنز» غير ما ذكرنا: «أولفر توست» # 35 # و«حانوت التحف» # 36 # و«مارتن تشزلوت» # 37 # و«قصة مدنيتين» # 38 # و«آمال ضخام». # 39 # ولأديبنا «دكنز» حسنات ومساوئ، كلاهما واضح لا ينكره إلا مغرض؛ ففي ~~القدرة على الوصف، وبخاصة وصف مناظر المدن، ليس له بين رجال القلم ضريب، لو صور لك لندن ~~بطرقها ودكاكينها وضبابها، أو لو صور لك دخيلة منزل أو غرفة لما تركك في حيرة أأنت بصدد ~~وصف مقروء أم واقع منظور ملموس! ثم هو لا يقدم لك مناظره هذه خاوية خالية من آهليها، بل ~~يملؤها لك بالشخصيات ذوات الطوابع المميزة التي تجعلهم أحياء بين الأحياء، ثم هو يحمل ~~هذه الصورة التي رسمها، وهذه الشخصيات التي تعمرها وتحييها، فيحيطها لك بإطار من فكاهة ~~هو في فنها علم من أعلامها. لكنك لا تعدم ناقدا يتوجه نحو ذلك كله بنقده فيقول: إن ~~الصورة لا شك في صدقها، وإن الأشخاص لناس أحياء، لكن الكل في مجموعه أقرب إلى عالم ~~خيالي نسجه الكاتب على منوال يختلف عن المنوال الذي تنسج الحياة الواقعة عليه ~~ديباجتها. ومهما يكن من أمر فقد كان المحيط الاجتماعي الذي يتحرك فيه خيال الكاتب هو ~~القسم الأدنى من الطبقة الوسطى، برع في تصويره براعة جعلت حياة هذه الطبقة ماثلة في ~~أذهان القراء، وحفزت أولي الأمر في عصره على إصلاح الفاسد من تلك الحياة. والعجيب أنه إذا ~~ما حاد قيد أنملة عن هذا المحيط الاجتماعي في قصصه، كان المخطئ العاجز الذي لا يكاد ~~يقول صوابا؛ وفي هذا أكبر سيئات فنه. وربما وجدت بين النقاد المعجبين من يزعم لك أن ~~«دكنز» قصر فنه ms0907 على أهل طبقته لأنه لم يرد أن يخوض في سائر الطبقات، ولو أراد لمهر، لكن ~~ذلك دفاع العين الراضية التي هي عن كل عيب كليلة؛ لأن «دكنز» حاول أن يجاوز حياة الطبقة ~~الدنيا من الطبقة الوسطى فكان نصيبه الفشل، وجاءت شخصياته في هذا الباب أمساخا لا تجد ~~لها حياة واقعة تحيا فيها وتتحرك. وكذلك مما يؤخذ على «دكنز» أنه لم يكن برجل الفكر ~~الذي تدق عنده الفكرة وتعلو، وأن قدرته كلها تكاد تتركز في نوع واحد من الناس، بل في ~~سن واحدة هي سن الشباب. وآياته الكبرى بين إنتاجه العظيم، ثلاث، هي: «صحائف بكوك» ~~و«ديفد كبرفيلد» و«آمال ضخام». ~~(2) وليم ثاكري # William Thacheray ~~(1811-1863م) # ولد «ثاكري» في كلكتا بالهند، ومات أبوه والوليد ما يزال في خامسته، فلما تزوجت أمه ~~من غير أبيه، أرسل إلى أرض الوطن حيث لم يلبث أن أخذ في الدراسة التي انتهت به إلى ~~كيمبردج، لكنه غادرها ولم ينل فيها الدرجة الجامعية. وبعدئذ سافر إلى ألمانيا حيث طوف ~~بأرجائها حينا، ثم استقر ليأخذ في دراسة القانون، لكنه سرعان ما فقد ثروة قليلة ورثها؛ ~~فأصبح حتما عليه أن يشتغل ليكسب القوت، فأدلى بدلوه في عالم الصحافة، ولم يكفه أن يكتب ~~ويؤجر، بل أخرج صحيفة لنفسه وضع فيها كل ما بقي له من مال. ثم ذهب إلى باريس حيث كانت ~~عندئذ أمه وزوجها يعيشان، وبدأ في دراسة فن التصوير الذي كان ينزع إليه بطبعه أكثر ~~مما ينزع إلى الأدب، لكنه لم يطل به المقام هناك، وعاد إلى لندن وألقى عصاه، لا يكاد ~~ينقطع عن الكتابة لهذه وتلك من صحف العصر، لم يفرق بين أعلاها وأدناها. # لم يبلغ «ثاكري» أوج شهرته الأدبية إلا بعد أمد طويل، وهو في ذلك يختلف عن زميله ~~«دكنز» الذي قفز إلى الذروة بوثبة واحدة. كما يختلف الأديبان في تدرج النضج الفني، ~~فبينا تجد أدب «دكنز» أوله كآخره جودة، ترى «ثاكري» على عكس ذلك قد أخذ يتدرج نحو كماله ~~الفني بحيث يرتفع في كل خطوة عن سابقتها. ms0908 وجاوز «ثاكري» عامه الخامس بعد الثلاثين ولم ~~يكن قد انفسح أمامه الأمل بعد في أن يمتاز بين الناس بأدبه. # ثم دارت عجلة الزمان بعد ذلك ودار معها حظ الأديب، وكانت نقطة التحول ثلاثة مؤلفات ~~أخرجها فغيرت وضعه في أعين القراء والنقاد، أهمها جميعا «سوق الغرور» # 40 # التي أرغمت رجال النقد إرغاما أن يعترفوا لها بالجودة والنبوغ؛ وحكم ~~لثاكري في نهاية الأمر أنه في القصة من الطراز الأول، وعادت عليه «سوق الغرور» فوق ~~الشهرة بمال يسر له سبل العيش. وبعدئذ أخذت جياد قصصه تترى، فهذه «بندنس» # 41 # وهذه «إزمند» # 42 # إلى آخر ما أخذ يخرجه حتى نهاية حياته من جيد ممتاز. # ومن أبرز السمات التي تطبع أدب «ثاكري» أنه واضح المعالم والحدود؛ فهو في أسلوبه ~~متميز من سواه بحيث لا تكاد تخطئه، ثم هو في شخصياته التي يخرجها أصيل لا يحاكى، ويخلق ~~الشخصية واضحة القسمات فريدة الطباع. أسلوبه ساحر لكنه لا يسلم من الأخطاء، يكتب وكأنه ~~يحدث شخصا يستمع إليه، ومن هنا تراه كأنما يجيب على كل ما يعترض به محدثه؛ فكان من أثر ~~ذلك أن جاءت عباراته كثيرة الانحناءات تنعرج يمينا ويسارا في سرعة تملؤها حياة، وترغم ~~القارئ على أن يرهف السمع، وأن يكون في وعي ويقظة ليتابع المتحدث كلما انعرج به ذات ~~اليمين أو ذات اليسار. قد تجد من الكتاب من يعطيك العبارة الفخمة الجزلة الرنانة ~~المصقولة، فتستمع إليها معجبا، لكنك لا تخلو إزاءها من الشعور بأنها تمثال جميل خال ~~من الحياة، حلية للزينة لا للسير والحركة؛ وهذا ما لا تجده عند «ثاكري» الذي لا يسعك ~~وأنت تقرؤه إلا أن تحس بأنك أمام شخص حي نابض متحرك نشيط، لست تقف إزاء أسلوبه موقف ~~المتفرج على تحفة رائعة لكنها على روعتها شيء منفصل عنه، بل لا بد أن ينشأ بينك وبين ما ~~تقرؤه تجاذب وتعاطف وتبادل أفكار. # ولئن كان «دكنز» مصور الطبقة الدنيا في عصره، فقد كان «ثاكري» مصور الطبقة العليا، ~~وإن خلد «دكنز» في تاريخ الأدب بشخصية مثل «مستر ms0909 مكوبر» فسيخلد «ثاكري» بهذه الشخصية ~~البديعة الرائعة، شخصية «بكي شارب» # 43 # في قصته «سوق الغرور». ~~(3) شارلت برنتي # Charlotte Brontë ~~(1816-1855م) # اخترنا «شارلت» عنوانا لهذا القسم، لكننا نريد أن نكتب عن الأخوات الثلاث معا: ~~«شارلت» و«إملي»؛ # 44 # و«آن» # 45 # فهؤلاء الأخوات الثلاث مما يستوقف نظر القارئ لتاريخ الأدب، لأنهن مثال ~~نادر لتشابه أفراد الأسرة الواحدة في النبوغ؛ إذ برعن جميعا في كتابة القصة، بل كان ~~لهن أكبر الأثر في أن تتخذ القصة من بعدهن اتجاها جديدا. # أخرج الأخوات الثلاث متعاونات أول ما أخرجن ديوانا مشتركا، وضعن عليه ثلاثة أسماء ~~غير أسمائهن، فلم يدع هذا الديوان إلى نقد ولا تعليق، لأنه لم يكن ذا قيمة تستحق الذكر ~~في معظم أجزائه؛ فحاول الأخوات بعدئذ أن يتجهن بأقلامهن نحو القصة، وهنا وجدن أنفسهن ~~على حقيقتها؛ فكتبت «شارلت» قصة «الأستاذ»، # 46 # وكتبت «إملي» قصة «مرتفعات وذرنج»، # 47 # وكتبت «آن» قصة «أجير ولدفل»؛ # 48 # ومن هذه القصص جميعا كانت قصة «إملي» أروعها وأبرعها، فلا «آن» قد لحقت ~~بأختها نبوغا، ولا «شارلت» قد أظهرت كل نبوغها المنتظر في قصتها «الأستاذ»، ثم أخرجت ~~«شارلت» بعدئذ قصة «جين إير» # 49 # ثم قصتين هما «شيرلي» # 50 # و«فيلت». # 51 # لم تكن «أخوات برونتى» - الأخوات الثلاث - غزيرات الإنتاج، ولا هن طالت بهن الحياة ~~ليكتبن أكثر مما صنعن، ومن هنا كانت صعوبة الناقد، ماذا كان يئول إليه أمرهن لو امتدت ~~بهن الحياة؟ أذلك مدى نبوغهن أم كان ينتظر لهن نبوغ فوق هذا النبوغ؟ ومهما يكن من أمرهن ~~فقد كن في وسط القرن التاسع عشر نقطة تحولت عندها القصة إلى الواقع شيئا ما بعد إغراق ~~في الخيال طبع به الابتداعيون جميعا. # وأي واقع لجأ إليه هؤلاء الأخوات؟ واقع نفوسهن وتجربتهن الشخصية، وهنا موضع براعتهن ~~وقصورهن في آن معا؛ أما البراعة فلأن التجربة الشخصية أصدق ما تلجأ إليه من موارد ~~القول، وأما القصور فلأنك إن قصرت نفسك على تجربتك فلا بد لك في نهاية الأمر أن تستنزف ~~معينك وتبدأ حيث تنتهي. والأديب الفحل يستطيع أن ms0910 يجد كتابا مفتوحا في كل شخص حي إلى ~~جواره؛ فهذه «شارلت» في قصتها «جين إير» تكاد تؤرخ حياتها في دقة توشك معها أن تسمي ~~أشخاص قصتها بأسمائهم في الحياة، وفي قصتها «شيرلي» تصور أختها «إملي» وما تحسه نحوها ~~من حب وغيرة. # ليس نقصا في كاتب القصة أن يستمد من تجربته، بل حتم عليه أن يجعل تجربته الشخصية ~~معينا، هكذا صنع أئمة القصة في الآداب كلها. لكن كاتب القصة لا يستطيع ما يستطيعه ~~الشاعر، وهو أن يكون قلبه معينه الأوحد، لأن ذلك ينتهي به حتما - كما قدمنا - إلى ~~ضحولة وجفاف؛ فلزام عليه أن يضيف إلى نفسه نفوس من حوله، وذلك ما لم يكد يفعله الأخوات ~~الثلاث، ونريد أن نختم حديثنا عن القصة بذكر سيدتين أخريين، أولاهما: ~~(4) مسز جاسكل # Mrs Gaskell ~~(1810-1865م) # التي كانت صديقة «شارلت برونتي» والتي أرخت لحياتها؛ فقد استطاعت في قصتها «مارية بارتن» # 52 # أن تصور الحياة في المدن الصناعية الواقعة في شمالي إنجلترا أبدع تصوير ~~وأصدقه. وبعد سنوات خمس من إخراج قصتها تلك، أصدرت خير آثارها الأدبية؛ قصة «كرانفورد»، # 53 # وفيها أبدعت ريشتها لوحة دقيقة للحياة العائلية في إنجلترا إبان القرن ~~التاسع عشر. # وثانيتهما: ~~(5) جورج إليت # George Eliot ~~(1819-1880م) # وهي امرأة تسترت في قصصها وراء اسم من أسماء الرجال، فهي «مارية آن إيفنز» # 54 # لكنها نشرت قصصها باسم «جورج إليت». # بدأت الكاتبة حياتها الأدبية بترجمة عن الألمانية، فنقلت «حياة المسيح» للكاتب ~~الألماني «ستراوس»؛ # 55 # ثم اشتغلت محررة في مجلة أدبية وكان أهم ما تنشره أدبا ألمانيا مترجما ~~أو تعليقا على الأدب الألماني. وقد كانت كاتبتنا عميقة الثقافة واسعة الأفق، لكنها في ~~الوقت نفسه لم تكن على كثير من الجمال. ومما يجدر ذكره عنها أن «هربرت سبنسر» الفيلسوف ~~الإنجليزي، قال في ترجمة حياته التي كتبها بقلمه إنه فكر في الزواج منها، لكنه على ~~الرغم من أنه فيلسوف يحب في زوجته أن تكون على شيء من الجمال. وانتهى أمر «مارية» أن ~~تعيش مع ناقد أدبي في بيت واحد عيش الصديقين، ms0911 ثم تزوجت آخر الأمر بعد وفاة صديقها ~~الناقد، ولم يطل زواجها أكثر من عام وبعض عام لأن حياتها لم تطل أكثر من ذلك. # كان أول ما أخرجته «مارية» باسمها المستعار «جورج إليت» قصة نشرتها تباعا في مجلة ~~أدبية، ثم أخرجت بالاسم نفسه خير قصصها «آدم بيد» # 56 # وفيها انتفعت بخبرتها الواسعة بالناس وحياتهم في وسط إنجلترا، وصورت ~~حياتهم في شيء من الفكاهة التي تعطف على من تصف دون أن تسخر منهم. ومن قصصها المشهورة ~~أيضا: «مصنع الحرير»؛ # 57 # التي درست فيها علاقة أخ بأخته. ولها طائفة أخرى من القصص؛ بهذه تصور ~~عهدها، وبتلك تصور عصر النهضة الإيطالية، وبثالثة تصور علاقة زوجة بزوجها، وهكذا. ومما ~~هو جدير بالذكر أنها كانت في قصصها الأولى أجود منها في قصصها الأخيرة. ~~(ج) التاريخ والنقد ~~(1) تومس كارلايل # Thomas Carlyle ~~(1795-1881م) # ولد لأب بناء، وكان أكبر أخواته التسعة. أرسله أبوه إلى مدرسة القرية، فإلى المدرسة ~~الثانوية؛ ولما كان الفتى ذا نبوغ ظاهر قرر الوالد أن يبعث به إلى جامعة «إدنبره» ~~ليتلقى تعليمه العالي في الدين إعدادا له ليكون فيما بعد قسيسا. وسار الفتى على قدميه ~~من بلده إلى «إدنبره» وهي مسافة طولها مائة ميل، وبلغها وهو في الخامسة عشرة من عمره، ~~لكن أين لهذا الصبي الفقير بمصروفات الجامعة؟ لا بد له أن يلجأ إلى ما يلجأ إليه أبناء ~~الأسر الفقيرة عادة في اسكتلندة، وهو أن يشتغل ليكسب قوته إبان دراسته الجامعية؛ ~~وأخذ كارلايل يشتغل بالتدريس بعض وقته، ثم ما لبث أن تبين في نفسه نفورا من هذا الذي ~~أريد له أن يدرسه؛ فانحرف عن ذلك الطريق ليكتب مقالة هنا ومقالة هناك، ثم ليدرس اللغة ~~الألمانية. وفي هذه الدراسة كانت ولادته الأدبية؛ فقد انفتحت له آفاق فسيحة حين قرأ ~~«جيتي»، عرف أولا كيف يصوغ إنجليزيته صياغة ألمانية، ثم عرف ثانيا كيف يفكر. # لما بلغ «كارلايل» عامه الثلاثين جاء إلى لندن مربيا لأولاد أحد الأغنياء، ولم يمض ~~طويل وقت حتى صادف من أصبحت له فيما بعد شريكة حياته؛ ms0912 وبعد زواجه سافر إلى «إدنبره» حيث ~~أخذ يكتب في النقد الأدبي، لكن الزوجين لم يجدا هنالك ما يقتاتان به فعادا أدراجهما إلى ~~لندن، ومن ثم أخذ يخرج نتاجه الأدبي، «الثورة الفرنسية» # 58 # و«فلسفة الملابس» # 59 # و«الأبطال وعبادة البطولة» # 60 # و«الماضي والحاضر» # 61 # و«خطابات أولفر كرمول وخطبه» # 62 # و«تاريخ فردريك الأكبر». # 63 # وآيته الكبرى هي «الثورة الفرنسية» التي قص قصتها في صورة حية ناصعة؛ فكارلايل مؤرخ ~~موهوب، يبعث الحوادث والأشخاص بعثا جديدا، فإذا أنت إزاء حياة تجري فيها الدماء ~~وأشخاص يتحركون وينشطون كما يتحرك الأحياء وينشطون. ومن خصائصه في وصف الأشخاص أنه ~~كثيرا ما يوفق إلى عبارة واحدة تلخص كل شيء عن الرجل الذي هو بصدد الحديث عنه. فرغ ~~«كارلايل» من كتابة «الثورة الفرنسية» فأعار المخطوط إلى «مل» ليقرأه قبل طبعه، وحدث أن ~~أعاره «مل» بدوره إلى سيدة تدعى «مسز تيلر» فألقت به خادمتها في النار ظنا منها أنه ~~أوراق مهملة! ولم يكن عند «كارلايل» نسخة أخرى، ولم يستطع أن يستعيد بالذاكرة عبارة ~~واحدة؛ فأخذ نفسه بكتابته من جديد! ولم ينقطع أسفه على الصورة الأولى لأنها كانت في ~~رأيه أروع، وإن تكن زوجته تخالفه الرأي في هذا، فعندها أن الصورة الثانية أقل من الأولى ~~حيوية لكنها أكثر تنسيقا وأنظم تفكيرا. # أما كتابه «فلسفة الملابس» فهو أكثر مؤلفاته تأثرا بالروح التيوتونية في أسلوبه وهو ~~في هذا الكتاب يعرض رأيه بأن العمل واجب مقدس على الإنسان، وبأن احتمال المكاره في ~~سبيله فرض واجب، وليست السعادة التي ننشدها جميعا إلا شعور الاطمئنان الذي نحسه إذا ~~ما أدينا واجبا: «بارك اللهم فيمن وجد عملا يؤديه، إن في هذا وحده البركة التي لا ~~بركة وراءها ترجى.» إن العمل المتقن معناه النظام، والنظام شيء تمناه «كارلايل» لبلاده ~~بل للإنسانية جمعاء، متأثرا في ذلك بما درس من الأدب الألماني والروح الألماني؛ فلن ~~تفهم «كارلايل» حق الفهم إلا إذا وضعت نصب عينيك أنه ألماني الثقافة، ألماني التفكير. ~~ولقد قيل إن إنجلترا في عصر فكتوريا كانت ألمانية النزعة والاتجاه بتأثير ms0913 الملكة ~~فكتوريا نفسها وزوجها الألماني، لكنها كانت كذلك أيضا بتأثير «كارلايل» الذي كان له ~~من الأثر على معاصريه ما لم يكن لكاتب آخر في عهده. نقول إنه في كتابه «فلسفة الملابس» ~~عرض فلسفته هذه في صورة حديث عن الملابس يجري على لسان أستاذ ألماني متقلب الأهواء. # 64 # وكتابه عن «الأبطال» يصور البطولة في شتى نواحيها؛ # 65 # بطولة الحرب وبطولة الدين وبطولة الشعر وهكذا. وهو في عبادته للبطولة ~~وإيمانه بها يبشر بالفلسفة الألمانية أيضا؛ تلك الفلسفة التي كان «نيتشه» بعد ذلك ~~لسانها الناطق، وهذه نزعة - ولا شك - تناقض الاتجاه الديمقراطي، لأنها لا تؤمن بقدرة ~~العامة، وتضع أملها في النوابغ وحدهم. والحق أنه إذا سادت في أمة رغبة نحو تمجيد البطل ~~ووضع قيادها كله في يده، فقل أن تنجح؛ لأنها - أولا - من العسير أن تجد البطل المنشود، ~~وثانيا في بحثها عن بطلها تقتل كل بطولة في شعبها بمجموعه. وهو في كتاب «الماضي ~~والحاضر» يعيد إلى الحياة حياة القرن السابع عشر الذي كان في رأيه عصر بلاده الذهبي. ~~ثم هو في كتاب «فردريك الأكبر» يظهر روحه الألماني من جديد؛ مما جعله يتخذ من هذا ~~الحاكم الألماني بطلا يشيد به. # في كل هذه الكتب كان «كارلايل» ذا أسلوب يستحيل أن تخطئ سماته وقسماته حتى لو لم تكن ~~ذا دراية واسعة بالأدب الإنجليزي وخصائص أساليبه، لأنه أسلوب فريد في بابه؛ أسلوب يصب ~~اللغة الإنجليزية في قالب تيوتوني ألماني كما قلنا؛ فهو يصف الأسماء بصفات طويلة ~~التركيب، وهو يصوغ لنفسه أحيانا ألفاظا لم يعهدها الناس من قبل، وهو فوق كل شيء يركب ~~عباراته تركيبا خاصا به، وينظم ألفاظه في عباراته تنظيما لا يشاركه فيه سواه، ~~وللجمل عنده رنين وإيقاع يضيفان مادة جديدة إلى خصائص أسلوبه؛ وإن أنت أخطأت في أسلوبه ~~كل هذا فلن يفوتك أن ترى بعينيك ما عرف به الكاتب من الإفراط في استعمال حروف التاج ~~والفواصل، وحذف كثير من حروف العطف والضمائر وشتى الألفاظ التي يدرك أنه لو حذفها وأمعن ~~القارئ قليلا في معنى ms0914 ما يقرأ، لاتضح المعنى الذي يريد. ~~(2) جون رسكن # John Ruskin ~~(1819-1900م) # كان وحيد أبيه ، وأبوه تاجر غني للخمور. ولم يكد يسافر هنا وهناك من أنحاء البلاد حتى ~~أدركت نفسه المتفتحة ما في الطبيعة من جمال وفتنة؛ لأنه كان قبل كل شيء شاعرا مرهف ~~الحس للجمال يبدو في شتى صوره، في الطبيعة وآيات الفن على السواء. اذكر دائما أنك إزاء ~~شاعر كلما قرأت له نثرا يصف به شيئا أو ينقد شيئا أدركت حقيقة الرجل في صميمها؛ فها ~~هنا نحن بصدد رجل من المدرسة الابتداعية لا يفتنه الجمال يبدو للعين كما يفتنه الجمال ~~يبدو للروح. هو إلى الصوفي الذي يحب في الأشياء روح الله الكامنة فيها، أقرب منه إلى ~~العاشق الذي يحب من الأشياء ما يشبع الحواس؛ الجمال عنده - كما كان عند وردزورث - ~~حبه عبادة روحانية لا نشوة المخمور. # رأى «رسكن» في رسوم «تيرنر» # 66 # التي صور بها مناظر الطبيعة، جمالا له من السحر ما للطبيعة نفسها، فاتجه ~~إلى دراسة هذا المصور الفنان واتخذ منه أساس مذهبه، فمذهبه واقعي يريد لنا أن ننقل ~~الطبيعة بحذافيرها نقل الأمين، مع اعترافه في الوقت نفسه بتفاهة شأن الدقائق والتفصيلات ~~في ذاتها. وقد يبدو في هذا شيء من التناقض يزول بعد شرح قليل: الفن على اختلاف صوره ~~ينبغي أن يعنى بالفرد لا بالعناصر المشتركة بين الأفراد، يحلل زيدا أو عمروا باعتباره ~~فردا له خصائصه التي «يتفرد» بها، ولما كان زيد أو عمرو إنما «يتفرد» بتفصيلات يختلف ~~فيها عن سواه من الرجال، كانت مهمة الأديب أن يتتبع هذه التفصيلات التي تجعل له فرديته ~~متميزة من سواه. وقل مثل هذا في كل شيء تعنى به الفنون، سواء أكان منظرا يصوره الرسام، ~~أو موقفا يصفه القصصي، أو شعورا يعبر عنه الشاعر؛ إذن فالتفصيلات هي بغية الفن، لا ~~مقصودة لذاتها، بل لأنها هي وسيلة تصوير الأشياء الفردة في الحياة. # درس أديبنا فن «تيرنر» لأنه رأى فيه تعبيرا عن نفسه، وأخرج المجلد الأول من مؤلفه ~~العظيم «المصورون المحدثون» # 67 # ثم أخرج ms0915 «أحجار البندقية» # 68 # الذي يعد أعظم مؤلفاته، وهو دراسة لشتى آثار الفن في البندقية. ~~وبعدئذ أخذ يصدر كتبا صغيرة يكتب فيها عن كل شيء، فهو يكتب في الاقتصاد حينا، وفي ~~العلم حينا، وفي الفن حينا ثالثا، على أنها جميعا تسري فيها روحه، فلن تجد عنده ~~فكرا دقيقا عميقا، لكنك ستجد شعورا قويا وتعبيرا رائعا، ستجده في كل ما كتب ~~شاعرا. # كان رسكن ناقدا للفن، وكان رأيه أن الصورة الفنية تقاس جودتها بمقدار ما تحمل من ~~معان. ولا شك أنه بذلك يخالف رأي أعلام الفن أنفسهم، الذين يرون القيمة معظم القيمة ~~فيما تقتضيه الصورة من فن التصوير نفسه، بغض النظر عن الموضوع الذي تعبر الصورة عن ~~معانيه؛ فن التصوير عندهم هو قبل كل شيء وسيلة نخلق بها جمالا، وينبغي أن يحكم على ~~الصورة بما فيها من جمال؛ وإذن ف «رسكن» مخطئ حين جعل قياس التقدير ما وراء الصورة من ~~معان؛ ولكننا نعود فنذكر القارئ أن رسكن لا يقرأ لصدق آرائه، إنما يقرأ كما يقرأ ~~الشاعر، يقرأ لنرى كيف استطاع هذا القلم القدير أن يخرج شعوره الجياش أتم إخراج ~~وأكمله. ~~(د) الأدب الإنجليزي في أواخر القرن التاسع عشر # لما بدأ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بدأ معه تحول في الأدب الإنجليزي، لأن ~~الحياة الإنجليزية نفسها أخذت في التحول؛ وبهذا التحول في الحياة والأدب معا بدأت فترة ~~لها سماتها وخصائصها، امتدت حتى بداية الحرب العالمية الأولى سنة 1914م. # كان الربع الثالث من القرن التاسع عشر - الفترة ما بين 1850 و1875م - فترة رخاء وازدهار ~~في إنجلترا لا تكاد تجد له مثيلا في تاريخها، وكان من الطبيعي أن ينشأ عن هذا الرخاء ~~والازدهار تفاؤل بالحياة عند الناس وثقة في مستقبل أمتهم؛ وإذا ما رضيت أمة عن نفسها ~~وعن مستقبلها المأمول زال عنها القلق واستقرت، فاستقر تبعا لذلك أدبها وركزت أوضاعها. ~~تلك الفترة من حياة الشعب الإنجليزي والأدب الإنجليزي هي صميم العصر الفكتوري، فلما أن ~~تقضت تلك الفترة الهانئة بقرارها، الراضية بمثلها العليا؛ توالت الصدمات ms0916 التي رجت حياة ~~الناس رجا عنيفا؛ فارتجت له موازين الأدب وتغيرت مجاريه. # في أول الربع الرابع من القرن ذهب عن الإنجليز رخاؤهم فذهب يقينهم بأنفسهم وثقتهم ~~بمستقبلهم؛ فهذه صناعتهم تنافسها أمم أقل منهم شأنا وتهددها على نحو خطير، وهذه ~~تجارتهم يهبط ميزانها رويدا رويدا، ثم هذه طبقاتهم العاملة تتأثر لذلك الكساد ~~الاقتصادي تأثرا شديدا، فيسود التعطل ويعم الفقر والحاجة، ويزداد الاضراب اتساعا، ~~وتزداد العقول ميلا إلى الاشتراكية. بهذا كله انقضى عهد ذهبي في حياة الإنجليز كان فيه ~~النصر عليهم هينا، وكان سبقهم في ميادين التنافس مع سائر الأمم أمرا محققا لا يتطلب ~~منهم كثيرا من عناء؛ فأي عجب إذن في أن تضطرب النفوس والعقول لهذا الأفق الذي اضطرب ~~بعد قرار؟ وأي عجب في أن ينعكس هذا الاضطراب في شتى ألوان التعبير والتفكير؟ ثم أي عجب ~~في أن يتجه الناس نحو إصلاح أنفسهم، والإصلاح يتطلب الخروج على الأوضاع القائمة كلها؟ ~~فإن كان صميم العصر الفكتوري قد سايرته نزعة الاتزان العقلي، فطبيعي أن ينادي المصلحون ~~بتغيير الأمر والعودة إلى سيادة العاطفة على العقل، وسيطرة الشعور على قواعد المنطق ~~الهادئ. وها هنا تجد الأقلام متضافرة على مهاجمة العلم في حصونه؛ فمعالجة الأمور بطرائق ~~العلم لم تحقق للناس ما ظن الناس - مخطئين من قبل - أنها ستحقق لهم من سعادة وسير ~~بالأخلاق نحو الكمال، بل الأمر على نقيض ذلك تماما؛ إذ جفف العلم وطرائقه نبعا فياضا ~~للسعادة، وشق ينبوعا للتمرد بالحياة والنقمة عليها. بهذا كله أخذ الناس يميلون إلى ~~الأخذ بأحكام الغريزة قبل العقل، بالبداهة الفطرية قبل المنطق، بالنظرة الصوفية إلى ~~الحياة قبل النظرة المادية، وبهذا الاتجاه الجديد فكر الفلاسفة وكتب الأدباء وصور رجال ~~الفن. # ولما استهل القرن العشرون جاء معه لون جديد من التحول؛ إذ جاء جماعة من الكتاب ~~يساهمون بنصيب في الثورة على الاستقرار الذي ساد في عصر فكتوريا، لكنهم جاءوا إلى ~~جانب ذلك مبشرين بدعوة إلى النشاط والحركة والتفاؤل الذي يبعث على السير نحو الإصلاح ~~بعد وضع قواعده وأصوله؛ فهذا «كبلنج» ينادي ms0917 بالتوسع الاستعماري، لا مستندا إلى عقل ~~ومنطق، بل مدفوعا بشعور وعاطفة، وهذا «ولز» لا يدخر وسعا في نشر مبادئ الاشتراكية ~~أساسا للإصلاح الاجتماعي، تحفزه إلى ذلك نفسه القلقة التي تنشد الخير. ~~(1) صموئيل بتلر # Samuel Butler ~~(1835-1902م) # بهذا الاتجاه الجديد الذي أراد أن يعلو بالحياة على المادة، وبالغريزة على العقل، ~~وبالوجدان على قواعد المنطق، كتب «بتلر» الذي قضى شبابه في صميم العصر الفكتوري، ~~فاستنشق شيئا من جو الثقة بالنفس السائدة عندئذ، وشيئا من النظام الذي خيم على ~~أطراف الإمبراطورية الواسعة، لكنه استنشق ذلك الجو ليفر منه، وعاش تلك الحياة ليعلن ~~عليها الثورة والعصيان. ولو أردت عبارة واحدة تلخص فلسفته ووجهة نظره، فتلك أنه شكاك ~~ينشد اليقين الذي تطمئن له نفسه؛ فسرعان ما انتهت به تلك النظرة إلى أن يقف إزاء ~~المجتمع المحيط به موقف الناقم الثائر المهاجم، لكن هجومه لم يكن بمثابة الحرب العلنية ~~تجري على مرأى من الناس، بل كان أقرب إلى المخاتلة والاحتيال. # أعلن حربه هذه على ما حوله من دين وأخلاق وعادات، ثم أعلنها فوق كل شيء؛ على العلماء ~~وما يبشرون به من مذاهب أخذها الغرور فظنت أنها بمنجى من كل نقد وتجريح، وإنما دعاه إلى ~~محاربة العلماء أنه إذ كون لنفسه رأيا في كل مشكلة من مشاكل العصر، نظر فإذا برأيه هذا ~~يناهضه العلم كما عرفه العلماء إذ ذاك. وخلاصة حملته دعوة إلى الحد من العقل بحيث يعرف ~~حدوده التي ينبغي أن يقف عندها، وإلى الاعتراف بالغريزة وما لها من حقوق. # أراد أن ينقذ الديانة من التخريف؛ فمن أسس العقيدة المسيحية عودة المسيح إلى الحياة ~~بعد صلبه، ولم ير «بتلر» في مثل هذه العقيدة شيئا يتمشى مع الفطرة السليمة، وفي الوقت ~~نفسه لم يرد أن يحكم على عقيدة كهذه بمجرد الظن، فانطلق يحقق الأمر لنفسه، وانتهى به ~~التحقيق إلى رأي مخالف لما تواضعت عليه القرون المتتالية، وهو أن المسيح لم يمت على ~~الصليب، إنما «شبه لهم» برجل آخر. وهكذا هدف الكاتب بنقده إلى الكنيسة ~~وتعالميها وقساوستها، وتهكم ms0918 وسخر بالطريقة التي يؤدي بها المعتنقون للعقيدة شعائرهم، ~~تجد ذلك في كتابه «إرون» # 69 # كما تجده في «المرفأ الجميل» # 70 # و«طريق الأجساد» # 71 # و«عودة إلى زيارة إرون». # 72 # ومن أجمل مواضع نقده للكنيسة في كتاب «إرون» تصويره لها مصرفا يذهب ~~العابدون إليه وقصدهم الحقيقي بيع وشراء، يبيعون كذا وكذا من الشعائر ليشتروا به كذا ~~وكذا من خيرات الآخرة. # ومن الصور الرائعة أيضا في كتاب «إرون» تطبيقه مذهب دارون على الآلات، أليس أساس ~~التطور تنازع البقاء وبقاء الأصلح؟ ثم أليس للأصلح الباقي السيادة على من دونه صلاحية؟ ~~إذن فانظر إلى الآلات تجدها أقدر من الإنسان في شتى النواحي، تحسب فلا تخطئ الحساب، ~~تنظر فلا تخطئ النظر، تطير في الجو وتغوص في الماء؛ إذن فلا بد لها في تنازع البقاء أن ~~تبقى لأنها أصلح من الإنسان، ولا بد أن يجيء يوم يكون فيه الإنسان عبدا للآلة، على نحو ~~ما ترى الخيل والبغال والحمير اليوم عبيدا للإنسان. تلك هي النتائج المنطقية لعلم يأخذ ~~بنظرية التطور، ولعصر يؤمن باستخدام الآلة في حياته على نطاق واسع. كلا، العالم في ~~تطور لكن تطوره يأخذ صورة غير هذه الصورة البشعة التي ارتآها «دارون»، هو تطور الكائن ~~الحي الذي يختار لنفسه ما يصلح له، ليست البيئة هي التي تفرض على الكائنات ما ينبغي ~~أن تكون عليه من هيئة وأعضاء، إنما الكائنات الحية هي التي تستغل البيئة بما لها من ~~القدرة على تشكيل أنفسها تشكيلا مناسبا للظروف، ليس التطور حركة آلية، إنما هو تطور ~~مبدع خلاق. # أخضع «بتلر» كل شيء حوله للنقد الساخر؛ هذه الجامعات التي - في رأيه - لا تعلم شيئا ~~ذا غناء، هذه القوانين التي تظلم وترى العدل في ظلمها، هذه الأخلاق التي تنقصها روح ~~الفضيلة بأصح معانيها، هذه النظم الاجتماعية الفاسدة كالأسرة وما إلى ذلك؛ كل هذا في ~~سخرية عميقة تفوت القارئ العابر. فلن تجد على سطح مائه أمواجا هائجة مزبدة، إنما أنت ~~منه إزاء بحر هادئ فيما يبدو للعين، جياش بالتيارات العنيفة الهادمة لمن يغوص في ms0919 ~~أعماقه؛ ولذلك لم يظفر «بتلر» بإعجاب عامة القراء، ولم يعجب به إلا الخاصة ~~المثقفة. ~~(2) جورج مردث # George Meredith ~~(1828-1909م) # كان «مردث» - على شديد اختلافه عن زميله «بتلر» - ينتمي معه إلى مدرسة فكرية واحدة. ~~وتستطيع أن تحدد الاختلاف بين هذين الأديبين بأنه اختلاف في النسبة بين العناصر المكونة ~~لشخصية كل منهما، لا اختلاف في العناصر نفسها، ف «مردث» من بناة الموجة الابتداعية ~~الجديدة التي ظهرت في أواخر القرن، بعد أن ساد العنصر العقلي حينا من الدهر إبان عصر ~~فكتوريا. هو من بناة الموجة الابتداعية الجديدة التي أرادت أن يكون للشعور الإنساني ~~مكانته. ولا عجب؛ ف «مردث» - كما ترى من تاريخ مولده - قد شهد الحياة، والأدب الابتداعي ~~الذي أشرق وساد في أول القرن كان قد بلغ أوجه ومال به الطريق نحو الانحدار، فكأنما ~~ترك بذرته في طبيعة هذا الأديب، وظلت البذرة كامنة حتى نضجت وآتت أكلها في أواخر القرن؟ ~~وكذلك عاصر «مردث» موجة الأدب العقلي - إن صح لنا أن نستخدم هذا التعبير لندل به على ~~الفترة التي توسطت القرن التاسع عشر - عاصر أديبنا موجة الأدب العقلي في عصر فكتوريا، ~~فوافقت في طبيعته وضوح الفكرة في ذهنه، لكنه مزج هذا الوضوح الفكري بحرارة الخيال، ولم ~~يجعل العنصرين نقيضين إذا وجد أحدهما ارتفع الآخر؛ العقل عند «مردث» مهمته أن يوضح ~~الطريق للخيال، لا أن يمسك بالخيال ويلجمه، لو ترك العقل وحده ليسود ذهبت عنا - في رأي ~~مردث - الفاعلية والنشاط، فالعقل المنطقي يتأثر ولا يؤثر، ينفعل ولا يفعل. ولا فرق عنده ~~بين إنسان يجمد فيه النشاط وتخمد الحيوية الفاعلة عن غيبوبة عقلية وبين إنسان ينتهي إلى ~~نفس الموقف الجامد الخامد عن وعي وتنبه. وإن لخصنا رسالة «مردث» كلها في عبارة واحدة ~~قلنا إنها توجيه الطعنات المتلاحقات النافذات إلى جمود تيار الحياة في الفرد أو في ~~المجتمع؛ ذلك الجمود الذي ينشأ عادة عن الغباء أو الجهل أو آلية العمل اليومي؛ عدوه ~~الألد في الإنسان هو التفكير الآلي الذي تنساب حلقاته بغير خلق وإبداع، إنه لا حياة ms0920 ~~لرجل يومه كأمسه. والدرس الذي نتلقاه عنه هو أن نكون أحرارا بكل ما وسعت هذه الكلمة ~~من معان؛ أحرارا في تفكيرنا فلا نقلد، أحرارا في سلوكنا فلا نكون آلات صماء، أحرارا ~~في تجديد حياتنا كل يوم بالإقدام على المجهول دون أن نخشى مخاطر المغامرة، أحرارا في ~~استقبال الحياة مستبشرين بها مسيطرين عليها، لا أن نخشاها فلا نلبث أن نكون عبيدها ~~الأذلاء. # ولد «مردث» لأب خياط، لكنه على انخفاض منشئه، أدمج نفسه في سادة القوم، وجاء أدبه ~~دراسة لهؤلاء السادة، كأنما أراد أن يقيم الدليل على أن ابن الخياط يستطيع أن يكون ~~سيدا. وقد صور أباه في قصته «إيفن هرنتن»، # 73 # التي نشرها في عامه الثاني بعد الثلاثين منجمة في سلسلة متتابعة الحلقات. ~~والقصة بأسرها تكاد تكون تأريخا لحياة نفسه؛ إذ هو يقص علينا قصة ابن خياط تربى في وسط ~~أخرجه سيدا مهذبا. ومن خير إنتاجه أيضا «محنة رتشرد ففرل» # 74 # وهي قصة والد وولده، أما الوالد فقد استعبدته آراؤه النظرية، فجلب الشقاء ~~على ابنه بتعصبه الأعمى لآرائه تلك، وكان «مردث» قد اشتغل حينا مراسلا حربيا لإحدى ~~الصحف الإنجليزية، وذلك إبان الحرب بين بروسيا والنمسا؛ مما اقتضاه أن يقضي بعض وقته في ~~إيطاليا، ومن ثم خبر المناظر الإيطالية فوصفها في قصته «فتوريا» # 75 # التي حكى فيها عن ثورة عام 1848م، والتي رسم فيها صورة قلمية لزعيم إيطاليا ~~المعروف «ماتسيني». على أن آية آياته هي قصة «الأناني» # 76 # التي لا يكاد يقرؤها قارئ إلا أحس أن الكاتب يتهكم عليه لشدة ما يرى نفسه ~~وأخطاءها في دقة ووضوح. ويحكى أن صديقا للكاتب قرأ القصة بعد نشرها، فذهب إليه غاضبا ~~عاتبا وصاح به: «تلك منك سيئة بلغت من السوء أقصى غايته؛ إن شخصية «ولوبي» # 77 # هي شخصيتي!» فأجابه «مردث»: «كلا يا عزيزي، إنها تصورنا جميعا.» وعن هذه ~~القصة يقول القصصي المشهور «ستيفنسن»، # 78 # مشيرا إلى حكاية الصديق العاتب: «لقد قرأت قصة «الأناني» خمس مرات أو ~~ستا، وأنوي قراءتها من جديد، لأني كذلك الصديق الذي ms0921 ذهب عاتبا، أرى في شخصية ~~«ولوبي» عرضا لنفسي، فيه قسوة التعريض ولكن فيه أيضا فائدة العرض.» # و«مردث» - فوق أنه كاتب للقصة - شاعر مجيد، أحب الطبيعة حب العشق وطفق يتغنى ~~بفتنتها. ~~(3) تومس هاردي # Thomas Hardy ~~(1840-1928م) ~~«هاردي» هو القصصي الأكبر في الفترة التي نقدمها الآن إليك. وهو شاعر نابغ وقصصي بارع ~~على السواء، جاءنا في قصصه وفي شعره بالجديد الجيد، ولعل أوضح ما يستوقف النظر في هذا ~~القصصي أنه كاد يحصر نفسه في إقليم صغير من بلاده؛ الإقليم الجنوبي الشرقي من إنجلترا، ~~يصف مناظر ريفه ويحلل أشخاصه، ومع ذلك فقد اتخذ من هذا الإقليم الريفي الصغير نافذة أطل ~~منها على العالم الفسيح، وإذا به لا يحدثك في قصصه عن زيد وعمرو من سكان هذا الإقليم ~~الذي عني بدراسته، بل يقدم لك الإنسانية كلها متبلورة في زيد أو عمرو؛ فجاء ذلك ~~مصداقا لقول «إمرسن» بأن الطبيعة كلها تعكس نفسها في قطرة واحدة من قطرات ~~الندى. # ولد «هاردي» لأب بناء في قرية تحيط بها الغابات فتعزلها عن الأرجاء المعمورة، وقد كان ~~هذا الإقليم الريفي الذي شهد فيه النور لأول مرة هو موضوع قصته «عمدة كاستربردج» # 79 # فوصفه وصفا دقيقا رائعا. نقول إن «هاردي» ولد لأب بناء، ثم بدأ هو نفسه ~~طريق الفن المعماري ليكون بدوره بناء، ولم يلبث أن أظهر في هذا الفن وهندسته براعة ~~استحق بها نوط الجدارة من «المعهد البريطاني لفن العمارة» تقديرا لمقالة كتبها عن ~~البناء يبنى بالطوب المحروق، ثم ظفر بجائزة أخرى لتصميم رسمه فصادف القبول والإعجاب. ~~ومع هذا البدء الموفق، دفعته فطرته إلى ترك هذا الفن ليجول في فن آخر؛ فن الأدب بفرعيه: ~~الشعر والقصة، وكانت أشهر قصصه خمسا: «عودة الوطني» # 80 # و«عمدة كاستربردج» و«أبناء الغابة» # 81 # و«تس سليلة در برفيل» # 82 # و«جوده الغامضة». # 83 # ومما يجدر ذكره هنا أن نقدا لاذعا وجه إلى قصته الأخيرة «جوده الغامضة» ~~فأمسك «هاردي» القلم عن كتابة القصة إلى ختام حياته. # في هذه القصص وغيرها مما جادت به قريحة هاردي، كان مدار ms0922 القول دائما - كما قدمنا - ~~الإقليم الريفي في الجنوب الشرقي من إنجلترا. وقد وهب الله هذا الكاتب كل ما يعينه على ~~الوصف الدقيق الجميل، وعلى النفاذ ببصيرته إلى أعماق نفوس أهل هذا الإقليم؛ فهو يقدم لك ~~في تحليل الخبير القدير تفصيلات الحياة التي أخذت رويدا رويدا تصوغ هذا الرجل أو ذاك، ~~ثم هو يبسط أمامك ما يدور في رءوس أهل الإقليم الريفي الذي تناوله بقلمه، من آراء ~~وعقائد. فبهذه المعرفة التامة التي أحاطت بكل دقائق الحياة هناك، أمد «هاردي» قصصه ~~بالقوة والجمال. # ول «هاردي» فضلا عن قصصه، رواية «الولاة» # 84 ~~- ولعلها أعظم آثاره الفنية جميعا - أخرجها في ثلاثة أجزاء، وموضوعها أيضا ~~هو الإقليم الريفي بعينه الذي شغل قلمه طول حياته، لكنه هنا أطل من هذا الإقليم على ~~أوروبا في عصر نابليون، وقد اشتعلت أرجاؤها بالحرب وسعيرها. # وكان «هاردي» - كما أنبأنا - شاعرا إلى جانب فنه القصصي، بل كان شاعرا قبل أن يكون ~~قصاصا. وأما وقد لذعه النقد الظالم في عالم القصة فقد ترك القصة وعاد أدراجه إلى الشعر ~~ليعزف على قيثارته هادئ البال مطمئن النفس، لكنه إذ عاد إلى فنه الأول، بعد تلك الجولة ~~الطويلة العميقة التي جالها في نفوس الناس وفي جوانب الحياة، عاد مثقلا بعلم وخبرة، ~~أخذ يصبهما اليوم في كأس الشعر. ~~(4) روبرت لويس ستيفنسن # Robert Louis Stevenson ~~(1850-1894م) # ولد في «أدنبره» باسكتلندة من أسرة متوسطة يشتغل بعض رجالها ببناء منائر البحر، ~~وقد اشتغل بالكتابة منذ حداثته، وكان له خصائص معينة ميزت أسلوبه، فهو قوي واضح لكن ~~تنقصه حلاوة النغم. ومنذ حداثته ظهرت فيه موهبة الحكاية، فالقدرة على الحكاية موهبة ~~تولد مغروزة في فطرة الموهوب، شأنها في ذلك شأن سائر المواهب الفطرية التي يهبها الله ~~عباده المختارين. # درس ستيفنسن فن الهندسة ليكون فيما بعد موردا لرزقه، فانتهى به هذا الطريق إلى فشل، ~~ثم درس القانون وأراد أن يكسب قوته من المحاماة، وعلق على بابه لافتة، لكن بابه لم ~~يطرقه من الزبائن سوى ثلاثة أو أربعة؛ فليفر - إذن - إلى ما أرادت ms0923 له الطبيعة أن يكونه، ~~وليحمل قلمه ليكتب استدرارا لرزقه. # كان «ستيفنسن» مصابا برئته إصابة انتهت به آخر الأمر إلى قبره؛ ومن أجل هذه العلة في ~~بدنه أخذ يجوب الأرض طلبا للعافية، فكانت هذه الرحلات موضوع كتابيه الأولين، «رحلة في القارة» # 85 # و«أسفار مع حمار في جبال سفن» # 86 # وهما كتابان من أمتع الكتب، يمتعانك بنصوع الصور التي يرسمها الكاتب عما ~~يصادفه، ويمتعانك كذلك بتعليقه على من يلاقيه وما يلاقيه من ناس وأشياء، ومع ذلك لم ~~يكونا في أول الأمر مصدرا لشهرة أو مال؛ وبعدئذ صدرت قصته المعروفة «جزيرة الكنز» # 87 # فما كادت تلتمس طريقها إلى أيدي القراء حتى ذاعت وذاع معها اسم كاتبها، ~~وقيل عنها إنها أجمل ما شهده الأدب الإنجليزي في هذا اللون من الخيال منذ «روبنسن ~~كروزو» فهي قصة تمتع الطفل وتمتع الشاب وتمتع الكهل على السواء؛ تمتع الطفل بما فيها من ~~مغامرة طلبا لكنز خبيء في جزيرة مجهولة، وتمتع الشاب بما تصور له من أشخاص يجدون بغية ~~الحياة في ركوب المخاطر، ثم تمتع الكهل لما يتستر وراء حوادثها من حكمة. ثم صدرت له قصة «المخطوفة» # 88 # التي تثير الخيال بحوادثها الرهيبة ومعاركها الدامية. # وذات صباح استيقظ «ستيفنسن» من نومه بعد حلم عجيب، ذكر عند اليقظة ما فيه من حوادث ~~وأشخاص كأنها واقع محسوس؛ وإذن فهذه قصة أخرى، كتبها فكتب لها شهرة في أرجاء العالم ~~أجمع على اختلاف لغاته، وهي قصة «دكتور جيكل ومستر هايد» # 89 # التي تصور رجلا ذا شخصيتين إحداهما تميل إلى الخير والأخرى تنزع إلى ~~الشر، فجسدت بهذه الصورة القوية ما يحمله كل إنسان بين جنبيه من رغبة في الخير ورغبة في ~~الشر. وأخيرا اتجه «ستيفنسن» إلى كتابة القصة القصيرة فبرع فيها، وأهم ما أخرجه في هذا ~~الباب «صورة جديدة لألف ليلة وليلة» # 90 ~~(5) رويارد كبلنج # Rudyard Kipling ~~(1865-1930م) # ولد لأب عالم في الآثار كان ذا صلة في زمانه بأعلى دوائر الفن والثقافة، وقد ولد في ~~بمباي بالهند وتلقى تعليمه الثانوي في إنجلترا، حتى إذا ms0924 ما بلغ مرحلة الجامعة آثر أن ~~يعود إلى الهند، وكان إذ ذاك في عامه السابع عشر، فاشتغل مساعدا لرئيس التحرير في مجلة ~~رسمية، وكان إلى جانب ذلك يخرج آثارا أدبية لم تزد في أول الأمر عن قطع هجائية يوجهها ~~إلى بعض من كانوا يعايشونه، وأغان جماعية تكون ملهاة للناس إذا التأمت منهم جماعة. ولما ~~بلغ الثانية والعشرين سافر في أرجاء الهند والصين واليابان وأمريكا، ثم ألقى عصاه في ~~إنجلترا حينا استأنف بعده السفر إلى أمريكا والهند وأستراليا وزيلندة الجديدة، وعاد ~~آخر الأمر إلى إنجلترا مرة أخرى ليتخذ منها مستقرا. # كان «كبلنج» بحكم نشأته وقراءته نزاعا إلى القديم؛ فأبوه عالم في الآثار، وطفولته ~~ترعرعت في الهند حيث استقت من ثقافة الشرق العريقة في القدم. وقرأ في شبابه كثيرا لكنه ~~لم يكون بقراءته عقلية العالم الحديث؛ فهواه دائما منجذب إلى الماضي البعيد، يؤثر ~~قراءة الذين عاشوا في العصور الوسطى وعهد النهضة ثم القرن السابع عشر، ويخص بعنايته ~~قراءة الإنجيل وكتاب «رحلة الحاج» # 91 # ولم يأبه طول حياته بكاتب أو شاعر ممن ظهروا بعد النصف الأول من القرن ~~التاسع عشر، لكنه حين أخذ يطوف في أرجاء المعمورة مسافرا من بلد إلى بلد، تغيرت تجاربه ~~وتبدلت وجهة نظره، فحيثما أدار بصره ألفى مدينة جديدة غير التي ألف في نشأته وأثناء ~~قراءته، مدينة تعبد إلها جديدا هو إله القوة البادية في نواحي الاقتصاد، فقد خلق ~~العلماء في معاملهم، وأصحاب الأعمال في مناحي نشاطهم، آلهة جديدة معابدها المصانع ~~والمصارف ومباني السفن والمناجم، ومن هذه المعابد تبدت للناس مباهج جديدة في الحياة ~~أهمها بهجة الذهب اللامع الرنان الذي يحكم العالم ويسخر الشعوب. # وانتشر الناس في الأرض شرقا وغربا يبحثون عن الذهب، فالتقوا على اختلاف أجناسهم في ~~هذا البلد أو ذاك، وبهذا امتزجت الشعوب بعضها ببعض في المدن الكبرى، فكان ذلك مظهرا ~~دوليا يؤلف في صعيد واحد أجناسا أشتاتا، لكنه مظهر لا روح فيه، فالروح وراء ذلك ~~وطنية إقليمية متطرفة، فأفراد الشعب الواحد كانوا في هذا البحث عن ms0925 الذهب يتعصبون ~~ويتعاونون ومن ورائهم دولهم، خشية أن يلقف الغنيمة شعب آخر. ذلك كان العالم الذي ~~ارتحل في جنباته «كبلنج»؛ أفلا يمكن أن يستغل هذا الشر فإذا به خير للبشر! ذلك ما صوره ~~الشاعر لنفسه بخياله، ولكن كيف؟ ها هنا تظهر في الأديب عنجهية وطنه، ها هنا تتبدى روح ~~العصر من حيث حدة الشعور القومي إزاء الفكرة الدولية؛ فطريق الخير في رأي شاعرنا ~~وأديبنا «كبلنج» هو أن تدعم قوائم الإمبراطورية البريطانية، لماذا؟ لأن شخصا معنويا ~~تستطيع أن تطلق عليه اسم «القانون» هو وحده السبيل إلى كل خير؛ «القانون» يرمز لتقدم ~~المدنية، و«القانون» يضمن العدل ويقاوم الجوع والمرض؛ فمن ذا يجسد لنا «القانون» ليفعل ~~فعله ويؤتي أكله في هذه الدنيا التي كادت تمزقها المطامع؟ تجسده - في رأي «كبلنج» - ~~الإمبراطورية البريطانية التي يراها تغزو العالم لتحرره. # فلتكن إذن هذه الفكرة أساسا لما يجري به قلم الأديب، فهي موضوع قصة «بنو وطني» # 92 # وقصيدة «منظومة الشرق والغرب» # 93 # و«أنشودة الإنجليزي» # 94 # و«عبء الرجل الأبيض» # 95 # و«أهل الجزيرة» # 96 # إلى آخر ما كتبه شعرا ونثرا. فكلما وسعت الامبراطورية البريطانية أرجاءها ~~طبل لها الشاعر وزمر، أو ربما كان العكس أقرب إلى الصواب، وهو أنه كلما أنشد الشاعر ~~أنشودة التوسع الاستعماري في آذان قومه، اشتدت حماسة القوم نحو استعمار ما لم يستعمروه ~~بعد. لكن يظهر أن لكل شهوة حدا تنطفئ عنده حدتها، فقد جاء يوم كاد يصم الشعب ~~الإنجليزي فيه آذانه عن «كبلنج»؛ فكفاهم ما استعمروه إذا هم نظموه. وهنا يظهر أديبان ~~آخران سنحدثك عنهما فيما بعد أخذا على نفسيهما أن يبينا للناس طريقة هذا التنظيم، وهما ~~«ولز» و«شو». # وأديبنا «كبلنج» تربى في أحضان الصحافة كما علمت، فهل يفوته هذا التحول في اتجاه ~~الشعب ولا يدركه؟ كلا، بل أدركه وأدار سفينته مع الريح؛ فليكتب للناس الآن كيف يفكرون ~~وكيف يسلكون ليكون هذا السلوك وذلك التفكير خليقين بالمستعمر، بل لتكن كتابته على نحو ~~يروق لليافع كما يعجب به من اكتملت رجولته، فكتب لهم قصصا عن الحيوان، وأخرج ms0926 في ذلك ~~«كتاب الغابة» # 97 # و«كتاب الغابة الثاني» # 98 # وغير ذلك من القصص التي يميل إليها الإنسان لما فيها من نزعة بدائية تتفق ~~مع طبعه الأصيل. # لو أردت عبارة واحدة تلخص لك أدب «كبلنج» فهي أنه حاول أن يوفق بين الفرد ودنياه التي ~~يعيش فيها، أو قل أراد أن يعلم الإنجليزي كيف يعيش في هذا العالم الواقعي الذي يحيط ~~به. لقد تجد من الشعراء الفحول من يؤرقه أن يرى العالم أصغر من الإنسان، فيبحث للإنسان ~~عن شيء أكبر من العالم يعيش فيه، لكن «كبلنج» لا يرى هذا الرأي؛ إن العالم في نظره فيه ~~من الرحابة والاتساع ما يكفي كل إنسان كبر أو صغر، ومهمتنا أن نبصر الأفراد بعالمهم هذا ~~ليفهموه. # القسم الثاني # | الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر # | الفصل الأول: عصر الابتداع في النصف الأول من القرن التاسع عشر # (أ) الشعر # كان الأدب الفرنسي طوال القرن الثامن عشر - كما ذكرنا في الجزء الثاني من هذا الكتاب ~~- أدبا تطبيقيا أكثر منه أدبا خالصا؛ كان أدبا أريد به أن يكون أداة لغرض ووسيلة ~~لغاية، لا أن يكون في ذاته غرضا وغاية؛ ذلك أن أقلام الكتاب والشعراء قد تناصرت إبان ~~ذلك القرن على أن تنشر من الآراء والمذاهب ما ينتهي بالناس إلى ثورة تحطم الأوضاع ~~القديمة البالية. ووفق أدب القرن الثامن عشر فيما أراد؛ إذ لم يكد يدنو ذلك القرن من ~~ختامه حتى اشتعلت الثورة الفرنسية الكبرى، لكنها إذ اشتعلت نيرانها كانت كالقنبلة تفجرت ~~ففتكت بالأعداء والأصدقاء على السواء؛ فتكت بأنصار الاستبداد الذين أريد بها أن تفتك ~~بهم، لكنها أحرقت مع هؤلاء بناتها؛ فقد بناها وسواها نفر من الفلاسفة، أو من كانوا في ~~تفكيرهم أقرب إلى الفلاسفة لأن العقل كان رائدهم فيما يكتبون، وكأنهم لم يدروا أنها حين ~~تشعل النار فيما حولها، ستمحو كذلك سيطرة العقل على أقلام الكتاب والشعراء لتحل محله ~~على العرش حاكما آخر، هو الوجدان. وفي سيطرة الوجدان أساس الأدب الابتداعي؛ فلم يكن من ~~الطبيعي للثوار أن يهاجموا أوضاع القرنين ms0927 الماضيين في بلادهم، ثم يشفقوا على الأدب وحده ~~دون غيره من سائر الأوضاع، فيتركوه على أسسه آمنا مطمئنا، بل ليذهب مع الذاهبين هذا ~~اللون من الأدب الذي ساد فرنسا مدى قرنين من الزمان، والذي تزمت في اتباع طائفة ~~من القواعد شلت فيه الحركة وأماتت فيه النشاط، وليطلق أدباؤنا العنان لخيالهم لا ~~يتقيدون من القواعد إلا بما تمليه عليهم طبائعهم، وليستمدوا الوحي - لا من الأدباء ~~الأقربين - بل من الأجداد السوالف، وأي أجداد؟ لا اليونان ولا الرومان إذ اختص ~~الاتباعيون هؤلاء بحبهم، ولسنا نريد اليوم أن نكون في ذلك أتباعا للاتباعيين في حبهم ~~وكرههم؛ ليستمد أدباؤنا الوحي من العصور الوسطى، حيث كانت للكنيسة سيادة، وحيث كان ~~الإيمان يعمر القلوب، لكنك كثيرا ما تجد وسط التيار الجارف في الأدب أو في الاجتماع ~~رجلا أو رجلين يثبتان أقدامهما ويأبيان أن يجريا مع تيار الحوادث؛ وهكذا كان «شينييه» # 1 # الذي أخذ ينشد شعره كأنما هو في جزيرة معزولة لا يتأثر بمن حوله، فاتخذ ~~«شينييه» اليونان مصدر وحيه لكنه مع ذلك أوقد الشعلة بضوء جديد، ولهذا قدمناه في الجزء ~~الثاني حلقة اتصال بين القديم والجديد. ~~(1) فرانسوا رينيه دي شاتو بريان # Francois-René de Chateaubriand ~~(1768-1848م) # اتخذت الحركة الابتداعية من «شينييه» بداية، لكن البداية كانت مختلفة كل الاختلاف عن ~~سائر الحركة كما أسلفنا؛ ف «شينييه» اتباعي في صميمه لعنايته الشديدة بالصقل والتجويد، ~~والحركة ابتداعية تسلم زمامها للوجدان. # إذا استعرضت الأدب الفرنسي من أوله إلى آخره وجدت عاملين يظهر أحدهما آنا ويختفي آنا ~~ليظهر مكانه العامل الآخر، فإذا ما اجتمعا في أديب أو في طائفة من الأدباء كان الكمال؛ ~~فأما أولهما فرغبة في الدقة أضفت على النثر الفرنسي خصائصه من حيث الوضوح وتوخي الصدق ~~ومتابعة الواقع، وأما الآخر فميل إلى زخرفة اللفظ والعناية به لذاته، فترى الأديب يحب ~~اللغة التي يلهو بألفاظها على سنان قلمه، لا لأنه يريد أن يزيل معنى عن صدره لا يطمئن ~~إلا إذا أخرجه، بل لأنه يستمتع باللعب بالألفاظ نفسها، فيجد لذته في رصها على ms0928 نحو ~~معلوم وتزويقها على صورة معينة. وقد حدث لهذين العنصرين أن اجتمعا في القرن السابع عشر ~~فحد المعنى من اللفظ وخدم اللفظ المعنى في اتزان عجيب، فنرى في أدب «راسين» ~~و«لافونتين» واقعية تنشد صدق الأداء، لكنها تعرف كيف تستخدم من أجل ذلك لغة جميلة تفتن ~~القارئ بما فيها من روعة الفن، فلا يقال اللفظ الفخم لفخامته، ولكنه يقال لأن المعنى ~~المراد يتطلبه. ذلك الالتقاء بين العنصرين كان على أيدي فحول الأدب الفرنسي في القرن ~~السابع عشر، فلما جاء القرن الثامن عشر، ذلك القرن الذي كتب فيه الكتاب ونظم الشعراء ~~لينشروا في كتابتهم وفي نظمهم مذاهب فكرية أرادوا لها أن تشيع بين الناس، تغيرت الحال، ~~فلم تعد العناية بالفظ واجبة على الأديب، فلا عليه أن يستخدم هذا اللفظ أو ذاك، هذه ~~العبارة أو تلك، ما دام المعنى واضحا، ومثال هذا تراه في فولتير، وذلك هو ما وجده رجال ~~الأدب الابتداعي عندما شبت الثورة الفرنسية، وجدوا واقعية ذهبت إلى حد التطرف، فماذا ~~تظنهم فاعلين؟ الثورة لقلب الوضع من النقيض إلى نقيضه، فلئن عني أدباء القرن الثامن عشر ~~بالمعنى وحده وبالواقع وحده، فلنذهب نحن اليوم إلى الطرف الآخر فلا نعنى إلا بجمال ~~العبارة وإلا بروعة الخيال. لم يقف الثائرون موقفا وسطا فيه اتزان واعتدال، لم يقلدوا ~~أدباء الاتباع في القرن السابع عشر فيعدلوا القسمة بين اللفظ والمعنى، لأن الاتزان ~~والاعتدال قلما تجدهما عند جماعة ثائرة، وقد وجدت هذه الحركة الجديدة لسانها المعبر في ~~«شاتوبريان». # ولد «شاتوبريان» من أسرة عريقة، ولو استثنينا زمالة أخت هزيلة عليلة رقيقة المزاج، صح ~~لنا أن نقول إنه قضى طفولة لا زمالة فيها، قضاها وحيدا لا تصاحبه إلا الرياح والأمواج، ~~وإلا المروج الفسيحة والغابات، فكانت العزلة التي تكتنفه وهو في داره، وظواهر الطبيعة ~~التي تصادفه وهو خارج الدار، هما مصدري وحيه، بالإضافة إلى بعض الأدباء القدامى - مثل ~~هوراس - الذين غذوا خياله بخيالهم. # بلغ السابعة عشرة فذهب إلى باريس، وطالع شيئا من حياتها الأدبية، ثم غادر فرنسا إبان ~~الثورة إلى ms0929 أمريكا، فما إن سمع بقتل الملك لويس السادس عشر حتى عاد. ولما هدأت الحرب في ~~أوروبا ذهب إلى لندن يعاني آلام الفقر، وهنالك أخرج باكورة آثاره الأدبية «مقال في الثورات»؛ # 2 # فلقد كان القرن الثامن عشر يؤمن إيمانا قويا بأن الإنسان في تطوره يسير ~~نحو الكمال، وجاءت الثورة تعقد آمالها على هذا الكمال المنشود. أما «شاتوبريان» حين ~~أصدر كتابه هذا، فلم يكن يؤمن برقي الإنسان في اجتماع أو سياسة أو دين، فلماذا إذن يخدع ~~نفسه بآمال الثورة؟ لكنه سرعان ما نفض عن نفسه هذا اليأس، وصمم أن يخرج كتابا آخر ~~يستبشر فيه ويفرح، ويجعل الدين مصدر فرحه واستبشاره، ألم يقل رجال القرن الثامن عشر عن ~~الديانة المسيحية إنها خرافة وجهل؟ فليبين هو للناس أنها عقيدة لها جمال فوق جلالها، ~~ليبين لهم أنها معين لا ينضب للشعر والفن؛ ليبين لهم أنها ليست مجموعة من الشعائر ~~الجافة بل عقيدة حية. بهذا كله أخرج كتابه الثاني «عبقرية المسيحية»، # 3 # ومع ذلك قد تجد من النقاد من يعلقون على هذا الكتاب بقولهم إنه لا يزيد ~~في إيمانه الحق بالمسيحية عن إيمان فولتير! إن ما حلله وشرحه فولتير بمبضع العقل الجاف، ~~كساه «شاتوبريان» برداء زاهي الألوان، وكلاهما معا لا يعرف الإيمان الحق كيف يكون! ~~ومهما يكن من أمر هذا الكتاب، فليست عظمته في رجاحة حججه التي يدافع بها عن المسيحية، ~~إنما خطره في أنه رد العقيدة الدينية إلى حظيرة الفن، فهو حين مجد العاطفة الدينية على ~~أساس فني، كان كأنما كشف لونا جديدا من الجمال ينقص دولة الأدب، فكان بذلك بشيرا ~~بأهم عناصر المذهب الابتداعي في فرنسا. فالأدب الفرنسي كله منذ «رنسار» إلى «شينييه» كان ~~يهدف إلى محاكاة الأقدمين في محاولة التعبير عن ألوان الحياة، وها هو ذا «شاتوبريان» ~~يصيح بهم: فيم هذه المحاكاة للقدامى؟ لنكن فرنسيين في أدائنا، لنكن محدثين في أدبنا، ~~وإذن فلنكن مسيحيين في تمجيدنا للعقيدة وفي استحيائنا لأزهى عصور العقيدة، وهي العصور ~~الوسطى. ولم يكن ذلك منه ثورة دينية، إنما كان ms0930 قبل كل شيء ثورة أدبية فنية امتدت بعده ~~إلى منتصف القرن التاسع عشر. وله في هذا الاتجاه نفسه كتاب «الشهداء» # 4 # الذي أخرجه ليكون مثالا لهذا الفن الأدبي الجديد الذي يدعو إليه؛ ~~الفن الأدبي الذي يستوحي المسيحية بدل أن يجعل مصدر وحيه العصور الوثنية بأساطيرها؛ ~~فلا شك عنده في أن ديانة المسيح قد تثير في صدر الأديب من العواطف، وتمده بأنماط من ~~الشخصيات أرفع وأسمى من العواطف التي تثيرها في نفسه أساطير الوثنية وأنماط البشر ~~الذين تمده بهم عصورها، فإن كان لأساطير اليونان والرومان أعاجيبها، فللعنصر الإلهي ~~في العقيدة المسيحية ما هو أشد استثارة للعجب والإعجاب جميعا. # لقد عني «شاتوبريان» في أدبه بثلاثة أمور: المسيحية، والطبيعة، ونفسه. وها نحن قد ~~حدثناك عن أثر المسيحية في أدبه، وعن تأثيره بها في آداب من جاءوا بعده حتى منتصف ~~القرن. وأما وصفه للطبيعة، فقد جاء - كوصفه للمسيحية - رائع العبارة خلابها، ضحل الإيمان ~~قليله! نعم، قد تقرنه بأديب مثل «روسو» فتراه وصف الطبيعة بما لم يبلغه «روسو» سعة ودقة ~~وزخرفة، ورغم ذلك ترى «روسو» في قليله وساذجه أشد منه إقناعا لك بالطبيعة وجمالها؛ ~~تقرأ عن الطبيعة فتتحرك نفسك لما تقرأ لأنك بصدد كائن حي، وتقرأ «شاتوبريان» فترى زخرفة ~~أقرب إلى عينيك منها إلى قلبك وفؤادك. # و«شاتوبريان» من أكثر الأدباء تحدثا عن نفسه؛ أرخ حياة نفسه في «ذكريات ما بعد القبر»، # 5 # وأراد بهذا الكتاب أن ينشر بعد موته (ولو أن الطابع نشره خطأ ضمن كتاب ~~آخر في حياة الكاتب). وفي هذا الكتاب يتحدث الكاتب عن نفسه حديث المغرور يعلو بنفسه، ~~ويعتد بها بمقدار ما يزدري أعداءه. وهذا أيضا تستطيع أن تقرنه بروسو، فلديه كل ما لدى ~~روسو من اعتداد بالنفس، ثم لديه أروع ما يمكن لأديب فرنسي أن يصوغه لك من عبارة، لكن ~~ينقصه الإخلاص وأمانة الأداء؛ فبينا ترى «روسو» لا يخدع نفسه عن نفسه قط، تجد ~~«شاتوبريان» لا يتورع عن ذلك مرارا عدة؛ فهذا الكتاب الجميل يعطيك عن كاتبه تحفة جميلة ~~الصورة لكنها ms0931 خاوية، يعطيك جوهرة تستوقف النظر لكنها ليست من الجوهر الحق؛ إنه يريك من ~~كاتبه صورة الكاتب البليغ لكنه لا يطلعك منه على الإنسان الحي. ~~(2) ألفونس دي لامارتين # Alphonse de Lamartine ~~(1790-1869م) # ذهب «شاتوبريان» وخلف وراءه أثرا عميقا؛ فهذا أدب القرن الثامن عشر الذي كان قد ~~بلغ ختامه، يبدو إلى جانب أدبه المتدفق النابض بحرارة الحياة وقوة الخيال، نحيلا ~~هزيلا باردا خلوا من المعنى. وقرأ الناس «شاتوبريان» فتبدى لهم عالم فيه الطبيعة ~~باهرة بفتنتها، وعلى بساط هذه الطبيعة الباهرة يختال الفرد من الإنسان أشم الأنف عامر ~~القلب بالإيمان. # وأراد الله أن يصنع «لامارتين» في دولة الشعر ما صنعه «شاتوبريان» في عالم النثر؛ ~~فلدى «لامارتين» الشاعر تجد ما تراه عند «شاتوبريان» الناثر من حب للطبيعة ومن إيمان ~~بالعقيدة الدينية ومن اعتداد بفردية الإنسان. # ولد «لامارتين» لأبوين عرفا بميلهما إلى الملكية في ذلك العصر الذي ثار فيه الناس ~~على الملوك. وقضى طفولته في داره الريفية تحيط بها حقول هادئة، وتنتثر حولها تلال ~~جميلة، وفي هذه البيئة الريفية الهادئة، وهذه الأسرة العريقة المحافظة، علمته أمه حب ~~الإنجيل كما فتحت قلبه لبعض الآثار الأدبية مثل أدب «تاسو» # 6 # من أدباء النهضة في إيطاليا، ومثل «برناردان» # 7 # من أدباء فرنسا المحدثين، ثم شب فقرأ «شاتوبريان» و«روسو» من الأدب ~~الفرنسي، و«ملتن» و«بيرن» من الأدب الإنجليزي؛ وكانت في طفولته وصباه تكتنفه روح اكتئاب ~~لا تعرف المرح، فلما أن ارتحل في ربوع إيطاليا زالت عنه تلك الكآبة، ولكنها سرعان ما ~~أسلمته إلى حب عميق عنيف فيه كثير من الأسى، فحرك في نفسه ذلك الحب وهذا الأسى مشاعر ~~رقيقة دقيقة تدفقت في شعر بلغ الغاية في إخلاصه وبعده عن التصنع والتكلف. وبهذا الشعر ~~الذي انبثق منه كما ينبعث عن الشمس ضوءها بات «لامارتين» شاعر عصره بين قومه، وترى ~~في «رفائيل» # 8 # مثالا لحبه اليائس الحزين. # كان «لامارتين» من ضباط الحراسة للويس الثامن عشر، ثم استقال ليأخذ في مناصب السلك ~~السياسي، فهو الآن ملحق للسفارة الفرنسية في «نابلي»، وهو الآن يعمل ms0932 في المفوضية ~~الفرنسية في فلورنسة، ثم ترك مناصب السفارة وسافر في بلاد الشرق الأدنى بعد أن أخرج ~~«أناشيد سياسية ودينية»، # 9 # وسجل ذكريات رحلته في كتاب «رحلة إلى الشرق»، # 10 # وهنا عاد ليغامر في لجة الحياة السياسية. وكانت خطته أول الأمر أن يظل في ~~سياسته بعيدا عن الأحزاب، فلما سئل عند أول دخوله مجالس النواب: «أين تريد الجلوس؟» ~~أجاب قائلا: «على السقف.» ليرمز إلى استقلاله في الرأي السياسي، لكنه أخذ رويدا رويدا ~~ينحاز إلى جانب الحزب الديمقراطي؛ وختم حياته الشعرية ببعض آثاره الخالدة ومنها «جوسلان» # 11 # و«ملك يهوي». # 12 # كان «لامارتين» رغم كل ما صادفه من عقبات في حبه وفي حياته السياسية وحياته المالية - ~~إذ أفل نجمه في السياسة بعد سطوع وأصابه الفقر بعد ثراء - مستبشرا بالحياة لأنه كان ~~يحمل بين جنبيه قلبا مؤمنا؛ فإذا ما أرسل البصر إلى الطبيعة من حوله لم يقع على ما ~~فيها من خسيس مرذول، كأنما خسيس الحياة ومرذولها أضأل من أن تراهما عين هذا الشاعر ~~الذي طار عن الأرض وحلق في السماء؟ نعم كان «لامارتين» حزين القلب يشوب تفكيره ظل من ~~الشك، لكنه لم يكن حزن الناقم المتمرد، ولا شك الثائر المخرب، إنما كان حزنه وكان شكه ~~على كثير من الرقة والدعة؛ فحسبه أن يكون في الحياة ما فيها من عطف الأمومة ومن حب ~~العاشقين ومن إيمان المؤمنين. # لم يكن «لامارتين» قويا في أدبه الوصفي بحيث يقدم لك الصورة ناصعة جلية؛ فالصور ~~التي تخرجها ريشته باهتة بعض الشيء، غامضة المعالم بعض الشيء، لكنه إذا ما وصف شعورا ~~ألم به فهيهات أن يلحق به لاحق. ولم تكن نغمات شعره مما يستوقف الآذان، ولكنها كانت ~~تغزو القلوب. # لم يكن شعر «لامارتين» في أخريات أعوامه من القوة كما كان شعره وهو في عنفوانه، فهو ~~من هؤلاء الشعراء الذين يرتفعون إلى قمة المجد الفني، ثم ينحدرون هبوطا مع هرم ~~الشيخوخة وضعفها. أراد أن يبث فلسفته في شعره فكان له هاتان الآيتان اللتان ذكرناها: ~~«جوسلان» و«ملك يهوي» فهو في ms0933 الأولى يدير القول حول قصة صديق له كان قسيسا بهذا الاسم، ~~نشأ من أسرة فقيرة، ولجأ إلى العزلة في الجبال فرارا من فظائع الثورة، ولم يكن قسيسا ~~بعد، ثم رافقه شاب يدعى «لورنس» اضطهده الثائرون فلاذ بالفرار، ثم تبين أن «لورنس» هذا ~~كان فتاة متخفية في ملابس الرجال، فانقلبت الصداقة بين الزميلين غراما بين حبيبين؛ ~~وبعدئذ نصب «جوسلان» قسيسا، فافترق الحبيبان، لكن الفتاة لم تحتمل صدمة الفراق ~~فغلبتها العاطفة على أمرها، وتعهدها الحبيب في ساعات احتضارها، ثم أودع جثمانها التلال ~~ومجاري الماء التي شهدت الغرام بينهما. وهكذا وضع الشاعر في «جوسلان» مشاعره من غبطة ~~وأسى، معترفا أنه حين أنشأ هذه القصة كان يحتذي «برناردان» في قصة «بول ~~وفرجيني». # كانت قصة «جوسلان» قصيدة كاملة قائمة بذاتها، لكنها مع ذلك أنشئت بادئ ذي بدء لتكون ~~فصلا من قصة أشمل، تكون الإنسانية بأسرها بطلها، كما أنشئت قصيدة «ملك يهوي» لتكون في ~~تلك القصة الشاملة فصلا آخر. وهذه القصيدة الأخيرة تمثل أدب الشاعر حين كان في طريقه ~~إلى الضعف؛ فنحن فيها بين جبال لبنان حيث أحب ملك فتاة من البشر، فلبس لها لبوس البشر ~~ليظفر بحبها، وبهذا أراد الشاعر أن يصور هوي الإنسانية كلها إذا ما أسلمت نفسها لشهوات ~~حسها، كما أراد بالقصيدة السالفة «جوسلان» أن يصور الإنسانية في طموحها، إذ تستمسك بما ~~يغذي النفس لا الحس، والروح لا البدن. ولقد قيل إن القصيدتين تصوران شعر «لامارتين» في ~~صعوده نحو الكمال، وفي هبوطه إلى الضعف. # وسنسوق مثالا لشعره قصيدته «البحيرة»: # هكذا نساق كل يوم نحو شط جديد، # نساق إلى غير أوبة في ليل سرمدي. # يا ليت شعري - والأيام نسبحها كبحر مديد - # أنلقي المرساة يوما واحدا في بحرها اللجي؟ ~~••• # أيتها البحيرة! ها أنا ذا - ولم تكد تدور بنا دورة العام - # ها أنا ذا بجانب الموج الحبيب الذي ودت لو تعود إليه، # انظري! ها أنا ذا أجلس على هذه الصخرة وحيدا، # على الصخرة التي رأيتها جالسة عليها! ~~••• # هكذا غمغمت تحت عميق الصخور، # هكذا لاطمت جنبيها فانتثرت ms0934 رذاذا، # هكذا ألقت الريح من أمواجك بالزبد # على قدميها الحبيبتين. ~~••• # أتذكرين ذات مساء إذ سبحنا في الزورق صامتين # بين موجك والسماء، لا نسمع على بعد صوتا # إلا إيقاع المجاذيف يغمسها أصحابها # في موجك المتناغم الألحان؟ ~~••• # وإن هي إلا نبرات لم تعهد الأرض مثلها # ترف من الشاطئ المسحور فتسكت سائر الأصداء، # ويصغي الموج إلى صوتها الرخيم # إذ يجري بهذه الكلمات، ~~••• # قف أيها الزمان دورتك، ويا أوقات السعادة # رويدك لا تسرعي الخطى! # لننشق منك العبير وإنه لسريع الزوال؛ # فأنت من أيامنا أحلاها عبيرا. ~~••• # كلا يا زمان، فما أكثر البؤساء الذين رفعوا أكف الدعاء # لنسرع الخطى! فدر يا زمان من أجل هؤلاء، # وفي غضون أيامك احمل ما يشقيهم من عناء، # وعن السعداء غض الطرف، إنهم سعداء. ~~••• # لكني عبثا دعوت أن أمهل بضع دقائق، # إذ أفلت مني الزمان وأسرع، # فخاطبت ليلتي: «إذن فرويدك أبطئي.» # لكن أقبل الفجر وبدد ليلي ~~«هيا إلى الحب، وإلى الحب هيا! لا نبطئن، # وبهذه اللحظة الهاربة فلنسعدن؛ # ليس للإنسان مرفأ فيرسو، بحر الزمان بغير شط، # إنه يجري، ونحن في جريه نمضي!» # يا لغيرة الزمن! أيجوز لهذه اللحظات النشوى بالنعيم # حيث الحب قد أترع كئوسنا غبطة وسعادة # أن تزول عنا مسرعة خطاها # كأنها في ذلك وأوقات الشقاء سواء؟ ~~••• # ويحي! أفلن نستطيع أن نخلف بعدنا أثرا؟ # ماذا؟ أماضون نحن إلى الأبد فلا إياب؟ # وهذا الذي أعطاه الزمن ثم محاه # ألن يعود مرة أخرى فيعطيه؟ ~~••• # أيها الأزل، أيها العدم، أيها الماضي، يا هوة سحيقة ظلماء! # ماذا تصنعين بالليالي التي في جوفك تبلعين؟ # انطقي! أأنت رادة إلينا لحظات النشوة العظمى # التي كانت لنا فسلبتها؟ ~~••• ~~••• # أيتها البحيرة، ويا بكم الصخور، ويا كهوف، ويا ظليل الغاب! # أناديك أنت التي أغضى عنك الزمان فأبقاك، بل هو خالع عليك شبابا بعد شباب، # احفظي من هذه الليلة، أيتها الطبيعة الجميلة، احفظي # على الأقل ذكراها! ~~••• # كلما سكن منك الماء أو اضطرب بهوج الرياح # أيتها البحيرة الجميلة، وفي جبينك هذا، المشرق الوضاح، # في هذا الصنوبر الأدكن، وفي هذه الصخور الغلاظ # التي ms0935 تعترش فوق مياهك، ~~••• # كلما هب عليك النسيم هامسا أو لامسا، # كلما صاتت جنباتك فردت جنباتك الأخرى الصدى، # كلما فضض ماءك النجم اللامع # بخيوط من شعاعه الوضاء، ~~••• # كلما أنت رياح أو تنهد عود، # كلما عبق هواؤك بأريج وعبير، # مري كل ما ترى العين أو يشم الأنف أو تسمع الأذن؛ # مري كل هؤلاء أن تقول «لقد كانا حبيبين!» ~~(3) فكتور هيجو # Victor Hugo ~~(1802-1885م) # إبان أعوام الثورة الفرنسية وفي ظل نابليون وخلال الأعوام التي تلت سقوطه، أوشكت ~~فرنسا أن تنفق جهدها كله في الحرب والسياسة، وبذلك قضت من حياتها أربعين عاما لم تشهد ~~خلالها من الأدباء الأعلام إلا نفرا قليلا. لكنه لم يكد ينقضي ثلث القرن التاسع عشر ~~حتى نهضت طائفة من الأدباء أعادت للأدب الفرنسي سالف مجده، وأقامت الدليل على أن اللسان ~~الفرنسي لم يزل قويا. وكانت هذه الطائفة الجديدة الناهضة من الأدباء ترتبط كلها معا ~~برباط من مذهب واحد، كما هي العادة المألوفة في تاريخ الأدب الفرنسي؛ أفرادها من الشباب ~~المتحمس الذي ينظر إلى الماضي نظرة الساخر، ويلقي ببصره نحو المستقبل فيرى أملا يبهر ~~الأنظار؛ فلم يترددوا في رفع علم الثورة على تقاليد الأدب الاتباعي بغية أن يمهدوا ~~الطريق لمذهب جديد يريدون له السيادة، وقد كتب لهم آخر الأمر أن يظفروا بما أرادوا بعد ~~لأي ومجهود. ولم يكن التجديد الذي أرادوه تافها ولا ضئيلا، إنما كان تحولا يمس ~~الصميم؛ لهذا أصبحت سنة 1830م تاريخا مشهودا في تاريخ الأدب الفرنسي؛ فكل عبارة جرى ~~بها قلم في فرنسا منذ ذلك التاريخ عليها طابع التحول الذي وقع في عام 1830م. فما ~~الذي حدث بحيث جعل من ذلك العام فاصلا بين عهدين؟ # كانت المدرسة الابتداعية - وأعلامها «هيجو» و«دي فني» # 13 # و«جوتييه» # 14 # و«إسكندر ديماس» # 15 # و«دي ميسيه» # 16 ~~- تسودها بلاغة اللفظ وحب اللغة لذاتها كما أسلفنا في ذلك القول؛ كانت ~~تسودها العناية بالتعبير حبا في جمال العبارة، تلك العناية التي لم يكد يبدو لها أثر ~~طوال القرن الثامن عشر حيث ساد العقل فساد تبعا لذلك ms0936 النثر لما يحمل من معنى وما يؤدي ~~من غرض. فلما أن بدت في البلاد بشائر الابتداع في نثر «شاتوبريان» وفي شعر «لامارتين» ~~بدت في الروح وحدها ولم تتناول قوالب التعبير؛ فهذان الأديبان كانا يكتبان بروح ~~ابتداعية جديدة، لكنهما مثلا تلك الروح في صور التعبير التقليدية القديمة، فكانا كمن ~~يصبان خمرا جديدا في كئوس قديمة. ثم جاء أدباء الحركة الابتداعية القوية التي ظهرت في ~~نهاية الثلث الأول من القرن التاسع عشر، فصنعوا لأنفسهم كئوسا جديدة ليصبوا فيها خمرهم ~~الجديدة؛ جاءوا فابتكروا أنواعا جديدة من صور التعبير ليلبسوها الروح الابتداعية ~~الجديدة؛ أدخلوا أنواعا جديدة من أوزان الشعر، وإن يكونوا قد أبقوا على كثير جدا من ~~تقاليد العروض التي سادت الشعر الفرنسي في شتى عصوره فحرمته حرية الحركة وسهولة النمو. ~~كان ما أدخلوه من الجديد قليلا بالقياس إلى الكثير الموروث، ولكن لهذا القليل الجديد ~~كل الخطر، فيكفي أن تقيم الدليل على أنك تستطيع أن تهدم قاعدة من القواعد ومع ذلك تنشد ~~شعرا جميلا. يكفي أن تقوض من البناء عمودا واحدا، فإذا لم ينهدم البناء كله أنقاضا ~~كان في ذلك كل البرهان على أن ذلك العمود المهدوم لم يكن من البناء في صميم جوهره. ~~وتستطيع أن تصور لنفسك عمق الأثر الذي أحدثه هؤلاء الأدباء بخروجهم على بعض القواعد ~~السائدة حين تعلم أن «فكتور هيجو» حين أراد أن يذكر شيئا عن «سلم خفي» وحين بالغ في ~~جرأته فوضع لفظة «سلم» في آخر بيت وبدأ البيت التالي بلفظة «خفي» هوجم من أنصار القديم ~~هجوما لا تبرره إلا أفدح الجرائم. إذا علمت إذن كيف كان أنصار القديم ينظرون إلى ~~الخروج على القواعد، تبين لك أن «هيجو» حين فصل بين هاتين اللفظتين فوضعهما في بيتين ~~متلاحقين، كان زعيما لثورة أدبية، لا لأن هذه الحادثة وأمثالها ذات خطر في نفسها، بل ~~لأنها دليل على أن النظرية القائلة بوجوب اتباع طائفة معينة من القواعد في الإنشاء ~~الأدبي نظرية خاطئة، وإذا أنت ألقيت عن عاتقك مذهبا كهذا، فقد حررت نفسك تحريرا ms0937 الله ~~أعلم بمنتهاه. وهذا ما صنعه زعماء الحركة الابتداعية في فرنسا - وهو شبيه جدا بما حدث ~~في الحركة الابتداعية في إنجلترا - إذ زعموا أن طرائق التعبير لا تتوقف على قاعدة أو ~~تقليد، إنما تعتمد أولا وآخرا على طبيعة الموضوع الذي يريد الأديب أن يعبر ~~عنه. # ولعل أعظم انقلاب تم على أيدي هؤلاء الابتداعيين هو ما يختص بألفاظ الشعر؛ فقد كان ~~للشعر الفرنسي مجموعة من الكلمات لا يجوز له أن يجاوزها، ثم أخذت هذه المجموعة المحدودة ~~تتناقص كلما تناقصت عبقرية الأديب. فليست ألفاظ اللغة كلها عند الشاعر سواء، إنما هي ~~تنقسم طائفتين، فألفاظ خسيسة لا يصح للشعر أن ينزل إلى دركها، وأخرى شريفة هي التي ~~ينبغي أن تكون مجال الشعراء. ولا يمكن للفظة أن ترتفع إلى منزلة الشرف إذا هي دارت على ~~ألسنة العامة ولاكتها أفواههم، أو إذا كانت لفظة فنية تعبر عن معنى خاص في دائرة خاصة ~~من الناس؛ فإذا أراد الشاعر أن يعبر عن معنى يقتضي لفظة من الألفاظ المحرمة وجب عليه أن ~~يدور حول المعنى المراد بعبارة كاملة لينجو من المحظور. صور لنفسك أمثال هذه القيود ~~التي غل بها الشعراء الاتباعيون أنفسهم لتعلم كم كانت الثورة الأدبية عنيفة حين حطمت ~~الفواصل بين خسيس اللفظ وشريفه! فقد كان لفتح باب اللغة على مصراعيه أمام الأديب أثران؛ ~~الأول أن انفسحت آماد القول فخرج الأدب الفرنسي من الغرفة المحبوكة المملوءة بالطرف ~~والتحف إلى حيث الهواء طلق والأفق فسيح. لكننا ينبغي أن نسارع في هذا الصدد إلى تذكير ~~القارئ بما أسلفناه وهو أن طابع الأدب الابتداعي في فرنسا هو العناية باللفظ والبلاغة، ~~لا الحرص على نقل الحقائق نقلا أمينا دقيقا؛ لهذا لم تستخدم هذه الثروة اللفظية التي ~~غمرت أرض الأدب في الاتجاه نحو الواقعية التي تعكس على صفحتها حقائق الدنيا كما هي، بل ~~استخدمت هذه الألفاظ الجديدة لما فيها من ظلال وما توحيه من أثر؛ استخدمتها للزيادة من ~~بلاغة القول لا للزيادة من المعنى وأداء الحق والواقع، لكن على مر السنين جاء ms0938 الأثر ~~الثاني لهذه الثروة اللفظية الجديدة؛ وهو أن اشتدت قدرة الأدب الفرنسي على تصوير الحق ~~حين جاء عهد سادت فيه الرغبة إلى مثل هذا التصوير. # كان القرن الثامن عشر - إذن - أعني ما قبل الثورة الابتداعية عصرا يمجد العقل ويسعى ~~في أدبه إلى التعبير عن الحقائق العامة في العلم والاجتماع والسياسة، وكان الفن الأدبي ~~في ذلك العصر ميراثا هبط إليه من القرن السالف وأخذ يتناقص على يديه، وأما الحركة ~~الابتداعية التي أعقبته ، والتي تم نضجها في نهاية الثلث الأول من القرن التاسع عشر فقد ~~قررت للخيال حقه في حرية التعبير، كما قررت لشخصية الأديب، التي لا يشاركه فيها إنسان ~~آخر، الحق في الإفصاح عن نفسها بما ترتئيه من الوسائل المؤدية إلى ذلك، فلما رد للخيال ~~حقه الضائع أبى أن يستسلم للقواعد التي كان العقل قد فرضها على نفسه في القرنين ~~السالفين. كان الأدب الاتباعي يرى من الواجب ألا تتداخل صور الأدب بعضها في بعض، فعجب ~~أدباء الابتداع من هذا اللزوم لما لا يلزم؛ لماذا تحبس كل صورة أدبية في حظيرة فلا تمتزج ~~بأخواتها؟ لماذا لا تبيح للملحمة أو للرواية التمثيلية أن تمتزج بالقصيدة الغنائية ~~فتأخذ عنها شيئا من التعبير عن وجدان الشاعر؟ لماذا لا تأذن للمأساة أن تأخذ بنصيب من ~~الملهاة فتخفف حدتها، وللملهاة أن تأخذ بنصيب من المأساة فتزيد من جدها؟ لماذا نحصر ~~أنفسنا في حدود ما رسمه اليونان والرومان لأنفسهم من أوضاع كأنهم الخالقون ونحن ~~العابدون؟ لماذا لا نغوص في كل عصور التاريخ فنأخذ من هذا ما يروعنا ومن ذاك ما يصادف ~~منا الإعجاب؟ لئن كان عصر اليونان والرومان مصدر الشعر والشعور، فلقد كان العصر الوسيط ~~الذي سادت فيه الكنيسة وصفت فيه العقيدة المسيحية مصدر المعجزة والعاطفة الروحية؛ ~~فلنمجد إذن آباءنا الذين عاشوا في هذا العصر الوسيط. وخل عنك العقل ومنطقه وقيوده ~~إذا ما ولجت بابا من أبواب الخيال، فالخيال أدرى بما يلزم له من طرائق التعبير، وإذا ~~أردت حقيقة عامة عن بني الإنسان فحسبك أن تغوص في نفسك ms0939 وخصائصها، وعن طريق نفس واحدة ~~ستجد سائر النفوس؛ فالصورة الذهنية قد تكون إلى جانب معناها في ذاتها رمزا يرمز إلى ما ~~عداها، وقد ترسم صورة تاريخية لعهد واحد فإذا بك ترمز بها إلى حقيقة عامة تشمل كل ~~الشعوب في سائر العصور؛ فليكن الفرد موضوعك، والخيال أداتك. # تلك كانت الدعوة التي بشر بها الابتداعيون وعلى رأسهم «فكتور هيجو» الذي ولد لأب ~~كان في الجيش الفرنسي ضابطا ممتازا رحل بأسرته إلى إيطاليا وإسبانيا ، ثم عاد إلى ~~باريس، حيث التحق فكتور بإحدى مدارسها، فأخذت براعته تجري بالشعر وهو يافع يتلقى دروسه، ~~فما إن بلغ العشرين حتى أصدر «أناشيد وأشعار مختلفة» # 17 # وظفر براتب شهري من لويس الثامن عشر فتزوج من فتاة كانت رفيقة صباه. ومنذ ~~ذلك الحين أخذت قصصه وأشعاره ورواياته التمثيلية تترى في تعاقب سريع؛ فكان من الطبيعي ~~لرجل له هذه العبقرية الممتازة وهذه الشخصية الأخاذة وهذا النشاط الجم الذي لا ينقطع ~~أن يصبح زعيما لأدباء الابتداع. وفي سنته التاسعة بعد الثلاثين انتخب عضوا في المجمع ~~العلمي، ثم غامر في بحر السياسة اللجي يطفو على سطحه حينا ويغوص إلى أعماقه أحيانا، ~~ويطرد من البلاد آنا ويعود إلى أرض الوطن آنا، حتى وافته منيته فكانت جنازته من ~~الفخامة والجلال بحيث خيل للرائي أن فرنسا بأسرها حملت عبقريتها لتودعها أرض البانثيون ~~(مقبرة العظماء). # ولم يكن «هيجو» غافلا عن عظمته، بل كان من الاعتداد بمكانته بحيث رأى العظمة متمثلة ~~في نفسه، وجعل من نفسه لنفسه بطلا كأبطال الأساطير؛ ف «هيجو» الرجل يمجد «هيجو» البطل. ~~وكان رحب الصدر سمحا كريما مع الناس أجمعين، إلا إذا آذاه إنسان في كرامته أو انتقص ~~له من عظمته؛ فهنالك تجد البركان الثائر والليث الغاضب؛ إذ لم تكن تخالجه ذرة من شك في ~~أنه الخير كل الخير، فمن عارضه كان بالضرورة شرا يجب أن يقتلع من جذوره. # كانت عيناه لا تدعان من تيار الحياة الدافق حوله صورة إلا أخذتاها، وكانت أذناه لا ~~يفلت منهما صوت ينطق به مر الهواء أو تلاطم ms0940 الموج، وكانت ألفاظ اللغة توحي له بما يكتب ~~كأنها كائنات حية تدور في رأسه وتتحدث إليه. فقبل أن تنعت «هيجو» بصفة كائنة ما كانت، ~~يجب أولا أن تصفه بهذه القدرة العجيبة التي أبداها في السيطرة على ألفاظ اللغة سيطرة ~~لم تعرف في آداب اللغات مثيلا، قل ذلك عنه في غير تحفظ وأنت بمنجى من الخطأ إذا ~~استثنيت «شيكسبير»؛ فهو يخوض في غمر من الثروة اللغوية خوضا، وتنساب بين شفتيه الألفاظ ~~انسيابا، لا يجد في ذلك مشقة ولا عسرا؛ فعلى الرغم من ضخامة إنتاجه وتنوعه، تكاد لا ~~ترى صفحة واحدة ليس فيها الدليل الناهض على هذه الصفة فيه؛ فكما ترسل الوردة عبقها ~~إرسالا لا جهد فيه، وكما يفيض عن الشمس ضوءها فيضا، كذلك كانت ألفاظ اللغة تسيل على ~~قلمه سيلا تنتظمه براعة الفن وتمسك بقياده أنامل الفنان، فليس هو اللغو الفارغ الذي ~~يصب الكلام صبا في غير وعي وعلى غير هدى. # لقد أتى هذا الأديب في أدبه بالأعاجيب، فهو مستطيع أن يصور أمام عينيك أغرب ما يستطيع ~~خيال أن يتصوره، وهو مستطيع أن ينفض عن الماضي غبار القدم فإذا هو أمامك في جلاله ~~وجماله، وهو مستطيع أن يتغنى بألوان الجمال التي تبلغ من الدقة حدا يتعذر على غيره أن ~~يدركه فضلا عن أن يعبر عنه، وهو مستطيع أن ينشد على قيثارته أناشيد الحب رقيقة حينا، ~~عنيفة حينا، وهو مستطيع أن يؤجج إنشاءه نارا، وهو مستطيع أن يخفض في إنشائه الصوت ~~ليكون صوتا حزينا. فلو قلت إن «هيجو» كان أعظم من أنشد الشعر الوجداني في فرنسا لما ~~عدوت الحق، لأنه ربما كان أعظم من أنشد هذا الضرب من الشعر في آداب العالم كلها. ولعله ~~استمد هذه القوة الجبارة في غنائه من امتزاج نفسه بما حوله، فهو بشعره هذا يعبر عن ~~وجدانه ثم يعبر في الوقت نفسه عن أنغام العالم بأسره، وقد تردد صداها بين جنبيه؛ فكأنما ~~القصيدة من قصائده يغنيها الكون كله لا شاعر واحد؛ ذلك لأن «هيجو» لم يعتزل تيار ~~الحياة، ms0941 بل امتزج به امتزاجا جعل الحياة جزءا منه. # ولو زعم «هيجو» أنه الأديب الفنان وكفى، لما وجد إنسانا واحدا ينكر عليه ما زعم؛ ~~لكن الغرور يخدع حتى «هيجو»! إذ ظن أديبنا العبقري أنه حين يكتب، فهو الفيلسوف وهو ~~الأخلاقي وهو المتنبئ وهو المفكر وهو المؤرخ، ومن حقك أن تشك في أن الشاعر قد صدق حين ~~زعم لنفسه هذا كله. # لم يبلغ «هيجو» ذروة كماله الفني طفرة واحدة، إنما تدرج إليها في تطور امتد به أمدا ~~طويلا؛ فهو بعد أن أصدر ديوان «الأناشيد» الذي أسلفنا ذكره، عقب عليه بديوان آخر ~~«أناشيد وحكايات منظومة»، # 18 # وكانت سنه إذ ذاك أربعة وعشرين عاما؛ وهو في هذين الديوانين على شيء من ~~الانسياق لقواعد الماضي وأفكاره، ولكنك تلمس روح الأصالة فيهما تجاهد في مغالبة هذه ~~الحوائل جهادا دل على وجودها لكنه لم ينته بنصرها نصرا حاسما. ثم أخرج قصتين نثريتين ~~كانتا بمثابة الإعلان عن اتجاهه الصريح نحو الأدب الابتداعي الذي لا تعرقله حوائل ~~الماضي، ولما كان في عامه السابع والعشرين أصدر ديوان «مشرقيات» # 19 # الذي جاءت قصائده بمثابة الدراسة في الفن الشعري الجديد كيف تصاغ ~~مادته. وبعدئذ اتجه إلى المسرح، وفي المسرح كان جانب الضعف في المدرسة الابتداعية ~~كلها. # نعم، كان الأدب المسرحي هو جانب الضعف في هؤلاء الأدباء الابتداعيين، ومع ذلك فقد شاء ~~سوء الطالع أن يكون المسرح هو ميدان القتال بين الجديد والقديم! وإن في هذه الحقيقة ~~وحدها لدليلا على خاصة يكاد يتفرد بها الشعب الفرنسي، وهي أن الشعب نفسه يساهم في ~~المعارك الأدبية، ولا يتركها لأصحاب الأقلام وحدهم؛ فلم تكن مشكلة الابتداع والاتباع ~~مسألة يناقشها الأدباء والنقاد كما يناقش رجال الفن أمور فنهم فيما بينهم، بل كانت ~~ميدان تنازع بين الناس، وكان ميدان التنازع أرض المسرح. ومن أوضح ما يوضح ضعف أنصار ~~الأدب الابتداعي في المسرح، أنهم وضعوا لأنفسهم برنامجا أرادوا أن يحققوه في أدبهم ~~المسرحي، فكادوا ألا يحققوا منه شيئا، وأول من وضع أسس هذا البرنامج هو «هيجو» نفسه في ~~مقدمة ms0942 روايته «كرمول». # 20 # فلقد قيل إن الشعر في طفولة الإنسانية كان شعرا وجدانيا غنائيا، ~~وكان في شباب الإنسانية شعر الملاحم، أما في نضج الإنسانية واكتمال نموها فيجب أن يكون ~~الشعر مسرحيا، والرواية المسرحية إن هدفت إلى شيء فذاك هو الحق الصراح، يجب أن تعرض ~~لنا الرواية المسرحية أفراد الإنسان في تمام نضجهم الإنساني، ولهم كل ما ينتظر أن يكون ~~لهم في هذه المرحلة من جمال ومن ثورة ومن فخامة ومن جلال، يجب أن تنقل لنا الرواية ~~المسرحية حقائق الطبيعة نقلا أمينا، ومهمة الخيال فيها هي أن تنسق بين شتى العناصر في ~~وحدة متصلة الأجزاء؟ وليس من واجبها أن تقيد نفسها بقيود الماضي من حيث وحدة الزمان ~~ووحدة المكان، # 21 # إذ كل واجبها في هذا الباب أن تراعي وحدة العمل دون غيرها، فنشاط الأشخاص ~~فيها يجب أن يكون موصول الحلقات، ولا عبرة بعد ذلك أكان مجال هذا النشاط مكانا واحدا ~~أم أكثر من مكان، يوما واحدا أم أكثر من يوم، لكن تصوير الطبيعة الذي أراده «هيجو» ~~لنفسه ولغيره من أدباء المسرح يستحيل أن يتحقق في نطاق المسرح على ضيقه، إنما مجال ذلك ~~القصة؛ ومن هنا كان أساس الفشل. # كانت عبقرية «هيجو»، بل عبقرية أدباء الابتداع قاطبة، في الشعر الوجداني؛ فالشعر ~~الوجداني الذي تنحصر كل مهمته في التعبير عن عواطف الأديب نفسه، عواطفه الفردة التي ~~يتميز بها عن سائر أهل الأرض جميعا؛ الشعر الوجداني الذي تنحصر مهمته في هذه ~~الفردية هو صميم الحركة الابتداعية في الأدب؛ لذلك تجد «هيجو» في مسرحياته فاشلا إلا ~~فيما تحتوي عليه تلك المسرحيات نفسها من مقطوعات تعبر عن وجدان الشاعر! فهو حين أخرج ~~روايته «هرناني»، ومثلت في «المسرح الفرنسي» أحدث ضجة بل أحدث معركة حقيقية بين جدران ~~المسرح إبان تمثيلها، كان يناصره فيها جماعة من الشبان ويعارضه قوم ممن استمسكوا ~~بالتقاليد المسرحية، ودوى في المكان صوت قائل: «اقتلوه!» ولعلك من هذا وحده تستطيع أن ~~تقدر ما بلغته حماسة القوم في النزاع الأدبي القائم، وما بلغته رواية «هيجو» ms0943 الأولى من ~~البعد عن التقاليد. وقد كان يكون هذا التجديد محمدة لولا أنه لم يكن في حلبة الأدب ~~المسرحي من فرسانها. وتوالت رواياته المسرحية ثم انتهى أمرها جميعا إلى الفشل. # نعود إذن إلى شعره الخالص؛ فقد صدر له بعد ديوان «المشرقيات» ديوان آخر عنوانه «أوراق الخريف» # 22 # الذي جاء آية في الشعر الوجداني، فها هنا بث الشاعر ذكرياته وهواتف ~~قلبه وأمنيته في حياة هادئة، وها هنا أبدى الشاعر عطفه على كل عنصر من عناصر الطبيعة ~~مؤداه الهدوء والقرار، كما أبدى عطفه على الإنسانية كلها وإيمانه بالله وأمله في ~~الخلود. ثم أصدر «أغاني الشفق» # 23 # وفيه ارتياب وهم وقلق، فهو ساخط على الحاضر كما يراه متمثلا في ملكية ~~ضعيفة، ممجد لشيئين يراهما جديرين بكل إجلال، نابليون في الماضي القريب، وطغيان قوة ~~الشعب في المستقبل المرجو طغيانا يثل عروش الملوك؟ وبعد ذلك ظهر له «أصوات باطنة» # 24 # استأنف فيه شعائر ولائه وتمجيده لنابليون من جهة، ورجاءه في أن يقوى سلطان ~~الشعب من جهة أخرى. وهنا أدار «هيجو» أذنيه إلى الطبيعة، فصدر له ديوان «البقرة» # 25 # الذي رمز به إلى أمومة الطبيعة للكائنات الحية جميعا ورعايتها لهم، ~~وهو يمضي بعدئذ في ديوان «أضواء وظلال» # 26 # لينبئنا أن الطبيعة ليست أما رءوما وكفى، بل هي كذلك معلمة للنفس مهذبة ~~للقلب توحي له بما توحي. وكان الشاعر قد بلغ عندئذ عامه الأربعين تقريبا، ثم صمتت ~~قيثارة شعره الوجداني نحو ثلاثة عشر عاما خاض خلالها بحر السياسة المتلاطم الأمواج، ~~وفي هذه الفترة لاقى ما لاقى من أحزان وكوارث؛ فابنته وزوجها لقيا حتفيهما مغرقين، وهو ~~أصابه النفي! ومن أروع ما أنشأه في نهاية هذه الفترة قصيدة «ألوان العقاب». # 27 # ثم عادت قيثارته إلى الغناء، فأخرج «التأملات» # 28 # في عدة أجزاء ضمن قصائدها الأولى ذكريات ماضيه، ثم عقب على هذه بأحزانه ~~على ابنته، ثم ختمها بمجموعة رائعة امتزج فيها الظل والنور، فهو مشرق مرة، كئيب النفس ~~مرة. وبعدئذ اضطلع الشاعر بإنتاج فني عظيم تطلب منه كل ما وهبه ms0944 الله من نبوغ في الشعر ~~الوجداني، إذ أراد أن يعرض صورا متفرقة من تاريخ الإنسانية كلها، فصدر الجزء الأول من ~~«أسطورة القرون» # 29 # وعمره سبعة وخمسون عاما. وهو في هذه الآية المجيدة الخالدة ينشر أمام ~~ناظريك حياة الإنسانية منذ ظهرت حواء إلى أن ينفخ في الصور يوم الحساب؛ فتنشرح صدرا ~~لما تراه هنا وتضيق صدرا لما تراه هناك، لأن الإنسانية في تاريخها تبشر بالأمل مرة ~~وتبعث على اليأس أخرى؛ فهذا عظيم بلغ قمة المجد، وهذا مجرم تتبعه القصاص. والأمل الأكبر ~~على كل حال هو في مجموعة الشعب، فلئن برهن الملوك على أنهم طغاة، والقساوسة على أنهم ~~أشرار مناكيد فليكن بطل الملحمة كلها هو الشعب بأسره، لا هذا الفرد ولا ذاك. لقد جاءت ~~«أسطورة القرون» دعامة للدعوة الديمقراطية، ثم ما هو إلا أن أخرج الأديب للناس كتابا ~~آخر، ليكون للديمقراطية دعامة أخرى، ذلك هو كتاب «البؤساء» # 30 # وكان له من العمر إذ ذاك ستون عاما، والكتاب أقرب إلى أن يكون ملحمة ~~نثرية منه إلى أن يكون قصة بالمعنى الدقيق، فالبطل طريد المجتمع لكنه يحمل بين جنبيه ~~نفسا أبية، وكل صفحة من الكتاب تستوقف منك النظر والسمع والحواس جميعا، فالكاتب يؤرخ ~~لك مرة، ويقص عليك مرة، ويصف ثالثة، ويغني رابعة، ويتفلسف خامسة، وهكذا دواليك تتوالى عليك ~~الصور شتى كأنك في حلم يثير فيك الفزع. # جاوز الشاعر الستين، فالسبعين، فالثمانين، وآثاره تترى تباعا. ونحن إذ نقدم لك ~~«هيجو» في صفحات نحس كأنما نحاول أن نصب البحر الخضم في كوب. وحسبنا أن نقول إن دولة ~~الشعر تفخر أن كان بين أعلامها «فكتور هيجو». # وهاك بعض أمثلة من شعره: # لو كانت أشعاري مجنحة؛ # مجنحة كأنها عصفور، # إذن - في حسنها ورقتها - # لودت إلى بستانك الأغن تطير. ~~••• # لو كانت أشعاري مجنحة؛ # مجنحة كأنها الروح، # لطارت إلى دارك السعيدة دفئا # كأنها شرر في الهواء يلوح. ~~••• # لو كانت أشعاري مجنحة؛ # مجنحة كأنها الحب، # لما انفكت في صفائها وولائها # نحو دارك تسري، سعدها القرب. # وهذه قصيدة أخرى عنوانها «ما دمت ms0945 قد وضعت شفتي»: # 31 # ما دمت قد وضعت شفتي على كأسك المترعة؛ # ما دمت قد أسندت على كفيك شاحب جبهتي؛ # ما دمت قد تنفست أريجا ذكيا # عبقت به روحك عطرا هو الآن في ظلمة القبر؛ ~~••• # ما دمت قد نعمت بالإنصات إليك تحدثين # بكلم يفيض له القلب معقل الأسرار؛ # ما دمت قد رأيت العبرات، ما دمت قد شهدت البسمات # على فمك إذ هو إلى فمي، وعلى عينيك إذ هما إلى عيني؛ ~~••• # ما دمت قد رأيت على جبهتي الشعاع ساطعا # من نجمك - وا أسفاه! - نجمك الذي غرب إلى الأبد؛ # ما دمت قد رأيت في تيار دهري قد سقطت # ورقة ورد قطفتها من دهرك؛ ~~••• # ففي مكنتي الآن أن أقول للأيام التي أسرعت خطاها: # اذهبي! إلى الأبد اذهبي! فهيهات أن تزيديني هرما! # امضي بأزهارك التي ذبلت أوراقها؛ # إن في طوية نفسي زهرة هيهات أن تقطف، ~~••• # في استطاعتك أن ترجي من الفؤاد إناء # أترعته ليرويني، لكنك لن تسيلي منه قطرة واحدة؛ # اصنعي ما شئت، ففي الفؤاد شعلة لن تستحيل رمادا! # اصنعي ما شئت، ففي القلب غرام لن يمحوه نسيان! # وهذه قطعة أخرى عنوانها «القبر والوردة»: # 32 # قال القبر للوردة: ~~«ماذا صنعت يا زهرة العشاق # بقطر به الفجر رواك؟» # فقالت الوردة للقبر: ~~«وأنت ماذا صنعت بالأولى هبطوا # جوفك الذي لا يني الأجساد يلتقط؟» ~~••• # وقالت الوردة: «أيها القبر البهيم # من ذلك القطر أصنع - لا أرى - # شهدا شهيا وعنبرا!» # قال القبر: «يا وردة شائكة، # كل روح هنا قدم # صيرته من ملائكة السما.» ~~(4) ألفرد دي فني # Alfred de Vigny ~~(1797-1863م) # ربما جاز لنا أن نقسم خصائص الأدب الابتداعي قسمين؛ فهو أدب يميل إلى التنوع والخصوبة ~~وسعة الأفق وارتفاع النفس من جهة، وهو أدب يختص الفرد بكل عنايته من جهة أخرى. وقد ظهرت ~~هاتان الخاصتان معا في أدب «فيكتور هيجو»، ثم انشعبتا منفصلتين عند اثنين من زملائه، ~~في «ألفرد دي فني» عني بالأولى، وعني «ألفرد دي ميسيه» بالثانية. # التحق «دي فني» بالجيش ضابطا، فتبع في ذلك مهنة أبيه، ولكنه أديب ms0946 مطبوع، فلم يكن ~~مناص من أن يقرأ أدبا وأن ينتج أدبا؛ فعب من الأدب اليوناني القديم عبا، كما قرأ ~~العهد القديم من الكتاب المقدس، ودرس ما كتبه فلاسفة القرن الثامن عشر. ولم يكد يبلغ ~~الفتى عامه الثامن عشر حتى أنشأ قصيدة رائعة عنوانها «عروس الغابة» # 33 # وهي تفوح بأريج اليونان، فجاءت القصيدة مبشرة بالروح اليوناني الذي ظهر ~~واضحا في شعر «شنييه» الذي أسلفنا الحديث عنه. وبعد ذلك بأعوام أربعة أصدر أول ~~دواوينه، ثم أعقبه بعد أربعة أعوام أخرى بديوان ثان أطلق عليه «أشعار قديمة وحديثة» # 34 # ضمنها قصيدته الرائعة «موسى» # 35 # الذي صوره صاعدا جبلا وقد تجسدت في شخصه العزلة كما تمثل فيه عبء ~~العبقرية الباهظ؛ فالعبقرية عبء يضطلع به العبقري. وكان الأمل الذي يتردد في نفس ~~موسى، وهو في عزلته تلك، أن يختاره الله إلى جواره، فقد أدى رسالته وبقي على من بعده أن ~~يسيروا بالشعب في الطريق الذي رسمه. # ولما بلغ «دي فني» الثلاثين من عمره، غادر الجيش وتزوج من سيدة إنجليزية، وأخذ يقرأ ~~الأدب الإنجليزي في شغف أغراه بنقل بعضه إلى الفرنسية، فترجم عن شكسبير روايتي «عطيل» ~~و«تاجر البندقية»، ومثلت الأولى في جو صاخب من تصفيق الشبان الذين حملتهم الثورة ~~الأدبية الابتداعية على تيارها الدافق. ومما هو جدير بالذكر هنا أن لفظة «منديل» وردت ~~في هذه الرواية ونطق بها الممثلون على المسرح، فما كان أشأمه من يوم عند أنصار القديم ~~أن يروا الأدب المسرحي قد تهدمت أركانه ودخلت فيه ألفاظ لم تكن من النخبة الشريفة التي ~~كان لها وحدها حق الدخول في المسرح! كيف جاز لأديب وكيف جاز لممثل أن يستخدم لفظا كهذا ~~تواضع العرف الأدبي على ألا يستخدم؟! لكنها الثورة الأدبية الابتداعية تقوض من أوضاع ~~القديم حجرا بعد حجر، ومن ورائها الشبان المتحمسون يصفقون إعجابا. وأخرج «دي فني» ~~رواية تمثيلية عنوانها «تشاترتون» # 36 # صادفت في عالم المسرح نجاحا عظيما، وإن يكن نجاحها ذاك في رأي النقاد ~~اليوم أكثر مما تستحق. ومضت سنوات عشر بعد «تشاترتون» فعين ms0947 «دي فني» عضوا في المجمع ~~العلمي الفرنسي، وقد كانت تلك الرواية بمثابة قمة صعوده، لم يكد يخرج بعدها شيئا سوى ~~طائفة من جيد قصائده. # كان «دي فني» بين زملائه وأترابه فريدا وحيدا، لا يتأثر في قليل أو كثير بأدب ~~معاصريه، بل لا يمزج نفسه بنفوس معاشريه، كأنما استطابت تلك النفس الفريدة أن تعيش من ~~برجها العاجي في عزلة عن الناس؛ واكتفى من دنياه بأفكاره وخواطره يجعل منها عالما ~~خاصا له يحيا بين جنباته، على نحو كاد معه أن يرى شيئا من الخطيئة في أن يخرج تلك ~~الأفكار والخواطر في أدب يقرؤه سواه. ف «دي فني» لم ينظر إلى الحياة نظرة المتفائل، ~~شخص إليها ببصره فما وقع منها البصر على شيء يسحره ويفتنه، ولم ير في مستقبل الحياة من ~~الرجاء ما يعوض نقصها الراهن؛ فمستقبلها يبدو له معتما كحاضرها. فبهذا اليأس انكمش ~~شاعرنا في قوقعته لا يريد من حياته شيئا، لكن ذلك اليأس لم ينته به إلى ثورة من غضب ~~ومقت، بل كانت نتيجته شعورا بالإشفاق على بني الإنسان، من صنع منهم الخير ومن صنع الشر ~~على السواء، وأخذ ينثر يأسه هذا في أدبه، ففي «غضبة شمشون» # 37 # عبر عن يأسه من الحب الصحيح، وفي «جبل الزيتون» # 38 # جعل المسيح يبحث عن الله عبثا، وعلى مقربة منه يهوذا متخفيا ليعبر على ~~لسانه عن يأسه من الدين. وماذا ترجو من شاعر ينظر إلى الأرض فلا يراها - كما يراها غيره ~~- أما رءوما بل قبرا تسوى فيه الأجساد جثثا هوامد؟ ومع ذلك كله فليس هو بالناقم على ~~السماء ولا بالساخط على الأرض ولا بالمتمرد على ما أريد للإنسان، فعليه أن يلاقي حتفه ~~إذا ما جاءه الأجل راضيا بقضاء الله فيه كما قال في آيته الرائعة «موت الذئب» # 39 # إذ قال عن الذئب الذي تعقبه الصائدون حتى أوردوه منيته: إنه لاقى الردى ~~صامتا، فكان بذلك كأنما يعبر عما كتب للإنسانية جميعا أن تلاقيه. كان «دي فني» بين ~~معاصريه الأدباء مفكرهم الهادئ الرصين، فإن أزلت عن ms0948 شعره ازدهار الألوان وأنغام ~~الألفاظ، بقي لك فكره الخالد. # وهاك مثالا من شعره؛ جزءا من قصيدة «البوق»: # 40 # أحب صوت البوق يرن في جوف الغابة إذا أمسى المساء، # أحبه إن كان نعيا لصيد يتهدده الخطر، # أحبه إن كان وداعا لصائد يردده خافت الأصداء، # وتحمله ريح الشمال من ورقة إلى ورقة فوق الشجر. ~~••• # لطالما جبت وحيدا في ظلام الليل إذ الليل انتصف، # فسرني صوت البوق حينا، وأحيانا صوت البوق أبكاني! # إذ تمثلت في صوته أصوات عصر سلف # أطلقت نذرا بوشيك موت لأبطال وشجعان. ~~••• # أيها الجبل اللازوردي! أيها البلد الحبيب! # إيه يا صخور «فرازونا» ويا رءوس «ماربوريه» # يا مساقط الماء اكتسحت معها أحمال الجليد، # ويا جبل البرانس بالمنابع والأنهار والسيول تجري في حواشيه! ~~••• # يا جبالا أثلجت وأزهرت فتربع فوق عرشها فصلان؛ # عرش له الثلج هام والمرج موطئ الأقدام، # ها هنا يطيب المقام، ها هنا تنصت الآذان # لصوت البوق البعيد يرن حزينا حلو النغم. ~~••• # رب مسافر حين سكن الهواء # هز الليل بصوت قوي، # بنشيده المنغوم اختلط الثغاء # من حمل رن بجرس معدني. ~~••• # لم يفر الظبي هاربا بل ظل مصغيا، # جمد الظبي فوق التل واستقر، # وفي هدير الماء إذ تحدر داويا # امتزجت شكاته بنشيد عهد غبر. ~~(5) ألفرد دي ميسيه # Alfred de Musset ~~(1810-1857م) ~~«دي فني» و«دي ميسيه» نقيضان، فلئن كان الأول بين زملائه المفكر الرزين الهادئ، فقد ~~كان الثاني بمثابة الطفل المدلل رعونة وغراما وجاذبية وجريا وراء الشهوات، لكنه ~~مع هذا كله كان الشقي العاثر الجد، وكان شعره سجلا لهذه المشاعر المتقلبة وهذه الحالات ~~النفسية المختلفة التي تعتريه آنا بعد آن، وهذا الحب الذي كان دائما ينتهي به إلى ~~الفشل، وهذا اليأس الذي تولاه آخر الأمر. # أبوه هو الذي أرخ له «روسو» وإذن فقد تشرب الأدب منذ نعومة أظفاره عن أب أديب، ~~فلما أن شب تلفت حوله فإذا المجد السياسي الذي ازدهر على يدي نابليون قد انقضى، وإذا ~~بالإيمان الديني الذي كان ذات يوم يعمر القلوب قد مضى؛ فماذا بقي حيا بين الأحياء ~~يستمسك ms0949 به؟ بقي له الشعر، فهذا هو شعر «شينييه» يطبع وينشر، وهؤلاء هم «لامارتين» ~~و«هيجو» و«دي فني» يفتحون أمام خياله المتوثب آفاقا فسيحة الأرجاء، وهذا شاعر الإنجليز ~~«بيرن» قد خلف للناس «تشايلد هارلد» و«دون جوان»، فإن كانت هذه الثروة الشعرية كلها ~~أمام عينيه، وإن كان الله قد خلقه شاعرا، فليمرح إذن في جو خلقه الله ليعيش ~~فيه. # كان «دي ميسيه» شاعرا من شعراء الابتداع، مدفوعا إلى ذلك بفورة شبابه، أكثر منه ~~بعقيدة وإيمان؛ فقد تجمعت فيه خصائص الشباب على نحو ما تجمعت في «بيرن» من قبله، فكنت ~~تراه في عامه التاسع عشر شابا مستهترا ساخرا شكاكا أفاكا؛ وبهذه الروح أنشأ الشعر ~~أول الأمر، لكن بعض هذا الشعر الأول جاء جيد الإنشاء، وكان لبعض مقطوعاته وأبياته من ~~الرشاقة ما يذكر بخير الشعر وأجوده. ثم مر الشاعر بعد ذلك الشطر الأول من حياته الشاعرة ~~في دور انتقال انتهى به إلى ما خلق له، فلم يكن «دي ميسيه» ابتداعيا خالصا تذهب به ~~الحماسة إلى الاتجاه الجديد مذهبا ينكر معه الأعلام القدامى؛ فلئن أعجب ب «هيجو» فقد ~~أعجب كذلك من الاتباعيين القدماء ب «راسين»، فشاعرنا كانت له شخصيته الفذة التي تأبى أن ~~تذوب في هذه المدرسة أو تلك. نعم لم يكن «دي ميسيه» من الأساطين القادة، وكانت لقدرته ~~وموهبته حدودها، لكنه أراد ألا يشرب إلا من كوبه الصغير، وألا يستوحي إلا نفسه؛ وكان ما ~~احتوى عليه ذلك الكوب حبا وشبابا ممزوجين بشيء من دواء مرير. # ففي عامه الثالث بعد العشرين كان مع الكاتبة القصصية الفرنسية «جورج ساند» - وسنحدثك ~~عنها في فصل تال - كانا معا في ربوع إيطاليا، وها هنا اعتراه يأس بعد ما كان قد ملكه ~~من غرور، وها هنا عرف كيف تكون الحياة قاسية على الأحياء، عرف ذلك لا بقوة خياله بل ~~بدرس من الواقع الذي يخوض فيه ويعانيه، ولكنه لم يلبث أن عاوده شيء من طمأنينة ~~النفس، واستيقظ من الشاعر نبوغه الحق، فلم يعد ذلك الشاب الذي إن أخذه اليأس فعن ~~رعونة الشباب، ms0950 وإن رق حسه فعن ضعف وانحلال، كلا بل أخذ الآن يغني غناء قويا ينبعث من ~~أعماق قلبه، ويوحي به ما يصادفه في إيطاليا من لذة وألم، وبهذه الروح أنشد «الليالي»؛ # 41 # فكأنما الألم الذي عاناه وهو في إيطاليا قد أنضج فيه الشاعرية، وأنطق ~~لسانه بأجود قصائده. # على أن عظمة «دي ميسيه» هي لا شك في رواياته التمثيلية، فهو في رواية «الكوب والشفاه» # 42 # يصور صاحب العاطفة الشهوانية الجامحة وقد أراد أن يهتدي إلى طهر الحياة ~~ونقائها فلم يوفق، وفي «نامونا» # 43 # يمثل الحب وقد أخذ يغري فريسته بمغريات الشهوة ومثيراتها؛ ثم أراد في ~~روايته التاريخية «لورنزاشيو»؛ # 44 # أن يحاكي شيكسبير فكان له منه شيء ثم خانته قدرته المحدودة أن يبلغ مداه، ~~وأطول قصصه النثرية «اعتراف ابن العصر» # 45 # الذي «تقيأ الحق على صفحاته» - على حد تعبيره - وخلاصة الكتاب أن ~~يبين أن حياة الدعارة منتهية بصاحبها إلى تشاؤم بالحياة كلها. وله كذلك طائفة من القصص ~~القصيرة تعد من أبرع ما أنتجه الخيال في هذا الباب. # على أن «دي ميسيه» قد وازن آخر الأمر بين رهافة الحس ورجاحة العقل، بين العاطفة ~~الهوجاء والعاطفة الرشيدة في «أهواء ماريان» # 46 # وفي «ليس في الحب مهاذرة» # 47 # وغيرهما، مما أقام به الدليل على أن الفن الابتداعي يستطيع بشيء من ~~الاتزان أن يبلغ المثل الأعلى للفن الاتباعي في آن معا؛ ففي هذه الآثار الأدبية التي ~~أنتجها أخيرا التقى جلال الاتباع بجمال الابتداع، وتقابل العقل والقلب، وأدنانا الشاعر ~~من شيء شبيه ببعض ما جادت به قريحة الفنان الأكبر «شيكسبير». # ومن شعره: # أغنية # إذا المرء لم يسعده نجمه، # فضاع الأمل، # وغاض الجذل، # وأراد دواء يزول به همه، # فالموسيقي دواؤه، # والجمال شفاؤه. ~~••• # ما أبعد الفرق في قوة الفعل # بين وجوه الملاح # وبين عدة وسلاح! # خير ما في الحياة من فضل # نغم حلو حنون # أحبه السالفون. # وهذه قصيدة أخرى له عنوانها «في امرأة ماتت»: # 48 # كانت جميلة، ذلك إن كان «الليل» # كما صورته ريشة «أنجلو» # نائما في محرابه المظلم # جامدا، ms0951 يعد جميلا. ~~••• # كانت محسنة، ذلك إن كفانا # من الإحسان أن تنفتح الكف وتعطي، # لا يرى الله عطاءها ولا يقول فيه قولا، # كانت محسنة إن عد الذهب الذي لا رحمة فيه إحسانا، ~~••• # كانت تفكر، ذلك إن كان اللغو الفارغ # يقال في صوت منغم رخيم # كأنه خرير الماء، # إن كان ذلك تفكيرا وتعبيرا. ~~••• # كانت تصلي، ذلك إن كانت العينان الجميلتان # تصوبان نحو الأرض آنا، # وتصعدان نحو السماء آنا، # مما يجوز أن يعد صلاة. ~~••• # كانت تبتسم، لو كانت الزهرة # التي يتفتح كمها # تنفرج إذا ما مسها # الهواء البليل الذي يمضي عابرا فينساها. ~~••• # كانت تبكي، لو كانت كفها # الموضوعة باردة على قلبها، # تحس مرة واحدة - وهي التي في جسد من طين - # بقطرات الندى ساقطة من السماء، # كانت تحب لو لم تقف كبرياءها # حارسا على قلبها العقيم فيحول بينه وبين الحب، # كأنه المصباح نوقده إلى جانب اللحد، # فضوءه لا يهدي من رقد فيه. ~~••• # إنها ماتت دون أن تحيا، # لم يكن لها من الحياة إلا صورة الحياة، # سقط الكتاب من كفيها # دون أن تقرأ من الكتاب شيئا. ~~(6) ثيوفيل جوتييه # Theophile Gautier ~~(1811-1872م) # بلغ الشعر الوجداني الذي يعبر فيه الشاعر عن نفسه أقصى مداه في شعر «ميسيه» وها نحن أولاء ~~نصادف شاعرا آخر من شعراء الابتداع يتخذ لابتداعه طريقا آخر غير الطريق ~~التي سلكها «ميسيه». فها هنا عند «جوتييه» نجد شاعرا لا ينطق بشعره دخيلة نفسه، بل يخضع ~~نفسه للموضوع الخارجي الذي يستوقف حواسه والذي يستثير فيه قول الشعر؛ ف «جوتييه» ~~حين يكتب الشعر بمثابة عين ترى ويد تلمس؛ إذ هو يتخذ من نفسه أداة تخدم الشيء الخارجي، ~~فالشيء الذي يدور عنه القول هو هنا صاحب السلطان. # ولقد حدثناك عن رواية «فيكتور هيجو» «هرناني» كيف جاءت فاتحة لعهد جديد تصدم أنصار ~~القديم حين تحطم لهم بعض القواعد التي قدسوها والتي ظنوا أن لا أدب بغيرها، وذكرنا لك ~~كيف كان الشعب نفسه يشترك في جوف المسرح في المعركة الناشبة بين أنصار القديم وأنصار ~~الحديث؛ فقد كنت تسمع تصايحا ms0952 وتراشقا بالسباب أحيانا بين هؤلاء وهؤلاء. ولكي نقدم لك ~~صورة دقيقة لإخلاص «جوتييه» للمذهب الابتداعي الجديد، نروي لك أن صديقا شاعرا طلب ~~إليه أن يحضر ليساهم في المعركة الدائرة رحاها حول «هرناني» فأقسم «جوتييه» بالجمجمة ~~التي قيل إن الشاعر الإنجليزي «بيرن» كان يشرب فيها الخمر، إنه لن يتخلف عن الأخذ ~~بنصيبه في مظاهرة الجديد؛ وفي هذا القسم وحده ما يكفيك دلالة على روح الشاعر الذي ~~نقدمه الآن؛ ف «بيرن» رمز قوي لروح الابتداع، وشربه الخمر من جمجمة علامة واضحة لحياة ~~ترسل نفسها مع العاطفة دون العقل. هكذا أخلص «جوتييه» الولاء لمذهب الابتداع، بحيث اتخذ ~~من «مشرقيات» «هيجو» دستوره في الشعر، و«هيجو» في «المشرقيات» لم يجعل غاية من فنه إلا ~~الفن لذاته، وترك لنفسه الحبل على الغارب تفيض بما يملؤها، لا يراقبها في فيضها إلا ~~ضوابط الفن وحدها. وعلى هذا النحو أخرج «جوتييه» أول دواوين شعره «أشعار» # 49 # وكان له من العمر إذ ذاك تسعة عشر عاما، ثم أخرج «ملهاة الموت» # 50 # وفيه يسوق صورا نواصع من «رفائيل» لامارتين و«فاوست» جيته، و«دون جوان» ~~بيرن، ليقيم بها البرهان على أن المعرفة والمجد والفن والحب كلها عبث لا جد فيه. # شغل «جوتييه» نفسه بالنقد الأدبي حينا وبالنقد الفني حينا، فهو اليوم في مسرح وهو ~~اليوم في متحف، ليسمع ويرى ثم ينقد، وكان في نقده أقرب إلى أن يقدم لقارئه آثار ما يسمع ~~وما يرى منه إلى أن يصدر له أحكاما. وأروع ما كتبه في النقد الأدبي هو ما اختص به بعض ~~أدباء القرن السابع عشر، ونشره في مجلد واحد مع دراسته للشاعر «فيون» # 51 # بعنوان «الشوامخ». # 52 # ولما بلغ التاسعة والعشرين من عمره، شد رحاله إلى إسبانيا فإيطاليا فالجزائر ~~فالقسطنطينية فروسيا فاليونان، وهو في كل هذه الرحلات ينقل عينيه فيما يصادفه فكأنما هو ~~يرى في كل شيء فتنة في اتساق الألوان. لقد كان العالم في رأيه مجالا للعين ترسل في ~~جنباته البصر لتشهد هذا الجمال اللوني، فهو لم يسافر أسفاره تلك ليدرس الحياة، ms0953 بل سافر ~~ليرى «بديع صنع الباري». نعم سافر ليرى، حتى إذا ما عاد وأرجعت له ذاكرته القوية ما ~~رأى، أخذ يرسم للقارئ صورة بما حباه الله من قدرة عجيبة على وعي ألفاظ اللغة واستعمالها ~~في مواضعها الصحيحة، بحيث يقرأ القارئ فكأنه يرى ما كان قد رآه الكاتب، فلا تنحرف ~~الصورة في موضع ولا يخبو لونها في موضع، بل هي كاملة زاهية في كل جوانبها على السواء، ~~فهو في إنشائه مصور يستخدم الألفاظ والقلم مكان ريشة الفنان وألوانه. وليس المعجم في ~~عرفه مجموعة من ألفاظ رص بعضها إلى جانب بعض على نظام معلوم، إنما هو صندوق من جواهر ~~يسطع لونها ويتلألأ بريقها، ومهمته أن يختار من هذا الكنز الحقيقي جوهرة من هنا وجوهرة ~~من هناك ليصوغها الصياغة بمعناها الحرفي الذي يفهمه الجوهري حين ينسق أحجاره الكريمة ~~تنسيقا يرضي قواعد الفن. # وكتب «جوتييه» قصصا يخاطب به الطبقة الوسطى، وقد وفق فيما كتب من حيث جودة الفن ~~والصياغة، أما محصوله الفكري فليس مما يميز نابغا من أوساط الناس، فآراؤه فيما عدا ~~نظراته في الأدب والفن، لا ترتفع كثيرا عن آراء هؤلاء. وقد كان في حكاياته محبا ~~للصور الغريبة التي تثير في قارئه العجب والدهشة، وخير ما أنتجه في هذا الباب «الضابط فراكاس» # 53 # وهي حكاية عن جماعة من الممثلين الجوالين في عهد لويس الثالث عشر. # و«جوتييه» في شعره - كما هو في نثره - صائغ يصوغ اللفظ الجميل في سبك جميل، فليس همه ~~أن يثبت خواطره ومشاعره، كلا فهذه فردية عرف بها غيره من أدباء الابتداع، أما هو فيريد ~~وصف الشيء لا وصف ما يدور في نفسه؛ إنه اختار لنفسه موقف الرسام والصائغ؛ فهذه هي ~~الحياة يتلاطم موجها حوله، لكنه لا يريد منها شيئا لأنها ليست غايته، غايته الأولى ~~والأخيرة أن يرى بعينيه لا بقلبه، وأن يرسم لقارئه ما رآه مزخرفا جميلا؛ وبهذا كان ~~«جوتييه» حلقة اتصال بين مدرسة الابتداع التي عنيت بنفس الأديب، وبين مدرسة ستتلوها ~~تجعل عنايتها أدبا موضوعيا. # وهاك مثالا لشعره قصيدة ms0954 «الفن»: # 54 # ألا إن آية الفن تزداد بهاء # إن اقتضت صناعتها عناء # فيه عنف، # شعرا، نحتا، زخرفة ورسما، ~~••• # القيود السخيفة لا ترضيها، # فلكي تمشي مشية أنت أهل لها # يا ربة الفن، # فالبسي حذاء على قدر رجليك. ~~••• # ازدري القوافي إن أفرطت في يسرها # كأنها النعل فاضت الحد في حجمها # فجاءت طرازا، # كل قدم تستطيع لها لبسا وخلعا. ~~••• # أيها المثال لا تختر من الطين # ما لكل غمزة خفيفة يلين # تحت إبهامك؛ # إذ روحك في الأفق البعيد تهيم. ~~••• # بل غالب بفنك صلب المرمر؛ # فبالصخر القوي الأعسر # والأندر # تخلد واضح القسمات. ~~... ... ... ... # أيها الرسام اطرح أصباغ الماء، # ثبت ألوانك في قوة وبهاء # وإن وهنت. # وسلط عليها لهيب الفن. ~~... ... ... ... # كل شيء فان، إلا الفن المكين؛ # فباق وحده إلى أبد الآبدين، # فتمثال # يحيا بعد مدينة تفنى بأسرها، ~~••• # رب وسام قل زخرفه # يراه العامل الحفار وهو يجرفه # في التراب؛ # عن صاحب الصولجان يحدث، ~~••• # الآلهة بجلالها تفنى، # وجيد الشعر لا يفنى # بل يخلد # أبقى على الدهر من قطع المعدن؛ ~~••• # فيا صاحب الفن، صقلا ورقما، # واجعل منك عابر الحلم # ينطبع # فوق صم الجلاميد. ~~(ب) القصة # كان الأدب القصصي خلال القرن التاسع عشر سجلا أمينا لما شهده العصر من نزعات شتي؛ ~~فمن أراد من الناس أن يعود إلى الماضي الزاهر، ففي القصة أداته، ومن أراد منهم أن يقصر ~~نفسه على الحاضر المحيط به يصوره كما يقع، ففي القصة ميدانه، ومن أراد منهم أن يكون ~~الأدب تعبيرا عن مشاعر الأديب وخواطره، وأن تكون مهمة الأديب هي أن يصب على الورق ما ~~يجيش به صدره، ففي القصة كذلك مجال فسيح؛ وإذن فستجد بين قصص هذا العصر، قصصا ~~تاريخيا، وقصصا يصور الواقع، وقصصا يعبر عن وجدان الأديب. # أما القصص التاريخية فقد بدأت في هذا العصر الذي نقدمه إليك، على يدي «دي فني» - ~~الذي حدثناك عنه في قسم الشعر الذي سلف - ثم على يدي «هيجو» في قصته المشهورة ~~«نوتردام دي باري» # 55 # ولو أن روعة هذه القصة في نصوع خيالها ودقة شاعريتها لا في قيمتها ms0955 ~~التاريخية، ثم انتهى هذا النوع من القصة إلى يدي «اسكندر ديماس» # 56 # فبلغ عندئذ حدا بعيدا من الكمال يتمثل في قصته المعروفة «الفرسان الثلاثة» # 57 # التي يستحيل أن يقرأها قارئ ثم ينكر عليها ما تضطرب به من حياة نابضة ~~وحركة دائمة، وما يسطع فيها من خيال وابتكار أصيل، وليقل المؤرخون في صدق حقائقها ~~التاريخية ما يشاءون؛ فحسبنا أن يتخذ التاريخ إطارا تصب فيه هذه الحياة الدافقة. وقد ~~رزق الله «ديماس» ذهنا حيا نشيطا مبتكرا، هو في ابتكاره للصور والمعاني أسرع من ~~يده في إثبات ما ابتكر على الورق؛ فذلك المعين المليء ما كانت لتستطيع يد واحدة أن تفرغ ~~ما فيه، لهذا استخدم طائفة كبيرة من المعاونين يكتبون له ما يخلق فكره، لعلهم بكثرة ~~أيديهم العاملة مستطيعون أن يلحقوا بهذا الذهن الجبار الذي يطيرا طيرا. ولقد قيل إن ~~هذه الجماعة التي أخذت تعمل تحت إشرافه أخرجت ألفا ومائتي قصة، لم يكن معظمها أدبا ~~صحيحا، إنما استحال الأدب بضاعة تخرجها آلات لتسد حاجة الأسواق. وجمع «ديماس» من وراء ~~ذلك مالا طائلا بدده بغير حساب ولا حذر، ومات فقيرا ينفق عليه ابنه ويحميه. ~~(1) ستندال # Stendhal ~~(1783-1842م) # بهذا الاسم المستعار كتب «هنري بيل» # 58 # الذي لم يصادف إعجاب معاصريه، لكن الرجل كان يؤمن بقيمة فنه، وآمن معه ~~بها أعلام القصة مثل «مريميه» # 59 # و«بلزاك»؛ # 60 # فتنبأ لنفسه بأن أدبه سيجد التقدير الذي كان به جديرا، حين ينصرم ~~الشطر الأكبر من القرن التاسع عشر. وصدقت نبوءته، ففي نحو التاريخ الذي حدده كانت ~~قصصه موضوع الدرس وموضع الإعجاب؛ فقال عنه «تين» # 61 ~~- وهو من فطاحل النقد في عصره - إنه أعظم من عرف أسرار النفس البشرية من ~~أدباء القرن التاسع عشر جميعا. # لقن «بيل» أيام طفولته وجوب أن يكتم في نفسه أحاسيسه، فيبدو في الناس بوجه لا ينم عما ~~يدور في طويته، فكأنما تعلم بذلك أن يضرب بين نفسه وبين الناس حجابا كان له مصدر شقاء ~~في صغره، ثم كان عاملا قويا على العزلة الموحشة في كبره. ms0956 وقد خدم في جيش نابليون ~~بجد، وكان يضع عليه ستار الهدوء الذي وافق طبيعة تكوينه، ثم أحس في نفسه ميلا ~~شديدا إلى إيطاليا؛ مناظرها وأهلها وموسيقاها وفنها، فاختارها مستقرا ومقاما، كما ~~اختار لغذائه العقلي فلاسفة القرن الثامن عشر الذين وجد في مذهبهم المادي ما يتفق مع ~~وجهة نظره، فقد كان يرى أن ما ينسب إلى الله عبث كعبث الأطفال، وفي ذلك قال «إن العذر ~~الوحيد الذي يشفع لله ما يصنع هو أنه غير موجود.» وفي رأيه أن هدف الإنسان الأخير هو ~~المتعة في هذه الحياة، فما كان أشد إمتاعا من غيره كان أفضل، والإنسان أناني بطبعه ولا ~~ينبغي له أن يقاوم في نفسه هذه الأنانية لأنها قانونه الذي يحيا بمقتضاه. ولقد مجد ~~في نابليون تمثيله للقوة، ففي شخصه تجسدت رغبة الإنسان في النفوذ والسيطرة. # ويرى «بيل» أن الإنسان خير موضوع لدراسة الأديب، فهو في كتابه «عن الحب» # 62 # يبحث هذه العاطفة بحثا تحليليا دقيقا وينفذ إلى صميمها ما وسعته قدرته ~~على التفلسف والتأمل، وهي قدرة محدودة على كل حال، لم تبلغ ما قد يبلغه الفلاسفة. ورأيه ~~في النقد الأدبي - وهو رأي مهد به الطريق إلى «تين» - هو أن الأديب حاصل جمع الظروف ~~التي أحاطت به، فادرس نشأته ووسطه وتربيته وسائر العوامل التي أثرت فيه دراسة دقيقة يكن ~~لك كل ما تريد من أدبه وما يحويه من عناصر. وبهذا الرأي نفسه تأثر في كتابته للقصة، ~~فهو في أدبه القصصي يتتبع هذه العناصر المتفرقة التي تتجمع في نفس هذا أو ذاك من الناس ~~وتكون له عاطفته أو إرادته وطرائق سلوكه. ومن قصصه «الأحمر والأسود» # 63 # وبطلها رجل من طبقة دنيا استبدل بالرداء الأحمر رداء القساوسة الأسود ~~ليصنع تحت ستاره ما يريد من نفاق وتضليل وغدر وإجرام. ولعله بذلك يشير إلى المخرجين ~~اللذين بثت خلالهما الإنسانية في عهده نشاطها وحيويتها، فقد أجرت هذا النشاط وهذه ~~الحيوية في الحروب النابليونية، ثم أعقب ذلك حركة رجعية أرادت أن تسترد ما أضاعته تلك ~~الحروب. وفي قصة ms0957 «راهبة بارما» # 64 # يصور لنا إيطاليا إبان القرن التاسع عشر وما عرف به أهلها عندئذ من طبائع ~~وأخلاق، وقد أجرى في هذه القصة وصفا لمعركة «ووترلو» التي مني فيها نابليون ~~بالهزيمة التي قضت عليه، وجاء الوصف حيا صادقا لأن كاتبه خاض المعركة جنديا ~~محاربا. # لم يكن ل «بيل» قدرة الفنان الممتاز في مرونة الخيال، وإنما انحصرت كفايته في صدق ~~نظراته التحليلية التي تعتمد على القوة العاقلة في الكاتب، ولا شك أن لهذه النظرات ~~الصادقة قيمتها، لكنها في النهاية لا تكون قصة من الطراز الأول. ~~(2) جورج سان # George Sand ~~(1804-1876م) # وهذا كذلك اسم مستعار لامرأة تسمى «لوسيل أورور» # 65 # كانت مثالا في أدبها القصصي للاتجاه الوجداني الذي يريد من الأدب ~~تعبيرا عن شخصية الأديب لا أكثر ولا أقل. فإن كان «ديماس» يصور العصور السالفة، وإن ~~كان «بيل » يرسم الواقع من حوله، فهذه الكاتبة تتخذ من القصة أداة للتعبير عن نفسها. ~~ونحب أن نلفت نظر القارئ إلى أنه قد لا يكون ثمة تعارض بين أن تصور الواقع حولك إذ تصور ~~نفسك، بل إن ذلك ما حدث لكاتبتنا هذه، وما يحدث في معظم الحالات التي يحاول فيها الأديب ~~أن يعبر عن نفسه؛ فالعبرة بطريقة التصوير، فإن صورت الدنيا الواقعة كما هي لا كما تتأثر ~~بها أنت فأنت واقعي النزعة والاتجاه، أما إن صورت دنياك كما يتردد صداها في نفسك فأنت ~~من أدباء الوجدان، ومن هؤلاء كانت «جورج سان» في الشطر الأخير من حياتها ~~الأدبية. # ولدت لأب ضابط من أسرة عريقة في خدمة الجيش، وأم من الطبقة الدنيا، فاجتمعت فيها ~~خصائص الطبقتين العليا والدنيا على السواء. وقد قضت أولى سنيها في بيت جدتها في الريف ~~حيث الغابات والأزهار والمروج والنجاد المعشوشبة والوهاد الباسمة بخضرتها، وحيث الحقول ~~تمتد فيها آثار المحراث خطوطا خطوطا، وحيث الزارعون في حياتهم الساذجة يحرثون الأرض ~~ويروونها، ويجمعون الحصاد ويخزنونه، ويجتمعون في المساء ليستمعوا إلى حكايات فيها ~~البساطة وفيها ما يشبع العقول التي تصدق الخرافة؛ ومن ذلك كله تلقت الكاتبة أول ms0958 دروسها. ~~فلما أرسلت في عامها الثالث عشر إلى باريس لتبدأ حياة دراسية منظمة في أحد الأديرة، كان ~~ذهنها قد اختزن محصولا ثمينا يصلح للقصة حين تبدأ في كتابة القصة، وأخذت تغذي عقلها ~~بقراءة واسعة المدى منوعة الألوان، فقرأت فيما قرأته شعرا وتاريخا وفلسفة، لا تضع ~~لقراءتها خطة أو نظاما، ولا تمل القراءة مهما يكن موضوعها؛ قرأت ل «شاتوبريان» كتابه ~~«عبقرية المسيحية» ثم قرأت «روسو» و«بيرن». فلما بلغت من العمر ثمانية عشر عاما تزوجت ~~من رجل لم يصلح لها زوجا؛ إذ لم يكن يعمر قلبه تلك المشاعر، ولا رأسه تلك الخواطر التي ~~كان لا بد منها لتجعل منه زوجا ملائما لها، وأنجبت منه طفلا وطفلة، وبعدئذ لم تستطع ~~الحياة معه فظفرت منه بطلاقها، واعتزمت أن تعيش على فنها وأدبها في باريس. # فها هي ذي تارة ترسم الطيور والزهور لتزين بها علب السجائر فتكسب من وراء ذلك رزقها، ~~وها هي ذي طورا تعمل في الصحافة فيعوزها بعض الصفات العقلية التي لا بد منها للصحفي، ~~لم يكن في مستطاعها أن تلجم قلمها فيكتب النتف القصيرة؛ لأن خيالها ذو جناحين قويين ~~عريضين إذا ما رف مرة واحدة وجدته يحلق سامقا ولا يستطيع الوقوف إلا وقد امتلأت من ~~الصحيفة بعض أعمدتها. ثم ها هي ذي تدلي بدلوها في القصة، وهي المجال الذي كتب لها أن ~~تجول فيه وتصول؛ فاشتركت مع زميل لها يدعى «ساندو» # 66 # في إخراج قصة «وردي وأبيض»؛ # 67 # فإن كان اسم زميلها «ساندو» فلماذا لا تطلق على نفسها «سان» ليتم التوافق ~~بين الاسمين؟ ثم إن كان عدد عظيم من الرجال في ريفها الذي نشأت فيه قد تسموا باسم ~~«جورج» فلماذا لا يكون لها هي الأخرى هذا الاسم مثلهم؟ وإذن فلتطلق هذه المرأة التي ~~لبست ثياب الرجال، على نفسها اسما من أسماء الرجال، وليكن اسمها فيما بعد «جورج ~~سان». # أرأيت الينبوع ينبثق فيه الماء دفاقا في غير عناء لأن طبيعته هي أن يدفق الماء؟ كذلك ~~كانت «جورج سان» في إنشائها لقصصها؛ تجلس إلى ms0959 مكتبها في الساعة العاشرة، وذهنها خال لا ~~يكاد يشتمل على تخطيط تقريبي لما يكتب، لكنها تجري القلم على القرطاس، فتستدعي الصور ~~بعضها بعضا، ويظل القلم يسيل بالقصة سيلا حتى الساعة الخامسة، كأنما القصة تكتب ~~نفسها، وكأنما فضل الكاتبة هو أن تمسك بالقلم بين أناملها، وعلى القلم أن يرسم لنفسه ~~الطريق! وهكذا دواليك كل يوم، جلوس إلى مكتبها في العاشرة وكتابة موصولة تنبثق من قلمها ~~انبثاق الماء من ينبوعه حتى الساعة الخامسة. وتصوير إنشائها على هذا النحو قد يوهمك أن ~~أدبها آلي يخلو من الفن ويعوزه التفكير، وحقيقة الأمر في إنشائها هي أن القصة في يدها ~~كانت تنمو كأنها الكائن الحي يبدو بذرة صغيرة ثم يظل آخذا في النمو حتى يورق ويترعرع ~~وينتج الثمار. هكذا كانت «جورج سان» تبدأ وليس في ذهنها من قصتها إلا نواة لا يكاد يكون ~~لها شكل وصورة، وما تزال تنمو على تتابع الصفحات يوما بعد يوم فإذا بها قصة ~~كاملة. # كانت «جورج سان» بادئ ذي بدء تقتفي أثر «روسو» و«شاتوبريان» وكان موضوع قصصها الحب ~~وما يحيط به من عواطف؛ وأخرجت من القصص في هذا الموضوع «إنديانا» # 68 # و«فالنتين» # 69 # و«ليليا» # 70 # و«جاك» # 71 # وأخذت في هذه القصص تدافع عن العاطفة وما ينبغي أن يكون لها من الحق في ~~التعبير عن نفسها. وهذه القصص الأربع وجدانية بثت فيها الكاتبة أسرار قلبها الجريح، فمن ~~الإجرام أن يتم زواج - كزواجها - بغير حب صحيح، ومن الطغيان أن يستبد الرجل وأن تستعبد ~~المرأة. لكل إنسان فرديته وشخصيته وإنسانيته، رجلا كان أو امرأة؛ تلك هي صرخة «جورج ~~سان» التي بعثتها مدوية في قصصها الأولى التي عرفت كيف تصهر تجاربها الشخصية بشواظ من ~~لهيب خيالها فتحيلها قصصا غراميا جميلا. # في تلك القصص الأولى كان خيالها قويا، لكن فكرها لم يكن قد عمق تياره بعد، كلا ولا ~~كانت ديباجة أسلوبها قد قوي نسجها، ومع ذلك فأنت لا بد مصادف فيها بين آونة وأخرى فقرة ~~أو صفحة ترتفع في رقة شاعريتها ودقة وصفها إلى أعلى ms0960 مدارج الكمال. فلما أخرجت طائفة ~~أخرى من قصصها: «أندريه» # 72 # و«سيمون» # 73 # و«موبرا» # 74 # كانت قدماها قد رسختا في الفن وأناملها قد ثبتت على القلم؛ وها هنا انفتحت ~~نوافذ نفسها للعالم من حولها، فبدل أن تبث أنينها وشكواها في قصصها، أخذت تتلقى من ~~الدنيا الخارجية الدوافع والمؤثرات والآراء والأفكار. واختلط في عقلها شيء من الشعور ~~الديني بشيء من الحماسة نحو النهوض بالإنسانية قاطبة، مع ميل إلى المذهب الاشتراكي ~~الذي بدا لها أداة صالحة لما أرادته للإنسانية من نهوض، وبهذا الرأي وهذا المذهب ~~الاجتماعي أخرجت قصص «جان» # 75 # و«طحان أجريبو» # 76 # و«خطيئة مسيو أنطوان» # 77 # و«كونسويلو» # 78 # وها هنا تجد الفكرة غالبة على الفن القصصي؛ فالكاتبة تريد أن تنشر مذهبا، ~~ولا تقصد قبل كل شيء إلى متعة القارئ، وبهذا انتقلت إلى مرحلة ثانية من أدوار حياتها ~~الأدبية. # ثم انتقلت بعد هذه المرحلة الثانية إلى مرحلة ثالثة، فهي الآن لا تريد أن تقصر القصة ~~على تجاربها الشخصية في حبها وزواجها كما فعلت في المرحلة الأولى، ولا تريد أن تجعل ~~قصصها أدوات لنشر مذهب اجتماعي كما فعلت في المرحلة الثانية، إنما أرادت أن تعود إلى ~~مجالي الريف لتزور الفقراء في دورهم المتواضعة وتريك كيف يحيا هؤلاء، ثم لتسايرك في ~~مماشي الريف وحقوله وعلى مشهد من مناظره. ولم يكن التغني بمباهج الريف مألوفا في الأدب ~~الفرنسي، لكن هذه الكاتبة وجدت تلك المباهج كامنة مستقرة في أعماق نفسها تجمعت هناك منذ ~~أيام الطفولة الأولى، فأخذت تجري ذكرياتها على سن قلمها أدبا رائعا. ومن قصص هذا ~~العهد «بركة الشيطان» # 79 # و«فرانسوا اللقيط». # 80 # وكأنما أرادت «جورج سان» ألا تسدل ستار حياتها على قصص الفقر والبؤس، فانتقلت في آخر ~~مراحلها إلى ربوع العلية تصورها إلى جانب تصويرها لأبناء الريف السذج. وكانت تقدمت بها ~~السن وفاض منها كأس التجارب، وازداد قلبها رقة ووداعة، فطفقت تكتب القصص لتروي لأحفادها ~~الصغار، ثم تكتب القصص للناس عامة وكأنهم في عينها حفدة صغار أيضا تروي لهم القصص على ~~النحو الذي تروي به ms0961 الجدة حكاياتها على الحفدة الصغار. وكان أكثر الناس استدرارا ~~لعطفها أهل الريف، وأصحاب الفنون، وأجدر الأنماط البشرية بدراستها الرجل الذي يجد من ~~طبيعته ميلا إلى الركون إلى امرأة أقوى منه شخصية لتكون له دعامة، والفتاة التي يتوسط ~~عمرها بين الطفولة والمراهقة. وأسلوبها في قصصها سلس دفاق لا تعترض مجراه الصخور ~~والجنادل، فيه اتساق صوتي في غير تكلف ولا تعقيد، وهو يصور الجمال في صفاء وهدوء كما ~~يصور المنظر الريفي الجميل نهر رائق ساكن. ~~(3) أونوريه دي بلزاك # Honoré de Balzac ~~(1799-1850م) ~~«جورج سان» و«بلزاك» تعاصرا في كتابة القصة، وكانت الأولى وجدانية الأدب، بمعنى أنها ~~تعبر عن نفسها، فإن صورت الواقع بما وهبها الله من دقة في الملاحظة، صورته كما وقع في ~~نفسها، وكان الثاني واقعي الأدب، إلا أن واقعيته كانت تنتابها الأحلام والأشباح آنا ~~بعد آن. # ولد «بلزاك» لأب درس القانون، فاختار لابنه الطريق عينها. ودرس الابن القانون كما ~~أراد له أبوه، لكنه صمم أن يجعل قلمه مصدر رزقه. وكان يلوح له وللناس بادئ ذي بدء أن ~~هذا الرجل بما أوتيه من قوة وقدرة وإرادة مستطيع أن يشق طريقه في يسر إلى الثروة ~~والشهرة في آن معا. لكن الثروة والشهرة مطلبان كثيرا ما يستعصيان حتى على ذوي القوة ~~والقدرة والإرادة، وقد استعصيا حينا على «بلزاك»، فكنت تراه يحاول هذه الصناعة مرة ~~وتلك الصناعة مرة، ولا يكاد يصيب شيئا مما يريد؛ فها هو ذا يخرج رواية تمثيلية عنوانها «كرمول» # 81 # فيسخر منها كل من رأى مخطوطها ولم تجد طريقها إلى المطبعة سهلا معبدا، ~~ثم ها هو ذا يخرج القصص، لا ليقبل الناس على قراءتها، بل لتطوى في غمر من النسيان؛ ~~فليكن إذن ناشرا لا كاتبا ليكسب القوت، وليكن طابعا، فيعود عليه النشر وتعود عليه ~~الطباعة بعبء ثقيل من الدين؛ وبلغ من عمره العام الثلاثين، فأصدر قصة تقوم على أساس من ~~التاريخ على النحو الذي تراه في قصص الكاتب الإنجليزي «وولتر سكت»؛ عنوانها ~~«الثائر الأخير»، # 82 # فصادفت عند الناس شيئا من القبول. # وما ms0962 هو إلا أن وجد «بلزاك» نفسه محوطا بالجو الذي يستطيع أن يتنفس فيه، حتى واصل ~~الكتابة للصحف تارة وللكتب طورا، وتستطيع أن تقول إن «بلزاك» منذ أخذ القلم يجري بين ~~أصابعه إلى اليوم الذي لاقى فيه منيته، كان يحيا مع ناس خلقهم له خياله على غرار ~~الواقع؛ فقد كان له أصدقاء قليلون، لأنه لم يجد للأصدقاء متسعا من الوقت؛ إذ كاد لا ~~يغادر مكتبه إلا إلى سريره، فهو يأوي إلى فراشه مع الغروب ليستيقظ إذا ما انتصف الليل، ~~فيشرب قدحا أو قدحين من القهوة ليحرك بهما نشاط ذهنه، ثم يكتب، فإذا بالصفحات تمتلئ ~~واحدة بعد واحدة لا يكاد كاتبها يتنبه إلى نفسه حتى ينتصف النهار، وعلى هذا النحو قضى ~~عشرين عاما حتى أضناه الجهد ففارقته الحياة. # كان إحساس الكاتب بالحياة قويا ناصعا، يدرك من تيارها بلمحة واحدة كل ما يمكن لعين ~~الرائي أن ترى، ولقلم الكاتب أن يصف ويحلل؛ فكل حواسه منصرفة إلى الواقع حوله، وكل ~~عواطفه تدور حول الأشياء التي تراها الأبصار وتمسها الأيدي؛ وكل همه هذا المجتمع ~~الإنساني وما يحركه من دوافع، هذا الميدان الذي يعترك الناس فيه تنازعا على بقائهم، ~~هذا الصراع الذي لا ينقطع ولا ينتهي سعيا وراء المال وقوة السلطان، هذا الجهاد ~~الذي ينتهي إلى النصر حينا وإلى الهزيمة حينا. هذه الإرادة القوية الكاسحة التي ~~تبدو في بعض الأفراد فتنثر عن طريقها الضعاف يمينا ويسارا، وتدوس الصرعى تحت أقدامها ~~وهي ماضية في سبيلها. هذا الطموح بما يقتضيه من صفات نبيلة وصفات خسيسة في آن معا، وما ~~يتطلبه من شهامة البطولة آنا ومن قسوة الطغيان آنا؛ هذا هو ما صرف إليه «بلزاك» كل ~~انتباهه ليستخرج منه العوامل المحركة فيضفي عليها ثوبا من خياله ويقدمها للناس قصصا ~~رائعا؛ فما رأته عيناه وما خلقه خياله لا يضيع منهما ذرة واحدة، إذ يجريهما على قلمه، ~~فإذا القارئ يحس أنه يرى بعينه وبخياله ما وقع للكاتب. # لكن عبقرية «بلزاك» لم يكن قوامها إحساسا رقيقا دقيقا، بل كانت على كثير من ms0963 الغلظة ~~والخشونة، فليس هو الكاتب الذي تبادره النكتة الفطنة أو يسارع إليه اللفظ الذي ~~يقتضي الذوق الاجتماعي أن يقال في مناسبة معينة. وليس هو الكاتب الذي يقف طويلا ~~ليناقش نفسه الحساب على ما يقول ويفعل، أو الذي يحاول أن يكون خافت الهمس رقيق اللمس ~~فيما يكتب. وليس هو الرجل الذي تضعه في وسط من علية القوم فيزن تقاليده وزنا دقيقا ~~يرضى عنه ذلك الوسط وأوضاعه؛ ولهذا كله تراه في إنشائه يقذف عبارة بعد عبارة كأنه يرمي ~~في كومة مهوشة حجرا فوق حجر، فالأدب عنده - فوق أنه فن جميل يستمتع به الفنان - أداة ~~لجلب الشهرة وكسب المال. # ولعل ذلك يفسر لنا ناحية من أدب «بلزاك» فقد أخطأت عيناه ملامح الطبقة العليا من ~~المجتمع، ولم يدرك من حياة الأشخاص رقيقها ورشيقها؛ فليس في وسع خياله - مثلا - أن ~~يصور لك سيدة من اللائي يجعلن رشاقة الحركة ورقة النبرة لب الحياة وصميمها، أما مجاله ~~الصحيح فالطبقتان الوسطى والدنيا بما فيهما من صخب وجهاد. ذلك هو المحيط الذي وجه ~~إليه دراسته فدرس كل نواحيه؛ الشارع والبيت والغرفة، فهذه كلها يهتم لها كما يهتم بمن ~~يسكنها وينشط فيها من الناس، لأنها القوقعة الطبيعية التي ينمو فيها الكائن الحي ~~الذي هو بصدد تحليله وتشريحه، هي التي تحد تصرفه وتشكله فيصبح على النحو الذي ~~نراه. وقد خلق «بلزاك» بقوة خياله ما يقرب من ألفي شخص، كل واحد منهم كامل الخلق ~~والتكوين، وكثيرا ما يجعل في الفرد مركزا واحدا تصدر عنه كل أفعاله، كحب المال أو ~~الطموح إلى الشهرة، أو السعي وراء القوة، أو هذه الغريزة أو تلك من غرائز الإنسان التي ~~تهبط به إلى مستوى الحيوان. لكن الفرد يعيش في وسط من الأحياء والأشياء يؤثر فيها ~~ويتأثر بها، فلا بد عند تصويره من وضعه في بيئته التي يستمد منها القوة والتي يكافح ~~فيها ويجاهد. # كانت الأعوام العشرة الممتدة بين 1830 و1840م، أي حين كان الكاتب بين الثلاثين ~~والأربعين من عمره، أخصب فترة في حياته الأدبية من حيث الجودة، ms0964 ففيها أنتج آياته «جلد مشغول» # 83 # و«يوجين جرانديه» # 84 # و«البحث عن المطلق» # 85 # و«الأب جوريو» # 86 # وغيرها، وقد أطلق على هذه المجموعة من قصصه «الملهاة البشرية»، # 87 # لأن «بلزاك» أراد أن يصنف قصصه في مجموعات تضم كل منها المتشابهات. وهذه ~~الرغبة منه في التبويب هي في الحقيقة فرع عن رغبة أعم وأشمل في أن يجعل من أدبه سجلا ~~شاملا لشتى نواحي الحياة الاجتماعية في عصره: الحكومة والكنيسة والجيش والقضاء ~~والطبقات الاجتماعية؛ العليا منها والوسطى والدنيا على السواء، وأهل الريف وأصحاب الفن ~~ورجال الصحافة والأدباء والممثلون والتجار على اختلاف طبقاتهم، والمجرمون، إلى آخر ما ~~يمكن أن يعد هيئة بذاتها من هيئات المجتمع وطبقاته. ثم أراد «بلزاك» أن يحرك هؤلاء ~~الأشخاص والجماعات في مناظر مختلف ألوانها، فمنها الريفي ومنها ما يصور مناظر باريس، ~~ومنها ما يحيط به جو السياسة أو جو القتال، أو جو الحياة الفردية الخاصة، ثم يقرن هذا ~~كله بدراسات فلسفية في العواطف الإنسانية وتحليله. فقد حاول «بلزاك» أن يكون إلى جانب ~~أدبه فيلسوفا، لكن آراءه الفلسفية كانت ضحلة أو كانت محاكاة لغيره لا أصالة ~~فيها. ~~(4) بروسبيه مريميه Prosper Mérimee ~~(1803-1870م) # عندما بسطنا في مواضع مختلفة مما سلف عناصر الأدب الابتداعي، حاولنا أن نبرز من ~~بينها عنصرا يكاد يكون لها أساسا ومحورا، وذلك هو التعبير عن فردية الأديب الكاتب، ~~ثم قلنا إن هذه الفردية المتمثلة في الأدب هي التي تجعله وجدانيا أو غنائيا، سواء ~~أكان الأثر الأدبي قصيدة أم قصة. أما إن وصف الأديب الأشياء كما هي، لا يجعل من نفسه ~~عنصرا إلا بالحد الأدنى الذي يجعل الكتابة أدبا، فذلك أدب واقعي اتباعي في صميمه. ~~لكن هل يستحيل أن يكون الأدب ابتداعيا دون أن يكون وجدانيا؟ ألا يمكن أن يكتب ~~الأديب الابتداعي أدبا موضوعيا خالصا، يكتم فيه وجهة نظره وينظر بين الفينة والفينة ~~إلى الناس نظرة سخرية واستعلاء؟ ذلك هو ما حاول أن يصنعه «مريميه» في قصصه. # كان «مريميه» من هؤلاء السادة الذين صقلهم التهذيب الاجتماعي؛ فأنت قد ترى الرجل ms0965 ~~سيدا مصقولا بفطرته كأنما هذبته يد الله، وقد ترى الرجل مصقولا بتطبعه لا بطبعه ~~هذبته التربية والوسط الاجتماعي لا الفطرة والغريزة. و«مريميه» من هذا الفريق الثاني، ~~هو رجل كأنما صقل صقلا صحيحا لا خطأ فيه، كما تركب الجملة وفق قواعد النحو والصرف؛ ~~ومثل هذا الرجل الذي هذب هذا التهذيب لا ينبغي له أن يبدي للناس انفعاله إذا انفعل، ~~ولا أن يعبر عن عاطفة له إذا أحس بها تجيش في صدره، ولا أن تأخذه الحماسة لفكرة أو شيء ~~مهما تكن الفكرة ومهما يكن الشيء، لأن التحمس فيه انفعال يضطرب معه الاتزان المطلوب؛ ~~ولا ينبغي أن يكون له عقيدة تملك عليه فؤاده، ولا بد له أن يعلو على الضعف البشري بكافة ~~نواحيه، فلا يبدو في صورة العاجز المحتاج، وله إن أراد أن ينظر للحياة نظرة العابس ~~المتشائم على شرط أن يهيمن على تشاؤمه هذا فلا يحميه بحرارة الإيمان، وله إن أراد أن ~~يسخر من الناس، على شرط أن تكون سخرية مقنعة. وإن حدث لمثل هذا الرجل - الذي هذبته ~~التربية هذا التهذيب - أن يكون أديبا، فلا بد أن يكون أديبا أنيقا في تفكيره ~~وتعبيره؛ فلا يكتب قط ما يثير في القارئ ضحكة عالية، ومع ذلك فيستطيع بقوة فنه أن يجعل ~~من الأثر الأدبي موضوعا للضحك والسخرية؛ ومثل هذا كان «مريميه». # كان ل «مريميه» خيال خصب قوي، وبصيرة نافذة إلى أعماق الناس فترى مكوناتهم وعناصر ~~شخصياتهم، كما كانت له أنامل الأديب الفنان. ومما أنتجه «كارمان» # 88 # و«كولومبا» # 89 # وكل منهما بمثابة قطعة وصفية لجانب من جوانب النفس البشرية، جاء فيها ~~الكاتب بالحق الذي هداه إليه صدق نظره؛ والأدب فيها موضوعي ابتداعي في آن واحد؛ فهو ~~موضوعي لأنه يوهم القارئ أن لا شأن للكاتب بما يحدث لأشخاص القصة، فلا هو يسر بسرورهم ~~ولا هو يحزن لحزنهم، كأنما هو عالم أثري يحفر الأرض ليخرج منها المخلفات فيعرضها في ~~متحف كما هي، وهو ابتداعي - لا لأنه يعرض نفس الأديب كما عهدنا في الأدب الابتداعي - بل ~~هو ابتداعي ms0966 بمعنى معكوس، بمعنى أن الأديب يحاول أن يسدل على نفسه قناعا حتى لا يراها ~~القراء، لكن «مريميه» لم يستطع أن يظل قابضا على عنان نفسه لا يبديها لقرائه؛ فقد ظهرت ~~بعض عواطفها جلية في «خطابات إلى مجهولة». # 90 ~~(ج) التاريخ والنقد ~~(1) أوغسطين ثييري # Augustin Thierry ~~(1795-1856م) # تغيرت كتابة التاريخ في فرنسا إبان القرن التاسع عشر لما تغيرت وجهة النظر الفلسفية ~~عند الفرنسيين؛ فقد كان القوم قبلئذ يأخذون بفلسفات تزدري العصور الماضية وتنظر إلى ~~آرائها وأفكارها نظرها إلى الخرافة. أما في هذا العهد الجديد فقد تغيرت وجهة نظرهم ~~وأصبحت فلسفتهم أن يأخذوا من كل عصر ما يروق من فلسفته، مهتدين في هذا الاختيار بالذوق ~~ودليل القلب أكثر منهم بالعقل والمنطق؛ ولهذا أخذوا ينظرون إلى ديانات الأقوام المختلفة ~~نظرة عطف وتقدير، لا يعميهم الهوى ولا يصم التعصب آذانهم. كذلك أداروا أعناقهم إلى ~~العصور الوسطى وعقائدها وأفكارها، بعد أن كانت هنالك قطيعة فكرية بين العصر الحديث وتلك ~~العصور، على اعتبار أنها عصور مظلمة لا خير فيها ولا غناء. وكان رائد الطريق في ذلك ~~التجديد في الأدب التاريخي هو «ثييري» الذي قرأ صفحات من أدب «شاتوبريان» فوجدها ~~مترعة بشعور العطف على العصور الماضية، فأوحت له تلك الصفحات بما ينبغي هو أن يؤديه، ثم ~~قرأ فيما بعد «وولتر سكت» الأديب الإنجليزي الذي كتب القصة التاريخية فبلغ بها حد ~~الكمال، فركزت في نفسه العقيدة بأن التاريخ لا بد أن يكتب على نحو جديد يستخدم قوة ~~الخيال، فهذه المهازل التي يخرجها الناس ويسمونها تاريخا تحرج الصدر وتثير النفس، ~~فكاتبو التاريخ إما ينقصهم العلم فهم عمي عن الحقائق لا يبصرونها، أو ينقصهم الخيال ~~فيرصون لك الحقائق رصا لا تصوير فيه؛ وإذن فلا بد له أن يقدم للناس طريقة جديدة في كتابة ~~التاريخ، فيها العلم بالحقائق وفيها إبداع الخيال في الوصف والتصوير. # على هذا الأساس أصدر «ثييري» «خطابات في تاريخ فرنسا» # 91 # ثم عقب عليه ب «تاريخ غزو إنجلترا» # 92 # وفي كلا هذين المؤلفين وفق الكاتب توفيقا عظيما في ms0967 تطبيق طريقته، فلو ~~كان الماضي عظاما رميما في أيدي سواه من المؤلفين، فقد أحيا هذا المؤرخ عظام الماضي ~~وهي رميم؛ إذ كانت له موهبة عجيبة في فهم النصوص القديمة، استطاع بها أن يلمس من خلال ~~سطورها حياة الأقدمين كأنها حياته هو التي يعيشها ويحياها. وما إن جاوز هذا المؤرخ ~~الأديب عامه الثلاثين بعام واحد حتى فقد البصر بين الوثائق والكتب، فعاونه أخوه، وعاونه ~~أصدقاؤه، وعاونه كاتمو سره، ثم عاونته امرأة أخلصت له الحب وكانت له فيما بعد شريكة ~~حياته؛ عاونه هؤلاء جميعا على المضي في عمله، فأصدر «قصص عن الميرفنجيين وعصورهم» # 93 # ثم «مقال في تاريخ تكوين السلطة الشعبية» # 94 # أصدر هذين وهو ضرير؛ ولم تحد هذه الإصابة في بصره من رغبته في التجويد، بل ~~ازداد الرجل عناية بتجويد ما يكتبه، فيقنعه أن يقضي يومه كله في كتابة خمسة عشر سطرا ~~أو عشرين، ما دام يستطيع بهذه الأناة أن يوضح فكرته وأن يتقن عبارته؛ وكأنما المصائب ~~إذا انفتح لها الطريق توالت واحدة في إثر واحدة، فها هو ذا يصاب بالشلل وتتمكن منه ~~الإصابة رويدا رويدا، ومع ذلك جعل لفكره اليد العليا على جسده وما فيه من علل، ومضى ~~ينشد لنفسه وللناس صور الحق والجمال. وذات صباح - والصبح في الفلق لم يزل - استيقظ ~~الرجل وأيقظ من أملى عليه إصلاحا لعبارة في كتابه عن «غزو إنجلترا» وقد كان يعد لطبعة ~~ثانية؛ وشاء الله أن يختاره إلى جواره في ذلك اليوم نفسه، كأنما أراد أن تكون الرغبة في ~~التجويد وبلوغ الكمال آخر ما يهتم له في حياته وأول ما يهتم له من شئون الحياة. ولم يكن ~~«ثييري» بين المؤرخين المحدثين في فرنسا أغزرهم مادة ولا أجودهم أسلوبا، لكنه كان ~~رائدهم في الطريق الجديد. ~~(2) فرانسوا جيزو # Francois Guizot ~~(1777-1874م) ~~«جيزو» مؤرخ لكنه نفسه يكون جزءا من تاريخ أمته؛ وعنده أن واجب المؤرخ ذو شعب ثلاث: ~~أولاها تحقيق الوقائع، وثانيتها تصنيف هذه الوقائع تصنيفا يدرج الأشباه منها تحت قانون ~~واحد من مجموعة القوانين التي ينحل ms0968 إليها بناء المجتمع وآلته، وثالثتها وصف الوقائع ~~وصفا يجعلها واضحة ناصعة أمام عين القارئ؛ وكانت عبقرية «جيزو» في قدرته على التحليل ~~والتعليل، فليس هو بصاحب الخيال الذي يسلكه في عداد الطراز الأول من رجال الفن، وليس ~~هو بالذي يتغلغل في الحياة فيرى ظلالها وأضواءها ولا هو بالكاتب الذي يمتاز بجودة ~~الأسلوب، لكنه مفكر، يدرك حياة العصور السالفة عن طريق الأفكار التي سادت في تلك ~~العصور، تقرؤه فلا تجد صورا حية كالتي تنتظر من قلم الأديب، ولا تجد قلوبا نابضة ~~بالعواطف التي تستوقف نظر الرجل الذي تسيطر فيه العاطفة، بل تجد المجتمع قد انحل ~~أمامك إلى عناصر وخيوط، وتراك قد سايرت الكاتب حتى بلغت من بين هذه العناصر تلك الأسس ~~التي عليها يقوم بناء المجتمع كله، وتلك الدوافع الكبرى التي تكمن وراء تيار ~~الحياة. # وأشهر كتبه «تاريخ عام للمدنية الأوروبية» # 95 # و«تاريخ المدنية في فرنسا» # 96 # وقوام الكتابين محاضرات ألقيت في السوربون بباريس؛ وهو فيهما يذهب إلى أن ~~تقدم المدنية لا ينحصر في تطور الجماعات بل يشمل كذلك رقي الأفراد. وهو يعتقد أن سير ~~المدنية الأوروبية عامة يتمثل أصدق تمثيل في سير المدنية في فرنسا خاصة، وفي فرنسا ~~تستطيع أن ترى في جلاء كيف ساير الرقي العقلي للأفراد التطور الاجتماعي للأمة في ~~مجموعها. وفي فرنسا تستطيع كذلك أن ترى في جلاء أن المذاهب الفكرية كانت دائما تصطحب ~~بانقلابات شعبية. وفي تحليله لتاريخ فرنسا، تراه يرده إلى أساس واحد، هو سير البلاد نحو ~~الوحدة الاجتماعية والسياسية، فقد كان يسودها في الفترة التي امتدت من القرن العاشر إلى ~~القرن الرابع عشر قوى أربع أخذت تتعاون حينا وتصطرع حينا، وهي: الملكية، والنظام ~~الإقطاعي، وسواد الشعب، والكنيسة. وفي سير البلاد نحو التوحيد، سقط النظام الإقطاعي من ~~بين هذه العناصر الأربعة، وازدادت الملكية قوة بضياع القوة من أيدي أمراء الاقطاع، ثم ~~سقطت سلطة الكنيسة حين قرر الإنسان حقه في الحرية الدينية عندما نهض بالثورة ~~البروتستانتية ليظفر باستقلاله الروحي. وبقيت إذن الملكية والشعب، لكن قوة الشعب أخذت ms0969 ~~تزداد وتوسع من دائرتها، كما أخذت قوة الملكية التي كانت صاحبة الحول والطول خلال القرن ~~السابع عشر، تتناقص وتنكمش في القرن الثامن عشر حتى انتهى بها الأمر إلى زوال، ولم يبق ~~هنالك إلا عنصر واحد هو الشعب بما تقوم عليه من حكومة أقامها الشعب نفسه، وفي تنسيق ~~العلاقة بين الشعب وحكومته تقع مشكلات السياسة كلها في العصر الحديث. ~~(3) جيل ميشليه # Jules Michelet ~~(1798-1874م) ~~«ميشليه» هو أعظم من نفخوا الحياة في الماضي بقوة خيالهم، وعبروا عن روح فرنسا ~~الغابرة بفصاحة أقلامهم. ولد في باريس من أبوين فقيرين؛ فعرف الغلام وهو لم يزل في ~~نعومة أظفاره كيف يكون العسر والإملاق؛ فهذا أبوه يكدح طول يومه في صناعة الطباعة، ثم ~~لا يكاد يقوى على حماية أسرته من عادية الجوع والبرد، ومع هذه المسغبة صمم الوالد على ~~أن ينال ولده قسطا من التعليم، وكأنما استمد الولد شجاعة وبأسا من أبيه، فهو يرى أمه ~~تنوء تحت عبء من العمل لتعاون أبا يرزح تحت هم من الفقر، وإذا ما ذهب إلى مدرسته لقي ~~من زملائه زراية وسخرية، ومع ذلك كله لم ينل منه اليأس، وكلما شهد شيئا من علائم بؤسه ~~وبؤس والديه قرأ من الأدب ما يرد لنفسه الثقة، أو قصد إلى متحف ليرى من الآثار ما يغوص ~~به في أعماق الماضي لينسى هذا الحاضر المتجهم. وما أحلى أياما كان يقضيها عند عمة له ~~في الريف فتقص عليه حكايات، قدم عليها العهد، تنبئ عن فرنسا في سالف أزمانها! ولم يمض على ~~الفتى طويل وقت حتى سمع في طوية نفسه صوتا يناديه بما ينبغي عليه أن يصنعه، وهو أن ~~يحمل قلمه ليكتب التاريخ. # وفي عامه الثلاثين صدرت له باكورة آثاره، وهي «خلاصة التاريخ الحديث» # 97 # حيث استعرض فترة طويلة بقلم العالم الأديب، ثم تبع ذلك «التاريخ الروماني» # 98 # و«مقدمة التاريخ العام» # 99 # ومنذ ذلك الحين، عاش «ميشليه» في التاريخ وبالتاريخ، فهو مدرس التاريخ في ~~مدرسة المعلمين، وهو رئيس القسم التاريخي في «دار المحفوظات القومية» وهو خلف ل ms0970 «جيزو» ~~في السوربون، وهو أستاذ التاريخ والأخلاق في «كوليج دي فرانس» # 100 # وهكذا جعل الرجل حياته حياة قومه وبلاده، وقد بدأ كتابه «تاريخ فرنسا»، # 101 # وعمره عامان بعد الثلاثين، ولم يتمه إلا بعد ذلك بسبعة وثلاثين ~~عاما. # انظر إليه وقد جلس إلى وثائقه، التي نشر بعضها وبعضها لم ينشر، يستنبئها أخبار أعصر ~~خلت، وكأنه يخالط منها ناسا من لحم ودم تنصت وتحدث. له الخيال القوي الذي ينفذ به ~~خلال الصورة السطحية إلى اللب والصميم، ويأخذه العطف الشديد على ألوف من الرجال ~~العاملين تتعاقب جيلا بعد جيل في ظلام النسيان، وهو يبكي للأحزان التي يراها مرقومة ~~على الورق مدادا، وهو يفرح لخير يراه قد أصاب هذا أو ذاك ممن يستحقون الخير. وهو شديد ~~الإعجاب بمن يراه جديرا بإعجابه، شديد النقمة على من يثير فيه السخط والنقمة. يعرض ~~أفكاره فإذا هي أوعية أترعت بالعاطفة حتى حفافيها، ويعرض عاطفته فإذا هي مثقلة بالفكر ~~الرصين. على هذا النحو كان يجلس «ميشليه» إلى وثائقه، أو قل كان يجالسها، ليعيد الحياة ~~إلى ماض ثوى في أعماق القبور . وتصور «ميشليه» تاريخ أمته كائنا حيا له جسم وروح، ثم ~~نظر إلى ما كتبه أعلام المؤرخين مثل «جيزو» و«ثييري» - وقد حدثناك عنهما - فوجد أن كلا ~~منهما يتناول جزءا واحدا من ذلك الجسم أو شطرا واحدا من هذه الروح، أما هو فأمله ~~ضخم عريض، أمله أن يعيد إلى الحياة هذا الجسم كله كاملا وهذه الروح كلها تامة، أمله أن ~~يعيد تاريخ فرنسا كله، لأن تاريخ فرنسا كائن عضوي واحد يستحيل أن يتجزأ بغير أن يفقد ~~الحياة، ومذهبه في ذلك أنه إما أن يحيي التاريخ كله أو لا يصنع شيئا. # لكن هذا الشعب الذي أخذ على عاتقه أن يؤرخ له تأريخا كاملا، لا يتحرك في الهواء؛ ~~إنه يعيش على أرض لها سماتها وقسماتها، من تربتها يستمد غذاءه ومن هوائها يتنفس حياته، ~~وإذن فلتكن الخطوة الأولى من عمله العظيم أن يصف لك هذه الأرض التي عاش عليها قومه، ~~وهنا ترى «ميشليه» يصور ms0971 لك كل جزء من الأرض الفرنسية كأنه يصف كائنا حيا لا يابسا ~~من جماد، ثم ما هو إلا أن يطالعك بحقيقة يكشفها أمام عينيك، وهي أن طابع فرنسا الذي ~~يميزها هو وليد هذه الوحدة الأرضية التي تصل أجزاء البلاد بعضها ببعض فتجعلها «فرنسا». ~~وهو كلما مضى في تاريخه فترة بعد فترة يحاول جهده أن يبين لك أن الشعب الفرنسي ما غفا ~~عن الحياة قط. فها هو ذا يصل بقصته إلى القرنين العاشر والحادي عشر وما اكتنفهما من ~~ظلام، فيهتز شعوره لما يلاقيه من جهل ومن عنف في ذلك العصر. ولكن هل ماتت في الشعب ~~روحه؟ كلا! فهذا أمامك الفن القوطي، وهذه أمامك الحروب الصليبية، كلها تحدثك أن هنالك ~~أفئدة حية تعبر عن حياتها في آثار الفن وفي القتال في سبيل الدين. ثم دنا بتاريخه من ~~ختام القرون الوسطى، فبدا كل شيء كأنما زالت عنه الحياة، وبدت جموع الشعب كأنها أصنام ~~جمدت في عروقها الدماء؛ كلا! فهذه حرب المائة العام في ذلك العهد تشهد مولد الوعي ~~القومي، فمن ويلات تلك الحروب ولدت القومية الفرنسية وأصبحت فرنسا وطنا وأصبح ~~الفرنسيون أمة. # وانقضت ثلاثة عشر عاما والمؤرخ يساير أمته في نشوئها وارتقائها حتى جاوز العصر ~~الوسيط وبلغ ختام عهد لويس الحادي عشر، وهنا وقف برهة! لماذا؟ لأن التفاتة عابرة حانت ~~منه إلى برج كنيسة ريمز؛ ذلك البرج الذي جرى التقليد بأن تتوج في ظله رءوس العاهلين، ~~فرأى على حجر البرج عند أعلاه نقشا يصور طائفة من بني الإنسان وقد سيمت عذابا وشاهت ~~أجسادا! ماذا؟ أهؤلاء من الشعب الفرنسي في عهد الملكية المطلقة الذي أنا مقبل على ~~كتابة تاريخه؟ أيقع مني البصر على مثل هذا الرمز ثم أجد في نفسي الهمة لأكتب عن إيماني ~~بقوة الشعب وروح الشعب؟ لا! لأتريث قليلا حتى أتثبت مما أنا مقدم عليه؛ لألتمس العصور ~~التي تبدو فيها هذه الروح واضحة ثم أخطو خطو الحذر نحو عهد كهذا الذي سادت فيه ~~الملكية وكان الشعب بحيث أرى في هذا النقش عند ms0972 حافة البرج. وبهذا قفز المؤرخ عبر قرنين ~~أو نحو ذلك ليؤرخ للثورة الفرنسية، التي أنفق في كتابة تاريخها ثمانية أعوام، والتي ~~أخرج تاريخها كأنه ملحمة شعرية بطلها هو الشعب الفرنسي نفسه. وعاد مؤرخنا بعد هذه ~~الأعوام الثمانية التي أنفقها في تاريخ الثورة الفرنسية، إلى حيث كان قد ترك الطريق، ~~عاد إلى القرن السادس عشر يواصل تاريخه، لكن الأعوام الثمانية أنفقت في جو من الثورة ~~والثائرين لم تمض عبثا لتترك روحه كما كانت قبلها. لقد تغير الرجل وتغيرت وجهة نظره؛ ~~لقد كان مجد العصر الوسيط؛ كيف ذاك والكنيسة كانت تستبد بالناس، وكل استبداد هو الشر ~~بعينه حتى لو صدر عن الكنيسة؟ وبمثل هذا التشكك أخذ يؤرخ للإصلاح الديني وللنهضة ~~وللحروب الدينية، فجاء تاريخه هذا أقل من كتبه الأولى اتزانا وتماسكا. # وبلغ «ميشليه» عامه الرابع بعد الخمسين، وعندئذ (1852م) طلب إليه أن يقسم يمين الولاء ~~للإمبراطور، ولكن الرجل لم يرد أن يكون من أولياء هذا الإمبراطور ورفض القسم، فعزل من ~~منصبه في «الكوليج دي فرانس» وفي «دار المحفوظات»؛ وغادر باريس ليأوي إلى دار له في حضن ~~الجبل بالقرب من جنوا. وفي تلك البقعة الجبلية سكنت نفسه وفاضت عليها طمأنينة عجيبة؛ ~~ألم ينفق أعوامه في التعبير عن روح الآدميين من بني وطنه؟ ماذا لو اتجه الآن بجهده إلى ~~فريق آخر من بني وطنه يعبر عن روحهم؛ إلى عالم الطير وعالم الحشرات؟ ماذا لو عبر عن ~~روح ما لا يستطيع التعبير من خلائق الله؛ هذا البحر وذاك الجبل؟ هنا بدأ المؤرخ ينشر ~~أمامه وثائق من نوع جديد ليدرسها، نشر أمامه وثائق الطبيعة، أو قل نشرت أمامه الطبيعة ~~صحائفها وما عليه إلا أن يقرأ؛ وقد قرأ بقلب يعمره الحب لتلك الطبيعة فأضاء له الحب ما ~~تخفي من معان، ومزج روحه بروحها وهو يكتب عنها، كما كان قد مزج روحه بروح الشعب وهو ~~يكتب عنه، وأصدر كتاب «الطير» # 102 # وكتاب «الحشرة» # 103 # وكتاب «البحر» # 104 # وكتاب «الجبل» # 105 # وهي كتب أقرب إلى الأناشيد يتغنى بها محب ms0973 للطبيعة عالم بأسرارها، منها إلى ~~الرسائل العلمية، تفيض بالعاطفة فيضا، وتنهض دليلا على قلم قدير. ~~(4) آبل فرانسوا فلمان # Abel-Francois Villemain ~~(1790-1870م) # كان النقد الأدبي قبيل هذا العصر الذي نؤرخه الآن يحكم على الأثر الفني بإحدى ~~طريقتين، فإما أن يطبق عليه طائفة من القواعد التي عاشت على مر الزمان فاكتسبت مجدها ~~بالقدم، وإما أن يحكم فيه الذوق وحده. أما إن اتبعت الطريقة الأولى فالأثر الفني جميل ~~أو قبيح بمقدار ما يجري على سنن تلك القواعد الموروثة أو يبعد عنها، كما تستطيع مثلا ~~أن تحكم على جملة بصحة التركيب أو خطئه وفق مجموعة معروفة من القواعد؛ وأما إن اتبعت ~~الطريقة الثانية فالحكم هو الناقد وحده، إن قالت له أذنه هذا شعر ناب كان الشعر ~~نابيا، أو قالت إنه جميل فهو جميل. # لكن أقبل على الناس عهد جديد، هو القرن التاسع عشر، فلفهم بجو جديد هو جو العلم ~~الذي ساد إبان ذلك العهد؛ وأي علم؟ علم الحياة على وجه التخصيص، الذي شغل الأذهان ~~بنظرياته في التطور، والذي جاوز دائرة العلماء إلى الأدب وإلى الدين وإلى الاجتماع ~~وإلى كل ضرب من ضروب التفكير. إن أردت أن تدرس حيوانا فواجبك أن تتتبع نشأته وتطوره ~~لتضعه في موضعه الصحيح من شجرة الأنساب والأسلاف والأبناء والأحفاد؛ فلماذا لا يكون ذلك ~~أسلوبنا أيضا في دراسة الأدب؟ إن أردت أن تدرس أثرا أدبيا دراسة نقدية فتعقب نشأة ~~العقل الذي أنتج ذلك الأثر، وحلل عناصره لتبين كيف يمكن أن يكون ذلك الأثر حاصل تلك ~~العناصر، فإن استطعت أن ترده إلى «أ، ب، ج، د» من عوامل المجتمع والسياسة والبيئة والنزعات ~~الموروثة في الجنس الذي ينتمي إليه الأديب وفي الأديب نفسه باعتباره فردا هبط من ~~أسرة معينة في ظروف معينة؛ فقد أديت واجبك نحو النقد الأدبي الصحيح. وربما جاز لنا أن ~~نعد «مدام دي ستايل» # 106 # مؤسسة لهذا المذهب النقدي؛ فهي إذ قررت أن الشعوب التيوتونية تميل بطبعها ~~إلى الأدب الابتداعي، وأن الأمة الفرنسية تنحو بطبعها نحو الأدب الاتباعي، لا يعنيها ms0974 أن ~~تحكم أيهما أجمل، لأن واجبها نحو النقد لا يلزمها بمثل هذا الحكم، وحسبها أن تبين كيف ~~جاء اختلاف الذوق في الشعوب التيوتونية عنه في الشعب الفرنسي نتيجة لأسباب هي كذا وكذا ~~مما يؤثر في تكوين الفكر والخيال. # وهذا الاتجاه نحو تعليل الأثر الأدبي برده إلى عناصره التي كونته - ولنسمه المذهب ~~التاريخي في النقد - لم يقتصر على النقد الأدبي وحده، بل ساد الدراسة الفلسفية ~~والسياسية كذلك؛ فبينما كان «كوزان» # 107 # يدرس الفلسفة على هذا النحو، و«جيزو» يطبق الطريقة نفسها في عرضه للسياسة، ~~كان «فلمان» يدرس الأدب مستضيئا بهذا المذهب. # كان «فلمان» عالما متمكنا من الأدب الفرنسي، بل من الآداب الإنجليزية والإيطالية ~~والإسبانية كذلك. وقد أصدر «عرض للأدب في العصر الوسيط» # 108 # و«عرض للأدب في القرن الثامن عشر» # 109 # فاستعرض بهذين الكتابين آفاقا فسيحة منوعة الثمار، فكان يستحيل عليه أن ~~يطبق قاعدة واحدة، أو مجموعة قليلة من القواعد في دراسة هذه الآثار الأدبية كلها؛ ~~فاهتدى بوحي من طبيعته إلى أن يدرس كل أثر على حدة كما يدرس الكائن الحي في علم الحياة، ~~وبهذا تحدد الاتجاه نحو المذهب التاريخي في النقد، وإن يكن «فلمان» لم يحدد لهذا المذهب ~~النقدي حدودا تجعله مذهبا واضح المعالم، وإنما هداه إلى هذا الاتجاه في الدراسة ما ~~لاحظه مقابلة بين الآثار الأدبية وشتى ظواهر البيئة الطبيعية والاجتماعية؛ فهو في ~~استعراضه لعصر بعد عصر، وأمة في إثر أمة، رأى أن حركة فكرية بعينها صحبتها آثار أدبية ~~ذات لون معين، وهكذا لكل محيط فكري أدبه؛ إذن فدراسة الأدب هي أن نرده إلى هذا المحيط ~~الذي أنتجه. هذا هو ما صنعه «فلمان» في دراسته للأدب، فمهد به الطريق إلى شيخ النقد ~~الفرنسي في القرن التاسع عشر «سنت بيف»، # 110 # وإن يكن مما يؤخذ عليه أنه كان أحيانا ضحل المعرفة قليل العلم يحاول أن ~~يكسب إعجاب قارئيه بفصاحة تعبيره. ~~(5) دزريه نيسار # Désiré Nisard ~~(1806-1888م) # بينما كان «فلمان» يتجه بحركة النقد الأدبي نحو المذهب التاريخي الذي حدثناك عنه ~~الآن، وقف ناقد آخر ms0975 وقفة أخرى في عالم النقد، ذلك هو «نيسار» الذي تمثل فيه المذهب ~~القياسي في النقد، ونعني بالمذهب القياسي قياس الأثر الأدبي بقاعدة يجتمع الرأي على ~~صوابها؛ فلا بد أن يخضع النقد الأدبي لطائفة من القوانين الثابتة حتى نقضي على فوضى ~~الأذواق، أو بعبارة أخرى، لا بد أن يصبح النقد الأدبي علما من العلوم. وأهم مؤلفات ~~«نيسار» كتابه «تاريخ الأدب الفرنسي» # 111 # الذي أنتجه في أعوام طوال، والذي حاول فيه أن يخضع الأحكام الأدبية ~~للقواعد الثابتة. وطريقته هي أن يقيس الأثر الأدبي الذي هو بصدد الحكم عليه بمثل ~~أعلى كونه في ذهنه عما يجب أن يكون عليه الأدب الذي من قبيل هذه القطعة الأدبية ~~المعينة. هبنا - مثلا - نريد أن نحكم على قصيدة من الشعر الوجداني؛ فينبغي أولا أن ~~نسائل أنفسنا: ماذا نريد من القصيدة الوجدانية إن أردنا لها الكمال في نوعها؟ نريد كذا ~~وكذا من الصفات، وقد تمثلت هذه الصفات جميعا في كيت وكيت من قصائد الشعر الفرنسي من ~~جهة ومن قصائد الشعر في سائر أنحاء العالم من جهة أخرى؛ إذن فلنخبر هذه القصيدة التي ~~أمامنا لنرى إلى أي حد قد جاءت لنا بما نريد، وإلى أي حد تقرب من هذه النماذج التي ~~اتفقنا على أنها حققت الشروط المطلوبة فأصبحت مثلا يقاس عليها. والحكم بجمال القصيدة ~~أو بقبحها متوقف على هذه المقارنة وحدها، ومن رأيه أن خير ما أنتجته أقلام الأدباء في ~~فرنسا هو ما كان فيه سلطان العقل ظاهرا في التنسيق والتشذيب، فأرسل ما شئت العنان ~~لخيالك وعاطفتك على شرط أن يرضى العقل آخر الأمر عن النسب بين العناصر التي يتكون منها ~~أدبك. إذ ليس الأدب أن يطلعنا الفرد على جوانب شذوذه، إنما الأدب الصحيح أن يبين لنا ~~الأديب كيف تسير الحياة الإنسانية وفق نزعات معروفة معينة، يستطيع تبيانها وتوضيحها ~~لنزداد ببيانه وإيضاحه علما بالحياة. وليس الخيال أن تشطح في أوهام وتهاويل، إنما ~~الخيال الصحيح ظاهرة من ظواهر العقل نفسه، لأنه ينظم مجموعة من التفصيلات والعناصر ~~تنظيما يطابق منطق الحياة. ms0976 وصفوة القول عند «نيسار» أن الأديب ليس حرا فيما يكتب، ~~ليس حرا في تفكيره وخياله، بل هو مقيد بقواعد العقل، فلكل شيء حدوده التي يجب أن يقف ~~عندها وإلا جاوز ما يقتضيه العقل ويرتضيه. ومثل هذا الأدب تراه على أجود ما يكون مثالا ~~في الأدب الفرنسي إبان القرن السابع عشر، أي عهد عاهل فرنسا العظيم لويس الرابع عشر، ~~الذي يسمى في تاريخ الأدب الفرنسي بالقرن العظيم؛ وإذن فليكن الأدب في ذلك العصر ~~نموذجنا الذي نقيس عليه. # وهكذا ترى أن «نيسار» لم يكن ممن يؤمنون بأن النقد الأدبي «مسألة أذواق»، فذلك في ~~رأيه فوضى، لأنه إذا اختلفت الأذواق فلا حكم بينها. وكانت الغاية التي ينشدها «نيسار» ~~هي أن يضبط «الأذواق» بالقواعد. ولكنه من الحق أن نقول إنه حين أراد أن يجعل من النقد ~~علما ينبني على أصول ثابتة، وحين أراد أن يهتدي إلى تلك الأصول الثابتة، جعل «ذوقه» ~~حكما، فما يصح أن يتخذ نموذجا يقاس عليه هو ما صادف منه إعجابا، وقد يكون إعجابه ~~نفسه أمرا مشكوكا في سلامته؛ وإذن فقد تدهور النقد على يديه إذ أراد له ارتفاعا، ~~ولكنه في تدهوره ذاك اكتسب شيئا وهو أنه لفت الأنظار إلى وجوب العناية بالنقد الصحيح، ~~وإن شئت فقل عن «نيسار» إنه جاء بمثابة الشكيمة التي حدت بعض الشيء من رغبة في التحلل ~~من جميع القيود باسم الحرية. ~~(6) سنت بيف # Sainte-Beuve ~~(1804-1869م) # وبعد، فإن «سنت بيف» هو ناقد المدرسة الابتداعية غير منازع، وهو أعظم من نقد على أساس ~~المذهب التاريخي الذي بسطناه عند الحديث عن «فلمان» وهو المذهب الذي يفهم الأثر الأدبي بفهمه ~~للظروف التي عملت على إنتاجه، وقد نعتناه بالتاريخي لأنه شبيه بعلم التاريخ الطبيعي ~~الذي يفهم الكائن الحي بوضعه في موضعه من شجرة التطور لكي تظهر السوالف التي انتهت ~~إلى خلقه وإخراجه. # كان «سنت بيف» شاعرا وقصاصا، وكان يدرس الطب، وكان شكاكا، وكان مؤمنا، وكان ~~اشتراكيا، وكان استعماريا. مفارقات يعللها أنه كان يسبح في محيط الفكر سبحا، كلما ~~فرغ من جانب ms0977 انتقل إلى جانب آخر، فهو اليوم شكاك لأنه يدرس ويفهم ويستسيغ ما يقوله ~~الشكاكون، وهو اليوم مؤمن لأنه يقرأ ويعجب بما يقوله المؤمنون، وهكذا كلما فهم شيئا ~~تركه جانبا ليفهم شيئا آخر. # أصدر «سنت بيف» كتابه «عرض للشعر الفرنسي في القرن السادس عشر» # 112 # ليدل به على أن المذهب الابتداعي قديم في فرنسا قدم القرن السادس عشر، ثم ~~أخرج «صور أدبية» # 113 # و«صور معاصرة» # 114 # أخذ فيهما يتنقل من أديب إلى أديب، ويحلل من يتناوله بالدرس من الأدباء ~~تحليلا لا يغفل شيئا من حياته وظروفه التي كونت أدبه، حتى إذا ما أخرج كتابه «بور رويال» # 115 # كان قد بلغ بمذهبه في النقد مرحلة التحديد الواضح؛ إذ أخذ يقسم في هذا ~~الكتاب رجال الأدب أنماطا تنتمي كل مجموعة منها إلى فصيلة معينة، ويفصل لكل نمط أدبي ~~مميزاته وصفاته، بحيث لا يتعذر إذا درست أديبا أن تضعه في موضعه من شجرة الأنساب. ~~وبعدئذ أخذ مدى خمسة وعشرين عاما يدرس الأدباء أديبا أديبا، يوضح معالم كل أديب ~~ويميزه عن سواه، ومن هذه الصور يتألف كتاباه «أحاديث الاثنين» # 116 # و«أحاديث الاثنين الجديدة» # 117 # وتستطيع أن تعد هذين الكتابين بمثابة مؤلف في التاريخ الطبيعي، لولا أن ~~أنماط الأدباء قد أخذت فيه مكان أنواع الحيوان التي يدرسها التاريخ الطبيعي. وفي هذين ~~الكتابين فصل المذهب التاريخي في النقد تفصيلا، ووضح بالأمثلة الكثيرة توضيحا لا يدع ~~زيادة لمستزيد. # لم يرد «سنت بيف» - كما أراد «نيسار» - أن يجعل من النقد الأدبي علما يقوم على أصول ~~مقررة وقواعد ثابتة، أو بعبارة أصح لم يطمع في ذلك؛ إذ رآه فوق مقدور شخص واحد؛ وإنما ~~كان رجاؤه أن تكون الملاحظات الكثيرة التي يثبتها هو ويثبتها غيره من النقاد طريقا ~~ينتهي إلى تكوين العلم الذي نرجوه للنقد. وإلى أن يتم تكوين هذا العلم المنشود ويجمع ~~الرأي على سلامة أصوله وصحة قواعده لا ينبغي أن نتسرع فنضع قاعدة عامة شاملة نحكم على ~~أساسها في أقدار الأدباء، بل يجب أن يدرس كل أديب على حدة، ms0978 وبغير افتراض قواعد أدبية ~~قبل البدء في دراسته. وطريقته في الدراسة هي أن يدرس الأديب ليفهم ما أنتجه من أدب، أي ~~أن يتخذ من حياة الأديب منظارا ينظر خلاله إلى أدبه فيفهمه. فإذا أردت مثلا أن تدرس ~~شعر المتنبي فادرس كل تفصيلات حياته أولا؛ لأن شعره هو حاصل جمع العناصر التي تكونت ~~منها تلك الحياة. وهكذا كان «سنت بيف» يتناول الأديب فيحلل كل ما أحاط به وما سبقه مما ~~كان له أثر في تكوينه؛ يحلل بنية جسمه، يحلل أسرته التي هبط منها، ويحلل المجتمع ~~الذي نشأ بين أفراده، يحلل الظروف التي سايرته في تعليمه، يحلل علاقاته بأصدقائه ~~وصلاته بمعاصريه، يحلل اللحظة التي بدأ فيها أدبه في الظهور، فيم اختلفت عن سائر لحظات ~~حياته، ويحلل اللحظة التي بدأ فيها أدبه في التدهور إن كان أدبه قد اجتاز مرحلة كهذه ~~ليرى علة هذا التدهور في هذا الظرف المعين دون سواه، يحلل أتباعه ومشايعيه ومن أعجبوا ~~بأدبه، كما يحلل أعداءه ومناهضيه، فإن وجد أن هذه الجوانب كلها تلتقي في نقطة واحدة ~~واستطاع أن يصفها، كان هذا الملتقى وما يوصف به هو نقد الأديب. ولعلك تدرك من هذا أن ~~«سنت بيف» لا يقدم لك «قاعدة » تحكم بها من فورك على الأثر الأدبي أجيد هو أم رديء، إنما ~~يقدم لك «طريقة» في البحث وأسلوبا في النقد، وقد كان لهذه الطريقة أعمق الأثر في ~~الدراسات الأدبية إبان القرن التاسع عشر. # | الفصل الثاني: عصر الابتداع في فرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر # (أ) الشعر ~~(1) شارل بودلير # Charles Baudelaire ~~(1821-1867م) # لو قيس الشاعر بما له من قوة الابتكار وما له من أثر على أخلافه من الشعراء، كان ~~«بودلير» بغير شك أعظم الشعراء الفرنسيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. تلقى ~~«بودلير» قسطا لا بأس به من التعليم، على الرغم من أنه كان تحت رعاية رجل تزوج من أمه ~~بعد موت أبيه، لكنه لم يكد يشب عن طوقه حتى أرسل إلى الهند ليكسب قوته بعمله، غير ms0979 أنه ~~لم يلبث أن عاد إلى بلاده وكانت سنه قد بلغت الحادية والعشرين، فتزوج واستقل بنفسه ~~وحياته ليكون بعدئذ أديبا مذكورا. وقد لبث مقيما في باريس حتى جاوز الأربعين، ثم ~~سافر إلى بلجيكا ليحاضر في الأدب هنالك وليخرج أدبه في مجموعة كاملة، وكان أمله أن يدر ~~عليه العملان، محاضراته وكتبه، ثروة، لكن خاب رجاؤه؛ إذ لم يكد يستقر في بلجيكا حتى أخذت ~~عافيته في الانحلال، وأعيد إلى باريس مشلولا، ليموت وهو في عامه السادس بعد ~~الأربعين. # وجد «بودلير» في الأدب الإنجليزي مثاله الذي يحتذيه؛ فقد أنفق من مجهوده شطرا ~~عظيما في ترجمة «إدجر بو» # 1 # حتى كاد يترجم كل ما أنتجه «بو» بحيث كان «بودلير» يعرف في حياته بأنه ~~مترجم «بو» أكثر مما يعرف بإنتاجه الأصيل، وإنتاجه الأصيل لم يكن غزيرا بالقياس إلى ~~خمسة وعشرين عاما أنتجه خلالها، لكنك توشك ألا تجد بين سائر الآداب ما يفوقه في ~~الأصالة التي جعلت ذلك الإنتاج مطبوعا بطابع لا تخطئه العين. # عاد «بودلير» من رحلته إلى الهند ومعه بعض القصائد التي كان قد أنشأها، فأخذ ينشرها - ~~وينشر ما ينشئه وهو في فرنسا - في الصحف، ولم يصدر له ديوان يجمع قصائده تلك إلا وهو في ~~السادسة والثلاثين من عمره ؛ إذ صدر له ديوان «زهرات السوء» # 2 # وكان يحتوي على قطع أثارت غضب الحكومة إذ ذاك؛ فاستدعت إلى القضاء صاحب ~~الديوان وناشر الديوان معا، وقضت عليهما أن يدفعا غرامة معينة وأن يصادر الديوان حتى ~~تحذف منه القصائد التي عدت خارجة على القانون. ومضت سنوات أربع بعد ذلك ثم صدرت طبعة ~~ثانية للديوان حذفت منها تلك القصائد المحرمة، وأضيف إليها مجموعة جديدة. وللشاعر غير ~~هذا الديوان الذي لا يزيد على كتاب متوسط الحجم، والذي يحتوي على كل شعره، «قصائد ~~قصيرة نثرية» # 3 # تبهرك بما فيها من أصالة وابتكار، أضيفت إليها فيما بعد طائفة من القصص ~~والمقالات المختلفة في النقد الأدبي وغيره، كلها ينهض دليلا على ما امتاز به «بودلير» ~~من خلق وإبداع. # ليس ما يفتنك من ms0980 شعر «بودلير» حلاوة صياغته التي تروقك باختيار ألفاظها أكثر مما ~~تروقك بأنغام أوزانها، بقدر ما يفتنك من شعره أنه يعبر لك عن حالة نفسية عرفتها كل ~~العصور التي اهتزت بروعة الخيال ولم تسد فيها عبادة العقل وعبادة الحقائق الواقعة. شعر ~~«بودلير» يعبر لك عن حالة نفسية سادت العصور التي اهتزت بشيء من روعة الخيال، كالعصر ~~الذي سبق المسيحية مباشرة، والعصر الذي تلا المسيحية فورا، وكالعصر الذي نهضت ~~فيه أوروبا بعد رقدة العصور الوسطى، وأخيرا كالقرن التاسع عشر الذي عاش فيه الشاعر. ~~هذه الحالة النفسية التي تختلط فيها اللذائذ الحسية عند الإنسان بميل قوي ملح عند هذا ~~الإنسان نفسه أن يحلل عواطفه وخواطره تحليلا نقديا يشيع فيه شيء من اللفتة الصوفية، ~~وأقرب الشعراء في التعبير عن هذه الحالة النفسية إلى «بودلير» هما «لوكريشس» # 4 # قديما و«دن» # 5 # الشاعر الإنجليزي في القرن السابع عشر. # كان «بودلير» لمن جاء بعده من الشعراء الناشئين في فرنسا إماما في الروح والنزعة كما ~~كان «هيجو» إمامهم في الصورة والقالب. وهاك أمثلة من شعره: # الجمال # أيها البشر الفاني، ما أحلاني! كأنما أنا حلم تجمد، # وكأنما صدري - وقد سقط الناس حياله عابرا بعد عابر - # أريد به أن يوحي بالعشق للشاعر؛ # بالعشق لا يبلى، ويصمت فيه اللسان كأنه جلمد. ~~••• # كأبي الهول ألغزت، جاعلا عرشي في السماء؛ # اجتمع بياض الثلج والطير في ساحتي؛ # من أفسد الأوزان لفظت من حظيرتي؛ # ليس مني الضحك، كلا ولا مني البكاء. ~~••• # انظر إلى الشعراء إذ هم على مرأى من جلالي؛ # جلالي الذي اتخذ من آيات العالمين وشاحا، # في سبيل معرفتي ينفقون أيامهم والليالي، ~~••• # فلكي أفتن هؤلاء العاشقين # لدي صافي المرايا التي تجعل كل شيء أبهى وأجمل، # هي عيناي؛ عيناي الواسعتان اللتان تشع بالصفاء الخالد. # وهذه قصيدة أخرى له يتبين فيها خياله الغريب المبتكر: # العملاقة # مضى زمن كانت فيه الطبيعة في عنفوان قوتها، # تلد كل يوم عددا من أبنائها العمالقة؛ # وددت لو عشت في ذلك الزمن، في كنف عملاقة حسناء، # كما تلوذ قطة شهوانية بملكة فتجلس ms0981 عند قدميها، # وددت لو رأيت هذه العملاقة الحسناء تزدهر جسدا وروحا، # وتنمو إذ هي تمرح في لهوها المخيف نموا لا يعوقه عائق؛ # لأرى هل كان قلبها لينطوي على لهب دفين # وراء ما يرتج في عينيها من بليل السحاب. ~~••• # وددت لو سرت خلي البال فوق أعضائها الضخام، # وحبوت على منحدر ركبتيها الكبيرتين، # فإذا ما كان الصيف واشتد القيظ، ~~••• # واستلقت عملاقتي فوق المروج؛ # نمت في ظل ثدييها ساكنا # كأنني القرية الهادئة عند سفح الجبل. ~~(2) ثيودور دي بانفيل # Theodore de Baniville ~~(1820-1891م) # كان «بانفيل» ل «بودلير» معاصرا وصديقا، يكبره بعام، وعاش بعد موته خمسة وعشرين ~~عاما. وكان هو وصديقه يمثلان اتجاهين مختلفين في الشعر. # ولد «بانفيل» لأب ضابط بحري من أسرة عريقة، وبدأت شاعريته في الظهور وهو دون العشرين، ~~وظل يكتب في اتصال لم ينقطع مدى خمسين عاما. بدأ إنتاجه بديوان أصدره وهو دون العشرين ~~أطلق عليه «العمد التي على هيئة النساء» # 6 # فظهرت في هذه الباكورة قدرته العظيمة في قرض الشعر الجاد والشعر الهازل ~~على السواء. ومن شعره الجاد أخرج بعدئذ عدة دواوين، منها «الرواسب الكلسية المدلاة من ~~سقوف المغاور» # 7 # و«أناشيد قصار» # 8 # و«المنفيون» # 9 # كما أخرج ديوانين من الشعر الهازل يمتازان بما فيهما من حكايات رمزية ~~وسخرية، وهما «مغربيات» # 10 ~~(وقد اختار هذا الاسم تقليدا لهيجو في «مشرقيات») و«أناشيد بهلوانية» # 11 # وفي هذين الديوانين الأخيرين تجد روحا من التهكم في الشعر قلما تجد لها ~~نظيرا في الأدب الفرنسي كله. أما امتيازه في شعره الجاد فأظهر ما يكون في الصياغة ~~والقدرة على استخدام الأوزان، التي لم يكتف باستخدامها باعتباره شاعرا، بل أضاف إلى ~~ذلك أن ألف فيها كتابا أطلق عليه «رسالة صغرى» # 12 # سجل فيه قواعد العروض كما تراها المدرسة الابتداعية؛ فشرح كيف أباح «هيجو» ~~لنفسه الحرية أن يجري فيها وفق ما أملاه عليه فنه، ثم كيف صارت اتجاهات «هيجو» طرقا ~~يسلكها بعده الشعراء. ول «بانفيل» عدا ذلك روايات تمثيلية وقصص نثرية ومقالات منوعة في ~~موضوعات شتى. # وتستطيع أن تعد «بانفيل» ms0982 متمما لصديقه «بودلير»؛ فاختلافهما هو اختلاف الشيئين يكمل ~~أحدهما الآخر؛ «بانفيل» يعنى عناية بلغت أقصى حدود الدقة بأوزانه وقوافيه، وقد برع ~~براعة فائقة في إخضاع الأوزان إلى أغراضه ومراميه، فما استعصى عليه وزن ولا أفلتت من ~~زمامه قافية، بينما ترى «بودلير» يهتم بالروح فيما يكتب مكتفيا من بحور الشعر بأيسرها ~~مأخذا وأسهلها صناعة. ولما كان جزء كبير من شعر «بانفيل» مرتكزا في جودته على جودة ~~صناعته وجد كثير من النقاد ما يغريهم بإصدار حكم سريع على الشاعر بأنه سطحي ليس لبحوره ~~عمق من الروح والمعنى! وأقل ما يقال في مثل هذا النقد إنه يظلم بعض القصائد الممتازة ~~التي لا يخلو منها ديوان واحد من دواوين الشاعر الكثيرة. ومهما يكن من أمر، فالحق أن ~~«بانفيل» برع في صناعة الشعر براعة تستوقف النظر، فبغير أن يبيح لنفسه خروجا على ~~القواعد، استطاع أن يصوغ اللغة في يديه على أي نحو أراد، فالأوزان والقوافي سلسة طيعة ~~لا تعصي لفنه أمرا. # وهاك قصيدته «أيها المثال دقق البحث» # 13 # مثالا لشعره: # أيها المثال دقق البحث - إذ أنت في نشوتك - # عن مرمر جيد لتصوغ منه أصيصا جميلا، # أنعم النظر كيف تكون صورته، فلا تنقش على جدرانه # قصص الحب الغامض أو معارك الآلهة، # لا تحك عن «هرقل» # 14 # وما أصاب في قتاله من فوز، # ولا عن «أفروديت» # 15 # التي ولدت على متن البحر تفوح بالأريج، # ولا عن «المردة» # 16 # الذين منوا في عصيانهم بالهزيمة، # ولا عن «باكوس» # 17 # الذي ألجم الأسد # بلجام مضفور من غصون العنب وأوراقه، # ولا عن «ليدا» # 18 # تمرح بين طيور التم # تحت ظلال الغار الذي أينع فيه الزهر، # ولا عن «أرتميز» # 19 # وقد فزعت للماء يلطم جسمها السوسني، # فخير لك من هذا كله أن تنقش على جدران الأصيص الصافي # عرارا امتزج بأوراق الحسك المزدهر، # وأن تنقش العذارى وقد سرن الهوينى # اثنتين اثنتين، في خطو ثابت يفتن الألباب، # وقد تدلت الثياب مستقيمة على أذرعهن، # وانعقدت خصلات الشعر منهن على مشرق الجباه. ~~(3) ليكونت دي ليل # Leconte ms0983 de Lisle ~~(1820-1894م) ~~«بودلير» و«بانفيل» و«دي ليل» ثالوث تعاصر أفراده، لولا أن «بودلير» مات قبل زميليه ~~بربع قرن تقريبا؛ وقد عني «دي ليل» - كما عني زميله «بودلير» - بالترجمة إلى الفرنسية، ~~ترجمة ما يروقه من الآداب الأخرى؛ وذلك في ذاته اتجاه ابتداعي؛ إذ من تقاليد الأدب ~~الابتداعي أن يستورد ما يجري في البلاد الأخرى. وكان مما ترجمه «دي ليل» شعر الأعلام من ~~شعراء اليونان، ومما تشبث به في ترجمته إصراره على نقل أسماء الأعلام كما هي في أصلها ~~اليوناني، حتى لو نقلت إلى الفرنسية حروفا ليست من طبيعة اللغة الفرنسية. على أنه فوق ~~ذلك شاعر له قصائده الجيدة الممتازة، التي يبث فيها عاطفة المتشائم الناقم، وقد استفحل ~~معه هذا الشعور السوداوي حتى انقلب في نهاية الأمر دعوة إلى تحطيم المجتمع من أساسه، ~~وخروجا على الديانة المسيحية. # ومن شعره قصيدة «الظهر»: # 20 # إذا ما حل الصيف كان الملك للظهر تراه فوق السهل ممتدا، # تساقط رقائقه الفضية من أجواز السماء الزرقاء، # الصمت شامل، والهواء مشتعل محترق جمدت فيه الأنفاس، # والأرض في سنة من نومها تلفعت برداء من لهب. ~~••• # الفضاء فسيح والمروج لا ظل فيها، # والنبع جاف وقد كانت الماشية من مائه ترتوي، # والغابة البعيدة التي اسودت حواشيها # تراها هنالك في الأفق قد سكنت وأطبق عليها الكرى، ~~••• # أما سنابل القمح الناضجة الباسقة - وكأنها بحر من زبرجد - # فقد لبثت وحدها على مبعدة تبدي محاسنها غير آبهة بالنعاس الشامل، # وأخذت هذه الذراري الوديعة التي أخرجتها الأرض المقدسة من جوفها # تعب وحدها كأس الشمس بلا وجل. ~~••• # وتارة - كأنما تتنهد عن فؤاد يحترق - # كانت تنبعث من تلك السنابل المثقلة التي يهمس بعضها إلى بعض # موجة تسري في جلال وتؤدة # حتى إذا ما بلغت حدود الأفق المغبر لاقت فناءها. ~~••• # وعلى مقربة قبعت ثيرة بيضاء بين النجيل، # ترغي في تراخ فوق غبها المتدلي، # وتتعقب بأعين لامعة نعسانة # حلما يتردد في نفسها ما استطاعت قط أن تتبينه. ~~••• # أيها الإنسان! إذا أفعم قلبك بالغبطة أو بالأسى، # وعبرت عند الظهر وضيء المروج # فطر ms0984 هاربا! إن الطبيعة خاوية والشمس تفترس، # لن ترى ها هنا حيا، لن ترى ها هنا غبطة وأسى. ~~••• # أما إن نفضت عن نفسك الضحك والبكاء، # وأردت أن تنسى هذه الدنيا بما به اضطربت؛ # فتستطيع - وقد خلصت من عواطف السخط والإشفاق - # أن تتذوق بالحس متعة عظيمة لكنها واجمة. ~~••• # أقدم! ستحدثك الشمس طلي الأحاديث، # ذب في وقدتها التي لا تخمد، # ثم عد في خطو وئيد إلى المدائن الشائهة وجوهها، # بعد أن قد غمست قلبك سبع مرات في هذا الخلاء الإلهي. ~~(4) بول فرلان # Baul Verlaine ~~(1844-1896م) # هو بين أتباع «بودلير» أعلاهم كعبا وأطولهم قامة. وقد لقي ما لاقاه أستاذه من عنت ~~النقاد من ناحية، وبلاهة الحمقى من أشياعه من ناحية أخرى. لكنه كان كلما تتابعت عليه ~~الأعوام، ازداد منزلة عند النقاد كما يزداد شيعة من خيرة الأدباء. ونحن إذ نقرنه في ذلك ~~ب «بودلير» لا يفوتنا أن نذكر ما بين الأستاذ والتلميذ من تفاوت في الأصالة وفي قوة ~~التفكير وفي جودة الشعر، لكنه من ناحية أخرى يفوق أستاذه في تنوع أبواب القول وفي رشاقة ~~القالب الذي يختاره لشعره. وقد اختلفت نهاية حياته الشاعرة عن بدايتها؛ إذ بدأ شعره ~~باقتفائه أثر «جوتييه» في ضرورة التمسك بصحة القواعد العروضية إلى حد التزمت الذي ~~يدنو بالشعر من الجفاف واليبوسة، وكذلك تأثر خطو «جوتييه» في جانب آخر وهو نقل الصورة ~~المحسوسة التي تقع من الحياة الواقعة على عين الرائي نقلا دقيقا أمينا كأن الأديب ~~آلة مصورة أقصى غايتها نصوع الصورة المنقولة ووضوحها. ثم ختم «فرلان» حياته الشاعرة ~~بثورة على ما بدأ به تلك الحياة، بثورة على التزمت في اتباع القواعد العروضية في إنشاء ~~الشعر. ولقد كان «فرلان» في هذه الثورة مبشرا بمبدأ أكثر منه منفذا لما كان يبشر به. ~~ولسنا نريد أن نزعم أنه كان أول من صرح بتحطيم القيود التي تفرضها القواعد العروضية على ~~الشاعر؛ فقد سبقه إلى ذلك شعراء الحركة الابتداعية جميعا في الثلث الأول من القرن كما ~~أسلفنا. لكن الحركة الابتداعية تبعها رد فعل؛ إذ ms0985 نشأت جماعة من الشعراء الأوساط، لم ~~تعجبهم هذه الحرية التي أباحها الشعراء لأنفسهم، ونادوا بالعودة إلى القواعد التقليدية، ~~ومن هؤلاء كان «فرلان» أول الأمر، لكنه عاد فشق عصا الطاعة على هؤلاء، وخرج على ما كان ~~آمن به؛ فثورته في الواقع بمثابة استئناف لثورة قديمة. # عني «فرلان» أشد عناية بحلاوة الإيقاع في شعره، وهو فيما بذل من مجهود في هذا السبيل، ~~سار على منهاج اثنين من أسلافه؛ «فكتور هيجو» أولا، و«بانفيل» ثانيا. ومن أمثلة ما ~~اصطنعه في نظمه ليحقق لنفسه ما أراد من نغم موسيقي في شعره، أنه أولا لم يقيد نفسه ~~بتقليد قديم في الشعر الفرنسي، وهو أن يختم الشاعر أبياته بكلمات مذكرة ومؤنثة على ~~التوالي، فبيت قافيته لفظة مذكرة، والبيت الذي يليه قافيته لفظة مؤنثة، وذلك لا شك ~~قيد قد يفوت على الشاعر اختيار اللفظة التي تخدم النغم. ولم يستطع «فرلان» أن يحرر نفسه ~~من هذا القيد تحريرا تاما، لكنه على كل حال جاهد ما استطاع في تحطيمه. وهو ثانيا، ~~لم يتقيد بتقليد آخر في نظم الشعر؛ وهو أن يرد في البيت وقف يجب أن يوضع في مكان معين ~~منه، وعلى نسبة معينة من طرفيه. وثالثا، أطلق لنفسه الحرية في أن ينشئ أبيات الشعر ~~قوامها عدد فردي من المقاطع وكان التقليد أن يكون البيت محتويا على عدد زوجي منها. ~~ورابعا، أباح لنفسه أن يجعل قافيتين من كلمة بعينها، أعني ألا يحصر القافية في المقطع ~~الأخير، فمثلا بدل أن تكون القافيتان المتتاليتان كلمتين مثل: «قوافي وفيافي» وهما ~~متحدتان في الجزء الأخير منهما فقط، لم ير «فرلان» ما يمنعه من أن يجعل القافيتين ~~المتتاليتين «فيافي وفيافي» وهو شيء لم تكن ترضاه تقاليد الشعر. كل هذه وغيرها أفسحت له ~~في مجال اختيار ألفاظه، اختيارا يرضي أذنه قبل أن يرضي القواعد، فوفق فيما أراد كل ~~توفيق. # ومن شعره: # قبل أن يغرب عن السماء شعاعك # يا نجمة الصباح الشاحبة # أخذت ألوف «الحمام» # تغني، تغني بين أعواد الأشجار ~~••• # وجهي شعاعك نحو الشاعر # الذي تفيض بالحب ms0986 عيناه. # إن القبرة # لتصعد صوب السماء مع الصباح، ~~••• # صوبي ها هنا عينك التي بهت لها # الفجر في لا زوردي السماء. # يا لها من نشوة # سرت في حقول القمح الناضج! ~~••• # ثم بشعاع منك اجعلي فكري # ها هنا يسطع بعيدا بعيدا! # إن الندى # قطره الوردي فوق العشب وضاء، ~~••• # وبنورك انسلي إلى الحلم الجميل # الذي تحلم به الآن حبيبتي وهي نائمة ما تزال؛ # أسرعي! أسرعي! # فها هي ذي الشمس ترسل شعاعا من ذهب. ~~(5) ستيفان مالارميه # Stèphane Mallarme ~~(1842-1898م) # سنتحدث الآن عن شاعر ختم دولة الشعر الفرنسي في القرن التاسع عشر، ليسيطر بقوته على ~~الشعر في فرنسا إلى يومنا هذا، لأنه لفت الأنظار لفتة جديدة، فيها بهاء الجديد وفيها ~~غرابته في آن معا، ونعني بهذا الاتجاه الجديد الشعر الرمزي. # كان «مالارميه» يكسب عيشه من تدريس اللغة الإنجليزية في مدارس الدولة في فرنسا، وكان ~~مدرسا فاشلا من ناحيتين، فلا هو أتقن فن التدريس، ولا هو تمكن من المادة التي كان ~~يدرسها! ومع تقصيره عن بلوغ الكمال في معرفة اللغة الإنجليزية، فقد أحب الشعر الإنجليزي ~~حبا لعله كان مصدر مذهبه الجديد، وأحب من شعراء الإنجليزية بصفة خاصة «إدجر ألن بو» ~~وترجم عنه إلى الفرنسية بعض شعره - كما ترجم عنه كذلك «بودلير» - أليس «مالارميه» يقرأ ~~القصيدة الإنجليزية فلا يفهمها فهما جيدا ومع ذلك يتأثر بها أبلغ الأثر؟ أليس هو إذ ~~يقرأ القصيدة الإنجليزية ولا يفهمها يسد النقص بخياله ؟ إذن فليكن هذا هو الأساس في ~~الشعر كله! الشعر لا ينظم ليفهم، إنما ينظم الشعر لكي يتأثر القارئ بما يقرأ عن غير ~~فهم. # مذهب «مالارميه» في الشعر له جانبان: أحدهما سلبي والآخر إيجابي، فهو سلبي بمقدار ما ~~ينفي الشاعرية عن كل شعر لا يذهب مذهبه، وهو إيجابي بمقدار ما يضع من قواعد تصلح أساسا ~~لقرض الشعر الصحيح. لكن جانبه السلبي أكثر شيوعا بين أتباعه، فقلما تجد من يأخذ بمذهب ~~«مالارميه» من حيث قواعده الإيجابية، وأقل من هؤلاء القليلين الذين يأخذون بمذهبه هم ~~هؤلاء الذين يستطيعون أن يقرضوا شعرا على ms0987 أساس ذلك المذهب، بل إن «مالارميه» نفسه ~~كاد يعجز عن نظم الشعر كما ينبغي أن يكون الشعر في رأيه؛ فتستطيع أن تقول عنه إنه لم ~~يكن ناثرا ولا ناظما، إنما كان مفكرا ومحدثا. والعجيب أن الكثرة الغالبة من تلاميذه ~~جاءت على نمطه في هذا، فهم يحدثونك عن المذهب الرمزي الجديد فإذا الحديث خلاب، وهم ~~يفكرون في أمر المذهب الرمزي الجديد فإذا التفكير ناضج جذاب، أما أن يكتبوا على أساس ما ~~يقولون فذلك ما لم يصنعوه على الوجه الأكمل في رأي هذا المذهب الجديد الذي بشر به ~~«مالارميه». إن الواقع لا يصلح أن يكون شعرا ولا فنا على الإطلاق؛ إذا كتبت عن ~~الغابة فكتبت عن أشجارها فلم تكتب شعرا، لأن أشجار الغابة أمر واقع فهو إذن لا يصلح ~~موضوعا للأدب، وإذا حكيت حكاية فليست حكايتك شعرا، لأنك تحكي عن الواقع أو ما يشبه ~~الواقع، وإذا أردت أن تلقن قارئك درسا يتعلمه عنك فليس ما تلقنه شعرا لأنك عندئذ ~~ستكون مرتبطا بالواقع، بل إذا عبرت عن شعورك تعبيرا صادقا كما يقولون فليست عبارتك ~~شعرا لأن شعورك هذا الذي تعبر عنه جزء من الواقع، وليس الواقع هو ما نريد، وإذا ~~أنشأت مأساة أو ملهاة فليس ذلك شعرا، بل إن المأساة أو الملهاة هي آخر ما يمكن اعتباره ~~شعرا من ضروب الإنشاء جميعا. # ماذا إذن تريدني أن أكتب ليكون ما أنشئه شعرا صحيحا؟ يريدك «مالارميه » أن تكتب ما ~~يرمز إلى شيء لا ما يدل على معنى. ولشرح ذلك نقول إن كل كلام معقول له معناه في هذه ~~الدنيا الواقعة، لكن ليس كل كلام يرمز وراء هذا المعنى إلى شيء وراء الواقع، فلكي يكون ~~أدبك أدبا يجب أن يكون لإنشائك معنى ومغزى في آن واحد، له معنى الألفاظ، ثم له ~~بالإضافة إلى ذلك مغزى يرمز إليه لا في دنيانا هذه الناقصة الشائهة، بل فيما وراءها من ~~أبدية وكمال؛ فهذه الدنيا التي نرى مشاهدها ونسمع أصواتها ونذوق طعومها ونشم روائحها ~~ونلمس أشياءها، هذه الدنيا التي نسميها ms0988 بالعالم الواقع، إن هي في الحقيقة إلا تشويه ~~للعالم الحقيقي الذي تستطيع أن تستشفه من وراء هذه الحجب؛ فإن رأيت زيدا وعمرا من ~~الناس، فسترى فيهما النقص والسوء والرذيلة، أفلا يمكنك أن ترى خلال ما فيهما من نقص ~~الإنسان الحق كيف يكون؟ إذن فإن كتبت أدبا فاكتب ما يرمز إلى هذا الإنسان الحق الذي ~~تلمحه خلال الإنسان الناقص الذي يصادفك في هذه الحياة، وبعبارة أعم إذا كتبت أدبا ~~صحيحا فينبغي أن ترمز بما تكتب إلى العالم الكامل الأبدي الدائم الذي تنفذ إليه ~~خلال الشقوق والفجوات التي تراها في بناء هذا العالم المحيط بك. مهمة الشاعر أن يكشف عن ~~مواضع هذه الشقوق والفجوات، بل أن يوسعها حتى يستطيع أن ينفذ منها فينتقل من عالم ~~الواقع العابر إلى العالم الأبدي الخالد. وربما قلت معترضا: لكن أليست هذه مهمة ~~الفلسفة لا مهمة الشعر؟ إن الفلسفة تحاول جهدها أن تكشف عن الحقائق الخالدة الكامنة ~~وراء ظواهر العالم البادية للحواس، أتكون هذه هي نفسها مهمة الشعر والشاعر؟ كلا! لسنا ~~نريدك أن تنفذ خلال نقص الواقع لتبلغ «أفكارا» عن العالم الخالد يفهمها العقل ويجيزها ~~المنطق، بل إن ما نحملك على صنعه لو كنت شاعرا هو نقيض ذلك تماما؛ فالمقياس الذي ~~نقيس به فشلك في مهمتك باعتبارك شاعرا هو هذا: هل يفهم العقل ما تنشئه؟ لو كان العقل ~~يفهمه فليس هو من الشعر في شيء! إننا نريدك أن تستخدم الألفاظ نوافذ تطل منها على عالم ~~الروح لا عالم العقل، وعالم الروح قوامه أشياء لا تفهم إذا أردنا بالفهم ما يجري على ~~منهاج المنطق العقلي. والشعر وحده هو الطريق المؤدية إلى عالم الروح، والفرق بينه وبين ~~الفلسفة فيما يتصل بالعالم الخالد الذي لا يتغير ولا يزول هو أن الفلسفة «تحدثك» عن ~~العالم الخالد، أما الشعر فيخلق فيك الأثر الخالد نفسه، والعلامة التي تميز بها الشعر ~~الصحيح هي - كما قلنا - أن تشعر بهذا الأثر ولا تفهمه. هذه خلاصة للمذهب الرمزي ~~الذي نادى به «مالارميه»، والذي جعل كل شاعر في ms0989 فرنسا منذ ذلك الحين يسائل نفسه ~~إذا ما أنشأ قصيدة: ترى لو قرأ «مالارميه» هذا الذي أنشئه فماذا هو قائل فيه؟ ~~(ب) القصة ~~(1) جستاف فلوبير # Gustave Flaubert ~~(1821-1881م) # هذا أديب ممن أسعدهم الحظ فلم يرتزقوا عن طريق أقلامهم؛ فقد كان له من الدخل ما ~~يكفيه، ولهذا خصص نفسه لأدبه منذ سنه الباكرة، وعني بتجويد أدبه عناية نادرة بين ~~الأدباء الذين تدفعهم ضرورات العيش في كثير من الأحيان أن يرسلوا إلى المطبعة بما لم ~~يجودوه. وقد بدأ «فلوبير» حياته الأدبية بالنشر في صحيفة كان يقوم على تحريرها «جوتييه» ~~الذي حدثناك عنه شاعرا، فلما أن بلغ الأربعين من عمره أحرز نصره الأدبي بإخراجه ~~للقصة المشهورة «مدام بوفاري» # 21 # التي درس فيها حياة الريف دراسة صورت الواقع في دقة تستثير الإعجاب وبأسلوب ~~أخاذ يستوقف المسامع، ثم أخرج بعدئذ قصة «سلامبو» # 22 # التي صور فيها قرطاجنة في عصرها الغابر، وها هنا برع الكاتب أيضا في وصفه ~~وتصويره. ثم أصدر «إغراء القديس أنطون» # 23 # الذي نشر فصولا منه في صحيفة «جوتييه»، وله بعد ذلك «حكايات ثلاث» # 24 # تجد فيها كل خصائص هذا الكاتب منعكسة في صورة مصغرة، وأخيرا صدر له بعد ~~موته المفاجئ كتاب «بوفار وبكيشيه» # 25 # الذي لم يكن قد أكمله، وهو مجموعة صور نقدية للفنون والعلوم ولما في ~~الحياة من صنوف العمل ووسائل اللهو وما إلى ذلك. # ل «فلوبير» عيوبه التي من أهمها الخوض في موضوعات ليس له أن يخوض فيها، والاستطراد ~~آنا بعد آن إلى تفصيلات يبسطها ليدل بها على سعة علمه، فكأنه يلقي بها الحجارة في طريق ~~قارئه، فيفوت عليه سهولة السير واتصال الحركة. لكن مهما يكن له من نقائص فهو كاتب وصاف ~~من الطراز الأول، وله قدرة عظيمة على التغلغل إلى دقائق التفصيلات التي تكون هذه ~~الأنماط البشرية العجيبة التي يتعرض لتصويرها؛ وذلك بالطبع مرده إلى خيال بارع امتاز ~~به. ومن خصائصه كذلك السخرية اللاذعة بأوضاع الحياة، سخرية اتسمت بصفات تجعله فريدا ~~بين الكتاب الساخرين؛ فقد تجد من الناس من ms0990 لا يعجبه «فلوبير» لأن أدبه يبعث على النفور، ~~وقد تجد منهم من لا يعجبه «فلوبير» لأن أدبه عسير الفهم غامض الأغراض، لكنك لن تجد ~~ناقدا واحدا يقدر الأدب لذاته لا لأغراضه ومراميه، لن تجد ناقدا من هؤلاء ينكر على ~~«فلوبير» مكانه في الصف الأول من أدباء العالم. # كان ل «فلوبير» مذهب خاص في الإنشاء الأدبي، تأثر به من تبعه من الأدباء الناشئين، ~~ومؤدى هذا المذهب في عبارة واحدة هو أنه «مذهب الكلمة الواحدة» ومعنى ذلك أنه لكي يعبر ~~الأديب عن فكرته - بحيث ينقلها ناصعة قوية إلى ذهن قارئه - لا بد له أن يحاول وأن يجاهد ~~مهما لاقى في سبيل ذلك من عناء، في سبيل الوصول إلى العبارة التي تفصح عن الفكرة بما لا ~~تستطيع عبارة أخرى أن تفصح عنها، وهو يعتقد أن لكل فكرة عبارة واحدة هي التي تستطيع أن ~~تقول عنها إنها تعبر عن الفكرة تعبيرا قويا سليما لا تشوبه شائبة، وكل ما عداها من ~~العبارات ناقصة بالقياس إلى كمالها، أو مغلوطة بالقياس إلى صحة تعبيرها؛ وإذن فمهمة ~~الأديب عن كل فكرة يريد أن يسوقها في إنشائه هي أن يتصيد على مهل هذه العبارة الواحدة ~~أو الكلمة الواحدة التي تطابق الفكرة تمام المطابقة، غير عابئ بما لا بد أن يلاقيه في ~~سبيل ذلك من وقت ومجهود. # ومذهبه هذا في البحث عن «الكلمة الواحدة» التي تلائم الفكرة، فرع عن عقيدته بأن مهمة ~~الأديب هي الأدب، مهمته أن يخدم الأدب لذاته، وليس هو أداة للوصول إلى غاية وراء هذه ~~الغاية. ولذلك يعد «فلوبير» تابعا من أتباع المدرسة الابتداعية التي ظهرت في الثلث ~~الأول من ذلك القرن، أكثر منه فردا له خصائصه التي تجعله وحده مدرسة أدبية يكون لها ~~الأتباع والأشياع، ولكننا إذ نقول إنه دون معاصريه من أدباء القصة كان ألصق بمدرسة ~~الابتداع التي سلفت عصرهم، ثم إذا أضفنا إلى ذلك أنه يفوق هؤلاء المعاصرين في نبوغه ~~وفنه، كان لنا أن نستنتج أن هذا التفوق نتيجة لما امتاز به من صفات ms0991 الابتداع الأدبي. ~~ومهما يكن من أمر فكتابه «إغراء القديس أنطون» هو من أعظم ما أنتجته فرنسا من الأدب ~~الخيالي الذي لا يجري في خياله مجرى مألوفا، وقصته «مدام بوفاري» هي كذلك من أروع ~~آيات الأدب الفرنسي من حيث ما فيها من سخرية في عرض الحياة الواقعة. وعلى الجملة ~~فأديبنا لا شك من أبرع من كتب نثرا أدبيا على الإطلاق. ~~(2) الشقيقان: جيل دي جونكور # Jules de Goneourt ~~(1830-1870م) ~~وإدمون دي جونكور # Edmond de Goncourt ~~(1822-1896م) # في حديثنا عن «فلوبير» أشرنا إلى اختلافه عن معاصريه من أدباء القصة؛ فهو ابتداعي ~~ينتمي إلى أدباء الثلث الأول من القرن التاسع عشر أكثر منه عضوا من جماعة أدبية قصدت ~~بأدبها إلى تصوير الواقع على نحو خاص بهم، ووجهت الأدب الفرنسي في النصف الثاني من ~~القرن. وأدق ما توصف به هذه المدرسة الجديدة التي عاصرت «فلوبير»، لكنها اختلفت عنه في ~~المذهب، هو أنها «مدرسة التحليل العلمي» لأن أدباءها أقرب شبها بعلماء الطبيعة في ~~معاملهم، إذ هم يحللون زهرة أو حيوانا ويشرحونه عضوا عضوا بغير زيادة أو ~~نقصان. # أدارت هذه المدرسة الأدبية ظهرها للمذهب الابتداعي، وشقت لنفسها هذا الطريق الجديد، ~~وأعضاء هذه المدرسة كلهم من أدباء القصة، وعلى رأسهم هذان الشقيقان «جونكور» و«إميل ~~زولا» و«ألفونس دوديه» و«جي دي موباسان». وطريقتهم جميعا هي - كما أسلفنا - الطريقة ~~التحليلية، وأهم ما وجهوا إليه عنايتهم هو دراسة الشخصيات بهذه الطريقة التحليلية. وهم ~~في عنايتهم بدراسة الشخصيات في قصصهم يزعمون أنهم يستقون أصول فنهم من أعلام القصة في ~~القرن التاسع عشر: «ستندال» و«بلزاك» و«فلوبير» لكنهم في الواقع لا يأخذون عن هؤلاء ~~فنا وإن أخذوا عنهم موضوع الفن، درسوا الشخصيات كما درسها هؤلاء، ولكن بغير الفن ~~الذي درس به هؤلاء شخصياتهم القصصية. وما لهم وللفن؟ إنهم يصارحونك بأن أدبهم «علمي» ~~بمعنى هذه الكلمة الدقيق. إن أدبهم ضرب من التشريح لا أقل ولا أكثر، ولقد يقسو عليهم ~~ناقد فيقول إنه تشريح الجثة الهامدة لا تحليل الكائن الحي. إنهم حرموا على أنفسهم ما ~~رآه الابتداعيون ms0992 ضرورة فنية في تصوير الواقع، ألا وهو الإطار الفني الذي تضع فيه ~~صورة الواقع. لا، حتى ولا هذا الإطار الفني أرادت «المدرسة العلمية» أن تبقي عليه؛ يجب ~~على الأديب في رأيهم أن يحكي الواقع كما يحكيه الصحفي الأمين، ويجب على الأديب أن يصور ~~الواقع كما تصوره آلة التصوير لا كما ترسمه ريشة الفنان؛ فأين هذا القارئ الذكي الذواقة ~~الذي تعجبه قصة تبسط له وقائع الحياة على هذا النحو، وترجع له الحوادث إلى أسبابها ~~كما يرد العلماء ظواهر الطبيعة إلى عللها؟ إن كتابة القصة على هذا النحو الواقعي الخالص ~~منتهى بها حتما إلى جفاف وموات ينفر منهما القارئ إن كان على شيء من الذكاء وحسن الذوق؛ ~~وبديهي أن ذلك لم يكن ليخفى على الأدباء أصحاب هذا المذهب، فماذا هم صانعون إزاء ذلك؟ ~~لا بد لهم أن يتوخوا في اختيار الحقائق التي ينقلونها عن الحياة أن تكون بطبيعتها مثيرة ~~لاهتمام القراء محركة لشوقهم. وإنه لمن حقائق الحياة ما يستطيع بطبيعته أن يفعل ذلك. إن ~~في الرذيلة والجريمة ما يثير اهتمام القارئ مهما حصرت نفسك في حدود الواقع لا تضيف إليه ~~شيئا ولا تنقص منه شيئا، قص عن رذيلة أو جريمة، وضع قصتك فيما شئت من صورة، فيستحيل ~~أن تخطئ آذان الكثرة الغالبة من القراء؛ وإذن فلتكن الرذيلة ولتكن الجريمة موضوعا ~~للقصة عند هؤلاء، وليكونوا أمناء في صدق ما يقولون وما يصفون، فالواقع الصادق هنا لن ~~يكون منفرا ولا جافا. والشقيقان - «جيل جونكور» و«إدمون جونكور» - هما البادئان لهذا ~~المذهب العلمي في أدب القصة. وقد عرف الأخوان بادئ ذي بدء بنقدهما للفن وتأريخهما له، ~~وللفن إبان القرن الثامن عشر على وجه التخصيص، ثم كان لهما فوق ذلك نشاط أدبي جم، فهما ~~يحاولان الرواية المسرحية ولا ينجحان، وهما عضوان عاملان في جمعية أدبية في باريس، ثم ~~هما يخرجان القصص معا فيصدران «الأخت فيلومين»، # 26 # و«رينيه موبران» # 27 # و«جيرمني لاسيرتيه» # 28 # و«مدام جرفزيه»، # 29 # ومعظمها يدور حول موضوعات يترفع عنها الأدب العفيف. والأسلوب في هذه ~~القصص ms0993 أسلوب فيه صناعة مقصودة حتى تجيء الصورة المرسومة أقوى ما تكون الصورة أثرا ~~وأنصع ما تكون وضوحا. ثم مات الأخ الأصغر «جيل»، فاستأنف الأخ الأكبر كتابة القصص ~~وحده، فأصدر «الابنة إليزا» # 30 # و«الإخوة زمجانو» # 31 # و«عزيزتي»، # 32 # وأخيرا أخذ ينشر حتى ختام حياته «صحيفة جونكور» # 33 # حيث أخذ يقص للقراء أنباء رجال الجمعية الأدبية الباريسية مدى أربعين ~~عاما، ولم يتورع بحكم مذهبه في الأدب أن يقص عن هؤلاء الرجال أدق دقائق حياتهم الخاصة؛ ~~مما أثار اهتمام القراء فأقبلوا على قراءته إقبالا شديدا، على الرغم من أن الكاتب قد ~~هبط بأدبه هبوطا فاحشا في هذا الكتاب. # إن تاريخ الأدب لا يذكر هذين الشقيقين لجودة ما أنتجاه، بقدر ما يذكرهما لأنهما أنشآ ~~مدرسة جديدة في الأدب القصصي، هي «مدرسة التحليل العلمي»؛ فإذا قست عظمة الأديب بما ~~ابتكر من اتجاه جديد في الأدب، وبأنه استطاع أن يستوقف أسماع كثير من القراء، فلك أن ~~تضع الشقيقين موضعا عاليا من التقدير، أما إذا قست عظمة الأديب بجودة أثره الأدبي، ~~سواء أأنشأ بهذا الأثر مذهبا جديدا أم لم ينشئ، وسواء أقرأه كثيرون أم قليلون، فلا ~~نظن أنهما يظفران من تاريخ الأدب بمكانة ممتازة. ~~(3) إميل زولا # Emile Zola ~~(1840-1903م) # لئن كان الشقيقان «جونكور» هما منشئا مذهب التحليل العلمي في القصة، فلا شك أن ~~«زولا» هو الذي رفعه على كتفيه، فما أصاب من نصر فله، وما ناله من هزيمة فعليه. ولد ~~«زولا» لأب إيطالي ونشأ في جنوبي فرنسا، وجاء إلى باريس وعمره ثمانية عشر عاما . ~~ول «زولا» شهرة واسعة بأدبه أولا، وثانيا بهذه القضية التي ارتج لها العالم عندئذ ~~بفضله، والتي تصدى للدفاع فيها عن المظلوم بعد أن كان قد فرغ من رسالته الأدبية ووضع ~~القلم ليستريح؛ قضية «دريفوس» # 34 # التي وجه بشأنها إلى رجال الدولة خطابه المشهور «إني أتهم» الذي يعد ~~صرخة في وجه الظلم والطغيان والدسيسة؛ والذي كان له أبلغ الأثر، لأنه في نهاية الأمر ~~نصر الحق على القوة الحمقاء. و«دريفوس» هذا الذي رج «زولا» العالم ms0994 بقضيته، كان ~~ضابطا في الجيش الفرنسي، ووجهت إليه تهمة التجسس ظلما، وحكم عليه بالنفي ظلما، ~~وترامى الأمر إلى «زولا» فتولى الدفاع عنه بقلمه وانتصر. # لقد قلنا حين حدثناك عن «مالارميه» الشاعر الفرنسي الذي كان معاصرا ل «زولا» إنه ~~كان يرى الشعر الحق، بل الفن على إطلاقه، لا في وصف هذه الحياة الواقعة من حولنا، بل في ~~تلمس ما في هذه الحياة الواقعة من أوجه النقص، لننفذ خلالها إلى حياة الأبدية والكمال، ~~أما «زولا» فعلى نقيض زميله الشاعر، لا يرى أمام الأديب حياة غير هذه الحياة. لقد ~~أرادنا «مالارميه» على تلمس ما في هذا العالم من فجوات وشقوق لنتسلل خلالها إلى ما وراء ~~الجدران، لكن ذلك كلام لم يفهمه «زولا»، إنه أراد أن يتلمس ما في هذا العالم من فجوات ~~وشقوق ليرممها حتى تكمل هذه الحياة، لأنه إن تسلل خلالها فلن يجد إلا خلاء وعدما، إذ ~~ليس وراء الجدران من شيء. ~~«زولا» في أدبه عالم طبيعي، ولا غرو فعصره الذي عاش فيه كان كله صارخا بوجوب ~~الإنصات إلى قول التجربة في كل شيء؛ وتستطيع أن تطلق على القصة عند «زولا» اسم «القصة ~~التجريبية» لأنه كما يقف العالم أمام أنابيبه يضع المواد بعضها ممزوجا ببعض ليرقب ~~النتائج، كذلك كان «زولا» يحلل الظروف الاجتماعية ثم يمزج عناصرها بعضها ببعض ليرى ماذا ~~ينجم عن مثل هذا المزج، فهو يضيف إلى هذه الشخصية عنصر الإدمان في الخمر، وهو يضيف إلى ~~تلك الشخصية عنصر الشهوة الحيوانية، ثم يتعقب ما ينجم عن مثل هذه الإضافة من أثره في ~~السلوك. لكنك إذا ما أردت أن تحلل الشخص إلى عناصره فلا مندوحة لك عن الرجوع إلى والديه ~~وأجداده، وها هنا يقع الفرق بين كاتب القصة والعالم الطبيعي في معمله؛ العالم الطبيعي ~~لا يخلق العناصر إنما يضيف بعضها إلى بعض. أما كاتب القصة فلا بد أن يبتدع العناصر التي ~~سبقت في الزمن هذا المركب الذي يبحثه. ولكن أيكون في ابتداعه هذا بعيدا عن الحق ~~والواقع؟ كلا، بل مهمته أن يرجع ms0995 إلى التاريخ ليعرف كيف كانت الأجيال المتعاقبة تتعاون ~~عناصرها على خلق شخص ذي خلق معين، ليقيس ابتداعه بمقياس الحق الذي يشهد به التاريخ، ~~ومن هنا كانت القصة على مذهب التحليل العلمي قصة تاريخية من بعض نواحيها، ومن هنا أيضا ~~كان أهم ما أنتجه «زولا» في القصة مجموعة قصص تعالج حياة أسرة ليتتبع في تسلسل أبناء ~~الأسرة الواحدة تطور العوامل الاجتماعية في تكوين الأفراد، ونعني بهذه المجموعة «أبناء ~~روجون ما كار». # 35 # لسنا ندري على وجه اليقين ما الذي دفع «زولا» إلى تعقب هذه الأسرة في أبنائها، فقد ~~لبث خمسة وعشرين عاما، يخرج فيها القصة تلو القصة، وكلها عن «أبناء روجون ما كار»، حتى ~~بلغت حلقات السلسلة عشرين قصة، ذلك إذا أخرجنا من العدد قصصا سبقت وقصصا لحقت مما له ~~علاقة بعيدة بهذه الأسرة أيضا. وبدأت السلسلة بقصة «أسرة روجون ونصيبها من الحياة». # 36 # ومن حلقاتها «جوف باريس» # 37 # التي وصفت حركة التجارة في أسواق العاصمة، و«الحانة» # 38 # التي وصف فيها مشارب باريس، و«نانا» # 39 # التي وصف فيها أوكار الفجور في باريس، و«حياة عائلية» # 40 # يصف فيها الطبقة الوسطى في حياتها المنزلية، و«في سبيل سعادة السيدات» # 41 # يصف فيها الحوانيت، و«الوحش البشرى» # 42 # يصف فيها السكك الحديدية، و«من الجذور» # 43 # يصف فيها المناجم، و«الأرض» # 44 # يصف فيها حياة المزارعين، و«الآية الفنية» # 45 # يصف فيها حياة رجال الفن، و«المال» # 46 # يصف فيها العلاقات المالية، و«الانهيار» # 47 # يصف فيها نكبة الحرب مع ألمانيا سنة 1870م، و«الحلم» # 48 # يصف فيها الكنيسة وما يتبعها من مؤسسات . وفي كل هذه القصص ترى «زولا» يمزج ~~قليلا من محصول ملاحظته الخاصة بكثير جدا مما يستقيه من الكتب والوثائق، لأن القصة ~~عنده - كما قدمنا - نتيجة تحليل علمي قبل أن تكون أي شيء آخر. ولا بد لنا أن نذكر أنه ~~أخرج فضلا عن هذه السلسة المتتابعة الحلقات من القصص، مجموعة من الحكايات القصيرة بدأ ~~بها حياته الأدبية، وأطلق عليها «حكايات إلى نينون». # 49 # وأخذ يتابع إخراج مثل هذه الحكايات آنا ms0996 بعد آن، تحت هذا العنوان وغيره، ~~ولعل هذا الضرب من إنشائه هو خير إنتاجه جميعا لو قيس الإنشاء بمقاييس الأدب الخالص ~~وحدها. # ليس «زولا» في تحليله لشخصياته بالعالم النفسي الذي يغوص إلى خفايا النفس البشرية ~~ودوافعها الباطنة، فليس للإنسان عنده ظاهر وباطن، الإنسان في رأيه حاصل جمع الظروف ~~الاجتماعية؛ فابحث هذه الظروف بحثا جيدا تكن لك حقيقته. وهو في كل قصصه بل في حياته ~~كلها، ينشد شيئا واحدا: العدالة الاجتماعية؛ إن رأيت في دور الفجور ضحايا وإن رأيت في ~~الحانات ضحايا، وإن رأيت في الطبقات الفقيرة البائسة ضحايا، فكلهم ضحايا الظلم ~~الاجتماعي، كلهم ضحايا الظروف التي وضعت وضعا خاطئا، ولو صحح وضعها لصحت حياة الناس ~~أجمعين. # فإن أردت كلمة عن أسلوبه، فحسبنا أن نقول - على الرغم مما يوجه إلى أسلوبه من نقد - ~~إنك إذ تقرؤه تنسى أن كاتبا يحدثك، لأنك ترى الناس وترى الحوادث أمام عينيك دون أن ~~يكون بينك وبين الناس والحوادث وساطة من أسلوب الكاتب؛ أسلوب الكاتب هنا هو مادته التي ~~يعرضها، ولو كان أسلوبا رديئا لاستوقف النظر، ولو كان أسلوبا متكلفا لاستوقف النظر ~~كذلك، أما أن تنسى كل شيء عن الأسلوب وأنت تقرأ، فتلك علامة الفن الجيد الممتاز. ~~(4) ألفونس دوديه # Alphonse Daudet ~~(1840-1898م) # لسنا نسلك «دوديه» في جماعة «الأدب العلمي» إلا بعد شيء من التحوط والتحفظ؛ إذ كان ~~يختلف عنهم بعض الاختلاف، فهم يرجعون فيما يكتبون إلى «الوثائق» لتجيء القصة أقرب إلى ~~«البحث» منها إلى أي شيء آخر، أما هو فيرجع فيما يكتب إلى مذكراته وذكرياته؛ فقد كان ~~«دوديه» أنى سار وأينما حل يلاحظ الدقائق التي تجعل من الأشخاص والمواقف والحوادث أشياء ~~فريدة في ذاتها. فقد ترى إنسانا له سحنة معينة تتسم بما يجعلها وحيدة نوعها، وقد تسمع ~~كلمة ترى فيها طابعا يميزها من سائر الكلمات، فكان «دوديه» يلاحظ أمثال هذه الفرائد ~~ويسجلها في مذكراته وهو لا يدري في أي قصة أو حكاية سيكون مصير هذه المذكرة أو ~~تلك. # لم يكد «دوديه» يبلغ الثامنة عشرة حتى أصدر ms0997 ديوانا من الشعر، وبعد ذلك بقليل كان له ~~شأنه في الأدب المسرحي في باريس، ثم في عامه الثامن والعشرين وفي العام الذي تلاه ~~أخرج كتابين لعله لم يبلغ بعدئذ من الكمال الأدبي ما بلغه فيهما، أما أولهما فعنوانه ~~«الكائن الصغير» # 50 # وهو أقرب شيء إلى ترجمة حياة كاتبه في أسلوب قصصي له عيوبه الكثيرة، ولكن ~~فيه بوادر النبوغ المقبل، وأما ثانيهما فهو «رسائل طاحونتي» # 51 # وهو مجموعة حكايات قصار ومقالات بلغت في بعض أجزائها حد الكمال. لكن شهرته ~~الأدبية لم يكن مصدرها هذين الكتابين، إنما ذاعت شهرته لما كتبه بعد ذلك من القصص «جاك» # 52 # و«فرومان الصغرى ورسليه الكبير» # 53 # و«الملوك في المنفى» # 54 # و«المبشر بالإنجيل» # 55 # و«سافو» # 56 # و«الخالد» # 57 # و«الثرى» # 58 # و«نوما رومستان». # 59 # لا عيب في أن يتأثر أديب بأديب، ولكن العيب في أن ينكر المتأثر فضل المؤثر، وفي هذا ~~وقع «دوديه» فليس هناك من شك في أن أديبنا قد تأثر أبلغ الأثر وأعمقه في كتابه «الكائن ~~الصغير» ب «دكنز» القصصي الإنجليزي، وفي كتابه «فرومان الصغرى ورسليه الكبير» ب «دكنز» ~~أيضا وب «ثاكري» كذلك، فهناك من التشابه ما يحمل على الترجيح، بل هناك من التطابق في ~~بعض المواضع ما يحمل على اليقين بأن «دوديه» قد تأثر بهذين الكاتبين الإنجليزيين، ولكنه ~~هو وأتباعه ينكرون ذلك؛ وكذلك مما يؤخذ على «دوديه» أنه بسط في قصصه حوادث واقعة عن ~~أشخاص حقيقيين، ولم يكن له من قوة الخيال ما يجعل الستار من الكثافة بحيث تخفى هذه ~~الحقيقة عن العيون، فكانت الغلالة التي أسدلها بخياله على الأشخاص والوقائع من الرقة ~~بحيث استشف كل راء حقيقة ما وراءها، فقد اشتغل أمينا لسر «دوق دي مورني» وجعل من حوادث ~~تجربته كما وقعت موضوعا لقصة «الثري». وقصة «الملوك في المنفى» لا تزيد في كثير عن ~~رواية ما حدث لملك نابلي الذي خلع عن عرشه، ولغيره من الملوك الذين طاحت عن ~~رءوسهم تيجانها، و«نوما رومستان» هو «غامبتا» بكله وأجزائه، و«الخالد» فيها تعريض يكاد ~~يكون صريحا بأعضاء ms0998 المجمع العلمي من كان حيا منهم ومن مات، ولعلنا نسمع القارئ هنا ~~يعترض قائلا: وأين وجه النقد في كاتب استقى أدبه من تجاربه، وإن لم تكن تجارب الأديب ~~معينة فأين يكون هذا المعين؟ والجواب: إن هذا حق لا غبار عليه ولا مطعن فيه، ولكن هناك ~~فارقا شاسعا بين أن تروي لنا عن رجل صادفته في حياتك رواية الفنان الذي يكسب ما ~~يقوله جمالا وحكمة، وبين أن تبحث في هذا الرجل الذي تروي عنه عن دخائل سره بقصد ~~التعريض والفضيحة. # ولئن ذكرنا هذه المآخذ على «دوديه» فإنما نذكرها لنعبر بها عن أسف أن يشوب أمثالها ~~أدبا جميلا فاتنا كأدبه، وإنه لمن حسن الحظ أن تكون الأجزاء المنقولة في أدب «دوديه» ~~أقبح ما فيه لا أجمل ما فيه. ~~(5) جي دي موباسان # Guy de Maupassant ~~(1850-1893م) # لعل «موباسان» أن يكون أنبغ من نبغ من أتباع «القصة العلمية» التي تقوم على تحليل ~~الواقع: ولم يكد يبلغ «موباسان» عامه الثلاثين حتى عرف جمهور القراء بنفسه في ثلاثة ~~أشياء؛ قدم لهم ديوانا من شعره، وقدم لهم مؤلفات فلوبير بمقدمة بسط فيها رأيا خاصا ~~له في الأدب الذي يقوم على التحليل العلمي، وقدم لهم حكاية قصيرة ظهرت في مجموعة من ~~أمثال هذه الحكايات، وقام بإصدارها «زولا» بمعونة تلاميذه الذين منهم «موباسان»، ~~وكانت هذه القصة القصيرة فريدة في جمالها بين ما نشر في تلك المجموعة، ولا عجب فقد ~~كتبها من أقام الدليل على أنه بطل من أبطال هذا اللون من الأدب، إذ لبث «موباسان» بعد ~~ذلك أكثر من عشر سنوات يتابع إنشاء الأقاصيص القصار، وفي غضون ذلك يخرج آنا بعد آن قصة ~~طويلة، مثل «حياة» # 60 # و«بطرس وجان» # 61 # التي كتب لها مقدمة شرح فيها رأيا في أدب القصة، قال فيه إن حبكة الحوادث ~~ليست شرطا أساسيا في بناء القصة. ومن خصائص أدبه القصصي أنه يقدم للقارئ حادثة أو ~~موقفا أو حالة نفسية لشخص من الأشخاص، يقدمها لتصدم القارئ ويتركها بغير شرح ولا ~~تحليل، كأنه يريد القارئ أن ms0999 يشاركه في النظر إليها والتأثر بها على النحو الذي نظر ~~إليها هو وتأثر بها في جملتها دون التغلغل في عناصرها ومقدماتها. # وما دام «موباسان» عضوا في جماعة القصة التحليلية، فهو كغيره من أعضاء هذه الجماعة ~~يبحث عن الحوادث التي تثير بطبيعتها شوق القارئ. مثل حوادث الجرائم والرذيلة، حتى لا ~~يجيء وصف الواقع كما هو باعثا على الملل، وقد كان «موباسان» فوق ذلك متشائما سوداوي ~~المزاج ينظر إلى الحياة بمنظار أسود؟ ولذلك تراه - شأنه في ذلك شأن الكثرة الغالبة من ~~أصحاب المزاج السوداوي من الأدباء - يدخل السخرية في أدبه، والسخرية - كما قيل - هي ~~للأدب كالملح للطعام، لا بد من قليل منها ليملح طعمه على اللسان ويصبح شهيا ~~مستساغا. # كان «موباسان» موهوبا في حكاية القصة، فالقدرة على الحكاية موهبة يصعب تحليلها أو ~~تعليلها، فإما أن تكون حكاء بطبعك أو لا تكون، وأسلوبه سهل قوي لا تكلف فيه ولا ~~صناعة. وقد مات بالشلل وهو لم يزل في سن متوسطة لم تشخ، ولعله لو عاش لكانت شجرته أكثر ~~إيناعا وثمرا. والعجيب في أدبه أنه يجود إذا تخلص الكاتب من تطبيق آرائه النظرية - ~~وهي حقيقة كثيرا ما نجد لها الشواهد في تاريخ الأدب - فأقل قصصه انصياعا للآراء ~~النظرية التي بسطها في المقدمتين اللتين ذكرناهما، هي أجود قصصه، وهي قصة «بطرس وجان» ~~مع أنه قدم هذه القصة نفسها بمقدمة شرح فيها رأيه في أدب القصة كما أسلفنا. ~~(ج) النقد الأدبي ~~(1) هبولت أدلف تين # Hippolyte Adolphe Taine ~~(1828-1893م) # تخرج «تين» في مدرسة المعلمين العليا بباريس حيث امتاز طالبا، لكنه اختلف في نظراته ~~- وفي آرائه الفلسفية على وجه التخصيص - عن أساتذته، ولم يتخذ التعليم حرفة. ولقد قيل ~~صدقا عن مدرسة المعلمين العليا بباريس - وهو قول قد يصدق على مثيلاتها في سائر الأقطار ~~- إنها معهد يعد أبناءه للأدب عن طريق غير مباشر أكثر مما يعدهم للتعليم عن طريق مباشر. ~~وقد بدت وجهة نظر «تين» في النقد الأدبي منذ رسالته التي قدمها عن «لافونتين» ليظفر ~~بإجازة الدكتوراة، ثم عقب عليها ms1000 بكتاب «الفلاسفة الفرنسيون في القرن التاسع عشر» وقد ~~أنفق «تين» بقية حياته بعدئذ في الدراسات الأدبية، وهي دراسات تنوعت موضوعا واتحدت ~~فكرة وأساسا، فله مجموعة كبيرة من الكتب في النقد الأدبي، لعل أهمها كتابه عن الأدب الإنجليزي، # 62 # وله كتب عن رحلات قام بها، منها «مذكرات عن إنجلترا» # 63 # و«رحلة في جبال البرانس»؛ # 64 # وله فضلا عن ذلك كتاب «في الذكاء» # 65 # وأخيرا كتاب «أصول فرنسا المعاصرة» # 66 # الذي قيل عنه إنه فتح له أبواب المجمع العلمي حين كان عمره قد بلغ ~~الخمسين. ~~«تين» فيلسوف ومؤرخ وناقد، وهو في هذه الجوانب جميعا يتخذ موقف الجبري الذي يعتقد ~~أن كل شيء مما يحدث في هذه الدنيا نتيجة لعوامل تحتم حدوثه، لا تستثن من ذلك شيئا حتى ~~عبقرية العبقري، فإن أردت أن تعلل عبقرية زيد من الناس فعليك أن تتعقب العوامل التي ~~أنتجته في ثلاثة أشياء: أسلافه وعصره وظروف حياته الخاصة. والجانب الذي يعنينا الآن ~~من «تين» هو مذهبه في النقد الأدبي. # العبقري - كالشجرة - نتيجة مباشرة للتربة التي نبت فيها، ولا بد لفهمه من الرجوع إلى ~~هذه التربة التي أنبتته، وإلى الطريقة التي اغتذى بها من عناصر تلك التربة. وستجد في ~~دراستك هذه للعناصر التي كونت العبقري، أن هناك ألوفا منها، لكنك تستطيع أن تردها ~~جميعا إلى أنواع ثلاثة: ما يتعلق منها بالجنس الذي ينتمي إليه الرجل الذي تدرسه، ~~وما يتعلق منها بالوسط الذي عاش فيه، وأخيرا ما يتعلق منها باللحظة التي ولد فيها ~~العبقري ولادة فكرية والتي بدأ فيها يفكر ويعبر عن تفكيره في حديث أو كتابة. تلك هي ~~المفاتيح الثلاثة التي لا بد منها جميعا - والتي لا حاجة إلى شيء سواها - لكي تنفتح لك ~~مغاليق العبقري وتنبسط أمام عينيك آفاقه. # هي طريقة تخلب القارئ للوهلة الأولى، لأنها تبشر بإخضاع النقد الأدبي إلى شيء إلا يكن ~~علما دقيقا فهو أقرب ما يكون إلى العلم الدقيق. ولكنك إذا ما تدبرتها وجدتها أبعد ما ~~تكون عن الكمال؛ هي طريقة من يؤمن بأن الأدب ms1001 يصور المجتمع، لأنه إن كان كذلك، فمعرفة ~~المجتمع ودقائقه سبيل مؤكدة لفهم ذلك الأدب الذي يصوره. لكن هل صحيح أن الأدب يصور ~~المجتمع؟ لكي نجيب عن هذا السؤال إجابة فيها شيء من الدقة، ينبغي أن نسأل: أي أدب تقصد؟ ~~وأي مجتمع تريد؟ أما إن أردت بالمجتمع مجموعة الأسرة البشرية في شتى أجيالها الماضية، ~~وفي جميع أنحاء المعمورة فلا شك أن الأديب نتيجة هذه المجموعة الإنسانية، ولكن هل هذا ~~طريق يؤدي بنا إلى غاية؟ إنه من الحق الذي لا ريبة فيه أن فولتير - مثلا - نتيجة ~~للعوامل الإنسانية التي سبقته في الحضارات البشرية المتعاقبة، ولكن هل يمكنك أن تدرس ~~تلك الحضارات البشرية المتعاقبة دراسة تفصيلية لتفهم فولتير؟ أما إن أردت بالمجتمع ~~معناه الضيق، وهو الأمة الواحدة التي تعيش في عصر معين هو العصر الذي فيه الأديب، ~~فها هنا يأتي السؤال الثاني: أي أدب تقصد حين تزعم أن الأدب يصور مثل هذا المجتمع؟ ذلك ~~لأن الأدب ليس شيئا متجانسا يشبه بعضه بعضا، ليس الأدب كالماء في النهر كل جزء منه ~~قريب الشبه بكل جزء آخر، فهناك أدب اليوميات وأدب الرسائل وأدب الصحافة، ثم هناك الأدب ~~بالمعنى الأرفع؛ أدب الشعر، ولا شك أن أدبا كأدب الصحافة يعبر عن المجتمع ويصوره، ~~وتستطيع أن تطبق عليه طريقة «تين» ولكن هل يجوز تطبيق مثل ذلك على الشعر؟ كلا؛ لأن ~~الشاعر العبقري إنما أصبح شاعرا عبقريا لأنه اختلف عن سواه من جيرته وإخوانه وبني ~~وطنه. طريقة «تين» صالحة كل الصلاحية لو كان موضوع البحث هو العناصر المشتركة بين الناس ~~في زمن معين وأمة معينة، لأنه حتى إذ يطالبنا ببحث العناصر التي أحاطت بالعبقري عند ~~ولادته الفكرية، فتلك العناصر شيء مجرد لا يعطيك صورة فردية هي التي ميزت العبقري من ~~سواه؛ وإذن فتستطيع أن تقول إن طريقة «تين» ناجحة في أدب الدرجة الثانية، فاشلة في أدب ~~الدرجة الأولى، ناجحة إذا بحثت الأدباء الأوساط، فاشلة إذا بحثت العباقرة الفحول. ومع ~~ذلك ف «تين» تعرض بطريقته هذه لطائفة من هؤلاء العباقرة ms1002 الفحول، فكأنه وضع طريقة وأراد ~~أن يطبقها حيث يستحيل عليها التطبيق. # لكن هذا كله جانب واحد من طريقته، وهنالك جانب آخر، فهو يقول إنه بعد أن يبحث الناقد ~~العناصر التي أحاطت بالأديب الذي يدرسه، ينبغي أن يحاول ما استطاع أن يضع نفسه في ~~صميم هذا الأديب، ينبغي أن يضع نفسه في النقطة المركزية التي توسطت تلك العناصر ~~المحيطة؛ إذ لكل إنسان دافع أساسي يحركه، أو قل إن لكل إنسان مركزا يقع من بنائه في ~~السويداء، فإن كشفت عن مكان هذا المركز وحللت فيه، رأيت الدنيا التي عاصرت الأديب ~~بعيني الأديب، وبهذا تستطيع أن تسلك شتى العناصر التي أحاطت به في حياته في عقد واحد أو ~~بناء واحد؛ هو الرجل. إن العناصر التي تحيط بالعبقرية - أو بالإنسان على إطلاقه - تعد ~~بألوف الألوف، فهي منوعة متباينة مختلفة إلى درجة لا تكاد تقع تحت الحصر، ولكنها ليست ~~كلها على درجة واحدة من القيمة في تكوين العبقري، فلتكن مهمتنا أن نغربل هذه العناصر، ~~لنلقي وراء ظهورنا ما لم يكن ذا قوة مؤثرة دافعة، ونبقي على الأساسي منها، وذلك مستطاع ~~لو أحللنا أنفسنا في سويداء الأديب الذي ندرسه. هذا كله جميل، ويشبه أن يكون طريقة ~~علمية دقيقة، لو كان حقا ينطبق على الواقع! إذ الواقع غير ما تخيل «تين»، فالناس صنوف ~~أشتات، منهم من له قوة مركزية واحدة نظمت حياته تنظيما جعلها بناء متماسكا، فلو كشفت ~~عن هذا المركز الواحد انكشف لك سائر البناء، ومنهم من دفعته في حياته دوافع شتى، تتضارب ~~حينا ويتوازن فعلها حينا آخر. # وبعد فلسنا نظن أن النقد الأدبي علم تجري عليه طرائق العلم ومقاييسه، فأكثر ما يمكن ~~أن يقال في ذلك إنه - كسائر ضروب المعرفة التي تجعل الحياة الإنسانية موضوع بحثها - ~~مزيج من العلم والفن. ليست هناك طريقة بعينها يمكن اصطناعها في النقد الأدبي بغض النظر ~~عن الناقد نفسه باعتباره فنانا ينظر إلى آثار الفن فيدرك جمالها. ولو لم يكن «تين» ~~نفسه هذا الناقد الفنان لما نفعته طريقته في نقده ms1003 نفعا كبيرا. إن دراسة العناصر التي ~~أحاطت بالعبقري تساعد على فهمه، ولكنها ليست كل ما نريد. الفرق بين «تين» و«سنت بيف» هو ~~أن «سنت بيف» بحث الأدباء أفرادا؛ لعله أن يصل إلى قواعد عامة، فبدأ بدءا صحيحا، وأما ~~«تين» فقد بدأ بالقواعد ليبحث الأفراد على سننها فأخطأ البداية. # القسم الثالث # | الأدب الألماني في القرن التاسع عشر # | الفصل الأول: أدب الابتداع في النصف الأول من القرن التاسع عشر # (أ) الشعر # نشأت في ألمانيا عناصر الابتداع في الأدب قبل أن تنشأ فيها مدرسة ابتداعية؛ فلا شك أن ~~«جيته» كان ابتداعيا في أدبه، ولا شك كذلك أن «لسنج» حين هاجم قواعد الأدب الفرنسي ~~في عصره الاتباعي كان في الوقت نفسه داعيا إلى الابتداع، وأنه حين أنشأ قصة «ناثان ~~الحكيم» كان يهتدي في إنشائها بأحوال الأدب الابتداعي؛ أضف إلى ذلك تيارا جارفا نحو ~~اعتداد الفرد بنفسه باعتباره فردا، ثم أضف كذلك شعورا جديدا سرى بين الأدباء أن ~~ينظروا إلى الطبيعة نظرة من يستوحي شيئا من التصوف، لأنها دون سواها المعين الذي ~~توحي إليك ينابيعه بمثل هذه النظرة الروحية. هذه كلها عناصر ابتداعية نشأت في ألمانيا ~~قبل أن تنشأ فيها مدرسة ابتداعية، وإنما نعني بهذه المدرسة جماعة من الأدباء يجتمعون ~~على أسس معينة وهم على وعي بتلك الأسس، وينشئون أدبا ابتداعيا وهم يعلمون ما يصنعون ~~ويحاولون أن يدعوا الناس إلى اتباعهم والنسج على منوالهم. # ويمكن القول إن مدرسة الابتداع الأدبي قد نشأت في ألمانيا حين أصدر الشقيقان «ولهلم شليجل» # 1 # و«فردريش شليجل» # 2 # مجلة أدبية أطلقا عليها «أثنيوم» # 3 # وأخذا يفصلان فيها قواعد الابتداع ويحددان معانيه ومراميه. وكان الأخوان ~~معجبين ب «جيته» ويريان في أدبه نموذجا صالحا، وكان أصغرهما هو القوة الدافعة في ~~تحرير المجلة، اتخذ لنفسه موقف من يسن القوانين دون أن تكون له القدرة على الابتكار ~~والخلق وفق تلك القوانين التي يسنها. ومما نذكره عنه أنه درس الفلسفة اليونانية ثم تشبع ~~بفلسفة «فخته» # 4 # المثالية، وكان «فخته» إذ ذاك يحاضر في جامعة «يينا» ms1004 ويؤثر في تلاميذه ~~بفلسفته أعمق الأثر. ولو جاز لنا أن نلخص مذهبا فلسفيا بأسره في عبارة واحدة، قلنا ~~إن فلسفة «فخته» ترمي إلى جعل الفرد وما لديه من أفكار عن العالم هو العالم الذي لا ~~عالم سواه، فأنت وما في رأسك من خواطر كل شيء، ومهما حاولت أن تخرج من حدود نفسك إلى ما ~~يسمونه العالم الخارجي وجدت نفسك في هذه المحاولة نفسها محدودا بدخيلة نفسك؛ الفرد هو ~~كل شيء! ألا ما أخصبها من فلسفة إذا أردنا أن نتخذ منها ذريعة للنهوض بالأدب والحياة. ~~وهكذا أخلص «شليجل» الأصغر لأدب «جيته» وفلسفة «فخته» إخلاصا حدا به أن يقول إن هذه ~~الفلسفة وذلك الأدب هما مركزا الفن والثقافة في ألمانيا. ولما كان شعر «جيته» تمثله ~~قصته «ولهلم مايستر» # 5 # كانت مقومات العصر في رأيه ثلاثة: «ولهلم مايستر» و«فلسفة فخته» ~~و«الثورة الفرنسية»؛ إن «ولهلم مايستر» كتاب «جاء فيه التفكير والتعبير على نحو ما ~~نتوقعه من رجل شاعر موهوب وفنان بلغ الكمال» ففي هذه القصة الرائعة ترى كل فنون الأدب ~~قد اجتمعت في صعيد واحد، فترى فيها نثرا وترى فيها شعرا كما ترى فلسفة ونقدا ~~وتعبيرا للكاتب عن طوية نفسه، وإذن فلتكن رسالة الشعر الابتداعي في رأي «شليجل» الأصغر ~~أن يمزج كل صنوف الأدب في آية واحدة، على أن تطعم هذه الآية الواحدة بالنظرات الفلسفية، ~~وأن تصاغ وفق ما تقتضيه بلاغة القول وفصاحته، وأما ما أنتجه «شليجل» هذا - أصغر الأخوين ~~- فمقالات فلسفية، وتاريخ للأدب كان في طريقة أدائه مبتكرا، وهو أول من ألف من أدباء ~~الألمان كتابا عن لغة الهندوس وأدبهم، ولم يكن إنتاجه الأدبي الخالص من شعر ورواية ~~وقصة ذا شأن يذكر. # وربما كان أكبر الأخوين أبقى أثرا بترجمته سبع عشرة مسرحية عن شيكسبير وبمجموعة ~~محاضراته القيمة عن الأدب المسرحي، وبمقالاته النقدية التي أنشأها في أدب «جيته» فكانت ~~عاملا قويا أدى إلى زيادة العناية بهذا الأديب العبقري في عصر الابتداع؛ فقد كانت ~~ل «شليجل» الأكبر نظرات صادقة في النقد الأدبي، حتى إنه ليعد ms1005 بين الطبقة الأولى من رجال ~~النقد في ألمانيا. ولو استثنيت «لوثر» وترجمته للإنجيل إلى اللغة الألمانية في عهد ~~الإصلاح الديني، جاز لك في يقين أن تقول عن «شليجل» إنه خير من ترجم أدبا إلى ~~الألمانية بين الألمان. ~~(1) نوفالس # Novalis ~~(1772-1801م) ~~«نوفالس» اسم مستعار كنى به أديب عن نفسه، أما اسمه الصحيح فهو «فردريك فون هاردنبرج» # 6 # الذي كان بين جماعة الأدباء التي قامت على تحرير الصحيفة الأدبية التي ~~أسلفنا ذكرها - مجلة أثنيوم التي أنشأها وتعهدها الأخوان شليجل - وقد خلف لنا «نوفالس» ~~نتفا أدبية هي خير تراثه، تراها فتحسبها لمعات من الضوء الخاطف انعكس شعاعها على مرآة ~~عقلية مصقولة، صقلتها فلسفة «فخته» أيضا كما أثرت في «شليجل» أصغر الأخوين. # كان «نوفالس» بروتستنتي العقيدة، لكنه أحب الكاثوليكية لجمالها الفني، ولما كانت ~~العصور الوسطى هي العهد الذي ازدهرت فيه الكاثوليكية، وسيطرت على حياة الناس بما كان ~~يكسوها من رداء الشعر، بدأ أديبنا ينظر إلى تلك العصور نظرته إلى المأوى الذي تجد ~~فيه الروح كنها. وهل يكون الأدب أدبا إذا لم يعش الأديب بروحه في تلك العصور التي فاحت ~~أيامها بعبير الإيمان! فماذا أنت قائل إذن في قصة «جيته» «ولهلم مايستر» التي جعلها ~~زميلك «شليجل» أحد مقومات ثلاثة للعصر كله: هي «ولهلم ما يستر» وفلسفة «فخته» والثورة ~~الفرنسية، والتي تقوم على الواقع الراهن ولا تعود بخيالها إلى تلك العصور؟ أقول إنني ~~شديد الإعجاب بها، لكني لا أسلكها في أدب الابتداع الذي قوامه الخيال ~~والوجدان. # وكتب «نوفالس» قصة - لم تكمل - أطلق عليها اسم بطلها «هنريش فون أوفتردنجن»، # 7 # وأراد بها أن يعارض قصة «جيته» «ولهلم مايستر»، وتعد هذه القصة ممثلة ~~للمدرسة الابتداعية في أول مراحلها في ألمانيا؛ والعصر الذي تدور فيه حوادث القصة هو ~~العصر الوسيط الذي خلب فؤاد «نوفالس»، لكنه زخرف هذا العصر وزوقه بخياله حتى لم يعد ~~كما عرفه التاريخ. يقص الأديب عن بطله «هنريش فون أوفتردنجن» أنه رافق أمه في رحلة إلى ~~جده، ورافقهما في السفر جماعة من التجار كانت تتحدث معهما ms1006 في الشعر والفن، فكان هذا ~~الحديث أول درس حقيقي تلقاه الفتى في أصول الفن والشعر. فما إن بلغ مكان جده حتى أسلم ~~نفسه لقيادة شاعر هناك أخذ يلقنه أصول الشعر الابتداعي وسر جماله. ويحب الفتى ابنة ~~الشاعر المعلم - كما أحب «نوفالس» نفسه فتاة صغيرة ماتت في صدر شبابها فأماتته الحسرة ~~عليها بعدها بقليل - وتموت ابنة الشاعر الحبيبة، كما ماتت محبوبة الأديب نفسه؛ ويحب ~~«هنريش» بطل القصة فتاة أخرى يجد فيها بعض العزاء، كما أحب «نوفالس» نفسه فتاة أخرى وجد ~~في حبها بعض العزاء. # الفرق بين قصة «جيته» «ولهلم مايستر» وقصة «نوفالس» «هنريش فون أوفتردنجن» هو أن ~~«نوفالس» كان واضح المرمى في قصته؛ فليس البطل هنا كالبطل عند «جيته» تكتنف أغراضه سحب ~~الغموض فلا ينفك باحثا، ولا ينفك جاهلا بحقيقة ما يبحث عنه، بل البطل هنا عند ~~«نوفالس» يبدأ رحلته شاعرا وغايته المحددة هي أن يظفر من رحلاته ب «الزهرة الزرقاء» - ~~وهي شعار أدباء الابتداع - وأمله في بلوغ غايته لا يتزعزع، فليس هو مثل «مايستر» يصادف ~~في حياة الواقع ما يهد فيه العزم ويبعث في نفسه الشكوك، بل تراه يمضي في رحلته ويبلغ ما ~~يريد، فيجد ما أراده حقيقة لا أوهاما، لأن ما أراده هو حياة الروح؛ وتستطيع الروح أن ~~تحيا لو استعادت بالخيال مفاتن العصور الوسطى. ~~(2) لدفج تيك # Ludwig Tiech ~~(1772-1852م) # عاش «تيك» حتى عمر، على عكس زميله في الابتداع «نوفالس» الذي مات ولم يوف من العمر ~~ثلاثين عاما؛ فمكن العمر الطويل ل «تيك» أن يكون غزير الإنتاج، وأن يجيء إنتاجه ~~منوعا، حتى ليعد بين رجال المدرسة الابتداعية في ألمانيا أوسعهم أفقا وأشملهم لصنوف ~~الأدب، وكانت باكورته الأدبية قصة «وليم لفل» # 8 # التي يكتنفها جو حزين تنعكس فيه الحياة اليائسة التي اعترضت «تيك» في ~~أعوام شبابه، وكانت هذه القصة التي نفث فيها كربه بمثابة الاعتراف الذي يزيح عن صدر ~~المعترف عبئا ثقيلا، وبعدئذ أدرك «تيك» أنه أفرط في النظرة الجادة إلى الحياة، وحسب ~~تلك النظرة الجادة قصة واحدة تعبر عنها، ms1007 وليلفت أنظاره الآن إلى جانب آخر ليكون أدبه ذا ~~لون آخر، وذلك ما كان؛ إذ أصبح أدبه بعد قصة «وليم لفل» خفيفا رشيقا لكنه مترع ~~بالسخرية، وكانت عادته أن يتخذ من قصص الأطفال تكأة لأدبه وإطارا يصوغ فيه ما أراد أن ~~يتوجه به إلى أصحاب الرزانة العقلية في عصره من سخرية لاذعة، ومن هذا القبيل قصتاه «ذو ~~اللحية الزرقاء» و«الهرة في الحذاء». لقد نظر «تيك» إلى الحياة نظرة عقلية فأجهد نفسه ~~بغير طائل، وها هو ذا ينظر إليها نظرة الرجل الساذج كما تصورها أمثال تلك القصص التي ~~تروى للأطفال فتشبع خيالهم الجامح، وكما تصورها «الحواديت» الشعبية التي لا تعلل ظواهر ~~الحياة على نحو يرضي منطق العقل، والتي لا ترى في الحياة والأحياء لغزا محيرا، إنها ~~حكايات يلذ سماعها ويريحك الإنصات لها كأن لها فعل السحر الذي يزيل العناء؛ فقد وجد ~~«تيك» نفسه إزاء تلك الحكايات الشعبية الصبيانية كما يجد الفيلسوف الحزين نفسه، إذ ~~يشارك أطفاله الصغار لعبهم فينسى حزنه وتفكيره؛ وإذن فليكن هذا مجالا خصيبا لقلمه لعل ~~غيره ينتفع بمثل ما انتفع هو، ليكتب هذه «الحواديت» الشعبية بقلمه كتابة الأديب الذي ~~يحفظ لها سحرها ويزيل عنها شوائبها، ثم إذا هو حاول ابتكارا فليكن ابتكاره على هذا ~~الأساس نفسه، أساس القصة الشعبية الصبيانية، فهو حتى في مسرحياته لم يحاول أن ينشئ ~~شيئا يصلح تمثيله على المسرح، إنما كان رائده فيها أن يقدم للقارئ عصر الخرافات وقد ~~طلاه بطلاء وردي جميل فأخرجه أمام العين عصرا تسوده العاطفة السليمة والإيمان القوي ~~والشعر الصحيح، فإذا قرأ له قارئ إحدى مسرحياته «حياة القديسة جنيفيف وموتها»، # 9 # أو «أوكتافيانوس» # 10 # أو غيرهما، فينبغي له أن يقرأ الأسطورة وكأنه يقرأ أنباء جادة، ولا يجوز أن ~~يرى بعقله شيئا وراء الأسطورة في ظاهرها، لأن ظاهرها هو المراد، وما فيها من حوادث ~~المعجزات يجب أن يقع لديك موقع التصديق كأنها من الحوادث المألوفة التي لا تثير في نفسك ~~الشكوك. ولكي يساعدك الكاتب على مثل هذا الجو الأسطوري، لم يحاول ms1008 أن يصب شخصياته في ~~قوالب واضحة المعالم والحدود، بل تركها على شيء من الإبهام كأنها أشباح، لا بل جعل بين ~~أشخاصه أشباحا، كما جعل بينها شخوصا رمزية، فواحدة تمثل الكنيسة وواحدة تمثل الإيمان ~~وثالثة تمثل الحب ورابعة تمثل الخيال وهلم جرا، وتتحدث هذه الأشخاص بالشعر الذي لا ~~يقصد من إنشائه إلا النغم وإلا إثارة الخيال. # هذا الحنين من الشاعر إلى ضرب من الجمال يراه في عهود سلفت وسادتها السذاجة والفطرة، ~~ولا يرى له مثيلا في الحياة المحيطة به، هو لب الأدب الابتداعي في ألمانيا؛ ولذلك ترى ~~«تيك» ينثر في كتابته المناظر والأصداء التي تعيد أمام عين القارئ وفي سمعه حياة العهد ~~الذهبي الغابر، تعيدها له بالإيحاء لا بالطريق المباشر؛ ليلة مقمرة، وغابات لفها ظلام ~~الليل، وصائد نفخ في بوقه هناك فترددت أصداء بوقه في جنبات المكان، وراع يرعى قطعانه، ~~وهكذا. وقد كانت أساطير العصور الوسطى هي موضوعه المختار الذي أدار حوله ابتداعه ~~الأدبي، لأنه وجد فيها ما يوحي بالشعر؛ وهذا الحنين إلى الماضي هو الذي دفعه إلى ~~رحلة في صحبة صديقه «فاكنرودر» # 11 # شهدا فيها آثار ألمانيا القديمة التي صادفت منهما إعجاب المفتون لما توحي ~~به من حرارة العقيدة الدينية ومن إحياء للشعور الوطني، وأنشأ كل من الصديقين أدبا ~~جميلا عما شهده من تلك الآثار، وكان ما أنتجه أديبنا «تيك» قصة «فرانز ستييرنبالد في تجوابه»، # 12 # وهي قصة تأثرت بقصة «جيته» «ولهلم مايستر»، ف «فرانز ستييرنبالد» شاب ~~سافر إلى هولندا وإيطاليا حيث صادف من أحبها، وحيث جرت أحاديث حول الشعر والفن، تتخللها ~~القصائد والأغاني. ~~(3) كلمنز برنتانو # Clemees Brentano ~~(1778-1842م) # كان «الشقيقان شليجل» و«نوفالس» و«تيك» بشائر المدرسة الابتداعية، وتبعتهم موجة ~~جديدة من الابتداعية أيضا علماها هما «آرنم» و«برنتانو» الذي نحدثك عنه الآن ، ~~والذي ولد لأب إيطالي وأم ألمانية، ودرس في صباه في جامعة «يينا»، واتصل بالشقيقين ~~«شليجل» وتأثر بدعوتهما إلى الأدب الابتداعي، لدرجة حملته على أن «يحيا» وفق القواعد ~~الابتداعية، فها هو ذا يهيم جوالا في ثياب القدامى، ليعيش كما كانوا ms1009 يعيشون! وسجل في ~~قصة «جدفي» # 13 # تجاربه في ذلك العهد؛ تجاربه التي صادفته في حياته وفي غرامه. ولو اعتبرت ~~ثباته على الإفراط في الحياة العاطفية ضربا من الثبات، كان ذلك هو المثل الوحيد ~~الذي يمكن أن يساق لما عرفته حياته من ثبات مطرد، وما عدا ذلك كان في حياته متقلب ~~الأهواء لا يدوم له حال. وهو في قصته «جدفي» مستهتر يفجؤك بإيمانه بالإباحية في الحب ~~والانغماس في الشهوة، لكنه فيما بعد خجل أن تكون «جدفي» هذه من نتاج قلمه، وكان يقول ~~إنه يستحيي أن يذكرها ويخشى إن هو فعل أن يتحول عمودا من ملح! ومهما يكن من أمرها فقد ~~احتوت على عدد من الأغاني الشعرية الرائعة. وأما أهم أثر له في الأدب فما صنعه في جمعه ~~للأغاني الشعبية مشتركا مع «آرنم» ... ~~(4) فون آرنم # Achim Von Arnim ~~(1781-1831م) # بدأ «آرنم» حياته الأدبية، كما بدأ «برنتانو» حياته، بكتاب يقص فيه تجاربه، وكلا ~~الأديبين اتجه منذ البداية نحو جمع الأغاني الشعبية، فلما التقيا وتصادقا اتفقا على أن ~~يتآزرا ويتعاونا على عمل واحد، وكان أول ما أنتجاه معا مجموعة من هذه الأغاني الشعبية ~~أطلقا عليها اسم «الصبي وبوقه السحري» # 14 # ثم عقبا على هذه المجموعة بمجموعتين أخريين، قدم لهما «آرنم» بمقدمة بديعة ~~في أدب الغناء الشعبي، وقد أهديت المجموعة بأجزائها الثلاثة إلى «جيته» الذي نشر ~~عنها تعليقا عبر فيه عن إعجابه بها. ولم يقصد الأديبان أن يعيدا الأغاني كما كانت في ~~عهدها القديم، بل لمساها بقلميهما ليزيداها حسنا على حسنها، ولم يكن لهما عن ذلك محيص ~~إذا أرادا لمثل تلك الأغاني القديمة أن تصادف هوى عند جمهور حديث؟ وكان لهما ما أرادا من ~~إقبال الجمهور وإعجابه، كأن الناس قد عثروا في تلك الأجزاء الثلاثة من أغاني أسلافهم ~~على ثروة أدبية قومية لم يكونوا يحلمون بوجودها، تكشف القناع عن روح الشعب الألماني ~~وصميم نفسه. وإن كان من أنشأ هذه الأغاني هو سواد الشعب، هو الرجل من غمار الناس، إذن ~~فقد مضت قرون على هذا الرجل ms1010 من غمار الناس وهو مجهول وكان ينبغي أن يمجد بطلا في القصة ~~خاصة وسائر الأدب عامة، ثم إن كانت النظرة الساذجة التي ينظر بها الرجل من غمار الناس ~~إلى الحياة تجد صداها في نفوس المحدثين قويا رنانا، إذن فقد خاب رجاء الذين كانوا ~~عندئذ يدعون إلى الاحتكام إلى العقل في أمور الحياة، وإلى النظر إلى عقائد الأقدمين ~~نظرة المحتقر المزدري؛ فتلك العقائد - بكل ما فيها من تخريف - عميقة الجذور في النفوس ~~ولا يمكن اقتلاعها بمثل اليسر الذي توهموه. ثم إن كانت للروح التقليدية كل هذا الأثر ~~في القلوب، فليكن التقليد منذ الآن - لا العقل ومنطقه - هو أساس الدعوة الجديدة التي ~~أشربت بالعاطفة القومية وبالعطف على الرجل من غمار الناس في آن معا. # وما دمنا في ذكر هذا اللون من الأدب الشعبي، فيجمل بنا أن نذكر نتاجا أدبيا من ~~القبيل نفسه، كتب له أن يكون أدبا للعالم كله فيما بعد، ألا وهو مجموعة من القصص أطلق ~~عليها «قصص للأطفال والأسرة»، # 15 # أخرجها شقيقان، هما «يعقوب جرم» # 16 # و«ولهلم جرم» # 17 # في نفس الوقت الذي أخرج فيه «آرنم» و«برنتانو» مجموعة الأغاني ~~الشعبية. ~~(6) زاكارياس فرنر # Zacharias Werner ~~(1776-1823م) # وهذا أديب ابتداعي آخر، اقترنت ابتداعيته بعربدة في حياته كما حدث لزميله «برنتانو»؛ ~~لولا أنه في شبابه أخذ يتذبذب بين حياة الفجور وحياة التصوف الديني. بدأ حياته الأدبية ~~بقصتين «أبناء الوادي» و«الصليب على البلطيق»، في الأولى يروي عن انهيار طائفة دينية ~~كانت تعرف باسم فرسان المعبد، وفي الثانية يقص كيف تحولت ألمانيا الوثنية إلى ألمانيا ~~المسيحية، لكنه لم يبلغ مجده بهاتين القصتين، بل كان المسرح مجال نبوغه، فأصدر مسرحية ~~«مارتن لوثر» ظفر بها باسم في عالم المسرح، لعله هو الذي جعل «جيته» يقربه منه حين ~~جاء «فرنر» إلى فيمار. ومن علاقة الأديبين أحدهما بالآخر، نتجت مسرحية أخرى، عنوانها ~~«الرابع والعشرون من فبراير» تقع أهميتها في ذاتها أولا وفي كثرة ما كتب على غرارها من ~~المسرحيات ثانيا؛ المسرحيات التي تنشئ المأساة على أساس سطوة القدر المنتقم، ms1011 وأمرها هو ~~أن «فرنر» فقد أمه وفقد صديقا عزيزا له في يوم واحد هو الرابع والعشرون من فبراير عام ~~1804م، فنبه فيه هذا التوافق في وقوع النكبات شعورا دفينا فيه، هو الشعور بقوة القدر ~~في مجرى الحوادث. وخلاصة حوادث المسرحية أن شابا من سويسرا اعترك مع أبيه بشأن فتاة ~~أراد الزواج منها، وبلغت حدة العراك حدا جعل الولد يرمي أباه بخنجر أخطأه، لكن الوالد ~~مات على الأثر، وفي موته استنزل اللعنة على ابنه العاق وزوجته. وأنسل الولد وزوجته ~~ابنا وابنة، فشاء القدر أن يرمي الولد أخته بنفس الخنجر فيرديها ميتة؛ مما جعل أباه في ~~ثورة غضبه يطرده مستنزلا عليه اللعنة كذلك. وأخيرا تجد الرجل وزوجته كهلين في كوخ فوق ~~سفح الجبل، يعيشان في فقر مدقع، ويطرق بابهما غريب ذات ليل، وينتهز الرجل هذه الفرصة ~~ويفتك بالزائر الغريب وهو في نعاسه ليسلبه ما عسى أن يكون معه من مال، يفتك به بالخنجر ~~نفسه، وما هو إلا أن تنكشف له الحقيقة المرعبة وهي أنه إنما فتك بابنه الطريد! والكاتب ~~يجعل حوادث القتل كلها تتم بخنجر واحد، وفي يوم واحد من العام، هو الرابع والعشرون من ~~فبراير، ليرمز بذلك إلى العقيدة الخفية في النفوس، بأن القدر متربص لفاعل السوء، لا بل ~~إنه ليتربص له في شيء من دقة التدبير، فكثيرا ما يجعل العقاب في نفس المكان أو في نفس ~~الزمان أو بنفس الأداة التي وقعت بها الجريمة. # كانت هذه المسرحية ذات فصل واحد، وهي قطعة فنية من حيث شعرها وفنها المسرحي على ~~السواء، وقد فتحت الباب بعدها لفصيلة بأسرها من المآسي التي تقوم على أساسها؛ المآسي ~~التي تصور أسرة حلت بها النقمة لجريمة اقترفها أحد أفرادها فيما مضى. غير أن المحاكاة ~~لا بد يوما أن تنتهي إلى الضعف، وهكذا حدث في نهاية الأمر لهؤلاء المقلدين؛ إذ وصلت ~~بهم المحاكاة مرحلة كانوا لا يراعون فيها أن ينتقم القدر ليضع الأشياء في نصابها الصحيح، ~~بل يربطون العلاقة بين القدر وبين مكان أو زمان أو أداة ms1012 ربطا آليا لا يحمل شيئا من ~~المعنى. وبهذا أصبح الأساس أقرب إلى التخريف منه إلى الشعر، فالخرافة - كما قال جيته - ~~قد تكون هي شعر الحياة، إذا عولجت كما عالجها «فرنر» في مسرحيته هذه، ولكنها كذلك قد ~~تكون تخريفا لا أكثر ولا أقل، إذا فهمت على النحو الذي فهمها به هؤلاء المحاكون، ~~حين رأوا تناسبا بين الجريمة والعقاب، حين يقع العقاب في نفس مكان الجريمة أو زمانها ~~أو بالأداة التي اقترفت بها، دون أن يؤيدوا هذا التناسب بسند من معنى العدالة. ~~(7) هنريش فون كليست # Heinrich von Kleist ~~(1777-1811م) # إذا غزا الأمة غاز وكانت أمة حية، أخذ الأدب بقسط موفور في إنهاض الشعور القومي ليرد ~~المعتدي عن محراب الوطن؛ وقد وقعت ألمانيا تحت أقدام نابليون، فلا بد لأدبائها أن ~~يستعينوا بربة الأدب على هذا الغازي، وكانت ألمانيا عندئذ لم توحد أمة؛ إذ كان يتقسمها ~~الأمراء الحاكمون، لكن حملة التحرير التي نهض بها الألمان ضد نابليون كانت من بواعث ~~نشوء القومية الألمانية؛ ومن أجل هذه الوحدة الألمانية كان يحارب الأدب الألماني حتى ~~ظفر. # ولو استثنينا «جيته» كان «فون كليست» أهم أدباء العصر النابليوني في ألمانيا، وكان ~~«فون كليست» فوق كل شيء كاتبا مسرحيا موهوبا، وإن تكن موهبته هذه لم تنكشف كلها ~~لبني عصره، فكل من سبقه إلى كتابة المسرحية من أدباء المدرسة الابتداعية: شليجل ~~(الشقيقان كلاهما) و«برنتانو» و«آرنم» و«تيك» و«فرنر»؛ كلهم كانوا بمثابة من جاءوا ~~ليمهدوا الطريق إلى المسرحية الابتداعية بمعناها الصحيح على يدي «فون كليست». # كان «فون كليست» فقيرا على الرغم من أنه سليل أسرة شريفة، واتخذ الجندية مهنة له في ~~صدر الشباب، لكنه لم يلبث أن ترك حياة الجيش ليخلو إلى متابعة مثل أعلى وضعه لنفسه، وهو ~~أن يثقف نفسه بقدر المستطاع. والقراءة والدرس كثيرا ما ينتهيان - كما انتهيا بفاوست - ~~إلى الحيرة والارتباك بدل أن يؤديا إلى الاطمئنان واليقين. وهكذا كان الأمر مع «فون ~~كليست» إذ انتابه القلق والهم وتعاورته غرابة السلوك، ومع ذلك كله لبث أمام عينيه طموحه ~~الشعري شاخصا ms1013 يدعوه إلى متابعة الطريق، فانتهت به كل هذه العوامل إلى تجواب في ربوع ~~أوروبا لعله يصادف حياة الأمن بين ربوعها، ولازمته في رحلاته فكرة سوداء، وهي الرغبة في ~~الانتحار، وأخذت الفكرة في ذهنه ألوانا شتى؛ فلماذا لا يموت ميتة تؤدي به إلى هذا ~~«القبر الفخم الذي ليس لعظمته حد؟» وما ذلك القبر العظيم إلا إنجلترا التي كان ~~نابليون يعد العدة لغزوها، وفكر الأديب القلق أن يلتحق بجيوشه في ذلك الغزو، ولا بأس ~~عليه إن هو مات ليثوي جسده في ذلك القبر المجيد ... لا، ليطرح هذه الفكرة المتشائمة وليذهب ~~إلى سويسرا فيحيا حياة فلاح ساذج ويعيش على زراعة الأرض. وأخذ سمته نحو سويسرا، وهنالك ~~سرعان ما تحول به مجرى الحياة عما أراد لنفسه؛ إذ اتصل بجماعة أدبية هناك، وهناك أخرج ~~أول نتاجه الأدبي «أسرة شرفنشتاين» # 18 # وهي مأساة شعرية ابتداعية، يموت فيها حبيبان لعراك نشب بين أسرتيهما، كما ~~مات روميو وجوليت عند شيكسبير لخلاف بين أسرتيهما أيضا. وبناء المسرحية عجيب في فنه، ~~لأنها تبعثك على الأسى مرة وعلى الضحك مرة، ويسودها كلها إصبع القدر فيحرك الحوادث كيف ~~شاء. # ورأى «فون كليست» ذات يوم صورة منقوشة على جدار بيت صديق له في سويسرا وأوحت له ~~الصورة بمسرحية «الإبريق المكسور» # 19 # التي روى فيها قصة قاض تسلل ذات مساء إلى غرفة امرأة، وبينما هو يسرع في ~~طريقه إلى الخروج صدم إبريقا فكسره، وألقي القبض على رجل آخر حامت حوله الشبهة وجيء به ~~أمام القاضي - القاضي الذي اقترف الجريمة - فأدار هذا مجرى التحقيق على نحو أوقعه في ~~الاتهام آخر الأمر. وفي هذه المسرحية تهكم شديد فعال قصد به إصلاح المفاسد والعيوب التي ~~أصيبت بها الأمة الألمانية عندئذ، ويقال عنها إنها أجمل وأروع ملهاة شعرية عرفها الأدب ~~الألماني كله. وللشاعر كذلك مأساة «بنثزليا» # 20 # التي حكى فيها عن موضوع يوناني، هو القتال بين أخيل وحبيبته، قتالا أذهب ~~عن الحبيبة رشدها فقتلت حبيبها برمية من رمحها، ثم أفاقت إلى رشدها وعاودها جلال منزلتها ~~باعتبارها ملكة، فطلبت ms1014 قتل نفسها. وكان غرض الشاعر بهذه المسرحية دراسية الأنانية ~~الهوجاء إذا تملكتها العاطفة العمياء فأفقدتها صواب الحكم وحسن التدبير. # ونزلت النازلة، وجاء نابليون إلى قلب البلاد الألمانية ظافرا منتصرا، وكان «فون ~~كليست» إذ ذاك يشغل منصبا كتابيا متواضعا في الحكومة في مدينة «كونجز برج» وتحركت ~~في نفسه الإحنة ضد هذا الطاغية حتى تساءل يوما: لماذا لا يهم رجل ذات يوم فيرمي رأس هذا ~~الجبار برصاصة في رأسه فيرديه؟ وبدا له أن لا أمل لألمانيا بغير وحدة أجزائها وبغير أن ~~تمتلئ صدور الأمراء والشعب على السواء بوطنية تضحي بالمصالح الفردية في سبيل مصلحة ~~الوطن كله! ومع ذلك لم يتحول بأدبه فورا نحو موضوعات الساعة الراهنة، ليحرك النفوس ~~بقلمه، بل ترك منصبه في «كونجز برج» وذهب إلى «درزدن» حيث التقى ب «تيك» ونشأت بينهما ~~صلات الود والصداقة، وحيث أخذ في إنتاج آثار أدبية لم يعرف عنها معاصروه شيئا، أو ~~عرفوها ولم يقدروها قدرا عظيما، وعندئذ أصدر مسرحية «كاتي هيلبرن» # 21 # التي هي بين رواياته أكثرها قبولا من الجمهور، لكنها لم تمثل في حياة ~~كاتبها. و«كاتي» اسم لامرأة خلقها على نقيض خلق «بنثزليا»؛ فهذه الأخيرة - كما أسلفنا - ~~تصور المرأة وقد غلبت عليها الأنانية التي لا تعرف حدا تقف عنده في تحقيق أغراضها، ~~وأما «كاتي» فصورة المرأة التي تخصص حياتها لخدمة حبيبها أو زوجها وإن آلمها هذا الحبيب ~~أو الزوج، فهي تحتمل الألم في سبيله صابرة خاضعة لإرادته. # وللشاعر كذلك مسرحية «معركة هرمان» # 22 # وهي تتصل بالحالة السياسية الألمانية في ذلك العهد اتصالا مباشرا، ~~ف «هرمان» يوحد رؤساء المقاطعات الألمانية تحت قيادته ويهجم بصفوف متماسكة هجمة عنيفة ~~على الطاغية الروماني فيظفر بلواء النصر. وإنما وفق «هرمان» في هذا بفصاحة خطابه ~~الذي وجهه إلى أمراء المقاطعات، وبأنه بدأ بنفسه فتناسى مصلحة شخصه ومصلحة أسرته في ~~سبيل مصلحة الوطن، بل إنه أبدى استعداده أن يسلم قياد نفسه إلى منافسه «مار بد». ~~و«هرمان» هنا يمثل بروسيا، و«مار بد» يمثل النمسا، والطاغية الروماني يمثل نابليون. ~~فالمسرحية كما ترى ms1015 دعوة صريحة إلى الوحدة الألمانية في وجه نابليون، ولا وحدة بغير ~~نسيان المصالح الشخصية وإنكار الذات في سبيل الخير للمجموع، وله كذلك مسرحية «أمير همبرج» # 23 # التي أراد بها أن يخفف بعض الشيء من وطأة النظام العسكري في ألمانيا، ~~فماذا يحدث لو عصى ضابط أمر قائده، لكنه عن طريق هذا العصيان ظفر بنصر عظيم؟ وأوحى له ~~بهذا الموضوع حادثة وقعت، والذي حدث هو أن قضى الرئيس الأعلى بموت الضابط لعصيانه ثم ~~بشكر الله على أنه أنعم عليه بهذه الأداة التي أتت له بالنصر. وأما «فون كليست» في ~~مسرحيته فجعل الرئيس الأعلى يقضي على الضابط بالموت، ثم يعفو عنه لأنه تبين أن الضابط ~~لم يسمع الأمر الذي صدر له من رئيسه إذ كان عندئذ فيما يشبه الحلم يفكر في حبيبته، ~~ولو أنه كان يبدو ويتصرف كما يبدو أو يتصرف اليقظان الواعي. وذهب «كليست» إلى برلين ~~لعله يظفر بمن يقبل مسرحيته هذه - وهي آية في الفن - فتمثل، فيكسب ما يقيم أوده لأنه في ~~فقر مدقع لا يكاد يجد ما يسد به الرمق! لكن أحدا لم يعرف للرجل قيمته، فما وجدت مسرحية ~~واحدة من مسرحياته طريقها إلى المسرح إبان حياته، فماذا عسى أن يصنع هذا الشاعر العبقري ~~الموهوب وهو لم يزل في صدر رجولته، في الرابع والثلاثين من عمره؟ يصوب غدارته إلى رأسه ~~فيحطمها ليخلص من هذا الشقاء. ~~(8) فريدريش روكرت # Friedrich Rűchert ~~(1788-1866م) # يكاد يستحيل أن يخلو عصر ممن يؤمنون أن حياة الإنسانية تسير من سيئ إلى أسوأ؛ فالقدماء ~~كانوا في أخلاقهم أفضل، وفي أدبهم أروع، وفي فنهم أنبغ. ثم يزداد هذا الشعور حدة إذا ما ~~وجد الناس أن ما يعلقون عليه آمالهم قد تبين فيه السوء والفساد؛ فهذه هي الثورة ~~الفرنسية قد فتحت آفاق الأمل أمام المستبشرين الذين رجوا منها أن تؤدي بالناس إلى ~~حرية ومساواة وإخاء، هذه هي الثورة قد انقلبت في أعين الناس إرهابا وإرهاقا للنفوس ~~واستبدادا في الحكم! فالرجاء الذي لا رجاء سواه، إن أردت أن تسعد بحياتك، هو ms1016 أن تغض ~~النظر عن الحاضر، وأن تعود بخيالك إلى الماضي الجميل، بل إن استطعت أن تعيش حياتك كما ~~عاش الأقدمون. وبهذا انقسم الناس جماعتين: واحدة تنظر إلى المستقبل وتمزج نفسها بشئون ~~الحياة الحاضرة، وأخرى تلوي عنقها نحو الماضي وتنطوي على نفسها بخيالها. الأولى تهتدي ~~بالعقل وإملائه، والثانية تمجد التقليد وإيحاءه. فأين تضع الأدباء الابتداعيين؟ بين ~~الجماعة الثانية ولا ريب، بين أولئك الذين يفتنهم الماضي بسحره مع اختلاف في معنى ~~الماضي، فقد تجد الابتداعي الذي يجد ضالته في عهد اليونان، وقد تجد الابتداعي ~~الذي يلقي عصاه بخياله في العصور الوسطى التي سادتها سلطة الكنيسة وقوة الإيمان، ثم ~~قد تجد الابتداعي الذي يريد أن يجعل ماضيه أبعد من هذا وذاك، وقد لا يكون البعد في ~~المسافة الزمنية، بل في المدى الذي ينبغي للخيال أن يعبره، في الشرق الذي يرتسم ~~في أذهان الغربيين أحيانا وكأنه بلاد السحر والعجائب، فما أبعد الشوط بين أوروبا في ~~النصف الأول من القرن التاسع عشر وبين بلاد الهند وبلاد العرب! ما أبعد الشقة بين ~~الواقع إذ ذاك وبين ما عسى أن يصادفه خيال الأديب لو عاش في تلك الأصقاع! # هذا هو «جيته» يدير البصر إلى هذا الشرق البعيد ليخلص من الواقع الذميم، إلى هذا ~~الشرق كما يراه مصورا في ألف ليلة وليلة وما إليها من مفاتن الخيال، إلى هذا الشرق كما ~~يروى عنه في أشعار الهندوس والفرس والعرب. لكنك لكي تعود بالخيال إلى تلك الأصقاع فلا ~~بد من علم دقيق بها، وإلا شطحت في ترهات وأكاذيب، ومن هنا نشأت جماعة من المستشرقين في ~~ألمانيا جعلت بغيتها مثل هذه الدراسة الدقيقة للشرق في تاريخه وعلمه وأدبه وديانته ~~وسائر ما يتصل به، بل نشأت الرغبة الشديدة عند كثير من الأدباء أن يدرسوا لغات هؤلاء ~~الأقوام، فالشقيقان «شليجل» اللذان حدثناك عنهما علمين من طلائع النهضة الابتداعية في ~~ألمانيا درسا اللغة السنسكريتية، وتبعهما كثيرون، لأن سحابة الأحلام التي تكتنف آداب ~~الشرق تصادف هوى عند من جعل الأدب الابتداعي مذهبه. وضرب كبير الشعراء ms1017 الألمان «جيته» ~~لزملائه بنفسه مثلا، إذ أصدر ديوانه الشرقي الذي زعم أنه فارسي وما هو بفارسي، لا ~~روحا ولا مادة؛ ف «جيته» في هذا الديوان بمثابة من يبدي غبطته إن وجد في «حافظ الشاعر ~~الفارسي» زميلا له في وجهة النظر، وراح يوهم أنه ينظر إلى الحياة كما نظر إليها ~~«حافظ»، لكنه في الواقع إنما كان يعبر عن آرائه هو ومشاعره هو، مستخدما في هذا السبيل ~~أسماء شرقية. # وبين الرجال الذين فتنهم الشرق فوجهوا إليه عنايتهم، «روكرت» الذي قضى حياته ~~الطويلة أستاذا مستشرقا من جهة، وشاعرا ينظم القصيد من جهة أخرى، وقد نظم طائفة ~~كبيرة من «قصائد الغزل» - قصائد منظومة على غرار الشعر العربي في الغزل، تجري في ~~القصيدة قافية واحدة - كما ترجم مجموعة منوعة من الشعر عن السنسكريتية والفارسية ~~والصينية والعربية والعبرية وغيرها من اللغات الشرقية. ولو قيس الشعراء بضخامة نظمهم، ~~كان «روكرت» في طليعة شعراء القرن التاسع عشر، ولكن كثيرا جدا من شعره المتأخر رديء، ~~وجيد شعره هو ما نظمه في صدر حياته. ~~(9) أوجست فون بلاتن # August Von Platen ~~(1796-1835م) # وهذا رجل آخر ممن عنوا بالشرق؛ نظم كثيرا من «قصائد الغزل» - القصائد التي قلنا إنها ~~تقليد الشعر العربي - لأنه كان يؤمن إيمانا قويا بقيمة هذا اللون من الشعر، وامتدح ~~شعره هذا «جيته» لكن كثيرين لم يروا فيه سوى قدرة على صوغ القوافي، لا أكثر ولا أقل، ~~فكأنما القصيدة قالب أجوف لا مادة فيه. ولعل أقوى وأقذع ما قيل في نقد «قصائد الغزل» ما ~~قاله «هيني» من أن قارضيها كانوا بمثابة من أكل من «جنة شيراز» حتى أتخم نفسه فتقيأ هذه ~~«القصائد الغزلية»! ونشأت على أثر ذلك بين الأديبين «بلاتن» و«هيني» معركة أدبية، لكن ~~«بلاتن» بالطبع لا تقاس قامته إلى قامة «هيني»، فوضعه الناس حيث وضعه «هيني» إذ اعتبروه ~~شاعر صنعة لا شاعر طبع؛ فكل قدرته انحصرت في صياغة القصائد التي لا مادة فيها ولا شعور. ~~ولقد أصاب «هيني» في حكمه هذا على شعر «بلاتن» إلى حد ما؛ فلم يكن ms1018 شعره بالذي يوقظ ~~بأنغامه أحلام قارئيه أو سامعيه، بحكم أنه صيغ في قوالب لم تألفها الأسماع، فمن أراد أن ~~يستمتع بشعره فليعمل فيه الفكر ليبلغ معانيه؛ فإن كنت ممن لا يؤمنون بأن مثل هذا النظم ~~يدخل في دولة الشعر فليس «بلاتن» عندك شاعرا، أما إن كنت ممن يفسح المجال في دولة ~~الفن إلى الشعر الذي يروع بفكره لا بأنغامه، فسيجد «بلاتن» عندك مكانا يستقر ~~فيه. ~~(10) هنريش هيني # Heinrich Heine ~~(1797-1856م) # ها نحن أولاء نسوق لك الآن عملاقا من عمالقة الشعر في آداب العالم أجمعين؛ «هيني» ~~الذي كان ابتداعيا على نحو خاص به، فلا هو متمرد على الواقع الحاضر، كما تمثله ~~الثورة الفرنسية وأعقابها، فيتركه جملة واحدة لينطوي بخياله على أحلام الماضي، ولا هو ~~تارك هذا الماضي جملة ليحصر نظره في الواقع، إنما كان «هيني» بعواطفه شيئا وبعقله ~~شيئا آخر، فعاطفته مع الماضي وعقله صنيعة الحاضر الواقع. # أصدر أول ديوان له وهو طالب قضى من حياته خمسة وعشرين عاما، فجاءت قصائد هذا الديوان ~~معبرة عن آلام نفسه التي أحسها حين خاب رجاؤه في حبه، فقد يظهر أنه اتجه بهواه إلى فتاة ~~أجابت هذا الهوى بشيء من الزراية والاحتقار، ومن هنا كانت مرارة نفسه وتبرمه بالحياة ~~كما بدا في ديوانه الأول، لكنها كانت مرارة وكان تبرما انتفع بهما الأدب، لأن شاعرنا ~~لم يجد متنفسا إلا شعره، وإنا لنذكر عنه في هذا الصدد حقيقة جديرة من القارئ بالعناية ~~لأنها تلقي ضوءا على معنى ما يقال من أن نفس الشاعر تنعكس في شعره، وهي أن «هيني» ~~تألم حين أجابته الحبيبة بنظرة المزدري، فبث آلامه في شعره، ثم ذهب عنه الألم، لكنه ظل ~~يبث آلامه في شعره. وإذن فلنكن على حذر حين نحاول أن نرى نفس الشاعر معكوسة في شعره، إذ ~~قد يتخذ الشاعر لونا معينا من وجهة النظر إلى الحياة، وإن تكن قد ذهبت عنه البواعث ~~والدواعي . ومما أنشأه ليعبر فيه عن خيبة أمله في حبه مسرحيتان، إحداهما تدعى «المنصور» # 24 # والثانية «وليم راتكلف». ms1019 # 25 # ثم أخذ بعدئذ يغني بشعره في يومياته، كلما جاشت في نفسه عاطفة بثها، دون ~~أن يلتزم وضع عنوان لكل فورة نفسية من هذه الفورات التي تنتابه يوما بعد يوم في غير ~~ترتيب ولا تشابه، فهو اليوم يروي عن حلم فظيع رأى فيه قبورا وموتا، وهو اليوم يقص ~~أسطورة قديمة فيها جمال ولها إيحاء، وهو اليوم يسجل ما عبر بخاطره من صورة الحياة ~~الفطرية الهانئة على ضفاف الكنج في بلاد الهند، وهو اليوم يذكر كيف استحالت نشوة حبه ~~ذات يوم مرارة بسبب امرأة قسا قلبها وتحجر، وهو اليوم يرى في الطبيعة ما يلفت نظره وما ~~يقرأ فيه معنى وعبرة، وهكذا دواليك. وهو في كل شعره تقريبا لاذع السخرية مر التهكم، ~~متشائم النظر، يصب هذه السخرية وهذا التهكم على الحياة الإنسانية بأسرها، بل كثيرا ما ~~يصوب سهامه نحو صدره، تقرؤه فلا تحبه صديقا لك لأنه لن يجعلك ترضى عن نفسك، لكنك ~~يستحيل أن تخطئ فيه روعة الفن وقوة الإيحاء وحلاوة النغم، وله من هذا اللون من الشعر ~~«ديوان الأغاني» # 26 # الذي تجد فيه من الخرائد عددا قل أن تجد نظيره في ديوان آخر من الشعر ~~الألماني، ثم أعقب ذلك الديوان «رحلات». # 27 # اتخذ «هيني» فيه من نفسه بطلا، بدل العادة المألوفة في مثل هذه الرحلات ~~الأدبية، وهي أن يتخذ الأديب بطله شخصا ما ثم يجري خواطره على لسانه. وكان «هيني» في ~~كتابه «رحلات» - كعادته - هازئا بأوضاع الحياة كما رآها، ساخرا من بعض العقول، ولعل ~~اللغة الألمانية لم تشهد قبل هذا الكتاب ما يجاريه في مرارته التي تشع بعبقرية الكاتب ~~وتبعث اللذة في نفس القارئ. # كان «هيني» في شعره بمثابة من يعترك مع الحياة اعتراكا ربما كان مصدره مرض أعصابه ~~الذي انتهى به آخر الأمر إلى شلل ألزمه الفراش - وقد أطلق على فراشه إذ ذاك «قبر من ~~حشايا» - على أن هذه النظرات السوداء كانت ترتفع عنه أحيانا لتأخذ مكانها نوبات من مرح ~~تجد سبيلها إلى شعره في ضحكات ونكات، ولكنها أيضا ضحكات ms1020 السخرية من إنسانية ضلت سواء ~~السبيل، على الرغم من أنه لم يكن باليائس من أن تهتدي الإنسانية إلى الطريق القويم، بل ~~كان يؤمن أنها تستطيع ذلك بالهداية البصيرة، وجعل همه أن يكون هو أحد الهداة. وها نحن ~~أولاء نقدم لك بعض شعره: # ها أنا ذا في أرض السحر من جديد! # ها هو ذا عطر الزيزفون قد أزهر! # إن القمر بما ينشر من ضياء # ملك علي الفؤاد بسحره وسيطر، ~~••• # سرت في طريقي، وكلما سرت # رن الهواء من فوقي ورددا، # إنه البلبل في الغرام يغني، # في عذاب الحب غنى وأنشدا. ~~••• # في عذاب الحب غنى البلبل، # وأنغامه كانت من دموع وابتسام؛ # ابتسامه حزين، ودموعه مرحات، # فأيقظ ما طال نسيانه من الأحلام. ~~••• # سرت في طريقي، وكلما سرت # رأيت قائما أمامي # في الفضاء حصنا فسيحا # شامخا برأسه المتسامي، ~~••• # غلقت نوافذه، وأينما أدرت البصر # وجدت حزنا صامتا؛ # لعله الموت ضاربا بجرانه # فألجم صوت الحياة وأسكتا. ~~••• # أبو الهول أمام الباب راقد # قوامه مزيج من مرح ورعب، # له جسم الليث والمخالب # ومن المرأة رأسها والنهد؛ ~~••• # امرأة فاتنة! في نظرتها شحوب ينطق # كأنه بالشهوة القوية يغرى، # وصامت الشفتين في انحناء خفيف # نمتا عن ابتسامة فيهما تسري، ~~••• # وغنى البلبل لحنا طروبا # واستسلمت للمرأة في إغرائها، # فقبلت منها مليح وجهها # فأهلكتني القبلة، ليتني ما لثمتها. ~~••• # تحرك التمثال المرمري بعد جمود، # وأصبح الصخر كائنا حيا، # تحست المرأة من حرارة قبلتي، # فلهثت إعياء وجف الماء من شفتيا، ~~••• # تحست المرأة منى النفس، # وراحت في غبطتها تمرح، # وبالمخالب منها زمت على جسدي، # وخلفتني وأنا الهشيم الأكسح. ~~••• # يا عذابا فيه المرح! ويا شقاء فيه النعيم! # ما أكثر ما فيك من لذة وشقاء! # كانت المخالب توقع بالجسم الأذى، # لكن قبلة الشفتين كانت لي هناء. ~~••• # وأنشد البلبل: «يا أبا الهول يا جميل! # أيها الحب بما لك من عطف رحيم! # لماذا تمزج أليم العذاب # بكل ما فيك من لذة ونعيم؟ ~~••• # اتل علي يا أبا الهول يا جميل: # هذا اللغز المجيب ما معناه؟ # فقد مرت علي ألوف الأعوام محاولا # وما ms1021 عرفت من هذا السر مغزاه!» # وهذه قصيدة أخرى: # أطبق الليل جفني، # وختم الليل على شفتي، # وسكن مني الرأس والقلب، # في هذا اللحد من فراشي، ~~••• # لست أدري كم طال بي نومي؟ # لست أدري كم لفني النعاس؟ # لكني استيقظت إذ سمعت # نقرا على باب لحدي: ~~••• ~~«هنريش! استيقظ من نعاسك # ها هنا نهار ضوءه سرمدي، # إن الموتى كلهم بعثوا # وأقبل على الجمع نعيم أبدي.» ~~••• # حبيبتي لا أستطيع نهوضا # لقد كف مني البصر، # لقد بكت عيناي حتى كفتا، # وغاب من عيني ضوء النظر. ~~••• ~~«هنريش! سألثم منك عينيك # فينزاح عن عينيك الظلام، # ستراك إلى الأملاك شاخصا # وإلى رب السماء ذي الجلال.» ~~••• # حبيبتي لا أستطيع نهوضا # فما يزال القلب يدمى، # لا يزال يدمى حيث جرحته # بلفظ منك حده كالسهم. ~~••• ~~«هنريش! سأمر بحنون راحتي # على مكان قلبك الجريح، # فيشفى الجرح من قلبك، # ستشفي راحتي قلبك الجريح.» ~~••• # حبيبتي لا أستطيع نهوضا، # إن رأسي جريح مثل قلبي، # وأنا الذي جرحت رأسي بنفسي؛ # إذ سلبوك مني فسلبت لبي. ~~••• ~~«هنريش! بحلقات شعري # سأشفي منك الجراح، # وأرد لك ما فقدت من دم؛ # فإذا رأسك ليس فيه جراح.» ~~••• # أخذت ترجو في رقة وعطف، # فما استطعت لها عنادا، # وكان النهوض أمنيتي # لأمضي إلى من علقت بها فؤادا، ~~••• # وعندئذ انفتحت مني الجروح، # وتصبب منها دمي؛ # تصبب من رأسي وصدري، # ثم صحوت من نومي. ~~(ب) القصة ~~(1) فردريش دي لامت فوكيه # Friedrich de la Motte Fouqué ~~(1777-1843م) # كان «فوكيه» أغزر أدباء القصة إنتاجا وأقربهم إلى قلوب القراء في ألمانيا في النصف ~~الأول من القرن التاسع عشر. وقد توجه بحبه للقديم نحو القرون الوسطى وما كان شائعا ~~فيها من أخلاق الفرسان، وأوشك أن يكون «فوكيه» للألمان ما كان «وولتر سكت» للإنجليز، ~~لولا أنه كان يعوزه ما وهب الله زميله الإنجليزي من حاسة مرهفة في فهم حقائق التاريخ ~~ومن فكاهة مهذبة رقيقة، وكان يعوزه كذلك القدرة على جعل الحوادث الساذجة التي يسوقها في ~~قصصه عن حياة العصور الوسطى نابضة بالحياة وثيقة الصلة بمشاعر القارئ. لهذا كله جاء بناؤه ~~الأدبي ms1022 في قصصه أقرب شبها بشيء سماوي ملائكي منه بوصف للحياة في دنيانا هذه، وجاءت ~~حكاياته مما يشبع خيال الأطفال ولا يعجب خيال الرجال الذين يزنون خيالهم بشيء من ~~التماسك المنطقي؛ فلا عجب أن أقبل عليه جمهور القراء فترة ثم أخذوا ينفضون عنه حين خاب ~~رجاؤهم في أن يجدوا في قصصه ما يريدون. وأهم ما يستحق الذكر من إنتاجه قصة صغيرة ~~عنوانها «أندين» # 28 # تروي عن جنية لم يكن لها روح ثم خلقت لنفسها روحا بما عانته من أحزان، ثم ~~اتخذت لنفسها حبيبا من فارس إنسانا من لحم ودم، وهي قصة تضرب على وتر الحكايات ~~الشعبية والأغاني الشعبية، وتلك هي علاقة الأدب الابتداعي فيها، لكنها على كل حال تعد ~~من أدب الأطفال، وهي في هذا الباب لا تدنو من مجموعة «قصص للأطفال والأسرة» التي أخرجها ~~الشقيقان «جرم» والتي حدثناك عنها فيما سلف. # ويجدر بنا أن نذكر هنا على سبيل المقارنة أديبا آخر أسلفنا الحديث عنه، هو «تيك» ~~الذي كان عندئذ يكتب أقاصيص قصارا يتوخى فيها ما يشبه الواقع، إذ لم يركن في ~~أقصوصته إلى غرابة الحوادث كما فعل «فوكيه» بل جعل ركيزته حكمة الحوار الذي يديره ~~بين الأشخاص؛ فقد كان يقدم لقارئه شخصين أو مجموعة أشخاص لكل منهم خلقه الذي يميزه ~~من سواه، ثم يتركهم ليناقش بعضهم بعضا في موضوع يختاره لهم من الفن أو الأدب أو ~~الموسيقى أو الفلسفة؛ لأن الذي كان يهتم له «تيك» من الطبيعة الإنسانية هي كيف يفكر ~~الإنسان، لا كيف يسلك أو يتصرف في الظروف المختلفة. ولم يكن الحوار الذي يديره بين ~~الأشخاص عبارات قصيرة على هيئة السؤال والجواب، أو على صورة ما يجري في الحياة من سمر، ~~بل كان في معظمه عرضا طويلا لفكرة يتقدم بها شخص ليرد عليه شخص آخر بعرض طويل لفكرة ~~أخرى أو لنقد الفكرة التي سمعها من زميله. فإن لم تكن أقاصيص «تيك» صورة لحياة عصرها، ~~فهي بلا شك صورة لتفكير أهل ذلك العصر. ولم يلجأ «تيك» في تلك الأقاصيص إلى ms1023 العناصر ~~الخارقة لما هو مألوف، كالجن والملائكة وما إلى ذلك، على خلاف الاتجاه العام الذي ~~كان سائدا بين أدباء القصة في عصره؛ إذ كان من عناصر الأدب الابتداعي إحياء خرافات ~~العهد القديم، لا لذاتها، بل لأنهم إذ أرادوا إحياء الأغاني الشعبية أو الحكايات ~~الشعبية، لم يكن لهم محيص عن إحياء ما انطوت عليه تلك الأغاني والحكايات من خرافات ومن ~~التحدث عن المخلوقات الخارقة للمألوف. ~~(2) أدلبرت فون شاميسو # Adelbert vou Chamisso ~~(1781-1838م) # كان الاتجاه العام إذن بين أدباء الابتداع أن يحيوا الأغاني الشعبية والحكايات ~~الشعبية، فكان لا بد لهم أن يحيوا ما تنطوي عليه تلك الأغاني والحكايات من خرافات ~~وأعاجيب ثم نشأ عن ذلك شيء آخر، أن يحاول الأديب أن يخلق بخياله صورا شبيهة بتلك ~~الخرافات والأعاجيب التي كانت تتضمنها الأغاني الشعبية والحكايات الشعبية. ومن هؤلاء ~~الذين ابتكروا مثل هذه الصور «شاميسو» في قصته «بطرس شلمل» # 29 # التي روى فيها عن شاب فقير باع ظله للشيطان بمبلغ كبير من المال، ثم تبين ~~له أنه إنما كان الخاسر في هذه الصفقة. في هذه القصة خيال بديع، وفيها معالجة للحوادث ~~المستحيلة الوقوع على نحو يخيل للقارئ أنها من الجائز المعقول، لأن تفصيلات الحوادث ~~ومجراها مما يساير الواقع، فلا يجد القارئ تنافرا بين ما يقرأ وبين ما يقبله ~~العقل. ~~(3) أرنست تيودور هوفمان # Ernest Theodor Hoffmann ~~(1776-1822م) # كان «هوفمان» مثل زميله «شاميسو» ممن يضفي خياله على المستحيل مسحة واقعية من صدق ~~التصوير في مجرى الحوادث وتفصيلاتها. وهو فوق براعته الأدبية موسيقي موهوب ورسام نابغ، ~~كأنما وهبه الله إحساسا لاقطا لكل ضروب الجمال من مرئي ومسموع. ومن خصائص «هوفمان» في ~~أدبه أنه كان يختار لموضوعاته ما يثير الرعب في نفس القارئ - وبمثل هذه الخاصة يتميز ~~أدب إدجر ألن بو - فهو يكتب عن الجن والأشباح والأماكن «المسكونة» بالعفاريت، وعن السحر ~~والعرافة والجولان النومي وتخليط المحموم وهواجسه، وعن الإجرام ودوافعه والجنون بدرجاته ~~وما إلى ذلك. # ومن أهم إنتاجه قصة «إكسير الشيطان» # 30 # التي يستحيل على قارئ أن يقرأها ms1024 دون أن ينتابه الرعب ، مهما يكن له من ~~رجحان العقل الذي يدرك به تمام الإدراك أن ما يقرؤه خيال لا وجود له، وذلك لصدق ~~الوصف فيما يختص بالتفصيلات، وإن يكن الموضوع كله من الخوارق المستحيلة الوقوع. وهي ~~تحكي عن راهب أغراه الشيطان بإكسيره فضل طريق الصواب ولاقي الأهوال والصعاب، ثم هداه ~~الله إلى حب صحيح أنقذه مما هو فيه، فعاد إلى رشده عودة النادم التائب. وله كذلك «صور من الليل» # 31 # تجري على نمطه من وصف المفزعات، وهو نمط من الكتابة برع فيه حتى لم يكن ~~أحد يستطيع في هذا الباب أن يجاريه. ~~(4) بتينا فون آرنم # Bettina von Arnim ~~(1785-1859م) # نختم حديثنا عن القصة الألمانية في عصر الابتداع بهذه المرأة التي أخرجت آية أدبية ~~حين أخرجت «رسائل جيته إلى طفلة» # 32 # وهي زوجة «آرنم» الذي حدثناك عنه شريكا ل «برنتانو» في إخراج مجموعات ~~الأغاني الشعبية، وهي أخت «برنتانو» هذا الذي شاركه زوجها في إخراج تلك الأغاني ~~الشعبية؛ وحسبنا أن نقول عن كتابها «رسائل جيته إلى طفلة» إن «إمرسن» أحبه حبا جعله ~~يقول ذات يوم إنه ليس بحاجة إلى قراءة أي شيء آخر بعد قراءته لهذا الكتاب. # عاشت «بتينا» حياة فيها الحياة بكل معانيها؛ حياة تتأثر بكل ما يسر وما يحزن مما يقع ~~حولها، وعرفت مشاهير الرجال في عصرها، فعرفت «جيته» والتقت به مرات عدة، بل جاءها منه ~~بضع رسائل عبر فيها عن شعور جميل نحوها، وعرفت أم «جيته» وأخذت عنها مذكرات وحكايات، ~~ومن هذه المذكرات والحكايات التي لقفتها من شفتي أم أديب ألمانيا الأكبر، أنشأت هذا ~~الكتاب تمجيدا للرجل الذي ملك عليها أحلامها وهي في عهد الشباب. ولم تكن «بتينا» ~~لتجهل ما قد يفسر به الناس هذه الرسائل التي تخيلت أن «جيته» بعث بها إليها، لكنها لم ~~تأبه لهذا، موقنة أنها ستصادف فهما صحيحا عند من ينزعون بعقولهم نزعة الخير، وإلى ~~هؤلاء كانت تريد بأدبها، وليفسر أصحاب السوء رسائلها كيف شاء لهم شرهم؛ فهذه الرسائل ~~مذكرات لم تصدر عن «جيته» ms1025 حقيقة بل هي خيال امرأة موهوبة صورت بقلمها ما كان جائزا أن ~~يكون. ولو أطلقت على كتابها «رسائل شاعر إلى امرأة» لكان أدنى إلى الصواب، لأنها في هذه ~~الرسائل تصورت الشاعر في «جيته» وتصورت «المرأة» في نفسها، وأدارت الرسائل بين هذين ~~الطرفين. وهي حين رمزت إلى نفسها ب «طفلة» في عنوان الكتاب، أرادت أن تعبر عن إحساسها ~~إزاء هذا الجبار، فهي بالقياس إليه طفلة إلى جوار عملاق. وقد مجدت في بطلها «جيته» ~~المحب؛ مجدت فيه الرجل يعيش بما يمليه عليه الشعور والدافع الفطري، لأنها هي نفسها عاشت ~~حياتها وفق إملاء شعورها ودوافعها الفطرية، وليس من اليسير أن تعيش في مجتمع مثل هذه ~~الحياة. # | الفصل الثاني: النصف الثاني من القرن التاسع عشر # اضطرب الفكر في ألمانيا في الفترة التي تملأ الثلث الأوسط من القرن التاسع عشر، ~~واضطربت السياسة؛ فاضطرب الأدب، ولم تكن له وجهة معينة نستطيع أن نصف بها تلك الفترة من ~~تاريخ آدابهم، فالأدباء عندئذ أغراضهم شتى ووجهاتهم مختلفات، ومع ذلك فإن جاز لنا أن ~~نغلب غرضا على سائر الأغراض ووجهة على سائر الوجهات، كان لنا أن نقول إن الاتجاه نحو ~~الواقعية هو الغالب. وربما كان من نتائج ذلك أن أصبحت السيادة في دولة الأدب للقصة بعد ~~أن كانت في الثلث الأول من القرن للقصيدة الغنائية. # وإنه لمن الحوادث التي تستحق في هذا الصدد أن تذكر، لما فيها من درس وعبرة، حادثة كان ~~لها أثر قوي في الحركة الأدبية في ألمانيا إبان القرن التاسع عشر؛ وتلك هي أن جماعة من ~~الكتاب أطلقوا على أنفسهم «ألمانيا الفتاة» وأرادوا أن يستخدموا أقلامهم في نشر مبادئ ~~الديمقراطية التي بشرت بها الثورة الفرنسية، فأصدر أولو الأمر عام 1835م قانونا يحرم ~~نشر ما يكتبه أفراد هذه المدرسة الأدبية. وكان من بين هؤلاء الأفراد «هيني» فكان بالطبع ~~لذلك القانون أثره العكسي، وبدأ من لم يكن قد سمع بأعضاء «ألمانيا الفتاة» يبحث في ~~الخفاء عما يكتبه هؤلاء الأعضاء؛ وبهذا اكتسبت تلك الجماعة الأدبية شهرة لم تكن تتناسب ms1026 ~~مع مكانتهم في الأدب، لأنهم كانوا في حقيقة أمرهم صحفيين يجيدون الكتابة للصحف، وقد لا ~~تكون الكتابة الصحفية أدبا رفيعا. ومهما يكن من أمر فقد اضطربت الخواطر حول هؤلاء ~~الكتاب؛ فمن الناس من يسعى جهده أن يقرأ لهم، ومن الناس من نفذت دعوة أولى الأمر إلى ~~نفوسهم، واختلط في عقولهم الأمر، فأصبحوا يقرنون أسماء هؤلاء الكتاب بالدعوة إلى ~~الإباحية والإلحاد والانغماس في شهوات الجسد. ألم يدع هؤلاء الكتاب إلى الأخذ ~~بالديمقراطية الفرنسية؟ وماذا عسى أن تعني الديمقراطية الفرنسية غير هذه ~~الأشياء؟! # والواقع هو أن تلك الطائفة من الأدباء، التي لقيت العنت من رجعية القيود التي فرضها ~~«مترنخ»، لم تكن مدرسة أدبية بمعنى الكلمة الدقيق؛ إذ لم يكن أعضاؤها ذوي فكر واحد ~~وعقيدة واحدة، وإن اتفقوا جميعا على ضرورة الإصلاح، فقد تجد منهم المعتدل الذي ~~يرضيه قسط ضئيل من الحرية، وقد تجد منهم من لم يكن يرضيه شيء دون الانقلاب الشامل ~~الذي يكتب السيادة السياسية للشعب على سائر السلطات. وعلى كل حال فقد كثر إنتاج ~~الأناشيد القومية التي تثير الحماسة في قلوب الناس، ومن بينها النشيد المشهور الذي ~~أنشأه «هوفمان فون فالرزليبن» # 1 ~~«ألمانيا، ألمانيا فوق الجميع»؛ فجاءت تلك الأناشيد بمثابة إعلان الحرب بين ~~الشعب وأمرائه. ~~(1) فردناند فرايلجرات # Ferdinand Freiligrath ~~(1810-1876م) # وكان «فرايلجرات» من الشعراء الذين خدموا قضية الشعب بما أنشدوا من شعر، وقد نشر ~~بادئ ذي بدء طائفة من القصائد استوقفت أنظار القراء لما كان فيها من خيال بديع وإثارة ~~قوية للشعور، فقد أخذ ينشد شعره عن الغابة والصحراء وما فيها من وحوش ضارية وأقوام همج. ~~والغاية التي كان يرمي إليها من كل ما كتب هي الثورة على كل ضروب الاستسلام والخنوع ~~والجمود العقلي. ثم صدر له بعد ذلك مجموعات من الشعر لا يضارعها في حلاوة النغم إلا ~~القليل من الشعر الألماني. ومن عجيب أمر «فرايلجرات» أنه أول الأمر لم يكن يعتقد أن ~~الشاعر يجوز له أن يدمج نفسه في تيار السياسة، لأن الفن ينبغي أن يكون أرفع من هذه ms1027 ~~المعارك الأرضية. لكنه لم يلبث أن قرر أن واجبه يدعوه في إلحاح إلى الوقوف إلى جانب ~~الشعب في جهاده ضد أمرائه؛ فلماذا يسافر بخياله إلى الغابات القصية والصحراوات البعيدة ~~ليرى الحقيقة خشنة عارية وليبحث عما يثير الشعور من وحشية وافتراس؟ ها هنا تحت سمعه ~~وبصره ما هو أمر وأفظع، وقد عقد رجاءه على ثورة عنيفة يقوم بها الشعب لينتقل بها من ~~استبداد الأمراء إلى النظام الجمهوري. وعلى هذا الوتر أخذ يعزف أشعاره، لكن أشعاره التي ~~عزفها لم تنته بأمته حيث أراد لها، بل طوحت به إلى المنفى مع سائر من رفعوا أصواتهم ~~بالحرية المنشودة، وكان منفاه لندن التي مكث فيها حتى صدر العفو عنه، وهنالك شغل نفسه ~~بترجمات رائعة إلى الشعر الألماني لبعض آيات الأدب الفرنسي والإنجليزي والأمريكي، لأن ~~عبقريته المبدعة كانت قد احترقت بحرارة جهاده في سبيل قضية خاسرة. ~~(2) عمانوئيل جايبل # Eamnuel Geibel ~~(1815-1884م) # وهذا شاعر آخر ناصر الحركة الألمانية، لكنه ناصرها على نحو آخر، فلم يدع إلى ثورة ولا ~~إلى قتال، إنما دعا الأحزاب المختلفة إلى سلام ووئام لأن رجاءه الواحد كان الوحدة ~~الألمانية. وقد حدث له أن دعاه السفير اليوناني في أثينا ليكون لابنه معلما، فانشرح ~~صدرا لهذه الفرصة التي سنحت ليشهد أثينا بعينيه، وهنالك أنشد بعض قصائده الجياد، ~~أنشدها للشعر في ذاته، لا لكي تكون أداة سياسية، ثم نشرها بعد عودته، فأقبل الناس ~~عليها؛ لأن نفوسهم كانت قد سئمت أن ترى قيثارة الشعر وسيلة تخدم أغراض السياسة. ولما ~~أصدر ديوانه «أغاني يونيو» لم يشك عندئذ شاك أن «جايبل» قد استحق إمارة الشعر في ~~ألمانيا، ودعاه ملك بافاريا حيث لبث الشاعر عشيرا له في مدينة «ميونخ» أعواما عدة، كان ~~خلالها على رأس مدرسة أدبية تنادي بوجوب أن يكون الفن للفن لا لأي شيء آخر؛ وحاضر في ~~الجامعة في موضوع الشعر وأصوله على أساس مذهبه ذاك. وإنك لتقرأ ما شئت من قصائده التي ~~تملأ عدة مجلدات؛ فلا ترى إلا جمالا فنيا لم يقصد به إلا الجمال الشعري نفسه، ms1028 لكنه ~~جمال مرهف رقيق عمل فيه إزميل الفنان حتى بالغ وغالى؛ فذهبت عنه الصلابة والقوة ومتانة ~~البناء. ~~(3) جوزيف فكتور فون شفل # Josef Victor von Scheffel ~~(1826-1886م) ~~«شفل» شاعر وقصصي تميز أدبه بفكاهته. وإنه لمن أبرع ألوان البراعة في الأديب أن ~~يكون قلق النفس ساخطا ناقما متشائما، ولكنه إذا ما كتب، كتم في نفسه هذا كله ليتفكه ~~ويسخر على نحو يخيل معه لقارئه أن الرجل ذو نفس مرحة قد فرغت من همومها، وأخذت تضحك ~~لنفسها ولغيرها، ومن هذا القبيل كان «شفل» يؤنس القارئ بأدبه ويثير الغبطة في نفسه، ~~ويحمله معه في انزلاق سهل حتى النهاية، ولهذه الصفة في أدبه بات محببا إلى القراء. ~~وكانت قصيدته الروائية «نافخ البوق في ساكنجن» أوسع أثر من نوعها انتشارا بين القراء طوال القرن التاسع عشر كله، وكانت ~~تتخللها أغان سرعان ما أصبحت على كل لسان، وهي في فنها تتبع أصول الأدب الابتداعي، على ~~أنها أقل قيمة من آيته «إكهارد» # 2 # التي لم يقبل القراء في ألمانيا في ذلك القرن على قصة تاريخية بمثل ما ~~أقبلوا على هذه القصة. وهو في هذه القصة يصور ديرا في القرن العاشر كان مصدر ضوء في ~~عهود أطبق فيها الظلام، واتخذ بطله فيها راهبا تخيل أنه مغرم بامرأة تحررت على النحو ~~الحديث وأجرى الرسائل بينهما. على أن همه في القصة كان إجادة تصوير الحياة في القرن ~~العاشر الذي درس الحياة فيه دراسة دقيقة متقنة، وهو في مجرى قصته كلما عرض حقيقة عن ~~الحياة في ذلك القرن أحال القارئ إلى المرجع الذي استقى منه تلك الحقيقة، فأكسب ذلك ~~قصته مسحة علمية فوق مسحتها الأدبية. وتراه في قصته هذه يستخدم لونين مختلفين من اللغة ~~والتعبير، فآنا تراه يستعمل الألفاظ القديمة وطرائق التعبير العتيقة، وآنا تراه يكتب ~~باللغة الشائعة في عصره، وذلك لأن قصته بطبيعتها تحاول أن تربط الصلة بين رجل عاش في ~~القرن العاشر وامرأة عاشت في العصر الحديث. وبعد، فهي قصة لو قرأها مؤرخ لألقى بها ~~جانبا لأنها تخلط حوادث عصرين ms1029 مختلفين دون مراعاة للأمانة التاريخية، لكن «شفل» لم ~~يقصد بها إلى المؤرخين، إنما قصد بها إلى القارئ العادي، الذي سيستمتع بقراءتها ~~وسيفتر فمه في النهاية عن ابتسامة من يقول: ما أشبه الإنسان في عصر وإن تقدم، به في ~~عهد وإن تأخر! ما أشد الشبه بيننا اليوم وبين أجدادنا الذين عاشوا في القرن ~~العاشر! ~~(4) جوتفريد كلر # Gottfried Keller ~~(1819-1890م) # لكن ما لنا وللقرن العاشر الآن؟ إن هذا الحاضر الراهن الواقع ينادي حملة الأقلام ~~وأصحاب المواهب. هكذا كانت دعوة من أطلقوا على أنفسهم «ألمانيا الفتاة» لقد لبث الأدب ~~القصصي ما يقرب من نصف قرن وهو يشغل نفسه بالحكايات تروي لنا عن الغريب والشاذ والخارق ~~للمألوف، أو تروي لنا خيالا يتتبع خطو «جيته» في قصته «ولهلم مايستر» وفي كلتا ~~الحالتين لم يكن المحكي عنه هو الواقع، فكنت تقرأ القصة فتصادف أشخاصا يرحلون من مكان ~~إلى مكان وهم يحلمون أو يتفلسفون، لكنهم لم يكونوا في حياتهم أشخاصا من لحم ودم يعيشون ~~عيشة الحاضر الواقع؛ فالوهم الذي تسلط على الأدب الابتداعي من أوله إلى آخره هو أن ~~الواقع ليس فيه جمال ولا يصلح موضوعا للأدب! # وبدأت محاولات أدبية تقاوم هذه النزعة الخيالية وتحاول أن توجه التيار نحو واقعية ~~تعنى بالحاضر الملموس. وعلى رأس هذا الفريق، بل على رأس الأدب القصصي الألماني إبان ~~القرن التاسع عشر بغير استثناء، كان «كلر» وهو سويسري ولد في «زيورخ» وكانت وجهته ~~الأولى أن يتعلم فن التصوير، ولبث في «ميونخ» عامين في مدرسة الفنون ليتلقى أصول هذا ~~الفن، لكنه أدرك عندئذ أنه أخطأ الاختيار لأن طبيعته لم تكن تميل به هذا الميل، وإذن ~~فليبدأ حياته من جديد؛ هنا التحق بجامعة هيدلبرج حيث ظل عامين، وبجامعة برلين حيث ~~أقام خمس سنين، وهنالك أكمل قصته ذات الأجزاء الأربعة التي تعد آية آياته، والتي يروي ~~فيها قصة حياته، وهي قصة «هنري الناشئ» # 3 ~~- فظروف الحياة تطوح بشاب من «زيورخ» اسمه «هنري لي» - يرمز به إلى نفسه - ~~إلى حياة تشبه في جملتها وبعض تفصيلاتها حياة ms1030 الكاتب نفسه؟ ويذهب «هنري لي» هذا إلى ~~«ميونخ» ليدرس الفن، وهكذا أخذ «كلر» يقص لنا في شخص «هنري لي» اعتراكه مع الحياة ~~وأحلامه، ما تحقق منها وما لم يتحقق، حتى إذا ما بلغ من العمر سنا عرف فيها أنه أخطأ ~~الطريق الصواب الذي يتفق وطبيعته عاد إلى وطنه ومات مغمورا مجهولا. ولا يفوت ~~الكاتب بالطبع أن يدرس في قصته هنا وهناك ذكريات طفولته وشبابه. على أن القصة في ~~مجموعها صورة جلية لحياة القرن التاسع عشر في نصوع وصدق كاد أن يبلغ بالكاتب ما يصح أن ~~يسمى اعترافا يصرح فيه بدخيلة نفسه التي يطويها غيره من الناس. # وللكاتب كذلك «أهل سلدفيلا» # 4 # وهي مجموعة قصص قصار، كما أن له غير هذه المجموعة مجموعات أخرى من ~~الأقاصيص؛ فهو في هذا الفن الأدبي إمام، فلو عرفت أن الأدب الألماني من أكثر الآداب ~~خصوبة في فن الأقصوصة، وأن «كلر» في ألمانيا زعيم هذا الفن، عرفت من عساه أن يكون. ~~والعجيب أن جمهور القراء كاد ألا يعيره التفاتا حتى دنا من ختام حياته، مع أنك لو ~~استعرضت اليوم ما كتب عن أدبه من المؤلفات لرأيتها تملأ مكتبة بأسرها. # كان «كلر» رجلا له روح شاعر، وعينا عالم، ومزاج فنان، يحب الحياة في شتى أوضاعها. ~~ولعل خير ما فيه فكاهته. وهو أديب يكتب ليعلم، على نحو ما كان «جيته» يكتب أدبه، ~~فرسالته في الحياة، هي أن يدرس حياة بني وطنه السويسريين وطبائعهم، ثم يصف تلك الحياة ~~وهذه الطبائع وصفا يرمي إلى غرض، هو رفع الشعب من حيث مثله العليا في الحياة؛ وإذن فلا ~~بد له لكي تأتي دراسته تامة كاملة أن يكون دقيق الملاحظة فيما يقع حوله من حقائق، لا ~~يفرق فيها بين جميل وقبيح؛ فلا ينبغي له أن يقف وقفة الثائر الغاضب الذي لا تقع ~~عيناه إلا على الجوانب السوداء من الحياة، ثم لا ينبغي له أن يقف موقف صاحب المزاج ~~الرقيق المدلل الذي لا ينتقي مما حوله إلا الجميل الناصع، بل يجب أن يأخذ هذا ms1031 وذاك ~~لأن من هذا وذاك تتألف الحياة. إنه لا يريد أن يقدم للناس دواء يجرعونه ليشفوا من مرض ~~ألم بهم، بل طعاما سائغا يأكلونه ليغذي أبدانهم وأرواحهم. ~~(5) فرتز رويتر # Fritz Reuter ~~(1810-1874م) # أراد «كلر» إذن أن يصور الواقع في أدبه، وأراد أن يصور بني وطنه من السويسريين بصفة ~~خاصة، لكنه مع ذلك لم يرد أن يحصر نفسه في سويسرا بمعنى أن يجعل صورته قاصرة على خصائص ~~السويسريين ولهجتهم في الحديث دون أن ينفذ خلال الخاص إلى العام، أي دون أن ينفذ خلال ~~من يصورهم من السويسريين إلى تصوير ألمانيا بصفة عامة، بل أراد أن ينسج أدبه على منوال ~~«جيته» و«شلر» في أن تكون غايته القصوى هي تسجيل الخلق الألماني عامة والحياة الألمانية ~~عامة باللغة الألمانية لا بلهجة منها دون سائر اللهجات. # ولا كذلك كان «رويتر» الذي يشارك زميله «كلر» في الاتجاه الواقعي، لكنه يختلف عنه ~~في تفسير الواقعية؛ إذ أراد أن يصور فئة خاصة من بني وطنه وبلهجة هذه الفئة الخاصة، فإن ~~شئت له مثيلا من الأدب الإنجليزي، فهو «دكنز» ولذلك يقال عن «رويتر» إنه «دكنز ~~الألماني». كان «رويتر» من سنه يزيد على الأربعين، وكان مدمنا على الشراب محطما، ليس ~~له رجاء أن يبني لنفسه مجدا أو حياة اجتماعية فيها شيء من بريق الأمل والبهجة. كان ~~«رويتر» ذلك كله حين ظفر بأول نجاح أدبي في حياته، وذلك حين أصدر كتابا فيه صور أدبية ~~تشيع فيها الفكاهة، أنشأها بلهجة قومه في إقليمه الخاص من ألمانيا، إقليم «مكلنبرج». ~~ولقد كان له من ذكريات ماضيه معين دافق يستمد منه القول في غير عسر؛ كان وهو شاب في ~~عامه الثالث والعشرين طالبا في جامعة «يينا»، يلبس ما يدل على أنه ينتمي إلى حزب سياسي ~~معين، ويكفي هذا اتهاما ليحكم عليه بالموت، ثم يرحمه الحاكم ويجعل الحكم ثلاثين عاما ~~يقضيها المسكين في غيابة السجن، ولكنه يقضي من الثلاثين سبعا ويصدر عنه العفو. لكنها ~~كانت سبعة أعوام لقي فيها ما حطم رجاءه في حياته، فلم تكن ms1032 لديه الهمة عندئذ أن يشمر ~~لصعاب الحياة يحدوه الأمل؛ فأسلم نفسه إلى الشراب يأسا، لكنها الزوجة الطيبة دائما ~~تنفخ في زوجها المتهافت ما يعيد الصلابة إلى بنائه المتداعي، هي الزوجة التي شجعت زوجها ~~أن يمضي في إنشائه الأدبي لأنه ممتاز، وأن يصدر للناس كتابا فيه مجموعة من الأغاني ~~والقصص القصار مكتوبة بلهجة قومه، وهي لهجة كانت واسعة الانتشار في شمال ألمانيا، وكانت ~~تلك خطوة أولى سرعان ما تلاها قصص طويلة كتبت له مجده الأدبي، فقد أخرج قصة «من حياتي ~~في السجن» وقصة «من حياتي في المزرعة» قص في الأولى قصته وهو سجين في غير مرارة الناقم، ~~وقص في الثانية - وهي آيته - قصة حياته بعد خروجه من السجن، في مزرعة في إقليمه، وها ~~هنا وصف قومه وحياتهم بلهجتهم الخاصة، ولعله أراد أن يجعل لهذه اللهجة قيمة أدبية، ~~كالمصري الذي يكتب قصة بالمصرية العامية - مثلا - محاولا أن يجعل من هذه العامية ~~لغة صالحة للتعبير الجميل. # كان «رويتر» أديبا موهوبا في كتابة القصة، لكن موضع موهبته الخاصة هي الحكاية ~~القصيرة والرواية عن حادثة تبعث على التفكه؛ ولهذا ترى قصصه الطوال - إذا استثنيت «من ~~حياتي في المزرعة» - عبارة عن سلسلة من حكايات قصيرة وحوادث تروى لما فيها من دعابة. ~~وقد كان كما ذكرنا إقليميا في أدبه، ولذلك استمد أشخاص قصصه من أهل إقليمه، وكتب ~~بلهجة إقليمه، ثم إذا ما تفكه تفكه، على نحو ما يفعل أهل ذلك الإقليم وهو يشبه «دكنز» ~~في أنه حين يصور شخصا يبالغ في صفة واحدة من صفات هذا الشخص دون سائر صفاته، كأنه يرسم ~~له رسما «كاريكاتوريا» وإن يكن في ذلك أقل مبالغة من «دكنز» لأنه كان أقرب منه إلى ~~الواقعية التي تستمد من الحياة. ويكفي لتقدير «رويتر» أن نقول إنه إذ صور «مكلنبرج» صنع ~~ما لم يستطع أن يصنعه أديب آخر في ألمانيا لإقليم آخر. ~~(6) جستاف فريتاج # Gustav Freytag ~~(1816-1895م) ~~«كلر» و«رويتر» كانا خير من كتب القصة في ألمانيا في القرن التاسع عشر، لكن ذلك لا ~~يقتضي حتما ms1033 أن يكونا أوسع أدباء القصة شهرة عند جمهور القراء، فلجمهور القراء حكم ربما ~~اختلف عن حكم النقاد فيما بعد. وجمهور القراء في ألمانيا في النصف الثاني من القرن ~~التاسع عشر كان يؤثر أن يطالع لكاتبين آخرين، هما «فريتاج» و«سبيلهاجن». # وأول ما أريد ل «فريتاج» أن يدرس ليكون أستاذا متخصصا في العلم، ودرس أديبنا ~~الآثار، وخصص له منصب في جامعة «برسلو»، لكنه لم يلبث أن ترك حياة العلم الجامعي ليجول ~~في عالم الأدب والصحافة، وكان قد أصدر بالفعل بعض المسرحيات التي أهمها «الصحفيون» # 5 # وهي بغير شك من أروع الملاهي التي تصادفك في أدب ألمانيا إبان القرن ~~التاسع عشر، وهي - على الرغم من معالجتها لأمور سياسية كانت تتعلق بعصرها، ومن وصفها ~~لمنافسة نشبت بين صحيفتين إذ ذاك - لا تزال ملهاة يراها النظارة في المسرح فتملؤهم غبطة ~~وسرورا، وهذا يكفي وحده دليلا على جودة فنها في حبك المواقف التي تثير الضحك بحكم ~~تكوينها، وفي إدارة الحديث بين الأشخاص. # على أن مجده الأدبي إنما ينبني على آيتين أخريين، أما أولاهما فقصة «ما له وعليه» # 6 # التي أراد بها أن يصور ألمانيا العاملة، فقد سئم هذه الدعوات النظرية التي ~~أنفق أعضاء «ألمانيا الفتاة» جهدهم في نشرها، وجعل رسالته في هذه القصة استحثاث الطبقة ~~الوسطى أن تنفض عن نفسها غبار التراخي والكسل، وأن تؤمن بقدسية العمل. فلا هو مما يسئم ~~ولا هو مما ينزل بقدر العاملين. هو في هذه القصة يحاول أن يقنع قارئه أن رجلا عاملا ~~من الطبقة الوسطى خير من شريف كسلان من أهل الطبقة العليا. وأما قصته الأخرى فهي ~~«المخطوط المفقود» # 7 # وقد أراد أن يصور بهذه القصة حياة عالم جامعي، تبدأ القصة بأن أستاذا ~~يفتقد مخطوطا فلا يجده، ويظل يبحث عنه بحثا أدى به إلى إهمال زوجته، ويحب الزوجة ~~أمير، وأخيرا ترزق الزوجة من زوجها ولدا يعوض على الوالد الأستاذ مخطوطه ~~المفقود. ~~(7) فريدريش سبيلهاجن # Friedrich Spielhagen ~~(1829-1911م) # لم يكن «سبيلهاجن» مثل زميله «فريتاج» عدوا ل «ألمانيا الفتاة» وما كانت تروج له ms1034 من ~~الآراء النظرية، بل كان متأثرا بها وبآرائها تلك، فلم تكن القصة في يديه إلا مناقشة ~~آراء! إذ هو يختار أشخاصه بحيث يمثل كل منهم مذهبا فكريا معينا، ويدافع عنه، وبهذا ~~جاءت قصصه تعليمية إلى حد كبير، أو قل لم تكن القصة عنده فنا مقصودا لذاته، بل قصد ~~بها أن تكون أداة لنشر فكرة أو أفكار معينة يريد لقرائه أن يعتنقوها. ومن أهم قصصه ~~«غمار الناس» # 8 # التي كان يرمي بها إلى إصلاح الطبقات العاملة ومحاربة أصحاب رءوس المال. ~~وتنتهي القصة نهاية مفجعة؛ فقد أراد الكاتب لأمر ما أن يجعل أمله في إصلاح المجتمع لا ~~يتحقق، ويموت بطله في مبارزة. وله كذلك قصة «المطرقة والسندان» # 9 # وقصة «طوفان العاصفة» # 10 # ربط فيها علاقة بين الأزمات المالية التي اجتاحت ألمانيا بعد الحرب ~~الفرنسية الألمانية وبين عاصفة عنيفة هبت على بحر البلطيق. # عاش «سبيلهاجن» حتى عمر، وجاء الجيل الجديد فوجده يكتب على أساس عتيق، فلم يرض عما ~~يكتبه. ~~(8) ريتشارد فاجنر # Richard Wagnenr ~~(1813-1883م) # شهدت الأعوام الأخيرة من القرن التاسع عشر نصرا عظيما تحرزه ألمانيا على عدوتها ~~فرنسا؛ فشهدت نتيجة لهذا النصر أمة ألمانية تتحد أجزاؤها. فإن كان لأديب أن يكتب فإما ~~أن يكتب ليعبر عن الروح القومي الجديد، وإما أن يكتب على غير هذا الأساس فلا يجد ~~لكتابته قارئا. وكان «فاجنر» أول أديب يغذي في قومه هذا العنصر الجديد. # ولد «فاجنر» في ليبزج، وأبدى منذ نعومة أظفاره بوادر تنم عن موهبة في الموسيقى، ثم لم ~~يكد يفصح عن نفسه حتى أحب المسرح وأدبه. وقرن الموسيقى بالمسرح؛ فجاء إنتاجه مؤلفا من ~~هذين العنصرين على نحو يستحيل معه أن تتحدث عن أدبه بغير موسيقاه. إنه شاعر بدأ بشعره ~~عهدا جديدا في الأدب الألماني، هو شاعر خلق لشعره صورة فنية لم يسبقه إليها شاعر آخر، ~~وإنها لصورة فنية تتبلور فيها خصائص الألمان دون سائر الشعوب، ولعلها أهم ما أضافه ~~الألمان إلى تراث العالم في الفنون، لكنه على عظمته الخالدة، لن يجد المكان الذي هو ~~جدير ms1035 به هنا في هذا الكتاب، لأن الشاعر فيه - كما قلنا - جزء لا يتجزأ من الموسيقى، ~~ولأن «فاجنر» بغير موسيقاه ليس من «فاجنر» في قليل أو كثير. اقرأه أدبا خالصا بعيدا ~~عن الآلات الموسيقية التي تعزفه، فلن تجد في أكثر شعره ما يستحق أن يخلد . إن «فاجنر» على ~~حقيقته يجد مكانته الصحيحة في كتاب يؤرخ للموسيقى لا في كتاب يؤرخ للأدب؛ هو من أسرة ~~«موزار» و«بيتهوفن» لا من أسرة «جيته» و«شلر»، وإذن فلا يسعنا ها هنا إلا أن نشير إلى ~~عظمته دون أن نذكر شيئا عن رسالته. # القسم الرابع # | الأدب الروسي في القرن التاسع عشر # لم نذكر شيئا عن الأدب الروسي في الأجزاء الماضية، ونحن إذ نبدأ لك قصته من أوائل ~~القرن التاسع عشر، لا يفوتنا أن نذكر شيئين: الأول هو أن الأدب الروسي لم يبدأ في أول ~~القرن التاسع عشر بدءا جاء بعد عدم وخلاء، إنما سبقت ذلك البدء خطوات كانت جديرة ~~بالذكر لولا ما تحتمه طبيعة هذا الكتاب. والشيء الثاني هو أن النهضة في الروسيا لم ~~تبدأ مع النهضة في سائر الأقطار الأوروبية، أي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بل ~~تأخرت ما يزيد على قرنين، وتستطيع أن تقول إن نهضتها الأدبية الحقة لم تثمر إلا في ~~بداية القرن التاسع عشر، وأما قبل ذلك فكان عصرا تصاغ فيه اللغة وتنشد فيه الملاحم. ~~وإنها لظاهرة تستوقف الباحثين أحيانا: لماذا تلكأت الروسيا في الطريق دون سائر الأمم ~~الأوروبية؟ لماذا شهد الجانب الغربي من أوروبا من أشعلوا له منار العلم ووسعوا له أفق ~~المعرفة من أمثال ديكارت وجاليليو ونيوتن وكولمبس، على حين لبثت الروسيا بعد ذلك قرونا ~~في ظلمة الجهل والتخريف؟ ومما يقال تعليلا لهذه الظاهرة أن أهل الروسيا خلال تلك ~~القرون الحالكة من تاريخها كانوا يحيون حياة تشبع الحس؛ فكان حتما أن يتأخر الفكر. ~~ومهما يكن من أمر هذه الظاهرة وتعليلها، فنحن إنما يعنينا من الأدب الروسي ما كان حيا ~~ناهضا، وهذا الأدب الحي الناهض - بعد استثناءات قليلة - قد ظهر مع ms1036 بداية القرن التاسع ~~عشر. # ولا نحسب القارئ - إذ نذكر له بداية القرن التاسع عشر - إلا ذاكرا ما أسلفناه له عن ~~هذه الفترة الأدبية في إنجلترا وفرنسا وألمانيا؛ فقد ذكرنا له في هذه الحالات كلها أنه ~~كان أدبا ابتداعيا عرف بخصائص معينة حاولنا تلخيصها في أول هذا الكتاب، لكن الأدب ~~الروسي في هذه الفترة نفسها لم يسر في الطريق عينها ولم يتسم بالخصائص التي تميزت بها ~~الآداب الأوروبية عندئذ، إلا خاصة واحدة، لعلها كانت في الأدب الروسي أبرز وأوضح منها ~~في سائر الآداب الأوروبية، وهي الثورة على الماضي وجهاد الأدباء في سبيل التحرر من أوضاع ~~القديم. ومما يستلفت النظر في هذا الصدد أن عناصر التجديد وعناصر التقليد أخذت في ~~الروسيا وضعا مقلوبا بالنسبة لما حدث في سائر الأقطار الأوروبية؛ ففي هذه الأقطار كان ~~الثائرون من الشعب وكان الجامدون من الطبقات العليا، وهذا ترتيب معقول، لأن الطبقات ~~العليا هي التي كان يهمها أن تظل الأمور على وضعها الذي مكن لهم من العلو والارتفاع، ~~أما في الروسيا فكان دعاة التجديد من العلية وكان الجامدون من غمار الشعب. # | الأدب الروسي في القرن التاسع عشر # (1) إسكندر بوشكين # Alexander Pouchkine ~~(1799-1837م) # حين بدأ «بوشكين» يقرض الشعر في بلاده، كانت أوروبا الغربية تضطرب وتموج بأعقاب ~~الثورة الفرنسية وبالدعوة ينطلق صوتها من كل ناحية بالحرية، فلا يصل إلى الروسيا من تلك ~~الصرخات الداوية إلا أصداء خافتة؛ فلعلها كانت في شغل عن تيار الحوادث تستجمع من أعماق ~~ماضيها المظلم ما عسى أن يصادفه العبقري من عناصر وخيوط، فيصوغها وينسجها على نحو يصور ~~لبلاده وللعالم أجمع شخصية جديدة وفكرا جديدا وشعورا جديدا تتسم به الروسيا فتتفرد ~~به دون سائر الأقطار. وقد كان «بوشكين» من الألى صاغوا هذه الشخصية الجديدة وهي لم تزل ~~في دور نشأتها. ولئن كان «بوشكين» يمثل شخصية بلاده وسماتها، فلا ينبغي أن يتخذ القارئ ~~من ذلك دليلا على أنه لم يكن شاعرا إنسانيا يعلو بأدبه عن ظروف الزمان والمكان، ~~ويتجه بقلمه وشعوره نحو الإنسان أنى كان وكائنا ms1037 من كان؛ إذ ليس ثمة من تناقض بين ~~الوجهين، فقد ينظر الأديب إلى الإنسانية كلها خلال أمته وحدها، بل خلال أسرة واحدة أو ~~فرد واحد. # تتصل حياة شاعرنا «بوشكين» بنتاجه الأدبي اتصالا بحيث لا يمكن التحدث عن جانب منهما ~~دون جانب؛ فقد عاش الشاعر كل سطر جرى به قلمه، فجاءت آثاره أقوى ما تكون الآثار الأدبية ~~دليلا على شخصية الكاتب ومزاجه وعناصر تكوينه، فهو روسي تجري في عروقه دماء أفريقية ~~تحدرت إليه من جده لأمه وهو زنجي كان في حاشية بطرس الأكبر، وأما أبوه فقد كان رجلا من ~~الأشراف في عهد «كاترين الثانية» وكان له ما للأشراف من حاشية رقيقة ومعرفة منوعة عن ~~أشياء معينة لا بد لرجل الطبقة الرفيعة من الإلمام بها، وكان متأثرا على وجه أخص بآراء ~~فولتير، وبالثقافة الفرنسية عامة، فأعد لابنه من المعلمين من ثقفوه على النحو الذي ~~أحبه أبوه، وقام هؤلاء المعلمون بواجبهم على خير وجه، حتى إن تلميذهم - في رجولته - كتب ~~في رسالة لصديق يقول: «سأكتب لك بلغة أوروبا (أي الفرنسية) لأني أعرف بدخائلها مني بلغة ~~بلادي.» # كان «بوشكين» وهو طالب أميل إلى الأدب منه إلى مواصلة درسه، فبينما تراه ينشر القصائد ~~التي تصادف الاعجاب، ترى أساتذته لا يبشرون ذويه بمستقبل زاهر. ولم يكد يغادر معهده حتى ~~ساهم بنشاطه في جماعة أدبية سياسية؛ ينشئ القصيدة ويتلوها على زملائه - وكان منهم ~~الناقدون الذين يعتد برأيهم - فيدهش الزملاء لما يرونه في إنشاء الفتى من طابع جديد. ~~وما هو إلا أن نشر الشاعر قصيدة كلها إفك وفحش حتى كادت تودي به إلى مطارح النفي في ~~سيبيريا، لولا أن توسط له شاعر كانت له مكانته إذ ذاك، هو «كرمزين» # 1 # فاستبدلت الأقاليم الجنوبية بسيبيريا. وشاء الله أن يكون هذا النفي للشاعر ~~خيرا وبركة، لأنه استبدل برفقة الشر في بطرسبرج رفيقين كان لهما أبلغ الأثر في نتاجه ~~الأدبي، وهما جبال القوقاز أولا والشاعر الإنجليزي «بيرن» ثانيا؛ فقد أنشأ في منفاه ~~قصائد نمت عن مبلغ نبوغه من ناحية، وأضفت على ms1038 خطايا ماضيه ظلا من العفو من ناحية ~~أخرى. فمن وحي القوقاز و«بيرن» استمد الشاعر قصائده «سجين القوقاز» و«ينبوع باكتشسارى» ~~و«الغجر» والأجزاء الأولى من آيته الكبرى «يوجين أونيجين» # 2 # فهو في قصائده تلك استمد مناظره من القوقاز وطرائق التعبير من «بيرن»؛ ~~«سجين القوقاز» شبيهة بقصيدة «بيرن» «تشايلد هارلد» لولا أنها تزيد عليها في غزارة ~~العاطفة؛ و«ينبوع باكتشسارى» وصف للصراع يقوم بين نظامين اجتماعيين، نظام الزوجات العدة ~~اللائي يكن للرجل «حريما»، ونظام الزوجة الواحدة التي ينشئ الرجل بناء أسرته على أساس ~~حبها. وفي قصيدة «الغجر» يصور الشاعر بطله بحيث يجعله يفر من أوضاع المجتمع فرارا، ~~لأنها تقوم كلها على الجمود والخداع، وبطله هذا هو في الحقيقة صورة صادقة ل «بيرن» ~~الذي اهتدى الشاعر بهديه، ولكنا يجب هنا أن نذكر أن «بوشكين» لم يتأثر ب «بيرن» إلا ~~من حيث ظاهره، أعني أنه حاكى «بيرن» في شذوذه وفي إسرافه في فرديته التي تحدى بها ~~تقاليد المجتمع وأوضاعه، لكنه لم يتغلغل إلى أعماق الشاعر الإنجليزي ليتقمص ~~روحه. # طرد «بوشكين» من مدينة بطرسبرج لأنه - كما أسلفنا - لم يراع الأوضاع الخلقية في إحدى ~~قصائده، وها هو ذا يقترف جرما اجتماعيا آخر وهو في منفاه من الإقليم الجنوبي من ~~روسيا، وذلك أن رحالة إنجليزيا صادفه في مدينة أودسا، وعرفه بشيء من شعر «شلي» الشاعر ~~الإنجليزي، فما هو إلا أن قرأ «بوشكين» قصيدة شلي «برومثيوس الطليق» حتى تأثر بما فيها ~~من نزعة تميل إلى الإلحاد، ثم بالغ في ذلك وأسرف، حتى لم يتورع عن إعلان إلحاده، فلم ~~يدر أولو الأمر ما يصنعون به سوى أن أرسلوه إلى أبيه في قرية صغيرة نائية ليكون مسئولا ~~عنه، وشدد الوالد من ناحيته الرقابة على ولده المتمرد؛ فكان يطالع خطاباته ويمنعه من ~~زيارة أصدقائه. لكن الشاعر الثائر حطم من هذه القيود بعض الشيء، وأخذ يخالط الأصدقاء، ~~ويتصل بالأدباء، ومضى في إنشاء كبرى آياته «يوجين أونيجين». # تتألف قصيدة «يوجين أونيجين» من سبعة آلاف بيت، تدور كلها حول موضوع تافه تعجب كيف ~~استطاع الشاعر أن ms1039 يجعل منه آية رائعة، فأونيجين أراد العزلة في مكان ريفي، حيث عرف فتاة ~~اسمها «تاتيانا»، لم يبدأها بالحب، بل أراد أن ينظر إليها من عليائه نظرة يخالطها ~~ازدراء، فهاجمته هي بخطاب أعلنته فيه بحبها له، لكنه يجيبها نافرا بقوله إنه لم يكن ~~الرجل الصالح لحبها، ويفترقان، وتنسلخ أعوام، ويجتمعان مرة أخرى، حيث يجد الرجل نفسه في ~~حضرة أميرة جميلة، إلى جانبها زوجها، ومن حولها الحاشية والمعجبون، ويدرك الرجل أن ~~الأميرة هي فتاته الأولى «تاتيانا»، فيكتب لها هو بحبه هذه المرة بدل أن تكتب له، ~~فتجيبه على نحو شبيه بما أجابها به في المرة الأولى «لا أستطيع أن أهبك نفسي، لقد ~~أحببتك وما أزال أحبك، لكنني متزوجة ولزام علي أن أصون عهد الزواج.» هذه هي القصة، وهي - ~~كما ترى - من البساطة بحيث يستحيل على شاعر فرنسي أو إنجليزي أو ألماني أن يتخذ منها ~~موضوعا لما يشبه الملحمة الطويلة، لكن شاعرنا روسي وما لا يصلح هناك يصلح هنا، ففي هذه ~~البساطة شيء من صميم الروح الروسي، ولا عجب أن ترى بعض السهول في تلك البلاد لم يغدق ~~عليها الله كثيرا من أنعمه، ومع ذلك ينظر أهلها إليها فإذا هي في أعينهم جنة فيحاء. ~~ولعل أبرز ما يستوقف النظر من هذه الآية الأدبية، صورة «أونيجين»؛ فهو نمط لشخص لا يمكن ~~أن تراه إلا في الروسيا، لسبب بسيط جدا، وهو أنه روسي صميم؛ هو صورة للروسي من الأشراف ~~الذي وضعته حياته بين جماعة من الناس حيث لا يعرف لنفسه صناعة يمارسها، فإذا هو أخرج ~~من هذه البيئة كانت حيرته أشد وأصعب، هو رجل من الأشراف الذين كان عليهم بحكم موضعهم ~~من المجتمع أن يخدموا القيصر، فإذا أنت حررتهم من هذه العبودية للقيصر لم يعرفوا ماذا ~~يصنعون بهذه الحرية التي ظفروا بها، مثلهم في ذلك مثل الزنجي الذي لم يصب شيئا من ~~مدنية أو علم، أهديت إليه مذياعا له قيمته عند من يعرف كيف يستخدمه. هو رجل روسي من ~~طبقة الأشراف يدرك تمام الإدراك أنه ms1040 يحيا حياة فارغة عقيمة، ولكنه في الوقت نفسه لا ~~يدري كيف سبيل الخلاص مما أراد له المجتمع أن يكون، فترى «أونيجين» - على يدي «بوشكين» ~~- يحاول محاولات عدة، فيجيد البداية ثم يعجز دائما عن بلوغ النهاية في أي عمل يبدؤه، ~~وهو دائما في موقف من يرتقب حدوث شيء يغير له الحياة، لكن شيئا لا يحدث، وتمضي حياته ~~على هذا النحو عاما بعد عام، حتى إذا ما بلغ مرحلة متأخرة بعض الشيء من عمره، ورأى عبث ~~الحياة التي يحياها، صمم أن يحب كما يحب سائر عباد الله، لكن الحياة تجيبه في نغمة ~~الهازئ: «لقد فات أوانك، انظر إلى وجهك، لقد تجعد إهابه.» وقل كذلك عن شخصية «أونيجين» ~~إنها تصور الروسي إذا تحضر وباعدت الحضارة بينه وبين غمار الناس من بني وطنه، فتراه ~~يتيه بفكره بين المذاهب النظرية، فآنا يلوذ بالاشتراكية أو الشيوعية، وآنا لا يجد ~~الخلاص إلا في الفوضى التي تهدم كل أركان المجتمع؛ كل ذلك سعيا وراء مثل أعلى يلتمسه ~~ولا يراه. والحقيقة أن شخصية «أونيجين» فيها هذا كله وأكثر، لأن «بوشكين» عرف كيف يصوره ~~بحيث يستوعب به الحياة الروسية في شتى أصولها وعناصرها؛ ما خفي منها وما ظهر. # وكذلك «تاتيانا» التي أحبت «أونيجين» يتمثل في شخصها صورة المرأة الروسية من حيث قوة ~~العزم الذي يساير الرقة والرشاقة في غير تناقض بين الصفتين، وكذلك هي تصور المرأة ~~الروسية في إخلاصها لواجبها، وهي خلة ورثتها المرأة الروسية على تعاقب الأجيال؛ إذ كانت ~~الحرب تدعو الرجال إلى ميدان القتال فيقع عبء الأسرة عليها. وهنا نحب أن نلاحظ للقارئ ~~أن «بوشكين» استعار كثيرا جدا في تصويره لشخصية «تاتيانا» من «روسو» في كتابه «هلويز ~~الجديدة»، بل إن كثيرا من الأجزاء لا يزيد على ترجمة صريحة من هذا الكتاب، ومع ذلك لم ~~تنقص قيمة الأثر الأدبي بهذا النقل، لأن الأديب عرف كيف يستفيد من العناصر المستعارة في ~~تصوير شيء جديد. # على أننا إذ نزعم أن «بوشكين» قد صور الحياة الروسية في «يوجين أونيجين» إنما نريد ~~بصفة ms1041 خاصة جانبا معينا؛ هو جانب الحياة كما رآها «أونيجين» أي كما كانت تبدو للرجل من ~~طبقة الأشراف، الذي كانت الحياة عنده تعني أن يخطر مختالا في الشوارع الكبرى، وأن ~~يتناول غداءه أو عشاءه في المطاعم الفاخرة، وأن يقضي مساءه في مسرح أو مرقص ، وكان ~~الشعور الرقيق عنده يعني أن يحسد موج البحر على ما ينعم به من سعادة وهو يلطم قدمي مرأة ~~حسناء. فلئن عدت قصيدة «يوجين أونيجين» بمثابة الموسوعة التي تصور كل ما في الحياة ~~الروسية، فلا بد أن نذكر أن الحياة الروسية في صميمها إذ ذاك - أعني حياة الأشراف - كان ~~قوامها طعاما وشرابا ورقصا وذهابا إلى مسارح التمثيل وضيقا بالحياة وحبا للنساء على ~~سبيل التسلية في أوقات الفراغ، ثم تألما لما لا بد أن ينتهي إليه هذا النوع من الغرام ~~العابث أو ذلك اللون من الضيق بالحياة الذي أساسه التعطل عن أداء عمل مفيد. تلك كانت ~~الحياة في طبقة الأشراف، وإلى هذه الطبقة اتجه «بوشكين» بعينيه تلاحظان، وبقلمه ~~يسجل. # كان «بوشكين» أول أمره معنيا بالحياة الروسية، يريد أن يصورها في أدبه ليصلحها؛ ~~لكنه عاد فأدرك أنه إنما ينفق مجهوده عبثا، «فلقد أراد لي الشيطان أن أولد في هذه ~~البلاد بما وهبني الله من نبوغ ومن قلب.» هكذا قال عن نفسه، حين اعتزم أن يأوي إلى حظيرة ~~الأدب للأدب ذاته، فدرس «جيته» ثم درس «شيكسبير» إلى جانب دراسته للشاعر الروسي الذي ~~سبقه إلى الوجود وعاصره بعض الحين «كرمزين» وأخذ في عزلته - حيث كان لا يزال في منفاه من ~~الإقليم الجنوبي من روسيا - يعوض لنفسه نقص دراسته، وفي هذا الوقت نفسه، أخذت مربية عجوز ~~في دار أبيه، تقص عليه شيئا من الأساطير الشعبية. ومضى «بوشكين» في إنتاجه الأدبي ~~متأثرا بهذا كله، فكتب «بورس جودونوف» # 3 # الذي صور في شخصه رجلا جمع ثلاثا من شخصيات شيكسبير، هم «رتشرد ~~الثالث» و«ماكبث» و«هنري الرابع»، وكذلك كتب رواية عن رجل من الأشراف، أسماها «الكونت نولين» # 4 # استلفتت الأنظار في بطرسبرج، وبلغ أمرها القيصر؛ وما ms1042 هي إلا فترة قصيرة ~~تمضي بعد ذلك، حتى يأتي رجال الشرطة فيحملون الأديب في عربة إلى «بطرسبرج» ليمثل بين ~~يدي القيصر، وهنالك تاب واستغفر، فعفا عنه القيصر، وأذن له أن يقيم في بطرسبرج إذا ~~شاء، فانغمس أديبنا في حياة المتعة الجسدية وذهب عنه الوحي الشعري، إلا قليلا. ~~(2) ميخائيل ليرمونتوف # Michael Lermontov ~~(1811-1841م) # وهذا شاعر آخر، كان لجبال القوقاز وللشاعر الإنجليزي «بيرن» أكبر الأثر في حياته ~~وإنتاجه، كما كان لهما أكبر الأثر في حياة «بوشكين»، وهو كذلك من أسرة نبيلة، ترجع ~~أصولها إلى اسكتلندة. وقد تعهدت تربيته مربية ألمانية ومعلم فرنسي جعل منه رجلا ~~يعبد نابليون ويحكم على الأدب بالذوق الفرنسي، لكنه مع ذلك لم يستطع أن يباعد بينه وبين ~~الأساطير الشعبية الروسية التي رأى الشاعر فيها جمالا لم يعدله شيء في الأدب الفرنسي ~~كله، ثم هو كذلك - مثل «بوشكين» - لم يفلح في دراسته وطرد من الجامعة، ليلتحق بالجيش ~~عامين عاش خلالهما كما يعيش سائر الضباط، لولا أنه «أضاف إلى خمره شيئا من الشعر» وله ~~في هذه الفترة بعض الآثار الأدبية، من بينها صورة شرقية أطلق عليها «الحاج أبرق» # 5 # كان متأثرا فيها بشعر «بيرن». # كان «ليرمونتوف» متشائما في نظرته إلى الحياة، وعبر عن تشاؤمه هذا في خير إنتاجه ~~الأدبي «الشيطان»، ولعل مصدر ضيقه بحياته عقدة النقص التي استولت عليه ولونت وجهة نظره، ~~والتي نشأت عن قبح تكوينه الجسمي وربكته كلما وجد نفسه في جماعة من الناس، حتى إنه ~~كثيرا ما كان ينعقد لسانه ويرتج عليه القول؛ فأدت به عقدة النقص هذه إلى الشعور ~~بالمرارة النفسية والحقد على سائر الناس والنفور من المجتمع، كما أدت إلى نتيجة طبيعية ~~أخرى وهي أن يمقته الناس. كان إذا ما تعقب امرأة بغزله وعاطفته، فإنما يصنع ذلك ليهجرها ~~في اللحظة التي تستجيب لغزله وعاطفته، فكأنما هو يحب ليكره، أو كأنه أراد بذلك أن ينتقم ~~من عدوه الإنسان. نقول إن هذه النظرة السوداء وجدت سبيلها إلى التعبير في قصيدة ~~«الشيطان» التي أنشأها وهو في منفاه بجبال ms1043 القوقاز، فقد زاد الشبه بين حياته وحياة ~~«بوشكين» بنفيه إلى القوقاز عقابا له على قصيدة أنشأها في بطرسبرج، وأثارت غضب أولي ~~الأمر؛ فاتخذ من مناظر الطبيعة في القوقاز بطانة لقصيدته كما فعل من قبله «بوشكين»، ~~والفرق بينهما في ذلك هو أن «بوشكين» كاد أن يصف المناظر وصف العالم الجغرافي الذي ~~يتحرى دقة الوصف، أما «ليرمونتوف» فلا يعنى بدقة التفصيلات بقدر ما يعنى بإخراج الطبيعة ~~في صورة كائن حي يكاد يهتز بفعل العاطفة كما يهتز بفعلها الإنسان. ومما يلاحظ على ~~تصويره للشيطان أنه أخرجه في صورة تختلف كل الاختلاف عن الشيطان في قصيدة «ملتن» ~~الفردوس المفقود، كما تختلف عن الشيطان على يدي «بيرن»، فشيطان «ملتن» و«بيرن» يعذب ~~الإنسان، ولكنه يعلو به في معركته نحو الحرية والمعرفة، أما شيطان «ليرمونتوف» فعلى ~~الرغم من أنه يعلن أنه «أمير العرفان والحرية» فهو لا يصنع شيئا يبرر به هذه التسمية، ~~بل هو يؤسس ملكه في نطاق الشهوات الإنسانية واللذائذ الحسية أكثر مما يقيمه في دائرة ~~الطموح الفكري. # عاد «ليرمونتوف» من منفاه في القوقاز إلى بطرسبرج ومعه قصيدتان؛ «الشيطان» و«أغنية عن ~~إيفان» التي رسم فيها صورة «إيفان الفظيع» أحد قياصرة الروسيا في القرن السادس عشر، كما ~~صورته الأساطير والأشعار التي قيلت فيه، فيقدم لنا الشاعر في هذه القصيدة صورة لمبارزة ~~حضرها القيصر بين تاجر من موسكو ورجل من رفقاء القيصر انتهك حرمة زوجة التاجر، وضرب ~~التاجر عدوه في المبارزة ضربة أردته قتيلا، فجيء به إلى القيصر: ~~- ألم تكن ضربتك له عن عمد؟ ~~- نعم أيها القيصر، قتلته بإرادتي، ولن أنبئك لماذا قتلته، لكني سأبوح بالدافع أمام ~~الله وحده. ~~- لقد أحسنت صنعا، أيها الصديق، أيها المصارع الجريء، أيها التاجر ابن التاجر؛ لقد ~~أحسنت صنعا إذ أجبتني بما يرضي منك الضمير، وسأغدق من مالي على زوجتك وبنيك الأيتام، ~~وسأبيح لإخوتك أن يتنقلوا بتجارتهم في طول البلاد وعرضها، وإنها لملك فسيح الأرجاء، دون ~~أن يدفعوا عن ذلك ضريبة، أما أنت يا صديقي، فاذهب إلى المشنقة، واستصحب معك إليها رأسك ~~الثائر، ms1044 وسآمر بحد الفأس أن يسن، وبالجلاد أن يرتدي خير ثيابه وأحسن زينته، وبالناقوس ~~الكبير أن يدق، ليعلم أهل موسكو جميعا أنك أنت كذلك كنت موضع رحمتي. # وهكذا مضى الشاعر في قصته المنظومة، فجاء فيها بوصف وحوار وتصوير بلغ الغاية من القوة ~~والإجادة في بساطة لا تكلف فيها ولا تصنع. # وله كذلك مجموعة من قصص نثرية أطلق عليها «بطل زماننا»، قيل إنه يصور نفسه فيها إذ ~~يروي قصة حياته، والحقيقة أنه صور زمانه في شخص من خياله، مستفيدا في ذلك طبعا ~~بتجاربه؛ وهو في هذا الكتاب متأثر بكتاب الشاعر الفرنسي «ميسيه» «اعترافات ابن العصر»، ~~ولو أنه كانت تعوزه بعض صفات «ميسيه» كالصراحة التي لا تخشى من إعلان الحق، والدقة ~~المرهفة التي لا تفوتها ألطف الخواطر والمشاعر. ~~(3) نقولا جوجول # Nicholas Gogol ~~(1809-1852م) # نشأ هذا القصصي النابغ حين كانت تكتنف الروسيا رجعية قاتلة، ولم تكن الروسيا في تلك ~~الرجعية بمعزل عن سائر الأقطار الأوروبية، بل هي روح عامة شملت القارة كلها عقب الثورة ~~الفرنسية وحروب نابليون. وما ظنك بدولة تعلن رسميا أنها ستحمل أساس دستورها طغيانا ~~صارما ورقابة على اللسان والقلم؟ وما هي إلا أن تلبي الصحافة هذه الدعوة، بل ما هو إلا ~~أن يصغي المجتمع كله صاغرا لهذا الصوت الرجعي الذي يناديه؛ فسار الأدب والشرطة ~~يدا في يد صديقين تآزرا على قتل التجديد والثورة على القديم، وكأنما تسابق الأدباء ~~أيهم يكون أشد جمودا وأكثر استسلاما. ولقد نقد ناقد كاتبا من الكتاب إذ ذاك بأنه كان ~~يكتب ما يؤمر به، فأجابه الكاتب بقوله: «لو أمرت غدا أن تكون صناعتي توليد النساء ~~لصدعت بالأمر.» ونهضت جماعة أدبية رجعية تدعو إلى إعادة المجد القديم لاتخاذه مثلا ~~أعلى للحياة الحاضرة، فكان ذلك في الحقيقة ستارا يخفي وراءه جمودا يريد أن يقلم أظافر ~~الحرية الفردية ويقص جناحيها، وإذا أنت منعت الحرية الفردية عن السير إلى الأمام فقد ~~طمست مبادئ الحضارة الإنسانية التي لا حضارة بغيرها. # في هذا الجو الفكري ولد «جوجول» لأب مزارع يملك أرضه التي يفلحها، ms1045 ولم يكد ينخرط في ~~سلك معهده الدراسي حتى بدت عليه بوادر الأدب القصصي والروائي قوية ناصعة، فنشر في مجلة ~~المعهد قصة تسلسلت حلقاتها في أعداد متتابعة، ثم نشر في هذه المجلة أيضا مأساة لم يكن ~~فيها قوي الأصالة والابتكار. وكل من القصة والمأساة تأثر فيهما بالأدب الألماني، على الرغم ~~من أنه ما فتئ يعلن لإخوانه مقته «للرياضة، واللغتين اليونانية واللاتينية، والألمان». ~~فقد كره الألمان كراهة بثها فيما بعد في تصويره لشخص في إحدى قصصه أطلق عليه «شلر» وخلع ~~عليه ما كان يعتقد أنه يصور الخلق الألماني، وأهم جوانبه التقتير من ناحية والإسراف في ~~النظام من ناحية أخرى، فجعل «شلر» في القصة يجدع أنفه ليوفر ثمن النشوق الذي اعتاد ~~أن يتنشقه، ثم جعله يبالغ في تنظيم حياته فلا يضع الفلفل في طعامه إلا بعد وزن وتقدير ~~وحساب. # ترك الجامعة وله من عمره ثمانية عشر عاما، مصمما أن يؤدي لأمته عملا جليلا يخلد ~~به؛ فهو في تلك السن الباكرة أدرك أنه عبقري وأن الناس أساءوا إلى عبقريته ولم يقدروها ~~قدرها. وقد كانت تستولي عليه خلتان رئيسيتان أخذتا تضخمان في نفسه حتى أصبحتا قوام ~~شخصيته كلها، الأولى زهد فيما يقبل عليه الناس من أسباب المتعة، والثانية رغبة قوية في ~~القوة والسيطرة، بهذه الروح أخذ سمته نحو بطرسبرج، حيث استخدم في إحدى وظائف الدولة ~~الصغيرة، ثم لم يلبث أن تركها بعد أن ملأ جعبته من أنماط الشخصيات التي صادفها في ~~دواوين الحكومة؛ الشخصيات التي تنتفخ أوداجها بأبهة المنصب! واضطرب أمره حينا، فآنا ~~يعتزم التمثيل، وآنا يرتحل ويسافر، وتارة يخلد في داره ليكتب شعرا في حبه الفاشل، ~~متوهما أن أيدي القراء ستتلقفه من نافذات المكاتب، وإذا به يعرض في نافذات المكاتب ~~حينا لا تمتد إليه يد واحدة بالشراء، فيجمعه ليشعل فيه النار في غرفة استأجرها ~~لذلك. # هذه الصدمات وأشباهها كثيرة الحدوث لمن يبدأ حياته الأدبية من الشباب، لكنها قليلا ~~ما تنتهي إلى مثل ما انتهت إليه عند «جوجول»، فقد أدى به الأمر إلى إخراج آية ms1046 أدبية هي ~~«أمسية في مزرعة دكانكا»، نشرها وعمره اثنان وعشرون عاما، فنزلت في المحيط الأدبي ~~نزول الصاعقة، فما شهد الأدب الروسي شيئا كهذه من قبل. صور فيها «أوكرانيا» وجعل هذه ~~البلاد تحيا وتتحرك، جعلها تنعكس على مرآته دقيقة الملامح جذابة المحيا في آن معا، ~~جعلها تدوي بأصداء الضحك والغناء، ولكن أديبنا في تصويره لأوكرانيا في هذا الكتاب كانت ~~تغلب عليه عاطفة الشاعر حينا بعد حين، فيبعد بخياله عن الواقع. ولعل أهم ما يؤخذ عليها ~~من نقص هو أنها جاءت صورة كلها بهجة ومرح، وخلت مما لا بد منه؛ إذ خلت من الدموع ~~والبكاء. # وعقب الأديب على كتاب «الأمسية» بكتاب آخر أطلق عليه «ميرجرد» # 6 # فما إن قرأه الشاعر «بوشكين» حتى حملته النشوة أن يضم الأديب معانقا، فها ~~هنا أكمل «جوجول» وجه النقص في كتابه الماضي، وذلك أنه لم ينس - حين هز أشخاصه بالضحك - ~~أن يمازج ضحكاتهم بشيء من دمع الحزين ونغمة من تهكم الساخر. # ولما بلغ «جوجول» من عمره مرحلة بين عاميه الخامس والعشرين والسادس والعشرين أخرج ~~مجموعة أخرى من القصص، تكاد تتخذ كلها صورة واحدة وطابعا واحدا، وتختلف في ملامحها ~~وسماتها عن قصصه السابقة، فجاءت هذه المجموعة الجديدة بمثابة النموذج الذي ستحتذيه ~~القصة الروسية فيما بعد. وأهم هذه المجموعة قصة «أصحاب الأراضي الزراعية في العهد ~~القديم» وقصة «الدثار» التي قال عنها أديب معاصر ل «جوجول»: «إن «جوجول» بقصته «الدثار» ~~قدم إلينا المعين الذي نستقي كلنا منه.» في هذه القصص نقل أمين عن الحياة الواقعة، ~~فيها تصوير لا يغفل أدق الدقائق مما عسى أن يراه الرائي أو يسمعه السامع، وفيها ما يوصف ~~بأنه «فكاهة روسية» مع أنه في صميمه شبيه جدا بما عهدناه في أرفع آيات الأدب ~~الإنجليزي من فكاهة، ففيها من ذلك - كالذي تجده في «دكنز» - مزيج متعادل من السخرية ~~وحسن النية، مزيج متعادل من الحقد على الإنسان والعطف عليه، من التهكم بالواقع والدعوة ~~إلى ما ينبغي أن يكون. إن التعميم في الأحكام كثيرا ما يؤدي إلى أفحش الخطأ، ms1047 لكنه ~~أيضا قد يساعد أحيانا على حسن الفهم ودقة التصور. ورجاء أن نصل بالقارئ إلى مثل هذا ~~الفهم الحسن والتصور الدقيق، نجازف فنقول على وجه التعميم، إن أساس الأدب الساخر في ~~الروسيا - كما هو في إنجلترا - الضحك خلال الدموع، أساسه التفكه ببساطة الإنسان وسذاجته ~~تفكها يشعرك دائما أن وراءه عطفا، كما تضحك من براءة الطفل وسذاجته ضحكا بطانته مثل ~~هذا العطف. أما في الأدب الفرنسي فأساس الأدب الساخر مقت الإنسان لغفلته، كأنما يريد ~~الأديب أن يحطم رأس الشخص الذي يتناوله ليسخر منه. # وأصدر «جوجول» بعد قصته «الدثار» رواية «المفتش» فكانت بداية للمسرحية في الأدب ~~الروسي الحديث، كما كانت «الدثار» بداية للقصة بمعناها الحديث؛ وقد أوحى له بموضوع ~~الرواية حادث وقع لزميله الشاعر «بوشكين» إذ استوقفه إبان رحلة من رحلاته مفتش يمثل ~~الحكومة، مع أن رحلة «بوشكين» كانت علمية خالصة يحاول فيها أن يجمع مادة لكتاب كان ~~يؤلفه في التاريخ. هذه الحادثة وأشباهها أثارت في نفس الأديب سخطه على فساد الأداة ~~الحكومية؛ فكتب رواية «المفتش» يعرض فيها هذا الفساد، وموضوعها غاية في البساطة: شاب ~~رقيع في بطرسبرج أراد السفر إلى أهله في الريف ليقضي بعض الوقت، فنفد ماله في الطريق ~~وهو في قرية صغيرة، فأوشك أن يتعرض لخطر السجن لعجزه عن دفع ما كان عليه أن يدفعه من ~~أجور، لولا أن غفلة الموظفين في تلك القرية أوهمتهم أن هذا الشاب مفتش جاء من قبل ~~الإدارة العليا ليفحص أعمالهم ويستخرج أخطاءهم! من هذا الموضوع أنشأ «جوجول» آية فنية، ~~سخر فيها بموظفي الحكومة إذ ذاك أمر سخرية، ورسم في أشخاصها أنماط الموظفين على اختلاف ~~صورهم. وفي قوة استوقفت الأنظار جميعا عرض صورة الطغيان والغرور اللذين وجدهما سائدين ~~في الأداة الحكومية كلها على نحو لم يكن يتخيل أنه بلغ من الفداحة ما بلغ. ولم يكن في ~~هجومه ونقده وسخريته مداهنا ولا مراوغا، إنما وضع خنجره في صميم الداء. والعجب أن من ~~تلقى طعنة خنجره لم يصح صيحة الألم، وإنما ضحك من نفسه وقبل الأمر ms1048 كله على سبيل التسرية ~~عن النفس في وقت الفراغ! فأذن القيصر «نقولا» بتمثيل الرواية، وحضر أول عرضها على ~~المسرح، وكان في طليعة المصفقين إعجابا! أما أن يفكر أحد في تغيير الأمور تغييرا يزيل ~~عنها ما يثير الضحك وما يبعث على السخرية، فذلك ما لم يقع. # على أن آية آياته هي قصة «أرواح الموتى» التي قال عنها هو إنها «قصيدة من الشعر»، ~~والحق إنها لكذلك لو قست الشعر بغزارة الشعور. وحسبك أن تعرف الفكرة الأساسية التي تدور ~~حولها القصة لتفزع من الفساد الذي ضرب أطنابه، ولتتصور كيف عسى أن يكون أديب قصصي ~~مثل «جوجول» قد تأثر وكتب؛ فبطل القصة «تشيتشيكوف» # 7 # كان موظفا بالجمارك، واقترف جرائم كثيرة في التهريب، ففصل عن وظيفته؛ ~~وعندئذ فكر في طريقة يجمع بها المال، فرسم لنفسه الخطة الآتية: لكل مالك عدد من ~~العبيد، وتجري القواعد بأن يحصى عدد هؤلاء العبيد على فترات، وكل ما يهم الحكومة أن ~~تعلمه هو أن عدد العبيد عند المالك المعين لم يتغير، فإن مات منهم أحد بلغ المالك عنه، ~~ولكن للمالك الحق في أن يتصرف في عبيده بالبيع أو الرهن، لأن ممثل الحكومة لا يهمه إلا ~~أسماء في قائمة، أما «الأرواح» التي وراء هذه الأسماء، فليست بذات خطر. هنا فكر ~~«تشيتشيكوف» أن يشتري «أرواح الموتى» من أصحاب الأرض بثمن أرخص؛ بمعنى أنه لو مات من ~~العبيد أحد، فالمالك لا ينبئ أحدا عن موته، ويبيع اسمه لهذا المحتال على أنه حي، ويذهب ~~صاحبنا إلى المصارف فيرهن هذه الأسماء على اعتبار أنها تدل على أحياء، والحقيقة أنها ~~أسماء لأموات، لأن العبرة دائما في المصارف والحكومة وما إليها من هيئات هي بقوائم ~~الأسماء. وبهذا استطاع المحتال أن يجمع مالا كثيرا، لأنه سيدفع - مثلا - عن كل ميت ~~خمسة جنيهات بدل خمسين، فإذا ما رهنه للمصرف، أوهم رجاله أنه إنما يرهن لهم شخصا ~~حيا، فيأخذ عن رهنه ما يقرب من ثمنه وهو حي! هذه هي الفكرة الرئيسية التي اتخذها ~~القصصي إطارا لتصوير الفساد في كافة جوانب ms1049 الأداة الحكومية في بلاده. # كانت رواية «المفتش» وقصة «أرواح الموتى» بمثابة التحقيق الجنائي الذي يكشف عن ~~المجرم، حتى إذا ما ثبت شخصه للقضاة أنزلوا به العقاب. كشف «جوجول» عن فظائع بلاده، ~~فكان كشفه أساسا لثورة تنشأ فيما بعد بغيتها الإصلاح. ~~(4) إيفان تورجنيف # Ivan Tourguéniev ~~(1818-1883م) ~~«تورجنيف» سليل أسرة من نبلاء الريف في الروسيا ، بدت فيه بوادر النبوغ في الأدب وهو ~~لم يزل طالبا؛ فقد أطلع أستاذه على مسرحية منظومة أنشأها، عرف فيها أستاذه أن الأديب ~~الناشئ يقلد «بيرن» الشاعر الإنجليزي، لكنه أدرك كذلك أن الفتى يبشر بمستقبل في الأدب ~~له خطره. ثم ما لبث الطالب «تورجنيف» أن أطلع أستاذه مرة أخرى على قصائد نظمها، وقرأها ~~الأستاذ فلم يشك عندئذ أن بذور الأصالة والابتكار أخذت طريقها إلى النمو، ونشر لطالبه ~~قصائده تلك في مجلة أدبية. ولم يمض طويل وقت بعد ذلك حتى رحل «تورجنيف» إلى برلين ~~ليستأنف دراسته، وهناك خلع رداء الشرق إلى الأبد، واستبدل به دثارا غربيا لم يفارقه ~~حتى ختم الحياة. فلما عاد إلى موسكو كان يقاوم ما وسعته قوته كل عوامل الجمود التي تجعل ~~الروسيا شيئا يختلف في روحه عن الغرب، فحارب في سبيل ذلك جمعية أدبية كانت تدعو إذ ذاك ~~إلى الاستمساك بالتقاليد القومية، ولم يسغ قط روح القيصرية التي اشتملت البلاد ولونتها ~~بصبغة خاصة. ولكن أين الرجاء لرجل واحد يقاوم حركة واسعة النطاق وموجة فكرية تطغى على ~~البلاد بأسرها؟ إنه رجل واحد لم تعترف له الصحف الأدبية بعد بأنه من أصحاب القلم. لكن ~~ما أكثر ما تجد المصادفة في خدمة النبوغ! هذا هو «تورجنيف» يرسل قصة إلى مجلة أدبية ~~عنوانها «خور وكالينيتش» ولا يجد رئيس التحرير ما يملأ به صحيفته، فيدس هذه القصة التي ~~جاءته من مجهول، ولا يعجبه العنوان، فيضيف إليه من عنده عنوانا آخر «صور بريشة صياد»، ~~فتصادف القصة إعجابا منقطع النظير، وتصبح فيما بعد بداية الحلقات المتتابعة التي تعرف ~~بهذا العنوان الأخير، والتي طارت بذكر الكاتب في الآفاق، وضمنت له المجد ~~والخلود. # هذا ms1050 النجاح الأدبي الذي لقيه «تورجنيف» لم يغير وجهة نظره حتى يحببه بعض الشيء في ~~الوسط الاجتماعي في بلاده، بل ظل الأديب نافرا يؤذيه كل ما تقع عليه عيناه، وبلغ به ~~النفور حدا لم يطق معه أن يواصل العيش في الروسيا، فغادرها معتزما ألا يعود، وألقى ~~عصاه في باريس حيث أخذ يتابع «الصور» التي تبلور فيها تفرده دون الأدباء ونبوغه في فن ~~الأدب. ولو شئت لفنه وصفا موجزا، فهو فن المصور الذي يرسم بريشته الإنسان والطبيعة ~~التي تحيط به في وحدة متسقة لا ينبو فيها جانب دون الآخر، كأنما خلقت تلك البطانة ~~الطبيعية مجالا لهذا الإنسان، أو خلق هذا الإنسان ليعيش في هذا المحيط الطبيعي. ولعل ~~«تورجنيف» أن يكون أول أديب روسي أدرك أن الفلاح الروسي شيء أكثر من أن يكون موضوعا ~~للإشفاق، وأنه كائن حي له شعوره وتفكيره، وإن تكن له طريقته الخاصة التي ينطبع بها إذا ~~ما شعر أو فكر. وهكذا أراد الله للأديب الذي نفر من بلاده أن يكون أقدر من يصور ~~بلاده، فاستطاع بهذا التصوير البارع أن يكون عاملا قويا من عوامل الانقلاب التي ~~انتهت بقومه إلى شيء من الإصلاح. وقد يكون مما يفيد قارئنا العربي أن نذكر له هنا أن ~~«تورجنيف» حين أراد أن يعالج داء الاستعباد الذي تفشى في الروسيا، لم يذكر الاستعباد ~~بكلمة واحدة! بل كانت طريقته أن يرسم صورتي رجلين فلاحين هما «خور» و«كالينيتش» لاذا ~~بالفرار من وضعهما الاجتماعي الذي كان يقضي عليهما أن يكونا من العمال العبيد في ~~المزارع، أما الأول ففر إلى مستنقع بعيد وخلص من الخدمة الإجبارية بدفعه غرامة تنجيه من ~~ذلك الإجبار، وأما الثاني فخلص من فلاحة الأرض بالتحاقه بطائفة الخدم الذين يعاونون ~~سيدهم في الصيد. وقد جعل «تورجنيف» «خور» يصور الرجل الواقعي، وجعل «كالينيتش» يصور ~~الرجل الخيالي الحالم، لكن كليهما طيب القلب حسن السريرة. فمن صورتي هذين الرجلين ~~يستطيع القارئ أن يستنتج لنفسه كم كان الاستعباد في فلاحة الأرض يستطيع أن يغير منهما ~~لو كانا ليخضعا له! فإن ms1051 لم تجدهما الآن يتصفان بما تعهده في عمال الأرض الزراعية من غلظة ~~وحوشية وهمجية وخشونة أخلاق، فاعلم أن ذلك مرده إلى نجاتهما مما يخلق في الناس هذه ~~الخلال، وهو الاستعباد الزراعي. # عاد «تورجنيف» في زيارة قصيرة إلى الروسيا، وكتب مقالا في موت زميله في الأدب ~~«جوجول» كان من أثره أن زج في السجن شهرا ولم يطلق سراحه إلا بشفاعة الشفعاء، وبعدئذ ~~استقر في مدينة «بادن بادن» وأخذ إنتاجه الأدبي يسيل من قلمه دفاقا لا ينقطع، وتكاد كل ~~قصصه التي أخرجها في فترة تقرب من عشر سنوات تصور نمطا واحدا من الناس، هو نمط الرجل ~~من النبلاء الذي يكمل نشأة وتربية ثم لا يعمل عملا، مثل هذا الرجل تراه مصورا في ~~«يوميات رجل زاد عن الحاجة» و«فاوست» و«رودين» و«آسيا» و«منزل السادة» وغيرها؛ فأبطال ~~هذه القصص جميعا رجال من سادة الروس، أكملوا دراستهم خارج البلاد الروسية، وأصبحوا ذوي ~~ثقافة وتهذيب لكنهم لم يصلحوا لشيء سوى مغازلة النساء، وحتى هذه المغازلة لا ينبغي أن ~~تذهب بهم إلى حد العاطفة العنيفة، لأن مثل هذه العاطفة تنطوي على جد لم يألفوه، وأس ~~الداء في هؤلاء الرجال جميعا هو أنهم رجال دربت فهم العقول ولم تدرب الإرادة، فأصبحت ~~الفكرة عندهم تطغى على العمل، يفكرون تفكيرا سليما جيدا، لكنهم يعجزون عن ~~التنفيذ. # ولما بلغ الكاتب عامه الثاني بعد الأربعين، تغير اتجاهه الأدبي نوعا ما؛ إذ جرفته ~~حركة قوية كانت تنادي بضرورة أن ينفق الأدباء جهدهم في دراسة المشكلات الاجتماعية. ولبى ~~«تورجنيف» النداء بأن أخذ ينشئ القصة بعدئذ على هذا الأساس، فأنشأ في هذا الباب ثلاث ~~قصص: «على وشك الانقلاب» أخذ فيها يبحث عن نمط الرجل الذي تريده البلاد في عهدها ~~الجديد، بعد أن عرض في قصصه السالفة ألوانا من الرجال لا يصلحون لشيء مما ينفع البلاد؛ ~~لأنهم أعجز إرادة عن النمط المنشود، فنحن اليوم نريد رجالا يعملون. لكنه لم يكد في هذه ~~القصة يجد ضالته، لأنه إذ اهتدى إلى البطل الذي يصوره نموذجا لرجل العمل، إنما ~~اهتدى ms1052 إلى رجل يستعين على بلوغ غايته بامرأة من ذوي قرباه، ومع هذه الاستعانة بسواه، لم ~~يستطع في النهاية أن يحقق مناه! ثم قصة «الآباء والأبناء» التي أحدثت رجة هائلة في ~~زمانها، وفيها صور شخصية «بازاروف» الفوضوي - وهو أول فوضوي في تاريخ الروسيا - فجمع في ~~شخصه عناصر فكرية وشعورية كانت تضطرب بها البلاد عندئذ، لكنها لم تكن قد وجدت طريقها ~~إلى عالم الواقع بعد، فأخرجها «تورجنيف» في هذا الرجل الذي خلقه بقلمه. ويجعل أديبنا ~~من بطله «بازاروف» - الذي في شخصه تتمثل روسيا الثائرة حين كانت ثورتها في عصر ~~التكوين - رجلا غاية في الذكاء، لكنه الذكاء النظري، الذي يظهر أوضح ما يظهر في ~~بلاغة اللفظ، يجعل منه رجلا يحتقر الفنون ويزدري النساء ولا يؤمن بنظام الأسرة، بل ولا ~~يفهم معنى لكلمة «الشرف»، وهو إذا ما أحب فلا يحب عن عاطفة المؤمن بما يصنع، بل يحب وفي ~~أعماق نفسه سخرية بالحب، ويصادق وفي أعماق نفسه استهانة بالصداقة، ويقال له حب الأبوين ~~وعطفهما على الأبناء فلا يفهم من هذا إلا هراء في هراء. ويجعل أديبنا منه رجلا مليئا ~~بالمتناقضات؛ فتراه يقاتل ويبارز ويعرض حياته للخطر، فإن سألته: فيم القتال والمبارزة! ~~ما عرف لهما سببا داعيا، وفي الوقت الذي تراه فيه يستخف بالشرف والحب والصداقة ~~والأبوة تراه يقابل شخصا لأول مرة فلا يلبث أن يضحي بنفسه في سبيله. ولعل «تورجنيف» في ~~هذا كله كان يصور نفسه، فيصور قومه في غضون صورة نفسه. # وللكاتب كذلك من هذا الضرب الاجتماعي من القصص - عدا قصتي «على وشك الانقلاب» ~~و«الآباء والأبناء» - قصة «الدخان» التي صور فيها الجمود والتجديد وقد تلاقيا وجها ~~لوجه، لكنه هنا جاءنا بشخصيات بعيدة بعض الشيء عن الواقع - ذلك إذا استثنينا شخص امرأة ~~تدعى «أيرين» تعد صورتها آية في تحليل المرأة ونوازعها ودوافعها - وإنما جاء بعده عن ~~الواقع من بعده عن بلاده أمدا لم يعد بعده قادرا على فهم ما انتهى إليه الناس من تغير ~~وتطور. # ولا بد لنا قبل أن نختم القول في قصصه أن ms1053 نذكر له قصة عظيمة أخرى هي قصة «التربة ~~العذراء» التي عاد فيها إلى محاولة تصوير الرجل الذي تحتاج إليه الروسيا لتنهض من ~~فسادها. وبعدئذ أخذت أيامه تدنو من ختامها، وأخذ المرض يهد بنيته حتى أصيب بأفدح ~~العلل، وها هنا استولت عليه روح تصوفية عبر عنها في قصتين هما «أنشودة الحب الظافر» ~~و«كلاري ملتتش». # لو لم يكن «تورجنيف» مبتكرا مبدعا لما عددناه بين عمالقة الأدب، لكن ابتكاره هذا لا ~~يعني استقلاله عن المؤثرات، بل إن الابتكار في الأدب قل أن يعني ذلك كائنا من كان ~~الأديب؛ فقد تستطيع أن تحلل «تورجنيف» إلى عناصر كونته، فمن الأدب الإنجليزي «ثاكري» ~~و«دكنز» لهما فيه أثر عميق، ومن الأدب الفرنسي «جورج سان» و«فكتور هيجو» ومن الفلاسفة ~~الألمان «شوبنهاور» كل هؤلاء لهم يد طولى في تكوينه الأدبي. ~~(5) فيودور ميخايلوفتش دستويفسكي # Fiodor Mikhailovitch Dostoièvski ~~(1822-1881م) # ولد «دستويفسكي» لأب جراح، وشهد ضوء الحياة أول ما شهده بين جدران المستشفى الذي ~~كان يعمل فيه أبوه. وكانت طفولته عليلة يتعاودها المرض آنا بعد آن، ولكنه مع ذلك استطاع ~~أن يظفر بنجاح متفوق في مدرسة المهندسين، لكن المهندس الناشئ غلبه الأدب فانصرف إليه، ~~لأن الهندسة جاءته عن طريق الدرس، أما الأدب فطريقه إليه الطبع الأصيل. # وبدأت حياته الأدبية بداية لا تخلو من فكاهة ومن عبرة في آن معا؛ فقد كتب قصة كانت ~~باكورة إنتاجه، قصة «الفقراء»، وساقه صديق ناشئ في الأدب مثله إلى أديب من شيوخ الأدب ~~إذ ذاك يقوم على تحرير مجلة أدبية، هو «نكراسوف»، وقدم الصديق صديقه «دستويفسكي» إلى ~~الأديب الشيخ، فاستقبله الأديب الشيخ بنظرة باردة، ولم يدر ناشئنا ماذا يصنع، فقذف ~~بمخطوط قصته قذفا، وخرج مسرعا يتلفت يمنة ويسرة خشية أن تراه أعين الرقباء كأنه لص ~~أتى أمرا إدا، وقصد من فوره إلى جماعة من أصدقائه الشبان، فأخذت جماعتهم تقرأ شيئا ~~من أدب «جوجول» حتى انسلخ الليل كله، وعاد «دستويفسكي» إلى داره مع فلق الفجر، ولم يحس ~~رغبة في النوم، فجلس إلى نافذته يسرح البصر، وما هو إلا ms1054 طارق يدق جرس الباب، فيفتح له ~~وهو دهش لهذا الطارق المبكر، فيجد نفسه محتضنا بين ذراعي صاحب المجلة الأدبية ~~«نكراسوف»، فقد شاءت المصادفة أن يزور الأديب الشيخ صديقا ناقدا، ويذكر له أن شابا ~~لم يره من قبل قذف أمامه قصة لتنشر، وقرأ الصديقان معا قصة «الفقراء» فأخذتهما بسحرها ، ~~حتى أنفقا الليل كله في قراءتها. ولما أصبح الصبح، لم يطق «نكراسوف» صبرا على هذا ~~الكشف الجديد، وذهب إلى أصدقائه النقاد، يطرق عليهم الأبواب قائلا: جئت لأعلن عن ~~«جوجول» جديد ظهر اليوم في أفق الأدب! # وفعل التشجيع في أديبنا الناشئ فعل السحر، فأخذ يعمل في نشاط متصل عنيف لا يعرف ~~الراحة والهدوء، فعرض صحته للخطر من جهة، وتعجل الإنتاج من جهة أخرى، حتى أصبحت سرعة ~~الإنتاج علامة تميزه وتنتقص من أدبه، فإذا عرفت أنه كان يكتب عشر قصص في آن واحد، عرفت ~~بأية سرعة كان ينتج، وبأي مجهود كان يعمل، لكن هذا التيار الدافق وقف ذات يوم فجأة حين ~~أطبقت عليه مغاليق السجن في بطرسبرج. # اتهم «دستويفسكي» مع جماعة من زملائه بالعمل على الثورة، وزجوا في السجن ثمانية أشهر، ~~ثم جيء بهم إلى ميدان في قلب المدينة، حيث أقيمت المشنقة انتظارا لرقابهم وخلعت عنهم ~~ملابسهم إلا أقلها، في جو كانت حرارته إحدى وعشرين درجة تحت الصفر، وقرئ عليهم ما قضي ~~به في أمرهم، وإذا هو الموت. لم يكد يصدق «دستويفسكي» ما سمعته أذناه، لا بد أن يكون ~~حلما ما سمع، إنه لم تنقض إلا أيام قلائل منذ وضع أساسا لأثر أدبي جديد اعتزم إنشاءه، ~~وأطلع عليه أحد الزملاء في السجن، وتلفت إلى من وقف بجواره وسأله دهشا: أصحيح ما ~~يعلنون؟ أصحيح أننا قادمون على الموت؟ ولم يجب المسئول بغير إشارة من أصبعه وهو صامت ~~إلى عربة قريبة، طرح عليها غطاء، وبدا كأنما تحت الغطاء شيء كالتوابيت! وهبط من أعلن ~~حكم الموت من منصته، وصعد القسيس يحمل الصليب، ويطلب من «المجرمين» أن يبوحوا له بما ~~يريدون أن يبثوه من اعتراف، ولم يفعل ذلك ms1055 سوى واحد منهم، واكتفى الباقون بتقبيل الصليب ~~«لقد شرعوا السيوف فوق رءوسنا، وألبسونا قمصان من يقضى فيهم بالموت، وربطونا ثلاثة ~~ثلاثة، وكنت ثالث الثلاثة في الصف الأول، فعلمت أنه لم يبق من حياتي إلا دقائق معدودة، ~~ذكرتك عندئذ وذكرت أطفالك (هذا خطاب كتبه دستويفسكي فيما بعد إلى أخيه ) وحاولت أن أقبل ~~زميلي في الصف قبلة الوداع، ثم ما هي إلا أن نفخت ثلة من الجند في أبواقها نفخة، وإذا ~~بالأغلال فكت عن أجسادنا، وأعادونا إلى منصة المشنقة، حيث أعلن معلن أن جلالة القيصر قد ~~عفا.» فقد استبدل القيصر بحكم الموت سجنا يكون فيه العمل الشاق. والعربة التي كان يظن ~~أنها تحمل التوابيت لأجسادهم كانت تحتوي على بذلات يلبسها من يصدر عليه مثل هذا الحكم. ~~وألبسوا هذه البذلات وسيقوا إلى السجن، حيث قضوا سنوات أربعا، أطلق سراحهم بعدها، وعاد ~~أديبنا إلى الحياة من جديد، ولكن كيف؟ عاد من سجنه أسلم بدنا وأهدأ عصبا وأكثر في عقله ~~اتزانا! # استأنف «دستويفسكي» حياته الأدبية، فأخرج قصة «المستذل والجريح»، وعقب عليها ~~ب «ذكريات دار الموتى» وهو يعني بدار الموتى سجنه الذي قضى فيه أربعة أعوام، تقرأ ~~فيه وصف الحياة في ذلك المكان كما شهدها الكاتب، فتنتفض من هولها رعبا. ومما يستحق ~~الذكر هنا أن «البؤساء» - لفكتور هيجو - صدر في نفس الوقت الذي صدر فيه «ذكريات دار ~~الموتى»، وقد لا نعدو الحق إن قلنا إن «دستويفسكي» قد بلغ في كتابه ما لم يبلغه «هيجو» ~~من حيث بساطة التعبير وصدق التصوير، كان «دستويفسكي» سجينا سياسيا، لكنه لم تكن هنالك ~~تفرقة بين سجين لسبب سياسي وسجين أجرم على نحو آخر. وقد لا يكون في ذلك شيء يثير ~~العجب، لكن العجيب حقا أن «دستويفسكي» وقد رأى نفسه فردا من جماعة مجرمة، لم يدر في ~~خلده قط أنه في وضع خاطئ، كما أنه لم يدر في خلد أحد من زملائه في السجن - نعني مجرمي ~~القانون - أن هذا السجين السياسي يقع في منزلة فوق منزلة سائر المجرمين؛ فلئن اعتدى ~~المجرم على ms1056 قانون من قوانين الدولة فقد اعتدى السجين السياسي على قانون آخر. لهذا لم ~~يحاول «دستويفسكي» في كتابه هذا أن يخلع على نفسه ثوبا من الشرف ليميز به نفسه عن ~~سواه، إنما الذي حاوله، وحاوله بعنف وقوة، هو أن ينظر إلى المجرم - كائنا ما كان ~~إجرامه - نظرة غيظ وحنق ، فليست الجريمة خطأ، إنما هي ضرب من الجد العاثر. لقد أحس ~~«دستويفسكي» العطف على زملائه في الإجرام، وأعجب ببعضهم إعجابا شديدا، فقد يكونون ~~غلاظ الظاهر، لكن في بعضهم صفات طيبة، ما في ذلك من شك. # وبعدئذ، اكتنفت حياة الكاتب صعاب، من بينها ضيق مالي نتج عن انغماسه في القمار أوقعه ~~في دين لم ينقذه منه بعض الشيء إلا قصة عظيمة صادفت نجاحا عظيما، هي قصة «الجريمة ~~والعقاب» وطريقته فيها - بل طريقته في قصصه جميعا على وجه الإجمال - هي ألا يحدد لك ~~صفات أشخاصه تحديدا مرتبا، بل هو يسرد لك دقائق حياتهم بالترتيب الذي تقع به في ~~الحياة، لا بالترتيب المنطقي الذي يسبغه عليها عقل الكاتب، ويتركك تستخلص لنفسك هذه ~~الصورة من تلك الدقائق المبعثرة في أنحاء القصة هنا وهناك؟ خذ مثلا لذلك، ترى المجرم ~~في هذه القصة يعتزم قتل امرأة عجوز، تراه يعتزم ذلك منذ الصفحة الثانية من القصة، ثم ~~تتكاثر عليك الحوادث وتنعرج به الدقائق هنا وهناك، حتى إذا ما بلغت نهاية القصة، وجدت ~~هذا المجرم ينشر مقالة في مجلة يحاول فيها أن يشرح نظرية تبرر مثل تلك الجريمة. لو كان ~~الكاتب يرتب الحوادث ترتيبا منطقيا لذكر لك نبأ هذه المقالة بعد ذكره للجريمة، لكنه ~~لم يعبأ بتباعد الحوادث بين الحقيقتين في قصته، ما دامت تباعد بينهما في الحياة. مثل ~~هذه الطريقة في كتابة القصة من شأنها أن تقتل بعض الشوق في نفس القارئ، وأن تشعره ~~بمجهود عقلي، لأنه يحاول أن يربط الحوادث المتناثرة بعضها ببعض، وقد يستطيع ذلك وقد لا ~~يستطيع، كما هي الحال في الحياة الواقعة، بعضنا قادر على ربط الحوادث بعضها ببعض وإن ~~باعدت بينها الأيام، على حين ms1057 يعجز بعضنا عن ذلك، والكاتب هنا لا يعيننا على مثل هذا ~~الربط. # والفن القصصي عند «دستويفسكي» له خاصة أخرى، لعلها تميز القصة الروسية كلها، بل لعلها ~~تميز الفن الروسي كله بما في ذلك فن العمارة، وهي أن يتركب الكل من مجموعات تكاد كل ~~مجموعة منها أن تكون كلا مستقلا، فالكنيسة التي تبنى على الطراز الروسي - مثلا - ~~تتألف من عدة أجنحة، يوشك كل جناح منها أن يكون كنيسة قائمة بذاتها، والقصة الروسية ~~تتألف من مجموعة من القصص، لا يصلها إلا خيط رفيع جدا يمكن قطعه والاكتفاء بأي جزء ~~على حدة كأنه قصة وحده، هكذا كان فن «دستويفسكي» في قصة «الجريمة والعقاب». # لكن هذه خصائص عامة إلى حد ما في الأدب الروسي كله، أما ما يميز «دستويفسكي» في ~~إنشائه الأدبي - من حيث طريقة الأداء - فهو السرعة في الإنتاج، وقد كان بين الدوافع ~~إليها ضيقه المالي الذي كاد يلازمه، على الرغم من كثرة مكسبه. ولما وجد أن سرعته في ~~الكتابة أبطأ مما أراد، استخدم فتاة تكتب الاختزال، لينتج في اليوم الواحد أضعاف ما كان ~~ينتجه - وقد أصبحت هذه الفتاة زوجة ثانية له بعد وفاة زوجته الأولى - وهذا الإنتاج ~~الغزير المتلاحق هو ما كان يطمح إليه، ففضلا عن ضرورته المادية، كان يطمح ألا تنقطع ~~صلته أبدا بجمهور قرائه، وأن يظل سلطانه على عقولهم متصلا دائما، لكن هذه السرعة لا ~~بد أن تؤدي إلى نتائجها الطبيعية من إهمال في السبك الفني، حتى لو كان الفنان هو ~~«دستويفسكي». # وترى هذا الإهمال واضحا في قصص جاءت بعد «الجريمة والعقاب» - لكنها مع ذلك من آيات ~~الأدب العالمي الخالدة - هي قصص «الأبله» و«الفكرة المتسلطة» و«الإخوان كارامازوف». في ~~قصة «الأبله» يبين أن من يرتكب الشر لعلة في تكوينه العصبي قد يكون أعلى فكرا وأسمى ~~خلقا من سواه ممن لا يرتكبون شرا مثل شره، ثم هو في هذه القصة أيضا يعالج ظواهر ~~الجنون على أنها ظواهر عادية لا شذوذ فيها، تراها شائعة بين الناس، والاختلاف هو في ~~الدرجة وحدها. وفي «الفكرة ms1058 المتسلطة» حاول الكاتب أن يتعقب العوامل التي من شأنها أن ~~تقوي حركة «الفوضوية» أو إن شئت فقل الثورة الفكرية التي أدت إلى الشيوعية، هذه العوامل ~~الدافعة يستحيل في رأيه أن يكون أساسها الآراء المهوشة الغامضة الهزيلة التي تتسلط على ~~من أفقدتهم الحماسة اتزان عقولهم، كما يستحيل كذلك أن يكون أساسها أحزابا سياسية تهافت ~~بنيانها وشطحت في خيال وأوهام، بل لا بد للانقلاب الاجتماعي من جماعة قويت فيهم العزائم ~~وتحددت في رءوسهم الأفكار وصلبت عندهم الإرادة، وأما قصته «الإخوان كارامازوف» فهي أشبه ~~بواجهة عظيمة لبناء أعظم، لكن البناء ليس له وجود، وذلك أن الأديب أراد بادئ ذي بدء أن ~~يجعل قصته هذه ذات خمسة أجزاء، ثم قرر أن تكون من جزأين، ثم لم يكتب من الجزأين إلا ~~جزءا واحدا، هو هذه القصة، لكنه جزء مؤلف من أربعة مجلدات ضخام حاول الكاتب فيها أن ~~يصور الحركة الفكرية في منتصف القرن التاسع عشر، بما تضمنته من آراء ثورية وانقلاب في ~~وجهة النظر، في الأخوين الكبيرين «ديمتري» و«إيفان» جسد الكاتب جانبين من جوانب عصر ~~الانقلاب الفكري المشار إليه؛ جانبين من جوانب الضعف، ف «ديمتري» يمثل صاحب الإرادة ~~الضعيفة والأخلاق المنحلة، و«إيفان» يمثل صاحب العقل الضعيف والفكر المتدهور، وأما ثالث ~~الإخوة «اليوشا» فيمثل الرجل الروسي اتزن فيه العقل والإرادة معا، فهو رجل سليم القوى ~~معافى الغرائز والميول، يحب ويؤمن ويرق ويكرم، ويقال في التعليق على هذه القصة إن ~~«دستويفسكي» أراد أن يمثل بالأخوين الكبيرين «ديمتري» و«إيفان» لروسيا وقد أخذت عناصر ~~المدنية من الغرب ولم تهضمها بعد فانحلت خلقا، ثم روسيا وقد اكتنفها الجهل فضعفت ~~فكرا، ثم أراد أن يمثل بالأخ الثالث «اليوشا» روسيا المستقبل حين تتسق في حياتها عناصر ~~المدنية الغربية مع مقومات التثقيف والتعليم. ومهما يكن من أمر هذه القصة العظيمة ~~الخالدة، فهي ثروة زاخرة بدقة التحليل وصواب الرأي وصدق النظر، هي قاموس شامل لكل معاني ~~النفس البشرية، وآلة موسيقية تجمعت في أوتارها كل نغمة من نغمات القلب الإنساني، ثم هي ~~وثيقة ناصعة أثبت ms1059 فيها الكاتب حياة الروسيا المعاصرة، ما خفي منها وما ظهر، الروسيا في ~~أخلاقها وتفكيرها وحياتها الاجتماعية على وجه الإطلاق، وهي في بعض مواضعها بلغت في روعة ~~الأسلوب وبلاغة التعبير ما لم يبلغه أديب روسي آخر؛ فمثلا في موضع منها يصف المناقشات ~~البيزنطية الفارغة التي يحاول فيها المتناقشون أن يشققوا الشعرة كما يقولون، والتي كانت ~~سائدة في العصور الوسطى، ولا تزال سائدة في كل وسط يشبه في عقليته وتفكيره عقلية تلك ~~العصور وتفكيرها، في هذا الموضع يصور الأديب رجلا من رجال «محاكم التفتيش» التي شاع ~~أمرها في أوروبا منذ قرون، وخصوصا في إسبانيا، والتي كانت تحرق الأبرياء حرقا بحجة ~~الزيغ عن الدين والخروج على العقيدة السليمة والإيمان الصحيح، وفي هذا الموضع نرى ~~المسيح قد عاد إلى الأرض، عاد في مكان من المدينة نصبت فيه محكمة التفتيش أدوات النار ~~التي سيلقى فيها بمن زاغ - في رأيها - عن الدين، وعرف جمهور الناس أنه المسيح فاجتمعوا ~~حوله زرافات زرافات، لكن رئيس محكمة التفتيش أمر بالقبض عليه وأرسله إلى السجن، ثم ذهب ~~إليه في سجنه وأخذ يعنفه على أنه وضع لأتباعه مبدأ يستحيل تطبيقه: «لقد عرض عليك ~~الشيطان أن يحول الصخر خبزا فأبيت أن تتقبل منه ما عرض، ثم زعمت أنك مستطيع أن تحكم ~~قلوب الناس بالحب دون سواه! انظر إلى أي نهاية أدت هذه المبادئ بالناس وبنا معهم، إنهم ~~يعرضون عن الحب ويصيحون في طلب الخبز! # إننا إذا ما أعطيناهم ما يريدون من خبز، استطعنا أن نصفدهم بالأغلال بعد ذلك عن رضى ~~منهم؛ سآمر غدا برميك في النار!» # يحتل «دستويفسكي» من الأدب الروسي مكانة رفيعة، فلا يرتفع عليه في ذلك الأدب إلا رجل ~~واحد، هو «تولستوي». ~~(6) ليو نيكولا فيتش تولستوي # Leo Nicolaievitch Tolstoi ~~(1828-1910م) # نقدم لك الآن في «تولستوي» عملاقا في الأدب العالمي، كثيرا ما شبه بسنديانة ضخمة من ~~حولها كلأ، لأن كل من حوله من الأدباء كانوا بالقياس إليه حشائش صغيرة إلى جانب هذه ~~الشجرة التي سمق فرعها في السماء، ومن هؤلاء؟ «دستويفسكي» ms1060 وأضرابه! وهذه مبالغة بغير ~~شك، لكنها مبالغة تصور لك مكانة «تولستوي» في الأدب الروسي خاصة، وفي الأدب العالمي ~~بصفة عامة. # و«تولستوي» و«دستويفسكي» اللذان تعاصرا حينا، كانا يختلفان اختلافا بينا، لكنه ~~اختلاف الضدين يكمل أحدهما الآخر؛ ف «دستويفسكي» من الشعب، أخذ يجاهد عشرين عاما حتى ~~تهيأ له شيء من السعة واليسر، و«تولستوي» من العلية، ولد في بحبوحة الرزق التي يولد ~~فيها الأغنياء. «دستويفسكي» كانت تعنيه الحياة في المدينة، و«تولستوي» تعنيه الحياة في ~~الريف. «دستويفسكي» يؤثر أن يعيش حياة غزيرة بأحاسيس المتع واللذائذ كلما استطاع إلى ~~مثل هذه الحياة سبيلا، لأن هذه الحياة المليئة كانت عنده أفضل من حياة التزمت التي ~~تقضي على معنى الحياة، وأما «تولستوي» فشد على نفسه رباط الأخلاق شدا انتهى به إلى ~~التصوف، وإلى ترك ثروته وأسرته ليعيش عيش الرهبان في صومعة وحده بعيدا عن صخب الحياة. ~~وهما كذلك يختلفان في الفن الأدبي اختلافهما في وجهة النظر إلى الحياة، فعبقرية ~~«دستويفسكي» تبدو ظاهرة في سوق الحديث بين أشخاص قصته، وعبقرية «تولستوي» تبدو في الكشف ~~عن سريرة نفسه. «دستويفسكي» يعجبه الشاذ، و«تولستوي» لا يقع إلا على المألوف، لكنه يجعل ~~المألوف واضحا بارزا حتى ليحسب قارئه نفسه بين أصدقائه وأفراد أسرته حين يقرأ له قصة ~~من قصصه. «دستويفسكي» كانت تتألف نفسه من عناصر متباينة في آن معا، أي أن العناصر ~~المختلفة كانت في نفسه جنبا إلى جنب تصطرع، فلذائذ جسده ونوازع عقله ودوافع روحه كلها ~~تقع من نفسه في تجاور، فقد يدعوه الجسد إلى ما تأباه الروح، وقد تدفعه الروح إلى ما لا ~~يقره العقل، وهكذا. أما «تولستوي» فقد جاءت عنده هذه العناصر واحدة بعد الأخرى، لكل عصر ~~سادت فيه وامتنعت سائر العناصر؛ فهو يبدأ حياته معنيا بشهوات جسده، ثم هو يعقب على ~~ذلك بعهد يلقي فيه بزمامه إلى عقله، ثم تنتهي حياته بفتره يكون فيها من سمو الروح ما ~~يضعه في صف الأولياء! # ولعل أبرز ما يأخذ العين من «تولستوي» هذه الهوة السحيقة التي تفصل بين فنه وعقله، ~~فهو ms1061 بفنه رجل يختلف أشد الاختلاف عنه وهو محتكم إلى عقله، «تولستوي» الفنان يستمد قوته ~~من التسليم للحياة وغرائزها تسليما جعله يمرح في كل ظواهر الحياة من نبات وحيوان ومن ~~غرائز وشهوات، مرح الطفل الذي لا يفسده الشك والتفكير، بل مرح الهمجي الذي لم ~~تباعد المدنية العقلية بينه وبين الطبيعة حتى أصبح كأنه جزء من الطبيعة، يكاد يكون ~~واحدا مما حوله من شجر وحيوان. وحيثما كتب «تولستوي» وهو في مثل هذه النشوة بالحياة، ~~ارتفع إلى ذروة الفن، لكن عقله أخذ يقض له هذا المضجع الوثير؛ أخذ يوحي له بأن «معنى ~~الحياة» أسمى من الحياة نفسها، وما «معنى الحياة» هذا؟ هو الأخلاق التي ترتفع بالإنسان ~~إلى مستوى أعلى من الحياة لمجرد الحياة. وبين «تولستوي» الفنان الذي كان يعبد الحياة ~~عبادة الوثني لظواهر الطبيعة، و«تولستوي» الأخلاقي الذي لا يريد أن يحيا كما تحيا ~~الشجرة أو البقرة، تقع الهوة السحيقة التي جعلت منه شخصين، أما الشخص الأول فامتدت ~~حياته إلى سن الخمسين، وأما الشخص الثاني فتولى الزمام بعد ذلك حتى وافته المنية في سن ~~الثانية والثمانين. # أول أثر أدبي أنشأه «تولستوي» كتابه «طفولة وفتوة وشباب» يروي فيه عن حياته، فكشف هذا ~~الأثر الأدبي الأول عن قوة الأديب وقدرته على أن يجعل من توافه الأشياء أمورا لها ~~دلالاتها القوية، تملؤها الحياة؛ وذلك لأنه كان يصب نفسه في كل شيء يكتب عنه مهما تفه، ~~فكان يكسبه الحياة من حياته. ومما يستوقف النظر في هذا الكتاب أن «تولستوي» كان كثيرا ~~ما يصور الشخصية كلها بوصف جزء واحد من العلامات الجسدية المميزة للشخص الذي يصفه، ~~فحركات الأصابع في هذا الرجل حين يتحدث، يصفها لك فإذا أنت ترى نفسك بهذا وحده قد بلغت ~~صميم الشخص الموصوف. هذه الخاصة التي تميز فن «تولستوي» ستلازمه في كل إنتاجه، وستبدو ~~على أتمها حين ينشئ آيتيه الخالدتين «الحرب والسلم» و«آنا كارنينا»، فمثلا قد وصف زوج ~~«آنا» - وهو من الطبقة الأرستقراطية المتعجرفة - وصفه بأذنيه الكبيرتين وأصابعه التي ~~تطقطق فأصبح وصفه هذا يجري مجرى الأمثال ms1062 للرجل من هذا الطراز. ثم حدث ما شئت في قدرة ~~هذا الأديب العبقري على التغلغل إلى بواطن النفس البشرية، فيرى علائق الإنسان بالإنسان، ~~علائق الرجل بالمرأة، علائق الفرد بالمجتمع، علائق الإنسان بالطبيعة، يرى كل هذا في ~~جلاء ووضوح كأنه يقرأ في كتاب مفتوح. في «قصة الحرب والسلم» التي قد تعد أعظم قصة في ~~آداب العالم بغير استثناء، أراد أن يصور بلاده الروسيا في فترة من فترات تاريخها، هي ~~التي غزاها أثناءها نابليون في أوائل القرن التاسع عشر، لكنه لم يرد أن يصور هذه الفترة ~~من التاريخ تصويرا يجعل القصة جزءا من التاريخ، بل أراد أن ينظر خلال الخاص إلى ~~العام، خلال فترة واحدة وشعب واحد إلى الزمان كله وشعوب الأرض أجمعين. لقد تخير هذه ~~الفترة من تاريخ بلاده ليتخذ منها رقعة يصور عليها الحياة الإنسانية على إطلاقها من ~~قيود الزمان والمكان، ولكن ذلك كله لا ينفي أنها كذلك قصة تصور الروسيا في فترة من أهم ~~فترات تاريخها تصويرا دقيقا بارعا. اقرأ قصة «الحرب والسلم» لتصادف جمهرة من الناس ~~يحيون ويتحركون، لكل شخصيته الفريدة الفذة التي تجعله كائنا حيا، اقرأها لتحيا مع ~~أشخاصها وهم يكبرون من الطفولة إلى الشباب؛ سترى فيها أنصع الصور للحياة في الجيش، ~~والحياة في القصر، والحياة في عاصمتي الروسيا موسكو وبطرسبرج، والحياة في بيوت أغنياء ~~الريف وأكواخ فقرائه. اقرأها لتشهد الحياة في صورة أقوى من الحياة في الواقع! وتدور ~~حوادث القصة حول حياة أسرتين من الأسر الغنية - هما في الواقع أسرتا أبيه وأمه - وهو في ~~تصويره للأفراد، جعل هؤلاء الأفراد ظواهر لقوة دافعة خفية، هي قوة الشعب في مجموعه، وها ~~هنا تجد أساسا من أسس فلسفته، ف «تولستوي» لا يريد للفرد أن يكون فردا قائما إزاء ~~الجماعة، بل يريده أن ينغمس في الجماعة انغماسا، الفردية عنده ضرب من ضروب الصراع ~~والحرب، صراع بين الفرد والمجتمع من جهة، وصراع بين الفرد والفرد من جهة أخرى، كل يسعى ~~إلى القوة والسيطرة وزيادة الثروة والنفوذ، ولئن كانت المدنية الإنسانية قائمة ms1063 على أساس ~~هذه الفردية. فقد أدار «تولستوي» ظهره لهذه المدنية ودعا إلى ما دعا إليه «روسو» من ~~قبل؛ إلى العودة إلى حياة الفطرة والطبيعة حيث لا انقسام ولا خصام، وحيث لا ترى إلا ~~فلاحا يفلح أرضه ويحب جاره؟ في هذه القصة يقدم لك «تولستوي» فلاحا هو «كاراتايف» كما ~~يقدم لك «نابليون» ويقنعك أن الأول أعظم من الثاني، لأن الأول عظيم في ذاته، وأما الثاني ~~فألعوبة في أيدي الظروف! # هذه المقارنة بين الحياة الفطرية الساذجة وبين حياة المدنية المعقدة، يوضحها الكاتب ~~أيضا في قصته «آنا كارنينا»، التي أنشأها على أساس من مذهب «روسو»، فهو يبين لك أسرة ~~ريفية سعيدة بحياتها البسيطة، وأسرة أخرى قامت لا على الأساس الشرعي للزوج، بل على أساس ~~مصطنع من إباحية وحرية زائفة، فترى «كارنينا» الزانية تتزوج من رجل أغرم بحبها، فانتهت ~~حياتهما بعقوبة طبيعية كانا جديرين بها، ومما يذكر بهذه المناسبة أن «تولستوي» جعل عقاب ~~«كارنينا» أشد وأقسى، فجريمتها في عين الرجل الأخلاقي أفدح من جريمة زوجها. لكن ~~«تولستوي» إلى جانب نزعته الأخلاقية فنان، وهو إذا ما تملكه الفن انتشى بالجمال كائنا ~~ما كان، ولهذا تراه يفتن في تصوير «آنا» ووصف جمالها، حتى أخرجها صورة رائعة بارعة. ومن ~~لفتات «تولستوي» البارعة في هذه القصة أنه جعل رجلا عالي الثقافة (يقصد نفسه) يهتدي ~~بفلاح ساذج في فهم الإنجيل، بل في فهم الحياة؛ ليدل بذلك على أن فهم الحياة والدين لا ~~يريد علما بقدر ما يحتاج إلى قلب صاف وبصيرة سليمة. # وأخيرا جاء دور التدين والتصوف من حياة «تولستوي»! إن هذه المدنية الفاسدة لا خلاص ~~منها بغير الفرار إلى حياة الزهد والتقشف والعزلة! لقد أخذ في هذه المرحلة يكتب الرسائل ~~واحدة في إثر واحدة، كلها تعبر عن إيمانه بالدين والحياة الروحية: «عقيدتي» «ماذا ينبغي ~~أن نصنع إذن؟» «ملكوت الله هو في دخيلة نفسك» «العبودية في عصرنا» «ما هو الدين؟» ~~وغيرها وغيرها. لقد زهد في حياة المتعة الجسدية حتى أصبحت له هذه المتعة شبحا مخيفا ~~يخشى أن يعود إليه ms1064 فينال منه ويسيطر عليه، وكتب «كروتزر ساناتا» التي أراد فيها أن يحمل ~~الأزواج على الامتناع عن العلاقة الجنسية! ثم كتب آخر قصصه الكبرى؛ قصة «البعث» التي ~~جعل فيها فتاة متعلمة مهذبة كانت في سيبريا سجينة سياسية، جعلها تلتقي مع امرأة كانت في ~~ماضيها عاهرة فاجرة، وتصادق المرأتان على النفور من الصلة الجنسية الدنسة، الأولى لأنها ~~لم تمارسها على اعتبار أنها حط من الكرامة الإنسانية، والثانية لأنها أوغلت في ممارستها ~~فانتهت إلى الزهد فيها والتحقير منها لأنها مصدر أهوال ومصائب، بل لأنها داعية إلى ~~التدهور والانحطاط. # هذه النزعة الخلقية الشديدة التي استولت عليه، لونت نظره إلى الأدب كله؛ فلا أدب عنده ~~الآن إلا ما رمى إلى إصلاح الأخلاق؟ ليس شيكسبير بالأديب، لأنه لم يرد بأدبه إلى إصلاح ~~الأخلاق، بل ليس ما كتبه هو نفسه فيما مضى بأدب لأنه خلا من ذلك الغرض الشريف، وهكذا قل ~~في كل ضروب الجمال: لا جمال في أثر فني إلا إذا كان أساس هذا الأثر الفني أولا وقبل كل ~~شيء تقويم الأخلاق، بهذا الرأي نادى في كتابه «ما هو الفن؟». # لكن الأخلاقي فنان كذلك - كما أسلفنا لك القول - فقد كانت تتعاوره فترات من الفن خلال ~~تلك الفترة الأخلاقية، فيخرج للناس قصصا روائع. وأين المفر من سلطان الفن لهذا الفنان ~~الأعظم؟ هذا الذي شخصت إليه الأبصار في أنحاء العالم كله في أواخر القرن التاسع عشر ~~وأوائل العشرين، على أنه أديب العالم الأكبر، فليكن ما شاء لنفسه أن يكون من أخلاقي ومن ~~راهب متدين، فسيظل أبد الدهر خالدا في تاريخ الأدب بين جبابرة القلم. ~~(7) أنطون تشيكوف # Anton Chekhov ~~(1860-1904م) # كان «تشيكوف» هو حلقة الاتصال بين العصر الزاهر الذي شهد «جوجول» و«ترجنيف» ~~و«دستويفسكي» و«تولستوي» وبين الموجة الحديثة التي سيكون موضع الحديث عنها فصلا سنعده ~~للأدب الروسي في القرن العشرين. بدأ إنشاءه الأدبي حين كان طالبا يدرس الطب في موسكو، ~~وأول ما كتب من القصص كان ينطبع بالفكاهة الساخرة التي تجعله صالحا للمجلات الهازلة، ~~ثم جمعت هذه القصص في مجموعة ms1065 أطلق عليها «قصص منوعة»، وبعدئذ طرأ على أدبه تحول مفاجئ، ~~ظهر أول ما ظهر في مسرحيته «إيفانوف» كما ظهر في مجموعة قصصه الثانية التي أسماها ~~«أشخاص عليهم كآبة» فهو في هذه المجموعة القصصية وفي تلك المسرحية عبر عما أحسه إحساسا ~~قويا من ركود الحياة في الروسيا إبان العقد الثامن من القرن التاسع عشر، كما عبر عنه ~~فيما بعد في عدة قصص أخرى من بينها «قصة مملة» و«حياتي» و«عنبر رقم 6» و«المبارزة» ~~و«ثلاث سنوات» وغيرها. في «قصة مملة» ترى شخصيتين؛ شخصية أستاذ كهل كان قد ارتفع إلى أوج ~~الشهرة العلمية، وشخصية فتاة من ذوي قرباه، كلاهما يحس تفاهة الحياة إحساسا ينتقل إلى ~~القارئ بالعدوى، كلاهما لا يجد في الحياة ما هو جدير بالأمل والعمل، وتنتهي القصة بهذين ~~الكئيبين لا يجدان لضيقهما بالحياة دواء. وفي «حياتي» كذلك قصة شاب استنار وتثقف، ثم ~~ألقت به الأيام في مدينة ريفية ميتة لا تفتح أمامه بابا من أبواب الرجاء والبشر ~~بالحياة. وفي «عنبر رقم 6» قصة طبيب عالي الثقافة أيضا، يعمل في مستشفى الأمراض ~~العقلية في بلد ريفي، وقد اتصلت روابط الود بينه وبين أحد مرضاه، واتصل بينهما الحديث ~~في شتى الموضوعات، حتى ظن بالطبيب الخبل، فأرغمه مساعده على أن يعامل معاملة المرضى ~~مجنونا كسائر المجانين وحل محله في رئاسة المستشفى. هكذا أخذ «أنطون تشيكوف» يبث ~~شكواه من ركود الحياة وتفاهة شأنها، ولهذا تخير معظم مناظره من الريف الذي يخلو مما ~~تنطبع به المدن من حركة قد ينخدع بها الرائي ويظنها حركة الحياة، ولكن «تشيكوف» رغم هذه ~~النظرة السوداء، لم يكن متشائما بالمستقبل. # كان رجال القصة قبل «تشيكوف» يذهبون في أدبهم القصصي مذهبا واقعيا، فجاء هو ~~مخالفا لما سار عليه أسلافه. فلئن كان هؤلاء الأسلاف يعنون بحبك الحوادث، فإنه اتخذ ~~لنفسه أسلوبا آخر، مؤداه أن يؤلف القصة من نتف متناثرة وحوادث يقطفها من تيار الحياة، ~~يقطفها من هنا وهناك، ولا يجمعها في قصة واحدة إلا الروح التي تسود القصة، لا العلاقة ~~بين الحوادث نفسها. فإذا أردت لفنه ms1066 هذا عنوانا يدل عليه، كان ذلك العنوان هو أنه «فن ~~تأثري» أساسه ما تترك القصة في نفس قارئها من أثر، بغض النظر عن طريقة تكوين القصة ~~ومادتها. وبعبارة أخرى كانت قصة «تشيكوف» تقوم على الإيحاء لا على الإنباء، فهو يذكر ~~الحادثة المعينة بالأسلوب المعين الذي من شأنه أن يوحي للقارئ ضروبا من الفكر ~~والخيال، ولكي يكون هذا الإيحاء أقوى وأفعل، كان لزاما عليه أن يعنى بأسلوبه وعبارته، ~~لأن اللفظ هنا له أهميته الكبرى، فتراه يحاول أن يجعل لغته ذات وزن وإيقاع. # لم يكن «تشيكوف» من الفحولة بحيث يوضع في منزلة واحدة مع «دستويفسكي» و«تولستوي»، ~~لكنه في القصة القصيرة علم يعترف له العالم كله بقدرته في هذا المجال، فهو في الروسيا ~~شبيه جدا ب «موباسان» في فرنسا، وهو أيضا - مثل موباسان - لم تمهله الحياة أكثر من ~~أربعة وأربعين عاما. # القسم الخامس # | الأدب الأمريكي في القرن التاسع عشر # لعلك تعلم أن القرن السابع عشر في إنجلترا كانت قد طغت عليه موجة من التزمت الديني، ~~كان من آثارها ثورة «كرمول» وقتل الملك شارل الأول. ثم ذهبت عن إنجلترا هذه الموجة ~~لتطغى في مكانها موجة مضادة في القرن الثامن عشر؛ موجة تغلب عليها السخرية من الجمود ~~الديني، وإذن فلم يبق في البلاد (إنجلترا) متسع لأعقاب أولئك المتزمتين وكان لا بد لهم ~~من الرحيل إلى بلاد أخرى؛ فرحل كثير منهم إلى أمريكا، وهناك أشاعوا شيئا من روحهم ~~الدينية التي كانت الظروف القائمة في إنجلترا تضطرهم إلى كبتها وكتمانها؛ ولهذا نشأ في ~~تلك البلاد الأمريكية طائفة من الأدباء تعبر عن هذه الروح. ومن بين هؤلاء في القرن ~~التاسع عشر «إمرسن» و«هوتورن» و«لونجفلو» ممن سيأتي ذكرهم بعد، وليس معنى ذلك بالطبع أن ~~كل من حمل القلم في أمريكا في القرن التاسع عشر، كتب مستوحيا روح التزمت الديني ~~والأخلاقي، بل هناك من أدباء العصر المذكور من لا تجد أثرا لمثل هذه الروح في أدبهم، ~~مثل «إدجر ألن بو» و«ويتمان». وفيما يلي عرض مختصر لهؤلاء الأدباء جميعا على اختلاف ms1067 ~~نزعاتهم. # | الأدب الأمريكي في القرن التاسع عشر # (1) رالف وولد إمرسن # Ralph Waldo Emerson ~~(1803-1882م) # ولد في «بوستن» وفي عامه الرابع عشر دخل جامعة «هارفرد»، لكنه فقير لا يملك ما ~~يعينه على سد نفقات عيشه ودرسه، فكان لا يترفع عن العمل كائنا ما كان ليكسب ما يريد من ~~دريهمات، مثال ذلك أنه كان أحيانا يعمل مناولا (جرسونا) في ساعات فراغه، فلما بلغ ~~الخامسة والعشرين نصب قسيسا، لكنه لم يلبث في منصبه ذاك سوى ثلاثة أعوام ثم استقال ~~لأنه أحس في ضميره لذعة؛ إذ كان قسيسا لفرع من فروع العقيدة المسيحية، لا تتفق تمام ~~الاتفاق مع عقيدته، وعندئذ سافر إلى إنجلترا حيث قابل من الأدباء «كولردج» و«وردزورث» ~~و«كارلايل». من ذلك الحين أخذت مجموعات مقالاته الأدبية تصدر واحدة في إثر واحدة، ومن ~~أهمها كتابه عن «الخلق الإنجليزي»، # 1 # على أنه إلى جانب جولاته الموفقة في أدب المقالة، كان شاعرا مجيدا، أحب ~~من الشعراء «شيكسبير» و«دانتي» و«كولردج»، ولم يبهره شيء في سفر «شلي» وقليلا جدا ما ~~كان يقرأ القصص، فكلما حاول أن يقرأ «سيرفانتيز» أو«سكت» أو «جين أوستن» أو «دكنز» - ~~وهم من أعلام الأعلام في الأدب القصصي في العالم أجمع - أخذه الملل ولم يستطع أن يمضي ~~في قراءته. # كان «إمرسن» - كما أسلفنا لك القول - من المتزمتين في الدين والأخلاق، وبهذه الروح ~~كتب ما كتب، وإن القارئ الحديث ليقرؤه اليوم، فيظن أنه كاتب سبح في الهواء ليخاطب ناسا ~~فوق السحاب ولم يقصد بأدبه إلى هؤلاء البشر فوق هذه الأرض، شبهه «ماثيو آرنلد» الناقد ~~الإنجليزي بالإمبراطور الفيلسوف «مرقص أورليوس» وحسبك هذا لتعلم كثيرا عن «إمرسن» ~~ورأيه في الفضيلة والحياة الفاضلة، فما الفضيلة عنده بالأمر الهين، وما الحياة الفاضلة ~~في رأيه إلا طريق ضيق وعر يتطلب من السائر فيه مجهودا، ولأنه يتطلب هذا المجهود كانت ~~له قيمته. # كان «إمرسن» لا يمجد شيئا تمجيده لروح الإنسانية، وهو حين كتب في تمجيدها لم يكن ~~معبرا في حقيقة الأمر عن مذهب ديني بعينه أو عقيدة بذاتها، إنما كان بمثابة الصوت ms1068 ~~الذي لا يكاد ينتسب إلى فرد معين أو يصدر عن جسد معلوم؛ هو في كتابته بمثابة من يعلن ~~لا بمثابة من يؤيد أقواله بالحجة والدليل، ومع تمجيده هذا لروح الإنسان، لم يقل ما هي ~~تلك الروح، ولعله أدرك وآمن أنها «من أمر ربي»: ~~«إن من نسميه عادة بالإنسان؛ الإنسان الذي يأكل ويشرب ويزرع ويحسب، ليس بمثل هذه ~~الجوانب من حياته يمثل نفسه، بل إنه - على نقيض ذلك - يبدي ما لا يمثل نفسه. إننا لا ~~نحترم الإنسان بسبب هذه الأشياء، أما الروح التي إن هو إلا أداة لها، فنحن نجثو لها ~~احتراما إذا ما أبداها الإنسان في فعله. إن الروح إذا ما تنفست خلال عقله فهي ~~العبقرية، وإذا ما تنفست خلال فعله فهي الفضيلة، وإذا ما فاضت في ثنايا عاطفته فهي ~~الحب ... والغاية من كل إصلاح - في هذا الجانب من الحياة أو ذاك - إنما هي أن تأذن للروح ~~أن تلتمس طريقها إلى الظهور خلالنا، أو بعبارة أخرى الغاية من الإصلاح هي أن نتعلم كيف ~~نطيع الروح.» # الروح عند «إمرسن» خير منبر نرتقيه لنعبر عن سر وجودنا ومعناه، هي الحلقة الحقيقية ~~التي تصلنا بالله؛ فلن تبدو الروح في فكر أو عمل إلا كان الإنسان المفكر أو العامل ~~متصلا بالله صلة قوية مكينة «إن أكثر الناس سذاجة، إذا ما عبد الله بما يبديه في شخصه ~~من تماسك خلقي، إنما يصبح جزءا من الله ... إن فكرة الإله إذا ما أشرقت على الإنسان كانت ~~محببة إليه، مريحة لنفسه؛ تعمر له المكان الخلاء، وتمحو من حياته وصمات أخطائه وخيبة ~~رجائه ... إن الإنسان إذا ما مجد الروح وأدرك أنها - كما يقول القدماء - ذات بهاء لا ينفد ... ~~فلن تعود حياته بعدئذ كالثوب المرقع المهلهل، بل سيحيا حياة تمسك أطرافها وحدة ~~إلهية.» # بمثل هذه النغمة الدينية الخلقية التصوفية كان يكتب «إمرسن» لا يحد من أفقه شعائر ~~مذهب معين ولا عقيدة بذاتها. ~~(2) ناثانيل هوثورن # Nathaniel Hawthorne ~~(1804-1864م) # وهذا كاتب آخر، صدر فيما كتب عن روح دينية أخلاقية، كما صنع «إمرسن». ms1069 كتب لأمه ولم ~~يزل صبيا يانعا في المدرسة «لست أريد أن أكون طبيبا لأعيش على أمراض الآخرين، ولا ~~قسيسا لأعيش على خطايا الآخرين، ولا محاميا لأعيش على اختصام الآخرين؛ لذلك لست أرى ~~لي طريقا سوى أن أكون كاتبا.» لكن الكتابة - للأسف - سرعان ما بينت للشاب «هوثورن» ~~حين بدأ يكتب أنها لا تصلح موردا للرزق، إلا إذا كان الكاتب معروفا مشهورا؛ فاشتغل ~~في مناصب سياسية حينا، حتى ظفر بالشهرة المطلوبة للأديب إذا أراد أن يكسب قوته عن طريق ~~أدبه، وإنما ظفر بتلك الشهرة حين أخرج كتابه المشهور «الحرف القرمزي» # 2 # الذي جعل فيه بطل القصة وبطلتها يسلكان سلوكا فيه خرق قليل لقواعد ~~الأخلاق كما يفهمها المتدين المتزمت، فينصب عليهما العقاب جزاء وفاقا بما فعلا؟ وله ~~كذلك «البيت ذو الأسقف السبعة» # 3 # وهي قصة عبر فيها الكاتب عن عقيدته بأن جناية الآباء تنحدر إلى الأبناء، ~~ثم له أيضا قصة «تمثال من المرمر» # 4 # التي كتبها بعد جولة في ربوع أوروبا، وحاول فيها أن يجد ما يرضي نفسه من ~~تحديد الفضيلة والرذيلة، وهو الموضوع الذي شغل ذهنه زمنا طويلا بحكم نزعته الدينية ~~والأخلاقية، ولكنه فيما يظهر ترك المشكلة بغير تحديد. # ولكننا إذا ما وصفنا «هوثورن» بأنه متزمت في الدين، فينبغي أن نضيف إلى هذا الوصف أنه ~~أخذ من ذلك التزمت الديني رصانته دون تخريفه، وكان من مذهبه أن الضمير الإنساني خير هاد ~~في الحياة الخلقية، فقد آمن بصدق ضميره إيمانا لم يرض شعوره الديني والأخلاق فحسب، بل ~~وجد فيه كذلك ما يقنع عقله. ~~(3) هنري وادزورت لونجفلو # Henry Wadsworth Longfellow ~~(1807-1882م) # وهذا شاعر، كان كزميليه الناثرين «إمرسن» و«هوثورن» ينشئ أدبه مدفوعا بالنزعة ~~الدينية، فمن مذهبه أن الفن لا يخلق للفن كما يقولون، إنما الفن وسيلة لغاية، والغاية ~~التي من أجلها كان «لونجفلو» يقرض الشعر هي بث الأخلاق الفاضلة في نفوس قارئيه، الأخلاق ~~الفاضلة كما يفهمها معتنق مذهبه الديني الذي ينزع إلى التقشف وعدم الاسترسال في ~~الشهوة. # كان «لونجفلو» زميل «هوثورن» في الجامعة، إلا أنه ms1070 لم يكد يفرغ من دراسته الجامعية حتى ~~سافر إلى أوروبا حيث أقام ثلاثة أعوام، يدرس في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا، وعاد ~~إلى وطنه أمريكا ثم إلى أوروبا في رحلة ثانية ثم إلى وطنه مرة أخرى، وهنا عين أستاذا ~~في جامعة «هارفرد » حيث ظل في كرسي الأستاذية ثمانية عشر عاما. # كان شاعرنا طيب القلب بحيث تبدو طيبة قلبه في صورة السذاجة التي لا تعرف تعقيد الحياة ~~والالتواء في التفكير وفي معاملة الناس؛ ولذلك مضت أعوام حياته مطردة متشابهة ليس فيها ~~حوادث ضخام ولا انقلابات مفاجئة، وربما كانت أبرز حادثة في حياته كلها موت زوجته ~~الثانية محروقة بعد أن ماتت زوجته الأولى إبان رحلته الثانية في أوروبا. كان يقرض الشعر ~~ليعلم قارئه قبل أن يمتعه، فإذا ما قرأت شعره راعتك فيه قوة الإيمان: # ليس هناك موت! وما يبدو موتا إن هو إلا انتقال، # هذه الحياة المعدودة الأنفاس # إن هي إلا ضاحية من حياة الخلود # التي أطلقنا على مدخلها اسم «الموت». # ولهذه البساطة في خلقه وهذا الإيمان القوي في نفسه، ظفر شعره بإعجاب الكثرة الغالبة ~~ممن يضعون قوة الإيمان فوق كل اعتبار آخر. ومن أشعاره ما له ذيوع بين الناس لا يكاد ~~يدانيه في ذلك شاعر آخر، ومن أشهر شعره دورانا على الألسنة هذه الأبيات: # حيوات عظماء الرجال تذكير لنا # إنا نستطيع السمو بحياتنا فوق القنن، # حتى إذا ما رحلنا تركنا خلفنا # آثار أقدام على رمال الزمن؛ ~~••• # آثار أقدام ربما رآها بعدنا آخر # أخ لنا، تحطمت به السفين وهو وحيد # إذ هو بحر الحياة يمخر، # فبعد يأس يعود إليه الرجاء وهو بعيد؛ ~~••• # فلننهض إذن ولنكن عاملين # بعزم لا ينثني أمام القدر، # فما ننفك منتجين وما ننفك مجاهدين، # وليكن جهادنا جهاد الذي صبر. ~~(4) إدجر ألن بو # Edgar allan Poe ~~(1809-1849م) # ولد «بو» في مدينة «بوستن» لأبوين يشتغلان بالتمثيل، حدث لهما أن افترقا، فأوصت الأم ~~بأبنائها الثلاثة من تولى تنشيئهم. وكان أن اختار أديبنا «بو» وهو لم يزل من عمره في ~~عامه الثاني تاجر غني ms1071 تعهد برعايته، وجاء به متبنيه إلى إنجلترا مدى خمسة أعوام - بين ~~سنته السادسة وسنته الحادية عشرة - فتلقى تعليمه الأول في إنجلترا، ثم دخل جامعة ~~«فرجينيا» وعمره سبعة عشر عاما، حيث تعلم شيئين أثرا في حياته المقبلة كلها، تعلم ~~الآداب القديمة من أساتذته، وتعلم المقامرة من بعض زملائه. وتراكم عليه الدين نتيجة ~~لهذه المقامرة، ورفض متبنيه ذات مرة أن يدفع عنه هذا الدين؛ فتركه «بو» وذهب إلى مسقط ~~رأسه «بوستن»، لكنه لم يلبث أن استأنف صلة الود مع متبنيه، والتحق بالمدرسة الحربية، مع ~~أنه كان أبعد إنسان عن النظام الحربي، فلم يطق قط ما فرض عليه من نظام هناك، ولم يسعه ~~سوى أن يهمل واجباته إهمالا اضطر أولي الأمر إلى طرده، فجاء هذا عاملا جديدا من ~~عوامل الشقاق بينه وبين متبنيه، ثم جاء آخر العوامل في ذلك الشقاق حين تزوج التاجر من ~~سيدة أخرى بعد موت زوجته الأولى، فلم توافق هذه الزوجة الجديدة على أن يقيم «بو» معهما ~~في المنزل، لأنه - في رأيها - مصدر شغب لم ينقطع. # يحتل «بو» في الأدب مكانا فريدا، لتفرده في خصائصه، فهو منشئ «القصة البوليسية» وهو ~~- فوق ذلك - من جعل من الحوادث المفزعة موضوعا للفن الأدبي على نحو لا يجاريه فيه أديب ~~آخر. وهو في رواية القصة يتبع أسلوبين مختلفين أتم الاختلاف، أما أحدهما فهو أن يخلق ~~جوا من الفزع الذي ترتعد له فرائص القارئ، بحيث يحس هذا القارئ وكأنه في كابوس ~~مخيف، وللكاتب في ذلك فن عجيب، إذ تراه يثير فيك الخوف شيئا فشيئا، كأنما هو يحرك فيك ~~عصبا بعد عصب، حتى إذا ما أحاط بك الوهم من كل جانب فاجأك مثلا بأن الشخص الذي حكى ~~لك عنه أنه قتل أو أحرق، لا يزال حيا، هو الذي تسمع خطواته سائرا أمام باب ~~غرفتك! ومن خير ما تقرؤه له نموذجا لهذا الضرب من أدبه قصة «انهيار بيت أشر». # 5 # وأما ثاني الأسلوبين فهو أن يلتزم الكاتب الصدق والواقع؛ وخصوصا فيما كتب من «قصص ~~بوليسية» حيث أبدى ms1072 براعة ليس بعدها مزيد لمستزيد في حبكة العقدة، فترى الحوادث متساوقة ~~مترابطة تأخذ عليك انتباهك، فتظل تقرأ وتقرأ ولم يعد لديك وعي بالزمن ومروره حتى تفرغ ~~من تلاوة القصة؛ ومن أمثلة هذا النوع قصة «الجرائم في شارع مورج» # 6 # التي جعل فيها القاتل قردا، وقصة «الخطاب المسروق » # 7 # التي دارت حوادثها على أن خطابا سرق مع أن الخطاب موضوع في مكان ظاهر من ~~المكان الخاص بالخطابات. وغيرها. # و«إدجر ألن بو» شاعر فوق أنه قصاص؛ تراه في شعره - كما هو في قصته - يحلم ويتيه في ~~خيال عجيب، خذ مثلا من شعره قصيدة «أرض الأحلام»: # في طريق مظلم موحش # لا يسكنه إلا الشياطين، # وبينها شيطان يسمي «الليل» # على عرش أسود جلس وتربع؛ # وصلت هذه الأرض منذ قريب؛ ~~••• # وديان بغير قاع وغمر من الماء ليس له حدود، # وشقوق في الصخر وكهوف وغابات # يستحيل على عين أن تتبين شكلها؛ # لما تساقط منها من قطرات الندى، # والجبال سامقة شامخا وراء شامخ، # موغلة في بحار ليس لها شطآن، # بحار تعلو بصدرها في قلق، # جياشة بموجها في سماء من لهب، # وبحيرات ساح ماؤها إلى غير نهاية، # مياهها موحشة - موحشة وميتة - # مياهها ساكنة؛ ساكنة وباردة # بما تدلى فوقها من سوسن كأنه رقائق الثلج، # إزاء البحيرات التي هكذا امتدت # بمياهها الموحشة، الموحشة الميتة، # بمياهها الكئيبة، الكئيبة الباردة، # بما تدلى فوقها من سوسن كأنه رقائق الثلج، # إزاء الجبال، وقرب النهر # الذي غمغم في صوت خفيض، غمغم منذ الأزل، # إزاء الغابات الشهباء، وجوار المستنقع # الذي سكنه الضفدع والورل، # جوار البرك الآسنة # حيث تسكن الغيلان، # في بقاع هي من بقاع الأرض أبشعها، # وفي مغاور هي من كهوف الأرض أتعسها، # هنالك بهت الرحالة إذ هو في الطريق، # وعاودته ذكريات عهد غبر، # ذكريات لفت كل واحدة منها نفسها في ثوب، # ومضت كأنها الأشباح متنهدة فازعة، # مضت إلى جوار الرحالة واحدة بعد أخرى، # هي أشباح أصدقاء أسلمناهم منذ عهد بعيد، # أسلمناهم في أسى للأرض، وللسماء. # ومات «بو» ميتة يحوطها الغموض؛ فإنه يروى أن حادثة وقعت ms1073 له أثناء السفر، فبقي في ~~مدينة «بلتيمور» أياما بسببها. وحدث أنه شرب ذات مساء حتى غاب عنه صوابه، ثم تصادف ~~أنها كانت ليلة انتخاب، فتفكه به رجال الأحزاب المختلفة إذ وجدوه هائما على وجهه في ~~الطرقات لا يعي، وأخذوه إلى أحد عشر مركزا انتخابيا في المدينة ليدلي بصوته فيها ~~جميعا، ثم خلفوه ملقى على مقعد في الطريق حتى صادفه من كان يعرفه، ونقله إلى المستشفى. ~~وقد اعترف الطبيب الذي عالجه، اعترف بعد خمس وعشرين سنة! بأنه حين تلقى «بو» مريضا ~~لم يجد فيه أثرا من آثار الخمر؛ وإذن فماذا كانت علته، وكيف مات؟ أراد القدر لهذا ~~الرجل الذي عاش حياة يكتنفها الغموض أن يموت كذلك في جو من الغموض. ~~(5) وولت ويتمان # Walt Whitman ~~(1819-1892م) # أبوه فلاح ونجار، وأجداده خليط من إنجليز وهولنديين، بعضهم كان يشتغل بالفلاحة وبعضهم ~~بالملاحة، فورث عنهم الشاعر حب الماء وحب الهواء، فليس أحب لديه من البحر ومن مكان ~~هواؤه طليق. لم يكد يشب حتى أخذ يكسب قوته بعمله، فكان أول أمره حاجبا يرسله مخدومه ~~لقضاء التوافه من الأمور، ثم اشتغل بعد ذلك طابعا، فمعلما، فصحفيا، وأخيرا شغل ~~نفسه بتجارة العقار إلى جانب اشتغاله بالصحافة. ولما أن بلغ عامه السادس والثلاثين نشر ~~ديوانه الذي أطلق عليه «حشائش» # 8 # والذي قال عنه «إمرسن» حين صدوره «إنه أروع ما أنتجته أمريكا حتى اليوم ~~في فطنته وحكمته.» ثم نشبت الحرب الأهلية في أمريكا، واشتغل «ويتمان» بالتمريض في أحد ~~المستشفيات، وأصدر خلال ذلك ديوانا آخر عن تجاربه في تلك الأعوام، أسماه «دقات الطبل»؛ # 9 # فلما وضعت الحرب الأهلية أوزارها، استقر في واشنطن عاملا في إحدى وظائف ~~الدولة، حتى أصابه الشلل وهو في الرابعة والخمسين، ومات بعد ذلك بنحو عشرين ~~عاما. ~~«ويتمان» من الشعراء الذين قضوا حياتهم كلها لا يغني في شعره إلا بخواطر نفسه، ففي ~~كل سطر خطه قلمه يعبر الشاعر عن نفسه ويكشف عما يجيش فيها، فهو يقول عن شعره إذ يقدمه ~~لقرائه: «ليس هذا كتابا؛ إذا ما لمس هذه ms1074 الصحائف لامس فإنه إنما يلمس رجلا.» # وقد عاش «ويتمان» عيش الشاعر الحر الطليق من قيود الدنيا، فهو لا يعبأ من شئون الدنيا ~~بما يعبأ به غيره فيخضع نفسه لأصفادها، وهو لا يستعبد نفسه للتقاليد التي تستعبد سواه ~~عن ضيق في النظر أو ضعف في الرجولة وهزال في الشخصية، وهو لا يحب نفسه الحب الذي ~~ينسيه كل شيء عداها والذي يجعله يتكالب على هذه وتلك من سفاسف الأشياء، وهو على ~~الجملة مغتبط بالحياة لذاتها، راض بما تتضمنه الحياة من متعة يحسها كل ذي حس مرهف. إن ~~«ويتمان» إذ أحب نفسه فإنما أحبها لأنه أحب الحياة، والحياة التي أحبها لم تكن الحياة ~~المرهفة الناعمة التي يدميها لمس الحرير، لكنها الحياة الخشنة المجاهدة العاملة التي ~~تسيل بالعرق، حياة العضلات المفتولة والجسم الصليب، وإنه إذا ما أحب نفسه لحبه للحياة، ~~فكذلك أحب بالتبع سواه من أفراد الإنسان لأنهم كذلك أحياء. لقد أحب «ويتمان» إخوانه في ~~الإنسانية حبا لا يكاد ينافسه فيه شاعر آخر، لا بل إنه أحب كل حي على وجه الأرض ~~إنسانا كان أو حيوانا أو نباتا، حسبه أن الشيء حي ليقدسه لأن الحياة التي تسري فيه ~~شيء مقدس؛ فهو بمثابة الرجل صاح بشعره في وجه العالم قائلا: إنه لا أمل للدنيا بغير ~~الحب. وليس حبه للحياة وللإنسان قاصرا على ما يتمثل في الحياة والإنسان من عقل وروح، ~~بل إنه ليحب كذلك هذا الجسد الحي نفسه لأنه جسد، لأنه غاية في ذاته لا لأنه أداة تخدم ~~الروح التي تحل فيه، وهو في مجموعة من أشعاره أطلق عليها «أبناء آدم» # 10 # تراه يمجد لذائذ الجسم في صراحة قد يدهش لها الأخلاقي الذي لا يفهم وجهة ~~نظر الشاعر. فشاعرنا ليس يدعو إلى مجون وانغماس في الشهوة حين يدعو إلى لذة الجسد، بل ~~هو يمجد الحياة الشعرية الطبيعية التي لا شذوذ فيها، فلو أمعنت في شهوة الجسد فأنت شاذ، ~~ولو أمعنت في حرمان الجسد فأنت شاذ كذلك، ولم يخلق جسدك لهذا أو ذاك، إنما خلق لحياة ms1075 ~~معتدلة، وفي هذا الاعتدال جمال وجلال. # ومن شعره: # إليك أيها الديمقراطية # تعالي، فسأجعل البلاد وحدة لا تنفصم عراها، # سأجعل أشرف من سطعت عليه الشمس من أمم البشر، # سأجعل البلاد إلهية في بهائها فاتنة بسحرها، # سأصنع كل هذا بحب الإنسان للإنسان، # بحب يدوم مدى الحياة بين الإنسان والإنسان، ~~••• # سأبث الإخاء على شطآن الأنهار في أمريكا كأنه الشجر الكثيف، # وعلى شطآن البحيرات العظمى، وفي أرجاء السهول، # وسأجعل من المدائن وحدة، إذ تعانق كل مدينة أختها بالذراعين، # سأصنع كل هذا بحب الإنسان للإنسان، # بحب فيه معاني الرجولة بين الإنسان والإنسان. # هذه هبات مني إليك أيتها الديمقراطية، لأكون معينك يا معشوقتي، # في سبيلك، في سبيلك أنت أغني ما أغني من أناشيدي # ومن قصيدة له في رثاء الرئيس «لنكولن»: # أقبل أيها الموت الجميل المريح، # در بموجك حول الأرض، ثم أقبل، أقبل رصينا، # أقبل في النهار، أقبل في المساء، أقبل على الجميع، على كل فرد من الجميع، # أقبل عاجلا أو آجلا أيها الموت الرقيق، ~~••• # لك هذا الكون الذي ليس لخضمه قاع! # لك هذا الكون لما فيه من حياة ومن غبطة، وما فيه من كائنات ومن علم، # ثم لله هذا الكون لما فيه من حب، حب جميل؛ لكن الثناء على الكون؛ # الثناء، الثناء! # لما فيه من «موت» إذ يطوقنا بذراعيه، ويلفنا ببرده! ~~••• # يا أمنا السوداء التي ما تنفك على مقربة منا سائرة في غير صوت، على قدمين طريتين؛ # ألم يغن لك شاعر أغنية الترحيب الذي لا يشوبه اكتئاب؟ # إذن فلأغنها لك، إني لأمجدك بما لست أمجد به شيئا آخر، # سأغني لك أغنية حتى إذا ما جئتني - وإنك لآتية - جئتني في غير ارتياب. ~~••• # لك يا موت الليل الصامت تحت منثور النجوم # وشط المحيط، والموجة التي أعرفها بهمسها الأبح، # والروح إذ تعود إليك، يا أيهذا «الموت» الفسيح الذي قنع وجهه فأحكم القناع، # ثم لك الجسد إذ يثوي في حضنك معترفا لك بالجميل. ~~••• # سأغنيك يا موت أغنية أرسلها من أعالي الشجر، # سأرسلها فوق الموج الصاعد الهابط، فوق متلاحق الحقول وفسيح ms1076 السهول؛ # فوق المدائن المزدحمة بآهليها، والطرق التي تموج بالسائرين، # سأرسل إليك أغنيتي، في نشوة، في نشوة، أيهذا «الموت». ~~(6) هاريت بيتشر ستو # Harriet Beecher stowe ~~(1811-1896م) # هذه سيدة نبغت في القصة، وكان موضع نبوغها قصة «مقصورة العم تم» # 11 # التي يكاد يستحيل أن تجد من لم يقرأها بين من يقرءون القصة، والتي كادت ~~تترجم إلى لغات الأرض جميعا، والتي قرأتها عند صدورها القصصية الفرنسية «جورج سان» ~~فامتدحتها وعرفت لها قدرها العظيم. # ولدت «هاريت» لأب قسيس، وبدرت فيها بوادر النبوغ وهي لم تزل في سن مبكرة؛ فهي في ~~عامها الحادي عشر كتبت مقالا تجيب به عن هذا السؤال: هل يمكن أن نهتدي بظواهر الطبيعة ~~في البرهنة على خلود الروح؟ ثم عقبت على هذه المقالة بمأساة منظومة. ولما كانت الفتاة ~~في سن الحادية والعشرين، انتقل أبوها مصطحبا معه أسرته إلى بلد يدعى «سنسناتي» على ~~الحدود بين الشمال والجنوب من الولايات المتحدة، فكانت هذه فرصة للأديبة أن ترى بعيني ~~رأسها حالة العبيد في القسم الجنوبي، ولو أنها لم تر من ذلك إلا مثلا لا يوضح حالة ~~العبيد في أبشع صورها، لكنها تحركت لما رأت. وتزوجت «هاريت» وهي في الخامسة والعشرين، ~~وبعد زواجها بخمسة عشر عاما كتبت قصتها العظيمة الخالدة «مقصورة العم تم». وما يجدر ~~ذكره لطرافته، أن الكاتبة بدأت قصتها بفصل عن موت «العم تم»، وقبل أن تمضي في إنشاء ~~قصتها قرأت ذلك الفصل على أطفالها، فبكى الأطفال بكاء مرا لما سمعوا! مضت الأم تكتب ~~قصة «العم تم» فصلا فصلا، وكلما فرغت من فصل نشرته؛ فلم تلفت قصتها الأنظار إبان ~~نشرها على حلقات، لكنها لم تكد تجمع في كتاب حتى طار ذكرها في الآفاق، وعدت من فورها ~~بين أعظم من أنشأ القصة من أدباء العالمين. وكتبت «هاريت» غير هذه القصة قصصا أخرى، ~~لكنها لا تذكر إلا بها، ولم تخلد إلا بها، ولعلها لم تنبغ إلا بها. وماذا أنت قائل في ~~قصة تكون بين العوامل التي حركت الناس إلى حرب أهلية محورها حالة العبيد في ms1077 القسم ~~الجنوبي من الولايات المتحدة؟ ماذا أنت قائل في قصة تصادف أشد إعجاب لدى كاتبة مثل ~~«جورج سان»، وتقبل على قراءتها في شغف الملكة فيكتوريا؟ لا نريد أن الأدب تقاس عظمته بمن ~~يقرءونه من ملوك الأرض وملكاته، ولكنا نريد أن الأثر الأدبي إذا ارتج بصداه العالم حتى ~~بلغ الصدى آذان الرءوس المتوجة، فلا بد أن يكون أثرا أدبيا له مكانته. ~~(7) هنري ديفد ثورو # Henry David Thoreau ~~(1817-1862م) ~~«ثورو» كاتب مزج نفسه بالحيوان مزجا، وكتب عن الحيوان كتابة الصديق عن أصدقائه. لقد ~~عاش في الريف، وقضى شطرا عظيما من حياته في غابة مجاورة لقريته، ثم كتب عن الريف وعن ~~الغابة، فجاءت كتابته شاهدا على ملاحظة دقيقة وحس مرهف وقلب نابض بالإنسانية الحية ~~الرفيعة. ثم هو فوق ذلك رجل له فلسفته في الحياة ورأيه في الإنسان، وبهذه الفلسفة وهذا ~~الرأي استحق «ثورو» أن يخلد بين قادة الفكر. إن كل كائن حي له عنده احترام، بل له توقير ~~وتقديس، فالكائنات الحية كلها أفراد أسرة واحدة، هم زملاء في هذه الحياة، هم شركاء في ~~الروح. وليس عجيبا - إذن - ما يروى عن «ثورو» أنه كان يذهب إلى الغابة فيطمئن له ~~الحيوان ولا يبدي علامات الذعر التي يبديها عادة في حضرة الإنسان. إنه إذا حط على كتفه ~~عصفور سمعته يقول: إن هذا العصفور على كتفي لأشرف لي من وسام ذهبي أزخرف به ~~سترتي! # وينطوي «ثورو» على نفسه ليدرسها، فيجد في ذلك أيضا متعة لا تنقضي، لا بل يراه واجبا ~~مفروضا على الإنسان أن يدرس روح الإنسان متمثلة في روحه هو، وعقل الإنسان مصورا في ~~عقله هو. إن أفراد الإنسان جميعا نسخ من أصل واحد فأعجب العجب أن يكون عندك كتاب لم ~~تقرأه، ثم تذهب إلى جارك لتستعير منه نسخة من الكتاب نفسه! كثير من الناس يدرسون ~~الإنسان فيمن حولهم من الناس، تاركين نفوسهم، وفي نفوسهم الكفاية لو استطاعوا أن يبلغوا ~~أغوارها. فأديبنا «ثورو» حين أراد أن يدرس الإنسان وعقله وروحه، أراد أن يدرس «هنري ~~ديفد ثورو»؛ ms1078 أراد أن يدرس نفسه. # أقام «ثورو» عامين في غابة «وولدن» # 12 # وسجل ملاحظاته عن الحيوان في كتاب هو الذي يعرف به في دولة الأدب، وأطلق ~~على الكتاب اسم الغابة، وهو كتاب يعد بين أمهات الكتب في العالم. ~~(8) وشنطن إيرفنج # Washington Irving ~~(1783-1859م) # لئن قيل لك إن الأدب الأمريكي يتميز من سائر الآداب بخصيصة في فكاهته، فاعلم أن مبدع ~~هذه الروح فيه هو «وشنطن إيرفنج» الذي يعرف بقصة قصيرة له تسمى «رب فان ونكل» # 13 # أظهر فيها كل نبوغه الأدبي، وقد تبعه كثيرون من أدباء أمريكا في فكاهته ~~وفنه، لكنهم كانوا يجولون بتلك الفكاهة في محيط بلدهم بحيث تصادف الإعجاب عند مواطنيهم ~~ولا تهز بالابتسام قارئا خارج أرضهم، أما «إيرفنج» فلمسته إنسانية عالمية يحسها قلب ~~الإنسان أنى كان، ولقد قيل إن «سير وولتر سكت» قرأ قصة «إيرفنج» «رب فان ونكل» ~~فأغرق في الضحك حتى كاد ينشق من الضحك جنباه. # وخلاصة هذه القصة القصيرة المشهورة أن «رب» ذهب إلى الجبل ذات يوم فالتقى في أحد ~~الكهوف بجماعة من الشياطين تلعب وتشرب، وأذاقوه من خمرهم فنام عشرين سنة، حتى إذا ما ~~عاد وجد وجه البلد قد تغير وأنكره الناس إلا رجلا واحدا. هذا هو الإطار الذي قص ~~فيه الكاتب قصته، فصور وتفكه، وكان بديعا في تصويره، رائعا في فكاهته. # وقد بلغ «إيرفنج» قمة نجاحه الأدبي وهو في السادسة والعشرين من عمره، ثم أنفق بعد ذلك ~~عشر سنوات في التجارة، انتهت بإفلاسه، فعاد إلى حظيرة الأدب معتزما ألا يهجرها إلى ~~سواها، وأخرج «كتاب الصور»، # 14 # أخرجه منجما على أقسام، خلال عامين؛ وسرعان ما ذاع ذكره أيضا في ~~أوروبا. وكأنما وضع «إيرفنج» بما أنشأه نموذجا لمن جاء بعده من الأدباء في أمريكا ~~يحتذونه، فقد كانت الصورة الأدبية دائما واحدة عند الجميع: يصور الأديب شخصا له ~~علاماته المميزة وقسماته الفريدة، ثم ينطقه بما يريد له أن ينطق في نقد هذا الجانب أو ~~ذاك من جوانب الحياة، في نوع من الفكاهة خاص لا تكاد تخطئه لما فيه ms1079 من تهكم لا يتوخى ~~رقة اللمس ولا يبالي إن جاءت ضربته قاسية غليظة. ~~(9) مارك توين # Mark Twain ~~(1835-1910م) # هو أعظم الأدباء الناثرين في أمريكا في القرن التاسع عشر، تجمعت فيه كل خصائص النثر ~~الأمريكي التي ظهرت في أسلافه من الأدباء، خصوصا روح الفكاهة، اسمه الحقيقي هو ~~«صموئيل لانجهورن كلمنز # Samuel Langhorne Clemens ~~» لكنه حين كان في عامه السابع عشر اشتغل ~~ربانا لسفينة تجارية في نهر المسسبي، ومن عادة الربان أن يقيس عمق الماء بين آونة ~~وأخرى، ويصيح لأحد البحارة قائلا - مثلا - «علم على واحد» «علم على اثنين» «علم على ~~ثلاثة» وهكذا، ومن هذه الصيحات اشتق اسمه الذي اشتهر به، ف «مارك توين» معناها ~~الحرفي «علم على اثنين». # نقول إن «مارك توين» أبرز في أدبه صفة التفكه التي عرف بها الأدباء الأمريكيون؛ ~~التفكه الجاف يقوله رجل خبر الدنيا ولم ينعزل عن الحياة في برج من العاج، رجل خبر ~~الحياة كما يحياها الناس فيلمح فيها ما يثير الابتسام، فلا يمتنع عن الضحك من غفلة ~~الناس وغفلته معهم، وقد استعاد بذاكرته كل تجاربه في صدر حياته، فاستمدها كثيرا من ~~مادة أدبه، وأضاف إليها ما خلقه خياله. ومن أول إنتاجه «أمريكي في بلاط الملك أرثر» # 15 # والملك أرثر - كما علمت في الجزء الأول من هذا الكتاب - ملك أسطوري في ~~العصور الوسطى، كانت تنسج حول شخصيته القصص عن فرسان تلك العصور وشهامتهم في القتال ~~دفاعا عن الضعفاء ومن إليهم ممن يحتاج إلى معونتهم، فتخيل «مارك توين» أن أمريكيا ~~حديثا، بعقلية الأمريكي ونظراته وآرائه، قد عاش في بلاط الملك أرثر وفرسانه، ثم اتخذها ~~الكاتب فرصة ليزيل عن ذلك العهد ما نسج حوله من أوهام جعلته يبدو عهدا لامعا براقا، ~~وهو في حقيقته عصر تعس وشقاء. # على أن شهرته ترتكز على كتابين غير هذا، هما «الضفدعة الوثابة» # 16 # و«السذج في الخارج» # 17 # وهما كذلك مزيج من حقائق الحياة وخيال الكاتب. على أن الحقائق نفسها كانت ~~تمط بخياله حتى تبدو على صورة مثيرة للضحك، خذ مثالا لذلك أنه ms1080 حين كان في مدينة دلهي ~~بالهند دخل غرفته قردان، هذه حقيقة، فلما سجلها في أدبه، سجلها على هذه الصورة: «ولما ~~استيقظت من نومي وجدت أحد القردين أمام المرآة يسوي شعره بالفرجون، ووجدت الآخر قد أمسك ~~بكراسة مذكراتي يقرأ فيها صفحة فكاهية، لكنه يبكي لقراءتها؛ فلم يعنني القرد الذي ~~يسوي شعره بالفرجون، لكن سلوك القرد الثاني أساء إلى نفسي أيما إساءة، ولا أزال حتى ~~اليوم أشعر بأثر تلك الإساءة.» # وللكاتب كذلك «تم سوير» و«هكلبري فن» وفي كل منها يصور صبيا له مميزاته ~~الخاصة التي تجعله فردا له سماته وقسماته. وهاتان الصورتان من أهم ما يذكر في آداب ~~العالم إذا ما ذكرت صور الغلمان التي خلقها خيال الأدباء، وقد استمد الكاتب شخصية ~~«هكلبري» من غلام في الواقع كان يتيما وتشرد في الطرق والغابات. وقد حكى «مارك توين» ~~كثيرا جدا من تجاربه الشخصية وهو في غلومته إذ قص لنا عن حياة «هكلبري»، وأما الصبي ~~الآخر الذي صوره نعني «تم سوير» فقد جاء في الحقيقة مؤلفا من ثلاثة جوانب ~~استمدها الأديب من ثلاثة غلمان، وجمعها هو بخياله في شخصية واحدة، وهنا كذلك سجل «مارك ~~توين» كثيرا من تجاربه وتجارب زملائه في المدرسة في مثل هذه السن. # القسم السادس # | الأدب العربي في القرن التاسع عشر # في رأيي أن كل أدب كغدير الماء، إذا لم تمده من حين لآخر بماء جديد تعفن وأنتن، ~~وكالأسرة الكبيرة إذا ظل أفرادها يتزاوجون فيما بينهم هزلوا وذبلوا وشاعت فيهم الأمراض ~~ما لم يتزاوجوا من غيرهم. وله عمر كعمر الفرد: صبا، فشباب، فكهولة، فشيخوخة، ولكنه يمثل ~~الدور ثانية في بنيه ولا يكون ذلك إلا بالتزاوج. # هذا في نظري تاريخ كل أدب؛ شرقي أو غربي. فإن نحن نظرنا إلى الأدب العربي وجدنا أن ~~الأدب الجاهلي وامتداده في العصر الإسلامي بدأ يركد، حتى امتزجت الأمة العربية بغيرها ~~من الفرس والروم والهند وغيرهم، وامتزجت الثقافة العربية بالثقافة الفارسية وبالثقافة ~~الهندية وبالثقافة اليونانية، فبدأ الأدب العربي يحيا حياة جديدة ظهر أثرها في مثل ~~الجاحظ وتأليفه ms1081 في العصر الإسلامي. # وقد يبدو غريبا أن أقول إن الأدب العربي قد ركد قبيل هذا الامتزاج مع ما عرف عنه من ~~جزالة اللفظ وجودة السبك وفصاحة اللسان، ولكن مظهر الركود في نظري كان قلة المعاني ~~الجديدة، وتكرار المعاني القديمة، واقتصار الأدب على الأقوال المأثورة، في الموضوعات ~~الموروثة، حتى طلع الجاحظ وأمثاله بموضوعات جديدة ومعان جديدة وأساليب جديدة، فكان هذا ~~هو التجديد الذي أتى به الامتزاج الجديد، ونشأ عنه العودة إلى الشباب بعد ~~الشيخوخة. # ثم صار هذا الجديد قديما، وركد ماء الغدير لما انقطع المدد وأصبح الشباب هرما؛ ذلك ~~أن الشرق بعد الحروب الصليبية أغلق على نفسه وضعف اتصاله بالغرب ولم يكد يعلم شيئا ~~مما يجري في أوروبا. نعم كان هناك قناصل للدول وتجار أجانب ولكن هؤلاء كانوا يعيشون في ~~شبه عزلة، ولا تشعر الشعوب الشرقية بهم وخاصة من الناحية الثقافية، ولما بدأ الغرب في ~~القرن الخامس عشر والسادس عشر يضع أساس نهضته في العلوم والفنون والسياسة والاجتماع ~~والاقتصاد وغير ذلك مما غير وجه حياته تغييرا تاما لم يصل إلى الشرق شيء منها ولم ~~يشعر بها، واستمر في دائرته المغلقة يقلد حياة الشرق الأولى من غير روح، ويعيش على ~~الثقافة القديمة بعد أن صارت تماثيل. # في الغرب كان بدء النهضة والثورة على القديم، وبناء أسس جديدة لحياة جديدة، وتحكيم ~~العقل فيما يعرض من مشاكل، وتحرير العواطف من كثير من القيود، ووضع كل قضية موضع البحث ~~والتجربة. وفي الشرق كان الجمود وظلم الحكام مع الاستكانة من الشعب، وترف الأمراء مع ~~فقر الشعب؛ كان الشرق والغرب يسيران متحاذيين ولكن اختلف فيما بعد اتجاههما، فسار ~~الغرب إلى الأمام وسار الشرق إلى الوراء، وتنبه الغرب فطالب حكامه الظالمين بتحقيق ~~العدل، واستنام الشرق على الظلم راميا عبئه على القدر. # وأصاب الأدب من ذلك ما أصاب سائر مناحي الحياة، فقد كان من أكبر أسباب النهضة الأدبية ~~الأوروبية التفاتهم إلى وجوب الاستمتاع بالحياة الدنيا ونعيمها، بعد أن كان المثل ~~الأعلى هو الزهد والانقطاع للحياة الأخرى، وعلى هذا الاتجاه ms1082 سار الأدب يقوم الحياة ~~الدنيا ونعيمها تقويما كبيرا في القصص وسائر أنواع الأدب. ثم من المظاهر الجديدة ~~التي كانت عندهم في الأدب ثورتهم على الفوارق بين الطبقات، فبعد أن كانت الروايات إنما ~~تتعرض لوصف الحياة الأرستقراطية فإذا عرضت لحياة الطبقة الوسطى أو الدنيا فلإضحاك ~~الطبقة العليا؛ ثار الأدباء على هذه الأوضاع وصار كوخ الفلاح موضوعا للأدب كبلاط ~~الملوك، واستمدت المآسي والملاهي موضوعاتها من الحياة المألوفة عند أوساط الناس ~~وفقرائهم. # ومظهر آخر في الأدب الغربي هو استنزال الأدب إلى عالم الواقع، فالقطعة الأدبية صارت ~~تقوم بمحصولها الفكري لا بجمالها الفني وحده، وعد من الأدب الرسائل السياسية والمقالات ~~الاجتماعية. # وفي الشرق كان الأدب حائرا بين الزلفى إلى الأغنياء والكبراء في المديح أو الترفع عن ~~ذلك إلى الانصراف للحياة الأخرى بإنتاج الأدب الديني في المدائح النبوية وغيرها، أما ~~الأدب الدنيوي الذي يصور حياة الشعوب ويعرض للمسائل الاجتماعية والسياسية ويفتح ~~آفاقا جديدة فلم يكن إلا في القليل النادر؛ ولذلك أنتجت النهضة الأوروبية أدب شكسبير ~~وراسين وجوته وأمثالهم، في حين أنتجت الحياة الشرقية أدبا يعنى بأنواع البديع كابن حجة ~~الحموي، أو أدبا يعنى بمدح الأمراء كالأرتقيات لصفي الدين الحلي، أو أدبا يعنى ~~بالناحية الدينية كالهمزية والبردة للبوصيري. أما الأدب الذي يمثل الشعب في بؤسه ~~والحكام في ظلمهم أو الذي ينفخ في الأمة روح الثورة على الظالمين، أو الأدب الذي ~~يدعو إلى أن يتبوأ الشعب مكانته فقلما نظفر به إذا استثنينا ابن خلدون، وقليلا من ~~أمثاله. # ومع هذا كله كانت مصر بعد سقوط بغداد في يد التتار أقوى الضعفاء أو أصحى ~~السكارى. ~~••• # وقد صورنا الأدب العربي إلى آخر القرن الثامن عشر راكدا في شعره ونثره، وسائر فنونه، ~~وكان أهم سبب في هذا الضعف هو ضعف الحياة الاجتماعية؛ لأن الأدب مرتبط أشد الارتباط ~~بالحياة؛ فإذا ساءت الحياة الاقتصادية والسياسية ولم ينعم بالحياة إلا الأغنياء، وغرق ~~الشعب كله في البؤس، وعومل معاملة الأنعام؛ كسد الأدب وأصبح طرفة من الطرف التي تقدم ~~للملوك والأمراء، كالجوهرة الكريمة أو القطعة من ms1083 الصناعة الفنية، فإذا دبت الحياة في ~~الأمة، وشعرت بنفسها، وقومت العدل والحرية تقويما صالحا، واستاءت من الظلم، ورفعت ~~صوتها لمحاربته، وطالبت بتحقيق العدل، وقومت مشاعرها في الحب والكره، والعدل والظلم، ~~وقدرت تقديرا صحيحا موقف الحاكم من المحكوم والمحكوم من الحاكم، حيي الأدب، وتجدد في ~~موضوعاته وأساليبه. # وهكذا كان تاريخ الأدب في كل عصر؛ تخمد الحياة الاجتماعية فيخمد، وتحيا فيحيا. # نعم قد تركد الحياة الاجتماعية ولكن ترزق الأمة بأديب كبير، أو فيلسوف كبير، يشعر بما ~~لا يشعر به قومه، ويتجه اتجاها صحيحا حيث يتجه سائر شعبه اتجاها خطأ، فيرفع صوته ~~بالدعوة الصحيحة، وبإيقاظ الشعور القومي، وينادي بالتوجيه جهة غير التي يتجه إليها ~~شعبه، ويتعرض في دعوته هذه إلى الاضطهاد والتسفيه بل والقتل أحيانا، ولكن تحيا فكرته ~~ودعوته، ويتسلمهما خلف له يزيدهما اشتعالا؛ حتى يعما الشعب ويحولا اتجاهه من اتجاه ~~فاسد إلى اتجاه صحيح، ومع الأسف لم يوجد مثل هؤلاء الأفراد الأفذاذ في الشرق في العصور ~~الأخيرة التي أرخنا لها من قبل، وإن وجدوا فصوت أفراد لم يخلفوا مدارس، وأخمدت ~~أنفاسهم وحركاتهم في أسرع وقت ممكن، أو ضاعت دعوتهم في تقاليد الشعب وحالته السيئة التي ~~كان عليها. # ولعل سبب ذلك أن الشرق قد توالى عليه من المظالم ما أفقد الشعب روحه، وأن الحياة في ~~الشرق ورفق الجو الطبيعي وتلطيف العاطفة الدينية لهذه المساوئ بكثرة الأوقاف والإحسان ~~وما إلى ذلك جعل الحصول على القوت الضروري في الشرق أيسر تناولا مما هو في الغرب؛ فكان ~~إذا ارتفعت الدعوة باستثارة الشعور بالظلم على يد أحد المصلحين في الغرب وجدت لها ~~استجابة من الشعب أكثر مما تجد لها في الشرق. # ثم إن الشرق قد توالت عليه محن خارجية من قديم أكثر مما أصاب الغرب فقد ظل أمدا ~~طويلا منكوبا بالغزو الاستعماري؛ مما حرم الأمم عزة استقلالها، وطمأنينة استقرارها، ~~فالظلم الواقع على الشعوب الشرقية لم يكن من حكامها الذين هم منها فقط، بل أسوأ من ~~ذلك ما كان من خارجها، ولم يصب الغرب بمثل هذه المصيبة الطويلة. ms1084 والاستقلال في السياسة ~~يولد الاستقلال في الفكر، والاستقلال في الأدب، وتكوين الشخصيات في سائر أنواع العلوم ~~والفنون. وفقدان الاستقلال السياسي كفيل بضياع أنواع الاستقلال المختلفة علمية كانت أو ~~فنية أو أدبية. ~~••• # وعلى كل فقد ظلت الحياة الأدبية على نحو ما وصفنا إلى أن كانت النهضة الحديثة للشرق ~~قبيل مستهل القرن التاسع عشر. # وترجع أسباب النهضة إلى عوامل مختلفة أهمها: # احتكاك الشرق بالغرب # فالغرب لما قوي سياسيا وفنيا وحربيا اتجه إلى احتلال الشرق واستعماره ~~واستغلاله، وساعد على طمعه في هذا سوء حال المملكة العثمانية، وقد كان الشرق جاهلا كل ~~الجهل بما يجري في الغرب من أساليب سياسية في الحكم وأساليب حربية في الحرب، وعلم وأدب ~~وفن في الحياة الفكرية، على حين كان الغرب عالما بكل ما في الشرق علما واسعا بما يبث ~~من عيون يمدون أممهم بتفاصيل ما يجري في الشرق، ويؤلفون الكتب في آثاره وعاداته ~~وتقاليده، ويضعون التقارير في قواته الحربية، على حين لا يذهب من الشرق إلى الغرب إلا ~~القليل النادر ولمناسبات قوية كسفر إبراهيم بك الكبير؛ أخذه الإنجليز ليقيم في بلادهم ~~فيؤمن بعظمتهم، ثم يتخذونه عونا لهم بمصر في سياستهم، فأقام في إنكلترا نحوا من خمس ~~سنوات، ولكن لم يكن لهذه الحادثة وأمثالها من أثر علمي أو أدبي أو فني؛ فلم يشعر الشرق ~~إذن بقوة الغرب ولم يستفد منها إلا بعد أن فاجأه بالغزو. # شعرت مصر بذلك حين دهمتها الحملة الفرنسية؛ إذ أقبل نابليون سنة 1798م يفتح الإسكندرية، ~~وينتقل منها إلى فتح غيرها من البلاد المصرية في سهولة ويسر. ولم يكن حكم الفرنسيين ~~لمصر حكما صالحا يبعث فيها النهضة إلا ما كان عن طريق غير مباشر من اتصال المصريين ~~بهم ووقوفهم على بعض نواحي تقدمهم واطلاعهم على مخترعاتهم وعلى نتائج بحوث ~~علمائهم. # ولما جاء محمد علي قوى هذا الاتصال بين الشرق والغرب؛ فقد اتخذ إخصائيين من الأوروبيين ~~في نواحي الحياة المختلفة وكان الشعب أكثر إقبالا على الاستفادة منهم، لأن الغرب، ~~وخصوصا الفرنسيين، لم يكونوا حينئذ حكاما مكروهين كما ms1085 كانوا في أيام حملتهم، بل ~~كانوا موظفين مجلوبين لحكومة مصرية وشعب مصري، فاستعان بهم محمد علي في تنظيم الجيش، ~~وفي إنشاء المدارس، وفي أساليب الحكم إلى غير ذلك من نواحي الحياة. # وقد كانت مهمة محمد علي أولا تقوية الجيش وتنظيمه، ولكن هذا الجيش تطلب مطالب في ~~نواحي الحياة الأخرى، فلا بد للجيش مثلا من أطباء؛ فافتتح مدرسة الطب وأشرف عليها علماء ~~من الفرنسيين، غير أن هذا التعليم الطبي باللغة الأجنبية استلزم معربين يعربون للطلبة ~~ما لا يفهمونه من الأساتذة الفرنسيين؛ فكان بدء حركة الترجمة وبدء وضع المصطلحات العلمية ~~باللغة العربية. # ووجد محمد علي أن نقل الأساتذة من فرنسا وغيرها إلى مصر لا يغني الغناء المطلوب، ~~فبدأ يبعث البعوث من المصريين إلى أوروبا. # وأول ما كان ذلك في سنة 1813م، ثم ظل يوالي البعوث بعد ذلك حتى سنة 1826م حيث كان ~~عدد البعثات أكثر من أربعين طالبا، هؤلاء الطلبة رأوا أوروبا على حقيقتها، ولم يقتصروا ~~في تزودهم على العلوم والفنون والآداب، بل أضافوا إلى ذلك ما قد يكون أبعد أثرا وهو ~~دراستهم الحياة الاجتماعية فيها، وتأثرهم بها، فعرفوا أساليب معيشة القوم، وأدركوا ~~أسباب نهوضهم، ورأوا ما يستمتعون به من حرية، وكيف يتعلم النساء والرجال منهم على ~~السواء، وكيف يرقون بالشعوب في الحياة المادية والمعنوية، إلى غير ذلك مما رأوا وعرفوا، ~~فلما عادوا إلى مصر عادوا يحملون مشاعل من نور. # وتجلى ذلك في إقبالهم على الترجمة والتأليف والدعوة إلى الإصلاح وإن كانت دعوة ~~هادئة لينة، وفي كثير من الأحيان متسترة، كالذي نقرؤه في ثنايا مؤلفات رفاعة ~~الطهطاوي من تحبيذ تعليم النساء، وإنشاء المدارس لهن، والعناية بثقافة الشعوب وصحتها، ~~ورفع مستواها الاجتماعي. # كل هذا رفع من مستوى الثقافة، وكل هذا كان له أثره في الأدب بوجه خاص؛ لأن الأدب ~~معان وأساليب، فإذا تثقف نخبة من شبان الشعب، وملئوا نفوسهم بالمعاني والأفكار ~~والآراء، وقطروها إلى الشعب بأي وسيلة كانت، إما بالتأليف أو الترجمة أو الخطب، أو ~~المحادثة أو السمر؛ كان ذلك كله نواة لنهضة ms1086 أدبية يرجى خيرها بعد قليل. # واستتبعت حركة استجلاب الأساتذة الأوروبيين على اختلاف أنواعهم إلى مصر، وإيفاد البعوث ~~المصرية إلى أوروبا ثم عودتهم منها حركة قوية في التأليف والترجمة؛ فقد رأينا أثر ذلك ~~واضحا في كثرة ما ترجم وما ألف، وبدأ ذلك بالطب لما كان من حاجة الجيش للطب، ثم ~~توالت الترجمات والتآليف في الفنون الأخرى. # وكانت حركة التأليف والترجمة في مستهل حياتها محوطة بمصاعب كبيرة، من ذلك العثور على ~~المصطلحات العربية تقابل المصطلحات الغربية وتحسن التعبير عنها، وقد بذلوا في ذلك ~~جهدا مشكورا بالرجوع إلى الكتب القديمة ككتب ابن سينا وغيره في الطب، يستخرجون ~~مصطلحاتها، وكتب الفقه القديمة يستخرجون تعبيراتها الفقهية ... هذا إلى صعوبة في تطويع ~~الأسلوب العربي السائد إذ ذاك إلى أسلوب ميسر سهل خال من السجع وغيره ليتفق وما ~~يتطلبه العلم من أسلوب صاف واضح. # والذي يقرأ هذه الكتب يحس هذه الصعوبة، ويلمس هذا الجهد الذي لقيه المؤلفون ~~والمترجمون، وما صادفوا من تعثر أحيانا وتغلب على الصعاب أحيانا أخرى، ولكن هذه ~~الحركة كانت على كل هذا، بدءا لنوع من الثقافة جديد يعد بحق دعامة النهضة، ويوشك أن ~~يكون له أثره في الثمرة المرتقبة. ~~••• # وهذا الاحتكاك سواء من طريق استيفاد الأساتذة الأوروبيين إلى مصر أو من طريق بعث ~~البعوث المصرية إلى أوروبا كان له أثره الخطير الذي ظل يعمل عمله في حياة الشرق إلى ~~الآن، فقد كان هؤلاء وهؤلاء نقلة للمدنية الغربية في منهج بحثها وتعاليمها وطريقة ~~حياتها وأسس حضارتها. # عرض ذلك على المصريين عرضا قويا وبخاصة الخاصة منهم؛ فالأساتذة الأوروبيون يدرسون ~~على منهاجهم الذي تعلموه في أوروبا، ويعيشون في مصر العيشة الاجتماعية التي كانوا ~~يعيشونها في أوروبا، وينقلون نظم الإدارة والتعليم والصناعة التي شهدوها في بلادهم، ~~ويتحدثون الأحاديث المختلفة عن الحضارة الأوروبية، وكذلك يفعل أعضاء البعثة من المصريين ~~الذين سافروا ودرسوا ثم رجعوا. وأثر هؤلاء أقوى لأنهم من صميم البلاد وأقدر على عرض ~~ما شاهدوا وتأثروا. # كل هذا جعل في جو مصر نوعا جديدا من الحياة ومن التفكير ms1087 لم يكن معروفا، وبجانب ذلك ~~كان هناك طبقة أخرى من مثقفي الأزهر والمعاهد الدينية الأخرى يحيون حياة قديمة وعلى ~~نمطهم القديم وعلى تفكيرهم المألوف وقلما يصل إليهم شيء من الثقافة الغربية؛ فكان هناك ~~احتكاك آخر من جنس آخر، هو احتكاك بين العقلية القديمة والعقلية الحديثة، والعلم القديم ~~والعلم الحديث، والأدب القديم والأدب الحديث، والفنون والصناعات القديمة والفنون ~~والصناعات الحديثة، وبعبارة أخرى كان هناك احتكاك في الأمة الواحدة بين طائفتين ~~ومدنيتين وعقليتين كالاحتكاك الذي وصفناه بين الشرق والغرب. وأثر ذلك فيما نحن بصدده ~~الآن من وجود أساس لمدنيتين وعقليتين ظلتا تعملان جنبا إلى جنب وتؤثر كل منهما في ~~الأخرى أثرا يضعف ويقوى بالأحداث إلى يومنا هذا. ~~••• # ثم حدث احتكاك من نوع آخر، فقد كان الاحتكاك السابق سلميا هادئا أيام محمد علي ومن ~~بعده، يستعين فيه الشرق بالغرب متى شاء وكيف شاء، وكانت الاستفادة بالتعلم والتعليم ~~والترجمة والاقتباس والتقليد، ولكن جاء بعد ذلك فتح قناة السويس والتنازع عليها ~~والاستفادة منها واختلاف أطماع الدول في استغلالها وتسابق الإنكليز والفرنسيين إلى بسط ~~نفوذهما عليها، وأعقب ذلك تدخلهم في شئون البلاد؛ فكان من هذا بدء شعور المصريين بالخوف ~~من سوء المصير وغليان البلاد، ودعوة القادة إلى الحذر واليقظة حتى لا تقع البلاد فريسة ~~في يد الأجانب. # وكان على رأس هذه الدعوة السيد جمال الدين الأفغاني وأتباعه. ثم كان في الربع الأخير ~~من القرن التاسع عشر أن وقعت الواقعة باحتلال الإنكليز لمصر فكان احتكاكا من نوع آخر: ~~بسطوا سلطانهم ووجهوا أساليب التعليم ومناهجه والحياة الاقتصادية والسياسية وفقا ~~لمنفعتهم هم. # وقد كان ذلك احتكاكا مكروها، على عكس الاحتكاك الأول، ومع هذا فقد أثر في استمرار ~~نقل المدنية الغربية إلى مصر وتعليم كثير من أبناء البلاد اللغة الإنكليزية يطلعون بها ~~على العلوم والآداب والفنون الإنكليزية وإرسال بعثات إلى إنكلترا للدراسة فيها. # ونشأ عن ذلك كراهة المصريين للحكم الأجنبي وشعورهم بعزتهم التي امتهنت وقوتهم التي ~~ضاعت، وفقدان كرامتهم بفقدان استقلالهم، واطلاع كثير من تثقفوا الثقافة الأجنبية حتى ~~الإنجليزية على ms1088 ما بذل الأوروبيون في المحافظة على استقلالهم وشعورهم بوطنيتهم؛ فأوحى ~~إليهم ذلك أن يحاربوا الاحتلال، ويطلبوا الاستقلال، ويسلكوا في ذلك السبل التي سلكها ~~الأوروبيون أنفسهم؛ فنشأ في البلاد نوع من الأدب السياسي تجلى في الصحف وفي الشعر وفي ~~الخطابة مثله أولا جمال الدين الأفغاني، ثم عبد الله نديم ثم مصطفى كامل، وشعر به ~~أولا البارودي ثم صبري وشوقي وحافظ. # وهكذا كان للاحتكاك بنوعيه أثر بليغ واضح في الأدب على اختلاف أشكاله. # وكان من أثر هذا الاحتكاك: ~~(1) # الطباعة والصحافة ، أما الطباعة فمع أنها اخترعت في القرن الخامس عشر الميلادي وعرفتها الآستانة في منتصف ~~القرن السادس عشر، فإن مصر لم تعرفها إلا على يد الحملة الفرنسية ولم تستفد منها فائدة ~~تذكر إلا سنة 1821م حيث أنشأ محمد علي المطبعة الأهلية التي عرفت باسم مطبعة بولاق، ثم ~~تتابع إنشاء المطابع. # وكان للطباعة أثر كبير في نشر الثقافة؛ فقد اعتاد الناس قبلها أن ينسخوا الكتب ~~بأيديهم، وهذا يجعلها نادرة ويجعل الانتفاع بها محصورا في دائرة ضيقة ولا يستطيع ~~اقتناءها إلا الموسرون، فكان طلبة العلم ينسخون الكتب بأيديهم أو يستعيرونها من المكاتب ~~على صعوبة في ذلك، فلما انتشرت الطباعة وتقدمت، كثر عدد ما يطبع ورخص ثمنه وأصبح في ~~متناول عدد كبير من الناس. # وقد بدأت المطابع تطبع الكتب التي تخدم الجيش والإدارة الحكومية، ثم توسعت فطبعت الكتب ~~الدينية والأدبية والتاريخية وغيرها؛ مما زاد في نشر الثقافة، وكان لذلك أثره في الحركة ~~الأدبية. # وكان لتأسيس الطباعة وتقدمها فضل في الصحافة وتقدمها، وقد أنشئت الصحافة في مصر في عهد ~~محمد علي أيضا بإنشاء «الوقائع المصرية» وكانت جريدة رسمية تنشر الأخبار الحكومية، ثم ~~كان لها قسم أدبي لنشر المقالات الأدبية والاجتماعية، ثم تقدمت الصحافة وكثرت الصحف ~~ونالت حقوقها من الحرية على مر الزمان تنشر فيها آراء المفكرين والسياسيين وتنصر ~~الأحزاب المختلفة والنزعات المختلفة، وتحمل الأخبار بجانب المقالات السياسية والمقالات ~~الأدبية؛ فكانت بذلك مصدرا من أكبر المصادر لنشر الأفكار السياسية والاجتماعية والأدبية ~~بين طبقات الشعوب، وكانت عاملا من عوامل ms1089 النهضة الفكرية، كما كانت سببا قيما في رقي ~~النثر العربي وتحريره مما كان يتعثر فيه من سجع وأنواع بديع ونحو ذلك؛ إذ كانت الصحافة ~~تتطلب أسلوبا سريعا سهلا حارا متدفقا. # وبجانب الصحافة كانت المجلات وكان أول ما أنشئ في مصر مجلة «اليعسوب» وهي مجلة طيبة ~~أنشأها محمد علي البقلي سنة 1865م ثم تتابعت المجلات الأدبية كمجلة «روضة المدارس» التي ~~أنشئت لطلبة المدارس سنة 1870م وكان يحرر فيها كثير من رجال العلم والأدب، كرفاعة بك ~~وعلي مبارك باشا والشيخ حسين المرصفي وعبد الله باشا فكري وغيرهم، كما كانت تنشر في آخر ~~كل عدد صفحات من كتاب قيم. # وكانت من أهم المجلات الأدبية التي صدرت مجلة «نزهة الأفكار» التي أصدرها إبراهيم بك ~~المويلحي ومحمد بك عثمان جلال سنة 1869م، وكان طابعها الظاهر عليها الطابع الأدبي البحت. ~~وهكذا تعاونت المجلات والجرائد على تغذية الشعب بالأفكار والآراء العلمية والأدبية، ~~وكانت كلها مدارس يتزعمها شيوخ الأدب والعالم في مصر ويتتلمذ فيها الناشئون الناشدون ~~للأدب. ~~(2) # وتبع إنشاء المطابع وتنبه الأفكار والرغبة في الازدياد في العلم أن اتجه جمع من ~~المثقفين نحو إحياء الكتب العربية القديمة في مختلف العلوم والفنون ونهض بأعباء ذلك ~~جماعة في الشرق وجماعة في الغرب. ففي الشرق نشرت المطابع المصرية كثيرا من الكتب ~~القديمة العربية القيمة من لغوية وأدبية وتاريخية وفلسفية أمثال القاموس المحيط وتاريخ ~~ابن خلدون والعقد الفريد، وكثيرا من دواوين الشعراء وغيرها، وكانت هذه الكتب مجهولة عند ~~أكثر الناس لا يعرفها إلا الخاصة. # وفي الغرب جد المستشرقون في نشر كثير من الكتب القيمة فنشطت حركة الاستشراق، وهي حركة ~~قديمة بدأت في القرن العاشر الميلادي وتقدمت على مر العصور وبلغت ذروتها في القرن ~~التاسع عشر. # وكان من أهم ما قام به المستشرقون طبع الكتب العربية القديمة طبعا فنيا، فهم ~~يجمعون نسخ الكتاب الذي يراد طبعه من مكاتب العالم ويقابلون بعضها ببعض ويختارون ~~أصحها ويشيرون إلى ما اختلف من نصوصها ويضبطون أعلامها ويضعون الفهارس لها، وكثيرا ما ~~يعلقون عليها أو يقدمون لها مقدمات ms1090 قيمة في تحليلها وإن كان أكثر هذه المقدمات بلغة ~~أجنبية. # ولعل أهم من يمثل هذا الجهد في القرن التاسع عشر البارون سلفستر دي ساسي الفرنسي ~~المتوفى سنة 1838م فقد بذل جهدا كبيرا في هذا الباب إذ نشر كتاب كليلة ودمنه وألفية ~~ابن مالك ومقامات الحريري ووضع شرحا على هذه المقامات لا يزال متداولا في أيدي الناس ~~إلى اليوم، وكان نشره لها أول نشر، وألف كتاب الأنيس المفيد للطالب المستفيد جمع فيه ~~كثيرا من المنتخبات في الأدب العربي والتاريخ، وكون مدرسة سارت على منهجه ونشرت الكتب ~~القيمة أمثال كترمير الفرنسي المتوفى سنة 1857م وهو الذي نشر لأول مرة مقدمة ابن ~~خلدون. ومن تلاميذه فرايتاج الألماني المتوفى سنة 1861م وهو الذي نشر لأول مرة أيضا ~~كتاب الحماسة لأبي تمام مع شرح التبريزي عليه، كما نشر أمثال الميداني وفاكهة الخلفاء ~~ورحلة البغدادي، إلى كثير غيرهم من المستشرقين نشروا من الكتب الشيء الكثير. # وقد وصلت هذه الكتب إلى الشرق وانتفع أهله بها وأعادوا طبعها ونشرها واستفادوا ~~منها. # كل هذا - سواء ما نشر منه في الشرق أو ما نشره المستشرقون في الغرب - كان له أثر بعيد ~~المدى في النهضة الأدبية، فقد وجد فيه المتأدبون ينبوعا لا ينضب يستمدون منه أدبهم ~~ويقلدونه في أسلوبهم، ويتكثرون منه في علمهم وثقافتهم. # وكانت كل هذه الآثار محجوبة عن القراء إلا العدد القليل النادر، وكانت كل هذه الكتب ~~طرفا من أعز الطرف تحفظ في خزائن الملوك أو في المساجد؛ فأصبحت بفضل المطابع وجد ~~العلماء في النشر سهلة المنال كثيرة الانتشار بعيدة الأثر. # ثم كان لهذا الاحتكاك أثر في إنشاء المدارس على نمط حديث تقلد فيه المدارس الأوروبية ~~في مناهج التعليم ومواد الدراسة. وقد كان التعليم في مصر قبل محمد علي محصورا في ~~الأزهر في القاهرة، والكتاتيب المنبثة فيما حول القاهرة من المدن والأرياف. # فلما جاء محمد علي شعر بحاجته إلى إنشاء جيش منظم على الأساليب العسكرية الحديثة وهو ~~نفس الشعور الذي شعرت به تركيا قبل ذلك قبيل القرن الثامن عشر، ms1091 ووضعت له خططا غرضها ~~التنظيم ثم عاقها عن إتمامها قوة الإنكشارية ومعاكستها للتجديد. ولكن محمد علي تمكن من ~~السير في هذه السبيل وجرى خلفاؤه على الاستمرار فيها. واستتبع تنظيم الجيش تنظيم ما ~~يلزمه من فنون أخرى من طب وهندسة وغير ذلك. # وعلى كل حال فقد نتج عن هذه تأسيس مدارس مدنية انقسمت إلى ثلاثة أنواع: ابتدائية ~~وتجهيزية وخاصة. وكان من المدارس الخاصة مدرسة الطب والهندسة والطب البيطري والفنون ~~والصناعات والزراعة والألسن، وكان لهذه الأخيرة (مدرسة الألسن) فضل كبير في نشر الثقافة ~~الغربية في الفنون المختلفة بما كان من جهد رفاعة بك الطهطاوي وتلاميذه. # وكان عدد المدارس الابتدائية المؤسسة على النمط الحديث نحو خمسين مدرسة، ولما كثر ~~التعليم المدني وجد محمد علي الحاجة ماسة إلى إنشاء «ديوان المدارس» يقوم بما تقوم به ~~اليوم وزارة المعارف وقد أنشئ سنة 1839م. # واستمر هذا النظام يسير في عصور من بعده مع ما عاناه من الضعف والقلة في عهد عباس ~~الأول وسعيد، حتى جاء اسماعيل فأعاد المدارس على اختلاف طبقاتها وزاد عليها في فنون ~~التعليم المختلفة وأنشأ مدرسة الإدارة التي سميت بعد «مدرسة الحقوق» ومدرسة للمعلمين ~~ومدرسة للفنون والصناعات سميت بعد «مدرسة الصنائع». # وقد كان أمام أولي الرأي في الأمة طريقتان: أن يحولوا المدارس القائمة كالأزهر ونحوه ~~إلى مدارس تصطبغ بالصبغة المدنية وأن يأخذوها بذلك، غير أنهم كما يظهر آثروا إرضاء ~~الرأي العام ببقاء هذه المعاهد على نمطها الخاص من غير تغيير، وآثروا الطريقة الأخرى ~~وهي إنشاء المدارس المدنية بجانب المعاهد الدينية، مع أنهم في أول الأمر اختاروا كثيرا ~~من أعضاء البعثات من الأزهر، كأنما ينوون الطريقة الأولى، ولكنهم حين عادوا درسوا في ~~المدارس المدنية لا في المعاهد الدينية. # ونتج عن ذلك أن كان في البلاد نمطان من الثقافة: نمط أزهري يسير عليه الأزهر وتحتذيه ~~المساجد الكبيرة في المدن، وتأخذ به المساجد الكبرى في الشرق، وفي هذه كلها كانت تدرس ~~العلوم الدينية من تفسير وفقه وحديث وشيء قليل من الحساب للمواريث، ومن الهيئة لمواقيت ~~الصلاة، ms1092 في كتب من نتاج المتأخرين ويعنى فيها بتفهم العبارات وإثارة الاعتراضات وكثرة ~~المناقشات، أكثر مما يعنى فيها بروح الفكرة، وجوهر الموضوع، وحتى كتب البلاغة التي كانت ~~تدرس لم تكن تعلم البلاغة لأنها لم تكن جيدة التعبير، ولا قوية الأسلوب، ولا تساعد ~~على إخراج البليغ، بل تخرج رجلا فاهما لبعض العبارات مجادلا فيها. # على أن من الحق أن نقول إن هذا النمط يعلم الصبر على القراءة والإمعان في الفهم، ~~والتدقيق في التعبير، كما أنه رمز أو منبع للحياة الروحية التي لا بد منها بجانب الحياة ~~المادية. أما النمط المدني فكان يجري وراء النمط الغربي؛ تختار فيه أقرب الأساليب ~~للتعلم ويعنى فيه بالموضوع أكثر مما يعنى باللفظ، ويستمد معارفه ومناهجه من الغرب فيما ~~وصل إليه. # وقد نشأ عن هذا الاختلاف اختلاف في عقلية المتعلمين واختلاف في طرق التفكير وتحصيل ~~المعرفة وتمثلها، باعد بين الطائفتين وكون منهما وحدتين في الأمة، على حين أن الغرب في ~~نهضته وحد في أساليب البحث والتعليم حتى في المعاهد الدينية؛ إذ كانت نهضته من نفسه ~~ونهضتنا مجلوبة من غيرنا. # ولما كانت المدارس المدنية مضطرة إلى تعليم اللغة العربية والثقافة العربية بجانب ~~العلوم المدنية والثقافة الغربية اضطر المصلحون أن يعالجوا مشكلة تعليم الثقافة العربية ~~كي تسير المدرسة الواحدة على نمط واحد أو متقارب. وقد ظهرت هذه المحاولة في عمل علي ~~باشا مبارك ومن حوله كعبد الله باشا فكري والشيخ حسين المرصفي وأمثالهما، فألف علي باشا ~~مبارك كتبا لتعليم القراءة والكتابة على نمط حديث، وألف عبد الله باشا فكري كتابا في ~~المطالعة، وألف الشيخ حسين المرصفي كتابا في العلوم العربية وآدابها، وألف غيرهم كتبا ~~في تقريب النحو، كما أنشأ علي باشا مبارك في عهد إسماعيل مدرسة دار العلوم لتكون أداة ~~الصلة بين النمطين يتخرج فيها معلم اللغة العربية والثقافة العربية في المدارس ~~المدنية. # وهذا أيضا كان له أثر أدبي؛ فقد نشأ أدباء يتثقفون الثقافة الغربية وشيئا من ~~الثقافة العربية ويستمدون أكثر وحيهم وأفكارهم وخواطرهم مما تمليه الثقافة الغربية ~~والأدب الغربي، ms1093 وبجانبهم مثقفون لم يطلعوا إلا على الثقافة العربية يستمدون منها كذلك ~~وحيهم وخواطرهم وأفكارهم؛ مما جعل في الأمة مدرستين مختلفتين في إنتاج الأدب العربي لا ~~تزال أعلامهما واضحة إلى اليوم وإن تقاربتا بعض الشيء على مر الزمن. ~~••• # ولا بد من الإشارة إلى ما كان لهذه النهضة من إنشاء دار الكتب المصرية في عهد ~~إسماعيل؛ فقد كانت الكتب القيمة مبعثرة في المساجد والمكتبات الخاصة، عرضة للسرقة والتلف ~~والإهمال حتى تسرب منها كثير إلى خارج البلاد، وبيع كثير منها بأبخس الأثمان للبقالين ~~والفرانين، فأنقذ علي باشا مبارك هذا الموقف بإنشاء هذه المكتبة العامة سنة 1870م وجمع ~~فيها كل الكتب التي عثر عليها في المساجد وغيرها، وأضاف إليها مجموعة مما طبع في مطبعة ~~بولاق، كما أضيف إليها كثير من كتب حسن باشا المنسترلي، وسميت دار الكتب هذه في أول ~~عهدها «الكتبخانة الخديوية»، وفتحت أبوابها لمن أراد أن ينهل من العلم؛ فكانت مدرسة قيمة ~~بجانب المدارس الأخرى ومصدرا من مصادر الثقافة وخاصة الثقافة العربية، وأصبح من ~~الميسور على كل راغب في المطالعة والدرس أن يجد طلبته في هذه الدار. ~~••• # هكذا كانت الحال في مصر، أما سوريا ولبنان فقد كان لهما شأن آخر؛ إذ كانتا أكثر تبعية ~~للدولة العثمانية وظلتا خاضعتين لها ولأنظمتها بعد استقلال مصر نوعا من الاستقلال، وإن ~~كان لبنان يتمتع ببعض الميزات لوضعه الخاص وتاريخه الخاص. # وكانت الدولة العثمانية لا تهتم كثيرا بالثقافة ونشرها في غير عاصمتها، ومع هذا فقد ~~كانت سورية أسبق من مصر في استخدام الطباعة تبعا لسبق الدولة العثمانية في هذا الباب؛ ~~فقد صنعت الحروف العربية في حلب في أوائل القرن الثامن عشر. ووجد في سورية ولبنان ~~عامل خاص كان سببا في نهضتهما العلمية، ذلك هو وجود العنصر المسيحي فيهما بكثرة؛ إذ ~~حمل كثيرا من دول أوروبا وأمريكا على إرسال بعوث علمية للتبشير والتعليم فأنشأت هذه ~~البعوث المدارس، وكونت رجال التعليم، وافتتحت المكتبات، وأدارت المطابع، ولم تكتف ~~بالتعليم الديني الذي هو غرضها الأول، بل علمت، بجانبه، العلوم الحديثة من ms1094 طب وطبيعة ~~وكيمياء ورياضة، فأقبل الطلبة عليها من مسيحيين ومسلمين، فلما تخرج من هذه المدارس ~~متخرجوها أخذوا هم ينشئون المدارس في القرى والمدن؛ ينشرون الثقافة بين أبناء ~~البلاد. # وشجعت حركة التعليم هذه على إيفاد بعوث إلى أوروبا للتثقف فيها كالبعوث التي أرسلها ~~محمد علي. # وكما تزود المثقفون من العلوم الغربية التفتوا إلى دراسة اللغة العربية وأدبها سواء ~~في المدارس أو في المطالعة الخاصة، وخير من قام بالجمع بين الثقافتين المدرسون في ~~المدارس الذين اضطروا إلى تعليم المواد الحديثة باللغة العربية فشعروا بحاجتهم ~~الشديدة إلى دراسة اللغة العربية وآدابها. # وربما كان من الفروق الواضحة، بين مصر من نحو، وسورية ولبنان من نحو آخر، أن الثقافة ~~في مصر بدأت قوية في الناحية العلمية ثم اتجهت بعد إلى الناحية الأدبية، على حين أن ~~الثقافة في سورية ولبنان اتجهت إلى الناحية الأدبية ثم إلى الناحية العلمية. كما كان من ~~الفروق الواضحة أن النهضة المصرية كانت أول ما بدأت ثم استمرت على يد الحكومة، على ~~حين أن الثقافة في سورية ولبنان كانت على يد البعوث الأوروبية وقادة الثقافة من أهل ~~البلاد. # وكانت أسس النهضة في سورية ولبنان هي بعينها أسس النهضة في مصر من مدارس وطباعة ~~وصحافة وبعوث، وإحياء الكتب العربية القديمة. # وعاصر الأمير بشير الشهابي الكبير محمد علي وكان مركزه في بيت الدين في لبنان مركزا ~~لحركة أدبية لها أثرها. فقد قرب الشعراء والكتاب وأجال في مجالسه المناظرات ومنحهم ~~المنح؛ فتفتحت أذهانهم وتدفقت أقلامهم، وكان من رجاله الأدباء الشيخ ناصيف اليازجي، ~~وبطرس كرامة، ونقولا الترك. # وكثير من هؤلاء المثقفين في سورية ولبنان ضاقوا ذرعا بالاستبداد وخنق الحرية التي ~~كانوا يشعرون بها في بلادهم فرحلوا إلى مصر وساهموا في نهضتها وخاصة النهضة ~~الصحفية. ~~••• # أما العراق فكان لسوء الحظ أقل نهضة وأطول ركودا؛ إذ لم يجد من الاستقلال عن الدولة ~~العثمانية ما وجدت مصر عند محمد علي وذريته، ولم يكن له الوفرة الكثيرة في سكانه من ~~النصارى مثل ما للشام ولبنان؛ حتى يتجه إليه المبشرون، وكانت ms1095 الدولة العثمانية تعده ~~منفى للمغضوب عليهم. ومن تثقف من أبنائه فثقافة عسكرية في الآستانة. لذلك كله تأخرت ~~نهضته إلى عهد فيصل؛ فالحركة العلمية والأدبية فيه كانت مقصورة على النمط القديم تدرس ~~في معاهده الشيعية والسنية من دين ولغة وأدب وفلسفة، والنابغ منهم مصبوغ بهذه الصبغة، ~~كأسرة الألوسيين التي نبغ منها عدد من العلماء شاركوا في مختلف أنواع الثقافة العربية ~~على النمط القديم، وأبرزهم في ذلك في النصف الأول من القرن التاسع عشر الشهاب الألوسي ~~(1217-1270ه/1802-1854م) فقد كان له مقام كبير في التفسير والإفتاء، وله كتاب التفسير ~~المشهور، وكتاب كشف الطرة شرح فيه درة الغواص للحريري، وله مقامات وشعر قليل. وخلفه ~~ابنه في النصف الثاني من هذا القرن (1857-1924م) ومن أشهر تآليفه بلوغ الأرب في أحوال ~~العرب، وقد قدمه إلى مؤتمر المستشرقين في استكهولم، وله كتاب أخبار بغداد وتراجم بعض ~~علمائها في القرن الثالث عشر، وكتاب أمثال العوام في مدينة السلام. # وعلى الجملة فلم يساير العراق الشام ومصر في العلوم الحديثة والنهضة المدنية وإن ~~سايرهما بعض الشيء في الإنتاج الأدبي في مواد الثقافة العربية. # | فنون الأدب # (أ) الشعر # كان الشعر قبل النهضة الحديثة، وفي أوائلها، بادي الضعف، شديد الهزال؛ وربما كان ضعفه ~~وهزاله أظهر من ضعف النثر وهزاله؛ لأن الشعر فن جميل يعتمد على الجمال أكثر مما يعتمد ~~على الحقائق، فإما أن يكون جميلا وإما أن يكون عدمه خيرا من وجوده. أما النثر فقد ~~يكون وسطا ويكون مع ذلك مقبولا. # وقد كان الشعر في أول هذه الفترة التي نؤرخها يجري على سنن الأقدمين من حصر نفسه في ~~الغزل والمديح والهجاء وشيء من الوصف، ولكنه يختلف عن شعر الأقدمين في أنه حفظ الشكل ~~وفقد الروح. # وربما مثل هذا الدور السيد إسماعيل الخشاب (المتوفى 1815م) والشيخ حسن العطار (المتوفى ~~1834م) والسيد علي الدرويش (المتوفى 1853م) في مصر، ونقولا الترك (المتوفى 1828م) وبطرس ~~كرامة (المتوفى 1851م) في لبنان، والشيخ أمين الجندي (المتوفى 1841م) في سورية. # فهؤلاء الشعراء كانوا، في الأغلب، شعراء للأمراء يهنئونهم بالأعياد، ms1096 أو يؤرخون حادثة ~~من أحداثهم، كبناء قصر، أو ولادة مولود، أو موت عزيز عليهم، أو نحو ذلك. # وقد يشعرون لأنفسهم أو لأصدقائهم وهو ما يسمى بالإخوانيات، وشعرهم في هذا، كذلك، ~~مصنوع لا مطبوع. # فقد يكون شيخ من شيوخ الدين لم يقع قط في أسر عشق ثم يتغزل، لا يقصد من غزله إلا ~~أن يحاكي ضربا من ضروب الشعر الذي جرى عليه القدماء، حتى لقد يتغزل في غلام، أو يصف ~~الخمر، وهو آمن، لأن الناس قد ثبت في أذهانهم أن الشعراء يقولون ما لا يفعلون. # وقد ظل الشعر على هذا الحال حتى في أول عصر النهضة ، لأن النهضة في أول أمرها لم تكن ~~نهضة شعرية وإنما كانت نهضة علمية وثقافية، واحتاج الشعر إلى زمن حتى يتأثر بها أو ~~يدركها. # ولنضرب لذلك أمثلة، فيقول الخشاب متغزلا: # يا شقيق البدر نورا وسنا # وأخا الغصن إذا ما انعطفا # بأبي منك جبينا مشرقا # لو بدا للنيرين انكسفا # بغيتي منك رضاب ورضا # وعلى الدنيا ومن فيها العفا # ويقول العطار: # أفلا رثيت لعاشق لعبت به # أيدي المنون ونازعته خطوبه # أنت النعيم له، ومن عجب تعذ # به وتمرضه وأنت طبيبه # ويقول السيد علي الدرويش يمدح ~~محمد علي باشا ويؤرخ مجيء الجراد وموت البقر: # يا صاح ما هذا الخبر؟ # قالوا الجراد هنا ظهر # قلت الجراد فقال إي # تدري الجراد إذا ابتدر؟ # قلت استعذ بالله قا # ل وهل من المقضي مفر؟ # ما كان قط بخاطر # في خاطري هذا الخبر ~~••• # جاء الجراد كأنه # يتلو على البقر السور # أو أن أرواح البها # ئم ألبست تلك الصور ~~••• # فترى الجراد على الجر # يد مكللا مثل الثمر # رقش تراها إنها # نار تلظت بالشجر # لواحة للأرض لا # تبقي النبات ولا تذر # وصغيرة في حجمها # لكنها إحدى الكبر # الأرض كانت جنة # فالآن ترمى بالشرر ~~••• # دقوا الطبول لرقصه # في الزرع لما أن ~~زمر # وغزوا على ذا المعتدي # فمضى هزيما وانكسر # وكذا الخديوي عادة # لم يغز إلا وانتصر ~~••• # هل للخديوي مشبه # في همة أو في سير # هل قبله رد ms1097 الجرا # د سواه فيما قد غبر # ويختمها مؤرخا بقوله: # أرخته وصل الجراد # لمصر في عام البقر # 1259م # ويقول الشيخ شهاب في قصيدة تكتب على جامع القلعة: # فدع قصر غمدان وأهرام هرمس # وإيوان كسرى إن أردت لتهتدي # ودع إرما ذات العماد ونحوها # وعرشا لبلقيس كصرح ممرد # ودع أموي الشام ~~وانزل بمصرنا # وبادر إلى هذا بإيماء مرشد # فلو عددت في الكون بدء بدائع # لكان به ختم لذاك ~~التعدد # كأن الليالي الوالدات عجائبا # أصبن بعقم بعد هذا التجدد # ويقول بطرس كرامة يصف ~~ينبوع الصفا وإجراء مائه إلى بيت الدين على عهد الأمير بشير الشهابي: # صاح قد وافى الصفا ~~يروي الظمأ # بشراب كوثري ألعس # وأفاض الشهد في روض الحما # لجلا الغم وبرء الأنفس # ويقول في ~~وصف باقة زهر أهداها له الأمير بشير: # وباقة زهر من مليك منحتها # معطرة الأرواح مثل ~~ثنائه # فأبيضها يحكي جميل خصاله # وأصفرها يحكى نضار عطائه # وأزرقها عين تشاهد فضله # وأحمرها ~~يحكى دماء عدائه # ويقول الشيخ أمين الجندي يصف الربيع والربوة في دمشق: # يا حبذا الربوة ~~من دمشق # بالفضل حازت قصبات السبق # كم أطلعت بها يد الربيع # من كل معنى زائد بديع # وفككت ~~أنامل النسيم # أزرار زهر الرند والشميم # وسقطت خواتم الأزهار # من فنن الأغصان كالدراري # والتف سيف البرق في أوراق # مذ شام خيل الريح في سباق # ما بكت السماء بالغمام # إلا وصار ~~الزهر في ابتسام # وهكذا كان أغلب الموضوعات التي يجري فيها الشعر هي التأريخ لدار أو ~~مسجد، أو التهنئة بمولود، أو الشكر على هدية، أو رثاء فقيد، أو قصيدة لصديق في عارض حدث ~~والرد عليها من صديقه، أو تشطير أبيات أو تخميسها أو تسبيعها. # أما شعر القلب فقلما تعثر عليه، وأما شعر يعرض لوصف الحياة الاجتماعية أو بؤس الشعب ~~أو صرخة من ظلم أو مناداة بعدل فغير موجود، لأن السلطات لم يكن صدرها يتسع لذلك، ~~والشعراء أنفسهم ليس لهم من الثقافة العالية، ولا من المركز الاجتماعي، ما يؤهلهم لعشق ~~الحرية أو التغني بجمال الطبيعة أو نحو ذلك مما خاض ms1098 فيه الشعر من بعد. # حتى إذا كانت النهضة، وتقدمنا بعض الشيء، بدأ المطلعون على الآداب الغربية يتأثرون ~~بها، ويقتبسون منها، ومن أمثلة ذلك محمد عثمان جلال المولود سنة 1829م فقد درس بعض ~~اللغات الأوروبية في مدرسة الألسن، وتدرج في الوظائف إلى أن كان قاضيا، وقد ترجم عن ~~الفرنسية رواية بول وفرجيني، كما ترجم قصص لافونتين شعرا بتصرف، ونشرها في كتاب اسمه ~~«العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ». # وكان جلال شاعرا مطبوعا خفيف الروح، وربما وضع من شعره عند من أرخوا الشعر ونهضته ~~أنه كان سهل الأسلوب متدفقه، لا يكثر من التأنق والتجمل، وكثيرا ما جنح إلى العامية ~~يقول فيها شعره. # ومن أمثلة ما ترجمه في العيون اليواقظ قصة شجرة البلوط والسنديانة: # حكاية عن شجر ~~البلوط # نقلتها عن شيخنا السيوطي # قال إلى سنبلة من فول # ليتك في العلو تحكي طولي # ليتك لو ~~غرست تحت رجلي # وكنت فارقت الحمى من أجلي # وكنت في أمن من العواصف # قالت له ما مسني من تلف # إني وإن كنت نحيف القامة # وفي الهوى لا أملك استقامة # فإن ما عندي من اللدونة # وقت الرياح ~~يوجب المرونة # وأنثني تيها على أمثالي # وبالرياح قط لا أبالي # وبينما الاثنان في تنازع # إذ ~~نفخت منافخ الزعازع # واغبرت الآفاق والبطاح # وجلجلت في الشجر الرياح # وقد أصابت قامة ~~البلوط # ونزلت به إلى الهبوط # وسنبل الفول يميل تارة # وينثني أخرى مع الأمارة # ولم يصبه من ~~أذى ولا ضرر # وربما كان الهلاك في الكبر # وقد تأثر الشعر بعوامل النهضة التي ذكرناها من ~~قبل وإن تأخر تأثره عن تأثر النثر؛ فقد كانت الحاجة إلى النثر أقوى؛ فنشر دواوين ~~الشعراء الأقدمين مكن ناشئة الشعراء آنذاك من الاطلاع على شعر الفحول من متقدمي الشعراء ~~بعد أن كانوا لا يطلعون إلا على شعراء زمانهم أو ما قرب من زمانهم، والاطلاع على شعر ~~الفرنجة مكن بعضهم من الاقتباس منه والتأثر به. وتغير البيئة الاجتماعية نفسها، على أثر ~~الاحتكاك بالأجانب، غير من الشعر؛ لأن كل أدب سواء كان شعرا أو نثرا أو ms1099 قصة يتأثر ~~بالبيئة إلى حد كبير. # ومع هذا كله فلم يكن تقدم الشعر طفرة وإنما كان تدرجا؛ فقد تنقل من محافظين إلى ~~مخضرمين إلى أحرار مجددين ... فمثلا كان يغلب على الشعر العربي المديح ونحوه من الأغراض ~~التقليدية، غير أن شأنه أخذ يضعف شيئا فشيئا بحلول الحياة الديمقراطية محل الحياة ~~الأرستقراطية، وتقويم الشعوب أكثر من تقويم الأمراء، ولم يخلص منه دفعة واحدة فوجد ~~شعراء مخضرمون يقولون في المديح مثل ما يقول الأقدمون، وحتى في المخضرمين نرى أثر ذلك في ~~التخفف من الغلو، والانصراف عن المبالغة، وغلبة القصد والاعتدال. # كما قلت العناية بالهجاء لأن المدنية ورقيها، ورقة الذوق تأنف من الهجاء الفاحش، ولا ~~تسمح إلا بالهجاء بالإيماء. # واستمر الغزل محتفظا بمركزه في الشعر الجديد كما كان في الشعر القديم لأنه ينبع من ~~عاطفة ملازمة للإنسان في بداوته وحضارته واختلاف حالاته الاجتماعية، فإن تغير في شيء ~~فميله إلى التعبير الصادق عن طبيعة الشاعر ودقته في تصوير عاطفته، وقد كان أكثره ~~مصنوعا يصدر عمن لا يعشق. # وكذلك ما كان من رقي الشعر في الطبيعة وجمالها، فقد كان يفهم من هذا النوع أنه عبارة ~~عن جهد الشاعر في أن يجد للنظر تشبيها وكفى، فبدأ يتحول إلى محاولة للشاعر أن يشرب ~~المنظر الطبيعي ويرتوي به أو يحتضنه. ثم يبث ذلك كله مشاعر في شعره، أو أن يفنى الشاعر ~~في هذا المنظر الجميل ويصف فناءه. # ثم خلقت المدنية والظروف الاجتماعية الشعر السياسي والاجتماعي. نعم كان هناك شعر ~~سياسي في العصور الأولى كالذي نراه في شعراء الزبيريين والأمويين من أمثال عبد الله ~~بن قيس الرقيات وجرير والفرزدق والأخطل، ولكن كانت له صبغة خاصة لا تتصل بالشعوب ~~وحرياتها، إنما يتجه إلى الانتصار للقادة ومن بيدهم زمام الأمور. فلما نشأت المدنية ~~واحتك الشرق بالغرب وطمحت أوروبا في استعمار الأمم الشرقية تيقظ الوعي القومي يدافع عن ~~هذا الطمع، حتى إذا كان الاحتلال وجدت النزعة إلى الاستقلال، فكان الشعراء يمثلون دورهم ~~في هذا الباب، وكان الشعر السياسي بهذا المعنى. # وكذلك كان الشأن ms1100 في الشعر الاجتماعي، فقد أخذ الشعراء يحسون آلام الشعوب وعللها ~~وآفاتها، مثل قولهم في تحرير المرأة وتربية الأطفال ومضار القمار والاعتزاز باللغة ~~العربية ونحو ذلك. # كما كان من أثر تقليد الشرق للغرب اتجاه الشعراء إلى الشعر التمثيلي تقليدا لما عند ~~الأوروبيين، كما فعل الشيخ خليل اليازجي المتوفى 1889م، إذ ألف قصة المروءة والوفاء في ~~نحو ألف بيت نظمها حول قصة حنظلة الطائي مع النعمان. # هذا من ناحية الموضوع، أما من ناحية الأسلوب والأوزان والقوافي فقد كانت روح المحافظة ~~أشد مما كانت في الموضوع، فحوفظ على الأوزان والقوافي إلا في القليل النادر، وأكثر ما ~~يظهر الميل إلى الأوزان القصيرة ، ونشوء القصيدة التي لا تلتزم قافية واحدة بل تتعدد ~~قوافيها في المقطوعات المختلفة، وقد حاول بعضهم تقليد الشعر الفرنجي بإنشاد الشعر ~~المرسل، ولكنها كانت حركة لم يكتب لها الانتشار. # ورقي الأسلوب من ناحية جزالته وتأثره بشعر الفحول من القدماء ورغبة الشعراء عن ~~الإفراط في أنواع البديع وميلهم إلى قربه من أذهان الناس بوضوحه وجماله البسيط. ~~••• # وربما كان البارودي أول ناهض بالشعر العربي، وساعدته ظروفه الخاصة على هذا النضج ~~الشعري؛ فهو من عنصر أرستقراطي ينحدر من أصل شركسي وينتسب إلى المماليك، وتربى تربية ~~عسكرية، فقد تعلم في المدرسة الحربية وخرج منها ضابطا وترقى في رتب الجيش ورأس حملة في ~~حرب تركيا مع الروس، وفي ثورة كريت، وتولى نظارة الأوقاف ثم رياسة النظار قبيل الثورة ~~العرابية، وله ثقافة تركية وفارسية اطلع فيها على آداب اللغتين ونظم فيهما، ورأى الدنيا ~~بأشكالها وألوانها، فعاش عيشة الترف كما يعيش شبان الأغنياء في مصر، وجلس مجالس اللهو ~~والشراب وتعرض للغزل، وأحب ولها، واتصل بالوظائف الحكومية في عهد إسماعيل فمكنه ذلك من ~~دراسة الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر، ورحل إلى الآستانة وأوروبا ورأى مدنيتهما ~~فاستفاد منها، وشارك في الثورة العرابية واكتوى بنارها. # كل هذا صادف طبيعة شعرية تستغل كل ما يعرض لها من أحداث، فجعل منه شاعرا ~~ممتازا. # وأهم ميزة له أنه صادق في شعره يعبر عما رأى وسمع ms1101 وأحس. # وكل هذا يفسر ما غلب على شعره من إكثار من الفخر، صدى لعلو حسبه ونسبه ~~ومناصبه. # رزقه الله أول أمره بمربين من الأدباء كالشيخ حسين المرصفي، حببوا إليه شعر الفحول ~~الأقدمين، فتشرب منه ومزجه بنفسه وحفظ منه الكثير، واكتفى بأن تنطبع الصيغ والأساليب ~~ووجوه الإعراب والقوافي والأوزان في نفسه من غير تعلم للنحو والقواعد والعروض ~~والمصطلحات ... ثم بدأ يحاكي بعضها ويعارضها، خرجت محاكاته ومعارضاته قوية حسنة السبك، ~~متينة الأسلوب، لا تقل شأنا عن القصائد التي يعارضها. # عارض أبا نواس في قصيدته: # أجارة بيتينا أبوك غيور # وميسور ما يرجى لديك عسير # بقصيدته: # أبى الشوق إلا أن يحن ضمير # وكل مشوق بالحنين جدير # والشريف الرضي في قصيدته: # لغير العلى ~~مني القلى والتجنب # ولولا العلى ما كنت في الحب أرغب # بقصيدته: # سواي بتحنان الأغاريد يطرب # وغيري باللذات يلهو ويلعب # وأبا فراس في قصيدته: # أراك عصي الدمع شيمتك الصبر # أما للهوى ~~نهي عليك ولا أمر # بقصيدته: # طربت وعادتني المخيلة والسكر # وأصبحت لا يلوي بشيمتي الزجر # ثم شعر لنفسه فيما يشعر به من فخر بالآباء، وفخر بنفسه، واعتزاز بقوته. ووصف معامع الحروب ~~كما رآها، والحياة الاجتماعية كما أحاطت به، وألاعيب السياسة كما اكتوى بنارها ... ولما ~~نفي إلى جزيرة سرنديب وصف حنينه إلى وطنه، وما كان يعتوره من شعور بألم الغربة وشعور ~~بالرجولة التي يجب أن تتحمل الآلام في شجاعة، إلى غير ذلك مما كان فيه صادق الوصف، مرهف ~~الحس، جزل اللفظ، قوى الأسلوب. # وقد مات بعد أن رجع من منفاه سنة 1904م. # وتظهر ميزات البارودي إذا نحن قسناه بشعراء عصره أمثال محمود صفوت الساعاتي (المتوفى ~~سنة 1880م) فقد كان أكثر شعره في مدح أشراف مكة والحجاز، على حين أن البارودي لم يمدح ~~إلا قليلا، وكان مديحه على هامش شعره لا في الصميم من شعره. # ثم كان صادقا في التعبير عن نفسه في أدوار حياته، فإذا لها أو أحب، وصف ما يشعر به ~~في لهوه وحبه، وإذا حارب برع في وصف الجيوش والمعارك، وإذا أحاطت ms1102 به أحداث الثورة وصف ~~ما رأى، وإذا نفي قال في طمأنينته وجزعه. # وهو في بعض الأحيان يعرض للشئون الاجتماعية، مثل وصف اضطراب الحالة في مصر من تدخل ~~الأجانب، وفي لوم قومه على التراخي في رفع الظلم والعدوان عنهم، وفي بؤس الشعب من ظلم ~~حكامه. # ثم إن البارودي قد نقل بشعره المثل الأعلى من نظر في الشعراء في العصور المظلمة ~~المتأخرة إلى نظر في الشعر العربي في أزهى عصوره العباسية، فكان في كل ذلك مجددا إلى ~~درجة ما. # هذا إلى اختراعه أحيانا لبعض أوزان الشعر كقصيدته: # لوى جيده وانصرف # ما ضره لو عطف # وقصيدته الأخرى: # املأ القدح # واعص من نصح # وكلتاهما مما نسج عليه شوقي في قصيدته: # حف كأسها الحبب # فهي فضة ذهب # وقصيدته: # مال واحتجب # وادعى الطرب # وإن حاول بعضهم أن يخرج القصيدتين على الأوزان القديمة. # ومن أمثلة شعره في الفخر قصيدة طويلة، منها: # سواي بتحنان الأغاريد يطرب # وغيري باللذات يلهو ويعجب # وما أنا من تأسر الخمر لبه # ويملك سمعيه اليراع المثقب # ولكن أخو هم إذا ما ترجحت # به سورة نحو العلا، راح يدأب # نفى النوم عن عينيه نفس أبية # لها بين أطراف الأسنة مطلب # ومن تكن العلياء همة نفسه # فكل الذي يلقاه فيها محبب # إذا أنا لم أعط المكارم حقها # فلا عزني خال ولا ضمني أب ~~••• # خلقت عيوفا لا أرى لابن حرة # علي يدا أغضي لها حين يغضب # فلست لأمر لم يكن متوقعا # ولست على شيء مضى أتعتب # أسير على نهج يرى الناس غيره # لكل امرئ فيما يحاول مذهب # وإني إذا ما الشك أظلم ليله # وأمست به الأحلام حيرى تشعب # صدعت حفافي طرتيه بكوكب # من الرأي لا يخفى عليه المغيب # ومن شعره يصف الحرب: # ولما تداعى القوم واشتبك القنا # ودارت، كما تهوى، على قطبها، الحرب # وزين للناس الفرار من الردى # وماجت صدور الخيل والتهب الضرب # ودارت بنا الأرض الفضاء كأننا # سقينا بكأس لا يفيق لها شرب # صبرت لها حتى تجلت سماؤها # وإني صبور إن ألم بي الخطب # وقوله يصف ms1103 الفراق: # محا البين ما أبقت عيون المها مني # وشبت ولم أقض اللبانة من سني # عناء ويأس واشتياق وغربة # ألا شد ما ألقاه في الدهر من غبن # فإن أك فارقت الديار فلي بها # فؤاد أضلته عيون المها عني # بعثت به يوم النوى إثر لحظة # فأوقعه المقدار في شرك الحسن # فهل من فتى في الدهر يجمع بيننا # فليس كلانا عن أخيه بمستغن ~~••• # ولما وقفنا للوداع وأسبلت # مدامعنا فوق الترائب كالمزن # أهبت بصبري أن يعود فعزني # وناديت حلمي أن يثوب فلم يغن # وما هي إلا خطرة ثم أقلعت # بنا عن شطوط الحي أجنحة السفن # فكم مهجة من زفرة الوجد في لظى! # وكم مقلة من غزرة الدمع في دجن! # وما كنت جربت النوى قبل هذه # فلما دهتني كدت أقضي من الحزن # ولكنني راجعت حلمي وردني # إلى الحزم رأي لا يحوم على أفن # ولولا بنيات وشيب عواطل # لما قرعت نفسي على فائت سني # وقال يحن إلى مصر وهو في منفاه: # ردوا علي الصبا من عصري الخالي # وهل يعود سواد اللمة البالي؟ # لم يدر من بات مسرورا بلذته # أني بنار الأسى من هجره صالي # يا غاضبين علينا، هل إلى عدة # بالوصل يوم أناغي فيه إقبالي؟ # غبتم فأظلم يومي بعد فرقتكم # وساء صنع الليالي بعد إجمالي # فاليوم لا رسني طوع القياد، ولا # قلبي إلى زهرة الدنيا بميال # أبيت منفردا في رأس شاهقة # مثل القطامي فوق المربأ العالي # وقال يصف الناس من حوله: # إني امرؤ ملك الوداد قيادتي # وجرى على صدق العهود وفائي # لكنني غرض لأسهم حاسد # وارى الجوانح من لهيب عدائي # من غير ما ذنب جنيت وإنما # بغض الفضيلة شيمة الجهلاء # تعست مقارنة اللئيم فإنها # شرق النفوس ومحنة الكرماء # أنا في زمان غادر، ومعاشر # يتلونون تلون الحرباء # أعداء غيب ليس يسلم صاحب # منهم، وإخوة محضر ورخاء # وأشد ما يلقى الفتى في دهره # فقد الكرام وصحبة اللؤماء # شقي ابن آدم في الزمان بعقله # إن الفضيلة آفة العقلاء # وقال يلوم ويحرض: # لكننا غرض للشر في زمن # أهل العقول به ms1104 في طاعة الخمل # قامت به من رجال السوء طائفة # أدهى على النفس من بؤس على ثكل # من كل وغد يكاد الدست يدفعه # بغضا ويلفظه الديوان من ملل # ذلت بهم مصر بعد العز واضطربت # قواعد الملك حتى ظل في خلل # وأصبحت دولة «الفسطاط» خاضعة # بعد الإباء، وكانت زهرة الدول # فما لكم لا تعاف الضيم أنفسكم # ولا تزول غواشيكم من الكسل # فبادروا الأمر قبل الفوت وانتزعوا # شكالة الريث فالدنيا مع العجل # وطالبوا بحقوق أصبحت غرضا # لكل منتزع سهما ومختتل # عيش الفتى في فناء الذل منقصة # والموت في العز فخر السادة النبل # وكان في هذا العصر من الشعراء شعراء عاشوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ~~وامتدت حياتهم المباركة إلى القرن العشرين وامتازوا ببعض المزايا الشعرية. # فحفني ناصف مثلا (المتوفى 1919م) له شعر سهل اللفظ سهل الأسلوب يمتاز بالفكاهة ~~الحلوة في الحوادث التي عرضت له كشكواه من «قنا» حينما نقل إليها إذ يقول: # رقيتني حسا ومعنى # فلصنعك الشكر المثنى # وجعلت رأس الحاسدين # بمصر من قدمي أدنى # أسكنتني في بقعة # فيها غدوت أعز شأنا # أرد المشارع سابقا # والسبق عند الورد أهنا # وأزور آثار الملوك # وكنت قبل بها معنى # بلد إذا حلت به # قدماك قلت حللت حصنا # قالوا شخصت إلى قنا # يا مرحبا بقنا و«إسنا» # قالوا: قنا حر فقل # ت وهل يرد الحر قنا # سر الحياة حرارة # لولاه ما طير تغنى # كلا ولا زهر تبس # م لا ولا غصن تثنى # ها قد أمنت البرد وال # برداء والقلب اطمأنا # ووقيت أمراض الرطو # بة واسترق الريح وهنا # ألقى الهواء فلا أها # ب لقاءه: ظهرا وبطنا # وأنام غير مدثر # شيئا إذا ما الليل جنا # قد خفت النفقات إذ # لا أشتري صوفا وقطنا # وفرت من ثمن الوقود # النصف أو نصفا وثمنا # فالشمس تكفل راحتي # فكأنها أمي وأحنى # فإذا بدت لي حاجة # في الغسل ألقى الماء سخنا # أو رمت طبخا أو علا # ج الخبز ألقى الجو فرنا # سكنى القرى تدع السفي # ه موكلا بالمال مضنى # أي الملاهي فيه يص ms1105 # رف ماله ومتى وأنى # عش في القرى رأسا ولا # تسكن مع الأذناب مدنا # ودع الجزيرة والمها # والجسر والظبي الأعنا # واسل الأغاني والغوا # ني واسأل الرحمن عدنا # ومثل إسماعيل باشا صبري المولود سنة 1854م والمتوفى سنة 1923م، ويمتاز بثقافته ~~الواسعة؛ إذ درس القانون في مصر وفرنسا، ورقي في المناصب الحكومية إلى أن عين وكيلا ~~للحقانية. وقد شعر فيما شعر فيه أسلافه من مديح وتهان وتقريظ، وسلك في ذلك مسلك ~~الشعراء الذين قبله والشعراء المعاصرين له، فممدوحه: قد سفر فلاح منه هلال سعود، ~~وبدا فكان غرة الوجود، وهو بحر مستعذب الورد، يعم كل الناس بالرفد. # ويحلي شعره بالتورية والجناس، ويختمه بالتأريخ فيقول: # فيا «مالكي » «نعمان» خدك «شافعي» # لدى «حنبلي» العذل إذ قام بالعذر # ويقول: # فاهنأ بنجلك إن السعد أرخه ~~«لبيب دام لك المحفوظ محمود» # أما الناحية التي نبغ فيها فهي مقطوعاته القصيرة يجري فيها ذوب ~~قلمه ويمزج فيها دم نفسه بمعناه ولفظه، يغني فيها لنفسه، ويقصد بها إلى بث لوعته، ~~وتخفيف كربته. وقد كان في هذا يتحرى أن ينقد شعره قبل أن ينقده الناس، يطيل إجالة ~~المعنى في نفسه، ويتريث في نظمه، ويتمهل في صوغه، يغوص على المعاني كالغواص على ~~اللآلي، ثم لا يقتنع بأية لؤلؤة ولا يرضى بها إلا أن تكون غاية القصد وواسطة العقد، ~~ويرى أن شعره كعرضه يحرص أن يطيب نشرهما، ويخلد في الصحائف ذكرهما. ويقول في ذلك: # شعر الفتى عرضه الثاني فأحر به # ألا يشوه بالأقذار والوضر # فانقد كلامك قبل الناقدين تخط # ثاني النفيسين من لغو ومن هذر # وهذه المقطوعات التي عني بها يتجلى فيها صدق العاطفة حتى ليبكي السامع لبكاه، ~~ويأنف لأنفته، كما يمتاز بدقة المعني ورقته حتى كأنه مناغاة أطيار، أو مناغمة ~~أوتار. ويصغي إليه السامع في دعة وسكون لا في ضوضاء وجلبة، ولهذا كثيرا ما تغنى به ~~المغنون، وأعجب به السامعون؛ من مثل قوله: # أقصر فؤادي فما الذكري بنافعة # ولا بشافعة في رد ما كانا # سلا الفؤاد الذي شاطرته زمنا # حمل الصبابة فاخفق وحدك الآنا ms1106 # هلا أخذت لهذا اليوم أهبته # من قبل أن تصبح الأشواق أشجانا # لهفي عليك قضيت العمر مقتحما # في الوصل نارا وفي الهجران نيرانا # وقوله: # يا مقر الغزال قد صح عندي # اليوم أني اقتحمت منك عرينا # رابني فيك ما أرى من عيون # بات يغري بها السواد عيونا # وضلوع جاءتك وهي خوال # ثم عادت ملأى هوى وشجونا # ما الذي يبتغي غزالك مني # بعد كوني عبدا له أن أكونا # كلما قلت: قد أبل فؤادي # ساورته الذكرى فجن جنونا # وقوله: # يا راحة القلب يا شغل الفؤاد صلي # متيما أنت في الحالتين دنياه # زيني الندي وسبلي في جوانبه # لطفا يعم رعايا اللطف رياه # ريحانة أنت في صحراء مجدبة # من الرياحين حيانا بها الله # إن غاب ساقي الصلا أو صد، لا حرج # هذا جمالك يغنينا محياه # وقوله: # أبثك ما بي فإن ترحمي # رحمت أخا لوعة مات حبا # وأشكو النوى ما أمر النوى # على هائم إن دعا الشوق لبا # وأخشى عليك هبوب النسيم # وإن هو من جانب الروض هبا # وأستغفر الله من برهة # من العمر لم تلقني فيك صبا # تعالي نجدد زمان الهناء # وننهب لياليه الغر نهبا # تعالي أذق بك طعم السلام # وحسبي وحسبك ما كان حربا # وربما كان من الظواهر التي تلفت النظر ظهور أديبات شاعرات بجانب الشعراء، قد ثقفن ~~كما يثقف الرجال، وشعرن كما يشعر الرجال. # ومن أبرز هؤلاء، عائشة التيمورية المولودة في القاهرة 1840م والمتوفاة في أوائل ~~القرن العشرين 1902م. نشأت في بيت من بيوت الفضل والأدب، وثقفت اللغات العربية ~~والتركية والفارسية، ونظمت الشعر بها، ولها ديوان شعري أسمته حلية الطراز، وكتاب ~~نثري أسمته نتائج الأحوال، ومن شعرها قولها: # بيد العفاف أصون عز حجابي # وبهمتي أسمو على أترابي # وبفكرة وقادة، وقريحة # نقادة، قد كملت آدابي # فجعلت مرآتي جبين دفاتر # وجعلت من نقش المداد خضابي # ما عاقني خجلي عن العليا ولا # سدل الخمار بلمتي ونقابي # عن طي مضمار الرهان إذا اشتكت # صعب السباق مطامح الركاب # ومن هؤلاء وردة اليازجي (1838-1924م) وهي ابنة الشيخ ناصيف، ولدت في ms1107 لبنان ~~وأفادت من أبيها فنون الأدب، ومات عنها زوجها فانتقلت إلى مصر، حيث أخذت تنشر نظمها ~~ونثرها، ولها ديوان مطبوع معروف. # وليس في شعرهما وأمثالهما جديد، وإنما الجدة فيه أنه شعر نساء. ~~••• # ثم انتقل الشعر خطوة جديدة بعد ذلك تتجلى في تحوله إلى النظر إلى الشعوب، ~~والإكثار من موضوعات الوطنيات والقوميات والاجتماعيات؛ من مثل طلب الاستقلال، ~~ومحاربة الاستعمار والمستعمرين، والعطف على المظلومين والمنكوبين. # وقد بدأ هذا التحول في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ونما في القرن العشرين، ~~وشعر فيه من عاشوا في هذين القرنين أمثال شوقي وحافظ وخليل مطران وولي الدين يكن ~~والزهاوي والرصافي. # وتبع ذلك رقي منزلة الشعر؛ فبعد أن كان ينظر إليه كما ينظر إلى الضارب بالدف يتغنى ~~بالمدائح، أصبح ينظر إليه على أنه فنان ماهر يخدم الهيئة الاجتماعية ويبين عنها. ~~وسيأتي توضيح ذلك عند الكلام عن القرن العشرين إن شاء الله. # وقد ظهر التجديد في الشعر أيضا في التعرض للموضوعات الجديدة كالقول في المخترعات ~~الحديثة من مثل القول في القطار والطائرة والمنطاد والكهرباء، وكالقول في مظاهر ~~الحياة الاجتماعية الجديدة كتحرير المرأة وغيرها، ومن أمثلة ذلك قول نجيب الحداد ~~(المتوفى 1899م) في القمار: # قد اختصروا التجارة من قريب # فعدم في الدقيقة أو يسار # كأن وجوههم ندما وحزنا # كساها لون صفرته النضار # فبينا تبصر الوجنات وردا # إذا هي في خسارتهم بهار # عصائب لا يود المرء فيها # أخاه، ولا يراعي الجار جار # يلاحظ بعضهم بعضا بعين # يكاد يضيء أسودها الشرار # فكم غضبوا على الأيام ظلما # وكم حنقوا على الدنيا وثاروا! # وكم تركوا النساء تبيت تشكو # وتسعدها الأصيبية الصغار! # تبيت على الطوى ترجو وتخشى # بوارقها السهاد والانتظار # فبئست عيشة الزوجات حزن # وتسهيد وهجر وافتقار # وبئست خلة الفتيان هم # وأتعاب وخسران وعار # وكقوله في وصف القطار: # تخل عن التشبيب بالبيض والسمر # ودع عنك تشبيه المحاسن بالبدر # وعج بي إلى طرق الحديد ووصفها ال # جديد ودع ما مر من قدم الدهر # ففيها يروق الوصف وهي حقائق # وفيها يحق النعت لا مذهب الشعر ms1108 # وعنها يصح القول إن قيل بارق # يشق الفلا لا عن جواد ولا مهر # فطير بلا جنح، وطود بلا بقا # وبرق بلا جو وهاد بلا فكر # بلى هي طير، والبخار جناحه # وطود إذا شبهت بالطود ما يسري # وبرق ولكن الدخان سحابه # وهاد له لب توقد عن جمر # يسير فما يدرى لسرعة سيره # أتجرى لديه الأرض أم فوقها يجري # وللريح حوليه حفيف، كأنه # حفيف جناح الصقر حن إلى الوكر # إذا ثار ثارت فوقه راية من الد # خان لتنبي أنه ملك القفر # تمزقها الأرياح حنقا كأنها # تحاول في تمزيقها ~~الأخذ بالثأر # ومن مظاهر التجديد التي حدثت ما كان من أثر هجرة جماعة من السوريين واللبنانيين ~~إلى القارة الجديدة وتشربهم من مناهل الحياة الاجتماعية، وتثقفهم بالثقافة الحديثة، ~~فأتوا في الشعر بجديد، وكان على رأسهم جبران خليل جبران المولود في لبنان 1883م ~~والمتوفى في نيويورك 1931م، وتظهر هذه الجدة في سعة الخيال، ومحاولة خلق الشعر ~~المرسل، والتأثر بالأساليب الغربية، كما تظهر من ناحية أخرى في الإشادة بالحرية ~~والثورة على ضعف الإنسانية الغربية. # ولم تنم هذه الحركة وتنضج إلا في القرن العشرين، ومن ثم نرجئ تأريخها إلى ما ~~بعد. ~~(ب) النثر # كان حظ النثر في الرقي خيرا من حظ الشعر لأن المثقفين من الناثرين ثقافة عربية كانوا ~~أكثر عددا من المثقفين من الشعراء، وذلك طبيعي. ولأن حاجة الأمة إلى الناثرين أكثر من ~~حاجتها إلى الشعراء فالنثر ضروري والشعر كمالي؛ فقد استخدم النثر في الصحافة وفي تأليف ~~الكتب وفي تبادل الرسائل وفي الدعوة إلى الإصلاح وفي الخطابة وفي الترجمة الأدبية ~~والحركة العلمية، وقد تعاونت هذه كلها على تقدم النثر وصقله حتى وفق أن يخطو هذه الخطوة ~~الواسعة. # وكذلك استطاع النثر بعد قليل من ظهور عوامل النهضة أن يتحرر من القيود الثقيلة التي ~~كان يتقيد بها؛ تحرر من السجع فانطلق وتدفق، وكان للصحافة أكبر الأثر في ذلك لأن ~~الأسلوب الصحفي يحتاج إلى السرعة والانطلاق، كما تحرر من المحسنات البديعية الأخرى، ومن ~~تكرار الجمل المملة في المعنى الواحد، وتخلص ms1109 بالتدريج من المقدمات الطويلة التي كان ~~يتكلفها الكاتب أمام الموضوع، كما اتجه الكتاب تدريجيا إلى تقويم المعاني كما قوموا ~~الألفاظ، بعد أن كانت المعاني في المرتبة الثانية والألفاظ في المرتبة الأولى. # وتقدم النثر فوق ذلك من ناحية القصد في المقال إلى معنى واحد محدد يولده الكاتب ~~ويستوفيه بعد أن كان الكاتب يقدم على الكتابة وليس له معنى محدود، بل يتبعثر هنا وهناك ~~من غير قصد ومن غير غرض. # ونما كما نمت فكرة التحليل وكان يغلب على الأدب فكرة التركيب، كل هذا كان أثرا من أثر ~~الصلة بالثقافة الأجنبية والاطلاع عليها والاستفادة منها وهضمها وتقليدها. # كما تأثر النثر من ناحية الأسلوب؛ فتسرب إليه أنماط من الأساليب الأجنبية واستعمال صيغ ~~لم تكن تعرف في اللغة العربية. # وكما كان للثقافة الأجنبية أثر ظاهر في كل ذلك، كان أيضا للرجوع إلى الكتب العربية ~~القديمة ذات الأسلوب الجيد المرسل، أمثال كتب ابن المقفع والجاحظ وغيرها، أثر عند بعض ~~الكتاب في جزالة اللفظ وحسن السبك والاقتراب من نماذج النثر العربي الأصيل. # كما كان للبيئة وأحداثها وما تداول عليها من ظلم ومكافحة للظلم، واحتلال ومناهضة ~~الاحتلال ومطالبة بالاستقلال، وسوء حالة اجتماعية ورغبة في الإصلاح، أثر في صبغ النثر ~~بأصباغ جديدة فكثرت الكتابة في الموضوعات السياسية والاجتماعية، وأن يدب دبيب الحرارة ~~والحماسية في هذه الموضوعات فيكسبها قوة من حيث المعنى ومن حيث الأسلوب ومن حيث الأدب ~~أيضا. # وكان من عوامل التقدم في هذا الباب اطلاع نخبة من المثقفين على ما كتب في مثل هذه ~~الموضوعات في اللغات الأجنبية والتأثر بها، والاقتباس منها، وإبرازها في شكل يتفق ~~والذوق الشرقي والأحاسيس الشرقية. # ونضح التقدم في دراسة العلوم من طبيعة وكيمياء وقانون وطب وهندسة وفلك وغير ذلك على ~~النثر العربي، والنثر عادة أكثر تأثرا بهذا من الشعر لقرب النثر من الحقائق، وقرب ~~الشعر من الخيال، فكان من أثر ذلك ميل النثر إلى الدقة في التعبير، والمنطق في التحرير، ~~والصحة في المنهج، واستخدام كثير من القضايا العلمية في الأدب. # وعلى كل حال ms1110 فقد تأثر النثر العربي في هذا القرن بمؤثرين كبيرين: الثقافة العربية ~~وأظهر ما كان أثرها في المعاني والموضوعات، وتسرب بعض الأساليب من الثقافة العربية ~~القديمة وأظهر ما كان أثرها في الجزالة وحسن السبك وبعض العبارات أيضا. # وهناك من الكتاب الأول من تأثر بالعامل الأول أكبر أثر، ومنهم من تأثر بالعامل الثاني ~~أكبر أثر، ولم تخل طائفة من الطائفتين من التأثر بالأخرى إلى مدى قريب أو بعيد. # ثم عامل ثالث وهو ما كانت توحي به البيئة الاجتماعية ومطالبها. # وتتضح نهضة النثر وتقدمه إذا نحن قارنا بين النتاج الأدبي في أول القرن التاسع عشر من ~~مثل الكتاب الذي جمع فيه إنشاء الشيخ حسن العطار (المتوفى 1250ه/1835م) المسمى ~~«إنشاء العطار»؛ وبين هذا النتاج الأدبي في أواخر القرن التاسع عشر من مثل ما كان ينشره ~~إبراهيم المويلحي (المتوفى 1906م) في مجلة «المصباح» وكتابه «ما هنالك». # يقول الشيخ حسن العطار في رسالة إلى أحد إخوانه: # أما بعد، فإن أحسن وشي رقمته الأقلام، وأبهى زهر تفتحت عنه الأكمام، عاطر سلام يفوح ~~بعبير المحبة نفحه، ويشرق في سماء الطروس صبحه؛ سلام كزهر الروض أو نفحة الصبا، أو الراح ~~تجلى في يد الرشأ الألمى؛ سلام عاطر الأردان، تحمله الصبا سارية على الرند والبان، إلى ~~مقام حضرة المخلص الوداد، الذي هو عندي بمنزلة العين والفؤاد، صاحب الأخلاق الحميدة، ~~حلية الزمان الذي حلى بها معصمه وجيده ... # ويقول إبراهيم المويلحي في كتابه «ما هنالك» ينقد موكب الخليفة العثماني في صلاة ~~الجمعة (المقالة العاشرة): # ما قيصر في موكب انتصاره، ولا الإسكندر في يوم افتخاره، أستغفر الله بل ما سعد قادما ~~من القادسية، ولا المعتصم قافلا من عمورية؛ أملأ للقلوب مهابة ولا للعيون بهاء من رؤية ~~جلالة السلطان يوم الجمعة في موكبه. # في يوم الجمعة قبل الظهر بساعتين ترد العساكر رجالا وفرسانا من أطراف الآستانة عشرة ~~آلاف أو يزيدون، فينتظرون في طريق السراي السلطانية صدور الإرادة السنية بتعيين المسجد. ~~فإذا صدرت اجتمعت العساكر صفوفا مضاعفة بعضها وراء بعض. وفي هذه الأثناء تتسابق مركبات ms1111 ~~المشيرين والوزراء والمشايخ والأجانب من السفراء وغيرهم، فيجلس السفراء ومن كان معهم من ~~علية قومهم الوافدين على الآستانة في قاعة الجيب الهمايوني المطلة على تلك الساحة التي ~~لا يسمع السامع فيها قيلا ولا صهيلا إلا صليل الأسياف وترديد الأنفاس هيبة وإجلالا، ~~وانتظارا واستقبالا لإشراق نور الحضرة السلطانية. فإذا حان وقت الصلاة أشرقت المركبة ~~السلطانية المذهبة كالشمس ضياء من مطلع السراي، والمشيرون وكبار رجال (المابين) حافون ~~من حول المركبة مشاة خشع الأبصار ترهقهم ذلة من جلالة تلك العظمة الإمامية، وهم في غير ~~هذه الساعة أكاسرة الزمان وقياصرة الرومان كبرا وجبروتا، وكلهم في أمواج الملابس ~~الذهبية يسبحون، وعلى صدورهم نياشين الجوهر تخطف الأبصار وتأخذ بالألباب، والنيشان عنوان ~~كتبته الدولة ووضعته على صدر حامله شهادة منها للناس ببيان ما هو مكنون وراءه من فضائل ~~الغيرة والحمية، فإذا اختلف المكتوب على الصدر عن المكنون في القلب، كانت كبائع يغش ~~الناس بوضعه على زجاجة الخل عنوان ماء الورد ... أما المراقبة والمحافظة على المسجد من ~~جهاته الست فلا يقدر على وصفها واصف، ولا يدخل المسجد مصل إلا إذا فتشه المراقبون تفتيش ~~اللص سرق فص خاتم. وإن الخطيب ليتجنب في خطبته كل آية وكل حديث فيه ترغيب في العدل أو ~~تنفير من الظلم أو إيحاء إلى موعظة من نهي عن منكر أو أمر بمعروف. ولا يدور في تلك ~~الخطبة من كل جمعة إلا حديث واحد اختاروه لبعده عن كل تأويل وهو «إن الله جميل يحب ~~الجمال.» فإذا جاء عيد الأضحى استبدلوه بحديث آخر وهو قوله «سمنوا ضحاياكم.» وهكذا في ~~مساجد الآستانة لا يخطب الخطباء إلا بهذين الحديثين. # وقد قطع النثر هذه المسافة كلها على خطوات. ولعل الذي يمثل الخطوة الأولى رفاعة ~~رافع الطهطاوي؛ فقد كان من أكبر عوامل النهضة العلمية والأدبية في مصر، سافر إلى فرنسا ~~سنة 1826م، وعكف على دراسة اللغة الفرنسية، ولما عاد سنة 1831م تولى ترجمة الكتب الهندسية ~~والفنون العسكرية، ثم ترجم جغرافيا «ملطبرون» وأكبر أثر له في خدمة النهضة ما قام به ~~في ms1112 مدرسة الألسن من تعليم كثير من الطلبة الترجمة إلى اللغة العربية، فقدم هو وتلاميذه ~~للآداب العربية بمعناها الواسع كتبا قيمة في مختلف العلوم كانت دعامة من الدعائم التي ~~قامت عليها الحركة العلمية. وكان حركة دائمة في التأليف والترجمة والتدريس، ألف رحلته ~~إلى فرنسا وسماها «خلاصة الإبريز والديوان النفيس» وفيها نظرات اجتماعية صادقة. كما ألف ~~كتاب «المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر» وكتاب «المرشد الأمين في تربية البنات ~~والبنين» ويعد بحق الخطوة الأولى في الدعوة إلى تعليم البنات، تلتها الخطوة الثانية ~~التي خطاها قاسم أمين في كتابه «تحرير المرأة». # وألف كتابا في تقريب النحو سماه «التحفة المكتبية» وكتابا سماه «مباهج الألباب» بحث ~~فيه في آداب العصر وعلومه، فكان خطوة جديدة في الابتكار في التأليف، وشرح «لامية العرب» ~~وألف «نهاية الإيجاز» في السيرة النبوية، إلى غير ذلك من الكتب في مختلف فروع ~~الثقافة. # هذا إلى عمله الدائب في الإشراف على ما يترجمه تلاميذه وإصلاحه، وإرشادهم إلى المنهج ~~القويم في الترجمة. # فله الفضل على النهضة الحديثة في تقديم ذخيرة قيمة من الفكر الأوروبي، وتأثره بالثقافة ~~الفرنسية وهضمها، وإخراجها في تآليف تتصل بالإصلاح الاجتماعي في مصر. # والحق أنه أغنى الفكر العربي أكثر مما أغنى الأسلوب الأدبي؛ فقد كان يغلب عليه أثر ~~العصر الماضي في حبه للسجع والبديع، وسائر ما قيد به النثر القديم. ولكنه تحرر من ذلك في ~~الترجمة بطبيعة الحال. وكان انتقاله في الأسلوب انتقالا بطيئا بحكم التطور. تحلل من ~~بعض القيود وحافظ على بعضها، ولم يتدفق ولم ينطلق لأن الطبيعة أبت عليه الطفرة. # وقد مات رفاعة الطهطاوي في عام 1873م بعد أن خدم النهضة طول حياته خدمة لا تقدر. # ومن أمثلة نثره هذه القطعة في حب الوطن: # إن حب الوطن من الإيمان، ومن طبع الأحرار إحراز الحنين إلى الأوطان. ومولد الإنسان ~~على الدوام محبوب، ومنشؤه مألوف له ومرغوب، ولأرضك حرمة وطنها، كما لوالدتك حق لبنها. ~~والكريم لا يجفو أرضا بها قوابله، ولا ينسى دارا فيها قبائله. فإني وإن ألبستني ~~المحروسة نعما، ورفعت ms1113 لي بين أمثالي علما، وكانت أم الوطن العام، وولية الآلاء ~~والإنعام، وأحبها حبا جما، لأنها ولية النعمي، وقضيت فيها الأربعين مجاورا «كرام السجايا والبحور ~~الطواميا» فلا زلت أتشوق إلى وطني الخصوصي وأتشوف، وأتطلع إلى ~~أخباره السارة وأتعرف، ولا أساوي بطهطا الخصبة سواها، في القيام بالحقوق وإكرام مثواها. # منازل لست أهوى غيرها سقيت # حيا يعم، وخصت بالتحيات # وأمنحها زمنا بعد زمن الزيارة، ~~وأجدد فيها من هبات الحكومة العمارة، وأبذل في محبتها النفيس لتحصيل الأراضي للزرع ~~والغرس، وأفتخر بها كما افتخر عصام بالنفس، وأنشد قول الحافظ كمال الدين الإدفوى: # أحن ~~إلى أرض الصعيد وأهله # ويزداد وجدي حين تبدو قبابها # وتذكرها في ظلمة الليل مهجتي # فتجري دموعا إذ يزيد التهابها # وربما تجلت الخطوة الثانية في رقي النثر في كتابات عبد الله باشا فكري والشيخ ناصيف ~~اليازجي. أما عبد الله فكرى فقد كان، بحق، خليفة رفاعة الطهطاوي، لا من حيث الترجمة؛ فقد ~~كان لا يعرف إلا العربية والتركية، ولكن من ناحية أنه كان مركز الحركة الفكرية في عصره. ~~اتصل بالتعليم حتى كان ناظر (وزير) المعارف المصرية، وكان اليد اليمنى لعلي باشا مبارك ~~في تآليفه وأعماله العلمية. وله رحلة وصف فيها سفره إلى أوروبا لحضور مؤتمر المستشرقين ~~الذي عقد في استكهولم سنة 1888م، ولم يتمها، ولكن أتمها ابنه من بعده، ونشرها سنة ~~1892م، كما أنه ألف كتبا مدرسية مثل «الفصول الفكرية» نقل بها التأليف المدرسي خطوة ~~جديدة. والناظر في كتابه «الآثار الفكرية» يرى أنه يتأرجح بين الأسلوب القديم في بعض ~~الموضوعات والأسلوب العصري في بعضها. وهذا شأنه أيضا في الموضوعات التي اختار الكتابة ~~فيها، وهو إلى القديم أقرب في أسلوبه، وإلى الحديث أقرب في موضوعاته. ولعل ذلك ناشئ من ~~أنه نشأ نشأة أزهرية، وتأدب بآداب العربية القديمة، ولم يكن له إلى جانب ذلك ثقافة ~~أوروبية راسخة، وإنما نال هذه الزعامة الأدبية في عصره باستعداده الطبيعي الجيد وباتصاله ~~بالأوساط الراقية التي كان يتشرب منها أفكاره الجديدة ويعمل فيها فكره فينميها ~~ويولدها. # وقد مات عبد الله فكري ms1114 سنة 1889م بعد أن أثر في النهضة الحديثة أثرا بالغا. # من نماذجه في الكتابة قوله في كتاب إلى أحد أصحابه ينقد سيرة بعض المشتغلين بالعلم ~~وطرائقهم في تعلمه، وقصورهم عن الإفادة منه (الآثار الفكرية، ص207). # وسألت عن فلان وفلان، وهيان بن بيان، ممن ينتسب للعلم وأهله، ويتظاهر بشعار فضله، ولو ~~كان العلم بلحى تعظم وتطول، وشوارب تحف وتستأصل ... ثم بتشدق في الكلام، وتباله في المرام ... ~~ثم بقول الإنسان حضرت درس فلان وسمعت من لفظه باللسان، وقضيت في العلم كذا وكذا سنة ~~من الزمان، فهم أعلم من أقلته الغبراء، وأفقه من أظلته الخضراء، وإن كان للعلم غير هذه ~~الآلات، فما لهم سوى هذه الحالات ... وعلامة ما بيننا وبينهم أن يؤمر أحدهم برقعة تكتب ~~لحاجة معهودة، ويمتحن بكتاب غير هذه الكتب المعدودة ... وقد مررت بالأمس على أحدهم في ~~الدرس، يقرأ القطر لابن هشام، ويلحن لحن العوام، ومررت بآخر يدرس الكافي في علمى العروض ~~والقوافي، يقرر قوله. # قف على دارهم وابكين # بين أطلالها والدمن # فلا وربك ما أقام له ~~وزنا، ولا عرف له معنى، مع سهولة مبناه، وظهور معناه ... وقد كانت هذه العرب تتكلم بهذه ~~اللغة العلمية على الفطرة الأصلية، إلى أن اختلطت أنسابهم وتقطعت أسبابهم ... وخيف أن تذهب ~~هذه اللغة المنيفة، التي هي مدار الشريعة الشريفة ... فقيض الله لحفظها الأئمة الأعلام، ~~هداة الأنام؛ فصنفوا تلك الفنون العديدة، وألفوا هذه الكتب المفيدة، لتسهيل الأرب من ~~لغة العرب. واستمر العمل على ذلك إلى أن خلف هذا الخلف الملوم، فظنوا تلك الوسائل مقاصد ~~ليس بعدها غاية لقاصد، وحسبوا هذه الكتب تقصد لذاتها، ويكتفى بالتعبد بكلماتها، فوقفوا ~~عندها ولم يتجاوزوها لما بعدها، واتخذوا الأدب وراءهم ظهريا، وجعلوا النظم والنثر ~~شيئا فريا! وما ينفع الإعراب من لا يعرب عن المرام، وماذا يعمل بالصرف من لا يتصرف ~~في أساليب الكلام، وماذا يغني العروض عن قوم لا يشعرون، والمعاني والبيان عن قوم لا ~~ينظمون ولا ينثرون ... # أما الشيخ ناصيف اليازجي (1800-1871م) فقد عاش في بيروت وغلب عليه الأدب وتأثر ms1115 بما ~~اطلع عليه من العلوم الغربية وأنماط التعليم الجديدة، وأكثر من قراءة الآداب العربية ~~والاطلاع عليها، وقلدها، وأخرج من ذلك كله نتاجا فيه مسحة من القديم ومسحة من الجديد. ~~فقد كتب مقامات كثيرة سميت «مجمع البحرين» حذا فيها حذو مقامات الحريري. كما عني بتأليف ~~كتب لتلاميذ المدارس نحا فيها نحوا جديدا يقربها إلى الأذهان من مثل كتابه «فصل ~~الخطاب في الصرف والنحو» و«الجمان في علم البيان» و«نقطة الدائرة» في العروض، إلى كتب ~~أخرى. وهو، وإن تأثر بالقديم في أسلوبه فقد تأثر تأثرا شديدا بالميل إلى الوضوح ~~والسهولة في نثره وشعره. # يقول في إحدى مقاماته يفاضل بين العلم والمال «المقامة الأربعون: الجدلية» حدثنا سهيل ~~بن عباد قال: أصابتني وعكة شديدة، مدة مديدة، فانعكفت على توفية العلاج، وتنقية الأعفاج، # 1 # من الأمشاج؛ # 2 # فلما أمنت مس العرواء ... دعاني الملال إلى النزاهة، حتى دخلت يوما إلى ~~حديقة جميلة، ذات خميلة، قد رتعت بها عصابة جليلة. وإذا رجل عليه رداء، مثل اللواء، ~~وعلى رأسه عمامة مثل الغمامة، وهو قد أقبل على شيخ أدرد، # 3 # وقد التثم حتى صار كالأمرد، فقال قد علمت أيها الشيخ أن المال زينة الحياة ~~الدنيا، وعليه نموت ونحيا، فإنه يقضي لبانة الأولى بالمسرة، ويسهل طريق الأخرى بالمبرة، ~~وعليه مدار العيش، ونظام الجيش، وبه قيام الممالك، وتمهيد المسالك، ودفع المهالك، وهو ~~قاضي الحاجات، ورافع الدرجات، ومستعبد السادات وخارق العادات ... ولولاه لتعطلت الأعمال، ~~وحانت الآجال، وانقرضت القرون والأجيال. # فانبرى له الشيخ كأويس وقال: لا أفلحت ما غب غبيس. # 4 # ويك، إن المرء بالعلم إنسان لا بالمال، وهو المرقاة إلى درجات الكمال، وبه ~~تعلم الحقائق، وتدرك الدقائق، ويعرف المخلوق حق الخالق، وعليه ينفق الطريف والتالد، ~~وصاحبه ينال الذكر الخالد، فكم من الملوك والأغنياء الذين كانت مفاتيحهم تنوء ~~بالعصبة الأقوياء، وقد درس ذكرهم وبقي ذكر العلماء! وحسبك أن العلم لا يناله إلا أفاضل ~~الرجال، ونجى صاحبه من الأهوال. فلما سمع القوم ما دار بين الرجلين، قالوا للشيخ نري ~~صاحبك قد أخد طريق العنصلين # 5 ms1116 # وإنا لنراه من الأغنياء والأغبياء، فإنه لا يعرف منزلة العلم والعلماء. ~~فاستشاط الرجل غضبا، وقال عش رجبا تر عجبا، كيف يتأتى المراء بين اثنين، وقد وضح ~~الصبح لذي عينين ... تبا لعلمك أيها الشيخ الناهل، الذي بنوه كاليتامى وزوجته كالعاهل، # 6 # وماذا ترى علمك إذا كنت تشتهي فومة من الشذام. # 7 # أتأكل القضيم # 8 # إذا طويت، وتلبس القرطاس إذا عريت، كان للعلم دولة عند أنماط الكرام، ~~الذين عندهم لكل مقال مقام، وأما في هذا الزمان فإن المال هو الرهص # 9 # الذي يبنى عليه، والركن الذي لا يلتفت إلا إليه، فهم يحرمون الأديب، ~~ولا يحترمون اللبيب، ويصرمون الفقيه، ولا يكرمون النبيه ... فخفضن عنك ما أنت فيه، ولا ~~تتخلق بأخلاق السفيه. ثم أنشد: # قد عرف الشيخ علوم الورى # لكن هذا العلم # 10 # لم يدره # فليته أدرك هذا ولم # يدرك بواقي العلم في عمره # فانكفأ الشيخ بذلة ~~الخائب، وقال مع الخواطئ سهم صائب. فأنف القوم من ذلك الشجار، وشعروا بما مسهم من نار ~~الشنار، فنفحه كل واحد بدينار ... قال سهيل: وكان الزحام قد حال بيني وبينهما، فلا أملك أن ~~أتبين عينهما، فرصدتهما ارتقابا حتى لقيتهما نقابا. وإذا هما شيخنا الميمون وغلامه ~~رجب، فكدت أصفق من العجب. فأمرني الشيخ بالقعود، وقال انتظرنا إلى أن نعود. فكنت كمنتظر القارظين، # 11 # ولم أظفر لهما بأثر ولا عين. ~~••• # وربما مثل الخطوة الثالثة من خطى النثر الشيخ محمد عبده (1853-1905م)، في إنتاجه ~~العلمي والأدبي الأخير من مثل مقالاته التي كانت تنشر في مجلة «المنار»، وفي رده على ~~«هانوتو». وفي كتابه «الإسلام والنصرانية» كما يمثل هذه الخطوة أيضا أديب إسحاق. # أما الشيخ محمد عبده فكتاباته متأثرة بنزعته القوية نحو «الإصلاح الديني»، وقد تجلت ~~فيه هذه النزعة منذ أن كان طالبا في الأزهر، وقويت على أثر اتصاله بالشيخ حسن الطويل ~~أولا ثم بجمال الدين الأفغاني ثانيا، ولما اتصل بجمال الدين وجدت عنده النزعة ~~السياسية والوطنية بمعناها الواسع الذي يشمل العالم الإسلامي كله. # والناظر في أسلوبه يرى أنه متأثر بالقديم في أول ms1117 أمره حين كان ينشر مقالاته في ~~الوقائع والأهرام، فلما نفي إثر حوادث عرابي باشا وجاء بيروت اتصل بالكتب الأدبية ونشرها ~~بعد أن شرحها مثل مقامات بديع الزمان الهمذاني ونهج البلاغة، ويظهر أن نهج البلاغة أثر ~~فيه أثرا كبيرا، وطبع في ذهنه أساليب قوية جزلة. ثم لما اتصل بجمال الدين الأفغاني ~~وحرر معه مجلة العروة الوثقي تدفق أسلوبه كما تقتضيه الكتابة الصحفية، وتحرر من السجع ~~تحررا واسعا. ولما عاد إلى مصر بدأ يتعلم الفرنسية ويقرأ كتبها ويطلع على ثقافتها ~~وطريقة معالجتها للموضوعات، كما اطلع من كتب البلاغة القديمة على كتابي «دلائل الإعجاز» ~~و«أسرار البلاغة» وعني بنشرهما - وهما كتابان لهما أسلوب جزل وتعبير قوي وإرشاد إلى مواقع ~~الحسن في الكلام وتربية الذوق الأدبي - كل هذا أثر في أسلوبه، وجعل له خاصة القوة ~~والوضوح والتدفق، حتى لتحس وأنت تقرأ أسلوبه القديم وأسلوبه الجديد، أنك تقرأ لكاتبين ~~مختلفين تمام الاختلاف. # وعلى الجملة فقد نقل الشيخ محمد عبده النثر في أيامه نقلة جديدة بكتاباته من ناحية، ~~وبهذه المدرسة التي كونها من طلبته من ناحية أخرى، فقد كان هؤلاء الطلبة يأخذون عنه وعن ~~كتبه ومقالاته ويقلدونه ويتشربون روحه وأسلوبه وأدبه. # وقد مات الشيخ محمد عبده في عام 1905م. # ومن أمثلة نثره هذه المقتطفات من رده على «هانوتو»: # إن كان المسلمون اليوم ينتفعون بشيء، ويعتبرون بمثال، لم يكن أنفع لهم من الاعتبار ~~بما جاء في كلام مسيو هانوتو؛ فقد أرشدهم إلى عيوب فيهم لا يسعهم إنكارها، وهداهم إلى ~~مقاصد لطلاب الاستعمار في ديارهم قد شهدوا بالعيان آثارها، وصرح لهم بأن الاعتماد على ~~العدالة في معاملة الدول ضرب من الخيال، وعقد الآمال بإنصاف الأمم تلمس للمحال، وما على ~~المهتم بحماية ذماره، وطالب الطهر من عاره، إلا أن يدركهم ويعمل عملهم، ليبلغ من الحول ~~حولهم، فيفوقهم في القوة، أو يكون مثلهم فيتعاوض في المنافع معهم معاوضة المالك مع ~~الملك، لا أن يتسلى بالأعاليل، ويلهو بالأضاليل، ويقنع بالأماني، ويكتفي من العمل ~~بالصوت الجهوري واللفظ الطلي، وهو من روح قائله خلي، ms1118 حتى إذا دهموه وهو في غفلته، ~~وأخذوه في نومه أو يقظته، بسط يده يلتمس الرحمة منهم، ويرقب أن يفيض عليه سيب العدل ~~عنهم، فهذا عمل الجاهل الأحمق، وهو بالذلة والاستعباد أحق. # وهي نصيحة يجب على المسلم قبولها من أجنبي منه، وكان يجب عليه من قبل أن يقبلها من ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقد قال لخالد بن الوليد حين أرسله لحرب اليمامة «حاربهم ~~بمثل ما يحاربونك به، السيف بالسيف والرمح بالرمح.» # ولا يخفى أن كل نزاع فهو حرب، وكل منافسة فيما هو عماد الحياة فهي جلاد، وكل عمل يأتيه ~~أحد المتنافسين للظفر بمنافسه فهو جهاد، وكل وسيلة تظفره بطلبته فهي سلاح، وكل تجاذب أو ~~تدافع بينهما فهو كفاح، وكل منفعة حفظها أو استخلصها منه فهي غنيمة، وكل انخذال عن حق ~~أو تفويت لمصلحة فهو هزيمة. # فالظافر في ميدان المنافسة من كان رأيه أسد، وقوته أشد، وسلاحه أحد، فإذا قربت ~~القوتان من التكافؤ أمكن بمصالح المتنافسين أن تتفق، وسهل على كل منهما أن يرتفق، وإلا ~~استحال الاتفاق، واستبد القوى بالارتفاق، بل صعب على الضعيف أن ينال حق البقاء، سنة الله ~~في عالم الأحياء. # وقد فصل مسيو هانوتو ما أجمله بعض أساتذتنا في قوله «العدل تكافؤ القوى». # صرح مسيو هانوتو بأن أوروبا بعد أن كانت لا تشتغل إلا بما يجري فيها اندفعت إلى ~~الاستعمار، ولا يردها عنه إلا قوة الأمم التي تريد الاستعمار فيها، وضرب المثل باليابان ~~فإنها بما ارتقت في المدنية قد آذنت أوروبا بقوتها، وحملتها على الإقرار بمكانتها، وهو ~~قول حق كان على المسلم أن يعرفه من قرون، وله في كتابه المنزل خير هاد وأرشد مرشد، وكان ~~يكفيه منه آية # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ... ~~... وقد تألفت قوى الأمم الأوروبية من عناصر هي العلم والأدب والتجارة والصناعة والعدل ~~والدين والسلاح. وذكرت الدين في جملة عناصر القوة لأن مسيو هانوتو لا ينكر أن أوروبا ~~تعتمد على الدين في سياسة الاستعمار، وأن المرسلين والجمعيات الدينية من أهم الوسائل ~~لديها في ms1119 إعداد الشعوب إلى قبول سلطانها عند سنوح الفرص لسوقه إليها وتهيئة نفوس الأمم ~~لاحتمال ما ينقض به ذلك السلطان متى أظلهم، وفي فتح المغالق التي لا يستطيع السلاح وحده ~~أن يفتحها، وتمهيد السبل التي لا يمكن لساعد الجندي وحده أن يمهدها. # أما أديب إسحاق، فقد كان دمشقي الأصل، ولد بها سنة 1856م، وانتقل إلى بيروت ومصر، ~~واتصل بجمال الدين الأفغاني، وحرر في الصحف. وبعد مجيئه مصر واتصاله بالسيد جمال الدين، ~~أنشأ جريدة «مصر»، فلفت إليه الأنظار وقدر الأدباء أسلوبه تقديرا حسنا، وخافت الحكومة ~~من تأثيرها فأقفلتها، فذهب إلى باريس وأصدرها هناك وسماها «مصر القاهرة»، وقد مات شابا ~~في التاسعة والعشرين من عمره (1885م) وكان في كتابته نصير الشورى والحكم النيابي، ~~والمدافعة عن حقوق الشعب. # وإذا كان أسلوب الشيخ محمد عبده متأثرا بالأدب العربي القديم في أزهى عصوره، ودعوته ~~إلى الإصلاح مصبوغة بالصبغة الدينية فإن أديب إسحق المعاصر له كان متأثرا بالتعاليم ~~الأوروبية الجديدة، داعيا إلى تقليد الأوروبيين في نظم الحكم، وكان أسلوبه أيضا متأثرا ~~بالأدب الأوروبي، حارا كشبابه، ملتهبا من وطنيته. وقد جمعت طائفة من مقالاته في كتاب ~~اسمه «الدرر». # ومن أمثلة نثره قوله يهاجم الاستبداد: ~~«لقد عرف الناس الآن شرور الاستبداد، وترفعت نفوسهم بالعلم عن الرضا به، وصار الأمر ~~شورى عند جميع الدول المتمدنة إلا الروسيا، وذلك إن صحت تسمية الدولة المستبدة مطلقا ~~بدولة متمدنة. إن ثورة فرنسا برزت إلى عالم الفعل عام 1789م وصدمت قوة الاستبداد ~~فزلزلتها، ودفعت سطوة التقليد فضعضعتها، ورفعت عن العيون نقابها، وعن النفوس حجابها، ~~فآنست من جانبها نور الحرية، وخلعت جلابيب الرق والعبودية، فتصدى لها أعوان الرق وأنصار ~~العبودية وما آلوا في قتالها جهدا، فلقيتهم وهي ترى الموت في الحرية حياة، والحياة في ~~الرق موتا، فلم يبلغوا منها قصدا، ورسخت في عالم الوجود قدمها، وأدهشت الدنيا بشدة ~~حولها ...» # ومن ذلك هذه المحاورة التي دارت بينه وبين رياض باشا حول الحكم النيابي: ~~«زرت رياض باشا على عهد الوزارة الأجنبية في ديوان الداخلية، فقابلته خارجا من ms1120 ~~الغرفة فجلسنا على مقعد الباب، فقال: كيف ترون الحال؟ قلت رأي الوزير أوسع. قال: وما ~~الذي يبلغكم من أخبار الريف؟ قلت: إن الناس أملوا كثيرا ولم ينالوا شيئا فأوشكوا ~~أن يعودوا إلى اليأس بعد الرجاء، والوزير يعلم أن النكسة شر من الداء. فقال بازدراء: ~~فليرجعوا إلى حالة الخسف، ويعانوا عذاب الظلم. قلت: إنهم لا يرومون ذلك، ولكن يرومون ~~نيل الحرية وتأييد الكلمة الوطنية. فقال متهكما: ألا يرجون مجلس النواب؟ قلت: لا بدع ~~أن يطلب الشيء من معدنه. فقال: أي معدن في مثل هذا المجلس؟ وكيف يرجى له البقاء، وليس ~~في مصر من يعلم شيئا من أحوال السياسة الدولية ليصلح أن يكون نائبا. قلت: إن صح هذا ~~الرأي فلا يقضى بحرمان البلاد من نعمة الشورى، فإن النواب المصريين يستطيعون النظر في ~~أمورهم الداخلية وأحوالهم الزراعية وما يترتب عليه نفع البلاد ليستجلبوه، وما ينشأ عنه ~~الضرر ليجتنبوه، وهم بذلك أحق من غيرهم، فإن صاحب البيت بالذي فيه أدرى. فهمهم بكلام ~~لا يفهم، وانصرفت.» ~~••• # وقد يصح أن نقسم النثر الأدبي إلى نوعين ظاهرين: نثر اجتماعي ونثر فني. # فالنثر الاجتماعي يشمل النثر السياسي ومقالات الصحف السياسية والاجتماعية والكتب ~~المؤلفة في ذلك. # وهذا القسم كان أكثر تحررا من السجع وأنواع البديع وسائر المحسنات لأنه يعتمد ~~بطبيعته على مخاطبة جماهير المثقفين واستثارة مشاعرهم وتغذية عقولهم؛ ولذلك كان له ~~الفضل الأكبر في تحول أسلوب الكتابة من كتابة مقيدة إلى كتابة مرسلة. # وقد بدأ هذا في أول النهضة من تحرير بعض المقالات في الوقائع المصرية وفي تأليف بعض ~~الكتب التي ألفها أعضاء البعثات من مثل رفاعة الطهطاوي ومدرسته مما كانوا يعرضون من صور ~~اجتماعية طبعها في نفوسهم ما رأوا أثناء بعثتهم في أوروبا. # ثم قوي هذا النوع من الكتابة على أثر تبرم البلاد من التدخل الأجنبي في عهد إسماعيل، ~~ثم قوي واشتد على أثر الاحتلال الإنجليزي والمطالبة بالاستقلال وشعور نخبة من المفكرين ~~بسوء الحالة الاجتماعية والدعوة إلى الإصلاح. # ومن أعلام الكتاب في هذا الباب السيد جمال الدين الأفغاني ms1121 المتوفى سنة 1897م فقد شهد ~~حركة التدخل الأجنبي في عهد إسماعيل، وأثار الشعور الوطني ليصرخ في وجه الظلم، ولكن لم ~~يكن قوي الأسلوب الكتابي؛ إذ كانت تغلب عليه العجمة، غير أنه كان نارا تلتهب يحمس كل ~~من اتصل به، ويؤثر بحديثه وبروحه في مجالسه وتلاميذه، ويدفع كل من له قدرة على الكتابة ~~أن يكتب وأن يجيد الكتابة فخلق مدرسة قوية الروح قوية الأسلوب. # ربما كان هذا ممثلا خير تمثيل فيما أنشأه في باريس بعد نفيه من مجلة «العروة الوثقي» ~~إذ كان هو روح المجلة والشيخ محمد عبده قلمها وأسلوبها. # وكان من كتاب هذا النوع من النثر الاجتماعي عبد الله نديم وكان له أثر كبير في ~~كتاباته السياسية والاجتماعية أيام ثورة عرابي، وبعدها بما كان يخرج من مجلات ذات أسلوب ~~قوي جذاب يؤثر في الخاصة والعامة، على حين أن السيد جمال الدين وتلميذه الشيخ محمد ~~عبده كانا يؤثران في الخاصة؛ ذلك لأن السيد عبد الله نديم كان يعرض للمسائل السياسية ~~والاجتماعية فيخاطب الخاصة باللغة الفصحى في أسلوب قريب المنال، ثم كان يخاطب العامة ~~باللغة العامية أحيانا، ويقسم مجلته «الأستاذ» إلى قسمين تبعا لهذا الغرض. # وبعد الاحتلال وجدت نزعتان مختلفتان في السياسية والاجتماع: نزعة تميل إلى الإصلاح ~~التدريجي والميل إلى الحكومة المستبدة العادلة والتدرج بالأمة حتى تنتج أفرادا ممتازين ~~في الخلق والثقافة؛ وإذ ذاك يمكن تكوين حكومة شورية، وكان على رأس هذا الحزب رياض باشا ~~ويناصره من الكتاب الشيخ محمد عبده. وحزب يرى الإسراع في تنفيذ النظام النيابي وأنه هو ~~الذي يكون الرجال ويسير بهم نحو الكمال، وكان على رأس هذا الحزب شريف باشا ويناصره من ~~الكتاب أديب إسحق وغيره. كما وجدت فيما بعد أحزاب أخرى لها نزعاتها المختلفة ولكل نزعة ~~كتابها وأدباؤها. # وكان هذا كله نعمة على الأدب السياسي والاجتماعي؛ إذ أجرى أقلام الكتاب وألهب عواطفهم ~~وجعل كتاباتهم حارة متدفقة، فتوفر طائفة منهم على دراسة الحياة الاجتماعية؛ ينقدون حالة ~~المجتمع ويدعون إلى الإصلاح من مثل مقالات النديم والشيخ محمد عبده والمويلحي ms1122 وقاسم ~~أمين، ثم جاء الشيخ علي يوسف ومصطفى كامل وأمثالهما، فتقدما في صحفهما ونتاجهما ~~بالكتابة الاجتماعية والسياسية خطوات إلى الأمام. # وقد كان الشيخ علي يوسف أكبر صحفي مصري، أسس في جريدته «المؤيد» مدرسة وطنية إسلامية، ~~سدت حاجة المصريين إلى جريدة وطنية تناهض الاحتلال، وإسلامية تغذي العواطف الإسلامية ~~وتستجيب لها في سائر الأقطار العربية، وحازت جريدته من الشهرة والنفوذ والسعة ما لم ~~تحزه جريدة أخرى في عصره، والتف حولها كثير من الكتاب يغذونها بأقلامهم ~~ومشاعرهم. # وقد مات سنة 1913م بعد أن خدم بقلمه الأدب والعاطفة الوطنية والشعور الإسلامي خدمة ~~كبرى. # وكان له أسلوب سيال متدفق قوي، يتحين فرص الأزمات الدينية والسياسية فيجري فيها ~~قلمه بالروائع، فهو بحق قد نقل الأسلوب العربي العصري الحديث نقلة جديدة. # ومن أمثلة نثره هذه القطعة كتبها تحت عنوان «لا تعصب في مصر»: ~~«قالوا: إن المصريين متعصبون تعصبا دينيا، ومعنى هذا أنهم يكرهون المخالفين لهم في ~~الدين كراهة عمياء، يعتدون عليهم بروح البغضاء المتناهية، كلما سنحت لهم فرصة الافتراس ~~أو استفزهم صائح. # في البلاد من قديم الزمان أديان مختلفة يتجاور أهلوها في المنازل، ويتشاركون في ~~المرافق، ويتنافسون في الأعمال، فلم تكن بين المسلمين والأقباط تلك الروح الشريرة. ولو ~~كانت في فطرة المسلمين أو في فطرة الفريقين للاشت الأكثرية الأقلية في عصور مضت وخصوصا ~~في عصور كانت الجهالة فيها سائدة، وكان بعض الحكام من المماليك وغيرهم يبذرون بذور ~~البغضاء بين الفريقين لا لخدمة دينية إسلامية، ولكن لأعراض شتى منشؤها الشهوات ~~والمطامع. ولكن التواريخ تدل على أن الفريقين عاشا على الوئام والسلام في كل الظروف أو ~~أكثرها. # وفد على القطر المصري منذ أول عهد المرحوم محمد علي باشا الكبير وفود من كل الطوائف ~~والأجناس ... كان منهم الموظفون في كل مصلحة، حتى تولى نوبار باشا رئاسة النظار في مصر، ~~وكان قائمقام خديوي، ورئيس الاحتفال بموكب المحمل الشريف، فهل يوجد في أمة غير الأمة ~~المصرية المسلمة مثل هذا التساهل؛ فيرأس احتفالا دينيا مسيحيا مسلم أو غير ~~مسيحي؟ # وكان من علمائهم الأساتذة ms1123 والمعلمون ونظار المدارس والمكتشفون، فهل الأمة التي تربي ~~أبناءها على أيدي الأساتذة من غير دينها تعد متعصبة؟ وكان التجار على ما يحبون من الرحب ~~والسعة وحسن القبول، فضربوا في البلاد بمتاجرهم من غث وسمين، وجيد ورديء، وخالص ومغشوش، ~~حتى صارت مصر من أوسع أسواق متاجر أوروبا ومعاملها التي وجدت إقبالا من الأمة ~~هائلا. # وهؤلاء بعض الأجانب يقيمون الأكواخ الصغيرة الحقيرة لبيع الخمور الرديئة في كل قرية ~~من قرى القطر، مهما سحقت وقل عددها ... حتى يكون الصعلوك منهم في بضع سنوات صاحب القرية ~~ومزارعها ومداين أهلها وسيدهم، فهل هؤلاء هم المتعصبون الذين يخشى من شرهم في وادي ~~النيل على الأوروبيين؟!» # ولما زاد ضغط السلطان عبد الحميد، وضيق على الناس حريتهم، ورماهم بالظلم وسوء ~~الإدارة، وأخذهم بالظنة والشدة، كان من الطبيعي أن ينهض الأحرار لمقاومة الطغيان فكان ~~من ذلك كتاب ينشرون المقالات القوية في هذا الظلم ويتعرضون للسجن والنفي والقتل. # وعلى الجملة فقد كان من نتيجة هذا وجود حركة فكرية وأدبية في البلاد العربية المحكومة ~~بالدولة العثمانية، وفرار كثير من الكتاب إلى مصر، يدرعون بها ويهاجمون السلطان عبد ~~الحميد ونظامه الاستبدادي بمقالات أو كتب أدبية في غاية من القوة والحرارة كما فعل ~~الشيخ ناصيف اليازجي في بيروت، وكما فعل إبراهيم المويلحي في مصر في كتابه «ما هنالك» ~~الذي نقد فيه الحكم التركي دون أن يصرح باسمه، وكما فعل السيد عبد الرحمن الكواكبي ~~في كتابيه «طبائع الاستبداد» و«أم القرى» وكما فعل ولي الدين يكن بعد ذلك في أوائل ~~القرن العشرين. # أما النثر الفني، ونعني به النثر الذي يقصد فيه إلى الصياغة والجمال والموسيقى ~~والإمتاع الفني أكثر مما يقصد فيه إلى نقل الأفكار، وتقرير الحقائق؛ فقد كان رقيه أقل ~~وخطواته أضيق، ولم يتحرر من سجعه وبديعه طوال القرن التاسع عشر إلا قليلا، وكان أكثر ~~ما يتجلى في الإخوانيات، والمساجلات الأدبية، والتقدمة لموضوع اجتماعي، ونحو ذلك. # وكثيرا ما يكون للأديب لونان: لون يتأنق فيه ويتقيد بالقيود الرسمية ويتصنع فيه ~~ويتكلف ويعمل ذهنه وخياله للعثور على ms1124 نوع من أنواع البديع، أو فقرتين يؤلف بينهما سجعة، ~~ويحتذي فيه حذو الأقدمين من الكتاب أمثال بديع الزمان والحريري، ولون يترسل فيه ويتحرر ~~من القيود إذا عرض لموضوع اجتماعي أو سياسي كما فعل محمد المويلحي في حديث عيسى بن ~~هشام، وكما نرى في كثير من المقالات التي كتبت في هذا العصر. # وقد قل هذا الأدب بطغيان الأدب الاجتماعي والسياسي عليه وبحكم أن الناس رأوه ضربا من ~~ضروب الكمال ورأوا المقالات السياسية والاجتماعية حاجة من حاجات الغذاء العقلي ~~والعاطفي. # ويعد عبد الله باشا فكري مثلا من أدباء النثر الفني في بعض مقالاته وخاصة إخوانياته ~~ومداعباته. ومن هذه الأمثلة ما كان من المساجلات بين الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري ~~وشكيب أرسلان. كما أن من هذا النوع المقامات التي قلد فيها الأقدمون مثل مقامات الشيخ ~~ناصيف اليازجي «مجمع البحرين». # ومما يلاحظ أن النثر السياسي والاجتماعي كان أكثر تأثرا في ترسله ومعانيه بالأدب ~~الغربي وإن اتخذ موضوعاته من البيئة الشرقية. أما الأدب الفني فأكثر تأثرا بالأدب ~~العربي القديم في أسلوبه وقيوده. # وهناك أديبان كبيران امتازا بناحيتهما الأدبية الفنية كما امتازا بناحيتهما اللغوية ~~وبسعة الاطلاع وقوة النقد؛ فأثرا في الأدب العربي في القرن التاسع عشر أثرا كبيرا، ~~وهما أحمد فارس الشدياق، وإبراهيم اليازجي. # فأما أحمد فارس الشدياق فقد كان لبناني الأصل: كان نصرانيا، واتصل بباي تونس فأسلم، ~~ورحل إلى أوروبا، واستفاد من رحلته فيها، وكان واسع الاطلاع في اللغة؛ يدل على ذلك كتبه: ~~الساق على الساق فيما هو الفارياق، والجاسوس على القاموس، وسر الليال في القلب ~~والإبدال. # وخدم الصحافة بإنشائه جريدة الجوائب في الآستانة باللغة العربية، كما كان له فضل كبير ~~في اختيار مصطلحات لكلمات أجنبية لا تزال تستعمل إلى اليوم. # وأنشأ بجانب جريدة الجوائب مطبعة كان لها الفضل أيضا في نشر كتب عربية قيمة من الكتب ~~الأدبية القديمة التي عثر عليها في مكاتب الآستانة. # ويعد الشدياق بحق من أعلام الأدب بما كتب من مقالات أدبية وبما نقد من أحوال ~~اجتماعية، وبما نبه إليه من ms1125 أخطاء لغوية، وبما نشر من كتب قيمة. # ولم يتحرر الشدياق في أسلوبه من قيود العصر القديم من التزام السجع أحيانا، وتكلف ~~أنواع البديع أحيانا، ولكنه كان غزير المعاني، واسع الأفق، تعرض لموضوعات قلما تعرض ~~لها من قبله؛ من وصف لمشاهد اجتماعية في البلاد الشرقية والغربية، مع الفكاهة الحلوة ~~والنقد اللاذع، وإن كان يؤخذ عليه فيها التبذل أحيانا إلى ما يترفع عنه الأديب ~~العف. # وأسلوبه أميل إلى الإطناب، مملوء بالفكاهة، كثير المترادفات، عنيف في النقد. # وقد مات في عام 1887م بعد أن عمر طويلا، وبعد أن أغنى اللغة العربية، بما بعث من ~~كلمات، وخلق من مصطلحات، ونشر من كتب، وأحيا من نقد. # ومن أمثلة نثره القطعة التالية تصف مصر (الساق على الساق، الفصل السابع، 203): «بلد ~~الخير ومعدن الفضل والكرم، أهلها ذوو لطف وأدب وإحسان إلى الغريب، وفي كلامهم من الرقة ~~ما يغني الحزين عن التطريب، إذا حيوك فقد أحيوك، وإن سلموا عليك فقد سلموك، وإن زاروك ~~زادوك شوقا إلى رؤيتهم، وإن زرتهم فسحوا لك صدورهم فضلا عن مجالسهم. أما علماؤها فإن ~~مدحهم قد انتشر في الآفاق، وفات فخر من سواهم وفاق، بهم من لين الجانب ورقة الطبع وخفض ~~الجناح وبشاشة الوجه ما لا يمكن المبالغة في إطرائه ... وكلهم فصيح اللهجة، بين الكلام، ~~سريع الجواب، حلو المفاكهة والمطارحة، وأكثرهم يميل إلى هذا النوع الذي يسمونه ~~الأنفاط، وكأنه المحارزة، وهي مفاكهة تشبه السباب وهو أشبه بالأحاجي، فإن لم يكن قد تدرب ~~فيه لا يمكنه أن يفهم منه شيئا وإن يكن شاعرا. وكلهم يحب السماع واللهو والخلاعة ~~وغناؤهم أشجى ما يكون فلا يمكن لمن ألفه أن يطرب بغيره، وكذلك آلاتهم فإنها تكاد تنطق ~~عن العازف بها، وأعظمها عندهم هو العود، وقل اعتناؤهم بالناي، ولهم في ضرب العود طرق ~~وفنون تكاد تكون من المغيبات، غير أني أذم من غنائهم شيئا واحدا، وهو تكرير لفظة ~~واحدة من بيت أو موال، مرارا متعددة حتى يفقد السامع لذة معنى الكلام، ولكن أكثر ما ~~يكون ذلك من المتطفلين على ms1126 الفن، وبعكس ذلك طريقة أهل تونس فإن غناءهم أشبه بالترتيل، ~~وهم يزعمون أنها كانت طريقة العرب في الأندلس ...» # وربما خلفه في بابه إبراهيم اليازجي وهو لبناني الأصل عاش من سنة 1847-1906م وهو ~~ابن الشيخ ناصيف اليازجي الأديب المشهور الذي تقدم ذكره. مال إلى الصحافة أول أمره ~~فكتب في جريدة الصباح في بيروت، وعلم البيان وآداب اللغة العربية في إحدى مدارسها، ثم ~~تحول إلى مصر، وأنشأ بها مجلة البيان. # وكان مثقفا ثقافة واسعة في اللغة العربية والفرنسية وكان يعرف العبرية ~~والسريانية. # وعرف بكثرة التحري والتدقيق فيما يكتب ويبحث، لا يرضى أن يخرج شيئا للناس من آثاره ~~حتى يطيل النظر فيه ويجيل يده في إصلاحه وتعديله مرارا؛ ولذلك قل إنتاجه إذا قيس ~~بمجهوده ومدة اشتغاله. # وقد شارك أحمد فارس الشدياق في كثير من صفاته من اتساع في معرفة اللغة العربية ~~وآدابها ونقد للتعبيرات والأساليب الشائعة في زمنهما وتوجيه الكتاب والأدباء إلى أن ~~يتقنوا ما ينشئون، ويجودوا ما يكتبون، كما اشترك بوضع كثير من المصطلحات ~~اللغوية. # وقد شاء القدر أن يتساجل الرجلان، حين نقد أحمد فارس الشدياق أباه الشيخ ناصيف ~~اليازجي عقب وفاته، فاضطر إبراهيم للدفاع عن أبيه، وقد كان أحمد فارس الشدياق إذ ذاك نيف ~~على السبعين، وكان إبراهيم اليازجي شابا، ولعل هذا هو ما وجهه إلى التزود من اللغة ~~وحذوه حذو أحمد فارس الشدياق في الميل إلى النقد مع كثرة البحث وسعة الاطلاع. # وأخرج اليازجي كتبا تتجلى فيها مواهبه واتجاهاته، فله كتاب لغة الجرائد نقد فيه ~~الأساليب والألفاظ التي يكثر استعمالها في الجرائد والمجلات مما لا يتفق وفصيح ~~اللغة. # وله «نجعة الرائد في المترادف والمتوارد» أخرج منه جزأين وبقي الثالث بناه على الإنسان ~~وصفاته، وما يتصل به، يذكر في كل فصل الجمل المختارة والألفاظ المنتقاة التي تستعمل في ~~المعنى الواحد على نحو أوسع مما فعل صاحب الألفاظ الكتابية، وما فعله الحصري في فصول من ~~كتاب «زهر الآداب». # كما نشر نقدا له على محيط المحيط للبستاني. وألف شرحا جميلا لديوان المتنبي كان ms1127 ~~بدأه أبوه من قبله بتعليقات على الأبيات، وهو شرح تتجلى فيه مواهب اليازجي من دقة ~~وتركيز، وأداء للمعنى من غير إكثار. # وهو كسائر كتاب عصره لم يتحرر من السجع في كتاباته الأدبية، أما مقالاته في البحوث ~~اللغوية ونحوها فقد تحرر فيها من السجع غالبا لطبيعة الموضوع. # وهو يميل إلى تقليد الأقدمين في تحريه لرصانة العبارة، وحسن السبك، والدقة في اختيار ~~اللفظ، ويتحد مع الشدياق في ميله إلى الإطناب في مقالاته النقدية وإن لم يبلغ في ذلك ~~مبلغه، ويخالفه في غلبة الجد عليه، وقلة الفكاهة والمزاح. # ومن أمثلة مقالاته هذه القطعة التي كتبها عن «الجرائد في القطر المصري» في مفتتح ~~السنة الأولى من مجلته الضياء (1898-1899م): ~~«من ورد الديار المصرية في هذه الأيام ورأى أن في القاهرة وحدها ما ينيف على خمسين ~~جريدة بين يومية وأسبوعية وشهرية، ثم قابل بين حالها اليوم وما كانت عليه من زهاء عشرين ~~سنة حين لم يكن فيها إلا جريدة واحدة هي الجريدة الرسمية، تبين المسافة التي جازها هذا ~~القطر في هذه المدة اليسيرة وما حدث في نفوس أهله من النهضة الأدبية ... # بيد أنك إذا تفقدت تلك الجرائد وجدت أكثرها بعيدا عن المنزع الذي تقتضيه حالة ~~القطر غير متلق تلك النهضة بما يرفع الأمة من كبوتها؛ لأن أكثرها لا خطة لها إلا أحاديث ~~السياسة ومزاعم أربابها، تتلو على القراء في هذا القطر ما يتحدث به في مجالس لندرا ~~وبرلين وما يتخرص به سياسيو باريز وبطرسبرج ... مما لا يهم المصري في حالته الحاضرة الوقوف ~~على شيء منه، فضلا عن أن هذه المباحث إنما هي من غايات المدنية لا من مبادئها، وإنما ~~تتلقاها الأمة بعد أن تستوفي قسطها من ضروريات العلم وتستعد لفهم ما يلقى إليها من ذلك ~~بعد معرفة المقدمات التي تفيد تصوره. ويا ليت شعري ما الذي يقع في ذهن العامي من ~~مكاشفته بأسرار الممالك، وهو لم يسمع من أمر تلك الممالك إلا بأسمائها ولم يقف على شيء ~~من تواريخها وسائر أحوالها، وكيف يستطيع أن يتمثل ms1128 وقائع حرب بين أمتين وهو لا يعلم موقع ~~بلادهما من الأرض؟! # ثم على تسليم أن ذلك كله سائغ وأن المقصود به الفئة المتنورة من الأمة وهي أقل من ~~القليل فما الداعي إلى وجود عشرات من الجرائد تكرر الخبر الواحد مع وحدة المشتركين في ~~أكثرها؟! وكثيرا ما يكون ذلك الخبر بالعبارة الواحدة لأنه في جميعهن معرب عن جرائد ~~الأجانب حتى ما يتعلق بسياسة القطر نفسه. وهذه أخبار النظارات وهي بين ظهراني كتابنا لا ~~يكادون يتعلقون بالنبأ التافه منها إلا استراقا واستشفافا من وراء حجاب. وهذه أخبار ~~مواقع السودان وهي متصلة بمصر وفيها جيش مصر وأموالها تتناولها جرائدنا عن جرائد ~~إنكلترا وغيرها فلا تصل إلا بعد أن تقطع البر وتخوض البحر وتأتيها عن طريق هو أبعد من ~~السودان بمراحل. # ثم أين نصيب العامي من تلك الجرائد وعليه أكثر رواجها؟ وهل يكتفي منها بما تسرده بعد ~~ذلك من خبر زفاف أو نعي وما يقع من قتل أو سرقة، وما يتوخاه الكاتب أو المكاتب من ~~إطراء بعض ذوي الشأن لغرض في النفس أو الوشاية ببعض المستخدمين، أو ما أولع به بعض تلك ~~الجرائد من نفث سموم التعصب والشقاق؟ أين الكلام فيا ينمي ثروة البلاد؟ ومتى رأينا فيها ~~حضا على إحياء الصنائع؟ ثم أين الفصول المطولة في تهذيب أخلاق العامة وإصلاح ~~آدابها؟! # ومعلوم أن الجرائد تثبت تأثيرا في نفوس قرائها، لأنها الجليس الدائم والعشير الملازم، ~~يقرؤها الرجل في ناديه، ويأنس بها في خلوته، ويختلف عليها في أوقات فراغه، ويتكرر عليه ~~حديثها في كل يوم، حتى تنطبع حروفها في مخيلته، وترتسم ألفاظها على أسلة لسانه؛ فإذا ~~تكلم نطق بما تتلو عليه، وإذا تناجت خواطره لم يمر بها إلا ما تلقن من أقوالها، إلى أن ~~تنتقش خطتها في صفحة اعتقاده ويسترسل إليها برأيه وهواه، ولا سيما إذا لم يسبق إليه من ~~العلم ما يزاحم آراءها، ولم يكن بين يديه ما ينصرف إلى تلاوته دونها بحيث تكون هي ~~المورد الوحيد الذي تستمد منه بصيرته، فإن ما يرد عليه ms1129 منها يمتزج بأجزاء نفسه ويرسخ ~~فيه رسوخ طباعه حتى يصير من الضروريات التي لا تقبل الزوال ولا تعترضها ~~الشبهات.» ~~••• # وإلى جانب هذا ولد فن الخطابة في هذا القرن وارتقى، وقد كانت الخطابة قبل ذلك ميتة أو ~~شبه ميتة؛ لفقدان الحرية، وخمود الوعي القومي. والخطابة السياسية لا تنهض إلا بهذين ~~العنصرين: قدر من الحرية يستطيع به الخطيب أن يعبر عن آرائه، ويقظة شعور تدفعه للتفريج ~~عن نفسه بالقول، ومجاوبة للسامعين في هذا الشعور. # وقد كانت الحرية مخنوقة لا يستطيع قائل أن يقول وإلا تعرض للسجن والنفي والموت، وكان ~~الشعور القومي قد جمد إلى درجة بعيدة فلا يفكر مفكر إلا في نفسه، وكيف يعيش، وكيف يتقي ~~الشر، أما التفكير في الوطن فمنزلة لم يبلغها. # قال الشيخ محمد عبده: «إن أهالي قبل سنة 1893م كانوا يرون شئونهم العامة بل والخاصة ~~ملكا لحاكمهم الأعلى ومن يستنيبه عنه في تدبير أمورهم يتصرف فيها حسب إرادته، ويعتقدون ~~أن سعادتهم وشقاءهم موكولان إلى أمانته وعدله أو خيانته وظلمه، ولا يرى أحد منهم لنفسه ~~رأيا يحق له أن يبديه في إدارة بلاده أو إرادة يتقدم بها إلى عمل من الأعمال يرى فيه ~~صلاحا لأمته، ولا يعلمون من علاقة بينهم وبين الحكومة سوى أنهم مصرفون فيما تكلفهم ~~الحكومة به وتضربهم عليه، وكانوا في غاية البعد عن معرفة ما عليه الأمم الأخرى سواء ~~كانت إسلامية أو أوروبية، ومع كثرة من ذهب منهم إلى أوروبا وتعلم فيها من عهد محمد علي ~~باشا الكبير إلى ذلك التاريخ، وذهاب العدد الكثير منهم إلى ما جاورهم من البلاد ~~الإسلامية أيام محمد علي باشا وإبراهيم باشا؛ لم يشعر الأهالي بشيء من ثمرات تلك ~~الأسفار.» # فلما أنشأ إسماعيل باشا مجلس الشورى في سنة 1283ه بدأ الناس يشعرون بشيء من الحرية وإن ~~كان شعورا ضعيفا يساوره خوف وتردد، حتى إذا تدخل الأجانب في مصر على أثر سوء الحالة ~~المالية أخذ الناس يتذمرون، وأخذ وعيهم القومي في التكون، وساعد على ذلك شعور الخديوي ~~إسماعيل باشا نفسه بضرورة إبداء ms1130 الناس آراءهم وتذمرهم، وإذ ذاك ظهر جمال الدين الأفغاني ~~فكان أول خطيب من نوعه: يبلور شعور الناس ويستحثهم للعمل، وكسب الحقوق، ورفع الظلم، ~~والمطالبة بالعدل، فكان يجلس وحوله الناس في المقهى أو في بيت من بيوت الخاصة، ويتحدث ~~حديثا هو أشبه ما يكون بخطابة في جمع صغير، وأحيانا يخطب في الجماهير. وقد سمعه من ~~حدث عنه أنه كان يخطب سنة 1878م في العامة ويقول لهم ما معناه: «إنكم معشر المصريين قد ~~نشأتم في الاستعباد، وربيتم في حجر الاستبداد، وتوالت عليكم قرون منذ زمن الملوك ~~الرعاة إلى اليوم وأنتم تحملون عبء نير الفاتحين، وتئنون من وطأة الغزاة الظالمين، ~~تسومكم حكوماتكم الحيف والجور، وتنزل بكم الخسف والذل، وأنتم صابرون بل راضون، وتستنزف ~~قوام حياتكم - التي تجمعت بما يتحلب من عرق جباهكم - بالعصا والمقرعة والسوط وأنتم ~~صامتون، فلو كان في عروقكم دم فيه كريات حيوية، وفي رءوسكم أعصاب تتأثر فتثير النخوة ~~والحمية، لما رضيتم بهذا الذل وهذه المسكنة. تناوبتكم أيدي الرعاة، ثم اليونان والرومان ~~والفرس، ثم العرب والأكراد والماليك، وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه، وأنتم كالصخرة ~~الملقاة في الفلاة لا حس لها ولا صوت. # انظروا أهرام مصر، وهياكل منفيس، وآثار طيبة، ومشاهد سيوة، وحصون دمياط، فهي شاهدة ~~بمنعة آبائكم، وعزة أجدادكم. هبوا من غفلتكم، اصحوا من سكرتكم، عيشوا كباقي الأم ~~أحرارا سعداء.» # وقد ربى في مصر طبقة تقلده وتحاكيه. # ثم خلفه في النبوغ في الخطابة عبد الله نديم، كان خطيبا شعبيا، وكان زلق اللسان، ~~عارفا بنفسية الجماهير، قديرا على التأثير. بدأ حياته الخطابية مذ كان يعلم الإنشاء ~~والأدب في مدرسة الجمعية الخيرية في الإسكندرية، فكان يعلم تلاميذ المدرسة الخطابة. ثم ~~كان يخطب في المحافل، وقد كثرت في أول عهد توفيق سنة 1882م حينما أعلن الدستور، فسرت في ~~النفوس هزة فرح، وأمل الناس أن الحكم النيابي سيصلح كل مفاسد الماضي، فكان عبد الله ~~نديم يخطب في الجماهير. من ذلك مثلا أن جمعية المقاصد أقامت حفلة للاحتفال بهذا ~~الدستور فافتتحها عبد الله نديم، وتلاه إبراهيم ms1131 اللقاني فبين الفرق بين عهد الاستبداد ~~وعهد الشورى، فأعقبه النديم في الكلام في هذا الموضوع، ثم قام الشاب مصطفى ماهر ~~(الذي صار مصطفى باشا ماهر فيما بعد)، فتكلم في الحث على الاجتهاد في العلوم ~~والفنون، وأثار الأغنياء حول فكرة إنشاء بنك أهلي يحمى الأهالي من استغلال المرابين، ~~وختم ذلك بالدعوة إلى الألفة والاتحاد، فقام النديم بعده يخطب في هذا الموضوع أيضا، ثم ~~قام الشيخ محمد عبده فبين مزايا الحكم النيابي، وطالب أن يكون النواب من المتعلمين، وحث ~~على تعميم التعليم، وعلى احترام حرية القول والكتابة، وسن القوانين المبينة لحقوق ~~الأفراد، فأعقبه عبد الله نديم يخطب في هذا الموضوع أيضا. ثم قام فتح الله أفندي صبري ~~(وهو فتحي باشا زغلول فيما بعد)، فخطب في الحث على الاتحاد والثبات. # ثم لما كانت الثورة العرابية، تحولت خطب عبد الله نديم إلى التحريض على الثورة وتأييد ~~عرابي، فكان يخطب في كل مجتمع: في الأزهر وطلبته، والجيش وجنوده، وفي حفلات الأفراح، ~~حتى كان إذا سئل محمد عثمان المغني أين تعني الليلة؟ قال في بيت فلان مع عبد الله ~~النديم. # كان عبد الله نديم إذن لسان الأمة في عهده بخطبه إذا خطب، وبقلمه في الصحافة إذا ~~كتب. # ثم خلفه مصطفى كامل (المتوفى سنة 1908م)، فكان الخطيب البارع في مناهضة الاحتلال ~~الإنكليزي فدعا إلى مصر وحريتها، يخطب في مصر بالعربية، وفي فرنسا بالفرنسية، ويتنقل في ~~البلاد يثير الحمية، ويشعل نار الوطنية، ويبعث في النفوس الشعور بالكرامة ~~القومية. # وكان مصطفى كامل حلو الصوت، جيد النبرات، متدفق البيان، فأثر في النفوس أثرا ~~بالغا. # ثم كان لتنظيم القضاء في مصر، وإنشاء المحاكم الأهلية، ونظام المرافعات، أثر كبير في ~~نهضة الخطابة القضائية، بل والسياسية أيضا. فنظام القضاء أعلى من شأن المحاماة؛ ولهذا ~~نشأ محامون بارعون في المرافعة، وكان منهم خطباء قضائيون في المنزلة الأولى مثل إبراهيم ~~اللقاني، وعمر لطفي، وإبراهيم الهلباوي وغيرهم. كما أن كثيرا من هؤلاء المحامين ~~اشتغلوا بالحركة السياسية فكانوا خطباء سياسيين بجانب أنهم خطباء قضائيون. ~~(ج) القصة # لم ms1132 يكن ينظر إلى القصص في أول هذا القرن على أنه أدب رفيع إلا ما كان من المقامات ~~وأمثالها، حتى إن ألف ليلة وليلة وقصة عنترة وأمثالهما من القصص الأخرى كان يرى فيها ~~الأدباء أنها أدب شعبي وضيع، ولم تقدر ألف ليلة وليلة في الأدب العربي إلا بعد أن قدرها ~~الأوروبيون. وإنما علا شأن القصة بعد أن احتك الشرق بالغرب ورأى المتأدبون أنها تحل في ~~الأدب الغربي أعلى منزلة؛ ولذلك بدأ الأدباء في هذا القرن يترجمون عن الأدب الغربي بعض ~~القصص كما فعل محمد عثمان جلال في مصر إذ ترجم أربع روايات فرنسية عن راسين ونشرها في ~~كتاب سماه «الروايات المفيدة في علم التراجيدة» وترجم أربع روايات أخرى عن موليير في ~~كتاب سماه «الأربع روايات من نخب التياترويات» وكما ترجم قصص لافونتين في العيون ~~اليواقظ. # وكذلك ترجم اللبنانيون عن الإنجليزية والفرنسية بعض الروايات، ومن أشهرهم في ذلك سليم ~~البستاني، ونقولا رزق الله، ونقولا الحداد. # وكانت الخطوة الثانية هي تأليف الروايات على نسق ما يفعله الغربيون، وربما كان أول ~~قصة مصرية منشأة هي قصة «علم الدين» لعلي باشا مبارك؛ ألفها في أربعة أجزاء وهو ناظر ~~للمعارف، فحشد جمعا كبيرا من المدرسين ووضع خطتها وهي أن يحصروا أهم مظاهر المدنية ~~الحديثة كالسكك الحديدية والبريد والملاحة والتياترو والبورصة والبنوك ووسائل الإضاءة ~~إلى غير ذلك، ثم يكتبوا في هذه الموضوعات ما يجب أن يعلمه الإنسان المثقف، كما جمع فيها ~~ما وصل إليه العمل في البحر وعجائبه، والبراكين والذهب والأحجار، والصناعة والفلاحة ~~وأشهر النباتات وما يستخرج منها إلخ. # وكذلك الشأن في الموضوعات الأوروبية كعادات الأوروبيين في مأكلهم وملبسهم، وعادات ~~المصريين في ذلك. # ثم عادات أدبية كالميسر والأزلام والأنصاب عند العرب، ومعنى المعلقات وتاريخ القهوة ~~والحشيش. # فلما فرغوا من ذلك صبها في قالب قصة تدخل فيها هذه الموضوعات، وعاونه في صياغتها عبد ~~الله باشا فكري. # وجعل بطل القصة شيخا من الأزهر اسمه الشيخ علم الدين. وقد وصف فيها حياة الشيخ ~~الأولى وكيف تعلم في الكتاب، وتلقى العلم ms1133 في الأزهر، وأخيرا حضر رجل إنجليزي من ~~المستشرقين إلى القاهرة فالتقى بالشيخ علم الدين ودرس العربية عليه، ثم عرض الإنجليزي ~~على أستاذه أن يسافر إلى بلاد الإنجليز ففعل بعد تردد، وسافر الشيخ إلى إنكلترا، وكان ~~كلما مر على شيء في مصر سأله الإنجليزي عنه فيشرحه له، ثم كلما مر الشيخ بعد ذلك على ~~شيء في إنكلترا شرحه الإنجليزي للشيخ. # وقد ألفت القصة حوالي 1879م وطبعت 1882م. # وكانت ضعيفة الحبكة الروائية، قلل من الروابط فيها ما كدسه من العلوم والمعارف، ~~وفاتته الدقة أحيانا في وصف الشخصيات وتحليلها، فهي على كل حال من أوائل القصص المصرية ~~التي خطت الطريق للقصة من بعدها. # وكان قد ساد في أوروبا القصص التاريخي، فقلد كتاب العرب هذا النمط القصصي، وألف سليم ~~البستاني طائفة منها مثل زنوبيا وبدور، وجاء بعده جرجي زيدان فألف كثيرا منها مثل ~~عذراء قريش، وغادة كربلاء، وفتاة غسان، والعباسة أخت الرشيد، والمملوك الشارد. وقد غلب ~~عليها الناحية التاريخية، وطغت فيها على الناحية الفنية. # وإلى جانب القصص التاريخي وضعت قصص أخرى كانت تهدف إلى الحث على الفضيلة وتجنب ~~الرذيلة كقصة سليم البستاني في «الهيام في جنان الشام» وقصة نقولا الحداد «الصديق ~~المجهول» وأمثالها. # وبجانب ذلك كانت الروايات التمثيلية فكان لها نصيب في إحياء فن القصص، وبدءوا كذلك ~~بتمثيل روايات إفرنجية بعد تعريبها، كما فعل «مارون النقاش» من تمثيل رواية البخيل ~~(موليير). # وفي عهد الخديوي إسماعيل بنيت دار الأوبرا الملكية 1869م ومثلت فيها للمرة الأولى ~~فرقة فرنسية، فكان هذا لافتا لأنظار بعض الأدباء أن يعنوا بالتمثيل العربي على نمط ~~التمثيل الأوروبي. فجاء إلى مصر من لبنان سليم نقاش وأديب إسحق ومعهما فرقة لبنانية مثلت ~~في الإسكندرية 1876م، وبعد ذلك مثل يوسف خياط في الأوبرا رواية «المظلوم» واشتهر بعد ~~ذلك أبو خليل أحمد القباني الدمشقي الأصل، مثل أول أمره في سورية، ثم انتقل إلى ~~مصر. # وتتابع التمثيل بعد ذلك، ولكنه كان ضعيفا، فاترا، لا يعدو أن يكون خطوة تقدم بها ~~القرقوز وخيال الظل، وكان من أهم ms1134 أسباب ضعفه أن الجمهور المسلم لم يكن إلى ذلك الوقت قد ~~استساغ أن تظهر المرأة على المسرح، حتى كان إلى عهد قريب يمثل الفتى دور الفتاة. وإنما ~~أخذ التمثيل يرقى بعض الشيء في أوائل القرن العشرين. ~~(د) حركة الترجمة والتأليف والنشر # كانت اللغة العربية إلى أوائل القرن التاسع عشر لا تعرف شيئا مما يجري في أوروبا من ~~«العلوم» التي أنتجتها النهضة الأوروبية كالطب والطبيعة والكيمياء والرياضيات. فلما جاء ~~محمد علي باشا أسس نهضته أول الأمر على الجيش وإصلاحه وتنظيمه واحتاج الجيش إلى أطباء، ~~واحتاج الطب إلى طبيعة وكيمياء، كما احتاج الجيش أيضا إلى أبنية واحتاجت الأبنية إلى ~~مهندسين، واحتاج المهندسون إلى رياضة؛ فنشأ عن ذلك كله الاهتمام بهذه العلوم الطبية ~~والطبيعية والكيماوية والهندسية والرياضية ولم يكن من أهل البلاد أحد يعرفها، فاضطر ~~محمد علي إلى استدعاء العدد الكثير من الأساتذة الأوروبيين، وخاصة الفرنسيين، يعلمون ~~أبناء البلاد، وأبناء البلاد لا يعرفون شيئا من اللغات الأجنبية . ولم ينتظر محمد على ~~حتى يعود المبعوثون من المصريين، فاستعان ببعض من يعرف اللغة الفرنسية من السوريين ~~والمغاربة وجعلهم واسطة بين الأساتذة الأوروبيين والطلبة المصريين، فكان الأساتذة ~~يختارون الكتب الإفرنجية، أو يؤلفونها ويعرضونها على لجنة لدراستها وإقرارها إن كانت ~~صالحة؛ فكانت كتب الطب مثلا تعرض على لجنة من أساتذة المدرسة الطبية تسمى «أرباب ~~المشورة الطبية» فإذا أقرتها نقلت إلى العربية على يد المترجمين. وهؤلاء المترجمون قد ~~يكونون ضعفاء في اللغة العربية فيعهدون إلى عالم أزهري يتولى تصحيحها، وقد يشركون في ~~التنقيح والتصحيح اثنين؛ أحدهما عالم باللغة الأجنبية والآخر عالم باللغة العربية ~~ليتعاونا في تجويد الكتاب وإتقانه. # وانتقلت البلاد نقلة ثانية بتأسيس مدرسة الألسن، وكان طلبتها يجيدون اللغتين فيترجمون ~~ويتولى رفاعة بك تصحيح ما ترجموا، وبذلك أخرج هؤلاء وهؤلاء كتبا قيمة كانت أساس النهضة ~~في العلوم الحديثة، وأعادوا نفس الطريقة التي اتبعت في العصر العباسي حين نقل العرب ~~علوم اليونان وغيرهم إلى العربية. كما كان التاريخ يعيد نفسه من أن حركة الترجمة تبدأ ~~أولا في العلوم المجهولة ms1135 ثم يتبعها التأليف، فقد بدأ العائدون من البعثة والمتخرجون في ~~المدارس المصرية وفي مدرسة الألسن يؤلفون في الطب وغيره من هذه العلوم. ومن الطريف في ~~ذلك أنهم كانوا يسمون الكتب العلمية على نمط ما سميت به في العصور الوسطى فيسمون الكتاب ~~مثلا «غرر النجاح في أعمال الجراح» أو «أحسن الأغراض في التشخيص ومعالجة الأمراض» أو ~~«السراج الوهاج في التشخيص والعلاج» أو «الآيات الباهرة في النجوم الزاهرة» وهو في ~~الفلك لإسماعيل باشا الفلكي، وهكذا. # وهذه العلوم وإن كانت لا تمت كثيرا إلى اللغة العربية وآدابها فهي تؤثر في النهضة ~~الأدبية من ناحيتين: ناحية أن هذه العلوم ترقي الأذهان وتوسع الأفكار، وقد علمتنا ~~التجارب أن النهضة إذا حدثت في جانب من جوانب العلوم أثرت سريعا في الجوانب الأخرى من ~~العلوم والفنون. أضف إلى ذلك أن الأدب يعتمد في إنتاجه على كل شيء، والأديب يجب أن ~~يختزن في ذهنه كثيرا من شتى أنواع الحياة والعلوم، ولا بد أن يأتي عليه يوم يخرجها من ~~مخزنه ليصوغها في فنه وأدبه. هذا إلى أن رقي العلوم ولو كانت طبية أو طبيعية ترقي العقل ~~وتجعله أبعد عن التخريف، والأدب مملوء بالتخريف إن كان منتجه خرافيا، ومثقف عاقل إن كان ~~منتجه مثقفا عاقلا. # على أن الأدب نفسه خضع لهذا القانون فبدأ كثير من عارفي اللغات الأوروبية يترجمون ~~كثيرا من أحسن ما قرءوا فيها؛ فترجم سليمان البستاني إلياذة هوميروس إلى العربية شعرا ~~فكان عملا جليلا وضع تحت أنظار العرب ذخيرة من الذخائر التي تعد مصدر وحي لأدباء ~~الفرنج، وقدمها بمقدمة طويلة قيمة نظر فيها إلى الأدب العربي نظرة عميقة على ضوء ~~الإلياذة. # وكما ترجموا في هذا القرن أيضا كثيرا من الروايات الإنجليزية والفرنسية والروايات ~~من مثل روايات شكسبير وموليير ودوماس وشاتوبريان ولافونتين وراسين وكورني. وحلت هذه ~~الروايات عند القراء المثقفين المركز الذي كان تحتله قصص عنترة والزير سالم وسيف بن ~~ذي يزن وغيرها. وكانت ترجمتها أساسا لما ألف في هذا اللون من الأدب بعد ذلك. ~~(1) التأليف في اللغة والأدب ms1136 # شملت هذه النهضة التأليف في اللغة والأدب وما يتصل بهما من تأليف في وسائلهما من نحو ~~وصرف وعروض وبلاغة. ففي مطلع هذا القرن التاسع عشر كتب الشيخ حسن العطار (المتوفى 1834م) ~~مجموعة من إنشائه سميت «إنشاء العطار»، وكتب الشيخ حسن قويدر الخليلي (المتوفى 1845م) ~~كتابه «نيل الأرب في نظم مثلثات العرب» ذكر فيه الألفاظ التي وردت بالحركات الثلاث مع ~~شرح كل شكل من أشكالها، وقد طبع الكتاب في مصر وترجم إلى اللغة الإيطالية، كما ألف رسالة ~~«الأغلال والسلاسل في مجنون اسمه عاقل» سخر فيها من تصرفات رجل سخيف اسمه عاقل انتحل ~~قصيدة لغيره ونسبها لنفسه. # وفي سورية كان من أبرز المؤلفين الشيخ ناصيف اليازجي فقد كتب «مجمع البحرين» كما ألف ~~كتبا خطا فيها خطوة جديدة في تعليم النحو والصرف والعروض والقوافي والبيان فألف «فصل ~~الخطاب في النحو والصرف» و«نقطة الدائرة في العروض» و«الجمان في علم البيان»، وألف ~~أحمد فارس الشدياق (المتوفى 1887م) كثيرا من كتب اللغة، كالجاسوس على القاموس نقد فيه ~~قاموس الفيروزآبادي، و«سر الليال في القلب والإبدال»، كما ألف في النحو والصرف «غنية ~~الطالب». # واشتهر في مصر من مؤلفي الكتب الأدبية الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري (المتوفى 1888م) ~~وهو عالم أزهري اتصل بالخديوي إسماعيل واختاره إماما للمعية ومفتيا له، وشارك في ~~الشعر والأدب واللغة، وامتاز بها وأكثر من التأليف فيها؛ ألف كتاب «سعود المطالع» في ~~مجلدين جمع فيه كثيرا من العلوم والفنون وبناه على شرح لغز في اسم الخديوي إسماعيل، ~~وله «الفواكه» في الأدب و«الدورق» في اللغة، وله مكاتبات ورسائل دارت بينه وبين الشيخ ~~إبراهيم الأحدب. # وكان الشيخ حسين المرصفي (المتوفى 1889م) من عيون المؤلفين، وهو عالم من علماء الأزهر، ~~وكان كفيفا، وتزعم الحركة الأدبية في مصر، وكان من أبرز تلاميذه محمود سامي البارودي، ~~وتولى التدريس في دار العلوم فكان له أكبر الفضل على الأوائل من خريجيها، وقد اجتهد في ~~تعلم اللغة الفرنسية واستفاد منها وألف كتابا قيما يعد خطوة جديدة في التأليف في علوم ~~اللغة العربية وهو «الوسيلة ms1137 الأدبية في العلوم العربية»، عني فيه عناية خاصة بعلم ~~الأدب، كما كان من أثر معرفته بالفرنسية أن وضع كتابا سماه «الكلم الثمان» شرح فيه معنى ~~الأمة والوطن والحكومة والعدل والظلم والسياسية والحرية والتربية. # وكان من أشهر المؤلفين في اللغة والأدب الشيخ إبراهيم اليازجي، وقد عرضنا لترجمته ~~وتآليفه فيما سبق، ومن تآليفه الأدبية واللغوية شرحه لديوان المتنبي وكتابه نجعة الرائد ~~ولغة الجرائد. # ووجدت في سورية حركة قيمة في تأليف المعاجم على نمط قريب التناول اتبع فيه أسلوب ~~«المصباح المنير» من ترتيب الكلمات حسب أوائلها وإفراد كل معنى في أول السطر، وكان من ~~أوائل من ألف في ذلك بطرس البستاني (المتوفى سنة 1883م) في معجمه «محيط المحيط» في جزأين ~~كبيرين، أدخل فيه بعض المصطلحات العلمية والألفاظ المولدة وبعض الألفاظ العامية مع ~~التنبيه عليها، وقام بعمل آخر أجل شأنا وهو دائرة المعارف مرتبة على حسب الحروف ~~الأبجدية في العلم والأدب والتاريخ والجغرافية وسائر العلوم على نمط دوائر المعارف ~~الأجنبية ، وقد أتم في حياته منها ستة مجلدات كبيرة، وأتم السابع والثامن منها ابنه ~~سليم، وتولى أبناؤه الباقون التاسع والعاشر والحادي عشر بمساعدة ابن عمهم سليمان ~~البستاني ووصلوا فيها إلى مادة «عثمانية». # واشتهر من مؤلفي اللغة العربية رجل هندي هو صديق حسن خان (المتوفى 1889م) عاش في الهند ~~وتزوج ملكة بهو بال وجمع حوله كثيرا من العلماء واشتغل معهم في تأليف كتب كثيرة في ~~الدين واللغة والأدب والبلاغة وغيرها، ومن أشهرها البلغة في أصول اللغة، ولقطة العجلان في ~~اللغة أيضا، وله موسوعة قيمة تسمى أبجد العلوم، ذكر فيها كل علم عربي وقدم له بمقدمة ~~في تاريخه، ثم ذكر أسماء أشهر الكتب التي ألفت فيه والتعريف به. # ولسنا ننسى رجلا ممتازا مستشرقا عاش في لبنان وكان له أثر في النهضة العلمية ~~والأدبية وهو «كرنيليوس فانديك» هولندي الأصل، أمريكي النشأة، تعلم العلوم الطبية ~~والرياضية في أمريكا، ثم رحل إلى بيروت سنة 1840م وأخذ في دراسة اللغة العربية حتى ~~أتقنها، وصحب بطرس البستاني، وعني بالتأليف فأغنى المكتبة العربية ms1138 التي تعد بحق خطوة في ~~التأليف على النمط الحديث في موضوعاته المختلفة سواء كانت علمية أو أدبية وإن كان ~~أكثرها علميا. وأشهر هذه التآليف النقش على الحجر في تسعة أجزاء، كل جزء في علم من ~~العلوم كالفلسفة الطبيعية والكيمياء والجغرافيا الطبيعية والفلك والجيولوجيا ... إلخ. وله ~~كتاب لطيف اسمه «المرآة الوضية في الكرة الأرضية» جمع فيه بين الجغرافية والتاريخ ~~و«محاسن القبة الزرقاء» في الفلك. # وعلى الجملة فقد ألفت في اللغة والأدب كتب كثيرة في القرن التاسع عشر تلونت بلون ~~النهضة وتأثرت بالكتب الإفرنجية من حيث النظام والترتيب والتقريب إلى الأذهان سواء في ~~ذلك لغتها وأسلوبها أو وضعها، كما اتجهت العناية الكبرى في كثير من هذه الكتب إلى طلبة ~~المدارس وأمثالها في تبسيط العلوم العربية كالنحو والصرف وعلوم البلاغة فاختير لها أقرب ~~التعبيرات وأسهلها، وتجنبت فيها الحواشي وما لا ينبني عليه عمل. وكان أكبر الفضل في ذلك ~~لرفاعة الطهطاوي ومدرسته، وعلي مبارك ومدرسته في مصر، وناصيف اليازجي وبطرس البستاني ~~وفانديك ومدارسهم في لبنان. ~~(2) التأليف في التاريخ والجغرافية والرحلات # ويتصل بعلوم الأدب التاريخ والرحلات. وقد طلع القرن التاسع عشر وأهم مؤرخ فيه عبد ~~الرحمن الجبرتي (المتوفى سنة 1825م)، كان من علماء الأزهر ولكنه كان ممتازا بميله إلى ~~الفلك والاشتغال به على النمط المألوف في العصور الوسطى، كما امتاز بميله إلى التاريخ ~~وقد وضع كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» أرخ فيه القرن الثاني عشر والثالث ~~عشر للهجرة، ذاكرا أهم الأحداث اليومية التي عاصرها وشاهدها أو سمع بها، وترجم فيه ~~لعلماء زمانه وأعيانه. ويعد الكتاب من أهم المصادر التي تؤرخ الحملة الفرنسية على مصر ~~وأوائل حكم محمد علي باشا. والمؤلف وإن كان ممتازا في تحريه للحقائق وبذله الجهد العظيم ~~في الوقوف على دقائقها ودقة وصفها وصدقها والتنبه إلى الحديث عن كل ما يتصل بالشعب وعدم ~~الاقتصار على حوادث الحروب وما يجري في القصور ... إلا أنه يؤخذ عليه السذاجة في طريقة ~~التأليف، وعدم النظرة الشاملة والتعمق في الأسباب والنتائج كما هي ميزة التأليف الحديث ~~في ms1139 التاريخ، كما يؤخذ عليه ضعف أسلوبه الأدبي وتأثره بأساليب عصره التي هي أقرب إلى ~~العامية. # وقد أثر بعد ذلك في التأليف التاريخي الاطلاع على كتب المؤرخين من الإفرنج وترجمة ~~بعضها. فقد ترجم رفاعة الطهطاوي مثلا كتاب «قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل ~~والأواخر»، وترجم غيره كتاب «أسباب قيام دولة الرومان وانحطاطها» في فلسفة التاريخ، ~~وكتاب «روح الشرائع» لمونتسكيو، وكتاب «تاريخ شارلمان» و«تاريخ شارلكان» وتاريخ «فرنسا ~~العام» إلى غير ذلك، فهذه الكتب أطلعت كتاب العرب على لون جديد من ألوان الكتابة ~~والتأليف وجعلتهم يؤلفون على نمط متأثر بالنمط العربي والغربي معا، فألف مثلا سليم ~~النقاش البيروتي (المتوفى 1884م) كتاب «مصر للمصريين» في تسعة أجزاء أرخ فيه حوادث ~~الثورة العرابية وقسمه إلى ثلاثة أقسام: قسم في تاريخ الأسرة الخديوية إلى خروج الخديوي ~~إسماعيل من مصر، وقسم في ولاية الخديوي توفيق إلى انقضاء الحوادث العرابية ونتائجها، ~~والقسم الأخير في وصف محاكمات العرابيين وصور محاضرها الرسمية. # كما ألف محمد بيرم التونسي (المتوفى 1889م) كتابه «صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار». ~~والمؤلف تونسي الأصل، سافر إلى أوروبا مرارا وفارق تونس على أثر احتلال فرنسا لها، وضمن ~~كتابه وصف رحلاته في أوروبا ومصر والشام والحجاز وغيرها، والحياة الاجتماعية في هذه ~~البلاد وصفا قيما. # ومن أهم الكتب الجغرافية التاريخية الخطط التوفيقية لعلي باشا مبارك (المتوفى 1893م) ~~وصف فيها مصر وبلادها وخططها ومدارسها وشوارعها وجوامعها وقراها في عشرين جزءا وكان ~~إذا ذكر بلدا ترجم لأشهر علمائه. وقد خصص الجزء الثامن عشر للنيل ومقاييسه وارتفاعاته ~~من قديم الزمان إلى أيامه، والجزء التاسع عشر للترع والخلجان، والجزء العشرين للنقود ~~الإسلامية وتاريخها. وقد جمع فيه في كثير من المواضع ما ذكره مؤرخو العرب مثل المقريزي، ~~ومؤرخو الفرنج مثل كاترمير. # وأخيرا جاء جورجي زيدان فنحا بالتاريخ نحوا جديدا اتبع فيه أسلوب الفرنج في جمع ~~النصوص وبحثها والاستنتاج منها ودراسة الأسباب والنتائج. # وبجانب هذا كان هناك مؤرخون يجرون على النمط القديم في التأريخ أمثال أحمد بن زيني ~~دحلان المكي (المتوفى 1886م) فقد ألف كتبا كثيرة ms1140 في التاريخ على النمط القديم مع تبسيطها ~~وتقريبها إلى الأذهان، ألفها كلها في مكة، وأظهرها «الفتوحات الإسلامية» و«تاريخ الدول ~~الإسلامية» وضعه في جداول، تدل على الروح الحديثة التي سرت في التأليف، وكتاب «خلاصة ~~الكلام في أمراء البلد الحرام» وكتاب «الفتح المبين في فضائل الخلفاء الراشدين». # وكذلك فعل السلاوي المراكشي (المتوفى سنة 1897م) في كتاب قيم سماه «الاستقصا في أخبار ~~المغرب الأقصى» استند فيه على ما كتبه المؤرخون الأندلسيون وغيرهم في تاريخ المغرب؛ فجاء ~~أحسن مجموعة في بابها. # وكما عنوا بالتاريخ عنوا كذلك بالرحلات، وتابعوا في ذلك ما كان لأسلافهم من مثل ابن ~~جبير وابن بطوطة، من ذلك رحلة شهاب الدين الألوسي (المتوفى 1854م) وصف فيها رحلته إلى ~~الآستانة وسماها «رحلة الشمول في الذهاب إلى استانبول»، ورحلة إبراهيم النجار اللبناني ~~(المتوفى 1863م) التي وصف فيها سفره إلى أوروبا والآستانة وسماها «المصباح الساري». ورحلة ~~رفاعة الطهطاوي (المتوفى 1873م) التي وصف فيها رحلته إلى فرنسا وسماها «خلاصة الإبريز ~~والديوان النفيس». ورحلات أحمد فارس الشدياق، وقد رحل إلى مالطة فألف كتاب «الواسطة إلى ~~أخبار مالطة» ورحل إلى أوروبا فألف كتابه «كشف المخبا عن فنون أوروبا». ورحلة عبد الله ~~باشا فكري (المتوفى 1889م) التي وصف فيها ما شاهده في رحلته إلى أوروبا وسماها «إرشاد ~~الألبا إلى محاسن أوروبا» وكانت الحكومة المصرية انتدبته سنة 1888م لرئاسة الوفد المصري ~~لمؤتمر المستشرقين في استوكهلم، وقد بدأ في إعدادها بعد رحلته ولكنه لم يتمها، فأتمها ~~ابنه أمين باشا فكري، وكان قد رحل معه، ونشرها سنة 1892م. # وإلى جانب الترجمة والتأليف نشطت حركة نشر الكتب العربية القديمة وطبعها، وتأسست ~~جمعيات علمية للقيام على اختيار الكتب الصالحة ونشرها، فقد أسست مثلا جمعية المعارف ~~بمصر ويرأسها محمد عارف باشا، وأنشأت مطبعة لنشر كتبها وجعلتها شركة مساهمة، ونشرت من ~~الكتب أسد الغابة لابن الأثير، وألف باء، وتاج العروس وغير ذلك من الكتب القيمة. وتأسست ~~شركة طبع الكتب العربية سنة 1898م في مصر أيضا وكان من أعضائها أحمد تيمور باشا وحسن ~~باشا عاصم وعلي ms1141 بك بهجت، وقد نشرت كتاب الوجيز في فقه الإمام الشافعي، وسيرة السلطان ~~صلاح الدين، وفتوح البلدان للبلاذري، والإحاطة في أخبار غرناطة، إلى غير ذلك. وفي الآستانة ~~أسس أحمد فارس الشدياق مطبعة الجوائب، وقام بنشر كثير من الكتب الأدبية القيمة مثل ~~الموازنة بين أبي تمام والبحتري، ونسيم الصبا للحلبي، وديوان البحتري وغيرها. كما قام كثير ~~من الأفراد بطبع الكتب القديمة في مطبعة بولاق وغيرها من المطابع. ومثل ما حدث في مصر ~~حدث في غيرها من الأقطار العربية فنشرت الكتب الكثيرة في بيروت وحلب ودمشق والآستانة ~~ومكة وإيران والهند وغيرها من عواصم وأقطار البلدان العربية والإسلامية. # ثم نظمت المكتبات العمومية في مصر وسهلت وجوه الانتفاع بها؛ فأسست المكتبة الخديوية ~~سنة 1870م، وجمع فيها ما كان مفرقا في المساجد معرضا للتلف والضياع. وأعد عند إنشائها ~~مكان لإلقاء المحاضرات، ومكان للمراجعة في أوقات معينة. كما أسست المكتبة الأزهرية ~~ونظمت سنة 1879م، وأسست مكتبة البلدية في الإسكندرية سنة 1892م إلى غير ذلك من المكاتب ~~العامة. وحدث في الأقطار العربية الأخرى ما حدث في مصر فنظمت المكتبة الظاهرية في دمشق، ~~وكان أشار بتكوينها مدحت باشا على أثر مجيئه الشام واليا عليها 1878م كما أنشئت ونظمت ~~مكاتب كثيرة في حلب وبيروت والعراق. ~~••• # كل هذا النتاج من شعر ونثر وقصص، وكل هذه الحركات من ترجمة وتأليف ونشر ذابت في ~~العالم العربي فعملت في ترقية عقله وإرهاف ذوقه، ونقلته نقلة كبيرة يشعر الباحث بعظمها ~~إذا قارن بين حالة الأمة العربية في أوائل القرن التاسع عشر وحالتها في أواخره؛ فالبصيص ~~الضئيل من النور الذي كان في أوله صار شعلة كبيرة متوهجة في آخره. وكان هذا القرن ~~قرنا مباركا عظيم الفائدة بسبب عوامل النهضة التي شرحناها. فالقرن التاسع عشر إذا قيس ~~بالخمسة القرون أو الستة السابقة عليها كان أعظم منها فائدة وأكبر نفعا، فقد قطع في ~~التقدم شوطا وكان له من أثر الثورة الفكرية والذوقية ما لم يكن لتلك القرون قبله. ومع ~~هذا فإن البذور التي بذرت فيه نمت وتحولت إلى ms1142 شجيرات صغيرة ولم يظهر نموها الكبير ولم ~~تؤت من الثمار الناضجة إلا في القرن العشرين، وهذا ما سنؤرخه بعد إن شاء الله. # القسم السابع # | الأدب الفارسي في القرن التاسع عشر # | الفصل الأول: عصر النهضة # بعد أن انتهى حكم الصفويين في إيران قامت دولتا الأفشاريين والزند وظلتا تحكمان زهاء ~~سبعين عاما. ولم يكن للأدب شأن يذكر في عهد هاتين الدولتين. وفي أواخر القرن الثامن ~~عشر (1796م) استطاع محمد أغا القاجاري، أول ملوك القاجاريين أن يلي عرش بلاده موحدة، ~~فبدأت البلاد تستعيد مجدها الغابر، وانتعشت الآداب والفنون. ولم يطل عهد محمد شاه أغا ~~في الحكم؛ فقد مات بعد سنة تقريبا من تنصيبه ملكا، ولو أنه في الواقع كان الحاكم ~~الحقيقي لإيران منذ وفاة كريم خان. وقد خلفه ابن أخيه «فتح علي شاه»، وقد سمي باسم جده ~~الذي كان ينافس نادر شاه أيام الصفويين، والذي رأى نادر أن يتخلص منه كي يخلو له ~~الجو بعد القضاء على السلطان الصفوي الضعيف؛ فقتله. وكان عهد «فتح علي شاه» قلقا، فإن ~~روسيا وتركيا طمعتا في بلاده بعد أن مات زعيم الدولة محمد أغا، فاضطر «فتح علي» إلى ~~محاربتهما، ولم يكن موفقا. فعقد الصلح معهما بمعاهدات خاسرة. وكان الإنجليز والفرنسيون ~~يتطلعون إلى إيران ويتنافسون في الحصول على «المركز الممتاز» بها، فبعث كل منهما ~~البعثات إلى البلاط، تقربا وزلفى، لعل الفرصة تواتي للتمكن والسيطرة. واكفهر الجو ~~السياسي بعد مقتل رئيس البعثة الروسية وأعضائها؛ فإن الشعب كان ساخطا على الروس أشد ~~السخط، فانتهز فرصة وجود البعثة في بلاده فثار وقتل أفرادها واضطر الملك إلى الاعتذار. ~~ولم يكد الملك يستريح من الحروب والكروب السياسية حتى فوجئ بموت ولده «عباس ميرزا»، ~~ساعده الأيمن في الحرب، والأمير الذي أدخل «المطبعة» في إيران ورعى الشعراء ونشر ~~المؤلفات. ولم يحتمل السلطان فجيعة ولده فمات بعده بسنة واحدة تاركا العرش لحفيده محمد ~~شاه بن عباس ميرزا الذي اضطر إلى الاستعانة بالإنجليز والروس ليقضي على منافسيه في ~~العرش؛ عمه وأخيه. فهو مدين بعرشه إلى مجهود قائد ms1143 إنجليزي وجماعة من الروس. ولكنه مع ~~ذلك لم يتهاون في حقوق بلاده وحارب الإنجليز وقت حصار هراة ولو أنه اضطر إلى الصلح ~~معهم، وقد تميز عهده بحادثين، أولهما ثورة الإسماعيليين، والثاني ظهور الباب (1844م). # وخلفه ابنه ناصر الدين شاه، أظهر ملوك القاجاريين، ويمتاز عهده الطويل (1848-1896م) ~~بكثير من الظواهر الاجتماعية والسياسية والعلمية والأدبية، وكان السلطان نفسه شاعرا ~~يجيد فهم الآداب، وقد تعلم اللغة الفرنسية من طفولته فأجادها وقال بها الشعر، وأحب ~~أوروبا حبا شديدا فرحل إليها ثلاث مرات. وكان شديد الثقة في مستشاريه من أهل الغرب ~~وكان لمشورتهم أثر كبير في نهضة إيران. وقد اضطر في بدء ولايته إلى مواجهة «البابية» ~~وكان خطرهم قد تزايد وبدءوا يقاومون جند الدولة في بعض الجهات، كما بدأت دعوتهم في ~~الانتشار وحمل التعصب بعض البابية على محاولة قتل الشاه ففشلوا؛ فأدى ذلك إلى جمع قوى ~~الدولة للقضاء على هذا المذهب وأهله. وبعد أن استراح من البابية التفت إلى الإصلاح ~~الداخلي وكان أبرز أعماله الإصلاحية إنشاء الجامعة في إيران (دار الفنون) وجلب الأساتذة ~~الأجانب للتعليم فيها، وإيفاد صفوة الشباب الإيراني إلى أوروبا، إلى فرنسا خاصة، لتلقي ~~سائر أنواع العلم في جامعاتها. وكثرت في عهده الصحف، سواء ما ينشر منها في إيران نفسها ~~أو في الخارج ويرسل سرا أو جهرا إلى إيران. وأدخل التلغراف فأدى إلى كثير من الإصلاح ~~في إدارة الدولة، كما ساعد على اطلاع الناس على أخبار أمم العالم باستغلاله في الصحافة. ~~وكانت رحلات الشاه إلى أوروبا، يصحبه جماعة من أهل العلم والأدب، من أسباب تعريف الغرب ~~بإيران، كما أن الشاه نفسه ومن سافروا معه كانوا رسل المدنية الغربية إلى بلادهم. وقد ~~أدى هذا الاتصال إلى إيقاظ الإيرانيين فبدأ شعورهم بالوعي القومي يظهر، وأخذوا ينتقدون ~~الشاه وحكومته في طريقة الحكم الذي لا يقوم على الشورى، كما بدءوا يظهرون التذمر من ~~هذه الامتيازات التي تمنح للشركات الأجنبية لاستغلال منابع الثروة في إيران مع عدم ~~المبالاة بصالح الشعب الإيراني نفسه. وكان للصحافة والجامعة أبعد الأثر في ms1144 تنوير ~~الأذهان لهذه الأفكار الجديدة. # أما الصحافة فقد ظهرت بعد إدخال «المطبعة» إلى إيران، وقد دخلت أول مرة أيام «فتح علي ~~شاه»، فقد أوفد ابنه عباس ميرزا بعض الفرس إلى روسيا، سنة 1824م، كي يتعلموا فن الطباعة ~~وليحضروا من آلاتها ما تفتتح به المطبعة في بلاده. وكانت أول مطبعة في تبريز التي ~~اشتهرت باسم «باصمه خانه» أي دار الطباعة. ولم تلبث المطبعة أن انتقلت إلى طهران حيث ~~رعاها معتمد الدولة ميرزا عبد الوهاب الذي قام بنشر مجموعة من الكتب اشتهرت باسم ~~«مطبوعات معتمد الدولة»، ومن ثم انتشرت المطبعة في كثير من مدن إيران مثل شيراز ~~وأصفهان. # وإذا كان القرآن الكريم قد حظي بالأسبقية في الطبع المتقن، فإن الكتب الأخرى، وخاصة ~~كتب التاريخ لقيت من العناية الشيء الكثير، وكذلك بدأت التراجم من اللغات الأجنبية إلى ~~اللغة الإيرانية، ومن أقدم ما طبع منها تاريخ بطرس الأكبر، وشارل الثاني ملك السويد، ~~والإسكندر الأكبر، وقد أمر بترجمتها ونشرها عباس ميرزا. كذلك طبعت كتب أدبية لسعدي ~~والفردوسي وناصر خسرو وألوري وغيرهم. # وبجانب هذه الكتب الأدبية ظهرت مؤلفات سياسية كان لها أبلغ الأثر في توجيه الناس نحو ~~الاستقلال الحقيقي الذي تبدو فيه حرية الفرد مكفولة لا تخضع لغير سلطان الحق، منها ~~كتاب «يك كلمة» أي كلمة واحدة تناول فيه مؤلفه يوسف التبريزي حقوق الإنسان وقارنها بما ~~جاء في القرآن والحديث والقانون الروماني. # ومنها «آزادي جه جيز است» (ما هي الحرية) لطالبيوف. # ولكي يستعين المثقفون باللغة الفرنسية ويتزودوا بما كتب بها ظهر القاموس الفرنسي، ~~والمحادثة الفرنسية الإيرانية، والأفعال الفرنسية باللغة الإيرانية. ~~••• # وقد أدت هذه الحركة الثقافية التي نتجت عن «المطبعة» إلى التطور الفكري والتنبه إلى ~~الإفادة من الغرب وحضارته، فبدأت الحكومة تفكر في إصدار «الجريدة» التي أخذت ترقى وفق ~~ارتقاء الأفكار. وكذلك بدأ الأهالي ينشئون لأنفسهم جريدة على نمط الجريدة الحكومية ومن ~~ثم بدأت الجرائد تكثر وتنتشر. # ولم تكن فكرة «الجريدة» مألوفة في إيران قبل عهد ناصر الدين شاه، إنما شاع فيها ~~وريقات صغيرة يتداولها رجال الدولة ms1145 الرسميون ويكتبها «وقائع نگار». وفي السنة التالية ~~من ولاية ناصر الدين شاه (1849م) ظهرت الجرائد في إيران بأمر وإشراف «أمير النظام»، ثم ~~بدأ الأهالي والحكام ينشرون جرائد خاصة بهم. # وحينما أنشئت دار الفنون - الجامعة - بدأت الدوريات العلمية في الظهور، فنشرت الجامعة ~~«روزنامه علميه دولت عليه إيران» وهي خاصة بأبحاث أساتذة الجامعة، كما ظهرت المجلة ~~العلمية «روزنامه علمي» سنة 1876م. # على أن السير السريع نحو التمدن لم يكن يلقى روحا سمحا من الحكومية؛ فقد كانت النظم ~~القديمة التي سارت عليها الحكومات المتوالية في إيران تخاف من انتشار الآراء الحرة عن ~~طريق الصحافة، ولم تتح الحرية بعض الشيء إلا في أواخر عهد ناصر الدين شاه حين كان ~~الشعور القومي يفيض بمعاني الحرية والحق والمساواة، وكانت أصداء هذه الأفكار الجديدة ~~تتجاوب في الشرق الإسلامي كله، وخاصة في تركيا وإيران ومصر. واضطر كثير من الفرس ~~الأحرار إلى الهرب من بلادهم حيث لم تكن حرية القول مكفولة، وأقاموا في أوروبا أو تركيا ~~أو مصر أو الهند، وهناك أصدروا الجرائد بلغتهم الإيرانية وسطروا بها كل ما تجيش به ~~صدورهم، وما تطمح إليه نفوسهم من الحرية والأماني نحو وطنهم وأهله. وقد تحمل أصحاب هذه ~~المجالات من الأزمات والإرهاق ما يتحمله الأحرار في سبيل الواجب الذي لا يعدله شيء ~~من ناعم العيش وترف الحياة، مثلهم في ذلك مثل سائر الأحرار في مصر وتركيا حينذاك. وكان ~~دخول بعض هذه المجالات إلى إيران محرما، إنما كانت ترسل خفية إلى الناس. # وقد أصدر ميرزا ملكم خان (نظام الدولة) مجلة في لندن اسمها «قانون» سنة 1890م كان ~~يحررها بالفارسية بنفسه في أسلوب سهل يحبب القراءة إلى من يطلع عليها، وقد بث فيها ~~أفكاره الإصلاحية فلاقت نجاحا كبيرا في إيران، وبفضل هذه المجلة دخلت اللغة الفارسية ~~عدة مصطلحات جديدة مثل القانون بالمعنى الحديث والتنظيمات وأصول الإدارة وغيرها. وقد ~~ترددت هذه الألفاظ كثيرا في كتابات الناس وعلى ألسنتهم، كما تأثرت أفكارهم بما تنطوي ~~عليه من المعاني. وكانت هذه المجلة لسهولة أسلوبها أروج المجلات الإيرانية ms1146 وأقوى ~~الجرائد على بعث اليقظة في إيران في القرن التاسع عشر؛ فقد أحيت في نفوس الناس من ~~الأفكار السياسية ما لم يكن من اليسير بثه بينهم في إيران نفسها، كما كان لها أثر أدبي ~~إذ أخذ الكتاب يقلدون أسلوبها السهل الذي لا عوج فيه. # وفي الوقت الذي بدأت المطبعة تخرج الآثار الأدبية والعلمية المختلفة ظهرت أيضا ~~الجامعة (دار الفنون) فقد أنشأها ناصر الدين شاه سنة 1851م في طهران، وكانت تلقى بها ~~دروس بالفارسية واللغات الأجنبية المختلفة، يلقيها جماعة من علماء الفرس ولفيف من ~~الأساتذة الأجانب، يعلمون الشبان الإيرانيين الطب قديمه وحديثه والرياضة والتاريخ ~~والجغرافية وغيرها من فروع العلم. # 1 # | الفصل الثاني: الحياة الأدبية # يقول شبلي في كتابه شعر العجم (ج3، ص189) إن الشعر الإيراني الذي بدأ برودكي قد ~~انتهى بشعر صائب وإن قا آني، أعظم شعراء القرن التاسع عشر، ومعاصريه لم يفعلوا شيئا ~~غير تقليد الشعراء المتقدمين وخاصة فروخي ومنوجهري. ويري رضا قولي خان أن الشعر الإيراني ~~لبث زمنا طويلا في حالة تدهور، وأنه بلغ الغاية في هذا التدهور قبيل قيام الدولة ~~القاجارية. وإن الشعراء القاجاريين، وخاصة الأول منهم، قد قلدوا الشعراء الفرس العظام ~~ممن ظهروا قبل سقوط الخلافة العباسية؛ فظهرت أشعار قلد فيها شعر خاقاني وفروخي ومنوجهري ~~والفردوسي وسعدي ونظامي وناصر خسرو وغيرهم. أما عن الشعراء المتأخرين، أي بعد سقوط ~~بغداد، فلم يقلدوهم؛ لأنهم لم يعجبوا بأشعارهم، مثل جامي وعرفي وصائب، كذلك لم يقلدوا ~~«حافظ» وإن قدروه كل التقدير وأعجبوا به كل الإعجاب وحفظوا شعره وتمثلوا به؛ لأن له ~~طريقة خاصة في الشعر عزت على التقليد. # والواقع أن تقليد الشعراء العظام لم يكن بدعا، فإن الإيرانيين بوجه عام يحبون ~~شعراءهم، يحفظون جيد شعرهم ويرتلون مختاراته، ويكثر الشعراء منهم بوجه خاص من حفظ الشعر ~~وتلاوة الرائع منه. # وقد نصح نظامي عروضي وهو من أوائل من كتبوا باللغة الإيرانية عن فن الشعر، نصح من ~~يطمح في أن يكون شاعرا بأن يحفظ في صباه عشرين ألف بيت من أشعار المتقدمين، وأن يذكر ms1147 ~~عشرة آلاف كلمة من آثار المتأخرين، وأن يداوم على قراءة دواوين عظماء الشعراء وإنما ~~يتوافر لهذا الطموح أدواته حين تستقر الحكومة في الدولة ويطمئن الناس إلى حياتهم ومعاشهم ~~ويرون في القائمين بأمرهم من يشجع أهل الفن والعلم فيزدهر الأدب وتحيا العلوم ويظهر ~~الشعراء ويقبلون على استذكار جيد الشعر مما قال المتقدمون كي تنمو ملكتهم ويصلوا إلى ~~الدرجة التي يبتغون بلوغها، كما يظهر العلماء ويتناولون شتى فنون العلم بالبحث والتأليف ~~والنشر. وهكذا كان الحال أيام القاجاريين، فقد استقرت أمور إيران بعد اضطراب دام أكثر ~~من سبعين عاما، وولي الأمر جماعة من الأمراء أحبوا الشعر وكان بعضهم ينظمه، فشجعوا ~~الشعراء وقربوهم وولوهم بعض الوظائف الهامة وخلعوا عليهم من ألقاب الإمارة والملك ما ~~حبب إليهم الطموح لبلوغ الغاية فيه. وليس عجبا أن يقلد هؤلاء الشعراء من تقدمهم من ~~عظماء الناظمين؛ فإن فنون الشعر لم تتغير عند قيام الدولة القاجارية فلم يكن بد من أن ~~يكون الجديد ترديدا للقديم من حيث الموضوع. # ولكن الذي يلفت النظر ويدعو إلى التوقف قبل التسليم بقول شبلي ورضا تسليما ~~مطلقا، هو أن عظماء الشعراء في عهد القاجاريين كانوا يقلدون تقليدا مقصودا واضحا ~~وأنهم نبغوا في هذا التقليد وأبدعوا. لم يكن قصدهم من التقليد أن ينسجوا على منوال من ~~يقلدون فحسب، إنما قصدوا إلى إحياء الآثار الأدبية الرائعة التي انتقلت من إيران إلى ~~الهند والتي لم يعبأ الأمراء المتعاقبون بإحيائها في إيران حتى كانت الدولة القاجارية. ~~وهم قلدوا الشعراء العظام وأبدعوا، حتى فاقوهم في بعض الأحيان. ف «فصبا» عندما ألف كتابه ~~«شاهنشاهنامه» على نسق شاهنامة الفردوسي قصد إلى إحياء أدب الفردوسي قصدا ولكنه نبغ في ~~تقليده للفردوسي حتى كان الحديث، في نظر بعض النقاد، خيرا من القديم. وقا آني حين يقلد ~~كلستان سعدي فيؤلف على نسقه كتابه «بريشان» - خواطر - يرى أنه وإن كان يقلد كتاب سعدي ~~إلا أنه «لم يأخذ كلمة واحدة من سعدي أو غيره إنما كان الكتاب كله من صنعه وليست فيه ~~عارية وأنه خاص به فكل ms1148 ما فيه من قوله وحده.» وإذن فتقليد الشعراء القاجاريين لم يكن ~~عجزا منهم عن التجديد، إنما قصدوا إلى التقليد قصدا لأن أساس دراستهم هو الرجوع إلى ~~استذكار القديم ولأن الفنون الشعرية لم تتغير، ولكنهم لم يقتصروا على التقليد بل إن ~~جديدهم فاق القديم عند بعض النقاد. # على أن الشعراء في القرن التاسع عشر لم يقتصروا على التقليد؛ فإن الحياة في إيران قد ~~تطورت، وتفتحت للشعر والكتابة موضوعات جديدة، واتسعت فنون الشعر فوسعت من المواضيع ما ~~ترتب على تطور البلاد نحو المدنية الغربية. لم تكن الحياة الإيرانية تعرف شيئا عن ~~أوروبا وما فيها من نظم سياسية واجتماعية واقتصادية، وما كان فيها من موضوعات الأدب، ~~شعرا ونثرا وقصصا، وما فيها من جامعات ومدارس. وقد عرف الإيرانيون كل هذا في القرن ~~التاسع عشر، فقد أخذت دول أوروبا تتقرب من الملوك في إيران، فأوفدت البعثات المختلفة ~~إليها، وكثر استعانة الملوك بالمستشارين من أهل الغرب، وتعلم كثير من الإيرانيين ~~اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وكان ناصر الدين شاه نفسه يجيد الفرنسية ويقول بها الشعر ~~كما قلنا. وظهرت «المطبعة» فنقلت إلى الناس كثيرا من الكتب في التاريخ والأدب والفقه ~~الإسلامي ونشرت بينهم القرآن، ثم نقلت إليهم تراجم الكتب الأدبية في أوروبا وأذربيجان، ~~فقرءوا لفولتير # Voltaire # تواريخ بطرس الأكبر، وشارل الثاني عشر ملك السويد، والإسكندر، ~~وقرءوا لإسكندر دوما # Alexandre Dumas # الفرسان الثلاثة، والكونت مونت كريستو، والملكة مرجت، ~~ولويس الرابع عشر ولويس الخامس عشر، وقرءوا لموليير # Molière # الطبيب بالقوة # Le Médecin ~~malgré lui # والنفور # Le Misanthrope # والحمار # L’Ane ~~. وقرءوا تراجم لقصص كتب في أذربيجان ~~باللهجة الأذرية، سنذكر منه قصة الكيماوي في القصص. كل هذا عدا ما ذاع بينهم من تراجم ~~الكتب العلمية والتاريخية. وكثرت الرحلات إلى أوروبا، وقد ارتحل ناصر الدين شاه ثلاث مرات ~~إليها، وكان بصحبته جماعة من ذوي الرأي والشعراء والكتاب. وأوفدت البعثات العلمية بكثرة، ~~وإلى فرنسا خاصة؛ أدى هذا كله إلى صبغ الحياة الإيرانية بصبغة خاصة جديدة، وقد أخذ ~~الناس يجمعون بين ما يستطيعون تطبيقه من الجديد ms1149 الذي رأوه أو سمعوا به في الخارج ~~وبين القديم الذي لا يستطيعون إلى تبديله سبيلا، وكذلك وجد الأدباء، شعراء وكتابا، ~~موضوعات جديدة للشعر والكتابة. # فحديث الشعراء عن الحرية، وحق الشعب في أن يشارك في إدارة الدولة، والمناداة بأن ~~الناس سواسية قد خلقهم الله أحرارا لا سيد ولا مسود، وبأن الأمر شورى بينهم ليس من حق ~~رجل واحد أن ينفرد به؛ هذا وأمثاله لم يكن يتاح لرجال الأدب أن يتحدثوا عنه في العهود ~~السابقة على القاجاريين، فهو تجديد في موضوع الشعر الإيراني وليس تقليدا للمتقدمين من ~~شعراء إيران. # والشاعر الذي يتحدث عن باريس وأنوارها ويعجبه مبدأ المساواة والإخاء بين الناس ~~ويدخل الحوانيت فلا يرى غير السعر المحدد، مثل هذا الشاعر مجدد وليس مقلدا ولو أن ~~تجديده لا يعدو ذكر أوضاع أعجبته في الغرب فنظمها لأناس يؤثرون الشعر على النثر. # وكذلك دخلت اللغة الإيرانية ألفاظ من اللغات الأجنبية، الفرنسية خاصة، وظلت مستعملة ~~بها حتى الآن. ولا شك أن هذه الألفاظ الأجنبية بمدلولاتها الجديدة قد أدخلت على الأدب ~~الإيراني لونا جديدا. وظاهرة أخرى امتاز بها الشعر الايراني في القرن التاسع عشر هي ~~ظهور «الشعر الفدائي» عند البابية. # ومن هذا نرى أن القول بأن الشعر أيام القاجاريين كان قاصرا على تقليد فحول شعراء ~~إيران قبل سقوط بغداد صحيح إلى حد ما، ولكن القائلين بهذا الرأي لم يأبهوا بما جد على ~~الشعر من التطور نتيجة لتطور الحياة في إيران نفسها وما استتبع هذا التطور من مظاهر ~~التحديد. # وسأتحدث عن الشعر فالكتابة ثم القصص، بادئا الحديث أشهر شعراء القرن التاسع، وهو ~~الشاعر قا آني. ~~(أ) الشعر ~~(1) قا آني # وهو أشهر شعراء القرن التاسع عشر ومن أعظم شعراء إيران، مثله كمثل حافظ وسعدي ~~وفردوسي، تجري أشعاره على الألسن ويحفظ له كثير من الإيرانيين. مال منذ صباه إلى تحصيل ~~العلم والأدب ونال منهما ما تمنى، وكان أبوه ميرزا محمد علي الملقب «بگلبشن» شاعرا ~~أيضا؛ فورث الولد حب الشعر عن أبيه وأخذ ينظم ويجيد حتى بلغ القمة. قال فيه ms1150 رضا قولي ~~خان، وكان معاصرا له «وقد أمضيت بصحبته سنوات وسمعت منه جيد الشعر، والحق أنه شاعر فاضل ~~وكاتب كامل.» التحق ميرزا حبيب بخدمة حاكم خراسان ميرزا حسن علي شجاع السلطنة، فغير هذا ~~الحاكم اسمه وسماه باسم ولده «أوكتا قا آن» فأصبح معروفا بقا آني. وقد صحب هذا الأمير ~~زمنا في خراسان وكرمان وهو الذي قدمه إلى «فتح علي شاه». # وانتقل بعد ذلك إلى طهران حيث ذاع صيته واتصل ببلاط محمد شاه وناصر الدين شاه. # وقد سار هذا الشاعر على النهج الذي بينا في التقليد ولكنه استطاع أن يصبغ شعره ~~بصبغة خاصة وقد أفاد من إجادته الفرنسية واطلاعه على آدابها، وقد امتاز في القصيد ~~والغزل على السواء، وكذلك في المسمط والترجيع بند. وقد قال رضا زاده شفق في كتابه تاريخ ~~أدبيات إيران (ص386) «إن حلاوة العبارة في شعره كثيرة، والمعاني الفلسفية والخلقية ~~قليلة.» # وله ديوان كبير يبلغ سبعة عشر ألف بيت، كما أن له كتاب «بريشان» - خواطر - نحا فيه ~~منحى سعدي في الگلستان. # وكان يبدأ أشعاره بالوصف الذي أجاده وأبدع فيه، ومن ذلك قوله في الربيع، ~~مسمط: # ها هي سحابة الربيع قد عادت فعلت الجبل، وها هو السيل يجرف الصخر من عل، # وها هي الطيور تهيج من كل فج، فتسمع اليمام وأبو المليح، والصلصل والحجل والبلبل والببغاء ~~والطاووس والبط والسرخاب والزرزور، # أهو البنفسج رسول أرديبهشت؟ # 1 # إنه ينمو في الحدائق أكثر من كل الزهور، # وترى الجداول كالجنان من أريجه، كأن ربك قد خط بالمسك على خده: ~~«كن يا ذا الشذى بشير الربيع.» # وعيون النرجس في الحديقة وسنانة، وطرة السنبل في الحديقة ملأتها التجاعيد، # وكان الماء متجمدا كأنه الفضة، فصار كالزئبق، كأنه حين هب نسيم الربيع ملئ الرعب ~~فذاب. # وفجأة ولى فرارا في منتصف الليل. # وقا آني كما قلت شاعر مقلد وهو عظيم في تقليده، قلد أنوري في قصيدته المشهورة التي ~~قال فيها: # إذا لم تكن شئون الدنيا موكولة إلى القضا # فكيف تجري الأمور على غير ما نرضى. # فقال: # إذا كانت ms1151 الدنيا بأيدي القدر # فلم نخضع لما به الشاه أمر؟ # وهو يقلده أيضا في قصيدته التي مطلعها: # أحقيقة ما أرى أم حلم يا ربي # إني أرفل في النعيم بعد طول عذابي. # فيقول: # أرى في اليقظة ما لا يرى أحد في المنام # فإني في وقت واحد مستريح معنى. # وهو يقلد منوجهري فيقول على غراره: # الوقت طرب واليوم خمر والفصل ربيع، والروح نشوى والقلب خال والحبيب قريب ونسيم السحر ~~عبق، إنه يخرج من مجمرة الورد المستعر، وكأن أرض الحديقة مرآة، لما يجري فيها من ~~ماء. # أرجع البصر تر كوكبة من السرو والسوري، # 2 # وما سمعت ستنعم بنغم الصلصل والزرزور. # ماذا يشبه السوري؟ إنه كبيضة من ماس؛ بيضة ملئت من عود القمار. # 3 # وهو يقلد أيضا حين يتحدث عن الربيع حديث منوجهري فيقول: # هل الربيع وصوت البلبل في البستان يشجينا # وهذا الطير الموله، تغريده من المروج يجيء. # حتى لنقول من كثرة ما تسمع من تغريد التدرج والصلصل والدراج والزرزور: # إنها أمسكت الأرغول ووقفت تغني فوق أغصان وأوراق الزهور. # إن رائحة الزهر تتأرج من الحديقة فتحيى الروح # ويهفو القلب حين يصدح الطير فوق الغصن وينوح. # نغم العندليب وصوت الزرزور وتأوه القمري # مرة من الورد وأخرى من السرو ومن الصنوبر حينا يجيء. # وترى البعض يمسك الشقائق كأنها الأقداح، # والبعض يهيم بالورد فمنه رائحة الحبيب تجيء. # يرى أحدهم المرج فيقول مرحبا، غير ملتفت، # ويشم البعض السمن، # 4 # ويحار من صنع الذي خلق، # يطأ أحدهم الشقائق فقد أخذت من الخمر اللون، # ويرى آخر الورد فيأخذه الوجد، بخ بخ، منه رائحة الحبيب تجيء. # واحد يتمرغ على السندس، وآخر يرقص على الشقائق، # واحد يفقد الوعي، والآخر إليه الصواب يجيء. # شاع في كل ناحية نغم الأرغول والجنك والناي # وصدى البربط والطنبور والقار من كل فج يجيء. # واستمع إليه وقد أبصر الربيع فحار في تصويره فقال: # في الحق لا أحد يدري من أين نجمت # كل هذه النقوش والصور في فصل الربيع؟ # إن العقول تحار كيف تنمو هذه الأزهار الجميلة # من هذه التربة ms1152 القاتمة البوار؟ # من هذا المصور الماهر الذي أبدع هذه الصور # بغير علة أو آلة ولم يقلد في صنعه أحدا؟ # كيف لا تسأل من أين ظهرت هذه التماثيل؟ # كيف لا تبحث من أين ظهرت هذه التصاوير؟ # من عشق من اصفر لون الخيري # 5 # في الحديقة؟ # والشقائق من حب من احترقت في البستان؟ # ويمضي قا آني على هذا النحو واصفا خضرة الرياحين وحمرة الشقائق البرية ثم ~~يقول: # والريح لا عنبر فيها، كيف تفوح بالعنبر؟ # والسحاب لا جوهر فيه، كيف ينثر الجوهر ... # وقد شارك قا آني شعراء إيران في بكائهم الحسين، ولكنه يبكيه بطريقته الخاصة فيجعل ~~رثاءه في صورة أسئلة وأجوبة، ويروي قصة الحسين. وقد رأيت أن أنقلها لطرافة أسلوبها. ~~يقول: # ماذا يهطل؟ الدم؟ من أين؟ العين! كيف؟ ليل نهار! لماذا؟ # من الغم. أي غم؟ غم سلطان كربلاء. # ما اسمه؟ حسين. من نسل من؟ من علي. # من أمه؟ فاطمة. من جده؟ المصطفى. # كيف حدث؟ استشهد. أين؟ في دشت مارية. # 6 # متى؟ عاشر محرم. سرا؟ كلا بل على الملأ. # أقتل ليلا؟ لا، نهارا. أي وقت؟ وقت الظهر. # أقطعوا رأسه من عنقه؟ كلا كلا، من القفا. # أقتل مرتويا؟ كلا. ألم يعطه أحد الماء؟ أعطاه. # من؟ شمر. من أي عين؟ من عين الفناء. # أظلم الشهيد؟ بلى. أأجرم ! كلا. # ماذا كان يعمل؟ الهداية. ومن حبيبه؟ الله. # من الذي ظلمه؟ يزيد. من يزيد هذا؟ # من أبناء هند. من أي زوج؟ من نطفة الزنا. # أأقدم على هذه الفعلة بنفسه؟ كلا، بل أرسل كتابا. # لمن؟ إلى ابن مرجانة الذي لا يعرف أبوه. # أكان ابن زياد ابن مرجانة؟ نعم. # ألم يرجع عن قولة يزيد؟ لا. # أقتل هذا اللعين الحسين بيده؟ # لا، إنه سير الجيش نحو كربلاء. # من كان أمير الجيش؟ عمر بن سعد. # أمزق ابن فاطمة العزيز؟ لا، شمر الذي لا يستحي. # ألم يستح الخنجر من قطع رقبته؟ # استحى. فلماذا قطع؟ سبق القضاء بما قضى. # لماذا؟ كي يكون شفيعا للناس. # ما شرط شفاعته؟ النوح والبكاء. # أقتل معه أحد أبنائه؟ بلى، ولدان. ms1153 # ومن الآخرون؟ تسعة إخوة. ومن الآخرون؟ الأقرباء. # ألم يكن له ولد آخر؟ نعم. ومن هو؟ # السجاد. من هو؟ هو الذي ابتلي بالغم والبلاء. # أبقي في كربلاء أبيه؟ لا، بل ذهب للشام. # بالعز والوقار؟ لا، بالذل والعناء. # وحده؟ لا، مع سيدات الحرم. وما أسماؤهن؟ # زينب وسكينة وفاطمة وكلثوم البائسة. # أمن كساء يستر جسده؟ بلى، غبار الطريق. # أمن عمامة على رأسه؟ نعم، عصي الأشقياء. # أكان مريضا؟ بلى. فماذا كان الدواء؟ دمع عينه. # بعد الدواء ماذا كان الغذاء؟ دم قلبه. # أكان له رفيق؟ بلى الأطفال الذين فقدوا أباهم. # ومن الآخرون؟ الحمى التي لم تبارحه. # ماذا بقي هناك من زينة النساء؟ شيئان. # طوق الظلم في الرقاب، وخلخال الغم في الأرجل. # أيقترف هذا الظلم كافر؟ كلا. مجوسي أو يهودي؟ كلا. # هندوسي؟ كلا. عابد صنم؟ كلا. يا ويلتاه من هذا الجفاء! # أينظم قا آني هذه الأشعار؟ بلى. # ماذا يريد؟ الرحمة. ممن؟ من الحق. متى؟ وقت الجزاء. # ولم يكن قا آني بعيدا عما يجري في البلاد من خطوب، فهو معاصر للبابية متأثر بها، وقد ~~أعجبته مبادئ الباب في أول ظهوره، وظن أن المهدي «المنتظر» قد ظهر، وأن على الناس أن ~~يتجهوا إليه، وأن الدولة نفسها قد تميل إليه وتؤيده، فقال قصيدة يحبذ فيها المذهب ~~الجديد بادئا بقوله: # إن قدوة الإنس والجن قد ظهر # وإمام هذا وذاك المنتظر. # ولكنه لم يلبث أن رأى الدولة جادة في محاربة المذهب، وأن الباب نفسه قتل، فيعدل عن ~~تأييد البابية. ورأى ثلاثة منهم قد اعتدوا على السلطان ناصر الدين فأسرع إلى قلمه يصف ~~الحادث الشنيع وقد قال في هذا: # لقد خرج كسرى آخر شوال يصطاد، # السماء في عنانه والشمس في الركاب. # ففجأه ثلاثة رجال من كمين، # وصوبوا النار على كسرى مالك الرقاب. # وهو في قصيدة أخرى يتغنى بهذا الحادث ويدعو الناس إلى أن يجعلوا منه عيدا كعيد ~~الأضحى: # عيدوا آخر شوال منذ اليوم، # وادعوا خدم الملك من كل حي، # نادوا الحبيب ودعوا الزاهد، # ومروا الخازن ببذل العطاء. # ألا أيها الساقي أدر الكئوس. ms1154 # ألا أيها العازف أطرب، # وخل أهل الغناء يغنون. # سموه عيد قربان الملك، # واذبحوا أعداءه ذبح الخراف # في طريق الملك المظفر. # ولم يكن هذا التحول من بابي يمدح الباب ويشيد بمذهبه إلى عدو للمذهب ينظم الشعر في ~~مدح قاتل الباب وعدو المذهب الذي أخرج رؤساءه من إيران وعذب أتباعه تعذيبا؛ لم يكن ~~هذا عجيبا من قا آني؛ فإن المعاني الأخلاقية كما قال رضا قولي، لم تكن تظفر بعناية ~~كبيرة من هذا الشاعر. وقد حدث أن كان يمدح الوزير حاجي ميرزا أقاسي الذي وزر لمحمد ~~شاه بعد مقتل وزيره الكاتب الأديب القائمقام «أبي القاسم» والذي أقصي عن السلطة بعد ~~ولاية ناصر الدين شاه. فحين أبعد هذا الوزير وولي مكانه ميرزا تقي خان، قال قا آني يمدح ~~الوزير الجديد: # لقد ذهب الظالم الشقي، وجاء العادل التقي، الذي يفخر به المؤمنون الأتقياء. ~~••• # ولقا آني قصيدة مشهورة تصور الحديث بين شيخ وطفل ألكنين، وقد رأيت أن أكتبها بنصها ~~ليرى القارئ كيف استطاع الشاعر أن ينظم الحديث كما جرى بينهما: # پيركي لال سحرگاه بطفلي الكن # ميشنودم كه بدين نوع همي راند سخن ~~«ك اي ز زلفت ص - ص - صبحم ش - ش - شام تاريك، # واي زچهرت ش - ش - شامم ص - ص - صبح روشن! # ت - ت - ترياقيم، وازش - ش - شهد ل - لبت # ص - ص - صبروت - ت - تايم ر - ر - رفت ازت - ت - تن». # طفل گفتا: «م - م - من را تو - تقليد م مكن! # گ - گ - گم شوز برم، ا ي ك - ك - كمتراززن # م - مي خواهم م - م - مشتى ب - ك كلت ب - زنم # كه بيفتدم - م - مغزت م - ميان - د - دهان؟» # پبرگفتا: «و - و - والله كه معلوم است اين # كه كه زا دم من بيچاره ز مادر الكن! # ه - ه - هفتاد وهشتاد وسي سال - است فزون # گ - گ - گنگ ول - ل - لا ا ب - ب - خلاق زمن!» # طفلي گفتا. «خ - خدارا ص - ص - صد بارش - شكر، # كه ب - رستم بجهان از م - ل - لال وم محن! # م ms1155 - م - من هم ج - ج گنگم م - م - مثل - ت - ت - تو: # ت - ت - توهم ج - ج گنگي م - م - مثل - م - م - من!» # والقصيدة تمثل حديثا جرى بين طفل وشيخ وقت السحر، وكانا ألكنين. فقال الشيخ: يا من ~~صار صبحي ليلا بهيما من زلفك، ومن جمال وجهك أضاء ليلي كالصبح إذا تبلج. أنت ترياقي ~~ومن شهد شفتيك يزول الصبر والحمى عن جسدي. فقال الطفل غاضبا: لا تقلدني، واذهب عني يا أقل ~~من امرأة! أتريد أن أضربك بقبضتي ضربة توقع مخك وسط فمك؟ فقال الشيخ: والله إن أمي ~~ولدتني ألكن، ولقد مضى والله أكثر من ثمانين سنة وأنا ألكن. فقال الطفل: شكرا لله مائة ~~مرة إذ أنجاني من الملال والمحن، فإني ألكن مثلك وأنت مثلي ألكن ... ~~••• # وكما قلد قا آني عظماء الشعراء في شعره فكذلك قلد سعدي في كلستان، فكتب كتابه المسمى ~~«بريشان» ضمنه ثلاث عشرة ومائة حكاية وثلاثا وثلاثين نصيحة «ميكيافيلية» للملوك. وقد ~~نفى عن كتابه شبهة التقليد، فقال إنه كله من عنده. ~~(2) مجمر # وشاعر آخر من مشاهير شعراء القرن التاسع عشر الذين امتازوا بطابع خاص هو مجمر ~~الأصفهاني «سيد حسين الطباطبائي». وقد نجح هذا الشاعر في أن يحظى برضاء «فتح علي شاه» ~~وإعجابه حين قدمه إليه «منشي الممالك» ميرزا عبد الوهاب. وقد مات مجمر شابا، ويقول رضا ~~قولي خان: «إنه لو طال عمره للقي نجاحا عظيما.» وقد خلع ناصر الدين شاه عليه لقب ~~مجتهد الشعراء. ومن أشعاره الطريفة قوله في الألغاز. قال في لغز الريح: # من هذا الرسول المبارك المقدم السعيد الجناب، # الذي يجري آناء الليل وأطراف النهار ويسارع السنين والأشهر، # في ذيله النافجة وفي عبه العبير، # في جيبه العنبر وفي كمه المسك الأذفر، # سيار بلا قدم أو رأس، مجنون بلا عقل أو وعي، # عاشق لا بيت ولا مأوى، هائم لا أكل ولا منام، # لا يدري أحد أي عشق أفقده القرار، # ولا درى أحد أي هجر أورثه العثار، # يخرج منه الماء خروج قلب العاشق من زلف الحبيب، # تارة ms1156 في السلاسل، وتارة في العذاب، # تارة يميت الأرض، وطورا يحييها، # كالقوى في الهرم، والطبيعة في الشباب؟ # وله في لغز القلم: # أنا سحابة تمطر الجوهر على حديقة ورد النفس الناطقة؛ # أمطر السكر، أنثر العنبر # مثل شفة الحبيب وزلف الرفيق، # وأنا المعبر عن طبع «الدستور»، # 7 # وأمر السلطان # حين أنثر الدر، وأمطر الجوهر؟ # وقد امتاز مجمر بقصائده في مدح السلطان والأمراء وكان يقلد فيها مدائح ~~السابقين. ~~(3) أسرة وصال # ومن المشاهدات التي تشاهد في أدب القرن التاسع عشر أن تجد الأسرة وقد حافظت على إمارة ~~الشعر فيها، فتجد الوالد وأبناءه وكلهم شاعر مجيد، مع أن منهم من لا يتخذ الأدب وقول ~~الشعر صناعة بل يشتغل بالطب مثلا فلا يلهيه الطب عن قول الشعر والنبوغ فيه. وتجد من ~~الأسرة الواحدة من يقول الشعر فيقلد الأقدمين من الشعراء ويسير سيرتهم، ومنهم من يرتحل ~~إلى أوروبا فيصف أشياء لم يعرفها الناس في إيران ويدخل اللغة ألفاظا أجنبية ليست منها. ~~حقيقة إن وصف هذه الأشياء لا يخرج القول عن أن يكون وصفا، والوصف غرض من أغراض الشعر ~~المعروفة لدى الفرس، ولكن الأفكار الجديدة التي يصورها الشاعر والألفاظ الجديدة التي ~~يستعيرها للدلالة على معان ليست موجودة في بلاده؛ كل هذا يكسب وصفه جدة تميزه وتجعل له ~~طابعا خاصا. # وخير مثال لهذه الأسر التي تسلسل فيها الشعر وحافظ أفرادها على ما كسبوا من ألقاب ~~أسرتا «وصال» و«صبا». # كان وصال (ميرزا شفيع الشيرازي المشهور بميرزا كوجك) من أشهر شعراء القاجاريين. وقد ~~اهتم به رضا قولي خان فتحدث عنه في ثلاثة من كتبه، كما عني به بسمل في كتابه «تذكرة ~~دلكشا» وقال عنه إنه كان صاحب فن، يجيد الخط والعزف، ويقول جيد الشعر، ولكنه كان سريع ~~الغضب، وإنه كان مخلصا لأصدقائه، ويجمل القول فيه فيقول «كان عديم المثال.» كذلك رضا ~~قولي خان يرى فيه مثل رأي صاحبه، وكلاهما كان صديقا لوصال، ويقول رضا إنه كان شديد ~~التأثر إلى حد أنه غضب حين أراد السلطان أن يبدي إعجابه به، فقال له إنك ms1157 أسرفت في ~~الكمال. وقد كتب ديوانا بلغت أبياته نحو اثني عشر ألف بيت معظمه في الغزل الذي ~~يعتبر الفن الذي آثر النظم فيه فبز وأبدع. وقد أجاد في المثنوي أيضا ويشهد بذلك ~~كتابه «بزم وصال»، وقد أتم «فرهاد وشيرين» التي بدأها «وحشي». ويقول بعض النقاد إن ~~التكملة خير من الأصل. ثم إنه اشتغل بالترجمة فنقل إلى الإيرانية كتاب «أطواق الذهب» ~~للزمخشري. # ومن أشعاره التي يقلد فيها منوجهري قوله في وصف الزلزال: # إن هذا البلد، من كثرة هزات الزلازل، قد تقطعت منه المفاصل. # وارتفع من شقوق الأرض بخار نتن كرائحة السحر من بئر بابل. # وقضي على رسوم هذه الديار فدرست كما تمحى من النفوس الفضائل. # وترى وجوه الغيد تحت الثرى، فليس يقال إن الطين دون الشمس حائل. # ومن أبياته التي حوت معنى لطيفا قوله: # تنبه فلا تغضب منك أي قلب؛ فلكل قلب إلى الله طريق. # وقوله: # فاض دمعي حتى غرقت به، والنار تكويني؛ # عجبا لحالي، كيف الحريق وأنا في الدمع غريق؟ # وكان لوصال أبناء يقولون الشعر، وقد اشتهر منهم وقار وداوري ويزداني وهمت وحكيم ~~وميراز أبو القاسم فرهنگ وقد تحدث أحدهم عن الخمر، وآخر عن رحلة صيد للسلطان وثالث ~~تناول الفنون الشعرية كما تناولها من سبقه من الشعراء، ولكن الأخير منهم تحدث يصف باريس ~~مستعملا في هذا الوصف ألفاظا فرنسية، متناولا ما رآه في هذا البلد الجميل المتلألئ ~~الذي فاض بالجمال وظهرت به المدنية الغربية في أحسن مظهر لها بين مدن أوروبا، ~~والذي استهوى ولا يزال يستهوي الكثيرين من أهل الفكر. على أن باريس كانت جديدة ~~حينذاك بالنسبة لإيران كل الجدة، فإن الرحلات إلى الغرب لم تكن قد كثرت بعد، وإذا كانت ~~البعثات العلمية قد بدأت توفد في ذلك الحين إلى باريس فإن الشباب المبعوث كان منهمكا ~~في العلم دائبا على التحصيل في المعاهد المختلفة وفي المكتبات الكثيرة التي تلحق هذه ~~المؤسسات العلمية. أما الأديب الذي كان يبحث عن المعاني الحقة للمدنية فقد بهره ما ~~رأى وآثر أن يجعل هذا في ms1158 قالب شعري. فكانت قصيدته التي نتحدث عنها. إنه معجب بسكان هذه ~~المدينة الأحرار الذين تلمس الحرية عندهم في كل ما يشعرون ويفعلون، إنهم جميعا سادة ~~فلا سيد ولا مسود، ستقرأ ما شئت أن تقرأ بغير حظر أو قيد وستتنقل ما شئت التنقل بلا ~~رقيب أو حسيب، وستحس حريتك التي خلقت بها وليس لبشر عليك سلطان، فإنك حر بين قوم أحرار. ~~وستجد كلا في عمله دائبا عليه يجني منه ما يعيش به كريما، وترى دولة ترعى هؤلاء ~~الذين يكسبون قوتهم بأيديهم، فهي توفر لهم سبل العمل وتحميهم من صاحب هذا العمل؛ ~~فتراهم جميعا يعملون وليس بينهم من لا يجد عملا أو من يبحث عن قوت. # وشوارع باريس جميلة قد زينتها الأشجار فبدت كأنها حديقة إرم، ففي كل ناحية ترى السرو ~~والصنوبر، وتراها قد تلألأت بالنور، فإن الحكومة لم تتوان عن إضاءتها، فأكثرت المشاعل ~~والمصابيح والشموع، وقد كثرت فيها البساتين التي امتلأت بخمائل الزهور؛ فأينما سرت ترى ~~الورد والنسرين وترى في كل طرف الورد والزهار حتى أصبحت باريس من كثرة ما فيها من الورد ~~والعطر ورائحة الريحان كأنها «مجمع عطور». ويدخل الشاعر الحوانيت ليشتري ما يريد فإذا ~~به لا يجد من يناقشه الأسعار، إنه يشتري بثمن واحد لا خلاف عليه، وهو مطمئن لهذا الثمن ~~الذي يدفع، فلا كذب ولا تحايل. إنهم قوم يقولون الصدق ويخلصون في العمل، فإن الصدق ~~عندهم شعار. # وهم على دين واحد، عيسويون، وقد أخذوا عن المسيح خلقه، فهم يتحلون بخير الخلق، فهم ~~صادقون، وكل منهم يؤثر صاحبه على نفسه؛ ولذلك ساد الأمن في المدينة بغير سلطان، وصلح ~~الناس من غير قوامة الإنسان على أخيه الإنسان. وهم متضامنون متآزرون، الأمر بينهم شورى ~~فإذا تمت كلمة أيدوها وعملوا بها، فلا تنافر ولا تخاذل، إذا قاموا فليس من قاعد، وإذا ~~عزموا فلا مثبط لهم. # ويعجبه انتشار العلم فيهم ورقي هذا العلم الذي ذلل لهم كل صعب، وكشف لهم عن كل ~~سر. # والحقيقة أن دراسة هذه القصيدة لا تقف عند حد سرد ms1159 وقائع أعجب بها الشاعر فعددها ~~واحدة واحدة، وإنما قصد الشاعر إلى ذكر المظاهر التي تنقص بلاده، فهو حين يشيد بالحرية ~~الشخصية وكرامة الفرد في المجتمع إنما يقصد المطالبة بالعمل بهذا المبدأ في بلاده حيث ~~سلطة الحاكم مطلقة لا قيد لها من دستور أو قانون. وهو حين يتحدث عن العمال وتيسير العمل ~~إنما يقصد واجب الحكومة الإيرانية في أن تشجع الصناعة وتعمل على توفير العمل للعمال حتى ~~لا يكون بينهم متعطل، وأن تحمي هؤلاء العمال من أصحاب العمل فتكفل لهم من الأجر ما يهيئ ~~لهم أسباب العيش الكريم. وكذلك يقصد العناية بطهران كما عنيت الحكومة الفرنسية بباريس؛ ~~فتقيم فيها الحدائق الغناء، وتغرس في شوارعها الأشجار، وتشيد بها المدارس وتنشر دور ~~العلم. وهو حين يتحدث عن الشورى وإجماع الأمر على ما يقرره نواب الأمة إنما يقصد ما كان ~~ينادي به المستنيرون من الإيرانيين في ذلك الزمان. فقد التمس جمال الدين الأفغاني من ~~ناصر الدين شاه أن يسمح بمشاركة الشعب في الحكومة عن طريق مجلس نيابي، ولكن صوت السيد ~~قد ضاع سدى؛ فلم تكن العقلية الحاكمة تقيم لمثل هذه الآراء وزنها الواجب، واضطر إلى ~~الهجرة كثير من أحرار الفرس كي يتاح لهم النداء بهذا الرأي في الخارج، وكذلك أخذ ~~الشعراء والكتاب يكتبون تصريحا وتلميحا ، وفق ما يقتضيه الحال، ومن هذا ما كتبه فرهنگ ~~عن الشورى التي سادت الحكومة في فرنسا. # هذه أمثلة من الأفكار التي بثها الشاعر في قصيدته الطويلة تبين الاتجاه الجديد ~~الذي سار فيه الأدباء في ذلك الوقت، وهو الاتجاه الذي أدى في أوائل القرن العشرين ~~إلى ثورة انتهت بمنح الإيرانيين دستورا يتيح للشعب أن يشارك بعض المشاركة في توجيه ~~الحكومة. ~~(4) أسرة صبا # وأسرة أخرى نبغ فيها الشعراء واحدا بعد آخر هي أسرة صبا، ملك الشعراء. واسمه «فتح علي» ~~كاسم جد القاجاريين وكاسم ثاني ملوكهم. وقد تحدث عنه رضا قولي خان، وكان من المعجبين به ~~فقال إنه لم يدانه شاعر في إيران طوال سبعة قرون. وهو الذي يؤثر بعض النقاد كتابه ms1160 ~~«شاهنشاه نامه» على شاهنامة الفردوسي نفسها. وكما قلد الفردوسي في شاهنامته فكذلك قلد ~~كتب سير الملوك التي أخذ عنها الفردوسي وغيره من المؤرخين المسلمين الذين كتبوا عن ~~إيران، وهي الكتب المعروفة باسم «خداي نامها» أي كتب الملوك؛ فألف صبا كتابا على مثال ~~هذه الكتب سماه «خداوند نامه» أي كتاب الملك، وجعله على وزن الشاهنامه. وله أيضا «عبرت ~~نامه» و«گلشن صبا» ثم له ديوان شعر. وقد شارك هذا الشاعر في الحكومة فكان عاملا على قم ~~وكاشان، ولكنه قصر الجهد آخر الأمر على خدمة مولاه فتح علي شاه الذي لقبه بملك ~~الشعراء. ~~••• # وكان لهذا الشاعر ولد هو حسين خان الملقب بعندليب، وكان شاعرا مجيدا خلف والده كملك ~~للشعراء أيام فتح علي شاه ثم ظل محافظا على لقبه حتى عهد ناصر الدين. ~~••• # ثم أنجب ولدا سماه محمودا وقد صار ملك الشعراء أيضا في زمن ناصر الدين شاه. وهكذا ~~حافظ ثلاثة من أسرة واحدة على هذا اللقب. ~~(5) محمود خان ملك الشعراء # كان يجيد الشعر ويسير سيرة الأول فيه. وهو مع نبوغه في الشعر لم يكن يقتصر عليه بل ~~تبحر في علوم الحكمة والحديث والتفسير والأدب، كما أجاد صناعة الخط والنقش والترصيع، وقد ~~قربه ناصر الدين شاه وخلع عليه اللقب الذي حمله أبوه وجده من قبل. # وهذه الأبيات من شعره في حلول النوروز وهلول الربيع دليل على قدرته في النظم على نهج ~~المتقدمين وما له من الذوق الجميل والقريحة الصافية. يقول: # تعال معي، لحظة يا حبيبي في الحديقة # وقت السحر، حين يغرد القمري؛ # إني ذاهب إليها غدا # حين يبتسم السوري. # 8 # من ناحية ترى الأرض زرقاء مما تفتح من بنفسج، # ومن ناحية تراها بيضاء من زهر النفل. # 9 # الرعد ينحب والسندس بالنحيب يطرب، # ويبكي السحاب والمرج من البكاء يضحك، # حيثما تسير تجد الشقائق البرية، # وترى الشمعة الوضاءة علت القدح الأخضر، # وجانب الجدول مليء بالشقائق والمرزنجوش، # 10 # فاسترح وأقم مخيمك يا حبيبي بجانب الجدول. # وتوسل بالفرح في موسم الزهر، # وخلص النفس من الحزن والغم. # فالحزن فاكهة ms1161 مرة لا تقربها، # واجتث شجرته التي تثمره من أساسها، # ولا تفكر في الليلة الحبلى؛ # فلا يعلم أحد ماذا تلد غدا. ~~(6) ثنائي # وما دمنا بصدد الشعر فإني ذاكر كلمة عن أحد كبار الكتاب في إيران في القرن ~~التاسع عشر؛ فقد قال الشعر أيضا باسم ثنائي، وكان مجيدا فيه إجادته في النثر، إلا أن ~~شهرته في الأخير أبعد وأمكن، هذا هو الشاعر الكاتب ميرزا أبو القاسم القائمقام، الذي ~~كان وزيرا لفتح علي شاه، مدبرا لسياسته مسطرا لكتبه للملوك، والذي أدبر حظه أيام ~~محمد شاه فعزل ثم قتل. # ويمتاز هذا الشاعر بمعرفة الحالة السياسية في البلاد التي كان وزيرها، فهو يبغض الروس ~~والإنجليز لأنه يعرف خبيث نواياهم وقد رأى الروس يهزمون جيوش بلاده أيام فتح علي شاه، ~~ورأى نفسه مضطرا أن يكتب معتذرا إلى قيصر الروس لأن بعثته قد قتلت على بكرة أبيها في ~~إيران، وقد كتب ينبه قومه إلى أن لا يأس مع الحياة، فإن الحرب كر وفر، وإذا كان الروس ~~قد غلبوا اليوم فإنهم غدا سوف يغلبون. قال: # إن الزمان تارة يعز وتارة يذل، # وللفلك الدوار كثير من هذه اللعبات. # إذا أقبل فكثيرا ما يخطئ المكان والزمان، # وإذا أدبر فطالما آلم وأهان. # إنه يعطف أحيانا على ضباط الروس. # 11 # وأحيانا يسقي ضباط إيران النصر بالكئوس . # يريد حينا أن يكون الجيش بيد ذئب مفترس، # ويدع البلاد طورا في يد مجرب يسوس. # يسوق على تبريز، مرة، جيشا يريق الدم من بطرسبورج، # ويسير أحيانا جيشا جرارا من خراسان إلى تفليس. ~~(7) أدب البابية # وقبل أن أختم الحديث عن الشعر الفارسي في القرن التاسع عشر أشير إلى أدب البابية. ~~والبابيون هم أتباع المذهب الذي ابتدعه ميرزا علي محمد الذي اشتهر بالباب. # معنى كلمة الباب: ظهر في إيران أيام محمد شاه سنة 1844م رجل اسمه ميرزا علي محمد ~~ولقب نفسه «بالباب»، وإليه نسبت الجماعة فقيل لهم «البابية». وقد قصد بهذه التسمية أنه ~~هو الباب الذي يدخل منه المؤمنون لمعرفة الإمام الثاني عشر. وينسب الشيعة إلى النبي # صلى ms1162 الله عليه وسلم # أنه قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها.» فكما أن عليا هو الباب ~~لمدينة العلم التي هي محمد # صلى الله عليه وسلم # فكذلك ميرزا علي محمد هو «الباب» لمدينة ~~العلم التي هي الإمام. ولم يكن هذا الرجل أول من تسمى «بالباب» بهذا المعنى، فقد سبقه ~~إليه في الإسلام الشلمغاني الذي قتله الخليفة الراضي بتهمة التسمي «بالباب» والقول ~~بالتناسخ، وكذلك تسمى به أبو القاسم الذي عده أتباعه واحدا من «الأبواب» المؤدية ~~لمعرفة صاحب الزمان، ويذكر الاسم كثيرا عند الباطنية. # وكان ميرزا علي محمد طفلا يتيما تعهده خاله وكان تاجرا، فعلمه القراءة والكتابة ~~وبعض قواعد الحساب. وقد كان به انحراف عصبي منذ طفولته فكان يعتكف في بيت خاله وينقطع ~~إلى رياضة نفسه حتى ضعف وهزل وتعرض لنوبات شديدة كان يفقد فيها الوعي، فرأى خاله أن خير ~~وسيلة لشفاء هذا «الولي» أن يرحله إلى كربلاء ليحضر دروس السيد كاظم تلميذ الشيخ أحمد ~~الأحسائي صاحب مذهب «الشيخية». وهناك توفر الشاب على الدرس والتحصيل ومارس رياضة النفس، ~~ودأب على المجادلة فلم يصبر الناس على جدله، فتركهم وسافر إلى شيراز حيث أعلن أنه ~~«الباب». # وإذا تصفحنا تاريخ إيران نجد أن ميرزا علي محمد ليس أول من خرج على دين الدولة، فمن ~~قبل عمل الساسانيون الأول على جمع الكلمة في إيران فوحدوا إقليمها واتخذوا من الأوستا ~~دينا واحدا لها. فلم يمض على ذلك كثير حتى ظهر ماني بقواعد جديدة جمعت بين دين زردشت ~~الذي جمع في الأوستا وبين أصول الدين المسيحي وأخذ يبشر بمذهبه واستطاع أن يقنع ~~عددا كبيرا من الأشراف به؛ حتى إن سابور خليفة أردشير كان بين مصدق له ومكذب، إلى أن ~~خشيت الفتنة من دعوته فقتلوه. ومن بعده ظهر مزدك الذي دعا إلى الإصلاح على أساس دين ~~جديد جمع فيه بين قواعد الأوستا وبين النظام الاجتماعي المثالي الذي يقوم على ~~المساواة بين الناس. وقد لقيت فتنة مزدك من نفوس العامة استعدادا كبيرا فأخذ كل يفسر ~~الدين الجديد حسب هواه، وانتهى أمر الرجل ms1163 بقتله، أما أتباعه فقد تشتتوا وسكنوا الجبال ~~والأطراف البعيدة وظلوا على معتقداتهم حتى دخل الإسلام إيران فظهر من هؤلاء خارجون عليه ~~من أمثال سنباد. # وقامت الدولة الصفوية ورأى الشاه إسماعيل أن يتخذ مذهب الشيعة الاثني عشرية مذهبا ~~رسميا للدولة، كي يخلص من التبعية الروحية للخليفة العثماني، وقد حفزه على هذا عامل ~~السياسة وشجعته عليه دول أوروبا، فلما آل أمر إيران إلى نادر شاه بدأ اضطهاد المذهب ~~الشيعي والتفكير في العودة إلى المذهب السني بل ذهب إلى التفكير في خلق دين جديد ~~للدولة. # وقبل مائة سنة من مقتل نادر شاه ظهر «الباب» في إيران بمذهب جديد، مزج فيه ما تعلم - ~~وكان علمه ضئيلا - من قواعد الأديان المشهورة، الإسلام والنصرانية واليهودية والمجوسية ~~وجعل لنفسه كتابا سماه «البيان» وخرج على دين الدولة داعيا الناس إلى دينه. ولم يتح ~~للباب أن يتصل بالناس ويدعوهم بنفسه فإنه كان - حتى قتل سنة 1850م - سجينا معظم الوقت. ~~فأخذ يؤلف الكتب المذهبية وهو سجين، بينما أخذ أتباعه يدعون له ولمذهبه في حماسة وقوة، ~~حتى استطاعوا القيام بثورات مسلحة وأحرجوا الحكومة. وقد أخذ أتباعه يزدادون، وساعد على ~~ذلك أن من الشيعة من يرى أن للإمام المهدي «أربعة أبواب» يتصل بواسطتهم بأتباعه ~~المؤمنين أثناء «الغيبة الصغرى». وقد نادى «الشيخية»، وقد تعلم «الباب» على إمامهم، ~~بوجود «واسطة » بين الإمام المستور وأتباعه في كل زمان. # على أن ميرزا علي محمد لم يقنع بما ذهب إليه من أنه واسطة بين المؤمنين وإمامهم، بل ~~ذهب أبعد من هذا (بالاتر رفت) فسمى نفسه «النقطة العليا» أو «نقطة البيان» أو «النقطة ~~الأولى» ثم «القائم» و«شجرة الحقيقة» و«ذات الحروف السبعة» - حروف علي محمد - ثم «حضرة ~~الأعلى» وغير هذا من الأسماء. وازداد أصحابه غلوا فتسمى بعضهم ب «الله» وسموه هو «خالق ~~الآلهة» (خدا آفرين). وحين أدرك علي محمد أنه أخطأ إذ حسب نفسه «الباب» وأنه أعلى قدرا ~~من أن يكون «بابا» أصبح لقب الباب ولا حامل له فخلعه على أخلص أتباعه الملا حسين ~~بشرويه، فسماه البابية «جناب الباب» ms1164 وسماه بعضهم «جناب باب الباب». # ولما ازداد غلو «البابية» وخشيت فتنتها رأى ناصر الدين شاه أن يقتل «الباب» فقتلوه ~~سنة 1850م. وخلفه ميرزا يحيى الذي هرب إلى بغداد وسمى نفسه «صبح الأزل» ولكنه لم يكن ~~قويا واضطره أخوه حسين الملقب «ببهاء الدولة» إلى الاعتكاف والصمت وانفرد هو برياسة ~~المذهب وأصبح أقوى رجل فيه. وفي سنة 1863م ادعى بهاء الله أنه هو الذي «يظهره الله» ~~ودعا البابيين كافة ليستجيبوا له فاستجابت كثرتهم. ولكن صبح الأزل وصحبه عصوا، ومن ذلك ~~الوقت انقسمت البابية إلى فرقتين: «الأزلية» أو «البيانية» # 12 # و«البهائية» نسبة إلى بهاء الله. وكان الأخوان قد انتقلا من بغداد إلى ~~إستنبول ثم إلى أدرنة (أرض السر) وهناك حدث الانقسام فنفت الحكومة العثمانية صبح الأزل ~~إلى قبرص حيث مات سنة 1912م، ونفت بهاء الله وأتباعه إلى عكا حيث مات سنة 1892م فخلفه ~~ابنه «عباس أفندي» الذي استطاع أن يكسب للمذهب أنصارا في أوروبا وأمريكا. ~~••• # والذي يهمنا في هذا الحديث هو أدب البابية لا دينها؛ ولذا فإنا نترك موضوع الدين ~~للأدب فنتحدث عن شاعرة من شعراء البابية. ~~(8) قرة العين # كانت قبلة الأنظار وموضوع الحديث لدى الناس، فقد كان لها من الجمال والكمال وعلو ~~الهمة وسلامة المنطق والقدرة على الحديث والإبداع في الشعر ثم الحماسة التي لا توصف ~~للمذهب البابي ما جعل الناس ينظرون إليها ويعجبون بها ويشفقون عليها. سمع بها ناصر ~~الدين شاه كما سمع بها الناس فأعجبه ذكرها، وراق له أن يستمع لها، فطلب أن يلقاها في ~~الوقت الذي اشتد فيه طغيان البابية وسددت الدولة قواها للقضاء على حركتهم، واقتادت ~~جماعة منهم إلى طهران لتقتلهم جهارا حتى يكون مقتلهم للناس عظة وعبرة، فأتوا بها إلى ~~الشاه من محبسها، فدخلت عليه غير هيابة ولا وجلة، مؤمنة برسالتها، معتزة بما تعتقد أنه ~~الحق، فحدثته واستمع إليها وطال استماعه. فلم يقو الشاه الذي أمر بقتل البابية قتلا ~~وتعذيبهم عذابا لم يره أحد، إلا أن ينظر إلى وزرائه وقد أحاطوا به ليأمرهم ألا يقتلوا ~~هذه السيدة ms1165 التي سحرته ببيانها وثباتها وحلو حديثها: # لقد أعجبتني؛ دعوها تعيش. # ولكن السياسة هي السياسة وقد اقتضى الأمر أن تقتل قرة العين، فلم يكن من الحكمة أن ~~يخلي سبيلها، وهي أخطر الدعاة على الدولة ودينها، في الوقت الذي يقتل فيه من ليس له ~~في الدعوة مثل شأنها، فقادوها إلى الجلاد وأمروه أن يلقي بها حية في النار، حتى تلقى ~~بعض ما لقيه أصحابها من العذاب. وينظر الجلاد إليها فلا يقوى على أن يطعم هذه السيدة ~~الفذة النار، ولكنه لا يجد مفرا من أن ينفذ فيها حكم القضاة، فإنه لا يملك غير ~~التنفيذ، ويحاول إلقاءها حية فلا تطاوعه يداه، ويراها تعينه في شجاعة وجلد وعزة على ما ~~لا يستطيع أن يقدم عليه، فيتراجع ويفكر ويدبر في لحظة لا سعة فيها لتدبير أو تفكير، ثم ~~ينقض الرجل، وقد فقد وعيه، على السيدة الجميلة التي امتلأ قلبه شفقة ورحمة عليها ~~فيخنقها بيديه حتى لا تتعذب في النار وحتى تصلاها جثة هامدة قد خلت من هذا الروح ~~المتوثب الذي لم يكن يعرف غير القوة فيما يعتقد أنه الحق والذي أقدم على جلاده ~~رافع الرأس، متزن الخطى، ثابت الجنان. ~~••• # نشأت هذه السيدة في بيئة دينية، فأبوها من رجال الدين وعمها من أشد شيوخ الدين حمية ~~ومن أكثرهم سخطا على الشيخية والبابية، ولكنها وجدت في عم ثالث لها ما شجعها على المضي ~~في درس علوم الدين متجهة نحو المذهب الشيخي الذي كان هذا العم يميل إليه. ولم ير ~~أبوها بدا من أن يهيئ لها وسائل التحصيل، فقد كان لها من الذكاء والاجتهاد ما لم يتح ~~للسيدات في ذلك العهد، فأرسلها إلى كربلاء حيث كانت مدرسة الشيخية وعلى رأسها السيد ~~كاظم تلميذ الشيخ أحمد الأحسائي. وكان السيد كاظم يحاضر تلاميذه ويبين لهم صدق ما ذهب ~~إليه شيخه من وجود «واسطة» بين الإمام والمؤمنين في كل زمان، مضيفا إلى هذا أن ~~«الواسطة» سيظهر قريبا، وأن ظهوره موقوت بموت السيد كاظم نفسه. وكان من بين الحضور شاب ~~متحمس يتطلع إلى ms1166 أستاذه في اقتناع وإيمان. ومن وراء ستار جلست الفتاة التي رحلت من ~~قزوين لكي تستمع إلى درس السيد وكلها آذان مصغية واعية لما يقول. أما الشاب فهو السيد ~~حسين بشرويه (الذي لقبه صاحب الدعوة بالباب فيما بعد، والذي يسمى في كتب البابية ~~جناب الباب أو جناب باب الباب) وأما الفتاة فهي زرين تاج التي اشتهرت فيما بعد ب «قرة ~~العين» أو جناب الطاهرة والتي كان يسميها «الباب» فاطمة في بعض كتبه. # ومات السيد كاظم وسافر تلميذه بشرويه إلى شيراز لعله يلقى «الواسطة» المنتظر، وكتبت ~~إليه قرة العين أن يبشرها باسم «صاحب الظهور» وأن يحدثها عنه إذا هو لقيه. واتصل بشرويه ~~ب «الباب» وأطلعه على خطاب الفتاة التي تنشد وجوده وتنتظر «ظهوره»، فأعجب بها وراقه ما ~~رأى من كتابتها فجعلها من بين الحروف «الحية» الثمانية عشر التي تكون «الوحدة الأولى» ~~من المذهب البابي. وكتب بشرويه إليها ينبئها بظهور «الباب» وبما بلغت من منزلة عنده. ~~فآمنت بما سمعت وأصبحت من أشد دعاة البابية حماسة. # وكانت قرة العين في ذلك الوقت تجلس في مسجد كربلاء من وراء ستار قد تجمع التلاميذ ~~أمامه فكانت تتحدث إليهم حديث الأستاذ الراحل، ولكنها زادت عليه أن نقلت إليهم بشرى ~~ظهور «الواسطة» وأنه «الباب» في شيراز. وأخذت تدعو إليه والناس يستمعون إليها ويتكاثر ~~عددهم يوما بعد يوم. ويخاف الوالي من ظهور الفتنة في كربلاء ويحاول أن يقبض على قرة ~~العين ولكنها تهرب إلى بغداد فتسرع إلى بيت المفتي وتوضح له مذهبها وتجادل عن رأيها ~~تريد أن تدخل الرجل فيه، وأن تظفر بالسماح لها بأن تلقي دروسها وتبث دعايتها في المسجد. ~~ولكن مفتي بغداد يخاف الفتنة كما خافها والي كربلاء فيبصر الحكومة العثمانية بمغبة ما ~~تدعو إليه فيأمر الوالي بإبعادها فتخرج إلى كرمانشاه. وكانت في رحلتها تدعو الناس، كلما ~~استطاعت التحدث إليهم، إلى الدين الجديد، ودخل الكثيرون فيه. ولكن بعضهم أشفق على الدين ~~من دعاية سيدة محجبة؛ فإن هذا عمل الرجال، فلم يكن الإيرانيون قد ألفوا أن تقوم في ms1167 ~~وسطهم سيدة تدعوهم إلى مثل هذه الدعوة، فكتبوا إلى «الباب» مستنكرين من قرة العين ~~ظهورها أمامهم وتحدثها إليهم بصوت عال. فبعث الباب إليهم كتابا مثنيا على جهادها ~~مزكيا إياها مسبغا عليها لقب «جناب الطاهرة» فندم الشاكون على ما شكوا. ومن ذلك ~~الوقت ازدادت نظرة البابيين إليها علوا وأصبحت السيدة الأولى في المذهب. # وبلغت همدان فلم تقنع، كما يفعل سائر الدعاة، بدعوة الناس. إنما رأت أن تقنع الشاه ~~نفسه بالدين الجديد كي تدخله فيه. وكان يجلس على العرش حينذاك محمد شاه، وكان ساخطا ~~على من يتحدث في الخروج عن مذهب الدولة الرسمي أشد السخط، فإنه لم يكن قد استراح بعد من ~~إخماد حركة الإسماعيلية، وكان يحاول أن يقضي على فتنة البابية التي بدأت في الظهور، ~~وسمع أبوها بما تقصد إليه فخاف عليها أن يقتلها الشاه إذا هي حدثته بمثل ما عزمت فبعث ~~جماعة من أتباعه إلى همدان ليحملوها إلى بيتها في قزوين. # هناك يزوجها أبوها من ابن عمها المجتهد الذي لا يألو جهدا في محاربة البابية. ~~وكان الولد كأبيه من أشد الناس سخطا على بدعة «الباب» ومن يدعو إليه. فلم يكن زواج قرة ~~العين موفقا ولم يدم طويلا، واضطرت أن تهجر بيت زوجها وأن تعود إلى بيت أبيها الذي ~~ود لو شغلها البيت والولد عما هي فيه من حماسة للدعوة البابية. والحكومة في ذلك الوقت ~~ترقب حركات قرة العين وتلاحظ ما يكون من أمرها بعد الزواج فلما عادت إلى أبيها اشتدت ~~الرقابة عليها وأوجست الحكومة منها خيفة. ويزداد موقف السيدة سوءا بمقتل عمها المجتهد ~~فقد قتله جماعة من البابية الذين دخلوا الدين الجديد بدعوة منها وهي في طريقها إلى ~~بلدها، فتتطلع الأنظار إليها، وتتناقل الألسن اتهامها بالاشتراك مع قتلة عمها، ويثور ~~الشيعة، ويلقبون القتيل «بالشهيد الثالث»، وتقبض الحكومة على قرة العين، ولكن تثبت ~~براءتها من دم عمها فيطلق سراحها، ولو وجد حاكم قزوين شبهة يستند إليها للإيقاع بها لما ~~تردد. أما الجناة فقد سيقوا إلى طهران فكانوا أول قتلى البابية. # وتغادر ms1168 قرة العين قزوين، حيث لا يحلو العيش بعد الذي كان، وتسافر إلى خراسان وتلقى ~~«الباب» في بدشت فتزداد به ولوعا. وبعد قليل يقبض على «الباب» ويقتل، وترحل هي من بلد ~~إلى بلد حتى تحمل مقبوضا عليها إلى طهران، فتحبس في بيت حاكم المدينة، ولكنها كانت ~~تقابل من تشاء من الناس. ويأمر السلطان بأن يراها فيتحدث إليها ويعز عليه قتلها فيقول ~~دعوها تعيش، ولكنها تقتل بعد حين. # وكانت قرة العين، إلى جانب نشاطها في الدعوة البابية، شاعرة يتناقل البابيون أشعارها ~~ويروونها في إعجاب وإكبار. ولو أن الناقد لا يستطيع أن يغفل القصص الكثير الذي حيك ~~حول هذه السيدة وما جاء في هذا القصص من شعر ينسب إليها. ولها ديوان صغير مطبوع. وكانت ~~تبدأ أشعارها باللغة العربية ثم تكملها بالفارسية والعربية الغريبة معا ومن ذلك ~~قولها: # لمعات وجهك أشرقت وشعاع طلعتك اعتلى، # 13 # لم لا تقول «ألست بربكم» فإنك، بلى بلى. # إن صدى «ألست» ليحيي على الأرض دوي ما نلقى من البلاء، # لقد أقمت على باب قلبي خيمة لجيش الغم وخدم البلاء؛ # كفاني عشق هذا الجميل الذي حين صلت عليه البلاء # قابله نشيطا مقهقها قائلا «أنا الشهيد بكربلاء». # إنه حين سمع نواح موتي أعد لي عدتي وجهازي ~~«فمشى إلي مهرولا وبكى علي مجلجلا». # ماذا لو أضأت قلة «طور» قلبي بنار الحيرة ، ~~«فسككته ودككته متدكدكا متزلزلا» # 14 # إن صدى «الصفير المهيمن» يبلغ أقدام مائدة عشقه من خيل الملائكة # وإنه ليصيح: الصلاة أيتها الفرقة البائسة. # أتستطيع صدفة من سمك الحيرة، مثلك، أن تأمل الغناء في بحر الوجود، # ألا فاجلس «كطاهرة» واستمع الحوت يردد «لا». # ومن أشعارها: ~~«جذبات شوقك ألجمت بسلاسل الغم والبلاء.» # من حطمت قلوبهم من عشقك وفدوك بالروح ولاء # إذا حلا لحبيبي أن يقتلني وأنا بريئة ~~«لقد استقام بسيفه فلقد رضيت بما رضي» # لقد زارني هذا الجميل في فراشي وقت السحر ~~«وإذا رأيت جماله طلع الصباح كأنما» # إن زلفه المسكي هو الذي يذكي نافجة ختن، # وإن سحر عينيه حطم الدين الذي حاربه الكفار ms1169 عبثا. # يا من غفلت عن الخمر والحب من أجل العابد الزاهد # ما حيلتي معك؟ وأنت ترى في خلوص نية الأصفياء، الكافر الجاحد. # إنك لا تعنى بغير زلف حبيبك وحصانك والسرج المعرق، # ولقد قضيت العمر منكرا «المطلق» غير مبال بالفقير والمسكين. # ليكن لك ملك الإسكندر وجاهه ولي طريق القلندري (الدرويش) ورسمه. # فاغتنم ذلك ما حلا لك، أما أنا فهذا يكفيني ولو ساء. # واهجر منزل «نحن وأنا» واختر لك وطنا في فلك الفناء. ~~«فإذا فعلت بمثل ذا فلقد بلغت بما تشاء.» ~~(ب) النثر # أما النثر فقد أخذ طابعا جديدا في سهولته ووضوحه وانتقاء الألفاظ التي تعبر عن ~~المعنى المقصود بغير تكلف أو التواء. ولا شك أن الكتاب الذين استخدموا الجرائد لنشر ~~ما يكتبون قد أخذوا عن كتاب الغرب من فرنسيين وإنجليز أسلوبهم السهل وأفكارهم الجديدة ~~عن الحرية وحق الشعب في أن يحكم نفسه وأن تكون الحكومة منه وأن يكون مصدر السلطات. وقد ~~شاعت هذه الآراء في كتابات الجرائد التي كانت تصدر في خارج إيران باللغة ~~الفارسية. # ومن أبرز الكتاب في هذا القرن الذي نتحدث عنه رضا قولي خان الذي كان أول مدير ~~للجامعة، والقائمقام الذي تحدثت عنه بين الشعراء باسم ثنائي. ~~(1) رضا قولي خان # هو أحد أفراد آل كمال أبناء الشاعر الشيخ كمال خجندي الذي عاصر «حافظ الشيرازي» ~~والمتوفى سنة 1389ه في تبريز التي اتخذها مقاما لأسرته. # وكان جده إسماعيل كمال بك كبير أعيان جارده كلاته من نواحي هزار جريب، وكان يدين ~~بالولاء للقاجاريين فقتله زكي خان الزندي لأنه لم يخضع له. وقد روى رضا قولي خان حادث ~~مقتل جده غدرا وخيانة في كتابه سفارة خوارزم (سفارتنامه خوارزم) (ص133-134، طبعة ~~بولاق) فقال: ~~«وكان أهالي هذه الولاية (جارده كلاته) ميالين إلى الأسرة العلية العالية القاجارية ~~منذ خرج بها السلطان محمد حسن خان (كشورستان) بن فتح علي خان القاجاري القوانلوي. ولما ~~ولي كريم خان سلطنة إيران رفض أهالي جارده كلاته الخضوع لقواده لأنهم أحبوا القاجاريين ~~وأخلصوا لهم، وكان من جملتهم جدي محمد إسماعيل بك ms1170 المشهور بإسماعيل كمال الذي كان رئيس ~~الرؤساء لهذه الجماعة، فلم يذعن لزكي خان، ابن عم كريم خان الوكيل (وكيل خدمت) فأخذ زكي ~~خان يضيق عليهم حتى تجمع واحد وأربعون من رؤسائهم في جهة محكمة وأخذوا يذودون عن أنفسهم ~~فبعث إليهم رسالة وأقسم على القرآن المجيد قائلا: تعالوا عندي فإني لن أقتل منكم ~~أحدا. فخدعهم هذا القسم واطمأنوا وخرجوا من الحصن. فأطلق زكي خان سراح واحد منهم، ~~تبريرا لقسمه، وأمر بقتل الأربعين وأن تبنى من جماجمهم منارة تخلد ذكر هذه الواقعة. ~~فطالب جدي إسماعيل أن يجعل رأسه فوق الرءوس جميعا لأنه كبير القوم. فعمل زكي خان ~~بوصيته. ولا تزال المنارة باقية حتى اليوم. فلما سمع «الوكيل» بهذا غضب ...» # والتحق محمد هادي خان - ابن إسماعيل - بخدمة جعفر قولي خان قاجار، فلما مات الأمير التحق ~~بخدمة أغا محمد شاه وصار خازنه وكاتم أسراره. وفي سنة 1800م بينما كان محمد هادي يحج إلى ~~مشهد أتاه نبأ مولد ابن له فعاد إلى خراسان مسرعا وسمى المولود رضا تيمنا باسم الإمام ~~الذي كان يزور مشهده. وولي فتح علي شاه العرش فجعل محمد هادي ملتزما للخراج في ~~فارس، ولكن الأجل لم يمهله فتوفي تاركا وراءه ولده سنة 1802م. وانتقل الطفل اليتيم إلى ~~طهران ثم إلى مازندران حيث عني به بعض أقاربه في بارفروش، وشب الطفل فرحل إلى فارس حيث ~~أخذ يتلقى العلم على مرب فاضل هو محمد مهدي خان شهنه. فلما أتم الدرس التحق بوظيفة في ~~شيراز مستظلا بنفوذ والي خراسان الذي كان يرعاه ويشجعه. وكان رضا ينفق وقت فراغه في ~~القراءة والكتابة وقرض الشعر، وقد اتخذ لنفسه لقب شاكر ثم جعله «هدايت» فيما بعد. # وجاء فتح علي شاه إلى شيراز فقدم إليه رضا فأحسن استقباله، وكان يعرف ما لآبائه من طيب ~~الصلات بالبيت القاجاري، وأنعم عليه بلقب أمير الشعراء وأمره بأن يحضر إلى البلاط في ~~طهران، ولكن المرض يحول دون ذهاب الشاب الطموح إلى العاصمة. ويموت فتح علي شاه ويليه ~~على العرش حفيده محمد شاه، فيثور ms1171 عليه والي خراسان وأخوه، وكان رضا قولي خان يعمل ~~عندهما، ويخمد السلطان الثورة وتتوثق الصلة بين رضا والوالي الجديد. # وتتاح الفرصة لرضا من جديد؛ فإن شهرته تسبقه إلى طهران وقد أوفد إليها في عمل ديواني، ~~فرحب به الوزير حاجي ميرزا آقاسي وقدمه للسلطان الذي سر به وبما له من وافر الذكاء ~~وواسع العلم وأدب الحديث؛ فأمره بالإقامة في طهران ونصبه رائدا لابنه عباس ميرزا نائب ~~السلطنة (سمي باسم جده)، وأجزل له العطاء وخلع عليه إقطاعات من ماله الخاص، ولقبه ~~بلالا باشي (الرائد). ويموت السلطان عام 1848م فلا تكون الظروف مواتية للأمير الذي ~~يربيه؛ ويضطر عباس ميرزا إلى الهرب من طهران، ويلي الحكم ناصر الدين شاه، فيعتكف رضا ويقبع ~~في داره منكبا على قرض الشعر والكتابة والتأليف، ولكن عزلته لا تطول؛ فإن السلطان ~~الجديد يعفو عنه ويراه خير من يوفد سفيرا إلى خيوه عام 1851م. وحينما عاد من سفارته عين ~~مساعدا لوزير المعارف ومديرا لدار الفنون، فظل في منصبه هذا زهاء خمس عشرة سنة، عين ~~بعدها رائدا لولي العهد مظفر الدين وكان حاكما على أذربيجان. وبعد سنوات من الالتحاق ~~بهذا الأمير استأذن رضا في العودة إلى طهران فأذن له، وهناك مرض ومات بين يدي أبنائه في ~~30 يونيو 1871م. # أعماله العلمية # ولرضا قولي خان آثار علمية وأدبية كثيرة، منها ما هو نشر ومنها ما هو تأليف، ثم هناك ~~الأشعار والرسائل: # المؤلفات ~~(1) ~~«نژاد نامه پادشاهان إيراني نژاد» تناول فيه الملوك الإيرانيين الذين حكموا ~~إيران، وقد جعله في ثمانية عشر فصلا، ولخص في الخاتمة أهم حوادث التاريخ الإسلامي منذ ~~حياة النبي عليه الصلاة والسلام حتى العصر الذي كتب فيه الكتاب. ثم ذكر المراجع التي ~~أخذ عنها والتي ذكرها في حواشيه. ~~(2) ~~«فهرست التواريخ» وقد قدمه لناصر الدين شاه قبل سفره إلى خيوه. وقد طبع جزء منه في ~~طهران. ~~(3) ~~«أجمل التواريخ» وهو كتاب مدرسي ألفه لولي العهد الأمير مظفر الدين لخص فيه أحوال ~~الملوك ابتداء من البيشداديين حتى ناصر الدين شاه. ~~(4) ~~«سفارتنامه خوارزم» وهو من ms1172 أحسن ما كتب بالنثر الفارسي وسنتحدث عنه على ~~حدة. ~~(5) ~~«تتمة روضة الصفا»، وكان ميرخوند قد ألف روضة الصفا مؤرخا لإيران وما حولها، فرأى ~~رضا قولي خان أن يتم هذا الكتاب فأضاف الجزء السابع وكان غير معروف، وقد جاء في أسطره ~~الأولى ما يدل على أنه من تأليف ميرخوند وموضوعه تاريخ أبي الغازي سلطان حسين ميرزا ~~وأبنائه وذلك حتى سنة 1552م. وكان رضا معجبا بهذا الكتاب فأتم حوادثه حتى بداية عهد ~~ناصر الدين شاه، ورجع في كتابة هذه التتمة إلى مراجع لم تكن معروفة، منها تاريخ عبد ~~الغفار القزويني، وروضة الطاهرين لطاهر محمد السبزواري، وتاريخ الصفوية لميرزا صادق ~~الأصفهاني خازن مكتبة الشاه عباس. ورجع في كلامه عن عهد الزند والسنوات الأولى من عهد ~~فتح علي شاه إلى كتاب ميرزا صادق. ومن ناحية أخرى كان في متناول يده وهو يكتب تاريخ ~~إيران الحديث منذ بداية القرن التاسع عشر الوثائق الرسمية التي تبين صلة إيران ببعض دول ~~أوروبا وآسيا حينذاك. وقد سطر النص الكامل لبعض هذه الوثائق وعلق عليها. وهذا الكتاب ~~الذي صيغ في أسلوب سهل رقيق يمد القارئ بمعلومات واسعة عن الجغرافية والتراجم ~~والآداب. وقد قدمه لناصر الدين شاه في عشرة أجزاء، سبعة لميرخوند وثلاثة من تأليفه، وقد ~~طبع في مجلدين كبيرين بين سنتي 1853-1856م في طهران. ~~(6) ~~«رياض العارفين» في تراجم الشعراء المتصوفة، وقد ذكر نبذا منه في سفارتنامه ~~خوارزم. ~~(7) ~~«مجمع الفصحا » وهو من أهم مؤلفات رضا. وأهميته الخاصة ترجع إلى روايته للنصوص ~~الشعرية وللتفصيلات الكثيرة التي أفادها من مؤلفات تاريخية وكتب تراجم من الأهمية بمكان كبير. ويحوي الكتاب مقدمة في تاريخ الشعر الإيراني الذي لم يندثر ~~بعد الفتح العربي، بل ظهرت بوادره في خراسان وبلغ درجة لا بأس بها أيام الخليفة ~~المأمون. ويقول إنه حدث في سنة 198ه/813م أن قدم السيد أبو العباس المروزي إلى الخليفة ~~قصيدة من الشعر الفارسي بها كلمات عربية فأعجب بها الخليفة وأمر للشاعر بصلة ألف دينار. ~~ويتحدث رضا عن الشعر الفارسي أيام الطاهريين والصفاريين والسامانيين والغزنويين ms1173 ~~والديلميين ثم السلاجقة، وقد جعله أربعة أركان: الأول في الشعراء من الملوك والأمراء ~~وخص صفحاته الأولى بأشعار ناصر الدين شاه، والثاني في الشعراء من سنة 173ه/789م ~~حتى 800ه/1397م، والثالث في الشعراء المتوسطين، والرابع في الشعراء المعاصرين. وامتاز الكتاب ~~برجوع صاحبه إلى كتب نادرة وبمعلومات لم يسبقه إليها أحد. # على أن الرغبة في الإحاطة بكل شيء جعلته يتورط أحيانا في أخطاء كان يستطيع أن ~~يتفاداها. وقد عاب عليه القزويني (محمد) في حواشي «جهار مقاله» عدة عيوب، منها أنه ذكر ~~أن البهرامي الشاعر كان معاصرا لسبكتگين ولكنه حدد وفاته في سنة 500ه/1106م وهو سهو ~~واضح لأن سبكتگين مات سنة 387ه/997م. # 15 # ومنها أنه غير في قصيدة للأزرقي، اسم طغانشاه بن محمد (ألب أرسلان) ~~بطغانشاه بن مؤيد لتكون القصيدة في مدح هذا الأخير؛ # 16 # ذلك لأن معظم المؤرخين يجهلون طغانشاه بن ألب أرسلان محمد بن جغري بيك ~~الذي كان حاكما لخراسان أيام ألب أرسلان وهو الذي مدحه الأزرقي. ولم يعن كتاب ~~التذاكر بتحقيق شخصية هذا الحاكم وظنوا أنه هو طغانشاه ابن مؤيد آي ابه (569-581ه/1173-1185م)، ومن هؤلاء رضا قولي خان الذي لم يكتف بالخلط بين الأميرين بل صحح ~~الاسم كي يستقيم مدح الأزرقي مع ما ذهب إليه بغير تحقيق. # عندما تحدث عن عثمان المختاري الشاعر الذي مدح ملكا اسمه عضد الدولة لم يتحقق ~~منه رضا خان فذهب إلى أنه عضد الدولة الديلمي الذي توفي سنة 372ه/982م أي ما يقرب من ~~ثمانين ومائة سنة قبل وفاة المختاري، وقد وضع صاحب مجمع الفصحا اسم مغيث الدين فناخسرو، ~~وهو اسم عضد الدولة الديلمي، مكان معين الدين بن خسرو الذي مدحه المختاري. # على أن هذه المآخذ لا تنتقص من قدر الكتاب والجهد الذي بذله المؤلف لإحياء الأدب ~~الإيراني الإسلامي، من نشأته حتى الزمن الذي كتب فيه. وقد طبع الكتاب في جزأين في ~~طهران سنة 1878م. ~~(8) ~~«فرهنگ أنجمن آراي ناصري» وهو آخر عمل علمي اشتغل به رضا، وكان قد قرأ قبل تأليف ~~كتابيه مجمع الفصحا ورياض العارفين دواوين ms1174 الشعراء القدماء والمحدثين، وأخذ منهم ما ~~يقرب من مائة ألف بيت ذكرها في كتابيه، ورجع لكثير من المعاجم لفهم بعض هذه الأبيات ~~فوجد في هذه المعاجم من النقص ما حمله على عمل معجمه هذا الذي رأى ألا يذكر فيه غير ~~الكلمات الفارسية، ذاكرا معانيها مؤيدة بما يستشهد به من الشعر الموثوق به. وقد قدم ~~لكتابه بذكر ما كان من عمل السابقين عليه في هذا المضمار. وبعد ذلك بحث عن الكلمات ~~الفارسية المعربة أو التي أخذها العرب وعن المصطلحات الأجنبية التي دخلت اللغة، وما طرأ ~~على الكلمات الفارسية والعربية من التغيير، ثم ذكر العبارات التي أساء فهمها علماء ~~اللغة فعرفوها تعريفا ناقصا. وكتب فصلا مفصلا عن الأجرومية الفارسية. وقد قسم ~~المعجم إلى قسمين الأول يتناول الأسماء والصفات والثاني شرح المصطلحات تشبيها ومجازا ~~وأيد المعنى الذي ذهب إليه بأبيات مختارة من دواوين الشعراء المتقدمين. # الأشعار # وله أشعار كثيرة منها ديوانه، ويحوي أكثر من خمسين ألف بيت، ومن أشعاره بعض رسائل ~~دينية مثل بحر الحقائق الذي قلد فيه سنائي، ومنهاج الهداية (هدايت نامه) وأنوار ~~الولاية الذين قلد فيهما مخزن الأسرار لنظامي، ثم مفتاح الكنوز ومعراج ~~البلاغة. # ونظم كتابا سماه «كلستان إرم» أو «بكتاش نامه» وهو نظم في أسلوب سهل يحكي قصة عشق ~~بكتاش بن حارث لربيعة بنت كعب والنهاية الحزينة لهذين العاشقين. # النثر # وفي أثناء إقامته الطويلة في شيراز حصل على مخطوط قديم به جزء من أشعار منوجهري ~~المتوفى سنة 420ه/1029م فجد في البحث عن بقية أشعار هذا الشاعر وهو في فارس وطهران وأعد ~~للطبع ديوانه أو بالأحرى ألفين وثلاثمائة بيت من شعره. وقد طبع في طهران بعد وفاة رضا. ~~كما نشر «قابوس نامه» للأمير عنصر المعالي كي كاوس بن اسفنديار. # والحقيقة أن إيران لم تشهد في الحقبة التي نتحدث عنها عالما أديبا خصص للبحث من ~~الوقت والجهد مثل رضا قولي خان. وقد كان من التوفيق أن يكون على رأس أول جامعة أسست في ~~إيران. فإن ثقافته الواسعة ورغبته في الإصلاح عن طريق ms1175 الثقافة قد ساعدتاه على ألا يدخر ~~وسعا في تشجيع الناشئين من الأدباء وبعث المتفوقين من الشبان إلى أوروبا للتعلم في ~~جامعاتها. # سفارتنامه خوارزم # وإذا أردنا أن نتخذ مثلا للكتابة في القرن التاسع عشر نجد أن كتاب رضا قولي خان ~~«سفارتنامه خوارزم» خير مثل على النثر الفني الفارسي حينذاك. # كانت خوارزم تابعة لإيران إلى حد ما، وكان ملوكها يبعثون الهدايا ويدينون بالولاء ~~للملوك القاجاريين، وكان محمد أمين خان، والي خوارزم، قد أراد التقرب من محمد شاه ~~القاجاري فبعث إليه بأمير من البيت المالك، كان التركمان قد أسروه، وأرسل معه رسولا من ~~خيوه يحمل الهدايا وخطابا وديا للشاه حسب ما جرى به العرف بين البلدين. وسر محمد شاه ~~لعودة قريبه الأسير، ورحب بالهدايا التي بعثها إليه والي خيوه وابتهج بخطابه إليه، ثم ~~رد عليه ردا جميلا وخلع عليه لقب ملك خوارزم (خوارزمشاه). ومات محمد شاه وخلفه ناصر ~~الدين شاه فلم يرسل ملك خوارزم سفيره مهنئا السلطان الجديد بولايته، ولكنه بعد قليل ~~علم بمقتل حسن خان سالار أحد زعماء ثورة خراسان، فخشي أن يسترسل في غيه فيلقى ما لقي ~~صاحبه، فبعث بضابطه آتانياز محرم يهدي ناصر الدين جياد الخيل والصقور. ورأى رجال ~~السلطان أن الرسالة التي يحملها الرسول ليست معبرة عن صادق الولاء. ورأى الوزراء أن ~~يوفدوا إلى خيوه سفيرا مثقفا ذا مركز ممتاز لكي يعبر لملكها عن استياء الحكومة ~~الإيرانية من رسالته، ولكي يستميل هذا الملك إلى إيران ويعيد الصلة بينه وبين الشاه إلى ~~ما كانت عليه من ولاء وود وينتهز فرصة وجوده فيعمل على إطلاق سراح الرعايا الإيرانيين ~~الذين كان التركمان قد اختطفوهم من خراسان ومازندران وباعوهم كما يباع العبيد في ~~خيوه. # واختارت الحكومة رضا قولي خان؛ وأعطوه ألفي تومان # 17 # لنفقات رحلته، وهدية للملك، بندقية وغدارتين على أن يقدمهما كهدية ~~شخصية. # وأدى رضا قولي خان سفارته وعاد فرفع إلى ناصر الدين شاه تقريرا عنها هو هذا الكتاب ~~الذي نتحدث عنه؛ سفارتنامه خوارزم. # وقد بدأ رضا كتابه بمدح السلطان ثم بين ms1176 كيف استعد لرحلته وأقام خارج بيته لإعداد ما ~~يحتاج إليه، وفقا للرسم عندهم إذا قصدوا رحلة بعيدة، ووصف مشاهد جبال البرز ودماوند ~~والولاية التي سميت به إلى أن حدثنا عن لقائه لوالي خيوه خوارزمشاه؛ محمد أمين ~~خان: # ذكر ملاقاة محمد أمين خان والحديث معه ~~«وقد ترامى إلى سمع الخان ما طلبت عن أسرى الإيرانيين فبعث في طلب آنا نياز محرم، ~~رسوله الذي عاد معي من دار الخلافة (طهران)، وكان في ذلك الوقت قائما على معاملات ~~كهنه أوركنج. جاء إلى خيوه، وجعله ثالثنا، وأخذ يستوضحه ما أشكل عليه. وبعد عدة أيام ~~من مجيء محرم بعث في طلبي محددا موعدا لم أخبر به، وكان العلماء والأمراء قد حضروا في ~~أبهى زينة، وكنت مضطرب المزاج ولم يكن في وسعي أن أذهب إلى هذا الجمع الحافل، فاعتذرت ~~بعلتي وقلت إنني لا أقدر على تلبية الدعوة فقد تجرعت مسهلا، وليس في طاقتي العبور ~~فضلا عن الحضور. # فجاءني رسول آخر يقول إن خان الحضرة يعني خوارزمشاه ينتظر حضوركم، وإن أعيان المملكة ~~يرمقون طريقكم. فقلت إني غير مستعد وقد كان عليكم إخباري بالأمس إذا كنتم تريدون دعوتي ~~اليوم، ولو علمت لما تجرعت المسهل فإني اليوم أجدني غير قادر على الخروج وقد بدأت أشعر ~~بأثر الدواء. # والخلاصة أن المجلس قد انفض، وأنهم حملوا عذري على الكبرياء و«التفرعن» والتجلل، ~~ورموني بالجسارة وإساءة الأدب؛ لأن حكم الملك في هذه الولاية بمنزلة الوحي لا يخالف. ~~ولكنهم سمحوا لي، حين يتحسن حالي ويصح مزاجي، أن ألتمس المقابلة. # وبعد بضعة أيام، وكان الخان في حديقة أنگور نيك المشهورة بانگريك، # 18 # التمست المقابلة وصحبت آتا نياز محرم. فلما دخلت حييت الخان فحياني. وبدأ ~~يسأل باللغة التركية وكان معه ترجمان ديلمي لأنه تظاهر بعدم فهم الفارسية، فأنكرت ~~معرفتي التركية لينقل الوسيط الحديث بيننا. فسألني عن أيام اعتكافي وكيف أمضيتها. فقلت: ~~أمضيتها متراخيا محموما، ولم يكن لدي طبيب يداويني والمدينة التي ليس بها طبيب هي عند ~~الحكماء بعيدة عن التمدن ولا تروق لهم. قال: فكيف برئت ms1177 بعد سقم؟ قلت: بما دبرت لنفسي من ~~دواء وافق قبول القضاء. قال: أفي إيران وطهران كثرة من الأطباء؟ قلت: نعم، في كل شارع ~~ومحلة عيادات يطرقها أهل البلاد والغرباء فيصحون بعد مرض، ويتقاضى معظم أطباء هذه ~~العيادات أجورهم من السلطان، ثم إن في كل فوج من أفواج الجيش القاهر طبيبا يصاحب ~~الفوج في السفر والحضر، وهناك أطباء يعينهم الديوان الأعلى مهمتهم تسجيل أسماء الأطفال ~~وإجراء ما يلزمهم لدفع مرض الجدري عنهم، حتى لا يصابوا بالعمى. فتعجب الخان من روايتي ~~وتحير من انتظام الأمور في إيران. قلت: وأفواج الجيش مائة ألف لكل فوج طبيب، ومن هؤلاء ~~الأطباء ميرزا علي نقي الذي كان طبيب فوج الأفشار، وهو اليوم في خيوه لا يجد لنفسه ~~عملا.» # وهكذا استثار رضا قولي خان فضول خوارزمشاه فسأله عن أفواج جيش إيران، فأجابه السفير ~~إجابة مفصلة حيرته. فقال الخان: لسنا بجاهلين أحوال إيران وسلاطين قاجار وقيزل باش، ~~ونحن نعرف أحوال بلادكم أيام فتح علي شاه ومحمد شاه رحمهما الله. فأخذ رضا يبين له حالة ~~الجيوش أيام هذين السلطانين وما هي عليه أيام ناصر الدين شاه من كثرة العدد والعدد ~~الحديثة وحسن النظام والتناسق بين الضباط على مختلف رتبهم وبين الجند، إلى أن قال: ~~«وقد علم رسولكم آتا نياز محرم بعض ما ذكرت ورأى ميدان المعسكر السلطاني الذي يحوي ~~طابقين في كل طابق أربعمائة غرفة لسكن الجند، وأمام كل غرفة مدفعان مجهزان بأدواتهما من ~~عرادات وبارود وذخيرة أخرى، فإذا كنت لا تعتقد في صحة ما أقول فسله يبين لك الصحيح من ~~السقيم.» ~~«وهناك اثنا عشر ألف رجل، على عدد الأئمة الكرام، يقيمون في معسكرهم بدار الخلافة ~~ويتدربون صباح مساء، وينقدهم رجال القصر أجورهم كل شهر. ثم إنهم يسرحون بعد مدة ويحل ~~محلهم غيرهم. أما هم فيعودون إلى بلادهم ويشتغلون بما يهيأ لهم من أعمال.» # وقد كان الخان يسمع حديث السفير «وهو يتفكر ويتدبر، وكان من فرط غيرته ونهاية حيرته ~~يرفع يديه إلى صدره ويصيح ثلاث مرات «يا حافظ». لقد ms1178 ألجأه الفزع والجزع إلى الله ~~الحفيظ.» ~~••• # ويرفع الخان رأسه ويسأل السفير عن عمر السلطان فيقول السفير إنه ولد في السادس من صفر ~~سنة 1246ه/28 يوليو 1830م، فهو في الثانية والعشرين، وإن المنجمين قد تنبئوا بأنه سيحكم ~~أربعين سنة محاطا «بالحشمة» والجلال. فيقول الخان إن السلطان إذن شاب جاهل. فيجيب ~~السفير بأنه شاب كحظه السعيد وإنه ناضج الروح وله تجارب الشيخ الكامل، وإنه ليس جاهلا، ~~كغيره من الملوك، فهو عالم بالفطرة وعقله هبة من الله. وهو من ناحية أخرى قد تحلى ~~بالكمال صورة ومعنى وتخلى عن النقص ظاهرا وباطنا. وهو منذ ألقي إليه بعبء الملك قد ~~صرف الهمة إلى الطاعة والعبادة فهو يتضرع إلى ربه ويخشع. وفي كل ليلة، بعد تلاوة ~~الأوراد والأذكار، توقد في غرفته الشموع المنصوبة على عمد مطعمة بالجواهر، فليحترق بها ~~أعداؤه كما يحرق الفراش حول النار، وتوضع أمامه كتب الأخبار والأحاديث ودفاتر القصص ~~والتواريخ. فينفذ بصره إليها ويتأمل فيها، ويفيد من سير الأولين حكمة وعلما. وهو يشتغل ~~بدراسة أحوال الأقاليم السبعة فهو يعرف عن ديار الفرنج والروم والروس والهند وتوران ~~أكثر مما يعرف أهل هذه البلاد. وقد كان يدل سفيره قبل سفره على الطريق الذي يسلكه ~~مبينا له المنازل التي فيها الماء الحلو والأخرى التي لا يشرب ماؤها، فلما اجتاز ~~السفير الطريق رأى صحة حديث السلطان. # وكان الخان يتأثر بهذا الحديث ويصيح: التوبة التوبة، والحفيظ الحفيظ. # وبعد أن يتحدث رضا عن ناصر الدين شاه وبأنه أشرف ملوك الأرض طرا، وأنه أكثر أصالة ممن ~~تقدمه من آل قاجار، لأنه ملكي النسب من ناحيتي أمه وأبيه، ينتقل الحديث إلى العداوة بين ~~خوارزمشاه والسلطان. # قال ملك خيوه إنه بعث آتا نياز محرم سفيرا إلى طهران كي يحمل إلى السلطان إخلاصه ~~وصداقته، وكذلك بعث السلطان رضا قولي إلى خوارزم سفيرا، وفي هذه الأثناء يرى خوارزمشاه ~~جيوش إيران تسير نحو سرخس واستراباد وهذا لا يتفق والشعور بالصداقة بين حاكمين. # فأجاب رضا بأن سير هذا الجيش يهدف إلى إقرار الأمن عند الحدود وإلى ms1179 رفع غائلة ~~التركمان. «وهذه التعبئة لا تمس بلادك ولا من يخضع لك من القبائل.» وأما بلوغ النواب ~~حسام السلطنة سرخس «فإنه واضح أن هذا البلد لا يدين لك بالولاء، مثله كمثل مرو، وأنهما ~~أصبحا بؤرة للفتن، ولو عرف أن أهل سرخس من رعاياك لما سار إليهم أحد. ومن ناحية أخرى ~~فإن هذه الحملة لم تسير بأمر وزراء إيران، إنما أقدم عليها حسام السلطنة بإلحاح خواقين ~~خراسان. والدليل على أن الشاهنشاه لا يعرف أمر هذه الحملة أنكم حين عرضتم سحب جندكم إذا ~~انسحب عسكر حسام السلطنة، قبل هذا أن ينسحب. ولو كان يستمد الأمر في هذه الغزوة من ~~السلطان، «روحنا فداه»، لما تراجع بهذه السهولة.» # ثم يقول رضا: وحين سار حسام السلطنة نحو سرخس لم ينم أهل خوارزم ليلهم ... ولو لم يكن ~~هناك مراعاة للمصافاة والصداقة من قبل السلطان «روحنا فداه» لدخل الجند سرخس بإشارة ~~واحدة، ولجعلوا عاليها سافلها. ثم يحدث الخان عن الوضع السياسي لخوارزم فهي من ناحية ~~عرضة لغارات أهالي بخارا ومرو وهراة، وهي من ناحية أخرى عرضة لغارات الروس. ثم ينبهه ~~إلى أن حدود خوارزم قريبة من استراباد وبقية الحدود تلتقي عند دره كز وخراسان. وينصح ~~الخان أن يتفكر فيما هو أجدى عليه. فمن الذي يستطيع عونه إذا أعوزه المدد؟ ويقول له ~~إذا رأيت حكومة أجنبية تعرض عليك صداقتها فاعلم أنها تقدم إليك ما يتفق مع مصلحتها، ~~والدولة التي هي أقرب إليك صديقة لأمير بخارا وهو عدوك، وأقرب دولة إلى بخارا تتودد ~~إليك وهي لا ترجو غير مصلحتها وضرب المسلمين بعضهم ببعض. مصراع. # من أي طرف يكون القتل (قتل الكفار) فالفائدة للإسلام. ~~«إن من بيده الأمر في بلدك لا يفكرون في واجبهم، ولا ينظرون إلى خير الدولة، وهم ~~يبذرون بين المسلمين الشقاق والنفاق حتى أصبحوا في عين المسلمين لا يساوون حبة شعير. إن ~~أهل إيران يسافرون إلى كل أمة، من ترك وروس وهند وفرنج، يذهبون ويعيشون أعزاء ويعودون ~~بالعافية، إلا في بلادكم فإنهم ينهبون ويفتح رجالك أبواب الإيذاء ms1180 والإجرام في وجوه أهل ~~القبلة. وذلك مع أن لنا قرآنا واحدا وقبلة واحدة ورسولا واحدا وإلها واحدا، ولم ~~يأت في آية أو حديث شيء مما تفعلون.» # فأجاب الخان بأن علماء الدين في بلده يقولون إن سب الشيخين (أبي بكر وعمر) كفر، وجزاء ~~الكافر معلوم. وقد ابتدع أهل إيران البدع وسبوا أكابر الصحابة ولعنوهم، ولذا فهم، بفتوى ~~المفتين في بخارا وخوارزم، روافض كفرة، فلزم أخذ أموالهم ونهبها ثم لزم أسرهم. # فأجاب رضا قولي: # إنني من رجال بلاط ملك إيران وأتحدث بلسان الدولة. إنما تكون الأسئلة والأجوبة في ~~أمور الدين مع علماء المذهب، وليس لي دراية كبيرة بهذا البحث. فإذا كان المقصود تحقيق ~~المذهب والبحث فيه لوجب بعث أحد القضاة أو المفتين. والواقع أن الحديث في هذا الموضوع ~~قد دام سنوات وتبودلت فيه، بين الطرفين، الرسائل والمقالات والكتب والخطابات ولم ينتج ~~هذا كله شيئا. مصراع. # هذا خيط بعيد الطرف. # وبعد أن تحدث رضا عن مذهب الفرس أيام الخلفاء وأنهم كانوا من أهل السنة والجماعة، ~~وذكر الحرب بين علي ومعاوية ثم مقتل الحسين وقال إن هذا أوضح من الشمس، وبعد أن تحدث عن ~~العباسيين وكيف اضطهدوا أئمة الهدى علنا وخفية قال: ~~«وإذن فقد كان بين الخلفاء خلاف، ولم يكن العباسيون متفقين مع الأمويين في الرأي، ~~ومع هذا فإن أهل السنة والجماعة قد اعترفوا بهم جميعا وبأنهم أولو الأمر وخلفاء الله ~~ورسوله. # وأما السب والرفض فقد صدر أولا عن معاوية وبني أمية في حق حضرة أمير المؤمنين أسد ~~الله الغالب، فقد سبوه ولعنوه من فوق المنابر سبعين سنة، حتى منع عمر بن عبد العزيز هذا ~~السب. ثم كثرت المذاهب كما هو موضح في الملل والنحل. ظهر الخوارج والمعتزلة والأشعرية ~~وطائفة الزيدية والإسماعيلية والأفطحية. ووجد الإمامية أن «الأمور خراب وأن البحار ~~سراب» فعملوا بالحديث: «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق.» ~~فركبوا سفينة الولاء لأهل البيت كي ينجوا من طوفان الخلاف. # أما قصة الرفض والسب فكانت في قديم الأيام ms1181 وخاصة أيام الدولة الصفوية، فقد برزت وظهرت ~~حتى حرمها نادر شاه الأفشاري فزالت هذه البدعة من بين المسلمين. وجاء من بعده السلاطين ~~الألوارية (الزند) ولم يكن لديهم علم بما يدور، فغالى جهلاء العلماء في هذا الأمر. ومع ~~ما كان يبديه حضرة الخاقان صاحب القرآن نور الله مرقده «فتح علي شاه» من حب علماء ~~الدين وتشجيعهم فإنه منع بعض قواعد الرفض. # وجاء محمد شاه طاب ثراه فأمر أمرا نافذا بتحريمه. # وفي عهد هذا السلطان حامي الإسلام «ناصر الدين شاه» لا يجرؤ أحد أن يقول مثل هذا ~~القول الواهي، وإذا أطلق أحد لسانه بالتشنيع على الخلفاء فإن رأسه يقطع.» # قال الخان وقد أعجبته سيرة آل قاجار في هذا الموضوع: «إذا كان الأمر كذلك فهو ~~خير.» # ويسأل الخان فيقول: إن سبب عداوتنا لأهالي إيران هو اتهامنا لهم بالرفض والسب، فما سبب ~~عداء القزلباش لنا؟ فأجاب رضا: إنه كما قيل لكم إن أغلب الإيرانيين رافضة فاتخذتموهم ~~أعداء لكم فكذلك قيل لأهالي إيران إنكم وأهل ولايتكم لا تحبون أمير المؤمنين أسد الله ~~الغالب علي بن أبي طالب وأولاده الأمجاد. # فقال الخان: نعوذ بالله أن نكره عليا، إنا نقره بأنه رابع الخلفاء وأعلمهم، ولو ~~أخذوا بمشورته وعملوا برأيه لما نشب بينهم خلاف. وإن ذكر الخلافة والخلفاء مشروح ~~بالتفصيل في روضة الصفا. # فانتهز السفير هذه الفرصة ليشرح المذهب الديني في إيران ومذاهب الغلاة التي بها وهي ~~المذاهب التي لا يقرها أهل الرأي في الدولة، ولكنهم يغمضون العين عما تقول به لأنهم ~~يستغلون غلو أهلها في التشيع لعلي وآله وبغضهم الشديد لأهل السنة فتتخذ الدولة منهم ~~جنودها كلما دعا الأمر لقتال الترك أو التركمان السنيين، قال: # لقد ولدت في إقليم فارس وشببت فيه، وتنقلت في سواحله وبنادره وبها نحو ثلاثين ألف نفس ~~على مذهب الشافعي، وكذلك يكثر أهل السنة والجماعة في لارستان وسائر أنحاء فارس، وهم ~~يعيشون في سلم وهدوء تامين، وقد عشت بينهم على عقيدتي وما أحببت بحث موضوع ~~المذاهب. # وفي إيران طائفة تسمى الإمامية، وهي على ms1182 حق فيما تذهب إليه، ويفحم علماؤها علماء أهل ~~السنة كلما تناظروا. وهم يقولون إن النبي، وهو في مرض الموت، طلب دواة وقرطاسا ليكتب ~~وصيته حتى لا تضل الأمة من بعده، فمنعه عمر بن الخطاب منعا صريحا. وهذا أمر مشهور. ثم ~~إنهم يقولون إذا كان عمر مخلصا لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # فلماذا تركه ميتا ~~وجرى إلى سقيفة بني ساعدة وأخذ يحمل الناس على اختياره خليفة؟ وأكثر من هذا فإن الخلافة ~~إذا كانت بالوصية فإن الرسول # صلى الله عليه وسلم # قد أوصى بعلي من بعده في غدير خم، ~~فلماذا لم يمكنوه منها؟ وإذا كانت بإجماع العامة فلماذا عدل أبو بكر عن الإجماع وأوصى ~~بأن يكون عمر خليفة من بعده؟ وإذا كانت الوصية هي الوسيلة للخلافة فلماذا عدل عمر عن ~~الوصية وعن الإجماع وأمر بالشورى في أمر من يولى بعده؟ وفي إيران مثل مشهور يقول ~~باستحالة وجود جوين على سقف واحد؛ وهكذا تجد على هذا السقف أهواء كثيرة. # وطائفة الإمامية هذه ترى النجاة في حب الرسول وآله ويقولون بالأئمة الاثني عشر ~~ويسيرون وفق آيات القرآن والحديث وفيهم زهاد وعباد وعلماء وفضلاء كثيرون. # فلما سمع الخان هذا البيان تفكر قليلا ثم قال: إنهم يعجبون بعلي. # قلت: # وفي إيران طائفة غلوا في الولاء لعلي وفضلوه على الخلفاء الثلاثة ويسمون ~~بالمفضلية. # وطائفة أخرى جعلت عليا في مرتبة واحدة مع الرسول # صلى الله عليه وسلم # ولا تفرق ~~بينهما إلا بما بين النبوة والولاية من فرق. # فقال الخان: إن اعتقادهم عجيب. # قلت: # وطائفة أخرى تجعل من علي إلها وتسميه موجد الكل. # فغضب خان خوارزم، وقال: نعوذ بالله من هذا الاعتقاد الفاسد، إن هذه الطائفة كافرة، ~~فلماذا لا يقضي ملك الإسلام بقتلها. # قلت: # إنهم لا يجهرون بعقيدتهم وهم يوافقون المسلمين في الظاهر. ثم إن لهم أتباعا في سائر ~~البلاد. وهم في إيران كثيرون فهم أكثر من مائة ألف أسرة وغالبهم يشتغل في الديوان وعند ~~السلطان وبعضهم فرسان، ومنهم عشرون أو ثلاثون ألفا موظفون في الدولة، وآخرون يعملون ms1183 في ~~الجيش كمشاة. فكلما أشار السلطان ذو الجاه بأن تحارب هذه الطائفة أهل الروم (الترك) أو ~~أهل بخارا أو التركمان، فإنهم يقدمون بشوق ما بعده شوق، وعداوة لا توصف، على حرب أهل ~~السنة، لأنهم يرون في قتلهم ثوابا عظيما ويستحلون دماءهم، وذلك من غير أن ينقدهم ~~السلطان أجرا أو يجري عليهم شيئا. # فثارت من ذلك أوهام الخان واضطرب خاطره فوضع يده على صدره في غير وعي وأخذ يكرر: ~~التوبة التوبة والحفيظ الحفيظ، وقال: # لماذا لا يأمر سلطان إيران بإهلاك هؤلاء القوم وإبادتهم؟ # قلت: إن قتل مائة ألف من رعاياه وخدمه ليس أمرا يسيرا. وهو يبعث في البلاد فتنة ~~عظيمة. ثم قلت: # وفي إيران أناس على كل الملل، من النصارى واليهود والمجوس والهنود، ولهم في كل مدينة ~~شوارعهم وبيوتهم ومعابدهم وكنائسهم، وهم يعملون بتعاليم أديانهم ويدفعون الجزية. ولهذا ~~إذا سمعتم أن في إيران جماعة من الرافضة فاعلموا أن أهل إيران جميعا ليسوا من هذه ~~الفرقة، ففي إيران كثير من كل الملل والنحل، بيت. # ليس في الطوق قتل الناس ولا في المكنة القضاء على العالم. # ثم أخذ الخان يسأل السفير عن مذهب الخوارج، واستطرد السفير فحدثه عن الخلفاء ~~الإسماعيلية في مصر والمغرب ومحاربتهم للعباسيين ثم حدثه عن ملاحدة قوهستان وعن البابية ~~والقضاء عليهم. # وقد انتهى هذا الحديث بإعجاب الخان بالسفير وود لو استطاع أن يبقيه في بلاطه لتفيد ~~منه البلاد في أمور الدين والدنيا. ثم أخذ يسأله عن طرق خوارزم وعن الأولياء الذين ~~زار قبورهم، وكان رضا يجيبه ويقرأ عليه بعض أشعار للشيخ نجم الدين كبرى الذي زار ~~قبره. فقال الخان إنه لم يأت إلى خيوه سفير كهذا الرجل ... ثم شكره لأنه أزال ما علق بنفسه ~~من سوء الظن بالمذهب الذي يتبعه الإيرانيون، وسأله أن يتحدث في بلاده بما يرفع الشبهة ~~في أهل خوارزم «قل لهم إنا مسلمون نسير على جادة السنة والجماعة، وإن الغلو الذي هو ~~من جملة البدع التي لا نفع فيها محرم في ولايتنا، وإنا لا نعاقب أو نقتل ms1184 النفس بغير ~~إجازة الشرع وفتوى القاضي، وإنا مخلصون لأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ~~ولأولاده.» # وانتقل الحديث بين الخان والسفير عن أسر الإيرانيين فتنصل الخان من تبعته ... ثم طلب ~~السفير أن يعيد الخان هؤلاء الأسرى إلى إيران كهدية منه إلى السلطان. فإن الاصطبلات ~~السلطانية مملوءة بأحسن الخيول النكية، وكذلك حوت خزائنه كل ما يشتهى، فإهداء رعاياه ~~الأسرى خير ما يهدى إليه. وحين سأل الخان عن طريقة استرداد هؤلاء الأسرى ممن اشتروهم من ~~الفلاحين (البخارا) أجابه السفير بأن يشتريهم بنقد من عنده وألا ينظر إلى نفع أو ضرر ~~فإن السلطان قادر إذا أزم الخان أمر أن يعينه بعشرة آلاف أو عشرين أو ثلاثين ألفا من ~~جنده، وأنه قادر على أن يخضع مدينة مرو وينزل له عنها «وكذلك طلبتم أن ينسحب النواب ~~حسام السلطنة عن سرخس ففعل، وما هرع إليكم أهل سرخس إلا لخشيتهم جنود إيران.» # فاقتنع الخان بما قال السفير ووعد بأن يزداد صلة بآل قاجار؛ فقد جاملوه في سرخس. وأجاب ~~السفير إلى طلبه. ~~••• # وقد ذكر رضا قولي خان في كتابه ما لقيه في الطريق، فوصف المزارات التي زارها وذكر ~~أشعار أصحابها إذا كانوا شعراء فمن ذلك وصفه لقبر الشيخ نجم الدين كبرى، ولقبر فخر ~~الدين أبي عبد الله القرشي التميمي البكري، وقد ذكر بعض رباعيات لهما. وذكر كيفية تولية ~~الخان عرش بلاده، فإنه حين يموت الخان يحضر القضاة والعلماء والأمراء والوزراء للتعزية ~~ثم يختارون ابنه الأرشد ليلي العرش، فيظهر هذا الاجتناب والاستغناء فيلحون عليه حتى يقبل ~~ما داموا مجمعين على اختياره وخاضعين لأمره حتى لو كان بالقتل. ثم يأتون ببساط أبيض ~~ويضعونه في وسطه ثم يرفعونه وقد أمسكوا بأطرافه ويلقون الخان الجديد على العرش بقوة، ~~فيقع على وجهه أو تسقط عمامته. وحينئذ يقطع كل منهم بسكين معه قطعة من هذا البساط ~~ويأخذها معه. # ويتحدث عن الجيش وطريقة جمعه وصلة الخان بملازميه، ويقول إن الرقيق من الإيرانيين في ~~خوارزم أكثر من أهلها، وقد رأى عند أحد الأزبكيين خمسين رقيقا من الإيرانيين. ms1185 قال ولو ~~وجد هؤلاء تأييدا من حكومة إيران لثاروا ضد سادتهم. # ويصف ما لقيه من مصاعب في الطريق: ~~«وكنا نسمع في مسيرنا بثورة يموت # 19 # وقيامهم بثورة على حاكم استراباد، وشاع وتواتر أنهم ينتظروننا ليمنعونا من ~~السفر ويأسرونا؛ ولذا رأيت من الحزم ألا أبعث أمامنا رسولا إلى بكلر بكي، فإن ~~التركمان سيعلمون من ذلك يوم مجيئنا فيسرعون إلينا. وبعد أن اقتربنا من نهر إترك، حيث يسكن ~~غالب التراكمة، وهم يعيشون على قطع الطريق والغارات، تناولنا العشاء ورأينا أنه لا يجدر ~~بنا أن ننام. فلما انقضى من الليل ساعتان أو ثلاث عزمت على عبر نهر إترك مع رفاقي ومن ~~صاحبوني في السفر، وذلك بغية الوصول إلى جرجان واستراباد. فلم نكد نسير في الطريق ~~قليلا حتى ظهرت آثار سنابك الخيل كثيرة، فدلت على أنهم جاءوا من حولنا ومضوا. فبدا لكل ~~منا ظن فقال ما أراد. وخطر لي من القرائن الخارجية والدلائل العقلية والسمعية المتواترة ~~أن تراكمة إترك الثائرين قد خال لهم أن يأسروني، فوجب أن نسير في طريق غير مألوف من حول ~~منازل هذه الطائفة. فلما بلغنا نهر إترك كانت ضوضاء أهل القافلة من بخارى وخيوقي (نسبة ~~إلى خيوق أو خيوه) وكابلي وهدير الجمال وصهيل الخيل وغلغلة الحضور، كل هذا كان له في ~~الجبل والنهر صدى أي صدى. وعلى أي حال فقد سرنا في الطريق الأيسر وكانت أرضه ملحة ~~وولينا من هذا المكان المخوف ولو أن كل هذه المسالك خطرة مفزعة، متوكلين على الله، ~~وقصدنا جرجان واستراباد .» # وكان قد عرف زعيم يموت، آتاباي قراخان، وتعرف عنده بالأمراء والقاضي فرأى أن ينزل عند ~~واحد منهم، وكان يجهل ما يجري في استراباد. وفي هذه الأثناء قابله رجل فأنبأه بأن بكلر ~~بكي قد قبض على قراخان وأن أمامهم ألفين من الثوار يسيرون لتخريب جسر نهر جرجان، «فبهت ~~رسول الخان ومن معي وتحيروا جميعا. فقال أحدهم إن الأولى أن نسير في الطريق الأيسر ~~لأنه غير مطروق فأمامنا فرسان سيلاقوننا، وإن دردي قولي خان قد ألقى خيامه ms1186 هناك، وإنه ~~سيسعد بورودنا مخيمه، وإذا ألجأتنا الضرورة فإنه يصحبنا وفرسانه إلى استراباد. # ولاحت لنا من بعيد خيام وسرادقات فاتجهنا نحوها وحثثنا السير إليها، عبثا، لقد ظننا ~~السراب ماء والقطران كافورا عبقا، فبعثنا من لدنا رسولا يستطلع الخبر فعاد يخبرنا ~~بأن الخيام ليست لدردي قولي خان ولكنها خيام يلقاي. وكان العرف عند التراكمة أن من يفد ~~عليهم من عدوهم فهو آمن ولم يكن بد من التقدم نحوهم، بين اليأس والأمل، وترجلنا. فأحضروا ~~لنا خبزا وأكرمونا. وكان من بينهم كثير من الأسرى، من أهل أردو (إيرانيين) ... وآثرنا ~~الرحيل على المكث، ولما ابتعدنا مرحلتين أو ثلاثا وجدنا أنهم سرقوا بندقية محمد شريف ~~باي في الفترة القصيرة التي توقفنا فيها عندهم، وأنهم أنبئوا الأعداء بأمرنا.» # وسار رضا قولي خان فرأى هذه القبيلة من ورائه تسير، تبغي سرقته وتدعي حراسته. وفجأة ~~قام عليهم التركمان الأعداء وأرادوا أن يأسروه فقاتلهم ثم جمع أمره ورجاله واستعدوا ~~للقتال من جديد، حتى إذا جن الليل تدبر موقفه فرأى القوم لم يناموا ليلتين وأن الطعام ~~نفد وليس في جرارهم ماء، وأبصر فوجد أهل القافلة يتطلعون إليه وقد ترقرق الدمع في ~~أعينهم وأنه هو سبب هذا البلاء كله فأخذ يفكر في أن يسلم نفسه أسيرا، ويكفي الله ~~المؤمنين القتال. ولكنه كان قلقا، فإن الحكومة الإيرانية ستبحث عن سفيرها وتنقذه من ~~الأسر كي تدفع الإهانة التي لحقتها بالعدوان عليه. ولكنه يخشى أهل السوء من الحكام، ~~فمنهم من لم يكن راضيا بسفارته هذه؛ وإذن فقد تعدل الحكومة عن البحث عنه وتتركه يلقى ~~ذل الأسر وهوان الرق بحجة أنه لم يكن موفقا في سفارته بل إنه زاد الأمور تعقيدا. أخذ ~~يفكر في هذا كله وهو متعب مضنى، وقد جلس بين الجمال يتفكر ويتدبر ويترقب. وإذا بالقاضي ~~الذي لقيه عند قراخان يحضر إليه ويعرض المساعدة، ويتصل أمره بزعماء القبائل وينقذ ~~ومن معه ويبلغ استراباد. ~~••• # وقد انتهى أمر خان خوارزم بالقتل وعاد من سلم من رجاله إلى خوارزم، أما رأس الخان فقد ~~حمل إلى طهران. ms1187 ويختم رضا قولي خان رسالته فيقول ناظما: # شاع النواح والأنين في خوارزم كلها. # وترددت الآهات والبكاء في كركانج. # إن تركستان تغط بالحسرات كأنها جيحون، # كلها، من بخارى حتى فرخار. # أناتهم «باردة» كرياح آذر (نوفمبر-ديسمبر)، # وعيونهم «مشبعة بالدمع» كسحاب آزار (مارس). # إنهم كالبوم في الخراب الشوم، # قد أضناهم فرط الألم. # وقد تذلل الصعب من هذا الأمر، # من تخت كسرى وتدبير الدستور. # 20 # القائمقام # وهو الشاعر الذي تحدثنا عنه في آخر فصل الشعر، والذي امتاز برسائله التي كتبها ~~أثناء وزارته لفتح علي شاه، ومنها رسالته المشهورة التي بعث بها هذا السلطان إلى قيصر ~~روسيا معتذرا عن قتل الإيرانيين البعثة السياسية الروسية في إيران، وقد بعث بهذه ~~الرسالة مع ولي عهده عباس ميرزا نائب السلطنة. قال فيها: # وقد بينا في كتاب صادق، مرقوم ومعلوم، مفاجأة هذا الحادث، وأن أمناء الدولة لم ~~يعرفوا من أمره شيئا. وثانيا فإنه لما بين هاتين الدولتين البالغتين السماء علوا، ~~من الوحدة التامة والوفاق فقد أخذنا على عاتقنا أن نثأر لهذه البعثة فأوقعنا الجزاء على ~~كل من لحقته أدنى شبهة من أهل هذا البلد في المشاركة في هذا الجرم القبيح والإثم ~~الشنيع، بالزجر والحد والإخراج من البلد. وأخذنا محافظ المدينة وعمدتها بأنهما علما ~~بالحادث متأخرين، ولأنهما لم يحكما الأمر في المدينة قبل وقوعه، فعاقبناهما بالعزل ~~والتعزير. وأكثر من هذا فإنا عاقبنا ميرزا مسبح، مع ما بلغ في دين الإسلام من مرتبة ~~«المجتهد»، وهو قدوة الخاصة والعامة، وذلك لأن أهل المدينة كانوا ملتفين حوله في المجلس ~~وقت اغتيال البعثة. ولقد عملنا بما بين الدولتين من اتحاد فلم نعف أو نغمض العين ولم ~~نقبل أي شفاعة أو وساطة من أجله. وإذ رأينا لزاما علينا أن ننبئ الأخ الطيب السيرة فقد ~~حررنا هذا الكتاب معبرا عما نكنه من الصداقة، وتركنا التفصيل لولدنا المؤيد الموفق ~~نائب السلطنة عباس ميرزا. آملين من أعتاب الله أن يسدد وداد هاتين الدولتين الأبديتي ~~البناء، نحو الترقي والازدهار، وأن تتصل روابط الصداقة والإخاء بين الحضرتين وأن يتأكد ~~بعث ms1188 الرسل وتبادل الرسائل ويتضاعفا والعاقبة بالعافية. # وأكتفي بهذا القدر عن الكتابة وأنتقل إلى القصص. ~~(2) القصص # وليس القصص جديدا في الأدب الفارسي، فمنذ زمن بعيد والإيرانيون يعنون بالعاشر من ~~محرم ويذكرون فيه قصة الحسين ويبكون، ومنذ زمن بعيد أيضا والفرس يعنون بالتاريخ القصصي ~~ويأخذون في هذا من كتب سابقة على الإسلام وهي كتب «خداوند نامه» أي سير الملوك، ونظم ~~الشعراء قصصا مأخوذا عن اللغة اليونانية، مباشرة أو بالواسطة، كقصة سلامان وأبسال ~~التي ذكرت في الجزء السابق من قصة الأدب، كما نظموا قصصا دينيا كيوسف وزليخة، هذا عدا ~~الحكايات التي قصد بها ضرب المثل في الأخلاق. # ولكن القصص الإيراني في القرن التاسع عشر أخذ طابعا جديدا، فإن الأدبيات الفرنسية ~~ومعظمها قصصي، قد نقل إلى اللغة الإيرانية، فقرأ الأدباء قصصا لموليير وفولتير وغيرهما، ~~وأراد البعض أن يأخذ موضوعا اجتماعيا ويضع عنه قصة على المنوال الذي رآه عند ~~أدباء أوروبا. ومن هذا القبيل ما نشر باللغة الإيرانية من قصص، وقد ظهرت هذه القصص أولا ~~في أذربيجان، باللهجة الأذرية، ثم نقلت إلى الإيرانية ونشرت في طهران سنة 1874م، في مجلد ~~يحوي سبعا منها. # ولست في حاجة إلى تلخيص كل هذه القصص. وحسبي أن أذكر فكرة عن واحدة منها لنرى طريقة ~~التفكير والهدف الذي يرمي إليه الكاتب، وقد اخترت قصة الملا إبراهيم خليل ~~الكيماوي. # وقد قصد مؤلف القصة، ميرزا فتح علي در بندي، إلى محاربة فكرة استخراج الذهب والفضة ~~من النحاس، وكانت شائعة في إيران في ذلك الوقت، شيوعها في مصر وبلاد الشرق عامة. وكانت ~~هذه الصناعة قائمة على الدجل والاستخفاف بعقول الناس وابتزاز أموالهم. فأخذ المؤلف ~~الفكرة وجعل روايته في أربعة فصول: # قصة الكيماوي # 1 # يجري المنظر الأول في بيت الحاج كريم الصائغ، وقد دعا إلى بيته جماعة من أصدقائه ~~ليتعارفوا إلى الشيخ صالح. وكان الحاضرون من الطبقة الوسطى في إيران، فمنهم من كان أبوه ~~من رجال الدين «ملا» وأخذ عن أبيه وقار المظهر، ومنهم طبيب يعتمد على ضياع زوجه، ومنهم ~~رجل من الملاك. فلما ms1189 اجتمعوا دخل عليهم شاعر لم يكن رب الدار دعاه، هو الشاعر نوري، ~~ولكنهم رحبوا به فدخل وجلس بينهم. # وأخذوا يتحدثون عن الملا إبراهيم الخليل وكيف يجعل النحاس فضة ويبدل فقر الناس غنى، ~~ويضاعف لهم الثراء مرات. فأخذ كل منهم يتفكر في كيفية الحصول على أكبر قدر ممكن من ~~النحاس، ليصيره الكيماوي بإكسيره فضة براقة. # وقال ابن الملا، الوقور، إنه يعرف رجلا يقرضهم من المال ما يشتهون ويتقاضى فائدة ~~قدرها 12 في المائة واسمه الحاج رحيم، فاطمأن الجمع وأخذوا يتزايدون في القرض الذي ~~يطلبون. # وفي هذه الأثناء يبلغ ضجر الشاعر أقصاه، فينبري فجأة إلى قراءة قصيدة كتبها في غزوة ~~حدثت منذ ستين عاما. ويغضب الحاضرون، ويطلب المضيف من الشاعر أن يطوي الشعر فليس هذا ~~أوانه، ويدافع الشاعر بشاعريته عن القصيدة، فيحدثه المضيف عن الكيمياء والإكسير والثراء ~~فينكر الشاعر هذا القول ويرفع الصوت قائلا إن مهنة كل رجل هي إكسيره، وهي الوسيلة ~~لعيشه. وأخذ يبين عيوب الحاج إبراهيم الخليل ويكشف عن خداعه. وعاب على الشيخ صالح قسمه ~~بأنه رأى الكيماوي بعينيه وهو يصير النحاس ذهبا. # ويهزأ الحاضرون بقول الشاعر ويسأله كل منهم عن عجز الإكسير الذي له عن أن يهيئ له ~~الحياة الهادئة. # أما الصائغ فيسأل الشاعر كيف ينكر وجود الإكسير الساحر، ويأخذ عليه قوله إن مهنة كل ~~رجل هي إكسيره. قائلا إني صائغ وأعجز عن كسب ما يفي بنفقات بيتي اليومية فأين ~~إكسيري؟ # ويجيب الشاعر بأن الصائغ لم يتحر الأمانة في صناعته وأنه كان يبدل الذهب الذي يعهد ~~إليه به بالنحاس والقصدير، فكشف الناس زيفه وولوا عنه، فكسد سوقه، ولو كان أمينا لأثرى ~~من صناعته. # فيسأله الطبيب عن التضييق في رزقه؟ # فيقول الشاعر: إنك تركت مهنتك وامتهنت ما ليس لك به علم. لقد كان أبوك حلاقا بارعا ~~فجمع من صناعته ثروة، ولقد رباك ونشأك لتخلفه في مهنته ولكنك آثرت اتباع طريقة حلاقي ~~تفليس، فاشتغلت بالطب ولا دراية لك به، فقتلت من الأنفس ما قتلت فانصرف الناس عنك. وها ~~أنت نسيت حرفتك ms1190 الأولى ولم تفلح في الحرفة الثانية. # وهنا يسرع الرجل الوقور ابن الملا ويقول لو صح قولك لكنت أنا «قارون»، وها أنت تراني ~~لا أملك شروى نقير. # فيقول الشاعر: إن لك من صحتك وبنيانك ما يؤهلك لأن تكون مكاريا، ولكنك رأيت أباك ~~«ملا» فاخترت أن تكون «ملا» مثله. ولقد كان أبوك مجدا في التحصيل قادرا على الإفادة ~~من القراءة فكان من حقه أن يكون «ملا». أما أنت فتجهل كتابة اسمك فكيف تتعلم ثم تعلم. ~~لقد حسبت كفاءة العلم كهذا الثوب من الفراء الذي ورثته عن أبيك، فلم تلق من الناس ~~تقديرا، ولو عملت على كسب قوتك مما وهبك الله من بسطة في الجسم وقوة وعملت مكاريا ~~لكسبت في حياتك ما يكفيك ويغنيك. # فانبرى صاحب الأملاك يسأله عما حال دون ثرائه. # فقال الشاعر: كان عليك أن تنمي ثروتك بمراعاة زرعك وحصادك، ولكنك قضيت وقتك في سخف ~~الحديث، وإنك لتقدم على أمر فلا تتمه وتنصرف إلى سواه، تغتاب الناس وتثقل على الحكام ~~بما تبذل من وساطة لحماية أهل السوء وإيذاء الأبرياء. وقد آل أمرك، لسوء سيرتك، إلى ~~الحبس ثلاث سنوات، فبذلت من أموالك لتفك قيدك، أتريد أن تنفق من رأس مالك ثلاث سنوات ~~وأن تزداد ثروتك وينمو دخلك! وها أنت تبحث عن الثراء عن طريق الاستدانة وتبديل النحاس. ~~مثلك كمثل مشهدي الجبار؛ التاجر الذي دفعه حرصه على جمع المال، إلى أن يقرض الناس ~~بالربا الفاحش ليصبح من ذوي الثراء، هيهات له اليوم أن يسترد ما قدم للناس. # وهنا يصيح الصائغ ويسأل الحاج نوري الشاعر، بأنه وقد بين عيوب الحاضرين جميعا ~~وانصراف كل منهم عن الطريق السوي للعيش الهادئ الناعم، أن يبين لهم سر فقره وأنه إذا ~~حصل على العشاء لا يجد ما يفطر به. فأين الإكسير والشاعرية في برجها لم تضل؟ # فيقول الشاعر: إن شاعريتي هي إكسيري في الحياة. ولكنها كهذا الإكسير الذي تتحدثون ~~عنه يلزمها المعدن الذي تتجلى عليه. والمعدن عندي هم الرجال الذين يستمعون إلى ~~الشعر ويقدرونه ويكافئون الشاعر على إبداعه، ms1191 فإذا كان الناس من أمثالكم فهل تريد لهذه ~~الشاعرية أن تسد حاجتي وتسعدني كما سعد الشعراء من قبل؟ # وصاح الجميع بالشاعر وطردوه فخرج وهو يطوي القصيدة، ويقول: إن قول الحق مر. # واتفق الحاضرون على تهيئة النقد النحاسي واقتراضه من الحاج رحيم والذهاب إلى الملا ~~إبراهيم الخليل. # 2 # وينتقل المنظر الثاني إلى تل تبدو فيه الطبيعة وقد بلغت غاية الجمال، وهناك خيمتان، ~~وعلى بعد قليل منهما كوخ من الخشب يرى في داخله موقد كبير، وبجانبه كور وسبائك نحاس ~~متكتلة. وأمام الخيمتين خيمة ثالثة صغيرة. أما الخيم فواحدة لسكن الملا خليل إبراهيم، ~~والثانية لمساعده الملا حميد، والثالثة للخادم الدرويش عباس، وقد امتلأت بالأدوات ~~والعدد. # وكان الكيماوي يعلم بمجيء الجماعة في هذا اليوم فاتفق مع مساعده على أن يقابلهم وأن ~~يخبرهم أن الفضة قد بيعت، وأن الدفعة التالية قد وعد بها جماعة أخرى، وأنه لا يقبل منهم ~~نحاسا قبل ثلاثين يوما. فإذا طلبوا مقابلة الكيماوي فعلى المساعد أن يخبرهم أنه معتكف ~~ثلاثة أيام يصلي فيها ويدعو ربه ولا يقابل أحدا. # ويحضر الجماعة في المساء فيخبرهم المساعد بما اتفق عليه مع الكيماوي، ولكنهم ~~ينتظرون. # وفي هذه اللحظة يخرج الدرويش عباس من خيمته، وهو شاب في الثلاثين من عمره أصفر الوجه، ~~يتدلى شعره على كتفيه، وقد أطلق لحيته وحلق شاربه، ولبس فوق رأسه طرطور الدراويش، وظهره ~~مغطى بجلد نمر، وقد أمسك بإحدى يديه بوقا وتحت إبطه ديك أحمر الريش، وكان يصيح بصوت ~~عال: # يا هو يا حق! # ثم سار بجوار الخيام وعلى مسافة قصيرة منها دق وتدا ثم نفخ في البوق ثلاث مرات فكان ~~للصوت صدى بعيد تردد في الوادي الفسيح. ثم شد الديك إلى الوتد، وتلا بصوت عال ثلاثة ~~أبيات من شعر سعدي. ثم نفخ في بوقه ثلاث مرات أخرى وخلع جلد النمر وطرحه على الأرض على ~~عشر خطوات من الديك ثم جلس وأخذ يصيح في صوت رهيب: يا حق يا هو. ثم جلس على ركبتيه فوق ~~الجلد. # ورأى الجماعة هذا المنظر وسمعوا الدرويش ms1192 فوقفوا مشدوهين. فلما خيم السكون على المكان ~~أخذوا يلحون في الأسئلة على المساعد. وسألوه عن الدرويش والديك فقص عليهم أمرهما وهو ~~يضحك من جهلهم. إن هذا الحشيش الذي ترونه هو عنصر أساسي في الإكسير وهو لا يوجد في ~~غير هذه التلال. ولا يعرفه أحد غير الملا إبراهيم الخليل، وهو ينمو أثناء صياح الديك، فواجب هذا الدرويش هو أن يأخذ الديك كل ليلة ثم يتلو المراسم ويربطه ثم يراقبه ~~طول الليل ليبعد عنه الثعلب وابن آوى. فيتعجب الجماعة ويصيحون في نفس واحد الله أكبر ~~والحمد لله. # 3 # والمنظر الثالث في خيمة الملا إبراهيم الخليل، وهو يجلس إلى القبلة وفي يده مسبحة بها ~~ألف حبة، وهو يتمتم بالصلاة وأمامه مساعده وقد وضع يديه على صدره. # ويتحدث إليهم الكيماوي ويعتذر إليهم بما سبقه مساعده إليه، ويقول إن الإقبال على ~~الفضة شديد وإن الناتج يباع مقدما، وإنه لم يخبر الملا حميد مساعده بصفقة عقدها مع ~~اليهود لأنه يبغضهم، ولكنه قد وعدهم ووعد الحر دين عليه. وهنا يحاول الملا حميد أن ~~يقاطعه مظهرا التحامل على اليهود، فيسكته الكيماوي الذي يبدأ في شرح كيفية ~~استخراج الإكسير مؤكدا لهم أنها مسألة علمية بحتة وليست إلهاما يلهم أو وحيا يوحى، ~~وأنه بشر، بشر مثلهم، لا يبغي غير صحبة الأتقياء ويطمح إلى تأدية صالح الأعمال، فيرضي ~~ربه أولا ويتعمق في علم الكيمياء ثانيا. # ويتوسط الملا حميد، المساعد، لدى أستاذه بحجة أنهم مسلمون وأنه وعد اليهود ولا يستوي ~~المسلم واليهودي، ويأبى عليه سيده هذا التعصب، ويؤكد أنه لا يعدل عن كلمته ولو أخذ ~~مليونين مقابل الخلف ... ولكنه في نهاية الأمر يرى أمرا وسطا، ثم ينظر إلى الجماعة ويبدي ~~عدم المبالاة بنقدهم ويقول أعطوه للملا حميد وعدوه له وعودوا بعد ثلاثين يوما ~~ويستأذنهم كي يصلي صلاة الظهر. # وينصرف الجماعة بعد أن هدأت نفوسهم بالحل السعيد. # 4 # وتنقضي الأيام الثلاثون ويرى الملا إبراهيم الجماعة قادمة من بعيد في الصباح الباكر ~~فيسرع إلى ارتداء ثوب أبيض ثم يشمر أكمامه ... ويخرج من مخيمه وينادي ms1193 الملا حميد. # ويعد هذا الموقد وتشتعل النار وبجانبها أدوات المعمل والبوتقة فوق النار تفور، والملا ~~إبراهيم منهمك في العمل بكل وعيه. # وأقبل الجماعة فحيوا بتحية الإسلام، فتجهم وجه الملا إبراهيم وصاح: لماذا لماذا؟ ماذا ~~جاء بكم اليوم، يا للمصيبة، أي بلاء يصب فوق رأسي انصبابا، أجئتم لتفسدوا عملي، أجئتم ~~لتضيعوا سدى جهدي من أجلكم، وا مصيبتاه! وا مصيبتاه! # ويتساءل الجماعة في دهشة: ماذا حدث؟ فيخبرهم الكيماوي بأنهم جاءوا في اللحظة التي يتفاعل ~~فيها الجوهر فيخرج الإكسير، والشرط ألا يقرب أحد البوتقة قدر فرسخ، وإلا تحول الإكسير ~~إلى غاز متصاعد لا خير فيه ولا جدوى. # وفي حسرة وخيبة أمل وسوء طالع يقول الجماعة إنهم أتوا في الموعد المضروب. # فيقول الملا إبراهيم إني قلت بعد ثلاثين يوما فالموعد غدا وليس اليوم، ثلاثين يوما ~~كاملة. ويتساءلون. هل من مخرج من هذا المأزق؟ فيجيب بأن عليهم ألا يغادروا المكان وأن ~~يصلحوا ما دبرته الصدفة السيئة، وذلك بأن ينتظروا الفترة التي يعد فيها الإكسير في ~~البوتقة، على ألا يتخيلوا القرد أو صورة له أو شبيها به، وإلا فإن الإكسير الذي ~~بذل شهرا كاملا في إعداده يصبح في لمح البصر هباء منثورا. فأجاب الجماعة بأن الأمر ~~يسير التحقيق. ولكن الطبيب لا يقدر أن يبعد صورة القرد عن مخيلته فيصرح للكيماوي بما ~~يرى فينهره هذا ثم يأمر مساعده بأن يشتد في نفخ الكور، وتتراءى صورة القرد أمام الجماعة ~~فيصيحون بما صاح به زميلهم ... وبينما هم في حيرة وذهول من صورة القرد التي تقفز أمام ~~أعينهم من شدة ما فكروا في إبعادها عن خواطرهم إذا بالملا إبراهيم يلقي بعض المواد في ~~البوتقة فتنفجر ويخرج الإكسير فيدوي صوته دويا شديدا، ويرتمي المساعد إلى الوراء ~~فزعا، أما الملا إبراهيم فيلقي بنفسه على الأرض ويضرب ركبتيه، ويلتفت إلى الجماعة ~~ويدعو الله أن يخرب بيوتهم ثم ينهال عليهم شتما وسبا، وأخذت الجماعة تهدئ من ثورته، ~~وأخيرا يأمرهم بالانصراف إلى القرية القريبة وبأن يحضروا في اليوم الواحد والثلاثين ~~بعد اليوم وبأنه سيعطيهم فضة ms1194 بدل ما تبقى من نحاسهم، وسيعطيهم مقابل الفوائد عن نقدهم ~~المحجوز؛ فإن قليلا من الفضة لا يضيره شيئا وهو يفيد الجماعة فائدة جمة. وانصرف إلى ~~مخيمة مطأطئ الرأس يقول لنفسه: نعم اذهبوا وانتظروا دعوتي ولعل الله أن يهيئ في هذه ~~الفترة الوسيلة للخلاص منكم! # | خاتمة # وكما كان في أول القرن التاسع عشر خير إيران فاتحدت ولاياتها وأتيح لها ملوك أقوياء ~~واطمأنت نفوس الإيرانيين إلى الدولة الجديدة وأخذوا يعملون على إسعاد البلاد ويسيرونها ~~نحو المجد والخير فإن نهاية هذا القرن كانت وبالا على إيران؛ إذ فقد القاجاريون ما كان ~~لهم من قوة وقدرة على الحكم فعملوا على صيانة مراكزهم أكثر مما عملوا على صيانة البلاد ~~نفسها من المستعمرين، وتطلع الناس إلى من يخلصهم من الشر الذي يهددهم شر تهديد. وفي ~~الوقت الذي كانوا ينادون فيه بالحرية وبالمشاركة في الحكم؛ مما أدى إلى منحهم ~~الدستور في أوائل القرن العشرين، كانوا يحسون بالحاجة إلى رجل من طراز آخر يحول دون ~~الاستعمار ويدفع الغزاة عن إيران ويعيد إلى البلاد هيبتها ووحدتها. وقد فاض أدب هذه ~~الفترة بهذه المعاني كلها فترى الشيباني يسخط على القاجاريين # 1 # وينقم عليهم سياستهم ويتمنى زوال دولتهم، وأحمد روحي وميرزا أغا خان ~~الكرماني يطالبان بالإصلاح في شدة وعنف وقد قتلا عام 1896م، وقد قال الأخير قبيل قتله ~~يستعيذ بالله أن تسقط إيران في يد الغزاة، فهو لا يريد أن يرى اليوم الأسود الذي تقع ~~فيه هذه العروس في يد الشبان الروس أو الإنجليز. وكانت هذه الأفكار مقدمة لأدب القرن ~~العشرين. ms1195