######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.QissatFalsafaHaditha.Hindawi14046425 #META# Tags: philosophy #META# ID: 14046425 #META# Title: قصة الفلسفة الحديثة #META# AuthorID: 64904748 :: 20953090 #META# Author: زكي نجيب محمود :: أحمد أمين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # فلسفة العصور الوسطى‏ # الفلسفة الحديثة‏ # مصادر الكتاب‏ # فلسفة العصور الوسطى‏ # الفلسفة الحديثة‏ # مصادر الكتاب‏ # | قصة الفلسفة الحديثة # | قصة الفلسفة الحديثة # تأليف # زكي نجيب محمود وأحمد أمين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. # وبعد، فهذه قصة الفلسفة الحديثة، وهي الحلقة الثانية لما نشرناه منذ عامين من قصة الفلسفة ~~اليونانية. # وقد قصدنا بهما أن نضع أمام القارئ المبتدئ صورة شاملة واضحة للفلسفة في جميع عصورها، من ~~مبدأ نشأتها إلى يومنا هذا، نتجنب فيها المصطلحات الدقيقة ما أمكن، ونبسط مسائلها ما أمكن، ~~ونقف فيها الوقفة الطويلة ما دعت الحاجة إليها، والوقفة القصيرة عندما يحسن الاكتفاء ~~بها. # وجعلنا مسائل الفلسفة فيها تدور حول رجالها؛ لأن ذلك أشوق إلى القارئ، وأقرب إلى أسلوب ~~القصة. # ورجعنا في الكتابين إلى أهم المصادر الأوروبية، واستفدنا مما حاولته من إجادة العرض وحسن ~~السبك، وكان خير ما أعاننا في كتابنا هذا «قصة الفلسفة» للأستاذ «ديورانت»؛ فقد وفق كل ~~التوفيق في عرض مسائل الفلسفة، وتحليل رجالها في أسلوب رشيق، وبيان واضح، فنهجنا نهجه، ~~وأتممنا به، واقتبسنا منه. # وقصدنا إلى تزويد القارئ بأهم قضايا الفلسفة، وإطلاعه على وجهات الفلاسفة في التفكير، ~~وتشويقه إلى الاستزادة منها، والتعمق فيها. # كما قصدنا خدمة الأدب بأن نقدم للأديب الناشئ أهم ما يعرض له الفكر، حتى يعمق تفكيره، ~~ويغزر أدبه، ويكون نثره وشعره أدبا موضوعيا لا أدبا شكليا. # ورجونا أن يكون هذا هو الحجر الأول في بناء الفلسفة، فيعقبه دراسات واسعة عميقة، يكون من ~~ورائها تكوين فلاسفة شرقيين، أنضجتهم دراساتهم الواسعة وبيئتهم الخاصة، متأثرين بما اشتهر به ~~الشرق قديما من ميل إلى الإلهام، ونزعة إلى الروحانيات، فيلطفون ما ساد أوروبا من فلسفة ~~مادية، ويعدلون مزاجها ويقومون أودها. # ولعله لا يمضي زمن طويل على العالم العربي في نهضته الحديثة، حتى تكون له فلاسفة ينظرون ~~إلى العالم نظرة شاملة مؤسسة على العلم، ويدعون إلى فلسفة خاصة بهم، ويضطرون مؤرخي الفلسفة ~~من شرقيين وغربيين أن يؤرخوهم ويضعوهم في مصاف «برجسون» و«رسل» و«وليم جيمس » وأمثالهم، ~~ويختمون ms001 الزمن الذي يكتفون فيه بدراسة الفلاسفة من غير أن يكون لهم هم فلاسفة. حقق الله ~~آمالنا ووفقنا للخير، وكلل أعمالنا بالنجاح. # أحمد أمين # 13 ديسمبر سنة 1936م # | فلسفة العصور الوسطى # تمهيد # لبثت الفلسفة في مرحلتها الأولى اليونانية نحوا من ألف سنة، تبدأ بطاليس سنة 624ق.م، ~~وتنتهي بنهاية القرن الخامس بعد ميلاد المسيح. وفي نهاية هذه المرحلة كان صوت المسيحية قد ~~دوى في أرجاء أوروبا. فبدأ الفكر الإنساني - وقد اصطبغ بذلك الدين المسيحي الجديد - شوطا ~~جديدا، امتد نحوا من ألف سنة أخرى، كانت مهمة الفلسفة خلالها أن تؤيد بالدليل العقلي ما ~~سلمت به النفوس بالإيمان تسليما لا يقبل ريبة ولا شكا. # وهكذا أصبحت الفلسفة تابعة للعقيدة، وأصبح العقل عونا لها. # ومما جعل للكنيسة في تلك العصور هذه المنزلة الممتازة أنها كانت القوة الوحيدة التي ~~استطاعت أن تثبت لغزوات أمم الشمال المتبربرة التي قوضت الدولة الرومانية؛ فقد كانت هذه ~~الدولة عاجزة من الوجهة السياسية، لا تقوى على حماية نفسها من برابرة الشمال، وكانت الحضارة ~~العلمية على أيدي أولئك الغزاة، خصوصا إذا علمنا أن تلك الحضارة كانت في نفسها منحلة ~~القوى، مقوضة الدعائم، وكانت الحياة الفكرية بأسرها، توشك أن تندك على أيدي هؤلاء الفاتحين ~~السذج الجفاة، لو لم تكن هنالك تلك القوة الروحية التي اضطرت هؤلاء الغزاة إلى التسليم بها، ~~والدخول في دينها، والتي عرفت كيف تنقذ هيكل المدنية، وتصونه خلال هاتيك القرون، تلك كانت ~~قوة الكنيسة المسيحية التي قامت بما لم تستطع أن تقوم به الدولة. # فمن جانب الدين وحده، وعلى يد الكنيسة وحدها اتصل العالم الجديد بعلم القدماء، والنتيجة ~~الطبيعية لهذا ألا تعرض الكنيسة على الناس من الفلسفة القديمة إلا ما كان متفقا مع تعاليم ~~النصرانية، أما ما عدا هذا - وخصوصا ما يعارض النصرانية - فقد كان ينبذ نبذا. وبذلك ظلت ~~الفلسفة الغربية خادمة للدين جملة قرون، وكان غرضها الأول تأييد العقائد الدينية، وتحديدها، ~~وتنظيمها، وإظهار أن تلك العقائد التي نزلت من السماء تتفق أيضا مع العقل. # ومما يحسن ذكره أن تلك ms002 العصور الوسطى حين تلفتت إلى الوراء لتأخذ من القدماء ما أخذته من ~~علم وفلسفة، قد سارت في نفس الطريق التي سلكها الأقدمون، ولكن في اتجاه عكسي؛ أي إنها بدأت ~~السير من آخر الطريق إلى أوله؛ فقد بدأ اليونان بحوثهم العلمية مدفوعين بلذة البحث مولعين ~~بجمال المعرفة في ذاتها، فلما قطعوا في الدراسة العلمية شوطا بعيدا أخذ العلم يتحول إلى ~~خدمة الحياة العملية، وأصبح البحث الفلسفي وسيلة تستخدم للوصول إلى غاية وراءه، هي معرفة ~~قواعد الأخلاق والبرهنة على تعاليم الدين. أما العصور الوسطى فقد بدأت السير من هذه المرحلة ~~الأخيرة، أعني أنها بدأت بالبحث عن المعرفة لا لذاتها، بل لخدمة العقائد الدينية، ولكن بمضي ~~الزمان تولدت في النفوس لذة المعرفة لذاتها، وأخذت تلك اللذة العلمية تتسع وتتمكن، حتى ~~انتهى العلم آخر الأمر إلى الاستقلال بنفسه، وإلى معارضة العقيدة الدينية نفسها أحيانا، ~~وقد كان أول الأمر وسيلة من وسائلها. # وتقع فلسفة العصور الوسطى في عهدين؛ أولهما: يسمى «عصر آباء الكنيسة»، وليس للفلسفة فيه ~~من الشأن إلا القليل، والثاني: يسمى «العصر المدرسي»؛ لأن التعليم كان يقوم به جماعة من ~~الرهبان في «مدارس الكنائس»، وقد أنشأ شارلمان كثيرا من هذه المدارس في جميع أنحاء فرنسا، ~~وكان مدرسوها من رجال الكنيسة الذين حاولوا أن يلبسوا أغراض الكنيسة لباسا فلسفيا. ويمتد ~~هذا العصر المدرسي إلى قيام النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر. ~~(1) عصر آباء الكنيسة Patristic Period # حسبنا من هذا العصر أن نتحدث عن علم من أعلام الكنيسة يمثل العصر ويبين اتجاهه، هو «أورليوس أوغسطين» # Aurelius Augustinus # ولد في ~~تجستي # Tagaste ~~، في شمال إفريقيا سنة ~~353م، وكان أبوه وثنيا، وأمه مسيحية تلتهب حماسة دينية، فشب الابن في صدر حياته على وثنية ~~أبيه، ولكن الأم التقية الورعة لم تزل توعز إلى ابنها بالمسيحية بما ترتل من صلاة كل يوم، ~~حتى فتح أوغسطين قلبه للدين الجديد، وهو في سن الرابعة والثلاثين، ثم أنفق ما بقي من حياته ~~في نشر المسيحية، والدفاع عنها. لا يفتر ولا يني حتى وافته ms003 منيته سنة 430م. ولعل أقوم ما جادت ~~به قريحته في هذا السبيل كتابه الخالد المسمى # De Civitate Die # دافع فيه عن الكنيسة دفاعا ~~قويا بارعا، جعله ينزل من قلوب العالم المسيحي طوال القرون الوسطى منزلة الإمام الذي ~~تقام به الحجة الصادعة، فحسب المجادل أن يشير إلى قول أوغسطين، حتى تنحسم كل أسباب الخصومة ~~والنزاع، وها نحن أولاء نعرض فلسفته عرضا موجزا. ~~(1-1) نظرية المعرفة # أيقن أوغسطين بوجود الله والروح والإدراك العقلي، لم يخالجه في ذلك شك، فلئن جاز للإنسان ~~أن يرتاب فيما تأتي به الحواس من ألوان المعرفة، فليس يجوز له أن يشك في إدراك العقل؛ لأنه ~~حق ويقين ليس إلى الشك فيه من سبيل. والشك مهما اتسعت دائرته لا يتناول شعور الإنسان ~~بإحساسه الباطني. ويشير أوغسطين إلى أن الإحساس بالشيء الخارجي والشك فيه يتضمن حتما ~~اليقين بوجود الذات؛ لأني إذا كنت شاكا فإني بهذا الشك أعلم أنني موجود، ومعنى ذلك أن ~~الشك نفسه يتضمن إثبات وجود الكائن الشاعر وجودا لا يتطرق إليه الخطأ؛ لأني إذا كنت شاكا ~~في كل شيء، فلن أخطئ في وجودي؛ إذ لا بد لكي أخطئ أن أكون موجودا. # وشعور الإنسان بوجود نفسه دليل على وجود الله؛ إذ كيف يتسنى لنا أن نشك في الأحاسيس التي ~~ترد إلينا من العالم الخارجي إذا لم يكن لدينا إلى جانبها مقاييس للحقائق تختبر بها هذه ~~المدركات الحسية، فإن من يشك يجب أن يكون عالما بحقيقة؛ لأنه لا يشك إلا من أجل هذه ~~الحقيقة وعلى أساسها. وبديهي أن هذه الحقيقة لم تجئه من العالم الخارجي، بل من مصدر آخر هو ~~الله، ثم يستمر أوغسطين فيقول: إن للإنسان فوق الحواس عقلا يمكن به أن يدرك الحقائق ~~المجردة، كقوانين المنطق، وقواعد الخير والجمال. وهذه الحقائق لا تتغير بتغير الأفراد، بل ~~هي واحدة لدى كل من يفكر. والإنسان لا يستمد علمه كله من الأشياء الخارجية وحدها، إنما ~~يستقيها كذلك من معينها الدافق الفياض - من الله - وأول واجبات هذا العقل أن يلتمس الحقيقة ~~لا ms004 لذاتها، بل لأنها وسيلة لازمة لسعادته، وسبيله إلى الحقيقة هو التأمل وطهارة القلب ~~وممارسة الفضيلة، وكلما ازداد القلب من هذه الطهارة التي تمكن العقل من إدراك الحقيقة ~~الإلهية إدراكا واضحا ازدادت في الإنسان قوته العقلية السامية التي ترتفع بالعقل عن مستوى ~~المعرفة الحسية إلى حيث ينفذ إلى قوانين الكون، وإلى الجميل والخير. وإذن فالعقل أداة صالحة ~~لتحصيل المعرفة الحقة، ومعينها النهائي هو الله الذي يفيض على الأشياء كنهها وجوهرها بواسطة ~~كلمته: # Logos # أو # The Word of God # التي هي حلقة الاتصال بين الله والعالم، فأنت تستطيع أن ~~تعلم حقائق الأشياء كلها إذا عرفت الله، ولكن أوغسطين يؤكد أن ليس في مقدور البشر أن يعرف ~~الله معرفة تامة ما دام في هذه الحياة الدنيا، وإن كان ذلك مستطاعا بعض الشيء عن طريق ~~الدين والعبادة؛ لأن الله الذي ستتصل به في عبادتك، فترتسم في نفسك صورة منه هو نفسه الله ~~معين المعرفة وينبوعها، وهنا يقرر أوغسطين أن الإلهام مصدر قوي للمعرفة الصحيحة، وهو يشترط ~~لمن يريد أن يتناول بعقله مسألة ما أن يبدأ بالعقيدة أولا: «لا بد لكي تعقل أن ~~تعتقد.» ~~(1-2) كيف خلق الله الكون؟ # اتجهت إرادة الله منذ الأزل إلى خلق العالم، فأخرجه من العدم إخراجا، وأنشأه إنشاء بعد ~~أن لم يكن شيئا. فلم يكن إلى جانب الله شيء من مادة يصوغ منها الكون الذي يريد، ولكنه خلقه ~~خلقا دون أن ينبثق منه، وقد بدأ الخلق المادي حين بدأ الزمان، أما الله نفسه فليس له زمان ~~ولا مكان، وقد تم خلق العالم على دهور متتابعة، وليست ستة الأيام التي قال موسى: «إن الخلق ~~قد تم فيها.» إلا درجات متعاقبة من الكمال تتابعت على الكون في مسيره. # ولله قوة مطلقة تسيطر على الوجود بأسره فلا يحدها شيء، وهو فعال لما يريد، لا يخرج شيء ~~عن إرادته؛ وإذن فهو العلة لكل ما يقع في أنحاء الكون من أحداث، ولكن فيما يقع شر ورذيلة، ~~أفيكون الله يوما مصدرا للرذيلة والشر؟ كلا إن ما ms005 ترى من الشر إن هو في حقيقة الأمر إلا ~~امتناع للخير، أي إنه ليس شيئا إيجابيا في ذاته له حقيقة واقعة، بل هو نقص في كمال ~~الشيء، وبعد عن مرتبة الخير الإلهي، ويريد له الله أن يدأب في سيره صعدا حتى يبلغ ~~الكمال، فلكل شيء عند الله حكمة وغرض، وليس في الوجود شيء يكون في حساب الله تافها أو ~~حقيرا. ~~(1-3) تحليل الروح # لم يذهب أوغسطين إلى ما ذهب إليه بعض الأقدمين من أن البدن سجن قد زجت الروح في غياهبه ~~وغلت بأغلاله، كذلك لم ير ما ارتآه بعض الفلاسفة من أن الروح قد انبثقت من الله ~~انبثاقا، إنما يقرر أنها قد بدأت في الزمان - أي إنها أزلية - ولكنها مع ذلك خالدة إلى ~~الأبد، وهي ليست مركبة وليست مادة، وليس لها امتداد في المكان، ويختلف جوهرها عن جوهر ~~البدن، ولو أنهما يعيشان في ود وانسجام. وإنما جاء خلود الروح واستعصاؤها على الفناء من ~~أنها تحمل في طياتها حقيقة خالدة. أليس الروح والعقل شيئا واحدا؟ ثم أليست مبادئ العقل ~~خالدة ثابتة؟ ففيم القول إذن بفناء الروح؟ إنه لمن الخطأ أن يقال إنها تحتوي الحياة؛ لأنها ~~هي الحياة نفسها، وتنقسم ملكات الروح قسمين: مرتبة سفلى تشمل الإدراكات الحسية والشهوة ~~والتخيل وذاكرة الحس، ومرتبة عليا فيها الذكاء والإرادة والذاكرة العقلية. والإرادة هي التي ~~تحرك العقل نحو العمل، وتدفع العقيدة إلى الرضا بما يعمل. ~~(1-4) الأخلاق # ليس من سبيل إلى الخير الأسمى، إلى الاتحاد بالله بواسطة التأمل، ويستحيل أن يتم هذا ~~الاتحاد في الحياة الدنيا، فهو مدخر للحياة الآخرة، وواجب الإنسان في حياته أن يسير وفق ~~القانون الإلهي تمهيدا لتلك السعادة الكبرى، وحسب الإنسان تلك السعادة الموعودة حافزا ~~يحمله على الخير والفضيلة، وإن أقوى ما يدفع الإنسان إلى الفضيلة والخير هو الحب: حب الله، ~~وحب الإنسان، فمن حب الإنسان للإنسان ينشأ في قلبه الإحسان، والإحسان أساس الحكمة والشجاعة ~~والعدل. وأما حب الله فهو الينبوع الدافق الذي يستقي منه الإنسان حبه لنفسه وحبه للناس على ms006 ~~السواء. ويذهب أوغسطين إلى أن هناك طائفتين من الناس: أهل «مدينة الله» وهم قوم أراد لهم ~~الله أن يعيشوا في نعيم خالد مقيم، وأهل «الدنيا»، وأولئك هم أصحاب الرذيلة والشر الذين ~~كتب عليهم ربهم البؤس والشقاء. ~~(2) العصر المدرسي # Scholastic Period # كانت أوربا خلال القرون الوسطى تتوزعها دويلات صغيرة تتولاها حكومات واهنة ضعيفة، لا تنفك ~~شاكية السلاح يقاتل بعضها بعضا لما أكل نفوسهم من حقد، وما ران على قلوبهم من فساد، وكانت ~~تلك الدويلات كلها خاضعة للحكومة الرومانية التي تبسط عليها سلطانها ما وسعها ذلك؛ إذ القوة ~~الفعلية لم تكن حينئذ سياسية تصدر عن الدولة، بل كانت دينية تملك زمامها الكنيسة. فلها ~~الكلمة العليا إذا حزب الأمر، ولها القول الفصل إن قامت بين الناس خصومة أو نزاع. وأسرفت ~~الكنيسة في نفوذها إسرافا أفسد الحياة وأصاب الفكر بالعقم والجمود، وتحكمت في العقول حتى ~~سحقت كل ضرب من ضروب الحياة والنشاط، فلم تكن أوروبا في القرن العاشر إلا ظلاما دامسا ~~تغلغلت فيه الجهالة، ونفثت في الرءوس ما شاءت من خرافات. فلما أن جاء القرن الحادي عشر أخذت ~~تنقشع تلك السحابة المعتمة بعض الشيء بما ظهر من كنوز العلم التي كانت لا تزال دفينة في ~~مكامنها في اليونان، فأزيل عنها ما غشيها من غبار حينما أعادت الحروب الصليبية ما كان وهن ~~بين الإمبراطورية الغربية والإمبراطورية الشرقية من صلات، فبدد بريقها شيئا من ظلام القرن ~~العاشر، وكأنما شاء الله أن تتناصر العوامل، وتتضافر الأسباب في وقت واحد؛ لكي تزحزح عن ~~صدر أوروبا ذلك الكابوس الجاثم، فأرسل عليها الغرب - حيث الدولة العربية تزهو في إسبانيا ~~وتزدهر - قبسا من علم فاضت به مجامعهم، وجاشت به صدورهم، فانبعث إلى قلب أوروبا وشحذ منها ~~الفكر الفلسفي وأنهضه، حتى دبت فيه قوة وحياة، فكان من مظهره هذا الذي ندعوه «الفلسفة ~~المدرسية»، على أنها لم تكن مدرسة فلسفية متماسكة، كمدرسة أفلاطون مثلا، إنما هي جهود ~~فلسفية مبعثرة بذلها «المدرسيون» وهم رجال الدين الذين أخذوا بزمام الفلسفة فأناخوها في ~~حظيرة الكنيسة وحدها؛ ms007 لكي يستخدموها في شئون الدين، لعلهم يجدون فيها لعقيدتهم سندا من ~~المنطق، ودعامة من العقل. # قال «هجل» في كتابه المسمى «محاضرات في تاريخ الفلسفة»: «إن الفلسفة المدرسية لم تكن ~~مذهبا محدودا كمذهب الأفلاطونيين أو الشكاك، بل كانت مجرد اسم مبهم يطلق على كل مباحث ~~المسيحيين الفلسفية في أكثر من خمسمائة عام. فليست الفلسفة في العصر المدرسي إلا لاهوتا ~~ولا اللاهوت إلا فلسفة، والفيلسوف المدرسي هو من يبحث في اللاهوت بحثا علميا ~~منظما.» # وقد كانت أولى مسائل البحث، أو إن شئت فقل كان موضوع البحث الذي قام حوله الجدل العنيف، ~~ونشبت فيه الخصومة القوية بين رجال الفلسفة المدرسية هو موضوع ~~الكليات # Universas ~~. إذ لم ~~تكد تترجم للناس هذه العبارة التي ذكرها ~~فورفوريوس Porphyry # في مقدمة «إيساغوجي» وهي: ~~«موضوع البحث هو: هل الأجناس والأنواع حقائق واقعة، أم هي مجرد تصورات ذهنية؟ فإن كانت ~~حقائق فهل لها وجود خارجي مستقل عن الأشياء الحسية، أم هي كائنة في الأشياء الحسية ~~نفسها؟» نقول إنه لم تكد تترجم هذه العبارة حتى انقسم في أمرها القوم فريقين متناظرين يذهب ~~أحدهما إلى أن الأسماء الكلية التي نطلقها على الأجناس والأنواع كاسم إنسان واسم حيوان ~~مثلا إن هي إلا مجرد ألفاظ وأسماء لا تمثل من الحقيقة شيئا، فليس لها مدلول واقعي لا في ~~الذهن ولا في الخارج، ويرى هذا الفريق أن كل ما في الوجود جزئيات فقط، فهنالك مثلا من ~~الناس زيد وعمرو، ولكن ليس هناك في العالم الخارجي «إنسان» كلي، وثمة في الواقع حصان جزئي ~~وسمكة جزئية، ولكن ليس في الوجود حقيقة تقابل كلمة «حيوان»، وهكذا قل في سائر الأسماء ~~الكلية التي تطلق على الأجناس والأنواع، ويسمى هذا بالمذهب الاسمي # Nominalism ~~، وأما الفريق ~~الآخر فيرى أن الأسماء الكلية لها وجود حقيقي فعلي في الخارج، فهنالك في الوجود الحقيقي ~~«إنسان» وهو غير زيد وعمرو وغيرهما من الجزئيات التي تقع تحت الحس. ويعرف هذا بالمذهب ~~الواقعي # Realism ~~. # وكان طبيعيا أن ينشأ بين النقيضين مذهب ثالث يقف منهما موقفا وسطا، فقام ms008 ~~المذهب التصوري # Conceptualism # وعلى رأسه أبيلارد # Abelard # يقرر أن الكلي وإن كان ليس له ما ~~يقابله في العالم الخارجي كما ذهب الواقعيون، إلا أن له حقيقة في الذهن؛ إذ لو كان الأمر ~~كما رأى الاسميون من أن الاسم الكلي مجرد لفظة لا حقيقة لها في الخارج، ولا صورة لها في ~~الذهن لكان الكلام الذي يتفاهم به الناس - ومعظمه أسماء كلية لجنس أو نوع - لغوا خاليا من ~~المعنى لا يحمل إلى السامع شيئا. # ولعلك تلاحظ أن هاتين الشعبتين قد استمدتا أصل مذهبهما من أرسطو وأفلاطون؛ فمن مذهب ~~أفلاطون في المثل أخذ الواقعيون ما ذهبوا إليه، ومن إنكار أرسطو للمثل استقى الاسميون ~~تعاليمهم، وكانت الكنيسة أميل إلى المذهب الواقعي وطبقته على بعض تعاليمها كالتثليث. # ولقد تنازع هذان المذهبان وتصارعا، وكانت الحرب بينهما سجالا، فانتصرت الواقعية المتأثرة ~~بأفلاطون في الصدر الأول من العصر المدرسي، وانتصرت الاسمية المتأثرة بأرسطو في العصر ~~الثاني. ~~(3) العصر المدرسي الأفلاطوني # كان للفلسفة الأفلاطونية السيطرة والسيادة في الشطر الأول من العصور الوسطى، فهي الينبوع ~~الذي كان يستقي منه المفكرون آراءهم، والأساس الذي يقيمون عليه مذاهبهم، وإن كانت دائرة ~~الفكر إذ ذاك محصورة ضيقة لا تنتج إلا أتفه الثمرات، ولكن دولتين من الدول الأوروبية قد ~~امتازتا بعض الشيء في ذلك العهد المظلم العقيم، هما إيطاليا وإنجلترا، فنبغ فيهما أعلام ذاع ~~صيتهم في الناس ودوت بذكرهم الجامعات. ~~(1) وأول هؤلاء جون سكوتس إريجينا # John Scotus Erigena # الذي ولد في إيرلندة سنة ~~800م ومات سنة 870م، وقد بلغ من نباهة ذكره أن دعاه شارل الجسور، وعهد إليه أن يتولى مدرسة ~~باريس، وهاك صورة مختصرة من فلسفته. ~~(3-1) فكرة الله # يعتقد إريجينا أن الله هو بدء الأشياء ونهايتها، وأنه روح خالصة مجردة لا تحدها حدود، ولا ~~تميزها صفات، وقد اتخذ الله هذا العالم وسيلة يبدو بها ويعرف. أما ما ترى في الكون من قوة ~~وضوء وعقل إلى آخر ما يحوي الوجود بين دفتيه من أشياء، فقد انبثق من الله انبثاقا، ولا بد ~~أن ينتهي المسير ms009 بهذه المخلوقات كليا إلى حد تبلغ عنده الغاية المنشودة، فتعود إلى ~~الاتحاد بالله من جديد. وينزع إريجينا في كتابه «تقسيم الطبيعة» نزعة قوية إلى وحدة الوجود، ~~فيقرر في غير لبس أن الله ومخلوقاته ، وهذا العالم الذي هو وسيلة ظهوره كل أولئك شيء واحد، ~~وأن كل محاولة لفصل الله عن مخلوقاته باطلة، إلا أن تكون على سبيل المجاز. # يعتقد سكوتس أن الكلي # universal ~~(وهو عبارة عن) فكرة الجنس هو الحقيقة الأساسية الأولى ~~التي أوجدت نفسها بنفسها، ثم نشأ عنها الجزئيات (الأنواع ثم الأفراد)، فالكليات هي عناصر ~~الوجود الأصلية، وهي على ذلك أسبق في الوجود من الأشياء الجزئية المادية. ويقول هذا ~~الفيلسوف إنه كلما كان الشيء أكثر شمولا كان أمعن في حقيقة وجوده، ولما كانت فكرة الله ~~أوسع الكليات شمولا كان هو أسمى الكائنات، ومنه نشأت المخلوقات كلها، وليست المخلوقات على ~~اختلاف ألوانها إلا صورا يتمثل فيها الله، فهي له كالنماذج الجزئية أو الأمثلة بالنسبة إلى ~~الجنس، فكما أن زيدا وعمرا وخالدا أمثلة لفكرة الإنسان لا أكثر، كذلك الأشياء كلها التي ~~في الكون ليست إلا أمثلة لفكرة الله، فكل الأشياء التي في الكون وسائل اتخذها الله لظهوره، ~~وهذا الكون هو الله إذا نظرت إليه كوحدة خالقة، وهو العالم إذا نظرت إليه من ناحية أشياء ~~متعددة مخلوقة. # وكشف الله عن نفسه إنما يتم على درجات متتابعة: فمن الله ينبثق أولا العالم العقلي، ~~وهو الجانب من الكون الذي يخلق، وله في الوقت نفسه مقدرة الخلق. ونعني به الكليات، ومنها ~~ينشأ عالم الظواهر الحسية، وهي أحط أنواع الحقيقة لقلة ما يتحقق فيها من صفات كلية. ~~(3-2) نظرية المعرفة # يسلك «سكوتس» في نظرية المعرفة نفس الطريق التي سلكها في شرح الخلق بانبثاق الأشياء من ~~الله، ثم عودتها إليه مرة ثانية، فيرى أن المعرفة يجب أن تبتدئ من أعلى إلى أسفل، فتبتدئ ~~بالكليات إلى أن تصل إلى الأشياء الحسية، ثم تعود فتعلو صاعدة حتى تبلغ أوجها في معرفة ~~الله، فإذا ما بلغت الروح تلك المرتبة السامية الرفيعة ms010 استطاعت بالتأمل أن تتحد بالله، وهي ~~غاية تستعصي على الحواس والعقل جميعا، ولا تتاح إلا بالتأمل وحده، وقد تستطيع الروح ~~باتحادها بالله أن تعرف نفسها معرفة عميقة، ولكنه يستحيل عليها أن تدرك كنهها إدراكا ~~تاما كاملا وهي على قيد الحياة. ويذهب «سكوتس» إلى أن الفلسفة الحقة والدين الحق شيء ~~واحد؛ لأن العقيدة مرحلة من مراحل الحياة العقلية. ~~(2) ننتقل الآن إلى علم من أعلام ~~ذلك العهد المتأثر بفلسفة أفلاطون وهو أنسلم # Anselm # ولد في مدينة «أوستا» # Aosta # من أعمال لمبارديا سنة 1033م، ومات سنة 1109م، وقد بلغ من ~~نباهة الذكر، وبعد الصيت أن أصبح يعرف بين معاصريه باسم أوغسطين الثاني، وكان في حياته ~~مثلا أعلى للرجل المدرسي يتخذه الناس نموذجا يحتذى. أما فلسفته فقد استهلها بأن زعم أن ~~العقل والعقيدة ليسا نقيضين، وأنه لا بد للعقل أن يستنير بضوء العقيدة؛ لأن العقل ضعيف ~~بنفسه، كثير الزلل. ومعنى ذلك أن أنسلم يريد أن يستعين بقوة العقيدة على فهم حقائق الكون ~~فهما عقليا، وبذلك وضع قاعدة أخرى بجانب قاعدة كانت قد شاعت بين الناس حتى رسخت في العقل ~~رسوخا قويا، كان الناس يقولون: «إنني أعتقد؛ لأن الفهم محال.» اعترافا منهم بقصور العقل، ~~واستحالة فهمه لحقائق الأشياء، أما أنسلم فقال: «إنني أعتقد؛ لكي أستطيع أن أفهم.» أي إنه ~~يعتنق العقائد؛ لكي تكون وسيلة تنتهي به إلى الفهم. ~~(3-3) البرهان على وجود الله # ثم ينتقل أنسلم للبرهنة على وجود الله برهانا عقليا ليزيد الأمر يقينا، وهذه خلاصة ~~برهانه: إن الناس مجمعون على تعريف الله بأنه أكبر كائن يمكن أن يتصوره العقل، فإذا تصور ~~العقل الله تصوره كاملا، وهذا الشيء الكامل الموجود في الذهن يجب أن يكون موجودا خارج ~~العقل وجودا فعليا حقيقيا؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما كان أعظم من أي كائن آخر يفكر فيه ~~العقل، ولا شك أن هذا العظيم الذي نتصوره بعقولنا يكون أكمل في حالة وجوده وجودا حقيقيا ~~منه في حالة اقتصاره على أن يكون مجرد فكرة في الذهن، فإذا كانت ms011 عقولنا تأبى إلا أن تتصوره ~~في أكمل حال، فقد تحتم بناء عليه أن نسلم بوجود الله. وقد عارضه ~~جونيلو # Gaunilo # الراهب بقوله: إنه ~~إذن على برهان «أنسلم» يمكن الإنسان أن يقيم الدليل على وجود أي شيء يتصوره العقل كاملا ~~إذا كان كمال الصورة الذهنية علامة مؤكدة لوجودها في الخارج، فإن تصورت مثلا جزيرة كاملة ~~وجب أن تكون موجودة وجودا حقيقيا، وإلا كانت أقل كمالا من أية جزيرة أخرى حقيقية. وكان ~~في وسع أنسلم أن يرد على معارضه بقوله إن فكرة الجزيرة الكاملة ليست ضرورة فكرية تفرض نفسها ~~على الذهن فرضا واجبا كما هي الحال في فكرة الإله الكامل، ولكنه دار في رده على جونيلو ~~حول أقواله بعينها يرددها، فلا يضيف إليها جديدا مكررا أن وجود فكرة الكائن الكامل في ~~العقل تقتضي وجوده في العالم الحقيقي الواقع. # ويرد بعض النقاد على «أنسلم» بأنه قد برهن فقط على أنه إذا تصور الإنسان الله كاملا ~~كمالا مطلقا لزم أن يكون الله موجودا حقيقة؛ لأن عدم وجوده نقص في الكمال، ولكن «أنسلم» ~~لم يبرهن على أن العقل مضطر إلى تصور هذه الفكرة الكاملة اضطرارا. # ثم استطرد «أنسلم» فتصدى للإجابة على أعوص المسائل وأشدها تعقدا في النصرانية وهي: ~~لماذا صار الله إنسانا في شخص المسيح؟ وجوابه الذي تقدم به هو أن تجسد الله في الإنسان لم ~~يكن عنه محيص؛ لأن خطيئة الإنسان التي اقترفها في حق الله معتديا بها على جلاله وعظمته قد ~~بلغت من الفداحة حدا عجز معه الإنسان أن يكفر عنها بنفسه، فشاءت رحمة الله أن تغفر لهذا ~~الإنسان الخاطئ العاجز، فتجسد في إنسان هو المسيح، وكفر عن ذنبه ليكون التكفير منه عظيما ~~يتناسب مع فداحة الخطيئة الأولى. ~~(3) وجاء بعد وليم شامبو # William Champeaux # فأيد المذهب الواقعي، ودفع به إلى أقصى حدود ~~الغلو والتطرف، إذ ارتأى أن الكلي (كشجرة ورجل وذهب) يتمتع بكل ما تحمله كلمة الوجود من ~~معنى، فهو شيء واقعي له وجود خارجي، وهذا الكلي موجود بأكمله من غير انقسام ولا ms012 تجزئة في ~~الأفراد. والنتيجة المحتومة لهذا القول هي أن أفراد الإنسان كزيد وعمرو ليست إلا أغراضا ~~لذلك «الإنسان» الكلي، وهي إذن متشابهة وليس ما بينها من أوجه الخلاف إلا في الصفات ~~الثانوية. ~~(4) ذلك هو شامبو الذي كان أستاذ باريس في عصره، والذي رن صداه في المدارس الأوروبية ~~جميعا، ~~ولكن شاءت الأيام أن يندحر ويخبو ضوءه على يد تلميذ من تلاميذه، وأعني به ~~بطرس ~~أبيلارد Peter Abelard ~~، ولد قريبا من مدينة «نانت» سنة 1079م، ~~فلما شب أخذ ينتقل من ~~مدرسة إلى مدرسة مدفوعا بما جبل عليه من شغف ملح بالتحصيل وطلب العلم، ثم لم يلبث أن قصد ~~باريس، ليظفر بالتتلمذ على أستاذها الأشهر وليم شامبو، فما كاد ينخرط في سلك مدرسته، حتى ~~نهض يقاوم أستاذه مقاومة حادة عنيفة انتهت بزوال شامبو وتربع تلميذه في منصب الأستاذية ~~الذي كان يشغله، وما زال أبيلارد يعلو حتى أصبح أستاذ أوروبا غير مدافع. # وقف أبيلارد موقفا وسطا بين المذهب الواقعي والمذهب الاسمي، وقرر أن الكلي ليس له وجود ~~منفصل عن الجزئيات، بل هو حال فيه لا باعتباره جوهرا واحدا ممثلا في الأفراد، ولكن ~~باعتباره حقائق متعددة بتعدد الأفراد. وقد أنكر أن يكون الكلي مجرد اسم، بلى هو يحمل من ~~المعاني ما يستمده من المقارنة بين ما تأتينا به الحواس من إدراكات جزئية. # ولعل أبرز جوانب أبيلارد هو تلك النزعة القوية الجريئة نحو تحرير العقل من ربقة العقيدة، ~~فزعم أن العقيدة لا تستطيع أن تحيا حياة مدعمة قوية بغير علم ومعرفة، وقد أهاب بقومه أن ~~يتخذوا من العقل دليلا أهدى دليل، فليتركوا زمام أمرهم في يده يسير بهم أنى شاء، دون أن ~~يحدوا منه أو يقاوموه، حتى لو ذهب بهم إلى معارضة الكنيسة نفسها. # كذلك كان له في التفكير عن المسيح رأي شذ به عن التقليد المعروف، فقد سخر من الفكرة ~~الشائعة حينئذ بأن عفو الله ورحمته لا يكونان إلا بهذه الآلام المبرحة التي تعرض لها ابنه ~~المسيح، فليست حياة المسيح وموته وما لاقى في ذلك ms013 من تعذيب سبيلا لاسترضاء الله، واستنزال ~~عفوه عن خطيئة الإنسان، فعفو الله أيسر من ذلك وأقرب، إنما لاقى المسيح ما لاقى إعلانا لما ~~يكنه قلبه من حب الله، عسى أن يثير في الناس عاطفة الشكر وعرفان الجميل، فيعيدهم إلى طاعة ~~الله. # وقد اتهم أبيلارد بالخروج على مألوف العقيدة، فانعقد لمحاكمته مجلس في ~~سنس # Sens # سنة 1141م، ~~وقضى بإحراق كتابه «التثليث» وأمر به فحبس في دير حتى وافته منيته سنة 1142م. ومما يستحق ~~الذكر عن أبيلارد أنه حين أراد مهاجمة السفسطة الكلامية الفارغة التي أغرم بها المدرسيون ~~نشر لذلك كتابا سماه «نعم ولا» جمع فيه آراء آباء الكنيسة؛ لكي يبين للناس في وضوح وجلاء ~~ما في أقوالهم من تناقض وخلاف. ~~(5) كان أبيلارد من غير شك سابقا لعصره فيما أعلن من وجوب الاعتزاز بالعقل، وما يؤدي ~~إليه، فكان طبيعيا أن يتصدى لنقده ومعارضته كثيرون، لعل أقواهم حجة وأبعدهم نفوذا وصوتا ~~هو برنارد كليرفو # Bernard of Clairvaux ~~(1091-1153م) فقد أنكر على أبيلارد هذا الشذوذ وتلك ~~الإباحة الفكرية التي أجازها لنفسه، وصاح في الناس يحذرهم من ذلك الخطر الداهم فيما يدعو ~~إليه أبيلارد، ذلك المأفون الأحمق الذي يحاول أن يتغلغل بعقله إلى أسرار الدين، وأن يعلو ~~برأيه على ما تواضعت عليه الكنيسة، وألفه الناس من تعاليم. # أما برنارد هذا فلا يتطلب من الإنسان إلا الورع والتقوى، وهو لا يحارب في تحصيل العلم ~~والمعرفة، ولكن على أن يكون الشعور هو السبيل إليها. ويرى برنارد أن هناك طرقا ثلاثا ~~للوصول إلى الحقيقة الإلهية: الأولى بواسطة العقل، وذلك مستحيل ما دام الإنسان في هذه ~~الحياة الدنيا، فهي فوق مقدوره ومستطاعه. والثانية هي الظن، ولكن ذلك حدس لا يغني عن ~~اليقين. والثالثة هي العقيدة، وهي وسط بين العقل والرأي، فهي تنبع من القلب والإرادة معا، ~~وفي مكنتها أن تتنبأ بالعلم الذي سيتضح للعقل في نهاية الأمر. # ومهما يكن من أمر برنارد، فقد كان عبقريا ممتازا آتاه الله كثيرا من المواهب، فكان ~~غزير العلم، طلق اللسان قوي البيان، ثم ms014 كان فوق ذلك كله تقيا ورعا، فمن أجل ذلك كله كان ~~شخصية بارزة في تاريخ الفكر في العصور الوسطى. ~~(4) العصر المدرسي الأرسططاليسي # كانت لتعاليم أفلاطون في الشطر الأول من العهد المدرسي الغلبة والذيوع - كما رأينا - فلما ~~أقبل القرن الثالث عشر أخذت ترجح الفلسفة الأرسططاليسية - فلسفة المشائين - وبدأت تغزو ~~المدارس والجامعات. ولم يكن الانحراف في مجرى الفكر حادثا عرضيا ساقته المصادفة، ولكنه ~~كان نتيجة مباشرة لنهضة فلسفية واسعة قام بها المسلمون، فقدموا للغرب ترجمة ما كتب أرسطو، ~~وكان مجهولا لا يعرف عنه تقريبا إلا كتابه في المنطق، فلم تكد تدرس تعاليم هذا الفيلسوف ~~بما كتب عليها فلاسفة العرب من شروح، حتى اتجه إليها العقل، وأحلها المنزلة الأولى، وأصبح ~~أرسططاليس عندهم يعرف باسم «الفيلسوف». # 1 ~~(1) وقد كان إسكندر هيلز # Alexander of Hales # الذي نشأ في دير بإنجلترا، والذي تلقى دروسه ~~في جامعتي أكسفورد وباريس، أول من عرف كتب أرسطو من رجال أوروبا. عرفها قبل أن يظفر بها ~~فردريك الثاني، ويعمل على ترجمتها إلى اللاتينية. وقد قوبلت هذه التآليف أول الأمر من ~~الكنيسة بالحذر والارتياب، ولكن البابا جريجوري التاسع لم يلبث أن أباح لرجال الدين دراستها ~~واستخدامها، ومنذ ذلك العهد ذاعت كتب «الفيلسوف»، واشتد الميل إلى قراءتها، فكانت موضوع ~~البحث والدرس في كل الجامعات الأوروبية. ~~(2) أصبح إذن لأرسطو أشياع وتلاميذ كثيرون، كان أشهرهم اسما وأبعدهم مقدرة ~~ألبرت الكبير # Albertus Magnus ~~(1193-1280م)، وله مؤلفات كثيرة معظمها تعليق على آراء «المعلم». وقد كان ~~ألبرت يعلم حق العلم أن هناك فرقا بين الفلسفة التي اهتدى إليها العقل والدين الذي أتى به ~~الإلهام، ولكنه حاول ما استطاع أن يقرب مسافة الخلف بين الطرفين، ورغم أن كل ما تقوم به ~~الفلسفة صحيح في رأي الدين كذلك، ولكنه اعترف أن بعض عقائد الدين لا يمكن إثباتها بالعقل ~~كالتثليث والتجسيد وما إليهما، وهو لا يتردد في أن يجعل القول الفصل فيما يصادف الإنسان من ~~إشكال أو تناقض، للعقيدة الملهمة دون العقل، فعنده أن الوحي أسمى منزلة من العقل، ولكنه لا ms015 ~~يناقضه. ~~(3) وقد شايعه في هذا التفريق بين العقل والإلهام وما يأتيان به من حقائق تلميذه الخالد ~~توماس أكويناس # Thomas Aquinas ~~(1226-1274م) الذي لم يأل جهدا في أن يتخذ من فلسفة أرسطو ~~دعامة تؤيد العقيدة المسيحية. # ليست الفلسفة واللاهوت نقيضين، ولكنهما في حقيقة الأمر خطوتين متتابعتين تكمل إحداهما ~~الأخرى في تحصيل المعرفة؛ فإن الإنسان يبدأ في تحصيلها باستخدام ملكاته العقلية، ثم يتناول ~~هذا الذي حصل فيمحصه بالعقيدة والإلهام، حتى يبلغ به درجة بعيدة من الكمال واليقين. فليس للإنسان محيص عن الوحي يكمل به قواه الطبيعية الناقصة العاجزة بذاتها عن الوصول إلى ~~الحقائق العليا. # توماس أكويناس. # يرى أكويناس أن الإنسان قد استقى علمه عن العالم من مصدرين: هما العقل والوحي، أما إنتاج ~~العقل فقد بلغ الذروة في مؤلفات أرسطو، ثم جاء الكتاب المقدس بوحي من الله عن الموضوعات ~~التي استعصت على عقول البشر، وحسب الإنسان أن يقرأ ما كتبه أرسطو وما هو مسطور في الكتب ~~المقدسة ليعلم كل ما هو جدير بالمعرفة. # كان أكويناس مؤمنا بكل تعاليم الكنيسة، وكل ما قصد إليه من أبحاثه أن يجد أساسا عقليا ~~لعقائده، وبعبارة أخرى كانت مهمته أن يبين العلاقة بين الوحي والعلم، أو بين الوحي ~~والعقيدة، فكان موقفه في النصرانية موقف الغزالي في الإسلام، وقد ذهب إلى أن العقل والعقيدة ~~يرميان إلى غرض واحد، غير أن كلا منهما يسلك طريقا خاصة به، فشأن العلم دراسة ظواهر ~~الكون مستعينا بما يستمده من حواسه، أعني أنه يعتمد في تحصيل العلم على التجربة الحسية، ~~وعن هذا الطريق - طريق الحواس - يستطيع الإنسان أن يصل إلى معرفة الله وخيره وإرادته وقوته، ~~ولكنه بعد معرفة محدودة، ولا بد لها من وحي يكملها، فبالوحي يعلم الإنسان ما هو فوق تلك ~~المعرفة التي جاءته من العالم المحسوس، وعلى الوحي تقوم العقيدة التي يجب التسليم بها كما ~~ينبغي أن نسلم بما يثبته العقل. وإذن فليس العقل والعقيدة ضدين، بل يستحيل أن يكونا كذلك؛ ~~لأن رب الطبيعة هو نفسه رب الوحي وكل ما هنالك من ms016 فرق أن العقل وسيلة معرفة الجانب المادي، ~~وأما الوحي فيعيننا على إدراك الله، باعتباره كائنا روحيا، فالعقل والعقيدة ضروريان ~~للإنسان لتتم معرفته وتكمل. غير أن أكويناس يضع العقل في المرتبة الثانية من العقيدة؛ لأنها ~~تسمو على العقل وتفوقه من أجل أنها تدرك المعرفة الروحية التي يعجز العقل عن الوصول إليها ~~عجزا تاما. # يقول الدكتور بيلي # Dr. Baillie # في كتابه تفسير الدين # The Interpretation of Religion # ما ~~يأتي: # هكذا نشأ مذهب العصور الوسطى في وسائل المعرفة؛ العقل والوحي، أي العلم والعقيدة. وبناء ~~على هذا المذهب كما صاغه توماس أكويناس في شكله الأخير، يمكن للإنسان أن يصل إلى الحقائق ~~البسيطة بإحدى طريقين مختلفتين كل الاختلاف؛ بمتابعة البحث العلمي والفلسفي من جهة، وبالرجوع ~~إلى التعاليم المقدسة من جهة أخرى، ومن أمثلة هذه الحقائق البسيطة، وجود الله ووحدانيته ~~وخلود الروح، والحقائق البارزة في نظرية بطليموس عن الكون، وإذن فيمكن للعقيدة والعلم إلى ~~هذا الحد أن يسيرا جنبا إلى جنب، أما بقية الطريق فيجب أن تسير فيها العقيدة وحدها، فلا ~~يمكننا أن نعلم شيئا عن تثليث الله، وعن نظرية الخلق، وعن نهاية الحياة الدنيا، وعن الخطة ~~التي رسمها الله للخلاص، إلا بالرجوع إلى الكتاب المقدس. ولو سمع أرسطو بكل هذه الآراء ~~لعدها من الخرافات، ولكنها كانت في نظر علماء القرون الوسطى حقائق لا تقل عما كان يستطيع ~~العلم أن يبرهن على صحته؛ لأن الإنسان قد وصل إليها بطريقة هو أشد وثوقا بها من طريقة ~~العلم. # ويذهب أكويناس إلى أن الله موجود في كل مكان، فهو حال في كل شيء من غير أن يكون جزءا ~~من جوهره، وقد تم خلق العالم بإرادة من الله، واحتفاظ الله بالكون ورعايته لنظامه عبارة عن ~~خلق مستمر متصل، ولكن إذا كان الله هو خالق الكون، وهو القوة التي توجه الإرادة البشرية، ~~فليس هو الذي خلق البشر. ويرى أكويناس ما ارتآه أوغسطين من قبل، من أن الرذيلة فضيلة سالبة، ~~وبعبارة أخرى إن الشر خير لم ينضج، وقد سمح الله بوجود الشر ms017 من أجل الخير، ولكنه لم ~~يرده. ~~(4) وأقوى من تصدى لنقد أكويناس ومعارضته ~~دنس سكوتس # Duns Scotus # الذي ولد في إنجلترا أو ~~إيرلندة حول سنة 1266م أو سنة 1274م على خلاف في ذلك، وتلقى علومه في جامعة أكسفورد، حين كانت ~~معارضة الفلسفة التوماسية على أشدها، ثم كان فيما بعد أستاذا في أكسفورد وباريس وكولونيا، ~~ومات سنة 1308م، ويرى أحد مؤرخي الفلسفة # Windelband # أن سكوتس كان أدق مفكري العصور الوسطى ~~وأعمقهم على الإطلاق. # وبلغ من اتساع الخلف بين أكويناس وسكوتس أن كان لكل منهما أشياع ومؤيدون، فنشأت مدرستان ~~فلسفيتان متعارضتان تعرفان باسمي هذين الزعيمين وهما: ~~التوماسيون # Thomists # والسكوتيون # Scotists ~~. # أما موضوع الخلاف بين هاتين المدرستين فكان هذا: أيهما أشرف مقاما بين قوى النفس: ~~الإرادة أم العقل؟ أما التوماسيون فقد رفعوا من شأن العقل وأحلوه منزلة فوق منزلة الإرادة، ~~وذهب السكوتيون إلى عكس ذلك، فوضعوا الإرادة فوق العقل، وحجة التوماسيين في تفضيل العقل أن ~~العقل لا يقتصر على فهم فكرة الخير فحسب، ولكنه فوق ذلك يعرف ما هو الخير في كل حالة من ~~الحالات، وبتلك المعرفة لناحية الخير يستطيع أن يوجه الإرادة في طريقها. إن الإرادة تجاهد ~~في عمل ما تعلم أنه الخير، وإذن فهي معتمدة على علم الخير، أي على العقل؛ لأنه أداة العلم، ~~ولكن معارضيهم ينكرون هذا القول إنكارا؛ لأنه لو صح لذهبت عن الإنسان كل مسئولية أخلاقية، ~~ولكان مجبرا؛ لأن الإرادة على هذه الحال تكون خاضعة للعقل، لا تملك من أمرها شيئا. إن ~~المسئولية الأخلاقية أساسها أن العقل لا يستطيع أن يضطر الإرادة أو يجبرها على هذا السلوك ~~أو ذاك، ومهمة العقل لا يجوز أن تزيد على أن يعرض أمام الإرادة حالات مختلفة، ولها أن تختار ~~من بينها ما تشاء. # ولم يقتصر الخلاف بين المدرستين في موضوع الإرادة والعقل على الدائرة السيكولوجية في ~~الإنسان، ولكنه اتسع حتى شمل الله، وأصبح الخلاف أيهما أقدم وآصل، إرادة الله أم عقله، وفي ~~ذلك يعترف توماس أكويناس وأتباعه بحقيقة الإرادة الإلهية، ولكنهم يعتبرونها نتيجة ms018 ضرورية ~~لازمة للعقل الإلهي، إن الله لا يخلق إلا ما يعلم بحكمته أنه الخير، أي أن علقه يفكر أولا، ~~والإرادة تعمل ثانيا، وإذن فالإرادة الإلهية يحدوها ويسيرها العقل الإلهي. أما دنس سكوتس ~~وشيعته، فيرون في هذا المنظر تحديدا لقوة الله التي يجب أن تكون مطلقة من كل قيد، وأن يكون ~~سلطانها مطلقا لا يقف دونه شيء. إن الله حين خلق العالم لم يخلقه إلا بإرادته وحدها، وكان ~~يستطيع أن يخلقه في أية صورة شاء، وفي إمكانه اختيار هذه الصورة أو تلك، لا يملى عليه شيء ~~خارج إرادته. # ثم لم يقف اختلاف المدرستين عند ذلك، بل تعداه أيضا إلى الأخلاق، فالمدرستان متفقتان على ~~أن القانون الأخلاقي مفروض على الناس من الله فرضا، ولكن التوماسيين يذهبون إلى أن الله قد ~~أمر بالخير لأنه خير، وهو خير لأن حكمته ارتأت ذلك، في حين يرى السكوتيون أن الخير قد ~~أصبح خيرا لأن الله قد أراد له أن يكون كذلك، فقبل أن يأمر به الله لم يكن الخير خيرا، ~~ثم اكتسب خيريته بعد إرادة الله، ومعنى ذلك أن التوماسيين يرون أن الواجب أو الأخلاق نظام ~~معين يمكن للعقل أن يدرك أسسه وقواعده. أما السكوتيون فيذهبون إلى نقيض ذلك؛ حيث يقررون أن ~~العقل عاجز كل العجز عن تحصيل علم الخير؛ لأن معرفته لا يمكن أن تكون إلا بالوحي ~~والإلهام. # وهذا بعينه ما كان من الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة في القرن الثاني الهجري وعبروا عنه ~~بالحسن والقبح، هل حسن الأشياء وقبحها ذاتيان يمكن العقل إدراكهما أو هما شرعيان لا يدركان ~~إلا بالشرع؟ ~~••• # لقد رأيت من هذا أن الفلسفة المدرسية كانت تتجه - على العموم - نحو محاولة التوفيق بين ~~العقيدة والعقل، أي بين الدين والفلسفة، وقد قامت إلى جانب الحركة المدرسية حركة أخرى تتطلب ~~أن يعيش الناس حياة كلها ورع وزهد وعبادة وتأمل، وتعرف هذه الحركة بالحركة الصوفية، ومن ~~أبرز رجالها فرانسيس أسيسي # Francis of Assisi ~~، كان يرى المثل الأعلى للحياة المسيحية في ~~التأمل والذهول والاستغراق في آلام ms019 المسيح، وفي محاكاة حياته المتواضعة محاكاة دقيقة، ومن ~~بينهم كذلك إكهارت # Eckhart # وغيرهما كثيرون. # وكان خاتمة هذه الفلسفة المدرسية وليام أوكام # W. Occam ~~(1270-1349م) أحد تلاميذ دنس ~~سكوتس، فقد كانت آراؤه داعية لانحلال الفلسفة المدرسية، وذلك بمناصرته للمذهب الاسمي وغلوه ~~في ذلك غلوا بعيدا، ومناداته بقصور العقل عن إدراك الحقائق. يقول أوكام: إن كل معرفتنا ~~لا تعدو ظواهر الأشياء، وليس في الكون من الحقائق إلا الأشياء الجزئية الفردية وحدها، أما ~~الكليات فهي ألفاظ فارغة جوفاء لا تزيد في مؤداها عن الرموز الجبرية. ويصرح بأننا لو طبقنا ~~المنطق على التعاليم المسيحية لوجدنا بينها من التناقض شيئا كثيرا، فلندع العقل جانبا، ~~ولنؤمن بما أتى به الوحي، وقد جاءنا الوحي بالعقيدة في الكتاب المقدس، ثم أكدته الكنيسة ~~وأيدته، فليس إذن ما يبرر وجود العقل واستخدامه. ~~(5) نهضة الفلسفة # نهض الإنسان من رقدته وحطم أغلاله التي غل بها طوال العصور الوسطى، وأطلق فكره حرا ~~يستطلع أسرار الطبيعة، ويستجلي أوجه الحياة؛ لعله يجد نفسه، ويحقق وجوده بعد أن أنفق قرونا ~~وهو همل، لا يحسه الوجود، ولا يكاد يحس الوجود. فتعددت نواحي النشاط في الإنسان، وتنوعت ~~ألوان تفكيره، وأخذ يتعقب المعرفة وينشدها لا من أجل الكنيسة ورجالها، ولكن ليظفر بالمعرفة ~~لذاتها. # ولم تكن هذه النهضة الفكرية حادثة مباغتة جاءت عرضا بغير تمهيد، إنما هي نتيجة طبيعية ~~لثلاث حركات كبرى شهدتها أوروبا وهي: بعث الآداب القديمة، والإصلاح الديني، ونشأة العلوم ~~الطبيعية. وليست هذه الشعب الثلاث في حقيقة الأمر إلا مظاهر مختلفة لنهضة واحدة شملت أوروبا ~~بأسرها، فبعثتها بعثا جديدا. ~~(1) أما النهضة الأدبية فهي ثورة جارفة عنيفة قصدت إلى تحرير الحياة مما أصابها إبان ~~العصور المظلمة من عقم وجمود، وأرادت أن تنهض العقل من عثاره، وأن تنفخ فيه روح الحرية ~~والحياة والنشاط، فالتمست له غذاء في آداب اليونان والرومان، وانكب الناس عليها انكبابا ~~واستوعبوها دراسة وبحثا. # ولعل أول من حمل لواء هذه النهضة المباركة هما بترارك ودانتي وغيرهما من رجال الأدب الذين ~~جاءوا آحادا في عهود متعاقبة في أواخر ms020 القرون الوسطى، فكانوا طلائع حياة فكرية جديدة بشروا ~~قومهم بقدومها. ومما عجل بظهور النهضة، واستحث خطاها فرار طائفة من علماء القسطنطينية حين ~~فتحها الأتراك سنة 1453م، فلجئوا إلى إيطاليا وغيرها من دول الشمال، فقويت بهم الحركة، واتسع نطاقها، وكان مركزها مدينة فلورنسا بإيطاليا، وبخاصة في عهد رئيس ~~جمهوريتها كوزيمودي مديتشي # Cosimo di Medici # فقد كان عالما وفيلسوفا وفنانا، وبذل ~~جهدا محمودا في حماية الآداب القديمة وبعثها، وأسس لهذه الغاية «أكاديمية» في حدائق ~~قصره. # جاليليو في سجنه. ~~(2) وساير النهضة الأدبية في خطاها حركة إصلاح في الدين نبتت بذورها في ألمانيا، ثم ذاعت ~~منها في سائر الأرجاء، وانتهت بالناس إلى الثورة على الكنيسة وسلطتها، ووجوب حرية الفرد ~~واستقلاله في الرأي، وأن يتصل بالله اتصالا مباشرا، فلا يحتاج في توبته إلى وساطة راهب أو ~~قسيس. فلم تعد بالناس حاجة إلى رجال الدين يتوسطون بينهم وبين ربهم ما دام الإنجيل قد ترجم ~~إلى لغاتهم التي يفهمونها، وما دامت المطبعة التي كان قد تم كشفها حديثا تعمل على نشر كتاب ~~الله وذيوعه نشرا استطاع معه الزارع الحقير أن يقرأ بنفسه الإنجيل، وأن يستوعبه ويحتكم ~~إليه. ~~(3) وتناصر مع هذين العاملين عامل ثالث كان عظيم الخطر بعيد الأثر في توجيه الفكر الحديث، ~~وأعني به نشأة العلوم الطبيعية، ودراسة ظواهر الطبيعة بالتجربة العملية، وكان العالم حينئذ ~~قد امتد أفقه، واتسع نطاقه بكشف أمريكا والطريق البحرية إلى الهند، وبما انتهى إليه ~~كوبرنكوس # Copernicus # في دراسته الفلكية من اعتبار الأرض كوكبا بين كواكب المجموعة ~~الشمسية، وربما اهتدى إليه جاليليو # Galileo # وكبلر # Kepelr # وغيرهما من النتائج العلمية؛ فقد ~~أدى ذلك كله إلى توجيه العقل اتجاها جديدا؛ إذ هبط به عالم الغيب الذي كان يحلق في سمائه، ~~ويخبط في بيدائه، إلى هذه الطبيعة المحسوسة الواقعية التي نلمسها ونراها بالأيدي ~~والأبصار. # أينع العلم وازدهر، وأنتج طائفة قيمة من النظريات الجديدة والمخترعات - كالطباعة، ~~والبوصلة، والمجهر - فكانت أكبر عون للإنسان على إزاحة نير الفلسفة المدرسية عن عاتقه ~~المكدود، واتخذ العصر الجديد أساسا جديدا للبحث هو ms021 «التجربة» والملاحظة، وقد كان «ديكارت» ~~و«بيكون» أول من صاح بالناس هذه الصيحة التي جذبت أنظارهم إلى ملاحظة الطبيعة، ونبهت ~~أذهانهم إلى اتخاذ «التجربة» وسيلة للبحث والتحقيق، فلا ينبغي للإنسان أن يقبل شيئا مما ~~يفرض عليه دون أن يخبره بمخبار العقل ويتثبت بالتجربة. وكان طبيعيا أن يتنازع الدين ~~الذي يأمر الإنسان بالتسليم، والفلسفة التي أصبحت لا تقنع بغير التجربة، ولكنه نزاع لم يدم ~~طويلا؛ إذ تركت الفلسفة للاهوت علم الغيب وشئون اليوم الآخر غير المحسوس؛ لأن ذلك خارج عن ~~نطاق بحثها، وقصرت مجهودها على هذه الطبيعة وحدها. فإن كان عمل الدين أن يتحدث عن الغيب كما ~~يبدو في كتابه المقدس، فإن عمل الفلسفة أن تدرس كيف يتجلى الله في الطبيعة المحسوسة، وهكذا ~~بدأت العلوم الطبيعية صوفية النزعة متأثرة بالأفلاطونية الحديثة، فهي العالم كله وحدة ~~إلهية، أو هو كائن حي عظيم، الله مبدؤه ومنتهاه. # بهذا الطابع تميزت الفلسفة في عصر النهضة كما يبدو في أقوال فلاسفة ذلك العصر: ~~برونو # Bruno # وبوهمه الألماني # Böhme # ومونتاني الفرنسي # Montiagne ~~، وجدير بنا أن نلم بذكرهم إلمامة ~~قصيرة عاجلة. ~~(5-1) برونو (1548-1600م) # ولد جيوردانو برونو # Gordano Bruno # في نولا # Nola ~~(بلد في جنوبي إيطاليا بالقرب من ~~نابلي)، ولم يكد يبلغ سن الخامسة عشرة حتى التحق بأحد الأديرة الدينية، وهنالك درس الفلسفة ~~القديمة وفلسفة العصور الوسطى، فضلا عن نظرية كوبرنيك في الفلك، فما بلغ عامه الثامن عشر ~~حتى أخذ يبدي علائم النفور من بعض تعاليم الكنيسة، ولبثت هذه الثورة تتأجج في نفسه وتضطرم، ~~حتى كان عامه الثامن والعشرون، وعندئذ أعلن شكه، فرماه رجال الكنيسة بالزندقة، ولكنه لاذ ~~بالفرار من ديره، وقضى عامين في إيطاليا متنقلا بين مدنها يكسب رزقه خلالها من اشتغاله بالتدريس، وبعدئذ ~~غادر إيطاليا، وقصد فرنسا، ولكن مقامه لم يطب بها لتعصب الفرنسيين لدينهم، فرحل إلى جنيف، ~~ولكن أولي الأمر فيها لم يسمحوا بإقامته بين ظهرانيهم إلا إذا اعتنق مذهب كالفن الديني، ~~فقفل راجعا إلى فرنسا، حيث لبث عامين أستاذا للفلسفة في جامعة تلوز، وقضى ثلاثة ms022 أعوام ~~أخرى في بعض وظائف الحكومة، ثم انتقل إلى إنجلترا في ركاب السفير الفرنسي، وهنالك أقام ~~سنتين كانتا أهنأ فترة في حياته المضطربة، وأوفرها إنتاجا، واضطر إلى العودة إلى باريس مع ~~السفير، ولكنه لم يستطع هذه المرة أن يقيم بين أهلها لما عرف عنه من تشيع لمذهب كوبرنيك ~~فارتحل إلى ألمانيا، وأنفق في ربوعها خمسة أعوام يحاول عبثا في خلالها أن يعين أستاذا في ~~إحدى جامعاتها، وأخيرا جاءته دعوة من نبيل شاب في البندقية هو # Mocenigo ~~، وشاءت خسة ذلك ~~النبيل أن يشي بالفيلسوف إلى محكمة التفتيش، فقدم للمحاكمة، ولما سئل عن عقوقه الديني أجاب ~~بأنه لا يتردد في قبول كل المذاهب الدينية التي أنكرها من قبل، ثم سئل عن رأيه بأن هنالك من ~~العوالم - غير عالمنا هذا - عددا لا يقع تحت الحصر، وكلها آهل بالسكان، فأجاب بأنه يتمسك ~~برأيه هذا، ولا ينزل عنه مهما أنزلوا به من عقاب، فحكمت عليه المحكمة بالموت «دون أن تراق ~~قطرة من دمه» فأعدم إحراقا بالنار، وقد أقيم له فيما بعد تمثال تذكاري في «نولا» وآخرون في ~~روما في نفس المكان الذي فارق فيه الحياة. # جيوردانو برونو. # قرأ برونو فيما قرأ ما كتبه كوبرنيك في الفلك، فألفاه يميل في جملة رأيه إلى اعتبار الكون ~~محدودا في مكان، فلم يرضه منه هذا الرأي، ونهض من فوره ينشر في الناس مذهبه الفلسفي الذي ~~أساسه أن المكان لا نهائي، وتتحرك فيه أجرام لا عدد لها ولا حصر، وما دام في الكون عدد عديد ~~من الشموس، يدور حولها من الكواكب ملايين وملايين، وكلها يتألف من نفس المادة التي تتكون ~~منها هذه الأرض التي نعيش فوق ظهرها، فمن الخطل أن يحسب الإنسان أن هذه الأرض، أو هذه الشمس ~~للكون الذي يستحيل عقلا على أن يكون له حدود ينتهي عندها، هذا وإن الكون وحدة متصلة لا ~~تنفصل فيها أرض عن سماء، كما ذهب الظن بالناس طوال القرون الوسطى، فكل شيء في الكون وحدة ~~متصل بكل شيء ونفس القوة التي تعمل هنا ms023 هي القوة التي تشرف هناك. # إذن فهذا الكون اللانهائي المتحد تشرف عليه قوة لا نهائية واحدة لا تختلف في مكان عنها في ~~مكان آخر، ومجموع هذا الكون بكل ما فيه هو الله، فالله هو مصدر كل شيء وسبب كل شيء. الله ~~هو الكون وهو في الوقت منشئه ومكونه، وكل شيء في الوجود - إنسانا وغير إنسان - مرآة صافية ~~مجلوة تنعكس فيها صور العالم بعنصريه: عنصر العقل وعنصر المادة، وكل ذرة بالغة ما بلغت من ~~الدقة والصغر تمثل الله، وتعلن عن وجوده بظهوره فيها، وهي جسدية وروحية في آن واحد - لأنها ~~صورة من الله - وإذن فهي خالدة تستعصي على الفناء، وكل شيء في الوجود يتبع في سيره ومسلكه ~~قانونه الخاص به، وهو في نفس الوقت يسير وفق قانون عام ينتظم العالم بأسره، كما يدور الكوكب ~~حول محوره وحول الشمس في وقت واحد. # يضيف إلى نظرية ديمقريطس الذرية (التي تقول إن الكون مكون من عدد لا نهائي من الذرات) أن ~~المكان مليء بأثير سيال، وهو يتصور أن هذا الأثير يمكن تقسيمه إلى ذرات (ولو خيالية) لا ~~نهاية لعددها، ويسمي كل واحدة من تلك الذرات الأثيرية # Monad # ومعناها على وجه التقريب ~~«ذرة روحانية» وهذا الأثير هو الذي يعمل على أن تتخذ الذرات المادية أشكالها ~~وصورها. # العالم كله كائن حي، تتغلغل الروح العالمية في كل جزء منه. وينكر برونو أشد الإنكار أن ~~يكون جزء واحد في الوجود بغير روح وحياة وإحساس، ولا شك أن هناك ينبوعا فياضا تتدفق منه ~~الألوان المختلفة من المخلوقات، كما تنبعث الأشعة من الشمس، وإليه تعود كلها مرة ثانية، ~~فالله كل ممثل في الأجزاء، هو حال في نجم النبات الضئيل وهو في حبة الرمل الصغيرة، بل ~~وفي الهباءة السابحة في شعاع الشمس، حلوله في الكون كله باعتباره وحدة متصلة لا ~~متناهية. # فليست طبيعة العالم في رأي برونو إلا هذا الاتساق المنسجم بين أجزائه، والانسجام هو أخص ~~خصائص الكون، ومن يستطيع أن يدرك هذا الاتساق بين أجزاء الكون، وأن يفهمه على وجهه ms024 الصحيح، ~~تلاشت أمام عينيه عيوب الأجزاء التفصيلية في جمال «الكل»، وإن من يشكو من قبح العالم أو ~~نقصه لعاجز أن يسمو بنفسه، بحيث يرى «الكل» في انسجامه واتساقه. والعالم كامل لأنه هو حياة ~~الله، فلا يجوز أن يشوبه شيء من نقص. وواجب الفلسفة وغايتها ينحصران في كشف هذا الانسجام ~~التام بين المادة والصورة، وينبغي ألا تكون عبادة الفيلسوف وديانته إلا في تسريح الطرف في ~~جمال الطبيعة الخلاب، فاعبد الله بالنظر في هذا الكون الذي ترى. ~~(5-2) بوهمه # Böhme ~~(1575-1624م) # ولد من أبوين فقيرين، وكان في طفولته يرعى الماشية، فلما شب صار حذاء يصلح النعال ~~البالية، ولكنه امتاز منذ صباه بالتواضع والتقوى وخشية الله ، وكان لا يقرأ من اللغات إلا ~~لغة قومه، ولم يكن يطالع من الكتب إلا الإنجيل، وقليلا من كتب المعاصرين والأسلاف، كان ~~بينهما ما كتبه كوبرنيك في نظام الكون، فذهب معه إلى ما ذهب إليه من استحالة أن تكون الأرض ~~أو أن يكون الإنسان مركزا لهذا الكون العظيم، فليس الإنسان في محيط الوجود إلا قطرة ~~يسيرة. # وقد خالف بوهمه أولئك الذين يزعمون أن طبيعة الله وحدة متشابهة لا يداخلها شيء من تباين ~~أو خلاف، ويرى أن الله هو أساس التنوع والاختلاف بين أنواع المخلوقات المتضاربة المتنافرة، ~~فالوحدة الإلهية فيها عنصران متضادان مختلفان، وكل شيء في الوجود له ضد ونقيض، ولما كان ~~الله هو علة كل شيء، لزم أن يكون في طبيعته هذان الجانبان المتناقضان، ففيه الشر إلى جانب ~~الخير، ولكنه شر وجد ليكشف عن الخير كما يكشف الإناء المعتم ضوء الشمس اللامع، فبغير الشر ~~يستحيل أن يكون هنالك في الوجود حركة أو حياة؛ إذ كانت تنطمس معالم الأشياء التي تميز بعضها ~~من بعض، وكان يستحيل الكون كله إلى وحدة متشابهة رتيبة. # وهذا التضاد بين عنصري الله قد جعلا منه المجرد والمحسوس في وقت معا، ولولا تلك ~~الإثنية في طبيعة الله لما خلق هذا العالم المادي الذي نعيش فيه. ~~(5-3) مونتاني # Montaigne ~~(1533-1592م) # جاءت النهضة الأدبية، فأعلنت معها حرية ms025 الإنسان فيما يفكر، وانطلق العقل من قيود الفلسفة ~~المدرسية إلى حيث الطبيعة يجلوها ويتفكر في جوانبها، وسرعان ما تنبه الإنسان إلى قيمة نفسه ~~وعظيم قدره بين الكائنات ~~حتى نشأ لذلك مذهب خاص يعرف بالمذهب الإنساني # Humanism # يرفع ~~الإنسان إلى أرفع المراتب، ويضع مصلحته فوق كل شيء آخر. وكان مونتاني هو لسان هذا المذهب ~~بما آتاه الله من بيان رائع أخاذ، وكان من خير ما أحدثه أنصار مذهب «الإنسانية» نمو ~~الفردية، أعني قوة شعور الإنسان بشخصيته، واعتقاده أنه فرد ذو روح حساسة، له أن يعارض السلطة ~~وذويها، وعليه أن يفكر بنفسه لنفسه. # نظر مونتاني فإذا بالحواس مخطئة فيما تنقل إلى صاحبها من ألوان المعرفة، فهي لا تبعث على ~~اليقين، ولا تقدم إلينا من الحقائق ما نقطع بصحته ونركن إليه ركونا مطمئنا، وهي عاجزة أن ~~تكشف لنا عن طبيعة الكون عجزا يكاد يكون تاما، وليس في مقدور الإنسان أن يصل عن طريقها ~~إلى قانون طبيعي يتفق على صحته الناس جميعا. فلكل فرد نظرة إلى العالم بغير أن تسفر هذه ~~النظرات المختلفة عن معرفة يقينية يقرها الجميع، هذا وليس العقل البشري بأحسن من الحواس ~~حالا، فهو ضعيف أعمى، وعلمه خداع يعتمد على التقليد، وإذن فليس حقيقا أن يتخذ سبيلا إلى ~~المعرفة المؤكدة الثابتة. # الحواس مخطئة والعقل خداع، فلا محيص للإنسان عن الشك والارتياب، وأقل ما يتمتع به الشاك ~~الحرية المطلقة من قيود التقاليد. وهكذا كان مونتاني داعية إلى الشك بين قومه، فلكل إنسان ~~الحق في أن يفكر لنفسه، وأن يتخذ من نفسه حكما لنفسه، لا سلطان عليه ولا رقيب. # | الفلسفة الحديثة # رأينا أن وجهة الفكر في القرون الوسطى كانت دينية محضة، وكان الدين هو الذي يحدد أغراض ~~العلم ويسن نظم البحث، وكان البحث الفلسفي إنما يدور حول الآخرة وعالم الغيب، حتى إذا كانت ~~عوامل النهضة والإحياء دعا داعي الثورة والانقلاب، فاشتد الهياج على النظام الموجود، ~~والمبادئ القائمة، وزاد سخط الناس على ما لديهم من عقائد عتيقة، فأعلنت الحرب على كل نوع من ~~أنواع ms026 السلطات، وطولب بحرية الفكر، وأصبح الحق في نظر الناس ليس ما اعتبر حقا منذ قرون، ~~ولا ما قال عليه فلان إنه حق سواء كان القائل أرسطو أو غيره، إنما الحق ما برهن لي عليه، ~~واقتنعت بكونه حقا، وبدت طلائع الفلسفة الحديثة التي كانت في أول عهدها أميل إلى الاتجاه ~~نحو الطبيعة، وانصرف الفكر الحديث - بدافع الروح اليونانية - إلى الطبيعة وعلومها ينظر ~~نظرا غير متحيز، وقويت الرغبة في تعرف العالم من جديد. # هذا ولم تكن الفلسفة الحديثة طبيعية فحسب، بل كانت فردية كذلك؛ فقد كان من خواصها لفت عقل ~~الفرد وتحريره من رق رجال الكنيسة، وكان من أغراض الحركة الحديثة تقرير حق الأفراد في الحكم ~~على الأشياء، فلكل فرد أن يبحث وينتقد غير مقيد ذلك بأية سلطة خارجية. ومعنى هذا كله أن ~~النهضة الفكرية قررت أن يكون لعقل الفرد القول الفصل، وعلى هذا الأساس قامت الفلسفة ~~الحديثة، وكان أول من حمل لواءها «بيكون» و«ديكارت». # اتفق هذان الفيلسوفان في الغرض، ولكنهما اختلفا في الوسيلة المؤدية إليه، فبينا يذهب ~~بيكون إلى أن المصدر الوحيد للحقائق هو ملاحظة العالم الخارجي وتجربة ظواهره، إذا بديكارت ~~يعترف بأن يكون العقل معينا تتدفق منه المعرفة إلى جانب العالم الخارجي الذي ينتقل إلينا ~~علمه بالحواس، وكان بذلك بيكون مؤسس الفلسفة التجريبية، كما كان ديكارت واضع الأساس لفلسفة ~~عقلية جديدة. ~~(1) المذهب الواقعي في إنجلترا ~~(1-1) فرنسس بيكون # Francis Bacon # شهدت إنجلترا في القرن السادس عشر عصرا ذهبيا زاهرا بلغ أوجه في عصر الملكة إليصابات، ~~إذ لم تكد تستكشف القارة الأمريكية حتى تحول مجرى التجارة من البحر الأبيض إلى المحيط ~~الأطلسي، فارتفع شأن الأمم المتاخمة لذلك المحيط - إسبانيا وفرنسا وهولندا وإنجلترا - ~~وتبوأت في عالم التجارة والمال تلك المكانة الرفيعة التي كانت تنعم بها إيطاليا من قبل، ~~حينما كانت القارة الأوروبية تتخذ منها ثغرا يبادل التجارة بينها وبين الشرق. # انتقلت التجارة من البحر الأبيض إلى المحيط الأطلسي، فانتقلت معها النهضة من فلورنسا ~~وروما وميلان والبندقية إلى مدريد وباريس وأمستردام ولندن، ثم ms027 لم تكد تتحطم القوة البحرية ~~الإسبانية سنة 1588م حتى تخلصت إنجلترا من أقوى منافسيها، فاتسع نطاق التجارة الإنجليزية ~~اتساعا فسيحا، وخفقت أعلامها على متون البحار من أقصى الأرض إلى أقصاها، وأخذت مدنها تعج ~~بالصناعة وتزخر، وبدأ ملاحوها يطوفون حول الأرض روادا كاشفين. وقد شاء الله ألا يكون نهوض ~~الأمة الإنجليزية في عصرها الذهبي مقصورا على انتعاش التجارة، وازدهار الصناعة، وارتقاء ~~الملاحة، بل اتسع حتى شمل الآداب التي أينعت وبلغت أقصى ذراها، وناهيك بعصر يتغنى فيه ~~بالشعر والأدب شكسبير، ومارلو، وبن جونسون، وسبنسر، وغيرهم عشرات وعشرات من أئمة القلم ~~وأرباب البيان. # في ذلك العصر الزاهر الزاهي، ولد فرنسس بيكون في الثاني والعشرين من شهر يناير سنة 1561م ~~في مدينة لندن، من أسرة كريمة مجيدة، فقد كان أبوه السير نكولاس بيكون يتربع في منصب من أسمى ~~مناصب الدولة، وكان نابغا نابها ذائع الصيت واسع الشهرة، فإن يكن قد خفت اسمه فما ذاك إلا لأن ذكر ~~ابنه قد طغى عليه، فبدده في ظلاله كما يقول ماكولي الكاتب الإنجليزي المعروف: فكأنما كانت ~~أسرة بيكون تسير نحو العبقرية صاعدة جيلا بعد جيل، حتى بلغت الذروة في فرنسس بيكون. وكانت ~~أمه سليلة بيت عريق، حصلت من العلم وأصول الدين قدرا محمودا، فأخذت ترضع ابنها من رحيق ~~علمها الواسع، ولم تدخر وسعا في تنشيئه وتكوينه منذ نعومة أظفاره لتخرج منه رجلا قويا. ~~ولما بلغت سنه الثانية عشرة أرسل إلى جامعة كامبردج، حيث لبث أعواما ثلاثة، ترك الجامعة ~~بعدها ساخطا ناقما على مادة التدريس، وطريقته على السواء، فقد كره ذلك الجدل الفارغ ~~العقيم الذي لا ينتهي في أغلب الحالات إلى شيء ذي غناء، وصحت منه العزيمة - وهو ذلك اليافع ~~الصغير - ألا يدخر مجهودا في إنقاذ الفلسفة من ركودها الذي كان يدنو بها إلى جمود الموت، ~~وصمم أن ينقل جذورها من أرض «المدرسية» الجدبة القاحلة فيغرسها في تربة أغنى وأخصب، إلى ~~حيث تكون الفلسفة سبيلا إلى خير الإنسان وسعادته. # فرنسس بيكون. # ولكنه لم يبلغ السادسة عشرة من عمره، حتى ms028 انخرط في سلك الوظائف السياسية، فعين في السفارة ~~الإنجليزية في فرنسا، وظل عاملا بها إلى سنة 1579م إذ باغت القدر أباه فعجل بموته قبل أن ~~ينفذ ما كان اعتزمه من توريث ابنه فرنسس ضيعة من أرضه تكفل له اليسر والثراء، فما سمع بيكون ~~بفجيعته في أبيه حتى عاد مسرعا إلى لندن، وكان لا يزال في عامه الثامن عشر، وهنالك ألفى ~~نفسه وحيدا بين اليتم والعدم، وهو ذلك الناعم الذي نشأ بين أحضان الترف، فعز عليه أن يروض ~~نفسه على خشن العيش، والتمس في أعمال القضاء سبيلا للحياة، وألح في الوقت نفسه على ذوي ~~السلطان من أقربائه أن يهيئوا له عملا في إحدى مناصب الدولة السياسية، لعلها تزيح عن كاهله ~~عبء الحياة الذي ثقل حتى أبهظه وأعياه. # ولكن الله قد أراد للعبقرية ألا يطول بها أمد الخمول، فما هو إلا أن أخذ بيكون يصعد إلى ~~ذروة المجد صعودا متصلا لا يلويه عن طريقه شيء، فقد انتخب سنة 1583م عضوا في مجلس النواب، ~~وسرعان ما جذب إليه الأنظار لبلاغته الساحرة وبيانه الخلاب، فأحبه ناخبوه حبا شديدا، ~~وأعادوا انتخابه عنهم مرة بعد مرة. وهكذا لبث بيكون يشق لنفسه طريقا في معترك السياسة حتى ~~كان عام 1595م فأهداه صديق له معجب بنبوغه، هو الإرل إسكس # Earl of Essex # ضيعة واسعة درت عليه ~~ثروة طائلة عريضة هيأت له أسباب الترف والنعيم. وكانت هذه الهبة العظيمة من ذلك المحسن ~~الكريم جديرة أن تأسر بيكون، ولكن حدث لهذا الصديق الواهب أن فترت بينه وبين الملكة ~~إليصابات ما كان بينهما من روابط وصلات، واستحكمت بينهما الخصومة واشتد النفور، فدبر إسكس ~~هذا مؤامرة خفية يريد بها أن يزج الملكة في ظلمات السجن، ثم يرفع إلى العرش ولي عهدها. ~~وكاشف إسكس بيكون بما صحت عليه عزيمته، وهو لا يشك أنه إنما يكاشف صديقا محالفا سيتفانى ~~في مظاهرته وتأييده، ولكنه لشد ما دهش حين أجابه بيكون باحتجاج صارخ على هذه الجناية ~~الشائنة ضد مليكة البلاد، وبإنذاره أنه سيؤثر ولاءه للملكة على ms029 عرفانه للجميل. # مضى إسكس فيما هو ماض فيه، ساخطا على بيكون أشد السخط لهذا الجحود المنكر، ولكن مؤامرته ~~فشلت وقبض عليه، ثم أطلق سراحه، فحشد جيوشا مسلحة، وسار بها إلى لندن، وحاول أن يشب الثورة ~~بين أهلها، وهنا خاصمه بيكون خصومة عنيفة، وأخذ يقاومه ويعارضه ويؤلب عليه القوم، فاندحر ~~إسكس وقبض عليه للمرة الثانية، وكان بيكون قد تربع في منصب كبير في القضاء، فلم يتردد في ~~اتهام الرجل الذي أكرمه وأحسن إليه حتى حكم عليه بالموت. # وإنما نسوق هذه القصة بين بيكون وإسكس؛ لأنها تشغل من كتب التاريخ والأدب فراغا كبيرا، ~~وقد اختلف الأدباء والمؤرخون في موقف بيكون من صديقه. فهذا يهجوه أقذع الهجاء، وذاك يؤيده ~~ويدافع عنه. ولعل أبلغ ما قيل في هذا ما كتبه الشاعر الإنجليزي بوب Pope # في وصف بيكون حيث ~~قال: «إنه أعظم وأحكم وأخس إنسان بين البشر.» # وكان موقف بيكون هذا قد أثار في نفوس قومه نقمة عليه وكراهية له، وكانوا جميعا يتربصون ~~به الدوائر، ويصبون عليه السخط والغضب، ولكنه ازدرى بالناس، ومضى غير عابئ بما تكنه له ~~صدورهم من غل، وأخذ يروح ويغدو بين مظاهر العظمة التي أغرم بها، فأسرف فيها إسرافا أدى به ~~إلى الاستدانة، حتى سيق آخر الأمر إلى السجن وفاء لدين عجز عن وفائه، ولكن نجمه رغم ذلك ~~كله أخذ في الصعود حتى ظفر بأعلى مناصب الدولة وأرفعها مقاما. # وقد شاء القدر لهذا الرجل الذي وضع أساس المذهب التجريبي أن تكون التجربة آخر مشهد له في ~~حياته الزاخرة، فقد حدث في شهر مارس من سنة 1626م، أن كان مسافرا من لندن إلى إحدى المدن ~~القريبة، فأخذ يفكر تفكيرا عميقا في إمكان حفظ اللحم من التعفن بتغطيته بالثلج، وأراد رجل ~~التجربة أن يجرب ذلك بنفسه، فنزل من عربته عند كوخ صادفه في بعض الطريق، وابتاع منه دجاجة ~~ذبحها وملأها بقطع الثلج ليرى كم تعيش الدجاجة دون أن يصيبها الفساد، وبينا هو مشتغل بذلك ~~إذ داهمه مرض مفاجئ أعجزه عن أن يعود إلى ms030 لندن، فنقل إلى منزل مجاور لأحد الأثرياء، حيث رقد ~~رقدة الموت، وقد كتب على سرير الموت هذه العبارة: «لقد نجحت التجربة نجاحا عظيما.» وكان ~~ذلك آخر ما خطه قلمه، ثم أسلم الروح في التاسع من أبريل سنة 1626م وهو في الخامسة والستين، ~~وقد كتب هذه الجملة قبل موته: «إنني أضع روحي بين يدي الله وليدفن جسدي في طي الخفاء، وأما ~~اسمي فإني باعث به إلى العصور المقبلة وإلى سائر الأمم.» # وها هي العصور والأمم قد تقبلت اسمه بالتمجيد والتخليد. ~~(1) مقالات بيكون # صعد بيكون في مناصب الدولة منصبا بعد منصب حتى بلغ أوجها، فكاد يحقق بهذا حلم أفلاطون عن ~~الملك الفيلسوف الذي يجمع في شخصه الفكر والسلطان جميعا؛ ذلك لأنه بينما كان يرقى في ~~المناصب السياسية كان كذلك يرقى في فلسفته حتى بلغ منها أرفع الذرى، فالتقى فيه الطرفان ~~اللذان تمنى أفلاطون أن يلتقيا يوما في إنسان، وهما المعرفة والنفوذ. وإنه لعجيب حقا أن ~~تتسع حياة هذا الرجل الزاخرة الصاخبة لما أنتجه من علم وافر وأدب غزير. فليس هينا ولا ~~يسيرا أن توفق بين حياة الفكر والتأمل التي لا بد لها من الفراغ والهدوء، وبين الحياة ~~السياسية التي تقتضي صاحبها أن يخوض غمار الحياة العملية بكل ما فيها من صخب وضجيج، ولكن ~~بيكون قصد منذ أول الأمر إلى الحياتين معا، فأراد أن يكون كما كان «سنكا» فيلسوفا ~~ورجلا من رجال السياسة أيضا، على الرغم من خوفه أن يحد هذا من ذاك فيقصر في كليهما ~~على السواء. ولبث يتردد حينا أيهما يؤثر: أيؤثر حياة العزلة والتأمل، أم يؤثر الضرب في ~~معمعان الحياة العملية؟ وتساءل: ألا يستطيع أن يمزج بين الحياتين؟ ولكن موقف التردد لم يطل، ~~فقد أيقن يقينا ثابتا لا يتزعزع أن من السخف أن تكون الدراسة النظرية غاية في نفسها، وأن ~~تكون حكمتها محصورة فيها؛ لأن العلم الذي لا يجد طريقه إلى التطبيق العملي ليس إلا عبثا ~~وغرورا. وفي ذلك يقول بيكون في مقاله «في الدراسة» ما يأتي: «... أما أن تنفق ms031 في الدراسة ~~(النظرية) وقتا طويلا فضرب من الخمول، وأما أن تزدان بها فحب للظهور، وأما أن تصدر في ~~رأيك عن قواعدها وحدها دون غيرها، فذلك جانب الطرافة من العالم ... إن الدراسة (النظرية) لا ~~تعلم كيفية استخدامها؛ إذ استخدامها حكمة خارجة عنها، وهي خير منها، وتكتسب بالملاحظة.» ~~ولعمري إن هذه الأسطر القليلة التي جرى بها يراع بيكون لصيحة داوية تضع حدا للفلسفة ~~المدرسية؛ لأنها تنادي بالتفرقة بين العلم واستخدامه، وهي ترفع من شأن الملاحظة والنتائج ~~العملية للدراسة العلمية، وتلك سمة تميز الفلسفة الإنجليزية تمييزا واضحا. وضع أساسها ~~بيكون، وما انفكت تتسع وتزداد حتى بلغت نهايتها في فلسفة البراجماتزم في العصر الحديث. ولكن ~~هذه الدعوة إلى التجربة العملية التي صاح بها بيكون ليست تعني أنه رغب عن الكتب، وانصرف عن ~~حياة التأمل ، بل بقيت الدراسة والتفكير موئله الذي يلجا إليه الحين بعد الحين، فاسمع إليه ~~كيف يقول في مقدمة كتاب «حكمة القدماء»: «إنني لا أطيق الحياة بغير فلسفة.» ثم اقرأ هذه ~~العبارة التي يصف بها نفسه: «إنني رجل خلقت أقرب إلى الأدب مني إلى أي شيء آخر.» # نعم كان «بيكون» إلى جانب الحياة العملية مفكرا عميق الفكر كاتبا رائع البيان، وأجمل ~~إنتاجه الأدبي طائفة من «المقالات» دبجها بأسلوب بارع أخاذ، حتى جاءت في جمال لفظها وجمال ~~معناها مجموعة نفيسة نادرة من أروع ما أنتجه الفكر الإنساني منذ نشأته إلى اليوم. فقد بلغ ~~فيها من جودة النثر ما بلغه شكسبير من روعة الشعر. وإن كانت الكتب تنقسم إلى مراتب ثلاث كما ~~قال بيكون: «بعض الكتب ينبغي أن يذاق، وبعضها يجب أن يزدرد، وبعضها القليل خليق أن يمضغ ~~ويهضم.» لقد كانت «مقالاته» بغير شك من هذا القليل النادر الذي يستحق المضغ والهضم. وهي في ~~مجموعها صورة صادقة دقيقة لكاتبها، تمثل جوانبه كلها ففيها تصوير لفلسفته الأخلاقية التي ~~تنزع إلى القسوة المكيافيلية أكثر منها إلى الحب المسيحي، وتصوير لنزعته الدينية التي يذهب ~~فيها إلى العقيدة بأن العقل يكفي وحده دون الوحي والإلهام لتنظيم الكون. وقد ms032 اتهمه معاصروه ~~بالإلحاد، ولكنه ينكر ذلك في مقال كتبه في الإلحاد يقول فيه: «... إن القليل من الفلسفة يميل ~~بعقل الإنسان إلى الإلحاد، ولكن التعمق فيها ينتهي بالعقول إلى الإيمان؛ ذلك لأن عقل ~~الإنسان قد يقف عند ما يصادفه من أسباب ثانوية مبعثرة، فلا يتابع السير إلى ما وراءها، ولكنه ~~إذا أمعن النظر فشهد سلسلة الأسباب كيف تتصل حلقاتها لا يجد بدا من التسليم بالله.» وأما ~~رأيه السياسي كما يظهر في «المقالات» فهو محافظ جامد، وليس ذلك بعجيب من رجل يطمح إلى ~~مناصب الحكم، فهو لهذا ينشد قوة مركزية متينة، ويرى أن الملكية خير أنواع الحكومة، وهو يحب ~~الحرب، ولا يميل إلى السلم، ولذا تراه يسب تقدم الصناعة التي أخذت في عهده تنتشر في أنحاء ~~البلاد انتشارا واسعا؛ لأنها تبعث على السلام الذي يقتل الشهامة والشجاعة في الرجال. # 1 # وينصح بيكون كما نصح أرسطو من قبله باجتناب الثورات ما أمكن ذلك. وخير سبيل لهذا هو ~~التوزيع العادل للثروة بين الناس: «إن المال كالسماد لا يجود إلا إذا انتشر.» ولكنه لا يرمي ~~بهذا إلى اشتراكية أو ديمقراطية؛ لأنه لا يؤمن بمقدرة الدهماء الذين بلغ من ازدرائه لهم أن ~~قال: «إن أخس ضروب الرياء هو مصانعة الدهماء.» «ولقد أصاب فوقيون Phocion # حين أبدى الدهماء ~~إعجابهم به في أحد مواقفه، فتساءل: ترى أي خطأ أتيت؟» يشير بهذا إلى أن عامة الشعب لا يمكن ~~أن يتعلق إعجابها بالعمل الكامل، ولا تصفق إلا لنقص. لذلك لا يريد بيكون أن تسود المساواة ~~بين الناس جميعا، ويقترح أن يمنح المزارعون ملكية أرضهم، ثم يقوم على رأسهم أرستقراطية ~~تدبر أمرهم، ثم يحكم هؤلاء وأولئك جميعا ملك فيلسوف، ولعله تمنى أن يكونه. ~~(2) أساسه الجديد في البحث # كانت الفلسفة طوال القرون الوسطى تقوم على أساس خطأ لا يمكن أن يؤدي إلى علم جديد، فقد ~~اتخذت القياس المنطقي سبيلا لتأييد المذاهب والآراء، (والقياس المنطقي وسيلة عقيمة في ~~كثير من وجوهه؛ لأنك مضطر أن تسلم بمقدماته تسليما لا يجوز فيه الشك)، فمهما أمعنت ms033 في ~~البحث والاستنتاج فأنت محصور في حدود المقدمات التي سلمت بها بادئ بدء، فإذا أريد الإصلاح ~~وانتشال الفلسفة من الهوة التي تردت فيها، فلا بد من ثورة تهدم أسلوب البحث العتيق البالي، ~~لهذا نهض بيكون ووضع أساسا جديدا للبحث كانت أولى خطاه الملاحظة والتجربة، وقد اشترط ~~فيهما أن تستخدما في بطء شديد، وحذر شديد، والبطء والحذر هما أبرز ما يطبع بيكون بطابعه ~~الخاص الذي يميزه من أسلافه في العصور الوسطى والقديمة، فكثيرا ما بدأ الفلاسفة بالملاحظة، ~~ولكنهم كانوا يفسدون هذا البدء الصحيح بالتسرع بأن يقفزوا من ملاحظة الجزئيات إلى الأحكام ~~الكلية العامة قفزا لا يحتاطون فيه بالحذر، فقد كانت تكفيهم مجموعة قليلة من الأمثلة التي ~~يستجمعونها بالملاحظة ليقيموا على أساسها ما شاءوا من نظريات فلسفية عامة، أما بيكون فيحذر ~~الناس ويوصيهم بالأناة والصبر، فلا يبدءون في مرحلة التعميم إلا إذا جمعوا من الأمثلة ~~الجزئية أكبر عدد مستطاع. # أراد بيكون أن يضع للعقل الإنساني خطة جديدة يسير عليها، ولكنه قبل أن يقوض الأطلال ~~القديمة ليقيم في مكانها بناءه الجديد، عمد إلى تطهير العقول من كل ما يشوبها من تعصب ~~وجمود، فإن أردنا أن نفكر تفكيرا سليما، وأن نبحث بحثا منتجا صحيحا، فلا بد أن نتخلص ~~من هذه الأخطاء والأوهام الباطلة التي تحول دون سلامة التفكير. ~~(3) الأوهام الأربعة # Idols # 2 # يريد بيكون بادئ بدء أن يسجل عوامل الخطأ، وأسباب الزلل قبل أن يمضي في رسم خطته الجديدة، ~~وهو يحصرها في مجموعات أربع يطلق عليها هذه الأسماء: ~~(1) # أوهام الجنس # Idols of the race ~~. ~~(2) # أوهام الكهف # Idols of the cavs ~~. ~~(3) # أوهام السوق # Idols of the market-place ~~. ~~(4) # أوهام المسرح # Idols of the Theatre ~~. ~~(1) ويريد بأوهام الجنس تلك الأخطاء التي غرست في طبائع البشر بصفة عامة، فقد يزعم ~~الإنسان باطلا أنه مقياس الحقائق بما يملك من إدراك حسي وإدراك عقلي، والواقع أن ما يدركه ~~الإنسان بعقله وحواسه ليس إلا صورة لنفسه أكثر منها تصويرا للكون الخارجي «فليس العقل ~~كالمرآة الصافية التي تعكس صور الأشياء كما هي ms034 تماما، ولكنه كالمرآة الملتوية التي تمزج ~~صورة نفسها بصورة الأشياء التي تصدرها فتصيبها بالفساد والتشويه.» ومن أخطاء العقل البشري ~~التي جبل عليها ميله أن يفرض في الأشياء درجة من النظام والاطراد أعظم مما هي في ~~الواقع، مثال ذلك أن الإنسان لا يكاد يرى الكواكب تعود فتبدأ سيرها من حيث انتهت، حتى يفرض ~~أن أفلاكها دوائر كاملة، وأنها تسير فيها سيرا منتظما، كذلك من أخطاء العقل المطبوعة فيه ~~أنه إذا سلم بصحة قضية ما - سواء كان تسليمه تقليدا لعقيدة شائعة أم من أجل فائدة ينالها ~~من صحة هذه القضية المعينة - فإنه يحاول أن يرغم كل شيء آخر أن ينهض دليلا على صحة قضيته ~~تلك، فإن صادفه من الأمثلة الكثيرة ما يدل على خطئها دلالة واضحة قاطعة، فإنه إما أن يهملها ~~أو يصغر من شأنها أو يرفضها في تعصب ذميم، فأهون على نفسه رفض الحق من نبذ قضية ركن إلى ~~صحتها واعتقد بسلامتها زمنا. وهكذا يسارع الناس إلى ملاحظة الأمثلة والحوادث التي تؤيد ~~آراءهم وعقائدهم ويهملون أو يتجاهلون كل دليل ينهض على بطلان تلك الآراء والمعتقدات. فخليق ~~بالإنسان أن يفكر فيما يؤيد رأيه، وفيما يعارضه على السواء، حتى يخلص إلى الحق. ويسوق بيكون ~~مثلا على ذلك قصة رجل أنكر تأثير النذور فسيق إلى معبد، وعرضت عليه عشرات من اللوحات التي ~~علقها من أنجاهم الله من الغرق استجابة لدعائهم ونذورهم، ثم سئل: ألا يعترف بعد هذه الأمثلة ~~كلها بنفع النذور وفائدة الدعاء؟ فأجاب: «ولكن أين صور أولئك الذين أغرقوا في اليم رغم ما ~~نذروا وما دعوا؟» فلا يكفي عند بيكون أن تعتمد على الأمثلة المؤيدة، بل لا بد أن تفكر في ~~كل موضوع من الجانب الآخر لترى هل هناك ما يقوضه ويهدمه. وهنا يتقدم بيكون إلى الناس عامة ~~وطلاب العلم خاصة بهذا النصح «ليأخذ كل طالب لعلم الطبيعة بهذه القاعدة ... وهي: إن كل شيء ~~يتعلق به العقل ويصر عليه ويطمئن إليه ينبغي أن يوضع موضع الشك»، «ولا يجوز أن نسمح للعقل ~~بأن يثب ms035 أو يطير من الحقائق الجزئية إلى القضايا العامة الشاملة ... لا ينبغي أن نمد العقل ~~بالأجنحة، بل الأولى أن نثقله بالأغلال حتى نحول بينه وبين القفز والطيران.» ~~(2) وأما الطائفة الثانية من أوهام العقل وأخطائه، التي يسميها بيكون أوهام الكهف، فهي ~~تلك الخطة التي يختص بها الفرد. «إن لكل إنسان ... مغارة أو كهفا خاصا به يعمل على كسر ~~أضواء الطبيعة والتغيير من لونها.» وليس هذا الكهف إلا شخصية الفرد التي تكونها الطبيعة ~~والبيئة والتغذية والتربية وسائر العوامل التي تكون الشخصية. ولما كانت تلك العوامل مختلفة ~~باختلاف الأفراد، كان لكل إنسان نزعته الخاصة وأخطاؤه الخاصة، فبعض العقول ينزع بطبيعة ~~تكوينه إلى التحليل وملاحظة أوجه التباين والخلاف بين الأشياء - كالعلماء والمصورين - ~~وطائفة أخرى تميل إلى البناء والتركيب - كالفلاسفة والشعراء - فتلاحظ أوجه الشبه بين ~~الأشياء. كذلك نرى فريقا من الناس يتصفون بالجمود، ويعجبون بالقديم إعجابا شديدا لا ~~يرضون عنه من الجديد بديلا، وآخرين يتقبلون كل جديد، ويتحمسون له تحمسا قويا، وقليل من ~~الناس هم الذين يستطيعون أن يقفوا موقف التوسط والاعتدال، فيبقوا على القديم الصالح، ولا ~~يرفضوا الجديد النافع؛ إذ الحقيقة لا تعرف تحزبا ولا تعصبا. ومن أمثلة أوهام الكهف أيضا ~~ما تخلفه مهنة الشخص في نفسه من الميول والنزعات التي تحصر تفكيره في حدود مهنته ~~الضيقة. ~~(3) وأما أوهام السوق فهي تلك التي تنشأ «من التجارة واجتماع الناس بعضهم مع بعض؛ ذلك لأن ~~الناس يتبادلون الحديث باللغة التي صيغت كلماتها وفقا لعقلية السوقة، فنشأ من سوء تكوينها ~~ومن عجزها تعطيل شديد للعقل.» ~~(4) وفي العقل فوق ذلك كله أوهام قد انحدرت إليه من مذاهب الأقدمين وعقائدهم، وقد أطلق ~~بيكون على هذا الضرب من الأخطاء اسم أوهام المسرح، مشيرا بذلك إلى أن الأنظمة الفلسفية ~~التي يتلقاها كل جيل عن أسلافه ليست إلا روايات مسرحية تمثل أكوانا خلقها الفلاسفة بفكرهم ~~خلقا كما يخلق الروائي أشخاص روايته وحوادثها، فليس العالم الذي يصوره أفلاطون مثلا إلا ~~عالما بناه هو وصوره كما شاء له عقله وخياله، وقد لا يتفق مع الحقيقة ms036 الواقعة في ~~شيء. # وبديهي أن هذه الأوهام الأربعة قد تجتمع كلها في شخص واحد، وقد تنفرد فيؤثر في الشخص عامل ~~واحد منها أو أكثر. فإذا قلت مثلا «إن الشمس تدور حول الأرض.» وبنيت قولي على ما تدلني عليه ~~عيناي، كان ذلك وهما جنسيا؛ لأني اعتمدت على الحواس الخادعة، وخداع الحواس عام في البشر، ~~فإن عللت دورانها حول الأرض بما هو ذائع بين الناس بوساطة اللغة (كطلعت الشمس وغربت الشمس) ~~كان ذلك وهما سوقيا؛ لأنه نشأ عن اجتماعي بالأشخاص الآخرين، وإن دللت على صحة قولي بما ~~قاله بطليموس في هذا الموضوع، كان ذلك وهما مسرحيا؛ لأن الخطأ هنا قد جاءني من آراء ~~السالفين، أما إن كنت أرى هذا الرأي لأنه يتفق مع ما وصلت إليه أنا نفسي بعد البحث والتأمل، ~~كان ذلك مني وهما كهفيا؛ لأني أنا مصدره. # تلك هي أوهامنا التي تقيدنا بأغلالها فتقعد بنا عن أن ننطلق خفافا أحرارا في بحثنا وراء ~~الحقيقة، فلا بد إذن من دكها وهدمها، ولا بد لنا من تطهير عقولنا وتنقيتها من هذه الشوائب، ~~ثم لا بد من أسلوب جديد للتفكير، وأداة جديدة للفهم والبحث «فإن كانت القارة الأمريكية ~~الفسيحة لم تكن لتستكشف قط إلا بعد أن عرفت البوصلة، فلا عجب ألا يتقدم استكشاف الفنون ~~ورقيها تقدما عظيما ما دام فن اختراع العلوم أو كشفها مجهولا»، «ومن العار أن نرى أصقاع ~~الأرض المادية ... قد انفسحت أرجاؤها، ونرى العالم العقلي لا يزال مغلقا محصورا في دائرة ~~الكشف الضيق العتيق.» ~~(4) طريقة «بيكون» # بعد أن فرغ بيكون من شرح هذه الأوهام التي تعرقل العقل وتعطله، انتهى به هذا الشرح إلى ~~نتيجة آمن بها أشد الإيمان، وهي أن الداء كل الداء إنما هو طريقة الاستنتاج التي كان ~~يستخدمها رجال العصور الوسطى في تفكيرهم؛ إذ كانوا يسلمون من أول الأمر بطائفة من القضايا ~~تسليما أعمى، ثم يتخذون من هذه القضايا نقطة ابتداء، ويعمدون إلى توليد النتائج منها، فكان ~~مستحيلا أن تنكشف لهم بذلك حقيقة جديدة؛ لأنهم محصورون مقيدون بما ms037 سلموا به، مع أنها قد ~~تكون هي نفسها موضعا للشك والنقض. وإذن فلا بد لنا ألا نبدأ بالتسليم، ويجب أن نخضع كل قول ~~مهما كان مبعثه للملاحظة والتجربة، فإنك لو بدأت بالإيمان ببعض الحقائق، فسينتهي بك الأمر ~~أخيرا إلى الشك، ولكنك إذا بدأت السير بالشك والارتياب فلا بد أن تنتهي إلى الحق واليقين. ~~هكذا ينقد «بيكون» طريقة الاستنتاج من مقدمات مفروضة ولا يرضى أن يتخذها الناس أسلوبا ~~لتفكيرهم، ~~وهو لا يقف عند الهدم والنقض، ولكنه يقدم لنا طريقة علمية جديدة؛ طريقة الاستقراء # Induction # تؤدي إلى الغاية التي يرضاها من كشف واختراع ينتهيان بخير الإنسان وسعادته، ~~ويهيئان له حياة فاضلة كاملة، وهو يشرحها في «المدينة الفاضلة» التي صورها كما شاء له ~~خياله، والتي سنأتي على ذكرها بعد حين، وها نحن أولاء نعمد إلى تحليل طريقته وبسطها خطوة ~~خطوة: ~~(1) # جمع الحقائق: # أول خطوة يخطوها الإنسان في سبيل الاستقراء هي بالطبع ملاحظة الحقائق ~~وجمع الأمثلة، فيستحيل على الإنسان الذي يتصدى لفهم الطبيعة وتفسيرها أن يفهم منها أكثر مما ~~يلاحظ من أحداثها ومشاهدها بحواسه وفكره، وبديهي أن يعجز الإنسان عن معرفة ما لم يلاحظه، ~~وإذن فالمرحلة الأولى من الطريق هي إعداد «تاريخ» لكل ظاهرة من الظواهر التي نرى الكون ~~غاصا بها، وبهذا «التاريخ» وحده نستطيع أن نشرح تلك الظواهر، وينبغي أن تكون المعلومات ~~التي نجمعها عن كل ظاهرة نريد بحثها وافية شاملة لكل ما تأتي به الملاحظة والتجربة مما ~~يتعلق بهذه الظاهرة. ويطيل «بيكون» القول والشرح في هذه المرحلة الأولى من طريقته؛ لأنه ~~يثق كل الثقة أنه بغير هذا التسجيل لحقائق الطبيعية يتعذر أن يتم عمل واحد على أساس صحيح ~~«ولو اجتمع عليه نوابغ العصور كلها.» وهو يهيب بالناس أن يسجلوا تاريخ الطبيعة حتى يصبح ~~فهمها وفهم العلوم كلها عملا هينا تكفيه أعوام قلائل. ~~(2) # كشف الصور: # تجيء بعد جمع الحقائق والأمثلة مرحلة ثانية هي المقارنة بين هذه الحقائق ~~التي جمعناها بملاحظتنا لمشاهدة الطبيعة، وهذه المقارنة تمكننا من الوصول إلى «صورة» ~~الظاهرة التي نكون بصدد ms038 بحثها، وهنا نرى «بيكون» غامضا في تحديد ما يقصده تماما من كلمة ~~«الصورة» فهو يقول تعريفا لها: «صورة الظاهرة هي التي إذ أضيفت إليها أكسبتها ماهيتها، ~~وإذا ما انتزعت منها تلاشت طبيعتها»، ولكنها لا تزال مع هذا التعريف مبهمة غامضة لا نفهم ~~مدلولها فهما دقيقا، فهي بالبداهة لا تعني شكل الشيء الخارجي الذي يدرك بإحدى الحواس، ~~وليست هي المثال الأفلاطوني للشيء؛ لأن هذا منفصل عن الشيء وخارج عنه، أما «صورة» الشيء عند ~~«بيكون» فهي فيه، وتتصل به أوثق اتصال. ونستطيع أن نوضحها للقارئ على وجه التقريب بأنها ~~«القانون» الذي تسير على مقتضاه الظاهرة المعينة، فصورة الحرارة مثلا هي قانونها وهكذا. ~~فهذه المرحلة إذن هي استخراج القانون من الأمثلة، بأن نحذف الحقائق التي يتبين لنا أثناء ~~اختبارنا للأمثلة المجموعة أنها عارضة طارئة، إلى أن نستخلص في النهاية الخصائص الجوهرية ~~التي تتميز بها الظاهرة التي نبحثها. ~~(3) # جدول الاستنتاج: # ها أنت قد اجتمع لديك ما شئت أن تجمع من أمثلة وحقائق، ثم أخذت ~~تقارن بينها لتستخرج ما هو عرضي زائل قد يصحب الظاهرة وقد لا يصحبها، وتستبقي ما هو جوهري ~~دائم لا ينفك ملازما للظاهرة المبحوثة أينما كانت، ثم صعدت من مرحلة الأمثلة الجزئية إلى ~~مرتبة أعلى وأشمل، هي مرتبة القوانين التي تسير تلك الأشياء على سننها وبمقتضاها، ولكن كيف ~~يتم هذا الانتقال من مرحلة الجزئيات إلى مرحلة استخراج «الصورة» أو القانون؟ يرى «بيكون» ~~ألا توضع الأمثلة الجزئية أمام الباحث أكداسا مهوشة، ثم يجيل فيها بصره كيف شاء، بل يشترط ~~لصحة السير أن تنظم تلك الأمثلة وتبوب في قوائم ثلاث: ~~(أ) # القائمة الأولى تسجل فيها الأمثلة المؤيدة، فيثبت فيها مجموعة الأمثلة التي تتفق كلها ~~في صفة بعينها، فإن كان موضوع البحث مثلا هو «الحرارة» وجب أن يسجل في هذه القائمة كل ما ~~اتصل به علم الباحث على اختلاف صنوفها وتباين ألوانها، فتذكر الشمس والمصابيح وسائر أسباب ~~الإضاءة، ثم تذكر الأجسام المحترقة كلها، ثم يذكر دم الحيوانات والحديد المحمى، وغير هذا. ~~وهذا من آلاف ms039 الأشياء الحارة؛ لأنها مظهر للحرارة التي هي موضوع البحث. ~~(ب) # ولكن هذه القائمة الأولى وحدها لا تغني عن البحث شيئا؛ لأنها تشتمل على الأمثلة التي ~~تؤكد ظاهرة الحرارة وتؤيدها، ولا بد لنا إلى جانبها من قائمة ثانية لأمثلة تنفي وجود ~~الحرارة، أعني أشياء لا يكون فيها شيء من الحرارة، إذ المعرفة الإيجابية كلها إنما تستمد من ~~المعرفة السلبية، ويعبر «بيكون» عن ذلك بعبارات مجازية، فيقول إن كل الضوء مبعثه الظلام، ~~«وإله الحب إنما خرج من بيضة فقست في ظلام الليل.» # سنضع إذن في هذه القائمة أمثلة لأشياء لا حرارة فيها على أن يكون بينها وبين أمثلة ~~القائمة الأولى علاقة شبه، فقد ذكرنا في القائمة الأولى مثلا الشمس كمصدر للحرارة، فنذكر ~~هنا القمر مثلا لأشعة لا حرارة فيها. وقد ذكرنا في القائمة الأولى دم الحيوانات الميتة؛ ~~لأنه بارد، وإذن فهو ينفي ما أثبتته القائمة الأولى. ~~(ج) # وليست تكفيك هاتان القائمتان إن أردت دقة في البحث، وضبطا، وإحكاما في النتائج، بل ~~لا بد من قائمة ثالثة تستخدمها للمقارنة، فتضع فيها مجموعة من الأمثلة تختلف فيها الظاهرة ~~التي أنت بصدد بحثها قوة وضعفا، فتذكر أشياء تقل فيها درجة الحرارة، وإلى جانبها أشياء ~~أخرى تشتد فيها درجة الحرارة لكي تستطيع بمقارنة بعضها ببعض أن تستنبط السبب الذي يدور مع ~~ظاهرة الحرارة كثرة وقلة. ~~(4) # عملية التنحية أو العزل: # وليست هذه القوائم الثلاث هي كل شيء، فإنك إذا ما فرغت من ~~إعدادها كان لزاما عليك أن تتبعها بخطوة أخرى هي أقوم جزء في طريقة «بيكون»، ألا وهي ~~عملية العزل والإقصاء. ففي بحثك عن سبب الحرارة مثلا، ستتناول القوائم الثلاث التي أعددتها ~~- قوائم الإثبات والنفي والمقارنة - ثم تأخذ في رفض أمثلة مما أثبت في القائمة الأولى لما ~~يتبين لك من القائمة الثانية أنه لا يمكن أن يكون سببا للحرارة. فترفض مثلا أن يكون دم ~~الحيوان سببا للحرارة؛ لأن هناك من الحيوانات ما دماؤها باردة، وهكذا تظل تعزل مثلا في ~~إثر مثل حتى يبقى في النهاية ما يدل ms040 على السبب الحقيقي. ~~(5) # الأمثلة المرجحة: # ولكن ربما بقي لديك أكثر من سبب وعجزت عن ترجيح أحدها؛ لأن كلا ~~منها تؤيده أمثلة ليس ما ينفيها في قائمة النفي، فواجبك عندئذ أن ترسل البصر إلى العالم ~~الخارجي مرة أخرى عسى أن تصادف في الطبيعة حقيقة تعينك على ترجيح سبب على سبب، فإن وجدت ~~مثل هذه الحقيقة كانت لك في ضلالك مرشدا وهاديا؛ لأنها ستشير لك إلى الطريق السوي كما ~~تفعل الأنصاب الحجرية التي يقيمها الناس عند ملتقى الطرق لهداية السائرين، (وكثيرا ما تكون ~~تلك النصب على هيئة الصليب، ولهذا ترى الكلمة الإنجليزية التي معناها مرجح # Crocial # مشتقة من ~~الكلمة التي معناها صليب # Cross ~~). ~~(5) سبب الحرارة # كان مما بحثه «بيكون» على أساس طريقته الاستقرائية سبب الحرارة، وقد ذكرناه فيما سبق كيف ~~أنه أثبت في القائمة الأولى كل الأمثلة التي تظهر فيها الحرارة، وفي القائمة الثانية أمثلة ~~تشبه التي جاءت في الأولى، ولكنها لا تحتوي حرارة، وكيف أنه ظل يقصي كل شيء مما يثبت أنه ~~يستحيل أن يكون هو سبب الحرارة لظهوره في بعض الأمثلة، واختفائه في الأمثلة الأخرى، وهكذا ~~حتى وصل في النهاية إلى علة واحدة بقيت له هي الحركة، فقد هداه بحثه إلى أن الحركة هي علة ~~الحرارة؛ لأن كل شيء حار يكون في حركة دائمة هي التي سببت حرارته، وتختلف حرارة الأجسام ~~باختلاف حركتها زيادة ونقصا. # بهذه الطريقة عرف «بيكون» كيف يستفيد من الأمثلة التي يجمعها بالملاحظة والتجربة في ~~الوصول إلى النتائج الجديدة. فلم يكن - كما كان القدماء - يجمع الأمثلة ويكدسها في غير نظام ~~كما يكوم النمل طعامه في جحوره بأن يضعه كما هو من غير تبديل ولا ترتيب، ولكنه كان أشبه شيء ~~بالنحل الذي يجمع مادة طعامه من هذه الزهرة ومن تلك، ثم يهضمها ويمثلها لغاية في نفسه يقصد ~~إليها، فيخرجها آخر الأمر شيئا جديدا. # رأى «بيكون» أن وجهة العلم الجديدة يجب أن تنفض يديها من المناقشات العقيمة التي كانت ~~تدور حول الكليات، وأن تنصرف بكل قوتها إلى الأشياء نفسها، ms041 فإن العلم لا يقوم بناؤه إلا على ~~الإدراكات الحسية المباشرة، ثم ينبغي أن يرتفع بعد ذلك بكل حذر، وبالتدريج البطيء إلى مرتبة ~~المعقول المجرد. # ومن طريقة «بيكون» العلمية استخلص علماء التربية بعض القواعد في تربية الأطفال، فقالوا: ~~إنه يجب أن يسير التعليم من المحسوس إلى المعقول. # هكذا يريد «بيكون» أن نستقصي ظواهر الكون واحدة بعد أخرى، فنتعرف عللها وطبائعها، وهذه ~~الدراسة هي أولى مراتب الفلسفة ونعني بها دراسة الطبيعة. # ولكن لا ينبغي أن نقتصر على علم الطبيعة هذا (الفيزيقا)، بل يجب أن ننتقل منه إلى مرتبة ~~الأسباب العليا والقوانين العامة - إلى ما وراء الطبيعة - إلى الميتافيزيقا، وهي عند بيكون ~~نتيجة للعلوم الطبيعية تجيء بعدها وتتولد منها، فإن كانت «الفيزيقا» تعلمنا أن الحرارة ~~نتيجة الحركة، فإن الميتافيزيقا ترينا طبيعة الحركة نفسها، وتبين لنا كيف تتشعب الحركة إلى ~~شعب مختلفة، فمنها يكون الكون والفساد، ومنها تنشأ الحرارة ويتولد الضوء، والميتافيزيقا هي ~~العلم الذي يفرض في الطبيعة عقلا وتدبيرا. # ثم يصعد بيكون إلى مرحلة ثالثة أعلى من السابقتين، فهو يحس أن هذا الكون على تعدد ظواهره ~~لا بد أن يكون متحدا آخر الأمر يسير كله على قواعد واحدة، فهو يرى أن فوق الميتافيزيقا ~~علما أسمى منها هو الذي تنبت منه كل العلوم على اختلافها، ألا وهو البديهيات التي تكون ~~صحيحة في أي علم. مثال ذلك البديهية القائلة إنه إذا أضيفت أجزاء متساوية، إلى أجزاء غير ~~متساوية كانت المجموعات غير متساوية، فهذه قاعدة صحيحة في الرياضة، وهي صحيحة في العدد وفي ~~سائر العلوم، وقل مثل ذلك في البديهيات كلها. # تتلخص طريقة «بيكون» إذن في هاتين الخطوتين: جمع الأمثلة ما أمكن الجمع، ثم تنظيمها ~~وتبويبها وتحليلها وإبعاد ما يظهر منها أن ليس له بالظاهرة المبحوثة علاقة علة ومعلول، ~~وهكذا يمكننا أن نصل إلى «صورة» الظاهرة التي بين أيدينا، وصورة الشيء عند بيكون هي قانونه ~~كما سبق القول. # ولا يقف «بيكون» بفلسفته عند حد إيجاد الصور، بل لا بد بعد هذا كله من تطبيق هذا العلم ms042 ~~الذي ظفرنا به على الحياة العملية، فإن المعرفة التي لا تنتج عملا تكون ميتة جامدة ليست ~~خليقة بالإنسان، فنحن نبذل هذا المجهود في تحصيل المعرفة لا لتكون غاية في ذاتها، ولكن ~~لنتمكن بمعرفة قوانين الأشياء من تشكيل الأشياء وتوجيهها كما نحب ونشتهي. فنحن ندرس الرياضة ~~مثلا لتكون وسيلة لحساب الكميات التي تقتضي الحياة حسابها، ولكي نستعين بها على بناء الدور ~~والجسور وسائر أسباب المدنية، وندرس علم النفس لعلنا بدراسته نستطيع أن نشق لأنفسنا طريقا ~~سويا في المجتمع الذي نعيش فيه؛ لأن تفاهم الأفراد يكون على أتمه حين يفهم الناس بعضهم ~~بعضا فهما صحيحا. وإذا استطاع العلم أن يكشف لنا عن صور الأشياء كلها أصبحت الدنيا في ~~قبضة أيدينا نصوغها كما نشاء، ونكون لأنفسنا المدينة الفاضلة الكاملة التي ما فتئ ينشدها ~~الإنسان منذ صار إنسانا. ~~(6) مدينة العلم الفاضلة # نعم إن نحن أخذنا بيد العلم فسرنا به في الطريق السوي، وملكنا زمامه وبسطنا عليه سلطاننا ~~كان ذلك كفيلا بالمدينة الفاضلة التي تسمو فيها الجماعة الإنسانية إلى مرتبة الكمال. ويصور ~~لنا «بيكون» تلك المدينة الفاضلة التي نستطيع أن ننتهي إليها بمعونة العلم في آخر كتاب ~~أخرجه للناس وعنوانه «أطلانطس الجديدة # The New Atlantis ~~» وقد نشره قبل وفاته بعامين، وعنه ~~يقول ولز الكاتب الإنجليزي المعروف «إنه أجل خدمة أداها بيكون للعلم.» # صور «بيكون» في هذا الكتاب جماعة يسيطر عليها العلم، تسكن جزيرة نائية أطلق عليها اسم ~~أطلانطس، وقد شاء له خياله أن يكون موقعها في أقصى المحيط الهادي حتى يبعد بها ما استطاع عن ~~أوروبا، وحتى يرسل في وصفها الخيال إرسالا لا يحول دونه شيء. وهاك القصة موجزة: # لقد أقلعت بنا السفن من «بيرو» آخذة سمتها ناحية الصين واليابان، فما احتوتها أمواه ~~المحيط حتى خيم السكون، وانبسط سطح الماء صقيلا كالمرآة، لا تعلو فوق صدره موجة واحدة، ~~فبقيت السفائن بضعة أسابيع جاثمة لا تهتز، ولا تتحول، حتى كاد ينفد زادنا، وعندئذ انفرجت ~~أطباق السماء فجأة عن ريح صرصر عاتية عصفت بنا، فدفعت فلكنا دفعا ms043 عنيفا، وأخذت تمعن بنا ~~ناحية الشمال، وليس أمامنا إلا البحر، وليس وراءنا إلا البحر، والبحر عن يمين وشمال، لا تقع ~~العين إلا على موج فوق موج، فدب اليأس القاتل في نفوسنا، واستولى علينا الجزع والفزع، ~~وخشينا أن نهلك جوعا، فقللنا من وجبات الطعام إبقاء على ما بقي في جعبتنا من زاد قليل، ~~وزاد الطين بلة أن فشا المرض بين الملاحين فرفرف الموت بجناحه القاتم على السفن ومن فيها، ~~حتى أصبح الفناء منا قاب قوسين أو أدنى، وهنا وقعت أبصارنا - في الأفق النائي - على جزيرة ~~زاهية تتلألأ في ضوء الشمس، فتهللت النفوس بشرا، وأخذت الفلك تحبو نحوها حتى دنت من ~~الشاطئ، فرأينا جماعة من أهلها قد احتشدوا يرقبون هذا الطارئ الجديد. يا عجبا، إنهم لم ~~يكونوا أجلافا متوحشين كما صور لنا الوهم والخيال، إنما هم يرتدون ملابس بلغت من البساطة ~~والنظافة والجمال حدا بعيدا، ويلوح الذكاء المشتعل على مخايلهم. وقد شاءت أخلاقهم ~~الكريمة النبيلة أن يسمحوا لنا بالنزول في أرضهم، والمكث بين ظهرانيهم، على الرغم من أن ~~حكومة بلادهم تحرم الهجرة إليها تحريما قاطعا، ولكن أبت رجولتهم العالية أن ترى المرض ~~ينشب أظفاره في الملاحين، ولا ترضى بالبقاء حتى يأذن لهم الله بالبرء والشفاء. # نزل الراكبون إلى الجزيرة ريثما تتم لأولئك المرضى العافية، وفيما هم كذلك، أخذ الأصحاء ~~منهم يجوبون أنحاء الجزيرة، ويجوسون خلالها فيكشفون فيها كل يوم سرا جديدا من أسرار تلك ~~الأرض العجيبة، أرض أطلانطس الجديدة، وقد حدثهم أحد أهليها أنه «كان يسيطر على الجزيرة منذ ~~ألف سنة ملك لا تزال ذكراه مقدسة عند الجماعة كلها ... واسم ذلك الملك سليمان. وإنما نزل من ~~نفوسنا هذه المنزلة الرفيعة؛ لأنه وضع لأمتنا أساس اجتماعها وقانونها، فلقد كان ذا قلب كبير ~~... ولم يكن يفكر إلا في توفير السعادة لأمته وشعبه.» ومن أعماله المجيدة، بل لعله أعظم ~~أعماله كلها، إنشاء هذه الهيئة التي نسميها «بيت سليمان» وهو أرقى ما شهدته الأرض من ~~نظم. # وما بيت سليمان هذا الذي يشير إليه الرجل؟ إنه يقوم ms044 في أطلانطس الجديدة بما يقوم به ~~البرلمان في لندن، فهو مقر حكومة الجزيرة، ولكنها حكومة ليس بين أعضائها سياسيون، وليس في ~~البلد أحزاب، فلست ترى مثل هذه الضجة الصاخبة التي تلازم عملية الانتخاب، فالطريق المؤدية ~~إلى أوج الشهرة العلمية مفتوحة أمام الجميع، وليس يظفر بوظائف الدولة إلا من سار في تلك ~~الطريق من أولها إلى آخرها. إنها حكومة الشعب للشعب يديرها صفوة منتخبة من الشعب، هي حكومة ~~يملك زمامها رجال الفن والمهندسون والفلكيون وعلماء طبقات الأرض والنباتيون والأطباء ~~والكيماويون والاقتصاديون وعلماء الاجتماع والنفس، ثم الفلاسفة، وهي حكومة لا تصب سلطانها ~~على الإنسان، إنما توجه حكمها إلى الطبيعة التي فرضت دراستها على الإنسان فرضا، فرضها الله ~~الذي «وضع الدنيا في قلوب الناس.» ويعني بهذه العبارة أن الله قد كون عقل الإنسان، بحيث ~~يستطيع تصوير الكون كما تستطيع العين رؤية الضوء. قال محدثنا: «إن الغاية من حكومتنا إنما ~~هي معرفة الأسباب والحركات الكامنة في الأشياء، وتوسيع نطاق مملكة الإنسان.» وهذه العبارة ~~هي خلاصة الكتاب كله، بل هي حجر الزاوية من فلسفة بيكون بأسرها، أعني أن يشتغل حكام الدولة ~~بدراسة الطبيعة ليستخدموها لخير الإنسانية ونفعها، فيدرسون أفلاك السماء ونجومها، ويحاولون ~~استخدام قوة الماء الساقطة في إدارة الأرحاء، ويدرسون ما ينتاب الإنسان من أمراض وكيفية ~~الوقاية منها، ويبحثون في استنباط أنواع جديدة من الحيوان وأنماط من النبات، وغير هذا وذاك ~~من ألوان الدراسة التي تعود على الناس بالخير الوفير. قال الرجل: إن رجال الحكومة في هذا ~~البلد لا يدخرون وسعا في محاولة تقليد طيران الطير، حتى أخضعوا أجزاء الفضاء لسلطان ~~الإنسان، وإن لنا بفضلهم لسفنا تسبح مع الحوت تحت أغوار الماء ... وتنتج جزيرتنا ما تستهلكه ~~وتستهلك ما تنتجه، فلا مبرر أن تزج برجالها في معمعان الحروب من أجل الأسواق الخارجية ~~وترويج التجارة ... ويقضي نظام الجزيرة أن تبعث إلى البلدان الأجنبية طائفة من علمائها ~~يتبدلون مرة في كل اثني عشر عاما، وهؤلاء يزورون شعوب الأرض قاطبة، فيتعلمون لغاتهم ~~ويدرسون علومهم وصناعاتهم وآدابهم، ثم يعودون إلى ms045 بلادهم يحملون إليها ما أفادوه في رحلتهم ~~حيث يتقدمون به إلى رجال «بيت سليمان» لتمحيصه وتطبيق النافع منه في بلادهم، وبهذا تستطيع ~~أطلانطس الجديدة أن تسرع الخطا نحو الكمال المنشود. # تلك صورة مقتضبة موجزة يقدمها لنا «بيكون» عن المدينة الكاملة كما تخيلها وتمناها، وإنه ~~ليلهج فيها بما حلم به الفلاسفة جميعا: شعب يقوده حكماؤه في رخاء وفي سلم، لا تشوبه شائبة ~~من حرب أو قتال، يتمنى «بيكون» كما تمنى قبله كثير من الفلاسفة أن يسود العلم بدل السياسة، ~~وأن يتربع العالم الفيلسوف على عرش الملك والسلطان. # نقد «بيكون» # تصدى كثيرون لنقد طريقة «بيكون»، ولكن كان أعنفهم وأقساهم جميعا اللورد ماكولي الكاتب ~~الإنجليزي المشهور، فقد تناول طريقة «بيكون» بالنقد والتجريح حتى لم يبق له شيئا من ~~الفضل، فهو يتساءل: هل أتى بيكون للإنسانية بجديد مبتكر؟ ألم تكن طريقته الاستقرائية التي ~~ملأ بها الدنيا صياحا معروفة منذ أقدم العصور، بل منذ كان الإنسان على وجه الأرض إنسانا ~~مفكرا عاقلا؟ إنه لعمر الحق لم يزد في دستوره العلمي الجديد على «تحليل لما يعمله الناس ~~جميعا من الصباح إلى المساء.» ويسوق ماكولي لذلك مثلا فيقول: يحس الرجل الساذج مرضا في ~~معدته، وهو لم يسمع قط باسم بيكون، فتراه يسير وفق القواعد التي يذكرها «بيكون» على أنها ~~طريقة جديدة للبحث، حتى يقتنع بأن الفطير الذي أكله يوم كذا قد كان سبب علته: «لقد أكلت ~~فطيرا في يوم الاثنين ويوم الأربعاء، فأرقني عسر الهضم طول الليل (هذه الخطوة توافق مرحلة ~~الإثبات عند بيكون)، ولكني لم آكل فطيرا في يومي الثلاثاء والجمعة، فكنت سليما معافى (هذه ~~هي مرحلة النفي)، وقد أكلت منذ يوم الأحد قليلا جدا، فأحسست في المساء ألما خفيفا، غير ~~أني يوم عيد الميلاد لم أكد آكل في طعام الغداء إلا فطيرا، فمرضت مرضا أشرف بي على الخطر ~~(مرحلة المقارنة). ويستحيل أن يكون ذلك ناشئا عما شربته من نبيذ؛ لأنني أشرب النبيذ كل يوم ~~منذ أعوام طوال فلم يصبني منه أذى (مرحلة العزل).» وهكذا يسلك ms046 الأمي الجاهل في شئون حياته ~~اليومية نفس الطريق التي رسمها «بيكون»، ولهذا لا يتردد «ماكولي» في الحكم على طريقة ~~«بيكون» بالتفاهة وقلة الخطر، وأن صاحبها قد أسرف في تقديرها إسرافا جاوز كل حد ~~معقول. # ولكن ماكولي قد غلا في نقده غلوا شديدا، فليس يستطيع الرجل الساذج أن يصطنع في حياته ~~الاستقراء بهذه الدقة، وإن هذا المثل الذي ساقه للرجل الجاهل لأرفع جدا وأدق جدا مما ~~يستطيعه عامة الناس. ومن جهة أخرى فإن الاستقراء الذي ضرب له مثلا لأقل جدا مما يريده ~~«بيكون» بطريقته، فإن «بيكون» لا يكفيه هذا الطريق المعبد الممهد، بل إنه في مثل هذه الحالة ~~يفرض أسبابا عدة غير النبيذ مما قد يكون سببا في علة المعدة التي عزاها الجاهل إلى الفطير ~~بعد أن تبين له أنها لم تكن من النبيذ. فلم لا يكون السبب لون آخر من ألوان الطعام؟ ولم ~~لا يكون سوء الطهي، ولم لا يكون السرعة في تناول الطعام، ولم لا يكون ناشئا عن حزن ألم ~~بالرجل عند الغداء؟ إن طريقة «بيكون» تشترط في البحث سلسلتين من التجارب: تكون الأولى ~~بالاستمرار في أكل الفطير، ثم استبعاد ألوان الطعام الأخرى واحدا بعد واحد في كل وجبة من ~~وجبات الطعام، ففي يوم الاثنين مثلا يتناول الرجل غذاءه إلا السمك، ويتناول يوم الثلاثاء ~~نفس الغذاء إلا اللبن، ويوم الأربعاء يستبعد النبيذ، وهكذا يستثني في كل يوم نوعا واحدا ~~فقط، فإذا ظل يلازمه سوء الهضم في الحالات كلها، حق له أن يحكم بأن السمك وحده أو اللبن ~~وحده أو النبيذ وحده لم يكن سببا في مرضه، ولكن إن لم تكن هذه الأنواع سببا في المرض وهي ~~فرادى، فقد يؤثر الواحد منها حين يشترك مع آخر، وإذن فينبغي أن يتابع الرجل تجاربه فيواصل ~~أكل الفطير، ثم يستبعد ألوان الطعام زوجا زوجا، وبعد ذلك يستبعدها ثلاثة ثلاثة، ثم يأكل ~~الفطير وحده عدة أيام، فإن لازمه سوء الهضم حق له أن يرجح (يرجح فقط دون أن يقطع) أن الفطير ~~هو سبب المرض. ms047 # هنا ينتهي جانب من جوانب البحث، ولا بد للرجل أن يستأنف التجربة على نحو آخر، فيحذف ~~الفطير في كل مرة، ويقلب الصنوف الأخرى حذفا وإضافة بكل صورة ممكنة، مع إدخاله في تجاربه ~~ظروفا مختلفة تحيط بالأكل، فيوما يتغذى بعد مشي طويل، ويوما بعد ركوب كثير، ويوما في ~~جو من المرح والسرور، ويوما في هم وحزن، وتارة يأكل في سرعة، وطورا في بطء، وهكذا يظل ~~يجرب مئات ومئات ومئات من الحالات مع حذف الفطير في كل حالة منها، فإذا وجد أن مرضه قد ~~امتنع في تلك الحالات جميعا على اختلاف ظروفها انتهى إلى نتيجة محققة: هي أن الفطير هو ~~العلة في سوء الهضم بغير شك. ~~••• # يعتقد «بيكون» أن العلم وسيلة لغاية عملية في حياة الإنسان، «العلم قوة» وهو أطول القوى ~~بقاء، فيستطيع الإنسان أن يكون سيد الطبيعة بفهم كنهها الحقيقي فهما صحيحا. وعنده إذن أن ~~دراسة العالم الخارجي لا تقصد إلا لكي تعين العقل البشري على فرض سيادته على ~~الطبيعة. # وقد كان «بيكون» بهذا القول يعبر عما كان يتردد في خواطر الناس؛ إذ نهضت عدة عوامل تدل ~~الإنسان على أن سيادته على الطبيعة ممكنة ميسورة، منها: استكشاف القارة الجديدة، واختراع ~~البوصلة، والبارود، وفن الطباعة. هذا وقد كشفت لهم المناظير المكبرة عن خفايا السماء ~~وألغازها، وبدأ كل شيء يسلم زمامه لعقل الإنسان. ولا بد للإنسان أن يتخذ من العلم رائدا ~~يهديه سواء السبيل في تجوابه في أنحاء الطبيعة. # بهذه النزعة العملية تفوق «بيكون» على الفلسفة المدرسية التي لا تؤدي إلى شيء، ولكن ~~الفلسفة كان يتهددها خطر على يديه، وهو أن تزيح عن كاهلها خدمة الأغراض الدينية؛ لكي ترزح ~~تحت عبء آخر هو خدمة الأغراض العملية. # والواقع أن ثمار المعرفة لا تنضج إلا حيث تكون المعرفة وحدها هي الغرض المنشود، وإن ما ~~وصلت إليه أذهان الفلاسفة من الحقائق الطبيعية التي كانت فيما بعد أساس العلم الطبيعي، ~~والتي بفضلها أصبح هذا العلم عماد المدنية الإنسانية، إنما جاء نتيجة رغبة هؤلاء الفلاسفة ~~في تفهم الطبيعة ms048 ونظامها، لا لأنهم يريدون إصلاحا عمليا من وراء ذلك الفهم، بل يريدون ~~إشباع عقولهم فحسب. # هذا هو «بيكون» الذي يكاد يجمع المؤرخون على أنه لا يدانيه إلا أرسطو في شمول النظر ~~واتساع الفكر، حتى وسع العالم كله، وحتى اتخذ من الكون كله ميدانا لدراسته، ولم يكن يطمع ~~«بيكون» إلا في أمنية واحدة هي أن يسود الإنسان الطبيعة، وهو في ذلك يقول: إن الناس من حيث ~~مطامعهم ثلاثة رجال: فرجل يطمع في أن يبسط سلطانه على أمته، وهو أوضع الثلاثة جميعا، وآخر ~~يطمع في أن ينشر نفوذ بلاده على أمة أخرى، وهو أسمى من الأول وأنبل، وثالث يطمع في أن يجعل ~~الجنس البشري سيد الكون، وهو أشرف من سابقيه وأرفع. # ولا شك أن «بيكون» كان من هذا الضرب الأخير. ~~(1-2) توماس هوبز # Thomas Hobbes # ولد توماس هوبز في مالمسبري # Malmesbury # بإنجلترا عام 1558م، وكان صديقا لبيكون، وبن ~~جونسون، وغيرهما من أعلام الفكر في إنجلترا عندئذ، وقد تلقى دراسته في الرياضة والعلوم ~~الطبيعية في باريس، فتعرف بجاسندي # Gassendi # وديكارت، وكان هوبز من أشد الناس حماسة في تأييد ~~«الفلسفة الآلية» الجديدة التي كان يذيعها كبلر وكوبرنيك وجاليليو وغيرهم من رجال العلم. ~~أما أشهر مؤلفاته فرسالة عنوانها «في الطبيعة البشرية»، ثم كتابه المشهور «التنين # Leviathan ~~». وكانت وفاته عام 1679م. # يعرف «هوبز» الفلسفة بأنها فهم النتائج أو ظواهر الطبيعة بالرجوع إلى أسبابها، أو هي فهم ~~هذه الأسباب نفسها بما نستنبطه من النتائج التي تقع تحت ملاحظتنا استنباطا صحيحا. وأما ~~الغاية المقصودة من الفلسفة فهي أن تمكننا من التنبؤ بما سيحدث من نتائج، وبهذا نستطيع أن ~~نستغلها في حياتنا العملية. ويرى «هوبز» أن كل ما نحصله من معرفة إنما جاءنا عن طريق الحواس ~~بما ينطبع عليها من آثار انبعثت من الأشياء الخارجية، ثم هذه الآثار المنبعثة تنشأ من ~~حركات معينة تطرأ على الأجسام المادية الموجودة في العالم الخارجي، وإذن فأصل المعرفة تحرك ~~المادة في المكان. ولما كان واجب الفلسفة أن تدرس المعرفة وكيفية تحصيلها، كان لزاما ms049 عليها ~~أن تحصر مجهودها في دراسة الأجسام المادية وحدها، أما كل ما عدا المادة من روحانيات فينبغي ~~أن نتركها للوحي والإلهام، ولا يجوز لنا أن نخلط بين العقيدة والعقل، فحيث ينتهي الثاني ~~تبدأ الأولى، وحيث ينتهي العلم يبدأ الإيمان. # ويرى «هوبز» أن العالم يتكون من أجسام طبيعية، وأجسام سياسية، أي من الأشياء والناس، ~~ولذلك ترى فلسفته تنقسم شعبتين هما: الفلسفة الطبيعية التي تبحث في الأشياء وتكوينها، ~~والفلسفة المدنية وتبحث في المجتمع ونشأته، وهو في كليهما مادي يرى أن الطبيعة والمجتمع ~~يتألفان من جزئيات تراكمت، فتكونت منها الأجسام طبيعية كانت أم سياسية. # وتظهر نزعة «هوبز» المادية ظهورا جليا في نظريته السياسية وهي أهم جوانب فلسفته؛ إذ ~~يذهب إلى أن الدولة إنما تتألف من ذرات اجتمع بعضها إلى بعض، فكان من اجتماعها الدولة، كما ~~تتراكم الذرات المادية، وتتلاحق فتكون الأجسام، وكما أن العالم الطبيعي يعتمد في تكوينه على ~~الحركة التي بين أجزائه وما فيها من جذب ومقاومة، كذلك المجتمع لم يقم إلا على أساس من ~~الحركة والمقاومة بين الأفراد، فقد كانت الإنسانية في حالتها الطبيعية الأولى في عراك متصل ~~عنيف، لا ينقطع بين أفرادها، ولهذا كان احتفاظ الإنسان بذاته هو الخير الأسمى، وكان الموت ~~هو أبغض الشرور، وقانون الطبيعة هو أن تقوي الجانب الأول من الإنسان، وأن تعاونه على اجتناب ~~الموت. # كان الناس في حالتهم الفطرية الأولى لا يذوقون للسلم طعما، ولا ينفكون يتنازعون ~~ويتقاتلون، وينظر كل فرد إلى الآخر نظرة ملؤها الخوف والشك، فلم يجدوا بدا من التعاهد ~~والتعاقد فاتفق الجميع، على أن يتنازل كل إنسان عن جزء من حريته المطلقة، فتصبح مقيدة بصالح ~~المجموع، وأن يحدد من مطالبه، فلا يحاول أن يظفر بكل ما يشتهي، هذا التعاقد بين الأفراد هو ~~أساس الاجتماع والقاعدة التي تقوم عليها الدولة، ولكن هذا التعاقد لا يمكن تنفيذه وتحقيقه ~~إلا إذا خضع الجميع لفرد واحد منهم تتمثل في شخصه الدولة كلها، وتكون إرادته هي القانون ~~النافذ، وليس الصواب والخطأ، والخير والشر، والفضيلة والرذيلة، إلا ما ms050 تريده هذه القوة ~~الحاكمة، ويستحيل أن يسود النظام في جماعة، وأن يطرد لها تقدم ورقي، إلا إذا وقر في نفوس ~~الجميع أنهم يفيدون خيرا باحترامهم لرئيسهم الأعلى وخضوعهم له. # فأنت ترى من هذا أن نظام «هوبز» السياسي هو نتيجة مباشرة لنظريته المادية، إذ يصور لنفسه ~~الدولة آلة عظيمة هي كل شيء، ولا يكون فيها للأفراد حرية الرأي ولا إملاء للضمير، بل وتستحق ~~فيها كل عقيدة دينية تتعارض مع ما تراه الدولة حقا وخيرا، وهذا التصور للدولة يقابل رأيه ~~في الكون بأنه يسير سيرا آليا، وكل ما يقع فيه يسير بقوة مادية. # ويسمي «هوبز» الدولة «بالتنين الجبار» # The Great Leviathan ~~؛ لأنها تبتلع في جوفها كل ~~الأفراد الذين تنمحي شخصياتهم وإرادتهم أمام شخصيتها وإرادتها، وإنما دفع «هوبز» إلى هذه ~~الآراء السياسية ما قام في عهده من صورة زلزلت عرش الملكية في إنجلترا، وأقامت على أنقاضها ~~جمهورية رئيسها «كرومول» زعيم الثوار، فأجاب «هوبز» على تلك الحركة بفلسفته الاجتماعية ~~التي تقرر للملك قوة مطلقة، وتلغي كل إرادة للأشخاص، وتنكر على الأفراد حق المعارضة والثورة ~~على ولي أمرهم. # الدولة عند «هوبز» هي كل شيء، فلا دين إلا ما ترضاه الحكومة، ولا حقيقة إلا ما ينادي به ~~السلطان، وليست تقاس قيم الأعمال إلا بشيء واحد هو قانون الدولة الذي يفرضه الملك فرضا، ~~ولا يرى «هوبز» أن في الإنسان ضميرا يصح الركون إليه في الحكم على الأعمال والأشياء. إن ~~الدين والأخلاق هما من صنع الدولة وإنشائها؛ إذ الإنسان الطبيعي لا يعرف إلا أنانية محضة، ~~فالخير عنده هو ما يريده ويرغب فيه، والشر هو ما يضره ويؤذيه، وإذ كانت الدولة هي مصدر ~~الدين والأخلاق جميعا، فلها وحدها حق الإشراف عليهما. # ومما هو جدير بالذكر في هذا الصدد ما بين هوبز وروسو من شبه في نظرية العقد الاجتماعي، ~~فكلا الفيلسوفين يرى أن الدولة أساسها تعاقد بين الأفراد، ولكنهما يختلفان أشد الخلاف فيما ~~يترتب على هذا الأساس من نتائج، فبينما «هوبز» يذهب إلى أن حالة الإنسان الطبيعية كان ~~قوامها النفور ms051 والعداء بين الأفراد، وأنهم إنما تعاقدوا ليأمن الإنسان شر أخيه. ولكي يتمكن ~~الفرد من الاحتفاظ بذاته دون أن يتعرض في كل ساعة إلى خطر الموت، إذا «روسو» يرى أن الناس ~~ليسوا بطبيعتهم أعداء متناكرين، ولكنهم على نقيض ذلك، إذ هم بفطرتهم متحابون متآلفون، ولقد ~~تعاقدوا على الاجتماع؛ لكي يوحدوا جهودهم في رقي الإنسانية وكمالها. كذلك يذهب ~~«هوبز» إلى أن القوة هي الحق. ولما كانت القوة كلها متركزة في شخص الملك، كان الملك مطلق الإرادة ~~لا يحد من سلطانه شيء، ومعنى ذلك أن الحكومة عند «هوبز» يجب أن تكون ملكية مطلقة، أما ~~«روسو» فيرى أن الناس إنما تعاقدوا على أن يتمتع كلهم بحقوق متساوية وواجبات متساوية، لا ~~يمتاز منهم فرد على فرد، وإذن فالحكومة عنده يجب أن تكون ديمقراطية، وأن يكون للناس حق ~~إسقاط الحكومة إذا حادت عن جادة السبيل؛ لأنهم مصدر القوة كلها. ~~(1-3) رينيه ديكارت # René Descartes ~~(1596-1650م) ~~(1) حياته وكتبه # ولد رينيه ديكارت في تورين # Touraine ~~، وكان أهله من ذوي الغنى واليسار، ولما شب وترعرع ~~أدخله ذووه مدرسة اليسوعيين في «لافليش # La Fléche ~~» التي كان أسسها هنري الرابع قبل ذلك ~~بعهد قريب، ولكنه لم يلبث أن غادرها كارها ناقما، وكأنه لم يفد من ذلك المعهد إلا ~~الازدراء لما كان شائعا حينئذ من نظم فلسفية، فلقد عجز الفلاسفة عن حل المسائل التي أخذوا ~~أنفسهم بحلها، واختلفوا فيما بينهم اختلافا بلغ من الحدة أنك لا تكاد ترى بينهم رجلين ~~اثنين على اتفاق في الرأي، ولقد حمله ذلك العجز وهذا الاختلاف «ألا يروي ظمأه من غدرانهم.» ~~يقول ديكارت: ~~«لم تكد تسمح لي سني بالإفلات من رقابة معلمي، حتى هجرت دراسة الآداب هجرا قاطعا، ~~وأزمعت ألا أنشد من العلم إلا معرفة نفسي، أو الإلمام بسفر الكون العظيم، فأنفقت ما بقي من ~~عهد الشباب، في الارتحال: أزور الملوك في قصورهم، وأنخرط في سلك الجيوش، وأبادل الحديث ~~رجالا من ذوي المناصب المتفاوتة والطبقات المتباينة، وأجمع من التجربة ألوانا شتى، ولقد ~~كنت أغوص بفكري فيما أصادف ms052 من تجارب لعلي أفيد علما جديدا.» # رينيه ديكارت. # هكذا لبث «ديكارت» يجول في البلاد، ولا يستقر في مكان، فيلتحق بخدمة الجيش مرة، ويدرس ~~الرياضة طورا، ويحاور رجال العلم النابهين تارة، حتى بلغ من عمره الثالثة والثلاثين، فألقى ~~عصا تسياره في هولندا، وكان له من الثروة الموروثة عن أبيه ما يهيئ له أسباب العيش. ولبث في ~~هولندا عشرين سنة، اعتزل خلالها الناس، وأخفى عنهم محل إقامته حتى لا يزعجه في وحدته ~~الهادئة أحد من مئات المعجبين به الذين كانوا يودون زيارته من كل صوب. # وفي سنة 1649م أرسلت في طلبه الملكة كرستينا، ملكة السويد (ابنة جوستاف أدولف) فلبى ديكارت ~~دعوتها، ولم تكد تصل به السفينة إلى أرض السويد، حتى أرسلت الملكة إلى ربانها تستنبئه كيف ~~كانت حالة الفيلسوف في طريقه إلى بلادها. فأجاب الرجل: «لست أحسبه يا سيدتي إنسانا من ~~البشر، فإن من جئت به إلى جلالتك اليوم لأقرب إلى مرتبة الآلهة. إنه زودني من العلم في ~~ثلاثة أسابيع في شئون الملاحة والرياح أكثر مما تعلمت في ستين سنة أنفقتها في ~~البحار.» # وشاء الله أن تكون زيارة الفيلسوف لملكة السويد سببا في موته، فقد كانت كرستينا - وقد ~~عرفها التاريخ بالنشاط الجم والحيوية المتوثبة - تستيقظ في الصباح المبكر، وكانت تأبى إلا أن ~~يكون درس الفلسفة في تلك الساعة المبكرة، فلاقى ديكارت من هذا الأمر المتعسف ما لاقى من مرض ~~وعناء، إذ كانت عادته أن يستيقظ مع الضحى، ويظهر أنه قد كانت بنيته لا تقوى على برد الصباح ~~القارس الذي كان يقاسيه في طريقه إلى القصر، فأزمع مغادرة السويد، ولكن الملكة ألحفت في ~~بقائه، فأصابه برد الشتاء بعلة في رئتيه أودت بحياته سنة 1650م في اليوم الحادي عشر من ~~فبراير، وكانت سنه قد بلغت الرابعة والخمسين. # أما أشهر مؤلفاته فهو كتاب «العالم # Le monde ~~»، لم يكد يفرغ من كتابته حتى جاءه نبأ اتهام ~~البابا لجاليليو لنظريته الفلكية، وكان كتاب ديكارت قائما على أساسها، فذعر وهم بتمزيقه، ~~ولكنه ضن به فأبقاه على أن يظل ms053 من غير نشر. وفي سنة 1638م نشر «مقالات فلسفية». وقد ألحق ~~بهذا الكتاب ثلاث رسائل تطبيقا على ما جاء به من نظريات، وعلى الرغم من أن «ديكارت» قد ~~أصدر هذا الكتاب، وملحقاته الثلاثة غفلا من اسمه، إلا أن أحدا في أوروبا لم يرتب في أن ~~مؤلفه هو «ديكارت» وفي سنة 1641م أصدر مؤلفه «تأملات في الفلسفة الأولى» كتبه باللاتينية، ~~وهو أهم كتبه كلها، وقد تداوله كثير من العلماء قبل طبعه، وأبدوا بعض اعتراضات عليه، فنشرها ~~ونشر رده عليها مع الكتاب نفسه، ثم أخرج بعد ذلك كتاب «المبادئ الفلسفية» كتبه باللاتينية ~~ايضا، وله كتب أخرى غير ما ذكرنا. ~~(2) فلسفته ~~(1) # إثبات وجود الذات: # يقول «ديكارت» إننا نلاحظ كيف يختلف الناس في أفكارهم وآرائهم، ~~وكيف تخدعنا الحواس في كثير من الأحيان، فيبعث الشيء الواحد شتى الصور في الظروف المختلفة، ~~مما يتعذر معه معرفة أي هذه الصور الذهنية صحيح مطابق للواقع، وأيها خطأ وباطل. فإذا كان ~~العقل البشري بحكم تكوينه معرضا للخطأ. وإذا كانت الحواس بطبيعة تركيبها خادعة لا تؤتمن ~~فيما تنقله إلينا من علم. فليس لنا بد من الشك في أحكام العقل، وفي الآثار الحسية جميعا. ~~لا نستثني من هذه أو تلك شيئا حتى ما يبدو منها بديهيا لا يحتمل الريب ... فنحن نعلم فيما ~~نعلم أن هنالك عالما مليئا بأنواع المادة، فثمة سماء وماء وأشجار وأحجار وصنوف من الحيوان ~~والنبات، ولكن أليست هي الحواس التي أنبأتنا بوجود هذه الطبيعة بكل ما فيها؟ فلنشك في ~~وجودها إذن لأن الحواس غاشة خادعة. ونحن نعلم فيما نعلم أن ثمة إلها يدير الكون ويدبره، ~~وقد عرفنا وجود الله بوساطة العقل، ولكن العقل كثيرا ما يؤدي بنا إلى الخطأ والزلل. وإذن ~~فلنشك في وجود الله، وما دمنا قد شككنا في وجود الطبيعة وفي وجود الله، فقد انهدم علمنا ~~بأجمعه وانمحى؛ لأنك لو حللت معلوماتك كلها لوجدتها مستمدة من هذه المصادر وتدور حولها، ~~ولكني مهما شككت وقضيت على كل شيء مما أعلم، فستبقى لي حقيقة واحدة تبقى أمام الشك ms054 الجارف، ~~وستظل ثابتة لا تميل أمام عاصفة الإنكار التي اكتسحت كل شيء، بل إنها ستزداد يقينا كلما ~~أمعنت في الشك والإنكار، وتلك الحقيقة هي أن هناك ذاتا تشك فإن من الشك نفسه تتولد حقيقة ~~لا سبيل إلى الطعن في ثبوتها ويقينها، هي وجود الشخص الذي يشك، فلأتصور ما شئت أنني مخدوع ~~في وجود الأشياء الخارجية، ولأرفض ما شئت فكرة وجود الله، ولكني مضطر إلى التسليم بوجود ~~نفسي؛ لأنني لكي أخطئ في هذا، وأنخدع في ذاك. يجب أولا أن أكون موجودا. # نعم إني مهما ألححت في الشك فلن أشك في أني أشك، ولما كان الشك ضربا من ضروب التفكير، ~~إذن فلست أستطيع الشك في أني أفكر، وبديهي أنني لو لم أكن موجودا لما شككت أو فكرت، فما ~~دمت أفكر فأنا موجود ... وهكذا وضع ديكارت هذه القاعدة: «أنا أفكر فأنا إذن موجود.» واتخذها ~~أساسا أقام عليه فلسفته بأسرها. فمن وجود نفسه أثبت وجود الله، ومن وجود الله أثبت وجود ~~العالم الخارجي، كما سترى فيما بعد. # ومما تجب ملاحظته أن «ديكارت» حين أثبت وجوده من تفكيره، لم يثبت إلا ذاته المفكرة فحسب، ~~أعني أنه لم يثبت وجود نفسه، ولا ما يتصل بالجسم؛ لأنه استنتج من شكه وجود ذاته الشاكة أي ~~المفكرة. وفي ذلك قال «ديكارت» يعارض سانشيه # Sanchez # الذي يقول: «كلما فكرت ازددت شكا.» ~~بهذه العبارة: «بل كلما شككت ازددت تفكيرا، فازددت يقينا بوجودي.» # هكذا بدأ ديكارت بالشك الهادم، ثم انتزع من غمار الأنقاض التي قوضتها معاول شكه يقينا؛ ~~إذ أثبت أن ذاته المفكرة موجودة، لا ريب في وجودها، ثم قرر بعد ذلك أن كل قضية تبلغ من ~~الوضوح والتحديد ما بلغته قضية «أنا موجود» لا يجوز أن نرتاب في صدقها ويقينها. فمثلا لا ~~ينبغي أن نشك في هذه القضية الآتية: «إن الشيء لا يخرج من لا شيء.» لأنها بديهية تفرض نفسها ~~على العقل فرضا، فهي لا تقل صحة ويقينا عن وجود العقل نفسه. فإذا سلمنا بأن الشيء لا يخرج ~~من لا شيء، ms055 كان لزاما علينا أن نسلم بأن النتيجة لا يمكن أن تجيء أكبر من مقدمتها، أعني أن ~~المسبب يجب أن يكون أصغر من سببه، أو على الأكثر مساويا لسببه؛ لأن كل زيادة في المسبب ~~معناها أنها نشأت من لا شيء، وهو مناف للقضية التي سلمنا بها. ~~(2) # إثبات وجود الله: # لقد سلمنا فيما سبق أن الشيء لا يخرج من العدم، وأن النتيجة لا يمكن ~~أن تكون أعم من سببها، ولكنك إذا استعرضت أفكارك صادفت بينها فكرة ممتازة هي فكرة الكائن ~~اللانهائي، أعني أن في ذهنك صورة عن كائن لا نهاية له ولا حدود، فمن أين جاءتك هذه الصورة؟ ~~يستحيل أن تكون قد نبعت من نفسك؛ لأنها أوسع منك، فأنت على نقيضها كائن نهائي محدود. وبديهي ~~- كما سبق القول - ألا تجيء الصورة أشمل من أصلها، وألا يكون المسبب أكبر من سببه؛ لأنه ~~محال أن يتفرع الشيء من لا شيء. وإذن فلا يمكن أن ينشأ كائن لا نهائي مطلق من كائن نهائي ~~محدود. # إذن فمن أين جاءتك هذه الفكرة بعد أن أيقنت أنها لم تتفرع عن فطرتك؟ لا نحسبك مترددا في ~~أن تذهب مع «ديكارت » فيما ذهب إليه من أن هذه الفكرة اللانهائية الكاملة لا يمكن أن تنبعث ~~من الطبيعة البشرية الناقصة، بل لا بد لها من أصل يوازيها كمالا وعظمة؛ لضرورة التكافؤ بين ~~العلة والمعلول، ومن هنا كان حتما علينا أن نسلم بوجود إله جامع لكل صفات الكمال، هو الذي ~~خلق في الإنسان هذه الفكرة وألهمه إياها، وإذن فالله موجود، وليس في وجوده شك. # ويقيم «ديكارت» على وجود الله برهانا ثانيا فيتساءل: من ذا أوجدني؟ إنني لم أخلق نفسي ~~بنفسي، وإلا لوهبتني كل صنوف الكمال التي تنقصني الآن، كذلك لم يخلقني خالق ناقص؛ لأنه لو ~~كان كذلك لقامت أمامنا المشكلة بعينها. ومن ذا أوجد ذلك الخالق الناقص؟ إنه لم يوجد نفسه ~~وإلا لخلع على نفسه ضروب الكمال، فلم يعد إلا أن يكون خالقي إلها كامل الصفات. # هذا وإن استمرار وجودي ليحتاج كذلك إلى ms056 تعليل، إذ لا يكفي أن يخلقني الله أول مرة وكفى، ~~بل إني بحاجة إلى وجوده ليخلقني في كل لحظة خلقا جديدا. فالزمان يتألف من جزئيات زمنية ~~لا نهائية متعاقبة، ولا تعتمد البرهة الزمنية في وجودها على البرهة التي سبقتها بأي حال من ~~الأحوال، وعلى ذلك فكوني كنت موجودا منذ لحظة لا يجوز أن يكون سببا في وجودي الآن، وإذن ~~فيستحيل أن يستمر وجودي إلا إذا كانت هنالك قوة تخلقني في كل لحظة خلقا جديدا. ومعنى ذلك ~~أن مجرد وجودي دليل على وجود الله، وأن استمرار وجودي دليل آخر على وجوده، ولرب معترض ~~يقول: إن الله كذلك يستمر وجوده من لحظة زمنية إلى لحظة أخرى، فكيف استطاع أن يحتفظ بوجوده ~~أكثر مما نستطيع نحن البشر؟ وجواب ذلك أن الله كامل كمالا مطلقا، والكمال يقتضي دوام ~~الوجود. ولو لم يكن كذلك لأمكن للعقل أن يتصور كائنا أكمل منه. # وقد جاءت هذه البراهين التي أقامها ديكارت على وجود الله في عصر ساد فيه الشك، وتزعزعت ~~العقيدة الدينية في النفوس، فكانت خير باعث لهم على الإيمان. # وقد نقد «ديكارت» كثيرون منهم «جاسندي» # Gassendi ~~، فقد أنكر إمكان معرفة شيء عن الكائن ~~اللانهائي، وهو يرى أن فكرتنا عنه ناقصة محدودة، وعلى ذلك تكون براهين ديكارت التي بناها ~~على وجود فكرة اللانهائي قائمة على أساس متصدع. فأجاب ديكارت بأنه كما أن الرجل الساذج الذي ~~لا دراية له بعلم الهندسة يكون له إلمام بفكرة المثلث بصفة عامة، وإن لم يعرف من قوانينه ~~شيئا، فكذلك نحن نفهم اللامتناهي بوجه عام، وإن كنا لا نعرفه معرفة تفصيلية شاملة. ~~(3) # إثبات وجود الكون: # لقد رأينا فيما سبق كيف أثبت ديكارت وجود ذاته، ثم رأينا كيف ~~استنتج من وجود نفسه وجود الله - الله اللانهائي الذي لا تحده الحدود، والذي هو سبب نفسه ~~وخالق كل شيء، وذلك يتضمن أنه مطلق القوة، منزه عن النقص، متصف بكل ضروب الكمال؛ لأنه قادر ~~على أن يخلع على نفسه الكمال، وبديهي أنه يريد الكمال ما دام قادرا على ms057 بلوغه. وليس يعنينا ~~من كمالاته الآن إلا صفة الصدق. وما دام الله صادقا يستحيل عليه أن يكون سببا في تضليل ~~الإنسان وخداعه بأن يهبه عقلا مضللا يؤدي إلى الخطأ والزلل. فالصدق الإلهي كفيل لنا خير ~~كفيل أن يكون العقل الذي وهبنا إياه أداة قويمة صالحة، وأن يكون كل ما يفهمه العقل فهما ~~جليا واضحا حقا لا ريب فيه. وإذن فقد بات يسيرا علينا أن نقيم الدليل على وجود العالم ~~الخارجي، فقد كنا شككنا في وجوده لجواز أن تكون عقولنا خادعة تصور لنا الباطل حقا. أما ~~وقد أقمنا الدليل على وجود الله، وأثبتنا له جميع صفات الكمال ومن بينها الصدق، فيجب ألا ~~يعترينا الشك في وجود الكائنات الخارجية، إذ لو كانت وهما لترتب على ذلك أن يكون الله ~~خادعا؛ لأنه هو الذي أمدنا بتلك العقول الخادعة. # بدأ «ديكارت» بتكذيب عقله في كل ما يجيء به، وانتهى بتصديق عقله في كل ما يصل إليه، على ~~شرط أن تكون الفكرة التي يصل إليها العقل جلية واضحة. وهنا هاجمه النقاد هجوما عنيفا. ~~فقالوا: إن النتيجة التي وصل إليها «ديكارت» معناها أنه يستحيل علينا الخطأ ما دام العقل ~~صادقا في كل ما يقول، فأجابهم «ديكارت» بأن الخطأ لا ينشأ من نقص في العقل، بل من محاولة ~~الإنسان أن يبرهن على صحة ما لم يتضح له وضوحا كافيا، وإذن فالإنسان مسئول عن خطئه، وغلطه ~~ناشئ من خداع نفسه لنفسه. وكذلك توجه إليه النقاد بمأخذ آخر، فزعموا أنه يدور في تدليله في ~~حلقة مفرغة فينتهي من حيث بدأ؛ لأنه قال بادئ ذي بدء إن كل حقيقة تبلغ من اليقين مبلغ «أنا ~~موجود» - أي تعرف بالبداهة - تكون صدقا لا يجوز فيها الشك، وعلى هذا رتب وجود الله، ثم ~~استنتج من وجود الله وكماله أن كل ما يراه العقل في وضوح البداهة يكون حقا. وأنت ترى من ~~ذلك أن المقدمة التي استنتج منها وجود الله هي بعينها النتيجة التي استخرجها من وجود الله. ~~وعن ذلك أجاب ديكارت بأن هنالك ms058 فرقا في نوعي التفكير في كلتا الحالتين، فقد كان العقل في ~~الخطوة الأولى يعتمد على قضية بديهية بداهة مباشرة تفرض نفسها من غير تفكير فيها. وأما في ~~الخطوة الأخيرة، فإن العقل يعتمد في استنتاجه على التدليل؛ إذ أمكنه أن يبرهن على السبب ~~الذي من أجله صار العقل أساسا يركن إليه. ~~(4) # ثنائية الوجود: # لقد انتهى بنا ديكارت إلى إثبات وجود الكون، ولكن مم يتألف هذا الكون؟ ~~أهو عنصر واحد على الرغم من تعدد ظواهره وتباين ما فيه من أشياء؟ أم أن فيه من العناصر ~~الأساسية آلافا عدة؟ يجيب «ديكارت» إن كل ما نرى في الكون يرجع إلى عنصرين، فهو إما مادي ~~صفته الأساسية ملء حيز من المكان. وإما عقلي صفته الأساسية الشعور والإدراك. وهكذا ~~ينحل الوجود في رأي «ديكارت» إلى عنصرين أساسيين، هما المادة والعقل، أو إن شئت فقل هما ~~الجسم والروح، أما الأول فصفته المميزة له هي الامتداد، وأما الثاني فصفته الجوهرية هي ~~الفكر. # ومعنى ذلك أن كل ما تصادف في تجاربك من أشياء مادية مكون من عنصر بعينه مهما اختلف شكله ~~ومظهره، فجسم الإنسان والزهرة والماء والهواء والصخر، وما شئت من أجسام كلها متألف من عنصر ~~معين لا يختلف في هذا عنه في ذاك، وكل ما في الكون من عقول، (أو أرواح) متشابه أيضا، أعني ~~أنها جميعا عنصر واحد انبث هنا وهناك ... هذا وإن كل الأجسام تتصف بصفة واحدة مشتركة بينها ~~جميعا هي الامتداد، فإن اختلف بعضها عن بعض، فإنما يختلف في الأغراض الزائلة، كالشكل ~~والحجم والوضع والحركة، وكلها كما تلاحظ أعراض للصفة الرئيسية - صفة المكانية أو ~~الامتداد. # وكذلك كل العقول الفردية تتفق في الصفة الجوهرية وهي الشعور، فإن اختلفت وتباينت فما ذاك ~~إلا في أعراض هذه الصفة الأساسية المشتركة، كاختلافها في الأفكار والأحكام والأعمال ~~الإرادية. # وهذان العنصران - المادة والعقل - مختلفان أشد ما يكون الاختلاف، فيستحيل أن تتصف الأجسام ~~بصفة الفكر، كما يستحيل أن يتصف العقل بصفة الامتداد، وهكذا شطر «ديكارت» الوجود إلى شطرين ~~لا تجد الوحدة إليهما من ms059 سبيل، فهو اثنيني متطرف، وها نحن أولاء نتناول كل شطر منها ~~بالبحث. ~~(5) # الطبيعة المادية (الفيزيقا): # خصص «ديكارت» الجزء الأكبر من مجهوده «للفيزيقا» حتى إنه ~~كثيرا ما أطلق عليها في رسائله اسم «فلسفتي»، والغرض من دراسة الفيزيقا عند «ديكارت» أن ~~تعلل كل ما يصادفه الفكر من ظواهر الطبيعة، ولا يدخل في حسابها ما تأتينا به الحواس على أنه ~~صفات للأشياء الخارجية؛ لأن تلك الصفات الحسية (التي تأتي عن طريق الحواس) لا تدل إلا على ~~حالات الشخص الذي يحسها، وليس بينها وبين الأجسام التي تبعث فينا الإحساس من أوجه الشبه إلا ~~بمقدار ما بين الألفاظ وما تثيره في أذهاننا من معان، كذلك يجب على الباحث في ظواهر الطبيعة ~~ألا يأخذ بالصفات التي لا تتعلق بالجسم في ذاته، ولكنه يكتسبها من علاقته بشيء آخر، مثال ~~ذلك العدد والزمان وغيرهما، مما ليس إلا مجرد علاقات بين الأشياء. وأول ما يلفت النظر عند ~~التفكير في طبيعة الأجسام الحقيقية هو امتدادها طولا وعرضا وسمكا؛ لأن الامتداد - كما ~~سبق القول - هو الخاصية الجوهرية التي تتصف بها الأجسام المادية، وكل ما عداه من صفات ~~فأعراض لتلك الصفة الأساسية قد تلحق بالجسم، وقد تزول. وبما أن الامتداد معناه «المكان» إذن ~~تكون لفظتا المكان والمادة مترادفتين؛ إذ المادة والمكان منطبق أحدهما على الآخر، وفي قولنا ~~«مكان خال» تناقض؛ لأن المكان الذي يخلو من المادة ليس له وجود، بل إن المكان هو المادة كما ~~قلنا. وقد انتقد كثيرون هذا الرأي القائل بأن الجسم ليس معناه إلا المكان الذي يشغله، ~~فقالوا إنه لو صح هذا لاستحال حدوث التكاثف والتخلخل في الأجسام. فأجابهم «ديكارت» بأن ~~الإسفنجة حين تمتلئ بالماء لا يزيد امتدادها عنها وهي جافة. فالتخلخل والتكاثف لا يعنيان ~~إلا مثل هذه الظاهرة التي تحدث في الاسفنجة عند امتصاصها للماء أو جفافها. # ليس في الطبيعة المادية إلا أجسام تتصف كلها بصفة رئيسية مشتركة هي: الامتداد، وكل اختلاف ~~بين جسم وآخر هو في حقيقة أمره اختلاف في الحركة التي بين أجزائهما، فالله حين خلق ms060 العالم ~~المادي لم يزد على أن أوجد أجساما ممتدة، ثم أنشأ فيها حركة، ولما كان الله الذي أنشأ ~~الحركة في الأجسام غير قابل للتغير، وجب أن تكون النتيجة الناشئة عنه غير قابلة للتغير ~~أيضا. ولذا كان أول قوانين الطبيعة هو هذا: إن مجموع الحركة لا يزيد ولا ينقص. ومن هذا ~~القانون الأساسي تفرعت قوانين ثانوية هي: ~~(1) # إن كل جسم يحافظ على حالته التي هو فيها. ~~(2) # إن الجسم المتحرك يحافظ على اتجاهه الذي يتحرك فيه، وهو يتحرك في خط مستقيم ما لم ~~تؤثر فيه عوامل خارجية. ~~(3) # إذا اصطدم جسم متحرك بجسم آخر تغير اتجاه حركته. # ويقدم لنا ديكارت في كتابه «العالم # Monde ~~» صورة لخلق الكون: فقد بدأ الله عند خلقه للكون ~~بتقسيم المادة إلى أجزاء لا حصر لعددها، ذات حجوم مختلفة وأشكال متباينة، ثم بث في هذه ~~الأجزاء المادية مقدارا من الحركة - لم يزد عليه بعد ذلك شيئا، ولم ينقص منه شيئا - ثم ~~دفع الأجسام في اتجاهات مختلفة أشد الاختلاف، وتركها تأخذ مجراها الآلي. فمن المحتم أن ~~تتصادم هذه الأجسام لما بين مسالكها من تعارض وخلاف، فتتجمع طائفة منها، وتكون كتلة كبيرة ~~متماسكة، بينا تجد مجموعة أخرى من تلك الأجسام قد براها احتكاكها بالأجسام الأخرى حتى أصبحت ~~ذرات بالغة الصغر. # وطائفة ثالثة منها انقلبت هباء ناعما بلغ حدا من الدقة لا نهاية له، وهذا ما نسميه ~~بالأثير، وأجزاء هذا الأثير متصل بعضها ببعض أوثق اتصال، بحيث أصبح من المستحيل تفرقها ~~وانفكاكها. ومن هذا الأثير يتكون عنصر النار، ويطلق عليه «ديكارت» عادة اسم «العنصر الأول»، ~~ومنه تكونت في رأيه الشمس والنجوم. أما النوع الأول من المادة الذي سبق ذكره، والذي يتكون ~~من كتل ضخمة بتجمع الأجزاء بعضها إلى بعض، فيطلق عليه ديكارت اسم «العنصر الثالث» أو عنصر ~~التراب. والأجسام التي تكونت من هذا العنصر تكون إما سائلة أو صلبة تبعا لسهولة تحرك ~~ذراتها أو صعوبته، وبين عنصر النار وعنصر التراب يجيء عنصر آخر يطلق عليه ديكارت اسم ~~«العنصر الثاني» وهو الذي يتكون ms061 من ذرات صغيرة، وهو عنصر الهواء الذي منه تتكون ~~السماء. # وكل هذه الأجسام متحركة، فمن حركة العنصر الأول - الأثير - تنشأ الحرارة، ومن حركة العنصر ~~الثاني - الهواء - ينشأ الضوء واللون. هذا ولما كانت الأجسام تتحرك في مكان كله مليء ~~بالمادة، فإنه لا يكاد ينتقل جسم من موضعه حتى تندفع الأجسام المحيطة به لكي تملأ مكانه، ~~ومن هذه الحركة السريعة تنشأ حركة دائرية في الأجسام المندفعة كما يحدث في دوامة الماء، ~~وبهذا يعلل دوران الكواكب حول الشمس. # ولا يقصر ديكارت هذه الآلية على الأجسام المادية وحدها، بل إنه يطبقها كذلك على ~~الكائنات العضوية، إذ يعتقد أنها مجرد آلات تعمل عملا آليا محضا، فإذا وقف عملها كان ما ~~نسميه بالموت. ويرى «ديكارت» أن أصل الحياة الحقيقي هو الدم، فمن دورته تنشأ الحياة، وهو لا ~~يوافق «هارفي» # Harvey # في أن سبب الدورة الدموية انقباض جدران القلب؛ لأن هذا كذلك يحتاج إلى ~~تعليل، ولكنه يرجح أن يكون سببها ارتفاع حرارة القلب التي تدفع الدم إلى الرئتين في هيئة ~~بخار، وهناك يبرد الدم، ويتحول ثانية إلى سائل، ثم يعود إلى القلب؛ لكي ينتشر منه في ~~الشرايين، ومنها ينتقل إلى العروق بواسطة القنوات الشعرية # Cabillary canals ~~، ثم يعود أخيرا ~~إلى القلب. هذا وإن الدم الذاهب إلى المخ يصل إليه دافئا، فيعمل المخ على تبريده من ناحية، ~~ويكون له بمثابة المرشح من ناحية أخرى، فينقيه مما فيه من ذرات العنصر الثالث - أي عنصر ~~التراب - ويحولها إلى قوة حيوانية # Animal sdirits ~~، ويكون مستودع هذه الذرات التي منها يتولد ~~الجانب الحيواني من الكائن العضوي هي الأعصاب، فإذا ما تأثرت أطراف الأعصاب بأثر خارجي، ~~فإنها بفعل هذه القوة الكامنة فيها تهتز هزة موجية كما يحدث لقطعة من الخيط، فينتقل الأثر ~~بتأثير هذه الهزة إلى مركز في المخ معد لاستقبال الآثار الآتية من العالم الخارجي، ومن ~~ذلك المركز نفسه تصدر القوة التي تنقل الأوامر إلى الأعصاب، فتتحرك هذه تبعا لما يملى ~~عليها، ثم تحرك العضلات حركة تتفق مع الأمر الصادر لها من ms062 المخ جوابا للأثر الذي حملته ~~إليه من الخارج. فإذا رأى الحمل الوديع مثلا ذئبا ضاريا سارع مركز المخ بإصدار أوامره ~~إلى الأعصاب، فتهم هذه بتحريك عضلات أرجله، فيجري الحمل فرارا من الموت، وهكذا قل في كل ~~عمل يقوم به الحيوان، فإنها جميعا آلية محضة يحس بالمؤثر فيتأثر له ويجيب عنه، كما يخرج ~~صوت الآلة الموسيقية إذا نقرت عليها بإصبعك، وقد شاع بين أتباع «ديكارت» عادة غريبة، هي أن ~~يعذبوا الحيوان تعذيبا قاسيا؛ لكي يبرهنوا على أنهم يعتقدون حقا أنه آلة صماء لا أكثر ~~ولا أقل. # أما رأيه في الإنسان فهو آلي كالحيوان سواء بسواء، لولا أنه يمتاز بما فيه من عقل، ~~وسنتناول بالشرح هذا الجانب فيما يأتي: ~~(6) # فلسفة العقل: # أطلق «ديكارت» على مبحث العقل من فلسفته اسم «الميتافيزيقا»، وهي تعتمد ~~في بحثها على الفكر المحض الخالص بخلاف «الفيزيقا»، فإنها لا بد لبحثها من الخيال لكي ~~يوضحها ويجليها، وذلك مما جعل الميتافيزيقا أكثر دقة ويقينا من الفيزيقا، على الرغم من ~~أن الأولى علم تجريدي. ويقول ديكارت في رسالة كتبها إلى الأميرة إليصابات في 18 يونيو سنة ~~1643م: إنه بينما كان ينفق من وقته ساعات طوالا كل يوم في دراسة الرياضة (والرياضة معناها ~~الفيزيقا؛ لأن كليهما يبحث في الأجسام من حيث امتدادها في المكان)، فإنه لم يخص ~~الميتافيزيقا إلا ساعات في كل عام. ومع ذلك فقد استطاع أن يضع لها مبادئ اطمأن إلى صحتها، ~~واقتنع بما فيها من قوة ويقين. # كما تتميز الأجسام المادية بالامتداد، فإن العقل يتصف بالفكر، وهذا صحيح بالنسبة لكل عقل ~~بما في ذلك عقل الله؛ لأن عقل الله لا يختلف عن عقل الإنسان المحدود إلا كما يختلف العدد ~~اللانهائي عن اثنين أو ثلاثة. فصور لنفسك عقلا بشريا قد خلص من قيوده وحدوده يكن لك من ~~ذلك فكرة واضحة عن الله، والعكس صحيح، أعني إذا تخيلت الله وقد انحصرت في حدود، كان لك من ~~ذلك صورة للنفس الإنسانية، ولهذا السبب نفسه نستطيع أن نستنتج وجود الله من وجود عقولنا، ms063 ~~ولكنا لا نستطيع أن نستنتج وجوده من وجود أجسامنا، بل ولا من العالم الطبيعي بأسره، أكثر ~~مما نستنتج الأصوات من رؤية الألوان. # وكما أن الجسم يستحيل وجوده وإدراكه بغير امتداد؛ لأن الامتداد خاصته المميزة، كذلك العقل ~~يستحيل وجوده بغير تفكير، ونقصد بتفكير العقل مجرد شعوره بوجود نفسه، فالعقل دائم التفكير - ~~أي الوعي - كما أن الضوء دائم الإضاءة والحرارة دائمة السخونة. ولا يتردد «ديكارت» في ~~اعتقاده بأن الطفل يشعر بنفسه وهو في أحشاء أمه. ويسمي «ديكارت» كل الخلجات العقلية ~~أفكارا، وإذن فالعقل - حتى العقل الإلهي - هو عبارة عن سلسلة من الأفكار لا أكثر ولا أقل. ~~ويمكن تقسيم أفكار الإنسان من حيث وضوحها وغموضها إلى كاملة وناقصة (أي أن الفكرة الواضحة ~~هي التي اكتملت من جميع نواحيها، وأما الغامضة فهي التي ينقصها بعض أجزائها)، ومن حيث ~~مبعثها إلى أفكار كوناها بأنفسنا، وأخرى استعرناها من الخارج، وثالثة فطرية جبلت فينا منذ ~~الولادة. ومن حيث دلالتها إلى أعمال إدراكية منفعلة (قابلة) وأعمال إرادية (فاعلة). ومعنى ~~هذا أن هنالك بعض الأفكار تقتصر على مجرد الإدراك، وبعضها الآخر يتعدى دائرة الإدراك إلى ~~دائرة العمل، ولا يمكن أن يتم عمل إرادي بغير عملية الإدراك، أعني أننا ندرك الفكرة وتستقر ~~في أذهاننا مدة تقصر أو تطول، ثم نقوم بعد ذلك بتنفيذها، ولكن هناك عمليات إدراكية محضة لا ~~تبدو فيها الإرادة - أي لا نقوم بإخراجها عملا من الأعمال - ومعنى ذلك أن العمل الإرادي لا ~~بد أن يسبقه إدراك عقلي والعكس؛ أي قد تكون هناك إدراكات عقلية دون أن يصحبها عمل إرادي. ~~ولا يجوز للإنسان أن يحكم على تلك الإدراكات العقلية المحضة التي تخلو من أعمال الإرادة ~~بالخطأ أو بالصواب؛ لأن مجرد هذا الحكم يتضمن إقرارا أو إنكارا لها، والإقرار والإنكار من ~~أعمال الإرادة، فكأنك بهذا قد تدخلت بإرادتك في غير ميدانها. ويعتقد «ديكارت» أن وقوع ~~الإنسان في الخطأ - مع أن العقل أداة من عند الله ومفروض فيه الدقة والصدق - ناشئ من أنه لا ~~يقف عند ما رسمه الله له ms064 من حدود، أعني أنه يقحم إرادته فيما لا يجوز أن تتدخل فيه الإرادة، ~~وإن الإنسان ليجنب نفسه الخطأ لو أنه ضبط إرادته، ومنعها عن التدخل في عمليات الإدراك ~~العقلية بما تصدره من أحكام على تلك الإدراكات التي يجب أن تختفي فيها الإرادة اختفاء ~~تاما. فليس الخطأ في أن يدرك الإنسان ما شاء من صور ذهنية، إنما الخطأ كل الخطأ في أن ~~نتناول تلك الصور الذهنية بالحكم، فنؤكد أن هذه الصورة العقلية موجودة وجودا حقيقيا في ~~العالم الخارجي، وأن تلك وهم من اختلاق الذهن وهكذا. فلو فرضنا أنك تصورت في ذهنك فكرة ~~وهمية ليس لها نصيب من الصدق، فليس يسمى هذا خطأ، ولكن يبدأ الخطأ بأن تؤكد أن هذا الوهم ~~الذي في ذهنك له ما يطابقه في الواقع. نعم لو كان الإنسان لا يتصدى بالإثبات إلا لما يعرفه ~~معرفة جلية دقيقة واضحة لعصم نفسه من الخطأ، فهو وحده المسئول عن خطئه، ويستحيل أن تقع تبعة ~~أخطائنا على الله بحجة أنه أمدنا بعقول محدودة قاصرة، وأنه وهبنا في الوقت نفسه إرادة حرة ~~تستطيع أن تتعدى حدودها المفروضة، فتتناول بالتسليم والرضا ما يكون علمنا عنه ناقصا مهوشا ~~بسبب عجز العقل وقصوره. إنما التبعة في ذلك كله واقعة علينا نحن الذين نطلق العنان للإرادة، ~~فتنطلق إلى غير ميدانها. وبديهي أن الله نفسه منزه عن الخطأ؛ لأنه ليس بين أفكاره ما هو ~~غامض ناقص. # لقد ذكرنا فيما سبق أن الأفكار من حيث أصلها ومبعثها ثلاثة أقسام: أفكار كوناها ~~بأنفسنا، وأخرى اكتسبناها من العالم الخارجي، وثالثة فطرية فينا. فإذا أردنا أن نجنب ~~أنفسنا الخطأ، وجب فيما يتعلق بالنوع الأول أن نحذر غاية الحذر أثناء تكوين الفكرة، فلا ~~نحذف منها شيئا مما يكون جانبا من حقيقتها، بل لا بد أن نلم بأطراف الفكرة كلها؛ لكي ~~تكون كاملة؛ لأننا إن كوناها ناقصة، ثم سلمنا بها على نقصها وقعنا في الخطأ. ويضرب ديكارت ~~مثلا بفكرة الجبل، فيقول إنه لكي تتصور الجبل فلا بد أن تقرنه بالوادي أي بالمنخفض الأرضي ms065 ~~الذي نشأ تبعا لنشأة ذلك الجبل، وإلا كانت فكرتك ناقصة تبعث على الخطأ. # وأما فيما يتعلق بالأفكار المكتسبة من العالم الخارجي، فيجوز لنا أن نؤكد أن أفكارنا ~~تقابل أشياء واقعة في العالم الخارجي، ولكنا لا نستطيع أن نقطع في يقين أن الشيء الخارجي له ~~نفس الصفات التي تمثلها لنا فكرتنا عنه، فإن أردت أن تكون متثبتا من أحكامك، وجب عليك أن ~~تحذف من فكرتك عن الشيء تلك الصفات التي أضافتها حواسك، وأن تبقي فقط على الصفات التي ~~تتعلق حقا بالشيء الخارجي نفسه. فحكمي على هذا القلم مثلا بأنه أحمر خطأ؛ لأن اللون ليس ~~من صفات الشيء ذاته، إنما هو حالة خلقتها خلقا، فنحن إذن معرضون للخطأ إلى أن نقوم بتحليل ~~أفكارنا عن الأشياء الخارجية؛ لكي نفرق بين ما هو موجود في الشيء وجودا حقيقيا وبين ما ~~أضافته ذواتنا. # وأما النوع الثالث من الأفكار وهي الأفكار الفطرية، فلا يخشى منها ضرر؛ لأنها لا تؤدي إلى ~~الخطأ إطلاقا، فهي متصلة بطبيعة العقل اتصالا وثيقا، بحيث يستحيل فصلها عنه، فهي جزء ~~ضروري في تكوينه، أو إن شئت فقل هي القوة الفطرية التي بها يفكر العقل، فلا يمكن أن تكون ~~الأفكار الفطرية خطأ، ومن هنا كانت فكرتنا عن وجود أنفسنا وفكرتنا عن وجود الله صحيحتين؛ ~~لأنهما فطريتان، ولأنهما واضحتان جليتان تامتان أشد ما يكون الوضوح والجلاء والتمام. # هذا و«ديكارت» يقول بحرية إرادة الإنسان، ولكنه في الوقت نفسه يعتبر الإباحية - أي التخلص ~~من كل القيود - خمس مراتب الإرادة الحرة: وهو يقول إن من يكون علمه عن الله وعن الحقيقة ~~واضحا محددا، فإنه لن يتردد بتاتا في اختيار الحق، نعم هو حر فيما يختار، ولكنه لا بد أن ~~يختار الحق ما دام يعلمه علما صحيحا، وإن الحرية العليا والكمال الأسمى لينحصران في ~~العصمة من الخطأ بواسطة المعرفة الصحيحة، وهكذا يظهر المذهب السقراطي مرة جديدة في تاريخ ~~الأخلاق. ~~(7) # علم الإنسان # Anthrobology ~~: # الآن وقد فرغ ديكارت من البحث في الجانب الفيزيقي والجانب ~~العقلي من العالم، بقي له أن ms066 يتناول الإنسان بالدراسة؛ لأنه الملتقى الذي اجتمعت في شخصه ~~الشعبتان: الجسم والعقل، أو الامتداد والفكر، ولكنه لاقى في هذه الدراسة مشقة وعسرا؛ لأنه ~~كان قد أسرف وغالى في مذهبه الإثنيني الذي شطر به الوجود إلى عنصرين منفصلين: العقل ~~والمادة. وزعم أنه من المستحيل أن يتلاقى هذان الطرفان؛ لأنهما نقيضان، فكيف يفسر اتحادهما ~~وتلاقيهما في الإنسان؟ # العقل والمادة في رأي «ديكارت» جوهران منفصلان، وهما ضدان لا يجتمعان كالنار والثلج، أو ~~الأسود والأبيض، ولكنه لا يستطيع أن ينكر ما نشاهده من ارتباط عقل الإنسان وجسمه ارتباطا ~~يجعل منهما وحدة متماسكة متصلة، فكيف يمكن التوفيق بين مذهبه وبين ما نشاهده؟ يقول ديكارت: ~~إن العلاقة التي نراها في الإنسان بين العقل والجسم لا يمكن أن تعلل بشيء من طبيعتهما؛ ~~لأنهما ضدان متناقضان، فلم يبق إلا أن يكون اتحادهما هذا حقيقة خارقة أرادها الله على الرغم ~~من أنها لا تتفق مع طبائع الأشياء. # وتتم العلاقة بين العقل والجسم بواسطة جزء معين هو الغدة الصنوبرية Pineal Gland ~~، فعندها ~~تنتهي الآثار الواردة من الخارج التي تنتقل عن طريق الأعصاب، ومنها تصدر الأوامر للأعصاب ~~فتحرك العضلات فيتحرك الجسم. فهذه الغدة هي الوسيط بين الروح والجسم، تأخذ من الروح أمرها، ~~فترسله إلى الأعصاب فالعضلات، كما تتلقى من الأعصاب ما تأتي به من رسائل من العالم الخارجي ~~وتوصلها إلى الروح. ولكنا يجب أن نلاحظ أن الروح لا تستطيع أن تدفع الجسم إلى الحركة بكل ~~معنى هذه الكلمة؛ لأنه لا يمكن إضافة حركة جديدة إلى الحركة الموجودة بين الأجسام مهما صغر ~~مقدارها، وإلا كان ذلك مناقضا لقانون الطبيعة الأول الذي يقرر أن الحركة في الكون لا تنقص ~~ولا تزيد، وكل ما تستطيعه الروح بواسطة الغدة الصنوبرية هو أن توجه القوى الحيوية الموجودة ~~بطبيعتها في الجسم، فالروح لا تزيد على أن تقود تلك القوى، شأنها في ذلك شأن راكب الجواد ~~الذي يوجه الحركة الموجودة في جواده، ولكنه لا ينشئها من العدم. # وكما أن الروح عاجزة عن خلق حركة جديدة في الجسم غير ms067 التي به، فإن الجسم كذلك عاجز عن خلق ~~أفكار جديدة في الروح (أي العقل) غير التي فيها، فليست الحواس تضيف إلينا فكرا جديدا، بل ~~إن عملها محصور في أنها تترك في المخ آثارا تشبه الثنيات التي تحدث في قطعة من الورق عند ~~طيها، وهذه الثنيات تعاون الروح على بعث شيء من أفكارها الكامنة فيها مما يكون شبيها بهذه ~~الصور التي جاءت بها الحواس من الخارج، فإذا ما أثيرت فكرة وانبعثت، فإنها تحاول بواسطة ~~الغدة الصنوبرية أن تشق لنفسها طريقا إلى القلب من خلال المسام التي في المخ وفي سائر ~~أجزاء الجسد، وكلما تكررت هذه العملية من فكرة ما، كانت المسام أسهل انفراجا، وكان مرور ~~الفكرة وذهابها من العقل إلى القلب أهون وأيسر، فإذا ما تيسر للفكرة اتصالها بالقلب حدثت ~~حولها عاطفة تقويها وتزيد من أثرها، ولكنها في الوقت نفسه تكون سببا في غموض الفكرة ~~وتهويشها؛ لأنها نشأت من علاقة الروح بالجسد. وعلى ذلك فالعواطف أشد العوامل أثرا في طمس ~~ما تتصف به الأفكار العقلية من وضوح. # ويرى «ديكارت» أنه يمكن للعقل أن يسيطر على العواطف، ويقول إنه حتى أضعف العقول يستطيع ~~بالصبر أن يوفق إلى السيطرة على العواطف كما نستطيع أن نروض أعنف الكلاب. فإذا تم للعقل هذا ~~انقلبت العواطف وسيلة حسنة وأداة قويمة لبلوغ الغاية التي ننشدها ؛ ألا وهي الخير؛ لأن ~~الخير الذي يدركه العقل إدراك معرفة إنما يقوى أثره في نفوسنا لو مثلته لنا العواطف شيئا ~~جميلا، إذ لا يكفي أن تعلم الخير بعقلك، بل يجب أن ترغب فيه بعواطفك أيضا. # وتتلخص الأخلاق عند ديكارت في السيطرة على العواطف، وفيما ينتج عن ذلك من رغبة فيما نعلم ~~أنه حق وخير، وهذه الرغبة في أن نحيا حياة فاضلة ينشأ عنها اطمئنان الضمير، وهو أوفى جزاء ~~للأخلاق. ~~(1-4) مالبرانش # Nicolas Malepranche # لقد رأيت في حديثنا عن ديكارت كيف أنه حلل الوجود إلى عنصرين متضادين هما: العقل ~~والمادة، فلما أن تصدى للبحث في الإنسان، وأراد أن يفسر ما فيه من اتحاد ms068 ظاهر بين العقل ~~والجسد، فرض أن في المخ غدة خاصة تنظم الصلة بينهما، فعن طريقها تصل الآثار الحسية إلى ~~العقل كما تصدر الأوامر من العقل إلى الأعصاب، فالعضلات بواسطتها أيضا. # جاء بعد ديكارت تلميذ من تلاميذه الكثيرين هو «جلنكس» # Geulinex # فتناول فلسفة أستاذه ~~بتعديل طفيف، إذ أراد أن يبلغ بالمذهب الإثنيني حدا من التطرف أبعد مما ذهب إليه أستاذه، ~~فعمد إلى هذا البرزخ الضيق الذي فرضه ديكارت صلة بين العقل والجسد في الإنسان، فبتره ~~بترا، وأنكر أن يكون ثمة وسيط ينقل الصور الحسية من العالم المادي إلى إدراكنا العقلي، أو ~~يحمل الأوامر العقلية إلى الأعضاء لتحريكها، ولكن بماذا إذن يفسر جلنكس هذه العلاقة بين ~~العقل والجسم، وهي ظاهرة تدل عليها التجربة دلالة لا تقبل الشك؟ يرى جلنكس أن هذه العلاقة ~~لا تتم إلا بتدخل الله في الأمر، بما له من قوة مطلقة. فإذا ما انطبع على أعضاء الحس أثر ~~جاءها من العالم الخارجي، وتريد أن تنقله إلى العقل، أو عندما يرغب العقل في أن يحرك أحد ~~أعضاء الجسد، فإن الله هو الذي يتمم هذا أو ذاك بمعجزة منه، أي دون أن يتصل الجسم بالعقل، ~~أو العقل بالجسم فيما يريد أحدهما أن ينقل إلى الآخر، ولما كانت هذه الرابطة بين العقل ~~والجسم معتمدة على المصادفة، ~~سمي المذهب بمذهب المصادفة أو الاتفاق # Occasionalism # وقد هاجم ~~رجال اللاهوت جلنكس صاحب هذه النظرية؛ لأنها تجعل الله هو المنفذ المباشر لكل جريمة يقترفها ~~الإنسان، إذ يكفي أن يفكر الإنسان في ارتكاب جرم، حتى يتوسط الله ويحمل الجسد على تأدية ما ~~أراد له العقل. # جاء بعد جلنكس فيلسوف آخر هو نكولاس مالبرانش # Nicolas Malebranche # الذي ولد في باريس ~~في اليوم السادس من شهر أغسطس سنة 1638م، وكان سقامه وضعف بنيته داعية لانصرافه إلى حياة ~~التفكير والتأمل، وقد طالع فيما طالع وهو في سن السادسة والعشرين كتاب ديكارت «رسالة في ~~الإنسان»، فانصرف على الفور إلى قراءة مؤلفات ذلك الفيلسوف، ودراسة آرائه دراسة تفصيلية ~~دقيقة، وأنفق في تلك ms069 الدراسة سنوات عشرا أخرج في نهايتها أشهر مؤلفاته وعنوانه: ~~«في البحث ~~عن الحقيقة» # De la Recherche de la verité # ولم يكد ينشر هذا الكتاب حتى ارتفع صاحبه إلى أوج ~~الشهرة في أنحاء أوربا، ويقع هذا الكتاب في جزأين، وقد أعيد طبعه في حياة مؤلفه ست مرات، ~~وله غير هذا كثير من الكتب الميتافيزيقية واللاهوتية، ولكنها أقل من الكتاب الأول ~~خطرا. # وافق «مالبرانش» على النتائج التي وصل إليها سلفه «جلنكس» فأنكر معه إمكان الاتصال بين ~~العقل والمادة، ثم ذهب إلى أبعد من ذلك، فأنكر أن أجزاء المادة تستطيع أن يؤثر بعضها في ~~بعض. # دعا هذا الانفصال بين العنصرين أن يتساءل مالبرانش: ما سبيلنا إذن إلى معرفة قوانين الكون ~~المادي، بل ما يدرينا أن هناك مادة على الإطلاق؟ يثير مالبرانش هذا السؤال، ثم لا يلبث أن ~~يدخل الله لحل المشكلة كما فعل جلنكس، فيقول: إن التأمل الباطني في أنفسنا يؤكد لنا أننا ~~كائنات مفكرة، وأن عقولنا مليئة بالأفكار، ومن بين تلك الأفكار فكرة الله، وهو الكائن ~~الكامل كمالا مطلقا، وكذلك فكرة الامتداد بكل ما يتفرع عنها من الحقائق الرياضية ~~والفيزيقية. إننا لم نخلق هاتين الفكرتين، وإذن فقد جاءتا إلى عقولنا من الله، ومعنى ذلك ~~أنهما كانتا في عقل الله قبل أن تحلا في عقولنا، وقل هذا في كل ما لدينا من أفكار محددة ~~واضحة، فجميعها من أصل إلهي، ولكن هل وضع الخالق هذه الأفكار في كل نفس جزئية عند ولادتها؟ ~~كلا، بل إنه الأقرب إلى سهولة الشرح، وأوفى إلى البساطة أن نفرض بأن الأفكار الإلهية هي ~~وحدها التي تتمتع بالوجود، أعني أن ليس هناك من أفكار إلا ما هو موجود في عقل الله، أي أننا ~~نرى كل شيء في الله لا في نفوسنا، ولكي نتمكن من هذه الرؤية يجب أن نحيا وأن نتحرك، بل وأن ~~ندمج وجودنا في الله، فيكون الله هو مستقر الأرواح جميعا، كما أن المكان هو مستودع ~~الأجسام، ومعنى ذلك أن الأفكار لا توجد فينا إنما نحن الذين نوجد ms070 فيما يتألف من هذه الأفكار- ~~في الله. # إن الإنسان لا يعرف الأجسام المادية نفسها، ولكنه يعرف مثلها الفكرية الكائنة في الله. ~~ولما كان هذا الكون له صورة فكرية تماثله تماما وموجودة في الله أمكننا معرفتها بمشاهدة ~~تلك الصورة الذهنية عنها. # يقول مالبرانش: «إن العقل لا يفهم شيئا ما إلا برؤيته في فكرة اللانهائي التي لديه، وإنه ~~لخطأ محض أن نظن ما ذهب إليه فلاسفة كثيرون من أن فكرة اللانهائي قد تكونت من مجموعة ~~الأفكار التي نكونها عن الأشياء الجزئية، بل العكس هو الصحيح، فالأفكار الجزئية تكتسب ~~وجودها من فكرة اللانهائي، كما أن المخلوقات كلها اكتسبت وجودها من الكائن الإلهي الذي لا ~~يمكن أن يتفرع وجوده عن وجودها. يستحيل أن يفهم العالم الخارجي بذاته، ولا يمكن فهمه إلا ~~بإدراكنا إياه في الكائن الذي يحتويه، فإن لم نر الله، فإننا لن نرى شيئا آخر.» # كان هذا المذهب الذي ارتآه مالبرانش، وخلاصته هذه العبارة: «إن كل شيء في الله.» ممهدا ~~لمذهب وحدة الوجود الذي دعا إليه خلفه «سبينوزا»، بل إن وحدة الوجود هي النتيجة المنطقية التي تخرج من مذهب «مالبرانش». ومن ~~العجيب أنه حين نادى «سبينوزا» بمذهبه كان أشد معارضيه «مالبرانش» هذا - وكانا متعاصرين - ~~مع أن سبينوزا لم يزد على أن استخلص النتيجة التي قصر مالبرانش عن استخلاصها من ~~مقدماته. ~~(1-5) سبينوزا # Spinoza ~~(1632-1677م) # ولد باروخ سبينوزا في أمستردام من أسرة برتغالية يهودية ألقت عصاها في هولندا بعد ما ~~أصابها من نفي وتشريد بسبب عقيدتها الدينية اليهودية التي شب عليها الفيلسوف في عهد الصبا. ~~وكان أبوه تاجرا ناجحا ود لو انخرط ابنه في سلك التجارة عسى أن يخلفه، ولكنه نفر وأبى ~~وآثر أن ينفق وقته في معبد اليهود وما يتصل به، ينكب على ديانة قومه وتاريخهم لعله يبث ~~فيهما من روحه الشابة قبسا يمحو ما غشاهما من ظلام، وما زال الفيلسوف الفتي منصرفا إلى ما ~~أخذ نفسه به لا يفتر ولا يني حتى أكبره رجال اليهودية الذين تقدمت بهم السن، وأملوا أن يكون ~~من ms071 هذا الغلام ضوء ونهوض لجماعة اليهود، ثم لم يكد يفرغ «سبينوزا» من دراسة متن الدين، ~~حتى انتقل إلى شروحه، ثم إلى كتب ابن ميمون، وابن عزرا، وحسداي بن شبروت، ثم تناول بالدراسة ~~فلسفة ابن جبريل الصوفية وفلسفة موسى القرطبي وغيرهم من فلاسفة اليهود بالأندلس. # سبينوزا. # قرأ هذا كله قراءة درس وتمحيص، فامتلأت نفسه بما حوت تلك الأسفار، واستوقف نظره كثير مما ~~جاء بها من آراء، فلقد راعه ما ذهب إليه موسى القرطبي من وحدة الله والكون واعتبارهما حقيقة ~~واحدة، وصادفته هذه الفكرة نفسها في حسداي الذي ارتأى أن الكون المادي هو جسم الله، ثم قرأ ~~في ابن ميمون بحثا في نظرية ابن رشد التي تزعم أن الخلود لا يتعلق بالأشخاص والأفراد، ولكن ~~هذه الكتب التي قرأها بذرت في نفسه بذور الريبة والشك، وأثارت في ذهنه من المسائل والمشاكل ~~ما لم يستطع حلها، فأبت نفسه المتطلعة إلا أن يقرأ ما قاله رجال الفكر في الديانة المسيحية ~~عن الله، وعن مصير البشر لعله مصادف عندهم ما يشفي غلته، فبدأ يدرس اللغة اللاتينية حتى ~~استوعبها، وعن طريقها استطاع أن يطالع تراث الفكر الأوروبي، سواء منه القديم والأوسط، فدرس ~~سقراط وأفلاطون وأرسطو، كما درس فلسفة الذريين التي صادفت منه إعجابا عظيما، وطالع ~~الفلاسفة المدرسيين، وأخذ عنهم كثيرا من مصطلحاتهم الفلسفية، كما اقتبس منهم طريقتهم ~~الهندسية في استخدام البدائه والتعاريف والقضايا والبراهين والنتائج، وما إلى هذه من طرق ~~البحث في الهندسة. كذلك درس فلسفة «برونو» ذلك الثائر العظيم الذي أنفق حياته في التجوال من ~~بلد إلى بلد، والانتقال من عقيدة إلى عقيدة، باحثا دهشا مرتابا، والذي حكمت عليه محكمة ~~التفتيش آخر الأمر أن يقتل «من غير أن يراق دمه» أي أن يحرق حيا. وأول ما استرعى نظر ~~سبينوزا من آراء «برونو» هي فكرته عن وحدة الوجود، فكل الحقيقة واحدة في عنصرها، واحدة في ~~علتها، والله وهذه الحقيقة شيء واحد. كذلك ارتأى برونو أن العقل والمادة شيء واحد، فكل ذرة ~~مما تتألف منه الحقيقة مركبة من ms072 عنصر مادي وعنصر روحي قد امتزجا، بحيث لا يقبلان التجزئة ~~والانفصال، وموضوع الفلسفة هو أن تدرك وحدة الوجود في تعدد مظاهره، وأن ترى العقل في ~~المادة، والمادة في العقل. وقد كان لهذه الفلسفة أثر عظيم في سبينوزا. # نعم أثر كل أولئك في فيلسوفنا أثرا كبيرا، ولكنه فوق ذلك كله مدين لديكارت بكثير من ~~فلسفته وتفكيره، فقد استوقفه ما ذهب إليه ديكارت من أن الوجود ينحل إلى عنصرين، فالمادة ~~كلها تنطوي تحت عنصر متجانس، والعقل كله يندرج تحت عنصر آخر متجانس، ولقد أثار هذا التقسيم ~~من سبينوزا نزعة أصيلة فيه نحو التوحيد، وأبى إلا أن يكون الكون بكل ما فيه عنصرا ~~واحدا. كذلك استرعى نظره من فلسفة ديكارت تفسيره للعالم كله، ما عدا الله والنفس، ~~بالقوانين الآلية والرياضية، وهي فكرة بدأت عند برونو وجاليليو، ولعلها كانت صدى لتقدم ~~الصناعة الآلية في المدن الإيطالية. فقد زعم «ديكارت» كما زعم «أناكسجوراس» قبله بألفي عام، ~~أن الله قد دفع العالم دفعة واحدة منذ البدائية، كانت نتيجتها كل هذه الحركات التي تطرأ ~~على الأجسام المادية كائنة ما كانت، فكل حركة من حيوان أو إنسان إن هي إلا نتيجة حتمية آلية ~~لتلك الدفعة الإلهية الأولى. وإذن فالعالم كله بما فيه من أجسام آلة تسير مجبرة، ولكن خارج ~~هذا العالم الآلي إلها، كما أن داخل جسم الإنسان روحا. وهنا وقف ديكارت فجاء سبينوزا ~~وتناول الكون كله مادة وروحا وخالقا ومخلوقا، وصب الجميع في وحدة لا تنقسم ولا ~~تتجزأ. # تلك كانت المصادر العقلية التي استقى منها سبينوزا فلسفته، ذلك الفيلسوف الذي كان يبدو ~~رضيا وادعا وفي صدره أتون مستعر لا يهدأ ولا يستقر، وقد سيق في سنة 1656م إلى محكمة من ~~آباء الكنيسة اليهودية، فسأله هؤلاء: أصحيح أنك زعمت لأصدقائك أن لله جسدا هو العالم؟ ولا ~~ندري بماذا أجاب، ثم أصدروا حكمهم عليه بالكفر والحرمان بعد أن أغروه براتب سنوي قدره ~~خمسمائة جنيه، على أن يظهر للناس بمظهر الخاضع للكنيسة والمؤمن بدينه وعقيدته، فرفض منحتهم ~~في إباء. ~~(1) اعتزاله ms073 وموته # قضت الكنيسة اليهودية بفصل سبينوزا ومقاطعته، فقابل الرجل هذا القضاء بصدر رحب وعزم ~~صليب، وألقى ببصره فإذا هو وحيد طريد لا يخالط أحدا ولا يخالطه أحد، فحزت في نفسه مرارة ~~الموقف، حتى إنك لتراه في كل ما كتب جادا صارما لا تعرف الفكاهة سبيلا إليه، ولقد ظل ~~يحمل لرجال الدين المقت والبغض لما رأى فيهم من جهالة وحمق، يقول عنهم في كتابه «الأخلاق»: ~~«إن هؤلاء (المفكرين) الذين يميلون إلى البحث في أسباب المعجزات لكي يتفهموا جوانب الطبيعة ~~تفهم الفلاسفة، والذين لا يرضون لأنفسهم أن يحدقوا فيها مدهوشين كما يفعل المغفلون، ~~أقول إن هؤلاء سرعان ما يعتبرون ملاحدة فجرة، على حين أن من يحكم عليهم بهذا أولئك الذين ~~يمجدهم الدهماء على أنهم شراح للطبيعة والآلهة، وإنهم ليعلمون أنه إذا ما انمحت ظلمات ~~الجهالة زالت على الفور تلك الدهشة كما يعلمون أنها الوسيلة الوحيدة للاحتفاظ ~~بسلطانهم». # ولكن سبينوزا لبث منبوذا من قومه، حتى إنه ذات ليلة بينا هو يسير في الطريق إذ انقض ~~عليه مأفون أخذته حمى الورع الأحمق، وطعن الشاب الفيلسوف بخنجره لعله يتقرب بدمه إلى الله، ~~فانطلق سبينوزا يعدو سريعا، وقد أصابه الغر بجرح في عنقه، وانتهى فيلسوفنا بعد هذه ~~الحادثة إلى رأي حاسم، هو أنه لا يستطيع أن يحيا حياة الفلسفة التي يريد إلا إذا اعتزل ~~العالم وعاش وحيدا آمنا، فيسبح بفكره في الكون كيف شاء، لذلك استأجر غرفة هادئة في الطابق ~~العلوي من منزل منعزل عن مدينة أمستردام، واستبدل باسمه «باروخ» اسما آخر يتنكر به هو ~~«بندكت» # Benedict ~~، وكان يكسب قوته بادئ الأمر من تعليم الأطفال في إحدى مدارس المدينة، ثم ~~اشتغل بعد ذلك بصقل العدسات الزجاجية، وهي مهنة كان قد تعلمها أيام حياته في الجماعة ~~اليهودية، إذ يحتم قانون اليهود أن يحترف كل طالب حرفة يدوية لعقيدة عندهم هي أن الإنسان لا ~~يكون فاضلا إلا بالعمل. # مضت سنوات خمس انتقل بعدها صاحب الدار التي كان «سبينوزا» يقيم بها إلى بلد قريب من ~~ليدن # Leyden ~~، فرافقه الفيلسوف ms074 لما كان قد توشج بينهما من روابط الحب والائتلاف، ولا يزال ~~المنزل الجديد الذي هبطاه قائما حتى اليوم، ولا يزال الطريق إليه يحمل اسم هذا الفيلسوف العظيم. في هذه الدار قضى «سبينواز» أعواما يعيش عيشا غليظا خشنا، ولكنه في ~~تلك الفترة من حياته سما بفكره وسما حتى بلغ أسمى الذرى، وكثيرا ما كان يقضي في غرفته ~~أياما ثلاثة يسبح في تأمله دون أن يرى أحدا، سوى الخادم الذي يقدم إليه طعامه المتواضع. ~~واستأنف «سبينوزا» في بلده الجديد عمل العدس الزجاجي لكسب عيشه، ولكنه لم يستفد من صناعته ~~هذه إلا أخشن العيش، فقد أسلم نفسه للحكمة التي اختصها بحبه وقلبه، حتى انتهى إلى فشل ذريع ~~في حياته العملية كاد يعجزه عن أن يقيم أوده، ولكنه كان في بساطة عيشه سعيدا هانئا لما ~~كان يصادفه من لذة بالغة في التفكير، وقد أجاب رجلا نصحه أن يدع التفكير، وأن يؤمن بالوحي ~~في غير تردد ولا عناء، بقوله: «إنني أيقنت في بعض الأوقات أن النتائج التي وصلت إليها ~~بعقلي الطبيعي باطلة، ولكن ذلك لن يزيدني إلا اقتناعا بالعقل، لأنني سعيد في عملية التفكير ~~نفسها.» نعم، كان فيلسوفنا سعيدا في تفكيره، لا يعبأ بزخرف الحياة كثيرا أو قليلا، ولعله ~~أسرف في تقشفه، حتى كان لا يرتدي من الثياب إلا رداء قذرا رثا تمجه العين. ويروى في ذلك ~~أن كبيرا من كبراء الدولة قصد إليه يوما ليراه، فألفاه في كساء قذر، فامتعض وأنحى على ~~الفيلسوف باللائمة، ثم منحه رداء جديدا، فأجابه «سبينوزا» قائلا: إن الرجل لا يسمو به ~~رداء جميل، واعتذر عن الهبة بقوله إنه لا يعقل أن يلف شيء تافه في غلاف ثمين. # سبينوزا في الطريق، منبوذا من الناس. # قضى سبينوزا في رينسبرج # Rhynsburg # سنوات خمسا كتب فيها رسالته الصغيرة «في تحسين ~~العقل» كما كتب كتابا اسمه «الأخلاق مؤيدة بالدليل الهندسي»، وقد فرغ من هذا الكتاب في سنة ~~1665م، ولكنه لبث عشرة أعوام دون أن يذيعه في الناس، وذلك خشية أن يصيبه من السجن والتعذيب ms075 ~~ما أصاب رجلا نشر سنة 1668م كتابا يحوي آراء مماثلة لما أثبته «سبينوزا» في كتابه، فكان ~~جزاؤه الحكم عليه بالسجن سنوات عشرا لم يتمها، ومات في خلالها، وقد ظن فيلسوفنا أنه مستطيع ~~نشر كتابه في أمستردام حيث الآراء مكفولة حريتها نوعا ما، ولكنه لم يكد يحل بالمدينة حتى ~~ذاع بين الناس أن «سبينوزا» سيصدر كتابا يحاول فيه أن يقيم الدليل على إنكار الله، ويقول ~~«سبينوزا» في خطاب أرسله لأحد أصدقائه: «... يؤلمني أن أقول إن كثيرا من الناس قد تقبل ~~الإشاعة على أنها حقيقة، وأن بعض رجال الدين قد انتهز هذا الموقف فشكوني إلى الأمير وإلى ~~رجال الدولة ... فلما جاءني هذا النبأ من بعض المخلصين من أصدقائي الذين أكدوا لي أن رجال ~~الدين يتربصون بي في كل مكان، أزمعت ألا أنشر الكتاب حتى يحين الوقت الملائم.» وشاء الله ~~ألا يصدر كتاب «الأخلاق» - وهو خير ما أنتجه الفيلسوف - إلا بعد موته، إذ نشر في سنة 1677م ~~مضافا إليه رسالة في «السياسة» لم يتمها. وكانت كل هذه الكتب مسطورة باللاتينية؛ لأنها ~~كانت لغة الفلسفة والعلم في أوربا في القرن السابع عشر. وقد وجدت له بعد موته رسالة أخرى ~~غير ما ذكرناها أسماها «رسالة موجزة في الله والإنسان»، أراد بها فيما يظهر أن تكون مقدمة ~~تمهيدية «للأخلاق»، وأما الكتب التي نشرها في حياته فهي «أصول الفلسفة الديكارتية» و«رسالة ~~في الدين والدولة»، وهذه الأخيرة صدرت خلوا من اسم المؤلف، فحرمت الحكومة بيعها، وكان ذلك ~~عاملا على ذيوعها متسترة وراء عنوانات مختلفة، فسماها بعض الناشرين «رسالة طبية»، وسماها ~~آخرون «قصة تاريخية» وهكذا، وقد تصدى لتفنيد هذا الكتاب عشرات من الكتاب، وأطلق بعضهم ~~على سبينوزا، بعد أن عرف أنه المؤلف المتنكر «أنه أفجر ملحد شهدته الأرض.» كما تبرع فريق ~~كبير من الكاتبين برسائل بعثوا بها إلى الفيلسوف يقصدون هدايته ورده إلى حظيرة الإيمان، ~~نسوق منها مثلا رسالة جاءته من ألبرت برج # Albert Burgh ~~، وقد كان تلميذا سابقا ~~لسبينوزا: «لقد زعمت أنك وجدت الفلسفة الصحيحة آخر الأمر، فكيف ms076 عرفت أن فلسفتك أصدق مما ~~درس في العالم من قبل، ومما يدرس الآن، ومما سيدرس في الأيام المقبلة من فلسفات؟ ولندع ما ~~قد تنتجه الأيام المقبلة، فهل اختبرت الفلسفة كلها، قديمها وحديثها، التي يدرسها الناس في ~~الهند وفي أنحاء الدنيا جميعا؟ وإذا سلمنا أنك قد اختبرتها اختبارا صحيحا، فمن أدراك أنك ~~قد تخيرت منها أصحها؟ كيف تجرؤ أن تضع نفسك فوق رجال الدين جميعا والأنبياء والقديسين ~~والشهداء والعلماء ومعلمي الكنيسة؟ ألا إنك لإنسان منكود، ودودة تسعى على الأرض، نعم إنك ~~جثة وطعام للدود، فكيف تعارض الحكمة الخالدة بكفرك اللعين؟ علام بنيت هذا المذهب الأحمق ~~المأفون الأسيف؟ أي غرور شيطاني دفعك أن تصدر حكما في المعجزات التي يعترف الكاثوليك ~~أنفسهم بأنها فوق العقول ...» # فأجاب سبينوزا عن ذاك الخطاب بهذا الجواب: ~~«أنت يا من تزعم أنك قد وجدت آخر الأمر أصدق الأدباء وأحسن المعلمين، ثم قصرت إيمانك ~~عليهم، كيف عرفت أنهم أحسن من علموا الأديان من قبل، ومن يعلمونها اليوم، ومن سيعلمونها منذ ~~اليوم؟ هل اختبرت كل هذه الديانات قديمها وحديثها، التي يتعلمها الناس هنا وفي الهند وفي ~~أصقاع الأرض جميعا؟ وحتى لو سلمت أنك قد اختبرتها اختبارا صحيحا، فمن أدراك أنك قد تخيرت ~~منها أقومها؟» # ولكن إلى جانب هؤلاء الساخطين، كان للفيلسوف طائفة كبيرة من المعجبين به المقدرين نبوغه، ~~ومنهم من أوصى له بقدر كبير من ماله لينفق منه عن سعة، ويكفي أن تعلم أن بين هؤلاء المعجبين ~~لويس الرابع عشر الذي أجرى على الفيلسوف راتبا سنويا، وفي مقابل هذا العطف أهدى ~~سبينوزا إليه أحد كتبه الخالدة. # ولما كان عام 1665م انتقل «سبينوزا» إلى إحدى ضواحي لاهاي ولبث بها خمس سنوات، ثم انتقل ~~إلى لاهاي نفسها، حيث أقام بها، وبعد عامين (سنة 1672م) هاجم جيش فرنسي أرض هولندا وحاصر ~~لاهاي، ولم يكد يستقر الجيش الفرنسي الفاتح، حتى دعا قائده «سبينوزا» أن يزوره في معسكره؛ ~~لكي يقدم له الراتب الذي أجراه عليه ملك فرنسا، ولكي يقدم إليه فريقا من المعجبين بفلسفته ~~ممن ms077 كانوا برفقة الجيش، فلم يتردد الفيلسوف في إجابة الدعوة إذ لم يكن له شأن بالخصومة التي ~~تنشب بين الدول، بل إنه كان يرفض أن ينتسب إلى وطن من الأوطان، ويعد نفسه «أوروبيا»، فلما ~~عاد إلى المدينة بعد زيارته للقائد الفرنسي، ذاعت في الناس أنباء الزيارة فاحتشد الناس ~~غاضبين يريدون به سوءا وشرا، ولكنهم ما لبثوا أن تفرق شملهم في هدوء وسكينة، إذ علموا أن ~~الرجل فيلسوف لا يزج بنفسه في معمعان الخصومة والعداء. # وقضى «سبينوزا» نحبه سنة 1677م ولم يتجاوز الرابعة والأربعين، بعد أن أضناه مرض السل ~~الذي ورثه عن أبويه، ولم يكن فيلسوفنا يخشى الموت الذي كان يحس به يدنو إليه بخطوات سراع، ~~وإنما كان يخشى أن يضيع كتابه «الأخلاق» الذي لم يجرؤ على نشره بنفسه، وكان هذا الكتاب يقع ~~من نفسه موقعا حسنا؛ لأنه بلغ الذروة، فوضعه في قمطر صغير مقفل، وأعطى مفتاح القمطر إلى ~~صاحب الدار، راجيا له أن يسلمه بعد موته إلى صديق له هو # Jan Reiuwertz ~~، وكان ناشرا في ~~أمستردام، ليقوم بنشر الكتاب. # وفي يوم الأحد العشرين من فبراير، ذهبت الأسرة التي كان يساكنها سبينوزا إلى الكنيسة ~~لأداء صلاتهم، ولم يبق معه في الدار إلا صديقه الطبيب مير # Meyer ~~، فلما عاد رب الدار ~~وأسرته من الكنيسة ألفوا الرجل ملقى بين ذراعي صديقه جثة هامدة، فوقع نبأ موته من أكثر ~~الناس موقعا أليما، فقد أحبته العامة الساذجة لوداعته ، وأجله العلماء لحكمته، وسار ~~الناس من كل طبقة وراء نعشه يشيعونه إلى مقره الأخير. ~~(2) كتبه وفلسفته ~~(1) # رسالته في الدين والدولة: # قد تكون هذه الرسالة أقل كتب الفيلسوف لذة لنا اليوم، ولعل ~~أول ما دعا إلى التصغير من قيمتها أن سبينوزا قد قتل فيها موضوعه بحثا، وأوضحه إيضاحا ~~لم يعد بعده قول لقائل، والكاتب الذي هذا شأنه لا بد أن تنحدر آراؤه إلى أوساط المثقفين، ~~فتصبح في اعتبارهم أدنى إلى الابتذال؛ لأنها فقدت كل ما يدعو إلى مواصلة البحث والتفكير من ~~غموض وخفاء، ولقد أصيبت كتب فولتير بما أصيبت ms078 به رسالة سبينوزا في الدين والدولة ~~لإسرافهما في التدليل والتوضيح. # وأساس هذا الكتاب هو أن لغة الإنجيل قد جاءت وكلها مجازات واستعارات، وهذا التزويق ~~البياني متعمد فيه، أولا بسبب النزعة الشرقية إلى الأدب الرفيع، وميله إلى تزويق اللفظ، ~~وثانيا لأن الأنبياء والقديسين لا بد لكي يحملوا الناس على اعتناق مذاهبهم أن يثيروا ~~الخيال، ولذا تراهم يبذلون وسعهم لطبع أنفسهم وكتبهم بطابع الشعب الذي يعيشون فيه «فقد كتب ~~كل كتاب منزل لشعب بعينه أولا، وللجنس البشري كله ثانيا، فيجب إذن أن يلائم ما فيه عقلية ~~الشعب ما وجد السبيل إلى ذلك.» إن الكتب المنزلة لا تفسر الأشياء بأسبابها، ولكنها ترويها ~~بأسلوب يؤثر في نفوس الناس وخاصة جمهورهم، لكي تحملهم على التفاني في العقيدة «فليس موضوع ~~الكتاب المنزل إقناع العقل، بل جذب الخيال والسيطرة عليه.» ولهذا يكثر فيه ذكر المعجزات ~~«يظن الدهماء أن قوة الله وسلطانه لا يتجليان في وضوح إلا بالحوادث الخارقة التي تناقض ~~الفكرة التي كونوها عن الطبيعة ... إنهم يحسبون أن الله يكون معطلا ما دامت الطبيعة تعمل في ~~نظامها المعهود، وعكس ذلك صحيح أيضا، أي أن قوة الطبيعة والأسباب الطبيعية هي التي تتعطل ~~ما دام الله فعالا، وهكذا هم يتخيلون قوتين منفصلة إحداهما عن الأخرى: قوة الله، وقوة ~~الطبيعة.» (وهنا نلمس أساس فلسفة «سبينوزا» وهو أن الله وسير الطبيعة شيء واحد)، ويميل ~~الإنسان إلى العقيدة بأن الله يحطم النظام الطبيعي للحوادث من أجلهم، فنرى اليهود يعللون ~~إطالة النهار، وتأخير غروب الشمس بأنها معجزة تثبت أنهم شعب الله المختار، ولو قال موسى ~~لقومه: إن البحر الأحمر قد انحسرت مياهه بسبب الرياح الشرقية لما كان لقوله أثر في نفوسهم، ~~ولعل منزلة الأنبياء والقديسين التي يمتازون بها عن الفلاسفة والعلماء ترجع إلى حد كبير ~~إلى أسلوبهم البياني الساحر الذي ينطقون به مدفوعين بما تكنه صدورهم من حماسة ~~لمذهبهم. # يقول سبينوزا إنه لو فسر الناس الإنجيل على هذا الأساس لما وجدوا فيه شيئا يناقض ~~العقل، أما إذا تمسكوا بحرفيته فهم لا شك مصادفون ms079 كثيرا من الأخطاء والمتناقضات، أما ~~التفسير الفلسفي فيكشف فيه وراء أستار البيان والشعر، فكرا عميقا. # ويعتبر «سبينوزا» اليهودية والمسيحية دينا واحدا، فلا فرق بين هذه وتلك على شرط أن ~~يستل الكره من صدور الدهماء، وأن يستخرج التفسير الفلسفي لب العقيدتين المتنافستين «كم ~~أدهشني أن أرى قوما يفاخرون بتعاليم الديانة المسيحية - وأعني بها الحب والسعادة والسلام ~~والعدل والإحسان إلى الناس جميعا - يقاتل بعضهم بعضا وفي نفوسهم كل هذا الغل ... حتى أصبح ~~الكره - دون ما يعلمون من فضائل - هو المقياس الصحيح لعقيدتهم.» ويعتقد «سبينوزا» أن ~~اليهود لم يحتفظوا ببقائهم إلا بسبب اضطهاد المسيحية لهم، إذ أكسبتهم عزلتهم تماسكا وعملا ~~على استمرار وجودهم، ولو لم ينبذ المسيحيون اليهود لخالط هؤلاء شعوب أوربا وانمحوا فيها، ~~وليس ثمة ما يبرر التنافر والتناكر بين المسيحيين واليهود إلا التعصب الذميم. ويرى ~~«سبينوزا» أن أول سبيل لحسن التفاهم هو أن يفهم المسيح فهما صحيحا، فهو ينكر بتاتا ~~تأليه المسيح، ويصر على أنه قبل كل شيء إنسان من البشر: «إن حكمة الله الخالدة قد تجلت في ~~الأشياء كلها، ولكنها تمثلت في عقل الإنسان بصفة خاصة، وفي يسوع المسيح بصفة أخص.» فلو ~~تخلصت هذه الشخصية الممتازة من كل ما يشوبها من خراقات لا تؤدي إلا إلى الخصومة والنزاع، ~~لجذبت حولها الناس جميعا، ولكانت عنوانا تتحد باسمه الدنيا بعد أن مزقتها حروب السيف ~~والقلم، وتعيش في طمأنينة وسلام. ~~(2) # إصلاح العقل # The Improvement of the Intellect ~~: # يستهل سبينوزا كتابه هذا بفصل هو من ~~آيات الأدب الفلسفي. يحدثنا فيه عما دفعه إلى اعتناق الفلسفة دون ما عداها فيقول: «بعد أن ~~علمتني التجربة أن كل ما يحدث في الحياة العادية عبث وباطل. ورأيت أن الأشياء التي كنت ~~أخشاها، وكانت تخشاني ليس فيها خير أو شر إلا بمقدار ما يتأثر به العقل، اعتزمت أخيرا أن ~~أبحث عما إذا كان هنالك شيء يصح أن يكون خيرا بحق، ويمكن للعقل أن يتأثر به إلى حد يستغني ~~به عن كل شيء آخر، أقول إني اعتزمت أن أرى هل ms080 أستطيع أن أكشف وأن أبلغ المقدرة على التمتع ~~بالسعادة السامية الدائمة الأبدية ... لقد وجدت في الشرف والثراء حسنات كثيرة لنا ... وأنه كلما ~~ازداد ما يملكه الإنسان من أيهما ازدادت سعادته، وازداد تبعا لذلك تحمسا للاستزادة منهما، ~~ولكن إن خاب أمل الإنسان فيهما يوما، أحس في نفسه أعمق الألم، وفي الشهرة كذلك هذا النقص ~~العظيم، فإن نحن نشدناها وجب علينا أن نوجه حياتنا في طريق يتفق ورضا الناس، متجنبين ما ~~يكرهونه، ملتمسين ما يبعث فيهم السرور، ولكن العقل لا يظفر بسعادته التي لا يشوبها الألم ~~إلا إن توجه بحبه نحو شيء خالد غير محدود ... إن الخير الأسمى هو معرفة الاتحاد بين العقل ~~وسائر الطبيعة كلها ... وكلما ازداد العقل علما ازداد فهما لقواه ولنظام الطبيعة، وكلما ~~ازداد فهما لدوافعه وقواه ازداد مقدرة على توجيه نفسه، وعلى أن يضع القوانين لنفسه، وكلما ~~ازداد فهما لنظام الطبيعة ازداد تمكنا من تحرير نفسه مما لا فائدة فيه، وتلك وحدها هي ~~سبيل السعادة.» # إذن فالعلم قوة وحرية، والسعادة الدائمة هي في تحصيل المعرفة ولذة الفهم، وهنا تجابه ~~سبينوزا مشكلة عويصة معقدة، هي: كيف أعلم أن ما حصلت من معرفة هي صحيحة؟ ومن يدريني أن ~~حواسي صادقة فيما تنقل إلى الذهن من علم، وأن عقلي أمين على النتائج التي يستخلصها من أشتات ~~الأحاسيس التي تقدمها له الحواس؟ إنه لجدير بنا حقا أن نختبر العربة قبل أن نسلم أنفسنا ~~لها، فإن وجدنا بها عيبا أو نقصا تناولناه بالإصلاح، تفاديا لما قد يؤدي إليه من خطر، ~~«فقبل كل شيء يجب علينا أن نفكر في طريقة لإصلاح العقل وتنقيته.» ويجب أن نفرق بين أنواع ~~المعرفة كي لا نأخذ إلا أقومها وأوثقها. # فأول أنواع المعرفة هو ما جاء عن طريق الإشاعة، كعلمي بتاريخ ميلادي، وثانيها التجربة ~~الغامضة الناقصة، كأن يعلم الطبيب علاجا، لا لأنه نتيجة لتجارب علمية مؤكدة، ولكن لأن ذلك ~~العلاج المعين ينجح «عادة». وثالث أنواع المعرفة هو ما نصل إليه بطريق الاستدلال ~~والاستنتاج، كأن نعتقد بكبر الشمس؛ لأننا شاهدنا ms081 أن الأشياء جميعا يصغر ظاهر حجمها كلما ~~نأت عن الرائي، وهذه المعرفة أرقى من النوعين الأولين، ولكنها مع ذلك عرضة للتغيير ~~والتبديل، وأسمى ألوان المعرفة نوع رابع هو ما ندركه بالبداهة، كأن نعلم على الفور أن 6 هو ~~العدد المحذوف في النسبة الآتية 2 : 4 - 3:س، أو كما ندرك أن الكل أكبر من الجزء. ويعترف ~~«سبينوزا» نفسه أن ما عرفه هو من هذا الضرب قليل، وهذه المعرفة البديهية هي إدراك الأشياء ~~في علاقاتها الأبدية، ويصح أن يكون هذا تعريفا للفلسفة كما يراها، فالعلم البديهي إذن ~~يحاول أن يرى وراء الأشياء والحوادث التي تقع تحت حواسه قوانينها وعلاقاتها الخالدة، إذ ~~يفرق «سبينوزا» بين النظام الزائل المؤقت - وأعني به عالم الأشياء والحوادث - وبين النظام ~~الخالد، وهو عالم القوانين التي تسير وفقها تلك الأشياء والحوادث. ~~(3) # الأخلاق: # ننتقل الآن إلى دراسة كتاب «الأخلاق» الذي لا نبالغ إن زعمنا أنه أنفس ما ~~أنتجته الفلسفة الحديثة على الإطلاق، وقد كتبه «سبينوزا» على نحو ما تكتب البراهين ~~الهندسية، رجاء أن تتضح أفكاره وضوح نظريات الهندسة، فكانت النتيجة أن جاء الكتاب موجزا ~~غامضا، يعسر فهمه على الكثرة الغالبة من القراء المستنيرين، ويزيده غموضا أن فيلسوفنا لم ~~يجر في استعمال المصطلحات الفلسفية مجرى غيره من الفلاسفة، بل غير فيها وبدل، فلن يجدي عليك ~~شيئا أن تقرأ كتاب «الأخلاق» كما تقرأ سائر الكتب، بل لا بد لك أن تقف عند كل سطر وكل ~~عبارة وقفة طويلة لتسيغ معناها، # 3 # فقد أبى الفيلسوف إلا أن يضغط فكر العصر كله في مائتي صفحة كتبها بطريقة كتابة ~~النظريات الهندسية، فجاء كل جزء من أجزاء الكتاب معتمدا على ما سبقه، وإذن فلن تفهم من ~~الكتاب شيئا إلا إذا قرأته كله وفهمته كله حق الفهم، وعن ذلك يقول «سبينوزا» في هذا ~~الكتاب نفسه: «هنا سيرتبك القارئ بغير شك، وسيذكر أشياء كثيرة ستنتهي به إلى الوقوف ~~والحيرة، وإني لهذا أرجوه أن يسير معي في تؤدة، وألا يكون لنفسه حكما على هذه الأشياء إلا ~~إذا فرغ من ms082 قراءة الكتاب كله.» وها نحن أولاء نتناول بالشرح الموجز ما جاء في هذا ~~الكتاب: ~~(أ) # الطبيعة والله: # يذهب «سبينوزا» إلى أن في الكون حقيقة شاملة يسميها جوهرا # Substance ~~، وليس يعني بهذه ~~الكلمة مدلولها المباشر الذي يفهم منها، وهو مادة الشيء أو عنصره، كقولنا مثلا إن الخشب ~~مادة هذا القلم، ولكنه يقصد بها الحقيقة الكائنة وراء الأشياء، # 4 # وأما هذه الأشياء التي تقع تحت الحس فأعراض زائلة فانية، فأنت وجسدك وأفكارك ~~وعشيرتك ونوعك الإنساني وأرضك التي تعيش عليها، إن هي إلا أعراض زائلة، تنم عن حقيقة خالدة ~~كامنة فيها، فقد يزول الشيء ويفنى، ولكن الحقيقة التي تتمثل فيه باقية لا تخضع لزوال أو ~~فناء. # وهو يرى أن للطبيعة أو الكون مظهرين، فهي فعالة منشئة خالقة من ناحية، وهي منفعلة ~~مخلوقة من ناحية أخرى، فأما هذا الجانب المنفعل فهو الدنيا وما تحوي من غابات وهواء وماء ~~وجبال وحقول، وما إلى هؤلاء من صور حسية لا تقع تحت الحصر، وهذه الطبيعة كلها هي من إنتاج ~~الجانب الفعال وخلقه، وإذن ففي الكون قوة تخلق هي ما يسميها «جوهرا» # Substance ~~، وبعبارة ~~أخرى هي الله، وفيه أشياء مخلوقة هي «الأعراض» # Modes # أو العالم. # من ذلك نرى أن «سبينوزا» يقسم الكون إلى جوهر وعرض، إلى قديم وحادث، إلى الله والعالم ~~المحسوس، أما الجوهر أو الله فهو حقيقة لا مادة لها، بخلاف عالم الأشياء. ولنوضح فكرة ~~«سبينوزا» بهذه الرسالة الآتية: # إني أتصور الله والطبيعة في صورة تخالف كل المخالفة الصورة التي يرسمها المسيحيون ~~المتأخرون المحدثون عادة، إنني أعتقد أن الله هو السبب الكامن للأشياء كلها ... إني أزعم أن ~~كل شيء كامن في الله، وكل شيء يحيا ويتحرك في الله، وإني متفق في ذلك مع القديس ~~بولس Paul ~~... ~~ومن الخطأ الجسيم أن يقول قائل إنني أريد أن أبين أن الله والطبيعة شيء واحد ... والقائلون ~~عني بذلك يفهمون من لفظ الطبيعة كتلة معينة من المادة المجسدة. كلا، لست أريد أن أقول ~~شيئا كهذا. # إنما يريد «سبينوزا» أن قوانين الطبيعة وأوامر ms083 الله الخالدة شيء واحد بعينه، وأن كل ~~الأشياء تنشأ من طبيعة الله اللانهائية، كما ينشأ من طبيعة المثلث أن زواياه الثلاثة تساوي ~~قائمتين. أي أن الله بالنسبة إلى العالم كقوانين الدوائر بالنسبة إلى الدوائر كلها. الله هو ~~القانون الذي تسير وفقه ظواهر الوجود جميعا بغير استثناء أو شذوذ، فهذا الكون المجسد من ~~الله بمنزلة الجسر (الكوبري) من قوانينه الرياضية والميكانيكية التي بني على أساسها؛ إذ ~~القوانين هي جوهر الجسر وقوامه إن زالت اندك الجسر على الأثر. # كثيرا ما يخطئ الناس فهم فلسفة «سبينوزا» التي توحد بين الله والطبيعة، فيذهب بهم الظن ~~أن «سبينوزا» يريد بذلك أن يصغر من شأن الله، فينزله إلى مرتبة الطبيعة، والواقع كما يقول ~~هو: «إنني في حقيقة الأمر لم أهبط بمنزلة الإله إلى مستوى الطبيعة، بل رفعت الطبيعة إلى ~~مستوى الله.» # ويقول الدكتور ولف # Dr. Wolf # في مقاله الذي كتبه عن «سبينوزا» في دائرة المعارف ~~البريطانية: «بدل أن تكون الطبيعة من ناحية، وأن يكون إله فوق الطبيعة في ناحية أخرى، فقد ~~ذهب «سبينوزا» إلى أن للحقيقة عالما واحدا، هو الطبيعة والله في آن واحد، وليس في هذا ~~العالم مكان لما فوق الطبيعة، وهذه النزعة الطبيعية من «سبينوزا» يفسد معناها لو بدأ ~~القارئ بفكرة مادية سخيفة عن الطبيعة، وبذلك يتوهم أن «سبينوزا» قد حقر من شأن الله، ~~والحقيقة أنه ارتفع بالطبيعة إلى مرتبة الإله بأن تصور أن الطبيعة هي الحقيقة كاملة، هو ~~«الواحد» وهي «الكل» ... والواقع أن الله والطبيعة ينطبق أحدهما على الآخر إذا تصورنا أن ~~كلا منهما هو الكائن الكامل الذي أوجد نفسه بنفسه.» # إن إرادة الله وقوانين الطبيعة اسمان يطلقان على مسمى واحد، وإذن فكل ما يقع للعالم من ~~أحداث إن هو إلا نتيجة آلية لقوانين الطبيعة الثابتة، أي إنها نتيجة لإرادة الله التي لا ~~يطرأ عليها تغير ولا تبدل، وليست هذه الآلية تقتصر على المادة والجسم فقط كما ذهب «ديكارت»، ~~إنما هي في زعم «سبينوزا» تمتد فتشمل الله والعقل على السواء. إن العالم مجبر ms084 مسير في ~~طريق معلومة مرسومة ليس عن السير فيها من محيص؛ ذلك لأن قوانين الطبيعة - أي إرادة الله - ~~لا تتبدل ولا تتغير، وهي لا بد أن تنتج نتائجها من غير نظر إلى الإنسان ورغبته، فمن أفدح ~~الخطأ أن نظن أن حوادث العالم تدور حول محور الإنسان، وأنها دبرت تدبيرا لكي تنتهي إلى ~~غاية يريدها، إذ من الوهم أن نضع البشر في مركز العالم، ولعل أساس الأخطاء التي زل فيها ~~كثير من الفلاسفة هو إدخال المقاييس البشرية في سير العالم، ومن هنا نشأت مسألة الشر، ناسين ~~أن الله فوق خيرنا وشرنا، وأن الخير والشر نسبيان يتبعان أذواق البشر وأغراضهم. يقول ~~«سبينوزا»: إن الإنسان يحكم أحيانا على حوادث العالم بأنها عبث أو شر؛ لأنه لا يرى الكون ~~إلا من جانب واحد، فهو جاهل بنظام الطبيعة وقانونها الشامل وتماسكها وتكوينها كلا ~~واحدا، وهو يريد أن تجيء الأشياء وفق ما يبغي، مع أن ما يحكم عليه الإنسان بالشر ليس شرا ~~بالنسبة إلى قانون الطبيعة ونظامها، فالخير والشر كلمتان لا تدلان على شيء إيجابي، بل هما ~~آراء شخصية تتغير بتغير ظروف الإنسان، ولا تعترف بهما الحقيقة الخالدة، وقل هذا في القبيح ~~والجميل، إذ هما كذلك أمران اعتباريان لا يدلان على حقيقة واقعة «إنني لا أعزو للطبيعة ~~جمالا ولا قبحا، ولا أنسب إليها نظاما أو تهويشا، فإن الأشياء لا يمكن أن تسمى جميلة أو ~~قبيحة، أو أنها حسنة الترتيب أو سيئته إلا بالنسبة إلى مداركنا نحن»، «فإن كانت الحركة التي ~~تستقبلها الأعصاب من الأشياء التي أمامنا بواسطة الأعين تؤدي إلى الأريحية، فإنها عندئذ ~~تسمى جميلة، وإن لم تكن كذلك سميت قبيحة.» # وكما أدخل الإنسان شخصيته في النظر إلى الحقيقة الخالدة من حيث الخير والشر والجمال ~~والقبح، فقد نظر إلى الله أيضا من وجهة نظر بشرية محضة، أما «سبينوزا» فيرفض هذه النظرة ~~رفضا قاطعا، وينكر أن يكون الله شخصا بأي معنى من معاني هذه الكلمة، ويلاحظ أن قد تواضع ~~الناس على تصوير الله في صورة المذكر لا ms085 المؤنث، فمثلا يقال عنه هو ولا يقال هي، ويعلل ~~«سبينوزا» هذا التذكير لله بخضوع المرأة للرجل. فمن هذه السيطرة التي يتمتع بها الرجل ~~توهم الإنسان أن الله لا بد أن يكون مذكرا في نوعه، وبديهي أنه لا يتصف بصفة بشرية. وقد ~~كتب «سبينوزا» إلى رجل اعترض عليه في تصويره لله بصورة غير مشخصة، قال: «إنك حين تنقدني ~~لأنني أنكر أن يكون لله بصر وسمع وعلم وإرادة وما إليها ... لا تدري أي نوع من الله إلهي، ~~وإني لأحسبك معتقدا بأنه ليس أكمل ممن يتصف بالصفات السابقة، وكم يدهشني ذلك، وإني أعتقد ~~أن المثلث إذا استطاع أن يتكلم لزعم على هذا النحو بأن الله مثلثي في صفاته. كذلك تقول ~~الدائرة إن طبيعة الله دائرية في أساسها، وهكذا يخلع كل شيء صفاته الخاصة على الله.» # وإذن لا العقل ولا الإرادة جزء من طبيعة الله بمعناهما المعروف، ولكن إرادة الله هي مجموع ~~الأسباب كلها والقوانين كلها التي تسير في الطبيعة على أساسها، وعقل الله هو مجموع العقول ~~كلها المنبثة في الكون. يقول «سبينوزا»: «إن عقل الله هو كل القوة العقلية المنبثة في ~~أرجاء المكان والزمان، هو الإدراك المنتشر في العالم وهو الذي ينفخ فيه الحياة.» «فكل ~~الأشياء حية بدرجات.» «والحياة أو العقل جانب واحد لكل ما نعهد من أشياء كما أن الامتداد ~~المادي - أي الجسم - جانب آخر. وهذان العقل والجسم هما الوجهان أو الصفتان اللتان بهما ندرك ~~عمل الله، وبهذا المعنى يمكن أن يقال عن الله إن له عقلا وجسما، فلا المادة وحدها ولا ~~العقل وحده هو الله، ولكنه العملية العقلية والعملية الذرية اللتان منهما يتألف الكون ~~وتاريخه. نعم إن الله هو هذان الجانبان معا وما يسيرهما من أسباب وقوانين.» ~~(ب) # المادة والعقل: # وما دمنا بصدد المادة والعقل، فلنا أن نتساءل: ما هما؟ أيمكن أن يكون العقل ماديا، كما ~~يظن فريق كبير من ذوي الخيال الضيق المحدود، أم الجسم المادي مجرد فكرة عقلية، كما يزعم ذوو ~~الخيال الشارد؟ وكيف يؤثر العقل في الجسم أو ms086 الجسم في العقل؟ وهل صحيح ما ذهب إليه ~~«مالبرانش» أنهما مستقلان لا يتصل أحدهما بالآخر، وكل الأمر أنهما يسيران في خطين ~~متوازيين؟ # يجيب «سبينوزا» عن ذلك بأن ليس العقل مادة ولا المادة فكرا، فلا يؤثر العقل في الجسم ~~ولا يؤثر الجسم في العقل، ولا هما مستقلان متوازيان إذ ليس هنالك عمليتان، وليس هنالك ~~وجودان مادة وعقل، بل إن في الكون شيئا واحدا وعملية واحدة، تراها من الداخل فكرا ومن ~~الخارج حركة، نعم هنالك وجود واحد يظهر تارة عقلا وطورا مادة، ولكن ليس في الواقع إلا ~~مزيج مندمج من العنصرين، وإذن فالعقل والجسم لا يؤثر أحدهما في الآخر؛ لأنهما ليسا شيئين، ~~بل شيء واحد «فلا يستطيع الجسم أن يحمل العقل على أن يفكر، ولا يستطيع العقل أن يحمل ~~الجسد على أن يتحرك أو يسكن أو يتخذ وضعا آخر.» وعلة ذلك هي أن «حكم العقل رغبة الجسد ~~وميوله ... شيء واحد بعينه.» وليس هذا الازدواج قاصرا على الإنسان إنما هو كائن في كل شيء، ~~فأينما وجدت عملا «ماديا» فليس ذلك إلا جانبا واحدا من العملية الحقيقية التي لا يراها ~~بوجهيها إلا النظر الشامل الذي يمكنه أن يدرك العملية العقلية الباطنة المتسترة وراء ~~الظاهرة المادية، وهي أشبه شيء بخلجات العقل في الإنسان. وعلى ذلك فكل عملية «عقلية» ~~يقابلها عملية «مادية»، «ونظام الأفكار وارتباطها هو نفس نظام الأشياء وارتباطها.» وإذن ~~فعنصر الفكر وعنصر المادة الممتدة شيء واحد، يبدو مرة فكرا، ومرة امتدادا. # ليس هناك فرق حقيقي بين العقل، كما يمثله الله، وبين المادة ، كما تمثلها الطبيعة، فهما ~~شيء واحد «يسمى بالله آنا، وبالطبيعة آنا آخر تبعا لوجهة نظر الرائي، فليس العالم المرئي ~~منفصلا عن الله، بل هو مظهره الذي يبدو به لا أكثر، والعالم يتدفق منه؛ لأنه الينبوع الأول ~~الذي تصدر عنه الحياة وجواهر الأشياء، كما يصدر الشيء النهائي من اللانهائي، أو كما يصدر ~~التعدد من الوحدة، والله هو الوحدة التي تعود تلك الأشياء المتعددة فتلقى فيها مرة أخرى. ~~«الامتداد» هو «فكر» مرئي، والفكر هو ms087 امتداد خفي، وهذا يوضح العلاقة بين الجسم والعقل وما ~~بينهما من انسجام تام.» # من ذلك نرى أن «سبينوزا» قد أزال الحد الفاصل بين الجسد والعقل، واتخذ منهما حقيقة ~~واحدة ذات مظهرين، وما دام الأمر كذلك فليس العقل والإرادة شيئين مختلفين، إنما هما حقيقة ~~واحدة، وكل ما بينهما من فرق هو خلاف في الدرجة لا في النوع. فمن الخطأ أن نزعم بأن للعقل ~~«ملكات» منفصلا بعضها عن بعض، إذ ليس العقل حانوتا يتجر بأنواع الفكر، فهذا خيال، وهذه ~~ذاكرة، وتلك إرادة، ولكنه هو الأفكار نفسها في سيرها وتسلسلها، ولفظة «العقل» إنما نطلقها ~~اصطلاحا على سلسلة الأفكار، كما نطلق لفظ «الإرادة» على سلسلة الأفعال والرغبات، مع أن كل ~~فكرة وكل رغبة فيها العقل وفيها الإرادة معا، لا فرق بين فكرة وفكرة، أو بين رغبة ورغبة ~~«كما أن الصخرية موجودة في كل صخرة.» لا فرق بين واحدة وأخرى. وصفوة القول إن «الإرادة ~~والعقل شيء واحد؛ لأن المشيئة فكرة طال بقاؤها في الشعور، ثم تحولت إلى عمل، وكل فكرة لا بد ~~أن تصير عملا، إلا إذا عطلتها عن ذلك فكرة معارضة، فالفكرة هي المرحلة الأولى لعملية عضوية ~~متماسكة، ويتممها العمل الخارجي.» # ويرى «سبينوزا» أن ما يسمى بالإرادة هو في الواقع رغبات أو غرائز أساسها جميعا هو حفظ ~~بقاء الفرد، فكل نشاط بشري - مهما تنوع واختلف - صادر عن هذه الرغبة في حفظ البقاء، شعر بذلك ~~الإنسان أو لم يشعر، وفي ذلك يقول: «كل شيء يحاول أن يبقي على وجوده، وليس هذا المجهود لحفظ ~~بقائه إلا جوهر حقيقته، فإن القوة التي يستطيع بها الشيء أن يبقى هي لب وجوده وجوهره، وكل ~~غريزة هي خطة هذبتها الطبيعة؛ لكي تكون سبيلا لبقاء الفرد، والسرور والألم هما إجابة غريزة ~~أو تعطيلها، فهما ليسا سببين لرغباتنا، ولكنهما نتيجة لها، إذ نحن لا نرغب في الأشياء ~~لأنها تسرنا، بل هي تسرنا لأننا نرغب فيها؛ إذ لا مندوحة لنا عن ذلك.» # فإن صح ما زعمه «سبينوزا» من أن الإنسان مدفوع برغبة كامنة ms088 فيه لحفظ بقائه، ولا يسعه ~~إلا أن ينصاع لها، فليس للإنسان إرادة حرة؛ لأن ضرورة البقاء تحدد الغرائز، والغرائز تحدد ~~الرغبة، ثم الرغبة تقيد الفكر والعمل، «فليس للعقل إرادة مطلقة أو حرة، ولكنه حينما يريد ~~هذا الشيء أو ذاك مسير بسبب، وهذا السبب يسيره سبب آخر، وهذا يسيره ثالث، وهكذا إلى ما لا ~~نهاية.» وقد يتوهم الناس أنهم أحرار؛ لأنهم يدركون رغباتهم وشهواتهم، ولكنهم يجهلون الأسباب ~~التي تدفعهم أن يرغبوا ويشتهوا، وهنا يشبه «سبينوزا» الإنسان في حياته بحجر ملقى لا ~~يملك في نفسه اختيارا، غير أنه لو وهب شيئا من الشعور لزعم مع ذلك أنه إنما يسير في هذا ~~الاتجاه المعين برغبته، وأنه هو الذي رسم لنفسه مكان السقوط. # وما دامت الأعمال البشرية تسير وفق قانون ثابت كقوانين الهندسة مثلا، فيجب ألا يدرس ~~الفيلسوف النفس الإنسانية إلا كما يعالج جمادا. وفي هذا يقول سبينوزا: «إنني سأكتب عن ~~الكائنات البشرية كما لو كان موضوع دراستي خطوطا وسطوحا وأجساما صلبة.» «فلن أسخر ولن ~~أرثي أو أمقت الأعمال البشرية، ولكني أريد أن أفهمها، ولذلك نظرت إلى العواطف ... لا ~~باعتبارها شرورا في الطبيعة البشرية، ولكن بصفتها خواص لازمة لها كما تلازم الحرارة ~~والبرودة والعواصف والرعد وما إليها طبيعة الهواء.» # وهذا الدرس الموضوعي للسلوك الإنساني قد مكن «سبينوزا» من أن يخرج للناس بحثا في ~~الأخلاق لا يكاد يدنو منه كتاب قديم أو حديث. ويقول عنه فرويد العالم السيكولوجي المعاصر: ~~«إنه أكمل دراسة جاء بها فيلسوف أخلاقي في أي عصر من العصور.» ~~(ج) # العقل والأخلاق: # للأخلاق الكاملة أو بعبارة أخرى للمثل الأعلى للأخلاق صور ثلاث: أولها ما دعا إليه بوذا ~~والمسيح، من رحمة ولين، واعتبار الناس جميعا سواسية لا يمتاز رجل عن رجل، وهما يدفعان الشر ~~بالخير، ويوحدان بين الفضيلة والحب، ويميلان في السياسة إلى الديموقراطية المطلقة، وثانيها ~~ما دعا إليه ماكيافيلي ونيتشه، من تحبيذ القوة وعدم المساواة بين الناس، وهما يدعوان إلى ~~القتال، إذ يريان أن فيما فيه من أخطار وانتصار لذة الحياة كلها، وعندهما ms089 أن الفضيلة هي ~~القوة، ويناديان في السياسة بتسليم الحكم إلى طبقة أرستقراطية، وثالثها أخلاق سقراط ~~وأفلاطون وأرسطو، الذين ينكرون إمكان تطبيق أحد المثالين السابقين تطبيقا مطلقا عاما، ~~فلا القوة وحدها ولا الرحمة وحدها تستطيع أن تسود، وهم يعتقدون أن العقل المثقف الناضج وحده ~~هو الذي يستطيع أن يحكم - تبعا للظروف المختلفة - متى يجب أن يسود الحب، ومتى ينبغي أن ~~تتحكم القوة، وهم بذلك يوحدون بين الفضيلة والعقل، ويرون أن تكون الحكومة السياسية مزيجا ~~من الأرستقراطية والديمقراطية. # تلك صور ثلاث من الأخلاق المثالية كما رآها الفلاسفة في عصور مختلفة، وقد تناولها ~~سبينوزا فآخى بينها وأدمجها جميعا في وحدة منسجمة، فأنتج للإنسانية نظاما للأخلاق هو ~~أسمى ما سما إليه الفكر الحديث. # بدأ سبينوزا البحث بأن اتخذ السعادة غرضا للأخلاق، وعرف السعادة بأنها وجود اللذة ~~وانتفاء الألم، ولكن اللذة والألم نسبيان وليسا مطلقين، بل ليست اللذة والألم حالتين ~~معينتين، ولكنهما حالتا انتقال «فاللذة هي انتقال الإنسان من حالة كمال أدنى إلى حالة أعظم ~~كمالا»، «والألم هو انتقال الإنسان من حالة كمال أعظم إلى أخرى أقل كمالا.» وأنا أقول: إن ~~اللذة انتقال؛ لأن اللذة ليست الكمال ذاته، فإذا ولد إنسان كاملا ما شعر بعاطفة اللذة، ~~ونقيض هذا يزيد الأمر وضوحا، فالعواطف والمشاعر هي في حقيقة أمرها تحرك وانتقال نحو ~~الكمال والقوة، أو منهما فنازلا. # 5 # يقول سبينوزا: «أنا أفهم من العاطفة # emotion # أوضاع الجسد التي تزيد فيه أو ~~تنقص منه قوة العمل، والتي تعاون أو تعطل هذه القوة، وأفهم منها في الوقت نفسه الأفكار ~~والتصورات التي تصحب تلك الأوضاع.» فالعاطفة أو الشعور لا يكون خيرا أو شرا في نفسه، ~~ولكن بمقدار ما ينقص من قوتنا أو يزيد، وإني لأقصد معنى واحدا من لفظتي القوة والفضيلة، إذ ~~الفضيلة عندي إنما هي قوة العمل، وإذن فهي ضرب من القوة «فكلما استطاع الإنسان أن يحتفظ ~~ببقائه، وأن يبحث عما ينفعه كان قسطه من الفضيلة أعظم.» ويطلب «سبينوزا» من الإنسان أن ~~يضحي بنفسه من أجل غيره، بل الأنانية ms090 عنده نتيجة لازمة للغريزة العليا. غريزة الاحتفاظ ~~بالذات «ولا يمكن لإنسان أن يترك شيئا يعلم أنه خير له إلا إذا كان يؤمل خيرا أكبر منه.» ~~وإنه لواجب على الإنسان في رأيه أن يحب نفسه، وأن يلتمس ما ينفعه، وأن يبحث عما ينتقل به ~~إلى حالة أكمل من حالته، ولا خطر من حب الإنسان لنفسه ما دام العقل لا يطلب شيئا يعارض سير ~~الطبيعة. # ولا يؤمن «سبينوزا» بقيمة التواضع، ويرى أن التواضع من جانب القوي لا يكون إلا خداعا ~~يضلل به الناس، وهو من جانب الضعيف خجل، وهو في كلتا الحالتين يستتبع نقصا أو فقدانا ~~للقوة، والفضائل عند سبينوزا ليست إلا ضروبا من المقدرة، ولكن سبينوزا حينما تصدى ~~لمقاومة التواضع لم يفته أن يلاحظ أنه نادر بين الناس، بل يكاد ينعدم. وإنك لترى الفلاسفة ~~الذين يكتبون الرسائل في تمجيد التواضع يزينون صدور كتبهم بأسمائهم رغبة منهم في الإعلان ~~عن أنفسهم. ويعجب سبينوزا من كثرة ما يأكل قلوب الناس من حقد وحسد وكراهية، ولا يرى ~~علاجا لهذه الأمراض التي تفت في عضد المجتمع إلا التخلص من تلك النزعات الخبيثة وأشباهها، ~~وهو يعتقد أن ذلك هين ميسور، فالكراهية مثلا يمكن قتلها بالحب؛ لأنك لو رددت مقت الحقود ~~بعاطفة الحب أزلت من صدر عدوك مقته على الفور، أما إن بادلته كرها بكره، فإنك بذلك توسع ~~هوة الخلاف، وتغذي ما بينكما من بغض ونفور، «أما الذي يحس في نفسه أنه محبوب ممن يكرهه، ~~فإنه يصبح فريسة للعواطف المتضاربة: عواطف الحب والبغض، والحب يميل أن ينتج حبا، فتتحلل ~~كراهيته وتفقد قوتها، وإن كرهك رجلا لاعتراف منك بخوفك منه وضعة منزلتك عنه؛ لأن الإنسان ~~لا يمقت عدوا إن كان عن ثقة أنه يستطيع أن يتغلب عليه.» # ولكن على الرغم من هذه النزعة المسيحية نحو الحب، فإن «أخلاق» سبينوزا إغريقية الصبغة ~~بوجه عام ما دامت «محاولة الفهم هي أساس الفضيلة الأول والأوحد.» لأنه بالفكر وحده يمكن ~~للإنسان أن يرى موقفه من جميع نواحيه، أما إذا تحكمت فيه العواطف، ms091 فإنه لا يرى من الموقف ~~إلا جانبا واحدا، وبذلك يصل إلى نتائج باطلة؛ إذ العاطفة عبارة عن «فكرة ناقصة»، ولكن إن ~~كانت عواطف الإنسان الغريزية لا تصلح أن تتخذ دليلا يهتدى بهديه - لأن الغرائز بطبعها ~~تسعى كل منها لإشباع نفسها غير آبهة لصالح الشخصية في مجموعها - فيجب أن تستخدم كقوة دافعة ~~يسيرها العقل كيف شاء، فالعاطفة عمياء حتى يهديها العقل، كما أن العقل ميت إلى أن تنفخ فيه ~~العاطفة روح الحياة. فبدل أن يسلط الإنسان عقله على عواطفه ليكونا ضدين متعارضين - وكثيرا ~~ما تظفر العواطف في مثل هذا المضمار؛ لأنها أقدم في الإنسان عهدا وأرسخ قدما - يقترح ~~سبينوزا أن يضرب الإنسان عاطفة بعاطفة، أي أن يجعل من عواطفه التي ترتكز على أساس من ~~العقل عدوا هادما للعواطف الأخرى التي لا تقوم على دعامة من العقل؛ وذلك لأنه يرى «أن ~~العاطفة لا يمكن أن تكبت أو تدفع إلا بعاطفة أخرى مناقضة لها تكون أقوى منها.» وهكذا ~~يتناصر العقل والمشاعر على الوصول إلى النتيجة المرجوة المحمودة، ثم يستطرد سبينوزا ويقرر ~~«أن العاطفة لا تظل عاطفة إذا ما تكونت في الذهن فكرة عنها واضحة محددة.» وبعبارة أخرى ~~كلما استطاع العقل أن يحول ما فيه من عواطف إلى أفكار صار أمتن أساسا وأبعد عن أن تزعزعه ~~العواطف الجامحة، وشهوة الإنسان إن كان مصدرها الذي تولدت منه فكرة مبهمة ناقصة عدت عاطفة، ~~أما إذا نشأت عن فكرة مضبوطة محددة واضحة كانت فضيلة محمودة. وبعبارة أوضح: كل ما يعمله ~~الإنسان، ويكون مبنيا على أساس من العقل والتفكير - لا على المشاعر والعواطف - فهو عمل ~~فاضل، وإذن فلا فضيلة عند سبينوزا إلا العقل. # ولعلك تلاحظ في «أخلاق» هذا الفيلسوف أنها قائمة على فكرته فيما وراء الطبيعة، فكما قرر ~~في «الميتافيزيقا» أن الفلسفة الصحيحة تحاول أن تدرك القانون الكامن وراء الأشياء الجزئية ~~التي تقع تحت الحس، فهو يقرر هنا كذلك أن الفلسفة يجب أن تضع قانونا ينتظم رغبات الإنسان ~~المتنافرة، وبعدئذ يستطيع الإنسان أن يسلك سلوكا يتفق مع ما ms092 يمليه العقل الذي يعيننا على ~~أن ننظر للمواقف المختلفة نظرة واسعة شاملة تنفذ - بعون الخيال - إلى أبعد النتائج. فبالعقل ~~والخيال معا يمكن للإنسان أن يتنبأ بما عساه يحدث، وبهذا يستطيع أن يتحكم في مستقبله، وأن ~~يحرر نفسه من كثير من القيود. # بهذا وحده تكفل للإنسان حريته؛ إذ الحرية الحقة هي سيطرة العقل وفاعليته، هي التخلص من ~~أغلال العواطف العمياء التي لا تستنير بهدي العقل وإرشاده، فلن يكون الإنسان حرا إلا بقدر ~~ما هو عالم عاقل، # 6 # ولكي تكون إنسانا أعلى لا ينبغي أن تتحرر من قيود المجتمع ونظامه، بل إن سمو ~~الإنسانية في التحرر من تحكم الغرائز، وبهذا وحده يكمل الرجل الحكيم. وإن من يحيا حياة ~~الفضيلة مسترشدا بحكم العقل تراه حين يلتمس ما ينفعه يراعي أن يكون ذلك نافعا للبشر ~~أيضا؛ لأنه لا يرى خيرا لشخصه إلا فيما يعود بالخير على البشر جميعا، وإن أردت أن تكون ~~عظيما فلا تحاول أن تضع نفسك فوق أعناق الناس لتحكمهم، بل حسبك أن تدفع عن نفسك شرور ~~شهواتك العمياء، فالعظمة الحقة في حكمك لنفسك أنت. # وحكم الإنسان لنفسه هو أسمى ما ينشد من حرية، وهي حرية أرفع وأنبل مما يطلق عليه الناس ~~اسم «الإرادة الحرة»، فليست الإرادة حرة بأي معنى من معاني الحرية، ولا يقولن أحد إنه ما ~~دام مغلولا مقيدا لا يتمتع بحرية إرادة، فليس مسئولا عن أعماله وسلوكه من الوجهة ~~الأخلاقية. # وليس في تقييد إرادة الإنسان ما يهبط بأخلاقه، بل إن ذلك ليسمو بها إلى مستوى رفيع؛ لأنه ~~يعلم الإنسان ألا يحقر أحدا أو يسخر من أحد، وألا يغضب أو يحقد على أحد؛ إذ الناس في ~~الواقع برآء مما يقترفون من آثام؛ لأنهم لا يعرفون ما يفعلون. وهنا يطالبنا «سبينوزا» ألا ~~نصب الغضب على المجرمين، فإن أنزلنا بهم العقاب لسلامة المجتمع، فينبغي أن يكون مشوبا ~~بروح العطف والتسامح. هذا وإن عقيدتنا بالجبر تقوي عزائمنا، وتشد من أزرنا إذا ما كشرت ~~لنا الأيام عن أنيابها؛ لأننا سنعلم أن ما يأتي به ms093 الدهر نتيجة لازمة لقانون الكون، إن ~~خيرا وإن شرا، فيكفي أن نعلم في يقين ثابت أن كل شيء في العالم إنما يقع بأوامر الله ~~الخالدة التي لا تغير ولا تبدل؛ لكي نغتبط ونرضى عن كل ما نصادفه في الحياة، ومم تتألم ~~وتشكو ما دمت تدرك أن ما تلقاه من حظ عاثر لم يجئ اعتباطا ولا مصادفة، بل هو جزء من بناء ~~الكون المحكم، ولا بد منه لكي يتم الانسجام والاتساق. وهكذا يعلمنا جبر الإرادة أن ~~الأشياء والأحداث كلها أجزاء من نظام خالد، وأنه يجب أن نبتسم للأيام على أية حال، إذ لا بد ~~مما ليس منه بد، وفي ذلك يقول نيتشه: «إن ما هو ضروري لا يضرني، فإن حب القدر لباب ~~طبيعتي.» كذلك تعلمنا هذه الفلسفة الجبرية ألا نبتئس بالموت، بل «إن أقل ما يفكر فيه ~~الرجل الحي هو الموت.» ~~(د) # الدين والخلود: # هكذا كان «سبينوزا» يبشر في فلسفته بحب العالم الذي كان هو فيه منبوذا طريدا، فقد خفف ~~من ألم عزلته أنه جزء من كل، وأنه لا شك خاضع للقانون الشامل الثابت الذي يسير الكون كله ~~تبعا له، وباعتبار الإنسان جزءا من هذا الكل فهو خالد؛ لأنه «يستحيل أن ينمحي العقل ~~البشري انمحاء تاما مع الجسم البشري، بل إن هناك جزءا منه سيظل خالدا.» وهذا الجزء ~~الخالد هو الذي يدرك الأشياء كأجزاء من الكل الخالد، وكلما أمعن الإنسان في إدراكها على هذا ~~النحو، ازداد فكره أبدية وخلودا. وهنا يختلف الشراح في تفسير ما يقصده «سبينوزا» من معنى ~~الخلود، فيذهب بعضهم إلى أنه يريد به الشهرة أو الذكر أو الأثر، أي أن جانب الفكر والعقل من ~~حياتنا سيبقى بعد موتنا، ويظل أثره فعالا في الأجيال المقبلة، ويزعم بعض آخر أن ~~سبينوزا إنما يعني خلودا فرديا شخصيا. هذا وسبينوزا ينكر العقاب والثواب، فهو ~~يقول: «إن الذين ينظرون إلى الفضيلة كأنها إذلال للنفس، ثم ينتظرون أن يجزيهم الله عنها ~~جزاء أوفى لأبعد ما يكونون عن فهم الفضيلة فهما صحيحا، أفليست الفضيلة وخدمة ms094 الله هما ~~السعادة نفسها والحرية العليا؟» «ليس النعيم في الثواب عن الفضيلة، ولكنه في الفضيلة ~~نفسها.» # وبهذه العبارة ينتهي كتاب «الأخلاق» الذي حوى من غزير الفكر ما يحمل كل قارئ أن يطأطئ ~~الرأس إجلالا لهذا السفر النادر بين ما أنتج البشر. ~~(4) # الرسالة السياسية: # لم يبق لدينا الآن من كتب «سبينوزا» إلا رسالته في السياسة التي ~~كتبها في أعوامه الأخيرة، والتي عجل به الموت دون أن يفرغ منها، وهذه الرسالة على صغرها ~~ملأى بالفكر العميق، حتى إن قارئها ليأسف عند تلاوتها أن لم تمهل المنية ذلك الفيلسوف حتى ~~يتمم هذا الكتاب الجليل، لا سيما أنه كان قد بلغ من نضوج الفكر أتمه وأسماه. # كان «سبينوزا» يكتب رسالته السياسية التي يدافع بها عن الديمقراطية في نفس العصر الذي ~~كان فيه «هوبز» يمجد الملكية المطلقة في إنجلترا، ويقاوم ثورة الشعب الإنجليزي على مليكه، ~~وقد جاءت فلسفة «سبينوزا» السياسية من القوة، بحيث أصبحت ينبوعا دافقا ظلت تستقي منه ~~الحركة الديمقراطية حتى بلغت أوجها على يدي «روسو» ورجال الثورة الفرنسية. # يذهب «سبينوزا» إلى أن الناس كانوا قبل نشأة المجتمع يعيشون فوضى لا ينتظمهم قانون، ولا ~~يسودهم نظام، وكانت القوة عندهم هي الحق، فمن استطاع أن يظفر بشيء فهو حق له، وإذن فلم تكن ~~لديهم فكرة الصواب والخطأ أو العدل والظلم «ولا يمكن لشيء في الحالة الطبيعية أن يسمى ~~خيرا أو شرا؛ لأن كل إنسان في تلك الحالة لا ينظر إلا إلى مصلحته، ولا يكون مسئولا أمام ~~أحد غير نفسه، ولا يحده قانون، وإذن فيستحيل أن تنشأ فكرة الخطيئة في الحالة الطبيعية؛ ~~لأنها فكرة لا تكون إلا في الحياة المدنية، حيث يتقرر بإجماع الرأي ما هو الخير وما هو ~~الشر، وحيث يكون الفرد مسئولا أمام الدولة.» # وتستطيع أن تلمس الحالة الطبيعية الأولى في سلوك الدول الآن بعضها مع بعض، حيث لا يربطها ~~ما يربط أفراد المجتمع الواحد؛ إذ كل منها تسعى لنفسها بغض النظر عن الأمم الأخرى، وليس ~~بينها «أخلاق» مرسومة تحدد تصرفاتها؛ لأن الأخلاق لا ms095 تكون إلا حيث توجد سلطة معترف بها، فإن ~~استطاعت دولة أن تظفر بشيء من القوة كان لها حقا غير منازع. # 7 # وما ذكرناه عن الدول صحيح كذلك بالنسبة لأنواع الحيوان، فهي متنافسة متنازعة لا ~~تعرف معنى للتعاون والإيثار، وكل نوع يحاول أن ينتفع على حساب الأنواع الأخرى؛ وذلك لأنه ~~ليس بينها أخلاق مقررة أو نظام للتعامل معترف به تقوم على صيانته هيئة مطاعة. # هذا التنافر والتنافس الذي تراه بين الأنواع المختلفة، كما تراه بين الدول، كان يسود ~~الأفراد قبل أن يتعاهدوا على تكوين مجتمع تصان فيه مصالح الأفراد، ولا يكون الحق فيه ~~مرتكزا على القوة، وقد دفع الناس إلى تكوين المجتمع شعورهم بالحاجة إلى التعاون والتآزر ~~على درء الخطر، إذ لم يستطع الفرد وحده أن يدفع عن نفسه كل ما كان يهدده من أخطار، وأن يحصل ~~في الوقت نفسه ضرورات الحياة، فلكي يهون الإنسان على نفسه أمر الدفاع عن النفس، حتى يتفرغ ~~لشئون الحياة، مال بطبعه إلى النظام الاجتماعي، ومن هذا ترى أن الناس ليسوا مهيئين بطبيعتهم ~~لاحتمال النظام الاجتماعي، ولكن الخطر هو الذي ولد فيهم الاجتماع، والاجتماع يغذي ويقوي ~~الغرائز الاجتماعية شيئا فشيئا «فلا يولد الإنسان لكي يكون مواطنا (أي فردا من مجتمع)، ~~ولكنه يجب أن يراض على ذلك.» # فمعظم الناس تحتبس في صدورهم ثورة على التقاليد والقوانين؛ لأن الغرائز الفردية أقوى ~~وأرسخ من الغرائز الاجتماعية، ولذا كانت هذه الأخيرة في حاجة إلى مران وتدريب. ويزعم ~~سبينوزا أن ليس الإنسان خيرا بطبيعته (كما ذهب روسو)، ولكن الاجتماع هو الذي يولد ~~التراحم والتعاطف، فلا يسع الإنسان إلا أن يعطف على ذويه وعشيرته، # 8 # ثم على أمته، ثم على الإنسانية جميعا. # ولقد رضي الإنسان - حينما قبل أن يكون عضوا في المجتمع - أن يتنازل عن بعض قوته، فلكل فرد ~~أن يستعمل قوته في اكتساب مصالحه على شرط ألا يتعدى على حرية الآخرين التي يجب أن تكون ~~مساوية لحريته، وبذلك يكون الفرد قد أعطى للجماعة جزءا من قوته الطبيعية في مقابل أن تمكنه ms096 ~~الجماعة من استغلال ما بقي له من القوة إلى أقصى حد مستطاع دون أن يخشى على نفسه خطرا ~~واعتداء، ولكي يستطيع المجتمع أن يصون للأفراد ما تعهد لهم به من طمأنينة وأمن أوجد قانونا ~~يحدد تصرفات الناس ومعاملاتهم، وقد اضطر المجتمع إلى وضع هذا القانون؛ لأنه يعلم أن الناس ~~مدفوعون في حياتهم بعواطفهم، والعواطف وحدها عمياء لا تدري أين تسوق صاحبها، بحيث ينتفع ولا ~~يضر الآخرين، فلو كان الناس جميعا مسوقين بالعقل لما كان للمجتمع حاجة إلى القانون، ~~فالقانون في الواقع بالنسبة إلى الأفراد بمثابة العقل من العواطف، أو هو يجب أن يكون ~~كذلك. # فكما ارتأى «سبينوزا» في «الميتافيزيقا» أن هنالك حكمة مدبرة وعقلا منظما يكمن وراء ~~الأشياء، وعلى الفيلسوف أن يدرك ما وراء فوضى الأشياء الظاهرة من انسجام واتساق، وكما ارتأى ~~في «الأخلاق» أن الحكمة هي في إيجاد التعاون والنظام بين الأهواء المتضاربة والشهوات ~~المتنافرة، كذلك في السياسة أيضا يرى أن أساس المجتمع نظام خفي كامن وراء نزعات الأفراد ~~المتضاربة في الظاهر. فالدولة الكاملة ينبغي ألا تحد من قوة الفرد إلا بمقدار ما تتقي به ~~خطر هذا الفرد على بنائها وكيانها، وهي في الوقت نفسه يجب ألا تنزع من الأفراد حرية إلا إذا ~~أضافت إليهم أكبر مما انتزعت. ~~«ليس الغرض الأقصى من الدولة أن تسيطر على الأفراد، ولا أن تكممهم بالمخاوف، ولكن الغاية ~~منها أن تحرر كل إنسان من الخوف، حتى يستطيع أن يعيش ويعمل في أمن تام دون أن يضر نفسه أو ~~يؤذي جاره. إني أكرر القول بأن ليست غاية الدولة أن تحول الكائنات العاقلة إلى حيوانات ~~متوحشة أو آلات، بل إن الغرض منها هو أن تمكن أجسامهم وعقولهم من العمل في أمن، غايتها أن ~~تهيئ للناس عيشا يستمتعون فيه بعقول حرة، حتى لا ينفقوا قوتهم في الكراهية والغضب والكيد ~~وإساءة بعضهم إلى بعض، إن غاية الدولة الحقيقية هي أن تكفل الحرية.» # الحرية هي غرض الدولة الأسمى؛ لأنها يجب أن تعمل على الرقي والنمو والكمال، والرقي إنما ~~يعتمد ms097 على مقدرة الأفراد وكفايتهم بشرط أن تجد مجال العمل أمامها حرا طليقا، ولكن ماذا ~~يفعل الأفراد إن طغى الحكام وقيدوا حريتهم ونموهم؟ يجيب «سبينوزا» عن ذلك بأن واجب الفرد ~~هو طاعة القانون - حتى ولو كان جائرا ظالما - ما دامت السلطة الحاكمة لا تمنع الناس من ~~حرية الكلام والنقد والاحتجاج، «وإني أعترف بأن بعض النتائج السيئة قد ينشأ من مثل هذه ~~الحرية. ولكن أية مسألة قد اتبع فيها رأي حكيم فاستحال عليها أن تنتج السوء؟» إن القوانين ~~التي تلجم الأفواه، وتحطم الأقلام تهدم نفسها بنفسها؛ لأنه لن يلبث الناس أمدا طويلا على ~~احترامهم للقوانين التي لا تجيز لهم أن ينقدوها: ~~«كلما جاهدت الحكومة أن تنتقص من حرية الكلام كانت مقاومة الناس إياها أشد ... فقد جبل ~~الناس بوجه عام على ألا يشتد قلقهم، ويفرغ صبرهم من شيء بقدر ما يحدث ذلك عندما تعد الآراء ~~- التي يعتقدون أنها حق - جرائم تعارض القانون ... وعندئذ لا يعتبر الناس أن مقت القوانين ~~ومقاومة الحكومة عار، بل هو في هذه الحالة شرف عظيم.» # فكلما قلت رقابة الدولة على العقل ازداد المواطنون والدولة صلاحا. ومن أفدح الأخطار التي ~~تهدد كيان المجتمع أن يمتد سلطان الحكومة من أجسام الناس وأعمالهم إلى نفوسهم ~~وأفكارهم. # إذا ظفر الإنسان بهذه الحرية فلا يعنيه أي نوع من أنواع الحكومات يسود، فلتكن ديمقراطية ~~أو أرستقراطية أو أي لون آخر، ما دام كل فرد تربى ويراض على تفضيل حق الجماعة على ~~منفعته الخاصة، ولكن سبينوزا مع ذلك يميل إلى الديمقراطية ويمقت الملكية المستبدة. ~~«قد يظن أن التجربة قد دلت على أن وضع السلطة كلها في رجل واحد يدعو إلى السلام وترابط ~~الأفراد، وقد يستدل على ذلك بأنه ليس بين الدول دولة لبثت أمدا طويلا بغير تغير محسوس ~~كما لبثت دولة الأتراك، ومن جهة أخرى لم يكن بين الدول أقصر أجلا من الدول الشعبية أو ~~الديمقراطية، ولا كثر العصيان في دولة كما كثر في هذه. ولكن إن كانت البربرية والعبودية ~~والذل تدعى سلاما، فليس أتعس للإنسان ms098 من السلام. فلا شك أن العراك يكثر ويشتد عادة بين ~~الآباء والأبناء منه بين السادة والعبيد، ومع ذلك فليس من صالح الأسرة أن ينقلب حق الوالد ~~إلى حق الملكية، وألا يعد الأطفال أكثر من عبيد، وإذن فوضع السلطة كلها في رجل واحد يؤدي ~~إلى العبودية لا إلى السلام.» # فالديمقراطية هي خير أنواع الحكومة، ولكن الديمقراطية لا تخلو من عيب فادح، ذلك أنها تميل ~~إلى وضع السوقة في مراكز القوة، ولكي نتقي هذا الخطر يجب أن نخصص الحكم لذوي الكفاية ~~الممتازة والدراية الواسعة؛ لأنه لو تحكم السوقة في الأمر فلا بد أن تثور الطبقة الممتازة ~~رافضة أن تذعن لمن هم أدنى منها وأوضع، وقد تستطيع هذه الطبقة بذكائها وقدرتها أن تظفر ~~بالسلطان رغم قلة عددها، «ومن هنا فيما أظن تتحول الديمقراطية إلى أرستقراطية، ثم تنقلب هذه ~~إلى ملكية آخر الأمر ...» # وشاء القدر أن يسدل الموت أستاره على حياة الفيلسوف وهو يكتب في هذا الفصل الذي يعالج فيه ~~الحرية والمساواة بين الناس، وقد ترك بعد موته أثرا قويا في مجرى الفكر، وتأثر به فلاسفة ~~كثيرون، وحسبك أن تعلم ما قاله هجل: «لن تكون فيلسوفا إلا إذا درست سبينوزا ~~أولا.» ~~(1-6) ليبنتز (1646-1716م) # ولد ليبنتز # Gottfrid Wilhelm Leibnitz # في ليبزج في اليوم الحادي والعشرين من شهر ~~يونيو سنة 1646م (أو في الثالث من شهر يوليو) من أب نال من العلم قسطا وافرا، وكان ~~أستاذا في جامعة ليبزج، وهي الجامعة التي تخرج فيها ابنه الفيلسوف. # التحق ليبنتز بجامعة ليبزج طالبا للقانون، ولكن ميله الغريب النادر إلى القراءة والمطالعة دفعه إلى اقتحام الكتب أيا كان لونها وعصرها، حتى أوشك أن يلم بكل ما ~~أنتج العقل البشري من فكر، لا يفرق في ذلك بين قديم وحديث، وكان ليبنتز أكثر الفلاسفة ~~اعتمادا على الكتب والمطالعة في اكتساب آرائه، وهو في ذلك على نقيض سبينوزا الذي لم يقرأ ~~كثيرا، وإنما استمد أكثر آرائه من نفسه بالتفكير والتأمل. # ليبنتز. # ولقد حدت به سعة اطلاعه إلى تشعب أغراضه في البحث، ms099 فأراد أن يتناول بالدرس كل العلوم، ~~فكان رياضيا وعالما في الفيزيقا ومؤرخا وميتافيزيقيا وسياسيا، ولم يكن فيما يكتب من ~~بحوث يلم إلمامة سطحية عجلى، بل كان يتعمق في كل موضوع، ويضيف إليه نتاجا جديدا. وكان كل ~~مطمحه من تلك الدراسة الفسيحة المتشعبة أن يوفق بين الآراء المتضاربة، وأن يجعل من التراث ~~الفكري وحدة منسجمة لا تناقض فيها ولا خلاف، وطمع أن يوجد لغة جديدة تكتب بها الفلسفة في ~~أنحاء العالم جميعا، وأمل أن يقارب بين الفكر القديم والفكر الحديث، ورجا أن يزيل ما قد ~~نشب بين الطوائف الدينية من خلاف، ثم أراد في السياسة أن يؤلف حلفا بين الدويلات الألمانية ~~المجاورة لنهر «الرين» لتقف سدا منيعا دون الأطماع الفرنسية التي كانت تتأجج في صدر لويس ~~الرابع عشر حينئذ. وحاول أن يوجه ذلك الملك الفرنسي العظيم وجهة أخرى، حتى لا يطمع في غزو ~~ألمانيا، فقدم إليه مشروعا بغزو فرنسا لمصر، وهكذا كانت طبيعة ليبنتز تنحو نحو التوفيق ~~والتوحيد، وسترى ما بذل في فلسفته من مجهود في ذلك. # ومما يؤسف له أن كانت في أخلاق هذا الفيلسوف دناءة وضعة، فكان شرها مقترا مرائيا ~~مخادعا، لا يبحث عن الحقيقة من أجل الحقيقة نفسها، ولا يدافع عن رأي أو ينقد رأيا إلا ~~لمآرب شخصية. ومن أمثلة ما يروى عنه في ذلك أنه كان أصدق الأصدقاء لسبينوزا في حياته، ~~فلما مات انقلب له عدوا لدودا يهدم آراءه ويهجوه، وقد بلغ به الحقد أن أثار حملة دينية ~~على نظرية «نيوتن» في الجاذبية، لا لشيء إلا لأنه أراد أن يهدم من عظمة الرجل. ~~(1) فلسفته ~~(1) # نظرية الذرات الروحية # Monadology ~~: # يجمل بنا قبل تناول هذه النظرية بالشرح أن نعود ~~بأبصارنا إلى الوراء قليلا، فنلقي نظرة على تتابع الفكر وتسلسل الرأي عند فلاسفة ذلك ~~العصر، فلقد مر بنا كيف قسم ديكارت الوجود إلى عنصرين أو جوهرين هما: الفكر والامتداد، أي ~~أن كل موجود في الوجود لا يعدو أن يكون شعورا أو مادة، أو بمعنى أوسع، روحا أو جسما، ولكن ~~وراء ms100 هذين الشطرين المتباينين المختلفين إلها لانهائيا كاملا لا يسع الفكر إلا أن يسلم ~~بوجوده، وكل من هذين العنصرين اللذين يتألف منهما الكون متجانس في جوهره مهما اختلفت أعراضه ~~وصفاته الظاهرة، فالأجسام المادية كلها، كائنا ما كان لونها، عنصر واحد، صفته الأساسية هي ~~المكانية والامتداد، والعقول كلها المنبثة هنا وهناك إن هي إلا عنصر واحد كذلك، صفته ~~الأساسية الشعور، فإن رأيت خلافا بين الأجسام المادية، فما ذاك إلا خلاف في الأعراض دون ~~الجوهر، كالشكل والحجم والوضع والحركة، وإن لحظت تباينا بين العقول فما هو إلا تباين في ~~الأعراض أيضا دون الجوهر والأساس، كالأحكام والأفكار والإرادة. فالأجسام الفردية أعراض ~~لجوهر واحد هو المكانية، والعقول الفردية أعراض لجوهر واحد هو الشعور. # ولكن كيف اتحد هذان العنصران المختلفان في الإنسان؟ وكيف أمكن أن يؤثر أحدهما في الآخر؟ ~~إن ديكارت لا يشك في أن للجسم تأثيرا على العقل؛ لأننا لو قلنا إن العقل قد استمد أفكاره ~~الواضحة المحدودة من الله، فلن نستطيع أن نزعم أن ما فيه من أفكار مهوشة غامضة قد جاءته من ~~الله كذلك، وإذن فلا بد أن تكون قد نشأت من علاقة العقل بالجسد. فبماذا إذن تعلل تأثير ~~الجسم المادي في العقل الشعوري على ما بينهما من اختلاف في الجوهر؟ يجيب ديكارت بأن هذه ~~علاقة شاذة لا تتفق مع طبائع الأشياء، ولا يتردد في أن يعترف بأن إرادة الله قد تدخلت في ~~الأمر فوحدت بين ذينك العنصرين المتناقضين، بحيث يؤثر أحدهما في الآخر. ويزعم ديكارت أن هذا ~~الشذوذ لا يوجد إلا في الإنسان وحده دون سائر المخلوقات، وأما سائر أنواع الحيوان فهي في ~~نظره أجسام مادية وأحاسيسها لا تزيد على حركات عصبية تنشأ عنها دوافع تحركها حركات منعكسة ~~لا أثر للفكر فيها. # جاء «سبينوزا» فأنكر هذا الشذوذ في التفكير، فلو كان في الكون كما يزعم جوهران منفصلان ~~هما المادة والعقل لاستحال أن يؤثر أحدهما في الآخر؛ لاختلاف عنصريهما. ورأى «سبينوزا» أن ~~أساس الخطأ كله هو في فهم حقيقة الله، فلا مادة هناك ms101 ولا فكر، ولا إله يصل ما بينهما في ~~الإنسان ويدعهما منفصلين في سائر ظواهر الكون، إنما في الكون حقيقة واحدة، جوهر واحد، عنصر ~~واحد، هو العقل وهو المادة وهو الله معا. لا يرى «سبينوزا» أن الله يخلق العالم، بل عنده ~~أن الله هو العالم. # ثم جاء «ليبنتز» فوقف من «سبينوزا» موقف النقيض، فلم يذهب معه فيما ذهب إليه من وحدة ~~الكون، بل نادى بمذهب «التعدد» Pluralism ~~، الذي يرى في الكون حقائق فردية لا نهاية لها، ~~وليس كل ما فيه حقيقة واحدة كما يدعي مذهب «الواحدية» # Monism # الذي أخذ به «سبينوزا»، ولكن ~~«ليبنتز» حين نادى بمذهب تعدد الحقيقة التي يتألف منها الكون لم يرد أن يعود إلى فلسفة ~~الذريين التي تقول إن العالم مكون من ذرات مادية لا أكثر ولا أقل، وأن تلك الذرات تسير ~~سيرا آليا لا يقصد إلى غرض ولا يتجه إلى غاية، إنما حاول أن يجعل من العالم كائنا حيا ~~عاقلا شاعرا يعلم أين يسير، فأخرج نظريته في الذرات الروحية التي سنتناولها الآن ~~بالشرح. # يزعم «ليبنتز» أن العالم يتكون من ذرات أولية روحية لا فرق في ذلك بين أرواح وأجسام، ~~وهي تختلف عن العنصر الذي فرضه «سبينوزا» جوهرا للكون بأنها ذرات فردية لا نهائية من حيث ~~عددها وكيفها. # أما مادة «سبينوزا» فهي عنصر واحد متجانس، كذلك تختلف عن الذرات التي زعمها ديمقريطس ~~أصلا للكون بأنها ليست مادة ميتة، بل هي كلها قوة وحياة وحركة، وليست هذه الذرات الروحية ~~صورة واحدة متكررة، بل إنها متباينة مختلفة إلى أقصى حدود التباين والاختلاف في الكيف ~~والفاعلية، حتى إنك لا تجد في الكون كله ذرتين متشابهتين؛ لأنه لو كان ذلك لكان خلق إحداهما ~~عبثا لا مبرر له، وعلى الرغم من أن الذرات الروحية كلها تصور في نفسها شيئا واحدا هو ~~الكون، إلا أنها مع ذلك مختلفة لا يتشابه فيها اثنان، كما لو وضعت عددا من المرايا حول ~~مدينة مثلا، فإن كل مرآة تعكس صورة تخالف ما تعكسه الأخرى، مع أن الشيء المنعكس ms102 واحد لم ~~يتغير. وللذرة الروحية خاصتان: فهي في آن واحد شاملة للكون، ومنعزلة عنه، فهي من ناحية ~~وحدات بسيطة (أي ليست مركبة) مستقلة إحداها عن الأخرى، وليس لها نوافذ تطل منها على العالم ~~الخارجي أو ينفذ لها شيء من خلالها، وهي لا يمكن أن توجد من عدم، كما يستحيل أن تنعدم بعد ~~وجود إلا بإرادة الله، وكل واحدة منها عالم صغير يسير بمقتضى طائفة من القوانين كما لو لم ~~يكن في الوجود غيرها سوى الله، وهي من ناحية أخرى شاملة للكون؛ لأنها وإن تكن منعزلة ~~بنفسها مستقلة في سيرها إلا أن لها من القوة ما تستطيع به أن تمثل كل ما يحتويه الكون من ~~ذرات روحية، أو بعبارة أخرى كل ذرة ينعكس فيها الكون كله، بحيث لو استطعنا أن نصل إلى فهم ~~واحدة منها فقد فهمنا الكون بأسره، فكل ذرة منها تحمل في طيها ماضي العالم ومستقبله. ويعزو ~~«ليبنتز» إلى هذه الذرات نوعا من الإدراك يختلف عن إدراك الكائنات المفكرة، أي أن هنالك ~~درجات من الإدراك لا نهاية لها، فيكون ضئيلا في أدناها مرتبة، ثم يتسع ويزداد قوة ووضوحا ~~كلما صعدنا نحو الإنسان فالله، ومعنى ذلك أنه لا يعترف بوجود المادة الميتة غير المدركة، إذ ~~يعتقد أن أجزاء المادة جميعا ضروب من الأحياء تختلف في كمية الحيوية والتفكير. وبعبارة ~~أخرى فإنه يقول إن هناك درجة من الإدراك الصحيح الكامل، ثم يأخذ هذا الإدراك في النقص ~~والغموض كلما نزلنا في سلم الكائنات. وكلما كان إدراك الذرة واضحا وتصويرها للكون دقيقا ~~كانت أكثر حيوية وأعظم نشاطا، والله وحده هو القادر على أن تكون له إدراكات واضحة لا يشعر ~~بها شيء من غموض أو ما يشبه الغموض، وإذن فهو عبارة عن فاعلية خالصة ونشاط مطلق، وكل مخلوق ~~سواه من الإنسان فنازلا إلى أحط الكائنات يكون فعالا من ناحية، ومنفعلا من ناحية أخرى، ~~وهذا الجانب المنفعل من الذرة، أي الجانب السلبي منها، هو ما يسمى بالعنصر المادي، أي أن ~~وجود المادة السلبية في الذرة ms103 الروحية هو الذي يحول دون وضوح إدراكها. وبعبارة أوضح: كلما ~~رجحت في الكائن كفة الجانب الروحي الفعال على العنصر المادي السلبي كان ذلك الكائن أكثر ~~وضوحا في إدراكه. # وعلى الرغم من أن هذه الذرات الروحية مستقل بعضها عن بعض. فهي متداخلة متماسكة متصلة أشد ~~ما يكون الاتصال، وهذا ما يسميه «ليبنتز» بقانون الاستمرار، فليس في نظامها تهويش أو ~~اضطراب أو تفكك. ابدأ من المادة واصعد إلى العقل المفكر، تجدها طريقا واحدة متصلة يتزايد ~~فيها الإدراك شيئا فشيئا في تدرج غير محسوس، وسر من النبات إلى الإنسان تر أنك إنما تسلك ~~سبيلا ليس فيها حوائل أو عثرات، بل إنها تعلو بك قليلا قليلا، حتى تنتهي إلى قمة الجبل ~~دون أن تشعر بالصعود. # ويشير «ليبنتز» إلى مراحل ثلاث يجتازها المستعرض في طريقه من الكائنات الدنيا إلى ~~طبقاتها العليا، فذرات الطبقة السفلى، أي ذرات النبات والجماد تدرك وكفى، فهي أشبه ما تكون ~~بالأحياء الغافية أو النائمة التي لا يرتفع إدراكها إلى درجة الشعور. والمرتبة التالية لتلك ~~هي ذرات الحيوان، ولها فوق الإدراك ذاكرة، ولكنها لا تسمو إلى درجة العقل، وإدراكها شبيه ~~بالأحلام الغامضة. ثم تجيء الكائنات البشرية فوق تلك المرتبة، وهي التي وهبت عقلا وشعورا ~~بالذات. ويذكر «ليبنتز» أن الله هو أسمى هذه المراتب جميعا، فبينما تراها تتفاوت في ~~إدراكها غموضا ووضوحا، إذا بإدراكاته هو واضحة وضوحا مطلقا. # وليست هذه الذرات مطمئنة إلى مراتبها، راضية بمقامها، بل تسعى كل واحدة منها سعيا ~~متواصلا إلى السمو والارتفاع نحو الكمال لا ترضى به بديلا، فهي دائبة أبدا، لا تدخر ~~وسعا لكي تحقق هذا الكمال الأسمى، بانتقالها من مرتبة إلى مرتبة، حتى تصل إلى هدفها ~~المنشود، وليس من شك في أن قول «ليبنتز» هذا كان إرهاصا لمذهب النشوء والارتقاء الذي ~~جاء به دارون فيما بعد. ~~(2) # التناسق الأزلي Pre-established Harmony ~~: # ولكن إذا كانت هذه الذرات الروحية التي ~~يتألف منها الكون بأسره عبارة عن عوالم صغيرة مستقلة، لا يؤثر بعضها في بعض، فبماذا نعلل ~~هذا النظام الدقيق الذي ms104 يشمل الوجود إن لم يكن بين جزئياته تآلف وانسجام؟ يجيب «ليبنتز» ~~على ذلك بأنه قانون التناسق الأزلي، فقد ركبت تلك الذرات منذ الأزل، بحيث تسير الواحدة ~~موازية للأخرى. وعلى الرغم من تفرقها وانفصالها فهي تعمل جميعا في توافق دقيق، حتى لتبدو ~~كأن بعضها يعتمد على بعض، أليست كلها تسير طوع إرادة إلهية عليا؟ إذن فهي تسير في نظام ~~واتساق، لا تناقض بينهما ولا اضطراب. يقول «ليبنتز»: «إن هذا التوفيق بين استقلال الذرات ~~واتساقها في نظام واحد أشبه شيء بفرقة من رجال الموسيقى؛ كل يقوم بدوره مستقلا، وقد ~~أجلسوه بحيث لا يرى بعضهم بعضا بل ولا يسمعه. ومع ذلك فهم يعملون في تناغم منسجم، ما دام ~~كل منهم يعزف وفق المذكرة الموسيقية، فإذا ما سمعهم مستمع في وقت واحد، لحظ في عزفهم ~~تآلفا عجيبا.» # وبهذه النظرية نفسها قد عالج «ليبنتز» العلاقة بين العقل والمادة، أي بين الروح ~~والجسد. فالروح يتبع قوانينه الخاصة، والجسد كذلك يتبع ما له من قوانين، دون أن يؤثر أحدهما ~~في سير الآخر، فهما يتلاقيان في تناسق بلغ من الدقة حدا بعيدا يستحيل معه الخطأ، فكل ~~خلجة عقلية يقابلها وضع من الجسد كما لو كانت العلاقة بينهما علاقة العلة بالمعلول. ولا ~~يمكن تعليل هذا الاتفاق المستمر بين العقل والجسم إلا بإحدى ثلاث، يسوق لها «ليبنتز» ~~تشبيهه المشهور: بأنهما كساعتين تسيران معا في دقة تامة، ولا يكون ذلك إلا بفروض ~~ثلاثة: ~~(1) # أن يكون للساعتين آلة واحدة تديرهما معا في آن واحد. ~~(2) # أن يكون ثمة شخص يعادل بينهما من آن إلى آن، بحيث يوفق بين زمنيهما. ~~(3) # أو قد تكون الساعتان صنعتا في دقة تامة يستحيل معها الخطأ. # فأما الفرض الأول فمردود؛ لأن العقل والجسم لا يؤثر فيهما مؤثر بعينه في وقت واحد. وأما ~~الفرض الثاني فمردود كذلك؛ لأنه يفرض تدخلا مستمرا في علاقة العقل والجسم. وأما ثالث ~~الفروض فهو ما يراه «ليبنتز» جديرا بعظمة الخالق وكامل قدرته، أي أن كل شطر يسير في ~~طريقه الخاصة، فلا يكون بين الشطرين اختلال ms105 أو اضطراب. وهذا التآلف موجود منذ الأزل، وهو ما ~~يسميه بنظرية التناسق الأزلي. # ولكن إذا كانت كل ذرة مغلقة في حدودها الخاصة، لا تستطيع أن تطل على العالم الخارجي، كما ~~يستحيل أن ينفذ إلى داخلها شيء من العالم الخارجي، فكيف نعلل إدراكنا لله، بل إدراكنا لكل ~~ما يحيط بنا من أشياء؟ أليس الإدراك ضربا من ضروب الاتصال، أو هو كل الاتصال؟ كيف يستطيع ~~كائن أن يصل إلى معرفة الله والعالم إذا لم يكن في مقدوره أن يحطم حدود فرديته؟ هذا تناقض ~~ولا ريب، وأغلب الظن أن «ليبنتز» قد لحظه عند حديثه عن علاقة الإنسان بالله، فأنقذ ~~الموقف بأن زعم أن الروح الإنساني لا يقف عند حد تصوير الكون، وتمثيله في شخصه، كما هي ~~الحال في سائر الكائنات، ولكن له فوق ذلك مقدرة على إدراك الله وتقليده، ثم معرفة أجزاء ~~العالم عن طريقه؛ لأنه يعتقد أن الله جل شأنه هو الذرة السامية الكاملة، وهي أساس الذرات ~~جميعا، منها تنبثق، كما ترسل الشمس ضوءها، فإذا ما أرادت ذرة أن تتصل بأخرى، كان لزاما ~~عليها أن تتصل أولا بذلك الأساس؛ لأنه بمثابة المركز الذي تتفرع منه الطرق جميعا. ~~(3) # نظرية المعرفة: # من أين جاءت إلى الإنسان هذه المعلومات التي تملأ شعاب ذهنه؟ أما ~~«لوك» فرأيه في ذلك معروف، وهو أن كل معلوماتنا إنما جاءت عن طريق الحواس، فأثرت في صفحة ~~الذهن التي برزت إلى هذا العالم نقية بيضاء، لا تشوبها شائبة، وأما «ديكارت» فيزعم أن ~~الطفل يولد مزودا ببعض الآراء الفطرية التي لا يمكن أن يحصلها بالتجربة. طرفان متناقضان من ~~الرأي، كتب لهما أن ينتهيا إلى «ليبنتز» الذي لا يعجز عن جمع المتناقضات في وحدة متسقة، ~~فقد عهدناه يوفق بين الآراء المتضاربة، ولا يدخر في هذه السبيل جهدا. وقد رأيناه في نظرية ~~الذرات الروحية يوفق بين مذهبي «التعدد» و«الواحدية»، وها هو ذا يزيل ما بين «لوك» ~~و«ديكارت» من خلاف في نظرية المعرفة، فهو من ناحية ينكر على «لوك» رأيه في انعدام الآراء ~~الفطرية، ويرى ms106 أن للعقل أساسا من المعلومات يستحيل أن يحصل بدونه شيئا من المعرفة، فهو ~~يولد حاملا بين طياته معرفة كامنة بالقوة، وهذه لا تصل إلى درجة الشعور إلا إذا أيقظتها ~~التجارب التي تنفذ إليها عن طريق الحواس، فليس من شك في أن الطفل يولد مزودا بميل إلى ~~استطلاع الحقيقة قبل أن يصادف في حياته أية تجربة، ويكفي أن تكون لديه تلك القوة العقلية ~~وحدها ليجوز لنا القول بأن له معرفة فطرية. وإذن فيجب أن نكمل نظرية «لوك» التي يلخصها في ~~هذه العبارة: «ليس ثمة في العقل من أثر إلا ما تبعثه الحواس.» بأن نضيف إليها هذا التعديل: ~~«... إلا العقل نفسه.» كذلك ينقض «ليبنتز» رأي ديكارت في الآراء الفطرية فلا يذهب معه إلى ~~أن المعرفة التي تولد مع الطفل تكون عند الولادة محددة واضحة، إنما يعتقد «ليبنتز» أن ~~تلك المعرفة تكون بادئ الأمر سابحة في اللاشعور، وتظل غامضة مهوشة حتى تدركها التجربة، ~~فتوقظها من مكامنها. وتزيل ما يغشاها من غموض، بما تنشره على معالمها من ضوء، فحياة العقل ~~عبارة عن تقدم مطرد مستمر من إدراك مهوش مضطرب إلى إدراك دقيق محدود، شأنه في ذلك شأن كل ~~ذرة في الكون حياتها انتقال من الغموض إلى الوضوح في الإدراك. # من ذلك نرى أنه وافق ديكارت على وجود الآراء الفطرية، بل لم يرضه أن يقف عند الحد الذي ~~وقف عنده «ديكارت» من أن بعض الآراء دون بعضها الآخر تولد مع الطفل، ثم تحصل الحواس بقيتها، ~~فادعى هو أن جميع الآراء تولد فطرية ولا يستحدث منها في الحياة شيء، كما وافق «لوك» على أن ~~التجارب التي تنفذ إلى العقل عن طريق الحواس لها كل الأثر في تكوين المعرفة. والفرق بينهما ~~هو أن «ليبنتز» لا يرى أن هذه المعرفة قد استحدثت، بل انتقلت من وجود بالقوة إلى وجود ~~بالفعل، أو قل انتقلت من حالة الخمود إلى اليقظة والنشاط،. وهكذا استطاع «ليبنتز» أن يقرب ~~وجهتي النظر إلى حد الاندماج. ~~(4) # الله والعالم: # كان «ليبنتز» مؤمنا شديد الإيمان يصدر عن ms107 عقيدة سليمة، فهو يرى ~~لزاما عليه أن يدفع ما تنطلق به بعض الألسنة من اتهام العالم بالشر والنقص، وأن يثبت للناس ~~أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن دنيانا أكمل ما يستطاع خلقه من الدنى، أليس الله ~~علة وجود الأشياء جميعا؟ إذن فلا بد أن يكون قويا إلى أبعد حدود القوة، كاملا إلى أقصى ~~مراتب الكمال، حكيما إلى أعمق أغوار الحكمة، خيرا إلى أوسع آماد الخير. صور لنفسك هذه ~~الحكمة المطلقة قد تآزرت مع ذلك الخير الأسمى في خلق العالم، ثم حدثني كيف يكون؟ أليس من ~~الطبيعي المحقق أن يجيء على أحسن ما تجيء العوالم؟ هذا حق لا ريب فيه؛ لأن الله يصدر عن ~~منطق مستقيم يتفق مع ما له من كمال، ولا يسع ذلك المنطق الكامل إلا أن ينتج عالما أقرب ما ~~يكون إلى الكمال «لأنه إذا أخرج عالما دون ما يستطاع إخراجه، كان في عمله ما يمكن تهذيبه ~~وإصلاحه.» # هذا الإيمان العميق لم يصادف من «فولتير» إلا سخرية مرة، فرد على «ليبنتز» بأن ~~تجربته في الحياة علمته أن هذا العالم - على نقيض ما وصف - أسوأ ما يمكن من العوالم، «ولو ~~كان فيه ذرة من كمال لانمحى منه هذا البؤس الذي يزهق ألوفا من النفوس الكسيرة.» وقد هاج هذا ~~القول من فولتير شابا مؤمنا متحمسا في إيمانه، فتصدى له وهاجمه في الصحف هجوما عنيفا، ~~فلم يكن من الساخر العظيم إلا أن أجابه في رفق بقوله: «يسرني أن أعلم أنك أصدرت رسالة ~~تهاجمني فيها، فقد أوليتني بذلك شرفا عظيما، ولكن أتستطيع يا سيدي أن تحدثني عما يدفع ~~آلاف البشر إلى قطع بعضهم أعناق بعض في هذا العالم الذي تصفونه بأنه خير ما يستطاع خلقه؟ ~~وإني لك من الشاكرين.» # كذلك تصدى «هجل» لنقد «ليبنتز» في رأيه هذا عن العالم، وقال إنه قد أرسل قوله قضية ~~بغير تدليل. فلنسلم معه جدلا بأن هذه الدنيا خير ما يمكن خلقه، أفيكون هذا دليلا على ~~خيرها وصلاحها؟ إذا أنت أرسلت خادمك إلى السوق ليبتاع ms108 لك شيئا، فجاءك به الخادم سيئا ~~رديئا، ثم أقنعك بأنه خير ما يباع في السوق، أفتحكم على هذا الشيء بالجودة لأنه كذلك؟ كلا ~~ولا ريب، فلا يمنع سوءه وشره ألا يكون هناك أحسن منه، كذلك قل في العالم، قل ما شئت من ~~أنه خير ما يمكن وجوده، ولكن هذا لا يبرئه من النقص والشر، وكان «ليبنتز» قد لحظ هذا ~~الضعف فيما يقول، فاعترف أن في هذا العالم شرا كثيرا، ولكنه لا يرى ذلك مناقضا لنظريته، ~~بل اتخذ هذا الشر نفسه دليلا على صحتها، فلولا ما تحوي الحياة من بؤس وألم ما كانت الدنيا ~~خير ما يستطاع خلقه؛ لأنهما كثيرا ما يكونان سبيلا إلى الخير وسببا في وجوده «والمرارة ~~القليلة كثيرا ما تكون ألذ مذاقا من السكر الحلو.» ثم يسير «ليبنتز» بعد ذلك في البحث ~~عن أصل الشر في العالم، فيقرر أن علة وجوده هو الجانب المادي، فقد ذكرنا فيما سبق أن لكل ~~ذرة في الوجود جانبا إيجابيا فعالا، وإلى جواره جانب سلبي منفعل، هو الجانب المادي ~~منها، وبقدر ما ترجح كفة الجانب الفعال تكون الذرة أدنى إلى الكمال، ولذلك ترى كل ذرة لا ~~تفتأ تسعى جهدها لكي تتغلب على جانبها المادي السلبي الذي يقعد بها عن السمو في سبيل ~~الكمال، والإنسان - ككل شيء آخر - لا يدخر وسعا في هذا الجهاد العنيف الشاق، وهذا الجهاد ~~نفسه - الذي لا مناص منه بحكم طبيعة التكوين الذري - هو أصل الشر وسبب البلاء، فالشر إذن ~~نقص نشأ عن محاولة التخلص من قيود المادة، فكأنه لم يوجد إلا ليكون سلما للصعود نحو الكمال ~~الأسمى، وعلى هذا الاعتبار يكون الشر وسيلة للخير. أضف إلى ذلك أن وجود الشر إلى جانب الخير ~~مما يظهر جمال الحياة، فقد كانت تكون أقل كمالا وجمالا لو أنها لم تحو إلا خيرا محضا، ~~ومن ذا الذي يتمنى حياة لا ألم فيها تجيء على صورة واحدة لا اختلاف فيها، ثم يذكر ~~«ليبنتز» أن الخير هو الجانب الإيجابي من الحياة، والشر هو الجانب السلبي ms109 منها، ولما كان ~~الله لم يخلق - بداهة - إلا الجانب الإيجابي، فلا يمكن أن يعد سببا في وجود الناحية ~~السلبية، ولا يمكن أن يكون الله خالقا لما نرى في الحياة من شرور وآلام. ~~(1-7) جون لوك (1632-1704م) # ولد جون لوك # John Looke # في رنجتن # Wrington ~~، بالقرب من برستول في إنجلترا، في نفس السنة ~~التي ولد فيها سبينوزا، وقد درس في صباه الفلسفة والعلوم والطب في جامعة أكسفورد، ولكنه ~~لم يفد من دراسته في تلك الجامعة إلا قليلا، لما كان يسودها من روح جامد عقيم، لا يتفق مع ~~ما كان ينزع إليه من الحرية التي ظل ينشدها حتى وافته منيته. فلما اكتملت رجولته اتصل بحزب ~~الأحرار في بلاده عضوا عاملا فعالا، في عهد كانت مناصرة الحرية فيه لا تفسر إلا بمعنى ~~الإباحية في السياسة والدين، وكان حتما على أشياعها أن يلاقوا أحد اثنين كلاهما مر: فإما ~~النفي والتشريد، وإما القتل، ولكن «لوك» استطاع أن يقيم في أرض الوطن رغم مبادئه الحرة؛ لأن ~~رجلا من أعظم الساسة في عصره كان يعاونه ويظاهره، هو اللورد شافتسبري، فلما توفي هذا لم ~~يجد الفيلسوف بدا من الفرار إلى هولندا، ولكنه حتى وهو في مقره اضطر إلى التستر والخفاء؛ ~~لكي ينجو من تسليمه إلى حكومته التي كانت تقتفيه لتنزل به العقاب. # ثم ظفر الأحرار في إنجلترا بالنصر والغلب، واعتلت أريكة الملك أسرة جديدة، فأرسل «لوك» ~~سفيرا لدولته في بلاط براندنبرج، ثم إلى بلاط فينا، ولكن مقامه هناك لم يطل؛ إذ اضطره ~~السقام والمرض إلى العودة إلى إنجلترا حيث ولي منصبا من أكبر مناصبها، وقد استطاع أن يلعب ~~في الحياة الإنجليزية دورا خطيرا، أولا لقوة قلمه وذيوع كتابته وشدة تأثيرها في النفوس، ~~وثانيا لما امتاز به من نشاط جم ومقدرة فائقة في توجيه السياسة وتشكيلها. فلما اكتهل وأضعفته الشيخوخة آوى إلى الريف الهادئ الجميل يقضي فيه آخر سنيه، ~~ثم مات وله من العمر ثلاثة وسبعون عاما. وقد شهد له معاصروه جميعا بالإخلاص للحق والتفاني ~~في سبيل الحرية، كما ms110 عرف في قومه بالاعتدال والحكمة، وامتازت كتابته بالقوة والوضوح ودقة ~~الأسلوب. وأهم مؤلفاته هي: «عقالات في الحكومة المدنية»، «آراء في التربية»، «خطابات في ~~التسامح» وأشهر مؤلفاته كلها هو كتابه المسمى: «مقالة في العقل البشري». # جون لوك. # وليس من العسير أن تلمس روح «لوك» في كل مؤلفاته واضحة بارزة، فجميع كتبه ترمي في حقيقة ~~الأمر إلى غرض أساسي واحد، هو مهاجمة التمسك بالتقاليد العتيقة، والنداء بضرورة حرية العقل ~~في النظر إلى الحقائق، وتكوين الأحكام. ذلك هو الغرض الأساسي الذي كان يقصد إليه «لوك»، لكن ~~لكل كتاب غرضا خاصا بالإضافة إلى الغرض العام. # فمقالته «في الحكومة المدنية» إنما أراد بها أن يرد على أنصار الأسرة المالكة القديمة - ~~أسرة ستيورات - هؤلاء الأنصار الذين اتهموا الحكومة الجديدة باغتصاب العرش عدوانا، وقد كان ~~لسانهم الناطق هو السير روبرت فلمر # Sir Robert Filmer # الذي أصدر في ذلك كتابه Patriarcha ~~، ~~وهو وإن لم ينشر مطبوعا إلا بعد موت كاتبه إلا أنه ذاع في الناس مخطوطا ذيوعا عظيما، ~~وفيه يشرح رأي المحافظين في أن الدولة هي امتداد الأسرة، وأن الملكية نظام مقدس إلهي، فلا ~~يجوز خلع الملك ولا مهاجمته. فأجابه «لوك» بأن الدولة عقد تم بين الأفراد لحماية متاعهم ~~وأملاكهم، فالمرجع النهائي فيمن يولى العرش هو الشعب وحده، ووسيلة التعبير في رأيه هي ~~الأغلبية. ويستطرد «لوك» في رسالته هذه، فيقسم الحكومة إلى قوات مختلفة متميزة هي: (1) ~~السلطة التشريعية و(2) السلطة التنفيذية (وتتضمن القوانين الإدارية والقضائية) و(3) السلطة ~~التعاهدية # Federative ~~، وهاتان السلطتان الأخيرتان خاضعتان للحكومة وعلى رأسها الملك، ولكن ~~إذا كان من حق الملك أن يتدخل في السلطة القضائية فما ذلك إلا في حدود مقيدة، بحيث تكون ~~الكلمة العليا دائما لممثلي الشعب الذين يكتسبون هذا الحق إما بالانتخاب أو الوراثة. ويصر ~~«لوك» في كتابه على أن تكون القوة التشريعية هي السلطة العليا في الدولة، وأنها يجب أن تكون ~~الحكم الفصل في كل ما ينشأ من مواضع الخلاف والنزاع. ولا يعترف «لوك» بالملكية المطلقة ~~نظاما للحكم، ويشترط لهذا النظام أن ms111 يكون الملك مقيدا بإرادة الشعب. # وبهذا أراد «لوك» أن يدعم أركان الحكومة الجديدة؛ لأنها قائمة على إرادة الشعب، والشعب ~~صاحب الحق في تولية من يشاء على أموره. وأنت ترى من ذلك أنه يوافق «هوبز» فيما ذهب إليه، ~~كما أنه يسبق «روسو» في إعلان الرأي القائل بأن أساس الدولة تعاقد اجتماعي بين ~~الأفراد. # أما كتابه «في التسامح» فقد دافع فيه عن حق الأفراد في الحرية الشخصية، وهو يحتم أن يكون ~~لكل إنسان الحق الكامل في إبداء آرائه حرا من كل قيد، فليس من الحكمة أن ترغم الناس على ~~عقيدة معينة أو رأي خاص. ويقول في رسالة أخرى خاصة بالكنيسة المسيحية: إن حرية العقيدة ~~الدينية واجب في عنق الدولة، وليس لهذه الأخيرة أن تتدخل بين الفرد وعبادته؛ إذ واجبها ~~محصور في صيانة المصالح المادية وحدها، ولكن على شرط ألا يعرض تصرف الفرد سلامة الدولة ~~للخطر. وهو يحرم على الحكومة تحريما قاطعا أن تتحيز لمذهب من العقائد الدينية دون آخر، ~~قائلا إنه كلما كان المذهب الديني أقرب إلى الحق كان أبعد عن حاجته إلى مساعدة الدولة ~~له. # وهو يعرض لنا جملة آراء قيمة في كتابه عن التربية، الذي قصد به في الأساس أن يصون حرية ~~الفرد في التفكير، فهو لكي يحقق للطفل هذه الحرية التي ينشدها له، يطالبنا ألا يكون التعليم ~~عاما تحت إشراف حكومة أو كنيسة؛ لأن هذه أو تلك ستحاول أن تبث في النشء ما يتفق وأهواءها ~~من الآراء والعقائد، ويشترط «لوك» أن يكون التعليم خاصا في المنازل، فيكون لكل طفل من ~~يربيه، ويرى أن التربية يجب أن تقصد إلى الكفاية العملية وحدها، وإذن فينبغي أن نضيق من ~~تعليم اللغات بقدر ما نوسع من تعليم الحقائق، هذا ويجب أن تسبق اللغات الحديثة اللغات ~~القديمة في الدراسة، ولا بد أن يدرس كلاهما بالتدريب العملي لا من الجانب العلمي، وتحقيقا ~~لذلك الغرض يجب ألا تدرس قواعد اللغة إلا بعد أن يتمكن الطالب من التكلم بهذه اللغة، وله ~~عدا ذلك آراء أخرى في وجوب ms112 ملاءمة طريقة التدريس لشخصية الطفل، وضرورة الألعاب الرياضية في ~~التربية، وفي محاولة تحويل العمل إلى لعب، وغير هذه من الأفكار القويمة التي أخذها من بعده ~~روسو، فألبسها ثوبا جديدا أو أخرجها للعالم حية بما نفخ فيها من روح. # ولنتناول الآن كتابه «في العقل البشري» وهو خير ما كتب، فقد استهل هذا الكتاب باختبار ~~العقل البشري نفسه أولا؛ لكي يتثبت من صلاحيته ومقدرته على اكتساب المعرفة الصحيحة، وإلا ~~كانت أبحاثنا كلها قائمة على أساس متهدم متصدع، ولعل ما أوحى إليه بفكرة هذا الكتاب تلك ~~البحوث والمناقشات التي كان يقوم بها مع صفوة أصدقائه الذين كانوا يتخذون من داره ندوة ~~يجتمعون فيها؛ لكي يتعاونوا على بحث ما يعرض لهم من المشكلات العلمية، ولم يلبث هو وأصدقاؤه ~~بعد عدة اجتماعات أن قرروا أن طريق البحث وعرة شائكة، وأنهم عاجزون عن المضي فيها عجزا ~~تاما. يقول لوك: «لقد ربكنا أنفسنا حينا من الدهر دون أن نخطو خطوة واحدة نحو حل ما ~~حيرنا من شكوك، ثم عنت لي بعد ذلك فكرة هي أننا نسير على غير هدى، وأنه كان ينبغي قبل ~~البدء في مثل هذه الأبحاث أن نختبر قوتنا؛ لنرى لأي الموضوعات تصلح عقولنا لمعالجتها، ~~ولأيها لا تصلح.» # وما أشبه قول «لوك» في هذا «بديكارت» من قبله، و«كانت» من بعده، فهو كما سبقه الأول، ~~وكما سيتلوه الثاني يرى أنه لا يجوز لنا بحال من الأحوال أن نقوم بأي بحث أو دراسة قبل أن ~~نستيقن أولا: هل يقع هذا البحث أو هذه الدراسة في حدود قدرتنا العقلية أم لا؟ ولقد أخذ على ~~نفسه ألا يتعدى في علمه حدود الحواس والعقل، حتى لا يقبل من المعلومات إلا ما تقوم كل ~~الدلائل على تبريرها. # ويسارع «لوك» فينبه القارئ أنه لا يقصد بدراسة العقل المبدئية أن ندرس طبيعة العقل نفسها، ~~كلا فليس له بهذا المطلب شأن، بل إنه ليقول إن من يحاول أن يدرس طبيعة عقله لشبيه بمن يحاول ~~أن يرى عينيه، (لأنه يحاول أن يرى عقله بعقله) ولكن ms113 «لوك» يكتفي في ذلك بملاحظة ما يحدث في ~~العقل وقت تحصيل المعرفة، وهو يقتفي أثر «ديكارت» في تسميته كل ما يحدث في القوة الواعية ~~«بفكرة»، ويعلن أن كل مهمته هي استكشاف الطريقة التي يصل بها العقل البشري إلى أفكاره، وإذن ~~فهو في بحثه هذا أقرب إلى تعرف وسائل المعرفة الصحيحة منه إلى كشف الحقيقة نفسها. ومن ثم ~~كان «لوك» جديرا بأن يعتبر مؤسس علم النفس الحديث؛ لأن معظم بحثه منصب على مبعث الأفكار ~~وأساسها. # ولقد سلم «لوك» بعجز العقل البشري وقصوره عن معالجة ما يتجاوز حدوده، ويقول في ذلك: «لا ~~ينبغي أن نعدو حدود ما تستطيعه ملكاتنا.» وهو يلاحظ أن الناس يميلون بوجه عام إلى التعمق ~~بأفكارهم فيما هو فوق مقدورهم، ولذا تراهم يسيرون على غير هدى ويقين. والنتيجة الطبيعية ~~لهذا التخبط هي اللاأدرية والشك. «فلو أننا بحثنا ملكاتنا العقلية بحثا جيدا، وكشفنا عن ~~مدى علمنا لنرى الأفق الذي يفصل بين الأجزاء المضيئة والأجزاء المظلمة من الأشياء، أعني بين ~~ما نستطيع فهمه وما لا نستطيع، لاطمأن الناس إلى جهلهم في الجانب المظلم ورضوا به، ~~ولاستخدموا أفكارهم وأبحاثهم في الجانب الآخر استخداما أنفع وأبعث على الاطمئنان.» # وتقع هذه المقالة التي نحن بصدد عرضها في أربعة أبواب، أما أولها فبحث تمهيدي ينكر به أن ~~يكون شيء من معلوماتنا مفطورا فينا بالوراثة، ولقد تقدم بهذا الإنكار تمهيدا لغرضه ~~الأساسي الذي قصد إليه من الرسالة كلها (والذي شرحه في الباب الثاني)، ألا وهو أن كل معرفة ~~الإنسان مهما كان نوعها، بل كل ما يستطيع الإنسان أن يدركه بعقله، هو في حقيقة الأمر مستمد ~~من التجارب، فكل أفكارنا - بسيطة كانت أو مركبة - إنما استقيناها من أمثلة جزئية جاءتنا من ~~طريق الحواس الخمس منفردة أو مجتمعة، أو هي ترجع إلى عملية عقلية. وبعبارة أخرى فإن كل ~~تجاربنا راجعة إما إلى الإحساس أو التفكير، وكل لفظة لا يكون لها مدلول حسي أو عقلي فهي ~~لفظة فارغة جوفاء. # وأما البابان الثالث والرابع من هذه الرسالة فقد أقام فيهما ms114 «لوك» ما استطاع من الأدلة ~~على صحة ما زعمه في البابين الأولين، ولقد شغل «لوك» جزءا كبيرا من هذين البابين الثالث ~~والرابع بتحليل فكرة المكان والزمان واللانهاية والجوهر والسببية والقوة؛ لكي يبرهن على أنه ~~حتى هذه الأفكار التي قد تبدو مجردة، والتي قد يظن أنها لم تأت عن طريق الحواس، إنما ~~تعتمد هي أيضا على التجارب، وأنا إذا محونا منها العناصر التي كسبناها بما مر علينا من ~~تجارب جزئية لزالت، ولم يبق لها من أثر. # وخلاصة القول أن المبدأين اللذين أراد «لوك» أن يقررهما في كتابه عن العقل البشري هما: ~~(1) أنه ليس بين أفكارنا ما هو فطري موروث، (2) وأن المعرفة مستمدة من التجارب ~~وحدها. # ولنتناول الآن أجزاء هذا الكتاب بشيء من التفصيل: # الباب الأول: # كانت العقيدة السائدة قبل «لوك» هي أن العقل البشري يشتمل على بعض الأفكار ~~الفطرية الموهوبة منذ ولادته دون أن يكسبها من التجارب التي تمر عليه أثناء الحياة، ولقد ~~بلغ من رسوخ هذا المذهب في النفوس أنه لم يكن يستهدف حتى لمجرد البحث والجدل. وكان ديكارت ~~من أشد المدافعين عن صحته وثبوته، أما «لوك» فيقابل هذا التسليم الأعمى بوجود الآراء ~~الفطرية بأشد الإنكار، ويقول: «لما رأى الناس أن هنالك بعض القضايا العامة التي لا يكاد ~~العقل يدركها حتى يوقن بها يقينا يستحيل أن يتطرق إليه الشك، حكموا عليها بأنها فطرية ~~فيهم، لا لشيء إلا لأن هذا التعليل أيسر أو أقصر.» ولكنهم في الواقع لا يعللون الرأي ~~بقولهم إنه فطري، بل إن هذا القول لاعتراف صريح بأنه لغز أشكل عليهم حله، ولم يجدوا لتعليله ~~الصحيح سبيلا. ثم يمضي «لوك» في معارضة «ديكارت» في مذهب الآراء الفطرية، فيقول: يتخذ دعاة ~~فطرية الآراء دليلين لتأييد النظرية التي يذهبون إليها؛ الأول: أنها آراء مسلم بها من ~~الناس جميعا بغير استثناء، والثاني: أن العقل البشري يدركها بمجرد وعيه ويقظته، فيرد «لوك» ~~الدليل الأول بأن هذه الآراء ليست كما يزعمون مسلما بها من الناس كلهم بدليل أن القبائل ~~المتوحشة لا تعلمها، ويرد الدليل ms115 الثاني بأن العقل لا يستطيع إدراك تلك الآراء بمجرد يقظته ~~في السنين الأولى من العمر بدليل أن الأطفال تجهلها جهلا تاما. خذ مثلا بعض البديهيات ~~كاستحالة أن يكون الشيء، وألا يكون في وقت واحد، فهذه القضية التي يذهب دعاة الآراء ~~الفطرية إلى أنها موروثة فينا، وليست مكسوبة أثناء الحياة، لا شك يجهلها الأطفال والمتوحشون ~~والبلهاء على الرغم من بداهتها. وإذن فهذه القضايا المجردة كلها ليست مفطورة موهوبة، ولكنها ~~على نقيض ذلك مكسوبة بالتجربة، بل وبالتجربة الطويلة. # ولا يستثني «لوك» من نظريته حتى فكرة الله نفسها، فهنالك من الناس من يجهلها جهلا ~~تاما، أضف إلى ذلك أن الشعوب التي تعترف بوجود الله لا تتفق كلها على إله واحد، بل إنهم ~~يختلفون في تصويره أشد اختلاف. # وقد تصدى «كوزان # Cousin ~~» لمعارضة «لوك» بقوله: إن الطريقة التي اتبعها في الاستشهاد ليست ~~طريقة علمية قويمة، ولا تبعث الثقة واليقين؛ لأنه من المتعذر أن نحصل على معلومات دقيقة عن ~~المتوحشين والأطفال تتيح لنا أن نبني أحكامنا عليها. هذا فضلا عن أن هؤلاء المتوحشين ~~والأطفال الذين يحتج بهم «لوك» في مقدورهم أن يعرفوا القضايا التي ضربها مثلا على شرط أن ~~نسوقها لهم في شكل محسوس يلائم عقليتهم. # الباب الثاني: # وما دمنا قد رفضنا الآراء الفطرية، وأنكرنا أن تكون واحدة مما تحوي عقولنا ~~موروثة، فمن أين جاءت لنا المعرفة، وما مصدر آرائنا؟ هذا هو موضوع الباب الثاني، وفيه يقول ~~لوك: «لنفرض أن العقل صفحة بيضاء لم يخط عليها حرف ولا فكرة، فكيف تمتلئ هذه الصفحة ~~الناصعة؟ جواب ذلك عندي كلمة واحدة هي «التجربة»، فمن التجربة ينشأ علمنا كله، وعنها ~~يتفرع.» ولكن ماذا يعني «لوك» بكلمة «التجربة» التي هي قوام المعرفة كلها؟ يقول في ذلك: «إن ~~ملاحظتنا للأشياء الخارجية المحسوسة، وللعمليات العقلية الباطنية، الأولى بالإدراك الحسي، ~~والثانية بالتأمل الباطني، هي التي تمد عقولنا بجميع أفكارها. فهما (أي الإحساس والتفكير) ~~الينبوعان اللذان منهما تتدفق المعرفة التي يصدر منها كل ما لدينا، بل كل ما يمكن أن يكون ~~لدينا من ms116 أفكار.» وإذن فالتجربة عند «لوك» ذات شعبتين: فهي تجربة تستمد إما بالإحساس أو ~~بالتأمل الباطني ... ولكنه يقول إن الحواس تعمل أولا، فتقدم إلى العقل طائفة من الأحاسيس، ثم ~~يجيء بعد ذلك التأمل وما ينشأ عنه من أفكار «هذان وحدهما - على ما أعلم - هما النافذتان ~~الوحيدتان اللتان ينفذ منهما الضوء إلى هذه الحجرة المظلمة، وأقول المظلمة لأنني أظن العقل ~~شبيها بقاعة مغلقة لا ينفذ إليها الضوء.» ومن ذلك ترى أنه يعتقد أن العقل شيء قابل منفعل ~~ليس إلا، فلا يسعه إلا أن يدرك ما تقدمه إليه أعضاء الحس، أما هو نفسه فعاجز كل العجز أن ~~يخلق بنفسه أفكارا غير التي تمده به الحواس، كما أنه عاجز أن يمحو شيئا مما يتكون فيه من ~~أفكار، هو عاجز عن هذا وذاك عجز الإنسان عن خلق ذرة واحدة أو إعدامها. فالعقل عند «لوك» لا ~~يزيد على مرآة تنطبع فيها صور الأشياء التي تعرض له، ولكنه بعدئذ يعود فيعترف له بشيء من ~~الفاعلية يسير؛ إذ يقول إن العقل حينما يتقبل المواد الأولية التي يقدمها له الإحساس ~~والتأمل الباطني يكون لملكاته من القوة ما يستطيع به أن يجمع أشتات الآثار المتفرقة التي ~~جاءت بها هذه الحاسة أو تلك، فيركب منها أفكارا مركبة. وبهذا يكون العقل قوة إيجابية تتناول ~~ما ينطبع في صفحة الذهن من آثار، ويؤلف منها أفكارا، ولكن «لوك» يسرع بملاحظة أن هذه قوة ~~صورية محضة؛ لأنها لا تضيف شيئا جديدا إلى مادة الأفكار التي أتت إلى العقل من الخارج، ~~ولكن مهما قيل فيها فهي قوة فاعلة على كل حال. ومما يلاحظ هنا أن هذا القول من «لوك» بتعاون ~~العقل مع عناصر التجربة الآتية من الخارج في تكوين أفكارنا وتأليفها، هي الخطوة التمهيدية ~~التي كملت فيما بعد في فلسفة «كانت». # الباب الثالث؛ تبويب الأفكار: # لقد علمنا مما سبق أن جميع أفكارنا تنشأ من أحد مصدرين: إما ~~الإحساس أو التفكير، ونريد الآن أن نتناول أفكارنا بالتبويب والتقسيم، فهي كلها على تباينها ~~واختلافها تقع في مجموعتين: أفكار ms117 بسيطة وأخرى مركبة. ~~(1) أما الأفكار البسيطة فهي ما أتى إلى العقل من الخارج: وقد تأتي عن طريق حاسة واحدة، ~~كاللون عن طريق البصر، والصوت عن طريق السمع، والصلابة عن طريق اللمس. أو قد تكون آتية من ~~عدة حواس مشتركة، كالامتداد والشكل والحركة، أو قد تنشأ من التفكير وحده دون الحواس، كالشك ~~والعقيدة والإرادة. أو قد تكون مما يتعاون في تأليفه التفكير والحواس معا، كالسرور والألم ~~... ويرى «لوك» أن فكرتي المكان والزمان هما أيضا من الأفكار البسيطة، ففكرة المكان تأتي ~~بواسطة البصر واللمس، كما تنشأ فكرة الزمان من تعاون مصدري المعرفة معا: الحواس والفكر، ~~فندركه بالتأمل في تعاقب مشاعرنا وأفكارنا في العقل، كما ندركه في تتابع الأحداث والأشياء ~~بواسطة الحواس، وهنا يستطرد «لوك» فيعقد مقارنة بين فكرتي المكان والزمان، فيقول إنهما ~~يتلاقيان في أن كليهما لا متناه غير محدود، ويتفارقان في أن المكان يمتد في عدة اتجاهات، أما ~~الزمان فلا يمتد إلا في اتجاه واحد فقط. ~~(2) وأما الأفكار المركبة فيقول عنها لوك: «إذا ما امتلأ العقل بهذه الأفكار البسيطة، كان ~~له من القوة ما يستطيع به أن يستعيدها ويستثيرها، وأن يقارن بينها، ثم يؤلف من أجزائها ~~أفكارا لا نهاية لاختلافها وتنوعها، وبهذا يمكنه - متى شاء - أن ينشئ أفكارا مركبة ~~جديدة.» وهذه الأفكار المركبة نفسها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أعراض، وجواهر، وعلاقات. أما ~~الأعراض فهي الأفكار المركبة التي تؤلفها عقولنا من أشتات الأحاسيس كما تؤلف الجمل من ~~الكلمات، فهي لا تطابق - بعد تكوينها - شيئا من الحقيقة الواقعة في الخارج، أعني أن هذه ~~الأفكار ليس لها وجود مستقل عنا، وإلى هذا القسم تنتمي كل الإدراكات الكلية، وبعبارة أخرى ~~كل الكلمات الكلية، مثل شجرة وكتاب وقلم (ما عدا أسماء الأعلام وأشباهها). وهنا يقول «لوك» ~~إن كثيرا من أخطائنا راجع إلى أننا ننسى أن ألفاظ اللغة تدل على مدركات عامة تكونت داخل ~~العقل، ولا يقابلها أشياء حقيقية في الخارج. # وأما الجواهر فهي الأفكار التي تقابل الأشياء الحقيقية الموجودة في الخارج، والواقع أننا ~~نجهل حقيقة هذه ms118 الأشياء في ذاتها، ولسنا نعرفها إلا بواسطة هذه الأفكار التي نسميها ~~بالجواهر، فالجوهر شيء مجهول لنا نجمع حوله مجموعة من الصفات الجزئية التي تأتي بها الحواس، ~~فأنت تعرف عن البرتقالة مثلا لونها جاءتك به العين، وملمسها جاءتك به الأصابع، ورائحتها ~~جاءك بها الأنف، وما إلى هذه من سائر الأفكار البسيطة، ولكن الشيء الحقيقي الذي أخذت تضيف ~~إليه هذه الصفة وتلك، حتى تكونت في ذهنك البرتقالة مجهول، فكل علمك عن البرتقالة هو ~~«مجموعات الأفكار البسيطة التي فرضنا إلى جانبها وجود شيء (أمر جوهر) تتعلق به وتستقر ~~فيه». # والنوع الثالث من الأفكار المركبة هو فكرة العلاقة التي تحدث في الذهن بين فكرة وفكرة، ~~بحيث يكون للواحدة قوة استدعاء الأخرى. # الباب الرابع؛ علاقة العقل بالعالم الخارجي: # إن «لوك» حين يزعم أن كل ما تحوي عقولنا من ~~أفكار، بما فيها أفكار الزمان والمكان وما إليها، قد نشأ من أحد مصدرين هما ~~الإحساس والفكر، كأنه جعل الإنسان مقياس الحقيقة كلها؛ إذ أصبحت الحقيقة على يديه هي ما ~~يكونه الفرد بعقله، وإذن فكل ذات مستقلة بنفسها تفكر وحدها، ولا يتصل عالم الأشياء ~~الخارجية بعلم الإنسان إلا بما يكونه هذا عنه من أفكار يحصلها بقوتي إحساسه وفكره، وهو ~~بهذا الرأي يعارض «سبينوزا» الذي نادى بأن الأفراد ليسوا حقائق مستقلة، بل هم أعراض ~~لحقيقة واحدة. # ويرى «لوك» أن هناك ضربين من الصفات التي تميز الأشياء: صفات أولية، وأخرى ثانوية. فأما ~~الأولى فلا يمكن فصلها عن الجسم الذي يتصف بها بأية حال من الأحوال، ومن أمثلتها: الصلابة، ~~والامتداد، والشكل، والحركة، والعدد. وأما الصفات الثانوية فلا توجد في حقيقة الأشياء ~~نفسها، ولكنها قوى فيها تؤثر في حواسنا، فتنتج فيها بعض الإحساسات المختلفة ، فتكون وسيلة ~~نعرف بها صفات الأشياء الأولية الأساسية، أي حجمها وشكلها وتركيبها وحركة أجزائها غير ~~المحسة. ومن ذلك ترى أن أفكارنا عن الصفات الأولية للأجسام هي أشباه ونماذج للصفات ~~الموجودة وجودا حقيقيا في الأجسام نفسها. أما الأفكار الناشئة فينا من الصفات الثانوية ~~فليس بينها وبين الحقيقة الخارجية شبه ms119 على الإطلاق، أي إنه ليس في الأشياء نفسها ما يشبه ~~أفكارنا، بل إن هذه الأفكار يقابلها فقط قوى في الأشياء تحدث فينا تلك الأحاسيس، ومن أمثلة ~~هذه الصفات الثانوية: الألوان، والأصوات، والطعوم، فليس الاحمرار أو الحلاوة التي تنشأ عندك ~~عن شيء ما صفة موجودة في الشيء نفسه، إنما هي نتيجة لعلاقة اتصال الشيء بحواسك، فكما أن ~~الشمس تبعث الحرارة في الشمع فتذيبه، مع أن السيولة التي استحدثت في الشمع ليست موجودة في ~~الشمس، كذلك حينما يعرض أمامك الشيء، فيحدث فيك لونا خاصا، فليس بين اللون الذي تكون ~~وبين الشيء نفسه أي شبه، وكل ما في الأمر علاقة قوة في الشيء بحاسة من حواسك. # ولكن إذا كانت الأفكار الثانوية مجرد أفكار في عقولنا، ولا تمثل شيئا في الأجسام نفسها، ~~إذن فنحن في واد والحياة الواقعة في واد آخر، ولا سبيل إلى إيجاد الصلة بين الطرفين، فكيف ~~نوفق بين الإنسان وأفكاره من ناحية، وبين العالم الحقيقي الخارجي من ناحية أخرى؟ يقول ~~«لوك»: «إنه بديهي أن العقل لا يعرف الأشياء مباشرة، ولكنه يعرفها بواسطة أفكاره عنها، وأن ~~معرفتنا يكون نصيبها من الحقيقة بمقدار ما بين أفكارنا وبين الأشياء الحقيقية من تطابق.» ~~فما مقياسنا إذن لما هو صحيح، ولما هو زائف من أفكارنا؟ كيف يستطيع العقل أن يقطع في ذلك ~~برأي إذا كان لا يدرك شيئا غير أفكاره هو، فليس من سبيل لديه لمعرفة إن كانت هذه الفكرة ~~المعينة تطابق الشيء الخارجي أو لا تطابقه؟ وبعبارة أوجز: ما هي العلاقة بين الشخص والشيء؟ ~~هذه هي المشكلة التي صادفت «لوك»، بل التي اصطدم بها كل فيلسوف في كل عصر تقريبا. وقد ~~اختلفوا في حلها فريقين: فريق يذهب إلى «المثالية» القائلة بأن أفكارنا عن الأشياء هي كل ~~الحقيقة، ليست الأشياء المادية شيئا على الإطلاق. وفريق آخر يذهب إلى «الواقعية» التي تزعم ~~أن الأجسام المادية الخارجة عنا حقائق مقررة، وأن ما في عقولنا من أفكار ناشئ عنها ومستمد ~~منها. وقد كان «لوك» بل كانت المدرسة الإنجليزية كلها ms120 تأخذ بهذا المذهب الواقعي، فيقول ~~«لوك»: إن الأفكار البسيطة التي تحدث في عقولنا من اتصالنا بالأشياء ليس وهما صوره ~~الخيال، ولكنها نتيجة طبيعية مطردة للأشياء الخارجة عنا، وإذن فهي تطابق أصولها الخارجية كل ~~التطابق؛ لأنها تقدم لنا الأشياء بالصورة التي في مقدورها أن نكونها في أذهاننا. # لكن انظر كيف يختم «لوك» رسالته بنقض قضيته التي من أجلها كتب ما كتب. إنه بعد أن اعترف ~~باستحالة أن يعرف العقل غير أفكاره التي يستمدها من الخارج، أراد أن يعلل علمنا بالله فلم ~~يجد بدا من القول بأن العقل يحتوي صورا أو نماذج لحقائق الله والنفس، بل والعالم ~~الخارجي كذلك. وزعم أن هذه الصور الموجودة لدينا هي المقياس، الذي نقيس به صحة الفكرة أو ~~خطأها، فإن كانت فكرتنا عن الشيء الخارجي مشابهة للصورة الموجودة في الأذهان من قبل، كانت ~~صحيحة، وإلا فهي زائفة باطلة. وهكذا يبدأ «لوك» بهجوم عنيف على الآراء الفطرية حتى يكتسحها، ~~ثم ينتهي إلى أن في العقل نماذج أو أفكارا فطرية، فقرر في آخر رسالته ما نقضه في ~~أولها. # يقول «لوك» إنه تبعا لتمام التطابق أو نقصه بين الفكرة ونموذجها يكون مقدار وضوح علمنا ~~ودقته. وعلى ذلك فهناك درجات لما لدينا من معرفة: # الأولى: # المعرفة البديهية، وهي إدراك العقل لما بين الفكرتين (الفكرة والنموذج) من موافقة ~~أو مفارقة إدراكا مباشرا دون أن يستعين في ذلك بفكرة ثالثة. # الثانية: # إدراك العقل لاتفاق الفكرتين أو اختلافهما إدراكا غير مباشر، وتسمى هذه ~~بالمعرفة البرهانية، أي التي تحتاج في إثبات صحتها إلى برهان. # الثالثة: # وهي درجة تكون فيها أفكارنا مبهمة غامضة. # أما النوع الأول البديهي فمثاله معرفتنا بوجود أنفسنا؛ لأن هذه الحقيقة يدركها العقل ~~إدراكا مباشرا ، ولا يحتاج في ذلك إلى برهان، وأما النوع الثاني فمثاله معرفتنا بوجود ~~الله، فهذه معرفة برهانية؛ لأنها يعوزها الدليل، ولا يمكن إدراكها إدراكا مباشرا، وبرهان ~~وجوده عند «لوك» هو ما في العالم الخارجي من غرض. وكذلك يؤكد وجودنا نحن وجود الله؛ لأن ما ~~فينا من قوى إنما تحتاج ms121 لخلقها إلى كائن ذي قوة مطلقة وعقل سام. وأما الضرب الثالث من ~~المعرفة الغامضة المبهمة، فذلك هو علمنا بالعالم المادي بواسطة حواسنا، ولكن هذا النوع ~~الثالث على الرغم من أنه لم يبلغ من اليقين مبلغ النوعين الأولين إلا أنه مرجح الصحة ~~والصدق. وهنالك أدلة كثيرة على صحة علمنا بالأشياء الخارجية، منها اتفاق البشر جميعا على ~~صور حسية واحدة مما يؤيد أن الصورة منطبقة على حقيقتها الباعثة لها. # أما ما عدا هذه الضروب الثلاثة من المعرفة فهو لا يعدو دائرة الاحتمال والادعاء، بل ~~والجهل، فكل أحكامنا عن الأشياء الغائبة عنا وعن معظم صفات الطبيعة، وعن صفات الكائنات ~~الروحية لا تزيد على مجرد الادعاء بالعلم. وكل ما يقوم به العقل في أحكامه عن مثل هذه ~~الأشياء هو موازنة الحجج وترجيح بعضها على بعض. أما طبيعة الله والعالم الروحي، فليس لنا ~~بهما علم، ويجب أن نعتمد فيما يتعلق بهما على العقيدة والوحي. ~~••• # أما فيما يتعلق برأيه في الأخلاق فلم يؤلف لذلك نظرية مستقلة شاملة، وكل ما في الأمر ~~إشارات وملاحظات عملية تناثرت في كتبه. # وأول ما يسترعي النظر من آرائه في الأخلاق إنكاره لحرية الإدارة بمعناها المعروف، فهو يرى ~~أن الإرادة هي قوة توجيه الذات إلى الحركة أو إلى السكون، والحركة عنده معناها التفكير، ~~والسكون معناه خمود الفكر، وليس الفرد حرا في أن يريد أو لا يريد بهذا المعنى للإرادة، ~~وكل ما له من حرية هو تصرفه العملي بمقتضى فكره الخاص، فلدى الإنسان رغبات معينة، وله أن ~~يقارن بين نتائجها، ثم يختار واحدة ويؤجل واحدة ويثبت ثالثة وهكذا، «وفي هذا وحده تقع حرية ~~الإنسان.» وهو في اختياره رغبة ورفضه أخرى يسير تبعا لما تبعثه الرغبات من لذة أو ألم، ~~ولما كانت اللذة عند «لوك» هي الخير، والألم هو الشر، كان الخير والشر أو اللذة والألم هما ~~الدافعين الأساسيين لسلوك الإنسان. ومقياس السلوك من حيث النقص والكمال هو مقدار مطابقته ~~للقانون الأخلاقي الذي يفرض نفسه على عقولنا فرضا؛ لأنه مقرر بإرادة الله، فهو يعتقد ms122 أن ~~القواعد الأخلاقية ليست من وضع الجماعة السياسية، بل هي تهبط على البشر، ولو أنه في الوقت ~~نفسه ينكر أن تكون هذه المبادئ الأخلاقية مفطورة في العقل الإنساني منذ ولادته، بل إنه ~~ليدركها بالتجربة مع يقينه أنها قانون الله، وليس من وضع البشر. ~~••• # هذا هو «لوك» الذي كان أول فيلسوف في العصر الحديث وجه الفكر إلى مشكلة المعرفة: من أين ~~تأتي المعرفة، وكيف يحصلها العقل؟ ولقد وضع أساس أمهات المسائل النفسية التي أخذت تشغل ~~الفلسفة منذ ذلك الحين حتى اليوم. # ولقد كان من أثر «لوك» - فضلا عن ذلك - تقريره لشخصية الفرد بعد أن طمسها «سبينوزا» ~~وأغرقها في كتلة الوجود. ولكن يؤخذ على «لوك» بعض التردد والتناقض في علاقة الفرد بالعالم ~~الخارجي. فتارة يعد الأشياء المادية نفسها هي التي تصدر عنها المعرفة بانطباع آثارها على ~~صفحة الذهن، وطورا يزعم أن العقل لا يعرف إلا أفكار نفسه التي قد لا تشبه الحقيقية ~~الخارجية. ~~(1-8) بركلي # Berkcley # ولد جورج بركلي في مدينة كلكرن # Kilcrin # من أعمال إيرلندة سنة 1684م، وكان ذا مقدرة ~~عقلية ممتازة، وأخلاق بلغت أقصى حد من النبل والكرم، ولم يكد يبلغ من العمر الرابعة ~~والعشرين، حتى أخرج للناس كتابه «نظرية جديدة في الرؤية» # New Theory of Vision ~~، ثم أتبعه ~~بعد عام واحد بمؤلف آخر هو «أصول المعرفة البشرية»، فكان لهذين الكتابين صدى قوي في دوائر ~~العلم لما اشتملا عليه من آراء ممتعة طريفة، ولما أفرغا فيه من أسلوب رائع جذاب. فلما كان ~~عام 1713م قصد إلى لندن، حيث توشجت روابط الصداقة بينه وبين أعلام الأدب من معاصريه، وكلهم ~~من أئمة الأدب الإنجليزي البارزين؛ أديسون، وسويفت، وستيل، وبوب وغيرهم، ولكن إلى جانب هذه ~~المنزلة الممتازة التي كان يتمتع بها بركلي فقد تعرض للسخرية اللاذعة والتهكم القارص من بعض ~~حملة الأقلام في عصره، لرأيه الذي بنى عليه فلسفته وهو وجود المادة، وانطلقت ألسنة القوم ~~بالتنادر عليه. # وكان بركلي رجلا من رجال الدين، يخفق قلبه بالإيمان والتقوى، وهم بعد رحلة قصيرة قام ~~بها ms123 في أوربا، وقابل أثناءها مالبرانش، أن يضطلع بمشروع ديني عظيم: هو هداية المتوحشين من ~~سكان أمريكا الشمالية. وبعد أن أعد لهذه المهمة الجليلة عدتها بخل عليه البرلمان الإنجليزي ~~بالمال فحبط المشروع، وبعدئذ عين في منصب ديني في إيرلندة حيث أنفق ما بقي له من عمره في ~~شئون منصبه، وفي متابعة دراسته. # ولقد ساء بركلي - وهو ذلك المؤمن الورع - أن يرى موجة من الإلحاد وفساد الأخلاق تطغى على ~~قومه باسم الفلسفة المادية، فنشر كتابا يحاول به ~~أن يصلح شيئا من الفساد، وهو ~~«محاورات ~~هيلاس وفيلونوس» # Dialogues of Hylas and Philonous ~~، وهو عبارة عن حوار فلسفي يمثل فيه ~~هيلاس نظرية الماديين، فينقض فيلونوس آراءه بالحجج الدامغة، وفيلونوس هذا إنما يعبر في هذا ~~الحوار عن آراء بركلي نفسه. # أما فلسفته فشعبتان: شعبة سلبية وأخرى إيجابية، فهو في الأولى يحاول أن يبرهن على أن ~~العالم المادي ليس له وجود مستقل عن العقل الذي يدركه، ثم يبين بعد ذلك أن العقول وما تشمل ~~عليه من أفكار هي وحدها الحقيقة. ولما كان الله هو العقل الأسمى كان هو باعث أفكارنا، كما ~~أنه في الوقت نفسه هو الذي يوجد ما بينها من روابط. ~~(1) # بطلان الأشياء المادية: # يستهل بركلي كتابه «أصول المعرفة البشرية» بعبارة يلخص فيها ~~المشكلة، ويوجز موقفه منها: «حسبك أن تلقي نظرة شاملة على ما تتألف منه المعرفة البشرية ~~لتوقن يقينا جازما أن معرفتنا إحدى ثلاث: فهي إما أن تكون أفكارا قد انطبعت آثارها على ~~الحواس حقا، وإما أن تكون أفكارا أدركناها بالتأمل في عواطفنا وخلجات عقولنا، أو هي ~~أفكار كونتها الذاكرة والخيال ... ولكن لا بد أن يكون هنالك - عدا هذه الأفكار المتنوعة ~~تنوعا لا حد له - شيء يعرفها ويدركها، ويتصرف فيها بما له من إرادة وتخيل وتذكر، وهذا ~~الكائن المدرك الفاعل هو ما أسميه العقل، أو الروح، أو النفس، أو الذات ... وإنه لبديهي أن ~~آراءنا وعواطفنا وأفكارنا التي يكونها خيالنا ليست موجودة خارج عقولنا، وليس أقل من ذلك ~~بداهة أن الأحاسيس المختلفة أو الأفكار التي ms124 تنطبع على الحواس - مهما بلغ من امتزاجها ~~واختلاطها بعضها مع بعض. لا يمكن أن توجد إلا في عقل يدركها.» # ولقد أراد بذلك أن يقيم الدليل على أن وجود العالم الخارجي متوقف على وجود العقل الذي ~~يدركه، فإن لم يكن عقل مدرك لما كان هناك عالم مادي، فلو انعدمت حواس الأبصار لانعدمت معها ~~المرئيات، ولو صمت الآذان لانمحت الأصوات، وعلى الجملة لو ذهبت الحواس لامتنع وجود ~~الأشياء. ويجب أن نلفت النظر إلى أن بركلي لا يقصد بذلك أن يشك في وجود العالم الخارجي، ~~ولكنه يرى أنه من خلق العقل والحواس، وهو ينكر وجود ذلك الجوهر المجهول الذي زعم الفلاسفة ~~من قبله - ومنهم لوك - أنه كان وراء الظواهر المحسوسة. يقول بركلي: إنني لست أقل منك ~~إيمانا بوجود ما تراه عيناي وتحسه يداي، إنما أنكر أن يكون ثمة شيء غير ما أرى وما أحس، ~~وأن هذا الجوهر المزعوم إن هو إلا فكرة مجردة ليس لها حقيقة واقعة. إننا لو تأملنا فيما ~~تأتينا به التجربة لما رأينا فيه ذلك الجوهر أو تلك القوة التي تنشأ عنها الظواهر أو تكون ~~قواما للأشياء كما يزعمون، بل كل ما نراه هو مجموعة من الإحساسات إذا حللتها وجدتها تتألف ~~من مرئيات معينة، وأصوات، وطعوم، وما إلى هؤلاء من ضروب ما تجيء به الحواس. هذا فضلا عن ~~معرفتي بنفسي؛ إذ إني أعلم - إلى جانب تلك الأحاسيس - أنني أنا الذي أعرفها. وليس يعي ~~الإنسان غير هذين الجانبين؛ إحساسات، وذات تدركها. # وإذا قلت إنني أرى أو ألمس شيئا ما، فإنما أريد بذلك أنني أدرك فكرتي عنه. إن هذا القلم ~~الذي أكتب به موجود ما دمت أراه بعيني وأحسه بين أصابعي، فإذا تركته على المائدة وانصرفت من ~~غرفتي، فسأظل أعلم أنه موجود، ويكون معنى وجوده عندئذ أنني لو كنت في الغرفة لرأيته ~~وأحسسته، أو قد يكون معنى وجوده أن هنالك عقلا آخر يدركه. ويريد بركلي بذلك أن يقول إنه ~~يسمع أصواتا، ويرى ألوانا وأشكالا ويذوق طعوما، إلى آخر هذه الآثار الحسية التي ms125 هي كل ~~ما يستطيع أن يعلمه، بل كل ما يمكن أن يكون له وجود حقيقي. أما ما يقال من أن للأشياء ~~جوهرا حقيقيا موجودا في الخارج سواء أكانت هنالك عقول تدركه أو لم تكن، فذلك ما يرفضه ~~رفضا باتا، فلفظة «موجود» معناها «مدرك». وبعبارة تلخص ما مضى نقول: إنه يستحيل أن ~~يكون للأشياء وجود خارج العقول التي تدركها «إن كل هذه الأجسام المادية التي يتركب منها ~~الكون ليس لها وجود بغير عقل - فوجودها هو أن تدرك وتعرف ...» وفي هذا الرأي تتلخص ~~رسالة بركلي. # ويقول بركلي: إن ما حدا بالإنسان إلى الزعم بأن للأشياء جوهرا حقيقيا خارجيا غير ما ~~تنبعث فينا عنه من إحساسات هو الفرض الباطل بأن في أذهاننا ما نسميه بالأفكار الكلية ~~المجردة (أي أن في الذهن أفكارا كلية غير الإحساسات الجزئية مما يدل على أن للأشياء حقيقة ~~أخرى غير مجموعة الآثار الحسية التي تنطبع على حواسنا)، ولكن بركلي يقول: إن الإنسان ليخدع ~~نفسه حين يخلط، فيظن الألفاظ أفكارا، فليس لهذه الأفكار الكلية وجود قطعا، وليس ثمة إلا ~~الحقائق الجزئية التي نحسها بحواسنا. إن هذه الأفكار المجردة ليس لها وجود، حتى في العقل ~~نفسه فضلا عن العالم الخارجي. # ولا بد هنا من معترض يسائل «بركلي» إذا استحال وجود الأفكار نفسها إلا في عقل يفكر فيها - ~~وهذا ما نسلم به - فماذا يمنع أن يكون هنالك، خارج عقولنا، أشياء شبيهة بأفكارنا؟ أو على ~~الأصح تكون أفكارنا شبيهة بها أو صورا لها؟ إذا كانت فكرتي عن هذا القلم الذي أكتب به لا ~~يمكن أن توجد بغير عقل يدركها، فلماذا لا يكون ثمة قلم مادي في الواقع، هو الأصل الذي انبعثت ~~عنه فكرتي؟ ولكن بركلي يجيب على من يعترض بهذا قائلا: إن الفكرة لا يمكن أن تشبه إلا فكرة ؛ ~~لأن الشبه لا يكون إلا بين النظائر، فيماثل لون لونا وشكل شكلا، فإذا سلمنا بوجود أشياء ~~مادية في الخارج، فلا يمكن لتلك الأشياء أن تخلق فينا أفكارا؛ لأن الشيء مادة، والفكرة ~~روح، فلا يعقل ms126 أن يكون بينهما شيء من التشابه. # ولقد أخطأ «لوك» في تقسيمه صفات الأشياء قسمين: صفات أولية موجودة فعلا في الأشياء، ~~وأخرى ثانوية تنشأ في العقول. ومن أمثلة الصفات الأولية الامتداد، فكل جسم يتصف بالامتداد ~~بغض النظر عن العقل المدرك له، ومن أمثلة الصفات الثانوية الألوان والطعوم، فهذه من صنع ~~العقل وتكوينه وليست موجودة فعلا في الأشياء التي تتصف بها ... يقول بركلي: إن «لوك» قد أخطأ ~~في هذا، فليس هناك أي فرق بين صفة وأخرى، وكلها - امتدادا كانت أو لونا أو طعما - موجودة ~~فقط في الذهن الذي يدرك الشيء. # وربما قيل إن للأشياء جوهرا يكمن وراء صفاتها، وإنه من الجائز أن تكون الصفات كلها كما ~~يقول «بركلي» من خلق الذات، ولكن جوهر الشيء الذي تتعلق به تلك الصفات لا بد أن يكون له ~~وجود حقيقي خارجي واقع، فإن قلت مثلا إن لون هذه التفاحة أحمر، ورائحتها زكية، وطعمها كذا، ~~إلى آخر هذه الصفات، فما الذي تصفه باحمرار وبطيب الرائحة ولذة الطعم؟ أليس المعقول أن يكون ~~للتفاحة جوهر غير هذه الصفات، تتعلق هي به؟ نقول: ربما يعترض بهذا على «بركلي» ويكون معناه ~~أن هناك حقيقة خارج العقول هي جوهر الشيء على فرض أن الصفات لا توجد إلا في العقل وحده. ~~ولكن بركلي يجيب عن هذا الاعتراض بأن الشيء هو مجموعة صفاته ليس إلا. خذ تفاحة مثلا في ~~يدك، ثم افرض أنك لا تبصر، فستنمحي من فكرة التفاحة صورتها، فإذا فقدت بعد ذلك حاسة الشم ~~انمحت من الفكرة رائحتها، فإذا فقدت بعدئذ حاسة الذوق، كانت فكرة التفاحة عبارة عن ملمسها، ~~فإن فقدت حاسة اللمس انمحت فكرة التفاحة، ولم يعد لوجودها أي معنى بالنسبة إليك. ومعنى ذلك ~~أن التفاحة هي صفاتها لا أكثر ولا أقل، فإن كانت الصفات من خلق الذات كما قدمنا، كانت ~~فكرة التفاحة بأسرها من خلق الذات كذلك، وليس لها معنى من معاني الوجود خارج العقل المشتمل ~~على تلك الفكرة. وبهذا محا «بركلي» المادة من الوجود، فليس في حقيقة الأمر إلا ms127 أفكار في ~~عقول. # قلنا فيما سبق إن فلسفة «بركلي» تتألف من خطوتين؛ الأولى: سلبية ينكر فيها وجود المادة، ~~والثانية: إيجابية يثبت فيها وجود الكائنات الروحية. ولقد بسطنا القول في مرحلته السلبية ~~الأولى، ونحن نعرض عليك الخطوة الإيجابية الثانية. # يقول «بركلي»: إنه لا ريب أن هنالك إلى جانب أفكارنا ذوات مدركة. إنني أعلم حق العلم أن ~~أفكاري كائنة في عقلي، وأستطيع أن أميز تمييزا واضحا بين ذاتي وبين أفكاري، وإذن فللعقل ~~وجود مستقل لا شك فيه، وهو الذي يتناول أشتات الأفكار، فيصل بينها وينظمها، ولولاه لظلت ~~مفككة لا تؤدي معنى، فيكون لون التفاحة مثلا منفصلا عن ملمسها، وهذا مستقل عن رائحتها، ~~وهي جميعا لا تتصل بطعمها، وبذلك لا يكون هناك فكرة متصلة مترابطة متحدة عن التفاحة، أو ~~بمعنى آخر لا تكون في العقل فكرة للتفاحة على الإطلاق، هذا العقل الذي يدرك الأفكار، # 9 # ويؤلف بينها يستحيل أن يكون هو نفسه فكرة من الأفكار؛ لأنه فاعل والأفكار كلها ~~قابلة، وهو مدرك والأفكار مدركة. والخلاصة أن العقل، أو الروح موجود لا ريب في ~~وجوده، وإذن فكل ما في الوجود عقول وما تحويه من أفكار. ~~(2) # الله هو منشئ الأفكار: # لقد أنكر «بركلي» وجود الأشياء المادية، ولم يعترف إلا بالعقول ~~وأفكارها، فبديهي أن يرد على الذهن هذا السؤال: من أين إذن تأتي أفكارنا؟ إنه ليست هناك ~~أشياء في الخارج تبعثها في نفوسنا، حتى نقول إنها صور لتلك الأشياء، كذلك لم تخلقها عقولنا ~~خلقا من عدم، فكل عمل العقل مقتصر على تنظيمها وربطها، ويستحيل أن تكون وهما وخداعا؛ ~~لأنها حية ناصعة واضحة منظمة، فإذا كانت هذه الأفكار ليست من ابتداعنا نحن، فلا بد أن يكون ~~لها سبب خارج عنا، ولا بد أن يكون ذلك الكائن مفكرا مريدا؛ لأنه بغير الإرادة لا يمكن أن ~~يكون فاعلا ومؤثرا في الناس، وبغير التفكير يستحيل أن يبث في عقولنا. هذا ولما كانت ~~أفكارنا منوعة متعددة تنوعا وتعددا لا نهاية لهما، فلا بد أن يكون لذلك الكائن قوة لا ~~نهائية، وعقل ms128 غير محدود، إنه لا بد أن يكون في قدرته السيطرة على العقول كلها، حتى يتمكن من ~~أن يبث أفكارا بعينها في عقول كثيرة في وقت واحد ... هذا الكائن هو الله، وهذه الأفكار التي ~~يؤلفها وينسقها ويربط بينها هي ما نسميه بالطبيعة،. أما هذا التتابع الذي يحدث بين الأفكار ~~فهو ما نطلق عليه قوانين الطبيعة. وهنا يستطرد «بركلي» فيقول: إننا لسنا في حاجة إلى أن ~~نثبت وجود الله بالمعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة؛ لأن ثبات هذه القوانين وانسجام الأفكار ~~وتنظيمها تدل على قوة الله أكثر مما تدل عليه الخوارق الشاذة ... ثم يقول: إنك إذا سمعت رجلا ~~يتحدث دون أن تراه لما شككت في وجوده، فكيف يجوز للإنسان أن يشك في وجود الله وهو يتحدث ~~إلينا حديثا متصلا لا ينقطع بلسان هذه الطبيعة - أي الأفكار - إن هذه الأفكار التي يبثها ~~في عقولنا هي نماذج من أفكاره الخالدة، فهي دليل قائم على وجوده وخلوده. # ترى مما سبق أن «بركلي» يذهب بفلسفته إلى أن الأشياء جميعا لا تعدو أفكارا وما يربطها ~~من علاقات، ولكن هذه العلاقات ليست طبائع الأفكار نفسها، وإذن فهو لا يعترف بما في العالم ~~الخارجي من سببية؛ لأنه لا يرى أن الحادثة المعينة أو الفكرة المعينة لا بد أن تستتبع حادثة ~~أو فكرة بعينها، إذ هو - كما رأيت - ينكر أن العلاقات بين الأشياء ضرورية ليس من حدوثها بد، ~~فكل ما في الأمر سلسلة من الأفكار تتابع في العقل تتابعا يتم كما يريده الله. # أراد «بركلي» بإنكاره للعالم المادي، وبإثباته للكائنات الروحية وحدها أن يصد تيار ~~المادية الذي طغى على الفكر في عصره طغيانا انتهى بالإلحاد، وأن يقرر وجود الله الذي ينشئ ~~في نفوسنا الأفكار، ولكنه يعود فيعترف بأن الإنسان عاجز عن معرفة الله معرفة تامة كاملة؛ ~~وذلك لأن أفكارنا قابلة فقط وليست فاعلة، وحتى على فرض فاعليتها، فهي ولا شك فاعلية ناقصة. ~~ولما كان الله عبارة عن فاعلية خالصة كاملة، كان من غير الممكن أن تمثله هذه الأفكار التي ~~تنقصها الفاعلية، فمعرفتنا ms129 بالله هي من قبيل معرفتنا بذواتنا وبوجود العقول الأخرى، فلسنا ~~نعلم عن الله إلا ما نستنتجه من آثاره فينا؛ أي الأفكار التي في عقولنا. # ولكن طريقته هذه إذا طبقت إلى نهايتها فقد تنتهي إلى إنكار عالم الروح كذلك. # إنه زعم أن الشيء المادي لا يكتسب وجوده إلا من إدراكه في عقل ما، وأن كل ما هنالك عن ~~ذلك الشيء هو فكرة في عقل، فبأي حق أقرر أن الله والعقول الأخرى موجودون وجودا حقيقيا ~~خارج عقلي، وأنهم قادرون مثلي على التفكير والتخيل والإرادة؟ # أليست هذه العقول، بل أليس الله نفسه فكرة في نفسي؟ فلماذا لا أحكم عليه بما حكمت به على ~~الأشياء المادية، فأقول: إنه ليس لها وجود إلا في عقلي، وبذلك ينهار عالم الروح كما اندك ~~عالم المادة من قبل؟ # ومهما يكن من أمر هذا الفيلسوف، فقد أفلح في معارضة النزعة المادية، كما كان من أئمة ~~المذهب المثالي الذي يتلخص في أن العالم هو ما تصوره لنا أذهاننا. ~~(1-9) هيوم # Hume # جاء «هيوم» فانتزع من فلسفة «بركلي» نتيجتها اللازمة وهي: الشك، فالشك هو الخاتمة التي ~~انتهى إليها المذهب التجريبي الذي قام في إنجلترا. ولقد أراد «بركلي» أن يتجنب الشك ما وسعه ~~ذلك، لم يرد بمذهبه المثالي إلا أن يخلص حقيقتي الذات والله من معول المادية الهدام، ~~ولكنه لم يتنبه إلى ما تؤدي إليه مقدماته من نتيجة، كان هو بغير شك أول من يرفضها ولا ~~يرضاها، فلقد كان بإنكاره لوجود المادة إنما يمهد الطريق لإنكار العالم الروحي أيضا؛ وذلك ~~لأننا إذا كنا نعجز عن معرفة شيء إلا ما تدركه الحواس، فليس من الممكن أن نعرف وجود العقل، ~~هذه هي النتيجة المنطقية التي يتضمنها المذهب التجريبي، وقد انتزعها «هيوم» وجعلها أساسا ~~لفلسفته كلها. # ديفد هيوم. # لقد قال «بركلي» إن حقائق الأشياء الخارجية ليست إلا صفاتها التي ندركها بالحواس، وأنه ~~ليس وراء تلك الصفات جواهر كما يزعمون، وما دامت الصفات من خلق عقولنا، فالأشياء المادية ~~الخارجية حديث وهم وخرافة، فسلم «هيوم» بهذا القول، ms130 ثم زاد عليه أن العقل أيضا وهم لا ~~وجود له، فلا مادة هناك ولا عقل، إن التجربة - وهي المصدر الوحيد لعلمنا - لا تقدم إلينا ~~فيما تقدم جوهرا من الجواهر المادية أو العقلية، وكل ما ندركه من تجارب حياتنا مجموعة من ~~إحساسات، سواء أكانت آتية عن طريق الحواس، أم من الداخل بإصغائنا إلى بواطن أنفسنا «وما دام ~~العقل لا يعلم قط إلا طائفة من الإدراكات الحسية، وما دامت كل أفكارنا إنما يؤلفها من ~~الأحاسيس، كان من المستحيل أن نكون بعقولنا فكرة عن شيء ما تكون مخالفة من نوعها للآثار ~~الحسية.» # ولد «ديفد هيوم» في إدنبره سنة 1711م، ولا نعلم من طفولته وشبابه شيئا، إلا أنه درس في ~~إحدى جامعات فرنسا، وأنه في سن الرابعة والعشرين أصدر أول كتبه، وهو أشهرها «رسالة في ~~الطبيعة البشرية»، ولكن هذا الكتاب لم يأبه له أحد لخمول ذكر صاحبه، فاضطر «هيوم» أن يعيد ~~كتابته من جديد، بحيث يلائم القراء، وأعطاه عنوانا جديدا هو «بحث في العقل البشري»، ونشره ~~زاعما أنه الجزء الثاني من سلسلة مقالات يعتزم إصدارها. ولقد توقع هذه المرة أن ما أورده ~~في كتابه من الآراء سيحدث في دوائر المفكرين ضجة داوية، ولكن الكتاب ظل كذلك خاملا، وقد ~~قال «هيوم» نفسه عنه: «إن كتابي قد ولدته المطبعة ميتا.» أما كتبه الأخرى فهي: «مقالات ~~سياسية» على اعتبار أنها الجزء الثالث من مقالاته، «ومحاورات في الدين الطبيعي» و«تاريخ ~~إنجلترا». ولقد أنعم الله على «هيوم» بصحة قوية، ووفرة مادية، مكنتاه من مواصلة دراسته ~~وكتابته. هذا وقد عين أمينا لمكتبة المحامين في إنجلترا، ثم عين بعدئذ كاتما للسر في ~~المفوضية الإنجليزية في فرنسا، فاتصل أثناء إقامته في باريس بالدوائر الأدبية العالية، ~~وأخيرا عاد إلى بلده إدنبره حيث قضى آخر أعوامه. # وأما فلسفته فهي كما قدمنا عبارة عن انتزاع النتائج المنطقية التي تؤدي إليها فلسفة ~~سلفيه «لوك وبركلي». مع قبوله لوجهة نظرهما وآرائهما جملة وتفصيلا. ~~(1) # الآثار الحسية والأفكار: # يذهب «هيوم» إلى ما ذهب إليه «لوك» من قبله، من أن ms131 العناصر ~~التي تتألف منها معرفتنا كلها هي المدركات البسيطة التي تتلقاها عقولنا وتنفعل بها، دون أن ~~يكون لهذه العقول أي أثر فعال فيها. ثم يقسم «هيوم» هذه المدركات قسمين هما: الآثار ~~الحسية والأفكار، وكلاهما في نظره من نوع واحد، وكل الفرق بينهما هو في درجة القوة التي ~~يؤثر بها كل منهما في العقل، فالآثار الحسية أقوى في العقل أثرا وأوضح ظهورا، وأما ~~الأفكار فهي عبارة عن آثار حسية تقادم عهدها، فوهنت قوتها وضعفت صورها. وما دام الأمر ~~كذلك، فلا يمكن أن تنشأ في العقول أفكار إلا إذا سبقتها آثار حسية، وإذن فالآثار الحسية هي ~~المرجع الأخير الذي نقيس به صحة الأفكار وحقيقتها، فإذا استطعنا أن نرجع الفكرة إلى أصلها ~~الحسي كانت صادقة، وإلا فهي وهم واختلاق من العقل، وليس لها أصل مما تلقته حواسنا من آثار ... ~~حقا إن هناك أفكارا مركبة لا تماثل الآثار الحسية، ولكن لو حللناها ألفيناها مكونة من ~~عدد من الأفكار البسيطة التي تنشأ من الحواس مباشرة، وعلى ذلك تكون تلك الأفكار المركبة ~~صحيحة. ويقول «هيوم» إنه إذا قام الدليل على أن الآثار الحسية تسبق الأفكار، وعلى استحالة ~~هذه بغير تلك، فقد أجيب على مشكلة الآراء الفطرية التي كثر حولها الجدل والنزاع؛ إذ ما دامت ~~الأفكار تتبع آثار الحواس، وهذه الآثار الحسية لا تكون إلا في تجارب الحياة، إذن فليس ثمة ~~أفكار مفطور عليها العقل منذ ولادته على الإطلاق. # ثم يفرق «هيوم» بعد ذلك بين أفكار الذاكرة وأفكار الخيال، فيقول: إن الأولى أنصع وأقوى من ~~الثانية؛ لأنها صور مباشرة لمدركاتنا،؛ إذ الذاكرة تحتفظ بالصورة الأصلية التي أدركنا عليها ~~الأشياء، وأما الخيال فهو يتناول هذه الصور الفكرية بالتغيير والتحوير. وبعبارة أخرى: إن ~~الذاكرة تقف عند حدود التجربة، أما الخيال فلا يقيد نفسه بذلك، ولهذا يقع في كثير من ~~الأخطاء، ويختلق كثيرا من الدعاوى التي لا يمكن البرهنة عليها. ~~(2) # العلاقة بين الأفكار: # ينظر «هيوم» إلى أفكاره فيراها دائمة الاتصال والانفصال بعضها ~~مع بعض. وقوة الخيال هي التي تقوم بربط ms132 هذه الفكرة بهذه أو بتلك، ويستحيل أن تكون المصادفة ~~وحدها هي التي تعمل على ربط أشتات الأفكار المفككة التي تصل إلى الذهن، بل لا بد أن يكون ~~هنالك أساس لربط الأفكار، وقاعدة تتصل بمقتضاها فكرة بفكرة أخرى. ويقول «هيوم» إن لذلك ~~التداعي بين الأفكار أسسا ثلاثة: التشابه، والتقارب الزمني أو المكاني، ورابطة العلة ~~بالمعلول. أما التشابه فهو أساس كل العلوم التي ترتكز على البداهة أو على البرهان. كالحساب ~~والجبر، والرياضة بصفة عامة؛ لأن قضايا الرياضة يدركها العقل بمجرد الفكر دون أن يعتمد في ~~ذلك على ما هو موجود في زمان أو في مكان، فلو فرضنا مثلا أن ليس في الطبيعة كلها مربع ولا ~~دائرة، فذلك لا يمنع الحقائق العقلية التي نثبتها بالدليل أو ندركها بالبداهة عن المربع أو ~~الدائرة، وأما العلاقة الزمنية أو المكانية، فتقوم على أساسها علوم الطبيعة، وعلى السببية ~~يعتمد كل ما له علاقة بالحوادث التي تقع في تجارب الحياة، وهذه السببية هي أوسع الروابط ~~الثلاث انتشارا وأشدها اتصالا بالحياة العادية، فكل ما يقع من حوادث بين الأشياء إنما ~~يحدث وفقا لقاعدة السببية، ولهذا فإن «هيوم» يختصها بشطر كبير من بحثه، فهو يحللها تحليلا ~~دقيقا ينتهي به إلى القول بأن الإنسان لا يدري شيئا عن الرابطة بين العلة ومعلولها، وهو ~~يبحث هذا الموضوع في فصل مسهب. عنوانه: «العلم والاحتمال» وهو يكون الجزء الثالث من ~~كتابه. ~~(3) # العلم والاحتمال: # أراد «هيوم» أن يبين أن فكرة السببية باطلة؛ لأننا لو رددناها ~~لأصلها لما وجدنا بين الآثار الحسية ما ينشئها. ولم تكتسب فكرة السببية ما لها من قوة ~~إلا بالعادة وحدها فقد تعود الإنسان أن يرى حادثة تتبع أخرى فربط خياله بين الحادثتين ~~برباط سماه السببية، إذ توهم أن الأولى علة للثانية، مع أنه لم يتلق من الحياة الخارجية ~~إحساسا معينا معناه أن هنالك رابطة ضرورية بين هاتين الحادثتين. فكل ما يصادفه الإنسان في ~~تجاربه العملية هو جزئيات مفككة ليس بينها أية صلة البتة، ولكن إذا كان ذلك كذلك، فما الذي ~~حدا ms133 بالإنسان أن يتجه هذا الاتجاه في تفكيره، ومن الذي أوحى إليه بهذا الوهم الباطل، أي أن ~~صلة السببية تربط بين مفردات الحقائق، مع أن هذه المفردات منفصل بعضها عن بعض في الواقع ~~الخارجي، ولا شأن لأحدهما بالآخر. نقول إن كانت التجربة العملية لا تقدم إلينا فيما تقدم من ~~أحاسيس هذه الفكرة، فكرة ارتباط العلة بالمعلول، فلماذا فكر فيها الإنسان بادئ بدء، وفرض ~~أنها حقيقة واقعة على الرغم من حواسه؟ إن هذه الفكرة لا يمكن أن تكون قد نشأت من باطن ~~النفس؛ لأننا قد قررنا أن ليس لدى الإنسان أفكار فطرية تولد معه، وكل علمه مكتسب من ~~التجارب وبطريق الحواس، كذلك لا يمكن أن نقول إنها بديهية تفرض نفسها على العقل فرضا؛ لأن ~~المعلول مختلف عن علته كل الاختلاف، وليس في مقدور العقل أن يسلم بأن يكون اختلاف المقدمة ~~عن نتيجتها بديهية مقطوعا بصدقها، بل هي - على النقيض من ذلك - ظاهرة تبعث على التفكير ~~وتستوقف النظر، فأنت مهما أمعنت في تحليل العلة والمعلول الذي ينشأ عنها، لما وجدت أن هذا ~~متضمن في تلك. إن كرة «البلياردو» لا تكاد تمس الكرة الأخرى حتى تبدأ هذه في الحركة، فكيف ~~انبعثت الحركة من الكرة الأولى في الكرة الثانية؟ إنه ليس في حركة الأولى ما يستدعي الحركة ~~في الثانية. فمن ذا الذي أوحى إلى الإنسان أن يفرض بأن هذه علاقة ضرورية لازمة الحدوث ~~باعتبار الأولى سببا والثانية مسببا؟ إن كل ما يراه الإنسان بحواسه من هذه الحادثة ~~إحساسان متعاقبان: كرة أولى تتحرك، ثم كرة ثانية تتحرك، ولم تقدم له الحواس علاقة بين ~~الحركتين، ولكنه مع ذلك تخطى حواسه، وزعم أن بين الإحساسين علاقة علة بمعلول، وأن هذه ~~العلاقة ضرورية محتمة الحدوث. # يتساءل «هيوم»: من أين جاءت هذه الفكرة التي أضافها الإنسان إلى الإحساسات المتفرقة التي ~~ليس بينها في الواقع حلقات متوسطة تربط الواحدة منها بالأخرى، فتطوع لها الإنسان برابطة ~~السببية، وسمى حادثة ما علة، وسمى الأخرى معلولا، والحقيقة أنهما حادثتان تتابعتا لا أكثر، ~~وليس التتابع ms134 بالطبع معناه السببية؟ قد يقال: إن الإنسان قد حكم بوجود علاقة السببية بين ~~حادثتين لما رأى أنهما تتتابعان باطراد، ولكن هذا التتابع مهما اطرد فهو تتابع فقط، ولا ~~يمكن أن يفهم منه أن الحادثة الأولى سببت الحادثة الثانية وأوجدتها ... يقول «هيوم» إنها ~~العادة وحدها هي التي أدت بالإنسان إلى استخلاص هذه النتيجة؛ إذ توهم أنه ما دامت هاتان ~~الحقيقتان قد ارتبطتا في الماضي، فلا بد أن يرتبطا كذلك في التجارب المقبلة. وإذن ففكرة ~~السببية ذاتية محضة، وهي خدعة من الخيال الذي يميل إلى فرض رابطة بين الأشياء والحوادث ليس ~~لها وجود إلا في العقل الذي يدركها. ~~(4) # العالم الخارجي وهم باطل: # يعتقد الإنسان أن الأشياء الخارجية تتمتع بوجود متصل دائم، ~~وهي عقيدة باطلة ووهم نسجه الخيال، ويرجع هذا الوهم الخاطئ إلى العادة أيضا التي أوهمتنا ~~بوجود علاقات ضرورية بين الأشياء. يلقي «هيوم» بادئ بدء هذين السؤالين: «لماذا تعزو للأشياء ~~وجودا مستمرا حتى ولو لم تكن موجودة؟ ولماذا تفرض أن تلك الأشياء موجودة خارج العقل ~~متميزة عن القوة المدركة؟» ثم يجيب عن السؤال الأول فيقول: إن الحواس لا تقدم إلي إلا ~~إدراكا حاضرا فقط، فأنا مثلا أرى مكتبي، ثم أخرج من غرفتي وأعود إليها بعد حين فأرى ~~المكتب ثانية، فمن أدراني أن هذا المكتب الذي أراه الآن هو نفس المكتب الذي رأيته منذ حين؟ ~~إنها العادة هي التي تحملني على العقيدة بأن مكتبي مستمر الوجود، ولكن لو حللت الأمر لأيقنت ~~ببطلان ما توحي إلي العادة به، أو على الأقل لشككت فيها؛ ذلك لأنني في حقيقة الأمر لا أعلم ~~عن المكتب إلا ما دلتني عليه عيناي، وهاتان لم تبعثا في إلا صورا متفرقة عن المكتب، فصورة ~~رأيتها في الصباح، وأخرى رأيتها في المساء، وليس لدي حجة عقلية واحدة أبرر بها أن ما بعث ~~صورة الصباح هو نفسه الذي بعث صورة المساء، لقد جاءني من العالم الخارجي عدة «مكاتب» فأسرع ~~خيالي الخادع إلى توهم أن كل هذه «المكاتب» التي جاءت بها حاسة الإبصار هي ms135 في الواقع شيء ~~واحد له وجود مستمر. # وهذا الوهم الباطل الذي نسجه الخيال ولفقه - بغير سند يثبت حقيقته - هو الذي أدى كذلك إلى ~~اعتقادنا بوجود المادية مستقلة عنا. إنني لا أعلم عن العالم الخارجي إلا ما في ذهني من ~~مدركات حسية، فبأي حق أتعدى حدود علمي، وأزعم أن في الكون أشياء غير هذه المدركات؟ إننا نرى ~~بعض أفكارنا واضحة قوية ناصعة، فلا نصدق أن تكون هذه الأفكار بغير أشياء تقابلها، وبهذا ~~نخلق وجودين في كون واحد: أفكار وأشياء! # كلا، ليس في الكون إلا هذه الأفكار التي ندركها، ومن الخطل أن نفرض وجود ما لا ~~نعلم. # وليت هذه الفأس الهادمة قد اقتصرت على العالم المادي، بل تعدته إلى العقل نفسه فأنكرته ~~وأزالته من الوجود! هات هذا العقل وسلط عليه المقياس الذي اتخذه «هيوم» لمعرفة ما هو حق وما ~~هو باطل، ثم انظر ماذا يكون من أمره، نحن لا نعلم إلا طائفة من آثار حسية، فكل فكرة مهما جل ~~قدرها لا يمكن ردها إلى أثر من تلك الآثار الحسية قضينا عليها بالبطلان، تتبع إذن فكرة ~~العقل أو الذات وردها إلى أصلها الحسي، فهل أنت واجد بين الآثار الحسية التي أتتك من ~~الخارج ما معناه «عقل»؟ هل تمثل فكرة الذات إحساسا جاءت به العين أو الأذن، أو أية حاسة ~~أخرى؟ كلا، وإذن فقد تقوض العقل كما تقوضت المادة من قبل، فلا عقل هناك، وكل ما في الأمر ~~سلسلة من المشاعر والعواطف يتبع بعضها بعضا في حركة دائمة دون أن تكون هناك «ذات» أو «عقل» ~~تمسكها كلها في آن واحد. وبعبارة أخرى ليس لدى تلك القوة المزعومة التي أستطيع بها أن ~~أخزن طائفة من الأفكار والمشاعر، بل كل ما لدي هو سيل متدفق متلاحق من الإحساسات العابرة ~~التي لا يربط بعضها ببعض أية رابطة. فأنا الآن في هذه اللحظة ليس لدي إلا شعور واحد أو ~~فكرة واحدة، وهذه ستمضي من فورها وتحل أخرى مكانها، ثم ثالثة فرابعة وهلم جرا، وليس ثمة عقل ~~يمسكها ويجمع ms136 بينها كلها في لحظة بعينها، فإن كان هذا القول لا يزال غامضا، فيمكن توضيحه ~~«بفيلم السينما»، فالشاشة لا يظهر عليها في كل لحظة إلا صورة واحدة، ثم تأخذ الصور في ~~التتابع، دون أن يكون بين الصورة السابقة والصورة اللاحقة أدنى رابطة، اللهم إلا التتابع ~~وحده، وبديهي أن الشاشة (وهي مثل العقل في هذه الحالة) لا تحتفظ على صفحتها بكل الصور في ~~لحظة واحدة، بل إن الصورة التي تمضي لا عودة لها، وليس هناك مجال إلا لصورة واحدة في لحظة ~~واحدة. ومن تتابع الصور تنشأ القصة، كما أن من تتابع الأفكار تنشأ الحياة الفكرية. # وهنا يعترض على «هيوم» بحق أنه يرفض وجود العقل أو الذات في آخر رسالته، بعد أن استغل ~~فرص وجوده أثناء البحث، فقد زعم أن هناك بعض العلائق التي تربط الأفكار فقال: إن الذاكرة ~~والخيال عاملان من عوامل هذا الربط، فسواء سمينا هذه القوة التي تربط ما بين الأفكار ~~بالذاكرة أو بالخيال أو بالعقل، فليس يقدم هذا الاختلاف في الأسماء من الأمر ولا ~~يؤخر. # فإن صدق ما ذهب إليه «هيوم» من أن العقل ليس إلا إحساسات متناثرة تتلاحق في العقل، وتتتابع ~~دون أن يكون بينها أية صلة، فلقد انهدمت روحانية النفس وخلودها؛ لأنه بذلك لا نفس هناك ولا ~~روح. ولكن هذا الاعتراض ليس له معنى عند «هيوم»؛ لأنه قد محا المادة والروح على السواء، ولم ~~يبق على شيء منهما حتى يجوز لنا أن نسائله: هل النفس روحانية أو مادية؟ # ومن نتائج فلسفة «هيوم» أيضا القضاء على كل دليل ينهض على وجود الله، فهو يقول في كتابه ~~«محاورات في الديانة الطبيعية»: إننا لا نعلم عن العلة شيئا إلا أنها الحادثة السابقة التي ~~نشاهدها قبل حدوث معلولها، وإذن فلا بد من مشاهدة الحادثتين معا: السابقة واللاحقة على ~~السواء، إننا نستدل من وجود الساعة على وجود صانعها؛ لأننا رأينا الساعة والصانع كليهما، ~~وإذن فوجود الكون لا يقوم دليلا على وجود صانعه، إلا إذا رأينا الصانع والمصنوع جميعا. ~~وهنا عارضه «ريد» بأن ms137 في الطبيعة علامات كثيرة تدل على أنه يسير وفق خطة معينة، ووجود خطة ~~تقتضي وجود سبب عاقل. فأجابه «هيوم» بأنه إذا كان لا بد لنا من البحث عن علة لكل شيء، لوجب ~~إذن أن نبحث عن علة للإله نفسه. # وينكر «هيوم» في كتابه «مقالة في المعجزات» وقوع المعجزة، على الرغم من أنه لا ينكر ~~إمكانها؛ لأن إمكان وقوع المعجزة الخارجة نتيجة طبيعية لمذهبه الذي ينكر به ضرورة التتابع ~~السببي بين الأشياء والحوادث، فما دامت الأشياء لا تتتابع في نظام معين، فمن الجائز إذن أن ~~يحدث في الطبيعة أي شيء، دون أن يسترعي ذلك انتباهنا أو يثير دهشتنا، نقول إنه ينكر وقوع ~~المعجزة رغم جوازها عقلا، محتجا بأن التجربة قد دلت على أن الكون يسير في نظام معين. ~~فالعقل أقرب إلى قبول استمرار هذا النظام منه إلى قبول كسره واضطرابه. ولكن من حقنا أن ~~نسائل «هيوم»: لماذا يعتبر المعجزة كسرا لنظام الطبيعة بناء على نظريته هو؟ أليس يدعونا ~~إلى اعتبار كل حادثة إدراكا جديدا لا علاقة له بما سلفها من حوادث؟ وعلى ذلك يكون الحادث ~~الذي يسميه هو كسرا للنظام المعهود، مجرد إدراك جديد لا يتصل بالحالة السابقة له، إنه ~~حقيقة جديدة صادفناها في مجرى تجربة الحياة العملية. إن فلسفة «هيوم» لأميل إلى وقوع ~~الحوادث الخارقة غير المعهودة، بل إن مذهبه ليقتضي أكثر من هذا، إنه لا يؤدي إلى أن هناك ~~نظاما معينا في الكون، حتى نقول إنه كسر أو لم يكسر؛ لأنه ليس في أذهاننا فكرة عن نظام ~~موجود بين الأشياء الخارجية، ولا يمكن أن توجد هذه الفكرة ما دامت كل معلوماتنا عبارة عن ~~إحساسات مفككة متناثرة لا يرتبط بعضها ببعض في نظام أو ما يشبه النظام. # رأيه في الأخلاق # يرى «هيوم» أن سلوك الإنسان عمل آلي محض، وليس هناك ما يسمى بالإرادة الحرة، فإن عرفت ~~طبيعة إنسان أمكنك أن تتنبأ بتصرفه في كل مواقفه المقبلة، وهو يزعم أن الدافع الأساسي لسلوك ~~الإنسان هو اللذة والألم، وبهما نميز بين الخير ms138 والشر، وليس العقل هو الذي يوجه أعمال ~~الإنسان؛ لأن العقل ملكة نظرية محضة لا شأن لها بالجانب العملي، وكل أثره هو أنه يوجه ~~الدافع الذي ينبعث من الشهوة أو الرغبة، فهو يبين لنا ما هو حق، ولكنه لا يستطيع أن يؤثر في ~~السلوك على نحو معين. # إن ما يدفع الإنسان إلى العمل هو المشاعر والعواطف، وهو يقسم هذه المشاعر إلى هادئة ~~وعنيفة، فالأولى تشمل: الجمال والقبح، والثانية تشمل: الحب والكره، والحزن والسرور، والغرور ~~والتواضع. # وما دامت أعمالنا نتيجة العاطفة فلا يصح أن يكون العقل حكما أخلاقيا، إنما المرجع ~~الذي يجب أن يحتكم إليه هو غريزة أخلاقية يعتقد «هيوم» بوجودها عند الإنسان، وهذه الغريزة ~~تحكم على أخلاقية العمل بناء على ما يؤدي إليه من شعور باللذة أو الألم. فالفضيلة هي ما ~~يثير في الشخص اللذة، أما ما يمكننا من الحكم على أعمال الناس، فهي ملكة خاصة عند الإنسان ~~يستطيع بها مشاركة غيره في شعوره، فيحس بنفس إحساسه، ويقف ذات موقفه، وحينئذ يرى هل ما ~~يقوم به غيره من عمل يستدعي القدح أو الثناء؛ لأنه بذلك يتخيل أن ذلك العمل قد وقع منه هو، ~~ثم ينظر أي شعور قد أثير في نفسه، أهو شعور الزهو فيكون العمل صالحا؟ أم هو شعور الخجل ~~والضعة فيكون غير صالح؟ فاستحسان العمل أو استهجانه يكون على أساس ما يثيره من زهو أو ضعة، ~~وهذا هو مقياسنا في الحكم على سلوك الناس، وليس صحيحا ما يقال من أننا نحكم بناء على ما ~~نراه صالحا لنا، أي أن مقياسنا هو حب الذات؛ لأننا قد نمدح عملا قام به رجل منذ آلاف ~~السنين، أو عملا باسلا يقوم به أحد أعدائنا، مع أنه قد يتعارض مع مصلحتنا. # لقد سبق القول إن الفضيلة هي ما تبعث في النفس الرضا واللذة ، ومعنى ذلك أن الخير هو ما ~~ينفع، ولكن «هيوم» يحذرنا أن نأخذ كلمة المنفعة بمعناها الفردي، فإنه يريد بها المنفعة ~~العامة، فما يعود بالخير على أكبر عدد ممكن من الناس أفضل ms139 مما ينفع فردا واحدا فقط، ومن ~~هنا جاء تفضيلنا للعدل والإحسان مثلا على مهارة شخص معين في حرفة ما؛ لأن الأولين يعم ~~نفعهما الناس جميعا بخلاف الثانية، فهي لا تفيد إلا صاحبها أو نحو ذلك. هذا ويقرر «هيوم» ~~أن للفضيلة ثوابها وللرذيلة عقابها، وهما اللذة أو الألم الذي يشعر به من يعمل الفضيلة أو ~~يأتي الرذيلة، وليس لهما من ثواب أو عقاب وراء هذه اللذة العاجلة أو الألم الذي يصيب صاحب ~~الرذيلة في حينها. ~~(1-10) كانت # Kant # لم يشهد تاريخ الفكر فلسفة بلغت من السيادة والسيطرة على الأفكار في عصر الأفكار في عصر ~~من العصور ما بلغته فلسفة «عمانوئيل كانت» من النفوذ في القرن التاسع عشر، فلقد تمخض ذلك ~~الفيلسوف بعد ستين عاما قضاها في النمو المتدرج الهادئ المعتزل، عن كتابه المشهور «نقد ~~العقل الخالص» الذي يزلزل قوائم التفكير السائد، والذي لا يزال أثره قويا عميقا حتى ~~اليوم، فلم تكن المذاهب الفلسفية التي ظهرت في القرن التاسع عشر، والتي نادى بها شوبنهور ~~وسبنسر ونيتشه، إلا موجات سطحية يتدفق تحتها تيار قوي مكين، هو تيار الفلسفة الكانتية الذي ~~ما يزال يزداد عمقا واتساعا حتى يومنا هذا، فلقد سلم نيتشه بكل ما جاء به «كانت»، ثم أضاف ~~عليه، كما أعجب شوبنهور بذلك الكتاب إعجابا شديدا، حتى قال عنه إنه أهم كتاب في الأدب ~~الألماني، وعنده أن الرجل يظل طفلا حتى يفهم «كانت»! وما أجدرنا هنا أن نقتبس العبارة التي ~~قالها «هجل» عن «سبينوزا»، فنقولها عن كانت: لكي تكون فيلسوفا فلا بد أن تدرس ما جاء ~~به «كانت» أولا ... وإذن فما أحجانا أن نأخذ في دراسة هذا الفيلسوف دراسة متقنة دقيقة، ولكن ~~حذار أن تعمد من فورك إلى كتب «كانت» فتنكب عليها بالقراءة والدرس، فإن فعلت هذا اختصارا ~~للطريق، فما أنت ظافر بشيء؛ لأن الخط المستقيم في الفلسفة - كما هو في السياسة - أطول الطرق ~~بين نقطتين، فإن أردت أن تقرأ «كانت»، فآخر ما يجب أن تقرأه هو «كانت» نفسه؛ لأنه لم يعمد ~~فيما ms140 كتب إلى السهولة والوضوح، بل راح يتحدث في غموض والتواء دون أن يسوق الأمثلة التي توضح ~~ما يقول، زاعما أنها تطيل كتابه بغير جدوى؛ إذ هو يقصد بكتبه إلى الفلاسفة المحترفين، وليس ~~هؤلاء بحاجة إلى الشرح والإيضاح، ومع ذلك فقد كان بين هؤلاء من ضاق بها صدرا، فقد حدث أن ~~«كانت» قد بعث بالنسخة الخطية من كتابه في «نقد العقل الخالص» إلى صديقه هرز # Herz # ليطلع ~~عليها، وكان «هرز» متعمقا في دراسة الفلسفة معروفا بسعة اطلاعه وعمق تأمله، ولكنه مع ذلك ~~لم يكد يقرأ الكتاب إلى نصفه حتى أعاده إلى صاحبه قائلا: إنه يخشى على نفسه الجنون لو واصل قراءة الكتاب ... فإن كان هذا شأن من اتخذ الفلسفة حرفة، ~~فماذا نحن صانعون؟ لا بد أن ندنو منه في يقظة وحذر، وأن نبدأ السير من نقط مختلفة على ~~هامشه، وبعيدة عن قلبه ولبابه، ثم نلتمس ثغرة لننفذ منها إلى حيث ذلك الكنز المغلق، والسر ~~المبهم العسير. # كانت. ~~(1) من «فولتير» إلى «كانت» # لقد كان من أثر الصيحة الداوية التي هتف بها «فرانسس بيكون» أن اندفعت أوروبا بأسرها (ما ~~عدا روسو) تثق بالعلم وتؤمن بالمنطق في حل كل ما يعترض الإنسان من مشكلات، ولقد غالى ~~الفرنسيون في تمجيد العقل في العصر الذي يسمى بعصر التنوير، والذي يمثله فولتير، إلى حد أن ~~اتخذ الباريسيون في ثورتهم امرأة حسناء عصرية من نساء باريس، وأطلقوا عليها اسم «إلهة ~~العقل» ليدلوا بتمجيدهم إياها على إطراحهم لأساليب التفكير البالية، واعتناقهم للعقل وحده، ~~به يستهدفون دون أن يكون لغيره عليهم سلطان. ولقد استتبع هذا التمسك بالعقل ومنطقة الكفر ~~والإلحاد والنزعة المادية في إنجلترا وفي فرنسا على السواء. فقال «هوبز» في إنجلترا: «ليس ~~في الوجود إلا ذرات الفراغ.» وأخذت العقيدة الدينية في فرنسا تتقوض وتنهار، حتى زعموا أنهم ~~أنزلوا الله من ملكوته ، في نفس الوقت الذي أنزلوا فيه أسرة البوربون من عرشها. وطغى الإلحاد ~~في فرنسا حتى أصبح بدعا (مودة) سائدا في الأندية، وحتى أخذ به رجال الكنيسة أنفسهم، ~~وهكذا ms141 غاض الإيمان في فرنسا عندئذ، وساد العقل وانتصر. # فولتير. # ولكن هذه الهجمة العنيفة التي سددت نحو الدين في عصر التنوير على يدي فولتير وأقرانه ~~لم يطل أمدها، فليس من اليسير أن تزعزع إيمانا يحمل معه التفاؤل والأمل، قد مد جذوره في ~~أفئدة الناس وقلوبهم. هيهات للعقل أن يقتلع بعاصفته هذه الدوحة المتأصلة الراسخة، ولهذا لم ~~يلبث الإيمان - الذي ظن العقل أنه قد أطاح به ومحاه - أن عاد وشك في أهلية القاضي الذي حكم ~~عليه بالزوال ... لماذا لا نتناول هذا العقل نفسه الذي وضع نفسه موضع الحكم بالاختبار، كما ~~تناول هو الدين من قبل بالتجربة والامتحان؟ ما هذا العقل الذي يأبى عليه غروره إلا أن يهدم ~~عقيدة عمرت آلاف السنين، وتغلغلت في ملايين النفوس؟ أهو حكم فصل صادق لا ينطق إلا ~~بالحق، أم هو عضو من أعضاء الإنسان، وهو - كأي عضو آخر - محصور بقيود وظيفته، محدود بقواه؟ ~~لقد حان الوقت لنحاكم القاضي، نعم لا بد أن نمتحن هذه المحكمة القاسية التي قضت بكلمة على ~~إيمان فيه الأمل المبتسم الزاهر، ها قد جاء الحين «لنقد العقل» على يدي «كانت». ~~(2) من «لوك» إلى «كانت» # لقد مهد (لوك، وبركلي، وهيوم) الطريق لهذه المحاكمة التي نريدها للعقل، إذ ارتد العقل ~~لأول مرة في الفكر الحديث إلى نفسه يمتحنها ويختبرها في كتاب «لوك»، مقالة «في العقل ~~البشري»، وبدأت الفلسفة تبحث في الوسائل التي ركنت إليها، ووثقت بها هذا الزمن الطويل، فلم ~~تعد تأتمن العقل، وداخلها فيه الريب والشك. # فقد انتهى «لوك» إلى إنكار الآراء الفطرية، التي يقول دعاتها إنها تولد مع الإنسان كمعرفة ~~الخير والشر مثلا، وأكد أن العقل عند ولادة الطفل يكون كالصفحة البيضاء خاليا من كل شيء ~~وقابلا للانفعال بالبواعث المختلفة، فإذا ما مرت به تجارب الحياة تركت فيه آثارها، وطريق ~~تلك التجارب إلى العقل هي الحواس وحدها، وليس في حنايا العقل أثر واحد لم يسلك طريق الحواس ~~أولا، فالآثار الخارجية تنتقل إلى الذهن في إحساسات مختلفة، ثم تولد هذه الإحساسات شتى ~~الآراء والأفكار. ms142 وما دامت الأشياء المادية وحدها هي التي يمكن أن تنتقل عن طريق الحواس، ~~إذن فكل معلوماتنا مستمدة من الأجسام المادية دون غيرها، ومعنى ذلك أن المادة عند «لوك» هي ~~كل شيء. # ثم جاء «بركلي» وخطا بعد ذلك خطوة جريئة، فقد سلم بمقدمات «لوك»، ولكنه اختلف وإياه في ~~النتيجة. ألم يقل «لوك» بأن معلوماتنا جميعا مشتقة مما يجيء عن طريق الحواس؟ إذن فنحن لا ~~ندري عن الشيء الخارجي إلا الإحساسات التي تنبعث إلينا منه، والأفكار التي تتولد من هذه ~~الإحساسات عند وصولها إلى الذهن. خذ التفاحة مثلا، فهذا لونها يصل إليك ضوءا عن طريق ~~العين، وهذه رائحتها تجيئك عن طريق الأنف، وذاك طعمها تعلمه عن طريق الذوق، وذلك ملمسها ~~وشكلها يصلان إليك عن طريق أعصاب اليد، فإذا تناول هذه التفاحة كفيف البصر علم عنها كل شيء ~~إلا لونها، وإذا كان فاقدا لحاستي الشم والذوق أيضا اقتصر علم التفاحة على شكلها وملمسها، ~~فإذا فرضنا أن أعصاب يده أصيبت بالشلل ففقدت عملها كذلك أنكر صاحبنا وجود التفاحة في يده ~~مهما قدمت إليه من وسائل الإقناع، فلولا الحواس لما كان للأشياء الخارجية وجود، فالحواس هي ~~التي كونتها، ولذلك لم يتردد «بركلي» في إنكار المادة إنكارا تاما، ولم يعترف بوجود شيء ~~إلا حقيقة واحدة يحسها في نفسه ألا وهي العقل. # أجهز بركلي على المادة فمحاها على صفحة الوجود، وأشفق على العقل فسلم بوجوده، ولكن جاء ~~بعده هيوم فأبى أن يقف عند هذا الحد المتواضع من الإنكار، وسارع إلى العقل بمعوله فألقاه في ~~هوة العدم. ما هذا العقل الذي يتشبث بركلي بوجوده؟ ابحث في نفسك بحثا باطنيا، وحاول أن ~~تعثر على ذلك العقل باعتباره ذاتا مستقلة فلن تعود بطائل، ولن تصادف في نفسك إلا سلسلة من ~~الأفكار والمشاعر والذكريات يتلو بعضها بعضا، فليس ثمة عقل، ولكنها عمليات فكرية ، وصور ~~ذهنية لا أقل ولا أكثر، وإذن فقد انهار العقل كما انهارت المادة من قبل! وهكذا قوضت الفلسفة ~~بفئوسها كل شيء، ثم وقفت بين تلك الأنقاض الخربة لا ms143 تجد وقودا يذكيها، فقد ضاع العقل وضاعت ~~المادة، ولم يبق لها منهما شيء، قرأ «كانت» ترجمة ألمانية لكتب «ديفد هيوم» فروعته هذه ~~النتيجة التي قضت على الدين والعلم معا؛ لأنه إن كان لا روح فلا دين، وإن كان لا مادة فلا ~~علم، روعته هذه النتيجة الهادمة وأيقظته من نعاسه واستسلامه للآراء القديمة على حد تعبيره ... ~~هاله أن يعلن العلم والإيمان إفلاسهما، وأن يسلما نفسيهما إلى الشك، فأعمل الفكر في وسيلة ~~النجاة والإنقاذ. ~~(3) من «روسو» إلى «كانت» # نادى رجال عصر التنوير بأن العقل ينتهي إلى تأييد المذهب المادي، فأجاب بركلي بأن المادة ~~ليس لها وجود، ولم يكن يعلم بركلي - وهو القسيس المتبتل - أن هذا السهم الذي سدده إلى صدر ~~الإلحاد سيرتد إلى نحره فيقضي عليه، لم يكن يعلم أن هذه الحجة التي أبطل بها المادة ليهدم ~~مادية الملحدين، ستبطل كذلك العقل - أي الروح - فتنهدم روحانية المتدينين. فقد كان أجدر ~~ببركلي أن يحارب الملاحدة الماديين الذين يتشبثون بالعقل، بسلاح آخر، فيزعم لهم أن العقل ~~ليس هو الحكم الذي ينتهي بقوله كل زعم وادعاء؛ إذ ما أكثر النتائج المنطقية التي ينتهي ~~إليها العقل، والتي نميل بشعورنا وفطرتنا إلى رفضها، وليس هناك ما يبرر أن أنبذ ما يمليه ~~علي شعوري وفطرتي لأستمع إلى إملاء العقل المنطقي وحده، مع أن هذا العقل أحدث من ذلك الميل ~~الغريزي عهدا وأضعف بناء. نعم إن العقل كثيرا ما يكون خير مرشد وأفضل هاد، لا سيما في ~~الحياة المدنية، ولكن إذا اشتدت أزمات الحياة فلا بد أن نلجأ إلى الشعور والفطرة نستلهمها ~~الإرشاد، ونستهديها الطريق. # جان جاك روسو. # هذا ما نادى به جان جاك روسو (1712-1773م) الذي وقف وحده في فرنسا يحارب المادية، ويعارض ~~الإلحاد الذي جاء به عصر التنوير. # كان روسو شابا سقيما فلم يستطع أن ينزل ببنيته العليلة في معمعان الحياة، وآثر الحياة ~~الهادئة، فكان ذلك داعية لطول تفكيره وعمق تأمله، كأنما فر من لذعات الحقيقة المرة إلى ~~عالم ملأه بأحلامه وخياله، وفي سنة 1749م أجرت أكاديمية ms144 ديجون مسابقة بين الكتاب في رسالة ~~موضوعها: «هل أدى تقدم العلوم والفنون إلى إفساد الأخلاق أم إلى إصلاحها؟» وأعدت للمتسابق ~~الفائز منحة، فظفرت مقالة روسو بالجائزة، وقد جاء في رسالته تلك أن الثقافة أقرب إلى الشر ~~منها إلى الخير، فحيثما تنشأ الفلسفة تهبط الأخلاق «ولقد شاع بين الفلاسفة أنفسهم أنه منذ ~~ظهر رجال العلم اختفى أصحاب الشرف.» «وإنني لأصرح في يقين أن التفكير مناقض لطبيعة الإنسان، ~~وأن الرجل المفكر حيوان سافل.» إنه لخير للناس ألف مرة أن يطرحوا هذا العقل، وأن يعمدوا ~~أولا إلى رياضة القلب والمحبة. إن التعليم لا يخرج من الإنسان نبيلا فاضلا، ولكنه ينمي ~~ذكاءه فقط، والذكاء أداة للشر في أغلب الأحيان، فأجدر بنا أن نعتمد على الغريزة والشعور؛ ~~لأنهما أولى بالثقة من العقل. ولقد شرح روسو في قصته المشهورة «هلواز الجديدة» رأيه في تفوق ~~الشعور على العقل شرحا مفصلا. # وهكذا حمل «روسو» حملته على العقل. ومجد الشعور ورفع من شأنه حتى تبدل «البدع» «المودة» ~~في «صالونات» باريس، وأصبحت سيدات الطبقة الراقية يباهين برقة شعورهن ودقة إحساسهن، بعد أن ~~كان الفخر كل الفخر بالعقل والتفكير، ونتج عن ذلك أن تحولت وجهة الأدب إلى العاطفة بعد أن ~~كان مدارها الفكر، كما استيقظ الشعور الديني في النفوس واشتدت الحماسة له. # وخلاصة الدعوة التي نادى بها «روسو» هي: أنه إذا أمكن للعقل أن ينقض العقيدة في الله، وأن ~~ينكر الخلود، فإن الشعور يؤيدهما، فلماذا لا نصدق الشعور الفطري هنا بدل أن نستسلم إلى هذا ~~الشك الجارف الذي يؤدي إليه العقل؟ # قرأ «كانت» ما كتبه «روسو» فانصرف إليه بكل قلبه، حتى إنه حين بدأ في مطالعة كتابه «إميل» ~~أبى أن يغادر داره إلى نزهته اليومية المعتادة قبل أن يفرغ من قراءة الكتاب، ولم يكن ~~امتناعه عن الخروج أمرا يسيرا، وهو الذي أفرغ حياته في قانون من حديد، فلا يغير من مجرى ~~سلوكه إلا لأخطر الأسباب. # وجد «كانت» في «روسو» رجلا يريد أن يشق لنفسه طريقا يفلت به من الإلحاد الذي خيم ms145 بظلامه ~~الحالك على النفوس، فذهب إلى تفضيل الشعور على العقل، فيما يتصل بما هو فوق الحس من ~~الموضوعات - ولقد أراد «كانت» أن يتصدى هو أيضا لهذه المهمة الكبرى، أراد أن ينقذ الدين من ~~العقل، وأن يخلص العلم من الشك؛ فكانت تلك رسالته. # ولكن من هو «عمانوئيل كانت»؟ # ولد في كونسبرج # Konigsberg # في بروسيا سنة 1724م، وإذا استثنينا فترة قصيرة قضاها في ~~التدريس في قرية قريبة من بلده، فإنه لم يغادر مسقط رأسه طوال حياته، وقد كان ضئيلا نحيلا ~~هادئا، انحدر من أسرة فقيرة هاجرت من سكوتلانده قبل ولادة الفيلسوف ببضع مئين من السنين، ~~وكانت أمه عضوا في جماعة دينية محافظة، تتمسك بالعقيدة الدينية تمسكا دقيقا شديدا لا ~~هوادة فيه ولا تسامح، فانغمس فيلسوفنا إبان طفولته في الدين من الصباح إلى المساء، فأدى ذلك ~~إلى نتيجتين؛ الأولى: أن هذا التطرف في العبادة قد أحدث في نفسه رد فعل فاعتزل الكنيسة في ~~رجولته، والثانية: أن هذه النشأة الدينية قد طبعته على الكآبة من ناحية، وحفزته إلى صيانة ~~الإيمان من إغارة الإلحاد من ناحية أخرى. # ولكن كيف يتسنى لشاب يعاصر «فردريك الأكبر» و«فولتير» أن يخرج نفسه من تيار الشك الذي ~~طغى على ذلك العصر بقوة حتى غمر جميع الناس؟ لا، لم يستطع «كانت» أن يجنب نفسه الشك السائد ~~في زمانه، وتأثر أعمق الأثر، حتى بمن أراد أن ينقض آراءهم، وربما كان أشد الفلاسفة تأثيرا ~~في نفسه عدوه المحبوب «ديفد هيوم»، وسوف نرى فيما بعد نتيجة هذا التجاذب بين إيمانه وشك ~~عصره، وكيف أدى به ذلك في آخر كتاب أخرجه - وسنه تقرب من السبعين - إلى التجاوز عما بدأ به ~~حياته من محافظة وإيمان، إلى إباحية كادت تؤدي إلى موته لو لم تحمه شيخوخته وشهرته، وتقرأ ~~«كانت» في أخريات أيامه، فيخيل إليك أنك إنما تستمع إلى «فولتير»! ولقد قال «شوبنهور » إن ~~أدل ما يدل على تسامح «فردريك الأكبر» أن يتمكن «كانت» من نشر كتابه «نقد العقل الخالص»، ~~ولعل «كانت» قد أحس أنه وجد من التسامح ms146 في إخراج كتابه على ما فيه من آراء ما لم يكن ليجده ~~في أي مكان آخر، أو في حكم أي ملك غير «فردريك»، فأهدى كتابه هذا إلى «زدلتز # zediltz ~~» وزير ~~المعارف في حكومة «فردريك» تقديرا لهذه الحرية التي أطلقوها للناس في إبداء ما يعن لهم من ~~الآراء. # وفي 1755م عين «كانت» محاضرا في جامعة كونسبرج، وظلت الجامعة خمسة عشر عاما ترفض أن ~~تعينه أستاذا بها، حتى إذا كان عام 1770م عين أستاذا للمنطق والميتافيزيقا، وقد أكسبه طول ~~اشتغاله بالتدريس خبرة واسعة بفن التربية، فأخرج في هذا الموضوع كتابا كان هو نفسه يقول ~~عنه إن به طائفة كبيرة من الآراء القيمة، غير أنه للأسف لم يستطع تطبيقها في تدريسه، ولكنه ~~مع ذلك كان مدرسا ناجحا من الوجهة العملية، وكانت له منزلة رفيعة في نفوس تلاميذه، ومن ~~بين آرائه العملية أن يوجه المدرس أكبر قسط من عنايته للفئة المتوسطة من التلاميذ؛ لأن ~~الأغبياء لا يجدي فيهم المجهود، والنوابغ لا يحتاجون إلى مجهود غيرهم. # ولقد كان الناس يتوقعون كل شيء إلا أن يخرج هذا الأستاذ الهادئ المتواضع نظاما جديدا ~~في الفلسفة يهتز له العالم أجمع، نعم كان الناس يصدقون كل شيء إلا أن يثير «كانت» أوروبا ~~كلها بآرائه، وهو ذلك الحيي الذي لم يسئ قط إلى أحد، بل إنه هو نفسه لم يكن يتوقع أن ينتهي ~~إلى ما انتهى إليه، فقد كتب وهو في سن الثانية والأربعين يقول: «لقد شاء لي حسن الطالع أن ~~أكون عاشقا للميتافيزيقا، ولكن معشوقتي لم تطلعني حتى الآن إلا على قليل من حسنها.» وكان ~~يتحدث حينئذ عن البحث فيما وراء الطبيعة أنه هاوية سحيقة لا قاع لها ولا قرار، وأنه محيط ~~مظلم لا شطآن فيه ولا منائر يهتدى بضوئها في خضمه، وأنه كثيرا ما تحطمت بين أمواجه نظم ~~فلسفية بغير جدوى. ولقد ذهب «كانت» إلى أبعد من هذا في يأسه من الميتافيزيقا بأنه اتهم كل ~~من يشتغلون بها بأنهم إنما يسكنون من تأملاتهم أبراجا عالية، حيث الهواء شديد ms147 فيعصف ~~بآرائهم الخيالية ويذروها هشيما ... قال كل ذلك عن البحث فيما وراء الطبيعة كأنه لم يدر أنه ~~سيخرج للعالم أقوى ما شهد العالم من الميتافيزيقا. # وقد كان في النصف الأول من حياته أميل إلى البحث في الطبيعة منه فيما وراءها، فكتب عن ~~الكواكب والزلازل والنار والرياح والأثير والبراكين ووصف الأقطار والأجناس البشرية وما إلى ~~ذلك، وكانت نظريته في الأجرام السماوية قريبة من النظرية السديمية التي ارتآها «لابلاس»، ~~ومن آرائه أن الكواكب كلها قد سكنها الأحياء أو سيسكنونها، وأبعدها عن الشمس فيه نوع من ~~الكائنات العاقلة أسمى بكثير من سكان هذه الأرض؛ وذلك لأنها أقدم عمرا، وإذن فقد أتيح لها ~~أمد أطول للنمو والتكون. وله كتاب في الأجناس البشرية (هو مجموعة المحاضرات التي ألقاها في ~~حياته). قال فيه إن الإنسان لا بد أن يكون قد تحدر من أصل حيواني، وأنه قد أصابه كثير جدا ~~من التغير والتطور، ويستشهد على ذلك بأمثلة منها أنه لو كان الطفل في العصور الأولى من حياة ~~الإنسان يصرخ عند ولادته كما يصرخ اليوم لما استطاع الحياة يوما واحدا؛ لأن صراخه كان ~~سيدل الحيوانات المفترسة على مكانه فتهجم عليه لتلتهمه، وإذن فيرجح أن يكون الإنسان اليوم ~~مخالفا كل المخالفة لما كان عليه بالأمس. ثم يستطرد «كانت» فيقول: «كيف أحدثت الطبيعة هذا ~~التقدم؟ وما هي العوامل التي ساعدتها على ذلك؟ إننا لا ندري ... وماذا يمنع أن تسوق المصادفة ~~ثورة عظيمة في الطبيعة تؤدي إلى انقلاب هذه الحالة الحاضرة، فيعقبها مرحلة ثالثة يتهذب فيها ~~الأورانج أوتان، أو الشمبانزي، فيرهف من نفسه أعضاء الشم واللمس والكلام، حتى يبلغ بها هذا ~~التركيب الدقيق الذي أدركه الكائن البشري؟» يضاف إلى هذا عضو مركزي يعينه على الفهم فتتقدم ~~تلك القردة تدريجا بفضل ما تنشئه من نظم اجتماعية، ولعل «كانت» يريد - بهذا التنبؤ بما قد ~~يحدث في المستقبل - أن يذكر لنا رأيه بطريقة غير مباشرة فيما حدث في الماضي عند انتقال ~~الإنسان من حالته الحيوانية إلى حالته الحالية. # هكذا أخذ «كانت» ينمو في إنشاء ms148 فلسفته نموا بطيئا، ولقد سار حياته على نظام مطرد ~~دقيق «استيقاظ، ثم شرب القهوة، ثم الكتابة، ثم المحاضرة، ثم الغداء، ثم التنزه.» فلكل من ~~هؤلاء ساعته المحددة، فإذا ما خرج عمانوئيل «كانت» بمعطفه الرمادي وعصاه في يده، وأخذ يتجه ~~ناحية الطريق الصغير الذي تكتنفه أشجار الزيزفون، والذي لا يزال يسمى «نزهة الفيلسوف» عرف ~~الناس أن الساعة قد بلغت منتصف الرابعة تماما، وضبطوا ساعاتهم، ولم يمتنع «كانت» عن نزهته ~~تلك في صيف أو شتاء، فإذا اكفهرت السماء أو تلبدت بالسحب التي تنذر بالمطر، رأيت خادمه الكهل ~~«لامب # Lampe ~~» يتبعه حاملا مظلته تحت إبطه. # وكان الفيلسوف ضعيف البنية ضعفا كان يضطره إلى المبالغة في وقاية نفسه من المرض؛ لأنه ~~أيقن أن وقايته لنفسه خير من أن يلجأ إلى طبيب، وبهذا استطاع أن يعمر ثمانين عاما، وقد كتب ~~في سن السبعين مقالا في «مقدرة العقل على السيطرة على شعور المرض بقوة العزيمة»، ومن بين ~~مبادئه الوقائية ألا يتنفس الإنسان إلا من أنفه، وبخاصة إذا كان خارج منزله، ومن أجل هذا ~~كان لا يسمح بتاتا لأحد أن يكلمه وهو في نزهته (لأن الكلام سيدعوه إلى التنفس من الفم)، ~~وكان يقول في ذلك: إن الصمت خير من المرض بالبرد، وهكذا كان كانت فيلسوفا في كل شيء في ~~حياته دق أو جل، حتى إنه كان يتخذ لنفسه طريقة خاصة في ربط جواربه، وكان يفكر في كل شيء ~~تفكيرا طويلا دقيقا قبل أن يقدم عليه، وقد فوت عليه هذا التفكير الزواج ولبث عزبا حتى ~~مات، فقد فكر مرتين في الزواج، ولكنه أطال التفكير في المرة الأولى حتى تقدم للسيدة التي ~~أراد الزواج بها خطيب آخر، وأطال التفكير في المرة الثانية حتى انتقلت من أراد خطبتها من ~~كونسبرج مع أسرتها قبل أن يصل الفيلسوف إلى رأي في الزواج منها. وظل «كانت» مدى حياته ~~فقيرا معتزلا لا يفكر ويكتب، وقد أحدثت كتبه من الانقلاب في عالم الفلسفة ما لم يحدثه أي ~~مؤلف آخر. # نقد العقل الخالص # The Critique of ms149 Pure Reason # شغل العقليون والتجربيون أنفسهم بمسألة المعرفة، فذهب الأولون إلى أنها تحصل بواسطة العقل ~~المحض، وبه وحده يحصل العلم بالأشياء، أما بواسطة الإدراك بالحس فمستحيل أن يحصل ذلك، ~~والتجربيون ينكرون تحصيل المعرفة بالعقل المحض ... ولكن لم يتعرض أحد المذهبين لمسألة إمكان ~~المعرفة، فكلاهما وثق بالعقل البشري ثقة تامة، واعتقد في قدرته على معرفة الأشياء، ولكن لما ~~كان هذا الوثوق بالعقل، وبقدرته على تحصيل الحقائق قد انتهى إلى الشك، فقد أخذت الفلسفة ~~تتناول العقل نفسه بالنقد والامتحان. # وبذلك نشأت مسألة جديدة هي: هل تمكن المعرفة؟ وإذا أمكنت فما حدودها؟ لم يبحث العقليون ~~والتجربيون هذه المسألة، بل آمنا بأن لنا قدرة على معرفة الأشياء، إما بواسطة الإدراك ~~بالحس، وإما بواسطة التفكير. # جاء «كانت» فأخضع العقل لهذا التحليل النقدي، وهو لا يريد به أن يهاجم العقل أو أن ينكره، ~~ولكنه أراد أن يتبين إلى أي حد يستطيع العقل الخالص أن يحصل المعرفة، وهو يقصد بالعقل ~~الخالص ذلك الذي لا يعتمد في تحصيل المعرفة على التجربة أو الحواس، إنما ينشئها من تلقاء ~~نفسه إنشاء بحكم طبيعته وتركيبه، وبعبارة أخرى فقد أراد «كانت» بهذا الكتاب أن يرى هل في ~~طبيعة العقل التي فطر عليها ما يمكنه من الوصول إلى بعض المعرفة دون اعتماده على ما تأتي ~~به الحواس من العالم الخارجي. # استهل كتابه بنقض ما ذهب إليه «لوك»، وذهبت إليه المدرسة الإنجليزية كلها، فزعم أن ليست ~~المعرفة كلها مستمدة من الحواس، كما قالوا؛ فلقد انتهت تلك المدرسة بهذه النتائج التي وصل ~~إليها «هيوم» من إنكار وجود العقل، وبعبارة أخرى وجود العلم؛ لأن هذا يقوم على ذلك، إذ ~~يقول «هيوم» بأن عقل الإنسان ليس إلا أفكاره متتابعة متعاقبة، وأنه لا يجوز لنا أن نقطع ~~برأي يقين؛ لأن كل رأي لنا إن هو إلا احتمال وترجيح قد يظهر ما ينقضه وينفيه ... فأجاب «كانت» ~~بأن هذه النتائج الباطلة التي افترضها، إذ زعم أن كل معرفة الإنسان تستقى من أحاسيس منفصلة ~~ومفككة لا تربط بعضها ببعض صلة أو ms150 رابطة، فإحساس معين يتلوه إحساس ثان فثالث وهكذا، وطبيعي ~~أن هذه السلسلة المفككة لا تدل على أن هناك تتابعا ضروريا، وقانونا معروفا تسير ~~بمقتضاه الأشياء، وطبيعي إذا سلمنا بهذا أن ننتهي إلى أن التتابع الذي عرض لإحساساتنا في ~~الماضي قد لا يكون هو نفسه في المستقبل، وبذلك تنهدم السببية التي هي أساس العلم، ولا يعود ~~هناك علة لا بد أن يتبعها معلولها. # نعم نحن نسلم أن يقين المعرفة يكون مستحيلا لو كانت كل المعرفة تأتينا من الحس ومن عالم ~~خارجي مستقل عنا لا يد لنا فيما يبعث إلينا من إحساسات على أنه يسير سيرا مطردا لا يقبل ~~الشذوذ، نقول إنه لو كان هذا هو مصدر المعرفة الوحيد لسلمنا بنتيجة «هيوم» من أن يقين ~~المعرفة مستحيل، ولكن ماذا يقول «هيوم» لو بحثنا فوجدنا في أنفسنا معرفة لم تستمد من ~~التجربة الحسية، معرفة نثق بصحتها ويقينها، حتى قبل أن نصادف في الحياة أية تجربة، وقبل أن ~~يستقبل الذهن إحساسا واحدا من العالم الخارجي؟ أفلا تكون الحقيقة المطلقة والعلم المطلق ~~ممكنين وفي مقدور الإنسان؟ وإذن فلنبحث أولا لنرى هل نملك هذه المعرفة المطلقة التي لا ~~تعتمد في وجودها على الحواس والتجربة، أم لا؟ ذلك هو موضوع الكتاب الأول من النقد، وتلك هي ~~المسألة التي قصد إلى بحثها، وقد أورد فيه «كانت» تحليلا بارعا لأصل الأفكار وتطويرها، ~~ولطبيعة العقل المفطور عليها، وهو يقول عن كتابه هذا: «لقد قصدت بهذا الكتاب إلى الكمال، ~~وإني لأقرر في يقين أنك لن تجد مسألة واحدة من مسائل ما وراء الطبيعة إلا ألفيت حلها فيه، ~~أو على الأقل وجدت مفتاحا تستعين به على حلها.» # ولما كانت هذه الأبحاث التي يقدمها «كانت» لا تتخذ موضوع دراستها نفس الأشياء التي تتعلق ~~بها المعرفة، ولكنها تتناول بالدرس عملية التعرف ذاتها، فهي إذن فوق تلك الأشياء وخارجة عن ~~نطاقها، فهي لا تعالج موضوعها على النحو الذي عالجته به المدرسة التجربية التي اقتصرت على ~~أن دلتنا على ما يحدث أثناء قيام العقل بعملية المعرفة، ms151 بل هي تبحث فيما هو سابق لتحصيل ~~المعرفة، أعني في الشرط اللازم توفره في العقل، حتى يتمكن من العلم. إن «كانت» لا يبحث في ~~كيف تتم المعرفة، ولكنه يعلو ذلك مرتبة فيبحث كيف يمكن للعقل أن يعرف، ومن هنا أطلق على ~~أبحاثه اسم «ما فوق العقل # Transcendental ~~». # فكتابه في «نقد العقل الخالص» يبحث في إمكان المعرفة العقلية التي لا تجيء عن طريق ~~التجربة، بل التي تكون موجودة قبل التجربة، وهو لا يريد بكتابه هذا أن يكون دراسة فيما وراء ~~الطبيعة، بل هو يريد أولا أن يثق بأن العلم بما وراء الطبيعة ممكن، فإذا ثبت إمكانه، فكيف ~~يكون؟ وإن انتهى إلى جواب إيجابي فعندئذ يبدأ البحث فيما وراء الطبيعة حين ينتهي نقد العقل ~~... ولما كان من المعلوم أن كل ضروب العلم هي عبارة عن أحكام يثبتها الإنسان للأشياء أو ~~ينفيها عنها، كان في استطاعتنا أن نقول إن مبحث هذا الكتاب هو: هل في العقل أحكام نشأت فيه ~~قبل أن تأتيه من العالم الخارجي؟ ولسنا نريد بذلك الأحكام التحليلية التي لا تزيد على أن ~~تخبر بما هو كائن في المخبر عنه. كأن تقول عن الجسم إنه هو ما يتصف بالامتداد، وعن الخط ~~المستقيم بأنه ما ليس بمعوج، إذ إننا لا نشك في أن هذا الضرب من الأحكام في ميسور العقل ~~بغير أن يلجأ إلى التجربة الحسية؛ لأن هذه لا تضيف إلى علمنا شيئا جديدا، وأكثر ما تؤديه ~~هو توضيح ما نعلمه، إنما نريد الأحكام الإنشائية التي تخبرنا بشيء جديد عن الشيء المخبر ~~عنه كأن نصف الجسم بالثقل، والخط المستقيم بأنه أقصر الطرق بين نقطتين، فهل النوع من ~~الأحكام الإنشائية التي يأتي فيها الخبر بشيء جديد عن المبتدأ في متناول العقل المجرد ~~الخالص من أن يستمدها من الخارج؟ هذا هو موضوع كتاب «نقد العقل الخالص» الذي نستطيع أن نصوغ ~~الغرض منه في هذه العبارة الموجزة: هل الأحكام الإنشائية السابقة للتجربة في مقدور العقل ~~وإمكانه؟ وإذا كانت كذلك فما وسيلة إمكانها؟ # ولكن هذا السؤال ms152 سرعان ما يتفرع إلى أسئلة ثلاثة: ~~(أ) # فالرياضيات كلها تتألف من هذه الأحكام الإنشائية، فأنت لا تشك بأن 3 + 4 = 7، ولكن ~~هذه النتيجة التي وصلت إليها ليست متضمنة في مقدماتها، فلا السبعة موجودة في العدد ثلاثة، ~~ولا هي موجودة في العدد أربعة، وليس في كلا الرقمين ما يدل على أن جمعهما إلى بعضهما ينتج ~~سبعة، وإذن فهو خبر جديد أخبرنا به عن مبتدأ لا يتضمنه ولا يحتويه، كذلك أنت لا تتردد في ~~الحكم على الخط المستقيم بأنه أقصر الخطوط بين نقطتين، مع أن هذا الحكم لا يوجد في الخط ~~المستقيم، وإذن فهو جديد منشأ ... فالرياضيات أحكامها إنشائية، وهي من إنشاء العقل دون ~~التجربة الحسية، وعلى ذلك يتفرع من السؤال الأصلي سؤال فرعي هو: كيف أمكن للعقل معرفة ~~الرياضيات؟ ~~(ب) # كذلك العلم الطبيعي الذي لا يجيء عن طريق الحواس فيه قضايا أنشأها العقل الخالص، وهي ~~في الوقت نفسه أحكام إنشائية، أي تضيف علما جديدا، مثال ذلك قولنا: إن كل تغير لا بد أن ~~يكون له سبب، فهذا حكم عقلي لم نحتج إلى التجربة الحسية لمعرفته، وإذن فقد تفرع من السؤال ~~الأصلي سؤال فرعي ثان هو: كيف أمكن معرفة العلم الطبيعي الخالص؟ ~~(ج) # وأخيرا هنالك بعض القضايا التي هي فوق متناول الحس مثل قولك: إن الروح خالدة، فهذه ~~أيضا فيها حكم إنشائي أنشأه العقل المحض مستقلا عن التجربة، وحتى هؤلاء الذين ينكرون ~~بداهة مثل هذه القضية، فهم على الأقل قد بسطوا لأنفسهم هذا السؤال، ومجرد السؤال فيه احتمال ~~أن تكون القضية صحيحة، وإذن يتفرع من السؤال الأصلي سؤال فرعي ثالث وهو: هل المعرفة ~~الميتافيزيقية التي تسمو على المحسوسات ممكنة؟ # والجواب عن هذه الأسئلة الثلاثة يكون الجزء الأول من كتاب نقد العقل وهو أهم أجزاء ~~الكتاب. # ولكي يجيب عن هذه الأسئلة في إمكان المعرفة، نظر فإذا ب «لوك» من ناحية قد حصر ~~المعرفة في الحواس، كما حصرها «ليبنتز» في العقل ، فنقد المذهبين جميعا، وقال: إن ~~للمعرفة الإنسانية أساسين مختلفين لا غنى لأحدهما عن ms153 الآخر: ~~(1) # الحس، وبه نكتسب الإدراكات الحسية باستقبالنا للأحاسيس. ~~(2) # والفكر، وبه نكون المدركات العقلية بواسطة اختيارنا مما يأتي إلينا من الإحساسات ما ~~يلائمنا وما نحتاج إليه، فلا يمكن بأية حال أن تكون التجربة هي الميدان الوحيد الذي تنحصر ~~عقولنا في حدوده، فالتجربة تدلنا على ما هو واقع، ولكنها لا تدلنا على أن هذا الواقع لا بد ~~بالضرورة أن يكون هكذا، ولا يكون على صورة أخرى، وهي لذلك لا تمدنا قط بالحقائق العامة، مع ~~أن هذا الضرب من المعرفة هو ما تنزع إليه عقولنا بصفة خاصة، فالتجربة توقظ العقل أكثر مما ~~تقنعه، وما دام العقل في مكنته أن يصل إلى الحقائق العامة مع أنها ليست من التجربة. فهو إذن ~~مصدر العلم إلى جانب التجربة. ولعل أنصع مثال يدل على وصول العقل إلى المعرفة بغير طريق ~~التجربة هو مثال الرياضة؛ لأنها يقينية ويستحيل على التجربة أن تنقضها يوما ما، فلقد يجوز ~~لك أن تتصور الشمس مشرقة من الغرب في الغد، وأن النار قد تتبدل عليها الظروف، فلا تعود ~~قادرة على إحراق عصاك الخشبية، ولكنك لا تستطيع بحال من الأحوال أن تتصور أن العالم سيحدث ~~فيه ما يجعل اثنين واثنين لا تساوي أربعة، فهذه الحقيقة الرياضية ثابتة إلى الأبد ومن ~~الأزل، ولا تحتاج لكسبها إلى تجربة؛ لأنها حقيقة مطلقة لازمة الحدوث، والتجربة لا تمدنا إلا ~~بإحساسات متفرقة، وأحداث مفككة، لا يطرد تتابعها، فقد تجيء في غد على غير النظام الذي ~~جاءت به اليوم أو أمس. إذن فهذه الحقائق الرياضية وأشباهها تستمد ضرورتها من تركيب عقولنا ~~الفطري، من الطريقة الطبيعية التي تعمل على مقتضاها إذ إن عقل الإنسان ليس قطعة من الشمع ~~تنفعل بالتجارب دون أن يملك لنفسه شيئا، كلا ولا مجرد اسم أطلقناه على مجموعة الحالات ~~العقلية التي تتتابع في سلسلة متلاصقة الحلقات، ولكنه عضو فعال يتقبل الإحساسات فيشكلها ~~وينسقها كيف شاء، ثم يحولها إلى أفكار. هو عضو تأتيه آلاف الآثار الحسية في فوضى، فيتناولها ~~بالتنظيم، حتى تصبح وحدة فكرية متماسكة، ولكن كيف يتم ms154 له ذلك؟ # يجيب «كانت» على ذلك السؤال في جزأين: يسمى الأول «الحس السامي»، وهو يبحث في المرحلة ~~الأولى من مراحل المعرفة، أي في وصول الإحساسات إلينا من الخارج، ويسمى الثاني «المنطق ~~السامي»، وفيه يبحث فيما يطرأ على الأحاسيس بعد وصولها إلى العقل. وهو يقسم هذه المرحلة ~~الثانية إلى فرعين: مرتبة دنيا من الفهم، ويسميها «التحليل السامي»، ومرتبة عليا، ويسميها ~~«الميتافيزيقا السامية». # وهذه الإجابات الثلاث تقابل من ناحية أخرى الأسئلة الفرعية الثلاثة التي ذكرناها من قبل؛ ~~فالحس السامي يجيب عن كيفية إمكان المعرفة الرياضية، والتحليل السامي يجيب عن كيفية إمكان ~~معرفة العلم الطبيعي الخالص، والميتافيزيقا السامية تجيب عن إمكان المعرفة الميتافيزيقة غير ~~المحسة. # الحس السامي # Transcendental Aesthetic # يسمي «كانت» هذه المباحث «سامية»؛ لأنها تبحث في تركيب العقل وبنائه، ودرس قوانين الفكر ~~الفطرية الموروثة، فهي إذن أبحاث فوق التجربة الحسية وأسمى منها، «إنني أسمي بحوث المعرفة ~~سامية إذا كانت لا تعنى بالأشياء بقدر ما تعنى بأفكارنا الفطرية عن الأشياء.» يعني إذا ~~كانت تعنى بطريق العقل في وصل ما تأتي به التجربة من آثار حسية وتحويلها إلى معرفة، وإن ~~العقل ليتبع في ذلك مرحلتين - كما قدمنا - حتى يتم له تحويل مادة الإحساس الخام إلى ثمار ~~الفكر الناضجة: # الأولى: # ربط الأحاسيس الآتية من الخارج والتوفيق بينها، وجمعها في وحدة بصبها في قلبي ~~الإدراك الحسي وهما المكان والزمان. # والثانية: # التوفيق بين تلك المدركات الحسية التي انتهينا من صنعها في المرحلة الأولى، حتى ~~نخرج منها مدركات عقلية. # ونحن الآن نتناول المرحلة الأولى «الحس السامي» بالبحث: # نحن نقصد بكلمة «إحساس» شعور الإنسان بوجود أحد المؤثرات على إحدى الحواس، فقد تبعث فينا ~~الأشياء الخارجة عنا طعما على اللسان، أو رائحة في الأنف، أو صوتا في الأذن، أو حرارة على ~~الجلد، أو لمعة خاطفة من الضوء على شبكية العين، أو ضغطة على الأصابع، فهذه الآثار الحسية ~~هي المادة الخام الأولية التي تمدنا بها التجربة، وهي التي تكون لدى الطفل في أيامه الأولى ~~قبل أن يبدأ حياته العقلية، وليست تسمى ms155 هذه الإحساسات «معرفة» ما دامت مفرقة مفككة لا يرتبط ~~الطعم الذي جاء على اللسان بالضوء الذي أثر في العين ولا بالرائحة التي سلكت طريق الأنف ~~إلخ. ولا تتجمع كلها حول «شيء» معين، فإذا ما تجمعت هذه الأشتات الحسية حول «شيء» في المكان ~~والزمان تحولت إلى علم ومعرفة، فليست رائحة التفاحة وحدها، أو طعمها وحده، أو الضوء المنبعث ~~منها «لونها» وحده، أو ضغطها على اليد الذي يكون شكلها معرفة، ولكن إذا ما اتحدت الرائحة ~~والطعم واللون والشكل كلها في مجموعة واحدة متعلقة بشيء معين، كان إدراكنا لهذا «الشيء» هو ~~المعرفة؛ لأننا عندئذ لا نشعر بمؤثر عن حاسة فحسب، بل ندرك شيئا، وهذا الإدراك للشيء في ~~مجموعه هو ما نسميه بالإدراك الحسي ... وتحول الإحساس إلى إدراك حسي معناه تحول الإحساس إلى ~~معرفة. # ولكن كيف تتحول الإحساسات إلى إدراك حسي؟ كيف تتجمع المؤثرات الحسية المتفرقة التي تسلك ~~إلى الذهن سبلا شتى حول شيء بعينه؟ إن لون التفاحة يدخل من باب غير الباب الذي يدخل منه ~~طعمها، وشكلها يأتي من نافذة غير النافذة التي تأتي منها رائحتها، فمن الذي يتناول هذه ~~الآثار المبعثرة عند وصولها إلى الذهن، فيضمها بعضها إلى بعض، ويكون منها «تفاحة»؟ أم هل ~~تسارع هذه الآثار فتجمع بعضها إلى بعض بطريقة آلية دون أن تحتاج في تجمعها إلى قوة خارجة ~~عنها؟ يقول «لوك وهيوم»: نعم، إن هذه الإحساسات تتحول إلى إدراك حسي من تلقاء نفسها ~~وبطريقة آلية، وأما «كانت» فيبعثها صرخة داوية ينكر بها ما ذهب إليه «لوك وهيوم». # إن هذه الإحساسات المختلفة تصل إلينا من خلال قنوات شتى، إنها تسلك ألوفا من الأعصاب ~~التي تمتد من الجلد والعين والأذن واللسان إلى المخ. فانظر إلى هذا الخليط المتضارب ~~المتنافر يصل إلى حجرة العقل ويتزاحم فيها، وكل واحد منا يدعو الذهن إلى الانتباه إليه! فلو ~~ترك هذا الجمع المحتشد وشأنه لظل في تعدده وفوضاه عاجزا أن يرتب نفسه وينظمها، بحيث يصبح ~~غرضا وقوة ومعنى، إن مثلها مثل طائفة كبيرة من الرسائل ترد ms156 إلى قائد الجيش في ساحة القتال ~~من فيالق الجيش وبنوده، أترى إذا وضعت الرسائل إلى جانب بعضها فوق المائدة، أكانت تستطيع من ~~تلقاء نفسها أن ترتب نفسها، ثم تتحول إلى فهم للموقف، ثم أمر يرسل إلى الجنود ليرسم لهم ~~خطة السير؟ كلا، بل لا بد لها من منظم ومشرع! لا بد لها من قوة لا تتلقى الرسائل وكفى، بل ~~تتناولها فتصوغها في معنى من المعاني. # وجدير بنا أن نلاحظ أن ليس كل ما يبعث من الرسائل يقبل، مما يدل على أن الأمر لا يقتصر ~~على استقبال فحسب، فهناك من المؤثرات التي تؤثر في نواحي جسمك في هذه اللحظة ملايين، هنالك ~~عاصفة من المؤثرات الحسية الآتية من الخارج تضرب على أطراف الأعصاب، وتتطلب الوصول إلى ~~الذهن، ولكن ليس كل ما يدق الباب يسمح له بالدخول، بل إنا نختار من ملايين الإحساسات ~~الواردة إلينا ما نتمكن من صياغته في إدراكات حسية تناسب الغرض الذي نقصد إليه هذه اللحظة ~~المعينة، كما نختار من بين تلك الإحساسات ما نرى أنه ينبئ بالخطر ... افرض أن ساعة تدق الآن ~~أمامك أثناء قراءة هذه الصفحة، فهذه الدقات تبعث موجاتها الصوتية التي تقرع أعصاب الأذن، ~~ولكنك مع ذلك لا تسمعها، فإذا ما توجهت بإرادتك إلى الساعة سمعت دقاتها جلية واضحة، مع أنها ~~لم تعل عما كانت قبل ... ثم انظر إلى هذه الأم الراقدة إلى جانب طفلها تراها لا تستيقظ لعجيج ~~الأصوات الصاخبة من حولها، ولكن لو تحرك صغيرها حركة خفيفة، أو همس همسة خافتة، نهضت من ~~نعاسها فزعة، مع أن صوت الطفل أضأل من جلبة العربات والمارة، فهذا دليل على أن العبرة ليست ~~في مجرد الإحساس، ولكن لا بد كذلك من القوة التي تختار هذه الأحاسيس وتكسبها ما لها من ~~معنى، فالأمر متوقف على غرض الإنسان الذي يقصد إليه في وقت معين، فمثلا لو رأيت رقم 2 ~~ورقم 3 مكتوبين أمامك على ورقة، ثم قصدت إلى جمعها، كان الناتج في ذهنك «خمسة»، فإذا قصدت ~~إلى ضربهما، كان الناتج ms157 «ستة» مع أن صورة الرقمين، أي الإحساس الذي ينبعث منهما إلى العين ~~هو هو في كلتا الحالين لم يتغير، إنما الذي تغير هو الغرض، فاستتبع ذلك اختلافا في معنى ~~إحساس بعينه ... إن التداعي بين الإحساس والأفكار ليس متوقفا فقط على التجاور في المكان، أو ~~التقارب في الزمان، أو التشابه، أو التكرار، أو ما إلى ذلك، بل إنه خاضع فوق ذلك كله إلى ~~غرض العقل، فإحساساتنا وأفكارنا خدم لنا تنتظر دعوتنا فلا يأتي الأثر الحسي أو الفكرة إلى ~~أذهاننا إلا إذا احتجنا إليها فدعوناها، وإن لدينا قوة تقوم بهذا الاختيار، وهذا التوجيه، ~~ألا وهي قول العقل. # وللعقل وسيلتان في اختيار الإحساسات، ثم في تحويلها إلى إدراكات حسية ذات معنى هما الزمان ~~والمكان، فكما يرتب القائد الرسائل التي ترد إليه من أطراف جيشه حسب زمانها الذي كتبت فيه، ~~ومكانها الذي جاءت منه، وبهذا يستطيع أن يفهم موقف جيشه فيصدر أوامره تبعا له، كذلك العقل ~~يرتب الرسائل الحسية التي ترد إليه من العالم الخارجي حسب زمانها ومكانها، فيعزوها إلى هذا ~~الشيء أو ذاك، وإلى الحاضر أو إلى الماضي، وبذلك يتمكن من ترتيبها في ذهنه ترتيبا تتحول ~~بفضله إلى إدراك حسي له معنى، ولكن ليس الزمان والمكان اللذان يضيفهما للآثار الحسية ~~الواردة إليه شيئين موجودين في الخارج، ولكنهما صور ابتكرها العقل ليستعين بها على ~~الإدراك. هما طريقان لوضع المعنى في الإحساس، أو هما وسيلتان للإدراك الحسي. # نحن نتلقى مادة الإحساس الخام من الخارج فنصبها في صورة من عندنا حتى تصير إدراكا ~~حسيا؛ إذن فالمادة مكتسبة. أما الصورة التي نشكل المادة فيها فمفطورة فينا، وهي سابقة لكل ~~تجربة، المادة تجربية، أما الصورة فخالصة، وكلاهما يكونان الإدراك الحسي، فكل إدراك حسي هو ~~عبارة عن مادة جاءت من الخارج فاكتسبت صورتها في العقل، فنحن لا نخلق المدركات الحسية، ~~ولكنا نصفها فقط كما يصنع النجار المائدة من قطع الأخشاب، والأداتان اللتان نستعملها في صنع ~~الإدراكات الحسية من الإحساسات هما الزمان والمكان، والزمان الذي بواسطته نضع الآثار الحسية ~~في ms158 تتابع وتعاقب، حتى تتكون منها سلسلة مترابطة متصلة، والمكان الذي بواسطته نجاور بين ~~الطعم واللون والرائحة حتى تتألف منها التفاحة ... والزمان والمكان لا يجيئان إلينا من الخارج ~~مع التجارب الحسية، ولكنهما كما قدمنا موجودان في العقل بطبيعته، وآية ذلك ما يتصفان به من ~~ضرورة، فلسنا نستطيع أن نفكر بغيرهما، أو أن نجرد منهما الأشياء والحوادث التي تقع في ~~التجربة، وكما أنهما لم يأتيا من التجربة الحسية، كذلك هما ليسا فكرتين مجردتين استخلصهما ~~العقل مما يصادف من جزئيات في الخارج؛ لأن وجودهما لا يستلزم وجود عدة أزمنة وعدة أمكنة لكي ~~نصل إلى فكرتيهما، بل الأمر على النقيض من ذلك؛ إذ لا بد لك لكي تفكر في عدة أزمنة، وعدة ~~أمكنة، أن يكون لديك بادئ بدء «زمان» و«مكان». وما يدل على أنهما فكرتان ذاتيتان موجودتان ~~فينا وليس لهما وجود في الخارج، أنك لا تستطيع مثلا أن تفرق بين مكانين إلا بالنسبة لشخصك، ~~فلا يمكنك أن تفرق بين وضع اليد الحقيقية ووضع صورتها في المرآة إلا بقولك: إن هذه ناحية ~~اليمين، وتلك ناحية اليسار. واليمين واليسار بالطبع اعتباران ذاتيان يتعلقان بالشخص الرائي، ~~وأنت مضطر أن تلجأ إليها في التفرقة بين الوضعين؛ لأنه ليس هناك صفات مكانية موضوعية مستقلة ~~عنك يمكن استعمالها في التمييز بين وضعين مختلفين. # إذن فنحن الذين نخلع على الإدراكات الحسية المختلفة، (أي الظواهر) زمانيتهما ومكانيتهما، ~~والزمان والمكان يتشابهان في أن كلا منهما حالة ذاتية يستعين بها الشخص على تحويل ~~الإحساسات إلى إدراكات حسية، ولكنهما يختلفان في أن المكان تستعمل صورته في تشكيل الإحساس ~~الذي يأتي إلينا من الخارج فقط، أما الزمان فهو قبل كل شيء يستخدم في وصل مشاعر الشخص ~~وحالاته المتعاقبة لكي يتكون منها في النهاية ذات، أعني أن المكان خاص بما تدركه في الخارج، ~~والزمان خاص أولا بما تدركه في باطنك، ولكن لما كانت تلك الإحساسات الخارجية التي تربط ~~بعضها ببعض بواسطة «المكان» يتبعها دائما إحساسات داخلية أو ذاتية، ولما كانت هذه ~~الإحساسات الداخلية - كما قدمنا - ترتبط وتتشكل ms159 بواسطة «الزمان»، فالزمان إذن صورة (غير ~~مباشرة) للإدراك الحسي الخارجي أيضا، فموضع الخلاف بينهما هو أن المكان لا يستعمل إلا في ~~الإحساسات الخارجية فقط، أما الزمان فيستعمل في الإحساسات الداخلية والخارجية على السواء؛ ~~الأولى بطريقة مباشرة، والثانية بطريقة غير مباشرة، ومعنى ذلك أن الزمان أشمل من المكان، ~~فكل الظواهر باطنية كانت أو خارجية زمانية، أي تصاغ في صورة الزمان، والظواهر الخارجية ~~مكانية أيضا، أو بعبارة أخرى: فالظواهر الخارجية تقع في الزمان والمكان معا، والتأملات ~~الباطنية تقع في الزمان والمكان. # وواضح أنه ما دام الزمان والمكان أداتين يستخدمهما الإنسان في تكوين الإدراكات الحسية ~~فهما يبطلان إذا ما استخدما في غير الحس، أي ما ليس بالظواهر. ويسمي «كانت» كنه الشيء الذي ~~وراء ظاهرة: «الشيء في ذاته»، وإذن فالأشياء في ذواتها ليست تقع في زمان أو مكان؛ لأنها ~~ليست مما يدرك بالحس، وكما أنك لا تستطيع أن ترى بعينيك إلا ما هو مرئي، كذلك لا يمكنك أن ~~تصب الزمان والمكان إلا على ما هو حسي. # وما دمنا قد علمنا مما سبق أن الزمان والمكان هما صورتان مفطورتان في العقل لم يستمدا من ~~التجربة، وأنهما هما اللتان تجعلان المدركات الحسية هي ما هي؛ فإذن ينتج من ذلك أن كل ما ~~نعزوه للأشياء من أحكام متعلقة بمكانها أو زمانها فهو مستمد من فطرتنا، ولم نعتمد فيه على ~~ما أتانا من الخارج بواسطة الحواس، وعلى ذلك فكل القضايا الرياضية مشتقة من طبائع عقولنا؛ ~~لأنها تتعلق إما بالمكان أو بالزمان، وهذان كما قلنا قد خلقناهما بأنفسنا من أنفسنا، ~~فالهندسة تختص بالمكان، والحساب يتوقف على إدراكنا للزمان؛ لأنه أعداد، والعدد عبارة عن ~~تكرار الوحدة، والتكرار معناه التعاقب والتتابع، وهذا هو الزمن، وعلى ذلك فالمبادئ الرياضية ~~لم تأت لنا من الخارج، ولكنا خلقناها من أنفسنا، فهي إذن فطرية لا تعتمد على التجربة، أعني ~~أنها خالصة مجردة، ويستحيل أن يثبت خطؤها أو أن يظهر فيها شيء من التناقض، ومعنى ذلك كله أن ~~الرياضة باعتبارها علما خالصا ممكنة المعرفة، ما دام ms160 الزمان والمكان موجودين فينا ~~بالفطرة، وبذلك يكون «كانت» قد أجاب عن السؤال الأول. # يتضح مما سبق أن «كانت» وقف بمذهبه بين الواقعية والمثالية؛ لأنه من ناحية اعترف ~~بالإحساسات التي تأتينا من الخارج كمادة المعرفة الأولية، ولكنه من ناحية أخرى أكد فاعلية ~~العقل واشتراكه في صياغة تلك الإحساسات في مدركات حسية،. هو واقعي مثالي؛ لأنه يرى أن ~~الأشياء المكانية موجودة حقا وليست مجرد ظواهر، ولكن أساس وجودها هو المكان الذي يقع فينا ~~وتخلقه عقولنا. # ها نحن قد نجونا بالرياضة فأثبتنا يقينها بعد أن طاح بها شك «ديفد هيوم»، فترى هل نستطيع ~~ذلك في بقية العلوم؟ نعم ذلك مستطاع لو أثبتنا صحة قانونها الأساسي، قانون السببية الذي ~~مؤداه أن العلة المعينة يجب دائما أن يتبعها معلول معين، فلو أقمنا الدليل على أن هذا ~~القانون فطري موروث تمليه طبيعة عقولنا كما هي الحال في الزمان والمكان لثبتت علوم الطبيعة ~~كما ثبتت من قبلها الرياضة. # التحليل السامي # Transcendental Analytic # يحاول «كانت» في هذا الفصل أن يجيب على السؤال الثاني وهو: هل في فطرة الإنسان ما يمكنه ~~من معرفة قوانين الطبيعة؟ وبهذا ينتقل «كانت» ببحثه من ميدان التجربة الفسيح إلى غرفة العقل ~~الضيقة المظلمة؛ ليرى ماذا يصنع العقل بالمدركات الحسية التي تكونت فيه مما جاء إليه من ~~آثار حسية من العالم الخارجي. فيقول: إنه كما أن أشتات الأحاسيس المتفرقة قد تجمعت بفضل ~~صورتي الزمان والمكان، فتكون منها مدركات حسية، كذلك يتناول الفكر هذه المدركات الحسية ~~نفسها فيصبها فيما لديه من قوالب ذهنية، فيؤلف بينها وينسج منها مدركات عقلية وأحكاما ~~كلية، وعندئذ فقط؛ أعني عندما تتكون في العقل هذه المدركات الذهنية، يكون في العقل محتويات ~~فكرية، وأما قبل ذلك فهو فارغ خال. أي أن المعرفة الصحيحة لا تبدأ إلا بتحويل المدركات ~~الحسية إلى مدركات عقلية؛ إذ المعرفة معناها التفكير فيما لديك من إدراكات حسية. وكما أن ~~الفكر بغير إدراك حسي يظل فارغا كذلك الإدراكات الحسية إذا ظلت كذلك دون أن تتحول إلى ~~مدركات عقلية فهي عمياء. ms161 # وهكذا يستطيع العقل بما لديه من صور ذهنية أن يرتفع بالمعرفة الحسية للأشياء إلى معرفة ~~عقلية لما بين تلك الأشياء من علاقات، وما يسيرها من قوانين، فهي التي تهذب التجربة التي ~~تأتي إلينا عن طريق الحواس حتى تصيرها علما. وإذن فالعقل الذي تصوره «لوك وهيوم» قطعة ~~قابلة من الشمع تشكلها التجربة الحسية كيف شاءت، يراه «كانت» فعالا يتلقى التجربة فيبوبها ~~وينظمها ويصوغها في فكر منسجم. خذ مثلا نظاما فكريا كفلسفة «أرسطو»، ثم سائل نفسك كيف ~~يمكن أن يكون هذا النظام المتسق الشامل قد تم بناؤه بطريقة آلية، وأن ما بناه هو المفردات ~~الحسية نفسها التي جاءت إلى عقله من الخارج في تزاحم وفوضى، دون أن يتناولها بالتنظيم عقل ~~فعال؟ # انظر إلى تلك الصناديق التي رتبت فيها بطاقات الكتب في دار الكتب، ثم تصور أن تلك ~~البطاقات قد انتثرت فوق أرض الغرفة، فاختلط بعضها ببعض في غير نظام، فهل تصدق أن في مقدورها ~~أن تتجمع من تلقاء نفسها، وأن تصطف في نظام أبجدي كل نوع في صندوقه الخاص، ثم يسعى كل صندوق ~~إلى مكانه فيستقر فيه؟ هذا ما يريدنا دعاة الشك أن نؤمن به، فهم يطالبوننا أن نعتقد بأن ~~أخلاط الأحاسيس إذا وصلت إلى العقل استطاعت من تلقاء نفسها أن تبوب نفسها، وأن تنتظم في ~~فكر مرتب! كلا، إنما تأتي الإحساسات في خليطها وفوضاها فتتحول إلى مدركات حسية منظمة ~~وتصبح أشياء، ثم تتحول هذه إلى مدركات عقلية أكثر نظاما حيث تكون علما ومعرفة، ثم يسمو ~~هذا العلم نفسه إلى مرتبة أعلى من النظام فيكون حكمة! # فمن ذا الذي أكسب ذلك العلماء نظامه وانسجامه؟ إن هذا التنظيم لم يأت من الأشياء نفسها؛ ~~لأننا لا نعلم تلك الأشياء إلا بما نتلقاه من أحاسيس، وهذه تأتينا في ازدحام وكثرة وفوضى ~~سالكة إلينا نوافذ عدة، إنما الذي أكسبها هذا النظام وهذا الاتحاد هو العقل بما يقصد إليه ~~من أغراض، وإذن فلقد أخطأ «لوك» حين قال إنه «ليس في العقل شيء إلا ما كان في الحواس ms162 ~~أولا.» وكان «ليبنتز» على حق حين علق على عبارة «لوك»: «لا شيء إلا العقل نفسه.» ... فلو ~~كانت الإدراكات الحسية قادرة وحدها على أن تنظم نفسها بطريقة آلية في فكر منظم، ولم يكن ~~للعقل أثر فعال في تحويل فوضى الإحساس إلى نظام الفكر، فبماذا نفسر أن يتلقى رجلان تجربة ~~حسية واحدة، فيكون الأول متوسط الذكاء، ويرتفع الثاني إلى ذروة الفلسفة والحكمة؟ # لا، لا بد أن يكون هناك عقل، ولا بد أن يكون لذلك العقل صور أو قوالب نشأت فيه بالفطرة ~~ولم تأته من التجربة، يمكنه بها أن يصوغ الإحساس في فكر، ومن تلك الصور الفطرية التي يستعين ~~بها العقل على تشكيل الإدراك الحسي وصياغته قانون العلة والمعلول، وهنا ينشأ سؤال: كيف يمكن ~~للعقل أن يطبق صوره الذهنية على الأشياء الحسية حتى يصوغها على نسقها وغرارها؟ إن تلك الصور ~~عقلية خالصة، وهذه الأشياء حسية بحتة، فهل يمكن للعقل والحس على ما بينهما من خلاف أن يتصلا ~~ويتلاقيا؟ يجيب «كانت» إنه لا بد من مرحلة متوسطة تصل هذين الطرفين أحدهما بالآخر، ويقول: ~~إن هذا الوسيط هو «الزمن». فلقد عرفنا في الفصل السابق أن «الزمان» قالب ذهني تتشكل فيه كل ~~الإدراكات الحسية، فلكون «الزمان» فطريا فهو إذن شبيه بالصور العقلية في فطريتها وتجردها، ~~ولكونه صورة للحس فهو يقاسم الأشياء الحسية في صفاتها، وعلى ذلك يكون الزمان حسيا ~~وعقليا فيتمكن بذلك الحس والعقل - الأشياء من ناحية، والصور العقلية من ناحية أخرى - أن ~~يتقابلا على ما يفرق بينهما من تباين وخلاف. ومعنى ذلك أن الصور العقلية لا تؤثر في الأشياء ~~مباشرة، بل تحتاج في أداء مهمتها إلى وسيط. # ليس ما في العالم من نظام موجودا في الطبيعة نفسها، إنما نظمه الفكر الذي عرفه وأدركه، ~~ونظمه حسب قوانينه هو المتأصلة فيه، أي إنه ليس للعالم الطبيعي قوانين خاصة يسير بمقتضاها ~~غير القوانين والصور الذهنية التي يعمل بها العقل، فقوانين الأشياء هي قوانين الفكر، ~~والعلاقة التي تربط الأفكار بعضها ببعض هي نفسها العلاقة التي تربط الأشياء، فإذا كنت ms163 ترى ~~العقل يسير في حكمه من المقدمة إلى النتيجة، فإن الأشياء تسير من العلة إلى المعلول، ولا ~~غرابة فنحن لا نعلم الأشياء الخارجية إلا بالفكر، ولهذا الفكر قوانين يجب أن يسير على ~~أساسها، بل الفكر هو قوانينه، فبديهي إذن أن تكون تلك القوانين العقلية هي نفسها قوانين ~~الطبيعة، أو كما قال هجل: «إن قوانين المنطق وقوانين الطبيعة شيء واحد.» # إذن فقوانين العلم وأصوله ضرورية يستحيل عليها الاختلال؛ لأنها هي هي قوانين الفكر، ~~وقوانين الفكر مفطورة فيه، نشأت من طبيعة تكوينه وتركيبه، ومعنى ذلك أن نفس القوانين التي ~~سارت على أساسها التجربة في الماضي والحاضر ستظل صحيحة إلى الأبد، وبهذا ينهار صرح الشك ~~الذي بناه «هيوم» ... فالعلم مطلق، والحقيقة خالدة. # ولكن يجب على العقل أن يقف في تصوره عند حد التجربة الحسية، إذ لا يمكن لأفكارنا أن تمتد ~~إلى كنه الأشياء ولبابها - إلى الأشياء في أنفسها - فإذا ما حاولنا أن نعرفها بنفس الوسائل ~~التي نعرف بها الظواهر (أي الزمان والمكان والسببية وغيرها) تورطنا في التناقض والخطأ، ~~وإقامة الدليل على ذلك هو موضوع: «الميتافيزيقا السامية». # البحث السامي فيما وراء الحس # Transcendental Dialectic # ولكن إذا كان العلم صحيحا مطلقا، وإذا كانت الحقيقة خالدة، فذلك على شرط أن يتعدى ~~الإنسان بعلمه ميدان التجربة والظواهر؛ لأننا لا ندري من الأشياء إلا ما ظهر لنا منها في ~~تجربتنا. فالعالم كما نعرفه بناء قد اشترك في تشييده عاملان، العقل من ناحية، والأشياء ~~نفسها من ناحية أخرى، العقل بما لديه من قوالب وصور، والشيء بما يبعثه من المؤثرات التي ~~تؤثر في الحواس وأطراف الأعصاب. فظاهر الشيء كما يبدو لنا قد يكون مخالفا كل المخالفة ~~للشيء الخارجي قبل أن يجيء في دائرة حواسنا. ويستحيل على الإنسان أن يعرف كيف كان ذلك الشيء ~~في أصله وحقيقته؛ لأنه لا يعرف إلا ما يصادفه في تجربته، فإن وقع «الشيء في ذاته» في حدود ~~التجربة، تحول أثناء مروره خلال الحواس والفكر، «إننا نجهل ماهية الأشياء وحقيقتها المستقلة ~~عن إدراك الحواس جهلا تاما. إننا ms164 لا ندري من الأشياء إلا كيفية إدراكنا لها، ولما كانت ~~تلك الكيفية خاصة بنا لم يكن من الضروري أن يشترك فيها كل الكائنات، ولو أنها ولا ريب عامة ~~بين البشر جميعا.» # إن القمر كما نعرفه لا يزيد على حزمة من الإحساسات (كما ارتأى هيوم) وحدها العقل (وذلك ~~ما فات هيوم) بأن حول الإحساسات إلى إدراكات حسية، ثم الإدراكات الحسية إلى مدركات عقلية ~~وأفكار، وإذن فالقمر بالنسبة لنا هو عبارة عن أفكارنا ... ولكن لا ينبغي أن نفهم من هذا أن ~~«كانت» قد أنكر وجود المادة ووجود العالم الخارجي، بل هو يعترف بتلك المادة، وإنما يزعم ~~أننا لا نعرف شيئا يقينيا عنها أكثر من أنها موجودة وأن كل ما تصل إليه من علم يتعلق ~~بظاهرها، أي بما لدينا عنها من إحساسات، فشطر كبير من كل شيء قد خلفته صور الإدراك الحسي ~~والعقلي. فنحن نعلم الشيء بعد تحوله إلى فكرة، أما ماذا كان الشيء قبل هذا التحول فهذا ما ~~نعجز عنه كل العجز، وإذا ظن العلم أنه يعالج الأشياء في أنفسها أي كما هي في حقيقتها فهو ~~ساذج مخدوع، والفلسفة أشد من العلم انخداعا إن زعمت أن مادة العلم كلها لا تتألف من مدركات ~~الإنسان الحسية والعقلية، بل من الأشياء نفسها. # ومعنى ذلك أن كل محاولة يبذلها العلم أو الدين في أن يصل إلى الحقيقة النهائية محاولة ~~نظرية فاشلة؛ لأنه لا يمكن للعقل أن يتعدى الظواهر الحسية، فإن مضى العلم والدين في ذلك ~~تورطا في التناقض والخطأ. ووظيفة «الميتافيزيقا السامية» أن تبين موضع الخطأ في محاولة ~~العقل أن يتخطى دائرة الحس والظواهر، وأن يدخل في عالم الأشياء في أنفسها مع أنه عالم مجهول ~~... فمثلا إذا حاول العقل أن يحكم هل العالم محدود أو لا نهائي - من حيث المكان - وقع في ~~تناقض وإشكال؛ لأنه سيجد نفسه مضطرا إلى رفض الفرضين كليهما، فنحن من جهة نتصور أن وراء ~~كل حد شيئا أبعد منه، وهكذا إلى ما لا نهاية، ثم يتعذر علينا من ناحية أخرى أن ms165 نتخيل ~~اللانهاية في ذاتها. كذلك لو حاول العقل أن يعرف هل كان للعالم ابتداء زمني وقع في الإشكال ~~نفسه؛ لأننا لا نستطيع أن نتصور الأزلية التي ليست لها نقطة ابتداء. ولكنا في الوقت نفسه لا ~~يمكن أن نتصور لحظة ماضية نسميها بدء الزمن، إذ لا يسعنا إلا أن نشعر بأنه قد كان قبل تلك ~~اللحظة الأولى شيء، ثم لو تساءل العقل هل لسلسلة العلة والمعلول بدء، أي هل للعالم علة أولى ~~نشأ عنها، أمكن له أن يجيب بالإيجاب والنفي معا، فبالإيجاب لأنه لا يستطيع أن يتصور سلسلة ~~لا نهاية لها، وبالنفي لأنه لا يمكن تصور علة أولى لا علة لها، هذه كلها مشاكل ومتناقضات لا ~~يمكن للعقل أن يتخلص منها إلا إذا وضع نصب عينيه أن المكان والزمان والعلة ليست إلا وسائل ~~للإدراك الحسي والإدراك العقلي، وبغيرها لا تكون لنا تجربة ولا معرفة، ولكن لا يجوز بحال ~~من الأحوال أن نتوهم أن المكان والزمان والسببية أشياء خارجة عنا، مستقلة عن إدراكنا، فعلى ~~الرغم من أن كل ما نصادف من تجارب لا يمكن فهمه إلا إذا صغناه بعبارات الزمان والمكان ~~والسببية، فلن تكون لنا فلسفة صحيحة إذا فاتنا أن هذه ليست أشياء واقعة، ولكنها طرق لتفسير ~~التجارب وفهمها فقط. # كذلك لو حاول اللاهوت أن يبرهن بالعقل النظري أن الروح خالدة لا يجوز على «عنصرها» ~~الفساد، وأن الإرادة حرة من قيود «السببية»، وأن في الكون كائنا واجب الوجود هو الله، ~~نقول: لو حاول اللاهوت ذلك لوقع في مثل إشكال العلم، ويجب أن يذكر اللاهوت أن «العنصر» ~~و«السببية» و«الضرورة» كلها صور عقلية ووسائل يتبعها العقل في تبويب وتنظيم التجربة الحسية، ~~فهي إذن لا تكون صحيحة قويمة إلا إذا طبقناها على الظواهر الحسية التي تأتي بها التجربة. ~~أما إذا تعدينا ذلك وطبقناها على المدركات العقلية، فهنالك الخطأ والتناقض، وعلى ذلك فلا ~~يمكننا أن نبرهن على صحة الدين بالعقل النظري. # هكذا ينتهي الكتاب الأول في النقد، وكأننا «بديفد هيوم» ينظر إلى هذه النتائج التي وصل ms166 ~~إليها «كانت»، والتي أراد بها أن يبني ما هدمه «هيوم»، فيبتسم ابتسامة ساخرة! علام انتهى ~~هذا الكتاب الضخم العميق الذي أراد أن ينقذ العلم والدين من معاول الشك؟ لقد حدد العلم ~~وحصره في عالم الظواهر، فإن تغلغل إلى لباب الأشياء وحقيقتها زل وأخطأ، وهكذا أنقذ العلم! ~~ثم زعم أن حرية الروح وخلودها وأن وجود إله خالق مما يستعصي على العقل أن يقيم عليه الدليل، ~~وبهذا أنقذ الدين! ولا عجب أن رجال الدين في ألمانيا رفضوا هذا الإنقاذ واحتجوا عليه، ~~وأرادوا أن ينتقموا لأنفسهم من الفيلسوف، فأطلق كل منهم على كلبه اسم «عمانويل ~~كانت». # ولقد قارن «هيني # Heine ~~» بين «كانت» الضئيل النحيل و«روبسبير» المروع الجبار، فقال: إن ~~«روبيسبير» لم يقتل إلا ملكا وبضعة آلاف من الفرنسيين - وهي جريمة قد يتسامح فيها الرجل ~~الألماني - أما «كانت» فقد قوض الدعائم التي يرتكز عليها بناء اللاهوت «لشد ما يختلف مظهر ~~هذا الرجل عن آرائه الهدامة التي زلزلت العالم! فلو كان أهل كونسبرج قد قدروا كل ما تستتبع ~~أفكاره من خطر، لارتاعوا لوجود هذا الرجل أكثر مما يروعهم سفاك لا يقتل إلا الكائنات ~~البشرية، ولكن الناس كانوا من الطيبة بحيث لم يروا فيه إلا أستاذا للفلسفة، إذا ما خرج في ~~ساعته المحددة هزوا له رءوسهم يحيونه تحية الصداقة، وأخذوا يضبطون ساعاتهم.» # نقد العقل العملي # The Critique of Practical Reason # إذا كان الدين لا يمكن أن يقوم على أساس من العلم والعقل، فماذا عسى أن يكون الأساس الذي ~~يبنى عليه؟ يجيب «كانت» إنه يجب أن يرتكز على دعامة من الأخلاق؛ لأنك إن أقمت بناءه على عمد ~~من اللاهوت العقلي عرضته - كما قدمنا - لأخطر الأخطار، فلنترك العقل هنا ولنشيد الإيمان على ~~ما هو فوق العقل، على الأخلاق، ولكن يجب أن تكون قاعدة الدين الأخلاقية مطلقة مستقلة ~~بذاتها، غير مستمدة من التجربة الحسية المعرضة للشك، وألا يفسدها العقل ببحوثه وقضاياه، يجب ~~أن تستمد القاعدة الأخلاقية من باطن النفس مباشرة، وإذن فلا بد أن تكون لدينا مبادئ أخلاقية ~~فطرية ms167 تنشأ في الإنسان بطبيعته فيستلهمها ويستوحيها دون أن يلجأ في تحديد سلوكه إلى علم أو ~~تجربة، فكما أثبتنا أن للرياضة مثلا أساسا فطريا في النفس يقضي بصحتها، فسبيلنا الآن أن ~~نبين أن العقل الخالص يمكنه بطبيعة تكوينه أن يقود الإرادة، وأن يهديها إلى أقوم السلوك من ~~غير أن يستنير في ذلك بشيء خارجي محسوس، أي أن نبين أن قانون الأخلاق ناشئ فينا قبل ~~التجربة، وأن الأوامر الأخلاقية التي لا مندوحة عنها لتكون قاعدة للدين عامة مطلقة مستمدة ~~من فطرة الإنسان. # وإن تجارب الحياة لتنهض دليلا قويا على وجود هذا الباعث الفطري للأخلاق، فكلنا يشعر ~~شعورا قويا واضحا لا لبس فيه أن هذا العمل خطأ، وأن ذلك صواب، مهما اشتدت أمامنا دواعي ~~الإغراء، نعم قد يستسلم الإنسان للخطأ، ولكنه لا يسعه رغم ذلك إلا أن يشعر بأنه مخطئ، فقد أرتكب ~~الجريمة، ولكني مع ذلك أعلم أنها جريمة، وأحس في نفسي بعزم على ارتكابها مرة أخرى، فما ذلك ~~الصوت الذي يصيح فينا صيحة التأنيب، ثم يدعونا إلى اعتزام السلوك على النحو الصواب، إنه ~~الضمير الذي لا ينفك يأمرنا أن نعمل على نحو يصح أن يكون قانونا عاما للبشر، أعني أن ~~نسلك سلوكا لو سلكه الناس جميعا لأدى إلى الخير، فنحن نعلم - لا بالمنطق - ولكن بشعورنا ~~القوي المباشر أننا يجب أن نتجنب السلوك الذي إن اتبعه الناس جميعا تعذرت الحياة ~~الاجتماعية أو تعسرت، إنني قد أتورط في كارثة، ولا يكون لي سبيل للنجاة منها إلا بالكذب، ~~وقد أكذب طلبا للنجاة، ولكني «بينما أريد لنفسي الكذب، فإنني لا أحب بحال من الأحوال أن ~~يكون قانونا عاما؛ لأنه بمثل هذا القانون ستنتفي الوعود.» وهذا لا يتفق وحياة الجماعة. ~~ولذا فإني أحس في نفسي أنه لا يجوز أن أكذب حتى ولو كان الكذب في صالحي. # وهذا القانون الأخلاقي المفطور في نفوسنا لا يقيس خيرية العمل بما ينتج عنه من نتائج ~~طيبة، أو بما فيه من حكمة، إنما الخير هو ما جاء وفقا لما يأمر به الواجب، ms168 بغض النظر عن ~~نتائجه وحكمته، ولا غرابة فهو لم يستمد من التجربة الشخصية، ولكنه فطري طبيعي فينا، فلا ~~خير في الدنيا إلا إرادة الخير، وأقصد بها تلك الإرادة التي تجيء وفقا لقانون الأخلاق ~~المتأصل في نفوسنا، ولا عبرة لما تعود به تلك الإرادة الخيرة علينا من غنم أو غرم؛ إذ ليس ~~الغرض الأسمى هو السعادة، وإنما هو الواجب «فليست الأخلاق هي ما يعلمنا كيف نجعل أنفسنا ~~سعداء، ولكن هي ما يجعلنا جديرين بالسعادة.» فيجب أن نقصد إلى سعادة الناس، فلننشد الكمال، ~~سواء جاء ذلك الكمال متبوعا بلذة أو ألم، ولكي يكون سلوكك مؤديا إلى كمال نفسك وسعادة ~~الآخرين يجب «أن تعمل بحيث تتخذ الإنسانية - سواء أكانت ممثلة في شخصك أو في أي شخص آخر - ~~غرضا، ولا يجوز لك قط أن تعتبر الإنسانية وسيلة فقط.» يجب أن يكون هذا المبدأ أساسا ~~لحياتنا، فإن فعلنا فسرعان ما نخلق لأنفسنا مجتمعا مثاليا كاملا، ولا سبيل إلى خلق ذلك ~~المجتمع الكامل إلا أن نعمل كما لو كنا بالفعل أفرادا فيه، وبهذا نضع قانونا كاملا في ~~حياة ناقصة فتكمل. قد تقول إنها أخلاق شاقة عسيرة - تلك التي تريدك على وضع الواجب فوق ~~السعادة - ولكنها هي الوسيلة الوحيدة التي ترتفع بنا عن هذه الحيوانية التي نعيش فيها، ~~وتسير بنا في طريق الله. # وجدير بنا أن نلاحظ أن هذا الصوت الباطني الذي ينادي بالواجب يقوم دليلا على حرية إرادة ~~الإنسان؛ لأنك لا تستطيع أن تتصور فكرة الواجب دون أن تتصور الإنسان حرا فيما يختار من ~~سلوك. فحرية الإنسان التي استعصى علينا إقامة الدليل عليها بالعقل النظري يمكن البرهنة ~~عليها بالشعور بها شعورا مباشرا إذا ما وقف الإنسان موقف الاختيار بين سلوكين. ولقد يظهر ~~لنا أن أعمالنا تتبع قوانين ثابتة لا نقض فيها ولا تبديل، فنتوهم أن ذلك برهان على عدم ~~اختيار الإنسان لسلوكه، والواقع أننا نرى أعمالنا منظمة مطردة؛ لأننا ندرك نتائجها بواسطة ~~الحواس، وقد علمنا أن العقل مجبول على صياغة كل ما تنقله إليه الحواس في ms169 صورة السببية، ~~فيجعل منها علة ومعلولا، ولكن هذه السببية من صنع عقولنا، وليست في الأشياء أو الأعمال ~~ذاتها. وبديهي أنها فوق القوانين التي نصنعها بأنفسنا؛ لكي نستعين بها على فهم تجاربنا ~~الحسية، فالإنسان حر فيما يعمل رغم ما يقيد الأعمال من سببية ظاهرة، ونحن نشعر بهذه الحرية، ~~ولا يمكننا أن نقيم عليها الدليل. # وكما استنتجنا حرية إرادة الإنسان من صوت الواجب الذي فطرنا عليه، كذلك نستطيع أن نستنتج ~~منه خلود الإنسان، فنحن نشعر بهذا الخلود، ولكن لا يمكننا أن نقيم عليه الدليل، إن الحياة ~~تعلمنا كل يوم درسا بل دروسا بأنه لا عقاب للمسيء ولا ثواب للمحسن، بل إنها تعلمنا كل يوم ~~بأن افتراس الثعبان أنجح في هذه الدنيا من رقة الحمامة ووداعتها. وأن السرقة والخيانة ~~والغدر كثيرا ما تكون أجدى من الفضل والأمانة والإحسان، فلو كان مجرد النفع الدنيوي ~~والوصول إلى الغاية هو كل ما يبرر الفضيلة، لما كان من الحكمة أن نكون فضلاء ... ولكنا نرى ~~أننا على الرغم من هذا كله نشعر بصوت يدعونا إلى الفضيلة وعمل الخير، حتى ولو لم يؤد ذلك ~~إلى النفع، فكيف يمكن لهذا الشعور بالحق أن يعيش إن لم نكن نحس في قرارة نفوسنا أن هذه ~~الحياة الدنيا ليست إلا جزءا من الحياة، وأن هذا الحلم الدنيوي ليس إلا مقدمة لميلاد آخر ~~وبعث جديد. لماذا نستمع لصوت الحق والفضيلة إن لم نكن نحس بأن تلك الحياة الأخرى أطول ~~أمدا، وأن كل امرئ سيجزى فيها بما فعل من خير أضعافا مضاعفة؟ # وهذا الدليل نفسه الذي أثبت حرية الإنسان وخلوده ينهض برهانا على وجود الله؛ لأنه إذا ~~كان الشعور بالواجب يتضمن العقيدة في الجزاء في المستقبل أي في الخلود، فإن الخلود لا بد أن ~~يتبعه فرض وجود علة متكافئة مع معلولها، أي لا بد أن يكون قد أنشأ هذا الخلود من هو خالد، ~~وإذن فلا بد من التسليم بوجود الله، وليس هذا كذلك برهانا بالعقل، بل هو مستمد من شعورنا ~~الفطري بقانون الأخلاق، ويجب أن ms170 يوضع هذا الشعور فوق المنطق النظري الذي لم ينشأ إلا ~~لمعالجة الظواهر الحسية. إن عقولنا تبيح لنا أن نعتقد أن وراء الأشياء إلها، وشعورنا ~~الأخلاقي يحتم علينا هذه العقيدة، ولقد أصاب «روسو» حين قال: «إن شعور القلب أسمى من منطق ~~العقل.» كما أصاب «بسكال» في قوله: «إن للقلب أسبابا خاصة به لا يمكن أن يفهمها ~~العقل.» ~~(4) الدين والعقل # لم يكن «كانت» فيما انتهى إليه من إثبات الدين على أساس الشعور بالواجب الأخلاقي رجعيا ~~أو جبانا، بل كان على النقيض من هذا جريئا بالغ الجرأة في إنكاره أن يكون الدين قائما ~~على العقل، ولقد أثار ما ذهب إليه - من حصر الدين في حدود الشعور - كثيرا من رجال الدين في ~~ألمانيا، فانهالوا عليه بالنقد والاحتجاج. ولقد تطلبت هذه العاصفة من الفيلسوف شجاعة نادرة ~~بلغت أقصاها حين نشر وهو في سن السادسة والستين كتابه «نقد الحكم»، ثم كتابه الذي أصدره وهو ~~في سن التاسعة والستين «الدين في حدود العقل الخالص». # وهو في أول هذين الكتابين يرفض الرأي القائل بأن وجود غاية يقصد إليها العالم دليل على ~~وجود الله. فإذا كانت الطبيعة حقا تبدو رائعة الجمال في كثير من نواحيها - مما قد يحملنا ~~على أنها تسير إلى قصد معين مدبر - فينبغي أن نذكر أنها من ناحية أخرى تبدي كثيرا من ~~دلائل العبث والفوضى ... نعم إن في الطبيعة جمالا، ولكن على حساب كثير من ألوان التعذيب ~~والموت، إذن فظاهر الكون وإن بدا جميلا فليس هو بالبرهان القاطع على وجود الله، فعلى رجال ~~اللاهوت الذين يعتمدون في دليلهم على هذه الفكرة أن ينبذوها، كما أن على رجال العلم الذين ~~بالغوا في نبذها واطراحها أن يستردوها؛ لأنها مع ذلك مفتاح جليل يؤدي إلى كشف كثير من ~~الجوانب الغامضة. فلا شك أن في العالم قصدا وتصميما، ولكنه قصد وضعه الكل لأجزائه. فما ~~أحوج رجال العلم أن يفسروا أجزاء الكائن العضوي بأن لها معنى يقصده الكل، وهم إن قالوا ذلك ~~أنقذوا أنفسهم من هذه المغالاة في فكرتهم عن آلية ms171 الحياة؛ لأن هذه الآلية وحدها يستحيل أن ~~تفسر نمو برعمة واحدة من النبات. # يقول «كانت» في هذا الكتاب عن الدين والعقل: إنه لا يجوز أن يقام الدين على أساس من العقل ~~النظري، بل يجب أن يبنى على الأخلاق العملية، ومعنى ذلك أن أي كتاب من الكتب المقدسة، وكل ~~ما ينزل به الوحي يجب أن يحكم عليه بما له من قيمة أخلاقية، ولا ينبغي أن يكون هو نفسه ~~الحكم الذي يرجع إليه في صياغة قانون الأخلاق، أو بعبارة أخرى يجب أن تأتي الكتب المقدسة ~~متمشية مع ما يمليه الشعور الأخلاقي المفطور في الإنسان، وليس هذا الشعور هو الذي يتغير ~~تبعا لما ينزل به الكتاب المقدس، وإن قيمة الكنائس والمعتقدات هي بمقدار ما تعاون الجنس ~~البشري على الرقي الخلقي. أما إذا انقلب الدين إلى طائفة من العقائد والطقوس الشكلية، ثم ~~وضعت هذه العقائد والطقوس في منزلة أرفع من الشعور الأخلاقي، وكانت هي المقياس الذي يقاس به ~~الدين قبل أن يقاس بالأخلاق، فقل على الدين السلام ... إن الكنيسة الحقيقية هي جماعة من الناس ~~- مهما تقسموا شيعا وأحزابا - اتفقوا جميعا على اتباع قانون الأخلاق المشترك بين الناس، ~~ولقد عاش المسيح ومات ليؤسس جماعة كهذه، فكانت تلك الجماعة هي الكنيسة الحقيقية التي أسسها ~~لينقض بها شكلية العبادة اليهودية، ولكن نشأت بيننا كنيسة أخرى كادت تطغى على تلك الفكرة ~~النبيلة: «لقد قرب المسيح ما بين مملكة الله والأرض، ولكنا أخطأنا في فهمه فاستبدلنا ~~بمملكة الله مملكة القديسين!» # لقد عادت الطقوس والعقائد الشكلية فحلت محل الحياة الخيرة الفاضلة، وبدل أن يرتبط الناس ~~بعضهم ببعض برباط الدين انقسموا ألف مذهب، وأخذوا يلقون في النفوس ضروبا من الورع الكاذب، ~~وحسبوا أن الإنسان لا يسترضي رب السماء إلا بهذا الرياء، كأنما الله حاكم من حكام الأرض ~~هذا، وإن المعجزة لا يمكن أن تؤيد الدين، ولا خير في دين يريد أن يعطل قوانين الطبيعة التي ~~تدل على صحتها التجارب كلها. ولعل أنكب الكوارث التي تحل بالناس أن تصبح الكنيسة أداة طيعة ms172 ~~في يد حكومة سيئة، وأن يصير رجال الدين - الذين من واجبهم أن يخففوا ويلات الإنسانية ~~وكروبها بالإيمان والأمل والإحسان - أدوات لظلم سياسي. # لقد كان «كانت» في نشر تلك الآراء جريئا شديد الجرأة؛ لأن هذه الحالة التي يصفها هي ما ~~كانت عليه بروسيا وقتئذ، إذ اعتلى العرش فردريك وليام الثاني خلفا لفردريك الأكبر الذي مات ~~سنة 1786م، وكان الملك الجديد رجعيا جامدا لم يستمرئ حرية الرأي التي شجعها سلفه العظيم، ~~فأقال «زدلتز # Zedlitz ~~» وزير المعارف؛ لأنه كان مشير فردريك الأكبر في «فلنر # Wöllner ~~»، فكان ~~هذا الوزير الديني أطوع للملك الجديد من بنانه، واستعمل كل ما أوتي من قوة لطمس معالم ~~الحرية الفكرية التي أخذت تنتشر في بروسيا، وصمم أن يعيد التقاليد الدينية الرجعية إلى ~~السيادة والنفوذ، فأصدر في سنة 1788م قانونا يحرم على أية مدرسة أو جامعة أن تعلم ما لا ~~يتفق مع تلك التقاليد الدينية، وأنشأ رقابة شديدة على كل ضروب النشر، وأمر بطرد كل مدرس ~~يتهم بالزندقة ... أما «كانت» فقد ترك أول الأمر دون أن تصيبه تلك الحكومة الرجعية بأذى؛ لأنه ~~- كما قال عنه رجل من رجال البلاط الملكي عندئذ - شيخ عجوز، لا يقرؤه إلا قليل من الناس، ~~وهؤلاء القليلون لا يفهمون ما يقرءون. ولكن لما أصدر «كانت» كتابه عن الدين - وكان سهل ~~الأسلوب يسير الفهم - لم يفلت من يد الرقابة، فأمرت المطبعة التي تعهدت بنشر الكتاب ألا ~~تقوم بطبعه. # وهنا ثارت ثائرة «كانت»، واشتعل نشاطا - وهو ذلك الكهل الذي كاد يبلغ السبعين من عمره - ~~فأرسل الكتاب إلى بعض أصدقائه في «يينا»، حيث نشرته مطبعة الجامعة هناك، وكانت «يينا» خارج ~~حدود بروسيا، تحت ولاية الدوق «فيمار» الذي عرف بآرائه الحرة، والذي كان عندئذ يتعهد ~~الشاعر الفيلسوف «جوته»، فلما علمت الحكومة البروسية بطبع الكتاب أرسل الملك إلى «كانت» هذه ~~الرسالة الآتية: # إن ذاتنا السامية قد ساءها إساءة عظيمة أن تلاحظ أنك تسيء استعمال فلسفتك، فتزعزع وتحطم ~~كثيرا من أهم آراء الكتاب المقدس والديانة المسيحية، فنحن نأمرك بشرح موقفك على الفور ms173 ~~شرحا دقيقا، وإن لم تمتنع في المستقبل عن مثل هذا الإيذاء، بل إن لم تستخدم مواهبك وعلمك ~~فيما يتفق مع واجبك، حتى يتيسر لنا القيام بواجبنا الأبدي - أقول لو استمررت في معارضة هذا ~~الأمر - فلتتوقع من العواقب ما لا يرضي. # فأجاب «كانت» بأنه يجب أن يكون لكل عالم الحق في تكوين أحكامه في الأمور الدينية، وأن ~~تكون له الحرية في إذاعة آرائه في الناس، ولكنه يعد في جوابه هذا أن يظل صامتا إبان حكم ~~هذا الملك، وقد نحا بعض المؤرخين باللائمة على «كانت» لهذا الإذعان، ولكنا يجب أن نتذكر أن ~~فيلسوفنا كان قد بلغ سن السبعين، وأنه عسير على تلك الشيخوخة المتهدمة أن تنازل وتناضل، هذا ~~فضلا عن أنه قد رضي لنفسه بالصمت بعد أن بلغ للعالم رسالته. ~~(5) في السياسة والسلام الدائم # كان هينا على الحكومة البروسية أن تتسامح مع «كانت» فيما أذاعه من آراء في الدين على ما ~~جاء فيه من زندقة، ولكنه لم يكن من الهين أن تعفو عنه، وقد اتهم إلى جانب زندقته الدينية ~~بالزندقة السياسية أيضا، فالثورة الفرنسية كانت قد صاحت صيحتها الكبرى التي زلزلت قوائم ~~العروش في أوربا بعد أن اعتلى فردريك وليام الثاني أريكة الملك في بروسيا بثلاث سنين، ~~فتسابق أساتذة الجامعات في بروسيا إلى التقرب إلى الملك بأبحاثهم التي تؤيد الملكية ~~الشرعية، ما عدا «كانت»، فقد قابل أنباء الثورة بالبشر والارتياح رغم تقدمه في السن. وقد ~~قال مرة لأصدقائه وعيناه دامعتان: «أستطيع الآن أن أقول ما قاله «سيمون # Simon ~~»: يا إلهي! ~~اسمح لعبدك الآن أن يرحل بسلام؛ لأني رأيت بعيني عفوك عن عبيدك.» # وكان «كانت» قد نشر في سنة 1784م عرضا موجزا لنظريته السياسية بعنوان: «المبدأ الطبيعي ~~للنظام السياسي، وعلاقته بفكرة التاريخ الدولي العام»، وقد بدأ هذا الكتاب بالبحث في موضوع ~~النزاع بين الفرد والمجتمع، ذلك النزاع الذي فزع له «هوبز» وأنكره، أما «كانت» فقد أقر هذا ~~التنازع، بل أوجبه وحتمه قائلا: إنه لا مندوحة عنه لاطراد التقدم، فلو بلغت النزعة ~~الاجتماعية في ms174 الأفراد أقصى حدودها لركد الإنسان وخمد نشاطه، فلا بد من النزعة الفردية التي ~~توجب التنافس، إذ بغير ذلك لا تتهيأ للبشر الحياة والنمو، فلولا ما لدى الناس من صفات ~~فردية لعاشوا في انسجام تام وقناعة وحب متبادل، ومثل هذه الحياة يقتل المواهب ولا يحفزها ~~للظهور، «فنحن نحمد الطبيعة على ما وهبتنا إياه من صفة غير اجتماعية أدت إلى اشتعال الغيرة، ~~وإلى رغبة لا تنتهي في الملك والقوة ... إن الإنسان يود لو لم يكن بينه وبين الناس شيء من ~~التنافر، ولكن الطبيعة كانت أعلم منه بما ينفع نوعه، فهي تريد التنافر، حتى يضطر الإنسان ~~إلى إظهار قواه في كل حين، وإلى شحذ مواهبه الطبيعية بغير انقطاع.» # فليس التنازع من أجل البقاء شرا، ومع ذلك فقد قيده الناس بقيود القوانين وحدود العادات ~~والتقاليد، ومن هنا نشأت وتقدمت الجماعة المدنية، وإن النزعة الفردية في الإنسان (أي جانبه ~~غير الاجتماعي) هي التي دعت الإنسان أول الأمر إلى الاجتماع؛ لأن الفردية تستصحب الاعتداء ~~واستعمال القوة وحب الذات، فأراد الناس أن يقي بعضهم شر بعض، فألفوا الجماعة، والعجيب أن ~~هذا الجانب الاجتماعي نفسه هو الذي يدعو كل دولة الآن إلى التمسك بحريتها من حيث علاقتها ~~بالدول الأخرى، والنتيجة أن كل دولة تتوقع دائما من الدول الأخرى نفس الشرور التي كان ~~يعتدي بها الأفراد بعضهم على بعض أول الأمر، والتي اضطرتهم إلى التعاقد في اتحاد مدني ينظمه ~~القانون. ولقد حان الحين للأمم أن تفعل ما فعلته الأفراد من قبل، فتخرج من حالتها الطبيعية ~~الوحشية، ويتعاقد بعضها مع بعض لحفظ السلام، وإن لب التاريخ ومعناه هو الحد من الخصومة ~~والعنف والاعتداء الذي بين الدول، وهذا توسيع متواصل لدائرة السلام، ولو نظرت إلى تاريخ ~~الجنس البشري كوحدة وجدته يحقق خطة خفية للطبيعة دبرتها وقصدت إليها، أرادت بها أن يسود في ~~العالم نظام سياسي يتيح لكل الملكات والمواهب التي وضعت بذورها في الإنسانية أن تنمو نموا ~~كاملا، فإن لم يسر التاريخ في هذا السبيل لكانت الدنيا في سيرها أشبه ما ms175 تكون ~~«بسيسيفوس # Sisyphus ~~» الذي أراد أن يصعد إلى قمة الجبل بحجر ضخم مستدير، فكان كلما قرب من القمة عاد ~~الحجر فتدحرج إلى بطن الوادي، نعم لو لم يسر التاريخ نحو تلك الغاية التي قصدت إليها ~~الطبيعة لما كان إلا عبثا يدور في حلقة مفرغة. # ويشكو «كانت» في هذه الرسالة السياسية من أن «حكامنا لا يملكون من المال ما ينفقونه على ~~تعليم الشعب. فقد خصصوا الموارد كلها لحساب الحرب القادمة.» وهيهات أن تتمدن الأمم حقا ~~حتى تنمحي كل هذه الجيوش القائمة، وما أجرأ «كانت» في هذه الصيحة، إذ كانت بروسيا عندئذ ~~تكاد تجند الشعب كله «إن الجيوش القائمة تثير شهوة المنافسة في الدول، فتتنافس في عدد ~~جنودها، وليس لهذا العدد حد يقف عنده، وبسبب ما يكلف هذا من مال، يصبح السلم في نهاية الأمر ~~أكثر ظلما من حرب قصيرة، ولذلك كثيرا ما يكون وجود الجيوش سببا في حروب عدائية تقبل ~~عليها الدول؛ لكي تتخلص من هذا العبء.» وذلك لأنه في زمن الحرب يعتمد الجيش على نفسه في ~~تهيئة ما يلزمه من مدد، إما سلبا من أرض العدو، أو أخذا من أرض مواطنيه، وحتى هذه الحالة ~~الأخيرة خير من إرهاق مالية الدولة في الصرف على الجيش. # ويرى «كانت» أن النزعة إلى الحروب التي تتملك الدول الأوروبية ترجع في معظمها إلى توسع ~~أوروبا في أمريكا وإفريقيا وآسيا، كما ينشأ بين اللصوص من معارك على الغنائم، وإنه لمما ~~يروعك أن ترى ماذا تفعل هذه الدول الأوروبية المتمدنة إذا ما استكشفت أرضا في إحدى تلك ~~القارات. إن مجرد زيارتهم لتلك الشعوب تعتبر في نظرهم مساوية لغزوها، فهم عندما استكشفوا ~~أمريكا - موطن الزنوج - عاملوها كأنها بلاد لا يملكها أحد، واعتبروا سكانها الأصليين كمية ~~مهملة ... وقد وقع هذا كله من أمم ملأت الدنيا صياحا بورعها وتقواها ... فبينا هذه الأمم تسقي ~~الظلم كالماء، تريد أن تعد نفسها صفوة أصفياء الله. # ولقد عزا «كانت» هذا الشره والاستبداد إلى الحكومات الأولجاركية في أوروبا؛ إذ تسربت ~~الأسلاب والغنائم إلى أيد قليلة، ms176 أما إذا قامت الديمقراطية ، وأخذ كل إنسان بقسطه من القوة ~~السياسية، فإن غنائم السرقات الدولية ستوزع توزيعا واسعا عادلا بين أفراد الأمة كلهم، ~~فلا يصيب الواحد إلا مقدار ضئيل لا يغري، وإذن فالمادة الأولى من شروط السلام الأبدي هي ~~هذه: «يجب أن يكون الدستور المدني لأية دولة جمهوريا، ولا يجوز أن تعلن حرب إلا إذا ~~استشير المواطنون جميعا.» فإذا أعطينا لهؤلاء الذين يقومون بالحرب حق الاختيار بين السلم ~~والقتال، فلن يعود التاريخ يسطر بالدماء، أما إذا لم يكن الفرد عضوا في الدولة يحسب لرأيه ~~حساب، أعني إذا لم تكن الحكومة جمهورية، فإن تقرير الحرب يصبح أهون شيء عند الحكومة ~~القائمة؛ لأن الحاكم لا يكون في مثل هذه الحالة مواطنا كبقية المواطنين، ولكنه يكون مالك ~~الدولة، ولا يصيب شخصه من الحرب أية خسارة أو أذى، بل قد تزيد في أسباب نعيمه وهو في قصوره ~~بين الموائد والولائم، ولذلك فما أهون عليه أن يقضي بالحرب كأن الأمر لا يزيد على رحلة ~~للصيد، وأما تبريرها فما عليه إلا أن يركن في ذلك إلى الهيئات السياسية التي لا تتردد قط في ~~أن تقدم للملك ما يريد من خدمات! # لقد بعث انتصار الثورة الفرنسية أول الأمر روح الأمل في نفس «كانت» فرجا أن يعم النظام ~~الجمهوري أوروبا جميعا، وأن تسود الديمقراطية ويزول الاستعباد والاسترقاق، وأن ينشر السلم ~~لواءه فوق الربوع؛ فوظيفة الحكومة هي معاونة الفرد على النمو لا أن تستذله وتستغله «فاحترام ~~كل فرد واجب باعتبار الفرد غاية مطلقة في حد ذاته، وإنها لجريمة ضد شرف الإنسانية أن نتخذ ~~من الفرد وسيلة لغرض كائنا ما كان.» وعلى ذلك فإن «كانت» يدعو إلى المساواة بين الأفراد، ~~فيما يتاح لهم من فرص النمو وإظهار القوى والمواهب، ويرفض كل ضروب الامتياز والتفاوت في ~~الأسر والطبقات، وهو يعلل كل الامتيازات الوراثية بانتصار حربي ظفرت به الأسر الممتازة في ~~الأيام الماضية. # ظل «كانت» رغم شيخوخته نصيرا للديمقراطية والحرية في الوقت الذي كادت تجمع أوروبا كلها ~~على مقاومة الثورة الفرنسية وتدعيم ms177 العروش الملكية، فلم يشهد التاريخ قبله كهلا شايع ~~الحرية بحرارة الشباب وحماسته كما فعل، ثم غلب عليه ضعف الشيخوخة ووهنها فأخذ يذبل ويذوي ~~ويتحول إلى سذاجة الكهولة التي انقلبت آخر الأمر إلى مس خفيف من الجنون، وأخذت قواه تتفانى ~~ومشاعره تبرد حتى كان عام 1804م، وكانت سنه تسعا وسبعين، فأسلم الروح هادئا، وسقط كما تسقط ~~ورقة ذابلة في الخريف. # نقد وتقدير # هذا هو البناء الشامخ الذي شيده «كانت» وألفه من المنطق، والميتافيزيقا، وعلم النفس، ~~والأخلاق، والسياسة، فليت شعري ما شأنه اليوم بعد أن وقف أمام العواصف الفلسفية قرنا ~~كاملا؟ إنها لم تنل منه إلا قليلا، فلا تزال الفلسفة «الكانتية» حتى اليوم قائمة قوية ~~الأركان؛ إذ شقت الفلسفة النقدية مجرى جديدا في تاريخ الفكر فغيرت من اتجاهه، وإذا كان قد ~~أصابها شيء من الوهن، فما ذاك إلا في التفصيل والعرض دون الأساس والجوهر. # فأول ما أخذ عليه من وجوه النقد فكرته عن المكان، فهل أصاب «كانت» فيما ذهب إليه من أن ~~المكان صورة ذهنية يستعملها العقل لصياغة الإحساسات لا أكثر؟ نستطيع أن نجيب على ذلك ~~بالإيجاب والنفي معا، فهو كذلك لأنه فكرة ذهنية تظل فارغة، حتى تملأ المدركات الحسية، إذ ~~ليس معنى المكان إلا أشياء بعينها في موضع معين بالنسبة إلى الشخص المدرك، أو هو مسافة ~~تقاس بالنسبة إلى أشياء مدركة، ويستحيل على الإنسان أن يدرك الأشياء الخارجية إدراكا ~~حسيا إلا وهي في مكان، وإذن فلا شك أن المكان صورة ضرورية لا بد منها للحس الخارجي، وهو ~~ليس كذلك؛ لأن ثمة من الحوادث ما يقع في المكان دون أن يدركها الإنسان إدراكا حسيا، وفي ~~مثل هذه الحالة يكون المكان مستقلا عن الإدراك الحسي، ولا يكون كما قال «كانت» صورة عقلية ~~يستخدمها الإنسان في صياغة المدركات الحسية، ومثال ذلك دورة الأرض حول الشمس، فهذه تتم في ~~المكان دون أن يدركها الإنسان بحواسه، فليس صحيحا ما زعمه «كانت» من أن الإنسان يتلقى ~~إحساسات لا مكانية فيخلع عليها عقله المكان، بل الصحيح أننا ندرك ms178 المكان في نفس الوقت الذي ~~ندرك فيه الأشياء المحسة. # كذلك ليس الزمان حقيقة ذاتية فحسب، بل هو كذلك موضوعي موجود في الخارج بغض النظر عن ~~الإنسان، فهذه الشجرة المعينة ستنمو، ثم تكتهل، ثم تذوي وتتلاشى سواء أدركنا نحن مرور الزمن ~~عليها وقسناه أم لم ندركه. # لقد أراد «كانت» فيما يظهر أن يقيم الدليل على أن المكان ذاتي محض، وليس له وجود في ~~الخارج، عساه ينجو من نتائج المذهب المادي، فخشى أن يقرر موضوعية المكان ولا نهايته، فينتج ~~عن ذلك وجود الله في المكان، ووجوده في المكان معناه ماديته. # ومما هو جدير بالملاحظة هنا أن العلم الحديث قد انتهى بنظرية النسبية إلى نفس ما قاله ~~«كانت» عن الزمان والمكان إذ تقرر نظرية النسبية أن المكان المطلق والزمان المطلق ليس لهما ~~وجود، ولكنهما موجودان فقط إذا وجدت الأشياء والحوادث، أي إنهما صور للإدراكات ~~الحسية. # كذلك يؤخذ على «كانت» ما ذهب إليه من أن الحقيقة مطلقة من حيث الثبوت واليقين لا كما قال ~~عنها «هيوم» إنها لا تزيد على احتمال وترجيح، فقد جاءت الأبحاث العلمية الحديثة مؤيدة ~~«لهيوم» معارضة «لكانت»، إذ ساد الرأي القائل إن كافة العلوم حتى الرياضيات الدقيقة، نسبية ~~في حقيقتها، وأصبح العلم يقنع برجحان كفة الاحتمال دون أن يطالب بحقيقة مطلقة؛ لأنه أدرك أن ~~هذه مستحيلة، وحتى لو كانت موجودة فليس للإنسان حاجة إليها. # ولعل أعظم ما أتى به «كانت» برهنته على أن الإنسان لا يعلم من العالم الخارجي إلا ما ~~تجيئه به الحواس، وأن العقل ليس صفحة بيضاء قابلة تخط فيها التجارب ما تشاء، بل فاعل إيجابي ~~يتلقى التجارب الحسية، فيختار منها ما يريد، ويبنيها بما لديه من صور ذهنية موروثة فيه ... ~~ولكن هنالك من يشكون في فطرية هذه الصور الذهنية، أي في وجودها عند الإنسان قبل أن يصل ~~إليه من الخارج إحساس ما. فيقول «سبنسر»: إن ذلك قد يكون صحيحا في الفرد، ولكنه خطأ ~~بالنسبة للجنس كله، أعني أن الإنسان كجنس قد استمد هذه الصورة الذهنية من العالم ms179 الخارجي، ~~ثم ورثها لأفراده، وهناك من يقول إن هذه الصورة الذهنية مجار فكرية، أو عادات كونتها ~~بالتدريج الإحساسات، ثم المدركات الحسية، فأصبح للإنسان بعد تكوينها القدرة على الإدراك ~~الحسي والعقلي، ويقول هذا الفريق من المفكرين إن الذاكرة (أي الصور الحسية المحفوظة في ~~الذهن، والتي جاءت من الخارج على مر الأيام) هي التي تفسر الإحساسات التي تأتينا عن طريق ~~الحواس المختلفة، وهي التي تنظمها وتبوبها وتحولها إلى مدركات حسية، ثم تحول هذه المدركات ~~الحسية إلى أفكار. فالذاكرة هي التي تسبب ما للعقل من وحدة وتماسك، وإذن فوحدة العقل مكسوبة ~~لا موهوبة كما قال «كانت»، وقد يفقد الإنسان ما اكتسبه من وحدة العقل في بعض الحالات ~~كالجنون مثلا، وعلى ذلك تكون كل مدركاتنا العقلية من صنعنا وليست فطرية موروثة. # وقد تناول الناقدون نظرية «كانت» في الأخلاق فأنكروا إطلاقها وفطريتها، وقال أشياع مذهب ~~التطور: إن شعور الإنسان بواجبه ليس صادرا من أخلاقية فطرية كما ذهب إليه «كانت»، ولكنه ~~مستمد مما أودعه المجتمع في الفرد من قواعد للسلوك، فالأخلاق لم تهبط إلى الإنسان كما هي، ~~بل هي الثمرة الأخيرة لتطور امتد ردحا طويلا من الزمان، وليست الأخلاق عامة مطلقة، ولكنها ~~قانون للسلوك ينمو ويتطور بما هو ملائم لحياة الجماعة، وهي متغيرة بتغير الجماعة وظروفها. ~~فالنزعة الفردية مثلا تكون منافية للأخلاق في شعب يحاصره العدو، ولكنها تكون خير الوسائل ~~في أمة آمنة هادئة للرقي والنشاط، فليس هناك عمل خير في ذاته كما يقول «كانت». # وقد استرعى النظر أن «كانت» قد عاد في كتابه النقدي الثاني فأقر بوجود الله، وحرية ~~الإرادة، وخلود الروح، بعد أن كاد ينفرها جميعها في كتابه الأول. ولقد قال عنه أحد النقاد: ~~«إنك تشعر في كتب «كانت» كأنك في سوق ريفية يمكنك أن تشتري منها ما تشاء، حرية الإرادة ~~وجبرها، المثالية وتنفيذها، الإلحاد والإيمان بالله، فهو أشبه شيء «بالحاوي» الذي يستطيع أن ~~يخرج من مخلاته الفارغة كل شيء، إذ تراه يستخرج من فكرة الواجب إلها وخلودا وحرية.» ~~ويعتقد «شوبنهور» أن «كانت» كان ms180 في حقيقة الأمر شاكا نبذ العقائد لنفسه، ولكنه تردد ~~في أن يهدم عقائد الناس إشفاقا على الأخلاق العامة من الفساد: «إنه زعزع اللاهوت القائم ~~على العقل، ثم ترك اللاهوت الشعبي دون أن يمسه، لا بل دعمه باعتباره عقيدة مبنية على الشعور ~~الأخلاقي ... فكأنه أدرك الخطأ الناجم من هدمه اللاهوت العقلي، فأسرع إلى اللاهوت الأخلاقي ~~يستمد منه بعض الدعائم الواهنة المؤقتة عسى أن يظل البناء قائما حتى يتمكن من الهرب قبل أن ~~تقع عليه الأنقاض.» # ولكن مهما يقل النقاد عن إيمان «كانت» من أنه يبطن إلحادا، فإن لهجة الفيلسوف في مقالته ~~عن «الدين في حدود العقل الخالص» تدل على إخلاص شديد، وإيمان قوي، ولقد كتب «كانت» إلى أحد ~~أصدقائه يقول: «حقا إنني كثيرا ما أفكر في أشياء وأوقن بصحتها ... ولكني لا أجد في نفسي ~~الشجاعة للتصريح بها، ومع هذا يستحيل علي أن أقول شيئا لا أعتقد بصحته.» وليس بعجيب أن ~~تتضارب آراء «كانت» لما يكتنف رسالته العظيمة من غموض وتعمق، ولقد قيل في هذا الكتاب بعد ~~نشره: «لقد أعلن المتدينون بأن «نقد العقل الخالص» محاولة شاك يريد بها أن يزعزع يقين ~~المعرفة.» وقال الشاك: «إنه ادعاء فارغ يحاول به أن يبني صورة جديدة من الجمود الديني على ~~أنقاض الأنظمة الجديدة.» وقال من يعتقدون بما فوق الطبيعة إنه حيلة مدبرة لمحو الأسس التي ~~يقوم عليها الدين وإقامة المذهب الطبيعي. وقال الطبيعيون: إنه دعامة جديدة لفلسفة الإيمان ~~التي تحتضر. وقال الماديون: إنها مثالية تريد أن تنقض حقيقة المادة. وقال الروحانيون: إنه ~~تحديد لا مبرر له للحقيقة وحصرها كلها في الأجسام المادية. والواقع أن عظمة الكتاب هي في ~~تقديره لكل وجهات النظر، ولعله قد وفق بينها وصهرها جميعا في وحدة متماسكة، لم تر الفلسفة ~~لها ضريبا في كل عهدها الماضي. ~~(2) المثالية الذاتية # Subjective Idealism ~~(2-1) فخته # Fichte # انتهى «كانت» بفلسفته إلى أن للأشياء ظواهر في مقدور الإنسان إدراكها. أما لبابها أو سماه ~~«الشيء في ذاته» فذلك ما يعجز عنه إدراك الإنسان عجزا تاما، فلم ms181 يكن بد لمن جاء بعده من ~~الفلاسفة أن يحاولوا جهدهم التغلب على هذه الثنائية التي خلفها «كانت»، فليس من الميسور أن ~~تسلم الفلسفة بوجود عنصر خارج نطاق المعرفة. ومن العسير أن تزعم أن هنالك حقيقة لا تقع داخل ~~حدود الإدراك. # وأول من حاول إصلاح النقص في فلسفة «كانت» هو: جوهان جوتليب فخته # Johann Gottlieb Fichte ~~، ~~ولد عام 1762م في رامنو # Ramenau # بسيليزيا من أبوين فقيرين، فنشأ كما نشأ «كانت» من قبله في ~~فقر مدقع كما تربى مثل تربيته الدينية التي أخذته بالأخلاق الصارمة، إذ كان يقصد بإعداده ~~أن يكون قسيسا لم يباشر ما أعد له، فقد وهبه رجل من الطبقة الرفيعة ما مكنه من بعض الدراسة ~~العالية في جامعتي يينا وليبزج، ثم اضطر بعد في بعض سني دراسته الجامعية أن يشتغل بالتدريس ~~الخاص ليكسب منه أخشن القوت وأغلظ العيش، ثم غادر حياته تلك إلى مدينة زوريخ في سويسرا حيث ~~عين في وظيفة خاصة في إحدى الأسر الغنية، وقد أحب منها فتاة تزوج بها بعد الرفض والتسويف من ~~أجل عوزه وفقره. # ولعل أقوى ما تأثر به «فخته» مما طالعه في شبابه هو فلسفة «سبينوزا»، ثم اتصل «بكانت» ~~فكان مصدر الانقلاب في حياته كلها، ذلك أنه ذهب إلى كونسبرج «بلد كانت» لزيارة الفيلسوف ~~العظيم، وهناك أخرج «فخته» أول كتاب له «نقد الوحي» ألفه في أربعة أسابيع، وقد حدث أن نشر ~~ذلك الكتاب أول الأمر بغير اسم مؤلفه سهوا من الطابع، فنسبه القراء جميعا إلى «كانت»، ~~فلما عرف مؤلفه الحقيقي ذاع اسم «فخته» ذيوعا واسعا، وتبين فيه الناس خلفا «لكانت» ... ~~وقد عين أستاذا ممتازا للفلسفة في جامعة «يينا»، فكان المحاضر البليغ، والكاتب الفذ. ~~وسرعان ما تسلم زمام الحركة الفكرية في ألمانيا ولبث يقودها زمنا، ولكن شاء حظه العاثر ألا ~~تطول تلك الحياة النابهة أمدا طويلا، إذ كتب في مجلة فلسفية فصلا عرف فيه الله بأنه ~~«النظام الأخلاقي للكون»، فقذفه قوم بالإلحاد الذي كان «فخته» أبعد الناس عنه، فاضطرت ~~الجامعة إلى إقالته من وظيفته ms182 لإلحاده الموهوم، ومما يجدر ذكره في صدد إقالته أن «فخته» كان ~~بعد اتهام الناس له بالإلحاد قد لحظ تدخلا من بعض الهيئات في شئون الجامعة وحرية التدريس ~~فيها، فأعلن احتجاجه على ذلك، وقال: لو أيدت الحكومة (حكومة فيمار) هذا التدخل وأجازته، ~~فإنه سيعتزل كرسيه في الجامعة، وأخذ يحرض زملاءه من الأساتذة أن ينحوا نحوه، فكان جواب جوته ~~الشاعر الألماني المعروف، وكان وزيرا عندئذ؛ بأن الحكومة التي تحترم نفسها لا يسعها أن ~~تتقبل من موظف بها مثل هذا التهديد، ثم عمل على إقالة «فخته» من منصبه على الفور، فعين ~~أستاذا للفلسفة في الجامعة الجديدة التي أنشئت في برلين بعد استيلاء الفرنسيين على بروسيا، ~~وكان الفيلسوف يجاهد جهاد الأبطال في إثارة الشعور القومي في مواطنيه بعد هذا الغزو ~~الفرنسي، وأخذ يلقي سلسلة من المحاضرات أطلق عليها اسم «نداءات للأمة الجرمانية»، وقد كانت ~~تلك الخطب في ظاهرها برنامجا جديدا لنظام التربية، ولكن غرضه منها لم يكن يخفى على أحد، ~~حتى توقع «فخته» في كل لحظة أن يساق إلى المحكمة العسكرية الفرنسية لمحاكمته واتهامه ~~وإعدامه، إذ كان «فخته» - على نقيض مواطنيه «جوته» و«هجل» و«شوبنهور» - عدوا لدودا ~~«لنابليون»، وقد قاومه بكل ما أوتي من قوة، وكان عضوا عاملا في الحركة العدائية الواسعة ~~التي ناهضت «نابليون»، حتى أفلحت آخر الأمر في التغلب عليه. # وتوفي «فخته» عام 1814م بحمى انتقلت إليه عدواها من زوجه التي كانت تشتغل وقتئذ في ~~تمريض الجنود الجرحى. # أما مؤلفاته التي أخرجها أثناء إقامته في «يينا» فأهمها: «أساس علم المعرفة» و«الحق ~~الطبيعي ونظرية الأخلاق»، ولكن تلك الكتب لم تنل من الشهرة وبعد الصيت ما نالته مؤلفاته ~~التي كتبها وهو في برلين وأهمها: «غاية الإنسان» و«مميزات العصر الحاضر» و«في طبيعة العالم» ~~و«الطريق إلى حياة النعيم» و«نداءات إلى الأمة الألمانية»، وقد ألقيت أكثر هذه الكتب ~~الأخيرة في محاضرات على عامة الناس، حيث كان الفرنسيون يبسطون نفوذهم على برلين، وكانت أقوى ~~العوامل في يقظة الروح الوطنية. ولعل فيلسوفنا أخلد في عالم الوطنية منه في نطاق الفلسفة، ms183 ~~فأكثر مواطنيه لا يذكرون منه إلا وطنيا يشتعل حماسة لبلده وأهله. وقراء «النداءات» ~~الوطنية أضعاف قراء «أساس علم المعرفة». # وكان «فخته» رجلا ذا شخصية قوية ممتازة وعزم ثابت، وقد أوتي بلاغة ساحرة، وجودة في ~~الإلقاء، حتى إنه كان يشعل في صدور سامعيه نارا إذا ما خطبهم في موقف وطنهم السياسي، كما ~~كان طلابه يتأثرون بمحاضراته تأثرا عميقا لما في عباراته من حلاوة البيان، وحسن الإلقاء. ~~وقد قال عنه «كارليل»: «يندر بين الناس من يفوق «فخته» فيما يوحي من إعجاب به. فقد تكون ~~آراؤه صحيحة أو باطلة، ولكن شخصيته كمفكر لا يجحد تقديرها إلا من لم يحسن فهمها.» # أما فلسفة «فخته» فكثيرا ما تقسم إلى فترتين: فلسفته وهو في يينا، وفلسفته وهو في ~~برلين. ولقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن في فلسفة الفترة الثانية ما يناقض آراءه في الفترة ~~الأولى، ولكن يظهر أن كل ما هنالك من خلاف بين إنتاج الفترتين هو ما امتازت به مؤلفاته التي ~~أخرجها في برلين من طابع شعبي، وليس فيما عدا ذلك شيء من تناقض في الرأي والمذهب. # وقد يكون خيرا من ذلك التقسيم الزمني أن نقسم فلسفته إلى نظرية وعملية؛ فقد كانت حياة ~~الوعي كلها عند «فخته» تتألف من فكر وعمل، فليس للعالم معنى إلا ما يراه الإدراك، وليس ~~لهذا الإدراك من معنى إلا ما يبدو فيما تأتي به الإرادة من عمل. # وفلسفة «فخته» مثالية ذاتية محضة، أو بعبارة أخرى إن كل ما هو موجود هو ذواتنا، ولا شيء ~~غير ذلك، وكل معرفتنا هي معرفة ذواتنا، وأما سائر الحقائق التي نصادفها في الكون فإنما هي ~~من خلق الذات وإنتاجها، أعني أن الحقائق التي نراها في التجربة الخارجية إن هي إلا نتائج ~~لإدراكنا لذواتنا لا أكثر، فهي لا توجد إلا بالنسبة للكائن المفكر وحده، وليس لها وجود ~~مستقل عنا، وعمل الفلسفة هو شرحها وتعليل حدوثها، ومن هنا أطلق «فخته» على كتابه الذي ضمنه ~~مذهبه اسم «علم المعرفة»؛ لأنه لا يبحث ككل علم آخر في أشياء بعينها، ms184 ولكنه يتناول بالدرس ~~أساس المعرفة ذاتها بصفة عامة . # ويحسن بنا قبل أن نبسط فلسفة «فخته» أن نردها إلى أصلها الذي نبتت منه، وأن نشير إلى ~~غايتها التي تقصد إليها. # فأما جذورها فقد نبتت من فلسفة «كانت» التي يرى «فخته» أنها وإن كانت تحوي نظرة جامعة ~~شاملة للكون، إلا أنها تحتاج إلى شيء من التنظيم والإصلاح، إذ إنه قد خلف وراءه مصدرين ~~للمعرفة متناقضين متعارضين: أحدهما في العقل، والآخر في الخارج، ذلك أن «كانت» علل حدوث ~~المعرفة بتأثير الشيء الخارجي في نفس الإنسان، مع استدراكه بأن «الشيء في ذاته» فوق متناول ~~الإدراك، ولا يدخل في نطاقه، أو بعبارة أخرى فإن المعرفة عنده ترجع إلى تأثير اللاذات في ~~الذات، فلاحظ «فخته» أن هذه اثنينية يجب أن تزول، إذ لا ينبغي أن نشطر الحقيقة شطرين ~~مستقلا أحدهما عن الآخر: ذات، ولا ذات، أو عقل في الداخل وشيء في الخارج، وتناول هذين ~~الطرفين ليمحو ما بينهما من خلاف، ولكن كيف السبيل إلى هذا التوفيق؟ # لأصل المعرفة مذهبان: فمذهب اليقين # Dogmatism ~~، ~~أو إن شئت فسمه المذهب الواقعي # Realism # يرى ~~أن المعرفة مستمدة من الأشياء الخارجة، أي إنها جاءت إلى العقل من الخارج، وأما مذهب ~~المثال # Idealism # فيرى أنها إنما نبعت من الفكر الخالص، أي تكونت داخل الشخص المفكر نفسه، فأما ~~المذهب الواقعي فلا يأخذ به «فخته»؛ لأنه يستلزم وجود شيء مجهول خارج الوعي والإدراك، وعنده ~~أن المثالية وحدها هي وجهة النظر المعقولة؛ لأنها لا تفرض وجود سوى شيء ما يشتمل عليه ~~الإدراك فعلا، ولكنه يشترط أن تكون المثالية كاملة شاملة، بحيث نسلم بوجود اللاذات إلى ~~جانب الذات، وكل مثالية تتمسك بأن الحقيقة هي الذات وحدها - منكرة وجود اللاذات - فهي ~~مثالية ناقصة، ولكن لا تحسبن أن «فخته» يريد بهذه اللاذات التي يقرر وجودها شيئا موجودا ~~في الخارج مستقلا عن الذات، بل هي كائنة في الذات نفسها! فهو يقول: إن الذات المطلقة لا ~~تدرك نفسها إلا إذا وضعت لنفسها بعض الحدود والقيود، فأنتجت لذلك عالما يظنه الرجل ms185 العادي ~~أنه موجود في الخارج، مع أنه في حقيقة الأمر عالم داخلي محض أنشأته إنشاء ليكون لها وسيلة ~~تستعين بها على تقرير نفسها والشعور بوجودها، وعلى ذلك نستطيع أن نزيل ما وقع فيه «كانت» من ~~شطر الحقيقة إلى شطرين: العقل، «والشيء في ذاته». إذا ما علمنا أن ذلك الشيء في ذاته هو شيء ~~في الذات ومن خلقها. # تلك هي فلسفة «فخته» موجزة مجملة، وسنعمد الآن إلى شرحها في شيء من التفصيل. # يبدأ «فخته» بأن يتأمل في ذاته ليرى المراحل التي اجتازتها الذات - أو العقل - حتى وصل ~~الإدراك إلى حالته التي هو عليها، فهو يرى أن مهمة الفيلسوف هي أن يفكر في نفسه، وأن يسجل ~~ما يحدث في العقل أثناء ذلك التفكير، ولقد انتهى بما قام به من تحليل نفسه إلى أن هناك ~~خطوات ثلاثا تمر بها الذات لكي تدرك نفسها، وهي التقرير # Thesis ~~، والتباين # Antithesis ~~، ثم ~~التأليف # Synthesis ~~. ~~(1) # فشرط المعرفة الأساسي هو أن تقرر الذات وجودها، وهي ما يسمى بمبدأ الذاتية # Identity ~~، ~~والذاتية هذه بديهية عقلية لا يمكن أن تقام عليها البراهين، ومثالها قولك 1 تساوي 1، أو ~~«أنا هو أنا.» وإذن فالأساس الأول للإدراك هو أن أدرك وجودي وأقرر ذاتي، ويستحيل أن يكون ~~ثمة من إدراك إلا إذا بدأت الذات بتقرير نفسها كحقيقة واقعة. ~~(2) # ولكنك لا يمكن أن تقرر ذاتك إلا إذا قررت إلى جانبها اللاذات، مع أن هذه تنافي تلك، ~~فالتسليم بوجود اللاذات (أي ما ليس بنفس؛ ما ليس «أنا») بديهية عقلية كذلك لا يمكنك أن ~~تعللها، ولكنك تعلم علم اليقين أنك بمجرد التفكير في نفسك، فإنك لا بد أن تفكر في لا نفسك ~~أيضا، وهذا ما سميناه بالتباين. ~~(3) # ولكن هنالك إلى جانب ذينك الطرفين المتعارضين - تقرير الذات واللاذات في آن واحد - ~~عملا ثالثا هو التأليف بينهما، فمن المعلوم أنه بمقدار ما تثبت اللاذات تنتفي الذات، ولكن ~~مع ذلك لا يمكن إثبات اللاذات إلا في داخل الذات نفسها - أي الإدراك، أو العقل، أو الوعي - ~~وإذن فالذات في حقيقة الأمر ms186 لا تنتفي بثبوت اللاذات، فكيف نتخلص من هذا التناقض في القول؟ ~~كيف نفكر في الذات واللاذات ، في الحقيقة واللاحقيقة معا في آن واحد دون أن يهدم أحدهما ~~الآخر مع أن أحدهما لا يثبت ويتقرر إلا على حساب الآخر؟ يقول «فخته» إن تفسير ذلك هو أن ~~كلا من النقيضين يضع لزميله القيود التي يحدده بها، بل لا يمكن لأحدهما أن يكون إلا بهذه ~~الحدود التي يقيده بها معارضه، فالذات لا تقرر نفسها وتشعر بوجودها إلا إذا حددتها اللاذات، ~~واللاذات لا يتم لها وجود إلا إن حددتها الذات، وهذا ما سميناه بالتأليف. # ويجب أن يحذر القارئ من أن يفهم أن الذات التي يقصدها «فخته» ذات زيد أو عمرو من الناس، ~~إنما يريد بها الذات الكلية الخالصة، أعني القدر المشترك بين الجميع، إذ هو عنصر واحد ~~متشابه في جميع الأفراد. # لقد ذكرنا في العملية الثالثة - عملية التأليف - (1) أن الذات تحدد اللاذات، (2) وأن ~~اللاذات تحدد الذات ... ونضيف الآن أن من تأثير اللاذات في الذات تنتج الطبيعة كلها كما ~~نصورها لأنفسنا، كما ينشأ من رد فعل الذات على اللاذات كل القوى العقلية والنظم الأخلاقية ~~التي للإنسان - وتشمل هذه الأخيرة النظم العائلية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية - ~~ومعنى ذلك بعبارة أخرى أن الذات باعتبارها محددة باللاذات فهي نظرية، ثم هي عملية ~~باعتبارها محددة للاذات، وبذلك يتكون لدينا شطرا علم المعرفة: النظري، والعملي، وهما ~~القسمان اللذان تنقسم إليهما فلسفة «فخته». ~~(1) علم المعرفة النظري # يلقي «فخته» في القسم النظري من فلسفته هذا السؤال: ماذا نعني بقولنا إن الذات تقرر نفسها ~~بتحديد اللاذات لها؟ إنه لا ينبغي لنا أن نتصور أن الأمر يقف عند حد تحديد اللاذات للذات، ~~وإلا كانت الذات قابلة منفعلة باللاذات، ونكون بذلك قد أخذنا بالرأي القائل: إن الذات تحصل ~~على كل ما بها من صور بفعل الأشياء الخارجية، وهي قابلة فقط لا حول لها ولا قوة، فذلك هو ~~زعم المذهب الواقعي الباطل الذي يفسر تجارب العقل كلها بأنها نتيجة لتأثير الأشياء ~~(اللاذات)، وهذا المذهب ينتهي إلى نتيجة ms187 خطيرة هي أن «الشيء» الخارجي وحده هو الذي يتمتع ~~بالوجود والفاعلية، ولا فاعلية للذات ولا وجود . كما أنه ينبغي من جهة أخرى ألا نتوهم أن ~~الذات حين تقرر نفسها تفعل ذلك على أنها هي الحقيقة كلها، وأن كل ما بها من صور وآثار لم ~~ينشأ إلا من خلق الذات نفسها، وأنه ليس إلا أعراضا تولدت منها كأحلام النائم، فذلك هو ~~المذهب المثالي الذي لا يقل خطلا عن المذهب الواقعي، وكلاهما لا يفسر إدراك الإنسان ... ولذا ~~يتقدم «فخته» محاولا أن يوفق بين هذين الطرفين المتباعدين، وأن يدمجهما في رأي واحد، ~~فيقول إنه لا الذات وحدها هي أصل اللاذات ومصدره، ولا اللاذات (الأشياء) وحدها هي التي تعمل ~~وتؤثر في الذات القابلة، بل إن الجانبين ليتقابلان في وحدة عليا، ومن هنا كان «فخته» كثيرا ~~ما يسمي فلسفته بالفلسفة «الواقعية المثالية». # يقول «فخته» إن للذات ضربين من الفاعلية: الأولى هي الفاعلية اللانهائية للذات التي تريد ~~أن تنطلق في اللانهاية، والثانية فاعلية أخرى وظيفتها أن تقف سدا حاجزا يحد من الذات ~~اللانهائية فلا يدعها تنطلق كما تبغي، فإذا ما اصطدمت الذات اللانهائية عند انطلاقها بذلك ~~الحاجز وثبت راجعة إلى نفسها، ورجوع فاعلية الذات إليها مرة ثانية يجعلها تشعر بوجود حد ~~يحول دون لا نهائيتها، ولو لم يكن ذلك الحاجز لما وجدت الذات شيئا تمارس فيه فاعليتها، ~~وسترى أن هذا الرأي عند «فخته» هو أساس الحياة الأخلاقية، إذ لو لم يكن هناك مجهود من ~~الإنسان وموانع حائلة في الخارج، أعني إذا لم يكن ثمة ما نقاومه ونغالبه، ثم نقهره آخر ~~الأمر ونتغلب عليه، لما كان في مستطاع الذات أن تقرر وجودها. # إذن فالذات تخلق لنفسها فاعلية أخرى تعارضها (ويسمي «فخته» هذه الفاعلية المقاومة بالخيال ~~المنتج) وهي تفعل ذلك؛ لأنها لا تتمكن من تقرير نفسها إلا بوجود الموانع والعراقيل التي ~~تعترض سيرها فتبذل فيها مجهودها، وعلى ذلك تكون فاعلية الذات مركبة من عنصرين متضادين: طارد ~~وجاذب، فالطارد يحاول ما استطاع أن يسبح في اللانهاية، والجاذب يسعى جهده ms188 في الاتجاه نحو ~~الذات والعودة إليها، وعودة الذات بعد خروجها هي التي توهمنا أن ذلك الحاجز الحائل (لاحظ ~~دائما أن هذا الحاجز معناه الأشياء الخارجية أي الطبيعة) له وجود حقيقي مع أنه في الواقع ~~ما هو إلا خلق خيالنا المنتج. نعم ليست الأشياء إلا صورا وخلجات أنشأتها الذات إنشاء لكي ~~تقرر بها نفسها بما تجد فيها من منع وحيلولة ... وهنا يبدأ «فخته» في شرح وظائف العقل النظري، ~~فيبين المراحل التي ترتفع بها الذات من مرتبة اللاشعور وعدم التحديد إلى مرتبة إدراك ~~الأشياء إدراكا شعوريا محددا، ثم إلى الشعور الكامل بنفسها، وكل هذه المراحل إنما تنشأ ~~نتيجة لتجديد اللاذات للذات، ولنذكر مرة أخرى أن كل هذه العملية تتم في الداخل، وليس هناك ~~خارج الذات من شيء. ~~«والخيال المنتج» الذي يقدم لنا صورة الأشياء التي يخيل إلينا أنها موجودة في الخارج، فكل ~~مرة تنطلق فيها فاعلية الذات، وتصطدم بحاجز الخيال المنتج وتعود إلى نفسها ثانية، نقول إن ~~كل دفعة من هذه العملية المزدوجة تحدث فينا طائفة من الصور الذهنية، ولكن تلك الصور الذهنية ~~تكون في أول الأمر أدنى درجات الإدراك، وهي اللاشعور، وهي مرتبة لا يزيد فيها الإدراك عن ~~مجرد الإحساس أو الوعي الذي لا تمييز فيه، ثم ينتقل إلى المرتبة الثانية، وهي مرحلة الإدراك ~~الحسي التي تفرق فيها الذات بين نفسها وبين الشيء الذي تشعر به وتحسه، أعني أن الإحساس ~~المبهم يتحول إلى معرفة بشيء معين له مكان وزمان معروفان، ثم بعد ذلك يتحول هذا الإدراك ~~الحسي نفسه إلى فكرة معينة في العقل، وبعدئذ تأتي المرحلة الأخيرة، مرحلة التأمل المجرد، ~~حيث يتجرد الإنسان من الأشياء جميعا ويصل إلى شعور كامل بذاته. # وبذلك ينتهي «علم المعرفة النظري» بعد أن بين لنا المراحل التي يجتازها الإدراك في ~~تكوينه، وهي مراحل جاءت - كما قلنا - نتيجة ضرورية لتحديد الذات باللاذات ... وهنا ينشأ لدينا ~~سؤال آخر: لماذا تحرص الذات على ضبط فاعليتها؟ لماذا ترفض أن تترك نفسها تنطلق إلى ~~اللانهاية فتنشئ لنفسها من نفسها حاجزا يصدها ms189 ولا يحدها، ولا يمكن فاعليتها من الإفلات؟ ~~والجواب على هذا السؤال هو الشطر الثاني من فلسفة «فخته». ~~(2) علم المعرفة العملي # فقد رأينا في علم المعرفة النظري أن وجود الأشياء كلها، بل وجود الفكر نفسه، متوقف على ~~تقييد فاعلية الذات، فبهذا القيد وحده تم كل ما لدينا من إدراك ومعرفة، ولو كانت فاعلية ~~الذات اللانهائية حرة مطلقة من كل تحديد لما كان هنالك فكر ولا عالم موضوعي على الإطلاق. ~~ولكن نعود فنسأل: لماذا أقامت الذات لنفسها ذلك السد الحاجز الذي يعارض فاعليتها الذاهبة ~~إلى الخارج؟ قد تجيب بأن الذات إنما هيأت لنفسها ما يقيدها لكي تصل إلى الوعي والإدراك؛ إذ ~~بغير تلك المقاومة لا يكون إدراك ولا تكون طبيعة، ولكن لماذا يجب أن يكون ثمة إدراك وطبيعة؟ ~~ما الذي أوجب هذا السد الحاجز الذي يحد من فاعلية الذات اللانهائية؟ # يقول «فخته» إن ما أوجب ضرورة الإدراك وضرورة وجود العالم هو شيء واحد، وهو أن يؤدي ~~الإنسان واجبه! فقد خلقت ذراتنا، أو قل عقولنا الواعية لكي تكون آخر الأمر إرادة عاملة ... إن ~~الذات تخلق العالم لا من أجل العالم في ذاته، ولكن لكي تستطيع أن تحقق نفسها وتقرر وجودها ~~بانتصارها على هذا العالم، وإذن فسبب وجودنا هو أن نبذل مجهودنا حتى نحقق أنفسنا، وحتى ~~نتمكن آخر الأمر من التغلب على قيود اللاذات أي العالم الموضوعي، عالم الأشياء والحوادث. ~~فليس العالم إلا ميدانا خلق لكي تقوم فيه الذات بواجبها المفروض، إنه لم يوجد إلا لكي ~~نستطيع أن نؤثر فيه ونتغلب عليه، فسبيل تقرير الذات هي إرادتها، وأما هدفها الذي نقصد إليه ~~فهو الحرية التي تظفر بها بفوزها على ما وضعته أمام نفسها من قيود ... فلو سأل الآن سائل: ما ~~هي «الأشياء في ذواتها» التي فرض وجودها «كانت»؟ أجبناه: إنها ليست «أشياء في ذواتها»، ~~ولكنها أشياء لنا ومن أجلنا. # يقول «فخته» إن الذات لا تشعر بوجودها إلا بمقدار ما هي قوة مجاهدة تغالب قيود العالم، أو ~~بعبارة أخرى إلا بمقدار ما هي «إرادة»، وإذن ms190 فرسالة الإنسان هي هذه: «حقق نفسك وحقق الغرض ~~من وجودك.» # وبديهي ألا تكون نغمته فلسفة للطبيعة ؛ لأنه لا يعترف بوجود شيء موضوعي وجودا حقيقيا، ~~فالطبيعة عنده هي تلك اللاذات التي لم تنشأ إلا لكي تتغلب عليها الذات، ومعنى ذلك أنه لا ~~يرى الأشياء أغراضا في ذاتها، ولكنها وسائل فقط تمكن الإنسان من تحقيق الغاية الأخلاقية ~~من وجوده، وهنا ينتقل «فخته» إلى تطبيق مبادئ «علم المعرفة» على شئون الحياة العملية، ~~وبخاصة فيما يتصل بنظرية «الحقوق والواجبات». # إن الإنسان ليعلم أنه حر، ويعلم كذلك أنه لا يكون كائنا حرا فعالا إلا إذا سلم بوجود ~~كائنات أخرى فعالة حرة، أعني أنه وإن كان شعور الفرد بنفسه شرطا أساسيا للإدراك، إلا أن ~~هذه الفردية من ناحية أخرى لا يمكن إدراكها إلا ومعها كثرة من الأفراد. ولقد اختصت كل ذات ~~بجزء من العالم ليكون ميدانا لحريتها، والجسم هو الأداة التي تتخذها الذات لمباشرة حريتها ~~في ميدانها الخاص. وبديهي أنه لا بد لمجموعة الأفراد من قانون ينظم العلاقة بينهم حتى لا ~~يتجاوز فرد نطاقه معتديا على حرية سواه. ويقول «فخته»: إن واجب كل فرد أن يعامل الناس ~~ككائنات لهم نفس ما له من أغراض، وعنده مهمة الدولة تنظيم ما بين الأفراد، وهي لم تنشأ إلا ~~لحماية الفرد، وتهيئة أسباب سعادته، ثم يقول: إن الغرض الأسمى من الدولة هو أن تعمل على ~~التقليل من شأنها (لأنه يعتقد أن الأخلاق إذا سمت فلا يكون الناس بحاجة إلى ~~القانون). # ول «فخته» نظرية في فقه القانون تقع في ثلاثة أجزاء: ~~(1) # الحقوق الأولية، وهي حقوق الأشخاص باعتبارهم أفرادا، وهي تشمل: ~~(أ) # الحرية الشخصية. ~~(ب) # حقوق الملكية. ~~(2) # الحقوق الإلزامية، وهي قوانين العقوبات التي صيغت لتعالج اغتصاب حقوق الفرد وحريته. ~~وتقتضي هذه الحقوق الإلزامية أن يتم بين الناس تعاقد مشترك، ومن هنا ينشأ الضرب الثالث من ~~الحقوق. ~~(3) # الحقوق السياسية، والغرض منها: ~~(أ) # ضمان الحقوق الفردية. ~~(ب) # سن القوانين لخير الجماعة. # ومما هو جدير بالملاحظة أن هذه الأفكار تنتهي آخر ما تنتهي إليه إلى ms191 النظام الاشتراكي ~~الذي يحتم أن تتخذ الدولة ما يكفل لكل إنسان أن يعيش بعمله، وهو ما يسمى بمبدأ «الحق في ~~العمل». ويستخرج «فخته» من هذا المبدأ مثله الأعلى في «الدولة الاشتراكية» باعتبارها الدولة ~~الكاملة التي تسيطر على الصناعة المحلية كلها، وعلى التجارة الأجنبية بأسرها، لكي تهيئ لكل ~~مواطن عملا يعمله، وأجرا يتقاضاه. # لقد رأيت فيما مضى كيف استنبط «فخته» من «علم المعرفة» الأساس الذي يجب أن تقوم عليه ~~علاقة الفرد بغيره من الأفراد، وها نحن أولاء نجمل لك كيف اشتق من «علم المعرفة» نظريته ~~في الأخلاق، فلقد مر ما ذهب إليه «فخته» من أن جوهر الذات نشاط وفاعلية، أعني أن أساس ~~وجودها جهاد في سبيل الحرية مما فرضته على نفسها من أغلال. ولقد ذكرنا كذلك أن الذات بغير ~~هذه المقاومة والمعارضة التي تضعها هي في سبيل نفسها تفقد نفسها في اللانهاية، وتظل بغير ~~وعي وإدراك، وأنها تستخدم إرادتها للتغلب على ما يعترضها من مقاومة؛ لأن وجود المقاومة ~~معناه انتقاص من حريتها، فهي تواصل سعيها لتقرر نفسها وتظفر بالحرية الكاملة. والذات ككائن ~~شهواني (أعني الإنسان) يميل إلى اللذات الجسدية والرغبات المادية، فإن المقاومة التي ~~يقابلها الكائن العاقل في مثل هذه الحالة هي غرائزه الدنيا وشهواته الطبيعية التي تغريه ~~بإشباع لذته وشهوته دون أن تستحثه إلى الحرية، ولذا كان في الإنسان مجموعتان من الدوافع: ~~دوافع خالصة وأخرى طبيعية؛ فالأولى تميل إلى تحقيق وجوده، والثانية تنزع إلى إشباع لذته، وقد ~~يبدو لك أن هذين الضربين من الدوافع متعارضان، ولكنك لو علوت بنظرك فنظرت إليهما من وجهة ~~أسمى لألفيتهما شيئا واحدا، فلا بد من الرغبات الدنيا والميول الشهوانية إلى جانب الدوافع ~~العليا،؛ إذ الحياة الأخلاقية حياة ترق ونمو، فهي تتكون من الصعود التدريجي حتى يبلغ الإنسان ~~مرتبة يتخلص فيها من شهوته، ويتحرر من غرائزه المادية، ولكن ما دامت الذات نهائية فيستحيل ~~عليها تلك الحرية المنشودة، ومن هنا كان الغرض الذي يقصد إليه الكائن العاقل لا يتحقق إلا ~~في اللانهاية، وهي غاية مستحيلة التحقيق، ولذلك ms192 كان كل مجهوده أن يقترب منه بقدر المستطاع ~~(لا تنقطع عن أداء واجبك) هذا هو القانون الأخلاقي في أوجز عبارة، فيجب على الإنسان أن يؤدي ~~واجبه من أجل الواجب في ذاته، وألا ينساق لغرائزه وشهواته، فلكي تكون فاضلا لا تنتظر ~~قانونا يفرض عليك من الخارج لتطبيقه، بل اتبع قانون وجودك الداخلي الذي يريدك على أن تؤدي ~~واجبك كإنسان. # هكذا كان قانون الأخلاق عند «فخته» هو الآمر الوحيد الذي لا ينبغي أن يتحكم سواه في ~~تصرفات الإنسان، وبهذا أصبح الدين عنده ثانويا، كما أنه لم يفسح في فلسفته مجالا لإله، ~~إذ القانون الأخلاقي الذي يسير العالم بمقتضاه هو القدسية الوحيدة التي يحق الإيمان بها، ~~أما الفكرة القائلة بوجود إله مستقل عنا وعن العالم الخارجي فيعتبرها «فخته» باطلة ~~متناقضة مع القانون الأخلاقي الذي أخذ به، وهو نظام أخلاقي لا تكتسب الحياة وجودها إلا ~~بوجوده، بل الحياة بأسرها هي عبارة عن وجوده، فليس لله وجود إلا في إدراكنا له، ونحن إنما ~~نتجه صوب الله، بل إننا لنحيا حياة الإله إلى حد ما بما نبذله من مجهود في أداء الواجب، ~~وفي تحقيقنا للخير والحق والجمال. فالدين الصحيح هو تحقيق الحق (أي الذات). # ولكن «فخته» عاد فاتجه إلى النزعة المسيحية في النظر إلى الحياة في كتبه الأخيرة. وبخاصة ~~في كتابه «الطريق إلى حياة النعيم»، فهو يقول في تعريف الذات المطلقة بأنها إرادة الكون الأخلاقية، وهي تحتوي كل الذوات الفردية، والله ~~- من تلك الذات المطلقة - حياتها، وهو يدرك نفسه بالتعبير عن نفسه في الأفراد ... ثم أخذ ~~«فخته» يستبدل في أخريات أيامه بصرامة القانون الأخلاقي الرقة والعطف والحب التي ينادي ~~بها الدين، وأصبحت المسيحية في رأيه، كما تتمثل في المسيح، هي صورة الحقيقة السامية، وغرض ~~الإنسان الأعلى هو أن ينمحي في الله بتفانيه وإنكاره لذاته. ~~(3) المثالية الموضوعية # Objective Idealism ~~(3-1) شلنج # Shelling # كانت فلسفة «فخته» طريقة شائقة جذابة، فتدفقت إليه جموع زاخرة تنصت إلى محاضراته التي ~~ألقاها في يينا وفي برلين، ولكن فلسفته رغم ذلك كله لم ms193 تظفر آخر الأمر إلا بنفر قليل من ~~المؤيدين والأشياع، إذ كانت مثاليته التي أخذ بها ودعا إليها مسرفة في النزعة الذاتية، ~~مغالية في حصر وجهة نظره في جانب واحد من جوانب الحقيقة، فعجز عن إشباع ما تتوق إليه ~~الفلسفة من شمول النظر الذي لا يدع شيئا مما تأتينا به التجربة إلا تناوله بالشرح ~~والتعليل. أما أن يذهب «فخته» إلى أن العالم لم يوجد إلا لكي يكون ميدانا لرياضة الذات، ~~وأن الحياة كلها ليست إلا سلسلة من العوائق التي فرضها الإنسان على نفسه؛ لكي يثبت وجوده ~~وقوته بهزيمتها، ففي ذلك ما فيه من تناقض وقصور. نعم إن «فخته» استطاع أن يحل إشكال «الشيء ~~في ذاته» الذي كان زعم وجوده نقصا في فلسفة «كانت»، ولكنه فعل ذلك على حساب الحقيقة ~~كلها. فإن كانت الذات كما يقول «فخته» عاجزة عن إدراك نفسها إلا عن طريق اللاذات، مع أن ~~اللاذات ليست في واقع الأمر إلا ثمرة من ثمار الذات ونتيجة لفاعليتها، إذن فلا مراء في أن ~~الذات معتمدة في وجودها على اللاذات، فإذا أثبت الأولى وجب عليك أن تثبت الثانية أيضا، ~~ولو أنكرت الأولى كان لزاما أن تنكر معها الثانية؛ لأنه إذا انمحت اللاذات لكان حتما أن ~~تنمحي كذلك الذات من صفة الوجود. # حقا لقد تطرف «فخته» وغالى في تطرفه، حتى وقع في الخطأ والتناقض، فلو كانت اللاذات ~~عدما كما ظن لما كان له من بد كما قال «هجل» يخاطبه: «من أن يسلم بأن الذات عدم كذلك، إذ ~~إنها لا تستطيع الوجود إلا إذا قيدتها اللاذات.» وهكذا انتهت مثالية «فخته» في حقيقة ~~أمرها كما قال «جاكوبي # Jacobi ~~» إلى عدمية؛ فهو في محاولته أن يجعل الطبيعة حالة سلبية فقط، ~~أي شيئا ذهنيا خلقته الذات، وأن يعظم من شأن الذات إلى جانب ذلك فيجعلها هي الحقيقة ~~وحدها، قد عمل - وهو لا يدري - على تحويل تلك الذات التي أراد الإكبار من شأنها إلى طيف ~~خافت وشبح ضئيل. # لهذا نشأت الحاجة إلى فلسفة «شلنج» التي جاءت فكملت مثالية ms194 «فخته» الناقصة؛ لأن الطبيعة ~~لا يرضيها من غير شك أن تعد جزءا من اللاذات وكفى، وهي إنما تطلب ما يبرر وجودها من ~~حيث هي عنصر كالفكر سواء بسواء. هذا الإهمال من «فخته» للطبيعة وحصرها في أضيق حيز هو الذي ~~دعا «شلنج» إلى القول بأن العقل يستطيع أن يجد نفسه في الطبيعة كما يجدها في الذات تماما. ~~ألم يقل «فخته» إن المعرفة وحدها هي التي تتمتع بالوجود دون الأشياء نفسها، وإن كل ما نحن ~~مدركوه هو تفكيرنا ليس إلا؟ فقال «شلنج» إنه لو كانت هناك معرفة لوجب حتما أن يكون ثمة شيء ~~يعرف، أو بعبارة أخرى، إذا سلمنا بوجود المعرفة للزم أن نسلم بوجود الكون. وعلى ذلك فهو ~~يتناول مبدأ «فخته» القائل: «إن الذات هي كل شيء.» فيحوره لكي يلائم وجهة نظره فيجعله «كل ~~شيء هو الذات.» وهو يريد بهذه العبارة أن عنصرا بعينه يتجلى في العالمين: الطبيعي والروحي ~~على السواء، «فالطبيعة عقل منظور، والعقل طبيعة مختفية.» # ولد فردريك ولهلم شلنج # Friedreich Wilhelm Schelling # في ليونبرج # Leonberg # سنة 1775م، ولقد ~~بلغ من حدة ذكائه أن عقله كان أسبق من سنه، فما كاد يبلغ عامه الخامس عشر حتى تهيأ لدخول ~~الجامعة (جامعة تيبنجن # Tübingen ~~)، فكان في عهد الطلب بالجامعة رفيقا لهجل، ولما أوشكت ~~أعوام الدراسة الجامعية أن تتم، نشر كتابيه الأولين في الفلسفة، وقد كتبهما من وجهة نظر ~~«فخته»؛ لأنه كان ما يزال مؤيدا لها، ثم عين في سنة 1798م مدرسا في يينا، فما انسلخ عام ~~واحد حتى خلف «فخته» في كرسيه بالجامعة، ولقد كان وهو في يينا يحرر «الصحيفة النقدية في ~~الفلسفة»، وكان يعاونه في تحريرها «هجل»، ثم انقضت أعوام قلائل وعين عضوا للأكاديمية في ~~ميونخ، وقد أصبح رئيسا لها بعد وفاة سلفه «جاكوبي» # Jacobi ~~. ولما كان عام 1841م ارتحل إلى ~~برلين حيث ألقى عدة محاضرات في الفلسفة، وفي فلسفة الوحي بوجه خاص، وأخيرا لاقي منيته في ~~روجاتز # Rogatz # في سويسرا سنة 1854م، فجمعت مؤلفاته كلها في أربعة عشر مجلدا. # وليس ms195 من اليسير أن نقدم للقارئ صورة مختصرة لفلسفة «شلنج»؛ لأن مؤلفاته لا تكون وحدة ~~فلسفية، ولكنها سلسلة من الآراء تصور المراحل العقلية المتعاقبة التي سار فيها «شلنج». ~~ولقد أجمع مؤرخو الفلسفة على أن يقسموا فلسفته تقسيما زمنيا، فمرحلة كان فيها متأثرا ~~«بفخته»، ومرحلتان برزت فيهما آثار «سبينوزا وبوهمه» واضحة جلية، ورابعة اصطبغ فيها بمسحة ~~صوفية. ~~(1) الفترة الأولى: «شلنج» تلميذ «لفخته» # استهل «شلنج» حياته الفكرية تلميذا «لفخته»، وتابعا من أتباعه، يرى أن الذات هي مبدأ ~~الفلسفة الأسمى، وأنها تقرر نفسها بالتغلب على القيود التي أنشأتها لنفسها، ولكن «شلنج» خطا ~~في كتابه الذي ألفه في الذات خطوة نحو التفكير في ذات مطلقة تضم بين دفتيها الطرفين ~~المتعارضين: الذات واللاذات، فهو يعتقد اعتقادا جازما بوجود العالم الموضوعي إلى جانب ~~العالم الذاتي، وعنده أن كليهما صادر من أصل بعينه، فنحن لا نستطيع أن ندرك أنفسنا إلا إذا ~~أدركنا وجود شيء خارج أنفسنا، كما أنه لا يمكننا أن ندرك وجود شيء خارجي كائنا ما كان بغير ~~أن نربط علاقة بينه وبين وعينا، وإذن فالنتيجة أن كليهما موجود، وإنهما ليسا منفصلين، بل ~~هما متحدان مندمجان في أصل أسمى منهما، هو مبدأ الفلسفة الحق، وأعني به «الذات المطلقة»، ~~ولا يتاح للإنسان أن يفهم ذلك الكائن المطلق إلا بإلهام البصيرة الذي يقول «شلنج» إنها ~~مبثوثة في الناس أجمعين، وهو هنا يعارض «كانت» فيما ذهب إليه من أن معرفة البشر محدودة ~~بظواهر الأشياء، فيقول: إن للناس هذه الملكة العجيبة التي يمكنهم بها أن يشهدوا الذات ~~المطلقة التي هي أساس كل حقيقة ومصدر كل علم. ~~(2) الفترة الثانية: فلسفة الطبيعة والمثالية السامية (1796-1800م) # وفي هذه المرحلة ترى «شلنج» يكمل مذهب «فخته» في الذات، بأن يبين أن الطبيعة بأثرها يمكن ~~اعتبارها وسيطا ترتفع به الروح إلى مرتبة إدراك نفسها، وبذلك تكمل المثالية الموضوعية ~~المثالية الذاتية. # ففي هذه الفترة يبدأ «شلنج» في مخالفة «فخته» بتكوين فلسفة جديدة، خلاصتها أن الطبيعة ~~ليست أقل من العقل في أنها صورة تتجلى فيها الذات المطلقة. فالمادة والعقل ms196 كلاهما جانبان ~~لوحدة أسمى، إذ الطبيعة روح مرئية والروح طبيعة خفية، والأولى تكمل الثانية. فالذات ترى ~~نفسها في الطبيعة، كما تدرك الطبيعة نفسها في الروح (أي الذات أو النفس أو العقل)، فلو ~~تأملت صنوف المادة لرأيت كل شيء فيها يرمز إلى الروح، وكل نبات وكل حيوان مهما دنت مرتبته ~~في سلم الكائنات هو في حقيقة أمره خفقة روحية قد وجدت سبيلها إلى الخارج، بل الكون بأسره ~~عبارة عن كائن عضوي واحد يقع في مراتب تختلف علوا وسفلا، والغرض من الطبيعة هو أن تبرز ~~فيها الروح وتتجلى، وهي إنما تصل إلى ذروتها في الإنسان، ومعنى ذلك كله أن الطبيعة والروح ~~جانبان لحقيقة واحد. ومن أجل هذا يرى «شلنج» أن معرفة الإنسان تتألف من الفلسفة والفيزيقا ~~«الطبيعة»، فالأولى تبدأ دراستها بالبحث في الفكر، ثم تحاول أن تخلص منه إلى الطبيعة، ~~والثانية تبدأ سيرها من الطبيعة لتشق طريقها صعدا إلى الفكر المطلق. ~~(أ) # أما فلسفة الطبيعة، فتصور لنا العالم العقلي فيما نراه في عالم الظواهر الطبيعية من ~~أشكال وقوانين، وإذن فموضوع تلك الفلسفة الطبيعية هو أن تستمد صورة العقل من ~~الطبيعة. # والطبيعة في فاعلية دائمة ونشاط متواصل، وكل ما ترمي إليه هو الحياة، ولكنها تسعى إلى ~~الحياة الكاملة، ولذا ترى العقل المبثوث في ظواهر الطبيعة يجاهد؛ لكي يصعد من صورة مادية ~~دنيا إلى صورة أعلى فأعلى، حتى تبلغ إلى مرتبة الكائن العضوي الذي يتمكن فيها من الإدراك، ~~ويقسم «شلنج» فلسفته الطبيعية إلى أجزاء ثلاثة: ~~(1) # الطبيعة العضوية. ~~(2) # الطبيعة اللاعضوية. ~~(3) # التبادل بين الطبيعتين. # أما الطبيعة العضوية ففاعلية لا نهائية، وهي عبارة عن قابلية للإنتاج لا تنتهي، ونتيجة ~~هذه الفاعلية المنتجة هي تكون مخلوقات نهائية (هم الأفراد طبعا)، ولكن الطبيعة لا تعنى ~~بهؤلاء الأفراد عنايتها بالجنس كله، وهي في فاعليتها المنتجة تحاول - ما وسعها الجهد - أن ~~تسمو فيما تنتج من صور، وأهم ما يميز الطبيعة العضوية التناسل والشعور، وكلما رجحت كفة ~~الشعور في الكائن علت منزلته في سلم الكائنات. # وأما الطبيعة اللاعضوية فتدأب على معارضة الطبيعة ms197 العضوية ومقاومتها، وبينما تنتج هذه فلا ~~إنتاج لتلك، فهذه الأخيرة كتلة من المادة يمسك بعضها إلى بعض عوامل خارجية. # ولكن لما كانت الطبيعة العضوية والطبيعة اللاعضوية لا يمكن لإحداهما أن توجد مستقلة عن ~~قرينتها، فهما متصلتان تؤثر الواحدة في الأخرى، هذا وإنهما لا بد أن تكون الاثنتان كلتاهما ~~قد صارتا عن أصل واحد مشترك، هو مبدأ الحياة أو هو نفس العالم الذي تتلاشى فيه أوجه ~~الخلاف بين الطبيعتين. ~~(ب) # وتكمل فلسفة الفكر فلسفة الطبيعة، فكما أن هذه نظرت إلى الطبيعة لتصور العقل، فتلك ~~تبحث في الفكر لتبني الكون من وجهة نظر العقل، ويقسم «شلنج» هذه الفلسفة الفكرية إلى ثلاثة ~~أقسام: ~~(1) # الفلسفة النظرية وموضوعها شرح العالم الباطني للذات وتعليله، وعليها أن تبين المراحل ~~التي يجتازها العقل وهي الإحساس، فالإدراك الحسي، فالتأمل. ~~(2) # الفلسفة العملية وهي تبحث في تصرف الذات وعملها، أعني في الإرادة التي تحاول أن تحقق ~~نفسها فيما يعمل الفرد والدولة. ~~(3) # فلسفة الجمال والفن، وهنا يقول «شلنج» إن العقل لا يحقق نفسه في أسمى صوره إلا في ~~الفن، فبالفن يصل العقل إلى ما لم يستطع تحقيقه بجانبه النظري أو بجانبه العملي؛ لأن العقل ~~يدرك نفسه في الفن إدراكا كاملا، فالفن هو أساس الفلسفة، بل هو مرتبة فوق الفلسفة؛ وذلك ~~لأن الاندماج بين الذات والشيء يكون تاما مطلقا في آيات الفن كالشعر والتصوير، فقد رأى ~~«شلنج» في الإنتاج الفني مثلا مجسدا لاتحاد ذات الفنان بموضوع فنه. ~~(3) الفترة الثالثة: اندماج الذات بالشيء # يستهل «شلنج» هذه الفترة بقوله: إن العقل المطلق هو عبارة عن تمام الاندماج بين الذات ~~والشيء، والمطلق # The Absolute # هو الذي يشطر نفسه شطرين: عالم الحقيقي الواقع، وعالم ~~المثالي العقلي، على أنه يظل ممسكا في نفسه اندماج الشطرين، ولذلك كثيرا ما كانت تسمى ~~فلسفة «شلنج» بفلسفة الاندماج، والعقل هو النقطة التي يتلاقى عندها الجانبان ويندمجان، وإذن ~~فلا يمكن أن تصح وجهة نظر الكائن إلا إذا صعد إلى حيث العقل، ولكن ينبغي أن نلفت النظر ~~إلى أنه على الرغم من أن الذات ms198 والشيء كليهما موجودان في العقل الأسمى، إلا أن هذا العقل ~~الأسمى نفسه في الوقت ذاته يجرد نفسه منهما - وعلى الفلسفة أن تسقط من حسابها كل ما هنالك ~~من أوجه الخلاف بين الذات والشيء، وأن ترى الحقائق كلها في ضوء العقل المطلق - فالذات ~~والشيء موجودان في كل شيء، والفرق بين شيء وآخر هو رجحان جانب الذات فيه، أو الجانب الطبيعي ~~المادي منه. # وهذا التقابل الذي تراه بين الحقيقي والمثالي، أو بلفظ آخر بين جانب المادة وجانب العقل، ~~أو بعبارة ثالثة بين الطبيعة من ناحية والتاريخ من ناحية أخرى (الطبيعة هي مجموع الأشياء ~~متصلة، والتاريخ هو فعل العقل المستمر)، نقول إن هذا التقابل الذي تلمحه بين الجانب الواقعي ~~والجانب المثالي من الحقيقة، ترى تقابلا نظيرا له في مراحل التاريخ نفسه، فالعالم القديم ~~بما كان يسود فيه من ديانات طبيعية يمثل الجانب الذي ترجح فيه كفة الطبيعة، بينما ديانة ~~العالم الحديث هي المسيحية التي نرجح فيها النزعة المثالية التفكيرية. ولو أنت أنعمت النظر ~~في سير التاريخ ألفيته قد اجتاز مراحل ثلاثا: مرحلة الطبيعة التي وصلت إلى عنفوانها في ~~الشعر الإغريقي والديانة الإغريقية، ومرحلة الركون إلى القدر التي جاءت ختام العالم القديم، ~~ثم مرحلة الحكمة الإلهية التي بدأت بالمسيحية، إذ أصبح الله موضوعيا لأول مرة في التاريخ ~~بأن تمثل في المسيح. ~~(4) الفترة الرابعة # يميل «شلنج» في آخر مراحله الفلسفية إلى النزعة الصوفية متأثرا بالأفلاطونية الجديدة، كما ~~تأثر كذلك «بجاكوبي وبوهمه»، ولقد كتب في هذه الفترة كتبا ثلاثة تمثل وجهة نظره حينئذ، ~~وهي «الفلسفة والدين»، «مباحث في طبيعة الحرية البشرية»، «فلسفة الأساطير والوحي». # وهو يعالج - في كتابه عن الحرية - العلاقة بين إرادة الإنسان وإرادة الله، فيقول: إن ~~إرادة الله هي التي خلقت الأشياء كلها بما في ذلك الإنسان، ولكن للإنسان جانبين، أو إن شئت ~~فقل: إرادتين، فهو حيث عقله أداة لإرادة الله العامة، أعني أنه - ككائن ذي عقل - ينسجم مع ~~إرادة الله، ولا يكون ثمة من تضاد. أما من حيث جانبه الطبيعي - أي جسده - فله ms199 إرادة خاصة به ~~لا تسير مع إرادة الله في اتجاه واحد، ومن هاتين الإرادتين المتعارضتين اللتين تتجاذبان ~~الإنسان يقع الخير والشر، فرجحان إرادة الإنسان الخاصة هو الشر، ولا يمكن لأحد سوى الله أن ~~يوحد بين الإرادة الفردية والإرادة العامة، ثم لا يستطيع الله أن يقوم بذلك التوحيد إلا إذا ~~اتخذ لنفسه طبيعة الإنسان، ولقد شهدنا على مسرح التاريخ ما وقع بين الإرادة الفردية ~~والإرادة العامة من صراع، فجاء المسيح إلها في إنسان؛ لكي يوفق بين الإرادة الفردية وإرادة ~~الله، حتى تتحد الإنسانية بالله. ~~(4) المثالية المطلقة # Absolute Idealism ~~(4-1) هجل # Hegel # إن سلسلة التفكير التي سار فيها «كانت»، ثم «فخته»، ثم «شلنج» قد بلغت ذروتها في فلسفة ~~«هجل»، إذ تناولت عناصر الفكر المختلفة: الذات والشيء، والفردية ووحدة الوجود - تلك العناصر ~~التي عجز الفلاسفة السابقون عن التوفيق بينها توفيقا تاما - فصهرتها جميعا في وحدة ~~متماسكة، ولقد عمد «هجل» فيما قام به من توفيق بين العناصر المتعارضة إلى نبذ كل المبادئ ~~التي قررتها الفلسفة في تاريخها الماضي قائلا إنها وإن تكن أمورا لا بد منها لوحدة الفكر، ~~إلا أنها ناقصة في حد ذاتها. # هجل. # ولقد وضع «هجل» نصب عينيه أن يتجنب ما وقع فيه سلفاه - «فخته وشلنج» - من تطرف ومغالاة، ~~فالأول ذاتي مسرف، والثاني موضوعي مسرف، فرأى «هجل» أن يصحح خطأ الاثنين فيوحد بين عنصري ~~المعرفة اللذين تركهما «كانت» دون أن يوفق بينهما، واللذين تصدى للتوفيق بينهما «فخته ~~وشلنج» ففشلا؛ لأن كلا منهما أراد أن يتخلص من الإشكال بمحو أحد العنصرين، فأراد «هجل» أن ~~يصل بينهما في وحدة سامية تؤلف بينهما في غير تناقض ولا تضاد. ~~••• # ولد «جورج ولهلم فريدريك هجل» # Gorge Wilhelm Friedrich Hegel # في ستتجارت # Stuttgart # في 27 ~~أغسطس سنة 1770م، ~~أي قبل ميلاد «شلنج» بخمسة أعوام، ~~وكلاهما من أبناء «فرتمبرج» # Wûrtmberg ~~، ~~ولقد عرف أهل ذلك الإقليم بالبساطة ومتانة الأخلاق. وعاش «هجل» في عصر شديد الاضطراب، غير ~~أن حياته الخاصة سارت في طريق هادئ، فلم يحدث بها من جسام الحوادث ما ms200 يلفت النظر، ولسنا ~~نعلم عن طفولته إلا قليلا، فقد درس في جامعة توبنجن # Tûbngen ~~، ولكنه لم يمتز فيها طالبا، ~~ولم تبد عليه ~~حينئذ علائم النبوغ، ~~ولما غادر توبنجن قصد برن # Berne # وفرانكفورت # Frankfort ~~، ~~وقضى بهما ستة أعوام يشتغل بالتدريس، وكان خلال تلك الأعوام الستة يغترف العلم من الكتب ~~بنهم شديد ، وبخاصة في تاريخ الفكر اليوناني، وفي سنة 1801م ذهب إلى يينا ليقف إلى جانب ~~صديقه «شلنج» مدافعا عن وجهة نظره، حتى إنه نشر كتابا أطلق عليه اسم «الفرق بين فلسفتي ~~فخته وشلنج» أخذ يدافع فيه عن رأي «شلنج» ويدحض فلسفة «فخته»، ولقد اتفق مع «شلنج» في سنة ~~1802م أن يعاونه في تحرير صحيفته النقدية في الفلسفة، التي أخذا يعبران فيها عن وجهتي ~~نظرهما، وكانا حينئذ على أتم اتفاق، فكلاهما يرى أن الذات والشيء يجب أن يتحدا في وحدة ~~أعلى، وألا يقتصر اتفاقهما على ما يكون بينهما من انسجام خارجي، ولكن فرقا بينهما في ~~الرأي نشأ، ثم أخذ يتسع تدريجيا، وذلك أن «شلنج» ظل متمسكا بوجود نقطة عندها يتلاشى الفرق ~~بين الذات والشيء، وأما «هجل» فرأى أن الوحدة التي يجب أن تضم كل شيء ليست مجرد حلقة متوسطة ~~بين الروح من ناحية، والطبيعة من ناحية أخرى، بل هي وحدة أعلى من الذات، وأعلى من الطبيعة ~~في آن واحد،. وبعبارة أخرى خالف «هجل» «شلنج» في أن الطبيعة لا ينبغي أن تعد وجودا آخر ~~إلى جانب العقل، ولكنها جزء من حياة العقل نفسه. # وفي عام 1805م عين «هجل» أستاذا في يينا، ولكنه لم يلبث أن فقد منصبه هذا بسبب الكارثة ~~السياسية التي عصفت بألمانيا في ذلك الحين. وشاءت المصادفة أن يكمل «هجل» كتابه المسمى «علم ~~تجسد الروح» في نفس اليوم الذي دارت فيه رحى الحرب في يينا. ولقد كان ذلك المؤلف أول كتاب ~~من كتبه الهامة؛ إذ وضخ فيه معالم فلسفته الخاصة. ولا بد أن يكون صدور هذا الكتاب قد ساء ~~«شلنج» وآلمه؛ لأن «هجل» أخذ يسخر منه في مقدمته سخرا رقيقا، وقد ms201 كان ذلك موقفا فاصلا ~~بين الرفيقين الصديقين، وموضوع هذا الكتاب الذي يكاد يكون على غموضه أروع ما كتب «هجل» هو ~~أن يبرهن على أن الفكر بحكم طبيعته الموروثة يطرأ عليه عدة تحولات متعاقبة تنتقل به من ~~الإدراك العادي صاعدة إلى موقف الفكر المجرد، وأن الفكر وهو في طريقه إلى تلك الغاية يرى ~~بجلاء أن المراحل المتوسطة التي يجتازها أثناء السير ضرورية لا بد منها، لا باعتبارها مواقف ~~يستريح فيها العقل أثناء رحلته، ولكن باعتبارها مراحل ضرورية في حد ذاتها، بغيرها لا يتم ~~التطور المطلوب. # وفي سنة 1816م عين «هجل» أستاذا في هيدلبرج # Heidelberg ~~، ثم دعي إلى برلين بعد ذلك ~~بعامين، فأخذ يفد إليه من الطلاب أفواج، وكان أثره في طلابه هؤلاء قويا عميقا، وقد أخرج ~~في سنة 1816م كتبه في المنطق، ثم أصدر في سنة 1817م «موسوعة العلوم الفلسفية» التي بسط فيها ~~فلسفته بصفة عامة. # وكان «هجل» أثناء إقامته ببرلين يحاضر في كل فرع من فروع الفلسفة: في تاريخ الفلسفة، ~~وفي فلسفة التاريخ، وفي فلسفة الحقوق، وفي فلسفتي الفن والدين، وقد نشرت محاضراته بعد موته ~~مأخوذة من مذكرات طلابه، وجمعت مؤلفاته كلها في ثمانية عشر مجلدا، ولقد ظفر «هجل» في ~~الفلسفة بمكانة ممتازة، وهو لم يستمد شهرته من فصاحة الإلقاء وقوة الأسلوب كما كانت الحال ~~في «فخته وشلنج»، بل كان - على النقيض من ذلك - ثقيل اللسان، غامض العبارة، مرتبك الإلقاء، ~~وإنما جذب طلابه إليه عامل واحد، هو ما في تفكيره من قوة وعمق. # وبينا هو في ذروة مكانته وشهرته إذ فاجأه الموت بغتة إثر إصابته بالكوليرا، فأسلم الروح ~~في الرابع عشر من نوفمبر سنة 1831م. ~~••• # كانت فلسفة «هجل» في أول مراحلها متصلة أشد اتصال بفلسفة «شلنج» كما رأينا، ولكنه يعود ~~فيرفض الطريقة التي اتبعها «شلنج» في الوصول إلى فكرة «المطلق»، # 10 # إذ فرض «شلنج» وجود المطلق فرضا دون أن يدرسه أو يقيم على وجوده الدليل، فلقد ~~أخرج الفكرة بغتة كما تطلق «رصاصة من غدارة»، فجاءت مفاجئة، لم يحاول أن يبين ms202 فيها خطوات ~~تطورها وتكونها، هذا وإنه لينقذ فكرة «شلنج» عن «المطلق» القائلة بأنه لا حركة فيه، وتنمحي ~~عنده كل وجوه الاختلاف، فيعلق «هجل» على ذلك بقوله إنه إذن «كالليل الذي تكون فيه كل ~~الأبقار سوداء.» وأراد «هجل» أن يبين أن «المطلق» لا ينبغي أن يفرض فرضا، بل لا بد لنا ~~أن نستنتجه استنتاجا يقوم على أساس من العقل، ثم لا ينبغي أن نصوره لأنفسنا ذاتا مجردة ~~تنمحي فيها كل وجوه الخلاف، وعنصرا ساكنا لا حركة فيه، بل يجب أن ننظر إليه كروح حية ~~منتجة تنبثق منها كل الأشياء النهائية الجزئية. ويقول «هجل» في تعريف المطلق بأنه روح، ~~واستكشاف تلك الروح وفهمها هو الغرض من كل فلسفة وكل ثقافة، وهي النقطة التي تتلاقى عندها ~~فروع المعرفة جميعا من علم ودين. # يقول «هجل»: إن إدراك الإنسان للكون يحتم عليه أن يبحث عن تعليل للكون، ولكن لا يجوز أن ~~نصل إلى حقيقة العالم عن طريق التصوف الذي سلكه «بوهمه»، ولا عن طريق البصيرة والإلهام الذي ~~اتخذه «جاكوبي» إنما الوسيلة الوحيدة لتلك الغاية هي انتقالنا من مراتب العقل الدنيا إلى ~~مراتبه العليا. ومن هذا نرى أن «هجل» لا يرفض صورة من صور الإدراك العقلي سفلت أو علت، بل ~~هو يرى أن تلك المراحل العقلية ضرورية كلها للوصول إلى معرفة الحقيقة السامية، إذ ليس هناك ~~صنفان من الحقيقة؛ إحداهما تدرك بالإدراك العادي، والثانية يدركها العقل السامي، فمهما يكن ~~إدراك الرجل العادي - لنفسه وللعالم - مهوشا ومحدودا، فهو رغم كل هذا إدراك عقلي، وليست ~~وظيفة الفلسفة أن تنكر ما يحتويه فكر الرجل العادي عن الأشياء، بل واجبها أن توسعه وتصححه، ~~ومن رأيه أن الفلسفة لا يمكن أن تؤيد مرحلة التآلف الأعلى الذي ينتقل بالفكر من النهائي إلى ~~اللانهائي إلا إذا اعترفت اعترافا تاما بنقطة الابتداء. ولقد وردت في مقدمته التي صدر ~~بها فلسفته في الحقوق # Right # هذه العبارة: «إن ما هو عقلي حقيقي، وما هو حقيقي عقلي.» ~~وهذه ~~تعد مفتاح فلسفته كلها، فالحقيقة كلها تعبر عن العقل، ms203 والكون كله يحقق وجود الفكر، بل ~~العالم هو الروح المفكرة قد تطورت. # لقد كان «المطلق» في أول أمره فكرة خالصة أزلية، ثم هبط إلى الطبيعة حيث تحول إلى لا ~~شعور، ثم عاد فاستيقظ في الإنسان، ثم أخذ يحقق نفسه فيما ينشأ في العالم من نظم اجتماعية ~~وفن ودين وعلم، فازداد بذلك ثروة وكمالا، ثم عاد إلى نفسه آخر الأمر مرة ثانية. # ويجمل بنا الآن قبل أن نتناول فلسفة «هجل» بشيء من التفصيل أن نوجز للقارئ المميزات ~~الثلاث لفلسفته، فقد يعين ذلك على تيسير فهمه وإساغته: ~~(1) # ولعل أميز ما تمتاز به فلسفة «هجل» رأيه القائل بأن الحقيقة النهائية التي هي أساس ~~الحقائق جميعا هي العقل أو الروح، الذي لا يبلغ مرتبة إدراك نفسه إدراكا كاملا إلا إذا ~~اجتاز عدة مراحل سابقة واستوعبها في نفسه ... إن قوام الحقيقة هو الفكر، والفكر وحده، ولا بد ~~من تفسير كل شيء تفسيرا عقليا، وليس هناك للحقيقة مقياس تختبر به سوى الفكر. لقد كانت ~~الحقيقة والفكر عند هجل - كما كانا عند أرسطو - عبارتين مختلفتين لمدلول واحد، فالفكر هو ~~صلب الحقيقة، أو بعبارة أخرى: الفكر كل يحوي كل الحقائق الصغرى ... الفكرة والشيء الواقعي ~~حقيقة واحدة، وليست كل تلك الحقائق الواقعة إلا كشفا عن الفكرة وتعبيرا لها. ~~(2) # وينشأ من ذلك مميز آخر لوجهة نظر «هجل» وأعني بها رأيه بأن «الفكر وحدة عضوية» هو ~~وحدة ذات أجزاء منفصل بعضها عن بعض، ولكنها في الوقت عينه متصلة مرتبطة، فأنت ترى الكل ~~ممثلا في كل جزء، كما أن كل جزء موجود في الكل، ولكن هذا الكل المشتمل على أجزائه يكون ~~في النهاية بهذه الأجزاء نفسها كائنا عضويا متحدا، إذ لم توضع أجزاؤه فيه وضعا آليا ~~(أي شيئا إلى جانب شيء)، بل هو مجموعة متدرجة متماسكة مرتبطة الأجزاء، وكل جزء من الكل له ~~علته التي تبرر وجوده، بل التي تفرض وجوده وتحتمه، وكل جزء موجود من أجل الكل وبسببه، ولكن ~~على الرغم من أن الأجزاء كلها ضرورية لا بد من وجودها، فإنها ms204 تقف بإزاء بعضها موقف الأرفع ~~والأوضع، والمراتب السفلى منها تنتقل إلى العليا، ولكنها لا تنمحي من الوجود في عملية ~~الانتقال، بل هي موجودة متصلة الحياة، وكل ما حدث لها تحول من صورة سفلى إلى صورة عليا: ~~«إن كم الزهرة يختفي إذا ما تفتحت الزهرة، ويخيل إليك أن بين الكم والزهرة شيئا من ~~التضاد، ثم تجيء الثمرة بعدئذ فتعلن بوجودها أن الزهرة صورة زائفة من صور وجود النبات، ~~وهكذا تنتقل حقيقة كل واحدة منها إلى حقيقة الأخرى. وليست هذه الصور متميزة بعضها عن بعض ~~فحسب، بل إن الواحدة منها لتسحق الأخرى باعتبارها مضادة لها، ولكن طبيعتها التي تسري فيها ~~كلها تكون منها دقائق من الوحدة العضوية التي تتآخى فيها فلا تعارض إحداها الأخرى، بل إن ~~الأمر بينها لا يقف عند حد عدم التعارض، ولكن كلا منها يكون لوجوده من الضرورة ما للأخرى ~~تماما، وهذه المساواة في الضرورة تؤلف حياة الكل.» فمراتب الفكر إذن أجزاء متعاونة من ~~مجموع الحقيقة، ولا يعرف منطق الوجود تعاقبا في الأفكار، أي أن يكون بين الأفكار سابق ولاحق، ~~بل إن كل فكرة تتضمن الأخرى، وكلها معا - السابق منها واللاحق، السافلة منها والعالية ~~- يحوي بعضها بعضا ... والتاريخ هو تجلي الحقيقة المطلقة التي ينقطع وجودها. ~~(3) # ويتبع هذا مميز ثالث، وهو أن هذه الوحدة في الفكر إنما هي «وحدة بين أضداد» في الحياة ~~العادية، وبالنسبة للعقل العادي أعني أن العقل العادي يتوهم أن أجزاء الكل متناقضة متعارضة ~~لا اتساق بينها ولا انسجام، وهو يقع في هذا الخطأ؛ لأنه يرى الجزء فيحسبه كلا في حد ذاته. ~~ويقول «هجل»: إن الناس قد درجوا على أن يروا أجزاء الكل منفصلة، كل جزء على حدة، دون أن ~~يربطوا بينها برباط الوحدة الشاملة لها جميعا، والواقع أنه ليس ثمة جزء مستقل بذاته، بل كل ~~جزء لا بد أن يتضمن في نفسه شيئا آخر، والنظرية الجزئية دائما باطلة، ولا يمكن أن يتخلص ~~الإنسان مما قد يراه بين الأشياء من تناقض إلا إذا علا بنظره إلى مجموعة ms205 الحقيقة ككل واحد ~~مرتبط الأجزاء متصل الحلقات، ولكننا لا نستطيع أن نسمو إلى الحقيقة في كليتها تلك إلا إذا ~~علمنا بالجانبين معا، الجزء والكل، أما أن نغالي في التمسك بإحدى الطرفين على حساب الآخر، ~~كأن تقول إن الجزء وحده هو الموجود الحقيقي (أي إن الفرد حقيقة مستقلة في حد ذاته دون أن ~~تربطه بسائر الأفراد صلة ضرورية، بحيث تجعل وجوده لا معنى له إلا كجزء من كل) نقول إذا نحن ~~غلونا فزعمنا أن الوجود الحقيقي إنما يكون للجزء وحده دون الكل، أو أن الكل وحده هو موجود ~~ولا أفراد هناك، فإن قولنا عندئذ يحمل عنصر هدمه في نفسه، فليس ينبغي أن نقول إن الذات ~~وحدها أو اللاذات وحدها هي التي تتمتع بالوجود دون زميلتها، فكلاهما ضروري لتكوين الحقيقة ~~العليا، فلا بد في رأي «هجل» من الصراع بين أضداد، ثم اتحادها كي ندرك الحقيقية المطلقة؛ ~~إذ المطلق هو عبارة عن الانسجام بين الأضداد. # هكذا يريد «هجل» أن يتقبل الأطراف المتناقضة فيجمعها في وحدة شاملة، وعنده أن الأساس ~~الأول للوصول إلى الحقيقة هو الاعتراف باتحاد الأضداد وانسجامها، زاعما أن كل إثبات يتضمن ~~نفيا، وكل نفي يتضمن إثباتا ... ذلك هو قلب فلسفة «هجل» وصميمها، وهو يطبق قانونه هذا على ~~كل موضوع بغير استثناء، ولو سلمنا به معه لانقلبت نظرتنا للحياة رأسا على عقب، فقانون ~~التناقض الذي يقول به المنطق الشكلي القديم، ذلك القانون الذي يقرر أن الشيء يستحيل أن يكون ~~وألا يكون في آن واحد، يجب عليه الآن أن يزول من أجل حقيقة «هجل» العليا التي تنسجم فيها ~~المتناقضات، والتي تذهب إلى أن كل شيء يكون موجودا وغير موجود، فلا حقيقة إلا لمجموعة ~~الأجزاء متحدة في كل، ولا بد لكل جزء من الاتصال بذلك الكل لكي يكتسب صحته؛ لأن الشيء إذا ~~اعتزل وانفرد ضاعت حقيقته، وكل شيء مرحلة - مرحلة زائلة فانية - توصل إلى غيره. # يقول «هجل»: إن الفكر في عمله يجتاز خطوات ثلاثا، فهو يبدأ بذاتية مجردة، أعني بإدراكه ~~لذاته المفردة، ثم ينتقل ms206 إلى مجال يصادف فيه ما يناقضه ويعارضه، ثم يخطو بعد ذلك إلى الوحدة ~~التي تضمه، وتضم معه أضداده التي مر بها في مرحلته الثانية. وليست تلك الحركة الثلاثية ~~قاصرة على الفكر، بل إنها تتناول العالم بأسره، وكل شيء يؤيد صحة هذا تؤيده الطبيعة، ويؤيده ~~التاريخ والفلسفة ... إن نجم النبات الضئيل يحمل في باطنه الدوحة العظيمة، وهذه الدوحة تنسخ ~~ذلك النجم وتثبته في آن واحد. وإن الطفل ليتضمن الرجل، وهذا ينفي ويؤيد الطفل في وقت واحد ~~... وإن التاريخ ليشهد كذلك بصحة هذا القانون بصورة أوسع، فالمدنية تتقدم بفعل ورد فعل بين ~~النزعات المتضادة، فعصور السلطة يتبعها عصور إباحية وفوضى، ومن اتحاد الاثنين تنشأ مرحلة ~~سامية من الحرية الدستورية. # إذن فالكون عند «هجل» عملية نمو وتقدم، هو عملية يتجلى بها الله ويظهر، ففي كل حركة ترى ~~ذلك «المطلق» كامنا لا يزول، لا كعنصر مستقل وحده، بل كروح سارية في كل شيء لتكشف عن ~~نفسها. وليس تقدم الفكر إلا ظهورا بالفعل لما كان موجودا بالقوة، فالله يكشف عن نفسه في ~~الفكرة المنطقية، ويتجلى في الطبيعة والعقل، ولكن إذا كان الفكر يجتاز في تقدمه تلك المراحل ~~الثلاث فليس يدرك نفسه بدرجات متساوية في المراحل المختلفة، ولا يمكن للإنسان بغير النظرة ~~الفلسفية أن يرى الله متجليا أولا في المرحلة السابقة للوجود، أي مرحلة الكائن الخاص، ~~وثانيا في العالم الطبيعي بأن تحولت قواه إلى مادة ليظهر هو في صور الحياة المادية، ~~وثالثا وأخيرا في العالم الروحي ممثلا في روح الفرد، وفي نظام المجتمع، وفيما يبدعه الفن ~~والدين والفلسفة من آيات. # فلسفة «هجل» مثالية وواقعية في آن واحد؛ لأنها وإن تكن تعلن أن الفكر أسبق في الوجود، ~~بل تعلن أن الفكر في حقيقة الأمر هو كل شيء، إلا أنها تعترف بأن هذا الفكر قد وجد نفسه في ~~عالم من الحقائق الواقعة التي لا يكون لها معنى لو فصلناها عن الفكر، فليست الطبيعة عند ~~«هجل» جسما صلبا يحدد الفكر ويعارضه. كما كانت عند «فخته»، كلا ولا هي كما ms207 رآها «شلنج» ~~تسير موازية للعقل؛ لأنها والمطلق توأمان. نعم إن الطبيعة والعقل قد تفرعا عن أصل واحد، ~~ولكنهما ليسا فرعين متساويين قد انبثقا من جذع بعينه، إذ قد نشأت «الفكرة» أولا، ثم نشأ ~~من الفكرة العالم الطبيعي والفكرة والطبيعة معا يكونان العالم الروحي ... فأنت ترى الفكر ~~أساسا لكل حقيقة في الوجود، سواء أكانت تلك الحقيقة طبيعية أم عقلية، ولكنه فكر بالقوة أي ~~أن الفكر يسري في كل جزء من الكون، ولكنه يكون في صور الوجود الدنيا فكرا بالقوة، ثم يصبح ~~إدراكا، أي فكرا بالفعل في الكائنات العليا. ومعنى ذلك بعبارة أخرى أن الفكر هو أول ~~المراحل وآخرها معا، يبدأ الكون بالفكر (بالقوة) وينتهي بالفكر (بالفعل). # وعمل الفلسفة هو أن تتبع الفكر في تطوره هذا وانتقاله من الوجود بالقوة إلى الوجود ~~بالفعل، وأن تعين في إدراك الإنسان تلك المراحل التي سلكها «المنطق» أو إن شئت فقل سلكتها ~~الحقيقة، أو إن أردت عبارة أوضح فقل «الله». وهذه المراحل عند «هجل» ثلاث: إثبات الحقيقة ~~لنفسها أولا، ثم تباينها ثانيا، ثم انسجامها ثالثا، ولهذا يجب أن تعين الفلسفة في ~~إدراكنا تلك الخطوات الضرورية التي اجتازها الفكر في سيره وتقدمه، وهذا ما بنى «هجل» ~~فلسفته عليه وعني ببيانه وشرحه. # وكما أن العقل المطلق يتبع في سيره هذه الخطوات الثلاث، فيبدأ فكرة مجردة غاية ما يكون ~~التجريد، ثم تتقدم الفكرة فتجسد نفسها في الطبيعة؛ لكي تبرز وتتجلى، ثم تعود إلى نفسها ~~ثانيا في الروح، كذلك يلزم أن تقع الفلسفة في ثلاثة أقسام رئيسية: ~~(1) # المنطق الذي يعرض صور الفكر المجردة. ~~(2) # فلسفة الطبيعة التي تبسط صور العالم الطبيعي الخارجي الذي تجسد فيه العقل؛ لكي يصير ~~حقيقة محسة. ~~(3) # فلسفة العقل أو الروح التي تعالج المراحل التي يجتازها الفكر من أبسط الصور الفيزيقية ~~إلى الإدراك الكامل، ثم إلى اتحاد العقل والطبيعة كما يظهر في الفن والدين والفلسفة. # فقد بدأت الحقيقة أول الأمر فكرا خالصا، ثم أعلنت عن نفسها في صورة موضوعية، فبعد أن ~~كانت فكرة مجردة أصبحت مادة متحركة في ms208 مكان وزمان - وهنا قد يسأل سائل: ولماذا أخرجت ~~الفكرة نفسها وبرزت من صورتها المجردة إلى طبيعة محسة؟ وجواب ذلك هو أنها فعلت ذلك؛ لكي ~~تصبح حقيقة - فالطبيعة مرحلة ضرورية لا بد من اجتيازها حتى تبلغ الفكرة مرتبة الإدراك، ولكن ~~الحقيقة إذا حققت نفسها في الطبيعة تكون لا تزال ناقصة، فما الطبيعة إلا مرحلة سابقة تتلوها ~~مرحلة أسمى، وهي أن تحقق الفكرة نفسها في روح، وذلك هو الغرض الذي كانت تقصد إليه الفكرة ~~منذ البداية، فالعقل إذن إنما يجسد نفسه في الطبيعة لكي يكون روحا في نهاية الأمر ... إن ~~الفكرة لا تخرج من نفسها إلى حيث الطبيعة المجسدة إلا لكي تعود إلى نفسها مرة أخرى أخصب مما ~~كانت وأغنى، فهذه الطبيعة التي تراها ليست إلا عقلا في صورة مبهمة غامضة مهوشة حتى لتبدو ~~كأنها لا عقل. # ويرى «هجل» أن «الحقيقة» في انتقالها من المرتبة الطبيعة إلى المرحلة الروحية تعبر عن ~~نفسها في النظم الأخلاقية التي يقوم على أساسها المجتمع، وهنا تبدأ فلسفة «هجل» العملية ~~التي بلغ فيها أوج عظمته ... هي تنقسم ثلاثة أقسام: (1) «الحق» # Right # ويبحث في الملكية ~~والتعاقد والعقاب. (2) «الأخلاق» وتبحث في القصد والنية والحياة الطيبة وعلاقتها بالخير ~~والشر. (3) الأخلاق الاجتماعية التي تقوم على أساسها الأسرة والجماعة والدولة، ثم السياسة ~~الدولية وتاريخ العالم بأسره. # ويجمل بنا أن نقف عند هذه الفلسفة العملية فنبسطها في شيء من الإسهاب والتفصيل. ~~(1) # أما «الحق» أو إن شئت فسمه «القانون» فهو عبارة عن اعتراف بحرية إرادة الفرد، ولو أن ~~«هجل» لم يرد أن ينظر إلى الفرد منفصلا عن الحياة الاجتماعية، إلا أنه استحسن أن يبحث ~~الفرد قبل كل شيء كشخص له حقوق فردية بإزاء الآخرين، وتناول بحثه في هذا ثلاثة أشياء: ~~الملكية والتعاقد والعقوبة. أما حق الملكية فهو المجال الذي تظهر فيه شخصية الفرد، ولما كان ~~ملك الشخص جزءا منه وجب أن يكون مصونا محترما، ولا بد لصيانته واحترامه أن يعترف به ~~أفراد المجتمع الآخرون، بحيث لا يكون لغير صاحب الملك حق التصرف فيه. ومن ms209 الطبيعي أن حرية ~~تصرف الفرد في ملكه تستلزم التعاقد بين الناس على ذلك، حتى لا تتعارض إرادة زيد مع إرادة ~~عمرو، فإذا ما نشأ نزاع بين الإرادات بأن اعتدى هذا على حق ذاك ونقض ما بينهما من اتفاق، ~~وجب أن نوفق بينهما بالعقوبة نوقعها على المخطئ، وتوقيع العقوبة كفيل بأن يبين للمخطئ ما ~~كان يستتبعه عمله من تناقض، وأن يلزمه بالاعتراف بمبدأ العدالة بين الجميع. ~~(2) # ويؤدي البحث في الحق القضائي إلى النقطة الثانية وهي الحق الأخلاقي الذي لا ترعاه ~~القوانين القضائية، بل الدوافع الأخلاقية المحضة، وبهذا ينتقل الأمر من مجرد الحق إلى ~~الواجب الذي يصدر من صاحبه عن قصد ونية، ويلاحظ أن هذا الواجب الأخلاقي لا يتفق دائما مع ~~إرادة الفرد، أي أن هنالك تضادا دائما بين نية الفرد وإرادته، أعني بين القصد والتنفيذ. ~~والحكم الفصل بين الخير والشر هو الضمير، ولكن الضمير وحده لا يكفي إذ «قد أريد الخير، ~~ولكن لا يتاح لي أن أعلم ما هو الخير. فقد يأمرني الضمير أن أعمل ما تستحثني رغبتي الخاصة ~~أو رأيي الشخصي أن أعمله.» وقد يكون العمل الذي ينبعث عن غريزة عمياء سيئا مهما كانت نية ~~عمله خيرة، إذن لا يكفي للفرد أن يكون له دافع شخصي، ولكنه يريد إلى جانبه مقياسا خارجيا، ~~كذلك يجب أن يكون ثمة نقطة أسمى تتحد عندها الدوافع الأخلاقية للعمل مع شرعية العمل. ~~(3) # هذه النقطة السامية التي تلتقي عندها أخلاقية العمل مع شرعيته هي: الأخلاق ~~الاجتماعية، التي لا نشعر معها بأن الدافع الأخلاقي مجرد غريزة شخصية ودافع ذاتي، بل أمر ~~عام يأتينا من الخارج، وهنا يتنازل الفرد عن فرديته الخالصة، وعن حكمه الشخصي لكي يعترف ~~بسلطة الجماعة القائمة ... وليست تتحقق حياة الفرد وحريته الصحيحتان إلا في علاقته بالأسرة، ~~والمجتمع، والدولة؛ ففي الجماعة وحدها يتبين الإنسان نفسه، ويوجد وجودا حقيقيا، وفي ~~الأخلاق الاجتماعية يصبح عمل الخير عادة، وطبيعة ثانية: ~~(أ) # ففي الأسرة يتحد الأعضاء برباط حي من الحب، والأسرة تقتضي الزواج الذي يتحول فيه الحب ~~الفيزيقي إلى ms210 اتحاد روحي كما تتضمن ملكية العائلة وتربية الأطفال. ~~(ب) # وتتسع الأسرة فتصبح جماعة، وعلى الرغم مما يتمتع به أعضاء الجماعة من استقلال، فإنهم ~~مرتبطون بحاجات مشتركة، وباعتراف مشترك بالقوانين المدنية التي تعمل على التوفيق بين ~~المصالح المتنازعة، والتي تضمن لكل فرد إبراز شخصيته التي تؤهله لها ملكته. ~~(ج) # واتحاد الأسرة والجماعة يكون الدولة التي تتحقق بها الحرية تحققا كاملا، فالدولة ~~هي الغرض الذي يقصد إليه الإنسان، وهي لا تمحو شخصية الفرد، بل واجبها أن تعبر عنها ~~وتظهرها، ولكن الشخصية هنا ليس معناها الفردية؛ لأن الشخص الحق هو كائن اجتماعي له واجبات، ~~وعليه حقوق باعتباره عضوا في جماعة. # ويرى «هجل» أن خير نظام للحكم هو الملكية المقيدة كما تمثلها بريطانيا، وتأسيس الملكية ~~الدستورية وهو هدف التاريخ. # ولعل من أمتع ما كتب «هجل» مؤلفه في «فلسفة التاريخ» الذي يتتبع فيه قانون التقدم الذي ~~سارت الإنسانية على أساسه في حياتها الماضية، وهو يبين أن كل شعب يتاح له أن يرتقي ذروة ~~المجد، ويقبض على صولجان الملك حينا من الدهر؛ ليكون أداة لا شعورية ينفذ إرادة الروح ~~العامة، ويظل هكذا حتى ينهض شعب آخر فيخلفه بفكرة عن الحرية أوسع من فكرة سلفه، وفهم أسمى ~~لوظيفة الإنسان. # ويقول «هجل» إن من يتأمل في سير التاريخ وتقدمه يجده خاضعا لعقل عام، فما تاريخ العالم ~~إلا عملية عقلية، وروح العالم هي القوة الرائدة لتقدمه والأدوات التي تتخذها تلك الروح ~~للوصول إلى أغراضها هم عباقرة الأمم وأبطالها، وكل شعب يعلو إلى المجد والقوة إنما يعبر عن ~~جانب من جوانب الروح العامة، فإذا ما ظفرت الروح العامة بغايتها منه، تنازل ذلك الشعب عن ~~قوته وسلطانه لشعب آخر، فتاريخ العالم هو تحقيق لإرادة العالم كما يقول «شلر» وما نوابغ ~~التاريخ إلا أدوات اتخذتها تلك القوة العالمية لتنفيذ أغراضها، وإن توهموا أنهم يحققون ~~أغراضهم الشخصية. ولقد أعجب «هجل» «بنابليون» إعجابا عظيما، ورأى أنه يمثل عصره ويجسده، ~~فهو وسيلة لتحقيق غاية أعظم منه. # وإن رواية التاريخ لتكشف لنا عن تزايد الحرية كلما ms211 تطاول الزمن، فلم يكن يتمتع بالحرية ~~بادئ بدء إلا فرد واحد - هو الطاغية - ثم جاءت بعد ذلك مرحلة تمتع بالحرية فيها طائفة من ~~الناس لا فرد واحد، ثم تلا ذلك أن أصبح الناس كلهم أحرارا. # ولما كانت الأرض هي القاعدة الجغرافية للتاريخ، أو قل هي المسرح الذي تظهر فيه رواية ~~التاريخ فصولا متعاقبة، كان لها أقسام ثلاثة رئيسية: الجبال والوديان والمياه . فأما الأولى ~~فتمثل حياة الإنسان الأول بما فيها من مغاور وكهوف يأوي إليها الهاربون، وأما الثانية فهي ~~موطن الزراعة التي تمثل مرتبة أعلى من مراتب المدنية، وأما الثالثة - الأنهار والبحار - ~~فيتجلى فيها أعلى ضروب النشاط الإنساني وأرقاها، إذ هي وسيلة التجارة وتبادل العلاقات بين ~~الأمم. # ثم يقسم «هجل» التاريخ إلى فترات ثلاث: (1) الشرقية. (2) الإغريقية الرومانية. (3) ~~الجرمانية - وهو يتتبع نمو الحرية في هذه المراحل الثلاث باعتبارها العلامة الوحيدة التي ~~يستدل بها على تقدم الروح. # ففي الشرق الأقصى - حيث مهد الإنسانية وطفولتها - كانت الروح منغمسة في الطبيعة، ولم ~~تتقدم الصين والهند من حيث فكرتهما عن الدولة، وظلتا متلازمتين للآراء الأولية: فالدولة في ~~الصين أسرة كبيرة، والملك فيها أب، وأما في الهند فعلى الرغم من تحول الأسرة فيها إلى ~~جماعة، إلا أن الجماعة بها لبثت ذات فوارق حادة تستعصي على التوحيد والإدماج، ولقد ظهرت ~~الملكية لأول مرة في فارس، ولكنها كانت تقوم على عناصر متنافرة تماسكت بالقوة الحربية، وأما ~~في مصر، فهنالك تشهد أبا الهول بوجه الإنسان وجسم الحيوان ليكون رمزا للانتقال من النزعة ~~الطبيعية في الشرق إلى المدنية الفكرية في أوروبا، فمصر بتماثيلها المحسة من ناحية، ~~وبعبادتها الروحية من ناحية أخرى، تتوسط بين الشرق والغرب وتمهد الطرق للإنسانية ~~الإغريقية. # أما الفترة الإغريقية فتمثل العالم في شبابه، فهو عصر الجمال والقوة والرجولة الناضرة، ~~وها هنا بدأت الروح تدرك نفسها وتحقق حريتها «فبالإغريق» بدأنا نشعر بأننا في دارنا؛ لأننا ~~اتكأنا على سنادة من الروح. ويعد «أخيل» # Achilles # رمز الحياة الإغريقية: بنية ضخمة ~~وشباب قوي تستهويه الطبيعة ويفتنه الجمال، ولكنه استمتاع بالجمال المحسوس، إذ ms212 لم تكن حرية ~~الروح قد بلغت كمالها، ولم يتمتع بالحرية عند الإغريق إلا طائفة قليلة بينما كانت كثرتهم ~~عبيدا أرقاء. # انتقلت ثقافة الإغريق إلى روما تغزو، إذ بينما كانت روما تغزو الأمصار والأقطار، كانت ~~ثقافة الإغريق تغزوها، وقد اعترف في روما بالحرية الفردية، وبالمساواة السياسية. وقد كان ~~العصر الروماني عصر النضوج والقوة النفعية، وانمحى ما عهدناه في أثينا من مظاهر الروح ~~والسرور ، وجاء في مكانه عنف العمل وقسوة الواجب. فلما سقطت روما ظهرت الأمم الجرمانية على ~~مسرح التاريخ، وهنا بلغت الفكرة ذروة الإدراك الكامل لأول مرة، وجاءت الوحدة الروحية بين ~~الناس مكان الوحدة الدنيوية، وكانت المسيحية بشيرا للناس أجمعين بالحرية، ولكنها كانت حرية ~~دينية في أول الأمر، ثم تحولت بالتدريج إلى حرية سياسية أيضا في الشعب الجرماني. ولما سادت ~~العقيدة المسيحية بين الأمم اعترف للإنسان بإنسانيته كما أعلن الإخاء بين البشر. وتمثل ~~الأمة الجرمانية عصورا ثلاثة: تبدأ العصر الأول من هجرة القبائل الشمالية وينتهي بحكم ~~«شارلمان» وهو عصر تفكك ونزاع، ويكشف العصر الثاني عما بين الكنيسة والدولة من تباين، وأبرز ~~ما في هذه الفترة الثانية من أحداث هي الحرب الصليبية ونظام الإقطاع ونشأة الدول الحرة، ~~ولقد كان ذلك العصر الذي امتد حتى عهد الإصلاح مظلما، تتنازعه الخرافة والعقيدة الدينية، ~~ولكنه كان مع ذلك عصر الحرية الروحية. وأما العهد الثالث فيمتد من عهد الإصلاح حتى يومنا ~~هذا، وهو عهد الحرية المدنية والحياة التي يتزايد فيها عنصر العقل. # لقد كان مؤلف «هجل» هذا في فلسفة التاريخ من أجل ما جادت به قريحته، ولعل نبوغه ~~وأصالته لم يظهرا في شيء من كتبه كما ظهرا في رأيه عن تطور التاريخ، إذ كان «هجل» أول ~~كاتب حاول أن ينظر إلى سير العصور كلها كحركة واحدة شاملة تتجلى فيها الروح وتظهر، ولو أن ~~هنالك من عدم دقته في بعض التفصيلات، ومن اختياره للحقائق اختيارا لا يقوم إلا على أساس ~~هواه ما هو مجال لنقد الناقدين. # وأخيرا بعد أن سارت الروح هذا الشوط الطويل، واجتازت تلك المراحل ms213 المتتابعة، فإنها تصل - ~~آخر ما تصل - إلى مرتبة الروح المطلق، حيث تنمحي كل الفوارق بين الذات والشيء، بين الفكر ~~والوجود، بين اللانهائي والنهائي المحدود. نعم إن الروح بعد هذه الشقة الطويلة لتبلغ آخر ~~الأمر مرتبة إدراك نفسها. وتقع تلك المرتبة الأخيرة في ثلاثة عناصر: (1) الإدراك الحسي الذي ~~يعبر عنه الفن. (2) والشعور الذي يعبر عنه الدين. (3) والفكر الذي تعبر عنه الفلسفة. ~~(1) # أما الفن فهو الإدراك الحسي الذي تدرك به الروح المطلقة المثل الأعلى للجمال كما ~~يتمثل في صوره المحسة الملموسة، سواء كانت تلك الصورة صخرة أو لونا أو صوتا. ففي الفن ~~تنتصر الفكرة على المادة؛ لأنها تستخدمها لأداء أغراضها، ولكن المادة المستخدمة ليست قابلة ~~للتشكل قابلية تامة، وهي تختلف من حيث مقاومة التشكل عسرا ويسرا، فأدى هذا التفاوت بينها ~~- في مقدار عدم القابلية - إلى اختلاف الفنون وتعددها، ولكن مهما اختلفت ألوان الفن فهنالك ~~عاملان متصلان، هما اللذان يعملان على تكوين الجميل: المادة، والصورة أي الفكرة. فالمادة هي ~~وسيلة التعبير عن الفكرة، وبالفكرة وحدها تكتسب المادة معنى وإشراقا. ولقد سار الفن من ~~المرحلة الرمزية إلى المرحلة الكلاسيكية، ثم انتهى إلى الرومانتيكية، أو بعبارة ثانية سار ~~الفن من مرتبة لا فنية إلى مرحلة فنية، ثم انتهى إلى وإنك لترى ألوان الفنون كلها لا تزالمرتبة فوق الفنية فبات عاجزا عن ~~التعبير عن كل معناه. # أما الفن الرمزي فتسود فيه المادة، ولا تكون فيه الفكرة إلا شبحا ضئيلا، وأما الفن ~~الاتباعي (الكلاسيكي) فهو فن تتوازن فيه الفكرة والمادة، وكل من الجانبين يكون وسيلة للجانب ~~الآخر، أما الفن الابتداعي (الرومانتيكي) فتتحكم فيه الفكرة الروحية بحيث تشكل المادة ~~وتخضعها لأغراضها الخاصة. # ولقد جاءت الفنون متعاقبة على هذا الترتيب الطبيعي: العمارة، فالنحت، فالتصوير، ~~فالموسيقى، فالشعر. # ففن العمارة يتميز بأنه رمزي، ولا تندمج فيه المادة والصورة، فلقد تلحظ في فن العمارة ~~الرزانة والعظمة، ولكنك لن تراه يعبر عن العواطف الدقيقة. # ويقل التباين بين الصورة والمادة في فن النحت، حيث تصاغ المادة لتعبر عن فكرة الفنان، ~~ولكنه مع ذلك عاجز ms214 عن تمثيل الجوانب السامية من الروح الإنسانية، عن تمثيل الطبيعة الإلهية؛ ~~إذ لا يمكن لهذه الأخيرة على الأخص أن تجسد في مادة صلبة محدودة كصخرة النحات. # وأما الفنون الابتداعية الثلاثة فهي التصوير والموسيقى والشعر، فالتصوير يتقدم عن النحت ~~بخطوات فسيحة؛ لأن المادة فيه أقل صلابة، والفكر فيه ممثل على نحو قريب من المثل الأعلى. ~~وفي الموسيقى تنمحي شقة الخلاف بين الجانبين: الفكرة والمادة، وهنا ينطلق الفن من حدود ~~المكان ويجتاز قيود المادة، حيث لا يوجد إلا على صورة مثالية في الزمان. وأما الشعر فهو ~~أعلى صور الفن جميعا؛ لأنه يمزج بين التصوير والموسيقى، فهو يضيف إلى ألحان الموسيقى ~~المبهمة تعبيرا ومعنى واضحا محدودا، ثم هو ينطق بما لا يستطيع التصوير إلا أن يشير إليه ~~فحسب. # وإنك لترى ألوان الفنون كلها لا تزال باقية تعبر عن نواح مختلفة من الشعور، ولكنها رغم ~~ذلك قد تدرجت ونمت واحدة بعد واحدة، على مدى العصور؛ فالفن الشرقي الذي ظهر في مصر والهند ~~يتميز بأنه رمزي؛ لأن المادة ترجح فيه على الصورة، وهو في ضخامته وفخامته إنما يعبر عن شعور ~~السمو والعظمة أكثر مما يعبر عن الشعور بالجمال، ثم تتحول هذه النزعة الرمزية إلى فن مفصح ~~عن الجمال أكثر مما يعبر عن العظمة ألا وهو الفن الاتباعي (الكلاسيكي) الذي ظهر في ~~اليونان، ثم يتحد الشعوران بالعظمة والشعور بالجمال فيكونان الفن الابتداعي (الرومانتيكي) ~~الذي يظهر واضحا في الفن المسيحي؛ إذ إن تجسيد الأفكار الروحية قد أكسب التعبير الفني معنى ~~جديدا، فاصطبغت فكرة الجمال بصبغة روحية، وأخلى الزخرف الطبيعي للجمال مكانه للصفاء والطهر ~~والقداسة، وحلت العذراء في الفن محل «فينوس». ولكن إذا كانت المسيحية قد وسعت من دائرة ~~الفن، وأضافت إليه روحا جديدة، فإنها إلى جانب ذلك قد سلبته شيئا من جماله؛ إذ لم تعد ~~الصورة المادية تلائم المثل الأعلى الأخلاقي الجديد، وقد لا ترضي الآية الفنية البالغة حد ~~الكمال الفنان المسيحي الذي بدأ يتطلع إلى عالم أبدي تدركه الأفئدة ولا تراه العيون، وأخذ ~~ينشد التناسق السماوي ms215 والمثل الأعلى الإلهي، ولكن الفن عاجز بغير شك أن يعبر بالريشة أو ~~القيثارة أو القلم عن ذلك المثل السامي، وهكذا أفلس الفن، وتدهور عندما اتخذ أداة للإفصاح عن ~~الشعور الديني؛ لأنه كفيل أن يعبر عن تلك الحياة على نحو أكمل وأتم. ~~(2) # الدين: لقد كشف لنا الفن عن فارق بين النهائي واللانهائي، أعني عن تباين وخلاف بين المادة ~~والفكرة، ولسنا نستطيع أن نوفق بين هذين الشطرين المتباينين إلا بالدين الذي يمس فيه العابد ~~معبوده مسا مباشرا دون أن يحتاج في ذلك إلى وسيط من الصور المادية أو الرمزية، فلقد ~~شهدنا في الفن كيف تتخذ الفكرة الصور المحسة وسيلة لظهورها، أما في الدين فيكفي لتحقيقها ~~مجرد الشعور الباطني؛ لأن كنه الدين وجوهره تمجيد الروح للمطلق تمجيدا باطنيا، هو ~~بعبارة أخرى رغبة في الإنسان لاتحاد ذاته بالله. ويقول «هجل» إن وجود الله لا يمكن أن ~~يقام عليه الدليل على نحو ما يحدث في البرهنة على نظرية رياضية؛ وذلك لأن الله هو فكرتنا ~~عنه، فهو إذن موجود في داخل نفوسنا لا في خارجها، وكلما عمقت فكرة الإنسان عن الله واتسعت ~~ظهر له الله أكثر وضوحا وجلاء. # ولقد مر الدين في سيره التاريخي خلال مراحل عدة، وأحطها مرحلة «عبادة الطبيعة» التي ~~تصور الإنسان فيها أن الله مادة أو قوة طبيعية، ثم جاءت سلسلة من الديانات في الشرق هي ~~«ديانة السحر» في الصين، والديانة البرهمية وغيرها في الهند، وعبادة النور في فارس، وديانة ~~الألم في سوريا، وديانة السر والخفاء في مصر ... وقد مهدت كل هذه الديانات الطريق لديانة ~~«الحرية» عند الإغريق، حيث أخذ الإنسان يدرك تفوقه على الطبيعة وسيادته عليها. # كذلك اجتازت ديانات الفردية الروحية مراحل ثلاثا: اليهودية، دين الجلال، والهلينية، ~~دين الجمال، والرومانية، دين النفعية والغرض. فالأولى هي ديانة التوحيد، والثانية هي القدر ~~والضرورة وتعدد الآلهة، والثالثة ديانة العقل العملي والقوة السياسية ... وأخيرا جاءت ~~المسيحية، وهي تلك الديانة التي هبط بها الوحي، والتي تناقض عبادة الطبيعة وعبادة الإنسانية ~~كليهما، هي اتحاد الواحد والكثير، هي تناسق ms216 الجلال والجمال والقوة، هي التوفيق بين الضرورة ~~والحرية. لقد بلغت المسيحية أسمى فكرة عن الله؛ لأنها تتصور الله قد خرج من نفسه، ثم تجسد ~~في الإنسان، ثم عاد إلى نفسه مرة أخرى. إن في المسيحية ذلك السر العجيب الذي يلائم بين ~~النهائي واللانهائي، بين الإنسان وخالقه. ولقد تم ذلك التوفيق بين الضدين في شخص المسيح؛ ~~لأنه إنسان إلهي. ويقول «هجل» إنه لكي يتحد الإلهي مع الطبيعة البشرية لا مندوحة عن أن ~~تكون وسيلة ذلك الاتحاد هو الإنسان، فيكون إنسانا من ناحية، وفكرة إلهية من ناحية ~~أخرى. # أراد الله أن يحقق وجوده ويقرر ذاته، فخرج من نفسه وتجسد في الإنسان، ثم عاد إلى نفسه ~~مرة أخرى، وهكذا ينبغي أن يفعل الإنسان إذا أراد لنفسه حياة صحيحة، وإذا ابتغى لذاته ~~تقريرا وتحقيقا، «يجب أن يموت الإنسان ليحيا.» هذه هي الحقيقة التي عبر عنها المسيح وضرب ~~لها مثلا بنفسه، فمات لتحيا بموته الإنسانية، فواجب حتم على كل فرد أن يحذو ذلك الحذو ~~الصالح القويم، إذ لا سبيل لتقرير الذات إلا بإنكارها، فحياتنا هي بدء المرحلة ونهايتها في ~~آن واحد، هي الوسيلة وهي الغاية معا، فنحن لا ننشد إلا حياة كاملة، ولن نظفر بتلك الحياة ~~إلا بتضحية الحياة! إن الإنسان ليحمل في نفسه بذور الوجود الروحي الكامل، فحتم عليه أن يضحي ~~بنفسه لينبت ذلك الكمال الكامن ويتحقق، «إذا لم تقع حبة القمح في الحقل، ثم تموت فستظل ~~وحدها.» ولن ينمو للقمح منها نبات. ~~(3) # الفلسفة: ذلك هو الدين وما يدل عليه، ولكن ما يعبر عنه الدين بالشعور والبصيرة يبسطه الفكر في وضوح ~~وجلاء. إن الفلسفة هي الحقيقة في تجريدها وإطلاقها، هي فكر «الفكرة» إذ تفكر في نفسها، أو ~~هي فكر العقل للذي يفهم نفسه ويدركها. # إن موضوع الفلسفة هو هو موضوع الدين، فغاية الاثنين تحديد طبيعة الله وبيان غرضه من ~~العالم، ولكن الأول يسلك إلى الغاية طريق القلب، بينما تستعين الفلسفة لأداء مهمتها بالعقل، ~~ولكن لما كانت الحقيقة لا تتضح إلا إذا أخرجت من دائرة ms217 المشاعر إلى ضوء الفكر الساطع كانت ~~الفلسفة أعلى مرتبة من الدين. إن الدين يشعر بالله ويدركه، أما الفلسفة فتشرحه ~~وتوضحه. # ويتبع سير الفلسفة وتقدمها في عصور التاريخ نفس المراحل الثلاث التي اتبعها الفكر نفسه ~~كما اتبعها كل شيء آخر: مرحلة الوجود المجرد، ثم الوجود الطبيعي، ثم الوجود الروحي في ~~نهاية الأمر. # تلك الحركة الثلاثية تشمل الكون جميعا بكل مظاهره. لقد اجتازها التاريخ في سيره، وسلكها ~~الفن والدين والفلسفة، بل ومر بها المطلق نفسه في تطوره وتقدمه ... الوجود أولا، فالطبيعة ~~ثانيا، فالروح ثالثا، هذا هو سر العالم وجوهر الله. # تلك هي فلسفة «هجل»، وكأنما هي قصيدة فكرية عظيمة، إنها بناء شامخ متناسق الأجزاء، فكل ~~جزء منها يمثل الكل، وكل شيء فيها يؤكد ذلك التثليث الشامل: الوجود فالطبيعة فالروح. ~~(4-2) شوبنهور # Schopenhauer ~~(1) عصره # سادت في أوروبا روح التشاؤم في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتملك النفوس يأس قاتل، ~~وارتفعت بذلك أصوات الشعراء والفلاسفة في كل ناحية من نواحي القارة الأوروبية: «بيرون» في ~~إنجلترا، و«دي موسيه» في فرنسا، «وهيني وشوبنهور» في ألمانيا. # ولقد يقف المرء أمام هذه الظاهرة العجيبة وقفة لا تطول كثيرا، حتى يجد أسبابها في طبيعة ~~ذلك العصر وظروفه التاريخية، فقد انفجرت الثورة في فرنسا، ودوت أرجاء أوروبا دويا اهتزت ~~من هوله عروش، وكان لصوتها صدى في كل الصدور، وأثر عميق في كل النفوس، فمن أشراف ناقمين ~~ساخطين، إلى زراع يهللون لها ويكبرون، ثم كانت واقعة واترلو، فخفت ذلك الصوت الداوي، ~~وعزل نابليون على صخرة سنت هيلانه الصامتة الموحشة في عرض المحيط، وعاد «البوربون» إلى ~~ملكهم في فرنسا، وعاد في ذيلهم أشراف الإقطاع يطالبون بأملاكهم، وانتشرت في أوروبا حركة ~~رجعية تعمل على طمس معالم الثورة. # كم من ملايين الشباب فاضت أرواحهم، وكم من عامر الأرض بات خرابا بلقعا، فكنت لا ترى على ~~وجه أوروبا إلا آثارا خربة، وأنقاضا هنا وهناك؛ ذلك لأن الجيوش النابليونية الجرارة من ناحية، وأعداءها من ناحية أخرى، أخذت تروح ~~وتجيء على وجه أوروبا أكثر من عشرين ms218 سنة قضت فيها على الأخضر واليابس، وخلفت القرى والمدائن ~~ينتابها فقر مدقع وبؤس شامل. # شوبنهور. # ماتت الثورة الفرنسية، وكأنما انتزعت معها روح الحياة من أوروبا؛ لأن قلوب الشباب الطامح ~~في كل بقعة من بقاعها كانت قد صغت إلى الجمهورية الناشئة، وعاشت في ظلال الأمل الوارفة حيث ~~أملت في مستقبل ذهبي زاهر، فما هي إلا أن وقعت الواقعة في واترلو حتى تحطمت كل هذه الآمال، ~~وتبدلت مأساة سنت هيلانه ومؤتمر فينا، فدبت في النفوس روح اليأس وسدت في أعين الناس سبل ~~الحياة، وأثر ذلك في النزعة الدينية أثرين مختلفين: أما الطبقة الفقيرة الجاهلة فقد التجأت ~~إلى الدين تجد في كنفه السلوى والعزاء، وأما الطبقة المفكرة فطغت على قلوبهم موجة إلحادية، ~~ولم تعد عقولهم تسيغ أن يكون ثمة مدبر أعلى لهذا الكون. # فأما فريق العقيدة والدين فقد اقتنع بأن هذه النكبات ليست إلا إذلالا للنفوس جزاء وفاقا ~~بما نزعت إليه من الاعتداد بحكم العقل، ونبذ العقائد وراء الظهر، وأما فريق الإلحاد فقد ~~ارتأى أن اضطراب أوروبا ينهض دليلا قويا على فوضى الحياة وعبثها، وعلى رأس هؤلاء «بيرون ~~وهيني وشوبنهور». ~~(2) الرجل # ولد «أرثر شوبنهور» في دانزج في الثاني والعشرين من فبراير سنة 1788م، وكان أبوه تاجرا ~~امتاز بالكفاءة واستقلال الشخصية، كما عرف بحدة الطبع وحب الحرية، حتى إنه غادر بلدته دانزج ~~حين سلبت حريتها بضم بولندا لها سنة 1793م، فارتحل إلى هامبورج، وكان ابنه «أرثر» عندئذ في ~~الخامسة من عمره، وأنت ترى من ذلك كيف شب «شوبنهور» اليافع في جو مشبع بروح العمل، وكسب ~~المال، والنزوع إلى الحرية. ومع أنه سرعان ما هجر حياة التجارة التي أقحمه فيها أبوه ~~إقحاما، فقد كانت قد طبعته بميسمها الذي يمتاز به رجال الأعمال من برود في الطبع، ونزوع ~~إلى الحقائق الملموسة الواقعة، وميل إلى تعرف الناس والعالم. ولعله مما يدل على شذوذ أفراد ~~أسرة «شوبنهور» أن أباه قد مات منتحرا سنة 1805م، وأن جدته لأبيه توفيت بعد أن أصابها ~~الجنون. # هذا ما ورثه «شوبنهور» عن أبيه: ms219 خلق وإرادة، وأما أمه فقد أورثته ذكاءها المرهف الذي ~~اشتهرت به شهرة واسعة، فلقد كانت من أنبغ من نبغ في عصرها من كتاب القصة. وكان نبوغها هذا ~~في عالم الأدب مما نغض عليها الحياة مع زوجها الذي لم يكن لديه من تذوق الأدب ما يلائم بينه ~~وبينها، فما كاد هذا الزوج الذي يتنافر طبعه وطبعها حتى اندفعت إلى حياة الحب المتحرر من ~~قيود الزوجية، وقد ارتحلت إلى «فيمار»؛ لأنها أنسب بلد في ذلك الحين لتلك الحياة التي نزعت ~~إليها، فلم يقع سلوك الأم من ابنها موقعا حسنا، وساءت العلاقة بينهما سوءا انتهى إلى ~~خصومة متصلة ونزاع لا ينتهي، ولعل هذه العلاقة السيئة بينه وبين أمه هي التي أوحت له بذلك ~~المقت الشديد الذي يصبه على المرأة، ويصور لنا هذا الخطاب من الأم إلى ابنها سوء ما كان ~~بينهما من صلة: «إنك عبء ثقيل لا يحتمل، وإن الحياة معك لعسيرة شديدة العسر، فلقد أطفأ ~~غرورك كل صفاتك الحميدة حتى أصبحت، ولا رجاء فيك يرجوه العالم، وذلك لعجزك عن ضبط رغبتك ~~القوية في تسقط هفوات الناس.» فلما تعذرت الصلة بينهما على هذا النحو، اتفقا على أن يعيشا ~~منفصلين، حتى إنه لم يكن «شوبنهور» يغشى دار أمه إلا كما يغشاها سائر الأضياف والزائرين، ~~وكانا يعامل أحدهما الآخر حينئذ في كثير من الأدب والتكلف كما يفعل المضيف مع زائره ~~الغريب، ولكن حتى هذه الصلة الواهنة لم تلبث أن انقطعت أسبابها، وذلك أن «جوته»، وقد أحب ~~الأم، قد أنبأها يوما أن ابنها لا بد بالغ أوج الشهرة وذروة المجد، وكانت الأم ترى أن ~~الأيام طوال التاريخ لم تسمح بنابغتين في أسرة واحدة، فأدركت من فورها أن نبوغ ابنها معناه ~~انتقاص في نبوغها، فضاقت بهذا الابن ذرعا ولم تعد تطيق أن ترى ذلك المنافس القوي، فما هي ~~إلا أن اشتجرت معه في إحدى زياراته في معركة حادة عنيفة، ثم دفعته على درج السلم فانحدر ~~هاويا بضع درجات، ثم وقف وصعد بصره إليها قائلا في غضب وحدة: ms220 إنها مع ذلك كله لن ~~تعرفها الأجيال المقبلة إلا بأنها أم «شوبنهور». ولم يلبث فيلسوفنا بعد تلك الوقعة أن غادر ~~«فيمار» ولقد لبثت أمه بعدئذ على قيد الحياة أربعة وعشرين عاما لم يرها خلالها قط، وإنه ~~لمما يستحق الذكر في هذا الصدد أن «بيرون» الشاعر الإنجليزي قد ولد في نفس العام الذي ولد ~~فيه «شوبنهور» (1788م)، وأنه لاقى من أمه نفس العنت الذي أصاب «شوبنهور» من أمه ، وأنه انتهى ~~آخر الأمر إلى ما انتهى إليه فيلسوفنا من تشاؤم، ولا غرابة؛ فمن لم يعرف حب الأم وحنانها، ~~كلا بل من لقي من أمه الكره والإساءة، لحقيق أن يقلب النظر في وجوه الأرض، فلا يجد فيها ~~ما يغري بالتعلق بأسباب العالم. # وهكذا وجد فيلسوفنا من دنياه غدرا فتحداها، وتلونت حياته وفلسفته بالكآبة والتشاؤم ~~والشك، فكان في حياته لا يتوقع أن يصيبه من الناس إلا السوء والشر، ولذا عاهد نفسه ألا يترك ~~بابا واحدا في داره إلا أغلقه وأحكم إغلاقه، ولم يرض لنفسه مرة أن يسلم عنقه للحلاق، وكيف ~~يفعل والحلاق لا يني ممسكا بموساه؟ ولم ينم ليلة إلا بعد أن استوثق من حشو غدارته التي كان ~~يضعها تحت وسادته! # ومما يستلفت النظر من أخلاقه عدم احتماله للجلبة والضوضاء، وقد كتب في ذلك يقول: «إن من ~~رأيي أن مقدار الضوضاء الذي يمكن للإنسان أن يحتمله دون أن يثيره، يتناسب تناسبا عكسيا ~~مع مقدرته العقلية، فيمكننا بهذا أن نتخذ الضوضاء مقياسا للكفاءة بالغا في الدقة ... ~~الضوضاء تعذيب لكل من يعمل بعقله من الناس.» فلقد كان يدرك «شوبنهور» أنه عظيم رغم إنكار ~~الناس لعظمته، ولما أفلتت منه الشهرة والتوفيق ارتد إلى نفسه مع الناس وأخذ ينهش في نفسه ~~بأنيابه. # عاش «شوبنهور» وحيدا فلا أم ولا زوجة ولا ولد ولا أسرة ولا وطن ولا صديق، ولم يكن يشاطر ~~معاصريه فيما ملأ صدورهم من نار الوطنية المشتعلة وقتئذ. ومما يروى في ذلك أنه في عام 1813م ~~كان قد تأثر بحماسة «فخته» حتى استجاب لدعوته لحرب وطنية ضد ms221 نابليون. وفكر فعلا في التطوع ~~بنفسه في تلك الحرب، وابتاع لنفسه ما يلزمه للقتال من عدة وسلاح، ولكنه لم يلبث بعد ذلك أن ~~استنكر من نفسه ذلك التصرف قائلا: «إن نابليون لم يفعل في كل ما قام به من عمل إلا أن أفصح ~~بتعبير حر مختصر عن تقرير الذات وعن الشهوة للاستزادة من الحياة التي يحسها من هم أضعف منه ~~من الناس، ولكنهم يكتمونها في صدورهم مرغمين.» وبدل أن يذهب لمشاركة قومه في القتال كما ~~اعتزم. قصد إلى هدوء الريف حيث كتب رسالته التي نال بها لقب الدكتوراه في الفلسفة. # ومنذ ذلك الحين قصر «شوبنهور» مجهوده ووقته على تأليف كتابه المسمى «العالم كإرادة وفكرة» ~~وهو آية نبوغه وبرهان عبقريته، ولقد كتب هو نفسه عن هذا الكتاب حين أرسل صورته الخطية ~~للناشر يقول: ليس كتابه هذا مجرد تكرار للآراء القديمة، ولكنه بناء شامخ من فكر مبتدع، وأنه ~~«قوي واضح ولا يخلو من جمال.» فهو كتاب «سيكون بعدئذ معينا وسببا لمائة كتاب.» يبعث هو ~~على تأليفها فلم يشك «شوبنهور» في أنه حل في كتابه ذاك كل مسائل الفلسفة الهامة، حتى إنه ~~فكر في أن يتخذ لنفسه خاتما منقوشا عليه صورة أبي الهول وهو يلقي بنفسه في الهاوية؛ إذ ~~قيل إن أبا الهول قد أخذ نفسه بأن يفعل هذا إذا ما حلت ألغازه وزال عنها الغموض. # ولكن الكتاب رغم هذه المكانة كلها لم يجد في الناس قارئا، لقد كان الناس منهوكي القوى ~~يتمرغون في حمأة الفقر فما حاجتهم إلى قراءة كتاب يحدثهم عن فقر العالم وشقائه؟! ومهما يكن ~~من أمر، فقد طبع الكتاب ولبث أكداسا مركومة في المخازن، فلما مضت بعد طبعه ستة عشر عاما ~~أنبئ «شوبنهور» أن قد بيعت الكثرة العظمى من نسخ الكتاب ورقا تالفا، وقد كتب في مقال له ~~عن «الشهرة» مشيرا إلى كتابه ذاك: «إن مثل هذه الكتب كالمرآة إذا نظر فيها حمار فلا يتوقعن ~~أن يرى فيها ملكا.» «وهل إذا ما تصادم رأس وكتاب، ثم انبعث من أحدهما ms222 صوت أجوف، أويكون ~~الأجوف هو الكتاب دائما؟» ثم يستطرد «شوبنهور» في هذا المقال فيزهو بنفسه كأنما يريد أن ~~ينتقم لكبريائه الجريح: «كلما كان الرجل تابعا للخلف - أو بعبارة أخرى كلما كان تابعا ~~للإنسانية بصفة عامة - كان أبعد عن معاصريه؛ لأنه إذا كان كتابه لا يقصد إليهم كمعاصرين، ~~بل يخاطبهم كجزء من الإنسانية عامة، فلن يصطبغ الكتاب باللون المحلي الذي يألفونه، ويمس ~~قلوبهم»، ثم يقول في لغة ثعلب العنب : «هل يغتر الموسيقي عندما يضج سامعوه باستحسانه ~~إذا علم أن كثرتهم الغالبة صماء وأنهم أوصوا شخصا أو شخصين ليصفقوا عنهم لكي يخفوا من ~~أنفسهم عاهة الصمم؟ وماذا هو قائل إذا ما عرف أن ذلك الشخص أو الشخصين لم يصيحا باستحسانه ~~إلا بعد أن ارتشيا ليفعلا هذا؟» # أما مؤلفاته الأخرى فأهمها وأوسعها انتشارا «المقالات» التي نشرها في سنة 1851م، وهو كتاب ~~مفعم على صغره بالحكمة. وجدير بنا أن نذكر أن الفيلسوف لم يأخذ من ناشر الكتاب ثمنا لكتابه ~~إلا عشر نسخ منه. # لبث «شوبنهور» في وحدته وعزلته بعد أن غادر «فيمار» ولبث يعاني تلك الحالة الرتيبة التي ~~لا تأتيه بجديد، حتى تهيأت له في عام 1823م فرصة طالما تمناها، وهي أن يتاح له أن يحاضر في ~~فلسفته في إحدى الجامعات، فلما كانت تلك السنة دعي إلى جامعة برلين ليبسط فلسفته للطلاب، ~~فتعمد أن يحدد لإلقاء محاضراته نفس الأوقات التي كان يلقي فيها «هجل» محاضراته، وكان «هجل» ~~في ذلك الحين في ذروة مجده وقمة شهرته، له صوت بعيد في الطلاب، وكان «شوبنهور» يحسب أن جموع ~~الطلاب لن تلبث أن تقبل عليه، وقد كان يكون هذا لو لم يكن الطلاب قد ملأهم الإعجاب بهجل ~~وملك عليهم نفوسهم، ولم يعد فيها مجال للإعجاب بأحد غيره، ولكنه أحسن الظن بتقدير الطلاب ~~إلى حد بعيد، فخاب فأله، إذ ألفى نفسه يلقي محاضراته وليس أمامه إلا صفوف من المقاعد ~~الخاوية، فلم يسعه إلا أن يستقيل من هذا المنصب الذي طالما رجاه، وكأنما أحس بشيء من الغيط ~~نحو «هجل» الذي ms223 سيطر على نفوس الطلاب جميعا، فراح ينتقم لنفسه منه بما نشر عنه من نقد. ~~وفي عام 1831م انتشرت الكوليرا في برلين، ففر «هجل وشوبنهور» استبقاء لحياتهما، ولكن ~~«هجل» عجل بالعودة إلى برلين حيث لقي حتفه، أما «شوبنهور» فواصل السير حتى استقر في ~~فرانكفورت، وهنالك طاب له المقام، فعاش بها اثنين وعشرين عاما انتقل بعدها إلى جوار ~~ربه. # لقد أبى «شوبنهور» أن يكسب عيشه بإنتاج قلمه بحجة أن هذه زلة لا يقع فيها إلا متفائل ~~بالدنيا، أما هو المتشائم فلا يجوز له ذلك، وكان يكفيه لعيشه ريع مال خلفه له أبوه. ومن ~~العجيب أنه كان حريصا في استخدام أمواله حرصا لا يكاد يلائم روح الفيلسوف، وكان يسكن في ~~الشطر الأخير من حياته في حجرتين من منزل لا زميل له إلا كلبه الذي أطلق عليه اسم ~~«أطما # Atma ~~» (وهو اسم يطلقه البرهمي على روح العالم)، ولكن المجان من أهل المدينة كانوا يسخرون من ~~الفيلسوف فسموا كلبه هذا «شوبنهور الصغير»، وقد اعتاد «شوبنهور» في كل يوم عند بدء تناوله ~~لغدائه أن يضع قطعة ذهبية من النقود أمامه على المائدة، ثم يعيدها إلى جيبه ثانية إذا ما ~~فرغ من طعامه، فلم يسع خادم المائدة إلا أن يستفسره يوما عن معنى ذلك، فأجابه «شوبنهور» ~~إنه راهن نفسه أن يلقي بهذه القطعة الذهبية في صندوق الفقراء إذا سمع الضباط الإنجليز الذين ~~كانوا يطعمون في ذلك المطعم يتحدثون في شيء غير الخيل والنساء والكلاب، وأنه في كل يوم ~~يكسب من نفسه الرهان. # لقد أنكرت الجامعات «شوبنهور» كما أنكرت كتبه، فكانت بذلك الإنكار كأنما تؤيد ما زعمه هو ~~نفسه من أن الفلسفة لم تتقدم خارج جدران الجامعات، ولكن «شوبنهور» لم تخامره خلجة من الشك ~~في أن الناس لا بد معترفون يوما بمكانته، أسرع ذلك اليوم أم أبطأ، ولقد حققت الأيام رجاءه ~~بعد أعوام طوال، فأقبل على فلسفته المثقفون من الطبقات المتوسطة كالمحامين والأطباء ~~والتجار؛ لأنهم لم يجدوا فيه الفيلسوف الذي يرطن بضخام الألفاظ عما وراء الطبيعة، ولكنهم ~~ألفوه ms224 يشرح بفلسفته ظواهر الحياة شرحا يسير الفهم سهل الإساغة. # جاءته الشهرة التي تمناها وتوقعها، ولم يكن من الشيخوخة بحيث لا يستطيع أن يتمتع بها، بل ~~كان له من حيوية الشباب ما مكنه من التمتع بشهرته، فأخذ يقرأ كل ما كان ينشر عنه من مقالات، ~~وطلب من أصدقائه أن يرسلوا إليه كل ما يقعون عليه في الصحف وغير الصحف مما يتصل به بسبب ~~وعليه أجرة البريد! وقد بعث إليه «فاجنر» في سنة 1854م بتقديره وإعجابه بفلسفته في الموسيقى، ~~فسر «شوبنهور» بذلك سرورا كاد ينقلب معه تشاؤمه إلى تفاؤل ... وقد كان في كهولته يضرب على ~~القيثارة كل يوم بعد الغداء ويحمد الأيام التي خلصته من نيران الشباب المحتدم، وبلغ في سنة ~~1858م عامه السبعين، فتدفقت إليه جموع غفيرة من كل حدب وصوب ليروه، كما انهالت عليه رسائل ~~التهنئة بذلك العيد. # ثم عاش بعد ذلك عامين، وفي اليوم الحادي والعشرين من سبتمبر سنة 1860م جلس وحده على مائدة ~~الإفطار وعليه علائم الصحة، ولكن سيدة الدار رأته بعد ساعة كاملة لا يزال جالسا إلى مائدته ~~ساكنا لا يتحرك. لقد مات. ~~(3) العالم فكرة # أول ما يفجؤك من كتاب «شوبنهور» «العالم كإرادة وفكرة» أسلوبه الذي صيغ فيه، فلن يصادفك ~~منه إلا عبارة سهلة المأخذ، يسيرة الفهم، لا يشوبها شيء من تلك المصطلحات المعقدة التي ~~نراها عند «كانت» ولا شيء من ذلك الغموض الذي يصدمك عند «هجل». ومما يلفت نظر القارئ في ~~هذا الكتاب فضلا عن سهولة عبارته سبك الأفكار سبكا يستدعي الإعجاب الشديد، ففكرته ~~الأساسية هي أن العالم إرادة، ثم يترتب على الإرادة كفاح وجهاد، ثم ينبني على الكفاح بؤس ~~وشقاء، فقد جاء هذا الكتاب جديدا في كل شيء، جديدا في وضوح عبارته بعد ما رأيناه ممن قبله ~~من غموض وإبهام؛ وجديدا في اتصال ما فيه من أفكار بالحياة الواقعة، وجديدا بكثرة ما فيه ~~من الأمثلة التوضيحية التي لم ير «شوبنهور» - وهو ابن رجل الأعمال - بدا منها لجلاء ~~الفكرة؛ وجديدا حتى في فكاهته؛ لأن وجود الملح ms225 الفكاهية في كتاب فلسفي كان ظاهرة تلفت ~~النظر بعد «كانت». # ولكن إذا كانت تلك منزلة الكتاب، فلم نبذه وكساده؟ والجواب على ذلك أنه إنما نبذ وكسد؛ ~~لأنه هاجم أساتذة الجامعة، وهم الطائفة الوحيدة التي كان في وسعها أن تذيع الكتاب وتنشره، ~~فقد كان «هجل» هو الآمر المسيطر على ميدان الفلسفة في ألمانيا سنة 1818م، ومع ذلك لم يعبأ ~~به «شوبنهور»، وبدأ كتابه بأعنف النقد «لهجل». # ويبدأ الكتاب بهذه العبارة: «العالم هو فكرتي عنه» وهو يقصد ما ارتآه «كانت» من قبل من ~~أننا نعلم العالم الخارجي بوساطة الحواس والأفكار، ثم يستطرد «شوبنهور» فيعرض المذهب ~~المثالي عرضا واضحا قويا، ولكنه مع ذلك أضعف أجزاء الكتاب وأقلها أصالة رأي، وكان خيرا ~~له وللكتاب أن يؤخر هذا الجزء من أن يقدمه ويصدر به الكتاب، فلقد لبث الناس جيلا كاملا ~~وهم لا يعلمون أن «شوبنهور» قد استهل الكتاب بأضعف فصوله ليتخذ منها ستارا يخبئ وراءه فكره ~~الممتع الطريف. ولعل أهم ما جاء في هذا الجزء الأول هو هجومه على المذهب المادي، فقد تساءل ~~كيف نفسر العقل بأنه مادة ما دمنا لا نعلم المادة إلا بواسطة العقل؟ ثم يقول إنه من ~~المستحيل أن نستكشف كنه الحقيقة بأن نبدأ ببحث المادة، ثم ننتقل منها إلى الفكر، بل يجب أن ~~نبدأ بذلك الذي نعرفه معرفة مباشرة قريبة أعني أنفسنا «إننا لن نصل إلى طبيعة الأشياء ~~الحقيقية إذا بدأنا السير من الخارج، فمهما طال البحث فلن ندرك شيئا، اللهم إلا صورا ~~وأسماء.» أما إذا عرفنا طبيعة عقولنا أولا فلقد ظفرنا بمفتاح العالم الخارجي. ~~(4) العالم إرادة ~~(أ) # إرادة الحياة: # لقد اتفق الفلاسفة جميعا بغير استثناء على أن جوهر العقل الفكر ~~والإدراك، وكان الإنسان عندهم جميعا هو حيوان عارف «فيجب أولا أن ننبذ هذه الغلطة القديمة ~~الجوهرية الاجتماعية.» # 11 # إنما الإدراك مجرد قشرة سطحية لعقولنا، ولا نعلم شيئا عما تحويه تلك القشرة ~~كما هي حالنا مع الأرض، لا نعلم منها إلا القشرة، فثمة وراء العقل الواعي إرادة شعورية أو ~~لا شعورية، ms226 وهي عبارة عن قوة حيوية مكافحة مثابرة هي فاعلية من تلقاء نفسها، ورغبة توجه ~~الإنسان بما تلقي عليه من الأوامر، ولقد يبدو العقل أحيانا كأنه هو الذي يقود الإرادة، ~~ولكنه عندئذ يكون كما يقود الدليل سيده، فالإرادة «هي الرجل الأعمى القوي الذي يحمل على ~~كتفيه رجلا أعرج لا يبصر» فنحن لا نريد الشيء المعين؛ لأن عقولنا قد وجدت ما يبرر إرادته ~~من أسباب، بل إننا لنوجد الأسباب؛ لأننا أردناه، وكل ما ترى مما أنتج الإنسان من فلسفة ودين ~~ليس إلا قناعا يلف فيه رغبته وإرادته، ولهذا يسمي «شوبنهور» الإنسان «بالحيوان ~~الميتافيزيقي»؛ لأن سائر الحيوان يرغب ويريد دون أن يحاول إخفاء إرادته في قناع من ~~الميتافيزيقيا، فالإنسان مسوق بإرادته وحدها دون عقله، يقول «شوبنهور» لشد ما يغيظني أن ~~نجادل رجلا بالأسباب والبراهين ونعاني الآلام في إقناعه، ثم يتضح لنا آخر الأمر أنه «لا ~~يريد» أن يفهم، وأنه ينبغي لنا أن نتصل «بإرادته» لا بعقله، ومن هنا كان المنطق عديم الفائدة؛ ~~لأنه يستحيل عليك أن تقنع أحدا بالمنطق، وما نحسب علماء المنطق أنفسهم يستخدمون المنطق إلا ~~كوسيلة لكسب العيش، فلكي تقنع إنسانا يجب أن تلجأ إلى مصلحته الشخصية الذاتية وإلى رغبته ~~وإرادته ... انظر كم يحتفظ الرجل بذكرى انتصاره، ثم ما أسرع أن ينسى اندحاره، وما ذلك إلا لأن ~~الذاكرة أداة طيعة في يد الإرادة، ثم انظر كيف «يخطئ الإنسان في إعداد حسابه خطأ في صالحه ~~أكثر مما يخطئ في غير صالحه، وإنما يقع مثل ذلك الخطأ بغير أدنى قصد دنيء.» هذا وإنك لتلاحظ ~~من جهة أخرى أن أغبى إنسان ينقلب مرهف الذكاء إذا ما كانت المسألة المطروحة عليه من البحث ~~تمس رغباته مسا قريبا، ويدل ذلك كله على أن العقل ثانوي بالنسبة للإرادة، وأداة خاضعة ~~لرغبة الإنسان، أما إذا حاولت أن تحل العقل محل الإرادة، فقد تورطت في إشكال لا نجاة لك ~~منه؛، إذ لا يكون الإنسان عرضة للأخطاء إلا إذا حان أن يحكم عقله وتأمله في كل شيء. # فكر في كفاح ms227 الناس للحصول على طعامهم وزوجاتهم، ثم في تربية أطفالهم، وسائل نفسك: هل ~~يمكن أن يكون هذا من عمل الفكر؟ كلا ولا ريب، إنما هو نتيجة لإرادة الإنسان أن يحيا حياة ~~كاملة «فقد يبدو على الناس أنهم مقودون من الأمام، والواقع أنهم مسوقون من الخلف.» فهم يظنون ~~أنهم مسيرون بما يرون لأنفسهم، وهم في الحقيقة مدفوعون بإحساس غريزي ما أكثر أن يسلبهم ~~إدراكهم الواعي، فليس العقل من الإنسان إلا وزيرا لخارجيته «قد أنتجته الطبيعة ليخدم إرادة ~~الفرد، والقصد منه أن يتعرف الأشياء بمقدار ما هي دوافع للإرادة، لا أن يسبر غورها أو يفهم ~~حقيقة وجودها» أما الإرادة «فهي العنصر الوحيد الدائم الثابت.» وهي التي تعمل بما ترمي إليه ~~من غرض على توحيد مشاعر الإنسان وربط أفكاره وآرائه بعضها ببعض، والجمع بينها في وحدة ~~متناسقة دائمة. # هذا وإن شخصية الإنسان لتشكلها إرادته لا عقله، وما أصدق العامة حين يؤثرون «القلب» على ~~«العقل»؛ لأنهم موقنون أن الإرادة الطيبة أعمق من العقل الخالص، وإنا لنلاحظ أن الناس إذا ~~ما أطلقوا على رجل اسما من تلك الأسماء التي تتضمن حدة الذكاء «كالداهية» أو «العليم» أو ~~«الماكر»، فإنهم إنما يبطنون وراء هذه التسمية ريبتهم في ذلك الرجل وكرههم له؛ «لأن نبوغ ~~العقل يستثير الإعجاب، ولكنه يستحيل أن يستتبع المحبة.» ألست ترى «جميع الديانات تبشر ~~بالجزاء ... لحسنات الإرادة أو القلب، ولكنها لا تعد نبوغ العقل والفهم شيئا؟» # بل إن الجسم نفسه لثمرة أنتجتها الإرادة، فالدم الذي تدفعه تلك الإرادة التي نسميها - على ~~وجه التقريب - بالحياة، يبني أوعيته التي يجري فيها بأن يشق لنفسه قنوات في الجنين، ثم ~~تزداد تلك القنوات تعمقا، ثم تصبح بعد عروقا وشرايين. وإرادة الإنسان أن يعلم تبني ~~المخ، كما أن إرادته أن يقبض على الأشياء تكون الأيدي، وإرادة أن يأكل تهذب الجهاز ~~الهضمي، وليس هذا الازدواج؛ صورة الإرادة من ناحية، والصورة الجسدية من ناحية أخرى إلا ~~جانبين لعملية واحدة، ولعل أوضح ما تتضح فيه العلاقة بين الإرادة والجسد هي العواطف، حيث ~~ترى الشعور ms228 المعين يتبعه تغيرات بدنية معينة، وهذه وتلك تكونان كلا واحدا ~~مركبا. ~~«إن عمل الإرادة وحركة الجسم ليسا شيئين مختلفين تفرق بينهما تفرقة موضوعية، ويتحد أحدهما ~~بالآخر برباط السببية، أي أن ما بينهما من صلة هي صلة العلة بمعلولها. بل هما شيء واحد، ولو ~~أنهما يحدثان بطرق مختلفة أتم الخلاف ... إن عمل الجسيم ليس إلا عمل الإرادة مجسدا، وهذا ~~صحيح في كل حركة من حركات الجسم ... فليس الجسم كله إلا إرادة تجسدت ... فيجب لذلك أن تقابل ~~أجزاء الجسم الرغبات الرئيسية التي تتجلى فيها الإرادة تقابلا تاما، فلا بد أن تكون تلك ~~الأجزاء هي التعبير المرئي لهذه الرغبات، فالأسنان والحلق والأمعاء هي الجوع قد تجسد، ~~وأعضاء التناسل هي الرغبة الجنسية قد تجسدت ... ويكون الجهاز العصبي في جملته أداة الحس التي ~~تشعر بها الإرادة فتمدها لتتحسس بها في الداخل وفي الخارج ... وكما أن الجنس الإنساني بصفة ~~عامة يقابل الإرادة الإنسانية بصفة عامة، فإن البنية الجسدية للفرد تقابل إرادة الفرد، أي ~~شخصيته.» # ومما يفرق بين العقل والإرادة أن الأول يتعب، أما الثانية فلا تعرف للتعب معنى، فالعقل ~~يحتاج إلى النوم، أما الإرادة فتواصل نشاطها حتى في حالة النوم، والتعب - كالألم - له مركز ~~خاص في المخ، ولذا فالعضلات التي لا تتصل بالمخ - كالقلب مثلا - لا تتعب مطلقا، والمخ ~~يغذيه النوم، أما الإرادة فلا تحتاج إلى تغذية، ومن هنا رأينا الحاجة إلى النوم تشتد عند ~~الذين يعملون بعقولهم، ومما يلاحظ أن حياة الإنسان في النوم تهبط إلى المستوى النباتي، ~~وحينئذ تعمل الإرادة وفق طبيعتها الأصلية الجوهرية، فلا يعوقها عائق من الخارج، ولا تحد من ~~قوتها فاعلية المخ وما تبذله من مجهود في سبيل المعرفة، وهي أثقل الوظائف العضوية ... ولذلك ~~فكل قوة الإرادة تتوجه أثناء النوم نحو الاحتفاظ بالجهاز العضوي وتحسينه، ومن هنا أمكن ~~للجسم أن يستعيض عن كل ما فقده بما يسترده في نومه. ولقد أصاب «برداخ» # Burdach # إذ قرر أن ~~النوم هو الحالة الطبيعية، فالجنين يكاد ينام نوما متصلا، والرضيع ينام الشطر الأعظم من ~~يومه، ms229 وهل الحياة إلا جهاد ضد النوم؟ «فالنوم قطعة من الموت استعرناها؛ لنستعين بها على ~~تجديد ما استهلكه عمل النهار من حياة.» إن النوم هو عدونا الأبدي، وإنه ليتملكنا بعض الشيء ~~حتى في يقظتنا. # الإرادة إذن هي جوهر الإنسان، فماذا يمنع أن تكون جوهر الحياة في كل صورها، بل ماذا يمنع ~~أن تكون جوهر الجماد؟ لم لا تكون الإرادة هي «الشيء في ذاته» الذي طالما بحثنا عنه، وطالما ~~يئسنا من الوصول إليه؟ ألا إن الإرادة هي الحقيقة النهائية، وهي كنه الأشياء الخفي. # إذن فلنحاول أن نفسر مظاهر العالم الخارجي بالإرادة، ولنضرب من فورنا إلى أعماق الموضوع ~~فنرفض ما قاله السابقون من أن الإرادة ضرب من القوة، ونزعم أن القوة هي صورة من صور ~~الإرادة، فإذا ألقي علينا سؤال «هيوم»: ما هي السببية؟ أجبنا: إنها الإرادة، فكما أن ~~الإرادة هي العلة العامة التي توجه أنفسنا، فهي كذلك علة الأشياء، وما لم نفهم العلة على ~~أنها إرادة، فسنظل نردد ألفاظا غامضة «كالقوة» «الجاذبية» وما إليهما، فنحن لا نعلم ما هذه ~~القوى، ولكننا نعلم - ولو إلى حد ما - ما هي الإرادة؟ فلماذا لا نقول إن الطرد والجذب، ~~والكون والفساد، والمغناطيسية والكهرباء، هي إرادة؟ ولقد أشار «جوته» إلى هذه الفكرة في ~~عنوان إحدى قصصه إذ سمى تجاذب الحبيبين الذي لا مندوحة عنه «بالتشابه الانتخابي»، ولعله ~~يريد أن القوة التي تجذب المحب إلى حبيبه هي هي القوة التي تجذب كوكبا إلى كوكب. # هذا وإنا لنلاحظ في حياة النبات أننا كلما هبطنا إلى أسفل صور الحياة صغر الدور الذي ~~يلعبه العقل، ولكن الإرادة تظل هي هي «إن ما فينا من إرادة تتابع أغراضها في ضوء المعرفة، ~~ولكن الإرادة هنا (أي في النبات) ... تكافح كفاحا أعمى وأبكم على صورة محدودة لا تتغير ... إن ~~اللاشعور هو الحالة الأولية والطبيعية لسائر الأشياء، ولذا فهو الأساس الذي تفرع عنه الشعور ~~- وبخاصة في الأحياء - كجوهرها الأسمى، ولكن اللاشعور تظل له السيطرة حتى في الكائنات ذوات ~~الشعور. وعلى ذلك فمعظم الموجودات تعمل بلا ms230 شعور، ولكنها تسير تبعا لقوانين طبيعتها أعني ~~إرادتها. فالنباتات ليس لها من الإدراك الشعوري إلا ما يشبه الإدراك شبها غاية في الضعف، ~~وليس لأحوط أنواع الحيوان إلا بصيص من الإدراك فقط، وحتى بعد أن يصعد الشعور مجتازا مراحل ~~الحيوان إلى أن يصل إلى عقل الإنسان، فإن اللاشعور الذي رأيته في النبات الذي بدأ منه ~~الشعور يظل هو الأساس، ويمكننا أن نلمس وجوده في ضرورة النوم.» # إن المهارة الآلية العجيبة التي نشاهدها في الحيوان لتبين لنا في جلاء كيف أن الإرادة ~~أسبق من العقل. ألم تر إلى ذلك الفيل الذي سيق إلى القارة الأوروبية، والذي عبر في رحلته ~~تلك مئات من الجسور (الكباري) كيف أبى أن يعبر على جسر ضعيف على الرغم من أنه رأى كثيرا ~~من الجياد والناس يعبرونه، ثم ألا ترى كيف يحجم الجرو الصغير عن القفز من المائدة؛ لأنه ~~يخشى عواقب تلك القفزة، وهو لا يخشاها بناء على البرهان العقلي (لأنه لم يسبق له تجربة من ~~هذا النوع حتى يتسنى له الحكم) إنما هو يحجم بغريزته، بل انظر إلى قرود «الأورانج أوتانج» ~~كيف تسعى إلى النار لتصطليها، ولكنها يستحيل أن تخطئ فتحاول أكلها، فليس هناك سبيل إلى الشك ~~في أن هذه الأمثلة وأضرابها غريزة وليست نتيجة لمنطق، إنها أعمال الإرادة لا العقل. # هذه الإرادة التي طال حديثنا عنها هي إرادة الحياة - أعني الحد الأقصى من الحياة - وليست ~~تقتصر هذه الإرادة للحياة على كائن دون آخر، بل كلها يريدها ويسترخص كل شيء في سبيلها، ~~انظر إلى حبة القمح كيف تحتفظ بقوة الحياة الكامنة فيها ثلاثة آلاف من السنين، حتى إذا ما ~~ظفرت بالظروف الملائمة للنمو ترعرعت نباتا، بل فكر في هذه الضفادع الأحياء التي وجدت في ~~ثنايا حجر الجير، والتي لبثت في مخبئها ذاك عدة آلاف من السنين ترقب العودة إلى الحياة في ~~صبر جميل، نعم إنها إرادة الحياة هي التي تسيطر على الكائنات كلها، وأما عدوها الأبدي فهو ~~الموت. # أفلا تستطيع أن تهزم الموت؟ ~~(ب) # إرادة النسل: # نعم ms231 تستطيع أن تهزم عدوها الموت، بالتناسل، رغم ما يتضمن التناسل من ~~عناء وتضحية، فكل كائن عضوي يسارع إلى تضحية نفسه من أجل التناسل إذا ما بلغ حد النضوح من ~~العنكب الذي تلتهمه أنثاه بمجرد تلقيحه إياها، والزنبور الذي يفني حياته في جمع القوت لنسل ~~لن يراه، إلى الإنسان الذي يتفانى في تحصيل حاجات أولاده من طعام ولباس وتربية ... فالنسل هو ~~الغرض النهائي لكل كائن عضوي، والتناسل هو أقوى الغرائز، إذ هو الوسيلة الوحيدة التي يتسنى ~~للإرادة بها أن تقهر الموت، ولكي تثق الإرادة بسلامتها من خطر الموت تعمدت ألا تضع إرادة ~~النسل تحت رقابة العقل بما له من تأمل ومعرفة، فلم يكد ينجو منها أحد، حتى إنك لترى ~~الفلاسفة أنفسهم قد انصاعوا لها وأنسلوا. ~~«إن الإرادة لتبدو في التناسل مستقلة عن المعرفة، فهي تسير في هذا المجال سيرا أعمى، ~~كما تعمل في الطبيعة اللاشعورية ... وبناء على هذا كانت أعضاء التناسل هي بؤرة الإرادة ~~بعينها، وهي المركز الذي يقابله المخ الذي يمثل المعرفة من ناحية أخرى ... وأعضاء التناسل هي ~~أساس حفظ الحياة ... لأنها تتضمن حياة لا تنتهي، ومن أجل هذا عبدها منذ القدم اليونان ~~واليهود ... إن العلاقة بين الجنسين ... هي في الواقع النقطة المركزية الخفية لكل عمل وسلوك، وهي ~~تتجلى في كل شيء برغم ما نحاول سترها به من الأقنعة، إنها سبب الحروب، وهي الغاية من ~~السلام، هي أساس الجد والغاية من المزاح، وهي الينبوع الفياض بمستملح النكات، وهي مفتاح كل ~~تلميح، ومعنى كل ما غمض من العبارات ... إننا نراها لا تني في رفع نفسها لتكون سيدة العالم ~~سيادة وراثية حقيقية، تريد أن تتربع على عرش الآباء بفضل اكتمال قوتها، وتلقي من أوجها ~~نظرة كلها السخرية والاستخفاف بما يتخذه الناس لها من قيود وأغلال، أو بما يعد لتحديدها ~~على أقل تقدير، أو لمحوها إن أمكن، بل إنها لتهزأ من السيطرة عليها سيطرة تنزل بها إلى ~~منزلة من الحياة ثانوية فرعية.» # إن فلسفة الحب لتدور حول تبعية الأب للأم، أو تبعية الوالد ms232 لولده، أو تبعية الفرد للنوع، ~~وقانون الجاذبية الجنسية هو قبل كل شيء اختيار الأليف اختيارا لا شعوريا، بحيث يتلاءم ~~الأليفان لإنتاج النسل. ~~«كل يبحث عن أليفه الذي يمحو منه جوانب النقص حتى لا تورث ... فالرجل الضعيف البنية يبحث ~~عن امرأة قوية ... وكل إنسان سيرى ما في أليفه من نواحي الكمال التي تعوزه هو جميلا، كلا بل ~~إنه ليصف بالجمال نواحي النقص من أليفه التي تناقض نواحي نقصه هو ... إن الصفات الجسدية ~~لأليفين تكون بحيث تحتفظ للنوع بصفاته المميزة بقدر الإمكان، ومن أجل هذا يكون الواحد منهما ~~متمما للآخر، ولذلك تراه يرغب فيه رغبة قوية ... إن الفرد ليفقد جاذبيته للجنس الآخر بمقدار ~~ما ابتعد عن أنسب فترات حياته للإنسال ... ولذا فللشباب جاذبيته دائما حتى وإن خلا من الجمال، ~~ولكن لا جاذبية في جمال بغير شباب ...» # ولكن مما تجدر ملاحظته في هذا الصدد أن أشقى حالات الزواج هو ما تم على أساس من الحب (ولو ~~أنه أصلحها لبقاء النوع)، وعلة هذا أن الغرض الأسمى من الاتحاد الجنسي هو بقاء النوع لا لذة ~~الفرد. أما أسعد زواج في رأي «شوبنهور» فهو ما يتم بإشراف آباء الزوجين، ولو أن هذا الضرب ~~من الزواج - على ما فيه من سعادة الزوجين - أقل ملاءمة لحفظ النوع من زواج الحب، ولهذا فإن ~~الفتاة التي تندفع وراء حبها معرضة عن نصح والديها تستحق الإعجاب؛ لأنها آثرت بطبيعتها ما ~~هو أهم وأكثر نفعا؛ لأنها في مثل هذه الحالة تفضل واجبها نحو جنسها عن سعادة شخصها، فالحب ~~هو أدق وسيلة لاختيار الأزواج اختيارا صالحا، بحيث يؤدي إلى أحسن النتائج، وما دام الحب ~~خديعة تدبرها الطبيعة لأداء أغراضها، فخير الزواج ما يمحو هذه الخديعة، ولا يستطيع أن يفعل ~~ذلك، وبعبارة أخرى لا يستطيع أن يسعد بزواجه، إلا الفيلسوف، ولكن الفلاسفة لا ~~يتزوجون. # ومما يدل أيضا على خضوع الفرد لحاجات جنسه، وعلى أنه مجرد أداة يتخذها الجنس لاستمرار ~~بقائه، هو أن حيوية الفرد تتوقف على حالة خلاياه التناسلية. ~~«يجب أن تعتبر الغريزة الجنسية ms233 روح شجرة النوع التي تنمو عليها حياة الفرد، فالفرد من ~~نوعه كالورقة من الشجرة تتغذى منها وتغذوها، وهذا هو السبب في قوة الغريزة الجنسية، وفي ~~أنها تنشأ من أعماق طبيعتنا. فإذا خصي فرد كان ذلك بمثابة قطعه من شجرة النوع التي ينمو ~~عليها، وإذا ما انفصل من شجرته فلا بد أن يذبل ويذوي، ومن ثم تنحط قواه البدنية والعقلية، ~~ومما يلاحظ أن خدمة الفرد للنوع - أعني قيامه بعملية التلقيح - يتبعها دائما تعب مؤقت ~~وانحطاط في كل القوى، وقد يتبعها الموت العاجل عند معظم الحشرات، أما عند الإنسان فخمود ~~القوى التناسلية معناه أن الفرد يدنو من الموت، والإفراط في استخدام هذه القوة في أية سن ~~مدعاة لتقصير الحياة، والاعتدال من ناحية أخرى يزيد قوى الإنسان كلها، وبخاصة القوى ~~العضلية، وقد روعي هذا الأساس في تدريب الرياضيين الإغريق ... وإن ذلك ليدل على أن حياة الفرد ~~في أعماقها ليست إلا جزءا مستعارا من حياة النوع ... التناسل هو الأوج الأعلى الذي يهوي منه ~~الفرد بعد بلوغه إياه هويا سريعا أو بطيئا، بينما الحياة الجديدة (التي أنسلها) تؤكد ~~للطبيعة بقاء النوع، ثم هي تكرر الظاهرة بعينها ... وهكذا يكون تعاقب الموت والإنسال بمثابة ~~نبضات القلب للنوع ... إن الموت بالنسبة إلى النوع كالنوم بالنسبة إلى الفرد ... هذا هو مذهب ~~الطبيعة العظيم في الخلود ... إذ العالم بأسره - بكل ما فيه من ظواهر - هو تجسيد إرادة واحدة ~~خفية ... ويقول جوته: «إن لأرواحنا طبيعة تستعصي على الفناء، وإن فاعليتها لتمتد من الأزل إلى ~~الأبد. إنها كالشمس التي تبدو غاربة لأعيننا الأرضية، ولكنها في الحقيقة لا تغرب أبدا ~~وتضيء بلا انقطاع.» ولقد أخذ مني «جوته» هذا التشبيه، لا أنا الذي اقتبسته منه. # نحن كلنا أجزاء من حقيقة واحدة، ولكن وجودنا في زمان ومكان يظهرنا بمظهر الكائنات ~~المنفصلة، فالزمان والمكان هما أصل الانفصال الفردي الذي تنقسم به الحياة إلى كائنات عضوية ~~متميزة تبدو كأنما هي أشتات متفرقة في أمكنة مختلفة، وفي فترات من الزمان متباعدة، فليس ~~الزمان والمكان إلا نقابا وهميا يخفي ms234 عن أعيننا اتحاد الأشياء، إذ ليس في واقع الأمر إلا ~~نوع واحد، أو قل: حياة واحدة، أو إن شئت فقل إرادة واحدة، وكنه الفلسفة هو أن «تفهمك ~~في جلاء أن ليس الفرد إلا الظاهرة لا الشيء في ذاته»، وأن تريك «دوام الصورة الثابتة من ~~خلال تغير المادة المتصل». # إن من لا يستطيع أن ينظر إلى الناس والأشياء جميعا وفي كل عصور التاريخ كأشباح وأوهام ~~فليست له ملكة الفلسفة ... إن فلسفة التاريخ الصحيحة هي إدراك وجود ثابت لا يتغير ، وإن بدا ~~كما تراه متغيرا تغيرا لا نهاية له في الحوادث المتشابكة. فهو يتابع اليوم نفس الأغراض ~~التي كان بالأمس ينشدها إلى الأبد. فعلى فيلسوف التاريخ أن يتعرف - بناء على هذا - تلك ~~الصفة الواحدة في كل الحوادث ... وعليه أن يرى أن الإنسانية هي في كل مكان على الرغم مما توجبه ~~الظروف الخاصة من أوجه الخلاف في العادات والأخلاق والأزياء ... فقراءتك «لهيرودوتس» - من ~~وجهة نظر فلسفية - تكفي لدراسة التاريخ ... في كل زمان وفي كل مكان، ورمز الطبيعة الحقيقي هو ~~الدائرة؛ لأنها تعبر عن التكرار.» # إننا نميل إلا الاعتقاد بأن مراحل التاريخ كلها إنما كانت خطوات تمهيدية ناقصة في ذاتها، ~~قصد بها أن تؤدي إلى عصرنا الذي نعيش فيه، ولكن هذه الفكرة بتقدم العالم خداع وضلال «لقد ~~نطق حكماء العصور كلها قولا بعينه، وكان السوقة في العصور كلها الذين يكونون الأغلبية ~~الساحقة متشابهين في أعمالهم وأساليبهم ... وهكذا ستستمر الحال؛ لأننا كما يقول «فولتير» سنترك ~~الدنيا كما وجدناها في جهلها وشقائها.» # وإنا لنلمح في هذا معنى جديدا للجبرية، يقول «سبينوزا» إنه لو كان للصخرة التي تلقى ~~في الهواء إدراك لأيقنت أنها إنما تتحرك بإرادتها الحرة. وأنا أضيف إلى قوله هذا أن الصخرة ~~لو فعلت هذا لأصابت؛ لأن القوة التي تندفع بها الصخرة هي كالقوة التي تدفعني أنا، وإن ما ~~يظهر في الصخرة من تماسك وجاذبية وصلابة هو في جوهره نفس ما أراه في نفسي وأسميه بالإرادة، ~~وهو ما كانت الصخرة كذلك تسميه بالإرادة لو وهبت ms235 المعرفة، ولكن الإرادة ليست حرة لا في ~~الصخرة ولا في الفيلسوف، نعم إن الإرادة في مجموعها - ككل متحد - حرة؛ لأنه ليس ثمة إرادة ~~إلى جانبها تحددها، ولكن كل جزء من تلك الإرادة العامة - كل نوع على حدة، ثم كل كائن ~~عضوي من النوع، ثم كل عضو من هذا الكائن - محدود بما يرسمه له الكل. ~~«إن كل إنسان ليعتقد أنه حر منذ الأزل حرية كاملة، حتى في أعماله الضرورية، وهو يظن أنه ~~في كل لحظة قادر أن يبدأ ضربا جديدا من الحياة، وليس معنى ذلك إلا أنه يستطيع أن يكون ~~شخصا آخر، ولكن التجربة سرعان ما تعلمه أنه ليس حرا، وأنه خاضع للضرورة، وأنه لا يتسنى ~~له أن يغير من سلوكه على الرغم من كل ماله من عزم وتأمل، وأنه لا بد له - من بدء حياته ~~إلى نهايتها - أن ينفذ نفس الأخلاق التي قد ينفدها هو نفسه، وأن يلعب الدور الذي أسند ~~إليه حتى ختامه.» ~~(5) العالم شر # ولكن إذا كان العالم في جوهره عبارة عن إرادة كما بينا، فلا بد أن يكون مليئا بألوان ~~الشقاء والعناء. ~~(1) فهو عالم شر وسوء؛ لأن الإرادة معناها الحاجة، وهي دائما تتطلع إلى أكثر مما تظفر ~~به، فإذا تحققت لك رغبة وجدت إلى جانبها عشر رغبات قد أعوزها التحقق؛ إذ الرغبة لا نهائية ~~لا يحدها شيء، أما بلوغها وتحققها فمحدودان، فإذا بلغت مأربا أو حققت رغبة فما ذاك إلا ~~«كالحسنة نقذف بها إلى الفقير، فتحفظ حياته اليوم لكي يمتد شقاؤه إلى الغد ... إنه ما دام ~~إدراكنا مغمورا بإرادتنا، وما دمنا خاضعين لمزدحم الرغبات بآمالها ومخاوفها التي لا تنقطع، ~~ما دمنا مدفوعين لإرادة هذا الشيء أو ذاك، فيستحيل أن نحيا في سعادة كاملة أو في سلام ~~دائم.» هذا فضلا عن أن بلوغ الأمل لا يستتبع القناعة والرضا، فليس أقتل للمثل الأعلى من ~~تحققه، «وإن العاطفة الراضية القانعة تؤدي إلى السعادة؛ لأن حاجاتها كثيرا ما تتعارض مع ~~المصلحة الشخصية لصاحب تلك العاطفة حتى ينتهي الأمر إلى سحق تلك ms236 المصلحة.» وإن كل فرد ليحمل ~~في طوية نفسه عوامل شقائه؛ لأنه إذا تحققت له رغبة فإنها لا بد أن تستتبع رغبة جديدة تريد ~~التحقق. وهكذا تتسلسل الرغبات إلى ما لا نهاية، «وعلة هذا هي أن الإرادة لا بد أن تعيش على ~~نفسها؛ لأنه ليس ثمة شيء سواها، وهي إرادة أبدا جائعة.» ~~«إن في كل فرد حوضا من الألم لا محيص له عنه ... وهو حوض يستحيل أن يظل فارغا كما أنه لا ~~يمكن أن يسع أكثر مما يملؤه ... فإذا ما أزيح عن صدورنا عناء جسيم مضن ... حل مكانه على الفور ~~عناء آخر، ولقد كانت مادة هذا العناء موجودة فعلا، ولكن منعها أن تجد سبيلها إلى الشعور ~~بها أن لم يكن هنالك من القوى ما يفرغ لها ... أما الآن وقد خلا لها مكان، فإنها تندفع وتتبوأ ~~مكانها.» ~~(2) وهو أيضا عالم شر وسوء؛ لأن الألم هو دافعه الأساسي وحقيقته الجوهرية، وليست اللذة ~~إلا امتناعا سلبيا للألم، ولقد أصاب «أرسطو» إذ قال: إنه لا ينبغي للحكيم أن ينشد اللذة، ~~وحسبه أن يتخلص من الألم والشقاء. ~~«إن كل ما يقنع الناس أو ما يسمونه عادة بالسعادة سلبي في حقيقته وجوهره ... فنحن لا نشعر ~~تمام الشعور بما لدينا من أسباب النعيم ولا نحمدها، بل ننظر إليها باعتبارها شيئا طبيعيا ~~لا أكثر؛ وذلك لأنها لا تنفعنا إلا على نحو سلبي فقط، بأن تقف أسباب العذاب، لا ندرك قيمتها ~~إلا إذا فقدناها؛ لأن الحاجة والحرمان والأسى هي الجانب الإيجابي الذي يتصل بنا اتصالا ~~مباشرا، ماذا دفع الكلبيين إلى نبذ اللذة في كل صورها إن لم يكن الألم في واقع الأمر ~~دائما يمتزج باللذة بمقدار يكثر أو يقل؟ ...» ~~(3) والحياة شر وسوء؛ لأنه «لا تكاد الحاجة والألم يسمحان للإنسان بشيء من الراحة حتى ~~يشعر بالسآمة على الفور، بحيث لا يكون له غنى عن التسلية.» أعني مزيدا من الألم. وحتى لو ~~ظفرنا للإنسان بالمدينة الفاضلة، فإنه لا بد أن يتبقى من الشرور ما لا يحصيه العد؛ لأن ~~بعضها - كالجهاد مثلا - جوهري ms237 للحياة، وإذا نحن محونا كل شر، وامتنع الجهاد امتناعا ~~تاما أصبحت السآمة عبئا غير محتمل كالألم سواء بسواء، ولهذا ترى «الحياة تتأرجح كالبندول ~~إلى الأمام والخلف بين الألم والسأم ... إن الإنسان بعد أن كون من آلامه وعذابه فكرة الجحيم، ~~رأى أن يبقى لديه شيء يكون منه الجنة إلا الملل.» والواقع أننا كلما ازددنا في الحياة ~~نجاحا ازددنا ضجرا ومللا. ~~(4) والحياة شر؛ لأنه كلما علا الكائن العضوي في سلم الارتقاء، وارتفع ازداد ما يعانيه من ~~ألم، وإن زيادة معرفته لا تحل من الإشكال شيئا؛ «لأنه كلما ازدادت ظاهرة الإرادة كمالا ~~ازداد العناء ظهورا ووضوحا. ففي النبات لا يكون قد تم الإحساس بعد، ولذا فلا ألم، ثم ~~يعاني أحط أنواع الحيوان مقدارا يسيرا جدا من الألم ... وحتى في الحشرات تكون قابلية ~~الشعور والألم لا تزال محدودة، وأول ما تظهر تلك القابلية بدرجة عظيمة حينما يكمل تكوين ~~الجهاز العصبي للحيوانات آكلة العشب، ثم تزداد باطراد كلما نما العقل. وهكذا يزداد الألم ~~كلما ارتفع الإدراك، أي بمقدار اقتراب المعرفة من الدقة، حتى يصل إلى ذروته العليا في ~~الإنسان، ثم يزداد ما يحسه الإنسان من ألم كلما دقت معرفته واشتد ذكاؤه، ولذا كان أشد بنى ~~الإنسان معاناة للألم هو العبقري الموهوب.» # إذن فمتى ازداد قسط الإنسان من المعرفة ازداد الشقاء أيضا. وإن ذاكرة الإنسان التي ~~يستعيد بها الماضي، وبعد نظره الذي يستطلع به المستقبل يضيفان كثيرا إلى بؤسه وألمه؛ لأن ~~الشطر الأعظم مما تعاني الإنسانية من ألم، هو في استعراض الماضي أو في استطلاع المستقبل، ~~أما الألم في حد ذاته فقصير. انظر مثلا كم يتألم الإنسان من فكرة الموت أكثر مما يؤلمه ~~الموت نفسه. ~~(5) والحياة شر؛ لأنها قتال لا ينقطع، فأينما توجهت ألفيت جهادا وقتالا ومنافسة، فكل ~~نوع «يقاتل لينتزع ما يملكه الآخر من مادة ومكان وزمان.» ~~«إن الهيدرا # Hydra # 12 # الصغيرة التي تتبرعم من أمها العجوز، وتفصل نفسها عنها؛ لتحارب وهي لا تزال ~~متصلة بأمها، لكي تظفر بالفريسة التي تعرض أمامها، حتى إن الواحدة ms238 لتخطفها من فم الثانية. ~~وإن النملة الأسترالية # Bull Dogant # لتضرب لنا أوضح مثل في هذا الباب؛ لأنها تنقسم نصفين، ثم ~~تبدأ المعركة بين الرأس والذنب، فيعض الرأس بأسنانه الذنب، كما يلدغ الذنب الرأس؛ لكي يدافع ~~عن نفسه دفاعا مجيدا، وقد تستغرق المعركة نصف ساعة حتى يموتا أو يطردهما النمل الآخر ... ~~ويروي لنا # Vunghahn # أنه شهد في «جاوا» سهلا يمتد مدى البصر، تغطيه بأسره هياكل الموتى، حتى ~~ظن أنه ميدان قتال، ولكنها لم تكن سوى هياكل سلاحف كبيرة ... قد خرجت هنالك من البحر لتضع ~~بيضها، فهاجمتها الكلاب الوحشية التي تستطيع بقوة اتحادها أن ترقدها على ظهورها، ثم تنزع ~~منها القشرة الصغيرة التي تغطي منها المعدة، ثم تلتهمها حية، ويغلب أن ينقض بعدئذ على ~~هاتيك الكلاب نمر ... من أجل ذلك ولدت السلاحف ... وهكذا تفترس إرادة الحياة نفسها أينما ذهبت، ~~ويكون غذاؤها في صور مختلفة، حتى يجيء في النهاية الجنس البشري الذي يتحكم في سائر الأجناس ~~الأخرى فيحسب الطبيعة مصنعا أعد لنفسه هو، ومع هذا فحتى الجنس البشري ... يبدو فيه هذا النزاع ~~بأجلى وضوح، هذا النزاع الذي يقع بين الإرادة وبين نفسها، فنرى «الإنسان ذئبا ~~للإنسان».» # حقا إن صورة الحياة في مجموعها لتحوي من صنوف الألم ما يربو على طاقة العقل المتأمل، ~~فلا يسع هذا العقل أن يلم بكل ما هنالك من الألم وصنوف العذاب، وإن الحياة لتعتمد على جهلنا ~~بها بعض الجهل وعدم إمكاننا معرفتها حق المعرفة. ~~«إننا لو عرضنا أمام نظر الإنسان ما تتعرض له حياته من الألم والبؤس المروع المتصل عرضا ~~واضحا لامتلأ رعبا. ولو أخذنا المتفائل الراسخ في تفاؤله إلى المستشفيات وملاجئ المرضى ~~وغرف العمليات الجراحية، ولو أخذناه إلى السجون وغرف التعذيب وأوكار العبيد، ولو أخذناه إلى ~~ميادين القتال وأماكن الإعدام، ولو فتحنا له كل مكامن الشقاء المعتمة، حيث يختبئ الشقاء ~~ويتستر لكي لا يرمقه النظر المستطلع البارد، ثم لو أجزنا له أن ينظر إلى السراديب التي يموت ~~فيها الناس جوعا في # Ugolino ~~، لعلم هذا المتفائل طبيعة هذا العالم ms239 كما نعلمه، ذلك العالم ~~الذي «ليس في الإمكان أبدع منه.» وإلا فمن أين جاء «دانتي» بمادة جحيمه، ألم يجئ بها من هذه ~~الدنيا الواقعة؟ ومع ذلك فقد صور منها جحيما أكمل ما يكون الجحيم، ولكنه حين أراد من ناحية ~~أخرى أن يصف الجنة وما فيها من نعيم، اصطدم بمشكلة لم يستطع أن يتغلب عليها؛ وذلك لأن ~~عالمنا ليس فيه شيء على الإطلاق يصح أن يكون مادة لهذه الفردوس ... إن كل الملاحم التمثيلية ~~لا يسعها إلا أن تصور عراكا وجهادا وقتلا من أجل السعادة، ولكنها لا تصور مطلقا السعادة ~~الكاملة الباقية نفسها، إنها تقود أبطالها إلى آلاف المخاطر والمصاعب لكي يظفروا بما ~~ينشدون، ثم هم لا يكادون يبلغون أهدافهم حتى تسرع القصة فتسدل الستار؛ لأنه لم يعد لها بعد ~~ذلك شيء تعمله سوى أن الهدف المتلألئ الذي كان البطل يتوقع أن يظفر عنده بالسعادة ليس له ~~فيه إلا الخيبة، وأنه لم يكن بعد بلوغه أحسن حالا منه قبل.» # نحن تعساء إذا تزوجنا، تعساء إذا بقينا بغير زواج، تعساء لو اعتزلنا، تعساء إذا خالطنا ~~المجتمع، وإن الحياة لمأساة مبكية وملهاة مضحكة «فلو ألقيت نظرك على حياة الفرد في مجموعها ... ~~بحيث ترى أبرز ملامحها وأدلها معنى، لما وجدتها في حقيقتها إلا مأساة متصلة، أما إذا تناولت ~~بنظرك تفصيلاتها فإنك تراها ملهاة.» انظر إلى الحياة نظر باحث مدقق. ~~«يدخلونك وأنت صبي في الخامسة مغزل قطن أو مصنعا آخر، فتظل منذ تلك الساعة تذهب إلى ~~مصنعك كل يوم، فتقضي فيه أول الأمر عشر ساعات، ثم اثنتي عشرة، ثم أربع عشرة، تؤدي أثناءها ~~عملا آليا لا يتغير، وأنت مضطر إلى هذا لكي تشتري بأغلى الأثمان أنفاسك التي ترضي بها ~~إرادة الحياة ... وإن تحت القشرة الأرضية الراسخة لقوى طبيعية كامنة جبارة، إذا ما أتاحت لها ~~الحادثات أن تنطلق من كمينها فلا مناص من تهديمها للقشرة الأرضية بكل ما عليها من أحياء، ~~كما حدث ثلاث مرات على الأقل فوق أرضنا هذه، ويرجح أن يحدث أكثر من هذا في ms240 مقتبل الأيام. إن ~~زلزال لشبونة، وزلزال هايتي # Haiti # وتقويض بومبي، ليست إلا لمحات صغارا عابثات تشير إلى ما ~~يمكن حدوثه.» # فليس التفاؤل أمام كل هذه المصائب إلا سخرية من كوارث البشر. وصفوة القول: «إن طبيعة ~~الحياة تبدو لنا في كل ما تبدو فيه من صور كأنما هي مقصودة ومدبرة، بحيث تدعونا إلى العقيدة ~~بأن ليس فيها البتة ما هو جدير منا بالجهاد والمجهود والقتال، وما طيبات الحياة كلها إلا ~~عبثا، والعالم في كل ما يقصد إليه فاشل، فهو كالعمل الذي لا يغطي مصاريفه.» # لكي تكون سعيدا ينبغي أن تكون في جهل الشباب الذي يحسب أن العزم والجهاد سببان للسعادة؛ ~~لأنه لم يعلم بعد ظمأ الرغبة الذي لا ينطفئ وما ينجم عنه من بلاء، ولم يعلم أيضا أن الرغبة ~~حتى لو تحققت فليس في تحقيقها نفع ولا ثمرة، ثم هو لم يستيقن بعد أن خاتمة الجهاد هزيمة ليس ~~منها مفر، «وإن فرح الشباب ونشاطه يرجعان من ناحية إلى أن الموت يكون خافيا عنا حينما نكون ~~صاعدين أكمة الحياة؛ لأنه يكمن هنالك في الجانب الآخر ... فإذا ما دنونا من ختام الحياة، فإن ~~كل يوم نحياه يبعث فينا نفس الإحساس الذي يحسه المجرم في كل خطوة يخطوها في طريقه إلى ~~المقصلة ... لكي يعلم الإنسان أن الحياة قصيرة لا بد أن يعيش طويلا ... فإلى عامنا السادس ~~والثلاثين نكون - من حيث طريقة بذلنا لنشاطنا الحيوي - أشبه بالذين يعيشون على أرباح ~~أموالهم، يأخذون في الغد ما ينفقونه اليوم، ولكن موقفنا بعد السادسة والثلاثين من عمرنا ~~يكون كموقف صاحب المال الذي يبدأ في الإنفاق من رأس ماله ... وإن فزع الإنسان من هذه الكارثة ~~هو الذي يجعل حبه للامتلاك يزداد كلما تقدم في السن ... إن أسعد أوقات الحياة ما بعد عن ~~الشباب، وما أصدق أفلاطون في ملاحظته التي أوردها في مستهل جمهوريته من أن الأفضل أن يعطى ~~أحسن الجزاء لذي السن المتقدمة؛ لأن الشيخوخة تحرر صاحبها من العاطفة الحيوانية التي لم ~~تفتأ تحركه حتى ذلك الوقت ... ومع ذلك ms241 فلا يجوز لنا أن ننسى أنه إذا ما خمدت هذه العاطفة ذهب ~~معها لب الحياة الحقيقي، حيث لا يبقى إلا القشرة الجوفاء، ومن ناحية أخرى تصبح الحياة ~~حينئذ كالمهزلة التي بدأت بممثلين حقيقيين، ثم استمرت هكذا، وانتهت آخر الأمر بأشباح آلية ~~ارتدت ملابس أولئك.» # ثم يلاقي الإنسان منيته آخر الأمر، ومن العجب أنه إذ أخذت الخبرة والتجربة في التحول إلى ~~حكمة، بدأ المخ والجسم عامة في التدهور «إن كل شيء لا يلبث إلا لحظة، ثم يسرع في طريقه إلى ~~الموت.» وإذا سوفت المنية للإنسان فصبرت عليه ومدت في أجله قليلا، فهي إنما تلعب به كما ~~تلعب القطة بالجرذ الذي لا حول له ولا قوة «فمن الواضح أنه كما أن المشي ليس بالبداهة إلا ~~سقوطا نقاومه مقاومة مستمرة، كذلك حياة أبداننا ليست إلا موتا نستمر في مقاومته، هي موت ~~نسوف في حدوثه طول الحياة.» ومن أجل هذا ترى «طغاة الشرق يضعون في ثنايا حليهم الفاخرة ~~ولباسهم الزاهر قارورة ثمينة من السم.» ففلسفة الشرق تفهم وجود الموت وجودا متصلا دائما، ~~وهي تخلع على طلابها مظهرا هادئا ومشية بطيئة رزينة، ناشئان من إدراكهم لقصر الوجود ~~الشخصي. إن خشية الموت هي بدء الفلسفة، وهي العلة النهائية للدين، ولما كان أوساط الناس ~~يعجزون عن التوفيق بين أنفسهم وبين الموت، تراهم يتخذون فلسفات وديانات لا يكاد يحصرها ~~العد، وإن ما يسود الناس من عقيدة في الخلود لدليل على خوف مفزع من الموت. ~~«وإذا كنا نصطنع اللاهوت ليكون مهربا من خوف الموت، فكذلك قد ينتابنا الجنون ليكون ~~مهربا من الألم.» # يجيء الجنون وسيلة يتخذها ليتجنب بها ذكرى الألم، فهو قطع في سلسلة إدراك الإنسان، وقد ~~تكون فيه نجاته. ~~«ما أكثر ما يفكر الإنسان في أشياء - رغم إرادته - تسيء إلى مصلحته أشد الإساءة وتجرح ~~عزته، وتعطل رغباته. فما أعسر أن يصر الإنسان على وضع هذه الأشياء أمام عقله للبحث الجدي ~~الدقيق ... ففي مقاومة الإنسان لإرادته وقسرها على أن تسمح لما هو نقيضها أن يوضع تحت بحث ~~العقل، تقع ms242 الثغرة التي يمكن للجنون أن ينفذ منها إلى العقل ... فإذا قاومت الإرادة العقل في ~~استيعاب معرفة ما، بحيث تمكنت من تعطيل عملية العقل تعطيلا لم يستطع معه العقل أن يؤدي ~~عمله على الوجه الأكمل، عندئذ يتكون في العقل عناصر وظروف معينة تكبت فيه كبتا تاما؛ ~~لأن الإرادة لا تتحمل رؤيتها، فتنشأ بذلك فجوات لا بد من ملئها كما تهوى الإرادة، وبهذا ينشأ ~~الجنون؛ لأن العقل في هذه الحالة قد تنازل عن طبيعته لكي يرضي الإرادة فيصور الخيال ~~للإنسان ما ليس له وجود، ولكن الجنون الذي نشأ على هذا النحو هو في الواقع نسيان لألم لم ~~يكن للإنسان به قبل، إنه آخر وسيلة تنجينا من الإرادة المضنية.» # أما آخر أبواب الهرب فهو الانتحار، حيث يتغلب الفكر والخيال على الغريزة وهذا عجيب، ويقال ~~في هذا الصدد أن «ديوجنيس» قد وضع حدا لحياته برفضه أن يتنفس، فما أروعه انتصارا على ~~إرادة الحياة، ولكنه انتصار فردي فقط؛ لأن الإرادة لا تزال مستمرة في حياة النوع. إن الحياة ~~لتضحك من الانتحار وتبتسم للموت؛ لأنه إذا تعمد الموت فرد واحد، أنسل إلى جانبه آلاف ~~الأفراد نسلا عن غير عمد «إن الانتحار وهو قضاء إرادي على الوجود الظاهري للفرد، عبث وحمق؛ ~~لأن الشيء في ذاته - أعني النوع والحياة والإرادة بصفة عامة - لا تتأثر به وتظل كما يظل ~~قوس قزح، حتى ولو أسرعت نقط الماء التي تكونه إلى السقوط.» إن العناء والكفاح يبقيان بعد ~~موت الفرد، ولا بد أن يستمرا ما دامت الإرادة تسود الإنسان، ويستحيل أن ينتصر الإنسان على ~~أمراض الحياة، إلا إذا أخضع الإرادة خضوعا تاما للمعرفة والعقل. ~~(6) حكمة الحياة ~~(أ) # الفلسفة: # تأمل بادئ بدء في حمق الرغبة حين تنزع إلى الأشياء المادية، إذ يظن المغفلون ~~أنهم إذا استطاعوا أن يجمعوا المال الكثير، أمكنهم أن يجيبوا إرادتهم إلى كل ما تريد؛ لأنهم ~~يفرضون أن صاحب الثروة الطائلة يملك الوسيلة لإشباع كل رغباته «وكثيرا ما يعاب على الناس ~~رغبتهم في المال قبل أي شيء آخر، وحبهم له ms243 أكثر من كل ما عداه، ولكنه من الطبيعي، بل مما ~~ليس عنه للناس منصرف، أن يميلوا إلى شيء فيه قابلية دائمة للتحول إلى أي شيء مما قد تنزع ~~إليه رغباتهم الكثيرة الهائمة. أما كل شيء ما خلا المال فلا يستطيع أن يشبع من الإنسان إلا ~~رغبة «واحدة» فقط، فالمال وحده هو الخير المطلق ... لأنه استجابة مجردة لكل الرغبات.» ولكن مع ~~هذا فإن حياة تتجه بكلها إلى تحصيل الثروة لا خير فيها، إلا إذا عرفنا كيف نحول تلك الثروة ~~إلى سعادة، وهذا فن يحتاج إلى ثقافة وحكمة. إن الرغبات الحسية المتتابعة يستحيل أن ترضى ~~وتقتنع، ولا بد للإنسان أن يفهم أغراض الحياة كما لا بد أن يفهم فن تحصيل الوسائل للحياة ~~«فالناس أميل ألف مرة إلى أن يكونوا أغنياء منهم إلى تحصيل الثقافة، مع أن اليقين الذي لا ~~شك فيه هو أن سعادة الإنسان تتوقف على ثقافة الإنسان أكثر مما تعتمد على ما يملكه.» فالرجل ~~الذي ليس له مقدرة عقلية لا يدري كيف يملأ فراغه «ومن العسير أن نطمئن في الفراغ.» ولذا ترى ~~غير المثقف يندفع اندفاع المنهوم الشره إلى البحث عن حاجات حسية جديدة، حتى يخر آخر الأمر ~~صريعا مهزوما أمام الآلهة الجبارة التي نيط بها الانتقام من الأثرياء والكسالى وهي ~~السآمة. # فليت الثروة هي الطريق القويم، وإنما هي الحكمة. ففي الإنسان جانبان: فهو من ناحية جهاد ~~عنيف من الإرادة التي مركزها الجهاز التناسلي، وهو من ناحية أخرى شخص خالد حر حكيم ذو ~~معرفة خالصة ومركزها المخ، ومن العجيب أن يكون في إمكان المعرفة أن تسيطر على الإرادة مع ~~أنها وليدتها، وإن إمكان استقلال المعرفة عن الإرادة ليبدو أولا في استخفاف العقل أحيانا ~~بمطالب الرغبة «فقد يرفض العقل أن يطيع الإرادة، مثال ذلك حينما نحاول عبثا أن نركز عقولنا ~~في شيء ما (أعني تريد الإرادة أن يفكر العقل فيرفض العقل أن يطيع) أو حينما نطالب الذاكرة ~~في غير طائل أن تتذكر شيئا ما ائتمنتها الإرادة على حفظه، وإنه لتتضح العلاقة ms244 بين الإرادة ~~والعقل واختلافهما وضوحا تاما في غضب الإرادة من العقل في مثل هذه الأحوال. وقد يتأثر ~~العقل أحيانا من غضب الإرادة فيستحضر ما أريد منه بعد بضع ساعات، أو في اليوم التالي، وقد ~~يفعل هذا على غرة وبغير مناسبة.» ثم قد ينتقل العقل فيكون سيد الإرادة بعد أن كان تابعها، ~~فقد يقدم الإنسان مثلا على عمل فيه عناؤه بعد تفكير طويل، فقد ينتحر أو يقتل أو يبارز أو ~~يأتي بعمل آخر مما فيه خطر على الحياة، ومما تثور ضده طبيعته الغريزية، ولكنه مع ذلك يقدم ~~مدفوعا بعقله وتفكيره، فأنت ترى من ذلك إلى أي حد استطاع العقل أن يسيطر على الطبيعة ~~الحيوانية في مثل هذه الظروف. # إن هذه القوة التي يتمتع بها العقل والتي يمكنه بها أن يؤثر في الإرادة تسمح للإنسان أن ~~يرسم لنفسه طريقا يضمن له الرقي والتقدم، فهو بالمعرفة يستطيع أن يعدل الرغبة أو أن ~~يخمدها، كما يمكنه أن يعدلها أو يخمدها بما قد يدركه من الفلسفة الجبرية التي تعترف أن كل ~~شيء نتيجة حتمية لسوابقه، فبين كل عشرة مثيرات مما يعرض لنا ويعكر صفونا نستطيع أن نتغلب ~~على تسعة منها، ولا ندعها تنال من نفوسنا شيئا إذا نحن أدركنا عللها إدراكا تاما، أي ~~إذا عرفنا حقيقة طبيعتها وضرورة وقوعها، ففي مكنة العقل أن يكون من إرادة الإنسان ما يكون ~~السرج والشكيمة من الجواد الجموح، فليس أدعى إلى ضمان الانسجام والتوفيق بين الإنسان وبين ~~الحادثات الخارجية أو المشاعر الباطنية إلا المعرفة الدقيقة، فكلما ازددنا عرفانا لعواطفنا ~~قلت سيطرتها علينا. وأمنع قلعة نحتمي بها هي ضبطنا لنفوسنا. فإذا أردت أن يخضع كل شيء ~~لسلطانك فلتخضع نفسك لعقلك. وإن أعجب من يسترعي الإعجاب ليس من يقهر الدنيا ويحكمها، ولكنه ~~الذي يخضع نفسه ويلجمها. # وهكذا تصفو الإرادة بفعل الفلسفة، ولكن ينبغي أن نفهم أن معنى الفلسفة هو التجربة والفكر، ~~وحذار أن تظنها مجرد القراءة والدرس. ~~«إن تدفق أفكار غيرنا في نفوسنا تدفقا دائما لا بد أن يحصر أفكارنا ويضغطها، ms245 ثم يشل قوة ~~تفكيرنا في النهاية ... إن نزوع معظم العلماء إلى القراءة هو نوع من امتصاص الفراغ، ذلك أن ~~إجداب عقولهم يسحب أفكار الآخرين إلى الداخل سحبا لا محيص عنه، # 13 ~~... وإنه لمن الخطر أن نقرأ عن موضوع قبل أن نفكر فيه أولا بأنفسنا ... فنحن حين ~~نقرأ إنما يفكر لنا شخص آخر، ولا نكون حينئذ إلا معيدين لعمليته العقلية ... لذلك لو قضى شخص ~~كل يومه في القراءة فقد بالتدريج ملكة تفكيره ... فالخبرة التي نستمدها من الحياة يصح أن ~~تعتبر ضربا من المتن، وشرح هذا المتن هو التفكير والمعرفة، فإذا حصل إنسان على مقدار كبير ~~من التفكير والمعرفة العقلية وعلى تجربة قليلة، كان كتلك الكتب التي يكون في كل صفحة من ~~صفحاتها سطران من المتن، وأربعون سطرا من الشرح.» # فأول ما نتقدم إليك به من النصح هو أن الحياة قبل الكتب، والنصيحة الثانية هي أن يكون ~~المتن قبل الشرح. فاقرأ إنتاج الخالقين المبدعين قبل أن تقرأ العارضين والنقاد «فلا يمكنك ~~أن تحصل الأفكار الفلسفية إلا من المؤلفين أنفسهم؛ ولهذا فمن يرى في نفسه ميلا إلى ~~الفلسفة ينبغي أن يبحث عن معلميها الخالدين في محراب مؤلفاتهم الهادئ.» فكتاب واحد من كتب ~~العباقرة يساوي ألفا من كتب الشراح. # لن يكون تحصيل الثقافة مجديا إلا إذا أخذت نفسك بهذه الحدود، فإن فعلت ذلك استطعت أن ~~تحصل على وسيلة للسعادة؛ لأن سعادتنا تعتمد على ما في عقولنا أكثر مما تتوقف على ما تحويه ~~جيوبنا، بل إن الشهرة نفسها عبث وحمق «إذ لا تصلح رءوس الناس أن تكون دارا لسعادة الرجل ~~الحقيقية؛ لأنها مكان خبيث.» ~~«إن السعادة التي نستمدها من أنفسنا لأعظم من تلك التي نحصل عليها مما يحيط بنا ... إن ~~الدنيا التي يعيش فيها الإنسان تتشكل حسب الكيفية التي ينظر بها إليها ... وما دام لا يوجد شيء ~~بالنسبة لإنسان، ولا يحدث له إلا ما يوجد وما يحدث في إدراكه فقط، فأهم شيء له هو تركيب ~~إدراكه ... ولذا فقد صدق أرسطو حين قال: «إن الإنسان إذا ms246 أراد أن يكون سعيدا فليكف نفسه ~~بنفسه».» # لا سبيل لخلاص الإنسان من شر رغبات الإرادة التي لا نهاية لها إلا في تأمل الحياة تأملا ~~عقليا، ودراسة ما كتبه نوابغ العصور كلها من جميع الأمم «فالعقل غير الأناني يصعد ~~كالرائحة الزكية فوق أخطاء الإرادة ومهاتراتها.» وإن الجمهرة العظمى من الناس ليعجزهم أن ~~يرتفعوا بأنفسهم عن النظر إلى الأشياء باعتبارها مواضع شهوة ورغبة، ومن هنا ينشأ ما هم فيه ~~من بؤس، فنظرك إلى الأشياء نظرا خالصا باعتبارها موضوعا للفهم معناه ارتفاع عن القيود ~~إلى حيث الحرية. ~~«إذا ما جذبنا فجأة من سبيل الرغبات المتدفق عامل خارجي وميل داخلي فخلص المعرفة من ~~استبداد الإرادة، بحيث لا يعود انتباهنا يتجه إلى دوافع الرغبة، بل إلى تفهم الأشياء، وهي ~~حرة مما يربطها بالإرادة من روابط، ثم ينظر إليها نظرة لا يشوبها شيء من الهوى الشخصي ~~والنزعة الذاتية، أي ينظر إليها نظرة موضوعية خالصة إذا انصرف العقل بكليته إلى الأشياء ~~باعتبارها أفكارا لا باعتبارها دوافع مثيرة للرغبة، عندئذ يرفرف علينا السلام الذي طالما ~~نشدناه، والذي ما فتئ يفلت منا في ذلك السرداب؛ سرداب الرغبات ... وعندئذ نحيا حياة لا ألم ~~فيها، وهي الحياة التي امتدحها «أبيقور» وقال إنها الخير الأسمى، وإنها حياة الآلهة؛ لأننا ~~سنكون حينئذ أحرارا من كفاح الإرادة التعس.» ~~(ب) # العبقري: # والعبقري هو أعلى صورة من صور هذه المعرفة اللاإرادية، وأحط ألوان الحياة هو ~~ما تألف من إرادة صرفة بغير معرفة، والإنسان بصفة عامة أغلبه إرادة وأقله معرفة. أما ~~العبقري فهو من كان معرفة في معظمه وإرادة في أقله «والعبقرية إنما تكون في هذا: أن تنمو ~~الملكة العارفة نموا يزيد عن المقدار الذي تتطلبه خدمة الإرادة زيادة عظيمة.» ورجحان العقل ~~في إنسان على الإرادة معناه انتقال بعض القوة من النشاط التناسلي إلى النشاط العقلي «والصفة ~~الأساسية للعبقرية هي سيطرة غير طبيعية للحساسية والغضب على القوة التناسلية.» ومن ثم كانت ~~العداوة بين العبقري والمرأة التي تمثل التناسل كما تمثل خضوع العقل لإرادة الحياة، نعم «قد ~~يكون ms247 للنساء موهبة عظيمة، ولكنها ليست عبقرية؛ لأنهن دائما ذاتيات في وجهة نظرهن.» فكل شيء ~~عندهن شخصي وينظرن إليه كوسيلة لأغراض شخصية، مع أن العبقرية ما هي إلا النظرة الموضوعية ~~الخالصة، أعني أنها ميل العقل؛ لأن ينظر إلى الأشياء من وجهة نظر موضوعية محضة. العبقرية هي ~~القوة التي يتمكن بها الفرد من نبذ مصالحه ورغباته وأغراضه ومحوها جميعا من أمام عينيه، هي ~~القوة التي يستطيع بها العبقري أن ينسى شخصيته نسيانا تاما إلى وقت معين، لكي يكون ~~ذاتا عارفة خالصة ليس إلا، وبذلك يتمكن من رؤية العالم في وضوح وجلاء، ولهذا فلفظ العبقرية ~~ينحصر معناه في سيادة المعرفة ورجحانها على الإرادة. # إذا تخلص العقل من الإرادة استطاع أن يرى الشيء كما هو «فالعبقرية تعرض علينا المرآة ~~السحرية التي يظهر لنا على سطحها كل ما هو حيوي ذو معنى متجمعا بعضه إلى بعض، وموضوعا في ~~ضوء ساطع، أما ما هو عرضي زائد فينبذ جانبا.» إن الفكر لينفذ خلال العاطفة كما يتدفق ضوء ~~الشمس خلال السحاب، فيكشف عن لب الأشياء وصميمها، إنه يذهب إلى ما وراء الفرد والجزئي حتى ~~يصل إلى «المثال الأفلاطوني» أي إلى الجوهر الذي يكون الشيء الجزئي صورة من صوره، فالمصور ~~الفنان هو الذي لا يقصر نظره على الشخصية الفردية التي يرسمها وعلى ملامحه المعينة المرئية، ~~ولكنه ينفذ من خلال هذا الفرد فيرى وراءه صفات الإنسانية عامة، وحقيقتها الدائمة التي ليس ~~هذا الفرد المعين إلا رمزا لها ووسيلة للكشف عنها، وقل هذا في كل ضروب النبوغ. فسر ~~العبقرية إذن يقع في إدراك الحقيقة الموضوعية والجوهرية العامة إدراكا واضحا، لا تشوبه ~~شائبة من ميل شخصي أو هوى ذاتي. # إذن فالعبقري يحاول أن يمحو شخصه وينكر ذاته ليرى الحقائق الخارجية كما هي، وهذا ما يجعله ~~نابيا في قومه؛ لأن هؤلاء ينظرون إلى الأشياء من خلال ذواتهم، ولذا ترى العبقري غريبا بين ~~الناس لا يلتقي معهم في وجهة النظر، فهو لا يرى ما هو قريب منه، بل يلقي ببصره إلى الأفق ~~البعيد النائي، ms248 وقد يعلق نظره في النجم فيسقط في هوة اعترضت طريقه ولم يلق باله إليها، ومن ~~ثم نشأ شذوذ العبقري في المجتمع وعدم مخالطته للناس؛ لأنه يفكر في أصل الأشياء الشامل ~~الخالد، أما هم فيفكرون في الصور المؤقتة الفردية المباشرة، فليس بين عقله وعقولهم قدر ~~مشترك تلتقي عنده «إن القاعدة أن الرجل يكون اجتماعيا بمقدار ما هو مجدب في عقله تماما.» ~~ولكن صاحب العبقرية له ما يعوضه عن هذه العزلة الموحشة، فليس هو بحاجة إلى العشير والرفيق ~~كعامة الناس الذين يعتمدون في حياتهم دائما على ما هو خارجي عنهم، «فاللذة التي يستمدها من ~~صور الجمال كلها، والسلوة التي يصادفها في الفن ... يمكنانه من نسيان مشاغل الحياة.» إذ هما ~~«يعوضانه عن الألم الذي يزداد في الإنسان بنسبة وضوح إدراكه، ويعوضانه عن وحدته المنعزلة في ~~جنس من البشر يختلف عنه.» # ومهما يكن من الأمر فالعبقري مضطر إلى الوحدة، وكثيرا ما تؤدي به إلى الجنون، فإن دقة ~~حساسيته التي تسبب له الألم بالإضافة إلى خياله وبصيرته، ثم إلى عزلته ونبوه في الحياة تعمل ~~جميعا على قطع الصلة التي تمسك أجزاء العقل، بحيث يتمكن من حصر تفكيره في الحقيقة، ولم ~~يخطئ أرسطو حين قال: «إن الممتازين من الرجال في الفلسفة أو في السياسة أو في الشعر أو في ~~الفن ذوو مزاج مكتئب.» وإن العلاقة المباشرة بين الجنون والنبوغ تؤيدها تواريخ العظماء ~~كروسو وبيرون وغيرهما «وبالبحث الدقيق في مستشفيات المجانين وجدت حالات فردية لمرضى كانوا ~~بغير شك ذوي مواهب عظيمة، وكانت عبقريتهم تظهر جلية من خلال جنونهم.» # ومع ذلك فهؤلاء النوابغ، وهم بحق أنصاف مجانين، هم الطبقة الأرستقراطية الحقيقية للجنس ~~البشري «إذ الطبيعة من حيث العقل أرستقراطية إلى حد كبير؛ لأنها فرضت بين الرجال من ~~الفوارق ما يفوق ما اصطنعته الأمم من الفوارق التي تقوم على ميلاد أو رتبة أو ثروة أو دم.» ~~فالطبيعة لا تهب النبوغ إلا للقلائل؛ لأنها تعلم أن مزاج النوابغ يعوق مجرى الحياة العادية ~~التي تشترط التركيز في الجزئي المباشر فلا ينبغي ms249 أن تجود منهم إلا بالقليل. ~~(ج) # الفن: # هذا التحرير للمعرفة من خضوعها للإرادة، هذا النسيان للذات الفردية ومصلحتها ~~المادية، هذا السمو بالعقل إلى مرتبة التأمل اللاإرادي في الحقيقة، هو وظيفة الفن. فإذا كان ~~موضوع العلم هو الكلي الذي يشمل جزئيات كثيرة، فموضوع الفن هو الجزئي الذي يشمل الكلي، فحتى ~~الصورة التي يرسمها الفنان لشخص يجب أن تكون - كما يقول «ونكلمان # Winckelman ~~» - «المثل ~~الأعلى للفرد». وفي تصوير الحيوانات تكون أكثر الصور بيانا للطابع المميز للحيوان المرسوم ~~هي أجملها؛ لأنها تكشف عن النوع كله كشفا واضحا، وإذن فنجاح العمل الفني يقاس بنسبة ما ~~يتضمنه من المثال الأفلاطوني للشيء المعين الذي تناوله ذلك العمل، أو بعبارة أخرى نجاح ~~الصور الفنية مثلا يتوقف على مقدار ما تستجمعه في الشيء المرسوم من الصفات الكلية للجنس ~~الذي يكون الشيء المرسوم أحد أفراده؛ وعلى ذلك فلا يجوز أن يقصد الفنان إلى الدقة ~~الفوتوغرافية إذا أراد أن يصور رجلا، بل ينبغي أن يعرض في صورة هذا الشخص الواحد الذي ~~يرسمه كل ما يمكن عرضه من صفات الإنسان عامة. فالفن أعظم من العلم؛ لأن العلم لا يصل إلى ~~نتيجته التي يرمي إليها إلا بعد المجهود المضني في جمع الأمثلة وإقامة الأدلة في بطء وحذر ~~شديدين، أما الفن فيصل إلى غايته دفعة واحدة بالبصيرة والتمثيل. هذا إلى أن العلم تكفيه ~~الموهبة العادية، أما الفن فلا بد له من العبقرية والنبوغ. # إن استمتاعنا بالطبيعة وبالشعر وبالتصوير، أساسه أننا نتأمل الشيء ونفكر فيه دون أن نمزج ~~به الإرادة الذاتية، فالنهر بالنسبة إلى الفنان عبارة عن سلسلة متباينة من المناظر الساحرة ~~التي تثير فيه الحس والخيال بما تطلعه عليه من جمال، أما المسافر الذي يعنى بشئونه الشخصية، ~~فيرى في النهر وشطآنه «خطا تقطعه خطوط أخرى هي الجسور المقامة عليه.» هكذا يحرر الفنان ~~نفسه من الشواغل الشخصية، بحيث «يكون سواء لدى إدراكه الفني أن يرى غروب الشمس من سجن أو من ~~قصر.» # تلك هي اللذة التي تنشأ من الإدراك اللاإرادي الذي يخلع على حوادث ms250 الماضي، وعلى الأشياء ~~البعيدة سحرا خلابا، ويقدمهما لنا في ضوء جميل، وحتى الأشياء القبيحة إذا نحن تأملناها ~~بغير تدخل الإرادة ودون أن نلقي بالا لما قد ينجم عنها من خطر مباشر، بدت لنا في أروع صور ~~الجمال. إن الفن يخفف من أمراض الحياة؛ لأنه يطلعنا على العنصر الخالد الشامل وراء الصور ~~الفردية الزائلة، وما أصدق «سبينوزا» في قوله: «إن العقل يساهم في الأبدية بمقدار ما يرى ~~الأشياء في مظهرها الخالد.» # ولعل الموسيقى أقوى ضروب الفن في قدرتها على رفع الإنسان فوق إرادته ومكافحتها «ليست ~~الموسيقى بأية حال كسائر الفنون نسخة من المثل (أي جواهر الأشياء)، ولكنها نسخة من الإرادة ~~نفسها.» فهي تصور لنا الإرادة في حركتها البدائية وكفاحها الدائم، تلك الإرادة التي لا تنفك ~~تعود إلى نفسها لكي تبدأ كفاحها من جديد، فالسبب الذي جعل تأثير الموسيقى أقوى وأنفذ من ~~الفنون الأخرى هو أن هذه الفنون تتحدث عن خيالات فقط، أما الموسيقى فتعبر عن الأشياء نفسها، ~~وهي تختلف أيضا عن الفنون الأخرى في أنها تؤثر في شعورنا تأثيرا مباشرا، لا عن طريق ~~الأفكار، وإنها لتخاطب فينا جانبا أرق من العقل. ومما تجدر ملاحظته أن التناظر (السمترية) ~~في فنون المعمار تقوم مقام النغم في الموسيقى، إذ إن فن النحت كما يقول «جوته» عبارة عن ~~موسيقى متجمدة والتناظر فيها نغم صامت. ~~(د) # الدين: # لقد أدرك «شوبنهور» وهو في كهولته الناضجة أن النظرية التي ارتآها في الفن - ~~وخلاصتها التغلب على الإرادة وطرحها جانبا لنتأمل الحقيقة الموضوعية الخالدة الشاملة - ~~تصلح أيضا أن تكون نظرية للدين، فلقد نشأ «شوبنهور» نشأة لم يكن للدين فيها إلا جانب ضئيل ~~جدا، ولم تنزع به ميوله إلى احترام النظم الكنسية السائدة في عصره، حتى لقد احتقر رجال ~~اللاهوت ووصف الدين بأنه «ميتافيزيقا الجماهير»، ولكنه لما اكتهل واكتمل نضوجه أخذ يدرك في ~~بعض الشعائر والمعتقدات الدينية المسيحية معنى عميقا وفلسفة تشاؤمية عويصة، فجوهر المسيحية ~~قائم على مذهب الخطيئة (وهي في أساسها تقرير للإرادة) والتكفير (وهو إنكار للإرادة) هذا وإن ~~الصوم ms251 الذي يفرضه الدين وسيلة قوية فعالة في إخماد الرغبات التي يستحيل أن يؤدي وجودها إلى ~~السعادة، بل مؤداها لا بد أن يكون إما إلى خيبة وفشل أو إلى التطلع إلى رغبة أخرى. ~~«إن القوة التي استطاعت بها المسيحية أن تتغلب على اليهودية أولا، ثم على وثنية اليونان ~~والرومان، إنما تنحصر في تشاؤمها فقط، أي في اعترافها بأن حالنا شديدة البؤس ومسرفة في ~~الخطيئة، مع أن اليهودية والوثنية جميعا كانتا متفائلتين.» لقد حسبت اليهودية والوثنية أن ~~الدين رشوة يقدمها الإنسان إلى الآلهة لتعينهم على نجاحهم الدنيوي، أما المسيحية فقد رأت ~~للدين غرضا غير طلب السعادة في هذه الدنيا؛ لأنها رجاء هيهات أن يتحقق، ولقد نهضت في عالم ~~يملؤه الترف والزهو بالسلطان الدنيوي فرفعت مثلها الأعلى الذي صورته في حياة القديس المتعبد ~~الذي يستطيع أن يهزم الإرادة الفردية هزيمة منكرة. # والبوذية أعمق من المسيحية؛ لأنها تجعل عدم الإرادة غاية الدين، ولا ريب في أن الهنود ~~أبعد غورا من مفكري أوروبا؛ لأنهم يفسرون الدنيا بالشعور والبصيرة لا بالحس والعقل، إن ~~العقل يقسم كل شيء، أما البصيرة فتوحد كل شيء، وقد رأى الهنود أن ال «أنا» ~~وهم وخداع، وأن الفرد شبح زائل، أما الحقيقة الوحيدة فهي «الواحد اللانهائي». إن ~~كل من يصفو بصره وبصيرته، بحيث يرى أننا جميعا أعضاء من كائن عضوي واحد، وأننا تيارات ~~ضئيلة في خضم الإرادة فهو «لا شك بالغ كل فضيلة وكل نعيم، وهو سائر على طريق قويم نحو ~~التحرر.» ولا يظن «شوبنهور» أن المسيحية مستطيعة أن تحصل مكان البوذية في الشرق، ولا يرى لها ~~من أثر في البوذية أكثر من رصاصة أطلقت في جبل شامخ، بل يرى أن الأصح هو أن الفلسفة ~~الهندية تتدفق في أوروبا، وأنها ستغير من معرفة الأوروبيين وتفكيرهم تغييرا عميقا، وأن ~~الأدب الهندي (السنسكريتي) سيقلب وجه الأدب الأوروبي كما فعلت الآداب اليونانية حين ابتعثت ~~في القرن الخامس عشر. # إن الحكمة النهائية إذن هي «النرڨانا» # 14 # هي أن تنحصر ذات الفرد في أقل حيز ممكن من ms252 الرغبة والإرادة، فكلما قلت مثيرات ~~الإرادة لنا قلت آلامنا تبعا لذلك. إن السلام الذي يسمو على العقل كله، إن الهدوء الروحي ~~الكامل، إن الطمأنينة العميقة، هو ما يجب أن يكون لنا إنجيلا ... يجب أن تخلد المعرفة، وتنمحي ~~الإرادة. ~~(7) حكمة الموت # ولكن مهما يكن من أمر الدين، فما زلنا بحاجة إلى ما هو أكثر منه، نعم يستطيع الفرد أن ~~يمحو الإرادة، وأن يتحرر بفضل النرفانا، ولكن ماذا يخلص الإنسانية بأسرها؟ إن الحياة ~~لتضحك من فناء الأفراد؛ لأنها تبقيهم أحياء في نسلهم، ولو أمكن لفرد واحد أن يقهرها بما ~~يختاره لنفسه من العقم، فهنالك إلى جانبه ألوف وألوف تستجيب لداعي الحياة، وتنسل ما يضمن ~~لها البقاء والخلود، فكيف إذن نخلص الإنسان؟ أليس ثمة نرفانا للجنس عامة كما وجدناها ~~للفرد؟ # ولئن أردنا أن نهزم الإرادة هزيمة منكرة لا يكون لها قيام بعدها، فلن يكون لنا هذا إلا في ~~استئصال معين الحياة أعني في مقاومة إرادة النسل. «إن إشباع الغريزة الجنسية هو الذي يستوجب ~~المنع البات؛ لأنه أقوى ما يثبت شهوة الحياة.» وليت شعري ماذا جنى هؤلاء الأطفال فندفع بهم ~~إلى الحياة؟ ~~«إننا لو تأملنا الحياة المصطخبة لرأينا الناس جميعا يشتغلون بما تتطلبه من حاجة وشقاء، ~~ويستنفدون كل قواهم لكي يرضوا حاجات الحياة التي لا تنتهي، ولكي يمحوا أحزانها الكثيرة، ~~أوليس عجيبا بعد هذا ألا يكون لديهم من الجرأة ما يجعلهم يفكرون - في شيء آخر سوى الاحتفاظ ~~بهذا الوجود المعذب - أمدا قصيرا من الحياة، أوليس عجيبا أن نرى وسط هذا الصخب نظرات ~~الغزل يتبادلها الحبيبان حين يلتقيان في شوق؟ ولكن لماذا يلتقي الحبيبان تحت ستر الخفاء، ~~وفي شيء من الوجل؟ لأنهما الخائنان اللذان ينشدان دوام هذه الحاجة، وهذا الاستعباد الذي ~~كان سرعان ما ينتهي لولاهما ... ها هو السبب العميق لما يحيط عملية التناسل من خجل.» # وتبعة هذه الجريمة إنما تقع على المرأة؛ لأنه إذا نمت معرفة الرجل نموا يرجح على ~~الإرادة، بل يمحوها فإن فتنة المرأة التي لا معرفة فيها ولا فكر تعود، فتهبط ms253 بالرجل إلى ~~التناسل، وليس لدى الشباب من الذكاء ما يكفي أن يعلم أن فتنة المرأة قصيرة الأجل، فإذا ما ~~نضج الذكاء واكتمل العقل ليدرك هذه الحقيقة تكون الفرصة السانحة قد أفلتت، والوقت المناسب ~~قد انقضى. # لقد وهبت الطبيعة الفتاة قسطا من الجمال تغزو به أفئدة الرجال لينهضوا بعبئها عن رضا ~~وطواعية، ولكن الطبيعة في عطائها كانت كعهدنا بها مقترة، فلم تهب المرأة من الجمال إلا ~~بمقدار ما تستطيع أن تتخذ منه أداة لحفز الرجل على التناسل ليستمر بقاء الحياة، حتى إذا ما ~~انقضت مهمتها في ذلك عادت فسلبتها ما كانت وهبتها من فتنة وجمال، وتطوع الرجل للإنفاق على ~~المرأة لم يكن ليتم لو كان العقل وحده هو الذي يوجه أفكار الرجل. # وإن «شوبنهور» ليعجب أشد العجب لهذا الاسم الذي يطلق على النساء جزافا «الجنس اللطيف»، ~~فلا شك أن من يطلق هذا اللقب على ذلك الجنس الضئيل القصير الشائه، هم أولئك الذين أفسدت ~~غرائزهم الجنسية عقولهم، فجمال المرأة كله قائم على الغريزة الجنسية وحدها، وإنه لأقرب إلى ~~الصواب أن نسمي النساء بالجنس الذي لا ذوق له في الفن؛ إذ ليس في مقدورهن تقدير الجمال في ~~شتى الفنون، ولكنهن كثيرا ما يغالطن في الحقائق فيدعين أنهن ذوات فن جميل، بأن يعزفن على ~~الآلات الموسيقية أو يعالجن التصوير، ولكن ذلك منهن كذب ورياء، فهن لا يشغفن إلا بما خلقن ~~من أجله؛ أعني حفظ النوع. إن الرجل يجاهد في العلوم والفنون لتتم له السيطرة على الأشياء ~~سيطرة مباشرة، إما بفهمها أو بالتحكم فيها، أما المرأة فهي بطبيعتها لا تحب أن تسيطر على ~~الأشياء سيطرة مباشرة، ولكنها دائما تقصد إلى السيادة عليها عن طريق سيادتها على الرجل، ~~فالرجل وحده هو ما تصبو المرأة إلى التحكم فيه والسيطرة عليه، ومعنى ذلك أن المرأة ترى في ~~كل شيء وسيلة فقط لغزو الرجل، فإذا ما تظاهرت بميل إلى الموسيقى أو الشعر مثلا فليس ذلك ~~ناشئا عن رغبة طبيعية فيها نحو هذه الفنون، إنما هي تتخذ منها أداة تتجمل ms254 بها لتروق في عين ~~الرجل، ولو استعرضت عصور التاريخ جميعا لما وجدت أحدا من النساء قد أبدع في الفن آية ~~فيها أصالة ونبوغ. # ولعل هذا الاحترام الذي يبديه الرجل للمرأة إحدى نتائج الديانة المسيحية، وهو سبب لتلك ~~الحركة الرومانتيكية التي تمجد الشعور والغريزة والإرادة، وتضعها جميعا فوق العقل والذكاء. ~~ولقد أدرك أهل القارة الآسيوية في ذلك ما لم يدركه الأوروبيون؛ لأنهم يعترفون اعترافا ~~صريحا بضعة المرأة، إذ لا ريب في أن كل قانون يعامل المرأة على أساس مساواتها بالرجل ~~باطل من أوله، فإذا أراد القانون أن يسويها في الحقوق بالرجل فليعطها أولا عقلا كعقول ~~الرجال، هذا ولقد أصاب الشرقيون مرة أخرى في تقريرهم لمبدأ تعدد الزوجات؛ لأنه مبدأ تحتمه ~~الطبيعة وتبرره. والعجب أن الأوروبيين في الوقت الذي يستنكرون فيه هذا المبدأ نظريا ~~يتبعونه عمليا، فما أحسب أن بينهم من ينفذ مبدأ الزوجة الواحدة على وجهه الصحيح. # ومن الخرق أيضا أن نسمح للمرأة بوراثة مال زوجها؛ لأنها مسرفة بطبعها، وقد نشأ إسرافها ~~من تعلق أطماعها بالأشياء المادية، فتراها تبذل بغير حساب في تجملها وزينتها، وهي في ذلك ~~مخالفة للرجل الذي يتوجه بطموحه إلى نواح غير مادية كالعلم والشجاعة وما إليهما، وهو بذلك ~~يستنفد مجهوده فيما لا يحتاج إلى البذل والإسراف. # يقول «أرسطو» في كتاب «السياسة»: إنه إذا سمح للمرأة بالزيادة من حقوقها كان ذلك نذيرا ~~بزوال الدولة ودمارها، وهو يستشهد على ذلك «بإسبرطه»، ولقد جاء التاريخ الحديث بأمثلة تؤيد ~~ما ذهب إليه ذلك الفيلسوف العظيم، فزيادة نفوذ المرأة في فرنسا منذ عهد لويس الثالث عشر أدى ~~إلى تدهور الحكومة والبلاط، وهذا أنتج الثورة الفرنسية الكبرى وما أعقبها من ثورات. # نرى من ذلك كله أنه كلما وهنت علاقة الرجل بالمرأة كان خيرا وأفضل، فليس النساء «شرا ~~لا بد منه.» كما يقولون، إذ الحياة بغيرهن آمن وأمتع، فليتدبر الرجال الأمر، وليفكروا طويلا ~~في هذه الأحبولة التي نصبت لهم في النساء، وفي هذه المهزلة الساخرة التي ترمي إليها الإرادة ~~من التناسل، إن تقدم العقل ms255 سيحد بل سيمحو إرادة النسل. فلست أدري لماذا نرفع الستار عن ~~حياة جديدة كلما أسدلت على عزيمة وموت؟ لست أدري لماذا نخلق بأنفسنا معركة جديدة وهزيمة ~~جديدة كلما فرغنا من كفاح ينتهي بالاندحار؟ حتام تخدع الناس هذه الزوبعة التي تثور حول لا ~~شيء، حتام نصبر على هذا الألم الذي لا ينتهي، والذي لا يؤدي إلا إلى عناء وشر، متى نتذرع ~~بالشجاعة فنتحدى الإرادة وننبئها أن حب الحياة أكذوبة، وأن أعظم نعيم للناس جميعا هو ~~الموت؟ # نقد # لم يكن عجيبا أن ينطق «شوبنهور» بهذه الفلسفة المتشائمة بعد ما شهدته أوروبا من كوارث ~~الحروب النابليونية التي أنهكتها وذهبت بريحها؛ لأنه إذا ما اشتدت الكروب بالإنسان أسلم ~~نفسه لليأس القاتل، وغاضت منه كل بواعث الأمل؛ لشعوره العميق حينئذ بضعف إرادته أمام إرادة ~~الكون القوية الجبارة، هكذا حدث في اليونان بعد حروب الإسكندر، فنشأت بها الرواقية الشاحبة، ~~والأبيقورية المتعثرة اليائسة، وهكذا حدث في روما بعد قيصر، ففي كلتا الحالين تدفقت في ~~الصدور تلك العقائد التي توقن يقينا جازما بقوة إرادة الطبيعة وجبروتها إذا قيست بإرادة ~~الإنسان الواهية العاجزة، التي تسلم بأن لا حول لهذا الإنسان أمام قوة القدر. ثم هكذا كانت ~~الحال في أوروبا بعد عام 1815م حيث خارت قواها، وأظلمت الدنيا أمام ناظريها، فاتخذت من ~~«شوبنهور» لسانا يعبر عما في نفسها من خيبة ويأس. # ولا شك أنه مما عمل على إيجاد هذا الروح اليائس في نفس «شوبنهور» ما كان يعيش فيه من ~~فراغ؛ إذ الحياة المليئة بالعمل والنشاط تخلق غالبا المرح والتفاؤل. ومن العسير أن تنعم ~~النفس بالهدوء والطمأنينة إذا خلت الحياة من العمل. ولقد كان لدى فيلسوفنا من المال ما ~~يكفيه، فعاش في فراغ متصل، حتى أيقن أن العمل المتواصل أخف احتمالا من الفراغ الدائم. ولعل ~~نزوع الفلاسفة عامة إلى الكآبة راجع إلى خلو حياتهم من النشاط والحركة. # ولكن فلسفة «شوبنهور» لم تخل من بعض الأخطاء التي نشير إليها هنا إشارة عجلى: ~~(1) # فلا ريب أنه بالغ في رأيه في النساء، وأسرف في ms256 سوء ظنه بهن إسرافا شديدا، فما كل ~~النساء خادعات ماكرات كما ظن، وليس جمالهن ناشئا عن الغريزة الجنسية وحدها كما ذهب، وليت ~~شعري كم يبقى لدينا من الجمال إذا نحن أنكرنا جمال النساء؟ ولكن لعل «لشوبنهور» عذره في ~~رأيه هذا لما وجد من أمه من مقت وحقد. ~~(2) # ثم ما هذا التشاؤم كله من الحياة؟ أليس في التشاؤم كثير من الأنانية؟ أوكلما تبرم ~~الإنسان بنفسه انقلب إلى الكون بأسره فألقى عليه التبعة؟ لقد نسينا إذن ما أرشدنا إليه ~~«سبينوزا» من أن ما نحس به نحن من سخط ومن غضب أحكام بشرية ، نخطئ غالبا إذا طبقناها على ~~العالم، فلربما كان كرهنا للعالم هو كره لأنفسنا قد تنكر واستخفى، فما ينبغي أن تكون ~~الإساءة منا، ثم نقذف بالتهمة جزافا على «البيئة» أو على «العالم» إنكالا منا على أن ~~البيئة أو العالم صامتان ليس لهما ألسنة يدافعان بهما عن نفسيهما. إن الرجل السليم المعافى ~~ذا العقل الناضج الرشيد، ليقبل الحياة بما فيها من قيود؛ لأنه لا يتوقع من السماء أن تكون ~~خادما طيعا رهن إشارته، وهو يعلم أنه من حمق الرأي - كما يقول كارليل - أن نلعن الشمس؛ ~~لأنها لا تشعل لنا «السجائر» حينما نريد منها ذلك، ومع ذلك فلعلها فاعلة لو أوتينا العلم ~~والذكاء، فلقد ينقلب هذا الكون الفسيح إلى ميدان لذة وسعادة إذا نحن عاوناه بشيء من ~~الإشراق في نفوسنا، وعلى كل حال فليس العالم صديقا لنا كما أنه ليس بعدونا، فما هو إلا ~~مادة أولية في أيدينا، تكون منه الجنة، أو يكون منه الجحيم حسب ما تكون عليه نفوسنا. ~~(3) # أما أن ما تثيره فينا الإرادة من رغبات ينتهي عادة بالفشل، وأنه حتى إذا تحققت ~~الرغبة، فإنها تبعث وراءها رغبة ثانية وهلم جرا، فلسنا ندري أين العيب في هذا؟ أولم يدر ~~«شوبنهور» أن لذة الحياة في الكفاح حتى ولو أخفق؟ وماذا علينا في أن تبعث الرغبة المتحققة ~~رغبة أخرى؟ إنه خير لنا من غير شك ألا نقنع ونرضى، فالسعادة كما قال القدامى: هي ms257 في حالة ~~السعي وراءها لا في حالة الرضا والتشبع، والرجل الكامل لا ينشد السعادة بقدر ما يبحث عن ظرف ~~سانح يمارس فيه ملكاته وقواه، فإذا كان لزاما عليه أن يدفع عناءه وشقاءه ثمنا لهذا، فما ~~أرخصه من ثمن، إننا لفي حاجة إلى المقاومة لكي نرتفع كما ترتفع بالمقاومة الطائرة والطائر، ~~نحن بحاجة إلى العقبات لترهف بها قوانا، فليست الحياة الهينة جديرة بالإنسان. ~~(4) # ولقد زعم «شوبنهور» أن الزيادة من المعرفة تستتبع الزيادة في الألم، وأن أرقى ~~الكائنات هي أشدها معاناة للألم، وهذا صحيح لا ريب فيه، ولكن أليس صحيحا كذلك أن زيادة ~~المعرفة تزيد الألم، وأن أرقى الكائنات يتمتع وحده بأسمى الملاذ كما يعاني ألذع الألم؟ لقد ~~أصاب «فولتير» حين آثر لنفسه أن يشقى بالحكمة عن أن ينعم نعيم الجهالة والسذاجة. إننا لا ~~نتردد في أن نعالج من الحياة أقواها وأعمقها، حتى ولو كان ذلك على حساب ما نقاسيه من ~~ألم. ~~(5) # أما أن اللذة سلبية كما يقول «شوبنهور» فلا نظن ذلك صحيحا على إطلاقه. إن اللذة هي ~~انسجام ما تقوم به غرائزنا من عمل، فلا تكون اللذة سلبية إذا كانت الغريزة الدافعة إليها ~~غريزة تقهقر وتراجع. لا تقدم وإقدام، كلذة الهرب والراحة والخضوع والأمن والوحدة والهدوء، ~~فهذه كلها لذات سلبية؛ لأنها ناشئة عن غرائز سلبية، فهي ألوان من الفرار والخوف، ولكن من ذا ~~يزعم أن الملاذ التي تنشأ عن الغرائز الإيجابية كغرائز التحصيل والامتلاك والحكم والسيادة ~~والاجتماع والحب، ملاذ سلبية؟ من ذا يخطئ فيظن أن الضحك ومرح الطفولة وأغنية الطير لأليفه ~~والاستمتاع بالفن ملاذ سلبية؟ ~~(6) # ويقول فيلسوفنا إن الموت مروع مفزع، فهل كان يرضيه ألا نموت؟ من ذا يغبط ~~«أهاسورس» # Ahasuerus # الذي أرادت الآلهة أن تنزل به أمر ما ينزل بإنسان من عقاب، فأرادت له ألا يموت؟ ~~ثم لماذا يكون الموت مفزعا إذا لم تكن الحياة حلوة مريئة؟ هذا، وإن امرأ نيف على السبعين ~~من عمره لا يحق له أن يدعي أنه صادق في تشاؤمه، وفي ذلك يقول «جوته»: إن الإنسان ms258 لا يتشاءم ~~قبل العشرين ولا بعد الثلاثين؛ لأن التشاؤم في حقيقته فيض الشعور بالذات وما لها من أهمية ~~وخطر، وإنما يشعر بهذا الشعور شاب انسلخ لتوه من صدر أسرته الحنون المملوء حبا وتعاونا ~~وأمنا، إلى عالم لا يعرف إلا التنافس بين الأفراد وما يلازمه من شراهة وجشع، عندئذ يحس ~~مثل ذلك الشاب شر الحياة وسوءها، حينما يشهد مثله العليا تنهار واحدة بعد واحدة. أما قبل ~~العشرين فتكون لذة الجسد، ثم تكون لذة العقل بعد الثلاثين. ~~(7) # ويظهر أن «شوبنهور» لم يصب حين ارتأى أن إرادة الحياة هي القوة الحقيقية الدافعة لهذا ~~الوجود ، فبماذا نعلل الانتحار؟ ~~(8) # ولقد زعم أن النبوغ مرتبط بالجنون، فما قوله في «سقراط» و«أفلاطون» و«أرسطو» ~~و«سبينوزا» و«بيكون» و«نيوتن» و«فولتير» و«جوته» و«دارون» وغيرهم؟ # ولكن مهما يكن في فلسفة الرجل من أخطاء، فما ذلك إلا كالكلف في الشمس، ولقد أفلح في أن ~~يفرض فلسفته على الوجود فرضا، وفي أن يضيف اسمه إلى سجل الخالدين. ~~(4-3) هربرت سبنسر # Herbert Spencer ~~(1) «كومت» و«دارون» # كان القصد من دراسة ما وراء الطبيعة في مراحل تاريخ الفكر كلها هو محاولة الكشف عن طبيعة ~~الحقيقة النهائية، ولكن ها هم الناس قد أيقنوا في القرن التاسع عشر أنه يستحيل على الإنسان ~~أن يصادف الحقيقة فيما يصادف في حياته من خبرة وتجربة، وعرفوا أن الحقيقة هي معنى نتصوره، ~~ولكنا لا نعرفه، وأن جبابرة العقول التي شهدتها الإنسانية فيما مضى لم تستطع أن تعدو ~~الظواهر، وعجزت عجزا تاما عن أن تنفذ إلى الجوهر واللباب، ولقد شهدنا كيف أسرف «فخته» ~~و«شلنج» و«هجل» في بحوثهم الميتافيزيقية إسرافا شديدا، وجاء كل منهم ينسخ الآخر، فكانت ~~نتيجة دراستهم في النهاية صفرا، ولبث الكون بعد كل ما تجشموه من إعنات الفكر يحتفظ بسره ~~المكنون، شهد العقل الأوروبي هذا التطرف في الفكر المجرد، فلم يسعه إلا أن يحدث رد فعل، وأن ~~يقفز من النقيض إلى النقيض، فوقف من كل ضروب الميتافيزيقا موقف المقت والعداء. # هربرت سبنسر. # وكان طبيعيا أن ينشأ بين الفرنسيين الذين عرفوا بالشك من ms259 يؤسس الحركة «الإيجابية أو ~~الواقعية أو اليقينية» Positivist Movement ~~(لأن طول الشك قد ينتهي باليقين)، وهو ~~«أوجست كومت» # Auguste Comte # الذي ~~ولد في مونبلييه # Monpellie # عام 1798م، وكان معبوده أيام صباه هو ~~«بنيامين فرانكلين # Benjamin Franklin ~~» الذي كان يسميه «سقراط» الحديث، والذي قال عنه: «إنه ~~رسم الخطة وهو في الخامسة والعشرين ليكون حكيما كامل الحكمة، وأنه أنجز لنفسه ما وعد، ~~ولقد جازفت فتصديت للعزيمة نفسها، ولو أنني لم أبلغ العشرين بعد.» وقد استهل حياته العملية ~~استهلالا يعاونه على أداء ما اعتزم، فنصب كاتما للسر لكاتب المدينة الفاضلة العظيم ~~«سانت سيمون» # St. Simon # الذي أشعل فيه الحماسة للإصلاح، والذي بذر فيه - أول من بذر - الفكرة ~~القائلة بأن الظواهر الاجتماعية - كالظواهر الطبيعية - يمكن أن تحد بالقانون والعلم، وأن ~~الفلسفة كلها يجب أن تركز جهودها في إصلاح النوع البشري إصلاحا أخلاقيا ~~وسياسيا. # وقد تصدى «كومت» بالفعل إلى هذا الإصلاح، على أنه كان - كأكثر من تصدوا لإصلاح العالم - ~~عاجزا عن تنظيم داره، فكان يعاني حياة منزلية مليئة بألوان الشقاء الزوجي، ثم أصيب في سنة ~~1827م بمرض عقلي دفعه إلى محاولة الانتحار في نهر السين، ولكن أراد الله أن يكتب له النجاة ~~والبقاء لكي ينتج لنا فيما بعد ما أنتجه؛ خمسة مجلدات في «الفلسفة الإيجابية» نشرها بين عامي ~~1832م، 1842م، وأربعة مجلدات في «السياسة الإيجابية» نشرها بين عامي 1851م، 1854م. # حاول «كومت» في هذه المؤلفات أن يبوب العلوم تبعا لتدرج مادتها في البساطة والتعميم، ~~فرتبها على هذا النحو: الرياضة، فالفلك، فالطبيعة، فالكيمياء، فعلم النبات، فعلم الاجتماع. ~~وكل واحد من هذه العلوم يرتكز على نتائج العلوم التي قبله، وإذن فعلم الاجتماع هو - من ~~العلوم كلها - ذروتها العالية، ولا يبرر وجود علم من العلوم الأخرى إلا بمقدار ما يمدنا به ~~من شرح وتوضيح لعلم الاجتماع، وهكذا يرى «كومت» أن العلم بمعنى المعرفة اليقينية يسير على ~~الترتيب السابق من موضوع إلى موضوع، ومن الطبيعي أن تكون ظاهرة الحياة الاجتماعية المعقدة ~~آخر ما يخضع للطريقة العلمية. ويستطيع مؤرخ الفكر ms260 أن يلحظ في كل ميدان من ميادين التفكير ~~قانونا ذا مراحل ثلاث. # أوجست كومت. # فقد كان الإنسان أول الأمر ينظر إلى الموضوع من وجهة نظر لاهوتية، وكان يعلل كل مسائله ~~بإرادة إله ما، مثال ذلك ما كان منه حين اعتبر النجوم آلهة أو محفات للآلهة، ثم تقدم حتى ~~أخذ ينظر إلى الموضوع من وجهة نظر ميتافيزيقية حيث يعلل كل شيء بفكرة مجردة مما وراء ~~الطبيعة. مثال ذلك موقفه حين ظن أن النجوم تسير في دوائر؛ لأن الدائرة هي أكمل الأشكال. ~~وأخيرا أخضع الإنسان موضوع بحثه للعلم اليقيني بما يقوم عليه هذا العلم من الملاحظة ~~الدقيقة والفروض والتجارب، وأصبح يعلل الظواهر باطراد قانون العلة والمعلول. # لذلك لم يتردد «كومت» في أن يعلن بأن مرحلة البحث الميتافيزيقي يجب أن تنقضي؛ لأنها عبث ~~صبياني، وبأن الفلسفة شيء لا يختلف عن العلم؛ إذ هي تعاون العلوم كلها، ويجب الاتجاه بها ~~إلى تقويم الحياة الإنسانية وتحسينها. # ولكن حدث في عام 1845م ما غير وجهة نظر الفيلسوف العقلية، وذلك أن اتصلت أسباب الحب بينه ~~وبين مدام «كلوتلد دي فو» # Clotild de Vaux # التي قضي على زوجها أن ينفق حياته في السجن، ~~فأشعل هذا الحب مشاعره، ولون فكره بلون جديد، فأخذ يمجد الشعور ويضعه في منزلة أسمى من ~~العقل باعتباره وسيلة الإصلاح، وانتهى إلى أن العالم لا يمكن تقويمه إلا بدين جديد يغذي ~~نزعة الإيثار الخافتة الضعيفة، بأن يقدس «الإنسانية»، ويتخذ منها موضوعا للعبادة، ولقد ~~قضى «كومت» أيام كهولته في التمهيد لهذا الدين الجديد - دين الإنسانية - فوضع له نظاما ~~دقيقا مفصلا في تكوين القساوسة وإقامة الصلاة وسائر الشعائر، واقترح تقويما جديدا ~~نستبدل فيه بأسماء الآلهة الوثنية وقديسي العصور الوسطى أعلام الرقي البشري. # ولقد صادفت تلك «الحركة اليقينية» دعامة قوية في مجرى الفكر الإنجليزي عندئذ، ذلك الفكر ~~الذي استمد روحه من حياة صناعية وتجارية، فنظر إلى الحقائق الواقعة نظرة احترام وتقديس. ~~فقد اتجهت الفلسفة الباكونية بالتفكير الإنجليزي نحو الوقائع المحسة، فتبعه «هوبز» بمذهبه ~~المادي، و«لوك» بنظريته الإحساسية، و«هيوم» ms261 بشكه، و«بنتام» بنفعيته، فكانت كلها جوانب من ~~فلسفة وضعت لتحس الحياة العملية - وقد جاء «بركلي» الإيرلندي نشازا في ذلك النغم الموسيقي ~~المنسجم الذي ضرب على أوتاره مفكرو الإنجليز؛ فهؤلاء جميعا رأوا من قبل ما يراه اليوم ~~«كومت» و«سبنسر» من أن الفلسفة هي تعميم نتائج العلوم كلها. لهذا لقيت الحركة اليقينية من ~~أشياعها في إنجلترا أكثر مما لقيت منهم في مسقط رأسها - فرنسا - كان أشهر أولئك ~~«جون ~~ستيوارت مل» # John Stuart Mill ~~، و«فردريك هاريسون» # Fredrick Harrison ~~. # وكان يسود إنجلترا عندئذ حركة علمية قوية عنيفة تناولت فروع العلم بأسرها، وبخاصة علم ~~النبات ومذهب التطور الذي اشتركت في بحثه الدول الأوروبية كلها منذ بضعة قرون ، ولكنه كان حتى ~~منتصف القرن التاسع عشر حديثا مفككا تنقصه الصياغة والإتمام، حتى نشر «دارون» كتابه «أصل ~~الأنواع» الذي ارتج له عالم الفكر رجة عنيفة، إذ لم يكتف هذا الكتاب بالإشارة المبهمة لمذهب ~~التطور، وبأن الإنسان قد تطور على نحو ما من أجناس أوطأ منه، ولكنه شرح الفكرة شرحا مفصلا ~~تؤيده الأمثلة تأييدا قويا، وأطنب في الطريقة التي يتم بها التطور بواسطة الانتخاب ~~الطبيعي، وبقاء الأجناس القوية الموهوبة في تنازع البقاء، ولم يكد ينقضي بعد نشر الكتاب ~~عشرون عاما، حتى كان التطور حديث العالم أجمع. ثم جاء «سبنسر» فتناول فكرة التطور بالتطبيق ~~على كل مناحي التفكير والدراسة، فكما أن الرياضة سادت الفلسفة في القرن السابع عشر حيث ~~أنجبت للعالم «ديكارت وهوبز وسبينوزا وليبنتر وبسكال»، وكما أن علم النفس ساد الفلسفة في ~~القرن الثامن عشر في «بركلي وهيوم وكانت» فقد كان علم الحياة في القرن التاسع عشر هو النزعة ~~السائدة، تلمسها في «شلنج وشوبنهور وسبنسر ونيتشة وبرجسون». ~~(2) نشأته # ولد في دربي # Derby # سنة 1820م، وقد ورث نزعة إلحادية عن جدته لأبيه، ثم عن أبيه الذي أبى ~~كل الإباء أن يفسر شيئا بما فوق الطبيعة من قوى، والذي قال عنه أحد أصدقائه: إنه لا يدين ~~بدين ولا يؤمن بشيء، وكان يميل إلى العلم وألف كتابا في الهندسة، وكان في الأمور ms262 السياسية ~~يعتد بشخصيته اعتدادا متطرفا، فلم يخلع قبعته قط لإنسان كائنة منزلته ما كانت، فانحدرت ~~هذه الشخصية إلى ابنه «هربرت سبنسر». # ومما يلفت النظر أن هذا الرجل الذي كتب له أن يكون أشهر فيلسوف إنجليزي في القرن التاسع ~~عشر ظل بغير تعلم حتى بلغ سن الأربعين، فقد كان في طفولته كسولا أهمل في ذهابه إلى ~~المدرسة، وكان أبوه يغض النظر عن ذلك الإهمال ويتسامح فيه، فلما بلغ عامه الثالث عشر أرسله ~~أبوه إلى «هنتون» # Hinton ~~؛ ليراقبه في دراسته عمه الذي عرفت عنه القسوة والعنف، فلما لم يطق ~~«هربرت» شدة عمه أفلت من رقابته ولاذ بالفرار، فقصد إلى دار أبيه في «دربي» سيرا على ~~الأقدام، فقطع في اليوم الأول ثمانية وأربعين ميلا، وفي اليوم الثاني سبعة وأربعين ميلا، ~~وفي الثالث عشرين ميلا، ولم يقم أوده في تلك الأيام الثلاثة إلا قليل من الخبز القفار، ~~ولكنه رغم هذا ما لبث أن أعيد إلى «هنتون» بعد أسابيع قلائل، حيث لبث بها أعواما ثلاثة ~~كانت هي الفترة الوحيدة التي تلقى فيها تعليما منظما طول حياته، وحتى هذه الدراسة القليلة ~~كانت فيما يظهر من الضحولة والارتباك بحيث لم يستطع فيما بعد أن يتذكر أي الموضوعات درسها ~~حينئذ، ويقول: «يجب أن يعلم الناس عني أنني لم أتلق درسا واحدا في اللغة الإنجليزية لا ~~في أيام الطفولة، ولا في عهد الصبا، وأني لم أتعلم قواعد اللغة الشكلية حتى هذه الساعة.» ثم ~~حاول وهو في سن الأربعين أن يقرأ الإلياذة «ولكني بعد قراءة ما يقرب من ستة فصول شعرت ~~بضخامة المجهود الذي يقتضيه المضي في القراءة، وشعرت أنني أفضل أن أدفع مبلغا طائلا من ~~المال على أن أقرأها حتى نهايتها.» هذا ويحدثنا أحد كاتمي سره أنه لم يقرأ كتابا واحدا في ~~العلوم إلى آخره، ولقد لبث حتى سن الثلاثين وهو يجهل الفلسفة جهلا تاما، ثم حاول أن يقرأ ~~«كانت»، ولكنه لم يكد يبدأ في قراءته حتى اصطدم بما يقرره «كانت» عن الزمان والمكان من ~~انهما صورتان للإدراك الحسي، ms263 وليسا حقيقتين موضوعيتين، فحكم عليه بأنه مغفل وطرح الكتاب ~~جانبا. ولقد ألف «سبنسر» أول كتبه «التوازن الاجتماعي» دون أن يقرأ في الموضوع شيئا إلا ~~كتابا قديما يكاد يجهله الناس، ثم كتب مؤلفه في «علم النفس»، ولم يقرأ عن الموضوع قبل ~~الكتابة إلا قليلا، وهكذا كان شأنه في كتابه عن «علم الحياة» و«علم وظائف الأعضاء» و«علم ~~الاجتماع» و«الأخلاق». # إذن فمن أين استمد هذه الملايين من الحقائق التي يسوقها لتأييد أقواله؟ لقد اكتسبها ~~بالملاحظة المباشرة التي كان يمتاز بحدتها ويقظتها، فلم يكد يحدد لنفسه موضوع بحثه، ويقرر ~~الفكرة الرئيسية - وهي التطور - التي أراد أن تكون قطبا لرحى تفكيره، حتى أصبح عقله ~~كالمغناطيس يجذب إليه سيلا دافقا من الحقائق التي لها علاقة بموضوعه، ثم يأخذ فكره - وقد ~~كان فكرا لا يضارع في قوة التنظيم - في تبويب المادة المكسوبة، فلا عجب أن جاءت كتبه سائغة ~~لشتى رجال الأعمال، إذ لم يكن يستمد مادته من الكتب، بل من الحياة الواقعة. # لقد اضطر «سبنسر» إلى العمل لكسب عيشه، فاشتغل بحرفة كانت تتجه نحو ما ينزع إليه بطبيعته، ~~إذ كان مساحا فرساما للخطوط الحديدية والجسور فمهندسا، فكانت هذه المهنة العملية ~~مجالا خصبا لملاحظته القوية، وكانت له في كل يوم فكرة جديدة واخترع جديد، ولو أن كثيرا ~~منها كان ينتهي بالفشل، وقد لبث نباتيا في طعامه مدة من الزمن، ولكنه لم يلبث أن رأى ~~صديقا له نباتيا يصاب «بالأنيميا» كما أحس في نفسه بالضعف يدب في قواه جميعا، فأقلع عن ~~ذلك، وهو يشير إلى ذلك بقوله: «لقد رأيتني مضطرا إلى إعادة ما كتبته أيام أن كنت نباتيا؛ ~~إذ كانت تعوزني فيها القوة.» ومما يروى عنه أنه كان يخضع كل شيء للتجربة والتفكير العميق، ~~حتى إنه فكر يوما في الهجرة إلى زيلنده الجديدة، فأعد كشوفا يرصد فيها الأسباب التي تبرر ~~الرحلة، والأسباب التي تقتضي إلغاءها، مقدرا كل سبب بمقدار رقمي، فكان المجموع النهائي 110 ~~درجة تقضي ببقائه و301 درجة في جانب السفر، ولكنه رغم ذلك لم يرحل! # وكان مما ms264 يميز شخصيته أنه لا يدع برهانا لتأييد حججه إلا أورده، ولكنه كان في الوقت نفسه ~~لا يستمع إلى وجهة نظر سواه، وإن أنصت فلا يفهم، وكان محبا لنفسه شاعرا بعظمتها شعورا ~~أسرف فيه، حتى بلغ حد الغرور، وكان يرفض كل ضروب المداهنة والرياء، ويأبى أن يتقبل من ~~الحكومة ما تمنحه من ألقاب الشرف، وقد لازم عمله المضني أربعين عاما في عزلة من الناس، ~~ومرض ملازم لم يبرحه، ولعل انعزاله وامتناعه عن الزواج وتكوين أسرة كان سببا في إقفار نفسه ~~من العواطف الإنسانية التي تنشأ بالمعاشرة، فكان جافا تعوزه الفكاهة، وجاء أسلوبه بعيدا ~~عن الرقة والسلامة. # ويخيل إلينا أن ما اضطلع به من عبء ثقيل جليل اضطره أن ينظر إلى الحياة نظرة صارمة أكثر ~~مما ينبغي، فقد اشتغل بتحليل الحياة ووصفها حتى لم يبق له من الوقت ما يعيش فيه ~~لنفسه. # ومن أظهر الصفات التي تميز «سبنسر» مقدرة رائعة في المنطق، ولعله أقدر من شهدهم التاريخ ~~الحديث في عرض الموضوعات مهما اشتد تعقيدها، فقد كتب في أعوص المسائل وأعمقها كتابة أخذ ~~العالم كله يقرؤها مدى جيل كامل، وهو مشغوف طروب مقبل على الفلسفة إقبالا لم تعهده الفلسفة ~~في الناس من قبل. وكان «سبنسر» يميل إلى التعميم، ويغرم بالنظام غراما لا حد له، ويظهر أن ~~حبه للنظام تولد من دءوبه على تنظيم الأمثلة واستخراج القاعدة. # ولما كان عام 1858م أخذ «سبنسر» يراجع مقالاته المتناثرة لنشرها في كتاب واحد، فراعه منها ~~وحدة التفكير، ولمعت على الفور في رأسه فكرة، وهي أن نظرية التطور يمكن تطبيقها على كل فروع ~~العلم كما أمكن تطبيقها على علم الحياة، وأنها لا تقتصر على تعليل الأنواع والأجناس، ولكنها ~~أيضا تتناول بالتفسير كل شيء؛ الكواكب والتاريخ والأخلاق والجمال. وما لبث أن اشتعل حماسة ~~لإخراج سلسلة من الكتب يبين فيها تطور المادة والعقل من السديم إلى الإنسان، ومن الوحش ~~الضاري إلى «شكسبير»، ولكنه نظر فرأى عمره قد قارب الأربعين، فيئس من إتمام مشروعه؛ إذ كيف ~~يتسنى لرجل قطع من العمر ms265 أربعين عاما أن يجد من الوقت متسعا ليفكر في كل ما وعت ~~الإنسانية من معرفة؟ # كان «سبنسر» فقيرا، ولكنه مع ذلك لم يطل التفكير في كسب عيشه، ولبث مدة يحرر في مجلة ~~«الأكونومست» # Economist ~~، ولكنه استقال من تحريرها حين أوصى له عمه بميراث قدره ألفان ~~وخمسمائة جنيه، غير أن هذا القدر من المال لم يلبث أن تبدد، ففكر في أن يجمع من الناس ~~اشتراكات في كتبه التي اعتزم إصدارها، وفعلا وفق في ذلك بعض التوفيق. فلما نشر عام 1860م ~~أول كتبه أقبل عليه القراء إقبالا حفز الهمة فيه، فاشتدت عزيمته وواصل التأليف. # ولكن لم يكد ينشر كتاب: «المبادئ الأولى» سنة 1862م حتى أعرض الناس عنه، واسترد معظم ~~المشتركين قيم اشتراكهم، وكان سبب هذا النفور والإعراض ما جاء في الجزء الأول من هذا ~~الكتاب، إذ حاول فيه «سبنسر» أن يوفق بين العلم والدين، فهاجم رجال الدين والعلماء على ~~السواء، وبذلك أصبح كتاب «المبادئ الأولى» وكتاب «أصل الأنواع» ميدانا لقتال عنيف بين ~~الكتاب، ونشر للرد عليهما وتفنيدهما سيل دافق من الكتب، وساد الرأي في القوم بأن من يأخذ ~~بنظرية التطور ويشايعها فهو زنديق خارج على قواعد الأخلاق، وهكذا أدبر عن «سبنسر» كل من ~~أقبل عليه في بادئ الأمر، فنفد منه الصبر والمال ولم يعد في مصقدوره مواصلة العمل، فأرسل إلى ~~من بقي له من المشتركين يعلنهم أنه قد عجز عن المضي في تأليف ما أراد تأليفه من ~~الكتب. # ولكن أراد الله ألا يخفق هذا المشروع الجليل، فجاءه العون ممن كان ينتظر منه المحاربة ~~والعداء، وهو ما يسجله تاريخ الفكر بالفخر والتقدير، وذلك أن أرسل إليه «جون ستيورات مل» ~~بالخطاب الآتي، مع أنه كان أعظم منافس «لسبنسر»، وكان يسيطر على ميدان الفلسفة الإنجليزية ~~قبل نشر كتاب «المبادئ الأولى» فلما نشر هذا الكتاب أحس «مل» أن فيلسوف التطور قد غلبه على ~~أمره، فكتب إليه يقول: # صديقي العزيز # لما عدت في الأسبوع الماضي، ألفيت عدد شهر ديسمبر من كتابك في علم الحياة، ولست بحاجة ~~إلى ms266 ذكر ما ساءني من رؤية هذا الإعلان الذي أرفقتموه بالكتاب. من رأيي أن تكتب بقية رسالتك، ~~وسأتعهد للناشر بدفع ما قد يتعرض له من الخسارة، أرجو ألا تنظر إلى هذا الرأي بأنه عطف شخصي ~~- وحتى لو كان كذلك لرجوت أن تسمح لي أن أتقدم به - ولكنه ليس كذلك، بل هو اقتراح للتعاون ~~على غاية هامة قومية، تلك الغاية التي من أجلها تعمل وتنفق صحتك. # صديقك المخلص # جون ستيوارت مل # فرفض «سبنسر» أن يقبل ما عرضه عليه «مل»، فانطلق هذا الأخير بين أصدقائه، وحمل كثيرا ~~منهم على أن يشترك كل منهم في مائتين وخمسين نسخة، ولكن «سبنسر» رفض هذا أيضا، وحاولوا ~~إقناعه فلم يقتنع، ثم جاءه خطاب من أستاذ في أمريكا يرسل له فيه مبلغا من المال، على أنه ~~اشتراك طائفة من المعجبين به في أمريكا، فتقبله «سبنسر» وأقبل على العمل في عزيمة قوية، ~~وظل يتابعه أربعين عاما حتى أكمل فلسفته كتابة وطباعة، فكان انتصارا أي انتصار من العقل ~~والإرادة على العقبات الشائكة والأمراض المنهكة، وذلك وحده صفحة مجيدة في سجل البشر. ~~(3) المبادئ الأولى ~~(أ) # الحقيقة المغلقة # The Unknowable ~~: # يقدم «سبنسر» بين يدي كتابه «المبادئ الأولى» قضية ~~لا يرتاب في صدقها، هي أن كل دراسة تقصد إلى البحث في حقيقة الكون واستقصاء علته، لا بد أن ~~تنتهي إلى مرحلة يقف حيالها العقل عاجزا لا يستطيع أن يدرك عندها من الحق شيئا، سواء سلك ~~إلى ذلك سبيل الدين أو العلم أو ما شئت من سبل. # ابدأ بالدين وانظر كيف يعلل لك الكون، هذا ملحد يحاول بأن يقنعك بأن العالم وجد ذاته، لم ~~ينشأ عن علة، وليس له بدء ولا ختام، فلا يسعك أن تقابل قوله هذا إلا بالجحود والإنكار؛ لأن ~~العقل لا يسيغ معلولا بغير علة، وموجودا سار في الحياة شوطا لا بداية له. ثم استمع إلى ~~هذا الناسك المتدين، ها هو ذا يقص عليك علة الكون وكيف نشأ، فخالق الكون عنده هو الله، ~~ولكنه لم يفسر بهذا الرأي من المشكلة شيئا، ms267 ولم يزد على صاحبه سوى أن أرجعها خطوة إلى ~~الوراء، وكأني بك تسائله في سذاجة الطفل: ومن أوجد الله؟ فالدين بصورتيه - الإيمان والإلحاد ~~- لم يستطع أن يقدم تعليلا واضحا معقولا. # خذ العلوم فلعلك واجد عندها ما يشبع غلتك؟ سائل العلم ما هذه المادة التي أراها وألمسها، ~~والتي تملأ جوانب الكون؟ تره يحلل لك المادة إلى ذرات، ثم إلى ذريرات أدق، ثم إلى أخريات ~~أكثر منها دقة، ثم ماذا؟ هنا يقف العلم بين اثنين: فهو إما أن يعترف بأن المادة قابلة ~~للتجزئة إلى ما لا نهاية له من الأجزاء، وليس من اليسير أن تسيغ هذا القول، وإما أن يقرر ~~بأن ثمة حدا يقف عند التقسيم، وهو ما يستحيل عليك أن تقنع به، ثم سائل العلم عن القوة ما ~~هي؟ فلست أحسبه يستطيع جوابا، وإذن فالعلم كذلك عاجز عن شرح حقائق الكون. # وأي غرابة فيما يصادف العقل البشري من إبهام لا يقوى على معرفته؟ إنه أعد لكي يفهم ظواهر ~~الأشياء، ولا يعدوها إلى ما خفي وراء أستارها، ولكنا في الوقت نفسه لا نستطيع أن ننكر هذا ~~الشعور الذي تضطرب به نفوسنا من أن وراء هذا الغشاء الظاهر حقيقة كامنة، حسب العقل أن يدرك ~~وجودها، أما إذا هم نحوها بالتحليل والتعليل خر صريعا عاجزا. # وعلى هذا الأساس من وجهة النظر يصبح التوفيق بين العلم والدين هينا ميسورا، فليقصر ~~العلم دائرة بحثه على ظواهر الأشياء دون أن يتورط في البحث عن حقائقها المستورة، له أن ~~يتناول المادة تحليلا وتركيبا دون أن يبحث في ماهية المادة، وله أن يستنبط قوانين الحرارة ~~والضوء والصوت وما إليها من القوة دون أن يعلم ماهية القوة؛ لأن هذه وتلك فوق مقدوره، وكل ~~محاولة له في هذا السبيل ضرب من العبث، أما الدين فخير له أن يترك هذا العقل العنيد الذي لا ~~يطمئن لغير الحجة المنطقية، خير له أن يترك هذا العقل، وأن يناشد العقيدة من الإنسان؛ لأن ~~من طبعها ألا تلزم بالحجة العقلية، قل للعلم أن يكف عن إثبات ms268 الله أو إنكاره فليس اللاهوت ~~ميدانه الذي يصول فيه ويجول، وقل للدين أن يكف عن مناشدة العقل؛ لأنه لا يستقيم مع نهجه في ~~التفكير، ترى الدين والعلم أخوين متصافحين لكل منهما حلبة ومجال. ~~(ب) # التطور: # ولكن مهما يكن من أمر فها هي ذي الفلسفة - أي العقل - قد ألقت سلاحها معترفة ~~بقصورها وعجزها عن إدراك تلك الحقيقة الكامنة وراء ظواهر الأشياء، وبادرت فألقت بهذا العبء ~~الذي أثقل كاهلها طوال العصور للدين يبحثها ما شاءت له طرائقه، ولتقنع الفلسفة بالبحث فيما ~~تستطيع له فهما وإدراكا. ولتكن مهمتها منذ اليوم تلخيص النتائج العلمية وجمعها في وحدة ~~شاملة، فقد بدأت المعرفة بأشتات متناثرة من المعلومات، ثم امتدت إليها يد العلم بشيء من ~~الربط، حتى تركزت في طائفة من العلوم. أفلا يجدر بالفلسفة أن تؤاخي بين أفراد هذه الجماعة ~~من العلوم المختلفة، فتسكب المعارف الإنسانية جميعا في وحدة متماسكة؟ حقيق بها ألا تدع ~~سبيلا للبحث حتى تهتدي إلى قانون عام ينتظم التجارب الإنسانية جميعا كائنا ما كان لونها، ~~ترى هل توفق إلى الهداية في هذه الطريق الملتوية الوعرة فتنتهي إلى قانون واحد يفسر هذا ~~الشتيت المتضارب مما يقع تحت حسنا، ويضم تحت لوائه المفرد كل هذه البنود المتباينة مما تضم ~~صدورها من تجربة ومن علم؟ يجيب «سبنسر» أن نعم. ألا يتلخص تاريخ الكائنات جميعا في ظهورها ~~من بدء مجهول، ثم اختفائها في نهاية مجهولة؟ إذن فلا بد أن يكون ذلك القانون المنشود شاملا ~~للتكون والانحلال، ألا وهو التطور. هنا يضع «سبنسر» قانونا للتطور شرحه في مجلدات عشرة، ~~واستغرق من زمنه عشرين سنة كاملة، هاك نصه: «التطور هو تجمع لأجزاء المادة يلازمه تشتيت ~~للقوة والحركة، وفي خلال ذلك تنتقل المادة من حالة التجانس المطلق إلى حالة التباين ~~المحدود.» ولشرح هذه العبارة نقول: # لقد تكونت الجبال الشامخة من ذرات الحصى، وامتلأت المحيطات الفسيحة بقطرات من الماء، ~~واجتمعت عناصر دقيقة من الأرض فكونت الأدواح العالية، ووجبات متعاقبة من الطعام تشيد أجسام ~~الرجال، وتآلفت طائفة من المشاعر والذكريات فألفت ms269 فكرا ومعرفة، ثم تآخت جزئيات المعرفة، ~~فأنتجت علما وفلسفة. لقد تطورت الأسرة إلى القبيلة، ثم إلى الدولة، ثم إلى تحالف بين دول ~~الأرض قاطبة. كل هذه أمثلة لأجزاء المادة المتناثرة كيف تأتلف ويجتمع بعضها إلى بعض. ومن ~~جهة أخرى يسبب هذا التآلف حدا من حركة الأجزاء وشلا لقوتها، فقوة الدولة مثلا تحد من ~~حرية الأفراد، والحبة من الهباء حرة الحركة، وهي منفصلة، مشلولة مقيدة إذا اجتمعت مع أخواتها ~~في صخرة أو جبل، ولكن تجمع الأجزاء يستتبع نتيجة أخرى هي التنوع والتنافر في العمل الذي ~~يؤديه كل منها، فقد كان السديم الأول مركبا من مادة متجانسة يشبه بعضها بعضا، ولكنها ~~سرعان ما تنوعت في غازات وسوائل وأجسام صلبة. انظر فهذه قطعة من الأديم قد افترشت سندسا ~~أخضر، وتلك جبال قد اكتست ثلوجا ناصعة البياض، وذلك بحر قد تسربل بلباسه الأزرق، أنعم ~~النظر في هذه الخلية الواحدة المتجانسة، وما سينشأ عنها من مختلف الأعضاء، هذا للغذاء، وذلك ~~للإفراز، وثالث للحركة، ورابع للإدراك. اللغة الواحدة لا تكاد تسري في بطاح الأرض، حتى ~~تتنوع في ألسنة ولهجات لا يفهم بعضها بعضا. العلم الواحد يتفرع عنه عشرات من العلوم، ~~المنظر أو الحادثة توحي صورا من الفن والأدب ليس إلى حصرها من سبيل، كل هذه أمثلة على ~~التنوع والتنافر اللذين يعقبان التشابه والتجانس. # وهكذا أسطورة الحياة تجمع وتفرق، تآلف وتنافر، تأتلف الأجزاء وتجتمع في وحدة لا تزال تطرد ~~في النمو حتى يدركها تنافر الأجزاء، ثم يشتد هذا التنافر ويشتد، حتى تتلاشى وتنحل. # سنة الوجود هذا الانحلال والتكون، ولكنه بين جذبة المد ودفعة الجزر يلتمس التوازن لكي ~~ينتهي إليه، فكل حركة تعاني من المقاومة ما يؤدي بها إلى البطء، ثم إلى السكون عاجلا أو ~~آجلا ... الكواكب السيارة يضيق فلكها شيئا فشيئا، حرارة الشمس وضوءها يقلان كلما تقادم ~~عليها الزمان. الأرض تتلكأ في سرعتها عهدا بعد عهد. الدماء في عروقنا سيصيبها البرودة ~~والبطء، وهكذا سيسعى الوجود نحو الانحلال، أو سيسعى الانحلال إلى الوجود خطوة خطوة، وهي ~~خاتمة محتومة ms270 للتطور. سينحل المجتمع وتتفرق الشعوب، وتذوب المدن، وبمثل هذا تتم دورة التطور ~~والانحلال، ولكنها ستبدأ السير ثانية وثالثة إلى ما لا نهاية له من المرات، وكل تكوين جديد ~~لا بد أن ينتهي بالفناء والموت. # وهكذا كان كتاب «المبادئ الأولى» مأساة مروعة تروي لنا قصة العالم: صعود وهبوط، تكون ~~وانحلال، حياة وموت، تطرأ متتابعة على الأحياء والأشياء، أفيكون عجيبا أن يقابل هذا ~~المؤلف عند إخراجه، وإذاعته في الناس ثورة عنيفة؛ لأنه لم يدع مجالا للعقيدة ~~والأمل؟ # رأينا فيما سبق أن التطور عند «سبنسر» هو القانون الذي تنشده الفلسفة لكي تضم بين دفتيه ~~علوم الإنسان بأسرها فمهما قلبت النظر في مظاهر الكون وجدتها تسير في سبيل التطور، أي من ~~البساطة إلى التعقيد ، ومن التجانس إلى التباين. # ويختم «سبنسر» كتابه هذا برأيه في الحياة بأنها تافهة حقيرة لا تستحق البقاء، فأصابه بهذا ~~الرأي ما أصاب الفلاسفة جميعا من محنة النظر البعيد، إذا ألقى ببصره إلى الأفق النائي، ~~فمرت صور الحياة الخلابة تحت أنفه دون أن يراها. ~~(4) تطور الحياة # يبدأ «سبنسر» كتابه عن تطور الحياة بتعريف الحياة نفسها، بأنها التوفيق بين الكائن الحي ~~وبيئته، ويتوقف كمالها على كمال هذا التوفيق، فهذا حيوان يكتسي بالفراء ليتقي لذعة البرد، ~~وذلك قد أعد لاختزان الطعام لما عساه أن يصادفه من عدم وإجداب، وثالث يستطيع أن يتلون بلون ~~الأرض التي يدب فوقها حتى لا يبصره العدو فيفتك به إلى آخر هذه الوسائل التي زودت بها ~~الطبيعة الأحياء، أو بعبارة أصح، التي قسرها الأحياء قسرا على أن تزودهم بها للذود عن ~~حياتهم، وبديهي أن هذه الملاءمة لم تبلغ ولن تبلغ درجة الكمال، ما دام الحيوان مخلوقا ~~ناقصا يعتريه الضعف والموت، ولكن مهما يكن من أمر فهو دائب لا يني عن السعي الحثيث في ~~زيادة هذه الملاءمة شيئا فشيئا، بأن يكمل هذا النقص تارة، وذاك طورا، وينقح من أعضائه ~~حتى تتمكن من مجاوبة الطبيعة ومقاومتها، ومعنى ذلك أن الكائن الحي يشعر بالحاجة أولا، ثم ~~ينطلق في سعيه جيلا بعد جيل ms271 يستمد من الطبيعة عضوا يسد له ما أحس من نقص، فهو مثلا قد ~~شعر بحاجته إلى النظر؛ لكي يتبين ما يحيط به في دقة ووضوح، فكون لنفسه على مر الدهور ~~عضوا للإبصار، وهكذا قل في سائر الأعضاء. # وليست الحياة إلا هذا التوفيق الذي لا ينقطع أسبابه، ولا تقتصر هذه المحاولة على أفراد ~~الحيوان، بل تعدوها إلى الأنواع، إذ يسعى كل نوع باعتباره كلا إلى الملاءمة بينه وبين ~~البيئة، ويرى «سبنسر» توافقا عجبا بين تكاثر الحيوان، وبين ما يحيط به من الظروف ~~الطبيعية، فهو يرى الأصل في التناسل هو تخلص الكائن الحي من زيادة في حجمه لا تتناسب مع ~~جهازه الهضمي، أي أن كتلة الكائن الحي إذا اطردت في النمو، تصل إلى حد لا تستطيع معه ~~المعدة أن تسد حاجتها من الغذاء، وعندئذ يضطر الحيوان إلى أن يقف نموه عند حد معين، وكل ~~زيادة تجيء بعد ذلك يتخلص منها بأن يخرجها نسلا. وتطبيق ذلك أن الإنسان - ذكرا كان أم ~~أنثى - يأخذ جسمه في النمو إلى حد محدود، ثم يقف نموه إذا ما جاءت مرحلة التناسل، ولذا ~~ترى أن عدد النسل يتناسب تناسبا عكسيا مع درجة النمو، فكلما كبر حجم الحيوان، كان نسله ~~أقل عددا، فبينما تنسل الذبابة عشرات الذباب لا يلد الفيل إلا واحدا، كذلك يتناسب عدد ~~النسل مع مقدرة الحيوان على مقابلة الأخطار، فإن كان ضعيفا عاجزا عن صد ما يتهدده من ~~الكوارث لجأ إلى كثرة النسل ليعوض فناء أفراده الناشئ من ضعف المقاومة، وإلا تلاشى النوع. ~~والعكس صحيح، أي إذا كان النوع قادرا على الاحتفاظ ببقائه، وجبت قلة النسل، وإلا رجحت كثرة ~~العدد على كمية الطعام، ومعنى ذلك بعبارة أخرى أنه كلما ارتقى النوع في سلم الحياة، كان ~~أقدر على الاحتفاظ بوجوده، فكان قليل النسل، وهذه القاعدة صحيحة إلى حد كبير حتى في ~~الأفراد، إذا ارتقى الفرد في عقليته وذكائه كان أقل نسلا. ومما هو جدير بالذكر أنه كلما ~~ازدادت عند الفرد كمية الاستهلال العقلي - أي التفكير - قل عدد ms272 النسل أو انعدم، ولعل أبلغ ~~آية على ذلك عقم الفلاسفة. وقد يشير هذا الدليل إلى أن الإنسانية تسير في تطورها نحو مرحلة ~~تزيد فيها القوة العقلية ويقل عدد النسل. # وعلى الرغم من أن الطبيعة ساهرة على هذا التوفيق بين نسبة التناسل وحاجة النوع، فقد يظهر ~~أنها أخطأت الحساب، ومالت نحو الإكثار من السكان، بغض النظر عن كمية الغذاء، وحق «لمالتوس» ~~أن يجهر بدعوته إلى ضبط النسل لما لاحظه من زيادة السكان على مواد الغذاء. ~~(5) تطور العقل # لا ريب أن الكتابين اللذين أصدرهما «سبنسر» عام 1873م في «السيكولوجية» كانا أضعف الحلقات ~~في سلسلة تأليفه، فهو يكثر فيهما من النظريات إكثارا يسترعي النظر، ولكنه لا يسوق البراهين ~~التي تؤيد تلك النظريات إلا قليلا ، ومن النظريات التي جاء ذكرها في هذين الكتابين رأي في ~~أن نشأة الأعصاب من نسيج كانت تصل الخلايا أجزاءه، ورأي في أن أصل الغرائز انعكاسات ~~متراكمة، وضروب من السلوك كسبها ~~الأسلاف فورثوها للأخلاف، ورأي بأن الصور الفعلية # Mental Categoris # تكونت بعد تجربة طويلة قام بها أفراد الجنس، ورأي بأنه على الرغم من إمكان تغير ~~صور الأشياء في الإدراك الحسي بحيث تكون شيئا يخالف حقيقتها إلا أن لها وجودا خاصا ~~مستقلا عن إدراكنا إياها، ومئات غير هذه من النظريات التي جاءت مهوشة غامضة، أقرب إلى ~~الميتافيزيقا منها إلى البحث في الأمر الواقع، حتى لكأن إنجلترا قد تركت هذين الكتابين ~~نزعتها الواقعية وعادت إلى طريقة «كانت» في البحث. # ولكن ما يلفت نظر القارئ على الفور هو أن يرى للمرة الأولى في تاريخ علم النفس باحثا ~~يبحث السيكولوجية من وجهة نظر تطورية محضة؛ إذ بذل «سبنسر» مجهودا جبارا في تعقب حقائق ~~الفكر المعقدة المتشابكة، فأرجعها إلى عمليات عصبية بسيطة، ثم إلى حركة بين أجزاء ~~المادة. # ورأته - حقا - مجهودا قد انتهى بالفشل، ولكن من ذا الذي كتب له في هذا الموضوع توفيق أو ~~نجاح؟ ويرى «سبنسر» أن عملية تطورية واحدة تناولت الكون بادئة من السديم منتهية إلى العقل! ~~ولقد سار العقل في مراحل ms273 متعاقبة، فترقت طرائق استجابته للبواعث الخارجية من صور بسيطة إلى ~~أخرى معقدة، من الانعكاس إلى الغريزة، ثم من الذاكرة والخيال إلى الذكاء والعقل. ويقول ~~«سبنسر» إن ليس هنالك بين الغريزة والعقل من فارق اللهم إلا في الدرجة فحسب، فكلاهما يعمل ~~على الملاءمة بين حالة الكائن الباطنية، وبين الظروف الخارجية، وكل الفرق بينهما هو فرق في ~~الدرجة، فالغرائز تنظم العلاقات البسيطة نوعا ما، أما العقل فيستجيب للمواقف المعقدة، فليس ~~العمل العقلي إلا إجابة غريزية كتب لها البقاء بعد عراك نشب بينها وبين إجابات غريزية أخرى، ~~وذلك لصلاحها هي بالنسبة إلى الإجابات الأخرى، فالعقل والغريزة في صميمهما شيء واحد، أو إن ~~شئت فقل لا فرق بين العقل والحياة. # أما «الإرادة» فهي كلمة نطلقها على مجموع الدوافع التي تدفعنا إلى العمل، فهي في حقيقة ~~الأمر فكرة تحولت إلى عمل لم تجد ما يعوقها دون ذلك، فالفكرة هي المرحلة الأولى للعمل، ~~والعمل هو المرحلة الثانية للفكرة. # أما «صور الفكر» # Categories # مثل إدراك الزمان والمكان وفكرتي الكمية والسبب، التي قال ~~عنها «كانت» إنها فطرية في الإنسان، فما هي إلا طرائق غريزية للتفكير. ولما كانت الغرائز ~~عادات كسبها الجنس، ولكنها رسخت في الفرد رسوخ الفطرة، فإن هذه «الصور الفكرية» عادات عقلية ~~اكتسبها الإنسان ببطء على مدى الزمان، ولكنها أصبحت الآن جزءا من تراثنا العقلي. ~~(6) تطور المجتمع # ليست دراسة المجتمع باليسيرة الممهدة، بل يعترض سبيلها من العقبات والصعاب ما لا يستطيع ~~التغلب عليها إلا الأفذاذ الفحول، فقد حدث مرة أن رحل رجل فرنسي إلى إنجلترا يقضي بأرضها ~~بعض الوقت ترويحا للنفس وحبا للاستطلاع، فلم يكد ينقضي على إقامته بها أسابيع ثلاثة، حتى ~~اعتزم أن يصدر كتابا عن إنجلترا، إذ خيل إليه أنه قد درس شعبها فأتقن الدراسة، فلما انقضت ~~شهور ثلاثة هم بوضع كتابه، ولكنه أدرك أنه لم يتقن الدراسة بعد، بحيث يستطيع أن يخرج ~~الكتاب الذي يريد، وآثر الروية والأناة، فلما انقضت سنوات ثلاث، اتسع شعوره بالعجز والقصور، ~~وأيقن أنه لا يعلم من موضوعه شيئا ... وهذا ms274 صحيح، فقد يخيل للإنسان للوهلة الأولى أن دراسة ~~المجتمع سهلة ميسورة، ولكنه كلما ازداد علما بدقائقه ازداد يقينا بجهله وعجزه. # فما بالك بالجهود التي بذلها «سبنسر»، وهو لا يريد أن يدرس شعبا بعينه فحسب، بل يقصد إلى ~~دراسة المجتمع الإنساني بأسره، وكيف تطور كيانه من حالة إلى حالة؟ فهو يرى أن المجتمع كائن ~~عضوي، له أعضاء للتغذية وله دورة دموية، وفيه تعاون بين الأعضاء، وله فوق ذلك تناسل وإفراز، ~~شأنه في كل ألوان الحياة شأن الأفراد سواء بسواء، فهو ينمو، وكلما ازداد نموا اشتد ~~تعقدا، وكلما تعقد ازدادت أجزاؤه استقلالا، وحياة المجتمع - باعتباره كلا - طويلة جدا ~~بالنسبة إلى حياة أجزائه التي يتألف منها، والمجتمع كالفرد، يتعاوره التكون والانحلال، وهما ~~وجها التطور، فنمو الوحدة السياسية من الأسرة إلى الدولة، ثم إلى عصبة الأمم، ونمو الوحدة ~~الاقتصادية من الصناعة المنزلية الصغيرة إلى نظام الشركات، ثم إلى الاحتكار، ونمو وحدة ~~السكان من القرية إلى المدينة ... كل هذه ظواهر للتجمع والتكون، ولكنك من جهة أخرى ترى تقسيم ~~العمل وتعدد المهن والصناعات، وتنوع الإنتاج بين الريف والمدن، وبين أمة وأمة، وهي دلائل ~~تشير إلى التنوع والتنافر، وتستطيع كذلك أن تلمس التطور بشطريه - تآلف الأجزاء في وحدة، ثم ~~تنافرها داخل تلك الوحدة - في كل جانب من جوانب المجتمع: في الدين والحكومة والعلم والفن ~~وغيرها. # فقد كان الدين أول الأمر عبادة طائفة من الآلهة والأرواح، فأخذت هذه تتجمع وتأتلف حتى ~~تركزت في إله واحد، ثم عاد التوحيد فتفرع إلى جملة من الأديان وطائفة من العقائد، ولم ~~يتحور الدين في شكله فقط، بل تبدل موقعه من النفوس كذلك، فقد كان المحور الذي تدور حوله رحى ~~الحياة بأسرها؛ ذلك لأنه ألقي في روع الإنسان الأول أن هذه الحياة الدنيا غرور ولهو. ويجب ~~أن يربأ بنفسه أن تنغمس في حمأتها أو تتلوث بأدرانها، ولتكن الآخرة وحدها محطا لآماله ~~ومعقدا لأمانيه، فهي خير من الأولى وأبقى، ولكن ما لبثت وجهة النظر أن تطورت، وتوجه ~~الإنسان بشطر من عنايته نحو هذه الحياة ms275 التي يعيش فيها، وأخذت تلك العناية تزداد شيئا ~~فشيئا كلما اتسع نطاق العمل الصناعي. # أما نظام المجتمع فلعل أبلغ ما طرأ عليه من تغير هو الانتقال التدريجي من النظام الحربي ~~الذي ساد أوروبا إبان العصور الوسطى إلى النظام الاقتصادي الصناعي. ويعتقد «سبنسر» أن تقسيم ~~الحكومات - إلى ملكية وأرستقراطية وديمقراطية وما إلى ذلك - إن هو إلا عرض تافه لا يمس ~~الجوهر والصميم، وأما الحد الفاصل الذي يميز دولة من دولة فهو أساس بنائها الاجتماعي: هل ~~يقوم على النزعة الحربية أم يصطبغ بصبغة الصناعة؟ وبعبارة أخرى تنقسم نظم الاجتماع نوعين: ~~جماعة تعيش من أجل النزال والقتال، كما كانت الحال في نظام الإقطاع، وجماعة لا تجد في ~~الحياة هدفا تتجه صوبه وتحيا به ومن أجله سوى العمل ، فتلك تحارب من أجل الحياة، وهذه تعمل ~~من أجل الحياة. # وللدولة الحربية صفات تلازمها؛ منها أن السلطة تتركز في قبضة الحكومة وحدها، ويغلب أن ~~تكون حكومة ملكية لا تدخر وسعا للتفريق بين أفراد الشعب الواحد إلى طبقات بعضها فوق بعض، ~~فتكون الحرب والفروسية صناعة الأشراف، وللسوقة الصناعة وفلاحة الأرض. كذلك تعظم في الدولة ~~الحربية سيطرة الرجل في الأسرة؛ ذلك لأن الرجال هم عماد الحروب، وأين منزلة الرجل في حومة ~~الوغى من منزلة المرأة قابعة في عقر دارها؟ ويمقت «سبنسر» هذا الضرب من الاجتماع الذي تدور ~~رحى الحياة فيه حول الحرب؛ لأن مصلحة الفرد تذوب وتتلاشى في صالح المجموع، ولأن الدولة لا تقوم ~~إلا على القتل والسرقة، ونحن إن كنا نصم الإنسان الأول بالوحشية؛ لأنه كان يلتهم لحوم البشر ~~فما أجدرنا أن نزدري هذه الدول التي تأكل شعوبا بأسرها في وجبة واحدة! ويعتقد «سبنسر» أن ~~رقي الإنسانية مرهون بإلغاء الحروب، وهو لا يرى سبيلا لتحقيق هذا المثل الأعلى سوى أن تقطع ~~الأمم شوطا بعيدا في الصناعة؛ لأنها تعمل على المساواة والسلام، وهي تقسم السلطة بين ~~أعضاء المجتمع جميعا، ولا تركزها في أيدي الحكومة وحدها، وفضلا عن ذلك فهي تشحذ العقول ~~وتدفعها إلى الابتكار، وهو المعول الهدام الذي ms276 يكفل لنا تحطيم التقاليد الوراثية التي تقوي ~~من شوكة الحكومة، وستصبح الوطنية في ظل الصناعة حبا للوطن لا كراهية للأوطان الأخرى، ثم ~~إذا اطرد نموها فستؤدي حتما إلى إزالة الحواجز الجمركية التي تفصل الدول بعضها عن بعض، ~~وعندئذ تورق دوحة السلام وتمتد فروعها حتى يتفيأ ظلها أبناء الإنسانية جميعا، وإذا ما ~~خفقت راية السلام وانمحت الحروب زالت دولة الرجل، ولا يعود له في أسرته كل هذه السلطة التي ~~ينعم بها، ويرتفع قدر المرأة حتى تقف معه كتفا إلى كتف؛ لتشابه ما يؤديان من عمل، وعندئذ ~~فقط يتحقق تحرير المرأة الذي تنشده. # ولما كانت الصناعة تستقي ماء حياتها من العلوم، فلا ريب في أن تقدمها وانتشارها ينتجان ~~تربية التفكير العلمي وصحة الاستنتاج للأسباب من المسببات ، ولن يلجأ الإنسان بعدئذ إلى قوى ~~الطبيعة الخارجة والأبالسة والشياطين يعلل بها أحداث الحياة، وفوق هذا كله سينقلب التاريخ ~~رأسا على عقب، فستزدهر صحائفه بذكر الرجال العاملين بدلا من الملوك المحاربين، وسيفسح في ~~مجاله للمخترعات والأفكار، سيزداد الشعب سلطانا وقوة وتتقلص سطوة الحكومة وتنكمش، وسيبطل ~~ذلك الوهم العتيق الذي يفرض على الفرد أن يحيا من أجل دولته، وأن يضحي بنفسه في سبيلها، ~~وسيعلم الناس حقا أن الدولة إنما وجدت وأنشئت لصالح الفرد، إن كان هذا هكذا فلا يجوز أن ~~تضحي الحياة من أجل العمل، بل يجب أن يكون العمل أداة تستغلها الحياة في تحقيق ~~السعادة. ~~(7) تطور الأخلاق # على أي أساس نشيد مبادئ الأخلاق؟ وبأي مقياس نزن الخير والشر؟ أما «سبنسر» وأتباعه فلا ~~يترددون لحظة في إخضاع الأخلاق - كأي شيء آخر - لقوانين التطور وانتخاب الطبيعة. وبعبارة ~~أخرى يريدون أن نلقي بزمام الإنسان في يد الطبيعة نفسها تختار له من الأخلاق ما تشاء. وقد ~~ناهضتهم طائفة كبيرة من العلماء والكتاب، يربئون بأخلاقنا التي تواضع المجتمع عليها أجيالا ~~متعاقبة، أن توضع بين مطرقة الطبيعة وسندان التطور، يفعلان بها كيف شاء لهما الهوى. وفي ذلك ~~يقول «هكسلي»: إن علم الحياة لا يصلح دليلا خلقيا بأية حال من الأحوال، إذ كيف ms277 نترك ~~مصيرنا في كف الطبيعة العمياء، وهي كما قال عنها «تنسون # Tennyson ~~» الشاعر الإنجليزي: «ملطخة ~~بالدماء نابا ومخلبا.» نعم، كيف نذر الطبيعة تصب في قوالبها ما يطيب لها من أخلاق، وهي ~~كثيرا ما تمجد الوحشية والمكر والخداع، وتمقت الرحمة والعدل والحب؟ # ولكن تحدث بهذا المنطق إلى غير «سبنسر»! لا بد أن تخضع مبادئ الأخلاق للانتخاب الطبيعي ~~وتنازع البقاء، وليبق من أخلاقنا ما يقف أمام التجربة القاسية، وليفن منها ما تذروه هذه ~~الريح العاصفة، الأخلاق - كأي شيء آخر - تعود على الإنسان بالخير أو بالشر بمقدار ما تساير ~~أغراض الحياة «فالخلق السامي هو ذلك الذي يسير مع الحياة ويشاطرها فيما ترمي إليه.» فلنقبل ~~من الأخلاق ما يلائم الحياة، ولنرفض منها ما يعترض سبيلها ومجراها، أو بعبارة أخرى يجب أن ~~تكون الأخلاق بحيث تعاون الفرد على البقاء في مضطرب الأهواء المختلفة المتنازعة التي تصدر ~~من أعضاء المجتمع، ولما كانت هذه الملاءمة بين الفرد والمجتمع تختلف باختلاف الزمان والمكان ~~كانت فكرة الخير تختلف عند الشعوب أوسع اختلاف. ويرى «سبنسر» أن الطبيعة قد زودتنا بمقياس ~~دقيق نميز به الطيب والخبيث، وهو مقياس اللذة والألم، فإذا صادف سلوكنا من أنفسنا ارتياحا ~~ورضا كان ذلك دليلا على ملاءمته للحياة الكاملة؛ لأن ذلك الاطمئنان الباطني علامة على أن ~~الطبيعة قد اختارت ذلك السلوك ليكون سبيلا إلى حفظ الحياة، فأنت تستطيع إذن أن تفرق بين ~~الخير والشر بما يبعثه العمل المعين من لذة أو ألم؛ لأنهما دليل ساقته الطبيعة نفسها ~~للتفريق بين هذا وذاك. # تعلم مما تقدم أن الأخلاق يختلف لونها باختلاف البيئة الطبيعية أو الاجتماعية؛ لأن الأولى ~~صدى الثانية وانعكاسها. ولما كان نظام المجتمع في العصور الوسطى أخذ يتطور في كثير من أسسه ~~وقواعده كان حتما أن ينشأ عن هذا التحوير انقلاب في فكرة الأخلاق، فقد كانت أكاليل المجد ~~والفخار لا تعرف موضعا غير هامات الفرسان المقاتلين، فأما هؤلاء الذين يقضون نهارهم في ~~الزراعة والصناعة فعبيد أرقاء حقت عليهم الذلة والهوان، ولكن وجهة النظر أخذت تتطور منذ ~~حلت ms278 الصناعة ورسخت قدمها؛ لأنها تعتمد كما قدمنا على القوة العقلية، فأضحى العمل أشرف ما ~~يمارسه الإنسان؛ لأنه عماد المجتمع وسناده، ولما كان العمل لا ينمو ولا يستقيم إلا في ظل ~~العدالة، وهذه لا تورق وتزدهر إلا في جو من الحرية، كانت هذه الحرية أول واجب في عنق ~~الدولة، وقد عرف «سبنسر» العدالة بأن: «كل إنسان حر في أن يفعل ما يشاء، على شرط ألا يتعارض ~~ذلك مع حرية إنسان آخر له ما له من حقوق.» ولا يستقيم هذا التعريف مع نزعة الحرب؛ لأنها ~~تعبد سلطان القوة وتفرض الطاعة العمياء، ولكنه شرط أساسي لنجاح الصناعة؛ لأنها تعتمد على ~~السلام والحرية في الرأي والابتكار. # تلك هي حقوق الإنسان الأساسية عند «سبنسر»: حق الحياة، وحق الحرية، فأما شكل الحكومة فلا ~~يقيم له وزنا، فليكن ملكية مطلقة، أو دستورية، أو ما شئت من نظم، فما لنا ولها ما دمنا ~~نتمتع بالحياة والحرية، وفي هذا يسخر «سبنسر» من النساء اللائي يلححن في طلب الحقوق ~~السياسية؛ لأنها في رأيه وهم باطل لا يسمن ولا يغني من جوع، فضلا عن أنه يتوجس من المرأة ~~خيفة إن هي وثبت إلى مقاعد النيابة والحكم، إذ يخشى أن تدفعها غريزة الإيثار إلى تقوية ~~الضعيف الذي يجب أن يترك للطبيعة لتسحقه، حتى لا يبقى من الأحياء غير الأقوياء. نعم، يجب أن ~~تتحكم الأنانية وأن تظل أساسا لأعمالنا، بحيث لا تخضع لعاطفة الإيثار، فهي أسبق منه في ~~الوجود، وهي أصلح للحياة والبقاء ... وهل الإيثار إلا أثرة في لبه وصميمه؟ أليست الأبوة ~~حبا صريحا للنفس؟ والوطنية، ما هي؟ ألا تراها أثرة مجسمة؛ إذ إنك لا تنتصر لهذه البقعة من ~~الأرض إلا لأنك تعيش بين أرجائها؟ وإذن فالمثل الأعلى للأخلاق هو مزيج متزن بين الأثرة ~~والإيثار، الإيثار الذي يشبع الأنانية ويغذوها. # نقد # لا بد أن يكون القارئ قد أردك بعض مواضع النقد التي تؤخذ على «سبنسر»، وسنعمد هنا إلى ~~إثبات شيء منها: ~~(1) # فأول ما نصادفه في كتاب «المبادئ الأولى» مما قد يؤخذ عليه قوله ms279 بأن هنالك حقيقة ~~مغلقة لا سبيل إلى إدراكها، ونحن وإن كنا نعترف أن المعرفة الإنسانية قاصرة عاجزة لا تستطيع ~~بحال من الأحوال أن تسبر أغوار محيط الوجود، الذي ليس الإنسان إلا موجة طفيفة على سطحه، ~~تلعب بها يد الفناء، إلا أننا نخطئ منطقيا إذا ذهبنا إلى أن شيئا ما قد أغلق دون المعرفة ~~إغلاقا تاما، واستحال العلم به استحالة كاملة؛ لأن في القول بعدم إمكان معرفة الشيء ~~اعترافا ضمنيا بأننا قد عرفنا عنه شيئا. ومهما يكن من أمر فلا ينبغي أن نلقي السلاح ~~ونستسلم إلى ما نحن فيه من قصور وعجز زاعمين أن العقل محدود. إذ إننا - كما قال «هجل» - لو ~~قيدنا العقل بالعقل كنا كمن يحاول أن يسبح بغير أن يدخل الماء. ~~(2) # يعرف «سبنسر » التطور بأنه سير من البسيط إلى المركب، فهل هذا التعريف يفسر من الكون ~~شيئا؟ كلا، بل هو كما يقول عنه «برجسون» يحلل الطبيعة، ولكنه لا يفسرها. ولعل أضعف أجزاء ~~التعريف قوله بعدم استقرار المادة المتجانسة وانتقالها إلى حالة التنافر، فهل يريد «سبنسر» ~~بذلك أن يكون الكل المتشابه الأجزاء أشد تعرضا للتغير والتحول من الكل المتنافر الأجزاء؟ ~~أليس المعقول أن يكون المتنافر، وهو بحكم تنافره مركب معقد، أقرب إلى التحول من المتجانس ~~البسيط؟ هذا ولا ريب أن «سبنسر» قد أخطأ حين قرر أن التطور والرقي يسيران بالشيء من البسيط ~~إلى المعقد، ففن العمارة القوطي كان بلا ريب أشد تعقيدا من العمارة اليونانية، ولكنه ليس ~~أرفع منه من حيث مراتب الفن وتطوره. # ثم يؤخذ على تعريف «سبنسر» للتطور - فوق ذلك - أنه لم يذكر شيئا عما تكاد تجمع الآراء ~~اليوم على أن له اليد الأولى في إحداث التطور، ألا وهو الانتخاب الطبيعي. ولعل أصدق ما يوصف ~~به التاريخ أنه تنازع على البقاء وبقاء الأصلح - أصلح الكائنات، وأصلح الجماعات، وأصلح ~~الأخلاق، وأصلح اللغات، وأصلح الأفكار، وأصلح الفلسفات ... إلخ - فهذا وصف لتطور التاريخ، وإن ~~يكن به بعض النقص، إلا أنه أصدق وأوضح من قول «سبنسر» بأنه يسير من التفكك إلى ms280 التماسك، ثم ~~من المتجانس إلى المتنافر. # لقد صدق «سبنسر» حين قال عن نفسه: «إنني ضعيف الملاحظة في الإنسانية المجسدة؛ لأنني قد ~~تعمقت إلى حد كبير في التفكير فيما هو مجرد.» والحق أن «سبنسر» قد أسرف في استعمال ~~الطريقة الاستنتاجية فبعد عن المثل الأعلى «لبيكون»، بل عن الطريقة الحقيقية للتفكير ~~العلمي، فلقد بدأ «سبنسر» كما يبدأ رجل العلم بالملاحظة، ثم مضى كما يمضي رجل العلم في ~~تكوين الفروض، ولكنه بعدئذ زل فيما لا ينبغي لرجل العلم أن يزل فيه من حيث تركه للملاحظة ~~والتجربة المحايدة، لا بل لجأ «سبنسر» إلى اختيار الأمثلة التي تؤيد حجته، وكان صدره أضيق ~~من أن يتسع للأمثلة المعارضة، فكان بذلك على نقيض «دارون» الذي صادف أثناء بحثه بعض الأمثلة ~~التي تعارض نظريته فأسرع إلى تسجيلها، قائلا إن مثل هذه الأمثلة كثيرا ما تسرع إلى ~~الإفلات من الذاكرة، فيجب لذلك إثباتها، أما الأمثلة المؤيدة فهي بطبيعتها أميل إلى البقاء ~~في الذاكرة. ~~(3) # قال «سبنسر»: إن النسل يقل كلما تقدم النوع في طريق التطور، ولكن ذلك لا يتفق مع ~~الحقيقة الواقعة وهي زيادة النسل في أوروبا عنه في الشعوب المتوحشة. ~~(4) # ويزعم «سبنسر» أن الحياة عبارة عن ملاءمة الكائن الحي لحالاته الداخلية مع ظروف ~~البيئة الخارجية، وأن هذه الملاءمة تتم بطريقة آلية قابلة، وكان خيرا له أن يقول إن هذه ~~الملاءمة تتم بما لدى الكائن من قوة عاقلة؛ لأننا لو سلمنا بالمقدمة التي يضعها وهي ~~الملاءمة الآلية بين الكائن وبيئته، كانت النتيجة هي انعدام الحياة؛ إذ الملاءمة التامة بين ~~الكائن الحي والبيئة معناها الموت (لأن الحياة تتضمن شيئا من مقاومة الخضوع الجمادي ~~للطبيعة). ~~(5) # فرض «سبنسر» أن الدولة الصناعية أكثر سلاما وأمنا وأرفع أخلاقا من الدولة ~~الإقطاعية الحربية التي سادت في العصور الوسطى، ولكن هذا الفرض جدير بالتفكير الطويل قبل ~~التسليم بصحته. ألم تجئ الحروب المخربة في أثينا في عصر سيطرت فيه الطبقة الوسطى ~~(البورجوازي) التي كانت تتألف من رجال التجارة، بعد أن أسلم لهم الأشراف الإقطاعيون الأمر ~~بزمن طويل؟ ثم ms281 أليست الحروب قائمة في الدول الأوربية الحديثة رغم قيامها على الأساس ~~الصناعي؟ أليست الدولة الصناعية قد تدعو إلى نشوب الحرب أكثر مما تدعو إليه دولة إقطاعية؟ ~~فنحن نرى اليوم أن أقوى الدول من الوجهة الحربية هي أعظمها من الناحية الصناعية! إنه ليلوح ~~لنا أن ما دعا «سبنسر» إلى هذا القول في سلام الدول الصناعية هو ما رآه في إنجلترا في عصره ~~من اعتزال نسبي عن المعارك الأوروبية، فعلل ذلك بانتشار الصناعة وحرية التجارة فيها، ~~والأرجح أنه لو عاش ليرى إنجلترا مدججة بسلاحها في الحرب العظمى، تدافع عن عزلتها التي كان ~~يتهددها الخطر، ثم لو عاش ليرى إنجلترا تستبدل بحرية التجارة تقييد التجارة لتصون صناعاتها ~~من المزاحمة والمنافسة لغير كثيرا من رأيه. # خاتمة # ولكن ماذا يفعل النقد في هذا البناء الشامخ والطود الراسخ الذي شيده «سبنسر»؟ إنه لم يكد ~~يخرج للناس كتاب «المبادئ الأولى» حتى اعترف له على الفور بأنه أعظم فيلسوف في عصره، وسرعان ~~ما نقل الكتاب إلى معظم اللغات الأوروبية، وحتى إلى اللغة الروسية مع ما فيه من هجوم عنيف ~~على تسلط الحكومة واستبدادها، مما كان يسود شبيهه في بلاد الروسيا حينئذ. ولم يقتصر تأثير ~~«سبنسر» في الحركة الفكرية في أوروبا فحسب، بل إنه تعداها إلى الحركة الواقعية في الأدب ~~والفن. # وكثيرا ما أرسل له المعجبون به المنح والهدايا فكان يردها في إباء. ولما زار القيصر ~~إسكندر الثاني مدينة لندن وأبدى «اللورد دربي» # Lord Derby # رغبته في أن يقابل العلماء ~~الأفذاذ في إنجلترا، أرسل اللورد من فوره يدعو «سبنسر» و«هكسلي» # Huxley # و«تندال» # Tyndall # وغيرهم، فسارع الجميع إلى التشرف بتلك المقابلة إلا «سبنسر» فقد أبى؛ لأنه كان يكره أن ~~يجتمع إلا بالصفوة من أصدقائه المخلصين، وكان ما يدفعه إلى ذلك يقينه بأن الإنسان في حديثه ~~أقل منه في كتبه؛ لأن الكاتب يضع في مؤلفه أروع ما ينتجه العقل من آراء، وإن العقل ليولد ~~إلى جانب تلك المنتجات الرائعة كثيرا من الآراء الهينة اليسيرة، وكلا هذين العنصرين ~~يمتزجان ويكونان حديث الرجل ms282 في حياته اليومية، فإذا ما سمعه في حديثه أحد المعجبين به في ~~كتبه، سينزله من نفسه منزلة أقل من منزلته الأولى، وقد كان بعض الناس يصرون على مقابلته، ~~فيضطر أمام إلحاحهم أن يسمح لهم بذلك، ولكنه كان حينئذ يجلس بينهم صامتا لا يتكلم، ينصت ~~إلى ما يدور بين الزائرين أنفسهم من حديث. # وقد زاره الأستاذ الشيخ محمد عبده في 10 أغسطس سنة 1903م، وكان «سبنسر» مصطافا في ~~«برايتون»، وكانت قد تقدمت به السن، ونهاه الأطباء عن كثرة مقابلة الناس، وعن الحديث مع أحد ~~أكثر من عشر دقائق، ولكنه سر من حديث الأستاذ فدعاه للغداء معه، ودار الحديث بينهما على ~~الدين والأخلاق. # سأله «سبنسر»: هل زار إنجلترا قبل اليوم؟ فلما أجاب بأنه زارها قبل اليوم بعشرين سنة سأله ~~«سبنسر»: ماذا رأى من الفرق بين أخلاق الإنجليز اليوم والإنجليز من قبل؟ فاعتذر الأستاذ بأن ~~إقامته بإنجلترا كانت قصيرة لم تسمح له بدرس حالة الناس. # فقال «سبنسر»: إن الإنجليز الآن دون ما كانوا عليه من عشرين سنة، فهم يرجعون القهقرى إلى ~~الأخلاق، وسبب ذلك تقدم الأفكار المادية التي أفسدت أخلاق اللاتين من قبلنا، ثم سرت إلينا ~~عدواها، وستفعل ذلك في سائر شعوب أوروبا، ولا أمل في صد هذا التيار المادي، ولا بد أن يأخذ ~~مده غاية حده ... إن الحق عند أهل أوروبا الآن للقوة. # وقد علق الأستاذ على هذا الحديث بقوله: ~~«ماذا حركت مني كلمة الفيلسوف: «الحق للقوة» إلخ؟ جاءت منه مصحوبة بشعاع الدليل فأثارت ~~حرارة، وهاجت فكرا، ولو جاءت من ثرثار غيره كانت تأتي مقتولة ببرد التقليد، فكانت تكون ~~جيفة تعافها النفس فلا تحرك إلا اشمئزازا وغثيانا.» # دنا «سبنسر» من الموت، فنظر وراءه يستعرض حياته، فإذا هي أيام تنقضي كلها في كسب الشهرة ~~الأدبية دون أن يتمتع فيها بشيء من الحياة نفسها، فضحك من نفسه وسخر، وتمنى لو قضى تلك ~~الأيام الدابرة في حياة بسيطة سعيدة، ولما جاءته منيته سنة 1903م، كان على يقين أنه لم يعمل ~~في حياته إلا عبثا. # ولكن ms283 لا، لم يكن عبثا ما أنتجه «سبنسر»، على الرغم من المعارضة القوية التي قوبل بها في ~~آخر أيامه من العلماء ورجال الدين، معارضة كادت تمحو اسمه من الأذهان محوا. فلقد كان بحق ~~أعظم فيلسوف إنجليزي في القرن التاسع عشر، وكان مما عمله أن قرب المسافة بين الفلسفة ~~والأشياء الواقعة. # لقد ننظر الآن فنرى أنفسنا على قمة من الفكر لم يرتفع إليها «سبنسر»، فلنذكر أن هذا ~~الفيلسوف العظيم هو الذي رفعنا فوق أكتافه حتى أصبح منا في أسفل، ولئن كان العالم حتى اليوم ~~لم ينصفه حق الإنصاف، فيقيننا أنه مصادف عند الأخلاف خير الجزاء، بعد أن يكون قد انمحى من ~~القلوب ما استكن فيها نحوه من حفيظة وحقد. ~~(4-4) فردريك نيتشه # Friederich Nietzhe ~~(1) مقدمات نيتشه # كان «نيتشه» وليد «دارون»، وصنوا لمواطنه «بسمارك» في نزعته ، ولا يخدعنا منه أنه سخر من ~~أشياع التطور في إنجلترا، ومن أتباع الوطنية في ألمانيا، فلقد عودنا أن يهاجم أولئك الذين ~~كان لهم عليه أقوى الأثر، وأن يجحد الفضل باتهام من أسدى إليه فضلا. # جاء «نيتشه» فانتزع من نظرية «دارون» نتيجتها الحتمية في الأخلاق في غير خوف ولا وجل، ~~فإذا كانت الحياة هي تنازع البقاء وبقاء الأصلح دون غيره، فالقوة إذن هي الفضيلة السامية، ~~والضعف هو النقيصة والشر. الخير هو الذي يستطيع أن يحيا ويظفر، أما الشر فهو ما يخور ويهوي. ~~هذه هي النتيجة اللازمة لمبدأ تنازع البقاء، ولكن أشياع «دارون» في إنجلترا، ورجال الفلسفة ~~اليقينية في فرنسا، ودعاة المذهب الاشتراكي في ألمانيا، جزعوا من هذه النتيجة المروعة ~~فأحجموا عن انتزاعها وإعلانها. ومن العجيب أن هؤلاء جميعا كان لهم من الجرأة ما ينكرون به الديانة المسيحية، ولكنهم لم ~~يجرءوا أن يكونوا مناطقة صريحين في منطقهم، وأن يرفضوا الأخلاق السائدة، فأكبروا مع الناس ~~الدعة والرقة والإيثار، وما إليها من أخلاق تتفرع عن المسيحية، ثم أتى «نيتشه» فسلم بمقدمة ~~التنازع في الحياة، ولم يتردد في أن يولد منها نتائجها المحتومة في الأخلاق. # فردريك نيتشه. # لقد أتم «دارون» بغير قصد ms284 منه ما بدأه الموسوعيون (الانسيكلوبيديون) من حيث إزالة الأساس ~~اللاهوتي الذي تقوم عليه الأخلاق، ولكنهم تركوا مبادئ الأخلاق نفسها دون أن يمسوها بنقد أو ~~بهدم، فكانت كالبناء المعلق في الهواء الذي لا يرتكز على أساس ثابت، فأصبحت الحاجة ماسة إلى ~~من يعيد بناءها، ولكن على أساس بيولوجي، إن كل ما نريده في هذه المعركة التي نسميها الحياة ~~هو القوة لا الطيبة، هو الكبرياء دون الخنوع، هو الذكاء المصمم لا الإيثار، أما المساواة ~~والمبادئ الديمقراطية فمناقضة لنظرية بقاء الأصلح، فلا يقصد التطور في سيره إلا العباقرة ~~دون السوقة، إن الكلمة في كل مواضع الخلاف للقوة لا للعدالة. # فإن كان هذا حقا، فليس أعظم من «بسمارك» ولا أقوى منه دلالة على المثل الأعلى، فهو رجل ~~عرف حقائق الحياة، فأعلن في غير استحياء: «أن لا إيثار بين الأمم.» وأن شئون الدولة لا ~~ينبغي أن تقررها أصوات النائبين ولا بلاغة الخطباء، ولكن أداتها هي الدم والحديد، فيا له من ~~ريح عاتية عصفت بأوروبا لتقتلع من أرضها الأوهام الفاسدة والديمقراطية السائدة، إنه في ~~شهور قلائل فرض قيادته على النمسا المحطمة فرضا، وفي شهور قلائل أخضع فرنسا التي كانت لا ~~تزال تترنح تيها بذكرى نابليون، وفي تلك الشهور القلائل عينها اضطر الدويلات الصغيرة في ~~ألمانيا أن تندمج كلها لتكون إمبراطورية جبارة، هذه هي الأخلاق الجديدة، هذه هي أخلاق ~~القوة، ولكن هذا الاتجاه الحربي الذي أخذ يتزايد في ألمانيا كان لا بد له من صوت يعبر عنه، ~~كما كان لا بد لإرادة القتال - التي كانت تجيش في صدر ألمانيا - من فلسفة تبررها وتؤيدها؛ ~~لأن الديانة المسيحية لا تدعمها، وفي الفلسفة الداروينية لها دعامة قوية إذا ما أسعفها قليل ~~من الجرأة، فصادفت هذه الجرأة في نيتشه، فأصبح هو اللسان المعبر عن دخيلة أمته. ~~(2) نشأته # وعجيب أن ينحدر هذا الثائر من أب قسيس، بل إن أجداده لأبيه وأمه كانوا سلسلة متتابعة من ~~رجال الدين، ولكن أي عجب؟ إنه هو نفسه في أعماقه مبشر بالمسيحية، إنه لم يهاجم المسيحية إلا ms285 ~~لأن فيه كثيرا من روحها الأخلاقية، وليست فلسفته إلا محاولة الإصلاح، فهي ميل قوي نحو ~~الرقة والرحمة والسلام ... وكانت أمه سيدة تقية ورعة تتمسك بمذهبها في تزمت، فجاء ابنها على ~~مثالها من الورع والعفة، وإن هذا نفسه لهو السبب في هجومه على التقوى: لكم اشتاق ذاك القديس ~~التقي أن يرتكب خطيئة. # ولد في # Röcken # من أعمال بروسيا في اليوم الخامس عشر من أكتوبر سنة 1844م، وشاءت المصادفة ~~أن يكون هذا اليوم نفسه يوم ميلاد «فردريك وليام» الرابع ملك بروسيا، ولما كان أبوه مربيا ~~لكثيرين من أعضاء الأسرة المالكة فقد اغتبط لهذه المصادفة السعيدة، وأطلق على ابنه اسم ~~الملك «فردريك» تيمنا به «وإن في اختيار هذا اليوم لميلادي لفضلا واحدا، وهو أن مظاهر ~~الفرح كانت تسري بين الناس أجمعين يوم عيد ميلادي طوال عهد طفولتي.» # ومات أبوه وهو ما زال طفلا، فتناول تربيته طائفة من النساء المتمسكات بأهداب الدين، وكن ~~يدللنه ويعاملنه في رقة ولطف، حتى نشأ حساسا يمقت أبناء السوء من جيرانه، إذا ما سلبوا ~~الأوكار من أطيارها والحدائق من أثمارها، ويكره أن يرى لداته من الصبية يلعبون «جنودا»، ~~وينطقون بالكذب ولعل رفاقه في الدراسة لم يخطئوا حين أطلقوا عليه اسم القسيس الصغير. وقال ~~فيه أحد هؤلاء الأصدقاء إنه «كالمسيح في معبد.» وكان يلذ له أن يعتزل الناس ليطالع الإنجيل ~~لنفسه أو يتلوه على مستمعين في حماسة مشتعلة وشعور ملتهب، حتى إن عينيه كثيرا ما كانتا ~~تجودان بالدمع أثناء القراءة، ولكن إلى جانب هذا كانت فيه قوة خلقية، وكبرياء كامن، وقد ~~أنفق حياته كلها يبحث عن الوسائل الجسدية والعقلية التي تقوي من نفسه وتخلق منه رجولة ~~مثلى. # ولما بلغ سن الثامنة عشرة فقد الإيمان في إله آبائه، وقضى ما بقي من حياته يلتمس لنفسه ~~إلها جديدا، ثم أيقن أنه وجد في السوبرمان (الإنسان الأعلى)، ولقد قال فيما بعد إنه لم ~~يلق عناء في أن يتخذ لنفسه ذاك الإله الجديد، ولكنه كان مخدوعا في ذلك بغير شك، أو هو على ~~الأصح ms286 يخطئ الرواية عن نفسه، فما ولي عن إلهه القديم حتى ولت عنه ابتسامة الحياة وبهجتها، ~~إذ كان الدين زبدة حياته ولبابها، فلما نبذه لم يعد للحياة في نفسه معنى. # فلما كان عام 1865م عثر بكتاب «شوبنهور» «العالم كإرادة وفكرة» فوجد فيه كما قال: «مرآة ~~طالعت فيها العالم والحياة، بل وطبيعة نفسي، مرسومة في جلال مخيف.» تناول «نيتشه» هذا الكتاب ~~وأقبل عليه إقبالا قويا يقرؤه في نهم شديد: «إنه ليبدو لي أن «شوبنهور» كان يخاطبني أنا. ~~لقد أحسست فيه شعوره المتحمس، وخيل إلي أني أشهده ماثلا أمامي في كل سطر كأنما يناديني ~~نداء صارخا أن أنهض لإنكاره وتفنيده.» وكان لقراءة «شوبنهور» في نفسه أثر عميق إذ طبعته ~~بميسمها القاتم، ولونت فكره بصبغة من التشاؤم لم تفارقه، فلبث تعسا في أعماق نفسه حتى حين ~~أراد أن ينكر التشاؤم ويفنده باعتباره صورة من صور الضعف والتدهور. # ولما بلغ فيلسوفنا سن الثالثة والعشرين انخرط في سلك الخدمة العسكرية، وكان يرجو أن تعفيه ~~الدولة من الجندية لما في بصره من ضعف؛ ولأنه الابن الوحيد لأمه الأرملة، ولكن رجاءه لم ~~يفلح، إذ كان الجيش عندئذ لا يتعفف حتى عن الفلاسفة، ولكن حدث أن هوى مرة من ظهر جواده ~~هويا تأثرت له صحته تأثرا بالغا لم يسع قائد فرقته أمامه إلا أن يطلق سراحه، فغادر ~~«نيتشه» الجيش وذهنه مليء بالأوهام الخاطئة عن روعة الجندية؛ لأنه لم يلبث في خدمة الجيش ~~مدة تكفي للحكم الصحيح. غادر الجيش وهو ما يزال مأخوذا بالحياة الأسبرطية العنيفة، بحياة ~~الأمر والطاعة والصبر على العناء والنظام ... لقد قدس الجندية؛ لأن صحته حالت دون أن يحيا ~~حياة الجنود. # ولم يكد يترك حياة الجيش، حتى انتقل إلى نقيضها أعني الحياة العلمية، فأعد رسالة نال بها ~~إجازة الدكتوراه في الفلسفة، ولما بلغ الخامسة والعشرين عين أستاذا لأصول اللغة القديمة في ~~جامعة «بال» وأخذ من مكمنه ذاك يصفق لأعمال «بسمارك» الدامية، ويعتذر عن نفسه لاشتغاله ~~بمهنة خاملة تدعو إلى الانكماش والهدوء، ولقد أغرم في تلك الفترة من ms287 حياته بالموسيقى حتى ~~إنه مهر في العزف على البيانو، ومن قوله: «إنه بغير الموسيقى تكون الحياة خطأ.» ولم يكن ~~«ريتشارد فجنر» وهو عبقري الموسيقى الجبار، بعيدا عنه حينئذ، إذ كان يسكن قريبا من «پال» ~~في مدينة # Tribschen # مع زوجة رجل آخر. وقد أرسل إلى «نيتشه» يدعوه ليقضي معه عيد الميلاد سنة ~~1869م فأعجب الفيلسوف بالموسيقي النابغ، وأخذ في تأليف أول كتبه في الفن، بدأه بالدراما ~~اليونانية، وصعد «نيتشه» إلى قمة الألب ليكتب مؤلفه في هدوء بعيدا عن جلبة الحياة الصاخبة، ~~حتى جاءه وهو في عزلته سنة 1870م أن ألمانيا وفرنسا قد نشبت بينهما الحرب. # ماذا عساه يصنع وقد أتاه هذا النبأ؟ ها هي روح اليونان وآلهات الشعر والقصة والفلسفة ~~والموسيقى كلها قد أسلست له القياد واستسلمت، أيظل في عزلته ليمضي في كتابه؟ ولكنه لا ~~يستطيع أن يقاوم نداء أمته ، وإن في هذه التلبية الوطنية نفسها لشعرا بالغا ... هبط من مرقاه ~~في أعلى الجبل، وأخذ سبيله إلى الحدود ليشترك في القتال، فلما بلغ مدينة فرانكفورت شاهد ~~فريقا من الجنود الفرسان يسيرون خلال المدينة في رهبة وعظمة وجلال يأخذ بالألباب. ها هنا ~~وفي تلك اللحظة - كما يروي عن نفسه - لمعت في رأسه فكرة كانت أساسا فيما بعد لفلسفته كلها ~~«أحسست للمرة الأولى أن أسمى وأقوى إرادة للحياة لا تعبر عن نفسها في التنازع التعس من أجل ~~البقاء، بل في إرادة القتال، إرادة القوة، إرادة السيطرة.» ولكن لم يمكنه بصره العليل من ~~ممارسة الجندية فاكتفى بالتمريض في الجيش. وعلى الرغم من أنه في مهنته هذه شهد كثيرا من ~~ألوان الشقاء، إلا أنه مع ذلك لم ير هول القتال في ميدانه، ولو رآه لما جعل منه مثله ~~الأعلى. وغريب أن تصبو نفسه إلى حياة الحرب، وهو ذلك الذي كان يتأثر للجرحى عندما يقوم ~~بتمريضهم تأثرا شديدا، والذي كانت تصيبه العلة إذا شهد دما يتدفق، حتى إنه مرض ولم يقو ~~على متابعة مهنته التي اختارها لنفسه، فانتقل إلى بلده عليلا مهدما، ومنذ ذلك الحين ظلت ms288 ~~له روح الفتاة في رقتها وضعفها، ولكنها تسترت بدرع الجندي المحارب. ~~(3) نيتشه وفجنر # نشر «نيتشه» سنة 1782م أول كتبه «مولد المأساة من روح الموسيقى» فجاء آية فريدة في أسلوبه ~~الشعري الذي لم يكن لينتظر من عالم لغوي، وأشار في هذا المؤلف إلى الإلهين اللذين كانا ~~موضع التقديس من الفن اليوناني فأولهما ~~«ديونيسوس» # Dionysus # أو «باكوس» # Bacchus # وهو إله ~~الخمر والمرح والحياة الصاخبة واللذة والطرب والمغامرة والمخاطرة، واحتمال العناء في جرأة ~~وشجاعة، وهو إله الغناء والموسيقى والرقص ~~والمسرحية (الدراما)، ثم جاء بعدئذ «أبولو» # Apollo # وهو إله السلام والدعة والبطالة وإحساس الجمال والتأمل العقلي، والنظام المنطقي والهدوء ~~الفلسفي، وهو إله التصوير والنحت والشعر الغنائي، واتحد هذان المثلان الأعليان، فأنتجا أسمى ~~آيات الفن اليوناني - إذ امتزج ما في «ديونيسوس» من قوة الرجولة الجياشة بما في «أبولو» من ~~جمال وديع هادئ - فكان «ديونيسوس» يوحي في الدراما بالموسيقى ، # 15 # وكان «أبولو» يوحي بالحوار. # ولعل أعمق معالم الدراما اليونانية هو تشاؤم «ديونيسوس» وإعلانه لذلك التشاؤم عن طريق ~~الفن، فلم يكن اليونان شعبا متفائلا فرحا، بل إنهم درسوا الحياة دراسة جيدة، وأدركوا قصر ~~أمدها فأنكروها، انظر كيف أجاب «سيلينوس» # Silenus # حين سألته «ميداس» # Midas ~~: ما أحسن ما يصيب ~~الإنسان من الأقدار؟ فقال: «أنتم يا أناس اليوم ويا من تستثيرون الرأفة، أنتم أبناء الأحداث ~~والأسى، لماذا تضطرونني إلى القول بأحسن الأقدار وهو ما لم يسمع به بعد؟ أحسن الأقدار ~~جميعا شيء مستحيل النوال، فهو ألا يولد الإنسان وأن يكون عدما، ويتلو ذلك في الأفضلية أن ~~يموت محتضرا.» # 16 # هذه هي نزعة اليونان الذين سبقوا «شوبنهور» في تشاؤمه، ولكنهم تغلبوا على حزنهم بسمو فنهم، فمن شقائهم ولدوا مناظر الدراما ~~(المأساة)؛ ليروا في مآسيهم ما يبرر الحياة؛ إذ وجدوا في تبرير الوجود ضربا من الفن ~~والجمال، فالتشاؤم وحده دليل الضعف والتدهور، والتفاؤل وحده علامة الفكر السطحي، أما ~~التفاؤل الحزين، أو التفاؤل في المأساة، فهو صفة الرجل القوي الذي نشد عمق التجربة واتساعها ~~ولو كان ذلك على حساب ما يلاقي من ms289 نصب وأسى، وإنه ليسره أن يجد أن التنازع هو قانون ~~الحياة، «فالمأساة نفسها برهان على أن اليونان لم يكونوا متشائمين.» ولقد كان عهد هذا الضرب ~~من المأساة - وهو ما قبل «سقراط» - أزهر عهود الإغريق. # فجنر. # ثم جاء «سقراط»، نموذج الرجل النظري فكان علامة على انحلال الخلق اليوناني؛ إذ «أخذت قوة ~~الجسد والروح القديمتين يضحى بهما شيئا فشيئا من أجل ثقافة عقلية مشكوك فيها، وهي تتضمن ~~انحطاطا شديدا في قوى البدن والعقل.» لقد حلت الفلسفة النقدية محل الشعر الفلسفي الذي كان ~~يسود قبل «سقراط»، وجاء العلم مكان الفن، والعقل بدل الغريزة، واستبدل باللعب الحوار ~~والنقاش، فأصبح «أفلاطون» الرياضي بتأثير «سقراط» «أفلاطون» المتأمل في مظاهر الجمال، ~~وانقلب «أفلاطون» القصصي «أفلاطون» المنطق، وعادى العاطفة وازور عن الشعر، فكان كأنما هو ~~«مسيحي قبل المسيح»، واشتغل في بحث نظرية المعرفة. لقد نقشت على معبد «دلفي» هاتان ~~العبارتان اللتان تحويان حكمة لا عاطفة فيها: «اعرف نفسك.» و«لا تفرط في شيء.» وانخدع ~~«سقراط» و«أفلاطون» وتوهما أن الذكاء هو الفضيلة الوحيدة، كما أعلن «أرسطو» نظريته المثبطة ~~للهمم، أعني نظرية الأوساط، # 17 # إن الشعب في فتوته ينتج الأساطير والشعر، كما أنه في تدهوره ينتج الفلسفة ~~والمنطق، فلقد أنجبت اليونان في صباها «هوميروس» و«أسخيلوس» # Aeschylus ~~، ولكنها جاءت في عهد ~~انحطاطها ب «يوربيدز» # Euripides ~~، وهو الذي حاول أن يكتب القصة بالمنطق، ويهدم الأسطورة ~~بالعقل، هو صديق «سقراط» الذي استبدل بموسيقى «ديونيسوس» حوار «أبولو» وخطابته. # فلا غرابة إذن أن أطلقت راعية معبد «دلفي» على «سقراط» لقب أحكم اليونان، وقالت إن ~~«يوربيدز» هو الذي يتلوه في حكمته، ولا عجب أن أدركت غريزة «أرستوفان» التي لا تخطئ ما بين ~~ذينك الرجلين من شبه، فصبت عليهما معا شعور المقت والكراهية، ورأت فيهما علامة لانحطاط ~~الثقافة، ولكن الرجلين أصلحا موقفهما الخاطئ، ~~فكانت آخر قصة كتبها «يوربيدز» «قصة باخي» # The Bacchae # استسلاما منه «لديونيسوس» ~~كما أخذ «سقراط» في سجنه يتدرب على موسيقى «ديونيسوس»؛ ~~لكي يخفف لذع ضميره، ولقد ساءل نفسه: «إن ما لا أفهمه أنا لا يكون ms290 غير معقول لعدم فهمي له. ~~أفلا يجوز أن يكون هنالك عالم للحكمة يتلاشى فيه المنطق؟ ألا يجوز أن يكون الفن ضرورة لا بد ~~منها ومكملا للعالم لا محيص عنه؟» ولكنهما أذعنا للفن في وقت متأخر بعد أن ترك المنطق ~~والعقل آثارا لا تنمحي، فتدهورت بهما المأساة والأخلاق عند اليونان. نعم لقد سلم الشاعر ~~«يوربيدز» والفيلسوف «سقراط» أخيرا بقوة الفن، ولكن بعد أن عمل المنطق فيهما عمله، فكانا ~~نهاية لعصر الأبطال، وخاتمة لفن «ديونيسوس». # ولكن ألا يقدر عصر «ديونيسوس» أن يعود، ألم يهدم «كانت» العقل النظري بضربة قاضية فدكه ~~دكا من أساسه؟ ثم ألم يبشر «شوبنهور» بأصالة الغريزة؟ وها هو ذا «ريتشارد فجنر»، أليس هو ~~«اسخيلوس» آخر جاء ليجدد الأساطير، ويوحد بين المأساة والموسيقى من جديد على نحو ~~«ديونيسي»؟ لقد تفرع من جذور «ديونيسوس» المتأصلة في الروح الألمانية قوة لا تشبه الثقافة ~~السقراطية في شيء، أعني الموسيقى الألمانية في فلكها الفسيح، من «باخ» إلى «بيتهوفن»، ومن ~~«بيتهوفن» إلى «فنجر». ولئن كانت الروح الألمانية كثيرا ما تأثرت بفن «أبولو» الذي يسود في ~~إيطاليا وفرنسا، فليس ذلك عن طبيعة متأصلة فيها، بل هو محض استهواء وتقليد، وليوقن الشعب ~~الألماني أن غرائزه أسلم من هذه الثقافات المتدهورة، وعليه أن يصلح الموسيقى كما أصلح ~~الدين، وأن يصب قوة كقوة «لوثر» الجبار في الفن والحياة، فمن يدري؟ عسى أن تلد ألمانيا مما ~~تتمخض به الآن من روح حربية عصرا جديدا من عصور الأبطال، وعسى أن تولد المأساة روح ~~الموسيقى مرة أخرى. # ولكن لم يلبث «نيتشه» أن خاب رجاؤه في فن فجنر. ~~(4) أنشودة «زرادشت» # ها هو ذا «نيتشه» يلوذ بالعلم والفلسفة بدل الفن الذي خاب فأله فيه بعد أن علق عليه ~~الآمال الجسام في أن يعيد عصر البطولة والرجولة، ولقد أراد أن يهدئ من عواطفه المضطرمة، ~~فلجأ إلى تحليلها - كما فعل «سبينوزا» - تحليلا دقيقا، وأثبت نتائج بحثه في كتاب أهداه ~~إلى «فولتير». # وشاء الله لهذا الفيلسوف أن يصاب بالعلة المضنية في جسمه وعقله، وهو لا يزال في ms291 زهرة ~~عمره، فأخذ يدنو من الموت رويدا رويدا، وقد حدث أن اشتدت عليه وطأة المرض. فقال لأخته: ~~«عديني إذا مت ألا يقف حول جدثي إلا الأصدقاء، فلا يسمح بذلك للجمهور المتطلع. ولا تدعي ~~قسيسا أو غيره ينطق بالأباطيل بجانب قبري في وقت لا أستطيع أن أدافع عن نفسي فيه، إني ~~أريد أن أهبط إلى قبري وثنيا شريفا.» ولكنه أبل من مرضه ولم يمت، فنهض من فراش الموت ~~محبا للصحة والشمس والحياة والضحك والرفض، كما نشأت له من مرضه أيضا إرادة قوية سببتها ~~محاربته للموت، وأخذ يحس حلاوة الحياة ونعيمها، حتى في أشد أوقاتها مرارة وألما، هكذا وقد ~~كان من نتائج المرض كذلك رأي له يوافق به فلسفة «سبينوزا» من حيث الجبر والإيمان بالقدر، فقد ~~سلم بهذا وقبله عن رضا وغبطة: «عندي أن العظمة ليست فقط في أن تصبر لأحكام الضرورة، بل أن ~~تحبها كذلك، ولكن وا أسفاه، ما أرخص القول وأغلى العمل!» # لقد قال بهذا، ولكنه عجز أن يعمل به إذ عز عليه ما كان ينشد من طمأنينة وهدوء، ولم يستطع ~~البتة أن يعيش بين الناس، فانتقل إلى مرتفعات الألب، لا يريد أن يرى رجلا ولا امرأة، بل ~~ولا يشعر للإنسان بحب، وإنما يريد أن يخلق من يفوق هذا الإنسان، وهنالك في عزلته على ذرى ~~الجبل أوحي إليه بكتابه الأعظم: # جلست هنالك أنتظر - أنتظر لا شيء # وأنعم هو بما فوق الخير والشر، فأنعم بالضوء تارة # وبالظل طورا، لم يكن ثمة إلا # نهار، وبحيرة، وزمان لا ينتهي # وفجأة يا صديقي أصبح الواحد اثنين # إذ مر بي «زرادشت». # مر به «زرادشت» وهو في عزلته «فارتفعت روحه، وطغت على كل ما يحدها.» لأنه قد وجد فيه ~~معلما جديدا، وإلها جديدا - هو «السوبرمان» - كما وجد دينا جديدا هو التكرار الأبدي ~~للإنسان. انظر كيف صعدت الفلسفة إلى مستوى الشعر بقوة حماسته وصدق إلهامه! «إنني أستطيع أن ~~أغني أنشودة، وسأغنيها على الرغم من وحدتي في بيت منعزل، ومن أنه لن يصغي إليها إلا أذناي ~~وحدهما: يا ms292 أيها النجم الساطع، ماذا عسى أن تكون سعادتك لو لم ينعم بضوئك من تضيء أنت من ~~أجلهم؟ انظر! لقد أعيتني حكمتي، وأصبحت كالنحلة التي جمعت من العسل أكثر مما تحتمل، إني ~~بحاجة إلى أبد تمتد لقطفه.» نعم لم يستطيع «نيتشه» أن يختزن حكمه في نفسه كما اشتهى، إذ ~~امتلأت بها نفسه حتى فاضت، ولهذا كتب مؤلفه «هكذا قال زرادشت» عام 1883م. # كان هذا الكتاب آية «نيتشه»، وقد أدرك هذا بنفسه، فكتب عنه يقول: «إنه مؤلف فريد.» ويقول: ~~إنه شعر لم يرتفع إليه الشعراء، وإننا لو جمعنا كل من شهد العالم من عظماء الرجال لما ~~استطاعوا متكاتفين أن يأتوا بحوار واحد من محاورات «زرادشت» ... يا لها من مبالغة! ولكنه بغير ~~شك من أغرب ما أنتج القرن التاسع عشر من كتب، ومع ذلك فقد أبت سخرية الأيام إلا أن يؤجل طبع ~~الكتاب حين تقديمه للناشر؛ لأنه كان يشتغل بإعداد كتاب ديني، فلما فرغ الناشر رفض أن ينشر ~~الجزء الأخير من الكتاب؛ لأنه تافه من الوجهة التجارية، ولذلك اضطر المؤلف أن يطبعه على ~~حسابه الخاص. فلما تم طبع الكتاب لم يبع منه إلا أربعون نسخة، وأهدى منه سبع نسخ فلم يرد ~~عليه منهم إلا واحد يقرر أن قد وصله الكتاب دون أن يذكر كلمة واحدة في تقريظه ... ليت شعري هل ~~شهد التاريخ رجلا في مثل هذه العزلة الموحشة؟ # وهاك موجزا له: # يهبط زرادشت، وهو رجل في سن الثلاثين، من ذروة جبله التي كان قد اعتكف فيها ليسبح في ~~تأمله وفكره يهبط لكي يذيع آراءه في أغمار الناس كما فعل زميله الفارسي القديم «زرادشت»، ~~ولكن أغمار الناس لا تكاد تصغي إليه حتى تشهد على مقربة منها رجلا يلعب على الحبل، فتنصرف ~~عن «زرادشت» وتلتف حول ذلك اللاعب، ولكن اللاعب لا يلبث أن يسقط ويموت، فيقبل عليه «زرادشت» ~~ويحمله على كتفيه؛ لكي يودعه مستقره الأخير، قائلا يناجيه: «إنك ملأت حياتك بالمغامرة ~~ولذلك فسأدفنك بيدي.» لأن أولى تعاليم «زرادشت» هي: «املأ حياتك بالخطر. شيد مدائنك على ms293 ~~مقربة من بركان فيزوف، ابعث بسفائنك إلى البحار المجهولة، عش في حرب دائمة.» # ولكن يقول «نيتشه» تذكر فوق كل ذلك أن تنكر العقائد جميعا ... لقد صادف «زرادشت» وهو هابط ~~إلى أسفل الجبل ناسكا شيخا أخذ يحدثه عن الله، فانفرد «زرادشت» وخاطب نفسه قائلا: «هل ~~يمكن أن يكون ذلك حقا؟ يظهر أن هذا القديس لم يسمع بعد في غابته أن الله قد مات!» نعم لقد ~~مات الله وماتت الآلهة جميعا. ~~«لقد اختتم الآلهة القدامى حياتهم منذ عهد بعيد. حقا لقد كانت خاتمة جميلة ~~مرحة.» # إنهم في موتهم لم يتلكئوا، بل أضحكوا أنفسهم حتى الموت، وفي تلك اللحظة نهض إله، فألقى ~~كلمة هي أبعد ما تكون عن صفات الآلهة؛ إذ قال: «ليس ثمة إلا إله واحد! فليس من قبلي ~~آلهة.» # فضحك الآلهة جميعا حتى اهتزوا على مقاعدهم، ثم صاحوا: «أليس من عدالة الإيمان أن يكون ~~هنالك آلهة عدة لا إله واحد؟» ألا فليصغ كل من له أذنان. # هكذا قال «زرادشت». # يا له من إلحاد مرح، فليس هنالك إله ولا آلهة «وإلا فماذا عسى أن ينخلق لو كان ثمة آلهة؟ ~~إذا كان هنالك آلهة فكيف أطيق ألا أكون إلها؟ وإذن فلا آلهة هناك.» «إني أهيب بكم يا إخواني ~~أن تخلصوا عهدكم للأرض، وألا تصدقوا من يحدثونكم عن أمل سماوي، إنهم ينفثون فيكم بذلك ~~السم سواء أعلموا بذلك أم لم يعلموا.» # أليست هذه زندقة؟ ولكن «زرادشت» يشكو أنه لم يعد بين الناس من يعرف العبادة، ويقول عن ~~نفسه إنه أتقى من لا يعتقدون في الله، إنه ليتطلع إلى العقيدة ويشفق على كل من يتألمون مثل ~~ألمه من السأم والضجر. فلقد مات الله القديم وليس ثمة حتى اليوم إله جديد ولد في المهد. ~~وهنا يعلن اسم الإله الجديد فيقول: ~~«لقد ماتت الآلهة جميعا ونريد الآن أن يعيش السوبرمان (الإنسان الأعلى) ... إنني ~~أبشركم بالإنسان الأعلى. يجب أن يأتي من الإنسان من يفوق الإنسان، فماذا فعلتم لتسموا عليه؟ ~~إن أجل ما في الإنسان هو أنه جسر لا ms294 هدف. إن ما يحب في الإنسان هو أنه انتقال ~~وتمهيد.» # إنني أحب أولئك الذين لا يعرفون الحياة إلا بالموت، فهؤلاء هم الذين يتسامون. # إنني أحب أولئك الذين لا يبحثون وراء النجوم عن سبب ليموتوا ويضحوا بأنفسهم من أجله، ~~الذين يضحون بأنفسهم للأرض لكي تصبح الأرض يوما مهبط الإنسان الأعلى. # لقد حان الحين للإنسان يحدد غايته. لقد آن الأوان للإنسان أن يبذر جرثومة مثله ~~الأعلى. # حدثوني يا رفاقي، أهي الغاية التي تحتاج إلى الإنسانية أم الإنسانية هي التي تعوزها ~~الغاية؟ # وهنا خشي «نيتشه» أن يظن كل قارئ في نفسه بأنه الإنسان الأعلى المنشود، فصرح بأن الإنسان ~~الأعلى لم يولد بعد، وأننا لسنا إلا مقدماته التي يتفرع عنها، والتربة التي ينبت فيها، ثم ~~قال: إن السعادة لم تخلق لنا، إنما قد خلقت للإنسان الأعلى وحده. # هكذا خلق «نيتشه» الله في صورة نفسه، ثم لم يكتف بهذا، بل كتب لنفسه الخلود، فقال: إن ~~التكرار الأبدي موعده بعد وجود الإنسان الأعلى. فسيعود كل شيء بالتفصيل الدقيق مرة ومرة إلى ~~ما لا نهاية، حتى «نيتشه» سيعود، وهذه الأمة الألمانية التي يعيش بين ظهرانيها، والتي تمجد ~~الدم والحديد ستعود، كما تعود كل مجهودات العقل البشري من ظلمة الجهل إلى «زرادشت». إلا ما ~~أعجبه من رأي، ولكن كيف يمكن ألا يكون رأيا مصيبا؟ إن الصور التي يمكن أن تتشكل فيها ~~الحياة محدودة مهما كثرت، ولكن الزمان لا نهائي غير محدود، فلا بد يوما أن تجتمع الحياة ~~والمادة على صورة سبق لهما أن اجتمعا بها، وهكذا سيعيد التاريخ سيره من بدئه إلى منتهاه. ~~إلى هذا الحد المتطرف من التناسخ ذهب «نيتشه»، فلا غرابة إذا رأينا «زرادشت»، حين يصل في ~~حديثه إلى هذا الدرس الأخير يفزع ويمسك عن الحديث إلى أن سمع صوتا يناديه قائلا: «ما بك يا ~~زرادشت؟ قل كلمتك، ثم تقطع إربا.» ~~(5) أخلاق البطولة # لم يكد يفرغ «نيتشه» من كتابه «زرادشت» حتى اتخذه إنجيلا، بحيث لم تكن كتبه التالية إلا ~~شروحا له وتعليقا عليه، حتى إذا لم ms295 تكن أوروبا قد استساغت شعره، واستطاعت أن تفهم ~~نثره. # ولكن من عسى أن يصغي إليه بعد كتاب «زرادشت» الذي بدا للناس غريبا فتنكروا له ولكاتبه، ~~فأنكره أعز أصدقائه، وأما زملاؤه العلماء الذين كانوا معه في جامعة «بال» والذين كانوا قد ~~أعجبوا أشد إعجاب ب «مولد المأساة» فلم يسعهم اليوم إلا أن يرثوا رجلا افتقده العلم ولم ~~يرحب به الشعر، وشاء الدهر أن تكون عزلة الفيلسوف تامة، فهجرته أخته التي كانت تخفف عنه ~~أعباء الحياة لتتزوج من رجل يمقت «نيتشه» لآرائه، وسافرت مع زوجها إلى بارجواي، وطلبت إلى ~~أخيها العليل الشاحب أن يرافقها إلى تلك البلاد لعلها تقوم صحته، ولكن «نيتشه» آثر حياة ~~العقل على صحة البدن، فلم يرد أن يغادر ألمانيا حيث المعركة الفكرية حامية الوطيس قائلا: ~~إنه لا مندوحة له عن أوروبا؛ لأنها عنده «كالمتحف الثقافي»، ولقد أخذ يجول بين أنحاء أوروبا ~~لعله يصادف فيها مكانا يطمئن إليه، فذهب إلى سويسرا والبندقية وجنوا ونيس وتورين، ثم حلا ~~له أن يكتب بين الحمائم التي تتجمع حول تماثيل «كنيسة سان مارك»، ولكنه لم يستطع أن ينعم ~~بما يريد؛ لأن عينيه المريضتين لم تقويا على أشعة الشمس، فانتبذ غرفة مظلمة على سطح وأغلقها ~~من دونه، وأسدل فيها الستائر، ثم انصرف إلى الكتابة والتأليف، ولكن عيناه أيضا لم تمكناه ~~من المضي في عمله هذا، فلم يؤلف كتابا كاملا، بل أخذ ينثر مجموعة من الحكم والمبادئ جمعها ~~فيما بعد في كتابين، وكان يرجو بهذين الكتابين أن يكونا معولا يهدم الأخلاق القديمة ~~السائدة، وأن يمهد الطريق لأخلاق الإنسان الأعلى، ولقد عاد في بحثه هذا عالما لغويا إذ ~~أراد أن يؤيد مبادئه الأخلاقية بأصول لغوية، فيلاحظ أن في اللغة الألمانية كلمتين بمعنى سيئ ~~وهما # Schlecht # و # Böse ~~. فأما الكلمة الأولى فيستعملها رجال الطبقة العليا في حديثهم عن الطبقة ~~الدنيا ومعناها سوقي أو تافه أو سيئ. وأما الثانية فتستخدمها الطبقة السفلى إذا ما تحدثت عن ~~الطبقة العليا ومعناها شاذ أو غير مفهوم، أو خطر، أو مضر، أو ms296 قاس، فمثلا «نابليون» كان ~~شيئا من هذا النوع # Böse # كذلك كلمة # Gut # لها معنيان يضادان الكلمتين السالفتي الذكر، ~~فتقولها الطبقات الأرستقراطية بمعنى قوي أو باسل أو جبار أو رجل حربي، أو إلهي. # 18 # أما غمار الشعب فيستعملها بمعنى سلمي أو غير مضر أو شفوق، إذن فهنالك تقديران ~~متناقضان للسلوك الإنساني، أي وجهتان للنظر في الأخلاق: أخلاق السادة، وأخلاق الكافة. ولقد ~~كانت الأخلاق الأولى هي السائدة قديما، وبخاصة بين الرومان إذ كانت الفضيلة عند الروماني ~~هي الرجولة والشجاعة والإقدام والجرأة، أما الأخلاق الثانية فقد جاءت موجتها من آسيا، ومن ~~اليهود بصفة خاصة أيام خضوعهم السياسي؛ لأن الخضوع يولد الضعة، وضعف الحيلة ينتج الإيثار - ~~إذ الإيثار معناه طلب المعونة من الآخرين - طغت على أوروبا أخلاق قطعان السوقة، فخارت ~~أمامها القوة وحب المخاطرة، وانفسح الطريق لحب الأمن والسلام، فاستبدل المكر بالقوة، ~~والانتقام الخفي بالانتقام العلني، والرأفة بالعنف، والتقليد بالابتكار، وصوت الضمير ~~بكبرياء الشرف. إن الشرف وثني روماني إقطاعي أرستقراطي، أما الضمير فيهودي مسيحي بورجوازي ~~(خاص بالطبقات الوسطى من الناس) ديمقراطي. إن بلاغة الأنبياء هي التي حورت الأخلاق، حتى ~~جعلت الطبقات الذليلة الخاضعة هي محور الفضيلة، فأصبحت الدنيا والمتاع الجسدي مرادفين للشر، ~~وبات الفقر برهانا على الفضيلة. # ولقد بلغ هذا التقدير الأخلاقي منتهاه بتعاليم المسيح الذي أعلن أن الناس سواسية في ~~أقدارهم وحقوقهم، فتفرعت عن مذهبه هذا الديمقراطية والاشتراكية، وأصبح تقدم الإنسانية يوصف ~~وفق الفلسفة الشعبية في عبارات المساواة وما في معناها، ولعمري إن حياة ترتكز على مثل هذه ~~الآراء لهي حياة تنحل وتنزلق إلى الهاوية. ولعل آخر مراحل هذا التدهور هو تمجيد الرحمة ~~والتضحية بالنفس، والشعور بالعطف على المجرمين، فذلك عجز من المجتمع عن إفراز ما يضر ببنائه ~~من الأفراد. إن الرحمة ضرب من الشلل؛ لأننا نفقد بها بعض قوتنا الشعورية نصرفها في مخلوقات ~~مرقعة لا يرجى لها إصلاح، إذ ننفقها نحو العاجز والمعطوب والشرير والمريض والجاني، ثم إن في ~~الرحمة شيئا من الغلظة والاعتداء، فزيارتك لجارك المريض هي نزعة استعلاء منك ترجو ms297 من ~~ورائها أن ترى بعينيك عجز صديقك. # الأخلاق هي قبل كل شيء إرادة للقوة، حتى الحب، إن هو إلا رغبة في الامتلاك، فالغزل نوع من ~~المقاتلة، والزواج ضرب من السيادة، ولكم أهلك الحبيب حبيبته ليحول بينها وبين من يريد ~~حيازتها من دونه «ولقد يخيل إلى الناس أنهم في الحب برآء من الأنانية؛ لأنهم عندئذ إنما ~~ينشدون الخير لمخلوق آخر، وكثيرا ما يكون هذا الخير معارضا لخيرهم، ولكنهم لم يفعلوا هذا ~~إلا ليملكوا هذا الكائن الآخر ...» وحتى حب الحقيقة عبارة عن رغبة في امتلاكها، وقد يتوق ~~الباحث أن يكون أول مالك لها، لينعم بها وهي عذراء أمام إرادة القوة هذه ترى العقل والأخلاق ~~عاجزين لا حول لهما ولا قوة، بل هما ليسا إلا سلاحين في يدها لا يملكان عصيانها، فهذه النظم ~~الفلسفية كلها لا تدل على الحقيقة المنشودة، ولكنها تصوير لرغباتنا ليس إلا، وإنك لترى ~~الفلاسفة جميعا يطرقون مفكرين كأنما يريدون أن يظفروا بالحقيقة المجردة، وما دروا أن ~~أفئدتهم توحي بالفكرة قبل أن يأخذوا في التفكير، وكل عملهم هو أن يلتمسوا الأدلة التي تؤيد ~~هذه الرغبة القلبية السابقة (ومعنى ذلك أن الإنسان يريد أولا، ثم يحاول أن يبرهن بالمنطق ~~على ما يريد، أي إنه لا يبدأ بالمنطق، ثم ينتهي بالرغبة كما يظن). # إن هذه الرغبات الباطنية - وهي بمثابة النبضات لإرادة القوة - هي التي تحدد أفكارنا «ولقد ~~يمضي الشطر الأعظم من نشاطنا العقلي دون أن نشعر به، ولعل التفكير الشعوري هو أضعف ~~التفكير.» وذلك لأن الغريزة هي العمل المباشر لإرادة القوة دون أن تشوبها شوائب الإدراك ~~الشعوري «فالغريزة هي أشد ما عرف الإنسان حتى الآن من ألوان الذكاء.» ولا ريب أن الإنسان قد ~~بالغ في تقدير إدراكه العقلي مبالغة لا مبرر لها، إذ الإدراك عملية ثانوية سطحية. # وإنك لترى الأقوياء من الرجال قلما يحاولون أن يخفوا رغباتهم بستار من العقل، فلهم ~~منطقهم البسيط، وهو «أنا أريد»؛ لأن الرغبة عندهم هي التي تبرر نفسها؛ وذلك لأن نفوسهم لا ~~تزال قوية سليمة خلقت للسيادة ms298 والسيطرة، وليس فيها ثلمة يتسرب منها شيء من الضمير والرحمة ~~والندم، ولكن سادت في العصور الحديثة وجهة النظر اليهودية المسيحية الديمقراطية، حتى أصبح ~~الأقوياء أنفسهم يستحيون من قوتهم وصحتهم، فأخذوا يتلمسون «الأسباب» لما يريدون. إن الفضيلة ~~الأرستقراطية مع الأسف تختفي من الوجود شيئا فشيئا، وإن أوروبا لتهددها «بوذية جديدة»، ~~فحتى «شوبنهور» و«فجنر» قد انقلبا بوذيين، في نفسيهما شيء من الرأفة، وباتت أخلاق أوروبا ~~اليوم قائمة على أساس منفعة السوقة، حتى حيل بين الأقوياء وبين استخدام قوتهم لكي يهبطوا ~~إلى مستوى الضعفاء، وأصبح الخير «ألا نفعل شيئا مما لا يقوى غمار الناس على ~~فعله.» # إن الفضائل الصالحة للسوقة لو انتقلت عدواها إلى القادة الأقوياء، فحولتهم إلى طين السفلة ~~كان ذلك سبيلا إلى التدهور والسقوط، فينبغي قبل كل شيء أن تنحني مبادئ الأخلاق أمام ~~«اختلاف الطبقات وتدرج المراتب.» ويجب أن تعلم جيدا أنه مما ينافي الأخلاق أن نقول، إن ما ~~يصلح وما يحق لفرد يصلح ويحق لفرد آخر؛ فاختلاف الوظائف يتطلب اختلافا في الصفات، والفضائل ~~«الشريرة» التي يتميز بها الأقوياء ضرورية للمجتمع كالفضائل الخيرة التي يتصف بها الضعفاء ~~سواء بسواء، فالقسوة والعنف والمغامرة والقتال لها قيمتها كالطيبة والسلام، وأعظم الشخصيات ~~لا تظهر إلا في أوقات الخطر، حيث يلزم العنف والقسوة التي لا تعرف الرحمة، وأسمى جوانب ~~الإنسان هو قوة الإرادة وثبات العاطفة، إذ بغير العاطفة يكون الإنسان رخوا لا يصلح للعمل، ~~الشره والحسد والكراهية شروط لا بد منها لسير التنازع والاختيار والبقاء، لا بد أن نحيي ~~الخير بجانب من الشر كما نصلح العادة بشيء من التجربة والتجديد، فيستحيل للإنسانية أن تخطو ~~إلى الأمام إلا إذا حطمت ما اعتادته، وهدمت النظام الثابت، وإن لم يكن الشر خيرا لاختفى من ~~الوجود، فحذار من الإسراف في الخير، ولا بد للإنسان أن يتقدم في خيره وفي شره على ~~السواء. # يجب أن نشيد الأخلاق على أساس بيولوجي فنحكم على الأشياء بقيمتها للحياة، والمقياس ~~الحقيقي الذي نخبر به الفرد أو الجماعة أو الجنس هو النشاط والمقدرة والقوة، وهذه ms299 قائمة ~~على الحالة الجسدية، فنقطة واحدة من الدم تزيد في المخ أو تنقص يكون لها في الإنسان أفعل ~~الأثر، وللأغذية آثار عقلية مختلفة، فالبوذية وليدة الأرز والميتافيزيقا الألمانية ناشئة عن ~~شرب الجعة، والفلسفة تكون صحيحة أو باطلة تبعا لتعبيرها عن حياة صاعدة نامية أو حياة هابطة ~~متدهورة. يقول الضعيف المتهدم: «إن الحياة لا تساوي شيئا.» وخير له أن يقول: «إنني لا ~~أساوي شيئا.» # نعم إن الحياة تفقد كل قيمتها إذا سمحنا لعوامل الفساد والانحلال أن تدب في أخلاق ~~البطولة، ثم إذا نحن أخذنا بمذاهب الديمقراطية التي لا تعني شيئا إلا الكفر بعظماء ~~الرجال. ~~(6) «السوبرمان» (الإنسان الأعلى) # إذا كانت القوة وحدها دون الرحمة والشفقة هي محور الأخلاق، وجب ألا تكون غاية الإنسانية ~~السمو بالسوقة والكافة، بل ترقية الصفوة الجميلة القوية وحدها «إن غاية الإنسانية هي ~~الإنسان الأعلى لا الجنس البشري بأسره.» فآخر ما ينبغي للمفكرين أن يتصدوا له هو تحسين ~~الإنسانية وإصلاحها، فلا إصلاح للإنسانية ، بل ليس للإنسانية وجود على الإطلاق، وهي لفظ مجرد ~~فقط، وكل ما يوجد هو مجموعة من أفراد، هم أشبه ما يكونون بعمال في مصنع يجرون التجارب العدة ~~فينجحون قليلا ويفشلون كثيرا، وليس الغرض المقصود من التجارب إسعاد الأفراد كلهم، بل ~~تحسين النوع، ولو علمنا أنه لن يظهر من الإنسان نوع أسمى لكان خيرا للمجتمع أن يفنى. ~~المجتمع أداة للزيادة من قوة الفرد وشخصيته، وليس غاية في ذاته؛ لأننا إذا قلنا إن واجب ~~العمال جميعا هو صيانة الآلة، فلأي شيء صنعت هذه الآلة؟ # ولكي ننشئ الإنسان الأعلى يجب أن نشرف على التربية، ولا ندع الأمر فوضى في يد الانتخاب ~~الطبيعي؛ لأن الطبيعة تعارض الفرد الشاذ، فهي أقسى ما تكون على خير ثمارها، إنها تميل إلى ~~الفرد المتوسط وتتصدى لحمايته، وهي لا تني تعمل على التهذيب من الشواذ حتى يهبطوا إلى ~~المستوى العام لمتوسط غمار الناس، فهي تنتصر دائما للكثرة على الصفوة الممتازة، وإذن فلا ~~أمل في هذه الطبيعة أن تختار الإنسان الأعلى، فعلينا بالاختيار البشري والوسائل «اليوجينية»، ms300 # 19 # وطرائق التربية التي ترفع الفرد وتسمو به. # فلا ينبغي أن نترك الحرية للأفراد الممتازين أن يتزوجوا ممن يحبون من النساء، فيتزوج ~~الأبطال البواسل من خادمات، والعباقرة من بنات السوقة. لقد أخطأ «شوبنهور» حين ظن أن الحب ~~عامل «يوجيني»، فإن الرجل إذا أحب سقطت عنه رجاحة الحكم؛ لأنه لم يكتب للإنسان أن يجمع بين ~~الحب والحكمة، فواجب حتم علينا أن نجعل الحب مانعا من الزواج، فخير الرجال لخير النساء، ~~أما الحب فلنتركه لحثالة البشر، فليس الغرض من الزواج هو مجرد النسل، بل يجب أن يكون وسيلة ~~للتسامي والرقي. ~~«إنك شاب يرغب في الزواج والبنين، ولكني أسألك: أأنت من الجرأة بحيث تطمع في البنين؟ أأنت ~~الرجل الظافر الكابح لنفسه المسيطر على حواسه المتحكم في فضائله؟ أم أن رغبتك لسان يتكلم به ~~الحيوان منك وتنطلق به الضرورة؟ أم دعتك إلى ذلك العزلة والسأم؟ أرجو أن يكون ظفرك وحريتك ~~هما اللذان يرغبان في البنين. إنك ستبني آثارا حية لظفرك وحريتك، إنك ستبني من هو أسمى ~~منك، ولكن يجب أولا أن تشيد نفسك قويا في الجسم والروح، لا ينبغي أن تكون غايتك نشر نفسك ~~فقط، بل لا بد أن تنشر نفسك في صعود. # الزواج: هذا ما أسمي به إرادة اثنين ليخلقا إنسانا يسمو على خالقيه.» # يستحيل أن تسمو الإنسانية بغير طيب العنصر «إن العقل وحده لا يؤدي إلى النبل، بل إن العقل ~~نفسه ليحتاج إلى ما يرتفع به، فماذا نريد إذن؟ نريد الدم (سلامة العنصر)»، ولكنا إذا وفقنا ~~تهيئة العنصر الطيب والتربية اليوجنية كانت الخطوة الثانية لصياغة الإنسان الأعلى هي مدرسة ~~عنيفة قاسية تقصد بتلاميذها إلى الكمال، فتلقي عليهم بواهظ الأعباء دون أن ينعموا بكثير من ~~أسباب الترف، ويؤخذ الجسم بالتعذيب والقسوة ليحتمل البلاء في صمت، وتتعلم الإرادة كيف تأمر، ~~ولا يجوز أن يتسرب إلى تلك المدرسة شيء من هذا اللغط الفارغ عن الحرية التي تضعف القوتين ~~الجسدية والخلقية، ولكن ينبغي إلى جانب هذا أن تكون المدرسة مجالا يتعلم فيه الطالب كيف ~~يضحك بكل ms301 قلبه، فمن يرتفع عن مستوى الإنسانية يهزأ من مآسيها، ويجب ألا يكون في المدرسة ~~تنسك ولا زهد ولا احتقار للجسد. # إن رجلا ذلك نسبه وهذه تربيته يجب أن يكون أسمى من الخير والشر ولا يمنعنه عن الوصول ~~إلى غايته أن يقول الناس عنه إنه شاذ خارج عن قواعد الأخلاق. يجب أن يأخذ بأسباب البسالة ~~دون الخير «وما هو الخير؟ لأن تكون شجاعا فذلك خير.» «الخير هو كل ما يزيد الشعور بالقوة، ~~هو إرادة القوة، هو القوة نفسها. والشر هو كل ما ينشأ عن الضعف، هو الضعف.» قد يكون أميز ما ~~يميز الإنسان الأعلى هو حبه للمغامرة والجهاد على شرط أن يكون لهما غرض، فلا يجوز له أن ~~يسعى أولا إلى السلامة، فلقد ترك السعادة لغمار الناس، وإذن فالحرب خير محض بالرغم من ~~حقارة أسبابها في العصور الحديثة، حتى الثورة خير، ولكنها ليست خيرا في ذاتها؛ لأنها تؤدي ~~إلى سيادة السوقة، وهو أتعس ما يصادف البشر من نكبات، ولكن لأنها جهاد، والجهاد يبرز العظمة ~~الكامنة في الرجال، فمن فوضى الثورة ينبغ العظماء كما تخرج النجمة الساطعة من الهيولي. ولقد ~~أنتجت الثورة الفرنسية نابليون على عبثها وفوضاها. # النشاط والعقل والكبرياء؛ هذه هي مقومات الإنسان الأعلى، ولكن على أن يكون بينها انسجام ~~واتساق، ولن تكون العواطف قوة دافعة إلا إذا وحد بينها غرض جليل يصوغ شتى الرغبات في ~~شخصية متزنة قوية، فويل للمفكر الذي لا يقف من أفكاره وعواطفه موقف البستاني الذي يهذب ~~ويشذب، ويقنع بأن يكون تربة ينمو فيها النبات. # إن من ينساق لعواطفه وغرائزه هو الضعيف الذي تعوزه قوة الكبح، والذي ليس لديه من القوة ما ~~يقول به «لا» إذا وجب قولها، «فأسمى ما يسمو إليه الإنسان هو أن ينظم نفسه، فإذا أردت ألا ~~تكون نكرة من غمار الناس وسوقتهم فما عليك إلا أن تعسر على نفسك الحساب.» علامة الإنسان ~~الأعلى أن يتخذ لنفسه غرضا يسمو به فوق الناس، ويسلك في سبيل تحقيقه ما يشاء من ~~الوسائل. # وواجب الناس إذا كانوا ms302 يحبون الحياة، ويريدون أن يخطوا بها إلى الأمام أن يروا في مثل هذا ~~الرجل ضالتهم المنشودة. فإذا أخطأتنا العظمة، فلنكن خداما للعظيم وأدوات لتحقيق غاياته. ~~ألا ما كان أروعه من منظر حين وهب الملايين من الأوروبيين أنفسهم لنابليون بونابرت كي يتخذ ~~منهم وسائل لأغراضه، وحين كانوا يقدمون أرواحهم من أجله في غبطة وسرور، فإذا ما سقط منهم ~~جندي تغنى باسم «بونابرت» قبل أن يسلم الروح، ولئن كنا عاجزين أن نكون ذلك الإنسان الأعلى ~~فينبغي أن نمهد له الطريق، ويجب أن نتعاون جميعا لخلقه على اختلاف ما بيننا في المواطن ~~والزمن. إن «زرادشت» لو رأى الناس متكاتفين متآزرين يعملون للوصول إلى غاية الإنسانية - وهي ~~الإنسان الأعلى - إذن لأنشد لهم - رغم ما به من ألم وعناء - قائلا: «أنتم يا من تحيون ~~اليوم مفرقين، ستتحدون يوما في شعب واحد. فمنكم سينشأ شعب مختار، ومن هذا سيولد الإنسان ~~الأعلى.» ~~(7) التدهور # فالطريق إلى الإنسان الأعلى إذن هي الأرستقراطية، أما الديمقراطية - وأعني طريقة عد ~~الأنوف - فيجب أن تنمحي قبل أن يتأخر بنا الزمن، فتفلت الفرصة السانحة، وأول خطوة لتحقيق ~~ذلك هي تحطيم المسيحية بالنسبة إلى الممتازين من الرجال، فقد كان انتصار المسيح بدء ~~الديمقراطية «لقد كان المسيحي الأول في أعماق نفسه ثورة على كل ضروب الامتياز، لقد عاش ~~وجاهد في سبيل المساواة بين الناس في الحقوق.» ونحسب أنه لو عاش اليوم لقضي عليه بالنفي ~~والإبعاد إلى أقاصي سيبريا. أليس هو القائل بأن «من يكون عظيما بين الناس وجب أن يكون ~~خادمهم.» فأي قلب هذا للحقائق السياسية، بل ولما يقضي به العقل السليم؟ إن ما جاء في ~~الإنجيل من آراء لا يسود وتتأصل جذوره في الطبقات السفلى إلا في عصر ينحط فيه الحكام، بحيث ~~لا يحكمون بمعنى الحكم الصحيح. # طغت موجة المسيحية على أوروبا، فقتلت الأرستقراطية القديمة ومحتها، وذلك نقيض ما حدث حين ~~غزا أوروبا السادة النيوتون ذوو النزعة الحربية، فأحيوا فيها الفضائل القديمة، والرجولة ~~الذاهبة، وغرسوا في أرضها جذور الطبقات الأرستقراطية الحديثة، لم يكن هؤلاء السادة ms303 مثقلين ~~«بالأخلاق»، بل كانوا أحرارا من كل القيود الاجتماعية، وهؤلاء السادة هم الذين كونوا ~~الطبقات الحاكمة في ألمانيا واسكندناوة وإنجلترا وإيطاليا والروسيا. # إن أردت أن تعلم كيف نشأت الدولة، فصور لنفسك جماعة من ضواري الرجال، وأعني بهم السادة ~~الغزاة، يفدون في نظام حربي وفي طبيعتهم قوة التنظيم، فيضعون مخالبهم المخيفة المروعة على ~~قطعان السكان مع وفرة عددهم، دون أن يشعروا في ذلك بشيء من وخز الضمير، فهذه الجماعة ~~المسيطرة هي أساس الدولة، ولا صحة لذلك الحلم الذي يقال من أن الدولة نشأت بتعاقد الأفراد. ~~ماذا تجدي العقود عند من يستطيع أن يبسط سلطانه، وهو من خلق بطبعه سيدا وحاكما، لا يعرف ~~في سلوكه إلا العنف والقسوة؟ # ولكن تلك الجماعة الحاكمة قد تسربت إليها الفضائل المخنثة المسيحية فأفسدتها، كما أفسدها ~~التزاوج بينها وبين أفراد الطبقات الدنيا. # لقد عملت بعض العوامل - ومنها المذهب البروتستانتي، ومنها الأوبرا الفجنرية - على تدهور ~~الذكاء الألماني، والنتيجة التي انتهى إليها الألماني اليوم هي أنه أصبح من ألد أعداء ~~الثقافة، ولا شك أن هذه الحالة الحاضرة في ألمانيا مما يؤخر استساغة فلسفتي وهضمها، فلئن ~~كان الزمن الطويل وحده هو الكفيل بمحو العالم كما يقول «جبون»، فكذلك الزمن الطويل وحده هو ~~القادر على أن يهدم الفكرة الباطلة إذا سادت في ألمانيا. إن ألمانيا حين هزمت نابليون، كان ~~ذلك ضربة قاضية على الثقافة، فأخذت ألمانيا منذ ذلك الحين تستبد بنوابغ رجالها أمثال ~~«جوته» و«شوبنهور» و«بيتهوفن»، وأخذت تعبد «وطنيتها»، فكان ذلك خاتمة الفلسفة الألمانية، ~~ولكن الشعب الألماني يمتاز بطبيعته برزانة وعمق، مما يفسح أمامنا الأمل في أن تنهض ألمانيا ~~يوما لتخلص أوروبا، إذ إن لهم من فضائل الرجولة ما ليس للشعبين الإنجليزي والفرنسي، كما ~~يتصفون بالمثابرة والجد والنشاط مما أدى إلى تبحرهم في العلم، وإلى نظامهم الحربي، ولعله ~~مما يلفت النظر أن ترى أوروبا كلها قلقة من قوة الجيش الألماني، فلو أمكننا أن نوجد شيئا ~~من التعاون بين ألمانيا والروسيا حتى يتحد ما لألمانيا من قوة التنظيم بما في الروسيا من ms304 ~~الرجال والمواد الغفل لأشرق عصر السياسة العظمى، فلا يعوزنا إلا أن نمزج بين الجنسين ~~الألماني والسلافي، ثم نضيف إليهم أمهر الممولين من اليهود، لنكون سادة العالم. # النقيصة في ألمانيا هي خرق في التفكير يضيع ما لها من صلابة في الأخلاق. فهي لم تفلح ~~في تحصيل الثقافة التي جعلت الفرنسيين أكثر الشعوب الأوروبية تهذيبا «إنني لا أدين إلا ~~بالثقافة الفرنسية، أما كل ما يسمى بهذا الاسم في أنحاء أوروبا فهو تخليط.» فيكفي أن تقرأ ~~«مونتيني» و«لاروشفوكو» لتقرب من الروح القديمة، كذلك أنجبت فرنسا «فولتير» الذي يسيطر على ~~العقل، كما أنجبت «تين». بل إن الكتاب الحديثين منهم ليمتازون بوضوح في الفكر هيهات أن ~~يبلغه كتاب الأمم الأخرى، فأي وضوح وصفاء ودقة يصادفها القارئ في «فلويير» و«بورجيه» ~~و«أناتول فرانس» وغيرهم؟ # إن ما تراه في أوروبا من سمو في الذوق ونبل في الشعور، ورفعة في الأخلاق لهو صنيعة فرنسا، ~~وأعني فرنسا القديمة التي نبغت في القرنين السادس عشر والسابع عشر، فلما جاءت الثورة وهدمت ~~قوائم الأرستقراطية حطمت معها دعائم الثقافة، حتى أصبحت الروح الفرنسية اليوم هزيلة شاحبة ~~إذا قيست بما كانت عليه قبل، ومع ذلك فلا تزال في فرنسا بعض الصفات التي تمتاز بها، فلها ~~دقة في البحث العلمي - وعلم النفس بصفة خاصة - وسمو في الفن، مما لا تدنو منه ألمانيا. ~~ففرنسا بغير شك ممتازة في عالم الثقافة. # أما الروسيا فهي وحش أوروبا الضاري، ولشعبها عزم مصمم ثابت امتاز عن الشعوب الغربية. ~~وتسيطر على الروسيا حكومة قوية لا تعرف هذه «الوقاحة البرلمانية»، وقد أخذت قوة الإرادة ~~تتراكم فيها خلال عصر طويل، وهي الآن تحاول أن تجد متنفسا، ولن يكون عجيبا أن نرى ~~الروسيا تبسط سلطانها وسيادتها على أوروبا. # والإيطاليون هم بغير شك أجمل الشعوب الأوروبية الحديثة وأصلبها، فنبات الإنسان ينمو على ~~أشده في إيطاليا كما يقول «الفييري # Alfieri ~~» مزهوا فخورا، وفي الإيطاليين مسحة من رجولة ~~الأرستقراطي وكبريائه، تلمسهما حتى في أدنأ الطبقات. # وأما أسوأ الشعوب قاطبة فهم الإنجليز؛ لأنهم هم الذين أفسدوا العقل الفرنسي ms305 بوهم ~~الديمقراطية الباطل، والنفعية الإنجليزية هي من الثقافة الأوروبية بمثابة الحضيض الأسفل، ~~فلا يمكن للعقل أن يتصور أن الحياة نزاع على مجرد البقاء إلا في بلد بلغ التنافس فيه حد ~~التناحر، ثم لا يمكن للديمقراطية أن تنشأ وتزكو إلا في أرض تكاثر فيها التجار والملاحون ~~كثرة مكنتها من التغلب على الطبقة الأرستقراطية، ألا من يخلص أوروبا من إنجلترا، ومن يخلص ~~إنجلترا من الديمقراطية؟! ~~(8) الأرستقراطية # الديمقراطية معناها تقويض المجتمع، معناها أن يسمح لكل جزء في الكائن العضوي أن يفعل كما ~~يشاء، معناها انحلال التماسك وزوال التعاون بين الأعضاء وانتشار الفوضى، معناها تقديس ~~الكفاية المتوسطة ومقت التفوق والنبوغ، معناها الحيلولة دون ظهور العظماء، إذ كيف يمكن ~~للعظماء أن يذعنوا لترهات الانتخاب وعبثه؟ إن صفوف الشعب لتكره صاحب الروح الحرة، ومحطم ~~القيود كما تكره الكلاب الذئب الجسور. كيف ينبت الإنسان الأعلى في مثل هذه التربة، ثم كيف ~~تصبح الأمة عظيمة إذا ما حيل بين عظمائها وبين استخظام قواهم؟ إن مثل هذه الجماعة سرعان ما ~~تفقد أخلاقها، ما دامت تمجد صاحب الأكثرية دون العبقري النابغ، فبهذا تزول الفوارق بين ~~الأفراد، بل إن الجنسين - الرجال والنساء - ليتقاربان فيصبح الرجال نساء، والنساء ~~رجالا. # إذن فالتخنث هو النتيجة المحتومة للديمقراطية والمبادئ المسيحية، فها هن النساء يحاولن أن ~~يترجلن لما رأين أن ما يكفي للرجل من رجولته يكفل الأنوثة للمرأة (أعني أن المرأة تستطيع أن ~~تستخدم عناصر الرجولة القليلة التي فيها فتكون بذلك رجلا، ثم يبقى لها مع ذلك من شخصيتها ~~ما يكفي أن يجعلها أنثى كذلك). # ولكن المرأة حين حاولت أن تترجل وتتحرر فقدت قوتها وطابعها، وإلا فأين اليوم للنساء تلك ~~المكانة التي احتللنها في ظل البوريون؟ والمساواة بين الرجل والمرأة مستحيلة؛ لأن بينهما ~~حربا سجالا، فلن يكون بينهما سلام إلا إذا ظفر منهما ظافر فسيطر على الآخر، نعم لن يكون ~~بين الجنسين سلام إلا إذا سلم أحدهما بسيادة الآخر، هذا وإنه لمن الخطر أن نسعى إلى ~~المساواة بين المرأة والرجل؛ لأنها لن تقنع بالمساواة، إذ لا ms306 ريب في أن المرأة تؤثر الخضوع ~~بطبيعتها للرجل، ولكن على شرط أن يكون رجلا، فسعادة المرأة وكمالها ينحصران في الأمومة، ~~فليس الرجل لديها إلا وسيلة تستخدمها لغايتها التي هي الطفل دائما. يجب أن ننشئ الرجال ~~للحروب والقتال، وأن تعد المرأة للترويح عن المحاربين، أما ما عدا ذلك فحمق وضلال. ويرى ~~«نيتشه» أن المرأة الكاملة أعلى في مراتب البشرية من الرجل الكامل، ولكنها ندر أن ~~توجد. # ولعل من الأسباب التي تؤدي إلى الشقاء الزوجي أن المرأة تجد في الزواج كل ما تبغي، في حين ~~أن الزواج يضيق من أفق الرجل ويستنفد قواه، فمعنى أن يتزوج رجل من امرأة أنه قد قبل أن ~~يتنازل عن العالم بأسره من أجلها، فإذا ما رزق طفلا وجب أن يكون هذا الطفل دنياه ولا دنيا ~~سواه. ويقول «نيتشه» إنه من الحمق أن يقدم رجل يسبح بفكره في جوانب العالم كله على زواج ~~وأسرة تثقله بمشاغلها وكسب القوت من أجلها، وكم من فيلسوف خفت صوته بعد أن رزق البنين. «... ~~صفرت الريح في ثقب الباب كأنما تصيح بي قائلة: «أقبل» وكان الباب خبيثا فانفتح قائلا: ~~«اذهب»، ولكني لبثت في مكاني مكبلا بحب أطفالي.» # ومن الديمقراطية وتخنثها تنتج الاشتراكية والفوضوية؛ لأنه إذا كانت المساواة في القوة ~~السياسية عدلا، فلماذا لا يسوى بين الناس في القوة الاقتصادية؟ ولماذا يكون بين الناس ~~زعماء وقادة؟ «ألا إن العدالة لتصرخ في دخيلتي معلنة أن لا مساواة بين البشر.» إن طبيعة ~~الإنسان تأبى عليه هذه المساواة، وإن من يدعون للمساواة إنما يفعلون ذلك لعجزهم أن يكونوا ~~جبابرة طغاة. الطبيعة تنادي باختلاف الأفراد والطبقات والأنواع، وهذه الاشتراكية التي يدعو ~~إليها بعض القوم لا تتفق مع الأسس البيولوجية. أليس يستلزم التطور أن تستخدم الأجناس ~~والأنواع العليا من هي أحط منها؟ إن كل حياة قائمة على افتراس حياة أخرى، فالحوت الكبير ~~يلتهم السمك الصغير ويأكله، وفي ذلك خلاصة لقصة الحياة بأسرها. أما الاشتراكية فمعناها حسد ~~صريح «إنهم يريدون أن يظفروا بما نملكه.» إن الطبقات السفلى تثور مطالبة ms307 بالاشتراكية ظنا ~~منها أن ذلك ينجيها من رقها وتبعيتها مع أن هذه نتيجة طبيعية لعدم كفايتها، ومع ذلك ~~فليثوروا، فالعبد لا يكون نبيلا إلا حينما يثور. # ومهما يكن من أمر هؤلاء العبيد الثائرين فهم خير من سادة العصر الحديث؛ أعني البرجوازي ~~(الطبقة المتوسطة)، ولعمري إنها لوصمة عار في جبين ثقافة القرن التاسع عشر أن يكون رجل ~~المال موضوع هذا التقديس والتبجيل والحسد، فأفراد هذه الطبقة - وهم من رجال الأعمال - عبيد ~~أيضا، هم عبيد العمل الآلي الرتيب، إذ ليس لديهم من وقتهم متسع للتفكير والابتكار، حتى بات ~~التفكير شيئا لا يفهمون له معنى، وأصبحت لذائذ العقل فوق مستواهم، ومن هنا نشأ ما هم فيه ~~من ضجر، ونشأ بحثهم الذي لا ينقطع عن السعادة. فمنازلهم مجرد مساكن وليست دورا ترفرف عليها ~~الطمأنينة والهدوء، ولذائذهم كلها حسية تهبط بالعقل ولا تسمو به، وترفهم سوقي لا ذوق فيه، ~~إنهم يحصلون الثراء الذي يزيدهم فقرا. وهم يقلدون الطبقات الأرستقراطية فيكبلون أنفسهم ~~بقيودها دون أن ينعموا بما تنعم به من لذة التفكير والتأمل «انظر كيف يصعدون! إنهم كالقردة ~~يصعد بعضهم فوق بعض، إلى أن يجذبوا أنفسهم في الهاوية والوحل ...» لا خير في هؤلاء الذين ~~يجمعوا المال؛ لأنهم لا يستطيعون أن يخلعوا عليه جلالا باستخدامه استخداما نبيلا، بأن ~~يرعوا به الآداب والفنون. إنه لا ينبغي لغير ذوي الذكاء الراجح أن يحرزوا المال؛ لأن سواهم ~~من الناس يخطئون فينظرون إلى المال غاية في ذاته، ولذلك يتعقبونه ويفنون أنفسهم في جمعه. ~~انظر إلى جنون الأمم الحديث كيف تندفع في زيادة الإنتاج ما وسعها ذلك لتبلغ من الثراء أبعد ~~حد مستطاع. # ومن رأي «نيتشه» أن الجندي أعلى من رجل الطبقة المتوسطة، وإن يكن أدنى من الأرستقراطي. ~~فالقائد الذي يستهلك جنده في ميدان القتال حيث يستمرئون طعم الموت ثملين بنشوة الظفر أنبل ~~من صاحب العمل الذي يستهلك الرجال في آلاته التي تدر له المال. ويكفي أن ترى كيف يغادر ~~الصناع مصانعهم مهرولين إلى حومة الوغى، حيث القتال والموت. إن «نابليون» لم ms308 يكن جزارا، بل ~~صاحب خير وفضل، إذ هيأ للناس مجالا يموتون فيه موتا شريفا بدل أن يموتوا في ميادين ~~التنافس الاقتصادي، ولقد ازدحم حوله الرجال؛ لأنهم آثروا مخاطر المعارك على الحياة المملولة ~~الرتيبة التي يحيونها في المصانع كأنهم آلات من الآلات. إن في الحرب علاجا ناجعا للشعوب ~~التي دب في بنيتها الضعف والترف والانحطاط؛ لأنها تثير الغرائز التي تفسد أثناء السلام، ~~فالحرب هي الدواء لما نشأ عن الديمقراطية من تخنث. «فإذا رغب مجتمع عن الحرب والظفر، فاعلم ~~أنه في سبيل التدهور، وأنه قد تهيأ للديمقراطية وسيطرة أصحاب الدكاكين (التجار)، ومع ذلك ~~فأسباب الحروب الحديثة أبعد ما تكون عن النبل، فالحروب التي تثيرها الخصومة بين الأسر ~~المالكة أو الخلاف الديني أروع جمالا من هذه الحروب التي تنشب لتفض بالبنادق خصومة تجارية، ~~ولكن من يدري، فلعل هذا الجنون يولد الوحدة الأوروبية، وهي غاية يرخص في سبيلها كل ثمن مهما ~~غلا، حتى ولو كان ذلك الثمن حربا تجارية، فالأرستقراطية العليا لن تنشأ إلا من أوروبا ~~المتحدة، وخلاص أوروبا مرهون بهذه الأرستقراطية وحدها.» # أما المشكلة السياسية فحلها أن يحال بين رجال الأعمال والحكم؛ إذ ليس لهم ذلك النظر ~~البعيد والأفق الواسع اللذان يرثهما الأرستقراطي في دمائه. أجمل الرجال وأقواهم هو أحقهم ~~بالحكم، فأما السوقة الساذجة فلها مكانها، ولكنه ليس العروش. وإن الرجل الساذج ليسعد بمكانه ~~ذاك، وفضائله ضرورية لبناء المجتمع كفضائل السيد الزعيم. إن المدنية السامية كالهرم، لا ~~تستقر إلا على قاعدة فسيحة من الطبقات الوسطى والدنيا، فلا مندوحة للناس عن أن يكون بعضهم ~~قوادا وبعضهم الآخر تابعين، وهؤلاء التابعون يشعرون بالسعادة في انقيادهم ~~لسادتهم. # فالمثل الأعلى للجماعة هو أن تنقسم إلى طبقات: منتجين وموظفين وحكام، فللحكام أن يحكموا ~~على ألا يكونوا كسائر الموظفين؛ لأن هؤلاء يقومون بعمل آلي حقير، أما أولئك فينبغي أن ~~يكونوا فلاسفة سياسيين ليجتمع العلم والقيادة في هيئة واحدة، ولا بد لهذه الطبقة ~~الأرستقراطية الحاكمة أن تكون جنسا وراثيا إلى حد كبير، فلا تمزج دما جديدا إلى دمها ~~إلا نادرا؛ ms309 لأنه لا يضعف الأرستقراطية ويمحوها إلا الزواج من السوقة الأغنياء كما هو متبع ~~في الأرستقراطية الإنجليزية، فلقد دمر هذا التزاوج أعظم طبقة حاكمة شهدها التاريخ؛ أعني ~~الأرستقراطية الرومانية. # سيؤذي هذا القول آذانا طالما أصغت لأناشيد الديمقراطية، ولكن ليس في ذلك من بأس ولا خطر، ~~فهؤلاء الذين لا يحتملون هذه الفلسفة فانون بغير شك، وأما من يرون فيها نعمة كبرى فهم الذين ~~كتب لهم أن يكونوا سادة العالم، هذه الأرستقراطية وحدها هي التي تستطيع أن تجعل من أوروبا ~~أمة واحدة، وأن تقضي على هذه النزعات الوطنية السائدة. فلنكن «أوروبيين صالحين» كما كان ~~«نابليون» و«جوته» و«بيتهوفن» و«شوبنهور» و«هيني». لقد طال بنا الانحلال والتفكك ووجب أن ~~نتماسك ونتحد، لقد انقضى زمن السياسة الصغيرة، وجاء عصر السياسة العظيمة. ليت شعري متى ينشأ ~~هذا الجنس الجديد وهؤلاء السادة الجديدون؟ متى تولد أوروبا؟ # نقد # لقد غالى «نيتشه» في نظامه الأخلاقي وأسرف، فنحن نوافقه على وجوب استحثاث الرجال أن ~~يكونوا أقوى مراسا وأشد بأسا، وتكاد كل فلسفة أخلاقية تأخذ بهذا، ولكن لماذا نطالبهم أن ~~يكونوا أشد قسوة وأكثر شرا؟ هذا وليس من الإنصاف أن نشكو من أن الأخلاق سلاح في يد الضعيف ~~يهدد به القوي ويحد من سلطانه، فما نحسب الأقوياء قد تأثروا بالأخلاق تأثرا يذكر، بل إنهم ~~ليستخدمونها استخداما نافعا لهم، ثم أليس عجبا أن يقال إن الأخلاق قد فرضها الضعفاء على ~~الأقوياء؟ فعهدنا بمبادئ الأخلاق تهبط من الأعلين إلى الأدنين، ولا تصعد من هؤلاء إلى ~~أولئك. # أما آراؤه في السياسة فلا تخلو من أخطاء. وأول ما يسترعى منها النظر أن الأرستقراطية لا ~~تميل إلى توحيد العالم كما ظن، بل هي تشجع النزعة الوطنية الإقليمية؛ لأنهم لو فقدوا ~~الوطنية فقدوا معها أصلا من أصول قوتهم ألا وهو إدارة السياسة الخارجية. هذا وقد لا تكون ~~الدولة العالمية صالحة للثقافة كما ذهب «نيتشه»، فألمانيا قد خدمت الثقافة وهي دويلات ~~متفرقة ينافس بعضها بعضا في رعاية الفن وحمايته أكثر مما خدمتها وهي إمبراطورية ~~متحدة. # ومن الأخطاء الشائعة أن فترات ms310 الثقافة العظمى كانت عصور أرستقراطية وراثية، بل الصحيح هو ~~عكس ذلك. فعصور «بركليس» و«مديتشي» و«اليصابات» كانت تغذيها ثروات الطبقات المتوسطة. وأروع ~~آيات الأدب والفن لم تنتجها أسر أرستقراطية، بل أبناء الطبقة المتوسطة؛ أنتجها أمثال «سقراط» ~~ابن القابلة، و«فولتير» ابن المحامي، و«شكسبير» ابن الجزار. فالصواب أن يقال إن الثقافة ~~كانت تزدهر دائما في العصور التي تشهد تغيرا جديدا في الطبقات بأن تنشأ فيها طبقة جديدة ~~تصعد إلى المجد والقوة. # وقل في السياسة ما قلته في الثقافة، فقد نبغ فيها أفراد لم يهبطوا من أصلاب أرستقراطية، ~~وإذن فيجب أن يعدل قانون «نيتشه»، بحيث تكون صيغته: «الميدان متسع لذوي المواهب.» فليتسلم ~~زمامنا الصالحون، ولا عبرة بميلادهم وأنسابهم. # خاتمة # قال «زرادشت»: «إني أحب من يسعى إلى خلق شيء أسمى منه، ثم يموت.» وهذا ما فعله «نيتشه»، ~~فلا ريب أن تفكيره العميق قد أودى بحياته، وهي في ذروة النضوج، ولقد كان من آثار المعركة ~~الحامية التي أعلنها على عصره أن اختل عقله في أواخر عمره، لم يحي «نيتشه» حياة فيها شيء من ~~الهدوء والسعادة، بل عانى من الألم ما يرزح تحت عبئه أقوى الرجال، وقد قال مشيرا إلى ذلك: ~~«إنني أعلم جيد العلم، لماذا كان الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يضحك؟ لأنه وحده الذي ~~يعاني أشد العناء، فاضطره ذلك أن يخترع الضحك.» وقد شاءت الأيام أن تزيده شقاء على شقاء، ~~فأصابته بالعلل الممضة، وبضعف البصر الذي أخذ يتزايد كلما دنا من ختام الحياة، حتى كاد ~~يصيبه العمى، ثم أتاه ما زاد الطين بلة، إذ أصيب بالصرع عام 1889م. وأرسل إلى «البيمارستان»، ~~ولكن سرعان ما جاءت أمه العجوز، فأخرجته إلى دارها وسهرت على تمريضه، حتى توفاها الله، ~~فكفلته أخته وقامت برعايته. # وفي عام 1900م فاض روح الفيلسوف، وهو في هذه الحالة من الجنون، فما أقل بين العباقرة من ~~دفع ثمنا لعبقريته ما دفعه «نيتشه» من عناء التفكير والعزلة والمرض والعمى والجنون. ~~(5) الفلاسفة المعاصرون في أوروبا ~~(5-1) هنري برجسون # Hennri Bergson # ولد «برجسون» في باريس عام 1859م ms311 من أبوين فرنسيين يهوديين، وكان طالبا نابغا لم ترصد ~~المدرسة جائزة لمتفوق إلا نالها. قد تخصص بادئ الأمر في علمي الرياضة والطبيعة، ولكن ~~موهبته التحليلية كانت تأبى إلا أن تواجهه بالمشاكل الميتافيزيقية الكامنة وراء كل علم، فلم ~~يسعه إلا أن يتجه إلى دراسة الفلسفة. وفي سنة 1878م دخل مدرسة المعلمين حتى إذا ما تخرج فيها ~~عين أستاذا للفلسفة في إحدى المدارس، وعندئذ كتب مؤلفه «الزمن والإرادة الحرة»، ثم أعقب ~~ذلك ثماني سنوات لم يخرج فيها شيئا، وبعدئذ ظهر كتابه الثاني «المادة والذاكرة»، ولما كان ~~عام 1898م عين أستاذا في المعلمين العليا، وفي سنة 1900م أستاذا بالكوليج دي فرانس التي ظل ~~فيها منذ ذلك الحين. ولم يكد في سنة 1907م يذيع آية تآليفه «التطور المبدع»، حتى ذاع اسمه ~~وطبق الخافقين، وأصبح أشهر رجال الفلسفة في العالم. ~~(1) ثورة على المادية # كثيرا ما يبدأ الفكر الإنساني بدراسة نفسه، ثم ينتهي إلى إحدى نتيجتين: فهو إما أن ينظم ~~العقل في سلك المظاهر المادية التي تخضع للقوانين الآلية الصارمة، ثم ينصرف بناء على ذلك ~~إلى دراسة الوجود المادي بما فيه من صور وأوضاع، وإما أن ينتهي إلى إنكار ذلك الوجود المادي ~~جملة وتفصيلا، واعتباره من خلق العقل وتكوينه، ثم يتجه على هذا الأساس إلى دراسة العقل وحده؛ لأن في دراسته دراسة للوجود بأسره ما دام العقل هو الذي خلق ~~الوجود خلقا وأنشأه إنشاء. # برجسون. # إذن فقد انقسم الفلاسفة قسمين مختلفين: فريق ينصرف بأسره إلى العلوم الطبيعية؛ لأنها ~~السبيل إلى تفهم مظاهر الكون، وفريق ينكب على دراسة النفس انكبابا؛ لأنها هي كل شيء. ونحن ~~نستطيع أن نقول في شيء من الدقة إن تاريخ الفلسفة الحديثة ينحصر في هذا العراك العنيف ~~القائم بين علم النفس والعلوم الطبيعية، فهذه الأخيرة تنشد الحقيقة في دراسة الظواهر ~~المادية، وقد نرى في طريقها من بوارق الأمل الباسم ما تمضي معه في بحثها ثابتة اليقين موطدة ~~العزيمة، أما علم النفس فيلتمسها في دراسة النفس دون المادة، وهو مؤمن أن ليس أقوم من ms312 تلك ~~السبيل. # ولكن جاء القرن التاسع عشر، فانعرج ذلك المجرى الفكري بعض الشيء، واتجه إلى دراسة المظاهر ~~المادية اتجاها مباشرا، دون أن يقف عند النفس الإنسانية وقفة تحليلية، ولعل ذلك راجع إلى ~~الإنسان قد خيل إليه أن العلوم الرياضية والميكانيكية وما إليها هي التي دفعت به في العصر ~~الحديث هذا الدفع السريع، وله عذره في هذا الظن، ما دامت الصناعة التي تدوي أرجاؤها في ~~أوروبا، والتي قلبت الحياة رأسا على عقب، هي ربيبة تلك العلوم، إذن فلماذا لا تدرس هذه ~~العلوم الطبيعية دون سواها؟ هكذا اصطبغت الفلسفة في القرن الماضي بصبغة مادية، وضاعت في ~~الفضاء صيحة «ديكارت» التي ألح بها في أن تبدأ الفلسفة سيرها من النفس، ثم تتابع طريقها إلى ~~العالم الخارجي. # انطوى القرن التاسع عشر أو كاد، فبدأ الإنسان يضيق بعض الشيء من تلك الفتنة التي أخذه بها ~~الانقلاب الصناعي، وأخذ الفكر ينزع عن نفسه شيئا فشيئا ذلك الثوب المادي الذي اشتمله ~~واحتواه حينا من الدهر، ويبحث عن حقيقة الوجود في «الحياة» التي تدب في أنحاء الكون. لا في ~~الحركة التي تنتظم الجماد، وما زال الفكر يمعن في هذه النزعة الجديدة حتى كادت الحياة تدب ~~في المادة نفسها، واصطبغت العلوم الطبيعية بصبغة حيوية، وهكذا كتب عليها أن تلقي السلاح ~~أمام علم النفس فيما نشب بينهما من عراك. # ولعل «شوبنهور» هو أول من فطن إلى أن «الحياة» هي أساس الوجود، ثم جاء «برجسون» في عصرنا ~~الحاضر، وتناول هذه الفكرة بحثا واستقصاء، حتى استطاع بقوة إيمانه أن يجذب إليها أنظار هذا ~~العالم الذي طغت عليه روح اللاأدرية والشك طغيانا مروعا. # عكف «برجسون» على دراسة المذهب المادي، وخلاصته أن العالم كتلة موات من المادة والحركة، ~~وأن الحياة والفكر وكل خصائص الإنسان ليست سوى أعراض مختلفة لتفاعل المادة والقوة. فكان ~~كلما أمعن في تلك الدراسة ازداد يقينا بفساد ذلك المذهب وهو يتساءل في دهشة: إذا كان العقل ~~مادة، وكانت كل عملية عبارة عن هزة عصبية لا أكثر ولا أقل، فما فائدة الشعور؟ ms313 أليس مجرد ~~وجود الإدراك دليلا قويا على ضرورته؟ # يقول المذهب المادي ليس ثمة حياة إرادية، أي ليس في الوجود تلك القوة الحيوية التي تريد ~~هذا فتعمله، ولا تريد ذاك فتنبذه، وكل ما هنالك حالات مادية متتابعة، كل حالة نتيجة لما ~~قبلها ومقدمة لما بعدها، وهنا يتساءل «برجسون»: إذا كان الوجود بكل ما يحوي في لحظة معينة ~~نتيجة آلية للحظة التي سبقتها، دون أن تكون هنالك قوة مدركة تنشئ وتخلق وتختار؟ وإذا كانت ~~تلك اللحظة السابقة كذلك أثرا آليا للتي سبقتها، وهكذا دواليك، فنحن إذن سنرجع في هذا ~~التسلسل إلى أن نصل إلى السديم الأول ونتخذ منه سببا لكل ما طرأ على الكون من أحداث، لا ~~فرق بين دقيقها وجليلها، ماذا؟ هل يريدنا ذلك المذهب على أن نعتقد بأن السديم هو السبب فيما ~~كتبه «شكسبير» مثلا؟ وأنه العلة في خطابة «أنطونيو» و«هملت»؟ # هكذا أخذ «برجسون» من منطق الماديين ما يكفي وحده للرد عليهم ودك مذهبهم من أساسه. ~~(2) العقل والجسم # لعل ما حدا بالإنسان إلى النزعة المادية في تفكيره هو ارتباطه بالمكان ارتباطا وثيقا، ~~حتى خيل إليه أن الحياة ليست إلا هذه الصور المكانية التي يحسها، ولكن الحق الذي لا ريب فيه ~~أن جوهر الحياة وروحها إنما ينحصران في الزمان أكثر مما يتعلقان بالمكان. والزمان في الواقع ~~عبارة عن تراكم صور كونية بعضها فوق بعض، أو إن شئت فقل صورة كونية واحدة امتدت وأخذت تنمو ~~وتتزايد شيئا فشيئا، ومعنى ذلك أن الماضي من بدئه الأزلي لم يفن، وإنما أخذ يتقدم فتتزايد ~~أحداثه قليلا قليلا إلى أن تضخم فكون الزمان الحاضر. # وإذا كان الزمان عبارة عن مجموع الصور التي مرت على الوجود، فيستحيل أن يكون المستقبل ~~مشابها للماضي؛ لأن في كل خطوة زيادة تضاف إلى تلك الكومة المتراكمة، وفي كل دقيقة ينشأ ~~شيء جديد ليس نتيجة لمقدمة سابقة، ولكنه خلق خلقا، ولا يمكن استنتاجه قبل حدوثه، فالتغير ~~سنة الحياة وألزم صفاتها. # والذاكرة عند الإنسان هي الوعاء الذي يمتد مع الزمن، فيختزن فيه هذه ms314 الصور المتراكمة ~~المتزايدة، لكي تكون لنا عونا في حياتنا؛ إذ كلما اتسعت دائرة الحياة اتسع معها نطاق ~~الاختيار، أي إنه يعرض للإنسان مؤثرات عدة تستدعي منه سرعة اختيار للتلبية المناسبة لكل من ~~تلك المؤثرات وتلبياتها تكون في الإنسان إدراكا يستعين به في كل ما يعرض له من ~~مشكلات. # فالكائن الحي كتلة فعالة مؤثرة؛ لأنه يضيف إلى العالم قوة ونشاطا، وليس الإنسان كما صوره ~~الماديون آلة ميكانيكية لا حول لها ولا قوة، ينفعل ويتأثر بعوامل البيئة دون أن يكون مركزا ~~للخلق والزيادة، ففي قولنا إن الإنسان مدرك لما يعمل اعتراف ضمني بحرية اختياره. # قلنا إن وظيفة الذاكرة هي استدعاء الصور الذهنية التي مرت بنا في التجارب الماضية مقرونة ~~بما سبقها وما تلاها، فنتمكن بذلك من الحكم في المواقف المشابهة التي قد تعرض لنا حكما ~~صادقا، ولكن للذاكرة فوق هذا عملا آخر، فبوساطتها نستطيع أن نستوعب الخلود بأسره في دقيقة ~~واحدة، وفي ذلك تحرير لنا من قيود الضرورة الطبيعية التي تخضع لها الأشياء الجامدة. يخطئ ~~إذن من يحسب الإنسان آلة صماء في يد القوانين المادية، إنما هو كائن مدرك، حر الإرادة، قادر ~~على اختيار سلوك معين، والاختيار خلق وإنشاء، فليس الإنسان رتيبا في حياته كالحيوان ~~المحدود بغرائزه. # وإذن فليس العقل والمخ (أي الجسم) شيئا واحدا. صحيح أن الإدراك العقلي يعتمد على المخ، ~~فيسمو وينحط تبعا لسلامة هذا أو انحطاطه، ولكن كما تعتمد الملابس على المشجب، تظل عالقة ~~ما دام المشجب مثبتا في الحائط، وتهوي إذا ما سقط من مكانه، وبديهي أن ذلك لا يدل على أن ~~الملابس والمشجب شيء واحد. # فالمخ مجموعة من التصورات وردود الأفعال. أما الإدراك فهو تلك القوة التي تختار من بين ~~تلك المجموعة ما تريد. المخ هو المجري الذي يسير فيه تيار الإدراك، ولكن ليس الماء ومجراه ~~شيئا واحدا، وإن يكن ذلك محدودا بهذا، ولا بد له أن يخضع لتعريجه والتوائه. # وإذا كان هذا هكذا، فما الذي حدا بنا إلى الاعتقاد بأن العقل والمخ شيء واحد؟ لعل ذلك ms315 ~~راجع إلى أن جزءا من عقولنا - وهو ما نسميه بالذكاء - قد نشأ وتطور؛ لكي يمارس الأجسام ~~المادية ويتفهمها، فاكتسب من هذا الميدان المادي كل تصوراته وقوانينه. وهكذا أخذ الارتباط ~~الذهني بين العقل والمادة ينمو شيئا فشيئا، حتى انتهى بنا الأمر إلى الظن بأنهما شيء ~~واحد، ولكن هذا الذكاء الذي يكشف لنا عن العلاقات التي تصل المظاهر الكونية بعضها ببعض عاجز ~~كل العجز عن إدراك الامتداد الزمني وما يعرض فيه لتلك المظاهر من تغير وخلق. أو بعبارة ~~أخرى هذا الذكاء الذي يفكر في الصور المادية لا يستطيع أن يدرك ما في الكون من حياة؛ لأنه ~~يلتقط صورا متلاصقة بعضها يجيء في إثر بعض، أي إنه يلتقط صورة الكون في هذه اللحظة، ثم ~~صورته في اللحظة التي تليها، ثم صورة ثالثة في التي تليها وهكذا. ومعنى ذلك أن الخارجي في ~~نظر العقل عبارة عن جملة صور لحظية تملأ كل صورة منها الكون بأسره، وهذه الصورة تتلو ~~الواحدة منها الأخرى لحظة بعد لحظة، وكل صورة لحظية من هذه الصور تمثل الحقيقة الخارجية في ~~لحظة من اللحظات، ثم من تتابعها يتألف مجموع الحقائق الخارجية من أول الماضي إلى آخر ~~المستقبل، إلا أن الصور تظل مستقلة في الذهن، لا يتناولها الاستمرار أو الحركة التي تربطها ~~جميعا، مع أن الحياة ليست إلا في وصل هذه الصورة المجزأة، ومثل العقل في ذلك كمثل الشريط ~~السينمائي الذي يلتقط عددا من الصور المتلاحقة، لا حياة في كل منها على حدة، فإذا ما دبت ~~فيها الحركة والاستمرار، واتصل بعضها ببعض، كونت حياة أو شيئا يشبه الحياة، ولن يكون في ~~هذه الصور التي تصلنا عن طريق الحواس شيء من الحياة، حتى يتناولها تيار الحركة الدائم الذي ~~يربط أشتاتها، ويكون منها حقيقة واحدة يطرأ عليها التغير والتبدل كلما مر عليها شطر من ~~الزمان. # صحيح أن كل صورة حسية هي جزء من الحياة، ولكن مجموعها لا يكون مجموعة الحياة، إلى أن ~~يتحقق في أجزائها شرط الاتصال والربط، فكما أن كل جزء من الخط ms316 المنحني يمكن أن يكون جزءا ~~من خط مستقيم بدليل أن المنحنى والمستقيم يتكونان من نقط، غير أنك لا تستطيع أن تقول. بما ~~أن أجزاء هذا هي بعينها أجزاء ذلك، إذن فالخط المنحني هو الخط المستقيم، كذلك قل في الحياة ~~والمظاهر الطبيعية، فليست الحياة هي مجموعة المظاهر الطبيعية، على الرغم من أن تلك الظواهر ~~هي الجزئيات التي تتكون منها الحياة. # يستنتج من هذا أن العقل ليس هو الأداة الصالحة لإدراك الحياة؛ لأن هذا مطلب فوق مقدوره، ~~وأكثر مما يستطيع، إذ العقل كما بينا يميل إلى استعمال الوجود لصالحه، وهذا يتطلب منه وقف ~~تيار الحياة الذي يدب في الكون وتجزئة الوجود ليتمكن من دراسته جزءا جزءا، فالعقل والحواس ~~آلات للتجزئة، والغاية منهما تيسير الحياة لا تصوير الوجود، أي إنها تتناول الوجود في ~~ظاهره، ولكنها لا تنفذ إلى باطنه، ولما كانت المعرفة الحقيقية هي التي تتمشى مع الوجود في ~~تحوله، وتتغلغل في بواطن الأشياء، وتحسها إحساسا مباشرا كما يحس الحمل الوديع وجوب ~~الفرار من غائلة الذئاب، فالبصيرة وحدها هي الأداة الصالحة لذلك النوع من المعرفة المباشرة؛ ~~لأنها حاسة الحياة التي تنقل إلينا الوحدة الحيوية التي تربط أجزاء الوجود. ~~(3) التطور الخلاق # لا يمكن أن يكون تطور الحياة على تلك الصور البشعة القاسية التي رسمها «دارون» و«سبنسر»، ~~إنما التطور خلق مستمر، وتجديد متواصل، وتغير لا ينقطع. # الانتخاب الطبيعي عند «دارون» هو الأساس الذي تقوم عليه نشأة الأعضاء والوظائف والأنواع، ~~ولكن لم يكد يستوي ذلك المذهب على قدميه، حتى أحاط به من الصعاب والمشكلات ما لم يقو على ~~رده، فكاد يخر صريعا وهو لا يزال في يفاعته. # كيف يستطيع الانتخاب الطبيعي أن يفسر نشأة حاسة الإبصار مثلا؟ أولا لا بد أن نسلم أنه ~~من المستحيل أن تكون العين قد نشأت على هذه الصورة المعقدة من بادئ الأمر، فإذا فرضنا أنها ~~تكونت بعد سلسلة من الأطوار، فهل من اليسير أن تقنع عقلا سليما أن تلك الأدوار التي مرت ~~بها عين الإنسان تطابق تمام المطابقة الأدوار التي مرت ms317 بها الحواس الإبصارية لأنواع الحيوان ~~جميعا؟ مع أن الانتخاب الطبيعي أساسه المصادفة المحضة، وهل من الجائز أن تكون سلسلة ~~المصادفات التي تعاقبت على عين الإنسان وأذنه وأنفه وسائر أعضائه الأخرى هي التي تعاقبت على ~~أعضاء الحيوانات كلها؟ # وإذا سلمنا - جدلا فقط - بأن تلك المصادفة السحرية العجيبة جائزة في أنواع الحيوان ~~لتشابه المؤثرات التي تحيط بها جميعا، فما قولك في الحيوان والنبات، وهما نوعان يسيران في ~~طريقين مختلفين أتم اختلاف؟ كيف يتفق الاثنان على طريقة واحدة للتناسل؟ كيف يوفق الحيوان عن ~~طريق المصادفة إلى اختراع الذكورة والأنوثة أداة للتكاثر، ثم يوفق النبات إلى الطريقة عينها ~~وبالمصادفة أيضا؟ # كلا، يستحيل أن يكون هذا الأساس الواهي قاعدة للتطور، ولا بد أن يكون في أجزاء الوجود - ~~مهما تنوعت أشكالها - قوة كامنة متشابهة في الجميع هي الحياة، وهذه الحياة الحالة في كل ~~شيء تخلق فيما تحل فيه ميلا خاصا وتوجيها معينا يؤثران في كل جزئي من جزئياته، وهكذا ~~يظل الجسم المادي يتشكل ويتغير حسب ذلك التوجيه الذي تمليه تلك الحياة الدافعة الكامنة فيه. ~~وليس ثمة قوة خارجية تعمل على التطور كما خيل إلى «دارون» وأشياع مذهبه. # هذه الحياة الشاملة تسعى جهدها للتغلب على الجمود المادي، فهي تتغلب على الموت بالتناسل ~~وإن ضحت في سبيل ذلك بالأفراد. وهي تبذل كل ما تملك من قوة لتحرير نفسها من قوانين المادة ~~وأغلالها، فوقوف الحيوان وسيره وسعيه وكل ما يأتي من ضروب الحركة والنشاط هو في الواقع ~~تحد من الحياة لتلك الأغلال والقيود. # كانت الحياة في مبدأ ظهورها أشبه ما تكون بالمادة في جمودها واستقرارها؛ لأنها كانت تتمثل ~~في النبات وحده، والنبات كالجماد في سكونه واستحالة سعيه وحركته، ولكنها ما لبثت أن نشدت ~~الحرية من القيود المادية، وراحت تسعى وراء ذلك المثل الأعلى، فاخترعت أنواع الحيوان، ~~وزودتها بشتى الأعضاء التي تستطيع أن تحقق بها شيئا من الحرية المنشودة، ثم ما لبثت أن ~~عقدت آمالها في واحد من تلك الحيوانات جميعا وهو الإنسان، ولا شك أن الحياة تحاول ما ~~استطاعت ms318 أن تسخر من قيود المادة، ونحن نضحك ونسخر إذا ما رأينا كائنا حيا يتصرف كما ~~تتصرف الكتلة المادية الجامدة، كأن تزل قدمه فيسقط بقوة من الجاذبية كما تسقط قطعة ~~الحجر. # يتضح من ذلك أن الحياة قد سارت أثناء تطورها في مراحل ثلاث: # الأولى: # مرحلة النبات إذ كانت أقرب ما تكون إلى سكون المادة وجمودها. # الثانية: # مرحلة الحيوان الغريزي كالنحل والنمل الذي يتحرك ويسعى، ولكن في حدود مرسومة ~~وخطة معلومة. # الثالثة: # مرحلة الحيوان الفقري الذي أخذ يسير في طريق الفكر، ولن يزال هذا الفكر ينمو ~~ويشتد ويستقيم، فهو ذخر الحياة وأملها الذي سيحقق لها ما تنشد من حرية. # هذه الحياة التي لا تفتأ تخلق وتغير وتبتدع، والتي تلتمس الحرية من قيود المادة هي الله، ~~فالله والحياة اسمان على مسمى واحد، وأغلب الظن أن هذه الحياة الدائبة في التخلص من أغلالها ~~وأصفادها ستظفر آخر الأمر بما تريد، فتتغلب على الموت، وتتحقق لها الحرية والخلود. # ألا ما أجمل أن يرتفع صوت «برجسون» بشيرا بما في الكون من حياة فعالة خالقة، ليقف تيار ~~المادية الذي طغى على أوروبا في القرن الماضي، حتى غمرها بين ثناياه. # نقد # أراد «برجسون» أن يقطع على ناقديه الطريق، فقال: «إنني أعتقد أن الزمن الذي ينفق في نقد ~~الفلسفة ضائع في معظم الأحيان. فماذا بقي لدينا الآن من الهجمات الكثيرة التي وجهها ~~المفكرون بعضهم لبعض؟ لم يبق شيء، أو إن شئت دقة فقل بقي نزر يسير جدا. إن ما له قيمة وما ~~يبقى إنما هو القليل النادر، وهو الحقيقة الإيجابية التي يضيفها كل منهم. إن القول الحق ~~قادر بنفسه على أن يحتل مكان الفكرة الباطلة، إذن فتلك خير وسيلة لتفنيد الباطل دون أن نكلف ~~أنفسنا عناء نقد هذا أو ذاك.» لعمر الحق إن هذا لصوت الحكمة الحق، فإننا حين نبرهن على صحة ~~فلسفة أو على خطئها، فنحن بذلك ننشئ فلسفة جديدة هي كالأولى عرضة للخطأ؛ لأنها مثلها مزيج ~~من التجربة والأمل، فإذا ما اتسعت تجربة الإنسان، وانفسح أمله فقد يجد ms319 حقا ما كان في ~~اعتباره باطلا منكورا، أو قد يجد باطلا ما كان في رأيه من قبل حقا خالدا. إننا إذا ~~ارتفعنا على أجنحة الثورة كنا أميل إلى مذهب الجبرية وإلى النزعة المادية الآلية، ولكن إذا ~~ما افترت الحياة ولاحت فيها بوادر الموت، حاول الإنسان أن يرسل بصره بعيدا ليبحث له عن ~~أمل جديد، فالفلسفة إذن هي تعبير صريح عن حالة العصر السائدة، ولا خير في إثباتها أو ~~تفنيدها، هكذا يقول «برجسون»، ولكنا مع ذلك سنعرض له بلمحة موجزة بما له وما عليه. # فأول ما يصادف القارئ في «برجسون» ويلفت نظره هو هذا الأسلوب الرائع الذي كتب به ما كتب. ~~ولعل روعة الأسلوب ووضوحه راجعان في الأغلب إلى طبيعة اللغة الفرنسية نفسها التي لا تحتمل ~~الغموض والإبهام، ولقد تجد «برجسون» غامضا في بعض مواضعه، ولكن ذلك راجع إلى ثروته الوفيرة ~~الغزيرة في الأمثلة والتشبيه والاستعارة التي أخذ ينثرها في كتبه نثرا بغير حساب. # هاجم «برجسون» العقل، وأرادنا على أن نأخذ بحكم البصيرة؛ لأنها أصدق نظرا، ولكن كان ~~الأجدر به أن يهدم العقل ليعقد رجاءه على عقل أرقى؛ لأن البصيرة الباطنية التي وثق ~~بأحكامها قد تخطئ كما تخطئ الحواس، فكلاهما يجب اختباره وتقويمه بالتجربة العملية، ولقد ~~بالغ «برجسون» حين زعم أن العقل لا يدرك إلا حالات متقطعة من الحقيقة والحياة وهو عاجز عن ~~أن يدرك ما في هذين من حركة واستمرار؛ إذ الفكر - على نقيض ما ذهب - عبارة عن مجرى متصل من ~~الأفكار كما قال «جيمس»، وهذا التيار العقلي يعكس الحياة المستمرة ويصورها أدق ~~تصوير. # لقد كان جميلا من «برجسون» أن يصرخ هذه الصرخة العالية ليقف تطرف المذهب العقلي الذي ~~يعتد بالعقل اعتدادا كبيرا، ولكنه لم يصب حين دعا إلى اتخاذ البصيرة وحدها بدل العقل؛ ~~لأن ذلك كمن يصحح خيال الصبا بخرافات الطفولة. ولكن يظهر أن الهجمة العنيفة التي صوبت إلى ~~التفكير العقلي، والتي امتدت من «روسو» إلى «شاتوبريان» و«برجسون» و«جيمس» كان لها في ~~النفوس أثر قوي. إننا نوافق «برجسون» على ms320 ثل العرش الذي يتربع عليه العقل في غرور وكبرياء، ~~ولكن على شريطة ألا يطالبنا بأن نجعل كل القيمة للبصيرة وحدها، فلئن كان الإنسان يعيش ~~بغريزته وبصيرته، فهو يتقدم بعقله وذكائه. # ولعل أروع جوانب «برجسون» هو حربه الشعواء التي شنها على النزعة الآلية المادية، فلقد ~~أسرف علماء المعامل في تقدير علمهم إسرافا بلغ حد الشطط حتى ذهب بهم الوهم أنهم قادرون على ~~وضع الكون كله في أنبوبة من أنابيب اختبارهم. # لقد كان «برجسون» من عصره ما كان «كانت» في زمنه؛ لأن «كانت» ألقى موجة إلحادية أساسها ~~المذهب العقلي، بدأها «بيكون» و«ديكارت» وانتهت بشك ~~«ديدرو # Diderot ~~» و«هيوم # Hume ~~»، ومن ~~أبطالها «فولتير» فكان مجهود «كانت» أن أعلن قصور العقل في البحوث السامية، ولكن «دارون» ~~و«سبنسر» عادا فجددا هجمات «فولتير» ومن لف لفه، وعادت النزعة المادية فاكتسبت كل قوتها ~~القديمة في مستهل هذا القرن الحاضر، فتصدى لها «برجسون»، ولكن لم تكن وسيلته نقد العقل كما ~~فعل «كانت»، بل القول بوجود عنصر حيوي مبدع نشيط فعال يفسر كل ألغاز الحياة. # لقد ارتفع «برجسون» إلى أوج الشهرة في أعوام قلائل؛ لأنه دافع عن الأماني الإنسانية ~~وآمالها، فكم اغتبط الناس واطمأنوا حين رأوا فيلسوفا يصون لهم ما يرجون من خلود وما ~~يعتقدون من إله. # ولا عجب أن كان أعظم الفلاسفة المعاصرين، فقد كان الناس من قبل فلسفته تروسا وعجلات في ~~آلة الكون الميتة، ولكنهم بعد «برجسون» علموا أنهم يستطيعون إن أرادوا أن يساهموا بأنفسهم ~~في قصة الحياة. ~~(5-2) بندتو كروتشي # Benedetto Croce ~~(1) الرجل # من الظواهر التي تسترعي النظر ما أصيبت به إيطاليا في العهد الأخير من إجداب في الفلاسفة، ~~ولعل ذلك راجع إلى احتفاظ إيطاليا بالأساليب والطرائق المدرسية حتى من المفكرين الذين ~~اطرحوا اللاهوت ونبذوه، فلئن كانت إيطاليا مهدا للنهضة إلا أنها لم تكن موطنا للإصلاح، ~~إنها تتشكك في وجود الحقيقة، ولكنها تعتقد في الجمال وتخصص نفسها له، حتى إنها لتود أن تفنى ~~من أجله، ومن يدري؟ لعل الإيطاليين قد وفقوا إلى الحقيقة حين ألهموا أن الحقيقة ms321 سراب، وأن ~~الحق كل الحق هو الجمال. فقد كان أعلام الفن في إيطاليا أيام النهضة (إذا استثنينا ميخائيل ~~أنجلو) لا تعنيهم أخلاق ولا دين، ما دامت الكنيسة قد اعترفت بفنهم، حتى أصبح العرف في ~~إيطاليا ألا يثير رجال الثقافة جانب الكنيسة، ولا يتعرضون لها بسوء، ولا غرابة في هذا؛ إذ ~~كيف يقسو إيطالي على كنيسة استعبدت العالم يوما لإيطاليا، وجمعت من الدول أموالا وفيرة؛ ~~لكي تجعل من إيطاليا متحف فن لأوروبا، بل للعالم أجمع؟ من أجل هذا ظلت إيطاليا مستسلمة ~~للإيمان الديني القديم. # ولكن لم تسلم هذه القاعدة من الشواذ، فقد خرج عليها «بندتوكروتشي» الذي ولد في عام 1866م ~~من أب كاثوليكي كان هو ابنه الأوحد، ومن أسرة عرفت بالمحافظة والجمود، فنشأ الفيلسوف نشأة ~~دينية صارمة انقلبت في آخر الأمر إلى نقيضها وهو الإلحاد. ومما هو جدير بالملاحظة في هذا ~~الصدد أن الأمم التي لم تشهد إصلاحا دينيا لا ترى فيها منزلة متوسطة بين الجمود الديني ~~من ناحية، والكفر المتطرف من ناحية أخرى. # بندتو كروتشي. # ولقد رمته الأيام سنة 1883م بسهم نافذ كان كفيلا أن يرده إلى إيمانه وعقيدته لو كان رجلا ~~كسائر الرجال، إذ زلزلت الأرض زلزالا عنيفا هدم المدينة التي كان يعيش فيها بين أسرته، ~~فقضى على والديه وأخته الوحيدة، ولبث هو نفسه تحت الأنقاض بضع ساعات حتى أنقذ، وقد اعتلت ~~صحته، وتكسر بعض عظامه. وظل عدة أعوام في علته، ثم استرد صحته، وعادت إليه روحه كما كانت ~~قوية مليئة بالحياة، ولم يضطر أن يعمل من أجل قوته لما ورثه عن أبيه مما جعله ذا يسار، وقد ~~أنفق بعض ماله في إعداد مكتبة كانت تعد من أفخم المكاتب في إيطاليا كلها، فهو إذن من ~~الفلاسفة القليلين الذين لم يدفعوا ثمن فلسفتهم فقرا وحاجة. # ظل «كروتشي» طول حياته طالبا يحب أن يملأ فراغه بالآداب، وقد حدث أن جرى على غير طبيعته، ~~فانجذب إلى الحياة السياسية وعين وزيرا للمعارف، وانتخب عضوا لمجلس الشيوخ، وعضوية الشيوخ ~~في إيطاليا كانت تمتد مع ms322 الرجل ما امتد أجله، وبذلك كان «كروتشي» مثلا فريدا في عصره من ~~حيث اجتماع الفلسفة والسياسة في شخص واحد، ولكنه لم يتفرغ إلى السياسة، بل خصص الشطر ~~الأعظم من وقته لتحرير مجلته التي ذاعت شهرتها في أنحاء العالم # La Critica ~~. # ولما نشبت الحرب العظمى سنة 1914م أنكرها «كروتشي» بكل قوته، إذ لم يسغ أن تشتجر الأمم في ~~قتال مميت من أجل منافسة اقتصادية، فكان ذلك سببا لنبذه وإهماله بين قومه، فكان حظه في ~~ذلك كحظ زميليه «برتراند رسل» في إنجلترا، و«رومان رولان» # Romain Rolland # في فرنسا، ولكن ~~إيطاليا عادت فعفت عنه، وعقد الشباب فيه أملهم زعيما وفيلسوفا وصديقا، وأصبح «كروتشي» ~~منهم بمثابة المعهد العلمي، يغذيهم بغذاء لا يقل عما تمدهم به الجامعات. ~~(2) فلسفة الروح # كان أول كتاب أصدره «كروتشي» عبارة عن مجموعة من المقالات (1895-1900م) موضوعها مادية ~~التاريخ ومبادئ «كارل ماركس» الاقتصادية، فقد تأثر بما كتبه «ماركس» وبالمبادئ الاشتراكية ~~تأثرا عظيما، غير أن نشوة تلك المبادئ رغم ذلك لم تبلغ منه الرأس، فسرعان ما انصرف عنها ~~إلى الفلسفة. # تأثر «كروتشي» بالماركسية، ولكنه لم يسلم مع ذلك بمبدأ تفسير التاريخ على أساس اقتصادي ~~كما رفض أن يعترف بصحة الفلسفة المادية قائلا: إن العقل - لا المادة - هو الحقيقة الأولى ~~والأخيرة، حتى إنه لما كتب فلسفته أطلق عليها اسم «فلسفة الروح». # وذلك لأن «كروتشي» مثالي لا يعترف بفلسفة بعد فلسفة «هجل»، وعنده أن الحقيقة بأسرها عبارة ~~عن فكر، فنحن لا نعلم شيئا إلا كما تصوره لنا حواسنا وأفكارنا. فهو كما ترى إيطالي بالمولد ~~والنشأة، ألماني في التفكير والنزعة، فقد كان يحاول أن يبرهن على أن جوهر الكون أفكار خالصة ~~مجردة، فلا يعنيه مثلا أن يوضح فكرة أو يعرفها بما ينشأ عنها من نتائج عملية، بل كان على ~~النقيض من هذا يحاول أن يرد مظاهر الحياة العملية إلى أفكار وعلاقات بين أفكار. # والفكرة المجردة معناها عنده الفكرة الكلية، مثال ذلك الكم والكيف والتطور، وما شابه ذلك ~~من الأفكار التي تطبق على الوجود الواقع بأسره، ms323 وهنا أخذ «كروتشي» يتحدث عن الأفكار الكلية ~~حديثا غامضا، حتى لتحسبه «هجل» آخر، أو كأنما هو يريد أن ينافس أستاذه في غموضه وإبهامه. ~~وقد أطلق «كروتشي» على بحثه هذا اسم المنطق؛ لكي يقنع نفسه أنه لم يتورط في المباحث ~~الميتافيزيقية التي لا طائل وراءها، والتي كان يقول عنها إنها بقية من بقايا اللاهوت القديم ~~الذي يمقته، إذ هو ينكر الدين، ويرفض خلود الروح، ويقول إنه خير للإنسان أن يعبد الثقافة ~~والجمال. # والحق أن فلسفة «كروتشي» شاذة متناقضة، فهي طبيعية روحية، عملية مثالية، تجل المبادئ ~~الاقتصادية وتقديس الجمال، فهو مثالي يتخذ الروح أساسا لفلسفته، ولكنه من ناحية أخرى يعنى ~~بجوانب الحياة، وبمظاهر الطبيعة، حتى كتب مجلدا سماه «فلسفة الجانب العملي». كذلك ألف ~~كتابا عنوانه «في التاريخ» يقول فيه إن التاريخ فلسفة متحركة، وإن المؤرخ ينبغي أن يصور ~~الطبيعة والإنسان في صور من الحقيقة العملية التي تؤثر فيها الأسباب والمسببات، ولا خير في ~~أن يكتب عنهما من الناحية النظرية المجردة . ويقول: إن التاريخ لا بد أن يكتبه فلاسفة. ويرى ~~أن هذا التاريخ العلمي الشائع قد بلغ من الدقة التفصيلية حدا بعيدا، بحيث ضاعت من المؤرخ ~~الحقيقة المنشودة لكثرة ما يعرف. # ويقول «كروتشي»: إن استكشاف الماضي على حقيقته متعذر إن لم يكن مستحيلا، وهو يتمثل ~~بتعريف «روسو» للتاريخ بأنه «فن اختيار الأكذوبة التي تشبه الحقيقة من بين كثير من ~~الأكاذيب.» وهو لا يحب البحث النظري في التاريخ بحجة أنه يفسده وينقل الماضي في صورة باطلة، ~~يجب أن يكون التاريخ صورة للطبيعة ومرآة للإنسان. ~~(3) ما هو الجمال؟ # بدأ «كروتشي» دراسته بالتاريخ والآداب، ثم انتهى منهما إلى الفلسفة، فكان طبيعيا أن ~~يشغف في الفلسفة بمسائل النقد وعلم الجمال. وإن أعظم مؤلفاته هو كتابه «في عالم الجمال» ~~(1902م)، وهو يفضل الفن على الميتافيزيقا والعلم، فإذا كانت العلوم تفيدنا، فإن الفنون تقدم ~~لنا صور الجمال، إن العلوم تباعد بيننا وبين الفرد والحقيقة، وتنقلنا إلى عالم كله مجردات ~~تتعمق في نزعتها الرياضية حتى تصل (كما فعل أينشتين) إلى ms324 نتائج خطيرة، ولكن ليس لها أهمية ~~عملية، أما الفن فيقرب بيننا وبين الأفراد والحقائق الجزئية، ويدنينا من الجوهر الكلي ~~الشامل الذي يتمثل في الجزئيات التي تقع تحت الحس «للمعرفة صورتان، فهي إما ذوقية أو ~~منطقية، إما أن نحصل عليها بالخيال أو بالعقل، هي إما معرفة الجزئي أو الكلي، هي معرفة ~~الأشياء الجزئية أو معرفة ما بين الأشياء من صلات إما أن تكون نتيجة الصور الذهنية الجزئية # Images # أو الأفكار الكلية.» فأصل الفن وأساسه هو القدرة على تكوين الصور الذهنية، والفن لا ~~يبوب الأشياء، ولا يحكم عليها بأنها حقيقية أو خيالية، ولا يحاول أن يصفها أو يعرفها، بل هو ~~يحسها ويصورها لا أكثر ولا أقل. ولما كان الخيال يسبق الفكر وهو شرط ضروري له، كانت فاعلية ~~العقل الفنية - أعني قدرته على تكوين الصور الذهنية - أسبق من فاعليته المنطقية، أي التي ~~تكون الأفكار الكلية، فلا يكاد الإنسان يقوى على التخيل حتى يصير فنانا، قبل أن يبلغ مرحلة ~~المحاجة المنطقية بزمن طويل. # ويأخذ بهذا الرأي أعلام الفن، فيقول «ميخائيل أنجلو»: «إن الإنسان لا يصور بيديه، بل ~~برأسه (يقصد بخياله)»، وقال «ليونارد # Leonard ~~»: «إن ذوي العبقرية السامية تكون عقولهم أنشط ~~فاعلية كلما قل ما يؤدونه من عمل خارجي.» ~~وكلنا يعلم القصة التي تروى عن «دافنشي # Da Vinci ~~» ~~حين كلفه أحد رجال الدين بتصوير «العشاء الأخير»، فجلس الفنان أمام لوحته عدة أيام ساكتا ~~صامتا، وصاحب الصورة يستحثه كل يوم على البدء في العمل، ويعجب لماذا يجلس هذا الرجل صامتا ~~هكذا دون أن يعمل شيئا، حتى استثار هذا الإلحاح غضب الفنان، فانتقم لنفسه بأن اتخذ ذلك ~~الديني نموذجا ليهوذا. # إن جوهر الفاعلية الفنية هو هذا المجهود الساكن الذي يبذله الفنان وهو صامت ليرسم في ذهنه ~~الصورة كاملة، بحيث تعبر عن موضوعه تعبيرا جليا واضحا. فليست معجزة الفن في إبراز ~~الصورة وإخراجها، بل في مجرد تصورها تصورا دقيقا، وما إخراجها بعد ذلك إلا أمر آلي ~~ومهارة يدوية. ~~«إذا نحن استطعنا أن نسيطر على الكلمة الباطنية، أو أن ms325 ندرك صورة أو تمثالا إدراكا ~~جليا واضحا، أو أن نكون موضوعا موسيقيا، فإن التعبير لا بد أن يجيء بعد ذلك كاملا، ~~وذلك كل ما نريد. فلو انفتحت أفواهنا عن كلام أو غناء، فكل ما نفعله حينئذ هو أن نفصح في ~~العلن ما قلناه بالفعل قولا باطنيا، وأن ننشد في صوت مسموع ما أنشدناه فعلا في دخيلة ~~نفوسنا. أما إذا مست أيدينا مضارب البيانو، أو تناولنا قلما أو إزميلا، فلسنا نعمل إلا ~~عملا إراديا (يتعلق بالجانب العملي من الإنسان لا بفاعليته الفنية) أعني أننا عندئذ ~~نفعل في حركات كبيرة ما فعلناه باطنيا في سرعة وإيجاز.» # أنستطيع بعد ذلك أن نجيب على ذلك السؤال المربك: ما هو الجمال؟ إن في الجمال آراء بقدر ما ~~في الأرض من رءوس، فكل إنسان يأبى إلا أن يدلي بدلوه في موضوع الجمال، وأن يتمسك برأيه ~~ويدافع عنه، ولكن «كروتشي» يريد مع ذلك أن يعرف الجمال، فيقول إنه التكوين العقلي لصورة ~~ذهنية - أو لسلسلة من الصور - يتمثل فيها جوهر المدرك . فالجمال يتعلق بالصورة الباطنية ~~أكثر منه بالصورة الخارجية التي هي تجسيد للباطنية. فقد يتبادر إلى أذهاننا أن الفرق بيننا ~~وبين «شكسبير» هو فرق في التعبير الخارجي فقط، وأن لدينا نفس الأفكار والصور التي اختلجت في ~~نفس ذلك الشاعر الكبير، غير أننا لا نجد العبارة البليغة التي تفصح عنها، ولكن هذا وهم ~~باطل، فليس الفرق في قوة إخراج الصورة، بل في القدرة على تكوين الصورة الباطنية التي تعبر ~~عن الشيء الخارجي. # وليس الأمر في ذلك مقصورا على خلق صور الجمال، بل إنه ليتعدى ذلك إلى الإحساس بالجمال، ~~فهو كذلك تعبير باطني، فدرجة فهمنا أو تقديرنا للآية الفنية إنما تعتمد على قدرتنا أن نرى ~~الحقيقة المصورة ببصائرنا، أعني قدرتنا على أن نكون لأنفسنا صورة ذهنية تعبر عن الشيء ~~«إننا حين نستمتع بالعمل الفني الجميل إنما نعبر عن بصائرنا نحن، فحين أقرأ «شكسبير»، ~~فبصيرتي أنا هي التي تكون الصورة الذهنية لهملت أو عطيل.» إذن فسر الجمال هو الصورة ~~الذهنية المعبرة، ms326 سواء في ذلك الفنان الخالق لصور الجمال، أو المتفرج المتأمل لتلك الصور. ~~الجمال هو تعبير دقيق مضبوط، فلو سئلنا ما الجمال؟ أجبنا إنه تعبير. ~~••• # ولكن أصحيح أن الإنسان يكون فنانا بمجرد تكوينه للصور الذهنية؟ هل ينحصر جوهر الفن في ~~التصور الباطني لا في الإخراج؟ ألا يحدث كثيرا أن تكون لدينا أفكار ومشاعر أروع وأجمل من ~~كلامنا الذي يعبر عنها؟ كلا، إنه ليلوح لنا أن «كروتشي» قد أخطأ في هذا، وأن قداسة الفن ~~وسموه في تكوين الصور وفي إتقان إخراج الفكرة وتجسيدها معا. ~~(5-3) برتراند رسل # Bertrand Russell ~~(1) رسل المنطقي # كان «برتراند رسل» يحاضر عام 1914م في جامعة كولومبيا في نظرية المعرفة، فكان حينئذ ~~كموضوعه الذي يحاضر فيه تحيلا شاحبا يبدو كأنما يدنو من الموت بخطوات سريعة. ولعله قد ~~اختار هذا الموضوع الذي لا يمس الحياة العملية ليبعد ما استطاع عن الحياة؛ إذ لم يعد يطيقها ~~بعد أن أعلنت الحرب الكبرى فجزع أشد الجزع حين رأى أرقى قارات الأرض تنحدر إلى بربرية ~~متوحشة، وهو ذلك الفيلسوف الذي اختصه الله بذوق حساس رقيق وحب جم للسلام، ثم انقضت بعد ذلك ~~عشر سنوات فانقلب مليئا بالحيوية والنشاط يضطرم صدره بالثورة على ما ينتاب المجتمع ~~الإنساني من أمراض ويتوق إلى إصلاحها، غير أن الأيام ما لبثت أن حطمت له هذه الآمال ~~الطامحة، وصرفت عنه أصدقاءه الذين كان يجد فيهم بعض السلوى، فارتجت حياته وامتلأت بالعناء ~~بعد إذ كانت بادئ الأمر حياة أرستقراطية على كثير من الدعة والهدوء. # برتراند رسل. # وذلك أنه سليل أسرة «رسل»، وهي من أعرق الأسر في إنجلترا وأبعدها صيتا، بل من أشهر الأسر ~~في العالم أجمع، فكم أنجبت للدولة البريطانية قادة تملكوا زمام السياسة أجيالا؟ جده ~~«اللورد جون رسل» كان رئيسا للوزارة الإنجليزية على مبدأ الأحرار. وقد أثار حربا شعواء ~~ليظفر بحرية التجارة، وليظفر بالتعليم العام المجاني، وليظفر بتحرير طائفة اليهود، وليظفر ~~بالحرية في كل ضرب من ضروبها، وأما أبوه فهو «الفيكونت أمبرلي # Viscount Amberley ~~»، وكان ~~حرا في تقليده فلم يثقل ms327 ابنه بتعاليم اللاهوت الموروثة. وكان «لبرتراند رسل» الحق في إرث ~~هذه الأسرة الرفيعة، ولكنه أبى في عزة وكبرياء إلا أن يكسب قوته بنفسه؛ لأنه يرفض نظام ~~الوراثة وينكره، فكان أستاذا بجامعة كامبردج، ولكن هذه الجامعة ما لبثت أن تبينت فيه ثورة ~~نفسية على ميول أمته، فهو يحب السلام وأمته تدجج نفسها بالسلاح لتغامر في الحروب، ففصلته عن ~~عمله، وحينئذ أخذ الفيلسوف يجوب الأرض متخذا من العالم بأسره جامعة يلقي فيها تعاليمه ~~وآراءه، ولقد رحب به العالم في غبطة ورضا. # لم يكن «رسل» شخصية واحدة متصلة، بل خرج منه رجلان، فرجل انقضت أيامه أثناء الحرب العظمى، ~~ومن أكفانه نشأ رجل جديد ذو شخصية جديدة، إذ تولد عن «رسل» المنطقي الرياضي «رسل» آخر ~~اشتراكي. ولعل العنصر المشترك بين ذينك العهدين هو نغمة وادعة هائمة رقيقة تمثلت في الشطر ~~الأول في أكداس الصيغ الجبرية التي كان يركمها في كتبه، ثم تمثلت في الشطر الثاني في ~~اشتراكيته، ومن أدل عنوانات مؤلفاته على روحه مؤلفه المعنون «التصوف والمنطق» الذي مجد ~~فيه الطريقة العلمية بما فيها من منطق تمجيدا عظيما. # أكبر «رسل» المنطق وقدس الرياضة، ولم يؤمن بشيء بعد ذلك، فلقد قرأ ما كتبه «برجسون» من ~~أن هناك حاسة قوية تدرك الزمن وحركة الحياة، وأن الأشياء كلها كائنات حية تندفع بدافع حيوي، ~~ثم قرأ تشبيهه للحياة بشريط السينما - وكان لم يشهد السينما قط من قبل - يذهب إلى دار ~~السينما مرة لا ليستمتع بما يشاهد، بل ليتخذ منه دراسة فلسفية - كما قال هو - ولكنه بعد ذلك ~~كله لم يوافق على ما ارتآه «برجسون»، وقال عنه إنه قصيدة جميلة لا أكثر ولا أقل. # وذلك لأن «رسل» لا يتخذ معبودا سوى الرياضة، ولم يرغب قط في دراسة الآداب القديمة، وأخذ ~~يجادل بالحجج الصارمة، كأنه «سبنسر» آخر، مطالبا بإدخال الجانب العلمي في تربية النشء، ~~بحيث يرجح على الجوانب الأخرى، وزعم أن كوارث العالم إنما ترجع - إلى حد كبير - إلى ما فيه ~~من غموض في التفكير. وعنده أن قانون الأخلاق الأول ms328 هو أن يفكر الإنسان تفكيرا مستقيما، ~~«إنه لخير للعالم أن يفنى من أن أصدق، أو يصدق أي إنسان آخر، أكذوبة ... تلك هي ديانة الفكر ~~التي تشتعل فتحرق بجوهرها نفاية العالم.» # هكذا كان «رسل» يطالب بجلاء الفكر ووضوحه، لقد أدت به هذه النزعة إلى دراسة الرياضيات لما ~~أدهشه من دقة هذا العلم الأرستقراطي الهادئ «إنك إذا نظرت إلى الرياضيات من وجهة صحيحة لما ~~وجدت فيها الحقيقة وكفى، بل لرأيت فيها الجمال الرائع أيضا، ولكنه جمال الجد والصرامة، ~~كالجمال في النحت، لا يثير من الإنسان جوانب طبيعته الضعيفة، ولا ينصب للإنسان من الحبائل ~~ما تنصبه الموسيقى أو التصوير. وإنه مع ذلك لجمال فيه العظمة والصفاء، وفيه الكمال الجاد ~~الذي لا يتاح إلا لأعظم الفنون.» ويعتقد «رسل» أن تقدم الرياضة في القرن التاسع عشر كان من ~~أمجد ما يفاخر به هذا العهد، وبخاصة حين أزال الغموض الذي كان يكتنف فكرة اللانهاية في ~~الرياضيات. فللقرن التاسع عشر أن يباهي بأنه استطاع أن يدك الهندسة القديمة التي سيطرت في ~~عالم الرياضة مدى ألفي عام ، وأنتج من الكتب ذلك العلم ما احتل مكان كتاب «أقليدس» الذي هو ~~أقدم كتاب مدرسي في العالم، «فيا لها من وصمة عار في جبين إنجلترا أن تظل تدرسه ~~لأبنائها.» # ولعل ما عاون الرياضيات الحديثة أن تنتج ما أنتجت هو نبذها لما كان يسمى بالبدهيات، ولكن ~~اغتبط «رسل» حين سمع برجال نهضوا فتحدوا قداسة البدهيات، وألحفوا في المطالبة بإقامة ~~الدليل على كل بدهية، نعم اغتبط حين سمع بمن أثبت أن الخطين المتوازيين قد يلتقيان في نقطة ~~ما، وأن الكل قد لا يكون أكبر من أحد أجزائه. وهنا يقدم «رسل» إلى قارئه البريء ما يثير فيه ~~القلق والتفكير من ألغاز محيرة مربكة، هاك مثالا منها: الأعداد الزوجية نصف الأعداد كلها، ~~ومع ذلك فهنالك من الأعداد الزوجية ما يساوي في عدده كل ما يوجد من أعداد؛ لأن لكل عدد - ~~زوجيا كان أم فرديا - ضعفا زوجيا. ثم يقول «رسل»: إن في هذا حلا لمشكلة اللانهاية ms329 ~~الرياضية التي لبثت غامضة، فهي كل يحتوي على أجزاء في كل جزء منها من الأجزاء ما في ~~الكل. # ويحب «رسل» الرياضيات؛ لأنها فوق ذلك تتصف بموضوعية صارمة لا دخل للشخصية فيها، ففيها ~~وحدها الحقيقة الخالدة والمعرفة المطلقة، ونظرياتها الثابتة هي مثل «أفلاطون» ونظام ~~«سبينوزا» الخالد، أو هي - على الجملة - جوهر العالم، فينبغي أن تكون غاية الفلسفة أن ~~تشبه الرياضيات في كمالها، بأن تقيد نفسها بأقوال لها من الدقة ما للرياضة، ولها من الحق ~~الذي لا يحتاج إثباته إلى بحث ما للرياضة، فلا يجوز لفروض الفلسفة أن تتعلق بأشياء، بل يكفي ~~أن تبحث فيما بين الأشياء من صلات؛ لأنها يجب أن تكون مستقلة عن الحقائق الفردية والحوادث ~~الجزئية، حتى لو تبدل كل جزئي في العالم وتغيرت كل أحداثه لظلت تلك الفروض الفلسفية صحيحة ~~كما هي، مثال ذلك إذا فرضنا أن كل الألفات باءات، ثم فرضنا أن «س» تساوي «أ» لكانت «س» ~~تساوي «ب». فهذا حق مهما تبدل ما في العالم وتغير، فلو استطعنا أن نحصر كل الفلسفة في هذه ~~الصورة الرياضية، وأن نمحو منها كل ما فيها من الحقائق الجزئية، وأن نقرب الشبه بينها وبين ~~الرياضة لظفرنا بما نريد. هذا ما كان يطمح إليه فيثاغورس العصر الحديث. ~~«لا تتألف الرياضيات البحتة إلا من القول بأنه إذا صح فرض معين كائنا ما كان عن أي شيء، ~~ففرض معين آخر صحيح عن كل ذلك الشيء، ولا يعنينا أن يكون الفرض الأول صحيحا حقا، أو أن ~~نذكر الشيء الذي زعمنا صحة الفرض بالنسبة إليه، وإذن فيمكننا أن نعرف الرياضة بأنها العلم ~~الذي لا نعلم فيه الشيء الذي نتحدث عنه كما لا نعلم إن كان ما نقوله صحيحا أو غير ~~صحيح.» # ولكن مما يسترعي النظر أن «برتراند رسل» بعد أن كتب مجلدات عدة في هذا الاتجاه، هبط فجأة ~~إلى الحياة العملية، وأخذ يحاج بعاطفته القوية عن الحرب والحكومة والاشتراكية والثورة، دون ~~أن يستخدم في محاجته منطقه الرياضي، ولا عجب فالحجة يجب أن تدور حول الأشياء ms330 نفسها؛ لكي ~~تعود علينا بما نريد منها، أما الأقوال المجردة فيستحيل أن تصلح كأدوات للنقاش والجدل، ولو ~~نحن حاولنا ذلك لانتكسنا إلى مدرسية العصور الوسطى من جديد. # تلك كانت بداية «برتراند رسل» في تفكيره: الرياضة ومنطقها. فأدت به تلك البداية إلى خاتمة ~~محتومة من الشك، فقد وجد في المسيحية كثيرا مما يستعصي على المنطق الرياضي فنبذها نبذا، ~~ولم يبق منها إلا قانونها الأخلاقي، وأخذ يتحدث في احتقار وازدراء عن مدنية تضطهد أناسا ~~ينكرون المسيحية، وتزج في السجن كل من يحاسب الدين حسابا عسيرا، أما هو فقد نظر في الكون ~~فلم يسغ أن يكون ثمة إله في مثل هذا العالم المتناقض الذي هو جدير أن يكون صنيعة شيطان ~~هازل، وهو يتابع «سبنسر» في رأيه عن نهاية العالم - أعني الفناء والموت - ولكنه يشك فيما ~~قيل في مذهب التطور من أن العالم سائر إلى الأمام، ويقول إن هذا ما يزعمه الإنسان عن نفسه: ~~«هم يقولون لنا إن الحياة العضوية قد تطورت تدريجا من الخلية إلى الفيلسوف، ويؤكدون لنا أن ~~هذا التطور تقدم لا سبيل إلى الشك فيه، ولكن من سوء الحظ أن من يؤكد لنا هذا الفيلسوف لا ~~الخلية.» أما الرجل الحر فلا يرضى لنفسه أن تسبح في آمال صبيانية وآلهة تصب في صورة ~~البشر، بل عليه أن يصبر ويثبت، حتى ولو أيقن أنه والأشياء جميعا صائرون إلى الموت، وإن له ~~في هذا الكفاح الفكري الظفر والانتصار؛ لأنه إن لم يستفد به فقد استمتع بلذة الجهاد نفسه، ~~وإنه حين يتنبأ بخاتمته وهزيمته، فإنما يعلو بنفسه - لما له من علم - على القوى العمياء ~~التي ستعمل على هدمه وفنائه، نعم إن الرجل الحر لن يعبد قوى العالم الخارجي الغشوم التي ~~تغزوه بمتابعة هجومها، وليست تقصد من هجومها إلى غاية معلومة، فهي تقوض له كل ما يبني من ~~دور وكل ما يشيد من مدن، ولكنه سيعبد ما في باطنه من قوى خلاقة مبدعة، تلك القوى التي لا ~~تني تجاهد وتكافح أسباب الفشل، والتي تمجد آيات الجمال ms331 التي تبدو في روائع الفن من نحت ~~وتصوير. # تلك كانت فلسفة «برتراند رسل» قبل نشوب الحرب العظمى. ~~(2) رسل المصلح # فلما وضعت الحرب أوزارها انفجر «برتراند رسل» الذي ظل هذا الأمد الطويل صامتا دفينا تحت ~~أكداس المنطق والرياضة ونظرية المعرفة، وانطلق في العالم كالشعلة المندلعة يخطف الأبصار ~~ويأخذ الألباب، فدهش العالم أن يرى تلك الشجاعة النادرة، وذينك الحب والعطف للإنسانية من ~~ذلك الأستاذ الذي تراه العين نحيلا، عليلا، فلقد تفتح من المنطقي رجل علم أخذ يصب على ~~أعلام الساسة في وطنه سيلا دافقا من المهاجمة والنقد، حتى طرد من كرسيه في الجامعة وحصر - ~~كأنه «جاليليو» آخر - في حي ضيق في لندن، ولئن شك بعض القوم في سلامة حكمته فلم يرتب أحد في ~~إخلاصه. غير أنهم جميعا - إذ صعقوا بذلك التحول العجيب في شخصية الرجل - قاوموه بتعصب ذميم ~~لا يتفق مع النزعة البريطانية أبدا، وهكذا قضي على هذا الرجل المحب للسلام، والذي زج بنفسه ~~في المعركة الحامية، أن يحيا طريد المجتمع كأنه مجرم شريد، وهو ما هو في نسبه النبيل، فقد ~~أنكره الناس كخائن للوطن الذي تربى فوق أرضه. # غير أن وراء هذه الثورة المتأججة، كان يكمن في نفسه شيء من الجزع لما كان يشهد في العالم ~~من صراع وقتال، فقد كان «برتراند رسل» - الذي حاول أن يكون عقلا صرفا غير مجسد - مجموعة ~~من المشاعر، وبدت له مصالح الإمبراطورية كلها غير جديرة بأرواح الشباب الذين شهدهم يسيرون ~~في زهو إلى حومة الوغى ليقتلوا ويموتوا، فبدأ يفكر في وسيلة الخلاص، وما لبث أن وجد في ~~الاشتراكية - وقد حللها تحليلا دقيقا - ما يصف عللنا الاقتصادية والسياسية، وما يدل على ~~العلاج، نعم فالداء هو الملكية الخاصة والدواء هو الاشتراكية. # إن الملكية الخاصة إنما نشأت من أعمال العنف والسرقة، وها نحن أولاء نرى في مناجم الماس ~~في كمبرلي ومناجم الذهب في راند # Rand # السرقة تتحول إلى الملكية الخاصة للأرض خير كائنا ما ~~كان، ولو أصغى الناس لحكم العقل لأبطلوا هذه الملكية غدا دون أن يعوضوا المالكين ms332 شيئا ~~أكثر من دخل معتدل. # ولما كانت الملكية الخاصة تحميها الدولة، والسرقات التي تتألف منها الملكية يقدسها ~~التشريع، وتؤيدها الأسلحة والحروب، فالدولة شر عظيم، وخير لنا إذن أن نسلبها معظم وظائفها ~~لنلقي بها إلى نقابات التعاون وإلى المنتجين. # إن المجتمع عامل قوي على هدم شخصية الفرد وسحقها، فالحرية هي الخير الأسمى؛ لأنها السبيل ~~الوحيد إلى صيانة تلك الشخصية، فلقد تعقدت الحياة وتعقد العلم، حتى أصبحنا لا نستطيع أن ~~نسلك طريقنا إلى الحقيقة وسط ما يحيط بنا من أغلاط وأوهام إلا بالنقاش الحر، فمن صالح الناس ~~أن يختلفوا في الرأي، بل إن واجب المعلمين أن يدب بينهم هذا الخلاف وأن يشتد، لعله ينتج ~~لنا رأيا ناضجا ذكيا يزيد من حكمة الإنسان فلا يعود سريع الاستجابة لدعوة الحرب ~~والقتال؛ لأن الحروب ترجع إلى حد كبير إلى الآراء الجامدة والعقائد الموروثة، فستجيء حرية ~~الفكر والقول كالسيل الدافق يطهر العقل الحديث من أوهامه وخرافاته. # ذلك أننا لم نبلغ من التعليم إلى الحد الذي نتوهمه، فنحن قد بدأنا تجربة تعميم التعليم، ~~ولم يتسع أمامها الوقت بعد لتؤثر أثرها العميق في طرائق تفكيرنا وفي حياتنا العامة؛ لأننا ~~لا نزال مبتدئين من حيث أسلوب التفكير. ومن العجيب أننا لا نعمل على إصلاح ذلك في تربيتنا ~~لأبنائنا، فنظن أن عملية التربية لا تعني أكثر من تحويل كمية معينة من معرفة مسلم بصحتها ~~إلى الرءوس، في حين أنها يجب أن تكون تطورا وتقدما لطريقة العقل العلمية، حتى تصبح عادة ~~مغروسة، فإن أميز ما يميز الرجل الغبي الجاهل هو سرعة تكوينه للرأي العام، وإطلاقه بغير ~~تحفظ، مع أن العالم ينبغي أن يكون بطيئا في قبوله لرأي ما، وأن يكون معتدلا متحفظا في ~~الأخذ به، فلو استخدمنا العلم والطريقة العلمية في تربية أبنائنا لأنشأنا فيهم ذلك الضمير ~~العقلي الذي لا يعتنق الرأي إلا بمقدار ما تحت يديه من الشواهد والأدلة، والذي لا يتحرج عن ~~الظن بإمكان خطأ هذا الرأي، فبهذه الوسائل تصبح التربية أنجع علاج لأمراضنا، وتنشئ من أبناء ~~أبنائنا الرجال ms333 والنساء الجديدين الذين ينتجون المجتمع الجديد المنشود، فإن للتربية قدرة ~~على تشكيل النشء كما تريد، فهي تستطيع مثلا أن تميل بالناس إلى الإعجاب بروائع الفن أكثر ~~من إعجابهم بالمال، كما كانت الحال أيام النهضة الأوروبية، وبذلك تفل من هذه الرغبة الحادة ~~في الامتلاك والثراء. هذا هو مبدأ النمو الذي نتيجته اللازمة قاعدتان ينبغي أن تكونا أساسا ~~لأخلاقنا الجديدة؛ الأولى: ألا نضع من الحوائل ما يعوق حيوية الأفراد والجماعات، بل نعمل ~~على السمو بها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. والثانية: ألا يكون نمو الفرد أو الجماعة على حساب ~~فرد آخر أو جماعة أخرى. # إنه لا يستحيل على الإنسان شيء لو تطور نظام مدارسنا وجامعاتنا تطورا يلائم الغرض ~~المنشود، ولو كانت تديرها أيد قادرة على السير بها نحو الكمال، فتوجهها - على هدى - إلى ~~إصلاح الأخلاق البشرية وتقويمها. ذلك هو سبيل النجاة مما ينتاب العالم من جشع اقتصادي ~~ووحشية دولية، ثم لا حاجة لنا بعد ذلك إلى الثورة العنيفة، أو إلى تشريع مسطور على ورق. لقد ~~بلغ الإنسان حدا أصبح معه سيدا على أنواع الحياة الأخرى؛ وذلك لأنه أنفق في نموه وتربيته ~~وقتا طويلا مما أنفقت. فلو هيأنا لتربيته وقتا أطول من هذا، ثم استغللناه بحكمة ~~أوفر، فربما استطاع الإنسان آخر الأمر أن يسيطر على نفسه أيضا، وأن يعيد خلقها من جديد على ~~نحو أقرب إلى الكمال، فدور التعليم هي مفتاح المدينة الفاضلة. # خاتمة # نخشى أن يكون «برتراند رسل» قد أسرف في التفاؤل، ولو أننا نؤثر الخطأ في جانب الأمل على ~~الخطأ المرجح لكفة اليأس والقنوط، وذلك أنه لا يمحص نظرياته في الاقتصاد والسياسة بالدقة ~~التي كان يدرس بها في أول حياته الرياضة والمنطق، والتي كان ينشدها ويعبدها، فلقد ساقه حبه ~~«للكمال أكثر من الحياة» إلى تصور رائع قد نحب أن نستخدمه طرفة شعرية تخفف من عبء الحياة، ~~ولكنها لا تصلح أداة علاج لمشكلات الحياة، فنحن نغتبط مثلا أن يشهد العالم جماعة تؤثر الفن ~~على الثراء كما كان يرجو، ولكن ما حيلتنا ونشأة ms334 الأمم وسقوطها، والانتخاب الطبيعي للجماعات، ~~أساسها جميعا القوة الاقتصادية لا القوة الفنية؛ إذ القوة الاقتصادية دون الفنية هي التي ~~تقوى على البقاء، فطبيعي أن تجد من الناس أشياعا لها. أما الفن فلا يكون إلا زهرة تتفتح ~~على تربة من الثروة والمال، ولكنه يستحيل أن يكون لهما بديل يغني عنهما، لقد جاءت أسرة ~~«مديتشي» الثرية أولا فتبعها «ميخائيل أنجلو» الفنان. # ولكن ما حاجتنا إلى تلمس الأخطاء في هذا الحلم الجميل الذي أخذ به «برتراند رسل» يوما ما ~~وتجربته الشخصية كانت أقوى ممن هاجمه من النقاد؟ فلقد اصطدم في الروسيا وجها لوجه بمجهود ~~جبار ينفق لخلق جماعة اشتراكية، ورأى كيف تكون الصعاب التي تعترض مثل هذه التجربة، حتى كاد ~~إيمانه في إنجيله الجديد يتقوض من أساسه، إذ خاب رجاؤه حين وجد أن الحكومة الروسية ليس في ~~مكنتها أن تخاطر بديمقراطية متطرفة، وهي ما كان يحسبها بدهية تبنى على أساسها الفلسفة ~~الحرة، وقد ساءه أشد الإساءة أن يرى حرية الكلام مكبوتة والصحافة ملجمة، وراعه هذا الاحتكار ~~من الحكومة لكل وسائل الإعلان حتى اغتبطت لجهل الشعب الروسي وأميته؛ لأن معرفة القراءة في ~~مثل هذا العصر الذي ألجمت فيه الصحافة وخضعت لسلطان الحكومة تعوق الوصول إلى الحقيقة. ثم ~~راعه ألا يقوى مبدأ شيوعية الأرض على مقاومة الملكية الخاصة (فالملكية في الروسيا سائدة ~~فعلا، وإن تكن منكورة على الورق)، حتى أيقن أن طبيعة الناس - كما هم الآن - تأبى عليهم أن ~~يفلحوا الأرض ويزرعوها على نحو مرض إلا إذا علموا أنها صائرة إلى أبنائهم من ~~بعدهم. # ولقد كان «رسل» أكثر رضا وأشد اطمئنانا حين ذهب إلى الصين حيث بقي عاما يحاضر فيها، إذ ~~وجدها أقل آلية وأكثر في خطاها هدوءا وروية، حتى إن الإنسان ليستطيع أن يجلس ليفكر، وأن ~~تقف الحياة حينا ليتمكن من تحليلها وتشريحها، وهنالك حيث بحر الإنسانية خضم زاخر، انفسحت ~~أمام فيلسوفنا آفاق جديدة، إذ تحقق أن أوروبا ليست إلا طبلا أجوف أمام قارة أعظم منها ~~وأقدم وأعمق ثقافة، فاقرأ له هذه العبارة الآتية ms335 لترى كيف انحلت فلسفته وذابت: ~~«لقد أيقنت أن ليس الجنس الأبيض من الأهمية بحيث كنت أعتقد، فلو فنيت أوروبا وأمريكا في ~~الحرب لما استتبع هذا بالضرورة فناء النوع البشري ولا انتهاء المدنية، بل سيبقى بعدئذ من ~~الصينيين عدد عديد، والصين أعظم ما رأيت من الأمم في كثير من النواحي، فليست أعظمها من ~~الوجهة العددية والثقافية فحسب، بل هي عندي أعظمها من الوجهة العقلية أيضا. فلم أسمع ~~بمدنية أخرى لها ما للصين من وضوح العقل، ومن النزوع إلى الواقعية ومن الرغبة في مواجهة ~~الحقائق كما هي دون محاولة صبغها بلون معين.» # إنه لمن العسير حقا أن يتنقل «برتراند رسل» من إنجلترا إلى أمريكا فالروسيا فالهند ~~والصين، ثم تبقى له فلسفته الاجتماعية كما هي دون أن يطرأ عليها التغيير والتبديل. فلقد ~~أقنعته الدنيا أنها أعظم من أن يصبها فيما أراد أن يصبها فيه من صيغ المنطق الرياضي، وأنها ~~واسعة عريضة لا يمكن أن تسير وفق رغباته بالسرعة التي يريدها لها. فكم فوق الأرض من قلوب، ~~وكلها تخفق بمختلف الرغبات والآمال! وهكذا اضطرته التجارب أن يزداد في حكمته، ولكنه رغم ذلك ~~كله ما يزال يضطرم - كما كان - قلقا من أمراض المجتمع ورغبة في إصلاحه، غير أنه تعلم أن ~~الإصلاح الاجتماعي شائك عسير. # ألا ما أعجب «رسل»، إنه باحث في أعمق الميتافيزيقا وأدق الرياضيات، ومع ذلك لا تسمعه ~~يتحدث إلا في بساطة ووضوح! إنه رجل اتخذ لدراسته موضوعا من شأنه أن يجفف منابع الشعور، ~~ولكنه رغم ذلك مليء بالعطف والرأفة نحو الإنسانية. ومن توفيق الله أنه لا يزال سليما ~~قويا، ولا تزال شعلة الحياة تضيء فيه ساطعة متوهجة. فمن يدري؟ لعله فيما يلي من الأيام ~~منتج للعالم حكمة بعد ما أنتجه له من حلم جميل، ولعله مخلد اسمه بين عشيرته من الفلاسفة ~~الخالدين. ~~(5-4) جورج سنتيانا # George Santayana ~~(1) حياته # ولد «سنتيانا» في مدريد عام 1863م، ثم ارتحل إلى أمريكا سنة 1872م حيث أقام حتى سنة 1912م، ~~وقد تخرج في جامعة هارفارد التي عين بها ms336 أستاذا، ولبث في منصبه من سن السابعة والعشرين حتى ~~بلغ الخمسين، ولكنه طوال هاته الأعوام لم يكن مطمئنا راضيا بهذا الوطن الذي اختاره ~~لنفسه، إذ لم تطق نفسه الحساسة الشاعرة - فقد كان «سنتيانا» شاعرا أولا وفيلسوفا ثانيا ~~- أن ترى الحياة في أمريكا مدفوعة ذلك الدفع العنيف تجاه المدنية المادية، فانتقل إلى ~~بستن # Boston # كأنما أراد أن يقترب من أوروبا فرارا من الحياة اللجبة في أمريكا، ثم ~~انتقل إلى كامبردج وهارفارد. # كان أول ما كتب في الفلسفة مقالة في «حاسة الجمال» سنة 1866م، ولم تنقض بعد ذلك سنوات خمس ~~حتى أخرج مؤلفا ممتعا في «تفسير الشعر والدين»، ثم لبث بعد ذلك سبعة أعوام لا يذيع في ~~الناس شيئا سوى مقطوعات شعرية ينشرها الفينة بعد الفينة، ولكنه في خلال تلك الأعوام السبعة ~~كان يكتب أهم مؤلفاته ألا وهو: «حياة العقل»، فلم يكد يخرج إلى الناس هذا الكتاب بمجلداته الخمسة: «العقل في الإدراك السليم، العقل في الجماعة، ~~العقل في الدين، العقل في الفن، العقل في العلم»، حتى ارتفع «سنتيانا» من فوره إلى منزلة ~~رفيعة عند خاصة المشتغلين بالفلسفة وإن لم يذع اسمه بين الكافة من القراء، وإنك لترى هذا ~~الرجل ينظر في كبرياء إلى حياتنا الضئيلة، فينطق للناس بفلسفة تسحق أحلامهم سحقا في منطق ~~هادئ رزين، وبعبارة قوية رائعة، فما نحسب أن قد تهيأ للفلسفة منذ عهد «أفلاطون» من جودة ~~الصياغة ما أتيح لها على يدي «سنتيانا» ألا ما أجل رجلا تلتقي فيه روعة الجمال وصيحة ~~الحق. # جورج سنتيانا. # اطمأن «سنتيانا» بعدئذ إلى ما نال من شهرة، وقنع بإنتاج قليل من الشعر والمؤلفات ~~الثانوية يخرجها الحين بعد الحين، وغادر هارفارد إلى إنجلترا ليقضي فيها بقية عمره، فظن ~~الناس أن قد انتهت رسالة «سنتيانا»، ولكن ما أشد عجبهم حين كانت سنة 1923م، فنشر مؤلفا ~~قيما في «الشك وإيمان الحيوان»، وأعلن أن هذا الكتاب مقدمة لنظام فلسفي جديد. إننا سنبدأ ~~في عرض فلسفته بهذا الكتاب الأخير، إذ هو الطريق إلى فهم فلسفته كلها. ~~(2) الشك وإيمان ms337 الحيوان # أراد «سنتيانا» في هذا الكتاب أن يمحو بادئ بدء نسيج العناكب الذي نسجته نظرية المعرفة، ~~فوقفت به حجر عثرة في سبيل الفلسفة الحديثة لا تأذن لها بالنمو والتقدم. نعم ينبغي له أن ~~يمحو ذلك النسيج قبل أن يشرع في بناء «حياة العقل»، فأخذ يبحث أولا في نشأة العقل البشري ~~وحدوده؛ لأنه يعلم أن أسوأ ما يزل فيه الفكر هو أن يقبل الآراء التقليدية قبولا أعمى، ولذا ~~فهو يبدأ بالشك فيقول: يصل إلينا العالم الخارجي خلال الحواس، فيمتزج بصفاتها وخصائصها، كذلك ~~إذا ذكر الإنسان الحوادث الماضية استعان بذاكرته، والذاكرة تؤثر فيها الرغبة فتلونها كما ~~تشاء، وإذن فالعالم كما يبدو لنا، والماضي كما نذكره قابلان للشك، أما ما يثق بصحته ~~«سنتيانا» ولا يشك فيه فشيء واحد هو الإدراك الآني، أي الإحساس الذي يستقبله الشخص في لحظة ~~ما، فهذا اللون وهذه الصورة وذلك الطعم وتلك الرائحة، كل هذه وما شاكلها هي العالم ~~«الحقيقي». # يقول «سنتيانا»: إن المذهب المثالي صحيح لا غبار عليه، ولكنه لا ينتهي إلى نتيجة ذات خطر، ~~نعم نحن نعرف العالم بوساطة أفكارنا فقط، ولكن ما دام العالم بدا خلال الأجيال السالفة ~~كلها، وكأنه يسير وفق إحساساتنا التي ندركها عنه - أعني أن الدلائل كلها قائمة على أن إحساس ~~الإنسان صحيح، ولا يختلف عما يبدو في العالم الخارجي - فيحق لنا إذن أن نقبل فلسفة ~~البراجماتزم كما هي. # إن عقيدة الإنسان قد تكون خرافية، ولكن هذه الخرافة نفسها خير ما دامت الحياة تصلح بها ~~وصلاح الحياة خير من استقامة المنطق، أي إن الخرافة أفضل لنا من القياس المنطقي الصحيح إذا ~~كانت الحياة تصلحها الخرافة أكثر مما يقومها ذلك القياس. إن كثرة الشك في صحة ما تأتي به ~~التجربة الحسية قد أدى بالفلاسفة الألمان - الذين بالغوا في ذلك الشك مبالغة فيها كثير من ~~الإسراف - إلى حد المرض، فكانوا في محاولتهم التخلص من ذلك الخطأ الموهوم، كالمجنون ينفق ~~عمره في غسل يديه من لوث يتوهمه وليس له وجود، ومن العجيب أن هؤلاء الفلاسفة أنفسهم ms338 الذين ~~يبحثون عن العالم في باطن عقولهم يعيشون في حياتهم العملية كما يعيش سائر الناس، أي على ~~اعتبار أن العالم الحسي موجود، فهم إذن يعترفون في حياتهم اليومية بما أنكروه في ~~فلسفتهم. ~~(3) العقل في العلم # ليس العقل عدوا للغرائز، بل إنه ليعينها في توفيق ونجاح، والعقل فينا عبارة عن الطبيعة ~~قد بلغت مرتبة الإدراك، فهي إذ تستهدي به إنما تسترشد بضوء نفسها في تبين طريقها، ومعرفة ~~الغاية التي تسعى إليها. إن العقل هو ازدواج جميل بين الحافز الذي يدفع والفكر الذي يفهم، ~~ولو انفرط ما بين هذين العنصرين من رباط لانقلب الإنسان وحشا ضاريا أو مجنونا لا يعي ~~العقل هو «تقليد الإنسان لله»، ويقيم «سنتيانا» كتابه في «حياة العقل» على العلم؛ إذ في ~~العلم من ألوان المعرفة ما يوثق بها ويركن إليها. نعم إنه يعلم مقدار ما في العقل من ضعف، ~~وما في العلم من وهن، ولكنه رغم ذلك يصر على أن يكون العلم عمادنا الوحيد الذي نثق به، ~~وهكذا صمم «سنتيانا» أن يفهم الحياة، شاعرا بما شعر به «سقراط» من أن الحياة بغير بحث ليست ~~جديرة بالإنسان. فينبغي أن نضع في ضوء العقل كل نواحي التقدم الإنساني، وكل ما يتصل ~~بالإنسان من تاريخ. # و«سنتيانا» متواضع لا يقدم للناس فلسفة جديدة، بل يريد فقط أن يطبق الفلسفات القديمة على ~~حياتنا الحاضرة معتقدا أن الفلاسفة الأقدمين هم خير الفلاسفة جميعا، وعلى رأس هؤلاء ~~«ديمقريطس» و«أرسطو» فهو يمتدح في الأول نزعته المادية الواضحة، وفي الثاني رزانته وحكمته ... ~~أخذ «سنتيانا» من «ديمقريطس» مذهبه الذري، ومن «أرسطو» نظريته الأخلاقية في الأوساط، وبهذين ~~السلاحين واجه مشكلات الحياة الحاضرة، وهو يقول في نزعته المادية: ~~«إنني في الفلسفة الطبيعية مادي صميم، ولكني لا أزعم أنني أعرف ما المادة في ذاتها، فعلى ~~رجال العلم أن ينبئوني بهذا، ولكن مهما تكن المادة فأنا أسميها مادة بكل جرأة، كما أسمي ~~أصدقائي «سمث» و«جونز» إلخ دون أن أعرف أسرارهم.» # ولا يسمح «سنتيانا» لنفسه باعتناق الحلولية، التي ليست في رأيه إلا مهربا ms339 من الإلحاد، ~~فنحن لا نضيف إلى الطبيعة شيئا حين نسميها «الله»، ولكنا مع ذلك نقرأ في شعر «سنتيانا» أن ~~العالم الذي لا ربوبية فيه يكون موحشا لا لذة فيه ولا متاع، وهو يسائل نفسه: لماذا كان ~~الضمير الإنساني دائم الثورة على الطبيعة متمسكا بالغيب الخفي؟ أذلك لأن النفس قريبة الشبه ~~بما هو مثالي خالد، فهي لا تقنع بالموجود بين يديها وتطمع في حياة أفضل؟ هل تحزنها فكرة ~~الموت فتعلق رجاءها في قوة خفية تكتسب بها الدوام والخلود وسط هذه الحركة المتدفقة والتغيير ~~الذي يحيط بها؟ يجيب «سنتبانا»: «إني أعتقد أن ليس ثمة شيء خالد، لا شك أن روح العالم ~~وطاقته هما اللذان يعملان فينا، كما أن البحر هو الذي يرتفع في كل موجة صغيرة، إن الحياة ~~ستمضي في طريقها خلالنا غير آبهة بصياحنا، وكل ما نمتاز به هو أننا ندركها وهي ~~ماضية.» # ويظهر «لسنتيانا» أن أساس العالم كله آلي، ولذا فعنده أن أفضل طريقة للبحث في علم النفس ~~هي التسليم بهذا المبدأ الآلي في كل العمليات النفسية ما خفي منها وما ظهر، وعلم النفس لا ~~ينتقل من الأدب إلى العلم إلا إذا أخذ يبحث عن الأساس الآلي والمادي لكل ما يحدث في العقل، ~~فلقد وجد السلوكيون # Behaviourists # 20 # اليوم الطريق القويم والنهج الصحيح، فينبغي أن يمضوا فيما هم فيه بغير تردد أو ~~خوف. # الحياة كلها مادية آلية، فليس يحرك الجسم الإنساني إدراك عقلي، بل حرارة تستخدمها ~~الرغبات والدوافع في التأثير على المخ والجسد، وإذن فليس الفكر أداة العمل، ولكنه مسرح ~~تنطبع فيه صور التجارب، ومستودع نخزن فيه ما يسرنا من الأخلاق وضروب الجمال. # لعمري إن «لالاند # Lailande ~~» الذي يقال إنه أخذ يبحث في السماء بمنظاره المكبر عن الله فلم ~~يجده، لو بحث بمجهره عن العقل في مادة المخ لما وجده. فالاعتقاد بوجود مثل هذه القوة فينا ~~هو بغير شك كالاعتقاد في قوى السحر، فمهما بحث العالم النفسي في الإنسان فلن يرى إلا حقائق ~~فيزيقية، وما النفس إلا نوع من التنظيم ms340 الدقيق السريع داخل مادة الحيوان، هي شبكة دقيقة من ~~الأعصاب والأنسجة تنمو على مر الزمن. # انظر إلى أي حد من النزعة المادية ذهب هذا الفيلسوف! أليس من العجيب أن رجلا مثل ~~«سنتيانا»، وهو المفكر الرقيق والشاعر المتخيل، يغل عنقه بهذه الأثقال من فلسفة مادية جاهدت ~~قرونا طويلة، ثم انتهت واهنة ضعيفة كما بدأت؟ فهي فلسفة تعجز أن تفسر ازدهار الزهرة أو ~~ابتسامة الطفل! وإن من حقنا أن نسائل «سنتيانا»: إذا لم يكن للإدراك تأثير على الجسم في ~~حركته، فلماذا تطور ونما، ولماذا يحيا في عالم لا يلبث أن يسحق ما لا ينفع للحياة ويمحوه من ~~الوجود؟ إن الإدراك أداة للحكم، وظيفته الحيوية أن يستجيب للمؤثرات الخارجية، ولسنا بشرا ~~إلا بهذا الإدراك وحده، ولقد يكون في تفتح الزهرة وابتسامة الطفل من سر الكون ما لا يتوفر ~~في أية آلة سارت في يابس، أو سبحت على ماء، وإنه لخير لنا أن نفسر الطبيعة بالحياة من أن ~~نصوغها في عبارة الموت. # ولكن «سنتيانا» لم يرضه هذا، فقد قرأ «برجسون»، ثم انصرف عنه مستخفا بفلسفته. ~~«ما هذه الغاية الخالقة المبدعة (التي يقول بوجودها برجسون) والتي لا بد لها أن تنتظر ~~الشمس والمطر لتبدأ عملها؟ ما هذه الحياة التي تنمحي في الفرد إذا ما أصابته رصاصة؟ ما هذا ~~الدافع الحيوي الذي يمحوه من الوجود أقل هبوط في درجة الحرارة؟» ~~(4) العقل في الدين # طرح «سنتيانا» العقيدة الدينية جانبا، ولكنه ما فتئ يحبها ويقدرها، كما قد يحب الرجل ~~المرأة التي خدعته: «إنني أصدق المذهب الكاثوليكي، ولو أنني أعلم أنه كاذب.» وهكذا نرى ~~«سنتيانا» يأسف لإيمانه المفقود، إذ يعتقد أن الإيمان «غلطة جميلة أكثر ملاءمة لنوازع النفس ~~من الحياة نفسها.» # كان هذا الكفر المؤمن، هذا الميل إلى الدين، دافعا «لسنتيانا» على كتابة مؤلفه الشهير ~~«العقل في الدين» الذي ملئت صفحاته باللاأدرية، ولكنها لاأدرية امتزجت بأعمق الحزن على ~~الإيمان، فلقد كان هذا الفيلسوف يرى في الكاثوليكية من الجمال ما يبعثه على حبها، ويسخر من ~~العلماء الذين يتوهمون أنهم قد ms341 أثبتوا بطلان الدين بالعلم! دون أن يبحثوا عن الأصل الذي ~~نشأت عنه عقائد الدين، ودون أن يعلموا معنى تلك العقائد ووظيفتها الحقيقية. أليس مما يلفت ~~النظر ويستثير البحث أن نرى الناس في كل مكان على وجه الأرض يدينون بعقيدة ما؟ فكيف لنا ~~إذن أن نفهم الإنسان إذا لم نفهم الدين؟ ويرى سنتيانا - كما ارتأى ليوكريتس # Lucretius ~~- بأن ~~منشأ العقيدة في الآلهة هو الخوف، ثم عاون الخوف الخيال، إذ أخذ الإنسان ينسج بخياله جملة ~~أساطير تشخص الآلهة وتروي عنهم القصص، والحق أن قد كان في تلك الأساطير الأولى من الشعر ما ~~خفف عن الناس أعباء الحياة، أما الآن فقد ضعفت هذه النزعة الأسطورية لما أحدثه الاتجاه ~~العلمي السائد من رد فعل قوي للخيال، غير أن الشعوب الأولية، وبخاصة في الشرق الأدنى لم ~~يكبح فيها ذلك الميل الشعري الخيالي كابح (!) فترى فيه من الكتب الدينية ما يزخر بألوان ~~الشعر وضروب البيان من تشبيه واستعارة وما إليهما، مثال ذلك كتاب العهد القديم (التوراة)، ~~فاليهود الذين كتبوه لم يريدوا بما أوردوا فيه من استعارات معناها الحرفي، فلما أخطأ ~~الأوروبيون - وهم أضيق من أولئك خيالا وأكثر حرفية في تفسير ما يقرءون - ونظروا إلى تلك ~~القصيدة على أنها نوع من العلم يفهم على حقيقته تولد من ذلك لاهوت أوروبي خاص. فلقد كانت ~~المسيحية أول الأمر مزيجا من اللاهوت اليوناني والأخلاق العبرية، ولكنه كان مزيجا ~~متنافرا غير منسجم، فكان من الطبيعي أن ينفصل العنصران، فاستقل العنصر اليوناني الوثني في ~~المذهب الكاثوليكي، واستولت صرامة الأخلاق العبرية على المذهب البروتستانتي، وكان للأول ~~نهضة الإحياء # Reniassance ~~، وكان للثاني حركة الإصلاح # Reformation ~~. # ويلاحظ «سنتيانا» أن الشعب الألماني - ويسميه برابرة الشمال - لم يدينوا قط بالديانة ~~المسيحية الصحيحة، فسادت فيهم أخلاق غير مسيحية، إذ سادت القوة وحب الشرف، استمدوها من أصل ~~غير مسيحي - من العاطفة والخرافة والأساطير - كذلك عوف هؤلاء التيوتون بمزاجهم الحربي الذي ~~ينافي الميل الشرقي إلى السلام، كما أنهم بدلوا المسيحية من ديانة الحب الأخوي إلى الصفات ~~التي تعمل على النجاح ms342 الدنيوي، ومن ديانة الفقر إلى ديانة القوة والثراء، ويرى «سنتيانا» أن ~~لا شيء يعدل في جماله المسيحية على شرط ألا تفهم بتفسيرها الحرفي وإلا لكانت ~~متناقضة. ~~(5) العقل في المجتمع # المشكلة الكبرى التي على الفلسفة أن تجد لها حلا هي أن تحمل الناس على الفضيلة دون أن ~~تثير فيهم مخاوف الغيب وآماله، ولقد حلت هذه المسألة حلا نظريا على يدي «سقراط»، ثم ~~على يدي «سبينوزا»، فكلا هذين الفيلسوفين قدم للعالم نظاما كاملا من الأخلاق، فإذا ~~أفلحنا في حمل الناس على اتباع أي الأخلاقين في حياتهم العملية لتم للفلسفة ما تريد، ولأصبح ~~الناس كلهم في سعادة وخير. ولكن من العسير على الناس أن يعيشوا وفق تلك المثل الأخلاقية ~~التي ستظل - فيما يظهر - ترفا عقليا للفلاسفة لا أكثر ولا أقل، فلننشد إذن رقينا ~~الأخلاقي في غير هذه السبل. لننشده في تنمية العواطف الاجتماعية التي تزدهر في ظلال ~~الحب. # فلقد أصاب «شوبنهور» حين قال إن الحب خداع الجنس للفرد، فإن «تسعة أعشار الدافع إلى الحب ~~كائنة في المحب.» وكذلك كان على حق حين قال إن الحب يصهر نفس الفرد ويدمجها في تيار ~~الجنس، ولكن إذا كان في الحب أعظم تضحية يقوم بها الفرد ففيه كذلك أتم سعادة. ولقد روي عن ~~«لابلاس» أنه قال وهو على فراش الموت: إن العلم أمر تافه، وأن ليس ثمة من حقيقة سوى الحب. ~~فليكن في الحب ما فيه من خداع، ولكنه ينتهي في العادة بصلة القربى بين الوالد والولد، وهي ~~صلة ترضي الغرائز البشرية أكثر جدا مما في حياة العزوبة من أمن وهدوء، فالأبناء هم ~~خلودنا، وليس أرضى لنفوسنا من أن نرى (متن) الحياة الخالدة قد ظهر في «نسخة» أخرى أفضل من ~~الأولى. # والأسرة هي السبيل إلى دوام الإنسانية، ولذا فهي أصل التقاليد بين الناس، فهي وحدها كفيلة ~~بدوام الجنس، ولكن المدنية لا ترقى على يدي الأسرة وحدها إلا بدرجة محدودة، ثم تحتاج ~~المدنية لاطراد تقدمها إلى نظام أشمل لا تكون الأسرة فيه هي الوحدة، وأعني بذلك الدولة، ~~ولقد ms343 تكون الدولة وحشا طاغيا كما قال عنها «نيتشه»، ولكن هذا الطغيان الذي يركز في هيئة ~~واحدة يسحق كل ضروب الطغيان الأخرى التي أزعجت الحياة قبل تكوين الدولة، ومن هنا نشأت ~~الوطنية في الناس؛ إذ يعلمون أن ما يدفعونه للحكومة من ثمن أقل من تكاليف الفوضى، ولكن ~~«سنتيانا» لا يفوته هنا أن يلاحظ أن هذا الضرب من الوطنية له ضرره الجسيم، فهو يصم دعاة ~~الإصلاح والتغيير بوصمة الخيانة، مع أن حب الفرد لبلاده حبا صحيحا ينبغي أن يتضمن رغبته ~~في تغيير حالتها الراهنة ليسير بها نحو مثلها الأعلى. # وينتقل «سنتيانا» بعد ذلك إلى الحروب وما تجره على الإنسانية من ويلات، ويرى أن «الألعاب ~~الأولمبية» التي تهيئ ميدانا للتنافس بين الدول ربما أفادت في محو الحروب، ويميل «سنتيانا» ~~إلى نظام الأرستقراطية، إذ يرى أن ما عرفه العالم من ثقافة هو ثمرة ذلك النظام. فليست ~~المدنية إلا انتشار عادات نشأت عند الأفراد الممتازين، ثم فرضت نفسها على الناس فرضا. وإن ~~دولة تتألف كلها من العمال والمزارعين - كما تتألف الأمم الحديثة - لدولة متأخرة غاية ~~التأخر، تموت فيها كل تقاليد الحرية. «فسنتيانا» يكره المساواة، ويوافق «أفلاطون» «بأن ~~المساواة بين غير المتساوين هي لا مساواة.» ولكنه حين يحبذ الأرستقراطية لا يفوته أن ~~التاريخ قد جربها، فوجد لها من العيوب ما يتعادل مع فضائلها، فهي تسد الطريق دون نبوغ أفراد ~~الشعب ولا تسمح إلا للنبوغ العريق، فالنظام الأرستقراطي يخدم الثقافة، ولكنه كذلك يخدم ~~الطغيان، وهو إن هيأ الحرية لعدد قليل فإنه يقضي بالعبودية على الملايين، إن أفضل نظام ~~سياسي هو ما يهيئ الفرصة لكل فرد في المجتمع أن ينمي ملكاته وقواه، فالديمقراطية من هذه ~~الناحية تفضل الأرستقراطية، ولكن لكل فرد في المجتمع أن ينمي للديمقراطية أيضا شرورها، فهي ~~تجر وراءها الفوضى والفساد، وهي فضلا عن ذلك تتميز بطغيان خاص بها ألا وهو عبادة المساواة ~~والتمسك بالتشابه التام بين الأفراد، وهذا الضرب من الطغيان خبيث ممقوت يقضي على كل تجديد، ~~ويسحق كل عبقرية. # يوازن «سنتيانا» بين الأرستقراطية والديمقراطية ms344 فيفضل الأولى قائلا: إن الحكمة دون الحرية ~~هي الخير الأسمى، ولكن هل نقبل الأرستقراطية على إطلاقها؟ إنما يريد «سنتيانا» أرستقراطية ~~غير وراثية، فيتولى الحكم ذوو الكفاية والشرف، وهو ما يسمى «بالتيمقراطية»، فيفسح المجال ~~لكل رجل أو امرأة إذا أبدى أو أبدت كفاية ممتازة، فله أو لها أعلى مناصب الدولة، فالمساواة ~~التي تسود عندئذ بين الناس هي الفرصة التي تهيأ لكل فرد ليبرز شخصيته، في مثل هذه ~~الحكومة ينحصر الفساد في أقل حيز ممكن، ويزدهر العلم والفن بما يجدان من تشجيع. # إن التآلف بين الأرستقراطية والديمقراطية إذن هو ما ينشده العالم لينجو مما هو فيه من ~~الفوضى السياسية، فلا ينبغي أن يحكم إلا الأفضلون، ولكل إنسان فرصة أن يكون بين هؤلاء ~~الأفضلين إن كان جديرا بها، وهكذا نرى أفلاطون يتحدث من جديد على لسان «سنتيانا»، فليس ~~هنالك فلسفة واحدة ترمي ببصرها إلى الأفق البعيد دون أن تنادي بوجوب تسليم الحكم إلى ~~«الملوك الفلاسفة» الذين نادى بهم «أفلاطون» في جمهوريته، وإنه ليتضح من هذا أننا كلما ~~أمعنا الفكر في الموضوعات السياسية عدنا إلى «أفلاطون»، فكأن العالم في الحقيقة لا تعوزه ~~فلسفة جديدة إنما تنقصه الشجاعة وحدها لينظم حياته وفق أقدم فلسفة وأفضلها. ~~(5-5) وليم جيمس # William James # ولد «وليم جيمس» في نيويورك سنة 1841م، وبعد أن أنفق بضع سنوات في المدارس الأمريكية أرسل ~~إلى المعاهد الخاصة بفرنسا، وهنالك صادفته بعض المصنفات في علم النفس فأخذ يطالعها، ومن ثم ~~اتخذ لنفسه ذلك الاتجاه، ثم عاد بعد أن أكمل دراسته إلى وطنه الأمريكي، فلم يلبث أن صعد إلى ~~قمة الشهرة فذاع اسمه ذيوعا لم يعهد لأمريكي من قبله، ولقد نال إجازة «الدكتوراه» من ~~جامعة هارفارد سنة 1870م، واشتغل بالتدريس في تلك الجامعة نفسها من سنة 1872م حتى وافته منيته ~~عام 1910م، فحاضر أول ما حاضر بالجامعة في التشريح وعلم وظائف الأعضاء، ثم في علم النفس، ~~وأخيرا حاضر في الفلسفة. ولعل أعظم مؤلفاته هو أولها صدورا «أصول علم النفس» وهو مزيج ~~رائع من التشريح والتحليل ms345 النفسي والفلسفة، إذ كان علم النفس عند «جيمس» يغتذى من أمه ~~الأولى «ما وراء الطبيعة»، ولم يكن بعد قد انفصل واستقل، ولكن «جيمس» عاد آخر الأمر فانصرف إلى الفلسفة وحدها، فجاءت كل مؤلفاته التي نشرها بعد سنة 1900م في ~~ميدان الفلسفة، إذ بدأ بكتابه «إرادة الإيمان # The Will to Believe ~~» سنة 1897م، ثم أعقبه ~~بكتاب «صنوف من التجربة الدينية # Varieties of Religious Experience ~~» سنة 1902م، ثم جاءت بعد ~~ذلك كتبه الشهيرة في «البراجماتزم» سنة 1907م، و«الكون المتعدد # A Pluralistic Universe ~~» سنة ~~1909م، و«معنى الحقيقة # The meaning of Truth ~~» سنة 1909م، وبعد وفاته بعام واحد نشر له كتاب ~~«بعض مسائل الفلسفة» سنة 1911م، وأخيرا نشر له سنة 1912م كتاب ~~المتطرف «مقالات في المذهب التجريبي المتطرف # Essays in Radical Empiricism ~~»، وسنعنى في عرض فلسفته بمذهب «البراجماتزم» الذي ~~يصور الفكر الأمريكي تصويرا دقيقا. # وليم جيمس. ~~(1) البراجماتزم # لبثت الفلسفة دهرا طويلا تسبح في سماء الفكر المجرد، ولا تصغي بآذانها إلى الحياة ~~العملية التي تعج بأصدائها أرجاء الأرض جميعا، ولا تحفل بالواقع الذي تراه الأبصار إلا ~~قليلا، فقد قصرت مجهودها في الأعم الأغلب على جوهر الأشياء في ذاتها وأخذت تسائل: ما ~~المادة وما الروح وما مبعثهما؟ ولكنها باءت بعد طول الكدح والعناء بالفشل والإفلاس، حتى ~~جاءت هذه الفلسفة الأمريكية التي تمقت البحث النظري المجدب العقيم، وأرادت أن تنحو بالفكر ~~نحوا جديدا، فلا يكون من شأنه كنه الشيء ومصدره، بل نتيجته وعقباه، وكان «وليم جيمس» هو ~~أول من صاغ هذا المذهب. ولقد اعترف «جيمس» أنه استمد أصول مذهبه وقواعده من أشتات قديمة، ~~وأن له فضل الصياغة والتعبير، أما رسالته التي قصد إلى أدائها بمذهبه، فهي في أوجز عبارة أن ~~يتخذ الإنسان من أفكاره وآرائه ذرائع يستعين بها على حفظ بقائه أولا، ثم على السير بالحياة ~~نحو السمو والكمال ثانيا. # إنه لمن الغفلة والشطط أن نؤتى هذه القوة العقلية، فنبددها في البحث عما وراء الطبيعة من ~~قوى مما لا غناء فيه للإنسان ولا رجاء، إن العقل إنما ms346 خلق ليكون أداة للحياة ووسيلة لحفظها ~~وكمالها، فلينصرف إلى أداء واجبه، وليضرب في معمعان الحياة العملية الواقعة، فليست مهمته أن ~~يصور بريشته عالم الغيب المجهول الذي لا يكاد يربطه بحياة الإنسان سبب من الأسباب، ولكن ~~مقياسه الذي يفصل به بين الحق والباطل هو مقدرة الفكرة المعينة على إنجاز أغراض الإنسان في ~~حياته العملية، فإن تضاربت الآراء وتعارضت كان أحقها وأصدقها هو أنفعها وأجداها، ذلك الذي ~~تنهض التجربة العملية دليلا على فائدته، وكل شيء يؤثر في الحياة تأثيرا منتجا يجب أن ~~يكون في اعتبارنا هو الحقيقة بغض النظر عن مطابقته لما يخلقه الفكر المجرد من معايير، إذ لا ~~يعول مذهب الذرائع إلا على النتائج وحدها، فإن كان الرأي مثمرا نافعا قبلناه حقيقة، وإلا ~~أسقطناه من حسابنا وعددناه وهما باطلا. # والواقع أن معظم الناس يتبعون في حياتهم العملية أصول هذا المذهب، فهم ينتقون لأنفسهم من ~~الآراء ما يعين على تحقيق أغراضهم التي يقصدون إليها، أو ما يعمل على رقي الإنسانية وتقدم ~~البشر بصفة عامة. خذ العقيدة في الله مثلا، فالأكثرية العظمى تأخذ بها، لا لأن الدليل ~~قاطع بوجوده (فذلك أبعد عن متناول الدهماء)، ولكن لأنها ترى أن هذه العقيدة تبث في حياة ~~الناس روحا قوية، وتفسح أمامهم في الأمل الجميل الذي تزدهر به الحياة وتبتسم، والذي لولاه ~~لضقنا ذرعا بفداحة عبئها، فليس منا من لا يقيس الآراء بظروف عيشه، ثم يختار منها أنسبها له ~~وأفعلها في أداء مهمته، فسلوكنا العملي هو الذي يوجه أفكارنا، وليست أفكارنا هي التي توجه ~~أعمالنا. ولقد قال «موسوليني» يوما إنه يدين «لوليم جيمس» بكثير من آرائه السياسية، وإنه ~~بتأثيره لا يحتكم في سياسته إلى نظريات العقل المجرد، إنما يسلك من السبل ما يراه أقوم وأدنى ~~إنتاجا، وإن «نيتشه» ليذهب في هذا الاتجاه إلى أقصاه، فيقرر أن الباطل إذا كان وسيلة ناجعة ~~لحفظ الحياة كان خيرا من الحقيقة، فبطلان الرأي لا يمنع قبوله إذا كان عاملا من عوامل ~~بقاء الفرد وحفظ النوع، فلرب أكذوبة أو أسطورة تدفع الحياة ms347 إلى الأمام بما تعجز عنه الحقيقة ~~المجردة العارية، انظر كيف تفعل الوطنية في رأس الجندي، فيطوح بنفسه بين براثن الموت، ولو ~~حكم عقله المجرد لما فعل، انظر كم يبذل الآباء والأمهات من مجهود في سبيل أبنائهم ولو ~~استرشدوا العقل وحده لآثروا أشخاصهم ولضنوا على الأبناء بأي بذل أو عطاء، ولكننا لحسن ~~الطالع ذرائعيون بالفطرة فنعتنق من الآراء أحفظها للحياة، ولولا ذلك لظلت الإنسانية في ~~حيوانيتها الأولى لا تتقدم ولا تسير، ولا يقتصر الأمر في ذلك على عامة الناس، بل إن أرباب ~~العلم أنفسهم ليأخذون بطائفة كبيرة من الآراء التي تعين على المضي في بحثهم، دون أن ينهض ~~الدليل العقلي على صحة تلك الآراء التي اتخذوها أساسا لأبحاثهم، فلا يدري العلم ما الأثير ~~وما الجاذبية وما المادة وما الطاقة وما الكهرباء؟ ولكنه يفرضها؛ لأنها تعينه على أداء ~~مهمته، وهذا بعينه ما يدعو إليه مذهب الذرائع (البراجماتزم)، فيكفي لأن تكون تلك الآراء ~~صحيحة أنها توجهنا في حياتنا توجيها صحيحا، فلا يعنينا في كثير أو قليل أن نعلم ما هي ~~الكهرباء في ذاتها ما دمنا نستطيع أن نستخدمها، فحسبنا من معناها آثارها، وليكن معنى ~~الكهرباء هو ما تعمله وما تؤديه، وعلى هذا النحو يمكننا أن نتخلص من أعوص المسائل الفكرية ~~التي أرهقت الفلسفة بغير طائل. فلندع جانبا كل بحث عن ماهية القوة أو ماهية المادة أو ماهية ~~الله وما إلى ذلك، وحسبنا منها أن نبحث عن الآثار التي تنشأ عنها في حياتنا اليومية ~~العملية، فإن لم يكن لها آثار فيما نصادف من تجارب وجب اعتبارها ألفاظا جوفاء لا تحمل من ~~المعنى شيئا. # وهكذا يريد مذهب الذرائع (البراجماتزم) أن تكون كل فكرة وسيلة لسلوك عملي معين، أعني أن ~~تكون الفكرة تصميما لعمل يقوم به الإنسان، أو لا تكون على الإطلاق، فالفكرة التي تحيا في ~~الذهن وحده ليست جديرة بهذا الاسم، ولا خير فيها إلا إن كانت مرشدا للإنسان في حياته ~~وسلوكه، فيكون مثلها مثل اللون الأحمر أو الأخضر على السكة الحديدية يراهما سائق القطار، ms348 ~~فيوجهان تصرفه توجيها معينا، أو كالعلامات الموسيقية كل قيمتها في توجيه حركات ~~الموسيقي، فإن لم تفد ذلك كانت عبثا صبيانيا لا يعني شيئا. فيجب على هذا الأساس أن ~~تكون كل فكرة في أذهاننا مرشدا عمليا يرسم لنا سلوكنا، ويضع لنا القواعد التي ينبغي أن ~~نسير على مقتضاها في حياتنا اليومية، أو بمعنى آخر تكون أساسا لعادة معينة. ففكرة الجاذبية ~~مثلا معناها محصور في تكوين عادات معينة أستعين بها في سلوكي، فأعرف كيف أنظم علاقاتي ~~بالأشياء تنظيما ملائما، فأحمل كوب الماء مثلا وفمه إلى أعلى، حتى لا ينسكب الماء بفعل ~~الجاذبية، وأمشي معتدل القامة خشية السقوط بفعل الجاذبية، وأشيد مسكني مستقيم الجدر لئلا ~~ينهار بفعل الجاذبية وهلم جرا. أما إن كانت حياتي لا تتأثر بهذه الفكرة، وكنت لا أصادف لها ~~آثارا فيما أصادف من تجارب، كانت في اعتباري وهما وخطأ، بغض النظر عن حقيقة وجودها في ~~العالم الخارجي أو عدم وجودها، فالرأي الصحيح هو ما ييسر لي سبيل الحياة، ويعمل على توفيقها ~~ونجاحها، والرأي الباطل هو ما يفعل عكس ذلك، أو ما لا أرى له أثرا في الحياة. # وظاهر أن نظرية التطور تؤيد هذا المذهب؛ لأن العقل عندها ليس إلا عضوا كسائر الأعضاء ~~يتذرع به الإنسان في تنازع البقاء، وأنه لو لم يكن العقل أداة من أدوات البقاء لما وجد ~~أصلا، وإذن فالفكرة التي تنشأ فيه لا تكون صادقة بمقدار مماثلتها للحقيقة الواقعة في ~~الخارج، كلا بل مقاس صدقها هو مقدرتها على إجابة الظروف المحيطة بنا على النحو الذي يمكن ~~لنا في البقاء. ولتوضيح ذلك نقول: إنه من المعلوم أن الأشياء الخارجية في ذاتها ليس لها ~~ألوان، إنما الألوان من صنع أعيننا، ولكني ما دمت أستطيع بفكرة اللون التي في ذهني - وإن لم ~~تكن موجودة في الخارج - أن أميز الأشياء فأعرف التفاحة الناضجة مثلا باحمرارها والفجة ~~باخضرارها، ففكرة اللون صحيحة صادقة. كذلك قل في الصوت، فليس للأصوات وجود في الخارج، إنما ~~هي أمواج تقصر حينا وتطول حينا، حتى إذا ما قرعت ms349 الأذن، ترجمتها بما نعهد من أصوات، ولكن ~~ماذا يعنيني من عدم مماثلة فكرة الصوت في ذهني للأمواج الخارجية في الهواء ما دمت أعرف أن ~~هذا الصوت يدل على سيارة قادمة، فأنجو بحياتي من الخطر؟ إن فكرة الصوت حقيقية ما دامت تعمل ~~على نجاح الحياة كما يعرفها «سبنسر» هي ملاءمة حياة الإنسان الداخلية للظروف الخارجية، وإذن ~~فالعقل الصالح للحياة هو ذلك الذي يدرك اختلاف الظروف لنعدل من سلوكنا بما يلائم الموقف ~~الجديد. وليس يعنينا بعد ذلك في كثير ولا قليل أن تكون الصورة الذهنية التي رسمها لنا ~~العقل عن الأشياء الخارجية مطابقة لأصلها أو مشوهة محرفة، فالحقيقة العليا في الوجود هي ~~الاحتفاظ بالبقاء أولا، ثم الارتفاع بالحياة نحو الكمال، فكل ما يؤدي إلى ذلك هو حق صريح، ~~وفي ذلك يقول «ديوي» العالم الأمريكي المعروف: إن الفكرة أداة لترقية الحياة، وليس وسيلة ~~إلى معرفة الأشياء ذاتها، ويقول «شلر»: إن الحقيقة هي ما تخدم الإنسان وحده. وكلا الرجلين ~~من دعاة هذا المذهب. # ونحن نجمل فيما يلي الشروط الثلاثة التي يضعها مذهب الذرائع لصدق فكرة ما: # فأولا: # يجب أن يكون للفكرة قيمة فورية # Cash Value # ومعناها أن الإنسان يجب أن يشاهد ~~صحة رأيه أو خطأه في تجربته العملية، فإن جاءت هذه التجربة العملية موافقة للفكرة كانت ~~الفكرة صحيحة، وإلا فهي باطلة. # وثانيا: # أن تكون الفكرة منسجمة مع سائر أفكاري وآرائي ، فلا يكفي أن تكون كل فكرة ~~صحيحة على حدة بالنسبة لقيمتها الفورية، ولكنها يجب كذلك ألا تناقض الأفكار الأخرى، فلا ~~يجوز مثلا أن أفرض نوعا من الذرات في علم الطبيعة، ثم أفرض نوعا آخر منها في علم ~~الكيمياء، حتى ولو كان كل منهما صحيحا في ميدانه الخاص، فإذا وجدنا أمامنا فكرتين عن شيء ~~ما، كل منهما صحيح بالنسبة لقيمته الفورية، وجب أن نختار إحداهما على أساس البساطة، فأبسط ~~الفكرتين أصحهما، فمثلا لما أتى «كوبرنيك» برأيه الجديد عن الكون يعارض به رأي «بطليموس» ~~القديم، كانت كلتا الفكرتين صادقة إذا قيستا إلى ما ينجم عنهما من ms350 النتائج العملية في حياة ~~الناس، ولكن ما دامت فكرة «كوبرنيك» أقل تعقيدا من الأولى كان لزاما أن يقع عليها ~~اختيارنا. # وثالثا: # ولا بد للفكرة بعد هذا وهذا أن تطمئن لها نفس الإنسان، وترضى بها ما دام ذلك لا ~~يتعارض مع القيمة العملية، فالعقيدة الدينية مثلا - على الرغم من أنها ليس لها قيمة فورية في ~~حياتنا إلا بمقدار ضئيل - (كذا) إلا أنها واجبة؛ لأنها تخلع على حياتنا صبغة من التفاؤل، ~~وهي في الوقت نفسه تنسجم مع الأفكار الأخرى ولا تتعارض معها، ومعنى ذلك أنه إذا تساوت ظروف ~~فكرتين، ثم كانت إحداهما تبعث التفاؤل كانت الأولى بالنسبة لنا أصدق وأصح. فالمؤمن والملحد ~~كلاهما لا تؤثر عقيدته في شئون حياته، ولكن الأول متفائل يرجو الآخرة، والثاني متشائم لا ~~يرجو شيئا، إذن فالإيمان أصدق من الإلحاد وأحق؛ لأنه أجدى على الإنسان وأنفع. # تلك هي الحقيقة في عرف هذا المذهب، ولقد يعترض بحق، أنها قد تؤدي إلى التنافر بين الناس، ~~وإلى عدم انسجامهم في سلك المجتمع؛ لأن كل فرد سينتقي لنفسه الرأي الذي ينفعه بغض النظر عما ~~يتخذه سواه من آراء، وإذن فلسفة الإنسان ستعتمد على مزاجه وظروفه، ولكننا نسارع فنقول: إن ~~مذهب الذرائع قد أحس في نفسه بهذا النقص، فحاول أن يوفق بين قواعده وبين مصلحة الجماعة لا ~~الفرد. فقرر أن الرأي الصحيح هو الذي يكون له فائدة عملية لأكبر عدد ممكن من الناس، بل ~~ويحسن أن تشمل نتائجه النافعة الإنسانية بأسرها، وإذن فلا ينبغي أن نحكم على رأي بالصواب أو ~~بالخطأ إلا بعد تجربة اجتماعية طويلة الأمد. ~~(تم) # | مصادر الكتاب # Dresser ~~(1) History of Ancient and Medieval Philosophy # Alexander ~~(2) A short History of Philosophy ~~(3) Philosophy and Life of Bacon. # Westaway ~~(4) The Scientific Method. # Durant # وقد عولنا عليه في كثير من مواضع الكتاب. ~~(5) The Story of Philosophy. # Erdmann ~~(6) History of Philosophy. # Hocking ~~(7) Types of Philosophy. ~~(8) Modern Philosophy. # Windelband ~~(9) A History of Philosophy. # Box ~~(10) Handbook to the History of Philosophy. ~~(11) Outline of Modern Belief. ms351