######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.QissatNafs.Hindawi63970751 #META# Tags: philosophy :: biographies :: novels #META# ID: 63970751 #META# Title: قصة نفس #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الطبعة الثانية‏ # 1 - أحدب النفس‏ # 2 - حصان من الحلوى‏ # 3 - أطلال دوارس‏ # 4 - فاوست في قبضة الشيطان‏ # 5 - حلم ليلة في منتصف الصيف‏ # 6 - الكاتب الظل‏ # 7 - موت في أسرة الأحدب‏ # 8 - التوائم الثلاثة‏ # 9 - شفق الغروب‏ # خاتمة‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # 1 - أحدب النفس‏ # 2 - حصان من الحلوى‏ # 3 - أطلال دوارس‏ # 4 - فاوست في قبضة الشيطان‏ # 5 - حلم ليلة في منتصف الصيف‏ # 6 - الكاتب الظل‏ # 7 - موت في أسرة الأحدب‏ # 8 - التوائم الثلاثة‏ # 9 - شفق الغروب‏ # خاتمة‏ # | قصة نفس # | قصة نفس # تأليف # زكي نجيب محمود # | مقدمة الطبعة الثانية # صدرت «قصة نفس» في طبعتها الأولى سنة 1965، وكان الكاتب قد بناها على مبدأ فني ارتآه ~~لنفسه إذ ذاك؛ وهو أن يروي قصة تلك النفس من الباطن لا من الظاهر؛ بمعنى أن يكون محور ~~الاهتمام بالخلجات الداخلية قبل أن يكون بالأحداث الخارجية؛ فتلك الأحداث الخارجية على ~~مرأى من الناس ومسمع؛ وأما التأثرات الداخلية التي استثارتها تلك الأحداث في دخيلة ~~النفس، فتحتاج إلى بصيرة نافذة إلى العمق. # لكن لما كان جزء كبير من خلجات النفس في استجابتها للظروف والعوامل المحيطة بها، هو ~~مما يود صاحب تلك النفس أن يخفيه عن الناس؛ فقد اضطر الكاتب إلى اللجوء إلى الرمز؛ فلا ~~الأشخاص يذكرهم على حقائقهم وأسمائهم، ولا الأحداث نفسها يصورها دائما كما وقعت ~~بالفعل. # غير أنه - أعني الكاتب - كان كلما أحس أن الرمز قد تكثف حتى كاد يفقد شفافيته ~~ودلالته، تعمد أن يلقي في سياق الحديث اسما ما أو حادثة معينة بحقيقتها التاريخية ~~الصحيحة، بغية أن يشد القارئ من عالم الوهم إلى دنيا الواقع. # وبعد أن صدرت «قصة نفس» وأصبحت في أيدي القراء، وتحول كاتبها نفسه إلى قارئ لها، بل إلى ~~قارئ ناقد، لقيت إعجابا من جمهور القراء؛ ربما لما كان فيها من تفرد في البناء ~~والصياغة؛ إلا كاتبها، فقد لمح فيها أوجه نقص، حين طالعها بعين الناقد؛ إذ خيل إليه ~~أن الوحدة الفنية فيها لا تخلو من تفكك، كما خيل إليه كذلك أن انتقالها ms001 من خفاء ~~الرموز إلى صراحة العلانية، كثيرا ما جاء انتقالا مفاجئا يحدث ما يشبه الصدمة عند ~~القارئ، ذلك فضلا عن استرسال القصة في ذكر جوانب من تلك النفس لم يكن ينبغي لها أن تجاوز ~~محابسها لتصبح طليقة في الهواء أمام الأبصار. # من أجل هذا، تردد الكاتب في أن يعيد طبع الكتاب، برغم إلحاح الأصدقاء؛ حتى إذا ما ~~أوشكت عشرون عاما أن تنقضي على نشر الطبعة الأولى، وهي فترة لم يكن الكاتب عندما روى قصة ~~تلك النفس أول مرة، يتصور أنها بقيت أمامها لتحياها ولتمتلئ خلالها بخبرات جديدة وخلجات ~~وارتعاشات. # وطلب من الكاتب أن يقدم كتابه للنشر في طبعة ثانية، صادف الطلب - هذه المرة - هوى ~~عنده، إلا أنه هم بما يوشك أن يكون تأليفا جديدا؛ فقد حذفت من الطبعة الأولى فصول، ~~وأضيفت إليها فصول، وأدخلت على ما بقي من فصولها تعديلات كثيرة؛ أملا في أن تجيء ~~صورتها الجديدة خلوا مما بدا لكاتبها أنه عيوب شاهت بها صورتها الأولى. # وكان من أقوى الدوافع التي مالت بالكاتب إلى إخراج قصة تلك النفس في صورة جديدة، أنه كان ~~قد فرغ لتوه من كتابة قصة أخرى يروي بها حياة «عقل ما» كيف سارت وتطورت، وهو يعلم أن بين ~~تلك «النفس» وهذا «العقل» شيئا من صلة القربى، يبرر أن يضعهما معا جنبا إلى جنب بين ~~أيدي القراء. # وبالله التوفيق. # زكي نجيب محمود # ديسمبر 1982 # الفصل الأول # | أحدب النفس # «الحياة عبئها ثقيل على من أصابه في الحياة خذلان.» هكذا قال لي ذلك الرجل العجيب، الذي ~~رأيته أول ما رأيته في زحمة الطريق عابسا، يلتمس لنفسه مسلكا بين مئات الناس الذين خرجوا ~~لتوهم أفواجا من دار السينما، دون أن يمس أحدا منهم بمنكب أو قدم، يتأرجح في مشيته ~~بعض الشيء، ولا يدق الأرض بعقبيه، نظراته تنحدر نحو الأرض أكثر مما تلتفت إلى أعلى أو ~~أمام، كأنما أراد أن يتثبت قبل الخطو من وضع القدم. تبدو على خطواته السرعة وما هي ~~بسريعة، وتشع من جبهته ومن فمه جهامة تصرف ms002 الناظر إلى وجهه عن رؤية ملامح عند النظرة ~~الأولى، حتى إذا ما ثبت الناظر فيه عينيه، وأزال غلالة الجهامة عن صورته، رأى ملامح ثابتة ~~غليظة: حاجبان قويان عريضان أسودان، وأنف طويل مليء، وشفتان مزمومتان، ولحية وشارب ~~كثيفان، شعرهما سميك غليظ اختلط أسوده بأبيضه؛ ملامح تدل كلها على المضاء والحدة ~~والبأس الشديد، لولا أن عينيه تفضحانه فضيحة كبرى؛ إذ تنطقان بأجلى بيان أن الرجل هادئ ~~وادع مستسلم مستكين. # رأيته يمضي في مزدحم الطريق، وقد حمل على ظهره ما خيل إلي أنه ربطة كبيرة بيضاء، ~~شبكها برباط تحت إبطيه لتظل حركة الذراعين حرة، فيطوحهما حينا، ويضع إحداهما في جيب ~~سرواله حينا؛ إنه رجل عجيب يستوقف النظر بين جمع الناس الذين ملئوا الطريق؛ يبدو من دونهم ~~جادا مهموما صامتا، كأنه ينطوي على شيء. ثم ما هذا الحمل الذي حمله فوق ~~كتفيه! # تعقبته مستطلعا، فرأيته يخلص من قلب المدينة إلى طرف من أطرافها بعيد، وهنالك في مكان ~~تغلب عليه الظلمة إلا من شعاع خافت جاءه من مصباح الطريق خلال أوراق الشجر، جلس على ~~جدار لم يتم بناؤه، جلس والحمل على كتفيه، يتململ ويتأرق، ويرتكز على ذراعه اليمنى ~~مرة وعلى ذراعه اليسرى مرة أخرى، والحمل ما زال قائما على كتفيه، فسعلت سعلة خفيفة ~~لأشعره بوجودي على مقربة منه حتى لا يفزع إذا ما دنوت منه؛ ذلك أني خطوت إليه ~~وحييته، قلت: هذا مكان هادئ يوحي بالتأمل. # قال، وقد هزته المفاجأة: نعم، تشعر بهدوئه إذا أويت إليه من قلب المدينة الصاخب. # قلت: إني لأعجب أن أراك ها هنا؛ فما كنت أحسب أحدا سواي يفكر في هذا الركن الهادئ ~~البعيد. # قال: بل العجب عجبي أن أراك؛ فأنا أقضي في هذا الركن المعزول أكثر ساعات المساء، فما ~~رأيتك قبل اليوم وما رأيت أحدا سواك، إنني آوي إلى هذا المكان لأستريح. # قلت: لكنك فيما أرى لا تريد لنفسك الراحة؛ فحملك ما يزال فوق كتفيك. # قال: ما يزال؟! وهل عرفت أنه من الأحمال التي لا تلقى عن الكتفين إلا إذا ms003 فاضت الروح؟ ~~أنا قائم به وقاعد به ونائم به ومستيقظ به. # قلت: وماذا عسى هذا العبء الثقيل أن يكون ؟ # قال: إنه عبء الحياة؛ أما ترى؟ هو عبء الحياة، وقد أنقض والله كتفي، إنه ثقيل على ~~من أصابه في الحياة خذلان. # قلت: إذن فهو حمل نفيس. # قال: ليست نفاسة الحمل بمانعة من أن يكون ثقيلا؛ فالحمار الذي ينوء تحت أثقاله لا يعبأ ~~أن تكون أثقاله تلك من ذهب أو من حطب. # قلت: ولكنك تستطيع أن تلقيه عن كاهلك إذا أردت. # قال: كيف أستطيع؟ إنه متصل بالروح مرتبط بالجسد؛ إن رئتي لتعلوان وتهبطان في صدري ~~كأنهما منفاخ الحداد لا يفتر عن النفخ ليظل للنار وهجها واشتعالها، فلا مناص من أن ~~تظل جذوة الحياة مشتعلة بين جنبي - رضيت أم كرهت - وقد أتمنى لهذه الجذوة المتأججة ~~اللاذعة المحرقة أن تنطفئ فتصبح رمادا تذروه الأعاصير كيف شاءت على يابس أو ماء. # قلت: وما لرئتيك ولهذا الحمل الذي على كتفيك؟ # قال: العلاقة بينهما وطيدة وثيقة؛ فهذا الحمل أطرافه في جوفي، وهو مشدود هناك إلى أوتاده ~~بما هو - في الظاهر - أو هي من نسيج العنكبوت؛ ذلك أنه مشدود إليها بأنفاسي هذه التي ~~ترددها رئتاي شهيقا وزفيرا، مشدود إليها بموجات خفية خفيفة من هواء، ولكن الويل لي من ~~هذه الأنفاس الواهية التي تنسجها رئتاي خيوطا فتشد به هذا الحمل على كتفي لأنوء به، ~~ووددت لو عرفت أين تكون أطراف هذا المنفاخ الذي ما ينفك يعلو في صدري ويهبط كي أمسكه عن ~~النفخ لحظة فتخمد الأنفاس وتنحل الروابط وينفك الوثاق، وبهذا ينزاح العبء الثقيل عن ~~كاهلي؛ إن أطرافه خفية، أمد البصر في جميع أقطاري فلا أراها، وأرهف السمع فلا يقع لها ~~على حفيف أو رفيف، وكل ما أسمعه هو هذه النفخات تتوالى من الشهيق والزفير ما ابيض لي ~~نهار أو احلولك ليل. إني لا أذكر الآن من هو الذي قيل عنه إنه ضاق صدرا بأنفاسه التي ~~تتردد برغم أنفه، ثم كره أن تشعل له جذوة الحياة بهذا المنفاخ اللعين ms004 وهو راغم، فكتم ~~أنفاسه حتى مات؛ لا أذكر اسمه الآن، لكني أكبره وأحييه، وأشعر إزاءه بالضآلة ~~والصغر؛ لأنه رأى الرأي ففعل؛ وأما أنا فأرى ثم لا أفعل شيئا. # قلت: ما هذا الذي تراه ولا تفعله؟ # قال: أرى الحكمة في التخفف من هذا العبء الثقيل، ثم لا أفعل شيئا في سبيل الخلاص منه. ~~الحق أني لا أدري كيف يظل الإنسان مشدودا إلى ما ليس يرضيه، ثم يظل مشدودا إليه برغم ~~أنفه، وهو عالم كل العلم أن الروابط التي تشده لا تزيد على نفخات من هواء، لو سد ~~عليها الطريق لحظة واحدة لانتهى كل شيء. # قلت: كلا يا صاحبي؛ فالروابط التي تشدك إلى حملك هذا أقوى من هذه الأنفاس؛ فليست هي ~~بنفخات من هواء كما ظننت، إنما هي الشعور بالواجب؛ واجب الحياة. نعم إنك تستطيع في أية لحظة ~~شئت أن تتنكر لواجب الحياة لتظفر براحة الجسد راحة أبدية، لكنه الجحيم بعينيه أن تبث ~~في نفسك القلق حين تتخلى عن واجب وجب عليك أداؤه بحكم وجودك. # قال: الواجب كريه أيا من كان فارضه وأيا من كان مفروضا عليه، لقد حكمت الآلهة على ~~«أطلس» - في الأسطورة اليونانية - بأن يحمل السماء على كتفيه حتى لا ينقض بناؤها، والسماء ~~هي السماء بأنجمها الزواهر اللوامع؛ فهل رأيت واجبا أسمى وأمجد من أن تكلف حمل ~~السماء على كتفيك؟ وحملها «أطلس» ثم ناء بحملها، حتى إذا ما جاءه «هرقل» يسأله عن مخبأ ~~التفاحات الذهبية التي كلف بالبحث عنها في أركان الكون وبين جنباته، والتي قيل له ~~عنها إن مخبأها ذاك لا يعرفه إلا «أطلس» حامل السماء؛ أقول: إنه ما جاء «هرقل» إلى «أطلس» ~~يسأله أين عساه أن يجد بغيته، حتى وثب «أطلس» إلى هذه الفرصة السانحة، ليتخلص من عبئه الذي ~~أنقض ظهره، وقال لهرقل: لست بمستطيع أن تجدها بنفسك لأن منالها عسير، فاحمل عني هذه ~~السماء لحظة حتى أعود إليك بها، ورضي «هرقل» مسرورا بحمل السماء حتى يحقق له «اطلس» ~~بغيته التي لقي العناء في سبيل تحقيقها. وانطلق «أطلس» ms005 إلى حيث التفاحات الذهبية، ورآها ~~هناك تلمع في بريق الشمس يحرسها أفعوان جبار، فتسلل وغافل الأفعوان وهو في غفوة ، وخطف ~~التفاحات، وعاد مسرعا إلى حيث ترك «هرقل» في انتظاره يحمل السماء بدلا منه. # لكن «أطلس» حين اقترب من موضع «هرقل» تذكر بشاعة الحمل الذي حمله على كتفيه هذه القرون ~~الطوال؛ ترى هل يفي بوعده ويعطي «هرقل» تفاحاته الذهبية ثم يعود هو إلى حيث كان تحت عبئه ~~الباهظ؟ أو ينعم بهذه الحرية التي أتاحتها له الظروف فيتخلص من عبئه ذاك إلى ~~الأبد؟ # لا؛ إنه لن يعود إلى حمله ذاك، وسيحتفظ بحريته التي ظفر بها بمصادفة قد لا تعود، ~~هكذا اعتزم «أطلس» ودنا من «هرقل» وقال له: ابق حيث أنت حاملا السماء على كتفيك، وسآخذ ~~أنا هذه التفاحات الذهبية إلى حيث أردت أنت أخذها. فتظاهر «هرقل» بالقبول والرضا؛ أليست ~~هي السماء بأنجمها اللوامع الزواهر؟ إذن فليحملها راضيا على كتفيه، لكنه طلب من «أطلس» ~~أن يتفضل عليه بصنيع واحد صغير، وهو أن يحمل الحمل لحظة قصيرة، حتى يضع الوسائد على ~~كتفيه؛ لأن ضغط الحمل شديد على كاهله، فأخذت الشهامة من «أطلس» مأخذها، وفعل ما طلب إليه ~~«هرقل» فعله؛ وكيف يتردد في قبول العناء لحظة أخرى قصيرة، لقاء حرية يظفر بها من هذا ~~العبء الثقيل إلى الأبد؟ # ألقى «أطلس» بالتفاحات على الأرض، وحمل السماء عن «هرقل» حتى يضع «هرقل» على كتفيه ~~الوسائد والحشايا التي تهون عليه أداء هذا الواجب الجديد الذي ألقي عليه، لكن «هرقل» لم ~~يكد يزيح عن كاهله حمل السماء، حتى أخذ التفاحات ومضى تاركا أطلس في مكانه القديم، يشقى ~~بأداء واجبه الذي فرض عليه بحكم وجوده. # قلت: ماذا تعني؟ # قال: أعني ما قلته؛ إن عبء الحياة ثقيل، مهما تكن صورته، ولا يشدنا إليه أو يشده إلينا ~~إلا هذه الأنفاس نتنفسها، ولو كتمها حامل العبء لاستراح من أداء هذا الواجب الثقيل. # قلت: يا صاحبي إن الحياة التي تؤرق صاحبها هي الحياة المريضة؛ فأنت لا تشعر بوجود أي جزء ~~من أجزاء جسمك إلا ms006 إذا اعتل، إنك لا تشعر بوجود عينيك أو أذنيك أو معدتك أو قلبك إلا إذا ~~أصابتها أو أصابته العلة ؛ أما إذا كانت هذه الأجزاء سليمة فلن تشعر بمجرد وجودها، فضلا ~~عن أن تحس الألم من حملها. إن حياتك - فيما أرى - قد مرضت فأحسست بوجودها ثم بحملها ~~وثقلها، كأنما هي زائدة أضيفت إليك وليست منك ولا أنت منها. ولست أعجب الآن أن أرى حياتك ~~المريضة هذه قد برزت فوق ظهرك قتبا كبيرا. # قال: قل ما شئت فيها؛ فهي حياتي التي لا أملك سواها، وقد ضقت ذرعا بثقلها. ~~••• # شغلني «أحدب النفس» طول الليل؛ ذلك الرجل العجيب المكتئب العابس، الذي يحمل عبء حياته ~~قتبا بارزا على ظهره؛ شغلني طول الليل، يملأ أحلامي إذا غفوت، وتمثل صورته أمام ~~عيني إذا صحوت، وما زلت طول ليلي بين غفوة وصحو حتى كان الصباح. # ترى لماذا يحمل هذا المسكين حياته كالدمل الكبير فوق ظهره؟ أيكون ذلك لأنه ركز ~~انتباهه فيها فوضحت له علتها وبرز أمام عينيه سخفها؟ ولو قد تغافل عنها كما يفعل سائر ~~الناس لسرت في دمه، وخفيت عن بصره؟ يجوز؛ كما تكرر لفظة وتركز سمعك في جرسها، ~~فسرعان ما تنفر من صوتها المنكر، بعد أن لم تكن قد فطنت لنكره حين استخدمتها غير آبه ~~لها ولا ملتفت إليها؛ خذ كلمة إمبراطور وكررها عدة مرات: إمبراطور، إمبراطورمبرا، طورمبرا، ~~طورمبراطور؛ صوت عجيب منكر، ظهر نكره وشذوذه حين ألقينا إليها السمع، وكان يمكن ألا ~~نقف عنده هذه الوقفة الفاحصة، فيظل له في النفس هيبة وجلال. # كذلك صاحبنا «أحدب النفس»؛ ربما كان الفرق بينه وبين سائر الناس أنه قد أنعم النظر في ~~معنى حياته، فانتهى به النظر إلى أنها أنفاس فاترة واهية من هواء فاسد، لا شيء أكثر من ~~ذلك؛ وهو لهذا يعجب كيف يجوز أن يشد وثاقه إلى الأرض بخيوط واهية كهذه على كره ~~منه؟ # وأحسست برغبة قوية في نفسي أن ألقى هذا الرجل لقاء آخر، فقصدت في المساء إلى المكان ~~المهجور الهادئ الذي لقيته فيه أول مرة، ms007 ووقفت طويلا أرقب من بعيد، حتى رأيته يسري في ~~غير صوت بين الظلال كأنه الشبح؛ إنك لا تخطئه من بعيد؛ فالحمل الذي على كتفيه يميزه، ~~وله مشية خاصة يتأرجح فيها الجذع وتلتف الساقان. # وقفت في مكاني حتى رأيته يستقر في موضعه من الجدار الذي لم يتم بناؤه، صعد على كومة ~~وطيئة من هشيم الصخر، ومسح جبهته بمنديل، ومال مرتكزا على ذراعه اليسرى، فدنوت ~~منه. # قلت: السماء الليلة أكثر غماما، والدنيا أشد ظلاما من ليلة الأمس، برغم وجود ~~القمر. # قال (ولم يرتح لرؤيتي): وماذا يصنع القمر في الدنيا إذا اسودت بظلامها وغمامها؟ إن من ~~أراد الضوء فضيا رائعا خالصا من شوائب الظلمة، فليرتفع عن الأرض وغلافها حتى يجعل ~~الغمام من دونه، وعندئذ لا يكون ظلام؛ لكن الإنسان مشدود إلى الأرض بأحمال وأثقال؛ لا، بل ~~إنه لمشدود إليها بهذه الخيوط الواهية؛ مشدود إليها بنفخات من هواء؛ وإذن فلا رجاء له في ~~ضوء أكثر مما قد يتسرب إليه خلال فتحات السحاب. العجيب في هذه الدنيا أنها بيع وشراء، فلا ~~بد أن تدفع لكل شيء ثمنه! أتريد أن تمتد بك الحياة؟ إذن فخذ من حولك هبة من الهواء ~~شريطة أن ترد مكانه هبة مثلها، أتريد أن تخلص من ظلام الأرض ليصفو لك الضوء؟ إذن فاصعد ~~إلى قمة هذا الجبل العالي حتى تجاوز السحاب، عندئذ تجد الضوء وقد صفا من الشوائب، لكنك ~~ستجد كذلك برودة الثلج. # قلت: وماذا يشقيك من غمام السماء وظلمة الليل؟ انظر إلى الدنيا بعين الفنان تر السماء ~~الغائمة في مثل جمال السماء المقمرة، أليس ظلام الليل أحيانا أشد فتنة من ضوء ~~النهار؟ سل العاشقين يجيبوك أيهما أفعل في نفوسهم سحرا، الليل الوسنان في ستره، أم ~~النهار اليقظان في نشاطه وصحوه؟ سل العابدين متى تصفو لهم قلوبهم للعبادة؟ سل المفكرين متى ~~تهدأ لهم عقولهم للتأمل؟ سل المجان متى يطيب المجون؟ سل المتآمرين لماذا يدبرون الأمر ~~بينهم بليل؟ ... فلماذا لا تلتمس يا أخي في كل شيء وجهه الجميل؟ إن الذي ينقصك هو ~~الخيال. ms008 # قال: الخيال الذي أهرب به من الواقع؟ # قلت: ليكن ذلك، ولماذا تستعبد نفسك للواقع إذا أمكن العيش الهانئ في جو من الخيال؟ ~~أتدري ماذا تكون المرأة الجميلة في «الواقع»؟ إنها تكون كيسا من الجلد محشوا بالقذر ~~والبلغم ومختلف السوائل والغضاريف! أتدري ماذا تكون الصورة الجميلة في «الواقع»؟ إنها تكون ~~خرقة من قماش صب عليها خليط من الأحمر والأصفر والأخضر أو ما شاء الله من صباغ، واهصر ~~الوردة الجميلة بين أصابعك لترى ماذا عساها في «الواقع» أن تكون ... إن الذي ينقصك - كما قلت ~~- هو الخيال، الخيال الذي يجعل لك من المرأة شيئا جميلا، ومن الصورة شيئا جميلا، ومن ~~الوردة شيئا جميلا، ومن غمام السماء شيئا جميلا، ومن ظلمة الليل شيئا جميلا! لماذا ~~تنظر إلى الأرض كما تفعل الديدان، ولا تشخص ببصرك إلى السماء كما تصنع الآلهة؟ # لست أدري لماذا أخذني الاهتمام بهذا «الأحدب» فامتلأت حرارة وأنا أبادله الحديث، لقد ~~أوحي إلي عندئذ أن هذا «الأحدب» عليل النفس، مريض القلب، كليل الحياة، وأن قوة خفية ~~تقتضيني أن أقوم فيه ما اعوج إذا استطعت إلى تقويمه من سبيل، إنه عابس ولا بد أن يبتسم، ~~يائس ولا بد أن ينبسط أمامه الأمل، متشكك ولا بد له أن يؤمن، أعماه «الواقع» ولا بد له أن ~~يجاوز حدود الواقع بعين الخيال. # لكن «الأحدب» قد ضاق - فيما يظهر - صدرا بحديثي، وأخذ يعتدل في جلسته مرة، ويميل على هذه ~~الذراع مرة وعلى تلك مرة، ويشيح بوجهه عني، كأنه يريد أن يصرف الأذن عما أقول، بيد أني ~~لم أعد أنظر إلى موقفي منه نظرة التسلية والعبث، فلا أقل من أن أستطلع بعض سره، وأستخرج ~~شيئا من مكنون نفسه، وسادت فترة قصيرة من سكون، ونزل عن مكانه من الجدار، وقال في صوت فيه ~~تكلف وافتعال: أنا مضطر أن أعود وسينقطع بعودتي هذا الحديث الجميل. # قلت: الأرجح أن طريقنا واحد ولو إلى حين. # ولعله لم يطب نفسا لهذه الصحبة الثقيلة في طريق عودته، لكني تجاهلت ما يريد لنفسه من ~~عزلة الطريق، ms009 وسرت إلى جانبه، سرنا بخطوات بطيئة خفيفة، لكن وقع أقدامنا على حصباء الرمل ~~ومنثور الحجر. كان له رنين في ذلك الركن الهادئ البعيد. # قلت مستأنفا الحديث: نعم، إن الذي ينقصك هو الخيال، ينقصك مثل أعلى تعمل من أجله ~~فينسيك الهدف مشاق الطريق. # قال (وقد ازداد تثاقلا في خطاه): أصابني مرض الخيال وعلة المثل الأعلى منذ خمسة ~~وعشرين عاما، ولبثت آثار المرض تتراكم، حتى كان هذا النتوء الذي تراه شائها فوق كاهلي؛ في ~~ذلك الماضي البعيد قلت لنفسي: دع عنك الواقع وخشونته وغلظته وجلافته، والتمس لنفسك سلما ~~في دنيا الخيال تصعد على درجاته إلى أجواز السماء، إن صحبة الأصدقاء في لهوهم «واقع» فلا ~~تأبه له، والمرأة «واقع» فلا تلق بالك إليها، والطعام والشراب «واقع» فلا تحفل بطعام أو ~~شراب، هذا الذي حولك كله «واقع» فاخرج من نطاقه، وهناك في صومعة وقعت عليها في جوف الجبل، ~~آثرت العيش في كنف الخيال. # ولبثت أعمر الصومعة بخيالي عاما في إثر عام، وعقدا من السنين بعد عقد من السنين، لم تكن ~~الصومعة خالية في بصري وسمعي، كنت أرى فيها الخيال مجسما حتى لأنسى أنه من خلق ~~أوهامي، أحدثه وأسمع لحديثه، وأتملقه ويبتسم في وجهي، وظللت في صومعتي أعبد آلهة خيالي، ~~لا أشهد نور الشمس ولا أريد أن أشهده، ولا أرتد إلى دنيا الناس والعمران ولا أريد أن أرتد ~~إليها، ولا أستنشق الهواء الطلق النقي ولا أريد أن أستنشقه؛ كنت على نقيض فاوست. # فقد اتفق الشيطان مع فاوست أن يمهله ردحا من الزمن، يعمل فيه فاوست ما يشاء، شريطة أن ~~يأتيه الشيطان بعد ذلك فيتقاضى أجر إمهاله، وليس أجره بأقل من روح فاوست، وكان فاوست عند ~~أول اتفاقه مع الشيطان يظن أنه الكاسب في هذه الصفقة، فماذا يهمه من نفسه إذا ما ترك له ~~الحبل على الغارب عشرين سنة أو ثلاثين؟ لكن السنين انقضت، وصبر الشيطان جميل لا ينفد، وجاء ~~الشيطان ليستل من فاوست حياته، وعندئذ فقط أدرك فاوست أنه خسر في اتفاقه مع الشيطان ~~خسرانا ms010 مبينا؛ إذ كيف يبيع روحه بعشرين عاما أو ثلاثين، مهما يكن ما يملأ هذه ~~الأعوام؟ # وأما موقفي من شيطاني فعلى نقيض ذلك، عقدت معه اتفاقا أن أبيعه حياتي ردحا من الزمن، ~~على أن يردها إلي بعد ذلك خصبة مليئة قوية، وذهبت إلى صومعتي تلك، لا أعرف فيها ~~الحياة ولا أخالط الأحياء، أعلل النفس طوال السنين بأن حياتي السلبية مردودة إلي بعد ~~حين، بعد أن تكون كل حبة فيها قد أنبتت مائة سنبلة، وفي كل سنبلة مائة حبة، فلما انقضى ~~على غربتي عهد طويل، طلبت من الشيطان أن يفي بوعده كما وفيت له بعهدي؛ وفعل، فإذا ما ~~يعطينيه نفخات من هواء، هي هذه الأنفاس أرددها في صدري، ثم لا شيء غير ذاك، وضحك مني ~~الشيطان ضحكة قوية حسبت الأرض ترتج لها تحت قدمي، وها هنا ابتسمت ابتسامة من زالت عنه ~~غشاوة الخيال لأول مرة، وأبصر حقيقة الواقع لأول مرة، وقلت لنفسي: إذن أستريح بعد هذا ~~العناء الطويل، إن الصومعة التي عمرها لي الخيال قد باتت خاوية إلا من أصداء ~~أنفاسي. # لكن مضجعي لم يستقم تحت ظهري حين أردت الراحة؛ لأن عهد الصومعة كان قد خلف لي هذا الورم ~~الأليم الذي تراه بارزا عند كتفي، إنه ورم نسجته لي الأعوام طبقة فوق طبقة، كما يفعل مر ~~الأعوام في جذوع الشجر حين يرتسم عليها حلقة وراء حلقة. # وكنا قد بلغنا العمران، وأراد «الأحدب» أن ينصرف إلى سبيله، فقلت له مودعا: إن لي ~~معك حديثا آخر. ~~••• # حسب صاحبي «الأحدب» حين افترقنا أني أدبرت عنه كما أدبر عني، لكني تعقبته لأرقبه وهو ~~يلتمس لنفسه الطريق في زحمة الناس التماس الحيي الذي يخشى أن تلتقي بعينيه عينان، إنه ~~على وعي شديد بنفسه، إن ذراعيه تحيرانه وتربكانه، فأين يضعهما؟ وذلك وحده دليل على ~~حيرة نفسه وارتباكها، ألا إن الذراعين لتخبرانك بمكنون النفس كما تخبرك العيون والشفاه، إنه ~~لا يمشي في ضوء المصباح إذا وجد الظلام، ولا يقصد إلى مزدحم الطريق إذا رأى الفضاء المهجور، ~~عيناه مصوبتان نحو ms011 الأرض دائما، وقدماه تحفان الأرض حفا خفيفا. # عبر الطريق في موضع كثر فيه العابرون، إنه في العابرين بارز واضح ؛ فهو لا يفنى في ~~الزحام، ولا يذوب في الناس، إنه فيهم كملعقة من الزيت صبت في قدح من الماء تحركها إلى ~~أعلى وأسفل، وإلى يمين وشمال، فما تزال شيئا متميزا من الماء الذي حولها، إنه في أمواج ~~الناس على طول الشارع لم يفقد معالمه، أخذ يعلو تلك الأمواج البشرية حينا؛ أعني أنه كان ~~يظهر لي حينا ويختفي حينا آخر، حتى انتهى إلى شارع هادئ متباعد المصابيح. # كان ظله مروعا مخيفا، يقصر ويطول، ثم يقصر ويطول، هو الآن مطروح أمامه، وهو الآن ~~إلى جانب، وهو الآن ممدود وراءه يتابعه ويلاحقه، وهو في كل أوضاعه أبعد ما يكون الظل عن ~~صورة البشر، وما هو إلا أن دخل «الأحدب» دارا، بخطوات سريعة، كأنه الأرنب المذعور يأوي ~~إلى جحره ليستكن فيه آمنا من طراد الصائدين. # فوقفت بغتة، ثم سرت مسرعا نحو الباب الذي قذف «الأحدب» بنفسه فيه، لم أر شيئا هناك ~~إلا مصباحا كهربائيا خافت الضوء في الركن الأعلى من بهو السلم، إنه بناء عال من ستة ~~طوابق أو سبعة، وحين صعدت بصري في لمحة سريعة إلى أعلاه، لم أر إلا نوافذ وشرفات، ~~أكثرها معتم وأقلها مضيء. # من عسى هذا «الأحدب» أن يكون؟ أينطوي جنباه على سر دفين، أم أنه لا سر في الأمر، وأن ~~كل ما في جوفه قد برز ورما على ظهره؟ لكنه شاذ غريب بغير شك، إنه قطعة منثورة وحدها، ~~والويل كل الويل، ثم الخير كل الخير، من هذه القطع التي تنثرها عجلة الحياة بعيدا عن ~~مركزها وإطارها، فتظل دائرة في فلك وحدها؛ فمن هؤلاء يكون الثائرون الساخطون، ومنهم يكون ~~العظماء المصلحون، ويكون الأنبياء والأولياء، ويكون المجرمون النوابغ في إجرامهم، ويكون ~~الفنانون المبدعون في فنهم، فما أقرب الشبه بين هؤلاء جميعا على بعد ما بينهم من تفاوت ~~واختلاف، كسيل الماء العرم، هو الذي يصلح الزرع، وهو الذي يفسده، على حسب ما يحيط ms012 به من ~~ظروف. # و«الأحدب» - فيما يظهر لي - قطعة بشرية منثورة وحدها، تدور في فلك وحدها، ترى من ذا ~~يكون وماذا يكون؟ لقد بت ليلتي أفكر فيه وأفرض في أمره الفروض، وعاودني الشعور الخفي ~~أن أصلح ما فسد، فأقيم في هذا المسكين ما التوى، وأقوم ما مال واعوج، أو قل إن حبي ~~لاستطلاع أمره قد غلبني، فسترت نفسي وراء هذا الشعور الخفي، وتذرعت بهذا السلاح، ومضيت عصر ~~اليوم التالي إلى الدار التي دخلها «الأحدب» ليلة الأمس، مضيت لا ألوي على شيء، وأخذت ~~أسرع الخطو حتى لا يصرفني التردد عن غايتي. # لم أجد عند الباب أحدا، وتلفت ها هنا وها هنا، وتحركت خطوتين هنا وخطوتين هناك، ثم ~~دخلت وصعدت الدرج مبطئا غاية الإبطاء، شاخصا ببصري إلى أعلى؛ الأبواب كلها مغلقة، صعدت ~~الدرج حتى نهايته، ونهايته سطح نظيف، وقفت قليلا وقلبي ينبض نبضا شديدا من الصعود ومن ~~الخوف معا، الخوف من هذا البناء المهجور الذي لا يعمره إنس ولا جن، لكني رأيت الضوء ~~منبعثا من نوافذه ليلة الأمس، وهممت بالنزول، لولا أني بلفتة غريزية لويت عنقي ونظرت ~~إلى نافذة مغلقة الزجاج في ركن السطح؛ إن وجها يطل من خلف الزجاج، إنه هو ~~«الأحدب». # لم يعد بيني وبين كشف الغطاء إلا خطوات خطوتها نحو غرفة «الأحدب»؛ وفتح لي الباب قبل أن ~~أقرعه؛ إن روعي ليهدأ قليلا قليلا، إن الخوف لينزاح عني إزاء هذا الوجه الباسم الذي فتح ~~لي الباب ليتقبلني مسرورا مرحبا، ليس الوجه العابس في الطريق عابسا هنا، والصدر الضيق ~~على الجدار الذي لم يتم بناؤه رحيب واسع هنا، ولولا نتوء الورم فوق ظهره لقلت إنه إنسان ~~آخر، لقد استدر وهو في الطريق إشفاقي، لكنه في داره استثار حبي، إنه ها هنا يمزج في حديثه ~~الجد بالفكاهة، ويقول النكتة في إثر النكتة، ويضحك من كل قلبه، ألا سبحانك اللهم، تضع ~~الرجلين - بل تضع جمهورا من الرجال - في إهاب واحد. # إن مشكلة «الهوية» التي تحير الفلاسفة لم تعد تحيرني؛ فالفلاسفة يصدعون رءوسهم تصديعا ~~في ms013 محاولة الجواب عن هذا السؤال: كيف يحتفظ الشخص الواحد بهوية واحدة مع اختلاف ظروفه؟ إنه ~~يكون صحيحا ويكون مريضا، ويكون طفلا ويكون رجلا، ويكون شبعان ويكون جائعا، ويكون غضبان ~~ويكون راضيا، ويكون يقظان ويكون نائما، ومع هذا الاختلاف الشديد الذي يطرأ على حالاته يظل ~~إنسانا واحدا، فما الذي فيه يخلع عليه تلك الوحدانية مع تعدد حالاته وأوضاعه؟ كلا، لم تعد ~~تحيرني المشكلة التي تحير الفلاسفة بعد أن رأيت «الأحدب» في الطريق وفي داره، فلا وحدانية ~~هناك، ليس الرجل رجلا واحدا، ولكنه عدة رجال، هو في كل حالة رجل غير الرجل الذي يكونه ~~في الحالة الأخرى؛ فمحال أن يكون «الأحدب» العابس الجاد المهموم الحزين الذي رأيته ~~وتحدثت إليه وهو جالس على الجدار الذي لم يتم بناؤه، هو نفسه «الأحدب» الضاحك المرح ~~المرحب بي وهو في داره. # أدخلني «الأحدب»، فعبر بي ردهة لاحظت خلاءها من الأثاث تقريبا، وانتهينا إلى غرفة هي ~~مأواه، فيها كل شيء، فيها السرير وصوان الملابس ومكتب ومكتبة ومنضدة ومقاعد ومرآة؛ أثاثها ~~هزيل لكنه نظيف، وتنسدل على النافذة ستارة رقيقة فيها خروق ممزقة، لكنك تشعر في غرفته ~~بالطمأنينة وراحة النفس؛ وليست ديار الناس في ذلك سواء؛ فقد أزور الدار وأحس أثناء زيارتي ~~أني أتقلب على الشوك دون أن يكون بيني وبين صاحب الدار ما يدعو إلى النفور، ثم قد أزور ~~الدار فينبسط صدري وتطيب نفسي، وأتمنى لو بقيت فيه اليوم كله؛ وقد قلت ذلك لصاحبي «الأحدب» ~~فور جلوسي على مقعده المريح، الذي كان - فيما يظهر - جالسا عليه لتوه؛ لأن الحشية كانت ~~ما تزال دافئة بحرارته. # قلت: إن النفس لتحس بالطمأنينة في غرفتك هذه، والمنظر الذي يطالعك من نافذتك رائع ~~جذاب. # قال: إذن لا أحسب الفجوة بين نفسينا عميقة كما يبدو للوهلة الأولى؛ فقد أعجبك مأواي ~~هنا، كما أعجبك ملاذي الهادئ الذي ألوذ به خارج المدينة من صخب الحياة، إن النفوس الإنسانية ~~لتشعر بالتقارب والتداني في حالات هدوئها، حتى إذا ما عج بها عجيج الحياة ألفيتها متنافرة ~~متعاركة، لا عجب ms014 أن يكون الناس جميعا سواء وهم نيام، ثم يأتي الموت - وهو نوم طويل بغير ~~آخر - فيسوي بينهم إلى الأبد. # وخشيت أن ينتقل صاحبي بذكر الموت إلى حالة من حالاته الكئيبة السوداء، فغيرت موضوع ~~الحديث، وجعلت موضوعه أقرب ما وقعت عليه يدي فوق المنضدة الصغيرة الوطيئة التي كانت أمام ~~مقعدي. # قلت: ما هذه المكعبات الخشبية الملونة المصورة؟ # قال (وكان ورائي مشتغلا بإخراج الفناجين والأكواب من خزانة خشبية صغيرة في ركن غرفته): ~~تلك لعبة من لعب الأطفال اشتريتها لألهو بها، إنها مكعبات ترص فتكون صورا لا نهاية ~~لعددها. # ودنا مني «الأحدب» وأشار بأصبعه إلى اللعبة وقد رص ما يقرب من نصفها، فإذا هي صورة حصان ~~عليه راكبه، ولم يبق من الصورة إلا أرجل الحصان. # قلت: أحسبك كنت في سبيل إتمام الحصان بأرجله؟ # قال: هذا ما حرت فيه، حاولت عبثا منذ ساعة الغداء. فلم تستقم للحصان أرجل، حتى لقد ~~مللت فوقفت أنظر من نافذتي حين رأيتك قادما. # قلت: وما فائدة الحصان بغير أرجله؟ إن راكبه المسكين سيظل مشلول الحركة حتى تتم ~~لحصانه الأرجل فيسير. # هنا وضع «الأحدب» قدحين كانا في يده، وضعهما على ظهر مكتبه، وجلس، إنه ساعتئذ هو نفسه ~~«الأحدب» الذي رأيته هناك على الجدار، وهو نفسه «الأحدب» الذي رأيته في الطريق، وليس هو ~~«الأحدب» الذي تلقاني بالبشر والترحاب؛ لقد عبس وجهه وتجهم، ثم استرخى استرخاء من ~~فقد القدرة على الوقوف والحركة، وابتسم لكنها ابتسامة غير التي لقيني بها؛ فهي ابتسامة ~~صاحب النفس المريضة المعبأة بالهموم؛ ألا ما أسرع التغير في سماء هذا الرجل؛ صفو في ~~لحظة وغمام كثيف في اللحظة التي تليها. # قال: لعل ذلك بعينه هو ما أعجزني عن إقامة الحصان على قوائمه، وإذن فما أشبه جد حياتي ~~بلعبها! كأني بك يا صديقي قد أتيتني لتستطلع شيئا من أمري؛ فهذا هو أمري قد انكشف لك في ~~لحظة واحدة؛ ففي هذا الحصان المقعد تتلخص قصة حياتي، ولكل امرئ جواده، ومن الجياد ما ~~يستقيم على قوائمه فيسرع الجري، ومنها ما تعوزه الأرجل ms015 فيقبع؛ وجواده كسيح، فجسمه هنا ~~وأرجله هناك، لكن بصري يقصر دون أن يلتمس للأرجل مكانها من البدن، وليس النقص في الأجزاء ~~ولكن النقص في المهارة التي تقيم بناءها، إن الذي يرى أحرف الهجاء أمامه ولا يستطيع أن ~~ينشئ منها قصة أو قصيدة يكون العجز فيه ولا يكون العيب في الأحرف. # قلت: دع عنك الآن هذا الحصان ولعبته، وانظر ماذا أردت أن تضع في هذين القدحين من شراب ~~... # لكنني صممت أن أستطلع قصة «الأحدب» لعلي أرد هذا الحدب الذي تورم به ظهره إلى ~~عناصره. # الفصل الثاني # | حصان من الحلوى # أخذت أحفر تحت هذه النبتة الملتوية لأتعقبها إلى جذورها العميقة الدفينة في تربة الأرض، ~~لعلي بذلك أصل الخيوط بين الأول والآخر، بين البداية والنهاية، بين البذرة والثمرة، ~~بين الجرثومة والمرض، بين ظروف النشأة الأولى وهذا القتب فوق كتفي صديقنا الأحدب ~~المسكين. # فربطت أواصر الصداقة بيني وبينه، أزوره كلما واتتني الظروف، ويأنس لزيارتي ولصحبتي، ولم ~~تكن الصحبة إلا إلى ذلك الملاذ الهادئ، خارج المدينة بعد الغروب، وتركت الحديث بيني وبينه ~~يجري مجراه الطبيعي ليخرج لي بعض المعالم التي كنت أستند إليها في متابعة بحثي بعيدا عنه: ~~فأين كان مولده، وأين نشأ وتربى، ومن هما والداه، ومن هم الذين أحاطوا به في مراحل حياته؟ ~~وكنت خلال ذلك كله أتلمس اللحظات التي ظننتها تكون من حياته معالمها. # فليست اللحظات في حياة الإنسان كلها سواء من حيث فعلها في توجيه الأحداث؛ فمنها ما قد ~~يمضي ولا أثر له، ومنها ما يكون له من بعد الأثر وعمقه ما يظل يؤثر في مجرى الحياة إلى ~~ختامها، وإن النظر إلى حياة الإنسان بمجموعة أحداثها لكالنظر إلى مشهد طبيعي أو إلى صورة ~~فنية؛ فالعين لا تبدأ النظر من حافة الإطار اليمنى ثم تسير في خط أفقي مستقيم حتى تنتهي إلى ~~حافة الإطار اليسرى، بل إنها لتقع أولا على نقطة بارزة هنا أو هناك، كشجرة على يمين ~~الصورة أو جبل على يسارها، أو قمر ساطع في وسطها، ثم من هذه النقطة ms016 ينساب البصر في مختلف ~~الاتجاهات؛ فكأنما هذه النقطة البارزة ينبوع تفجرت منه بقية الأجزاء، وهكذا يكون النظر إلى ~~حياة إنسان بمجموعة أحداثها، فعندئذ أيضا يتجه الانتباه إلى لحظات بارزات. كانت حاسمة في ~~توجيهها، ومن تلك اللحظات ينساب البصر إلى سهول تلك الحياة ووديانها. # ولم تكن لحظة الميلاد - بالنسبة لصاحبنا الأحدب - واحدة من لحظاته الحواسم، فكأنما هي جزء ~~من حياة غيره أكثر منها جزءا من حياته، إنه يحددها بشهادة الميلاد، مفترضا الصدق فيمن ~~كتبها ومن أملاها؛ لأنه لا يملك في دخيلة نفسه دليلا على صدقها أو على كذبها، ولو احتكم ~~إلى حياته الباطنية لما وجد فرقا بين أن يكون قد عاش على ظهر الأرض خمسين عاما أو خمسة ~~آلاف عام، فكل الشواهد التي يستدل بها على مدى ما قد عاشه من سنين، شواهد خارجية ليس ~~فيها شاهد باطني واحد؛ إن ذاكرته لا تقفل راجعة إلى ساعة ميلاده. # وإذن فالأمر كله مرهون بشهادة غيره، فهكذا يقول الوالدان، وهكذا تثبت دفاتر ~~الحكومة. ~~••• # إن ساعة الميلاد الحقيقية هي أول ما تستطيع الذاكرة أن ترتد إليه، ولقد جعلت «الأحدب» ~~يكد الذاكرة كدا راجعا القهقرى، لعله يظفر بأولى لحظات خبرته الحية، فوقفت به عند ~~ليلة مظلمة شديدة الظلمة، حين عاد به أبوه من القاهرة إلى بلده في الريف، وهو بلد يقع في ~~شمالي الدلتا بالقرب من البحر، وكان المسافر إليه يركب القطار إلى أقرب محطة في البر ~~الغربي من فرع دمياط، ثم يستقل مركبا يعبر به النيل إلى ضفته الشرقية منحرفا بعض الشيء ~~إلى جنوب، حتى إذا ما رسا أمام القرية المطلة على النيل صعد جسرا، وفي صعود صديقنا ~~الأحدب ذلك الجسر مع أبيه في تلك الساعة المعتمة من جوف الليل. كان الطفل - وهو عندئذ ~~في الرابعة من عمره - يحمل ربطة فيها حصان من حلوى المولد النبوي، اشتراه له أبوه أثناء ~~الطريق، صعد الصبي الجسر مع أبيه، حلواه في يسراه وأبوه يجذبه من يمناه، وكلاهما يتعثر ~~في الصعود وتنغرس قدماه في الحصى والتراب، فقال له أبوه ms017 - وهما في طريق الصعود يتعثران ~~ويلهثان - كأنما أراد بقوله أن يخفف من حدة الصمت ومن شدة المجهود: «أريد أن أراك رجلا ~~عظيما»، ولم يكد ينطق بحرف الميم في آخر عبارته حتى سقط الصبي على وجهه، فانفلتت يده ~~اليمنى من قبضة أبيه، وانفلتت ربطة الحلوى من يده اليسرى وتهشم ما فيها، فأنهضه أبوه ~~والتقط له الحلوى المهشمة التي كان غلافها الورقي قد تمزق من بعض جوانبه، فتسرب شيء ~~من التراب والحصى إلى داخل، وتسرب شيء من الحلوى إلى خارج. # قص علي «الأحدب» هذه القصة، وأردف يقول: «لست أدري ما الذي دار في رأسي عندئذ، لكنني ~~حتى هذه الساعة لا أقرن الكثير الذي رجوته لنفسي أيام الصبا، بالقليل الذي حققته منه في ~~الواقع، إلا وأذكر على الفور تلك الحادثة، ترى هل كان هذا هو الخاطر الذي طرأ لي عندئذ - ~~ولو بصورة مبهمة غامضة - أعني هذه المفارقة المؤسفة بين الأمل الذي عبر عنه والدي، ~~وهو رغبته في أن يراني رجلا عظيما، والخيبة العاجلة التي جاءت كالإجابة الهازئة من قدر ~~ساخر، أقول: ترى هل كانت هذه المفارقة الحادة بين الرجاء المأمول والخيبة الواقعة هي ~~البذرة الأولى التي منها انبثقت على مدى حياتي هذه الرغبة الملحة في الوصول ثم هذا الشعور ~~القوي بأنني لم أصل؟» # قلت للأحدب: ليست هذه حالة خاصة بك أنت وحدك، برغم هذه القصة التي قصصتها، فمن خصائص ~~الطبيعة الإنسانية كلها هذا التطلع الذي يتشوف وراء الكائن الفعلي المحصل إلى ما ~~هو غائب مجهول مرتقب، نعم إن من خصائص الطبيعة الإنسانية كلها هذا القفز من المتحقق بالفعل ~~إلى ما يجب أن يتحقق، هذا القفز من الواقع إلى الممكن، من المكسوب إلى المأمول؛ فهذا التطلع ~~من الإنسان، تطلعا يجاوز به دائما حدود الواقع إلى عالم الممكن، هو الذي يدفع به من ~~حالة النقص إلى حالة الكمال. # قال: لكني ما زلت أتساءل: لماذا كلما رأيت الفرق شاسعا بين ما رجوته لنفسي وبين ما ~~حققته، وثبت إلى ذاكرتي عبارة أبي في تلك الليلة التي طمست ms018 بظلامها معالم الأشياء على ~~مرتقى الجسر، مصحوبة بعثرتي التي عفرت وجهي وهشمت حلواي؟ # كنت عندئذ في زيارة «الأحدب » عصر يوم من أيام الجمعة، ولما كانت نافذة غرفته مطلة تجاه ~~الغرب، فإن أشعة الشمس قد سبقتني إلى غرفته، وفرشت له الأرض بمستطيل من ضوئها، دخلها خلال ~~الستارة الرقيقة فكان رمادي اللون إلا عند بقع صغيرة تقابل خروق الستارة، وكان الشهر في ~~أوائل الصيف، فلم تكن حرارة الشمس من الضعف بحيث تحتمل الجلوس في مستطيل الضوء، كما لم يكن ~~في الغرفة إلا تلك النافذة الغربية فكان لا بد من تركها مفتوحة؛ ولذلك فقد جلسنا على ~~كرسيين متباعدين بعض الشيء، يقع مستطيل الضوء بينها، فكان وهو يقص علي قصة الحصان ~~المهشم، يميل على كرسيه أحيانا ويشير بذراعيه، فيحدث ظلا على مستطيل الضوء كثيرا ~~ما كان يتخذ أشكالا غريبة، حتى لقد جعلت أنصت إليه بنصف انتباهي، وأتتبع تلك الأشكال ~~الغريبة بالنصف الآخر؛ فالظل أحيانا على شكل بجعة تمط عنقها الطويل، وأحيانا أخرى على ~~شكل أرنب مقع، وأحيانا ثالثة يصبح كالطائر الذي نشر جناحيه. # ولعلي قد تعمدت أن ألهو بهذا الظل وأشكاله حتى لا أربكه بتركيز انتباهي كله فيما ~~يقول، فينطلق مر العبارة، ناضحا ذكرياته البعيدة من أعماق نفسه، ولقد اعتقدت أني بهذه ~~القصة الصغيرة التي رواها، وقعت على مفتاح شخصيته التي أردت فتح مغاليقها والكشف عن ~~أسرارها. # كان عند «الأحدب» جهاز صغير يصنع فيه الشاي وهو في غرفته، وهو إناء ذو قابس كهربائي، يضع ~~فيه الماء فلا يلبث أن يغلي بحرارة الكهرباء، ولم يكد ينتهي من قصة الحصان، حتى نهض فملأ ~~الإناء من صنبور في البهو، ووضع القابس في مقبسه من الحائط، وراح يخرج فنجاني الشاي من ~~خزانتهما الصغيرة، ومعهما سائر الأدوات، حتى إذا ما أعد كل شيء وجلس على مقعده، نظر إلي ~~فكأنما راعه صمتي وتصويب نظري إلى مستطيل الضوء لا أتحول عنه؛ لأنني كنت لا أزل أراقب ظل ~~الأحدب وهو يعبر الغرفة، لأستخرج منه بخيالي كل ما استطعت من صنوف الحيوان. # ناولني ms019 فنجاني، وراح يقول استئنافا لحديثه السابق: إني لأذكر الآن موقفا آخر في ~~طفولتي، وكنت عندئذ في الخامسة من عمري ... # قلت في هدوء: وكيف عرفت أنك كنت في الخامسة؟ # قال وهو يبتسم: إنني أعتمد في تحديد مراحل عمري بالنسبة إلى الحوادث الباكرة في حياتي على ~~المساكن التي سكناها؛ فالحادث الفلاني قد حدث ونحن في المنزل الفلاني، والحادث الآخر قد ~~حدث ونحن في المنزل الفلاني، وهكذا، ثم أحدد تواريخ سكنانا في هذا المنزل أو ذاك ~~مستعينا بشواهد معينة من تاريخ أسرتنا. # فقد كنا - وأنا في نحو الخامسة - نسكن منزلا في حي المنيرة بالقاهرة، أذكره الآن ~~جيدا، وأذكر «خالتي أم محمد» - صاحبة المنزل وصديقة الأسرة - وهي تسكن منزلا على السطح، ~~وأمام منزلها مسطح كبير مفتوح إلى السماء، فيه ينشر الغسيل، وفيه دكة خشبية كبيرة مشققة ~~الألواح من لفحة الشمس، وتحتها تربض سلحفاة كبيرة، ولكم دخلت تحت هذه الدكة أمد ذراعي ~~بين إقدام وإحجام حتى ألمس ظهر السلحفاة لمسة خفيفة ثم أسرع خارجا وأنا أقهقه قهقهة ~~الغازي المنتصر. # وفي شقة من ذلك البناء كانت تسكن الأسرة، وقد حدث ذات يوم أن زارنا رجلان من الأهل أو من ~~الأصدقاء لا أدري، لكن أحدهما ما تزال صورة شاربيه عالقة بذاكرتي، لا لكبر فيهما، ولكن ~~لاهتزاز في أطرافهما غريب كلما حرك الرجل شفتيه بالكلام أو بالضحك، ودعاني أبي من ~~الداخل لأحيي، وكان قد حفظني عن ظهر قلب ماذا أقول عند التحية وبماذا أرد ~~التحية، وكثيرا ما كنت أخطئ فألقى اللوم إما ساعتها أو على انفراد، كما حدث يوما حين ~~ناولني أحد أصدقائه شيئا قائلا: تفضل، فأجبته بكلمة «العفو»، وأعاد الرجل قوله ~~«تفضل» وهو يضحك، فأعدت جوابي بكلمة «العفو»، فأمهلني أبي حتى انفرد بي وأخذ يقرعني ~~على هذا الخلط المعيب الذي خلطت به كلمة «العفو» بكلمة «متشكر». # دعاني أبي يومئذ من داخل البيت لأحيي ذينك الرجلين، وحييتهما بما حفظت من عبارات ~~التحية. # فقال صاحب الشارب الراقص: هل تذهب إلى المدرسة؟ # قلت: نعم. # قال: اتهج اسمك. # قلت: ر ي ms020 ا ض: رياض. # قال: ما شاء الله. # فأراد أبي أن يزيد الصورة جلاء، وسألني سؤالا في الحساب، لكني لم أسرع له بالجواب، ~~فضربني بكتاب ضخم على رأسي، فقال صاحب الشارب الراقص وهو يضحك: «أهكذا تضربه بالدنيا كلها ~~على رأسه؟» ولم أفهم لهذه العبارة معنى ساعتئذ، لكني أذكر كيف عز على نفسي أن أضرب ~~بالدنيا كلها على رأسي، فانفجرت باكيا، كما يحدث كثيرا للطفل أن يبكي مؤخرا؛ فقد يصاب ~~ويجرح وهو لا يدري، حتى إذا ما نبهوه أن دماءه تسيل، أخذ في البكاء؛ ودارت الأيام، وجاء ~~يوم كنت فيه تلميذا بالمدرسة الابتدائية، وتسلمت الأطلس الجغرافي بين ما تسلمته من ~~الكتب أول العام الدراسي، وأخذت أقلب صفحاته وأدير فيها البصر معجبا بألوانها، فإذا ~~جاري يهمس لي: «هذه هي الدنيا كلها في هذا الكتاب بين يديك»، فعندئذ فقط فهمت الجملة التي ~~قالها صاحب الشارب الراقص. انفجرت باكيا لتلك الجملة ولم أفهمها، فطلب مني والدي أن أكف ~~عن البكاء، ولما عجزت عن طاعته، صفعني وأعاد لي أمره بأن أكف عن البكاء، ولست أدري الآن ~~كيف استطعت أن أقف البكاء، لكني فعلت، وأعاد والدي سؤاله الحسابي من جديد وأراد الجواب ~~السريع، لكني كنت في هذه المرة أعجز عن الجواب مني في المرة الأولى، فحملني بين ذراعيه ~~حملا، وقذف بي خارج الغرفة كما يقذف اللاعب بالكرة، وقال متجها نحو صاحب الشارب الراقص في ~~نغمة هادئة: لن يعيش لي ولد خائب، فإما أن يفلح أو يموت. # كنت والأحدب يقص علي هذه القصة الثانية أشخص له ببصري، وأتتبع انفعالاته على ~~وجهه، والابتسامة الخفيفة لم تزل على شفتيه، لكنه كان يروي ويمثل الأحداث بيديه وذراعيه ~~ولفتات وجهه، وفنجان الشاي في يدي، وفنجان الشاي في يده، فلا شربت ولا شرب، حتى فرغ، ~~وضحكنا معا، وأخذنا نشرب لا أتكلم ولا يتكلم، وأبصارنا مرسلة خلال النافذة، ووجهانا ~~مبتسمان، وكان مستطيل الضوء قد امتد حتى أخذ طرفه الداخلي يصعد على الجدار المقابل، ~~وزحزحنا كرسيينا قليلا لنكون في الظل، فبعدت المسافة بيني وبينه، لا ms021 أدري ماذا كان في ~~رأسه عندئذ؛ وأما أنا فقد ازددت يقينا أنني وقعت على المفتاح، فها هو ذا رجل قد شد ~~بصره منذ الطفولة نحو الممكن لا نحو الواقع، فكلما حدث واقع وتحقق، توقع ما وراءه وهو ~~يائس، وكلما قصرت قدرته مرة دون بلوغ الممكن - ولا بد أن تقصر؛ إذ «الممكن» ما ينفك ~~يتراجع أفقه خطوة فخطوة إلى الوراء - تكونت على ظهره طبقة رقيقة من الهم؛ ولبثت الطبقات ~~تتراكم على مر السنين، فإذا هذا القتب الذي يحمله فوق ظهره، مشحونا بهموم حياته كلها، ~~لا يخفف منه ما يصيبه من نجاح؛ لأن عينيه لا تنظران أبدا إلى ما قد تحقق، إنما تمتدان إلى ~~ما لم يتحقق والذي كان من الممكن أن يكون. ~~••• # كانت الشمس قد دنت من الغروب، وزيارتي قد طالت عند الأحدب أكثر مما قد عودته وتعودت، ~~لكني وجدتها فرصة سانحة أن يستطرد في ذكريات طفولته، فتذرعت بذريعة الشمس الغاربة ورغبتي ~~في أن أرى الشفق من سطحه ذاك الذي تقع فيه غرفته، فسألته هلا أذن لي في أن أقف معه ~~قليلا خارج الغرفة حتى نشهد غياب الشمس وراء الأفق؟ وخرجنا معه من غرفته، فحانت مني ~~التفاتة إلى جلدة كتاب ملقاة كما اتفق، كتب عليها «رياض عطا» فعرفت بذلك اسمه كاملا؛ ~~إذ لم يتبرع هو قبل ذاك أن يذكر لي اسمه ولا طلب مني أن يعرف اسمي، كأنما نحن فكرتان ~~مجردتان التقتا في ذهن إنسان، أو كأننا شبحان من الأشباح التي تذكر بنوعها لا بأفرادها ~~التي تعينها الأسماء، وحتى تلك الساعة لم أكن قد عرفت ماذا يعمل هذا الأحدب، ومم يكسب ~~قوته وأين يقضي بياض نهاره. # وما كدنا نقف على السطح المكشوف متكئين على حافته التي تعلو إلى نصف إنسان واقف، حتى ~~أثرت حديث طفولته من جديد، حافزا له أن ينطلق في ذكرياته، بأن أخذت أمدح فيه هذه الذاكرة ~~التي ما زالت تعي حوادث كهذه قد طال عليها الأمد، مع أنني مهما كددت الذاكرة إلى ذلك العهد ~~البعيد فما تعود إلي ms022 بشيء ذي بال. # فأحس بشيء من الزهو بنفسه، واستطرد يقول: إن من الأحداث التي وقعت لي وأنا في نحو ~~الخامسة - وأستطيع تحديد هذه السن بتاريخ سكنانا عند مدخل درب الجماميز من ناحية قسم بوليس ~~السيدة زينب - حادث سرقة، اشتركت فيه معي ابنة عمي - وكانت في مثل سني - فقد كان أبي ~~وعمي وأسرتاهما يسكنان شقة واحدة، ولبثا حريصين على هذه المشاركة في السكن الواحد أعواما ~~طويلة، وساعدتهما ظروف الحياة على أن ينتقلا معا كلما انتقلا، وأن يستقرا في بلد واحد ~~كلما استقرا. # كان على ناصية الشارع والميدان بقال يرص أكياس الحلوى على نضد رخامي سميك يمتد ما ~~امتدت فتحة الدكان إلا منفذا صغيرا على يمين الداخل، ولو وقف الصغير ذو الأعوام الخمسة ~~ملصقا جسده بالنضد الرخامي من جانبه الخارجي في الطريق، لما رآه صاحب الدكان من داخل، ثم ~~لو رفع مثل هذا الصبي ذراعه، ومد أصابعه وشب على أطراف قدميه، استطاع أن يمسك كيسا من ~~أكياس الحلوى المرصوصة عند حافة النضد، فيجذبه ولا يراه صاحب الدكان، خصوصا إذا أحسن ~~الصغير اختيار اللحظة الملائمة. # ولست أدري كم مرة وقع منا هذا الاختلاس، لكن المرة الواحدة التي أذكرها ذكرا ناصعا، ~~قد كانت ذات صباح - ولا بد أن قد كان الوقت صيفا؛ لأن خلفية الصورة التي أذكرها الآن مليئة ~~برجال الشرطة وقد لبسوا بدلاتهم البيضاء، وقوفا أو سائرين في حركته بطيئة عند مدخل قسم ~~البوليس القريب من ذلك الدكان، فما كدنا في تلك المرة نجذب الكيسين بأصابعنا كما كنا نفعل، ~~حتى نزلت عليها يدان كل يد منهما تمسك بواحد منا، وقبضتا على أعناقنا قبضا وأخذتا ~~ترجاننا رجا، ونصعد بوجهينا إلى أعلى لنرى ما الخبر وكيف حم هذا القضاء، فإذا عينان ~~تلفظان الشرر وشاربان يهتزان على شفة راجفة من شدة الغضب، وفي أحرف متقطعة من شدة ~~الانفعال، قال الرجل - وهو صاحب الدكان - إنه لبث أياما طويلة يعجب بأي أيد خفية ~~تختفي أكياس حلواه، حتى قبض علينا متلبسين، فأخذنا نستعطف الرجل ونعده بالثمن، ~~زاعمين له أن ms023 لم يسبق تلك المرة مرات ماضية، وأننا كنا نأخذ ما نأخذه عندئذ شراء لا ~~سرقة، فأطلق سراحنا متوعدا أن يبلغ الأمر إلى والدينا، وقد كان بيتنا مجاورا ~~لدكانه، فكان يرى الوالدين وهما يخرجان من البيت ويدخلان فيه. # إذن فقد قضي الأمر ونزلت الصاعقة! فما الفرق بين أن يعلم أبي بالأمر وبين الموت؟ تسللت ~~إلى البيت خفية كأني الظل، وزحفت تحت السرير حيث قبعت هناك من الصباح إلى ساعة متأخرة من ~~الليل. كانت الشقة التي نسكنها مظلمة، وكانت غرفة السرير أشد ظلاما، ثم كان ما تحت ~~السرير كأنه الليل الدامس، وحسبت أني قد أصبحت من الخطر في مأمن، وإذا كنت أذكر جيدا، ~~فإني أذكر أنني في مخبئي ذاك لم أشعر بخوف، كأنما الطامة قد بلغت بهذا الملاذ ختامها، ~~لكن لم يمض طويل وقت حتى سمعت أصوات المتحدثين في غرف الدار وفي بهوها، من أب وأم، إلى ~~عم وامرأة عم، يسألون: أين رياض؟ ثم يتوجهون بالسؤال إلى ابنة عمي مرة بعد مرة بعد مرة، ~~كأنما المرة الواحدة أو المرتان لا تكفيهم سؤالا: لقد كان رياض معك في الصباح فأين ذهب؟ ~~فتجيب ابنة عمي قائلة في كل مرة يوجهون إليها السؤال: تركته أمام الباب في الشارع، ولا أدري ~~بعد ذلك شيئا. # إنني لا أزال أذكر حتى هذه الساعة، أذكر كيف أخذ الفزع يزداد بهم شيئا فشيئا، فتارة ~~تسكت الأصوات كلها وتخلو الدار من ساكنيها جميعا؛ لأنهم خرجوا يبحثون عني في مظاني، كل ~~يذهب في طريق، وتارة تعود الدار فتعج بأصواتهم يتساءلون في فزع جازعين، وجاء الليل ~~واشتدت عتمته واشتد معها خوفهم، حتى شاء الله لذراع أن تمتد تحت السرير لتجر قفصا ~~صغيرا مخزونا هناك، وراحت الذراع الممدودة تتحسس حتى أحست حركة خفيفة، هي حركة جسمي ~~يزحزح نفسه قليلا إلى ناحية الجدار، فرفعت الذراع ملاءة السرير المدلاة، وإذا بالشارد ~~الضال مختبئ هناك في كهف! فصرخت صاحبة الذراع - ولا أذكر من هي - صرخة امتزجت فيها ~~الفرحة بالدهشة بالترحيب بالوعيد بكل العواطف الإنسانية حين تمتزج في ms024 خليط واحد، وأخرجت ~~من مكمني جرا إلى البهو، يسألونني ولا أجيب، وأخيرا جاء أبي من دورة بحثه عني ، فإذا هو ~~يلقاني فيدهش فيسأل، ولا جواب إلى هذه الساعة. # وضحك الأحدب ضحكة صافية من كل شوائب السخرية التي كثيرا ما يمزج بها ضحكاته، وقال: ~~أحسب أن صاحب الدكان لم يقل شيئا لوالدينا، وأن ابنة العم كتمت أمرها وأمري، فلم يزد أهلي ~~عندئذ على أن أضافوا هذا «الفصل» إلى فصول أخرى كانوا يحصونها علي ولم أكن أدري من ~~أمرها شيئا، مما كانوا يتخذونه دليلا على زعم لهم عني ثبت عندهم ورسخ، وهو أني «عبيط»، ~~وها هو ذا شاهد على «عبطي» جديد، فكان مما يتندرون به دائما أني وأنا صغير - الظاهر أن ~~سن الخامسة عندهم كانت سنا كبيرة - كنت آخذ منهم خمسة القروش أو عشرة القروش، لأشتري لهم ~~شيئا من الطريق، فأغيب عنهم قليلا ثم أعود لأقول: لقد أكل الحمار قطعة النقود، فيذهب منهم ~~ذاهب ليجد قطعة النقود موضوعة في فجوة كانت بين أحجار الحائط عند مدخل البيت. # فرغ رياض عطا من ذكرياته، وهو منبسط النفس، منشرح الصدر، معتدل القامة، حتى كدت لا أرى ~~على ظهره قتبا، وكأنما النشوة التي شاعت في أساريره قد قللت من عمره فجأة عشرة أعوام ~~كاملة، وكانت الشمس قد غابت وبقايا الشفق القرمزي منتثرة في الأفق، حين حييته وانصرفت إلى ~~مدخل الدرج، ونزلت أتحسس الطريق بقدمي درجة درجة حتى كنت في الطريق أسير الهوينا من ~~عمق انشغالي بالأحدب وقصته. # أي مفتاح تريد لشخصيته أجلى وأوضح من هذا الذي ذكره الآن؟ إن اختفاءه في الظلام اتقاء ~~لشر مرتقب، ثم إرهاف الحس ليتتبع مجرى الحوادث من حوله دون أن يغادر مخبأه، فيهما محور ~~حياته كلها؛ انطواء من ناحية، وتسلل بالسمع والبصر في الخفاء إلى ما يدور في العالم من ~~وقائع وأحداث من ناحية أخرى، إنه كمن يريد أن ينظر إلى العالم من ثقب الباب، يريد أن يرى ~~ولا يرى، إنه ليخيل إلي أن شخصيته نسيج من ثلاثة خيوط، يأس أكثر ms025 من الرجاء، وانطواء ~~أكثر من الظهور، ورغبة في إقامة البرهان على قدراته ليمحو به تهمة «العبط» والتي اتهموه بها ~~وهو صغير؛ أما اليأس فقد كانت بداية خيطه حادثة الحصان المهشم، وهي الحادثة التي تلاحق ~~فيها الأمل والخيبة تلاحقا مباشرا؛ وأما الانطواء فقد كانت بداية خيطه حادثة كيس الحلوى ~~حين أحس الطمأنينة في مخبئه تحت السرير؛ وأما تهمة «العبط» فقد بدأت قبل أن تعي ذاكرته ~~أولى الحوادث التي كانت تسوغها. # وبالإضافة إلى هذه الأضواء التي بدأت تكشف لي عن سره الدفين، فكأنما انفتحت لي طاقة في ~~السماء ليلة القدر حين نظر إلي بعين فيها النفاذ وفيها طيبة القلب، وقال مبتسما: ~~كأني بك تريد عني مزيدا من علم! ونهض بحركة سريعة واستخرج لي من خزانة ملابسه كراسة ~~ممزقة وقال: هاك مذكرات كنت كتبتها من سنين وهممت بتمزيقها، ثم عدت فأبقيت على ما بقي ~~منها، فلعلها تشفي عنك غليلا. # الفصل الثالث # | أطلال دوارس # أخذت كراسة المذكرات في لهفة شديدة؛ لأنني اعتقدت أني واقع فيها على كنز ثمين؛ ففي ~~صفحاتها سأشاهد الأحدب وجها لوجه، فيعفيني مشقة البحث والتنقيب، ولكني وجدتها ممزقة ~~منقوصة الصفحات مطموسة الفقرات، مما أكد لي أن كاتبها ربما أحس بعبث الجهد في الكتابة ~~عن نفسه، فكتب ما كتبه ثم هم بتمزيقه، كما يفعل كثير من الأدباء والشعراء حين يقرنون ~~حيواتهم الفانية بالأبدية فيرونها أقل شأنا من أن تشغل الوقت بالكتابة عنها. # ومهما تكن الحال فقد أسرعت العودة إلى منزلي في تلك الليلة، نافد الصبر مشوقا إلى ~~استطلاع المنثورات التي بقيت مما كتبه الأحدب، ولم أنم حتى أتيت عليها تمحيصا وضما لما ~~يمكن ضمه في أجزائها، وها أنا ذا أثبت ما ظفرت به من فقرات مرتبة بحسب ترقيم ~~الصفحات: # ليست لحظات الزمن في حياة الإنسان سواسية كلها من حيث قوتها في توجيه الأحداث، ~~وأثرها في تكوين الشخصية وتشكيلها؛ فمنها ما قد يمضي ولا أثر له، ومنها ما يكون له من بعد ~~الأثر وعمقه ما يظل يؤثر في مجرى الحياة إلى ختامها، ولا ms026 عجب أن تجيء حيوات الأفراد ~~متفاوتة الوزن والقيمة، متباينة الخصوبة والثمر؛ فمنها ما تتابع فيه اللحظات على وتيرة ~~واحدة، حتى لكأنها في نهاية الأمر لحظة واحدة مكررة معادة، فضلا عما تتصف به هذه ~~اللحظة الواحدة من حواء؛ ولذلك فهي حياة تمضي وكأنها لم تكن شيئا، ولكن منها كذلك حياة ~~تجيء لحظاتها ثقالا بأحمالها، فتمضي تاركة وراءها أثرا يبقى على وجه الدهر أمدا طويلا، ~~وبأمثال هذه اللحظات الحبالى تصنع الحضارات وتبنى. # إن النظر إلى حياة بمجموعة أحداثها، لكالنظر إلى صورة فنية لا يسير عليها البصر في خط ~~مستقيم بادئا من حافة الإطار هنا إلى حافة الإطار هناك، بل إنه ليقع أول ما يقع على نقطة ~~مركزية فيها، كشجرة فارعة على يمينها، أو قمة شامخة على يسارها، أو بقعة لونية في أي موضع ~~منها تلفت النظر إليها لتكون له نقطة ابتداء، ثم ينساب البصر في مختلف الاتجاهات، عائدا ~~آنا بعد آن إلى نقطة البدء، فكأنما هذه النقطة المركزية ينبوع تفجرت منه سائر النقاط، ~~وكذلك قل عند النظر إلى حياة فرد من الأفراد بمجموعة أحداثها، فها هناك كذلك يتجه الانتباه ~~إلى لحظات أمهات كانت حاسمة في توجيه صاحب تلك الحياة. # فما هي تلك اللحظات الأمهات في حياتي؟ # ليس منها ساعة الميلاد؛ لأن تلك اللحظة جزء من حياة سواي أكثر منها جزءا من حياتي؛ فقد ~~فرضت علي ولم أردها، ولم يكن لي حيلة في إلغائها أو في إرجائها أو في تغيرها، إنني ~~أحددها بشهادة الميلاد، مفترضا صدق أولئك الذين أملوها والذين كتبوها؛ لأنني لا أملك في ~~دخيلة نفسي شاهدا على صدقها أو على كذبها؛ إذ لو احتكمت إلى حياتي من باطن لما وجدت ~~فرقا بين أن أكون قد عشت على ظهر الدنيا خمسين عاما أو خمسة آلاف عام؛ فكل الدلائل ~~التي يستدل بها على مدى ما عشته من سنين، دلائل خارجية عني، وليس فيها شاهد باطني ~~واحد؛ لأنني إذا ركنت في الشهادة على ما تسجله الذاكرة، ألفيت الذاكرة لا تقفل راجعة ~~إلى ساعة الميلاد، ms027 وقصاراها أن ترتد إلى السنوات الأولى بعد الميلاد، ثم يكتنف الضباب ~~كل شيء فيطمسه، وإذن فالأمر كله - بالنسبة إلى ساعة ميلادي - مرهون بشهادة غيري، فهكذا ~~يقول الوالدان، وهكذا تسجل دفاتر الحكومة، أليس عجيبا بعد هذا كله أن يتمنى إنسان لو ~~استطاع أن يمد له في الأجل مائة أو مائتين أو ألفا من السنين؟ إنه لا يحمل في جوفه ~~دليلا على أنه لم يعش هذا الأمد الذي يتمناه لنفسه، لو كان متوحدا معزولا فلم يجد ~~أحدا من حوله يروي له نبأ مولده ونشأته الأولى، لما كان في وسعه أن يعلم متى ولد وكم ~~عاش. # لا، ليست لحظة ميلادي من اللحظات الأمهات التي أعنيها؛ لأنني لا أعلم عنها شيئا من باطن ~~نفسي، وكل علمي بها آت من سواي؛ فهي إذن أقرب إلى أن تكون جزءا من حياتي؛ ففي أول صفحة ~~مقروءة، بعد عدة صفحات ممحوة لا تبين، قرأت العبارة الآتية: # من بين ما يروونه لي أني ولدت في منزل من قرية، زرته فوجدته بيتا نصفه الأسفل ~~من حجر ونصفه الأعلى من قش وطين، لكنهم إذ يحكون لي أني في هذه الغرفة ~~التحتانية المعتمة ولدت، وفي تلك الغرفة الفوقانية المضيئة ختنت، أحس كما ~~لو كانوا يحكون لي تاريخ طفل لا شأن لي به الآن؛ فليس في جسدي اليوم خلية واحدة من ~~خلاياه التي ولد بها، ولم تكن في رأسه عند ولادته فكرة واحدة مما هو في رأسي ~~اليوم. # إنه لوهم غريب هذا الوهم الذي يوهم الإنسان باتصال شخصه من لحظة الميلاد إلى لحظته ~~الراهنة، نعم إنها وسيلة نافعة لغيري من الناس أن يعدوني فردا واحدا متصل الحياة، بدأ ~~في اللحظة الفلانية ولبث ينتقل هنا وهناك حتى انتهى إلى ما هو عليه الآن؛ أقول: إنها وسيلة ~~نافعة للناس لكي يسهل عليهم عد الأفراد عند الإحصاء، ولكن ما لي أنا وما ينفع الناس عند ~~العد والحساب؟ المرجع عندي هو خبرتي كما أحياها واعيا بها، وليس ذلك الطفل الذي يروون لي ~~عن زمان مولده ومكانه جزءا ms028 من تلك الخبرة الحية الواعية ... # ثم استقامت معي صفحات الكراسة، ~~فقرأت فيها ما يلي: # العجيب أني حينما أعود بالذاكرة إلى سني الطفولة الأولى، فسرعان ما اصطدم بشخصية أبي ~~تملأ مسرح الحوادث، ولكن مهما حاولت فلا أعثر على صورة أمي عندئذ، فأين كانت؟ هل كانت من ~~الخفاء والانطواء بحيث تنمحي من صفحة الذاكرة فلا يسمع لها صوت ولا يظهر لها أثر؟ # والحق أن اختلاف الخصال كان بعيدا بين أبي وأمي؛ فهو منبسط لا يكاد يخفي من نفسه شيئا، ~~وهي منطوية لا تكاد تظهر من نفسها شيئا، هو لا يخشى الناس ولا يفر منهم، وهي تخشاهم وتفر، ~~هو حريص على إثبات وجوده، وهي أحرص على إنكار وجودها، هو لا يضحي بنفسه إلا قليلا، وهي ~~تضحي بنفسها بحيث لا تبقي لنفسها إلا قليلا، يغلب عليه المرح الصاخب إلا في ساعات ~~قليلة تراه قد سكن وكأنما هو غارق في فكر عميق، ويغلب عليها الهدوء الصامت في غير جهامة ~~وعبوس، إلا في ساعات قليلة تراها قد أخذت تصبح زاعقة في هذا أو في هذه، كأنما تنفس عن ~~طاقة مكبوتة، كلاهما يتعبد ويؤدي الشعائر كلها، لكني طالما أحسست أن تعبده موجات على ~~السطح، وأما تعبدها فخفقات من القلب، يثور على الناس فتهدئه ملتمسة لهم الأعذار، حتى ~~أطلق عليها أبي اسم «الهلباوي» مشيرا بهذا إلى نهوضها للدفاع دائما؛ وأما هي فإذا ثارت ~~على أحد من الناس فإنه ينفخ لها في النار لتزداد اشتعالا ... نعم لقد كان اختلاف الخصال ~~فيهما بعيد المدى، ولكن هل بلغ ما بينهما من حدة التباين أن حفظت ذاكرتي كثيرا عن أبي ~~وأوشكت ألا تحفظ شيئا عن أمي؟ إنه مهما تكن حقيقة الأمر، فيقيني هو أني عن أبي أخذت الذكاء ~~وعن أمي أخذت الخلق، عنه أخذت النفس القلقة الطامحة في عجز، وعنها أخذت الرغبة في الخفي ~~عن قناعة ورضى، ومن مزج النقيضين وقع الصراع. ~~... التشاؤم والانطواء صفتان في حياتي بارزتان، فمن شأن المتشائم اعتقاده بأن نتائج الأشياء ~~وأواخر الأحداث عبث كلها في عبث، اعتقاده ms029 بأن الحياة عملية معقدة من جمع وطرح وضرب وقسمة، ~~فيها أعداد صحيحة وفيها كسور، وفيها ربح وفيها خسارة ، لكن الناتج النهائي صفر دائما؛ لأن ~~الناتج النهائي عدم محتوم، إنه سيجيء اليوم الذي تبرد فيه الشمس، وعندئذ تتعادل حرارة ~~الكون شمسا وأرضا، وعندئذ تكف الأرض عن دورانها ويسكن كل شيء في مكانه، فلا نماء ولا ~~دثور، ولا حياة ولا موت، ولا ليل ولا نهار، ولا صيف ولا شتاء، ولا ريح ولا مطر؛ فأين عندئذ ~~يكون فرد من الناس بكل ما قد بذل من جهود وما قد حقق من نجاح؟ # وهكذا تراني أنظر إلى الأشياء وإلى الأحياء وإلى المواقف وإلى الحوادث، ولكنها نظرة لا ~~تمنع عندي جهاد الحياة ولا تحول دون السعي نحو التقدم، بنفسي وبغيري عن الناس، برغم كوني ~~أحس في أعماق نفسي أنه جهاد وأنه سعى تمليهما ضرورة الحياة ما دامت الحياة قائمة؛ وأما ~~الحياة نفسها فهي - كما قال المعري - عبث، لكني لا أعجب - كما يعجب المعري - من راغب في ~~ازدياد من ذلك العبث؛ لأني أعلم أن «الرغبات» شأنها شأن العقل في كونها من صميم الحياة ~~ولبها؛ فليس من حق العقل أن تكون له وحده الكلمة فيما يعمل وما لا يعمل؛ لأن «للرغبة» ~~اللاعقلية مجالها، وها هو ذا المعري قد أملى عليه عقله أن الحياة عبث كلها، وأنه إنما ~~يعجب من راغب في ازدياد من ذلك العبث، فهل كف المعري نفسه عن «الرغبة» في ~~الزيادة؟ # على أن نظرتي المتشائمة هذه كثيرا ما تقتضيني أن أسارع إلى استحضار الضد الأسود أمام ~~ذهني كلما مر بخاطري ضده الأبيض، وأمور أخرى؛ أنظر إلى المرأة الجميلة فأقول: ولكن جوفها ~~يحمل العفن، وأنظر إلى الطير الصاعد فأقول: إنه لا بد بعد صعوده هابط؛ واختصارا فإني ~~أنظر إلى كل إناء مليء إلى نصفه فأقول: لكنه كذلك فارغ في نصفه الآخر؛ وهي بغير شك نظرة ~~معوقة لصاحبها في ركب الحياة، لكنها هي نظرتي. # وأما انطوائي فهيهات أن يرى منه الرائي بمقدار ما أحسه في باطني؛ لأن فيما ms030 يراه مني ~~الرائي تكلفا وتصنعا قد يخفيان إلا على الخبير بطبائع الناس، إنني كلما عدت إلى داري ~~بعد عمل اليوم أحسست - وأنا أغلق الباب من دوني - بنشوة العائد إلى مكمنه بعد أن تعرض ~~لأهوال الغابة، ولست أعرف كيف يحس الأرنب المطارد حين يلوذ بجحره، ولكنني كلما عدت إلى ~~داري بعد عمل اليوم، ارتسمت في ذهني صورة لأرنب راجف، عادت إليه الطمأنينة بعد أن لاذ ~~بمأواه، إنني لأخاف الخروج من مكمني كما يخاف العليل برئتيه أن يعرض نفسه للفحة ~~برد. # وقد أتشجع فأواجه الناس، لكنني وحدي أعلم الناس بما يرتجف من نفسي عندئذ؛ فمثل هذه ~~الشجاعة الظاهرة كثيرا ما تكون خجلا معكوسا، قل إنه ضعف، وقل إنه مرض، لكن هو الواقع ~~على حقيقته، ومرة أخرى أقول: إنها طبيعة معوقة لصاحبها عن السير السريع في ركب الحياة، ~~لكنها هي طبيعتي. # ماذا تظنني أسرح إليه حين أسترسل في أحلام يقظتي، لا أقول مرة في الشهر، ولا مرة في ~~الأسبوع، بل أقول مرة أو عدة مرات كل يوم؟ إنني في أحلام يقظتي أسرح باحثا عن مكان ~~ملائم ألوذ به لأعيش هناك في عزلة الرهبان: هل أختبئ في غرفة من مكان مجهول على شاطئ ~~البحر - لأني أضيق بالحر ضيقا شديدا؟ أو هل يكون مخبئي في موضع من الصحراء؟ ولكن أين؟ ~~أيكون في دير من أديرة الرهبان النصارى، وهل يجوز يا ترى للمسلم أن يعيش مع رهبان المسيحية ~~في أديرتهم دون أن يشاب إسلامه بشائبة؟ ... صور من هذا القبيل تتلاحق، وأظل في كل صورة ~~منها أعيش مع الخيال برهة لأحس حسناتها وعيوبها قبل أن أنتقل إلى الصورة التي تليها، لكنها ~~أحلام يقظة لا ألبث بعدها أن أمارس عملي كأنني مقبل على الحياة مع المقبلين. # إنه لا تناقض بين أن يميل المرء بوجدانه إلى شيء، وأن يخضعه بعد ذلك لتحليل العقل فلا ~~يجده على ما كان الوجدان قد صوره، وعلى ذلك فلا تناقض بين أن أختار لنفسي - بالوجدان - ~~أن أعيش منطويا على ذاتي، غاضا نظري عن الدنيا ms031 التي حولي، وبين أن أرى بعقلي بعدئذ أن ~~دفعة الحياة تقتضي أن نخرج من ذواتنا إلى حيث الأشياء المادية المحسوسة، فكأنما أريد الحالة ~~الوجدانية الأولى لنفسي، وأريد الحياة العقلية الثانية للناس. # ها أنا ذا أشهد الله والناس أني ما قرأت مرة عن المتصوفة في صدورهم عن عرض الحياة ~~الدنيا، وفي ازدرائهم لشهوات الجسد وإشباعها، إلا ووجدت لهم في أغوار نفسي صدى عميقا، كأن ~~هذه النفس قد أعدت وهيئت لمثل هذه الحياة العزوف، ومع ذلك فإني أتمنى أي شيء لقومي ~~إلا أن يسود فيهم العزوف عن تيار الحياة الحسية المادية العملية العقلية العلمية، والتي ~~تعنى كل العناية بتطبيقات العلوم على الزراعة والصناعة، وباصطناع القوة المادية في شتى ~~مظاهرها؛ وهكذا ترى وجداني على هوى وعقلي على هوى آخر، ولا تناقض بينهما ما داما يجيئان ~~على تعاقب. ~~••• ~~... إنني حتى الخامسة من عمري لم أكن - فيما تعيه الذاكرة - قد شعرت بأني عضو من أسرة، ~~تربطني بأفرادها علاقات تختلف باختلاف مواقفي من أفرادها، فكلما تذكرت نفسي في الخامسة أو ~~قبلها، تذكرت كيانا مستقلا بذاته، يرتبط بغيره من الأفراد ارتباطا خارجيا لا ارتباطا ~~باطنيا. # أما حين أنتقل بالذاكرة إلى عامي السادس وعامي السابع، فإنني أتذكر على الفور أنني ~~جزء من جماعة؛ فقد كان أبي قبل ذلك هو الشخص «الآخر» الوحيد الذي يكون مع وجودي محورا ~~أدور حوله أو أسير بإزائه عن خوف أو عن رضا؛ أما الآن - في العام السادس وما بعده - ~~فأمي قد أخذت تظهر بوضوح، وكذلك أخي، وكذلك عمي وامرأة عمي وأبناء عمي، وكذلك نفر من ذوي ~~القربى كانوا يعاودون زيارة بيتنا زيارة تقصر حينا وتدوم عدة أيام حينا آخر. # وإنما يعين الذاكرة على انتقالها هذا بين المرحلتين المتعاقبتين: مرحلة الكائن المفرد، ~~ومرحلة الكائن الاجتماعي، انتقالنا المادي عندئذ من بيت إلى بيت؛ فقد انتقلت الأسرة - ~~والأسرة إلى ذلك الحين معناها أبي وعمي ومن يتبعهما - انتقلت إلى مسكن آخر في حارة ~~السناجرة، أو ما كان يسمى بهذا الاسم حينئذ بالقرب من مسجد السيدة زينب؛ لأن ms032 القاهرة ~~قد تبدلت في يومها عن أمسها، فاتسعت شوارع لتبتلع ما كان يصب من فيها الحواري؛ انتقلت ~~الأسرة إلى مسكن آخر، وفي هذا المسكن الجديد تحددت الروابط بيني وبين أبي - وقد كان لها ~~بدايات سابقة - وبيني وبين أمي، وبيني وبين أخي بصفة خاصة؛ فلأول مرة أشعر بوجود أمي معي، ~~تحميني دون أن تقتضيني مقابل هذه الحماية خوفا، فلم أكن أبدا لأخشى بأسها مهما يكن ما ~~أقترفه جسيما، وذلك برغم صرامتها في معاملتي ضربا و«قرصا» وشتما وزجرا، لكن هذا كله ~~منها كان كالموج الذي يطمئن السابح على حياته بدفعه إلى شاطئ الأمان ولا يهدده بالغرق، ~~ولقد لبث هذا هو الفارق الواضح بين علاقتي بأمي وعلاقتي بأبي؛ كلاهما يحمي، لكنه - دونها - ~~يتوقع مقابلا لحمايته: فزعا منه وخشية لبأسه مما كان يسميه «أدبا». # وكذلك تحددت عندئذ علاقتي بأخي على نحو لم يتغير قط مع تقدم السنين، فكأنما نحن منذ ~~تلك السن الباكرة قد تعاقدنا تعاقدا صامتا غير منطوق ولا مكتوب، أن يكون كل منا ~~حليفا للآخر فيما عسى أن تفاجئنا به الأيام من هجمات المهاجمين؛ والمهاجم الخارجي قد ~~يتغير نوعه، لكن موقفنا في التحالف ثابت؛ فكل منا يطلع أولا فأولا على ما يقترفه ~~الآخر من زلات العصيان، لكن أحدا منا لا يشي بالآخر عند الوالدين أو عند غيرهما ~~ممن يعنيه الأمر، فإذا سئل أي منا عن خطأ وقع: من فعل هذا؟ أجاب: لا أعرف، وتكون ~~النتيجة دائما أن يضرب كلانا؛ فقد كان أخي مغرما بكشط قطع الأثاث بالمبراة، لا يردعه ~~عن فعل ذلك توعد ولا وعيد، لكنه كلما كشط وسئلت: من؟ أجبت: لا أعرف. وكذلك حدث مرة ~~أن اشتروا له معطفا جديدا ولم يشتروا لي نظيره لجدة معطفي، فقصصت معطفي بالمقص ~~شرائط شرائط، حتى أرغمهم على شراء معطف آخر، وسئل وسئلت: من؟ وكان الجواب من كلينا: لا ~~أعرف. فنال العقاب منا على السواء، على الرغم من أنهم يعلمون أتم العلم أنه هو كاشط ~~الأثاث، وأنني أنا الذي قص المعطف. # هكذا تآزرنا على الخير ms033 وعلى الشر منذ تلك السن البعيدة، كما يتآزر المعرضون لخطر ~~مشترك، وتلازمنا قياما وقعودا ومشيا وجريا وخروجا ورجوعا ولعبا وجدا، حتى تلازم ~~اسمانا على الأفواه، فلا ينطق أحد باسم أحد غير مقرون باسم الآخر، فيقال «رياض وعماد»، ~~لا ينفصل شق فيه عن شق إلا إذا نودي أحدنا بحرف النداء. # ولعل حارة السناجرة التي سكناها عندئذ أن تكون الحارة الوحيدة في حياتنا التي نزلنا ~~بها لنلعب مع أطفال الجيران، وحتى عندئذ فقليلا ما فعلنا. ومن طريف ما أذكره في هذا الصدد ~~أن أفراد الأسرة جميعا قد ذهبوا لبعض شأنهم ذات عصر، وتركوا معنا مفتاح البيت، على أن نلعب ~~في الحارة مع الأولاد إلى أن يعودوا، ولست أدري أي فكرة مجنونة طافت برأسينا عندئذ، أن ~~نقيس مقدار شجاعتنا بأن نعري جسدينا ونسير هكذا في مواجهة الأولاد لنرى ماذا في وسعهم أن ~~يصنعوا، لكننا وجدنا من سخريتهم ما لم نحتمله، فصممنا أن نسارع إلى العودة إلى دارنا، ونبحث ~~عن المفتاح فإذا المفتاح مفقود، فوقعنا بين نارين: حملة السخرية التي أخذت تشتد كلما ازددنا ~~أمامها ضعفا، والقلق الشديد المهموم المغموم على هذا المفتاح الضائع، وربما كان ذلك من أول ~~الدروس التي لقنتنا إياها الحياة الاجتماعية فيما ينبغي أن تكون عليه علاقة الفرد ~~بالمجتمع، فإما أن تكون متجانسا مع الآخرين إذا أعوزتك قوة المقاومة، وإما أن تتصف ~~بالجرأة المتبوعة بصفاقة الوجه إذا أردت أن تتفرد وحدك بسلوك خاص؛ أما أن تتحدى المجتمع ~~بالعصيان الذي يأبى التجانس دون أن تكون مزودا بما يلزم هذا من سلاح المقاومة، فذلك إنما ~~يؤدي بك حتما إلى اختلال في اتزان عناصر النفس، ومن ثم إلى صراع داخلي فانطواء، وما ~~هي إلا أن عادت طلائع الأسرة الغائبة لتصدم بهذا الموقف الغريب، وراحت عيونهم تلفظ أوار ~~الغيظ الكظيم، تمهيدا لما هو لاحق بنا حتما إذا ما انفتح الباب ودخلنا، وجيء بنجار، وكسر ~~الباب، ودخلنا، وكان ما كان من عصي تهوي على جسدينا العاريين. # وفي تلك الفترة من عمري دخلت المدرسة الأولية، وكان ms034 اسمها مدرسة السلطان مصطفى، عند مدخل ~~حارة الكاشف بجوار المدرسة السنية للبنات، وهي دار أثرية قديمة، ولا أذكر منها شيئا إلا ~~سلالمها التي كانت تبدأ من الباب الخارجي مباشرة؛ فليس للمدرسة فناء. وكان التلاميذ الصغار ~~يتجمعون في حارة الكاشف، المحظوظ منهم يأكل البليلة، وغير المحظوظ تأخذه العزة فيبعد، أو ~~لا تأخذه فيقترب سائلا. وكانت السلالم عالية الدرجات على من كان في مثل عمرنا، وكذلك أذكر ~~شعاعا من الشمس ساعة العصر ينفذ من جهة الغرب خلال النافذة ذات الزجاج الملون، كنت ~~أرتقب سقوط هذا الشعاع على درجي كل عصر فارغ الصبر، ولا أدري هل كان ذلك بسبب الألوان ~~الجميلة التي كان يلقيها ذلك الشعاع أمامي، أو كان ذلك علامة على دنو ساعة ~~الانصراف. # وعلى أي حال فقد كان ارتفاعي في درجة الوعي عندئذ بما يشبه القفز والطيران؛ ففي عام ~~واحد أو عامين، انتقلت انتقالا كالمفاجئ من طفل لا يعي إلى صبي تفتحت حواسه؛ ولا أدل ~~على ذلك من متابعتي لما كان يقوله ابن عم لي وابن عمة يكبراني بخمسة أعوام، وكان ~~عندئذ تلميذين في مدرسة محمد علي الابتدائية، فكانا يفخران أمامي بما يعلمانه مما لست ~~أعلم: كلمات إنجليزية وعبارات، فكنت أسارع إلى حفظها عنهما لأسايرهما فيما يعلمان. # لكن الذي لم أستطع قط أن أسايرهما فيه، هو ما كانا يسميانه «مطارحة» بالشعر، فيقول أحدهما ~~بيتا من الشعر، ليرد عليه الآخر ببيت يبدأ بالحرف الذي انتهى به البيت السابق، فمن أين ~~لهما بهذا الكلام؟ أين يجدانه وكيف يحفظانه؟ وقد مضيت الآن منذ ذلك العهد عشرون عاما، وما ~~زلت أذكر بيتا قاله أحدهما في المطارحة وأعجبني لفظه فحفظته عنه لساعته، فرسخ في الذاكرة - ~~وذاكرتي يغلب عليها الضعف - لسبب لا أدريه، وهو: # نونان نونان لم تكتبهما قلم # وفي كل نون من النونين عينان # حفظته ولم أعلم ماذا عساه يعني، بل لا أظن أن قائله كان يعلم. # كذلك تحددت في تلك الفترة من العمر علاقتي بالجنس الآخر؛ بمعنى أنني أدركت إدراكا واضحا ~~ماذا يكون بين الجنسين ms035 في تستر وخفاء؛ فلست أنسى ذات مساء والبيت يعج بزواره، كيف اتفقت ~~مع طفلة من الأسرة الزائرة أن نلعب زوجا وزوجة، وانثنينا إلى غرفة بعيدة عن الأعين، ~~وأغلقنا من دوننا بابها، ولم أكن أعلم الطفلة من قواعد اللعبة أكثر مما علمتني، ولم ~~تكن تعلمني أكثر مما علمتها؛ فالطفل والطفلة كلاهما - وهما في السابعة أو نحوها - كان ~~يعلمان ما يكفي. كما حدث في هذه السن نفسها أن سافرت مع أهلي إلى القرية لنقضي إجازتنا ~~بها، وكنت في الضحى ذات يوم ألعب على سطح الدار مع طفلة ريفية من الجيران، فما هو إلا أن ~~تفاهمنا، وكان إلى جوارنا «سحارة» كبيرة عميقة، بابها مربع خشبي صغير يغطي فتحة على ~~وجهها الأعلى، فقفزنا إلى سطح السحارة، ورفعنا بابها وهبطنا واثبين إلى جوفها، ولكن كيف ~~الخروج والسحارة عميقة كأنها البئر؟ وعبثا حاولنا، فكان لا بد للسر أن يفتضح، فأخذنا ~~ندق جوانب السحارة بقبضات أيدينا، ونركلها بأقدامنا، ونصيح في بكاء الفزع، حتى سمعنا ~~من سمعنا، وانتشلنا، وما كادت القصة تسري حتى كانت الضحكات من هذه «الشقاوة»، ولكن هل ~~أدرك الراشدون مدى ما قد ذهب إليه لهو الطفلين؟! لا أظن ذلك؛ وهذه هي براءة الأطفال، وهذه ~~هي طهارة الريف، وتلك هي سذاجة الراشدين. # هكذا كملت جوانب الشخصية الاجتماعية بين السادسة والسابعة، وتحددت لها طرائف مختلفة في ~~ردود الأفعال لمختلف البواعث، أو قل هكذا نشأت مجموعة الأشخاص التي تكون جوانب نفسي ~~«الواحدة»، وما كان على الأيام بعد ذلك إلا أن تطور هذا الذي بدأ؛ فموقفي إزاء أبي هو هو ~~نفسه موقفي إزاء كل سلطان متحكم، أثور عليه في داخلي تارة، وأنفجر بالثورة العلنية تارة، ~~وأكتب لأهدم ما أراه طغيانا - سواء في ذلك الأشخاص أو النظم - فتجيء الكلمات كأنها ~~شواظ وشرر، وكثيرا ما دهش من لم يكن يعرفني ثم رآني، فرأى شخصا تغلب عليه ~~الوداعة والهدوء، فكيف يمكن أن تجيء تلك الثورة من هذا المستكين؟ # وموقفي إزاء أمي هو موقفي من الصديق أحبه حبا خالصا غير ممزوج بالحذر والخوف، ms036 وهو ~~الموقف الذي أقفه ممن تربطني بهم علاقة الود وأصطفيهم دون سائر المعارف، وموقفي من أخي هو ~~نفسه موقفي من نفسي، أسر إليه بما لم أكن أسر به إلى أب أو أم أو صديق، أطلب منه ~~النصح جادا، وأعتصم به آمنا. وموقفي من أقربائي الذين كانوا يكبرونني ويسبقونني في ~~مراحل التعليم، هو موقفي من كل سابق في طريق العلم؛ أجد السير لألحق به. وأما ~~موقفي من الجنس الآخر، فبرغم العبث الطفلي الذي عبثت به مع الطفلتين إلا أنه سيتحدد بفعل ~~شيطانة من الجن في سن المراهقة. # إنهم يصدقون حين يقولون عن الأسرة: إنها نواة المجتمع؛ لأنها هي المجتمع الصغير الذي ~~يتعامل الطفل مع أفراده، فيعامل كلا منهم بما يحقق له صالحه كما يتصوره، يحب هذا ويخشى ~~ذاك، ويخلص الود هنا ويمكر بالحذر هناك، حتى إذا ما خرج إلى المجتمع الكبير، جسد في ~~مواقفه وفي ناسه ما كان قد لقيه في المجتمع الأسري الصغير، فكم ثائر ثار على الدنيا ~~حتى غير وجهها، تراه - إذا ما رددت ثورته هذه إلى أصولها - إنما يثور في الحقيقة على ~~أب طغى به وهو صغير، فانتقم منه في سواه حين استطاع، وقد يجيء هذا الانتقام المقنع خيرا ~~فيكون صاحبه من الأبطال المصلحين، أو قد يجيء شرا فيكون من المفسدين، وكم ملحد أنكر وجود ~~الله إذا ما رددت إلحاده هذا وإنكاره إلى أصولهما، تبين كذلك أنه في الحقيقة يريد أن ~~يكفر بالوالد أو بالمعلم الذي أغلظ له القسوة وهو ضعيف، وهكذا حلل حب المحبين وكراهية ~~الكارهين وعبادة العابدين وزهد الزاهدين، وحلل نشاط العالم في معمله، والرحالة في ~~ارتياده للمجهول، تجد كل ذلك امتدادا لأصول نشأت في النفس وهي ناشئة بين رعاتها ~~ولداتها، فكان ما كان بعدئذ من خسة هنا ومجد هناك؛ أتقول لي: لكن هذه نظرة متشائم ~~إلى القيم الإنسانية العليا؟ لكن كانت كذلك، فلا حيلة لي في نظرتي المتشائمة؛ لأنها وليدة ~~حياتي التي عشتها حتى بلغت السابعة أو نحوها. ~~••• # انتقلت الأسرة إلى السودان والصبي في تاسعته. ms037 كان له ما كان من أحداث الحياة، لكنه ذهب ~~والأحداث مكنونة في جوفه لم يظهر بعد منها شيء على ظهره، ذهب والظهر معتدل وعاد ~~والظهر مقوس معوج، لقد طفح الداخل إلى خارج وتكور. # الشمس فوق رأسي كأنها عين فتحت في جهنم! ذلك هو أول انطباع تلقيته في الطريق من ~~المحطة إلى المنزل؛ إذ جلست فوق الحقائب المحملة على عربة لأحرسها، ولست أذكر بعد ذلك ~~شيئا سوى أنني أرقد مصابا بضربة الشمس تحرسني عناية الأبوين نهارا وليلا لبضعة أيام، ~~صحوت بعدها وجلت قليلا، فتبينت أننا قد انتقلنا من الظل إلى الوهج، ومن رطب إلى يابس، ~~ومن حركة إلى سكون، ومن غزارة حياة وصلات إلى تخلخل وتفرق؛ فالمسافة بين بيت وبيت ~~هنا أبعد، وبين دكان ودكان أطول، والناس قليلون، والأفراد متناثرون، والشارع ميدان، ~~والميدان فلاة، والمشي كأنه وقوف، والجلوس كأنه رقاد، وشدة الحر تزيد الناس بعثرة بعضهم ~~عن بعض؛ لأنهم لائذون بالسقائف، حتى ليتعذر على الخيال أن يتصورهم «جمهورا» بمعنى ~~الحشد المتجمع في مكان، كما يتعذر على العقل أن يتصور قيام رأي عام ينتقل بين الأفراد ~~بطريق العدوى، وفي ظني أن ظروفا للعيش كهذه من شأنها أن تزيد من اعتداد الفرد بنفسه ~~وبفرديته، لقلة صلته الطبيعية القريبة بسائر الأفراد، وبالتالي فهي تقلل من استعداده ~~للتفاهم السهل مع سواه، فعوامل تكوين «الرأي» الواحد هنا مفرقة مبعثرة، وحوافز التفكير ~~واهنة؛ لأنه لا تفكير بغير مشكلات، وإذا قربت الحياة من البساطة فلا مشكلات. # أنا لا أتحدث عن السودان الآن، لكنني أتحدث عن موقف الصبي الذي ذهب إليه وهو في التاسعة، ~~وكان ذلك منذ أمد بعيد، ذهب إليه وإحدى قدميه ما تزال مغروسة في أرض الطفولة، والأخرى أخذت ~~تخطو نحو نضج الشباب الباكر، وقد بدأت خبرات الصبي هناك بموقفين متضادين في آن واحد. كان ~~في أحدهما طفلا لاهيا وكان في الآخر إنسانا مسئولا. # فأما أولهما ففي الكتاب الذي أرسلنا إليه لنقضي بعض أشهر حتى يبدأ العام الدراسي في ~~كلية غوردون، وفي الكتاب عرفت ما «الفلقة» وعذابها؛ ms038 فالكتاب كله غرفة واحدة لا أذكر ~~أن لها نوافذ، يفتح بابها على سقيفة مفروشة بالحصير؛ ولذلك فهي - أعني السقيفة - مضيئة ~~وللهواء فيها حركة، إذا قيست إلى الغرفة في ظلمتها وسكون هوائها، وتحت السقيفة كان يجلس ~~الشيخ الدرديري - صاحب الكتاب والقائم فيه بالتعليم كله - وإلى جانب مقعده منضدة وطيئة ~~عليها قلتان، وحدث ذات صباح أن وجدت المقعد خاليا من شيخه، ورأيت القلتين تلمعان بما ~~يبلل سطحيهما من ماء، فأخرجت من جيبي قلما من أقلام «الكوبيا» وطفقت أخط به على ~~القلتين، ولم أكن أتوقع أن أجد هذه المتعة كلها في التخطيط بالقلم «الكوبيا» على سطح ~~مبتل، فانطلقت أرسم الأشكال وأكتب الأحرف، فتسيح الخطوط وتتشابك في زخرف جميل، وهنا ~~«طب» الشيخ فجأة، فأخذته صاعقة لما رأى، وأمر فمدت «الفلقة» وربطت فيها قدماي، ~~وطرحت على الأرض ظهرا، ورفعت القدمان مزمومتين في شقي الفلقة، والفلقة يحملها ولدان ~~أمسكها كل منهما بطرف، والشيخ الدرديري يهوي علي بالسوط في غير رحمة كأنما نسي أنهما ~~متصلتان بكائن حي، وعدت إلى البيت مورم القدمين؛ وغير هذا الحادث لا أذكر من هذا ~~الكتاب شيئا، إلا أن زائرين كثيرين كانوا يزورونه، فإذا دخل الزائر انتفضنا وقفين ~~واضعين أكفنا الصغيرة على جباهنا «تعظيم سلام»، مرددين في صوت عال بيتين حفظناهما ~~لهذه المناسبات، أظنهما يجريان هكذا: # من نال العلم وذاكره # حسنت دنياه وآخرته # فحياة العلم مذاكرة # وحياة العلم مذاكرته # نمط الهاء في آخر الشطر الأول مطا منغما موصولا بالشطر الثاني، وكذلك نقف ~~قليلا عند التنوين في آخر الشطر الثالث وأخيرا نجعل الوقف على الهاء الأخيرة كضربة الطبل ~~معلنة ختام التحية، وعندئذ نؤمر بالجلوس. # وأما الموقف الثاني الذي وقفت فيه موقف رجل مسئول؛ فهو أن لصوص المنازل قد كثروا خلال ~~ذلك العام كثرة قيل إنها لم تعهد من قبل، وكان مرد الأمر إلى قلة في المطر وقحط في ~~المحصول، وما يتبع ذلك من عوز وجوع، وقد رأى الموظفون - ومنهم أبي - أن يساعدوا رجال ~~الشرطة بأن يكونوا من أنفسهم دوريات تجوب الشوارع أثناء الليل، لتفزع ms039 اللصوص كما تفزع ~~العصافير من فوق الغصون بقرعات خفيفة على الصفيح، فلصوص ذلك العام لم يكونوا لصوصا محترفين ~~لهم جرأة وتدبير، بل كانوا لصوصا تدفعهم الحاجة الماسة العاجلة إلى أي شيء يؤكل أو ~~يلبس أو يباع، إلى أقل شيء، إلى رغيف يأكلونه، إلى قميص يلبسونه، إلى إناء يخطفونه ~~ليبيعوه في السوق برغيف أو قميص، وإذن فتخويفهم أمر ميسور تكفي له هذه «الدورية» من ~~الموظفين تجوب شوارع المدينة ليلا. # لكن كان لا بد للبيوت كذلك من حراسة بالليل، فعلى كل أسرة أن يتناوب أفرادها في ~~اليقظة لتكون هنالك العين الساهرة دائما، والشاخصة نحو الأسطح وحوافي الجدران الخارجية؛ ~~فاللص إما أن يهبط إلى فناء الدار من سطح الغرفات - والدور كلها من طابق واحد يتوسط ~~غرفه فناء يحيط به السور الخارجي - وإما أن يهبط إليه واثبا فوق السور المحيط به، وكان ~~يقال لنا إن أقل صوت يصيح به الحارس اليقظان إذا رأى لصا يهم بالهبوط إلى الفناء، ~~كاف لتخويفه، يفر كأنه الظل يختفي بلا صوت. # ومن ذا في بيتنا تقع عليه هذه الحراسة سواي؟ إن أخي أصغر من أن يوكل إليه هذا العمل ~~الجريء، وأمي وحدها لا تغني؛ لأنهم يريدون للحراسة «رجلا»، و«رجل» البيت في غيبة أبي هو ~~أنا الصبي ذو الأعوام التسعة؛ لأنني أنا «رشيد العائلة» كما كان يحلو لأبي دائما أن ~~يقول، كان علي إذن أن أقف في وسط الفناء، ممسكا بيدي حطبة من حطب الموقد - وحطب ~~الموقد هناك قطع غليظة من فروع الشجر الجافة - وأظل أتطلع بعيني إلى حافة السطح وإلى ~~حوافي الأسوار. وإنني لأكتب هذه الأسطر الآن وما يزال في نفسي مزيج المشاعر التي كانت ~~تملؤني أثناء عملية الحراسة بضع ساعات من كل ليلة؛ فشجاعة مصطنعة تجعلني أشد بقبضتي على ~~الحطبة الخشنة، وزم للشفتين وحبس للأنفاس، ودفع بالصدر إلى أمام، وتثبيت للقدمين على ~~الأرض، ووراء كل هذا رجفة الخوف تعتريني من الرأس إلى القدم؛ وماذا تتوقع من صبي صغير ~~أمر أن يضع في إهابه رجلا؟ إنه لا مناص من ms040 أن تكون الرجولة البادية الظاهرة مبطنة ~~بطفولة خافية مستترة؛ ألا ما كان أرهبها من لحظة تلك اللحظة من جوف الليل الساكن، ~~التي نظرت فيها إلى حافة السطح المطلة على الفناء، لأشهد ساقين تدلتا وجذعا في ~~سبيله إلى الظهور، ولم تكن بعدئذ إلا حركة واحدة من الواثب ليكون معنا في فناء الدار، ~~فارتعشت ركبتاي، وزعقت في صوت مكتوم ماتت حروفه في حلقي، ولكن استطعت أن ألفظ الكلمتين: ~~«امسك حرامي»، فيا لعجبي من تلك الزفرة المبحوحة من طفل راجف، تكفي لطرد الشيخ إلى حيث لا ~~أدري! وقل ما شئت عما ملأني من شعور بالزهو لشجاعتي المزيفة، فكأن تلك الليلة كانت مولدا ~~لمركب شعوري أحسبني لا أزال أحمله بين جنبي، هو مركب الشجاعة الخائفة، أو الخوف ~~الشجاع. ~~••• # كانت النقلة واسعة مما كنت عليه في كتاب الشيخ الدرديري، إلى ما أصبحت فيه بكلية ~~غوردون؛ فهي نقلة من طفل يفرض فيه أنه لا يعرف شيئا ولا يعلم شيئا إلى طفل يفرض ~~فيه أنه يعرف كل شيء ويتعلم أي شيء. # كان المدرسون في المرحلة الابتدائية أكثرهم من المصريين وأقلهم من أبناء السودان؛ ~~هذا هو مدرس اللغة العربية الذي تولانا أول من تولى، أستاذ أزهري من المصريين، فيه ~~من الجد والصرامة ما لو قسم بين عشرين مدرسا لكان من كل واحد فيهم مدرس ناجح، ~~إنه أوشك ألا يفرق بيننا نحن الصغار الذين جاءوا إليه ليبدءوا حياتهم الدراسية، وبين ~~متخصص في دراسة اللغة العربية من علماء الأزهر؛ فقد كان يأمرنا أن نسطر له هوامش كتاب ~~النحو المقرر بخطوط مائلة، لنكتب عليها ما يمليه من إضافات، على نحو ما نكتب الحواشي ~~في الكتب القديمة، ويعلمنا الإعراب فيما أشكل من آيات الكتاب الكريم أو من أبيات الشعر ~~الجاهلي، بعد أن يشرح لنا هذه وتلك شرحا وافيا، لكنني كنت أحفظ الإعراب عن ظهر قلب دون أن ~~أفهم من مصطلحه شيئا، فما زلت أحفظ من تلك السنة الأولى أن «إذا ظرف لما يستقبل من ~~الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه»، ولا بد أن ms041 يكون ذلك الأستاذ القدير قد شرح المعنى ~~المقصود بكل هذا، لكنني كنت أعجز عن استيعابه، فكلمة «الظرف» عندي لم تكن تعني إلا الظرف ~~الذي يوضع فيه «الجواب»، خصوصا وكلمة «الجواب» واردة في آخر العبارة، و«الاستقبال» عندي لم ~~يكن إلا استقبالا للضيوف، و«الشرط» لا يكون إلا فرقا في الثوب، فما علاقة «إذا» بهذا كله؟ ~~لم أكن أدري، ولكني أحفظ عن ظهر قلب، والأستاذ يحدوه فينا أمل يجاوز قدراتنا. # وهذا هو مدرس اللغة الإنجليزية، شاب مصري شاحب الوجه حاد الفكين، لا فرق - في ~~الصرامة والجد - بينه وبين مدرس اللغة العربية إلا في الزي، فذلك شيخ وهذا أفندي، نعم كان ~~بأيدينا كتاب المطالعة الذي يبدأ بدرس عن ثور يركبه صبي فلاح، لكن هل كان يكفيه هذا؟ كلا؛ ~~فالمادة المضافة لا أول لها ولا آخر، وأعمدة الأفعال وتصريفها، وقوائم الكلمات التي نحفظها ~~كل يوم كانت تلاحقنا بلا هوادة، إلى الحد الذي كنا نخرج معه إلى فناء المدرسة بعد درس ~~الإملاء، فيسأل بعضنا بعضا (وهذا مثل حقيقي تعيه ذاكرتي منذ ذلك الحين): كيف كتبت كلمة # boy ~~؟ ~~- كتبتها هكذا. # فيعود السائل ليقول: لا إنها # buoy # التي معناها «عوامة»، ~~وإلا لما كان للجملة معنى، وكيف كتبت كلمة # story ~~؟ ~~- كتبتها هكذا. # فيعود السائل ليقول: لا، إنها # storey # التي معناها الطابق ~~في البناء؛ لأن كلمة «قصة» لا تجري مع السياق؛ وهكذا عبأنا الأستاذ بمادة اللغة تعبئة لا ~~أكاد الآن أصدق مداها حين أذكرها. # ولما بلغنا السنة الرابعة الابتدائية، تولى تدريسنا الإنجليزية ناظر المدرسة - وكان ~~مصريا - وهو رجل غاية في الأناقة والنظافة والدقة والنظام، بذلاته بيض من تيل ~~هزاز، ويخيل إليك أن له في كل ساعة من ساعات النهار «غيارا» نظيفا، وكان لا يمسك ~~الطباشيرة إلا وهي ملفوفة إلى نصفها بالورق؛ فهو يعين تلميذا خاصا لإعداد هذا الطباشير ~~المكسو بالورق، ليمده به كلما طلب، وكنت أنا في فرقتي صاحب هذه الحرفة. كان من عادته ~~أن يكلفنا شراء زجاجات من المداد الأحمر؛ لأن طريقته في تصحيحنا لأخطاء الهجاء هي أن ~~نكتب ms042 الجزء المغلوط من الكلمة بالمداد الأحمر. # وأما الحساب فحيا الله أستاذه وأكرمه إن كان ما يزال حيا، وأسبغ الله عليه رحمة ~~واسعة إن كان ميتا؛ لأنه موهوب، ولك أن تضيف إلى موهبته تلك الحماسة التي كانت تسري ~~فيه وفي زملائه لتعلم أي أستاذ كان. # وقد كانت لنا في الترجمة دروس خاصة، من الإنجليزية إلى العربية ومن العربية إلى ~~الإنجليزية، ووالله لا أذكر مستواها إلا ويأخذني العجب. كان يدرسها مدرس سوداني طويل ~~نحيل، أرسل لحية قصيرة جعداء الشعر في أخريات أيامه، وما أخريات أيامه تلك إلا تهمة ~~بالسرقة وجهت إليه، وغاب عنا، وكانت له في نفوسنا هيبة حتى لقد صدقنا من قال ~~إنها تهمة مزورة أريد بها الانتقام منه لأسباب سياسية، ومضت بعد ذلك شهور، ثم شاءت ~~المصادفات أن أكون بمحطة السكة الحديدية على استعداد مع بقية الأسرة للسفر إلى مصر، فمن ~~ذا أرى هناك يقف محروسا بجندي مسلح، إلا مدرسنا ذاك في وقاره وهيبته، فما كان مني إلا ~~أن نطقت باسمه ذاهلا دهشا، فالتفت الرجل نحوي بحركة لا إرادية، فما هو إلا أن نهره ~~السجان بصوت غليظ أجش: انظر أمامك يا مسجون! ... ومسحت عن وجهي دمعة سالت. # لكنني كذلك لا أنسى قسوة مدرسينا في المدرسة الابتدائية - من مصريين وسودانيين - قسوة ~~جاوزت كل حد معقول، وكانت لهم فيها فنون. كان مدرس الجغرافيا شيخا سودانيا، وكان يطلب ~~منا أن نحفظ خمسين صفحة من صفحات الكتاب بين ليلة ويوم، بحيث نتلوها كما تتلى الفاتحة ~~- على حد عبارته - وإلا فسوطه القصير المخبأ في كم ردائه على استعداد أن يهوي فوق ~~الظهور، ولم يكن مدرس اللغة الإنجليزية يكفيه أن تمد له الأكف ليضربها بالمسطرة - ~~والمسطرة عنده هي أداة العقاب - بل كان يضفر قلما في أصابع اليد، ثم يضرب على ظهر الكف لا ~~على بطنها، وبسن المسطرة لا بعرضها، وكانت العقوبة عند مدرس اللغة العربية جلوسا على ~~الركبتين فوق البلاط، وقد لا يكتفي بذلك فيجعل حصاة تحت كل ركبة، ثم قد يضيف إلى هذا وذاك ~~رفع ms043 الذراعين إلى أعلى؛ وأما ناظر المدرسة فكانت طريقته أن يستعين بمدرس الألعاب الرياضية ~~و«جلدته»، فيجيء فراشان ويشدان المذنب المعاقب على ظهر كرسي من الخيزران، فينثني ~~المعاقب فوق ظهر الكرسي، وكل فراش ممسك بذراع، ومدرس الألعاب يضرب بالجلدة على مؤخرة ~~الجسم عدد الجلدات الذي يقرره حضرة الناظر، وكان في المدرسة مدرسان للألعاب الرياضية، ~~كانا «صولين» في الجيش أكملا فترة التجنيد، أحدهما يدعى إبراهيم والآخر يدعى فرنسيس، ~~وكلاهما مصري؛ أما إبراهيم فشديد السمرة غليظ الكبد لا تعرف الرحمة إلى قلبه سبيلا؛ ~~وأما فرنسيس فأشقر اللون أصفر الشعر طيب القلب رحيم، إذا أمر بجلد تلميذ فتراه ~~ينزل الجلدة خفيفة؛ ولذلك كان الناظر حريصا دائما على أن يكون إبراهيم هو أداته في ~~تنفيذ العقاب. # وننتقل إلى المدرسة الثانوية فيتغير المنظر تغيرا جوهريا؛ فالتدريس هنا كله ~~بالإنجليزية، والمدرسون أكثرهم إنجليز، ومن أول المدرسة الثانوية يبدأ التخصص المهني، ~~لينتهي بنهايتها، لكن هذا التخصص كان يتركز في السنتين الأخيرتين، ففيهما يكون قسم ~~للمهندسين، وقسم للمدرسين، وقسم للقضاة الشرعيين وهكذا. # على أن أهم ما يميز الدراسة هو الحياة الاجتماعية والرياضية؛ فالتلاميذ مقسمون ~~إلى «بيوت» أربعة، وهو ما نسميه في مدارسنا المصرية بنظام الأسر، يختص كل بيت من ~~البيوت الثلاثة الأولى بالتلاميذ الوافدين من جهة معينة من جهات السودان، فهؤلاء من ~~الجنوب، وأولئك من الشرق أو من الغرب؛ وأما البيت الرابع فلتلاميذ «الخارجية» ومن هؤلاء ~~كان المصريون جميعا. # وكانت كرة القدم إجبارية على التلاميذ كافة، فيقسمون أحد عشر درجة بحسب قدراتهم، وكلما ~~أظهر اللاعب قدرة ارتفع إلى فريق المستوى الأعلى، حتى يصل إلى الفريق الذي يلاعب الفرق ~~الخارجية باسم المدرسة، وكانت كلية غوردون محاطة بملاعب لكرة القدم كثيرة العدد، حتى ~~لتمتد رقعتها إلى مسافة بعيدة. # ولا أذكر هذه الملاعب إلا وأذكر عقوبة أمر علي بها الرئيس الإنجليزي الذي يشرف على ~~«البيت» ألذي كنت أنتمي إليه؛ وذلك لأنني أخرجت ساعتي خلال الدرس، وكانت العقوبة أن تؤخذ ~~مني الساعة أولا، وأن أظل ثلاثة أسابيع مدة ساعتين كل يوم أجمع الأحجار الصغيرة ms044 التي قد ~~تكون مخبوءة في العشب النامي على الملاعب، على أن يكون ذلك بالطبع بعد نهاية اليوم الدراسي ~~نحو الساعة الرابعة عصرا، وأشهد أن تمتعت خلال هذه العقوبة أكثر مما تألمت؛ لأنني كثيرا ~~ما كنت أنعم بالجلوس مع الزملاء «الداخلية» على العشب - وكانوا يجلسون حلقات حلقات - ~~وأشرب معهم الشاي الجيد بلونه الذهبي في أكوابه الخاصة، والذي كنت أعجب له أنهم يجلسون ~~بجلابيبهم البيضاء على العشب فلا تتسخ، وأجلس ببذلتي البيضاء فأقوم وعليها رقعة خضراء، ~~(كانت الثياب البيضاء شرطا واجبا؛ فالسودانيون يلبسون الجلابيب البيضاء والعمائم ~~السودانية البيضاء، والمصريون يلبسون بدلات بيضاء، وأربطة عنق سوداء، على ألا يكون الحذاء ~~إلا بني اللون)، وقد تفتقت حيلتي ذات عصر عن طريقة ظننتها تنجيني من تلك الرقعة ~~الخضراء إثر الجلوس مع الزملاء على العشب ساعة الشاي، وهي أني خلعت حذائي وجلست عليه، فإذا ~~الرقعة هذه المرة مزيج من البني والأخضر، وأسأل نفسي الآن: ولماذا لم أستخدم ورقة أو ~~منديلا فرشا أجلس عليه، ولا أستطيع الآن أن أقع على التعليل لأني نسيت. # على أن أهم ما أقلقني من تلك العقوبة - فضلا عن الرقع الخضراء التي كنت أعود بها كل ~~يوم فتستشيط أمي غضبا - هو ساعتي وضياعها؛ لأني أخفيت أمرها عن والدي، وكنت في خشية ~~دائمة أن يجيء الوقت الذي أسأل فيه أين الساعة؟ فلا أجد الجواب، لكن الله سلم في آخر ~~لحظة من العام الدراسي؛ فبينما أنا هابط السلم مع طابور التلاميذ إذ ناداني العريف (رئيس ~~البيت من الطلاب) وأخذني إلى غرفته حيث أعطاني ساعتي بعد نصح وتقريع، فأخذتها وهرولت أنزل ~~السلالم درجتين درجتين، وأنا أصيح بأعلى صوت لأسمع أخي الذي سبقني مع الطابور: # فلعلها ولعلها ولعلها # ولعل من عقد الأمور يحلها. # لكني لا أكتب هذه المذكرات لأقص تاريخا، بقدر ما أكتبها لأتعقب علتي إلى جذورها؛ ~~فمهما يكن لزملاء كلية غوردون علي من فضل؛ فقد أساءوا إلي - من حيث لا يشعرون - إساءة ~~لا أخطئ كثيرا إذا قلت إنها كانت هي الحد الفاصل بين أن أكتم علتي ms045 في جوفي وبين أن يفلت ~~مني زمامها فتخرج - خرجت - قتبا على ظهري؛ وذلك أنهم غرزوا في أعماق نفسي عقدة نقص ما ~~زالت تسيطر علي إلى يومي هذا، ثم ما زالت تتفرع في شعاب النفس أشكالا وألوانا، كأنها ~~الأخطبوط، إذا بترت منه خيطا نبتت خيوط. # والبداية بسيطة ككل البدايات! ذلك أن صغار الزملاء قد أدركوا - ونحن بعد في أول المرحلة ~~الابتدائية - ما في بصري من قصر ملحوظ في زري لعيني اليمنى كلما أردت النظر إلى شيء، ~~وأعجب العجب أني لم أكن أعلم قبلئذ أن بصري يقصر دون أبصار الناس، كلا ولم يكن يعلم ذلك ~~أحد من أهلي، حتى وجدته موضع السخرية من هؤلاء الزملاء الصغار. # كل ما أذكره قبل ذاك حادث عابر جاء وذهب في لحظة قصيرة؛ فقد كنا نعبر النيل عند ~~الخرطوم في مركب اشترته جماعة من الموظفين الأصدقاء، الذين يسكنون من النيل في ضفة ~~ويعملون في الضفة الأخرى، ليكون المركب تحت تصرفهم دائما، على نحو ما يملك المالك اليوم ~~سيارة خاصة؛ واصطف الراكبون صفين متقابلين، وفي الصف المقابل لي كان والدي وكان أحد ~~أصدقائه، وأحسبني قد زررت عيني اليمنى، حين قال ذلك الصديق: «أتزر عينك منذ الآن يا ~~بني؟ فماذا أنت صانع إذن حينما تتقدم بك السنون؟» مع حرف النون الأخير في عبارته وقعت ~~كف والدي على وجهي صافعة، وهو يزجر: «افتح عينك حين تنظر.» # لم أكن أعلم قبل ذلك - إذن - ولا كان أهلي يعلمون أن بعيني ضعفا، حتى كشف لي الأمر ~~صغار الزملاء من السودانيين، حين راحوا يطلقون علي أسماء من قبيل «الأعور» ~~و«الأعمش»، ثم استقروا أخيرا على مصطلح لم أفهمه بادئ ذي بدء، وهو قولهم «7 و4» أحيانا، ~~و«5 و6» أحيانا أخرى، ولطالما عجبت من العلاقة بين هذه الأعداد وبيني، لكنني كنت على يقين ~~عندئذ أن الإشارة في هذا كله إلى عيني، وأخذت أحاول أن أنظر كما ينظر أصحاب النظر ~~السليم، فالكتابة على السبورة لا أراها لكني أكتم الخبر، وقد حدث ذات يوم أن أقبلت ~~علي طائفة ms046 من الزملاء، وأحاطت بي ليرى من لم يكن قد رأى كيف أني أزر عينا دون عين، ~~فأردت أن أدحض لهم دعواهم، وبالغت في فتح عيني حتى أبرهن لهم أن ليس بها عيب يعاب، ~~فازدادوا ضحكا، وازددت عجبا وريبة، ولما عدت إلى الدار وقفت أمام المرآة لأفتح عيني ~~كما فتحتهما في الصباح لأرى كيف ظهرتا للمشاهدين، وإذا بالزملاء معذورون؛ لأنها في الحق ~~حملقة تضحك من قصد إلى السخرية والعبث. # ومنذ ذلك العهد الباكر من حياتي، وعيناي العليلتان مصدر عجيب لكل ضروب العوامل التي ~~تدفع صاحبها إلى الأمام مرة، وترده إلى الوراء مرة؛ فقد كان مما قيل في أوساط الأسرة ~~- وقد عرفت حقيقة بصري - أنه لا جدوى من أن أكمل مراحل التعليم إلى آخر أشواطها، ما دام ~~هذا البصر الكليل عقبة في سبيل التوظف على كل حال؛ فالتعليم عندهم وعند الناس أجمعين في ~~ذلك العهد طريق للوظيفة، فإذا لم يكن الطريق موصلا إلى غايته بطل أن يكون طريقا، وكان ~~عبئا ومضيعة للجهد والوقت والمال، وسمعت هذا اللغط يسري بين من يهمهم أمري ومن لا يهمهم ~~من أفراد الأسرة الكبار، فزادني صلابة وعنادا وإصرارا على المضي فيما أرادوا أني ~~يصدوني عنه، فإذا قال القائل: لا تقرأ حرصا على بصرك. كان رد الفعل عندي أن أقرأ ضعف ~~ما أردت أن أفعل، ولست أشك في أن أقوى ما دفعني إلى حياة الدراسة هو ذلك العزم الذي بدأ ~~عنادا أول الأمر، ثم انتهى إلى ميل وعادة. # ولست أنسى يوما - وكنت في السنة الثانية الابتدائية - حين «سرحت» عن الدرس، وسبحت بنظري ~~خلال النافذة شاخصا إلى قطع السحاب تتسابق مع الريح، وتتخذ لنفسها أشكالا عجيبة، فجعلت ~~أتأمل ماذا عساها أن تكون؟ فهذا جمل ذو سنامين وخمسة أرجل، وتلك بطة سابحة تلوي عنقها ~~ذات اليمين مرة وذات الشمال مرة، وذلك تمساح فتح فكيه ليبتلع سمكة تجري أمامه ولا ~~يلحقها، ثم جاءت سحابة ضخمة تشبه وجه الرجل الكهل بلحية طويلة وشاربين كبيرين، وعلى الوجه ~~جلال وعظمة، فقد رأيته وكأنه يأمر ms047 بقية السحاب فتجري بأمره وتقف بأمره، فمن ذا يكون هذا ~~الآمر العظيم؟ آه لقد عرفت، إنه «الله»؛ فقد حكوا لي أنه يسكن السماء، يا سلام! هذا - إذن ~~- هو «ربنا»! # هكذا كانت خواطري تجري وأنا أنظر إلى قطع السحاب، حين جاءتني ركلة بالقدم في جنبي، ~~وضربة بجمع اليد في كتفي، ومجموعة الأولاد في الفصل تنفجر ضاحكة، ونظرت مذعورا إلى ~~الضارب، الذي هو المعلم وإذا به يكشر عن أسنانه اللوامع البيض: فيم زررت عينك يا أعور؟ ~~وإلى أي شيء في السماء تنظر؟ # وليت المعلم يعلم الآن أن العين العوراء ما زالت تنظر إلى السماء باحثة عن الله - لكنها ~~هذه المرة تبحث عنه وراء قطع السحاب - سائلة عن الكون ونشأته وعن الإنسان ومصيره، وليت ~~المعلم يعلم كذلك كم كانت تلك العين العوراء حافزا وكم كانت مصدر ألم ممض، فمنذ ~~ركلته بالقدم، وضربته بجمع اليد، في تلك اللحظة الهائمة المتأملة، قد أصبحت العين ~~العوراء هما مقيما على صدري، لا ينزاح ولا يزول، تبعث في نفسي كل صنوف المخاوف مما قد ~~تضرب به الأيام فتصيب مني مقتلا، وإنما هي الشبح المخيف والظل الكئيب، الذي أراه مطروحا ~~أمامي في الطريق أينما سرت، فيظلم الأفق ويصد عني شعاع الشمس المضيء. ~~••• # كان للغلام فيما بين عامه العاشر وعامه الخامس عشر سبحات شاطحات في أحلام يقظته، ~~معظمها يدور على محورين: أحدهما: هو أن يكسب مالا كثيرا يقيم به الدليل على «شطارته». ~~والآخر: هو أن يضل في التيه طريدا شريدا. # فما سار يوما من البيت إلى المدرسة - ذلك الطريق الطويل برماله الغزيرة وشمسه الحارة ~~وهوائه المعفر - ألا وقد طأطأ الرأس مثبتا عينيه في قدميه، وشاردا بخياله؛ إلى أين؟ إلى ~~غابات الجنوب - وكان قد سمع عنها ما يثير خياله - فيتاجر مع أهلها، فيكسب المال الكثير، ~~وأهله أثناء غيبته لا يعلمون أين ذهب، فيبحثون عنه حتى يأخذهم اليأس، فيقولوا: مات، أو ~~فقد لغير رجعة، فإذا به بعد أعوام يعود إليهم ومعه صرر كبيرة، يسألونه: ماذا تحوي؟ ~~فيجلس بينهم ويفتحها، فيتدفق المال، وتنفغر ms048 الأفواه من عجب، فيوزع عليهم أنصبتهم، ويبقي ~~لنفسه نصيبها ... # وما جلس وحده يوما، إلا وقد راح يحلم بأنه يخبط في فجاج الأرض طريدا شريدا، يأكله ~~الجوع فلا يجد اللقمة، ويقتله العطش فلا يجد جرعة الماء، وتتمزق ثيابه، وتنهد قواه، وربما ~~اضطر إلى التسول ليقيم الرمق وهو في عزلة الشريد المجهول. # فأما موضوع المال وكسبه، فقد هم الغلام عندئذ بإخراجه من دنيا الأحلام إلى دنيا الواقع ~~بصور شتى، فيها السذاجة الشديدة التي انتهت به ذات يوم إلى «علقة» ترده إلى صواب ~~العقلاء؛ فمن ذلك - مثلا - أنه فكر: لماذا لا يتاجر ليكسب؟ ومر بالدار ساعتئذ - وكان ~~أهله في زيارة - بائع الدجاج، فاشترى منه زوجين، وعاد الأهل من زيارتهم فظنوه اشترى ~~الدجاج لحسابهم، وحمدوا له الصنيع لأنه دجاج جيد بسعر رخيص، لكنه في الحقيقة كان يضمر ~~في نفسه تجارة؛ فبعد يومين مر بائع للدجاج آخر، معروف للأسرة لكثرة تردده على ~~البيت بائعا، وهو رجل ضرير اسمه «صيام»، فلم يجد في الدار غيري، وما فتحت له الباب حتى ~~بادرني بقوله: عندي دجاج سمين، فقلت له: وأنا كذلك عندي دجاج أسمن، فهل لك في الشراء؟ ~~فتعجب الرجل لبيتنا يباع منه الدجاج وكان الظن أن يباع له، لكنه طلب البضاعة المعروضة ~~ليفحصها، وأمسكت بدجاجاتي من فناء الدار بعد جري وراءها وهي مع بقية الدجاج في الفناء ~~تندفع مذعورة هنا وهناك وتصيح كأنها تطلب الغوث ممن يغيث؛ أمسكت بدجاجاتي وعرضتها على ~~«صيام» فراح يتحسسها، ثم سعرها بثمن يشتريها به، وهو ثمن يزيد قرشين عما كنت دفعته ~~لشرائها، فأسلمته الدجاج وقبضت الثمن فرحا بكسبي، وعاد شمل الأسرة فاكتمل: أبا وعما ~~وأما وامرأة عم، وعلموا بالأمر، فأخذتهم الدهشة المحيرة التي لم تنفك عنهم أسبابها ~~إلا بالعصا؛ ولم تكن حيرتهم في أمري بأشد من حيرتي في أمرهم! لماذا تضربونني وقد اشتريت ~~الدجاج لأتاجر فيه؟ فتزداد العصا أداء لمهمتها في تقويم غلام فسد واعوجت به ~~السبيل! # ومن مغامرات الكسب أيضا أن اشتريت من جار لنا في مثل عمري بضع صور من ms049 بطاقات البريد ~~المصورة، باع لي البطاقة بقرش، وكان مشروعي هو أن أقيم من تلك البطاقات ما يشبه ~~السينما فأربح منها الكثير، وكيف ذلك؟ بأن أضع الصورة داخل زجاج المصباح، فينظر إليها ~~الناظرون وهي خلف زجاج! ... وانتظرت الزبائن من أولاد الجيران وبناتهم، ولكن لا زبون، وكلما ~~أغريتهم ازوروا عني واشتدوا نفورا، ولم أدرك كم أخطأت الظن إلا حينما عرضت على من كنت ~~اشتريت الصور منه أن يجيء ليتفرج عليها لقاء مليمين للمرة الواحدة، فدهش وقال: ماذا ~~تريدني أن أرى؟ ما الفرق بين رؤيتها أمام الزجاج ورؤيتها خلف الزجاج؟! # ومغامرة ثالثة للكسب مشروع شاركني فيه أخي عماد، وهو أن اشترينا نعجة قبل فصل المطر، ~~ويسمونه في السودان بفصل الخريف، وهو في حقيقته فصل الصيف؛ أملا في أن نطعمها بما ينبته ~~المطر من عشب، فتكبر، فتلد، فنبيعها هي ونبقي على الحملان لتكبر وتلد وهلم جرا، فما ~~أكثر ما سمعنا عن أغنياء بدءوا حياتهم مثل هذه البداية البسيطة؛ لكن لم يكد ينبت العشب في ~~الأرض الفضاء الفسيحة خارج البلد، ولم نكد نأخذها إلى هناك مع الصباح لتغتذي ونعود بها ساعة ~~الظهر؛ أقول: إننا لم نكد نفعل ذلك أسبوعا أو أسبوعين، حتى نفقت النعجة بعد انتفاخ شديد ~~أصابها، وقال العارفون من جيراننا إنها لا بد أكلت عشبا ساما كانوا هم يعرفونه ~~ويجنبون أغنامهم إياه، لكن من أين لنا مثل هذا العلم بالعشب والغنم؟! # وأما أحلام التشرد والتسول والعزلة الضاربة في القفار، فما تزال هي هي الأحلام التي ~~تعاودني بعد أن هذبها نضج الدراسة، فأصبحت أحلاما تحلم بعزلة المتصوفة الزاهدين. # ضلال ليس بعده ضلال في فهمنا لأنفسنا وفهمنا للناس، أن نلتمس محورا واحدا ندير ~~حوله أحوال النفس جميعا؛ فلكل نفس محاور عدة تدور حولها في تصريفها لشئون حياتها، فلو ~~قلت للناس - مثلا - إنني في أعماق نفسي زاهد في زخرف الدنيا، لا أريد مالها ولذائذها، ~~قيل لي: لكنك تجد ساعيا في كسب المال وادخاره، وتزيد في حياتك من أسباب الراحة والترف. ~~وإن قلت للناس: إنني في أعماق ms050 نفسي أحب العزلة، قيل لي: لكنك تأنس لحديث الأصدقاء. وإن قلت ~~للناس: إنني أجعل من ذاتي وخبرتها أساسا أولا وأخيرا في تقويم الأشخاص والأشياء، قيل ~~لي: إذن فقيم دعواك التي قلبت بها الأرض وأوجعت بها الدماغ، في وجوب أن يكون معيار التقويم ~~دائما موضوعيا مستقلا عن الذات وأهوائها؛ وها أنا ذا أصيح بملء فمي: نعم، نعم، إنني ~~هذه الجوانب كلها، وقولوا ما شئتم أن تقولوا. ~~••• ~~... إنني إذ ارتد إلى أعوام المراهقة الباكرة، أجدني ملتقى أخلاط عجيبة تشابكت أطرافها ~~من دين وجنس وشعر؛ فقد أحاطت بنا جماعة من الأصدقاء لا تكاد تنطق بكلمة واحدة في ~~أحاديثها إلا ولها صلة بأمور الجنس، وكانوا يكبروننا بأربعة أعوام أو خمسة، فكان لهم من ~~الخبرات ما لم يكن لنا به علم، وكنا نستمع إليهم وكأننا نستمع إلى قادم من عالم مسحور ~~يروي عن ضروب من الحياة والأحياء لم ترها عين من قبل ولم تسمعها أذن، نعم لقد حدث لي ~~قبل ذلك بسنوات أن أخذت أدرك أن بين الجنسين أمرا يحرص الناس على أن يجري في خفاء وتستر، ~~لكنني لم أكن أحس شيئا في هذه الفتنة التي يحدثنا عنها الأصدقاء، وإذن فلا بد أن تكون ~~أبواب هذا العالم المسحور مغلقة عندي حتى ذلك الحين تنتظر مزيدا من النضج يتميز بعلامات ~~حفظتها عن هؤلاء الأصدقاء حفظا، وجعلت أرتقبها مشوقا إليها، وأتعجل حدوثها كمن يتعجل ~~قدوم الغائب الحبيب، لكنهما ارتقاب وتعجل لم يخلوا من شعور المرتاع من داهم ~~مجهول. # كان منزلنا يبعد عن النيل مسافة نصف الساعة مشيا، وعن لي ذات عصر أن أحمل حصيرة ~~صغيرة وأقصد بها إلى شاطئ النيل، فافترشها لأنظر إلى غروب الشمس على صفحة الماء، وأظنها ~~كانت أول مرة أقصد فيها إلى شاطئ النيل في تلك البقعة بذاتها؛ إذ لم أكن أعلم أن عشرات ~~السابحين يلهون بالسباحة في النيل عند ذلك المكان وفي تلك الساعة من النهار. لقد اخترت ~~المكان عفوا لأن الطريق إليه كان يشق حديقة من شجر الليمون، توهم الإنسان بأنه سائر ms051 ~~في ظل الشجر، والحقيقة أن لم يكن هناك ظل يحميه؛ لأن الأشجار قصيرة ومعراة من الوراق ~~والثمر، وعند شاطئ النيل افترشت الحصيرة وجلست وحدي، لا أجد ما أسند ظهري عليه، فكنت ~~أستند إلى ذراعي من خلفي حينا، وأقرفص مشبكا ذراعي على ركبتي حينا آخر، وأستلقي ~~ناظرا إلى السماء حينا ثالثا، فربما ظهر هذا التغير في الأوضاع لمن يشاهده كأنه قلق ~~في النفس، لا مجرد بحث من الجسم عن وضع يريحه، فجاءتني فتاتان سودانيتان ما زلت أذكر منهما ~~لمعة العيون التي تناديك في إغراء بل في إغواء صامت دون أن ينطق اللسان بكلمة، كما أذكر ~~منهما صدورا ناهدة تستثير أصابع القديسين أن تمتد لتخمش. كانتا سمراوين أفتح لونا من ~~اللون السائد بين نساء السودان، وأغمق لونا من اللون السائد بين نساء مصر. جلستا على ~~الحصيرة واتكأتا على الذراعين، راكعتين على الركبتين، كأنما دربتا أن تقوما بهذه ~~الحركة معا في توقيع موسيقي، وشخصتا إلي بعيون ضاحكة وشفاه باسمة كاشفة عن أسنان ~~ناصعة البيضاء؟ وقالت إحداهما - ورددت الأخرى قولها: «إنك لتتململ قاعدا راقدا، باسطا ~~ذراعيك قابضا لهما، كأنما في القلب جمرات نحن نعرفها»، فأخذتني رعشة هزت كياني هزا، من ~~أعلاه إلى أسفله ومن باطنه إلى ظاهره، فكأنني هذه الساعة أسمع ما دق به قلبي دقا ~~عنيفا، وتذكرت الدنيا المسحورة العجيبة التي طالما حدث عنها الأصدقاء، والتي طالما ~~ارتقبتها، وخيل إلي أن تلكما الفتاتين هما اللتان أرسلهما الغيب لتفتحا الباب الذي ~~لبث حتى تلك اللحظة مغلقا، لا أدري ماذا وراءه إلا عن طريق الرواية، لكني تذكرت كذلك أن ~~علامات النضج التي هي جواز المرور إلى داخل العالم المسحور لم تظهر بعد، فقلت لهما بأنفاس ~~متقطعة: «لكني ما زلت صغيرا»، فضحكتا في دلال لا يعرفه إلا من عرف كيف تدل الفتاة ~~السودانية بأنوثتها، وقالت إحداهما - ورددت الأخرى قولها: «صغير؟! هذه هي السن التي جئنا ~~نبحث عنها»، فلم أشعر عندئذ إلا بالقشعريرة الشديدة تلم ببدني كأنها المرض الداهم، وجمعت ~~حصيرتي وأسرعت عائدا، تاركا ورائي فتاتين تضحكان ms052 ضحكات عالية الرنين. # ذلك كان نوع الارتقاب الذي كنت أرتقب به دخول العالم المسحور، ارتقابا مشوبا بالفزع، ~~وتلك كانت هي نفسها الأيام التي سمعنا فيها عن ألف ليلة وليلة، لكننا سمعنا عنها من أفواه ~~أولئك الأصدقاء الذين استعرت نيران الجنس بين جوانحهم، فأقبلنا على قراءتها لا من حيث هي ~~أدب من الأدب القصصي الرفيع، بل من حيث هي كتاب فيه لمسات من الدعارة المحرمة؛ ولذلك وجب ~~أن يقرأ في خفاء عن أولياء الأمر، فطفقنا أياما متلاحقة في إجازة الصيف، نجتمع الصباح ~~كله والعصر كله في منزل زميل لنا كانت له في داره غرفة خاصة لا أثاث فيها إلا حصيرة ~~ممزقة على أرضها، فنضع الكتاب على الأرض وننكب عليه، أحدنا يقرأ في صوت مسموع، ~~والآخرون يتابعون قراءته بالنظر الصامت، حتى فرغنا من قراءة أجزائه جميعا. # وكانت تلك هي نفسها الأيام التي أخذ فيها الشعور الديني يملأ قلوبنا؛ فالأمر هنا لم يقتصر ~~على صلاة تؤدى في أوقاتها، وعلى صوم نصوم به شهر رمضان في حر يجفف الحلوق ويحيلها ~~حطبا يابسا، بل تجاوز أمر التدين عندنا كل هذه الحدود، حتى كاد يبلغ بنا حد «الدروشة»، ~~أو قل إنه قد بلغها وأوغل فيها، فكما أرادت لنا أيام المراهقة صحبة من أصدقاء تفتح أعيننا ~~وآذاننا على عالم مسحور هو عالم الجنس؛ فقد أرادت لنا كذلك أن نجتمع بحلقة دينية، يتولى ~~إمامتها شيخ وقور من أهل السودان، قيل لنا إنه قد تخرج في الأزهر، وكانت الحلقة تمتد ما ~~بين صلاة المغرب وصلاة العشاء. # ففي ميدان فسيح بالقرب من دارنا، مبنى صغير يعلو عن مستوى الأرض درجتين أو ثلاث ~~درجات، له بوابات بغير أبواب من جهات ثلاث. كان معدا ليكون مكانا يقف فيه حاكم ~~السودان عند الاحتفال بالمولد النبوي، لتمر أمامه الفرق الصوفية ببيارقها؛ وأما بقية ~~العام، فالمبنى متروك خلاء لمن شاء أن يأوي إليه في ليل أو في نهار، وفي هذا المبنى كانت ~~تعقد الحلقة الدينية كل مساء بين صلاة المغرب وصلاة العشاء. # وكان أعضاء الحلقة ms053 يستأجرون دكانا صغيرا على بعد أمتار قليلة من ذلك البناء، يخزنون ~~فيه الحصر، حتى إذا ما قربت ساعة الغروب ذهب منهم متطوع يرش أرض المبنى بالماء رشا ~~خفيفا، ويكنسه، ثم يجيء بالحصر من مخزنها ذاك فيفرشها، فإذا ما أذن المغرب يكون ~~الأعضاء قد تكاملوا، فيقيمون الصلاة، يؤمهم شيخ الحلقة ورائدها ومعلمها، وهو الشيخ أبو ~~قرين؛ حتى إذا ما فرغ المصلون من صلاتهم، جلس الشيخ النحيل الوقور وحوله الأعضاء، وأخذ يقرأ ~~الدرس الديني ويشرح، إلى أن يحين موعد صلاة العشاء. # تلك كانت هي الحلقة الدينية التي وصلنا أنفسنا بها في ذلك العهد الذي أتحدث عنه، ثم ما هي ~~إلا أن أصبحنا نحن؛ أنا وأخي؛ العضوين اللذين يوكل إليهما - إما معا أو بالتناوب - ~~رش المكان بالماء وكنسه وفرشه وملء القلل بالماء البارد، إعدادا للصلاة وللدرس ~~الديني، ولو كان هذا الدرس اليومي مقتصرا على شرح أصول الدين وقواعده، لما كان منه في ~~نفوسنا إلا حصيلة من علم، قد تلتمس طريقها إلى الرءوس دون أن تمس من القلوب شغافها؛ إذ لا ~~بد من التفرقة بين من «يعلم» أصول الدين وقواعده، وبين من يتحول ذلك «العلم» في ~~قلبه إلى «وجدان»؛ فهذان جانبان مستقل أحدهما عن الآخر، قد يجتمعان في إنسان واحد، وقد ~~يتوافر أحدهما دون الآخر، فهنالك العالم المتبتل، وهناك العالم في غير تبتل، وهناك ~~التبتل عن غير علم، وهناك من يخلو من العلم والتبتل كليهما؛ أربعة أنماط من الناس، لا ~~بد من التفرقة بينها حتى لا نظن أن كل علم بالدين مقرون بالشعور الديني، وإنما قصدت بهذا ~~أن أقول: إن ذلك الدرس الديني الذي لبثنا نستمع إليه أشهرا طويلة لا نتخلف عنه يوما ~~واحدا، بل يحلو لنا أن نقوم نحن بإعداد العدة له، في تلك السن الهائجة بمشاعرها، لم يكن ~~درسا دينيا للعلم وحده، بل كان يمتد إلى أشياء تهز وجداننا هزا عنيفا. # مثال ذلك أن الشيخ أبو قرين يبين لنا أسرار آيات قرآنية معينة، وأسرار كلمات معينة؛ ~~فهذه الآية إذا قرئت كذا ألف ms054 مرة في ظلمة الليل، أو تلك الكلمة إذا نطق بها كذا ألف مرة ~~تعد على المسبحة، ظهر ملك من ملائكة السماء فيبارك القارئ في دنياه وفي آخرته على ~~السواء؛ فهل كنا نسمع هذه الأشياء لمجرد العلم بها؟ كلا، بل كنا نسمعها لننفذها ~~فورا، فإذا ما جن الليل ونام الأهل، أوى كل منا إلى ركن مظلم، وأمسك بمسبحته ~~وراح يهمس الآية أو يتمتم بالكلمة كذا ألف مرة كما أوصى، وكنا حريصين ألا ينتبه أحد من ~~أفراد الأسرة إلى هذا الذي نصنعه، حتى لا يحول بيننا وبين أدائه، ولكن الملائكة المرتقبة لم ~~تظهر أبدا، فهل كان يطوف ببالنا عندئذ أنها لم تظهر لأن الأمر كله خرافة في خرافة؟ كلا، ~~بل إنها لم تظهر لأنه لا بد أن يكون هنالك نقص فينا، كأن نكون على غير طهر في الجسد، ~~أو على غير صفاء في النفس بالدرجة التي يتطلبها ظهور الملائكة، وهكذا نرد العيب ~~دائما إلى شيء في استعدادنا الجسمي أو النفسي، ولم نرده قط إلى تعاليم الدرس وتوجيهات ~~الشيخ. # قيل لنا: إن من يؤذن للصلاة يظفر عند الله بثواب أكبر، فكنا نتسابق إلى الأذان ~~للصلاة بأصواتنا المتسلخة، ولست أدري كيف كان يؤذن لنا بذلك برغم ما في أصواتنا من رداءة ~~الأداء وقصر المدى، ولعلهم أحجموا عن منعنا خشية أن يكون في هذا المنع غضب ينزل عليهم من ~~السماء. # تلك كانت هي الموجة الدينية الجارفة ونحن في سن المراهقة، لكنها برغم ذلك لم تكن ~~لتتعارض في أعيننا مع حلقات أخرى، نجتمع فيها مع ثلة الأصدقاء الذين لم يكونوا يتحدثون قط ~~إلا في الجنس وما يتصل به! أيكون هذان الجانبان من النفس الإنسانية على علاقة وثيقة أحدهما ~~بالآخر، حتى ليحدث كثيرا أن تكون النقلة يسيرة بين الإمعان في الدعارة والإمعان في الزهد ~~والعبادة؟ كما حدث للقديس أوغسطين، ولرابعة العدوية، ولتاييس؛ نعم، قد يكون الأمر كذلك، ~~حتى لقد اجتمع المعنيان في كلمة عربية واحدة، هي كلمة «الحرام» بمعنى المقدس وبمعنى ~~الممنوع فعله، فيقال المسجد الحرام بالمعنى ms055 الأول، ويقال هذا الفعل حرام عليك بالمعنى ~~الثاني. ومهما يكن من أمر، فقد جمعت أعوام المراهقة في حياتي بين حلقتين في آن واحد: ~~الحلقة الدينية، وحلقة الحديث في شئون الجنس. # لكن التقاء الجانبين في نفس واحدة تعاني تحول المراهقة، لم يكن يخلو من صراع داخلي ~~عنيف، وكيف أنسى ذلك اليوم من رمضان وقد نال الصوم مني ما نال، فتهافت الجسد وانهار، ~~وانتشى الروح لهذا الضعف نفسه الذي هد الجسد؛ إذ علمونا أن الروح والجسد عدوان ما ~~ينفكان يتصارعان، وهزيمة الإنسان هي في أن تكون الغلبة للجسد وشهواته، وسموه إنما يكون ~~في أن تتغلب الروح؛ إذن فقد كنت يومئذ مهدود الجسد منهوك القوى من وطأة الصيام في ذلك الحر ~~الشديد، لكنني كنت بروحي في سماء عالية من الطمأنينة والرضى. # ويومئذ مررت في بعض طريقي على دار أسرة تربطنا بها وشائج الصلة الوثيقة، لأقضي فيها ساعة ~~القيلولة قبل أن أستأنف السير، ودخلت غرفة الضيوف وهي قريبة من الباب الخارجي، بعيدة عن ~~بقية أجزاء المنزل، وفي تلك الغرفة وجدت فتاة من الأسرة - في مثل سني - قد جلست إلى مكنة ~~الخياطة تهز قاعدتها بقدميها، وتمسك الثوب المخيط بيديها، فيكون لجسمها بهذه الحركة شيء ~~من التوقيع والنغم؛ أما أنا فقد حييت وجلست إلى منضدة قريبة وفتحت القرآن - وكنت أحمله ~~معي - وأخذت أقرأ في همس، لا أحول بصري نحو الفتاة إلا إذا وجهت إلى شيئا من عابر ~~الحديث، فأرد عليها أو أوجه إليها شيئا فترد؛ فلقد كان بيننا وبين أسرة الفتاة من ~~قوة الروابط ومن إلف العشرة ما لم يجعلني أفكر في الفتاة على أنها قد تكون من ذلك الجنس ~~العجيب الذي تحدث عنه الأصدقاء في أسمارهم التي لم تنقطع ساعة واحدة من نهار، ولم يطف ~~برأسي قط - والله يعلم أنني صادق فيما أروي - أن تلك الفتاة التي تجلس على مقربة مني، قد ~~تكون هي النافذة التي سأطل منها - لأول مرة - على ذلك العالم المسحور، أبدا لم يطف ~~ببالي شيء من هذا، وكأن كياني كله عندئذ ms056 كان هو ذلك القرآن الذي أخذت أتلو آياته في همس، ~~مدخلا نفسي في عالمه، ومازجا معانيه - بقدر إدراكي لها - بشغاف قلبي؛ فكم علمنا الشيخ ~~أبو قرين أنه رب صائم لم ينله من صيامه إلا الجوع والعطش، ولم أرد أن أكون أنا هذا ~~الصائم الذي يصوم عبثا، وفجأة دبرت الأحداث أمرا، وهو أن دخل عم الفتاة يسألها إن ~~كان لديها شيء يلف فيه ثوبا جديدا كان يحمله على ذراعه، فأجابت بالنفي وخرج العم، ~~وعلقت الفتاة بعبارة تشير بها إلى معنى خفي، وقرنت العبارة بابتسامة تنادي وبنظرة ~~تدعو. # فإذا كنت قد رأيت شرارة النار ماذا تفعل بكومة من الدريس الجاف، فقد رأيت ماذا فعلت تلك ~~الشيطانة بجسدي الذي كان الصوم قد جففه! لقد أشعلت في أحشائه نارا - على سبيل الحقيقة لا ~~على سبيل المجاز - لأنني أحسست عندئذ لهب النار يأكل جوفي أكلا، ويعلو إلى وجهي فيشويه، ~~وتحول كياني الملتهب إلى عينين ذاهلتين تنظر إلى الشيطان وقد تجسد في إنسانة من البشر! ~~لكن لساني لم ينطق بحرف، وسمر بدني كله على مقعدي، وعيناها ما زالت تدعو، وابتسامتها ما ~~زالت تنادي؛ ومضت ساعة أو ساعتان أو لا أدري كم ساعة مضت، حتى دنا وقت الغروب ووجب ~~الرحيل. # خرجت أسلم باللفظ من بعيد، وذهبت إلى دارنا؛ مصحف القرآن في يدي، وجسد الصائم المنهوك ~~يمشي بخطوات سريعة، لا أعلم من أين جاءه الوقود ليسرع، لكنه أسرع، ووصل إلى الدار لحظة ~~غروب الشمس، وأفطر الصائم، وذهب ليستمع إلى الدرس الديني بين يدي الشيخ - بعد صلاة العشاء ~~والتراويح - منصتا أضعاف ما كان ينصت كل ليلة، وخاشعا أضعاف ما كان يخشع، كأنه أراد بذلك ~~أن يقيم الأسوار الحصينة بينه وبين الغواية؛ لكن هيهات؛ فلقد انفتح الباب الموصد عن العالم ~~المسحور، لقد كانت روحي يومها من جسدي كأنها يوليسيز من سفينته أثناء تجواله في البحر، حين ~~ربط جسده إلى قلعها وشد على نفسه الوثاق؛ إذ قيل له إن الساحرات في إحدى الجزر على ~~الطريق، تغنين بصوت خلاب لا يملك دفعه ms057 إنسان من البشر، فينعرج الملاحون بسفائنهم ~~إلى حيث الصوت الساحر، حتى إذا ما وقعوا في فخاخ الساحرات دارت بهم الحتوف، ولم يرد ~~يوليسيز أن يضعف أمام الإغراء، فشد نفسه إلى قلع السفينة شدا، لكن السفينة اضطربت أي ~~اضطراب ومالت أيما ميل، وهكذا كنت يومئذ من ساحرتي؛ تلك الشيطانة التي رسمت في نفس ~~الفتى المراهق صورة للمرأة كيف تكون، فتوالت الأيام وكرت الأعوام، لكن الصورة قد رسخت في ~~نفسه لا تزول. # وها هنا يخطو الفتى خطوة نفسية قصيرة المدى، فإذا هو مغمور بحبه لقراءة الشعر، وما هو ~~أقرب إلى الشعر من نثر الناثرين؛ فالزملاء في المدرسة ما يفتئون يباهي بعضهم بما قرءوا من ~~الشعر وبما حفظوا، وأخذت تتردد بينهم أسماء سمعتها لأول مرة: الأجنحة المتكسرة لجبران ~~خليل جبران، وليالي سطيح والبؤساء لحافظ إبراهيم، والعبرات للمنفلوطي، فاندفع فتانا في ~~هذا العالم الجديد اندفاعا، لكن كلما قرأ قصيدة في الغزل، أو وقع على كلام فيه لوعة الحب، ~~فهمه على ضوء ما كان يحسه إزاء تلك الشيطانة التي رسمت أمام خياله معالم الطريق. # فلطالما عبرت طريق الأعراف بين عالم الجسد وعالم الروح، فأعرج إلى السماء مرة ~~وأهوى إلى الأرض مرة، وتجسدت لي العلاقة بين الأرض والسماء، كم هي قريبة إذا شاء الله. ~~ذات يوم وكان قد جاء إلى الأسرة وافدتان جديدتان هما أختان، ثم وافد ثالث هو أخ لم يلبث ~~على وجه الأرض إلا عاما وبعض عام، وثقلت عليه العلة، ولم ينقطع له أنين عدة أيام، وفي ~~ذلك اليوم الذي أعنيه - ساعة الضحى - لم يبق في الدار - فيما أذكر - إلا أمي وأنا، ولا ~~أدري أين ذهب الباقون، وكان لا بد للأم أن تنظر في شئون البيت، فأجلستني متربعا على ~~السرير، ووضعت الطفل العليل على ركبتي لئلا أرفع عن وجهه نظري؛ لأنها كانت تخشى فيه ~~أمرا، ومضت ساعة أو أكثر أو أقل، والحشرجة تزداد في صدر المحتضر، ثم ما هو إلا أن مال ~~برأسه وسكنت الحشرجة، ولم يعد الصدر يعلو ويهبط كما كان يفعل؛ لقد ms058 مات راقدا على ~~ركبتي، فصرخت فازعا، وجاءت الأم في هلع، ونظرت إليه، وحملته ملهوفة عليه، وكأنها لم ~~ترد أن تصدق أنه مات، فصاحت في: اذهب كالبرق وناد خالتك أم محمد لتفحصه؛ فلا أطباء، ~~ولا أحد من أفراد الأهل الأقربين هناك لأدعوه، ولم يبق أمامها من موئل إلا جارة وقورا، ~~هي التي صاحت بي أمي أن أناديها على عجل. # وكان ذلك أول موت شهدته على مقربة، حين كانت النفس مني حائرة بين أرضها وسمائها، فعلمت ~~بما قد رأيت أن المسافة قريبة بين الأرض والسماء. # وأراد الله أن يعوضنا أخا مكان الأخ، فجاء من لقي منا كل إعزاز وتدليل، وما يزال ~~يلقى. ~~*** # بهذا انتهت مذكرات الأحدب، أو ما استطعت أن أستخرجه من مذكراته؛ لأن بها أجزاء كثيرة ~~ممزقة أو مطموسة تتعذر قراءتها، وهي مذكرات كتبها وهو في الخامسة والعشرين أو نحوها ومضت ~~عليها خمسة وأربعون أخرى؛ لأنه اليوم في السبعين. # الفصل الرابع # | فاوست في قبضة الشيطان # أحسست من الطريقة التي أعطاني بها الأحدب مذكراته القديمة الممزقة، أنه أراد أن يفض ~~الأمر بينه وبيني، فإذا كنت أتعقبه لأكشف عن سره، فها هو ذا سره مكتوبا، ولم يعد بعد ~~ذلك ما يدعو إلى تعقبه في وحدته؛ لكنه في الحقيقة قد أخطأ الظن؛ لأن قراءتي لمذكراته تلك ~~لم تزدني إلا رغبة في معرفة ما بقي من قصة حياته؛ لأن تلك المذكرات إنما وقفت عند سن ~~المراهقة أو بعدها بقليل، فماذا كان بعد ذلك حتى بلغ ما بلغه الآن من عمر؟ # لقد ختمت مذكراته بذكر أخ أصغر أضيف إلى أسرته، وكأنما أضيف إليها تعويضا عمن كانت ~~فقدته قبل ذلك بقليل، فماذا لو بدأت البحث بالسؤال عن بقية أفراد أسرته؟ إنني في الحقيقة لم ~~أكن أسعى إلى تفصيلات حياته في حد ذاتها؛ لأنها لا تثير اهتمامي إلا بمقدار ما تكشف لي عن ~~السر الدفين في أن تكونت له تلك العاهة النفسية التي برزت على ظهره قتبا يكبر حينا ~~ويصغر حينا، وهي نفسها العاهة - أو لعلها أن تكون ms059 - التي مالت به إلى خشية الناس وإلى ~~الانفراد بنفسه في مسكن منعزل أو في ركن من المدينة قصي بعيد . # ولم يطل عنائي في السؤال عن أفراد أسرته، والمصادفات في أمثال هذه الأمور تسعف الباقين ~~أكثر جدا مما يتصور الناس، كأن لهذه المصادفات قوانينها التي تشبه قوانين العلوم، فيندر ~~أن يتغيا الإنسان في حياته غاية يريد بلوغها، إلا وتولد له المصادفات مما يشبه العدم ~~أو المحال، فتقدم له المعونة وتخلق له الظروف التي تحقق له غايته المنشودة. # جلست على مقهى في ميدان السيدة زينب بالقاهرة، ولم تكن تشغلني عندئذ مسألة الأحدب ~~وأسرته، فما هو إلا أن لمحني في الطريق صديق قديم منذ عهد الدراسة، فضلا عن كونه منتميا ~~إلى القرية نفسها التي أنتمي إليها، فجاء مسلما، ودعوته للجلوس، فنظر في ساعته ليرى إن ~~كان الوقت يسمح له بجلسة قصيرة معي، ثم جلس، ثم لم تكد أطراف الحديث تتصل بيننا حتى ورد ذكر ~~الأحدب ورودا سريعا في حديثه، فاستوقفته في لهفة نبهته إلى أهمية الأمر عندي، مما دهش ~~له. # قلت: من هذا الأحدب الذي ذكرته الآن؟ # قال: هو رجل عرفته منذ سنين، حين تزاملنا في إحدى مدارس الريف، وبيني وبينه قرابة ~~بعيدة. # قال: هلا حدثتني بأي شيء تعرفه عن أفراد أسرته؟ # قال: وما سر اهتمامك به؟ # قلت: لقد عرض لي في طريق الحياة لفترة وجيزة، أثار فيها استطلاعي، ولم أعلم عنه بما يشبع ~~رغبتي، ولو لم يكن على شيء من الغرابة اللافتة للأنظار، لما عنيت به، ولكان واحدا من ~~ألوف الناس الذين يجيئون في طريق الحياة ويذهبون. # قال: صدقت، إنه على كثير من الغرابة، ولكني - على كل حال - لا أعلم عنه إلا أقل من ~~القليل؛ بسبب انطوائيته الشديدة في معظم الأحيان، انطوائية لا تشجع أحدا على الاقتحام، ~~ومع ذلك فصلة القربى البعيدة بيني وبينه قد أتاحت لي أن أعلم بأن أباه كان ملحقا بحكومة ~~السودان، ولقد اصطحب ابنه هذا إلى هناك وهو غلام، ومضت أعوام لا أعرف عددها، ثم عادت الأسرة ~~كلها ms060 إلى القاهرة، وكانت عند العودة مؤلفة من الوالدين وثلاثة أبناء وبنتين، وهذا الأحدب ~~هو أكبر الأبناء. # قلت: ومن هما أخواه؟ # قال: أحدهما قريب من سنه، وهو يزامله مزاملة لم أشهد مثلها في أخوين؛ فلقد كانا على ~~طريق في الدراسة واحد، وتخرجا معا، واشتغل كلاهما بالتدريس أول الأمر، وأظن شقيقه هذا ~~الآن مديرا للتعليم في منطقة القناة؛ وأما أخوهما الأصغر فأظنه طبيبا في إحدى عواصم ~~الصعيد. # وتركنا سيرة الأحدب بعد هذه العجالة المفيدة، واستأذن صديقي بعد دقائق قليلة، وتركني على ~~عزيمة بأن أقصد إلى شقيقه مدير التعليم، لعله أن يكون طريق الوصول إلى ما كنت أبتغي الوصول ~~إليه من تفصيلات تكمل سيرة حياته، ويكون لها عندي دلالتها في تكوينه النفسي. # ولن أطيل في ذكر التفصيلات التي اعترضت طريقي في البحث عن شقيق الأحدب، وهو الذي قيل لي ~~عنه إنه والأحدب بمثابة التوءمين بالروح؛ فهما وإن يكن بينهما في العمر سنتان، والأحدب ~~يكبر بها شقيقه ذاك، إلا أنهما بدءا الدراسة معا وتلازما في كل مراحل الحياة بعد ذلك، حتى ~~لقد تشابها في الفكر وتشاركا في مجموعة الأصدقاء، وتزاملا في كل ما قد عرض لهما أثناء ~~الطريق، ولا يكاد أحدهما يكن سرا لا يطلع عليه توءم روحه، فهما في الحق - كما قال ~~لي القائل عنهما - قد أوشكا أن يكونا شخصا واحدا في جسدين. # وصلت إلى الشقيق خلال إجازة قصيرة كان يقضيها في القاهرة، ولم أرد أن ألف معه ~~وأدور، بل كاشفته بكل ما جئته من أجله؛ وهو أني رأيت في أخيه الأحدب ما أثار اهتمامي ~~وأردت أن أتعقب تاريخه، لا حبا مني في استطلاع غوامض الناس لمجرد الاستطلاع، بل لأني ~~أردت أن أتخذ منه موضوعا للتحليل المفيد؛ فهو بغير شك يمثل نموذجا صالحا للدراسة ~~التي نستبين بها مدى ما تفعله عوامل النشأة في تكوين النفوس، ولو كان إنسانا على الصورة ~~المألوفة للأناسي، لما لفت الأنظار، لكنه هو حبه للعزلة والانطواء على نفسه وخوفه من مخالطة ~~الناس؛ دون أن يكون ذلك صادرا عن شك ms061 في نواياهم بالنسبة إليه، وإنما هي عزلة وانطواء وخوف ~~قد أصبحت جزءا من كيانه، لا يطمئن إلا بها، ولا يكتمل له وجوده إلا إذا تحققت له، فما الذي ~~ينتهي بإنسان إلى مثل هذا؟ ذلك هو السؤال. # استمع إلي شقيقه برحابة صدر، ثم سألني: أين التقيت به، وكيف؟ فقصصت عليه ما كان، وذكرت ~~له شيئا من مذكراته التي أعطاني إياها عن حياته الأولى، لكنها مذكرات تنتهي عند أول ~~الشباب. # فروى لي الشقيق في إيجاز عن أخيه - وهو لا يشير إليه باسم الأحدب كما كنت أشير - بل ~~يسميه باسمه الحقيقي، وهو رياض، فقال: كان أخي رياض لم يزل في سن باكرة من شبابه حين ~~أوشكت كلية غوردون الثانوية أن تنحرف به إلى عمل متواضع يؤديه لحكومة السودان؛ إذ إن تلك ~~الكلية لم تنشأ أساسا إلا لتغذية الحكومة بمن تريدهم من العاملين على اختلاف الأنواع؛ من ~~عمل فني أو مهني إلى عمل كتابي أو غير كتابي؛ فأسرعت الأسرة بإرساله إلى القاهرة ليستأنف ~~دراسته، ولحقت به أنا بعد قليل، حيث عدنا إلى متابعة السير على طريق واحد. # وما هو إلا أن فرغنا من المرحلة الثانوية، وكان علينا أن نختار من المدارس العليا القائمة ~~عندئذ ما يطيب لنا أن نختار - وتلك المدارس العليا هي التي تحولت بعد قليل إلى كليات ~~الجامعة - وها هنا لعبت الأقدار لعبتها المألوفة، وهي أن تقذف في طريق الإنسان عندما يكون ~~في مفترق الطرق، ما يميل به إلى هذا الطريق أو ذاك، فترى الإنسان في أمثال هذه المواقف ~~الحاسمة قابلا للتأثر بأوهى العوامل. # ولقد شاءت المصادفة أن يكون لنا قريب تخرج من مدرسة المعلمين العليا ويعمل بالتدريس في ~~إحدى المدارس الثانوية، لكنه كان من ذلك الصنف الذي يجيد حسن المظهر، وكان الوقت أوائل ~~الصيف، عندما انعقدت في القاهرة لجان التصحيح للشهادات العامة، وجاء صاحبنا من مدرسته التي ~~يعمل بها - وأظنها كانت في الإسكندرية - ليشارك في لجان التصحيح، ورأيناه نحن عندئذ نزيلا ~~في فندق ممتاز، ويلفت الأنظار بروعة هندامه، وارتفاع المستوى الذي ms062 يتحرك فيه كلما قضى سهرة ~~هنا أو جالس بعض أصدقائه هناك، حتى لقد خيل إلينا أنه النموذج الحي لما نريد لحياتنا ~~أن تكون عليه. # وإذن فقد انحل الإشكال وتحدد أمامنا طريق الاختيار، وهو أن نسلك الطريق نفسه الذي ~~سلكه صاحبنا؛ فإلى مدرسة المعلمين العليا بغير تردد؟ # ولم نكن في هذا الاختيار على ضلال؛ لأن طريق المعلمين العليا - بالنسبة إلى طلاب الدراسة ~~الأدبية - لم يكن عندئذ ينافسه طريق آخر لمن أراد أن يضمن لنفسه «وظيفة» بعد تخرجه؛ ولا ~~غرابة أن كانت «الدفعة» التي شملتنا ممن دخلوا مدرسة المعلمين العليا في ذلك العام (1926) ~~تحتوي على نسبة كبيرة جدا من أصحاب المجموعات العالية في امتحان «البكالوريا». ~~••• # سار شقيق الأحدب بالحديث إلى هذا المدى القصير، ولأمر ما أخذه القلق وأراد أن يترك ~~الرواية للأحدب نفسه، لا سيما ومطلب الباحث هو العوامل الداخلية التي عملت على تكوينه؟ ~~فحتى هذا التوءم الروحي له - أعني شقيقه - قد تخفى عليه الخلجات الباطنية ولا يرى من الأمر ~~إلا ظواهره، ولقد تعهد لي أن يصلني بأخيه الأحدب على النحو الذي يشق أمامنا ~~الطريق، وذلك ما حدث. # وابتسم لي الأحدب كأنما أراد أن يسألني: أين كنت؟ وفيم اللجوء إلى أخي؟ ولم يكد أخوه ~~يتركنا وحدنا حتى دار بيننا حديث مقتضب في أمور مختلفة، استطعنا بعدها أن نضع أنفسنا في ~~موقف نستأنف به الرواية عند النقطة التي ختم بها أخوه حديثه، قال: ~~أربع سنوات قضيتها في مدرسة المعلمين العليا. كانت هي التي وضعت لي أساس التحصيل العلمي ~~الغزير، وهي التي أمدتني بمجموعة الأصدقاء الذين كانوا هم العالم الصغير الذي أحاطني ~~بعوامل الحب والتنافس معا، وهي التي بذرت في نفسي تذوق الأدب والفن، وهي التي وضعت أمامي ~~عددا من النماذج البشرية التي أحتذيها ومن النماذج التي أنفر منها وأجتنبها، وهي التي كانت ~~بمثابة المرحلة التحضيرية الحقيقية لمستقبلي كله قارئا أو كاتبا. # كانت الأسرة - والوالد بصفة خاصة - قبل ذلك هي المحيط المؤثر بكل ما فيه من حوافز تحفز ~~ومحيطات تؤدي إلى الكساح؛ وأما بعد ms063 ذلك فالمحيط المؤثر هو تلك المدرسة بما ذكرته عنها؟ ~~ولعلي لا أخطئ كثيرا لو أجملت أثر المرحلتين في نفسي فقلت إن عوامل الحفز في المرحلة ~~الأولى كانت على سبيل التحدي؛ وأما عوامل الحفز في المرحلة الثانية فقد جاءت عن طريق ~~التنافس والطموح الإيجابي الذي لا يتحدى أحدا بذاته، ولكنه يريد المزيد ويريد الصعود لذات ~~الزيادة والارتفاع، وكانت الحلقة الواصلة بين المرحلتين هي أخي توءم الروح - كما قيل لك عنه ~~بحق - فقد كان معي في المرحلة الأولى ونحن نتحدى العوامل التي تحيط بنا معا، كما كان معي ~~في المرحلة الثانية ونحن نطمع في مزيد ونطمح إلى صعود ... # سكت الأحدب، وانقبضت أسارير وجهه وسرح ببصره إلى السماء، وفوجئت بهذا التغير الغريب؛ ~~حتى لقد نظرت أنا الآخر إلى حيث اتجه ببصره لأرى إن كان هناك ما استدعى ذلك التغير، لكن لا ~~شيء، إنها طبيعته المتقلبة بين انبساط سهل وانقباض بائس، ولماذا لا أقول: إن هذه الطبيعة ~~نفسها هي طبيعة المصري، وكل ما في الأمر عند الأحدب أن تلك الطبيعة المتأرجحة بين بسط ~~وقبض قد تطرفت فوضحت معالمها، إنك لا تدري أين الصواب حين تريد وصف الطبيعة المصرية؛ ~~أتقول عنها إنها سهلة منبسطة ضاحكة في غير تعقيد؟ أم تقول عنها إنها مأساوية حزينة؟ أقول: ~~إنك لا تدري أين الصواب هنا؛ إذ يبدو أن الصواب فيهما معا. وحسبك أن تقف أمام التماثيل ~~المصرية القديمة لترى جهامة الجد قد عبست بها الجباه، لكن الشفاه مع ذلك تفتر عن ~~ابتسام، هو أقرب إلى ابتسام الساخر من الحياة؟ ألا ما أكثر ما يوصف المصري أو يصف نفسه ~~بالمرح ولذع النكتة، وما أكثر كذلك ما سألت نفسي: أصحيح ما يوصف به المصري من مرح؟ إني لا ~~أراه كذلك؛ وإلا فأين جانب المرح في نتاج أدبائه؟ وأما النكتة اللاذعة فلا ريب في ~~شيوعها، ولكنها على الأغلب نكات المرارة والإحباط. # وصديقنا الأحدب مصري صميم، فيه ما في طبيعة مصر التي ربما حددت معالمها خضرة الزرع في ~~الوادي ملاحقة لصفرة الرمل في ms064 الصحراء؛ فبين اللونين خط فاصل حاد لا يتدرج في هذه ~~الناحية أو في تلك، وبذلك تجاوزت نفس المصري حالة الأمل الضاحك وحالة اليأس العابس، ينتقل ~~من إحداهما إلى الأخرى بغير تمهيد وبلا تدرج. # ظللنا صامتين فترة، ثم استدرجته لمتابعة الحديث، فقلت له: قد أفهم أن تمدك دراسة ~~المعلمين العليا بالعلم الغزير، ولكن لا أفهم كيف جاءك منها تذوق الأدب والفن؟ # فأجاب: لعلها مصادفات؛ فلقد شاءت المصادفة أن يبدأ لنا أستاذ الأدب الإنجليزي بشرحه ~~لقصيدة ورد زورث التي نظمها عن النرجس الأصفر، والتي يقول في سطرها الأول ما معناه: ~~«تجولت وحدي كالسحابة.» وأخذ ذلك الأستاذ يحلل هذا السطر وحده في درس كامل، مما جعلني ~~أستمع إليه وأنا ذاهل لما يمكن أن يتكشف عنه بيت واحد من الشعر لو وجد الناقد الدارس ~~الذي يفجر ألفاظه تفجيرا ليخرج مكنونها، ولم أكن أعهد فيما قرأناه وحفظناه قبل ذلك من ~~الشعر العربي، لم أكن أعهد مثل هذا التحليل العجيب؛ فلو قلت الآن إن هذا الدرس الأول في ~~النقد الأدبي، الذي تناول به الناقد المعلم الشارح سطرا واحدا هو فاتحة القصيدة، لو قلت ~~الآن! إن هذا الدرس عن ذلك السطر الأول هو بذرة التحول عندي في قراءة الشعر كله والأدب ~~كله، لما بعدت عن الصواب. # وربما شاءت مصادفة نكدة أن يجيء محاضر الأدب العربي في إثر ذلك الدرس الأول العجيب ~~في الأدب الإنجليزي، فكان هذا المحاضر العربي شيخا يضع أمامنا أبياتا من الشعر الجاهلي ~~وكأنه يقدم لنا أحجارا خشنة غلاظا لا تقوى على هضمها أقوى المعدات، ولا هو في وسعه أن ~~يفك تلك الجلاميد لتخرج مكنونها أمام الأبصار، فبقدر ما كان الدرس الأول طاقة فتحت ~~أمامي الطريق إلى سماء في الفهم الأدبي تعلوها سماء. كان الدرس الثاني - ولو بالمقارنة بما ~~قبله - صارخا بأن تراثنا العربي يحتاج إلى أيد أخرى غير الأيدي التي كانت تعبث بذلك ~~التراث وهي عجماء. # وكذلك كان لنا أستاذ في الفنون، لا أقول: إنه ذواقة للفن بحيث جاءتني منه العدوى؛ لأنني ~~- حتى في ms065 تلك السن - كنت أدرك أن تعليقه على أعمال الفنانين ينقصها شيء من الحساسية، ~~لكنني برغم ذلك أشهد له بأنه كان بمثابة من فتح أمامنا بابا وقال: هاكم المروج الفسيحة ~~إذا أردتموها فادخلوا إليها من هذا الباب؛ ومن هنا بذرت في نفسي بذرة ربما كانت ضئيلة ضعيفة ~~مقيسة إلى بذرة التذوق الأدبي؛ أقول: إنه من هنا قد بذرت في نفسي بذرة الالتفات إلى دنيا ~~الفنون. # وقد أظلم نفسي إذا لم أذكر هنا بأن الحاسة الأدبية - متمثلة أول الأمر في الحس ~~بالألفاظ وجرسها - قد انغرست عندي منذ الطفولة الباكرة التي قد لا تصدقني إذا حددت تلك ~~الطفولة الباكرة بسن التاسعة أو العاشرة، وإنه لمن الأحداث المحفورة في ذاكرتي منذ ذلك ~~الحين البعيد ما حدث لي ذات يوم وقد دعيت مع بقية أفراد الأسرة إلى حفلة زواج، وما كان أشد ~~دهشة الحاضرين جميعا والحاضرات، وهي دهشة اختلطت معهم بضحكات الهزء والتصغير، عندما ~~فاجأت الجميع بأن صعدت على كرسي في ركن الغرفة وأخرجت ورقة وأخذت أتلو خطبة التهنئة التي ~~كنت قد أعددتها سرا. # أذكر ذلك لأستشهد به على ميل مبكر نحو صياغة اللفظ التي قد تكون عتبة الدخول في رحاب ~~الأدب تذوقا وإنشاء، وربما كان هذا الميل المبكر عندي هو الذي جعلني ألتقط شعاع النور ~~حين أرسله أستاذ الأدب الإنجليزي وهو يقدم لنا قصيدة ورد زورث، وهو الشعاع الذي أضاء لي ~~طريق الأدب كيف يكون إبداعه وكيف يكون فهمه وتذوقه، فإذا كان جرس اللفظ هو الذي ملأ سمعي ~~قبل ذلك، وهو أيضا ما أراد أن يؤكده في آذاننا شيخ الأدب العربي يومئذ، فإنني بعد ذلك ~~الدرس الأول الملهم قد أدركت أن الأدب شيء آخر، يستخدم قوة اللفظ والعبارة بما فيها من ~~تنغيم، ليجعلها أداة موصلة لذلك الشيء الآخر، وهذا الذي انغرس في نفسي عن الأدب، قد اتسع ~~معي فيما بعد ليكون مبدأ عاما يشمل جميع الفنون. # ولقد ظهرت معي محاولات أولى منذ ذلك العهد، أمزج فيها بين النغم والمعنى، لعل من أوائلها ~~حادثا عابرا ms066 كان أقرب إلى اللهو المازح منه إلى الجد البناء؛ وذلك أن مجلة مصورة في ~~ذلك الحين - أظنها كانت مجلة «اللطائف المصورة» - قد أعلنت عن مسابقة يكتب فيها المتسابقون ~~أسطرا لا يزيد عدد كلماتها عن أربعين كلمة - فيما أذكر - بحيث يصفون في هذه الأسطر ~~القليلة ماذا عساهم صانعين لو علموا أن نهاية العالم ستكون بعد ساعة واحدة، فكتبت مع ~~الكاتبين، وبالطبع لا أذكر ما كتبته، لكنني أذكر أنني قلت إنني لا أعمل شيئا، وما تزال ~~ترن في أذني إلى اليوم عبارة وردت في أسطري، فقلت فيها: إنني وقد «وجدت الدقائق تمر ~~سراعا، والقلب يدق تباعا»، مع ما تكاثر في خاطري مما ينبغي عمله في هذه الساعة الواحدة ~~الباقية، لعجزت عن التنفيذ. # وجاءت نتيجة المسابقة بفوزي بجائزتها الأولى، وكانت جنيهين! لا، إنه لمن أفدح الخطأ ألا ~~تقيس هذه الأمور بما يصاحبها من مشاعر وبما يحيط بها من ظروف، فأنا الآن حين أقول: إني ~~كسبت جنيهين لا يسعني إلا الضحك كما أراك أنت الآن ضاحكا مما سمعت ... # أردت الاعتذار فقاطعني الأحدب قائلا: لا تعتذر؛ فهو أمر طبيعي لا غرابة فيه، لكنه هو ~~نفسه الأمر الذي يميل بأبناء الحاضر أن يظلموا أسلافهم عند الحكم عليهم؛ فقد يقيسون أعمالهم ~~بمقاييس عصرنا فيجدونها ضئيلة نحيلة فيهزءون! ما علينا من هذا الآن، كسبت ذينك الجنيهين من ~~تلك المسابقة، فقل ما شئت عن فرحتي التي أحسستها بالفوز في ذاته أولا، وبالمال نفسه ~~ثانيا. # ماذا تظن من موقفنا عندئذ من المال؟ بضعة قروش نتحرك في مجالها! وجاءني صديقان ممن كانت ~~الصلة قد توطدت بيني وبينهم، يلحان في نزق الشباب وخفته أن نذهب جميعا، أنا وأخي ~~والصديقان، لننفق هذين الجنيهين في «فسحة» نخططها لتستوعب كسبي كله، وكانت أول الخطة أن ~~نذهب إلى مسرح يوسف وهبي. # وذهبنا، وكانت المسرحية القائمة تلك الليلة هي «كرسي الاعتراف». لم أكن قد شهدت قبل ذلك ~~في حياتي مسرحا، ولا عرفت كيف يكون! كنت أسمع عن دنيا المسارح، لكني كنت أحسبها بديهية من ~~بديهيات الرياضة أنها ms067 لم تخلق لي ولا خلقت لها، أما وقد ذهبنا، وأما وقد رأيت ما ~~رأيت، فلست أدري بأي لغة أستطيع أن أصور لك الهزة العميقة العميقة العميقة التي اهتزت ~~بها نفسي لما رأيت؛ فكل ما رأيته جديد، وكل ما سمعته جديد، وعدت إلى داري ذلك المساء لأحلم ~~بما قد رأيت وسمعت، والحق أنه كان فتحا جديدا في حياتي، لا لأن المسرحية والتمثيل ~~يستحقان كل هذا الثناء؛ فأنا لم أكن ليلتها على أدنى درجة من العلم بدنيا المسرح؛ فقد ~~تكون تلك المسرحية جيدة وقد لا تكون، وقد يكون الممثلون أجادوا أو لم يجيدوا، لم يكن ذلك هو ~~مدار انتباهي، بل كان المدار هو هذه الدنيا الجديدة نفسها حين انكشف عنها الستار. ~~••• # نهض الأحدب واقفا بغير تمهيد، ودون أن تبدو على وجهه معالم الضجر المألوفة عنده حين يضيق ~~صدره، قال: لماذا لا نخرج في الهواء الطلق ساعة أو ساعتين، وقد نكمل الحديث هناك؟ ~~- أنت وما تريد. # وخرجنا معا، وكأني بالأحدب قد استقام ظهره بعض الشيء، لكنني لم أمعن النظر حتى لا ~~أعكر عليه الصفو الذي هو فيه، وسرنا في الطريق لا يبدو على سيرنا أنه هادف إلى مكان ~~بعينه؛ فلم أكن من ناحيتي أريد التدخل، وتركت له القياد، قانعا بأن يكون الحديث بيننا في ~~أثناء الطريق مسترسلا في مجراه الطبيعي الهادئ، على أنني ما لبثت أن تبينت خطة سيره؛ إذ ~~أراد لنا الجلوس في مكان يقع على النيل في مكان قصي شمالي القاهرة، كثيرا ما مررت به ~~وسألت نفسي: ترى أي مجنون تحدثه نفسه بالجلوس في هذا المكان البعيد عن كل عمران، ومع ~~ذلك فلا بد أن يكون له زائرون وإلا لأغلق صاحب المكان أبوابه وانصرف إلى سواه. # جلسنا هناك وكنا وحدنا؛ فقد يكون زبائن مكان كهذا من ذوي المزاج الشاذ الذين إذا ~~اختار سائر الناس ساعات النهار اختاروا هم ساعات الليل، ولم نكد نستوي على مقاعدنا ونطلب ~~شراب الليمون، حتى حركت في صديقي شهوة الحديث فيما كان بصدده ونحن في غرفة مسكنه. ms068 # قال: الذكريات حلوة حتى وإن كانت في حينها مصدرا للمرارة والألم، وإن حياتنا في تلك ~~السنوات الأربع التي قضيناها - أخي وأنا - في مدرسة المعلمين العليا، لهي في الحق حياة لم ~~تخل من ضنك وضيق، لكننا برغم ذلك لم نكن نحس مما نحن فيه إلا بالحيوية الدافقة تدفعنا ~~إلى العب من ثقافة أيامنا عبا ليمتلئ الإناء! كنا نجمع كل ما كان يخرجه أعلام ~~الفكر والأدب من كتب خلال العام الدراسي لنجعله زادنا في أثناء إجازة الصيف، على أن كل ما ~~كانت تخرجه المطابع عندئذ خلال العام كله لم يكن ليجاوز أصابع اليدين، ولم تكن أثمان ~~الكتب بحيث نعجز عن الشراء. # كان أحمد حسن الزيات قبيل ذلك الزمن بقليل، قد أخرج كتابيه المترجمين: «آلام فيرتر» ~~لجيته، و«رفائيل» للامارتين، فكم مرة تظنني قد قرأت هذين الكتابين؟ لو قلت إنني قرأتهما ~~على الأقل ثلاث مرات متوالية لما بالغت؛ لأن لغة الترجمة سحرتني إلى حد الفتنة! وإن لم ~~تكن هي فتنة المسحور، فماذا تسمي هذا السلوك الآتي: أردت أن أكتب خطابا إلى أبي، وكان ~~لم يزل في منصبه في حكومة السودان بالخرطوم، وكنت قد عدت من إجازة قصيرة قضيتها معه هناك، ~~وكان طريق السفر تتخلله مرحلة بالسفينة البخارية فيما بين أسوان ووادي حلفا، وفي هذه ~~المرحلة النهرية كان يحدث للسفينة أن تقف بركابها عند أبي سمبل، ليستطيع من أراد أن يزور ~~ذلك المعبد القديم المنحوت في حجر الجبل، فلما أردت الكتابة إلى أبي بعد عودتي إلى القاهرة، ~~أغرتني صفحات جميلة في «رفائيل» يتحدث فيها الكاتب عن معبد قديم، فانتحلتها لنفسي وكتبتها ~~خطابا مستفيضا لأبي، دون أن أذكر له شيئا عن حقيقة ما كتبت، لأدهمه بأنني صاحب هذا ~~الإبداع، ومن الفتنة نسيت أن أضع في الخطاب - لا في أوله ولا في آخره - التحية المألوفة في ~~الخطابات يرسلها ابن إلى أبيه فأرسل إلي يعاتبني على إهمال تحيته في الخطاب، ولم يذكر لي ~~شيئا عما ورد في الصفحات الطوال التي نسختها وبعثت بها إليه. # فتنت بأسلوب الزيات يومها، ms069 فلا هو الأسلوب الذي يفوح بالقدم لما يرد فيه من لفظ ~~غريب وسجع أغرب، ولا هو الأسلوب الذي يخلو من العناية باختيار اللفظ وبصقل العبارة صقلا ~~يعطيك شيئا من التوازن بين أجزائها؟ نعم كانت كتب المنفلوطي هي الأخرى أمرا يشبه أن يكون ~~واجب الأداء؛ فليس قارئا بين الشباب من لم يقرأ «العبرات» و«النظرات» للمنفلوطي، ولكن ~~كان شائعا بين هؤلاء الشباب من الكاتبين أن يستخدموا كثيرا من «لوازم» المنفلوطي في ~~التعبير. ولست أقول: إني نجوت من هذه العدوى، لكنني أقول: إنني أضفت إلى ذلك ما لم يضفه ~~كثيرون غيري، وهو الإعجاب بأسلوب الزيات إعجابا تمنيت أن يكون له أثر عندي وصدى. # وكانت «للمطالعات» و«المراجعات» وغيرهما مما أخرجه العقاد في ذلك الحين أو قبله بقليل، ~~أثر في عقولنا أكثر منه أثرا في قلوبنا أو في أسلوبنا! فعند العقاد وجدنا زادا فكريا ~~غزيرا، لقطناه ووعيناه ورددناه في أحاديثنا إلى حد الإسراف؛ فمن ذلك مثلا أننا حين ~~عرفنا فكرة العقاد عن الجمال بأنه هو الحرية؛ بمعنى أن الشيء يكون جميلا بمقدار ما يتغلب ~~على القيود وينساب في حركة سهلة، كالنهر الجاري بالقياس إلى الماء الآسن، وكالبدن الراقص ~~بالقياس إلى البدن الثقيل البطيء، وكالزهرة الطبيعية التي تشف عما يجري في أوراقها من عصارة ~~الحياة بالقياس إلى زهرة شبيهة بها صنعت من ورق ... وهكذا وهكذا؛ أقول: إننا حين عرفنا فكرة ~~العقاد هذه في إرجاعه صفة الجمال في الشيء إلى ما يكون في ذلك الشيء من حرية الحركة وعفوية ~~الحياة؛ ملكت علينا عقولنا إلى الحد الذي جعلنا - أخي وأنا - حين ذهبنا في إجازة الصيف إلى ~~الريف، واعتدنا الجلوس أمام دكان لبقال كان يرحب بأمثالنا من طلبة العلم يجلسون ~~للمناقشة أمام دكانه، يسمع منهم معجبا وهو صامت؛ إلا ذات مرة طرقنا نحن فيها فكرة العقاد ~~في الجمال! ففي هذه الحالة لم يستطع البقال الريفي - وكان على شيء يسير جدا من العلم ~~الأزهري - أن يمسك لسانه بالصمت، فتدخل في حديثنا ساخرا من هذا الكلام الفارغ الذي نقوله ~~أو يقوله ms070 العقاد عن الجمال، ثم زعم لنفسه المعرفة العملية - لا النظرية - بالموضوع، وهي ~~عنده معرفة ترجح ألف مرة ما ينقله القارئون من الكتب؛ فهو - كما قال متحمسا - متزوج ~~من أربع زوجات، ولم يكن للعقاد زوجة واحدة؛ فمن حق أمثاله أن تكون لهم كلمة في طبيعة الجمال ~~أكثر جدا مما يكون ذلك من حق رجل كالعقاد، أو من حق شباب مثلنا لم يكن لهم بدنيا ~~النساء علم! قال ذلك جادا، فلئن كان الرجل عجيبا في انعراجه بالحديث إلى ما لم نكن ~~نعنيه، فذلك مفهوم من رجل مثله لم يتسع أفقه لأمثال هذه الأفكار النظرية في علم الجمال؛ ~~أقول: إن كان هذا الرجل عجيبا، فنحن كنا أعجب منه وأغرب؛ لأننا قابلنا جده بجد مثله، ~~وأخذنا بكل الحرارة المشتعلة ندافع أمامه عن فكرة العقاد تلك، بأن الجمال كائن في الحرية ~~من القيود والمعوقات مهما يكن نوع الشيء الجميل، ومهما تكن ضروب القيد والتعويق. # وكان سلامة موسى داعيا آخر من دواعي انشغالنا الفكري في تلك السنين، خصوصا حين نشر ~~كتابه عن «الحرية» وكتابه عن «التطور». وسأقص عليك القصة الآتية: إنني حين قرأت كتاب «حرية ~~الفكر» - وهذا هو عنوان الكتاب كاملا - وجدت فيه قصة الإمام ابن حنبل وما تعرض له من ~~محنة يقشعر لها البدن لما فيها من قسوة فظيعة بالرجل، لمجرد أنه خالف رأي الخليفة المأمون ~~في مسألة القرآن: أهو قديم أم حديث مخلوق؟ فالخليفة يريد للناس أن يقولوا عن القرآن إنه ~~مخلوق، والإمام أحمد بن حنبل يصر على أنه قديم، فكان ما كان من تعذيب له حتى يغير رأيه، ~~لكنه لم يغيره. # لم أكن قبل ذلك سمعت بهذه المشكلة الغريبة، ولم أفهم شيئا من هذين المصطلحين «مخلوق» ~~و«قديم» بالنسبة للقرآن، فانتهزت فرصة في أول محاضرة في التاريخ الإسلامي - وكان هو ~~مقررنا في التاريخ لذلك العام - وسألت الأستاذ المحاضر عن المشكلة وما أصلها وفصلها؟ ~~وكان الأستاذ قد عاد لتوه من بعثته بإنجلترا، وكنا قد لاحظنا عليه نواحي كثيرة من ضعف ~~الشخصية ومن الخصائص التي تبعث ms071 على الاستخفاف به والسخرية منه، حتى لسرعان ما أصبحت نوادره ~~حديث مجالسنا، لكن لم يكن لأي شيء من ذلك دخل في جدية سؤالي، وفي جدية المأخذ الذي توقعت ~~أن أجاب به، فما كان أشد دهشتي حين ثار الأستاذ ثورة صبيانية، وأمرني بالخروج من قاعة ~~الدرس، وبينما كنا نتجادل في عنف دق الجرس، فأسرعت لأشكو إلى العميد هذا التصرف من ~~الأستاذ، وخصوصا وقد قضى بحرماني من حضور محاضراته إلى آخر العام؛ فلكم دهشت مرة أخرى ~~حين رأيت الأستاذ يجري جريا في فناء المدرسة ليصل إلى غرفة العميد قبل أن أصلها، ودخل هو ~~وأمرت أنا بالانتظار، حتى إذا ما خرج سمح لي بالدخول، ولم أبدأ الحديث إلا وقد تلقيت ~~اللعنات والشتائم، والأمر بألا أحضر محاضرات التاريخ الإسلامي إلى أن يأذن لي الأستاذ ~~بذلك. # وأما طه حسين فقد كان هو الذي ملأ خيالي في تلك الأعوام، ليست المسألة هنا متعلقة ~~بالمادة المكتوبة نفسها؛ وإلا فلست أظن أن طه حسين بما كان ينشره عندئذ أغزر فكرا من ~~سواه، لا بل ربما كان العقاد أو سلامة موسى أو الدكتور محمد حسين هيكل أوفر محصولا من ~~محصوله، لكن المسألة متوقفة على الروح التي يبثها في النفوس؛ ولذلك فقد كان طه حسين دون ~~هؤلاء جميعا هو الذي انشقت له جماعة المثقفين معسكرين: معسكر معه يؤيده ويسانده، ومعسكر ~~ضده يعارضه ويحاربه، ولقد كنت بغير شك من المؤيدين المساندين. إنك تظلم طه حسين لو ~~وزنت مقداره بوفرة المحصول الفكري الذي قدمه للناس في كتبه؛ لأنه استمد معظم قيمته من ~~قدرته على تغيير الاتجاه، إنه لم يكتب ما كتبه لمجرد الرغبة في الكتابة أو الرغبة في اكتساب ~~الرزق، بل ولا مجرد عرض الأفكار المنقولة أو المبتكرة، وإنما كان يكتب ليغير وجه الثقافة ~~في الأمة العربية، ومن ثم جاءت خطورته، إنه لم يتحرج ذات يوم أن يقول عن مراكز التقليد ~~الثقافي في مصر التي كانت عقبة كأداء في سبيل التغير المطلوب؛ أقول: إنه لم يتحرج ذات يوم ~~في أن يعلن في ms072 الناس عنها، إنه لا بد من هدم قرطاجنة ليستقيم لنا السير. # لست أمدح نفسي ولا أذمها حين أصفها أمينا فأقول: إن لديها استعدادا قويا؛ لا بد ~~أن تكون له جذوره البعيدة في طفولة لم تجد فرصتها في نمو حر طليق؛ استعدادا ~~قويا لتلقف كل فكرة تراها مؤدية إلى تقويض ما هو شائع مقبول، لتقيم مكانه جديدا ~~مأمولا؟ إنني لأتصيد الأفكار التي يثور بها أصحابها على التقاليد المستقرة الراسخة ~~تصيدا، وأخرج كلما وقعت منها على شيء يغذي هذا الميل في نفسي، فلو كان مجموع الناس على ~~اتفاق بأن الشيء الفلاني صحيح، ثم ظهر كاتب يقول إنه خطأ لم أجد في نفسي رادعا يصدني عن ~~تأييد هذا الكاتب الخارج على الإجماع، فأنا أؤيد خروجه أولا، ثم أنظر بعد ذلك في صدق ~~حجته، ولكي أنصف نفسي لا بد أن أضيف أن هذه الرغبة القوية في تأييد الخارج على التقليد ~~الشائع، إنما هي رغبة في التحطيم حين يكون البناء المراد تحطيمه قد أكله البلى ولم يعد ~~صالحا إلا للعناكب تعشش في سقوفه وجدرانه، وللعفن يسري في أجوائه فيزكم الأنوف. # لقد كتبت بعد تلك السنوات الأربع التي أضع معالمها الآن على الورق؛ أقول: إني كتبت بعدها ~~بأكثر من ربع قرن، في مقدمة كتابي عن فلسفة برتراند رسل؛ أقول: إنني وإن لم أكن تابعا كل ~~التبعية لبرتراند رسل في فلسفته، ولا رافضا كل الرفض لها، إلا أنني مع ذلك أشعر برباط ~~قوي بينه وبيني، وهو الدفاع الحار الذي ينهض به رسل في سبيل حرية الفرد من كل طغيان؛ ~~طغيان التقاليد الاجتماعية وطغيان الحكومات؛ فإني لأوشك أن أرى الصدق كل الصدق في دعوى ~~«رسل» بأن النظم الاجتماعية والسياسية كلها - في أرجاء العالم أجمع وعلى اختلاف العصور - ~~مؤامرة كبرى يراد بها الحد من حرية الفرد التي كان ينبغي أن تكون هي الأساس وهي المدار ~~لكل نظام في اجتماع أو سياسة، وإن شئت فانظر في أي بلد من بلاد العالم إلى ما يسمونه ~~«التربية» تجدها تسابقا من الهيئات ذوات ms073 السلطان للاستيلاء على عقل الناشئ ومشاعره! واستمع ~~إلى رجال «التربية» يسألون: ما الغاية من التربية ؟ ثم يجيبون: هي إنتاج «المواطن الصالح». ~~وصلاحية المواطن هي دائما - كما ينبهنا «رسل» - الموافقة على النظم القائمة، ويستحيل عندهم ~~أن يكون معنى «الصلاحية» هو الثورة على تلك النظم، وإنه لمن العجب كما يقول رسل «أنه ~~بينما تستهدف الحكومات جميعا إخراج رجال من طراز يؤيد الأنظمة القائمة، ترى أبطالها من ~~رجال الماضي هم على وجه الدقة رجال من الطراز نفسه الذي تحاول الحكومات أن تمنع ظهوره في ~~الحاضر». # وكذلك بيني وبين برتراند رسل رباط آخر يقربه من نفسي، هو تلك الفرحة الكبيرة التي ~~يفرحها كلما استطاع إقامة البرهان على خطأ اعتقاد كان يظنه الناس بديهية لا تحتمل الشك ~~والجدل، وربما قيل إن مثل هذه النزعة انقلابية هدامة خطيرة، وإن صاحبها يكون في شخصيته ~~شبيها ب «مفستوفوليس» شيطان فاوست، لكني أراها برغم ذلك ضرورية لتمهيد الطريق نحو تغير ~~الأوضاع الاجتماعية والأفكار والمعتقدات التي قد تتحجر على مر الزمن، فيظن الناس أن صلابتها ~~تلك هي صلابة الصواب واستحالة الخطأ، إن أصحاب هذه النزعة هم دائما بمثابة الفدائيين الذين ~~يتسللون إلى حصون العدو فيمهدون الطريق إلى دكها وتخريبها، والفرض هنا - بالطبع - هو أن ~~ما يراد دكه وتخريبه ومحوه، بناء فاسد يستوجب التغيير والإصلاح. # وهكذا كان طه حسين فيما كتب يومئذ، وهكذا كنت حين تابعته بقلبي وبعقلي معا. ~~••• # وفي تلك السنوات الأربع التي هي فترة الدراسة في المعلمين العليا، نشأت مجموعة الأصدقاء ~~التي منها تكون النسيج الاجتماعي الذي لبثت أتحرك بين لحمته وسداه حينا طويلا ~~من الدهر، فهي المجموعة التي كان يقاس إليها كم حقق أفرادها من النجاح ومن الفشل، من ~~من هؤلاء الأفراد كان سابقا ومن كان مسبوقا. كانت تلك المجموعة الصغيرة التي لم يتجاوز ~~عدد أفرادها عشرة، هي المناخ الاجتماعي الذي أتنفسه، بقدر ما كان في ذلك المناخ من نقاء ~~استنشقت الصحة، وبقدر ما كان منها من عكر استنشقت المرض. كانت من التجانس بحيث لا أغلو إذا ~~قلت ms074 إنها إذا اجتمعت في مكان، جعلت لنفسها لغة خاصة يفهمها أفرادها ولا يفهمها سواهم، بما ~~ملأت به تلك اللغة من إشارات مختصرة إلى خبرة مشتركة ماضية، وأكاد أقرر كذلك بأن كانت ~~لتلك المجموعة نكاتها الخاصة بها، تضحك لها وقد لا يضحك لها غيرها. # أما وقد مضى على تلك الصحبة ما يقرب من نصف قرن كامل، فإنني لأتساءل الآن عن الصفة أو ~~الصفات المشتركة التي وحدت بينهم، ولا أجد الجواب عن هذا التساؤل حاضرا ميسرا؟ فهم ~~بغير شك يختلفون فيما بينهم أبعد اختلاف يفرق بين إنسان ولا إنسان؟ وليست أهدافهم في ~~الحياة موحدة ولا متقاربة؛ فمنهم من كان هدفه الصعود في مناصب التعليم ولا زيادة، ومنهم ~~من كان هدفه تحصيل العلم ومع العلم تحصيل الشهادات الدالة عليه، ومنهم من كان هدفه جمع ~~المال، هكذا تفرقت بهم السبل حتى لقد كان بعضهم يسخر من أهداف بعض، لكنهم مع ذلك كانوا ~~هم الصحبة الحميمة التي لم يكن ليستغني أحد منهم عن أحد! # ولعل الرباط الوثيق الذي وحد بينهم جميعا، وجعل بعضهم لبعض رفيقا أقرب رفيق، هو ~~التواضع الاجتماعي الذي ينطوي بصاحبه على خلصائه ولا يريد أن ينشر أجنحته عراضا على ~~رقعة أوسع؛ ولقد حدث خلال السنين أن تمرد من تمرد من تلك المجموعة على انطوائها الضيق ~~فأخرجته المجموعة من حسابها أو أخرجها هو من حسابه، كما حدث خلال السنين كذلك أن أضيف إلى ~~المجموعة من وجد بينه وبينها صلة القربى النفسية على أساس التواضع الاجتماعي الذي يؤدي إلى ~~كثير من الانكماش والتخفي. # ولما كان هذا التواضع والانكماش والتخفي جذورا راسخة في نفسي - هكذا قال الأحدب ضاغطا ~~على حروف الكلمات ليؤكدها - فقد كانت تلك الصحبة أنسب مناخ عشت فيه على طبيعتي، فلم أكن في ~~تلك المجموعة أقل من حقيقتي ولا أكبر من حقيقتي، ولئن باعدت بيننا السنون بعد ذلك، فلست ~~أظنها قد استطاعت أن تمحو ما كان بيننا من صلة نفسية وثيقة، فيها الازدواجية العاطفية التي ~~لا بد من وجودها بين الأصدقاء أو الأقرباء؛ ms075 وأعني بها ازدواجية التجاذب والتنافر في آن ~~معا. # كانت مجموعة من الأصدقاء، لكن كان بين أفرادها اختلافات بعيدة المدى؛ فمنهم من كان شديد ~~الاهتمام بالحياة الثقافية - وكنت أنا واحدا من هؤلاء - ومنهم من لم تكن له بالحياة ~~الثقافية صلة، كأن تلك الحياة في واد وحياته هو في واد آخر، ولقد حدث لنا نحن الذين مالت ~~بهم الرغبة نحو الحياة الثقافية، أن تنشأ لدينا فكرة الالتحاق بالصحافة نشبع فيها هوايتنا ~~في أوقات فراغنا، وكنا بالفعل قد بدأنا نكتب مقالات أدبية في المجلات الأسبوعية، وهي مجلات ~~كانت تكون يومئذ ركنا هاما من أركان الثقافة؛ فمنها «السياسة الأسبوعية»، التي كانت ~~تصدرها جريدة السياسة المعبرة عن حزب الأحرار الدستوريين (وهم أقرب إلى من نسميهم ~~اليوم بحزب اليمين)، كما كان منها «البلاغ الأسبوعي» الذي كانت تصدره جريدة البلاغ ~~الناطقة بلسان حزب الوفد، وهو حزب تقدمي بالنسبة إلى الأحرار الدستوريين. # وكان الأغلب على السياسة الأسبوعية أن تنقل عن الثقافة الفرنسية، كما كان يغلب على البلاغ ~~الأسبوعي أن ينقل من الثقافة الإنجليزية، أو هكذا كان انطباعنا بحكم أن الأولى كانت تنشر ~~لطه حسين ومحمد حسين هيكل وغيرهما من الذين تلقوا العلم في السوربون، وأن الثانية كانت ~~تنشر للعقاد الذي وإن لم يتلق العلم في إنجلترا، إلا أن مصادره الرئيسية كانت من الأدب ~~الإنجليزي. # بدأنا نحن نكتب المقالات في هاتين الصحيفتين، وأذكر أن أول مقالة كتبتها في حياتي الأدبية ~~كانت تعليقا على الأغاني التي شاعت في ذلك الحين وامتلأت أصواتها - ولا أقول كلماتها؛ ~~لأنها كانت في بعض أجزائها أصواتا بغير كلمات - أقول: إن مقالتي الأولى كانت تعليقا ~~على تلك الأغاني التي امتلأت أصواتها بما يوحي بالدعارة؛ ونشرت لي تلك المقالة الأولى في ~~السياسة الأسبوعية سنة 1927 فيما أذكر. # أقول: إننا أحسسنا برغبة قوية في أن نتصل بالصحافة، أنا وأخي ومعنا ثلاثة من مجموعة ~~الأصدقاء ذوي الهواية الأدبية، واتفقنا بادئ الأمر على تكوين جمعية أدبية تنمو مع الزمن، ~~وأقمنا عليها من بيننا رئيسا وسكرتيرا وأمينا للصندوق؛ أي إنه لم ms076 يبق منا إلا عضوان ~~فقط بغير ألقاب، كنت أنا أحدهما، وقررنا في أول جلسة من جلساتنا التي كنا نعقدها في منزل ~~الرئيس، أن يكون الاشتراك الشهري عشرة قروش - وهو كل ما كنا نستطيع الاستغناء عنه - كما ~~قررنا أن نبدأ في تكوين مكتبة للجمعية تنمو هي الأخرى مع الزمن، وبدأنا بشراء كتاب كان قد ~~صدر حديثا وارتجت له الصحافة الأدبية، هو كتاب «عصر المأمون» للدكتور فريد الرفاعي، ثم ~~ماذا؟ ثم حزمنا أمرنا ذات يوم، وصممنا على أن نعرض أنفسنا للخدمة مجانا في الصحيفة ~~التي تقبل العرض. # وبدأنا بجريدة الأهرام، ودخلنا نحن الخمسة على رئيس التحرير، يقودنا رئيسنا ونتبعه في صف ~~كأننا جماعة من الطلاب جيء بها أمام ناظر المدرسة مشكوة، ويراد بها التحقيق فالعقاب، ~~فكان هذا الدخول المتعثر المتخاذل الضعيف كفيلا وحده بأن يوحي إلى رئيس التحرير بالرفض ~~السريع: ماذا تريدون؟ ~~- نحن جمعية أدبية تريد الاشتغال بالصحافة (وكان المتحدث هو الرئيس)، وهو أجرأنا في توجيه ~~نظره نحو من يحدثه في غير خجل، ولا عجب أن كان هو الوحيد من مجموعة الأصدقاء كلها، الذي صعد ~~فيما بعد إلى مناصب الوزارة أكثر من مرة، وعمل في منصب من أعلى المناصب في منظمة العمل ~~التابعة لهيئة الأمم المتحدة لفترة دامت عدة سنين)، ونحن لا نريد أجرا على عملنا - هكذا ~~مضى رئيسنا في توجيه الخطاب إلى رئيس التحرير - وكل ما نريده هو أن يؤذن لنا بالاشتراك مع ~~هيئة التحرير، نطيع ما نؤمر به، لتكون لنا بذلك فرصة للتدريب حتى إذا ما تخرجنا جعلنا ~~الصحافة مهنتنا عن خبرة ودراية. # فقال رئيس التحرير في نغمة العطف، لكنها في الوقت نفسه نغمة المستخف بأحلام شباب نمر ~~ساذج: أتمنى لكم التوفيق، لكن يحسن أن تنصرفوا إلى دروسكم، وأن ترجئوا هذا الحديث إلى ما ~~بعد التخرج. # أجاب رئيسنا: ولكننا لو تركنا أمورنا تجري مجراها الطبيعي، فقد يجرفنا التيار، ونشتغل ~~بالتدريس الذي نعد من أجله، مع أننا ذوو ميول أدبية واضحة، وربما ضاعت هذه الميول إذا ~~نحن وأدناها في براعمها. # فأجاب ms077 رئيس التحرير بلهجة حاسمة: لا، لا، معاذ الله أن تفهم مني إنني أدعوكم إلى إهمال ~~مواهبكم العظيمة، لكن صحيفة الأهرام تعتذر لأنها لا تستطيع قبول ما تعرضونه عليها. # وخرجنا من عنده صفا متعثرا متخاذلا ضعيفا كما دخلنا، وكل ما هنالك من فرق بين ~~الحالتين، هو أن رئيسنا هذه المرة كان في مؤخرة القافلة، وما كدنا نخرج من دار الأهرام إلى ~~الطريق حتى وقفنا قليلا إلى جوار الجدار، ونظر بعضنا إلى بعض ثم انفجرنا ضاحكين، إلا ~~الرئيس فلم يضحك، بل قال في عزم: هلموا إلى صحيفة أخرى، تعالوا نذهب إلى جريدة ~~السياسة. # وتبعناه إلى جريدة السياسة في شارع المبتديان، وطلبنا مقابلة رئيس التحرير، فلم يكن في ~~مكتبه ذلك المساء، ولكن أمرا حدث لم نتوقعه؛ وذلك أن الدكتور حافظ عفيفي أرسل إلينا من ~~يستوقفنا ونحن نهبط السلم خارجين، وعدنا لنجده يستقبلنا استقبال الرائد للمسترشد، وأمر ~~ففتحت لنا الغرفة المقابلة لغرفة رئيس التحرير، ودخلناها لنجدها «صالونا» فاخرا فرش ~~كله بالقطيفة الحمراء؛ بساط وستائر وكراسي وأرائك، وجلسنا على أطراف المقاعد، وجلس أمامنا ~~حافظ عفيفي، فقال في صوت هادئ: ماذا تريدون؟ # فأجاب رئيسنا: نحن جماعة أدبية ... إلى آخر القصة. # قال حافظ عفيفي بصوته الهادئ: الدكتور هيكل غائب هذه الليلة، وسأرتب معه لقاء بكم، ~~لكني أحب أن أوجهكم منذ الآن بنصيحة: إن جريدة السياسة - كما أرجح - ستقبل تدريبكم كما ~~تريدون، لكن فلتعلموا منذ الآن أن الصحافة لم تعد كلاما يستقطع من رءوس الكتاب بغير ~~اطلاع ولا دراسة؛ فمهما يكن الموضوع الذي قد يرد على خواطركم لتكتبوا فيه، فسوف تجدونه ~~موضوعا قد سبقكم إلى الكتابة فيه من هو أعلم منكم وأوفى بحثا ودراسة. وإذن، فالنصيحة ~~الواحدة التي سأكتفي بها الآن هي: ألا كتابة بغير درس وقراءة تسبقها. # شكرناه على عطفه الأبوي، وانصرفنا على أن نعود في مثل هذا الوقت من الليلة التالية. ~~ففعلنا، وكان الدكتور هيكل عندئذ في مكتبه، وكان قد سمع بأمرنا، فلم يسأل: ماذا تريدون؟ ~~لأنه يعلم ما نريد، بل أخذ يوزعنا من فوره على ms078 أقسام الجريدة؛ فاذهب أنت إلى فلان في ~~القسم الفلاني، واذهب أنت إلى فلان في الغرفة الفلانية ، واذهب أنت إلى مصححي التجارب في ~~المكان الفلاني ... ثم أردف يقول: إن أماكنكم هذه ستتبدل مرة كل أسبوعين. # لكن الأسبوعين الأولين لم ينقضيا، حتى دعانا الدكتور هيكل لتناول الشاي ذات مساء في ~~داره - وكانت عندئذ شقة من عمارة في جاردن سيتي - وقولوا ما شئتم عن مشاعر الغبطة التي ~~ملأتنا. وذهبنا في الموعد لنستوي بعد قليل إلى مائدة مثقلة بأصناف الفطائر والفاكهة ~~إلى جانب الشاي، وبدأ الدكتور هيكل حديثه معنا قائلا: لقد فكرت في أفضل طريقة يستفاد بها ~~من ميولكم الأدبية، فوجدت أن تعاونوني على إخراج كتيبات صغيرة تباع مع الصحف بأثمان ~~رخيصة، كل كتيب منها يبسط موضوعا مما يتصل بتاريخنا وأدبنا، وبخاصة القديم منها، حتى ~~نذيع أصولنا الثقافية في أوسع دائرة ممكنة، وسأخصص لكل منكم موضوعا، يجمع لي ما استطاع ~~جمعه من مادة فيه ومهمتي أنا هي الإخراج والخلق والصياغة، فما رأيكم؟ ~~- رأينا هو ما ترى. # وأذكر أن نصيبي في هذا التوزيع كان موضوع «سميراميس» كما ورد في الأساطير. وبعد عدة ~~أسابيع من تجميع للمادة والتقاء مع الدكتور هيكل كلما تجمع لدينا من المادة ما يستحق ~~العرض، صدر الكتيب الأول، ولا أذكر ماذا كان موضوعه. # وبيع عند باعة الصحف، وكان أول همنا نحن أن نسرع لنرى كيف ورد ذكرنا في هذا ~~المشروع، وأظن - لأني قد نسيت - أننا لم نذكر بالاسم، بل وردت في المقدمة عبارة تنوه ~~بجماعة من الطلاب يعاونون في جمع المادة من المراجع. ولا أدري إن كان شعورنا بخيبة الأمل، ~~أو كان اقتراب موعد الامتحان في آخر العام الدراسي، هو الذي حتم علينا أن ننفض أيدينا، ~~وبذلك انتهى الأمر مؤقتا؛ وأعني أن ذلك المشروع المعين قد أخفق لساعته، وأما النشر ~~الأدبي في الصحف فقد لبث قائما في صدري، حتى ألح علي آخر الأمر فجعلته مدار ~~عملي. # فرغ الأحدب من هذه الرواية الطويلة، وكأنما أحس بشيء من التعب، فأسند ظهره إلى مقعده، ~~ونظر ms079 إلي نظرة تكاد تسألني: ماذا تريد مني بعد ذلك؟ # سألته: وماذا جرى للجمعية الأدبية بعدئذ؟ # فقال : مات أمين الصندوق بعد بدء تكوينها بشهور قليلة، وانقطع بموته دفع الاشتراك، وأصبحت ~~كما كانت في البداية مجموعة أفراد أصدقاء، ضمن المجموعة الأشمل، يلتقون حيثما تيسر لهم ~~اللقاء ... وأما المكتبة التي أردنا تكوينها، فلم يدخلها إلا كتاب واحد، هو «عصر المأمون»، ~~ولا أدري إلى أينا ذهب. # وبابتسامة خفيفة على شفتيه، استأنف الأحدب حديثه عن جماعة الأصدقاء في تلك السنوات ~~الأربع من حياته، قال: لا تنس ما قلته لك، وهو أن تلك الجمعية الأدبية لم تكن تمثل بميولها الثقافية ~~مجموعة الأصدقاء التي تحدثت عنها؛ فمن تلك المجموعة من كاد لا يعرف من معارف الدنيا حرفا ~~أكثر مما ورد في مذكراته التي يحفظها للامتحان؛ ومنهم من كان أقرب في ميوله إلى الفجور الذي ~~لا يستحي؛ ومنهم من كان يؤثر الخفاء في وسائل متعته؛ لكن جميعنا كان يحب النكتة والمرح ~~وحلقات السمر، والحقيقة أن تنوع ميولنا ذاك هو الذي ربط أطرافنا في مجموعة متجاذبة؛ لأن ~~كلا منا كان لا بد واجدا ما يشبع فطرته بكل أبعادها داخل تلك المجموعة النادرة من ~~الأصدقاء. # ففضلا عما كان بين أفرادها من رباط مشترك، هو كما قلت لك التواضع الاجتماعي، ممزوجا ~~بكثير جدا من الفكاهة والمرح، حتى لقد كانوا يجعلون من أنفسهم موضوعا لفكاهتهم بل ~~موضوعا لسخريتهم أحيانا؛ أقول: إنه فضلا عن تلك الصفات المشتركة بينهم، فقد كانت بينهم ~~بعد ذلك فوارق شاسعة كما ذكرت لك، هذه التشكيلة العجيبة هي التي تكون منها المحيط البشري ~~المباشر الذي هو بمثابة المجتمع بكل ما يعطيه لأبنائه من حوافز ومن معوقات. # فقد كانت تلك السنوات الأربع (1926-1930) هي البوتقة الحقيقية التي صهرتنا بخيرها ~~وشرها، وهي التي شكلتنا فيما نحن فيه؛ ففي تلك الفترة تجسدت لكل منا مثله العليا ~~التي يريد احتذاءها، وقد كان مثلي الأعلى يومئذ مزيجا من عدة عناصر، قد يسهل التقاؤها ~~معا وقد يصعب؛ فهو مثل أعلى فيه جانب الأستاذ الأكاديمي المتمكن ms080 من مادته، وهو جانب ~~انطبع في قرارة نفسي انعكاسا لشخصية أستاذ التاريخ الحديث شفيق غربال؛ وفيه جانب الأديب ~~صاحب الصوت المسموع والمواقف الثقافية الحاسمة، كما طبعني به الدكتور طه حسين؛ وفيه جانب ~~الأديب المفكر المكافح الذي يدفعه الفهم العقلي إلى سكب ثقافات الأولين والآخرين - إذا ~~استطاع - في ذات نفسه، كما كانت صورة العقاد عندي أيامها ... فهل كان يسهل لهذه الجوانب كلها ~~أن تجتمع في شخص واحد ولو بمقادير متواضعة، شريطة أن تجتمع عند من يغلب عليه التواضع ~~الاجتماعي، كما تغلب عليه الرغبة الشديدة في الانعزال والتخفي؟ لست أدري، لكن الذي أدريه هو ~~أنني وجدت عسرا شديدا في محاولة جمع هذه العناصر معا، فكنت إذا حصلت شيئا من جانب ~~الأستاذ، أفلت مني جانب الأديب، وإذا تحقق لي جانب الأديب ضاع مني عنصر الأستاذ، وإذا ~~تحقق لي شيء من هذا وذاك وجدت نفسي أقف على الطريق جامدا لا أتحرك في دنيا الناس خطوة إلى ~~أمام. # فهل عرفت يا صديقي سر الشعور بالخذلان الذي أعاني منه حتى ظهرت آثاره على بدني؟ لقد ~~رأيتك تسعى لاهثا لكشف السر، ولعلي قد أرحتك في كثير مما أردت أن تكشف عنه ~~الستار. # الفصل الخامس # | حلم ليلة في منتصف الصيف # انقطعت صلتي بالأحدب لبضعة أسابيع، ولم تكن نفسي قد اطمأنت - كما ظن هو - بما رواه لي عن ~~نفسه خلال الأربعة الأعوام التي قضاها في الدراسة العليا؛ لأن ما رواه لي لم يكن فيه ما ~~يكفي لكشف السر كله وراء حياته الانفعالية بما سببته له من علل. # ثم أسعفتني مصادفة سعيدة؛ أخذت القطار إلى الإسكندرية ذات صباح من صيف، وجلست في مقعدي ~~الذي أختاره لنفسي دائما ما وجدت إلى اختياره من سبيل؛ لأنه مقعد فرداني من جهة، ويتجه ~~الجالس عليه مع سير القطار من جهة أخرى، وفضلا عن ذلك فهو يواجه مقعدين يغلب أن يشغلهما ~~زميلان فيتحدثان، فأتسلى باستراق السمع لما يقولان من جهة ثالثة. # ولم أكد أنشر صحيفة الصباح بين يدي قبل أن يتحرك القطار، حتى فوجئت بما ms081 لم أكن أتوقع ~~حدوثه؛ وهو أن يكون شاغلا المقعدين اللذين يواجهان مقعدي هما صديقي القديم فريد - صديق ~~الشباب - وزوجته عفاف، وكنت لم أرهما ولم أسمع عنهما منذ أمد طويل؛ فاضطربت لرؤيتهما؛ لأن ~~اللقاء مباغت؛ فأسقطت عند قيامي لأسلم عليهما حقيبة صغيرة كان يرفعها فريد ليضعها على ~~الرف، ولبث ثلاثتنا يتحركون ويتكلمون في غير هدوء ولا انسجام، حتى لقد سددنا الطريق على ~~المارة من المسافرين، وأخيرا استوينا على مقاعدنا، لا ندري أين نبدأ الحديث ولا كيف نبدؤه ~~بعد هذا الغياب الطويل الذي باعد بيننا بعد أن كان اجتماعنا المطرد المتكرر جزءا لا يتجزأ ~~من حياتنا، وقد كنا نأنس أحدنا بالآخر أنسا، حتى ليقصد أحدنا إلى الآخر في كل صغيرة أو ~~كبيرة من أحداث حياته، يطلعه على خفايا نفسه وأزماتها، وعلى مشكلاته التي تنشأ في علاقاته ~~مع سائر أفراد أسرته، أو مع أحد من بقية الأصدقاء. # كنت أحس دائما إذا ما تحدثت إلى فريد كأنني أحدث نفسي؛ لا أكتم سرا ولا أدعي غير ~~الحق؛ فلا أتظاهر بثراء لا وجود له، ولا بفقر أبشع من الفقر الذي كنت فيه، وذلك كله على ~~الرغم من أن بين شخصيتينا خلافا جوهريا؛ فهو يعلي العمل على الفكرة، وأنا أعلي الفكرة ~~على العمل، وهو يضحك من قلبه وأنا أضحك من وراء قلبي، وهو يحب الناس لأشخاصهم لا لآرائهم، ~~وأنا أحب الناس لآرائهم لا لأشخاصهم؛ ولذلك فهو محدود في صداقاته بالناس الحقيقيين الذين ~~يملئون عليه حياته؛ وأما أنا فصداقاتي قد امتدت إلى المؤلفين وإلى الشخصيات الوهمية التي ~~تحيا على صفحات القصص والمسرحيات، هو يريد من صديقه أن يبادله النكات وهما يشربان أقداح ~~الشاي التي كان يصنعها بنفسه، لا يركن في صنعها إلى أحد سواه، وأنا أريد من صديقي أن ~~يجادلني في فكرة أو في مذهب نظري؛ هو لا يميل إلى القراءة، ويكره الكتابة كراهية شديدة - ~~ولعله كان يستطيعها إذا أراد - وأنا أميل إليهما معا، وفوق هذا وهذا وذاك من بذور التباين ~~بين الشخصيتين، أنه كان يبحث عن شريكة ms082 حياته بعد تخرجنا بقليل؛ لأنه لم يتصور حياته بغير ~~زوجة وأبناء، وكان مدار بحثه عن الزوجة أن تكون من ذوات الثراء؛ وأما أنا فقد كانت فكرة ~~الزواج عندي أمرا لا يرد على التصور، كما لا ترد فكرة الدائرة المربعة؛ إذ لم يكن ~~التضاد بين نفسي وبين هذه الفكرة أقل من التضاد بين التدوير والتربيع. # وكان صديقي فريد أثناء بحثه عن زوجة تناسبه، لا يفوته أن يجعل من البحث موضوع فكاهة نضحك ~~لها كلما اجتمعنا؛ فقد كان أمس يزور أسرة ليرى فتاة مقترحة له، فيجيء اليوم ليروي لنا ~~ما دار بينه وبين والديها، أو ما دار بينه وبينها من أحاديث، فنجد في روايته مواضع كثيرة ~~تثير الضحك إذا ما كانت الأسرة المقصودة أعلى مما ينبغي أو أخفض مما ينبغي؛ ففي كلتا ~~الحالتين نضحك على مفارقات الموقف؛ في الأولى يتظاهر بما ليس فيه، وفي الثانية يتظاهرون هم ~~بما ليس فيهم. # تخرجنا - أنا وفريد وسائر الأصدقاء - في سنة جفت فيها الضروع ويبست موارد الرزق، لا ~~في مصر وحدها بل في أرجاء العالم أجمع، غنيه وفقيره على السواء؛ فنحن نعيش في عالم إذا ~~انهارت به سوق المال في نيويورك تداعت لها الأسواق في لندن والقاهرة وطوكيو! قد يقع تجار ~~المال هناك في خطأ، فينتج عن الخطأ ألا نجد نحن الشباب في القاهرة وظيفة واحدة خالية! ~~هكذا كانت الحال حين تخرجنا، أزمة اقتصادية طحنت الدنيا طحنا، لكنها طحنتها بمعنى يختلف ~~عن أفاعيل أزمة اليوم؛ فاليوم تمتلئ أيدينا بالمال ولا نقوى على الشراء؛ وأما يومها فقد ~~تبخر المال كما يتبخر الماء في حمارة القيظ، وأصبح معلم المدرسة الإلزامية في قرى ~~الريف، بجنيهاته الأربعة التي كانت راتبه الشهري يومئذ، أيسر حياة وأكثر بحبوحة من مالك ~~الثلاثين فدانا من الأرض أو الأربعين؛ ولذلك كان من الحوادث المألوفة أنه يبيع أصحاب ~~الأرض أرضهم، فيشتريها أصحاب الجنيهات الأربعة. # في ذلك العام المقفر تخرجنا، فكنا كالسلعة البائرة تشترى بالثمن القليل. كان ~~الفرض هو أن نخرج للتدريس في مدارس الدولة، فإذا الدولة ms083 تصدر أوامرها - علينا وعلى كل ~~يائس تخرج في ذلك العام - بألا تفتح أبواب الحكومة لعامل واحد جديد ، فانتشرنا في الأرض ~~نسعى؛ المدارس غير الحكومية تشتري بعضنا بأبخس الأجور، ومدارس الريف التي لم تكن تطمع في ~~رجل واحد يحمل إجازة عليا، باتت تتلقى حملة الإجازات العليا ساعين إليها والعرق يتصبب ~~على جباههم فتنتقي منهم مدارس الريف وتختار، والأعمال التي ألفت أن تؤدى بأيدي كتبة ~~صغار، قصد إليها القاصدون من هؤلاء الكبار أو الذين ظنوا أنهم قد أصبحوا كبارا؛ وفي هذه ~~السوق الكاسدة وجدت أنا ركنا في الريف، ووجد صديقي عملا صغيرا في دار الكتب ~~بالقاهرة. # وكانت دار الكتب في القاهرة مزارا أتردد عليه مرارا متلاحقة منذ أيام الدراسة، ~~فازدادت جاذبية بوجود صديقي بين العاملين فيها، ولقد كان ييسر لي ما كان عسيرا؛ فهنالك ~~من الكتب ما لا يعار إما لنفاسته وإما لخساسته، فكان يهيئ لي ما كنت أريده من ~~الصنفين! وقد تفهم ألا يعار الكتاب لنفاسته خوفا عليه من الضياع، ولكن ما هي تلك الكتب ~~التي تخس فلا تعار؟ أأقولها؟ نعم قلها؛ فهي «نفس»، وأنت في رواية لقصتها؛ فما خفي من ~~سرها قد يكون أهم مما ظهر من علنها، فهنالك كتب من أفحش الكتب عن الجنس، عرفها صديقي ~~وعرفني بها وأعانني على استعارتها خفية لأنقل مادتها كما أريد، ولم يكن هنالك ما يمنع ~~أن هذا الذي يستعير الفحش سرا، هو نفسه الذي يستعير كتب أفلاطون أو أرسطو علنا، ويا ما ~~أكثر ما تحويه النفس البشرية من عجائب ومتناقضات! # كنت أقول عن صديقي فريد إنه أخذ يبحث عن الزوجة الملائمة بعد تخرجنا بقليل، وكانت ~~روحه المرحة تجعل من بحثه ذاك موضوعا نتفكه به جميعا إذا ما التقينا، ولكن هذا الهزل ~~كله لم يلبث أن انتهى معه بجد الزواج نفسه، وكانت الزوجة هي عفاف، ولقد كان الزوجان منذ ~~تزوجا على بعد نفسي بعض الشيء أحدهما من الآخر؛ فهي تدل عليه بفرق في الثراء ~~بين أسرتها وأسرته، وهو يتعاظم عليها بفرق كبير بين ثقافته ms084 وثقافتها؛ فهي فتاة وقف ~~تعليمها في مدرسة فرنسية عند مرحلة أولية، ولكنها مع ذلك كانت من ذلك الصنف الذي يضع ~~ألفاظا فرنسية في حديثها، حتى مع من كانت تعلم أنهم لا يعرفون من الفرنسية كلمة واحدة؟ ~~وكان محالا عليها ألا تدع بعض الإشارات تتساقط في كلامها أو في سلوكها، لتدل بها على ~~أنها ليست كسائر النساء اللائي تلتقي بهن في زمرة أصدقاء زوجها وأقاربه. # أخذنا نتبادل الأخبار عن الأحداث التي لا بد أن تكون قد حدثت خلال السنوات الطويلة ~~التي باعدت بيني وبين فريد، وفجأة سكت الكلام، وأردت أن أملأ فجوة السكوت، فقلت بلا مقدمات: ~~إن مسألة غريبة تشغلني بسبب لا أدريه، فلأمر ما شغلت برجل عجيب قابلته صدفة لكنه ~~أثار اهتمامي الشديد بغرابة سلوكه وعمق لفتاته الفكرية، وبشذوذه عن المألوف في أشياء كثيرة، ~~ويستحيل عليك أن تخطئه إذا ما رأيته وسط زحام الناس في الطريق؛ لأنه فريد ... # فقاطعتني عفاف قائلة وهي تضحك في نشوة طبيعية: صدقت، إنه شاذ وهو فريد (مشيرة إلى اسم ~~زوجها). # فقلت: لا، لست أقصد فريدنا هذا، فصاحبنا الشاذ ذاك اسمه رياض عطا. # قال فريد في اهتمام ظاهر عليه وعلى زوجته معا: رياض عطا المدرس؟ # قلت: لا أعلم ماذا يعمل، لم أجرؤ على سؤاله، بل إن اسمه نفسه لم أعرفه إلا بمصادفة عابرة، ~~كل ما عرفته منه فيما يتصل بعمله هو أنه تخرج من مدرسة المعلمين العليا؛ لأنه قص علي ~~طرفا من حياته فيها. # قال فريد: أهو أحدب الظهر قليلا؟ # قلت: إنه أحدب الظهر كثيرا لا قليلا. # قال: لا بد أن يكون هو رياض عطا الذي تعنيه. # قلت: حدثني عنه ما استطعت. # قال، وكان قوله التقاء أسماعنا، حتى لقد مالت رءوسنا الثلاثة في وضع يجعل منها مجموعة ~~تصلح لرسم لوحة يطلق عليها اسم «الرواية»؛ قال: روى لي صديق كان مدرسا بمدرسة أجا الابتدائية، قال: جاءنا مدرس جديد للغة ~~الإنجليزية فلفت إليه الأنظار فور مجيئه، ولم تكن الأنظار لتلتفت إليه بكل قوتها كما فعلت ~~لو كانت كل ms085 غرابته محصورة في تشويه ظهره بالقتب الذي يقوسه بعض الشيء، ولكن ما وجه إليه ~~انتباهنا وانتباه الناس جميعا، هو مسلكه في حياته الخاصة، الذي جعل منه إنسانا متميزا ~~متفردا؛ فقد كان يلبس منظارا ذا عدسة واحدة يضعها على عينه اليسرى، بغير إطار يحيط بها، ~~وفي العدسة خيط أسود يمتد حتى يدور حول عنقه، وهي طريقة لم يكن أحد منا قد ألفها ~~فيما شاهد فوق أعين الناس من مناظير، وقد حسبنا أول الأمر أن عينه اليمنى قد تحررت من ~~المنظار لقوة إبصارها، لكننا عرفنا فيما بعد أنها عين لا رجاء فيها لأنها لا تبصر، فآثر ~~صاحبنا أن يقصر منظاره على العين الواحدة التي ترى، فلم يكن عجيبا أن أسماه بعضنا بأبي ~~نظارة، على الرغم من أن كثيرين غيره كانوا ممن يستخدمون المناظير. # سكن دارا وحده، وكانت العادة بيننا أن يشترك أكثر من واحد في دار، ولبث أشهرا طويلة لا ~~نكاد نسمع صوته محدثا إلا وهو يلقي دروسه على التلاميذ، وهي دروس كان ينطق فيها كلمات ~~اللغة الإنجليزية وجملها بلسان غير عربي يحاول به أن يقلد أصحاب اللغة التي يعلمها، ~~فزاد هذا في غرابته، كأنما غرابته هذه كانت تتبدى إذا أخطأ السلوك وإذا أصاب؛ لأنه في ~~كلتا الحالين كان ينحرف عن المألوف؛ وندخل حجرات الدراسة بعده لنرى ماذا كان يصنع لعلنا ~~نقع على أشياء جديدة فيه نجعلها مدار التعليق، فنرى السبورة مزدانة بالطباشير الملون ~~هنا وهناك؛ فكلمات يكتبها باللون الأحمر وأخرى يكتبها باللون الأزرق، فضلا عن اللون ~~الأبيض، بل نراه يكتب الكلمة الواحدة بعدة ألوان فنضحك ونخرج لننشر الخبر بين سائر ~~الزملاء. # يدخل المدرسة صامتا ويخرج منها صامتا، ولعل صمته لم يبلغ حده الأقصى مرة كلما بلغه ~~ذات مساء، حين سمع في حجرة المدرسين نبأ تدور به الألسنة بأن مدرسا جديدا للغة ~~العربية سيصل إلى المدينة في المساء، فأين عساه ينزل يا ترى؟ ومن ذا سيقابله في المحطة ~~ليئويه في هذا البلد، سمع هذا فلم ينطق بكلمة، لكن - فيما علمنا بعدئذ - ذهب ms086 إلى المحطة ~~في المساء، خشية ألا يقابل المدرس القادم أحدا فتأخذه الحيرة كما حدث للأحدب نفسه ليلة ~~وصوله، فلما لم يجد أحدا هناك سواه، صمم على أن يضطلع بهذا الواجب، وأمعن النظر فيمن ~~نزلوا من القطار، حتى اهتدى بالسليقة إلى شاب نزل ومعه حقيبة وسلتان، وضعها أمامه وراح ~~يتلفت، فاقترب منه الأحدب وسأله إن كان هو المدرس الجديد، ولما علم من جوابه أنه هو ~~سأله إن كان له مكان يبيت فيه، وعلم أن لا مكان، فدعاه إلى المبيت معه في منزله حتى يدبر ~~أمره في الصباح، وعاونه على حمل أمتعته، وذهب كلاهما إلى الدار، ولم يكن بها إلا سرير واحد، ~~فأنزل صاحبنا الأحدب اللحاف وفرشه على الأرض ورقد، تاركا السرير للضيف. # كل هذا جميل، ولكن القبيح في الأمر هو أنه منذ قبل الضيف دعوته وهما في المحطة، ختم ~~الأحدب على شفتيه بخاتم الصمت فلم ينطق بكلمة واحدة إلى ضيفه هذا الذي تبرع بمقابلته ~~وبدعوته؛ ففي صمت تام سارا، وفي صمت تام دخلا الدار، وفي صمت تام أعد الأحدب ~~فراشه على الأرض، وفي صمت تام قضى الليل، وفي صمت تام استيقظ في الصباح وأعد لضيفه ~~الفطور، وارتدى ثيابه وخرج، وترك وراءه الضيف الغريب لا يدري ماذا يصنع بنفسه، حتى شهدناه ~~وهو يلتقي بالأحدب في بهو المدرسة ليسلمه مفتاح منزله شاكرا. ولقد روى لنا المدرس الجديد ~~قصته هذه وهو في عجب شديد من هذا المضيف الذي تطوع بالفضل، ثم سلك هذا السلوك ~~الشاذ كأنما قد أحس بالندم على الفضل الذي تطوع بأدائه مختارا، وقل ما شئت فيما ~~أحدثته هذه القصة من دوي في مجالسنا الخاصة؛ لأنها جاءت آية جديدة تفسر غوامض هذا ~~الرجل الفريد؛ فهو يؤدي الواجب أداء كاملا، ثم ينسحب مختفيا عن الأنظار والأسماع. # الفردية هي طابع هذا الرجل؛ فهو لا يطمئن نفسا إلا إذا تفرد واختلف عن غيره قليلا أو ~~كثيرا؛ فقد حدث لنا ونحن ما نزال ندرس في المدرسة الابتدائية بمدينة أجا، أن زار البلد ~~رئيس الوزراء، واستعدت الحكومة ms087 المحلية في المدينة بألوان من الترحيب مما يطوف بالخيال ~~وما لا يطوف، ومن ذلك أن أعد سرادق فسيح ليحشد فيه الناس حشدا كي يخطب فيهم القادم ~~الكبير، وكان رئيس الوزراء عندئذ حاكما مستبدا ظفر بمنصبه كرها وغصبا، وكان على ~~الموظفين جميعا، وعلى المدرسين بصفة خاصة، أن يذهبوا ليرصوا على المقاعد مع سائر من ~~يرص من أبناء الإقليم، وذهبنا جماعة واحدة كما أمرنا أن نذهب، كأنما نحن قطيع من الغنم ~~يسوقه الراعي مجتمعا حتى لا تشرد منه غنمة فتضل الطريق؛ ذهبنا جماعة واحدة إلى ~~السرادق، ومعنا الأحدب بنظارته ذات العدسة الواحدة على عينه اليسرى، وكان مقدرا ~~للمدرسين أن يجلسوا في صفوف خلفية، وفعلوا كما أمروا إلا صاحبنا الأحدب فقد نفر كالقط ~~المفترس، وفي خطوات فسيحة مندفعة قصد إلى الصف الأول في السرادق حيث اتخذ مجلسه، فلما أن ~~نبهه المنظمون أن ليس هذا موضعه رفض حتى أن يلتفت إليهم بنظره أو أن يجيب، فحدثت حركة ~~ملحوظة بين جماعة المنظمين ومعظمهم من ضباط الشرطة، حتى جاءوا له برئيسهم، فلم يعرف هذا ~~إلا أن يخيره بين أمرين؛ فإما أن يجلس حيث يجلس زملاؤه، وإما أن يأمر رجاله فيقذفوا به ~~في الطريق، وهنا أخرج له الأحدب تذكرة الدعوة من جيبه، وقال إنه تلقى هذه الدعوة فجاء ~~ملبيا، ولم يكن بالدعوة ما يدل على مكان معين للجلوس؛ ولذلك فهو مصر على ~~البقاء حيث هو، وليفعل صاحب الشرطة ما يشاء، فإن قذف به في الطريق كما توعده، فقد خدمه ~~بذلك خدمة سيشكره عليها؛ لأنه ترك مسرحية «حلم ليلة في منتصف الصيف» مقروءة إلى نصفها، ~~ولأن يتمها خير له من أن يسمع ما جيء به ليسمعه، فاستشاط الضابط غضبا وصمم أن ~~يعلمه درسا، بادئا بأن نفذ ما قد توعد به، وأمر رجاله أن احملوه وارموا به خارج ~~السرادق، لكن رجاله لم يجدوا من يحملونه؛ لأن صاحبنا الأحدب ترك مكانه وخرج، ولا أدري هل ~~أصابه بعد ذلك سوء أو لم يصبه. # تفرد عجيب في هذا الرجل كما وصفه لي ms088 صديقي الذي أنقل عنه روايته: هكذا استطرد فريد في ~~روايته، ومضى يقول: # كان بين أخباره التي رواها لي صديقي عن الأحدب، أن ناظر المدرسة قد استدعاه يوما ~~ليحدثه في أمر ابنه التلميذ، وكان ذلك الناظر موضع استخفاف من المدرسين لتفاهته وجهله، ~~فلما أن ذهب إليه الأحدب شكا إليه الناظر ضعف ابنه في اللغة الإنجليزية ضعفا يلفت النظر؛ ~~لأنه عاجز عجزا تاما عن أن يكتب كلمة واحدة صحيحة الحروف، فهلا تولاه الأحدب بعناية ~~خاصة؟ # قال الأحدب: وماذا تريدني أن أصنع لابنك هذا؟ # قال الناظر: تعوده على كتابة الإملاء، وأنت الرجل «الفني» القدير. # وأنت تعرف - هكذا وجه فريد الكلام إلي قاطعا بذلك مجرى روايته - أنت تعرف أن مدارس ~~الريف لم تكن قبل ذلك قد شهدت المدرسين ذوي المؤهلات العليا؛ إذ كان المعلمون فيها يؤخذون ~~من كل صنف، ويكفي فيهم أنهم يقرءون ويكتبون ويلمون بمبادئ الحساب، قال فريد هذه ~~الملاحظة العابرة، ثم عاد إلى روايته، وكانت قد وقفت عند الحوار الذي دار بين الأحدب وناظر ~~المدرسة. # قال الأحدب وكأنه يمزح: علاج ابنك هو أن يلعب البنج بونج. # فأجاب الناظر في دهشة: يلعب البنج بونج ليصلح أخطاءه في الإملاء؟! # قال الأحدب: نعم. # قال الناظر ساخرا: وكيف كان ذلك يا مولانا؟ # أجاب الأحدب في شيء من التعالي وكأنه أراد أن يذكره بالفرق بينه وبينه: إن ابنك حين ~~نطلب إليه هجاء كلمة تهجاها صحيحة، فإذا كتب أخطأ؛ وإذن فالضعف هو في العلاقة بين المخ ~~وحركة اليد، وقد تنضبط هذه العلاقة بلعبة توثق الصلة بين مركز إصدار الأمر في مراكز المخ ~~وأداة التنفيذ الحركي في الذراع واليد. # فبهت الرجل لهذا «الفن» التربوي العجيب؛ ودارت الرواية في المدرسة كلها، وأصبحت من ~~النوادر التي تروى. # ولقد أثار ذلك الأحدب ضجة حوله كادت تودي به في أول اشتغاله بالتدريس، وقصة ذلك أنه ~~كان يكتب مقالات كثيرة في مجلة أدبية كانت صدرت حديثا في تلك الأيام، ولم يكن زملاؤه ~~يتبعون ما يكتبه إلا عن طريق الإشاعة، حتى فوجئت المدرسة ذات يوم ms089 بخطاب من مدير التعليم ~~في الإقليم، يطلب من ناظر المدرسة أن يحقق معه في شكوى رفعت إليه من شيخ أزهري في ~~المدينة. كان يعرف باسم «الدكتور غراب»، وكان الشيخ قد أرفق بالشكوى عددا من المجلة فيه ~~مقالة للأستاذ رياض عطا هذا، وقد ورد في المقال رأي عن أحد الفلاسفة بأن الله لم يكتمل ~~وجوده بعد، ولكنه في طريق التكوين، وأنه ليس الصواب هو أن نقول إن الله قد كان، بل الصواب ~~هو أن نقول إنه سيكون، لأن ذلك الفيلسوف المنقول عنه نصير لمذهب التطور على طريقته هو ~~الخاصة، ولا يكون للتطور معنى إلا إذا كان الكمال هو الغاية وليس هو البداية، وكلام كثير ~~من هذا القبيل؛ فطلب المدير في خطابه أن يسأل هذا المدرس إذا كان يقول كلاما كهذا ~~للتلاميذ. # وقد ارتعد ناظر المدرسة لهول الواقعة؛ ففي مدرسته مدرس ملحد وهو لا يعلم! وأما ~~الأستاذ عطا فقد كان ثابت الجنان ولم يزد في التحقيق على قوله: إن ناقل الكفر ليس بكافر، ~~وأنه من البديهي أنه لا يقول كلاما كهذا أمام تلاميذ مدرسة ابتدائية، وأرسلت إجابته ~~إلى المدير، الذي أحال الأمر كله بدوره إلى القاضي الشرعي في مديرية الدقهلية، فأفتى بأن ~~ليس على هذا المدرس لوم ما دام قد اعترف بأنه لا يأخذ بمثل هذا الرأي الذي ينقله، وبأنه لا ~~يتحدث في موضوعات كهذه أمام التلاميذ. # لكن المسألة وإن تكن قد انتهى أمرها من حيث الإدارة والتحقيق، إلا أن نبأها سرعان ما ~~انتشر في المدينة حتى على أفواه عامة الناس، وأخذوا يروون إشاعات من خلق أوهامهم، يصفون ~~بها كيف أن الله يرسل لهذا الملحد نذره ليستقيم بعد ضلال؛ من ذلك أنه كان يسير ذات يوم في ~~شارع السوق والهواء عاصف، فسقطت كتلة ضخمة من الخشب على بعد قدم واحدة منه هاوية من سطح ~~مرتفع، فما هو إلا أن شاع في الناس أن الله جلت قدرته قد أراد أن يتوعده هذه المرة، فإن ~~لم يرتدع أنزل عليه شديد العقاب. # واتجهت الأنظار إلى ms090 الشيخ الدكتور غراب، لترى ماذا هو صانع بعد أن فسدت شكواه الأولى التي ~~طلب فيها من مدير الإقليم أن يعزل المدرس لأنه خطر على أبنائهم، فأخذ صاحبنا الشيخ يترقب ~~فرصة أخرى، وسرعان ما سنحت؛ وذلك أن المدرسة قد أعدت للبلد برنامجا ثقافيا يلقي فيه ~~مدرسو المدرسة محاضرات عامة، وكان أن اختار الأستاذ رياض عطا موضوع الأحلام وتفسيرها على ~~الطريقة العلمية الجديدة، قائلا للناس إنها لا شأن لها بالغيب، وأنها تعكس الماضي ولا ~~تصور المستقبل إلا باعتباره امتدادا للماضي، مختتما محاضرته بقوله: «فإذا كنت قد هدمت ~~لكم عقيدة راسخة من نبوءة الأحلام؛ فليس الذنب ذنبي أنا، ولكنه ذنب العلم الحديث.» وكان ~~الدكتور غراب من الحاضرين، فلم يلبث أن أقامها حربا عنيفة على هذا الذي جاء «ليهدم ~~العقيدة الراسخة» على حد قوله. وبدأت الحرب أن نهض فورا ليسأل المحاضر: وماذا تقول في ~~تأويل الأحلام على لسان سيدنا يوسف عليه السلام؟ فأجابه المحاضر على البديهة: لو كان مثل ~~هذا التأويل في وسع الناس كافة، لما عد معجزة لنبي من أنبياء الله. لكن هذه الأمور في ~~مثل هذه الظروف لا تسير بالحجة، بل تسير بصرخات الانفعال، وهذا هو ما كان يومئذ؛ مما ~~أوقف رياض عطا بعد ذلك موقفا فيه الشهرة وفيه الخطورة في آن معا. # ولست أدري ماذا كان شعوره الداخلي إزاء هذا كله؛ لأنه لم يكن يخالطنا بما يكفينا لنعلم ~~دخيلة نفسه، ولم يمض بعدئذ أسبوع واحد، حتى فاجأنا بغرابة جديدة. # فقد كان التلاميذ يجتمعون ساعة الغداء تحت سقيفة كبيرة في فناء المدرسة، وكان كل منهم ~~يجيء ومعه غداؤه منذ الصباح؛ ومعظم التلاميذ من القرى المحيطة بالمدينة؛ فثيابهم - كما تعلم ~~- عنوان الفقر كله والبؤس كله، وكذلك طعامهم الذي كانوا يصرونه في مناديلهم القذرة إلى أن ~~تحل ساعة الغداء، وإذا بصاحبنا يذهب إلى تلك السقيفة ذات يوم، والأولاد مجتمعون على ~~غدائهم، فيقف أمامهم صامتا ينقل فيهم عينيه، ثم يبدأ لهم في درس يعلمهم به كيف يجعلون ~~ثيابهم أقرب إلى الذوق الجميل، وطعامهم أدنى إلى ms091 قواعد الصحة؛ وقد خرجنا نحن المدرسين من ~~حجرتنا «لنتفرج» على هذا «الإمام الواعظ» ماذا يقول لأطفال صغار ينوء أهلوهم تحت فقر فظيع ~~وجهل أفظع، فكانت أول عبارة سمعتها قوله: «فلا تختر ملابسك من ذوات الألوان الفاقعة، ولا ~~تجعلها ظاهرة الخطوط ...» إلى آخر هذه القواعد التي تفترض أن الطفل السامع في وسعه أن يختار ~~بين ألوان وألوان، وبين خطوط وخطوط، كأنه لم يعلم أن سامعيه كانوا من فقر آبائهم بحيث لا ~~يكون في الأمر اختيار بين ثوب وثوب وبين طعام وطعام. # لكنه التعليق بالمثل العليا - والحق يقال عن هذا الرجل - هو الذي أظهره في صورة الشاذ ~~الحالم؛ إنه يتمنى الأمنية ثم يحاول تحقيقها فيوفق حينا ويعجز أحيانا، فيأخذه البأس ~~لعجزه أكثر مما يأخذه السرور لتوفيقه. # لم يكن كثير الذهاب إلى المقهى عندما جاءنا مدرسا ناشئا، وكان في البلد شبه ناد ~~يرتاده الموظفون عادة، فقصد إليه وحده ساعة العصر من يوم قارص البرودة، وأراد أن يأوي من ~~المكان إلى ركن دافئ، ففتح بابا مغلقا ليجد نفسه في غرفة خالية إلا من قطع الأثاث التي ~~تبدو للرائي على الفور أنها أعدت لفئة ممتازة من المرتادين، ولم يتعب نفسه بالتأويل ~~والتفسير وبالسؤال والجواب، فحسبه أن وجدها غرفة نظيفة تحقق له الهدوء والخلوة، وما ~~هو إلا أن جاءه المناول - وكان يونانيا - وشيء من الفزع على وجهه، ففاجأه الأحدب بطلب ~~فنجان من القهوة. # المناول ~~: # هل تسمح - من فضلك - بالذهاب إلى الناحية الثانية؟ # الأحدب ~~: # أية ناحية ثانية؟ # المناول ~~: # هناك، مع الناس، هناك في القهوة. # الأحدب ~~: # وما هذه الغرفة إن لم تكن جزءا من «القهوة»؟ # المناول ~~: # هذه غرفة الحكومة. # الأحدب ~~: # غرفة الحكومة؟! ماذا تعني؟ # المناول ~~: # أعني البك المأمور والبك القاضي والبك وكيل النيابة والبك الدكتور. # الأحدب ~~: # وما رأيك في البك المدرس إذا أراد الجلوس هنا؟ # المناول ~~: # ممنوع. # الأحدب ~~: # اذهب وهات فنجانا من القهوة، سكره قليل. # المناول ~~: # من فضلك هذا ممنوع، في هذا ضرر يلحق بي. # الأحدب ~~: # اذهب وهات فنجانا من القهوة، سكره قليل، ولا تنطق بكلمة واحدة بعد ms092 هذا. # ذهب المناول وعاد ومعه القهوة ويصحبه رجل آخر لعله صاحب المقهى، وحاول الاثنان حمل صاحبنا ~~على العدول عن الجلوس في تلك الغرفة الخاصة، قائلين له إنه لا مانع من أن يشرب قهوته هناك، ~~أما بعد ذلك فالأفضل له أن يجلس حيث الناس كثيرون. # لم يلق لهما بالا، وأخرج من جيب سترته كتابا صغيرا، وراح يقرأ كأن لم يكن واقفا ~~إلى جانبه أحد. # ولبث هناك نحو ساعة، والباب مغلق عليه وحده، وإذا بالباب يفتح فجأة وبعنف شديد بيد رجل ~~ضخم دخل الغرفة وهو يضحك بأعلى صوت تستطيع أن تخرجه حنجرة بشرية، ووراءه اثنان يضحكان معه ~~في صوت خفيض كأنهما أرادا أن يكونا بمثابة البطانة الضاحكة التي تحيط بضحك الزعيم ~~لتبرزه؛ لكن ذلك العجل البشري الهادر المنقض على الهواء أمامه كأنه يريد أن يبتلعه ~~كله في جوفه الكبير، ما كاد يخطو بإحدى قدميه داخل الغرفة حتى رأى صديقنا الأحدب يفرد ~~منظاره على عينه اليسرى، وقد جلس في ركن الغرفة يقرأ، لا يحرك ساقا ولا ذراعا، ولا ~~يخرج عينه من وراء صفحات الكتاب. # وقف الثلاثة لحظة، راح العجل البري خلالها يلفظ من فمه خوارا غير مفهوم، ثم صفق ~~بكفيه تصفيقا مدويا، جاء على إثره المناول اليوناني يهرول. ~~- ما هذا؟ أيباح للجمهور استخدام غرفتنا؟ # المناول ~~: # يا سعادة البك المأمور، أتعبنا أنفسنا معه فلم يخرج. # المأمور ~~: # إذا جاءت بقية الإخوان فقل لهم: إننا مجتمعون في منزل البك وكيل ~~النيابة. # وخرج الثلاثة ولم يعودوا، ومنذ تلك الليلة أصبحت الغرفة الخاصة غرفة للمدرسين؛ فقد سمعوا ~~بالخبر وهم في بهو المقهى، وجاءوا فجلسوا مع الأحدب يشدون أزره ويؤيدونه؛ أما الأحدب ~~فلم يكن يعنيه ذلك؛ لأن ارتياد المقهى لم يكن جزءا من حياته؛ وأما رجال «الحكومة» فلم ~~يعد أحد يراهم هناك، وقيل إنهم اتفقوا على أن يجعلوا من بيت وكيل النيابة الأعزب مقرا ~~جديدا لهم. ~~••• # سمعت هذه الرواية عن الأحدب أيام شبابه، فكنت كمن يصحو من حلم، يختلط عليه الأمر بين ما ~~يراه ويسمعه في دنيا الواقع من ms093 قوله، وبين أشياء مرت به في الحلم! وذلك أني كنت وأنا ~~أنصت في القطار لما يقص علي صديقي فريد، أحس إحساسا غامضا بأن تلك الأحداث كلها ~~وتلك الأحاديث كلها إنما حدث لي مثلها وتحدثت بما يشبهها، وإن في ذلك لسرا غامضا لم ~~أتبين حقيقته إلى يومي هذا. # نعم إن بيني وبين الأحدب من أوجه الشبه شيئا كثيرا، لكن أوجه الشبه بين رجلين لا ~~تجعلهما رجلا واحدا، أو هكذا ظننت عندئذ، فحسب هذا التشابه بيننا أن يفسر لي هذا التجاذب ~~الشديد الذي صادق بيننا إلى الحد الذي يجعل كلا منا يفرح بلقاء الآخر ويسعى إليه، ~~أما أن يشتد إلى درجة الهوية بين شخصينا فذلك هو موضع العجب، ومع ذلك فهو تشابه ~~يجاذبه اختلاف بعيد يفرق بين مزاجه ومزاجي. # كلانا بدأ حياته مدرسا، وكلانا سلخ أعوام شبابه عزبا، ولكلينا ولع خاص بالثقافة ~~من إحدى زواياها؛ فهو مثلي يتتبع المذاهب الفكرية العامة في الفلسفة والنقد، وفي الفن وفي ~~السياسة وفي الاجتماع، تتبعا يجنح نحو التجريد في الفكرة والبعد بها عن التطبيق؛ ولذلك ~~فنحن كلانا نبرع في الجدل النظري، بقدر ما نعجز عن التماس طريقنا في الحياة العملية، وإن ~~يكن الأحدب بعد هذا التشابه بيني وبينه يعود فيختلف عني في درجة والولوغ والإيغال في عالم ~~الثقافة هذا، ويتسع هذا الاختلاف بيننا حتى يشمل طريقة النظر إلى الحياة؛ فهو سوداوي المزاج ~~قلق متشائم ثائر على الأوضاع كلها كيفما وجدها، فلا يرضيه أن يكون الأبيض أبيض ولا ~~الأسود أسود، وقد انعكست هذه النظرة على طريقة معاملته للناس، وها أنا ذا قد وجدته في عزلته ~~لا يكاد يعرف أحدا أو يعرفه أحد، وفوق هذا كله فهو يدس في خفايا نفسه شعورا بالنقص ما ~~يفتأ يستفحل أمره معه فيؤثر على سلوكه تأثيرا صريحا واضحا، على حين أني - برغم ما بيني ~~وبينه من تماثل في كثير من الوجوه - قد لا أكون راضيا عن بعض الأمور فأكتم السخط لأظهر ~~الرضا، وأمجد الغيظ لأبدو هادئا، وأقيم الثورة في جوانحي لأستسلم للأمر ms094 الواقع، فلئن كان ~~الأحدب يترك زمامه لدفعات الهوى، فإني كثيرا ما ألجم الأهواء بشكيمة العقل. # بلغ بنا القطار غايتنا وغايته - مدينة الإسكندرية - وتفرقت بيني وبين صديقي فريد وزوجته ~~سبل الطريق، وكنا لم نزل في أول الضحى، فأخذت طريقي إلى شاطئ البحر لأمضي سويعات ~~انتظار لموعدي هناك، فجاءت جلستي أمام البحر في الكازينو الذي كاد ساعتها أن يخلو من ~~زبائنه؛ أقول إن جلستي تلك قد جاءت فرصة مناسبة أتأمل فيها هذا اللغز النفسي العجيب، وهو ~~أن أسمع روايات تروى أمامي عن الأحدب في بدء حياته العملية، فإذا هي روايات تحدث في نفسي ~~شيئا كرجع الصدى، وكأنما هي ذكريات من شبابي لا قصص تروى عن شخص آخر. # لكن الله قد أراد لذلك اللغز أن يزداد إلغازا بدل أن يجد شعاع الضوء الذي يفك طلاسمه، ~~وذلك أن صوتا جاء يناديني من الخلف، هو بذاته صوت الأحدب كما عهدته؛ فالتفت ورائي ~~دهشا، لأرى صديقا لم أتوقع قط أن أراه؛ لأنني كنت ظننته قد غادر البلاد في بعثة ~~دراسية، فما إن جلس وألقيت عليه السؤال حتى أفهمني حقيقة موقفه، وهي أنه إنما تعذر عليه ~~السفر كما تعذر على سواه في تلك الأيام السود، فصمم على أن يعوض ما فاته بدراسة يؤديها ~~هنا بنفسه ولنفسه، حتى إذا ما زالت عن العالم غمته وسنحت فرصة السفر إلى أوروبا مرة ~~أخرى. كان قد قطع شوطا على الطريق يدنيه من غايته. # كنت أعرف في صديقي هذا - واسمه إبراهيم - منذ أيام الدراسة تعدد المواهب والقدرة على ~~خلق المبتكر، حتى ولو كان ذلك المبتكر الذي يخلقه شيئا لا نفع فيه؛ وكان يتميز دون سائر ~~الزملاء بجمال الخط ودقة الرسم ونظافته؛ ولذلك كان يبحث عن العمل الذي يتطلب الكتابة ~~والرسم، ليتمكن من عرض خطه الجميل ورسمه الدقيق النظيف، حتى لو كان هذا العمل لسواه لا ~~لنفسه، لقد كان هذا الصديق قوي الخيال في غير منهجية واضحة تنظم ذلك الخيال ليجيء خيالا ~~منتجا بناء؛ فهو خيال أقرب إلى خيال الأطفال حين يصور لهم ms095 الوهم أن العصا بين أرجلهم ~~حصان أو قطار. # لكن ذلك الخيال القوي عند صديقي، قد كان من خصائصه النافعة - من جهة أخرى - أن يصور ~~له الغايات قبل وقوعها تصويرا ناصعا، حتى ليظن هو أن تلك الغايات المأمولة قد باتت واقعا ~~محسوسا، ومثل هذا التصور الناصع للغايات، من شأنه أن يحفز صاحبه على العمل؛ لأنه يخرج ~~الأمل من دنيا الأحلام ليدخله في دنيا الحقائق. # وبهذا التصور القوي للغايات المرجوة البعيدة، رسم صديقي إبراهيم لنفسه خطة دراسته التي ~~يستعد بها انتظارا للفرصة إذا سنحت للسفر، ولما قابلته كان بالفعل قد قطع شوطا لا بأس ~~به من الطريق، ظفر فيه بشهادتين من جامعة لندن: الشهادة الأولى، والشهادة الوسطى، ولم يكن ~~قد بقي له إلا شهادة الختام، وأخذ يشرح لي بشيء من التفصيل ماذا قرأ وفي أي اتجاه يسير، ~~وأين اجتاز الامتحان؛ وعلمت مما رواه لي أن سيره يتجه به في طريق الدراسة الفلسفية، وأن ~~امتحانه للشهادة الأولى كان في مدينة القدس قبل محنة القدس بعشرات السنين؛ لأن جامعة لندن ~~لم تكن بعد قد جعلت القاهرة مركزا لنشاطها الخارجي؛ وأما امتحان الشهادة الوسطى فقد كان ~~في القاهرة. # سألته قائلا: لكن لماذا تبدأ الشوط من أوله، ودرجة الليسانس التي بين يديك تعفيك من بعض ~~المراحل؟ # فأجابني: أردت أن أجعل طريق السير متجانسا ومتكاملا، وفيم العجلة؟! إنني أستهدف ~~الدراسة نفسها بقدر ما أستهدف الشهادات، وقل إن المسألة كلها فيها من التسلية العلمية مقدار ~~ما فيها من جدية الأهداف. # لم يدهشني اختياره للدراسة الفلسفية؛ لأنني كنت أعلم أن له فيها ماضيا مليئا بالجهود ~~الممزوجة بالحب الشديد؛ وهل أنسى أننا حتى ونحن في أيام الدراسة كنا قد لحظنا فيه هذا ~~الميل بوضوح، فأطلقنا عليه اسم «سقراط». وأذكر أني سألته ذات يوم منذ زمن بعيد: ما الذي ~~مال بك نحو الفلسفة بكل هذا الحب؟ فأجابني بأنها المصادفة البحتة هي التي أوقعته على كتاب ~~إنجليزي صغير عن الفلاسفة الثلاثة الكبار: سقراط وأفلاطون وأرسطو، فلما قرأه كان كمن كشف ~~عن نفسه ms096 الغطاء؛ إذ أحس أن مثل هذه المادة العقلية هو ما خلق من أجله؟ فإذا كان «شن» - ~~في المثل العربي القديم - قد وافق «طبقة»، فكذلك قد وافقت الفلسفة طبيعتي. ولعله منذ ~~تلك اللحظة لم يحد عن الطريق. ~~••• # أقول: إن لغز العلاقة بيني وبين الأحدب قد ازداد إلغازا حين قابلت إبراهيم على شاطئ ~~البحر؛ فمنذ سمعت صوته يناديني بنبرة هي نفسها نبرة الصوت عند الأحدب، ثم حين جلس معي يوجز ~~لي جهوده الدراسية التي اضطلع بها من تلقاء نفسه بعد التخرج، وجدت هذا الشعور العجيب ~~يملؤني؛ فمحال ألا تكون هنالك علاقة لا يعلم حقيقتها إلا علام الغيوب بيني وبين الأحدب، ~~ثم بيننا وبين إبراهيم؛ فلقد أحسست كأننا ثلاثة أعضاء من كيان عضوي واحد؛ أسمع عن الأحدب ~~أخباره فأحب أن أسترجع أخبار الماضي الذي عشته، ثم يتحدث إلي إبراهيم عن جهوده فيخيل ~~إلي أنه إنما يذكرني بنفسي، فمن أين جاء هذا الخلط العجيب بين أشخاصنا الثلاثة؟ # تركني إبراهيم لأرسل بصري إلى الأفق البعيد، مسترجعا لنفسي شريط الأحداث كما وقعت لي ~~بعد التخرج من مدرسة المعلمين العليا، فإذا المشهد أمامي ينشق إلى ثلاثة فروع تنبثق كلها ~~من أروقة واحدة؛ ولا فرق عندي بين أن يكون هذا هو الماضي كما وقعت بالفعل، وبين أن يكون من ~~خلق أوهامي، وحسبي أنها صورة صحيحة في أساسها وفروعها. # فلقد توهمت حين أرسلت البصر إلى الأفق البعيد أن أمامي ثلاثة رجال، سار كل منهم في ~~طريق، لكن الطرق الثلاثة كانت تلتقي عند رأس واحد، فهنا رجل إلى اليسار قد أخذ في مشية ~~متعثرة خفيفة الخطى، تقوس ظهره وكأنه الأحدب الذي عرفته، يتلفت يمنة ويسرة كأنه ~~العصفور المذعور يخشى هجمة العقاب المفترس، وهناك رجل آخر إلى اليمين قد سبق بخياله مواقع ~~قدميه، ونظر إلى بعيد فمرت الدنيا تحت أنفه وهو لا يراها لأنه انشغل بغده عن يومه، تبين ~~الرجلين ثالث قيده الأمر الواقع بقيوده، فسار وكأن لم يكن أمامه أفق بعيد يرسل إليه ~~البصر، وكأن لم يكن بعد يومه غد ms097 يرتجيه. # وكان لكل من الرجال الثلاثة نشاطه الخاص؛ الأول مدفوع بغرائز الفطرة، وكانت فيه بذور ~~الأديب والفنان ؟ والثاني طموح، وجد نفسه يسكن الطابق الأرضي الذي لم يكن فوقه طابق يعلوه، ~~فأراد أن يقيم بيديه الطوابق العليا واحدا فوق الآخر ليصعد إلى هواء نقي نظيف؟ وأما ~~الثالث فهو يعمل كسبا للقوت، راضيا بما قسمه له خالقه من دنياه، أو لعله ركن إلى جناحيه ~~الأيسر والأيمن ليكملا له جوانب النقص؛ فالأيسر منهما يطير بنا في دنيا العاطفة حتى ولو ~~كانت هوجاء عمياء، والأيمن منهما يبني بالعقل الصرف صرحا هو في حاجة إلى بنائه لتعلو به ~~مدارج الإدراك وإن لم يتبع ذلك علو في مدارج الحياة؛ فقل إنهم ثلاثة رجال، أو قل إنهم رجل ~~واحد في ثلاثة شخوص؛ فالقولان سيان. # ولقد جاءت هذه الخواطر بصورة الأحدب إلى صفحة ذهني، فوجدتني مشوقا إلى لقائه، ولم ~~أضيع دقيقة من وقتي بعد أن فرغت من مهمتي التي من أجلها ذهبت إلى الإسكندرية، وعدت ~~مسرعا، وقصدت إلى مسكنه فور وصولي إلى القاهرة، كنت أصعد سلم داره، لافتا وجهي إلى أعلى ~~إبان الصعود؛ وقبل أن أبلغ من «السلالم» نصفها، سمعت وقع قدميه هابطا، ولمحت أطراف ~~سراويله، فوقفت حيث كنت، قدم أعلى وقدم أدنى، ويد ممسكة بالحاجز الخشبي. # رآني فأسرع الهبوط حتى كاد ينكفئ على وجهه، ولقيني والبشر يملؤه على نحو لا عهد لي ~~به. # قال: أهلا، أين كنت؟ لقد طال غيابك عني، مع أن لدي من المفاجآت ما أردت أن أحدثك ~~عنه. # قلت: مفاجآت في حياتك أنت؟! # قال: في حياة من تريد؟! لقد وجدتها بعد كل هذه الأعوام الطوال. # قلت: وجدت من؟ # قال: وجدت من فتحت لي بابتسامتها المنادية مصاريع العالم المسحور. # قلت: ... وبعينها التي تدعو؟ # كنت ما أزال أقف على السلم بقدم على درجة أعلى والأخرى على درجة أسفل، ويد ممسكة ~~بالحاجز الخشبي، ولم أكد أنطق بهذه الجملة الأخيرة التي استعدتها من مذكراته التي كان ~~أعطاني إياها لأقرأها عن حياته إبان المراهقة؛ أقول: إني لم أكد أنطق ms098 بهذه الجملة حتى سبح ~~بنظرته قليلا، في مزيج من الدهشة ومحاولة التذكر، لكن سرعان ما عاد إلي بوعيه، قائلا ~~إن القصة طويلة، والموعد قد دنا؛ فهيا معي، وسأحدثك عن الأمر في الطريق. # وأخذنا ننزل الدرج معا، وسألته ونحن نازلان: موعد مع من؟ # قال: مع سميرة وزوجها؛ لكنك لا تعرف بعد من سميرة هذه. # وهنا كنا قد خرجنا من الباب إلى الطريق، ومال بنا نحو اليمين، وهو اتجاه يضاد الاتجاه ~~المؤدي إلى مكان اعتزاله الذي يأوي إليه بعد الغروب من كل مساء، وأذن فقد حدث ما غيره من ~~نقيض إلى نقيض، فما ذاك يا ترى؟ أتكون سميرة هذه هي الشيطانة التي ألهبت جوانحه ذات يوم من ~~شهر الصيام، وهو لم يزل على عتبة الشباب؟ # على أننا ما كدنا نستوي على الطريق - وكان مزدحما بالمارة ازدحاما شديدا، حتى لقد كنت ~~أنا والأحدب كثيرا ما ينفصل أحدنا عن الآخر في الزحام ثم نعود فنلتقي - ما كدنا نستوي على ~~الطريق حتى أخذ يقص علي في نشوة الطفل الفرح المغتبط بقصة يرويها لأبيه عن مردة ~~الجن، كيف ذهب ذات مساء - أثناء غيبتي بالإسكندرية - إلى كازينو الشاطئ، ولم يكن يعلم أنه ~~غاص بمرتاديه إلى ذلك الحد الذي رآه، وبحكم عادته في إيثار العزلة، اختار منضدة على الطرف ~~الأقصى حيث يقل المرتادون، وبينما هو يتهيأ للجلوس، إذا بالرجل والمرأة الجالسين على ~~المنضدة المجاورة يتلفتان إليه تلفت من يحاول التذكر، وأما هو فإزاء هذا التطلع منهما ~~فقد جلس ونصف ظهره إليهما، حتى يحرمهما من رؤية وجهه رؤية واضحة، وفي الوقت نفسه لا ~~يحرم هو إرسال بصره تجاه النيل، لكنه سرعان ما تذكر أنه بهذا الوضع إنما يعرض عليهما ~~تشويه ظهره، فاستدار ليجلس مستقيما، وجهه إلى النيل، وصفحة وجهه اليمنى إلى الجالسين ~~بجواره. # لم يكن التطلع مقصورا على ذينك الجارين، لكنه ما لبث أن امتد إليه، برغم ادعائه ~~لنفسه أنه حبيس أنفاسه، مكتف بذاته، يحيط نفسه بأسوار من وهمه حتى لا ينفذ أحد إلى ~~حصنه، يقول لي الأحدب وهو ms099 يروي قصته - ونحن ما نزال نشق طريقنا في الزحام، وكثيرا ما قطع ~~الزحام حديثه عند كلمة في سياق الرواية، فيعود لاهثا ليكمل الحديث حيث انقطع، وكان ~~الأحدب أقصر مني بمقدار ما احدودب ظهره؛ ولذا فقد كان يضطر أن يشرئب بعنقه نحو مسمعي؛ يقول ~~لي الأحدب وهو يروي قصته، إنه - بدوره - قد أخذ يتطلع خلسة، فكان كلما وجه النظر إليهما، ~~وجدهما ناظرين إليه بأعين غامضة، فيعود منسحبا بنظرته كأنما يريد أن يخفي عنهما أنه هو ~~كذلك ينظر. # ثم ما هو إلا أن هتف في دخيلة نفسه هاتف ارتج له قلبه بنبضة قوية كأنها جاءت نبضة ~~زائدة على مجرى النبض المعتاد؛ ذلك أنه تذكر مؤخرا - كالصدى يجيء بعد النطق - أنه ~~بنظرته الأخيرة إليهما قد لمح في المرأة سنة أمامية لها بروز خفيف وتفصلها عن السنة ~~المجاورة فجوة صغيرة، ولم يكن قد تنبه إلى شيء إذ هو ينظر إليها نظرته الخاطفة، فما إن ~~اعتدل في جلسته حتى جاءه الهاتف يهتف بل يصيح: أتكون هي؟ # واستطرد الأحدب يقول لي كيف أنه أعاد النظر بلفتة حادة سريعة جاءت رغم أنفه، فإذا ~~هما يقطعان باليقين ما كان عندهما موضع شك، ونادت المرأة بصوت أبح: رياض! # فاندفع الأحدب إليها كالمجنون: سميرة! هذا مستحيل، هذا مستحيل! ومختار! # وكان بين الثلاثة ما يكون بين الأحباء ضربت الأيام بينهم حينا طويلا، ثم لاقت بينهم ~~على غير انتظار منهم، ولو انتظروا لما تحقق لهم مثل هذا اللقاء، لكنها الأيام وحبها ~~للمباغتة تفاجئ بها الناس، ليعلموا أن وراء تدبيرهم الضيق تدبيرا أوسع وأعم. # كانت سميرة ومختار متقاربين في العمر مع الأحدب؛ أما هي فأعوامها لم تزدها - في عين ~~الأحدب - إلا نضجا أنثويا؛ فالشفتان المليئتان بعض الشيء ما زالتا - في عينه - تناديان، ~~والعينان العميقتان المتلألئتان الضاحكتان ما زالتا تدعوان، والبشرة ما زالت على صفائها ~~القديم، والصوت الأبح قليلا ما زال يثيره، وكأن شعراتها البيض لم تفعل سوى أن زادتها ~~إشراقا على إشراق، وملاحة على ملاحة، فإذا وصفت سميرة بجملة واحدة قيل إنها ذات ms100 الوجه ~~الصبوح؛ فملامحها لا تعرف الجهامة، ووجهها لا يعرف العبوس، وذكاؤها اللماح متوقد في ~~عينيها، إنها لم تكن قد زادت في دراستها على سنوات قليلة في مدرسة أولية؛ فهي تكاد تخلو ~~من كل تحصيل مدرس، لكن من ذا يبحث وهو معها عن تحصيل؟! فها هنا تكون فطرة الأنثى على ~~أتمها وأكملها، بحيث يشعر الرجل وهو بين يديها أنه في حضرة الجنس كله وقد تجمع في ~~واحدة من بناته، بل إنها كلما استخدمت في حديثها كلمة أو عبارة مما اعتاد نساؤنا وهن ~~على الفطرة أن يستخدمنها، ومما يحرص من تعلمن منهن أن يتجنبنها، جاءت تلك الكلمة أو ~~العبارة على أعماق نفسه كالموقظ للطبيعة النائمة. # إنه في الحق لأمر عجيب يستحق النظرة الفاحصة؛ يتعلم أبناؤنا وبناتنا، فيتطور المتعلم ~~الفتى في كل شيء إلا في مثيراته الجنسية؛ فهذه تظل كما كانت لتكون لو لم يتعلم شيئا، على ~~حين لا تكاد تتطور المتعلمة الفتاة في شيء إلا في مثيراتها الجنسية، فلا يبقى فيها شيء مما ~~يكون عند أختها المتروكة على الفطرة، مع كون الأختين من ثقافة اجتماعية واحدة. # وسميرة امرأة من اللائي نشأن على فطرة التقليد الثقافي للمرأة، واحتفظن بما نشأن عليه، ~~ولا اعتبار لأن يكون الأحدب قد قطع ما قطعه من أشواط في التحصيل الثقافي اتساعا وعمقا ~~وارتفاعا؛ فهو ما زال عند التقائه بها بعد ذلك الفراق الطويل، يلتقي بقلبه معها في مستوى ~~فطري واحد؛ هي تنادي وهو يجيب، وهي تدعو بفطرتها وفطرته تستجيب. # وأما مختار زوجها، فرجل طويل القامة، معتدل الجسم، كثيف العنق طويله، على صدغيه وفي ~~رسغه وشم قديم، حاول أن يمحوه، لكن بقيت منه آثار، فيقال إنه ريفي التحق بالجندية وقضى ~~فيها مدته، ثم خرج منها موظفا مدنيا في الجيش؛ لأنه كان على شيء من التعليم المتوسط، ~~فكأنه بدل ثيابه العسكرية، ولكنه لم يستطع أن يبدل من حركات جسده وطريقة حديثه؛ فهو لم ~~يزل مزيجا من سذاجة الفكرة التي تلحظها في الريفي وصلابة الحركة التي تراها في الجندي، وهو ~~طيب ms101 القلب إلى أقصى الحدود، لا تفارق الابتسامة شفتيه، لكنها ابتسامة المرتبك أكثر منها ~~ابتسامة المطمئن الراضي. # إن الأحدب ليتحدث معه الآن حديثا منقطعا فيما يدعي له أنها ذكريات حلوة، عن الأسابيع ~~الأولى بعد زواجه من سميرة، وكيف زارها في دارهما بدعوة منه؛ ذلك أن الأحدب عندئذ لم يجد ~~في نفسه الشجاعة أن يزور الزوجين؛ فلقد كان يومئذ - برغم ما التهب به حبه شغفا بفتاته تلك ~~- غارقا إلى أذنيه في العبارة ممعنا في التهجد، حتى أوشك أن يقع في غيبوبة الدراويش، فكان ~~له ذلك رادعا عن ارتكاب الإثم، كما كان رادعا عن السير في طريق قد يؤدي به إلى إثم، لكن ~~ذلك كله لم ينقص من نبضات قلبه نبضة، ومرت بعد زواجها أسابيع قليلة، ثم جاءته دعوة من ~~الزوج يدعوه بها إلى زيارة على عشاء، فأدرك أن الدعوة هي في الحقيقة من سميرة متخفية ~~وراء زوجها، فذهب وقلبه يسبقه إليها، وجلس ليلته هناك جلسة محفورة في ذاكرته إلى اليوم، ~~برغم عشرات السنين التي انقضت ما بين مراهق الأمس وشيخ اليوم. # علمت كل ذلك من الأحدب ونحن سائران في الطريق، فسألته: وإلى أين نحن ذاهبان الآن؟ # قال: إلى كازينو الشاطئ، فأنا معهما على موعد. # قلت: وهل ترى وجودي مناسبا؟ # قال: ليس شيء في الدنيا أنسب لي من وجودك؛ لأنك ستسد لي ثغرة الزوج، لكي أعيش أنا ~~الساعة أو الساعتين مع سميرة، إنه رجل طيب. # ووصلنا حيث وجدنا سميرة وزوجها مختارا قد سبقانا إلى هناك. # ولم يكن حتى تلك اللحظة يعرف اسمي، فأسعفته به، قائلا: فوزي الراوي. وحيينا وجلسنا، وقدمني الأحدب لهما، ولبثت الوجوه الأربعة مبتسمة في ~~توتر، والعيون ناظرة إلى فراغ؛ لأنها شاردة كأنها تجتنب اللقاء وتبادل النظرات الكاشفة عن ~~دخائل النفوس. # وكنت أنا بينهم وحيدا في بعدي عن المشكلات العاطفية القديمة، فمن لمحة واحدة عرفت أن ~~سميرة والأحدب ما يزالان ينظران بأعين مترعة بالعشق المحروم الظمآن، وأن مختارا يساوره ~~القلق الخفيف مما يراه بينهما من خيوط تخفى عن العين ولكنها ظاهرة ms102 ظهورا واضحا أمام ~~بصيرته، ولعلها كانت ظهرت منذ الزيارة الأولى التي قام بها رياض عطا للعروسين بعد زواجهما ~~بقليل، ومضت أعوام كانت كفيلة أن تحيل الديار العامرة طلولا خربة، لكنها لم تمح ما ~~بين هذين القلبين، وكدت أقول بين هذين الجسدين؛ لأنني أحسست جسديهما يتجاذبان؛ ففي كل جسد ~~منهما ميل خفيف نحو الآخر، وإذن فقد كنت وحدي بينهم قادرا على فتح الحديث بأعصاب هادئة، ~~وقلت: أنبأني الأستاذ رياض ونحن في الطريق إليكم أنكم قد التقيتم بعد غياب طويل. # فقالت سميرة ناظرة إلى الأحدب (والعجيب هنا هو أن الحدب كاد عندئذ يختفي إلى حيث لا ~~أدري؛ فقد خيل إلي أنني أنظر إلى ظهر مستقيم كسائر الظهور) قالت: نعم. كان آخر ~~عهدنا به ونحن عروسان. # ثم انتقل الحديث بيننا جميعا إلى أمور عابرة توحي بها الأحداث الدائرة حولنا، وجاءت ~~لحظة صمت، فهممنا بالانصراف، ولما أن انفردنا أنا والأحدب على طريق العودة، وقلت له: لقد ~~كان هذا اللقاء صفحة من ماضيك، لكنها صفحة وضعت في يدي مفتاحا هاما. # قال الأحدب في ضيق: أي مفتاح؟ # أجبته: لقد رسمت لك سميرة في مراهقتك صورة المرأة، وتغيرت ثقافتك ولم تتغير الصورة، فنتج ~~ما نتج عندك من صراع بين ما تقتضيه ثقافة الرجل العصري في بناء أسرته، وما اقتضته الصورة ~~التي رسخت في نفسك منذ أول الشباب؛ فأنت إلى يومك هذا لا تدري أي الثقافتين تطيع وأيهما ~~تعصي؟ # الفصل السادس # | الكاتب الظل # لم أعد أستطيع التخلص من هذه الفكرة العجيبة التي سيطرت علي، وهي أنني أنا والأحدب ~~ومعنا صديقي إبراهيم الذي لقيته في الإسكندرية لا بد أن يكون بيننا رباط وثيق، يجعل ~~منا ثلاثة جسوم لنفس واحدة، نعم، قد يكون هذا سطحا مني في التصور، ولكن ما أكثر ما تقرأ ~~عن شخوص تتعدد مع روح واحد، حتى لتجد من المذاهب والعقائد ما يجعل الإنسانية كلها؛ بجميع ~~ماضيها وحاضرها وسائر ما سوف يولد من أفرادها إلى أبد الآبدين، شعابا لنفس واحدة، لكنني لا ~~أريد أن أغلو في القول ms103 إلى ذلك الحد البعيد، ويكفيني ثلاثة أشخاص، إبراهيم والأحدب وأنا، ~~لأزعم لهم نفسا واحدة تشعبت في اتجاهات ثلاثة. # أقول: إني لم أعد أستطيع التخلص من هذه الفكرة، حتى ولو كانت فكرة باطلة من حيث الواقع ~~الحسي؛ فهي ما تزال صالحة لتصورات الخيال؛ لأن ثلاثتنا - إذا جمع بعضنا إلى بعض - صنعوا ~~إنسانا متكامل الجوانب، وماذا يراد لمثل هذا الإنسان المتكامل من عناصر؟ أليس الذي يراد ~~له هو: # أولا: # عمل يرتزق منه، ويجري فيه على تجانس مع أبناء المجتمع الذي يعيش ~~فيه. # وثانيا: # خيال يجمح به آنا بعد آن ليفر من قيود المكان والزمان كلما ضاق بهذه ~~القيود. # وثالثا: # طيران بالعقل إلى أهداف بعيدة تريد التحقيق في دنيا الواقع ولو بعد حين، ~~فلا هو يخضع للأمر الذي تفرضه عليه ضرورات العيش، ولا هو يطير بأجنحة ~~العاطفة التي تشبع نفسها ولكنها لا تغير من الواقع شيئا. # فإذا كانت هذه هي العناصر الأساسية المطلوبة ليتكامل الإنسان؛ فهي هي نفسها العناصر التي ~~تتجسد فرادى في شخصي، وفي شخص رياض عطا (الأحدب) وفي شخص صديقي إبراهيم؛ فأنا الذي حملت ~~على كتفي أعباء الأمر الواقع وما يقتضيه، ورياض هو الذي ترك قياده لعاطفته، وإبراهيم هو ~~الذي أخذ يخطط بالعقل الصرف لمستقبل علمي يرفعه عن درب ضربته الأقدام. # فها نحن أولاء نقف جنبا إلى جنب على عتبة الحياة العملية، وكان ذلك سنة 1930، لكن سرعان ~~ما تفرقت بنا السبل، ولقد كان بيننا من الأصول المشتركة ما يجعل في أشخاصنا شيئا من ~~التداخل؛ بمعنى أنني وإن كتب علي أن أسير على الدرب الذي ضربته لي أقدام السائرين ~~الآخرين من عباد الله، فلم يكن ذلك ليحرمني من ساعات لشطح العاطفة، وساعات أخرى للأمل في ~~أهداف بعيدة وجديدة، وكذلك الأحدب، فإن يكن قدره أن تشتعل به العواطف وتحتدم الغرائز؛ ~~فهو بالطبع لم يخل من لحظات يستسلم فيها للأمر الواقع، أو لحظات يخطط فيها لنفسه بالعقل ~~كيف يخطو إلى أمام ثم نقول القول نفسه عن زميلنا الثالث إبراهيم؛ فهو إذا كان قد غلب ms104 عليه ~~المستقبل بطموحه حتى غض النظر عن الحياة كما تمر بموكبها أمام عينيه، فلم يكن هذا ~~الانصراف إلى بناء المستقبل ليلهيه أحيانا عن الاستماع إلى صوت اللحظة الراهنة، أو الميل ~~أحيانا إلى جموح العاطفة أو نداء الغريزة. # ثلاثتنا جميعا كان لهم نصيب موفور في حياة الفكر والتعبير؛ أما نصيبي أنا فقد كان ~~شبيها بما يفعله عارض الأزياء في نوافذ الدكاكين، ليراه المارة في الطريق واقفا وراء ~~الزجاج بالثياب المعروضة، وإذن فلم يكن له من فضل أكثر من فضل المعلن عن شيء موجود، فتكون ~~قيمته مرهونة بعدد الزبائن الذين يغريهم عرضه فيقبلون على الشراء، فإذا لم يجتذب للثياب ~~من يتذوقها ويشتريها. كان وجوده وعدم وجوده على حد سواء. # ظهرت مجلة الرسالة لصاحبها أحمد حسن الزيات في يناير من سنة 1933، وكنت - كصاحبي الأحدب - ~~مدرسا في ريف الدقهلية. كانت قريتي تنتمي إليه قبل أن تتحول فيما بعد إلى محافظة ~~دمياط، فما إن صدر العدد الأول من «الرسالة» حتى انفتح أمامي الميدان الذي أنظم فيه نشاطي ~~الفكري الذي يفيض لي بعد شواغل مهنتي، فأخذت أرسل المقالات تباعا، و«الرسالة» تفسح لي ~~صدرا رحبا، ولكن فيم كانت تلك المقالات بصفة أساسية؟ كانت فصولا في الفلسفة الغربية، ~~يغلب أن تختص كل مقالة منها بفيلسوف؛ فهذا هو برجسون، وذلك هو نيتشه أو شوبنهاور أو غيرهما، ~~وهكذا لم يكن نصيبي عندئذ من الفكر أكثر من نصيب السمسار الذي يتوسط بين صاحب السلعة من ~~جهة وشاريها من جهة أخرى. # ولذلك لم أدهش بعد أن مرت بي السنون وأوقفتني المصادفة على صاحبي الأحدب، وعرفت كيف سايرت ~~حياته حياتي في خطين متوازيين، مع هذا الفرق الذي أشرت إليه، وهو أني كنت أسير على الدرب ~~المدقوق بالأقدام، على حين أنه كان يربأ بنفسه عن مثل هذا السير الرتيب؛ أقول: إني لم أدهش ~~حين علمت فيما بعد بما كان يضطرم به صدر الأحدب في تلك الفترة نفسها من ضيق بالمعروف ~~المألوف، وتشوف إلى ما هو ذاتي أصيل، فرأيت له مقالة وكأنه كتبها ليعارضني، يقول ms105 فيها ~~شيئا كهذا: # لقد قرأت في صدر شبابي كل ما أنت به اليوم معجب مفتون، واجتزت عهدا أراك تجتاز مثله ~~الآن، عانيت فيه ما عانيت من كرب وضيق، وكم قرأت وقرات، فكنت أتلون بما أقرأ كأني حشرة ~~حقيرة تدب على ظهر الأرض وتسعى، فتصفر إن كانت تحبو فوق الرمال، وتخضر إن كانت تزحف ~~فوق الحقول. # كنت أقرأ للشكاك فأشك، ثم أقرأ للمؤمنين فأومن، هذا كتاب متشائم أطالعه فإذا أنا ~~الساخط الناقم على حياتي ودنياي، وذلك كتاب متفائل أطالعه فإذا أنا الهاش الباش المرح ~~الطروب، لكن أراد الله بي الخير فأفقت إلى نفسي فوجدتها مضطربة هائمة تعصف بها الريح هنا ~~وهناك، وهي في كل ذلك تعاني من القلق والهم ما تعاني. # وضرب الأحدب في مقالته تلك الأمثلة؛ ضرب مثلا بالإمام الغزالي الذي قرأ ما قاله الحكماء ~~والفلاسفة، فلم يكن له منها سوى أن ارتجت نفسه ارتجاجا عنيفا، وأخذه الشك من كل جوانبه، ~~حتى نالت منه العلل بما نالت، لم يشفه منها إلا أن يستمع إلى وحي نفسه؛ وضرب مثلا ~~بتولستوي الذي غاص في أغوار الفكر ما غاص، وانتهى به الأمر إلى اضطراب وحيرة، فما كان منه ~~إلا أن يفرغ مكتبته من كل ما فيها على أنه أباطيل؛ لقد قرأ تولستوي للفلاسفة الأعلام ~~جميعا، قرأ لأفلاطون وكانت وشوبنهور وباسكال، لكنه تبين أن آراء هؤلاء الحكماء إنما تكون ~~واضحة ودقيقة حينما تبعد عن مشاكل الحياة المباشرة، ولكنها في ميدان هذه الحياة لا تهدي ~~الحائر سواء السبيل. # كنت إذن أنقل الفكر من غيري، وكان الأحدب يتمرد على الفكر الذي ينقل عن آخرين، ولا يريد ~~من الشراب إلا ما ينضح به إناؤه هو لا ما ينسكب من آنية الغرباء، فماذا كان صديقنا إبراهيم ~~يضع في تلك الفترة نفسها؟ إنه تناسى واقعه وغض عنه النظر، وجعل من نفسه «تلميذا» مرة ~~أخرى، فلقد صمم على هدف يتحقق في موعد قريب أو في موعد بعيد، فذلك لا يهم، وإنما المهم هو ~~الهدف والسعي إلى بلوغه، وما هدفه ذاك ms106 إلا أن يظفر بالدراسة الجامعية للفلسفة، ودراسة تنتهي ~~به إلى «شهادة» يغير بها مجرى حياته، ولتكن تلك الدراسة العلمية في إنجلترا، أولا لأنه ~~كان يؤمن بصلابة الثقافة الإنجليزية إذا قيست إلى ميوعة الثقافة في سواها، وثانيا لأنه ~~كان بحكم دراسته في مدارس إنجليزية في المراحل الابتدائية والثانوية، وحتى المرحلة العليا ~~لم تخل من اهتمام واضح باللغة الإنجليزية وأدبها؛ أقول: إنه كان بحكم هذه النشأة ملما ~~بتلك اللغة إلى درجة الإتقان، ولم يكن له إذ ذاك من سبيل إلى جامعة إنجليزية، لا مبعوثا ~~من الدولة بسبب الضائقة الاقتصادية التي ألمت بالعالم في أول الثلاثينيات، ولا على حسابه ~~الخاص لخواء جيوبه وجيوب ذويه من المال الذي يكفي لذلك، وحتى لا يضيع الوقت في أوهام، أخذ ~~يعد نفسه لامتحانات تجريها جامعة لندن في الخارج لمن يريد الانتساب إليها، فقسم ~~إبراهيم حياته قسمين: أما نهاره فللعمل من أجل العيش؛ وأما ليله فللتحصيل كما هو الشأن ~~مع أي «تلميذ» صغير أو كبير. ~~••• # جئت إلى القاهرة منقولا من مدارس الريف، ويبدو أن ضباب الأزمة الاقتصادية العامة كان قد ~~أخذ ينقشع بعض الشيء، فبدأ التعيين في وظائف الحكومة بعد أن كان بابها مغلقا على الجميع، ~~وكنت أنا وشقيقي الذي وصفته في الصفحات السابقة بأنه توءم روحي، ومعنا نفر قليل من أصدقاء ~~الدراسة؛ أقول: إننا كنا أوائل الدفعة عند التخرج، ولم يكن تفوقنا ذاك بذي معنى لأن ~~الضائقة قد شملت الأوائل والأواخر جميعا، فلما انفرجت الأزمة بادرت مدارس الأوقاف الملكية ~~التي كانت تتبع الملك، والتي كانت تجمع خيرة المدرسين حيثما كانوا لتضمن أن تكون لها ~~الصدارة بين المدارس، بادرت باستدعاء من كانت الأزمة الاقتصادية شتتتهم في أرجاء البلاد، ~~وكنا نحن أول من وقع عليه الاختيار، وما إن عدنا إلى القاهرة بعد غيبة قصيرة حتى ~~تلقانا مدير التعليم المشرف على مدارس الخاصة الملكية، بنوع عجيب من التهديد المخيف؛ ~~فنحن الآن - كما قال - في أشرف ساحة من ساحات التعليم؛ لأنها ساحة في كنف صاحب الجلالة، وإن ~~ذلك حده ليلقي على ms107 عواتقنا تبعة أن نصون لتلك المدارس الممتازة امتيازها، ثم نحن الآن - ~~كما قال أيضا - كمن ألقي به في اليم وفي يده طوق النجاة، فإما عرف كيف يطفو بذلك ~~الطوق فتكون له حياة، وإما خاب فغرق واندثر، على أن مقامنا في تلك المدارس التي بعثت في ~~نفوسنا كثيرا من الرعب، لم يطل؛ لأن تلك المدارس المخيفة المحطمة لنفوس العاملين فيها، ~~سرعان ما ذابت في مدارس الدولة ولم يعد لها وجودها المتميز الذي كان. # ومع ذلك فحياتي العاملة لم تكن عندي إلا زائدة بغيضة حصرتها بين قوسين، حتى لا تعرقل سيري ~~في الجانب الذي كانت أوثر العيش فيه، وهو جانب القراءة والكتابة، لكن الكتابة عندي - كما ~~أسلفت القول - لم تكن إلا القراءة نفسها بعد أن يتحول المعنى المقروء إلى معنى مكتوب، وذلك ~~هو الذي جعلني في تلك الأعوام أقرب إلى عارض الأزياء. # لم أكد أبلغ القاهرة حتى قصدت إلى رئيس تحرير مجلة الرسالة بعد أن كنت أرسلت إليها من ~~بعيد بضع عشرة مقالة، ربما كان لها وقع حسن عند القراء، وكانت إدارة المجلة في غرفة لجنة ~~التأليف والترجمة والنشر (وكان رئيس التحرير عضوا فيها) فقدمني لمن كان موجودا ليلتئذ ~~من أعضاء اللجنة، ومنهم رئيس اللجنة الأستاذ أحمد أمين، فرحبوا بي ترحيبا أكثر مما كنت ~~أراني جديرا به من علماء أجلاء ومن أدباء ذائعي الشهرة والصيت، ولم تمض دقائق حتى عرض ~~علي أستاذ كبير أن أشاركه في إخراج كتب يكون أساسها عرضا لكتب إنجليزية نختارها، مما هو ~~مؤلف في الموضوع الذي نحب الكتابة فيه، عرضا لا يتقيد بالترجمة كما هي مفهومة، لنفسح ~~المجال للشرح. # فرحت بالعرض فرحة شديدة، ولم تمض بضعة أشهر حتى كنت قد أكملت الكتاب الأول، وأعطيت ~~شريكي الكبير أصول الكتاب، وبعد أيام لقيت الأستاذ في مقر لجنة التأليف والترجمة والنشر - ~~وكنت خلال تلك الأيام قد التحقت باللجنة عضوا - فأعطاني مقدمة أعدها للكتاب، وطلب مني ~~قراءتها، فلما أخذت أقرأ، وقعت في السياق على صيغة تدل على أن المقدمة موجهة إلى القارئ ms108 ~~منه وحده، لا من الشريكين معا، فقلبت الصفحات الباقية مسرعا لأقفز إلى الإمضاء، وإذا ~~الإمضاء - كما توقعت - له وحده؛ ولا بد أن يكون وجهي قد امتقع، فقال لي: ماذا ترى؟ كن ~~صريحا، ألا توافق على أن تكون المقدمة مني؟ إذا كان الأمر كذلك عدلت في العبارة وجعلتها ~~مقدمة منا معا؛ فقلت خجلا: لا، لا، هذا هو الوضع الصواب، وقد كان. # وكانت هذه بداية وضعت مبدأ لما سوف نشترك فيه معا من كتب بعد ذلك، وهي كثيرة، ثم ماذا؟ ~~إنني إذا قلت ما أقول الآن، فإنما أقوله لأنه كان - والله شهيد - من العوامل التي اعتملت في ~~نفسي بضروب من الصراع بيني وبين نفسي نادرة المثال، ولست ألقي الذنب على أحد في كل تلك ~~المحنة النفسية التي طالت معي أعواما ليست بالقليلة، لست ألقي الذنب إلا على الترتيب ~~المضطرب المتناقض الذي ركبت عليه نفسي؛ فبينما أواصل الليل بالنهار جهدا وجهادا في ~~سبيل أن أميز نفسي بما كانت تسحق أن تتميز به، تراني أجفل من اتخاذ الخطوة المناسبة أو ~~العبارة الملائمة في المواقف التي تستدعي تلك الخطوة أو هذه العبارة فيضيع مني ما رجوت كسبه ~~من تقدم. # فلأنني جبنت دون القول الصريح عما كنت أريده حقا، وهو أن تظهر الكتب بين القراء على ~~حقيقتها التي هي أنها مشاركة، سارت الأمور معي بخطوات سريعة نحو أن أكون أمام الناس في ~~منزلة التابع لا الشريك، ولم يسع شريكي الكبير إلا أن يعاملني هذه المعاملة ما دمت قد ~~رضيتها لنفسي؛ أكلمه بالتليفون ذات مرة بضرورة قصوى، فيختلط عليه الاسم باسم شبيه لأحد ~~أصدقائه، فيهش في طريقة الحديث، حتى إذا ما أدرك أنه أخطأ الظن، عبس في رنة الحديث ليمحو ~~ما كان قد هش به حتى لا يفلت الزمام؛ ويكتب إلي خطابا ذات مرة لضرورة قصوى لذلك، فيجعل ~~الخطاب أربع كلمات، منهما كلمتان أوليان تقولان: «السلام عليك»؛ لأن «عليكم» فيها ميم زائدة ~~على المطلوب. # التواضع صفة جميلة إذا وقف عند حد معقول؛ وإلا فسرعان ما ينقلب على ms109 صاحبه ضعة وقلة ~~قدر وتفاهة قيمة، وهكذا كان أمري؛ فقد خرجت من الشركة الأدبية «صغيرا»، حتى لقد اضطررت ~~فيما بعد إلى مضاعفة جهودي أضعافا مضاعفة لكي أنفق بعضها في محو التصغير الذي لحقني، ~~وأكسب ببعضها الآخر خطوة إلى الأمام، فكلما سار غيري خطوة واحدة تكون كلها كسبا له في ~~ميدان الفكر والأدب. كان لزاما علي أن أخطو عشر خطوات، تذهب تسع منها في محو ما قد رسخ ~~في الأذهان من أنني تابع تصدر إلي الأوامر فأطيع، فلو كنت منذ البداية وضعت الأمور في ~~نصابها، فإما تعادل وإما انفضاض، لحدث أحد الأمرين بغير إجحاف، فمن الإنصاف أن يكون ~~الكبير كبيرا لأنه كبير، وأن يكون الصغير صغيرا لأنه صغير؛ وأما أن يزداد الصغير صغرا ~~ليزداد الكبير كبرا، فذلك ما أسميه إجحافا. ~~••• # والحق أني سرعان ما وجدت أن هذا التباعد بين الكبير والصغير هو دستور التعامل بين ~~أعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر؛ فقد كان من هؤلاء الأعضاء فئة من قادة الفكر وأعلام ~~الأدب، كما كان منهم مثلي من البادئين عند أول الطريق، ولقد كنت توهمت عند انضمامي لتلك ~~اللجنة أن الطريق قد أصبح مفتوحا أمامي لأندمج في هؤلاء القادة والأعلام، لكنني لم ألبث أن ~~وجدت الزمالة عسيرة الأسباب؛ إن آلهة الأولمب لا يهبطون من قمتهم الشامخة بما ظننت من ~~سهولة ويسر، نعم إن أعضاء اللجنة هم من الوجهة النظرية أعضاء أسرة واحدة، لكنهم كجزر ~~الأرخبيل، تقوم كل جزيرة وحدها ويحيط بها الماء من كل أقطارها، فلم أبادل الأرباب حديثا ~~ولم يبادلوا، وجلست معهم لا كما يجلس الزميل؛ إذ تبينت أن الأرباب أشد من سواد الناس ~~حرصا على أن يظل الأمر بينهم درجات، فلا يصغر الكبير من أجل الصغير، ولا يكبر الصغير ~~ليستوي مع الكبير، وأوشك كل أن يضرب حول نفسه نطاقا من حراس وحجاب حتى لا يظن ~~ظان أن الملتقى سهل يسير. # وأقف هنا مع القارئ وقفة قصيرة، أنقل له فيها نموذجا مما كتبته عندئذ لأعبر عما اضطرب ~~بين جوانحي من مشاعر، وهي ms110 مشاعر إن تكن في هذه الحالة خاصة بفرد واحد، إلا أنها في ~~حقيقتها تعكس ضربا من التفاوت بين الأفراد في حياتنا، أكاد ألا أجد له مثيلا في شعب آخر، ~~حتى بين الشعوب التي يصفونها آنا بالتخلف وآنا بالتنامي، وهو تفاوت يصبح محالا معه أن ~~يعرف الناس معنى للمساواة، مهما ترددت هذه الكلمة على ألسنة المتكلمين وأقلام الكاتبين؛ ~~فقد كتبت تحت عنوان «ذات المليمين» (وهي قطعة من النقود كانت في تلك الأيام متداولة بين ~~الناس) كتبت ما يلي: # لست أدري متى وكيف تسللت هذه القطعة ذات المليمين إلى نقودي، ولكن الذي ~~أدريه في يقين هو أنها بقيت هنالك شهرا كاملا تنتقل معي حيث أنتقل، وتسير حيث ~~أسير، تحاول جاهدة أن تجد سبيلها إلى الإنفاق، وأنا أغالب طبيعة البشر فأعاونها ~~على ذلك فلا أجد لها السبيل، ولعلك تدري شيئا من هذا الصراع الدائم، القائم بين ~~المال وصاحبه، هذا يشد المال إلى جيوبه شدا لا يريد له أن يشهد النور، والمال ~~يبتغي لنفسه أن يتنفس الهواء الحر الطليق، فيجري دافقا سيالا بين أصابع ~~المتعاملين، تارة تحسه أيد ناعمة، لكنها تستخف به وتزدريه، وطورا تظفر به أيد ~~خشنة، لكنها تتقبله قبولا حسنا وتكرم له المأوى، وإن ذلك لمن عجب الحياة الذي ~~لا ينقضي، فإن طاب لك المأوى ألفيت به الشوك والحسك معا، يستذل النفوس، ويؤجج ~~الصدور، وإن التمست لنفسك العزة ألفيت مأواك خشنا غليظا؛ ومهما يكن من أمر، فقد ~~ألحفت هذه القطعة تنشد لنفسها الفكاك، وغالبت نفسي وعاونتها على الإنفاق، ولكن كان ~~لها القدر بالمرصاد. # فها أنا ذا عند دار السينما أضرب بمنكبي مع الضاربين، لعلي أجد السبيل إلى شباك ~~التذاكر، وقد ضربت حوله زحمة الناس نطاقا يخنق الأنفاس، وأين من هؤلاء القوم من ~~يواتيه حظه السعيد فيبلغ عتبة الشباك؟ إن عيون المتزاحمين لتكاد تفتك به من حسدها ~~له على توفيقه فتكا؛ وحان الحين وكنت أنا المرموق بهاتيك العيون الفواتك، ووقفت ~~أمام الشباك أملأ عارضته بمرفقي، ولكنني أسرعت الحركة والكلام لتطمئن نفس المنتظرين ~~الناظرين ms111 فلا يحقدوا، وضربت يدي في جيبي وأخرجتها، فقذفت بما أخرجت لبائعة التذاكر، ~~فإذا بها ذات المليمين تتحرك على رخامة الشباك في رعونة الأيفاع. # وجلست في مقهى مع طائفة من الأصدقاء ممن لا تزال بيني وبينهم حواجز الكلفة ~~قائمة، يحاول كل منا أن يستر من نفسه الفقر والجهل والضعة، ليظهر الثراء ~~والعلم ورفعة المكانة بين الناس، وجاء الخادم ليتقاضانا ثمن ما شربنا، فتسابقت ~~الأيدي مخلصة إلى الجيوب - يا ليتها تدرك أصحاب المسغبة بعشر معشار هذا الوفاء ~~لأصحاب اليسار! - فهذا موقف من المواقف النادرة التي ينعم فيها من يثبت للآخرين ~~غناه، وأخرجت كل يد ما فيها على المنضدة في سرعة متلهفة، فقذف واحد بريال قوي ~~العضلات صداح الرنين، ونشر آخر جنيها من الورق بين أصبعيه؟ وقذفت على المنضدة ~~بما حملت يدي مع القاذفين، فإذا بنصف ريال يأخذ مكانة لا بأس بها بين القذائف، ~~ولكن دارت إلى جانبه ذات المليمين، فحطت من قدره وقيمته، وشاء الحظ العاثر أن ~~تتعثر هذه القطعة المنكودة في دورانها حتى هوت إلى الأرض في رنين ضئيل، فانحنى أحد ~~الأصدقاء إليها وردها إلي، فأخذتها والجبين يتندى من الخجل؛ فليس يشرف المرء في ~~مثل هذه المواقف أن يضم جيبه شيئا من ذوات الملاليم. # وكنت أجالس فئة من رفاقي، وأرادت المصادفة أن يدور بيننا حديث أخذ يشتد فيه ~~الجدل ويشتد حتى اضطرم واشتعل، فجاء زميل يجمع منا قدرا من المال نحسن به على ~~خادم طاحت يد المنون بزوجه، وعجزت دراهمه أن تقلقل الجثة من سريرها إلى القبر، ~~فجاءنا يطلب الإحسان - والموت يقسو على الفقير كما تقسو عليه الحياة، فلا هو إن عاش ~~حي بين الأحياء، ولا هو إن مات واجد سبيلا ميسورة إلى مراقد الموتى - ودار ~~الزميل الكريم يلقف من الأصابع ما امتدت به، ومددت أصابعي ذاهلا مشتغلا بما أنا ~~فيه من الجدل، وقد كدت أنتصر، وإذا بالزميل يبتسم لي قائلا: لا بأس، فلا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها. وضحك الحاضرون جميعا، ونظرت فإذا بذات المليمين بين أصبعيه، ~~فجذبتها في حركة ms112 عصبية سريعة، وفمي يتمتم ألفاظ الأسف، وأخرجت ضعف ما أحسن به ~~الآخرون لأعوض هذه السقطة؛ فمن أمثال هذه السقطات ترتسم شخصية الرجل في أذهان ~~الناس. # حقا إن العرق دساس، ومن تجري في عروقه دماء النذالة والضعة هيهات يخفي عن ~~الناس طويته، فالنفس لا بد يوما مفضوحة بسلوكها، ولو حاولت أن تسدل على ~~مكنونها ألف ستار وستار؛ فهذه القطعة ذات المليمين - فيما يظهر - قد استغلت ~~شبهها بذات القرشين استغلالا دنيئا خسيسا، وأشهد الله أني من إجرامها بريء؛ ~~فقد عن لي يوما أن أسلك نفسي في زمرة الوجهاء - ولست منهم في عير ولا نفير - ~~فركبت الترام في الدرجة الأولى، وجاء الكمساري يجبي من الراكبين الأجور، وكنت منه ~~في أقصى المقصورة، فمددت له يدي بذات قرشين، وأراد أحد الراكبين أن يعينني على ما ~~قصرت عنه ذراعي، فأخذ مني قطعة النقد ليعطيها للعامل، ورأيته ينظر إلى القطعة في ~~يده ثم إلي، ولكن أدبه قد شاء له ألا يتدخل في أمر لا يعنيه، وناولها إلى بائع ~~التذاكر، فنظر إليها الرجل وقال: ما هذا؟ فقلت: خذ قرشا وهات قرشا، فقال: عشنا ~~ورأينا ذات المليمين تلد من جوفها القروش! فأدخلت يدي إلى جيوبي في رعشة الخجل، ~~وأصلحت الخطأ، وقدمت إلى الرجل المعذرة بالابتسام وبالكلام، وأردت أن أثبت ~~للجالسين براءتي - ووجاهتي - فأحسنت بذات المليمين إلى فقير قفز إلى سلم ~~العربة يطلب الإحسان، وانتهى بذلك تاريخ مؤلم طويل، لكن الله، الذي يضمر الخير ~~في الشر، قد أراد لهذه القطعة الخبيثة ألا يذهب عني بلاؤها بغير درس مفيد، ~~بصرني بناحية من طبائع الناس، مؤسفة مضحكة معا. # فقد جلست بين جماعة ذات مساء، وكان في الحاضرين أديب شاب لم يتجاوز العشرين، ~~هو الذي حشر نفسه في زمرة الأدباء حشرا، بغير دعوة منهم ولا قبول، ولست أعلم من ~~ماضيه الأدبي إلا مقالة نشرتها مجلة أسبوعية، ولو اكتفى بهذا الحد من الأحلام لكان ~~جميلا؛ لأن الأحلام الحلوة التي تنفع صاحبها ولا تؤذي الآخرين ليس بها بأس ولا ~~ضرر، ولكن الغرور أخذ من هذا ms113 السخيف مأخذا شديدا، فإذا به لا يكتفي أن يكون ~~أديبا من الأدباء، ولكنه - لو أنصف الزمان وعرف للناس أقدارهم - (هذا وسوس له ~~الغرور) لكان في الطليعة منهم، غير أن شيوخ الأدب (هكذا توهم) يقفون له بالمرصاد، ~~فلا يخلون بينه وبين النشر؛ لأنهم ينفسون عليه ما وهبه الله من عبقرية ونبوغ! ... ~~فقلت لنفسي: أليس هذا بين الناس قطعة من ذوات المليمين، تستغل شبهها بذات ~~القرشين، فتدس نفسها بين الريالات وأنصافها دسا دنيئا قد يخدع ~~الغافلين؟ # وحدثني صديق، أراد لنفسه الصدارة فالتحق بجمعية أعضاؤها طائفة ممتازة من ~~علية القوم، فخالطهم، ولكنهم لم يخالطوه، وهش لهم وابتسم، ولكنهم تولوا عنه ~~وعبسوا، فجاءني شاكيا باكيا من لؤم الطباع الذي يؤلم ويشقي، فقلت له، وقد ~~تلقيت العبرة من ذات المليمين: اعلم أن في النقود ريالات ومليمات، فإن وجدت ~~واحدة من ذوات المليمين نفسها بين الريالات، فظنت نفسها «عضوا» في هذه ~~«الجماعة»، فأصابها ما أساء إليها وأشقاها؛ فليس الذنب ذنب الريالات المتكبرة، لكنه ~~ذنب ذات المليمين؛ لأنها أرادت أن تكلف الأشياء ضد طباعها؛ إذ أرادت - خطأ - ~~أن تكون ريالا. # وإني لطلب المغفرة من القارئ أن أعدت أمامه المقالة كاملة، وهي المقالة التي كتبتها في ~~أواخر الثلاثينيات لأعبر بها عما يحسه صغير وجد نفسه فجأة بين الكبار، ولقد أردت ~~بإعادة المقالة كلها لأجعلها أمام القارئ نموذجا للمقالة «الأدبية» كما كتبتها، وما أزال ~~ألجأ إلى كتابتها أحيانا إلى يومنا هذا، كلما وجدت الموقف يتطلب صورة أدبية معبرة، ولا ~~يكفيه العرض التحليلي العلمي المجرد. # أخذت هذا التفاوت مأخذ الأمر الواقع، ومضيت فيما بدأت المضي فيه، وهو الشركة الأدبية ~~بيني وبين الأستاذ الكبير. # وهكذا كان شأني عندئذ؛ أعرض الأفكار نيابة عن أصحابها، وأتلقى ما أتلقاه من إحسان ~~أو إساءة، فماذا كان الشأن عند جناحي الأيسر؛ وأعني «الأحدب»؟ فلم يعد خافيا أمامنا أنني ~~أنا والأحدب وزميلنا إبراهيم أضلاع لمثلث واحد، أدركنا ذلك أو لم ندركه بالوضوح ~~الكافي. # حز في نفس الأحدب أن يكافح ما يكافح، حتى لقد كان يعمل من ساعات ms114 اليوم الواحد ما لا ~~يقل عن خمس عشرة ساعة، ثم يلقى هذا التصغير بلا مبرر معقول ، لو كان صغيرا في حقيقته، ~~فلماذا رضي الكبار أن يزاملوه ويشاركوه؟ فلم يجد أمامه إلا أن ينكمش وينطوي وأن يمسك القلم ~~ليبثه آلام نفسه التي انكمش عليها وانطوى، فكتب مقالات رامزة، يفهمها من يعرف طبيعته؛ ~~وأما من لا يعرف تلك الطبيعة فيجد فيها ما يجده القارئ لقطعة روعي فيها شروط الإنتاج ~~الأدبي في فن المقالة. # وكان من تلك المقالات التي لفتت الأنظار مقالة عنوانها «البرتقالة الرخيصة»، بدأها بأن ~~راح يتغزل في صفات البرتقالة الجميلة ليأخذه العجب كيف تباع - برغم ذلك - في الأسواق ~~بأرخص الأثمان، ولا تلقى من الفاكهاني أقل العناية، بينما التفاح معطوب وقد يسري في جوفه ~~الدود، ومع ذلك فهو يلف في الأوراق ويرص في الصناديق، ويباع بالثمن المرتفع، «إن ~~البرتقالة لتشبع الحواس جميعا؛ فهي بهجة للعين بلونها، وهي متعة للأنف بأريجها، ولذة ~~للذوق بطعمها، ثم هي بعد ذلك راحة للأيدي حين تديرها وتدحرجها، ولقد لسبت البرتقالة معطفا ~~من جلد جميل، فإذا ما انتهت إلى آكلها، نضت عن نفسها ذلك العطاف الذي لامسته الأيدي، ~~لتبدو لصاحبها بكرا لم تفسدها جراثيم السوء والمرض، وهي فوق ذلك كله لم تنس أن تحنو ~~بفضلها على الفلاح المسكين، لأنها قررت منذ زمن بعيد أن تمنحه جلدها ليملحه فيأكله طعاما ~~شهيا، وليس بالقليل أن يظفر زارع البرتقال بقشوره ما دام السادة قد نعموا باللباب ...» هكذا ~~كتب صاحبي الأحدب وقتئذ، ليتألم وليسخر نيابة عن صنوه الذي هو أنا. # لا، لم أكن شبيها بصنوي الأحدب، ولا كان الأحدب شبيها بي، برغم هذه العلاقة الغريبة ~~الوثيقة التي كشفت لنا عن نفسها فأظهرتنا وكأننا إخوة من رحم واحد، وحتى في المجال الواحد - ~~مجال الفكر والأدب - لم نكن شبيهين؛ فأنا أتوارى خلف غيري من المؤلفين؛ وأما هو فيثور ~~داخل نفسه على مثل هذا الطغيان، ولقد حدث أن انضم إلى اللجنة الأدبية نفسها صديقنا الشاعر ~~فخري أبو السعود - الذي مات منتحرا فيما بعد - وكانت ms115 طبيعته الثائرة قريبة جدا من طبيعة ~~الأحدب، بقدر ما هي بعيدة عن طبيعتي، فلما رأى تلك العلاقة الاستبدادية العجيبة التي كانت ~~تنظم التعامل بين كبار الأعضاء وصغارهم، كأنهم الموظفون في ديوان الحكومة، منهم الرئيس ~~الشامخ بجبروته ومنهم المرءوس الصاغر المطيع؛ أقول: إن صديقنا الشاعر حين رأى تلك العلاقة ~~العجيبة قائمة بين أعضاء لجنة أدبية، حاول - وكأنه أحدب آخر - أن ينفخ في صدري روح التمرد ~~قائلا: إنني لم أعد أطيق أن يتركوني مربوطا أمام المذود انتظارا لما يجودون به علي ~~من صدقات، وكان في الحق صادق التعبير كل الصدق بهذه الجملة التي قالها؛ لأن الكبار في تلك ~~اللجنة الأدبية كانوا يعطون الصغار فرصة الكتابة والنشر كما يعطي صاحب المال صدقة لمتسول ~~جلس إلى جانب الطريق وفتح كفه يستجدي. # قلت لصديقي: وماذا تريدنا أن نفعل؟ # قال: ننفصل وحدنا وننشئ لجنة أدبية أخرى. # قلت: يفتح الله عليك وعلي، فأنا أعرف الناس بقدر نفسي، وما دمت على طريق الثقافة أحبو، ~~فلأدع للأوصياء أن يهدوني سواء السبيل. # قلت ذلك عن إرادة ضعيفة، لا عن اعتقاد بصدق ما أقول؟ فكأنما كان صنوي الأحدب ساعتئذ ~~قد كمن بين جوانحي، وأخذ يصيح لي من داخل نفسي صيحة غاضبة، بأنني إنما أعبد الأصنام، وبأن ~~هؤلاء الكبار إنما صار معظمهم كبارا بقلة الحياء لا بكثرة العمل وجودة الإنتاج. # كان واضحا طوال هذه المرحلة - أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات - أن الفواصل لم تكن ~~حادة بيني وبين صنوي الأيمن إبراهيم؛ فلئن كان مجاله الخاص الذي يستوعب نشاطه هو العمل ~~العلمي الصرف؛ ولذلك فقد كان همه الأكبر في تلك الأعوام أن يجتاز امتحانات ويظفر بشهادات، ~~فقد كنت أنا في الوقت نفسه أقف إلى جواره على حافة النشاط العلمي، حتى لقد اضطررت أن ~~أتحدث باسمه عندما سنحت له فرصة البعثة إلى إنجلترا، وأوشكت أن تضيع منه بعد أن سنحت؛ نعم ~~اضطررت أن أتحدث باسمه، وأن أضرع بين يدي الكبار نيابة عنه؛ لأنه كان في تحصيله العلمي ~~مشغولا عما يجري حوله، وهل كان يتصور بأن هؤلاء ms116 الكبار لم يكن في ضمائرهم ما يمنع من وضع ~~اسم مكان اسم في غفلة من صاحب الحق؟ # ومع ذلك فهذه أمور لم تكن تثير سخطي ولا سخط إبراهيم إلى الحد الذي يشل فاعليتي ~~ويجمد فاعليته؛ أما صاحبنا الثالث رياض - أحدب الظهر - فكان كلما لحظ شيئا كهذا تفجر ~~من الغيظ، وإما أن يصب غيظه هذا على الورق، وإما أن ييأس من قلمه وورقه ويلوذ بمخبأ من ~~داره على نحو ما فعل أخيل عندما أفرغ غضبه بأن انسحب من حومة القتال إلى ضيعته. # وكان التعبير عن الغيظ بالكتابة طريقته هذه المرة - وإن يكن هذا التعبير قد ظل مختزنا في ~~نفسه فترة من الزمن قبل أن يسيل مدادا على سن القلم - فكتب بعنوان «أصنام تحطمت» - وإنك ~~لتعرف أسلوب الأحدب حتى من العنوان - يقول: صادقتني أيام الشباب طائفة قليلة من رجال، نزلوا ~~من نفسي عندئذ منزلة إكبار لا ينتهي وإجلال ليس بعده مزيد، ثلاثة منهم أو أربعة كانوا ~~دوما أمام أعيني مثلا أتمثل به حين أطلب لنفسي، أو حين أسوق للناس مثلا، للرجل كيف ~~يصلب عوده وتتعدد جوانبه وتتنوع نواحيه، كنت أنظر إليهم نظرة الطفل إلى أبيه، يراه عملاقا ~~قادرا على كل شيء؛ فهو إن شاء أمسك بالقمر، وهو إن أراد أنزل المطر، وأراني بالقياس إليهم ~~قطرة من محيط أو ذرة من جبل، آه لو كان لي قلم فلان وشهرته؛ أو لو كانت لي هذه الحيوية ~~الدفاقة التي لفلان وهذا الأفق الواسع والعلم الغزير! إن شخصه ليملأ الفضاء حتى ليكاد يتعثر ~~به السمع والبصر أنى مضيت، وانظر إلى فلان كيف كسب القلوب بترفعه عن الصغائر وازدرائه ~~لما ينغمس فيه الناس إلى أذقانهم من توافه، وأين لك مكانة فلان في هدوئه واعتداده بنفسه ~~حتى لتتوجه إليه الأنظار أينما حل ... ومضت الأعوام وازددت خبرة بالناس وطبائعهم، وراقبت عن ~~كثب وفي شيء من الدقة والتفصيل، بعد أن كنت أنظر من بعيد وعلى وجه التعميم والإجمال، فأخذ ~~نفر من هؤلاء العمالقة يصغرون ويضؤلون حتى لأراهم اليوم أقرب إلى ms117 الأقزام، كنت أحسبهم ~~أقوياء بنفوسهم، فرأيت كيف يضعفون أمام أيسر الدوافع وأصغر ضروب الغواية؛ إنها أصنام ~~عبدناها وتحطمت. # الفصل السابع # | موت في أسرة الأحدب # ازدادت الصلة بيني وبين الأحدب وثوقا وقربا، حتى لم يعد أحدنا يستغنى عن أخيه لحظة ~~واحدة، وقد اطردت معنا الحياة على وتيرة واحدة؛ ففترة الصباح للعمل، وفترة ما بعد الظهر ~~حتى ساعة متأخرة من الليل في أحاديث ينصرف شطر كبير منها في أن يقص علي وأقص عليه ~~تفصيلات زياراتنا إلى مواضع حبنا، حتى لكأني أزور معه ولكأنه يزور معي. وتبدل الوضع ~~بيننا، فلم يعد هو وضع المرشد للمسترشد، بل أصبح تعاونا بين متساويين في حياة واحدة، فما ~~هو إلا أن أوحى الموقف بالمشاركة في مسكن واحد؛ لأنه توقع أن يزار وكذلك توقعت، وإذن ~~فالخير في أن نسكن في منزل أرحب وأليق باستقبال الزائرين. # لبثنا شهورا - سافر خلالها إبراهيم إلى إنجلترا - وتيار الحياة ينساب مطمئنا هادئا، ~~وكنا عندئذ كمن تحالف مع الزمن، فلا نحن نشكو ولا هو يفاجئ، وأوشك الأحدب أن يعتدل ظهره ~~وتستقيم مشيته، وحدثني أن مقالاته الأدبية تغيرت نغمتها، والعجيب أنه وجد أن الكتابة ~~أصبحت أعسر عليه؛ فما كان أيسر عليه قبل ذلك أن يكتب ثائرا محطما ضاربا بهراوته حيثما ~~وقعت؛ وأما الآن فكلما هم بنقد ثائر لم يجد في نفسه مددا؛ ولذلك فقد كان يضطر إلى ~~البحث عن موضوعات لا شأن لنفسه بها، فيكتب عن مذهب في الفلسفة أو نظرية في السياسة أو وجهة ~~من وجهات النقد الأدبي، متناولا هذا وهذا وذاك من خارج لا من باطن نفسه وانطباعات خبرته، ~~وكثيرا ما أوحت إليه بموضوعات الكتابة رسائل كانت تجيئه من إبراهيم يذكر له فيها أشياء ~~كثيرة مما تصادفه في حياته الدراسية الجديدة في إنجلترا، وفي مدى التغير الذي يتحول به عقله ~~من نظر إلى نظر. # كان حبه يختلف عن حبي؛ فحبه لسميرة هو الحب بين الأنداد، بما في ذلك من بسطة في الحديث ~~وسهولة في اللقاء والزيارة، حتى لأوشكا أن تزول بين نفسيهما الحواجز ms118 كما تزول بين الزوجين ~~فيما يختص بوسائل التعبير؛ وأما حبي ففيه الحذر والخوف والحرج والتردد؛ لأنه برغم راحة ~~النفس وخفقة القلب. كانت هنالك الحوائل النفسية الكثيرة التي تعرقل خطوتي إليها، وأكثر منها ~~الحوائل النفسية التي تعرقل خطوتها إلي؛ لذلك كانت صلاتي وزياراتي أقل حدوثا من صلات ~~الأحدب وزياراته؛ ومن هنا كانت أحاديثنا تمسه أكثر مما تمسني. # وفجأة وقعت للأحدب وقائع اضطربت لها حياة كلينا معا؛ فإلى ذلك الحين لم يطرأ لي أن أسأل ~~الأحدب عن أسرته؛ لأن أمثال الأحدب من الناس يوهمونك أنهم من أنفسهم في عزلة تامة عن الكون ~~والكائنات، فلا يعن لك أن تسأل: من ذا يكون أبوه، وهل له إخوة وأخوات وأبناء عم وخال؟ لا ~~يعن لك أن تسأل هذا؛ لأنه فرد قائم بذاته تبدأ حقيقته بشخصه وتنتهي بشخصه، ولا أثر فيه ~~لما بينه وبين غيره من روابط وصلات. # وفجأة جاءني ذات ليل في ساعة متأخرة ينهنه بالبكاء، ويمسح عينيه بمنديله ويكف لحظة ~~وعيناه محمرتان، ثم يعود فينهنه بالبكاء، وأنا منه في حيرة، لا أدري ماذا دهاه، وأسأله فلا ~~يجيب، فشفتاه - حتى وهو منقطع عن بكائه لحظة - راجفتان، يحاول بمجهود ظاهر أن يوقف فيهما ~~الرجفة فينهمر في البكاء، وهكذا حتى مضت نصف الساعة، وأخيرا قال وهو يبكي: عمي مات ... وهذا ~~ثاني عم لي يموت، مات أولهما غرقا عند أسوان حين كنت ما أزال طفلا، أبكي لبكاء الآخرين لا ~~عن حرقة في نفسي، وهذا هو الثاني أبكيه من سويداء القلب. # قلت: هل كان مريضا؟ # قال: كان مريضا بالسكر، وتعفنت له أصبع في قدمه اليمنى، وأخذ الداء يسري، فلم يكن ~~بد من بتر ساقه إلى نصف الفخذ، كنت كل يوم أخطف نفسي من العمل خطفا لأزوره وأرعاه، ~~وكانت آخر كلمة قالها لي من قلب يحبني كما أحبه، قالها وهو ينظر إلي ساعة حملوه إلى غرفة ~~العمليات، وعيناه شاخصتان إلي وحدي برغم وجود أخيه وأبنائه بجواره؛ إذ قال: أدعو لك يا ~~رياض براحة السر وسعادة العيش، ربنا يسعدك يا رياض ms119 يا ابني ... وعاد رياض إلى البكاء. # ولبث أسابيع لا يبادلني حديثه المعتاد، ولا أجرؤ أن أبادله ؛ فهو يغيب عني، ثم يحضر ليأكل ~~وينام. # وأول ما حدثني عنه عندما عادت إليه القدرة على مبادلة الحديث هو ملاحظة أبداها عما شهده ~~من جدته ليلة أن نقلت جثة ابنها إلى القرية ليدفن هناك، قال الأحدب: ~~سئل سوفوكليز، وكانت السن قد تقدمت به: «ماذا ترى الآن في الحب يا سوفوكليز؟ ألا تزال ~~قادرا عليه؟» فأجاب: «صه! نشدتك الله ألا توقظه في قلبي من جديد؛ فكم يسعدني أن أراني قد ~~فررت من حبائله، فأحس كأنما فررت من مستبد متوحش مجنون!» ... ولست أريد في الحقيقة أن ~~أتكلم الآن عن الحب، بل أريد على ضوء هذا الذي قاله سوفوكليز أن ألاحظ لك عما يصيب العواطف ~~كلها من برودة الانفعال مع مر السنين ... لقد مات لي عمان، جاء موت الثاني بعد موت الأول ~~بفترة طويلة، وشهدت موقف جدتي في الحالتين - وإن أكن قد شهدت الحالة الأولى وأنا صغير - ~~فكأنما شهدت امرأتين مختلفتين أشد ما يكون الاختلاف بين الناس، شهدت في المرة الأولى أما ~~جزعت على موت ابنها جزعا لم أشهد له مثيلا في كل ما رأيت من الأمهات اللائي ثكلن أبناءهن، ~~شهدت عندئذ أما لا يكاد ينقطع لها بكاء، تهيم على وجهها أحيانا في شوارع القرية صارخة ~~نادبة، وتصوم عن الطعام أياما، فإن أكلت تعمدت ألا يكون طعامها من أطيب الطعام، وكثيرا ~~ما كانت تذهب إلى قبر ابنها حيث تقضي اليوم كله والليل كله، وتأبى أن تفترش غير الحصير ~~الغليظ الخشن، على أن تكون السماء غطاءها مهما كان البرد قارسا، وألد أعدائها هم أولئك ~~الذين يتقدمون إليها بالنصح أو بالتعزية والمواساة؛ لأنهم إن فعلوا كان معنى ذلك عندها ~~قصورهم عن إدراك المصاب بكل هوله وفداحته ... ثم شهدت جدتي هذه لما مات ابنها الثاني، ~~وكانت تقدمت بها السن إلى ما يقرب من السبعين، وذلك حين نقلنا جثمان عمي هذا الذي مات منذ ~~قريب، إلى القرية حيث تقيم جدتي، وحملنا ms120 النعش من السيارة إلى بهو الدار، فرأيت جدتي ~~واقفة في سوادها - وكان الليل قد انتصف والسكون ضاربا ليشمل القرية كلها في صمته العميق - ~~وكانت الأضواء خافتة في الدار، حتى كاد الأشخاص أمام عيني يتحولون أشباحا؛ وقفت جدتي لحظة ~~شاخصة ببصرها إلى النعش بعد أن وضعه حاملوه على أريكة خشبية في بهو الدار، وقفت لحظة ~~صامتة لا تتحرك ولا تنطق، فلم يسعنا إلا الوقوف معها في صمت خاشعين، ثم صرخت صرختين تنطق ~~فيهما بلفظ «يا ولدي»؛ فكان ذلك كل ما أبدته جدتي من علامات الجزع، وبعدها جلست هادئة في ~~المأتم، لا تصرخ ولا تبكي ولا تندب ولا تلطم صدرا ولا تمزق ثوبا؛ لقد تخلصت مع الأيام ~~من حدة الانفعال، فكانت بمثابة من تخلص من «مستبد متوحش مجنون» على حد ما قال ~~سوفوكليز عن حبه الذي بردت مع الشيخوخة جذوته. # قلت للأحدب: وهل برد حبك اليوم بالنسبة لما كان عليه بالأمس؟ # قال: لقد تغير نوعه. كان هيجانا على السطح، فأصبح تغلغلا في الأعماق. كان كالشلال يقفز ~~ماؤه فوق الصخور قفزا أرعن لا يبالي أي الأحجار يفتت وأيها يزحزح، فأصبح كماء ~~المحيط العميق عندما يتبدى للعين ساكن الموج وفي جوفه تيارات جوارف. # قلت: أصبت. ولعل هذه هي مميزات ما يسمونه بغرام الشيوخ؛ فهدوء في حركة الجوارح الظاهرة، ~~فلا اندفاع ولا جرأة ولا مغامرة، ولكن تآكل في الجوف وانهيار في الروح. # وصمت الأحدب قليلا كأنه يفكر فيما يقوله، ثم قال والقتب على ظهره يشتد في عيني بروزا، ~~والعبوس على شفتيه والجهامة فوق جبهته: الحياة ثلاث لحظات: لحظة الميلاد، ولحظة الزواج، ~~ويعنون به النسل الذي يحفظ البقاء، ثم لحظة الموت؛ أما الأولى فكما قلت لك ذات مرة ... لا، ~~لا أظنني قلتها من قبل ... # فقاطعته قائلا: كتبتها في مذكراتك. # فقال: أي مذكرات تعني. # قلت: أعني مذكراتك التي كتبتها عن نشأتك وأنت مدرس شاب. # قال: ومن ذا أدراك بها؟ وأين رأيتها؟ لقد مزقتها منذ زمن طويل. # قلت: عثرت على حطامها، وجمعت منه ما أمكن جمعه، فعشت معك ms121 أكثر مما تظن، وفي هذه المذكرات ~~تقول إن لحظة ميلادك أدخل في حياة الآخرين منها في حياتك؛ لأنك لا تعيها، والعبرة عندك ~~بالخبرة الواعية. # قال: هذا ما أردت أن أقوله، وأما اللحظة الثالثة؛ وأعني لحظة الموت فلن يكون لي علم بها؛ ~~لأنها تجيء بذهابي، فلا التقاء بيني وبينها، وبقيت اللحظة الوسطى، لحظة الزواج والنسل، فهي ~~لحظة لم أعشها حتى الآن، وإذن فماذا بقي لي من حياتي، وبأي معنى أقول: إنني أحيا؟ ~~أبالأنفاس التي أرددها. # قلت: في مستطاعي أن أقول هذا الذي تقوله، ومع ذلك فأنا أشعر في أصلابي بدفعة الحياة ~~وتيارها، «فداؤك منك» - كما يقول المعري - «وما تشعر»، بشعورنا نحيا وبشعورنا نموت. # فردد الأحدب قولي: «بشعورنا نحيا وبشعورنا نموت»، ثم استطرد يقول: هذا صحيح، نخلق ~~دنيانا بنوع شعورنا، تكون كبيرة فتصغر في شعور المزدري لها، وتكون صغيرة فتكبر في تهاويل ~~الشعور؛ ثم ابتسم الأحدب ابتسامة ساخرة. ~~••• # توالى الموت في أسرة الأحدب؛ فكلما مضت بضعة أشهر جاءني بنبأ جديد، وكانت النظرة السوداء ~~قد عاودته لتقيم معه هذه المرة أمدا طويلا، فلم يكن موت أحبائه ليزيد من حزنه النفسي ~~شيئا كبيرا، فزوجة عمه تموت بعد زوجها فيكون موتها امتدادا لموت زوجها، ماتت يوم أحد، ~~وأسرع الأحدب إلى الأسواق ليشتري رباط رقبة أسود قبل أن يحين حين الجنازة، لكن الدكاكين ~~كانت حينئذ تغلق في أيام الآحاد، فقال لنفسه: وهل يكون الرباط الأسود أشد سوادا من نفسي، ~~فلأحزن من الداخل، وإلى الجحيم ما يقوله الأقربون والأبعدون، لكنه كان يغالط نفسه؛ لأنه ما ~~زال قلقا إلى اليوم خشية ما قد يكون هؤلاء الأقربون والأبعدون قد ظنوه في عقوقه لمن عاشت ~~له كالأم طيلة حياتها. # ومات أبوه؛ صحبه إلى المستشفى ولم يطف بباله قط أنه خروج من الدار إلى غير عودة، ~~وكأنما جاءت لحظة موته بمثابة النطق بحكمين في آن واحد؛ حكم ببراءة الراحل وحكم باتهام ~~ابنه. لم تنكشف للأحدب براءة أبيه فيما كان ظنه اعتداء وقسوة، إلا لحظة أن كشف عن جثمانه ~~الغطاء الأبيض في ms122 غرفة المستشفى ليقبله قبل الرحيل، فيرى وجهه الميت وكأنه وجهه الحي الذي ~~يعرفه؛ كم ألف ألف مرة يتذكر الأحدب ما قد كان أحسه إزاء أبيه من سوء ظن، فيعض أصابعه ~~عضا من الندم على سوء فهمه، لطالما يقول الأبناء إن آباءهم لا يفهمونهم وينسون أن الآباء ~~كذلك من حقهم أن يقولوا إن الأبناء لا يفهمونهم. # كانت لحظة موت أبيه بداية لضمير الأحدب أن يكيل لنفسه اللائمات لائمة فوق لائمة؛ «من ذا ~~يعيده إلى الحياة ولو شهرا واحدا لأؤدي له واجب الولاء أكثر مما أديت»، هكذا لبث يقول بعد ~~موت أبيه، ويسمعه أصغر الإخوة فيطمئنه بأنه كان يؤدي أكثر مما يؤديه الأبناء لآبائهم، لكن ~~الأحدب قد وجد لنفسه ذريعة كبرى يتهم نفسه على أساسها؛ لأنه يحب اتهام نفسه فيزداد التواء ~~وتعقيدا على تعقيد. # وإنه ليذكر جنازة أبيه في هيبتها وقد تقدمتها كوكبة من الفرسان جاء بها ابن عمه الضابط ~~الشاب المتوقد حيوية ونشاطا، وسار الأحدب في مقدمة المشيعين مطرقا رأسه نحو الأرض لا ~~يرى إلا قدميه وبضع أقدام أخرى على يمين ويسار، وقلما كان يرفع رأسه فيبصر بالنعش ~~محمولا على أعناق حامليه في طمأنينة وهدوء، ثم يعود فيطرق رأسه نحو الأرض مرة أخرى، وكان ~~في إطراقه ذاك كثيرا ما يتنبه لنفسه تنبه المستيقظ من نعاس عميق، ليجد نفسه سارحا في ~~ذكريات عجيبة يستخرجها من ركام السنين، فيخجل أشد الخجل إذ يرى نفسه سابحا في أعماق ماضيه ~~وجثمان أبيه على بعد خطوة واحدة منه، لكن لحظة الخجل لا تلبث أن تتملكه حتى تزول ليغوص ~~في أغوار الماضي مرة أخرى. # فمن سبحاته تلك أنه تذكر كيف أخذته الرغبة وهو غلام في أن يجمع من الأقفال أكبر عدد ~~يستطيع جمعه، وأن تكون وسيلته إلى ذلك هي السرقة لا الشراء؛ فلجأ إلى طريقة غريبة ولكنها ~~سهلة التنفيذ، وهي أن يشتري قفلا بادئ ذي بدء، ثم يدور على كل مكان تقع عينه فيه على قفل ~~من الصنف نفسه، فيدبر له خطة أن ينفرد وحده بالقفل لحظة ms123 ويفتحه بمفتاح القفل الشبيه، ~~ويأخذه ويمضي؛ ومن ذلك أن خزانة الأوراق التي لم يكن يعلم ما كنهها، خزانة الأوراق أمام ~~مكتب الإدارة في مدرسته الابتدائية وهو تلميذ صغير. كانت مقفلة بقفل أراده لنفسه، فبحث حتى ~~وقع على شبيهه في السوق واشتراه، ولكن متى ينفرد بتلك الخزانة والمدرسة مليئة بالتلاميذ ~~والخدم والموظفين؟ إن ذلك لا يكون إلا في ساعة مبكرة من الصباح قبل أن يتنبه أحد، وتسلل إلى ~~الردهة حيث وضعت الخزانة التي ضم مصراعاها بالقفل المنشود، وفي خطفة أسرع من البرق ~~فتح القفل وانتزعه، وأسرع الهبوط على السلم المجاور، فسمع المصراعين ينفتحان ويخبطان على ~~الحائط خبطة مفرقعة؛ فقد كانت الخزانة تميل على قفاها إلى الخلف؛ إذ رفعت قائمتاها ~~الأماميتان على مربعين صغيرين من الخشب، دون قائمتيها الخلفيتين، مما أدى إلى انفراج ~~مصراعيها بهذه السرعة وانقذافهما إلى الخلف وخبطتهما المدوية على الحائط، وكان للص الصغير ~~شعور النصر شجعه على التماس نصر آخر في اليوم نفسه على قفل لمحه بين أقفال التلاميذ شبيه ~~بما عنده، وعاد إلى داره وفي جيبه قفلان أضافهما إلى ما عنده، فأصبحت ثلاثة أقفال من أسرة ~~واحدة، لم يدر ماذا يصنع بها، سوى أن يوزعها على جيرانه الصغار، وعليهم هم أن يجدوا لها ~~المفاتيح. # فلما أشبع في نفسه هواية الأقفال، اشتهى منافيخ الدراجات؛ فللدراجة منفاخ يركب ~~محاذيا للقائمة المعدنية التي عليها يستند المقعد، وما أيسر أن تنتزعه يد السارق من مكانه ~~لو واتته الخلوة التي تنجيه من أعين الناظرين، ودراجات التلاميذ تصطف صفوفا في مكان لها ~~معين يحاذي سور المدرسة من الداخل، فإذا وجد السارق الصغير فرصة يخلو فيها إلى بغيته ~~فأين يخفيها بقية اليوم الدراسي؟ وتفتق ذهنه عن حيلة بسيطة تنجح أحيانا وتخفق أحيانا، ~~وهي أن يقصد إلى مكان الدراجات في اللحظة المناسبة، وينزع أقرب منفاخ إلى يديه، ثم يقذف به ~~خارج سور المدرسة في الطريق - وهو طريق بعيد عن حركة المدينة، فيقل فيه المارة من الناس؛ ~~حتى إذا ما خرج آخر اليوم الدراسي، بحث عن الفريسة، ms124 ويغلب أن يجدها ملقاة على الجانب الرملي ~~من الشارع، فيدسها في حقيبة كتبه ويمضي ... وماذا يصنع بهذه المنافيخ التي تجمعت لديه؟ ~~إنه يوزعها على من شاء من الأصدقاء الصغار، ولم يكن له ولا لأحد من هؤلاء الأصدقاء الصغار ~~دراجة حتى يحتاج لها إلى منفاخ! # كانت تلك هي السن نفسها التي يقرأ فيها مع لداته أو يسمع القصص عن «طاقية الإخفاء»، ~~ولكم سرح بخياله بعد أن ألبس نفسه طاقية الإخفاء بوهمه، فيدخل على الناس في بيوتهم ~~ليستمع إلى أسرارهم وهم لا يشعرون، ويستوي على موائدهم فيأكل وهم لا يعلمون ... أي شهوة ~~اشتهاها ذلك السارق المتسلل ولم يحققها بطاقية الإخفاء إذا تعذر تحقيقها في الواقع ~~المحسوس؟ لقد بلغ الحلم واشتعلت شهوته، فماذا يكون السبيل أمامه إلا أن يلبس لهن طاقية ~~الإخفاء ويتسلل إلى مخادعهن ولو كن في حصون محصنة؛ وكبر وقصد ذات يوم إلى متحف ~~الفنون، فإذا هو يقف أمام صورة لفنان معاصر نسي اسمه، لكنها صورة تصور مدخل بيت ~~وجانبا صغيرا من الدرج الخشبي المؤدي من المدخل إلى الطابق الأعلى، على غرار ما نراه ~~في بيوت أوروبا، وعلى بضع الدرجات الخشبية التي ظهرت في الصورة امتد بحذاء الحائط ثعبان ~~ثنى جسده مع زوايا الدرجات، حتى تدرج معها ممتدا من المدخل إلى الدرجة الرابعة أو ~~الخامسة، والصورة رائعة رائعة رائعة بألوانها وبالضوء والظل فيها، هي من الفن الواقعي برغم ~~كونها لفنان حديث، فوقف أمامها صاحبنا طويلا، وفجأة وثبت على ذهنه الأقفال والمنافيخ ~~وأحلام طاقية الإخفاء أيام أن كان غلاما صغيرا فشابا مراهقا، وابتسم للذكريات، وقال: ~~أتكون هناك طرق أخرى للتسلل إلى بيوت الناس وأسرارهم يسلكها المتسللون؟ # وصحا من غفوته الطويلة ليدير البصر فيما أمامه وما حوله في جنازة أبيه. # وماتت أمه الحبيبة التي تعلم منها كيف يكون الحب خالصا لوجه الحبيب، والتي عنها أخذ ~~صفاته الخلقية كلها، ماتت من كانت تزيل عنه هموم نفسه، فإذا راكمت له الدنيا من صدماتها ~~ما ينقض ظهره، أزاحت عن ظهره ما استطاعت من أحمال. # وجفت في ms125 عينه الحياة، فلا ري ولا نضارة، يرى نفسه في الحلم أنه يعبر نهر النيل، ~~ويستعد لخوض الماء، لكن وا عجباه، إنه لا ماء، والقاع جاف، عليه علامات تدل على أن كانت ~~هنا مياه تجري! ويمشي على القاع الجاف مشية وئيدة، يمشي خطوة خطوة، ينظر إلى الأرض ~~كأنما يبحث عن شيء ضاع، فلا يرى إلا الحصى وآثار جريان الماء، وفجأة يجد شيئا معدنيا ~~يلمع، إنه مبراة غرزت في التراب إلى نصفها، وبرز نصفها، إنها مبراة أبيه، ~~فيلتقطها، ويضعها في جيبه، ثم يمشي مشية وئيدة، يمشي خطوة خطوة، ينظر إلى الأرض كأنما يبحث ~~عن شيء ضاع، حتى يصل إلى الشاطئ الآخر، فيصعد ما يشبه المرتقي الوعر، يصعد حانيا جسده إلى ~~أمام حتى لا يهوي من خلف، يصعد ليرى أنه في مدينة الموتى، جفاف في جفاف، وهناك يرى عربة، ~~ولكن أي عربة! عربة كلها حجر في حجر، هي أشبه بالصندوق الكبير، انكشف غطاؤه الأعلى، ~~والصندوق من حجر خشن، والعجلات من حجر مصمت، والحصان المشدود إلى العربة من حجر غليظ، ثم ~~ماذا؟ ثم ينظر في الصندوق الحجري فيرى جثمان أمه وقد غطي على نحو ما تلف المومياء عند ~~المصريين القدماء، وبينا هو عالق بحافة الصندوق ينظر، إذا بالعربة الحجرية تسرع جارية ~~بين منازل الموتى، تدور إلى اليمين في هذا المنعطف وإلى اليسار في ذلك المنعطف، فتثير من ~~الغبار وحبات الرمل ما يكتنف العربة كلها، ويملأ خياشيمه وفمه، ويدير وجهه إلى الخلف فلا ~~يرى إلا سحابة كثيفة من الغبار وحبات الرمل، ويشد أنفه فلا يتنفس، فيتنفس من فمه، فيشهق ~~هواء مليئا بالغبار وحبات الرمل، كل هذا وهو عالق بذراعيه على حافة الصندوق، وجسمه ~~مدلى يتأرجح مع سير العربة السريع، فيخبط العجلات الغليظة وهي تدور. # ويصحو من هذا الحلم الفظيع، قائلا: اللهم اجعله خيرا. ولكن أي خير يا ترى يرجى من هذا ~~الجفاف واليباب والموت؟! # يقص علي الأحدب هذا الحلم، ثم يقول: لقد حاولت عندئذ أن أفسره على النظرية ~~الفرويدية في تأويل الأحلام، فقلت إن مبراة ms126 أبي التي وجدتها إلى نصفها مغروزة في قاع ~~النهر الذي جف ماؤه، هي رمز الذكورة التي أورثنيها، والتي ربما كانت في حياته مكبوتة وهمت ~~الآن بالظهور، لكن مجرى الحياة قد جف ماؤه، وبهذا الجفاف وقفت سلسلة التوالد، ثم ماذا ~~وجدت حين عبرت إلى الضفة الأخرى، الضفة الغربية التي كانت هي المستقر الأبدي عند أجدادي ~~القدماء، وجدت مواتا في موات، لم يكن هناك كائن حي واحد، ولكن لماذا أرادت أمي في كفنها ~~أن تشدني معها إلى عالم الموتى، وبهذه الطريقة البشعة المخيفة؟ لقد كانت عودتني طول ~~حياتها أن ترعاني من الأذى، حتى وأنا رجل مكتمل النمو، ترعاني كأنني ما زلت في عينها الطفل ~~الضعيف الذي تهدده العوادي، أتكون قد أسرعت بعربتها وتابوتها لأنها في عالم الغيب قد لمحت ~~بروحها الخالدة خطرا داهما يحيق بي، فجاءت لتنقذني منه قبل وقوعه ... لست أدري، لكني على كل ~~حال قمت لساعتي، وبحثت عن مبراة أبي في مخلفاته، فوجدتها صدئة بعض الشيء، فنظفتها، ~~أرهفت نصلها، وخبأتها في خزائني، وما زلت حتى اليوم أحملها معي كلما ارتحلت هنا أو هناك، ~~لكن ما مسستها مرة إلا وتذكرت ذلك الحلم المخيف وأخذتني الرجفة، وما وقعت عيني عليها مرة في ~~أدراج مكتبي إلا ونحيت عنها وجهي بحركة آلية سريعة، لكنني سرعان ما أضحك من ضعفي أمام ~~الخرافة، إنها كانت أضغاث أحلام ومضت مع الريح. # لكنها أضغاث أحلام جاءت متكاثرة بعد أن فقد الأحدب رءوس أسرته، واندس في ضميره أنه هو ~~وأقرانه من الطبقة الثانية في الأسرة قد أزيل السقف من فوق رءوسهم، وأصبحوا أمام الخلاء ~~اللامتناهي المجهول وجها لوجه. # لكن أقدار الحياة والموت لا تجري بالضرورة مع حساب الأعمار؛ فقد ظن الأحدب أنه هو ~~وأقرانه في السن من أفراد الأسرة قد جاء دورهم للقاء ربهم بعد أن ذهب عنهم معظم من كانوا ~~يكبرونهم من الآباء والأمهات؛ لأنه لم يكن يدري أن مشيئة الله قد سبقت بأن يموت شباب الأسرة ~~قبل كهولها. # وبدأ السير في هذا الاتجاه العكسي بابن عم الأحدب، ms127 الضابط الشاب الذي أوشك أن يكون بين ~~شباب الأسرة صفوة وخلاصة. نعم، لقد كان ذلك الضابط الشاب مع الأحدب على طرفي نقيض في ~~الاتجاه والميل، فبينما الأحدب فيه شيء من طبيعة الشاعر والفنان. كان ابنه عمه الشاب لا ~~تربطه بدنيا الشعر والفن إلا أنها موضوع للهزء والسخرية، وكان الأحدب مكبا معظم وقته على ~~الكتب والدفاتر، وأما الضابط الشاب فبينه وبين الكتب والدفاتر ما يكون بين الأعداء، وإن ~~الأحدب ليذكر يوما أضحكه فيه ابن عمه ضحكات من القلب - وهو حدث نادر في حياة الأحدب - حين ~~جاءه ابن عمه خلال السنة الدراسية التي قضاها الشاب في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، ~~قبل التحاقه بكلية الشرطة، جاءه ليقص عليه ساخرا بعض ما كان يتلقاه في محاضرات الأدب ~~الإنجليزي، وكان المحاضر أستاذا إنجليزيا مشهودا له بالكفاءة الممتازة؛ لأنه هو نفسه ~~شاعر بالإضافة إلى كونه أستاذا للأدب، لكن الشاب لم يكن يفهم عنه كلمة واحدة، وكانت ~~الأسماء والمصطلحات تتحول في سمعه لتصبح أمساخا شائهة، فلما أخذ يقص على الأحدب بعض ما ~~حصله عن «العصر الألبسا» راح الأحدب يسترجعه محاولا أن يدرك المقصود بهذه الأسماء التي لم ~~يسمعها من قبل، ويظل يلح عليه في السؤال حتى يتبين له أن «الألبسا» هذه هي ما بقي في سمع ~~الشاب من «إلزابث»، وأن كنير هو الملك لير، وأن «كبيس» هو ماكبث، وهكذا كان الأمر في عشرات ~~الأسماء كما وردت في مذكرات الضابط الشاب عندما كان طالبا للأدب الإنجليزي خلال بضعة ~~أشهر. # لا، لم يكن ذلك الشاب مخلوقا لعلم أو أدب، وإنما أراد له خالقه أن يبرع براعة تلفت ~~الأنظار جميعا في أدائه لواجبات الضابط الشرطي؛ ولذلك لم يكن عجيبا أن أخذ يقفز في ~~المناصب والدرجات قفزا سريعا، وهو بعد لم يبلغ الثلاثين. # وسافر الأحدب، ليغيب فترة من الزمن، وكان مقدرا لقطاره أن يغادر محطة القاهرة قبيل ~~طلوع الشمس؛ ولذلك اكتفى ذوو قرباه وأصدقاؤه بتوديعه في الليلة السابقة، حتى لا يكلفوا ~~أنفسهم مشقة اليقظة المبكرة يوم سفره، لكن كم كانت ms128 دهشته وفرحته عندما فوجئ بابن عمه الشاب ~~يذهب إلى المحطة لتوديعه في تلك الساعة الباكرة، وكان هو الواحد الوحيد الذي وقف لتوديعه ~~حتى يتحرك القطار؛ فوا عجباه للأقدار وما تدير! مضى من الزمن ما مضى، ثم ذهبت الأنباء ~~الحزينة إلى الأحدب حيث كان، تحمل له الخبر بأن ابن عمه الضابط الشاب قد اختاره الله إلى ~~جواره، وصعق الأحدب للمفاجأة، وأخذته نوبة حادة من البكاء، ورأته سيدة مصرية في غمرة ~~بكائه، وسألته فقص عليها، فعجبت السيدة أن يكون هذا البكاء كله لوفاة ابن عم؟ لكن المسألة ~~يا سيدتي ليست مرهونة بدرجة القربى كما هي الحال في توزيع التركات؛ لأن للقلوب وروابطها ~~ترتيب آخر ودرجات أخرى. ثم أخذ الأحدب يسأل نفسه في حيرته: أكان ذلك إذن هو السر الإلهي في ~~أن الضابط الشاب دون سواه من الأقربين والأصدقاء هو الذي ذهب إلى المحطة في تلك الساعة ~~الباكرة لتوديعه، فهل كان يا ترى يحس بقلبه أنه وداع أخير! # وما كاد الأحدب يعود إلى مصر، حتى سأل عن قبر ابن عمه ليزوره؛ فقد كانت مقبرة الأسرة حتى ~~ذلك التاريخ في قريتها بالريف، فلما عاجلت المنية زينة شبابها التمسوا له مثوى عند من ~~استضاف الجثمان في مدفن أسرته، وحز في نفس الأحدب ما سمعه من تفصيلات، وكأنما الذي رحل ~~عنا شريد مقطوع من شجرة كما يقال، فما كان من صاحبنا الأحدب إلا أن يعمل على أن تكون ~~للأسرة مقبرتها بالقاهرة، ما دام الانتقال إلى القرية قد تعذرت أسبابه، ونقل جثمان الفقيد ~~الشاب من مكانه ليكون أول من يرقد من أبناء الأسرة في مدفنها الخاص. # وجاءت الضربة الثانية لتكون أفدح؛ فقد أصابت المنايا بخبطها العشوائي أصغر أشقاء الأحدب، ~~بعد أن كان هذا الأحدب يتوهم أن مقادير الحياة والموت تجري مع حساب الأعمار. كان بينه ~~وبين شقيقه الأصغر ما يقرب من عشرين عاما، وإنه ليذكر جيدا ذلك المساء الذي كان فيه ~~يجلس مع أبيه ترقبا لنبأ الوليد الجديد، وجاءت البشرى بأن ولد لنا ولد، وفي هدوء ~~عجيب ms129 التفت الوالد إلى ابنه الأحدب يسأله: ماذا تسميه؟ فأجاب الأحدب: نسميه أحمد. وقد كان؛ ~~لم تكن حياة أحمد بالنسبة للأحدب ما تكون الحياة بين شقيقين وكفى، بل اختلط فيها عنصران ~~واندمجا معا في موقف شعوري واحد، هما عنصر الأبوة وعنصر الأخوة ممتزجين، ولا يستطيع ~~الأحدب أن يقص شيئا عن حياته في الفترة التي تلازما خلالها، إلا ويجد نفسه في حياة ~~واحدة مع شقيقه الأصغر، فذلك الشقيق هو موضع جده وموضع مزاحه في وقت واحد، هو موضع جده ~~لأنه جعل نفسه مسئولا عن تربيته على نحو يميل به إلى حب العلم والأدب، وهو موضع مزاحه ~~لأنه عامله كما يعامل اللاعب لعبته. # كان أحمد في مرحلة الدراسة الابتدائية عندما وضع له الأحدب خطة التزود بالأدب، ورأى أن ~~يبدأ معه بأدب المنفلوطي، ولم يترك الغلام ليقرأ وحده ما يقرؤه، بل لازمه وتابعه لفظا ~~لفظا شارحا له المعنى مرة، موضحا له مواضع الجمال الأدبي مرة، ولعل الأحدب في ذلك كله ~~قد أحسن النية ولكنه أساء الاختيار والتصرف؛ إذ ما هو إلا أن أخذت الغلام رجفة وانفجر معها ~~باكيا في توتر عصبي غريب، ولم يدر الأحدب ماذا يصنع ليرد الغلام إلى هدوئه وسكينته، ~~فلما أن هدأ الغلام وسكن وغاب في نعاس لبضع ساعات، صمم الأحدب ألا يكون له شأن بأخيه بعد ~~ذلك فيما يقرؤه وما لا يقرؤه. # لكن الغلام كان بطبعه متفوقا ومتميزا في كل ناحية من نواحي حياته؛ فهو في دراسته ممتاز، ~~وهو في رياضته ممتاز - كان هو بطل التنس في مدرسته الثانوية - وهو في علاقاته الاجتماعية ~~ممتاز، ففضلا عن كونه مركز اهتمام الأسرة بجميع أفرادها. كان ذا نشاط ملحوظ في «الكشافة» ~~وفي «الجوالة» وله زمرة طيبة من الأصدقاء يحبهم ويحبونه. # غير أن الطبيعة البشرية تستعصي على التنبؤ فيما يبدو، فآخر ما كان يتوقعه الأحدب في أخيه ~~أن يراه - وكان في نحو السابعة عشرة من عمره - قد تغير من النقيض إلى النقيض في كثير من ~~جوانب حياته، فبين عشية وضحاها انقلب الشاب المرح شابا ms130 غارقا فيما يشبه الحزن العميق، ~~الذي تسكن فيه الجوارح وتهدأ الحركة ويقل الاهتمام بأي شيء، بين عشية وضحاها تبدلت الضحكات ~~البريئة المرحة عبوسا وزما للشفتين وهموما تطفئ بريق العينين. ما الذي أصاب فتانا ومصدر ~~بشرنا وموضع رجائنا؟ الله وحده أعلم؛ فالأحدب إلى هذه الساعة لا يعلم، لكن ذلك التحول ~~المفاجئ العجيب كان كذلك نقطة تحول في علاقة الأحدب بأخيه؛ فلم يعد يستطيع بعدها أن يجعل ~~منه لعبته كما كان يفعل قبل ذلك، ولم يعد يجرؤ على التعامل معه على أساس أنه ما يزال طفلا ~~يجوز التحدث إليه بما يتحدث الراشدون مع الصغار، وبقي من العلاقة بينهما ذلك الحب الأخوي ~~الصادق العميق، وذهب منها جانب الوصاية والوقاية. # وكرت الأعوام، وأصبح الشقيق الأصغر طبيبا، تشيع عنه حيثما حل قصص تروى عن طيبة قلبه ~~وشدة عطفه على مرضاه. والحق أن ذلك الشقيق الأصغر قد اجتمعت في طباعه تلك الخصائص ~~الأساسية التي تميز أفراد أسرته جميعا، لكنها اجتمعت فيه مكثفة في حسناتها مبرأة ~~من سيئاتها؛ فهو متدين، متسامح، عطوف، هادئ، على شيء من الانطواء، لا يعتدي ولا يخدع، ~~تعامله فتعامل إنسانا من البلور، لا يخفي شائبة ولا يستر عتامة؛ فهو - كما يقول الناس ~~- جنيه من الذهب، تعرفه فتعرف قيمته. # كان أصغر الأشقاء بهذه الحسنات وأكثر منها، وكان لأخيه الأحدب حبة قلب وقرة عين وموضع ~~زهو ومنبع حب، لكن هل تغفو عنه عين القدر لينعم بحياته صحيحة سليمة؟ كلا، بل أصابه بالعلة ~~التي أخذت تستفحل وتستعصي، حتى انتقلت به إلى رحاب الله. # وهكذا خاب ظن الأحدب في تصاريف القدر، عندما توقع - بعد موت الكبار - أنه هو وأقرانه في ~~العمر حل دورهم؛ فقد كتب له - أو كتب عليه - أن يذهب من الأسرة شبابها قبل كهولها؛ ~~هكذا بالحرف الواحد سمعت الأحدب يقول في جمع من الناس بصوت مسموع، يوم رأيته في مأتم ابن ~~عم له سقط - رغم شبابه - في مكان وقوفه ميتا. # كنت أعلم أن الأحدب يواصل الكتابة في المجلات الأدبية، وتابعت قراءة ما يكتبه مرة كل ms131 ~~أسبوع، وكنت أزداد حزنا كلما ازداد تعبيرا عن طوية نفسه وما يحز فيها من ألم. لقد ~~كنت حسبتني وقعت على سره الذي يفسر لي شذوذه وانعزاله، لكني تبينت أنني لم أعرف عنه ~~بعد إلا القليل الذي لا يفسر لي هذه السياط التي راح يلهب بها جلده لغير سبب ظاهر، ~~نعم إن الموت قد دب في أسرته حتى أطاح برءوسها فذهبت عنه الدرع الواقية وتعرى صدره ~~للفحات الهواء، ولكن هل هذا وحده يفسر أن يكتب فيقول: # لقد عصفت العواصف بنفسي، وتجهم الأفق أمام عيني، ورأيت خريف عمري يتساقط أمامي على ~~الأرض أوراقا صفراء يابسة، كنت أسمع لها خشخشة كأنها حشرجة المحتضر ... ونظرت فإذا بقيتي ~~- بعد جهاد طويل - حطبة جافة من ساق وفروع، تعرت عن الورق والزهر والثمر، تعوي في ثناياها ~~الريح عواء الأمعاء الجائعة، وليس على مرمى البصر فيها إلا اليباب؛ فخلخلت التراب حول الفرع ~~والساق، وحملتها تجاه الغرب إلى طرف ناء من الصحراء، حتى إذا ما أغمضت الشمس جفنيها من ~~غروب، أشعلت النار في بقيتي - وبقيتي حطبة يابسة - فتراءت من بعد أمام عيني العشواءين ~~كأنما هي الشمس قد عادت إلى الشروق، لترسل من حر أنفاسها شعاعا جديدا، قبل أن تعود إلى ~~مهدها في ظلام الغيب ... # فها هنا أيضا - كما كانت حاله عندما عرض جانب اللص من نفسه - أردف بنهاية فيها بصيص من ~~أمل، هناك رأى صورة الثعبان المتسلل فوق الدرج، فتعزى بأن هناك صورا أبشع مما عهده في ~~نفسه من تسلل إلى بطون الناس في الخفاء، وهنا يحرق حطام نفسه اليابسة، فيتوهم - في آخر ~~لحظة - أن ضوء الحريق هو ضوء شمس آذنت له بشروق جديد ... وظللت أسأل نفسي: ماذا دهاه عندئذ ~~حتى عادت إليه علته بعد اقترابه من العافية، ثم ماذا يصادفه في غضون بلواه فيراه بصيصا ~~خافتا من أمل؟ # قرأت له ذات يوم مقالا كتبه بمناسبة يوم ميلاده يقول فيه: # لقد سألت نفسي: لو أرخت لحياتك ودونت ما مر بها من حوادث، فماذا أنت ذاكر؟ ~~إن من الرجال من ms132 يكتبون قصص حياتهم فإذا هي حافلة بأحداثها، تقرؤها فكأنما تقرأ قصة ~~من خلق الخيال البارع، فأين من ذلك ما عشت من حياة فارغة جوفاء؟ وهنا رأيت الشبه ~~ماثلا بيني وبين ساعي البريد؛ أرأيت كيف ينفق هذا الرجل حياته ساعيا بين الناس ~~ببريده؟ إنه لا يمس «الظروف» إلا من ظاهرها دون أن ينفذ إلى قلوبها ولبابها، إنه لا ~~يعلم من الرسالة إلا عنوانها أو بعض عنوانها، فأين ذلك من صاحب الخطاب؟ إنه يفض ~~غلافه ويمس شغافه، ويقرأ السطور وما بين السطور، إنه يستروح من كلماته أنفاس ~~الحبيب، أو هو ينظر إلى الألفاظ فإذا هي ألحاظ الصديق ناظرة إليه تباسمه وتناجيه ~~... لكأنني من هذه الحياة إزاء مدينة حصينة سورت بمنيع الجدر، ولكأنني منها ~~طواف يطوف حولها ويطوف، ثم لا يجد إلى جوفها من سبيل ... صه! أذلك همس؟ إنهما ~~حبيبان يتغازلان، أتلك ضحكات طروب؟ إنها جماعة مرحة نشوانه، أذلك أنين؟ إنه بكاء ~~حزينة ثكلى، يا ويح نفسي! أريد أن أهمس كما يهمس الهامسون، أريد أن أضحك كما يضحك ~~الضاحكون، بل أريد أن يكون لي في حياتي ما أبكيه وأرثيه! أين - يا صديقي - الجواز ~~الذي يبيح لي الدخول في هذه المدينة الصخابة فأشتريه؟ ... رأيت الناس ذات صيف ~~حرور يصطافون، فأقسمت لأكونن كسائر عباد الله مصطافا، ذهبت إلى الشاطئ مع ~~الذاهبين، فسرعان ما برزت من إهابي شخصية ساعي البريد، أقف على الشاطئ ولا أغوص، ~~الناس يمرحون في الماء ويلعبون، والأطفال يتقلبون مع الموج ويضحكون، والنساء كعرائس ~~الماء غائصات طائفات صائحات ضاحكات، وليس لي من كل ذلك شيء. ونظرت حولي، فإذا أنا ~~واقف بين أكوام الملابس نضاها أصحابها، ويشاء القدر الساخر أن يكون أقربها إلي ~~حذاء مخلوع، فأدركت عندئذ في يقين أني بين هذه الأحياء كالقوقعة الفارغة، يرتسم ~~على سطحها الحيوان ولا تحتويه، ولم أستطع أن أواجه هذا الحق المخيف، فقفلت إلى ~~الدار راجعا ... # قرأت هذا فقلت: إن في الأمر شيئا. # الفصل الثامن # | التوائم الثلاثة # شئناها أو لم نشأها، كنا على وعي بها أو لم نكن؛ ms133 فهي على أية حال حقيقة واقعة لم ~~يعد ثمة من سبيل إلى إنكارها، نعم، هي حقيقة تثير من الحيرة ما تثير، وتحتاج إلى ~~كثير من التحليل والتعليل لينكشف سرها، لكن ذلك كله شيء، وكونها قد أصبحت من أمور الواقع ~~التي لا بد من قبولها، شيء آخر، وإنما أعني بها تلك العلاقة الوثيقة - الخافية آنا ~~والبادية آنا - التي تربطنا: الأحدب وأنا وإبراهيم في ثالوث متصل الأطراف، مهما تفرقت تلك ~~الأطراف بمكانها وزمانها وأنواع نشاطها. # إن بين الشخوص الثلاثة من الفروق ما يبرر لكل منهم أن يستنكر فعل الآخر، لكن بين ~~الأفراد الثلاثة من التعاطف ما يجعل كلا منهم يسرع إلى مؤازرة الآخر ونجدته، شأنهم في ~~ذلك شأن الإخوة في أسرة واحدة، يختلفون ويتعاطفون على نحو متميز فريد، هو الذي يطبع ~~الأفراد بطابع الأسرة الواحدة، وإذا كنت لأصف أطراف هذا الثالوث بما يميز كلا منهم عن ~~زميليه، لقلت إن الأحدب سريع الانفعال مشتعل العاطفة، إذا صادفه في طريق حياته موقف مشكل، ~~فإما حله بحرارة وجدانه، وإما استعصى عليه الحل فانسحب في عزلة يعتصم بها، وعلى النقيض ~~من أسلوب الأحدب، نرى إبراهيم عقلا خالصا، لا يكاد يعرف من حياته إلا ما يخضع للتحليل ~~العلمي الموضوعي الذي لا مكان فيه للذات وأهوائها وميولها، وبين هذين الضدين أقف أنا؛ إذ ~~يميزني دونهما انخراطي في قوالب الحياة الاجتماعية كما تحددها التقاليد والأعراف والأوضاع ~~السائدة، فلا الأمر - في القبول والرفض - مرهون عندي بما تمليه العاطفة، ولا هو مرهون بما ~~يحدده منطق العقل، بل هو مرهون - أولا وآخرا - بما يجد عند سواد الناس قبولا ~~ورضا. # إن الأحدب وإبراهيم كليهما مشتغل بالكتابة، ولكن شتان بين ما يكتبه هذا وما يكتبه ذاك، ~~حتى ولو كانا يكتبان في موضوع واحد، فبينما يتناول إبراهيم موضوعه بالعرض التحليلي المتسق ~~الأجزاء، كأنما هو أمام مسألة رياضية لا يحكمها إلا منطق الاستدلال بكل دقته وصراحته، ترى ~~الأحدب قد لجأ - في الموضوع نفسه - إلى التصوير الأدبي الذي يجسد الأفكار في أشكال يمكن ~~إدراكها بالحواس، ومن شأن ms134 هذه الطريقة أن تخاطب في المتلقي وجدانه لا عقله؛ فهو يطمئن لما ~~يتلقاه أو لا يطمئن ، لكنه في كلتا الحالتين لا يحتكم إلى «برهان». # كنت على صلة بالأحدب من ناحية، وعلى صلة بإبراهيم من ناحية أخرى، ولم يطف بخاطري قط أن ~~الأحدب وإبراهيم على صلة أحدهما بالآخر، حتى سافر إبراهيم للدراسة في إنجلترا بغية الحصول ~~على إجازة الدكتوراه في الفلسفة، ومضى على غيابه زمن طويل، وشاءت لي المصادفة أن ألتقي ~~بالأحدب، فأدهشني أعظم الدهشة أنني ما كدت أورد ذكر إبراهيم في سياق حديثي، حتى فاجأني ~~بأنه صديق له حميم، وبأنه على تراسل معه منذ سافر في بعثته الدراسية، وأضاف تعليقا على ~~بعض رسائل إبراهيم قائلا إنها أقرب إلى مذكرات يكتبها أديب؛ ولذلك فهو حريص على الاحتفاظ ~~بها؛ ونهض في حركة مفاجئة سريعة، وأتاني بشيء منها لأقرأها، والحق أنني أعجبت بما قرأته ~~منها إعجابا تمنيت معه أن تطول تلك الرسائل، وأن تتماسك حلقاتها في تتابع يوحد بينها، ~~وها هي ذي أمثلة منها: # لندن في أكتوبر 1944 ~~... لم أكن ألفت هذا التواضع من العلماء، وكنت أحسبه من قبيل الشائعات التي تشيع ~~بغير سند من الواقع، حتى التقيت بهذه الأستاذة الجامعية العجيبة، وهي الدكتورة روث ~~صو، أرأيت لو جمع حنان الأمهات جميعا، ووداعة القديسين جميعا، ورقة القلوب ~~الرقيقة كلها، وصفاء النفوس النقية كلها؛ أرأيت لو جمع هذا بأسره في امرأة واحدة، ~~كيف تكون؟ إنها تكون هذه الأستاذة، تحدثك عن كتاب «الأخلاق» للفيلسوف اسبينوزا في غزارة ~~البحر الغزير، وكأنها تطلب منك الرأي ولم تجئ لتهديك بالرأي! ... كانت محاضرتها قبيل ~~الغروب، وخرجنا معا ومعنا طالبتان تقدمتا في السن بعض الشيء، ووقفنا في الردهة، ~~تناقشها الطالبتان المؤمنتان كيف لا يكون المسيح نموذجا كاملا للإنسان في حياته ~~الأرضية، فتنظر إليهما بعين العاطفة الحانية وتقول في صوت كأنه يستفسر: أيعيش الإنسان ~~في حياته الأرضية بغير زواج؟ ... وترتبك الطالبتان، وتبتسم الأستاذة، وتغير مجرى ~~الحديث بأن تتذكر فجأة أنها لم تأكل تفاحتها، فتفتح حقيبة يدها الكبيرة، لتخرج تفاحة ~~تأخذ في ms135 قضمها، وتقول: أحب التفاح غير مقشور ... # لندن في مارس 1945 ~~... للإنجليز براعة في الفكاهة، أكاد لا أجد لها نظيرا في أمة أخرى؛ فالفكاهة في ~~أدبهم ظاهرة حتى توشك أن تكون شرطا لا يتخلف في قصة أو مسرحية أو مقالة، وهي فكاهة ~~خفيفة أقرب ما تكون إلى الابتسامة اللطيفة إذا كانت الفكاهة عند غيرهم تقاس بالقهقهة ~~العالية، وهم يمزجون فكاهتهم هذه في جدهم، فكثيرا ما يعمد الخطيب السياسي إلى تخفيف ~~جد الموضوع الذي يخطب فيه بملح ونكات ينثرها في غضون حديثه هنا وهناك، بل إن ميلهم ~~هذا إلى الفكاهة لا يبرحهم حتى في المحاضرات العلمية، التي قد تميل بغيرهم إلى الجهامة ~~والعبوس ... كان الدكتور سيرل بريث - أستاذ علم النفس - يحاضرنا في النظرية الفرويدية، ~~فقال: إنني لا أحب لكم أن تبالغوا في تطبيق هذه النظرية. وابتسم الأستاذ ومضى يقول: حدث ~~لي ذات حين أن لاحظت أني أفقد أشياء كثيرة؛ فأضع المفاتيح في جيوبي ثم لا أجدها، وأضع ~~النقود الصغيرة فيها ثم تختفي، فهممت أن ألتمس العلة في سبب من هذه الأسباب التي ~~يقولها الفرويديون في أمثال هذه المناسبات، وجعلت أسجل أحلامي وأحللها، وأضع لنفسي ~~الاختبارات وأنتزع النتائج؛ ثم ما هو إلا أن كشفت فجأة عن خروق في جيوبي؛ فكففت عن ~~المضي في التحليل والتعليل ... # لندن في يناير 1946 ~~... لقد جئت والفكرة عندي عن الفلسفة أنها عميقة بغموضها، وأحسبني سأعود وقد تغيرت ~~هذه الفكرة عنها، فتصبح الفلسفة عميقة بوضوحها؛ إن نظرتي إليها آخذة في التحول، وأولى ~~مراحل هذا التحول أني قد أضحيت على رأي بأن الفلسفة تحليل للتوضيح، وليست هي بالتي ~~تصدر الأحكام من عندها على الأشياء؛ فالفلسفة عندي الآن طريقة في البحث بغير موضوع، ~~إنها لا تبحث في «مسائل» لتصل فيها إلى «نتائج» لأنه ليست هناك «مسائل فلسفية» مما تختص ~~به هي دون أن يكون خاضعا للبحث في مجالات العلوم المختلفة من فيزياء وكيمياء وغيرهما. ~~لم أعد أرى من حق الفيلسوف أن يعالج موضوعات هي من شأن العلماء وحدهم؛ فلو كان البحث ms136 ~~في الطبيعة وجب أن يترك لعلمائها، أو كان البحث في الإنسان من حيث هو كائن حي ~~يتفاعل مع غيره في جماعة، وجب كذلك أن يترك لعلماء النفس أو الاجتماع أو الاقتصاد ... ~~مهمة الفلسفة هي أن تحلل أقوال هؤلاء العلماء تحليلا يتعقبها إلى الجذور، وبهذا ~~تضع أصابعنا على المبادئ الخافية التي تحملها تلك الأقوال في ثناياها دون أن تفصح عنها ~~صراحة، حتى إذا ما تبدت تلك المبادئ أمام أعيننا، تجلت لنا أصول حياتنا الثقافية ~~جلاء صريحا؛ إنني لعلى يقين من أن نظرة كهذه إلى الفلسفة لن تجد عندنا إلا الصدود، ~~لا لشيء إلا لأنها تعفي الفلاسفة من الخوض فيما لا سبيل لديهم إلى العلم به، وهم ~~أميل إلى دس أنوفهم فيما لا يعلمون؛ لأن إرسال الكلام أمر هين، فإذا قيل لهم: في ~~هذا الكلام غموض. أجابوا: هكذا شأن الفلسفة. نعم، إن نظرتي آخذة في التحول الجريء، بعد ~~أن رأيت كم أفنى الفلاسفة جهودهم في بحث عقيم عن أشياء في الغيب وقد حددتهم طبيعة ~~كيانهم بحدود عالم الشهادة، إنهم لكالباحث الأعمى يبحث في غرفة مظلمة عن قطة سوداء ~~ليس لها وجود ... # لندن في يونيو 1946 ~~... أي شيء هو أدنى إلى الصواب من قولنا بأن شهادة الميلاد لا تكون إلا لمولود جديد، ~~وأنه إذا وجدت شهادة ميلاد بغير مولود فهي زائفة مزورة؟ وأي شيء هو أدنى إلى الصواب من ~~القول بأن الرمز لا يتم معناه إلا بوجود المرموز إليه، وأنه إذا وجد رمز بغير مرموز ~~إليه فهو إذن وسيلة خداع وتضليل؟ وأي شيء هو أدنى إلى الصواب من قولنا إن الاسم لا يكون ~~اسما إلا إذا وجد المسمى؟ وإذا كان ذلك كله صوابا، فمن الصواب كذلك أن كل كلمة في ~~اللغة لا تسمي شيئا ولا تشير إلى شيء، هي كلمة زائفة مهما طال بين الناس دورانها؛ ~~فالفرق بين اللفظة التي ترمز إلى مسمى واللفظة التي لا ترمز هو الفرق بين اللفظة التي ~~«تعني» شيئا واللفظة التي «لا تعني»، وهو فرق شديد الشبه بما ms137 يفرق ورقة النقد التي ~~تستند إلى رصيد فتكون ورقة ذات قيمة حقيقية، من ورقة النقد التي لا تستند إلى مثل ذلك ~~الرصيد فتكون ورقة باطلة؛ لا بد أن يوجد الشيء أولا ليجوز لنا بعد ذلك أن نطلق ~~عليه اسما يسميه ويميزه مما عداه، وهذا هو بعينه الأساس الذي نقيم عليه تعليمنا ~~اللغة لأطفالنا، فنشير إلى شيء قائم على مرأى من الطفل قائلين له: «شجرة»؛ ولولا أن ~~هناك الشجرة التي نشير إليها لذهبت لفظتنا عند الطفل عبثا؛ لأنه في سذاجته وبفطرته ~~ينظر إلى طرفين، المسمى المشار إليه في طرف والصوت الذي ننطق به في طرف آخر، ~~وعندئذ يقرن الشيء المرئي بالصوت المسموع، أو يقرن المسمى باسمه، أو يقرن المرموز ~~إليه بالرمز الذي يشير إليه؛ أقول: إنه يقرن هذا الطرف بذلك، ثم يربط بينهما، حتى إذا ~~ما نطق له بالصوت وحده بعد ذلك، كان كافيا لاستثارة الصورة التي كان هذا الصوت قد ~~ارتبط بها، وبهذا وحده يجوز لنا أن نقول إن كلمة «شجرة» قد أصبح لها عند الطفل «معنى» ~~... # ولقد تطورت نظرتي يا سيدي وتحددت، بحيث أقبل الكلمات أو أرفضها على هذا الأساس نفسه، ~~يقول الفلاسفة: جوهر، ونفس، وخلود، وجمال، وأخلاق، ودولة، ومجتمع، فأقول: أين هي ~~المسميات فيما هو مرئي ومسموع؟ فإن أجابوا قبلتها، وإن راوغوا - كما هم يراوغون في هذه ~~الحالات - تركتهم وشأنهم وذهبت لشأني. # لندن في نوفمبر 1946 ~~... سألتني يا سيدي عما أراه بناء على معياري الفلسفي الجديد، في كلمات مثل «حب» ~~و«كره» و«غضب» و«خوف»، قائلا إنك تخشى أن أكون قد طوحت بعالم الوجدان على أهميته في ~~حياة الإنسان، فأقول في هذا الصدد إنه لا بد من التفرقة بين نوعين من الكلام، فكلام ~~يراد به وصف عالم الأشياء وما يتعاوره من أحداث، وآخر ينصرف به قائله إلى داخل نفسه لا ~~إلى خارجها، فإذا نطق ناطق بعبارة من الصنف الأول وقعت عليه تبعة الإثبات؛ وأما إذا ~~نطق بعبارة من النوع الثاني فلا إثبات هناك ولا نفي، والعبارات العلمية التي تجوز فيها ms138 ~~المناقشة بين الناس هي من النوع الأول؛ وأما العبارات التي ترد في التعبير الفني ~~والشعوري فمن النوع الثاني ، وهي لا يجوز فيها اختلاف بين الناس ولا نقاش. # هبني وقفت مع زميلي إلى جوار شجرة، فقلت عنها: إنها من أشجار التوت وعمرها ستون ~~عاما. وقال عنها زميلي: إن لونها يبعث البهجة في نفسه كلما رآها. فماذا يكون الفرق بين ~~عبارتي وعبارته؟ الفرق هو أنني أتصدى لوصف الواقع الخارجي الذي لا دخل لمشاعري فيه؛ ~~فلست أنا الذي جعلتها تثمر توتا، ولا أنا الذي ألزمتها أن تكون بهذه الحداثة أو هذا ~~القدم، إنني أصف بعبارتي وقائع ليست جزءا من نفسي، فلو طالبني زميلي بإثبات ما أقوله ~~وجب أن تكون لدي الوسائل التي يستطيع هو أن يشاركني فيها؛ وأما عبارة زميلي التي ~~قال فيها إن الشجرة تبعث البهجة في نفسه كلما رآها، فمن نوع آخر، هي عبارة لا صواب ~~فيها ولا خطأ، ولا إثبات ولا نفي، إنه «يعبر» عن ذات نفسه، ولا «يقرر» أمرا عن ~~الشيء الخارجي، وإذن فليس من حقي أن أطالبه ببرهان، وكيف يكون البرهان والأمر خاص به؟ ~~إنه إذا كانت الشجرة الواحدة نفسها تبعث البهجة في نفسه هو والكآبة في نفسي لما كان ~~بيني وبينه تناقض؛ لأن له شعوره ولي شعوري، ولكن ما هكذا الأمر لو قلت عن الشجرة إنها ~~تثمر التوت، وقال هو: بل إنها تثمر الجميز؛ فها هنا يكون بين قولينا تناقض، ويكون على ~~أحدنا أن يثبت للآخر صدق دعواه ... # وتسألني يا سيدي عن العبارات العاطفية ما مصيرها؟ وأجيبك بأنها تكون من قبيل الأدب ~~الذي يقاس بمقاييس خاصة تختلف عن مقاييس العلوم، فلنا أن نبقي عليها، شريطة أن نكون ~~على بينة تامة بأنها لا تدخل مجال العقل والمنطق، ومن ثم فلا يحق لأحد أن ~~يجادل أحدا في صدقها أو بطلانها؛ لأنه لا صدق فيها ولا بطلان، وكل ما فيها هو أن تكون ~~محببة إلينا أو بغيضة، وإني يا سيدي لأعلم بعد المدى الذي ينال به مثل هذا الرأي في ms139 ~~أقوال الناس وعقائدهم؛ لأنهم - في الأعم الأغلب - ينطقون بما يرضي عواطفهم، ثم يزعمون ~~لأنفسهم أنهم إنما نطقوا بالحق الذي لا حق سواه. # لندن في يناير 1947 ~~... لست أقل منك حرصا على مشاعر الإنسان وآماله ومثله العليا. هذه المشاعر والآمال ~~والمثل التي زعمت لي في خطابك الأخير أنني سائر بمذهبي نحو هدمها، كل ما هنالك من ~~أمر في هذا الصدد هو أنني أفرق بين لغة العقل ولغة الشعور؛ فمن لا يريد أن يتحدث عما ~~يقع في حسه - رؤية أو سمعا أو ما شئت من حواس - مما يتاح للآخرين أن يراجعوه فيه ~~بحواسهم؛ فهو لا يريد أن يتحدث بلغة العقل، وليس في ذلك رفع ولا خفض للغة المشاعر، بل ~~الأمر أمر تفرقة بين نوعين مختلفين من الكلام، فإذا كان المجال مجال علم فلا يجوز ~~للشعور أن يتسلل إلى سياق الحديث بألفاظه الدالة على وجدان؛ أما إذا كان المجال مجال ~~أدب وفن، فليختر ما يشاء من لفظ ليثير في سمعه المشاعر التي يقصد إلى إثارتها فيه؛ ~~فلو تحدث عن السماء حديث العالم الفلكي فلا ينبغي له عندئذ أن يذكر شيئا عن السمو ~~والعظمة والمجد، ولو تحدث عن الزهرة بلغة عالم النبات فليسكت عن أحاديث الروعة ~~والجمال؛ فلنعط ما للعقل للعقل وما للشعر للشعور. وإني لأزعم أن جزءا كبيرا مما تركه ~~لنا الفلاسفة على زعم منهم أنه نظرة عقلية خالصة، هو في الحقيقة تعبير عن أمزجتهم ~~وميولهم. نعم إنهم يسيرون بخطوات عقلية من نقطة الابتداء التي يفرضونها، ولكن نقطة ~~الابتداء نفسها تجيء من عندهم مزعوما لها أنها من إدراك البصيرة والحدس الفطري. ولو ~~زعموا عندئذ أنهم إنما يقيمون نسقات عقلية على أساس افتراضي كما يصنع علماء ~~الرياضة، لقلنا نعم ونعام عين؛ لأن النسقات الرياضية مغلقة على نفسها لا يدعي لها ~~أصحابها أنها تصوير للواقع، بدليل أنها قد تتعدد والواقع واحد، ولكنهم يبنون على فرض من ~~عندهم، ثم يفوتهم ذلك وينسونه، ليقولوا آخر الأمر إنهم يقولون ما يطابق الوجود الخارجي ~~مطابقة الصورة لأصلها. # لندن في ms140 فبراير 1947 ~~... ألقى «برتراند رسل» علينا سلسلة محاضرات عن المعرفة وتحليلها وردها إلى أصولها ~~وجذورها؛ لم أكن أتخيل هذا الرجل بمثل هذه السرعة النشيطة في حركات بدنه وفي لفتات ~~عقله، والعجيب أنه كان يلقي محاضراته في مدرج صغير، مع أن مئات من غير الطلاب ~~يجيئون ليستمعوا إليه؛ لهذا كنت تراني أبادر قبل البدء بمدة طويلة لأجد مكانا قريبا ~~من المحاضر حتى لا تفوتني كلمة منه - وسمعي كما تعلم قد أخذ يضعف قبل أوان الضعف - ~~إلا مرة واحدة تأخرت قليلا، فوجدت المدرج قد امتلأ وأخذ الناس يصطفون خارجه، فوقفت ~~في الصف ووقف معي زميل مصري يدرس علم النفس، وكان المطر ينزل فوق رءوسنا برغم محاولتنا ~~وقاية الرءوس بلصق أجسادنا إلى الجدار، وتسألني: وماذا كنت تسمع من كلمات المحاضر؟ ~~وأجيب: لا شيء. وتعود فتسألني: وفيم وقوفك في المطر والبرد؟! وأجيب: لا أدري؛ فقد ~~أحسست أن تركي للصف أصعب على نفسي من الوقوف فيه بلا رؤية ولا سمع. وقد قلت لزميلي ~~المصري ضاحكا: اشهد على ما ألاقيه في سبيل العلم، بل في سبيل تقديس العلم، من عناء. ~~فقال ضاحكا بدوره: وأنا أحق منك بمثل هذه الشهادة؛ لأنك تقدس فرعا في مجال تخصصك ~~العلمي؛ وأما أنا فقد وقفت في المطر البرد تقديسا لكلمة العلم في ذاتها؛ إنه الروح ~~هنا تغريك بهذا وأكثر منه. # وفي هذا المدرج الصغير نفسه حضرت محاضرة الأستاذ آير الذي عين منذ قريب أستاذا ~~لكرسي الفلسفة في كلية لندن الجامعية، وقد كان شاغرا مدى حين. كانت هذه محاضرة ~~الافتتاح كما يسمونها، يفتتح بها أستاذيته الجديدة، وقد قدمه أحد رؤساء الجامعة ~~بكلمة قال فيها: وقد وقع اختيارنا على هذا الأستاذ الشاب بعد بحث طويل عمن يحفظ لكرسي ~~الفلسفة هنا مستواه الرفيع، وقد قيل لنا تحذيرا منه: إنه خطر على التقليد الفلسفي وإن ~~يكن ذا أصالة في الفكر. فقلنا: هذا هو من نبحث عنه؛ والأستاذ آير في عامه السابع ~~والثلاثين. # لندن في مارس 1947 # كان الدكتور كيلنج - صاحب الكتاب المعروف عن فلسفة ديكارت ms141 - هو أستاذنا في الفلسفة ~~الحديثة عندما كنت في «الكلية الجامعة» قبل تحويلي إلى «كلية الملك». ولم أكن أرى فيه ~~ما يملؤني إعجابا به، مع أنه كان أول أستاذ بريطاني ألاقيه في هذه البلد؛ نعم، إنه ذكي ~~وملم بمادته إلمام القارئ الباحث الدارس؛ أما نفاذ البصيرة ومسايرة الحركة الفكرية ~~مسايرة تتفق مع منصبه الجامعي، فلم أكن أرى فيه شيئا منه؛ لقد درس في السوربون بعد أن ~~درس في إنجلترا؛ وهو متزوج من سيدة فرنسية؛ وله لحية صغيرة يصبغها بالحناء أو ما يشبه ~~الحناء مما لست أعرفه؛ وقد دعاني منذ قريب على عشاء في منزله، فوجدته منزلا مكدسا ~~بالكتب؛ والظاهر أنه لا ولد له؛ وقد اعتذر لي عن تواضع مسكنه قائلا: إن بيتي الحق قائم ~~في باريس حيث أقضي أطول وقت مستطاع. # وكان من الأفكار التي تحمس لها أثناء حديثنا - وكان الحديث قد تطرق إلى الأدب ~~المسرحي - أن شيكسبير لا يستحق هذه الضجة كلها التي يثيرونها حوله؛ فليس هو بشاعر من ~~الطراز الأول، أين هو في ميدان البناء الشعري من راسين أو كورني؟! فقلت لنفسي عندئذ: ~~ترى إلى أي حد تجيء آراء الناس انعكاسا لجنسية الزوجة؟! إن كيلنج رجل عليل ضعيف ~~البنية، ولقد كان يطمع في دعوة توجه إليه من جامعة القاهرة ليقضي في دفء مصر عاما ~~أو عامين، لعله ينعم بشيء من الصحة، وحسبني قادرا على أداء هذا الصنيع، والحق أني ~~تمنيت يومئذ لو أن بي شيئا مما ظن، لكن العين كانت بصيرة ويدي كانت أقصر جدا مما ~~ذهب إليه خيال الذين أجروا هذا المثال على ألسنة الناس. ~~••• # لم يكن في وسع زميلنا إبراهيم - أثناء مقامه في بريطانيا - أن يرى ما يراه من الرعاية ~~لكرامة الإنسان فردا فردا، بغض النظر في كل فرد عن عمله وثرائه، وأن يرى ما يراه ~~من ولاء هؤلاء الأفراد لوطنهم، حتى ليستجيبوا لنداءات أولي الأمر منهم في ساعات الخطر ~~دون رقيب ولا حسيب؛ أو قل إن إبراهيم عندئذ لم يكن في وسعه أن يرى ذلك الذي ms142 رآه هناك، ~~ثم لا ترد إلى ذهنه المقارنات، فكانت تلك هي الفترة التي أخذ يرسل فيها من لندن إلى ~~مجلة الثقافة التي كانت تصدرها في القاهرة لجنة التأليف والترجمة والنشر، مجموعة من ~~مقالات أدبية ثائرة ساخرة، هي من أنقى وأقوى وأصدق ما خطه قلمه. # كتب في أول مقالة أرسلها في هذا الصدد، ساخرا مما نتخبط فيه من خرافة، فقال فيما ~~قال: ~~... أنا في جنتي العالم العلامة، والحبر الفهامة؛ أقرأ الكف وأحسب النجوم، ~~فأنبئ بما كان وما يكون؛ أفسر الأحلام فلا أخطئ التفسير، وأعبر عن الرؤيا فأحسن ~~التعبير، لكل رمز معنى أعلمه، ولكل لفظ مغزى أفهمه، استفسرني ذات يوم حالم فقال: ~~رأيت - اللهم اجعل خيرا ما رأيت - رأيتني أنظر إلى كفي فيغيظني من الأصبع الوسطى طولها ~~فوق أخواتها، ولا أحتمل الغيظ، فآتي من مكتبتي بمبراة مرهفة ماضية، وأجذ من تلك ~~الأصبع الطويلة ما طال، وألقي بالجزء المبتور في النار، وما هو إلا أن أرى شبحا ~~مخيفا يخرج من بين ألسنة اللهب، كله أصابع: أصابع في كتفيه، وأصابع في جنبيه، وأصابع ~~في قدميه، وأصابع من رأسه ومن بطنه ومن ظهره، والأصابع كلها من ذوات الأظفار، حتى ~~لكأنها المخالب، أخذت تنقبض وتتلوى، وتنبسط وتتحوى، تريد أن تنال مني لتفتك بي، ~~فتملكني الفزع والرعب والجزع، وكلما اقتربت مني تقهقرت حتى بلغت الجدار، ولم يعد بعد ~~ذلك مهرب ولا فرار، ثم رأيت دمائي تسيل دفاقة من أصبعي الجريحة، فصحت وصحوت. فأطرقت ~~قليلا ثم أجبته قائلا: لقد أضلك الشيطان الرجيم، فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ~~وكفارتك صيام عام وإطعام ألف مسكين ... فأصابع كفك هي الناس من حولك، تفاوتت أقدارهم ~~وتباينت أرزاقهم بمشيئة ربك الذي يعطي من يشاء ويحرم من يشاء بغير حساب؛ والمبراة التي ~~أتيت بها من مكتبتك رمز بضلالك بما قرأت، كأنك «فاوست» غاص في العلم فأضله العلم ~~ضلالا بعيدا ... فحدثتك النفس الأمارة بالسوء أن تعدل فيما خلق الله وتبدل، فكان ~~جزاؤك عذاب الدارين ... وأما الجدار الذي سد عليك طريق الفرار فمعناه أن عذابك آت ms143 ~~لا ريب فيه، إلا أن تدعو ربك بالمغفرة لعل ربك أن يستجيب لك الدعاء ... # هكذا جاءت السخرية من ثقافتنا فيما أخذ يكتبه إبراهيم يومئذ؛ فهي ثقافة تأبى في ~~صميمها أن تسوي بين الناس، ومن حاول هذه التسوية نزلت عليه النقمة، ولعل سخرية ~~إبراهيم من مناخنا الثقافي الذي كنا نعيش فيه لم تبلغ قمتها بمثل ما بلغته في ~~مقالة بعث بها وجعل عنوانها «بيضة الفيل»، أراد بها أن يهزأ من ضروب التفكير الغبي ~~الافتراضي في عصر كانت القنبلة الذرية قد بدأت تتفجر وتهز العالم بدويها، تبدأ تلك ~~المقالة هكذا: # قال الشيخ: الفيلة تلد ولا تبيض، والمشكلة المراد حلها هي هذه: لو كانت الفيلة ~~تبيض، فماذا يكون لون بيضتها؟ في الجواب عن هذا السؤال اختلف العلماء، يقول عمارة بن ~~الحارث بن عمارة: تكون بيضاء ... # ومضى الكاتب في مقالته يدير مناقشة وهمية في مشكلة ~~وهمية، ومع ذلك فقد أخذت آراء «العلماء» (الحظ هنا كلمة «علماء») تختلف! وراح ~~المتناقشون يدعمون آراءهم بأسانيد يشتقونها من كتب الفقه وكتب اللغة وكتب التاريخ، ~~وأخيرا حدثت المفاجأة في آخر المقالة: # وزلزلت الأرض زلزالها، وقال الشيخ: ما لها؟ فقيل: هي يا مولانا قنبلة ذرية، ~~في لمحة تقضي على الأصل والذرية، قيل: فعجب الشيخ أن كان في الدنيا علم ~~غير علمه. # وأخذت المقالات تتوالى من إبراهيم وهو في لندن، على هذا النحو الثائر الساخر؛ لأنه ~~كان ينظر أمامه فإذا الدنيا قد انتقلت إلى حضارة أخرى غير حضارته، فيها - فوق العلم - ~~كرامة الإنسان، ثم ينظر خلفه إلى حالة وطنه فإذا هو غارق إلى قمة رأسه في خرافة، ~~تزيدها بشاعة ضروب من الأخلاق الاجتماعية تهدر للإنسان قيمته وكرامته. # انتهت بإبراهيم دراسته بإجازة الدكتوراه في الفلسفة عن رسالته في «الجبر الذاتي»، جاء ~~يوم مناقشة الرسالة، فلم يكن هناك إلا إعلان وضع أمام المبنى المركزي لجامعة لندن ~~(وهو نفسه المبنى الذي يضم مكتبة الجامعة، التي جعلها إبراهيم مكانه الرئيسي في ساعات ~~العمل)؛ أقول إنه لم يكن هناك يوم الامتحان إلا إعلان وضع أمام ذلك ms144 المبنى جاء فيه أن ~~لجنة امتحان ستعقد اليوم في غرفة رقم كذا، لمناقشة الطالب الفلاني في رسالته التي ~~تقدم بها لنيل شهادة الدكتوراه في الفلسفة من «كلية الملك»، ولقد فوجئ إبراهيم بذلك ~~الإعلان وهو يدخل المبنى، فعرف منه رقم الغرفة التي يتوجه إليها في الموعد المضروب، ~~وذهب ليجد اللجنة الوقورة جالسة على منصتها، وقوامها عضوان: الدكتور هاليت الذي ~~أشرف على البحث، والدكتور ماكمري ممتحنا خارجيا جاء من جامعة سانت أندروز ~~بأسكتلندة، وأغلق باب الغرفة على الأستاذين وأمامهما الطالب، فتلك هي طريقة مناقشة ~~الرسائل في بريطانيا، فلا جمهور ولا خطابة ولا مظاهرة ولا تصفيق. ودارت المناقشة في ذلك ~~الهدوء المهيب، وخرج إبراهيم من الغرفة وهو الدكتور إبراهيم؛ واسمه الكامل هو إبراهيم ~~الخولي. # عاد الدكتور إبراهيم بعد فوزه بما أراد أن يفوز به. كان في محطة القطار الذاهب به إلى ~~دوفر، ليبدأ المرحلة الأولى من طريق السفر إلى مصر، حين جاءه من مكتب البعثات المصرية ~~في لندن من ينبئه على عجل بأن برقية من القاهرة قد جاءت لتطلب من إبراهيم أن يمر ~~على باريس في طريق عودته، ليقضي هناك شهرا ونصف شهر في منظمة اليونسكو، ووقع في حيرة ~~لم تطل إلا بضع دقائق، قرر بعدها أن يرسل حقائبه مشحونة لتسبقه إلى الوطن، لا يبقى ~~منها إلا ما يعيش به فترة الإقامة في باريس، وعاد إلى مسكنه بلندن ليقضي يوما أو يومين ~~يعد فيها نفسه لهذا الموقف الجديد. # ثم جاء يوم السفر، وكانت غاية السفر هذه المرة هي باريس ليظل بها شهرا ونصف شهر ~~يستأنف الطريق بعدها عائدا إلى القاهرة، وركب إبراهيم قطار «السهم الذهبي»؛ كثيرون هم ~~أولئك الذين كتبوا عن الصداقة والأصدقاء، فوفقوا وأجادوا - هكذا كتب إبراهيم في ~~خطاب أرسله إلي يومئذ من الطريق - لكني لا أحسب أحدا من هؤلاء جميعا قد كتب شيئا ~~في نوع من الصداقة عجيب، يمر في حياة الإنسان مرور الأطياف والأحلام، فلا يستغرق إلا ~~ساعة أو ساعتين، أو قل يوما أو يومين، ومع ذلك تراه يترك في ms145 النفس أثرا قد يبلغ من ~~الشدة والعمق ما لا تبلغه الصداقة الثابتة الدائمة؛ فلقد قابلت في القطار فتاة، ولم ~~نكد نبدأ الحديث حتى خيل إلينا أننا أصدقاء منذ أمد بعيد، جعلت أخبرها وجعلت ~~تخبرني كأن حبل الحياة متصل بيننا، ثم بلغ بنا القطار غايته، ولعلي كنت أحس بهذه ~~الخاتمة القريبة، ولعلها كانت تحس، فأخذت صداقتنا تتكثف وتغزر لحظة بعد لحظة، كأنما ~~عز علينا أن يتبدد هذا اللقاء فتشبثنا ممسكين بقبضتين قويتين على هذا الود ~~الوليد، لعله يدوم، لكن القطار بلغ بنا غايته، وافترقنا إلى الأبد ... # وفي باريس، خلال فترة الشهر ونصف الشهر التي قضاها ملحقا باليونسكو، أراد له الله أن ~~يلتقي بسيدة مصرية جاءت موفدة من القاهرة لتشارك في المهمة نفسها التي طلب منه أن ~~يضطلع بها، فوجد فيها رمزا يمثل أرفع القيم التي تتميز بها مصر، فحمد الله أن قذفت ~~المصادفة أمام عينيه بهذا الرمز النبيل ليخفف من غلوائه فيما كان التسرع في الأحكام قد ~~شطح به إليه؛ لأنه كان كلما رأى وجها من أوجه الكمال الحضاري وهو في إنجلترا، أسرعت ~~المقارنة بمصر إلى ذهنه إسراعا يميل به إلى طمس الجانب المشرق الجميل ليظهر الجانب ~~المعتم القبيح؛ فكان عزاؤه ذلك الحب القوي العميق الذي يكنه لوطنه، والرغبة المسعورة ~~الجامحة في أن يرى ذلك الوطن الحبيب غير مسبوق على الطريق الحضاري الطويل. # ولقد قص علينا إبراهيم عن نفسه ساعة كان فوق السفينة يعبر القنال الإنجليزي في أول ~~طريقه عائدا إلى مصر؛ فالبحر هائج مائج، والسفينة تعلو وتهبط مقذوفا بها على رءوس ~~الموج كأنها الكرة على أقدام اللاعبين المهرة الأشداء، والراكبون يسقطون من دوار ~~البحر صرعى، وهو واقف ممسكا بحاجز السفينة، مرتديا معطف المطر يتقي به الرذاذ العنيف ~~الذي يغمره ويغمر عشرات الصرعى إلى جواره، واقف ينظر ناحية الشاطئ الإنجليزي، ويدس ~~يديه في جيوبه، فإذا في جيبه الأيمن ورقة، يظل يسأل نفسه قبل أن يخرجها: ماذا يا ترى ~~تكون هذه الورقة؟ وهو لا يذكر أنه قد وضع ورقا في جيب هذا ms146 المعطف، ثم يخرجها، فإذا هي ~~قصاصة منزوعة كما اتفق من كراسة قديمة، ومكتوب عليها بخط رديء، خطته يد مسرعة ~~مترددة: «أحببتك ولم أصرح»، والكاتبة هي صاحبة البيت الذي كان يستأجر غرفة ~~فيه. # ولبث إبراهيم ينظر إلى الورقة في يده، والرذاذ العنيف يخبط وجهه وصدره، فأسرعت إلى ~~ذهنه صورة تلك السيدة نفسها، حين كانت الحكومة أيام الأزمات قد أصدرت تعليماتها بأن ~~تطفأ المدافئ في كل مكان من الساعة الحادية عشرة إلى الساعة الثالثة عصرا، توفيرا ~~للفحم الذي قلت مقاديره، إما بفعل ثلوج الشتاء وإما تحت وطأة الحرب - لا أذكر ~~الآن أيهما - فكنت أراها في الأيام التي أقضي فيها النهار بالمنزل لأكتب فصلا من ~~الرسالة تجمعت مادته بين يدي، كنت أراها وهي تنظر إلى ساعتها لحظة بعد لحظة، حتى ~~إذا ما حانت الساعة الحادية عشرة دارت على غرف المنزل تطفئ مدافئها بغير رقيب إلا من ~~ضميرها الوطني. # طفق إبراهيم وهو يعبر القنال الإنجليزي عائدا إلى بلاده، يلف في رأسه شريط ثلاثة ~~أعوام قضاها في بريطانيا، لفا سريعا تتداخل به الصور بعضها في بعض، لا يكاد يقف عند ~~واحدة حتى تزول لتحل محلها واحدة، ثم ازداد الأمر خلطا ومزجا حين راح يلف في رأسه - ~~في الوقت نفسه - شريطا آخر لفا سريعا كذلك، تتلاحق فيه الصور واحدة في إثر واحدة، ~~تضع أمام عينيه مشاهد ومواقف مما كان قد مر به في مصر قبل أن يغترب عنها للدراسة، ~~فكأنما كان الشريطان عندئذ يتدافعان ويتسابقان ويتشابكان؛ فصورة من هنا تستدعي صورة ~~من هناك، كل ذلك والسفينة تتخبط فوق الموج الصاخب، وصرعى الدوار يزدادون عددا، ~~والرذاذ الحاد يضرب وجهه وصدره كأنه قطع الزجاج. # هذه هي صورة الطالب الإنجليزي «فلتشر» يلقاه في المحاضرات ويتصادقان ويتبادلان الرأي ~~والنظر، قد كان في نحو عمره، ويعلم عنه أنه قد أمضى وقتا ضائعا حتى تنبهت شركة كان ~~يعمل بها عملا يدويا مما تصلح له سائر الأيدي، ويدرك صاحب الشركة أو مديرها أن الفتى ~~موهوب في الفكر النظري، فيقرر إرساله إلى جامعة لندن ms147 على نفقته، غير مقيد إياه بشرط ~~العودة إلى شركته بعد إكمال الدرس، فماذا ينفع دارس الفلسفة شركة تعبئ الزجاجات بما لست ~~أذكر من ضروب السائل، ولم تكد هذه الصورة تعود إلى الذاكرة يغشاها الضباب الأصفر الداكن ~~الذي يكتنف لندن في أوائل الشتاء حتى تندفع إلى صفحة الذاكرة صورة من ماضي الحياة في ~~مصر؛ فحيث كان إبراهيم مدرسا ناشئا جاءه غلام في صحبة أبيه ومعهما خطاب من صديق ~~يوصيه بالغلام خيرا لأنه موهوب، ولكن أباه لا يملك من وجه الدنيا قرشا يدفعه أجرا ~~لتعليمه، ويسألهما عن ظروف الغلام فإذا هو في الشهادة الثانوية من أوائل خمسة، لكن ~~المدرسة الثانوية التي يريد الالتحاق بها - كأي مدرسة ثانوية أخرى في ذلك الحين - تطلب ~~القسط الأول قبل الدخول، برغم أنها على يقين من أن مجانية الطالب مكفولة له بحكم ~~القانون؛ فمن أين للوالد الفقير أن يدفع وهو خادم في مسجد رزقه الله هذا الولد ~~النابغة؟! فلا يدري إبراهيم ماذا في وسعه أن يصنع سوى أن يدخل إلى ناظر المدرسة في ~~مكتبه ويقص عليه النبأ: «ماذا لو قبلناه بغير مصروفات، وخطاب المجانية آت من الوزارة ~~في حينه؟» فيقول الناظر، وقد مس الموقف قلبه الطيب: «ومن ذا يدفع عني الاتهام إذا ~~جاء من الوزارة مفتش فوجد طالبا لم يدفع أجر تعليمه قبل الدخول؟» وخرج إبراهيم ليبلغ ~~الوالد والولد، فيبكي الوالد مرددا كلمة: «يا خسارة! يا خسارة»، ويحتضنه الولد ويربت ~~له على كتفيه: «لا عليك يا أبي، لا عليك، لا عليك يا أبي، لا عليك»، وإبراهيم واقف على ~~السلمة الأولى من مجموعة السلالم القليلة المؤدية إلى مكتب الناظر، ينظر إلى الوالد ~~والولد ... # وهذه صور تتلاحق عن نعومة الصلات هناك بين كل إنسان وكل إنسان، فهل شهد في ~~أكثر من ثلاث سنوات شخصين يعتركان؟! أبدا أبدا، لم تقع عينه هناك على عراك، كأنما هم ~~صور تتحرك صامتة على صفحة مرآة، لا تصطدم منها صورة بصورة؛ فالزوج والزوجة، والبائع ~~والشاري، والجار والجار، والصديق والصديق، وكل إنسان وكل إنسان، يلتقيان ms148 في همس ~~ويفترقان في صمت؛ تأتيه هذه الصور حتى لكأنه يشهد سينما صامتة، وفجأة يقتحم الشاشة ~~الذهنية صورة من ماضيه في مصر يسكن في شقة في منزل متواضع، يعلوها مسكن تنزل فيه زوجة ~~وأبناء زوجها، وأما الزوج فيشتغل في الصعيد ولا يحضر إلا حينا بعد حين؛ وتحتها - في ~~فناء البناء الأرضي عند المدخل - غرفة يسكنها صانع بليلة وزوجته، يخرج الزوج بعربته ~~وعليها إناء ضخم مليء بالبليلة وتحته موقد النار، والدخان المخلخل يتصاعد منه؛ أقول: ~~إن الزوج يخرج بعربته تلك ليعود مع المساء؛ وحدث ذات ليل بعد أن انتصف، وهدأت الحركة ~~في البيت والشارع، وسكتت الأصوات إلا من دبيب المارة على فترات متباعدة، أن انفجرت ~~معركتان في آن واحد، إحداهما في الشقة العليا والأخرى في الغرفة السفلى، فمن أعلى جاءت ~~أصوات تشق هدأة الليل: # الشاب ابن الزوج ~~: # لا بد أن أقول لأبي متى تخرجين ومتى تعودين. # الزوجة ~~: # امش! اخرج من بيتي. # الشابة ابنة الزوج ~~(مع أخيها في نفس واحد) ~~: # هذا بيت أبي، اخرجي أنت إلى حيث كنت. # الزوجة ~~(تنادي الخادمة) ~~: # أخرجيهما بالقوة يا مبروكة. # الشاب ابن الزوج ~~: # اخرسي وإلا قذفت بك من النافذة. # الزوجة ~~: # إما أنا وإما أنتما في هذا المنزل بعد الآن. # الشاب ابن الزوج ~~: # أين تبددين النقود التي يتركها لنا أبي؟ # الزوجة ~~: # اسم الله على أبيك ونقوده يا سعادة البك! نقود أبيك لا تكفيني لشراء الملح ~~... # وفي هذه اللحظة نفسها انفجرت القنبلة الثانية من أسفل، وكانت أفدح خطرا؛ فقد عاد ~~بائع البليلة في هذه الساعة المتأخرة من الليل مخمورا لا يعي شيئا ولا يستطيع النهوض ~~بجسده، فرافقه زميل له في الخمر يتساندان، حتى أوصله الزميل إلى منزله، وخرجت إليهما ~~الزوجة القلقة هابة من غرفتها زاعقة في الصديق قائلة كيف كان زوجها كالملائكة يذهب ~~إلى عمله ويعود إلى بيته، حتى عرف طائفة الأبالسة التي ترافقه هذه الأيام، ثم راحت تدعو ~~الله: # الزوجة ~~: # إلهي وأنت جاهي وجاه «الولايا» يا رب، تنتقم منهم لقاء ما أفسدوا من ~~زوجي. # الصديق المخمور ~~: # هو ذا ms149 زوجك بين يديك، دقيه واصنعي منه «كفتة»! هأ هأ هأ (وانصرف). # الزوج المخمور ~~(بعد فترة مليئة بأصوات حركة غير مفهومة للساكن في ~~أعلى) ~~: # تشتمين أصحابي؟! تشتمين أصحابي؟! # فتصرخ الزوجة مستغيثة لأن زوجها السكران يهاجمها بالسكين ليبقر بطنها جزاء ما اقترفته ~~من شتم صديقه؛ وأطلت الزوجة المعتركة مع أبناء زوجها، أطلت منا نافذة «المنور» لتقول ~~للزوجة المنكوبة إنها آتية لنجدتها، ويمضي الزوج السكران في سؤاله الاستنكاري: تشتمين ~~أصحابي؟! تشتمين أصحابي؟! واستيقظ السكان جميعا في عاصفة من أصوات فازعة، وحركة أقدام ~~على السلم مسرعة في هبوطها لتنقذ الزوجة من براثن زوجها المخمور. # ويكر شريط الصور في رأس إبراهيم وهو على سفينته؛ من هناك صورة ومن هنا صورة: # هذا هو الوزير الإنجليزي «نويل بيكر» يقف في الصف وفي يده فنجانه ينتظر دوره ليملأه ~~بالشاي، وأمام رجل يرتدي رداء سعاة الدواوين، فلا الوزير يفكر في التقدم قبل دوره، ~~ولا الخدم من أمامه يفكرون في التنازل عن مواضعهم؛ فالساعة ساعة الراحة له ولهم بين ~~جلسات جمعية الأمم في أول انعقاد لها في لندن - قبل رحيلها إلى نيويورك - وتذهب هذه ~~الصورة لتحل محلها صورة الوزير المصري الذي كان ينتظر منه ألا يكون كسائر الوزراء ~~عنتا واستبدادا؛ لأنه كان - دونهم - إماما بيننا من أئمة الأدب والفكر والحركة ~~الحضارية بصفة عامة؛ ومع ذلك فقد رأيته وهو على كرسي الوزارة كيف يتعنت وكيف يستبد، ~~كأنما أصحاب الحقوق الواقفون أمام بابه حفنة من الغنم، بينها وبين الراعي الأكبر صفان ~~طويلان من الذئاب، على نحو ما كان المصريون الأقدمون يقيمون صفوف الأسد أو الكباش ~~أمام المعابد لتحرسها من هجمات الشياطين. # ويعض إبراهيم على شفته بأسنانه عضة من اعتزم أمرا، وألقى بالورقة التي كانت في ~~يده إلى موج البحر الصاخب، فما تزال السفينة تنقذف بين الموج الثائر من قمة إلى وهدة ~~فإلى قمة من جديد، والرذاذ يلطم وجهه وصدره كأنه الرصاص، وصرعى الدوار من حوله صفر ~~الوجوه كأنهم الموتى في وباء كاسح، لقد اعتزم الدكتور إبراهيم في تلك اللحظة ألا ينزل ~~لأحد ms150 بعد اليوم قيد شعرة عن كرامته؛ لقد أحس بفرديته وقد انتفخت، وصمم على أن يقف بها ~~عند عودته كما يقف الجبل الأشم من رءوس الناطحين. ~~••• # عندما سافر إبراهيم الخولي إلى إنجلترا دارسا. كانت تعتمل في نفسه قوتان متصارعتان: ~~إحداهما إرادة مصممة على بلوغ الهدف مهما كلفه ذلك من عناء، والهدف المقصود الذي أخذ ~~يسعى إليه منذ صدر شبابه، هو أن يكون له دور ملحوظ في الحياة العلمية والثقافية؛ وأما ~~الأخرى فهي حالة دفينة من اليأس أن يحقق هو نفسه مما أراد شيئا؛ فهو عندما سافر كان ~~بالفعل قد بذل جهودا لم يعرف مداها إلا هو؛ وأما أقرانه وأصحابه ومن كانوا يكبرونه ~~ومن كانوا يصغرونه، فلم يكن أي منهم على دراية بما بذله إبراهيم؛ فكل من هؤلاء قد ~~يعلم عنه شيئا وتفوته تسعة أشياء، وحتى الذين عرفوا عن جهوده ذلك القليل، فقد ندر منهم ~~جدا من حمل له التقدير، أو ربما حمل التقدير في نفسه سرا مكتوما ولم يفصح عنه ~~بالقول أو الكتابة. # كان إبراهيم يعلم ذلك جيدا، وكانت تغمره موجة القنوط آنا بعد آن، لكنه بالقوة ~~الأخرى في نفسه ينهض من قنوطه ليعمل، وليكن بعد ذلك ما يكون، وفي إحدى لحظات اليأس - ~~وهو في لندن - خرج عصر يوم من أيام الآحاد لينشق الهواء في هايد بارك؛ وهايد بارك ~~متنزه فسيح يقع في قلب مدينة لندن، له خصائص يتميز بها في أذهان عارفيه؛ منها هؤلاء ~~الخطباء عند مدخله، يرتقون المنابر ليخطبوا في أي موضوع شاء الخطيب أن يتحدث فيه، ~~وليسمع من أراد من رواد المتنزه أن يسمع، والأغلب أن يتحلق حول كل خطيب مجموعة من هؤلاء ~~الرواد - تقل أو تكثر تبعا لموضوع الحديث - وهم إنما يتحلقون حول الخطباء تفريجا ~~عن أنفسهم، وإزجاء لأوقات فراغهم، ولكن إبراهيم إذ قصد إلى هايد بارك عصر ذلك اليوم، ~~فإنما أراد الهواء النقي ولم يرد أحاديث الخطباء، غير أن شيئا لم يكن في حسبانه ~~غير وجهته؛ وأترك لإبراهيم نفسه رواية ما حدث: ~~... استوقفني من الخطباء منظر ms151 عجيب: خطيب من هؤلاء رأيته قائما على منبره يخطب ولا من ~~سميع! لم يقف أمام الرجل إنسان واحد يستمع إليه، ومع ذلك مضى المسكين في خطابه، يرفع ~~صوته ويخفضه، ويشير بيمناه تارة وبيسراه طورا، وينحني ويستقيم، ويضرب النضد الصغير ~~الذي أمامه بيده، مقبوضة مرة مبسوطة أخرى، دنوت منه، ووقفت إزاءه، أنظر إليه، وما هو ~~إلا أن طاف برأسي خاطر عجيب؛ إذ خيل إلي أني أنظر إلى نفسي في مرآة، وإنها لفرصة ~~نادرة الوقوع أن تجد لنفسك مرآة تصورها لك فتهديك بعد ضلال، فما أهون أن تنظر إلى وجهك ~~في مرآتك، لتصلح ما اختلط من شعرات رأسك، وتهذب ما هاش من شاربيك، لكن أنى لك مرآة ~~تجلو أمام ناظريك ما خفي من شعاب نفسك، لتصلح منها ما اعوج إن كانت بذات عوج، أو ~~لتزهي بها أن كانت قمينة بالإعجاب، ولقد رأيت في ذلك الخطيب مرآة لنفسي، وأخذت دقة ~~الصورة تزداد في عيني جلاء ووضحا، فابتسمت ثم ضحكت في نبرة مسموعة. # قال الخطيب: ما يضحكك يا صاحبي؟ # قلت: يضحكني أننا شبيهان. # قال: شبيهان؟! # قلت: نعم؛ وليس الشبه في هيئة الجسم؛ فكلانا يبعثر في الهواء طاقته؛ كلانا يبذل ~~الجهد، فيذهب الجهد أدراج الرياح. # عجيب هذا الضوء الذي تلقيه تجارب الأيام على القول المكرور المعاد! فقد تردد ~~العبارة الواحدة ألف مرة، وتحسب أنك قد فهمت معناها؛ لأنك عرفت معاني ألفاظها كما ~~تشرحها القواميس، فإذا بك تنطق بها مرة أخرى فتلمس فيها حياة نابضة لم تعهدها من ~~قبل، فكأنما أشرق عليك منها معنى جديد؛ لأنها في هذه المرة كانت قطعة من حياتك وقبسا ~~من روحك، ولم تكن ألفاظا مرصوصة يقولها الناس فيرن صداها بين شفتيك؛ فكم رددت مع ~~الناس قولهم: «لا في العير ولا في النفير»، ولم أكن أدري أنني إنما أرددها ترديد ~~الببغاوات عن غير فهم حي صحيح، حتى قلتها منذ قريب فأحسست لها هزة تشيع في وجودي، ~~وأدركت أنها لم تعد مثلا يقال، بل أصبحت جزءا من صميم الحياة؛ وحدث مثل ذلك حين ms152 قلت ~~لصاحبي الخطيب إننا نبذل الجهد، فيذهب الجهد أدراج الرياح. ~~... أرأيت يا خطيب الهواء سيارة أمسكها الوحل فأخذت عجلاتها تدور، وهي في مكانها لا ~~تتحول! لو كانت هذه السيارة تنطق لزعمت لك أنها طوت من الأرض فراسخ وأميالا؛ لأنها تحس ~~في حر أنفاسها حرارة الجهاد، وتحس عجلاتها تدور؛ فهيهات أن يقع في ظنها أنها تدور في ~~غير سير إلى أمام، إيمانا منها بأن ذلك ضد طبائع الأشياء، وما تدري أن هذا الوحل ~~الذي يأذن لعجلاتها أن تدور ثم يمسك جسمها عن السير هو أيضا من طبائع الأشياء. # نحن أيها الخطيب شبيهان، كلانا أدرك الهدف وأخطأ سواء السبيل؛ أراد لنا نحس الطالع ~~في صبانا أن يخدعنا المعلمون - والمعلمون أحيانا ما يخدعون، ويبشرون بما لا يؤمنون ~~- فأوصونا بأن نجعل من النجم غايتنا، فأبت علينا الأمانة البلهاء إلا أن نكد ونكدح ~~لنبلغ النجم، وفاتتنا الحيلة التي يدركها الألوف إدراك البداهة في غير عسر ولا عناء، ~~وهي أن نلتمس النجم في صورته على صفحة الماء، وأولو الأمر لا يفرقون بين النجم وصورته، ~~فكلاهما في أعينهم لامع لألاء، وبربك لا تقل إننا إذ نروم النجم في سمائه تستقيم ~~منا الظهور، وتشرئب الأعناق، وتشمخ الأنوف؛ أما إذا أردنا الصورة فلا بد من ~~«انحناء»؛ فتلك حكمة القدماء، والحكمة إنما تساير وسائل النقل في تطورها، فلا ينبغي أن ~~تكون حكمة الطائرة مثل حكمة «الحمار» ... # كانت تلك الأسطر بعض ما كتب إبراهيم في إحدى لحظات يأسه؛ والحق أني حين قرأتها ~~تبينت فيها ما يشبه نبرات الأحدب فيما يكتبه، وكثيرا ما يختلط علي الأمر فلا أدري ~~من منهما الكاتب لما أقرؤه؛ إذ تكون النغمة نغمة أحدبية؛ وأما المضمون فيوحي بجوانب ~~أعرفها من حياة إبراهيم. ~~••• # إن ثلاثتنا - الأحدب وأنا وإبراهيم - لم نجتمع قط حتى الآن في مكان واحد وفي لحظة ~~واحدة لنتفق معا أو لنختلف على شيء بعينه؛ فكل منا منصرف في دنياه إلى ما خلقه ~~الله له: الأحدب في مجال اهتماماته الأدبية قراءة وكتابة، وإبراهيم في حياته العلمية ~~دراسة وشهادات ms153 ومؤلفات، وأنا في سعيي إلى كسب العيش والتعامل مع الناس وفق ما تواضعوا ~~عليه من نظم وقواعد؛ لا، لم يحدث لثلاثتنا قط حتى الآن أن تم لها لقاء يجمعها، لكن ~~كل واحد من الثلاثة قد أصبح على وعي بوجد الزميلين الآخرين، وما يربطهما به من ~~خيوط. # كانت تلك هي الصورة عندما عاد إبراهيم (هو الآن الدكتور إبراهيم الخولي)، عاد إلى مصر ~~واثقا من نفسه، مؤمنا بدعوة إلى ثورة علمية في حياتنا، تتناول منهج النظر، فتحوله ~~من قراءة الكتب لاستخراج الأحكام من بطونها، إلى قراءة المشكلات الحية على «الطبيعة» ~~لالتماس حلولها من واقعها. كان إبراهيم عندما سافر في بعثته العلمية خلوا من هذين ~~العنصرين معا، فلا هو على ثقة من نفسه، ولا هو ذو دعوة محددة المعالم والأهداف. # لكنه لم يكد يضع أصابع قدميه في ميدان العمل، حتى نزلت عليه اللكمات واللطمات أشكالا ~~وألوانا من هزء وسخرية وازدراء وتصغير، وها هنا ارتد إلى طبيعته التي لازمته منذ ~~السنوات الأولى من عمره، وها هنا كذلك جمعته المصادفة المبصرة مع صنويه الأحدب وأنا ~~لأول مرة، ولم يطل بينهم إجراء التعرف بعضهم إلى بعض؛ لأنهم أحسوا جميعا - وفي ~~لمحة خاطفة - أنهم إن لم يكونوا إخوة توائم فهم كالإخوة التوائم؛ يختلفون فيما بينهم ~~اختلافا بعيدا، لكنهم جميعا يتفقون على محاور رئيسية، هي نفسها المحاور التي أشرت ~~إليها الآن حين قلت عن إبراهيم إنه ارتد إلى «طبيعته» الأولى التي لازمته منذ السنوات ~~الأولى من عمره، والتي كان من أهم عناصرها أمران: أولهما اندفاع نحو المجهول بشجاعة ~~ظاهرة، والثاني فرار إلى انطواء في جحره ليحتمي في ظلمته وبين جدرانه؛ فهذان ~~العنصران اللذان يبدوان وكأنهما نقيضان، وهما في الحقيقة متكاملان، وهما اللذان تجتمع ~~عليهما طبائع الأشخاص الثلاثة، ثم يختلفون بعد ذلك ما شاء لهم الاختلاف أن ~~يتباعدوا. # عاد إبراهيم من إنجلترا واثقا من نفسه، مؤمنا بدعوته، فاندفع في دنيا العمل شجاعا، ~~فتلقى ضربات من هوان، فلاذ مسرعا بانطوائه في عزلة أو ما يشبه العزلة، وحاول - ~~وهو في تلك ms154 العزلة أو ما يشبهها - أن يحافظ على ثقته بنفسه وعلى نشر دعوته من وراء ~~الجدران، فلما حدث أن اجتمع بصنويه لأول مرة، اجتمع الثلاثة جميعا على أن تكون لهم ~~هذه الوقفة الواحدة - كل في مجاله وفي حدود كيانه - وهي الوقفة التي تحتمي في حصنها ~~وتهاجم على الورق؛ ومن هنا جاء التكامل بين التوائم الثلاثة؛ إذ كتب الأحدب بنبرته ~~الحادة الساخرة؛ وإذا كتب إبراهيم بتحليلاته الهادئة العلمية الموضوعية، وإذا سلكت أنا ~~في مسالك الحياة العملية منخرطا في قوالبها وتقاليدها، فالصور الثلاث كلها تنطوي على ~~جوهر واحد، قوامه العمل على التغيير بالثورة الصامتة، أو هو المهاجمة من أبراج القلاع ~~التي يلفها الضباب، بما يشبه ما تصنعه القبرة التي أنشد لها الشاعر «شلي»، فقال عن ~~تغريدها الذي يسمع وكأنه آت من وراء الحجب، إنه يسمع من مصدر مجهول لا تراه ~~الأبصار؛ أو قل إن الجوهر الذي نلتقي عنده ثلاثتنا، هو كحقيقة البحر المحيط عندما يسكن ~~ماؤه ولا يهتاج بموجه القوي المخيف؛ فإن ليونة الماء وسيولتها - عندئذ - تغري حتى ~~الأطفال بالعبث بها واللعب على ظهرها وعند أطرافها، فهم لا يرون ما وراء ذلك الضعف ~~البادي من قوة يدأب بها البحر المحيط - حتى في سكونه - على إذابة الحديد وتفتيت ~~الجلاميد. # عاد الدكتور إبراهيم الخولي من إنجلترا واثقا بنفسه مؤمنا بالدور الذي يعتزم القيام ~~به، لكنه وجد نفسه محاطا بجماعة من أصحاب النفوس الفقيرة، التي تعوض خواءها الداخلي ~~بقتل من يصادفها في الطريق ممتلئا بدفعة الحياة؛ إنها نفوس عاجزة ويعزيها عن عجزها ~~أن ترى العجز في الآخرين، إلا أن للفقر صورا شتى؛ فمنها اليباب القفر الذي تلتهب ~~رماله برقدة الشمس، ومنها الصخر الأجرد الذي صلد صدره وتصلبت أطرافه، ومنها السماء ~~لا تجود بالغيث، ومنها الوردة تذبل وتذوي، ومنها الجيوب تخلو من المال ... لكن لا اليباب ~~القفر، ولا الصخر الأجرد، ولا السماء اليابسة، ولا الوردة الذابلة، ولا الجدول غيض ~~ماؤه، ولا الجيوب الخالية من المال، بمستطيعة أن تصور الفقر بأقوى مما تصوره النفوس ~~الفقيرة؛ ولقد وجد إبراهيم ms155 نفسه محوطا بزمرة من تلك النفوس التي لا تملك الخصوبة لنماء ~~الزرع فتفتك بكل زراع تراه ناميا، وهي نفوس جماعة من الكبار الصغار: كبار الأجسام ~~والأعمار صغار الهمة صغار الأحلام؛ أقصى قدراتهم أن يصنعوا صنيع التلاميذ في استذكار ~~دروسهم كما هي مكتوبة في دفاتر، فكذلك هؤلاء العاجزون: أقصى ما يطمحون إليه أن تعبث ~~أفهامهم المحدودة بأسطر يقرءونها قراءة العاجزين ويدركون مراميها إدراك العاجزين، ~~وهؤلاء هم الذين أحاطوا بإبراهيم وضحوا حوله وضجوا حوله بالطنين، ولما كان من طبيعة ~~إبراهيم منذ أول نشأته تلك الحساسية الشديدة التي تدفعه أمام نذالة النذل وجهالة الجاهل ~~وعدوان المعتدي أن يسرع فينطوي، على أن يضرب بسهامه من وراء الجدران. كان ذلك هو الذي ~~حدث له بعد عودته بقليل، وربما استمر معه حتى يومه الراهن. # وكانت تلك السهام من إبراهيم إلى أعدائه ومنافسيه، حجاجا عقليا يدور كله نحو ترسيخ ~~النظرة العلمية في كل ما ليس متصلا بالذات ووجدانها، والهدف النهائي من معركته مع ~~معارضيه هو الدعوة إلى بعث جديد في الفكر العربي، لا يتاح له أن يتحقق إلا باصطناع ~~منطق جديد ومنهج جديد. ~~••• # أما هنا فلنوجه أنظارنا نحو الأحدب صاحب الوجدان الملتهب، لنرى ماذا كان يكتب، ~~وكيف كان يحيا، في الوقت نفسه الذي كان صنوه إبراهيم يقاتل من يقاتله في مجال الفكر ~~العلمي. # الهدف البعيد للتوائم الثلاثة - كل في ميدانه وبأسلوب حياته - هو الإسهام فيما يؤدي ~~بمصر خاصة، وبالوطن العربي كله عامة، إلى بعث جديد نواكب به العصر وفكره ~~وحضارته، فإذا كان الدكتور إبراهيم الخولي بحكم دراسته قد تصدى لنصرة العقل ومنهجه؛ ~~فقد كان نصيب رياض عطا (الأحدب) بحكم عاطفته الحادة وحساسيته المرهفة، هو التصدي لنصرة ~~الضعيف المحروم، وكان سلاحه في ذلك أن يعيش هو نفسه عيش الضعف والحرمان، حتى ولو ~~توافرت له أسباب القوة والمتاع؛ لأن ذلك من شأنه تغذية القلم بمداده إذا كتب. # وكذلك مما يميز الأحدب من إبراهيم، أن إبراهيم إذا جاءه النقد أو جاءته إهانة أو ~~استهانة من آخرين، فإن المرجح لشخصيته أن ms156 ينظر إلى الأمر بينه وبين نفسه بشيء من ~~الإنصاف، ليرى إذا كان الآخرون على حق فيما قالوه أو فعلوه أو كانوا على باطل؛ وأما ~~الأحدب فإذا أوذي كان الأرجح عنده أن يتوجه إلى نفسه باللوم والتقريع؛ اعتبارا منه بأن ~~نفسه تلك لا بد أن تكون معيبة على النحو الذي أوحى للآخرين بما أوحى من ضروب ~~الإيذاء؛ إنه نوع من الرغبة الدفينة في نفس الإنسان يريد أن ينزل على نفسه العذاب ~~والألم، وهي رغبة تتفاوت عند الناس ضعفا وقوة، ويبدو أن للأحدب منها نصيبا ~~موفورا. ~~... هذه هي نفسي أضعها أمامك عارية؛ لن أستحي مني مكنونها وخبيئها مهما يكن خبيثا، ~~فكل الناس هذا الخبيث، لكن الرياء يستر ويخفي؛ رأيت ظهر اليوم غلاما أمام الدار يلعب ~~«بالنحلة» فيلف طرف الخيط حول نحلته الخشبية، ثم يقذف بها، فتدور النحلة على سنها ~~فوق بلاط الإفريز دورانا شديدا، لكن الغلام يخشى على دورانها الفتور والضعف، فيظل ~~يضربها بعذبة سوطه ضربا متلاحقا، حتى تدور ولا تكف عن الدوران، وعدت إلى مجلسي ~~من الدار، فما هي إلا أن تنزو بنفسي الخواطر المثيرة؛ إذ صورت لنفسي فلانا وقد قذف ~~بي على الأرض قذف الغلام لنحلته، وراح يلهبني بعذابات سياطه حتى أدور ولا أكف عن ~~الدوران لنفعه هو ولا عليه بعد ذلك أن أتعب وأدوخ ... إنني تلك النحلة الدائرة لمتعة ~~اللاعبين، أضرب بالسياط لئلا أكف ... أطلقت خواطري متلاحقة سوداء قاتمة، كأنها أسراب ~~الغربان تحوم في الهواء ... رأيت الناس معذبا بعضهم بعضا؛ كذب ونفاق هذا الذي يكتبونه ~~في الكتب، ويعظون به في المحافل، من أن الإنسان يريد لنفسه ولغيره الراحة والخير ... وخطر ~~لي خاطر عجيب، وهو أن أمزق كتبا عندي تمتلئ صفحاتها بمثل هذا الكذب ... # كان شعور الأحدب بالعزلة موحشا في كثير من الأحيان، حتى ليحس كأنما هو وحده مهما ~~يكن حوله من كثافة الزحام، ومن يلحظ نفوره من الناس - ونفور الناس منه أحيانا تبعا ~~لذلك - ثم من يتعقب كتاباته، يقع على إشارات كثيرة تشير إلى بعض الأسباب التي أدت به ms157 ~~إلى ذلك، وهي أسباب يرجع بعضها إلى أيام الطفولة الباكرة، لكن بعضها الآخر يشير إلى ~~أحداث وقعت له على امتداد سيرة حياته، وفيما يلي أسطر مقتبسة من مقالة كتبها، وأرسل ~~نفسه فيها على سجيتها، وتتبع خواطره في مجرى شعوره الباطني كما وردت، لا يربطها إلا ~~الروابط التي تصل الأجزاء المتتابعة في أحلام اليقظة، قال: ~~... لقد حز في نفسي أن يكلمني «ع» وهو يركب السيارة كأنما هو يخاطب حفنة من ~~هواء ... لماذا لم أحسم الأمر حين ازورت بوجهها أول مرة؟ أقسمت لي أنها لا ~~تضمر السوء، وصدقتها؛ كنت أخشى دائما أن أسيء إليها، فكيلت لي الإساءة ~~لطمات بعد لطمات. كانت غاية في الرشاقة حينما رأيتها، لماذا خفق قلبي لها وما ~~كان ينبغي له أن يفعل؟ يا بني لا تتحدث حديث القلب؛ فهذه لغة الشباب ولم تعد ~~شابا، ألا ما أشد غرورها؛ ليتني أجد الشجاعة عندي فأسيء إلى من يسيئون إلي ~~بمثل ما أساءوا ... كانت نغمة كلامها في التليفون أخاذة، لكنها إبليس في صورة ~~البشر؛ إنها الشر كله في صورة إنسان؛ إني لأعجب كيف يكون هذا الشر كله في هذه ~~الرقة كلها؛ آه لو رددت الإساءة بإساءة مثلها، إذن لما عانيت شيئا من لذع ~~الضمير الذي يؤرقني ويعذبني؛ حسبوني أبله ساذجا، هم مخطئون، لئن أكن قد ~~أمسكت عن الردود الصحيحة في المواقف المختلفة، فما ذاك إلا حياء، لم يكن ~~بلاهة ولا سذاجة، إن الماضي لا يعود، وجرحك سيظل إلى موتك داميا ... # قلت لنفسي وأنا أقرأ للأحدب هذه المقالات: هذان - إذن - عاملان أثارا في المسكين ~~كوامن نفسه، فألحقا به من الإحساس بالصغر ما كانت نشأته قد هيأت له الجو والتربة، فما ~~على الظروف بعدئذ إلى أن تلقي ببذرة فتنمو في نفسه وتورق بين يوم وليلة، وهذه هي ~~الظروف قد ألقت بذرتين لا بذرة واحدة، فلا أرباب القلم الذين قبلوه كاتبا قد أكرموه ~~إنسانا، ولا هذه الفتاة التي يشير إليها والتي قد قبلته إنسانا قد قبلته رجلا ~~... # لقد راجعت بنفسي كثيرا جدا مما كتبه ms158 الأحدب، لعلي أقع على بينات تكشف عما ~~يتعلق به اهتمامه ويحفزه ويثيره، وأحسب أن فكرة «العدل» ربما جاءت عنده في المقام ~~الأول، أو قل إنه لا يسبقها في رأيه إلا «الحرية»؛ فهذا الرجل المنزوي في ركن معتم، ~~والمنطوي على نفسه انطواء يوشك أن يغلق كل نافذة قد تصله بالضوء والهواء، يثور ثورة ~~عارمة إذا ما مسه - أو مس أحدا يقع في دائرة اهتمامه - شيء من الغبن، كأنما هو ~~يتوقع من البشر أن ينصبوا موازين لا يفلت من دقتها مثقال ذرة، ولما كان الإجحاف في ~~حياتنا الجارية أمرا مألوفا وشائبا، حتى لتستطيع أن تعده جزءا من كياننا ~~الاجتماعي؛ فالظالم لا يكاد يحس أنه ظالم، والمظلوم يعلم مقدما أنه سيصبح مظلوما ~~بين كل عشية وضحاها؛ أقول: إنه لما كان هذا يشبه أن يكون جزءا من نسيج حياتنا، رأيت ~~الأحدب يتعرض لانفعالاته الحادة كل يوم، ولا يعرف قلمه كيف يكتب إلا أن يكشف عن هذه ~~الثقوب والعيوب التي لا تغمض العين لحظة إلا لتنفتح على ثقب هنا وعيب هناك. # على أن جانبا معينا من جوانب الظلم الذي يكتنف حياتنا، يشغل باله أكثر من سواه ~~بدرجة ملحوظة، ألا وهو قسمة الحظوظ في دنيا المثقفين عندنا؛ فالمشهد كما يراه الأحدب هو ~~أن الريادة الثقافية تتناسب تناسبا عكسيا مع الإنتاج الثقافي، فإذا كان الإنتاج ~~صفرا عند زيد كان مرجحا أن يكون هو الكاهن الأعلى، وإذا كان الإنتاج متلاحقا ~~وغزيرا عند عمرو، فالأغلب أن يوضع عمرو بين «الأنفار» و«الفعلة» يؤمر ولا يأمر؛ وبين ~~تلك القمة الصفرية العليا، وهذه القاعدة السفلى من الفاعلين العاملين، يتدرج المثقفون ~~درجات على الأساس السابق نفسه. وإني لأبيح لنفسي أن أضع بين يدي القارئ قطعة أدبية ~~كتبها الأحدب في هذا المعنى، وعنوانها «قرصنة في بحر الثقافة» لأني أراها رائعة من ~~روائعه: # لم أكد أصدق سمعي، حين أخذ صديقي عالم الآثار المصرية يقرأ لي نصا قديما من ~~لفائفه البردية، كتبه كاتبه فيما يقرب من القرن الحادي عشر قبل الميلاد، ليصف به حياة ~~الثقافة والمثقفين ms159 في عصره، وصفا لو أزلت منه أسماء الأعلام ومعالم الأحداث، لتضع ~~مكانها أسماء المعاصرين وأحداثهم، لظننته قد كتب عن عصرنا الراهن هذا بعلمائه وأدبائه، ~~نعم، لم أكد أصدق سمعي؛ لأنني وقد كنت أعلم أن خصائص الشعوب تخترق حجاب الزمن، فتصل ~~حاضر الشعب بماضيه، لم أكن أعلم، مع ذلك، أن هذه الخصائص العنيدة المكافحة في سبيل ~~بقائها تمتد رقعتها وتتسع لتشمل صفات كنت أحسبها من التوافه التي تظهر وتختفي مرهونة ~~بظروفها؛ فليس عجيبا أن يجيء الأحفاد أشباها لأجدادهم في احتفالات الميلاد وفي شعائر ~~الموت؛ لأن هذه أمور موصولة بشرايين الحياة نفسها؛ أما أن يتشابه أولئك بهؤلاء في ~~الطرق التي يتخاطف بها العلماء والأدباء ثمرات جهودهم، بحيث يكون الحاصدون أناسا غير ~~الزارعين، فذلك حقا هو موضع العجب؛ لأنه من التوافه التي لم يكن ليجدر بالزمن الوقور ~~الجليل أن يخطفها ويصونها لتنتقل على ظهور الأجيال من الجد إلى الحفيد. # وكاتب البردية التي أخذ صديقي عالم الآثار يفك لي رموزها، هو كاهن من معبد آمون في ~~مدينة طيبة، والظاهر أنه كان ذا مكانة مرموقة بين كهنة المعبد؛ لأنه يتحدث حديث الواثق ~~بنفسه، تسري في كلماته رنة العظماء حيث يتحدثون إلى من يصغرونهم منزلة وقدرا، اسمه ~~- فيما أذكر - حريحور أو ما يجري مجرى هذا الاسم في الوزن والنغمة، وقد بدأ رسالته هذه ~~بذكر المكان الذي خطها فيه، فإذا هو قد كتبها في مركب أقلع به من طيبة إلى مصر ~~السفلى، إذ هو في طريقه إلى البحر الكبير، قاصدا إلى بيبلوس على الشاطئ اللبناني، في ~~مهمة لم يفصح عنها. # أخذ الكاتب يدون تفصيلات من حياته اليومية: ماذا كان يأكل، وأين ترسو به السفينة، ~~وكيف يعترك النوتية آنا ويسمرون في صفاء آنا، ثم انتقل إلى تسجيل ما أراد ~~تسجيله ليروي لنا عن معركة كلامية دارت بينه وبين كاتب قليل الشأن. كان لا يزال من ~~السلم الكهنوتي في أدنى درجاته، ومع ذلك اجترأ هذا الصغير على مجادلة حريحور الذي كان ~~يعلوه في مراتب الكهنة بدرجات كثيرة. # ففي أمسية ms160 مقمرة من أماسي طيبة الجميلة في شهر يقع في مستهل الصيف. كان حريحور ~~- وهو كاتب البردية يروي فيها عن نفسه - جالسا في بهو مكشوف من أبهاء المعبد، وإذا ~~بشبح إنساني يقترب منه في سكون خاشع، حتى إذا ما واجهه استأذن في الجلوس لأن عنده ~~أمرا يريد أن ينفضه عن نفسه ليستريح، وما هو إلا أن أشار له الكاهن الشيخ ليأذن ~~بجلوسه، وينحني تجاهه انحناءة خفيفة ليسمع، فطفق الكاهن الشاب - ولم يذكر اسمه من أول ~~البردية إلى آخرها، مكتفيا بالإشارة إليه إشارات لا تخلو من معاني التصغير والتحقير - ~~طفق الكاهن الشاب، في لعثمة أول الأمر وفي طلاقة بعد ذلك؛ طفق يشكو من أن حريحور ~~قد نسب إلى نفسه قصيدة من الشعر، وتلاها على ملأ من الناس وكأنها من صنعه، فلم يشأ ~~الشاب - وهو ناظم القصيدة الأصيل - لم يشأ أن يعترضه أمام الناس، وها هو ذا قد جاء إليه ~~ليطلب منه أن يصحح للناس هذا الخطأ، وهو خطأ لا بد أن يكون قد وقع سهوا من ~~الكاهن العظيم. # ويروي لنا حريحور كيف صعق لهذه الجرأة النادرة من صغير مغمور يواجه بها عظيما ~~مشهورا، وحاول أن يفهمه بأن الملكية في ثمار الفكر هي للجماعة لا للفرد، على أن يظفر ~~بفوائدها أطول الناس ذراعا وأجهرهم صوتا وأرفعهم منبرا؛ فأقل شيء في مجال الفكر هو ~~أن تخلق الفكرة وتبدعها، أما الأهمية كلها فإنما تكون لمن استطاع أن ينشرها ويذيعها، ~~هب أنك يا بني قد تركت لقصيدتك، لا تجد اللسان البليغ الذي ينشدها، فما قيمتك ~~عندئذ، وما قيمة قصيدتك هذه؟! وهنا أراد الكاهن الشاب أن يقول شيئا، لكن الكاهن ~~العظيم قد ضاق به صدرا فنهره وطرده من المعبد. # ولقد بدأ حريحور في برديته بذكر هذه الحادثة، لا لأن لها عنده خطرا في ذاتها، بل ~~ليستهل بها حديثا يريد أن يثبته، لعله يرسي به للأجيال القادمة أصولا ومبادئ تكون ~~هي العماد كلما أشكل عليهم أمر في أخلاقية العلم والأدب. # ففي شريعتنا - هكذا كتب حريحور - لا تقتصر البلاغة ms161 على الكلام المنطوق، بل هي صفة تصف ~~الصمت قبل أن تصف الكلام؛ فالصمت عندنا أبلغ وأفصح؛ لكن الصامت البليغ ليس هو كل صامت، ~~وإلا لجاز أن نصف بالبلاغة جلاميد الصخر وصم الجبال، وإنما تكون البلاغة للصمت عند ~~وجهاء القوم وعظمائهم دون السفلة منهم والسوقة والرعاع، فاظفر لنفسك أولا بمقعد كبير ~~وثير، تحيط به الحاشية الخادمة المطيعة، قبل أن يحل لك أن تسلك في زمرة أصحاب الصمت ~~البليغ، وينتج عن هذا المبدأ الأول مبدأ ثان، وهو أن الأديب لا يشترط فيه أن يقول ~~أدبا أو أن يكتب أدبا؛ لأن شريعتنا تعطي الصدارة في دنيا الأدب لمن كسب لنفسه البلاغة ~~الصامتة، فلا يسأل أديب عن أدبه إلا إذا كان أديبا ناشئا صغيرا؛ أما ذو الجاه ~~العظيم؛ فهو أديب بسحنته وملامحه وطريقة قيامه وقعوده، وهاكم تاريخنا الأدبي كله ~~شاهدا على صدق ما أزعم، فكلما علا الأديب وصعد قل إنتاجه، حتى إذا بلغ قمة المجد كان ~~إنتاجه صفرا، وسر في هذا المنطق إلى نهايته، تجد أن العلو والصعود كعروش الأباطرة ~~والملوك؛ قد تجيء أصحابها بالوراثة لا ببذل الجهود، فحين يكون الأديب - في ملتنا - ~~أديبا أصيلا عريقا، نعفيه من قول الأدب وكتابته، فلغيره من الصغار العاملين أن يكتب ~~وأن يقول، وله هو الريادة والقيادة؛ فأنى له بطول الزمن الذي يسع أن ينتج الأدب وأن ~~يرود ويقود في آن معا؟ إنه إما هذه وإما تلك، ولا جمع بين الضدين في أمثال هذه ~~الأمور. # إن هذا الكاهن الصغير حين اجترأ علي ببذاءته في سكون المعبد وجلاله، وقد فاته ما قد ~~خطته الأقدار للناس من حظوظ؛ فللمرضي عليهم أن يعيشوا في رفعة ونعيم؛ وأما ~~المغضوب عليهم فلزام أن يعملوا كادحين، وهذا مبدأ حكيم مهما اختلف مجال التطبيق، فإذا ~~كان فلاح الأرض يزرعها وصاحب السيادة يأكل الزرع، فكذلك على صغار الناس في دنيا الفكر ~~والأدب أن يكتبوا وينظموا، ليكون الحصاد من نصيب الكبار، تلك هي عدالة السماء التي لا ~~تنحرف عن الجادة ولا تجور. # وهنا ينتقل حريحور ليضرب المثل ms162 بالتجارة والقرصنة، قائلا في يقين من لا تخالجه خلجة ~~شك واحدة: إن التجار هم الذين يجوبون البحار بتجارتهم التي اشتروها بالمال، وأرادوا من ~~ورائها الربح بالكد والكدح والعرق، لكن فوق هذه الطبقة طبقة أعلى وأرفع - إذا قيست ~~الأوضاع بمقاييس السماء العادلة - وأعني فئة القراصنة، الذين لا يطلب منهم إلا شيء من ~~مهارة وبراعة، فيعلمون كيف يباغتون وأين؛ لتكون ثروات التجار من نصيبهم هم حقا ~~مشروعا حلالا، ويتعجب حريحور ممن يأنفون من تطبيق أصل القرصنة ومبادئها على دنيا ~~الفكر والثقافة؛ فماذا يمنع أن تفكر أنت وأسعد أنا؟! ماذا يمنع أن تشقى أنت وأنعم أنا؟! ~~ماذا يمنع أن تهيئ أنت الطعام لآكل آنا؟! تلك هي سنة الله في خلقه، لا فرق عندها بين ~~زراعة وتجارة وثقافة؛ أليست الأرض مليئة بمن يعملون ولا يأكلون، وإلى جوارهم من يأكلون ~~ولا يعملون؟! إذن فهذه قسمة واجبة معقولة، كائنا من كان العاملون والآكلون. # إلا أنها لبدعة وضلالة من هؤلاء الصغار أن يستنوا للأشياء طبائع غير ما أراد لها ~~الله من طبائع، هي بدعة وضلالة ينبغي وأدها في مهدها قبل أن يستفحل أمرها، وتلك هي أن ~~يظن الكاتب أو العالم أو الفنان أن ثمرة جهده عائدة عليه بجاه وسلطان! من هو الفنان ~~الذي نحت في الجبل هيكلا وشاد فوق الأرض معبدا؟ من هو النحات الذي نحت التماثيل وأقام ~~المسلات؟ من هو الكاتب الذي أنشأ كتاب الموتى؟ من هو العالم الذي حسب الحساب بأرقامه ~~عندما شيد الهرم؟ هل سمع بأسمائهم أحد؟ لكن الأسماء المسموعة هي أسماء الملوك ~~والأمراء الذين من أجلهم أقيمت الهياكل والمعابد، ونصبت المسلات، ونحتت التماثيل، ~~فمن ذا الذي خدع ذلك الكاهن الشاعر، فأوهمه بأنه ما دام هو الذي نظم الشعر فمن حقه أن ~~ينعم هو بالثمرة والعائد؟ إن قسمته في اللوح المحفوظ هي أن ينظم الشعر، وقسمتنا نحن ~~القادة الرواد هي أن نوجهه كيف شئنا، وأن نضعه أين شئنا، وأن تكون القطوف نصيبنا؛ لقد ~~خرجت الفراشة الجميلة المزهوة بألوانها وزخارفها من دودة حقيرة، فهل يحق ms163 لهذه الدودة ~~أن تقاسم الفراشة زينتها وزخرفها؟! # إن هؤلاء العاملين الصغار عليهم تحميل السفن بأثقالها، ولنا نحن الكبار حق القرصنة ~~لنأخذ الأحمال معبأة مجهزة، وبالقرصنة - لا بالتجارة - بنيت دول وأقيمت عروش، ~~نحن الغزاة الفاتحون وهم الأسلاب؛ فهل سمعتم بغزاة يقاولون ويفاوضون ويقاسمون ~~بالقسطاس؟ ألا ترون الغزاة ينقضون على الفرائس انقضاضا، فتكون لهم الغنيمة، وللفرائس ~~الذل والهزيمة؟ إن ثمرات التين الناضجة لها الحلاوة كلها، صنعت لها ولم تصنعها لنفسها، ~~صنعتها لها الجذور والجذوع والأوراق والفروع، فهل نقول في نهاية الأمر إنها حلاوة ~~التين، أو ترانا ننسب الحلاوة إلى صانعيها؟ ألا فليعلم هؤلاء الصغار أن الكتاب ~~يكتبون والملوك يوقعون، وتلك هي الحياة كما أراد الله أن تكون على الكوكب الأرضي، ~~فعلى الناقمين الثائرين أن يرحلوا - إذا استطاعوا - إلى كوكب غير هذا الكوكب، ليلتمسوا ~~لأنفسهم أوضاعا جديدة ترتب على أساس الجهد المبذول، لا على أساس الأبهة ذات ~~الطنين. # لقد أكثرت من كلمة «الصغار»، وأخشى أن ينصرف اللفظ إلى صغار العمر، بحيث يظن أن ~~القسمة في شريعتنا هي قسمة بين صغار الأعمار وكبارها؛ فقد أردت بالصغار صغار الوزن ~~والحيز؛ إذ قد تكون صغير السن لكنك ذو حيز ضخم ووزن ثقيل، كما قد تكون كبير السن ~~لكنك خفيف تافه ضئيل. # فلما بلغ صديقي عالم الآثار من برديته هذا المدى، وجدها مهرأة محترقة مطموسة المعالم ~~بفعل الزمن، فأخذ يلفها بسبابتيه في رفق، إلى أن ظهر منها جزء آخر تسهل قراءته، ~~فاستأنف القراءة، فإذا الكاتب قد دخل في روايات يرويها عن أشخاص عرفهم أو سمع عنهم، ~~ليؤيد بأخبارهم صدق مبادئه؛ فكم من عامل مرهق ذهبت جهوده عرقا على جبينه وتيجانا ~~على جباه الآخرين، وكم من رجل جاءه المجد منحة سماوية لم يبذل في سبيله ساعة من ~~عمل. # أخذ حريحور في برديته يروي عن مجلس الكهنوت في مدينته طيبة، ويستعرض تواريخ أعضائه، ~~ليطمئن إلى سلامة حكمه وسداد حكمته؛ فهذا عضو من أبرز أعضائه منزلة وأعلاهم مكانة، ~~ماذا عنده إلا مقدرته الفائقة في اختيار أماكن الجلوس كلما أقيم للناس ms164 حفل في هيكل أو ~~معبد؟! إنه يجيء إلى المكان مبكرا، ويقف عند الباب لحظة، يتلفت فيها يمنة ~~ويسرة وإلى أمام ، وبحدسه الصادق يعرف أين مكان الكاهن الأعظم ليختار هو أقرب ~~المقاعد إلى حضرته ونظرته، بحيث يصبح على يقين من أن نظرة واحدة من نظرات الكاهن ~~الأعظم لن تضيع عليه سدى، وأن الكاهن الأعظم ليعجبه من رعيته مثل هذه البصيرة النافذة ~~والاختيار المتروي، فهل يسعه عند تعيين الحاشية إلا أن يجعل صاحبنا هذا في مقدمة ~~التابعين، فما إن يجلس على كرسي الحاشية حتى تخلع عليه أردية العلم والفقه؛ علم ~~الدنيا وفقه الدين. وإن حريحور ليروي عن صاحبه هذا ليبين للناس صدق الحكمة القائلة: ~~إن المرء حيث يضع نفسه؛ فضع نفسك على مقاعد الرئاسة تكن رئيسا، وعلى مقاعد العلماء ~~تكن عليما، وعلى مقاعد الأدباء تكن أديبا، فهل شهدتم حقيقة أوضح من هذه الحقيقة ~~وأجلى؟! # ولست أدري لماذا لم يذكر لنا حريحور اسم صاحبه ذاك، أو لعله قد ذكره في الجزء الذي ~~أصابه الزمن بالطمس والمحو؛ وأقول ذلك لأنه انتقل في حديثه إلى الرواية عن عضو آخر في ~~مجلس الكهنوت، قال إن اسمه أميناتون، سلك طريقه إلى المجلس عن طريق المريدين والأتباع؛ ~~فالطريقة هنا هي عكس الطريقة الأولى. كانت الطريقة الأولى هي أن تختار لنفسك أن تكون ~~تابعا، وكل ما في الأمر أن تحسن اختيار الرائد المتبوع؛ أما هذه الطريقة الثانية ~~فهي أن تختار لنفسك أن تكون رائدا متبوعا، ثم تعرف كيف تجمع حولك الأتباع؛ لأنه إذا ~~كثر الأتباع وازدحموا وملئوا الهواء بضجيجهم. كانت الحصيلة المؤكدة المحتومة، هي أن ~~يقول الكاهن الأعظم لنفسه: إن لهذا الرجل لقدرا عظيما في دنيا الفكر والأدب والعلم ~~والفن، فهاتوه في مجلسنا عضوا ليشرف المجلس بوجوده. # وينتقل الراوية إلى عضو ثالث، يقول: إن اسمه حبحوت، قد سلك إلى المجلس طريقا ~~ثالثا؛ فلا هو اتبع أحدا ولا استتبع أحدا، إنما طريقته أشبه ما تكون بعالم ~~السيمياء الذي يحيل الناس ذهبا؛ فلا تدري كيف يغري صغار الكتاب بأن يقدموا ~~إليه ms165 أعمالهم ليهديهم في أمرها سبيل الصواب، فتقع عيناه الماهرتان المدربتان على ما ~~يصلح من هذه الأعمال للصهر في معمله، فتراه يخفيها عن أصحابها في جب معتم، ~~ويماطل أصحابها ويماطل، ثم يفعل النسيان فعله، فإذا هو يخرجها من محابسها لينشرها في ~~الناس ملكا له حلالا، ولست أرى في ذلك شيئا من الظلم على أحد؛ لأن العبرة بمن استطاع ~~أن يطالع الناس في نور الشمس، لا بمن أخفى عمله في ستر الظلام. # وعلى ذكر الظلام وستره نقول: إن القراصنة لم يكونوا دائما ممن يباغتون السفن في وضح ~~النهار، بل منهم - ولعل هؤلاء أعتاهم - من يفضلون التسلل إلى مدن الشواطئ في عتمة ~~الليل، ينهبون ويأسرون، ويخرجون بالغنائم والسبايا، وما يزال الليل «منشور الذوائب»، ~~وعندنا في مدينة طيبة، ومن أعضاء مجلس الكهنوت أنفسهم، قراصنة الليل وقراصنة النهار، ~~كل في مجال تخصصه يجول ويصول. # ويمضي حريحور في برديته مصورا لنماذج القراصنة في بحر الثقافة على عهده، فيلفت ~~أنظارنا إلى قرصان يأبى عليه ضميره الحي أن يبقي السلعة المنهوبة على شكلها؛ لأنه يرى ~~في ذلك خروجا على مبادئ الأخلاق، فتراه يعمد إلى تشويهها لتختفي ملامحها، كلها أو ~~بعضها، لعل ذلك أن يكون له شفيعا. وأعسر مشكلة تصادف هذه الطائفة المهذبة من القراصنة، ~~أن السلعة المنهوبة المراد تغييرها، كثيرا ما تكون مفرطة في حيويتها، حتى لتراها ~~كلما مسها إزميل التشويه، اختلجت يد القرصان العامل فيها بإزميله، وطفقت تنتفض هنا ~~وتتلوى هناك، حتى يتركها قرصانها وعلى جسدها ملامحها الأولى، يعرفها بها أصدقاؤها ~~القدامى إذا ما صادفتهم في بعض الطريق. # على أن أبرع القراصنة جميعا في دنيا الفكر والأدب، جماعة شأنها عجب من عجب؛ لأن ~~الواحد منها لا يجاهد ولا يسعى، إن له طريقة عجيبة في اصطناع السحنة التي تشع هيبة ~~ووقارا؛ إنه لا يمالئ أحدا ولا يدع أحدا يمالئه؛ إنه لا ينهب شيئا من بر أو من ~~بحر؛ إنه في جلسته الوقورة الهادئة، أو في مشيته البطيئة الثابتة، أو في نبرات حديثه ~~الواضحة المتأنية، يجذب الأضواء ويعكسها رائعة ms166 وضاحة، كما يتلقى القمر ضوء الشمس ~~فيعكسه، فيروع الناس بجماله، هل يجوز لأحد أن ينكر على القمر روعة ضيائه لكون هذا ~~الضياء منعكسا على سطحه الظاهر، وليس منبثقا من فطرته وطويته! كذلك قل في هذا النوع ~~الجليل من قراصنة الفكر والأدب؛ لا يجرؤ مجترئ أن يسأل عنهم ماذا قدمت للناس رءوسهم ~~وبأي شيء جرت أقلامهم، وإذا سأل سائل مثل هذا السؤال عن أحدهم. كان هو الحقيق عند ~~القوم باللعنة، وإن هذه الطائفة من القراصنة غالبا ما تكون لهم الريادة والقيادة، ~~مؤهلهم الوقار الجاد، وشهادتهم الرصانة الرزينة؛ ولا عجب - إذن - أن يكون معظم ~~أعضاء المجلس الكهنوتي في طيبة من هذا الصنف النفيس. # ومرة أخرى بلغ صديقي عالم الآثار من برديته موضعا نال منه الزمن بالبلى، فهتكت فيه ~~الأسطر ومحيت الكلمات، فنظر إلي صديقي ونظرت إليه، وتوقع كل منا أن يسمع من ~~زميله شيئا، ودام هذا الصمت المتعجب لحظة، لفظت أنا بعدها زفرة المبهوت لما سمع، ~~فسألني صديقي: ماذا ترى؟ فقلت: ما أراك إلا رامزا أوضح الرمز بماض غابر إلى حاضر ~~مشهود. # لم يكن الثلاثة - الأحدب وإبراهيم وأنا - إخوة ولا أولاد عم وخال؛ فليس بين أي ~~منهم والصنوين الآخرين من التشابه بقدر ما بينه وبينهما من الاختلاف، ولكنهم برغم ~~ذلك - كما أسلفت القول عنهم مرارا - متواصلون مترابطون على نحو حيوي عجيب، فقل إن ~~شئت إنه نوع من التكامل، بحيث تتألف من ثلاثتهم وحدة واحدة كان يمكن أن تتوافر للفرد ~~الواحد لو أنه جاء فردا متزن الفطرة والسلوك؛ فالأحدب هو «الطبيعة» أو هو «الحيوان» من ~~الكيان البشري، هو الجهاز الفطري من الإنسان، الذي لولاه لما وجد الأساس الذي يقام ~~عليه الإنسان بعد تحضر وتهذيب؛ ومن هنا جاءت قوته وكان ضعفه في آن معا؛ فيه قوة ~~الطبيعة وفيه ضعف البدائية، إنه كائن منفعل أكثر منه كائنا مفكرا؛ وأما إبراهيم فهو ~~العقل الدارس الذي لا يكاد يتميز بخاصة تجعل منه إنسانا بغير شبيه؛ لأن كل عقل دارس ~~هو ككل عقل دارس، ما دام موضوع الدراسة ms167 معينا محددا، حتى لو كان لإبراهيم رأيه ~~الخاص في مجال دراسته؛ فهي خصوصية كان يمكن أن يتميز بها رجل من الهند أو رجل من ~~البرازيل؛ لأنها ليست هي الخصوصية التي تنبع من الروح وهو مرسل على سجيته؛ ولذلك فلا ~~يحدث قط أن يكون إبراهيم هذا أو من يماثلونه من سائر البشر الدارسين دراسة علمية ~~موضوعية، موضعا لحب الآخرين أو موضعا لسخطهم؛ فقد يوافق الآخرون على موقفه العلمي وقد ~~لا يوافقون، لكن الأمر على كلتا الحالتين لا يقتضي حبا أو كراهية، ولا كذلك الأحدب ~~ومن يماثلونه ممن يحبون حياة العاطفة، فها هنا تكون الخصوصية المميزة حقا، وها هنا ~~يقف الآخرون من صاحب تلك العاطفة وميولها، مواقف الحب والكراهية، والرضا والسخط، ~~والطمأنينة والغضب. # وأما أنا - فوزي الراوي - فأتميز دون الآخرين بسهولة الانخراط في قوالب المجتمع بكل ~~ما فيه من عرف وتقليد ومجاملة وصداقة زواج ومواطنة وانتماء؛ فقد يكون لدي شيء من ~~عاطفة الأحدب، دون أن تفصل تلك العاطفة بيني وبين سائر الناس، كما قد يكون لدي شيء من ~~عقلانية إبراهيم، ولكنها عقلانية لا ينشأ عنها اعتزال وانفراد. # لم تكن هذه الفواصل بين ثلاثتنا واضحة عندما كنا صغارا، وهذا القول هو من قبيل ~~الافتراض المحض؛ لأننا لم نستطع أن نعود بذاكرتنا إلى قيام علاقة بيننا ونحن في سن ~~الطفولة، بل إنها علاقة لم نستطع تبينها في مرحلة المراهقة وأول الشباب، ويبدو أنها ~~فواصل أخذت في النشأة والظهور منذ بدأنا التعرف بعضنا على بعض، وهي الفترة التي بدأنا ~~فيها حياتنا العملية، وبلغت أوضح حالاتها منذ ظهر الأحدب كاتبا، وسافر إبراهيم في ~~بعثته الدراسية. # كان يسيرا علي أن أكون الصداقة مع من يتجانسون معي في ناحية أو أخرى من نواحي ~~الحياة؛ ولقد مررت خلال حياتي الناضجة بمجموعتين من الأصدقاء. كانت الأولى مكونة من ~~زملاء الدراسة، وجاءت الثانية بعد ذلك بنحو عشرين عاما، ويربط بين أفرادها نوع من ~~التقارب الفكري، كنت بين المجموعة الأولى أسعد نفسا مني بين المجموعة الثانية. كانت ~~الأولى من ذلك النوع الذي ms168 يقال عنه حقا إن الصديق الحق يوسع من رحابة النفس؛ لأن ~~الصديق فيها كأنما يضيف إلى نفسه نفوس سائر الأصدقاء ؛ إذ لا تكون بينهم الحواجز التي ~~تحول دون أن ينفض كل منهم دخيلة نفسه بغير حذر أو حرج؛ وأما المجموعة الثانية ~~فكانت بين الأفراد حواجز وسدود. كان بين أفراد المجموعة الأولى تنافس الأنداد؛ وأما ~~بين أفراد المجموعة الثانية فكان فيها التعالي والتفاخر والحذر والكتمان. # وربما وضح الفرق بين المجموعتين إذا قلت عن الأولى إن رجلا في حرارة الأحدب كان ~~يمكن أن ينخرط فيها؛ أما إبراهيم فلا أتخيله مقيما على رابطة تربطه بها زمنا ~~طويلا، على حين أن إبراهيم هذا ببرودة عقلانية كان يمكن أن ينخرط في المجموعة الثانية ~~في غير عسر؛ لأن الانفصال عنها يتم كذلك في غير عسر؛ لأن الروابط ليست قلبية بين ~~أعضائها؛ وأما الأحدب فما كان يطيق مع المجموعة الثانية جلسة أو جلستين؛ لكنني كنت ~~بحكم تكويني الذي أشرت إليه أن أكون عضوا في الجماعتين على حد سواء. # ولقد ظهر الفارق بيني وبين الصنوين الآخرين بصورة أجلى في الزواج؛ أما الأحدب ~~فقد جمد عند حبه لسميرة التي أشعلت في قلبه الجذوة عندما كان في مرحلة المراهقة، وكان ~~كلاهما - سميرة والأحدب - في تلك المرحلة من العمر على سذاجة ريفية أو ما يشبهها؛ ~~أما هي فقد عاشت بقية عمرها على تلك البساطة الأولى، لم تدعها ظروف حياتها إلى أن ~~تغير منها شيئا؛ وأما هو فقد ارتفع درجات في السلم الثقافي، ولكنه بالنسبة إلى ~~الجنس الآخر ظل على بساطة الفطرة التي كان عليها عندما أشعلت له سميرة النار. # وأما إبراهيم فليس له قلب يسيره، ولست أدري من أمر زواجه شيئا، ولكنني على يقين ~~من الطريقة التي يواجه بها شئون الحياة كافة - جنسا وغير جنس - فهو إذا ما أراد امرأة ~~تشاركه الطريق، لجأ إلى عقله ليصور له تركيبة ذهنية لامرأة قد لا يكون لها وجود، وعاش ~~مع ذلك الوهم الذهني؛ إنه رجل بضاعته أفكار وتصورات يراعي في تكوينها ما يظن أنه ms169 ~~الكمال، ثم يقنع من دنياه بهذا القدر. # وأما أنا فقد أنعم الله علي بكثير جدا من نعم الدنيا، وكان أجلها زوجة ~~ربط بيني وبينها كل الروابط التي تربط رجلا وامرأة على حب ورحمة ومودة؛ فقد وجدت ~~معها نفسي بكل حروفها، من الألف إلى الياء؛ إذا كنت في إحدى لحظات العقل وجدت معي عقلا ~~يشارك؛ وإذا كنت في نشوة من شعر قرأته أو قطعة فنية شهدتها، وجدت ذوقا فنيا يستجيب؛ ~~وإذا غمرتني موجة من شئون الحياة العملية، وجدت من يحمل معي العبء، أو يحمل عني معظم ~~العبء؛ وإذا أخذني غرور بموقف وقفته أو بشيء كتبته، وجدت من يشبع في نفسي الضعيفة ~~أوهام الغرور؛ إنها تستطيع أن تكون لي مجتمعا بأسره. # وبهذا التكامل النادر بين شخوصنا الثلاثة، اكتملت «نفس» فروى الراوي «قصتها» مجتزئا ~~من بحر الأحداث في حياتها بما يقدم للرائي صورة أو ما يشبه الصورة. # الفصل التاسع # | شفق الغروب # كنا نحن الثلاثة الرفقاء؛ أنا (فوزي الراوي) والأحدب (رياض عطا) وإبراهيم الخولي، ~~متقاربين في العمر، فلم يكن الذي يفرق بيننا هو التفاوت في عدد السنين، بل كان اختلافنا في ~~الطبائع؛ أما أنا فقد كنت دونهما معا، أسلك نفسي في قوالب المجتمع بمعظم تقاليده ~~وأعرافه؛ ولذلك كنت أكثر منهما هدوء نفس وراحة بال؛ وأما رياض عطا (الأحدب) باشتعال ~~عواطفه، وإبراهيم الخولي ببرودة عقلانيته، فقد كانا على طرفي نقيض أحدهما من الآخر، ~~ولكنهما كانا معا ينبوان عما يرضى عنه جمهور الناس. # لم نكد نحن الثلاثة نعبر الستين من أعمارنا، حتى حدث اختلاف ظاهر في الصورة التي كانت ~~تجمعنا معا قبل ذلك في ثالوث واحد؛ وبيان ذلك أني جمدت على الطريق أسلك في حياتي العملية ~~على نحو ما تسلك الكثرة الغالبة من الناس، داخل البيت وخارج البيت، وفي حدود أسرتي وخارج ~~تلك الحدود؛ وأما زميلاي الآخران، فالأمر معهما مختلف عن ذلك اختلافا بعيدا، وكأني بهما ~~- وا عجباه - يقتربان أحدهما من الآخر، اقترابا أشك أن يكون دمجا لهما معا في هوية ~~واحدة، بعد أن كانا مختلفين ms170 اختلاف العاطفة الساخنة والعقل المثلوج؛ وكيف كان ذلك؟ لقد ~~عهدت كلا منهما كاتبا؛ فأما الأحدب فقد عهدته يكتب وكأنه ينفث اللهيب من قلمه؛ وأما ~~إبراهيم فعرفته باسطا لأفكار العقل بمنطق خالص، فلما أدفأته حرارة الوجدان؛ وأما بعد أن ~~بلغا من العمر ما بلغا، فقد صار الأحدب أقل عاطفة وأكثر منطقا، كما صار إبراهيم أقل ~~منطقا وأكثر عاطفة، فتشابه الكاتبان حتى كدت لا أميز بينهما؛ فأقرأ المقالة أو الكتاب ~~لأحدهما فأظنه للآخر، إلا أن أرجع ببصري إلى اسم الكاتب فأعرف لأيهما أقرأ، ولهذا فإني في ~~روايتي هذه عنهما في هذا الفصل الأخير، سأتجاهل أنهما اثنان، وسأتحدث عنهما وكأنهما رجل ~~واحد امتزجت على قلمه العاطفة والفكرة في كيان واحد. # ولكل سيرة نقطة ابتداء، ونقطة البدء في سيرة صاحبنا الجديد - ولنطلق عليه اسم إبراهيم ~~الأحدب إذا شئنا - كانت هي اللحظة التي روى لي عنها إبراهيم عندما كان يلقي على طلابه ~~محاضرة. كان يعلم - وطلابه لا يعلمون - أنها هي المحاضرة الأخيرة في حياته العاملة ~~بالجامعة. كان ذلك في الأيام الأولى من شهر مايو، الذي لم يعد بعده إلا شهر واحد، ثم يحذف ~~اسمه من قائمة هيئة التدريس لبلوغه سن التقاعد، كما جرى العرف أن يسموه. كان إبراهيم في ~~تلك المحاضرة الأخيرة أشبه بالروائي جيمس جويس وهو يكتب رواية يوليسيز، فينظر إلى ما يدور ~~حوله مرة، ويغوص إلى باطن نفسه مرة، حتى اختلط الأمر بين ظاهر وباطن، فهكذا كان إبراهيم ~~عندئذ، يحصر ذهنه في الفكرة التي يعرضها على الطلاب حتى لا يلتاث معه القول وتضطرب ~~العبارة، لكنه لم يستطع برغم ذلك إلا أن يغوص داخل نفسه ليحس الرجفة الخفية التي كانت ~~تسري بين أوصاله، لعلمه بأنه قد أشرف بحياته النشيطة العاملة على نهايتها، وكأنه كان لا ~~يصدق أن ستين عاما من عمره قد انقضت. # نعم إن الجامعة قد سارعت - مشكورة - فأرسلت إليه مع الخطاب الذي تعلنه فيه بانقضاء عهدها ~~معه أستاذا في قائمة الأساتذة، خطابا آخر تنبه فيه بأنها تحرص على بقائه في ساحتها؛ ~~ولذلك ms171 فقد عينته أستاذا غير متفرع، لكن هذه الرابطة بكل ما فيها من خير لم تعد هي ~~الرابطة التي كانت؛ فلقد أراد إبراهيم ذات يوم أن يسترد من الجامعة شهادة الدكتوراه لأنها ~~كانت مطلوبة في ظرف ما، فأحالوه إلى مخزن بإدارة الجامعة خزنت فيه ملفات العاملين، ~~وهناك طلب من الموظف المسئول استرداد تلك الوثيقة مؤقتا، فما كان من الموظف إلا أن جاء ~~له بملف أوراقه، وفتحه أمامه وقال: خذ من أوراقك ما شئت، خذها كلها إذا أردت، فلم يعد بين ~~الجامعة وبينك من صلة؛ لم تعد أوراقك هذه مطلوبة لنا، اللهم إلا ورقة واحدة، هي شهادة ~~الميلاد، وقد أخذناها بالفعل وأرسلناها إلى حيث ينبغي لها أن ترسل. # لم يقل الموظف فيما قال كلمة باطل؛ كل ما قاله حق، لكنه حق وقع على قلب إبراهيم وقع ~~الحناجر، لماذا؟ ألم يكن إبراهيم هذا مفتونا بمنطق العقل، لا يبتغي لنفسه وللناس إلا كلمة ~~حق يقرها عقل لم تضعفه عاطفة؟ فما الذي هزه وقلب كيانه من قولة حق؟! إنه إذن لم يعد ~~هو إبراهيم الذي عهدته قبل ذلك وعهده الناس، وفلا بد أن يكون قد تقمص شخصية الأحدب، ~~فامتزجت في إهابه عاطفة بعقل، وعقل بعاطفة. ~~••• # كان ذلك هو غروب العمر قد حانت ساعته ولاحت بوادره، لكن صاحبنا إبراهيم قد أخطا الحساب؛ ~~فلئن كان ذلك غروبا؛ فهو إذن غروب قد طالت ساعته وكأنه الغروب لمن يسكن منطقة القطب في ~~فصل الصيف، وإلا فهل علم إبراهيم عندما حذف اسمه من قائمة الأساتذة العاملين، أن ما يقرب ~~من عشرين عاما سيحياها بعد ذلك أنشط ذهنا وأخصب إنتاجا، وأكثر إبداعا للفكر الأصيل ~~المبتكر مما كان في أي مرحلة من مراحل عمره؟ لكن ذلك هو الواقع الذي كان، فكأنما سنة ~~التقاعد - كما يسمونه - هي بذاتها سنة مولد جديد، أو قل إن الشجرة التي دفنت بذرتها في ~~الأرض ولبثت تنمو بجذعها وفروعها عقودا متوالية من السنين، قد حان لها أن تخرج ثمارها ~~وأزهارها. # فمن لحظة الموت - أو ما ظنه إبراهيم يومئذ ms172 إيذانا بموت وشيك - جاء بعث جديد؛ وذلك أن ~~عرضت عليه وزارة الثقافة بمصر أن ينشئ لها مجلة للفكر، وأن يتولى رئاسة تحريرها، فاختار ~~للمجلة أن تختص بأفكار عصرنا الذي يقلنا على أرضه بكل ما تنفجر به من قنابل، ويظلنا ~~تحت سمائه بكل ما تنزله علينا تلك السماء من سهام الدمار؛ لكنه عصرنا، ويستحق منا أن ~~نحيا به وفيه، ليحيا هو بدوره بنا وفينا. وعلى بركة الله وبمشيئته صدرت المجلة تحمل في كل ~~عدد من أعدادها صوتا مسموعا لصاحبنا إبراهيم في إهابه الجديد، ينادي في الناس بألا يكون ~~الفيصل في الفكر إلا النضج والعمق والصدق، ولنترك سوانا من عباد الساسة ليمرحوا في العراك ~~بين يمين ويسار. # وأمسك إبراهيم بزمام سفينته الفكرية تلك يسير بها لترسو هنا أو هناك حيث الكنوز، وفجأة ~~وقعت على سفينته صاعقة من الصواعق التي نألفها في حياتنا المصرية؛ وذلك أن جاء في وزارة ~~الثقافة مسئول، أبى إلا أن يحول شئون الفكر إلى إدارات ومديرين، فقال: لنجعل لمجلات ~~الوزارة «إدارة» ولنجعل لكل مجلة «لجنة» تشرف عليها. فها هنا هاج «الأحدب» الذي كمن في ~~صدر إبراهيم، وسأل: إذا كان الأمر كذلك ففيم اختياري رئيسا للتحرير؟! ولماذا لا أترك ~~مقعدي لأصغر طالب من طلابي؟! لقد كانت المسألة عنده قبل ذلك «رسالة» يريد أداءها، فهل يرضى ~~أن تصبح على يديه أوامر تهبط عليه من مديرين، وتشرف لجنة على حسن التنفيذ؟! اللهم لا. ~~وأرسل إبراهيم برقية في صباح اليوم التالي، وكأنما الأحدب هو الذي أملى عليه عبارتها، ~~يتنحى بها عن المضي في الطريق التي رسمت له، لكن المسئول الكبير نفسه الذي خطط ~~الطريق، هو الذي اتصل بإبراهيم ليؤكد له أنها «شكليات» لا تعنيه، فاستأنف إبراهيم سيره على ~~دربه، ولكن في كثير من وساوس القلق. # ففي ذلك الوقت نفسه الذي وجد شخصيته فيه مشدودة بين قطبين متناقضين، قطب فيهما هو شعور ~~إبراهيم باحترامه لنفسه ووثوقه بأنه إنما يضطلع نحو أمته برسالة ثقافية، مؤداها أن يترك ~~للعقل - وللعلم بالتالي - أن يحتل مكانه ومكانته في ms173 حياتنا العامية، وأن ينحصر الوجدان في ~~دائرته الخاصة به، والتي يسترشد فيها الإنسان بقلبه المؤمن العاطف الشاعر؛ أقول: إن صاحبنا ~~إبراهيم، الذي امتص في كيانه عندئذ بعدا انفعاليا من رفيقه الأحدب حتى كاد الرجلان أن ~~يندمجا في هوية واحدة؛ إن إبراهيم هذا قد ارتج بنيانه ارتجاجا عنيفا، عندما ظن واهما ~~أنه صاحب رسالة ثقافية، فإذا الكلمات تأتيه من أولي الأمر في وزارة الثقافة لتشعره بأنه ~~بمثابة «موظف» كلفته الوزارة بمهمة يؤديها؛ ولذلك فقد عينت «مديرا» «لإدارة» المجلات (!) ~~ليكون له التوجيه، كما عينت «لجنة» ليكون لها الإشراف، ويشاء الله في اللحظة نفسها أن ~~يحدث حادث آخر من شأنه أيضا أن يرد صاحبنا إبراهيم الأحدب (وهو الاسم الذي أطلقته على ~~شخصية إبراهيم الجديدة) إلى صوابه إن كانت أوهامه قد طارت بصوابه في عالم الضباب والسحاب، ~~وهو أن صاحبنا كان عضوا في لجان المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ~~(كما كان يسمى في ذلك الحين)، لكنه كان دون سائر الأعضاء كثيرا جدا ما يطلب منه في ~~شيء من الرجاء، أن يكتب - نيابة عن المجلس - موضوعات تقدم في مناسبات مختلفة كالمؤتمرات ~~الثقافية وما إليها؛ مما أوحى إلى صاحبنا أنه موضع تقدير خاص، وإذا به يباغت بموقف أو ~~موقفين عرف منهما كم هو قليل الشأن عندهم في اللحظات الحاسمة، فانفعل انفعالة أحدبية وأرسل ~~إلى الأمين العام للمجلس استقالته من اللجان التي كان عضوا فيها؛ فما أسرع - وا دهشتاه - ~~أن أجابه الأمين العام بقبول استقالته، فلو كان إبراهيم الخولي هو نفسه إبراهيم الخولي الذي ~~عهدته طوال السنين ملتزما أحكام العقل وحده، لما حزن واضطرب؛ لأنه قدم استقالته فقبلت ~~الاستقالة، فأي غرابة في ذلك؟! لكنه كان قد أصبح شخصا جديدا باندماجه في الأحدب أو اندماج ~~الأحدب فيه، وبات العقل عنده مبطنا بعاطفة، نعم؛ فلقد حزن إبراهيم واضطرب، قائلا لنفسه: ~~إنه لو كان في منزل الأمين العام طاه طها له الطعام لعشر سنوات كالسنوات العشر التي كنت ~~قضيتها عضوا في لجان المجلس، ثم قدم له الطاهي استقالة ms174 مفاجئة، لسأله: ما الذي أغضبك يا ~~عم إبراهيم؟ محاولا بذلك أن يرأب الصدع إذا كان ثمة من صدع في العلاقة بينهما؛ أما ~~إبراهيم الأستاذ الجامعي والكاتب وعضو اللجان الثقافية، فلا بأس في أن يستقيل في أي لحظة ~~شاء. # فلا غرابة - إذن - أن تمتلئ نفس إبراهيم الأحدب بوساوس القلق، وكان مما ذكره لي إبراهيم ~~بعد ذلك بنحو شهر، أن وزير الثقافة يومئذ دعاه لمقابلته، فلما تم اللقاء، بدأ الوزير ~~بعتابه لأن إبراهيم لم يزره بمناسبة توليه منصب الوزارة، فأجابه إبراهيم معتذرا بأنه ~~يعتقد أن الصواب هو أن ينصرف كل إلى عمله، فقال الوزير ما معناه: دعنا من ذلك، لقد بلغني ~~أنك استقلت من لجان المجلس الأعلى، فلماذا؟ قال إبراهيم: اسمح لي يا سيادة الوزير بعشر ~~دقائق أنفض فيها شيئا مما بنفسي من عوامل القلق، ولن أزيد عليها دقيقة واحدة؛ إنني أستاذ ~~جامعي بلغ سن التقاعد، وأصبحت العلاقة بينه وبين الجامعة هي علاقة الأستاذ غير المتفرغ، ~~وأريد بذلك أن أقول إنه لم يعد لي مستقبل أرجوه؛ لأن مستقبلي هو هذا الذي أعيشه الآن؛ ~~ومعنى هذا هو أنني بما سوف أقوله من ملاحظات لا أبتغي لنفسي نفعا ولا أدفع عن نفسي ضرا، ~~إنني أنظر في كل عام إلى الفئة القليلة من طلابي الذين ألمح فيهم الرغبة والقدرة على خوض ~~الحياة الفكرية والثقافية العامة، لكنني أتساءل: ماذا يا ترى هم فاعلون برغباتهم تلك ~~وقدراتهم؟ إنه من الطبيعي لهم أن يديروا أبصارهم ليروا من الذين يحبسون في مقاعد الإمارة ~~والإدارة والصدارة في تلك الحياة العامة؟ لعلهم يترسمون خطوهم فيصعدون كما صعد أولئك ~~الأفذاذ؛ وإذا هم يرون عددا ليس بالقليل من أمراء الحياة الفكرية والثقافية قد بلغوا عروش ~~الإمارة بغير كتاب - ولا حتى ورقة واحدة - بيمينهم أو بيسارهم، فكيف - إذن - أجيز لهم ~~الصعود بغير جواز للمرور؟ يسأل شبابنا الواعد سؤالا كهذا، وسرعان ما ينكشف لهم الغطاء عن ~~حقيقة رهيبة، وهي أن بلوغ القمم في دنيا الفكر والثقافة عندنا، ليس شرطه الصعود على سلم ~~الفكر والثقافة درجة ms175 درجة، بل وسيلته الأولى هي الطيران على رءوس تلك الدرجات بمعونة من ~~صاحب السلطان، وما دام الأمر كذلك - هكذا أتصور شبابنا الواعد يهمس لنفسه كل عام - فهيا إلى ~~البحث عن أصحاب السلطان، وإلى الجحيم بالدفاتر والمحابر ... # كان إبراهيم الأحدب في مثل هذه الحالة القلقة المتوترة، فسافر إلى الإسكندرية لعل هموم ~~نفسه أن تنزاح بسحر البحر وهدير موجه، وكان الوقت هو الأيام الأخيرة من العام، وكانت ~~المصادفة اللافتة للأنظار هي أن رأس السنة الهجرية الجديدة ورأس السنة الميلادية سيلتقيان ~~معا في يوم واحد، ثم كانت إرادة الله سبحانه وتعالى هي أن ترد إلي رسالة من إحدى ~~الجامعات العربية تدعوني إلى التعاقد معها على العمل أستاذا للفلسفة، فلم أتردد لحظة ~~واحدة، وأسرعت على جناح البرق لأجيب بالقبول؛ وبهذا أجد الفرصة التي أنجو بنفسي فيها من ~~الأزمة النفسية التي أوقعني فيها الأمين العام للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم ~~الاجتماعية، ومن التوتر العصبي الذي أصابني عندما أراد المسئولون في وزارة الثقافة بأن ~~يوحوا إلي بأنني لا صاحب رسالة ثقافية ولا يحزنون، وإنما أنا عامل بالأجر القليل، يدار ~~له أمره ويشرف الرؤساء على شئونه. # وما إن أرسلت برقيتي تلك وعدت إلى الفندق الذي أقيم فيه - هكذا روى لي إبراهيم عن تلك ~~الفترة من حياته - حتى خطرت في رأسي خاطرة كانت كأنها لمعة من لمعات الإلهام، وهي أن التقاء ~~السنة الهجرية الجديدة والسنة الميلادية الجديدة في رأس واحد إنما هو رمز أقرأ فيه توجيها ~~لما ينبغي أن أنصرف إلى عمله عندما يستقر لي المقام في ذلك البلد العربي الذي دعاني، وما ~~ذلك العمل إلا أن أبدأ لنفسي في موقف ثقافي جديد، أحاول فيه أن أجمع عنصرين معا في نسيج ~~واحد، موروث الثقافة العربية وحصيلتي من ثقافة الغرب، فأكون بهذا الجمع عربيا ومعاصرا في ~~آن معا. ~~••• # كان إبراهيم الخولي أول ما عرفته - وقد كان ذلك وهو في أخريات شبابه؛ أعني حين كان في نحو ~~الأربعين من عمره - أميل إلى التجريد في فكره؛ بمعنى ألا يصب فكره ms176 المنطقي الصارم على ~~مشكلات حقيقية مما يعترض الناس في حياتهم؛ ولذلك فكثيرا ما وصفه الواصفون بالصورية التي لا ~~تنفع الناس ولا تشفع له. ولعل تلك الصورية البادية في نهجه الفكري عندئذ قد جاءت من حرصه ~~على منطقية الفكر حتى يصبح وكأنه معادلات رياضية؛ ذلك من ناحية، ومن ناحية أخرى فلعل تلك ~~الصورية قد أحدثتها عنده بعده عن الناس وهم في معمعان العيش ومشكلاته، وإذا كان ذلك كذلك ~~بالنسبة إلى إبراهيم وهو في الأربعين أو نحوها؛ فليس هو كذلك حين رأيته وصاحبته على مقربة ~~بعد أن اقترب من الستين أو جاوزها؛ فها هنا لا بد أن تكون وجدانية الأحدب قد نضجت على ~~النزعة العقلية عند إبراهيم، حتى لقد كاد يصبح رجلا آخر، لا من حيث منطقية الفكر كلما ~~اقتضى الأمر المطروح منطقا، بل من حيث اختيار الموضوعات التي يجعلها محور تفكيره؛ ~~فموضوعاته عندئذ تدور في معظمها حول إنسانية الإنسان، والإنسان العربي بصفة خاصة، والمصري ~~منه بصفة أخص. وإذا كان موضوع النظر هو قيم الحياة كما يعيشها الناس فعلا - فيما مضى والآن ~~- فصعب جدا أن يجيء التفكير صوريا خاويا - أو كالخاوي - من المضمون الحيوي بخصائصه ~~المتينة المتجسدة في مواقف الواقع. # نعم، لا بد أن يكون للأحدب على إبراهيم فضل غير قليل، في أن جعل عصارة الحياة تسري في ~~أعواد الحطب فتينع وتحضر وتورق وتثمر. # كان إبراهيم الخولي في مرحلته الإنتاجية الأولى، بل إلى أن بلغ من العمر خمسين عاما، لا ~~ينزل قيد أنملة عن التمسك بالفكرة القائلة بضرورة محاكاتنا للغرب في كل شيء، لا فرق في ذلك ~~بين صغيرة من الأمور وكبيرة، وحبذا لو أكلنا كما يأكلون، وارتدينا الثياب كما يرتدون، ~~وكتبنا من اليسار إلى اليمين كما يكتبون، ودع عنك أن نجعل وجهة نظرنا علمية المنهج ملتزمة ~~لحقائق الواقع الصلب كما يجعلون، ولم يكن إبراهيم الخولي حتى ذلك العهد من حياته يطيق ~~الإشارة إلى العرب وتراثهم، وكان منطقه في ذلك بسيطا واضحا؛ فالغرب قوي ثري واع بصير، ~~فلماذا لا أسلك كما يسلك ms177 لأحقق ما حققه؟ # ولكن أين تذهب الجوانب الوجدانية من هويتي؟ وبأي معنى يحق لي عندئذ أن أحب وطني وأهلي ~~ولغتي ، وأن أتغنى بمجدي وتاريخي؟ ربما لو سئل إبراهيم الخولي يومئذ هذه الأسئلة، لأجاب - ~~وأظنه قد سئل أكثر من مرة، وكان في كل مرة يجيب - قائلا: ليست حضارة الغرب مقتصرة على أمة ~~واحدة، بل إن فيها الإنجليزي والفرنسي والإيطالي؛ وكل من هؤلاء يعرف كيف يعيش حضارة العصر ~~مضافا إليها تلك النبرات الوجدانية بأرضه هو وأهله وتاريخه، فلماذا لا ينطبق ذلك نفسه على ~~المصري (وكان إبراهيم حتى ذلك الحين لا يتحدث عن «العربي») فيحيا في مناخ عصره، ويتغنى كما ~~شاء بمصر وأهلها وتاريخها. # لكن جاءت في حياته اللحظة التي شاء له الله عندها أن تزال الغشاوة عن عينيه، فتشرق عليه ~~الحقيقة كما تشرق الشمس فتبدد الظلام، والحقيقة بسيطة بساطة أعداد الحساب؛ فشعوب الغرب ~~جميعا لا يملكون بين أيديهم إلا حضارة واحدة وثقافة موحدة الأصول، وهما الحضارة والثقافة ~~اللتان تطورتا مع الأيام عن جذور اليونان والرومان، بالإضافة إلى ما استعاروه من سائر ~~الحضارات استكمالا للنقص؛ وأما نحن فموقفنا مختلف؛ إذ إن بين أيدينا حضارتين لا حضارة ~~واحدة، وثقافتين لا ثقافة واحدة، فنشأت لنا مشكلة تريد الحل الذي لا يتحقق بمجرد الهروب من ~~المشكلة وإغماض العين عنها؛ «فأنا مصري، ولكنني أتكلم العربية، وليست اللغة مجموعة من رموز ~~الرياضة تستخدم للرمز المجرد الذي لا يثير في القلب عاطفة أو انفعالا، بل اللغة - في ~~مفرداتها وفي طرائق بناء تلك المفردات في جمل - إنما تنطوي في الوقت نفسه على أغوار ثقافية ~~لبثت تزداد عمقا كلما ازدادت الشعوب المتكلمة بها خبرة بالحياة وممارسة لها، فكل لغة فيها ~~إلى جانب كونها رموزا تشير إلى مسميات، جانب آخر هو العمق الشعوري، أو إن شئت فقل إنه جانب ~~«الشعر» منها. فإذا كنت مصريا يتحدث اللغة العربية، إذن فأنا عربي الأغوار والأعماق، ~~يستحيل علي النظر إلى الدنيا إلا خلال تلك العدسات»؛ لم يعد إبراهيم يشك في أنه إلى جانب ~~مصريته؛ فهو عربي ms178 الوجدان وليس في ذلك خيار. # ومن هنا انفتحت أمام إبراهيم آفاق جديدة؛ إذ نظر فرأى أمامه مشكلة ثقافية نابضة ~~بالحياة ، وتفرض نفسها عليه وعلى كل ذي فكر من مواطنيه العرب - أيا كان موطنهم من الوطن ~~العربي الكبير - وتلك المشكلة هي: كيف السبيل إلى حياة نوفق فيها بين الحضارتين وبين ~~الثقافتين، فنعيش الموروث العربي في مناخ العصر وعلومه وفنونه؟ # وشاء حسن الطالع أن تضع هذه المشكلة نفسها أمام إبراهيم في روحه الجديد، عندما ذهب إلى ~~إحدى الجامعات العربية تلبية لدعوتها إياه، فوجد الفراغ ووجد المكتبة ووجد العزيمة، فكان ~~أن أخذ يعب من ينابيع الأسلاف عبا، وأمامه هدف، هو الإجابة - على ضوء ما يطالعه - عن ~~السؤال المطروح بين يديه، حتى إذا ما توافرت لديه المادة المناسبة، عرضها على الناس في ~~سلسلة من الكتب أخذت تتوالى في الصدور مملوءة الصفحات بفكر جديد. # لقد كان إبراهيم قد ظن عند بلوغه الستين من عمره أن غروبه قد بدأ ليسلم نفسه إلى حندس ~~الليل، لكن غروبه قد تمطى بأصلابه حتى الآن ما يقرب من عشرين عاما بعد تلك السن، وكان ~~لذلك الغروب الطويل شفق وردي جميل، قد يبدو لإبراهيم نفسه أحيانا أنه أجمل حتى من شمس ~~الضحى في حياته ومن شمس الظهيرة فالأصيل، ومن يدري؟ فلعل الناس إذا ذكروه بعدئذ، فسيذكرونه ~~بما أنتجه في ضوء الشفق؛ شفق الغروب. ~~••• # لكن ذلك الشفق الوردي الجميل، أخذت تجتاحه بقع سوداء تتكاثر في أرجائه يوما بعد يوم، حتى ~~لتوشك الآن أن تحيله إلى ليل حالك، لولا بقية من إرادة يحاول بها إبراهيم الأحدب (هكذا ~~أحب أن أسميه في مرحلته الأخيرة التي امتزج فيها عقل بعاطفة) أن ينتشل نفسه حينا بعد حين ~~من هوة العدم، ومن تلك البقع السوداء ما أصاب البدن من علل عشيت بها العين، وعرجت الساق، ~~ودارت الأذن بدوار، ولكن ما كان أفدح من تلك العلل البدنية في البقع السوداء، غدر ~~الأصدقاء غدرا يمكن اتخاذه علامة على روح هذه الفترة التي تجتازها بلادنا، بما أحدثته في ~~النفوس من ms179 ضيق وكرب وتوتر، يغري الصديق بأن يأكل لحم صديقه ميتا. # فأما العلل البدنية فقد بدأت مع إبراهيم بدوار الأذن، وكان إبراهيم قد جاوز الستين ~~ببضع سنوات، وأسرع إلى استشارة الأطباء، حتى لقد سافر إلى إنجلترا ليعرض حالته على خبير، ~~وأراد الطبيب الخبير أن يبدأ بسؤال مريضه عن معالم حياته السابقة: # الطبيب ~~: # ما هي أهم الأمراض التي أصابتك فيما مضى من حياتك؟ # إبراهيم ~~: # لم أمرض قط في حياتي إلا مرة واحدة في سن التاسعة، وكانت ضربة شمس. # الطبيب ~~: # متى ولماذا دخلت المستشفيات، فيما تذكر من تاريخك كله؟ # إبراهيم ~~: # هذه هي أول مرة ألجأ فيها إلى مستشفى. # الطبيب ~~: # هل تدخن؟ # إبراهيم ~~: # لا. # الطبيب ~~: # هل تشرب الخمر؟ # إبراهيم ~~: # لا. # الطبيب ~~: # اذكر لي صنوف الدواء التي أخذتها أو تأخذها. # إبراهيم ~~: # باستثناء أقراص الأسبيرين، لا أذكر أن جسمي قد دخله دواء قط. # هنا ألقى الطبيب بقلمه على مكتبه بحركة عصبية، قائلا: فليسمع أبناء الغرب ليقارنوا حياة ~~بحياة. بدأ الطبيب فحوصه وتحليلاته لينتهي إلى نتيجة هي أن ليس هنالك ما يدعو إلى القلق؛ ~~فظاهرة الدوار مصيرها إلى زوال سريع. # وسارت سفينة الحياة بإبراهيم على خير ما يرجوه إنسان في مثل عمره، ونشط في إنتاجه الفكري ~~على صورة لفتت إليه الأنظار؛ وفجأة ارتطمت السفينة بحجر ضخم فتحطمت مقدمتها وبعض جوانبها، ~~وذلك أنه أمسك بورقة ساعة العصر، ذات يوم من فصل الصيف، فإذا حاجز أسود يسد عليه الطريق، ~~وأسرع إلى منظاره ليمسح عنه العتمة التي ظنها هناك، فوجد زجاج المنظار صافيا، ففرك ~~عينيه، لكن ذلك لم يزحزح شيئا من العائق الذي جاء ليحول بينه وبين الورقة التي بين يديه؛ ~~وعبثا بعد ذلك كانت محاولات الأطباء في مصر وإنجلترا وإسبانيا، ولن يستطيع أحد أن يتصور كم ~~استحال إبراهيم رجلا غير الرجل، إلا من عرفه كما عرفته، فعرف مقدار المساحة التي تحتلها ~~القراءة والكتابة من حياته، فإذا ذهبت عنه القدرة على متابعتها في حياته، فكأنما هو فقد ~~الحياة حتى ولو ظلت الرئتان تتنفسان وظل القلب ينبض. # ومع ذلك فلم تقتصر ms180 العين على العشى الذي أصابها حتى اقترب بها من كف البصر، بل تجاوزت ~~بكارثتها حدود نفسها، فكانت سببا في أن يسقط إبراهيم فتنكسر له ساق، فجاءت مصيبته الجديدة ~~ضغثا على إبالة. # لكن الأذن ودوارها، والعين وعشاها، والساق وعرجها، لم ينل منه عشر معشار ما ناله من غدر ~~الأصدقاء؛ أصدقاء؟! يا لها من كلمة يسهل جريانها على اللسان، ثم ندير الأبصار بحثا عما ~~تعنيه الكلمة بين الناس، فإذا هي إذا إشارات إلى شيء، فإنما تشير إلى دخان قاتم يسد الأنوف ~~والحلوق فلا تتنفس الهواء الطلق في نقائه، أحسب أن الصداقة قد سميت باسمها هذا لما فيها ~~من الصدق، فماذا لو تكشف لك صديقك المزعوم عن كذب سبقه كذب ولحق به كذب! ... وحسبي هذا، ~~فلن أطيل في إعادة ما قصه علينا إبراهيم عما لقيه على أيدي «الأصدقاء». # وكان ذلك كله مدعاة لإبراهيم أن يعيد النظر الفاحص في نفسه وفيمن حوله - أصدقاء وغير ~~أصدقاء - ليرى كيف يكون بالقياس إليهم وكيف يكونون بالقياس إليه، والذي عرف إبراهيم عن كثب ~~كما عرفته، لا بد أن يكون قد عرف فيه ذلك التواضع الفطري الذي يكاد ألا يكون له نظير ~~فيمن حوله جميعا، ومع ذلك فلم يستطع عند مقارنته الفاحصة تلك إلا أن يشهد أمام ضميره وأمام ~~الله أنه بالنسبة إلى معظم أولئك إنما هو ما يكون عملاق بين أقزام، ولعلي أحسن صنعا لو ~~أني تركت الحديث لإبراهيم ليصف رؤيته كما أجراها في مقالة قرأتها له، جعل عنوانها «حارة ~~الأقزام»، وهذه هي: # كثيرا ما لجأ الكاتبون إلى تشبيه الناس بالعمالقة حينا وبالأقزام حينا؛ فالناس ~~في أعين الكتاب عمالقة إذا رأوا فيهم ما ظنوه فخامة وضخامة، وهم في أعين ~~الكتاب أقزام إن رأوا فيهم ما يدعو إلى التصغير والتحقير. # ومن أقوى الأمثلة التي شهدتها آداب العالم لهذا التصوير بالعمالقة أو بالأقزام ~~تلك القصة التي لبثت منذ ظهورها (في سنة 1726) مصدر متعة أدبية للكبار والصغار على ~~حد سواء؛ وأعني قصة «رحلات جلفر» التي كتبها جوناثان سويفت، وهو إنما كتبها ms181 ليسخر ~~بها من أوضاع الحياة في وطنه - بريطانيا - إبان عصره، فلما رآها قد انقلبت وسيلة ~~يتسلى بها القراء، خشي أن يكون قد ضاع عليه الهدف المقصود، فكتب لأحد خلصائه يقول ~~ما معناه: لقد استهدفت بالقصة أن أبث القلق في صدور الناس لا أن أسري عنهم ~~الهموم. # وموضوع القصة - كما هو معروف - وصف لرحلات «جلفر» في أرض الأقزام ثم في أرض العمالقة، ~~أما وهو مع الأقزام فقد وجد نفسه كالمارد يستخف بهم ويضحك من سخافاتهم، حتى إذا ما ~~انتقل إلى بلد العمالقة انعكس الأمر، وأدرك كم هو تافه وضئيل. # وواضح أن الكاتب قد أراد بالأقزام، بني وطنه في عصره، ليسخر من قلة شأنهم وخفة أوزانهم، ~~وأنه أراد بالعمالقة تصويرا للنفوس حين تكون كبارا وللآمال الناضجة حين تبعد آفاقها ~~وتعلو. # خذ مثلا هذه الصورة الآتية التي صور بها الكاتب نموذجا لما يهتم به الأقزام في ~~أرضهم، لترى معهم كم كانوا صغار الشأن في حياتهم، وهي صورة يقول فيها: كانت الطريقة ~~التقليدية لكسر البيض عند أكله، هي أن تكسر البيضة من طرفها العريض، لكن حدث ذات يوم لجد ~~جلالة الملك، عندما شرع يأكل بيضة - وكان عندئذ لم يزل بعد صبيا - أن جرحت أصبعه وهو ~~يكسر البيضة على الطريقة التقليدية المألوفة، فلم يلبث أبوه الإمبراطور أن أصدر مرسوما ~~يأمر به أبناء الشعب جميعا أن يغيروا التقليد القائم، فيكسروا البيض من طرفه الدقيق لا ~~من طرفه العريض، وإلا تعرضوا للعقاب الأليم، فغضب الشعب، ووقف من الإمبراطور الظالم موقف ~~المعارضة. وينبئنا التاريخ أن ست ثورات شعبية أشعلها الناس لهذا السبب، وفي تلك الثورات ~~المتتالية، قتل أحد الأباطرة، وضاع التاج عن آخر. ولقد كتبت مئات الكتب في موضوع الخلاف؛ ~~غير أن أنصار كسر البيض من طرفه العريض قد صودرت مؤلفاتهم كما حرموا بحكم القانون أن ~~يتولوا شيئا من مناصب الدولة العليا. # فماذا يصنع الزائر الرحالة - إزاء هذه التفاهة - إلا أن يضحك ساخرا؟ لكنه لا يكاد يزهي ~~بنفسه بالنسبة إلى أولئك الأقزام، حتى يريد له الله أن يحد ms182 من زهوة؛ وذلك حين انتقل إلى ~~بلد العمالقة، وهناك عرف كم هو صغير ضئيل، إذا قيس إلى هؤلاء الكبار - لا في ضخامة أجسامهم ~~فقط - بل الكبار كذلك في نفوسهم وعقولهم وطرائق عيشهم. # أعود فأقول: إن تشبيه الناس بالعمالقة حينا وبالأقزام حينا أمر مألوف في التصوير ~~الأدبي، ولكني - علم الله - حين أردت أن أكتب هنا عن حارة الأقزام لم أرد ما أراده ~~أصحاب التصوير الأدبي كلما أرادوا التصغير والتحقير، وإنما هي واقعة حقيقية حدثت، وأردت أن ~~أرويها كما حدثت، لا أزيد عليها حرفا من عندي ولا أحذف حرفا. # والواقعة كما حدثت هي أن صديقا أهدى إلي منظارا يضخم الأشياء إذا ما نظرت من إحدى ~~جهتيه، ثم هو يصغر الأشياء إذا ما نظرت من إحدى جهتيه الأخرى، وهو إذ يضخم الأشياء ~~يبديها قريبة كذلك، وإذ يصغر الأشياء يبديها وكأنها ازدادت منك بعدا. # وكان صديقي ذاك، قد سمع مني مرارا، رغبتي الشديدة في أن يكون عندي مثل هذا المنظار الذي ~~يضخم الأشياء ويقربها (ولم أكن أعلم وقتئذ أن المنظار نفسه إذا ما انعكس اتجاهه فهو ~~يصغر الأشياء ويبعدها عن الرائي)؛ أقول: إن صديقي ذاك كان قد عرف عني هذه الرغبة ~~الشديدة، حتى لقد سألني يوما: لماذا لا تشتري لنفسك ما ترغب فيه؟ وأذكر أني أجبته بقولي إن ~~هنالك أشياء كثيرة مرغوبا فيها، لا تجيء إلى الراغبين إلا عن طريق الإهداء، وأبدا هي لا ~~تأتي عن طريق الشراء. ومرت سنوات بعد ذلك الحديث العابر، وإذا به يفجؤني بهديته. # كانت فرحتي بالمنظار كفرحة الطفل بلعبته، وحملته على كتفي كما يفعل السائحون، وأخذت أسير ~~به في الطرقات أنتقي منها مواقف معينة فأقف لأنظر إلى الشارع بما فيه ومن فيه، أنظر إليها ~~وإليهم في اتجاه التكبير مرة وفي اتجاه التصغير مرة، ولكم كانت نشوتي كلما أبصرت واحدا ~~من خلق الله السائرين في زحمة الطريق، مرة وهو في ضخامة رمسيس الثاني في تماثيله الضخام، ~~ومرة ثانية وهو يحبو وكأنه الطفل الصغير. # لم يكن في الأمر - إذن - شيء من ms183 الخيال، إنما هو المنظار أنظر خلاله إلى شارع حقيقي وإلى ~~ناس من لحم وشحم يسيرون فيه؛ فالشارع الطويل العريض مرة يزداد طولا وعرضا، ومرة أخرى ~~يصغر ويقصر ويضيق حتى كأنه حارة أو زقاق، والناس السائرون فيه يظهرون حينا وهم عمالقة، ~~ويظهرون حينا آخر وهم أقزام، ولم يكن في أي شيء من هذا التباين الحاد غرابة أدهش لها، ~~فهكذا كان المنظار وهكذا كان فعله بتركيب عدساته. # لكن ذلك المنظار اللعين - ليت صديقي ما أهداه، فأساء من حيث أراد الإحسان - قد أفسد علي ~~حياتي إفسادا لم أعد أرى كيف السبيل إلى النجاة منه؛ وذلك لأنه قد عودني هذه العادة ~~السيئة، وهي أن أنظر إلى الناس بالنظرتين، النظرة التي تبديهم عمالقة، والأخرى التي تردهم ~~أقزاما، فيهولني الفرق البعيد بين الرجل الواحد وهو في نظرة التعظيم وبينه هو نفسه منظورا ~~إليه من وجهه الآخر، ولطالما جزعت لتلك الفروق البعيدة بين النظرتين إلى الرجل الواحد في ~~حالتيه من عظمة هنا وصغار هناك، لكني كثيرا ما طمأنت نفسي من جزعها؛ إذ ليس الذنب في ذلك ~~كله ذنبي ولا ذنب منظاري، فهكذا حقائق الناس والأشياء، لا حيلة لي فيها. # وفيم الجزع إذا رأيت الرجل كبيرا هنا صغيرا هناك؟! كنت أنت الواهم - هكذا حدثت نفسي ~~- حين ظننت الكبير كبيرا في كل حالاته، والصغير صغيرا في كل حالاته؛ ثم جاءك هذا المنظار ~~بوجهيه، فتعلمت منه الدرس المفيد، وليس هو بالشيء الجديد، أن ترى الرجل أسدا عليك، وأن ~~تراه هو نفسه في الحروب نعامة؛ لأن ذلك الازدواج لم يفت حتى الشاعر العربي القديم أن يراه، ~~ولكن الذي ثقل على ضميري ليس هو المنظار في ذاته وأفاعيله بالأشياء والناس، بل هو الشيطنة ~~التي لمحتها في طبيعتي، حين حملت منظاري وذهبت به إلى شارع العلماء؛ فهو من أضخم شوارع ~~المدينة، أشك أن يكون مقصورا على أصحاب التخصص العلمي؛ فلقد حلا لي أن أرى كم يكون الفرق ~~عند هؤلاء بين حالتي التعظيم والتصغير، فإذا هو فرق بعيد بعيد، أبعد منه في أي وقت ms184 آخر - ~~أو هكذا خيل لي. نظرت إلى أحدهم في حالة عظمته، فكأنني نظرت إلى مصارع من الوزن الثقيل ~~برزت فيه العضلات بروزا مخيفا، فقلبت له المنظار فإذا هو القليل الضئيل، وطاف برأسي سؤال ~~أضحكني سخافته؛ إذ سألت نفسي قائلا: أي هذين الحجمين يا ترى سيبقى للرجل في تاريخ العلوم؟ ~~إنه لو بقي له حجمه الضخم لملأ من التاريخ مجلدات؛ وأما إذا غدرت به الأيام وأبقت له حجمه ~~الضئيل، فالأغلب ألا يجد لنفسه في السجل صفحة واحدة، بل ربما لم يجد فيه سطرا ~~واحدا. # هكذا أخذت أنقل منظاري إلى عالم بعد عالم، ولا بد أن أثبت هنا واقعة أذلتني ~~وظننتها من خوارق الأجهزة الآلية التي لا تؤتمن في كل الظروف؛ وتلك هي أنني وقعت في شارع ~~العلماء على أفراد بدت ضخامتهم من أي الوجهين نظرت إليهم، كما وقعت أيضا على أفراد بدت ~~ضآلتهم من أي الوجهين نظرت إليهم، فبدأت طريق عودتي وأنا أقول بخواطري الصامتة إنه لا بأس ~~في هذه الدنيا في أن يكون العظيم عظيما لأنه عظيم دائما، وكذلك لا بأس في أن يكون الصغير ~~صغيرا لأنه صغير دائما، لكن البأس المخيف هو في أن يصغر العظيم، أو أن يعظم الصغير، لا ~~لسبب سوى طريقتنا في النظر، والذي قد يزيد من هول الفاجعة هو أننا ربما رفعنا أسماء أو ~~محونا أسماء، لا بناء على نظرة مجردة منزهة من انحراف عدسات المنظار، بل بناء على عادات ~~خلقتها فينا عدسات المناظير ولا تلبث أن تصبح تلك العادات آلية، تتحكم في عضلات اللسان ~~وأحبال الصوت بحيث «نكر» القوائم بأسماء العظماء وكأننا نسمع (بتشديد الميم) قصيدة ~~حفظناها عن ظهر قلب، بلا وعي بمعاني ألفاظها. # إننا لنقول - مثلا - شوقي وحافظ ومطران، نقولها ونحن فيما يشبه الغيبوبة؛ لأن اقتران هذه ~~الأسماء هو اقتران محفوظ، لا اقتران أقمناه بعد دراسة. نعم، قد يكون في ذكر هذه الأسماء ~~إنصاف كل الإنصاف، لكن الذي أريد أن أقوله هو أننا غالبا ما نصدر فيه عن عادة آلية، لا عن ~~وعي ms185 بمضمونه، وكأننا في هذا التلاحق الآلي في حركات الصوت أشبه بفئران التجارب العلمية حين ~~تنطلق داخل المتاهات المعدة لها، انطلاقا تنعرج به هنا وتستقيم هناك بغير أخطاء على ~~الطريق، لا لأنها «علمت» بعد جهل، بل لأنها «اعتادت» كيف تسير؛ ومن هنا كان الحرص الشديد ~~ممن يحرصون على بلوغ الشهرة العلمية أو الأدبية، على أن يسلكوا أسماءهم في «مسبحة» الأسماء ~~التي يذكرها الحافظون بدفعة آلية صرف، فإذا وفق أحدهم في أن يضع اسمه على حبات ~~المسبحة، ضمن عندنا ما يشبه الخلود. # ويبدو أن العادات الحركية التي تتقاطر بها حبات المسابح في دنيا الأدب والعلم، لا تقتصر ~~علينا وحدنا، فكما نقول نحن بحكم العادة الآلية: جرير والفرزدق، البحتري وأبو تمام، ~~الأفغاني ومحمد عبده، العقاد وطه حسين، فكذلك يقولون في بلاد الغرب: راسين وكوروني، كيتس ~~وشلي، جيته وشلر، شو وولز. # وهكذا، وأعيد القول بأن هذه الاقترانات بين الأسماء، لو أقيمت على حسن فهم، لأفادت، ~~لأنها قد تنفع في تحديد المعالم داخل حركة أدبية أو فكرية، لكنها في حارة الأقزام - كما ~~رأيتها بمنظاري - اقترانات ببغاوية محفوظة، تضر وقلما تفيد. ~~••• # لم أكن قد التقيت بإبراهيم لعدة سنين، ولكنني سمعت عنه وقرأت له، مما جعلني أتابعه خطوة ~~خطوة وكأني أسايره يوما بعد يوم؛ ومن هنا كان علمي بما طرأ على شخصيته من تحول، وهو ~~تحول لم يكن مقصورا على إضافة بعد وجداني إلى اتجاهه العقلاني الخالص، مما دعاني إلى ~~الظن بأن للأحدب أثرا لكثرة ما تصاحبا وتجاورا، فاختلفا مرة واتفقا مرة؛ ولذلك طاب لي ~~أن أسميه لنفسي - كما أسلفت - إبراهيم الأحدب، على أني حين أقول عنه في تحوله الجديد إنه قد ~~أضاف بعدا وجدانيا إلى نظرته العقلانية الأساسية، فلست أعني أنه كان فيما قبل ذلك ~~كافرا بحياة الوجدان، كلا؛ فمنذ عرفته من عشرات السنين قد عرفت فيه وقفة راسخة ثابتة تقسم ~~له حياة الإنسان بين مجالين: مجال الوجدان للعقائد والمشاعر والذوق والمزاج، ومجال العقل ~~لكل ما هو قائم على منهج التفكير العلمي، وإذن فلم يكن الجديد ms186 فيه إضافة وجدان إلى حياته ~~بعد أن لم يكن، بل الجديد هو - أولا - اختياره للموضوعات التي يخضعها للبحث العلمي؛ إذ ~~أخذ اختياره يقع على موضوعات تتصل بطبيعة الذات المصرية والذات العربية مما يجعل النظر ~~العقلي مبطنا بفرشة عاطفية، و- ثانيا - سرعة انفعاله حتى وهو في مواقف الفكر العقلي ~~الخالص، وكأن ذلك يحدث له كلما لقي من الآخرين عنتا وإجحافا. # وقرأت عن إبراهيم في الصحف ذات يوم أنه قد تلقى دعوة من جريدة الأهرام بأن يكون أحد ~~كتابها، تلقاها وهو لم يزل في جامعة بإحدى الأقطار العربية، لكنه إذ تلقى تلك الدعوة ~~كان يوشك أن يعود إلى مصر بعد غيابه عنها خمس سنوات، ولقد قبل دعوة الأهرام فرحا بها لأنه ~~مليء بأفكار يريد عرضها عرضا واسعا على جمهور المثقفين، فلما أن التقى برئيس التحرير لأول ~~مرة دار بينهما حديث ذو دلالة تكشف عن هدفه من الكتابة؛ فلقد قال لرئيس التحرير صراحة أنه ~~يؤمن بأن كتابة الكاتب لا تكون إلا نقدا لما هو قائم؛ إذ لو كان الكاتب راضيا بما هو قائم ~~ففيم حمله للقلم؟! إن ما هو قائم قائم قبل أن يكتب، فلماذا يكتب؟ قد يكون من الأهداف ~~المقبولة أن يكتب الكاتب ليلقي الأضواء الكاشفة عن حسنات الأمور القائمة ودفاعا عنها، ~~خشية أن تكون حقائقها خافية عن جمهور الناس. لكن إبراهيم أراد أن يقول لرئيس التحرير إن ~~أغلب هدفه من الكتابة التي يعتزمها نقد لا دفاع، فأجابه رئيس التحرير بأنه من أجل ذلك ~~وجهت الأهرام إليه الدعوة ليكون أحد كتابها، والحق أن إبراهيم قد سعد بتلك الدعوة ~~منذ تلقاها وهو بعيد؛ لأنه - فضلا عن رغبته في الكتابة - كان يعلم أن جريدة الأهرام قد ~~استضافت قبله مجموعة من ألمع رجال الفكر والأدب والفن؛ مما يسعده أن يكون معهم في أسرة ~~واحدة. # وبدأت مقالات تظهر تباعا، ومنها رأيت في أوضح صورة كيف امتزج إبراهيم والأحدب في ~~هوية واحدة؛ فالفكر ذو أعماق وأبعاد والانفعال الوجداني ذو حرارة ونبض. # وما إن علمت من الصحف بأنه قد ms187 ظفر بجائزة الدولة التقديرية في الأدب، حتى اندفعت إلى ~~التليفون أطلبه لأول مرة في حياتي؛ فهنأته من عمق قلبي ، وشكرني بصوت مختنق، ودعاني في ~~إلحاح بأن أزره في داره لنتبادل الحديث، وهناك أخذ يقص علي كيف فوجئ بصديق - وهو في ~~حياتنا الأدبية إمامها - يتصل به خلال الهاتف في نحو الساعة الثانية بعد الظهر، ليقول له ~~بصوت فرح: مبروك. فأجابه إبراهيم: شكرا، ولكن مبروك على ماذا؟ قال له: على جائزة الدولة ~~التقديرية في الأدب؛ إذ كان الاقتراع عليها هذا الصباح (وكان إبراهيم قبل ذلك بخمسة عشر ~~عاما قد ظفر بجائزة الدولة التشجيعية في الفلسفة). وسكت إبراهيم قليلا، ثم قال: أتعرف يا ~~فوزي كيف كان رد الفعل عندي حين وضعت سماعة الهاتف؟ بكيت، نعم بكيت بكاء لم أملك له دفعا، ~~ولما أن هدأت إلا من دمع أحسسته يبلل أطراف عيني، سألت نفسي - ربما خجلا من نفسي - فيم ~~هذا البكاء، إنه يقينا لم يكن بكاء الفرحة لما سمعته؛ إذ كانت جوانحي عندئذ ملتاعة بما ~~تضطرب به، إذن فلماذا؟! ووجدت الجواب: إنه التنكر الطويل الذي انطبع به موقف الزملاء وما ~~يزال ينطبع، الذي أبكاني هو أن التقدير قد جاءني في المرتين (في جائزة الدولة للفلسفة وفي ~~جائزة الدولة للأدب)، ممن لم تكن بيني وبينهم صلة الزمالة ولا صلة الصداقة، جاءني التقدير ~~في الحالتين ممن لم يعرفوا عني إلا ما يقرءونه عني كتبا ومقالات؛ وأما من ربطتني بهم ~~أواصر الزمالة والصداقة ولقاءات المودة، فالله وحده عليم بما كانوا يضمرونه نحوي من رغبة ~~في الإطفاء والإخفاء وطمس المعالم وضيق الصوت، وكانت وسيلتهم إلى ذلك هي الصمت الأليم عن ~~كل ما يتصل بعمل أنجزته في علم أو أدب؛ ومرة أخرى اختنق صوت إبراهيم بالبكاء، وغالب ~~نفسه بكلتا يديه يضغط بهما على وجهه حتى غلبها، وهنا نهض وغاب عني دقيقة ثم عاد يحمل بين ~~يديه علبة مكسوة بالقطيفة الحمراء، وفتحها وأشار إلى الوسام الموضوع في داخلها، وقال: ~~إنه وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى، منحتني إياه الدولة عن غير ms188 طريق الزملاء والأصدقاء، ~~فوزني عند هؤلاء أخف من الهباءة العالقة في هواء ساكن، أتعرف يا فوزي ماذا كتب لي أحدهم في ~~خطاب؟ قال ما معناه: اعلم يا فلان بأنك رجل لا قيمة له، وإذا ظننت غير ذلك كنت غارقا في ~~أوهامك التي سببتها لك عزلتك عن الناس! ثم أضاف صاحب الخطاب إلى تلك القذيفة أن عيرني ~~ببصري المفقود، وجاء ذلك كله تتويجا منه «لصداقة» دامت بيننا أكثر من ثلاثين عاما؛ إلى ~~هذا الحد يتميز من غيظ مكتوم بعضنا تجاه بعض إذا ما ربطتنا أواصر «الصداقة»! أرأيت ماذا ~~أبكاني عندما جاءني تقدير الدولة عن غير طريق الزملاء و«الأصدقاء»! # هنا أسرعت إلى تغيير الموضوع لأخرج إبراهيم من لوعة الأسى التي أخذت تتزايد كلما مضى ~~فيما كان يتحدث فيه، لم يكن عهدي بإبراهيم أن تصدر عنه تلك النبرة الحزينة ردا على ~~إساءة من آخرين؛ إنه الأحدب هو الذي عهدته في أمثال تلك المواقف، وذلك هو ما يحملني على ~~القول بأن إبراهيم الخولي المتزن الرصين، لا بد أن يكون قد أصابه تغير في صميم كيانه، ~~متأثرا في ذلك بصحبته في أعوامه الأخيرة للأحدب، ولا عجب في أن يتقاربا؛ لأن كليهما ~~كاتب، ولأن كليهما كذلك متمرد على الشائع المألوف. كان إبراهيم أول الأمر يتمرد بمنطق عقله، ~~وكان الأحدب يتمرد بدفقة عواطفه، وها هما آخر الأمر قد تقاربا فتشابها. # كان واضحا لي عندما زرت إبراهيم في منزله أنه يقيم وحده؛ فلا زوجة ولا أطفال، وكنت ~~لأعوام طويلة قبل ذلك لا أدري من أمر زواجه أو عدم زواجه شيئا؛ أما الأحدب فقد كنت أعلم ~~عنه يقينا أن قلبه قد جمد عند حبيبة صباه، فلا هو قد ظفر بها ولا قلبه طاوعه بعد ذلك أن ~~يظفر بسواها. # كنت أجلس مع إبراهيم في غرفة مكتبه، وقد استوقف نظري في بيته كله، وفي غرفة مكتبه بصفة ~~خاصة، نظافة ونظام لم نألفهما عند غير المتزوجين، ولعل ذلك هو ما أوحى إلي بسؤال أوجهه ~~إليه لأشق به طريقا لأحاديثنا غير ما كنا ms189 نتحدث فيه، عسى أن أخرج صاحبي من سحابة ~~الحزن التي أخذت تغمره عندما دهمته الذكريات بغدر «الأصدقاء»، ففاجأته سائلا (وكأنني على ~~يقين بأنه يعيش وحده): لماذا لم تتزوج يا دكتور إبراهيم؟ أكانت هي حياة العلم شغلتك عن ~~نفسك؟ فارتسمت على فمه ابتسامة مصطنعة وقال: لا، لم تكن حياة العلم لتحول دون الزواج لو ~~أردته؛ فلقد لبثت خلال الشطر الأكبر من حياتي الرشيدة لا أحتكم فيما أفعله وما لا أفعله إلى ~~حكم عقلي وحده. كان ذلك قبل أن تدب الشيخوخة في عظامي، وكان «العقل» يتلفت حوله فيمن ~~يعرفهم من الأزواج، فلا يلحظ بين الزوج والزوجة إلا تضادا، كأنما خلقت بيوت الزوجية ~~لتجمع أضدادا بين جدرانها. كان أبو العلاء المعري يقصر هذا التضاد المضحك على رفات الموتى ~~في قبورهم، إذ قال: # رب لحد قد صار لحدا مرارا # ضاحك من تزاحم الأضداد # لكنني ~~وسعت من الدائرة لأضيف البيوت إلى اللحود في تزاحم الأضداد بين جدرانها ... # فقاطعته قائلا: إن في حديثك هذا رنة من تشاؤم الأحدب؛ فلقد سمعته مرة يقول: إن رباط ~~الحب قلما يتحقق في زواج؛ فالزواج دائما يكون حيث لا حب، والحب دائما يكون حيث لا زواج؛ ~~فالحبيبان لا يلتقيان إلا قبل أن تهيأ ظروفهما أو ظروف أحدهما للزواج، أو بعد أن يكون قد تم ~~الزواج من غير الحبيبة أو الحبيب وفات الأوان؛ من هنا رأيت لكل زوج حبيبة كان يود لو ~~كانت له، ولكل زوجة حبيب كانت تود لو كان لها، إنها أضداد تلتقي وتتزاحم، وتلك هي ~~الحياة؛ ذلك ما سمعته من الأحدب المتشائم ذات يوم، وكأني بك تردد صداه. # فصمت إبراهيم قليلا ثم طفق يقول: ~~اسمع يا أستاذ فوزي، إن الداء لا يشفيه كتمانه، ومن الأدواء المفجعة في بنائنا الاجتماعي ~~- وأخشى أن يصدق هذا على أمم الأرض جميعا بدرجات متفاوتة - أن يكون الزواج عقدا يبرمه ~~عقلان ينشدان تنظيم علاقة اجتماعية اقتصادية بينهما، لا رباطا يربط قلبين يتحابان ~~فيلتئمان في قلب واحد لا ينشد شيئا إلا أن ينبض نبضا سليما، وطالما ms190 لبثت الحال على هذا ~~الوجه فلا بد للقلوب المكلومة أن تلتمس لها سبلا من وراء ستار. نظام الزواج هو في صميمه ~~اغتصاب يحميه القانون؛ فإما رجل اغتصب امرأة يحبها ولا تحبه، أو امرأة اغتصبت رجلا تحبه ~~ولا يحبها، أو رجل وامرأة يتعايشان ابتغاء مصلحة مشتركة بغير حب من أي من ~~الطرفين. # إن الناس ليكفيهم من الأمر كله سلامة الشكل دون مضمونه ومغزاه، ولي في ذلك خبرات كسبتها ~~منذ الطفولة ولا بد أن يكون لك؛ فها هو ذا رجل يطلق زوجته ثلاثا، وإنهما لفي غربة بعيدة عن ~~الوطن، فتغضب الزوجة عند غير أهل لها؛ إذ لم تكن لها حيلة غير هؤلاء يئوونها، يوما ~~ويوما ويوما، ثم يتفق الوسطاء مع الزوج على رد زوجته، فيجيئون بالمأذون، ومع المأذون ابن ~~له صغير، في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمره، ويتفق على أن يكون هذا الطفل هو الزوج ~~المحلل لرجعة المطلقة، وتدخل الست أم حامد - فهكذا أذكر اسمها برغم تقادم العهد - تدخل ~~مع زوجها الجديد في غرفة معزولة عند آخر الفناء الفسيح، ويظل الوسطاء من رجال وسيدات ~~ينتظرون، وتخرج الست أم حامد لا تقوى على أن تواجه أحدا بنظرة، ويتضاحك السيدات ويسألنها، ~~فتقص عليهم كيف أخذت هي تلهو بالطفل وهو يبكي في غير فهم لمهمته. المسكينة قصتها بما ~~يشبه الابتسام، ثم ختمتها بمر البكاء؛ لكنها عادت إلى زوجها حلالا بلالا، وذلك هو ~~عندهم زواج! # ولعل امرأة سودانية أخرى كانت على سذاجة الفطرة البريئة، لعلها أن تكون أسلم من هؤلاء ~~نفسا وأصفى؛ لأن لها ولدا يشتغل بقيادة السيارات، أحب امرأة عامل، وعلم الزوج بما بنيهما ~~فطلق الزوجة، لتذهب فتعيش في كنف العاشق بغير زواج، لكن العاشق لم يكفه هذا، بل راح يحمل ~~المعشوقة المطلقة على دراجة بخارية، فتجلس وراء ظهره مطوقة وسطه بذراعيها، وينطلق الفاجر ~~بدراجته وعشيقته أمام دكان العامل جيئة وذهوبا، فتأخذ النخوة من العامل مأخذها، ويهاجم ~~العاشقين في سواد الليل ليقتل غريمه بخنجره؛ فماذا تعمل الأم الثكلى وقد علمت أن معشوقة ~~ابنه ms191 تحمل في جوفها حملا؟ إنها تصمم على أن تأخذ المأذون إلى قبر ابنها، ويضحك منها الناس ~~فتقول والدموع تملأ عينيها: مم تهزءون؟ أريد أن أعقد قرانه على قبره، ليجيء ابنه «جني ~~حلال» وهو تصور لا يبعد كثيرا عن تصور سائر الناس لحقيقة الزواج. # قلت: ربما أصبت في أن الزواج غالبا ما يكون شكلا بغير مضمون، لكن للشكل أهميته. # قال: نعم له أهميته في ساحات القضاء، لكن ليس له أدنى الأهمية بحساب المشاعر؛ من لي بهزة ~~عنيفة لأرج الناس رجا فأباعد بين كل ضدين اجتمعا على مصلحة، وأقرب بين كل حبيبين ~~افترقا بحكم الظروف. # وأراد لي الله أن تتأيد عندي فكرة الأحدب، من أن الزواج لا يكاد يجمع إلا الأضداد؛ فقد ~~دعاني فريد على عشاء في منزله بحلوان، ولم تكن قد مضت على زيارتي له إلا أيام قلائل؛ لأنه ~~أراد - كما قال - أن يجدد عهدي بجماعة الإخوان. # كنا تسعة أشخاص، أربعة أزواج وأربع زوجات، وأنا؛ فقد حضر صبري وزوجته فوقية، وتوفيق ~~وزوجته سعاد، وصالح وزوجته سعاد أيضا، وبالطبع كان هناك المضيفان فريد وعفاف، وقد كنت ~~أعرفهم جميعا ظاهرا لباطن وباطنا لظاهر، لكني مع ذلك أخذت تلك الليلة أمعن النظر فيهم ~~زوجا زوجا، وكان حديث الأحدب لي عن تضاد الأزواج ما يزال يرن في مسمعي، ولم أجد عناء ~~كبيرا في أن أصنفهم لنفسي على أساس الميل الغريزي الذي يبدونه في أحاديثهم تصنيفا ~~بعيدا كل البعد عما هو قائم. # فصديقنا فريد، بجنوحه نحو طرائق «أولاد البلد» في عاداته الفردية والاجتماعية، والذي كان ~~بسبب هذه العادات ثقيلا على قلب زوجته عفاف، كان هو الفارس الذي يخطف بلب فوقية؛ لأنها ~~كانت تريد رجلا يهجم على المرأة بغزله الذي لا يراعي فيه الاحتشام المائع، ويكون من ضخامة ~~الجسم طولا وعرضا بمثل ما كان لفريد من ذلك، إنها لا تكف عن الضحك لكل نكتة يقولها، ~~وتتبعه بنظراتها أينما سار وحيثما جلس، ولعلها كانت تقارنه عندئذ بزوجها الوديع المسكين ~~الصامت، بجسمه الطري المرتخي فتقول لنفسها في سرها: ما ms192 أبعد المسافة بين رجل ورجل، نعم إن ~~زوجها صبري مهندس لامع، تختاره الحكومة في كثير من لجانها الفنية ، وتملأ صورته الصحف، وإذا ~~تكلم فإنما يتكلم هندسة في هندسة ومشروعات في مشروعات، لكن ما لها هي ولكل هذه البراعة ~~الفنية إذا لم يغزها رجل؟! لا، إن هواها كله مع فريد، ولا أدري إن كانت عفاف قد أدركت ما ~~بينهما، لكني أشعر أن لو أدركت لكان لسان حالها يقول: تفضلي هنيئة به! وأما صبري في ~~وداعته واستكانته وصمته والتزامه جانب الحذر فما كان أنسبه لإحدى السعادين، فسعاد وسعاد ~~في هذه المجموعة بينهما ما بين السماء والأرض من تباين؛ إحداهما انطفأت في عينيها جذوة ~~الحياة، وخمدت في وجنتيها شعلة الجنس، وأصبحت في حركتها المقيدة المكبلة كأنها التمثال ~~الشمعي؛ لا تنطق لفظة إلا وقد حسبت حسابها، فلماذا لا ينظر إليها صبري المهندس بعين ~~الإعجاب، أين كانت هذه الوداعة القانعة العاقلة المتزنة يوم أراد الزواج! ... ولكن من ذا يكون ~~زوج سعاد هذه؟ إنه صالح الغارق في مجونه إلى أذنيه، الذي لم يكن يريد في دنياه إلا امرأة ~~تقدر لذة الحياة الماجنة وتفهمها دون أن تدخل في الأمر قواعد الأخلاق ومستويات الحضارة ~~والتهذيب، يعلم عنه أصدقاؤه المعاصرون له والمسايرون له في أطوار الحياة، أنه أيام شبابه لم ~~يتورع عن فعل يشتهيه بغريزته، مهما تكن العوائق في سبيل أدائه؛ لم يتورع أن يتعلق بمؤخرة ~~عربة نقل في الطريق إذا كانت عليها امرأة يريد مضاحكتها، لم يتورع أن يلبس ثياب أبيه ~~العربية، جبة وقفطان وعمامة ليسير بها في زحمة المولد والمسبحة في يده، ليفاجئ أسر ~~الفلاحين بزعمه أنه مواطن لهم من بلد قريب من قريتهم، وأنه يعرفهم فكيف لا يعرفونه؟ فتقع ~~الأسرة الريفية: زوجا وزوجة، في حيرة وربكة، وعندئذ يوجه سهامه إلى الزوجة إذا لمح فيها ~~مسحة من جمال الريف؛ لا، إنه لم يتورع عن فعل مهما يكن فيه من جرأة مرضاة لشهوته، فإذا ~~نجح كان بها، وإلا فهو «فصل» طريف يروى للأصدقاء في جلسات السمر؛ أيكون هذا ms193 الفاجر هو زوج ~~سعاد التي لا تحرك يدا ولا قدما إلا بحساب؟ نعم إنها بهذا السكون المميت قد قتلت حيوية ~~جسدها قتلا، وكان يمكن أن تعد من الجميلات، لكن فكرة الأنوثة بكل خصائصها من جمال أو قبح ~~لم تعد ترد على خاطر الناظر إليها؛ فهي تمثال شمعي كالتماثيل المعروضة في متاحف الشمع، ~~تقف أمامه لا لتسري الحيوية منه إليك ومنك إليه، بل لترى إلى أي حد يشبه التمثال صاحبه، ~~وكذلك تنظر إلى هذه المرأة الساكنة الميتة لتنظر إلى أي حد هي تشبه الإنسانة الحية؛ فأين ~~هذه الزوجة من زوجها الجامح؟! إنها ربما صلحت زوجة لصبري المهندس، فيلتقي هدوءه ~~بهدوئها، وصمته بصمتها، وهموده بهمودها، فيكون شن قد وافق طبقه كما يقول المثل ~~العربي القديم؛ أما أن يقع صبري النعسان على فوقية اليقظانة الصاحية، وأن يقع صالح الداعر ~~على سعاد الراهبة، فذلك كوقوع الضد على ضده؛ فلا بد لأحد الضدين أن يفر التماسا ~~لأشباهه. # ولم يكن صالح بحاجة إلى شطح بعيد ليجد بغيته على بعد قدم واحدة منه أثناء تلك ~~«السهرة» الصاخبة؛ ففي الجماعة سعاد أخرى قد لا يدل ظاهرها على حقيقتها إلا لمن كان ذا ~~عين بصيرة بالنساء كعين أخينا صالح؛ فسعاد الثانية هذه قد تبدي لك سحنة ~~مستعلية على الرجال؛ تجلس واضعة ساقا على ساق، معتدلة بظهرها، مجيبة من ~~يحدثها إجابة المالكة لزمام نفسها، لكن وراء هذه الصلابة الظاهرة أمنية ترقد في أعماق ~~طبيعتها، وهي أن تجد الرجل الذي يعرف كيف يدوسها بقدميه من جانب الغريزة فيها، شريطة أن ~~يبقي لها مكانتها فيما بقي بعد ذلك من جوانب؛ وهي تظن - كما يبدو من لمحات عينها ومن فلتات ~~لسانها - أن الداعر صالح ربما استطاع أن يكون هو الرجل الذي يقيم الميزان الصحيح بين قتلها ~~في ناحية وإحيائها في ناحية؛ لأنه كان وهو يتحدث إليها بكلمات مسموعة أحيانا وبوشوشة ~~مهموسة أحيانا، يلعب على الحبلين، فتوقير في اللفظ والمعاملة كأنه إمام المهذبين وبريق ~~في عينه المتأرجحة في محجرها يبعث إليها الإشارات التي تكاد ms194 تنطق لها بما كان يستطيع فعله ~~لو ظفر بها. # هكذا أراد الزواج تقسيما لأفراد تلك الجماعة، وكانت الفطرة تريد لهم تقسيما آخر. # | خاتمة # قل ما شئت عما بيننا نحن الثلاثة من تباين؛ فإنه محال على المتعقب ألا يربط بيننا ~~رباطا وثيقا، يبرر له أن يجعل نفوسنا جوانب ثلاثة من نفس واحدة، ومن ذا يزعم أن في ~~نفوس الناس جميعا نفسا كانت خالصة في تجانسها مع ذاتها وفي نقائها من عوامل الخلاف بين ~~أجزائها خلافا قد يصل بها إلى حد الصراع بين جزء وجزء؟ وإذا كانت تلك هي طبيعة الإنسان، ~~فمن حقنا - توضيحا للرؤية وتيسيرا للفهم - أن نفرض بأنني أنا فوزي الراوي، مع صاحبي ~~الآخرين: رياض عطا وإبراهيم الخولي، بمثابة نفس واحدة لإنسان واحد، انقسمت على ذاتها ~~ثلاثة جوانب، وكان حظي أنا من هذه القسمة أن أقف موقف الشاهد على العضوين الآخرين، فأرقبهما ~~وهما يتباعدان ويتقاربان، وفي الوقت نفسه أحدد موضعي منهما معا. # وقصة النفس التي رويتها فيما أسلفته من صفحات، هي قصة ذلك الثالوث مأخوذا فرادى ~~ومجتمعا، ولست أزعم بأنني ذكرت في قصتي كل ما قد عاشه الثالوث وانطبع به وتأثر بحيث اعوج ~~هنا واستقام هناك، فذلك التقصي فوق مستطاع البشر، وإلا وقعنا فيما وقع فيه «ترسترام ~~شاندي» من تناقض؛ وذلك حين أراد أن يكتب عن حياته كتابة مفصلة يخصص لكل يوم منها عاما ~~كاملا؛ فحياة الثالوث الذي يعنينا هنا تيار دافق الموج، وليس في مستطاعنا إلا أن نلقف منه ~~في جريانه قطرات من هنا وقطرات من هناك. والآن - وقد بلغنا الخاتمة - نسأل: ماذا - يا ترى ~~- كانت أهم معالم تلك «النفس» التي روينا عن حياتها ما روينا؟ ثم إلى أي حد يمكن ~~اتخاذها شاهدا على عصرها وظروفه؟ إذ مهما يكن من أمرها، فهي ربيبة والدين، كان للوالد ~~فيها مزاج وللوالدة مزاج، ثم هي صنيعة خط معين من الدراسة ومن القراءة، وهي آخر الأمر ~~محصلة مؤثرات أحاطت بها، تفاعلت مع فطرة خلفت عليها فأنتج التفاعل ما أنتج. # إن أول ما يلفت ms195 نظري من تلك النفس أنها في خصومة دائمة مع نفسها، وقلما وجدت من حياتها ~~لحظة تصالحت فيها مع ذاتها، وحسبنا في هذا الصدد أن نتذكر أنها نفس مثلثة الأركان، لكل ركن ~~منها طبيعة تتنافر مع طبيعة الركنين الآخرين، فهنالك من أعضاء مجتمعها «الأحدب» الذي جاءت ~~حياته انفعالا مجسدا لا يعرف كيف يستجيب للعوامل المحيطة به في روية هادئة، ولقد فقد ~~بسبب اندفاعه الأهوج كثيرا جدا من احترام الناس وتقديرهم؛ وهنالك إلى جانبه في ذلك ~~المجتمع الصغير عضو آخر يقع معه على طرفي نقيض، وذلك هو إبراهيم الخولي الذي غلب عليه ~~العقل ببرودته وهدوئه وموضوعيه، والذي كان من أجل ذلك يفضل العيش مع «الأفكار» عن العيش ~~مع «الناس»؛ وأما العضو الثالث - الذي تجسد في شخصي أنا - فهو الذي يساير الناس فيما ~~تواضعوا عليه، وهو الذي ينتمي إلى أسرة وإلى أصدقاء وإلى وطن. # إنه إذا جاز لي أن أضع تلك الأنفس الثلاثة التي منها يتألف الثالوث تحت الرءوس الثلاثة ~~التي ورد ذكرها في الكتاب الكريم، لقلت إن النفس «الأمارة» هي رياض عطا (الأحدب) لأنه ~~يندفع مع وجدانه ولا يبالي؛ وإن النفس «اللوامة» هي إبراهيم الخولي؛ لأنه ممسك في يده ~~بميزان العقل - ومثله الأعلى هو سقراط - وميزان العقل بطبيعته لا يميل مع الهوى؛ وأما ~~النفس «المطمئنة» التي أسلمت ذاتها لله تعالى وللمجتمع فيما نزل من شريعة يجب لها أن ~~تراعى، ومن تقاليد وقوانين يجب لها أن تطاع عن قبول ورضا؛ أقول: إن هذه النفس المطمئنة ~~قد تمثلت في شخصي أنا دون الزميلين الآخرين، وهو نعيم أحمد الله عليه حمدا ~~كثيرا. # ثم لو جاز لي أن أتحدث عن هذه الأنفس الثلاثة باللغة الفرويدية، لقلت إن صاحبنا رياض عطا ~~هو الفطرة في بكارتها، أو ما يسمى في مصطلح فرويد «الهو»؛ وأما إبراهيم الخولي فهو ~~النقيض الذي يعارضه ويلجمه، والذي يسمى في ذلك المصطلح «الأنا»، ويأتي فوقهما «الأنا ~~الأعلى» الذي يهدأ فيه الصراع ويسكن القلق. # لكنني وقد وقع على كاهلي عبء الشهادة، لأكون شهيدا على نفسي ms196 وعلى الرفيقين الآخرين، ~~اللذين ارتبطت بهما بتلك الخيوط السحرية الغامضة، التي تراها البصائر وإن خفيت على الأبصار. ~~أشهد بأنه - رغم هذا التقييم لنفوسنا - فقد كانت الغلبة الطاغية لزميلنا الأحدب؛ فهو الذي ~~انعكست حرارته على المجموعة كلها، فأكسبتها الصفة العامة كما يتلقاها الناس؛ ومن هنا كانت ~~مجموعتنا في أعين المشاهدين أدخل في باب السخط والقلق والنزوة التي تنقل صاحبها من فلك ~~إلى فلك بغير موجب ظاهر. # وكان من أبرز الصفات التي تميز بها الأحدب، فانخلعت على الثالوث كله في أعين المشاهدين، ~~ذلك الانطواء الشديد الذي هو أقرب إلى الفرار من دنيا الناس العامة إلى حيث تحيط به جدران ~~بيته، وحتى هذه الجدران كثيرا ما تبدو له وكأنها العراء، فيأوي منها إلى ركن في غرفة ~~مقفلة النوافذ، وعندئذ تهدأ أنفاسه وتطمئن نفسه، ولقد سألت الأحدب مرة: متى بدأت عندك هذه ~~الرغبة في الانطواء على هذه الدرجة التي لا يألفها الناس؟ فأجابني بأنه لا يدري على وجه ~~الدقة متى كانت ولماذا، لكنه كلما دفع ذاكرته إلى الوراء وقع على مواقف من حياته فيها هذا ~~التخفي عن الناس، فضلا عن أحلامه التي يراها في نومه أو في يقظته على السواء؛ فما أكثر ما ~~يغفو لتسرح خواطره كيفما شاءت، فإذا تلك الخواطر تظل تتقاطر خاطرا في إثر خاطر حتى ترسو به ~~في مكان منعزل هناك بعيدا في الفلاة أو على جبل غير مأهول، أو في جزيرة لم تطأها أقدام ~~البشر، وروى لي الأحدب في هذا السياق، أنه ما سافر مرة في قطار، ووقع بصره على كوخ قائم ~~وحده، إلا وتمنى أن تكون حياته في ذلك الكوخ وحيدا، لا يريد من الدنيا إلا مقدار طعامه ~~وشرابه وما يرتديه من الثياب. # ولئن كنا نحن - أنا وإبراهيم - لا نشارك صاحبنا الأحدب في هذا الفرار العجيب، بالفعل ~~أو بالتمني، فنحن بغير شك نشاركه في نتيجة ترتبت عليه، ألا وهي الزهد في بهرج الدنيا ~~وبذخها؛ فكلانا - إبراهيم وأنا - يسعد غاية السعادة أمام مائدة عليها أبسط الطعام وأقله، ~~ما دام كافيا ms197 لإطعامه من جوع، وكثيرا جدا ما سمعنا الناس ونحن ننسب إلى أنفسنا الغنى، ~~مستدركين بأنه غنى قوامه قلة الرغبات لا كثرة المال. # ولا أترك جانب الانطواء والفرار والتخفي دون أن أكملها بما يلحق بها عند الأحدب ~~وإبراهيم معا، وعند الأحدب بصفة خاصة؛ وذلك أنهما معا قد يوصفان بالجبن في الحياة العامة ~~وفي زحمة الناس، لكن انظر إليهما فيما يكتبانه وينشرانه تجد الجرأة والشجاعة والعلانية ~~الصريحة، كل منهما في ميدانه! فكأنهما وهما يلوذان بمأمن البيت، فما ذلك إلا ليزداد شجاعة ~~على الورق. # وملمح رئيسي ثالث في النفس - بأضلاعها الثلاثة - التي نروي قصتها، هو سرعة الانتقال من ~~البشر والبشاشة إلى الجهامة والعبوس؛ فما هي إلا لحظة خاطفة، حتى ترى الأحدب - بصفة خاصة ~~- قد وثب من عالم الضحك والفكاهة إلى دنيا الصرامة والجد؛ أيكون ذلك طابع المصري من حيث هو ~~مصري، دون أن يكون الأمر مقصورا على الأحدب وحده، أو حتى على الثالوث كله؟ يجوز، والبيئة ~~تعمل على ذلك؛ فلا يفصل الصحراء الجدباء عن الوادي الأخضر إلا خطوة واحدة تخطوها، فإذا بك ~~في جدب بعد إثمار أو في إثمار بعد جدب، وإن ذلك الخط الرفيع نفسه لهو الفاصل عند المصري بين ~~الحياة والموت، ثم بين الموت والبعث؛ فليس غريبا - إذن - أن ينعكس ذلك في سرعة الانتقال ~~إبان الحياة من البشر إلى العبوس، وعلى أية حال فتلك هي حالة الأحدب الذي - كما قلت عنه - ~~أبرز أشخاصنا الثلاثة تلوينا وتأثيرا. # إن من لا يعرف من الناس ثالوثنا في تباينه تباينا تتكامل فيه الأجزاء، يدهشه أن يرى ~~تلك النفس جادة غاية الجد بعد أن رآها عابثة كل العبث، أو أن يراها عابثة بعد أن رآها ~~جادة، يدهشه أن يراها وكأنها قلب كلها لا تعرف إلا حرارة العاطفة وقوة نبضها بعد أن كان ~~رآها فخيل إليه أنها عقل ولا شيء فيها إلا العقل الذي لا يلين مع الحب ولا يضعف مع ~~الميل. # اللهم إذا كانت «المراهقة» بمثل هذا الوثوب السريع من فلك إلى فلك، فتلك النفس التي ms198 نروي ~~قصتها قد امتدت بها المراهقة منذ مرحلتها العمرية حتى شاخ صاحبها وابيض شعره ووهن عظمه ~~وعرجت ساقه وعميت له عين وعشيت الأخرى. # وسمعة رابعة نتميز بها نحن الثلاثة جميعا، لا فرق فيها بين رياض عطا وإبراهيم الخولي ~~وبيني، وهي شدة التواضع الذي كثيرا ما يسرف في حق نفسه فيبدو للآخرين ضعة لا تواضعا، ~~ومن ثم تسرع المخالب إلى نهشه والأنياب إلى تضريسه؛ هو تواضع ورثته «النفس» عن ~~الوالدة لا عن الوالد؛ فقد كانت هي التي أورثتها معظم أخلاقها؛ وأما الوالد فلم يكن ~~متواضعا، وجاءت هذه «النفس» لا لتأخذ عنه بل لتميل إلى اجتناب ما كان يتميز به. # لكن تواضع «النفس» التي نتابع سيرتها، لم يكن تواضعا غير مشروط، بل كان مقيدا ~~بظروفه؛ فهو تواضع بلا حدود أمام الضعفاء غير الأدعياء؛ وأما إن صادفتها شخصية معتدية، ~~لجأت إلى الانسحاب حتى لا تضعف أمامها فتؤكل، وقلما لجأت إلى مواجهة اعتداء باعتداء، ~~وقد لا يكون ذلك عن عفة بقدر ما يكون عن شعور بالنقص والعجز. # إنه لو ترك لشهرزاد حبل الكلام لما سكتت مهما صاحت الديكة في أذنيها لتذكرها بإصباح ~~الصباح، ولماذا تسكت و«النفس» التي تتحدث عنها تغري بالمضي في الحديث الذي ينشر عنها ما ~~انطوى ويفصح عما استتر، ففيها قوة وضعف، وفيها عقل وقلب، وفيها علم وأدب وفن، وفيها الخير ~~والشر والفجور والتقوى؛ # ونفس وما سواها * ~~فألهمها فجورها وتقواها ~~«صدق الله العظيم». ms199