######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.QiyamMinTurath.Hindawi41624957 #META# Tags: philosophy #META# ID: 41624957 #META# Title: قيم من التراث #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # قيمة من التراث تستحق البقاء‏ # ابن رشد في تيار الفكر العربي‏ # طريقة الرمز عند ابن عربي في ديوان «ترجمان الأشواق»‏ # من وحي الكعبة‏ # تربية الضمير الديني‏ # الشعائر وما وراءها‏ # الفلسفة شيء والدين شيء آخر‏ # ذلك دور المسلمين‏ # نعم، إسلامنا يكفينا ولكن كيف؟‏ # الدين والتدين وعلم الدين‏ # ويبقى الود ما بقي العتاب‏ # أقولها كلمة صدق‏ # نمل ونحل‏ # ما لهذه الشجرة لا تنمو؟!‏ # بقعة زيت على محيط هادئ‏ # كلمات تحت كلمات‏ # أبراج بلا نوافذ‏ # حرية الذين يعلمون‏ # بل من هنالك نبدأ‏ # أضداد تتزاحم!‏ # طالبة وطالب‏ # أهو احتجاج على أنهم أحياء؟!‏ # مفلسون في ثياب الأغنياء‏ # النفخة الكذابة‏ # قالت الشمس للسحب‏ # حوار مع وراق‏ # مغامرات محسوبة!‏ # قوة المستغني‏ # قراءة في كراسة مجهولة‏ # هيا إلى اقتحام العقبة‏ # سؤال عن الثقافة وجوابه‏ # مدينة الفكر كثيرة الأبواب‏ # حوار على الورق (1)‏ # حوار على الورق (2)‏ # حوار على الورق (3)‏ # مصر هي أنت يا صديقي‏ # لك أنت الولاء يا مصر‏ # قيمة من التراث تستحق البقاء‏ # ابن رشد في تيار الفكر العربي‏ # طريقة الرمز عند ابن عربي في ديوان «ترجمان الأشواق»‏ # من وحي الكعبة‏ # تربية الضمير الديني‏ # الشعائر وما وراءها‏ # الفلسفة شيء والدين شيء آخر‏ # ذلك دور المسلمين‏ # نعم، إسلامنا يكفينا ولكن كيف؟‏ # الدين والتدين وعلم الدين‏ # ويبقى الود ما بقي العتاب‏ # أقولها كلمة صدق‏ # نمل ونحل‏ # ما لهذه الشجرة لا تنمو؟!‏ # بقعة زيت على محيط هادئ‏ # كلمات تحت كلمات‏ # أبراج بلا نوافذ‏ # حرية الذين يعلمون‏ # بل من هنالك نبدأ‏ # أضداد تتزاحم!‏ # طالبة وطالب‏ # أهو احتجاج على أنهم أحياء؟!‏ # مفلسون في ثياب الأغنياء‏ # النفخة الكذابة‏ # قالت الشمس للسحب‏ # حوار مع وراق‏ # مغامرات محسوبة!‏ # قوة المستغني‏ # قراءة في كراسة مجهولة‏ # هيا إلى اقتحام العقبة‏ # سؤال عن الثقافة وجوابه‏ # مدينة الفكر كثيرة الأبواب‏ # حوار على الورق (1)‏ # حوار على الورق (2)‏ # حوار على الورق (3)‏ # مصر هي أنت يا صديقي‏ # لك أنت الولاء يا مصر‏ # | قيم من التراث # | قيم من التراث # تأليف # زكي نجيب محمود # | قيمة من التراث تستحق البقاء # 1 # هي حقيقة توشك أن تكون واضحة ms001 بذاتها ، ليست بحاجة إلى برهان يقام على صوابها؛ ~~لأنها حقيقة يدركها الإنسان بفطرته إدراكا مباشرا أو تكاد؛ وأعني بها أن الولد إذا ~~أراد أن يحيا على نهج والده، فهو لا يطالب أن تجيء المحاكاة قولا بقول وفعلا ~~بفعل، فذلك في منطق الحياة ضرب من المحال؛ فشجرة الورد تجيء على صورة شجرة الورد التي ~~سبقتها، لكنها لا تجيء مطابقة لها مطابقة كاملة في فروعها وأوراقها وورودها. وإن ~~أصحاب المعرفة بدنيا النبات ليزعمون لنا بأنك لن تجد في ملايين الملايين من وحدات ~~النبات، ورقتين تطابق إحداهما الأخرى في كل أجزائها، وذلك هو سر الحياة في شتى ~~كائناتها: أن يكون لكل كائن على حدة فردية لا يشاركه فيها كائن آخر، وحتى التوائم، ~~فمهما بلغ التشابه بينهم، فيكفي لاختلافهم اختلاف البصمات. # وإذا كان ذلك هو مبدأ الحياة في تصويرها للأحياء من أدناها إلى أعلاها، فكيف بالإنسان ~~الذي جعله الله مسئولا عما يفعل، لا يشفع له أن يكون قد جرى في فعله مجرى السالفين، ~~وإذن فهي - كما قلت - حقيقة توشك أن تكون من البدائه الأولية؛ ألا يكون المقصود ~~بمحاكاة الأواخر للأوائل، محاكاة لا تدع مجالا للإبداع وللإرادة الحرة تختار لتقع ~~عليها تبعة اختيارها. # فماذا نعني حين نوصي المعاصرين بأن يترسموا في سيرهم خطو السالفين؟ ماذا نعني حين ~~ندعو إلى إحياء تراث الآباء ليسري في حياتنا الحاضرة سريان الزيت في الزيتونة؟ ماذا ~~نعني حين نلتمس لأنفسنا طريقا نجمع فيه بين القديم والجديد، بين الموروث والمعاصر؟ ~~ولقد يسهل على بعضنا - أحيانا - أن يطالبوا الشاعر في يومنا بأن ينظم على غرار ما ~~نظم الشعراء الأقدمون، أو أن يحكم القاضي في الناس بما كان يحكم به قضاة الأمس ~~البعيد، ولكن ماذا عساهم أن يقولوا في علماء اليوم وبين أيديهم من المسائل والتجارب ما ~~لم يحلم به أحد من السابقين - ولست أريد بالسابقين أولئك الذين عاشوا منذ كذا قرنا من ~~الزمان، بل أريد من عاش منهم في القرن الماضي أو الذي سبقه؟ إن حياة الناس اليوم، ليست ~~كلها مركبات لفظية، ms002 صيغت شعرا أو نثرا، حتى يسهل علينا أن نطالب المعاصرين بأن ~~يحركوا أقلامهم أو ألسنتهم بمثل ما تحركت عند القدماء ألسنة وأقلام، بل الحياة أبحاث ~~علمية تجري في المعامل، والحياة مكنات تدور تروسها وعجلاتها في المصانع، والحياة نظم ~~في التعليم، ونظم في الإدارة، ونظم في إنتاج السلع وتوزيعها، والحياة طائرات وصواريخ، ~~والحياة نقل للأعضاء من بدن إلى بدن، والحياة استزراع للصحراء، بل هي استزراع للهواء ~~وسطح الماء. وإن طريق القول ليطول بنا، لو أخذنا نسرد الأمثلة بالمئات، لنقول ماذا هي ~~حياة اليوم، فكيف يجوز للوهم أن يتوهم بأن حياة العصر يمكن أن تصب بحذافيرها في ~~قوالب السالفين؟ # ومع ذلك، فهنالك معنى مفهوم - نبحث عنه لنبسطه فيصير واضحا بعد إبهام - إذا ما ~~طالبنا أنفسنا بإحياء الماضي إحياء يسري به في جسم الحياة الحاضرة. وإن ذلك المعنى ~~المبهم ليأخذ في الظهور، حين نتصور محاكاة الأواخر للأوائل، على نحو يجعلها محاكاة ~~في «الاتجاه» لا في خطوات السير، محاكاة في «الموقف» لا مادة المشكلات وأساليب حلها، ~~محاكاة في «النظرة» لا في تفصيلات ما يقع عليه البصر، محاكاة في أن يكون العربي الجديد ~~مبدعا لما هو أصيل، كما كان أسلافه يبدعون، دون أن تكون الثمرة المستحدثة على يدي ~~العربي الجديد هي نفسها الثمرة التي استحدثها العربي القديم، محاكاة في «القيم» التي ~~يقاس عليها ما يصح وما لا يصح، كما يأخذ زيد من خالد مسطرته ليقيس عليها قطعة من ~~قماش، بعد أن كان خالد لا يقيس عليها إلا خطوطا على ورق؛ المسطرة واحدة، وأما المواد ~~المقيسة فمختلفات. وهكذا تكون حالنا إذا ما استعرنا من الأقدمين «قيمة» عاشوا بها، ~~ونريد اليوم أن نعيش بها مثلهم، لكن الذي نختلف فيه وإياهم، هو المجال الذي ندير عليه ~~تلك القيمة المستعارة. # 2 # والقيم كثيرة، تلك التي كانت تنتظم حياة أسلافنا فكرا وسلوكا، والتي يمكن أن ~~نستعيرها لحياتنا المعاصرة، لتكون هي الحلقة الرابطة بين ماض وحاضر، لكني سأقصر ~~الحديث في هذا المقال على إحداها، فأتعقبها تحليلا وتوضيحا؛ لأبين كيف كانت ~~منزلتها ms003 في فكر السلف، وكيف يمكن امتدادها إلى حياتنا الفكرية الراهنة، فتصبح إحدى ~~همزات الوصل التي تجعل من الحلقات سلسلة متصلة أولا بآخر. # والقيمة التي اخترتها لتكون مدار النظر، هي الطريقة الإدراكية التي أزعم أنها كانت ~~نهجا مأثورا عند آبائنا العرب والمسلمين، فطريقتهم في التفكير - فيما أزعم - لم تكن ~~تصعد من الشواهد الجزئية، والأحداث الجارية، إلى المبدأ العام الذي يستقطبها، بل كانت ~~تهبط من مبدأ يفرض نفسه عليهم فرضا؛ ليستخرجوا منه ما يستخرجونه من قواعد للفكر ~~والسلوك. على أن مصادر ذلك الإلزام قد تتعدد، فإما أن يكون المبدأ المفروض ملزما ~~لكونه وحيا من السماء، أو إلهاما بفكرة، أو حدسا لها (بالمعنى الاصطلاحي لكلمة حدس، ~~وهو أن يكون الإدراك عيانا عقليا مباشرا) أو أن يكون ملزما؛ لأنه تقليد راسخ، أو ~~عرف بين الناس تواترت به الأعوام. # وسنضرب للقارئ أمثلة من مجالات التفكير على اختلافها؛ ليرى كيف كانت الحركة هابطة ~~من العام إلى الخاص، لا صاعدة من الخاص إلى العام، لا فرق بين أن يكون المجال مجال علم ~~رياضي أو طبيعي، أو أن يكون مجال أدب أو فن، أو مجال لغة أو تشريع، ففي جميع الحالات ~~كان العقل العربي يلمع أولا بالمبدأ العام، ثم يتدرج منه نزولا إلى تفصيلات ~~التطبيق. # ولنبدأ باللغة العربية؛ لأن أول ما يميز العربي - بداهة - هو أن لسانه عربي. وإذا ~~كان ذلك صحيحا بالنسبة إلى كل لغة وأصحابها، فهو صحيح بصفة خاصة بالنسبة إلى ~~العربي؛ وذلك لأن عبقرية العرب الأولى، هي - كما قد قيل - في لسانهم. إنهم لم يعتزوا ~~بشيء اعتزازهم بلغتهم؛ إذ هي لم تكن بينهم مجرد أداة للتفاهم، بل كانت أكثر من ذلك، ~~كانت هي المجال الأساسي الذي انصبت عليه طاقتهم الفنية. ولا عجب أن يكون القرآن ~~الكريم هو معجزة الإسلام. # فانظر إلى هذه اللغة، تجد مفرداتها قد جاءت انبثاقا من ينابيع، فتدفقت منها مجموعات ~~مجموعات، وكأن هذه المجموعات انعكاس للقبائل والعشائر، يرتد كل منها إلى جد كبير. ~~وأما تلك الينابيع الدفاقة بمجموعات الألفاظ، فهي الأصول الثلاثية ms004 - في الأعم الأغلب ~~- ويكفيك الأصل الثلاثي لتظل تخرج من جوفه مشتقاته، فيكون لك من هذه المشتقات ما ~~تواجه به مواقف الحياة الواقعة جميعا. إنك في اللغات الأخرى قد تضطر في حالات كثيرة ~~إلى حفظ المفردات كما هي، وبغير تعليل؛ لأنها هكذا جاءت، وأما في العربية فعندك أصل ~~واحد - هو الثلاثي في معظم الأحيان - ولا ضرورة بعد ذلك لحفظ المفردات، وكل ما عليك أن ~~تفعله، هو أن تشتق من ذلك الجذر أي فرع تشاء؛ فهي لغة تنسقها قواعد مطردة، لا يشذ ~~فيها إلا أقل من القليل. والقواعد بدورها تنحدر من مبدأ يضمها، فإذا عرفت المبدأ، ~~نزلت منه إلى القواعد، ومن القواعد تنزل إلى مواقف التطبيق. # إذا بدأت من كلمة «عقد» - مثلا - انبثقت لك فروع قد تبدو متباعدة المعاني، ~~لكنها معان من أسرة واحدة، جدها الأول هو هذا الثلاثي، فمنه تجيء: عاقد، ومعقود، ~~وعقد (بسكون القاف)، وعقد (بكسر العين) وعقيدة، وعقدة، ومعقد ... إلخ. وإنك لتعرف ~~مدى علمية هذه اللغة واطرادها، إذا حاولت أن ترجع إلى ما يقابل هذه المعاني الفرعية ~~في الإنجليزية - مثلا - فعندئذ تجد كل معنى قد جاء من ناحية، بحيث لا يدرك الفاحص ~~صلة الرحم بين أفراد الأسرة الواحدة، وعليك في الإنجليزية - في حالة كهذه - أن تحفظ ~~كل لفظة بمعناها، مستقلة عن أخواتها. وأما في العربية فإذا عرفت الجد عرفت شجرة ~~الأسرة بكل فروعها، من الإخوة إلى أبناء العمومة والخئولة، إلى الأحفاد وما بعد ~~الأحفاد. # وبسبب هذه الروابط العضوية في مفردات اللغة العربية، كان في مقدور بعض علماء اللغة ~~(ولا سيما مدرسة البصرة) أن تضع القواعد «العقلية» العلمية التي يقاس إليها في معرفة ~~الصواب والخطأ، وفي صياغة كلمات جديدة للمواقف الجديدة، دون الخروج على أصول اللغة ~~وروحها. # 3 # ونسوق مثلا آخر للنهج العقلي عند أسلافنا، وهو النهج الذي يجعل سيره - كما قلنا - ~~متجها من مبدأ عام مجرد، إلى تطبيقاته. وسنأخذ هذا المثل من أحد ميادين الفكر ~~الفلسفي، وهو ميدان «الأخلاق». ولقد تعمدنا اختيار هذا الميدان، لكون «الأخلاق» ~~طابعا مميزا للثقافة ms005 العربية والإسلامية، إذا ما أجرينا موازنة بينها وبين ثقافات ~~أخرى؛ فبينما نجد من الثقافات الأخرى ما يضع ارتكازه على التحليل العلمي لظواهر ~~الطبيعة، ومنها ما يدير أرجاءه حول محور العسكرية والقتال والغزو، منتصرا مرة ~~ومدحورا مرة أخرى، ومنها ما يجعل الأولوية للإبداع الفني من عمارة ونحت وتصوير؛ نجد ~~الثقافة العربية والإسلامية قد أقامت بناءها على ركيزة أساسية، هي المبادئ التي ينبغي ~~أن تحكم طرق التعامل بين الناس، وتلك هي مبادئ الأخلاق. # ونرجع إلى ألمع فيلسوف عربي في مجال «الأخلاق»، وهو ابن مسكويه، لنطالع كتابه «تهذيب ~~الأخلاق، وتطهير الأعراق»، متجهين بأنظارنا نحو منهج السير، فلا نكاد نقرأ صفحاته ~~الأولى، حتى يتبين ذلك المنهج في جلاء، ويظل يزداد لنا وضوحا كلما أوغلنا في ~~القراءة، فهو منذ البداية يبحث عن المبدأ العام الذي يصلح لأن تشتق منه قواعد ~~الأخلاق، التي على أساسها نميز بين ما هو خير وما هو شر في الفعل الإنساني. # وكان ذلك المبدأ العام عند ابن مسكويه هو: طبيعة النفس الإنسانية؛ ما جوهرها الذي ~~تتميز به من سائر الطبائع؟ لأننا إذا ما عرفنا حقيقة الإنسان التي فطر عليها لكي يكون ~~إنسانا، عرفنا بالتالي بأي مقياس نقيس الأفضل والأرذل، فكل صفة أو فعل، تدنو بصاحبها ~~- أو يدنو بصاحبه - من تمثل الجوهر الإنساني، كانت تلك الصفة، أو كان ذلك الفعل ~~فضيلة. وضد ذلك هو الرذيلة. ولا يفوت ابن مسكويه أن يلفت أنظارنا إلى أن الكمال في ~~الإنسان من حيث هو إنسان، ليس مجرد حاصل جمع كمالات أجزائه، كأن يكون البصر سليما ~~والسمع دقيقا، والكبد والرئتان ... إلخ؛ إذ الحكم على أخلاقية الإنسان لا يبنى على هذه ~~الأعضاء في أدائها لوظائفها البدنية، وإنما يبنى ذلك الحكم على أن يحقق الإنسان من ~~حيث هو كائن متكامل، الغاية التي من أجلها صوره الله إنسانا. # ولا يطول النظر بابن مسكويه، حتى يتبين له أن للنفس قوتين، ولكل منهما كمالها، فله ~~- من جهة - «القوة العالمة» وكمالها إدراك المعارف والعلوم، ثم له - من جهة أخرى - ~~القوة العاملة، وكمالها تدبير ms006 وسائل العيش ونظمه تدبيرا محكما. # وما دمنا قد وضعنا الأساس العام، فيسهل علينا بعد ذلك أن نستخرج القواعد الفرعية ~~التي يجب اتباعها، لكي يتحقق لنا الكمال الذي تتطلبه فطرة الإنسان. ولعل هذا الموضع من ~~الحديث، أن يكون أنسب موضع تجري فيه مقارنة سريعة بين الوقفة العربية في منهاجها، ~~والوقفة اليونانية؛ وذلك لأن أقل إلمام بالفلسفة اليونانية، يدفع صاحبه دفعا إلى ~~السؤال: ولماذا يكون هذا الاتجاه في السير من المبدأ العام إلى المواقف التطبيقية، ~~مميزا للعقل العربي؟ أليس هو بعينه ما قد جرى عليه فلاسفة اليونان، بل وغيرهم من ~~فلاسفة سائر العصور؟ وأضف إلى ذلك أن ابن مسكويه قد أخذ عن أفلاطون أخذا مباشرا تحليل ~~النفس إلى جوانبها الثلاثة: الناطقة، والغضبية، والشهوانية. # وجوابنا على هذا السؤال ذو شقين: أولهما أنه لولا أن العقل العربي قد تميز بهذه ~~الصفة نفسها التي تميز بها العقل اليوناني، من حيث وضع المبدأ الأول، ثم النزول منه إلى ~~نتائجه، لما استطاع ذلك العقل العربي أن يتمثل الفلسفة اليونانية التي نقلها إلى لغته ~~العربية نقلا كاد أن يكون كاملا. وثانيهما أن ابن مسكويه - شأنه في ذلك شأن سائر ~~الفلاسفة المسلمين - لم يقصر نفسه على الحدود الأفلاطونية، بل إنه استخدمها مع غيرها ~~من المصادر التي بين يديه، في تكوين فكرته الخاصة. على أن ما يعنينا نحن في هذا المقال، ~~هو معالم الوقفة العربية والإسلامية عند التفكير النظري. ولا يغير من الأمر شيئا بعد ~~ذلك، أن يكون هنالك من شاركوه في تلك المعالم؛ كلها أو بعضها. # ولقد جاء هذا الطريق النازل من المبدأ العام إلى الموقف الخاص، من حيث التفكير النظري ~~في فلسفة الأخلاق، متطابقا أشد التطابق مع ما تقتضيه العقيدة الإسلامية في هذا ~~الباب؛ إذ إن مبادئ الأخلاق عند تلك العقيدة، هي ما نزل وحيا من الله سبحانه على ~~نبيه المصطفى، عليه الصلاة والسلام. وإذن فنحن مرة أخرى أمام فكرة ترتسم لنا بادئ ~~ذي بدء، ومنها نبدأ سيرنا نحو التطبيق في عالم السلوك. فلو سئلنا بعد ذلك: كيف ms007 عرفتم ~~أن الفعل الفلاني فضيلة؟ كان جوابنا: عرفناه فضيلة؛ لأنه متفق مع الفكرة الأولى ~~الموحى بها. # وليس مثل هذا الاتجاه في السير هو الملحوظ دائما عند جميع الشعوب ومختلف الثقافات، ~~فهنالك من يرون أن نقطة البدء لم تكن مبدأ كاملا، أو فكرة عامة، بل كانت نقطة البدء ~~خبرات إنسانية في ممارسة الحياة مع وقائع الطبيعة والمجتمع، ثم استخلص الإنسان مع الزمن ~~ما قد نفعه، وما قد ألحق به الضرر، فجعل الأول خيرا والثاني شرا. ومعنى ذلك أنه ~~بينما أسس الحياة الخلقية نراها نحن وكأنها هبطت علينا من السماء، فقد يراها سوانا ~~وكأنها نبتت لهم من جوف الأرض. # 4 # ومن وقفة العربي في فلسفته الأخلاقية، حيث جعل الأسبقية للمبادئ العامة، يتلقاها ~~وحيا أو حدسا أو تقليدا وعرفا، وعليه تطبيقها بغض النظر عن النتائج التي تترتب في ~~مجرى حياته العملية على هذا التطبيق، أقول: من تلك الوقفة في مجال الأخلاق، ننتقل إلى ~~وقفة له أخرى شبيهة، في مجال الفنون، سواء في ذلك فن الأدب أو فن التصوير أو غيرهما من ~~فروع الإبداع الفني. فها هنا كذلك نجد اتجاه السير نازلا من «الفكرة» العامة إلى ~~تفصيلات تجسدها. إن الفنان العربي لا يبدأ من لقطة حسية إلى فكرة تكمن وراءها - كما ~~قد تكون هي الحال عند رجال الفن في ثقافات أخرى - بل يبدأ الفنان العربي من تصور ~~عقلي مجرد، ثم يضع له التفصيلات التي تلائمه. # ولما كان الشعر هو الفن العربي الأول بلا نزاع ولا شك، فانظر إلى الشاعر العربي ~~من أين يبدأ، وإلى أين ينتهي. إنه إذا ما تغزل، فالأرجح أن ترتسم في ذهنه صورة مثلى ~~للمرأة على إطلاقها، كأنما هو يبدأ بتعريف منطقي للمرأة «النوع» وليس الذي أمام تصوره ~~امرأة بعينها، حتى ولو أطلق على الصورة التي يتمثلها اسما، فقال إنها ليلى، أو هند، ~~وحتى لو حاول أن يخلع ذلك الثوب العام لامرأة بعينها؛ لأنه في هذه الحالة يرفع تلك ~~المرأة المفردة إلى الفكرة المثلى المقصورة، ولا ينتقص من الصورة المثلى لكي ms008 تتناسب ~~مع البشر ونواقصه . # وإذا وصف الشاعر العربي حصانا، فقال عنه إنه: «مكر، مفر، مقبل مدبر معا، كجلمود ~~صخر حطه السيل من عل» فهو إنما يصور المثال الأفلاطوني للحصان كما ينبغي أن يكون، ثم ~~يخلع ذلك التعريف الأمثل على حصانه الفرد، ولا يعنيه ألا يكون حصانه الفرد مطابقا ~~للمثل الأعلى المرسوم. وهكذا قل في شتى الصفات التي ينعت بها الشاعر العربي سائر ~~الأشياء، فشعره أقرب إلى أن يكون صورة لفكره منه إلى أن يكون صورة لحسه. ولقد كان ~~العقاد في تعريفه للشاعر إنما يعرف الشاعر العربي قبل أي شاعر سواه، وذلك حين قال ~~عن الشعر إنه مقتبس من نفس الرحمن، وأن الشاعر الفذ هو للأناسي بمثابة الرحمن ~~للشاعر؛ أي أن الشاعر ينزل منزلة وسطى بين الخالق من جهة وسائر المخلوقات من جهة ~~أخرى، فيستلهم من الله سبحانه وتعالى صورا مجردة، ومنها يهبط إلى الكائنات الجزئية ~~التي تتفاوت بعدا أو قربا من تلك الصور المجردة، وبذلك يكون الشاعر أقرب من غيره إلى ~~فهم حقائق الكائنات؛ لأن بين يديه النماذج الإلهية التي على ضوئها ينفذ إلى حقائق ~~الأفراد. # ولعل شيوع «الحكمة» في الشعر العربي أن يكون دالا على تلك الخاصة المميزة التي ~~أشرنا إليها، وهي نزوع العقل العربي نحو إدراك الحقيقة في صورتها المجردة العامة، حتى ~~ولو لم يكن قد صادف لها في دنيا الكائنات الجزئية أفرادا تؤيد صوابها. ومن ناحية ~~أخرى نقول كذلك إن نزوع العقل العربي نحو ما هو مجرد، يدركه بلمعة مباشرة، لا ~~استخلاصا من أمثلة فردية، قد جر وراءه نتيجة أخرى في الأدب العربي القديم، وهو ~~خلوه من أدب القصة وأدب المسرح، لماذا؟ لأن هذا الأدب إنما يرتكز أساسا على تصوير ~~اللحظات الجزئية، متمثلة في سلوك الأفراد، وفي خاطرات الوجدان، فإذا لم تكن ~~«الجزئيات» المفردة من أحداث ومن أشخاص تسترعي انتباه الأديب، انصرافا منه إلى ما ~~هو مجرد وعام، سقط من حسابه - بالتالي - أدب القصة، وأدب المسرح. # ومن وقفة العربي إزاء الفن الأدبي، ننتقل إلى وقفته في مجال ms009 الفن التشكيلي من تصوير ~~وزخرفة وما إليهما، فها هنا كذلك نرى في وضوح ما قد زعمناه، وهو ميل العربي نحو رؤية ~~المجرد العام، غاضا بصره - عن عمد أو عن غير عمد - عن التفصيلات التي تميز ~~الأفراد. إن المصور العربي والإسلامي، إذا ما صور شخوصا إنسانية أو حيوانية، صورها على ~~كثير من الإبهام، فالملامح مدمج بعضها في بعض، وليست مفصلة، على نحو ما يرسم ~~الفنان التجريدي في عصرنا، إلى حد كبير، فهل نسرف في التعليل إذا قلنا إن الفنان ~~العربي بمثل هذا التجريد والتبسيط، يستهدف الأنواع والأجناس، لا الأفراد، أو قل إنه ~~يستهدف تصوير «الفكرة» وليس تصوير الفرد المتعين الذي يجسدها؛ إذ الأفراد - في عقيدته ~~- مصيرهم إلى زوال، وهو إنما ينشد الدوام والخلود، والدائم الخالد هو «الفكرة» لا ~~تجسيداتها المشخصة الفانية، حتى ليحق لنا أن نؤكد ما كررناه في مناسبات ~~كثيرة أخرى، وهو أن ثقافتنا العربية التقليدية، محورها «مبادئ» لا «أشياء»، أي أن ~~محورها «أخلاق» لا «جمال» (وأستخدم هذه الكلمة بالمعنى المقصود بها في الأستاطيقا أو ما ~~يطلق عليه في مباحث الفلسفة اسم علم الجمال)، وربما كان ذلك هو ما قصد إليه ماسنيون، في ~~حديثه عن طرق التعبير الفني عند المسلمين؛ إذ قال: إنه لا وجود «للأشياء» في الفكر ~~الإسلامي، والمسلمون في فن التصوير يسقطون الوجوه والملامح لبطلانها. # وهذه الإشارة من ماسنيون تفتح لنا بابا للحديث عن موقف المسلم من الفن التشكيلي ~~بصفة عامة، فلماذا لم يوجه إليه الفنان الإسلامي اهتماما كافيا، وصب معظم طاقته ~~الفنية في هذا المجال التشكيلي على فن الزخارف؟ أكان ذلك خوفا على نفسه من الردة إلى ~~الوثنية؟ أكان استجابة منه لمانع ديني ورد صراحة في الشريعة الإسلامية؟ أم كان ذلك ~~قصورا من الفنان الإسلامي، لا أكثر ولا أقل؟ # والجواب عندنا هو أن الأمر لا يعلله شيء من هذه الفروض، بل يعلله على الوجه الصحيح ~~طريقة العربي في إدراك الحقيقة المجردة قبل تجسيداتها المفصلة، وتطبيق ذلك في مجال ~~الفن هو أن يتجه الفنان إلى هندسة الأشكال لما ms010 تنطوي عليه من حقائق رياضية، ولأن ~~رؤية الحقائق في تجريدها، هي عنده أقرب الطرق التي ينتقل بها إلى شهود الله عز وجل. ~~ويخيل إلي أنك إذا ما سألت فنانا عربيا أو إسلاميا: لماذا لا تتجه إلى ~~«الواقع»؟ لأجاب: وهل يكتمل الواقع إلا إذا مددنا الوجود الجزئي إلى ما يرتبط به من ~~جوانب وراء هذا الواقع؟ إن «الواقع» لا يقتصر على الجزئي كما تحدده حدوده المرئية، ~~بل إن ما هو متضمن وراء تلك الحدود، جزء من حقيقة ذلك الجزئي نفسه، وأنا (والكلام ~~للفنان الذي نفترضه) أصور «الحقيقة» الواقعة، بجانبيها المنظور والمستور معا. # ولست أريد أن تفلت مني هذه الفرصة، قبل أن أدحض الزعم بأن الإسلام يحرم الفن ~~التشكيلي (التصوير والنحت) بدليل الحديث الشريف: «يعذب المصورون يوم القيامة.» ولن ~~أجد ما أستند إليه خيرا من نص ورد في ذلك عند «أبي علي الفارسي» النحوي، في مخطوطة ~~ذكرها بشر فارس في كتابه عن «سر الزخرفة العربية»، وقال إن تلك المخطوطة موجودة في ~~مكتبة البلدية بالإسكندرية، فأبو علي الفارسي يقيم رأيه على أساس لغوي في فهمنا ~~للحديث الشريف السالف الذكر، قياسا على فهمنا للآية القرآنية الكريمة: # إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ~~ربهم وذلة في الحياة الدنيا ~~(سورة الأعراف) فيقول أبو ~~علي الفارسي إن الإشارة هنا إلى «العبادة» لا إلى من «صاغ عجلا، أو نجره، أو عمله ~~بضرب من الأعمال.» وعلى هذا الغرار ينبغي أن نفهم الحديث الشريف: «يعذب المصورون ~~يوم القيامة.» فالمقصود هو أولئك الذين يضعون الله (تعالى) في صورة يعبدونها، لا الذين ~~يصورون كائنا ما، دون أن تكون فكرة العبادة واردة في الأذهان. # وإذن فلا بأس في أن يكون للمسلم فن تشكيلي. وخلاصة ما أردنا أن نثبته عن الفن ~~العربي والإسلامي في هذا المجال، هو أنه فن «فكرة» قبل أن يكون فنا مراده أن يعكس ~~الكائنات على الخامة التي يستخدمها، بكل تفصيلاتها أو ببعضها، على سبيل المحاكاة ~~للمحاكاة ذاتها. وإذا قلنا إنه فن «فكرة»، فقد قلنا بالتالي إنه فن للمبادئ المجردة، ms011 ~~لا للمخلوقات المجسدة. # 5 # هذه صور من مجالات الفكر والفن في تراثنا العربي والإسلامي، سقناها لنبين بها ما قد ~~زعمناه، من أن اتجاه العقل العربي، إذ هو ينتج فكرا أو يبدع أدبا وفنا، هو أن يسير ~~من مبدأ عام يأخذه منذ البداية مأخذ التسليم، نزولا إلى ما يترتب عليه من تفصيلات ~~الحياة العملية. وأهمية هذه الطريقة في النظر والعمل، هي أن يدخل الإنسان خضم الحياة ~~مزودا ببوصلة تهديه سواء السبيل. # وواضح أنها طريقة تختلف كثيرا عما يقتضيه المنهج العلمي في هذا العصر الذي استحدث ~~له منهجه مع النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر؛ فمنهج العلم - إذا كان علما ~~طبيعيا (أعني الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا ... إلخ) - يقتضينا أن نبدأ بالمعطيات ~~الجزئية صعودا إلى المبدأ العام أو القانون العلمي. # على أن الاقتصار على أحد هذين المنهجين دون الآخر في جميع ميادين الفكر والفن، له ~~خطورته البالغة في حياة الناس. فإذا كان لأبناء الحضارة الغربية القائمة من شكاة ~~يصرخون بها في ألم وحسرة، فهي أن طغيان العلم ومنهجه على الإنسان، قد قضى على شعور ~~الفرد بذاته المستقلة المتميزة؛ لأن ما هو خاضع للعلم، مشترك وموحد بين الناس ~~أجمعين، فماذا يصنع الفرد المتميز بشخصيته، بجوانبه الفريدة التي تميز بها، ويريد أن ~~يفصح عنها في حياته الجارية. # وكذلك إذا كانت لنا أبناء الأمة العربية من شكاة نصرخ بها في خشية وقلق، فتلك هي ~~أننا لو أسلمنا كل جوانب حياتنا لمبادئ صاغها لنا الآباء الأولون، فماذا نصنع بتفصيلات ~~الحياة العصرية المليئة بالعلوم والصناعات، إذا رأينا أن تلك التفصيلات تأبى أن تنصاع ~~للمبادئ المأخوذة بادئ ذي بدء مأخذ التسليم؟ # وهنا ينشأ السؤال الهام، وهو: أمن الحتم أن يكون إما الحياة كلها للعلم ومنهجه ~~الاستقرائي، وإما حياة كلها للانضواء تحت مبادئ مقبولة سلفا؟ أهو مستحيل على الإنسان ~~أن يحيا في ساحة من قسمين، لكل منهما منهجه الذي يلائمه؛ فقسم للعلوم وما يتفرع ~~عنها من صناعات؛ ويكون له منهجه القائم على تقصي الوقائع قبل صياغة القوانين، وقسم ~~آخر لحياة القيم ms012 الخلقية والجمالية، وفيها يكون السير مهتديا بمبادئ مسبقة. # على أننا حتى في هذا القسم الثاني، لا بد من مرونة التكيف كلما ارتد إلينا ~~سلوكنا العملي بنتائج ليست هي التي أردناها، ففي حالات كهذه لا مناص من مراجعة ~~المبادئ، لنحل غيرها مكانها، وفي هذه المراجعة المستمرة، والسائرة مع الأحداث، يكون ~~تطور الحياة وتجددها نحو ما هو أصلح وأرقى. # وعودا بنا على ما بدأنا به في عنوان هذا المقال، ففي تراثنا الفكري والفني قيمة ~~سارية، هي النزوع نحو الاهتداء بمبادئ أولية قبل الخوض فيما نهم بالخوض فيه، ونحن هنا ~~نقول إنها قيمة تستحق منا أن نبقي عليها في ميادين الحياة الخلقية والفنية، ولا ~~نستثني إلا ميدان العلوم؛ لأنه ميدان لا حيلة للإنسان فيه إلا أن يلتزم منهج التفكير ~~العلمي، وبالتالي فلا اختلاف فيه بين شعب وشعب من حيث الخصائص القومية. على أننا نعود ~~إلى الإشارة بأن القيمة الموروثة في جوانب الحياة اللاعلمية، وإن تكن حقيقة منا ~~بالبقاء، لما تحمله في طيها من ملامح مميزة، إلا أنه لا مندوحة لنا عن تعديلها هنا ~~وهناك، آنا بعد آن، كلما جاءتنا الدنيا بمشكلات يستعصي حلها بذلك الجانب ~~الموروث. # | ابن رشد في تيار الفكر العربي # 1 # مجال النظر في هذا البحث محدود بالكتب الثلاثة الآتية لابن رشد: «فصل المقال فيما بين ~~الحكمة والشريعة من الاتصال» و«الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة» و«تهافت ~~التهافت»، وهي الكتب التي عرض فيها ابن رشد آراءه الخاصة، في مشكلات كانت قد لبثت فترة ~~طويلة من الزمن، مدارا للنظر عند رجال الفكر المسلمين. ولم يكن ابن رشد في هذه الكتب ~~- كما كان في معظم كتبه الأخرى - شارحا لفلسفة غيره، مع كل ما تميز به ذلك الشرح من ~~أصالة، وما اشتمل عليه من إضافات. # ولقد انتهت بي محاولة النظر، إلى نتائج أرجح لها الصواب، وأرجو أن تكون جديرة ~~بالعرض والمناقشة، ومن أهم تلك النتائج ما يلي: # أولا: # كانت الغاية عند ابن رشد، هي أن يبين أن ما جاء في الشريعة وحيا، ~~فيما ms013 له صلة بحقيقة الكون ، هو نفسه ما يستخلصه العقل من دراسته للكون ~~دراسة مباشرة، فكأنما نحن أمام كتاب واحد كتب بلغتين: كتاب ~~الإسلام وكتاب الكون، فنقرأ في هذا ما نقرؤه في ذاك، شريطة أن نحسن ~~فهم اللغة التي ينطق بها كل منهما. # فسلك ابن رشد إلى غايته تلك طريقين، جعل لكل طريق منهما مؤلفا ~~خاصا. أما أول الطريقين فهو أن يبدأ الرحلة من الشريعة لينتهي إلى ~~النتائج التي كان العقل قد وصل إليها في دراسته للكون، وكان ذلك في ~~كتاب «مناهج الأدلة»، وأما الطريق الثاني فهو أن يسير في الاتجاه ~~المضاد، بأن يبدأ الرحلة هذه المرة من النتائج التي حققتها الدراسة ~~العقلية - وهي ما أطلق عليه اسم الحكمة - لينتهي إلى ما أوردته الشريعة ~~وحيا، وكان ذلك في كتاب «فصل المقال». وإذن فالغاية من الكتابين ~~واحدة، وإن يكن قد وصل إليها بالسير في اتجاهين متضادين. # وفي هذا المعنى يقول ابن رشد: «... فالصواب أن تعلم الفرقة من الجمهور، ~~التي ترى أن الشريعة مخالفة للحكمة، أنها ليست مخالفة لها، وذلك بأن ~~يعرف كل واحد من الفريقين أنه لم يقف على كنههما بالحقيقة؛ أعني لا ~~على كنه الشريعة، ولا على كنه الحكمة، ولهذا المعنى اضطررنا نحن، في ~~هذا الكتاب (أي «مناهج الأدلة») أن نعرف أصول الشريعة، فإن أصولها ~~إذا تؤملت وجدت أشد مطابقة للحكمة مما أول فيها، وكذلك ~~الرأي الذي ظن في الحكمة أنه مخالف للشريعة ... لم يحط علما ~~بالحكمة ولا بالشريعة، ولذلك اضطررنا نحن أيضا إلى وضع قول، أعني: ~~فصل المقال في موافقة الحكمة للشريعة.» # 1 # لكننا نلاحظ أن ابن رشد وهو يسير رحلته بادئا من الشريعة في كتابه ~~«مناهج الأدلة» قد عزز القول بذكر موضوعات مما كان محورا للنظر ~~بين الأطراف المختلفة، على حين أنه في سيره المضاد، البادئ من ~~الحكمة، في كتابه الآخر «فصل المقال»، كاد يقتصر على حديث في قواعد ~~المنهج، دون أن يتعرض للمسائل العينية التي كانت مطروحة للبحث. # ثانيا: # كان ابن رشد أقل إقناعا من خصومه أمام الفكر ms014 الإسلامي، وبالتالي لم ~~يترك بعده أثرا يؤثر في دنيا المسلمين، يتكافأ مع الأثر الذي تركه ~~هؤلاء الخصوم - والغزالي منهم بصفة خاصة - فلم يكن عجيبا أن تقل ~~شهرته بينهم عما كان ينبغي لها أن تكون. يقول برتراند رسل: «فيلسوفان ~~إسلاميان يقتضيان منا وقفة خاصة، أحدهما من فارس هو ابن سينا، ~~والآخر من إسبانيا هو ابن رشد. أما ابن سينا فقد كان أبعدهما صوتا بين ~~المسلمين، وأما ابن رشد فكان أكثر شهرة من زميله بين المسيحيين.» # 2 # ومدار الضعف عند ابن رشد في موقعه من تيار الفكر العربي الإسلامي - ~~كما أراه - هو: ~~(أ) # أنه كان أكثر اهتماما بقواعد المنهج، منه بالتطبيق على ~~فحوى المشكلات نفسها. ~~(ب) # وأنه في بعض المواضع - خصوصا عند إقامته لدليلي العناية ~~والاختراع (في مناهج الأدلة) - قد صادر على المطلوب؛ إذ ~~أيد الشريعة بالشريعة. ~~(ج) # وأنه في نقده للمتكلمين، بأنهم استخدموا الأدلة ~~الجدلية، وكان ينبغي لهم أن يستخدموا الأدلة البرهانية، ~~كان في نقده هذا نفسه - فيما أرى - أقرب إلى الجدل منه إلى ~~البرهان. # ثالثا: # كان من أهم النتائج التي انتهيت إليها من النظر في كتب ابن رشد ~~الثلاثة التي ذكرتها، أن هنالك تشابها في بنية الحركة الفكرية في ~~العالم العربي إبان القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وبنيتها إبان ~~القرن التاسع عشر والعشرين، من حيث أن كليهما متفق على أن شريعة ~~الإسلام هي بمثابة الأساس في بنيان الفكر العربي. ثم وفد إلى ذلك الفكر ~~من خارج الحدود فكر آخر، مؤسس على العقل (هو فلسفة اليونان في الحالة ~~الأولى، وهو علوم عصرنا الحاضر في الحالة الثانية)، وفي كلتا الحالتين، ~~رأى فريق من رجال الفكر بأن في ذلك الوافد خطرا يتهدد الفكر الأصيل، ~~بينما وجد فريق آخر ألا خطر هناك، لما بين الوافد والأصيل من اتفاق ~~في الغاية، وإن اختلفا في طرق الوصول. وكان ابن رشد - في الحالة ~~الأولى - أبرز من حمل هذه الدعوى. # فإذا صح هذا التشابه بين العصرين في البنية الفكرية - مع الاختلاف البعيد بينهما ~~في المادة الفكرية المعروضة - كان ms015 لنا في هذه المحاولة التي ننظر من خلالها إلى ابن ~~رشد وموقفه، ما قد نهتدي به في حياتنا الثقافية الراهنة. # 2 # يستهل ابن رشد كتابه «فصل المقال» بقوله: إن الغرض منه هو أن يسأل عن «النظر في ~~الفلسفة وعلوم المنطق» إن كان مباحا بالشرع أم محظورا. ولكي يجيب لنفسه عن سؤاله هذا، ~~رأى أن يحدد «فعل الفلسفة» فقال عنه: «إنه ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات، ~~واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع بمعرفة صنعتها.» # 3 # ولما كان «اعتبار الموجودات بالعقل» قد جاء به الأمر في غير ما آية من كتاب الله، ~~كقوله تعالى: # فاعتبروا يا أولي الألباب ~~، ثم ~~لما كان «الاعتبار» - كما فهمه ابن رشد - «ليس شيئا أكثر من استنباط المجهول من ~~المعلوم، واستخراجه منه، وهذا هو القياس، أو بالقياس.» # 4 # كان معنى ذلك هو أن استعمال القياس العقلي، أو قل إنه العقلي والشرعي ~~معا، أمر واجب بحكم الشريعة نفسها؛ فهذه الشريعة لا تقتصر على أن تجيزه، بل هي ~~توجبه. # وإنما يبلغ القياس أتم درجاته، فيما يسمى بالقياس البرهاني، فكيف تتم معرفة ~~الإنسان لله تعالى معرفة برهانية عن طريق دراسة مخلوقاته، إلا إذا سبقتها دراسة ~~تفصيلية لمنطق القياس بأنواعه وأجزائه وقواعده؟ # فإذا تقرر أن دراسة هذا المنطق واجبة بحكم الشريعة نفسها، ما دام هذا المنطق هو من ~~النظر بمنزلة الآلات من العمل، وجب علينا أن نستعين بما خلفه القدماء في هذا المجال؛ ~~لأن رجال العلم في أي ميدان، لا يبدءون نظرهم العلمي من الصفر، وكأن أحدا لم يسبقهم ~~إلى شيء منه، بل الحياة العلمية مستمرة، يأخذها عصر عن عصر ليضيف إلى ما أخذه، ثم ~~يسلم الحاصل إلى العصر الذي يليه، فإن كان «غيرنا» قبل ملة الإسلام - هكذا قال ~~ابن رشد - قد ترك شيئا، فيجب الأخذ عنه، «سواء أكان ذلك الغير مشاركا لنا أو غير ~~مشارك في الملة.» # 5 # على أن يكون أخذنا عنهم مقترنا بالتمحيص النقدي «فإذا كان كله صوابا ~~قبلناه منهم، وإن كان فيه ما ليس بصواب نبهنا ms016 عليه.» # 6 # هذا هو شيء مما بدأ به ابن رشد كتابه «فصل المقال»، فكان حريصا منذ البداية على أن ~~يطمئن بأن الفلسفة جائزة، بل هي واجبة بحكم الشريعة، وهو موقف - كما نرى - يجعل ~~للشريعة أسبقية منطقية على الفلسفة، فكأنما أحكام الشريعة عنده هي بمثابة المسلمات ~~الأولى، التي يشتق منها ما يجوز بالنسبة إلى الفكر الفلسفي وما لا يجوز. وفي رأينا أن ~~ذلك الموقف من ابن رشد يتعارض مع طبيعة الوقفة الفلسفية إذا أخذت على حقيقتها؛ لأن ~~الفلسفة على حقيقتها تأبى المسلمات، مما قد يثير عندنا شيئا من الريبة في أن يكون ~~ابن رشد قد كان يداري العامة حتى لا يتهموه بالزندقة، وهي ريبة تشبه تلك الريبة ~~التي استشعرها ابن رشد نفسه إزاء الغزالي، حين قال عنه: «إنه مع الأشعرية أشعري، ومع ~~الصوفية صوفي، ومع الفلاسفة فيلسوف.» # 7 # ثم يعلل تقلبه هذا في «تهافت التهافت» بأنه ربما كان مداراة للعامة، ~~لينفي عن نفسه الظنة بأنه يرى رأي الحكماء، فيقول ابن رشد في ذلك: «كبوة أبي حامد هي ~~وضعه هذا الكتاب (تهافت الفلاسفة)، ولعله اضطر إلى ذلك من أجل زمانه ومكانه.» # 8 # ومعنى هذا كله، هو أن ما زعمه ابن رشد عن نفسه ~~(في مناهج الأدلة، ص185) من سيره مرة من الشريعة إلى الفلسفة، ومرة من الفلسفة إلى ~~الشريعة، على تطابق في الحالتين من حيث النتيجة، ليس صوابا كل الصواب؛ إذ كان سيره ~~من الفلسفة إلى الشريعة أقل رتبة من السير الآخر المضاد؛ لأنه اشترط على نفسه فيه أن ~~يكون مستندا إلى إيمان مسبق بالشريعة، فإذا قيل - كما يقال أحيانا - إن كتاب «فصل ~~المقال» قد جاء دفاعا عن الفلسفة ضد أعدائها، استدركنا على هذا القول بأنه كان ~~دفاعا منقوصا في جانب من أهم جوانبه. # 3 # قلنا إن الشريعة والحكمة تتأديان إلى حقيقة واحدة، فما الذي يضمن لنا ألا ~~تتعارضا؟ هنا يجيب ابن رشد جوابا لا يقنع إلا المؤمنين مقدما بشريعة الإسلام. ~~ومؤدى جوابه هو أن الشريعة حق والحكمة حق، ولما كان الحق ms017 لا يتعدد، كانت الشريعة ~~والحكمة هوية واحدة، وإن اختلفتا في طريقة التعبير، وهذه هي عبارة ابن رشد في ذلك، ~~يقول: «وإذ كانت هذه الشريعة حقا، وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنا ~~- معشر المسلمين - نعلم، على القطع، أنه لا يؤدي النظر البرهاني (يقصد مجال الفلسفة) ~~إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له.» # 9 # وواضح أن ذلك من قبيل الأحكام «القبلية» التي يصدرها الإنسان قبل النظر لا ~~بعده، ولو كان المتكلم من غير «معشر المسلمين» لما قطع مقدما بأن «هذه الشريعة حق» ~~على نحو ما قطع ابن رشد. # مرة أخرى نرى ابن رشد يجعل إيمانه بالشريعة بمثابة المسلمة الشارطة، وكان الأجدر ~~للتفكير الفلسفي أن يستقل بذاته، حتى إذا ما انتهى إلى ما يؤيد الشريعة، جاء هذا ~~التأييد أقوى دلالة. وفي هذه الحالة لو سئلنا: ما الذي يضمن لنا ألا تتعارض الشريعة ~~والحكمة؟ كان جوابنا هو: إنه لا ضمان، فهذه هي الشريعة قائمة كما هي قائمة، وها نحن ~~أولاء باذلون الجهد النظري في استكناه حقيقة الكون بالفكر الفلسفي البرهاني، فإن ~~وجدناها متفقة مع الشريعة كان خيرا، وإلا فنحن مضطرون عند التعارض أن نختار بين ~~التصديق القائم على الإيمان الصرف، والأخذ بما أنتجه البحث العقلي، أو نلجأ إلى تأويل ~~الشريعة بما يتفق مع نتائج البرهان العقلي. # إنه إذا انتهى النظر العقلي إلى معرفة تتعارض مع ما ورد في الشريعة عن موضوعها، فلا ~~سبيل أمامنا إلا تأويل ظاهر النص تأويلا، معناه - كما يحدده ابن رشد - هو «إخراج ~~دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يخل ذلك بعادة ~~لسان العرب.» # 10 # وهنا يفيض ابن رشد في شروط التأويل إفاضة نحس من حديثه فيها أنه يريد ~~أن تضيق حدود التأويل، بحيث لا نلجأ إليه إلا فيما لا حيلة لنا أمامه، إلا أن ~~نؤول ظاهر الشريعة فيه. وحتى في هذه الحالات الضرورية، سنجد في ظاهر الشريعة في ~~مواضع أخرى، ما يؤيد تأويلنا ذاك؛ يقول: ms018 «إنه ما من منطوق به في الشرع، مخالف بظاهره ~~لما أدى إليه البرهان، إلا - إذا اعتبر وتصفحت سائر أجزائه - وجد في ~~ألفاظ الشرع ما يشهد بظاهره لذلك التأويل، أو يقارب أن يشهد.» # 11 # وظاهر الشريعة من حيث جواز التأويل أو عدم جوازه، ثلاثة أصناف: فهنالك ظاهر من الشرع ~~لا يجوز تأويله قط، وظاهر مقطوع بتأويله، وصنف ثالث يقع بين الطرفين، وهو موضع خلاف، ~~فيلحقه بعضهم بالقسم الأول، ويلحقه آخرون بالقسم الثاني. لكن من ذا الذي يقرر للناس ~~هذا التقسيم؟ من ذا الذي يقطع بالتأويل هنا وبعدم جواز التأويل هناك؟ إنه الإجماع الذي ~~يقرر ذلك. # وفي هذا الموضع يلفت ابن رشد أنظارنا إلى نقطة هامة، هي استحالة هذا الإجماع في ~~الأمور النظرية؛ إذ كيف يتحقق الإجماع إلا إذا عرفنا جميع العلماء الموجودين في عصر ~~معين، ثم استطلعنا آراءهم واحدا واحدا في المسألة المطروحة، على شرط ألا يكون هنالك ~~من العلماء من نجهل وجوده، أو نعلمه، لكنه يكتم رأيه. وإذا كان الموضوع موضوع تأويل ~~لظاهر الشريعة، ازداد الأمر صعوبة؛ لأن العلماء قد يتفقون على ضرورة التأويل في موضع ~~من المواضع، ثم يختلفون على طريقته. وإذا كان ذلك كذلك فكيف جاز لأبي حامد الغزالي في ~~كتابه «تهافت الفلاسفة» أن يكفر الفلاسفة المسلمين كأبي نصر الفارابي وابن سينا، ~~على خرقهم للإجماع في التأويل؟ # 12 # مع أنه يكفي أن يكون هنالك من الفلاسفة من يخرق الإجماع، حتى نقول إنه إذن ~~لا إجماع هناك، على أننا نلحظ في هذا تناقضا من ابن رشد، ولا ندري كيف السبيل إلى ~~فضه، وهو أنه في الوقت الذي يجعل الإجماع مدارا لقسمة الشريعة إلى أصنافها الثلاثة ~~من حيث جواز التأويل وعدم جوازه، نراه يلفت أنظارنا إلى ما يشبه الاستحالة في أن ~~يتحقق إجماع على الإطلاق. # ولما كان التأويل مجالا يتعرض فيه المؤول للخطأ، رأى ابن رشد أن يكون للقائم ~~بالتأويل شروط، هي أن يكون من العلماء أصحاب النظر البرهاني؛ إذ الناس على ثلاثة مراتب ~~في قدراتهم الإدراكية، فمرتبة منها هي ms019 أولئك العلماء، ومرتبة ثانية هي صنف من الناس ~~مدى قدرته هو أن يستخدموا القياس الجدلي دون القياس البرهاني. والفرق الجوهري بينهما ~~هو أنه بينما البرهاني يبنى على مقدمات يقينية، يكتفي القياس الجدلي بأن تكون ~~المقدمات مشهورة بين الناس، سواء أكانت يقينية في ذاتها أم لم تكن. وكذلك في الناس صنف ~~ثالث، لا يتجاوز في قدراته حدود القياس الخطابي، أعني أن يساق لهم القول على نحو ~~يستريحون إليه ولا عليهم بعد ذلك أن يكون مستدلا من مقدماته استدلالا برهانيا ~~أو جدليا، فمن هذه الجماعات الثلاث، لا يجوز التأويل إلا لجماعة القياس ~~البرهاني. # وهنا نعود إلى ما يمكن للمؤول أن يقع فيه من ~~خطأ، فيقول ابن رشد إنه إذا ما كان من أهل العلم البرهاني، فالخطأ معذور، وأما الخطأ ~~الذي يقع من غير العلماء إذا ما تعرضوا لتأويل الشريعة، فهو إثم محض. والمسألة في ~~مجال النظر الفلسفي كالمسألة في مجال الفقه: «فكما أن الحاكم الجاهل بالسنة، إذا أخطأ ~~في الحكم لم يكن معذورا، كذلك الحاكم على الموجودات إذا لم توجد فيه شروط الحكم ~~فليس بمعذور، بل هو إما آثم وإما كافر.» # 13 # وما تلك الشروط المطلوبة إلا «أن يعرف الأوائل العقلية، ووجه الاستنباط منها.» # 14 # وخلاصة القول هي «أن النظر في كتب القدماء (يقصد فلسفة اليونان) واجب بالشرع؛ إذ كان ~~مغزاهم في كتبهم، ومقصدهم، هو المقصد الذي حثنا الشرع عليه، وأن من نهى عن النظر ~~فيها من كان أهلا لينظر فيها ... فقد صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس ~~إلى معرفة الله.» # 15 # ويضرب ابن رشد لذلك مثلا، فيقول: «إن مثل من منع النظر في كتب الحكمة ~~من هو أهل لها، من أجل أن قوما من أراذل الناس قد يظن بهم أنهم ضلوا من ~~قبل نظرهم فيها، مثل من منع العطشان شرب الماء البارد العذب حتى مات؛ لأن قوما ~~شرقوا به فماتوا، فإن الموت عن الماء بالشرق أمر عارض، وعن العطش أمر ذاتي وضروري.» # 16 # 4 # حين فرغ ابن رشد ms020 من كتابه «فصل المقال» كان بذلك قد فرغ من رحلته الأولى، التي بدأها ~~بالنظر فيما خلفه القدماء من فلسفة ومنطق، لينتهي إلى أن الشريعة تؤيده وتحث عليه؛ ~~لأنه بمثابة النظر في الموجودات المصنوعة، نظرا يدل على صانعها. فانتقل بعد ذلك إلى ~~رحلته الثانية المضادة في اتجاهها لاتجاه الرحلة الأولى؛ إذ هي تبدأ هذه المرة من النظر ~~في الشريعة نظرا يدل آخر الأمر على أنه هو ما كان النظر العقلي قد تأدى إليه، وكانت ~~هذه الرحلة الثانية هي موضوع كتابه «مناهج الأدلة في عقائد الملة». # بدأه بإشارة سريعة إلى عمله في المرحلة الأولى، ليبين للقارئ أنه إنما يستأنف بجهده ~~الحالي جهدا سابقا، فقال: «لما كنا قد بينا، قبل هذا، في قول أفردناه (يشير ~~بذلك إلى «فصل المقال») مطابقة الحكمة للشرع وأثر الشريعة بها، قلنا هناك إن الشريعة ~~قسمان: ظاهر ومؤول، وأن الظاهر منها فرض الجمهور، وأن المؤول فرض العلماء.» # 17 # وبهذه الإشارة السريعة لخص ابن رشد نتيجة من أهم النتائج التي قدمها في ~~كتابه الأول، وهي قسمة الناس إلى جمهور وعلماء. أما الجمهور فلا يجوز له مجاوزة الشرع ~~في ظاهر نصوصه، وأما العلماء فهم وحدهم الذين لهم حق تأويل ذلك الظاهر بمعان مجازية ~~مضمرة فيه، ولكن لا يحل لهؤلاء العلماء أن يفصحوا بتأويله للجمهور، لماذا؟ لأن ~~التأويل يوصل إليه بالقياس البرهاني، على حين أن مدى ما يمكن للجمهور بلوغه هو القياس ~~الخطابي، فإذا أنت حدثت الجمهور بما لا يفهمونه، أحدثت لهم اضطرابا وحيرة بغير ~~جدوى. # كان الهدف الرئيسي أمام ابن رشد من «مناهج الأدلة» هو البحث «عن الظاهر من العقائد ~~التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها.» # 18 # وذلك لأن طوائف أخرى من رجال الفكر في عصره، تأولوا ظاهر الشرع بمعان من ~~عندهم، وقدموها للناس على أن تلك التأويلات هي عقائد الإسلام. ولما كانت تأويلات ~~الطوائف المختلفة متباينة متنافرا بعضها مع بعض، أخذت كل طائفة تقذف ما عداها بأنها ~~إما مبتدعة، وإما كافرة مستباحة الدم والمال. # ويعين ابن رشد الطوائف التي يريد ms021 مناقشتها من أجل تفنيدها، لكي يتقدم هو بعد ذلك ~~بما يراه في طريقة النظر إلى العقائد، بحيث يتبين صلتها بالتفكير العقلي، فيقول: «وأشهر ~~هذه الطوائف في زماننا هذا أربعة: الطائفة التي تسمى بالأشعرية، وهم الذين يرى أكثر ~~الناس اليوم أنهم أهل السنة، والتي تسمى بالمعتزلة، والطائفة التي تسمى ~~بالباطنية، والطائفة التي تسمى بالحشوية.» # 19 ~~(ولم يذكر الصوفية بين الطوائف، مع أنه تناولها بالمناقشة أيضا). # ويجمل ابن رشد اتهامه للطوائف الأربعة جميعا، قبل أن يبدأ في القول المفصل، ~~فيقول: «كل هذه الطوائف قد اعتقدت في الله اعتقادات مختلفة، وصرفت كثيرا من ألفاظ ~~الشرع عن ظاهرها إلى تأويلات نزلوها على تلك الاعتقادات، وزعموا أنها الشريعة ~~الأولى، التي قصد بالحمل عليها جميع الناس، وأن من زاغ عنها فهو إما كافر وإما ~~مبتدع. وإذا تؤملت جميعها، وتؤمل مقصد الشرع، ظهر أن جلها أقاويل محدثة ~~وتأويلات مبتدعة.» # 20 # ونقرأ هذا الاتهام الموجه إلى الطوائف المذكورة كلها، ثم ننتقل فورا ~~إلى الطائفة الأولى التي قدمها للمناقشة - وهي الحشوية - فإذا هي بحكم مبدئها لا ~~تأخذ بالتأويل، وتلتزم الظاهر التزاما متطرفا، حتى لتحرم إعمال العقل في شيء ~~منه. # فليس وجه النقص - إذن - في طائفة الحشوية، أنها أولت ظاهرا بمجاز، بل وجه النقص ~~فيها هو أنها انصرفت عن الأدلة العقلية في معرفة وجود الله، قائلة إن طريق هذه ~~المعرفة هو «السمع» لا «العقل»، أي أنه يكفي للإيمان بوجود الله أن يكون صاحب الشرع قد ~~ألقى هذه الحقيقة على مسامع الناس، والشأن في معرفة وجود الله هو نفسه الشأن في كل ما ~~يطلب منا الإيمان به، كالمعاد وغيره، مما لا مدخل فيه للعقل. هذا هو وجه النقص في ~~الحشوية؛ لأنها كانت بموقفها ذاك - بعبارة ابن رشد فيها - «مقصرة عن مقصود الشرع في ~~الطريق التي نصبها للجميع، مفضية إلى معرفة وجود الله تعالى، ودعاهم من قبلها ~~إلى الإقرار به.» إذ دعا الناس إلى التصديق بوجود البارئ بأدلة عقلية منصوص عليها في ~~كثير من الآيات، مثل قوله تعالى: # اعبدوا ربكم الذي ~~خلقكم ms022 والذين من قبلكم # إلى غير ذلك من الآيات الواردة في ~~هذا المعنى. # وأراني مضطرا إلى السؤال في هذا الموضع - لأنه موضع نموذجي يمثل ما سوف يتكرر ~~في كتاب «مناهج الأدلة» من أوله إلى آخره - كيف يكون التمثيل لفكرة ما، بآيات من ~~القرآن الكريم، دليلا عقليا برهانيا، وهو نوع الأدلة الذي يجده ابن رشد مميزا ~~للعلماء؟ إننا إذا اتخذنا من آية ما مقدمة نبني عليها قياسنا، كان القياس قائما ~~على منقول لا على معقول، مما يزيل عنه صفة البرهان، اللهم إلا إذا كان المعنى الذي ~~أراده ابن رشد هو ما قد يرد في الآية من موضوعات كونية تصلح للبحث العقلي؛ ففي الآية ~~السابقة - مثلا - ذكر لموضوع «خلق» الله للناس في حاضرهم وفي ماضيهم، ليكون ذلك ~~بمثابة الإشارة إلى ما يمكن التحول إلى بحثه بحثا عقليا، وهو في هذا المثل موضوع ~~«الخلق»، وكيف يفهم بالبراهين العقلية، إما أن يكون ذكر الآية في حد ذاته هو ~~البرهان، فذلك ما أعجز عن رؤيته، وأقول ذلك تعليقا على ما فهمته من المقدمة ~~المستفيضة التي قدم بها المرحوم الدكتور محمود قاسم لتحقيقه لكتاب «مناهج الأدلة»، ~~والتي شعرت خلالها في مواضع كثيرة منها، بأنه يرى أن ذكر الشواهد القرآنية هو في ذاته ~~برهان عقلي على ما يراد إقامة البرهان عليه من الشريعة. # وكأنما تخيل ابن رشد في تعليقه على قصور الرؤية الحشوية، أن أنصار هذه الطائفة قد ~~ردوا على اعتراضه، بقولهم إنه إذا كانت الأدلة العقلية مطلوبة للوصول إلى معرفة ~~الشريعة، لوجب أن يعرض النبي عليه السلام تلك الأدلة العقلية عندما عرض دعوته إلى ~~الإسلام، وهو اعتراض أراه وجيها، لم يجب عليه ابن رشد بما يتناسب مع قوته، إذا قال ~~ما معناه إن العرب جميعا تعترف بوجود الله سبحانه، فلم يكن من الضروري لصاحب الدعوة أن ~~يسوق فيها من الأدلة على وجوده أكثر من أدلة شرعية، فإذا كان بين الناس من لا تسعفه ~~قواه العقلية في متابعة تلك الأدلة، فهؤلاء وحدهم هم الذين يكون إيمانهم قائما على ms023 ~~السماع. # ثم ينتقل ابن رشد إلى طوائف الأشعرية وسائر المتكلمين، فيجدهم على نقيض الحشوية؛ إذ ~~هم يريدون ألا يكون التصديق بوجود الله إلا بالعقل، وطريقة ذلك عندهم هي أن يضعوا ~~المقدمات التي يظنون بها اليقين، ثم يستخلصون منها النتائج، مثال ذلك أن يضعوا ~~المقدمات الآتية؛ ليقيموا عليها حدوث العالم، ثم ليقيموا على هذا الحدوث وجود الله ~~الذي أحدثه، والمقدمات هي: ~~(1) # الجواهر لا تنفك عن الأعراض. ~~(2) # الأعراض حادثة. ~~(3) # ما لا ينفك عن الحوادث حادث. # وهنا يتصدى ابن رشد لهذه المقدمات؛ ليبين أنها لا تتصف باليقين، وبالتالي فما ~~يبنى عليها لا يعدو أن يكون جدلا وليس هو بالبرهان. فالمقدمة الأولى هنا تتحدث عن ~~«الجواهر» وكأن وجودها واضح بذاته، مع أنها لو كان وجودها مفروضا على العقل فرضا، ~~لسلم به الجميع، ولقالوا عنه قولا يتفقون عليه، وليست هذه هي الحال. وفي المقدمة ~~الثانية نسبة الحدوث للأعراض، كأن الحدوث لا يكون للجواهر أيضا، فإذا شككنا في حدوث ~~الأعراض، جاز لنا كذلك أن نشك في وجود الجواهر. وأما المقدمة الثالثة فهي لا تحمل ~~معنى واحدا محددا؛ إذ يمكن فهمها على وجهين؛ أحدهما: ما لا يخلو من جنس الحوادث فهو ~~حادث، والثاني: هو ما لا يخلو من حادث مخصوص منها. # 21 # والخلاصة التي ينتهي إليها ابن رشد إزاء هذا المثل الواحد من أمثلة التفكير عند ~~الأشعرية وسائر المتكلمين، هي أنهم بهذا التفكير لا هم من أهل البرهان الذين يقيمون ~~أدلتهم على مقدمات يقينية واضحة، ولا هم قدموا شيئا يتناسب مع الجمهور؛ لأن سواد ~~الناس لا قبل لهم بهذا الضرب من الجدل العويص، الذي قد يتعذر على كثير من أهل ~~الرياضة في صناعة الجدل، فضلا عن الجمهور. # 22 # ولا يفوتنا أن نذكر هنا بأن ابن رشد، وقد وضع طائفة المعتزلة بين الطوائف الأربعة، ~~لم يتعرض لمناقشتها مناقشة تفصيلية كالتي أجراها مع الأشعرية، قائلا في ذلك: «وأما ~~المعتزلة فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف منه على طرقهم التي ~~سلكوها ... ويشبه أن تكون طرقهم ms024 من جنس طرق الأشعرية.» # 23 # ولقد كان في ذلك على حق؛ لأنه ما دام نقده موجها إلى طريقة القياس التي ~~استخدموها، وهي طريقة الجدل التي تعتمد على مقدمات مشهورة بغض النظر عن يقينها، فإن ~~المعتزلة هي والأشعرية وسائر ضروب المتكلمين سواء، ودحض فرقة منهم هو دحض للفرق ~~جميعا. # وأما الصوفية فبرغم اختلاف طريقتهم عن طريقة المتكلمين، إلا أنها ليست طريقة مركبة ~~من مقدمات واقية، وإنما يعتمد الصوفية في معرفتهم لله على شيء يلقى في النفس إلقاء، ~~فمهما قيل في هذه الطريقة، فهي على أية حال مما لا يندرج تحت مقولة الفكر النظري. وأما ~~وقد دعانا القرآن إلى «النظر» فليست طريقة الصوفية - إذن - هي المقصودة. وإذا فرضنا أن ~~إماتة الشهوات التي يمارسها الصوفي في حياته، شرط ضروري لصفاء الذهن استعدادا للنظر، ~~فليست هي التي تفيد المعرفة بذاتها. # 5 # تلك كانت لمحة سريعة، أردنا أن نصور بها على سبيل الإيجاز الشديد، وقفة ابن رشد من ~~طوائف المفكرين في عصره. وهي وقفة عمادها الأساسي هو أن تلك الطوائف على اختلافها لم ~~تلجأ في معرفة الله إلى الطريقة الشرعية التي أرادها لنا القرآن الكريم، فهي جميعا ~~متفقة على رفض الفلسفة القديمة الوافدة من أمة غير أمتهم، لكنها لم توفق إلى ما ~~يمكن أن يكون بديلا مقنعا؛ إذ لا بديل عن النظر البرهاني في المعرفة اليقينية. وإنه ~~- أي النظر البرهاني - لطريقة عقلية حثنا الشرع على انتهاجها. ومع ذلك فلم توفق تلك ~~الطوائف إلى انتهاجها على الوجه الصحيح. ومن أبرز ما تتميز به الطريقة الشرعية هذه، ~~أنها تصلح للناس جميعا على اختلاف فطرهم، إذا ما أرادوا معرفة الله سبحانه. ويسأل ~~ابن رشد: «فما هي الطريقة الشرعية التي نبه الكتاب العزيز عليها، واعتمدتها الصحابة؟» ~~ثم يجيب لنفسه عن سؤاله، فيقول إنها طريقة «تنحصر في جنسين؛ أحدهما: طريق الوقوف على ~~العناية بالإنسان، وخلق جميع الموجودات من أجلها، ولنسم هذه دليل العناية. والطريقة ~~الثانية: ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات، مثل اختراع الحياة في الجماد، ~~والإدراكات الحسية والعقلية، ms025 ولنسم هذه دليل الاختراع.» # 24 # فأما الطريقة الأولى - دليل العناية - فتنبني على أصلين؛ أحدهما: أن جميع الموجودات ~~في هذا العالم موافقة لوجود الإنسان. والأصل الثاني: أن هذه الموافقة هي ضرورة أرادها ~~فاعل قاصد ؛ إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة قد جاءت مصادفة. فأما كونها موافقة ~~لوجود الإنسان، فدليلنا اليقيني على ذلك هو موافقة الليل والنهار والشمس والقمر لوجود ~~الإنسان، وكذلك موافقة الأزمنة الأربعة له، والمكان الذي هو فيه أيضا، وهو الأرض، ~~وكذلك تظهر موافقة كثير من الحيوان له والنبات والجماد، وجزئيات كثيرة مثل الأمطار ~~والأنهار والبحار، وكذلك أيضا تظهر العناية في أعضاء البدن وأعضاء الحيوان، أعني أن ~~هذه الأعضاء موافقة لحياة الإنسان ووجوده. ومن أجل هذا كله، وجب على من أراد أن يعرف ~~الله تعالى المعرفة التامة، أن ينظر في منافع الموجودات جميعا. # 25 # ذلك هو أول الدليلين اللذين ساقهما ابن رشد، ليبين للطوائف الفكرية في عصره كيف ~~يكون الدليل عقليا ومأخوذا من الشرع في آن واحد، ففي القرآن آيات كثيرة تشير إلى ~~هذه العناية بالإنسان، ولقد يكون مثل هذا الدليل صالحا لعصر ابن رشد، لكنه - فيما نرى ~~- يخلو من النظرة العقلية المنهجية كما تصورها الفلاسفة من قديم؛ فلو قال ابن رشد عن ~~هذا الدليل إنه شرعي وكفى لما كان اعتراض، لكنه قال: إنه شرعي ليقول بعد ذلك إنه فلسفي ~~كذلك، مما يجعل الشريعة والفلسفة تتلاقيان، وهو ما لا نراه، فلا الموجودات كلها في هذا ~~العالم موافقة لوجود الإنسان - بدليل أنه يمرض ويموت - ولا هي، حتى إن كانت موافقة ~~لوجوده، أمر ضروري لم يكن من الممكن أن يكون سواه. نعم إن هذين الأصلين - موافقة ~~الموجودات لحياة الإنسان، وكونها موافقة مقصودة بالضرورة - هي مما يقبله السامع قبولا ~~يطمئن له ويستريح، لكن مثل هذا القبول ليس هو ما يتألف منه مقدمات النظر البرهاني ~~الذي أراده ابن رشد في آخر الأمر. وإذن فبينما أقام هجومه على سائر الطوائف في عصره، ~~على أساس أن القياس عندهم كان إما جدليا أو خطابيا، نراه قد ms026 لجأ بدوره إلى مثل ~~هذا القياس نفسه. # وليس دليل الاختراع بأسلم من دليل العناية ~~من هذه الناحية، فهو أيضا ينبني عند ابن رشد على أصلين «موجودين بالقوة في جميع فطر ~~الناس»؛ أحدهما أن هذه الموجودات (يعني الحيوان والنبات والسماوات) مخترعة، والثاني ~~هو أن كل مخترع فله مخترع، ولذلك وجب على من أراد معرفة الله حق المعرفة أن يعرف ~~جواهر الأشياء، ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات. ولكي يؤيد ابن رشد هذين ~~الأصلين، ساق لكل منهما آيات قرآنية؛ ففي كون الموجودات مخترعة، يسوق - مثلا - ~~قول الله تعالى: # إن الذين تدعون من دون الله لن ~~يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ~~، وفي الأصل الثاني القائل بأن ~~لكل مخترع مخترع، يسوق قول الله تعالى: # أولم ينظروا ~~في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء ~~، ~~ولسنا ندري كيف تكون هذه الطريقة برهانية؟ إنها طريقة يقبلها المسلم بإيمانه، وأما ~~الإنسان من حيث هو إنسان غير مفترض فيه عقيدة دينية معينة، بل هو إنسان يقتصر في ~~تصوره على أنه ناطق - عاقل - وكفى، فلا أظن أن مثل هذا العرض يرضيه. # إذا أردنا أن نصور الموقف بين ابن رشد وخصومه، قلنا: افرض أن عناصر الشريعة هي أ ~~ب ح د، فجاءت الفلسفة اليونانية بعناصر فيها ما ينقض عناصر الشريعة من أحد جوانبها، كأن ~~تكون عناصر الفلسفة الوافدة هي: أ ب «لا-ح» د، فعندئذ نرى أن طوائف الأشعرية ~~والمتكلمين تحاول أن تثبت بأن القول «لا-ح» ينطوي على تناقض داخلي، وبالتالي فهو ~~باطل، وإذا ثبت بطلانه كان نقيضه (وهو ح) صحيحا، ونقيضه هذا هو ما قالته الشريعة. وأما ~~ابن رشد فيتلخص دوره، في أنه يحلل الأدلة التي أثبتت بها طوائف خصومه بطلان ~~«لا-ح»، لكنه لا يترك الأمر عند هذا الحد، وإلا كان بمثابة من يأخذ بما ينقض الشريعة، ~~بل نراه يلجأ إلى إحدى طرق يستخدمها لفض الإشكال: فهو إما أن يبين - مثلا - بأن ~~الاختلاف بين «ح» و«لا-ح» لا يعدو أن يكون اختلافا في الأسماء، وأما المعنى المقصود ~~ذاته فواحد ms027 في كلتا الحالتين، وإما أن يؤول الظاهر في «ح» ليجعلها في حقيقتها ~~الباطنة هي و«لا-ح» على سواء، وإما أن يقول ما معناه: لنبدأ طريقنا العقلي من «ح » وهي ~~ستؤدي بنا حتما إلى ما يريده الشرع وتريده الفلسفة معا. # ولنضرب لذلك مثلا، فلقد كان من العناصر التي ذكرتها الشريعة ما يدل على أن العالم ~~محدث في مجرى الزمن، قال له الله تعالى كن فكان، وأما فلسفة اليونان فقد أشارت إلى ما ~~قد يعني أن العالم قديم، أي أنه أزلي مع أزلية الله، فها هنا جعل المتكلمون مهمتهم ~~أن يبينوا بطلان القول بأزلية العالم، وأن يثبتوا حدوثه، كأن يقولوا بتركيب الأجسام ~~من أجزاء لا تتجزأ. ولما كان الجزء الذي لا يتجزأ محدثا بطبيعته، كانت الأجسام ~~محدثة بحدوثه، وعندئذ تكون مهمة ابن رشد بيان الخطأ في منطقهم هذا، فيقول: «إذا فرضنا ~~أن العالم محدث، لزم - كما يقولون - أن يكون له، ولا بد، فاعل محدث، ولكن يعرض في ~~وجود هذا المحدث شك ... وذلك أن هذا المحدث لسنا نقدر أن نجعله أزليا ولا ~~محدثا، أما كونه محدثا فلأنه يفتقر إلى محدث، وذلك المحدث إلى محدث، ويمر ~~الأمر إلى غير نهاية، وذلك مستحيل، وأما كونه أزليا، فإنه يجب أن يكون فعله المتعلق ~~بالمفعولات أزليا فتكون المفعولات أزلية، والحادث يجب أن يكون وجوده متعلقا بفعل ~~حادث ...» # 26 # هذه طريقة، وطريقة أخرى عند ابن رشد أن يبين لخصومه ألا اختلاف بين القول بقدم ~~العالم وحدوثه إلا في التسمية، فالكل متفق على ثلاثة أصناف من الموجودات، صنف منها هو ~~الأجسام، وهذه لا يختلف أحد على حدوثها، وصنف آخر فهو الموجود الذي «لم يكن من شيء، ولا ~~عن شيء، ولا تقدمه زمان»، ولقد اتفق الجميع على أن هذا الموجود قديم، وأما الصنف ~~الثالث فيقع بين هذين الطرفين، وهو العالم مأخوذا بأسره (لا من حيث هو جزئيات) «فهو ~~موجود لم يكن من شيء، ولا تقدمه زمان، ولكنه وجد عن شيء، أعني عن فاعل.» # 27 # والكل متفق على وجود هذه الصفات الثلاث ms028 للعالم، فالمتكلمون يسلمون أن ~~الزمان غير متقدم عليه، وهم متفقون مع القدماء على أن الزمان المستقبل غير متناه، ~~وكذلك الوجود المستقبل، وموضع الاختلاف بينهما هو في الزمان الماضي والوجود الماضي، ~~فالمتكلمون يرون أنه متناه، فالعالم مأخوذا بأسره، فيه شبه من الموجود القديم، وفيه ~~كذلك شبه من الموجودات الجزئية الحادثة، فمن نظر إليه من ناحيته الأولى، قال عنه إنه ~~قديم، ومن نظر إليه من ناحيته الثانية قال عنه إنه حادث، «وهو في الحقيقة ليس محدثا ~~حقيقيا، ولا قديما حقيقيا.» # 28 # إن موقفنا في هذا العصر، شديد الشبه بالموقف ~~الذي جاء ابن رشد ليجد نفسه فيه؛ إذ العناصر الأساسية في كلا الموقفين، هي: شريعة ~~يتمسك بها الجميع، ونتاج عقلي وافد من خارج، هو إما متفق مع ما ورد في الشريعة فلا ~~إشكال، وإما مسكوت عنه في الشريعة فلا إشكال أيضا، وإما يناقض في الظاهر ما ورد في ~~الشريعة. فلو كان بيننا ابن رشد يؤدي المهمة نفسها التي أداها في زمانه، لحاول أن ~~يدحض منطق الرافضين حيث يراه باطلا، وأن يبين أن مواضع الاختلاف لا تعدو أن تكون ~~اختلافا في التسمية، مع اتفاق في مضمون المعنى. # 6 # كانت المواجهة التي تمت بين «تهافت الفلاسفة» للغزالي، و«تهافت التهافت» لابن رشد، من ~~أهم ما رصده تاريخ الفكر العربي الإسلامي، وكدت أقول من أهم ما رصده تاريخ الفكر ~~الإنساني على إطلاقه. وليست المسألة - كما أراها - مقصورة على كتاب أصدره صاحبه لينقد ~~به كتابا آخر، وإلا فتاريخ الفلسفة هو سلسلة من هذه اللقاءات النقدية، لكن «التهافت» ~~و«تهافت التهافت» كان مواجهة بين وقفتين حضاريتين، فمحور الأمر فيها هو سؤال كهذا: ~~هل تأخذ حضارة لاحقة أصولا ثقافية من حضارة سابقة، لا سيما إذا كانت الحضارتان من ~~لونين متعارضين، أو أن في هذا الأخذ خطرا على إحداهما أن تنمحي في الأخرى؟ إن ~~الحضارة الأوروبية الحديثة لم تكن لترى ما تخشاه في أن تستمد أصولها من أسلافها ~~اليونان والرومان؛ لأنها مع تلك الأصول عند الأسلاف أسرة واحدة تتعدد صورها مع تعاقب ms029 ~~العصور، لكن أساسها واحد، وأما أن تأخذ حضارة إسلامية روافد فكرها من أصول يونانية، ~~فها هنا يكون للسؤال مغزاه، وهو سؤال ما يزال - كما أشرنا فيما سبق - معلقا فوق ~~رءوسنا إلى يومنا هذا، فهل نفتح صدورنا اليوم للحضارة الغربية العلمية، أو نخشى أن ~~يصيبنا هذا بما يشبه الغزو الذي يمحو معالم ما يغزوه؟ # فالغزالي حين تصدى للفلسفة الأرسطية كما وجدها منعكسة على صفحات الفارابي وابن ~~سينا، إنما قصد أساسا إلى حماية الفكر الإسلامي مما ظن أنه يفسده ويهدم أركانا ~~أساسية فيه. وحين اضطلع ابن رشد بالرد على الغزالي، فلقد كان صميم موقفه هو الدفاع عن ~~ضرورة اغتذاء الفكر الإسلامي بفلسفة اليونان القدماء، ولا خطر هناك على شريعة الإسلام ~~من مثل ذلك الغذاء، على أن نلحظ هنا بأن المواجهة بين الغزالي وابن رشد في كتابيهما، ~~إنما تجاوز أن تكون علاقة بين طرفين، لتكون في حقيقتها صورة للعقل الفلسفي في حياة ~~المسلمين خلال فترة تزيد على قرنين، تبدأ بالفارابي وابن سينا في القرن العاشر، ~~ويتوسطها الغزالي في القرن الحادي عشر، ثم تنتهي بابن رشد في القرن الثاني ~~عشر. # وأول ما أريد أن أعلق به على صلب العمل الذي نطالعه في «التهافت» وفي «تهافت ~~التهافت» معا، هو أننا في حقيقة الأمر إزاء وقفة سلبية تبين التناقض في البناء ~~الفكري الذي تتصدى له، أكثر منا أمام فكر إيجابي يتناول مشكلات بعينها ليقترح لها ~~الحلول، فالكتابان مثل جيد ل «برهان الخلف» الذي تميز به الفكر الفلسفي في كثير ~~جدا من نشاطه. ومؤدى هذا المنهج الفكري، هو أن نعرض الفكرة التي نريد فحصها، ~~فنستخرج منها ما يمكن استخراجه من نتائج تتولد عنها، وإذا بهذه النتائج التي ~~استخرجناها متنافرة لا يتسق بعضها مع بعض، ثم لا تتسق مع القضية أو مجموعة القضايا ~~الأولى، التي عرضنا بها الفكرة المطروحة للبحث بادئ ذي بدء. وعندئذ لا نرى مندوحة من ~~رفض تلك الفكرة المعروضة؛ لاحتوائها على عناصر ينقض بعضها بعضا. # إن «برهان الخلف» في معالجته للقضايا التي يراد فحصها، أشبه ms030 شيء بالآلة التي ندرس ~~بها الغلال في الحقول، لا تضيف إليها جديدا، لكنها تفصل الحبوب في ناحية والقش في ~~ناحية، وكذلك برهان الخلف لا ينتهي بنا إلى قضايا جديدة ، كائنا ما كان الموضوع الذي ~~بين أيدينا، إذ إن مهمته منحصرة في اختبار الأفكار المراد اختبارها من حيث الصلابة ~~وصحة التكوين، وهو اختبار يشبه ما يؤديه المهندسون في اختبارهم لصلابة المعادن، إذ ~~يعرضونها لآلات تحاول مطها وليها وضغطها وتهشيمها إذا استطاعت، فتظهر من هذه ~~المحاولات قوة تلك المعادن أو ضعفها، وهكذا الحال بالنسبة للأفكار عند فحصها ب «برهان الخلف». # 29 # كانت طريقة ابن رشد في «تهافت التهافت» هي أن يعرض ما أورده الغزالي في «التهافت» ~~نقطة نقطة، يضعها بلغة الغزالي نفسه، ثم يأخذ في بيان أوجه الضعف المنطقي الذي رأى أن ~~الغزالي قد وقع فيه، فإذا أمعنا نحن النظر إما في قول الغزالي، وإما في رد ابن رشد، ~~لم نجد في أي القولين إلا تحليلا منطقيا من النوع الذي أسميناه «برهان الخلف»، ~~وحسبنا مثل واحد نسوقه لبيان ما نريد، ونراعي في اختيارنا للمثل أنه موجز يسهل ~~إيراده، وليكن ما نختاره هو القضية الخامسة في تسلسل القضايا المعروضة حول المسألة ~~الأولى، وهي المسألة الخاصة بقول الفلاسفة عن العالم إنه قديم. # فقد عارض الغزالي قول الفلاسفة باستحالة أن تكون هنالك إرادة قديمة تتعلق بشيء حادث، ~~وكانت معارضته في الصورة الآتية: # كيف عرفتم استحالة ذلك؟ «وعلى لغتكم في المنطق: أتعرفون الالتقاء بين هذين ~~الحدين، بحد أوسط، أو من غير حد أوسط؟ فإن ادعيتم حدا أوسط - وهو ~~الطريق النظري - فلا بد من إظهاره، وإن ادعيتم معرفة ذلك ضرورة، فكيف لم ~~يشارككم في معرفته مخالفوكم؟ والفرقة المعتقدة لحدوث العالم بإرادة قديمة ~~لا يحصرها بلد، ولا يحصيها عدد، ولا شك في أنهم لا يكابرون العقول عنادا ~~مع المعرفة، فلا بد من إقامة برهان على شرط المنطق، يدل على استحالة ذلك ...» # 30 # بعبارة موجزة من عندنا، نلخص بها اعتراض الغزالي على قول الفلاسفة باستحالة أن ~~يخلق الله بإرادته ms031 الأزلية عالما محدثا يجيء فيه مجرى الزمن، نقول: هذه الاستحالة ~~المزعومة إما أن تكون نتيجة لقياس، وفي هذه الحالة نلحظ أن عناصر القياس غير متوافرة؛ ~~إذ ليس هنا حد أوسط يربط بين الطرفين، وإما أن تكون إدراكا حدسيا، لكنها لو كانت ~~كذلك لاتفق عليها جميع الناس. وواقع الأمر أن الناس يختلفون في شأنها، ولعله واضح أن ~~الغزالي هنا لم يزد على أن أظهر ما في قول الفلاسفة من مفارقة، مما يؤيد ما ~~أسلفناه. # فماذا قال ابن رشد تعليقا على اعتراض الغزالي؟ قال ما معناه إنه ليس بصحيح ما زعمه ~~الغزالي من أن المعرفة الأدلية - أي المعرفة المدركة بالحدس - يعترف بها جميع الناس، ~~«لأن ذلك ليس أكثر من كونه مشهورا، كما أنه ليس يلزم فيما كان مشهورا أن يكون معروفا بنفسه.» # 31 # ونلاحظ في إجابة ابن رشد أنه لم يتعرض للشق الأول من اعتراض الغزالي، ~~وهو أن قول الفلاسفة ليس قياسا كامل الأجزاء، واكتفى بالرد على الشق الثاني، الخاص ~~بالإدراك بالحدس، فضلا عن أن إجابة ابن رشد - كما نرى - لم تزد بدورها عن تحليل ~~عبارة الاعتراض الذي قدمه الغزالي، تحليلا يظهر ما فيه من أوجه الضعف. وعلى هذا النحو ~~يجري «تهافت التهافت»، وذلك هو ما صرح به ابن رشد نفسه في أول سطور كتابه، إذ قال: ~~«إن الغرض في هذا القول، أن نبين مراتب الأقاويل المثبتة في كتاب «التهافت» لأبي ~~حامد، في التصديق والإقناع، وقصور أكثرها عن رتبة اليقين والبرهان.» # هكذا كان موقع ابن رشد من تيار الفكر العربي الإسلامي في عصره، فأراد له أن يظل على ~~صلته الإيجابية بفلسفة اليونان، وكانت دعوته إلى ذلك هي آخر صوت يرتفع دفاعا عن ~~الفلسفة وضرورة دخولها مع الشريعة في نسيج واحد. ولم يكن الوجدان العربي الإسلامي ~~مهيأ لقبول الدعوة، فانسدل عليها ستار، لم يأخذ في الارتفاع إلا بعد عصره بأكثر من ~~سبعة قرون. # | طريقة الرمز عند ابن عربي في ديوان «ترجمان الأشواق» # 1 # الأصل في الرمز هو أن يجيء لاحقا لما يرمز له، ms032 إذ تعرض لنا حالة أو فكرة، نريد ~~تمييزها مما قد يختلط بها، من أشباهها أو أضدادها، فنبحث لها عن رمز يميزها، والأغلب ~~أن تكون الحالة المرموز لها مجردة، وأن يكون الرمز المميز لها شيئا محسوسا يجسد ~~خصائصها ومعناها، ومن ثم كثر استخدام الرمز في الدين والتصوف والشعر والفن، وهي ~~مجالات تختلج فيها بالنفس أفكار ومشاعر يتعذر تعريفها بالحد العلمي الرياضي الحاسم، ~~فيلجأ صاحبها - إذا أراد التعبير عنها - إلى تصويرها في مجسدات مما تألفه العين ~~والأذن وغيرهما من الحواس، وبمقدار ما تكون الموازاة كاملة بين الحالة الباطنية التي ~~نريد إخراجها، وبين الشيء المحس الذي وقع عليه اختيارنا لنرمز به إلى تلك الحالة، ~~تكون العملية الرمزية قد حققت غايتها. وإذن فنقطة البدء الطبيعية في عملية الرمز هي ~~اختلاجة النفس بحالة يراد التعبير عنها، ثم يتجه طريق السير من باطن إلى ظاهر، ~~من حالة وجدانية داخلية، إلى شيء محس في دنيا الأشياء الخارجية. # لكن هذا الترتيب الطبيعي - فيما نرى - قد انعكس أحيانا عند ابن عربي في ديوانه ~~«ترجمان الأشواق»؛ # 1 # لأنه بمثابة من وجد نفسه أمام طائفة من الرموز المجسدة، وأراد أن ~~يلتمس لها من الحياة الشعورية الداخلية ما يصلح أن يكون مرموزات لها؛ فالموقف هنا ~~شبيه بما يحدث بين الشاعر من جهة، والناقد من جهة أخرى؛ ذلك أن الشاعر بعد أن ينبض ~~قلبه بخلجات وجدانه، وبعد أن يسكب هذه الخلجات في صور محسة مجسدة، يعرضها على ~~سامعيه أو قارئيه، يجيء الناقد - أو مجموعة النقاد - فيبدأ السير من هذه الصور الخارجية ~~التي يصادفها في شعر الشاعر، ملتمسا طريقه إلى ما عساها أن تكون الحالات الوجدانية ~~الداخلية التي كانت قد اختلجت في قلب الشاعر حين نظم ما نظم. فاتجاه السير عند الناقد ~~مضاد لاتجاه السير عند الشاعر؛ فهذا ينتقل من باطن إلى ظاهر، وذاك ينتقل من ظاهر ~~إلى باطن. وكثيرا ما يقع الناقد على أكثر من تأويل واحد للرمز الذي يحاول تأويله، فيظل ~~يتساءل: ترى هل أراد الشاعر بهذا الرمز كذا أو كذا من ms033 حالاته؟ وما أكثر ما يختلف ~~النقاد في تفسير الصورة الشعرية الواحدة، فهذا يرجعها إلى معنى، وذلك يرجعها إلى ~~معنى آخر؛ لأن المعنى كامن في بطن الشاعر - كما يقولون - ومحاولة الوصول إليه اجتهاد ~~قد يصيب ، وقد يخطئ. # وابن عربي في ديوانه «ترجمان الأشواق» كان شاعرا، ثم كان ناقدا، نظم قصائده، ثم ~~حدث له من الظروف ما حمله على تفسيرها، أعني على أن يرجع بما هو وارد فيها من رموز ~~وصور، إلى الأصل الباطني الذي كان باعثا على خلق تلك الرموز والصور. ولو وقف ابن عربي ~~في الحالتين: حالة كونه شاعرا شعر فنظم، وحالة كونه ناقدا مفسرا يرد النظم ~~ورموزه إلى منبعه الشعوري الخبيء، أقول إن ابن عربي لو وقف في هاتين الحالتين موقفا ~~واحدا، لجاء سيره من الداخل إلى الخارج متطابقا مع سيره من الخارج إلى الداخل، وإن ~~اختلف اتجاه السير في الحالتين، فإذا كانت حالة التنزلات الروحانية قد تجسدت في ~~صورة السحاب الممطر، فما عليه عندما يريد الشرح إلا أن يعود بنا من رمز السحاب ~~الممطر الوارد في القصيدة إلى الحالة الداخلية التي كانت مبعث ذلك الرمز، والتي هي ~~حالة التنزلات الروحانية. # لكننا نرجح أن ابن عربي - في بعض قصائده - لم يقف في الحالتين موقفا واحدا، ففي ~~الحالة الأولى - حالة كونه شاعرا - صدر في شعره عن حب حقيقي لفتاة حقيقية، اسمها ~~«النظام»، وهي ابنة شيخه في مكة، مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجا ~~الأصفهاني، وفي الحالة الثانية - حالة كونه شارحا لشعره - صدر في الشرح والتأويل عن ~~رغبته في أن تكون الرموز الواردة في ذلك الشعر صالحة للتفسير الصوفي، مما اقتضاه في ~~عملية الشرح إعمال العقل وذكائه، وإظهار القدرة على تخريج معان من رموز لم تكن في ~~الأصل مقصودة لها، فوجدناه موفقا في مواضع، متعسفا في مواضع أخرى، كما وجدنا ~~الفرق هائلا بين سلاسة الشعر ودفء العاطفة فيه، وبين التواء العبارة النثرية التي ~~جاءت تشرحه، التواء يوحي بالجهد المبذول نحو صرف المعنى إلى أصل غير أصله. وإننا ms034 ~~أمام هذا الفرق البعيد بين وضوح الشعر وغموض النثر، لنكاد نرتاب في أن يكون الشارح هو ~~نفسه الشاعر، كما قد ورد في مقدمة الديوان التي كتبها الشاعر نفسه. # ولو كان ابن عربي قد وقف موقفا واحدا في شعره، وفي تحليله لذلك الشعر، أو لو كان ~~الشاعر هو نفسه الناقد، لما رأينا تأويله لبعض رموز شعره يتخذ صورة «إما ... أو ...» أي ~~لما رأيناه بالنسبة للرمز الواحد يقول إن هذا الرمز إما يشير إلى كذا أو إلى كيت؛ ~~لأن هذا التردد لا يكون - في الأغلب - إلا إذا كان صاحب التحليل والتأويل لا يعلم على ~~وجه اليقين ما كان في بطن الشاعر وهو ينظم، كأن يقول عن «الركائب» إنها إما الإبل وإما ~~السحاب، وعن الغزال إنه إما يشير إلى الغزل مع الحبيب، أو إلى حالة التجريد التي ~~تتناسب مع شرود الغزال في الأرض الفلاة. # ومهما يكن من أمر القصائد وشروحها، فها هي ذي قصتها كما يرويها لنا ابن عربي في ~~المقدمة؛ يقول إنه لما نزل مكة - وكان له من العمر عندئذ نحو ثمانية وثلاثين عاما ~~- التقى بجماعة من الفضلاء، كان من بينهم «الشيخ العالم الإمام بمقام إبراهيم عليه ~~السلام، نزيل مكة البلد الأمين، مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجا ~~الأصفهاني»، وكان لهذا الشيخ «بنت عذراء ... تسمى بالنظام وتلقب بعين الشمس والبها ... ~~ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت ... ~~ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض، السيئة الأغراض، لأخذت في شرح ما أودع الله ~~تعالى في خلقها من الحسن، وفي خلقها الذي هو روضة المزن ... فقلدناها من نظمنا في ~~هذا الكتاب أحسن القلائد بلسان النسيب الرائق، وعبارات الغزل اللائق. ولم أبلغ في ذلك ~~بعض ما تجده النفس، ويثيره الأنس، من كريم ودها ... فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها ~~أكني، وكل دار أندبها فدارها أعني، ولم أزل فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء ~~إلى الواردات الإلهية، والتنزلات الروحية، والمناسبات العلوية، جريا على طريقتنا ~~المثلى.» # غير ms035 أن بعض الفقهاء بمدينة حلب أنكر على أشعار ~~هذا الديوان أن تكون من الأسرار الإلهية، وأن الشيخ إنما يريد به غزلا حقيقيا ~~بفتاة حقيقية، وإن يكن يخفي ذلك لكونه منسوبا إلى الصلاح والدين، فما إن جاء هذا ~~النبأ إلى ابن عربي، حتى شرع في شرح ديوانه على مسمع من جماعة من الفقهاء، شرحا ~~يوضح كيف يصاغ القول بعبارات الغزل والتشبيب، حين يكون المقصود هو الأسرار الإلهية، ~~فلما سمع الشرح ذلك المنكر، تاب إلى الله. # والحق أن ما يذكره ابن عربي عن هذا الديوان بصفة خاصة، حين يقول: «وشرحت ما نظمته ~~بمكة المشرفة من الأبيات الغزلية ... أشير بها إلى معارف ربانية، وأنوار إلهية، ~~وأسرار روحانية، وعلوم عقلية، وتنبيهات شرعية، وجعلت العبارة عن ذلك بلسان الغزل ~~والتشبيب لتعشق النفوس بهذه العبارات، فتتوفر الدواعي على الإصغاء إليها.» حين يقول ~~ابن عربي هذا القول عن هذا الديوان بخاصة، فهو إنما يساير نظرته العامة، التي تجعل من ~~الأشياء والصور «مسارح تتجلى فيها صفات الحق وأسماؤه، بل هي عين تلك الصفات والأسماء، ~~فكل صفة وجودية ندركها في الأشياء، إنما هي مجلى خاص من مجالي صفة إلهية ~~مطلقة، أو اسم إلهي مطلق.» # 2 # ولم نكن لنتشكك في صدق هذا الزعم بالنسبة إلى ديوان «ترجمان الأشواق» لولا أننا ~~وجدنا قصائد كثيرة من قصائده تكون أكثر انسياقا مع المعنى الغزلي المباشر، وأن أمثال ~~هذه القصائد، حين تؤول على التفسير الصوفي، يقتضي شيئا من الاعتساف الذي يشد ~~المعنى شدا يخرجه عن طريقه السوي السليم. على أنه من الحق كذلك أن ثمة قصائد أخرى ~~نراها أكثر انسياقا مع التأويل الصوفي منها مع الغزل المباشر، كما أن هنالك فئة ~~ثالثة من القصائد يكاد يتوازن فيها الاتجاهان موازنة عادلة، فهي متسقة مع الغزل ~~المباشر اتساقها مع التأويلات الصوفية على حد سواء، وسنسوق - في موضع تال من هذا ~~المقال - أمثلة توضح هذه الحالات الثلاث. # 2 # وفي مقدمة الديوان، وكذلك في مواضع أخرى من الشرح - وقد أطلق على شرح الديوان اسم ~~«ذخائر الأعلاق في شرح ms036 ترجمان الأشواق» - إشارات تدل دلالة واضحة على منهج الرمز ~~عند ابن عربي؛ ففي قصيدة قوامها ستة عشر بيتا، يوردها في المقدمة، يضع قاعدته ~~الأولى، ويسوق لها الأمثلة، وهي أنه إذا ما ذكر في حديثه طللا، أو سحابا، أو زهرا، ~~أو بروقا، أو رعودا، أو غير ذلك من صور الكائنات، فينبغي للقارئ أن يصرف الخاطر عن ~~ظاهرها، وأن يطلب الباطن المختفي وراء ذلك الظاهر، ليعلم المعنى المقصود، لا بل إن ~~الضمائر والحروف ينبغي كذلك أن تؤول عند الفهم تأويلا يستخرج منها السر الصوفي ~~الكامن فيها: # كل ما أذكره من طلل # أو ربوع أو مغان كل ما # وكذا إن قلت ها أو قلت يا # وألا، إن جاء فيه، أو أما # وكذا إن قلت هي، أو قلت هو # أو همو أو هن - جمعا - أو هما # وكذا إن قلت قد أنجد لي # قدر في شعرنا أو أتهما # وكذا السحب إذا قلت بكت # وكذا الزهر إذا ما ابتسما # أو أنادي بحداة يمموا # بانة الحاجر أو ورق الحمى # أو بدور في خدور أفلت # أو شموس أو نبات أنجما # أو بروق أو رعود أو صبا # أو رياح أو جنوب أو سما # أو طريق أو عقيق أو نقا # أو جبال أو تلال أو رما # أو خليل أو رحيل أو ربى # أو رياض أو غياض أو حمى # أو نساء كاعبات نهد # طالعات كشموس أو دمى # كل ما أذكره مما جرى # ذكره - أو مثله - أن تفهما # منه أسرار وأنور جلت # أو علت جاء بها رب السما # لفؤادي، أو فؤاد من له # مثل ما لي من شروط العلما # صفة قدسية علوية # أعلمت أن لصدقي قدما # فاصرف الخاطر عن ظاهرها # واطلب الباطن حتى تعلما # ونظرة فاحصة إلى الرموز التي ساقها ابن عربي أمثلة لما يعتزم في استخدامه شعره، ~~تبين أنه ساق الأمثلة «أسماء» و«أفعالا»، و«ضمائر»، و«حروفا للنداء أو للتعجب»، ~~كما ساقها «أسماء مقرونة بأفعال»، و«حروفا مقرونة بأسماء»، ثم أشار بعد هذه الأنواع ~~كلها إلى ما يمكن أن يرمز به من «حوادث» جرى ms037 ذكرها أو ما يماثل تلك الحوادث. # فالأسماء هي: طلل، ربوع، مغان، بروق، رعود، صبا، رياح، جنوب، سماء، طريق، عقيق، نقا، ~~جبال، تلال، رمال، ربى، رياض، غياض، خليل، رحيل، حمى. # والأفعال هي: أنجد ، أتهم، أفل. # والحروف هي: ها، يا، ألا، أما. # والضمائر هي: هي، هو، هم، هن، هما (وكلها ضمائر الغائب مفردا ومثنى ~~وجمعا). # والأسماء المقرونة بالأفعال: بكت السحب، ابتسم الزهر، أفلت بدور، أنجم نبات. # والحروف مع الأسماء: يا حداة، ويا ورق الحمى. # أي أن صنوف الكلام على اختلافها، ينبغي أن تؤخذ مأخذ الرمز الرامز إلى «أسرار» ~~و«أنوار» «جاء بها رب السما» لفؤادي أو فؤاد أي إنسان آخر توافرت له - ما قد توافر ~~لي - «من شروط العلما». # ولكن هل يكفي أن يقال لنا: كلما وجدتم هذه ~~الرموز أو أشباهها فاصرفوها من معانيها الظاهرة إلى معان باطنة؟ إن مثل هذا التحذير ~~وحده قد يترك الباب مفتوحا إلى أي معنى يطرأ على ذهن القارئ عند التأويل. فافرض أنني ~~صادفت كلمة «جبل»، وأردت صرفها عن معناها القاموسي المعروف، فبماذا أفسرها؟ أأتخذها ~~رمزا للسمو أم للصلابة أم للمشقة والجهاد أم للرياضة واللهو أم لوحشة المعتزل، ~~أم لبرودة الرأس بالقياس إلى حرارة القلب؟ هل استوحى «الجبل» جمالا مؤنسا أو جلالا ~~مروعا مهيبا؟ عشرات المعاني قد تتخذ على أنها هي التي ننصرف إليها من المعنى ~~الظاهر، فهل عند ابن عربي قاعدة أخرى تكمل قاعدته الأولى، فتبين وجهة السير التي ~~ننتهجها عند تأويل الظاهر بمعنى باطن؟ نعم، فقد ورد في شرحه للبيت الأول من قصيدة ~~«الطلل الدارس» (ص75) ما يدل بعض الدلالة على رأيه في ذلك؛ إذ يقول إن الأمر متوقف على ~~طبيعة الموقف وسياق الحديث، مقررا «أن الإنسان فيه مناسب من كل شيء في العالم، ~~فيضاف كل مناسب إلى مناسبه، بأظهر وجوهه، وتخصصه الحال والوقت والسماع ~~بمناسب دون غيره من المناسب، إذا كانت له مناسبات كثيرة لوجوه كثيرة يطلبها ~~بذاته.» ولو قلنا هذا القول بعبارة من عندنا تترجمها، لقلنا: إن الإنسان كون أصغر ~~فيه كل ما في ms038 الكون الأكبر من صفات وخصائص، بحيث يصبح في مستطاعه أن يواجه كل شيء ~~في العالم بالجانب الذي يناسبه ساعة الإلهام، فإذا قيل «جبل» - مثلا - اخترنا من ~~موحياته الكثيرة معنى يلائم ما نحن فيه، يساعدنا في هذا الاختيار ما في طبائعنا من ~~خصوبة وغنى كما يساعدنا كذلك اللسان العربي الذي من مميزاته أن «يعطي التفهم ~~بأدنى شيء من متعلقات التشبيه.» (انظر ص105)، فحسبنا أن يجيء الرمز مشيرا أدنى ~~إشارة إلى المرموز له لندرك الباطن المنشود من وراء الظاهر. # ويضيف ابن عربي إلى قواعده النظرية هذه، مثلا تطبيقيا للطريقة التي يريد لشعر ~~ديوانه أن يفهم بها، إذ يروي حكاية جرت له في الطواف فيقول: «كنت أطوف ذات ليلة ~~بالبيت، فطاب وقتي، وهزني حال كنت أعرفه، فخرجت من البلاط من أجل الناس، وطفت على ~~الرمل، فحضرتني أبيات، فأنشدتها، أسمع بها نفسي ومن يليني، لو كان هناك أحد، وهي ~~قوله: # ليت شعري هل دروا # أي قلب ملكوا # وفؤادي لو درى # أي شعب سلكوا # أتراهم سلموا # أم تراهم هلكوا؟ # حار أرباب الهوى # في الهوى، وارتبكوا # فلم أشعر إلا بضربة بين كتفي بكف ألين من الخز، فالتفت، فإذا بجارية من بنات ~~الروم ... فقالت: يا سيدي كيف قلت؟» # وأخذ ابن عربي يعرض الأبيات الأربعة السالفة، بيتا بيتا، فتعلق عليه الجارية ~~الرومية الأديبة بما يبين ما فيه من تناقض المعنى، ففي البيت الأول لا يتفق أن ~~يكون من ملك القلب جاهلا به، وفي البيت الثاني لا يتفق أن يدري الفؤاد شيئا عن ~~الشعب الذي سلكه الأحبة؛ لأن الشعب هو الذي يحول دون أن يحصل الفؤاد على علم، ~~فكيف يكون الحائل دون العلم معلوما؟ وفي البيت الثالث خطأ في توجيه السؤال؛ لأن ~~الأصح هو أن يسأل المحب نفسه عن نفسه إن كان قد سلم أو هلك بعد فراق أحبته، ~~وفي البيت الرابع لا يتفق أن ينصرف المحب بكل قلبه إلى من يهوى، ثم تبقى له مع ذلك ~~فضلة يحار بها. # هكذا أخرجت الجارية الأديبة مواضع التناقض في الأبيات الأربعة؛ ms039 وذلك لأنها فهمتها ~~بمعانيها الظاهرة، لكن هذا التناقض البادي يزول إذا ما جاوزت ظاهر الأمر إلى باطنه، ~~وهنا يأخذ ابن عربي في شرح هذه الأبيات نفسها شرحا باطنيا صوفيا؛ ليبين كيف ~~ينبغي أن تفهم، وكأنما أراد أن يرسم أمامنا طريقة الفهم الصحيح عند قراءة ديوانه الذي ~~قدم له بتلك المقدمة. # 3 # لكل شاعر قاموسه الخاص، الذي لو أدركناه لسهلت قراءة شعره، فما بالك بالشاعر ~~المتصوف الذي يوجهنا منذ مقدمة الديوان إلى فهم ألفاظه بغير معانيها المباشرة؟ ~~إنه لا مناص عندئذ من توجيه النظر إلى المعاني الخاصة التي يكثر دورانها عند الشاعر، ~~رامزا لها بألفاظ معينة. وفيما يلي قاموس جزئي أعددناه لطائفة من هذه الألفاظ عند ~~ابن عربي، جمعناها من خمس وعشرين قصيدة هي الأولى في ترتيب الديوان، وأمام كل لفظة ~~معناها الرمزي في شرح ابن عربي لها: # أ # الأبرقين: # هو في الأصل اسم مكان، لكنه يفهم - استيحاء للفظ «البرق» الوارد ~~في صلب الكلمة - على أنه يرمز إلى مشهدين من مشاهد الذات ~~الإلهية، مشهد في عالم الغيب، ومشهد في عالم الشهادة. # أبيض: # منزه عن الشهوة. # الأحبة: # الأنبياء، وكذلك رمز للأسماء الإلهية. # أحمر: # رمز للشهوة، وللجمال. # أجياد: # هو في الأصل اسم جبل يشرف على الحرم المكي، فيرمز به إلى ~~مقام إلهي. # إدريس: # مقام الرفعة والعلو. # أراك: # نوع من الشجر يرمز به لمقام التقديس والرضا. # ب # بان: # شجر البان يرمز به للبعد، وللنور والتنزيه، والشوق ~~والتوقان. # بدور: # تأتي عادة مقرونة «بالخدور»، ويكون معنى «البدور في الخدور» ~~الحسان المستترات، وهذا رمز إلى العلوم وأسرارها. # وكذلك ترمز «البدور» للحقائق الإلهية. # ويرمز «البدر» للنور الإلهي، و«غروب البدر في خلدي» معناه غروبه ~~عن عالم الحس، وترجيحه جانب الستر على جانب الكشف. # برق: # مشهد الذات الإلهية، يذهب بالأبصار ولا يكاد يتحقق، فالبرق لا ~~يريك إلا لمعانه، فيكون اللمعان حجابا عليه، فنحن لا نرى البرق ~~وإنما نرى سناه (ص90). # والبروق ترمز إلى الصور في عالم الشهادة؛ لتنوعها وسرعة ~~زوالها، ومن هنا كان «البرق» رمزا إلى رؤية الحق في الخلق، ms040 رؤية ~~الله تعالى في مخلوقاته. # برقة ثهمد: # اسم مكان، ولكنها تأتي مرادفة لكلمة برق. # برقع: # رمز للحالة النفسية التي تحجب العارفين عن عامة الناس. # بستان: # الحق (أي الله سبحانه)، والأزهار في البستان هي مخلوقاته . # بلقيس: # الحكمة الإلهية التي تجمع بين العلم والعمل. # وفيها رمز أسطوري يشير إلى ولادة بلقيس من لقاء بين الجن ~~والإنس، ففيها من الجن علمه اللطيف، ومن الإنس عمله الكثيف، أي ~~أنها رمز لاجتماع الروح والجسد في الإنسان. # بنات الملوك: # الزاهدات. # بياض: # الوضوح والتعين. # البيضاء: # الشمس، وترمز البيضاء إلى الحكمة الإدريسية، يكون فيها من العلوم ~~ما في الشمس من حقائق. # ت # توراة: ~~(من ورى الزند) ولذا فهي إشارة إلى النور. # ث # ثكلى: ~~(التي فقدت وحيدها) ولذا فهي رمز على من فقد خصائصه الفردية ~~المميزة. # ثنايا: # النور، تقال بمناسبة مقام المناجاة التي تتعلق بالفم. # ج # جبال: # السبل التي يهدينا الحق إليها بعد الجهاد. # جداول: # فنون العلوم الكونية. # جنى: # ما يتلقاه الملقى إليه من الملقي (كالمريد من الشيخ، ~~والنبي من الملك) والجاني هو المحصل لهذه الثمرات، بيد اللطف، ~~لا بيد القهر. # ح # حاجر: # اسم مكان، يرمز إلى موضع الحجر الذي يحول بيننا وبين مطلوبنا، ~~عالم البرزخ. # حادي: # الشوق الذي يحدو بالهمم إلى منازل الأحبة. # حبر: # رمز إلى التوراة. # حسان: # الحكم الإلهية، إشارة إلى مقام المشاهدة والرؤية. # حمام: # الواردات الإلهية. # خ # خدور: # الأعمال التي كلف بها الإنسان، التكاليف الروحانية، وهي ~~«خدور»؛ لأنها تحتوي على أسرار من العلوم والمعارف. # خرد: # الحكم الإلهية، الخرد هن ذوات الحياء، والحياء من الإيمان، ~~وإذن فالخرد إشارة إلى العلم الإيماني. # خميلة: # قلب الإنسان بما يحمله من المعارف الإلهية. # خيام: # مقامات الحجب. # د # داود: # رمز للزبور. # دجى: # الغيب، فهو الليل الذي هو محل الستر، والغيب ستر. # در: # الحكمة الإلهية، «عرش الدر» رمز إلى أن الحكمة الإلهية إذا ~~حصلها العبد أفنته عن مشاهدة ذاته، كأنها مالكة تجلس على ~~عرش. # دمقس: # التنزيه (لأنه الحرير الذي لم يصطبغ بلون). # دمى: # إشارة إلى المعابد السريانية العيسوية، رمز إلى الحسان ~~المستترات في ms041 الخدور، وهي المعارف. # الديار: # المقامات. # الدير: # حالة سريانية. # ذ # ذو سلم: # اسم مكان يرمز به إلى الجمال الطبيعي. # ر # راعي النجم: # حافظ ما تحمله العلوم. # راقد الليل: # الغافل عن حق، انشغالا بالأكوان الطبيعية. # ربة الحمى: # الحقيقة الموسوية. # ربوع دارسات: # ما بقي في مقامات العارفين من آثار في سيرهم إلى العلم (الدارس ~~= المتغير بما يرد عليه من الأحوال، فيتغير من حالة إلى ~~حالة). # رعد: # مناجاة إلهية. # ركائب: # السحاب. # روض: # مكان الجمع، «الروض الندي» مقام نشأة الاعتدال. # روضة: # الأسرار الإلهية لحقائق الأسماء؛ لكون الروضة جامعة لفنون ~~الأزهار. # روضة الوادي: # الشجرة التي ظهر فيها النور لموسى. # الرياض: # رياض المعارف. # ريح: # الأنفاس الشوقية. # ز # زرود: # هي رملة في قفر، ولذلك يرمز بها إلى عدم الثبوت؛ لأن الرمل ~~تنقله الرياح عن حالاته وعن أماكنه. وكذلك ترمز «زرود» إلى ~~المجاورة من غير ألفة؛ لأن الرمل يتجاور ولا يلتف. # زهر: # الأزهار هي الخلق. # س # سحاب: # الأحوال التي تنتج المعارف. # سحاب مطير: # المعارف والعلوم الربانية. # سحر: # موضع الفصل بين حقائق الجسد (الظلمانية) وحقائق الروح ~~(النورانية). # سنا: # الحكمة الإلهية. # سلع: # جبل يشرف على المدينة، وهو رمز للمقام المحمدي. # سلمى: # الحالة السليمانية الواردة من مقام النبوة. # سواد: # عالم الجلال والهيبة. # ش # شراب: # المرتبة الثانية من مقام التجلي (فمقامات التجلي أربعة: ذوق، ~~شراب، ري، سكر). # شرق: # موضع الظهور الكوني، أي عالم الحس والشهادة. # شفق: # حمرة الخفر. # شمس: # الحكمة الإلهية (كالشمس يتوقف أثرها على نوع ما تهبط عليه، ~~فإما هي مثمرة أو مهلكة). # أنوار الشموس = الأرواح الحافون حول العرش. # إشارة إلى النصوع، والرفعة، والمنفعة. # شمس ضحى: # وضوح التجلي عند الرؤية. # شيح: # ميل. # ص # صبا: # عالم الأنفاس، الريح الشرقية (والشرق مطلع الظهور الكوني، أي ~~عالم الحس والشهادة). # صخرات: # الصور الحسية التي تتجسد فيها المعاني المجردة؛ الأجساد ~~التي تخفي أرواحا. # ط # طل: # معارف نزلت على قلوب ساذجة. # طلل: # ما بقي من الأثر الطبيعي، ما بقي في مقامات العارفين من آثار في ~~سيرهم إلى العلم بالله. # طلول: # أثر منازل الأسماء الإلهية بقلوب العارفين. # طنافس: # البر ms042 والإكرام اللذان يمهد بهما الحق منازل الواردين من عالم ~~الأكوان. # طواويس: # الأرواح في جمالها وحسنها (لاحظ أنها طير وذات ريش حسن اللون ~~مختلفة). # عالم الملأ الأعلى. # ظ # ظبي: # اللطيفة الإلهية. ~~(الظباء فيها شرود وملازمة للفيافي) ولذا فهي رمز للحكمة ~~الإلهية في تجردها. # الظبي ذو عنق طويل، والعنق رمز للنور، ولذا كان الظبي إشارة إلى ~~النور. # ظبي مبرقع: # الحكمة الإلهية محجوبة بحالة نفسية من أحوال العارفين. # ظل: # الظل الظليل هو المقام المحمدي الموسوي. # ظلام الليل: # حجاب الغيب. ~~«ظلام الليل أرخى سدوله» = النشأة الحيوانية أخفت اللطائف ~~الروحانية. # ع # عنان: # الأمر الذي يسيره على الطريق الأقوم. # عود مورق: # الإنسان وقد اكتسى بالمعارف الربانية. # عيسى: # الهمم، مراكب الأعمال، والأعمال التي يصعد عليها الكلم ~~الطيب. # عيسى: # إحياء الموتى بوساطة النطق (عيسى متولد عن غير شهوة طبيعية، ~~ولذا كان له سلطان على الطبيعة). # العين في الخيام: # حقائق العلوم محجوبة، ولكنها كاشفات عن الحق حالة التستر، وفيها ~~إشارة إلى «الملامتية». # غ # غادة: # الحقيقة حين يكون لها تعطف بالكون، «فالغادة» إشارة إلى ~~الميل، كالأسماء الإلهية حين يكون بها ميل إلى عالم ~~الكون. # غديرة: # ضفيرة، وهي إشارة إلى الدلائل والبراهين لتداخل المقدمات بعضها ~~في بعض كتداخل جدائل الضفيرة. # غرب: # عالم التنزيه والغيب. # غزال: # الحكمة الإلهية المحبوبة، والغزال إشارة إما إلى «الغزل» الذي ~~يكون للمحبوب، وإما إلى إلفه للقفر مما يرمز إلى التجرد. # غزلان: # العلوم الشوارد التي لا تنضبط. # غصون: # النفوس الهيمانة بجلال الله، «ملابس الغصون» الأخلاق الإلهية، ~~غصن نقا = الصفة القيومية في روضة الأسماء الإلهية. # غضا: # مقام المجاهدة. ~~«غيضة الغضا»: # شجرة مشتعلة الغصون بلهب الحب. # غور: # الغيب. # ف # فاتكة بالطرف الأحور: # علم المشاهدة الذي يحول بين صاحب الخلوة وبين نفسه. # فتاة عروب: # الصورة الذاتية (الإلهية) التي هي مطلب العارفين. # فلك: # الصورة التي يقع بها التجلي، التبدل والتحول في ~~الصور. # فنون: # أنواع المعارف. # ق # قباب: # القبة - لاستدارتها - رمز للامتناهي، وترمز أيضا للعمل ~~المكسوب. # القباب الحمر: ~~(الأحمر رمز للجمال وللشهوة) فالقباب الحمر رمز لاحتجاب الحقائق ~~المطلوبة ذات الجمال. # قسيس: # رمز للإنجيل. ms043 # قضيب رطب: # نشأة الاعتدال. # قفر: # التجرد. # قلب: # التغير من حال إلى حال. # قمر: ~~(القمر حالة بين البدر والهلال) رمز للمشهد البرزخي. # قمرية: # نفس عارفة نطقت بأمر علوي. # ك # كواعب: # الحكم الإلهية. # ل # الليل: # الغيب . # م # ماء: # سر الحياة. # مرض: # ميل. ~~«مريضة الأجفان»: # الحضرة الإلهية وهي تميل إلى قلبه. # مطايا: # الهمم. # المطوقة: # اللطيفة الإنسانية وما أخذ عليها من ميثاق، وكذلك هي النفس ~~الكلية مشارا إليها بالأثر الذي لها في النفس الجزئية التي ظهرت ~~على صورتها. # ملابس الغصون: # الأخلاق الإلهية. # المنازل: # المقامات التي ينزلها العارفون بالله. # مياد: # الحركة المستقيمة التي هي نشأة الإنسان. # ن # نار: # المكاره التي يقتحمها السالك، حتى يصل إلى المنازل ~~العلية. # ناووس: # المدفن = المعارف إذا فارقها العارفون، إذ المعارف لا وجود لها ~~إلا بالعارفين. # الندى: # المعارف إذا نزلت على قلوب فيها جهالة. # نسر: # الروح البرزخي الذي هو أقرب إلى الملأ الأعلى. # نور: # الخير المحض، الحكمة الإلهية، الناموس. # ه # الهادي: # الآتي بالملاطفة، قياسا إلى «الحادي» وهو الآتي بالزجر. # و # وادي: # الوادي المقدس، «روضة الوادي» الشجرة التي ظهر فيها النور ~~لموسى. # وبل: # معارف نزلت على قلوب فيها تشكيك. # ورد روضي: # حمرة الوجنات، يشير إلى مقام الحياء. # الورق: # الأرواح البرزخية. # 4 # لم يخرج ابن عربي في اختياره لهذه الرموز التي أراد أن يرمز بها - في تأويله الصوفي ~~لشعره - إلى الحقائق الإلهية والأحوال والمقامات وغير ذلك، لم يخرج عن البيئة القريبة ~~منه، فهو وإن أجهد ذكاءه في تفسير هذه الرموز تفسيرا يتفق مع المعنى الصوفي الذي ~~أراده، إلا أنه اكتفى في الرموز نفسها بما يقع عليه البصر مما حوله، مكررا - في ~~كثير من الأحيان - الألفاظ نفسها في السياقات نفسها التي استخدمها الشعراء العرب من ~~قبله. ~~(أ) # فمن عالم الحيوان اتخذ رمزه من الإبل، والظباء، والغزلان. ~~(ب) # ومن عالم الطير اتخذ الرمز من الحمامات، والطواويس، والنسور. ~~(ج) # ومن الظواهر الطبيعية اتخذ رموزه من نوعين: ~~(1) # فإذا أراد الطبيعة الجرداء، استخدم اليباب، والقفر، ~~والبلقع، والرمال والصخر. ~~(2) # وإذا أراد الطبيعة الخصبة الخضراء، استخدم الخميلة، والعود ~~المورق، والمياد، ms044 والجداول، والبستان، والأزهار، والأراك، ~~والبان، والغصون، والروض، والماء العذب، والسحاب، والمطر، ~~والطل، والوبل، والندى، والظل الظليل، والورد، والفنن. ~~(د) # ومن الظواهر الفلكية اتخذ رموزه من السماء، والشمس (أو الشموس) والبدر ~~(أو البدور) والبرق (أو البروق )، والرعد (أو الرعود)، والنجم، والليل، ~~والسحر، والشفق، والضحى، والشروق، والغروب. ~~(ه) # ومن المظاهر الحضارية اتخذ الرمز من القباب، والخيام، والطنافس، ~~والدمقس، كما استخدم رموز الموت: الطلل (أو الطلول) والربوع الدارسة، ~~والنواويس. ~~(و) # ومن الثقافات الدينية استمد لمحات كثيرة من الموسوية والعيسوية ~~والمحمدية وذكر آدم وإدريس وداود، واستخدم كلمات التوراة والزبور والإنجيل ~~والقرآن، وأشار إلى القساوسة والبطاريق والشماميس، والرهبان، والأوثان ~~والأديرة. ~~(ز) # ومن التاريخ الأدبي أفاد من روايات الحب والمحبين: بشر وهند، قيس ~~وليلى، وجميل وبثينة، «واذكر لي حديث هند، ولبنى، وسليمى، وزينب وعنان، ~~واندباني بشعر قيس وليلى، وبمي والمبتلى غيلان» (ص82 / 3). # وطريقته في تأويل هذه الرموز، تختلف باختلاف السياق، فإذا ما كانت الموازاة بين ~~المعنى الغزلي المباشر وبين المعنى الصوفي الباطن قريبة واضحة، جاء تفسير الرموز بغير ~~اعتساف ظاهر؛ لأنه في هذه الحالة لا يجد ما يحمله على الإغراب في التأويل، وأما إذا ~~كانت تلك الموازاة بين المعنيين بعيدة ضعيفة، فعندئذ يغلب أن يجيء تفسير الرموز ~~مفتعلا يدعو إلى كد الذهن، ولقف العلاقات البعيدة بين الرمز وما يشير إليه. وفيما ~~يلي أمثلة للطرق المختلفة التي لجأ إليها ابن عربي في تأويل رموزه: ~~(أ) # الطريقة المجازية المألوفة في الشعر، وذلك بأن يلتمس علاقة شبه واضحة ~~بين المشبه والمشبه به، أي بين المرموز إليه والرمز؛ فمن المألوف في ~~قراءة الشعر وفهمه أن نفهم من المطر - مثلا - كرم العطاء، ومن الأسد شجاعة ~~الشجاع، وهذا التفسير المجازي كثير عند ابن عربي خصوصا حين تكون الشقة ~~ضيقة بين المعنى الغزلي المباشر وبين المعنى الصوفي الباطن، فنراه يرمز إلى ~~الأرواح بالطير، وإلى الطبيعة البدنية بالصخر، وإلى الإنسان بعد كسبه ~~للمعارف بالعود الذي أورق، وبالبستان الذي أزهر وأينع، وإلى حياة النعيم ~~بالطنافس. ~~(ب) # الإشارة إلى التاريخ، سواء أكان تاريخ الديانات أم تاريخ ms045 الأدب، أم غير ~~ذلك من سبل الإفادة بما يروى عن أحداث الماضي، فها هنا تكفيه اللمحة ~~السريعة ليترك للقارئ تكملة المادة من عنده، فمن هذا القبيل ذكره للأنبياء ~~وللكتب المنزلة ولأماكن العبادة، وكذلك ذكره لقصص المحبين ، والروايات التي ~~تروى عن المتصوفة وما إلى ذلك. # وهذه الإشارات قد تكون قريبة إلى الأذهان بادية الرابطة مع سياق الحديث، ~~وقد تكون بعيدة غير مرئية في وضوح، فإذا قال - مثلا - عن محبوبته العابدة ~~العالمة: # قد أعجزت كل علام بملتنا # وداوديا، وحبرا، ثم قسيسا # ثم شرح هذه الإشارات التاريخية بقوله إنها تشير إلى الكتب الأربعة، ~~«فالعلام بملتنا» إشارة إلى القرآن، و«الداودي» إشارة إلى الزبور، ~~و«الحبر» إشارة إلى التوراة، و«القسيس» إشارة إلى الإنجيل؛ بحيث يكون ~~المعنى المجمل هو أن تلك المحبوبة العالمة قد ألمت بمحتوى هذه الكتب ~~المنزلة جميعا، فعندئذ تكون الإشارة مفهومة وواضحة. ولنتذكر ما قاله ~~ابن عربي في مقدمة الديوان عن محبوبته «النظام» من أنها «من العابدات ~~العالمات»، وأما حين يقول - في القصيدة نفسها وعن المحبوبة نفسها: # توراتها لوح ساقيها سنا وأنا # أتلو وأدرسها كأنني موسى # وحين يقول في شرح ذلك أن «الساق» هنا تذكرنا ببلقيس حين كشفت عن ~~ساقيها، أي بينت أمرها، وتذكرنا كذلك بقوله: # يوم يكشف عن ساق # قاصدا بذلك «الأمر الذي يقوم ~~عليه بيان الآخرة»، وبقوله: # والتفت الساق ~~بالساق # أي التف أمر الدنيا بأمر الآخرة، هذا عن كلمة ~~«الساق»، وأما كلمة «التوراة» فالتوراة من ورى الزند، فهو راجع إلى النور، ~~وينسب إلى التوراة أن لها أربعة أوجه، فإذا كان التشبيه قائما بين ~~«ساقيها» و«التوراة» فلا بد أن تكون الإشارة هنا إلى أربعة أوجه من ~~النور، وإلى الأربعة الذين يحملون العرش، وهي الكتب الأربعة. أضف إلى ذلك ~~أنه لما كنى عن ساقيها بالتوراة، احتاج إلى ما يناسب ما وقع به ~~التشبيه من «التلاوة» و«الدرس» وذكر من أنزلت عليه التوراة، وهو موسى، ~~أقول إن ابن عربي حين يلجأ إلى مثل هذا الشرح البعيد المتشعب للبيت ~~المذكور، ندرك أنه إنما يكد ذهنه كدا ليجد ms046 المعنى الصوفي الباطن، الذي ~~يوازي به المعنى الظاهر، وهو التغزل في ساقين بيضاوين مضيئتين، ينظر ~~إليهما فكأنما هو ينظر إلى آية من آيات الجمال البشري، تتلى وتدرس في ~~نشوة وعلى مهل . ~~(ج) # رموز جغرافية، يستخدم فيها أسماء لأماكن معروفة، ليفيد إما من مجرد جرس ~~اللفظة، وإما من الصفات التي عرفت بها تلك الأماكن. والأغلب في هذه الحالة ~~أن يجيء التأويل على اعتساف وافتعال، فهو - مثلا - حين يذكر مكانا عرف ~~بجماله الطبيعي، ليشير به إلى الجمال الذي يجذب الناظر إليه، جاء الرمز في ~~هذه الحالة مستقيما ومباشرا، كقوله: «بذي سلم ... ظباء تريك الشمس في ~~صورة الدمى» (ص45)، أما إذا جاء باسم مكان ليفيد من جرسه ونبرته، أو من ~~المعنى الظاهر لذلك الاسم، غلب عليه عندئذ التكلف في التفسير، كقوله في ~~«لمعت لنا بالأبرقين بروق» (ص37): أن الأبرقين - وهو اسم مكان - رمز ~~إلى مشهدين للذات الإلهية، مشهد في الغيب ومشهد في الشهادة؛ إذ من الواضح ~~أن ليس بين «الأبرقين» وهذين المشهدين علاقة ظاهرة، وإذن فالتأويل لا ~~يرد على قارئ العبارة مهما قلب المعنى في ذهنه تقليبا يسمح به اللفظ ~~المستخدم، إنه تأويل يقوله ابن عربي تفسيرا لشعره، ولا يقوله أحد سواه ~~من قراء ذلك الشعر، وإذن فهو ما نصفه بالتأويل المفتعل، ومن هذا ~~القبيل ذكره لمكان اسمه «زرود» معروف برماله، فيفسر الرمال بالمعارف ~~المكتسبة؛ لأنها مفككة كتفكك هذه الرمال، وهو رمز لجأ إليه أكثر من ~~مرة في ديوانه. ~~(د) # رموز ترتكز على التداعي الصوتي بين لفظتي الرمز والمرموز له، وهي من أقوى ~~الدلائل عندي على أن ابن عربي وجد نفسه أمام قصائده الغزلية ملتمسا لها ~~طريقة للتأويل الصوفي، فأحيانا يجد جسر العبور من الغزل الحقيقي إلى ~~المعنى الصوفي ممهدا عن طريق التشابه بين «المعنيين»، ولكنه أحيانا ~~أخرى يلجأ إلى ضرب غريب من البحث عن خيوط صوتية تنقله من الرمز الذي ~~يريد تأويله إلى ما يمكن أن يكون مرموزا له، حتى وإن جاء ذلك التأويل ~~بعيدا عن الاتساق وسلاسة السياق، وأمثلة ذلك كثيرة، ms047 نسوق بعضها على سبيل ~~المثال: # إذا كانت الحبيبة هي «سلمى» قال إنه اسم يرمز إلى الحالة السليمانية ~~الواردة إليه من مقام النبوة، أما «هند» فاسمها يشير إلى الهند التي هي ~~مهبط آدم عليه السلام، وإذن فاسم هند يرمز إلى ما يحيط به من أسرار ~~الخلق، و«لبنى» إشارة إلى اللبانة وهي الحاجة، ثم انظر كيف يفسر بيته ~~القائل: # واندباني بشعر قيس وليلى # وبمي والمبتلى غيلان # يقول: «واندباني بشعر المحبين مثلي في عالم الحس والشهادة كقيس ... ~~فنبه بقيس على الشدة، فإن القيس الشدة في اللغة، والقيس أيضا الذكر، ~~وليلى من الليل، وهو زمان المعراج والإسراء والتنزيلات الإلهية من العرش ~~الرحماني بالألطاف الخفية إلى السماء الأقرب من القلب الأشوق، وبمي وهي ~~الخرقاء التي لا تحسن العمل، ومن لم يحسن العمل كان العامل غيره # والله خلقكم وما تعملون # أي ما يظهر ~~على أيديكم من الأعمال التي هي مخلوقة لله تعالى، وغيلان هو ذو الرمة، ~~والرمة الحبل العتيق والحبل السبب الذي طولبنا بالاستمساك به والاعتصام، ~~ونسبته إلى القديم أمر محقق، فإنه حبل الله وهو القديم الأزلي. وذكر ~~الغيلان وهو شجر مشوك يتعلق بمن قرب منه، ويمسكه عن أن يزول عنه حبا ~~فيه وإيثارا، وفيه من الراحة كون هذا الشجر مختصا (في النص مختص) ~~بالفيافي التي لا نبات فيها، المهلكة بقوة رمضائها وحرها، فليس فيها ~~ظل لسالك إلا هذه الشجرات: شجرات أم غيلان، فيجدها في ذلك المقام رحمة، ~~فيلقي عليها ثوبه، ويستظل، فتمسكه بشوكها عن أن تمر به الرياح فينكشف ~~لحر الشمس، فكذلك ما يجده من الألطاف الخفية الإلهية في مقام تجريد ~~التوحيد وتنزيه التقديس، فأوقع التشبيه بالمناسب من هذا الوجه، فلهذا ~~سألهما أن يذكرا له هؤلاء الأشخاص من المحبين ليجمع بين حال المحبة، وعلم ~~حقائق هؤلاء المذكورين؛ لأنهم كانوا محبين» (ص83). ولو كان ابن عربي هو ~~الذي أطلق من عنده هذه الأسماء: قيس، ليلى، مي، غيلان، لجاز لنا القول إنه ~~أراد بهذه الأسماء ما توحي به ألفاظها، لكنها أسماء تاريخية لمحبين ~~حقيقيين، ذكرها لما بينه ms048 وبين أصحابها من شبه وهو «الحب»، فكيف أمكن ~~أن تجيء كلمة «قيس» رمزا للشدة، أو رمزا للذكر، وكلمة «ليلى» رمزا ~~لليل الذي هو بدوره رمز للإسراء والمعراج، وكلمة «غيلان» رمزا لكل هذا ~~الذي أخذ يشققه ويستخرجه من «شجر الغيلان»؟ ~~(ه) # رموز ترتكز على تداعي المعنى، أي أن يكون بين الرمز والمرموز له رابطة ~~معنوية، تجعلهما شبيهين في الجوهر، وهذه هي أقرب الأنواع إلى طبيعة ~~العملية الرمزية حين تكون هذه العملية من أخص خصائص الإنسان، ففيها عمق ~~إدراك لطبائع الأشياء، وفيها قدرة على التركيب الذي يجمع ما اختلف في ~~ظاهره وما اتفق في باطنه، يجمعه برابطة واحدة. # ومن أمثلة هذه الرموز: أن تكون «الغديرة» - الضفيرة - رمزا للبراهين ~~التي تقام على صحة فكرة بعينها؛ لأن هذه البراهين تجري في مقدمات يتداخل ~~بعضها في بعض كتداخل الجدائل في الغديرة (وهذا يذكرنا بالناقد الحديث ~~إدموند ولسن حين فسر نسيج بنلوبي في شعر هومر على أنه رمز لخطوات ~~الاستدلال القياسي بما في قضاياه من تداخل وتسلسل). # ومن هذا القبيل كذلك أن يرمز ابن عربي «بالدمقس» إلى حالة التنزيه؛ لأن ~~الدمقس هو الحرير الذي لم يصطبغ بلون، فهو إذن في جوهره شبيه بالتنزيه ~~الذي لا تشوبه شائبة من رغبة أو شهوة، وأن يرمز بالكائنات المجنحة ~~كالحمامات والطواويس لعالم الروح، لما بين الاثنين من رابطة جوهرية هي ~~التنقل بين الأرض والسماء، وعدم التقيد بأغلال الأرض، وأن يرمز ~~بالقباب للامتناهي بسبب شكلها الكروي الذي لا بداية له ولا نهاية. ومن ~~هذا القبيل نفسه أن يرمز إلى الطبيعة الجسدية من الإنسان «بالصخرات» ~~للصوقها بالأرض وعجزها عن الصعود والطيران. والحق أن ديوان ترجمان ~~الأشواق مليء بهذه الرموز التي ترتكز على أساس الرابطة المعنوية بين الرمز ~~وما يشير إليه، من أهمها رموز النور والحجب والقفر والبستان، التي سنفرد ~~لها أقساما لأهميتها عنده. ~~(و) # رموز الأنوار والحجب. ولعل هذه أن تكون من أشد رموزه صلة بمذهبه ~~الصوفي في المعرفة: «فالمعرفة الصوفية تتخذ أسماء مختلفة بحسب الأشكال ~~أو المراحل أو الأحوال التي تتحقق ms049 فيها في النفس. وابن عربي يذكر ثلاثة ~~أنواع منها، متبعا التقسيم التقليدي لدى الصوفية المسلمين، وهي: ~~المكاشفة والتجلي والمشاهدة ... ويدخل في تفسيرها الرموز الأفلاطونية ~~والمسيحية للنور والمرآة والحجب.» # 3 # فالنفس يحجبها عن إدراك الجلال الإلهي حجب المخلوقات؛ لأن كل مخلوق هو بمثابة حجاب ~~يحول بين الأنفس وبين النفوذ إلى سر الحقائق الإلهية، ولا تستطيع النفس المحجوبة هذه ~~أن تصل إلى الله إلا بالمجاهدة والتجرد، فذلك قد يؤدي إلى تبديد هذه الحجب، والكشف ~~عن الأسرار الروحية الإلهية. وتلك هي «المكاشفة» التي بها ندرك المعاني الممثلة ~~للحقائق الإلهية، لا ماهية تلك الحقائق؛ لأن إدراك الماهية الموضوعية للحقائق الإلهية ~~هو ما نعنيه ب «المشاهدة»، فالكشف عملية استدلالية، نستدل فيها بشيء ما على إحدى ~~الحقائق الإلهية، وأما المشاهدة فرؤية مباشرة لتلك الحقائق، ولا استدلال فيها. # 4 # وبين المكاشفة والمشاهدة يكون «التجلي» الذي هو ظهور نوراني للذات الإلهية ~~وصفاتها، لا يلبث أن يزول. # والمهم لموضوعنا من هذا كله هو أن المكاشفة تستخدم لها رموز «الحجب»، و«التجلي» ~~تستخدم له رموز النور الذي يظهر ويختفي، و«المشاهدة» تستخدم لها رموز النور الثابت، ~~والمرآة التي ينعكس عليها ذلك النور. ~~(1) # فمن رموز الحجب «القباب الحمر» و«الخيام البيض» وكلتاهما للمستتر من ~~الحقائق. ومنها «ظلام الليل» الذي يرمز إلى حجاب الغيب، ومنها «الضحرات» ~~التي ترمز إلى الأجساد حين تخفي الأرواح، ومنها «العين في الخام» إشارة ~~إلى حقائق العلوم الربانية التي هي بطبعها كاشفات كالحسان الفاتكات ~~باللحظ، لكنها محجوبة عن الإدراك، ومنها «الغرب» - بالقياس إلى «الشرق»؛ ~~لأن الغرب رمز للغيب. ومنها «الخدور» و«راقد الليل» ومنها «حاجر» وهو اسم ~~مكان، لكنه يتخذ رمزا للحدود التي لا يستطيع الإنسان اجتيازها لإدراك ~~ما يطلبه، ومنها «الأغوار» - بالقياس إلى «الجبال»؛ لأنها تشير إلى ~~المواضع الغيبية، و«الظبي المبرقع» الذي يشير إلى الحقيقة محجوبة بحالة ~~نفسية. ~~(2) # ومن رموز النور الذي يظهر ويختفي - وهي لحظات التجلي - «البرق» الذي ~~يقول عنه ابن عربي في شرحه: «البرق أبدا عند صاحب هذا القول - أي عند ابن ~~عربي نفسه - مشهد ذاتي يذهب بالأبصار لا ms050 يكاد يتحقق» (ص90). فالبرق لا ~~يريك إلا لمعانه، فيكون اللمعان حجابا عليه، فكما أننا - كما يقول ابن ~~عربي - لا نرى البرق، وإنما نرى سناه، فكذلك نحن لا نرى الذات الإلهية إنما ~~نرى ما يدل عليها. # وكثيرا ما يستخدم أشياء مختلفة يدخل النور في معناها، يستخدمها لترمز ~~إلى النور في لحظات التجلي، كقوله: «عرش الدر» الذي يرمز به لمكان ~~الحكمة الإلهية، و«التوراة» التي هي من «ورى الزند» أي أن اللفظ راجع إلى ~~النور، و«الثنايا» التي تلمع وتختفي، و«الشرق» لأنه موضع الظهور الكوني، ~~وهكذا. ~~(3) # ومن رموز النور الساطع الذي يرمز به لحالة المشاهدة، رمز الشمس، التي ~~هي عند ابن عربي رمز للنور والرفعة، والتي يتوقف أثرها على نوع ما تهبط ~~عليه، فإما تثمر وإما تهلك. ~~(4) # رموز تشير إلى القفر اليباب، ~~وأخرى إلى الخصوبة والنبات. ويغلب أن يشار بالأولى إلى حالة التجريد، ~~وبالثانية إلى تحصيل الإنسان للحقائق الإلهية، فالظباء والغزلان تشير ~~دائما إلى الحقائق الإلهية وقد رحلت عنه - عن ابن عربي - وشردت في الفلاة، ~~وتجردت وحدها، بحيث أصبح عسيرا عليه أن يمسك بها. و«اليباب» عنده إشارة ~~إلى التجريد، وكذلك «القفر» و«البلقع»، على حين أن «الخميلة» و«الروضة» ~~و«البستان» رموز تشير إلى قلب الإنسان، وقد عمرته المعارف الإلهية، ~~وكذلك «الغصن المياد» في الروضة إشارة إلى نشأة الإنسان، و«العود ~~المورق» هو الإنسان وقد اكتسى بكساء المعارف، و«الجداول» الجارية هي فنون ~~العلوم الكونية، و«الفنن» - وجمعه فنون - إشارة كذلك إلى تلك العلوم، ~~وهكذا. ~~(5) # رموز أسطورية، تتخذ الأسطورة رمزا يجسد المعنى المقصود: كالإشارات ~~المتلاحقة في هذه الأبيات: # من كل فاتكة الألحاظ مالكة # تخالها فوق عرش الدر بلقيسا # إذا تمشت على صرح الزجاج ترى # شمسا على فلك في حجر إدريسا # تحيي - إذا قتلت باللحظ - منطقها # كأنها عندما تحيي به عيسى # توراتها لوح ساقيها سنا، وأنا # أتلو وأدرسها كأنني موسى # فانظر إلى تمثيل الحقيقة الإلهية بالصورة المجسدة المستمدة من قصة ~~بلقيس حين خطت على أرض الزجاج التي أعدها سليمان، فحسبتها ماء وشمرت عن ~~ساقها، إلى آخر القصة، التي استخدمها ابن عربي ms051 أجمل استخدام ليشير بها ~~إلى الجمال، وهو بين التستر والظهور، كما يشير بها إلى النور إشارة ~~شعرية بديعة، ولكل من إدريس ، وعيسى، وموسى قصة ترويها الكتب، ولا بد من ~~معرفة هذه القصص لكي نهيئ لأنفسنا الجو الذي نفهم به أمثال هذه الأبيات ~~وما ترمز إليه، وفي الديوان أمثلة كثيرة من هذا القبيل. ~~(6) # رموز العدد. وأهم ما يلفت النظر في هذا الصدد، قصيدة بأسرها ترتكز على ~~رمز «الثلاثة» أو «الثالوث» هي قصيدة «شموس في صورة الدمى» (ص45-47) التي ~~يقول عنها ابن عربي في سياق شرحه لها: «وهذه قصيدة ما رأيت نفسها في ~~نظم ولا نثر لأحد قبلي ... كل بيت منها فيه تثليث.» وقد استند «آسين بلاثيوس» # 5 # على هذه القصيدة - فيما استند إليه - ليبين كيف ألف ابن ~~عربي بين العقيدة الإسلامية والأصول الرئيسية في العقيدة المسيحية، مشيرا ~~بذلك إلى التثليث والتجسد، «ففيما يتصل بالعقيدة الخاصة بالتثليث يرى ~~أن من الأمور الجوهرية القول بنوع من العلاقات الثلاثية في الوحدة ~~الإلهية.» ومن هنا يستنتج أن النصارى يعتقدون في عقيدة التثليث في الأقانيم ~~(الأشخاص)، ويستبعدون التثليث في الآلهة. والسبب الميتافيزيقي لهذا الرأي ~~الذي قال به مستمد من «فكرة الفيثاغوريين في العدد «3» الذي هو الأصل في ~~الأعداد الفردية»؛ لأن العدد «واحد» ليس وحده بذاته عددا ولا يفسر ~~الكثرة في العالم، فمن الواحد لا يصدر إلا الواحد وأبسط الأعداد في داخل ~~الكثرة هو الثلاثة. # 6 # وللعدد «3» عند ابن عربي أهمية خاصة؛ إذ يرى أن حياة الله تقتضي ثلاثة ~~عناصر إلهية، وثلاث علاقات، من أجل أن يفسر بها أصل الكون ووجوده، أعني: ~~«الذات الإلهية، والإرادة الإلهية، والكلمة الإلهية، ولكنه يضيف أن هذه ~~الثلاثة متحدة في الله، وهي واحدة فيه.» # 7 # وهذه العناصر الإلهية الثلاثة ظاهرة في قوله تعالى: # إنما قولنا لشيء ~~- فالضمير هنا إشارة ~~إلى الذات الإلهية - # إذا أردناه ~~- وهنا ~~إشارة إلى الإرادة الإلهية - # أن نقول له ~~كن ~~- وهنا إشارة إلى الكلمة الإلهية. وللعدد 3 أهميته كذلك ~~عند ابن عربي في التفكير العلمي، الذي تجيء فيه العملية ms052 القياسية مؤلفة ~~من قضايا ثلاث مرتبة على نحو منتج. # 8 # ونعود إلى قصيدة «شموس في صورة الدمى» التي يقول عنها ابن عربي: إن «كل ~~بيت منها فيه تثليث.» والتي ورد فيها قوله: # تثلث محبوبي وقد كان واحدا # كما صيروا الأقنام بالذات أقنما # وفي شرح هذا البيت يقول ابن عربي: ~~«العدد لا يولد كثرة في العين - كما تقول النصارى في الأقانيم الثلاثة، ~~ثم تقول الإله واحد - كما تقول: باسم الرب والابن وروح القدس إله واحد. ~~وفي شرعنا المنزل علينا قوله تعالى: # قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا ~~، ففرق، # فله الأسماء الحسنى # فوحد، ~~وتتبعنا القرآن العزيز فوجدناه يدور على ثلاثة أسماء أمهات، إليها ~~تضاف القصص والأمور المذكورة بعدها، وهي: الله والرب والرحمن. والمعلوم أن ~~المراد إله واحد، وباقي الأسماء أجريت مجرى النعوت لهذه الأسماء.» # وما هذه القصيدة التي أشرنا إليها إلا رمز واحد يشير إلى هذه الفكرة ~~بما تشتمل عليه من تفصيلات، ونحن وإن كنا لم نجد أن «كل بيت منها فيه ~~تثليث» إلا أن «التثليث» واضح في معظم أبياتها. # ففي البيت الأول: # بذي سلم، والدير، من حاضر الحمى # ظباء تريك الشمس في صورة الدمى # في هذا البيت أماكن ثلاثة، لكل مكان منها تابع يتبعه، والأماكن هي: «ذي ~~سلم» و«الدير» و«حاضر الحمى». في المكان الأول ظباء، وفي الثاني دمى ~~(تماثيل)، وفي الثالث شمس. # وفي البيت الثاني: # فأرقب أفلاكا، وأخدم بيعة # وأحرس روضا بالربيع منمنما # يقول إنني إذا وجهت النظر إلى المكان الأول بما فيه من ظباء، كنت راعي ~~الظبي، وإذا وجهته إلى المكان الثاني (الدير) كنت بمثابة راهب الدير، وإذا ~~وجهته إلى المكان الثالث، كنت كالمنجم يرقب الشمس، فأنا راع، وراهب، ~~ومنجم في آن: # فوقتا أسمى راعي الظبي بالفلا # ووقتا أسمى راهبا ومنجما # وهكذا تمضي القصيدة، حتى لتصبح في اكتمالها رمزا كبيرا للثالوث الذي ~~هو - كما يقول - أساس «الفردية». # وكذلك نجد للعدد 4 أهمية خاصة في رموز ابن عربي، إذ الأربعات عنده كثيرة ~~ومنوعة، يوضحها بالشرح، أكثر مما يعينها ms053 باللفظ في شعره، فهو يقول - ~~مثلا - عند شرحه للمراد بكلمة «توراة» (ص17) إن التوراة فيها إشارة إلى ~~النور (لأن الكلمة مشتقة من ورى الزند) وما دامت الحكمة الإلهية قائمة ~~على النور، فهي قائمة على الأربعة الأوجه التي يقوم عليها النور، وهي: ~~المشكاة، والمصباح، والزجاج، والزيت. هذا إلى أن حملة العرش أربعة، هي ~~الكتب الأربعة: التوراة والزبور والإنجيل والقرآن. # ومن الأربعات التي يتردد ذكرها في شروحه، مراحل التجلي الأربع، التي ~~يقول إنها: الذوق، والشراب، والري، والسكر، ومنها كذلك قواعد الخلوة ~~الأربعة: الصمت، والعزلة، والجوع، والسهر. ~~(7) # الرمز بالصور، وها هنا تكمن روح الشاعر وأصالته، فالشعر - كالأحلام - ~~لغته صور مجسدة، يكون بينها وبين حوادث العالم الواقع موازاة، بمعنى أن ~~يقابل كل جانب من الصورة الشعرية الرامزة، جانبا من الموقف الواقعي ~~المرموز له. وشعر ابن عربي غني بهذه الصور التي يصل ببعضها إلى ذروة ~~الذرى في الفن الشعري. وأحيانا تقتصر الموازاة الصورية على جزئيات داخل ~~بناء القصيدة، لكن هذه الموازاة - أحيانا أخرى - تكون بين القصيدة كلها ~~مأخوذة في جملتها، وبين الحقيقة المراد الرمز لها بهذه القصيدة. على أن ~~الصور بنوعيها تشير دائما إلى الحقائق الإلهية، أو الأسماء الإلهية، أو ~~الواردات الإلهية، أو الصفات الإلهية، أو الحكمة الإلهية فترى هذه المعاني ~~الإلهية مصورة على هيئة غادات حسان، أو حمامات نائحات، أو طواويس جميلة ~~الريش، أو ما إلى ذلك، ثم تبنى الصورة بعد ذلك على أي نحو شاء الشاعر، ~~فمن أمثلة الصور الجزئية: # الطواويس محمولة في رحال الإبل. # بلقيس جالسة على عرش من الدر. # بلقيس تتمشى على صرح من زجاج. # شمس على فلك في حجر إدريس. # أسقفة من نبات الروم تزدان بأنوارها. # الحسان مستورات في القباب الحمر. # الحسناء تبدي ثناياها، والبرق يومض، فتنشق لهما حنادس ~~الليل. # لمعت رعود، فقصفت لها بين الضلوع رعود. # السحائب تهمي على الخمائل. # جداول الماء تنساب كالأفاعي بين القباب الحمر. # ظبي مبرقع يشير بعناب - من خلف الحجاب - ويومي بأجفان روضة ~~نضرة وسط نيران مشتعلة. # الواردات الإلهية في قلبي، # هي الغزلان في مرعاها. ms054 # وهي الرهبان في الدير. # وهي الأوثان في بيت الأوثان. # وهي الطائفون حول الكعبة. # وهي ألواح التوراة ومصحف القرآن إلخ إلخ. # ونسوق المثل الآتي للرمز كيف يشمل القصيدة كلها جملة ~~واحدة ليقيم الموازاة بينها وبين الحقيقة المراد تصويرها: # ففي قصيدة «الأوانس المزاحمات» (ص32 وما بعدها) هذه الصورة: امتدت ~~إلي اليمين المقدسة لأبايعها البيعة الإلهية، فجاءت الأرواح الحافة حول ~~العرش تسبح بحمد ربها، جاءت تطلب هذه المبايعة لنفسها، وكانت هذه ~~الأرواح غير مشهودة لي، ثم ارتفع عنها الحجاب فظهرت، فسطعت أنوارها لعيني ~~مثل الشموس، وحذرتني من النظر إليها نظرا مباشرا؛ لئلا يذهب بصري ~~المقيد بالبدن، وإنما أرادت بتحذيرها ذاك ألا يصرفني النظر إليها عن ~~النظر إلى الله، فهي لا تريد أن تحجبني عنه؛ لأني خلقت له لا لها، ~~ووعدتني تلك الأرواح أن تنزل لي إلى عالم الكون، في صور مجسدة، ~~وعندئذ تجتمع لي لذة المشاهدة ولذة العلم في آن، لكن تلك الأرواح ~~خشيت أن تقيد نفسها بقيد المادة في تجسدها، فراحت تراوغني، ~~وتشعرني بأنها تستر وراءها ما هو ألطف منها، حتى إذا ما ارتفعت همتي ~~للوصول إلى ما هو مستور وراءها، انسترت هي عني، وأراحت نفسها من القيد، ~~وانطلقت إلى مراتبها المنزهة. ذلك هو الرمز الكامل الذي تؤديه القصيدة ~~بأسرها، لترمز به إلى حالة الصوفي وهو يحاول الوصول إلى الصفات الإلهية في ~~مجرداتها وفي مجسداتها، فلا الأولى ثبتت أمام البصر لنورانيتها، ولا ~~الثانية احتفظت بسرها الروحاني أمدا يمكن الرائي من رؤيته. # 5 # قلنا إن مدار الرمز كله في ديوان ترجمان الأشواق، هو الأسماء الإلهية، أو الصفات ~~الإلهية، أو الحقائق الإلهية، أو الحكمة الإلهية، أو الواردات الإلهية، أو واردات ~~التقديس، إلى آخر هذه الأسماء الوصفية التي أطلقها عليها ابن عربي خلال شرحه. قد لجأ ~~الشاعر إلى تجسيد هذه المعاني في صور حسية، والأغلب أن تكون هذه الصور الرامزة صورا ~~لحسان فاتنات يتصفن بكذا وكيت من ضروب الجمال. والصوفي الشاعر من هؤلاء الحسان ~~بين لقاء وفراق، فما يكاد يحصل عليها في قلبه حتى ترحل ms055 عنه، فيعدو وراءها بخياله ~~حينا، ويظل يتذكر ما كان له منها وقت لقائها حينا آخر. # فكلما طالعت قصيدة من قصائده، كان لك أن تصرف المعنى على حبيبته «النظام» ابنة شيخه ~~في مكة، التي فارقها بعد لقاء، فأخذ منه الشوق إليها مأخذه، وراخ يتذكر ما وجده من ~~نعيم وهو قريب من حضرتها، كما كان لك كذلك أن تصرف المعنى على أن الحبيبة (أو الأحبة) ~~في القصيدة إنما تشير إلى الأسماء والصفات الإلهية. # على أننا نجد تفاوتا في القصائد، فمنها ما هو أقرب إلى المعنى الأول، ومنها ما هو ~~أقرب إلى المعنى الثاني، ومنها ما يكاد يتساوى فيه المعنيان. وسنضرب مثلا لكل من ~~هذه الحالات الثلاث. ~~(أ) # تقول قصيدة «لا عزاء ولا صبر» (ص30-31): # تركني الأحبة، فبان الصبر والعزاء، لكن الأحبة وإن تركوني ~~بأجسامهم، فهم في سويداء القلب سكان. وقد سألت العارفين: أين ذهب ~~بهم الركب؟ فقيل لي إن الركب في مكان عطر برائحة الشيح والبان، ~~فطلبت من الريح أن سيري والحقي بهم، وستجدينهم يستظلون بشجر ~~الأيك، فبلغيهم سلام محزون أشجاه فراقهم. # هذا هو المعنى الغزلي المباشر للقصيدة، وهو معنى مستقيم، لكنه قد ~~يصرف على المعنى الصوفي الباطن، فتكون الحقائق الإلهية هي التي بانت فبان ~~من الصوفي صبره وعزاؤه، ولكن تلك الحقائق وإن تكن قد فارقته، فالله سبحانه ~~في سويداء قلبه لم يبرحه. وقد سأل العارفين - وهم الشيوخ المتقدمون - ~~عن ركب تلك المناظر الإلهية أين ذهب؟ فأجابوه بأنها لجأت إلى قلوب غير ~~قلبه، إلى قلوب ظهرت فيها أنفاس الشوق والتوقان، فبعث صاحبنا من عنده ~~نفسا شوقيا من أنفاسه ليلحق بها ويردها إليه. # وواضح أن المعنى الثاني ليس في استقامة المعنى الأول. ~~(ب) # وفي القصيدة الآتية - وعنوانها «تناوحت الأرواح» - يغلب المعنى الصوفي ~~على المعنى الظاهر، فهي تقول: # إن حمامات الأراكة والبان ~~(التي هي هنا رمز واردات التقديس) تنوح وتبكي فتثير في الصوفي ~~الشاعر صباباته الخفية وأحزانه المكنونة، فيظل يطارحها عند ~~الأصيل وبالضحى شوقا بشوق، وهيمانا بهيمان، ويردد الشاعر ما ~~يخرج من تلك الحمامات ms056 النائحة من حنين وأنين ترديد الصدى، حتى كان ~~التقابل بين نوحه ونوحها كأنما هي شجرة غصونها من لهب، تميل ~~بها الريح نحوه فتفنيه. على أن هذا اللقاء بينهما ليس موصولا ، ~~بل يجيء على لحظات متقطعة، وحتى في هذه اللحظات لا يكون اللقاء ~~مباشرا، بل يكون بينهما حجاب، فالحمامات النائحة تطوف به كتطواف ~~الرسول حول الكعبة، وتلثم أركانه وهيكله، دون أن يكون لثمها هذا ~~مقصودا لذاته، بل المقصود به ما وراء ذلك الهيكل وتلك الأركان ~~الظاهرة. ومع ذلك فمن تلك الواردات ما ينفذ إلى القلب متسترا، ~~فتأتي منه اللمحات من وراء ستره، كأنما هي الظبي المبرقع يشير ~~من خلف حجابه بأطراف الأنامل أو بالأجفان، وعند ذاك تكون تلك ~~المتحجبات كامنة بين الترائب والحشا، فإذا كانت نيران الحب قد ~~أفنت الشاعر في محبوبه، فقد بقي له وسط ذاك اللهب روضة ذات أزهار ~~(هي رمز لفنون المعارف). وللنظر إلى القلب بما احتوى عليه من تلك ~~الأزهار الربانية أن يصور المشهد في أية صورة شاء؛ لأن القلب له ~~من تنوع الحالات ما يحتمل صورا كثيرة (لاحظ العلاقة اللفظية ~~بين قلب وتقلب). # فإذا صورت ما في القلب غزلانا، كان القلب مرعى لها، وإذا صورته ~~رهبانا كان القلب ديرا لهم، وإذا صورته أوثانا كان القلب بيتا لها، ~~وإذا صورته أرواحا طائفة كان القلب كعبة لتطوافها، وإذا صورته آيات ~~من التوراة كان القلب ألواحها، وإذا صورته آيات قرآنية كان القلب مصحف ~~قرآنها. على أن هذه الصور على اختلافها لا تشير آخر الأمر إلا إلى شيء ~~واحد بعينه هو «الحب» الذي يدين به الشاعر مهما كانت تكاليفه. وإذا كان ~~الحب دين الشاعر، فعلى المحب أن يفنى في محبوبه كما فني المحبون ~~جميعا من قبله: بشر هند، وقيس ليلى، وجميل بثينة وغيرهم. # هذا هو مضمون القصيدة، الذي لو أخذناه على ظاهر معناه كانت الإشارة فيه ~~إلى ما بين الحبيبين من شوق يجذب أحدهما نحو الآخر، جذبا وصل خيوط الحب ~~بينهما كأنها ألسنة اللهب، لكن الوصال مع ذلك لم يتحقق ms057 لهما، فطوى ~~المحب قلبه على حبه، وراح يسترسل مع الخيال في تصوير ما انطوى عليه ~~القلب. # وواضح أن المعنى الصوفي الباطني، الذي يجعل الأرواح المتناوحة هي روح ~~الصوفي من جهة والأرواح الواردة إليه من جهة، هو الأغلب، والأقرب إلى ~~القبول. ~~(ج) # وهناك قصائد كثيرة، لا يكون فيها الرجحان الغالب لا إلى المعنى الغزلي ~~المباشر، ولا إلى المعنى الصوفي الباطني، بل يتعادل فيها التأويلان، ~~تعادلا تاما. خذ مثلا قصيدة «حادي العيس» (ص68-70)، وانظر كيف يتعادل ~~المعنيان: # يوجه الشاعر خطابه إلى حادي ~~العيس ألا يتعجل السير بالحبيبة، حتى يلحق هو بالركب؛ لأنه مضطر إلى ~~المكث حينا، فليمسك بالمطايا حتى لا تنطلق في سيرها، فهو جاد في ~~اللحاق بهم، وإن تكن تحول دون ذلك العوائق، ثم يوجه الشاعر ذلك الحادي ~~بأن يقف في أيمن الوادي، حيث خيام الأحبة، الذين هم للشاعر كنفسه ~~وكبده، وإن الشاعر المحب ليعتزم اللحاق بالحبيبة الراحلة مهما يكن ثمة ~~من صعاب، وإلا فلا كان ذلك الهوى الذي يدعيه. # فلكي نفهم هذا السياق على المعنى الصوفي، نترجم «حادي العيس» إلى ~~«الداعي إلى الحق»، وتترجم «الحبيبة» إلى الحقائق الإلهية التي رحلت عن ~~قلب الصوفي، فيكون الخطاب معناه: لا تتعجلوا السير، فإني مضطر إلى ~~البقاء هنا إلى ساعة الأجل؛ لأني حبيس البدن، وأما النفس فتريد العروج ~~إلى السماء لولا ذلك القيد، وإن ما قد خيم في الوادي المقدس هي ~~المعارف الربانية التي يتعشقها كأنها له لب الحياة وجوهرها. # على أن هذا التعادل في المعنى بين الظاهر والباطن، لا ينفي قولنا بأن ~~الشاعر قد قصد أول ما قصد إلى المعنى الغزلي الظاهر في كثير من قصائده، ثم ~~صرف الظاهر إلى باطن. ويجدر في هذا المقام أن نشير إلى الذكر الصريح ~~الذي ورد في بعض قصائده لحبيبته «النظام» - إما بالاسم أو بالوصف المحدد ~~- كقوله في شطر بيت (ص84) «هي بنت العراق بنت إمامي.» وكقوله (ص83): # طال شوقي لطفلة ذات نثر # ونظام ومنبر وبيان # وفي شرحه لهذا البيت وردت هذه العبارة: «لغزنا هذه المعارف كلها ms058 خلف ~~حجاب النظام بنت شيخنا، العذراء البتول شيخة الحرمين وهي من العالمات ~~المذكورات.» # ومهما يكن من أمر هذا الديوان، فهو غزير بشعره، غني بصوره، مجنح ~~بخياله، مثقل بفكره وحكمته، نابض بحرارة إيمانه، فهو لقارئه متعة ودراسة ~~وحياة. # | من وحي الكعبة # جلست على بعد خطوات من الكعبة، حيث قضينا ساعات الضحى، حتى الظهيرة وما بعد الظهيرة، ~~جلست شاخصا بما عندي من بصر قليل، لكن بصيرتي كانت - بحمد الله - يقظانة الوعي سريعة ~~التلبية والأداء، إذا جاءها البصر العليل بشعاع واحد، أمسكت به البصيرة لتضيف إليه ألف ~~شعاع، إذا قال البصر: ها أنا ذا أرى أمامي مقام إبراهيم عليه السلام، وثبت بصيرتي إلى ~~أحداث التاريخ التي وضع أركانها خليل الله، فقبل أن ينتهي المطاف بإبراهيم الخليل إلى مقامه ~~هذا ليقيم بيت الله، كان قد جاهد في سبيل الله، محاولا أن يهدي قومه بأرض كنعان سواء ~~السبيل، داعيا إياهم أن يحطموا أصنامهم ليعبدوا الله الأحد الذي لا شريك له، فأبوا ~~عليه دعوته، فحطم هو تلك الأصنام، فأرادوا له شرا، إذ أوقدوا نارا وألقوا به في ~~لهبها، فأمر الله - جلت قدرته - أن تكون النار على إبراهيم بردا وسلاما. ولما ~~كتبت له النجاة، اتجه إلى فلسطين، لكن أرض فلسطين ما لبثت أن شملها جدب قضى على موارد ~~الطعام والشراب، فرحل نبي الله وخليله إلى مصر. ألا حياك الله يا مصر، فهو - جل جلاله - ~~الذي شاء لك أن تكوني ملاذ إبراهيم، وموطن موسى، ومنجاة عيسى (عليهم جميعا أفضل السلام)، ~~ثم حافظة الإسلام منذ أريد بالإسلام شر ونكر على أيدي التتار، فلو كان في الدنيا ~~بأسرها موقع واحد يصلح للبشر على اختلاف دياناتهم الثلاث، كنيسا، وكنيسة، ومسجدا، لكان ~~هذا الموقع هو أنت يا مصر، يا من أسماك رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام: «أرض الكنانة» ~~مريدا بذلك أرض العتاد الذي يصان به حمى الإسلام. # ويشخص البصر الكليل إلى مقام الخليل، الذي هو على بعد أمتار قليلة منه، كأنما أراد أن ~~يرد تيار البصيرة إلى من نحن جالسون في ms059 رحابه، فيعود إلى سيرة إبراهيم عليه السلام، ~~لائذا بمصر وخصبها، وكان قد بلغ من العمر عتيا دون أن ينجب ولدا، من زوجته سارة، ~~فتزوج في مصر من إحدى بناتها، تزوج من هاجر، فأنجبت له إسماعيل، ليكون إسماعيل بعد ذلك ~~أبا للعرب، وليكون إبراهيم بذلك جد العرب، وربي أعلم بما حدث. وقد شاء الله لسارة أن ~~تلد لزوجها إبراهيم ولدا بعد مولد أخيه إسماعيل من أبيه، وأسمت سارة ابنها «إسحق»، وقد ~~قرأت كلمة عبرية معناها «اضحك» (والتشابه واضح بين «اضحك» العربية و«إسحق» العبرية)، ولقد ~~أريد بهذا الاسم إشارة إلى سعادة الوالدين بابن ظلا ينتظرانه، حتى بلغا من الشيخوخة ما ~~بلغا، أقول: إن ربي أعلم بما قد حدث ليدفع نبي الله إلى الارتحال إلى مكة، لا يصطحب إلا ~~هاجر وابنهما إسماعيل، وها هنا أمر بإقامة بيت الله الذي أجلس الآن في جواره ~~خاشعا. # ولكن هذا «الحق» الذي أقيم ها هنا بأمر الله، لم يلبث مع الأيام أن أحاطه الإنسان ~~بالباطل؛ إذ ها هنا أيضا أقامت قريش بأصنامها، وهو باطل ظل قائما إلى أن نزلت الرسالة ~~على محمد عليه الصلاة والسلام، وجاءه في حربه مع قريش فتح ونصر، فحطمت الأصنام؛ لتعلو ~~إلى الأبد كلمة الله الأحد. # وشخصت عيني ببصرها القليل إلى باب الكعبة، وما أسرع ما ألقت البصيرة أمام نفسها ~~بسؤال، لم تعرف له جوابا، فأضمرته حتى تواتيها لحظة مناسبة يتاح لها فيها أن تسأل أهل ~~العلم، ولقد حانت تلك اللحظة مع مساء اليوم نفسه، إذ جلسنا مع بعض أصدقائنا حول مائدة، ~~نداول بيننا أطراف الحديث، فألقيت بسؤالي: ماذا بداخل الكعبة؟ فأجاب من أجاب، بأنه لا شيء ~~الآن بداخلها، فسألت: ألا يحدث قط أن تكون مكانا للصلاة؟ فجاءني الجواب بحقيقة لم أكن ~~أعرفها، بل ولم أكن أتوقعها (وتقع التبعة في صوابها أو خطئها على من أجاب) إذ قال: إن ~~ما هو فرض في الصلاة لا يجوز أداؤه داخل الكعبة، وأما ما هو سنة فيجوز. وبعد لحظة أخذني ~~فيها شيء من الحيرة، سألت: ولماذا ms060 كانت هذه التفرقة بين فرض وسنة في الصلاة داخل الكعبة؟ ~~فأجاب المجيب بقوله: لست أدري، وما أظنه من حقنا أن نطلب التعليل في أمور العبادة! ~~فرددت عليه مسرعا بالرد: بل إن من حقنا، أو قل إنه واجب علينا أن نفهم، نعم إن أمور ~~العبادة واجبة الأداء، سواء عرفنا سرها أم لم نعرفه، لكن محاولة المعرفة إلزام خلقي على ~~الإنسان، فقد فرضت تلك العبادة على بشر عاقل، ولم تفرض على حجر أصم وأبكم، فقال ~~صاحبي: هات لنا التعليل إذا استطعت. # هنا أسعفتني بصيرتي التي قلت عنها في أول الحديث، إنها كانت يومئذ يقظانة الوعي، سريعة ~~التلبية والأداء، نعم أسعفتني، بعد صمت لم يطل معي أكثر من دقائق معدودات، قلت: إنه إذا ~~صح ما أنبأتنا به، وهو أن صلاة الفروض داخل الكعبة لا تجوز، والذي يجوز - لمن أراد - هو ~~صلاة السنة وحدها، كان عندي ما أقدمه تعليلا لذلك، وهو تعليل أستمده من السر ~~وراء إقامة الكعبة نفسها، وحتى إذا تبين أن ما أنبأتنا به غير صحيح، تظل الفكرة التي ~~أقدمها قائمة بصوابها، ولو أنها - في هذه الحالة - تصبح بيانا لجانب من جوانب الحكمة ~~في إقامة هذا البيت الشريف. # إنه إذا سمح لأفراد من المسلمين أن يؤدوا فرض الصلاة داخل الكعبة، أمكن لهؤلاء ~~الأفراد أن يتجهوا في صلاتهم جهات مختلفة؛ لأن كل اتجاه في هذه الحالة هو اتجاه نحو ~~الكعبة، فقد يتجه أحدهم نحو الشمال، ويتجه الثاني نحو الجنوب، والثالث نحو الشرق، ~~والرابع نحو الغرب، وبذلك يؤدي هؤلاء الأربعة صلاتهم، وإن ظهرا لظهر، لا تشخص أعينهم إلى ~~اتجاه واحد، ولا تلتقي قلوبهم في هدف واحد، ومن هنا وجب أن تؤدى فروض الصلاة في مواقع ~~خارج بناء الكعبة؛ لتلتقي أفئدتهم جميعا عند غاية مشتركة، وأما السنة التي قد يؤديها ~~المصلي وقد لا يؤديها، فهي تمثل جانب الاختيار الذي يحقق لكل فرد استقلاله، وهكذا ~~تكون التفرقة التي أنبأتنا بها يا صاحبي، مفهومة المعنى. # على أنه بغض النظر عما أنبأتنا به، فها هي ذي فرصة قد ms061 أتاحتها لنا الكعبة الشريفة ~~وأسرارها، لنتحدث فيما أصابنا من ضعف بعد قوة، وذل بعد عزة، إذ يخطر لي الآن خاطر ~~غريب، تولد من كلامنا عن الجائز وغير الجائز من الصلاة داخل الكعبة ، وهو أن السر ~~الذي زعمته لكم تعليلا للتفرقة، إنما يصلح هو نفسه أن يكون السر الذي يكمن وراء ما أصابنا ~~من ذلة وضعف، بعدما شهده فينا التاريخ من عزة وقوة، وتسألونني كيف، فأجيب: ~~«الذات» ووحدانيتها، هي القاعدة الأولى، التي على أساسها يقوم وجود الفرد الواحد، وجودا ~~صحيحا سليما، ووجود الشعب الواحد، ووجود الأمة الواحدة، ووجود كل جماعة كائنة ما كانت ~~طبيعتها، لكي تستحق أن يطلق عليها اسم الجماعة وصفاتها، لكن هذا كلام يحتاج منا إلى ~~شيء من التوضيح. # ولنبدأ بالفرد الواحد، فما الذي يجعل لفرد ما «شخصيته» معلومة الخصائص، وعن طريقها يمكن ~~للآخرين أن يتعاملوا معه؟ لو كان الفرد الواحد مكونا من مقوم واحد، لما كان هناك مجال ~~لهذا السؤال؛ لأننا لا نسأل سؤالا كهذا عن العنصر الأولي الذي لا يقبل التحليل، نعم، لو ~~كان الفرد من الناس ذا مقوم واحد هو كيانه، لكان «واحدا» بحكم طبيعته، لكن كل فرد ~~يتألف كيانه من مقومات الله أعلم بعددها، وهي ليست كثيرة في عددها فحسب، بل إن تلك ~~الكثرة متعارضة بعضها مع بعض، ففيه رغبات متنافرة، كل رغبة منها تشده إلى ناحية غير ~~الناحية التي تشده إليها الرغبة الأخرى، ففي لحظة واحدة بعينها قد يشعر الفرد المعين ~~بأنه راغب في مغادرة منزله ليفرج عن نفسه ضيقها، وراغب - في الوقت نفسه - في أن يمكث ~~حيث هو؛ لأن أحدا قد ضرب له موعدا للقاء في داره بعد قليل، وهو لا يريد أن ينقض وعده له ~~بانتظاره ليلقاه. # في لحظة واحدة بعينها قد يرغب فرد ما في أكل صنف معين من الطعام، ولكنه أيضا يرغب ~~في أن ينصرف عن ذلك الصنف؛ لأنه محرم عليه بإرشاد الطبيب. ولو أخذت أضرب لك الأمثلة ~~للرغبات المختلفة في الإنسان الواحد كيف تتقاتل في كيانه، متنافسة فيما بينها؛ ms062 لأن كلا ~~منها يسعى إلى امتلاكه لما انتهيت، وقد يصل هذا الصراع بين الرغبات في الفرد الواحد حدا ~~يصل به إلى الخيانة والجريمة، فقد تتنازعه - مثلا - رغبتان متعارضان: إحداهما أن ~~يخلص لوطنه فلا يعرضه لخطر أعدائه، والأخرى أن يكون صاحب مال يجيئه إذا ما خان، فماذا ~~يفعل الفرد من الناس، إذا ما تدافعت في جوفه تلك الدوافع المتعارضة؟ أيترك نفسه نهبا لها ~~جميعا، تفعل فعلها معه في آن واحد؟ إنه لو فعل ذلك لفقد أمرين: في أولهما يفقد أن تكون ~~له شخصية ذات طابع يميزها، وفي ثانيهما لن يحقق من تلك الرغبات ذاتها شيئا، إذ يكون ~~شأنه كشأن «خراش» الذي قال عنه الشاعر: # تكاثرت الظباء على خراش # فما يدري خراش ما يصيد # فمن الوجهة العملية النفعية الصرف، وكذلك من الوجهة الإنسانية الخلقية، لا مناص للفرد ~~من الناس، إلا أن يجعل لنفسه مبدأ ما، يكون هو الميزان، أو الفيصل، الذي يقرر له ماذا ~~يختار في كل مرة تتنازعه فيها رغبات متعارضة. والأغلب أن الدين هو مصدر تلك المبادئ، ~~التي تفصل بين الحلال والحرام، وفي الحلال نفسه، تفصل بين ما هو أولى بالاختيار مما ~~عداه. وإلى جانب الدين في ذلك، يكون للعرف وللتقاليد، وللثقافة القومية السائدة فعلها في ~~إقامة الموازين، فإذا استقامت لفرد ما موازين الحكم - من جهة ما - كان له «ذات» معروفة ~~له وللناس، بما يميزها من طرائق السلوك، وأسس الاختيار. # وواضح من هذا الذي قلناه، أن الفرد الواحد إنما يحقق لنفسه «ذاتا» محددة إذا حقق ~~لها محورا معينا، «يوحدها» في اختيارها وسلوكها، وهو بهذه «الوحدانية» لذاته، يحقق ~~لنفسه «شخصية» يمكن وصفها وتعيينها بما يميزها من معالم. # وما قلناه عن الفرد الواحد، نقول مثله عن شعب بأسره، فهو لن يكون «شعبا» بالمعنى ~~الصحيح، إلا إذا «توحدت» أوجه النشاط في حياة أفراده، بحيث يصبح في مستطاعنا أن نحدد ~~لذلك الشعب خصائصه التي تميزه عن سائر الشعوب؛ أي أن الشعب - على كثرة أفراده - يصبح ~~وكأنه فرد واحد كبير، يطوي تحت أجنحته ملايين أبنائه ms063 في اتساق متناغم. والذي يجعل مثل ~~هذه الوحدانية في الشعب كله ممكنا، هو أن يكون له هدف واحد، مقرر ومعترف به ومقبول ~~من أبناء الشعب قبولا راضيا، وهنا أيضا - كما هي الحال في الفرد الواحد - يكسب الشعب ~~الموحد أمرين في آن واحد: فهو أولا يعرف ماذا يختار بين البدائل الكثيرة التي عادة ~~ما تطرح نفسها أمامه، وثانيا تصبح له شخصية فريدة، تميزه، وتجعل له هوية محددة ~~المعالم، يعتز بها ويعمل على صونها. # وما قلناه عن الفرد الواحد، ثم عن الشعب الواحد، نقوله عن القومية العربية، ثم عن الوحدة ~~الإسلامية، بل عن الوحدة الإنسانية كلها إذا شئنا وشاءت؛ ففي جميع هذه الحالات، لا سبيل إلى ~~تحقيق ما نريد في هذا السبيل، إلا أن تنشأ لما نريد أن نوحده، «ذات» ولا تتوافر لنا ~~هذه «الذات» المنشودة، إلا أن يكون هناك «هدف» مشترك، واضح المعالم، مقبول من أفراد ~~الجماعة التي تريد أن يكون لها وحدة تضمها في كيان، وإقامة الهدف هي نفسها التي تقيم ~~بدورها موازين الاختيار بين الرغبات المتعارضة إذا ما عرضت لها في الطريق. # وفي هذا السياق، لا بد لنا من لفت الأنظار إلى حقيقة جوهرية، وهي أنه لا سبيل إلى ~~وحدانية الذات - في الفرد، أو في الشعب، أو في الوحدة القومية أو الدينية - إلا إذا ~~استعنا بالذاكرة (ويقابل الذاكرة في الفرد الواحد، التاريخ في حياة الجماعات) لكي نجمع ~~الماضي مع الحاضر في لحظة توحدهما؛ إذ لولا الذاكرة في استعادتها للماضي كلما استدعت ~~المناسبة الراهنة شيئا منه، ولولا التاريخ في حياة الشعوب والجماعات، لما بقي للكائن ~~- فردا أو جماعة - إلا اللحظة الحاضرة وحدها. وفي حدود هذه اللحظة الواحدة، لا مجال ~~للحديث عن «ذات» ووحدانيتها، فالذات هو الفرد، وفي الشعب، وفي أية جماعة موحدة، هي امتداد ~~على الزمن، تتعاقب فيه لحظات، والمطلوب هو أن نجد الرباط الذي يوحد تلك اللحظات الكثيرة ~~المتتابعة، في تيار موحد، هو الذي يجعل الفرد فردا معينا، والشعب شعبا معلوم الهوية ~~متميز الشخصية عما عداه. # أما بعد - هكذا ms064 وجهت الحديث إلى صحبتي حول المائدة - فإنني أتوكل على الله وأستعين به، ~~وأستغفره إذا أخطأت، وأقول: إن وحدانية الذات في الأمة الإسلامية، هي ما أقيمت الكعبة ~~المشرفة لتؤديه، ومن أجل هذا ترتد هذه الأمة بأصولها إلى إبراهيم الخليل عليه السلام، ~~فالتقاء خطوط النظر من الأمة الإسلامية جميعا في مشارق الأرض ومغاربها، عند الكعبة لا بد ~~من تأويله ليكون التقاء في هدف واحد - من حيث هي أمة واحدة - لأن في داخل تلك الأمة ~~الواحدة شعوبا، قد يكون لكل شعب منها أهدافه الخاصة، التي يضيفها إلى هدفه من حيث هو شعب ~~مسلم. وعلى هذا الضوء نفهم ما أنبأنا به صاحبنا في أول حديثنا، من أن صلاة الفرض لا تجوز ~~داخل الكعبة؛ لأن الأهمية كامنة في التقاء الجماعة على هدف، وماذا يكون هدف المسلمين ~~الواحد، الذي يحقق لهم ذاتا إسلامية موحدة، إلا أن يحيوا على إسلام أراده الله وفصله ~~في كتابه. ولما كانت رسالة الإسلام الأولى هي «التوحيد» - توحيد الذات الإلهية - تبع ذلك ~~بالضرورة وجوب أن يكون التوحيد هو هدفنا في كل ذات تعنينا: ذات الفرد ونحن نتولى تربيته، ~~وذات الشعب ونحن نرسم سياسته، وذات العروبة ونحن نعمل على تدعيم أركانها، وذات الأمة ~~الإسلامية في المجال الذي يقتضي أن يكون المسلمون فيه فكرا واحدا وسلوكا واحدا. والرمز ~~المشير إلى هذا كله، هو الكعبة التي نتجه إليها في الصلاة. # قال أحد الحاضرين: أخشى أن يفهموا وحدانية الأفراد والشعوب على أنها صب لهؤلاء جميعا ~~في قوالب متشابهة كما تصب الحجارة. # قلت: إنهم يخطئون لو فعلوا؛ فواضح أن المقصود هو أن تظل لكل فرد شخصيته الفريدة غير ~~المتكررة في سواه، ثم تتلاقى تلك المتباينات جميعا في وحدة متسقة، كما تتلاقى مجموعة ~~الألفاظ المختلفة في قصيدة الشاعر. # | تربية الضمير الديني # قل هو الله أحد # أحدية الذات الإلهية هي من رسالة ~~الإسلام في صميم الصميم، وإن الإنسان المسلم ليبلغ من إسلامه بمقدار ما تمثل وحدانية ~~الله إيمانا، وفكرا وشعورا، فأولى الدرجات أن يردد لفظها بلسانه وشفتيه، ويتلو ذلك ms065 ~~صعدا أن يغوص بفكره في معناها، وإلى هنا يظل في مرحلة التعلم، فالمعلم يلقنه: قل هو ~~الله أحد، فيرددها المتعلم مرة أو مرتين أو ألف مرة، ثم يشرح له المعلم معناها، ~~فيعي المتعلم ما شرح المعلم، فهذا المتعلم - إلى هنا - قد حفظ، ووعى معنى ما قد حفظ، ~~لكنه لا يدري ماذا «يصنع» بما قد حفظ ووعى، وعندئذ تأتي الخطوة التربوية على أيدي والديه ~~ومعلميه أو عن طريق تأمله هو في ذاته إذا أراد الله له خيرا وهدى، وذلك بأن يتحول ~~المعنى المحفوظ والمعلوم إلى «ضمير»، فكيف يكون ذلك؟ # ما نطلق عليه اسم «الضمير»، هو ما استخلصناه لأنفسنا مما وعيناه وعشناه. ولقد ~~استخلصناه إما من خبراتنا نحن المباشرة أو مما علمنا إياه آباؤنا ومعلمونا «فأضمرناه» ~~في نفوسنا لنحمله معنا أينما توجهنا، فنكون بمثابة من حمل معه دليلا هاديا يرشده ~~إلى سواء السبيل إذا ما أشكل عليه الأمر في موقف من مواقف حياته. وإذا قلنا عن أحد إنه ~~بلا ضمير، فإنما نعني أنه لا يملك في حافظته ما يبين له حدود الصواب والخطأ، فقد يصيب وهو ~~لا يدري أنه الصواب وقد يخطئ وهو لا يدري أنه الخطأ. # فما هو المبدأ الذي يستخلصه المسلم من أحدية الله سبحانه وتعالى، بحيث يضمره في صدره؛ ~~ليكون مرجعه في مسالك حياته؟ كيف نحول عقيدة التوحيد - بالتربية - إلى «ضمير» يكون به ~~المسلم مسلما فيما يدع وما يختار إذا ما كان في موقف جديد لا عهد له به، ولم يحفظ له ~~فيما حفظ حكما معينا واجب التنفيذ؟ إنه لو كان الإنسان مخلوقا وليس في قدرته إلا أن ~~يسير ويسلك على صورة معينة مغروزة في فطرته لما كان لسؤالنا هذا موضع، فنحن لا نسأل عن ~~السمكة أو الطائر أو القط على أي مبدأ كامن في نفسه يختار ما يختاره، ويترك ما يتركه؛ وذلك ~~لأنه أساسا لا يختار، فلا يسعه بحكم طبيعته إلا أن يفعل ما يفعله، وينصرف عما ينصرف ~~عنه. لقد رفع عنه بحكم فطرته عبء الاختيار وتبعاته، فإذا ms066 كان قد استراح من ناحية، فهو من ~~ناحية أخرى لا يعرف نعمة أن يكون حرا في الاختيار بين البدائل المطروحة. أما الإنسان ~~فله هذه الحرية ونعيمها، ولكنه كذلك يدفع عنها ثمنا باهظا ، وهو أن تقع عليه التبعة إن ~~خيرا فخير، وإن شرا فشر. وقد تكون هذه التفرقة الجوهرية بين الإنسان وسائر الكائنات، وهي ~~التفرقة التي جعلت الإنسان حر الإرادة في اختياره، ولكنه مسئول، وجعلت سائر الكائنات ~~مسلوبة الإرادة الحرة، ولكنها لا تحمل وزرا، أقول إن هذه التفرقة قد تكون هي ما أشارت ~~إليه الآية الكريمة: # إنا عرضنا الأمانة على السموات ~~والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # والأمانة قد تكون هي ~~الإرادة الحرة، وما تستتبعه، ولقد حملها الإنسان ظالما لنفسه جاهلا بفداحة ~~العبء. # المبدأ الذي يدسه المسلم في ضميره مستخلصا إياه من عقيدته في أحدية الله جل وعلا التي ~~هي رسالة الإسلام ليركن إليه فيهديه عند الاختيار هو أن يختار الفعل الذي يتسق مع غيره في ~~بناء شخصية موحدة، فاتساق العناصر المكونة للإنسان، بحيث تتعاون تلك العناصر بعضها مع بعض ~~بدل أن تقع في تعارض وصراع هو بلوغ الكمال. فإذا كان في الإنسان نفس أمارة السوء، ففيه ~~كذلك نفس لوامة تعمل على استقامة ما اعوج وانحرف، حتى إذا ما اعتدل الميزان وسكن الصراع ~~الداخلي كان للإنسان بهذه السكينة نفس مطمئنة ترجع إلى ربها راضية مرضية. تأمل شهادة «لا ~~إله إلا الله» التي هي الشرط الأول في إسلام من يسلم. تأملها جيدا تجدها منطوية على ~~أكثر من مفتاح يؤدي بقائلها عن إيمان بصير، إلى ذلك الاتساق الذي يوحد شخصه في رؤية ~~تخلو من صراع دوافعه الباطنية بعضها مع بعض؛ فمن ناحية تتضمن الشهادة إثباتا من الفرد ~~لوجود ذاته حقيقة قائمة برأسها، وذلك بقوله: «اشهد»، وتتضمن إلى جانب ذلك إقرارا من تلك ~~الذات بوجود ذوات أخرى سواها، فليست هي واحدة وحيدة، بل فرد من جماعة، وإنها هي تلك الجماعة ~~التي يشهد لها إمامها، ثم تتضمن إيمان ms067 الذات الناطقة بالشهادة، إيمانها بألا إله إلا ~~الله، تلك ناحية، وناحية أخرى مما يريد منا أن نتأمل الشهادة في عمق هو أنها بدأت ~~بالنفي لتعقب عليه بالإثبات، فأولا لا بد لمن آمن بالله أن يمحو من نفسه كل من عداه، ~~فالشاهد يبدأ شهادته بألا آلهة أخرى هناك، حتى إذا ما أيقن بذلك أعلن إيمانه بالله، ولهذا ~~الترتيب الذي ينفي الباطل أولا، ثم يؤكد الحق قوة منطقية تعين الإنسان على التخلص مما ~~قد يعرقل سيره الثابت المطمئن. ومن هنا رأينا مناهج البحث العلمي تجعل الخطوة الأولى في ~~طريق البحث إزالة الآراء أو النظريات الخاطئة، وذلك بتفنيدها وبيان أوجه الخطأ فيها، ثم ~~تعقب على ذلك بإقامة ما هو صحيح. وذلك يشبه تحطيم الأصنام أولا، ثم الدعوة إلى الحق ~~الأحد ثانيا. إنه إذا ما تكون في نفس المسلم ضمير ديني يستمد كيانه وقوته من الإيمان ~~بوحدانية الله، فهو الحق الذي ليس بجواره باطل، كان ذلك الضمير كفيلا بصاحبه بأن ينقي ~~طريقه من الشوك ليبقى له الزهر خالصا، وكان كفيلا له بأن يزيل عوامل القلق والتوتر؛ لأن ~~هذه العوامل إنما تنتج عن مغريات متعارضة قد يجد الإنسان نفسه في موقف ينجذب لهذا وينجذب ~~لذاك في وقت واحد مع استحالة أن يتحققا معا، فيحس وكأنه ممزق بين قطبين، وفي ~~حالة كهذه لا بد أن يكون على بصيرة أي الجاذبين أكثر اتساقا مع بنائه وكيانه فينحاز ~~إليه إنقاذا لوحدته. # التوحيد الإسلامي هو في أعماقه من ناحية حياة البشر تناسق في حياة الإنسان الأخلاقية ~~بمعنى أن تنتظم مجموعة القيم في ترتيب يبين أيها أولى من أيها إذا ما تعارضت في موقف ~~معين. ولو أن تنسيقا كهذا ساد عالمنا المعاصر لتخلص من مصادر بؤسه وشقائه، فهو ~~كثيرا ما يوصف بأنه عصر القلق والتمزق والضياع بالنسبة للشباب بصفة خاصة. وهذا كله ~~صحيح، وتعليله أن العصر كله يجتاز مرحلة انتقالية أبهمت فيها المعالم بين المعروف ~~والمنكر فلا يدري أحد - على سبيل اليقين - أي النظم هو المؤدي بالإنسان إلى ما هو ms068 أفضل. ~~وفي ظني أنه لو جعلت وحدانية النفس مدار التربية لكان في ذلك شيء من طريق النجاة. # كان قد استوقف نظري عند بعض الفقهاء المسلمين الأقدمين في تناولهم لأسماء الله الحسنى ~~اختيارهم لطائفة من تلك الأسماء (هي عند بعضهم سبعة والظاهر أنهم ليسوا في ذلك على رأي ~~واحد) على أنها هي الصفات الإيجابية (ليست هذه العبارة من عندي، بل أخذتها عنهم) وهي ~~القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام. وإذا نحن تأملنا هذه الصفات ~~السبع وجدناها أركانا أساسية في بنية الذات الإنسانية لو اتسق بعضها مع بعض نتجت لنا ~~شخصية سوية. وفي هذه المناسبة أذكر رأي الفقهاء الأقدمين الذين أشرت إليهم، وهو أن الصفات ~~التي تشير إليها أسماء الله الحسنى هي صفات لله سبحانه وتعالى مطلقة لا تحدها حدود، ~~وهي أيضا صفات للإنسان، ولكنها في الإنسان محدودة، وبعد هذه الملاحظة أعود إلى الصفات ~~السبع التي أشرت إليها لأقول إن بيت الداء في عصرنا هو اختلال النسبة الصحيحة بين هذه ~~الصفات؛ مثال ذلك أن تبنى «الإرادة» على غير أساس من «العلم» و«القدرة» أو أن تقام الحياة ~~على غير وعي إدراكي سليم قائم على السمع والبصر وهكذا. # قل هو الله أحد * الله الصمد # أحدية صمدية هما صفتان لله سبحانه، وهما كذلك في حدود مقيدة صفتان للكون من حيث هو كل ~~واحد مترابط الأجزاء، فهو كون واحد مهما تعددت ظواهره وكائناته، وهو كون صامد لا ينهار ~~ولا يتفتت، وهما كذلك صفتان للحياة من حيث هو تيار متصل، ثم هما صفتان ينبغي أن يتميز ~~بهما الإنسان الكامل؛ فلكل فرد «هوية» يجب ألا تنقسم على نفسها وصمود لا يأذن لتلك الهوية ~~أن تتشقق جدرانها أمام الأحداث. # عقيدة المسلم إذا ما رسخت في صدره ضميرا يهديه إلى جادة الطريق ضمنت له ألا تتعدد ~~معاييره الخلقية؛ فمعيار أمام ولي الأمر، ومعيار آخر أمام الناس، ومعيار ثالث يقيمه حين ~~يخلو لنفسه. إذا استطعنا تربية هذا الضمير الديني عند أبنائنا وبناتنا كان ذلك درعا تحميهم ~~من أن يذل صغيرهم ms069 لكبيرهم أو أن يذل فقيرهم لغنيهم أو أن يذل محكوم لحاكم، فكما قال ~~الشريف الرضي في بيت له من شعره الرائع معناه أن من حقق أهدافه عن طريق الذل فهو ~~المغبون ، فما بالك إذا ذل ولم يحقق لنفسه شيئا؟ والبيت هو لمن شاء أن يحفظه: # وكان الغبن لو ذلوا ونالوا # فكيف بهم وقد ذلوا وخابوا؟ # حارس المسلم هو «ضميره» من داخل ما ينفك يذكره - كلما وجد من أمره عسرا - أن الله أحد، ~~وأن الله صمد، وأن الله أكبر، والكلام في هذا شرحه يطول ويتشعب ولست أظن أنه مما يكتفى فيه ~~بمقال. # وهنا أقول إن عندي للقارئ همسة أهمس بها في أذنه، ليعلم منها ماذا كان الحافز الذي ~~حفزني إلى كتابة هذه الأسطر في موضوع يستحق كتابا، والحافز هو أني قرأت في إحدى ~~الصحف هذه الإجابة الآتية من أحد علماء الدين يجيب بها عن السؤال: هل يجوز في الوضوء ~~المسح على الخفين والجورب؟ فأجاب سيادته بقوله: إن المسح على الخفين جائز من كل حدث ~~موجب للوضوء إذا لبس الخفين على طهارة كاملة، ثم أحدث. ومدته إن كان مقيما مسح ~~يوما وليلة، وإن كان مسافرا مسح ثلاثة أيام ولياليها عقب الحدث. والمسح على الخفين ~~يكون على ظاهرهما خطوطا بالأصابع يبدأ من رءوس أصابع الرجل إلى مبدأ الساق. هو جائز في ~~الحدث الموجب للوضوء لا الغسل. وفرض المسح على الخف يكون بمقدار ثلاثة أصابع من أصغر ~~أصابع اليد طولا وعرضا، ولا يجوز المسح على خف فيه خرق كبير يظهر منه مقدار ثلاثة ~~أصابع من الرجل. # هذه همسة همست بها في أذنك أيها القارئ الذكي الحصيف راجيا ألا تبوح بها عند الجيران، ~~حتى لا يظن بنا الظنون في طريقة فهمنا للدين، ولكنني أطالبك أنت ومن أحاط بك من ~~الزملاء بأن تحسب على جهاز الحاسب الإلكتروني إذا كانت بين يديك الوسائل كم فرسخا بين مثل ~~هذا الفهم وفهم آخر يريد للمسلم أن يربي له ضميرا دينيا يهديه إلى لباب اللباب من ~~عقيدته. وعندئذ فلا السائل ms070 يسأل مثل هذا السؤال ولا المجيب العالم يجيب بمثل هذه ~~الإجابة، حتى إن وجدها محفوظة في الخزائن. وهل يحق لنا بعد ذلك بعد أن أصبح محور اهتماماتنا ~~الدينية تفصيلات شكلية عجيبة لا تمس روح الدين وجوهره، ولا تحرك الضمير الديني عند الإنسان ~~من قريب ولا من بعيد، أقول هل يحق لنا بعد ذلك أن نسأل ماذا أصاب شباب المسلمين ليصبحوا ~~على ما أصبحوا عليه من هزال وضعف وانحراف؟ # | الشعائر وما وراءها # كنت قد نشرت مقالا بعنوان «تربية الضمير الديني» (الأهرام 26 ديسمبر 1982)، وكانت ~~خلاصته هي أن الغاية التي يجب أن نستهدفها من التربية الدينية، هي إيجاد ذلك الضرب من ~~الوجدان الديني، الذي من شأنه أن يهدي صاحبه - كلما جد موقف في الطريق - إلى اختيار ~~السلوك الذي يعينه على تكامل شخصيته، تكاملا ينم عن «وحدانية» تلك الشخصية؛ لأن ما يحقق ~~إسلام المسلم هو - في المقام الأول - أن يجسد في شخصه رسالة الإسلام. و«التوحيد» من تلك ~~الرسالة هو في صميم الصميم. ثم أخذت أوضح في المقال ما كنت أعنيه. # فجاءتني رسالة من قارئة، لم أستطع إهمالها؛ لأنها تطلب مزيدا من التوضيح، لعلها تجد ~~فيما قلته مرشدا لها في تربية أبنائها. ولقد شعرت عندئذ بأنه قد بات واجبا ملزما، ما ~~دمت قد عرضت فكرة تمس حياة الناس، أن أتولى شرحها. والقارئة تستهل رسالتها بقولها: هذه ~~رسالة من أم تدعو الله في صلاتها دائما، أن يقوي الإيمان الصادق، والتقوى، في قلوب ~~أبنائها. ومضت صاحبة الرسالة لتشكو من أن هؤلاء الأبناء لا يستجيبون لها فيما تريده لهم ~~تجاه حياتهم الدينية استجابة ترضيها، ثم كتبت تقول: إنني كنت أفكر في كيفية إيقاظ الضمير ~~الديني عند أولادي، عندما لمحت لك في الأهرام مقالا في هذا المجال، وطبعا تلقفته ~~بسرعة لقراءته، لعلي أجد فيه الحل لما يهمني، ثم أعدت قراءته، وأعدت قراءته لثالث مرة، ~~وفهمت مضمونه العميق الشيق، الذي أعتقد أنه أسلوب عال لا يفهمه إلا طبقة المثقفين، ومع ~~ذلك فلم أجد فيه حلا لمشكلتي مع أولادي، ولو ms071 تكرمت بإتباعه بمقال آخر عن الوسائل ~~الفعالة لتربية الضمير الديني عند النشء. وبوضوح أكثر، أريد أن أعرف كيف أغرس في أولادي ~~بالذات حب الصدق في كل أفعالهم (وقد وضعت صاحبة الرسالة خطا تحت كلمة «الصدق») ~~وضربت مثلا بأنها إذا كانت ترقب ابنيها وهما يتوضآن، وكانت هي التي تصب لهما الماء ~~للوضوء، غافلها أحدهما فلم يغسل قدميه، وغافلها الآخر فلم يغسل يديه، أما أولهما فقد ~~علل فعلته ببرودة الجو، وأما الثاني فقد زعم أن غسل اليدين في الوضوء سنة وليس ~~فرضا. # وأول ما أضعه بين يدي الأم الفاضلة صاحبة الرسالة، هو أن هذا الذي ذكرته عن أبنائها، ~~إنما هو مثل واقعي محسوس، لظاهرة اجتماعية في حياتنا، طويلة عريضة عميقة هي ظاهرة تعدد ~~المقاييس الخلقية، فلكل موقف عند الكثرة الغالبة منا مقياسه، فإذا كان الموقف مواجهة بين ~~حاكم ومحكوم، فله مقياس لما نفصح عنه وما نخفيه، وإذا كان الموقف حديثا بين زميلين، ~~تغير المقياس. وهكذا، وليس هنا مكان التحليل والتعليل لهذه الظاهرة كيف نشأت؟ ولماذا ~~نشأت؟ وإذا كانت قد بدأت معنا نفاقا أيام أن كان الحاكم مستبدا أجنبيا، فكنا نخشى ~~بأسه ونتملقه بما لم نكن نؤمن به في بواطن نفوسنا، فلماذا امتدت معنا الظاهرة إلى ~~يومنا هذا، بل ربما تكون قد استفحلت في عشرات السنين الأخيرة؟ # إن ما لحظته الأم في أبنائها، قد جاء بالمصادفة ساعة الوضوء، فأظهروا لها جانبا وحاولوا ~~أن يخفوا عنها جانبا هم يعلمون أنها لا ترضى عنه، والأم في هذه الحالة هي «الرقيب» صاحب ~~السلطان، والأبناء هم بمثابة «شعب» يخشى قسوة الرقيب، لكنها ازدواجية خلقية، هكذا تبدأ في ~~أطفالنا - كائنة ما كانت المناسبة التي تظهر فيها - ثم تأخذ الزاوية بين الجانب المعلن ~~للناس، والجانب الآخر الذي يضمرونه في أنفسهم، لا يكشفون عنه إلا للمخلصين، أقول إن ~~الزاوية بين الجانبين تأخذ في الانفراج، كلما كبر الطفل، وجاءت له السن التي يشارك عندها ~~في معمعان الحياة العملية، فعندئذ تعلمه الخبرة - في الكثرة الغالبة من الحالات - أن ~~العامل الناجح في مجتمعنا، ms072 يكاد يكون شرطه أن يجيء على أساس من تعدد المقاييس الخلقية، ~~فهم يعدون بيننا بألوف الألوف، أولئك الذين يعلنون أمام الناس شيئا، ثم يقيمون ~~حياتهم الحقيقية على شيء آخر، كأن يعلنوا - مثلا - تفانيهم في الدعوة للاشتراكية ~~والديمقراطية والمساواة المطلقة بين المواطنين، يكتبون ذلك في الصحف، ويذيعونه صوتا ~~وصورة، ويخطبون فيه من فوق المنابر، حتى إذا ما قفلوا إلى حياتهم الخاصة، داخل بيوتهم وبين ~~أسرهم، كانت لهم أهداف أخرى يرتبون نشاطهم الحيوي على أسسها، فالاشتراكية تنقلب ~~عندهم سعيا خبيثا لاكتناز رءوس المال، التي أصبحت اليوم تعد بلغة الملايين بعد أن لم ~~نكن نسمع عن لفظة «الملايين» هذه إلا عندما تتحدث الحكومة عن موازناتها السنوية. # أصبحت الديمقراطية عندهم تعاليا بأشخاصهم على عباد الله ما وجدوا سبيلا إلى هذا ~~التعالي، فما كل فرد من الناس بقادر على صعود الدرج، وتأبى طبائع الأمور إلا أن تنجح في ~~هذا التعالي قلة قليلة، ليظل الباقون «شعبا» أو «قاعدة عريضة» أو «جماهير»، أو أي اسم ~~آخر من هذه الأسماء التي يجيدون صياغتها لتكون بين أيديهم جزءا من أدوات النجاح. وكذلك إذا ~~ما قفلوا إلى ديارهم وبين ذويهم، تبخرت «المساواة» التي نادوا بها كما تتبخر قطرات الندى ~~في حرارة الشمس أيام الصيف. وهل أنسى ما حييت موقفا رأيت فيه من ذلك عجبا، وكان ذلك يوم ~~أن عاد إلى الجامعة نفر ممن كانوا وزراء في وزارة بلغت أجلها، فاشترط بعضهم أن تؤثث ~~لهم غرف خاصة، وكأنهم ما زالوا وزراء، وغضب أحدهم غضبة لا بد أن تكون أعنف من الغضبة ~~«المضرية» التي أشار إليها الشاعر القديم، فأنا لا أعرف كيف كانت صورة الغضب في قبيلة ~~«مضر»، لكنني رأيت غضبة صاحبنا وفضها، لماذا؟ لأن باحثا علميا أراد أن يحصي ما أنتجه ~~الجامعيون من بحوث في موضوع ما، فأعد قائمة يستبين بها تفصيلات الموضوع، وأرسل نسخات من ~~تلك القائمة لمن كان يعلم أن لهم نتاجا يدخل في الحساب، فاحمر وجه الوزير السابق واصفر ~~واخضر، غضبا من هذه الإهانة الكبرى التي لحقته حين ms073 عاملوه كما يعاملون خلق الله، ~~وأرسلوا له القائمة في البريد، وكان الواجب أن يمثل الباحث العلمي بين يديه في خشوع طلبا ~~لما يريد. وهل من شك في أن ذلك الوزير حين كان يكتب ويخطب ويذيع، كان يشتعل حماسة في ~~الدعوة إلى «المساواة»؟ # نعم، كان الذي رأته الأم الفاضلة في بنيها من ازدواجية المقاييس الخلقية، إنما هو البذرة ~~الأولى التي يغلب أن تنمو معهم شجرتها وتتفرع، كلما كبروا وازدادوا خبرة، بما أصبحت حياتنا ~~الاجتماعية تتطلبه من «لباقة»؛ إي والله فقد سمعت كثيرين يسمون ذلك النفاق البشع ~~الجبان «لباقة». # فأين عسانا واجدين طوق النجاة؟ إنه يلتمس في مصادر كثيرة، وأولها التربية الدينية؛ إذ ~~ماذا يكون «الدين» إن لم يكن قبل أي شيء آخر، نظاما خلقيا يرسم للمتدين طرائق ~~السلوك الصحيح، الذي يجعل منه إنسانا كما أراد الله جل وعلا للإنسان أن يكون؟ لكننا إذ ~~نلجأ إلى الدين لنجعله محورا أساسيا في تربية أبنائنا وبناتنا، نضغط ضغطا شديدا على ~~تفصيلات «الشعائر» لنبرزها، وبالطبع لم يكن ذلك ليعاب في شيء، فإلمام المؤمن بشعائر ~~دينه، أمر واجب، وإلا فكيف يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، إذا لم يكن على ~~بينة بما يؤدي في كل مناسبة من شعائر. لكن موضع المؤاخذة هو أن نستنفد جهدنا التعليمي ~~في الشعائر، ثم نقف عند هذا الحد، فينتج لنا أطفال كأبناء الأم الفاضلة التي أرسلت تشكو ~~أبناءها، فالمخادعة بدأت عندهم في أدائهم لتلك الشعائر نفسها، ومن التي يخدعونها؟ هي الأم، ~~فماذا هم صانعون إذا ما كبروا ودخلوا مع الناس في معاملات ليست «شعائر» الدين، إنما هي ~~تجارة وصناعة وأعمال في دواوين الحكومة؟ كلا، ولا التي سيتعاملون معها يومئذ هي الأم، بل ~~هم غرباء لن يربطهم بهم إلا روابط السوق. # وكان ذلك هو حافزي إلى كتابة مقالي «تربية الضمير الديني»، وتسألني الأم الفاضلة: كيف ~~يكون ذلك؟ فأقول - والله المستعان: لنجعل مثلنا الذي نوضح به هو فريضة الصلاة؛ لأن ما ~~استبشعته الأم في أبنائها، كان سلوكهم غير المستقيم أثناء الوضوء استعدادا للصلاة، ms074 ~~فالوضوء هنا هو فاتحة الشعائر التي تؤدى لإقامة الصلاة، وجاءت خديعة الأطفال في وضوئهم ~~دليلا على أنهم لم يروا في الموقف ما يردعهم ردعا ينبعث من دخيلة نفوسهم، وإذن فلو كنت ~~مربيا لهؤلاء الأطفال، لأرجأت الاهتمام الضاغط بوجوب مراعاة التفصيلات في شعيرة الوضوء، ~~إلى ما «بعد» إثارة انتباههم أولا إلى ما هم ملاقونه داخل الصلاة نفسها، فالشعيرة ضرورية، ~~لكنها كضرورة الوسيلة اللازمة للقيام برحلة مطلوبة، كالسيارة أو القطار أو ما شئت من ~~وسيلة، ولكن الوسيلة على ضرورتها ووجوبها، إنما تستمد ذلك الوجوب وهذه الضرورة من أنها هي ~~الدهليز الذي يوصل سالكها إلى الغاية المنشودة. والغاية هنا هي «الصلاة». # لو كنت مربيا لهؤلاء الأطفال، ومستهدفا إقامة «ضمير ديني» في نفوسهم لبدأت بإدخالهم ~~في الحالة الوجدانية التي يكون عليها المصلي، قائلا لهم شيئا كهذا: إن مقيم الصلاة ~~عندما يرفع يديه إلى أذنيه قائلا: الله أكبر، فهو بمثابة من فتح بابا ليدخل منه إلى ~~عالم آخر غير العالم الذي يحيط به ويعيش فيه، إنه هناك ملاق ربه ومخاطبه، ولذلك ~~يحاول المصلي أثناء صلاته أن يصم أذنيه - ما استطاع - فلا يسمع صوتا، ويغض من بصره - ~~ما استطاع أيضا - فلا يرى شيئا، بل إن من المأثور عن كبار العابدين، أنهم أثناء الصلاة لم ~~يكونوا يحسون شيئا على جلود أبدانهم. ويروى عن أحد هؤلاء أريد له أن تبتر له ساق ~~مريضة، فأوصى بأن يتم ذلك وهو يصلي، موقنا بأن إحساسه بما يحدث لبدنه سيضعف إلى حده ~~الأدنى، فالمصلي مستغرق بكيانه كله ووجوده كله فيمن هو في حضرته إبان الصلاة. # إذن فقد كانت قولة المصلي «الله أكبر» عندما هم بإقامة الصلاة، بمثابة خروجه من عالم ~~الأشياء والحاجات والمنافع، ودخوله في عالم آخر لا يعرف فيه إلا روحا تخشع لخالقها، لكن ~~هذه التكبيرة نفسها: «الله أكبر» التي نقلته من عالم الفناء إلى عالم الخلود، من عالم ~~يقاس بدقائق الزمن وثوانيه، إلى عالم لا يعرف الزمن، أقول إن هذه التكبيرة نفسها - ~~بالإضافة إلى كونها مؤذنة بالنقلة الكبرى بين العالمين ms075 - إنما هي في ذاتها موضع للوقوف ~~المتأمل، عند من يريد لصلاته أن تكون «حياة»، ولا يقتصر أمرها على حركات الجسم ركوعا ~~وسجودا، وكأن القائم بالصلاة يستهدف رياضة بدنية، «الله أكبر» من كل كبير، فإذا كنت قد ~~دخلت صلاتي شاعرا بالصغر قياسا إلى أصحاب الجبروت الطاغي، فسأخرج من صلاتي وقد لاقيت من ~~هو أكبر، ولن أخشى بعد ذلك بأس الطغاة. إنني أنا - هكذا يقول المصلي بعد أدائه لصلاته - ~~إنني أنا الصغير الكبير معا، كنت صغيرا أمام الله صغر الهباءة في هذا الكون الفسيح، ~~لكنني خرجت من صلاتي كبيرا كأكبر من ألاقيه بين البشر. لقد كنت أنافق السلطان طلبا ~~لعونه وردا لعدوانه، فخرجت من صلاتي أجهر بالحق كما أراه، لا أنافق فيه أحدا؛ لأنني ~~تعلمت من وقوفي في الحضرة الإلهية أن المعين واحد هو الله، وأن الذي يرد عني العدوان ~~واحد هو الله، لقد خشعت لله ركوعا وسجودا لأنه ربي، وكنت مع كل ركعة وسجدة أكرر ~~«الله أكبر» لترسخ معانيها في نفسي، وتصبح في حياتي ما تكون «البوصلة» في توجيه السفينة ~~توجيها صحيحا، أو قل إنني أكرر «الله أكبر» كلما خشعت لله، ليكون مضمونها الغني هو ~~بعد ذلك «ضميري» الذي يهديني سواء السبيل. # وإني لأسأل الأم الشاكية من مخادعة أبنائها لها في شعائر الوضوء، هل كانوا يخادعون لو ~~«عرفوا» إلى أي عالم هم داخلون أثناء الصلاة؟ ولقد وضعت كلمة «عرفوا» بين الحواصر ~~لتستوقف النظر، فمفتاح الرشاد هو أن نعرف، أن يعرف مقيم الصلاة ما صلاته، وأن يعرف صائم ~~رمضان ما صومه، وبعدئذ يكاد يستحيل على من «يعرف» أن يقترف الإثم الذي هو «خطأ»؛ لأن من ~~يعرف لا يخطئ. ولشد ما كانت دهشتي التي بلغت معي حد الذهول، حين سمعت من أستاذ فاضل ~~يقول في وسائل الإعلام أكثر من مرة، إن العابد لا يسأل عن عبادته، وإلا لم تعد عبادة، ~~فالعبادة كما قال - طاعة - لا يسأل صاحبها لماذا، ولو شاء الله للأستاذ صوابا، لهداه أن ~~يقول: إن العابد لا يسأل عن عبادته ليغير ms076 منها شيئا، بل إنه يسأل «الفهم»، والفرق كبير ~~بين الحالتين، فمقيم الصلاة إذا سأل ليفهم سر التكبير في أول الصلاة، وعند كل ركوع وسجود ~~وقيام لزاده هذا الفهم إمعانا في مقومات الصلاة من قول ومن حركة، فتصبح الصلاة إحدى ~~الوسائل الفعالة في تربية الضمير الديني، وإلا فكيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي، إذا لم يكن المصلي قد خرج من صلاته حاملا في صدره ضميرا يردعه عن تلك الآثام؟ ~~إن آليات الصلاة في ذاتها - حركات وكلمات - لا تؤدي إلى الترفع عن رجس الفحشاء والمنكر ~~والبغي، وإنما الذي يؤدي إلى ذلك «فهم» المصلي لأسرار ما يقوله وما يعمله. # وأعود إلى الأم السائلة: فأوجز ما أسلفته في عبارة قصيرة، هي: اجعلي أبناءك «يعرفون» عن ~~الصلاة سرها، فينصرفوا من تلقاء أنفسهم عن المخادعة في الوضوء وغير الوضوء؛ لأنهم ~~سيحملون ضميرا هاديا ورادعا. # | الفلسفة شيء والدين شيء آخر # في هذا البحر المائج بالمعاني المضطربة الغامضة، لم يكن ليبدو لنا غريبا أن يختلط على ~~الناس شيء بشيء آخر، لا سيما إذا كان بين الشيئين شبه قريب أو بعيد، فإذا كنت قد رأيت، ~~حتى بين صفوة المثقفين، من يحسب الدين فلسفة، ومن يحسب الفلسفة دينا، لما أخذني عجب؛ ~~لأنني أعلم أن حياتنا الراهنة المليئة بأزماتها، قد أرغمتنا على أن نتعجل أمورنا. ولا ~~بأس في أن نفهم المعاني مغلوطة ومخلوطا بعضها ببعض، فلن يموت أحد بالسكتة القلبية إذا هو ~~فهم الحرية على أنها عدالة، أو فهم العدالة على أنها ديمقراطية، أو فهم الديمقراطية على ~~أنها تواضع، فكلها خيرات - وكلها طيبات - فهمومنا في حياتنا اليومية، أكثر جدا من أن ~~تترك لنا شيئا من فراغ البال لنبحث في الفوارق التي تفصل هذه المعاني بعضها عن بعض. ~~ولسنا كأسلافنا الأقدمين في وقوفهم عند أمثال هذه التوافه، بل عند ما هو أتفه منها، فأنظر ~~إليهم - مثلا - وقد أزعجهم أن يختلط الحابل بالنابل، حتى لقد ضربوا به مثلا، فالحابل هو ~~من صاد صيده بالحبال، والنابل هو من صاده بالنبال، وقد حدث يوما ms077 أن تزاحم الحابلون ~~لصيدهم والنابلون، فاختلط بعضهم ببعض، ولم يتبين منهم أحد صيد من هذا وصيد من ذاك، وربما ~~أخذ كل منهم صيد أخيه وانصرف، فماذا يؤرق هؤلاء الأسلاف من موقف يختلط فيه الأمر على هذا ~~النحو، ما دام كل صياد قد عاد إلى داره ومعه نصيب من الصيد، سواء أمسكته الحبال، أم ~~أسقطته النبال. ولكن لا عجب، فقد كانت حياتهم تنعم بالفراغ وبالطمأنينة، وأما نحن اليوم، ~~فنقضي الساعات بحثا عن مواد طعامنا وطعام عيالنا، فأين هو فراغ الوقت الذي نبحث فيه عن ~~الفرق بين الحرية والديمقراطية، أو الفرق بين العلم والفلسفة والدين؟ ثم لماذا وجع الدماغ ~~في ما ليس طعاما يؤكل ولا دواء يشفي؟ # أقول إنني ما كنت لأعجب من خلط بين المعاني في حياتنا الفكرية؛ لأنني أعلم عسر الحياة ~~اليومية، وأعانيه مما يبرر ألا يشغل الناس أنفسهم بما يزيد حياتهم عسرا على عسر، ~~لولا أنني كنت من ضحايا ذلك الخلط المتعجل الذي لا يعنيه أن يفرق بين المختلفات، ~~خصوصا إذا كانت تلك المختلفات كلها مأخوذة من دنيا الفكر، وهي الدنيا التي لم يعد يقبل ~~عليها أحد، فهات منها ما شئت، ولا تخش في ذلك بأسا، فكل الأفكار قد أصبحت عند الناس ~~سواء. # نعم، لولا أن أصابني الشرر، لما همني ذلك البحر اللجي المائج بالمعاني الغامضة ~~المتداخلة التي يحياها الناس، وهم في شبه غيبوبة عقلية. والفرق بعيد بين موقف تتبناه من ~~الوجهة النظرية، فترى فيه أي رأي تشاء، وموقف آخر يمس حياتك الفعلية مسا يجاوز سطح ~~الجلد ليغور في الأعماق. ولست أنسى في هذا الصدد رجلا كان عضوا في المحكمة التي حكمت على ~~جان دارك بالموت حرقا، وتنفيذا لذلك الحكم أشعلت النار عالية اللهب، وعلقت جان دارك ~~بحيث يحتويها ذلك اللهب، وبينما هي تحترق، شاءت مصادفة أن يمر ذلك الرجل من هناك، فيشهد ~~المرأة القديسة في محنتها، فكاد يصاب بالإغماء فزعا مما يرى، ولما أسرعوا به بعيدا عن ~~مشهد الرعب، سأله رفيقه: ألم تكن عضوا في المحكمة التي قضت ms078 بهذا القضاء؟ ففيم هذا الجزع ~~إذن؟ فأجابه الرجل: الفرق بعيد يا صاحبي بين أن أحكم حكما وأنا آمن في غرفتي، وبين أن ~~أرى بعيني نتيجة هذا الحكم بعد أن أصبحت واقعا . # ومع الفارق بين الحالتين فلا أنا بما كتبت وما قلت شبيها بجان دارك، ولا الذين خلطوا ~~في فهم ما كتبته وما قلته يشبهون القضاة الذين قضوا بإحراقها، فإنني أشعر بأنني ربما لم ~~أكن لأهتم كل هذا الاهتمام بحياة الغموض الفكري الذي نحياه اليوم، لولا أن مسني منه ~~شرر. وكيف كان ذلك؟ # لقد أراد لي توفيق الله، منذ بدأت حياتي العقلية المنتجة، أن أقع على طريق من طرق ~~التفكير الفلسفي، رأيته وكأنما خلقت له وخلق لي، ثم رأيته وكأنه أنسب ما أقدمه في ~~عالم الفكر لأمتي؛ لأنه إذا كان الغموض والخلط بين المعاني، أحد الأمراض العقلية التي ~~أصابت أمتي، فتلك الطريقة من طرق التفكير هي من أنجع وسائل العلاج، وأما تلك الطريقة التي ~~أشير إليها، فهي - بكل بساطة ووضوح - أننا إذا كنا في مجال «العلم» (وأود أن أكرر هذه ~~اللفظة ألف مرة، العلم العلم العلم، وعلى القارئ هنا أن يكمل لنفسه المرات الألف) أقول ~~إننا إذا كنا في مجال «العلم» فلا بد أن يجيء القول الذي نقوله مما يطابق الواقع عند ~~التطبيق، وبالتالي فهو لا بد أن يكون مما يصلح عليه اختبار الصدق، مما هو معروف في مناهج ~~البحث العلمي، أما مجالات القول الأخرى، التي ليست من العلوم، فلكل مجال منها معياره ~~الخاص. # إلى هنا والكلام مقبول ولا اعتراض عليه، لكن تبدأ الدهشة، ويبدأ الاعتراض، عندما نطبق ~~هذا المعيار العلمي في بعض مجالات القول في عالم الفلسفة، ولماذا أشير إلى عالم الفلسفة ~~هنا دون سواه؟ أفعل ذلك؛ لأنه هو العالم الذي كان علي أن أعيش فيه، بحكم كوني أستاذا ~~للفلسفة في الجامعة. فهنالك في عالم الفلسفة فرع اسمه «الميتافيزيقيا» أو «ما بعد الطبيعة». ~~ويهمني جدا في هذا الموضع أن أوضح للقارئ لماذا أطلقوا عليه هذا الاسم، فالأمر في ~~هذه التسمية ms079 جاء مصادفة، وذلك أن أتباع الفيلسوف اليوناني أرسطو، حين أرادوا - بعد عهده ~~- أن يرتبوا مؤلفاته ويصنفوها، وكان من بينها كتاب «الطبيعية» وجدوا عدة فصول في ~~مادة لم يتبينوا موضوعها بوضوح، فأسموها بموضعها من ترتيب المؤلفات، وكان موضعها - ~~مصادفة - بعد كتاب الطبيعة، فقيل عنها ما بعد الطبيعة بناء على ذلك، وذلك هو معنى كلمة ~~«ميتافيزيقا» التي يستعملها دارسو الفلسفة. # وقد بات هذا الاسم يطلق على أي بحث عقلي يريد به صاحبه أن يتعقب موضوعا ما إلى أن ~~يصل إلى ينابيعه الخافية على العين، فمثلا إذا تعقبنا «الأخلاق» إلى الجذور الأولى التي ~~نبع منها ما يسمى بالأخلاق، كان ذلك بحثا في ميتافيزيقا الأخلاق، وإذا تعقبنا العلوم ~~إلى ما قد يكون وراءها من أصول لولا وجودها لما تفرعت لنا العلوم التي نراها بين أيدينا، ~~كان ذلك البحث بحثا في ميتافيزيقا العلوم، وهكذا. # لكن إلى جانب هذه البحوث الميتافيزيقية الفرعية، قد يحاول الفيلسوف - من كبار الفلاسفة ~~على وجه الخصوص - أن يتناول الكون كله بالتفسير، ويقصد بالتفسير هنا أن يفرض الفيلسوف ~~لنفسه «فكرة» أو «مبدأ» يرى أنه من الممكن أن يفسر لنا على ضوئه كل جوانب الوجود، من ~~الحب والصداقة والشجاعة، ونظم الحكم، فصاعدا إلى حركة الأجرام السماوية والحياة والموت ~~والخلود، ومثل هذه المحاولة هي «ميتافيزيقا». # إنني أحاول أن أوضح للقارئ ما وسعني التوضيح، ليسايرني ويشاركني فيما أردت عرضه ~~عليه. أما وقد أنبأته بأن فيلسوفا ما قد يضع لنفسه «مبدأ» يرى أنه مستطيع بمبدئه ذاك أن ~~يفسر كل شيء، فسأضيف له الآن جانبا هاما، وهو أن من حق فيلسوف آخر أن يضع مبدأ آخر، ~~يرى أنه أفضل من مبدأ زميله في تفسير الكون والكائنات، وهذه النقطة أرجو أن ترسخ في ذهن ~~القارئ؛ لأنني سألجأ إليها بعد قليل. # فقد حدث أن نشرت كتابا سنة 1953م، أسميته إذ ذاك «خرافة الميتافيزيقا» (وأعدت طبعه ~~منذ قريب جاعلا عنوانه «موقف من الميتافيزيقا») وطبقت في ذلك الكتاب منهجي الفلسفي في ~~النظر إلى ما ينتمي إلى مجال «العلم»، وبينت كيف أن ms080 البناء الفكري الذي يولده الفيلسوف ~~من مبدأ معين، هو بمثابة التوأم للبناء الرياضي الذي يقيمه عالم الرياضة - مثل إقليدس في ~~علم الهندسة - ففي كلتا الحالتين: البناء الميتافيزيقي، والبناء الرياضي، نقول عنه إنه ~~صحيح، إذا وجدنا النتائج مستدلة استدلالا صحيحا من «المبدأ» - في حالة الميتافيزيقا - ~~ومن المسلمات - في حالة الرياضة - أي أن البناء المعين من النوعين لا تتوقف صحته على ~~كونه مطابقا للواقع الطبيعي، فإذا زعم لنا فيلسوف أن بناءه الميتافيزيقي يصف الكون كما هو ~~واقع، عارضناه في ذلك، كما يعارض عالم الرياضة إذا زعم أن صحة نظرياته الرياضية ~~مستمدة من أنها مطابقة للواقع الطبيعي. # فلما نشر الكتاب المذكور، غضب كثيرون، على ظن منهم أنه ما دام الكتاب ينفي أن يكون ~~فيلسوف الميتافيزيقا محقا في جعل بنائه الفكري مطابقا بالضرورة لدنيا الواقع، فكأن ~~الكتاب المذكور ينفي أيضا أن تكون العقيدة الدينية في إله موجود محقة فيما ذهبت ~~إليه! # وأعود هنا بالقارئ إلى الحقيقة التي رجوته أن يحفظها في ذهنه جيدا، وهي أن الفيلسوف إذ ~~يبني بناءه الميتافيزيقي، فإنما يقيمه على مبدأ من عنده، وأن أي فيلسوف آخر من حقه ~~كذلك أن يقيم بناء آخر على مبدأ من عنده، وبذلك تتعدد البناءات الفلسفية بتعدد ~~أصحابها. وأما في حالة الدين فالأمر مختلف أشد ما يكون الاختلاف؛ لأن البناء الديني قائم ~~على وحي منزل، وليس من حق أحد آخر أن يبني دينا على شيء آخر من عنده هو، اللهم إلا إذا ~~كان خارجا على هذا الدين، وعندئذ لا يحسب له حساب، فبينما تتعدد البناءات الفلسفية ~~بتعدد الفلاسفة يظل البناء الديني واحدا لوحدانية الموحي به والموحى إليه. وإذا جعلنا ~~حديثنا هنا مقصورا على الإسلام، قلنا إن شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ~~تتضمن فيما تتضمنه وحدانية من أوحى بالدين، ومن نزل عليه الوحي، وذلك يستتبع أن يظل ~~البناء الديني عند المؤمنين به واحدا عند الجميع. # تلك ناحية، وناحية أخرى، أن حديثي كله الذي تحدثت به عن منهجي الفلسفي وتطبيقه، إنما ~~يقتصر فقط ms081 على مجال «العلم» (ومرة أخرى أود لو أني أخذت أكرر كلمة «العلم» ألف مرة: ~~العلم، العلم، العلم ... إلى أن أبلغ الألف) أي أنه منهج فكري لا يراد به، ويستحيل أن يراد ~~به ، الانطباق على مجال الدين، أو على أي مجال آخر غير مجال «العلم» والعلم وحده. # فقل لي بالله، كيف يمكن بعد هذا كله أن يخلط الخالطون بين قول قيل في عالم الفلسفة، ~~وبين ما لم نذكره من عالم الدين، ماذا كنت أصنع تحديدا وتوضيحا لأمنع حدوث الخلط ~~الذهني الذي علق في أذهان من أخذوا على أنفسهم عهدا أن يعيشوا حياتهم في الغموض الفكري ~~شهيقا وزفيرا؟ فأولا لم يكن لي في الكتاب المذكور أي شأن بأي قول ورد في أي دين من ~~الأديان. وثانيا لم يكن المرفوض هو الأنساق الميتافيزيقية في ذاتها، فتلك الأنساق بناءات ~~فكرية محكمة النسج إحكاما لا يقارن إلا بالبناءات الرياضية، فلو أن الفيلسوف ~~الميتافيزيقي قدم نسقه الفكري على أنه تصور عقلي لا يشترط لقبوله أن يكون تصويرا ~~لحقيقة الكون كما هي قائمة في الواقع الفعلي، لما كان لنا على عمله اعتراض، وهذا نفسه هو ~~الموقف بالنسبة لأي نسق في العلوم الرياضية، فهو يكون صحيحا بالنسبة للعلاقات الاستدلالية ~~الكائنة بين أجزائه، لكنه ليس حتما هو الصورة التي تطابق الواقع الخارجي. # الفروق بين الدين والفلسفة واسعة وعميقة، بحيث يستحيل أن يخطئها بصر، والاختلاف بينهما ~~متعدد الجوانب، فهو اختلاف في المصدر؛ إذ الدين مصدره وحي يوحى إلى نبي أو رسول، وأما ~~الفلسفة فهي قائمة على رؤى يحدسها إنسان من البشر، وإما جاءت تلك الرؤى صادقة ونافعة، وإما ~~جاءت باطلة لا تنفع أحدا، وهو كذلك اختلاف بينهما في الطريقة التي يتلقى بها المتلقي ما ~~يقدم إليه، ففي الدين إما أن يصدق المتلقي ما يقال له وإما أن يرتاب، أعني أنه إما ~~أن يؤمن بالرسالة وإما ألا يؤمن بها. وأما في الفلسفة فالقبول أو الرفض أو التعديل مرهون ~~بمراجعة الاستدلالات المنطقية التي ينتقل بها الفيلسوف من جزء إلى جزء آخر، ثم ms082 هو مرهون ~~كذلك بقدرة ما يقدمه الفيلسوف على تفسير ما نراه في الكون وكائناته. وهو فوق هذا وذاك ~~اختلاف بينهما في الوظيفة التي يؤديها كل منهما، فالدين منظومة من العقائد والشرائع ~~والعبادات والمبادئ، يتكون منها خطة حياة هنا في هذه الدنيا، وتمهد للحياة الآخرة يوم ~~يكون الحساب. وتلك المنظومة الدينية إذا ما أرسيت قواعدها في حياة الناس، فهي إنما تصبح ~~ركيزة إيجابية - بل أهم الركائز الإيجابية جميعا - فتضاف إلى ما عند الناس من علوم ~~وفنون وآداب وأعراف وتقاليد وغير ذلك من مقومات المجتمع. وأما الفلسفة فهي مختلفة عن ذلك ~~كل الاختلاف؛ لأنها تبدأ فعلها بعد أن يكون المجتمع قد أقام مقوماته تلك ليحيا في إطارها؛ ~~إذ يأخذ صاحب الفكر الفلسفي في تعقب أي مقوم من تلك المقومات إلى أصوله المضمرة ~~المستورة أو قد يكون الفيلسوف واسع الأفق، فيتناول جميع ما حوله في قضمة واحدة، ليردها ~~جميعا إلى أصل واحد مشترك. وبعبارة أخرى نقول إن الفلسفة التي تصب فاعليتها على ~~ظاهرة معينة لتكشف عن طبيعتها أولا، وعن علاقاتها ببقية الظواهر ثانيا، لا بد ~~- بالضرورة - أن تجيء بعد قيام الظاهرة بذاتها، ففلسفة العلم - مثلا - لا بد أن يسبقها ~~وجود العلم، وفلسفة اللغة لا بد أن تسبقها اللغة، وفلسفة الإسلام لا بد أن تجيء بعد ~~ظهور الإسلام، وفلسفة التاريخ لا بد أن تجد تاريخا لتصب رؤيتها عليه، وفلسفة الوجود ~~بصفة عامة لا بد أن يسبقها ذلك الوجود. # قارن بين متكلم يقرر في جملة يقولها أنه يحب ليلى، وبين مفكر يتناول حالة هذا المحب ~~ليتعقبها إلى نشأتها كيف تكون، تجد أن الفرق بين الرجلين هو كالفرق بين عابد مؤمن يحيا ~~حياته الدينية، وفيلسوف يتأمل مقومات تلك الحياة ليخرج مضامينها المضمرة في ثناياها، ~~فإذا وجدت الآن أن الفرق بات واضحا بين ما ينخرط فيه المتدين من أسلوب للعيش وطرائق ~~للعبادة وغير ذلك، وبين رجل يتناول الظاهرة الدينية كلها بالنظر النافذ الذي يبين مكنونها ~~من مبادئ وأهداف، أقول إنك إذا وجدت الآن أن الأمر بينهما أصبح ms083 واضحا، فقل لي نشدتك الله: ~~كيف يمكن لصاحب فكر فلسفي، إذا ما استعرض أقوالا لفلاسفة بالتحليل ليكشف فيها عن جوانب ~~الصواب وجوانب الخطأ من وجهة نظره، أقول: كيف يمكن لرجل كان هذا هو عمله، يتعرض لمن ~~يتهم وجهة نظره بأنها منافية للدين بأي وجه من الوجوه؟ # إنه الخلط الفكري الذي رزئنا به في حياتنا الثقافية، حتى أصبحنا وكأننا في تلك الحياة ~~نخوض في عماء فوقه سحاب أدكن، ويكتنفه ضباب قاتم كثيف. # | ذلك دور المسلمين # تلقيت في يوم واحد رسالتين، كلتاهما تستند في سياق حديثها، إلى أقوال قالها المفكر ~~الفرنسي الكبير روجيه جارودي، ولقد قالها في معرض حديثه إلى الناس هنا - في مصر - عن ~~الدوافع التي انتهت به إلى اعتناق الإسلام. أما إحدى الرسالتين فقد جاءت من قارئ يباهي ~~بإسلامه، لكنه - كما رأيته - لا يتخلق بأخلاق المسلمين في أدب الحديث. وأما الرسالة ~~الثانية فمن شاب أخذته الحيرة، ولم يعد يدري أين يكون الصواب في النظرة إلى حضارة هذا ~~العصر، وأين يكون الخطأ. على أن الذي استوقفني في الرسالتين معا، اشتراكهما في نقطة ~~أوردها جارودي في أحاديثه عن إسلامه، فأبرزتاها باهتمام شديد. وخلاصتها هي أن حضارة ~~الغرب في عصرنا هذا، إنما هي حضارة بلا أهداف، وأن الإسلام يمثل الحياة الكاملة التي تعرف ~~أهدافها، فأما صاحب الرسالة الأولى - وهو ذو منصب تربوي كبير - فيسوق لي هذه الفكرة في نغمة ~~التوبيخ على ما أردده من دعوة إلى الأخذ بحضارة العصر، وأما الرسالة الثانية فمن طالب ~~حيران، وعلى أي الحالتين، فالفكرة تتطلب وقفة هادئة متروية نزيهة، لعلنا نرسو بها ~~على نتيجة نطمئن إليها، فهي ليست بالفكرة الثانوية التي لا نأبه لها، بل هي في الحقيقة ~~فكرة محورية أساسية في رسم اتجاهنا الحضاري، الذي من شأنه أن يؤثر في كل فروع حياتنا: فكيف ~~يكون التعليم؟ وكيف يكون الاقتصاد؟ وكيف تكون صورة الحكم؟ وكيف تكون كل صورة أخرى من صور ~~الحياة الاجتماعية والحياة الفردية على السواء؟ أنميل بذلك كله نحو العصر وحضارته بدرجة ~~كبيرة أو بدرجة صغيرة ms084 بحسب ما يقتضيه كل جانب على حدة؟ أم نغلق أبوابنا ونوافذنا دون ~~العصر وحضارته حتى لا يصيبنا منه بلاء التيه الذي نضرب فيه على غير هدى؟ إذ هو سير إلى ~~غير هدف معلوم. # وأغض النظر عن الرسالة الأولى التي أعوزها أدب الإسلام في توجيه الخطاب - وهذا هو أقل ~~ما يقال فيها - وأقف عند الرسالة الثانية، وفيها جاء ما يأتي، مكتفيا منه بمضمون معناه: # إنه لتأخذني حيرة، ويساورني قلق، إزاء ما تدعو إليه من حتمية اللحاق بحضارة ~~الغرب، فها أنا ذا أقرأ عن الغرب أنه يحيا حياة مادية، كانت نتيجتها حياة اجتماعية ~~تتسم بالاستعباد والسخرة في المجتمع الشيوعي، أو تأخذ طابع المنافسة والصراع في ~~المجتمع الرأسمالي، وأما الاقتصاد فقد أصبح هدفه مجرد تشغيل الآلة، لتنتج هذه ~~الآلة ما تقدر قيمته بملايين الدولارات من أسلحة الدمار، ثم تحول المجتمع إلى ~~مجتمع استهلاكي، يهدف إلى خلق حاجات، ثم إلى إشباعها. وبالتالي فقد أصبح الفرد ~~يعيش معيشة حيوان، كل همه إشباع حاجاته، أما الثقافة فهي إما مجمدة وإما ~~مسخرة لخلق نسخ أخرى من مجتمعات تجيء على تلك الصورة الفاسدة، وسبب ذلك هو ~~الفصل بين العلم والحكمة، وبين الوسيلة والغاية، فالحياة هي لمجرد الحياة، والعلم ~~هو لمجرد العلم. «هذه يا سيدي هي آراء أحد أبناء الغرب، بل أحد فلاسفته، وهو روجيه ~~جارودي.» ثم يسأل صاحب الرسالة قائلا: أهذه هي الحياة التي تدعونا لنلحق بها؟ فأي ~~شيء مما قاله جارودي يغري الإنسان، بأن يحاول خلق مجتمع تلك هي حياته، وهذه هي ~~نهايته؟ # وأبدأ قولي بأنني أقدر السيد جارودي تقديرا يرتفع ما ارتفعت مكانته العليا في دنيا ~~الفكر المعاصر، ولم يكن فكره من ذلك النوع المجرد الأجرد الخالي من الروح والحيوية، بل كان ~~فكرا فعالا مستجيبا للحياة وظروفها، ولم يكن ليتحرج من الانتقال بفكره من طرف إلى ~~طرف، إذا وجد أن متابعة الحق - كما يراه هو - تقتضيه مثل ذلك الانتقال، وهذا ما حدث ~~بالفعل، فقد كان شيوعيا ذات يوم، ثم ها هو ذا اليوم يعتنق الإسلام، وبين ms085 الشيوعية ~~والإسلام ما بينهما من اختلاف في الأسس المبدئية الأولى. # لكن تقديري للرجل لا يمنعني من ملاحظات أبديها، وأولها أنني كنت أتمنى لإسلامه أن ~~يجيء على أساس «العقيدة» ذاتها، لا على أساس «الحضارة»؛ لأنه إذا كان من الأسباب التي دفعته ~~إلى اعتناق الإسلام، ما وجده من نقص جوهري في «حضارة» الغرب، إذ وجد أنها حضارة بلا هدف، ~~فهي تخلق في الناس حاجات لم تكن بهم من قبل، ثم تعمل بعد ذلك على إشباع تلك الحاجات بما ~~تنتجه الآلات، دون أن يؤدي ذلك إلى الارتقاء بالإنسان من حيث هو إنسان، فماذا لو لم يكن ~~في حضارة الغرب مثل هذا النقص؟ واضح أن النتيجة هنا هي أنه لم يكن جارودي ليجد ما يدعوه إلى ~~الإسلام. والملاحظة الثانية هي أن المفكر الفرنسي الكبير، حين هاجم حضارة الغرب بما هاجمها ~~به، فإنما كان في ذلك مسلحا بثقافة الغرب ذاته، ومثل هذا الموقف المنطوي على مفارقة، ~~كثيرا جدا ما نراه عند أعداء العصر وحضارته، فتجد الواحد منهم - مثلا - يلعن حضارة ~~الآلات، لكنه يوجه تلك اللعنة من إحدى الآلات التي يلعنها: من التلفزيون - أو الراديو - ~~أو أية وسيلة أخرى من وسائل العصر. # إنه لا بأس يا سيدي في أن يصيح مفكر فرنسي كبير صيحة الغضب من العلم الحديث، وما تمخض ~~عنه من آلات، أقول إنه لا بأس في أن يصيح صيحة غضبه تلك في أرجاء الغرب، بعد أن شبع ذلك ~~الغرب علما وارتوى بالعلم؛ لأنه إذا كان ذلك الغرب قد شطح بعلومه وآلاته، حتى انحرف عن ~~جادة الصواب، فبدل أن ينتج للناس خبزا أخذ ينتج لهم سلاحا فاتكا، فإنه ليس محالا عليه ~~أن يعود على هدى الصيحة الغاضبة، فيلتزم جادة الحق. بعلومه تلك وآلاته، وذلك بأن يبقي ~~على ما ينفع الناس، ويمحو ما يؤذيهم. ذلك كله يمكن للغرب ما دام العلم بين يديه يصنع به ما ~~استطاع أن يصنع، لكن البأس كل البأس يا سيدي في أن توجه مثل تلك الصيحة الغاضبة في بلد ~~ما يزال ms086 عند ألف باء العلم والصناعة؛ لأنك إذا أشعت في نفوس أهله مثل ذلك الترف العقلي، ~~وأعني به التشكك في حضارة العلم والصناعة - التي هي حضارة هذا العصر- فكأنك أشعت في ~~صدورهم دعوة إلى الجمود، لا بل دعوة إلى العودة إلى الوراء، حيث لا علوم ولا صناعة ولا ~~أجهزة ولا آلات، ولن يحدث لهم عندئذ إلا أن تزداد حاجتهم إلى الاعتماد على الغرب في كل ما ~~ينتجه من علم، وما يصنعه من آلات. # وأنت أعلم مني يا سيدي بأن تلك العلوم والآلات، التي هي أبرز سمة من سمات الحضارة ~~العصرية، ليست كلها شرا على الإنسان، بل إن الكثرة الكاثرة منها إنما هي الخير كل الخير. ~~وماذا تكون تلك الآلات إلا امتدادات لما في التكوين العضوي للإنسان نفسه؟ ففي الإنسان عينان ~~تبصران، ولكنهما تبصران إلى مدى تقيده الحدود، أبعادا وأحجاما، فهما لا تريان ما ~~بعد بعدا يجاوز الحد كأفلاك السماء. وهما كذلك لا تريان ما بلغ من الصغر حدا ~~معلوما، فجاءت آلات الرؤية لتمد أبعاد البصر، حتى يبلغ ما شاء الله له أن يبلغه، وأن ~~تزيد من أحجام الكائنات البالغة الصغر، حتى تصبح للإنسان في مجال رؤيته، وقل مثل ذلك في ~~حاسة السمع، فلقد جعل الإنسان لنفسه من الرادار أذنا تتأثر بما هو أوهى من دبيب النمل، ~~وإذا كان في خلقة الإنسان رجلان يسير بهما ويجري لينتقل من مكان إلى مكان، فانظر كم أضاف ~~إلى قدرة رجليه حين صنع الطيارة، بل وبعد الطيارة المألوفة جاء صاروخ الفضاء. وماذا ~~نقول عن أجهزة الفحص الطبي وغيرها وغيرها؟ إنني لأشعر الآن بغير قليل من الخجل، حين أذكر ~~أمثال هذه الأمور التي أصبحت في محفوظات الأطفال، لكن ماذا أصنع يا سيدي، إذا كانت صيحتك ~~الغاضبة قد أثرت في رجالنا وفي شبابنا؟ فكان من أصداء ذلك ما جاءني في الرسالتين ~~المذكورتين، وإحداهما من عميد لإحدى الكليات الجامعية، والأخرى لطالب في إحدى كليات ~~الهندسة. وأعود فأقول: إننا لو كنا شبعنا علما وارتوينا علما - كما شبعتم وارتويتم ~~- لما كان هنالك ms087 من بأس فيما قلته عن العلم الحديث وأجهزته وآلاته؛ لأننا كنا عندئذ ~~إذا ما أدركنا انحرافنا، أصلحنا الانحراف، والعلم وأجهزته وآلاته لم تزل في أيدينا. # لقد أعجبتم الناس هنا إعجابا شديدا - فيما يبدو - بقولكم إن حضارة الغرب فيها علم ~~للعلم، وآلة للآلة نفسها، ولكن ليس فيها هدف يستهدفه العلم وتستهدفه الآلة، وأن إيثاركم ~~للإسلام إنما جاء من كون الإسلام كيانا متكاملا هدفا ووسيلة، لكن الناس إذا أخذهم ~~الإعجاب بذلك - وهو إعجاب ظهر في الرسالتين المذكورتين - نسوا أنهم في حياتهم الفعلية ~~الآن ومنذ أربعة قرون على الأقل، أصبحت أمامهم أهداف الإسلام، دون أن يعيشوا وسائلها، فإذا ~~كانت حضارة الغرب قد بدت لك وسائل بغير أهداف، فحياتنا هنا أهداف بلا وسائل، وقد كان الأمل ~~أننا إذا ما قويت أعوادنا علما وصناعة، ازددنا اقترابا من حياة القوة عند المسلمين ~~الأوائل، فتتكامل لنا الحياة - كما تكاملت لهم - وسيلة وهدفا. فجاءت دعوتكم يا سيدي ~~لتشكك الشباب في قيمة العلم وقيمة الآلات، كما ترى في رسالة طالب الهندسة التي ~~أسلفتها. # إن التاريخ البشري لم يشهد مرحلة واحدة خلت ممن يتشككون في أجهزة الحضارة كلما استحدث ~~شيء منها. وإني لأتصور الإنسان في العصر الحجري، عندما عرف كيف يقد لنفسه من الحجر ~~سكينا، لم يخل من رجال يعارضون تلك السكين، بحجة أن الإنسان قد يقتل بها إنسانا مثله، ~~وينسى مثل ذلك الناقد أنها كلما قتلت بالخطأ إنسانا واحدا، فإنها تكون قد قتلت بالحق ألف ~~ألف من الصيد الحيواني الذي يقتات الإنسان به. # وهكذا تمضي الحضارة قدما في سيرها، ومع كل خطوة إلى الأمام يظهر المعارضون الناقمون، ~~لكنها تمضي، فانظر إلى صيحات الشعراء في أوروبا، عندما رأوا تباشير الانقلاب الصناعي وهي ~~آخذة في الظهور والانتشار، فكم أخذهم الهلع والجزع عندما بدأت المصانع تعلو في السماء ~~بمداخنها. ولأضرب هنا مثلا واحدا أسوقه لشاعر إنجليزي رومانسي النزعة، متصوف بطبعه، هو ~~وليم بليك، الذي أنشأ قصيدته المعنونة «ملتن» ليقول فيها ما معناه حسرة عميقة على حياة مضت ~~كانت وادعة مطمئنة بإيمانها، إنها ms088 لم تكن تعرف وقتئذ إلا المروج اليانعة والجبال ~~المخضرة بعشبها، وهل كانت رسالات الله إلى أنبيائه لتهبط عليهم وهي في أمثال هذه المدن ~~الجديدة بمداخنها التي كأنها قرون الشياطين؟ ثم أعلن الشاعر في قصيدته تلك عزيمته على ~~الجهاد في محاربة الصناعة الجديدة وآلاتها. وأظنني ما زلت أذكر أبياتها التي يقول فيها: ~~أعطوني قوسي الذهبية الملتهبة، أعطوني السهام ورمحي، فلن أكف عن الجهاد بفكري، كلا ~~ولن يرقد سيفي خاملا في يدي، حتى أعيد إلى بلادي البهجة الخضراء. # ولم يكن وليم بليك هو وحده الشاعر الثائر على الآلات الجديدة وقت ظهورها، لكن قطار ~~الحضارة نفث نفثاته النارية، ومضى يطوي الطريق إلى أمام، تلاحقه لعنات اللاعنين. # الآلات الحديثة هي نفسها العلم الحديث، فإذا سمعت الناس يقولون إن العلم قد تقدم ~~خطوة، فاعلم أن معنى ذلك هو أن الآلات قد تقدمت تلك الخطوة، وكذلك إذا سمعتهم يقولون عن ~~الآلات الحديثة إنها تقدمت، فاعلم أنهم إنما يقولون بذلك ضمنا إن العلم تقدم، فإذا سمعنا ~~صوتا غاضبا يسألنا: وماذا جناه الإنسان من علم وآلاته - تقدمت أو تأخرت - فليكن ~~جوابك يا أخي في الوطن، ويا أخي في الإسلام، هو: إن ما جناه إنسان تقدمت علومه وأجهزتها ~~هو أن صار إنسانا بدرجة أعلى وغور أغزر؛ إذ هو قد تفكر في خلق السماوات والأرض كما ~~أمره ربه أن يفعل، فكان أن ازداد علما بالسماوات والأرض، ومع زيادته علما، ازداد ~~إيمانا. # وهنا أبسط القول فيما لا بد أن يضيفه المسلمون إلى حضارة هذا العصر، فيكمل بهم ~~ويكتملوا به. نعم إننا لو تصورنا إنسانا يقضي الحياة على هذه الأرض، ثم يمضي بالموت إلى ~~عدم لا قيام بعده ولا قيامة، لكان هنالك مكان فسيح لأسئلة السائلين: وأين الهدف البعيد ~~الذي من أجله أعيش وأعمل؟ أهو لقمة اليوم لأصبح بها قادرا على أداء العمل يوما آخر؟ ومن ~~هنا نشأ في أهل الغرب ما نشأ من قلق ومن شعور بالاغتراب، فهو قلق من غياب الهدف الذي من ~~أجله يعملون، وهو اغتراب لأن الواحد منهم ms089 يحس وكأنه انسلخ عن ذات نفسه ليصنع أشياء ~~للآخرين. # وهنا تكون للحياة الدينية قيمة كبرى؛ لأنها حياة من شأنها أن تقضي على الشعورين معا: ~~الشعور بالقلق، والشعور بالاغتراب، لماذا؟ لأن الإنسان يعمل طاعة لربه، وابتغاء رضاه، فلا ~~سؤال بعد هذا: لماذا أعمل؟ بل ولا سؤال بعد هذا: لمن أعمل؟ # إنه إذا كانت المذاهب الفلسفية في العصر المعين، هي أدق ما يصور حقيقة ذلك العصر ~~منظورا إليها في أعماقها، فمذاهب الفلسفة في عصرنا، بكل تياراتها، تصور الإنسان وكأنه ~~يبدأ هنا وينتهي هنا، ولم يكن منه شيء قبل ظهوره، ولن يكون منه شيء بعد غيابه، فللفلسفة ~~المعاصرة اتجاهان أساسيان، يكمل أحدهما الآخر: اتجاه منهما يصب اهتمامه على «العلم» ~~في بنيته وفي منهجه، والاتجاه الآخر يصب اهتمامه على حياة الإنسان نفسها، إما وهو فرد ~~حر مسئول، وإما وهو عضو في مجتمع له تاريخ، وكلا الاتجاهين - كما نرى - لا يفسح مكانا ~~لما هو وراء هذه الحياة بتاريخها الماضي وعلمها الحاضر، إذ هو لا يهتم بما كان من قبل ~~الحياة ونشأتها، ولا بما سوف يكون بعد فنائها، فالذي يجري أمامك على المسرح هو الرواية كلها ~~من فاتحتها إلى ختامها. وإذن فقد حق للسائل أن يسأل: ثم ماذا؟ فإذا هو لم يجد الجواب، ~~أخذه شعور بالقلق، وشعور بالاغتراب. # لكن المسلمين عندهم في ديانتهم الجواب. فالصورة في عقيدتهم الدينية لما سوف يكون بعد فناء ~~الأرض وما عليها ومن عليها، صورة واضحة بكل تفصيلاتها، فهنالك البعث والنشور، وهنالك ~~الحساب، وهنالك الثواب والعقاب، وهنالك الطريقة التي يكون بها هذا ويكون بها ذلك. وبكلمة ~~واحدة نقول: إن هنالك العدالة بأدق موازينها. أتسألني بعد هذا: فيم الحياة وشقاؤها؟ إذن ~~فالجواب هو: إنك تحيا بأمر الله وتعمل طاعة لله، وسيكون يوم الحساب موعدا لإقامة العدل ~~فيما قدمت يداك، وبهذا تنتفي دواعي القلق والاغتراب وغير ذلك من الحصاد المر الذي ~~تغص به حلوق المعاصرين. # وفي إضافة هذا الجانب إلى حياة العصر، يكون دور المسلمين المعاصرين. إننا لا نرفض العصر، ~~بل نضيف إليه ما ms090 ينقصه، وفي هذه الإضافة نفسها يتحقق بالإسلام ما أسلم روجيه جارودي من ~~أجل تحقيقه لنفسه، وهو أن يكون للحياة الدنيا هدفها، لكن تلك الحياة الدنيا لا بد أن ~~نجعلها حياة مليئة بكل ما أنتجه العقل البشري من علوم وأجهزة وآلات، وبكل ما أنتجه ~~الوجدان البشري من فنون وآداب. # | نعم، إسلامنا يكفينا ولكن كيف؟ # أكان غرورا مني، حين ظننت أن هذه المقالة التي أكتبها الآن، واجبة الأداء قبل أن ~~أنصرف إلى راحة الصيف؟ فما مقالة من ضعيف مثلي، وما ألف ألف مقالة، إذ أردنا لنملة واحدة ~~من نمال الأرض أن تغير من حياتها شيئا؟ كانت علة البصر قد اشتدت معي بعض ظواهرها في ~~الأسابيع الأخيرة. فتعللت أمام نفسي بقدوم الصيف لأستريح؛ وذلك لأن علة البصر وحدها لم ~~تفلح في ردعي عن الكتابة، حتى سأل سائل سؤالا ضقت به أشد الضيق؛ لأنه وإن يكن سؤالا ~~واحدا من فرد واحد، إلا أنه كالعلامة الصغيرة التي تدل عند حاملها على مرض خطير، فدفعني ~~شعور بالواجب، لم أملك له ردا، وهو أن مقالة حول سؤال السائل قد باتت واجبة الأداء، ولا ~~بأس في إرجاء الراحة أسبوعا آخر. وأما السؤال فهو أقرب إلى الاستنكار منه إلى طلب ~~المعرفة؛ إذ يسألني بما معناه: أليس الإسلام يكفينا ويغنينا عن الغرب بكل ما فيه؟ على أني ~~إذ قررت الإجابة، وليكن من علة البدن ما يكون، لم أخل من تساؤل ساخر أديره صامتا ~~بين جوانحي، هو: أكان غرورا مني عندما توهمت أن مقالة يكتبها عابر سبيل مثلي، أو ألف ~~ألف مقالة بمستطاعها أن تغير من عقول الناس شيئا؟ # ولست أدري كيف أطمئن القارئ - قبل أن أخط كلمة واحدة بعد ذلك - أنني مصري عربي مسلم. ~~فأنا مصري يريد الخير لبلاده، وأنا عربي لم يعد يرى لنفسه وجودا إلا وهو في حضن العروبة، ~~وأنا مسلم لا يبيع مثقال ذرة من عقيدته بملك الدنيا وما فيها، فإذا كنت قد دعوت فيما ~~كتبته خلال أعوام تعد بالعشرات لا بالآحاد، وإذا كنت سأظل أدعو إلى ms091 آخر نفس ألفظه، ~~إلى المشاركة في علم العصر، وفي منهج العصر، وفي ثقافة العصر، وفي حضارة العصر، فما دعوتي ~~تلك إلا لأنني مصري عربي مسلم. فلما جاءني سؤال السائل لم أدهش له، برغم ما أحدثه في صدري ~~من ضيق به، وإنما كان امتناع الدهشة عندي، صادرا عن علمي بالمناخ الفكري الذي يخيم ~~علينا منذ سنين، وأحسب أنه باق معنا إلى عدة أخرى من سنين. وما وسعني إلا أن أستعرض ~~بلمحة سريعة، مراحل طريقنا الفكري، منذ أول هذا القرن - أو أواخر القرن الماضي - إلى يومنا ~~الراهن، لأرانا قد طوينا مرحلة أولى امتدت بنا إلى منتصف القرن، وانتقلنا إلى مرحلة ~~ثانية هي التي نخوضها اليوم، وسرعان ما رأيت - أو ما رجوت - أن تأتي بعد هذه المرحلة ~~الحاضرة، مرحلة ثالثة، هي التي تتكامل لنا فيها العناصر الثقافية والحضارية التي ~~نريدها. # ولقد رأيت بتلك اللمحة السريعة إلى المرحلتين الأولى والثانية، أن كلتيهما كانت ضرورية ~~لنا. فأما الأولى فهي التي فتحنا فيها أبوابنا على الأفق العصري الفسيح، ولولا ذلك لظللنا ~~نغط نعاسنا، على ظن منا بأن دنيانا بخير، وما عندنا يكفينا، وتذكرت ما حدث عندما جاءت ~~سفن الحملة الفرنسية إلى شواطئ الإسكندرية سنة 1798م، وكان نابليون يعلم أن الأسطول ~~البريطاني قد سبقه، وأراد أن يتبين إن كان قد مر بالشاطئ المصري، فأرسل بعض رجاله ~~يسألون من يتوسمون فيهم المعرفة، فما وجد أولئك السائلون عند الناس جوابا، إلا الدهشة ~~للسؤال نفسه، قائلين: ما هي بريطانيا وأسطولها وفرنسا ونابليونها؟ إننا هنا بلاد ~~السلطان. # إذن كانت المرحلة الأولى في طريق سيرنا، ضرورة محتومة، لنعرف بها أن وراء بلاد السلطان ~~بلادا أخرى، ووراء العصر الذي كنا نعيش فيه، عصرا آخر جديدا أشرقت شمسه لثلاثة قرون ~~خلون بضروب من العلم لم نكن ندري عنها شيئا. فحتى لو كانت تلك الشمس التي أشرقت، ~~حارقة بنارها كما هي هادية بنورها، فقد كان لا بد لنا أن نحيط بوجودها علما، لنستضيء ~~بالنور منها، وندفع عن أنفسنا لهب النار. # وإذا أراد شباب اليوم أن ms092 يعلموا إلى أي حد بعيد، كنا خلال المرحلة الأولى على صلة ~~وثيقة بما ينتجه الغرب من علم وأدب وفن، أولا بأول، وكأن حدود بلادنا الثقافية قد ~~اتسعت بنا لنعيش مع أقوام الغرب عبر البحر، فليرجعوا إلى إنتاج أعلامنا خلال تلك الفترة، ~~ليروا كيف كانت أقلامهم تجري بما يحدث هناك بعد حدوثه بفترة لا تزيد على أيام يتطلبها ~~الإرسال بالبريد، وسيرى هؤلاء الشباب أن أعلام تلك المرحلة الأولى، إذ كانت أبصارهم تتابع ~~مسيرة الفكر في الغرب خطوة خطوة، كانت تلك الأبصار في الوقت نفسه لا تنفك مسلطة على ~~تراثنا تنشره فتحييه، لكننا ونحن ننظر إلى أعلام المرحلة الأولى - أي خلال النصف الأول ~~من هذا القرن على وجه التقريب - فقد يأخذنا غير القليل من الجزع؛ إذ نلمح في هؤلاء الأعلام ~~شيئا من الإسراف في التباهي بثقافة الغرب وحضارته، مما أدى بنا يومئذ إلى العيش في ~~مناخ كاد المواطن فيه أن يخفي مصريته وعروبته وإسلامه، حتى لا يتهم بالجلافة ~~والتخلف. ولا أظن أن أحدا منا قد نجا من تلك التبعية العمياء القاتلة، حتى أولئك القادة ~~الذين عرفوا تراثنا ودرسوه وناقشوه ونشروه، كنت تراهم يفعلون ذلك كله، ووراءه نبرة لا ~~يخطئها السمع. يقولون بها ما معناه: لكننا فوق ذلك نقرأ الإنجليزية، ونتكلم الفرنسية، ~~وندخن الغليون. # نعم، كان الصوت الأعلى هو لأصحاب الثقافة المنقولة عن الغرب، وكان الشعور بالنقص هو نصيب ~~من درس الكنز الموروث مكتفيا به، وهو موقف فيه هزال المريض، وضعف الذليل، لا سيما إذا ~~تذكرنا أن بلادنا في قبضة المستعمر، الذي هو نفسه صاحب تلك الثقافة، التي ينقلها ~~ناقلوها، ثم يفاخرون الناس بما نقلوا. # فكيف لمثل ذلك الموقف أن يدوم، وهو وإن يكن قد أقام بناءه على عمد قوية في جانب، فقد ~~أقامه كذلك على عمد واهية متداعية في جانب آخر. نعم كان من علامات القوة والصحة أن نضع ~~أنفسنا مع العصر في موكب سيره؛ لأنه عصرنا، ولكنها كانت علامات ضعف ومرض، أن ننسى أننا إنما ~~كنا ننقل إلى أنفسنا «غذاء» يزيد ms093 من شعورنا بهويتنا الأصيلة هو غذاء لا بد منه لا نستغني ~~عن شيء منه إلا إذا أردنا لأنفسنا انتحارا حضاريا، ولكنه مع ذلك «غذاء» وليس صنما ~~للعبادة. ولقد كنت لفترة طويلة واحدا من أولئك الذين ضلوا سبيل الحق في هذا الصدد، ~~فبالغت كما بالغوا، حتى أراد لي الله رؤية أهدى. # وكان من طبائع الأمور أن نتحول في سيرنا من مرحلة إلى أخرى تليها، لم تجئ لتعتدل بنا ~~في وقفتها ونظرتها، بل جاءت لتأخذ بثأرها وتنتقم، وهي مرحلة تريد لنا أن نسترد ذاتنا ~~المفقودة في متاهة الفكر الغربي، وشيئا فشيئا نظرنا، فإذا نحن قد تقوقعنا في شرنقة ~~أنفسنا، وحسبنا أننا بذلك قد رددنا الذات الضائعة. ويكفيك أن تنظر إلى الجادين من شباب هذا ~~الجيل لتراهم - وتراهن - وهم الشباب الذين نتوقع منهم الفطرة البشرية نفسها أن يطيروا إلى ~~المستقبل بأجنحة النسور قد داروا على أعقابهم، ولووا رقابهم ليتجهوا بأبصارهم إلى الوراء لا ~~ليستمدوا منه «الغذاء» الذي يسري قوة وصحة في الدماء، ثم لينصرفوا بتلك الصحة القوية نحو ~~إبداع عصر جديد، بل زلوا كما زل رجال المرحلة السابقة، وظنوا أن الكنز المنقول عن ~~الماضي، إنما هو مقصود لذاته، نتعشقه بالنظر من بعيد، ونلمسه بأصابعنا لنتبرك ~~به. # فالمرحلة الثانية - وهي التي نحياها اليوم - هي مقلوب المرحلة الأولى، في كل منهما حسنة ~~نتمسك بها، وفي كل منهما سيئة ندعو الله البرء منها. فالحسنة في المرحلة الأولى هي الإصرار ~~على متابعة الغرب في كل جديد يبدعه، لعلنا ذات يوم أن نشارك بدورنا في ذلك الإبداع، ~~والحسنة في المرحلة الراهنة هي إصرارنا على تحقيق ذواتنا بالانتماء الصحيح إلى منابعنا، ~~لكن السيئة في كل من المرحلتين هي الزهو الأجوف، الذي يريد أن يكتفي بما عنده، وأن يجعل ~~نفسه وكأنه في غنى عن الجانب الآخر. على أن التشابه بين المرحلتين في هذه السيئة ليس ~~تشابها كاملا، فالمرحلة الأولى تتفوق على هذه المرحلة الراهنة تفوقا ظاهرا، في أن ~~رجال المرحلة الأولى جمعوا جديد الغرب إلى تليد التراث. وكل ما في ms094 الأمر أنهم كانوا أميل ~~إلى الزهو بما نقلوه عن الغرب، في حين أن أبناء هذه المرحلة الحاضرة لا يريدون أن يسمعوا ~~إلا صوتا واحدا، وأن يصموا آذانهم عن كل صوت سواه. وفي هذا الجو الفكري سألني السائل ~~سؤاله: ألا يكفينا إسلامنا ويغنينا عن الغرب بكل ما فيه؟ # إن أكذوبة الأكاذيب يا أخانا، في هذه المرحلة الثقافية التي نعيشها، هي ذلك الباطل الذي ~~شاع وذاع، حتى ملأ القلوب والأسماع، بأنه إما الإسلام، وإما هذا العصر بعلومه وفنونه، فلو ~~أراد المسلم إسلاما صحيحا - هكذا يريدون أن يقولوا - فليترك العصر بما فيه، وإذا رأينا ~~أحدا منا يميل إلى العصر وخصائصه عددناه متنكرا لإسلامه. وإني لأزعم زعمين هنا، ~~يلتقيان معا عند نقطة واحدة، أولهما أن المسلم الحق يستحيل عليه ألا يصل إلى أخص خصائص ~~هذا العصر، عن طريق إسلامه نفسه. وأما الزعم الثاني فهو أنك لن تجد خاصة واحدة من الخواص ~~التي على دعائهما قام هذا العصر بحضارته الجديدة، إلا وأنت واجد كذلك بأنها خاصة حضنا ~~عليها الإسلام. ولننتقل من تعميم إلى تفصيل وتخصيص. # ولا بد لي على سبيل التمهيد، أن أضع في رأس القارئ فكرة، وأظل أدقها دقا حتى ترسخ ~~جذورها في تلافيف دماغه، وهي - على بساطتها ووضوحها - كثيرا ما تفلت، مع أنها في الحقيقة ~~مفتاح هام من مفاتيح النظرة العلمية الصحيحة، وتلك هي أن اللفظة من ألفاظ اللغة، أو ~~الجملة، أو الصفحة، أو الكتاب، ليس هو «الشيء» الذي جاءت تلك الرموز اللغوية كلها لتشير ~~إليه. إن كلمة «خبز» ليست هي الخبز الذي نأكله، ولو اكتفيت من الخبز باللفظة الدالة عليه، ~~لهلكت بإذن الله جوعا. إن كلمة «وردة» ليست هي الوردة التي نشمها، ولو اقتصرت من ~~الوردة على اسمها، لما نعمت بشيء من عبقها الجميل. وهكذا قل في كل رمز من رموز اللغة ~~كائنا ما كان. وبناء على هذه البديهية التي أضعها بين يديك، يصبح واجبا على القارئ الجاد ~~كلما قرأ، أن ينفذ ببصيرته خلال الألفاظ التي يقرؤها ليرى ماذا وراءها من «حقائق»؛ ms095 لأن ~~المادة المقروءة نفسها - كما قلنا - ليست تلك الأشياء التي جاءت تلك المادة المقروءة ~~لتشير إليها. # وبعد هذا التمهيد الموجز الهام، أتوجه إليك بالسؤال الآتي: ما هي في رأيك دعائم هذا ~~العصر وحضارته؟ هل تشك في أن العلم بقوانين الطبيعة في مختلف ظواهرها هو في مقدمة تلك ~~الدعائم؟ فأحسبك على إلمام كاف بالسيرة العلمية في تاريخ الإنسان، وكيف أنها لم تلتفت ~~إلى علوم الطبيعة لتجعلها محورا أساسيا إلا منذ القرن السادس عشر على وجه التقريب. وأما ~~قبل ذلك فقد كان هنالك بالطبع تفكير علمي، لكنه لم يكن يتجه إلى الطبيعة نفسها بالبحث، ~~إلا باهتمام أقل من القليل. وسؤالي إليك هنا هو هذا: أفي الإسلام ما يحضك، أم فيه ما ~~يصدك عن العلم؟ إنني عند كتابة هذا السؤال رأيت أن أرجع إلى معجم القرآن الكريم لأرى كم ~~ورد «العلم» في آياته وبأي المعاني قد ورد، فإذا الذي أمامي في المعجم عدة صفحات، جاء فيها ~~ما يزيد على سبعين صورة من ألفاظ دالة على «العلم» ومشتقاته، وتحت كل صورة منها عدد لم ~~أحصه من الآيات القرآنية الكريمة ومواضعها. فإذا ضممنا هذا القدر الهائل إلى قدر ~~هائل آخر عن مادة «فكر»، وما يشتق منها علميا، فإننا أمام كتاب جعل للعلم وللفكر منزلة ~~هيهات أن تجد لهما منزلة أعلى منها في أي مصدر آخر. إنه لم يرد للإنسان علما مجرد ~~العلم، بل أراد له «رسوخا» فيه، وهداه إلى وجوب التفرقة بين العلم والظن، فليس المراد ~~معرفة تقام على ظنون، بل المراد معرفة تقام على علم. وليس المراد للإنسان أن ينساق مع ~~الهوى، بل المراد أن يهتدي بالعلم الذي لا يعرف الهوى. # وأعود بك إلى البديهية التي وضعتها بين يديك لتكون مفتاحا من مفاتيح النظرة العلمية، ~~وأعني بها ضرورة الانتقال من الكلمة المقروءة إلى الحقائق الكامنة وراءها، والتي جاءت ~~الكلمة لتشير إليها لا لتكون بديلا لها نكتفي به، فإذا قرأنا في كتاب الله أن يتفكر ~~الإنسان في خلق السماوات والأرض، فإننا لا نفعل إلا القليل ms096 القليل. القليل إذا نحن اقتصرنا ~~على حفظ الآية وتلاوتها وترتيلها مرات تعد بملايين الملايين، وإنما يكمل إيماننا ~~بالآية الكريمة حين ننتقل من لفظتها إلى ما وراء ذلك اللفظ من حقائق السماوات والأرض . وماذا ~~في أي علم من علوم الطبيعة؛ من فلك إلى فيزياء وكيمياء ونبات وحيوان، لا يندرج فيما هو من ~~خلق السماوات والأرض؟ فإذا سألتني: ألا يكفينا إسلامنا ويغنينا عن الغرب؟ فأجيبك: نعم ~~يكفينا شريطة أن ننفذ خلال كلماته إلى ما ترشد إليه تلك الكلمات، فلنحفظ تلك الكلمات ~~الكريمة، ولنعلم أطفالنا أن يحفظوها، ولنتلها تلاوة لا تنقطع بالليل ولا بالنهار، لكن ~~كل ذلك لا يجعلنا من «العلماء» الذين عرفوا شيئا عن خلق السماوات والأرض، إلا إذا أضفنا ~~إلى الكلمة ما وراءها. # اللغة كائن عجيب فهي تحمل دائما في طيها سرا مكنونا. ومن أغرب أسرارها، أنها لا تؤدي ~~لك وظيفتها إلا إذا جاوزتها إلى شيء خارج عنها، فإذا قلت لمسافر إن الطائرة تقلع في ~~الساعة التاسعة صباحا، فإن قولك هذا يؤدي الغاية منه عند المسافر إذا هو بدأ منه ليتحول ~~عنه إلى فعل يقوم به فيلحق بالطائرة، لكنه إذا ما أخذ يردده وهو جالس مكانه، فلن يبلغ ~~قولك غايته. وهكذا قل في حالة من حالات اللغة حين تستخدم أداة للعلم (إذ هنالك الحالات ~~التي تقصد اللغة لموسيقاها) فإذا قرأت قول الله تعالى: # ما لهم به ~~من علم إلا اتباع الظن # كان ذلك بمثابة الأمر بأن تفرق بين ~~ما هو علم وما هو مجرد ظن أو مجرد رأي، لتأخذ بالأول وتهمل الثاني، لكن تنفيذ هذا الأمر ~~الإلهي لا يتم بتكراره ألف مرة وأنت على مقعدك، بل يتم تنفيذ الأمر بأن تنهض من فورك، ~~وتأخذ في الدراسة التي تبين لك الفوارق التي تميز العلم من مجرد الظن، حتى إذا ما تكاملت ~~لك تلك الدراسة أو جوانب منها، أخذت بوعي وفهم وشعور بالتبعة الأخلاقية تغربل ما يقال ~~لك من عبارات في مجالات الجد، غربلة تفصل بها القمح عن الشعير، أعني أن تفصل العلم ms097 عن ~~سمادير الظنون. لقد أشار القرآن الكريم إلى «أسماء» قال عنها: # ما ~~أنزل الله بها من سلطان ~~، وفي تلك الإشارة ما ينبهنا إلى وجوب ~~التمييز بين ضربين من اللغة، أو ضربين من استخدامها، فاللغة قد تكون مزودة بقوة من ~~الله وقد لا تكون، وإذا نحن أدركنا الفارق بين الحالتين عرفنا أنه هو الفارق بين الحق ~~والباطل. وماذا يكون الحق في استخدام اللغة إلا أن تكون أداة توصلنا إلى ما وراءها من ~~حقائق الوجود الخارجي، فانظر إلى النقلة الكبرى التي نتعلمها إذا نحن قرأنا كتاب الله ~~قراءة نقفز بها إلى آفاق العمل والتطبيق. # ولقد كنا نتحدث عن «العلم» باعتباره أبرز ملمح من ملامح العصر، حين يصب أكثر ~~اهتمامه إلى دراسة ظواهر العالم، من ضوء وصوت وكهرباء إلى نبات وحيوان وإنسان. ولي ~~الآن أن أضيف إلى ما قلته أن المسلم لم يكن في عصرنا هو المتفكر في خلق السماوات والأرض، ~~بل ترك ذلك لغير المسلمين، وكان ذلك للسبب الذي أسلفناه، وهو أن المسلم قد اكتفى بتلاوة ~~الآية الكريمة، ولم يعقب على تلك التلاوة بالتنفيذ، وكان أن ظفر بالعلم المطلوب، أو ~~بشيء منه، قوم كانوا وكأنهم اتبعوا مضمون الآية دون تلاوتها. # ماذا في الإسلام يمنع أن يكون المسلمون هم الذين أقاموا حضارة عصرنا هذا بكل مقوماته ~~الأساسية؟ وأين هو الشيطان الذي وسوس لنا بأن الحياة الروحية تتحقق بالتلاوة مجردة عن ~~التنفيذ، وأما عمليات الكشف العلمي نفسها فمتروكة لأولئك الماديين الملاعين؟ الحياة الروحية ~~في أسمى درجاتها وأكملها هي في تلاوة القرآن الكريم والانطلاق إلى آفاق الدنيا تنفيذا ~~لأوامره. # سلني مرة أخرى: ألا يكفينا الإسلام ويغنينا عن الغرب بكل ما فيه؟ أجبك مرة أخرى: نعم ~~إسلامنا يكفينا إذا نحن عشنا به حياة المسلمين، وهي حياة لا ترفض شيئا من دعائم الحضارة ~~الراهنة، بل هي تضيف كل تلك الدعائم إلى ما عندها موروثا عن السابقين. # | الدين والتدين وعلم الدين # شاءت لي المصادفات منذ وقت قريب، أن أسمع من عالمين من علماء الدين، قد يكونان ~~مختلفين في ms098 كثير جدا من جوانب الحياة وأوضاعها، لكنهما بغير شك يتفقان في أنهما من ~~ذوي الفضل والعلم ورفعة المقاصد. أقول إن المصادفة قد شاءت لي أن أسمع منهما كلاما يفرقان ~~به بين «الدين » من جهة و«التدين» من جهة أخرى، وكان الذي يقصدان إليه من هذه التفرقة، هو ~~أنه إذا كان التدين واجبا على كل مسلم على السواء، فالدين هو من شأن علمائه وحدهم، دون ~~سائر المؤمنين به. ويترتب على ذلك أن تكون الكلمة فيما يجوز وما لا يجوز من أمور الدين، ~~مقصورة على العلماء، وواجب العامة بعد ذلك هو السمع والطاعة. وكان مما سمعته من ~~العالمين الفاضلين في سياق الحديث مع كل منهما (وكان الحديث مقروءا في إحدى الحالتين، ~~ومسموعا مباشرة في الحالة الأخرى) تأكيدهما بأن الدين علم، وأما «التدين» فهو وحده الجانب ~~المتروك لكل مؤمن في انفراده. # ولم يكن العالمان الفاضلان على صواب - كل الصواب - فيما ذهبا إليه؛ فليس الأمر مقصورا ~~على طرفين: دين في ناحية، وتدين في ناحية أخرى، بل هو ثلاثي الأطراف: فهنالك «الدين» ~~أولا، وهنالك من يتدين به ثانيا، ثم هناك «العلم» الذي يقام عليه ثالثا، وقبل أن ~~أتناول هذه الفكرة بالشرح الذي يوضحها، أقول إنه لو كان الفرق بين الرأيين فرقا شكليا ~~فقط، لما تعرضت له هنا، وحاولت عرضه؛ لأنني - والله يعلم - ما فعلت ذلك إلا بعد تردد ~~طويل، لكنه فرق يجاوز مجرد الشكل إلى صميم الموضوع، مما قد يترتب عليه غموض فيما يجب على ~~المؤمن العلم به، وما ليس له وجوب. وعلى أية حال، فتحديد الفواصل بين المعاني المختلفة في ~~مثل هذا المجال الحيوي الهام، إنما هو من أوجب الواجبات على من يستطيع بذل المحاولات ~~الواعية في سبيل ذلك التحديد، وأحسبني ممن يستطيعون. # والحقيقة الأولى: # التي أقدمها لتكون هي الركيزة التي نقيم عليها تفكيرنا، هي أن حقائق ~~الواقع في ذاتها ليست هي العلم، وإنما هي ما يقام عليه العلم، فانظر إلى ~~هذه الأمثلة المختلفة التي أسوقها بين يديك، وتدبرها مليا، قبل أن ~~ننتقل إلى موضوعنا ms099 الذي أردنا الحديث فيه: إذا رأيت شجرة يستظل بها عابر ~~سبيل، فهنالك ثلاثة أطراف متميز بعضها من بعض، ولكنها كذلك موصولة بعضها ~~ببعض؛ فهنالك الأمر الواقع الذي هو الشجرة، ثم هنالك من شاء له حظه أن ينعم ~~بها فيستريح، وهنالك فوق ذلك «علم» أقيم على هذه الشجرة وأمثالها، وهو ~~علم النبات. فإذا قال لك قائل في هذه الحالة: الشجرة علم، فماذا أنت قائل ~~له إلا أن تصححه بقولك: إن الشجرة ذاتها ليست هي العلم، وإنما هي ~~وأمثالها، موضوع طرح للبحث العلمي، وأقيم عليه علم يسمونه علم ~~النبات. وواضح أن الشجرة والعلم المقام عليها يختلفان عن طرف ثالث، هو ~~عابر الطريق الذي التمس راحته في ظلها. # خذ مثلا ثانيا: ~~«اللغة» - ولتكن لغتنا العربية - فهي كذلك حقيقة من حقائق الواقع ~~الفعلي؛ إذ هنالك أمة تتكلمها وتكتبها، وهنالك كتب كتبت بها تعد ~~بالملايين. وهنا في حالة اللغة - كما رأينا في مثال الشجرة - نستطيع أن ~~نميز بين ثلاثة أطراف، منفصلة ومتصلة في آن واحد، فهنالك «اللغة» ~~واقعا من الواقع، نسمعها بآذاننا، ونكتبها بأقلامنا، ونقرؤها بأبصارنا، ثم ~~هنالك «علم» (أو علوم) تقام على تلك اللغة، كعلم النحو وعلم الاشتقاق، ~~وغيرهما. وقد كان يمكن أن تقوم اللغة ولا تقوم علومها، مما يقطع بأن اللغة ~~ذاتها شيء، وعلومها شيء آخر. وهنالك إلى جانب اللغة وعلومها طرف ثالث، هو ~~من يستخدمون تلك اللغة كلاما وكتابة. # خذ مثلا ثالثا: ~~«الضوء»، فانظر إلى شخصي ساعة كتابتي لهذه الكلمات، واضعا أمامي ~~مصباحا مضيئا أستعين به مع ضوء النهار، فها هنا أيضا ترى ثلاثة أطراف، ~~متصلة منفصلة، فهنالك ظاهرة الضوء نفسها، سواء جاءت على الصورة التي يجيء ~~بها ضوء الشمس، أو جاءت كما يجيء ضوء المصباح، وإلى جوار هذه الظاهرة هنالك ~~المستضيء بالضوء ليكتب، ثم هنالك فوق الضوء والمستضيء طرف ثالث، هو ~~العلم الذي يسمونه «علم الضوء» أقامه أصحابه على ما درسوه من ظاهرة ~~الضوء. ولعلك الآن تعرف بماذا ترد على من يزعم لك أن الضوء نفسه الذي ~~تراه العين آتيا من ms100 الشمس، أو من المصباح هو «علم»، فأحسبك قد أدركت أن ~~ظاهرة الضوء شيء، والعلم القائم عليها شيء آخر. وقد كان يمكن لظاهرة الضوء ~~أن توجد ولا يوجد إلى جانبها علماء يقيمون عليها علما. # خذ مثلا رابعا: ~~«علم الاقتصاد»، تجد الأطراف الثلاثة التي حدثتك عنها؛ فطرف منها هو ~~أولئك الذين ينتجون في مزارعهم، أو في مصانعهم، أو في مكاتبهم، أو فيما ~~شئت من أوجه النشاط البشري، وطرف ثان يتمثل فيمن يبادل هؤلاء إنتاجا ~~بإنتاج، أو خدمات بإنتاج. وقد كان يمكن لأسواق البيع والشراء أن تحيا بكل ~~نشاطها دون أن يتناولها الباحثون بالبحث العلمي لاستخراج القوانين التي ~~تستخلص من ذلك النشاط وطبيعته، لكن حدث أن أقيم ذلك «العلم» - علم ~~الاقتصاد - ليحلل ذلك الضرب من التفاعل البشري تحليلا يستخرج ما قد ~~انطوى عليه من قوانين. وهكذا ترى مرة أخرى، أن حقيقة الأمر الواقع في ~~ذاتها ليست هي العلم، وإنما العلم فعل آخر يؤديه أصحابه على أساس ذلك ~~الأمر الواقع. # وقد كان يكفيني ذكر هذه الأمثلة، لأنتقل منها إلى موضوع حديثنا، وهو المتمثل في ~~الأطراف الثلاثة المذكورة في العنوان، والتي لحظت في رؤية الناس لها - حتى أهل التخصص منهم ~~- شيئا من الخلط، وهي: الدين، والتدين وعلم الدين (أو علوم الدين)، أقول إنه كان يكفيني ما ~~ذكرته من أمثلة، لأقرر على ضوئها أن «الدين» قائم في نصوصه المحددة المعينة، ثم ~~يأتي الطرفان الآخران، طرف منهما متمثل فيمن يؤمنون بذلك الدين، وهم من يصفونهم «بالتدين»، ~~وأما الطرف الثاني فهو «علم الدين» (أو علومه) التي تقام على تلك النصوص - وهي واقع الدين - ~~فتستخرج منها ما تستخرجه من مبادئ وأحكام. فلو قال لنا قائل: الدين علم (كما سمعتهم يقولون) ~~رددنا عليه بقولنا: بل الدين يقام عليه العلم، وكان يمكن أن يقوم الدين والمؤمنون به، ~~دون أن يتولاه نفر من العلماء بالبحث العلمي، كما هو من الممكن كذلك أن يتولى غير ~~المؤمنين بدين معين، نصوص ذلك الدين بالتحليل والاستدلال؛ وذلك لأن «العلم» المقام على ~~نص معين، لا يشترط له ms101 أن يكون الباحث العلمي «مؤمنا» بمضمون ذلك النص. # مرة أخرى أقول إنه قد كان يكفيني ما قدمته من أمثلة لأوضح به أن «الدين» شيء، و«علم ~~الدين» شيء آخر، والإنسان المتدين بذلك الدين شيء ثالث، لكنني أرى أن أزيد الأمر ~~جلاء، بأن أعرض بإيجاز شديد طبيعة العلم ما هي، حتى إذا ما صادفتنا بعد ذلك عبارة «علم ~~الدين» عرفنا المعنى المقصود، ونجونا من الخلط بينه وبين غيره من المعاني في هذا ~~المجال. # العلامة الفاصلة بين ما يجوز له أن يكون علما وما لا يجوز له أن يكون، هي قابلية الحكم ~~بالصواب أو بالخطأ. فإذا كان القول المعروض بين يديك، مما يمكن أن يوصف بأنه صواب أو ~~بأنه خطأ، وذلك بعد فحصه وتمحيصه، كان مما يجوز إدراجه في مجال المعرفة العلمية، وأما إذا ~~وجدت القول المعين مما يستحيل وصفه بالصواب أو بالخطأ، إلا على قائله، فهو وحده الذي يزعم ~~له الصدق، دون أن يكون في مستطاع الآخرين أن يراجعوه ليتحققوا من صدق زعمه، فمثل ذلك ~~القول لا يحمل جواز المرور الذي يدخله في عالم المعرفة العلمية، مهما كان له من أهمية في ~~حياة الإنسان. # قارن - مثلا - بين رجل يقول لك عن بقعة من الأرض إنها محببة إلى قلبه، ورجل آخر ~~يقول عن تلك البقعة من الأرض، إنها تحتوي في جوفها على بترول، فبينما القول الأول معتمد ~~كل الاعتماد على صدق قائله، بحيث لا يجد الآخرون وسيلة أمامهم للتحقق بأنفسهم من ذلك ~~الصدق، نجد القول الثاني مما يمكن إخضاعه لوسائل البحث التي تنتهي بنا إلى قبوله أو رفضه، ~~فالقول الأول يشير به صاحبه إلى حالة شعورية باطنية يحسها هو في دخيلة نفسه، وأما ~~القول الثاني فيتحدث به صاحبه عن أمر واقع خارج نفسه، والطريق إلى مراجعته، للتحقق من ~~صدقه، مفتوح أمام كل إنسان تؤهله دراسته للقيام بتلك المراجعة. # ولئن كانت العلامة الفاصلة بين ما يصح إدراجه في المعرفة العلمية وما لا يصح، هي قابلية ~~القول المعين لأن يتحقق الآخرون - غير قائله - من أنه ms102 حق، أو من أنه باطل، فلقد حدث في ~~عصرنا هذا تعديل في هذا المعيار، قد يبدو طفيفا، لكنه في حقيقته ذو أهمية كبرى، وهو أن ~~قابلية القول المعين للحكم عليه بالبطلان، لها الأولوية على قابليته لأن يحكم عليه بأنه ~~حق؛ وذلك لأنه قد تتكاثر بين أيدينا الشواهد الدالة على صدق قول معين، فيغرينا ذلك ~~بالاطمئنان لذلك القول، وفجأة تظهر بينة جديدة تقلب لنا ذلك الحكم رأسا على عقب. فكم ~~من رجل يظل يعطيك من شواهد إخلاصه لصداقتك، حتى لتتوهم أنت بأنه لا بد أن يكون ~~صادقا؛ لكثرة الشواهد الدالة على ذلك، وفجأة يظهر لك الخبيء، فإذا حقيقة الأمر أنه كان ~~يلبس لك قناع الصداقة المخلصة، لكنه كان في الوقت نفسه يخفي عنك ما يخفيه، انتظارا ~~للحظة المناسبة، فيقذف ذلك الخبيء في وجهك وأنت منه على غرة غافلة. # فالفيصل الحاسم في قبول الفكرة المعينة عضوا في الأسرة العلمية، هو - إذن - قابليتها ~~للبطلان، بمعنى أن يحاول الباحثون إبطالها بكل ما في وسعهم من تجارب. فإذا صمدت لهذه ~~المحاولات، كانت فكرة صحيحة - مؤقتا - إلى أن يظهر في مستقبل قريب أو بعيد ما يبين ~~بطلانها. # لكننا لكي نحكم على فكرة، أو قول، بأنها فكرة صحيحة أو خاطئة، فذلك لا يكون إلا ~~بالرجوع بها إلى مقياس قائم خارجها، فإذا قلت عن الجدار إن طوله أربعة أمتار، فلا بد ~~أن يكون هنالك مقياس «المتر» في وجود مستقل عن وجود الجدار. وها هنا نتقدم بأساس هو من ~~أهم الأسس المنهجية في التفكير العلمي وخصائصه، وذلك أن للعلم طريقين مختلفين باختلاف ~~نوع المادة المعروضة للفكر، ولكل طريق من الطريقين ضرب من المقاييس التي يرجع إليها في ~~تقرير الصواب والخطأ. أما أحد الطريقين فخاص بالتفكير العلمي عندما يكون الموضوع المطروح ~~للبحث ظاهرة من ظواهر الواقع الطبيعي، وأما الطريق الآخر فمجاله عندما يكون الموضوع ~~المطروح للنظر العلمي توليدا لأفكار من أفكار، أو توليدا لنتائج تترتب على نصوص ~~معينة، ففي هذه الحالة لا يكون لظواهر الواقع الطبيعي دخل في سير الباحث ms103 العلمي. # ونعيد ما قلناه عن الطريقين المختلفين في التفكير العلمي، نعيده بصورة أخرى ابتغاء ~~مزيد من التوضيح، فنقول إن هنالك مجموعتين من العلوم، وذلك إذا قسمنا العلوم على أساس ~~«المنهج »؛ فهنالك مجموعة العلوم الطبيعية، بما فيها العلوم الإنسانية إذا نحن أخذنا الإنسان ~~من ظاهر سلوكه، ثم هنالك مجموعة العلوم الرياضية، بما في ذلك كل علم ينهج نهج الرياضة في ~~اتخاذ مقدمات مسلم بها لتكون هي السند الذي يرجع إليه في إثبات صدق النتائج. أما ~~مجموعة العلوم الطبيعية فنقطة البدء في طريق سيرها معلومات أولية نستمدها من مشاهدات ~~الحواس وتجاربها، وأما مجموعة العلوم الرياضية (أو ما يدور مدارها في المنهج)، فنقطة البدء ~~في طريق سيرها مقدمات لفظية مسلم بصوابها مقدما. # ونعود بعد هذا التقسيم إلى ما أسلفناه، من أن الفيصل الحاسم في تمييز ما يصلح أن يكون ~~علما مما لا يصلح، هو القابلية لإثبات بطلانه، حتى إذا ما استعصى على ذلك الإبطال، ~~عد مما يجوز قبوله في عالم التفكير العلمي، فنسأل إزاء مجموعتي العلوم اللتين ~~ذكرناهما: ماذا تكون وسائل التحقق من الصدق واستحالة البطلان في كل منهما؟ والجواب هو ~~أننا في العلوم الطبيعية، نجعل إمكان تطبيق نتائجنا التي نصل إليها على الواقع الفعلي، هو ~~مقياس القبول، وأما في مجموعة العلوم الرياضية، أو ما ينهج نهجها، فوسيلتنا إلى الحكم ~~بصواب النتيجة أو بخطئها، هو الرجوع بها إلى المسلمات الأولى، التي صدرنا بها خطوات ~~السير، والتي جعلناها مفروضة الصدق مقدما، فإذا وجدنا أن النتيجة المعينة قد تولدت ~~تولدا سليما من تلك المقدمات المسلم بصوابها، كانت نتيجة صحيحة. وألفت نظرك مرة ~~أخرى، إلى أن هذا الضرب من التفكير العلمي، لا شأن له بأمر من أمور الواقع الفعلي، في ~~عملية الحكم بالصواب وبالخطأ. # وبعد هذا كله، نعود إلى «علم الدين»، فنراه علما قائما ضمن المجموعة الرياضية من حيث ~~المنهج؛ وذلك لأن الباحث العلمي فيه، يسير على خطوتين، هما كالخطوتين اللتين يسيرهما ~~الباحث في العلوم الرياضية. أما الخطوة الأولى في علم الدين، فهي المقدمات المسلم ~~بصوابها ms104 بادئ ذي بدء، وأولى تلك المقدمات عند العالم الديني المسلم، هو بالطبع النص ~~القرآني الكريم. وأما الخطوة الثانية في طريق السير، فهي استخراج ما يمكن استخراجه من ~~نتائج، تتولد من ذلك النص، فإذا تولدت لأحد العلماء نتيجة معينة - كأن يتولد له ~~حكم شرعي معين مثلا - كان من حق من يراجعونه أن يسألوه عن النص الذي ولد منه ذلك ~~الحكم، وطريقة الاستدلال التي مكنته من ذلك التوليد. وقد يختلف العلماء بعد ذلك فيما ~~يرونه مترتبا على نص معين، فتنشأ بذلك الاختلاف مذاهب. # هذه العملية الاستدلالية التي تنصب على النص المعين لتستخرج منه ما يجوز استخراجه مع ~~التزام منطق القياس، هي عملية «علمية» كأدق ما تكون العلوم. فمن الحقائق التي يجب توضيحها ~~في سياق حديثنا هذا عن التفكير العلمي وطبيعته، أن العلم لا يشترط لنفسه موضوعا بعينه؛ إذ ~~العلم إنما يكون علما بمنهجه لا بموضوعه، فاختر ما تشاء من موضوع للنظر، وتناوله بالمنهج ~~الذي يضمن لنا سلامة الوصول إلى نتائج صحيحة، تكن بموضوعك ذاك صاحب نظرة علمية. فقد ~~تختار لبحثك «العلمي» صخور المقطم، أو دودة القطن، أو تلوث الهواء في سماء القاهرة، أو ~~المسرح الشعري عند شوقي، أو موقف المصري تجاه الولادة والموت، أو أي موضوع يعن لك أن ~~تتناوله بالبحث العلمي، فأنت بما اخترته تكون في دائرة العلم ما دمت تنهج نهج العلم في ~~خطوات سيرك، بغض النظر عن الموضوع المختار، وأما نهج العلم فهو - كما أسلفنا لك القول - إما ~~أن يرتكز على مشاهدات الحواس في حالة العلوم الطبيعية، ويكون مقياس الصدق هو التطبيق على ~~الواقع، وإما أن يرتكز على مسلمات مفروض فيها الصدق مقدما، في حالة العلوم الرياضية ~~أو ما يدور مدارها. ويكون مقياس الصدق هو سلامة استدلال النتائج من تلك المسلمات. وعلم ~~الدين (أو علومه) من هذا الضرب الثاني. # لكن علم الدين، لا هو «الدين» ولا هو «التدين»، إنما هو فاعلية عقلية تقام على الدين. ~~ومن الجائز أن يكون للقوم «دين» يعتنقونه بمعنى أن يكون لهم «كتاب» يؤمنون بما ms105 جاء فيه، دون ~~أن يكون قد ظهر من بينهم من يتناولون ذلك الدين بالتفكير العلمي ومنهجه. ولعلي لا أخطئ ~~إذا قلت إن الإسلام قد لبث «دينا» للمؤمنين «يتدينون» بمبادئه وتعاليمه فترة قبل أن ~~يظهر «الفقهاء» ليقيموا عليه العلم بمنهج التفكير العلمي. # إنه عندما نزلت الآية الكريمة، وفيها قول الله تعالى: # اليوم ~~أكملت لكم دينكم ... # كان قد كمل دين الإسلام، ودخل الناس في دين ~~الله أفواجا، ولم يكن قد كتب بعد سطر واحد في أي علم من علوم الدين، مما يقطع بأن الدين ~~نفسه شيء، والمتدينين به شيء ثان، والعلوم التي تقام عليه شيء ثالث. # وتسألني: فيم هذا العناء كله، وهو عناء قد لا يغير من الأمر الواقع شيئا؟ فأجيبك ~~بإجابات ثلاث؛ أولاها: إجابة تشبه إجابة أول رجل استطاع صعود جبال الهملايا إلى قمتها، ~~فسأله سائل: ولماذا عانيت كل ما عانيته عدة أعوام متعاقبة، حتى استطعت تسلق الهملايا ~~إلى قمتها؟ فقال له المتسلق (وأظنه كان «مالوري»): لأن الهملايا موجودة. وإجابتي الثانية: ~~هي أن الحياة الفكرية بمعنى من أدق معانيها، هي تحديد الفواصل بين المعاني المتداخلة أو ~~المتشابهة. ولك أن تحكم على أمة بدرجتها في مدارج الحياة الفكرية، بمقدار ما استطاع ~~أبناؤها تحديد المعاني التي يتداولونها. وإجابتي الثالثة: هي أنني - كما ذكرت لك في أول ~~الحديث - صادفت اثنين هما من أفضل علمائنا في الدين، لكنني عجبت لهما - لكل منهما على حدة ~~حين صادفته مقروءا أو مسموعا - إذ رأيتهما لا يفرقان بين الدين وعلم الدين. والتفرقة ~~الوحيدة عندهما هي بين الدين من جهة، والمتدين من جهة أخرى. ولهذه النظرة ما لها من ~~نتائج، لعل أيسرها هو حرمان المؤمن العادي البسيط، من أن يكون له «دين» يعرفه، ويقرأ ~~كتابه، ويقيم عليه حياته مستهديا بمبادئه، دون أن يكون إلى جواره علماء دين أقاموا علمهم ~~على أساس نصوصه. نعم، إن وجود العلماء أضمن لدقة المعرفة وضبطها، ولكن ماذا إذا لم يجد مؤمن ~~في محيطه عالما؟ # | ويبقى الود ما بقي العتاب # كنت قد لبثت أعواما، أسمع عن ms106 فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، ولا أسمع منه، وكان الذي ~~سمعته عنه خلال تلك الأعوام، مدعاة للزهو والرضا، ففضلا عن إخوتنا: في الإنسانية، وفي ~~الإسلام، وفي العروبة، فنحن فوق ذلك كله إخوان في المصرية. ولا تسلني عن الإخاء بين المصري ~~والمصري، حين يكون المجال مجالا للفخار بالوطن. وقد لا يشعر هذا الشعور إلى أغواره ~~العميقة، إلا من يجد نفسه بين غرباء، ثم يجيء سياق الحديث حاملا على موجه ذكرا حميدا ~~لمواطن مصري، كما حدث لي أكثر من مرة، وورد في حديثي مع جماعات من غير المصريين، اسم ~~فضيلة الشيخ متولي الشعراوي، مقرونا بالثناء والتقدير، فعندئذ أحسست وكأن الثناء ~~والتقدير موجهان إلى شخصي. نعم هكذا تتحد هوية المصريين جميعا، وتتجمع كلها ~~مركزة في أي فرد من أفرادنا، وهو يتحدث إلى غرباء، عن مصري بكلمات التقدير، فما بالك ~~إذا كان ذلك المصري ذا قامة فارعة، بلغت ما بلغته عند فضيلة الشيخ متولي ~~الشعراوي. # ومع ذلك فقد شاء لي الله أن تمضي أعوام، أسمع خلالها عنه، ولا أسمع منه، ولعل ما دعاني ~~إلى ذلك أساسا، هو أن فضيلته يصل إلى الناس عن طريق الإذاعة المرئية المسموعة، وهي أداة ~~لا أتابعها متابعة مطردة، بل هي عندي مرهونة بالمصادفات، فقد أرى وأسمع ما لا أود عن ~~عمد أن أراه وأسمعه، وكذلك قد يفوتني ما كنت أود له رؤية وسمعا، وهكذا فاتتني أحاديث ~~فضيلته لعدة أعوام. # وللأقدار في لفتاتها عجائب ومفاجآت، ومن غرائب لفتاتها أن وجدتني مواجها لفضيلته على ~~صحيفة يومية، فكان ذلك بمثابة اللقاء الأول بيننا، ولم يكن اللقاء - بالنسبة لي - على ما ~~كنت أرجو له أن يكون، إذ قرأت لفضيلته كلمة موجزة يدافع بها عن القول بأنه إذا سقطت ذبابة ~~في شراب، كاللبن مثلا، فما على الشارب إلا أن يغمس الذبابة بأجمعها في الشراب، ثم يمضي في ~~الشرب؛ لأن للذبابة جناحا فيه الأذى، وهو الجناح الذي تسقط به على سطح السائل، وأما ~~جناحها الآخر فمن طبيعته دفع ذلك الأذى، وبهذا التضاد يصبح السائل صالحا ms107 للشرب. وأذكر أن ~~فضيلته قد شفع ذلك الرأي بذكر مراجع لعلماء من الألمان، وكان فضيلته يومئذ وزيرا ~~للأوقاف. # ولست أدري كيف تلقى القراء كلاما كهذا، حتى ولو كانت أسانيده مأخوذة ، لا من علماء ~~ألمانيا وحدهم، بل من علماء الأرض جميعا. أقول إنني لا أدري كيف تلقى القراء كلاما ~~كهذا، لكن الذي أدريه على وجه اليقين هو وقعه على نفسي، فدع عنك ما أصابني من غثيان؛ لأن ~~غثياني قد لا يهم أحدا سواي، ولكن ثمة جانبا من الموقف ينبغي أن يكون موضع اهتمامنا ~~جميعا، وهو الذوق الحضاري السليم، فإذا فرضنا ما لا يجوز في رأيي فرضه، وهو أن الذباب ~~على نحو ما وصفه فضيلته - وأنا أعلم أنه قول شائع في عامة الناس - فهل يمكن أن يؤخذ الذباب ~~من حيث هو أجساد مجنحة وكفى، بغض النظر عما ارتبط به في الأذهان، من قذارة ونقل ~~للأمراض؟ فإذا كان الذباب في حياة الناس هو ما هو، فهل يجوز أن يكون غوصه في طعامنا ~~وشرابنا موضعا للدفاع؟ ومن الذي يدافع؟ هو فضيلة الشيخ الشعراوي، الذي إذا قال أنصت ~~الملايين، وإذا كتب قرأ من لا أعرف كم عددهم في بلد تشيع فيه الأمية بمثل ما تشيع ~~عندنا! # لم أملك نفسي يومئذ، فقمت لتوي، ونشرت القرطاس وحملت القلم، وما زلت أذكر كيف ~~أبت نفسي أخذ الموضوع مأخذ الحقائق التي يقام لها البرهان، أو الأباطيل التي تهدم ~~بالبرهان؛ إذ الموضوع كله - كما رأيته - لم يكن يستحق هذا الشرف، فلجأت إلى التصوير الأدبي ~~الغاضب في سخرية، أو الساخر في غضب، وجعلت العنوان «ذبابة تعقبتها». # هكذا جاء لقاؤنا الأول على غير ما كنت أتمنى، ثم مضت بي الأيام مرة أخرى، أسمع عن الشيخ ~~ولا أسمع منه، حتى ملأ الدنيا وشغل الناس - كما قيل عن أبي الطيب المتنبي - فأصبح واجبا ~~ثقافيا محتوما، أن ألتمس أحاديثه التليفزيونية في مواعيدها، فلا أتركها للمصادفات، ~~واستمعت لتلك الأحاديث أربع مرات أو خمسا متتاليات، وبرغم ما أخذته عليه في كل مرة ~~(وسأذكر طرفا منه) أعجبت به ms108 إعجابا شديدا، وذلك من نواح كثيرة، فالرجل معلم بطبعه ~~واستعداده، والصلة بين وبين تلاميذه تنبض بالحياة نبضا قويا، وكلامه يجاوز الآذان لينفذ ~~إلى قلوب السامعين في مثل اللمح بالبصر. وسواء لدى هؤلاء السامعين أفهمت عقولهم ما قيل ~~أم لم تفهمه، وحسبهم أن في قلوبهم رجفة الإيمان، بتأثير الأستاذ قولا وأسلوبا، على أن ~~أهم من ذلك كله عندي مما أعجبني منه ذلك الإعجاب الشديد، هو منهاجه في الشرح والتفسير، ~~فهو يتناول المفردات اللغوية التي تتألف منها الآية الكريمة التي يتولى شرحها وتفسيرها، ~~بتناول تلك المفردات مفردا مفردا، لا يترك منها اسما ولا فعلا ولا حرفا، إلا حلله ~~ووضحه. # كما يتناول العلاقات النحوية والبلاغية التي تربط تلك المفردات بعضها ببعض، وإذا بهذا ~~التحليل اللغوي نفسه يضيء بمعنى الآية إضاءة لا تدع فيها موضعا لغموض، فالسامع لحديث ~~الشيخ الشعراوي، يضمن لنفسه ضمانا أكيدا أن يخرج بمحصول غزير في الدراسة اللغوية، وهو ~~فوق ذلك قد يزداد إيمانا على إيمانه الذي بدأ به الاستماع. # لكنني لحظت في كل حديث استمعت إليه، من الأحاديث الأربعة أو الخمسة، التي أشرت إليها، ~~نوعا من العداوة للعلم الحديث، وهو يعبر عن عدائه للعلم بصورة لا يبررها صلب حديثه ~~نفسه، أعني أن شروحه للآيات الكريمة التي يتولاها بالشرح، لا تزيد وضوحا بسبب عدائه ~~للعلم. ومن أمثلة ذلك ما ورد في أول حديث سمعته له، وهو أنه بعد أن سخر ما شاءت له ~~السخرية من جهود العلم الحديث في الصعود إلى القمر، والسير على صخوره وترابه، تناول ~~بأصابع يده ورقة من علبة للمناديل الورقية كانت موضوعة أمامه، وقال للملايين الذين ~~يسمعونه: إن هذه الورقة أنفع من الصواريخ التي صعدوا بها إلى القمر. والحق أني عجبت للشيخ ~~يقول كلاما كهذا؛ لأن أقل ما يقال في هذه المناسبة، هو أن أحد الفروع التي تفرعت من ~~إعداد تلك الصواريخ ما نسميه اليوم بالأقمار الصناعية. وبعد أن استخدمت تلك الأقمار في ~~البث التليفزيوني، أصبح ممكنا أن يذاع برنامج التليفزيون على ثلث الكرة الأرضية دفعة ~~واحدة، ms109 بل إنه بشيء من الإجراءات الفنية، قد يذاع على الكرة الأرضية بأسرها. وإذا كان ~~هذا هكذا، فربما كان فضيلة الشيخ الشعراوي، وهو يقول لسامعيه إن قطعة الورق التي أمسكها بين ~~أصابعه، أنفع من عملية الصعود إلى القمر من أولها إلى آخرها، أقول إنه ربما كان وهو يقول ~~ذلك، يعان بأحد الأقمار الصناعية - التي هي إحدى النتائج الفرعية لصواريخ الصعود إلى القمر ~~- في إذاعة حديثه على العالم الإسلامي كله في اللحظة عينها، فيكون هو المنتفع بالشيء الذي ~~يستهجنه. # ثم شاءت لي المصادفات في ثاني الأحاديث التي استمعت إليها، أن أسمع صورة أخرى لكراهيته ~~للعلم الحديث؛ إذ كانت إحدى مناطق إيطاليا قد تعرضت للزلازل، وعانت ما عانت، وكان أن أذاع ~~علماؤهم في الناس احتمال حدوث زلازل أخرى في المنطقة الفلانية، في وقت حدده أولئك ~~العلماء. وبعد أن سخر فضيلة الشيخ الشعراوي هذه المرة أيضا بالعلم الحديث في هذا المجال، ~~قال لسامعيه: إن الحق سبحانه وتعالى، ترك هؤلاء العلماء يجرون أبحاثهم، ويعلنون تنبؤاتهم، ~~حتى إذا ما فرغوا من ذلك، باغتهم بزلازل تقع في منطقة غير المنطقة التي عينوها، وفي ~~وقت غير الذي حددوه، وكانت الطريقة التي قال بها الأستاذ ما قاله، أكثر دلالة من معنى ~~القول نفسه، وذلك حين فرقع أصابع يده، وعبرت ملامح وجهه بما يعني أن الله سبحانه وتعالى ~~كان مع عباده العلماء في موقف المنتقم؛ لاجترائهم على أن يعلموا، وعلى أن يتنبأوا. # وفي الحديث الثالث سمعت، وفي الرابع سمعت، مما أثار حيرتي: أيدفع الشيخ الناس بأحاديثه ~~خطوة إلى الأمام في درجات الوعي، أم يشدهم إلى الوراء خطوات؟ ولكنني لا أترك هذا ~~الموضع من السياق، دون أن أشيد بفضل أسداه لشخصي الضعيف في تلك المناسبة نفسها، وذلك أني ~~كنت أضع ملاحظاتي تلك في مقالات أكتبها، مشيرا إلى فضيلة الشيخ متولي الشعراوي، بعبارة ~~«المتحدث الجليل» دون ذكر اسمه؛ إذ شعرت أن نقد الفكرة لا يستدعي بالضرورة ذكر صاحب تلك ~~الفكرة باسمه، ورأيت أن الاكتفاء بعبارة «المتحدث الجليل» أصون لكرامته، فليست المسألة ~~بيننا ms110 مسألة نزاع بين أشخاص، وإنما هي نقد لأفكار، وكل منا يؤدي واجبه بعرضه للفكرة ~~التي يعتقد في صوابها، فحدث أن أدلى الشيخ يومئذ بحديث في صحيفة الأهرام، يبين فيه موقفه ~~من العلم الحديث، وذلك ردا على ملاحظاتي، قائلا إنه لا يعادي العلم، ولكنه أيضا لا ~~يريد للإنسان غرورا بقدرته، وأما الفضل الذي أسداه لشخصي، فهو قوله عني في ختام حديثه ما ~~يأتي: # أشكر الله لأخي الدكتور زكي نجيب محمود، إذ هيأ لي فرصة لأشرح فكرة قد تكون ~~غامضة على بعض الناس. وأنا لا أشك أنه قد قصد ذلك؛ لأني أجله إجلالا يرتفع به ~~أن يكون قد فهم مني ما فهم. وحسبي أن يكون الدكتور زكي نجيب محمود هو أول من ~~تعرضت له في التعليق، عما كتب عني؛ لأني أعتز برأيه، وأحب أن يظل رأيه في ~~مكان اعتزازي دائما، ونفع الله به باحثا وأستاذا ومستوضحا، وهداني الله إلى ما ~~يحبه لي من بسط الحقائق بسطا لا يحتاج إلى تعليق. (جريدة الأهرام، الصفحة ~~الدينية، 12 فبراير 1981م) # ثم مضت بنا الأيام، يتكلم كل منا لغة - فيما يبدو - غير التي يتكلم بها الآخر، فما ~~قد رأيته في أحاديثه من عداء للعلم الحديث، وعداء بالتالي للعصر كله، رآه فضيلته شيئا ~~آخر، لكن ذلك لا يغير من أمرنا شيئا، فكلانا يريد للناس خيرا، كل بطريقته # قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو ~~أهدى سبيلا ~~(صدق الله العظيم). # وعند هذه الآية الكريمة أتحول إلى عتاب أوجهه إلى فضيلة الشيخ الشعراوي، كما يعاتب ~~المسلم مسلما لهفوة بدرت منه، وبالعتاب يبقى حبل الود ممدودا بين المخلصين، فقد ~~قالها شاعر، حين قال: ويبقى الود ما بقي العتاب، فالتوجيه الذي يتلقاه المسلم من هذه ~~الآية الكريمة يا فضيلة الأستاذ، هو أن يعمل كل منا، أو يقول (لأن القول ضرب من العمل) ~~وفق ما تمليه عليه ملكاته وقدراته، فلا يحاكي أحد أحدا لمجرد المحاكاة، بل يعبر عن ~~نفسه هو تعبيرا أصيلا صادقا، والله سبحانه وتعالى وحده هو صاحب الحكم، ms111 فيحكم على مختلف ~~السبل التي سلكها الناس أيها أهدى من أيها. فواضح من ذلك يا فضيلة الأستاذ، أنه ليس أنت ~~الذي يقضي في عباد الله بالضلالة والهدى. # فلقد فوجئت بما لم أكن أتوقع حدوثه من فضيلتكم، إذ فوجئت بمن أنبأني عن حديث لكم ~~نشرته الصحف، أخذت تضرب فيه ثلاثا منا باليمين وبالشمال، ضربا لم تكن موفقا فيه، ~~وأنت الإمام الذي يأتم به اليوم ملايين المسلمين، كما يقال لي، وأما الثلاثة الذين ~~استهدفتهم بسهامك، ثم استنفرتهم أن ينازلوك أنت وحدك، وأن ينازلوك بثلاثتهم مجتمعين في ~~حلبة القتال، فهم توفيق الحكيم، ويوسف إدريس، والعبد الفقير إلى الله كاتب هذه ~~السطور. # ولكي أكتب ما أكون من صحته على أيقن يقين، سأقصر كلماتي على شخصي، تاركا للزميلين أن ~~يتوليا ما يريدان أن يتولياه من الأمر. # لقد أسلفت القول بأنني لحظت فيما تابعته من أحاديثكم، دقة بالغة في تحليل المفردات ~~اللغوية، حتى لقد خيل إلي أحيانا أنني أمام محاضر في فقه اللغة، لا أمام محاضر في ~~فقه الدين. وعلى هذا الأساس اللغوي الدقيق سيكون نقدي لما هفوت به عني يا فضيلة الشيخ، ~~جاعلا ما وجهته إلى الثلاثة مجتمعين، موجها إلي بالضرورة. ~~(1) # وردت هذه العبارة في حديثكم: إذا كان هناك ما يسمونه فكرا لهم، فكل ~~كلامهم خارج هذا الدين، وكله مردود عليه. # وحول هذه العبارة أقول: قف معي قليلا يا فضيلة الأستاذ عند كلمة «كل» التي ~~ذكرتها مرتين، فلا شك أنك تعني ما تقول، وأنت الرجل الذي يتعقب مفردات ~~الكلام مفردا مفردا، فكم قرأت لي يا ترى مما كتبته، ليجوز لك الحكم بأن ~~«كل» كلامي خارج الدين، و«كله» مردود عليه؟ إن لي أكثر من أربعين كتابا، ~~وفوقها ما لا أستطيع حصره من مقالات وأحاديث، ولست أزعم أن ما كتبته جدير ~~بشرف أن تقع عليه عيناك، لكن ها أنت ذا قد شرفتني بالإشارة إلى «كل» ما نطقت ~~به، و«كل» ما جرى به قلمي، وأنا أعيد عليك السؤال: كم قرأت لي - يا ترى - وكم ~~سمعت؟ إذا كنت لم ms112 تقرأ «كل» ما كتبته، ولم تسمع «كل» ما تحدثت به، ألا ~~توافقني في هذه الحالة على أنك قد هفوت معي في الحكم؟ ~~(2) # جاء في عبارتك ما يلي: أنا أريد النقاش علنا، ليعرف كل إنسان قدره، ولا ~~يصبح دين الله نهبا مباحا لكل من يريد أن يتعدى على مقدساته، ويشوهه ~~أمام الناس. # وعن ذلك أقول: مرة أخرى أرجوك يا فضيلة الإمام، أن تقف معي قليلا أمام كلمة ~~«يريد»، وأنت الذي أعلم عنه أنه لا يستخدم لفظا إلا وهو يعنيه، فلو أن ~~فضيلتك قد كفاها أن تحكم على ما كتبته بالخطأ في حق الدين (وأنا أقصر الحديث ~~هنا على نفسي كما قلت) لهان الخطب؛ لأن الأمر عندئذ ما كان ليعدو أن يخطئ ~~كاتب وهو لا يدري أنه أخطأ، وكان يمكن لعالم كفضيلتك أن ينبهه إلى الصواب ~~ويستقيم المعوج. لكنك أصفت «الإرادة» المتعمدة، وأنا أترك لك أنت محاسبة ~~نفسك ومراجعتها: أواثق أنت أنه قد كان وراء الكلام الذي رأيته فوجدته خاطئا، ~~«إرادة» تحركت في جوفي لتتعمد الخطأ والتعدي على مقدسات الدين؟ وإذا ~~أجبتني بكلمة «نعم» فاسمح لي ساعتها أن أطالبك بالدليل، وأما إذا أجبتني بكلمة ~~«لا» أفلا تكون في هذه الحالة قد اتهمت مسلما بأبشع ما يتهم به مسلم ~~أخاه المسلم، وعن غير بينة يستند إليها؟ # هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فلست أريد أن أتجاهل قولك في العبارة المذكورة؛ ~~إنك تريد مناقشة علنية «ليعرف كل إنسان قدره»، فما هو موضوع المناقشة الذي ~~تقترحه، بحيث تضمن لقدر نفسك أن يبرز أمام الناس عملاقا، ويضؤل الآخرون ~~أقزاما؟ ومن يا ترى الذي يترك له اختيار الموضوع؟ أنت أم أنا؟ أغلب ظني أنك ~~لو تركت لي الاختيار لاستطعت الوقوع على ما تجهله أنت وما أعلمه أنا، وكذلك ~~إذا ترك لك الاختيار، حدث عكس هذا، فالله سبحانه وتعالى قد قسم الأرزاق ~~بيننا في المال وفي العلم أيضا، والله لا يحب كل مختال فخور. ~~(3) # جاء في عبارتك ما يلي: إن ما يقوم به (هؤلاء الثلاثة) لا يمت إلى ms113 الحق ~~بصلة، وما يكتبونه هو قضية تحمل الضلال والإضلال. # وعن الشق الأول أعيد ما قلته في رقم 1، وخلاصته أن فضيلتك لا يجوز لك أن ~~تحكم حكما كهذا، إلا إذا كنت قد ألممت بكل ما قمت به، ثم حددت «الحق» كما ~~تراه، ثم وازنت فلم تجد من ذلك الحق شيئا فيما قمت به. والأرجح أن أيام ~~فضيلتك لم تتسع لبحث متسع كهذا. # وأما الشق الثاني، فأنا أدعو لك الله عما ورد فيه رحمة وغفرانا، فلأن يكون ~~فيما كتبته «خطأ» فكثير على فضيلتكم أن تصفوه «بالضلال»، وأكثر منه أن تصفوه ~~«بالتضليل» إن الله غفور رحيم. ~~(4) # ورد في حديثكم أنك تريد المناقشة العلنية «لأكشف هؤلاء الناس للمسلمين في ~~العالم أجمع، وأرد عليهم، ونترك الحكم لجميع المسلمين.» وتعليقي على ذلك هو ~~أنك لو قلت إنك تريد أن تحتكم إلى «عقلاء» المسلمين لكنت أكثر توفيقا، أما ~~«جميع» المسلمين يا فضيلة الإمام، فمشغولون اليوم، يقتل بعضهم بعضا في حرب ~~الخليج، ويعترك مذهب منهم مع مذهب في كل أرجاء الإسلام. أإلى هؤلاء تريد أن ~~تحتكم فيما قد ينشأ بيننا من اختلاف، وما من مجموعة منهم إلا وتلعب بها خناصر ~~«الكفار»؟ يا سبحان الله العلي العظيم! # أما بعد يا فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، فإنني أحمل لك التقدير وأكبر فيك الشجاعة ~~في إبداء رأيك علانية، ويقيني أنك تريد لسواك أن يكون له مثل ما لك من حق التفكير وحق ~~التعبير، والله يوفقنا جميعا إلى ما هو أهدى سبيلا. # | أقولها كلمة صدق # لم أعد أذكر على وجه الدقة متى كان ذلك، حين تلقيت دعوة الوزير للقائه في مكتبه، وكل ما ~~أذكره هو أن ذلك قد حدث عندما اقتربت الخمسينيات من نهايتها. والذي يساعدني على التذكر، هو ~~أحداث صغيرة سبقت دعوة الوزير، فلقد أشاعت تلك الأحداث - على صغرها - مزيجا في نفسي من ~~الخوف والدهشة، فمنها أنني لاحظت أن بواب العمارة التي كنت أسكنها يبتسم لي كلما خرجت ~~أو دخلت، ابتسامة تكاد تنطق أن وراءها معنى، ولكني صبرت على القلق، حتى ms114 أقدم هو على ~~الهمس في أذني قائلا: لقد شهدت لك بما أرضيت به ضميري، فأنت رجل طيب. فسألته: ولمن كانت ~~تلك الشهادة يا عم أحمد؟ فلم يجب بأكثر من ابتسامة الخجل، وتكرر هذا نفسه مع سائس ~~الجراج، لكن السائس كان أكثر جرأة وصراحة، فلما سألته السؤال نفسه، ولمن كانت تلك ~~الشهادة يا عم عبده؟ أجابني: ومن يكون إلا رجلا من المباحث؟ وربما صدق الرجلان أو كذبا، ~~فلست أدري. # ومرت أيام قلائل بعد حديثي مع البواب والسائس. لقيني بعدها زميل في كلية الآداب، ولم ~~يكن معنا ثالث، فقال لي إن زائرا من جهة رسمية زاره في داره؛ ليسأله عما يعرفه عني، ~~وبالطبع كانت شهادة الزميل طيبة، وإلا لسكت عما حدث، فسألته: وهل علمت لماذا السؤال؟ ~~فأجابني بأنه لا يعلم ذلك، لكنه من الواضح أنه إما ليدفعوك دفعة إلى أعلى، وإما ليجذبوك ~~جذبة إلى أسفل، فكلتا هاتين الحالتين تحتاج إلى سؤال. # نعم، أحدث لي كل ذلك مزيجا من الدهشة والخوف، وظللت صابرا أنتظر، حتى جاءتني دعوة ~~الوزير للقائه في مكتبه، فلقيني أكرم لقاء، ثم أنبأني بما انعقد عليه العزم من نقلي إلى ~~منصب ذي شأن، فقلت له: إنني إذ أشكر شكرا صادقا ومخلصا، ألتمس قبول اعتذاري، فدهش ~~الرجل لما سمعه مني، وقال: أتأبى أن تكون كذا وكيت؟ ألست على استعداد لخدمة «البلد»؟ ~~فأجبته: لا يا سيادة الوزير، عفوا إنني إذا كنت قد رغبت عن المنصب المعروض، فإنني في ~~الوقت نفسه أقرر بأنني إنما أردت بذلك أن أخدم البلد فيما أستطيع الخدمة فيه، وهو ~~التعليم، أليست هي خدمة لمصر حاضرا ومستقبلا أن أشارك في تعليم شبابها؟ # معلم أنا مهنة وفطرة معا، فلو لم تسر بي ظروف حياتي نحو مهنة التعليم، لاخترت بطبيعتي ~~أن أكون معلما، فلست أحب في هذه الدنيا الطويلة العريضة شيئا أكثر من حبي للمعرفة ~~وشرحها وتوضيحها ونشرها، وذلك هو التعليم، لكنني إذا قلت ذلك عن نفسي، فكأنما قلت معه ~~شيئا آخر، وهو أن المعرفة التي أحب تحصيلها وشرحها وتوضيحها، هي ms115 معرفة أومن بصوابها، ~~فإذا عرفت ما يناقضها مما أظن فيه الخطأ، استخدمته للمقارنات التي يزداد بها الصواب ~~وضوحا في الأذهان. # ولو كانت المعرفة التي أبحث عنها، وأبحث فيها، وأنقلها إلى الآخرين تدريسا وكتابة، مما ~~يندرج في العلوم الرياضية أو العلوم الطبيعية، لما قلت كلاما كهذا عن الصواب والخطأ؛ لأن ~~تلك العلوم تبلغ من دقة النتائج ما لا يتركها نهبا للآراء والظنون، لكن المعرفة التي أشرت ~~إليها تقع في مجال ما اصطلح على تسميته بالعلوم الإنسانية آنا، أو بالعلوم الاجتماعية ~~آنا آخر، ثم هي معرفة تدور حول معان، فيها من السخاء ما يكاد يسمح لكل من شاء، أن يكون ~~فيها صاحب رأي. وماذا أنت قائل في فكرة كالحضارة أو «الثقافة» أو «التقدم» أو أي عضو من ~~أعضاء هذه الأسرة الضخمة من المعاني التي تتلفع بغلالات لطيفة من الضباب، الذي يظهر ~~منها جانبا ويخفي جانبا؟ إنك إذا طرحت واحدا منها للنقاش، فتوقع أن تسمع من ~~المشاركين في المناقشة عجبا من العجب، دون أن تجد بين يديك الوسائل الرادعة الفاصلة التي ~~تحسم الرأي بين صواب وخطأ. # إننا في بحر هذه المعاني الضرورية رغم غموضها، والغامضة رغم ضرورتها، نضرب بأيدينا ~~وبأرجلنا ضربا لا نضمن به أن نجتاز الموج العاتي لنبلغ شاطئ السكينة والأمان، ومع ذلك ~~فلا مندوحة للسابحين في ذلك البحر عن السباحة؛ إذ هو حتم محتوم علينا أن نكون لأنفسنا من ~~تلك المعاني الفضفاضة المتصلة بالثقافة والحضارة، صورة فيها من الوضوح حدا أدنى، يكفي ~~للهداية في ميادين التعليم والإعلام. وهي الميادين التي تكاد تنفرد بواجب الإعداد للمستقبل ~~المأمول، وإلا فكيف نصوغ الأهداف التي نريد لشبابنا أن يستهدفوها، إذا لم تكن أمامنا ~~وأمامهم صورة لما نبتغي؟ # ولقد كان نصيبي من الحياة، منذ الشباب وإلى الآن، أن أكون بالتعليم وبالكتابة، من ~~المشاركين في محاولات رسم الصورة المستقبلية المنشودة، وأعترف هنا بأنني قد سرت الطريق ~~على مرحلتين، كان لي في المرحلة الأولى تصور معين، ثم أدخلت على ذلك التصور تعديلا ~~هاما في المرحلة الثانية. وليس في ms116 هذا التحول ما يعيب أحدا إلا من تشبث برأيه، حتى ~~ولو ظهر بطلانه، والأمر في هذه التصورات - كما قلت - ليس أمر معادلات رياضية أو قوانين ~~علمية، مما لا تعرف لنفسها إلا طريقا واحدا في العصر الواحد، بل هو أمر اجتهادات قوامها ~~آراء وظنون. # فأما المرحلة الأولى من حياتي الفكرية، فقد كنت فيها لا أجد بديلا لصورة الحضارة ~~الغربية كما هي في عصرنا؛ لأنها هي حضارة القوة والعلم والإبداع والمغامرة وتحقيق السيادة ~~على الطبيعة، فتسخرها تسخيرا لا يقتصر نفعه على قلة من الناس، بل إن نفعها ليعم حتى ~~يصل إلى أصغر كوخ في أقصى الأرض. # لكنني عدت بعد تلك المرحلة الأولى، فرأيت أنها وإن تكن ضرورية ضرورة الحتم الذي لا يدع ~~مجالا للاختيار، إلا أنها ليست وحدها كافية؛ إذ لا بد أن تضيف إليها كل أمة ما يميزها ~~من سمات ثقافية هي التي حددت لها هويتها، أبا عن جد، ثم عن جدود، يتعاقبون جميعا جيلا ~~بعد جيل ليكونوا «تاريخا» واحدا موصول الحلقات. # ومنذ انفتحت عيناي على هذا الشرط الضروري، وضحت أمامي الصورة بكل قسماتها، وهي صورة لم ~~يكفني لعرضها مقالة أو مقالتان، ولا كتاب أو كتابان، بل أخذت أكتب من الكتب - بادئا ~~بكتاب الشرق الفنان سنة 1960م - ما يربو على عشرة، ومن المقالات عشرات، كلها يتناول الصيغة ~~الثقافية المطلوب لها أن تكون محور نشاطنا. # وكان آخر محاولاتي في هذا السبيل، مقالة عنوانها «هيا إلى اقتحام العقبة»، والعقبة التي ~~رأيت أننا لم نقتحمها بعد، فوقفت في طريقنا كأداء لا تسمح لأحد منا بسرعة السير، هي ~~غموض اكتنف فكرتنا عن «الماضي»، وكيف يكون دوره في حياة الأحياء. وقد اضطررت في سبيل شرحي ~~للفكرة التي أردت عرضها، أن أمهد لها بتوضيح للأساس الذي تنبني عليه رؤية العصر الذي ~~نحياه، وهو أساس قد اختلف في عصرنا عما كانت عليه الحال في العصور السابقة. ولا بأس في أن ~~نزيد الأمر وضوحا هنا، فنقول إن العصر المعين من عصور التاريخ عادة ما يبني تصوراته ~~على أساس علم ms117 معين، تكون له السيادة بالنسبة لسائر العلوم، وكانت «الرياضة» هي النموذج ~~أمام العقل البشري منذ اليونان الأقدمين. ومعنى ذلك أن جوهر ذلك النموذج الفكري هو ~~«الثبات»؛ لأن الصورة الرياضية توحي بذلك ، فينتج عن نموذج الثبات نوع من الاتجاه عند الناس ~~نحو أي موقف عقلي - بما في ذلك موقفهم من ماضيهم - خلاصته ألا مجال للتغيير فيه. وأما ~~النموذج الفكري في عصرنا الراهن، فمستمد من علوم الأحياء (البيولوجيا)، فانظر إلى أي ~~كائن حي، من نبات أو حيوان أو إنسان، تجد أمامك حقيقة من صورة أخرى غير الحقيقة ~~الرياضية؛ إذ تجد أمامك حقيقة نامية، كل مرحلة من مراحلها مستندة إلى المرحلة التي ~~سبقتها، لكنها لا تكررها، فالثمار والأوراق والفروع والجذع جميعا لا تستغني عن الجذور ~~الغائرة في التربة؛ إذ هي تستمد من تلك الجذور ريها وغذاءها، لكنها مع ذلك أشياء مختلفة ~~الصور والوظائف، لا تشبه الجذور لا صورة ولا وظيفة. وعلى هذا النموذج الحي ينظر الإنسان ~~المعاصر إلى كل شيء، بما في ذلك حقيقة وجوده هو نفسه، ووجود ماضيه. # فكل حياتنا الحاضرة - من وجهة النظر البيولوجية هذه - تستمد حيويتها من ماضيها، كما ~~تستمد الشجرة حيويتها من جذورها، لكن حياتنا الحاضرة مع ذلك ليست مطالبة بتكرار صور ~~الماضي كما كانت، على نحو ما تكون الثمار والأوراق والفروع غير مطالبة بأن تتخذ صورة ~~الجذور. والفرق بعيد بين الحالتين: حالة من يحيا ليكرر ماضيه، وحالة من يحيا ليحذو في ~~الإبداع حذو الماضي فيما أبدع. خذ الشعر مثلا، فنحن لا نلزم الشاعر العربي الحديث أن ~~يلتزم كل شيء التزمه الشاعر القديم، لكننا نلزمه أن يرتوي من الشعر القديم، حتى تمتلئ ~~أوعيته بذوق عربي سليم، ثم يبدع ما شاءت له ملكاته أن يبدع؛ لأن القديم نفسه لم يكن على ~~صورة واحدة مكررة، فليس الشعر في العصر العباسي هو كالشعر في العصر الأموي أو في ~~الجاهلية، بل تغير في تفصيلات كثيرة. ومع ذلك ظل النموذج في فحولة الشعر عند النقاد، ~~قائما على الشعر الجاهلي، كأنما جعلوه كالأصل الثابت من ms118 الشجرة، وأما فروعها فمن حقها أن ~~تعلو في السماء، ما دامت موصولة بشريان الحياة مع ذلك الأصل الثابت. # ومسألة الماضي وعلاقتنا به هي اليوم في مقدمة المشكلات التي تتطلب النظر الجاد ، أكثر ~~جدا مما كانت في أي مرحلة من مراحل تاريخنا؛ وذلك لأننا خلال تلك المراحل، لم نكن نواجه ~~حضارة أخرى غير الحضارة التي كنا نعيشها مرحلة مرحلة. أما اليوم فتواجهنا حضارة أخرى غير ~~حضارتنا، وهي حضارة العصر، التي إذا نحن أهملناها كنا كناطح صخرة ليوهنها، وإذا نحن ~~انغمسنا في غمرها بغير حساب، كنا كمن ألقى بشخصه في العباب ليهلك. والسؤال الملح ~~علينا هو: ماذا نحن فاعلون؟ # كان ذلك هو موضوع الحديث في مقالتي التي عنوانها «هيا إلى اقتحام العقبة»، والذي لم ~~أتنازل فيه عن التمسك بماضينا قيد شعرة، ولو فعلت ذلك لكنت في عداد المجانين، لكن ~~السؤال هو: كيف؟ وكان جوابي هو أن نتشرب تراثنا تشربا يحوله في قلوبنا ونفوسنا ~~وعقولنا إلى «ضمير» نقيمه على أنفسنا من الداخل رقيبا وحسيبا، كما هي حال الضمير دائما ~~مع الإنسان، لكن ليس من المعقول أن يظل الماضي بحذافيره قائما أمام أبصارنا لنكون في ~~حياتنا نسخة مطبوعة. وقلت في ذلك المقال إنه ليس أقتل لنا ولا أقتل للنموذج المقام ~~ذاته من أن نجعل أنفسنا نسخة مكررة. أما وجودنا نحن فينمحي إذ يصبح زائدة لا إضافة عنده ~~يضيفها، وأما النموذج المقام، فإن جدته تذهب عنه بكثرة تكراره، وإلا لاكتفى التاريخ كله ~~بأصل واحد دون أن يجيء له من يكرره. # فثارت علي ثائرة ناقد غاضب، وقذفني بوابل من الاتهامات التي طالما شهدنا أمثالها ~~مئات المرات بعد مئات، وباتت في مسامعنا كليشيهات محفوظة عن ظهر قلب، حتى لكأنها تباع ~~محنطة معلبة في دكاكين العطارة، وما على الناقد إلا أن يشتري وهو في طريقه إلى بيته ~~علبة أو علبتين، يسكب ما فيهما على الورق، ثم ينام ليستريح، فلا المشكلة عولجت، ولا هو ~~فكر في حلها، ولا المتهم قد وجد ما يتطهر به من خطيئته. # فليس أسهل على ms119 الناقد الثائر من أن يقول إن الرؤية التي تريدنا على أن ننظر إلى الماضي ~~نظرتنا إلى تاريخ، أو إلى سيرة، أو إلى عملية النماء في الكائن الحي، تتلاحق فيها حلقات ~~النمو ، بحيث تجيء آخر الحلقات ظهورا في الزمن، مستوعبة استيعابا حيويا للحلقة ~~الأولى، دون أن تكون الأخيرة تكرارا للأولى، أقول إنه ليس أسهل على الناقد الثائر الغاضب، ~~من أن يتهم مثل هذه الرؤية الحيوية بأنها تتنكر لمبادئنا وقيمنا ومثلنا العليا، مع ~~أن ذلك الناقد الثائر الغاضب لو تمهل وتأمل هذه المعاني نفسها التي ذكرها: «مبادئ» ~~و«قيم» و«مثل عليا» لوجدها جميعا - بحكم تعريفها - تعطيك «الاتجاه»، ولا تملي عليك كل ~~خطوة على الطريق، فكأنما هي بمثابة من يقول لمن ضل الطريق في الفلاة: اجعل وجهتك نحو ~~الجنوب الشرقي، وأما ماذا أصنع وكيف أتصرف إذا ما سرت في هذا الاتجاه ووجدت حيوانا ~~مفترسا، أو وجدت بركة ماء، أو وجدت سدا من شجيرات وأعشاب، فهذه كلها صعاب الطريق التي ~~يحلها المسافر بما توجبه عليه ضرورة الموقف، وطالما هو ملتزم بالاتجاه نحو الجنوب ~~الشرقي، فهو ملتزم بالمبادئ وبالقيم وبالمثل العليا. # إني لأقولها كلمة صدق يا سيدي، بأنه لن يجديك شيئا، كلا ولن يجدينا أن تتلفع ~~بدثارك مطمئنا مستريحا، فتغفو عيناك في نعاس، ثم تصحو فجأة لتجد شفتيك تتمتمان ألف ~~مرة بهذه الألفاظ الثلاثة: مبادئنا مبادئنا ... قيمنا قيمنا ... مثلنا العليا مثلنا ~~العليا ... فالدواء لا يشفي علة لمريض إذا ظل مغلقا في زجاجته، فالمريض طريح فراش، ~~وزجاجة الدواء هناك على المنضدة، وكذلك مبادئنا وقيمنا ومثلنا العليا لا بد لها أن ~~تنتقل من كونها كلمات، لتتجسد عملا مرئيا منتجا، نراه في زارع الأرض وفي عامل ~~المصنع. وإنه لحق ما قيل من أن المبادئ والقيم والمثل العليا، لن تبلغ غاياتها في حياة ~~الإنسان، إلا إذا غاصت في نفسه إلى عمقها، وتحولت عنده من حالة الوعي بها إلى حالة ~~اللاوعي، بحيث تفعل فعلها فيه، وكأنها جزء لا يتجزأ من فطرته، وعندئذ لا تسمع مثل ذلك ~~الإنسان يقولها ألفاظا، ولكنك تراه ms120 في أوجه نشاطه يحياها سلوكا. # إنه لن يكون لنا إحساس حي بوجودنا، وقدرة على المشاركة الإيجابية في حضارة عصرنا، إلا إذا ~~استطاع حاضرنا أن يبتلع ماضينا، ابتلاعا ينقل ذلك الماضي من حالة كونه تحفة نتفرج ~~عليها، وعبارات نرددها، إلى حالة كونه غذاء للدماء في شرايينها، أي أن ينتقل الماضي من ~~خارجنا إلى داخلنا ليصبح فينا ضميرا حاكما وموجها لسلوكنا، لا بمحاكاتنا لما قد كان ~~محاكاة حرفية كما يقولون، بل بإبداعنا للجديد الذي يتناسب مع عصرنا، كما كان الأسلاف ~~يبدعون ما كان متناسبا مع عصرهم. # والإسلام من حيث هو دين، له أركانه الخمسة التي يعرفها كل مسلم، ويلتزمها كل مسلم، ومن ~~حيث هو شريعة له أحكامه التي يفصلها لنا علماء الفقه، فنعتز بها أحكاما تضبط مناشط ~~حياتنا. لكننا حين نتعرض لمسألة الحاضر والماضي، فإنما نتعرض للوجه الحضاري الذي ينبثق ~~كما تنبثق الزهرة من غصنها، ولم يقل أحد، بل ولا يجرؤ أحد على القول، بأن المسلم لا يسعه ~~بحكم إسلامه إلا أن يتمخض عن زهرة حضارية واحدة تظل تتكرر بذاتها عصرا بعد عصر، ~~وإقليما بعد إقليم، فالعلم صورته واحدة، والفن صورته واحدة، والعمارة صورتها واحدة، ~~والأدب صورته واحدة، وأسواق التجارة صورتها واحدة، ومصانع النسيج صورتها واحدة. # والذي أقوله، وأعيد قوله، هو أننا إذا غيرنا هذه الأوجه الحضارية كثيرا أو قليلا، لم ~~نزد في ذلك على أننا نقلنا عن الغرب منتجاتهم، ولم نشارك بالإضافة التي قد تتميز ~~بطابعنا الخاص إذا نحن استطعنا الإضافة. والسؤال إذن هو: ولماذا عجزنا عن الإضافة؟ والجواب ~~هو: إننا لم نتشرب روح عصرنا بعد، وشغلنا أنفسنا بضروب من القول هي أقرب إلى الوخم ~~المتثائب عند من يشرف على نعاس، فهل أبى الإسلام على المؤمنين فيما مضى، وهل يأبى الآن، ~~وهل سيأبى عليهم يوما إلى آخر الدهر أن يخرجوا من أنفسهم زهرات حضارية مختلفة اللون ~~والعطر كلما اختلفت حولهم ظروف العيش؟ ألا يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام في حديث ~~شريف له، ما معناه أن ما يراه المسلمون حسنا فهو ms121 عند الله حسن؟ تأملوا بإمعان أبعاد ~~المعنى في هذه العبارة، فكأنها تقول إنه إذا أجمع رأي المسلمين في عصر ما على أن خيرهم ~~يتحقق بصورة معينة من الفكر والعمل ، وكانت تلك الصورة هي المقبولة عند الله سبحانه، ~~وهل نقول اليوم أكثر من هذا؟ # عندما طالعت رسالة الناقد الغاضب، لم يفزعني اختلاف الرأي، فاختلاف الرأي في أمثال هذه ~~المسائل أمر لا بد منه في حياة فكرية صحيحة قوية، لكن الذي أفزعني حقا اختلاف اللغة ~~- إذا جاز لنا هذا القول - فسيادته لم يفكر بمقدار ما رفع السوط مهددا بالويل ~~والدمار. ونحن إذا تخاطبنا بلغات مختلفة على هذا النحو المخيف، فأخشى أن يصيبنا ما ~~أصاب أهل بابل، الذين استطاعوا حين كانت لهم لغة واحدة، أن يتعاونوا على بناء مدينتهم، ~~والارتفاع ببرجها نحو السماء، وكانوا بذلك أمة واحدة، لكنهم لم يلبثوا أن اختلفت لغاتهم، ~~و«تبلبل» لسانهم، فتفككوا وكفوا عن البنيان، ومن هنا أطلق على مدينتهم وبرجها اسم ~~بابل. # | نمل ونحل # النملة تدخر القوت لفصل الشتاء، وهي إذ تخزن القوت الذي جمعته، تتركه كما وجدته، فحبة ~~القمح تظل حبة قمح، وقطعة السكر تبقى قطعة سكر، فكل ما على النملة أن تؤديه في هذا ~~السبيل، هو أن تجمع ما تصادفه صالحا لطعامها، وترصه في بيتها رصا على مستوى الأرض، أو ~~تكومه بعضه فوق بعض، أو لست أدري كيف. # ولقد شهدت في صباي شيئا عجيبا، وكان ذلك في أعقاب مطر غزير؛ إذ شهدت جماعة من ~~النمل تخرج مخزونها من جحرها، وتنشره متفرقا تحت أشعة الشمس، ولا بد أن تكون قد ~~وجدته مبللا بما تسرب إليه من ماء المطر، وليس مخزون النمل دائما جزئيات صغيرة من ~~مختلف المواد التي تراها صالحة، بل قد يحدث أن تقع على صيد جسيم، فتبقيه على جسامته، ~~وتحفر له مخزنا خاصا يسعه بكل حجمه. وراقبت ذلك بنفسي ذات يوم، وقد كنت عندئذ أجلس ~~أمام غرفة بمستشفى ريفي، حيث كان أخي الأصغر مريضا، وكنت لا أفارقه لأرعاه - عليه رحمة ~~الله ورضوانه - وهناك رأيت في ms122 الحديقة أمامي نملة كبيرة تناور «صرصارا» وتداوره، ثم ~~تلذعه في أم رأسه لذعة رأيته يجمد بعدها، فبعدت النملة عنه مسافة قصيرة، حيث أخذت تحفر ~~جحرا، وبسرعة البرق تم لها ما أرادت، فعادت إلى فريستها وجرته إلى حيث الجحر، واعجباه ~~كيف أخذت تقيس «الصرصار» طولا وارتفاعا بخطوات سريعة أخذت تخطوها بجانبه، ومتسلقة على ~~جسده، ثم تدخل الجحر بعد ذلك وحدها، ولعلها وجدت الجحر أصغر من أن يسع الفريسة، فراحت ~~توسعه بحفر جديد، وأعادت عملية القياس، فلما اطمأنت، شدت صيدها، حتى أدخلته في ~~محبسه وردمت من تراب الحفر، حتى أغلقت فتحة الدخول، وذهبت إلى حال سبيلها. # ذلك هو النمل وما يصنعه في تخزين قوته، فهو ماهر كل المهارة في جمعه، لكنه لا يغير ~~منه شيئا. وأما النحل فأمره آخر؛ لأنه ما إن يمتص من الزهور رحيقها، حتى يدير لها معامله ~~الداخلية، فتخرجه في الخلية عسلا. ~~••• # وعلى طريقة النمل وطريقة النحل يكون الإنسان في جمع معارفه وعلومه: فتارة يصنع بها صنيع ~~النمل، وطورا يجري عليها طريقة النحل، وبين الطريقتين تختلف الشعوب، وكذلك تختلف العصور: ~~فشعب ما، أو عصر ما، قد تسوده عملية الجمع والتخزين، حتى إذا ما أراد أحد أن ينتفع بشيء ~~من المعرفة المخزونة في حياته العملية أخرج من المخازن ما يريد؛ ليستخدمه كما كان قد ~~تلقاه وحفظه. لكننا في الوقت نفسه قد نجد شعبا آخر وعصرا آخر، لا يستريح إلا إذا ~~تحولت المواد المجموعة على يديه خلقا جديدا، وبمثل هذا الإبداع يتقدم الإنسان. ولعلك ~~تلحظ عملية الجمع مشتركة في الحالتين، لكن بينما يوقف عندها في الحالة الأولى، يتخطاها ~~المبدع إلى مرحلة تبنى عليها في الحالة الثانية، فالنمل والنحل كلاهما يجمع مواده، فأما ~~النمل فيخزن ما تجمع كما هو، وأما النحل فيصير مما جمعه شيئا جديدا. # وإني لأسارع عند هذه النقطة من سياق الحديث، فأوجز بجملة واحدة ما سوف أعرضه بعد ذلك ~~مشروحا مفصلا. ولماذا أسارع بذكر النتيجة قبل بيان مقدماتها؟ جوابي هو: لأقطع طريق ~~الفرار أمام القارئ الملول الذي يكتفي من ms123 كل مقالة بفقرة أو فقرتين، وإذن فليحمل ~~الفكرة معه قبل فراره، عسى أن تثير فيه القلق وإمعان النظر، فأقول: إن مصر قد مضى على بدء ~~نهضتها الحديثة حتى الآن مائة وثمانون عاما؛ إنها بدأت نهضتها قبل أن تبدأ الروسيا نهضتها ~~بما يقرب من ثلث القرن، وقبل أن تبدأ اليابان نهضتها بما يقرب من ثمانين عاما، ولكن مصر ~~خلال الأعوام المائة والثمانين لم تبلغ من النهوض ما يكفي أن تبتكر هي الجديد وتضيفه، ~~كما فعل من بدأ الشوط بعدها، فما علة ذلك؟ إن ذلك قد تكون له علل كثيرة، ولكن إحداها ~~التي تجيء من سواها في الطليعة، هي أن مصر قد اختارت - على الأغلب - طريقة النمل، وقلما ~~صنعت صنيع النحل، فأصبح لديها ما شئت لها من خزائن العلوم والفنون، لكنها مليئة بما ~~أبدعه غيرها من الشعوب الناهضة. على أن الإنصاف هنا يقتضينا أن نقول إن الأمر ليس هو: إما ~~منهج النمل وحده، وإما منهج النحل وحده؛ إذ قد يجمع الفرد الواحد شيئا من طريقة النمل، ~~وشيئا من طريقة النحل، ومثل هذا الجمع بين الطريقتين نراه قد تحقق لعدد من أعلام ~~النهضة الحديثة في مصر، ولكننا إذا ما أردنا حكما بما هو أغلب على مجرى حياتنا طوال ~~الأعوام المائة والثمانين، قلنا إنه منهج النمل في الجمع والتخزين. # تعالوا نستعرض معا مسرعين، أمثلة من أقوى النهضات الثقافية التي شهدها التاريخ؛ لنرى ~~على أي منهج سارت فأبدعت، وسنرى أنها جميعا قد تشابهت في مراحل السير: فخطوة «نملية» تجمع ~~بها ما قد وصلت إليه الدنيا من أمهات الحقائق، تتلوها خطوة «نحلية» يمتص فيها أصحاب ~~المواهب رحيق المعارف المجموعة، لا ليخزنوها في ذاكراتهم لتبقى على صورتها، بل ~~ليحولوها في معامل المواهب إبداعا جديدا. أما في مراحل الانطفاء والركود، فإن الدارسين ~~يحفظون عن ظهر قلب ما يتلقونه من مأثورات الأولين؛ ليخرجوها في المناسبات المختلفة ~~«تسميعا» فتخرج وكأنها مومياوات محنطة خرجت من توابيتها لتوضع في المتاحف. # ولنجعل مثلنا الأول ذلك المد الثقافي الزاخر في تاريخ المسلمين، فلم يكد ms124 يمضي على ~~ظهور الإسلام ما يزيد قليلا على قرن واحد، شغل فيه العلماء - أساسا - باللغة وما ~~يتصل بها من قواعد وشواهد، حتى بدأت حركة الجمع من مصادر الآخرين ، وأعني حركة الترجمة عن ~~اليونانية والفارسية والهندية. ولقد سارت تلك الحركة على مرحلتين: كان المترجمون في ~~المرحلة الأولى منهما يعملون فرادى، كل بحسب مزاجه، ودون أن يكون للدولة شأن بهم، وأما ~~في المرحلة الثانية، فقد كان للدولة شأن عظيم، إذ أنشأ المأمون ما يسمى ببيت الحكمة، ~~حيث يجتمع القائمون على الترجمة تحت رعاية الخليفة، وكانت حصيلة ذلك كله أن أصبح بين أيدي ~~الدارسين ترجمات لمعظم مؤلفات أرسطو وما كتبه الشارحون للأفلاطونية المحدثة، وبعض محاورات ~~أفلاطون، ومعظم مؤلفات جالينوس، وأجزاء مما كتبه غير جالينوس في الطب، فضلا عن ~~المؤلفات في ميادين العلوم، ومنها كتاب إقليدس وكتاب أرشميدس. واختصارا فما بلغ القرن ~~التاسع (الثالث الهجري) نهايته، إلا وقد شهدت العربية محصولا طيبا مما أنتجه السابقون في ~~ثقافات أخرى. ولك أن تتخيل نفسك وقد دخلت بيت الحكمة في بغداد، لترى جماعة المترجمين ~~منكبة على صحائفها، تنقل من لغة أخرى إلى اللغة العربية، وبين هؤلاء ثلاثة من أسرة ~~واحدة هم: أبو زيد حنين بن إسحق، وابنه إسحق، وابن أخته جينس، فهل يسعك وأنت ترى هؤلاء ~~يترجمون ما يترجمونه، إلا أن تدرك من فورك أنك إنما تشهد شيئا يشبه جهود النمل في الجمع ~~والتخزين، وأن تلك المادة المنقولة إلى العربية لن تكون هي الثقافة العربية، ولكن الذي ~~سيجعلها كذلك رجال آخرون، يتلقون تلك المترجمات ليرشفوا رحيقها، ثم ليخرجوا ما قد ~~رشفوه خلقا جديدا، هو الذي نشير إليه اليوم، إذا ما تحدثنا عن التراث العربي وهو في ~~عزه وذروة مجده. # وانتقل مع التاريخ العربي إلى القرن العاشر (الرابع الهجري)، وخذ ما اتفق ليديك أن ~~تصلا إليه في خزانة الكتب التي عاش أصحابها في ذلك العهد، ثم انظر إلى محتواها، لترى كيف ~~تحولت الأزهار إلى عسل، فاقرأ - مثلا - لأبي حيان التوحيدي تجدك أمام فكر عربي جديد، فلا ~~هو شبيه ms125 بما قد كان عند أسلافه العرب من فكر، ولا هو يشبه كل الشبه ما نقل إلى العربية من ~~مؤلفات اليونان. وليس ذلك المذاق الجديد مقصورا على رجل أو رجلين، بل هو طابع شامل لعصر ~~كامل امتد حقبة طويلة من الزمان، في المشرق العربي وفي المغرب العربي على السواء. وفي تلك ~~الحقبة الطويلة لمعت أسماء كالنجوم الساطعة، من فلاسفة كالفارابي وابن سينا وابن رشد، ~~وشعراء حكماء كأبي العلاء، ونقاد مثل عبد القاهر الجرجاني، وعلماء في الرياضة والفلك ~~والكيمياء والطب، وغير ذلك من شتى جوانب الفكر والأدب. ~~••• # وننتقل إلى المثل الثاني من النهضات الثقافية الزاهرة، وهو مثل أوروبا في نهضتها التي ~~وصفت بأنها ولادة جديدة، فها هنا أيضا كانت المرحلة الأولى شبيهة بما يصنعه النمل بطعامه ~~المدخر، جمعا وتخزينا، حتى يحين له الحين، فما انفكت أوروبا في أواخر عصورها الوسطى، ~~تجمع بين يديها أهم ما أنتجه العقل البشري: في ثقافة اليونان، وثقافة الرومان، وثقافة ~~العرب. وترجم هذا كله، وأخذت دائرة انتشاره تتسع، حتى بات في متناول الدارسين في ~~الأديرة والجامعات، وتحت أيدي رجال الفن والأدب، ثم جاء دور النحل والعسل، فإذا الدنيا أمام ~~روح جديد وعقل جديد. ولم تكن تلك الجدة مقصورة على علماء من أمثال جاليليو وكوبرنيق، ولا ~~على رجال فن من أمثال رفائيل ومايكل أنجلو وليوناردو دافنشي، ولا على أدباء وشعراء مثل ~~شكسبير، بل الجدة شملت روح الحياة نفسها، وسادت في الناس فرحة غريبة كفرحة الطفل بكل شيء ~~جديد، فانطلق الرحالة يجوبون البحار المجهولة، والأرض البعيدة، ويصعدون الجبال بعد أن لم ~~تكن تلك الجبال قبل ذلك إلا مصدرا للخوف والتخويف. دبت في الحياة كلها روح المغامرة ~~والبحث عما وراء الأستار، وما اختفى في الظلمات، فكان من كل ذلك أن دخل العالم عصره ~~الجديد: علما، واكتشافا، وأدبا، وفنا، واهتماما بالإنسان الذي هو بشر تقله الأرض، ~~وتظله السماء، لا بالإنسان من حيث هو زاهد يكفيه القليل. # وهذا الموضع من سياق الحديث، هو موضع ملائم لذكر سرفانتيز ورائعته الكبرى «دون كيخوته»، ~~فوقفة منا ms126 عند هذا الكتاب، ضرورية لنا ضرورة المنبهات القوية إذا ما أخذت الإنسان سنة ~~من النوم، وهو بحاجة إلى يقظة واعية، فليس كل شيء في «دون كيخوته» أنه يحارب طواحين ~~الهواء ظنا منه أنها فرسان معادية، وأن يهاجم قطعان الخراف على أنها جيوش الأعداء ~~مداهمة ومهاجمة، لا بل هنالك - عند فهم الكتاب - ما هو أعمق وأفعل أثرا، فيمن يحيا ~~ركودا ثقافيا كالذي نحياه نحن اليوم. # فذلك الرجل «دون كيخوته» قرأ كتب السلف عن حياة الفرسان، وحفظ ما قد قرأ، لم يغير منه ~~شيئا، ولم يضف إليه شيئا، ثم رسم حياته على نموذجه، فهو بمثابة نملة كبيرة وقعت على ~~صيد كبير فخزنته؛ لتجعله وليمتها ذات يوم من شتاء، كالنملة التي حدثتك عما رأيته ~~منها، حين جمدت «صرصارا» ضخما بالنسبة إلى حجمها، وحفرت له وخزنته. ولو كان «دون ~~كيخوته» فعل ذلك في عصر سابق لعصره أيام أن كانت حياة الفرسان أمرا شائعا مألوفا، بل ~~وكانت موضع تبجيل واحترام، لما كان في أمره ما يلفت النظر، إذ ماذا يلفت النظر في فارس ~~يعيش في عصر الفرسان؟ لكن عصر الفرسان كان قد ذهب وولى، وتأهبت الدنيا للدخول في عصر ~~جديد - هو عصر النهضة الأوروبية الذي أشرنا إليه - ثم ظهر «دون كيخوته» لا ليتنفس مع ~~الناس الهواء الجديد، بل ليتنفس هواء مخزونا بين صفحات كتب قرأها عن عصر قديم. فإذا ~~كان سائر الناس من لحم ودم، فقد كان هو إنسانا من كلمات محفوظة، وكانت دماؤه من مداد ~~المحابر. وهل تظن أن «دون كيخوته» كانت أعجوبة بشرية ظهرت واختفت؟ أمعن النظر فيما حولك ~~ومن حولك، تجد من طرازه مئات يدبون على ظهر الأرض بأجساد من ورق ودماء من مداد وأدمغة ~~مشحونة بكلمات السابقين، لا لتكون مصدر إلهام لما هو جديد، بل ليعيشوها كرة أخرى كما لو ~~لم تمض بيننا وبين أصحابها مئات السنين. ~~••• # فنحن، بعد أن قضينا مائة وثمانين عاما، منذ انفتحت أبوابنا على أوروبا. فبدأت بذلك ~~الانفتاح نهضتنا الحديثة، لو أننا استثنينا قلة قليلة مما أنتجناه ms127 خلال تلك الفترة، ~~لوجدنا إنتاجنا أشبه شيء ببيوت النمل، فهو إنتاج يمكن أن يلخص في هذه الصيغة: قال ~~أسلافنا كذا، وقال الغرب عن أسلافه ومعاصريه كيت، فلا نزال ، حتى في الموسيقى والشعر، ~~اللذين لا يكونان شيئا إذا لم ينبثقا من صميم الموسيقار والشاعر. وأقول إننا حتى في هذا ~~الميدان لا نزال بين رجلين: أحدهما يقول: هكذا يكون الفن كما عرفه أسلافنا، والآخر يقول: ~~بل هكذا يكون الفن كما عرفه الغرب. ولا أقول شيئا عن موقفنا في ميادين الفكر والعلم والنظم ~~على اختلافها، فواضح أننا في ذلك كله ننحصر في إطار الصيغة التي أشرت إليها، وهي أن ~~صوتا ينادي بما أخذ به السلف، فيرد عليه صوت آخر: بم يسود الغرب؟ ولم تتبلور لنا بعد ~~وجهة. ~~••• # إنه لا بأس في أن نصغي بآذان مرهفة لما قاله أسلافنا، وما قاله الغرب من أسلافه إلى ~~معاصريه، بل هو أمر ضروري محتوم لمن أرادوا لنهضتم أن تعتدل على ساقين، ولكن البأس كل ~~البأس هو في أن نقف من ذينك المصدرين موقف النمل في الجمع والتخزين وكفى، إذ يبقى بعد ذلك ~~دور النحل في التمثل والتحويل، ليتاح لنا أن نقول: # هذا كتابنا بيميننا، وعلى أساسه يكون الحساب، ولقد تحقق لنا هذا بالفعل في كثير من ~~الإبداع الأدبي، وفي قليل من الفن، ولكنه لم يتحقق في الفكر بشتى جوانبه، لا كثيرا ~~ولا قليلا، اللهم إلا قطرات لا تطفئ ظمأ العصفور. # | ما لهذه الشجرة لا تنمو؟! # أصدقائي من علماء الزراعة كثيرون، أزداد من علمهم علما كلما دارت بينهم وبيني أحاديث. ~~وفي آخر لقاء بيننا، حدث لي أن تمتمت لنفسي قائلا - على إثر سرحة خاطفة جريت فيها مع ~~خواطري: «ما لهذه الشجرة لا تنمو؟» فسألني محدثي: ما هذا الذي تقوله؟ فأعدت عليه عبارتي ~~بصوت مسموع، فسأل: وأي شجرة تعني؟ فقلت: إنها شجرة في حديقتنا لا تنمو، رويناها بالماء ~~آنا وبالدماء آنا، ولو كانت شجرة كسائر الشجرات في حديقتنا، لهان خطبها، ولكنها عندنا ~~بمثابة الشجرة الأم، غرسناها منذ قرن ونصف ms128 قرن، ثم أخذنا من بذورها لنزرع في الحديقة ~~أشباها لها، ولم يكن في حسابنا أنها لعلة فيها لن تنمو إلا لبضعة أقدام، فجاءت سائر ~~الشجرات مثيلات لها. # قاطعني محدثي قائلا: ما هذا الكلام العجيب الذي أسمعه؟ إنني ما عرفت لكم حديقة ولا ~~أشجارا، فأجبته ضاحكا: إنما أردت شجرة العلم في بلادنا يا صديقي، فعلاقة القربى وثيقة ~~بين الأشجار والأفكار، كلتاهما تبذر لها البذور فتنمو وتتفرع وتورق وتثمر، فشجرة طيبة ~~ككلمة طيبة، والكلمة فكرة، وشجرة خبيثة ككلمة خبيثة، فقل لي: لماذا لا تنمو شجرة في علم ~~النبات؟ أقل لك لماذا لم تنم شجرة العلم في حياتنا؟ # قال صديقي: أما في علم النبات فالشجرة يصيبها مثل هذا الشلل، إما لأنها غرست في غير ~~تربة صالحة، وإما لأنها أحيطت بمناخ غير صالح، وفي الحالة الأولى قد تصلح حالها لو حرثت ~~الأرض حرثا عميقا يصل بجذورها إلى طبقة أرضية خصبة، وفي الحالة الثانية قد تزول عنها ~~عوائق النمو إذا استطعنا أن نزيل عن المناخ عوامل الفساد. هذا هو ما عندي عن نبات الشجر، ~~فهات أنت ما عندك عن شجرة العلم في بلادنا. # قلت: سأقص عليك قصتي مع تلك الشجرة: بدأت القصة معي سؤالا يحيرني كما يحير غيري، هو: ~~لماذا وقد بدأنا النهضة الحديثة منذ مائة وثمانين عاما، نلحظ في حياتنا الفكرية بصفة عامة ~~- والجانب العلمي منها بصفة خاصة - أنها وإن تكن تتطور وتتسع بوثبات ملحوظة، فذلك لا ~~يتجاوز مجال «الكم»، وأما «الكيف» فباق على حاله، لم يتغير عما كانت عليه الحال في القرن ~~الثامن عشر، أعني الحالة التي كنا عليها عندما طرقت أوروبا أبوابنا ودخلت ربوعنا. مهلا، ~~أرجوك ألا تفزع لقولي هذا، على ظن منك - فيما أرى من ملامح وجهك - أنني قد بالغت وأسرفت ~~في المبالغة، فسأبين لك ما قصدت إليه. # أما التطور الكمي فذلك ما لا يستطيع أحد أن ينكره، وماذا ينكر إذا كنا قد انتقلنا في ~~عدد المتعلمين على المستوى الأعلى، من مئات أو آلاف إلى ملايين؟ وإذا كنا قد ارتفعنا في ms129 ~~عدد المدارس على مستوى التعليم العام هذا العدد الضخم الذي أوشك أن ينال جميع أبنائنا وهم ~~في سن التعلم، وإذا كان قد أصبح لدينا من الجامعات عشرات، ثم أضفنا إلى هذا كله ~~أكاديمية للبحث العلمي، ومراكز قومية للبحوث في شتى فروع العلم؟ إنك إذا سرت في هذا الخط ~~- خط الأعداد - فسوف تجد ما يشرفنا بأي مقياس نختاره للحكم، وكان من نتيجة ذلك أن بات ~~منا مئات الألوف من الأطباء والمهندسين ودارسي العلوم بكل فروعها، وبينهم عشرات الآلاف من ~~حملة الدكتوراه والماجستير في ميادين تخصصاتهم. لا ليس لأحد ما يشكو منه في حياتنا ~~العلمية إذا كان الأمر أمر أعداد، لكن تجول بنظرك إلى «الكيف» تجد أمام عينيك ما أعنيه ~~حين أقول إنه قد تحجر عند حالته التي كانت إبان القرن الثامن عشر، وتسألني: وماذا تقصد ~~بكلمة «كيف» هنا؟ وأجيبك بأنني أقصد إلى ما هو أبعد جدا مما يقصد إليه من يتحدثون في ~~أيامنا هذه عن تدهور التعليم من حيث الكيف، بمعنى ضعف التحصيل، وقلة الاهتمام وضيق الأفق، ~~على أن هذا كله صحيح، ولكنه ليس ما أردته، فما أردته أبشع من ذلك وأشد هولا؛ لأن تلك ~~العلل التي ذكرناها يمكن معالجتها إذا أخذنا أمورنا بعزيمة أمضى. وأما الجانب المتحجر ~~الذي أعنيه، فالله أعلم بأي الوسائل يزول، فهو هو الجانب الذي أوقف شجرة الحياة العلمية في ~~بلادنا، ولم يأذن لها بأن تنمو، فها نحن أولاء نرويها كما نرويها، ولكنها لا تنمو، ونسمد ~~لها الأرض بأطيب السماد، ولكنها لا تنمو، وإنما أردت بذلك الجانب الكيفي المتحجر، الذي ~~يكرث حياتنا العلمية بكارثة ليس لها إلا الله لتنزاح، إننا مهما حصلنا من العلوم، فنحن ~~«حفاظ» علم، لا علماء، نحفظ علوما أنتجها غيرنا، ولا نبلغ أن نكون علماء نضيف مع هؤلاء ~~الآخرين جديدا يبيح لرجالنا أن يسيروا معهم كتفا إلى كتف في موكب واحد، إلا أن فداحة ~~الخطب لتحتاج منا إلى روية في التفكير وأناة في التحليل، لعلنا نرد النتائج إلى ~~أسبابها، فينفتح أمامنا طريق العلاج. # لنعد ms130 معا بخيالنا إلى مصر القرن الثامن عشر، لنرى - عندما فتحت علينا أوروبا أبوابنا، ~~ودخلت بثقافتها العلمية الجديدة - كيف التقت ثقافتان بينهما من الاختلاف ما بين الأبيض ~~والأسود من تضاد؟ فهل تفاعلتا لتخرج لنا من ذلك التفاعل صيغة ثالثة اجتمع فيها العنصران ~~معا؟ أو أن مثل ذلك التفاعل قد استعصى، فسارت كل منهما في طريقها؟ وإذا كان أمرهما كذلك ~~من استقلال الواحدة عن الأخرى، فكيف انقسم شعبنا بين ذينك الضدين؟ لكننا قبل أن نحاول ~~الجواب عن أسئلة كهذه، يجمل بنا أن نقدم وصفا موجزا لكل من الثقافتين. # عندما أصدرنا الميثاق الوطني سنة 1962م، قرأت في الفصل الأول منه تفنيدا للرأي الشائع، ~~والذي يؤمن بصوابه كاتب هذه السطور، حتى هذه الساعة، وهو أن نهضة مصر الحديثة بدأت يوم أن ~~اتصلت بأوروبا عن طريق الحملة الفرنسية بقيادة نابليون «1798م»، وقيل في تفنيد هذا الرأي، ~~إن الأزهر الشريف كان قبل ذلك - خلال القرن الثامن عشر - يعج بالعلماء، ولم تكن مصر ~~بحاجة لنهضتها إلى انتظار فرنسا وحملتها، ومن صحبوها من علماء. وأذكر أني إذ قرأت ذلك في ~~الميثاق عند صدوره، صممت على ألا أترك نفسي نهبا لأحكام قد تكون قائمة على أساس علمي ~~صحيح، وقد لا تكون، فبحثت عما أقرؤه من مراجع لأكون على بينة من أمري، فما الذي كان ~~قائما في الأزهر من علم في تلك المرحلة من تاريخنا - على سبيل اليقين، لا جريا مع ~~الإشاعة؟ فرجعت إلى مجلد موسوعي يحصي كل المشتغلين بالعلم، ولمعت أسماؤهم في البلاد ~~الإسلامية جميعا، وهو كتاب «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر»، أي القرن الثامن عشر ~~بالتاريخ الميلادي، وأخذت نفسي باستخلاص ما ورد فيه عن علماء مصر إذ ذاك، وفيم كان علمهم، ~~وماذا خلفوا وراءهم من مؤلفات؟ فوجدت ما توقعت أن أجده، وأعني الدوران فيما هو موروث، ~~فإما أن يتركوه كما هو بعد أن يهمشوه بشروح، وإما أن يعيدوا محتواه ملخصا ليسهل على ~~الدارسين. وكثيرا ما وقعت على علماء وكل ما نسب إلى الواحد منهم من فضل، ms131 هو أنه قرأ ~~الكتاب الفلاني كذا مرة، أو أنه قرأ كتاب كذا على شيخه فلان، أو أنه حفظ كذا وكذا من الكتب ~~القديمة عن ظهر قلب. وليس في ذلك كله ما يعاب عليهم، فذلك هو ما بين أيديهم من علم، فماذا ~~يصنعون كسبا للعلم أكثر من أن يحصلوه ويجمعوه ويشرحوه ويحفظوه؟ # وفجأة هبطت عليهم ثقافة أخرى وعلم آخر، فإذا كان علمهم قراءة ما قد ورثوه من كتب، فها هي ~~ذي وقفة أخرى جاءتهم عبر البحر، تجعل العلم قراءة لظواهر الطبيعة. وبدل أن تكون موضوعات ~~العلم مقصورة على اللغة وقواعد نحوها واشتقاقها، وأحكام الشريعة في كذا وكيت، طلعت عليهم ~~علوم أخرى تنظر في قوانين الكهرباء والضوء والمغناطيس وما إلى ذلك من أمور. ولقد روى لنا ~~الجبرتي كيف تعمد علماء الحملة الفرنسية أن يبهروا علماء الأزهر بما جاءوا به مما ليس ~~عندهم، فكانوا يدعون المشايخ جماعة جماعة، ليطلعوهم على فعل الكهرباء وغيرها، وكأنهم سحرة ~~يعرضون ألعابهم السحرية التي تثير العجب في الناظرين، حتى لقد بلغ الغيظ بأحد الشيوخ ~~العلماء ذات مرة، عندما أحس أن هؤلاء العلماء الإفرنج إنما أرادوا من علماء المسلمين خلع ~~قلوبهم، فقال لهم الشيخ: هل يستطيع علمكم أن يجعل الإنسان قادرا على الانتقال إلى بلاد ~~المغرب خطوة واحدة؟ فكان الجواب بالنفي، فقال الشيخ: لكن علمنا نحن يستطيع فعل ذلك. # والسؤال الذي يهمنا نحن الآن فيما نعرض له من حديث هو: هل كان يمكن لهذين الضربين من ~~العلم أن يتفاعلا بالمعنى الصحيح للتفاعل؟ إن شواهد التاريخ الفكري تدلنا على أن الثقافة ~~الوافدة لا تتفاعل مع الثقافة الموفدة إليها، إلا إذا كان في هذه عناصر مشابهة من بعض ~~الوجوه لتلك، وعندئذ يجوز للثقافتين أن تتفاعلا فيخرجا نتيجة جديدة. بعبارة أخرى يصبح ~~في مستطاع الثقافة التي تستقبل تلك الوافدة، أن تصبها في قالبها لتخلع عليها طابعها ~~التقليدي في مجال الفكر والقصيدة، وكان ذلك هو الشأن في كل فروع العقائد والمذاهب العقلية ~~أو الفنية. حتى الديانات نفسها، فقد ذهب الإسلام إلى إيران وجاء ms132 إلى مصر، فبينما جعلته ~~إيران إسلاما شيعيا استقر في مصر إسلاما سنيا. وليست هذه مصادفات، وأن العكس كان ~~يمكن أن يكون، بل كان لا بد لمن كانت ديانتهم قبل الإسلام ملتفة بالألغاز والإيحاء، ~~والرمز أن يكسوا العقيدة الجديدة بما يشبه هذا الذي ألفوه، كما كان لا بد لمن كانت ~~ديانتهم قبل الإسلام متميزة بالاعتدال وإقامة البنيان على قواعد واضحة، أن ينظروا إلى ~~الدين الجديد مثل هذه النظرة. # وشبيه بذلك ما حدث للمسيحية في أوروبا، فهي كاثوليكية في الجنوب، حتى إذا ما انتقلت إلى ~~الشمال الذي كان يغلب على أهله أن يكون الأفراد أحرارا من القيود على أن تقع على كل فرد ~~تبعة الإرادة الحرة فيما تختار، جاء اليوم الذي يظهر لهم فيه من فقهاء الدين من يستخلصون ~~تأويلا للمسيحية يكفل لهم ما يساير طبائعهم، فنشأت البروتستانتينية، ثم عبرت المسيحية ~~إلى أمريكا مع المهاجرين إليها، فأضافت إلى نفسها جانبا عمليا في خدمة الناس، يتناسب مع ~~الروح العملية التي سادت جوانب الحياة كلها هناك. # هكذا يكون التفاعل بين الوافد وما يحيط به من ظروف في البلد المستقبل. وإن ذلك ليظهر ~~جليا في الفنون، فانظر - مثلا - إلى المساجد بمآذنها وقبابها في مختلف الأقطار ~~الإسلامية، تجد الفروق واضحة في فن العمارة، ولا يصعب عليك من نظرة واحدة إلى القباب ~~والمآذن، أن تقول هذه مصر، وتلك تركيا، والثالثة الأندلس، أو المغرب، أو إيران وباكستان، ~~فكل قد صاغ عمارته وفق ما أملته عليه مقومات ذوقه واتجاهه وتاريخه الثقافي. # ونعود إلى سؤالنا الهام: هل كان يمكن للعمل الأوروبي الحديث عندما وفد إلى مصر لأول مرة ~~مع الحملة الفرنسية، أن يتفاعل مع العلم كما كانت صورته هناك؟ ولماذا نلجأ في إجابتنا عن ~~هذا السؤال إلى التخمين؟ لماذا لا نتعقب ما قد حدث بالفعل؟ والذي حدث - بصفة عامة - هو ~~أن الدارسين للعلوم الحديثة بعد ذلك، نقلوا معهم طريقة «الحفظ» والوقوف بجهودهم عند حد ~~الشرح والتعليق والاختصار. بعبارة ثانية: إن كل ما حدث في عملية التفاعل بين الثقافتين - ~~عند من ms133 كان حظهم دراسة العلوم الحديثة - هو أنهم استبدلوا موضوعا بموضوع، وأما الطريقة فلم ~~تتغير عما كانت عليه في القرن الثامن عشر، وتلك هي كارثة الكوارث في حياتنا العلمية إلى ~~اليوم ، فلبثت شجرة العلم كما غرست أول ما غرست في أرضنا، لا تنمو. # قال صديقي عالم الزراعة الذي ظل يستمع إلى حديثي: أيكون معنى قولك هذا أن لا أمل في ~~إصلاح؛ إذ كيف يكون أمل إذا كان الأمر مرتبطا بتاريخنا وتقاليدنا كما زعمت؟ # فأجبته بأن أمل التغيير مفتوح الأبواب على مصاريعها، إذا حسنت النوايا، واشتدت ~~العزائم، فهل نسيت ما قلته لي عند حديثنا عن الشجرة التي جمدت فلا تنمو؟ ألم تقل لي إن ~~حالها لينقلب إذا ما ضربنا بنصل المحراث إلى طبقة أرضية عميقة يكون فيها صلاحية التربة ~~وخصبها؟ هذا إن وجدت تلك الطبقة. وتاريخ مصر وتقاليدها ليست كلها منحصرة في القرون ~~الظلام الثلاثة التي امتدت من السادس عشر إلى التاسع عشر، والتي عقمت خلالها إلا من ~~المحاكاة والحفظ والتعليق والشرح، فمصر - خلال تاريخها الإسلامي وحده - عاشت على الأقل ~~خمسة قرون غزيرة الإنتاج من العاشر الميلادي إلى الخامس عشر أثبتت فيها ذاتها الخلاقة في ~~كل فروع العلم المعروف إذ ذاك، فعلماء الأزهر في محاولاتهم لصون التراث الإسلامي، لم ~~يكونوا آلات صماء، يحاكون ويحفظون عن ظهر قلب، بل وأنشئوا معاجم اللغة الكبرى التي حفظت ~~مفرداتها في تعقب حي للحياة المتطورة التي تسلسلت فيها سيرة كل مفردة منها، وأنشئوا ~~من كتب النحو ما قيل عنه بعد ذلك إنه من أعظم ما شهدته العربية في تاريخها، وكتبوا التاريخ ~~كتابة جعلته أقرب إلى العلم المنهجي، لا مجرد حكايات تروى، إلى آخر ما أبدعوه في شتى ~~ميادين الفكر والأدب ومختلف العلوم. # تلك هي الطبقة العميقة الخصبة التي يمكن أن يصل إليها نصل المحراث، ودع عنك ما قد سبق بكل ~~ما احتوى عليه من عظمة ومجد، فلماذا نترك وقفاتنا تلك، التي كانت لتصلح كل الصلاحية ~~للتفاعل المنتج مع العلم الحديث، ونقنع بإطار نأخذه من فترة العقم والظلام؟ ms134 ولست أعني ~~بذلك - طبعا - أن يحدث التفاعل المطلوب بين مادة العلم الحديث ومادة العلوم التي شغل بها ~~علماء مصر في الحقبة التاريخية التي أشرنا إليها، بل الذي أعنيه هو أن يحيى في نفوس ~~الدارسين «علمية المنهج»، فهذا وحده يكفل لدارسينا أن يتلقوا علوم العصر بروح أخرى، ~~غير الروح التي لا تعرف فيما تتلقاه إلا الحفظ والتسميع. # | بقعة زيت على محيط هادئ # بقعة الزيت عائمة على سطح الماء، محال عليها أن تغوص إلى غوره؛ لأن طبيعة الزيت وطبيعة ~~الماء لا تأتلفان. قد تترك آثارها اللزجة في الماء الذي يلاصقها، ويترك الماء فيها ملوحته، ~~لكن الزيت يظل زيتا، ويظل الماء ماء. يهتز الماء بموجه صاعدا هابطا، فلا تملك بقعة الزيت ~~- مهما اتسعت رقعتها - إلا أن تهتز معه صعودا وهبوطا، لكن هذه المصاحبة الحركية لا ~~تغير من الأمر شيئا، فالماء يظل ماء، ويظل الزيت زيتا، وعلى صورة تشبه ما بينهما من ~~تجاور وتنافر معا، ومن اتصال في المكان مع انفصال في الطبع، رأيت العلاقة بين كتلة ~~الشعب من جهة، وجماعة «المثقفين» من جهة أخرى، على امتداد الفترة الطويلة، التي هي عصر ~~نهضتنا الحديثة، ممتدة من أول القرن الماضي، وإلى هذه اللحظة من ثمانينيات هذا ~~القرن. # ولعلك قد لحظت أني وضعت كلمة «المثقفين» بين علامات تحصرها لتقف العين عندها قليلا، ~~وإنما فعلت ذلك لأن هذه التفرقة نفسها، بين جمهور الشعب في ناحية، والجماعة التي أسميناها ~~«المثقفين» في ناحية أخرى، كانت بين ما استحدثته النهضة الحديثة. وأما قبل ذلك - في القرن ~~الثامن عشر وما قبله - فلم تكن هذه التفرقة معروفة على نحو ما نعرفها نحن اليوم - أو هكذا ~~أظن - لأن تجانسا شديدا كان يربط من يعلمون ومن لا يعلمون، وكل ما في الأمر هو أن يرشد ~~الذين يعلمون من لا يعلمون. وكان هؤلاء يريدون الإرشاد من أولئك ويتوقعونه؛ لأن علم الفئة ~~الأولى يدور كله على أركان العقيدة وأحكام الشريعة، وهو علم يسعى إلى شيء منه سائر ~~المواطنين، فكلما صادفت أحدهم مشكلة، التمس لها الحل الصحيح ms135 عند من تعلموا ودرسوا أصول ~~الدين وأحكام الشرع، فجاءهم علم باللغة العربية تبعا لذلك. # فلما فتحت علينا أوروبا أبوابنا، وجاءتنا بعلم جديد، وفكر جديد، وأدب جديد، وتلقت ~~فئة منا هذه الألوان الجديدة، أصبحت تلك الفئة هي جماعة «المثقفين» وهم يتميزون بأن ~~محصولهم الذي حصلوه، قد يؤدي بأشخاصهم هم إلى كثير أو قليل من التهذيب ورهافة الحس، ~~لكنه محصول لا يشعر سائر أفراد الشعب أنهم في حاجة إلى شيء منه فلن تصادف أحدا منهم في ~~حياته العملية أو الدينية مشكلة يلتمس حلها عند من أحاط علما بكل شيء عن الأدب الفرنسي ~~أو الإنجليزي، أو ألم بكل شيء عن فلاسفة أوروبا من اليونان الأقدمين، فنازلا إلى ~~الفلاسفة المحدثين والمعاصرين. وهنا انشقت فجوة رهيبة بين الشعب في مجموعه من جهة، ~~وجماعة «المثقفين» من جهة أخرى، حتى لقد رأيت شبها بينهما وبين بقعة الزيت العائمة على ~~سطح المحيط. وواضح أنني أستخدم لفظ «الثقافة هنا بمعناه الدقيق» وهو معنى لا يدخل ~~«العلوم» في مجاله، كالكيمياء - مثلا - أو علم الطبيعة وما إليهما؛ لأن موقف الإنسان من ~~هذه العلوم لا يتغير باختلاف الشعوب، وأما الثقافة بمعناها الضيق فتختلف باختلاف الشعوب ~~وباختلاف العصور. ونستطيع القول - على وجه الإجمال - إن العلوم هي وسيلة الإنسان إلى تغيير ~~بيئته، وأما بالثقافة فهو يغير من نفسه. # وإذن فقد استطاعت جماعة المثقفين عندنا أن تغير من نفوسها أفرادا، بحيث أصبح كل فرد ~~منها أشد حساسية للقيم الخلقية والقيم الجمالية، وللإنسان وحقوقه وواجباته. ولكن هل ~~استطاعت أن تنفذ إلى كتلة الشعب فتهزها وترهف حسها إلى تلك القيم، وإلى هذه الحقوق ~~والواجبات؟ وإذا كانت قد استطاعت ذلك فإلى أي حد استطاعت؟ # الذي أزعمه هو أنها لم تبلغ من ذلك إلا إلى قليل، وكان معظم هذا القليل في مجال السياسة، ~~إذ أخذ الشعب - خلال المثقفين - يدرك حقوقه السياسة حيال المستعمر الأجنبي أولا، ~~والمستبد الداخلي ثانيا. فإذا استثنينا بعد ذلك جوانب قليلة أخرى - لها أهميتها البالغة ~~- كتحرير المرأة، قلنا إن الشعب في مجموعه لم يتأثر بجماعة «المثقفين» ms136 إلى الحد الذي ~~يغير به رؤيته واهتماماته واتجاهاته الأساسية. # بلغت جماعة المثقفين ذروتها في إرادة التغيير وفي التبشير بكل ضروب الحرية وفي غزارة ~~العطاء، إبان العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن ؛ إذ ما كادت ثورة 1919م ترفع لواءها ~~مطالبة برحيل المحتل عن أرضنا، حتى شهدنا فروعا لحرية الإنسان تتفجر في مختلف ~~الميادين، من الاقتصاد الوطني إلى الشعر والفن والنقد الأدبي. وهكذا أخذت آفاق الحرية ~~تتسع أمام أبصارنا، ولكن كم - يا ترى - من تلك الدعوات بلغ آذان الجماهير؟ فإذا قلنا إن ~~تلك الحركة الثقافية كانت تستهدف الأخذ عن ثقافة الغرب ما استطعنا أخذه مما يمكن ~~الملاءمة بينه وبين ثقافتنا الموروثة، وإنها بذلك الاتجاه نفسه إنما كانت تستهدف في ~~الحقيقة أن تكون حياة الإنسان في هذا العالم الدنيوي مدار الاهتمام، فهل شارك جمهور الشعب ~~في التطلع إلى تلك الأهداف؟ # أو إنه ظل - في مجموعه - كما كان سلفه قبل النهضة، لا يعرف من رجال الفكر إلا رجلا ~~واحدا، هو عالم الدين الذي يستطيع بعلمه، أن يبصره بأمور عقيدته وشريعة دينه، وهذا - ~~بالطبع - جانب لا غنى عنه لإنسان يستمسك بالعروة الوثقى، ولكن سؤالنا منصب على الإضافة ~~التي كان يمكن أن تضاف، بعد أن فتحت أبوابنا لعلم العصر وثقافته، فهل أضافت كتلة الشعب ~~اهتمامات جديدة إلى اهتمامها القديم؟ وبعبارة أقصر وربما كانت أوضح نقول: هل تغير شيء ~~جوهري في وجهة النظر العامة عند الإنسان العادي، بفضل ما يكتبه «المثقفون»؟ جوابي على هذا ~~السؤال هو بالنفي، إلا استثناءات قليلة، أهمها خاص بالوعي السياسي، فلقد أفلح المثقفون - ~~حقا - في تنمية ذلك الوعي، إلى الحد الذي دفع الشعب إلى ثورات كبرى ثلاث: ثورة عرابي، ~~وثورة 1919م، وثورة 1952م. وأما ما عدا ذلك مما ينادي به «المثقفون» فلا يكاد يستمع إليه ~~المثقفون أنفسهم، فكأنما هم في ناد خاص بهم، يتحدث بعضهم إلى بعض، وأما المحيط الشعبي ~~الفسيح العميق، فباق على هدوئه وسكونه. # اضرب لي مثلا بدعوة لها أهميتها، وجهتها جماعة المثقفين، وأبى الشعب أن يستمع. هكذا ~~قال لي قائل ذات ms137 يوم، ونحن في مثل هذا السياق من الحديث، قلت: الدعوة إلى اكتساب النظرة ~~العلمية في غير مجالات العلوم، بمعنى أن يتلقى الأفكار من يتلقاها، بشيء من دقة ~~التحليل والتمحيص لا لقبول المتسرع الغشيم . وهي دعوة واحدة، لو وجدت شعبا يصغي لها ~~ويعيها، لتعذر على مستبد أن يستبد، وعلى مخادع أن يخدع، فلقد صادفت بين رجال ~~الفكر من يعرف (بتشديد الراء) المثقف بأنه هو ذلك الذي يحلل الأفكار إلى ما يندرج فيها ~~من ظلال الفوارق بين فروعها، فإذا قيل له - مثلا - «اشتراكية»، أخذ من فوره يمعن النظر في ~~صنوف الاشتراكية وما يميزها بعضها من بعض؛ فالاشتراكية هنا غيرها هناك. وإذا قيل له ~~«ديمقراطية» لم ينخدع بهذه اللفظة الواحدة، فيظن أن الديمقراطية واحدة كذلك أينما ظهرت، ~~فوحدانية الاسم لا تدل بالضرورة على وحدانية المسمى، وهل تحت اسم «الزهور» يأتي نوع ~~واحد من الزهر، وتحت اسم «البرتقال» لا يكون إلا صنف واحد من البرتقال؟ وقل مثل هذا - بل قل ~~أكثر منه - إذا ما كان الأمر أمر «أفكار» مجردة. وأنت مثقف بمقدار ما تجد في نفسك دافعا ~~لا قبل لك برده عنك، دافعا نحو أن تحلل المعاني التي يعرضونها عليك في بساطة، وكأن ~~محتواها واضح ظاهر ظهور الشمس ووضوح النهار. وكم من ملايين البشر خدعها خادعون بألفاظ ~~كهذه، يخطفون ببريقها أبصار الناس في سذاجتهم، فيتبعونهم عميا، وهم لا يفقهون أي شيء ~~يتبعون. # ألم تطلب مني أن أضرب لك مثلا لما أردته حين زعمت لك أن جماعة «المثقفين» عندنا في ~~واد، وجمهور شعبنا في واد آخر، فالأولون يقذفون بأفكار كبرى من شأنها أن تقلب وجهات ~~النظر قلبا، ولو تلقاها الشعب بوعي كامل لمعانيها، لزحزحت جلاميده من ماض ذهب وانقضى، ~~إلى حاضر مليء بمشكلات جديدة تريد لها حلولا، لكن أفكار المثقفين تلك، ترتد إليهم كما ~~أرسلوها؟ فضربت لك مثلا بدعوة الناس إلى شيء من روية العقل الناقد للأفكار قبل الأخذ بها ~~في ترحيب أبله. # وانظر إلى السنوات الثلاثين الأولى من هذا القرن، وإلى الأفكار العظيمة التي ms138 حاول ~~«المثقفون» أن تنفذ إلى عقول الناس وقلوبهم. ولو فعلت لتبدلت الحال غير الحال: الشيخ محمد ~~عبده في دعوته إلى الذهاب مع حكم العقل إلى آخر مداه في فهم الدين، فإذا بقيت بقية ~~تستعصي على العقل، اكتفينا في قبولها بمجرد الإيمان. ويمكن القول بأن عباس العقاد سار على ~~الطريق نفسه، ولطفي السيد في فكرته عن الحرية السياسية بمعناها الليبرالي الذي يجعل لكل ~~فرد حسابه المستقل في كفة الميزان، وطه حسين في محاولته نزع قناع القداسة عن وجه الماضي، ~~لنخضعه للتحليل العلمي في غير تردد وخوف، وهكذا وهكذا. لكن هل بلغت الرسالة غايتها؟ لو ~~أنها فعلت لما رأينا الناس - وبينهم كثير جدا من المتعلمين غير المثقفين - يسرعون إلى ~~تصديق كل ما يقال لهم عن الخوارق واللامعقول، فإذا قيل لهم إن أشباح الموتى ظهرت من قبورها ~~واندست في زحمة الناس، صدقوا، وإذا قيل إن أرواح من انتقلوا إلى العالم الآخر إذا ~~استحضرها خبير حضرت، ونظمت شعرا، وتحدثت نثرا ليسمع السامعون، صدقوا، وإذا قيل لهم ~~إن العفاريت الزرق عبثت بمنزل فلان، وأخذت تزحزح له قطع الأثاث، وتحطم له ألواح الزجاج، ~~صدقوا. ولك بعد ذلك أن تعجب ما شئت، إذا رأيت هؤلاء الذين لم يترددوا في تصديق الخوارق ~~غير المعقولة، يترددون ألف مرة قبل أن يصدقوا ما يستطيع العلم في عصرنا أن ~~يصنعه. # في كتاب «شجرة البؤس» للدكتور طه حسين، تصوير لجانب من حياة الناس في أواخر القرن الماضي ~~وأوائل القرن الحاضر، وهو الجانب الذي يبين لنا كيف، وإلى أي حد بعيد، ينصاع هؤلاء الناس ~~لما يشير به «الشيخ» حتى في أخص خصائص حياتهم، وكان لكل مشكلة مهما كان نوعها، حلها عند ~~«الشيخ». وإذن فلم يكن التفكير العقلي عندهم هو المدار في تسيير الحياة - بل والحياة الخاصة ~~- وإنما كان هو «الشيخ وما يحكم به»، وها قد انقضى الجزء الأكبر من القرن العشرين، وبعد كل ~~ما كتبه محمد عبده، ولطفي السيد، وطه حسين، والعقاد، وهيكل وغيرهم من «المثقفين» شاء لي ربي ~~أن أسمع بأذني أكثر ms139 من رجل وأكثر من امرأة - ممن ظفروا وظفرن بدرجات عليا من التعليم - ~~يروون لمن يتحدثون إليهم أنهم اشتروا كذا، وباعوا كيت، وألحقوا أولادهم وبناتهم بالكلية ~~الفلانية من الجامعة ... إلخ، بعد أن استشاروا «الشيخ »، وهذا معناه أن الصورة التي قدمها طه ~~حسين في شجرة البؤس، ما زالت هي الصورة، وذهبت صرخات «المثقفين»، وذهب معها التعليم بكل ~~درجاته السفلى والعليا، ذهب كل ذلك مع عواصف الريح، وكان مقصودا «بالشيخ» في الحالات ~~التي ذكرتها، شيخ الجماعة الصوفية التي ينتمي إليها كل متكلم على حدة، وليست المؤاخذة ~~هنا على الشيخ الذي تطلب منه الشورى، إذ هو على الأرجح رجل طيب القلب، سليم النية، ورع ~~تقي، ولكن المؤاخذة على من يطلبون منه الرأي والإرشاد عندما لا يكون الرأي والإرشاد، مما ~~يمكن الركون فيهما إلى القلوب الطيبة والنوايا الحسنة وحدها. وعلى أية حال، فالذي يعنيني ~~هنا هو أن قرنا من الزمان قد انقضى، بين الفترة التي صورها طه حسين في «شجرة البؤس» ~~والفترة التي تحيط بنا الآن، ومع ذلك فليس ثمة فرق جوهري في «النظرة» التي ينظر بها الناس ~~إلى العلاقات السببية بين الظواهر، ونوع الإجراءات التي لا بد من اتخاذها لنغير موقفا ~~نريد تغييره: أهي كلمات ينطق بها رجل طيب، أم هي إجراءات تستند إلى فكر علمي يربط ~~المسببات بأسبابها، لا بل هنالك فرق بين الفترة التي صورها طه حسين في كتابه المذكور، ~~وهي أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، في إقليم معين من أقاليم مصر، والفترة الراهنة، ~~والفرق هو أن أفراد الناس الذين ورد ذكرهم في «شجرة البؤس» هم «على قدر حالهم» «كما يقال» ~~في درجة التعليم، وأما الذين أشرت إليهم ممن سمعت عنهم، ومنهم يلجئون إلى شيخ الجماعة ~~الصوفية في حل مشكلاتهم، فهم من الحاصلين على أعلى مراتب التعليم. ومعنى ذلك كله هو أن ~~حاجزا كثيفا يفصل فئة «المثقفين» وجمهرة الشعب، ومنها - كما أسلفت - المتعلمون الذين لم ~~يضيفوا «ثقافة» إلى علمهم. ثم جاءت السنوات العشرون الأخيرة، فحدث خلالها تغير رهيب، إذ ~~بينما لبثت ms140 جماعة «المثقفين» في عزلة وحدها دون سائر الشعب - المتعلمين منه وغير ~~المتعلمين - انتقل محور الجذب، فبعد أن كانت جماعة المثقفين هي التي تحاول جذب الجمهور إلى ~~أعلى، وأعني جذبه إلى أن تكون نظرته متجهة إلى المستقبل، أصبح جمهور الشعب هو الذي يحاول ~~شد المثقفين - أصحاب الفكر الجديد - إلى أسفل، بحيث تتجه أنظارهم إلى الوراء. وواضح ~~أنه أفلح - إلى حد كبير - في تحقيق ما أراد، وبات الصوت الأعلى لأصحاب الدعوة إلى أن ~~يوكل الرأي في كثير من أمور الحياة إلى القلوب الطيبة، وتقلصت بقعة الزيت التي لا تزال ~~بقيتها سابحة على سطح محيط هادئ، لا يريد لأحد أن يفسد عليه سكونه المريح. # | كلمات تحت كلمات # كنا معا في جوف حوت طائر، يعبر بنا المحيط إلى أمريكا، لنقضي بضعة أيام في مهمة ~~علمية دعينا من أجلها، وجلسنا على مقعدين متجاورين، فأخذنا نسمر حينا ونصمت حينا - ~~كما هي عادة المسافرين - وفجأة، وبغير مقدمات قال لي: أنا لا أقرأ الصحف، أكتفي بنظرة ~~خاطفة إلى صفحاتها الأولى، وتبقى الصحيفة مطوية كما اشتريتها، فرددت عليه مسرعا: ~~وأنا كذلك أفعل، ثم بدأت معنا بعد ذلك فترة صمت طويلة، أسندت خلالها رأسي على ظهر مقعدي، ~~وتقاطرت الخواطر تترى، خاطر منها يشد خاطرا. وأما الخاطر الذي بدأت به السلسلة، فهو ~~- بالطبع - ما قاله زميل السفر عن قراءته - أو عدم قراءته - للصخف، وما رددت به عليه! فمنذ ~~اللحظة الأولى لم تخامرني ذرة شك في أنه لم يكن في قوله صادقا، كما أني أعلم عن نفسي ~~علم اليقين أنني كذلك لم أكن صادقا في الرد، فلا هو ممن يتركون الصحيفة مطوية غير ~~مقروءة، ولا أنا! فلماذا كذب ولماذا كذبت؟ على أن كلينا حين كذب، فإنما كذب في ظاهر القول ~~ليكون صادقا مع خوالج النفس من باطن، فهو حين قال إنه لا يمس الصحيفة إلا بلمحة سريعة ~~وهو منها على مبعدة، فإنما أراد أن يقول لي: أنا لا أقرأ ما تكتبه، بل ولا أعلم أنك تكتب، ~~فلئن كذبني القول في الظاهر، فلا ms141 شك أنه قد كان صادقا في التعبير عن شعوره أو قل في ~~التعبير عن نفوره! وأما أنا حين رددت عليه كذبا بأنني كذلك أفعل مع الصحيفة كما يفعل ~~أردت أن أقول - صادقا: لا عليك، وماذا لو قرأت؟ لن يتغير من الأمر شيء لا خيرا ولا ~~شرا. # كلانا نطق بكلمات لم يردها، ودس تحتها كلمات خرساء، وكانت هي التي أرادها. تلك ~~كانت فاتحة خواطري؛ إذ أسندت رأسي على ظهر مقعدي، مفتوح العينين، لكني لا أنظر بهما إلى ~~شيء! وكان أول ما توارد بعد ذلك من خواطر، هو أن تذكرت عبارة عن طبيعة الشعر، قالها ناقد ~~إنجليزي، وقرأتها له، غير أني لا أذكر أين قرأتها، ولا متى، بل لا أذكر اسم قائلها، وماذا ~~يعنيني من كل ذلك ما دمت أذكر العبارة نفسها، كما أذكر كم رأيت فيها من الصدق، وما أزال ~~أرى، فهي تقول في تعريف الشعر: إنه كلمات تحت كلمات. وفي هذا القول الموجز إشارة إلى ~~كثير جدا مما يميز لغة الشعر من لغة العلم، بل إن الأمر في ذلك لا يقتصر على الشعر وحده ~~دون سائر الأجناس الأدبية، بل إنه ليصدق على لغة الأدب، كائنة ما كانت صورته، إذا ما قورن ~~بالعلم، فالمثل الأعلى في دنيا «العلوم» هو أن يجيء المصطلح العلمي محدد المعنى ~~تحديدا لا لبس فيه ولا غموض ولا ترادف ولا إيحاء ولا أي شيء من شأنه أن يجعل المصطلح ~~العلمي دالا على أكثر من مدلول واحد، فلا تحته مدلول آخر، ولا فوقه ولا إلى جواره، فإذا ~~قلت كلمة «مثلث»، فيستحيل أن تعني في علم الهندسة إلا المثلث بتعريفه المحدد، وإذا قلت ~~«أوكسجين» فلن يفهم من الكلمة إلا ما أراده علم الطبيعة بهذا الاسم، حاملا للخصائص ~~المعينة المحددة التي يتميز بها ذلك العنصر. هذا هو العلم وما يقيد نفسه به في لغته. ~~ولما كان مثل ذلك التحديد القاطع للمعاني، قلما يتوافر في اللغة المتداولة في الحياة ~~الجارية، لجأ العلم - كلما أمكن ذلك - إلى خلق لغة خاصة به، قوامها ms142 رموز من حروف أو ~~أرقام، حتى لا يفسح المجال لأحد أن يفهم من المصطلح العلمي، أو من العبارة العلمية إلا ~~شيئا واحدا فقط، هو ما اتفق على أن يكون مدلول ذلك المصطلح أو تلك العبارة. وبقدر ما ~~يتعذر على علم من العلوم تحويل لغته إلى مصطلح لا تشاركه فيه لغة الحياة الجارية بين ~~الناس يكون بعد ذلك العلم عن الدقة المثلى كما هي الحال في مواضع كثيرة من العلوم ~~الإنسانية. # وأما الشعر - والأدب عامة - فشأنه في لغته غير ذلك، فلئن كان المثل الأعلى عند العلم أن ~~يحال دون ازدواجية المعنى للمصطلح الواحد أو العبارة الواحدة، فالمثل الأعلى في لغة ~~الشعر هو أن توحي اللفظة الواحدة، أو العبارة الواحدة، بألف معنى ومعنى إذا أمكن ذلك. ~~موضع المباهاة عند العلم أن كل قارئ له، مهما كان مكانه أو زمانه، فهو ككل قارئ آخر من ~~حيث المدلول الذي يشير إليه الرمز العلمي، وأما موضع المباهاة عند الشعر، فهو أن يفهمه كل ~~قارئ على نحو يختلف به عن سائر قرائه، وكلما كانت اللغة التي استخدمها الشاعر في شعره ~~قابلة لتعدد الإيحاءات وكثرة التأويلات، كان ذلك أدل على موهبته في اختيار ألفاظه ~~وتركيب صوره. وبعبارة أخرى كلما كان تحت كلماته الظاهرة كلمات دفينة، يظهر منها شيء لكل ~~قارئ وفق ما تستدعيه الخبرات السابقة لهذا القارئ كان الشاعر أعلى رتبة في موهبته ~~الشعرية. ومن هذه النقطة نفسها جاز الغموض في الشعر؛ إذ كان من شأن ذلك الغموض أن تتعدد ~~الإيحاءات عند مختلف القارئين، فإذا قال شاعر في وصف الخمر وكأسها إن زجاج الكأس قد رق ~~وإن الخمر قد راقت إلى الحد الذي يتعذر معه على الرائي أن يفرق بينهما، فإما أن تكون ~~الكأس المليئة بخمرها في عين الرائي خمرا بلا كأس، أو كأسا بلا خمر، أقول إن الشاعر إذا ~~قال شيئا كهذا فهمه قارئ بالمعاني المباشرة لألفاظه، وفهمه قارئ آخر أنه إنما يعني قلبه ~~وما امتلأ به من حب الله، حتى بات القلب ومحبوبه وكأنهما شيء ms143 واحد. # وإنما ضربت هذا المثل لأنه هو الذي ورد على ذهني وأنا أكتب هذه السطور، إذ تذكرت جلسة ~~جلستها مع نفر من أدباء وشعراء منذ أعوام طويلة، وكان ذلك في بيروت - وا حسرتاه عليك يا ~~بيروت - وحدث أن تغنى أحدهم بهذين البيتين: # رق الزجاج وراقت الخمر # فتشابها وتشاكل الأمر # فكأنما خمر ولا كأس # وكأنما كأس ولا خمر # ودار حولهما نقاش، وكان لكل من الحاضرين طريقة في الفهم، فلم يكن هذا الاختلاف نفسه إلا ~~شاهدا على شاعرية الشاعر. # ولم أكد أفرغ من تذكري لتلك الجلسة البيروتية وما دار فيها، حتى وثبت إلى خاطري - في ~~تسلسل الخواطر، ورأسي مسند إلى ظهر مقعدي في جوف الحوت الطائر بنا فوق المحيط - وثب إلى ~~خاطري كلام جميل قرأته لأبي حيان التوحيدي، حول بيت الشعر الذي يقول: # أغرك مني أن حبك قاتلي # وأنك مهما تأمري القلب يفعل؟ # فيسأل أبو حيان نفسه: قلب من يا ترى الذي أراده الشاعر؟ أأراد قلبه هو، وأن ذلك القلب ~~يفعل كل ما تأمره به الحبيبة؟ أم أراد قلبها هي، وإنها تملك زمام قلبها، فيأتمر بأمرها، ~~إن شاءت أذنت له بأن ينبض للحبيب، وإن شاءت له أن يمسك أمسك؟ وأبو حيان يختار هذا المعنى ~~الثاني، بل ويستهجن أن يؤخذ بالمعنى الأول؛ لأنه ما دام حبها قد قتل الحبيب كما ورد في ~~الشطر الأول من البيت، فلم يعد هنالك إمكان أن يظل قلبه حيا يفعل ما تأمره الحبيبة ~~بفعله، كما قد يفهم من الشطر الثاني. # فالشعر - إذن - كلمات تحت كلمات، وها هنا أوشكت أن أصحو من أسر الخواطر المتعاقبة، ~~لولا أن سؤالا نشأ عندي هو: أهو الشعر وحده الذي يقال عنه إنه كلمات تحت كلمات؟ أليست ~~الفلسفة هي الأخرى، في كثير جدا مما أورده أصحابها فيما قالوه أو كتبوه، كلمات تحت ~~كلمات؟ وعدت من جديد إلى انسياب خواطري، أقفز من فيلسوف إلى فيلسوف باحثا عن الشواهد، ~~كما يقفز العصفور المرح بين أفنان الشجر. # خذ أفلاطون نموذجا بارزا لفيلسوف عظيم، لا يجادل في ذلك ms144 مجادل، من داخل الأسرة ~~الفلسفية أو من خارجها، وراجع محاوراته - ومحاوراته هي مؤلفاته - وانظر فيم تبحث، تجدها ~~تتناول أفكارا مما يتداوله عامة الناس في حياتهم اليومية، كلهم يتداولونها وهم على غير وعي ~~بما تتضمنه تلك الأفكار من تفصيل. وإذن فالفيلسوف هنا بمثابة من يكشف عما يستتر وراء ~~كلماتهم من كلمات، وهل رأيت بين عامة الناس من لا يتحدث عن الحب، والجمال، والصداقة، ~~والعدالة، والفضيلة والشجاعة؟ وتلك وأمثالها هي الموضوعات التي يتناولها أفلاطون في ~~محاوراته ليسبر أغوارها، ويتحسس أبعادها، فهو يحاور على لسان سقراط عن الحب في المأدبة، ~~وعن الجمال في هبياس، وعن الصداقة في ليسيز، وعن العدالة في الجمهورية والقبيادس، وعن ~~الفضيلة في خرميدس، وعن الشجاعة في لاحيس وهكذا. واختياره لأسلوب الحوار في البحث عن حقائق ~~تلك الأفكار وأمثالها، هو في حد ذاته دليل على أنها تحتمل الاختلاف في وجهات النظر، فما ~~يراه فيها هذا المفكر، قد يرى فيها شيئا غيره مفكر آخر، أي إن المتحدثين عن المعاني ~~التي من هذا القبيل إنما يضمرون حقائق لها، وأبعادا هي التي يكشفها الفيلسوف - من وجهة ~~نظره على الأقل - فيكشف بذلك ثقافة معاصريه عند جذورها. # وأترك أفلاطون ممثلا للفلسفة في عصرها القديم، لأقفز نحو خمسة وعشرين قرنا من الزمان، ~~فأقف عند واحد ممن يمثلون الفلسفة في عصرنا، وليكن برتراند رسل، فأجد الصورة قد ازدادت ~~وضوحا بأن العمل الفلسفي في كثير من حالاته إنما هو كشف لكلمات قد اختبأت تحت كلمات، أي ~~عن أفكار قد استترت في جوف أفكار؛ فمن أشهر الأمثلة على طريقة التحليل عند برتراند رسل، ~~تحليله لهذه العبارة «مؤلف رواية ويفرلي هو اسكوت»، وهو التحليل الذي قيل عنه إنه النموذج ~~الدال على اتجاه الفلسفة المعاصرة في تصورها لعلمها كيف يكون، ولماذا اختار رسل عبارة ~~كهذه لا يبدو على مفرداتها ولا على تركيبها شيء من العسر الذي يتطلب التحليل؟ إنه فعل ~~ذلك؛ لأن ما يستهدفه هو بيان ما تنطوي عليه أية عبارة تشير إلى مسماها عن طريق صفاته، ~~فها هنا في عبارة ms145 «مؤلف رواية ويفرلي» مركب وصفي يراد به الإشارة إلى شخص بعينه، ~~فيحللها الفيلسوف لتكون مثالا لكل عبارة وصفية أخرى، ~~وليس هنا مكان التفصيلات في تلك القطعة التحليلية النموذجية، فالذي يعنينا في سياق هذا ~~الحديث الآن هو أن نذكر كم أخرج رسل من هذه الجملة البسيطة مضمرات لا تخطر لنا على بال ~~لا عند الوهلة الأولى ولا الوهلة العاشرة. وإذن فهنالك كلمات كثيرة جدا قد اختفت وراء هذه ~~الكلمات، ولم يرفع عنها القناع إلا فيلسوف في مثل قامة برتراند رسل في براعة ~~التحليل. # عند هذا المنعطف من خواطري المنسابة - وما زلت على جلستي المسترخية في جوف الحوت الطائر ~~بنا عبر المحيط - أوشكت على الوثوب من ميدان الفلسفة إلى ميدان آخر، لعله أوضحها دلالة ~~على طبيعة الإنسان كيف تطوي كلمات تحت كلمات، وأعني ميدان التحليل النفسي، وكدت عندئذ ~~أنطق بصوت مسموع: وماذا تقول في فلتات اللسان وقدرتها على فضح المستور في صدر من أفلتت ~~منه خلال الحديث؟ لكن رفيقي في تلك اللحظة ذاتها أخرجني من دنياي الباطنية، بسؤال ألقاه ~~في أذني: # قال: أراك تحدق بعينيك في لا شيء، فأين سرحت بك الأفكار؟ # قلت: في الكلمات التي تكمن تحت كلمات. # قال: ما تعني؟ # قلت: أعني شيئا كالذي قرأته ذات يوم من زمن بعيد، لكاتب إنجليزي، يروي عن خادمة له في ~~مسكنه في الريف، فيقول إنها كانت تراسل رجلا مجهولا لها، سمعت عنوانه مما تذيعه ~~نوادي هواة التراسل، ولبثت تبادله خطابا بخطاب مدة طويلة، وفاجأت مخدومها ذات صباح ~~بأنها تريد السفر إلى لندن لتقضي يومين؛ إذ جاءتها دعوة ممن يراسلها ليلتقيا هناك، ~~وقدمت للكاتب ذلك الخطاب الذي حمل لها الدعوة، فقرأه الكاتب، وقطب جبينه عند موضع منه، ~~ثم سأل وكأنه يوجه السؤال إلى نفسه: لماذا أقحم هذه الكلمة إقحاما هنا؟ فقالت الخادمة: ~~أية كلمة يا سيدي؟ أجابها: قوله عن نفسه «أنا مسيحي»، فماذا دعاه إلى ذكر ذلك؟ سألته ~~الخادمة في شيء من الدهشة؟ وماذا لو قالها؟ أجابها الكاتب: أنا لا أقولها عن نفسي في ms146 خطاب ~~ويقيني أنك كذلك لا تقولينها. قالت: لست أرى في ذكرها بأسا، فأجابها: بل فيها البأس كل ~~البأس؛ لأنها كلمة زائدة واحذري يا ابنتي من أمثال هذه الكلمات التي تشعرين أنها جاءت ~~مقحمة في السياق بغير داع؛ لأنها تنبئ بأن تحتها كلمات حذفت عن عمد، لكن الفتاة ألحت ~~في طلب الإذن بالسفر، وسافرت إلى لندن، وكان مراسلها قد حدد لها مكان وقوفه انتظارا ~~لقدومها تحت الساعة في محطة بادنجتن، وستكون في عروة ~~سترته وردة حمراء، وذهبت الفتاة إلى المكان المحدد في الموعد المحدد، فلما أن أصبح ~~الرجل ذو الوردة الحمراء، الواقف تحت الساعة، في مرأى بصرها، وجدته أبعد ما يكون إنسانا ~~عما كانت قد تصورت، لونا وعمرا وصورة وجه، فلم تكمل طريقها إليه، وعادت إلى مخدومها ~~في الريف، وما إن التقت عيناهما حتى قالت في لعثمة الخجل: نعم يا سيدي كانت الكلمة التي ~~في خطابه تخفي تحتها كلمات. # | أبراج بلا نوافذ # إذا كانت الذاكرة أمينة فيما تمدني به من قراءات الماضي البعيد، فأذكر أنني قرأت ~~لحافظ إبراهيم - وربما كان ذلك في كتابه «ليالي سطيح» - قوله عن المصري: «المصري والمصري ~~كشعبتي المقراض، لا تلتقيان على شيء إلا افترقتا.» ولم أكن حين قرأت ذلك فيما أذكر قد ~~جاوزت الخامسة عشرة من عمري، وأعجبتني العبارة بإيقاع لفظها، وصدقتها، ومن ذا الذي في ~~مثل تلك السن المراهقة، كان في وسعه أن يتشكك في أي شيء مطبوع في كتاب؟ لا سيما إذا كان ~~مؤلف الكتاب تحيط به هالات من النور، وإذا كان ذلك المراهق القارئ قد نشأ نشأة تخيفه ~~من أصحاب السلطان، كائنا ما كان نوع السلطة التي يتسلطون بها على الناس، ومنها سلطان ~~الشهرة لمن كانت أسماؤهم تملأ القلوب والأسماع. # قرأت تلك العبارة، وأعجبتني، فصدقتها، ثم ذهبت من الحياة أعوام وجاءت أعوام، وأراد ~~لي الله خيرا؛ إذ هيأ لي ظروفا أرهفت عندي حاسة النقد، فأصبحت حاسة قادرة على النظر ~~إلى الأمور من شتى جوانبها، وعندئذ عادت إلى ذاكرتي تلك العبارة القديمة، محمولة مع ~~غيرها ms147 في تيار الذكريات، وفجأة وقفت عندها: أحقا يكون المصري مع المصري الآخر، كشعبتي ~~المقراض، لا تكادان تتلاقيان تحت ضغطة الأصابع، حتى يعودا ليفترقا من جديد؟ كلا، كلا ~~لقد أخطأ صاحب هذا القول من وجهين: أولهما هو أن الصورة التي اختارها ليدل بها على ~~امتناع روح التعاون بين أبناء مصر، إنما هي صورة تدل على عكس ما أراد؛ وذلك لأن شعبتي ~~المقراض حين تفترقان بعد إذ تلاقتا، تكونان قد فرغتا من أداء ما تلاقتا لأدائه، أي أن ~~التعاون بينهما يكون قد تم وأنجز ما أريد له أن ينجزه. وأما الوجه الثاني لخطأ ذلك ~~القول، فهو أهم وأخطر؛ لأنه زعم يكذبه تاريخ مصر، منذ أول خطوة له على الطريق وإلى عدة ~~قرون توالت بعد ذلك على امتداد الزمن، وتكفيك نظرة سريعة إلى منجزات الحضارة المصرية، ~~لترى أن كثيرا جدا من تلك المنجزات هو من ذوات الجسامة والضخامة مما يستحيل على فرد ~~واحد، أو عدد قليل من الأفراد، أن يؤديه بل لا بد له من جماعات كبيرة تتعاون على ~~إنجازه كالأهرامات والمسلات وأعمدة الهياكل، وإقامة الجسور أيام الفيضان وغير ذلك، فكيف ~~جاز لمصر أن تصنع كل هذا، إذا كان المصري بطبيعته لا يتعاون مع زميله المصري على إنتاج ~~مشترك؟ # ولم يكن ذلك التعاون - كما يبدو في منتجاتهم الضخمة المتروكة لنا - مقصورا على عصور ~~الحضارة الفرعونية من تاريخنا، بل نراه ظاهرا كذلك فيما تركته العصور التالية، فحتى ~~المصنوعات الخشبية أو النحاسية أو غيرهما، هي في معظمها مما كان يستحيل إنجازه بغير تعاون ~~وثيق بين العاملين. ولقد حدثني خبير في الفنون - إبداعا، ونقدا، وتاريخا - عن مزاج ~~موروث عند الفنان المصري، منذ عهود أسلافه القدماء، في أن يستخدم الوحدات الضخمة في عمله ~~كلما أمكن ذلك، وأذكر أنه في حديثه ذاك، قد ساق شاهدا جامع السلطان حسن بالقاهرة، ~~قائلا: إن أحجاره في ضخامتها، تعيد إلى الذاكرة أحجار الأهرامات، فالمبدأ واحد في ~~الحالتين، ولا ينفيه أن تكون أحجار الأهرامات أكبر حجما من أحجار المسجد المذكور. # فكرة التعاون بين ms148 المصري والمصري، هي - إذن - فكرة أصيلة في ثقافته، التي نشأ عليها ودامت ~~معه قرونا، حتى لقد تبلغ بنا أحيانا حد الإسراف، بحيث تنطمس معالم الفرد المستقل ~~بشخصيته المتميزة مما قد يعاب علينا، بل وقد نعيبه نحن على أنفسنا حين نراه قد جاوز ~~الحدود، فأخفى غير العامل في زحمة العاملين. # وربما كان المصري - بانصهاره في مجتمعه - قد شذ عما كان سائدا في شعوب أخرى، حيث ~~كانت الفردية المستقلة بذاتها عن سائر الناس، هي الصورة المثلى، قبل أن يجيء عصرنا هذا ~~الذي نعيش فيه، فتجيء معه صورة أخرى، لا نرى في الفرد الواحد من أفراد الناس، إلا محورا ~~لعلاقات متشابكة تربطه بغيره من الأحياء والأشياء، وأصبحت تلك الفردية المستقلة وحدها، ~~والتي لعبت بخيال السابقين، ضربا من ضروب المحال. # نعم، كان المصري لا يعرف الحياة إلا تعاونا مع آخرين، من أبناء أسرته، وقريته، وأمته، ~~حينما كان الإنسان في شعوب أخرى، على وهم بأنه يستطيع أن يستقل بذاته معزولا عن سائر ~~الأفراد، وكأنه جزيرة قائمة وحدها، يفصلها الماء عما سواها من جميع أقطارها وهو وهم ~~تراه منعكسا في تصورات الفلاسفة والأدباء على تعاقب العصور «قبل عصرنا» وفي مختلف الشعوب، ~~بل وكان من هؤلاء من هو عربي في بلد غير مصر. # ونسوق أمثلة على ذلك، بادئين بفيلسوف عربي، هو ابن طفيل، في قصته الفلسفية «حي بن يقظان» ~~التي أراد أن يبين بها، كيف أن الإنسان لو ترك وحيدا في جزيرة لا يسكنها بشر سواه، وليس ~~فيها معه إلا الطبيعة بنباتها وحيوانها، لاستطاع بقدراته العقلية الخالصة أن يدرك وجود ~~الله سبحانه وتعالى، وأن يستدل الحقائق الأساسية التي تتكون منها العقيدة الدينية، ~~مريدا بهذا أن يقول إن الديانة وإن تكن قد نزلت وحيا على النبي عليه الصلاة والسلام، ~~فهي قائمة على أسس عقلية، وفي مستطاع الفرد المستقل بعقله إدراكها. وأما أحداث هذه ~~القصة التي أراد بها ابن طفيل إظهار هذه الحقيقة، فخلاصتها أنه ألقي بطفل فور ولادته، ~~في جزيرة لا يسكنها إنس، فتولت إرضاعه ظبية، وكبر الطفل ms149 حتى بلغ النضج الذي أتاح لقدراته ~~العقلية أن تتفاعل مع الظواهر والحوادث التي تجري من حوله، فاستطاع بذلك النشاط الذهني ~~وحده، أن يدرك كل ما يراد للمؤمن أن يدركه. # ولما كان الشبه شديدا بين عزلة «حي بن يقظان» في جزيرته، وعزلة «روبنسن كروزو» في جزيرته ~~أيضا (في القصة المشهورة للكاتب الإنجليزي دانيال ديفو) فقد ذهب كثيرون منا إلى أن قصة ~~روبنسن كروزو مستوحاة من قصة «حي بن يقظان» التي سبقت شبيهتها الإنجليزية بسبعة قرون، لكن ~~واقعة تاريخية ثابتة، هي التي حركت خيال الكاتب الإنجليزي، خلاصتها أن رجلا حقيقيا، ~~اسمه «إسكندر سيلكيرك» اسكتلندي المولد والنشأة، كان يشتغل بحارا على سفينة تحطمت ~~بالقرب من جزيرة عند أقصى الطرف الجنوبي من أمريكا الجنوبية، وكتبت له النجاة دون سائر ~~زملائه، فحمله الموج إلى تلك الجزيرة النائية الخالية إلا من النبات والحيوان، فعاش بها ~~وحيدا عدة أعوام، انتقل بها من شباب إلى كهولة، حتى شاء له الله أن تمر سفينة عابرة، ~~فأخذته وعادت به إلى وطنه. ومن الطريف أنه لم يصبر على العيش هناك إلا بضع سنين، وعاد إلى ~~البحر، ومات وهو على السفينة التي يعمل بها، وكان ذلك بالقرب من الشاطئ الغربي لأفريقيا، ~~وما إن شاعت أخباره عند عودته إلى بريطانيا، حتى باتت قصته موضوعا للحديث في كل مكان، ثم ~~كان أن أوحت تلك الحادثة إلى «دانيال ديفو» برواية «روبنسن كروزو»، ومع ذلك كله فيظل ~~احتمالا نظريا جائز الحدوث، وهو أن يكون «ديفو» قد سمع بقصة «حي بن يقظان». # ونعود بعد هذا الاستطراد إلى موضوعنا، فنسوق نموذجا ثالثا مما كتبه الفلاسفة والأدباء ~~فيما مضى، تصويرا للفردية المستقلة بكيانها عن كل ما عداها، وليكن مثلنا هذه المرة هو ~~«ديكارت» الذي نعرفه جميعا بقولته المشهورة «أنا أفكر، إذن أنا موجود.» فتأمل جيدا ما ~~ينطوي عليه هذا المبدأ، فديكارت إذ أراد أن يقيم علمه على أساس يقيني لا يحتمل الشك افترض ~~بادئ ذي بدء، أن كل ما عنده من معرفة مشكوك في صحته، لكن الذي لم يستطع ms150 أن يشك فيه، هو ~~تلك الفاعلية، الفكرية الباطنية، أليس هو في حالة من الشك في معرفته المحصلة سابقا، ~~لكن ذلك الشك نفسه حالة باطنية يستطيع رؤيتها في نفسه رؤية مباشرة، وتلك الحالة الباطنية ~~الشاكة هي في ذاتها تفكير، وعلى هذا الأساس أيقن بحقيقة وجوده من حيث هو كائن يفكر. ومعنى ~~ذلك أنه حتى ولو لم يكن في الكون كله كائن آخر، فيظل هو موجودا وحيدا. ولم يكن عسيرا على ~~فلاسفة عصرنا أن يكشفوا عن موضع الخطأ، إذ يكفي أن نسأل فيم كان يفكر ديكارت حين قال: «أنا ~~أفكر»؟ ليتضح أنه لا بد أن يكون هنالك شيء ما يتعلق به ذلك التفكير، أي إنه محال عليه ~~أن يكون وحيدا ويفكر، لكن الذي أعان فلاسفة عصرنا على إدراكهم هو أنهم يعيشون في عصر آخر، ~~تحولت فيه الفردية إلى شبكة من علاقات وأصبحت «الأنا» غير ممكنة بغير «الأنت». # ونسوق نموذجا رابعا وأخيرا، للفردية المطلقة كما انعكست فيما كتبه فلاسفة الماضي ~~وأدباؤه، والنموذج هذه المرة هو للفيلسوف «ليبنز» - من المدرسة الديكارتية - ولعله يقدم ~~ذلك التصور للفردية المطلقة في أوضح مثال لها، إذ جعل الفرد من الناس «وكل كائن حي» ~~كيانا مغلقا على نفسه، كأنه برج موصد الجدران لا نافذة فيه لتصل ما بداخله مع الخارج ~~المحيط به، فالفرد الواحد إنما يولد وفي فطرته التي ولد بها انطوت جميع الحالات ~~والأحداث التي ستظل تتوالى على فترة من الزمن، فتتكون من توالي ظهورها سيرة ذلك الفرد ~~من مولده إلى موته. ويمكن تشبيه ذلك بشريط السينما، وقد التف حول نفسه، طاويا معه صورا، ~~إذا أتيح لها الظهور بدوران الشريط تكونت منها قصة كاملة. بعبارة أخرى فإن الإنسان إذ ~~يعيش حياته بكل مراحلها وتفصيلاتها، فهو إنما ينشر ما قد انطوى في طبيعته، وإذا رأيت أن ~~أفراد الناس يبدون وكأنهم يتفاعلون بعضهم مع بعض، فليس هو بالتفاعل الذي يتم بالتواصل ~~والتعامل كما قد يبدو، أعني أنه ليس تفاعلا طارئا لحظة حدوثه، بل إن الله سبحانه وقد خلق ~~لكل فرد ms151 سيرة حياته مستقلة عن سائر السير، دبر منذ الأزل كذلك، أن تجيء تلك السير ~~المتزامنة متسقة بعضها مع بعض، كأنها تشبه - في تناسقها - مجموعة من ساعات ضبطها ~~صانعها، ليتوافق سيرها معا في الدلالة على الزمن. # هكذا كان تصور الإنسان لنفسه «من الوجهة النظرية» فيما مضى، كما يشهد بذلك ما صوره ~~كثيرون من رجال الفكر والأدب فيما كتبوه، ثم جاء عصرنا هذا بفكر جديد عن حقيقة الإنسان، ~~مؤداه أن تفهم الفردية على صورة أخرى، فبدل أن ننظر إليها على أنها كيان مستقل بذاته ~~ننظر إليها على أنها مجموعة علاقات، يرتبط بها «الفرد» مع سائر ما حوله، فأنت لا تعرف ~~أحدا من الناس، إذا لم تعرف على أي نحو يتصل بآخرين. # ولم يكن المصري إبان تاريخه لينتظر حتى يجيء هذا العصر بجديده في أن حقيقة الإنسان كائنة ~~في تعاونه مع غيره، لا في تفرده بالمعنى القديم للتفرد، إذ كان التعاون والتواصل في ~~صميم جوهره منذ أول التاريخ، فإذا رأيناه اليوم وكأنه قد تنكر لحقيقته، وتملكته أنانية ~~لا تبالي أن تطأ بأقدامها رءوس الآخرين وصولا إلى منافعها، أيقنا أنه عارض عابر؛ إذ ~~لا يعقل أن يسير في اتجاه مضاد للعالم كله، في الصواب وفي الخطأ، فبينما كانت الصورة ~~المثلى عند شعوب أخرى كثيرة هي تفرد الأنا، كان المصري يعيش متعاونا مع مواطنيه. ولما ~~صحح العالم من تصوره لحقيقة الإنسان، يرتد المصري إلى الخطأ الذي كان. # لكن ماذا أقول، وقد جاءتني رسالة من صديق عزيز على نفسي أخذ يعرض لي فيها أمثلة مما ~~يعانيه من الطريقة التي يريد بها الآخرون أن يفترسوه افتراسا، وأن يتجاهلوا حقوقه، كأنه ~~قد بات في عينهم نهبا مباحا، ثم ختم رسالته بسؤال يريد له جوابا، هو: ماذا أصابنا في ~~حياتنا فاستبدلنا بما كان بيننا من تعاطف وتعاون وتراحم، عدوانا وقسوة وافتئاتا على ~~الحقوق؟ # فكان أول خاطر ورد إلى ذهني هو صورة الأبراج المصمتة التي تخلو جدرانها من النوافذ، ~~تصويرا للأفراد حين ينحصرون في ذواتهم، فلا يفتحون أعينهم ليروا أن ms152 في الدنيا سواهم، ~~لكنني سرعان ما استدركت قائلا لنفسي: ألا إن تلك الصورة قد شاعت في أوهام الناس قبل هذا ~~العصر، وفي أراض غير أرض مصر، وقد عدل عنها العالم؛ ليضع مكانها من الوجهة النظرية صورة ~~أخرى كالتي أسلفنا ذكرها، اللهم لا، فإن كانت فئة منا قد انحرفت عن جادة الطريق، ~~فمصيرها عودة إلى حقيقتها استمرارا لتاريخها. # | حرية الذين يعلمون # أردت لنفسي شيئا، فساقتني الخواطر إلى شيء آخر، وذلك أني أردت أول الأمر، أن أتقصى ~~ما كتبه الأقدمون عن الصداقة والصديق، فإذا بالطريق ينعطف بي - بعد خطوات قلائل - إلى ~~فكرة «الحرية» وأبعادها، على أن تلك الانعطافة نفسها، إنما انبثقت تفريعا من موضوع الصداقة ~~والصديق. ولكن لماذا قصدت - ابتداء - إلى الأقدمين، ألتمس عندهم بغيتي؟ كان ذلك مني ~~لسبب بسيط، وعجيب، هو في حد ذاته جدير بالنظر، ألا وهو أن رجال الفكر المحدثين ~~والمعاصرين - لأمر ما - لم يعنوا بتحليل الصداقة عناية القدماء، ولعلهم قد استبدلوا ~~به موضوعا آخر، قريبا منه، وهو «الحب»، فبينما الصداقة - عادة - تكون بين فردين من جنس ~~واحد، يكون الحب - عادة أيضا - بين الجنسين. # ولماذا حدث هذا التحول في الاتجاه؟ قد يكون ذلك نتيجة للتحول الذي طرأ على جوهر ~~الحياة الأسرية وأساسها، فلم تكن العلاقة بين الرجل وزوجته قديما، كالعلاقة بينهما ~~حديثا؛ إذ كانت تلك العلاقة قديما أقرب إلى شهوة الغريزة، منها إلى المودة بين ~~الصديقين، وأما حديثا فقد أصبح المثل الأعلى المنشود بين الزوجين، هو أن يكونا كذلك ~~صديقين؛ ومن هنا بحث الزوج - قديما - عن الصداقة خارج الأسرة، وأما في عصرنا فكثيرا ما ~~يؤدي كل من الزوجين دور «الصداقة» للآخر. # على أية حال، فالأمر الواقع هو أني أردت قراءة شيء عن الصداقة والصديق عند الأقدمين، ~~ورسمت خطتي على ثلاث مراحل: فأبدأ بشيء مما ورد عند أفلاطون في محاوراته، وفي محاورة ~~«ليزيس» على وجه التحديد، ثم أنتقل منها إلى الفصلين الثامن والتاسع من كتاب «الأخلاق» ~~لأرسطو (وهو بين ما نقله إلى العربية أحمد لطفي السيد) فذانك الفصلان معقودان لموضوع ms153 ~~الصداقة، وأختم سيري بالفيلسوف العربي ابن حزم في كتابه «طوق الحمامة». ورأيت أن هذا القدر ~~يكفيني، لكنني لم أكمل مراحل سيري كما رسمتها؛ لأن طريقي قد انعطف بي - كما أسلفت - إلى ~~موضوع آخر ، هو فكرة «الحرية». وجاءتني تلك الانعطافة وأنا بين صفحات محاورة «ليزيس» التي ~~بدأت بها، وبسبب ما ورد في تلك المحاورة أثناء تبادل الرأي بين المتحاورين. # السؤال الرئيسي الذي تطرحه محاورة «ليزيس» ليدور حوله النقاش، هو هذا: ما طبيعة ذلك ~~الدافع القوي الخفي، الذي يجذب الصديق إلى صديقه؟ # وإذا أمعن قارئ المحاورة النظر فيما يقرأ، لحظ جانبين، أرادهما أفلاطون معا، أولهما ~~نفسي «سيكولوجي» أراد به أن يبين ما تؤديه الصداقة في إشباع الحاجات النفسية عند من ~~ينشدها، وثانيهما أخلاقي يوضح فيه الأساس الحقيقي الذي تقام عليه العلاقة بين صديقين، ~~فإذا هو نفسه الأساس الذي تقام به مبادئ الأخلاق. # وأما الجانب النفسي من الصداقة، فهو ما يشعر به الصديق من أن الخير الذي يصيب أحد ~~الصديقين، هو للصديق الآخر. وإذن فهو بالصداقة يزداد اقترابا من المثل الأعلى للإنسان ~~الكامل. ولعل أرسطو، فيما بعد، قد تأثر بهذا الجانب من محاورة «ليزيس»، وذلك حين كتب كتابه ~~في الأخلاق، وجعل للصداقة الفصلين السابقين مباشرة على الفصل الأخير، الذي رصده للحديث ~~عن الحياة المثلى، وهي الحياة التي يوجه فيها الإنسان تأملاته إلى الله، فيرى عندئذ ~~كيف هانت المنافع الشخصية المادية العابرة، أمام ذلك الموقف الذي يدمج الإنسان دمجا في ~~الصورة الإلهية في تأملاته، حتى لتسقط عنه كل عوارض العالم الفاني. ولقد كانت علاقة ~~الصداقة في حياة ذلك الإنسان المتأمل، بمثابة التمهيد لذلك الموقف؛ إذ إن اندماج الصديق ~~في صديقه اندماجا روحيا، هو في طبيعته قريب من اندماج المتأمل في الله «سبحانه ~~وتعالى». # تلك - إذن - هي الناحية النفسية من «الصداقة» كما صورها الفيلسوف في محاورة «ليزيس»، ~~وأما الناحية الأخلاقية منها، فلها شأن آخر، فها هو ذا «ليزيس» في صباه، يعلم أن والديه ~~يرعيانه أتم رعاية، ويريدان له أن يسعد بحياته أكمل ما تكون السعادة، ms154 ولكن كيف تتوافر ~~له السعادة المنشودة، إلا أن يكون سيد نفسه، يفعل ما يشاء، ويدع كما يشاء، فيكون هو صاحب ~~الإرادة في تصريف حياته على النحو الذي يريد؟ ومع ذلك فوالداه اللذان يسعيان إلى إسعاده، ~~هما اللذان يتدخلان في شئونه، فيأذنان له بهذا، ويمنعانه عن ذاك، فإذا أراد ركوب الجواد، ~~ألزماه بأن يكون في رعاية سائس الجياد، وإذا جاءت ساعة الدرس، كان عليه أن يسلم أمره ~~للمعلم، فالمعلم يوجه وعلى الصبي أن يطيع. وهكذا كان للوالدين في كل شأن من شئونه ~~حق المنح وحق المنع، فأين هي السعادة التي يرجوانها له، وهو في كل موقف تابع لسواه؟ أي ~~أنه ليس حرا في تصريفه لحياته. # ويدرك «ليزيس» هذه المفارقة، ويقول: لعل العلة كامنة في صغر سنه، وأنه حين يكبر ~~ستطلق له حريته، لكن العلة في حقيقة الأمر لم تكن في عدد السنين التي عاشها؛ لأنها لو ~~كانت كذلك، لشملت كل جوانب حياته، بيد أن هنالك من جوانب حياته ما تركت له الحرية الكاملة ~~فيها، فهو حين يلهو بلعبه، وحين يطالع كتابه، وحين يكتب في كراسته ما يكتبه، لا يتدخل ~~أحد ليحد من حريته، لماذا؟ ما هو الفارق - يا ترى - الذي يفصل موقفا تطلق له فيه حرية ~~التصرف، عن موقف آخر يتدخل فيه آخرون ليلزموه بأشياء وليمنعوه عن أشياء؟ # ولا يلبث الفكر عند هذا السؤال، أن يهتدي له إلى جواب، والجواب هو أن الفارق الفاصل بين ~~الموقفين، هو «المعرفة» بدقائق المجال الذي يتعرض للتصرف في حدوده، فإذا كان القائم ~~بفعل ما، ملما بمجال فعله، أطلقت له الحرية في أدائه، ولكن الناس يأخذهم القلق إذا ما ~~رأوا مجالا قد ترك لغير العالمين بحقائقه ودقائقه، أن يكونوا أحرارا فيما يعملون، فمن ذا ~~الذي يتدخل في عمل طبيب قادر عليم بالطب، إذا ما تولى معالجة مريض؟ وقل ذلك في كل عمل ~~يتولاه من «يعرف» طبيعة المجال الذي يؤدى فيه ذلك العمل. فللذين «يعلمون» الحقيقة عن ~~شيء ما، كل «الحرية» فيما يصنعون، أما الذين يتصدون لمعالجة ms155 شيء يجهلونه، فليس من حقهم ~~أن تطلق لهم حرية التصرف، بل إن أصدق أصدقائهم ليأبون أن يروهم، وقد أمسكوا بزمام أمور ~~يجهلونها، كأن يعالج المرضى غير الأطباء، وأن تكون الفتوى لغير الفقهاء فيما يفتون فيه. ~~وهكذا تنتهي محاورة «ليزيس» بقارئها إلى نتيجة هامة، وهي أنه لكي يكون الناس سعداء ~~وأحرارا في فعل ما يفعلونه، لا بد أن يتولى أمورهم في شتى الميادين، أولئك الذين ~~يعلمون كل شيء عما يتصدون لأدائه. # فلما بلغت هذا الحد من المحاورة، تركتها، وانصرفت عما كنت قد رسمت الخطة لقراءته عن ~~موضوع الصداقة والصديق، لأتفرغ لهذه الفكرة التي انبثقت من سياق الحوار، وهي فكرة «الحرية» ~~متى، وبأي معنى من معانيها، تكون من حق الإنسان، ومتى لا تكون؟ # لقد قيل إننا إذا أردنا الكشف عن الاهتمامات الحقيقية التي تشغل شعبا معينا من ~~الشعوب، فما علينا إلا أن نراجع ما كتبه الكاتبون من أبناء ذلك الشعب، لنرى أي الأفكار ~~يتردد أكثر من سواه، فيكون هو موضع الاهتمام الأول. وفي ظني أننا إذا رجعنا صحائف ~~حياتنا الأدبية والفكرية منذ أواخر القرن الماضي حتى اليوم، لم نجد كلمة تنافس كلمة ~~«الحرية» في ترددها على أقلام الكتاب، وألسنة الخطباء والمتحدثين. فالحرية - إذن - ~~كانت هي قضيتنا الأولى، وقضيتنا الكبرى، لكن المتعقب لمسار هذه القضية في حياتنا، لا ~~يتعذر عليه أن يرى كيف أخذت فكرة «الحرية» تزداد مع الأيام في تصورنا لها اتساعا ~~وعمقا، فبدأت بأن يكون للمصريين حق الشورى في أمور بلدهم، ثم جاء المحتل البريطاني، ~~فأصبحت الحرية السياسية، معنى التحرر من المستعمر الأجنبي، هي الشغل الشاغل لأصحاب ~~الرأي وحملة القلم، إلى أن عبئت بها النفوس، فتفجرت بثورة 1919م، ثم لم نلبث أن ~~أخذنا نسمع دعوة في أثر دعوة لضروب أخرى من الحرية، غير مجرد التحرر من المستعمر، ~~كحرية الاقتصاد الوطني، وحرية المرأة، وحرية الفنان والأديب. وهكذا أخذ تيار الحريات يتصاعد ~~قوة وتنوعا، إلى أن جاءت ثورة 1952م، ففتحت أبوابا واسعة لحريات أخرى اجتماعية، ~~تحرر الفلاح من تسلط صاحب الأرض، وتحرر العامل ms156 من تحكم صاحب العمل. # لكن نظرة فاحصة مدققة في تلك الحريات بكل فروعها، كفيلة أن تكشف عن حقيقة لها خطرها، ~~وهي أن أهدافنا من تلك الحريات، كادت تنحصر في الجانب السلبي وحده، بمعنى أن تكون ~~المطالبة بالحرية مقصورة على «التحرر» من قيود تكبلنا في هذا الميدان أو ذاك، ~~كالتحرر من الاحتلال البريطاني، وتحرر المرأة من طغيان الرجل، وتحرر العامل الزراعي ~~من استبداد مالك الأرض، وتحرر العامل الصناعي من تحكم صاحب رأس المال، وتحرر كذا من ~~كيت. بعبارة أخرى أوشكت كل جهودنا المبذولة طلبا للحرية، أن تنحصر في الأغلال وتحطيم ~~القيود، وهو أمر واجب ومطلوب. # لكن الأغلال كلها إذا فكت، والقيود جميعها إذا حطمت، يبقى بعد ذلك أهم جانب من ~~جوانب الحرية، وهو الجانب الإيجابي، الذي يتصل بقدرة الإنسان على أداء عمل معين؛ إذ ~~ترتبط تلك القدرة ارتباطا وثيقا بمقدار ما عند العامل من «معرفة» بما يريد أن ~~يؤديه. # لقد رأينا في المحاورة الأفلاطونية التي قدمنا خلاصة لها، أن الفتى «ليزيس» لم تطلق ~~له الحرية في ركوب جواده إلا في حدود ما يشير به سائس الجياد. وتتم المفارقة هنا، حين ~~نعلم أن ذلك السائس كان «عبدا» - يملكه والد الفتى بين من يملك وما يملك - فمن هو «عبد» ~~من الناحية الاجتماعية والشرعية، كان هو نفسه «حرا» فيما يخص الجياد وساستها، كما أن من ~~كان «حرا» من الناحية الاجتماعية والشرعية في ذلك الموقف نفسه - وأعني الفتى «ليزيس» - ~~كان في منزلة العبد الذي لا حول له ولا قوة ولا رأي، فيما يختص بالجياد وطرائق استخدامها. ~~وبهذه المفارقة تبرز أمام أعيننا الفوارق التي تميز حرية العمل التي هي من حق العارف ~~بأسرار المجال الذي يتم فيه ذلك العمل، عن ضروب أخرى من الحريات يكون مدارها مجرد ~~التحرر من أغلال وقيود تميزها. # ولست أظن أن التحرر من الأغلال والقيود، في مستطاعه وحده أن يذهب بالمتحرر منها ~~شوطا بعيدا؛ لأنه في حقيقته لا يزيد على أن يفتح باب السجن لينطلق السجين «حرا» بالمعنى ~~السلبي للحرية، أي أنه ms157 لم يعد مغلول الحركة مقيد الخطى. ولكن ماذا بعد ذلك، ماذا ~~«يصنع» ليحيا؟ ها هنا تبدأ الحرية بمعناها الإيجابي، الذي لا بد فيه من «قدرة» الإنسان ~~على أداء عمل ما، ولا قدرة في أي ميدان إلا لمن عرف حقيقة ذلك الميدان وما يتعلق ~~به. # قارن طفلا أمامه ورقة وفي يده قلم، ظفر بهما بعد بكاء عنيد، قارنه بفنان أمامه لوحة ~~وألوان وفي يده الفرشاة، فالطفل «حر» في أن يخط بالقلم ما شاء أن يخطه على الورقة، ~~والفنان «حر» في إقامة بنائه اللوني على اللوحة، لكن ما أبعد الفرق بين حرية وحرية! ~~لقد أزيلت الموانع التي كانت تحول دون حصول الطفل على ورقة وقلم، فلما بلغ مراده ~~وكان حرا، انطلقت تلك الحرية المجنونة «تشخبط» الخطوط على الورقة بلا هدف، وأما الفنان ~~العارف بأسرار فنه، فقد استطاع بحريته «المقيدة» بقواعد الفن وأصوله، أن يبدع ما قد ~~يضاف إلى كنوز الجمال. # وتسأل الآية الكريمة: # هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون # والجواب الذي تمليه البديهة أنهما لا يستويان، ~~على أن من أراد أن يفصل القول في الفوارق بين الجماعتين، ينبغي له أن يذكر بين تلك ~~الفوارق، أن حق الحرية بمعناها الإيجابي المنتج، مقصور على أولئك الذين يعلمون، أو ~~هكذا تقضي الحكمة بأن يكون. # | بل من هنالك نبدأ # كان الكاتب الإسلامي التقي النقي، الصادق مع نفسه ومع الناس، المرهف الحس، اليقظان ~~الضمير، الأستاذ خالد محمد خالد، قد أصدر كتابه المعروف «من هنا نبدأ» (1950م) فجاء علامة ~~أخيرة على الطريقة المؤدية إلى ثورة يوليو 1952م. ونستطيع أن نضيف إليه استكمالا لموقف ~~واحد، كتابه الثاني قبل الثورة «مواطنون لا رعايا» فكانت نقطة البدء كما رآها الكاتب، هي - ~~قبل أي شيء آخر - أن يرتفع في حياتنا العامة لواء الحرية والعدالة، ليشعر كل مواطن بأنه ~~ابن لهذا الوطن، وليس «رعية» لذي سلطان. # ومضت بعد ذلك عشر سنوات أو أكثر قليلا، وانعقدت «اللجنة التحضيرية» التي كان من شأنها أن ~~تمهد للمؤتمر القومي الذي أصدر «ميثاق العمل الوطني». وكان من ms158 أهم الجوانب في ذلك التمهيد، ~~أن تنظر «اللجنة التحضيرية» في تحديد الجماعات التي منها تتألف قوى الشعب العاملة، وذلك ~~يقتضي تحديد الفئات التي يجب عزلها وحرمانها من الحقوق السياسية. ومعظم هؤلاء - بالطبع - ~~من قادة العمل السياسي قبل الثورة، وممن ملكوا الضياع الواسعة والأموال الطائلة. وكان ~~خالد محمد خالد عضوا في اللجنة التحضيرية، وكنت. # ولم تكد اللجنة تبدأ جلستها الأولى، وتطرح مسألة «العزل السياسي»، حتى نهض خالد محمد خالد ~~ليرفع صوته جهيرا بأنه لا عقاب ولا عتاب على من كانت حياته قد جرت وفق القوانين القائمة ~~إذ ذاك؛ إذ كيف يحاسب صاحب أرض أو مال، جمع ثراءه في إطار قانون قائم؟ # فلما عقدت اللجنة التحضيرية جلستها الثانية في اليوم التالي، حضر اجتماعها الزعيم جمال ~~عبد الناصر، وفتح باب الحوار مع خالد محمد خالد فيما كان خالد قد أثاره في الجلسة الأولى عن ~~فكرة العزل السياسي ومدى مشروعيتها. ولم يكن خافيا على أحد من الحاضرين، ما انطوى عليه ~~الحوار من تقدير عبد الناصر لخالد، تقديرا لم يكن ليتعارض مع رفضه لفكرته بالنسبة لمن كان ~~يطلب حرمانهم من حقوق سائر المواطنين. # ثم جاءت الجلسة الثالثة في اليوم الثالث، فرأى كل ذي بصر أن خالد محمد خالد يجلس وحده ~~على صف طويل من المقاعد، فقد حرص جيران الأمس على البعد قليلا أو كثيرا، اتقاء ~~للشبهات خشية أن يقال عنهم إنهم يشاركونه الرأي. ولم يطمئنهم كل ما أبداه عبد الناصر نحو ~~خالد من تقدير وتكريم، فأبى على خالد حسه المرهف إلا أن يزيد المسافة بعدا بينه وبين ~~هؤلاء عسى أن تطمئن قلوبهم بين ضلوعها. كل ذلك أذكره في وضوح، وكأنني أروي عما شهدته ~~وسمعته صباح هذا النهار، وحتى إذا خانتني الذاكرة في تفصيلة هنا أو تفصيلة هناك - ~~والذاكرة تخون - فالذي لا أشك فيه هو أنني عندئذ قد همست لنفسي قائلا: كلا، يا أستاذ ~~خالد، فليس «من هنا نبدأ»، بل كان ينبغي أن تجعلها «من هنالك نبدأ». والذي قصدت إليه من هذه ~~التفرقة، هو أننا قبل ms159 البدء بقيم الحرية والعدالة وما إليهما مما نطالب به من حقوق ~~للإنسان، لا بد أولا أن نعد نفوس الناس إعدادا يهيئهم للإصرار على أن يكونوا أحرارا ~~ومنصفين، إذ ماذا يجدي أن تقدم للناس حقوقهم الإنسانية جاهزة «معطرة مبخرة» (كما ~~يقولون) إذا كانوا في أعماقهم لا يريدونها؟ # وكأني أسمع بين القراء قراء تأخذهم الدهشة الغاضبة، فيصيحون: ما هذا الذي يقوله كاتب ~~المقال؟ هل رأيتم - يا خلق الله - بين الناس إنسانا لا يريد لنفسه حرية وعدالة؟ لكن ~~هؤلاء القراء الذين أخذتهم الدهشة الغاضبة المغيظة، لا يفرقون بين معان يرددها ~~الإنسان بلسانه مع من يرددونها، ومعان أخرى يؤمن بها ذلك الإنسان؛ لأنها انبثقت من صميم ~~فؤاده. ففي الحالة الأولى قد يهتف بحياة الحرية والعدالة هتافا تنشق له الحنجرة، حتى إذا ~~ما لاحت في الأفق نذر الخطر لاذ بالفرار، وأما في الحالة الثانية فهو هو الذي يحيا فتحيا ~~بحياته الحرية والعدالة؛ لأنهما يجريان في عروقه مع الدماء، وإذا ما تجهمت له سحائب ~~الخطر، تصدى لها ليقشعها من سمائه، أو أن يلفظ الروح دون مسعاه. # ليس حقوق الإنسان مجرد قائمة بأسماء، وعلينا حفظها كما يحفظ التلميذ «محفوظاته» عن ظهر ~~قلب، حتى وإن لم يفهم لها معنى، وإنما هي أسلوب حياة وطريقة عيش. فإما أن نراها مجسدة في ~~التعامل الحي مع الناس، وإما هي لا تعدو أن تكون أشباحا صوتية لا ينفخ فيها الروح أن ~~تنشق لها الحناجر بالهتاف. ولقد جاء في حديث شريف أن الدين المعاملة (أو كما قال)، ~~ومعناه أن القيم العليا قد خلقت لتكون أسسا تقام عليها الحياة الفعلية التي يحياها ~~الناس في البيت والدكان والمصنع وديوان الحكومة، ولم تخلق لتكون زخارف نعلقها على ~~الجدران، أو نقوشا نزركش بها صفحات الكتب والمعاجم، فإذا قلنا «حرية» فقد وضعنا خريطة ~~للطريقة العملية التي يسلك بها الناس بعضهم تجاه بعض، فيكون لكل منهم الحق - أستغفر الله ~~- بل يكون على كل منهم الواجب المحتوم في أن يعبر عن نفسه، فيفصح عن فكره في وجه ~~الدنيا بأسرها، شجاعا ms160 كريما واثقا بنفسه في غير غرور، دون أن يغضب منا أحد لما يقوله ~~ذلك الإنسان الحر تعبيرا عن ذات نفسه بالقول أو بالسلوك. وإذا قلنا «عدالة» فكأننا - ~~هنا أيضا - قد وضعنا خطة سلوكية لأبناء المجتمع كيف يتفاعلون دون أن يطغى منهم أحد على ~~أحد، وتفصيلات تلك الخطة تضعها القوانين والتقاليد والعرف بين الناس. # لا، لا تصدق إنسانا يدعي لك أنه مؤمن بحق «الحرية» لنفسه وللناس، ثم تنظر إليه في ~~سلوكه الفعلي، فإذا هو يبتلع في جوفه كل من عداه لكي لا يبقى حيا على ظهر الأرض أحد ~~سواه، فهو في سعيه كالتنين الجبار الذي تحكي عنه الأساطير بأنه لا يحيا «مع» الآخرين، بل ~~يحيا «بالآخرين» طعاما. وبالله لا تقل: لكن ذلك أقوال في الأساطير لا تعرفها حياتنا التي ~~نحياها معا في تعاون ووئام، فانظر حولك متأنيا، وستجد المتحدث الذي لا يريد لأحد ~~أن يتحدث سواه، وستجد التاجر الذي لا يريد لأحد أن يطعم وينعم سواه، وستجد صنوفا أخرى ~~من البشر، يخيل للواحد منهم أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق بشرا آخر ما عداه. لا، لا ~~تصدق إنسانا يملأ شدقيه بلفظ «العدالة» يطالب بها لنفسه وللناس، ثم تنظر إلى سلوكه، ~~فترى العدالة التي يعنيها عجبا من عجب؛ إذ هي عنده خطف الغنائم لنفسه ولأبنائه دون سائر ~~الناس، ولا يضيره في سبيل مآربه أن يدوس على رقاب الآخرين إذا رآهم عقبات على الطريق. وهل ~~هو من القليل النادر في حياتنا أن نقول في العلن كلاما ليسمعه الناس، حتى إذا ما أوينا ~~إلى ديارنا بحنا لخلصائنا بكلام آخر؟ هل هو من القليل النادر في حياتنا أن نحرم زيدا من ~~حقه لنعطيه لعمرو، ذلك إذا كان زيد خافت الصوت، وكان عمرو من السلاطين وأبناء السلاطين، ~~وقد يذهب عن هؤلاء سلطانهم غدا، فعندئذ فقط تسمع من زيد المغلوب على أمره شكواه. # ما جدوى أن نبدأ من «هنا» كما أراد خالد محمد خالد بكتابه المعروف، أي أن نبدأ بالدعوة ~~إلى الحرية والعدالة، إذا لم تكن نفوسنا ms161 قد تهيأت حقا لأن نجعل من الحرية والعدالة ~~دستورا لحياتنا العملية كما نحياها؟ أليس الأجدى أن نبدأ من «هنالك»؟ أي أن نبدأ من نقطة ~~تقع فيما قبل الحرية والعدالة؟ وأعني بها «إرادة» الحرية و«إرادة» العدالة، وإرادة غيرهما ~~من القيم الرفيعة التي نستهدف إقامتها في حياتنا. وإذا لم نستطع تحقيق ذلك في جيلنا الراهن، ~~فلنمد الأمل إلى جيل أبنائنا. # روى لي صديق حميم، يؤنسني بطلاوة حديثه كلما امتد بيننا حبل الحديث. ولقد عهدت فيه ~~الصدق والإخلاص، روى لي عن حادثتين وقعتا له في حياته الفكرية منذ عهد ليس ببعيد، ~~والحادثتان شبيهتان في طريقة البدء وطريقة النهاية، وإن كانتا مختلفتين في الموضوع، ففي ~~كل منهما كان رئيس الدولة قد طرح على رجال الفكر والثقافة رأيا ما في موضوع ما، لكنه برغم ~~إعلانه لرأيه الذي يراه، طالب أصحاب الرأي بأن يعرضوا ما عندهم، وفي كلتا الحالتين تقدم ~~صديقي برأيه، في الحالة الأولى تقدم به إلى إحدى الصحف مكتوبا في مقال مشروح، وفي الحالة ~~الثانية تقدم به إلى إحدى اللجان الرسمية منطوقا في معرض الحوار حول الموضوع الذي طلب ~~فيه إبداء الآراء. وواعجباه كيف تشابهت النهاية في الحالتين! إذ كانت إجابة رئيس التحرير في ~~الحالة الأولى، وإجابة رئيس اللجنة الرسمية في الحالة الثانية إجابة واحدة كأنها «منقوشة» ~~على ختم من المطاط، وهي بألفاظها وحروفها كما يلي: عندما يعرض رئيس الدولة رأيا في موضوع ~~معين، ويطلب من رجال الفكر آراءهم، فإنما يكون المطلوب هو أن يدلي رجال الفكر بوجهات ~~نظرهم في طريقة التنفيذ، فماذا كان يصنع رئيس الدولة حرصا على الشورى، أكثر من أن يطلب ~~الرأي من أصحاب الرأي في حرية ونزاهة؟ لكن ماذا يصنع قوم لا تصلح «الحرية» عندهم أن تكون ~~نقطة ابتداء؛ إذ سبقتها في صدورهم قيود تغل الإرادة التي تريد الحرية، فيا ليتنا نواجه ~~حقيقة الأمر الواقع بشجاعة، لكي نغيره من جذوره، لا من فروعه الظاهرة تاركين الجذور ~~الدفينة تفعل تحت الأرض فعلها، وإذن فليس «من هنا نبدأ»، بل نبدأ من هنالك، ms162 من بعيد، من ~~الأعماق، من دخائل النفوس؛ لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. # إن حرص الإنسان على حياته - مجرد حياة - أمر واجب ومشروع، لكنه كذلك أمر يتقاسمه الحيوان ~~مع الإنسان، حتى الحشرة الضئيلة خلقت ومعها الجهاز الفطري الذي تصون به تلك الحياة من ~~الخطر. ولعلها كانت قصيدة من أروع ما قرأت في حياتي من قصائد الشعر، تلك القصيدة التي ~~كتبها الشاعر الأمريكي «فروست» يصف فيها مناورته مع حشرة خضراء لا يزيد حجمها عن هباءة ~~مما يكاد يخفى عن البصر، وذلك أن الشاعر وقد جلس إلى مكتبه، وأضاء مصباحه، ووضع أمامه ~~ورقة ليسطر عليها ما أراد أن يسطره، رأى تلك «الهاموشة» قد نزلت على الطرف الأعلى من ~~الورقة، وكان كلما حرك القلم في أسفل الورقة أحست الهاموشة في أعلاها بالحركة وفزعت، ~~وإذا سكن القلم في يد الشاعر سكنت واطمأنت، وسبحان من خلق الحياة مزودة بما يصونها ~~ويحميها. # لا، ليس حرص الإنسان على حياته عيبا يؤاخذ عليه، لكن يعلم أنه في «إرادة الحياة» - مجرد ~~الحياة - ليس وحيدا ولا فريدا، بل يشاركه الحيوان كله والنبات كله. وأما الذي يتميز به ~~الإنسان فهو أن يمتد بحرصه ذاك ليشمل الحياة في درجاتها العليا، التي هي حياة مقرونة ~~بمجموعة من القيم التي جعلت من الإنسان إنسانا، وفي مقدمتها «الحرية» و«العدل». وانظر ~~إلى الآية الكريمة التي تقول: # ولتجدنهم أحرص الناس ~~على حياة ... # انظر إلى كلمة «حياة» هنا وقد تجردت من أداة التعريف، لتعني ~~مجرد حياة نكرة خلت مما يكرم به الإنسان، وها هنا يأتي الواجب الصعب الذي ينقض الظهر ~~بحمله الثقيل، وهو أن يتصدى الإنسان للدفاع عن حياته «إنسانا» بكل تكاليفها، ولا يكتفي ~~بمجرد «حياة» يحافظ فيها على قوته وقوت عياله مهما بهظ الثمن الذي يدفع من حريته ~~وكرامته. # إنه إذا كانت مصر قد امتحنت لبضع سنوات بمن يستخف بالحرية والعدالة والعزة والكرامة ~~«من أجل قبضة من فضة، أو شريط يلصق بسترته» (كما قال شاعر إنجليزي في القرن الماضي ~~معاتبا شاعرا تعلق بأذيال ms163 العرش)، فليست هذه هي مصر؛ إذ المصري الأصيل، إذا تعرضت كرامته ~~لما قد يهددها بالضياع، ثم ضاقت به سبل المقاومة، انطوى على نفسه، مكتفيا بأسرته ~~وداره، معزيا نفسه بمبدأ وضعه لنفسه، وأجراه في مثال من أمثلته السائرة، التي يستعد ~~بها لمواجهة المواقف الطارئة، والمبدأ في هذه الحالة متمثل في قوله: «من ترك داره قل ~~مقداره.» فاعتزاله بين جدران بيته حماية له من هوان يتعرض له ولا يرضاه، وأنه في ~~انطوائه ذاك ليدعو الله أن يكون العبث بحقوق الناس لا يعدو أن يكون عرضا من مرض وشيك ~~الزوال. # وإنه لمرض كانت علته الأولى في بضعة الأعوام الأخيرة من حياتنا، هي - في ظني - أن نسبة ~~ملحوظة من مواقع القيادة في مختلف الميادين، قد تركت لأصحاب القدرات المتوسطة أو ~~المتواضعة، ممن لا يلمع لهم بريق إلا على ضوء مصابيح المناصب، فلا يكون أمامهم من بديل ~~سوى التشبث بمواقعهم، مهما بلغ الثمن المدفوع من طغيان على حقوق الناس، وهي علة لا تلبث ~~أن تزول إذا ما عولجت، وعلاجها يسير، يكمن في أن نعطي الخبز لخبازه، والجواد لفارسه، ولو ~~فعلنا لعاد إلى المصري إيمانه بالحرية والعدالة، وعندئذ فقط يصح القول مع خالد محمد ~~خالد «من هنا نبدأ». # | أضداد تتزاحم! # كم من الماء جرى به النيل - يا ترى - منذ لمحت الصورة العجيبة التي تصورها أبو العلاء ~~المعري عن صنوف البشر المتضادة، التي تتزاحم في لحد واحد، فصورها لنا في بيت من ~~قصيدة لعلها أشهر ما نظم وأعظم ما نظم، وهي قصيدة - لحسن الحظ - يعرفها كل عربي ظفر من ~~التعليم بنصيب، وهي القصيدة التي يستهلها بقوله: # غير مجد في ملتي واعتقادي # نوح باك ولا ترنم شاد # وبعد أبيات قليلة، ينبه فيها القارئ إلى ما قد يكون غافلا عنه، وهو أن أديم الأرض الذي ~~نطؤه بأقدامنا أثناء سيرنا، إنما هو أجساد بشرية تحولت بعد موتها إلى تراب، أقول إنه ~~بعد تنبيه القارئ إلى هذه الحقيقة المروعة، يورد البيت الذي أشرنا إليه: # رب لحد قد صار لحدا مرارا # ضاحك ms164 من تزاحم الأضداد # فالموقع الواحد من الأرض، على امتداد الزمن قرونا ذكر عشرات بعد عشرات، لا بد أن يدفن ~~فيه إنسان بعد إنسان إلى ما شاء الله من عدد الأناسي الذين يدفنون في لحد واحد ، وأي ~~أناسي هؤلاء؟ إنهم مختلفون صنوفا وأشكالا، فهذا تقي ورع عاش حياته عابدا متبتلا، ~~جاء بعده شقي عربيد قضى عمره جموحا عاصيا، وثالث ورابع، عرفتهما الحياة عدوين لدودين، ~~فإذا هما يلتقيان هنا فيرقدان جنبا إلى جنب، وهكذا وهكذا مع توالي السنين، فلا يجد اللحد ~~إزاء هذه الأضداد البشرية التي كتب عليها أن تتجاور في تلك الحفرة الضيقة، تجاورا لصيقا ~~لا يدع لأي منهم فرصة ليستريح، أقول إن اللحد الذي يشهد هذا كله، لا يجد مفرا من الضحك ~~المتعجب الساخر. # ولما كانت عقول الجبابرة - مهما اختلفت مواطنهم وعصورهم - تتشابه، فكثير ما تتلاقى على ~~فكرة واحدة أو صورة بعينها، فلقد وقعت على الصورة نفسها التي تخيلها شاعر العربية أبو ~~العلاء المعري، لأضداد الناس يتنافرون أحياء، ثم يتلاقون أمواتا في لحد واحد، عند الروائي ~~الروسي دستويفسكي في إحدى رسائله المجموعة وكل الفرق بين الأديبين هو أن أبا العلاء ضغط ~~الصورة كلها في بيت واحد من شعره، وأما دستويفسكي فقد استرسل في تفصيلات الاعتراك بين ~~الأضداد في قبرهم المشترك إذ أخذوا يتنابذون بالشتائم، ويتدافعون بعظام الأرجل والأيدي على ~~أن صورة التضاد عندهما معا كانت مقصورة على الموتى. # لكن ضربا آخر من التضاد الباعث على الضحك السافر نراه عند شكسبير، وهو هذه المرة بين ~~الأحياء والموتى، فإذا صادف الشاعر إنسانا فقيرا، يقضي حياته في كوخ متواضع، ثم يثقب ~~له ثقب في جدار كوخه تهجم منه الرياح المثلوجة مدوية بصفيرها، فيعد لها صاحب الكوخ ~~كرة من الطين يسد بها الجدار المثقوب، فهنا يلقي الشاعر بسؤاله: ألا تكون هذه الكرة من ~~الطين التي حجبت عن صاحبنا المسكين هجمة الهواء ببرده وصفيره، جزءا من رفات ملك كان في ~~زمانه صاحب عرش وصولجان؟ # وإن هي إلا خطوة قصيرة تخطوها بعد تضاد الأموات والأموات، ثم ms165 تضاد الأحياء والأموات ~~لتصل إلى ما يملأ علينا الأرض من تضاد بين أحياء وأحياء، وهو تضاد يتسع ليشمل ~~العالم كله في عصرنا هذا، ثم يضيق ليشمل مصر فيما شمل، وأما أرجاء العالم فقد تكون مفتوحة ~~الأعين على أضدادها، وأما نحن في مصر، فلا أظننا على بينة واضحة بما تشهده أرضها من ~~تزاحم الأضداد، ولو تنبهت لكان الأرجح أن تعالج أمرها بما يعود بها إلى صورة الحياة ~~المتناسقة المنغومة التي ألفتها فيما مضى من تاريخها. # فلننظر إلى العالم في عمومه أولا، ثم إلى مصر في خصوصها ثانيا، لعلنا ندرك سر ~~هذا التضاد الذي تزاحم فملأ الأرض والسماء، فما من صحيفة يومية تقرؤها أو نشرة إخبارية ~~تسمعها إلا وجدتها منبئة عن قنابل انفجرت فقتلت ودمرت وطائرات خطفت ومدافع أطلقت فهدمت ~~وهشمت. والذي يزيد من أسى المأساة أن ذلك العنف الذي أصبح طابعا للعصر لا تقتصر أسبابه ~~على اختلاف حول شئون الدنيا، بل إن تلك الأسباب لتمتد، حتى يكون جزء كبير منها متصلا ~~باختلاف الناس في الدين: فالمسيحي الكاثوليكي والمسيحي البروتستانتي، كما هي الحال في ~~أيرلنده والمسلم الشيعي والمسلم السني، كما حدث في إيران وفي سوريا واليهودي من ناحية ~~والمسلم والمسيحي معا في ناحية أخرى كما هي الحال بين إسرائيل والعرب؟ فماذا وراء هذه ~~الشحناء التي أصبحت تثير غبار الكراهية في كل بقعة من بقاع الأرض لأسباب تنوعت ~~أشكالها؟ # إنه لئن كان القرن الماضي قد نعم باستقرار اجتماعي في معظم أنحاء العالم، فقد كان هو ~~نفسه القرن الذي أفرز مجموعة من الأفكار الكبرى، التي أسلمها إلى القرن العشرين ليتولى ~~نشرها وهضمها وتطبيقها، وهي أفكار قلبت الصورة العلمية والثقافية رأسا على عقب وباطنا ~~لظاهر، وكان من غير الطبيعي أن تظهر تلك الأفكار، وتختفي لا تترك أثرها في حياة الناس. ~~والحق، إنها لظاهرة تلفت النظر في تاريخ الحياة العقلية، وأعني أن يلد القرن الماضي: ~~هيجل، وماركس، ودارون، ونيتشه، وشوبنهاور، وفرويد، وأينشتين ليضيفوا إلى الدنيا ثمارا ~~فكرية هي من أغنى ما شهدته في تاريخها من ثمار. ms166 فمن هيجل كان التحول من النظرة السكونية ~~الآلية تجاه الكون إلى النظرة الدينامية الحيوية، ومن ماركس جاء لفت الأنظار إلى وجوب ~~التغير الجذري في علاقة العامل بناتج عمله، ومن دارون جاءت فكرة التطور التي من شأنها - ~~على الأقل - أن تبين أن الحياة لا تجمد على صورة واحدة من الأزل إلى الأبد، ومن نيتشه ~~وشوبنهاور (على المستوى الفلسفي) وفرويد (على المستوى السيكولوجي) جاءت اللفتة إلى طبيعة ~~الإنسان على حقيقتها، وهي أنه كائن تسيره - إلى جانب المنطق العقلي - فطرة لا تسير وفق ~~ذلك المنطق، ومن أينشتين تغيرت صورة العالم من حتمية إلى نسبية احتمالية، فتغيرت صورة ~~العلم تبعا لذلك. # لكن القرن الماضي وقد أنجب هؤلاء الجهابذة جميعا لم يكتب له أن يكون هو العصر الذي ~~يشهد نتائج تلك التحولات الفكرية على صعيد الحياة العملية، بل كان ذلك نصيب القرن ~~العشرين، غير أن انتقال شحنة فكرية كهذه من المستوى النظري إلى أرض الواقع العلمي لا ~~يتم بين يوم وليلة، بل ها هو ذا قد استنفد معظم أعوام القرن، ولم يصل بعد إلى غايته ~~المستقرة الثابتة. ولم يخطئ قادة الفكر في العالم - عند أوائل هذا القرن - حين تنبئوا ~~بأن المرحلة التاريخية التي كانت الدنيا يومئذ مقدمة عليها ستكون متميزة بضروب من ~~الثورة لم تكن مألوفة من قبل؛ لأنها ثورات تشمل شرائح كبرى من البشر، متخطية الحدود ~~الإقليمية الفاصلة بين الأقطار المختلفة، وذلك ما قد كان. # فأولا تحققت نبوءة «دي بوا» التي تنبأ بها أن القرن العشرين سيتميز بأنه عصر ثورة ~~الشعوب الصفراء، الصين واليابان، لكن الثورة اللونية لم تقف عند حدود اللون الأصفر، بل ~~تعدتها إلى سائر الشعوب الملونة كما يسمونها، وثانيا شهد العصر ما يصح تسميته ~~بثورة الأيدي العاملة، فبعد أن كانت السيادة على تلك الأيدي لأصحاب الجباه العالية (وهو وصف ~~لطبقة المثقفين) أصبح للأيدي العاملة مكانة إن لم تكن هي العليا فلا أقل من أنها ~~مساوية لأصحاب الرءوس، سواء في ذلك رءوس الفكر أو رءوس المال. وثالثا شهدت هذه الفترة من ~~التاريخ ms167 ثورة المرأة، فإذا لم تكن قد ظفرت بالمساواة المطلقة بالرجل، فهي توشك أن تكون، ~~ولنا أن نضيف إلى تلك الثورات الشاملة ثورة الشباب في سبيل أن يكون لهم حق المشاركة بالرأي ~~فيما يتصل بحياتهم وهكذا . وهكذا شملت ثورات هذا القرن جميع أهل الأرض فئات فئات، وتفرع ~~عنها بالطبع ثورات إقليمية في بلدان العالم المختلفة كل يطالب بحقه السليب سياسيا كان ~~أو غير سياسي. # في كل ثورة من تلك الثورات كان هنالك الثائر من جهة، والمثور عليه من جهة أخرى، فلا ~~الثائر يريد أن يستسلم دون انتزاع حقوقه من غاصبها كاملة، ولا المثور عليه يريد أن ~~يتنازل عما كان اغتصبه إلا مغلوبا على أمره، ومن هنا كان القتال والقتل والإرهاب، وسائر ~~ضروب العنف التي لا ينقضي في حياتنا يوم واحد، إلا ويحدث شيء منها. # هكذا تتزاحم الأضداد في أرجاء الدنيا فليس في جنباتها ركن واحد خلا من الشحناء والضغينة ~~بين فئة وأخرى. فماذا عن مصر؟ إنها جزء من الدنيا ومشكلاتها هي مشكلاتها. إذا كنا نتحدث عن ~~المشكلات التي تناولت شرائح عريضة من البشر، فالمرأة عندنا طالبت بحقوقها، وظفرت منها ~~بشيء، وبقي لها شيء، والأيدي العاملة أخذت مكانتها وكرامتها، والشباب يطالب بالمشاركة ~~فينال جانبا وننازعه في جانب وهكذا. # لكني لا أريد أن أختم الصورة عن مصر عند هذا الحد الذي تشارك فيه بقية العالم الثائر، بل ~~أريد أن أضيف عنها ضربا من الأضداد المتزاحمة قد لا يكون قائما في سائر أقطار الأرض ~~بصورة متشابهة، وهو التضاد الذي أراه غريبا في حياتنا الثقافية، وكان ينبغي لتلك الحياة ~~أن تتوحد تحت أهداف مشتركة وفي مناخ متجانس، ثم يكون الاختلاف فيها بين الأفراد ~~اختلافا في الدرجة. # الأصل في الحياة الثقافية لشعب من الشعوب - بغض النظر عن تقدمه الحضاري أو تخلفه - هو ~~وحدة الاتجاه، ومن هنا أمكن لمؤرخي الثقافات أن يميزوا الشعوب بعضها من بعض بما يميز ~~كلا منها: فشعب تصطبغ ثقافته بصبغة روحانية، وآخر تصطبغ ثقافته بصبغة واقعية، أو علمية ~~أو غير ذلك. ولقد كانت ms168 مصر قبل أن تواجه الحضارة الأوروبية متجانسة في مناخها الثقافي ~~كذلك، فالمصريون شعب متدين عميق التدين بحكم تاريخه، ولذلك فهو شعب يصل هذه الدنيا ~~بآخرة تجيء لتقيم موازين الحساب، وعلى هذا الأساس ترى المصري يتصرف في حياته آخذا في ~~اعتباره ما هو كائن وما سوف يكون. # لكن الغرب واجهه بحضارة جديدة، وتسلل إلى ثقافته بخيوط من عنده أدخلها في نسيج ثقافته، ~~وهنا حدث للمصريين تشتت ودب فيهم تباين، فأصبح بين المصري والمصري من الفوارق الثقافية ~~ما يكاد يجعلهما من أمتين مختلفتين ومن عصرين متباعدين. فهنالك من المصريين من ~~أتيحت له فرصة السفر إلى الغرب، حيث عاش وتعلم وربما تزوج أيضا، فعاد إلى مصر وكأنه ~~من غير أهلها، وهنالك أيضا من المصريين من لم يغادر الكفر أو العزبة أو القرية التي ~~يعيش فيها فلبث على حياة أسلافه لم يغير منها شيئا، وبين الطرفين درجات كألوان ~~الطيف. # بل إن من نطلق عليهم اسم «جماعة المثقفين» تختلف في اتجاهات أفرادها اختلافات بعيدة ~~المدى، حتى لتجد منهم من يعيش بكل ثقافته في الماضي، ومن يعيش بكل ثقافته في العصر الجديد. ~~ولست هنا معنيا بالمفاضلة والنقد والاختيار، بل هي صورة أستعرضها وأعرضها، وهي أننا ~~نعيش أضدادا متزاحمة يغار كل فريق من الفريق الآخر خشية أن يكون له السبق في خطف ~~الأضواء. وحدث بالفعل أن تبدلت الأيدي على لواء السباق، فكان في أيدي أنصار الثقافة ~~العصرية في النصف الأول من هذا القرن، ثم انتزعته أيدي الفريق المؤيد لفكرة العودة إلى ~~الماضي خلال الفترة التي انقضت من النصف الثاني وبيان ذلك تفصيلا، شرحه يطول. ومن حقه وقفة ~~أخرى تتناوله في روية وعلى مهل. # | طالبة وطالب # عشت حياتي معلما بالمهنة، ولقد جاءت تلك المهنة متفقة مع طبيعتي، لا مضادة لها، ~~فأقوى ما تميل إليه تلك الطبيعة عندي، هو أن تزداد علما لنفسها، وأن تنقل إلى الناس علما ~~من علمها، ففي طبيعة المعلم الحق - كما أراه - شيء من طبيعة بروميثيوس، وذلك بإصراره على ~~أن يقبس النور من أربابه لينثره ms169 في عامة الناس. والنور هنا هو نور المعرفة، التي كثيرا ما ~~يحبسها الكهان في صدورهم، فإذا ما تصدقوا منها بشيء على عباد الله من عابري السبيل، ~~بثوا عطاءهم في عبارات مبهمة؛ ليتعذر فهمها على المتلقي حتى لا يسبق إليه الظن بأن ~~ذخيرة الكاهن أمرها يسير، يلقاها كل من أرادها ملقاة على قارعة الطريق. وإنني لعلى يقين ~~بأن غموض العبارة عند أي متكلم، مشتق من غموض المعنى في ذهنه، ومحال أن يكون المعنى ~~واضحا عند صاحبه، ثم يلتاث عليه القول ليخرج في عبارة غامضة. وإن طبيعتي التي أشرت إليها، ~~لتجد نفسها كاملة كلما استوت لديها فكرة واضحة، فنقلتها إلى الناس بدورها في كلام ~~واضح. # ولست أفرح لشيء فرحتي بطالب علم - أو طالبة - يسعى إلى لقائي ليناقشني في شيء ورد ~~فيما كتبته، مناقشة واعية؛ لأنني أشعر عندئذ بأن بروميثيوس قد أوصل الشعلة إلى قابسيها ~~ولا فرق في ذلك بين من قبل فكرتي المعروضة ومن رفضها ما دام القبول والرفض كلاهما قد جاءا ~~بعد فهم واضح. وهذا هو ما حدث منذ أيام قلائل مع طالبة وطالب ينتميان إلى كليتين ~~مختلفتين من كليات الجامعة، ولم يكونا أول من ناقشني فيما أكتبه من الطلاب، فمن ناقشوني ~~- قبولا ورفضا - يعدون بالمئات إما بالبريد وإما باللقاء المباشر، لكنهما كانا آخر ~~من لقيت. ~~••• # وشاءت المصادفة أن يكون اعتراض الطالبة هو نفسه اعتراض الطالب وقد رأيتهما في يومين ~~متلاحقين ومع ذلك فقد كان يمكن أن يذهب لقاؤهما كما ذهب لقاء المئات من قبلهما دون أن ~~يحفزني ذلك إلى حمل القلم، ولكن المصادفة قد شاءت كذلك أمرا آخر، وهو أن تجيء زيارة ~~الطالبة وزيارة الطالب في لحظة تسرح فيها خواطري حول خطاب كان أحد أصدقائي قد تركه في ~~صندوق بريدي منذ مدة طويلة. وإني لأكذب على الله والناس إذا أنكرت الأثر العميق الذي تركه ~~ذلك الخطاب في نفسي، بحيث إن خواطري لا تكاد تنساب مرسلة بغير قيد، حتى أجد ذلك الخطاب ~~ماثلا أمامي ففيه قال الصديق - بين ما قاله عني- ما ms170 معناه: إنك مجهول نكرة، فإذا ظننت ~~نفسك غير ذلك كنت تعيش في أوهامك، وهي أوهام ساعدتك عليها عزلتك عن الناس، ثم أردف صديقي ~~قوله ذاك بأن عيرني بفقدان البصر، وما عرفت أني أسأت إلى صديقي بكلمة أو فعل اللهم إلا ~~أن يكون مجرد وجودي على ظهر الأرض حيا قد بدا له وكأنه رضوى حجب عنه ضوء الشمس، أم هو ~~إلف ألفناه في حياتنا العلمية والثقافية أن يسفك بعضنا دماء بعض من أجل لا شيء؟ وأيا ~~كانت العلة فقد أحزنني أن تكون تلك هي حقيقة أمري كما انعكست على مرآة صديقي، والصديق مرآة ~~صديقه كما قال شكسبير لا سيما أني قد عهدته صادقا، ومنذ ذلك اليوم الذي صدمت فيه بخطاب ~~الصديق أصبح للقائي بمن يسعون إلى مناقشتي في شيء كتبته فرحتان: فرحة المعلم بمهنته ~~وطبيعته وفرحة من يرجو أن تكون رؤية صديقي لحقيقة أمري قد جاءت على شيء من الإجحاف، على أن ~~الجانب الأهم هو أن الطالبة والطالب كليهما قد سألاني سؤالا واحدا يثير اهتمامي ~~هو: # ألا ترى أن موقفك قد طرأ عليه في الفترة الأخيرة تغير حاد؟ فبعد أن كنت تدعو في ~~إصرار إلى منطق «العقل»، وما يتبعه من حقائق «العلم»، ثم ما يترتب على العلم من صناعة ~~وتصنيع، أخذت تعلو عندك نبرة «القلب» وما ينبع منه على طريق العقائد والمشاعر. # كان السؤال بالغ الأهمية عندي، إذ ما أفصح عنه السائلان قد يكون هو ما يدور في صدور ~~كثيرين ممن يعنيهم ما أكتبه، فرأيت من الخير أن أوضح موقفي الفكري الذي لم أجد حتى ~~الآن ما يدعوني إلى تغييره لا لأنني أراها جريمة أن يغير رجل من أفكاره ما تثبت له ~~الأيام بأنه خطأ واجب التصحيح، بل لأن الأمر الواقع هو أنني لم أتحول عن موقف رأيت ~~صوابه، واستمسكت به، ودافعت عنه، فما هي خلاصته؟ ~~••• # يتحرك الإنسان بحياته في مجالين أساسيين لا يكاد يتصل أحدهما بالآخر إلا تماسا من ~~الخارج كما يتماس مربع ودائرة فهما مجالان مستقلان لكل منهما مبدأ ms171 يدور عليه غير المبدأ ~~الذي يدور عليه المجال الآخر، ولا تتكامل حياة الإنسان إلا بهما معا شريطة أن يظل لكل ~~منهما منهجه وموضوعه لا ينافسه الآخر في شيء منهما. أما أولهما فموضوعه «العلم» ومداره ~~منطق العقل، وأما الثاني فيشمل عالم الوجدان بشتى فروعه وارتكازه، إنما يكون على الشعور ~~الباطني المباشر. # ومفتاح الفهم الواضح هنا هو تحديد المقصود بكلمة «عقل» في هذا السياق، فماذا نعني عندما ~~نقول عن المجال الأول - مجال العلوم أو ما يجري مجراها - أن «العقل» هو مداره؟ الذي نعنيه ~~هو أن الفكر فيه يكون في حركة انتقالية ينتقل بها من المقدمات إلى نتائجها أو من الشواهد ~~إلى ما يبنى عليها، أي أن الفكر فيه يسير شوطا، قصر ذلك الشوط أو طال، كأنه قطار لا ~~تكتمل وظيفته إذا ظل واقفا عند محطة البداية؛ إذ لا بد أن يتحرك منتقلا من محطة ~~القيام إلى محطة الوصول، حتى الغاية المنشودة، وهكذا يكون العقل في حياتنا الفكرية أشبه ~~شيء بسيارة تنقلنا من المعلومات الأولية التي بين أيدينا إلى ما يمكن الوصول إليه من نتائج ~~قابلة للتطبيق الفعلي على دنيا الوقائع. ~~••• # وما هكذا الحال بالنسبة إلى مدركاتنا في المجال الثاني مجال الحياة الوجدانية، فها هنا ~~تكون نقطة البدء هي نفسها نقطة الانتهاء، محطة القيام هي بعينها محطة الوصول؛ المقدمة هي ~~ذاتها النتيجة، فالإنسان حين يدرك حالته الباطنية إدراكا مباشرا يكون الموقف قد اكتمل ~~عنده. فافرض مثلا أن قلبه نبض بالحب أو أنه أحس ألما في رئتيه أو شعر بصداع في رأسه، ~~فهل في وسع أحد أن يطالبه بالبرهان على صدق دعواه؟ إنه أمام نفسه على صواب؛ لأنه يعلم ما ~~في جوفه شعورا مباشرا. ولا يقلل من صحة دعواه أمام نفسه أن تعارضه الدنيا بأسرها، لكن ~~قارن هذا بأي موقف علمي كان العقل فيه هو أداة الإدراك كأن نقول إن الغاز إذا زاد عليه ~~الضغط قل حجمه، أو أن الماء يتركب من هيدروجين وأوكسجين بنسبة 2 إلى 1، أو أن السلعة ~~المعينة إذا زاد المعروض ms172 فيها على المطلوب قل ثمنها أو أية حقيقة علمية تصادفك، فها ~~هنا نجد الأمر قد اختلف؛ لأن على صاحب الدعوى أن يثبت صوابها بالتجربة أو بالبرهان النظري ~~إذا طلب إليه ذلك، فيبين الخطوات (لاحظ أننا الآن إزاء حركة ذات خطوات تبدأ من نقطة، ~~وتنتهي عند أخرى) التي يسيرها الباحث إلى أن يبلغ النتيجة المزعوم صوابها. # الفرق بعيد بعد ما بين السماء والأرض إذا ما قورن موقف الإنسان وهو في المجال الأول ~~بموقفه وهو في المجال الثاني: في الأول علم قائم على برهان، وفي الثاني إيمان لا تقام ~~عليه البراهين. الأول مجال مشترك بين الناس جميعا، فإذا قلنا إن زوايا المثلث على سطح ~~مستو تساوي زاويتين قائمتين، وأقمنا البرهان على ذلك لم يعد أمام أحد خيار بين قبول ~~ورفض، ولا دخل هنا لعقيدة الإنسان الدينية أو لنوازع قلبه من حب وكراهية أو غير ذلك من ~~حالات الشعور، فكل إنسان أمام الحقيقة العلمية ككل إنسان آخر؛ لأن الأداة هي منطق العقل ~~ومنطق العقل مشترك بين الناس أجمعين حاضرهم وماضيهم، ومن سيولد منهم إلى آخر الدهر. ~~الحقيقة المعينة من حقائق المجال الأول «موضوعية»، وأما الحالة المعينة من حالات المجال ~~الثاني فهي «ذاتية». في المجال الأول يوصف قائل القول بأنه قد أصاب، أو أنه قد أخطأ وفقا ~~لما تبينه قواعد الاستدلال الصحيح، وأما في المجال الثاني فلا يقال لمن آمن أو شعر أو ~~تذوق أنه أخطأ، وإلا كانت لفظا بغير معنى، فصاحب الحالة أدرى بما فيه ولا يعرف الشوق - ~~كما قال الشاعر - إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها. # ولا يعلم إلا الله مدى الضرر الذي يلحق بحياة الناس إذا هم خلطوا بين المجالين فما هو ~~علم قائم على منطق العقل يقال عنه إنه مستمد من مصدر من مصادر المجال الثاني، أو ما ~~هي حالة شعورية في المجال الثاني يقال عنها إنها مستندة إلى براهين العقل. # نعم إن من حق كل إنسان أن يختار الأولوية في هذين المجالين أين تكون بمعنى أن يكون ms173 ~~في حياته أكثر اهتماما بحقائق العلم من صرف الوقت في الاستماع إلى نبضات قلبه، أو أن يكون ~~أكثر اهتماما بحياته الوجدانية في أي جانب من جوانبها، الدين والأدب والفن منه بكل ما ~~يقوله العلماء. لكن الذي ليس من حق أحد هو أن يمحو أحد المجالين إعزازا فيه للمجال ~~الآخر، أو أن يطالب أحد المجالين بالإذعان لما يتطلبه المجال الآخر، فالمجالان ~~مختلفان موضوعا ومنهجا، لكنهما ضروريان معا في حياة الإنسان المتكاملة. ~~••• # والذي استوقف نظري منذ الأربعينيات هو أننا - أبناء مصر بل وأبناء الوطن العربي - في ~~حياتنا الثقافية قد ارتكزنا على المجال الوجداني أكثر جدا مما ينبغي، وجاءت عنايتنا ~~بالمجال العقلي أقل جدا مما هو ضروري للحياة الإنسانية السليمة، بله الحياة كما ~~تريدها حضارة هذا العصر وثقافته، فكنا كمن يريد المشي على ساق واحدة. ~~لا بل لاحظت في حياتنا الثقافية ما هو أسوأ من العرج ~~إذ رأيت جهودا تبذل في تيار لا ينقطع، وحماسة لا تنطفئ نحو إخضاع العقل وعلومه لسلطان ~~الوجد وفنونه، فجعلته هدفا أسعى من أجل تحقيقه ما وسعني الجهد والقدرة. وإن الجهد لضعيف ~~مهما بلغت عندي قوته، وإن القدرة لضئيلة محدودة مهما اعتصرتها واستنفدت كل قطرة فيها، ~~لكنني جعلته هدفا أسير نحوه، حتى ولو اقتصر سيري على خطوة واحدة، وما هدفي ذاك إلا ~~أن أدق طبول الحياة العلمية المرتكزة على العقل وحده. وأما مجال الوجدان فله من ~~السدنة الذين يقومون على خدمته ما يكفيه. # فلما جاءتني الطالبة وجاءني الطالب كل منهما يسأل على أثر شيء قرأه لي فقرأ ما يدل ~~على اهتمام بالوجدان هل غيرت موقفي العقلاني الذي اصطنعته منذ سنين تعد بالعشرات. ~~وأخذت أوضح لها وله كيف أن اهتمامي بالمجال المهمل لا يتضمن إنكاري للجانب الظافر ~~بالرعاية، وضربت المثل الآتي: إذا كنت أعيش في منزل له حديقة، ورأيت أن الحديقة ~~مهملة إلى حد ذبلت معه الأشجار، فتساقطت أوراقها عن جفاف، وماتت زهورها وثمارها، ~~فأخذت أحث البستاني كل يوم على العناية بالحديقة ريا وتقليما للشجر في فروعه الذاوية ~~وغير ms174 ذلك، أيقال لي عندئذ هل أنكرت على منزل السكنى وجوده ما دمت لم تذكره يوما ~~فيما تذكر؟ ألا يجوز أن يكون السكوت عن مكان السكنى صادرا عن الاكتفاء بما يبذل فيه ~~من رعاية؟ وذلك هو موقفي عندما بذلت معظم جهدي في الدعوة إلى حياة العقل، وما يتبع العقل ~~من نظر علمي وتطبيق. وأما جانب الحياة الوجدانية فخدامها والحمد لله كثيرون، وربما كان ~~الخطب في عزوفنا عن العناية بتنمية النظرة العلمية يهون لولا أننا بحكم ثقافتنا السائدة ~~أكثر نزوعا نحو رفض العقل وقيوده حتى لنرتاب فيمن يركن إلى أحكام العقل وحدها، ونطمئن ~~لمن يقال عنهم أنهم يستمعون إلى ضربات قلوبهم في توجيه شئونهم، وهو موقف ثقافي كانت له ~~آثاره البعيدة على طريقة معالجتنا للشئون المادية نفسها كالزراعة والتجارة والصناعة ~~والسياسة والتعليم وسائر شئون حياتنا التي من هذا القبيل؛ إذ ترانا نمزج العقل بالعاطفة ~~مزجا يميل بنا نحو التورط في الخطأ. ~~••• # سألني أستاذ جامعي جليل، وكنا في ندوة عامة تحدثت فيها عن ضرورة أن تكون الكلمة ~~الأولى والأخيرة للتفكير العلمي وحده ما دام الأمر المعروض من شأن العقل ومنهجه، أقول ~~سألني زميل جليل عندئذ فقال: ضد من توجه هذه الدعوة الملحة للعقل؟ ~~فأجبته قائلا: ضد نفسي يا سيدي، فأنا مصري منقوع في ~~الثقافة المصرية، وأحس من داخلي كم أميل بقلبي نحو مواقف بعينها في تضاد مع ما يأمر ~~به منطق العقل فلا ينقذني إلا أن ألح على نفسي بضرورة الاهتداء بأحكام العقل ما دمنا ~~في ميدانه، وأحسب أن هذا الذي أقوله عن نفسي يصدق بدرجات متفاوتة على سائر ~~المواطنين. # | أهو احتجاج على أنهم أحياء؟! # لم تكن لي سابق صلة بالوالد وابنه الشاب، وإنما هي مصادفة الطريق في رحلة صيف. ولقد ~~حرصت معهما أن أظل مستمعا لما يتبادلانه من حديث، أكثر جدا مما أكون مشاركا فيه. ~~والحق أني لحظت فيهما مثالا نادرا لوالد وولده، لا أظنه شائعا في الأسرة المصرية، ~~إذ رأيت الوالد يخاطب ولده كما يخاطب الصديق صديقه، لا يستخف به في ms175 عرض الرأي، ولا ~~يستصغره حين يجعل الأمر بينهما شورى، فيها الأخذ والعطاء، وأما ابنه الشاب، فقد رأيته ~~بدوره يبادل أباه فكرة بفكرة في ثقة متزنة بنفسه، وفي غير خوف من سطوة الوالد وسلطانه، ~~وهو نمط من العلاقة الأبوية البنوية جميل ومحمود، لم أكن قبل ذلك أراه في الأسرة المصرية. ~~وكان مما زاد الحوار بينهما جذبا لسمعي، أنهما جامعيان مختلفان في التخصص، فالوالد ~~أستاذ في إحدى كليات العلوم، وابنه طالب في إحدى كليات الآداب، مما كان له انعكاسه على ~~زاوية النظر عند كل منهما. # وطال بنا الجلوس ذات مساء في بهو الفندق الذي أقمنا فيه معا أثناء مرحلة من مراحل ~~الطريق، وطرح موضوع الحوار بينهما عرضا وبغير تدبير مقصود، لكنه جاء موضوعا بعيد ~~الأغوار، متشعب الجوانب، متعدد الأبعاد، قابلا لأن تختلف فيه الآراء، بدأه الطالب ~~الشاب بسؤاله لأبيه: كيف يفسر ظاهرة متكررة في حياة الشعب المصري، وهي أنه برغم أنه شعب ~~عريق وغزير الخبرة لامتداد وجوده الحضاري منذ بدأ فجر التاريخ، نراه يتملق السلطان، فلا ~~يفصح عن حقيقة رأيه فيه، إلا بعد أن يزول عنه سلطانه، والأغلب ألا يزول ذلك السلطان إلا مع ~~موته؟ فأجابه أبوه قائلا: ذلك لأنه - كما قلت - شعب عريق غزير الخبرة، فلقد علمته تلك ~~الخبرة أن كل سلطان إلى زوال، فلماذا لا يصبر عليه حتى يزول؟ وزواله وشيك مهما طالت ~~إقامته. إن الشعب المصري لطول تاريخه وغزارة خبرته، لا يقيس الأحداث بالمقاييس الزمنية التي ~~يقيسها بها الأفراد، فإذا كان العام الواحد أو بضعة الأعوام مهمة في حياة الفرد الواحد، ~~وفي حياة الشعب حديث الولادة، فهي ليست بتلك الأهمية كلها إذا قيست بآلاف السنين. # أسرع الطالب الشاب إلى الرد على أبيه بنبرة هادئة واثقة بنفسها، فقال: كان ينبغي في ~~هذه الحالة أن تكون لرؤية الأفراد أولوية على رؤية الجماعة، فإذا كانت السبعون عاما ليست ~~بذات وزن في حياة شعب عمره آلاف السنين، فهي بالنسبة إلى كل فرد على حدة كل عمره، ~~فلماذا يغض طرفه عن ظلم يمتد معه ms176 ما امتدت به الحياة؟ تلك واحدة، والأخرى هي أنه إذا كان ~~الشعب في مجموعه على باطل فمن الذي يغيره سوى أفراده؟ # قال الوالد: أراك تفرق بشيء من المبالغة بين الفرد من حيث هو فرد قائم بذاته، وبينه من ~~حيث هو مواطن في مجموعة الشعب، وحقيقة الأمر هي أن حياته فردا ومواطنا، إنما هي حياة ~~واحدة، لا يستقل فيها جانب عن جانب، وانظر إلى حديثك هذا نفسه؛ فهل تقول ما تقوله ~~باعتبارك فردا، أو تقوله باعتبارك مصريا؟ لأننا إذا قلنا إنك «مصري» يتكلم، فكأننا ~~قلنا إنك تتكلم من حيث أنت واحد من مجموعة شعبك، فرؤية الشعب لموقف معين، هي حاصل جمع ~~لرؤى أفراده حين التقت تلك الرؤى في نقطة واحدة. # لبث الابن صامتا بضع ثوان، ثم قال: إنه برغم التداخل الشديد بين وجود الفرد فردا ~~قائما برأسه، ووجوده مواطنا في شعب، فلا بد من إقامة الفواصل الحادة بين الوجودين، وإلا ~~أضعناهما معا، ويصبح وجودنا شبيها بالعدم، واسمح لي بأن أبدأ المسألة من فاتحتها، ليسهل ~~علينا الحكم بعد ذلك. # وفاتحتها هي أن سر الحياة كلها، بادئة من نباتها فصاعدة خلال حيوانها حتى تبلغ ~~إنسانها، هو في «تفرد» الكائن الحي بما يميزه عن جميع ما شهدته الدنيا، وما تشهده، وما ~~سوف تشهده من كائنات حية. إن الكائن الحي - نباتا أو حيوانا أو إنسانا - فرد فريد، حتى ~~بالنسبة إلى سائر أفراد نوعه. إن أشجار الجميز وأشجار البلوط وأشجار السنديان أو ما شئت، ~~وإن أعواد القطن وأعواد القمح وأعواد الذرة أو ما شئت، قد تنقسم فيما بينها أنواعا ~~أنواعا كما ترى، لكن معجزة الحياة هي في استحالة أن تجيء شجرتان من أشجار الجميز، أو ~~عودان من أعواد الذرة أو القمح أو القطن، شبيهين شبها لا يجعل واحدا يختلف عن واحد، فكل ~~شجرة، وكل شجيرة، بل وكل ورقة من أوراق النبات كائنا نوعه ما كان، لها تفردها الفريد ~~الذي لا يتكرر في سواها، وقل ذلك، وأكثر منه، في أفراد الحيوان. وإذا ما بلغت مرتبة ~~الإنسان وجدت ms177 تفرد الأفراد قد اشتد ظهورا لكل عين تبصر، وسبحان الله الخالق المصور ~~الباري، جلت قدرته. # فإذا وجدنا تمايز الأفراد في الإنسان أوضح منه في أفراد النوع الواحد من أنواع النبات، ~~أو النوع الواحد من أنواع الحيوان، فذلك - أولا - لأن تفرد الأفراد في الإنسان هو بالفعل ~~أشد وأقوى، وثانيا لأن عنايتنا بأفراد الإنسان أهم من عنايتنا بأفراد النبات والحيوان. ~~وتظهر تلك الأهمية في وجوب أن نطلق على كل فرد من الناس اسما خاصا به يميزه، لكننا في ~~الوقت نفسه نلاحظ أننا كلما اتجه اهتمامنا إلى حيوان بعينه أو إلى شجرة بذاتها، فكثيرا ~~ما نعبر عن هذا الاهتمام بإطلاق الأسماء الخاصة عليها، وذلك واضح في محبي الكلاب والقطط ~~والخيل وغيرها. وقد أتصور حدوث ذلك نفسه في عالم النبات. وهنا التفت الشاب إلي، وطلب ~~مني الرأي، ولعله فعل ذلك تأدبا؛ ليخرجني من صمتي، وليشعرني بوجودي معهما ~~مشاركا. # فقلت: نعم لقد قلت الصواب، حدث لي ذات يوم، وكنت عندئذ في مدينة كولمبيا بولاية ~~كارولينا الجنوبية بالولايات المتحدة، أن مررت - مدعوا - بحديقة ورد، عرف صاحبها ~~ببراعته في رعاية حديقته تلك، وفي توليده لصنوف جديدة من الورود، فأطلعني ذلك الرجل على ما ~~عنده، وإذا هو يتحدث عن أفراد الورد في حديقته كما يتحدث عن أفراد أسرته، إنه لا يخلط ~~بين وردة وأخرى، ولا يجمع الورود كلها في عنوان واحد يطمس فردياتها، بل هو يروي عن كل ~~وردة منها، وكأنها شخصية لها ما يميزها، وقد ربط بالعنق من كل وردة بطاقة صغيرة عليها ~~رقم، وسجل تلك الأرقام في دفتر، جاعلا لكل منها صفحة خاصة، يثبت فيها تسلسل أحداثها ~~وأطوار نموها. # وعاد الشاب إلى حديثه، فاستأنف يقول: هو ذاك، إننا كلما ازددنا علما بنوع ما من أنواع ~~الأحياء، ازددنا قدرة على التمييز بين أقسامه الفرعية، تمييزا في كل قسم منها بين ~~مفرداته. وعلى أية حال فالذي يهمني في هذا الحديث هو الإنسان؛ لأرتب على تمايز أفراده ~~ما سوف أرتبه من نتائج، على أنني أحب أن استطرد هنا استطرادا ms178 مفيدا عن صفة «التفرد» ~~وكيف نراها أخص خصائص الإبداع الفني، فحين أشار أرسطو في كتاب «الشعر» إلى المبدأ النقدي ~~الذي بات بعد ذلك مشهورا ذائعا بين نقاد الفن والأدب، وهو مبدأ أن تجيء القطعة ~~المبدعة من الفن بكل ضروبه، محاكية للطبيعة، لم يكن يقصد - فيما أعتقد - أن تؤخذ فكرة ~~المحاكاة بالمعنى الذي تنعكس به صورة الشيء على سطح لامع كالمرآة، ربما كان هذا الفهم ~~المرآوي للفن هو ما عناه أفلاطون وهو يتحدث عن موضع الفنان في الجمهورية كما «تصور ~~صورتها المثلى»، بل الأصح هنا أن نقول: وهو يتحدث عن ضرورة ألا يكون للفنان موضع في ~~جمهوريته تلك؛ إذ كان الفنان في رأي أفلاطون إنما يحاكي الطبيعة التي يصورها بالكلمات ~~أو بالألوان أو بالحجر، فإذا كانت الأصول الطبيعية موجودة بين أيدينا، فما حاجتنا إلى ما ~~يحاكيها؟ أما المحاكاة التي أرادها أرسطو وهو يتحدث عن الشعر وسائر ضروب الفن، فأحسب أن ~~المقصود بها هو ضرورة أن يصنع الفنان في مجال فنه مثل ما تصنعه الطبيعة في كائناتها، وهو أن ~~يجيء الكائن فريدا لا يشبهه من سائر الكائنات شيء، ومثل هذا التفرد شرط أساسي في نتاج ~~الفن. # واستطرد الشاب في حديثه، ولم يخرج قط عن نبرته الهادئة الرزينة برغم شبابه، الذي لم ~~يزد على عشرين عاما، فقال: وإذا كان هذا هكذا في عالم الفن وفي عالم المخلوقات بمختلف ~~أجناسها وأنواعها، أيجوز بعد ذلك أن يشذ الإنسان مع أنه أولى من سائر الكائنات الحية ~~بتمايز الأفراد؟ وإنه لتمايزه لا ينفي أن يكون الفرد عضوا في أسرة، وفي أمة، وفي ~~الإنسانية جمعاء. # ضحك أبوه، وسأل ابنه مقاطعا لذلك السيل المنهمر من حديث ابنه، سأله: وما علاقة هذا كله ~~بما كنا بصدد الحديث فيه، ولقد بدأناه بالشعب المصري في صبره على السلطان المنحرف عن الحق، ~~حتى يختفي من وجه الأرض - وسرعان ما يختفي - كالموجة العاتية على سطح المحيط، لا تلبث أن ~~تعلو حتى تزول؟ # فأجابه ابنه - في شيء يسير من الانفعال هذه المرة - قائلا: بل العلاقة ms179 وثيقة بين تفرد ~~الفرد، وما كنا نتحدث عنه، فتفرده هو شخصيته، والتفريط في شخصيته إهدار لآدميتها. وإذا ~~كانت الخصائص البدنية وحدها هي أساس التمايز في أفراد النبات والحيوان، فإن الإنسان يضيف ~~إليها ما هو أهم منها، وأعني خصائص فكره، فإذا رأى رأيا في أمر، فلن تكتمل له آدميته ~~إلا إذا أفصح عنه، وأعلنه بكل الوسائل التي يملكها ويستطيع استخدامها. إن الإنسان مسئول ~~عن إعلان رأيه أمام ضميره؛ لأنه مسئول عن تلك أمام الله، فليس «الرأي» من الإنسان كالقطعة ~~من ملابسه، يلبسها أمام الناس أو يخفيها في خزائنه، تبعا لمزاجه المتقلب يوما بعد يوم، ~~بل الرأي هو صميمه، هو لباب كيانه، هو «فؤاده» فيما قصد إليه الشاعر حين قال: # لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده # فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # ونحن وإن كنا اليوم لا نكتفي من الإنسان بفؤاد يرى الرأي، ثم بلسان يعبر عن ذلك ~~الرأي، بل نطلب جزءا ثالثا هو «العمل» بناء على ذلك الرأي، إلا أننا نذكر قول الشاعر ~~هنا لنبين كم يكون الرأي والتعبير عنه من حقيقة الإنسان، فإذا رأيت إنسانا تخلى عن ~~رأيه وإعلان رأيه، فاعلم أنه اختار لنفسه أن يكون كيسا من لحم ودم يتحرك على الأرض. إن ~~كتمان الرأي فيما يهم الناس، وفيما يؤثر في الوطن ومصيره هو سكوت عن الحق، والساكت عن ~~الحق شيطان أخرس. بماذا يجيب الإنسان الذي أغمض عينيه عما حوله، أو فتح عينيه ورأى ثم لم ~~يحرك ساكنا بماذا يجيب حين يسأل: # ألم نجعل له عينين ~~* ولسانا وشفتين # إنه مسئول يوم الحساب عما اعتقد ~~هو، وعما فعل هو # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه ~~. # إذن لتسمح لي يا والدي أن أعود إلى سؤالي الذي بدأت به أول الحديث: بماذا تفسر تلك ~~الظاهرة في شعبنا المصري؛ ظاهرة سكوته على خطأ يراه، إلى أن يزول المخطئ عن الدنيا، ~~فيمتنع عندئذ سؤاله عما فعل لعله يجيب؟ إذا كان جوهر الحياة وسرها في الكائن الحي، ~~هو تفرد شخصيته تفردا يشتمل فيما ms180 يشتمل عليه عند الإنسان أن يرى الرأي فيعلنه، ثم يعمل ~~على هداه إذا لم يتبين أنه خاطئ ففيم سكوت الشعب بكل أفراده عن إعلان ما يرونه صوابا؟ ~~أهو احتجاج منهم على أنهم أحياء؟ أقول: لماذا ، وهو شعب عريق الأصول، غزير الخبرة، ثابت ~~العقيدة؟ # لم يجبه أبوه، فالتفت إلي الشاب بسؤاله، ~~قائلا: أعندك جواب يا عمي؟ فأجبته متلعثم اللسان: إنني أعترف لك عن نفسي بحقيقة ~~أمقتها في نفسي، ولكن مقتي إياها لا يمنع أن تكون صفة من صفاتي، وهي أني على طول ما ~~عشته من سنين رأيت نفسي في عشرات المواقف، في مئاتها، أتلقى ما لست أرضاه، ثم أعجز عن ~~رد الاعتداء بمثله، وألوذ بالصمت، ولا تسلني ماذا يحدث لي بعد ذلك، فالجرح تزداد مع ~~الأيام ضراوته، أحس آلامه في صحوي وفي نومي، وتتحول به أحلامي إلى كوابيس تخنق الأنفاس، ~~وتسألني: ولماذا لم تنطق عند اللطمة الأولى؟ فأجيبك بأنني لا أدري لماذا، إنه طبع نشأت ~~عليه، ثم أضيف: ألا يجوز أن يكون شعبنا في مجموعه قد نشأ على ذلك الطبع نفسه؟ فما جاز عند ~~فرد واحد يجوز عند ملايين الأفراد، على أني كلما تذكرت الموقف الذي تلقيت فيه العدوان، ~~ولم أجب عليه بعدوان مثله، أراني أرد على الإساءة في خيالي، كمن يريد أن يعوض ~~بأحلام النوم، أو أحلام اليقظة تقصيرا أو قصورا أصيب به في الحياة الواقعة. ومرة أخرى ~~أسأل: ألا يجوز أن تكون هذه هي حقيقة شعبنا كذلك فيه من الخجل ما يمنعه عن التحدي ~~والتصدي مباشرة، فينتظر إلى أن تزول عنه عوامل الحرج والحياء؟ أقول ذلك - يا بني - ولا ~~أدافع عنه. # شكرني الشاب على إجابتي، شكر من لا يوافق، ثم اتجه نحو أبيه مرة أخرى بسؤال جديد، ~~الله أعلم ما الذي دار في ذهنه، فأثار فيه هذا السؤال: # قل لي يا أبي: ماذا كانت الدنيا لتنقصه، إذا لم أكن قد ولدت؟ فأجابه أبوه بقوله: كانت ~~لتنقص نمطا فريدا من أنماطها التي أشرت أنت إليها، حين حدثتنا عن طبيعة الكائنات ms181 ~~الحية. إن الموقف عندئذ كان ليكون شبيها بديوان المتنبي محذوفة منه إحدى قصائده. # قال الشاب: هذا جميل، وفيه فصل المقال، فما دمت إنسانا، وجب أن تكون لي أخص خصائص ~~الإنسان، وهي أن يفكر في طرائق عيشه، فيرى فيها الرأي، فيعلنه ليحيا - ويحيا معه الناس - ~~على هداه. # ونهض الفتى مستأذنا، ليقضي بعض شئونه، ونظر كلانا - والده وأنا - أحدنا إلى الآخر، ~~بعيون متسائلة، وشفاه باسمة. # قلت لوالد الفتى: كان ابنك محقا فيما عرضه أمامنا من وجهة النظر، وأجاب الوالد: نعم، ~~كان على حق، ولئن أخذت أحاوره، فما كان ذلك إلا لأستزيده، فخورا به. # قلت: إذا كنا جميعا على رأي واحد - شيوخا وشبابا - في وجوب المصارحة بالرأي الحر ~~المخلص الشجاع، فيما يخص الوطن وقضاياه، أليس عجيبا أن نظل على ما نحن عليه من كتمان، ~~ولا نغير من أنفسنا شيئا؟! # | مفلسون في ثياب الأغنياء # هو شاب أديب، له في النقد نظرات ثاقبة، أخذنا معا نتحدث في الثقافة والمثقفين، ندور ~~بالحديث من الشرق إلى الغرب، ومن الماضي إلى الحاضر، ثم نرتد به من الغرب إلى الشرق، ~~ونقيس الحاضر إلى الماضي. وكان محورنا الرئيسي - بالطبع - هو مصر في حياتها الثقافية ~~الحاضرة. هذا الأديب وذلك، هذا الكتاب وذاك، موقف النقد من نتاج الأدب والفن وأمثال هذه ~~الموضوعات التي لا يفرغ لنا حديث فيها، وقد كنا متقاربين في الأحكام برغم أننا ننتمي إلى ~~جيلين متعاقبين لولا أنه يكثر في حديثه من ذكر الرواسم (الكليشيهات) التي أشك في مدى ~~إلمامه بالأبعاد والمعاني التي تنطوي عليها تلك الرواسم، فالكلاسية، والرومانسية وردتا في ~~حديثه مائة مرة، والواقعية، والمعادل الموضوعي، والرمزية، وغير ذلك من أسماء صماء، أخذت ~~تتناثر في عباراته حيث يكون لذكرها داع من سياق الحديث، وحيث لا يكون، حتى لقد خيل ~~إلي أن أهم فارق بينه وبيني، هو أنه يحفل بأمثال تلك الأسماء أكثر جدا مما يحفل بمضمون ~~الأعمال ذاتها. وأما أنا فأكثر اهتماما بما قاله فلان في كتابه الفلاني، وكيف قاله، وما ~~حسناته وما أوجه قصوره. أكثر جدا مما ms182 اهتم بتنميطه كلاسيا أو رومانسيا أو غير ذلك. ~~واختصارا فقد كان الفارق بينه وبيني هو في منهج النظر، فبينما هو يهبط من تعميم نظري وعاه ~~في ذاكرته، إلى ذكر الأحكام التفصيلية عن فلان وعلان، كنت أنا أميل إلى الصعود من ~~تفصيلات الحياة الثقافية كما هي حادثة بالفعل على أرض الواقع، إلى ما يمكن أن يجمع تلك ~~التفصيلات من تيارات واتجاهات. # وأشرت لمحدثي إلى هذا الفارق بيننا في النظر، وسألته: هل يكون أحد الفوارق بين ~~الجيلين، فالجيل الأحدث يبدأ بالمذاهب في صيغها الشكلية، والجيل الأقدم يبدأ بكيف الحياة ~~كما هي واقعة؟ وصمت محدثي قليلا، ثم سألني بدوره: وما الفرق بين الحالتين في نهاية ~~المطاف؟ ألا ينتهي كل منا إلى مذهب وما يندرج فيه من مفردات، سواء اتجهنا من المذهب ~~إلى المفردات، أو اتجهنا من المفردات إلى المذهب؟ # أجبته بالنفي قائلا له: إن بدءك بالمذهب يحسبك فيه، ولا تستطيع بعد ذلك أن ترى من ~~الواقع إلا ما ينخرط في قالبه، فكأنك بدأت الرؤية بمنظار أزرق، فلا ترى الأشياء بعد ذلك ~~إلا زرقاء، قال: اضرب لي مثلا من حياتنا الثقافية يوضح لي ما تقول، فأجبته قائلا: إنني ~~ألمح في تلك الحياة ظاهرة غريبة، لا أظن أن لها مثيلا عند غيرنا، بل لا أظن أنه قد ~~كان لها مثيل عندنا نحن فيما مضى، ولعلها قد أفلتت من أعين المعاصرين للسبب الذي ذكرته ~~لك، إذ لو بدأ مسار التفكير مما هو واقع بين الناس، لما أفلتت تلك الظاهرة من أعين ~~المشاهدين، وأعني بها تلك الفئة القليلة التي ظفرت بنصيب كبير في توجيه حياتنا الثقافية، ~~لا بناء على ما أسهموا به في تلك الحياة - لأن منهم من لم يسهم بشيء أو كاد - بل لأنهم ~~عرفوا كيف يحيطون أنفسهم بهيل وهيلمان، فكأننا أمام موقف يشبه الصورة التي صورها برنارد ~~شو حين قال: إنه لو فقست بيضة كبيرة عن شاب كامل النضج، يفتح عينيه لأول مرة على هذه الدنيا ~~وأحوالها، ثم سئل فور خروجه: ما أعجب شيء تراه ms183 فيما حولك؟ فإنه بعد أن يرسل البصر ~~فاحصا هنا وهناك، يجيب: إن أعجب ما أراه هو أن الذين يملكون لا ينتجون، والذين ينتجون ~~لا يملكون، فكأنما المفلسون هم الذين يرفلون في ثياب الأغنياء، وأما الأغنياء حقا بما ~~ينتجونه، فنصيبهم أسمال المفلسين. # ولا شك في أن ما أخفى عن أبصار الناس هذه الظاهرة العجيبة وأمثالها، هو أن النقاد ~~المحدثين، وأنت أحدهم قد ألفوا أن يبدءوا التفكير من صور مجردة، لا من الواقع وتفصيلاته، ~~فهم - مثلا - قد يجعلون بداية السير عبارة «حياتنا الثقافية»، وكأنهم يعالجون مسألة من ~~مسائل الرياضيات البحتة، التي تدار في الأذهان دون أن تكون لدى من يديرونها حاجة إلى ~~مراجعة العالم الواقعي المحسوس، ليروا إن كانت - أو لم تكن - تلك التصورات الذهنية ذات ~~صلة بدنيا الأشياء، فعلماء الرياضة البحتة، كما يقول عنهم برتراند رسل (وهو أحدهم، بل هو ~~إمام من أئمتهم) إذ يتكلمون لغة الرياضة، فهم لا يعرفون، ولا يريدون أن يعرفوا، عن أي ~~الأشياء في عالم المحسوسات يتكلمون، وكذلك نقادنا - فيما يبدو - إذا ما تحدثوا عن ~~«حياتنا الثقافية» كانوا كمن يتحدث عن تصورات مجردة، لا يعنيهم أن يراجعوها على عالم ~~الواقع مما ينتجه المنتجون في ميادين الأدب والفن، فلو أنهم بدءوا بدراسة الأفراد ~~والمفردات، دون أن يسبق ذلك في أذهانهم «خانات» مذهبية فارغة، لأسقطوا من حسابهم، بطبيعة ~~الحال من لا إنتاج له؛ لأنه غير وارد، وبهذا تختفي من تلقاء نفسها تلك الظاهرة الغريبة التي ~~أشرت إليها. # لقد تذكرت تلك الفئة القليلة التي دخلت حياتنا الثقافية بهيلمانها لا بإنتاجها، تذكرتها ~~منذ أشهر قلائل، عندما وقعت على نظرية جديدة في تحليل التركيبة الاجتماعية بصفة عامة، ~~تقسم الإطار الاجتماعي ثلاث درجات، أو أقل، إنها في الحقيقة درجتان، إحداهما تنشطر ~~شطرين، شطر منهما أعلى وشطر أدنى، ويمكن أن نطلق على تلك الدرجات أسماء توضح وظائفها، ~~فهنالك عند الذروة «سلاطين» يأمرون و«يشخطون وينطرون»، ولكن لا ينتجون، ثم يأتي دونهم ~~أتباع يؤمرون، لكن هؤلاء الأتباع قسمان: الأدنى منهما قوامه غمار الناس، الذين لا يشاركون ms184 ~~في اللعبة، ولا يريدون أن يشاركوا، وأما القسم الأعلى فهم الذين يبعثون على الضحك ويثيرون ~~الأسى؛ لأنهم هم الموهوبون القادرون المبدعون المنتجون، لكنهم بغير حول ولا طول، فهؤلاء ~~هم الأدوات التي يستخدمها «السلاطين» يصدرون لهم الأوامر، ويعدونهم بالجزاء الأوفى إذا ~~هم فعلوا كما يؤمرون، والذي يبعث على الضحك ويثير الأسى، هو أن السلاطين يحرصون أشد ~~الحرص على أن هؤلاء العاملين المنتجين إذا ما فرغوا من أداء ما أمروا بأدائه، عليهم أن ~~يقفلوا راجعين إلى مواقعهم من منازل الأتباع، حتى لا يزاحموا السلاطين مزاحمة ~~الأقران. # قلت لمحدثي: إننا لو دربنا تدريبا كافيا على النظرة العلمية الصحيحة، لحرصنا على ~~ألا نستخدم تعميمات - كقولنا: «حياتنا الثقافية» - إلا وفي أذهاننا الرصيد الحي من الذي ~~يشير إليه كل تفصيلات الأمر، الواقع تعميم نورده في سياق الحديث. افرض - مثلا - أننا ~~نتحدث عن «الربيع في مصر»، فالأغلب أن نمضي في الحديث، وكأننا أمام صورة معلومة لا إشكال ~~فيها ولا جدال، وكأنه لا فرق بين ربيع وربيع، فربيع مصر كربيع سواها من أقطار الأرض، أما ~~إذا فاجأتك بسؤال: أين هو الربيع الذي نتحدث عنه؟ فها هنا تأخذ في تحليل الربيع في مصر ~~إلى مجموعة العناصر التي تميزه، وسترى عندئذ أن الأمر في حاجة إلى ملاحظة واعية للظواهر ~~التي حولك، فقد يكون معنى «الربيع في مصر» ألوانا معينة من الخضر والفاكهة ونبات الحقول، ~~واكتساء بعض الأشجار بأوراقها بعد أن تعرت عنها في فصل الشتاء، وزوابع الخماسين على ~~فترات متباعدة وصحوة الصراصير بعد سباتها. وهكذا تتجمع لديك العناصر التي هي قوام ~~«الربيع في مصر»، فإذا ما تحدثنا عنه وهذه التفصيلات في ذهنك، جاءت أفكارك أملأ ~~بمضمونها. # إنك لو تناولت «الحياة الثقافية في مصر» بمثل هذه الرؤية العلمية التحليلية، فلن تخطو ~~الخطوة الأولى في محاولتك إصدار الأحكام النقدية عليها، إلا وقد هالتك جسامة ما اضطلعت ~~به، وتريثت وترددت قبل أن تصدر على تلك الحياة حكما واحدا، لكن نقادنا - كما تعلم ~~- لا يتريثون، وبالتالي فكثيرا ما لا ينصفون. # لو كنت لأنظر إلى ms185 «حياتنا الثقافية» نظرة تحليلية تكفل لي سداد الرأي لبدأت أولا ~~بالتفرقة بين «صانع» الثقافة و«متلقيها»، فكلاهما «مثقف»، لكن ما يصدق على أحدهما من ~~الأحكام قد لا يصدق على الآخر. فربما وقع إنتاج «صانع » ضعيف على «متلق» قوي، وربما ~~وقع صانع قوي على متلق ضعيف، على أنه قد يجتمع في الفرد الواحد الجانبان معا، فهو صانع ~~للثقافة في ميدان الرواية - مثلا - ومتلق لها في ميدان الموسيقى أو الشعر. # هذه التفرقة بين مبدع الثقافة ومتلقيها مهمة عند الناقد؛ لأن الحكم على عمل ما لا ~~بد أن يؤسس أولا على نوع المتلقي، فمن يكتب قصة للأطفال يقاس عمله بما يصلح ~~للأطفال، ومن يكتب للشريحة العليا من المثقفين لا ينبغي أن يقال له: لماذا لا تكتب ما ~~تفهمه الجماهير. # والخطوة الثانية لمن يتناول حياتنا الثقافية بالتحليل قبل أن يصدر عليها حكما هي أن ~~يتذكر أن مجال «الكلمة» ليس هو كل الحياة الثقافية، وهو خطأ كثيرا ما يقع فيه الناقد، ~~ففي تلك الحياة عالم الأنغام وعالم الألوان، فيها شتى أنواع الفنون وفيها الرياضة، فيها ~~القديم الموروث، وفيها الجديد المضاف، ولهذه النقطة أيضا أهميتها في العملية النقدية إذا ~~أرادت لنفسها الإنصاف؛ لأن القوة والضعف لا يشملان بالضرورة كل جوانب الحياة الثقافية دفعة ~~واحدة، فمجال «الكلمة» قد يكون أميل إلى الضعف، بينما مجال الفن أميل إلى القوة، وهذا ~~هو بالفعل ما يراه كاتب هذه السطور؛ إذ عنده يتلخص في أن لدينا في نتاج التصوير والنحت، ~~وفي مجال الإخراج المسرحي (بما في ذلك الإذاعة مرئية ومسموعة) ما نجرؤ على التقدم به إلى ~~العالم الخارجي في ثقة وقدرة على التنافس، وأما في مجال الكلمة فالأدب الخالص فيه أكثر ~~توفيقا من الإنتاج الفكري، فنحن فقراء «فكر»، ولكننا لسنا على هذه الدرجة نفسها في الشعر ~~والرواية. # استطرد معي الحديث، فبت أصور لمحدثي بعض المعالم التي هو لا بد واجدها في ~~حياتنا الثقافية إذا هو سار بقدميه على أرضها، والتي هو لا بد فاقدها إذا ملأ وعاءه ~~بأسماء المذاهب النقدية التي يغلب ms186 ألا نجد لها تطبيقا مباشرا. وهل يتاح لك وأنت في ~~الطائرة أن تشهد ما يغطي الأرض من الرمل والزلط والتراب والحصى؟ أإذا وقفت عند أسماء ~~التيارات الأدبية والمذاهب النقدية قرنا من الزمان يتاح لك أن ترى أولئك الذين أخذوا ~~مكانتهم العلمية أو الأدبية «بالذراع» لا بالقلم والورق والكتاب؟ وهل يتاح لك أن ترى ~~الذين استعانوا بالطبل والزمر تضج أمامهم، وتضج وراءهم، فتلمع بذلك أسماؤهم نجوما مع ~~النجوم؟ هل يتاح لك أن تغرز الأعلام الذين صنعتهم وسائل الإعلام وليس بأيديهم ما ~~يتقدمون به أمام ربهم يوم الحساب؟ هل يتاح لك أن ترى الذين يصدرون أحكامهم الأدبية على ~~عباد الله العاملين مستندين في ذلك إلى إشاعات يسمعونها جارية على الشفاه، فكم من مرة ~~سمعت هجوما على كتاب ممن لم يقرأ الكتاب؟ وكم من مرة قرأت نقدا لكاتب يصعد بمؤلف ~~أو ليهبط بمؤلف، دون أن يكون الناقد على علم إلا بأشخاص الرجال، فذلك يستحق الضرب على ~~رأسه، وهذا جدير بوردة توضع على صدره. # ابدأ يا صديقي من الواقع الحي، ابدأ بدراسة الأعمال ذاتها، ثم اصعد منها إلى حيث شئت ~~من تصنيف وتبويب، فإذا خلصت من دراستك إلى نتيجة كالتي خلصت أنا إليها من حيث الموازنة ~~بين الأعمال من جهة وقيم أصحابها من جهة أخرى وجدت الكثرة الغالبة والحمد لله ترتدي من ~~الثياب ما يتناسب مع «فلوسها»، لكن هنالك فئتين أخريين إحداهما مفلسة، وترتدي ثياب ~~الأغنياء، والأخرى غنية بأعمالها وكان نصيبها أسمال المفلسين. # | النفخة الكذابة # شريط حياتي ينبسط وينطوي في مخيلتي كل يوم، ماذا أقول؟ أأقول إنه ينبسط وينطوي مرة كل ~~يوم؟ مرتين؟ لا، بل إنه يفعل ذلك مرات قد تبلغ العشر أو تزيد، أردت ذلك أو لم أرد، فما إن ~~تأخذ خواطري في الانسياب كلما جلست أو استلقيت لأستريح، حتى ينبسط ذلك الشريط ليعود ~~فينطوي، بعد أن يكون قد نشر أمامي مرحلة من مراحل العمر، لا أتدخل بإرادتي في انتقائها، ~~بل إنها لتفرض نفسها فرضا، فهي من مرحلة الطفولة مرة، ومن الكهولة مرة، ms187 ومن مرحلة ~~المراهقة والشباب ثالثة، ومن نضج الرجولة رابعة، ولكن مرحلة من تلك المراحل لا تعرض نفسها ~~أمامي إلا أرى نفسي بإرادتي في هذه الحالة قد أسرعت إلى التقاط مواضع ضعفي، ومواضع قوتي ~~في الطريقة التي أرد بها الفعل في مختلف المواقف، ويشهد الحق أنني كلما وقعت على قوة في ~~الرد مرة، وجدت ضعفا عشرين مرة أو ثلاثين، فليس لدي القدرة على رد الكلمة الجارحة أو ~~الفعل المسيء بكلمة أو فعل يتكافأ مع ما تلقيته جرحا وإساءة ردا مباشرا يجيء في ~~حينه، بل أراني قد لجأت - دون تدبير وتصميم - إلى الانسحاب والتواري حينا يطول أو ~~يقصر. # وكان لا بد لي كلما تعقبت نفسي في مواقفها على شريط الحياة، أن ألحظ الآخرين وكيف ~~يتعاملون معي، ومع بعضهم بعضا، في تلك المواقف نفسها، وقلما وجدت نظري قد وقف عند من ~~يشبهونني، فالذي يستوقفه - دهشة وتأملا - هم أولئك الذين لا يعقد ألسنتهم حياء، ولا ~~يقيد جوارحهم عن الحركة العدوانية تردد أو خوف. # فقلت لنفسي: لماذا لا تضع هؤلاء البواسل تحت المنظار المكبر، لترى في وضوح ماذا يقولون ~~ويفعلون، وكيف، ولماذا يقولون ما يقولونه أو يفعلون ما يفعلونه؟ وما أسرع ما رأيت تحت ~~المجهر ما لم أكن قد رأيته بالعين العارية؛ إذ رأيت أن هؤلاء صنفان، قد يتشابهان في ~~شعورهما بالزهو - زهو الإنسان بنفسه - لكنهما بعد ذلك يختلفان اختلافا بعيدا، فصنف منهما ~~يزهى بنفسه عن امتلاء داخلي، وأما الصنف الآخر فزهوه بنفسه إنما ينبعث عن شعور ~~بالخواء. # وها هنا ورد إلى خاطري ما ضحكت له، إذ تذكرت قول عامة الناس في وصف النفخة التي ينتفخ ~~بها الصنف الثاني بأنها «نفخة كذابة» كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد، كما قال الشاعر ~~تمييزا لها من نفخة الصنف الأول التي تستند إلى رصيد باطني قوي. وإذن فهذا الذي تطلب ~~مني منظارا مكبرا لا أراه، قد أدركته عامة الناس بالخبرة العملية المباشرة. وللتفرقة ~~بين أصحاب النفخة الصادقة الواثقة بنفسها، والنفخة الكذابة التي تخفي خواءها، أهمية كبرى؛ ~~لأن رجال الفئة ms188 الأولى إنما هم العظماء حقا، الذين هم ذخيرة أوطانهم وشعوبهم، بل ~~والإنسانية كلها أحيانا، وأما رجال الفئة الثانية فهم - على المدى الزمني الطويل - نكبة ~~على أوطانهم وشعوبهم؛ لأنهم كثيرا ما يحجبون الحق بباطلهم ، إلى أن يشاء الله للحق ظهورا ~~وانتشارا. ~~••• # وأعود إلى مجهري مرة أخرى لأنظر، فأكشف الغطاء عن تفرقة أخرى بين أصحاب النفخة الكذابة ~~والنفخة الصادقة، وهي تفرقة نزداد بها علما بطبائع الناس، ولكنها ليست بذات خطر كبير، ~~وإن من المزهوين بأنفسهم من العظماء من يحسن الزهو فيصدقه الناس، ومنهم من لا ~~يحسنه فينفر منه الناس، فيصفونه بالغرور أو حتى بالجنون. كان برنارد شو من النوع الأول، ~~وكان نيتشه من النوع الثاني، وكان لطفي السيد وطه حسين من النوع الأول، وكان العقاد وزكي ~~مبارك من النوع الثاني. # فقد كان نيتشه يفاخر بنفسه، فيكتب مرة تحت عنوان: «ما السر في حدة ذكائي»، ومرة أخرى ~~تحت عنوان: «لماذا كانت كتابتي رائعة؟» فوصفه الواصفون بالجنون، وكانت هذه العناوين بين ~~الشواهد التي استشهدوا بها. وأذكر أن عباس العقاد كتب مرة ليرد على من وصفوه بالغرور، ~~فقال: إنه لا يكون غرورا إلا إذا كان غير مرتكز على حق. # والظاهر أن الفرق بين مزهو بنفسه يصدقه الناس، ومزهو بنفسه آخر لا يصدقونه - مع ~~افتراض العظمة فيهما معا - هو أن الأول تتحقق فيه شروط لا تتحقق في الثاني: منها أن ~~يسوق المتفاخر فخره بأعصاب باردة، وبشيء من نبرة المزاح، أما صاحب الحساسية الشديدة ~~والأعصاب المنفعلة الهائجة، فتراه عادة إذا ما ساق فخره بنفسه، ساقه في جهامة الجاد الذي ~~لا يعرف المزاح، فتفقد اللعبة حلاوتها وينصرف عنه الناس. ~~••• # على أن الذي لا شك فيه، هو أن جرأة الإنسان في التفاخر بنفسه سواء جاء ذلك من رجل ~~يعرف كيف يجذب القارئ، أو من رجل لا يجيد هذا الفن، خير من تواضع المرء في عرض نفسه؛ لأن ~~المزدهي بنفسه والمتواضع كليهما قد يصدقه القراء فيما يقوله عن نفسه، فإذا صدقوا ~~الأول ارتفع أمام نفسه وأمام الآخرين، وإذا صدقوا الثاني ms189 في تواضعه انخفض في رأي نفسه وفي ~~رأي الآخرين. # تركت مجهري، وجلست أستجمع خواطري، فلم ألبث إلا لحظة «خاطفة» تبين لي منها أن مصدر ~~الخطر علينا، بين هذه الصنوف البشرية كلها، هو «المغرور » صاحب «النفخة الكذابة» الذي يدعي ~~ما ليس له، يدعي العلم وهو من العلم بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب، ويدعي الأدب وهو ~~في حياته لم يكتب أدبا ولم يقرأ أدبا، ويدعي ويدعي. وقد ينطلي علينا ادعاؤه، ~~فنسلمه أمورنا، ويكون بعد ذلك ما يكون. أفلا يستحق منا «الغرور» وقفة هادئة لنكون ~~بحقيقته أبصر؟ # إنه إذا كان الغرور هو أن يظن إنسان بنفسه التفوق على الآخرين حين لا تكون تلك هي ~~حقيقة الأمر. فليس من شك في أن كل إنسان - بناء على هذا التعريف - مغرور بطبعه، ولو أنها ~~صفة تتفاوت درجاتها بين الناس. على أنه إذا كان كل إنسان على درجة من الغرور بنفسه بحكم ~~فطرته ذاتها، فكل إنسان هو كذلك عاقل بحكم فطرته، ومن شأن العقل أن يحد من الغرور، كلما ~~وجد عدوان المغرور على الآخرين يوشك أن يعرضه للخطر. # لكن هذا القول يحتاج منا إلى شرح وتحليل، وسنهتدي فيهما برأي «هوبز». ~~••• # إن أساس السلوك كله، هو أن يحفظ الإنسان بقاءه أولا، فهو يأكل ليبقى، ويرتدي الثياب ~~ليبقى، ويسكن البيوت ليبقى، وهو يحاول الكشف عن قوانين الطبيعة ليبقى، ويقاتل الأعداء ~~ليبقى، إنه يقيم لنفسه الحكومات ليبقى، ويسن لنفسه القوانين ليبقى، ويخاف الله ويعبده ~~ليبقى في آخرته كما بقي في دنياه، والآخرة في ذلك خير وأبقى. # وكلما ازداد الإنسان قوة كان أقدر على حفظ بقائه، والقوة قد تكون قوة العضلات، لكنها ~~كذلك قد تكون شيئا آخر أو أشياء. # فالفضيلة قوة، بمعنى أنك إذا سلكت السلوك الذي يعده الناس فاضلا، وعرف الناس فيك هذه ~~الصفة، شملوك بحمايتهم، يذودون عنك فلا تكون هدفا للمعتدين، فلا عن حب لسواد عينيك، بل ~~لأنهم عرفوا فيك شخصا مأمون الجانب لا يخشى منه عدوان على ما لهم من حقوق، ألا تسمعهم ~~يقولون إن حب ms190 الثناء طبيعة الإنسان؟ ذلك لأن طبيعة الإنسان الأصيلة هي أن يحافظ على ~~بقائه، فإذا عرف أنه في الناس موضع ثنائهم، عرف بالتالي أنه موضع حمايتهم، وأنه بمأمن من ~~شرهم. ~~••• # وهل المجد بكل أنواعه وضروبه في أن يثني عليك الناس ويمدحوك؟ إنك تنشد المجد لتظفر ~~بالثناء، ولست تريد الثناء؛ لأن له وقعا في الآذان فنغما جميلا، بل تريده لأنه دليل على ~~أنك قد اتقيت الشر والخطر، فضمنت لنفسك البقاء. # حتى الجمال، تنشده المرأة؛ لأنه لها مصدر قوة، فمن حازت نصيبا منه، ضمنت لنفسها البقاء ~~بمقدار ما حازت. إن الإنسان ليسعى ليحقق لنفسه أكبر سعادة ممكنة في ظروفه القائمة من ~~حوله، وأكبر السعادة هو بعينه أكبر الضمان لاستمرار البقاء، فالصحة سعادة، والمال سعادة، ~~والجاه سعادة والبنون سعادة؛ لأنها جميعا ضمانات للبقاء المستمر الآمن، فإذا رأيت الناس ~~يلتمسون ما يهيئ لهم المتعة والراحة، ويجتنبون مصادر الألم والتعب، فما ذلك إلا لأن ~~اللذة والألم - في حقيقة أمرهما - إن هما إلا قوة الإنسان وضعفه، يسير الإنسان نحو القوة ~~في عافية، أو مال، أو جاه، فيسير بنفس الخطوات نحو الشعور بالسعادة، ويسير نحو الضعف في ~~عافيته أو ماله أو جاهه، فيسير بالخطوات نفسها نحو الشعور بالألم والشقاء، لكن الإنسان إذ ~~ينشد القوة - ليضمن البقاء - لا يقنع بمقدار معين منها، بل يسعى ليظفر بمزيد ليزداد قوة على ~~قوة، فهو يريد مالا على مال، وجاها على جاه، وفتوة في الجسد فوق فتوته ... إنه في ذلك كله ~~لا يريد الزيادة لذاتها؛ لأنه قد يعلم حق العلم أن ما لديه يكفيه، لكنه يريد هذه الزيادة ~~ليزداد ضمانه ببقاء هذا الذي يكفيه، فيضمن بالتالي ألا تتعرض حياته لخطر أو فناء. # فإذا كانت هذه طبيعة الإنسان، كان من طبيعته - تبعا لذلك - أن تشتد به الرغبة في أن ~~يخشاه الناس ويطيعوه؛ لأنه بمقدار ما يجد عندهم من خشية وطاعة، يتحقق له ما ينشده من ~~ضمان وجوده. إن الإنسان بطبعه يريد أن يكون له السبق على غيره في ميادين التنافس، وهو يريد ~~السبق لهذا ms191 السبب نفسه، أي أن يكون في موقف حصين فلا يسهل الاعتداء عليه أو النيل منه. ~~إنه لا يهتم بالسبق ذاته ولذاته، بل يهتم به؛ لأنه وسيلة للغاية التي لا غاية له بعدها، ~~وهي أن يبقى بقاء آمنا، ولذلك كان كثيرا جدا ما يكفيه أن يعترف له الناس بالسبق، ولو ~~لم يكن سابقا بالفعل، يكفيه أن يعترف له الناس بأنه أقوى أبناء البلد جسدا، أو أكثرهم ~~مالا، أو أعزهم نفرا، أو أغزرهم علما، أو أبرعهم فنا، حتى لو لم يكن كذلك في حقيقة ~~أمره؛ لأن اعتراف الناس بسبقه عليهم، يصرفهم عن تناوله بالأذى، فيأمن بذلك ما عسى أن يخشاه ~~على بقائه من ضروب الخطر. ~~••• # وإذا كان هذا الذي ذكرناه صحيحا بالنسبة إلى ما تتميز به طبيعة الإنسان، عرفنا لماذا ~~يكون الإنسان مغرورا بطبعه. إنه يولد وفي جبلته وهم بأنه خير من سواه، ولذلك نراه ~~يتصرف على هذا الأساس، حتى تعلمه الضربات التي يتلقاها من خارج نفسه، بأنه ليس في ~~حقيقة الواقع خيرا من سواه كما توهم. وهنا يأتي دور العقل الذي من شأنه أن يحد من غرور ~~صاحبه استدلالا من حقائق الدنيا المحيطة به، وغرور الإنسان بنفسه وعقله الذي يسلم به ~~هذا الغرور كلاهما فطرة. # فالعقل - هو الآخر - أداة في طبيعة الإنسان يحفظ بها بقاءه، وهو لا يبدأ نشاطه في هذا ~~السبيل إلا إذا شط الغرور بصاحبه وشطح، وأوشك أن يودي بصاحبه إلى مواضع الدمار. وتفصيل ~~ذلك أن الإنسان - متروكا على فطرة الغابة - يأخذ في التصرف على أساس أنه سيد مسيطر، ~~ويطالب غيره بالإذعان والخضوع، حتى إذا ما خرج هذا الواهم من كهفه إلى حيث الناس، وجد أحد ~~أمرين: فإما أن يأخذه هؤلاء الناس مأخذ الجد فيما زعم، فتثور في أنفسهم هم الآخرين فطرة ~~السيادة، ويكون بينهم وبينه قتال يظهر الأقوى، حقا وفعلا، لا خيالا ووهما، وإما أن ~~يأخذه الناس في زعمه مأخذ المزاح فيهملونه، وعندئذ يثور غروره، فيقاتلهم، حتى يتبين ~~هنا أيضا، من هو الأقوى حقا وفعلا، لا خيالا ووهما، ms192 ففي كلتا الحالتين يقع قتال ~~ليبلو الناس بعضهم بعضا أيهم أقوى وأحق بالسيادة على الآخرين. ~~••• # فماذا يكون موضع المغلوب في هذا القتال؟ موقفه هو الشعور بالدافعين معا: فالغرور ~~لا يزال يملي عليه استئناف القتال حين يسترد ما كان توهمه لنفسه من سيادة، لكن العقل ~~الذي هو أيضا جزء من فطرته، يجد من ذلك الغرور الشاطح، ولا بد للهازم والمهزوم معا في ~~نهاية المطاف أن يتهادنوا لتصبح الحياة المنتجة لكليهما في حدود المستطاع. # وفي ضوء هذا التحليل المستفيض نقول: إن في حياتنا من أصحاب النفخة الكذابة كثيرين، ~~والنفخة الكذابة هي الغرور الواهم الذي لم يجد من سلطان العقل ما يعيده ويرده إلى صواب، ~~فلا يبقى أمامنا إلا أن تنشط حركة النقد البصير الواعي، الذي هو بمثابة العقل الرادع، ~~لينكشف للناس أيهم إذا ازدهى بنفسه فعن امتلاء، ومن حقه أن يزهى وأن نزهى به، وأيهم إذا ~~ازدهي بنفسه فعن خواء، وبذلك يكون مغرورا يستحق الردع، حتى لا ننخدع فنسلم له زمامنا ~~وهو به غير جدير. # | قالت الشمس للسحب # لمنزلي شرفة طويلة عريضة فسيحة، مطلة على النيل العظيم الهادئ الوقور. ومنذ تضاءلت ~~قدرتي على الخروج لأسعى مع الناس في الشوارع والميادين، ومع تلك القدرة المتضائلة قلت ~~رغبتي في مغادرة داري، حتى وإن أسعفتني قواي، أقول إني منذ ذلك الحين، جعلت شرفة داري ~~ممشاي، أظل أطويها جيئة وذهوبا، من طرفها الأدنى إلى طرفها الأقصى، ممسكا لهذا ~~البندول البشري عدد الوحدات التي يتردد بها بين الطرفين. وكنت قبل ذلك قد ضبطت الحساب، ~~وعرفت على وجه الدقة كم وحدة من تلك الحركة البندولية تستغرقها الساعة بدقائقها الستين، ~~وهي الفترة التي أقضيها في رياضة المشي داخل القفص. # وليس لتلك الساعة الرياضية وقت معلوم، فقد أبكر بها مع مطلع النهار، وقد تضطرني ~~ظروفي أن أرجئها إلى الضحى. واستطعت صباح اليوم أن أجعلها بعد شروق الشمس بقليل، وكانت ~~السحب تملأ جو السماء، مع رذاذ خفيف - بل أخف من الخفيف - أحسست برودة قطراته على وجهي، ~~لم تكن السحب من الكثافة ms193 بحيث تحجب الشمس الطالعة حجبا كاملا، فقد كان في وسع العين أن ~~ترى وراء السحب بؤرة أشد ضوءا مما جاورها، فتعلم أنها الشمس من فوق السحاب، تدل الشاخص ~~ببصره على وجودها، وإن لم تستطع بعد أن تهتك براقع السحب التي حجبت وجهها. وتخيلت كأن ~~الشمس تخاطب السحب الحاجبة، تخاطبها وهي هادئة واثقة بقوتها، قائلة لها بأن انقشاعها أمر ~~محتوم، فلم تعرف الدنيا منذ الأزل، ولن تعرف إلى الأبد، شعاعا كتمت أنفاسه ظلمات، فشعاع ~~الضوء مصيره إلى ظهور، مهما طال احتباسه وراء الحجب. # كنت ما أزال في شرفتي، أمشي بين طرفيها، وأحرص على عد الوحدات، ومع هذا فلم أملك زمام ~~خواطري، التي تدفقت تيارا متلاحقا، وكأنها ترج رأسي رجا لتخرج ما تختاره من كوامن ~~الماضي - بعيدة وقريبة - فما وقعت تلك الخواطر بين كوامن الماضي إلا على بقع سوداء، تشبه ~~قطع السحاب الأدكن في محاولاتها أن تطمس ينبوع الضياء، لكنني كنت - والحمد لله - كلما ~~قذفت خواطري المنسابة في وجهي بواحدة من تلك القذائف السود، أشرت لنفسي - بإصبعي - ~~إلى الشمس المحتجبة وراء السحب، قائلا لها: إن النصر محتوم آخر الأمر لأشعة النور. # لقد أحاطت بي في فترات متقطعة من حياتي، جماعات من صغار النفوس، لهم أجسام الرجال، ولكن ~~أحلامهم وأفكارهم كأحلام العصافير وأفكارها. وإنه لمن أصعب الصعاب أن يتم تفاهم بين راشد ~~وأرعن؛ لأن لكل منهما ميزانه، فربما وجدت فكرة معينة قد رجحت بها الكفة في ميزان الراشد، ~~فإذا وضعتها هي نفسها في ميزان الأرعن خف مثقالها، والأرعن معذور؛ لأن تلك هي طبيعته ~~وموازينها. وشيء شبيه بهذا، ما يحدث بين الآباء وصغار أطفالهم، حين يتوقع الآباء من ~~الأطفال الصغار أن يتصرفوا تصرف الرجال، مع أنهم أطفال صغار. # كنت منذ أمد بعيد، قد وقعت على كتاب إنجليزي يضم مجموعة مختارة من قصص الأطفال، ~~والذي استوقف نظري منه، هو أن الذي كتب عنه التعليق، رجل كان يومئذ مديرا لبنك إنجلترا، ~~فعجبت أن تكون لرجل كهذا، ملئت أيامه بأرقام المال وأحداث الحياة الاقتصادية، علاقة بأدب ~~الأطفال. ms194 وقرأت ما كتبه، فوجدته قطعة رائعة بارعة في نفاذ البصيرة، وما أزال أذكر منها ~~تلك المقارنة الجميلة التي أخذ الكاتب يصف بها الفجوة الواسعة بين رؤية الآباء والأمهات ~~لصغارهم، ورؤية الصغار لآبائهم وأمهاتهم ، فبينما الأولون لا تنقطع لهم دهشة من الصغار، ~~كيف يتركون غرف الدار على نظافتها وحسن ترتيبها، ويتسللون خفية إلى الخارج يلطخون ~~ثيابهم بالطين؟ لكن الصغار من ناحيتهم لهم دهشتهم كذلك التي لا تنقطع، من هؤلاء الآباء ~~والأمهات، كيف يرضون لأنفسهم حياة حبيسة بين الجدران، جالسين في ركود على مقاعدهم، بينما ~~في وسعهم أن يتسلقوا الأشجار ليجلسوا على فروعها العليا، تهتز بهم كأنها الأراجيح. ~~نعم، إنه لا سبيل إلى تبادل التقدير بين طرفين، في أحدهما رجاحة الراشدين، وفي الآخر خفة ~~الأطفال. # وصادفني من أمثال هؤلاء الصغار كثيرون، كانت لهم براءة الأطفال حينا، ولكنهم مزجوا صغار ~~عقولهم ونفوسهم بسموم الخبث أحيانا، فكأنما نحن مسلطون بعض على بعض، فإذا كان لأحدنا ~~أنف أفطس، كره أن يرى من يجاوره ذا أنف أشم، حدثني كاتب كنت أعرف له قيمته ومكانته، ~~قال إنه لبث فترة يرسل مقالاته إلى الصحيفة التي كانت تنشر له، فلاحظ أن مقالته - خلال ~~تلك الفترة - تحاط برسوم كاريكاتورية وإعلانات، وأن أعمدتها لا تتصل متراصة متماسكة ~~ليتمكن القارئ من متابعتها، بل كانت تلك الأعمدة تتقطع، ليقع جزء منها في الشمال الشرقي ~~للصحيفة، وجزء آخر في جنوبها الغربي، وجزء ثالث معزول في صفحة أخرى، فظن صديقي الكاتب ~~الذي روى لي الرواية، أن الأمر مصادفة اقتضتها ضرورة الظروف الطارئة، لكن المصادفة أخذت ~~تتكرر أسبوعا بعد أسبوع، حتى لم تعد فيها طبيعة المصادفات، وأراد أن يكشف السر، فأبى ~~عليه حياؤه أن يفعل، حتى أراد الله للسر أن ينكشف من تلقاء نفسه، إذ سعى إليه النبأ وهو ~~في داره، أن مسئولا كبيرا في الصحيفة قد أصدر أوامره بأن تهال أكوام التراب على مقالات ~~صاحبي، تخلصا منها؛ لأنها لا هي تعجبه فيحتفل بها، ولا هو من الجرأة بحيث يعلن رفضها. ~~ولما كنت أعرف لصاحبي الكاتب ms195 قيمته ومكانته، سألته: بماذا يعلل ذلك الموقف؟ فضحك وقال: ~~سأترك لك أن تعلله كيف تشاء. # مسلطون نحن بعض على بعض، نعم إنه لم يحدث لي كالذي حدث لصاحبي، لكن حدثت له أشباه، هي ~~التي أخذت صورها تتقاطر مع خواطري، وأنا أقطع شرفة منزلي ماشيا من طرفها إلى طرفها، ~~وأمسك لنفسي حساب العدد حتى تبلغ لي وحدات المجيء والذهاب مائتين وخمسين وحدة، فتكتمل ~~الدقائق الستون. ومع انشغالي بالعد، تدفقت خواطري تترى، لتستخرج لي من المخزون صورا ~~للسحب الدكناء كيف جاهدت أن تحجب الضياء، لكن النصر كان آخر الأمر محتوما للضياء. # ولعل الفرصة هنا سانحة لأضع بين يدي القارئ في إيجاز: لماذا أكتب؟ ولمن أكتب؟ وكيف ~~أكتب؟ أما لماذا أكتب؟ فلأن عندي ما أقوله، وما كان ليستريح لي جنب على مضجع إذا لم أقله، ~~وخلاصته أن ننظر إلى ماضينا بمنظار حاضرنا، وليس العكس، فهنالك كثيرون بيننا يروق لهم أن ~~يزنوا حياتنا في يومنا هذا بموازين الماضي، وهو موقف يرفضه منطق التاريخ. إن أمامنا ~~حضارتين، ولا مناص لنا من قبولهما معا، فحضارة آبائنا نحن من جهة، وحضارة هذا العصر من ~~جهة أخرى، لكن هاتين الحضارتين على خلاف هو أوسع ما يكون الخلاف بين موقفين: إحداهما ~~تدور أساسا حول أخلاقيات السلوك الذي يرضى عنه الله سبحانه وتعالى، وبالتالي فهو السلوك ~~الذي يرضى عنه الناس، وأما الحضارة الأخرى فتدور أساسا حول العلوم وما يترتب عليها من ضروب ~~العمل. الحضارة الأولى مدارها «الكلمة»، والحضارة الثانية مدارها «الآلة»، الأولى تنتج ~~بشرا أسوياء، والثانية تنتج مصانع وصواريخ تغزو الفضاء. وعلينا أن نوفق بين الحضارتين ~~لنعيشهما معا، وهو هدف لا يستهدفه الغرب؛ لأنه لا يملك بين يديه إلا حضارة واحدة هي ~~الحضارة التي صنعها هو لهذا العصر، وأخذنا عنه ما استطعنا أخذه منها، على أننا إذا أردنا ~~الوصول إلى الصيغة الحضارية الجديدة التي تلائمنا في موقفنا، كان لا بد من تغيير في ~~المعايير التي ألفناها، وفي سبيل استحداث هذا التغيير أكتب ما أكتبه. # وللكتابة عند الكاتبين نوعان أساسيان: فمنهم ms196 من يكتب ما يريد جمهور القراء أن يقرءوه، ~~ومنهم من يكتب ما ينبغي للقراء أن يعرفوه. الطائفة الأولى تسترضي زبائنها، والطائفة ~~الثانية ترشد وتهدي، حتى وإن أثارت الغضب في النفوس. النوع الأول يمسك بمرآة لتنعكس على ~~سطحها صورة الناس كما هم، والنوع الثاني يمسك بمصباح لينير الطريق أمام السائرين؛ لأنه - ~~على الأغلب - طريق جديد لم يألفوه. ولقد اخترت لنفسي أن أكون من الصنف الثاني، مع تقديري ~~لرجال الصنف الأول، وما كان لي إلا أن أختار الصنف الثاني من الكتابة؛ لأن عندي الجديد الذي ~~أقوله، سعيا به نحو حياة جديدة، وأما كتاب المرآة - على أهميتهم - فليس في حوزتهم جديد، ~~وكل فضلهم هو في أنهم يشاهدون الواقع كما يقع ليصفوه، لا ليغيروه. إنني في كتابتي لا أشبه ~~صاحب دكان الخردوات، يحاول أن يجمع في دكانه ما يتوقع أن يطلبه أصحاب الحاجات، ولكنني ~~أقرب شبها بالطبيب الذي يصف طريقة العلاج وطريق الشفاء. # وأما عن السؤال الثاني: لمن أكتب؟ فليس لي حق اختيار قارئ دون قارئ، فأنا أكتب ما أكتبه ~~لمن يطيب له أن يقرأ، لكنني لا أستهدف أن أسري عن الناس همومهم، بل ربما زدتهم هموما ~~على همومهم، ولا أتملق أحدا، فإذا رأيت الشعب الذي أنا واحد منه، بحاجة إلى تغيير ~~مساره، أعلنت ذلك تأدية لأمانة الفكر. وأما أن أكون فيما أعرضه مخطئا أو مصيبا، فذلك ~~ما لا حيلة لي فيه، ما دمت أضع نفسي وفكري على الورق صادقا ومخلصا. وإنني لأعلم أن ~~أولئك الذين اعتادوا القراءة وهم على فراش النوم استجلابا للنعاس إذا استعصى عليهم، لن ~~يلبثوا - إذا ما بدءوا قراءة مقالي - أن يتركوه إلى سواه؛ لأنهم سيجدونه موقظا ~~ومؤرقا وهم ينشدون النعاس. إنني لا أسكب على الورق دردشة تتناثر كلماتها كما تتناثر ~~رمال الشاطئ بين أيدي صغار يلهون في إجازة الصيف، بل أفترض في قارئي جدية المأخذ، وشعورا ~~بالتبعة الملقاة علينا جميعا، وهي تبعة أن نغير حياتنا نحو ما هو أفضل وأعلم ~~وأقوى. # على أن الكتابة - بغير شك - تتفاوت مستوياتها ارتفاعا ms197 وانخفاضا، وإنه لمن الخير أن ~~تتفاوت على هذا النحو أقلام الكاتبين؛ لأن القراء الذين نتجه إليهم بالحديث متفاوتون، ~~كما تتفاوت الفرق الدراسية في معاهد التعليم من أدناها إلى أعلاها، فلكل فرقة منها ما ~~يلائمها مادة وأسلوبا، وهكذا أتصور البناء الثقافي في صورة الهرم، تزداد طبقاته ~~اتساعا كلما نزلنا من القمة إلى الأساس، وتصدق هذه الصورة الهرمية على القارئين صدقها ~~على الكاتبين أيضا، فقد يكتب الكاتب للقلة ذات المستوى الأرفع؛ لأن هذه القلة نفسها هي ~~التي ستكتب لمن هم دونها. ولست ممن يضحك على عباد الله مخادعا، قائلا لمن ليس يعلم أنك ~~العبقري الذي هو أعلم العلماء. إن في أبناء الشعب من يعرف أمرا لا يعرفه آخرون، وعلى من ~~يعرف أن ينقل معرفته إلى سواه إذا كانت مما ينفع ذلك السوي. # وبقي سؤالنا الأخير: كيف أكتب؟ إنني لم أكتب، ولن أكتب فقط حرفا ما بقيت بين الأحياء، ~~إلا إذا كنت مؤمنا بالمعنى الذي يدل عليه ذلك الحرف ساعة كتابته، وإذا ألقيت نظرة ~~شاملة، إلى ما كتبته طوال فترة زادت على نصف قرن كامل، رأيت خطا فكريا مطردا ~~هادفا نحو غاية مقصودة، هي فقد قيم قائمة في حياتنا، لو ظللنا نسلك على هداها، لتعذر ~~علينا قبول حضارة عصرنا قبولا يجعل تلك الحضارة ملكا لنا، ونستطيع أن ندمجها فيما بين ~~أيدينا من إرث أسلافنا، لتتكون لنا بهذا الدمج رؤية جديدة وحياة جديدة. # ولقد كانت لي طريقتي الخاصة في صياغة ما أكتبه، إذا كان ما أكتبه مقالا يراد به أن يحمل ~~فكرة تضم إلى سائر الأفكار التي أعرضها على فترات متقاربة حينا، متباعدة حينا، كما ~~تضم خيوط اللحمة إلى خيوط السدى لتنسج منها قماشة واحدة. وأعني بتلك الطريقة الخاصة ~~أسلوبا في تحميل الفكرة على شكل مختار يتلاءم مع طبيعة الفكرة المبثوثة فيه، ومن شأن ذلك ~~- كما هي الحال في جميع الصور الأدبية على اختلافها - أن تعرض الفكرة على قارئها بطريقة ~~غير مباشرة، إذ يجد القارئ نفسه أمام راوية يروي له حلما، أو يزعم أنه ms198 عثر على مخطوط قديم، ~~أو يتكئ على أسطورة من أساطير الأقدمين، أو يجري حوارا تخيل له أشخاصا يناسبون ~~موضوع الحوار، وهكذا وهكذا. على أن هنالك عددا كبيرا من المقالات اضطررت فيه إلى عرض ~~الفكرة عرضا علميا بصورة مباشرة تلتزم تسلسل القضايا في تتابع منطقي، وذلك حين أرى ~~أن الضرورة تقتضي اللجوء إلى إقامة الحجة بالبراهين العقلية الواضحة الصريحة. # ولماذا لجأت - حين لجأت - إلى طريقة الأدب في تضمين الأفكار أشكالا أختارها لها، مما ~~يحتاج في حالات كثيرة إلى استخدام الرمز الذي من خلاله أعرض فكرتي؟ فعلت ذلك أولا لأن في ~~طبيعتي ما يميل بي إلى التصدير الأدبي للأفكار، وثانيا لأنني أعتقد أن البناءات الفنية ~~أدوم بقاء على الزمن، وأرسخ أثرا في ذهن المتلقي، مما لو عرضت الأفكار على الطريقة ~~التي تعرض بها المواد العلمية الخالصة، لكن الثمن المدفوع في سبيل أن أكسو الأفكار ~~بأشكال أدبية، قد كان باهظا فيما يبدو، إذ تزداد درجة الاحتمال بأن تصادف الكتابة قراء ~~لم يخلقهم الله للقراءة الجادة المتأنية المتفهمة، بل خلقهم لينظروا إلى المكتوب بأطراف ~~أعينهم، ثم يتثاءبون، ويلقون بالكتاب أو الصحيفة ليأخذهم النعاس إلى مدينة الأحلام، ~~فماذا يقول قراء كهؤلاء إذا استيقظوا في الصباح، وسئلوا: ماذا قرأتم بالأمس؟ # كانت تلك هي خواطري، التي انسابت متدفقة يشد بعضها بعضا، عندما كنت أقضي الساعة ~~الرياضية مشيا في شرفة منزلي، في وقت مبكر من الصباح، والشمس خلف حجاب السحب تجاهد لتنفذ ~~إلى الأرض بنورها. وكنت مع سيل الخواطر حريصا على ألا يفلت مني عدد الوحدات التي أقطع بها ~~الشرفة رائحا غاديا، واكتملت الساعة بدقائقها الستين، وقبل دخولي إلى حيث تحضرني الجدران، ~~نظرت إلى الشمس، فإذا هي موشكة على كسح السحب الحاجبة، فقلت: ألا إن النصر محتوم آخر الأمر ~~للضياء. # | حوار مع وراق # كان يوما صائفا من سنة 1963م، عندما قصدت إلى وراق، لأشتري رزمة من الورق الأبيض ~~المسطر، الذي اعتدت الكتابة عليه، كلما كتبت كتابا أو مقالا، وكنت أعلم أن الورق ~~يومئذ قد قل عرضه في السوق ms199 وغلا ثمنه، ولكنني لم أتوقع أن أجد الثمن قد بلغ ذلك الحد ~~من الارتفاع، وذلك أني حين طلبت من الوراق رزمة الورق التي أريدها، جاءني بواحدة لا تزيد ~~أوراقها على مائة ورقة وكنت أعهدها قبل ذلك تشتمل على خمسمائة، فأخذت أقلبها بين يدي، ~~على نحو قصدت به أن أنقل إلى الوراق دهشتي من ضآلة حجمها، وما هو إلا أن دار بيننا ~~حديث: # قلت: بكم هذه؟ # قال: بثمانين قرشا (ولم تكن الثمانون يومئذ كالثمانين في يومنا، بل كانت بمثابة عشرة ~~أضعاف في قوة شرائها). # قلت: هذا أمر عجيب؛ لأن الكتاب تبلغ ورقاته مائة ورقة، لا يبلغ ثمنه ثمانين ~~قرشا. # قال: وهل تريد أن تسوي بين ورق أبيض، وورق طبع في كتاب؟ # قلت: كلا، لست أريد ذلك؛ لأن ورق الكتاب هو ورق أضيفت إليه زيادة، هي المعرفة التي ~~تحملها كلماته، وأما الورق الأبيض فهو فارغ لم يحمل بعد شيئا. # قال: يؤسفني ألا أرى ما تراه، إذ أرى الورق بعد طبعه في كتاب، هو ورق بالنقصان، لا ~~بالزيادة، فالمادة المكتوبة - في معظم الحالات - هي مداد لطخ بياض الورق ونقاءه، كالثوب ~~يسيء إليه لابسه بالقذر فتهبط قيمته. # قلت: إنك تمزح ولا ريب. # قال: كلا، كلا، بل إني جاد ولا مزاح، ولتعلم أني وراق وقارئ، فأنا أبيع الورق ~~فارغا، ثم أطالعه مليئا بما يكتبه الكاتبون، فلا أشعر بالكسب مقدار ما أشعر ~~بالخسارة. # قلت: أراك قد بدأت بتشبيه خاطئ، فأضلك عن الصواب، وذلك حين شبهت الفرق بين الورق ~~خاليا والورق مكتوبا عليه، بالثوب جديدا والثوب ارتداه من أصابه بالقذر، والأصح هو أن ~~تقول إن الفرق بين الحالتين، كالفرق بين أكواب تبيعها فارغة، فيملؤها الشاري بشراب سائغ، ثم ~~هي لا تفرغ من شرابها أبدا، مهما تعاقب عليه الشاربون، جيلا بعده جيل، بعده ثالث ورابع ~~وعاشر. # قال: الخلاف بيني وبينك يا سيدي هو في كلمة «سائغ»، نعم إن أكواب الورق التي أبيعها ~~فارغة، يلمؤها الكاتبون شرابا، ولكن كم مرة يجيء ذلك الشراب سائغا حقا، وكم مرة يجيء - ~~على ms200 أحسن الفروض - مائعا تموع به أمعاء الشاربين؟ # قلت: أحب أن أسمع منك أنت الجواب، فمتي تنفر ومتى تسيغ؟ # قلت ذلك، وقد تغيرت نبرة صوتي نحو الاهتمام بما يقوله الرجل، ولعله أدرك التحول، ~~فدعاني إلى الجلوس ليكون الحوار بيننا مطمئنا هادئا، فالساعة بعد الظهر بقليل، والجو ~~حار، وأنا زبونه الوحيد. # قال: سألتني متى أنفر مما أقرأ ومتى أسيغه؟ وأقول: إن أشد ما يصيبني بالغثيان، هو ~~كاتب يشهد ما نغوص فيه من مشكلات الدنيا والآخرة فيتركها ليركب جواده ركوب الفرسان في ~~العصور الوسطى، شاهرا قلمه في يده، وكأنما يصيح قائلا: هل من مبارز؟ كثيرون - يا سيدي - ~~هم الكتاب الذين يأخذهم بأنفسهم العجب (بضم العين)، فتراهم يلتمسون مواقع الضوء، ليكونوا ~~على مرأى من كل ذي عين تبصر، ويختارون من فنون القول ما يشد السمع، لا ما يتصدون به ~~لمشكلات الناس على اختلافها وكثرتها، نعم إنك تراهم يبحثون عن مواقع الضوء، ومقاعد الرئاسة، ~~بدل أن يتجهوا نحو مناطق الظلام ليشعلوا فيها المصابيح، تاركين مقاعدهم إلى حيث ساحات ~~العمل والجهاد، إن عشقهم الشديد للأضواء ينصب على رءوسهم، هو الذي يدفعهم دفعا إلى ~~الملق فيما يكتبون، إنهم يتملقون جمهور الناس بقولهم عنه إنه قد بلغ الكمال، ويتملقون ~~الشباب من ذلك الجمهور، بقولهم عنه إنه شباب بلغ الرشد والرشاد، ويتملقون الحكام ~~بقولهم إنهم قد أقاموا للعدالة ميزانها، ولم يعد في الإمكان أحسن مما كان. هكذا هم ~~يتملقون فيما يكتبونه، ابتغاء لمعة ضوء من منصب أو مال أو زلفى، مع أنهم موقنون فيما ~~بينهم وبين أنفسهم أن الجمهور الذي زعموا له الكمال تنقصه المعرفة، والشباب الذي زعموا له ~~الرشاد تعوزه الإرادة، والحكام الذين قالوا عنهم إنهم أقاموا للعدالة ميزانها، كثيرا ما ~~انحرف في أيديهم ذلك الميزان. إنهم يتملقون وكأنهم بيننا أضياف غرباء يبتغون الرضا من ~~صاحب الدار ليأذن لهم بطول الإقامة، فهل تفوتهم الحقيقة البسيطة الواضحة، وهي أننا جميعا ~~إخوة في الوطن، نتبادل النصح كما يتبادله أفراد الأسرة الواحدة؟ # قلت: ألا ترى أنك قد عممت الحكم فأسرفت في ms201 التعميم؟ وأقل ما أقوله لك الآن: من أين ~~لك أنت هذه القدرة على نقد الحياة ونقد الكتاب، إن لم تكن قد اكتسبتها مما قرأته لهؤلاء ~~الكتاب أنفسهم؟ ومع ذلك فاضرب لي مثلا بموقف معين محدد، رأيت فيه كل ذلك الملق من ~~أصحاب الأقلام، لكي أتبين على وجه الدقة ما تريد. # قال: أما أن أكون قد بالغت في تعميم الحكم، فذلك جائز، ولعلك توافقني على أن المعول ~~بالنسبة لي ولأمثالي من عامة القارئين، هو على الانطباع العام الذي يخرج به القارئ من مجموع ~~ما قرأ، وما قلته هو الانطباع الذي خرجت به، وأما عملية التحليل والتمحيص التي تميز ~~الصحيح من السقيم، والتي قد تشير في الكتاب الواحد أو في المقالة الواحدة، إلى فقرة فيها ~~صواب، وفقرة أخرى فيها خطأ، فهي من خصائص الباحثين الدارسين، وليس من هؤلاء يتكون الرأي ~~العام. وأما أن أضرب لك مثلا يوضح شيئا مما أريد، فأقرب الأمثلة إلى ذهني، هو تقسيم ~~شعبنا إلى طوائف خمس، قيل عنها إنها لو تركت على سجاياها لتصارعت، ولهذا وضعت الخطط ~~وسنت القوانين التي تجنبنا ذلك الصراع. وعقيدتي الخاصة - وأنا مواطن من المواطنين - ~~هو أن مثل هذا التقسيم لشعبنا خطأ من جهة، ومن شأنه مع الأيام من جهة أخرى أن يولد بين ~~الناس كراهية بعضهم لبعض، لم تكن في الأصل قائمة بينهم. أما وجه الخطأ - كما أراه - فهو أن ~~التقسيم إلى فلاحين وعمال وجنود ومثقفين ورأس مالية وطنية، إنما هو تقسيم أفقي، يحدد ~~اختلافات في ضروب العمل، وليس هو بالتقسيم الرأسي، الذي لو وقع لكان بين الناس طبقية ~~تستحث المقاومة كأن ينقسم الناس إلى أحرار وعبيد، أو إلى نبلاء وعامة، أو ما يشبه ذلك ~~من تقسيمات عرفتها بالفعل بعض الشعوب. ولعل أوضح دليل أقدمه لبيان الصواب في وجهة نظري، ~~هو أن الفرد الواحد في شعبنا، قد تجتمع فيه كل ضروب العمل التي وزعناها - نظريا - على ~~الطوائف الخمس، فقد يكون الفرد الواحد صاحب أرض يشرف على زراعتها، وضابطا ومثقفا ~~وقائما بمشروع يندرج في ms202 الأعمال المالية الوطنية، كأن يملك مزرعة للدواجن. وما دامت هذه ~~الجوانب كلها قد اجتمعت في شخص واحد، فهي - إذن - ليست مما يقسم الناس إلى طبقات ~~متصارعة. وإذا كان من النادر أن تجتمع هذه الأعمال في فرد واحد، فليس من النادر أن ~~تجتمع في أفراد أسرة واحدة، ومع ذلك فنحن لا نقول عن أفراد الأسرة الواحدة إنهم ينتمون ~~إلى طبقات مختلفة. # ومضى الوراق في حديثه قائلا: إنني أتوقع لهذا التقسيم أن يخلق بين الناس شيئا ليس هو ~~الآن قائما (لنتذكر أن هذا الحديث جرى سنة 1962م)، وهو أن يتضخم الشعور عند الفلاح أو ~~العامل - مثلا - بأنه صاحب مصلحة ليست هي بالضبط مصلحة المثقف، وينتج عن ذلك شيء من ~~المنافسة الخفية، يؤدي إلى الرغبة في استغلال بعضنا لبعض، فإذا أصلح العامل للمثقف ~~تليفزيونه أو أسلاك الكهرباء أو أحواض الماء طالبه بالمعجز الذي يجاوز كل معقول، وكذلك إذا ~~لجأ عامل مريض إلى طبيب، أو لجأ مزارع إلى مهندس، جاء رد الفعل مساويا للفعل الأول ~~وهكذا. وسكت المتحدث لحظة، ثم قال: أنا لا أزعم أنني محق حتما فيما قدمته، لكن الذي ~~أقوله هو أنه إذا كان هنالك من الكتاب من يرى مثل رأيي هذا، فلماذا لم نقرأ في ذلك كلمة ~~واحدة؟ وكان كل ما قرأناه في هذا الصدد تأييدا لا يداخله، ولو قليل من التردد، فهل ~~تراني قد أخطأت حين قلت إنهم يؤثرون الملق كسبا للرضا؟ # ولما بلغ الوراق بحديثه هذا المدى، جاءه زبون، فنهض لقضاء واجبه، ونهضت معه مستأذنا ~~في الانصراف، وقائلا له: إن ما سمعته منك جدير بالنظر، ولعلي ملاقيك في فرصة أخرى ~~لنستكمل الحوار. # لكن الفرصة المرجوة لم تسنح قط، ومضى بعد حديثنا ذاك عشرون عاما، وحفظته الذاكرة، ~~لتعيده إلى وعيي هذه الأيام، فكلما تعنت معي عامل في تقدير أجره، وفي عدم الوفاء بوعوده ~~تذكرت ما تنبأ به الوراق، مما رأى أنه قد يترتب على تقسيم شعبنا إلى طوائف، وقد ~~عرفه تاريخه الطويل شعبا واحدا؛ إذ لا يعقل أن يكون العنت ms203 الذي يبديه المواطنون اليوم ~~بعضهم لبعض إلا مرارة ملأت قلوبهم حقدا وكراهية، حتى أصبحت «الطيبة» التي يوصف بها ~~بحاجة إلى تحليل وتوضيح. # لقد حدثت أحداث في إنجلترا إبان القرن السابع عشر، استدعت من فلاسفتهم أن يطرحوا على ~~أنفسهم سؤالا يتطلب منهم جوابا يقيمونه على تأمل عميق، هو: كيف نشأ المجتمع بادئ ذي ~~بدء، بعد أن لم يكن هناك إلا أفراد يتصارعون ويتنازعون، بحيث لم يستطع العيش منهم إلا قوي ~~يفترس الضعيف افتراسا، وكان أهم من قدم جوابا عن السؤال، هما «جون لوك» و«توماس هوبز»، ~~وعلى الرغم من أن الجواب عند أحدهما جاء نقيضا للجواب عند الآخر، إلا أن الجوابين معا ~~يتركان الدارس، وقد تحركت في ذهنه الدوافع ليتأمل المشكلة لنفسه. وأعيد السؤال على ~~قارئي مرة أخرى: كيف يمكن أن تخرج من مجموعة أفراد متناحرة متنازعة، كل منهم يود لو ~~حول الآخرين إلى طعام يأكله أقول كيف تتحول مجموعة أفراد كهذه إلى مجتمع متعاون؟ فسؤال ~~كهذا هو الذي كان يكمن في المشكلة التي أخضعها هؤلاء الفلاسفة للفكر العميق، وتبعهم جان ~~جاك روسو في فرنسا بعد ذلك ليتجه بفكره إلى المشكلة ذاتها، وكانت فكرة «التعاقد ~~الاجتماعي» باعتبارها أساسا لنشأة المجتمع هي في رأي لوك وروسو أصلح الأسس التي يقام ~~عليها المجتمع. أما هوبز فكان له رأي آخر. # وأقول ذلك لما أصبحنا نراه في مجتمعنا مما يشبه الحياة الفردية التي سبقت نشأة ~~المجتمع، حين لم يكن للفرد حياة إلا على حساب فرد آخر، فكل منهم يتربص بأخيه بدل أن يسعى ~~للتعاون معه، وإلا فكيف نفسر ما يطلبه المهني - أيا كانت مهنته - وما يطلبه ~~الحرفي - أيا كانت حرفته - من أجور لا تتناسب قط مع المستوى العام الذي يعيش عليه ~~أغلب المواطنين؟ لقد علمت من ذي علم وخبرة أن العامل الحرفي الذي يطلب منا ~~المستحيلات أجرا على عمل يؤديه في بضع دقائق يكتفي من الأسبوع كله بيوم واحد أو يومين - ~~ليقضي بقية الأسبوع في المقهى والنرجيلة تكركر أمامه، كما تكركر أمعاء الذين اغتالهم ~~بأجوره يوم ms204 أمس فلا يحق لنا، بل ينبغي علينا أن نطرحه على أنفسنا سؤالا جادا، لا ~~مجاملة فيه، ولا تهوين من خطورته، وهو: كيف نخرج مجتمعا متعاونا متعاطفا من مجموعة ~~أفراده الذين تنافرت أهدافهم وتناحرت وسائلهم ؟ # كان أرنولد توينبي - فيلسوف التاريخ المعروف - قد كتب مقالا قصيرا في صحيفة الأبزيرفر ~~البريطانية - قبل وفاته بقليل - وكانت وفاته منذ بضعة أعوام، وأتيح لي أن أقرأ ذلك المقال ~~عند نشره، وأخذني العجب والإعجاب معا، كيف استطاع ذلك الكاتب القدير أن يضع في نصف صفحة ~~ما يصح أن يكون تشخيصا وعلاجا لمشكلة هي من أخطر المشكلات التي تعكر صفو الحياة ~~العصرية جميعا ألا وهي مشكلة العنت الذي يتعنت به المهني أو الحرفي في تقدير أجوره ~~معتمدا على أن الضحية لن يسعها إلا الرضوخ، ولتأكلها بعد ذلك الرضوخ ألسنة الجحيم، فماذا ~~يضيره هو ما دام قد ظفر بأجر يمكنه - والكلام الآن يصدق على العامل المصري بصفة خاصة، ~~أقوله أنا ولم يقله توينبي - من الاكتفاء بيوم أو يومين من كل أسبوع، ليقضي بقية ~~الأسبوع في حياة لاهية؟ # كان توينبي قد علل ذلك العنت في العامل البريطاني، بأنه رد فعل للمرارة التي غصت بها ~~حلوق الكادحين، عندما استبد بهم أصحاب رءوس المال، ولكن توينبي وجه حديثه إلى العامل ~~البريطاني ليقول له إن ذلك الرد العنيف، وإن يكن له ما يبرره فيما مضى، فهل يبرر له ~~اليوم أن ينتحر وينحر الشعب كله معه؟ وكان مما قاله وهو ينذر العمال ويحذرهم من أن ~~يدمروا الوطن بأسره في سبيل أطماع تنبعث في نفوسهم من مرارة الماضي، إنه يشهد ما يحدث ~~من مغالاة العامل في أنانيته، فيرى كأنما هو واقف عند شاطئ النهر، على بعد أمتار قليلة ~~من شلالات نياجرا، وقد مرت أمامه سفينة متجهة نحو تلك الشلالات الجبارة، لكن ربانها ~~لا علم له بها، فهلاكه وشيك إذا مضى بسفينته حيث يمضي، وإذن فواجب توينبي أن يصيح به: قف ~~هنا على الشاطئ؛ لأنك من التهلكة على مقربة. # وإني لأسأل: أأجاوز حدي لو صحت صيحة ms205 توينبي بمن قست قلوبهم، وغلظت أكبادهم، فيذبحون ~~مواطنيهم ذبحا عندما يتقاضون أجورا تهلكهم وتهلك دافعيها معا، ويتحول بها مجتمعنا ~~إلى مجموعة أفراد كل منهم يضمر الغدر بأخيه؟ # | مغامرات محسوبة! # في اليوم السادس عشر من سبتمبر سنة 1953م، كنت في طريقي إلى الولايات المتحدة، لأقضي ~~بجامعاتها عاما أستاذا زائرا، وكانت تلك هي رحلتي الأولى التي أعبر بها المحيط الأطلسي ~~إلى العالم الجديد. ولقد عدت بالأمس إلى ما كتبته يومئذ في وصف الطريق، فكأنما كنت أقرأ ~~شيئا جديدا، لم أخطه بقلمي ذات يوم، فاقرأ معي هذه الفقرات: # بعد أربعين دقيقة من إقلاع الطائرة، أعلن الميكروفون أننا الآن فوق مدينة ~~الإسكندرية، فنظرت، فإذا الإسكندرية لا تزيد على خطوط رقيقة مرسومة بالقلم الرصاص ~~على الورق، فقلت لنفسي: إذا كانت المدينة الضخمة قد استحالت إلى هذه الخيوط ~~الرقيقة، فبأي منظار يمكن أن أرى الفرد الواحد من الناس؟ والإنسان في هذه الحالة ~~أميل إلى التسرع بالحكم على نفسه بالتفاهة والضآلة، فقليل من الارتفاع في ~~جو السماء يمحوه، فماذا يكون أمره عند الرائي من أفلاك أخرى، وأكوان أخرى؟ ولكن ~~الخطأ هنا هو نسيانه أن الطائرة التي مكنته من الصعود، هي من صنعه، ووليدة فكره ~~وطموحه وخياله الوثاب، فأول سطر ينبغي أن يكتب في كتاب ثورتنا، وأن يقرأ ألف ~~مرة كل يوم، هو أن نقرر لأنفسنا عن عقيدة، قوة الإنسان وجبروته، وأن نمحو من ~~صفحات أذهاننا هذا الوهم الذي ما ينفك يعاودنا ويخيفنا، وهو أن الإنسان مخلوق ~~تافه ضعيف. ~~(وبينما كانت الطائرة تعبر بنا المحيط أثناء الليل) ظللت أنظر خلال زجاج ~~النافذة إلى الجو المفضض بضوء القمر، وقلت لنفسي: ما أبعد الفرق بين إنسان ~~وإنسان، قارن بينك الآن، وأنت تعبر المحيط، على هذا النحو، وبين كولمبس وهو يعبر ~~المحيط نفسه، لتعلم كم يكون الفرق بين الفرد المبدع الخلاق المبتكر، وبين ~~الأفراد الذين يجيئون بعد ذلك ليتبعوه! إن خيال رجل واحد وجرأته، فتحت للناس عالما ~~جديدا، وشقت لهم طريقا جديدا إلى حضارة جديدة، ولكن سرعان ما يختلط علينا ~~الأمر، ms206 فنظن ألا فرق بين من يبدع ومن يبيع. سرعان ما يختلط علينا الأمر، فلا ندرك ~~الفرق بين من ابتكر الطائرة - مثلا - ومن اشتراها أو سافر على متنها! سرعان ما ~~يختلط علينا الأمر، فلا نرى المسافة الشاسعة بين باحث علمي يشق بنتائجه العلمية ~~أرضا جديدة لم تطأها أقدام قبل قدميه، وبين من يأتي بعد ذلك ليقرأ تلك النتائج، ~~ويدرسها، وقد يحفظها عن ظهر قلب، وينشرها مترجمة إلى لغتنا أو غير مترجمة، ~~كاملة أو ملخصة، ثم يقول - ونقول معه - إن منهم علماء ومنا علماء، ولا فرق في ~~العلم بيننا وبينهم! لكن الفرق يا صاحبي هو نفسه الفرق بيني وبين كولمبس في عبور ~~المحيط: عبره هو لأول مرة مغامرا مخاطرا متخيلا متعقلا، وعبرته أنا بعده ~~تابعا، فلا مغامرة ولا مخاطرة ولا خيال ولا فكر. # كان ذلك ما كتبته يومئذ، وقد مرت بعد كتابته ثلاثون عاما، فهل تغير الموقف مثقال ~~ذرة واحدة؟ أم لا يزال هو الموقف الذي كان منذ ثلاثين عاما، ومنذ ثلاثمائة عام؟ فسوانا ~~يصنع حضارة العصر، ونحن نشتريها، أو نشتري ما استطعنا شراءه منها، ثم لا نستحي من القول بأن ~~صانع الحضارة ومستعيرها سواء! لا، بل قد يصل بنا الشطح أن نباهي بأن «الخواجة» مسخر ~~لنا كما سخرت لنا البغال والحمير، إذ هو يقيم لنا أسباب الحياة الدنيا، لنفرغ نحن ~~للعبادة أملا في نعيم الحياة الآخرة، أي والله قالوها! # ولم تمض سوى أيام قلائل، منذ سألني شاب عربي في ندوة عامة: لماذا تخلفنا وقد كنا ~~ذات يوم في الطليعة؟ فأجبته قائلا: كنا في الطليعة يوم كنا نفرز أفكارنا كما يتفصد ~~العرق من جلودنا، ثم تخلفنا حين تركنا لسوانا أن يغامر ويغامر، حتى شق بصواريخه أجواز ~~الفضاء، بينما جلسنا نحن القرفصاء ننظر إليه بأفواه فاغرة، انتظارا لما يلقي به إلينا ~~من فتات. كان الفرق بيننا وبينهم ذات يوم فرق غرب وشرق، فالغرب يتعلم ليغزو الدنيا ~~بعلمه، والشرق يتصوف لتخبو شعلة الحياة بزهده، فما كدنا نستيقظ لنبرهن لهم ألا فرق ~~بين شرق وغرب، ms207 حتى فصل بيننا فارق جديد، فأصبح الفرق بيننا فرق شمال وجنوب، فالشمال يزداد ~~ثراء، بعلمه مرة، وبسطوته الباغية مرة، بينما الجنوب يزداد فقرا، بجهله مرة، ومرة أخرى ~~بضعفه الذي مكن للشمال أن يستذله ويستغله، وها نحن أولاء نشهد على مسرح الأحداث ~~صراعا بين غرب وشرق، ونسمع حوارا بين شمال وجنوب، لكن «الغرب الشمال» في مركز القوي ~~و«الشرق الجنوب» في مركز الضعيف. ولو سألتني لألخص لك الفرق بين الجانبين في كلمة، قلت: ~~إن «الغرب الشمال» يغامر، بينما «الشرق الجنوب» يجلس القرفصاء. # قال السائل في لهفة قلقة: زدنا توضيحا يا أخانا، ولا تخف الحقائق في لفائف التشبيه ~~والمجاز، زدنا يا أخانا في بيان الفرق بين الغرب العالم الذي هو أيضا شمال غني، والشرق ~~الغافل الذي هو في الوقت نفسه جنوب فقير. # أجبته بصوت مرتفع: إذن فاسمع كيف جاءت نقطة التحول بين الجانبين، ومتى جاءت؟ فتستطيع ~~أن تقول: إن «الشرق الجنوب» كانت له اليد العليا منذ أول التاريخ إلى أن نهضت أوروبا في ~~القرن السادس عشر، ومهدت لنهوضها ذاك بمؤشرات كثيرة قبل ذلك بقرن من الزمان أو أكثر ~~قليلا، ذلك إذا استثنينا عصر اليونان القدماء، الذي وضع الأساس العقلي «للغرب الشمال»، ثم ~~اختفى، لتنقضي بعد ذلك نحو خمسة عشر قرنا قبل أن يتاح لذلك «الغرب الشمال» أن يقيم ~~طوابق البناء فوق الأساس الذي وضعه له أسلافه اليونان. # وأما ما قبل اليونان، وما بعدهم حتى نهضت أوروبا نهضتها، فقد ظلت «للشرق الجنوب» اليد ~~العليا فكرا وحضارة وروحا وكل شيء. ولماذا حدث التحول؟ حدث ذلك لأن الجمود قد شاء ~~لهذا «الشرق الجنوب» أن يظل في حياته العقلية على منهج، كان صالحا في ظروف الحياة ~~القديمة، ولم يعد صالحا فيما استحدثه الزمان بعد ذلك من ظروف أخرى، وأما «الغرب الشمال» ~~فقد فتح الله عليه بأن أخذ يبدل منهجا بمنهج كلما اقتضته العصور المتجددة أن ~~يبدل. # كان «العلم» في المراحل الأولى من تاريخ الحياة العقلية، علما بلفظ منطوق أو مكتوب، ~~فلما أراد العقل أن يرسم لنفسه منهجا ms208 يجري تفكيره على مبادئه، كان ذلك المنهج هو الطرق ~~التي يمكن بها توليد جملة من جملة، مع اليقين بأن الجملة المتولدة إنما خرجت من جوف ~~الجملة الوالدة، فإذا كانت الجملة التي بين أيدينا - مثلا - هي أن الناس جميعا يولدون ~~أحرارا، تولدت عن ذلك جملة صحيحة، هي أن زيدا وخالدا وعمرا ولدوا أحرارا؛ لأنهم ~~أفراد من الناس، وهكذا تدور عجلة الفكر في مجموعات لفظية، يشتق بعضها من بعض، وكانت هذه ~~العجلة الفكرية في دورانها حول نصوص تستخرجها من نصوص، تشملنا وتشمل غيرنا؛ لأن الدنيا لم ~~تكن في المراحل الأولى مضطرة إلى اللجوء إلى طريقة أخرى، فتلك كانت طبيعة علمهم، وذلك ~~كان المنهج الملائم لذلك العلم. ولا بد لنا أن نلحظ هنا، أن علم الرياضة الذي بدأ ~~ازدهاره مع القدماء، قبل أن يولد ما يسمى بالعلوم الطبيعية بزمن طويل، أقول إن علم ~~الرياضة هو في حقيقته توليد جمل من جمل، أو معادلات من معادلات، بالطريقة التي أشرنا ~~إليها، فلا غرابة أن يكون سابقا في الظهور. # وكان الفيلسوف اليوناني أرسطو هو الذي متن هذا المنهج، فضبط القواعد التي تضمن لنا ~~الصواب عند توليدنا نتيجة من مقدمة وجدناها بين أيدينا، ثم جاءت بعد ذلك الحضارة ~~الإسلامية وثقافتها، فجعلت المنطق الأرسطي عمودا أساسيا من عمدها، حتى لقد كان ذلك ~~المنطق الأرسطي ودراسته والإلمام به، علامة لا بد من وجودها ليكون العالم عالما، ~~والفقيه فقيها، والمثقف مثقفا، مهما كان ميدان التخصص. # ودار الزمان دورته، وأخذت القرون تتوالى لتدنو من ~~الخامس عشر والسادس عشر، فإذا الناس في أوروبا - شيئا فشيئا - يستبدلون قراءة بقراءة، أو ~~قل إنهم أخذوا يضيفون إلى الضرب القديم من القراءة، ضربا جديدا منها، فبعد أن كان ~~المقروء كله نصوصا من ألفاظ مسطورة في صحائف (أو منطوقة يرويها رواة) اشتدت الرغبة في ~~أن تضاف إلى ذلك قراءة الظواهر الطبيعية بطريقة مباشرة. فافرض - مثلا - أن الموضوع ~~المراد معرفة شيء عنه، هو حركة الأجسام، بما في ذلك حركة الكواكب والنجوم، فقد كان الأغلب ~~عند القدماء أن تكون ms209 وسيلتهم إلى المعرفة، قراءة كتاب كتبه من هو أقدم، ليطالعوا فيه ~~شيئا عن حركة الأجسام. وأما النوع الجديد من القراءة، الذي استحدثته النهضة الأوروبية، فهو ~~أن يبحث الباحث عن وسيلة بصرية يراقب بها الأجسام ، وهي في حركتها محاولا أن يستخرج لتلك ~~الحركة قوانينها، كما فعل جاليليو، وكبلر، وكوبرنيق ونيوتن، لكن قراءة الطبيعة بهذه الطريقة ~~المباشرة، كان لا بد لها من منهج جديد، يجد له من فلاسفة العلم من يقننه، كما قنن ~~أرسطو قديما منهج القدماء. وهذا ما قد حدث، وأصبح للعقل الأوروبي منهجان؛ يستخدم أحدهما ~~إذا كان بصدد عملية توليدية، كما هي الحال في الرياضة وفي كثير جدا من ضروب استدلال ~~النتائج التي تتولد من شيء مكتوب، ومنهج آخر يستخدمه إذا كان المقروء ظاهرة طبيعية، ~~يراد دراستها بطريقة مباشرة، لاستخراج قوانينها. وبينما «الغرب الشمال» منطلق في سبيله ~~على ساقين، اختار «الشرق الجنوب» لنفسه أن يحجل على ساق واحدة، فيفكر بمنهج واحد كان ~~فيما مضى صالحا لكل ميادين النشاط العلمي، ولم يعد اليوم صالحا إلا في جانب ضيق من ~~جوانب الحياة الجديدة، فدخل «الغرب الشمال» عالما جديدا، لغته الآلات والأجهزة التي لو ~~بعث من الأقدمين أحد ليرى شيئا منها لجن جنونه. وأما «الشرق الجنوب» فقد وقف بمنهجه ~~التوليدي، يستولد جملة من جملة، ونتيجة من مقدمة، حتى إذا ما رزقه الله مالا، اشترى ~~بماله بعض ما يجود به «الغرب الشمال» من أساليب الحضارة الجديدة ووسائلها. # ولما بلغت من حديثي هذا المدى، اتجهت نحو الشاب العربي الذي طلب مني أول الأمر، أن ~~أزيده توضيحا: لماذا تخلفنا في موكب الحضارة، بعد أن كنا طلائع، وخاطبته قائلا هذا ~~هو جوابي على سؤالك يا أخي الصغير، إننا تخلفنا؛ لأن ضرورة التطور كانت تقتضي أن نضيف ~~منهجا جديدا إلى منهج قديم، كما فعل «الغرب الشمال»، فاستطاع بهذه الإضافة أن يجمع بين ~~علوم الرياضة وعلوم الطبيعة، وأن يجمع بين قراءة الصحائف وقراءة الظواهر في آن معا، لكننا ~~أبينا أن نفعل ذلك، جهلا، أو ضعفا، أو عنادا، فكان ما ms210 كان. # وليس الفرق بيننا وبينهم بمقتصر على مجرد فرق بين إنسان يسير على قدمين، وآخر يعرج ~~على قدم واحدة، بل إن الأمر ليتسع ليشمل جانبا آخر، ربما كان أهم وأخطر، وهو أن المنهج ~~القديم الذي ما زلنا نحن نعيش في كنفه، من شأنه أن ينتهي بصاحبه إلى عدة أمور كلها ضار؛ ~~منها أن العقل يبدأ الطريق بمقدمات مفروض فيها الصواب، فيصبح كالسجين الذي ضربت حوله ~~الأسوار، ولا يجوز له أن يجاوزها، ثم هو منهج يفتح المجال لصاحبه أن يختار مقدماته ~~اختيارا يساعده على الوصول إلى النتائج التي كان يشتهي مقدما أن يصل إليها، فيوهم ~~نفسه بعد ذلك أنه أقام البرهان على صحة موقفه. وإن صاحب هذا المنهج ليستطيع أن يحيا عمره ~~ويموت، وهو لم ير من الدنيا التي حوله شيئا، ومع ذلك يعد نفسه «عالما»، عالما بماذا؟ ~~لا أدري ولا أظنه هو يدري. # وأما المنهج الجديد، الذي يستخدمه قارئ الظواهر الطبيعية، فإلى جانب كونه منهجا يكشف ~~لصاحبه عن قوانين الظواهر المقروءة، فهو أيضا يقتضي من صاحبه روح المغامرة؛ إذ بينما زميله ~~صاحب المنهج القديم ينشد اليقين الثابت (وهو يقين لأنه لا يضيف إلى الدنيا كشفا جديدا، ~~ويكتفي بتكرار المجموعات اللفظية المسطورة في الكتب) أقول إنه بينما صاحب المنهج القديم ~~ينشد اليقين الثابت، ليركن إليه ركون المستسلم الراضي، ترى كاشف أسرار الكون بالمنهج ~~الجديد، لا محيص له عن الاكتفاء بما هو محتمل الصواب، ومن ثم فهو قابل للتصحيح غدا وبعد ~~غد، فلا ثبات هنا ولا كون ولا ركود ولا جمود عند نتائج بعينها يقال عنها إنها الحق الذي ~~لا يتغير مع الأيام، ولا يتبدل. # على أن العلم الجديد بمنهجه الجديد، وهو يبث في أصحابه روح المغامرة والقلق، إذا قيست ~~بما يقتنع به أهل المنهج القديم من طمأنينة الساكن المستقر، فإن المغامرة هي مغامرة محسوبة ~~تهدي ولا تضلل، وإن القلق هو قلق النبض الحي، أرأيت يا صاحبي كيف يكون الفرق بين ~~منهجين، فرقا بين حياة وموت؟ # | قوة المستغني # من الذي وضع الابتسامة ms211 المشفقة الساخرة على شفتي أبي الهول، ثم من بعده على كل شفتين ~~في تمثال نحته إزميل فنان من الأقدمين؟ إنها ابتسامة ساخرة من صغائر الناس وعوابر ~~الأحداث، مشفقة على من يوسوس له الشيطان بأن يشتري لنفسه لحظة من حياة خاطفة بعالم ~~الخلود! ومن الذي أقام المعابد على عمدها الشوامخ الرواسخ، ورفع المسلات في الأبراج ~~والمآذن في سمائنا مشيرة بأصابعها إلى خالق الأرض والسماء؟ ومن الذي علم الدنيا كيف ~~يستطيع الإنسان أن يستغني عن هذه الحياة وزخارفها، فينتبذ لنفسه صومعة قصية في قلب ~~الصحراء، وهناك يترجم الوجود كله إلى معبود وعابد؟ إنه المصري على امتداد العصور. # وهذا المصري هو نفسه الذي بات يحيرني بمفارقات مواقفه وسلوكه! فلماذا وقف الرجل الذي ~~رأيته في الصباح واقفا أمام من وقف أمامه، وذراعاه مكتوفتان على صدره، وعيناه مصوبتان ~~نحو الأرض، كأنه أمام ربه يؤدي فريضة الصلاة؟ ترى هل أخطأ وجاء يطلب المغفرة من سيده، أو ~~أراد لنفسه نفعا، فخشع في حضرة من بيديه المنافع؟ لست أدري، فقد كنت ساعتها عابر طريق، ~~لكنني عدت إلى داري، والدماء تغلي، وأخذ السؤال يلح على فكري، حتى صرت لا أكاد أقعد على ~~الكرسي حتى أقوم، ولا أكاد أقوم حتى أقعد، ومع القعود والقيام يتكرر سؤالي: لماذا يخشع ~~المصري كل هذا الخشوع، ويضع نفسه مواضع الضراعة، سواء أراد اجتلاب المنفعة أم أراد دفعا ~~للضرر؟ لماذا، وهو يعلم أنه هو هو الإنسان الذي رسم بإزميله ابتسامة ساخرة مشفقة، متجها ~~بها نحو من تشغله الصغائر، ثم هو هو العارف لعظمة الخالق، فأقام لعبادته المعابد على عمدها ~~الشوامخ الرواسخ، ورفع إلى السماء أكف الدعاء في مسلاته وأبراجه ومآذنه، وعلم الدنيا ~~بأسرها كيف يمكن للإنسان أن يستقطب الوجود كله في صومعة لا حضور فيها إلا لمعبود ~~وعابده؟ # كثيرا ما سمعت من غير المصريين تعليقا وتساؤلا عن هذه الظاهرة المصرية، التي ينخدع ~~بها من لا يعرف عن المصري حقيقته، فكنت أسمع السائل وهو يسأل: ما سر هذا «الخنوع» عند ~~المصري؟ # فأنتفض مجيبا: خنوع؟! هل ترى ms212 عذوبة المتحضر ووداعته خنوعا؟ هل تنقلب وداعة من ~~هذبته الأديان خنوعا؟ لا يا سيدي، اقرأ ملامح المصري في تعامله مع الناس، اقرأها ومعك ~~عمق التاريخ، كما تقرأ أحرف السماء - أعني كواكبها ونجومها - في أبعادها الفلكية، فإذا ~~رأت عيناك نجما في حجم الدرهم، فاعلم أن موقفك الأرضي هو الذي يوهم عينيك، وأما النجم ~~على حقيقته، فقد يعدل في حجمه أرضك كلها أضعافا مضاعفة. # نعم، أقول ذلك كلما اقتضى الظرف أن أقوله، لا لأنني أكذب مخادعا، بل لأنني أعلم علم ~~اليقين أن هذا هو المصري على حقيقته، وأنه هو هذا اليقين نفسه الذي يجعلني ألقي السؤال على ~~نفسي: لماذا وقف الرجل الذي رأيته في الصباح أمام من وقف أمامه، واضعا كفيه على صدره في ~~ضراعة من يؤدي الصلاة لربه وخالقه؟ ولو كنت أعلم أن تلك هي طبيعة المصري وحقيقته، لما ~~ألقيت السؤال، وهل أسأل: لماذا يجري الماء في النهر، ويخضر الزرع في الحقول، ويولد ~~الإنسان ويموت؟ # إذا صدقتني الذاكرة، فهو الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - هو الذي قرأت له ~~هذه العبارة في كتابه «نهج البلاغة»، وقد قرأتها قراءة شاب صغير يحفظ محفوظات مقررة ~~عليه، وكان كتاب «نهج البلاغة» من الكتب التي وزعت على التلاميذ (وأقول استطرادا إن ~~كتاب نهج البلاغة للإمام علي، إنما جمع مادته، وعنونه بهذا العنوان، الشريف الرضي بعد علي ~~بنحو أربعة قرون)، وأعود إلى ما كنت بصدد الحديث فيه، وهو العبارة التي حفظتها أيام الشباب ~~الباكر، عن الإمام علي، فأصبحت عندي كما تكون البوصلة عند ربان السفينة يهتدي بها إلى أين ~~يتجه، وتلك العبارة الهادية مؤلفة من ثلاث جمل، كل جملة منها تقطر حكمة وتقول ~~حقا، وهي كما يلي: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، ~~وأحسن إلى من شئت تكن أميره (أو هي هكذا في ذاكرتي). # ولنجعل وقفتنا الآن عند الجزء الأوسط؛ لأنه موضوع هذا الحديث الذي نجريه الآن: استغن ~~عمن شئت تكن نظيره، ولست أريد أن أضخم صورتي في عيني ms213 القارئ، بل أروي له حقيقة حياتي، ~~وكيف عشتها، مهتديا بهذا المبدأ، فالله وحده أعلم كم هي حقوقي التي أهدرتها، كلما ~~وجدت أن الحصول عليها يتطلب مني الوقوف بين يدي رجل من طبعه التسلط. إن أخشى ما ~~أخشاه هو أن تضطرني ظروف الحياة أن أقف موقف السائل من أحد سؤال المحتاج؛ لأنني أعلم كيف ~~ينقلني هذا الموقف من منزلة الزميل إلى منزلة التابع، فأستغني حتى عن حقي، لأحتفظ لنفسي ~~بمكانه النظير، وربما كانت بيني وبين أحد الأصدقاء أوثق الروابط، فإذا وضع ذلك الصديق في ~~منصب له سلطان، وضعت صداقته بين قوسين، لا أرفعهما إلا بعد أن يزول عنه ذلك ~~السلطان. # لقد أنعم علي الله بما لا أستطيع إحصاءه، وأعظم تلك النعم هو أني بحكم طباعي قليل ~~الرغبات، وحتى إذا كانت بي رغبة في شيء يتعذر الوصول إليه، كان من أيسر اليسر عندي أن ~~أسقطه من حسابي مستغنيا، وكأنما الذي أفلت من يدي حصاة من الرمل، وأنا مع الشاعر ~~العربي الذي نفذ ببصيرته إلى حقيقة النفس البشرية، فقال عنها إنها تنزع إلى الرغبات نزوعا ~~يشتد إذا دفعها صاحبها إلى ذلك، لكنها - بطبيعتها أيضا - تكتفي بالقليل إذا راضها ~~صاحبها على مثل هذا الرضا (والنفس راغبة إذا رغبتها (بتشديد الغين) وإذا ترد إلى قليل ~~تقنع). # على أني بهذا القول، لا أدعو إلى زهد ولا إلى خشونة عيش، وإنما المثل الأعلى كلما ~~أراه، هو أن يملك الإنسان زمام نفسه، بحيث يعرف متى يرغب ومتى يستغني، حتى لا تستعبده ~~الرغبات، فهذا الجمع بين أن أسعى نحو تحقيق الأهداف بكل ما وسعني من قوة ونشاط، وأن ~~أستغني - في الوقت نفسه - عن الأهداف التي تجر وراءها ذلة النفس، أقول إن هذا الجمع بين ~~الموقفين هو المثل الأعلى كلما أراه، وهو نفسه الصورة المثلى التي تحققها الحياة ~~الرياضية، لمن يحيا تلك الحياة كما ينبغي لها أن تكون؛ فلاعب الكرة - مثلا - لا بد أن ~~يبذل أقصى جهد مستطاع للفوز، لكنه كذلك مطالب بأن يعرف كيف يتقبل الهزيمة دون أن يفقد ms214 ~~ذرة من الثقة بنفسه، فمثل هذا الميزان الحساس الذي نقيمه في حياتنا لنهتدي به إلى ~~اتخاذ الموقف الصحيح كلما تحققت لنا رغبة أو تعذرت أخرى، هو الذي يجنبنا الوقوف في مثل ~~ما رأيت من رأيته هذا الصباح ضارعا خاشعا، وكأنه في الحضرة الإلهية يؤدي فروض ~~الصلاة. # لعله من أميز ما يميز الشخصية المصرية، قدرتها على الجمع بين دينها ودنياها، فانظر ~~إلى المصري في معظم مراحل تاريخه، تجده هو الصانع البارع، والزارع الخبير، والمعماري ~~القدير، وهذا كله خبرة وعلم بشئون الدنيا ومادتها، ولكنه من الناحية الأخرى يتجه بخبرته ~~وعلمه نحو تحقيق أهداف كبرى تتصل بما بعد الموت، فماذا كان في قلب المعماري الذي أقام ~~المعابد القديمة أو الحديثة على السواء، إلا شعور فيه طبيعة العبادة، بأن فنه مستخدم في ~~خدمة الدين؟ لقد قرأت للفيلسوف «البريطاني-الأمريكي» هوايتهد قوله بأن حضارة الإنسان قامت ~~على رجال ثلاثة: المصري بصناعته، والفلسطيني بديانته، (ولعله بهذا يشير إلى اليهودية ~~والمسيحية فنحن نضيف الإسلام)، واليوناني بفلسفته وعلمه. والذي يهمنا في سياق حديثنا ~~هذا، هو القدرة الصانعة من طبيعة المصري، والصنعة المشار إليها تشمل بالطبع صنعة الفنان، ~~من تصوير ونحت وعمارة، إلى جانب غيرها من الصناعات التي اقتضتها الحروب والحياة اليومية. ~~ولو بحثنا عن محور رئيسي كانت تلك الطاقة الصانعة تدور حوله وتستهدفه، لما ترددنا في ~~القول بأنه محور متصل بالحياة الآخرة، أي أنه متصل بالروح، فلم يجد المصري القديم ~~صعوبة في أن يدمج الطرفين في حياة واحدة، وهذا هو نفسه الذي نتبينه في حياة المصري خلال ~~المرحلة المسيحية، التي امتدت نحو ستة قرون، ثم المرحلة الإسلامية بعد ذلك، إذ إن أهم ~~ما خلفته لنا المرحلتان من فن وصناعة، متصل بالحياة الدينية. # ومن هنا تعذرت التفرقة في سلوك المصري، بين ما هو روحاني وما هو مادي. نعم إننا ~~نجريها على ألسنتنا في غير تردد، بأننا روحانيون، بينما أصحاب الحضارة العصرية من أهل ~~الغرب ماديون، ثم ترانا نتخذ من هذه النقطة مبررا لنا في أن ندير ظهورنا للفكر ~~الوافد من ms215 الغرب، ولكنني أعترف أمام القارئ، بأنني كثيرا جدا ما أمعنت النظر - ما ~~وسعني الإمعان - للوقوع على الفارق الجوهري الذي يميز ما نسميه بالروحاني، مما نسميه ~~بالمادي، فلأهل الغرب عقائدهم الدينية من أغلبية مسيحية إلى أقليات يهودية وإسلامية، ~~ولأهل الغرب جمعيات خيرية لا حصر لها تعين العاجز والفقير، ثم لأهل الغرب فنون وأدب، لهم ~~موسيقى وشعر ومسرح ورواية وتصوير ونحت. وماذا تكون هذه الأشياء كلها إن لم تكن لمعات ~~روحية؟ إذن، أيكون الفارق الذي يميز ماديتهم من روحانيتنا هو العلم، وما يلحق به من ~~أجهزة وآلات؟ لكن دقق النظر معي قليلا، وانظر إلى ما وقعت عليه عيناك من أجهزة وآلات، ~~كالراديو أو التليفون، أو مصباح الكهرباء، وسل نفسك: أهذا الذي أراه مجرد كتلة من مواد ~~ركمت بعضها فوق بعض؟ أم هو بناء يسري في أجزائه وفي أوصاله «عقل» يتمثل في «العلم» الذي ~~على أساسه أقيم، وعلى أساسه يعمل، وإذا كان ذلك كذلك، فبأي حق نتخذه علامة على حضارة ~~مادية، ولا نتخذه دليلا على حضارة «عقلية» أو «علمية»؟ والعلم والعقل هما بغير شك ~~أقرب إلى الروحاني، منهما إلى المادي. # على أنني بعد أن أعرض على نفسي أمورا كهذه، كلما حاولت الوقوع على الفارق الرئيسي بين ~~الروحانية والمادية، أجدني ما أزال أمام مشكلة لم تحل؛ إذ أشعر أن ثمة فارقا، برغم أني ~~لم أقع عليه، وآخر جهدي في هذا السبيل هو أن الروحانية علامتها تعليل الظواهر والوقائع ~~والحوادث - تعليلا كليا أو جزئيا - بقوة غيبية، لا قبل للإنسان حيالها إلا أن ~~«يؤمن» بها؛ لأنها ليست مما يدخل في ميدان العلوم ومناهجها. وأما المادية فهي تلك التي ~~تصر على تعليل الواقع الفعلي بواقع فعلي آخر، ثم تستخرج من المتلازمات قوانينها التي ~~تقنن ذلك التلازم بينها تقنينا رياضيا كلما أمكن ذلك. # ومع ذلك، فإذا كان هذا هو الفارق الرئيسي بين الروحانية والمادية، فمن الواضح أن الجانبين ~~لا يتناقضان، بمعنى أن الفرد الواحد يمكن أن يكون في حياته روحانيا وماديا معا، فهو ~~روحاني في المجال الذي يرجع ms216 فيه إلى قوة الغيب، وهو مادي في المجال الذي يجد أن الواقع ~~الحسي يكفي نفسه بنفسه، وهو أمر يتم بمشيئة الله. # وقد يكون ذلك هو نفسه معنى الجمع بين الدين والدنيا في حياة واحدة. # وعند هذه النقطة نعود إلى المصري، وما تميزت به وقفته الحضارية خلال العصر، وقد قلنا ~~إنها تميزت بمثل هذا الجمع في وحدة عضوية متسقة ومتماسكة، إلا في فترات ضعفه، عندما ~~يفقد قدرته على الإبداع الحضاري، فلا يبقى له بين يديه إلا جناح واحد، يرفرف به، ولكنه ~~لا يطير، وفي هذه المناسبة أقول إنه قد لفت انتباهي ذات يوم، أن قيصر والمسيح (عليه ~~السلام) قد جاء كلاهما إلى مصر، لم يفصل بين مجيئهما في الزمن إلا خمسون عاما أو ما يقرب ~~منها، فما وسعني ساعتها إلا أن أتساءل مع نفسي: ألا يكون هذا في حد ذاته مذكرا للمصري ~~بأن مشيئة الله قد أرادت لمصر أن تكون نقطة التقاء بين مجد الدنيا وعظمة الدين؟ # فلو كانت أخلاق المصري لتستقطب هذه المزاوجة بين الدين والدنيا، استقطابا حيا صادقا، ~~لرأيناه دائما طائرا بجناحين: جناح العبادة، وجناح العلم والعمل والإنتاج، ولشاهدنا ~~مئذنة المسجد ومدخنة المصنع متجاورتين في حياته، كل له واجبه وله حكمته، ثم لوجدنا ~~المواطن المصري عزيز النفس بإيمانه وبإنتاجه معا مستغنيا بذلك الإيمان، وبهذا الإنتاج عن ~~أي موقف يأتيه بالإذلال، وعندئذ ما كنت لأرى مثل ذلك الرجل الذي رأيته في الصباح واقفا ~~بين يدي من وقف أمامه، باسطا كفيه على صدره، خاشعا ومصوبا عينيه نحو قدميه، وكأنه ~~ماثل أمام ربه يؤدي فروض الصلاة. # | قراءة في كراسة مجهولة # كان شابا في نحو الخامسة والعشرين، لكن عينيه كانتا تلمعان بنضج أكبر من عمره، وفي ~~نبرات صوته هدوء وعمق، كأنما هو قد جاوز الأربعين، وحالته في مجموعها تنطق بالهموم التي ~~لعله كان رازحا تحتها كما يرزح عائل أسرة كبيرة. كنت أعرف عنه أكثر مما أعرفه باللقاء ~~المباشر، فقد كان أبوه صديقا عزيزا، وكان كثيرا ما يذكر لي في أحاديثه ولده هذا ~~إسماعيل. ms217 # فوجئت بزيارته لي في منزلي، وأحسنت لقاءه، فما كاد يجلس على حافة المقعد، كأنه يخشى ~~إزالة الكلفة بيننا إذا هو استند إلى ظهر المقعد، أو أراح مرفقيه على الجانبين، أقول إنه ~~ما كاد يجلس تلك الجلسة القلقة، حتى هم بالحديث عما جاء من أجل الحديث فيه، فقال وهو على ~~شيء من لهاث التعب والقلق والرهبة: مات أبي منذ عام ونصف عام. # قلت: أعلم ذلك يا ولدي، أعلم ذلك، فقد كان والدك صديقا كريما، ولطالما قضيت معه ~~الساعات الطوال في مكتبته، أعني بين أكوام الكتب التي وضعها في غرفة مكتبه أكداسا ~~أكداسا. # قال: لقد بعنا مكتبته منذ قريب. # قلت: لمن؟ # قال: لإحدى الجامعات. # قلت: هذا خير، فسوف يظل أبوك حيا بك وبإخوتك، وبها كلما أشعت بنورها في طلاب ~~العلم. كانت مكتبة أبيك فريدة في نوعها، فقد كنت أشعر كلما زرت أباك، وقضينا الأمسية في ~~غرفة مكتبه، وحولنا خزائن الكتب تدور مع جدرانها الأربعة، وبحذاء تلك الخزائن أكداس من ~~الكتب ركمت في غير نظام، كنت أشعر بعبير المعرفة يفوح، وما كل مكتبة توحي للجالس فيها ~~بهذا الشعور، فما أكثر ما جالست أصدقاء في غرف مكاتبهم، وحولنا كتب، لكنها كانت كأنها ~~قوالب الطوب أعدت للبناء. إنني أذكر الإجابة التي أجابني بها أستاذ الفلسفة في جامعة ~~لندن، منذ عشرات السنين، أذكرها وأذكر دهشتي لها، إذ أملى علي قائمة بأسماء المراجع، ثم ~~سألني: أتعرف من أين تشتريها؟ قلت له: نعم سأشتريها من المكتبة الفلانية، فقال بسرعة ~~وبانفعال ظاهر: لا، لا إن المكتبة التي ذكرتها تبيع الكتب، وكأنها قطع من الفحم لوقود ~~المدافئ، إنني لا أشتري الكتاب إلا من مكان يعرف أصحابه قيمة الكتاب من حيث هو كتاب، وأما ~~أصحاب المكتبة التي ذكرتها فيعرفون ثمن الكتاب، ولا يعرفون قيمته، وهكذا يا إسماعيل يا ~~ولدي، كنت وأنا مع أبيك في مكتبة داره، أحس بعطر المعرفة، وهنالك آخرون لا أشم في ~~مكتباتهم إلا رائحة الورق. فابتسم الشاب ابتسامة حزينة، ثم قال: لقد حرصنا كل الحرص، قبل ~~أن نسلم ms218 المكتبة لشاريها، على أن نفحص الكتب وما بين الكتب؛ لأن والدي رحمه الله، كان ~~يبعثر أشياءه بغير حساب، فوجدنا أشياء كثيرة لم نتوقعها: وجدنا نقودا ورقية داخل ~~الكتب، ووجدنا أوراقا بالغة الأهمية متناثرة خلف صفوف الكتب، ثم وجدنا هذه الكراسة، التي ~~أظنها تحتوي على كتابات أدبية، فرأينا أن نتركها معك لترى فيها ما تراه. وناولني ~~الكراسة في غلافها كما وجدها. # أخرجت الكراسة وتصفحتها تصفحا سريعا، فكان أول ما لحظته فيها، عبارة كتبها في صفحة ~~وحدها، هي الصفحة الأولى من الكراسة، يقول فيها: إنه لا يريد لشيء مما ورد في هذه ~~الصفحات أن ينشر في حياته، وإذا نشر منه شيء بعد موته فلا يذكر اسمه. كان المحتوى ~~أشبه بيوميات، لكن كاتبها لم يذكر لأي منها تاريخها، وكانت تتباين في طولها، فبعضها لا ~~يملأ صفحة واحدة، وبعضها الآخر قد يطول عدة صفحات على أن معظمها كان يتوسط بين القصر ~~والطول. # تركني الشاب، فلم أملك على الكراسة صبرا، وأخذت أقرأ، فوقفت عند يومية منها برهة ~~أتأمل مضمونها ومغزاها، ثم قررت نشرها كما وردت، وها هي ذي بين يديك: # إن ضمير الوالد إزاء ولده، ليتأزم إذا ما وجد الوالد نفسه بين أمرين: أحدهما ~~يوجب عليه ألا يوصي ولده إلا بما ترضى عنه الأخلاق في مثلها العليا، بينما ~~يوحي إليه الأمر الآخر ألا ينصح ولده إلا بما يكفل له النجاح في حياته. ولو كان ~~هذا النجاح المأمول يتحقق للراغبين فيه تحت مظلة الأخلاق القويمة، لما كان هناك ~~إشكال، لكن الأمر الواقع في حياتنا العملية لا يترك لنا مجالا للتشكك أو ~~التردد، في أن المواطن الطموح قد يصادف في طريق حياته عشرات المواقف التي يكون ~~الأمر فيها هو إما ... وإما ... أي أنه يكون إما أخلاقا قويمة ولا نجاح، وإما نجاحا ~~ولا شيء من تلك الأخلاق القويمة فأيهما يختار. # وتلك هي أزمتي اليوم مع ضميري، فأنا أكتب هذه الصفحات، راجيا أن تتهيأ الظروف ~~التي تتيح لولدي إسماعيل أن يقرأها، فلست أجرؤ على مواجهته بها، فضلا عن أني ms219 ~~أوثر لولدي أن يجمع بنفسه حكمة الحياة لنفسه، وماذا كنت لأقول له إذا أردت له ~~الهداية، اعترافا من خبرتي؟ أأوصيه - مثلا - بالتواضع كما تريد لنا الأخلاق ~~المهذبة الكريمة أن نكون؟ ولكن كيف وأنا أريد له النجاح، بالمعنى الذي لا يفهم ~~شعبنا النجاح إلا به؟ وخلاصة ذلك المعنى هي أن يكون الإنسان في موقع يمكنه من ~~السلطة والتسلط. القيمة العليا، التي لا تعلو عليها قيمة أخرى في ترتيب القيم ~~عندنا هي أن تكون ذا سلطان، لتكون نافذ الكلمة، تنفع وتضر، فيكون لك الأتباع ~~والرعايا يحيطون بك ضارعين مادحين، التماسا للنفع ودفعا للضرر، ومواقع السلطة ~~لا تتحقق لعشاقها إلا بشروط، أولها وأهمها: أن يحسن الواحد منهم إساءة الأدب! ~~كلا، لا تضحك من عبارتي فأنا أقصدها بكل كلماتها وحروفها فقد يسيء الإنسان أدبه ~~بغير تدبير محكم، فيسقط في الهاوية، لكن الذي يسيء الأدب ليصعد بتلك الإساءة ~~سلم المجد، لا بد له من الروية والتدبير في رسم الخطة لتلك الإساءة لكي تأتي ~~النتائج بطريقة طبيعية لا تصدم العرف بين الناس. # وأضرب لك مثلا واحدا لما أعنيه بالإساءة المدبرة في روية وإحكام، والمثل ~~الذي أضربه هو ما أسميه بفن المسافات. كأني أراك قد رفعت حاجبيك دهشة وتساؤلا: ~~فن المسافات! ماذا تريد؟ فأقول: نعم يا ولدي فن المسافات، فلطول المسافة بينك ~~وبين الآخر إذا وقفتما تتحادثان، أو جلستما معا في مكان، علاقة وثيقة بالرتبة ~~الاجتماعية التي لكل منكما، فإذا تساوت بينكما تلك الرتبة تساويا معترفا به، ~~فلا ضير عندئذ في أن تجلسا على مقعدين متجاورين، أو على أريكة واحدة، أما إذا ~~قر في نفس أحدكما أنه أعلى رتبة حرص حرصا شديدا على ألا تقصر المسافة بينكما ~~إذا وقفتما، وألا يتجاور المقعدان إذا جلستما، وها هنا يتميز من يحسن إساءة ~~الأدب طلبا للصعود عمن لا يستطيع تلك الإساءة المدبرة، فلا يكون له بإذن الله ~~صعود. أما الأول فيعرف لنفسه مقدما أين يقف أو يجلس، ولا يترك الأمر فوضى تلعب به ~~المصادفات، ولقد رأيت يا ولدي من لعبة ms220 المسافات هذه فنونا كلما ذكرت منها شيئا ~~تحيرت حيالها بين الضحك والبكاء. # وأعود إلى ما كنت بصدد الحديث فيه، وهو عن الأزمة التي يتأزم بها ضميري إذا ~~أردت لولدي شيئين معا، وهما أن يكون ذا خلق مهذب، وأن يكون في الوقت نفسه ~~ناجحا، بمعنى النجاح الذي يفهمه شعبنا، فبماذا أوصيه إذا وجدت أن حياتنا كثيرا ~~جدا ما تأبى أن يجتمع هذان الشيئان معا، وكأنهما نقيضان؟ أأوصيه بالتواضع ~~فأضيعه أو أوصيه بقلة الأدب، فأضيع الأخلاق؟ # أم هي يا ترى أزمة الضمير لا تقتصر علينا، بل تجاوز حدودنا لتشمل العالم كله؟ ~~إنه ليخيل إلي أن ثمة شبها قريبا بين ما كنت أعرضه في الأسطر السابقة، وما ~~ورد في جمهورية أفلاطون، أثناء محاورة المتحاورين عن العدالة ومعناها، فقد طرح ~~موضوع العدالة، وتحديد معناها - كما نعلم - في مستهل كتاب الجمهورية، لكن الحديث ~~فيه قد طال، وتفرع حتى شمل شطرا كبيرا من ذلك الكتاب، وكان الغرض منه هو أن ~~يكون الفيلسوف على بينة تامة بمعنى العدالة؛ لأنها هي أساس الدولة كما أراد أن ~~يتصورها ويصورها. طرح السؤال على المتحاورين وكان سقراط بالطبع محور المناقشة، ~~يديرها ببراعته المعهودة، فيبدأ كيفالوس بالقول بأن العدالة هي في صدق القول، ~~والوفاء بالدين (بتسكين الياء)، لكن بعد مناقشة قصيرة ظهر قصور هذا الرأي ~~ورفض، فتقدم بعده بوليمارخوس برأي آخر يقول فيه إن العدالة هي في مساعدة ~~الأصدقاء، وإلحاق الضرر بالأعداء، فنوقش هذا الرأي مناقشة طالت بعض الشيء، وهنا ~~ضاق صدر ثراسيماخوس بتلك المناقشات التي تتناول العدالة من هوامشها وتترك الصميم، ~~موجها اللوم إلى سقراط في مماطلته تلك. وبعد أخذ ورد بين سقراط وثراسيماخوس، ~~كان فيه العتاب الجميل، طولب ثراسيماخوس بطرح الرأي الذي يراه، فقال: «إذن فاصغ ~~إلي، إنني أعلن أن العدالة ليست إلا صالح الأقوى.» # وقعت هذه الإجابة وقع الصواعق على آذان الحاضرين، فماذا عسى أن تكون العدالة التي ~~ينحصر معناها في خدمتها لمصالح الأقوياء؟ وأراد سقراط بتهكمه المعهود أن ~~يستخف بالرأي فبدأ بسؤاله لصاحب الرأي قائلا ما معناه: إنني ms221 أسألك لأفهم، أيكون ~~اللحم الذي يأكله المصارع هو معنى العدالة عندك إذ المصارع قوي، وصالحه من أجل ~~قوته تلك هو أن يأكل اللحم؟ فقاطعه ثراسيماخوس ضيقا بتهكمه على رأي جاد وفي ~~صميم الموضوع ؛ فليس الأمر هنا أمر مصارعين، وما يأكلونه لتقوية عضلات أجسادهم، بل ~~الأمر متعلق بأنواع الحكم. ~~«ألم تسمع قط أن أنواع الحكم تتباين، فمنها حكم الطاغية، ومنها الديمقراطية، ~~ومنها الأرستقراطية؟ وأن العنصر الحاكم هو الأقوى دائما؟ وأن الحكومة في كل حالة ~~تصنع القوانين لصالحها؟ فالديمقراطية تصنع قوانين ديمقراطية، والملكية تجعلها ~~ملكية وهكذا، وبعد سن هذه القوانين تعلن الحكومات أن ما هو عادل بالنسبة ~~لرعاياها، هو ما فيه صالحها هي نفسها، وتعاقب من يخالف ذلك على أنه خارج على ~~القانون وعن العدالة.» # لكن مؤلف المحاورة - أفلاطون - عرف كيف يتناول المتحاورون هذا الرأي بالنقد، ~~حتى انصرفوا عنه إلى غيره. وظني أنا كاتب هذه السطور أن المحاورة لم تعط رأي ~~ثراسيماخوس هذا، العناية التي كان يستحقها؛ إذ فيه من الحق أكثر جدا مما ~~يبرر أن يتناوله الحوار بالاستخفاف الذي تناوله به. # على أنني يا إسماعيل يا ولدي ما ذكرت هذا الجزء من الحوار الأفلاطوني الطويل عن ~~العدالة ومعناها، إلا لأوجه انتباهك إلى ما يحدث في حياتنا نحن، فالقوي بجاهه ~~ونفوذه أو من هو في سبيله إلى أن يظفر لنفسه بقوة الجاه والنفوذ، ليس من البلاهة ~~بحيث يسيء إلى الناس، ثم يسمي إساءته إساءة، بل يبحث لإساءته عن اسم خلاب ~~جذاب، كأن يطلق عليها اسم العدالة أو النزاهة أو حسن الإدارة، أو ما إلى ذلك من ~~أسماء تمتلئ بها قواميسهم. # كنت أحدثك منذ لحظة قصيرة كيف بدأت المناقشة عن معنى العدالة كما وردت في ~~محاورة «الجمهورية»، وكيف ألقى ثراسيماخوس بقذيفته في وجوه زملائه، وفي وجه سقراط ~~بصفة خاصة؛ لأنه هو الذي كان يدير المناقشة، وذلك حين رآهم يحومون حول الموضوع، ~~ولا يقعون على صميمه، وذلك الصميم عند ثراسيماخوس هو أن الأقوى هو الذي يقرر ~~ماذا يكون عدالة، وماذا لا يكون، مؤسسا ذلك ms222 على مصلحته الخاصة، وزاعما أنه إنما ~~أراد الحق كما ينبغي أن يكون. وإني لأتساءل وما زلت أتساءل منذ قرأت هذه المحاورة ~~العظيمة لأول مرة في أول الثلاثينيات: لماذا لم ينصف المتحاورون رأي ثراسيماخوس ، ~~مع أنه الحقيقة الواقعة التي تصدم كل من أراد إنكارها؟ أيكون ذلك لأن شيخ الفلاسفة ~~أفلاطون، قد أراد أن يسير بالمناقشة سيرا يؤدي به، لا إلى واقع العدالة كما يقع كل ~~يوم أمام أبصارنا، بل إلى المثل الأعلى كما ينبغي أن يكون؟ أظن ذلك، وأما ذلك ~~المثل الأعلى الذي قصد إليه، فهو أن العدالة في حقيقتها ليست كائنا قائما بذاته، ~~بل هي محصلة عناصر أخرى، فإذا ما اجتمعت تلك العناصر في مجتمع قلنا عنه إنه ~~مجتمع تسوده العدالة. وخلاصة رأيه في ذلك هي أن المجتمع الذي تسوده العدالة هو ~~ذلك الذي يوضع كل فرد من أفراده في الموقع الذي يناسب قدراته الفطرية. # وإنما أردت الإفاضة في الشرح - يا إسماعيل يا ولدي - لكي أفتح عينيك لواقع الحياة ~~في بلادنا، فلا تقل - مثلا - إنني أكثر علما من فلان، فلماذا لا أوضع فيما ~~خلقني الله له، ثم يوضع فلان ذاك الذي هو أقل موهبة وأقل علما فيما لم يخلقه ~~الله له، لا، لا تقل هذا يا إسماعيل يا ولدي؛ لأن ذلك معناه أنك تريد لبلدنا عدالة ~~من الصنف الذي تخيله أفلاطون، وهو المثل الأعلى، لكن أفلاطون ومن لف لفه - ~~كما تعلم - فلاسفة يطيرون بأجنحة من الشمع فوق السحاب لا تكاد تمسها لسعة الشمس ~~الصافية، حتى تذوب الأجنحة، ويهوي المساكين إلى سطح الأرض ركاما من حطام، فخير ~~لك إذا أردت النجاح أن تعترف بعدالة الأمر الواقع، التي قدمها ثراسيماخوس، والتي ~~هي العدالة كما نعرفها نحن في حياتنا؛ وأعني العدالة التي يقيم الأقوياء موازينها، ~~فكن قويا بمعيارهم تكن عادلا في كل ما تقول وتفعل، إلى الدرجة التي تستطيع عندها ~~أن تكون عالما بلا علم، وأديبا بغير أن تمسك بالقلم. إنها أشياء أشبه ~~بالمعجزات يا ولدي ... لكن لا، وألف مرة لا - يا إسماعيل ms223 يا ولدي - فهؤلاء العلماء ~~بغير علم، والأدباء بغير كلمات، والفنانون بغير الفراجين والإزميل سيبحث عنهم ~~أبناء الجيل التالي، فلا يجدونهم، لا، بل لن يبحث عنهم أحد؛ لأن أحدا لن يسمع لهم ~~صوتا ولا ذكرا. # اعمل يا إسماعيل ما وسعك العمل، صل ليلك بنهارك، كن دءوبا وراء أهدافك ~~العليا دأب الكوكب الدوار، اجعل لنفسك رسالة تؤديها للآخرين، وإلا كانت حياتك ~~نافلة لا تغني أحدا ولا تغنيك. وقد يطول بك الزمان قبل أن تقطف الثمر، لكنك بإذن ~~الله بالغه وقاطفه. انظر إلى من حفظ الناس أسماءهم وحمدوا أفعالهم أو أفكارهم ~~أكانوا من أنصار العدالة على نموذج ثراسيماخوس أم كانوا من أنصار العدالة على طراز ~~أفلاطون؟ أكانوا ذوي جعجعة بلا طحن، أم عرفوا مواقع قدراتهم، فأنتجوا وبقي ذكرهم ~~حيا على صفحات التاريخ، إن الله - يا ولدي - لا يضيع أجر من أحسن عملا. # تلك هي الرسالة التي استوقفتني في الكراسة المجهولة، لم يجرؤ الوالد أن يواجه بها في ~~حياته ولده، فرأيت نشرها لعل ولده يتلقاها، فيستريح أبوه في مثواه. # | هيا إلى اقتحام العقبة # إنني لا أعرف - يا عزيزي القارئ - من أنت؟ أي مرحلة من مراحل العمر عسى أن تكون وكم ~~خبرت - يا ترى - حياتنا وحياة العالم من حولنا؟ ثم لا أعرف عنك ما هو عندي أهم من ذلك ~~كله، وهو موقفك مما أكتبه إذا كنت تتابع قراءته. أأنت في موقف المتقبل أم في موقف ~~الرافض؟ فحتى الرسائل التي تأتيني من القراء، لا تدلني على كثير مما أريد الآن أن أعرفه؛ ~~لأنها رسائل تعكس اتجاهات مختلفة اختلاف أطياف الضوء السبعة بعد اختراقه قطعة من البلور، ~~فأين أنت - عزيزي القارئ - من تلك الأطياف؟ ذلك ما لست أعرفه. ومع ذلك فإني أوجه إليك ~~أنت الخطاب؛ لأنني إذا كنت أجهل عنك كل شيء مما ذكرت، فأنا على يقين من أنك لا بد أن ~~تكون قد علمت عني مما قرأته لي، أني أقول ما أعتقد أنه الحق، ولا أجامل أحدا، أو إن ~~شئت عبارة أصدق وأدق، فقل إني لا ms224 أجامل أحدا إلا بالحد الأدنى من المجاملة، وهو ~~الحد الذي يقتضيه مني كوني عضوا في مجتمع، وعلى هذا الأساس وحده، أذنت لقلمي أن ~~يتقدم إليك بهذه الصفحات، بكل ما فيها من جرأة وصراحة ، فهي إن لم تجد عندك القبول ~~والرضا، فلا أقل من أنها ستلقى منك العفو والمغفرة، فمصر هي مصرنا جميعا على السواء. ~~وحسب المصري أن يصدق القول ويخلص النصيحة، فما بالك إذا كان هذا المصري المخلص الصادق ~~قد بلغ من عمره ما بلغت، ومن حقه أن يفصح عما في نفسه قبل أن ينسدل الستار! # ولعلي أحسن صنعا لو بدأت بما كان ينبغي أن يكون الختام، وهو أننا إلى يومنا هذا لم ~~ندخل بعد في حضارة القرن العشرين وثقافته، مع أنه لم يبق منه - عند كتابة هذه السطور - إلا ~~سبعة عشر عاما، ويا ليتنا نستطيع الدخول فيه من آخر أعوامه، عندما توصد الدنيا دونه ~~الأبواب، لتدخل مرحلة جديدة. ويكفينا أن ندخل من حيث يخرجون، وأن نبدأ شوطا انتهوا منه ~~وطووه وفرغوا لسواه. ولكن كيف حدث لنا هذا كله، ولماذا؟ وإذا كانت في طريقنا عقبة، فما هي؟ ~~وما الذي يحول دون اقتحامها لينفتح الطريق؟ # اصحبني يا عزيزي القارئ، وسننتقل معا خطوة خطوة، حتى يتبين بياض الحق من سواد الباطل، ~~وسأحتكم في كل خطوة نخطوها معا إلى عقلك، وقلبك، وضميرك! سأحتكم إلى عقلك كلما استخرجنا ~~نتيجة من المعطيات التي بين أيدينا، راجيا ألا تكون من هؤلاء الذين يقرون بأن ~~المعطيات هي كذا وكيت، حتى إذا ما رأوا النتيجة التي تترتب على تلك المعطيات، أخذهم ~~الفزع وفروا هاربين. وسأحتكم إلى قلبك من حيث أنت وأنا مصريان، يمتلئ قلبانا حبا لمصر ~~وأملا في ازدهارها، فلا يتأتى السكوت على عقبات نراها ملقاة في طريقها، لتحول بينها وبين ~~سيرها إلى أمام، وسأحتكم بعد هذا وذاك إلى ضميرك؛ لأنه المحكمة التي تكمن لك بين جوانحك ~~لتحكم لك أو عليك؛ إذ قد يرى عقلك الرأي الصواب، وقد ينبض قلبك عطفا على ما ارتآه العقل، ~~ومع ذلك تجمد ms225 في مكانك لا تحرك ساكنا ولا تسكن متحركا، فعندئذ يأتي مهماز الضمير الحي ~~ليدفعك إلى القيام بواجبك. # والخطوة الأولى في طريق سيرنا، هي أن نضع أصابعنا على مفتاح العصر الذي أسميناه بالقرن ~~العشرين ، والذي زعمت لك أننا لم نخط فوق عتبته دخولا في رحابه، مع أنه قد دنا من ختامه. ~~وأقول إن الخطوة الأولى هي أن نقع على «مفتاح» العصر؛ لأنني أعلم كم ننخدع، أو قل كم نخدع ~~أنفسنا بما نحن فيه، فنتوهم، أو نوهم الناس، أننا قد بلغنا الأوج، والعلة هنا هي أننا ~~نخلط بين ما هو مجد قديم، وبين ما كان ينبغي أن يكون مجدا جديدا. على أن هنالك فوق تلك ~~العلة علة أخرى أشد استعصاء، وهي أن عددا ضخما من أولي الرأي فينا، لا يعرفون عن روح ~~عصرنا لا قليلا ولا كثيرا، وإلى جانب العلتين علة ثالثة تؤدي بنا إلى حالة خداع النفس ~~التي نعيش فيها، وهي أننا ننظر إلى حياتنا فنجد على ساحتها كل صنوف الآلات والأجهزة التي ~~عرف بها عصرنا، فنظن أننا قد دخلنا العصر من أوسع أبوابه، ما دامت السيارات تملأ ~~الشوارع، وأجهزة التليفزيون والثلاجات والأدوات الكهربائية المختلفة تملأ المنازل، ~~والطيارات تدمدم في جو السماء، والمصانع على أرضنا أشكالا وألوانا، وننسى حقيقة هي أوضح ~~من الشمس في ظهيرة الصيف، وهي أن ذلك كله صنعه غيرنا، والعلوم المجسدة فيه هي علوم ~~غيرنا، وأن دورنا لا يزيد على أن اشترينا ما صنعه الآخرون، وحفظنا عن ظهر قلب - إذا ~~كنا قد حفظنا - ما وصل إليه الآخرون من علوم. # تجتمع في صدورنا تلك العلل الثلاث جميعا، فننخدع ونظن أننا من أبناء القرن العشرين ~~حقا، حضارة وعلما وثقافة، وما نحن كذلك. ولكي نوضح حقيقة الأمر، علينا أن نبحث في هذا ~~العصر عن «مفتاحه» لنرى إذا كان ذلك المفتاح في أيدينا، أم هو شيء لم يدخل عقولنا بعد، بل ~~ربما إذا عرفناه تنكرنا له ورفضناه. وأما ذلك المفتاح فيما أرى - ومن حقك أن ترفض ~~الرأي، وتبحث لنا عن مفتاح آخر ms226 إذا استطعت - ذلك المفتاح هو أن الأقطار الرائدة في حضارة ~~العصر وثقافته، قد استبدلت بالطريقة القديمة في قراءة الكون وكائناته، طريقة أخرى جديدة، ~~فكان ما كان من نتائج لا تقع تحت الحصر. فأما قراءة الكون على الطريقة القديمة، فكانت ترى ~~في الكون من حيث هو كل، وترى في أي كائن من كائناته، كالشمس والقمر والشجرة والنهر والفرد ~~الواحد من حيوان أو إنسان، أقول إن الطريقة القديمة في قراءة الكون وكائناته هي أن ترى كل ~~كائن على أنه ذو هوية ثابتة، فالشمس أولها شمس، وأوسطها شمس، وآخرها شمس، والنهر الذي يجري ~~في بلادنا كان هكذا في أول عهده، وفي أواسط عهوده، وفي آخر عهده على السواء، وأنت وأنا وهذا ~~وذاك، كل منا ذو كيان ثابت الهوية منذ ولد وإلى أن يموت، وهكذا وما يقال في هذا عن ~~مفردات الأشياء، يقال مثله على الكائنات المعنوية أيضا، فالحضارة الفرعونية، أو الحضارة ~~العربية، أو حضارة الغرب المعاصر، والأدب في كل موطن من مواطنه، والعلم والفن وسائر ~~أعضاء هذه المجموعة من المعاني ينظر إلى كل منها وكأنه كائن ذو هوية ثابتة يحتل بها ~~مكانا معينا وزمانا معينا. وكان فلاسفة العصور السابقة قد اصطلحوا على أن يطلقوا على ~~جانب الثبات من هوية شيء معين اسم «الجوهر». وإذن فمن حقنا أن نقول إن مفتاح الرؤية ~~القديمة كان هو الإشارة الضمنية أو الصريحة إلى «جوهر» الشي الذي نتحدث عنه، مما يضمن ~~لذلك الشيء حقيقة ثابتة كانت له بالأمس، وهي له اليوم، وستظل له غدا وبعد غد. # وقبل أن أستخرج من هذه الرؤية القديمة نتيجتها التي تهمني في هذا الحديث، أود أن أنتقل ~~بالقارئ إلى الرؤية الجديدة التي على هداها يقرأ عصرنا حقائق الأشياء على اختلافها لتسهل ~~على القارئ مقارنة الرؤيتين إحداهما بالأخرى، فيسهل عليه بالتالي أن يتعقب النتائج ~~الهامة التي تترتب على ما بين الرؤيتين من اختلاف. # أما هذا العصر الراهن، الذي نعيش فيه - منذ أواخر القرن الماضي وإلى يومنا الحاضر - ~~فهو يؤسس رؤيته للكون وكائناته على أن ms227 كل شيء إنما هو سيرة، أو هو تاريخ، أو قل إنه ~~أحداث متتابعة في خط موصول، كأنه السلسلة وحلقاتها. كانت الفكرة قبل ذلك - كما قلنا - ~~هي أن لكل شيء جوهرا ثابتا، تطرأ عليه الأحداث، لكنه في جوهره لا يتغير مع تلك ~~الأحداث الطارئة، أما الفكرة الجديدة عن الشيء المعين، أو عن أي كائن حي، فهي أنه هو هذه ~~الأحداث نفسها. خذ مثلا يوضح لك الفرق بين الفكرتين، مدينة القاهرة، فلأننا نستخدم ~~هذا الاسم استخداما يفهمه المتكلم والسامع معا على أنه يسمي مدينة بعينها، يسارع ~~خيالنا إلى التصور بأن تلك المدينة المعينة إنما هي كيان قائم منذ أنشأها المعز لدين ~~الله، حتى اليوم وما بعد اليوم، ولم يكن هذا الوجود الثابت لمدينة القاهرة ليتحقق ما لم يكن ~~لتلك المدينة جانب أساسي لا يزول مع السنين برغم ما قد طرأ عليها، وما يزال يطرأ عليها، ~~وسيظل يطرأ عليها من أحداث فسكانها يزيدون وينقصون ويتغيرون بالموت والولادة جيلا بعد ~~جيل، وبيوتها وشوارعها ومتاجرها تبنى وتهدم وتتسع وتضيق، حتى ليمكن القول إنه ليس في ~~قاهرة اليوم شيء واحد ظل كما هو من قاهرة المعز، ومع ذلك فهي هي القاهرة. ولا تفسير ~~لمثل هذا الثبات مع ما يطرأ من تغيرات، إلا أن نقول مع القدماء إن لها «جوهرا» ثابتا هو ~~الذي يخلع عليها هويتها الثابتة، ثم تأتي الأحداث على ذلك الجوهر وتمضي، والقاهرة باقية ~~بجوهرها ذاك. # وأما رؤية هذا العصر فتختلف؛ لأنها رؤية لا ترى في القاهرة إلا أنها سلسلة طويلة من ~~أحداث، ولا شيء غير ذلك. إن الدوام المزعوم ليس إلا دواما للاسم فقط، اسم «القاهرة» هو ~~وحده الذي يبقى، فنتوهم أن مسماه قائم كما كان قائما عبر القرون. إن حقيقة القاهرة ~~هي أنها «تاريخ» أو هي «سيرة» كأي سيرة نرويها عن إنسان أو عن بناء معين، أو عما شئت من ~~كائنات. حقيقة أي كائن في هذا الكون، بل وحقيقة الكون في مجموعه، إنما هي شبيهة كل الشبه ~~بمعزوفة موسيقية أو بمسرحية، أو فيلم ms228 سينمائي، فنحن نشير إلى كل واحدة من هذه الأشياء ~~باسم يميزها، فنقول مثلا: هذا هو السلام الجمهوري، وهذه هي مسرحية شهرزاد، وذلك هو فيلم ~~البؤساء، لكن كلا من هذه الأشياء هو في حقيقته سلسلة أحداث صوتية أو ضوئية، تتابعت ~~مترابطة بعضها مع بعض بروابط تجعلها في أذهاننا موحدة على نحو ما، هو الذي يبرر لنا ~~أن نطلق عليها اسما واحدا، ثم نظنها جزئية واحدة. # وكان انتقال القرن العشرين وأهله من رؤية الكائنات على أنها ثوابت بهوياتها الدائمة، إلى ~~رؤيتها على أنها خيوط من أحداث متعاقبة، هو نفسه الانتقال من عصر فكري إلى عصر فكري ~~آخر. # ولكن ماذا يهمنا نحن من هذا كله؟ الذي يهمنا هو الآتي: إن صاحب الرؤية القديمة كان في ~~وسعه أن يتصور «الماضي» وكأنه كالكرة يمكن أن يدحرجها التاريخ فوق رءوس الأعوام، قرنا ~~بعد قرن، إلى أن يستقر أمام أعيننا حاضرا لا بد لنا من التعامل معه، كما كان يتعامل ~~معه الناس في أي زمن مضى، ولم لا؟ إنها هي هي الكرة، كانت وما تزال، وسوف تبقى إلى أبد ~~الآبدين، والذين يتغير هو جماعات اللاعبين، وليس هو الكرة. أقول إن مثل هذا التصور ~~للماضي بالنسبة إلى الحاضر وإلى المستقبل، كان واردا بل كان مفروضا على الناس، وهو تصور ~~ناتج عن وجهة النظر التي كانت سائدة في فهم الناس لحقائق الأشياء، فإذا قلت لهم - مثلا - ~~حضارة عربية، أو ثقافة عربية، تبادر إلى أذهانهم كيان ذو ثبات وذو دوام بفضل جوهره الكامن ~~في أصلابه. # وأما صاحب النظرة المعاصرة، فإذا قلت له «حضارة عربية» أو «ثقافة عربية» ارتسم في ذهنه ~~خط طويل من أحداث تتابعت. فالحضارة العربية هي «تاريخ» وليست «شيئا» ثابتا بهويته، فإذا ~~كان في مستطاعنا أن نتبين ملامح مميزة لما نسميه بالحضارة العربية أو بالثقافة العربية، ~~فتلك الملامح المميزة هي في نمط الروابط التي ترتبط بها الأحداث في تتابعها، وليست هي في ~~«جوهر» لا حيلة لنا فيه. # ولننظر الآن إلى الفرق الشاسع في نظرتنا إلى الماضي بالنسبة إلى ms229 الحاضر، على أساس الرؤية ~~القديمة، وعلى أساس الرؤية الجديدة، فبينما نتصور في الحالة الأولى إمكان أن يبعث الماضي ~~بحذافيره ليكون هو حاضرنا، نرى في الحالة الثانية أن ذلك ضرب من المحال؛ إذ ما دام الأمر ~~أمر سيرة تتعاقب أحداثها تعاقب حكاية يرويها «التاريخ»، إذن فالماضي قد ابتلعه الحاضر ~~ابتلاعا، ولم يعد له وجود قائم بذاته، إلا من حيث هو غذاء يسري في دمائنا. فإذا كان في ~~تصور الرؤية القديمة أن «الكمال» قد كان متحققا في حياة السلف، ولا بد لنا من شده ~~إلى عصرنا شدا لنحيا على دعائمه كما فعل هؤلاء الأسلاف، ففي تصور الرؤية الجديدة أن ~~«الكمال» سوف يكون، ولا بد لنا من رسم الخطوات التي نتحرك بها نحو ذلك الهدف المستقبلي ~~المنشود. # أريدك - عزيزي القارئ - أن تعلم بأننا حين نقول «الرؤية القديمة» و«الرؤية الجديدة» ~~فلسنا بذلك نقول عبارات لا تزيد على كونها مرقومة بالمداد على الورق، أو منطوقة في أفواه ~~المتحدثين، بل هي مترجمة إلى أفراد أحياء ذوي أجساد من لحم ودم، يأكلون معك ويشربون ~~ويتكلمون ويضحكون. وحين زعمت لك في أول الحديث أننا لم نخط بعد على عتبة القرن العشرين، ~~مع أنه قرن يدنو من ختامه، فإنما أردت بذلك أن أقول إنك إذا أمعنت الفكر فيما يقوله معظم ~~أصحاب الرأي المؤثر في حياتنا، وجدته منطويا على فرض، والفرض هو أن الماضي شيء له رأس ~~وأذنان وعينان، ولسان وشفتان، وساقان يمشي عليهما ويجري، وأن هذا الشيء يمكنه السير إلينا ~~في يومنا هذا، أتيا من حيث لا أدري. وأصحاب الرأي هؤلاء يستحثونه ليسرع الخطى، فيجيء ~~ليسيطر اليوم - إذا استطاع - قبل الغد، فخلاصنا من كل ما نحن غارقون فيه إلى أذقاننا من ~~مشكلات، مرهون بقدوم ذلك الشبح، ولكنهم في انتظارهم لعودة الماضي ليخلصهم مما هم فيه، ~~أشبه بمن كانوا ينتظرون «جودو» في مسرحية صموئيل بيكت المعروفة، لماذا؟ لسبب واضح وبسيط، ~~وهو أن الماضي كان صفحة في سيرة، كان فصلا في تاريخ، وقد انطوت الصفحة انطواء لا حيلة ~~لنا فيه، وانتهى ms230 الفصل التاريخي انتهاء لا قبل لنا في بعثه من جديد لا لأن ذلك الماضي ~~قد انعدم، كلا، فهو حي، لكنه حي فينا نحن، هو حي باللغة العربية التي نتكلمها، وهو ~~حي بقواعد السلوك الأساسية في تعاملنا، وهو حي في وجداننا الشاعر، الذي يقرأ البحتري ~~فيطرب، ويتأمل الفن العربي على جدران المساجد فينتشي، لكن حياتنا تلك، التي هضمت الماضي ~~هضما وحولته إلى إفرازات الغدد وإلى دم يجري في الشرايين، إنما هي - كأي حياة في أي ~~كائن حي - حياة متحركة في تيار يدفعها أبدا إلى أمام، حاملة في جوفها ما قد كان، ~~متجهة نحو تحقيق ما سوف يكون. # فليس أقتل للإنسان في موقفه الثقافي والحضاري، من أن يحاكي مرحلة تاريخية سبقت ~~المرحلة التي يعيش فيها، محاكاة تفصيلية حرفا بحرف وفعلا بفعل، لا بل ليس أقتل ~~للنموذج السلفي نفسه من أن يظل الخلف يعيدونه ويكررونه بمثل هذه المحاكاة التفصيلية ~~التي أشرنا إليها، فلب الحياة وصميمها إنما هو في إبداعها للجديد الذي تتكيف به مع ~~المواقف الجديدة. سر الحياة، وسحرها، وإعجازها هو في إبداعها، فليس الأمر مقصورا على ~~أن لكل كائن حي ما يميزه عن سائر الكائنات، حتى تلك التي تقع معه في نوع واحد، بل إن ~~تلك المعجزة الإبداعية لتمتد حتى تشمل جوانب الحياة الفكرية. ويكفيك أن تنظر إلى القوة ~~الإبداعية الكامنة في اللغة وطرائق استخدامنا لها، فالطفل منذ التقاطه لبضع كلمات وبضع ~~جمل، يأخذ بقدرة فطرية في تركيب جمل تركيبا لم يسمعه من أحد، فالمعنى المراد يمكن أن ~~يوضع في صور مختلفة، لا يلزم للطفل أن يسمعها كلها ممن حوله، بل هو قادر قدرة تلقائية ~~على تنوع التركيبات اللغوية التي تؤدي المعنى المعين الذي يريد التعبير عنه، تلك هي ~~الحياة وطبيعتها على كل مستوياتها، إلى أن تصل إلى المستوى الحضاري الشامل، وجدته يبدع ~~في كل جوانب حياته صورا غير مسبوق إليها، وإلا فالوقوف عند تكرار ما قد سبق، نذير بالضعف، ~~وربما انتهى الضعف بالحضارة المحاكية لسوابقها إلى الفناء، حتى لو كانت تلك ms231 السوابق قد ~~بلغت كمالها في حينها؛ لأن ذلك الكمال نفسه إذا جمدت صورته انقلب ضربا من النقصان، ~~فلكل معركة سلاحها، وأكمل سلاح في معارك الماضي هو أعجز سلاح في معارك اليوم. # فإذا كان السؤال العسير الملقى علينا ليتحدى قوانا وملكاتنا هو: ما هي تلك العقبة ~~الكأداء التي وقفنا أمامها عاجزين عن الدخول في القرن العشرين بأمواجه وتياراته وتحولاته، ~~مع أن هذا القرن العشرين قد دنا من ختامه، ليدخل الناس في مرحلة تاريخية أخرى، أرجح ~~الظن أن تجيء أعتى موجا، وأعنف دفعا، وأشد تحولا؟ أجبنا بأن تلك العقبة إنما ~~كانت هي الوقوف عند نمط ثقافي حضاري لا نريد له أن يتغير مع الزمن، وقد ظللنا نمسي ~~معه ونصبح، حتى أشبعناه تكرارا، وقتلناه محاكاة (والقتل هنا بمعناه الحرفي)، وإن الحياة ~~نفسها بدفعتها الكامنة لتوشك أن تصيح بنا وفينا، هيا جميعا إلى اقتحام العقبة، قاصدة ~~بصيحتها أن نبدع ولا نحاكي. # | سؤال عن الثقافة وجوابه # كما يتلقى الجد من حفيدته رسالة، فيشعر وهو يقرؤها وكأنما هو شاخص ببصره إلى تيار ~~الزمن، يراه كالنهر دافقا من بعيد بعيد، ومتجها إلى مصب بعيد بعيد، وما هو والحفيدة ~~والرسالة إلا حلقة من سلسلة، أولها في الأزل وآخرها في الأبد، أقول إنه كما يتلقى الجد ~~من حفيدته رسالة، تلقيت رسالة من طالبة تدرس الفلسفة، وهي الآن في آخر شوطها الجامعي، ~~والطالبة تسألني - راجية أن تسمع مني الجواب - عن «الثقافة» ما معناها؟ تقول: هنالك موضوع ~~يشغل بالي وبال زملائي؛ وهو موضوع «الثقافة»، فماذا تعني كلمة «ثقافة»؟ وما هو دور الثقافة ~~في حياة الإنسان المعاصر؟ # وأول ما أجيب به عن سؤالك يا ابنتي، هو أنك قد اخترت كلمة رواغة، لا يكاد صائدها ~~يمسك بطرف من أطرافها، حتى تفلت من بين أصابعه؛ وذلك لأن أطرافها كثيرة ومتفرقة، حتى ~~لتستطيع إذا أنت أمسكت بأحدها، وظننت أنها الآن قد باتت في قبضتك، أن تستغني عن ذلك الجزء ~~من أجزائها وتفر هاربة، وتظل مع ذلك «ثقافة». فإذا كان التعريف الجامع المانع يشبه أن ~~يكون ms232 محالا، إلا في المعاني الرياضية أو ما يجري مجراها، فهو أشد استحالة في تحديدنا ~~لمعنى «الثقافة»، ومن هنا كان لها من التعريفات بقدر من تناولوها بمحاولات التحديد، فلكل ~~من هؤلاء تعريفه لها ، وكأننا نعيد على أنفسنا حكاية الفيل في مدينة العميان، إذ التفوا ~~حوله كل يلمسه بأصابعه من حيث استطاع أن يلمسه، فلما سئلوا بعد ذلك: كيف وجدتموه؟ فكان ~~لكل منهم جواب يختلف عن أجوبة الآخرين. # وها أنت ذي تسألينني: ما الثقافة؟ وسأقدم لك جوابا، لا أدعي أنه الجواب الذي لا جواب ~~سواه؛ إذ هو جواب أصف به مسقط أصابعي على جسم الفيل، وللآخرين أجوبتهم، لكن هذا الاختلاف لا ~~يعني بالضرورة أننا جميعا على قدم المساواة من حيث الصواب والخطأ، بل سيكون بيننا تفاوت ~~يقاس بمقياس المنفعة وملاءمة الظروف؛ فالجواب الذي يجعل المثقف أكثر صلاحية لزمانه، أصدق ~~من الجواب الذي من شأنه أن يقيم حجابا بين المثقف والحياة في عصره. ولقد أحسنت يا ~~فتاتي، عندما ذكرت كلمة «معاصر» في سؤالك: ما دور الثقافة في حياة الإنسان المعاصر؟ إذ ~~لا شك في أن شروط «المثقف» قد تغيرت بتغير العصور، فكان لكل عصر ضرورات معينة ~~يشترط توافرها فيمن يسمى بالمثقف، فحينا كانت الفروسية شرطا، وحينا آخر كان ~~التفلسف شرطا، وحينا ثالثا كان الإلمام بشرائع الدين وقواعد اللغة شرطا، وحينا رابعا ~~كان اصطناع النظرة العلمية شرطا، وهلم جرا. وبالطبع لم يكن لكل عصر شرط واحد ~~يطالب بتوافره في المثقف، ولكنها كانت دائما مجموعة قليلة من صفات أساسية هي التي ~~يتطلبها كل عصر من مثقفيه. # فإذا تعددت بين أيدينا الآراء في تحديد «الثقافة» في عصرنا كيف يكون؟ فلا بد من ~~الاحتكام عند المفاضلة إلى الحياة في عصرنا وما تتطلبه من المثقف، لنرى أي الآراء أقرب ~~استجابة للعصر وظروفه. وفي هذا الإطار أتقدم إلى السائلة بجوابي. # لعل أكثر المداخل إلى موضوعنا يسرا ووضوحا، هو أن نبين أولا، كيف أن إدراك ~~الإنسان لأوضاع الحياة التي يعيشها، ويعيشها معه سائر الناس، إنما يتم على ثلاث درجات ~~متصاعدة، ms233 كل درجة منها تقام على الدرجة التي سبقتها، لكن بينما يتحتم على كل فرد من ~~الناس أن يمارس حياته على مستوى الدرجة الأولى، فإنه لا يتاح الصعود إلى الدرجة الوسطى ~~إلا لبعض الناس دون بعض، ثم لا يتاح الصعود من الدرجة الوسطى إلى الدرجة التي تليها إلا ~~للعدد الأقل من سكان الدرجة الوسطى. # أما أولى تلك الدرجات، وأدناها، فهي تلك التي لا بد فيها للإنسان من الإلمام بكثير ~~جدا من تفصيلات المكان الذي كتب له أن يعيش فيه، وبغير هذا الإلمام، الذي يتفاوت فيه ~~الأفراد كثرة وقلة، يتعذر الحصول على الطعام والشراب، وما يتبع ذلك من معلومات أولية ~~ضرورية، فلا بد لكل إنسان أن يعرف - مثلا - أين تكون وسيلة المواصلات، ومتى تتحرك، ~~وأين يجد العلاج إذا أصابه مرض، وما هي الصحف اليومية التي تباع وأين تباع، وأن يعرف أين ~~مكتب البريد، ما الطريق إلى المدارس التي يلحق بها أبناءه؟ وما هي الإجراءات التي تتخذ ~~في هذا السبيل؟ وهكذا من تفصيلات الحياة اليومية الجارية. وإلى هنا لا «ثقافة». # وقبل أن أترك هذه الدرجة الأولى، التي لا مناص من معرفة ما استطعنا معرفته من تفصيلاتها، ~~لكي تدور معنا عجلة الحياة، أود أن ألفت النظر إلى أن هنالك من ضروب المعلومات الأولية ~~التفصيلية ما ليس له أول ولا آخر، وبعضها قد يخدع بحيث يظن أن الإلمام به نوع من ~~«الثقافة»، في حين أنه لا يندرج في دنيا الثقافة، بناء على المقياس الذي أنا في سبيل ~~عرضه وشرحه، فمثلا قد تجد من الناس من يعرف كم فدانا تبلغ مساحة الأرض المزروعة في ~~مصر، وكم من هذه المساحة يزرع قطنا، وكم منها يزرع قمحا، كم يبلغ عدد السكان في ~~عواصم المحافظات، وما شابه ذلك من تفصيلات الأمر الواقع، كل هذه تدخل في نطاق الدرجة الأولى ~~من الدرجات الثلاث التي أشرنا إليها، وأكرر القول بأن هذه المرحلة الأولى والأولية لا ~~بد من الإلمام بجوانبها تفصيلا، ولكنها ليست «ثقافة». # ومن هذه المرحلة الأولى والأولية، يصعد بعض الناس ms234 دون بعض، إلى مرحلة أخرى، ترتكز على ~~الأولى، ولكنها ليست منها، ولها طبيعة غير طبيعة المعلومات التي تستلزمها المرحلة الأولى، ~~فالصاعدون بعقولهم إلى الدرجة الأعلى، يحاولون هناك أن يستخلصوا من تفصيلات الدرجة ~~الأولى، تعميمات تختصرها في قوانين علمية، أو ما يشبه القوانين العلمية من أحكام عامة، ~~فإذا كانت المعرفة في المرحلة السابقة قد اقتصرت على مفردات جزئية متفرقة، فالمعرفة في ~~هذه المرحلة الثانية تتخذ صورة التعميم الذي يضم تحت جناحيه أسرة كاملة من تلك ~~التفصيلات الجزئية، كأن تقول - مثلا - إن معدلات الدخل بين الحرفيين هذه الأيام، أعلى من ~~معدلات الدخل بين جماعة المتعلمين في الكليات النظرية، ففي قول كهذا ضرب من المعرفة، ~~يبنى على مفردات المرحلة الأولى، لكنه ضرب يعمم الحكم ولا يقتصر على معرفة الأفراد ~~كل منهم على حدة. # وقوانين العلوم بكل أنواعها، هي من هذا الصنف نفسه، حتى وإن كانت على درجة من الدقة ~~الرياضية تبلغ الغاية القصوى؛ إذ هي بكل دقتها تلك، لا تخرج عن كونها تعميمات تستقطب ~~مفردات المرحلة الأولى في أحكام شاملة، وإلى هنا - أيضا - لا «ثقافة»، فالفرق بين ~~تفصيلات ما حولنا من ظواهر الطبيعة وعناصر البيئة، وأحداث الحياة، أقول: الفرق بين هذا كله ~~من جهة، والأحكام العامة التي تستخلص منه (بما في ذلك قوانين العلوم الطبيعية والاجتماعية ~~على السواء) من جهة أخرى، هو الفرق الذي ينقلنا من مجرد معلومات متفرقة عن الأحياء ~~والأشياء، إلى ما يستحق أن يسمى «معرفة»، فمثلا قد يجمع التاجر وزبائنه خبرات كثيرة ~~عن مسار الأسعار ارتفاعا وانخفاضا، لكنها مجرد خبرات جزئية حصلوها من الممارسة الفعلية ~~في أسوق البيع والشراء، لكن «عالم الاقتصاد» وحده هو الذي يصعد من مستوى الخبرات الجزئية ~~إلى مستوى «المعرفة»؛ لأنه هو الذي يستخرج القوانين التي تحكم ارتفاع الأسعار وانخفاضها. ~~والإنسان العادي يتعلم من خبراته عاما بعد عام، أنه إذا سقطت أمطار في مصر، فذلك يحدث في ~~فصل الشتاء، ولكنها مجرد خبرات يجمعها من مشاهداته، لكن «عالم» الجغرافيا الطبيعية هو ~~الذي يرتفع من مستوى الخبرات إلى مستوى ms235 «المعرفة» حين يستخرج لنا القوانين الطبيعية الكامنة ~~وراء سقوط الأمطار في مصر في فصل الشتاء. وهكذا تستطيع أن تستعرض مئات الأمثلة لما هو عند ~~عامة الناس في حياتهم اليومية معلومات جمعوها بالخبرة ، ثم يجيء رجال العلوم المختلفة، ~~فينتقلون بتلك المعلومات الجزئية نفسها إلى مستوى القوانين العلمية، فتصبح الخبرة عندئذ ~~«معرفة» أو قل إنها تصبح «علما». # لكن لا المعلومات والخبرات المكسوبة من ممارسة الحياة العملية، ولا العلوم التي تستخرج ~~من تلك المعلومات والخبرات قوانينها، هو مما نعده «ثقافة»، لماذا؟ لأنه لا المرحلة ~~الأولى، ولا المرحلة الثانية، في وسعها أن تقدم للإنسان البوصلة التي توجه طريق سيره ~~في هذا الاتجاه أو ذاك، فقد تعرف قوانين الاقتصاد كلها، لكنها لا تهديك: هل تأكل اليوم ~~لحما وأرزا، أو تصوم اليوم عن الطعام؟ وقد تعرف قوانين الضوء كلها وقوانين الصوت كلها، ~~لكنها لا تهديك؛ هل تقضي سهرتك الليلة مشاهدا للتليفزيون بصوته وضوئه، أو تأوي إلى فراشك ~~في ساعة مبكرة من الليل؟ فليس في صلب خبراتنا وفي صلب علومنا ما يبين لنا ماذا ندع ~~وماذا نختار، فهي وإن كانت الأدوات التي نستخدمها في تحقيق ما اخترناه لأنفسنا أهدافا ~~لحياتنا إلا أنها ليست هي نفسها التي تحسم لنا عملية الاختيار. ويمكن تشبيه ذلك بذراعيك ~~ورجليك، فالذراعان لا تقرران لنا ماذا نتناوله من أشياء، والرجلان لا تقرران لنا إلى أين ~~نسير، ولكن ثمة مصدر آخر هو الذي يقرر لنا هذا وذاك، ثم يأتي بعد القرار استخدام الذراعين ~~والرجلين للتنفيذ، فإذا وقعنا على ما يقوم فينا مقام البوصلة التي تشير إلى اتجاه السير، ~~كان ذلك المصدر هو ما نسميه «بالثقافة». وبصورة أخرى نقول: إن المرحلة التي نجمع فيها ~~معلومات وخبرات من حياتنا اليومية الجارية، تضع لنا ما حصلناه في خط أفقي، فالمعلومة ~~إلى جوار المعلومة، لا تفصل إحداهما الأخرى، ثم تأتي المرحلة الثانية، التي هي مرحلة ~~«المعرفة» أو «العلم»، فتقوم فوق ذلك الخط الأفقي كما تقوم طوابق المبنى فوق الأساس، لكن ~~هذه التركيبة كلها ليست معضونة، أي أنها لا ms236 تدب فيها حياة، ولا تستطيع وحدها أن ~~تحدد لنفسها غايات، إنها لا تشبه الكائنات العضوية الحية، من نبات وحيوان وإنسان؛ ~~لأن كل كائن من تلك الكائنات يستهدف الغايات التي تمليها عليه فطرته ، فشجرة التوت تستهدف ~~ثمار التوت، والحصان يستهدف أن ينسل حصانا مثله، والإنسان يستهدف ما تهديه «ثقافته» أن ~~يستهدفه. # وبهذا يتحول «أضفنا» ليتخذ صورة أكثر تحديدا ووضوحا، فيصبح السؤال: ما الذي يضاف ~~إلى كومة المعلومات الأولية التي يجمعها الإنسان بخبراته، ويضاف كذلك إلى الطوابق العليا ~~التي تبنى فوق تلك المعلومات الأولية في صورة علوم مختلفة، أقول: ما الذي يضاف إلى هذه ~~المواد الهامدة بذاتها، المتحركة بغيرها؟ ما الذي يضاف إليها فتكون كأنما أضفنا إلى ~~السفينة دفة وبوصلة توجهانها إلى غاياتها؟ إذا وقفنا على الجواب، كان ذلك الجواب ~~تحديدا لمعنى «الثقافة». # والجواب عندي هو أن الذي يضاف إلى هيكل المعلومات المتفرقة التي جمعناها، والعلوم التي ~~أقمناها على تلك المعلومات الأولية، أقول إن الذي أضفناه إلى ذلك الهيكل الهامد، فأصبح ~~كالكائن العضوي الحي، يتحرك نحو غايات وضعها لنفسه ليسعى إلى بلوغها، هو مجموعة من القيم ~~السلوكية والخلقية والذوقية، استقيناها من ثلاثة مصادر رئيسية، هي الدين، والفن والأدب. أما ~~الدين فهو الذي يقدم إلينا المبادئ الأساسية التي نسلك على هداها، والتي من شأنها أن ~~تبلور لنا رؤية خاصة، وموقفا معينا من الكون والحياة بصفة عامة، ومن هنا كان لكل ~~جماعة تؤمن بدين معين، رؤيتها الخاصة بها، والتي تصبح أهم العوامل في تشكيل الشخصية ~~المشتركة (إذا جاز هذا القول) بين أفراد تلك الجماعة، فللإسلام رؤيته، وللمسيحية رؤيتها، ~~ولليهودية رؤيتها، وللهندوكية رؤيتها، وللبوذية رؤيتها، وهلم جرا على أن الديانات ~~الثلاث الأولى (الإسلام والمسيحية واليهودية) تكون أسرة واحدة أبوها هو إبراهيم عليه ~~السلام، وديانات الشرق الأقصى من هندوكية وبوذية وغيرهما تكون أسرة أخرى، ولكل من ~~الأسرتين اتجاه عام في رؤية الأشياء والمواقف، والمفاضلة بين شيء وشيء، وبين موقف ~~وموقف. وخلاصة القول هي أن العقيدة الدينية ذات أثر عميق في تشكيل وجهة النظر، أي في ~~الوقفة ms237 الثقافية عند الإنسان المثقف. # وأما الفن بشتى فروعه من موسيقى إلى تصوير ونحت وعمارة، فهو وإن يكن في مجموعه انعكاسا ~~لأذواق الجماعات البشرية التي تفرز تلك الفنون، إلا أنه يعود فيصبح مؤثرا قويا في تشكيل ~~وجهات النظر عند الأفراد، أي في وقفاتهم الثقافية، لماذا؟ لأن الفن - على اختلاف فروعه - هو ~~في صميمه نسب محسوبة بين العناصر التي تكونه، ومن ثم كانت معايشة الإنسان للمبدعات ~~الفنية المحيطة به، لا بد أن تنتهي به إلى ميزان داخلي في تكوينه، يجعله مستريحا لما ~~يراه أو نافرا منه، أي أنه يجعله قابلا لأوضاع الحياة من حوله أو رافضا لها، أو بعبارة ~~أخرى، تجعله ذا وقفة ثقافية لها طابعها الخاص المميز، فقد يقبل المصري وضعا ما، هو نفسه ~~الوضع الذي يرفضه الإنجليزي أو الفرنسي، والعكس صحيح كذلك، فاختلاف الشعوب في تلك الموازين ~~هو اختلاف في وقفاتها الثقافية، ثم هو اختلاف نشأ عن الاختلاف في الذوق الفني. # وهنالك أخيرا مصدر الأدب، من شعر ونثر فني، ورواية، ومسرح، فالموضوع الرئيسي للأدب على ~~اختلاف فروعه، هو الإنسان نفسه، وماذا يضمر في ذات نفسه، وكيف يتفاعل مع زميله الإنسان ~~حبا أو كرها. ومعايشة الإنسان للنتاج الأدبي في المجتمع الذي ينتمي إليه، لا بد أن ~~تنتهي به - كما رأينا في الفن - إلى وقفات خاصة تجاه الآخرين، وتلك الوقفات هي من مقومات ~~ثقافته. # تجتمع تلك القيم، أو المعايير، كلها في نفس المتلقي، فتكون هي «الحالة» العامة التي ~~نخلع عليها اسم «الثقافة»، فالثقافة «حالة» توجه الإنسان في اتجاه سيره، وفي ردود ~~أفعاله وليست الثقافة محصولا من معارف ومعلومات في حد ذاتها، بل هي الزهرة التي تنبتها ~~تلك المعلومات والمعارف. # ألخص ما أسلفته فأقول: إن ثمة مرحلتين يجتازهما الإنسان، ليصل عن طريقهما إلى ثمرة ~~تتولد عنهما من جهة، ولكنها من جهة أخرى تفرض عليهما وتوجههما وتقيم لهما الأهداف. ~~وأما المرحلتان فهما: # أولا: # جمع معلومات عن أنفسنا وعن الدنيا التي نعيش فيها. # وثانيا: # إنتاج العلوم المختلفة عن شتى الظواهر الطبيعية والبشرية على السواء، ~~وكلتا ms238 المرحلتين في حد ذاتهما ليستا «ثقافة»، إذ الثقافة هي الروح التي ~~تسري لتدفع ذلك البناء المعرفي (المعلومات والعلوم) نحو غايات معينة يريد ~~الإنسان تحقيقها، وبالطبع لا تسري تلك الروح التي هي الثقافة آتية من عدم، ~~بل إن لها مصادر تنبع منها. ولقد ذكرنا أن أهم تلك المصادر ثلاثة: الدين، ~~والفن، والأدب، وبمقدار ما يملأ الإنسان وعاءه من تلك المصادر، تكون غزارة ~~ثقافته وقوة دفعها. # وتلك المراحل الثلاث التي ذكرناها، قد تكون - فيما أظن - هي نفسها الوحدات الثلاث التي ~~أشار إليها الشاعر الإنجليزي المعروف «ت. س. إليوت» في قول له قاله استهجانا لهذا العصر ~~الذي نعيش فيه، إذ قال: لقد ضاعت منا «الحكمة» في بحر «المعرفة»، ثم ضاعت منا «المعرفة» ~~في بحر «المعلومات المتفرقة»، وما أسماه إليوت هنا بالحكمة، هو نفسه ما تحدثت عنه تحت ~~اسم «الثقافة»، ففي المجتمع السليم، يكون لكل من العناصر الثلاثة دوره، لا يفرقه موج ~~العنصر الآخر، ولكننا نلاحظ في عصرنا، أن وسائل الإعلام الجديدة قد أدت إلى كثرة ~~المعلومات المتفرقة، دون أن ترتبط تلك الكثرة برباط «المعرفة» الموحدة، أو قل برباط ~~النظرة العلمية الموحدة، ثم ازدادت حالتنا سوءا على سوء، حين أصبحت تلك المعرفة العلمية ~~ذاتها بغير «ثقافة» تقيم لها الأهداف، وترسم لها الطريق. # ترى هل تجد طالبة الفلسفة صاحبة السؤال، ولو بصيصا من نور في تحديد معنى للثقافة كما ~~أرادت؟ # | مدينة الفكر كثيرة الأبواب # في مستهل الخمسينات - على ما أذكر - صدر كتاب عربي عنوانه «علمتني الحياة»، يضم ~~مجموعة من مقالات كتبها كاتبون، ليروي كل كاتب منهم في مقالته أبرز ما تعلمه من حياته، ~~وكان هناك كتاب إنجليزي قريب الظهور، يدور في مثل ذلك الفلك، إذ احتوى على ما قرره في هذا ~~الصدد عدد من أعلام الفكر في الغرب، وكان الكتاب الإنجليزي بعنوان: «تلك هي عقيدتي»، وأذكر ~~أن الناشر العربي قد أراد لكتابه أن يضم نفرا من أصحاب الفكر من العرب، إلى نفر من ~~الأعلام الغربيين الذين وردت أقوالهم في الكتاب الإنجليزي، بعد ترجمتها إلى العربية، ms239 وكنت ~~ممن اختارهم الناشر من العرب. # فكان أبرز ما علمتني إياه الحياة، كما رأيته في ذلك التاريخ، هو أنه كلما امتدت ~~الأعوام بالإنسان، قلت حدة انفعاله، وزادت رجاحة عقله؛ بمعنى أن الموقف الواحد، يعرض ~~للإنسان الواحد مرتين تفصلهما فترة من الزمن كالفترة بين سن العشرين وسن الأربعين - ~~مثلا - أو بين الأربعين والستين، فيكون لذلك الموقف الواحد وقع مشتعل بانفعالاته، وذلك في ~~المرة الأولى، ووقع يتسم ببرودة الفكر في موازناته لشتى الجوانب، وذلك في المرة ~~الثانية. ولما كان الإنسان يزداد مع العمر نضجا، أمكن القول بأن هدوء العقل في تقليب ~~الأمور قبل الأخذ في رد الفعل على الموقف المطروح، هو مؤشر دال على ارتقاء صاحبه بقدر ~~ما يكون المنفعل الهائج السريع مؤشرا دالا على فجاجة صاحبه. # وضربت لذلك أمثلة من حياتي، كان منها ما شهدته في جدتي لأبي، في حالتين من موت أبنائها، ~~كان بينهما نحو عشرين عاما. أما في الحالة الأولى فقد جيء فيها بولدها الذي كان مدرسا في ~~أسوان، وغرق هناك أثناء رحلة نيلية بالقرب من الشلالات، وجاءها جثمانه في قريتنا فقل ما ~~شئت في هلع يبلغ بها حد الجنون، وأما في الحالة الثانية فقد كنت أنا الذي حمل إليها ~~جثمان عمي - وكان موته بالقاهرة - فقرعنا عليها باب الدار بعد منتصف الليل، ولم تكن ~~تعلم من الأمر شيئا، فلما فوجئت بجثمان ولدها الأكبر، لبثت صامتة نحو دقيقتين، ثم ~~صرخت «يا ولدي» وصمتت بعدها عن الكلام طوال الأيام التي مكثناها في القرية لنتولى شعائر ~~المأتم. فالموقفان - كما ترى - متشابهان، لكن جاء رد الفعل فيهما مختلفا اختلاف حكمة ~~العقل من جنون الانفعال. # قلت ذلك كله لأتبعه بسؤال وجهته اليوم لنفسي، وهو: إذا جاء ناشر يطلب منك أن تكتب ~~عما علمتك إياه الحياة، فماذا أنت قائل؟ أهو نفسه الجواب الذي أجبت به في مستهل ~~الخمسينيات؟ فرددت لنفسي على سؤالها، قائلا: نعم، إنه هو هو الجواب، بعد أن أضيف إليه ~~إضافة هامة جدا، وهي إضافة خاصة بالحياة العقلية لمن أراد أن يحياها على ms240 صورة صحيحة، ~~وخلاصتها ألا يضيق الإنسان على نفسه الأفق، بأن يقف من الموضوع المعروض للنظر، موقفا ~~يقول به إما ... وإما ... ولا ثالث لهما، في حين أن معظم ما يعرض للإنسان في حياته الفكرية، هو ~~مما يحتمل الجمع بين الجانبين - أو عدة جوانب - التي يظن أول الأمر أنهما لا ~~يجتمعان. # فلقد مرت أعوام، كنت خلالها أنا وزملائي من أساتذة الفلسفة، نعترك اعتراكا علميا ~~حول ماذا تكون النظرة الفلسفية الصحيحة، فكان منهم من يقول إنها النظرة المثالية، ومعناها ~~عند المشتغلين بالفكر الفلسفي أولوية الفكر الخالص على تجربة الحواس، وكان منهم كذلك من ~~يقول إنها النظرة الوجودية، ومعناها أن تكون حرية الإنسان في اتخاذ قراره مكفولة له، ليكون ~~بعد ذلك مسئولا مسئولية خلقية، فالإنسان لا تصنعه العوامل من خارج نفسه، بقدر ما يصنع هو ~~نفسه بما يتخذه من قرارات - بإرادته الحرة - في مواقف حياته المختلفة، وكنت أنا أذهب ~~إلى أن النظرة الفلسفية الصحيحة هي ما يجعل المعرفة العلمية موضوعه الرئيسي، وما يجعل ~~لشهادة الحواس المنزلة الأولى في الحكم على تلك المعرفة بالصواب أو بالخطأ، إلى آخر ما كان ~~بيننا من اتجاهات متعارضة. # لكنني فيما بعد سألت نفسي في لحظة نضج أهي اتجاهات متعارضة حقا، أم هي في حقيقة ~~أمرها اتجاهات متكاملة، بمعنى أن النظرة الصائبة صوابا كاملا، هي تلك التي تجمع تلك ~~الاتجاهات كلها في رقعة واحدة؟ ولقد وضح لي هذا الرأي وضوحا أصبحت معه في عجب من نفسي ~~(وفي عجب من سائر الزملاء في معاركهم الفكرية) كيف سبق إلى ظني أنه إما علم تجريبي وإما لا ~~شيء؟ إن حياة الإنسان فيها عدة جوانب، ولا يتكامل الإنسان إنسانا إلا بها جميعا، فهو يحيا ~~حياة علمية، وهو يحيا حياة فنية خلقية دينية، وهو يحيا مواطنا بين غيره من المواطنين في ~~مجتمع واحد، وهكذا. فإذا كنت قد اخترت فيما سبق اتجاها فلسفيا يهتم بجانب الحياة ~~العلمية، فلم يكن ذلك ليعني ألا يهتم غيري بجانب آخر من سائر الجوانب، التي من مجموعها ~~يتكون الإنسان، فالأمر في ms241 هذا شبيه بجماعة من الناس، وقفوا جميعا ينظرون معا إلى منظر ~~واحد، لكن كلا منهم أخذ ينظر إليه من زاويته الخاصة، فأحدهم يفكر لنفسه: هل يصلح هذا ~~المكان لإقامة ملعب للكرة؟ وآخر يفكر لنفسه ماذا لو أحضرت أدواتي غدا وجلست أرسم هذا ~~المنظر، فهو أخاذ بتكويناته وخطوطه وألوانه؟ وثالث يفكر لنفسه متسائلا: كيف لم يحدث ~~له أن يصطاد السمك من النهر الجاري هناك؟ ورابع، وخامس؛ فالمكان الذي ينظرون إليه يسع هذا ~~كله، أفنقول في هذه الحالة إن اتجاهات أولئك «متعارضة»؟ أم الأصوب أن نقول عنها إن بعضها ~~يكمل بعضها؟ # ومثل هذا التعارض الوهمي، يقع بين مذاهب النقد الفني، إذ هي في حقيقة أمرها زوايا للنظر ~~مختلفة، يمكن جمعها جميعا لتتكون منها نظرة واحدة شاملة، وفي هذه الحالة يزداد المتلقي ~~فهما للقطعة الأدبية أو الفنية التي هي موضوع النظر، وفي سبيل الشرح الذي يزيد المسألة ~~وضوحا، أوجز هنا ما قد سبق لي أن ذكرته مفصلا في مواضع كثيرة: # إنه إذا ما أنتج أديب أو فنان منتجا من منتجاته، كأن يصدر رواية، أو أن يعرض لوحة، أو ~~معزوفة موسيقية، أو ما شئت من صنوف الإبداع، ثم تعرض ذلك المنتج الأدبي أو الفني ~~للنقاد، أمكن أن يكون لكل ناقد منهم زاوية للنظر، من زوايا أربع: فهو إما أن يجد نفسه ~~مشدودا بحكم شيء في فطرته، إلى أن يستشف من القطعة التي يتناولها بالدراسة النقدية ~~شخصية الأديب أو الفنان الذي أنتجها، فمما لا شك فيه أن المبدع لا يملك إلا أن يصب ~~خصائص نفسه فيما يبدعه، لكن الناقد الذي يلتفت من القطعة المنقودة هذه اللفتة، إنما هو ~~امرؤ يميل بفطرته نحو الكشف عن الجوانب «النفسية»، فنحن لا نخطئ إذا قلنا عنه إن الأدب ~~أو الفن في نظره، إنما هو «وسيلة» لما هو أهم والذي هو أهم، هو الكشف عن حقائق النفس، وبهذا ~~المقياس يكون لعلم النفس عنده أولوية على الأدب والفن. # ولكن الناقد ربما اختار زاوية أخرى، فهو أيضا يريد أن يدرس القطعة المنقودة ms242 ليستشف ~~منها شيئا عن الحياة الاجتماعية التي لا بد أن تكون قد أحاطت بالأديب أو الفنان، وهو ~~يبدع ما أبدعه، وفي هذه الحالة نقول بحق - كما قلنا في الحالة السابقة - إن الأدب والفن ~~إن هما إلا «وسيلتان» لما هو أهم، وهذا الأهم هو أن تعرف عن حقيقة الحياة الاجتماعية، ~~فكأننا نقول بهذا إن علم الاجتماع هو الغاية والأدب والفن يخدمانه. # وقد يختار الناقد زاوية ثالثة غير الزاويتين السابقتين، وهي أن يدرس القطعة المنقودة ~~ليستشف وراءها شيئا، ليس هو هذه المرة معرفته لنفس مبدعها، ولا هو معرفته للحياة ~~الاجتماعية التي أحاطت بمبدعها وهو يعمل، بل هو أن يتفرس في حقيقة نفسه هو، ليعرفها عن ~~طريق الانطباعات التي تركتها فيه القطعة المنقودة، وفي هذه الحالة يكون للناقد قدرة الأديب ~~والفنان؛ لأن النقد الذي ينتجه هو في حد ذاته أدب، وكل ما في الأمر أنه أدب استوحاه من ~~أدب آخر. # على أن هنالك زاوية رابعة قد يختارها الناقد، وهي ألا يحاول أن يستشف وراء القطعة ~~المنقودة شيئا؛ لأنها غاية في ذاتها، لا مجرد وسيلة لما هو أهم منها، وعندئذ تكون القطعة ~~المنقودة نفسها هي التي ينصب عليها الجهد النقدي، ما أجزاؤها؟ وكيف ارتبطت تلك الأجزاء ~~بعضها مع بعض؟ أو بعبارة أخرى، غاية النقد في هذه الحالة هي دراسة «الشكل» (الفورم) الذي ~~بفضله أصبحت القطعة المعروضة أدبا أو فنا. # فهل هذه الوقفات الأربع «متعارضة»؟ أو أن الأقرب إلى الصواب في أمرها، هو أن نقول إن ~~كلا منها يجيء إضافة للاتجاهات الأخرى؟ فإذا فرضنا أن قارئا قرأ نقدا لرواية من إحدى ~~تلك الزوايا فقط، فالقارئ الذي قرأ نقدا من زاويتين يكون أكثر فهما لأسرارها، ويزداد ~~فهما لو قرأ نقدا من ثلاث زوايا، ويكتمل فهمه لو قرأ نقدا للرواية من الزوايا الأربع ~~جميعا. # وقد كنت في الجهود القليلة جدا، التي بذلتها في مجال النقد الأدبي والفني أميل إلى ~~اختيار الزاوية الرابعة، أي دراسة «الشكل»، إيمانا مني بأنها الزاوية التي تخدم الأدب من ~~حيث هو أدب، والفن ms243 من حيث هو فن، ولا تخدمهما من حيث هما وسيلتان لعلم نفس، أو لعلم ~~اجتماع، أو لإبداع أدبي جديد. # وعلى ضوء هذا الذي فرشته فرشا عريضا، أذكر الخطاب الذي ورد إلي من السيد بهاء درويش ~~(ليسانس فلسفة)، وقد أرسله على أثر قراءته عن اتجاهي في النقد، كما شرحته في كتابي «قصة ~~عقل»، وفيه يقول: # جاء في كتابكم «قصة عقل» موقف من النقد الأدبي لكم، فهمت منه أنكم تذهبون إلى أن ~~النقد الأدبي لا بد أن ينحصر في الأثر الأدبي، كائنا ما كان هذا الأثر، فندرس ~~النص ذاته، بغض النظر عن مؤلفه وظروفه، فأمام الناقد تشكيلات لفظية تنحصر كل ~~مهمته في تحليلها. وهنا نقول: إن الفنان نفسه - أديبا كان أم نحاتا أم ~~موسيقارا - هو من نتاج المجتمع والبيئة والعصر الذي يحياه، فالقطعة الأدبية أو ~~الصورة المرسومة، قد تدخلت عوامل كثيرة جدا في إخراجها، ففهم الحياة النفسية ~~والاجتماعية للفنان، يساعد الناقد مساعدة كبيرة، في تحليله للأثر الأدبي. # ترى لو أنك قرأت انشغال سقراط بتحديد معاني «الحرية» «المساواة» «الخير» «الشر» ~~دون أن تعرف أن هذا التحديد قد كتب قبل الميلاد، ألم تكن لتسخر من هذا الذي يشغل ~~نفسه بتحديد معان معروفة عند الناس؟ أم أنك كنت تكتفي بالانشغال بتحليل هذا الأثر ~~كناقد أدبي؟ ألم يأت حكمنا على عظمة هذه الآثار من معرفتنا بأن سقراط حاول أن ~~يصلح ما أفسد السوفسطائيون، ومن معرفتنا الكاملة بالعصر الذي عاشه؟ ولو لم تكن ~~تعرف الزمن الذي كتبت فيه هذه الآثار، وقيل لك إنها وليدة الساعة، فأين كنت ~~تصنفها؟ هل تعتبرها أثرا أدبيا أو فلسفيا؟ # انتهى كلام صاحب الخطاب، ونحن نقول: # واضح أن صاحب الخطاب لو كان ناقدا أدبيا، لاختار لنفسه الزاوية التي يحاول فيها الناقد ~~أن يستشف من النص المنقود نفسية مؤلفه من جهة، وظروف مجتمعه ساعة تأليفه من جهة أخرى، ~~ليزداد فهما للنص الذي ينقده، وليس في ذلك بأس، فأظنه قد رأى من شرحنا للزوايا الأربع ~~المحتملة للموقف النقدي أن اختيار الناقد لزاوية منها، لا يعني ms244 إلغاء الزوايا الأخرى، ~~إنما هو يتركها لسواه إذا شاءوا. ولقد قلت عن نفسي إنني في النقد الأدبي أختار تحليل النص ~~ذاته بغض النظر عما وراءه، وذلك يشبه أن أدقق في الخيوط التي نسجت بها قبل شرائها، ويجوز ~~لغيري أن يهتم بألوانها لا بخيوط نسجها. # ولا أريد أن يفوتني تنبيه صاحب الخطاب إلى أنه خلط بين الأدب والفلسفة، وذلك حين يسوق ~~لي مثلا من تحليلات سقراط لمعاني ألفاظ بعينها، ثم يسألني: هل كان يمكن أن نغض النظر ~~عن الزمن الذي عاش فيه سقراط؟ وأنا أجيبه بأن ناقد الأدب في موقف مختلف؛ لأنه بينما ~~سقراط يعرض علينا «أفكارا»، فإن الأدب يقدم لنا «أشكالا»، فإذا أعجبتك الهندسة التي ~~رصت بها فروع شجرة وأوراقها، فهل يشترط أن تعرف متى بذرت لهذه الشجرة بذرتها؟ # وأعود مرة أخرى إلى الخطاب؛ لأذكر ما ورد في بقيته، ففيها يقول: «وبالنسبة للنقطة التي ~~ذكرتها سيادتكم قائلا: # إن الفن هو التقاط موقف فرد مما يعج به العالم من حولنا. ذلك لا اختلاف ~~عليه، ولكن لماذا يكون من يقول حقيقة عامة، يعد قوله بعيدا عن الفن الرفيع؟ ~~أتراك بموجب هذا تحكم على هذا البيت من الشعر بالبعد عن الفن الرفيع، لكونه ~~يقرر حقيقة تقريرية: # السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد واللعب. # انتهى كلام صاحب الخطاب في هذه التكملة، ونحن نقول: إنك لو عرفت ما لا بد أن تعرفه عن ~~خصائص الأدب (والفن بصفة عامة)، وهو أنه لكي يكون أدبا على الإطلاق، فيتحتم أن تكون ~~مادته قد صيغت في «شكل» أي «فورم» يختاره الأديب، أقول إنك لو عرفت ذلك، فربما لم تكن ~~لتسأل هذا السؤال؛ لأن بيت الشعر الذي ذكرته، ما كان ليكون شعرا في الأساس، إذا لم تكن ~~مفرداته قد صيغت في هذا النظام الخاص، ووقعت في هذا الوزن الخاص، فهذا وذاك يكونان ~~«الشكل» الذي هو جواز المرور المبدئي لدخوله في دنيا الفن، وبعد ذلك يجيء سؤال آخر هو: هل ~~هو من الفن الرفيع؟ ولماذا؟ فلو كنت ms245 أنا لأسلط عليه منهجي في النقد، لركزت انتباهي في ~~المفردات، وطريقة تركيبها بعضها مع بعض، فلماذا - أولا - اختار أبو تمام لقصيدته تلك ~~البحر البسيط؟ ثم انظر - ثانيا - في الثنائيات الواردة في البيت ، السيف والكتب، حده ~~الحد، الجد واللعب، فهي ثنائيات غنية بإيحاءاتها، ثم ألحظ - ثالثا - تآزر الحروف ~~المتجاورة في إحداث النغم، مثل تجاور السين والصاد، وتكرار حرف الحاء، وتجاور الباء والباء، ~~وهكذا. # لكنني لا أتنكر للزوايا الأخرى التي ننظر منها إلى هذا البيت؛ لأنها بكل تأكيد تزيدني ~~له فهما، فمثلا إذا عرفت أن «الكتب» المذكورة هنا لا يقصد بها الكتب على إطلاقها (كما يظن ~~معظم المرددين لهذا البيت)، وإنما هي كتب التنجيم؛ وذلك لأن المعتصم حين أراد الحرب مع ~~الروم، ولم يكن الروم على استعداد في ذلك الوقت للحرب، دسوا له منجما يقول له إن حساب ~~النجوم يدل على أنه لو حارب الروم في ذلك الوقت خسر الحرب، وربما أحدث هذا القول شيئا من ~~التردد عند المعتصم، وهنا أنشد له أبو تمام قصيدته التي هذا البيت مطلعها، ومعناه كما هو ~~واضح، أن النبأ الصادق في نتائج الحرب مع الروم، هو حد السيوف، لا في نبوءات المنجمين، ~~أقول إن معرفتي لهذه الخلفية التاريخية - أي الاجتماعية - تزيدني وضوحا في تقدير البيت من ~~حيث دلالته الفعلية، لكننا حتى لو لم نعلم عنه هذه الخلفية التاريخية، يظل «بشكله» الفني ~~شعرا رفيعا. وأظن صاحب السؤال يستطيع أن يرى «تفرد» الشاعر في تركيب بنائه ~~اللفظي. # والآن فلأجمع أطراف حديثي، لأترك القارئ بنتيجة يسهل حفظها في الذاكرة، ليعود إليها كلما ~~شاء، إما ليأخذ بما فيها، وإما ليعارضها، وتلك النتيجة هي أن حياتي قد علمتني أن ~~مدينة الفكر كثيرة الأبواب، بمعنى أن الموضوع الواحد يمكن للفكر أن يتناوله من عدة جهات، ~~دون أن تجيء الأحكام على الجوانب المختلفة مناقضا بعضها لبعض، بل هي قد تكون متكاملة ~~يقوي بعضها البعض. # | حوار على الورق (1) # تراكمت عندي أسئلة القراء، ولم يعد لي بد من الإجابة على بعضها، فبعد أن كان ظني ms246 ~~في العلاقة بين الكاتب والقارئ، أنها كالطريق ذات الاتجاه الواحد في حركة المرور، مقيما ~~ذلك الظن على ظن آخر أعم وأسبق، وهو أن الكاتب إنما يضع نفسه على الورق، سواء وجدت تلك ~~النفس من يتلقاها لقاء حسنا أو لقاء سيئا، أم لم تجد، فظلت منشورة على ورقها ~~كالسلعة الكاسدة في سوق البيع والشراء، ولكن لماذا سبق إلى وهمي ذلك الظن في طبيعة العلاقة ~~بين الكاتب والقارئ؟ حدث ذلك - ربما - تأسيسا على مبدأ عندي، أفرق به بين العلم والفن، ~~كائنا ما كان الفرع المعين من فروع المعرفة العلمية، وكائنة ما كانت الدرجة التي يكون ~~بها الفن فنا، فالعلم عام والفن خاص، ومن هنا كان من يتقدم إلى الآخرين بما يزعم أنه ~~حقيقة علمية، مسئولا أمام هؤلاء الآخرين عن إقامة برهان الصدق إذا ما طلب إليه ذلك، وأما ~~من يستخدم وسيلة من وسائل الفن - كتابة أو غير كتابة - ليخرج إلى العلانية شيئا من ذات ~~نفسه بعد أن كان مطويا في جوانحها، فلا ينبغي لأحد أن يسأله: كيف ولماذا؟ فمن شاء ~~فليستقبل تلك الذات التي أعلنت عن نفسها، ومن شاء فلينصرف عنها. ذلك كله هو بعض الظنون ~~التي كانت تساورني - وما زالت تساور - عن طبيعة الكتابة بنوعيها: العام والخاص، وإذا كان ~~القارئ لهذه السطور، ممن تعقبني فيما كتبت وأكتب، لأدرك في غير عسر أنني ألجأ مرة للصنف ~~الأول من الكتابة، وذلك حين أرى أن الفكرة المعروضة من حقها أن تستقل بذاتها؛ لأنها لا ~~شأن لها بخصائص ذاتي، وذلك هو «العلم»، ثم ألجأ مرة أخرى إلى الكتابة من الصنف الثاني، وذلك ~~حين أريد للرأي المعروض أن يكون أقرب إلى «الرؤية» الشخصية، التي لا تلزم أحدا بقبولها، ~~وقد يتمتم القارئ لنفسه هنا قائلا: لكنك يا أخانا تكتب ما تكتبه في الصحف وفي الكتب، وفي ~~ذلك ما يتضمن الاعتراف بأنك إنما قصدت بالكتابة إلى آخرين، وليس من حقك أن تشغل هؤلاء ~~الآخرين بما هو ذاتي خاص. وجوابي على ذلك هو أن الأمر هنا يشبه القطعة الفنية ms247 معروضة في ~~معارضها، لا أكثر ولا أقل، فقد تجد من يقف عندها متذوقا متقبلا، وقد تجد من يعرض عنها، ~~وفي كلتا الحالتين يظل الفنان واثقا بفنه المعروض. # وبعد هذا التمهيد، أعود فأقول إن أسئلة القراء قد تراكمت ولم يعد لي بد من الإجابة على ~~بعضها، وقد جعلت أساس اختياري هو ما أتصوره مثيرا لاهتمام كثيرين، سكتوا عن السؤال، ~~لكنهم على رغبة في الإنصات إلى الجواب. # وأبدأ بسؤالين يسألان عن «القراءة» إما عن قراءتي أنا، ماذا قرأت وأقرأ؟ وإما عن قراءة ~~السائل نفسه ماذا تكون وكيف تكون؟ عن الحالة الأولى يسأل السيد طه حسين سليمان قائلا: «في ~~حياة كل أديب شخصية وكتاب، أثرا في مجرى حياته، فهل تتفضلون بذكرهما لجيل ~~الشباب؟» # والجواب هو أن المؤثر كان أكثر من شخصية واحدة وأكثر من كتاب واحد، فلقد كانت ~~العشرينيات من هذا القرن، هي الأعوام التي أحسست فيها بصحوة لما يكتب وما يقال في ~~دنيا الثقافة، وكانت دنياي الثقافية عندئذ مليئة بالفرسان، لكن ثلاثة منهم تميزوا عندي ~~من سواهم، هم: طه حسين، وعباس العقاد، ومحمد حسين هيكل، فكنت لا أترك حرفا واحدا مما ~~يكتبونه إلا وطالعته في حينه أو أرجئه إلى الإجازة الصيفية إذا شاءت لي ذلك ضرورات ~~المذاكرة والامتحان، وبين هؤلاء الثلاثة كانت الأولوية لطه حسين، لا لأنني وجدته أغزر ~~فكرا من زميليه، وإلا فلست أشك في أن تلك الغزارة أولى بها العقاد أولا وهيكل ثانيا، ~~لكن المسألة هنا هي مسألة كاتب وسحر كتابته، وأعود بك إلى ما ذكرته لك عن الكتابة عندما ~~تكون فنا، وعندما تكون أقرب إلى العلم الذي يستند إلى إقامة الحجة والبرهان، على أنني ~~إذ أقول إن هؤلاء الثلاثة هم الذين ارتسموا أمامي مثلا أعلى أنشد بلوغه أو بلوغ ما يقرب ~~منه، فلست أعني أنني ألزمت نفسي بشيء معين مما قالوه، أو بأسلوب معين مما ~~استخدموه، ولكنها هي «الوقفة» العامة هي التي تمنيتها. وبعبارة أخرى رأيت فيهم كاتبين، ~~فتمنيت أن أكون كاتبا. # وأما الكتاب الواحد - بين عشرات الكتب التي ms248 قرأتها في تلك الفترة من حياتي - فقد أجده ~~أمرا عسيرا أن أحدد كتابا بعينه، لكنني قد أشير إلى كتابين، على ما بينهما من ~~تباين شديد، وهما «جمهورية أفلاطون» و«في الأدب الجاهلي » لطه حسين، أما أولهما فقد وجدته ~~- وما أزال حتى هذه الساعة أجده - كنزا تغترف منه ما تغترف، ويظل هو الكنز الذي كان، فلا ~~الزمان يبليه، ولا الرجوع إليه تنتهي أسبابه، وربما كان مما يعلل منزلة تلك المحاورة في ~~نفسي، هو ما طبعني ربي عليه من شغف التفكير الفلسفي ومنهجه، وأما ثاني الكتابين، فليست ~~مادته في ذاتها هي التي كانت لها الفتنة، بل هو النهج الفلسفي مرة أخرى، ثم هو - فوق ذلك - ~~إزالته لشعور الرهبة الذي يتولانا كلما مسسنا شيئا من حياة القدماء، فإنني ممن لا ~~يريدون الرهبة أمام شيء في مجال الفكر، ويريدون أن يخضعوا كل فكرة للتحليل والتمحيص. ولعل ~~هذه الرغبة عندي هي نفسها التي جعلتني بعد ذلك من أتباع فلسفة التحليل، كما شرح منهاجها ~~برتراند راسل، وكما طبقها أنصار التجريبية العلمية. # قلت إني تلقيت سؤالين عن «القراءة» كان أحدهما يسأل عن قراءتي أنا ماذا كانت حين كنت ~~في أول الطريق، وقد أجبت عن ذلك بإيجاز، وأنتقل الآن إلى السائل الثاني، وهو السيد فتحي ~~السعيد محمد، فهو يقول: «قرأت لكم مقالا بعنوان: «قالت الشمس للسحب» وقد وردت به ~~ثلاثة أسئلة هي: لماذا أكتب؟ ولمن أكتب؟ وكيف أكتب؟ فسألت أنا نفسي أيضا ثلاثة أسئلة: ~~لماذا أقرأ؟ ولمن أقرأ؟ وكيف أقرأ؟ وهي أسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها أكثر صعوبة إذا ~~تعمقناها، فهل تتفضلون بالإجابة؟» # وفي إجابتي سأغض النظر عن الفروق الفردية التي تنشأ عن اختلاف الناس في البواعث ~~والأهداف، وسأنظر إلى موضوع القراءة من جانبه العام المشترك بين القارئين جميعا، فأقول عن ~~الجزء الأول من سؤال السائل: لماذا أقرأ؟ والجواب هو: أنك تقرأ لتضيف إلى عمرك المحدود ~~عشرة أمثاله، أو مائة، أو ألفا، بحسب القدر الذي تقرؤه، والطريقة التي تقرأ بها، لماذا؟ ~~لأنك خلال عمرك المحدود ستجمع خبرات وأفكارا عن ms249 العالم وعن الناس وعن حقيقة نفسك، لكن ~~تلك الخبرات والأفكار سيكون مداها مرهونا بقدراتك أنت وحدك على الرؤية وعلى الاستدلال، ~~ومرهونا كذلك بعدد السنين التي كتب لك أن تحياها، فإذا قرأت لكاتب واحد أو لشاعر ~~واحد، ولنختر - مثلا - كاتبا كالجاحظ، وشاعرا كأبي العلاء المعري، فأنت بمثابة من أضاف ~~إلى خبراته وأفكاره التي جمعها لنفسه بنفسه، خبرات وأفكارا جمعها الجاحظ وجمعها المعري، ~~فإذا فرضنا - وليس في هذا الفرض مبالغة - أن الرجل الواحد من أمثال هذين الرجلين، إنما ~~يساوي ألف رجل من أمثالنا نحن الأفراد الذين يقعون في أوساط الناس، أو حتى فوق الأوساط ~~بنسبة معلومة، كان معنى أن تقرأ الجاحظ أو أن تقرأ أبا العلاء، هو أنك قد أضفت إلى عمرك ~~ألف عمر. # على أن الإضافة لا تقتصر على الطول وحده، وإنما هي كذلك إضافة في العرض، وإضافة في ~~العمق أيضا، فأما الإضافة في العرض، فمعناها أنك ستتمرس خلال خبرات من تقرأ له، بخبرات ~~من نوع آخر، أو من أنواع أخرى ليست هي مما ألفت أن تتمرس به في حياتك الخاصة. خذ ~~مسرحية واحدة من مسرحيات شكسبير، واقرأها قراءة من يغوص في أغوارها، تجدك قد عشت ملكا ~~كما يعيش الملوك، وعشت فارسا كما يعيش الفرسان، وعشت عاشقا كما يعيش العاشقون، وعشت ~~مهرجا كما يعيش المهرجون، وعشت عاقلا، وعشت مجنونا، وعشت عشرات الأنواع من ضروب ~~العيش التي لم تصادفك في حياتك الخاصة؛ لأن حياتك الخاصة هي ضرب واحد من تلك الضروب. وإذن ~~فالقراءة لم تجعل عمرك الواحد ألف عمر من حيث الطول، بل جعلته ألف عمر، أو يزيد من حيث ~~العرض كذلك، أي من حيث التنوع. # ثم يضاف إلى زيادة عمرك طولا وعرضا، زيادة أخرى، ربما كانت أهمها جميعا، وهي الزيادة ~~في البعد الرأسي، أعني في عمق الأغوار التي تصل إليها بالنسبة لكل فكرة، وكل معنى، وكل ~~لون من ألوان المشاعر، فلعلك تدرك كم هي سطحية حياة أمثالنا من عابري السبيل، إذا قيست ~~إلى الحياة الإدراكية التي يحياها الفحول، فمثلا قد أستخدم ms250 أنا أو تستخدم أنت في الحديث ~~فكرة «الحرية»، لكن قارن فكرتك عن الحرية في أبعادها وأعماقها، بالفكرة نفسها كما وردت عند ~~جون لوك، أو جان جاك روسو، أو جون ستيوارت مل . وقد تستخدم أنت وأستخدم أنا كلمة «فن»، لكن ~~قارن هذه الفكرة في أبعادها وأعماقها عند أمثالها، بالفكرة نفسها عند رسكن، أو سانتيانا، أو ~~كولنجوود. وقد تكون أنت أو أكون أنا قد عرفنا «الصداقة» أو «الحب»، لكن ارجع إلى الصداقة ~~كما رآها أرسطو، وكما رآها ابن حزم، ثم انظر إلى الحب كما كابده وعبر عنه روميو وقيس. ~~وتسألني: لماذا أقرأ؟ فأجيبك: إنك تقرأ لتحيا بدل عمرك الواحد ألف عمر، طولا وعرضا ~~وعمقا. # وأما عن الجزء الثاني من سؤالك: لمن أقرأ؟ فالإجابة هنا موصولة بالإجابة عن الجزء الأول، ~~فهي: اقرأ لمن يضيف إلى خبراتك وأفكارك إضافة توسع من آفاق دنياك في تلك الأبعاد الثلاثة ~~جميعا، فما كل قراءة ككل قراءة، وإنما القراءة التي نعنيها هي قراءة الأفذاذ في كل ميدان، ~~فهل يعقل - في ميدان الفلسفة مثلا - أن أترك أفلاطون وأرسطو وابن سينا وابن رشد وديكارت ~~وكانت وهيجل، لأقرأ فلانا وعلانا؟ وفي ميدان الشعر، هل يعقل أن أترك البحتري وأبا تمام ~~والمتنبي وأبا العلاء لأقرأ فلانا وعلانا؟ نعم، قد نقرأ للأوساط، بل وللصغار أحيانا ~~لنتسلى، وأما الحياة بالطول والعرض والعمق، فمصدرها أفذاذ الرجال. إنني أذكر سؤالا ~~وجهته لأستاذ كبير في دنيا الفلسفة في إنجلترا، وكنت أزوره لأودعه قبل عودتي من ~~بعثتي إلى مصر، إذ سألته: كيف ترى جان بول سارتر؟ فنظر إلي نظرة الذاهل للسؤال، وقال: ~~سارتر؟ ثم أشار لي بيده نحو رفوف مكتبته، وقال: وهل فرغت من هؤلاء السادة القادة، لأنفق ~~ساعاتي في قراءة سارتر؟ # ويبقى الجزء الثالث والأخير من سؤالك، وهو: كيف أقرأ؟ وخير جواب عن السؤال هو: اقرأ وكأن ~~الذي معك ليس كتابا من صفحات مرقومة بحروف وكلمات، بل كأنك تتحدث مع مؤلف الكتاب، اقرأ ~~وكأن الذي معك هو الرجل الحي يعرض عليك فكرته أو خبرته بصوت مسموع، ففي ms251 هذه الحالة ستجد ~~نفسك مدفوعا إلى مراجعته ومساءلته ومناقشته جزءا جزءا، ومعنى معنى. وهكذا تكون ~~القراءة الحية بفاعليتها الذهنية، فلا تجعل من نفسك أثناء القراءة شريطا من أشرطة الكاسيت، ~~يتلقى ولا حيلة له فيما يتلقاه، بل تمهل هنا، وقف هناك، واسأل، وحاور، ووافق واعترض، ~~فالذي معك هو إنسان حي بفكره ووجدانه، وقد يكون إنسانا أطول منك باعا وأقدر منك على ~~الغوص وراء الحقائق، لكنك لن تبلغ منه كل ما تريد إلا إذا وقفت منه موقف الأحياء من ~~الأحياء إذ يلتقون في دروب الحياة ومسالكها. # ونكتفي بهذا القدر من الحديث عن موضوع «القراءة» لننتقل إلى موضوع آخر له طرافته، وله ~~كذلك صلته الوثيقة بالقراءة، وهو ما عرضه السيد ع. ع. أ. في رسالته، ويتلخص في وجوب ~~السعي الحثيث الجاد نحو توفير «الأمن الثقافي» على نحو ما نسعى نحو تحقيق «الأمن الغذائي»، ~~وقد تمنيت لو استطعت نشر رسالته كما هي، لولا ما تفضل به من سخاء في وصف ما ~~أكتبه. # وارتكازا على تلك الرسالة وما ورد فيها، أقول: إننا نحسن فهم ما أراده «أحد أبناء مصر ~~المخلصين» (كما وصف نفسه في ذيل الخطاب) إذا سألنا أنفسنا أولا: ما المراد بالأمن ~~الغذائي؟ لنقيس عليه ما نريده بتوأمه «الأمن الثقافي». إنه لو كان لدينا وفرة من مصادر ~~الطعام، تضمن لنا عافية أبداننا اليوم وغدا وبعد غد، لما طافت برءوسنا فكرة الأمن الغذائي، ~~لكننا حتى إذا تلفتنا حولنا اليوم، ووجدنا وفرة في الطعام المعروض في الأسواق، فإننا ~~لتأخذنا خشية الإملاق إذا نحن مددنا أبصارنا إلى غد وبعد غد، حين يسير منحني السكان في ~~صعوده الرهيب الذي نراه، ومن هنا نأخذ في التدبير والحساب، لنأمن المجاعة أو ما يقرب ~~منها، فنزرع من الأرض ما لا نزرعه اليوم، وننشئ من الصناعات ما لم ينشأ حتى اليوم ~~وهكذا. # وعلى هذا النحو ننظر إلى مصادر حياتنا الثقافية اليوم، وقد نجد فيها القليل - وأقل من ~~القليل - مما يضمن الصحة لعقولنا وقلوبنا. وأما الزبد الذي فيذهب جفاء، فهو كثير وأكثر من ms252 ~~الكثير. والذي يثير الفزع بصفة خاصة، هو أن القليل النافع الذي يمكث في الأرض، هو - على ~~الأغلب - من صنع بقية باقية من أبناء الجيل الماضي، فماذا يكون من أمرنا غدا، وإن غدا ~~لناظره قريب؟ أفلا يلزم في هذه الحالة شيء مثل ما قمنا به في مجال الأمن الغذائي، فنرعى ~~عقولا واعدة لعلها تنضج وتحمل ثمارها إذا ما جاء ذلك الغد القريب؟ # ولا بد لي هنا من إضافة أراها واجبة، دفعا لسوء الفهم والتفاهم، وتلك الإضافة هي ~~أن أحدا لا ينكر «المواهب» في أبناء هذا الجيل من منتجي الثقافة في شتى ميادينها، بل ~~إن لفتة هذا الجيل نحو الإبداع إنما تفوق - بغير شك - لفتة الجيل الماضي؛ لأنه إذا كان ~~الجيل الماضي قد أظهر براعته الفائقة في هضم الثقافتين: ثقافة التراث وثقافة العصر الحاضر، ~~ثم في عرض المادة المهضومة على القراء، فإن أبناء هذا الجيل كان ينتظر لهم أن تكون ~~براعتهم في إبداع شيء جديد، بوحي من الثقافتين معا، لكننا إلى جانب هذا الاعتراف بالفضل ~~لذويه فلا بد كذلك أن نذكر وجه القصور، وهو أن معظم ما يبدعونه من أدب وفن وفكر، لا ~~ينطوي على شيء كثير من تلك الجذور العميقة الفنية التي تضمن الدوام النسبي على امتداد ~~الزمن، ومن هنا تنشأ ضرورة الحيطة بما أسماه صاحب الرسالة المذكورة بالأمن الثقافي. # وقد نسأل عن علة هذه الضحالة، ما دمنا قد اعترفنا بالمواهب، وأخذنا في الاعتبار كثرة ~~الأجهزة الرسمية وغير الرسمية التي أنشئت لترعى الحياة الثقافية. وفي ظني أن العلة ~~كامنة في خلل النسبة الملائمة عند توزيع اهتمامنا بدرجات الحياة الثقافية، فبينما شغلتنا ~~فكرة «الجماهير» انصرفنا عن الدرجات العليا، وكأن تلك الدرجات ليست هي نفسها التي ~~ستقدم الغذاء الثقافي المناسب «للجماهير»، وإذا أردت برهانا على خلل التناسب هذا، ~~فانظر إلى محاور الاهتمام الأساسية فيما تقدمه الصحف ووسائل الإعلام. # إلى هنا وحديثي اليوم قد دنا من ختامه، وبقيت أسئلة أخرى كثيرة تستحق العناية والدخول ~~بها في هذا الحوار، فلا مناص من حديث آخر. # لكنني ms253 لا أستطيع أن أترك هذا الحديث، دون أن أوجه كلمة مخلصة إلى «قارئة» لجأت ~~بمأساتها إلي كما تلجأ الحفيدة إلى جدها، كما حلا لها أن تقول في رسالتها، فأريد لك يا ~~ابنتي أن تعلمي أنه ما من مخلوق بشري شهدته الدنيا، إلا وقد تنازعت فيه القوتان، أما ~~إحداهما فتدفع نحو إشباع دواعي الفطرة المغروزة في جبلة الإنسان، والتي لا حيلة للإنسان ~~في وجودها، وأما القوى الأخرى فهي الشكائم التي نلجم بها تلك الفطرة عند جموحها، لكي نسير ~~بها في الطريق المشروع. ولئن كنت يا ابنتي - كما تقولين - تؤدين فروض الله، وتقرئين ~~كتابه، ثم ترين نفسك على شيء من ضعف الإرادة قد ينتهي بك إلى زلل، فإنك في كل ذلك إنما ~~تفصحين عما يكتمه الآخرون، وحسبك هذه اليقظة المؤرقة من ضميرك الحي اللوام، لتكوني ~~على يقين بأن السفينة لا بد راسية آخر الأمر في مرفأ الأمان. # | حوار على الورق (2) # وأتابع الحوار مع القراء في رسائلهم، فيسأل السيد صلاح الدين الشرنوبي سؤالين، ~~أثبتهما هنا بكلماته، ثم أجيب، يقول: # أولا: # لماذا وبالذات في الدول النامية تكون هناك هوة عميقة بين القول والعمل؟ ~~مع أنها دول تحتاج إلى تقدم وإلى جدية، ولماذا يصدق القول مع العمل في ~~الدول المتقدمة؟ # ثانيا: # ما هو المقياس الذي تتبعه الدول النامية في المشاكل التي تواجهها؟ ~~ويؤدي بها دائما إلى طريق مسدود، وإلى حلول مؤقتة، وما هو المقياس في ~~الدول المتقدمة، الذي يؤدي بها إلى حل جميع مشاكلها في جدية وحزم، مما ~~يؤدي بها إلى التقدم المحسوس الذي نشاهده في هذه الدول؟ # وعن السؤال الأول، أود قبل الإجابة، أن ألفت النظر إلى خطورة الخطأ الذي كثيرا ما نقع ~~فيه، كلما عممنا القول تعميما لا يتحوط ولا يتحفظ، فلا القول والعمل «دائما» يتباعدان ~~بهوة عميقة في البلاد النامية، ولا هما «دائما» يتطابقان في البلاد المتقدمة. فكثير ~~جدا من أقوالنا نحن، هنا في مصر على سبيل المثال، ولعل مصر هي التي يعنيها صاحب ~~السؤال، أقول إن كثيرا جدا من أقوالنا قد ms254 اتسقت مع أعمالنا، في مشروعاتنا الكبرى، وفي ~~مشروعاتنا الصغرى على حد سواء، فإقامة الصناعة - ثقيلها وخفيفها - أراها مسايرة لما ~~استهدفناه عند أول الطريق. وإذا كانت هنالك عثرات في السير، فلا أظن أنها ترجع إلى ما ~~يجوز تسميته بالفجوة بين القول والعمل، والتوسع في التعليم من أولى درجاته إلى أعلى ~~درجاته، أراه كذلك مسايرا لما رجونا. فإذا وجدنا هبوطا في المستوى العام، فليس ذلك ~~راجعا إلى هوة عندنا بين القول والعمل بقدر ما هو راجع إلى ظروف مادية أخرى، كزيادة ~~الأعداد زيادة رهيبة بالنسبة إلى قدراتنا المالية والبشرية، فلا نحن نرضى لأنفسنا أن نوصد ~~أبواب التعليم في أوجه الراغبين فيه، ولا نحن قادرون من الناحية المالية على الأقل، على أن ~~نواجه ذلك الكم الهائل من التلاميذ والطلاب، مواجهة نحتفظ فيها بارتفاع المستوى، وهكذا ~~قل في كثير من جوانب حياتنا. # وكذلك إذا وجهنا أنظارنا إلى البلاد المتقدمة، فلا أظننا واجدين أعمالهم «دائما» ~~متطابقة مع أقوالهم، وإلا لما رأينا الحكم متداولا بين الأحزاب، فيحكم أصحاب اليمين مرة ~~واعدين بأشياء لا يحققونها، ثم يتولى بعدهم الحكم أصحاب اليسار، وبدورهم يعدون بأعمال ~~يعجزون عن إنجازها وهكذا دواليك. # لكنني بعد هذا التحفظ، لا بد أن أوافق صاحب السؤال على أن البلاد النامية تكثر فيها ~~المفارقات بين القول والعمل، بدرجة لا نراها في البلاد المتقدمة، ولهذه الظاهرة علتان ~~رئيسيتان، إحداهما يمكن أن تفتقر لحسن النية التي يغلب أن تكون كامنة في نفوس العاملين، ~~وأما الأخرى فلا وجه فيها لمغفرة. ولشرح ذلك نقول: إن ما يسمى بالبلاد النامية، هو نفسه ~~البلاد التي ظفرت بحريتها واستقلالها منذ عهود قريبة، فحدث في كل بلد منها أن تولت ~~الحكم فيه حكومة من أبنائه، بعد أن كان الحكم قبل ذلك في أيدي أجانب غاصبين. فماذا وجد ~~الحكام الوطنيون؟ وجدوا شعبا محروما من حقوقه، محروما من إشباع حاجاته الضرورية من ~~تعليم وصحة وعمل، ومحروم من العيش على مستوى اقتصادي معقول. فكان لا بد لهؤلاء الحكام ~~الجدد أن يسرعوا بإشباع جانب من تلك الحاجات ms255 بقدر المستطاع، لكن أقل قدر من ذلك ~~الإشباع كفيل بأن يبتلع الجزء الأكبر من الإنتاج، فيرى المسئولون أنفسهم بين اثنتين: فإما ~~أن يواصلوا إشباع الحاجات لمن حرموا منها أعواما طوالا، فيتبخر الناتج كله في غمضة ~~عين، ولا يبقى بين أيديهم فائض يضيفونه إلى تنمية الإنتاج، وإما أن يقيدوا الإنفاق على ~~سد حاجات الجماهير التي طال حرمانها، فيفتئتون بذلك على فكرة العدالة الاجتماعية. فضلا ~~عن تعرضهم لسخط هؤلاء الجماهير أنفسهم. بعبارة أخرى، فإن الحكومات الوطنية سرعان ما تجد ~~نفسها قادرة إما على كفاية الإنتاج، وإما على إشباع حاجات الناس. ولما كان كلا الجانبين ~~مطلوبا، بغض النظر عن تعذر التحقيق، أو حتى عن استحالته، اضطرت تلك الحكومات الوطنية ~~في البلاد النامية أن تعد بما لا تحققه، وذلك بأن تعد الناس بالجانبين معا وهو ~~محال. # وفي مواجهة هذه المفارقة في حياة الدول النامية بعد استقلالها، رفع شعار ينادي بما أسموه ~~بالمعادلة الصعبة. وكان المقصود بها هو أن تحاول الحكومات الوطنية الجديدة، التماس خط ~~يحقق أكثر ما يمكن من آمال الشعوب المحرومة (لأن تحقيقها كلها محال إذا أردنا تنمية ~~الإنتاج) ويحقق في الوقت نفسه أكثر ما يمكن من التنمية الإنتاجية (لأن التنمية بالدرجة ~~الواجبة مستحيلة إذا أردنا أن نشبع شيئا من حاجات المحرومين) لكن شعار «المعادلة الصعبة» ~~عسير، مما يجبر المسئولين إجبارا أن يقولوا (أحيانا) ما ليس يفعلون، لا عن كذب أو قصور ~~أو خيانة، بل عن ضرورة ألزمتهم بها طبيعة الموقف الذي يواجهونه، وذلك هو ما قلت عنه إنه ~~خطأ مغتفر لما ينطوي عليه من حسن النوايا. # لكن هنالك هوة أخرى بين القول والعمل في البلاد النامية لا سبيل فيها إلى غفران، وتلك هي ~~أن من تئول إليهم مقاليد الحكم بعد إخراج المستعمر الخارجي، أو إبعاد المستبد الداخلي، ~~قد تذهلهم السلطة التي جاءت إليهم فجأة، بكل ما يتبعها من مكاسب، فتأخذهم خشية أن يكون ~~هذا «العز» المفاجئ مصيره إلى زوال مفاجئ أيضا (وأنا أتكلم هنا عن حالة شائعة في البلاد ~~النامية)، فيحاولون جمع ms256 أكثر ما يمكن جمعه، وفي أقصر مدة ممكنة، قبل أن يباغتوا بأحكام ~~القدر. ومن هنا تراهم يقسمون حياتهم قسمين: أحدهما في العلن، والآخر في الخفاء، فيبشرون ~~بكل ما يطيب وقعه على الأسماع، لكنهم من وراء ظهر المجتمع يكنزون ويكدسون، وما دام ~~المعيار الخلقي قد ازدوج بين خفاء وعلانية، تحتم أن يسود الحياة نفاق يخلق الهوة ~~العميقة التي تفصل بين القول والعمل. # ذلك عن أحد السؤالين اللذين ألقى بهما السائل في رسالته، وأما عن السؤال الثاني الذي يسأل ~~عن العلة التي من أجلها تجيء حلول المشكلات في البلاد النامية مؤقتة، ذلك إذا لم تجد نفسها ~~في طريق مسدود لا يقدم حلولا، لا دائمة ولا مؤقتة، بينما نلاحظ في البلاد المتقدمة ~~ضربا آخر من التناول، يؤدي بتلك البلاد إلى حل مشكلاتها على نحو يكفل لها مزيدا من ~~التقدم. # والعلة - يا سيدي - التي لا علة سواها، هي في منهج التفكير الذي يتناول به الناس حل ~~مشكلاتهم، فبينما ذلك المنهج في البلاد المتقدمة هو أقرب شيء إلى مناهج التفكير العلمي، ~~بكل ما يقتضيه ذلك التفكير من دقة في الإحصاءات ودقة في استدلال النتائج من المعطيات، تجد ~~الطريقة في البلاد النامية يغلب عليها المزج بين علم وعاطفة، وبين صدق وكذب. فمثلا لا ~~يبعد في البلاد النامية أن نضع مقياسا على أساس من قدرة الطالب على التحصيل، ثم ترانا ~~نسرع إلى «الاستثناءات» العاطفية الخالصة، كأن نقول: إن لأولاد الشهداء الحق في تجاوز ~~المقياس، وبهذا يلتحق بكلية الطب مثلا من ليست له القدرة على دراسة الطب، بل وقد يقع ~~البلد النامي في أخطاء أفدح - صدورا عن عاطفة - كأن يتمنى لنفسه ما ليس في وسعه ~~فيتمنى أن يتساوى مع البلاد الغنية والمتقدمة في بعض مظاهر الحكم، في إقامة مشروعات لا ~~قبل له بها، أو غير ذلك مما كان التفكير العلمي ليأباه لو احتكمنا إليه. واختصارا فإن ~~الفرق بين البلاد النامية والبلاد المتقدمة في معالجة مشكلاتها، إنما يكمن في التزام ~~المنهج العلمي أو التفريط فيه. # وأشعر هنا بضرورة إضافة ms257 عامل آخر، وهو أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم في البلاد النامية ~~ليست متشابهة كل التشابه مع تلك العلاقة في البلاد المتقدمة، فبينما هناك يكاد يمتنع خوف ~~المحكوم من حاكمه، فها هنا نجد عكس ذلك، إذ يكاد ذلك الخوف أن يكون هو قاعدة التعامل، ~~فينتج عن ذلك أن من يطلب منه النظر في معالجة مشكلة بعينها، فالأغلب أن يقدم ما ~~يتوقع أن يصادف الرضا عند رئيسه، لا ما يرضى عنه التفكير العلمي المجرد النزيه. وما أكثر ~~ما رأينا سياساتنا الاقتصادية وغير الاقتصادية تنقلب رأسا على عقب بين عشية وضحاها، لا ~~لأن الباطل قد زهق في دقيقة واحدة ليحل محله الحق في دقيقة واحدة كذلك، بل لأن فكرة ~~عند ولي الأمر قد حلت محلها فكرة أخرى. # وما دمنا نتحدث عن العلم ومنهجه، فهذه فرصة مناسبة لأتناول فيها ما كان أرسله السيد ~~ف. ف. مسائلا عن الحتمية والاحتمال في القوانين العلمية، قال سيادته: قلت في مقالتكم ~~«مغامرات محسوبة» عند الكلام على المنهج الاستنباطي والمنهج العلمي التجريبي، هذه العبارة: ~~إن صاحب المنهج الجديد يكتفي بما هو محتمل الصواب القابل للتصحيح، فلا ثبات ولا ركون عند ~~نتائج بعينها، يقال عنها إنها الحق الذي لا يتغير مع الأيام ولا يتبدل، فهل معنى هذه ~~العبارات أن العالم الذي نعيش فيه أصبح خاليا من الظواهر الحتمية، وأصبح كل شيء فيه ~~احتماليا نسبيا؟ # فإذا قلت مثلا باتحاد الأوكسجين والأيدروجين بنسبة معينة، يتكون حتما الماء، وإذا ~~تعرض بخار الماء لسطح بارد، فإنه يتكاثف ويتحول حتما إلى ماء، ودوران الأرض حول نفسها ~~أمام الشمس يؤدي حتما إلى تعاقب الليل والنهار ... إلخ، فأين هي الاحتمالية في مثل هذه ~~الظواهر العلمية الواقعية؟ # وجوابي على السيد ف. ف. هو أن مفهوم الحتمية عندما كان ينسب إلى أحداث العالم - ~~وبالتالي فهو ينسب إلى القوانين العلمية التي تصور سلوك تلك الأحداث - إنما كان يتضمن أن ~~الحادثة السابقة تحمل في طبيعتها الحادثة اللاحقة، بحيث يستحيل استحالة منطقية أن تحدث ~~الأولى ولا تحدث الثانية. ولذلك كان أنصار الحتمية ms258 خلال الفترة التي امتدت من عهد نيوتن ~~حتى عهد أينشتين، يتصورون أنه يكفينا أن نلم بحقيقة حاضرة لنستدل منها كل الماضي ~~وكل المستقبل بالدقة الرياضية، لماذا؟ لأن الحقيقة الحاضرة إنما هي وليدة حتمية، لما مضى، ~~ووالدة حتما لما هو آت. وحين نقول إن فكرة الحتمية هذه قد فسحت مكانها لفكرة الاحتمالية، ~~فنحن نعني بذلك على وجه التحديد، أن الحادثة اللاحقة في سلسلة الأحداث، قد جاءت «بعد» ~~الحادثة التي سبقتها، لكن ذلك لا يعني أنها كانت منطوية فيها، تماما كما نلحظ اطراد ~~التتابع بين دق الجرس في المدرسة ودخول التلاميذ غرف الدراسة، حتى وإن اختلفت الحالتان ~~من حيث درجة الاطراد. فإذا قر في أذهاننا جيدا أن قوانين العلم ترصد «تتابع» الأحداث ~~حيثما شاهدها اطرادا في ذلك التتابع، نتج عن ذلك نتيجة هامة، وهي أن القانون العلمي قد ~~بني على ما «شوهد» وما «أجريت» عليه التجارب، فهو بمثابة حكاية تحكي عما حدث بالفعل، وليس ~~في حكاية الماضي ما يحتم أنه سيطرد حدوثه في المستقبل كذلك. # فإذا افترضنا أن حادثتين «أ»، «ب» قد شوهد اطراد التتابع أو التلازم بينهما، فصيغ قانون ~~علمي على هذا الأساس، فإن أتباع الحتمية العلمية في هذه الحالة يقولون: إنه يستحيل أن تحدث ~~«أ» إلا وتحدث «ب» بعدها أو معها، بينما أنصار الاحتمالية العلمية يقولون: إن «ب» يستحيل ~~عليها الحدوث إلا إذا سبقتها أو صحبتها «أ»، لكن العكس غير صحيح بمعنى أنه إذا وقعت «أ» فلا ~~ضمان يؤكد حدوث «ب» معها أو بعدها. ونأخذ مثلا من الأمثلة التي أوردها صاحب السؤال، وهو ~~أنه باتحاد الأوكسجين والأيدروجين يتكون الماء حتما، فنقول: نعم إنه إذا كان هناك ماء ~~قلنا إنه لا بد أن يكون ذانك العنصران قد اتحدا، فاتحاد الأوكسجين والأيدروجين هو نفسه ~~الماء، فكأننا بذلك لا نقول شيئا أكثر من قولنا إن اتحاد الأوكسجين والأيدروجين هو اتحاد ~~الأوكسجين والأيدروجين. لكننا إذا كنا قد عرفنا بادئ ذي بدء أن ثمة أوكسجين وأيدروجين، ~~فوجودهما لا يحتم أن يتحدا ليتكون الماء، إذ قد ms259 يظلان هكذا عنصرين مستقلين ~~أحدهما عن الآخر، ومرة أخرى أقول إن الحتمية في العلاقة بين «أ، ب»، معناها أن وجود «أ» ~~يحتم أن تلحق بها «ب»، ووجود «ب» يحتم أن تسبقها «أ»، وأما الاحتمالية بمعناها أن وجود ~~«ب» يحتم أن تكون «أ» قد وجدت كذلك، وأما وجود «أ» فلا يحتم أن تلحق بها «ب»، إذ قد تلحق ~~بها أو لا تلحق بها. # وإذا راجع السيد ف. ف. كل أمثلته التي أرسلها إلي في رسالته، والتي اكتفيت بذكر بعضها ~~هنا، وجدها جميعا تصور تتابعات في وقوع الأحداث، رصدناها في صورة قوانين، عندما لحظنا ~~اطراد حدوثها. وأود أن ألفت نظر سيادته إلى الفرق بين نوعين نسوي عادة بينهما، مع ~~أنهما ليسا متساويين وهما: الاستحالة بناء على ما خبرناه في مشاهداتنا وتجاربنا، ~~والاستحالة التي هي استحالة «منطقية». ولنأخذ واحدا من أمثلتك، وهو الذي نقول فيه إن ~~دوران الأرض حول نفسها يؤدي حتما إلى تعاقب الليل والنهار، فكأنك تقول بهذا أنه يستحيل أن ~~تدور الأرض (وحتى في حالة توقف الأرض فرضا عن الدوران، كما قلت أنت في جملة اعتراضية) ~~دون أن يتعاقب الليل والنهار، وهذه - كما ترى - استحالة مبنية على ما قد شاهدناه حتى الآن، ~~لكن ماذا يحدث لتعاقب الليل والنهار إذا ما أراد الله سبحانه وتعالى يوما أن يطمس عين ~~الشمس؟ إن الاستحالة التي تصورتها يا سيدي، هي استحالة «تجريبية»، وليست هي بالاستحالة ~~المنطقية، وإلا فقارن ذلك بمثل قولنا: إنه يستحيل على العدد 2 ألا يجيء سابقا على العدد 3 ~~في سلسلة الأعداد الطبيعية، وأنه يستحيل على المثلث على سطح مستو أن تجيء زواياه غير ~~مساوية لزاويتين قائمتين. وهكذا تجد أن الاستحالة المنطقية لا تكون إلا فيما يسمونه ~~بالجمل التحليلية، أي الجمل التي تعيد شطرها الأول في شطرها الثاني برموز مختلفة عن ~~رموزها في الشطر الأول. # ولقد ذكرت لك فيما أسلفته جانبا واحدا من الجوانب الكثيرة التي دعتنا إلى القول بأن ~~الاحتمالية في العلوم قد حلت اليوم محل الحتمية. ويكفيني هنا أن أشير ms260 إلى مثلين آخرين ~~من مجالين مختلفين، لأبين بهما جوانب أخرى من فكرة الاحتمالية في العلوم، أولهما ~~القوانين الخاصة بالذرة من الداخل، أي القوانين التي تضبط لنا حركة الإلكترونات في ~~أفلاكها، فها هنا نجد أنفسنا أمام حركة تحدث على أسس ليست هي الأسس في قانون الجاذبية ~~كما تركه نيوتن (والسيد ف. ف. قد ضرب بقانون الجاذبية هذا مثلا)، وخذ مثلا آخر من مجال ~~آخر، هو اختلاط الغازات أو السوائل حارها بباردها، فأظنك تعلم أن الذي يستخلصه العلم في ~~حالات كهذه، إنما هو متوسطات إحصائية لسرعات الذرات المختلفة، وإذا قلنا «متوسطات ~~إحصائية» فكأنما قلنا نتيجة احتمالية، وهذا نفسه تقوله عن أي قانون علمي نبنيه على مقاييس ~~السرعة أو الطول أو الوزن أو أي شيء مما يقاس، فهنا أيضا لا مندوحة للعلم عن أخذ متوسطات ~~إحصائية للأرقام المختلفة التي نراها على المراقم، فكلما كررنا العملية القياسية للسرعة ~~أو لغيرها، وجدنا رقما مختلفا اختلافا يسيرا، فيلجأ الباحث العلمي إلى استخراج متوسطات ~~الأرقام المختلفة عن الظاهرة الواحدة المعينة، وذلك يجعل النتيجة احتمالية كما ترى؛ لأن ~~كل تقدم نحققه في أجهزة القياس، من شأنه أن يعطينا أرقاما أخرى «أدق» من الأرقام ~~التي حصلنا عليها بالأجهزة القديمة. ولقد ذكرت أنت في رسالتك شيئا كهذا. # وإلى السيد ف. ف. أوجه الخطاب، فأقول: إنني ترددت في أن أجيب على رسالتك؛ لأني كنت ~~أعلم أنها ستدخلنا في تفصيلات لا يسهل عرضها على القراء، وما دمت قد آثرت آخر الأمر ~~أن أجيب هذه الإجابة الموجزة، فلا بد لي من عتاب أتوجه به إلى صاحب الرسالة، لسرعة ~~قفزه من مناقشة تدور حول نقطة علمية خالصة، وتمس أسس المنهج العلمي، إلى الدخول في ~~موضوعات تخص الدين في بعضها، وتخص السياسة في بعضها الآخر، فاستمع إلى عبارتك التي قلت ~~فيها: «العقل يريد يقينا ثابتا ثبوت وجود الله الحق، الذي لا يتطرق إليه أي ذرة من ~~الاحتمال أو الشك، أفي الله شك؟ كما تقول الآية الكريمة، لا أستبعد أن يكون علماء مذهب ~~الاحتمال في العلم ms261 من الشيوعيين الذين يريدون أن يقولوا للعالم أجمع في النهاية، وتحت ستار ~~العلم، إن الله يحتمل وجوده ويحتمل عدم وجوده.» # فيا سيد ف. ف. لقد كنت أتوقع من رجل كتب خطابا في مثل مستوى خطابك من الناحية العلمية ~~ألا يخلط كما يخلط من هم دونه بدرجات تخلط بين معان مختلفات مثل هذا الخلط العجيب، ألا ~~فلتعلم يا أخي أنه إذا كانت حادثات الكون تجري على حتمية علمية، فهي تجري هكذا بمشيئة ~~خالقها سبحانه وتعالى، وإذا كانت تلك الحادثات تجري على احتمالية علمية فهي كذلك أيضا ~~بمشيئة خالقها سبحانه وتعالى، وأقول «حتمية علمية» و«احتمالية علمية»؛ لأن الحتم والاحتمال ~~هنا مقصوران على ما يستطيعه «علم البشر»، وأما «علم الله» بما خلق فشيء آخر ولا دخل في ~~هذا الموضوع لشيوعية وغير شيوعية، اللهم إلا إذا كان مكتوبا علينا أن نستهوي عامة الجمهور ~~حتى ولو كان الموضوع من أخص خواص العلوم ومناهجها. # وإني لأراه حراما علينا أن نتعمد الهبوط بأنفسنا لغير داع يوجب علينا ذلك ~~الهبوط. # | حوار على الورق (3) # ومرة أخرى أعود إلى القراء في رسائلهم، بادئا برسالة السيد عبد المنعم محمد أبو ريا، ~~التي يشفق فيها على الفلسفة ممن يقولون عنها إنها ذهبت وذهب زمانها، فهو يقول: # اسمح لي أن أسألك، بصفتك أستاذا كبيرا من أساتذة الفلسفة في الجامعة، عما ~~يشيع بين كثير من الناس، في هذا العصر المادي، أنه لم يصبح للفلسفة اليوم مكان، ~~كما كان لها أيام أفلاطون وأرسطو، وما تلاها من عصور، وأن الفلسفة اليوم ليست إلا ~~اللغو الفارغ. # فواضح أن الإجابة هنا، ليست موجهة إلى صاحب الرسالة نفسه، بقدر ما هي موجهة إلى أولئك ~~الناس - وهم «كثيرون» كما وصفهم صاحب الرسالة - ولهذا فلا بد لي من أن أجيب إجابة تتناسب ~~مع من لا يعرف عن الفلسفة لا كثيرا ولا قليلا، لعلي أستطيع أن أضيء لهم ولو عودا ~~واحدا من أعواد الثقاب، لينزاح ما ينزاح من الظلام الذي يلفهم في عتمته فلا يرون ~~أكفهم ولو بسطوها أمام أبصارهم. # والخطوة الأولى ms262 في طريق هذه الإجابة البسيطة الميسرة هي أن أطلب إليهم أن يتجاهلوا - ~~مؤقتا - كلمة «فلسفة»، وكأنها سقطت من معاجم اللغة ومحيت من اللغة محوا، حتى لا يشغلوا ~~أنفسهم بلفظة، وسأبدأ حديثي معهم بعرض أفكار معينة، واتجاهات واهتمامات في حياة الناس، ~~وحتى إذا أقروا أنها أشياء لا يستغني عنها الناس في تلك الحياة، ذكرت لهم عندئذ، ~~وعندئذ فقط، أن تلك الأفكار والاتجاهات والاهتمامات هي بعض ما نطلق عليه اسم «الفلسفة». ~~ولست أنا أول من استخدم مثل هذا المدخل إلى موضوع الحديث، فلقد لجأ إلى مثله ذلك المعلم ~~الذي جاء به «مسيو جوردان» (في مسرحية موليير) ليعلمه شيئا عن الأدب، فلما بدأ المعلم ~~بتقسيم الأدب إلى شعر ونثر، وشرح له «النثر» شرحا سهلا بسيطا، قال له جوردان وهو في ~~عجب مما يسمعه: إذا كان النثر كلاما كهذا الكلام الذي نديره الآن بيننا، فهل كنت منذ ~~أول حياتي أتكلم «نثرا» وأنا لا أدري أنه كذلك؟ # بل ليست هذه أول مرة أستخدم فيها هذا المدخل إلى الحديث، فقد حدث لي ذات يوم - وكان على ~~وجه التحديد يوما من ربيع سنة 1954م - إذ كنت يومئذ في أمريكا أستاذا زائرا في إحدى ~~جامعاتها، حدث لي أن دعيت إلى ندوة خاصة عقدها أستاذ للفلسفة قديم، جاوز الثمانين من ~~عمره وتقاعد، لكنه لم يكف عن مواصلة نشاطه العلمي في بيته، فيدعو إليه آنا بعد آن جماعة ~~من صفوة العلماء والمثقفين، ويدعو معهم زائرا ليتحدث إليهم في موضوع يختاره لهم. ولقد ~~كنت أنا في ذلك اليوم هو من دعاه ليتحدث، وكان الموضوع الذي اختاره للحديث هو «الإسلام»! ~~ولقد كنت على علم بمدى ما يعرفونه عن الإسلام، وكم هو يوشك أن يكون عدما أو كالعدم، لا ~~بل إنني كذلك كنت على علم تام بأن جهلهم بالإسلام مقرون في أنفسهم بشعور يميل بهم ~~نحو الحكم الظالم، ويكفيه ظلما أنه حكم على عقيدة لا يعلمون عنها شيئا. # فبدأت حديثي وكأنني سأتحدث عن شيء آخر غير ما دعيت للحديث فيه. وأخذت أرسم لهم ms263 صورة ~~ثقافية حضارية نتمنى جميعا أن تتجه الإنسانية إلى تحقيقها. فما هي صورة الإنسان الفرد ~~كما نريد له جميعا أن يكون؟ وما هي صورة الروابط التي نتمنى جميعا أن تربط الأفراد في ~~مجتمع ؟ وهكذا مضيت في حديثي معهم، وكان موضوعنا هو مستقبل الإنسان ومستقبل الثقافة ~~ومستقبل الحضارة، حتى إذا ما بلغت بحديثي حدا ظفر منهم بالموافقة والرضا، قلت لهم: ~~لكن هذه الصورة التي رسمتها لكم أيها السيدات والسادة هي صورة الإسلام! # فقال أحدهم قولا شديد الشبه بما قاله مسيو جوردان لمعلمه في مسرحية موليير قال: ~~أكنا إذن طوال زماننا مسلمين ونحن لا ندري؟ وهنا تذكرت ما كان الإمام محمد عبده قد قاله ~~عندما زار إنجلترا، ورأى سلوك الناس هناك في معاملاتهم: جئت إلى إنجلترا لأرى إسلاما بغير ~~مسلمين، وتركت في مصر مسلمين بغير إسلام. # وعلى هذا النهج نفسه سأوجه حديثي إلى من يظن أن الفلسفة قد ذهبت وذهب زمانها، وأنها ~~لغو فارغ، فأقول: امح يا صاحبي من رأسك هذه اللفظة الكريهة، وتعال معي نتكلم فيما هو ~~أهم، بادئين حوارنا بمعنى «الديمقراطية» التي نريد جميعا أن نحياها بالطول والعرض والعمق. ~~إننا نريد للديمقراطية أن تكون أسلوب حكم وطريقة حياة، وما أكثر ما نسمع القادة وهم ~~يطلبون منا «ممارسة» الديمقراطية في حياتنا بشتى جوانبها، ويطلبون منا «ترسيخ» ~~الديمقراطية في نفوسنا، و«تعميقها» في صدورنا إلى آخر ما يرددونه قولا وكتابة كلما ~~أصبح لهم صباح وأمسى بهم مساء، أليس كذلك؟ ~~- نعم هو كذلك! # وإذا لم تضللني الذاكرة، فإني أذكر فيما كنا نسميه بالميثاق خلال الستينيات، صورة ~~جميلة أشبه بالصور الأدبية على أقلام الأدباء، وهي صورة تجعل الديمقراطية وكأنها طائر ذو ~~جناحين، وذانك الجناحان هما «الحرية» من جانب و«العدالة» من الجانب الآخر. نعم كان الأمر ~~كذلك. # ولكني أسألكم يا إخواني سؤالين، عن هذه المعاني الثلاثة التي جسدت نفسها في طائر ~~بجناحيه والتي جعلناها، أو قل هي التي نتمنى في المستقبل البعيد أو القريب أن نجعلها ~~محورا لحياتنا. وأما السؤالان فهما: أولا: ترى من الذي قذف ms264 في رءوس الناس بهذه الأفكار ~~الثلاثة حتى اعتنقوها وآمنوا بها، وجعلوها أملا يريدون له أن يتحقق في حياتهم؟ أكان الذي ~~أبدع هذا الطائر الجميل بجناحيه عالما من علماء الكيمياء، أم كان من علماء الفيزياء؟ أكان ~~زارعا للأرض أم كان ممن يعملون في المصانع؟ أكان من العاملين في القطاع العام أو كان من ~~العاملين في القطاع الخاص؟ # وأما السؤال الثاني فهو: هل ترون أن تلك المعاني الثلاثة - على أهميتها التي رأيناها - ~~مفهومة لنا أدق الفهم وأوضحه؟ وإذا كانت مفهومة لنا مثل هذا الفهم الدقيق الواضح، فلماذا ~~نغير في شرحها وتفسيرها كل يوم، بحيث تبدو وكأنها معان هلامية مضطرمة في أذهاننا؟ وإذا ~~لم تكن مفهومة لنا، فلمن نلجأ يا ترى لنلتمس عنده الشرح والتوضيح؟ # الحق أننا لا ندري، فلا نحن نعرف أي علم من العلوم هو الذي أفرز لنا تلك المعاني ~~الثلاثة، ولا نحن نعرف إلى أي ضرب من ضروب البشر نلجأ للشرح والتوضيح. # إذن فاستمعوا إلي لأدلكم بقدر ما يسمح لي بذلك علمي الضئيل، ووالله لا أقولها ~~متواضعا، وإنما هي الحقيقة العارية أنه علم ضئيل، وليس الأمر فيما سوف أقوله لكم مقصورا ~~على تلك المعاني الثلاثة التي ذكرناها - الديمقراطية والحرية والعدالة - بل هو كذلك يشمل ~~عشرات من المعاني الأخرى التي هي المحاور الرئيسية في حياتنا، فأما التربة التي أنبتت ~~هاتيك الزهرات اليوانع كلها، فهي ما نطلق عليه اسم الفلسفة، وأما الرجل الذي يمكن أن يعين ~~على تحليل تلك المعاني الشريفة كلها ليبسط لنا فحواها ومعناها، فهو الذي نسميه باسم ~~الفيلسوف. # فليست الفلسفة - أيها السيدات القارئات والسادة القارئون - ليست لغوا من اللغو، ولا هي ~~أشباح تطير مع دخان المداخن في الهواء، إنما هي تبدأ مما يجري على ألسنة الناس كلاما ~~وكتابة، هنا على هذه الأرض، نعم إنها تبدأ مما يجري على ألسنة الناس في بيوتهم، وفي مزارعهم ~~ومتاجرهم، وفي ركوعهم وسجودهم، وفي سياستهم وفي أوقات فراغهم. أليس الناس في كل شئونهم ~~يتكلمون عن الحق والعدل والجمال والخير والحب والسلم والعلم والفن والصداقة ms265 والانتماء ~~والفرد والمجتمع والإيمان والطبيعة؟ ومن هذه المعاني وأمثالها - أيها السيدات القارئات ~~والسادة القارئون - تبدأ الفلسفة سيرها، أو قل إن أولئك الذين شاء لهم ربهم أن يكونوا ~~بفطرتهم ذوي شغف بمعرفة هذه المعاني وأمثالها لا من أسطحها الظاهرة، بل من مضموناتها ~~الدفينة في أجوافها، وهؤلاء هم الفلاسفة، وأن هؤلاء الفلاسفة إذا ما تناولوا هذه الخيوط ~~المتفرقة تحليلا وتمحيصا وفهما، فهم لا يقفون عند هذا الحد، بل يحاولون بعد ذلك أن ~~يلتمسوا طريقا لنسج هذه الخيوط في ديباجة واحدة، فإذا وفقوا كان المرسوم على تلك ~~الديباجة هو صورة الكون عند هذا الفيلسوف أو ذاك! # وأما الكثرة الغالبة من الناس فهم برغم شعورهم بأهمية تلك المعاني الأساسية المحورية، فهم ~~يكتفون منها بأسطحها المرئية بالعين من بعيد، ومن هنا كانت العلة في أنهم يختصمون حولها. ~~فالجميع يريد الحرية، لكنهم يتفرقون أحزابا وشيعا في معنى الحرية التي يريدون، وقل ~~هذا في كل المعاني الأخرى التي من هذا القبيل. وبعض السبب في أنهم متفقون على مظهر المعنى ~~المعين في جملته، ولكنهم مختلفون في حقيقته وتفصيله، هو أنهم يكتفون من كل فكرة بملمسها ~~الخارجي ولا يغوصون إلى الجوف وما يحويه. وأما إذا شاء الله لأحدهم ألا يكتفي من الفكرة ~~المعينة بملمسها، ويلح في أن يبقر جوفها ليعرف ما هو كامن فيه، فذلك هو ~~الفيلسوف. # إننا جميعا نتساوى عند النظر إلى جبل وهو بعيد، فكلنا يراه في شكله الخارجي العام عند ~~الأفق النائي، ولكن الذي يقترب منه حتى يلمسه بأصابعه، هو وحده القادر على أن يحكي لنا ~~بعد ذلك عما رآه هناك من أنواع الصخور والنبات والحيوان والحشرات وكل شيء، ومثل ذلك الرجل ~~في دنيا الأفكار هو الفيلسوف. وإذا كانت هذه هي خصائصه، فهل ترون أنه رجل لم تعد حياة ~~الناس في حاجة إليه؟ # إن تلك الفاعلية العقلية التي يحاول بها الإنسان أن يفهم حياته وما ترتكز عليه في علمها ~~وفي إيمانها، وفي غاياتها، بل وفي هواجسها وأحلامها، إنما هي فاعلية ننشط بها جميعا، في ~~لحظات متفرقة ms266 وعلى درجات تتفاوت فينا ارتفاعا وانخفاضا. وهي في أرفع درجاتها تكون عند ~~من نطلق عليهم «فلاسفة» لأن هؤلاء إذ ينشدون ذلك الفهم الذي ننشده جميعا. نراهم وقد ~~أسعفتهم قدرتهم القادرة، وعقولهم الذكية النافذة لا يقتصرون على فهمهم لمعان متفرقة ~~ومحدودة المجال، بل يبسطون أجنحتهم العريضة حتى تحتوي في حماها على الكون بكل ما فيه، ~~يدرجونه كله تحت فكرة رئيسية واحدة منها تتفرع كل التفسيرات المطلوبة لتعليل الجوانب ~~المختلفة التي تصادفنا وتثير اهتمامنا. # وعند هذه النقطة أنتقل بالقارئ إلى رسالة جاءتني من السيد فيكتور وليم ميخائيل، أسوقها هي ~~نفسها مثلا يبين لنا كيف أن الإنسان مهما كانت مهنته في حياته العملية، لا يخلو أن ~~ينشغل حينا بعد حين بمسألة تمس الحياة في صميمها، فيصب عليها تلك الفاعلية العقلية ~~لفهمها، على نحو ما أسلفت القول. وليس المهم هو أن نطلق على رجل يحاول مثل هذه المحاولات ~~اسم «فيلسوف» أو لا نطلقه، لكن المهم هو أن ذلك النوع من النشاط الذهني الراغب في الفهم، ~~شيء لن يكون عنه غنى في عصرنا ولا في أي عصر حتى يرث الله الأرض وما عليها. فالسيد فيكتور ~~قد شغلته فكرة العلاقة داخل الإنسان بين المسائل العلمية والمسائل الدينية، وأراد لنفسه أن ~~تطمئن أن ثمة توافقا بين الخطين بالرغم من اختلافهما الظاهر من حيث المصدر ومن حيث ~~المضمون، فهداه الله إلى فكرة لها وجاهتها وهي فكرة التناغم بين جانبين مختلفين، ~~تناغما يجعل أحد الجانبين يتأثر بمثل ما يتأثر الجانب الآخر، بالرغم من وقوع المؤثر ~~على أحد الجانبين فقط دون الآخر، ويضرب لذلك أمثلة، فيقول إن الموقف عندئذ يشبه: ~~«وترين مشدودين متساويين متجانسين متجاورين، فإذا وضع ركاب من ورق على أحدهما، ~~وهززنا الوتر الآخر شاهدنا الركاب يهتز بنفس القدر، وما ينطبق على الوترين ينطبق على ~~الشوكتين الرنانتين المتشابهتين.» # ويريد بأمثلته تلك أن يقول إنه إذا تشابهت البنية الأساسية في مجالين، فالمؤثر الذي ~~يؤثر في أحد المجالين، يجد صداه في المجال الثاني أيضا. ومن هنا أمكن للفرد من الناس أن ms267 ~~يتلقى ما يتلقاه من علوم ومن رسالات دينية موحى بها من عند الله، إذا كان عند ذلك ~~الفرد المتلقي بنية ذهنية أو قلبية تتماثل وتتناغم مع ما يتلقاه. # هكذا أراد السيد فيكتور أن يفهم جانبا من جوانب حياته الإدراكية فبذل الجهد العقلي ~~ليفهم، فهل نقول له: لا، أقلع عن التفكير فلا حاجة بك ولا بنا إلى فهم؟ # وهذا ينقلنا إلى الحديث عن «المواهب» استجابة لرسالة السيد سعيد سلام، الذي أرسل يقول: ~~«نريد أن نناقش قضية الموهبة ما هي، وما قيمتها الإنسانية والحضارية؟ وما ضمانات بقائها ~~ونمائها؟ ثم ما الآثار المترتبة على تنميتها ورعايتها أو على طمسها وإهدارها؟» # فكما هو واضح من اسمها في العربية - ومن اسمها في الإنجليزية أيضا - فكل موهبة هبة من ~~الخالق جل وعلا، نفحها لمن يحملها من عباده، ولا فضل لصاحبها في قيامها، ولا لوم على ~~فاقدها، وتتعدد المواهب نوعا، وتتفاوت قدرا، بتعدد الموهوبين وتفاوتهم؛ فهذا ~~موهبته في فن من الفنون، موسيقى أو شعر أو ما شئت، وذاك موهبته في حدة الذكاء الذي قد ~~يظهر في القدرة على الاستدلال الرياضي أو العلمي بصفة عامة، وثالث موهبته في مهارة يديه ~~ورابع في سرعة العدو، وخامس، وسادس، وسابع ... والتعليم والتدريب يصقلان الموهبة، ولكنهما لا ~~يوجدانها من العدم. وإذا بلغت الموهبة ذروة عليا كانت هي ما نسميه ~~بالعبقرية. # هذا كلام معروف ومفهوم، لكن الذي قد نجهله أو نتجاهله هو أن أصحاب المواهب العليا في ~~شتى فروعها، هم قلة قليلة جدا بالنسبة إلى سواد الناس. ولما كانت الموهبة في آخر ~~التحليل، إنما هي القدرة على «الإبداع» أي القدرة على إيجاد الجديد الذي يضاف إلى ما هو ~~كائن، أو الذي يغير ما هو كائن، كانت تلك القلة الموهوبة هي وحدها القادرة على تجديد حياة ~~الناس اتجاها وارتفاعا. وأما الكثرة الغالبة من جمهور الناس فهي تتبع. وإننا لنضلل ~~أنفسنا إذا تعمدنا ألا نفهم فهما جيدا واضحا ماذا يراد حين يقال إن القيادة والريادة ~~والإبداع إنما هي للشعوب لا لفرد معين أو لقلة من ms268 أفراد، فحقيقة الأمر في ذلك هي أن ~~الشعب في مجموعه قد تتأزم به الحياة في إحدى نواحيها، فيكون من شأن ذلك أن تتجه ~~الموهبة في أحد أفراده نحو ما قد تأزم به فيجيء على يديه الحل الجديد. فإذا كانت قمة ~~الجبل هي من طبيعة الجبل، لكنها «قمته»، وإذا كانت ذروة الموجة العالية هي من طبيعة الموجة، ~~لكنها «ذروتها» فليس ثمة من تناقض بين أن يكون الموهوب قطعة من النسيج العضوي للشعب الذي ~~هو فرد من أفراده، وبين أن يكون ذلك الفرد الموهوب ذا مكانة خاصة بالنسبة لسائر ~~الأفراد. # وأقول ذلك لأنني أرتب عليه واجبا ملزما للدولة في رسم سياستها في التعليم والتربية، ~~وذلك الواجب الملزم هو أن أخطط البناء التعليمي على أساسين متوازيين، أحدهما هو أن ~~يتعلم الجميع، وأن تتساوى الحقوق والفرص لا نميز أحدا من أحد، وأما الأساس الآخر فهو ~~أن أبحث خلال العملية التعليمية في كل مرحلة من مراحلها، عن أصحاب المواهب، لأخصهم ~~وحدهم برعاية تتناسب مع مواهبهم؛ لأن هؤلاء هم في نهاية الأمر الذين ستكون لهم الريادة في ~~شتى ميادين الحياة. ولست أرى في مثل هذا الانتقاء ما يتنافى مع المساواة بين جميع ~~المواطنين؛ لأن الموهوبين وغير الموهوبين هم مصريون على السواء، وتعرض أمامهم الفرص ~~متساوية، فإذا كان أحد منهم موهوبا في ناحية ما، فإنه يكون إنكارا لنعمة الله، وجحودا ~~لحق الوطن أن نطمس ذلك الموهوب ليغوص مع الآخرين إلى قاع واحد. ولست أريد هنا، ولا أرضى ~~أن أصوغ هذه الفكرة كما صاغها أحد الفلاسفة القدماء، إذ قال إن عملية التعليم ما هي إلا ~~البحث وسط كومة الرمل - التي هي سائر أفراد الشعب - عن بضعة جواهر خفيت في ثنايا الرمل. ~~لا، لست أقول شيئا كهذا؛ لأنه يتضمن أن التعليم الذي يصيب حبات الرمل، إنما هو تعليم ~~بالمصادفة، ما دامت الغاية المنشودة هي البحث عن الجواهر المختفية، فلكل فرد من الشعب ~~الحق في أن يتعلم بقدر ما وسعت فطرته أن يتعلم، على ألا نضحي بقدرات أقوى من أجل ms269 ~~قدرات أضعف. # ولقد ذكر لي صاحب السؤال عن «الموهبة» في رسالته، ما يدل على أنه استوحى سؤاله مما قرأه ~~لي في مقالة كان عنوانها «قراءة في كراسة مجهولة»، وكان فيها حكاية والد ينصح ولده أن ~~يمضي في طريق حياته دءوبا لا يبالي ما سوف يتلقاه من ضربات الآخرين. وكان في المقالة ما ~~يوحي إلى قارئها بأننا في مجتمعنا كثيرا ما نعمل على قتل الموهبة بوأدها مع صاحبها في ~~الظلام، مفرقا بين معنيين مع معاني العدالة - وللعدالة معان كثيرة - فعدالة من هو أقوى ~~منصبا، غير العدالة التي مؤداها أن يوضع كل فرد في مكان من البناء الاجتماعي يناسب ~~قدراته. فإذا ساد المعنى الأول كان الأغلب أن يعمل صاحب المنصب القوي على أن يخفي في ~~الظلام أولئك الذين إذا ظهروا هددوه، وأحسبني لا أتجنى إذا قلت إن خبرتي تشير إلى ~~أن مثل هذا البطش كثير الحدوث في حياتنا، مما أنتج لنا نتيجتين: # إحداهما: ارتحال الأكفاء بأعداد ملحوظة إلى حيث يستثمرون مواهبهم في غير وطنهم، فأمسك ~~بزمام أمورنا في حالات كثيرة، أفراد ذوو قدرات محدودة! وهي النتيجة الثانية. # إن الأمة تحيا في تاريخها، وما تاريخها إلا أصحاب المواهب من أبنائها وما صنعوه ~~ليخلدهم، فتخلد الأمة بخلودهم. # | مصر هي أنت يا صديقي # عدت من سفر دام معي شهرين، ابتغيت فيه الراحة والعافية، فزارني فيمن زارني أقرباء ~~وأصدقاء، ولم يكد يبدأ حديثنا في كل لقاء، حتى ينعرج به المتحدث نحو شكاة منه صارخة بما ~~آلت إليه مصر، انهارت مصر، انتهت مصر. هكذا كان القول على كل لسان ممن تحدثوا، مهما ~~يكن الموضوع الذي يبدأ به الحديث. فقد يبدأ الحديث بأطراف من حياتنا الفكرية والأدبية، أو ~~قد يبدأ بالأسعار وكيف طارت في السماء، أو بغزو لبنان وقمة فاس، أو بما شئت مما تدور به ~~أحاديث الناس، وهي مرسلة بغير تكلف. وكانت تلك النغمة اليائسة هي نفسها التي سمعتها ~~على أوتار المصريين المغتربين الذين شاءت لي الصدفة أن ألتقي بهم خلال رحلة ~~الشهرين. # كنت أحيانا أحس الإخلاص ms270 والصدق في تلك الأحاديث، كما كنت - أحيانا أخرى - أحس ~~الكذب والزور والبهتان؛ فلقد كنت لا أملك إلا أن أصدق مريضا وجد المهارة في الطبيب ~~المصري مقرونة بإهمال التمريض وقذارة المستشفى، ولا أملك إلا أن أصدق باحثا وجد الذكاء ~~في الدارس المصري مقرونا بألغام متفجرة من روح اللامبالاة والتخريب. نعم كنت لا أملك ~~إلا أن أصدق أشياء كثيرة سمعتها؛ لأنني عشتها وعرفتها، لكنني في الوقت نفسه كنت لا أملك ~~إلا أن أتهم المتحدث بالتجني على الحق، حين أجد التناقض في موقفه صارخا، كأن يكون ~~المتحدث أستاذا أو طبيبا أو مهندسا، ممن ارتحلوا للعمل في أقطار شقيقة لمصر أو غير ~~شقيقة، وطفحت جيوبهم بآلاف الدنانير هناك ومئات الآلاف من الدراهم هنالك، وبرغم أنه هو الذي ~~يمسك لتلك الأقطار بمصباح العلم الذي أخذه من مصر، أو هو الذي يطب للمرضى هناك، أو يخطط ~~المدن ويقيم العمران، بطب أو هندسة ذهبت معه في حقائبه، تراه يفاخر بما وجده هناك، ~~ويخجل مما يراه هنا. # وكانت إحدى هذه الحالات العجيبة فيمن تحدثوا إلي، هي التي أثارت غيظي، فانفجرت في ~~المتحدث قائلا: يا صديقي إن مصر هي أنت وهي أنا، وهي كل فرد مصري تراه، فإذا أردت ~~الحديث عن مصر حديثا صادقا منزها عن الهوى، فخذ مصر بمجموعها، خذها هنا على أرضها، ~~ثم تعقبها حيثما اتجهت، وأينما جلت في أقطار الأرض، تعقبها في أشخاص المصريين الذين ~~يعلمون ويطبون ويهندسون ويعمرون الخراب، تعقبها في شخصك أنت، فالذي تصنعه حيث أنت، ~~وتفاخرنا بصنعه، إنما هو مصر تجسدت فيك بعلمها وأدبها ودماثة طباعها. # لقد انطلقت بحديثك - يا صديقي - ترسم لنا أبشع الصور عن تدهور مصر في هذا، وانهيارها في ~~ذاك، فهل سمعت الأسطورة التي تروى عن مارد جبار كيف عاش دهرا، ثم انطفأت جذوته ~~وتحولت رمادا، فظن أصحاب الظنون أن زمان المارد الجبار قد ولى، وإذا به - من الرماد ~~نفسه - تشتعل جذوته من جديد. وتلك - يا صديقي - هي بعينها قصة مصر في انهيارها وتدهورها؛ ~~ففي ميدان التعليم - مثلا - وهو من ms271 أكثر الأمثلة دورانا على ألسنة الناقدين، هل سمعت ~~قبل اليوم في تاريخ التعليم المصري أن عشرات الألوف من طلبة الثانوية العامة يظفرون ~~بدرجات تزيد نسبتها على التسعين في المائة كل عام ؟ # قف يا سيدي هنا متمهلا متأملا، ومتعقبا بخيالك مصير هذه الألوف التي امتازت ~~على هذا النحو النادر حدوثه في ميادين التعليم أينما كان. إنك مهما بلغت من التشاؤم فلن ~~يسعك إلا أن تقر بأن عددا ضخما من تلك الألوف المتفوقة سيظل لها تفوقها إلى ما بعد ~~الجامعة، فمن أنقاض التدهور ذاتها، صحا الأفراد صحوة لم يسبق لها نظير، ثم ماذا؟ ثم يخرج ~~المارد في بعثه الجديد، فيجد الطريق على أرض بلاده مسدودا إلى حين، فيسافر ليضطلع بما ~~ذكرته لك من تعليم وطب وهندسة وغيرها، لتعمر بجهوده الأرض اليباب. ومن هؤلاء البناة ~~كنت أنت يا أخي، فهل نسيت؟ إنني أعلم أنك بعد أيام قليلة ستعود إلى مهجرك، فأرجوك أن ~~تتلفت حولك فاحصا، لترى مصر في أبنائها ماذا تصنع، وكيف تصنعه. # لقد التقيت في رحلتي الأخيرة بصديق مصري على درجة ممتازة من الثقافة، فكان بين ما ~~سمعته منه أن الشباب المصري فقد ثقته بمصر وثقافتها، هكذا قال صديقي بنبرة تدل على أنه ~~هو أيضا قد فقد الثقة، فسألته: أحقا ما تقول؟ أجاد أنت حين تزعم أن شبابنا قد فقد ~~الثقة بثقافة مصر؟ إنه لو زعم لي ذلك لما صدقته؛ لأن سلوكه عندئذ يفضح ادعاءه؛ إذ ما هي ~~«ثقافة مصر» تلك التي تتحدث عنها وتوهمني بأن شبابنا قد أدار لها كتفيه؟ إن ثقافة البلد ~~المعين إنما هي بأعينها قائمة على أرض ذلك البلد، وارتبطت بها قلوب المواطنين، فليست ~~«ثقافة مصر» هذه سحابة صيف تظهر في السماء حينا وتختفي، إنما هي في ثوابت رواسخ ضوارب ~~بجذورها في الأرض، تراها العين، وتسمعها الأذن، وتمسكها الأيدي، فهل أصبح شبابنا اليوم ~~يخجل أن يرى الهرم ومعبد الكرنك ووادي الملوك؟ هل يخجل شبابنا اليوم أن يرى أديرة الزاهدين ~~في الصحراء «ومنها ما كان أول ما عرفته المسيحية ms272 في تاريخها من أديرة منذ قرونها الأولى» ~~أم يخجل أن يرى مساجد آل البيت وأولياء الله؟ هل يخجل شبابنا اليوم أن يرى الجامع الأزهر، ~~وأن يعلم الدور الذي أداه؟ ولندع هذا التاريخ القديم، لنلقي نظرة عجلى على تاريخنا ~~الحديث، فبأي المشاعر - يا ترى - يشعر شبابنا إذا ما ذكرنا أمامه طائفة من رواد الثقافة ~~المصرية الحديثة محمد عبده، قاسم أمين، لطفي السيد، طه حسين، عباس العقاد، الدكتور هيكل، ~~أحمد شوقي، توفيق الحكيم، نجيب محفوظ. بأي المشاعر - يا ترى - يشعر شبابنا إذا شهد تماثيل ~~مختار، ولوحات محمود سعيد، وإذا ما تسمع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب؟ وبأي المشاعر - يا ~~ترى - يشعر شبابنا إذا ما ذكرنا أمامه ثورات عرابي وسعد زغلول وجمال عبد الناصر؟ # لا يا صديقي، إن أحدا من المصريين لم يفقد الثقة في مصر، حتى وإن توهم ذلك. لقد سمعت ~~السيدة تاتشر «رئيسة وزراء بريطانيا» تخطب في قومها لترفع من روحهم المعنوية، فكان مما ~~قالته، إن بريطانيا تفخر بأشياء كثيرة، وأخذت تضرب لهم الأمثلة، فكانت كلها مخترعات علمية، ~~كالثلاجة وطائرة الكونكورد وما أشبه ذلك، فسألت نفسي وأنا أسمع: ماذا تقول عن مصر إذا ما ~~كنت لتخاطب الناس ذاكرا لهم مآثرها الحديثة، ودع عنك مآثر عدة آلاف من السنين. وأجبت ~~لنفسي جوابا رضيت عنه بعقلي وبقلبي معا. إنني أقول إن مصر - أيها السادة - هي التي ~~استطاعت بثورتها الأخيرة أن تبث روح الثقة بالنفس بين الفئات العاملة. كان الفلاح، وكان ~~العامل يكاد لا يشعر لنفسه بكرامة أمام صاحب الأرض أو صاحب العمل، كانت العلاقة بين ~~الطرفين علاقة الأعلى بالأدنى، علاقة السيد بالمسود، فأصبحت - على الأقل - علاقة ندين ~~متعاقدين، إن لم يكن للعاملين فوق الآخرين درجة، فكان انقلابا ما كان ليتحقق بغير ثورة، ~~ولك أن تعده صفحة من صفحات الثقافة المصرية المعاصرة. # ومرة أخرى أسأل: أصحيح أن شبابنا قد فقد الثقة بثقافة مصر؟ إنه لو كان قد فعل، لتنكر ~~لأهم الخصائص التي جعلت المصري مصريا، وفي مقدمة تلك الخصائص «الشعور الديني»، فمصر هي ~~أقدم ms273 بلد في الدنيا بأسرها امتلاء بذلك الشعور الديني، ومن طول المدة التي أشرب فيها ~~المصري بوجدانه الديني، أصبح ذلك الوجدان جزءا من كيانه، يلازمه ملازمة اللون الأسمر ~~لجلده. وإنني في هذه المناسبة من سياق الحديث، لأكاد أزعم بأن الصفة التي تميز الإنسان من ~~حيث هو إنسان، هي صفة التدين، فلقد شاع بيننا أن العقل هو ما يميزه، لكن هذا «العقل» إذا ~~ما حللناه إلى آخر المدى، وجدنا منه جانبا كبيرا مشتركا بينه وبين سائر الحيوان، وأما ~~الصفة التي لن تجد منها ذرة عند حيوان فهي صفة التدين، وإنها لصفة أغزر في المصري منها ~~في أي إنسان آخر، ولئن كنت قد ألححت جهدي - وما زلت ألح - على ضرورة اهتمامنا بالجانب ~~الفعلي من حياتنا؛ فذلك لأنه تضاءل إلى حد مخيف، ثم أعود فأسأل: هل رأيت شبابنا ~~يتنكر لهذه الخاصة من مصريته؟ اللهم لا. فما الذي حرك ألسنة البهتان والزور بهذه ~~الأكاذيب عن مصر، تتدفق في أحاديثهم بعضهم لبعض، وفيما يذيعونه ويكتبونه؟ إنه شيء واحد ~~لعين، هو «الحالة الاقتصادية»، وليس هو بالشيء الذي يستهان به، فالناس - قبل كل شيء - ~~تريد الطعام والثياب والمأوى. # ولكننا نخلط الأمور خلطا فاحشا إذا ما خلطنا بين «قيمة» الإنسان من حيث هو كائن ذو ~~تاريخ حضارة وعلم وأدب وفن ودين، من جهة، ومقدار المال الذي يحمله في جيوبه من جهة أخرى، ~~فالغنى والفقر يتناوبان فيظهر أحدهما ويختفي الآخر في مرحلة، ثم يختفي الظاهر، ويظهر ~~المختفي في مرحلة تالية. إن حدثا واحدا كاكتشاف البترول قد بدل الأمر بين عشية ~~وضحاها في أصقاع كثيرة من الأرض، كانت أفقر الأصقاع بالأمس فباتت أكثرها ثراء. والعكس ~~صحيح أيضا، فقد يتحول البلد الموغل في ثرائه، بلدا فقيرا نتيجة الحرب أو لغيرها من ~~عوامل التحول، أما صفة التحضر فليست مما يولد في يوم وليلة. # ألا ما أسرع الإنسان إلى الوقوع في الخطأ عندما تختلط عليه الصفات ويتشابه البقر، ~~فعندئذ قد تبدو في عينيه دماثة المتحضر ووداعته وعذوبته، ذلة وخنوعا، ومن أراد أن يعلم ~~عن ms274 المصري في وداعته الظاهرة أهي ذلة أم هي دماثة خلق، فعليه أن يحلل ثقافة المصري تحليلا ~~أعمق وأدق، ليميز فيها بين ما يعده المصري هاما في حياته، وما يعده أمرا عابرا ~~قليل الخطر. ومن أهم المهم في ثقافته: عقيدته الدينية، وانتماؤه الأسري والقومي، فها هنا ~~إذا ما أصيب المصري بسوء، رأيت أي أسد هصور قد انبثق من جلد ذلك الدمث الوديع. # أما بعد، فلقد كنت من أشد الناقدين نقدا للقيم كما هي سائدة اليوم في مصر، ومن شاء ~~فليقرأ كتبي «جنة العبيط» و«شروق من الغرب» و«الكوميديا الأرضية» وغيرها، لكنه نقد صاحب ~~البيت الذي يعرف للسجادة النفيسة نفاستها، فيثور بالغضب إذا ما رآها قد تعفرت لغفلة ~~حراسها. # | لك أنت الولاء يا مصر # لا بد لي من أن أضع بين يدي القارئ مقدمات، تمهد له الطريق إلى الفكرة التي أنوي ~~عرضها، فهي على بساطتها من الوجهة النظرية، تراها من الوجهة الواقعية معقدة الأطراف ~~متشابكة الخيوط، وعندما خطر لي أن أكتب فيها - لبالغ أهميتها في حياتنا - حاولت أن ~~التمس إليها سبيلا ممهدة تيسر وصولها إلى عقل القارئ وقلبه، فلم أجد سبيلا، فأويت ~~إلى فراشي، قائل لنفسي: اترك أمرها حتى الصباح، فالصباح رباح كما يقولون، لكن أمرها لم ~~ينتظر حتى الصباح كما أردت له، بل عاجلني في نومي حلما منسقا واضحا، لا يحتاج مني ~~عند اليقظة إلا إلى أن أثبت صورته على الورق، وتلك هي أولى المقدمات التي قلت إنه لا ~~بد لي من أن أضعها بين يدي القارئ. # فأحلامي ليست كلها أضغاثا، ولا أبالغ إذا قلت إن كثرتها الغالبة صور متماسكة ناصعة، ~~حتى ليجوز لي القول بأن حياتي الفكرية والعاطفية مقسمة بين يقظة النهار ورؤى الليل، ~~ولطالما تمنيت أن أسجل في ساعات الصحو ما أراه في أحلام النوم، لكنني قلما فعلت، ولأن ~~تلك هي حقيقتي، لم أجد عسرا في فهم ما يقوله ماثيو آرنولد - الشاعر الإنجليزي - عن طبيعة ~~الشعر، إذ يقول: إن طبيعته هي نفسها طبيعة الأحلام، فالأحلام تجسد المعاني في رموز كما ms275 ~~ينبغي للشعر أن يفعل، والأحلام تقيم بقوة الخيال تركيبة ليست هي التي نراها في الواقع ~~الصاحي، لكن بينها وبين هذه الواقع موازاة يستطيع «التأويل» كشفها، وهذا هو نفسه ما يحدث ~~للتركيبة الشعرية إذا ما تناولها ناقد قدير. ولقد اعترف ماثيو آرنولد بأن شعره كله هو من ~~هذا القبيل، فهو يرى الحلم الناصع المتماسك، بحيث لا يبقى عليه إلا أن يهذب أطرافه بعض ~~التهذيب، عندما يصبه في الإيقاع الشعري. # وعلى أية حال، فليس لي شأن بماثيو آرنولد وحقيقة شعره، فسواء أكانت كما وصفها أم لم تكن، ~~فإن هذه هي حقيقتي مع أحلامي التي كثيرا جدا ما تجيء بناءات صلبة متسقة واضحة ناصعة ~~الوضوح برموزها، حتى لكأني أعيش في حياتي حياتين، ومن تلك الأحلام القوية الجلية الدالة، ~~ما رأيته عندما أويت إلى فراشي يائسا من أن أجد سبيلا ميسرة لعرض الفكرة الشائكة التي ~~أشرت إليها في مستهل هذا الحديث، فهناك في عالم الأحلام جاءني الحل. # وأما الفكرة التي أعنيها، فهي فكرة «الولاء» ما هو على وجه الدقة؟ ولمن يكون؟ وكان الذي ~~أثار السؤال في نفسي صورة شهدتها في التليفزيون لجماعة من الشباب، تهتف بالفداء بأرواحها ~~ودمائها «ولاء» لمن تفتديه بتلك الأرواح والدماء. والحق أني شعرت وقتئذ أن في الصورة ~~شيئا يثير القلق، ويتطلب التصحيح. ولعلي لم أقع عليه محددا واضحا، وإنما هو مجرد ~~شعور سرى في نفسي لحظتها بأن شيئا ما يريد التصحيح. وهنا تركت الأمر - كما قلت - للصباح ~~الرباح، وأسلمت نفسي للنعاس، والحمد لله على ما أنعم به علي وهو كثير، منه أن النعاس ~~عندي مناله قريب، لا أكاد أضع رأسي على وسادتي، حتى أعبر العتبة إلى العالم المسحور، ~~وأوشك ألا أعرف الأرق إلا سماعا مما يقوله عنه الآخرون. # ودخلت ليلتها ذلك العالم المسحور - عالم الأحلام - فارتسمت لي اللوحة ناصعة، وكان ~~بطلها سقراط، وها هنا يأتي موضع المقدمة الثانية التي أشعر أنه لا بد من تقديمها بين ~~يدي القارئ، لأمهد له سبيل مشاركتي فيما أنا بصدد عرضه عليه، فقد لا يكون ms276 القارئ على ~~علم كاف بذلك الفيلسوف اليوناني القديم، فأحب له الآن أن يعرف عنه بعض جوانبه، قبل أن ~~أحكي له قصة الرؤيا التي رأيتها في الحلم، والتي كان سقراط بطلها ومحورها. # والذي أريد للقارئ أن يعرفه الآن عن سقراط، أمران: أولهما أنه كان كلما دفعه حب المعرفة ~~إلى أن يعلم حقيقة ما، لجأ إلى المختصين بها ليلتمس عندهم معرفة ما أراد أن يعرفه، لكنه ~~في كل مرة كان يرجع خائب الرجاء، فافرض - مثلا - أنه أراد أن يعرف شيئا عن حقيقة الفن، ~~فقد كان يتجه إلى من عرف عنهم الاشتغال بالفن، فيسألهم، وإذا هم بعد قليل من محاورة ~~بينه وبينهم، يتبين - له ولهم - أنهم لا يعلمون عن حقيقة الفن شيئا. وهكذا أخذ الفيلسوف ~~يقضي أيامه، باحثا عند المختصين عن حقائق المعاني التي ما تنفك ألسنتهم تلوكها، والتي ~~يزعمون أنهم العارفون بها ظاهرا وباطنا، فإذا هو أمام من هم أشد جهلا منه بما ادعوا ~~الإلمام به والتخصص فيه. # ذلك أحد الأمرين اللذين أردت للقارئ أن يعرفهما الآن عن سقراط، وأما الأمر الثاني فهو أن ~~ذلك الرجل إنما يحتل في تاريخ الفكر الإنساني مكانا استراتيجيا خطيرا؛ لأنه جاء إلى ~~الناس ومعه منهج جديد، يراد به أن يتحول الحديث عن الإنسان وحياته، من الغموض العائم إلى ~~الدقة العلمية التي تشبه دقة الرياضة، فلا يكفي مثلا أن يقول القائل كلمة «تقوى» بل لا ~~بد له أن يحدد لنا ما هي، على نحو ما يحدد معنى المثلث في الرياضة، بأنه سطح مستو ~~محوط بثلاثة خطوط مستقيمة (ولقد ضربت مثل «التقوى»؛ لأنه كان بالفعل موضوعا للمحاورة ~~بين سقراط ورجل ادعى لنفسه معرفة معناها بالدقة العلمية التي كان ينشدها سقراط)، وإني ~~لأصارح القارئ - في هذه المناسبة - بأنني ما تمنيت شيئا لحياتنا الفكرية الراهنة، بكل ~~جوانبها السياسية والاجتماعية والثقافية، أعز وأهم من أن يجد الناس من يلزمهم بالتحديد ~~الواضح الدقيق لكل ما يعرضونه من أفكار في ميادين الشئون العامة، إذ لو سئلت: ما هي العلة ~~الأولى في حياتنا الفكرية ms277 تلك؟ لأسرعت بالجواب قائلا: هي جهل الناس بحقائق المعاني التي ~~يتداولونها زاعمين لها الوضوح، وربما كان مثل هذا العوم في بحر من الغموض، شبيها بما ~~وجده سقراط في أهل أثينا، فأراد أن ينبه إليه الأذهان. ولنا الآن بعد أن فرغنا من هذه ~~المقدمات، أن ننتقل إلى ما وافتني به الرؤيا، عما كان يشغل خاطري ليلتها، عندما سمعت هتاف ~~جماعات الشباب باستعدادهم للتضحية بأرواحهم ودمائهم في سبيل «الولاء»، فكان أن سألت نفسي: ~~الولاء ما هو؟ والولاء لمن؟ # رأيتني في الحلم جالسا تحت عريشة على شاطئ النيل، وكأنما المكان هو نفسه الموقع الذي ~~عرفته في قريتنا وبه «زاوية» للصلاة، خلال طفولتي وصدر شبابي، وكان معي تحت العريشة ثلاثة ~~أشخاص، كان أحدهم هو نفسه سقراط الذي أعرف صورته بعينيه الجاحظتين وأنفه الأفطس، وأما ~~الآخران فشابان يبدو أنهما طالبان، وكنا نحن الأربعة نجلس على حصيرة فرشت بها الأرض، ~~وكان الوقت بعد الغروب بقليل، ولا أدري متى وكيف التحقت بتلك المجموعة؛ لأنني لم أذكر ~~الحلم إلا والحوار بين الثلاثة قد انقضى أوله، وأخذ في مرحلته الوسطى، وفيما يلي ما وعته ~~ذاكرتي مما دار به الحديث، على أني جلست خلاله صامتا، ولم يعترض منهم أحد على هذا الصمت ~~المنصت: # سقراط ~~: # لا بد أن تكون على أيقن يقين بمعنى «الولاء» ما دمت على استعداد للتضحية بالروح ~~وبالدم لمن أنت ولي له، واسمح لي هنا بملاحظة صغيرة: لماذا ورد ذكر الدم في ~~ترتيب الفداء بعد الروح، مع أنك إذا بدأت بالروح فلا يبقى لك بعد ذلك دم ~~تقدمه؟ # الشاب الأول ~~: # أشكرك لملاحظتك هذه، وأما الولاء ومعناه، فإني على أتم علم بحقيقته. # سقراط ~~: # قل لي ماذا ترى من معناه؟ # الشاب الأول ~~: # الولاء لشخص هو الإخلاص له. # سقراط ~~: # وماذا لو غاب هذا الذي أعلنت له إخلاصك؟ أتصبح بغير إخلاص لأحد؟ وأرجوك أن ~~تلحظ هنا أن الولاء الذي هو إخلاص كما قلت يتضمن استغراق كيانك كله، بحيث لا ~~يبقى لك منه شيء إذا غاب الشخص الذي تعلق به ذلك الولاء. # الشاب ms278 الثاني ~~: # لا يا أستاذنا، بل تبقى القضية أو الفكرة التي كان ذلك الشخص الأول ~~يمثلها. # سقراط ~~: # هذا جميل، إذن الولاء في حقيقته هو ولاء للقضية أو للفكرة لا للشخص الذي ~~يمثلها. # الشاب الأول ~~: # نعم هو كذلك. # سقراط ~~: # ولكن إذا افتديت الشخص بالروح والدم، كما سمعتك تهتف في الطريق العام، ثم حدث ~~أن غاب بعد ذلك الرجل الذي كان يمثل الفكرة التي نضحي بأنفسنا من أجلها، فمن الذي ~~يتولاها عندئذ؟ # الشاب الثاني ~~: # يتولاها أمثالنا من شباب الجيل التالي. # سقراط ~~: # تريد أن تقول إن الفكرة يكفيها رجل واحد يمثلها، وعلى سائر الناس أن يفتدوه ~~بأرواحهم ودمائهم؟ # الشاب الأول ~~: # لا ليس هذا هو ما نريده. # سقراط ~~: # ألا تريان معي أن الولاء ليس صياحا بالهتاف، ولا هو انفعال يشتعل به الهاتفون، ~~وإنما هو عمل يؤدى، وفي العمل ذاته يكون الإخلاص؟ # الشاب الثاني ~~: # لا شك في ذلك. # سقراط ~~: # وإذا كان الولاء الصحيح هو في العمل لا في الصياح المنفعل، فمن الذي يبقى ليعمل ~~إذا كان الأفراد العاملون على استعداد للتضحية بأرواحهم من أجل رجل يمثل ~~فكرة؟ # الشاب الأول ~~: # أصبت، المهم هو أن نبقى لندعم الفكرة بالعمل. # سقراط ~~: # وما هي تلك «الفكرة» التي نشير إليها؟ # الشاب الثاني ~~: # هي مصر. # سقراط ~~: # أليس أولى بنا في هذه الحالة أن نجعل هتافنا: بالروح، بالدم نفتديك يا مصر؟ إن ~~الولاء الصحيح يا أصدقائي لا يكون لشخص بقدر ما يكون لقضية معينة، أو لفكرة، أو ~~لعقيدة دينية، أو غير ذلك مما يحيا من أجله الإنسان، ويشعر ألا حياة له بغيره، ~~ولهذا قال قائل - وربما كان على حق فيما قال - إننا لو حللنا معنى الولاء على ~~حقيقته، وجدناه أساسا للأخلاق كلها؛ لأنه ما من فعل يؤسس على القواعد الخلقية ~~إلا وهو يتجه نحو غاية أردناها وأخلصنا لها. # إن سر الولاء هو أن الفرد الواحد يشعر من عمق وجدانه أنه لا يستطيع العيش ~~وحده فريدا في هذا الكون الفسيح، ويريد أن يجد «آخر» يتحد معه ليوسع من ~~وجوده، فإذا وجد هذا «الآخر» تمسك ms279 به وأخلص له، ومن هنا كان الولاء ضرورة حيوية ~~لكل ما من شأنه أن يجعل وجودنا أغزر معنى، وأوسع نطاقا، وأدوم بقاء، فالولاء ~~يكون لله سبحانه وتعالى؛ لأنه مالك يوم الدين، والولاء يكون للوطن الذي بغيره ~~ينعدم أهم أركان الهوية في هذه الدنيا، والولاء يكون لأي مجموعة تمثل فكرة لها ~~دوام، وأنتمي إليها، عضوا فيها، وعاملا مع غيري على تحقيق تلك الفكرة، ولكن ~~قلما يكون للولاء معنى إذا تعلق بفرد آخر، بحيث أفنى أنا ليبقى هو من ذاته، ~~فحقيقة الولاء كما تريان، هي في أن يبقى الفرد بقاء أقوى وأفضل وأنفع. وليست ~~حقيقته في أن يفنى ذلك الفرد الذي يعلن ولاءه. ويبدو لي أن لكل فرد في المجتمع ~~ضربين من الولاء: فولاء للهدف الذي من أجله تعيش مجموعته الصغيرة، كالأسرة، أو ~~الشركاء في عمل معين، وولاء آخر يشترك فيه جميع المواطنين. في الحالة الأولى يكون ~~المطلوب هو ألا يتعارض إخلاص الفرد لأهدافه الخاصة، مع ما يسعى إليه الوطن كله من ~~أهداف مشتركة، وفي الحالة الثانية يكون الولاء موجها في حقيقته إلى الوطن في ~~دوامه، لا إلى أفراد بأعينهم، إلا بقدر ما يعمل هؤلاء الأفراد على دوام العزة ~~للوطن. # الشاب الأول ~~: # أفهم الآن ما تريد، وهو أن يكون شعارنا هو: بأرواحنا نفتديك يا مصر. # وهنا انتقل بي الحلم فجأة إلى مكان آخر وظروف أخرى، إذ وجدتني واقفا في صحن دارنا ~~الريفية، وكان الوقت ما يزال بعد الغروب بقليل، وغسق المساء أخذ في التسلل بخيوطه السوداء، ~~ونظرت حولي وأنا في صحن الدار، فلم أر إلا مقاعد وأرائك تناثرت هنا وهناك في غير نظام، ~~وكنت عندئذ مرتديا من الثياب ما لم أتعود ارتداءه في حياة اليقظة، إذ كنت ألبس ~~جلبابا أبيض وفوقه عباءة سوداء، وعلى رأسي طاقية من الصوف، وما لبثت حتى سمعت صوتا لم ~~أتبين مصدره يقول لي: طلابك ينتظرون في الطابق الأعلى، فصعدت السلم القديم، وفي ~~بهو الطابق الأعلى، وهو نفسه البهو الذي ألفته طفلا وشابا مع تعديل طفيف وجدت ~~الطلاب ms280 يتحلقون في دائرة، وكانوا جلوسا متربعين على الأرض المفروشة بالحصير وبالكليم، ~~يرتدون جلابيب ناصعة البياض، عراة الرءوس، وقد عهدتهم في حياة الصحو في ثيابهم الإفرنجية ~~المألوفة، فجلست في الثغرة التي تركوها لي خالية، وبعد ثوان صامتة، بسملت وبدأت الدرس ~~قائلا: كنا نتحدث في المحاضرة السابقة عن الولاء للوطن، وقد حددنا معنى الولاء بأنه ~~دمج الذات الفردية في ذات أوسع منها وأشمل، ليصبح الفرد بهذا الدمج جزءا من أسرة، أو من ~~جماعة، أو من أمة، أو من الإنسانية كلها، ولكن هذا الدمج إذا صدر عن إيمان وإخلاص، وجب على ~~الفرد أن يحميه حتى وإن اقتضى الأمر تضحية بالروح، هذا ما كنا نتحدث به في المحاضرة ~~السابقة. وموضوعنا اليوم هو النظر في الحالات التي تتعدد فيها الولاءات. فماذا نحن صانعون ~~إذا تعارض ولاء وولاء، كأن يتعارض في موقف معين ولاء الفرد لأسرته وولاؤه لأمته؟ ~~وجوابنا على ذلك: هو أن أساس التصرف في حالات كهذه، هو أن نختار الطريق الذي يتيح للفرد ~~تكاملا في شخصيته بدرجة أعلى، فهل يكون إنسانا أكمل إذا هو انتمى إلى أسرة قوية وأمة ~~ضعيفة، أو إذا انتمى إلى أسرة ضعيفة في أمة قوية؟ وأظن الإجابة هنا تكاد تملي نفسها، ~~وهو أن البديل الثاني أفضل وأكمل وأسمى من البديل الأول، وعلى هذا الضوء يا أبنائي أترك لكم ~~الجواب عن هذا السؤال: أيكون الولاء، والتضحية بدمائنا وأرواحنا لمصري أم لمصر؟ # فجاء جواب الشباب فيما يشبه الصوت الواحد: إنما الولاء لمصر. وكان صوتهم عاليا كأنه ~~هتاف فصحوت، والمشكلة التي شغلتني ليلة أمس قد وجدت حلها. ms281