######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.RuyaIslamiyya.Hindawi51971317 #META# Tags: philosophy #META# ID: 51971317 #META# Title: رؤية إسلامية #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # القسم الأول: مع العلم بعمق الإيمان‏ # أنا المسجد والساجد‏ # اقرأ باسم ربك‏ # العقل يهدي ويهتدي‏ # الأشياء والكلمات‏ # عصر يبحث عن حرية الإنسان‏ # اختلاف الرأي والرؤية‏ # عالم عابد في مركبة الفضاء‏ # القسم الثاني: من عوامل القوة‏ # يموت الإنسان ليحيا‏ # قنافذ وثعالب‏ # أنا أريد - إذن - أنا إنسان‏ # فالق الحب والنوى‏ # صورة ريفية وأعماقها‏ # للعصر الواحد صوت واحد‏ # من الجذور‏ # حياتنا الجديدة تصنعها أقلامنا‏ # وهذه جزيرة أخرى‏ # تقاليد وتقليد‏ # الاقتصاد في الاعتقاد‏ # القسم الثالث: من عوامل الضعف‏ # صرخة‏ # متطرف تحت المجهر‏ # عصر الحنين‏ # أزرع ولا حصاد؟‏ # ظلال بين اليأس والرجاء‏ # أهو شرك من نوع جديد؟!‏ # هذا الصغير وصغائره‏ # صانع الحروف‏ # هؤلاء الآخرون!‏ # فعل الزمن‏ # حتى يغيروا ما بأنفسهم‏ # القسم الرابع: دوائر الانتماء‏ # عروبة مصر‏ # حول مشكلة الانتماء‏ # مقدمة‏ # القسم الأول: مع العلم بعمق الإيمان‏ # أنا المسجد والساجد‏ # اقرأ باسم ربك‏ # العقل يهدي ويهتدي‏ # الأشياء والكلمات‏ # عصر يبحث عن حرية الإنسان‏ # اختلاف الرأي والرؤية‏ # عالم عابد في مركبة الفضاء‏ # القسم الثاني: من عوامل القوة‏ # يموت الإنسان ليحيا‏ # قنافذ وثعالب‏ # أنا أريد - إذن - أنا إنسان‏ # فالق الحب والنوى‏ # صورة ريفية وأعماقها‏ # للعصر الواحد صوت واحد‏ # من الجذور‏ # حياتنا الجديدة تصنعها أقلامنا‏ # وهذه جزيرة أخرى‏ # تقاليد وتقليد‏ # الاقتصاد في الاعتقاد‏ # القسم الثالث: من عوامل الضعف‏ # صرخة‏ # متطرف تحت المجهر‏ # عصر الحنين‏ # أزرع ولا حصاد؟‏ # ظلال بين اليأس والرجاء‏ # أهو شرك من نوع جديد؟!‏ # هذا الصغير وصغائره‏ # صانع الحروف‏ # هؤلاء الآخرون!‏ # فعل الزمن‏ # حتى يغيروا ما بأنفسهم‏ # القسم الرابع: دوائر الانتماء‏ # عروبة مصر‏ # حول مشكلة الانتماء‏ # | رؤية إسلامية # | رؤية إسلامية # تأليف # زكي نجيب محمود # | مقدمة # سؤال طرحته على نفسي، حين ألقيت نظرة إلى خريطة العالم الإسلامي، في امتداد رقعته ~~الجغرافية، من أقصى الجنوب الشرقي لقارة آسيا، حتى أقصى الغرب في معظم القارة الأفريقية، ~~وما إن ألقيت السؤال، حتى أجريت القلم خلال ستة أشهر، بالفصول التي هي مادة هذا الكتاب، ~~وكانت هذه الفصول كلها تحمل أطرافا مما يصح أن يكون جوابا عن ذلك السؤال. # وأما السؤال فهو ms001 هذا: ما الذي أصاب العالم الإسلامي، فتخلف حتى أصبح في مؤخرة الركب ~~الحضاري في عصرنا هذا، بعد أن كانت له، ذات حين، قيادة وريادة؟ على أنني إذا أخذت أضع ~~الجواب في قطرات متفرقة متتابعة، أنظر في كل قطرة فيها إلى الموقف من إحدى نواحيه، كانت ~~نظرتي تنحصر في ذلك الجزء من العالم الإسلامي - الذي يكون الوطن العربي الكبير، ثم كانت تلك ~~النظرة - أحيانا كثيرة - تعود فتزداد انحصارا - حتى تقف عند حدود وطني الخاص الذي هو مصر، ~~وسيجد القارئ في القسم الرابع من هذا الكتاب تحديدا دقيقا لدوائر الانتماء الثلاثة، التي ~~على أساسها يتدرج الانتماء، من حيث التبعات الاجتماعية، تدريجا يجعلني مصريا أولا، ~~وعربيا ثانيا، وفردا من أبناء العالم الإسلامي ثالثا، وهو تدرج لا أقيمه على درجات ~~«الأهمية» لهذه الأجزاء، بل أقيمه على الأمر الواقع الذي يجعل الإنسان مسئولا أمام القانون ~~عن وطنه الخاص، قبل أن يكون مسئولا عن المجالات الأوسع نطاقا، والتي ينتمي إليها جميعا ~~بدرجات. # وقسمت فصول الكتاب أربعة أقسام، ففي القسم الأول منها، حاولت أن أبين كيف يعود العالم ~~الإسلامي إلى قوته، إذا هو جعل العبادة تتسع في معناها، حتى تشمل بكل جدية واهتمام ~~محاولات الكشف العلمي عن أسرار الكون، كشفا لا يقتصر على مجرد العلم في ذاته بتلك الأسرار، ~~بل يجاوز ذلك إلى تحويل العلم إلى عمل في مجالات التطبيق الذي ينشط به الإنسان في حياته ~~العملية، وإلا فماذا تكون الدلالة الحقيقية لكون الأمر بكلمة # اقرأ # أول ما نزل به الوحي بالقرآن الكريم على نبي الإسلام - عليه الصلاة ~~والسلام؟ ماذا تكون الدلالة في تلك الأسبقية، إذا لم تكن حثا على أن يكون «العلم» هو ~~الركيزة الصلبة التي تقام عليها أركان الإسلام؟ فإذا كان سؤالنا الذي بدأنا به هو: ما الذي ~~حدث للعالم الإسلامي، حتى بلغ من الضعف ما بلغ؟ وجدنا أول كلمة في الإجابة الصحيحة، كلمة ~~«العلم»، فمع العلم تدور القوة وجودا وعدما، ولربما كان ذلك العلم - لو ترك غير ملجم - ~~سبيلا يؤدي بالإنسانية إلى الدمار، ولكن ms002 قوته الذاتية كفيلة للإنسان بالسمو إلى التقدم، ~~إذا هو ألجم العلم - في التطبيق - بالقيم الضابطة، والتي مصدرها الأول هو الدين بمعناه ~~العام أولا، وبمعناه الإسلامي بصفة خاصة. # إن أداة الإدراك في مجال العلوم، إيجادا وتطبيقا - هي «العقل» بأجهزته القادرة على ~~التحليل وعلى الاستدلال، وهذا «العقل» إنما هو بطبيعته يهدي ويهتدي في آن واحد، فهو يهدي ~~إلى النتائج الصحيحة التي تستدل من الشواهد والمقدمات - ثم هو يعود فيهتدي في جانب التطبيق ~~على عالم الأشياء، ومن الخير للإنسان أن يدور بعقله هذه الدورة كاملة؛ لأنه إذا وقف عند ~~«المقدمات» و«الشواهد» في صيغها اللفظية، دون أن ينتقل منها إلى عمليات التحليل والاستدلال ~~والتطبيق، وجد نفسه «حافظا» لنصوص، مع عجزه عن نقل تلك النصوص نفسها إلى دنيا العمل، وتلك ~~هي حالنا - بصفة عامة - فترانا وقد أحاط علماؤنا بأصول ديننا «حفظا» وشرحا لذلك المحفوظ، ~~تركوا العملية «العلمية» لسواهم، ثم ترتبت على تلك العملية العلمية حضارة، فلم نجد بدا ~~من أن نقف من ذلك كله موقف المتسول، وكان في وسعنا أن نقلب الوضع، لو أننا أدركنا إدراكا ~~واضحا، أن واجب المسلم هو أن يستمد من روح إسلامه قدرة على المشاركة الإيجابية في ~~الكشوف العلمية، ثم في تحويل تلك الكشوف العلمية إلى شتى ضروب النشاط البشري في حياة ~~الإنسان العملية. # والعلاقة وثيقة العرى، بين «علمية» الإنسان في موقفه من عالمه الذي يعيش فيه، وبين نصيب ~~ذلك الإنسان من «الحرية»، فالخلط شائع فينا بين معنى «التحرر» من القيود على اختلاف ~~أنواعها، وبين معنى «الحرية» التي لا تكون شيئا إذا هي لم تكن قدرة الإنسان الحر على أن ~~يملك زمام الموقف الذي يجد نفسه فيه، على أن امتلاك الإنسان لزمام الأمر حيال أي موقف من ~~مواقف الحياة، إنما يتفاوت قوة وضعفا بمقدار ما لدى ذلك الإنسان من «علم» بدقائق الموقف ~~المذكور؛ حتى يستطيع التصرف فيه وهو على هدى، ومن هنا وجدنا شعوبا كثيرة فيما يسمونه ~~بالعالم الثالث، قد «تحررت» من قيود مستعمريها، لكنها مع ذلك بقيت مفقودة «الحرية »؛ لأنها ms003 ~~معتمدة في معظم شئون حياتها على أولئك المستعمرين السابقين أنفسهم، سواء أكان ذلك في نتائج ~~العلوم التي تدرس في المعاهد والجامعات، أم كان أجهزة ومصنوعات، مما ينتج عند أصحاب تلك ~~«العلوم». # لقد أوهمنا أنفسنا وهما «عجيبا»، قيد خطواتنا على طريق التقدم، وهو أننا توهمنا أن ~~ثمة تناقضا بين أن يكون الإنسان مسلما بعقيدته الدينية، وأن يكون في الوقت نفسه ساعيا ~~إلى ما يسعى إليه أهل الغرب، من إيجاد لعلم جديد، ثم إقامة حضارة جديدة على أساس ذلك العلم ~~الجديد، وقد كاد الأمر يكون كذلك، لو أن إسلامنا لم يجعل «العلم» وتطبيقه ركنا أساسيا في ~~بنائه، وإني لأتصور أن الأمة الإسلامية، لو كانت اليوم على مثل قوتها الأولى، لكانت هي التي ~~ملكت زمام عصرنا هذا بكل ما فيه من علوم، ومن «تقنيات»، فالذي انتهى بنا إلى موقف المتسول ~~المحروم في دنيا العلم والصناعات، ليس هو إسلامنا، بل هو أننا قد أخطأنا منزلة العلم بأسرار ~~الكون، والانتفاع بذلك العلم في الحياة العملية، أقول إننا قد أخطأنا منزلة ذلك كله في ~~العقيدة الإسلامية، تلك المنزلة التي من أجل رفعتها، كانت # اقرأ # أول ما نزل به القرآن الكريم. # تلك - إذن - هي النبرة التي يسمعها قارئ القسم الأول من هذا الكتاب، حتى إذا ما انتقل إلى ~~القسم الثاني، سمع تنويعا آخر من النبرة نفسها، فالمحور واحد، والهدف واحد، والخط الفكري ~~واحد، إلا أن مقالات القسم الثاني تتلمس مواضع القوة في حياتنا الفكرية كما هي واقعة الآن، ~~لولا أنها مواضع تحتاج إلى تقوية وتنمية. # فنحن بغير شك نحس في بواطن نفوسنا، شعورا قويا باستمرارية الحياة بين ماضينا وحاضرنا، ~~أو على الأقل نحس بوجوب مثل هذه الاستمرارية، ففي «يموت الإنسان ليحيا» عرض لما يؤيد ويؤكد ~~ذلك المنحى، على ألا يتم هذا بأن نحيي الماضي كما كان حرفا بحرف وموقفا بموقف، على حساب ~~المعاصرين، فهؤلاء المعاصرون لا بد لهم أن يبرروا وجودهم التاريخي بإثبات شخصياتهم وما ~~يميزها، بحيث يكونون مع أسلافهم كقصيدتين من الشعر في ديوان شاعر واحد، ms004 وإنه لخطأ خطير أن ~~نستمع إلى دعاة العودة إلى الماضي، عودة تنسخ وجودنا الحاضر، إذ إن ذلك يجعلنا كالقنافذ ~~التي تتكور على نفسها في انتظار ما يأتيها من عوامل خارجية تؤثر فيها، وهي في حالة من ~~السلبية التي لا حول لها ولا إرادة، في حين أن إيجابية الإرادة لها في العقيدة الإسلامية ~~أولوية منطقية، حتى على الحياة العقلية نفسها؛ لأن لحظة «الإيمان» إنما هي لحظة تندرج ~~أساسا تحت الحياة الإرادية للشخص الذي آمن، ثم تأتي الحياة العقلية بعد ذلك، لتصب ~~تحليلاتها واستدلالاتها على ذلك الذي آمن به المؤمن، ولك أن تنظر في تعاقب المراحل الفكرية ~~عند أسلافنا الأولين، فبينما القرن الهجري الأول لم يكد يشهد شيئا إلا دخولا في دين الله، ~~ثم جهادا في سبيل ذلك الدين (ولنلحظ هنا أن دفعة الإيمان وعملية الجهاد كلتيهما تقعان في ~~مجال الحياة الإرادية)، ثم بدأت حياة عقلية من القرن الهجري الثاني وما بعده، لتنصرف بجهدها ~~إلى دراسات علمية تنفع المؤمن في فهمه للكتاب الكريم حق الفهم، كعلوم اللغة، والفقه، وعلم ~~الكلام، وعلى هذا الأساس نقول إننا لو صغنا الوقفة الإسلامية في صيغة ديكارتية، قلنا: أنا ~~أريد - إذن - أنا إنسان. # وبين مقالات هذا القسم الثاني، مقالتان توضحان من حياة الفلاح المصري على براءته وبساطته، ~~ومن حياة الشجرة التي في فطرة بذرتها تعرف كيف تنمو وتزدهر؛ لنبين بهما أن أولوية الإرادة ~~في حياة الإنسان، إنما هي أمر تحتمه طبيعة الحياة نفسها، فحينما قويت الإرادة في شعب، أو في ~~فرد من أفراده، كان الأرجح له أن يوفق إلى تحقيق أهدافه، وذلك كما قال أبو القاسم الشابي في ~~قصيدة مشهورة من شعره: # إذا الشعب يوما أراد الحياة # فلا بد أن يستجيب القدر # ولا بد لليل أن ينجلي # ولا بد للقيد أن ينكسر # والعالم الإسلامي اليوم تنقصه تلك الإرادة، مع أن أولويتها هي من صميم الإسلام. # ولعل أهم ما يلفت النظر في موقف الأمة الإسلامية بجميع أقطارها اليوم، هو دعوة تسري في ~~جماهيرها، بأن توصد أبوابها، وتصم آذانها ms005 عن حضارة العصر وثقافته، باعتبارها «غزوا ~~ثقافيا»، في الوقت الذي نجد أنفسنا فيه مرغمين إرغاما، بضرورة الحياة نفسها، أن نأخذ عن ~~العصر علومه وما ينتج عن تلك العلوم، ولكنه أخذ المتسول - كما ذكرت - يطلب الصدقة ممن يملك ~~القوة والعلم معا، لا أخذ المشارك بجهده وبذهنه، مما يدل دلالة قاطعة على أن أحدا لا ~~يستطيع أن يتمرد على عصره تمردا كاملا، إلا إذا أراد لنفسه الموت؛ لأن العصر الواحد - ~~أيا كان موقعه من مسيرة التاريخ - إنما يكون له هدف واحد، فمن استهدفه مؤمنا به، كان له ~~كيانه في عصره، ومن أدبر عنه، خرج من الحساب، حتى ولو استباح لنفسه أن يستخدم في حياته ~~العملية ثمرات ذلك العصر الذي أدبر عنه، إذن تخرج لنا نتيجة واضحة من هذا الذي ذكرناه، وهي ~~وجوب أن نأخذ - أعني العالم الإسلامي - بكل ما يمكن أخذه من مشاركة فعالة في بناء عصرنا، ~~ولما كان الاحتمال قليلا بأن نستطيع إثبات وجودنا بما تستحقه أمتنا من وزن في دنيا العلوم ~~والتقنيات، فهنالك جانب هو موضع رسالتنا في حياة العصر، وأعني جانب النقص الملحوظ في الحياة ~~العصرية، إذ حصرت نفسها في «الواقع» وغضت النظر عما بعد هذا الواقع، فحدث ما حدث من علل ~~أفقدت الإنسان المعاصر توازنه، وها هنا تأتي رسالة الإسلام لتضيف إلى حياة عصرنا ما قد نقص ~~فيها، من إضافة حياة الجلد إلى حياة الدنيا العابرة، وهذا كله يعني أن حملة الأقلام من ~~أبناء الأمة الإسلامية، ومنها الوطن العربي الكبير، وفيه الوطن الإقليمي، أقول: إن حملة ~~الأقلام منا تقع عليهم التبعة الأولى، في أن يغيروا من المناخ الفكري السائد بيننا اليوم ~~تجاه عصرنا، عسانا نخرج إلى العالم بما يجيز لنا أن نقول في عزة وشموخ: ها نحن أولاء ~~... # وينتقل القارئ بعد هذا إلى القسم الثالث من هذا الكتاب، ليجد نفسه في غرفة أخرى من مسكن ~~واحد، وإن يكن لكل غرفة فيه ما يميزها، إلا أن الروح الشائعة فيها جميعا روح واحدة، ففي ~~القسم الثالث إبراز أشد وضوحا لجوانب ms006 الضعف واليأس والخمول وضيق الأفق، التي لا يخطئها بصر ~~في حياتنا الثقافية الراهنة، وعقيدتي هي أن إدراك مواضع العلة هو أول خطوة على طريق العلاج ~~والشفاء. # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم ~~، نعم، ولكننا نحتاج إلى تحليل هذا الذي ما بأنفسنا لنغير فيه ~~ما ينبغي له أن يتغير؛ حتى يتاح لنا بعد ذلك أن نضع بيئة جديدة يعاش فيها، دون أن تكون ~~عقبة في سبيل ارتقائنا، وسيجد القارئ مقالة في هذا القسم الثالث حاولت مثل هذا ~~التحليل. # وربما كان من أهم ما يجب أن يتغير في نفوسنا - ذلك «التطرف» في العقيدة تطرفا لا يسمح ~~لصاحبه برؤية ما قد يكون عند أصحاب الاتجاهات الأخرى من حق ... ولقد كانت آخر مقالات القسم ~~الثاني من هذا الكتاب عرضا لوجهة النظر التي أبداها الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه ~~«الاقتصاد في الاعتقاد»، وفيه يبين الغزالي كيف يجب على المسلم أن يكون على شيء من ~~الاعتدال في إيمانه بعقيدته؛ لأنه إذا تطرف فيها، بمعنى أن يسيء الظن بكل من خالفه بغير ~~بحث ولا إمعان للنظر، كان بمثابة من ضيع على نفسه نعمة الرؤية المتروية المتزنة المنصفة، ~~وفي موضع آخر من مقالات القسم الثالث، عرضت فكرة تساعد على الحد من طغيان النظرة المتطرفة ~~عند أصحابها، وهي أن الحياة الثقافية للإنسان، لا تتجمع كلها في طريق واحد، فلا هي كلها ~~«فن»، ولا هي كلها «علم»، ولا هي كلها «عقيدة إيمانية»، وهكذا تتعدد المجالات، ولكل مجال ~~مقاييس الصواب والخطأ الخاصة به، مقاييس الجودة والرداءة، فلا يجوز - إذن أن أحكم به على ~~قصيدة الشعر بما أحكم به على قانون علمي في مجال الكيمياء أو الفيزياء، كما لا يجوز أن أحكم ~~على صواب حقيقة معينة في تلك العلوم أو على خطئها، بشيء مما يقع في دائرة الإيمان ~~بالعقيدة، فلو أننا عرفنا كيف نجعل كل تلك الفروع بمثابة «النظائر» التي تلتقي كلها في ~~الإفصاح عن الحق المطلق إفصاحا يجيء عند كل نظير من تلك النظائر بلغته الخاصة، ms007 لتوحدت ~~حياتنا الفكرية وتخلصت من عوامل الصراع التي تمزق بنيانها. # إنه مما يلاحظ بنظرة سريع إلى حياتنا اليوم - إهمال كل فرد منا لما يقوله الآخرون، لا، بل ~~إن الأمر أشد من ذلك سوءا، وهو أن كلا منا يكاد يجعله واجبا عليه أن يحطم هؤلاء الآخرين ~~ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ومن هنا صغرت منا نفوس كثيرة، وفقدنا روح الكرامة ~~والكبرياء. # وأما القسم الرابع والأخير، فيقتصر على فكرة الانتماء؛ ليبين عناصرها تحت ضوء التحليل، ~~وقد أسلفت الإشارة إلى ذلك في هذه المقدمة. # أما بعد، فإن القلم حين أخذ على مدى ستة أشهر أو نحوها، يعالج ما يصح أن يكون جوابا عن ~~السؤال الذي طرحته على نفسي، أو الذي طرح نفسه علي، عما أصاب العالم الإسلامي في جملته من ~~ضعف، فإنما أخذ على نفسه عهدا ألا يكتب إلا ما يراه صدقا، فإذا وقع في خطأ هنا أو هناك، ~~فشفيعه نية حسنة أرادت الخير والإحسان، وبالله يكون التوفيق. # زكي نجيب محمود # القسم الأول # | مع العلم بعمق الإيمان # | أنا المسجد والساجد # روى لي الراوي فقال: أتذكر روضة «ريجنت» في لندن؟ إني لأعلم كم أنفقت في أيامك ~~الخوالي من ساعات في تلك الروضة الفسيحة الجميلة، وأعلم أنها كانت لك المنتزه، والملاذ، ~~والمحراب، فلما أقيم المسجد على حافتها، ازدانت به الروضة، وازدادت وقارا على وقارها، ~~ولأني أعلم عن صلتك بتلك الروضة، تعمدت أن أزورها، عندما قضيت بضعة أيام هناك - قضيتها ~~في مزيج من راحة وعلاج - وما إن بلغت الروضة، حتى أخذت سمتي نحو الأماكن التي أعلم أنها ~~كانت أثيرة لديك، بادئا جولتي ببستان الورد، وفي ركن ظليل من أركانه، جلست على الكنبة ~~الخشبية، وهي الكنبة التي اعتدت أنت الجلوس عليها ... إنني يا أخي لا أعرف لذلك البستان - ~~بستان الورد - في روضة «ريجنت» شبيها. # ولم ألبث في خلوتي تلك إلا دقائق، حتى جاء ليجلس معي على الكنبة رجلان هنديان ~~ملتحيان، وأخذا يتحدثان بالإنجليزية، ولم أنصت، ولكن لم يكن في وسعي إلا أن تسمع ~~أذناي، فلما سمعت في ms008 حديثهما كلمة «المسجد» تتردد أنصت لأرهف السمع، فكان ختام حديث ~~الرجلين هذا السؤال وجوابه: ~~- أذاهب أنت معي إلى المسجد؟ ~~- يا صديقي أنا المسجد وأنا الساجد معا. # وانصرف صاحب السؤال - ولم تمض خمس دقائق، حتى انصرف كذلك صاحب الجواب، فماذا تظنه ~~يعني بقوله إنه المسجد وإنه الساجد معا؟ فلولا أنني رأيت وجهه مضيئا بتقوى العابدين، ~~لقلت إن الرجل إنما أراد أن يعفي نفسه من شيء لا يحبه، فماذا تقول في معنى عبارته ~~تلك؟ # قلت لصاحبي: لقد كان الرجل قوي التعبير واضح المعنى، فلقد أراد أن يقول لزميله إنه ~~إنما يعبد الله أنى كان وأينما كان، إنه يعبد الله قياما وقعودا وعلى جنبه، نعم، ~~إنه يؤم المسجد (المبنى) مع من يؤمه من المسلمين، لكنه حتى وهو في المسجد (المبنى) يجعل ~~من ذاته مسجدا داخل المسجد، بمعنى أن يستغرق وجوده في عبادته، فكم هم كثيرون كثرة ~~تذهلك، أولئك الذين يؤدون صلاتهم في بيت الله فترى الواحد منهم قائما بجسده راكعا ~~بجسده ساجدا بجسده، وأما عقله كله وقلبه كله فشاردان هناك في الأفق البعيد يحسبان ~~المكسب والخسارة ويكملان رسم الخطة التي يعدانها ليكيدا للخصوم، وعندئذ يتحول المسجد ~~في حياتهم ليصبح مكانا كأي مكان آخر يرونه صالحا للتدبير والتخطيط، وأما صاحبنا ~~الهندي بتعبيره القوي ومعناه الواضح، فقد أراد لبدنه أن يكون مسجده حتى وهو في المسجد؛ ~~لكيلا يفلت منه زمام عقله أو تشرد الأهواء بقلبه، وحتى لو أخلص العابد لعبادته وهو في ~~المسجد، مرخيا لنفسه العنان قبل ذلك، وبعد ذلك كان بمثابة من وضع عقيدته الدينية بين ~~قوسين ... وأما فيما قبل القوس الأول وبعد القوس الأخير، فهو مطلق السراح، فيجيء التعبير ~~الذي عبر به الهندي التقي عن ذات نفسه ليلفت أنظارنا إلى وجوب أن تستمر معنا تقوى الله، ~~قبل المسجد وفي المسجد وبعد المسجد، ولكن كيف؟ # قبل أن أعرض ما أريد عرضه، يحسن أن أضع بين يدي القارئ أمثلة قليلة تصور له السلبية ~~المميتة، وما هو أشر من السلبية المميتة التي يريد لنا نفر من ms009 قادة الرأي أن نفهم ~~إسلامنا على ضوئها. # أولا: # يجمل بنا أن نضع نصب أعيننا تلك الحقيقة المرة، وهي أن الرقعة ~~الجغرافية المتصلة والممتدة من إندونيسيا شرقا إلى المغرب غربا ~~مرورا بباكستان وأفغانستان وإيران والوطن العربي وأقطار من أفريقيا، ~~هذه الرقعة الجغرافية بأسرها والتي هي الموطن الأساسي للشعوب ~~الإسلامية، توشك أن تكون في مجموعها أقل بلاد الدنيا نصيبا من التقدم ~~بأي مقياس نختاره لنقيس به من تقدم من الشعوب ومن تأخر، اللهم ~~إلا إذا اخترنا «الإسلام» في ذاته على أنه هو نفسه «التقدم»، مهما يكن ~~نصيب المسلمين بعد ذلك من التعليم، ومن الإنتاج الاقتصادي، ومن مستوى ~~المعيشة، ومن الإبداع في الأدب والفن، ومن الإضافة الحقيقية إلى العلم ~~وما يتفرع عنه ... فإذا رأينا أن تلك هي الحقيقة المرة، أفلا ينبغي ~~لضمائرنا أن تتأرق لتدفعنا دفعا إلى جدية النظر وجدية التفكير وجدية ~~العمل سائلين أنفسنا: لماذا؟ ثم ألا يجوز أن نجد بعض الجواب متضمنا في ~~ذلك التعبير القوي، وهو أن المسلم لم يجعل من نفسه «مسجدا وساجدا» ~~قبل المسجد وفي المسجد وبعد المسجد؟ # ثانيا: # إنه بغير أدنى شك، لا بد للمسلم - شأنه في ذلك شأن أي مؤمن بأي ~~عقيدة دينية أخرى - أن يكون «عابدا» بما تضعه له عقيدته من صور ~~العبادة، وفي هذا الصدد نسأل - جادين ومخلصين - أفلا ينبغي للمسلم أن ~~يتدبر في روية وفي عمق قول الله سبحانه: # وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~؟ فما ~~هو ذلك الجانب من حياة الإنسان الذي يظل قائما مع الإنسان، ما امتدت ~~لذلك الإنسان حياة واعية؟ أيمكن أن يكون المقصود بالعبادة مقصورا على ~~صور العبادة المعروفة من صلاة وصوم وغيرهما؟ نعم - إن هذه الصور ~~المعروفة هي أركان الإسلام، لكنها موقوتة بأوقاتها، فماذا عسى أن تكون ~~صورة العبادة قبل تلك الأوقات وبعدها؟ ماذا عسى أن تكون الصورة ~~المقصودة بالعبادة، حين نعلم من القرآن الكريم أن الإنسان ما خلق إلا ~~ليعبد؟ إن المسلم كاتب هذه السطور لا يرى - بكل التواضع الذي يستطيعه ~~إنسان - لا يرى إلا أن تكون ms010 العبادة التي ما خلقنا إلا لأدائها إنما ~~هي - إلى جانب الأركان المعروفة - اجتهاد في سبيل معرفة الإنسان لربه، ~~عن طريق معرفته لمخلوقات ربه، فها هنا نستطيع أن نتصور صورة من الدأب ~~الدءوب الذي لا يفتر لحظة على طول الحياة الواعية، محاولا أن «يعرف» ~~ثم «يعرف مزيدا» ثم يعرف مزيدا من المزيد إلى آخر نفس يلفظه الإنسان ~~المجتهد في تحصيل المعرفة إذا جاءه أمر ربه ... على أن هذه النقطة من ~~نقاط حديثي هي التي سوف تكون إحدى ركيزتين أساسيتين سيكونان المحور ~~الرئيس للموضوع كله. # ثالثا: # وهذه نقطة متصلة بما أسلفته لتوي، أذكرها راجيا أن تتسع صدورنا لما ~~يقوله بعضنا لبعضنا، فكلنا طلاب حقيقة نسعى إلى إدراكها وإلى العمل ~~بمقتضاها، ولا ضير في أن يصحح أحدنا الآخر، بل لا بد أن يصحح أحدنا ~~الآخر لتتحرك حياتنا الفكرية نحو ما هو أصح وأكمل، وإلا فمن ذا الذي ~~يدعي لنفسه سعة من العلم لا تنتهي حدودها، وعصمة من الخطأ لا موضع فيها ~~للزلل والخطأ؟ وإني إذ أقول ذلك، فإنما أقوله وفي ذهني أمثلة حية مما ~~قرأته أو سمعته لعلماء منا لا أشك لحظة في فضلهم وفي إخلاصهم وسلامة ~~طويتهم، لكنني في الوقت نفسه أشك كل الشك في سداد ما يكتبونه أحيانا ~~وما يذيعونه في الناس، وذلك حين أشعر في قوة ووضوح أن مؤدى ما ~~يقولونه في موضوع «العبادة» قد يفهمه الآخذون عنهم على أنها عبادة ~~السكون والقعود والزهد والرضا بالقليل من دنيا «العلم» ومن دنيا ~~«العمل»، وكان آخر ما سمعته في هذا الباب ما أذاعه أستاذ جليل عن ~~«القدس» وكيف تكون سبيلنا إلى تحريرها من قبضة إسرائيل؛ إذ قال إن ~~الوسيلة هي «العبادة»، والشرط الذي اشترطه فضيلته لتلك العبادة هو أن ~~تعم الأمة الإسلامية كلها لا تقتصر على نفر منها دون الآخرين، ولو أن ~~فضيلته قصد ب «العبادة» ذلك المعنى الواسع الذي سأجعله موضوعا لحديثي ~~بعد قليل، لكان قوله صوابا، لكنه قال قوله ذاك في سياق لا يجعل ~~للعبادة معنى في أذهان السامعين إلا ms011 ما هو معروف من «أركان» الإسلام ~~الخمسة؛ أي أنه يكفي المسلمين أن يقيموا الصلاة ويؤدوا الزكاة، ويصوموا ~~رمضان ويحج منهم من هو قادر على الحج، وذلك كله بعد شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله، فيخرج الإسرائيليون من القدس. لقد سبق ~~لكاتب هذه السطور أن ذكر سامعيه (في محاضرة عامة ألقاها في تونس)، ~~كما ذكر قراءه (في مقالة له)، ذكر أولئك وهؤلاء بأن أركان ~~البناء لا بد أن تقام قوية وراسخة، لكن في البناء إلى جانب «الأركان» ~~غرفا وجدرانا، ومن تلك الغرف والجدران أن يكون المسلم عابدا بعلمه ~~وباستخدامه لذلك العلم في السلم إذا كان السلم وفي الحرب إذا كانت ~~الحرب، وبهذا الجانب من العبادة تخلو القدس من الغاصبين. # ربما كنت بتلك النقاط الثلاث، قد مهدت الطريق إلى ما أريد عرضه تعليقا وتوضيحا لتلك ~~العبارة التي قالها ذلك المسلم من أبناء الهند، حين أجاب صاحبه الذي سأله إن كان راغبا ~~في مرافقته إلى المسجد إذ أجاب قائلا: يا صديقي أنا المسجد وأنا الساجد معا، لله ~~سبحانه وتعالى ... عند المسلم كتابان: القرآن الكريم، وهذا الكون العظيم الذي يحيط بنا ~~ونسكن كوكبا من ملايين كواكبه وأنجمه، وذلك لا ينفي أن يكون الكتاب الثاني محكوما ~~بالكتاب الأول؛ بمعنى أن «الكلمة» تسبق فعلها، و«كن» يتبعها أن «يكون»، ومن القرآن ~~الكريم يستمد المسلم - بين ما يستمده - المبادئ والقواعد التي يقيم حياته السلوكية ~~على أسسها، ومن كتاب الكون يستمد المسلم «وغير المسلم» قوانين «العلم» التي على أساسها ~~وفي حدود ما يعلمه منها يصنع الغذاء ويصنع الدواء وينسج الثياب ويبني المساكن، ويقيم ~~الجسور ويصوغ المعادن أدوات لعيشه وسلاحا لحربه إلى آخر ألوف الآلاف من صنائعه إن ~~كان لتلك الصنائع أثر، وكلا الكتابين مقروء للناس بمقادير ودرجات تتفاوت بتفاوت أفراد ~~الناس في قدرتهم على القراءة، ولكل من الكتابين لغته التي لا بد أن تدرس دراسة ~~دقيقة وعميقة؛ حتى يتمكن الدارس من استخلاص ما ظهر من مضمونها وما بطن؛ ولذلك كان ~~لكل من الكتابين علماؤه المتخصصون ms012 الذين يجب أن يكونوا مرجعا يلوذ به من أراد ~~العلم من غير المتخصصين، إلا أنه من المألوف للناس أن تكون لغة القرآن الكريم هي اللغة ~~العربية، لكنه ليس من المألوف عندهم أن يقال إن لظواهر الكون لغاتها، وهي اللغات التي ~~يحتال على قراءتها العلماء الباحثون عن أسرار تلك الظواهر؛ أي إنهم باحثون عن قوانينها، ~~غير أن لغات الظواهر الكونية أقرب إلى ما يسمونه ب «الشفرة» أو هي أقرب إلى الكتابة ~~بمداد غير مرئي للعين إلا إذا عولج بمواد معينة فيظهر للعين بعد خفاء، واحتيال ~~العلماء على ظواهر الكون حتى يكشفوا عن أسرارها هو نفسه الذي نطلق عليه اسم «المنهج ~~العلمي» في البحث، وإلا فكيف قرأ علماء الضوء ما استكن في ظاهرة الضوء بحيث استطاعوا ~~آخر الأمر أن يطوعوه لأغراضنا، فكان لنا تلك المصابيح التي نستضيء بضوئها، كما كان لنا ~~أجهزة أخرى كثيرة كالتليفزيون وغيره، وكيف قرأ علماء «الصوت» وعلماء «الكهرباء» وعلماء ~~«الجاذبية» وعلماء هذا وعلماء ذلك، كيف استطاع كل هؤلاء العلماء، أن يقرءوا تلك ~~الكائنات جميعا ليستخرجوا ما كان مكنونا من سرها فطوعوها، وأصبحت حياة الناس كما ~~نراها بوسائلها وأجهزتها، ولم يعد في مستطاع أحد أن يتصور لنفسه حياة بغيرها ...؟ ولقد ~~كان هؤلاء العلماء في جهدهم وجهادهم يعبدون الله الذي خلق الكون، وأمر عباده أن ~~يتفكروا في خلقه ذاك، حتى يكشفوا ما استطاعوا الكشف عن كنزه المستور. # قل لي - بالله - يا أخي أين هو المسلم الواحد ~~الذي لا يفخر ويفاخر بآبائه المسلمين فيما قالوه وما فعلوه خلال القرون العشرة الأولى ~~من تاريخ الإسلام، والقرون الأربعة الأولى منها على وجه الخصوص؟ وإذا كان هذا هكذا - ~~فتعال معا نحلل العوامل الأساسية التي جعلت تلك القرون الأولى مختلفة عما تلاها إلى ~~يومنا هذا، إن الأسبقية الزمنية وحدها لا تكفي للتعليل، ولا بد أن يكون الفرق كامنا ~~فيما أداه أولئك وما يؤديه هؤلاء، وإذا أذنت لي بأن أدلي بين يديك برأي عاجل، ولكنه ~~شامل، لقلت إن الفارق الرئيس بين الفترتين إنما هو أن الأولين ms013 عنوا بالكتابين معا: ~~القرآن الكريم والكون العظيم، معترفا لك بأن القرآن الكريم قد ظفر منهم بالاهتمام ~~الأكبر، مما كان ينبغي أن يؤدي بنا إلى نتيجة هامة لو كنا حريصين على أن نكون مع ~~أسلافنا استمرارية تاريخية إيجابية وفعالة، وتلك النتيجة هي أن نعتمد إلى حد كبير ~~على دراساتهم القرآنية لنجعل لدراسة «العلوم» الكونية فرصة أوسع. # إننا حين نعتز بأسلافنا ترانا لا نقصر الأمر على فقهاء الدين منهم، بل نحرص على أن ~~نضيف الأسماء اللامعة لعلماء الرياضة وعلماء الطب وعلماء الكيمياء وعلماء الفلك ~~والمؤرخين والرحالة فضلا عن الشعراء والنقاد والفلاسفة، فهؤلاء جميعا قد وجهوا جهودهم ~~نحو الكون، يقرءون ظواهره ليصفوها وليحللوها وليستخرجوا قوانينها، ثم أصابنا الجمود منذ ~~القرن الخامس عشر الميلادي، ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا قبل ذلك لم تكد تتجه بنظرة ~~واحدة نحو تلك العلوم، (وهذا الحكم منصب بالطبع على ما بعد العصر اليوناني) وكان ~~أسلافنا المسلمون وحدهم هم فرسان الميدان، تحول الموقف تحولا حادا بعد ذلك التاريخ، ~~فاتجهت أوروبا بكل عقولها وقلوبها نحو طبيعة الظواهر الكونية يدرسونها، ووقفنا نحن وقفة ~~الأشل، فلم يتبق لنا من ميادين الدراسة شيء إلا أن يعيد الدارسون ما كتبه الأولون ~~متصلا بالقرآن الكريم، فلا هم أضافوا شيئا في هذا المجال، ولا هم بالطبع أنفقوا من ~~وقتهم ساعة واحدة يدرسون فيها ظاهرة من ظواهر الكون. # وإذا شاركتني هذا الرأي، انفتح الطريق أمامنا نحو الوسيلة التي ننهي بها مأساتنا، فهي ~~- كما نرى - أن نجعل إسلامنا على نحو ما كان إسلام الأسبقين فيما يختص بالحياة العلمية، ~~فقد كان عالم الرياضة أو عالم الطب أو عالم الكيمياء إلخ مسلما عالما، لا «مسلما ~~وعالما» بإضافة واو العطف بين الصفتين، بمعنى أن اهتمامه بالفرع الذي يهتم به من فروع ~~العلم الرياضي والطبيعي كان جزءا من إسلامه، أو بعبارة أخرى، كانت العبادة عنده ذات ~~وجهين: بالوجه الأول منهما يعبد الله بالأركان الخمسة، وبالوجه الثاني منهما يبحث في ~~خلق السموات والأرض وما بينهما كما أمره القرآن الكريم، وبهذه النظرة نفسها يكون ms014 مخرجنا ~~من مأساتنا، وهي المأساة التي جعلت الأمة الإسلامية على حالتها من الضعف، كما أسلفنا ~~القول في ذلك. # وإذا اتجه المسلمون بإيمان راسخ وعميق نحو دراسة «العلوم»، لا من حيث هي «مذكرات» ~~تحفظ، بل من حيث هي ضرب من عبادة الله عز وجل لأنها نظر في خلق الله، لاستطاعوا أن ~~يتميزوا في هذا المجال بالقياس إلى علماء الغرب، لماذا؟ لأنهم بحكم إسلامهم موجهون ~~نحو «التوحيد» بكل معنى من معانيه، فتوحيد الله سبحانه وتعالى عند المسلم، لو أخذ ~~مأخذا بصيرا - لاستتبع عند المسلم توحيدا لشخصيته هو وتوحيدا للكثرة الظاهرة في ~~كائنات العالم، بحيث تنخرط كلها في «لون» واحد متكامل الأجزاء، وكلا الجانبين من ~~التوحيد؛ وأعني توحيد الشخصية الإنسانية وتوحيد العلوم المختلفة التي تبحث في ظواهر ~~الكون توحيدا يعود بها إلى مبدأ واحد، أقول: إن كلا الجانبين من التوحيد غائب أو ~~كالغائب عن الحياة الفكرية في عصرنا التي هي حياة انفرد بها حتى الآن علماء الغرب، وما ~~ينفك أدباء الغرب ومفكروه يشيرون إلى هذا النقص الخطير الذي أدى إلى كثير من أمراض ~~العصر النفسية وعلى رأسها القلق والشعور بالاغتراب، وكأن الإنسان يعيش في غير بيته ~~ومع غير أسرته. # نعم - لو أن المسلمين عبدوا الله من ناحية دراستهم لخلق الله بالإضافة إلى عبادته ~~سبحانه وتعالى من ناحية الأركان الخمسة، لانتهوا إلى ما يصح تسميته بالعلم «الإسلامي»، ~~فالعلم لا يصبح إسلاميا بهذا العبث الذي يطن في آذاننا كل يوم حين نسمع صيحات تقول: ~~نريد علم نفس إسلاميا، ونريد علم اجتماع إسلاميا، ونريد علم اقتصاد إسلاميا، كلا؛ ~~لأن كل علم من هذه العلوم الجزئية لا يستطيع إلا أن يكون علما لا تتغير صورته على أيدي ~~علماء اختلفت أوطانهم وعقائدهم، وإنما يصبح العلم إسلاميا بالوقفة العامة التي ترتب ~~بها العلوم الجزئية في وحدة تضمها على نحو ما نتوقع من المسلم الحق أن يوحد بين عناصره ~~الداخلية العاقلة منها وغير العاقلة في ذات موحدة متسقة النغم متفقة الهدف، لكن هذا كله ~~لا يؤديه المسلم في المسجد وحده، ms015 وإنما يؤديه - كما قلت - قبل المسجد، وفي المسجد وبعد ~~المسجد، فهل رأيت الآن يا صديقي، كيف يمكن أن تفهم عبارة المسلم الهندي التي قالها ~~لزميله حين قال: إنني أنا المسجد وأنا الساجد؟ هذا، ولم أقل «شيئا» عن الركيزة الثانية ~~في حياة المسلم، ركيزة «الأخلاق» التي نزل بها القرآن الكريم، لينظم على أساسها أنماط ~~سلوكنا في حياتنا منفردة كانت تلك الحياة أو مجتمعة، ويغفر لنا هذا الحذف ضيق المقام ~~أولا، ووضوح هذا الجانب في أذهان الناس، إذ من الذي لا يعرف أن المسلم الحق يحمل ~~مبادئه الأخلاقية في ضميره أينما كان، يحملها قبل دخوله المسجد وبعد خروجه من المسجد - ~~كما يحملها وهو يؤدي صلاته في المسجد سواء بسواء. # | اقرأ باسم ربك # في كتابه «الخصائص» يلفت «ابن جني» أنظارنا إلى ما يسميه هو بالاشتقاق الكبير، وكتاب ~~«الخصائص» مؤلف ضخم يقع في ثلاثة مجلدات، يبحث في خصائص اللغة العربية، وهو - كما ذكرت ~~عنه في مناسبة سابقة - أقرب شيء إلى ما نسميه اليوم بفلسفة اللغة، ولست أعرف في تراثنا ~~العربي كله، ما ينافس «الخصائص» في موضوع بحثه، عمقا وإسهابا، وأحسب أن علماء اللغة ~~قبل ابن جني، لم يعرفوا إلا ضربا واحدا من الاشتقاق، وهو ذلك الذي يتعقب الألفاظ التي ~~يمكن أن تتولد من أصل لغوي واحد، فمن الأصل «كتب» تولد «كاتب»، «مكتوب»، و«كتاب» ~~و«كتيبة»، إلخ، أما الاشتقاق الكبير الذي يلفت ابن جني أنظارنا إليه فشأنه شأن آخر، ~~وخلاصته أن الأحرف الثلاثة التي يتركب منها الأصل الثلاثي، لتعطي معنى معينا، يمكن أن ~~نغير في ترتيبها، فنحصل بذلك على كلمات أخرى، لكل منها معناها، لكنها جميعا لا بد أن ~~تكون ذات صلات بعضها ببعض؛ لأنها تكون أشبه بأفراد الأسرة الواحدة، كل فرد منهم متميز ~~بفرديته، لكن يظل الشبه الأسري قائما بينهم جميعا، ثم ضرب ابن جني أمثلة يوضح بها ما ~~زعمه عما أسماه بالاشتقاق الكبير. # وعلى طريق ابن جني، وجدت نفسي مدفوعا إلى إمعان النظر في كلمة «اقرأ»، وذلك عندما ~~أحسست في لحظة من لحظات التأمل، ms016 بأنه لا بد أن تكون هناك أبعاد بعيدة الأعماق؛ لأن ~~يكون أول الوحي الإسلامي هو هذا الأمر الإلهي # اقرأ # وقد ~~يكون هنالك من العلماء السابقين أو المعاصرين، من تقصى تلك الأبعاد، لكن ذلك - حتى إن ~~وجد - لا يمنعني من متعة التفكير، بل من واجب التفكير؛ لأن عملية التفكير لمن يحسنها، ~~واجب ومتعة معا، فكانت أول خطوات التفكير عندي، محاولة الإفادة بمبدأ ابن جني في ~~الاشتقاق الكبير؛ لأن ذلك من شأنه أن يصوب الأضواء على ما يمكن أن يكون وراء الكلمة من ~~الأبعاد التي نبحث عنها. # فمن الأحرف التي تتكون منها كلمة «قرأ»، يمكن استخراج كلمة «أرق» وكلمة «أقر»، ~~فلننظر - إذن - إلى هذين اللفظين المستخرجين، ثم نعود بعد ذلك إلى الكلمة التي هي ~~موضوعنا، وهي الأمر القرآني # اقرأ # وكونه أول ما نزل به ~~الوحي. # وأبدأ بالأرق، وللأرق علاقة وثيقة وحميمة بالحياة، فالذي يتأرق هو الكائن الحي على ~~وجه العموم، والإنسان على وجه الخصوص، فالمادة الموات لا تتأرق لشيء، الحجر لا يؤرقه أن ~~تسفعه الريح العاتية سفعا، ولا أن ماء المطر يغرقه، ولا إذا شاءت له حرارة الشمس أن ~~يلتهب وتتفتت أجزاؤه، فليس له في طبيعته إلا أن يتلقى ما يتلقاه، إنه ينفعل ولا يفعل ... ~~ولا كذلك الكائن الحي على إطلاقه، فماذا تقول في الإنسان؟ ولقد كنت وقعت ذات يوم على ~~تعريف للحياة - أغلب ظني أنني صادفته مرتين، إحداهما عند هربرت سبنسر، والثانية عند ~~برتراند راسل - وخلاصة ذلك التعريف، هو أن الحياة إن هي إلا تعاقب مستمر بين حالتي ~~التوتر والارتخاء في الكائن الحي، وذلك أن الكيان الحي ذو حاجات عضوية، من غذاء وماء ~~وغيرهما، فإذا أحس ذلك الكيان الحي بالحاجة إلى غذاء توترت أجهزته العضوية، حتى إذا ما ~~سرى فيه الغذاء المطلوب، استراح واسترخى، وهكذا دواليك طالما كان الكائن حيا، فإذا ~~وجهنا أنظارنا إلى الإنسان، وجدنا تلك المراوحة لا تقتصر على الحاجات العضوية وحدها، بل ~~يضاف إليها في هذا السبيل حاجات عقلية وحاجات وجدانية، أشد إلحاحا عليه وأقسى، فانظر ~~كم تتأزم ms017 نفس الإنسان إذا افتقد «الحرية» فلم يجدها، وإذا طلب «العلم» فسدت أمامه ~~الطرق، وفي كل حالة من حالات تأزمه لنقص فينا يشبع حاجاته العقلية والوجدانية، يتوتر ~~كيانه كله، فلا يستريح إلا إذا أشبعت له حاجته الظامئة - وذلك هو الأرق الذي تتصف به ~~كل حياة، وتتصف به حياة الإنسان بصفة أخص، وأدق، وأسمى. # ولم يعد الآن موضع لغرابة، إذا تناولنا اللفظ الثاني الذي استخرجناه من مادة «قرأ»، ~~وهو كلمة «أقر»، فقد رأينا في الأرق أنه اضطراب يعقبه استقرار عندما تشبع الحاجة، ~~وهكذا تكون كلمة «أقر» في معناه جزءا من «أرق» ومعناها. # فإذا عدنا إلى «قرأ»، رأينا في معناها ذلك العمق الذي ظهر من النظر إلى شقيقتيها ~~السالفتين، ففي فطرة الإنسان التي خلق عليها، حاجة حيوية لأن «يعرف» ما استطاع معرفته ~~عما حوله، وعما في نفسه، فتلك المعرفة عند الإنسان، ليست للزينة، أو للمفاخرة، بل هي ~~لحياته ضرورة كضرورة الهواء يتنفسه، والماء يشربه والطعام يأكله، فما لم «يعرف» الإنسان ~~ما لا بد من معرفته عن المكان الذي يسكنه وعن الزمان الذي يحيا فيه، لما استطاع العيش ~~يوما واحدا، انظر إلى أهل الكهف حين استيقظوا، وسعوا في المدينة وهم لا يعلمون أن ~~الزمان قد تغير عما ألفوا، فتعذر عليهم التفاهم والتعامل، وإنه لمصير محتوم على كل ~~إنسان يبتر الروابط عن ظروف مكانه وظروف زمانه، سواء أجاء هذا البتر بإرادته أم جاء ~~مفروضا عليه، فشرط الحياة للإنسان، حتى وهي في أبسط درجاتها، هو أن «يعرف» ذلك الإنسان ~~في أي مكان هو، وبأي زمان يستظل، ثم تتدرج معرفة الإنسان لمكانه وزمانه، تدرجا ~~يتفاوت فيه الصعود بتفاوت الأفراد، على أن صلاحية المعرفة المكسوبة - وأعني صلاحيتها ~~كما وكيفا - مسألة لا تقاس بما يعرفه كل فرد على حدة، وإنما تقاس بما تعرفه مجموعة ~~الأفراد معا في شعب معين، إذ المطلوب ليس هو أن يعرف كل مواطن كل شيء، بل المطلوب هو ~~أن يكون حاصل جمع ما يعرفه أبناء الشعب المعين، فيه ما يكفي لحياته كما يريد لنفسه أن ms018 ~~يحيا ... # هي فطرة الإنسان، التي لا تكلف فيها ولا تصنع، هي فطرته أن يكون على «معرفة» ما ~~استطاع إلى ذلك سبيلا ... فإذا لم يشبع من فطرته تلك حاجتها من المعرفة «تأرقت» نفسه ~~لذلك النقص الذي يحد من إنسانيته، بل يحد من قدرته على الحياة، وأما إذا أشبع تلك ~~الحاجة «أقر» بذلك نوازع نفسه، ولكن ما وسيلته إلى تلك المعرفة التي هي من حياته بمثابة ~~القلب والصميم؟ وسيلته إليها هي أن «يقرأ»، ومن هنا كان أول الوحي هو: # اقرأ ~~. # القراءة أمر إلهي للإنسان، بل هي من الأوامر الإلهية أولها نزولا، فهل نخطئ إذا ~~قلنا عن القراءة إنها عبادة؟ ولكن ما كل قراءة هي من ذلك القبيل الأسمى، بل إن من ~~القراءة ما يضل ويفسد، إذن، فماذا تكون؟ وكيف تكون؟ إن الإجابة تتبدى في صيغة الأمر ~~الإلهي نفسه: # اقرأ وربك الأكرم * ~~الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم ~~يعلم # و # اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق ~~، في كلتا الحالتين يأتي الأمر بالقراءة متبوعا باسم الله، فليست ~~القراءة الواجبة - إذن - هي قراءة الآلي، وإنما هي القراءة التي تفك بها الرموز، فيكشف ~~عن الكنوز المكنونة من معرفة لما كتبه قلم يحمل علما كان مجهولا للإنسان قبل قراءته ~~«الحالة الأولى»، ومن معرفة لما خلقه الله، وذلك بدراسته ما وسع الإنسان أن يدرس ليعلم ~~«الحالة الثانية». # هي قراءة مزدوجة، فرع منها يقرأ الكلمات، وفرع آخر يقرأ مخلوقات الله، والفرعان ~~كلاهما يستهدفان هدفا واحدا، وهو، «المعرفة» بعد فك الرموز والكشف عما تعنيه، ولعل ~~الأمر يزداد أمامنا وضوحا إذا ذكرنا محاولة من أهم محاولات الفلاسفة المسلمين الأولين، ~~وهي محاولة قد وفقوا فيها إلى حد بعيد، وأعني محاولتهم أن يبينوا بأن الحقائق التي ~~نزل بها الوحي قرآنا، هي نفسها الحقائق التي يصل إليها العقل علما، وربما كان أمتع ~~وأنفع ما نقرؤه في هذا المجال، هو كتاب «حي بن يقظان» لابن طفيل، فهو «أمتع»؛ لأنه «أدب ~~من حيث الشكل الروائي»، وهو «أنفع» لأنه وضع أمام قارئه إنسانا نشأ وحده على جزيرة ms019 ليس ~~فيها إلا نبات وحيوان وكائنات مادية كالأرض والماء والشمس، فلما نما جسما، ونضج عقلا، ~~استطاع من تأمل المخلوقات التي حوله، أن يستدل بعقله المحض على وجود الله، وطبائع ~~الأشباه، وأريد للقارئ أن يتأمل الاسم الذي اختاره ابن طفيل لبطل روايته الفلسفية، إذا ~~استخدمنا مصطلحات الأدب في عصرنا، وأحب هنا أن أضيف حقيقة إملائية، وهي أن القارئ إذا ~~ما رآني قد كتبت «ابن طفيل» بحرف الألف في «ابن»، فذلك هو الصواب؛ لأن الألف في «ابن» ~~لا تحذف إلا إذا جاءت بين اسمين كقولنا: «عمر بن الخطاب» - أعود إلى سياق حديثي، فأقول ~~إنني أريد للقارئ أن يتأمل اسم «حي بن يقظان»، ليرى كيف أحسن ابن طفيل اختيار الاسم؛ ~~لأنه إذا كان الإنسان المعزول وحده في جزيرة منذ ولد، قد استطاع بعقله أن «يقرأ» ~~الكائنات من حوله، قراءة كشفت له عن الحق سبحانه، وعن حقائق الأشياء وطبائعها؛ فذلك ~~لأنه لم يكن غافلا ولا لاهيا بما يسمع ويرى، أعني لم يكن غافلا ولا لاهيا عندما ~~«قرأ» الذي قرأه فيما حوله، فذلك لأنه «حي» بكل معنى الحياة، ولأنه «يقظان» بكل وعيه ~~وإدراكه ... فهذا الذي صنعه الفلاسفة المسلمون الأولون، حينما بينوا التقاء ما نزل به ~~الوحي، وما يدركه العقل باستدلالاته وبراهينه، يوضح لنا ما قلناه عن القراءة بشعبتيها، ~~وتلك هي القراءة العابدة؛ لأنها قراءة باحثة كاشفة عارفة. # ومن هذا الذي قدمناه، تتولد نتيجة أراها ذات أهمية كبرى في رؤيتنا الإسلامية من ~~جهة، وفي تربية أبنائنا على تلك الرؤية من جهة أخرى، وأعني بها النظرة التي ننظر بها ~~إلى الحلال والحرام، اللذين هما جوهر الشريعة، فالحلال حلال لأن شريعة الله قد أحلته، ~~والحرام حرام لأن شريعة الله قد حرمته، وهما بغير شك مطاعان عند المسلم لمجرد أنهما ~~شريعة الله، وهناك علماء من أفضل العلماء، يرون أن طاعة المسلم فيما حلل له وما حرم، ~~يجب أن تؤخذ بغير أن يسأل: لماذا كان الحلال حلالا وكان الحرام حراما؟ والرأي عند ~~كاتب هذه السطور هو - بكل التواضع الذي يقبل ms020 التصحيح بلا تردد إذا ظهر له أن في الرأي ~~خطأ هو لا يراه، أقول: إن الرأي عند كاتب هذه السطور هو أن الخير كل الخير أن نسأله: ~~لماذا؟ وأن نحاول الجواب والبيان. # وهذا الرأي أبنيه على ازدواجية القراءة التي أسلفت ذكرها، فإذا كان الأمر هو كما ~~بينه الفلاسفة المسلمون الأولون، أن العقل يمكنه بالاستدلالات الصحيحة من وقائع ~~العالم كما تقع لنا، أن يستنتج الأحكام التي نزلت وحيا، كان معنى ذلك هو أن الحلال ~~والحرام هما النافع والضار فيما يدركه العقل، لو أنه تعقب حقائق الأشياء وطبائعها ~~ونتائجها القريبة والبعيدة، فكل حلال إنما هو في حقيقته الواقعية، شيء يفيد فائدة ~~مطلقة، لا يحتمل أن يشوبها ضرر مهما امتد حبل النتائج التي تترتب عليه، وكل حرام هو ~~شيء ضار، قد يظهر ضرره فور وقوعه، وقد يكون ضررا كامنا تظهر نتائجه بعد حين قصير أو ~~طويل، وأعتقد أن بيان ما هو حلال وما هو حرام، لمن نربيه على الإسلام، يزداد عمقا في ~~نفس المتعلم - وفي نفس المسلم عامة - إذا «عرف» بعقله لماذا حلل والحلال وحرم الحرام، ~~إن الأوامر والنواهي لا يتبدل فيهما شيء، عندما ينتقلان من مرحلة القبول الذي لا يسأل ~~عن الأسباب، إلى القبول ومعرفة أسبابه، ففي تربية الوالد الرشيد لولده، يأمره بأفعال ~~وينهاه عن أفعال، لكنه يمسك عن ذكر الأسباب إذا رأى طفله أقل قدرة على إدراك تلك ~~الأسباب، لكن كلما نما ولده وازداد قدرة، اتسع المجال أمام ذلك الوالد، ليشرح لولده ~~لماذا كان الأمر ولماذا كان النهي. # لكنه في الوقت الذي لا يتغير فيه شيء من الحلال والحرام، بين أن يكون الإنسان على علم ~~عقلي بالأسباب، أو لا يكون على شيء من ذلك العلم، فإن الفرق كبير في الإنسان نفسه، بين ~~أن يعلم تلك الأسباب وألا يكون على علم بها، فاستعداد الإنسان لقبول أحكام بغير علم ~~بمبرراتها، قد يتسع مداه في حياته الإدراكية - دون أن يشعر بذلك - من دائرة الطاعة ~~الصامتة في مجال الدين، إلى الطاعة الصامتة كذلك في مجال ms021 العلاقات الاجتماعية، بما في ~~ذلك علاقة الحكومة بالشعب، وعندئذ قد يطغى من يطغى، دون أن يكون من حق المحكوم أن يسأل ~~لماذا؟ ... ثم قد يتسع المدى كذلك لينتقل الإنسان السلبي في طاعته، من دائرة الأحكام ~~الدينية، إلى دائرة الاعتقادات التي لا هي من أحكام الدين فتطاع بغير سؤال من العقل، ~~ولا هي من المعرفة العلمية التي محصها العقل وأثبت صحتها قبل قبولها؛ وأعني بتلك ~~المجموعة الضخمة من الاعتقادات، التي لا هي من دين، ولا هي من علم، تلك «الخرافات» التي ~~إذا شاعت ودامت مع الناس، رسخت في نفوسهم كأنها حقائق لا موضع فيها لجدل أو سؤال، لا ~~سيما إذا كانت الأغلبية الغالبة من الشعب قد حرمت من الحد الأدنى من التعليم والتثقيف، ~~ذلك الحد الأدنى الذي لا يسمح لصاحبه أن يقبل رأيا، أو فكرة، أو حكما أو صورة من صور ~~السلوك، إلا إذا كان لها مبرر معروف. # وأرتفع بالمسألة المطروحة درجة، لأقول إن عقيدة المسلم هي أن الإسلام دين لكل زمان ~~ولكل مكان، ومن الحكمة أن نبين للناس ذلك الأساس الذي يؤيد صدق عقيدة المسلم في ~~دينه، والأساس هو استناد الإسلام إلى «العقل» ليكون هو أداة الإدراك كلما أريد للفكرة ~~المدركة أن يكون لها ثبوت وثبات، وليس الإسلام هو المسئول، إذا نشأت جماعة من المسلمين ~~على تربية تبيح لهم أن يبيعوا عقولهم من أجل خرافة ووهم، فالحقيقة العقلية وحدها هي ~~التي تستطيع بحكم طبيعة تكوينها - أن يدوم لها صدقها مهما تغير بها المكان أو الزمان، ~~وإذا قلنا الحقيقة العقلية فقد قلنا الحقيقة العلمية، إذ لا فرق - في الأساس - بين ~~العبارتين، وهل يتأثر الصدق في قولنا «إن الاثنين نصف الأربعة.» مهما تغير المكان أو ~~الزمان الذي تقال فيه؟ # من هنا يكون الفرق بين أن تذكر لي أسلوبا معينا من أساليب العيش، قائلا لي إنه ~~أسلوب جيد أو أسلوب رديء، وبين أن تذكر لي في الوقت نفسه «المبدأ» العقلي (أي التعليل) ~~الكامن وراء ذلك الأسلوب من أساليب العيش ، فيجعله حسنا أو رديئا؛ ms022 لأن المبادئ ~~العقلية، أو قل: الحقائق العلمية هي وحدها التي لا يتغير من صدقها شيء برغم تحولات ~~المكان والزمان، وفي هذه المناسبة أروي عن سقراط، وقد كان في موقفه من تاريخ الفكر ~~الإنساني، ينقل المفاهيم العامة والهامة في حياة الناس، ينقلها من حالات الغموض ~~والإبهام إلى حالة التحديد العلمي؛ ليتبين صدقها أو بطلانها، فلقد صادف سقراط شابا في ~~ساحة المحكمة، وسأله عما جاء به إلى هناك، فقال له الشاب (وهو أوطيفرون): جئت لأشكو ~~أبي؛ لأنه قتل عبدا في المزرعة بغير حق، مما قد جاوز بالوالد حدود التقوى، فسأله ~~سقراط، وما هي حدود التقوى؟ فأجابه الشاب بما معناه أنها هي الحدود التي جعلت أباه في ~~قتله للعبد على باطل وضلال، وجعلته هو في رفع الأمر إلى القضاء، مع أن القاتل هو أبوه، ~~على حق وهدى، فاعترض سقراط على تلك الإجابة، مبينا للشاب أنه إنما يحدد معنى التقوى ~~بسلوك معين في موقف معين، مع أن التحديد لا تتوافر فيه الشروط العقلية - إلا إذا جاوزنا ~~الموقف المعين، لنستخرج ما يكمن وراءه من «مبادئ»؛ لأن المبدأ هو الحقيقة العامة التي ~~تتخطى جزئية السلوك الفردي في مكانه المعين وزمانه المعين، ليشمل كل سلوك لأي فرد، في ~~أي مكان، وفي أي زمان ... # وهذه النقطة هي عندي بيت القصيد، فلقد كان الإسلام آخر الرسالات الدينية لهذا السبب ~~نفسه، وهو أن الإسلام قد أوكل المشكلات التي قد تنشأ في حياة الناس، مما لا يكون قد ورد ~~فيه حل قاطع، أو كلها إلى «العقل» الإنساني؛ أي أنه أوكلها إلى «العلم»، فكل مشكلة هامة ~~تعترض حياتنا، هي بمثابة موضع يختص به علم معين، أو مجموعة علوم، إذ قد تكون من اختصاص ~~علماء الطب أو علماء الاقتصاد أو علماء النفس والاجتماع، أو غير ذلك من سائر العلوم، ~~بحسب طبيعة المشكلة المطروحة، وما دام الأمر في تدبير الحياة إذا ما أشكلت على الناس، ~~قد أحيل (في الإسلام) إلى عقل الإنسان وعلمه، ففيم تكون الرسالات الدينية بعد ~~ذلك؟ # إنها رؤية إسلامية، تنظر إلى ms023 الإسلام من ناحية إقراره لعقل الإنسان وأحكام ذلك العقل ~~في استدلالاته إذا ما التزم فيها منهج العلم، وهي رؤية أذكرها، لا لأضيف بها جديدا من ~~حيث الأساس، بل لأذكر بها من نسيها أو تناساها والذكرى تنفع المؤمنين. # | العقل يهدي ويهتدي # لم يكن الفتى الصغير قد تنبه، ولا تنبه أحد من ذويه بأن عينيه العليلتين تحتاجان ~~إلى منظار، فما أكثر ما يغفل الإنسان عن حقيقة أمره، ويظل زمنا - قد يطول مع أفراد، ~~وقد يقصر مع آخرين - يظل زمنا تتراكم له الخبرات فيه، قبل أن يدرك بأنه مختلف عن سواه ~~في جانب هام من جوانب حياته، ولقد لبث فتانا أعواما لا أظنها تقل عن خمسة عشر عاما، ~~لكي يدرك بعدها، ويدرك معه ذووه، أن بصره ليس كأبصار الناس وأنه لا بد له من منظار، ~~فلما فحصت عيناه - وربما فحصتا لأول مرة في حياته - وجد أن إحدى العينين سليمة، أو هي ~~تقرب من السلامة، وأما الأخرى فعمياء أو هي تقرب من العمى، وأعد له منظاره الأول، فكانت ~~العدستان متفاوتتين في السمك تفاوتا بعيدا، فإحداهما رقيقة والأخرى ذات حجم ملحوظ، ~~فكان أن قويت رؤيته لما يراه، حتى لقد أخذته للوهلة الأولى دهشة ممزوجة بالهلع، إذ ~~أصبحت دنياه التي تحيط به، وفي انتقالة خاطفة، ليست هي الدنيا التي كان قد ألفها قبل أن ~~يضع منظاره على عينيه لأول مرة، إلا أنه إلى جانب ذلك الكسب العظيم في اقتراب الصلة ~~ووضوحها بينه وبين الناس والأشياء من حوله، خسر خسارة عظيمة كذلك، وكان الفرق بين ~~الحالتين أن الكسب كان في جانب العالم الخارجي وكائناته، وأما الخسارة فكانت في جانب ~~العالم الباطني ومشاعره، فلقد كان التباين الشديد بين العدستين، لافتا للأنظار، ~~ومثيرا لسخرية الأنداد الصغار وعبثهم، والصغار لا يرحمون صغارا مثلهم ولا ~~كبارا. # ودارت الأيام بالفتى دورانا يستحق التسجيل، فما قد حدث له بالنسبة لمنظاره من كسب في ~~الرؤية الخارجية وخسارة في الرؤية الداخلية، أخذ يحدث له في تكرار عجيب، لا في مجال ~~البصر ومنظاره، ولكن في مجال ms024 العقل وإدراكه، إلا أن الكسب والخسارة لم يكونا على اطراد ~~واحد، بل كان الكسب مرة في جانب الرؤية الخارجية، ومرة ثانية في جانب الرؤية الداخلية، ~~وعكس ذلك صحيح أيضا بالنسبة إلى ما خسره الفتى في كل مرحلة. # لم يصطدم الفتى بقضية عقلية تتحداه وتلح عليه، بل إنه لم يكن ليدرك كيف يمكن أن يصطدم ~~أي إنسان بقضية فكرية تتحداه وتلح عليه، أليست هي دروسا يذاكرها ويحفظها طالب العلم، ~~ثم يمتحن فيما ذاكره وحفظه، فيصيب من النجاح أو الفشل ما يصيب؟ فمن أين إذن تأتي تلك ~~القضايا التي تتحدى وتلح؟ وكان إلى جانب دروسه وحفظها والنجاح فيها متدينا عميق ~~التدين، إذا كان التدين معناه أن تؤدى شعائر الدين كما ينبغي لها أن تؤدى، وكما ~~خلت دروسه من القضايا التي تؤرق الجنوب عند من يتعرض لإلحاحها، كان تدينه كذلك لا ~~تعترضه مشكلة مما قد يشغل الفكر، وهكذا سارت سفينة الحياة بالفتى في بحر ساكن لا موج ~~فيه، علما ودينا، عقلا وقلبا، حتى انتصف به الشباب، وأخذ يصعد نحو الرجولة ~~ونضجها. # هنا فاجأ نفسه بسؤال وجده مطروحا في رأسه دون أن يدبر له أمرا، وكان السؤال ~~يسأل: ما الفرق عند الإنسان بين حالتين، هو في الحالة الأولى يعالج تمرينا من تمرينات ~~الهندسة، وفي الحالة الثانية يطالع قصيدة من الشعر؟ ألم تكن الحالتان كلتاهما - ذات يوم ~~- درسين من الدروس التي تحفظ ويقضى فيها امتحان؟ لم يكن في أيام دراسته قد أحس ~~فرقا بين الحالتين، وهل تحس الدابة طبيعة ما تحمله على ظهرها، أقمح هو أم حجر؟ وكذلك ~~كان الفتى في دراسته لا يفرق بين نكبة ونكبة، فكلها نكبات، وعليه أن يكابدها حتى تبلغ ~~به السفينة بر الأمان، لكنه الآن في نضج رجولته، يفاجئ نفسه بذلك السؤال العجيب: ما ~~الفرق بين حالة يقول فيها الإنسان، افرض أن أ ب ج مثلث، فكيف تقيم البرهان على أن ~~زواياه تساوي زاويتين قائمتين، وحالة أخرى يقول فيها: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل؟ ولم ~~يجد الرجل لنفسه مفرا ms025 من أن يفكر في الجواب، فما الذي يلزمه إلزاما لا مفر منه بأن ~~يسأل وبأن يحاول الجواب؟ لا أدري، إلا أن شيئا في منظاره العقلي قد تغير، فما قد كان ~~واضحا له وهو طالب علم، ولا يحتاج منه إلى سؤال، بات اليوم مشكلة تعترضه وتتحداه، فأخذ ~~يفكر ويفكر، إلى أن جاءته لحظة، قال فيها ما قاله أرشميدس وهو في حوض استحمامه يلحظ ~~ماء الحوض كيف ارتفع سطحه بحلول جسمه فيه، فأوحى له ذلك بجواب كان يشغله البحث عنه، ~~فصاح: وجدتها ... وأصبحت بعد ذلك صيحة يصرخ بها كل من وجد جوابا لسؤال كان يبحث عنه، ~~وهكذا قالها صاحبنا عندما أدرك الفارق الذي كان يبحث عنه بين الحالتين: إيجاد البرهان ~~في نظرية ما، والتأثر النفسي لقراءة شعر ما، ففي الحالة الأولى نبدأ بفرض هو أن أ ب ج ~~مثلث، وبفروض أخرى وضعناها أمامنا، بعضها «تعريفات» وبعضها «بديهيات» وبعضها الثالث هو ~~ما يسمونه «مصادرات» - وكان الأصوب أن يقال «مصدرات»؛ أي أنها حقائق نختارها لنضعها في ~~الصدر مع غيرها من الفروض، ثم نستدل النتيجة أو النتائج التي تتولد من تلك الفروض، ~~فالمسألة كلها عقلية صرف، لا أثر فيها لحب أو كراهية أو فرح أو حزن، وأما في الحالة ~~الثانية - حالة الشعر - فلسنا أمام فروض وما ينتج عنها استدلالا، بل نحن أمام رجل مر ~~وهو في طريقه، على بقايا منزل كان مسكنا لحبيبته، والآن قد ذهب الحبيب وذهب المنزل إلا ~~أطلالا متداعية، ولا يملك الرجل من ذلك الماضي الجميل إلا «ذكراه» التي كلما وجدت ما ~~يثيرها دمعت عيناه بالبكاء: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» فكما كان الموقف في نظرية ~~الهندسة عقلا صرفا، نرى الموقف هنا شعورا صرفا، ففي حالة العقل كل الناس يشتركون في ~~البرهان، وفي حالة الشعور الذي أثارته بقايا المنزل ومن كان يسكنه، فالأمر ينفرد به ~~صاحب الذكرى، وليس هناك ما يحتم على أحد آخر أن تدمع عيناه إذا مر بتلك الأطلال، ~~فلماذا إذن نقرأ عن مشاعر الآخرين التي لا نشارك فيها؟ ms026 إننا نقرؤها لعلنا نتعاطف مع ~~الشاعر في شعوره، فإذا حدث ذلك التعاطف، حدثت معه تربية وجدانية لأنفسنا. # وتدور عجلة الزمان مع صاحبنا، وإذا هو أمام قضية عقلية أعم من القضية الأولى وأشمل، ~~وهي قضية خاصة بالرؤية العامة التي ينظر بها الإنسان إلى هذا العالم وطبيعته، وعلى ~~الرؤية التي يختارها الإنسان لينظر إلى العالم على أساسها، تتوقف نتائج فرعية لا حصر ~~لعددها، فماذا تكون تلك الرؤية التي يختارها؟ هنالك بدائل يمكن حصرها وعرضها ليجيء ~~الاختيار مؤسسا على مقارنة بين تلك البدائل: فهذا العالم إما أن يكون كله تشكيلات من ~~مادة ما، وفي هذه الحالة يكون علينا أن نفسر الظواهر الروحية والعقلية تفسيرا يوضح لنا ~~كيف أنها تفريعات تفرعت عن أصل مادي، وإما أن نقول إن هذا العالم كله من روح وعقل، ~~وفي هذه الحالة أيضا، يكون علينا أن نفسر الظواهر المادية تفسيرا يبين لنا أن تلك ~~الظواهر إن هي في حقيقتها إلا تفريعات تفرعت من أصل روحي أو عقلي، وإما أن نجده ~~عسيرا علينا أن نفسر الروح والعقل بما يبين أنهما من أساس مادي، كما هو عسير علينا ~~كذلك أن نفسر الظواهر المادية تفسيرا يبين أن تلك التي ظاهرها مادة، إن هي في حقيقة ~~الأمر إلا روح وعقل من حيث المصدر والأساس، فخروجا من هذا العسر يجيء افتراض ثالث، هو ~~أن يكون هذا العالم كله ثنائي الجوهر، فهو مادة في جانب منه، روح وعقل في جانب ثان، ~~وهو جمع بين روح ومادة في الكائن الواحد، في جانب ثالث. # عرض صاحبنا أمامه تلك البدائل الثلاثة، ولكل بديل منها أنصار ليرى أيها أصلح له ~~ليكون أساسا لوجهة نظره، وماذا يحدد الصلاحية هنا؟ تحددها القدرة على فهم كبريات ~~المسائل التي لا بد من قبولها في أي ثقافة، ففي ثقافتنا الإسلامية العربية جوانب ~~أساسية، لا نستغني عنها، ولكن نريد تفسيرا لها، والتفسير لا يكون إلا برد ما نريد ~~تفسيره إلى مبدأ عام، وباندراجه تحت ذلك المبدأ العام يتم التفسير، وقد رأى صاحبنا أن ~~أقرب ما ms027 يمدنا بالرؤية الملائمة لنا، هو الافتراض الثالث الذي يرى - أن الروح والعقل ~~ليسا أمورا من مادة، وأن المادة الخالصة لا هي من روح ولا من عقل، وأن الإنسان قد ~~اجتمع فيه الجانبان، الروح والعقل من جهة، والجسم من جهة أخرى. # لكن صاحبنا لم يلبث أن رأى ضرورة شيء من التعديل، لكي تتم له صلاحية الرؤية التي ~~اختارها، إذ يلاحظ أن الذين قالوا إن العالم كله مادة في مادة، قد وحدوا الكون تحت ~~طبيعة واحدة، وكذلك الذين قالوا إن العالم كله روح وعقل، قد وحدوا الكون تحت طبيعة ~~واحدة، وأن الذين قالوا إن العالم قوامه العنصران معا، فإما روح صرف، وإما مادة صرف، ~~وإما كائنات تجمع بين الجانبين، لا بد أن يضاف إلى ما قالوه إيمان بوجود إله واحد ~~هو خالق الكون بعنصريه، وبهذا وجد صاحبنا نفسه أمام إطار فكري يستريح له. # ثم تدور به الأيام دورتها، فتعترضه مسألة جديدة تلح عليه ليجد حلا لها، فقد كان منذ ~~أول نضجه العقلي يرى أنه بينما الإنسان في وجوده الحضاري، لا غناء له عن جوانب كثيرة، ~~كلها أساسي وجوهري لذلك الوجود، إلا أن جانبا واحدا منها هو الذي يتغير مع الزمن ~~تغيرا يصحح به أخطاء نفسه، وذلك هو جانب العلم، وأما سائر الجوانب، ففكرة الخطأ ووجوب ~~تصحيحه غير واردة فيها، فالعقيدة الدينية لها عند المؤمن بها كمال منذ لحظتها الأولى؛ ~~لأنها جاءت وحيا، وبهذا يكون معيار القياس بعد ذلك، هو الأصل كما أوحى به، وعلى ذلك ~~فلا يكون للزمن وامتداده قدرة على تكملة ما هو منذ أوله كاملا، وأما مجالات الإبداع في ~~الفن والأدب، فهي كذلك لا يسهل علينا أن نفاضل فيها بين قديم وجديد، مفاضلة نفترض فيها ~~أن ما هو جديد يكون بحكم الضرورة أصح وأكمل مما هو قديم؛ وذلك لأن الأمر فيها مرهون ~~بموهبة الفنان أو الأديب، وليس ثمة ما يمنع أن تكون أقدم موهبة أعظم من أحدثها، فماذا ~~يمنع ألا يكون في شعراء العرب المعاصرين، من يرتفع إلى مستوى شعراء ms028 الجاهلية؟ وماذا ~~يمنع ألا يكون بين أدباء المسرح اليوم من لا ينافس سوفوكليز أو شيكسبير، وكذلك قل في فن ~~الموسيقى وفن النحت وفن التصوير وفن العمارة ... واضح - إذن - أن هذه الجوانب كلها، التي ~~هي من أي حضارة بمثابة الروح في الجسد، لا تخضع «للتقدم» مع ما يتقدم من جوانب ~~الحضارة، أما الذي يتقدم بحكم طبيعته، بحيث يكون اليوم أصح منه بالأمس، فهو ~~العلم. # رأى صاحبنا هذه الحقيقة منذ أول نضجه، لكنها حقيقة تترتب عليها نتيجة تدعو إلى بعض ~~الحيرة، وهي أن العلم، الذي عليه وحده يتوقف الحكم على شعب بالتقدم أو بالجمود (لأن ~~بقية الجوانب الحضارية لا يتوقف كمالها على مستحدثات التاريخ) أقول: إن العلم الذي تنصب ~~فاعليته على «الظواهر» ليستخرج لكل ظاهرة منها قوانينها، تتعدد عنده مادة تلك الظواهر ~~بتعدد العناصر، وليس لعنصر منها أفضلية على عنصر آخر، وإذن فلا بد من افتراض رؤية ~~رابعة، تضاف إلى الواحدية المادية، والواحدية الروحية، وثنائية التكوين بين روح ومادة ~~(يهيمن عليها إله واحد)، والرؤية الرابعة هي تعددية العناصر الكونية مع وحدانية الله - ~~سبحانه وتعالى، وأصحاب التعددية في مكونات الطبيعة لا يقفون بها عند كثرة العناصر فحسب، ~~بل إنهم ليستطردون في طريقهم، حتى يصلوا إلى الوحدات الذرية التي منها يتكون كل شيء، ~~والتي كل ذرة منها مستقلة بكيانها عن سائر أخواتها، ولنا أن نضيف إلى تلك الكثرة في ~~مفردات الكون، أفراد الإنسان، لاستقلال كل واحد منهم بفرديته المستقلة المسئولة. # أحس صاحبنا بشيء من الحيرة: كيف يحتفظ بهذه الكثرة من الأفراد والمفردات، لنحتفظ ~~للعلم بقاعدته الراسخة، التي هي أن يذهب في التحليل إلى أقصى مداه، ثم يبني من الجزئيات ~~ما يبنيه من جسيمات وأجسام وأنواع وأجناس، وأن يحتفظ في الوقت نفسه بوحدانية الكون، إذ ~~أحس إحساسا بأن إيمانه بوحدانية الله تقتضي أن يكون العالم الذي خلقه موحدا كذلك على ~~وجه من الوجوه، إن مثل هذا الإحساس بضرورة أن يتجلى الخالق في خلقه، موجود معنا حتى ~~بالنسبة إلى أعمال البشر الإبداعية ، كما هي الحال في ms029 الأدب والفن، فللشاعر أبي الطيب ~~المتنبي - مثلا - عدد من القصائد في ديوانه، لكننا بالرغم من اختلافها موضوعا ووزنا ~~وقافية، إلا أننا نتوقع أن يكون بينهما روح واحدة تسري فيها جميعا، ويستطيع نقاد ~~الفن أن يحكموا إذا كان عمل فني معين هو من أعمال الفنان الفلاني أو لم يكن حكما بما ~~عرفوه عن أسلوبه الفني، فكيف بنا مع الخالق - جل وعلا - وما خلق؟ # فأصبح السؤال الذي طرحه صاحبنا على نفسه، محاولا أن يجد لنفسه جوابا يقنعه، هو ~~هذا: كيف نسلك العالم المتعدد في عناصره ومفرداته وأفراده، في وحدة توحده ليصبح وكأنه - ~~رغم ذلك التعدد في مقوماته - كائن واحد؟ وبعد تفكير طال أمده، لجأ إلى فكرة «النظام»، ~~لكن هذه الكلمة مضللة ببساطتها وكثرة دورانها على ألسن الناس، إذ هي في حقيقة أمرها ~~بحاجة إلى تدبر طويل قبل تعريفها تعريفا دقيقا ومقنعا، فمتى نقول عن مجموعة من ~~الأشياء إنها في «نظام»؟ افرض أنك نثرت على منضدة عددا من الحصى، فجاءت كما اتفق، فما ~~الذي ينقصها لتصبح في نظام؟ أليس كل وضع لها هو أحد أوضاعها الممكنة؟ فماذا يكون الفرق ~~بين وضع ووضع؟ الإجابة التي نقدمها هي أبسط من البساطة، وهي: كلما قلت الكلمات المطلوبة ~~لوصف الوضع الذي أخذته أفراد المجموعة، كان فيها من النظام بقدر ما فيها من سهولة ~~الوصف، فلو أنك أردت أن تصف بالكلمات، تلك الحصويات التي نثرتها فوق المنضدة كما اتفق، ~~لاحتجت إلى جهد كبير، وإلى عبارة بالغة في طولها حدا بعيدا؛ لأنك مضطر أن تقيس ~~المسافة بين حصاة وحصاة على نحو يبين حقيقة أوضاعها، لكن ضع هذه الحصويات نفسها في ~~شكل دائرة أو مربع أو مثلث، فعندئذ يمكنك وصفها بكلمة واحدة، هي أنها دائرية، أو ~~مربعة، أو مثلثة، وتستطيع أن تضرب لنفسك أي عدد شئت من الأمثلة، وستجد أن «النظام» في ~~كل حالاته، هو أن الأفراد اتخذت وضعا يمكن وصفه في عبارة قصيرة، أو ربما في كلمة ~~واحدة، فمثلا مجموعة الطلاب وهم مفرقون في فناء المدرسة، ثم حين يصطفون ms030 في صفوف، فهذه ~~الحالة الثانية هي النظام؛ لأن وصفها يسهل ويقل عدد كلماته، فما عليك إلا أن تذكر عدد ~~الصفوف، وعدد الطلبة في كل صف. # ونعود إلى الكثرة الهائلة التي هي قوام الكون، ما الذي جعلها توصف بالنظام، وهو وصف ~~كفيل وحده بأن يقيم من تلك الكثرة وحدة موحدة؟ نقول: إن دليل النظام فيه، هو اندراج ~~مجموعاته تحت قوانين العلم، فالقانون العلمي الذي يطوي تحت جناحيه أية مجموعة من ~~الكائنات، إنما هو بمثابة وصف لسلوكها في صيغة قصيرة مركزة في عدد قليل من رموز ~~الرياضة، أو عدد قليل من الكلمات، إذا كان ذلك القانون العلمي مسوقا في كلمات اللغة ~~المألوفة، كما هي الحال في العلوم الإنسانية، فهذا النظام الشامل لأجزاء الكون على ~~تعددها، والذي تدل عليه القوانين العلمية التي تضم ذلك التعدد مجموعات مجموعات، وكأنها ~~حشود الجند قد اصطفت في صفوف، هو الذي أشبع في صاحبنا رغبته في أن يرى توحدا في خلق ~~الله، تنعكس فيه واحدية الله وأحديته، جلت قدرته. # كان الفتى حين وضع منظاره أمام عينيه الضعيفتين لأول مرة، قد رأى الدنيا من حوله ~~وكأنها ليست دنيا الناس والأشياء كما ألفها، إذ رأى من دقائق المرئي وتفصيلاته ما لم ~~يكن قد رآه، فلو أنه عاش ومات وليس في صحبته إلا ذلك البصر المحدود، لذهب عن الدنيا ~~واهما أنها كما رأتها عيناه، فإذا كان منظاره غير المتوازن في عدستيه، قد أثار سخرية ~~الصغار، فذلك ثم قليل بالقياس إلى كسبه الضخم فيما عرفه عن دنياه، ولما دارت بالفتى ~~أيامه وأعوامه، وخرج منه الرجل الناضج بعد أن اجتاز مرحلة الشباب، جاء ذلك الرجل بمنظار ~~آخر أضيف إلى منظار البصر، هو منظار العقل، فهو لم يترك عقله لفطرته، بل اقتضاه أن يتكئ ~~في كل خطوة يخطوها، على منطق الفكر الذي يؤدي به إلى نتائج صحيحة فيما يستدله من ~~المعطيات التي بين يديه، إن العقل البشري هو الذي استخلص من عمليات التفكير مبادئ ~~الاستدلال الصحيح وقواعده، استخلصها ليهدي بها من لا تسعفه فطرته، ms031 لكن ذلك العقل إذ ~~يهدي إلى سواء السبيل، فهو في الوقت نفسه يهتدي بما هدى. # وما المنطق الذي نشير إليه في سياق حديثنا هذا عن الهداية والاهتداء؟ إنه في اختصار ~~شديد تفريغ ما فكر فيه أولو السداد، تفريغه من مضموناته، لتبقى منه هياكله العظمية ~~التي ليس فيها إلا الصور الخالية وركائزها وقوائمها، كأنها سقالات البناء بغير بناء، ~~وعندئذ نرى في وضوح ماذا يجوز استدلاله وماذا لا يجوز؛ لأن مضمونات المعاني إذا وجدت، ~~فهي قد تضلل الناس بسبب مشاعرهم الخاصة إزاء تلك المعاني، فمنهم من يحب هذا ومنهم من ~~يكره ذاك، فضلا عما قد يكتنف تلك المعاني من سحاب الغموض وضبابه، ولقد شاءت المقادير ~~لصاحبنا الذي بدأ بالمنطق التزاما منه بسلامة التفكير، ثم انتهى به أن يكون موضوع ~~دراسته وتدريسه، يحاضر فيه ويؤلف الكتب. # ولقد رأيناه عندما اصطدم بأول قضية فكرية، وهي الفرق بين حالتين: موقف دارس الرياضة ~~من موضوعه، وموقف قارئ الشعر وناقده، فكأنما جاءت تلك القضية في مجرى حياته بمثابة ~~العتبة التي خطا فوقها ليصل إلى ما قد أصبح رؤية عامة لحياته الفكرية كلها؛ وذلك لأنه ~~بعد دراسات ومقارنات بين وجهات النظر المختلفة، انتهى آخر الأمر إلى اتجاه اختاره ~~مطمئنا بأنه اتجاه يخدم ثقافة قومه الموروثة والمجلوبة معا، فهي تصون واحدية الله - ~~سبحانه وتعالى - وأحديته، وتقر وجود الروح ووجود المادة جوهرين مختلفين، وهي تضمن ~~استقلالية أفراد البشر، ليكون كل فرد قائما برأسه، مسئولا عما يفعل، وأخيرا ليترك ~~عناصر الطبيعة وظواهرها ومفرداتها وجزئياتها لتترك كل هذا في تعدده الذي هو عليه حتى ~~يتناوله البحث العلمي بمناهجه التحليلية منتهيا إلى مجموعات القوانين التي ~~تحكمها. # ولماذا قلنا إن التفرقة بين موقف الرياضي وهو يقيم البرهان على نظرية هندسية، تختلف ~~عن قارئ: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل»، أقول: لماذا قلنا إن تلك التفرقة كانت لصاحبنا ~~بمثابة العتبة التي أدخلته إلى حيث أصبحت له رؤية خاصة يطمئن لها؟ كان ذلك لأنها فرقت ~~له تفرقة واضحة بين نظرتين: نظرة العالم ، ونظرة الواجد قلبه، في ms032 الحالة الأولى منطق ~~يطرح كل عاطفة من حسابه، وفي الحالة الثانية عطف وتعاطف يطرحان منطق العقل من قائمة ~~الحساب، في الحالة الأولى تلتقي البشرية العاقلة جميعا، الحاضرون منها والسابقون ~~واللاحقون، على التفرقة بين ما هو صواب وما هو خطأ، وفي الحالة الثانية قد ينفرد فرد ~~واحد دون سائر الناس بعاطفة معينة نحو شيء معين، لا يشاركه في ذلك أحد سواه، ومع ذلك ~~فلا يحق لأحد أن يقول له: لقد أخطأت، في أحكام العقل يكون الصواب والخطأ أمرين واردين، ~~بل إن قابلية الجملة لأن تكون صحيحة أو خاطئة هو العلامة الأولى على أنها جملة تملك ~~جواز المرور إلى رحاب العلم، وأما في حالة الوجد، والعطف، والشعور، والانفعال، وسائر ~~صنوف البضاعة التي يحيا بها الإنسان من داخل، فهذه كلها لا خطأ فيها، ما دام صاحبها قد ~~كان صادقا مع نفسه، فإذا قال - صادقا - إنه مؤمن، إنه خائف، إنه عاشق، إنه كاره ... لم ~~يعد في وسع أحد أن يكذبه. # ومنذ عرف صاحبنا كيف يفرق بين عقله، مستندا إلى منطق الفكر في استدلاله الأحكام من ~~الشواهد والمقدمات، من جهة، ونبض القلب بالإيمان وبالحب وبنشوة الفن، من جهة أخرى، ~~أقول: إن صاحبنا منذ عرف ذلك، بات يأخذه العجب الذي لا ينقضي، ممن يخلطون - عامدين ~~متعمدين - بين ما هو علم، وما هو دين. # | الأشياء والكلمات # شاء لي الله فطرة، وجاءت مع تلك الفطرة مصادفات الدراسة والتثقيف والتخصص العلمي، ~~فاجتمعت هذه العوامل كلها على أن تميل بي نحو طريقة في فهم اللغة مقروءة أو مسموعة، ~~فهما يبحث عن «المعنى» فيما يكتب وما يقال ... وكثيرا جدا ما يوقعني ذلك الإمعان في ~~البحث عن «المعنى»، يوقعني في حرج مع الناس؛ لأن الكثرة الغالبة من هؤلاء الناس، لا ~~ينتهجون هذا النهج في فهم المسموع والمقروء، فتتسع الفجوة بيني وبينهم كلما كان الأمر ~~يهمني ويهمهم، ولست الآن بصدد لوم يوجه إليهم في نهجهم أو أوجهه إلى نفسي في نهجي، ~~وإنما هو أمر واقع في حياتي الفكرية، أقرره قبل أن أمضي في ms033 الحديث، ولأضرب لذلك مثلا ~~عابرا ورد في حديثي مع أحد معارفي، أخذ يقص علي نبأ زيارة مع طفله لحديقة الحيوان، ~~ليذكر لي ملاحظات طريفة أبداها طفله كلما وقفا ينظران إلى حيوان في محبسه، فلما وقفا ~~أمام النمر، سأل الطفل أباه: لماذا أحاطوا النمر بقضبان الحديد؟ فأجابه أبوه بقوله: ~~لأنه مفترس وشرير. فأسرعت أنا بالتعليق على هذه الإجابة، قائلا: لقد أسأت هنا إلى ~~ولدك؛ لأنك أجبت عن سؤاله بجملة ليس لها «معنى» ... فعجب الوالد لما قلته، وطلب شيئا من ~~الإيضاح، فقلت له: الشر والخير صفتان لا يكتسبان معناهما إلا أن يكون هناك حياة خلقية ~~محددة المعالم، فمن سلكها كان خيرا، ومن انحرف عنها كان شرا، والنمر حيوان خلقه ~~خالقه ذا طبع مغروز في جبلته: كيف يهاجم وكيف يدافع، وماذا يأكل وما وسيلته للحصول ~~على ما يصلح له طعاما، فهو لا يكون شريرا إذا سلك على طبعه؛ لأن الحيوان ليس ملزما ~~بحياة خلقية معينة تشتمل على ضوابط وقيود يفرضها على نفسه ليحكم بها غرائزه: فلماذا ~~تعلم طفلك ما ليس له معنى، وما يبث فيه الخوف والكراهية للحياة في إحدى ~~صورها؟ # سكت الرجل، لكنني كنت أدرك ما يدور في خلده، ولست ألومه، فربما كنت أنا أحق باللوم؛ ~~لأنني قلت كلاما في غير موضعه، ولقد ذكرت هذا المثل العابر لأوضح به كيف أتعرض للحرج ~~أحيانا، مدفوعا بفطرة فطرت عليها، وجاءت فيها عوامل لتقويها وتنميها، فلئن كان ~~العالم اللغوي القديم الذي أخذ يتقصى كلمة «حتى» في مختلف معانيها، وبذل في ذلك ~~البحث ما بذل من جهد حتى أوشك في فراش مرضه أن يلفظ آخر أنفاسه، فقال لمن كان يجلس إلى ~~جواره عبارة أصبحت معروفة ومحفوظة، إذ قال: «أموت وفي نفسي شيء من حتى.» أي أنه لم يكن ~~قد شفى من نفسه غليلها في دقة التقصي وشموله، أقول: لئن كان ذلك هو ما تمناه العالم ~~اللغوي القديم عن قضية شغلته، فأحسب أني لو قلت شيئا عن نفسي، بالنسبة إلى قضية شغلت ~~بها خلال الشطر الأعظم من ms034 حياتي العلمية، ولا أظنني قد وفيت من حقها في البحث عشر ما ~~كانت تستحقه، لقلت: أموت وفي نفسي أشياء وأشياء عن العلاقة بين الأشياء ~~والكلمات. # فأول ما أشير إليه في هذا الصدد هو ذلك البعد البعيد، والذي هو محتوم علينا ولا مفر ~~لنا من الوقوع فيه، بين الشيء المعين الذي يحدث أن يكون مطروحا علينا لنتحدث عنه، وبين ~~كلمات اللغة التي نستخدمها في الوفاء بهذا الغرض، فافرض - مثلا - أنك قد أطللت من شرفة ~~دارك على نهر النيل، وألممت في لمحة بصرية سريعة بالمشهد الذي وقعت عليه عيناك، ثم أردت ~~أن تصفه لصديق، فماذا أنت صانع إلا أن تظل تذكر له تفصيلات مما رأيته؟ فهنالك نهر منساب ~~في مجراه، وبضع سفن وقوارب سابحة على سطحه، وجسر مزدحم بحركة المرور يصل شاطئيه أحدهما ~~بالآخر، ومبان متفاوتة الارتفاع، متباينة الشكل قائمة على الجانبين يتخللها نخل وشجر، ~~وقد تذكر شيئا عن أفراد الناس الذين شهدتهم هنا وهناك سائرين أو جالسين أو سابحين؛ ~~شيء كهذا هو ما أنت قائله لصديقك عن مشهد رأيته ... ولكن أمعن نظرك بدقة في الفارق ~~البعيد، بين ما شهدته بلمحة بصرية، وبين ما أوردته في وصفك لذلك المشهد بالكلمات، تجد ~~أول ما تجد وأهم ما تجد، أن ما كان مشهدا «واحدا» تراه العين بلمحة، قد جاءت الكلمات ~~لتفك أجزاءه، وتزيل عنه وحدته، وليس في وسع الإنسان شيء غير هذا، فاللغة جمل، والجملة ~~كلمات، والكلمة حروف، وهي كلها «أجزاء» اختلقتها اللغة اختلاقا لتؤدي وظيفتها، فكان ~~لنا بتفكيك الوحدة كسب وخسارة في آن معا، أما الكسب فهو أننا لولا هذه القدرة الفطرية ~~فينا، وهي أن نحلل الواقع الموحد عن طريق الكلمات التي تسمى كل كلمة منها جزءا ~~واحدا من أجزاء الكل الموحد، لما استطعنا أن نعرف حقائق الأشياء وهي فرادى، وكنا ~~عندئذ لنقف عند رؤية الطفل الرضيع لما حوله، فلا يدرك الفواصل التي تفصل شيئا عن شيء، ~~وتلك فائدة كبرى تأتينا عن كون اللغة بحكم كونها «كلمات» تحلل ما هو في طبيعته موحد، ms035 ~~والتحليل عملية عقلية من أدق ما يميز الإنسان في إدراك عالمه الذي يعيش فيه. # ذلك هو الكسب الذي جاءنا عن طريق اللغة واستخدامها في نقل الخبرة الحسية من إنسان إلى ~~إنسان، وأما الخسارة فهي أنه بات محتوما علينا ألا ننقل خبراتنا - حسية من الخارج، أو ~~شعورا من الداخل - كما تقع لنا بالفعل، فإذا أحس أحدنا بحالة من الفرح، أو من الحزن، ~~أو من الغضب، أو من الخوف، وإذا أكل أحدنا لونا من الطعام أحبه أو كرهه، وإذا عانى ~~أحدنا من مرض يقسو عليه بشدة الألم، وإذا ... وإذا ... إلى أن تخص كل قطرة من بحر الحياة ~~كما نحياها، وكل نبضة تنبض بها قلوبنا بوجدها ووجدانها، فليس في وسع اللغة أن ينقل بها ~~الناقل إلى المتلقي ما أراد نقله من خبرته كما وقعت؛ لهذا السبب الكبير الذي ذكرناه، ~~وهو أن كل خبرة تقع للإنسان، عن خارجه أو عن داخله، إنما هي حالة موحدة، واللغة ~~بطبيعتها تجزئ ما هو في حقيقته حالة واحدة إلى أجزاء منفصل بعضها عن بعض، ولقد ذكر لنا ~~المتصوفة كلاما كثيرا وعميقا وصادقا، في شكواهم بأنهم يشعرون بما يشعرون به، ثم ~~يعجزون عن نقله إلى الآخرين، لعجز اللغة عن نقل ما هو بطبيعته خبرة موحدة، فإذا فككتها ~~في جمل وكلمات، أفسدتها. # وفي حدود هذه المفارقة في العلاقة بين الأشياء والكلمات، مما يؤدي إلى كثير جدا من ~~عدم التفاهم الصحيح بين متكلم وسامع، أو بين كاتب وقارئ، نستطيع أن نضع من القواعد ~~والضوابط، ما يضمن لنا إلى حد كبير، دقة الالتقاء بعضنا مع بعض عند معان مشتركة بيننا، ~~ولا بد لها أن تكون مشتركة، وذلك في مجال التفكير العلمي، وأول ما يهمنا ذكره في هذا ~~السبيل، هو أن نلفت نظر القارئ بأقوى وأوضح ما يمكننا أن نلفته، إلى أن اللغة في أي ~~وضع من أوضاعها، ليست هي الشيء، أو الحالة، أو الموقف، الذي جاءت تلك اللغة لتتحدث عنه ~~... هذه حقيقة غاية في البساطة، غاية في الوضوح ، غاية في الأهمية، ومع ms036 ذلك يصعب جدا على ~~الإنسان، في استخدامه لكلمات اللغة مع الآخرين، أن يتنبه لها، ولا أظنني أغلو في القول ~~بأي درجة من المبالغة، إذا قلت إن أهم سبب يؤدي إلى عدم التفاهم بين الناس، وبالتالي ~~فهو الذي كثيرا ما يؤدي إلى أفدح الأخطار، ومنها الدخول في قتال حقيقي بين الأطراف ~~المتنازعة؛ هو أنهم حين يكونون في واقع الأمر إنما يتحدثون عن «كلمات» يظنون خطأ أنهم ~~يتحدثون عن الأشياء التي تشير إليها تلك الكلمات، والذي يساعد على حدوث هذا الخلط ~~العجيب، هو سهوهم عن الحقيقة التي ذكرناها، وهي أن الكلمات ليست هي الأشياء المشار ~~إليها بها. # فافرض - مثلا - أنك قد صادفت شخصين يتجادلان في «الحرية»، فيقول أحدهما: إن حق ~~الحرية يقتضي أن يكون للفرد حق اختيار الدراسة التي يختارها لنفسه، فيرد عليه الآخر ~~بقوله: إن الفرد لا حق له في مثل هذا الاختيار، بل هو حق للدولة باعتبارها راعية لمصالح ~~الشعب ووسائل تحقيق تلك المصالح - فاعلم عندئذ أن موضوع الجدال بينهما هو «كلمة» ~~الحرية، وكيف يكون تعريفها عند كل منهما، وإذا تتبعت مشكلات كثيرة في دنيا العقائد وفي ~~دنيا السياسة، وفي دنيا النقد الأدبي والفني، وجدت الاختلاف غالبا ما يقوم على كلمة ~~بعينها وكيف يكون تعريفها، لقد كثرت حوادث «العدوان» بين الدول، فالدولة المعتدى عليها ~~تصرخ بالشكوى، والدولة المعتدية تجيب بأن ما فعلته ليس عدوانا، إنما هو دفاع عن النفس، ~~مما اضطر الأمم المتحدة أن تشكل لجنة تبحث عن «تعريف» العدوان، وهكذا يترك الواقع ~~الذي وقع، ويدور العراك حول كلمة ومعناها، وعندما غزت إسرائيل لبنان، وأسرت ألوف ~~الفلسطينيين وعاملتهم أفظع معاملة وأقساها، فاحتجت بعض الهيئات الدولية على إسرائيل، ~~وطالبتها بأن تعامل الأسرى في حدود ما يوجبه القانون الدولي في هذا الشأن، أجابت ~~إسرائيل بأنهم ليسوا أسرى حرب - بل هم إرهابيون، ولم نر ثورة شعبية تطالب بالحرية من ~~مستعمر، إلا وجدنا رءوس الثورة «أبطالا» في بلدهم - «مشاغبين» في البلد المستعمر الذي ~~قامت الثورة لترده عما اغتصب، في كل هذه الحالات يبقى الواقع ms037 في واقعه، ويظل الكلام في ~~كلماته. # وعند هذا المنعطف من الحديث، لا بد لي من وقفة قد تطول بنا قليلا، لكنني على يقين ~~من أن التفرقة التي سأوضحها، بين موقفين فكريين يتصلان بما نحن بصدد الحديث فيه، وهو ~~العلاقة بين الكلمات والأشياء، هي تفرقة مما ينبغي أن تكون واضحة للجميع؛ لأنها إذا ما ~~وضحت، أنقذ الإنسان نفسه من مشكلات كثيرة، تندرج تحت روح التطرف والتعصب، فهنالك ~~طريقتان في عالم الفكر، تختلفان باختلاف الموضوع الذي هو مدار ذلك الفكر، إحداهما أن ~~تكون الفكرة المعروضة متعلقة بشيء قائم في عالم الأشياء خارج البناء اللفظي الذي نعرض ~~به ما نعرضه، كأن تكون الفكرة المعروضة - مثلا - عن ضرورة الاستعانة بالمفاعلات الذرية ~~مصدرا للكهرباء، وإذا كان ذلك متفقا عليه، فأين نقيمها، وأي بلد نستعين به على ~~إقامتها ... في هذه الحالة وأمثالها يتم فض الاختلاف في الرأي، إذا نشأ اختلاف، بدراسة ~~علمية موضوعية لا تغضب أحدا، لكن هنالك حالات كثيرة جدا في العالم الفكري، لا يكون ~~مدار التفكير فيها شيئا من أشياء الواقع الخارجي، بل يكون في حقيقته شيئا فرضناه من ~~عندنا فرضا، ثم بنينا على ذلك الفرض نتائجه، فها هنا تكون صحة تلك النتائج أو بطلانها ~~متوقفا على سلامة استدلال تلك النتائج من الفرض الذي فرضناه، ولا شأن لها قط بشيء من ~~عالم الواقع يمكن الرجوع إليه، فإذا طاب لأي شخص أن يفرض لنفسه فروضا أخرى ليستخلص ~~منها نتائجها، كان له الحق في ذلك، دون أن يكون ثمة موضع لخلاف بين صاحب البناء الفكري ~~الأول وصاحب البناء الفكري الثاني، ما داما لا يقيمان ما يبنيانه على فروض اتفقنا عليها ~~معا، ويكون الموقف أشبه بمنزلين مستقلين أحدهما عن الآخر، اختار أحدهما منزلا وسكن ~~فيه وأعجبه، واختار الثاني المنزل الآخر وسكن فيه وأعجبه. # والتطرف في الفكر وفي العقائد، ما هو؟ هو أن تختار مسكنا فكريا أو عقائديا لتقيم ~~فيه راضيا عن نفسك، ولكنك لا تريد لغيرك أن يختار لنفسه ما يطيب له أن يسعد به من فكر ms038 ~~وعقيدة، بل تلزمه إلزاما - بالحديد والنار أحيانا - أن ينخرط معك تحت سقف فكري ~~واحد، فلو تعلمنا عن فهم واضح أن النتيجة التي تبنى على مبدأ اختاره من اختاره، لا ~~تنقضها فكرة أخرى تقوم على مبدأ آخر، اختاره لنفسه شخص آخر، لرأينا أنهما لا تتناقضان ~~لأنهما مستقلتان إحداهما عن الأخرى ... إذن التناقض يكون في البناء الفكري الواحد، حين ~~تأتي نتيجة لا تترتب على المبدأ الذي فرضناه عند أول الطريق؛ وعلى هذا الأساس النظري ~~نقول: إنه لا تناقض هناك بين العقائد الدينية إذا اختلفت نتيجة لاختلاف نقطة البدء، ولا ~~تناقض بين المذاهب السياسية إذا اختار كل مذهب منها مبدأ يبدأ منه عملية تفكيره غير ~~المبدأ أو المبادئ التي فرضها أصحاب المذاهب الأخرى، أقول: لا «تناقض»، ولكن بالطبع ~~هناك بينها اختلاف، وليس كل اختلاف تناقضا، والفرق بين الحالتين هام، وهو أنه في حالة ~~التناقض، لا يصح إلا أحد النقيضين دون الآخر، أما في حالة الاختلاف الذي ليس تناقضا، ~~فليس صواب واحد منها دليلا على خطأ الآخر، ولا خطأ واحد منها دليلا على صواب الآخر؛ ~~لأن كلا منها يستظل بمبدأ ليس هو المبدأ الذي يستظل به الآخرون - ومن هنا قد تختلف ~~الشعوب في مواقفها وطرائق حياتها، ولا يقال إن شعبا منها على صواب، وإن صوابه دليل على ~~خطأ الشعب الآخر، فلكل منها سقف خاص يستظل به ويحتمي، وفي هذه الحالات جميعا لا يكون ~~البناء الفكري والثقافي المقام، مستمدا من شواهد الواقع، كالذي نراه في العلوم ~~الطبيعية وهي تقيم قوانينها على شواهد الواقع، بل يقوم ذلك البناء على «مبادئ» نظرية ~~اختارها الناس لأمر ما في تاريخهم. # وأنتقل الآن إلى خاصة أخرى لما بين الأشياء والكلمات من علاقة، ولعلها هي الخاصة التي ~~أستهدفها، ومن أجلها هذا الحديث، وتلك هي أن الكلمات التي نستخدمها فيما نتبادله، ~~متكلما مع سامع أو كاتبا لقارئ، ليس القصد منها هو أن نقف عندها، وكأنها مطلوبة ~~لذاتها، اللهم إلا في تلك الحالات التي يراد فيها بالتركيبات اللفظية أن تحدث في آذان ~~سامعيها ms039 نشوة كالنشوة التي تحدثها الموسيقى لبعض الشعر، ومع ذلك، فحتى في هذه الحالات ~~يكون الهدف البعيد من تلك الأصوات المنغومة، أن تترك في نفس المتلقي حالة معينة أراد ~~الشاعر لها أن تحدث في النفوس، ونعود إلى ما أسلفناه، من أن الأصل في الكلمات عند ~~تبادلها بين متكلم وسامع، أو كاتب وقارئ، لينهض في اللحظة المناسبة فيحدث في دنيا ~~الأشياء تغييرا يستجيب للرسالة التي جاءته مبثوثة في العبارة التي قالها المتكلم، فإذا ~~قال ابن لأمه إنه جائع، لم يكن الهدف من قوله أن تسكن الكلمات في أذنها، أو أن تتغنى ~~بوقع أنغامها في نفسها معجبة بفصاحة ولدها، بل الهدف هو أن تنهض من فورها مستجيبة ~~للرسالة المحمولة على ظهور الكلمات فتعد طعاما لابنها الجائع، إن من يكتبون لنا الكتب ~~والمقالات، ومن يذيعون فينا الأحاديث عن جوانب مختلفة من حياتنا: فهذا عن الاقتصاد، ~~وذلك عن التعليم، وثالث عن نظام المرور في الطرق، ورابع عن الصحة، وهكذا - إنما ~~يستهدفون أن تنتهي مجموعة الكلمات المقروءة أو المسموعة بسامعيها وقائليها بوجهة نظر ~~معينة تحملهم على تغيير هذه الناحية أو تلك من حياتهم العملية تغييرا يحقق المعاني ~~المبثوثة فيما تلقوه من كلمات، وإلا فلو قرأ القارئ ما قرأ وسمع السامع ما سمع، ثم ~~تجاهله وكأنه ما قرأ وما سمع، كنا جميعا كأهل بابل في برجهم، اختلفت لغاتهم فلم يفهم ~~أحد منهم عن أحد، وكان الأمر كله أخلاطا صوتية تصم الآذان وتشق الحناجر، ثم لا شيء بعد ~~ذلك. # كلمات اللغة تأتيك ممن يوجهها إليك، لتوجب عليك أن تتجاوزها إلى ما وراءها من «معنى»، ~~لتقوم بتنفيذ ما يراد تنفيذه، إلا إذا كنت معارضا فيكون التنفيذ هو الكف عن العمل، ~~والكف عن العمل هو كالعمل، شيء من الإرادة. # وبعد هذا التمهيد، أنتقل إلى ما قد قصدت إليه بهذا الحديث كله، وهو الأوامر القرآنية ~~الكثيرة التي لم يألف المسلمون أن يأخذوها على أنها «أوامر» إلهية واجبة الطاعة لتكون ~~جزءا من عبادتهم لربهم، وقصروا فكرة العبادة على الأركان الخمسة: الشهادة والصلاة ms040 ~~والصوم والزكاة والحج لمن استطاعه، فلقد ألف المسلمون أن يقفوا من تلك الأوامر ~~الإلهية موقف القارئ الحافظ المرتل المفسر، أما أن يفعلوا هذا كله ثم يتجاوزوه إلى ~~التنفيذ فقلما رأيته في مسلم، في حين أنها أوامر يجيء تنفيذها في صميم الميادين التي من ~~أجل تخلف الأمة الإسلامية في شئونها تخلفوا عن موكب الحضارة حتى أصبحوا أهون فريسة لمن ~~أراد من أصحاب القوة. # وأسوق هنا مثلا واحدا، إذ ضربت أمثلة كثيرة أخرى فيما كتبته من قبل، وفي هذا ~~الموضوع نفسه الذي نحن بصدد الحديث فيه، لقد أمرنا الله في كتابه الكريم أن سيروا في ~~الأرض واضربوا في مناكبها، ولكن لماذا نفعل؟ أهو من أجل التنزه؟ من أجل «الفرجة»؟ من ~~أجل الاصطياف هنا والتشتية هناك؟ لا، بل هو قبل أن يكون شيئا من هذا كله يريدنا أن ~~نجوب كل مجهول من يابس وماء، مستطلعين كاشفين باحثين، نجوب الصحراء، ونصعد الجبال، ~~ونشق البحر، ونطير في الهواء، نخرج من جوف الأرض حديدها ونحاسها وبترولها وذهبها وما ~~فيها من يورانيوم ومنجنيز وفحم وماء، ونبحث في طبائع الأرض لنعلم كيف نخصب الجدب، وكيف ~~نزرع الهواء بالماء، وكيف نحيل أجاج البحار والمحيطات ماء عذبا فنروي ونرتوي، ونغوص ~~إلى قيعان تلك البحار والمحيطات نكشف عما أودعه الله فيها من الخيرات، أمرنا الله أن ~~سيروا في فجاج الأرض، بحرها ووهدها برها وبحرها، لا لنقف عند ذلك في آياته الكريمة ~~قارئين، حافظين، مرتلين، متبركين، وبعد ذلك لا جهاد ولا كفاح ولا علم ولا صناعة ولا ~~عمارة ولا حضارة! ولو كنا في غنى عن هذه الثمرات كلها، التي تخرج للإنسان من اليابس ومن ~~الماء ومن الهواء، لقلنا نعم ونعامى عين، ولكننا نفتقر إليها ونستجديها ممن يحصلون ~~عليها، الذين يحققون ما أمر الله به المسلمين، وهم من غير المسلمين، فإذا كان الدعاة ~~الأفاضل منا، ينقلون اليوم عن الدعوة بأن قراءة القرآن الكريم في ذاتها عبادة، حتى ولو ~~لم يفهم القارئ معنى ما يقرؤه، فنحن نقول لهم: ليكن ذلك يا سادة، لكن هنالك ms041 عبادة أخرى ~~في درجة أعلى وأكرم، وهي أن يكون قارئ القرآن على وعي بما يقرأ، وينهض فور قراءته ~~بتنفيذ ما فيه من دنيا العلم والعمل، وبالطبع لا يطلب من كل مسلم فرد أن يضطلع ~~منفردا بأمثال تلك الأوامر القرآنية، فليس كل مسلم مطالبا بأن يكون كل شيء، ولكنه ~~مطالب بأي جزء من العلم ومن العمل يراه في مقدروه وفي مجاله، ومن مجموع القادرين ~~العالمين في شتى ميادين الحياة تتكون أمة المسلمين. # كلمات اللغة، مفردة ومركبة إنما هي في تجسيداتها أشياء من الأشياء، إنها نوع من ~~الكائنات كأي نوع آخر من كائنات الأرض أو السماء، فهي في مادتها - إذا كانت منطوقة - ~~موجات من هواء، وهي - إذا كانت مكتوبة - أجسام مشكلة من مداد أو من رصاص، أو من طباشير، ~~أو ما شئت من مواد الكتابة، الكلمات أشياء من الأشياء، ولكنها أسرة عجيب أمرها عجبا لا ~~ينقضي إذا تأملتها، فمنها العلم ومنها الأدب، ومنها السحر ومنها الخرافة، ومنها الغناء ~~المطرب، ومنها الخطابة التي تلهب، ومنها معارك، ومنها حلو السمر بين الأحباء، والكلمات ~~نوع من الكائنات كسائر أنواع الكائنات، فهي كجماعة الطير، فيها البلابل وفيها العقبان ~~والنسور، وهي كجماعة الحيوان فيها الغزلان وفيها الأسود والنمور، أو هي كصخور الأرض ~~فيها التبر وفيها التراب ... لكنها نوع عجيب متفرد وحده دون سائر الأنواع؛ لأن بالكلمات ~~صار الإنسان إنسانا، لا من حيث هي مجرد موجات من الصوت، ولا من حيث هي مجرد جسيمات من ~~مداد أو غير المداد نثرها الكاتبون على الورق، ولكن من حيث هي حاملات للمعاني، ورامزات ~~إلى الأشياء لتكون مهمة من يتلقاها أن يزاوج بين تلك المعاني وهذه الأشياء، فإذا هو لم ~~يفعل، كانت وكأنها وقعت منه على أصم وأعمى وأبكم، كلماتنا قلوبنا وعقولنا، خرجت من ~~مكامنها إلى ملأ الناس في العلانية، وكلمات الله - جلت قدرته - في قرآنه الكريم، هي ~~منهج «للعمل» نعلو به سادة على الأرض ظافرين من رب السماء. # | عصر يبحث عن حرية الإنسان # عندما هممت بالكتابة عن حرية الإنسان، وكيف يتمخض ms042 بها عصرنا مخاض البركان يريد أن ~~يتفجر بالحمم، أخرجت ورقاتي وأنرت المصباح وأمسكت بالقلم، لكنني لبثت على هذا الوضع ~~فترة طالت معي على صورة لم أعهدها من قبل إلا قليلا، وذلك أني لم أعرف كيف أبدأ، وظللت ~~طوال تلك الفترة الطويلة، أحدق بنظراتي إلى زجاج النافذة، كأنما أردت أن أنفذ بتلك ~~النظرات خلال الزجاج، ولعل ما أعاقني هو رغبتي في أن أجد مدخلا ميسرا بسيطا، يشجع ~~القارئ على البدء بالقراءة، ولكن، لماذا قدرت للقارئ أن يأخذه نفور فينصرف به عن قراءة ~~ما سوف أكتبه؟ ربما جاء تقديري هذا من طبيعة الموضوع أولا، ومن ميل مسبق عند طائفة ~~كبيرة من الناس أن يسيئوا الظن بعصرنا، أما عن طبيعة الموضوع - والموضوع هو حرية ~~الإنسان - فهو يدور حول كلمة من تلك الكلمات التي تنتفخ في الخيال حتى ليتسع جوفها لكل ~~صنوف المعاني، ومع ذلك فقلما يخرج معظم الناس منها بشيء اللهم إلا الكلمة نفسها التي ~~بدأ بها، لماذا؟ قد يكون ذلك راجعا إلى ما يحيط بالحرية من هيبة وجلال، مما يميل بمن ~~يكتبون عنها، نحو اختيار عبارات تتناسب هيبة مع هيبتها، وجلالا مع جلالها، وإنه لمن ~~المفارقات العجيبة، أن حصيلة المعنى التي يخرج بها القارئ كثيرا جدا ما تتناسب ~~تناسبا عكسيا مع ضخامة التعبير وفخامته؛ لأنه كثيرا ما حدث في تاريخ الكتابة ~~الأدبية، أن لجوء الكاتب إلى التضخيم والتفخيم، إنما هو قرين ملازم لقلة علمه وضحالة ~~خبرته، وهذا بعينه هو ما يحدث في حالات كثيرة، عندما يكون الموضوع الذي يكتب فيه هو ~~الحرية أو ما يشبهها من كلمات. # ذلك عن الموضوع وطبيعته، وأما عن عصرنا وكراهية الناس لذكره، فربما جاءت تلك الكراهية ~~من أن بلادنا جزء من العالم الواسع الذي وقع ضحية أو فريسة، فعصرنا يتميز بين ما يتميز ~~به، بانفراج الزاوية انفراجا رهيبا بين القوي والضعيف وبين الغني والفقير وبين طلائع ~~العلم الجديد ومن هم لا يزالون في دنيا هذا العلم الجديد لكن يغمرهم الظل بظلامه، على ~~أن المأساة في هذا كله ms043 تزداد أسى بكون الزاوية التي انفرجت بين الفريقين تزداد مع ~~الأيام انفراجا، فلا غرابة إذن - أن تثار الكراهية في الصدور، عند كثرة كثيرة من ~~مواطنينا - إذا أراد كاتب أن يذكر لهذا العصر الباغي فضيلة أو فضائل، لا سيما إذا زعم ~~لهم ذلك الكاتب فضيلة للعصر في جانب من الحياة، هم لم يروا فيه إلا نقيض ما زعم، وهذا ~~الكاتب يهم بكتابة يعتزم أن يقول بها للناس إن عصرنا ما ينفك باحثا لهم عن مسالك تؤدي ~~بهم إلى حياة تسودها حرية الإنسان، وهو ما لم يروا منه - في ظنهم - إلا مرارة ~~نقيضه. # أقول: إنه ربما كان ذلك الشعور هو الذي حدا بي إلى التأني في اختيار ما أبدأ به ~~الحديث حتى ارتأيت آخر الأمر، أن أبدأ باللفظة نفسها لفظة الحرية لأصب عليها نور ~~المصباح، فأبرز منها أمام الأبصار جانبا، هو فيما أعتقد - محجوب عن رؤية الناس، مع أنه ~~فيما أعتقد كذلك لو أضيء ووضحت معالمه، انفتح الطريق أمام رؤية أنصع، وفهم أدق، وذلك ~~الجانب الذي أعنيه هو أن اسم الحرية - شأنه في ذلك شأن طائفة كبيرة من الأسماء - إنما ~~هو اسم لا يطلق على شيء محدد متعين، بل هو في الحقيقة اسم يشير إلى محصلة مفردات ~~كثيرة، كل مفرد منها مأخوذ على حدة ليس حرية، على نحو ما نعنيه بكلمة مباراة في كرة ~~القدم مثلا، فليس هناك شيء معين يكون هو المباراة، فكل لاعب من اللاعبين وهو على حدة ~~ليس مباراة، إذ المباراة هي محصلة جزئيات من أفراد ونشاطهم الحركي توشك أن تستعصي على ~~حصر عددها، إذا أردت حصرها. # ومن هذه البداية أبدأ حديثي، فإذا كانت جزئيات النشاط الحركي في مباراة الكرة تستعصي ~~على الحصر لكثرتها، فإنه يمكن - برغم هذا - معرفة الاتجاه الذي يتجه به السير في ~~مجراها، فكل فريق من الفريقين، في كل ضربة من ضربات أفراده للكرة، يستهدف الهدف ~~المقصود، ومن محصلة تلك الضربات التي تعد بالألوف تأتي النتيجة للفريق نصرا أو هزيمة ~~... وهكذا الحال في معنى الحرية، فالحياة ms044 الحرة للإنسان الحر أو للشعب الحر ليست جزئية ~~واحدة بعينها تشير إليها بإصبعك قائلا: هذه حرية، بل هي تعرف باتجاه جزئياتها نحو هدف ~~معلوم، هنالك تاجر يبيع وزبون يشتري، هنالك مهندس يشرف على إقامة البناء وساكن يسكن، ~~هنالك معلم يعلم وطالب يتعلم، هنالك طبيب يعالج ومريض يتلقى العلاج، هنالك وهنالك، إلى ~~أن تبلغ بعدد الجزئيات إلى ملايينها، لكن هذه الكثرة الهائلة تتجه بتيارها اتجاها ~~يجعلها حياة شعب حر، أو اتجاها آخر يجعلها حياة شعب مقيد، فبأي الخصائص - يا ترى - ~~يتميز كل من الاتجاهين؟ # إنك إذا نفذت ببصرك - عن طريق التحليل العلمي - خلال تلك التفصيلات الكثيرة التي ~~يعيشها الناس في حياتهم اليومية العملية، رأيت إرادة رابضة وراءها تحركها في اتجاه يحقق ~~لها آخر الشوط هدفا ما، فإذا كانت تلك الإرادة هي إرادتي وإرادتك، وإرادة الكثرة ~~الغالبة من المواطنين، بقي علينا أن نسأل عن الهدف الذي في سبيله نتحرك، فإذا وجدناه ~~هدفا يحقق لنا في نهاية المطاف أن نكون أكثر علما، وأيقظ وعيا بالعالم الذي نعيش ~~فيه، كانت حياتنا حرة بمقدار ما استطعنا أن نحقق من الهدف المنشود، وأما إذا وجدنا ~~الإرادة الرابضة خلف نشاطنا الحركي في شتى مجالاته مفروضة علينا من سوانا وليست منبثقة ~~من عزائمنا الباطنية، كنا غير أحرار، حتى لو كانت الأهداف التي نحققها بذلك النشاط مما ~~يمكن أن يكون أهدافا لنا، وكأني أسمع طالبا من طلابي يصيح قائلا: ماذا تكون هذه ~~الإرادة الرابضة التي تتحدث عنها يا أستاذنا، وقد كنت تحاسبنا حسابا عسيرا على دقة ~~الكلمات ما دمنا بصدد التعبير عن حقيقة عقلية؟ فأجيب السائل: بأن الإرادة الشعبية التي ~~هي متوسط ما يحسه الأفراد في بواطن نفوسهم من رغبات حقيقية مقرونة بنوايا التنفيذ إذا ~~واتتهم الظروف، أقول: إن مثل هذه الإرادة الشعبية يغلب أن نركن في إدراكها إلى مجرد ~~الشعور بالتعاطف بين أفراد الشعب الواحد، دون أن تكون هنالك الوسيلة العلمية الدقيقة ~~لرصدها وضبط مقدارها، فأحيانا يحس أفراد الشعب بروح المقاومة - مثلا - أو بروح ~~التأييد، برغم كونها مكتومة ms045 في الصدور، بسبب أحكام عرفية، أو بسبب مراقبة خارجية تمنع ~~التعبير الحر عما يدور في أخلاد الناس. # نعود إلى ذكر ما أسلفناه من أن الحرية اسم لا نطلقه على شيء واحد معين، كما نطلق ~~مثلا اسم النيل على النهر الذي يجري في أرضنا، أو نطلق اسم المقطم على الجبل المشرف ~~على مدينة القاهرة، بل الحرية اسم يطلق على محصلة عدد يتعذر حصره من جزئيات سلوكية ~~يؤديها الفرد أو الأفراد المرتبطة بما يشعرون به من وجود العزيمة الداخلية التي تريد ~~لنفسها ذلك السلوك، وما دام الأمر كذلك فالحرية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأهداف ~~وبالوسائل الموصلة لتلك الأهداف، وذلك يعني أن تكون حرية الفرد الحر، أو الشعب الحر ~~مرتبطة أشد ارتباط بمدى علم ذلك الفرد أو ذلك الشعب بطبائع الأشياء التي لا بد له أن ~~يلجأ إلى استخدامها، وسائل كانت أم أهدافا، فالجاهل بحقيقة شيء معين محال عليه أن ~~يتخذه هدفا، أو أن يتخذه وسيلة لهدف؛ لأن الجهل بشيء معناه غياب ذلك الشيء عن دائرة ~~الوعي. # فلئن كان التحرر من قيد ما أمرا ممكنا لأي إنسان قادر على تحطيم ذلك القيد، فليس ~~الأمر كذلك بالنسبة للحرية التي تأتي مرحلة ثانية بعد التحرر من القيود؛ لأن هذا التحرر ~~معناه إزالة العقبات التي تحول دون العمل والبناء، وأما الحرية التي تأتي بعد ذلك فهي ~~الجانب الإيجابي في إقامة البناء أو في إنجاز العمل، ولا نتصور كيف يمكن لبناء أن يقام ~~أو لعمل أن ينجز دون أن يكون هنالك علم بما نبنيه أو بما نؤديه، وهذا العلم - بالطبع - ~~درجات بين الناس، وبالتالي كانت قدرات الناس متفاوتة في دقة العمل وكفاءته، ومع هذه ~~الدقة والكفاءة تكون الحرية بمعناها الإيجابي المبدع. # علم الإنسان بطبائع الأشياء هو نفسه قدرة الإنسان على التمكن من تصريف تلك الأشياء ~~على النحو الذي يريده لنفسه منها، ضع كتابا بين يدي قارئ ثم ضعه بين يدي أمي لا ~~يقرأ، تجد فرقا بين الإنسان الذي يعلم والإنسان الذي لا يعلم، الأول حر في استخدام ~~المادة ms046 التي بين يديه، وقادر بالتالي على التصرف اهتداء بها، فيغير من حياته وحياة ~~الناس ما يريد أن يغير، وأما الثاني فلا فرق بين أن يكون ما بين يديه كتاب أو قطعة من ~~الحجر، وليس في وسعه أن يشكل حياته بناء على شيء مما ورد فيه، اللهم إلا أن يسند بجسم ~~الكتاب قطعة عرجاء من أثاث بيته، وأعط سيارة لمن يعرف كيف يحركها ويقودها ويصلحها إذا ~~عطبت، ثم أعطها لمن لا معرفة عنده بشيء من ذلك، تجدك قد أمددت الأول بمصدر للقوة وسرعة ~~الحركة، وأما الثاني فقد أمددته بكتلة صماء من الحديد، فالعلم بأي درجة من درجاته قوة ~~وسيطرة على الشيء المعلوم، والجهل بطبائع الأشياء التي حولنا وبين أيدينا عجز عن ~~تحريكها واستغلالها، ومن هنا كانت الصلة الوثيقة بين العلم والحرية، وبين الجهل ~~والقيود، عندما نقول عن العلم إنه نور، فلسنا نقول ذلك على سبيل المجاز، بل نقوله على ~~سبيل الحقيقة الواقعة، ففي تعامل الإنسان مع شيء يعرفه حق المعرفة فكأنما هو بتلك ~~المعرفة قد أزاح عنه الظلام، فهو يفكه جزءا جزءا ثم يعيد تركيبه إذا شاء، إنه يألفه ~~ولا يخشاه ولا يتهيبه، وأما من جهل شيئا مما حوله فهو أولا يقف حياله مكتوف اليدين لا ~~يدري ماذا يصنع به، ثم هو ثانيا يخافه ويخشى سوء عواقبه، ومن هذه النقطة بالذات نشأت ~~في تاريخ الإنسان خرافات وخرافات، حتى لقد دفعه وهم خرافاته إلى عبادة ما جهل طبيعته ~~وحقيقته، فلقد عبد الفارسي القديم النار، وهذا مثل من ألف مثل، لأنه رأى ألسنة من اللهب ~~تنبعث من أرضه ولا يعرف عنها أصلا ولا فصلا، فخشى عاقبتها وأراد اتقاء بطشها، فعبدها، ~~وأرجح الظن أن تلك النار إنما كانت ناشئة عن البترول المخزون تحت أرض فارس (إيران)، ولم ~~يكن بالطبع يعرف عن ذلك الأصل البترولي شيئا، أما وقد جاء إليه في عصره الحديث من ~~يعلمه عن حقيقة أرضه ثم يخرج له ما في جوفها، فقد انتقل من عبادة نارها المشتعلة ~~المجهولة إلى استخدامها وبيعها وكسب ms047 القوة منها، ولم يكن قد بقي له إلا أن يجد من ~~يعلمه الحكمة أيضا ليحسن الانتفاع بما كسب. # الحرية قوة وقدرة وإنجاز، وليست هي مقصورة على مجرد فك القيود، فالإنسان حر بمقدار ~~ما قد أصبح في قدرته أن يصنعه، وبالطبع لم تشهد الدنيا يوما واحدا خلا من الإنسان ~~الحر القادر بتجربته أن ينجز ما استطاع إنجازه إذا أراد ذلك، إلا أن الحرية القادرة هذه ~~لم تكن دائما من حق الإنسان، كل إنسان، بل بدأت أول أمرها مجمعة في قبضة رجل واحد، هو ~~الذي يحكم سائر الأفراد من أبناء جماعته، ثم يأذن لمن أراده من هؤلاء الأفراد بقدر من ~~الحرية يحدده له كما شاء، ثم اتسعت الدائرة مع مر الزمن، فأصبح الأحرار فئة بعينها من ~~الشعب دون سواها، فانقسم المجتمع بذلك - كل المجتمعات القديمة - إلى أحرار وعبيد، ثم ~~اتسعت الدائرة مرة أخرى مع الزمن، حتى أصبحت الحرية من الوجهة النظرية حقا للأفراد ~~جميعا كائنة ما كانت مكانتهم من المجتمع أو أنسابهم أو أجناسهم أو ألوانهم أو أنواع ~~العمل الذي يؤدونه ... ونقول: إن هذا قد أصبح حقا شاملا لا يستثنى منه فرد من الناس، ~~لكن ذلك من الوجهة النظرية وحدها، وأما من الوجهة العملية فليس في وسع قوى الأرض جميعا ~~أن تجعل فردا من الناس حرا بالنسبة إلى عالم يجهل ما فيه، ونعود فنذكر القارئ بما ~~أسلفناه، وهو أن حرية الإنسان إنما تكون في شيء يعرفه وبمقدار ما يعرف عنه، وإلا فماذا ~~ينفع إذا ما تركوني وحدي في مكان القيادة من طائرة وهي تسبح في الفضاء الأعلى، أقول: ~~ماذا ينفع عندئذ أن أصيح بملء فمي قائلا إنني إنسان حر؟! إذ أين تكون حريتي وأنا أمام ~~أجهزة أجهل عنها كل شيء، وأظل أجهلها إلى أن تصطدم بي الطائرة فيما لا بد أن يكون ~~قضاءنا المحتوم؟! ... الإنسان الحر يعرف ما هو حر فيه، ولا حرية لجاهل. # ولست في الحق أدري هل كان هذا المعنى الذي يربط الحرية بالعلم جزءا مما قصد إليه ~~الشيخ محمد ms048 عبده، حين أعلن خطته في النهضة الوطنية بأن يكون تعلم الشعب هو الخطوة ~~الأولى في جهاده لينال حريته، ومن ثم فقد عمل على إنشاء مدارس الجمعية الخيرية ~~الإسلامية لينقل فكرته من مجال الفكر النظري إلى مجال التطبيق، وإنني لأسأل هذا السؤال؛ ~~لأنني حين ربطت بين الحرية والعلم، لم أقصد أن يكون ذلك العلم أي معرفة نلقنها للمتعلم ~~كما اتفق، إذ لا تتم الرابطة بين الحرية والعلم إلا إذا جاء ذلك العلم متصلا بالميدان ~~الذي يريد المتعلم أن يكون حرا فيه، ومن مجموعة الأحرار بهذا المعنى تتكون حرية ~~الشعب، وإذن يكون الشعب حرا بمقدار ما لأبنائه قدرات عملية على التعامل مع مجالاتهم، ~~كل منهم في المجال الذي تعلم أن يكون حرا فيه وبمقدار ما تعلم، وهل يصبح لكلمة الحرية ~~أي معنى إذا قيل لشعب إنك أيها الشعب حر، في حين يكون أفراد ذلك الشعب على درجة من ~~العجز إزاء أرضهم وبحرهم وسمائهم، بحيث لا يملكون صنع شيء لأنفسهم، حتى يجيء دخيل خارجي ~~فينتج لهم ما عجزوا عن إنتاجه؟ أليست الحرية الحقيقية عندئذ هي حرية ذلك الدخيل؟ وأما ~~الشعب الذي قيل له إنك حر، إذا أعمته الجهالة فعجز، فلن تكون حريته تلك إلا كلمة يضيع ~~الصوت الذي يهتف بها مع عصف الريح. # وما أكثر الصفات التي نصف بها هذا العصر الذي نعيش فيه، ولنتفق مؤقتا على أن المقصود ~~بكلمة عصرنا الفترة التي بدأت بنهاية الحرب العالمية الأولى (1918) وامتدت إلى يومنا ~~الراهن - أقول: إنه ما أكثر الصفات التي نراها مميزة لعصرنا هذا، لكن الذي يهمنا منها ~~الآن فيما له علاقة مباشرة بحديثنا هذا صفتان، إحداهما تحرر الشعوب التي كانت محكومة ~~بغيرها، والأخرى هي الكم الهائل من المعرفة التي استطاع الإنسان بأجهزته الحديثة أن ~~يجمعها عن هذا العالم وكائناته، إنه ربما استطاع بأجهزته تلك أن يجتمع في العام الواحد، ~~ما لم تكن تستطيع جمعه آلاف السنين التي هي تاريخ الإنسان على هذه الأرض، إننا أبناء ~~هذا العصر قد ألفنا بعض الحقائق عن دنيانا وما ms049 فيها حتى لنظن أنها لأهميتها الشديدة في ~~حياتنا معلومة للإنسان منذ أقدم عصوره؛ ولذلك ندهش حين نعلم أن الإنسان حديث عهد بها، ~~إلى حد قد لا نتصوره، وإن كاتب هذه السطور ليقرر عن نفسه أنه كاد لا يصدق حين عرف لأول ~~مرة أن حقيقة كون الجسم الحي مكونا من خلايا لم تعرف للعلم إلا في آخر القرن الماضي! ~~ولقد كان من الأمثلة الشائعة في كتب الفلاسفة المعاصرين (وتنبه إلى كلمة معاصرين هنا) ~~كلما أراد هؤلاء الفلاسفة أن يضربوا أمثلة توضح ما يسمونه بالاستحالة التجريبية؛ أي ~~الحقيقة التي هي ممكنة من الوجهة النظرية الصرف ولكنها مستحيلة الوقوع من الناحية ~~العملية، أقول: إن من أشيع الأمثلة التي كانوا يسوقونها في كتبهم لتوضيح الاستحالة ~~التجريبية أن يرى الإنسان الوجه الآخر من القمر، فمن المعلوم أن القمر يواجه الأرض بأحد ~~نصفيه دون النصف الآخر، ولبث ذلك المثل يساق إلى منتصف هذا القرن العشرين، إذ من ذا ~~الذي كان يتصور أنه سيحدث في تقدم العلم أن يدور الإنسان حول القمر؛ فيرى وجهه الخلفي ~~الذي لا يواجه الأرض قط؟ لكن ما كان مستحيلا بالأمس بات في حدود الإمكان. # مرة أخرى أذكر الصفتين اللتين اخترتهما من صفات عصرنا، وهما تحرير الشعوب التي كانت ~~من قبل محكومة بغيرها، والكم الهائل من المعرفة بحقائق الحرية، وكما أسلفنا القول، فإن ~~التحرر من القيود وحده لا يعني الحرية، كالذي تفك عنه أغلاله، فيتحرر منها لكنه لا ~~يصبح حرا بعد ذلك إلا بما يجيد العلم به، فيمهر في إنجاز ما يصنعه في المجال الذي ~~أجاد معرفته، وهنا نجد السؤال يطرح نفسه: كم من الشعوب التي تحررت قد اكتسبت من خضم ~~المعلومات العلمية وغير العلمية التي قدمها عصرنا ما يكسبها قوة وقدرة على الصنع ~~والبناء لتصبح حرة بعد أن تحررت؟ كان الغرب بصفة أساسية هو الذي استعمر الشعوب التي ~~قلنا عنها إنها تحررت من قبضته خلال القرن العشرين، وبعد الحرب العالمية الثانية بصفة ~~خاصة أي بعد سنة 1945، وكان ذلك الغرب هو نفسه الذي ms050 استطاع بعلمه وبأجهزته الجبارة أن ~~يجمع ذلك الخضم من المعرفة بهذا الكون وكائناته، وهي معرفة تعرض نفسها علانية لمن يأخذ، ~~فكم من الشعوب المتحررة قد أخذ، وكم أخذ؟ جواب ذلك يأتي في صورة أوضح إذا قلبنا السؤال ~~فجعلناه إلى أي حد تجد تلك الشعوب المتحررة نفسها مضطرة إلى الاستعانة بالغرب في صنع ما ~~تصنعه؟ فإذا جاءنا الجواب بأن الجزء الأعظم من حاجات الشعوب المتحررة لا يستغني عن ~~صناعات الغرب أو عن مساعدات الغرب بأي وجه من الوجوه، مع أن ما يصنعه الغرب وما يساعد ~~به مأخوذ كله من علمه ومن معرفته التي جمعها عن طبائع الأشياء من حوله، وهو علم وهي ~~معرفة معروضان علانية لمن يأخذ، أقول: إنه إذا كان هذا هو الجواب عن سؤالنا، كانت ~~النتيجة التي تفرض نفسها، هي أن الشعوب التي تحررت لم تستطع بعد أن تصبح حرة، ولقد كان ~~التحرر نتيجة صراع مع المستعمر الأجنبي، وأما الحرية فلن تكتسب إلا نتيجة صراع تلك ~~الشعوب مع نفسها. # إلا أن عصرنا هو العصر الذي عرف الحرية بمعناها الإيجابي المنشئ المبدع الخلاق، وهو ~~العصر الذي جمع لتلك الحرية وسائلها من علم ومعرفة يسيطر بها على عالم الأشياء، وهو ~~العصر الذي عرض تلك الوسائل أمام الناس جميعا، فمن أراد الحرية فليأخذ وسائلها لينعم في ~~رحابها، وأما من وجد في مجرد التحرر من القيد شبعا وريا، تاركا للأحرار أن يعمروا له ~~دنياه، فليرض بنصيبه العادل - وما نصيبه إلا أن يقف مواقف الأتباع الأذلاء حتى بعد أن ~~يتحرر من قبضة سيده. # | اختلاف الرأي والرؤية # إنني الآن في سبيلي إلى أن أعرض بين يديك تفرقة بين شيئين، لهما من الدقة الدقيقة ما ~~تفلت به من أعين الناس، أو الكثرة الغالبة منهم، وسوف ترى في سياق هذا الحديث، كيف أن ~~هؤلاء الناس لو أنهم تبينوها - حق بيانها - لألقوا عن ظهورهم أحمالا ثقيلة من التزمت ~~والتعصب والتطرف، إلى آخر هذه الأسرة غير الكريمة، فأراحوا واستراحوا وهدأت لبحر الحياة ~~مياهه. # وأما الشيئان اللذان أريد أن أفرق ms051 بينهما تلك التفرقة الدقيقة التي أشرت إليها، ~~فهما: الموضوع الذي يثور حوله اختلاف الرأي - من جهة - والآراء أو المذاهب المختلفة ~~نفسها، التي تتعلق بذلك الموضوع - من جهة أخرى - وإني لأسرع هنا فأذكر الحقيقة التي ~~أسعى الآن إلى طرحها بين يديك، قبل أن أقدم على تحليلها وتفصيلها، لعل ذلك يعين على ~~متابعة الحديث باهتمام أكبر، وبدقة أكثر، وتلك الحقيقة هي أننا واجدون في معظم الحالات، ~~أن الآراء أو المذاهب، التي حسبناها متعارضة متضاربة، إنما هي آراء متكاملة؛ بمعنى أن ~~كل رأي أو مذهب منها يتناول - في حقيقة أمره - جانبا من الموضوع المطروح، غير الجوانب ~~التي تتناولها الآراء أو المذاهب الأخرى، وأنه من مجموع الآراء أو المذاهب، يتألف ~~موضوعنا ذاك من شتى نواحيه، وأن الخير كل الخير للمتلقي أن يجمع في نفسه جميع تلك ~~الآراء أو المذاهب، ليصبح أكمل إلماما بالموضوع الذي هو مدار البحث والنظر ~~والاعتقاد. # وأبدأ الآن في تفصيل ما أجملته، مستعينا بأمثلة منوعة، أسوقها من ميادين مختلفة، ~~وأبدأ بميدان الفكر الفلسفي في مذاهبه المتنازعة، فأقول - في إيجاز شديد - إن لذلك ~~الفكر الفلسفي عند أصحابه، اتجاهين أساسيين، ثم يكون بعد ذلك لكل اتجاه منهما فروعه، ~~أحدهما هو الذي يطلق عليه اسم المذهب «المثالي»، والآخر هو الذي يطلق عليه اسم المذهب ~~«التجريبي»، والأصل في هذا الانقسام، مقابلة تقام بين «الأفكار» في ناحية، و«الأشياء» ~~في ناحية أخرى، فأيهما يا ترى يكون هو الأصل الذي يشتق منه الآخر؟ أو يكون هو المرجع ~~الذي يقاس إليه الآخر في مدى حظه من الصواب والخطأ؟ إنك لو طرحت هذا السؤال على متدين ~~واع بعقيدته الدينية، لجاءك منه الجواب مسرعا، وهو: إن الفكرة تسبق تجسيدها في مخلوق ~~متعين بخصائصه وصفاته، وكذلك إذا سألت من فيه طبيعة الفنان أو طبيعة الشاعر، أجابك بأن ~~المعول عنده إنما هو ما يدور في نفسه، مهما يكن ذلك موصولا أو غير موصول أول الأمر ~~بدنيا الأشياء، وإذا سألت فيلسوفا «مثاليا»، لكان جوابه أيضا هو أن صلته بالوجود في ~~مجموعه، أو في أي ms052 كائن من كائناته، إنما هي ما «يعرفه» عنه، والذي يعرفه هو «أفكار» أو ~~تصورات، أو غير ذلك مما هو في داخله ... كل هؤلاء - إذن - يرون للفكرة أسبقية على الشيء ~~المجسد لها، لكن تحول بسؤالك إلى العلماء في أي ميدان من ميادين العلم: ميدان الفيزياء، ~~أو الكيمياء، أو الأحياء، أو ما شئت، تجد جوابا آخر، فمن «الظواهر» المبحوثة، أي من ~~«الأشياء» تستقي قوانين العلوم ومن ثم يجيء الانقسام في وجهة النظر، وهو انقسام قد ~~يتسع ليجاوز الأفراد إلى الشعوب، بحيث نقول عن شعب ما، إنه في مجموعه يجعل الأولوية ~~لما يدور في نفسه، أو في رأسه، أو في قلبه، على الأشياء المجسدة التي تدركها الحواس، ~~ونقول عن شعب آخر، إنه يجعل الأولوية «للشيء» في الواقع المحسوس، وعلى أساسه تقام ~~الفكرة أو السلوك، وقد يكون هذا الاختلاف العميق بين شعب وشعب، هو الذي يقام عليه ~~الحكم بعد ذلك، بأن هنالك شعوبا «روحانية» وأخرى «مادية». # ونحن نسأل بعد هذا العرض قائلين: أيكون ما بين الفريقين، من قبيل «التضاد»؟ أم يكون ~~من قبيل «التكامل»؟ والرأي الذي نراه في ذلك هو أن «الفكرة» و«الشيء» الذي يجسدها كطرفي ~~العصا، أئذا قلنا عن رجل إنه يعني برأس عصاه أكثر مما يعني بأسفلها، كان معنى ذلك أنه ~~استطاع أن يجتزئ الرأس من العصا، مستغنيا عن قاعدتها المرتكزة على الأرض؟ إنه حتى إذا ~~صح أن شعوبا تعنى بالباطن بدرجة أكبر من عنايتها بالظاهر، وأن شعوبا أخرى تعكس هذا ~~الترتيب - وهو صحيح بلا شك - فالذي يحدث بالفعل في تلك الحالة، هو أنهما يتبادلان ~~النواتج، فالأولى تمد الثانية بشيء من روحانياتها، والثانية تمد الأولى بشيء من ~~مادياتها، وإذا شئت فراجع حياة الناس في واقعها، فالغرب - عموما - الذي نشيع عنه أنه ~~«مادي»، قد أخذ دياناته من منابعها في الشرق، والشرق الذي نقول عنه إنه «روحاني» يعيش ~~كل فرد فيه، وفي كل لحظة من حياته، مستعينا بماديات ذلك الغرب. # وننتقل إلى مثال آخر، نأخذه هذه المرة من مدارس علم النفس - لنرى مرة أخرى، ms053 إذا كان ~~بين تلك المدارس تضاد - كما قد يظن - أم أن الذي بينها تكامل، بحيث يجوز لنا القول، ~~بأنه من الممكن للعالم الواحد من علماء النفس، أن يجمع كل تلك المدارس في مجال تطبيق ~~واحد، فالموضوع الرئيس الذي يتناوله علماء النفس بالبحث العلمي، هو الصور السلوكية التي ~~يتحرك بها الناس في حياتهم، وأرجو القارئ أن يتنبه جيدا، بأن تلك الصور السلوكية إنما ~~هي ظاهرة تراها أعين المشاهدين الراصدين، كأي ظاهرة أخرى في دنيا الأشياء، يشاهدها ~~مراقبوها وراصدوها، لكن علم النفس - كأي علم طبيعي آخر - لا يقف أمام موضوع بحثه كما ~~يقف منه عابر السبيل، بل هو يحلله ليرتد به إلى ينابيعه، فمن أين جاء، وكيف جاء؟ وهنا ~~نرى علماء النفس يختلفون، وهم في اختلافهم ينقسمون قسمين كبيرين، كل قسم منهما يتفرع ~~بعد ذلك إلى فروعه، فقسم منهما يقف عند ظاهرة السلوك نفسها، لا يجاوزها، فمنها نجد ~~النتيجة ومنها أيضا نجد القوانين العلمية التي تحكم تلك النتيجة، أي أن هذا الفريق من ~~علماء النفس، يغضون النظر عما يجري في جوف الإنسان صاحب الصورة السلوكية المبحوثة، ~~ويسمى هذا الفريق بجماعة «السلوكيين»، لكن هنالك أكثر من جماعة واحدة، ترى أن منبع ~~السلوك الظاهر للعين، إنما هو في باطن صاحبه، وإذن فلا بد من تعقبه إلى مصادره هناك، ~~وتلك الجماعات من علماء النفس، تعلم كلها بالطبع ما يعلمه بقية العلماء في سائر ~~الميادين، وهو أن العلم يلتزم «الظاهر»، ولا شأن له بما يخفى عن حواس المشاهدة ~~وأدواتها، إلا أن ذلك الذي يخفى عن العين والأذن، قد نستطيع استدلاله مما هو ظاهر، ~~وعندئذ يصبح عملا مشروعا أمام المنهج العلمي، ومن هنا تأخذ تلك الجماعات في ~~محاولاتها لاستدلال ما استبطنته النفس في غيبها، لتحرك به أطراف البدن الظاهرة بسلوكها، ~~وعلم النفس بهذه المحاولات، يسمونه بعلم نفس الأعماق، ليقابلوا به موقف السلوكيين في ~~عدم مجاوزتهم للأسطح الظاهرة. # وسؤالنا - مرة أخرى - وهو هذا: أحقا ذلكما اتجاهان متضادان بحيث يستحيل عليهما معا ~~أن يجتمعا عند عالم تطبيقي واحد؟ أم ms054 أنهما وجهان يمكن لهما أن يتكاملا؟ فماذا يمنع أن ~~نستخدم طريقة السلوكيين في تحليل السلوك إلى وحداته الصغرى، لكي نعيد بناء تلك الوحدات ~~في أي صورة سلوكية أردنا؟ وأن نلجأ في الوقت نفسه إلى مناهج علماء «الأعماق» كلما وجدنا ~~موقفا يقتضي ذلك، كما يحدث - مثلا - في معالجة مرضى النفس بطريقة التحليل؟ فللعلماء ~~أن يوجهوا اختصاصهم نحو هذا الجانب أو ذاك، لكن الإنسان الذي هو موضوع البحث مشتمل على ~~هذا وذاك معا. # وننتقل إلى مثل ثالث، نأخذه من مدارس النقد الأدبي، وأظن أن كثيرين ممن لهم اهتمام ~~بالحركة الأدبية، يعلمون كم دار في حياتنا الأدبية من معارك نقدية، وربما يكون صليلها ~~قد جلب الشهرة للمتبارزين، لكنها إذا ما فحصت جيدا، وجدناها معارك في غير معترك، فقد ~~تدور المعركة - مثلا - بين ناقد يرى أن جودة المنتج الأدبي مرهونة بمقدار قدرته على ~~الكشف عن حقيقة الأديب الذي أنتجه، فيرد عليه ناقد ثان، ليقول: إن مقياس الجودة لا يعول ~~على استخلاص الصورة النفسية للأديب، بل يعول على صورة المجتمع كله وما يمكن أن ينتفع به ~~من ذلك المنتج الأدبي، وقد يدخل ناقد ثالث فيقول: لا أنت على حق، ولا هو على حق؛ لأن ~~الأدب تقاس جودته بكيفية بنائه، بغض النظر عما هو كامن في ثناياه من تصوير لمنتجه أو ~~تصوير لمجتمعه ... فلو سئل كاتب هذه السطور: أي هذه المذاهب النقدية تختار؟ لما تردد في ~~الإجابة بأني بحاجة إليها جميعا، فكلما ازدادت الجوانب التي أنظر منها إلى المنتج ~~الأدبي، ازددت لها فهما وتقديرا. # وننتقل إلى مثل رابع، نأخذه من فلسفة الأخلاق، فهنالك ضروب من الفعل يكاد يجمع البشر ~~جميعا على قبولها، وضروب أخرى يكاد الإجماع ينعقد على رفضها، وفلسفة الأخلاق من شأنها ~~أن تبحث عن الفيصل الذي يميز هذا الضرب من ذاك، وقد حدث أن تفرق أصحاب الفكر الفلسفي ~~في هذا الموضوع، فمنهم من انتهى به التحليل إلى القول بأن ذلك الفيصل هو مقدار المنفعة ~~التي تعود على الإنسانية - في آخر المطاف - من الفعل المعين، ms055 فالأكثر نفعا أكثر فضلا، ~~والضار مرفوض، ومنهم من لا يرى هذا الرأي، إذ يهديه تحليله إلى نتيجة أخرى، كأن يقول - ~~مثلا - بل الفعل المقبول مرفوض علينا بحكم طبيعته ذاتها، سواء أجاءنا منه النفع أم ~~جاءنا خسار، وهكذا تتعدد الاتجاهات، فيظن المتسرع أن هذا الاختلاف وراءه اختلاف آخر في ~~صور الأفعال ذاتها، في حين أن البشرية كلها، تكاد تجمع - وعلى امتداد تاريخها - على ~~الفعل الذي يكون فضيلة والفعل الذي يكون رذيلة، وينحصر موضع الاختلاف في عملية التحليل ~~على المستوى النظري فقط، ومن طريف ما أذكره في هذا السياق أنني - بحكم وقفتي الفلسفية ~~التي أقفها - أرى أن الألفاظ الدالة على فضائل أو على رذائل لا تصلح أن تساق في جملة ~~علمية، ومجالها مجال آخر غير مجال العلوم، فنشر عني كاتب ذات يوم، أنني بمثل هذه الوقفة ~~المنهجية أعد داعيا للخروج على الحياة الخلقية! فالذي أعوز ذلك الكاتب، هو التفرقة بين ~~«موضوع» من جهة، وتحليله من جهة أخرى، وأكرر القول: إن الإنسانية كلها، بجميع شعوبها، ~~وفي جميع عصورها، لا تكاد تختلف على ما هو فضيلة وما هو رذيلة، برغم اختلافها في عادات ~~المعيشة اليومية، لكن ذلك الإجماع لا ينفي أن يتصدى مفكرون للبحث عن ينابيع القيم ~~الأخلاقية أين وكيف، وفي عملية البحث تختلف السبل بالباحثين. # وننتقل إلى مثل خامس، نأخذه من السياسة، أو على الأصح من فلسفة السياسة، ولعلك تعلم ~~أن الفرق بين موضوع معين وفلسفته، كاللغة وفلسفتها، والتاريخ وفلسفته، والفن وفلسفته، ~~وهكذا، هو أنه بينما قوام الموضوع حين يساق في مستوى «العلم»، هو مجموعة قوانينه ~~وقواعده، وأما حين ننتقل إلى «فلسفته»، فذلك يكون بالبحث وراء تلك القوانين والقواعد عن ~~مبدأ عام يوحدها، ويكون هو المنبع الخفي الذي تنبثق منه تلك القوانين والقواعد، وهكذا ~~الفرق بين «السياسة» حين تساق علما مع سائر - العلوم، ثم حين يرجع بقوانينها وقواعدها ~~وطرق ممارستها، إلى مبدأ مضمر، وذلك المبدأ المضمر في مجال السياسة، هو - أساسا - ~~تحديد العلاقة بين المجتمع المعين وأفراده ، تحديدا نستند فيه إلى ما نفترضه ms056 بقوة الفكر ~~الخالص، أو بنفاذ البصيرة، ما نفترضه عن حالة الناس في أول نشأة المجتمع، كيف كانت قبل ~~أن يتعاقد الناس على المشاركة في مجتمع موحد، ثم على أي أساس كان ذلك التعاقد، أو - ~~ربما - اللاتعاقد؛ لأن هنالك من فلاسفة السياسة من يرد البناء الاجتماعي إلى إرادة زعيم ~~قوي فرض سلطاته على الأفراد؛ لينخرطوا في نظام معين يضعه لهم، ويفرضه عليهم. # ومن فلسفة السياسة هذه، أستمد المثل الخامس من الأمثلة التي أريد بها البيان بأن ~~معظم الحالات التي نظن أن الآراء فيها متضاربة متعارضة، وتكون حقيقة الأمر فيها هي أن ~~الاختلاف هو نحو التكامل أقرب منه إلى التعارض والتضاد، ففي فلسفة السياسة خرج أصحابها ~~بتيارين مختلفين في وصف العلاقة بين المجتمع وأفراده، فأما أولهما: فيجعل الحرية ~~للأفراد، بحيث تكون الوظيفة الرئيسة للمجتمع ممثلا في «الدولة»، هي التنسيق بين تلك ~~الحريات الفردية في مختلف أوجه نشاطها، ليحصل كل فرد على أقصى حد ممكن من الحرية، ~~بعد أن يحسب حساب حريات الأفراد الآخرين، وبهذا تكون الدولة قد أقيمت لتنسق، لا لتسيطر، ~~ذلك تيار، وأما التيار الآخر: فيرى أن المحور هو البناء الاجتماعي وليس أفراده، فالحر ~~هو المجتمع، وحرية الفرد معناها أنه يعيش في مجتمع حر، وكيف تفهم عبارة «المجتمع الحر»، ~~إلا إذا تصورناه وكأنه كيان عضوي متماسك الأطراف، متصل الأعضاء، على نحو يجعل حركة ~~النشاط منسوبة إلى الجسم الاجتماعي وهو موحد، ولا يبقى للفرد الواحد بعد ذلك من حرية ~~يستقل بها إلا بمقدار ما نرى مثل تلك الحرية منسوبة إلى عضو واحد في كائن حي، كأن تكون ~~الذراع حرة، والكبد حرة وهكذا، والمعروف الشائع في عالم السياسة في يومنا الحاضر، هو أن ~~غرب أوروبا ومعه الولايات المتحدة الأمريكية، وما جرى مجراهما من سائر الدول، يأخذ في ~~فلسفته السياسية بالطراز الثاني، الذي يجعل الأساس هو حرية الدولة ممثلة ~~للمجتمع. # ونجيء الآن إلى سؤالنا الذي كررناه في الأمثلة السابقة جميعا، وهو: أليست حقيقة ~~الأمر هي أن بين الفكرتين تداخلا، إذا لم يكن بينهما تكامل ms057 تام؟ فانظر إلى دول الفكرة ~~الأولى تجد حرية الأفراد مستحيلة التصور إلا في إطار عدد من القوانين قد يعد بالألوف، ~~إن الأمر في سير الفرد، يشبه من يسير في متاهة كثرت فيها الحوائل والحواجز والسدود، ~~فضلا عن استحالة قيام حياة فردية إلا وهي منتمية إلى جماعات صغيرة أو كبيرة، كالانتماء ~~إلى الأسرة والقرية والمصنع، وإذن فهي حرية للفرد مقيدة بشبكة تلتف عليها الخيوط ~~وتكاد لا تترك لها منفذا للفرار، وعكس ذلك صحيح بالنسبة إلى النمط الثاني، فكون الحرية ~~منسوبة فيه للدولة لا للفرد، لا يمنع ذلك أن يمرح الفرد في دائرة واسعة من حياة يستقل ~~فيها بميوله الخاصة وأوجه نشاطه الخاصة، ولو أخذت فردا من النمط الأول وفردا من النمط ~~الثاني، وحللت حياتهما إلى تفصيلاتها، برز لك التشابه أكثر مما يبرز لك الاختلاف، ~~والمسألة تنحصر في النسبة التي يضبط بها الجانبان: جانب الدولة وجانب الفرد، في كل من ~~الحالتين، فواحدة تشرب الشاي باللبن، والأخرى تشرب اللبن بالشاي. # ولقد قدمت الأمثلة الخمسة السابقة، مأخوذة من ميادين للفكر مختلفة لأجعل منها تمهيدا ~~يمهد الطريق إلى المثل السادس الذي نأخذه من المجال الديني، فهنالك اختلافات بين ~~الديانات الثلاث الكبرى؛ وأعني اليهودية، والمسيحية، والإسلام، ثم هنالك في كل دين ~~منها أقسام ومذاهب، فقد تكون فروع الاختلاف هنا كذلك قد ضخمتها أوهام التعصب، في حين ~~أننا إذا أخذناها على حقيقتها، وجدنا أوجه الشبه أشد قوة من أوجه الاختلاف، إنني على ~~هذه العقيدة، وأستغفر الله إذا كنت قد أخطأت سواء السبيل، فأما الديانات الثلاث، فحسبنا ~~انتماؤها جميعا إلى سيدنا إبراهيم - عليه السلام - آمن بالله الواحد، فجاءت الديانات ~~الثلاث مؤمنة بالله الواحد على اختلاف بينها في التعبير، ولست أريد الإسهاب في ذلك؛ حتى ~~لا أتحدث فيما قد لا يكون لي به علم صحيح، لكنني أنتقل إلى الإسلام وأقسامه وفروعه ~~وجماعاته، فربما عرفت هنا ما يكفل لي قدرا بشريا من صواب الرأي، والرأي في مجمله هو ~~أن ظلال الاختلافات بين تلك التفريعات كلها، قد ضخمها الوهم الذي نبت ms058 - أساسا - في ~~تربة من وطنية أو قومية ضيقة الأفق. # وخذ أوسع الفجوات من تلك الفروع والأقسام؛ وأعني أهل السنة من جهة، والشيعة من جهة ~~أخرى، ولنسأل أنفسنا بادئ ذي بدء: ما الذي استهدفته الشيعة ليكون حجر الأساس؟ كان أول ~~سؤال طرح، هو هذا: لقد نزل القرآن الكريم وحيا على محمد - عليه الصلاة والسلام - فإذا ~~أشكل على الناس أمر أثناء حياة النبي، سألوه، فكان ما يجيب به قاطعا بصوابه، ولكن كيف ~~تكون الحال بعد موت النبي - عليه الصلاة والسلام؟ من ذا يجيب بمثل هذا الصواب القاطع، ~~إذا أشكل على الناس أمر؟ أنترك لكل مسلم فرد - حتى ولو كان من العلماء - حرية أن يجيب؟ ~~وإذا كان الأمر كذلك، فماذا نحن صانعون إذا جاءتنا إجابات مختلفة؟ إنه ليبدو - على ضوء ~~هذا - أنه لا بد من إمام معصوم بوحي من الله، يكون له وحده حق الجواب أمام المشكلات ~~الناشئة ... ذلك هو الأساس الأول، تفرع عنه فرع سياسي، عندما أرادوا تحديد من تحق له ~~الإمامة المعصومة، فإذا نحن رددنا الخط الشيعي إلى حقيقته، ورأيناه ساعيا نحو حل تطمئن ~~له القلوب لما عساه يشكل على الناس، ثم إذا نحن وجدنا أهل السنة بدورهم يشترطون ~~شروطا لمن تحق له الإجابة عما يشكل على المسلمين في أمر دينهم، وجدنا زاوية الفرقة ~~قد ضاقت بين الشعبتين، ومثل ذلك يمكن أن يقال فيما بين المذاهب الإسلامية من ~~فروق. # إننا إذا نظرنا إلى خريطة العالم الإسلامي - والعالم الإسلامي يتجمع معظمه في رقعة ~~متصلة على الخريطة الجغرافية - وجدنا، الشيعة مركزة في جانب، وأهل السنة مركزين في ~~جانب، بل وأكثر من ذلك، وهو أن المذاهب الأربعة الكبرى داخل جماعة السنة تعود بدورها ~~فيتركز كل مذهب منها بصفة رئيسة في قطر بعينه، فالمذهب المالكي سائد في كذا والمذهب ~~الشافعي سائد في كيت، وكذلك مذهب أبي حنيفة، ومذهب أحمد بن حنبل، فماذا يدل عليه هذا ~~التجمع الجغرافي للأقسام وللفروع؟ إننا نرجح أن يكون ذلك راجعا لعوامل البيئة المحلية ~~في كل حالة، مضافا إليها مؤثرات التاريخ ms059 في كل قطر اختلفت ظروفه عن الظروف في سائر ~~الأقطار، لكن هذه الاختلافات كلها والتقسيمات كلها احتفظت وراءها بأساس واحد مشترك، ~~يكون به المسلم مسلما، وهو الإيمان بالوحي القرآني على محمد - عليه الصلاة والسلام - ~~وأن هذا الأساس المشترك، لهو من الضخامة بحيث يكفل للمسلمين جميعا وحدة تغرق في ظلها ~~كل ضروب التفرع والتشعب والانقسام. # اللهم هب لنا حكمة نرى في نورها أين تلتقي اختلافات الرأي والرؤية، قبل أن نرى أين ~~تختلف. # | عالم عابد في مركبة الفضاء # قل إنه خيال شارد جموح، أو قل إنه حلم رأيته في النوم، وجئت لأرويه للناس في الصحو، ~~أو قل ما شئت عن هذه النعمة الكبرى، التي أنعم الله بها على بني آدم وبناته فوق هذه ~~الأرض الدوارة في الفضاء، وهي أن تكون لهم القدرة على تحطيم حدود المكان وقيود الزمن، ~~إنه هنا بجسده، لكنه هناك مع أقصى النجوم والسدم بخياله، وإنه حبيس اللحظة التي ~~نسميها بكلمة الآن، لكنه حبيس فيها بسمعه وبصره وسائر حواسه، أما نعمة الخيال فقادرة ~~على الطيران به إلى ما شاء من خط الزمان فيما مضى به إلى الأزل، وفيما هو آت منه إلى ~~الأبد، ولولا تلك النعمة لما استطاع أن يتابع بكل وعيه ما يقال له عن أول الخلق كيف ~~كان، وعن يوم البعث كيف سيكون، إنها نعمة انفرد بها دون سائر خلق الله من حجر وحيوان، ~~ولست في الحق أدري إن كان يختلف بها كذلك عن الملائكة والجن؛ لأن هؤلاء كائنات بغير ~~تاريخ. # وبهذه النعمة الكبرى تخيلت عالما حملته مركبة الفضاء، فاخترق بها ما وسع مركبته أن ~~تجتازه من أجواز السماء، حتى جاوز بها دنيا المجموعة الشمسية بأسرها إلى حيث لا أدري من ~~سدم الفضاء، نعم إن الصواريخ والمركبات التي أطلعتنا الإذاعات والصحف على أخبارها، ~~كانت دائما تحمل في أجوافها ضروبا من ربابنة الفضاء، يعرفون كيف يوجهون مركباتهم ~~وصواريخهم، وكيف يفكون الأجهزة المعقدة ويركبونها، لكنهم جميعا لم يكونوا أشباها ~~للعالم الذي طيرته بخيالي بمركبته؛ لأنه ينفرد وحده دونهم بالتأمل ms060 في الماوراء، فإذا ~~كان هذا هو ما يراه، وذلك هو ما يسمعه في رحلة فضائه، فهو فوق ذلك تواق أن يستدل ~~بعقله ماذا عسى أن يكون هنالك وراء ما يرى ويسمع؟ # ولقد جعلت ذلك العالم المغامر، يدون في مذكراته كل ما يعن له مما قد تأمله ~~واستدله، فكانت فاتحة تلك المذكرات خاطرة خطرت له حتى وهو ما يزال رابضا في مركبته على ~~أرضنا قبيل انطلاقها، وهي خاطرة تقول فيها ما معناه: ليست هذه أول مرة أسبح فيها عبر ~~الفضاء في مركبة، إذ ماذا يكون الكوكب الأرضي الذي نسكنه والذي ما ينفك دائرا بنا حول ~~نفسه مرة كل يوم وحول الشمس مرة كل عام، ماذا يكون هذا الكوكب الدوار إلا مركبة ركبناها ~~لتدور بنا في الفضاء الفسيح دوران الأرجوحة الدوارة براكبيها من صغار الأطفال؟ لكن ~~الفرق الكبير بين مركبة الأرض في سبحها، وهذه المركبة في طيرانها، هو أن كوكب الأرض ~~تشده الشمس إليها بحبال خفية يسمونها الجاذبية، كأنما الشمس أم من أمهات الطير فرشت ~~جناحيها لفراخها تحتمي بهما حتى لا تضل بها السبل، فكذلك فعلت شمسنا بأرضنا تشدها ~~شدا إليها حتى تنحصر حركتها في الدوران حولها، لتأمن عليها من الضياع في ذلك التيه ~~الذي لا تحده الحدود. # وعند هذه العبارة الأخيرة انطلقت المركبة بالعالم، فكانت مذكرته الثانية خاطرة ~~استوحاها من تلك العبارة نفسها، فها هو ذا في سماء لم يعد يعرف لها حدودا تحدها، إنها ~~اللانهائية في أروع مثال لها، فتأمل هذه الكلمة جيدا، تجدك وقد أوشكت على وقفة تشبه ~~وقفات الصوفية التي قالوا عنها إنهم كانوا عندها في حالة شهود؛ أي أنهم أحسوا إحساسا ~~قويا بأنهم تمكنوا من شهود الله - جل وعلا - وليس عندي، هكذا كتب العالم في مذكرته، ~~ليس عندي ما يدعوني إلى تكذيب أولئك المتصوفة المؤمنين العابدين فيما كتبوه عما أحسوه ~~بقلوبهم، لكنني لست الآن في مثل حالتهم الصوفية أركن إلى قلبي وما أحسه، بل إني أنظر ~~نظرة العلماء وبمنهج العلماء، حين أقف وحين أدعوك لتقف معي عند ms061 هذه اللانهاية الكونية ~~متأملا إياها تأمل العالم، لا تأمل الصوفي، وأعني أن تتأملها بعقلك ومنطقه، لا ~~بقلبك في نبضه، فنحن لا نعرف اللانهاية في علومنا إلا من حيث هي مصطلح رياضي، وككل ~~التصورات الرياضية البحت (أي التي ليست رياضة تطبيقية) لا يكون للتصور الرياضي وجود في ~~الواقع الحسي، فأنت بالعقل الرياضي تتصور الصفر في الحساب وتتصور النقطة في الهندسة، ~~تتصورهما وتقيم عليهما عملياتك الرياضية في ذهنك دون أن يكون لأي منهما وجود فعلي في ~~الوجود الحسي، فالصفر هو اللاشيء وكل ما في عالم المحسوسات أشياء، والنقطة في الهندسة ~~هو ما ليس له أبعاد لا طولا ولا عرضا ولا عمقا وكل ما في عالم المحسوسات ذو أبعاد، ~~إنك لا تذهب إلى السوق لتشتري صفرا من القماش أو صفرا من الفاكهة، وما نسميه نقطة في ~~عالم الحس ليس إلا مجازا منا لسهولة التفاهم لا لمراعاة الدقة الرياضية؛ لأنه مهما صغر ~~حجم النقطة التي نرسمها على الورق فهي ذات أبعاد، بدليل أننا نستطيع أن نتصور أداة ~~للرسم أدق من الأداة التي استخدمناها في رسم النقطة، فنحصل بالأداة الأدق على نقطة ~~أصغر، وهذا الذي نقوله ينطبق على التصورات الرياضية جميعا، وبينها فكرة اللانهاية؛ ~~وذلك لأن التصور الرياضي أيا كان إنما هو تعريف عقلي لما ينبغي أن يكون في الحالة ~~المعنية التي نشير إليها بتصور رياضي معين، فنحن إذن نتصور تلك الحالة وهي في كمالها ~~المطلق، لكن الأشياء التي نمارس حياتنا العملية بها، لا كمال فيها. إن الواقع المحسوس ~~في جميع حالاته فيه خشونة وعدم استواء بدرجات تكبر وتصغر إلا أنها لا تنعدم، إذا قلنا ~~عن قطعة أرض مثلا إنها دائرية الشكل، أو إن مساحتها خمسون مترا مربعا، فذلك كله على ~~سبيل التقريب، لا على سبيل الدقة الرياضية المتضمنة في تعريفنا لأي مفهوم في العلوم ~~الرياضية. # ولا يشذ عن هذا التعميم فكرة اللانهاية، فهي فكرة نعرفها في الرياضة، لكننا لا نعرفها ~~قط في حياتنا العملية بين كائنات الدنيا وأشيائها ، فحبات الرمل في صحراوات الأرض، قد ms062 لا ~~نستطيع عدها، لكننا مع ذلك نتصور أن لها عددا ما يعلمه من في مقدوره أن يقوم بعملية ~~العد بوسيلة من وسائل العد والإحصاء، أما اللانهاية، فتصور آخر ليس هو التصور الذي ~~نتصور به أعدادا ضخمة لا نستطيع أن نحصيها، وإنما اللانهاية بحكم تعريفها: ما لا يعد، ~~ففي أي خط ترسمه نقط لا نهائية، وذلك مجرد تصور رياضي، إذ النقطة كما يتصورها الفكر ~~الرياضي لا وجود لها في الواقع الحسي، وها أنا ذا - هكذا قال عالم المركبة الفضائية في ~~مذكرته الثانية - ها أنا ذا أسبح بمركبتي في لا نهاية سواء نظرت إليها من ناحية التصور ~~الرياضي أم نظرت إليها من ناحية إحساسي بحقيقة الواقع، فمن الناحية الأولى، نقاط المكان ~~لا متناهية ولحظات الزمن كذلك لا متناهية سواء نظرت إلى ما مضى منها، أو إلى ما هو آت، ~~فماضيها يمتد إلى أزل وآتيها يمتد إلى أبد، وأما من الناحية الثانية، فالكون الذي أسبح ~~فيه هو كون بلا حدود، بمعنى أنه - كما يقول العلماء عنه - كون يمتد امتدادا لا ينقطع، ~~فهو إذن بالنسبة لي كالأفق بالنسبة للمسافر على سطح الأرض؛ لأنه يتسع ويتراجع أمام ~~المسافر حتى لكأن ذلك المسافر لم يتقدم من نقطة ابتدائه شبرا واحدا. # ومن ذا الذي يذكر هذه اللانهاية التي أسبح في رحابها، ولا يذكر معها الواحد الأحد ~~الحي القيوم الله جل جلاله، واحد في ذاته، واحد في خلقه لا تحده حدود مكانا أو زمانا، ~~وقد يختلط الأمر عند المبتدئ الصغير بين الواحد في هذا المعنى، والواحد في سلسلة ~~الأعداد التي حفظها وعرفها في علم الحساب، لكن واحد الحساب بداية لسلسلة أعداد تأتي ~~بعده في خط واحد، أما واحدية الله وواحدية الكون فمعنى آخر، هو المعنى الذي يجعل الواحد ~~لا يجيء إلى جانبه اثنان لتضم واحدين في مجموعة، ولا ثلاثة لتضم ثلاثة في مجموعة ... الله ~~واحد في ذاته، موحد في صفاته على كثرة هذه الصفات، ولقد تعب المفكرون الإسلاميون ~~الأقدمون في التماس التصور الذي يجعل من كثرة الصفات وحدة ms063 لا تعدد فيها للذات الموصوفة ~~بها، فهل كانوا - يا ترى - يقعون في الحيرة نفسها، إذا كانوا قد استعانوا على الفهم ~~بنظرة ينظرون بها إلى هذا الكون اللانهائي، الذي هو كثير بكائناته وشموسه وسدمه ~~ونجومه، لكنها كثرة ترتبط كلها برباط يجعل منها كونا واحدا يتصل كل ما فيه، بكل ما ~~فيه حتى ليستحيل على عقل أن يتصور جزءا من تلك الأجزاء الكثيرة اللامتناهية في ~~كثرتها، وقد انفصل وحده أين ينفصل؟ وكيف ينفصل؟ ومتى ينفصل؟ # وانتقل عالم المركبة الفضائية بعد ذلك إلى مذكرته الثالثة، فبدأ بذكر جاجارين الروسي؛ ~~الذي كان أول من شق الفضاء بصاروخ ثم عاد إلى الأرض، ليسأله سائل: هل رأيت الله؟ ~~فأجابه بما معناه أنه بحث عنه فيما صعد إليه من السماء فلم يجده، ذكر ذلك عالم مركبتنا ~~ليأخذه العجب من جاجارين هذا، وما الذي كان جاجارين يتوقع أن يراه ولم يجده؟ إن ~~الصاروخ الذي صعد به، ما كان ليقام، وما كان ليطير به إلى حيث طار، ثم ليعود به إلى ~~الأرض سالما، إلا إذا كان العلماء أقاموا حسابهم على افتراض متين مكين بأن الكون بكل ~~ما فيه يسلك كما يسلك وفق قوانين محسوبة بدقة ليس بعدها دقة، ومن هنا طار الصاروخ ~~سالما وعاد سالما، وليست القوانين التي تمسك أجزاء الكون مفرقة بعضها من بعض، ولا هي ~~مستقلة بعضها عن بعض؛ وذلك لأنه كون واحد، له كيان عضوي واحد، وقوانينه، وإن تكن كثيرة، ~~فهذه قوانين للضوء ومساره، وتلك قوانين للجاذبية، وثالثة قوانين للكهرباء وللمغناطيسية ~~إلخ، إلا أنها حسبت كلها على نحو يجعلها موحدة برغم كثرتها، وإذا كان هنالك منها ما ~~لم يستطع العلماء بعد أن يسلكوه في تلك الوحدة فهم في طريقهم إلى هذا الهدف، فحتى لو ~~كان ذلك الجاجارين ممن لا يؤمنون بوجود الذات الإلهية، أفلم يكن في مستطاعه أن يرى ~~الألوهية في ذلك الكون الموحد بقوانينه؟ # ولقد رأى الفلاسفة الأقدمون - من اليونان ومن المسلمين على حد سواء - شبها دقيقا ~~في بنية التكوين، بين الكون في كليته وفي ms064 توحده، وبين الفرد الإنساني في كليته وفي ~~توحده، حتى لقد أطلق اليونان والمسلمون اسم الكون الكبير على العالم، واسم الكون الصغير ~~على الإنسان، فكل منهما موحد الكيان برغم كثرة الأجزاء وكثرة ما يحكم تلك الأجزاء من ~~قوانين. # وماذا تكون القوانين الممسكة بأجزاء الكون في كيان موحد واحد، إذا لم تكن عقلا؟ إن ~~أهم وظيفة يؤديها العقل أينما كان أنه يرتب الأجزاء ترتيبا يوحدها ويجعل لها معنى، كما ~~يجعل من الممكن أن تستدل النتائج من ذلك الكل المرتب، وأسوق لك مثلا صغيرا للتوضيح: ~~افرض أنك رأيت هذه الكلمات مكتوبة: أخي كانت قابلت الساعة حين الثامنة، فماذا تفهم ~~منها، وماذا تستدله؟ لا شيء، لكن رتبها لتكون: كانت الساعة الثامنة حين قابلت أخي، فهنا ~~يكون الفهم ويكون الاستدلال إذا أردناه، لماذا؟ لأن مجموعة المفردات أصبحت تحمل فكرة ~~عقلية بفضل ترتيبها على هذا النحو الجديد، وبعد ذلك فانظر - هكذا كتب عالم المركبة في ~~مذكراته - فانظر إلى أي جزء من أجزاء الكون الكبير أو من أجزاء الكون الصغير، وسوف ترى ~~عناصر اجتمع بعضها إلى بعض على صورة تجعلها عقلا فيفهم ويستدل منه، ولولا ذلك الترابط ~~الذي يجعل للظواهر معناها، كما يجعل للكون في مجموعه الموحد معناه، لما استطعنا أن ~~نستخرج قانونا علميا واحدا نسلك الظواهر على أساسه، ونعود إلى جاجارين لنسأله لو ~~كان لا يزال حيا يسمع: ألم تر العقل مجسدا أمامك في أجزاء الكون كما ترابطت؟ فإذا ~~كنت قد رأيته فلماذا لم تجب السائل بقولك: رأيت عقلا عظيما؟ ولو قلتها لكنت قريبا ~~ممن يقول إنه رأى دليلا عقليا على وجود الله. # لقد كانت لمحة عبقرية من الإمام أبي حامد الغزالي، في كتابه «مشكاة الأنوار» الذي ~~خصصه لتفسير آية النور: # الله نور السموات ~~والأرض ... # حين فهم النور بمعنى الإدراك، والإدراك عقل، ثم أخذ يوضح كيف ~~أن الإدراك المثبوت في أرجاء الكون يكون على صور مختلفة صورة المصباح في المشكاة، وصورة ~~المصباح في زجاجة، وصورة الكوكب الدري، فالمصباح في المشكاة يقابل الجانب الإدراكي ~~الذي يتمثل في ms065 إدراك السمع والبصر وسائر الحواس لما حولها، والمصباح حين تحيط به زجاجة ~~فيجعل شعلة الضوء أكثر تحديدا وأقوى سطوعا، وأما الكوكب الدري الذي يضيء بذاته لا ~~بمدركات تأتيه من سواه فهو ذلك الإدراك الذي يرى الحق برؤية مباشرة، وأحسب أن لو كان ~~إمامنا الغزالي مع جاجارين في رحلة الفضاء، لفتح له عينيه لتريا وعيا إدراكيا ~~عقليا ساريا في الكون سريان الأريج في الوردة، فإذا كان من حقه أن يسأل والوردة ~~أمامه: أين الأريج؟ إني لا أراه، جاز له أن يقول - ودلائل العقل منشورة أمامه - أين ~~الله؟ إني لا أراه. # الله هو الحي القيوم، أما أنه قيوم؛ فذلك لأنه سبحانه يقيم ذاته بذاته ولا يعتمد على ~~كائن آخر خارج ذاته ليقيمه، وأما الكون المخلوق له، فهو مع كل ما يسري في أجزائه ~~وأوصاله من نور العقل، فهو مستند في قيامه إلى إرادة الله - عز وجل - والله حي، وعن ~~معنى الحياة حين تكون صفة من صفات الله يقول الإمام الغزالي في كتابه المقصد الأسنى: إن ~~المقصود هو قدرة الإدراك وقدرة الإرادة، وليس يتبع صفة الحياة بالنسبة للخالق، ما يتبع ~~تلك الصفة في مخلوقاته، من حيث ضرورة الغذاء والنمو والتكاثر، بل هي مقصورة على أنه ~~عليم ومريد، والعلم عقل والإرادة فعل، وهاتان الصفتان قد انعكستا على كل ما هو موجود ~~في الكون العظيم الذي أنا سابح الآن في أقطاره - هكذا كتب عالم المركبة الفضائية في ~~مذكراته، فكل جزء بل كل جزيء بل كل جزء من جزيء في جنبات الكون، مرتب على صورة تجعله ~~كالجملة المفيدة ذات المعنى - كما أسلفنا القول في مذكرتي هذه - وترتيبها هو نفسه جانب ~~العقل منها، هل تذكر ما قاله عبد القاهر الجرجاني في إعجاز القرآن حين أخذ يحلل البلاغة ~~ليقع على أسرارها؟ وإذا سر أسرارها - كما رآه الجرجاني - هو طريقة ترتيب المفردات في ~~الجمل، فلو حاولت أن تغير في هذا الترتيب، بأن تزحزح لفظة من موضعها تقديما ~~وتأخيرا، لفقدت الجملة البليغة شيئا من بلاغتها، لماذا؟ لأنه على دقة الترتيب ms066 تتوقف ~~مطابقة الجملة لما يقتضيه منطق العقل، فللعقل أحكامه: ماذا يجب أن يسبق ماذا في ترتيب ~~الكلام المعقول؟ وإذن فنحن لا نجاوز الحق في شيء، إذا نحن زعمنا ما زعمناه من سريان ~~العقل في الكون سريان العطر في الوردة الفواحة بالشذى، وهل تذكر كذلك ما انتهى إليه ~~فيلسوف هذا العصر في مجال العلم وفلسفته وهو برتراند رسل؟ إنه هو الآخر وقف وقفة طويلة ~~عند المعنى في الجملة، من أي شيء ينبثق؟ وهنا نراه يعيد شيئا كالذي سبقه إليه عبد ~~القاهر الجرجاني، ألا وهو الطريقة التي رتبت بها الكلمات، لولا أن الجرجاني كتب ما كتبه ~~بلغة الأديب الذي تجيء ألفاظه موحية بالكيف لا بالكم، وأما برتراند رسل فقد أجرى ~~تحليلاته على منهج العالم الرياضي الذي يستخدم رموزه على صورة توحي بالكم أكثر جدا ~~مما تشير إلى مضمونات الألفاظ وكيفها، لكن هذا الاختلاف بين الرجلين لا يمنع أن يكونا ~~قد اتفقا معا على سر المعنى وسر البلاغة حين يجيء ذلك المعنى في عبارة بليغة، وإني ~~الآن - وهذا قول العالم في مركبته الفضائية - لأراني أمام كتاب عظيم تفتح لي صفحاته ~~واحدة بعد أخرى لأقرأ، وإني لأقرأ فأجد المعاني الضخمة تنساق إلى ذهني معنى في أثر ~~معنى، وإنها لمعان سيقت في بلاغة هي ذروة البلاغة لهذا الترتيب المحكم بين أجزاء الكون ~~العظيم. # وأخيرا جاءت المذكرة الرابعة لعالم مركبة الفضاء، يقول فيها ما خلاصته: إنه لا بد ~~أن يكون مصابا بالعمى والصمم مطموس القلب مفقود الذكاء، من لا يرى الربوبية في هذا ~~الكون وفيما وراء هذا الكون، لقد كثر الكلام واختلف رجال الفكر على تعاقب العصور، في ~~الصفة الجوهرية التي تميز الإنسان وحده دون سائر كائنات الأرض، فجعلها مفكرو اليونان ~~القديمة، عقلا مضافا إلى سائر الصفات التي تصف الحيوان، ففي الإنسان كل ما في الحيوان ~~ثم تميز بالنطق الذي هو إذا ما انتظمه منطق في ترتيبه واستدلالاته كان هو العقل، ثم جاء ~~بعد ذلك من احتفظ للإنسان بالعقل، ولكنه وجد أولوية في طبيعة الإنسان لصفة ms067 أخرى هي ~~الوجدان أنا وهي الإرادة أنا ثانيا وهي اللاعقل - أو اللاشعور - أنا ثالثا وهكذا، ~~ولست بقدري الضعيف منافسا لأحد من هؤلاء، ولكنني في حيرة أتساءل كيف فاتتهم صفة القدرة ~~على إدراك ما في الكون من ربوبية لتكون هي الصفة الأعمق جذورا والأدق تمييزا للإنسان؟ ~~فها نحن أولاء نرى في عصرنا هذا تحليلا جديدا للعمليات العقلية كلها، فإذا هي تنحل ~~إلى جزئيات في وسع آلة أن تؤديها، أو أن تؤدي كثيرا منها (كما نرى في الآلة الحاسبة)، ~~وكذلك قد نجد ما يشبه دفعات الوجدان، وما يقترب من عزمات الإرادة في الحيوان، ودع عنك ~~جانب اللاعقل فهو إلى صفات الحيوان أقرب، أما الذي نراه مميزا للإنسان حقا، مما ~~يستحيل استحالة قاطعة على أن يكون للحيوان نصيب منه، فهو إدراك الربوبية في الكون ~~ووراءه، ومن هنا كان الإنسان وحده دون سائر مخلوقات الله فوق الأرض، الذي يعبد الله، ~~فالعبادة صفة لا يشارك الإنسان فيها كائن آخر من كائنات الدنيا، اللهم إلا الجن، إذ ~~تقول الآية الكريمة: # وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ~~، وأستغفر الله أن أكون قد ضللت سواء السبيل حين خطرت لي ~~خاطرة في هذا الصدد، وهي أنني تأملت هذه الآية الكريمة فقلت إن اسم الجن مشتق من الأصل ~~اللغوي الذي معناه الخفاء، فنقول الجنن، ونقول جن الليل بمعنى أنه اظلم، وهكذا، فماذا ~~يربط الجن والإنس برباط العبادة؟ قلت: ألا يكون هو الرابطة بين ما استتر، وما انكشف؟ ~~ففي كتاب الكون العظيم قوى خافية، وامتياز الإنسان هو أنه كاشفها بعلمه شيئا فشيئا ~~بتوفيق من الله، وعبادة الله واجبة على من حمل السر بأمر ربه، وعلى من كشف السر - ما ~~استطاع - بأمر ربه أيضا. # وختم عالم المركبة مذكراته بعبارة شاع في كلماتها الأسف والأسى، إذ وردت على ذهنه ~~المقارنة بين ما يستطيع به المؤمن العابد أن يعلو وأن يسمو بمقدار ما أراد الله له ~~وللكون علوا وسموا، وبين ذلك الصغار الذي يلجأ إليه الدعاة بين أهل الأرض، حين لا ~~يجدون ما يقولونه ms068 إلا أن الإنسان أصغر من أن ينافس ربه، كأن الخالق ومخلوقه في تنافس ~~وسباق. # القسم الثاني # | من عوامل القوة # | يموت الإنسان ليحيا # منذ بضع سنوات، شاءت لي المصادفة ذات مساء، أن أفتح التليفزيون لأشهد حلقة من برنامج ~~ديني، جيء فيه بمجموعة من أكبر أساتذة جامعاتنا في مجال العلوم، وروعي فيهم أن يكونوا ~~ذوي تخصصات مختلفة، ودبر لهم أن يتجمع أمامهم عشرات المئات من طلاب الجامعة، وكان ~~الموضوع الذي أعد ليكون مطروحا للعرض والمناقشة، هو أن يبين العلماء - كل في ~~ميدان تخصصه العلمي - أن في القرآن الكريم من الحقائق العلمية، في كل ميدان من ~~الميادين التي جاء الأساتذة الأجلاء ليمثلوها، ما يتطابق مع أحدث ما وصلت إليه تلك ~~العلوم من نتائج. # وإنه ليتعذر على مثل كاتب هذه السطور، بتخصصه في الفلسفة، أن يناقش علماءنا الأفاضل ~~في تخصصاتهم العلمية، فالمفروض أن تكون الكلمة الأخيرة لهم، فيما يمس موضوعات النبات، ~~والحيوان، والفلك، وغيرها، مما جاء الأساتذة الكبار ليتحدثوا فيه، وليجيبوا على ما ~~قد يوجه إليهم من أسئلة الطلاب، لكنني - مع ذلك - أشعر بأن واجبي العلمي يقتضي أن ~~أشير بلمحة سريعة إلى ما أراه انحرافا خطيرا عن النظرة العلمية الصحيحة فيما قبل ~~الأساتذة الجامعيون أن يشاركوا في مجاراة الرأي العام في اتجاهه؛ لأنه إذا سمع الجمهور ~~- وسمع طلاب العلم - قولا من أكبر المتخصصين في العلوم عندنا يقرر بأن في الكتاب ~~الكريم، من قوانين العلوم الطبيعية، ما يتطابق مع آخر صيحة عصرية في تلك العلوم، فمن ~~الذي يجرؤ بعد ذلك أن يحاجهم في خطأ شاع في مرحلتنا الزمنية هذه بين الناس، ربما أكثر ~~مما شاع في أي مرحلة سابقة، مع أن الفرض هو أن أمتنا تسير من الأجهل نحو الأعلم، حقا ~~لقد انحرف علماؤنا هؤلاء انحرافا خطيرا عن النظرة العلمية في الأساس الذي اجتمعوا من ~~أجله، وفي بعض التفصيلات التي سأبينها فيما يلي من هذا الحديث ... # أما من حيث الأساس، فالقرآن الكريم إنما نزل مع الوحي كتابا فيه عقيدة وشريعة، فإذا ~~وردت فيه إشارات إلى ms069 حقائق مما قد نراه مندرجا تحت علم من العلوم، فإنما أقصد بها أي ~~شيء مما يتفق مع سياق ورودها، إلا أن تكون قد جاءت بقصد أن تكون «علما» بالمعنى الذي ~~نفهمه من هذه الكلمة عندما يراد بها العلوم الطبيعية في أي فرع من فروعها، وأقل ما ~~يقال من ذلك، أن ما قد أنزل به القرآن الكريم إنما هو حق ثابت، وسيظل ثابتا ما بقي ~~مكان وزمان فيهما إنسان، وإلا فما الذي يمكنه أن يتغير في عقيدة أن الله - سبحانه ~~وتعالى - واحد أحد صمد، وما الذي يتغير في أي قيمة من القيم الأخلاقية الواردة في ~~الكتاب والتي منها؟ يتكون إنسان كامل، إذا هو استطاع أن يذهب معها إلى حدها الأقصى؟ ~~وأما «العلم» فهو بحكم طبيعته نفسها يصحح نفسه بنفسه عصرا بعد عصر، بمعنى أن الحقائق ~~العلمية المقرر لها الصدق في عصر ما سرعان ما يتبين أن صدقها منحصر في دائرة محدودة من ~~وقائع مجالها التطبيقي، فيحاول العلماء في إثر ذلك البحث عن صيغ جديدة للقانون العلمي ~~الذي ثبت قصوره لكي تستطيع الصيغة الجديدة أن تغطي كل ما قد ظهر للإنسان من وقائع ~~المجال التطبيقي، وهكذا تظل الوقائع تتكشف لنا ونظل نلاحقها بتغير القوانين العلمية ~~من صيغ أضيق مجالا إلى ما هو أكثر سعة وشمولا ... فمن الذي يرضى لعقيدته الدينية أن ~~توضع في هذا المنظور المتغير مع تعاقب العصور؟ أليس يكفينا من الإسلام أن يحيل الإنسان ~~إلى «عقله»، وأن يحضه حضا على إعمال هذا العقل فيما يوسع علمه بحقائق الكون؟ فإذا كان ~~علماؤنا الأجلاء قد طاب لهم العوم على الموجة الشعبية، فجاءوا إلى تلك الندوة ليقولوا ~~لطلاب العلم المجتمعين أمامهم وإلى ملايين المشاهدين في طول البلاد وعرضها إن في القرآن ~~الكريم «علوما طبيعية» تطابق آخر صيحة في تلك العلوم، فماذا عساهم - يا ترى - قائلين ~~حين تجيء بعد الصيحة الأخيرة، صيحة ثانية تعقبها ثالثة ورابعة ...؟ # فلم يكن علماؤنا الأجلاء على صواب، حين استجابوا لدعوة تحقق غاية في نفوس الداعين، ~~لكنها يقينا تصيب التربة ms070 العلمية لطلابنا وللشعب كله بضربة في الصميم، هذا من حيث ~~الأساس، وأنتقل إلى تفصيلات سمعتها ممن كان أول المتحدثين، وقد جعل موضوعه نشأة الحياة ~~من مصدر لا حياة فيه؛ ليبين بعد ذلك لسامعيه مدى الصواب العلمي، في قول الله تعالى: # يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من ~~الحي ~~، فوقع في خطأ لم نكن نتوقع مثله من مثله، فكلمة «ميت» «بالياء ~~المشددة» وكلمة ميت «بالياء الساكنة» مختلفتان في المعنى اختلافا بعيدا، وذا صلة ~~شديدة بالموضوع الذي كان الأستاذ يتحدث فيه، فالكلمة وهي بالياء المشددة كالتي وردت ~~في الآية الكريمة التي كانت مدار الحديث، ليس معناها أن المشار إليه بها قد مات ~~بالفعل، ولكن معناها أنه صائر إلى الموت، أي أن المشار إليه بهذه الكلمة المشددة ياؤها ~~هو «حي» غير أن حياته إلى أجل. وهنا يكون اختلاف في معنى «الحي» حين تكون اسما من ~~أسماء الله تعالى، وحين تكون مشيرة إلى الإنسان أو غير الإنسان من الكائنات الحية، ~~فالحي سبحانه وتعالى حياته أزلية أبدية لم تبدأ عند لحظة معينة ولن تنتهي، وأما الكائن ~~من الكائنات الحية المخلوقة لله فحياته لها أول ولها أجل تنتهي عنده صورتها الأرضية ~~التي كانت عليها، وأما «ميت» ذات الياء الساكنة فهي التي يشار بها إلى من مات بالفعل، ~~كالتي وردت في الآية الكريمة # أيحب أحدكم أن يأكل ~~لحم أخيه ميتا فكرهتموه # والتي وردت في الآية الكريمة # حرمت عليكم الميتة ... ~~. # وعلى هذا الضوء، ماذا يكون معنى الآية الكريمة التي جعلها الأستاذ في تلك الندورة ~~مدارا لحديثه، وهي # يخرج الحي من الميت ومخرج ~~الميت من الحي ~~؟ معناها أن حيا يخرج من حي مصيره الموت، كما ~~خرج هذا الحي الذي هو صائر إلى الموت من حي قبله؛ أي أن الله - سبحانه وتعالى - يخرج ~~حيا من حي - من حي - من حي - في تسلسل يمتد إلى ما شاء سبحانه وتعالى، فالحي الفرد ~~يموت، وكان قد خرج منه حي آخر قبل أن يجيئه الأجل، فهو يموت ولكن تظل الحياة في نسله ~~ما شاء ms071 لها الله أن تبقى، وإني لأستغفر الله إذا كنت قد أخطأت الفهم، أما إذا لم أكن، ~~إذن لقد كان حديث الأستاذ مقاما على خطأ، فلو فرضنا أن ما قاله عن مطابقة العلم الجديد ~~في آخر صيحة له لما ورد في القرآن الكريم، كما دلت عليه الآية الكريمة # يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من ~~الحي ~~، أقول: إننا لو فرضنا أنه كان على صواب فيما قاله فلقد كان ذلك ~~الصواب متعلقا بموضوع غير الموضوع الذي طرحه ليتحدث فيه، إذ إن حديثه كان حول خروج ~~حياة من موات. # وتسلسل الأحياء من حي، مع الإيمان بحكمة الخالق جلت قدرته، يرجح ألا يخفى علينا ~~رؤية الحكمة في تسلسل أشباه تتساوى في كل دقائق التكوين، ويكفي أن نذكر أن الأحياء ~~المتلاحقة - في النوع البشري - كان منها ما جاءته رسالة السماء فاهتدى، ومنها ما لم ~~تبلغه أو بلغته ولم يهتد، والقرآن الكريم مليء بالقصص التي تبين «كيف تطورت» أقوام في ~~مجرى التاريخ، وكيف جمدت أقوام أخرى أو انهار بنيانها لعلة خلقية أصابت أصحاب ذلك ~~البنيان، ولست أظن أن أحدا في وسعه أن يفهم التاريخ حق فهمه، إذا هو افترض منذ البداية ~~أن حلقات التسلسل جاءت متشابها بعضها ببعض كأنه نسخات مطبوعة من كتاب واحد. # فالأرجح عند العقل أن يكون تسلسل الأحياء - حيا من حي - في تيار متصل متضمنا ~~فكرتين: فكرة التطور، وفكرة التقدم، والفكرتان ليستا بمعنى واحد، وإن تشابهتا، إذ إن ~~التطور هو انتقال الكائن من طور إلى طور في تاريخه، لكن ليس حتما أن يجيء ذلك ~~الانتقال مما هو أدنى مرتبة إلى ما هو أعلى، بل قد يكون الانتقال بين حالتين ~~متساويتين، وقد يكون مما هو أعلى إلى ما هو أدنى، كما حدث بالفعل ويحدث بالنسبة إلى ~~أفراد الناس وإلى مجتمعاتهم على حد سواء، إذن ففكرة التطور أن تجيء حركته الانتقالية ~~إلى أعلى، وهذه هي فكرة، التقدم والفكرتان معا متضمنتان في خروج حي جديد من حي صائر ~~إلى موت ، نعم، إن كل حي مخلوق صائر ms072 إلى موت، لا فرق في ذلك بين ما سبق وما تلاه، لكن ~~المقابلة بين حي وميت «بتشديد الياء» فيها إشارة بليغة إلى حياة جديدة ولدت من حياة ~~في طريقها الذي ينحدر بها إلى موت، فهي حركة ثم هي حركة صاعدة كما وكيفا في آن ~~واحد، فالأحياء تتكاثر عددا، ثم هي بالنسبة إلى الإنسان على الأقل تتسامى ارتقاء من ~~جهالة وضلال إلى معرفة وهدى. # حياة الإنسان «صائرة» دائما؛ أي إنها في «صيرورة» لا تنقطع عنها لحظة واحدة، فما هو ~~قائم في الفرد الواحد وفي مجموعة الأفراد على السواء - ما هو قائم الآن لن يكون هو هو ~~بعينه غدا، وبعد غد، ومن الوجهة النظرية الصرف قد يجيء الغد أو الذي بعد الغد أسوأ ~~حالا مما هو اليوم، لكن المسيرة البشرية مأخوذة في مجموعها، إنما هي صيرورة دائمة إلى ~~ما هو أعلى وأكمل، وانشر لخيالك جناحيه ليعود بك إلى ما نشط به الإنسان على اختلاف ~~شعوبه ومكانه وزمانه، وانظر إلى الزارع يفلح الأرض الجدباء فيخصبها، وإلى الصانع يشكل ~~المعدن ويشكل الحجر، فإذا هو يقيم العمارة أشكالا وألوانا ويشكل الآنية وينسج الثياب ~~ويرصف الطرق ويقيم الجسور ... ثم انظر إلى الإنسان على مر العصور عالما، وانظر إليه ~~فنانا، تجد عجبا، فهو لم ينفك يوما دائب الجهد ليفض الأختام عن أسرار الوجود، فإذا ~~هو يشعل النار بعد أن لم تكن، فاستضاء في ظلمة الليل وطها الطعام ارتفاعا بغذائه عن ~~مستوى الحيوان وصنع العجلة التي تدور، وما أدراك ما العجلة في تطويرها لحياة الإنسان من ~~شيء يشبه الجمود إلى حركة خفيفة سريعة، النبات يتحرك إلى أعلى لكنه لا يتحرك يمنة ~~ويسرة وأماما ووراء، والحيوان يتحرك في هذه الأبعاد لكن إلى الحدود التي تستطيعها ~~أرجله، وأما الإنسان فلم يكفه هذا التحرك البطيء، وهم أن يطير فطار بخياله أول ما ~~طار، ثم بدأت محاولاته أن يطير جسده وإن لم يكن ذا جناح، وهي محاولة صورتها الأسطورة ~~اليونانية في «إيكاروس» وجاهد في سبيل تحقيقها ابن فرناس، وإنه لطريق طويل باعث ms073 على ~~الأمل حتى عند أشد الناس تشاؤما، وأعني طريق العلم الذي سار عليه الإنسان منذ سواه ~~الله إنسانا، ثم انظر إلى ذلك الإنسان فنانا ينطق بإزميله الحجر والنحاس ويرسم بريشته ~~وألوانه ما يجعل دنيانا مزدانة بجمالها طبعا وفنا ... وبعد ذلك كله، وفوق ذلك كله، ~~انظر إلى الإنسان مؤمنا عابدا، لتعلم أنه ما سار بحياته الدنيا كما سار زراعة وصناعة ~~وعلما وفنا ليقنع بدنياه؛ لأنها مهما يكن أمرها فهي إلى موت وهو يستهدف حياة الخلد ~~بعد أن عبر الزوال؛ ليظل مسلسل الحياة قائما ومتساميا من نقص إلى كمال حياة من حياة ~~من حياة ... «حياة مقبلة تخرج من حياة مدبرة»، وهذه الحياة المقبلة بدورها ستخرج منها ~~حياة وهي مدبرة وهكذا دواليك إلى أن يشاء الله أمره، وليست هذه الاستمرارية في تيار ~~الحياة خلفا بعد سلف بمقصورة على الإنسان، بل هي تشمل كل الكائنات الحية جميعها، ~~مضافا إليها التكوينات الاجتماعية التي تشبه في مراحلها مراحل الحياة كالحضارات وكثير ~~مما يدخل فيها من نظم، فشجرة القمح تترك وراءها سنابلها محملة بحبات القمح لتنبت من بعد ~~زوالها شجرات، والحيوان ينسل ما يكفل سير الحياة في نوعه، وقل هذا عن الحضارات، ~~فالحضارة المعينة - كما قال ابن خلدون - تنمو ويقوى عودها وتسود ثم ينحني بها الطريق ~~نحو الهبوط، ولكنها قبل أن تصل إلى مرحلة ضعفها تكون قد بذرت بذورا لتنبت حضارات أخرى ~~تستأنف السير، وانظر نظرة شاملة إلى الطريق الحضاري كيف اتجه، تجده قد بدأ هنا في أرضنا ~~وما يشبه أرضنا من وديان يسودها المناخ نفسه الذي يتميز بأنه لا هو من النوع القاتل ~~بحرارته ولا هو من النوع القاتل ببرودته؛ وذلك لئلا يتعذر على الإنسان الأول سهولة ~~العيش مع فرصة الإبداع الحضاري، فلما أكملت مصر «بصفة خاصة» دورها وكانت قد بذرت بذورها ~~الحضارية عبر البحر الأبيض المتوسط قامت حضارة اليونان فحضارة الرومان، وعلى أسس من ~~هاتين انتقلت إلى فرنسا وإنجلترا، لكنها ما بين مرحلة اليونان والرومان من ناحية ومرحلة ~~الشمال الغربي لأوروبا من ناحية أخرى ظهرت ms074 الحضارة الإسلامية العربية، وبعد أن رسخت ~~جذورها في الأرض اغتذت مما سبقها، ثم نقلت من لبابها إلى أوروبا ما نقلته فكان من أقوى ~~العوامل التي أعانت حضارة الشمال الغربي الأوروبي على الظهور والازدهار، حتى إذا ما ~~اكتملت نشأة المجتمع الجديد في القارة التي كشفها كولمبس بذرت بذور حضارة جديدة أخرى، ~~وإنما جاءتها بذورها من المحصلة الحضارية الأوروبية، وأقول محصلة لأنها - كما رأينا - ~~مصطفاة من اليونان والرومان والعرب وما سبقها، وتلك هي - في الأساس - حضارة عصرنا ~~متميزة بما يغلب عليها من روح العلم بالمعنى الجديد لكلمة «علم»، ولم تلبث حضارة العصر ~~طويلا حتى استقرت مبادئها وأسسها، وأخذ كل بلد بعد ذلك يشارك فيها بنصيب # يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من ~~الحي # حياة من حياة، من حياة ومن هذه الزاوية للنظر نستطيع أن نرى في ~~الآية الكريمة ما يبلغ أن يكون قانونا عاما وشاملا لسير الحياة في عالم الأحياء ~~جميعا، ومضمونه هو - في جوهره - أن يجيء السير «متطورا» و«متقدما»، ولقد أسلفت ~~الإشارة بأن التطور وحده لا يكفي؛ لأن التطور انتقال مظاهر الحياة، من طور إلى طور، ~~لكن ذلك لا يضمن لنا أن يكون الانتقال إلى أمام وإلى أعلى، في وقت واحد، وذلك هو ~~«التقدم»، وإني لأعلم وأعجب أن هنالك من تزعجهم فكرة «التطور» وكأن التطور لا يجيء إلا ~~على الصورة التي افترضها «داروين»، نعم، إن هذا العالم ذو فضل لا ينكر، في لفت عقولنا ~~نحو أن ننظر إلى الحياة في كائناتها من منظور التطور، إلا أنه جعل ذلك التطور مرهونا، ~~بعوامل البيئة الخارجية وما تستلزمه من تشكيل الحياة، وقد تغير المنظور كله خلال هذا ~~القرن وأصبحت الفكرة هي أن الكائن الحي يعتمل من داخله لإحداث التغير الذي يلائم حياته، ~~لكن النقلة من خارج إلى داخل في محور التغيير لا تلغي فكرة التطور من أساسها بل تضعها ~~في منظور جديد. # وكذلك الحال في فكرة «التقدم»، فهي فكرة لم تظهر للناس في وضوح إلا في هذا العصر وما ~~قبله بقليل، ولست أعني أن ms075 التقدم ذاته هو الذي لم يظهر إلا حديثا، ولكن قراءة الإنسان ~~لحقائق الدنيا من حوله هي التي جاءته قراءة مغلوطة، ولم يصحبها في العصر الأخير، إذ كان ~~الناظرون قبل ذلك ينظرون إلى وقائع التاريخ؛ فيظنون أن الإنسان في سيره التاريخي يبعد ~~عن الأكمل والأفضل منحدرا نحو ما هو أقل كمالا وأقل فضلا، وتتبدى حقيقة الأمر بتحليل ~~التاريخ تحليلا علميا أكثر دقة، وعندئذ نرى لم أخطأ القائلون بغير ~~«التقدم». # والسؤال هنا يطرح نفسه وهو: بأي معيار ننظر إلى حركة التاريخ؟ فنقول إنها نحو الأمام ~~ونحو الأعلى، وهو سؤال وارد بالطبع وله ما يبرره؛ لأنك إذا رأيت شخصا سائرا في ~~الطريق فلن تستطيع الحكم على سيره أهو سير إلى الأمام أم هو سير إلى الخلف، إلا إذا ~~عرفت هدفه الذي يقصد بلوغه، فإذا كان سيره نحو ذلك الهدف كان يتقدم وإلا فهو يبعد عن ~~هدفه بالسير في اتجاه مضاد، وكذلك لا يحكم على سيره أهو نحو الأعلى أم هو نحو الأسفل ~~إلا إذا عرفت ماذا يريد أن يحققه من بلوغه ذلك الهدف، والآن نعيد سؤالنا: بأي معيار ~~نقيس حركة التاريخ؟ فنقول إنها حركة إلى أمام وإلى أعلى، وعند الإجابة تتزاحم أمامنا ~~المعايير، ولكنني أكتفي منها بما أرى أنه أهمها جميعا، وهو معيار «الحرية»، فالإنسان ~~في سيره الحضاري يزداد حرية وبذلك يتقدم ويعلو في آن واحد، والحرية قد تكون في مجال ~~السياسة وهذه أمرها معروف، لكن الحرية البالغة من الأهمية أقصى حدودها والتي لا أظنها ~~سريعة الورود إلى أذهان الكثيرين هي الحرية التي يحققها العلم بالنسبة للقيود التي تقيد ~~بها طبيعة الأشياء حرية الإنسان. # لو ترك الإنسان للأشياء وطبائعها لكانت له في السير سرعة معلومة ومحددة، فجاء العلم ~~بقطاراته وسياراته وطياراته، فضرب تلك السرعة الطبيعية في ملايين، ولو ترك الإنسان ليرى ~~بعينيه مجردتين لامتد بصره إلى مدى معلوم الحدود، فجاءت العدسات المقربة والمكبرة فضربت ~~ذلك المدى المحدود في ملايين، وهكذا جاء الرادار بالنسبة إلى سمع الإنسان الطبيعي، ~~فأسمعه ما هو أوهى من دبيب ms076 النمل على أبعاد تقاس بمئات الكيلومترات، وبهذا تحطمت قيود ~~المكان التي كانت تغل الإنسان بأغلال أصلب من الحديد، كان على الإنسان أن يحمل أثقاله ~~على جسده، فعرف منذ قديم كيف يستغل بعض الحيوان في التحرر من ذلك الشقاء، وأخيرا جاءنا ~~العلم الحديث بروافعه التي تحمل أطنان الأثقال وكأنها تحمل قبضة من النمل أو من حبات ~~الرمل، ولقد قرأت يوما في إحدى الصحف لأجنبي رأى عمال البناء ما زالوا ينقلون على ~~أكتافهم وظهورهم أكياس الحجر والرمل وما إليها من مواد البناء، فأشفق على ضرب من ~~العبودية لا يزال قائما بعد أن أنتج علم العصر ما يحرر الإنسان منه ... الحرية بكل ~~أبعادها هي المعيار، أو قل إنها من أهم المعايير التي يقاس بها تقدم الإنسان وسموه ~~... # هي حياة من حياة من حياة ... فإلى أين يتجه موكب الحياة إذ هو في تسلسله هذا الذي قضت ~~به مشيئة الخالق في خلقه أن مسيرة الإنسان إنما تتجه به نحو أكمل صورة إنسانية مستطاعة، ~~وليس هذا الكمال المنشود في أداة البدن وما يحل فيه من أداة العقل وأداة الشعور وغيرها ~~من أجهزة ركبت في طبيعة الإنسان، ولكنه في استخدام تلك الأدوات إذ هي بطبعها قابلة لأن ~~تسمو وتسفل، وإنه لتروى رواية عن اليوناني «ديوجين» وهو يديم الطواف في أثينا وفي يده ~~مصباح مضيء حتى وهو في وضح النهار، وكان كلما سئل فيم هذا المصباح أجاب إنني أبحث عن ~~الإنسان فلا أجده، فعن أي إنسان كان ديوجين يبحث والناس من حوله تملأ طرقات المدينة؟ لا ~~- ليس هؤلاء، فهؤلاء بعد بهم نقصهم عن الكمال، وربما أصاب الرجل في حكمه على مواطنيه، ~~لكن الذي يهمنا نحن في سياق حديثنا هذا أن نسأل ترى ما الذي كان ديوجين يتوقع أن يجده ~~في مواطنيه فلم يجده؛ فاختار لنفسه أن يطوف المدينة بمصباحه باحثا عن الإنسان ليعبر ~~بهذا عن حسرته وأساه؟ وهنا مرة أخرى يقوم السؤال وما هو معيار القياس تقدما وتخلفا؟ ~~ربما لو سئل «ديوجين» هذا السؤال لأجاب: المعيار هو مدى ms077 احتكام الإنسان إلى منطق العقل ~~في مواجهة مشكلاته، فلقد عرف اليونان الأقدمون برفعهم لواء العقل، ولم يكن يرضيهم إلا ~~أن يوضح لهم من يلجون في فكرة من الأفكار أو في قيمة من القيم إلا أن يرتد صاحب الفكرة ~~أو الداعي لقيمة من القيم الأخلاقية أن ترد إلى «المبدأ» العقلي الذي تستند إليه فكرته ~~أو القيمة الخلقية المعينة التي يدعو إليها. # لكن الإنسان عقل وأكثر، هو عقل وهو شعور، وعاطفة ونمط، من السلوك يسلك به في حياته، ~~واقترابه من الكمال يتطلب العناية بتلك الجوانب من حياته جميعا، فعقل يلتزم منطق ~~التفكير السليم، وشعور حساس لآلام الآخرين، وعاطفة تنعطف نحو ما هو خير، وما هو جميل ~~وسلوك متعاون، ينأى بنفسه عن مواطن الإسفاف. # وإن الحي ليموت ليحيا بعد ذلك حياتين، حياة في الدنيا بحياة خلفه وحياة في الآخرة ~~يحددها يوم الحساب. # | قنافذ وثعالب # ليس هذا العنوان من عندي، بل إنه لم يكن من المستطاع له أن يكون، إذ جاء عند صاحبه ~~ليرمز إلى قسمة الناس صنفين من المزاج، وأسلوبين في التعامل مع العالم المحيط بهم، ولما ~~كان صاحب هذا العنوان، قد أقام تلك القسمة، مستندا إلى التشبيه بالتضاد الذي رآه بين ~~القنافذ والثعالب، ولما كان من الضروري لمن يجري هذه الموازاة بين خصائص الإنسان وخصائص ~~الحيوان، أن يكون على علم دقيق بدنيا الحيوان، علما يستمده من المشاهدة المباشرة أو من ~~القراءة، فلست بحكم النشأة والثقافة واحدا من هؤلاء، شأني في ذلك شأن الكثرة الغالبة ~~من المواطنين، فنحن جميعا نعرف القنفذ، ونعرف الثعلب، لكنها في معظم الحالات لا تزيد ~~على المعرفة الظاهرية التي يحصل عليها المتفرج في حديقة الحيوان، لا معرفة الباحث عن ~~صور الحياة كما يحياها هذا الحيوان أو ذاك. # وإنما صادفت عنوان «القنافذ والثعالب» عند الفيلسوف الإنجليزي المعاصر «أزايا بيرلن»، ~~وكان أستاذا في جامعة أكسفورد، لكنه كان كذلك، ولا يزال، مرموقا بفكره المبتكر ~~الثاقب، وبأسلوبه المطواع الذي يتموج به قلمه تموجا يساير معانيه صلابة وليونة، ~~وعندما كتب «بيرلن» تحت هذا العنوان، ms078 كان موضوعه هو التفرقة بين الفلاسفة الأقدمين، أو ~~قل الفلاسفة الذين امتد بهم الزمن حتى أوائل هذا القرن، من جهة، وفلاسفة عصرنا هذا ~~خلال القرن العشرين، من جهة أخرى ... إذ قد تغيرت الروح بين أولئك وهؤلاء تغيرا يلفت ~~النظر ... وليست التفرقة هنا تفرقة يراد بها المفاضلة بحيث نقول هذا أحسن من ذاك أو ~~أردأ، بل أساس التفرقة هو ملاءمة المفكر مع ظروف زمانه ملاءمة تجيء معه عن غير قصد ~~وتكلف مصطنع، بل تجيء معه كما تجيء الأنفاس شهيقا وزفيرا، فإذا كان السابقون من ~~الفلاسفة قد دأبوا على أن يحاول كل واحد منهم أن يقيم بناء شامخا يتفرد به، ويجعله ~~شاملا لكل فروع المعرفة، ولكل وجه من وجوه الكون، فإن فيلسوف عصرنا - لأن عصرنا هو ~~أساس عصر «العلم» - قد جعل الجزئية الواحدة مما يرجح أن يكون له انعكاس على الحياة ~~العلمية، جديرة وحدها بالوقوف عندها والانصراف إليها، ومن مجموع ما يتناوله أفراد ~~الفلاسفة من موضوعات يحللونها إلى أدق ما يمكن أن ترتد إليه من عناصر وجذور، أقول: إنه ~~من مجموع ذلك تتألف فلسفة هذا العصر، بعد أن كان الفيلسوف الواحد يستهدف أن يقوم وحده ~~بإقامة بناء واحد يشمل عصره كله، بل ويطمع له أن يشمل الدهر من أزله إلى أبده. # ومن هنا جاء تشبيه «أزايا بيرلن» للفيلسوف فيما سبق بالقنفذ، وللفيلسوف في عصرنا هذا ~~بالثعلب، والفرق الجوهري بين هذين الحيوانين، هو أن القنفذ مكور على نفسه، في حين ~~أن الثعلب يجوب المكان كله، يجري هنا ويتسلق هناك، ويربض حيثما أراد أن يتربص، القنفذ ~~ثابت في مكانه، يرى العالم من وجهة نظر واحدة، والثعلب متحرك يرى العالم من عدة وجهات ~~للنظر، يريد القنفذ أن تأتي إليه دنياه حيث هو قابع، وما لا يأتيه فليس هو من دنياه، ~~ويريد الثعلب أن يسعى إلى الدنيا حيث هي، وما لا يقع عليه هنا فليبحث عنه هناك، للقنفذ ~~محور واحد يلف حوله الأجزاء ليوحدها في مخبأ واحد، وأما الثعلب فلا يستوعب حياته محور ~~واحد، فحيثما وجد ms079 الصالح النافع وقف عنده ريثما يفرغ منه، ثم يسعى ليعثر على شيء آخر ~~صالح ونافع ... # وأشعر كأنما أرى شبها من بعض الوجوه، بين قسمة الناس إلى قنافذ وثعالب، على يدي ~~أزايا بيرلن، وقسمتهم عند وليم جيمس إلى ذوي أدمغة صلبة وذوي أدمغة لينة، إذ يريد ~~بأصحاب الأدمغة الصلبة أولئك الذين ينشدون الحقائق، ولا يهربون من الواقع مهما يكن ~~خشنا غليظا، بل هم يواجهونه ليعرفوا دنياهم على حقيقتها، حتى إذا ما أرادوا أن يغيروا ~~وجها من وجوهها، عرفوا ما الذي يغيرونه وكيف يغيرونه، ومن أمثلة ذوي الأدمغة الصلبة، ~~علماء الطبيعة على اختلاف الظواهر التي يتخصص فيها كل منهم في ميدانه، وقادة الجيوش، ~~ورجال الأعمال، وأما أصحاب الأدمغة اللينة فهم أولئك الذين يفرون من الواقع وقسوته ~~ويصنعون لأنفسهم داخل رءوسهم عالما يفضلونه على مزاجهم يحيون فيه، وحتى إذا هم ~~أقاموا في عالمهم ذاك ضروبا من المشكلات يتسلون بمحاولة حلها، فهي عندئذ مشكلات من ~~خلق خيالهم لا شأن لها بالواقع ومشكلاته، ومن أمثلة هؤلاء: الشعراء، والمتصوفة ~~والفلاسفة المثاليون الذين يرون أن العالم هو كما أقاموه داخل رءوسهم من تصورات ~~وأفكار. # فالقنافذ عند أزايا بيرلن، هي ما يقابل أصحاب الأدمغة اللينة عند وليم جيمس، ~~والثعالب هناك هي هنا أصحاب الأدمغة الصلبة، ففي الحالة الأولى يكون المعول على ما ~~انطوت عليه الذات، بغض النظر عن واقع الأشياء، وفي الحالة الثانية يكون مدار النشاط هو ~~وقائع العالم المحيط بالكائن الحي، بغض النظر عما يشعر به ذلك الكائن الحي من حب لتلك ~~الوقائع، أو كراهية، ثم لم أكد أستعرض هذين التقسيمين أمام عقلي، حتى قفز إلى جوارهما ~~تقسيم ثالث، هو تقسيم «يونج» أفراد الإنسان إلى «مطوي» على نفسه و«منبسط» فالطرفان ~~هنا متقابلان تقابلا واضحا، مع قنافذ أزايا بيرلن وثعالبه، كما هما متقابلان بدرجة ~~الوضوح عينها، مع ذوي الأدمغة اللينة وذوي الأدمغة الصلبة «بهذا الترتيب» عند وليم ~~جيمس. # فهذه كلها أسماء اختلفت فيما بينها، لكنها توشك أن تتفق على ما تسميه، ففي جميع ~~التقسيمات الثلاثة، نجد الناس صنفين: ms080 صنف منها يعطي لذاته هو ومزاجها، أن تقرر ماذا ~~يكون صوابا وماذا يكون خطأ، أو ماذا يعد فضيلة وماذا يعد رذيلة، وأما الصنف الثاني ~~فيترك الحكم في هذا إلى الواقع الخارجي، فواقع الأشياء والمواقف هو الذي يبين متى تكون ~~فكرة ما صحيحة ومتى تكون خاطئة، أو متى يكون فعل ما مسددا نحو الهدف المنشود، ومتى لا ~~يكون، على أن تلك التقسيمات المتشابهة كلها، إنما تلجأ إلى التبسيط بغية التوضيح وإلا ~~ففي كل إنسان يجتمع الطرفان معا في كل تقسيم، وغاية ما في الأمر، أن طرفا منهما تكون ~~له الغلبة على الطرف الآخر في شخص معين، في حين يكون العكس في شخص آخر، وليس ثمة ما ~~يمنع أن يتعادل الطرفان في شخص ثالث. # وليس هدفي من ذكر هذا الذي أسلفته، هو التمييز بين أفراد الناس من حيث المزاج والطبع ~~بقدر ما هو التمييز بين ثقافات الشعوب؛ لأن تلك التقسيمات جميعا إنما تصف خصائص ~~الثقافات، بنفس القوة التي تصف خصائص الأفراد - أو هكذا أرى - فهنالك من الشعب من ترك ~~نفسه ليعيش داخل نفسه، في أفكارها وتصوراتها وأوهامها دون أن تقيس ذلك الداخل النفسي ~~على أشياء الواقع الخارجي، ليعلم إن كان داخله مطابقا لخارجه أو لم يكن، كما أن هنالك ~~من الشعوب كذلك من ألف أن يجعل الواقع الخارجي مصدرا لما يخزنه في رأيه من أفكار ~~وتصورات، وبذلك يجيء السلوك قريبا من الواقع، فيكون أقرب إلى نجاح السالك في ~~مسعاه. # فأين تقع ثقافتنا العربية الحديثة والمعاصرة من هذا التقسيم يا ترى؟ ... إنني أطالب ~~نفسي الآن بأن تجيء الإجابة متروية متأنية لعلني أهتدي إلى جواب فيه الدقة وفيه ~~الصواب، وإنه ليبدو لي أن خير وسيلة للوصول إلى ما أبتغيه هي أن أرتد ببصري نحو صورة ~~الثقافة العربية في القرون الأولى، بعد ظهور الإسلام، حين كانت تلك الثقافة في أعلى ~~درجاتها، ولعل قوتها عندئذ قد جاءتها من قوة الإسلام ... فربما وجدناه أيسر علينا بعد ~~ذلك أن نرى - بمقارنة الظروف التي كانت بالظروف التي هي الآن ms081 كائنة - أن نرى حالة ~~الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة على حقيقتها: أهي في خصائصها مجسدة لخصائص القنفذ في ~~انكفائه على ذاته، أم هي مجسدة لخصائص الثعلب في سعيه وانتشاره وبراعة حيلته؟ أيكون ~~العرب المحدثون والمعاصرون من ذوي الأدمغة الصلبة التي تقوى على مواجهة الواقع وما ~~يقتضيه ذلك الواقع من نفاذ فكر ومضاء إرادة، أم يكونون من ذوي الأدمغة اللينة التي ~~تغمض عينها عن الواقع إذا وجدته مرا عسيرا، لتلوذ بأوهامها فتطهو لها تلك الأوهام ~~وجبة الطعام كما تشتهيها؟! # وأترك الحاضر - إذن - لأستعيد صورة الماضي، وأول ما أقدمه في سبيل تلك الصورة هو ~~أن أذكر بأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يجمع في حياته بين أرض وسماء، فمن السماء ~~وحي إلهي يهدي، وعلى الأرض سعي يهتدي، ثم يجيء له بعد ذلك يوم للحساب، أما ما سوى ~~الإنسان من كائنات، فهي إما هي سماوية خالصة كالملائكة، وإما هي أرضية خالصة كالنبات ~~والحيوان، «وأقصر حديثي هنا على الكائنات الحية»، وتأمل معي صورة المؤمنين كما وصفهم ~~القرآن الكريم، فهم أولئك الذين يؤمنون: «بالله وملائكته» و«كتبه ورسله» و«اليوم ~~الآخر»، ولقد وضعت لك الأجزاء بين أقواس لترى الجوانب الثلاثة في إيمان الإنسان المؤمن، ~~فأولها إيمان بغيب سبق وجوده، وثانيها إيمان بالوحي وبمن نزل عليهم ذلك الوحي من ~~الرسل، وثالثها إيمان بغيب يظهر بعد وجوده وهو حي على الأرض يسعى، ومن تلك الجوانب ~~الثلاثة تتبين صورة الحياة الإنسانية إذا ما توازنت أركانها فهي حياة تسعى في دنياها ~~على الأرض مهتدية في سعيها ذاك بمبادئ وقواعد جاءته وحيا من ربه وخالقه، ولئن كانت له ~~حرية التصرف في ظل تلك المبادئ والقواعد، فهو في مقابل تلك الحرية مسئول في اليوم الآخر ~~عما فعل وقال ... # لكن الإنسان لا يستطيع حفظ التوازن لحياته بين أمر السماء وسعي الأرض، إلا وهو قوي ~~بإيمانه قوي بعقله قوي بإرادته قوي بوجدانه، وهكذا كان العربي المسلم في القرون العشرة ~~الأولى بعد ظهور الإسلام، وفي القرون الأربعة الأولى منها بوجه خاص، وبدفعة من تلك ~~القوة استطاع أن ms082 يجمع في توازن، بين انطواء الصوفي والشاعر وانبساط الجندي والعالم، لقد ~~كان له في كل ميدان ما يرتفع به إلى الذرا، لم يخش انطواء إذا اقتضى الأمر انطواء ولا ~~خشى انبساطا إذا اقتضى الأمر انبساطا؛ لأنه إنسان واثق من نفسه؛ لأنه - كما أشرت - قد ~~عرف كيف يجمع بين سمائه وأرضه: تلقى الوحي مؤمنا بربه، واجتهد وجاهد على الأرض واثقا ~~من نفسه، ثم تعلق رجاؤه بحسن الثواب يوم الحساب، فلو سئلت عن ذلك السلف: أقنفذا كان أم ~~ثعلبا؟ «بالمعاني المحددة لهاتين اللفظتين، كما نقلناهما عن أزايا بيرلن في تقسيمه» ~~أجبت أنه كان كليهما معا، ولكل خاصة من الخاصتين عنده مساقها وظروفها؛ ولذلك إذا ~~سئلت: أفكان ذلك السلف من ذوي الأدمغة الصلبة أم كان من ذوي الأدمغة اللينة؟ «بالمعاني ~~المحددة هنا أيضا لهذه العبارات كما أرادها صاحبها وليم جيمس» لقلت: كان كليهما معا، ~~فقد كان صلبا في مجال الحقائق العلمية، وكان لينا في مجال الوجد والوجدان، أو إذا ~~سئلت أكان السلف منطويا على نفسه، أم كان منفتحا على العالم؟ «بتقسيم يونج» أجبت بأنه ~~كان كليهما معا إذا كان يعكف على نفسه في عبادته، ساعيا في فجاج الأرض مجاهدا ~~ومتاجرا ومتدبرا عظمة الله في خلقه. # قلنا: إنه في حالات القوة تتوازن حياة الإنسان بين ما أوحي له من السماء، وما هو ~~ملاقيه في سبيله وهو ساع في مناكب الأرض، ثم ما هو موجه إليه من رجاء في رحمة الله ~~وثوابه في اليوم الآخر، وهكذا كانت حياة السلف في مجموعها، إذا جعلنا مدار الحكم ما ~~صنعوه وما خلفوه، وأما إذا لحق الضعف بالإنسان، فشأنه عندئذ شأن آخر، والضعف قد يلحق ~~به من جانب واحد أو من عدة جوانب، فهو قد يجهل مبادئ الحياة القوية الكريمة كما أرادها ~~له الله، فيضل به السبيل، أو هو قد يكون على علم نظري بتلك المبادئ والقواعد، لكنه يجهل ~~كيف يكون تطبيقها الصحيح في مرحلة الحياة الدنيا ... وقد يكون على علم بهذه وتلك، ولكن ~~قوة ظالمة غاشمة قد دهمته ms083 فحالت بينه وبين أن يحيا وفق ما يعلم، ففي حالة الضعف أيا ~~كانت صورته، يغلب أن يحدث أحد أمرين: فإما أن ينصرف عن الدنيا وشئونها لينجو بنفسه على ~~أمل في ثواب الآخرة، وإما أن ينغمس بكل وجوده في ملاذ الدنيا، يأسا من حياة تسمو به، ~~وعندئذ تصدق التقسيمات التي أسلفنا ذكرها؛ لأن الفرد من أفراد الناس يقع في مصيدة: إما ~~هذا وإما ذاك، إذ هو في حالة من الضعف يتعذر عليه معها أن يجمع الطرفين جميعا، وها ~~هنا يصبح السؤال: أهو من قبيل القنافذ أم من قبيل الثعالب؟ أهو صلب الدماغ أم لين ~~الدماغ؟ أهو منطو على نفسه أم منبسط على العالم؟ # وبعد هذا الذي قدمناه، يحين حين سؤالنا عن العربي المسلم في تاريخه الحديث والمعاصر، ~~وهو: ما محور ثقافته؟ ما نظرته إلى نفسه وإلى الدنيا من حوله؟ وهل تقيدنا التقسيمات ~~المذكورة فيما أسلفناه؟ هل تفيدنا في الكشف عن حقيقته؟ # إننا إذا افترضنا أن الفترة التاريخية المقصودة بالسؤال هي هذا القرن العشرون فيما ~~مضى من أعوامه، وجدنا الإجابة تختلف باختلاف المراحل الزمنية داخل تلك الفترة، لكننا، ~~ابتغاء التبسيط، سنغض النظر عن مواضع الاختلاف لنركز انتباهنا في الجوانب المشتركة ~~المتصلة خلال الفترة كلها، فهي فترة لم ينقطع فيها الصراع بين شعوب هذه المنطقة كلها ~~وبين الغرب على اختلاف أقطاره، وهو صراع كنا نحن فيه الأضعف وكان الغرب هو الأقوى، لكن ~~ذلك التفاوت لم يمنعنا من الجهاد لنحقق لأنفسنا ما لا بد من تحقيقه إذا صينت كرامة ~~الإنسان، وهو أن يكون الإنسان حر الإرادة ومسئولا عما يفعل، ولقد اتفقنا جميعا على ~~ضرورة الجهاد في سبيل الكرامة المفقودة، فكان لا بد لنا - بالتالي - أن نتفق جميعا ~~على أن تكون نقطة البدء هي أن نعمق في أنفسنا خصائص هويتنا الذاتية؛ لكي نشعر بأن لنا ~~كياننا الخاص الذي من أجل صيانته نجاهد، وماذا تكون عناصر الهوية الذاتية إذا لم يكن في ~~مقدمتها العقيدة الدينية مصحوبة بالأركان الأساسية في بناء الذات الإنسانية كاللغة ~~وطائفة ضرورية من ms084 النظم والتقاليد؟ لهذا بدأت ثوراتنا هنا وهناك من سائر الأقطار ~~العربية، بإحياء الروح الدينية وإحياء التراث. # لكننا إذا كنا قد اتفقنا جميعا على تلك البدايات ووجوبها، فلقد تشعبنا بعد ذلك، فمنا ~~من رأى أن ذلك الإحياء بوجهيه كاف لتحقيق أهدافنا، ومنا من رأى ضرورة أن يضاف إلى ذلك ~~الإحياء أخذ عن الغرب الجديد أصول حضارته وشيء من مقومات ثقافته، ولبثت هاتان الشعبتان ~~جنبا إلى جنب على امتداد الفترة التي نضعها الآن موضع النظر الفاحص، لكن المقادير ~~تفاوتت معهما ضعفا وقوة، فكانت القوة الأقوى للشعبة الثانية، وأعني تلك التي أرادت ~~إحياء الروح الدينية وإحياء التراث، وأن يصحب ذلك الإحياء أخذ الغرب بكل قوة ~~وإيمان، أقول: إن القوة الأقوى كانت لتلك الشعبة الثانية، وخفت صوت الشعبة المكتفية ~~بمجرد الإحياء خفوتا حتى أوشك ألا تسمعه الآذان كلما جد الجد من أمور الحياة، ونستطيع ~~مع قليل من التحفظ أن نقول إن تلك الحالة قد امتدت بنا من أول القرن إلى هزيمة 1967، ~~برغم كل ما ظهر من تيارات تساند جماعة الإحياء المجرد، وأما الأعوام التي كانت تلك ~~الهزيمة بدايتها فقد شهدت تحولا في ميزان القوى، فأخذت شعبة الإحياء المجرد تزداد قوة ~~وارتفاع صوت، وها هنا نذكر عن هذه الجماعة حقيقة تدعو إلى العجب، فهم إذ يذيعون في ~~الناس هذه الدعوة تراهم في حياتهم العملية لا يحرمون أنفسهم ولا أبناءهم من كل ما ينعم ~~به إنسان مما أنتجته حضارة الغرب المرفوضة منهم، وجوانب ثقافتهم المنبوذة، وإننا لنحمد ~~الله على تلك الازدواجية فيهم؛ لأنها كانت هي السر في أن حياتنا العملية تمضي في ~~طريقها، وكأن تلك الشعبة وأنصارها ليست بذات وجود ... # لكننا مع ذلك نأسف، حين نرى الناس - والشباب منهم بخاصة - نراهم اضطربت الرؤية أمام ~~أبصارهم، ولم يعودوا على بينة واضحة: كيف يسلكون ليرضى عنهم الله، ولتستريح منهم ~~الضمائر؟ فلئن كان الإنسان - بحكم التربية والنشأة - إما أن يجيء مكورا على نفسه، ~~مكبا على وجهه، كما تفعل القنافذ ، وإما أن يكون جوابا للآفاق، ساعيا في مناكب ~~الأرض بحثا ms085 عن الصيد أينما وجد، كما تصنع الثعالب، أقول: إنه إذا كانت تلك هي طبيعة ~~الإنسان في تأثره بالتربية والنشأة، فهنالك ثلاثة احتمالات ذكرناها فيما أسلفنا: أولها: ~~أن يقف الإنسان من الحياة موقف القنفذ الخالص أو موقف الثعلب الخالص، كالذي رآه «أزايا ~~بيرلن» عند مقارنته بين الفلاسفة السابقين والفلاسفة المعاصرين ... وثانيها: أن يجمع ~~الإنسان في حياته بين انطواء القنفذ وانبساط الثعلب، بأن يجعل للانطواء أوقاته، ~~وللانبساط أوقاته، كالذي رأيناه في أسلافنا من العرب إبان القرون الأولى من تاريخ ~~الإسلام ... وثالثها: هو أن يظهر الإنسان أمام الناس وكأنه قد انطوى على عقائد تاريخه ~~انطواء القنفذ على ذاته، لكنه في الوقت نفسه إذ هو على حقيقته أمام نفسه يدأب ساعيا ~~وراء الصيد حيثما كان، كالذي نراه في حياتنا اليوم ... # لكن هذه الحياة المزدوجة التي يحياها السادة، الذين يقع في أيديهم اليوم معظم القيادة ~~الفكرية للأمة العربية ويرتفع صوتهم ارتفاعا لا يستطيع أن يزاحمه صوت آخر، أقول: إن ~~هذه الحياة المزدوجة التي يحياها هؤلاء السادة، بحيث يظهرون أمام الناس وكأنهم مدثرون ~~بدثار السلف، ثم لا يفوتهم في الخفاء أن ينعموا بطيبات العصر وحضارته، قد أضرتنا ~~ضررا بليغا، ففضلا عن اضطراب الرؤية الذي أصاب شبابنا، فهم كذلك بمثابة من جعلنا ~~نقترب من عصرنا بنصف عزيمة، تملؤنا الريبة في حقيقته وطبيعته، مما نتج عنه أن ضعفت فينا ~~روح المشاركة الإيجابية الفعالة في مسيرة العلم وما يلحق به، واكتفينا بأن نأخذه من ~~علوم عصرنا وفنونه ونظمه، أخذ السارق لجهود غيره، لا أخذ المشارك في تلك الجهود ~~... # | أنا أريد - إذن - أنا إنسان # قصة الإمام أبي حامد الغزالي مع نفسه، معروفة لكل من أسعده الحظ فانصرف بعقله ~~وبقلبه حينا، إلى هذا العملاق العظيم، ليأخذ عنه شيئا من منهجه ومن فكره الذي نتج له ~~عن ذلك المنهج ... وإنما عنيت بقصته مع نفسه ما قد حدث حين تأزمت به نفسه بسؤال لم يجد ~~له الجواب المقنع، فأخذه القلق الذي لم يدعه لحظة ليستريح، فلم يكن له من سبيل إلا أن ~~يترك ms086 بغداد، حيث كان يلقي دروسه، وحيث كان يقيم مع أسرته، فترك كل شيء وأخذ يرتحل ثم ~~يرتحل ويحل إلى أن يفتح الله عليه بجواب عن سؤال؛ وذلك لأن السؤال لم يكن من تلك ~~الأسئلة العابرة التي تطوف برأس صاحبها، ثم سرعان ما تختفي لتسقط في بحر النسيان سواء ~~أوجد لها صاحبها جوابا يقنعه أم لم يجد، كلا، بل كان السؤال الذي ألح عليه، من ذلك ~~النوع الذي يجيء ليبقى، وغالبا ما يصبح في حياة صاحبه نقطة بدء تضعه على منعرج في طريق ~~حياته، فلقد دار في نفس الغزالي خاطر، هذا هو فحواه: إنني أثبت وجود الله «سبحانه ~~وتعالى» بأدلة من آيات كتابه فيؤمن بها السامع كما أنا مؤمن بها؛ لأن كلينا كان قبل ~~الإثبات على إيمان سابق بالكتاب، لكن ماذا لو أنني وجهت تلك الأدلة نفسها إلى غير ~~مؤمن بالكتاب؟ إن أدلة الإثبات لا بد لها أن تستند إلى شيء في فطرة الإنسان من حيث ~~هو إنسان، لا فرق في ذلك بين من آمن ومن لم يؤمن، فماذا عسى ذلك الشيء أن يكون؟ # هذا هو السؤال الذي ضيق عليه الخناق حتى تأزمت نفسه فغادر بغداد، تاركا طلابه ~~وأسرته وأخذ، وهو في أزمته تلك، يسافر ويقيم ثم يقيم ليسافر، إلى أن فتح الله عليه ~~بجواب استراح له عقله كما اطمأن له قلبه في آن معا، وعندئذ عاد إلى بغداد ليستأنف ما ~~قد كان فيه، ولكن شتان ما بين الحالتين، فالفرق بعيد بين رجل يقول ما يقوله لنفسه ~~وللناس، وضميره يتأرق لشك يراوده، ورجل آخر يرضى ضميره عما يقول ... # وهناك في بغداد بعد عودته، كتب آيته الفريدة «المنقذ من الضلال»، وهو بمثابة ترجمة ~~ذاتية، يروي فيها بدقة وصدق وإخلاص عن تلك الخبرة الداخلية التي خاضها، والتي لولا ~~فضل الله عليه بأن هداه إلى ضالته، لضل هو نفسه وانحرف عن جادة الطريق، لكن الغزالي إذ ~~ترجم لذاته، قد صور في الوقت نفسه أهم التيارات الفكرية التي سادت عصره ليرد على ~~مزاعمها تيارا بعد ms087 تيار، مستهدفا أن يصل بالقارئ آخر الأمر إلى الوقفة الفكرية التي ~~اهتدى إليها بعناية من الله ... # ولما كان مداره في وقفته الفكرية الجديدة هو الوسيلة التي يدرك بها الإنسان وجود الله ~~سبحانه (وكلمة «الإنسان» هنا تعني أي إنسان، آمن أو لم يؤمن بدين الإسلام) أقول: إنه ~~لما كانت وسيلة الإنسان في إدراك وجود الله إدراكا لا يحتمل الشك هي لب وقفته الجديدة، ~~فقد اضطر في كتابه «المنقذ من الضلال» أن يستعرض وسائل الإدراك المختلفة وأدوارها في ~~حياة الإنسان العقلية، ليبين لنا أن كل وسيلة منها ضرورية في مجالها، لكنها لا ~~تسعف صاحبها بشيء من العلم الصحيح خارج ذلك المجال. وتلك الوسائل درجات تتفاوت صعودا ~~فتتفاوت دقة، ويتبع ذلك أن يتفاوت الناس كذلك من حيث قدارتهم العقلية، فالأقل قدرة ~~يكفيه الوسيلة الإدراكية الأقل دقة، وهكذا تتصاعد وسائل الإدراك مع تصاعد القدرات عند ~~أفراد الناس، حتى تبلغ ذروة الوسائل عندما تبلغ ذروة الحق؛ وأعني وجود الله - جلا ~~وعلا - وواضح أن تلك الذروة إذا كانت من نصيب الصفوة القادرة، فإن تلك الصفوة نفسها هي ~~التي تنقل العلم الصحيح إلى من لم يكونوا قادرين على تحصيله بأنفسهم تحصيلا ~~مباشرا. # وأدنى وسائل الإدراك التي أشرنا إليها، هي أن يحصل الإنسان معرفته عن طريق التواتر، ~~بمعنى أن يكتفي الإنسان بما يسمعه شائعا بين الناس دون أن يقوم هو بإثبات صحة ما سمعه ~~من أفواه الناقلين، ثم تتلو هذه الدرجة صعودا وثباتا ما يحصله الإنسان بحواسه ~~تحصيلا مباشرا، فيكون هو الذي رأى الشيء بعينيه أو سمعه بأذنيه بغير وسيط ينقله إليه، ~~ثم تتلو هذه الدرجة صعودا ودقة مرحلة «العقل»، فها هنا يكون إثبات صحة الحقيقة المعينة ~~قائمة على الدليل العلمي القائم على منهج البحث العلمي، لكن هذه المرتبة العقلية ~~العلمية المنهجية، إنما تقتصر قيمتها على ما هو ممكن للعقل أن يطبق عليه منطقه ومنهجه، ~~ويبقى وجود الحق - سبحانه وتعالى - فوق هذه الدرجات كلها، ولا بد لإدراك وجوده من ~~وسيلة أخرى، وتلك الوسيلة الأخرى هي الرؤية الباطنية، فتأمل ms088 ذات نفسك لترى كيف تعمل، ~~وهناك سيلفت نظرك ما يحدث عندما تريد القيام بتحريك جارحة من جوارح بدنك، كأن تريد - ~~مثلا - أن ترفع ذراعك أو أن تمدها أو تريد القيام بعد قعود، أو القعود بعد قيام، تأمل ~~نفسك جيدا في أية واحدة من تلك الحالات، إنك لن «ترى» شيئا بمعنى الرؤية بالعين ولن ~~تسمع شيئا بمعنى السمع بالأذن ... لكنك مع ذلك تحس في جوف ذاتك بالعزيمة التي تعزم بها ~~أن تحرك البدن على النحو الذي «تريد»، فإذا تذكرت أن أقل حركة يتحرك بها جزء من البدن ~~لرفع الذراع، أو القيام بعد قعود أو المشي ولو خطوة واحدة تقتضي أن تتناسق ألوف الألوف ~~من الخلايا والأعصاب والعضلات إلخ إلخ ... فإنها همسة خاطفة غير مسموعة يعزم بها الإنسان، ~~ففي لا زمن - لا تقل في «ثانية» أو في عشر معشار الثانية - لا، لا تقل ذلك لأن استجابة ~~تلك الألوف من ألوف الأجزاء، تتناسق معا لأداء حركة واحدة «معا» تأتي في لا زمن، ~~فالهمسة الإرادية الداخلية وما ينتج عنها وجهان لحقيقة واحدة، إنهما يحدثان معا ... ومن ~~هذه الرؤية الباطنية نفهم معنى الخلق وكيف يتحقق وجوده استجابة للقول: «كن»، فكأنما ~~الإرادة داخل الإنسان هي القائلة «بالعزيمة لا باللسان»: «كن»، فيكون ذلك التناسق بين ~~ألوف الألوف من خلايا الجسد وأجزائه، وإذا كان الأمر كذلك في الإنسان على حدوده، فهو ~~عند الله - جلت قدرته - في لا نهائيته المطلقة من كل حدود، وإذا شئنا أن نصوغ الوقفة ~~الغزالية في مبدأ واحد مركز المعنى كانت الصيغة هي: «أنا أريد، إذن، أنا موجود قادر» ~~... # ولا بد أن تكون هذه الصيغة التي اخترناها لنصب فيها الوقفة الغزالية، قد ذكرتك ~~بالصيغة الديكارتية المعروفة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود» (وديكارت بعد الغزالي بنحو ستة ~~قرون)، وحقيقة الأمر هي أن الشبه شديد من حيث «المنهج» - وليس من حيث المحتوى - بين ~~الغزالي وديكارت، واقرأ عن خطوات المنهج الذي يؤدي بالإنسان إلى اليقين في كتاب «محك ~~النظر» للغزالي، تجد نفسك على وشك أن تتساءل: وماذا بقي ms089 بعد ذلك لديكارت؟ إذ ربما كان ~~ركن الأساس في المنهج عندهما واحدا، وهو ضرورة البدء بحقائق لا تحتمل أن يشك فيها بحكم ~~طبيعتها المنطقية ذاتها، ثم هنالك بين الرجلين شبه آخر، لا يقل أهمية عن ركن الأساس ~~الذي ذكرناه لتونا، وذلك الشبه الآخر هو أنه بالرغم من أن المبدأ الديكارتي يبدو ~~وكأنه استدلال نتيجة من مقدمة، ففي كلمة «إذن» التي بين الطرفين ما قد يوحي بأن الطرف ~~الثاني مستدل من الطرف الأول، إلا أن حقيقة الأمر عنده هي أن طرف «التفكير» وطرف «وجود ~~المفكر» وجهان لحقيقة واحدة، وكذلك الأمر بالنسبة للإمام الغزالي، فإذا كانت الإرادة هي ~~بمثابة الأمر «كن» فتأتي الاستجابة، فها هنا كذلك يكون الطرفان وجهين لحقيقة واحدة، ~~وبعد ذلك فلتنظر إلى باطن نفسك مرة أخرى وراقبها جيدا عندما تهم بعزيمتك على إحداث ~~حركة بدنية كيف تجيء تلك الحركة المرادة بعد العزم بها في لا زمن، على أن ذلك - بالطبع ~~- لا يمنع أن تتعلق إرادتك بفعل تريد له أن يتحقق بعد حين؛ فلا يكون هناك فجوة زمنية ~~بين الإرادة من جهة والإرجاء من جهة ثانية ... # طريق طويل سرناه معا فيما أسلفناه، وكان كل أملي أثناء كتابتي للأسطر السابقة هو ألا ~~يأخذك الملل فتترك القراءة قبل أن تصل إلى ما أكتبه الآن؛ لأنه هو الغاية المقصودة ~~بالحديث كله، فلقد أردت أن أضع في رأسك فكرة تؤمن بصدقها، وتشكل سلوكك على أساسها ~~طواعية منك واختيارا؛ ولذلك قدمت ما قدمته ليكون هو الأساس الراسخ المتين، الذي ~~نقيم عليه فكرتنا هذه التي نقدمها الآن، وهي أنه إذا كان وجودك ووجودي، إنسانين من ~~البشر المسئول عما يفعل أمام ربه وأمام ضميره، مرهونا بأن يكون الواحد منا «مريدا» أي ~~أن تنبع إرادة الفعل المعين نابعة من عزيمته هو، من ذاته هو، من ضميره هو، ترتب على ذلك ~~نتيجة حتمية، وهي أن ما يريده سواك غير ملزم لك، إلا إذا أحسست بأنه مطابق لما تريده ~~أنت كذلك، وأن آدميتك إنما تقاس بمقدار ما أردت أنت لا ms090 ما أراده الآخرون، وأكرر مرة ~~أخرى: إلا إذا كان ما أراده الآخرون مطابقا لما كنت تريده أنت لو كنت أنت البادئ ~~بالإرادة وتنفيذها. # وما يتفرع عن هذا الأساس، يكون له من الصواب ما للأساس نفسه، وأول ما يتفرع عنه، ~~مما يهمني ذكره، هو أنه إذا كانت إرادة فرد لا تلزم فردا آخر مجاورا له، فمن باب أولى ~~ألا تكون إرادة أرادها أبناء عصر معين، ملزمة لأبناء عصر آخر، وأكرر التعليق نفسه مرة ~~ثالثة فأقول: إلا إذا أحس أبناء العصر التالي أنهم كانوا ليريدون الشيء نفسه لو كانوا ~~هم البادئين. # كان من الجوانب التي جاءت مشتركة بين الغزالي وديكارت أن كليهما أقام دليله على وجود ~~الله، على الطريقة التي أثبت بها وجود نفسه، لكن الفرق بينهما في ذلك هو أنه بينما تعقب ~~الغزالي في ذاته فاعلية «الإرادة»، كانت فاعلية «الفكر» هي التي تعقبها ديكارت، فكأنما ~~يقول الغزالي إنه موجود ما دام كائنا مريدا، على غرار ما قاله ديكارت بعد ذلك إنه ~~موجود ما دام كائنا مفكرا، فالمنهج واحد كما ترى والمضمون يختلف ... وإني لأذكر تلك ~~الساعة البعيدة من حياتي، هي بعيدة بعد ما قد يزيد على أربعين عاما حين قرأت لوايتهد ~~جملة وردت في سياق حديث له لم أعد أذكر في أي كتاب من كتبه، يقول فيها: «إن الإسلام ~~يجعل الأولوية للإرادة»، وعند قراءتي لتلك الجملة تركت الكتاب مفتوحا أمامي وشردت ~~بنظري إلى الأفق أسائل نفسي: هل هذا صحيح؟ وبعد لحظات أجبت نفسي: نعم إنه صحيح فيما ~~يبدو، ولست أظن أن تلك الفكرة كانت قد امتلأت في ذهني بغزارة معناها، كما هي ممثلة به ~~الآن. # فكل ما علينا - إذن - هو توليد النتائج التي تترتب على هذه الحقيقة الأولى: ومن أبرز ~~ما يترتب عليها من نتائج، أن آدمية الآدمي تهدر بمقدار ما يخضع نفسه لنمط سلوكي مفروض ~~عليه، دون أن يعلم لماذا يسلك ذلك السلوك النمطي ما دام هو سلوكا لم يكن وليد إرادة ~~منه، ولا هو يشعر في ذات نفسه بأنه ms091 لو ترك ليريد حرا مختارا لإرادة، وهنا قد يقال: ~~أيكون معنى ذلك ألا قواعد تتبع ولا قوانين تطاع؟ والجواب هو التأكيد بأن واحدية ~~القاعدة أو القانون لا ينفي تعدد صور التطبيق بين الأفراد في العصر الواحد، ومن باب ~~أولى أنها تتعدد بين الأفراد من أبناء العصور المتباعدة، إن واحدية القاعدة النحوية ~~الموجبة لرفع الفاعل ونصب المفعول لا تعني أن جميع من يعملون بها يلتقون عند صورة واحدة ~~من القول، والقواعد في لعبة كرة القدم واحدة، لكن لكل لاعب أسلوبه تحت تلك القواعد، ~~وأسس البناء الموسيقي مشتركة، لكن كل شيء في التلحين الموسيقي ينفرد بطريقته ... ولنقف ~~لحظة قصيرة عند كلمة «تلحين» هذه ... ألم يلفت نظرك معنى كلمة «لحن» وكيف أنها تعني ~~معنيين يبدوان بعيدين كل البعد أحدهما عن الآخر، فالخطأ في نحو اللغة «لحن» وكذلك ~~التشكيل الصوتي في الموسيقى «لحن»، والعلاقة بين هذين المعنيين، هي أن اللحن معناه خروج ~~على النمط المألوف، فإذا كان النمط المألوف في اللغة هو أن يرفع الفاعل، كان نصبه ~~لحنا، وكذلك يكون الخروج بالجملة المعنية عن الطريقة المألوفة في نطقها، وجعلها ~~موسيقية لحنا ... وعلى هذا الأساس يمكننا القول بأنه إذا كان هناك «نمط» سلوكي شائع في ~~المجتمع أو موروث من السلف، جاز للفرد الواحد أن «يلحن» فيه بمعنى أن يحافظ على جوهر ~~معناه، ولكن بطابعه الشخصي، أما الذي لا يجوز، فهو أن يلحن فرد في سلوكه على نمط معين، ~~بمعنى أن ينحرف به نحو صورة تفسد معناه. # هذه الخصائص السلوكية التي تميز الفرد من أفراد الناس دون سائر الأفراد، هي في صميم ~~الصميم من مكانة الإنسان وكرامته ومسئوليته؛ لأنها مرتبطة ارتباطا وثيقا بحرية ~~إرادته، نعم، إن هنالك في كل جماعة بشرية أنماطا سلوكية يجب على كل فرد من أفراد ~~هذه الجماعة أن ينهج نهجها وإلا لانعدم انتماء الفرد إلى جماعته ... لكن حتى في هذه ~~الحالة، لا يكون النمط السلوكي العام أكثر من «إطار» يجري سلوك الأفراد تحت مظلته، مع ~~بقاء الهامش العريض الذي يسمح بالاختلافات الفردية، ms092 وفي هذا الهامش يجيء «اللحن» الذي ~~أشرنا إليه في الفقرة السابقة ... فإذا جاء اللحن انحرافا عن النمط العام نحو الأعلى، ~~كان صوابا أكثر من الصواب، وأما إذا جاء اللحن انحرافا بالنهج العام نحو الأسفل، كان ~~هو اللحن الذي يعني الخطأ والضلال. # لقد أخذ «الإسلام» اسمه هذا، من وجوب أن «يسلم» المؤمن إرادته لإرادة الله، فهذا أمر ~~واجب، لكن ما معناه؟ إنه يستحيل أن يكون المعنى هو أن يتجرد الإنسان من إرادته، وإلا ~~لسقطت عنه المسئولية الخلقية، والمسئولية القضائية وكل مسئولية أخرى ... وهل يسأل النهر ~~المتدفق من الجبل إلى بطن الوادي عن تدفقه؟ أو تسأل الريح العاصفة لماذا عصفت كما عصفت؟ ~~فإذا كان ذلك كذلك فماذا يكون معنى أن يسلم المؤمن إرادته لمشيئة الله؟ لا بد أن يكون ~~المعنى منصبا على المبادئ دون طرائق العمل في إطارها، فطرائق العمل في ظل مبدأ معين، ~~متروكة لإرادات الأفراد، حتى تصح عليهم المسئولية الأخلاقية، وقد تضاف إليها أيضا ~~مسئولية قضائية، وهذا لا يتناقض مع «علم» الله السابق لمجرى الأحداث كيف يسير، إنني إذا ~~أردت السفر بسيارتي من القاهرة إلى الإسكندرية، وقلت للسائق عند بدء السير، اتجه بنا ~~إلى الإسكندرية بالطريق الزراعي، كان ذلك بمثابة «المبدأ» الذي في إطاره يسلك السائق، ~~لكن تفصيلات سلوكه بعد ذلك تترك لإرادته كيف يواجه مشكلات الطريق، ومتى يبطئ السرعة ~~ومتى يزيدها، في أي الظروف يتجه بالسيارة إلى يمين الطريق، وفي أيها يسير بها إلى ~~يساره، وهكذا، وبهذه الحرية يكون مسئولا عما يحدث من أخطاء. # وأتصور أن تكون الإرادة الإلهية العليا التي على الإنسان أن يلتزمها مع تفصيلات ~~سلوكية تترك له الحرية فيها، وتقع عليه المسئولية فيما يترتب عليها، هي أن يسير الإنسان ~~على النهج العام الذي يسير عليه الكون العظيم، كما خلقه الله وكما أراد له أن يسير ... ~~فالأساس - إذن - هو: نظام لا فوضي، تعمير لا تخريب، بناء لا هدم، نماء لا ضمور، ازدهار ~~لا ذبول، قوة لا ضعف ، تعاون لا تناحر، خير لا شر ... إلخ، على أن الله ms093 - سبحانه وتعالى - ~~قد أنزل في رسالاته السماوية مجموعة من الأوامر والنواهي، تتجه كلها نحو أن تعين على ~~إقامة ذلك الإطار المبدئي العام، فالكون تحكمه قوانين، وعظمة الله إنما تتجلى في أن ~~القوانين مطردة لا خلل في اطرادها، وحتى إذا ظهرت ظاهرة قد يظن أنها قد شذت عن القانون، ~~كانت حقيقة الأمر فيها هي إنما خضعت لقانون آخر أعم وأشمل. # ومدى ما يستطيعه الإنسان إزاء تلك القوانين إذا أراد معرفتها - ولا بد له أن يريد ~~ذلك طاعة لأمر الله في كتابه الكريم - أقول: إن غاية ما يستطيعه الإنسان في هذا السبيل، ~~هو أن يحاول قراءة الظواهر الكونية - أي فهمها - بالكشف عن قوانينها، فهنالك «ضوء» ~~يراه، فما هي القوانين التي تنظم مسارات الضوء؟ وها هنا يمكن أن يكون للعلماء في كل ~~عصر طريقة يختلفون بها عن علماء العصر الذي سبق عصرهم، وذلك حين يتكشف لهم أن فهم ~~السابقين لظاهرة الضوء لا تغطي كل الحالات التي شهدها الإنسان في مجال تلك الظاهرة، ~~فتبدأ محاولة جديدة نحو قراءة جديدة، لعلهم يقعون على ما يفسر جميع الحالات التي ~~صادفتهم في ظاهرة الضوء، وهكذا يتقدم العلم، لكنه في كل خطوة من خطوات تقدمه، لا ~~يستغني عن افتراض مبدئي ضروري، هو أن هنالك «نظاما» ما ... ونحن البشر نبحث عن ذلك ~~النظام، ولا يعقل أن يجد الإنسان نفسه مدفوعا نحو البحث عن قوانين الكون، أي البحث عن ~~«نظامه»، ثم يكون هذا الإنسان قد بنى على الفوضى بغير أهداف، وبغير وسائل يحقق بها ما ~~استطاع من تلك الأهداف. # وهل تعرف يا صاحبي، ماذا كان الجديد الذي طرأ على قراءة العلماء لظواهر الكون إبان ~~القرن الماضي، فقيل: إن الإنسان قد دخل من مراحل تاريخه «عصرا» جديدا، وذلك العصر ~~الجديد هو عصرنا هذا الذي نحيا اليوم في رحابه؟ إنك إذا أردت الدقة في التمييز بين ~~قولنا «الحديث» وقولنا «المعاصر» فيما اصطلح عليه مؤرخو الفكر بشتى نواحيه، فاعلم أنهم ~~قد اتفقوا على أن يكون «الحديث» هو ما امتد من النهضة الأوروبية في ms094 نحو القرن السادس ~~عشر، حتى أوائل القرن التاسع عشر، ومنذ ذلك التاريخ الذي انتهى عنده «الحديث» بدأ ~~«المعاصر»، ونحن نسأل: ما الذي حدث في حياة الإنسان العلمية، فجعل حدا فاصلا بين عصر ~~ذهب وعصر جاء؟ فقبل ذلك الحد الفاصل، كان أساس الفهم لأي حدث يقع، هو مبدأ القصور ~~الذاتي في الأشياء، بمعنى أن الشيء لا يحرك نفسه، فإذا تحرك وجب البحث عن عامل خارجي ~~أدى إلى تحريكه؛ وعلى هذا الأساس بنيت الرؤية العلمية كلها ... فلما وجد أن مثل هذا ~~الأساس لا يفسر كل الظواهر كما تبدو للإنسان، فالشجرة - مثلا - لا تنمو لمجرد أن ~~حولها عوامل الضوء والهواء والتربة والماء، فالحجر تحيط به تلك العوامل ذاتها ولا ينمو، ~~إذن يجيء نمو الشجرة نتيجة اعتمال حيوي ينبثق من صميم طبيعتها، وإذا صح هذا، كانت ~~الرؤية المعاصرة بمثابة من يجعل للإرادة أولوية على سواها، في الكون وفي الإنسان ... ~~ونسأل: وهل يا ترى يقتصر الأمر في تحول الرؤية على هذا النحو، على الكائنات الحية ~~وحدها؟ ويسرع إلينا الجواب: كلا ... إنه يشمل الكون كله، من حيث هو منظومة كبرى متصلة ~~أجزاؤه بعضها ببعض، في كيان عضوي واحد، كما يشمل كل ذرة صغيرة على حدة، وانظر إلى ما ~~يقولونه عن داخل الذرة من كهارب لا تكتفي بأنها في حركة دائبة، بل هي كذلك تقفز في ~~حركتها تلك قفزات لا يمكن التنبؤ بها قبل وقوعها ... فما معنى هذا كله؟ معناه أنه لا بد ~~من إعادة النظر في الطريقة التي نفهم بها قوانين الكون ونظامه، وليس الذي تغير هو هذا ~~النظام أو تلك القوانين، بل الذي تغير هو طريقة الإنسان في النظر. # ولو كان الإنسان مقيدا في حياته بقوالب من حديد، ومقيدا في تفصيلات سلوكه بأنماط ~~أرادها آخرون لأنفسهم وعاشوها، لما كان في وسع الإنسان أن يواجه مفاجآت الطريق بمثل ما ~~يقابل سائق السيارة الماهر مفاجآت طريقه ... إنها إرادة في فطرة الإنسان كما فطره خالقه، ~~وهي حرية لتلك الإرادة، يكون الإنسان بسببها مسئولا عما يفعل، وبمثل هذه الإرادة ms095 الحرة ~~في طبيعة الإنسان، عرف الإمام أبو حامد الغزالي ربه ... وسبحان العلي العظيم ... # | فالق الحب والنوى # إنك لتنظر إلى حبة القمح، أو نواة التمر، فتحسب أنك إنما تنظر إلى قطعتين من الجماد ~~الأصم الأخرس، كأنهما حصاتان ألقت بهما الأحداث، ثم أهملتهما على أرض يباب، وقلما يطوف ~~بذهنك أن ما أمامك خزانتان اختزنتا طاقة حيوية جبارة القوى، تنتظران الظروف المواتية، ~~ومعها مشيئة الخالق جلت قدرته وتدبيره وحكمته، وإذا بحبة القمح تتفتح عن عود حي يغتذي ~~من الأرض طعاما، ويرتوي من ماء المطر شرابا، ويستمد من الهواء ومن الضياء فاعلية ~~ونماء، حتى ينتهي إلى حمل من سنابل، تحمل كل سنبلة منها حبات من القمح تعد بالعشرات، ~~وكذلك تتفجر نواة التمر عن عملاقة من النخل، ترفع رأسها لتبلغ ما بلغته الأبراج ~~العالية، لولا أن هذه الأبراج البشرية مصمتة الصخر لا فعل لها ولا تفاعل، وأما النخلة ~~السامقة فمن عناصر الأرض طعامها، ومن غيث السماء سقياها، تحمل في جوفها سر الحياة ~~لتطرحه كل عام عراجين مثقلة بثمارها حمراء أو صفراء، كأنها عناقيد الياقوت والذهب ساطعة ~~في ضوء الشمس، اللهم سبحانك أمن التراب ألوان بهية وطعوم فيها حلاوة؟! # فانظر يا أخي إلى الفارق البعيد، بين ما رأته العين حبة ونواة، كانتا في رؤية العين ~~كأنهما جماد لا يحس ولا يعي، فإذا هما - وقد شاء لهما خالق الكون أن تواتيهما عوامل ~~الغذاء والماء والهواء والضياء - تبديان العجب وتخرجان العجاب، فماذا أنت قائل - إذن - ~~في ذرية بشرية، لم يكن الفارق بينها ساعة ميلادها وكأنها الفراخ العارية من الزغب ~~والريش - ثم إذا رأيتها بعد ذلك وقد خرج منها رجال ونساء، أقول: كم يكون الفارق بين أن ~~تواتيها في نمائها ظروف تستخرج كل ما أودعها ربها من مواهب وقدرات، وبين أن تهمل لتنمو ~~بأجسادها طامسة في أجوافها ودائع الله فيها من كنوز المواهب؟ أرأيت يا صاحبي كم يكون ~~الفرق بين آلة الموسيقى وهي ملقاة على الأرض في صمت، وبينها حين تلتقطها يد العازف ~~ليخرج منها حلو النغم؟ لقد كانت ms096 في الحالة الأولى «آلة»، ثم أصبحت في الحالة الثانية ~~«موسيقى»، وهكذا الإنسان إبان طفولته ونشأته، يكون أقرب إلى آلة بدنية عجماء إذا أهمل ~~شأنه، ثم يكون ومضة فكر ونبضة وجدان إذا عرف ذووه كيف ينشئونه. # وقل عن أمة بأسرها ما تقوله عن كل فرد من أفرادها، فقد يشهدها التاريخ حينا وهي ~~ترتفع في جو السماء مع العقبان والنسور، ثم قد يشهدها حينا آخر وهي على أديم الأرض مع ~~بغاث الطير، فيسألون عندئذ ويتساءلون: لماذا؟ وما الذي أصابنا؟ والجواب عند حبة القمح ~~ملقاة على الأرض، ثم مزروعة لتحيا وتنمو وتثمر، وعند نواة التمر تحسبها حطبة جافة ~~ابتلعها ثنين الموت، فإذا هي تلقى حظها من العناية فتظهر على حقيقتها: كائنا حيا ~~قويا ولودا، وعند آلة الموسيقى يصيبها الإهمال فتكون آلة وتنالها العناية فتشدو، على ~~أن الطاقة الإبداعية في أمة، ليست مجرد حاصل جمع لطاقات أفرادها، بلى هي قد تزيد عن ~~ذلك، وقد تنقص، فهي تزيد بالتعاون الصحيح، وهي تنقص بالتناحر الهدام، افرض - مثلا - ~~أن مجموعة من الزملاء الأساتذة في كلية من كليات الجامعة، تعاونوا جميعا - كل بما تخصص ~~فيه - على إيجاد حل نعالج به انخفاض المستوى العلمي في هذه الفترة الزمنية الراهنة، ~~فعندئذ تجيء نتيجة جهدهم أفعل أثرا، مما لو استقل كل منهم بالتفكير من زاوية تخصصه، ~~إذا ما تنافروا وتناحروا جاء الناتج خطوة إلى الوراء لا خطوة في سبيل الحل. # ونحن؟ من نحن؟ وأين نقع من هذا كله؟ أجب بما شئت من جواب، تجد إجماعا في الرأي على ~~نقطة واحدة على الأقل، وهي أننا كنا ذات يوم في طليعة المسيرة الحضارية ولم نعد، هذا ~~صحيح من حيث نحن مصريون، ومن حيث نحن جزء من أمة عربية، فمن حيث نحن مسلمون، فقد كانت ~~مصر هي الطليعة الحضارية، ولم تعد كذلك، وكانت الأمة العربية هي سيدة الحضارة في حينها ~~ولم تعد كذلك، وكانت الأمة الإسلامية صاحبة الكلمة المسمومة ولم تعد كذلك، فمن أي جانب ~~أخذتنا وجدت انحدارا في المنحنى الحضاري والثقافي جميعا، وهنالك ms097 من لا يعجبه مثل هذا ~~الصدق، فيسميه تشاؤما، كأنما التفاؤل هو أن تقول لرجل كان قويا وأصابته علة، إنه لا ~~علة هنا، وما زلت قويا كما كنت. # يكون القول تشاؤما لو أننا زعمنا أن طاقة الإبداع فينا قد اقتلعت من نفوسنا ~~اقتلاعا، لكن حقيقة الأمر فينا هي أن تلك الطاقة في كمون، يشبه كمون الحياة في حبة ~~القمح، وفي نواة التمر، حتى إذا ما شاء لها فالق الحب والنوى أن تنزاح عن محابسها ~~أقفالها توقدت الشعلة من جديد، وأول خطوة على الطريق هي أن تنفخ فينا إرادة أن نحيا، ثم ~~يضاف إلى ذلك إرادة أن تكون حياتنا حياة السادة لا حياة العبيد: سيادة في العلم، سيادة ~~في الفكر، سيادة في الأدب والفن، سيادة بالإباء وبالكبرياء. # أتسألني: وكيف يكون ذلك؟ ذلك يكون إذا تعلمنا الدرس من حبة القمح ونواة التمر، فنرى ~~كيف ينتقلان من سبات إلى صحو، ومن خمود إلى نشاط، ومن أفول إلى سطوع بالحياة وبالنماء ~~وبالإنماء، فارقب يا صاحبي وسجل: فأولها: أن يتهيأ مهد تستقر فيه البذرة مطمئنة لتغتذي ~~من أثداء أرضها على مهل، ولترتوي بما يتسرب إليها في مهدها ذاك من فيض سمائها، وعندئذ ~~تنفث من جوفها جذور حياتها، وثانيها: أن تحرص حبة القمح على أن تخرج قمحا مثلها في ~~النوع، وليكن بعد ذلك نسلها أصح مما كانت هي وأقوى، وأن تحرص نواة التمر على أن تخرج ~~البلح على نحو ما فعلت حبة القمح، طامعة في نسل أصح وأقوى، فلا يجوز لأي منهما - الحبة ~~والنواة - أن تمسخ أبناءها وبناتها بأن يجيء نسل الحبة من القمح بطيخا وشماما، وأن ~~يجيء نسل النواة أشجارا تثمر التفاح والرمان، وثالثها: أن يتعرض الجذع والفروع، إذا ما ~~نبتت فوق سطح الأرض، للهواء وحرارة الشمس ... تلك هي أهم الدروس التي نتلقاها من الحبة ~~ومن النواة، وهي الكفيلة بأن تخرج لنا أطيب الثمر. # والآن فلننظر كيف تكون الموازاة بين حياة الحبة والنواة - من جهة - وحياتنا من جهة ~~أخرى، ونبدأ بالدرس الأول وما يستفاد منه، وهو ms098 ضرورة أن تستقر البذرة في مهد صالح، فيه ~~المدد من أرضها ومن سمائها الذي يشبعها ويرويها، فكذلك الإنسان وهو في مهد الطفولة ~~والنشأة الأولى، ينبغي له أن ينبض قلبه بمرجع انتمائه الوطني والقومي، وأكرر ذكر القلب ~~ونبضه؛ لأن المرحلة الأولى لا تحتمل تحليلا ولا تعليلا، إننا نريد له هنا أن يحب وكفى ~~... أن يحب أرضا وأهلها لأنها أرضه ولأن الأهل أهله. # فماذا تكون تلك الأرض؟ ومن يكونون هم الأهل؟ البداهة تبدأ مع المصري بمصر، ومع ~~العراقي بالعراق، وهلم جرا، تماما كما يبدأ الرضيع بأمه، وكما يبدأ القروي بقريته، ~~وهكذا، ولكن سرعان ما يتبين بأن جزئية البدء محال أن تكفي ذاتها بذاتها، إذ لا بد من ~~امتداد ما يشمل تلك الجزئية مع أخوات لها، فيكون السؤال عندئذ هو: إلى أي حد يذهب ~~ذلك الامتداد؟ أيذهب مع المصري إلى حدود مصر ثم يقف هناك، ومع العراقي إلى حدود العراق، ~~وهكذا؟ هنالك من يجيب: نعم، ومن يجيب: لا، وأما أصحاب الإيجاب فيركزون الحكم على أساس ~~التميز العرقي وحده، غاضين النظر عن المشاركة في نمط ثقافي واحد (هذا إذا كان أهل البلد ~~الواحد من عرق واحد، وغالبا ما يكون ذلك على سبيل الافتراض النظري لا على سبيل الواقع ~~الفعلي)، وأما أصحاب النفي، فيؤسسون الحكم على أساس النمط الثقافي الواحد، الذي يضم من ~~يعيشون في إطاره برباط قومي واحد، وإذا وجدنا القوم قد انشقوا على أنفسهم ولم يجتمعوا ~~جميعا على أم واحدة، بالمعنى القومي لهذه الكلمة، امتنع عليهم عنصر من أهم العناصر ~~الأولية التي تعمل على أن تنبت حبة القمح قمحا، ونواة البلح بلحا. # وذلك بالفعل هو ما نحياه اليوم في مصر وفي غير مصر من أجزاء الوطن العربي الكبير، ~~فلقد وسوس في صدورنا وسواس خناس، فتشعب بنا الرأي في طبيعة انتمائنا، لا من حيث ~~الجزئية الأولى التي ينتمي بها المصري إلى مصر، والعراقي إلى العراق ... إلخ، بل من حيث ~~الامتداد وراء تلك الجزئية الأولى ، هل يكون أو لا يكون، فكان هذا الانقسام أول ضربة ms099 ~~فرقتنا أشتاتا، فاشترينا ضعف التجزؤ بقوة التوحد، وكان مصدر هذا الإثم فينا هم رجال ~~السياسة. # ولقد كان كاتب هذه السطور، خلال الشطر الأول من حياته الواعية، ممن وقفوا بانتماء ~~المصري عند حدود مصر، لم يجاوزها مترا واحدا فيما يجاورها، لكنه رأى بعد ذلك رأيا ~~آخر، وهو ألا حياة للمصري إلا في نمطه الثقافي الذي يميزه ويمتاز به، فإذا تبين أن ذلك ~~النمط إنما هو بذاته النمط الذي نطلق عليه اسم العروبة، كان الصواب هو أن المصري عربي ~~الرؤية الثقافية - جتى قبل أن يفتحها العربي عقب ظهور الإسلام، ومن طريف ما أذكره في ~~هذا السياق، أن مذيعا سألني في حوار أداره معي ذات يوم عندما كنت خارج مصر قائلا: هل ~~حدث لك في حياتك أن غيرت رأيك في فكرة كبرى؟ فأجبته بالإيجاب، ذاكرا له فكرة انتماء ~~المصري إلى «العروبة»، من حيث أصوله الثقافية التي منها تتكون رؤيته العامة، ولقد حدث ~~لي في عدة مناسبات سابقة أن حللت ذلك النمط الثقافي الذي أعنيه، وكان من أهم دعائمه ~~«التدين» - قبل الإسلام وبعد الإسلام - فموقف «المتدين» عميق عميق في أهل هذه الرقعة من ~~الأرض ... إلى آخر ما أدليت به من رأي في ذلك الحوار الإذاعي، ولم أكد أعود إلى مصر بعد ~~رحلتي تلك حتى تلقيت خطابا، كان التوقيع فيه هو «مستمعة»، فقد أذيع ذلك الحوار، ~~واستمعت إليه صاحبة الخطاب ولم يعجبها ما تغيرت به في انتماء المصري، رأيا بعد رأي - ~~وأخذت في خطابها القصير تسدد إلي سهامها، وتنزع عني صفة «المثقف» ما دمت قد تحولت ~~بالمصري إلى أن يكون عربيا، ولعل هذه المناسبة صالحة للتعليق من ناحيتي على ذلك ~~الخطاب، فأقول: إن «المستمعة» لم تحسن الاستماع، ولو كانت قد أحسنته لما وجدت ما يبرر ~~لها بعض ما أوردته في خطابها. # وما أسرع ما جاءتني المصادفات بمفاجأة جديدة بعد ذلك، وفي الموضوع نفسه الذي نحن الآن ~~بصدد الحديث فيه، وتلك هي أن قادما من باريس زارني راجيا أن يدور بيننا حوار في بعض ~~القضايا التي ms100 تشغل الناس، وحدث أن وردت في كلامي عبارة «الأمة العربية»، فاستوقفني ~~ليسأل: وهل هناك ما يجوز تسميته «بالأمة العربية»؟ فانطلقت أشرح له كيف أنه لا رباط يشد ~~القوم في قومية واحدة أكثر مما يفعله الرباط الثقافي، انظر إلى الولايات المتحدة ~~الأمريكية كم جنسا يدخل في تركيبها البشري؟ وكل جنس من تلك الأجناس، ذهب إليها بثقافته ~~الأصلية، فانصبت الجهود نحو ما يسمونه هناك «بالأمركة»؛ لذلك الجمع المتنافر، وما تلك ~~«الأمركة» المنشودة إلا أن يحيا الجميع في نمط ثقافي واحد، ولتتعدد بينهم الأعراق ~~بعد ذلك ما شاءت أن تتعدد، فالمسألة - إذن - في وجود «أمة عربية» أو عدم وجودها، هي ~~مشاركة شعوبها في رؤية ثقافية واحدة، فإذا نحن حللنا تلك الرؤية إلى عناصرها، ~~فوجدناها العناصر نفسها التي تتركب منها رؤية المصري على امتداد تاريخه، كان المصري ~~منتميا مع سائر من ينتمون إلى ذلك الركب الثقافي المعين، وإذا بقيت بعد ذلك بواق ينفرد ~~بها المصري، كان المصري - شأن كل عربي آخر - منتميا إلى «العروبة» بما ينتمي به، ~~منفردا وحده بما ينفرد به. # ذلك هو الدرس الأول، المستفاد من حبة القمح ونواة البلح؛ وأعني انتماءها في شعبها ~~وفي ريها، إلى غذاء من أرضها وماء من سمائها، وعلينا - إذن - أن نعلم أوضح ما يكون ~~العلم: أي أرض هي أرضنا، وأي سماء هي سماؤنا؟ وبعد هذا يأتي الدرس الثاني، وهو شديد ~~الصلة بالدرس الأول، وموضوعه هو حرص حبة القمح أن تثمر قمحا من نوعها، حتى لو جاء ~~الثمر أصح منها وأقوى، وكذلك حرص نواة البلح أن تثمر النخلة بلحا، وللثمر بعد ذلك أن ~~يجيء ألذ طعما وأحلى مذاقا، وعلى هذا النموذج، تكون تربية الطفل وتنشئته إذا أردنا له ~~يقظة تخرجه من هذا السبات العميق الذي يغط فيه، أي أن نربي طفلنا وننشئه تربية وتنشئة ~~تخرجانه استمرارا لآبائه وأجداده، ثم يضيف إلى تلك الاستمرارية، ما يجعله أقوى منهم ~~وأقوم سبيلا. # وماذا عسى أن يكون المعنى المقصود من قولنا بأن يجيء الحفيد استمرارا لأبيه وجده؟ ~~إننا لا نريد أن ms101 يكون صورة كربونية لأحد، بل لا نريد لفرد كائنا ما كان موقعه من تيار ~~الحياة الدافق أن يجيء صورة لفرد سواه، وإلا فقدت الفردية صميم معناها، لكن هناك بين ~~أجيال الأمة الواحدة - أو يجب أن يكون هناك - أقول: إن هناك ضربا من العلاقة بين ما هو ~~ثابت وما هو «متغير» في أي تسلسل يجري به نوع من الكائنات الطبيعية أو الكائنات ~~المصنوعة، ولك أن تزور - مثلا - معرضا لتاريخ السيارات - كيف تطورت صناعتها على مر ~~السنين، منذ اخترعت السيارة لأول مرة، وحتى يومنا هذا، وهنالك ترى بعينيك كم يكون ~~الفارق بعيدا بين السيارة الأولى والسيارة الأخيرة في تلك الحلقات المتتابعة، كل حلقة ~~منها تشبه سابقتها، مع شيء من اختلاف وتظل الاختلافات تتراكم جيلا من السيارات بعد ~~جيل، حتى تبعد مسافة التباين بين الحلقة الأولى والحلقة الأخيرة، وهذا بعينه ما يحدث - ~~أو ما ينبغي له أن يحدث - في تسلسل الأجيال في أمة واحدة، الذي بقي في سلسلة السيارات ~~هو الجوهر الذي يجعل الشيء سيارة وليس قطارا أو سفينة، وكذلك في شعب مصر أو في الأمة ~~العربية أو ما شئت من جماعات ذوات التاريخ المتصلة حلقاته، تظل الأجيال يختلف لاحقها عن ~~سابقها في كثير أو قليل، تدول عليها دول وتأتي دول، وتزول عنها حضارات وتأتي حضارات، ~~لكن شيئا جوهريا يبقى ليجعل المصري مصريا أو العربي عربيا أو من شئت، وقد تتداخل ~~الدوائر بعضها في بعض، كما هي الحال بالنسبة إلى المصري حين نراه متميزا وحده بصفات ~~ومشتركا مع سائر أبناء العروبة في صفات، ولست أعني الصفات العارضة التي نراها في كل ~~إنسان من البشر أجمعين، بل أعني تلك الصفات الرئيسة التي تدخل في أساس الهوية الذاتية ~~والقومية، وهي نفسها الصفات التي منها يتكون الإطار العام لرؤية متميزة للكون ~~وللإنسان والنشأة والمصير. # وبقي لنا درس ثالث نتعلمه من الحبة والنواة، حين يبدوان وكأنهما ذهبت عنهما الحياة، ~~وإذا بالطاقة الحيوية الكامنة فيهما تنطلق بإذن الله انطلاقة تأتي بالسنابل الغنية ~~بحباتها، كما تأتي بالعراجين المثقلة بثمارها، ms102 ولئن كان الدرسان الأول والثاني قد ~~أخذناهما من البذرة وهي - بعد - دفينة في أرحام الأرض، فهذا الدرس الثالث إنما نتلقاه ~~بعد أن تنشق الأرض عن نبتة تنبثق منها لتعلو ما أراد لها نوعها أن تعلو ساقا أو جذعا، ~~وما يخرج بعد ذلك من فروع وأزهار وثمار، فها هنا نتعلم كيف ينبغي للشجرة أن تعرض نفسها ~~للهواء وللشمس ليكتب لها نماء وازدهار وإثمار، ها هنا نتعلم كيف يتحتم على الكائن الحي ~~أن يأخذ ويعطي، وإلا فصور لنفسك - على سبيل التفكه - أن جماعة من فروع النخلة، اجتمعت ~~هناك عند الرأس في أعلاها، لتحرض النخلة من جذرها إلى سعفها، أن تتصدى «لغزو» الهواء ~~وأشعة الشمس، محتجة بأن تلك العوامل الدخيلة من شأنها أن تنحرف بالنخلة عن طبيعتها، ~~فتصبح في دنيا الشجر مسخا من الأمساخ ... فماذا أنت قائل عندئذ لتلك الجماعة التي ذهب ~~بها إخلاصها لطبيعتها النخلية إلى حد الانتحار؟ ألا تقول لها عندئذ: إن خطأها قد بدأ ~~معها منذ أخطأت فهم نخلتها، ففاتها بعد ذلك أن تدرك كيف لا تنعم النخلة بمجرد الوجود ~~إلا إذا خاضت مع محيطها عملية الأخذ والعطاء، تعطي من كيانها شيئا ينفع سائر ~~الكائنات، وتأخذ من سائر الكائنات شيئا ينفعها. # هي دروس ثلاثة، نتعلمها من الحب والنوى: الدرس الأول: هو أن نوثق الصلة بين البذرة ~~ومهدها، والدرس الثاني: هو أن تحرص البذرة على أن تنسل أشباهها، والدرس الثالث: هو ~~ألا حياة لنباتها إلا إذا أخذ من دنياه وأعطى. # وبعد ذلك فلننتقل بدروسنا الثلاثة إلى التاريخ وعبرته لنرى في إيجاز شديد، كيف جاءت ~~فترات القوة من تاريخنا بمثابة تجربة تطبيقية لتلك الدروس، وفترات، القوة بالنسبة إلى ~~المصري تتشعب شعبتين: إحداهما فرعونية تضرب في عمق الزمن السحيق، والأخرى في السلف ~~العربي الإسلامي وفي فتوته وقوته، أما الأولى: فقد وضعت لنفسها دستورها الحضاري في أقدم ~~أثر فني دونه التاريخ المصري؛ وأعني أبا الهول، فمنذ تلك اللحظة السحيقة في القدم، قال ~~المصري بلغة الإزميل في يد النحات: لقد اعتزم المصري أن يحيا حياة ms103 تربط أصولها بطبائع ~~الأشياء ثم تسلم قيادها إلى حكمة العقل، فأبو الهول جسمه أسد ورأسه إنسان، أي أن ~~الجسم هو طبيعة في أقوى صورة له والرأس تدبير في أحكم صورة له، وهكذا أعلن المصري ~~بإزميله منذ فجر نشأته أنه سيظل موصولا بأرحام فطرته، ثم يجمع لتلك الفطرة معارف ~~يدركها بعقله وخبرات يتمرس بها؛ لكي يضمن لنفسه سماء يستلهمها ويستوحيها، وأرضا يسعى ~~في فجاجها ويعيش، ولو أننا لخصنا شريط التاريخ المصري خلال آلاف السنين التي حكم فيها ~~الفراعنة، ولو لخصنا ذلك بنظرة طائرة، لقلنا إن المصري قد بدأ بالتمكين لنفسه في أرضه ~~وبالصبر قرونا حتى رسخت له قواعد حضارته، ثم أخذ بعد ذلك يمد بصره إلى بعيد ليعطي ~~وليأخذ، وما أكثر ما أعطى وما أقل ما أخذ؛ لأنه لو نطق بلسان الحال آنئذ لقال بملء ~~فمه: أنا الحضارة والحضارة أنا. # وننظر إلى أصولنا الإسلامية العربية الأولى فنرى الحياة الحضارية والثقافية كيف ~~تتابعت خطواتها، فإذا هي تنهج النهج نفسه؛ أي أنها انصرفت إلى جذورها حقبة من زمانها، ~~وهي الحقبة التي دار فيها النشاط الفكري كله - أو معظمه - حول علوم اللغة، وأعقبتها ~~مذاهب الفقه في استخراج أحكام الشريعة، حتى إذا ما أمن المسلم على قاعدة قوية في ~~استيعاب عقيدته ولغته، انتقل إلى مرحلة الجذع والفروع من حياة الشجر، وهي مرحلة التعرض ~~للهواء ولأشعة الشمس، وها هنا تطلعت إلى كل من كانوا حولها لتأخذ منهم وتعطيهم، وبهذا ~~التفاعل تكونت العناصر التي نطلق عليها اليوم اسم «التراث». # إنه إذا كانت مصر مع سائر أجزاء الأمة العربية، بل وسائر أرجاء الأمة الإسلامية إذا ~~أردت المجال الأشمل، أقول: إنها إذا كانت قد أخذتها غفوة طال أمدها بعض الشيء حتى ظن ~~أن قد جمدت عروقها وتيبست أطرافها، فما ذلك كله - في يقين كاتب هذه السطور - إلا كذلك ~~الذي تراه العين المجردة من حبة القمح ونواة النخل، فتحسبهما حصاتين من حصوات أرض ~~مهملة، ثم يفجؤها أن تراهما وقد بدت فيهما حياة عارمة حين يأذن لها بذلك فالق الحب ~~والنوى. ms104 # | صورة ريفية وأعماقها # وضعت رأسي على الوسادة، لكنني لم أنم، فضربت بالمغرفة في دست الذاكرة لتخرج لي ~~بصورتي، فتى في الثالثة عشرة من عمره وقد ذهب في إجازة الصيف إلى حقل أقربائه في الريف، ~~زائرا ومتفرجا، فأشار له لداته إلى جذع شجرة كان راقدا على الأرض بين الساقية ~~وحافة الطريق، ليجلس منتظرا حتى يفرغوا من عملهم في حوض الذرة القريب، وكان ذلك الحوض ~~في مرأى البصر من موضع الفتى، وكان الفتى يرتدي جلبابا نظيفا أبيض ناصع البياض، وفوق ~~الجلباب سترة وعلى الرأس طربوش، فتردد في الجلوس خوفا من التراب يلوث له ثيابه، ~~فالتراب هناك لم يكن من الجفاف بحيث ينفض عن الثوب فيزول، بل كان كأنه مزج بشيء من ~~الصمغ فيلتصق حيثما وقع، لكن الفتى - مع ذلك كله - لم يجد بدا من الجلوس، فأخرج ~~منديله وفرش به مكان جلوسه من جذع الشجرة العتيق، وشخص ببصره إلى حيث دخل لداته بين ~~أعواد الذرة، فماذا هم صانعون هناك يا ترى؟ وهل أصاب الفهم عنهم حين سمعهم يقولون له من ~~بعيد إنهم سيقومون بشيء من تنقية الأرض من أعلاق العشب؟ فأي عشب وأي أعلاق؟ هكذا أخذ ~~الفتى يتخيل ويتساءل، وهو شاخص ببصره إلى حيث اختفى لداته بين أعواد الذرة، وعندئذ ~~تمنى لو لم تكن ثيابه في نظافتها تلك وفي بياضها ذاك، وود من عمق نفسه لو أنه ارتدى ~~ثوبا كثيابهم، ليستطيع أن يشاركهم فيما هم فاعلوه ... # وذهبت عني تلك الصورة الريفية ذات العهد البعيد، ولم أجد بي حاجة إلى أن أدس المغرفة ~~في دست الذاكرة مرة أخرى لتخرج لي بما اتفق لها من ذكريات؛ لأن تلك الصورة جرت وراءها - ~~من تلقاء نفسها - صورة ثانية، والثانية جرت ثالثة، وكأنها كانت بكرة خيط لم يكد يفك ~~عنها طرف الخيط، حتى أخذت تكر مناسبة بشريط من الصور، في سرعة كدت لا ألاحقها، بعضها ~~حديث عهد وبعضها قديم ... ومن الحقائق العلمية المعروفة عن الصورة الذهنية التي تجري بها ~~خواطر الإنسان إذا ما ترك لها عنانها حرا من ms105 ضوابط العقل، أنها إنما تجري على أسس، ~~إذا ما حللناها وجدنا العلاقة الخفية التي تربطها جميعا في تسلسل واحد، فاشتدت بي ~~الرغبة تلك الليلة، في ألا أسمح للنعاس بأن يتسلل إلى رأسي، حتى أفرغ من عملية تحليلية ~~أفحص بها تلك الصور التي جاءتني متلاحقة، بادئة من جلستي تلك على جذع الشجرة، يدور بي ~~الخيال في لداتي من الصبية وهم يؤدون ما لست أعرف ماذا بين أعواد الذرة. # لقد كانت الصور التي أخضعتها للمقارنة والتحليل، لعلي أجد ما يربط بينها، أقول إن ~~تلك الصور كانت في ظاهرها شديدة التباين فيما بينها، فكيف يرجى أن يجدها أعضاء أسرة ~~واحدة؟ لكنني مع ذلك لم أيأس - وذكرت نفسي بأن اختلاف الظواهر اختلافا بعيدا لا يمنع ~~من انخراطها جميعا تحت قانون علمي واحد، وإلا فمن ذا كان يحلم بأن سقوط تفاحة من فرعها ~~فوق الشجرة إلى الأرض، يندرج تحت قانون واحد - هو قانون الجاذبية - مع دوران الأرض حول ~~الشمس، ودوران القمر حول الأرض، ومد البحر وجزره ... لا، لم أيأس من أن أقع على نقطة ~~واحدة تلتقي عندها تلك الصور، برغم ما بينها من اختلاف، فأين صورة الطلاب يتزاحمون في ~~قاعة الدرس في انتظار أستاذ لن يجيء، من صورة عشرات الألوف من أصحاب الملايين في شعب ~~يقال إنه فقير؟ أين صورة المخدرات يتسع مجالها حتى تصل إلى صغار الشباب من صورة مجموعات ~~أخرى من شباب لبسوا الجلاليب وأرسلوا اللحى؟! أيكون المسلم للمسلم، والعربي للعربي ~~أخا أم يكون عدوا لدودا؟ هل نحن في نهضة فكرية، أو الصواب هو أننا نعيش في ثقافة ~~الندوات التلفزيونية؟ أين قصور القادرين من أكواخ العاجزين؟ أين ما يعلنه أصحاب ~~الأقلام في الكتب والصحف مما يهمسون به بعضهم في آذان بعض؟ ... كانت هذه الأضداد وأمثالها ~~هي الصور التي أخذت تجري بها الخواطر المنسابة، فكيف نبع هذا الخليط من أصل واحد، هو ~~الصورة الريفية البعيدة التي اغترفتها عرضا من مخزون الذكريات؟ # بدأت عملية التحليل من النبع الأول، الذي هو صورة الصبية الصغار في الريف، ms106 يدخلون بين ~~أعواد الذرة، لتنقية الأرض مما عساه أن يعرقل نمو الأعواد ليجود محصولها، فما هي إلا أن ~~أشرقت على حقيقة غريبة، وهي أن تلك الصورة الريفية البسيطة المسرفة في بساطتها هي تجسيد ~~حي لجانب من أهم جوانب الفكر الفلسفي المعاصر، نعم، ولا عجب، فماذا تكون الفلسفة إذا لم ~~تكن إخراجا لما هو مستكن في حياة الناس من مبادئ وأهداف؟ وبين تلك المبادئ والأهداف ما ~~يدوم ما دامت على الأرض حياة لإنسان، وكذلك منها، ما يتغير بتغير العصور وظروفها، ~~ولنتذكر جيدا أن من الخصائص الإنسانية التي تدوم معه ما دامت له فطرته، ما انكشف للفكر ~~القديم، ومنها ما لبث غامضا لم ينكشف إلا في عصر حديث، ولا بد أن يكون منها كذلك ما ~~لم ينكشف بعد لأحد انتظارا لمن يفعل ذلك في مستقبل قريب أو مستقبل بعيد. # والخاصة الإنسانية التي نحن بصدد ذكرها الآن، والتي قلنا إنها تكون جانبا هاما مما ~~كشفه الفكر الفلسفي المعاصر، ثم قلنا كذلك إنها مجسدة في ذلك الموقف الحي البسيط: موقف ~~أبناء الريف يعملون على أن يكمل النماء أعواد الذرة كي تحقق لهم حصادا طيبا، أقول: إن ~~الخاصة الإنسانية المتمثلة في هذا، إنما هي أن يكون مقياس العمل الصحيح أو الفكر ~~السديد، هو مقدار ما ينتجه ذلك العمل أو هذا الفكر، فالعمل الذي لا ينتج شيئا لا يستحق ~~أن يوصف بأنه «عمل»، والفكر الذي لا يرسم للناس طريق الوصول إلى تحقيق الأهداف ليس ~~جديرا بأن نطلق عليه اسم «الفكر»، فالعمل إذا كان عقيما كان عبثا من العبث، والفكر ~~إذا لم يكن قوة لصاحبه تمكنه من بلوغ الغايات، كان لغوا من اللغو، فانظر على هذا الضوء ~~إلى الصورة الريفية التي بدأنا بها الحديث، فلو سئل زارع الذرة: لماذا زرعت؟ لكان جوابه ~~هو أنه زرع ليحصد الثمار، ثم لو سئل: وفيم عناء صغارك بتنقية الأرض حول الأعواد؟ لكان ~~جوابه إنهم إنما يفعلون ذلك لتجود لنا بالثمار، فماذا تقول الفلسفة البراجماتية ~~المعاصرة إلا أنها صاغت تلك الصورة الريفية ms107 في مبادئ نظرية تبين ضوابطها ~~وتفصيلاتها. # لكنني لن أدع هذه النقطة من حديثي لتمضي دون أن أستخرج للقارئ بعض كوامنها؛ لأنني لو ~~تركتها لكان الأرجح أن يصفق لها قائلا: انظروا! إن ما جاء به فكر هذا العصر لم يزد على ~~أن يكون حاشية تشرح ما يصنعه بالفعل صبية الريف عندنا، وإنه لكذلك حقا، لكن ما جدوانا ~~إذا كنا لا نتعمق ما نصنعه بأيدينا؟ لا: بل إننا إذا عرفنا ما هو مضمر في أفعالنا صممنا ~~عنه آذاننا؛ لأنه ينقض ما يدعونا إليه قادة الكفر منا، وأول ما أخرجه لك من مكنونات ~~الصورة الريفية، هو «المبدأ» الذي يجعل «المستقبل» - لا الماضي - مقياسا بصحة العمل ~~وسداد الفكرة، فإذا قلنا عن صاحب الأرض وأبنائه، إنهم أحسنوا صنعا فيما فعلوه، كان ~~حكمنا هذا مؤسسا على ما قد ينتج عنه من محصول في لحظة مقبلة، إننا لم نحكم على الفعل ~~هنا بأنه صواب، بأن أرجعناه إلى قول قاله سلف في لحظة من زمن مضى، بل أقمنا الحكم على ~~ما «سوف» ينتج عنه، وإذا كان ذلك كذلك، فلماذا نقصر هذا المبدأ على زارع الذرة ~~وأبنائه؟ لماذا لا يكون هو المبدأ المأخوذ به في كل فكرة وإزاء كل عمل نؤديه؟ # ويتفرع لنا عن هذا المبدأ العام، قواعد فرعية كثيرة لها كل الأهمية في تنظيم ~~أفكارنا وأعمالنا، منها ألا ننتزع موقفا جزئيا من سياقه لنحكم عليه وهو منفرد لأن كل ~~خطوة من خطوات السياق الواحد تستمد صحتها - إذا كانت صحيحة - لا من ذاتها، بل مما عساها ~~أن توصلنا إليه من نتائج، فهي صحيحة بصحة ما سوف تستحدثه لنا من نتيجة ... # فلما فرغت من وقفتي الفاحصة للصورة الريفية على هذا النحو، انتقلت إلى سيل الصور التي ~~استدعتها إلى ذهني تلك البداية، لأرى ما وجه الرباط الذي يجمع هذه إلى تلك في أسرة ~~واحدة، وسرعان ما وجدته، إنه «واحدية الهدف»: متى تكون ومتى تنعدم في الحياة التي ~~تستهدف هدفا محددا واضحا ، كالذي رأيناه عند زارع الأرض وأبنائه، فلما استدعت هذه ~~الصورة ms108 الريفية أضدادها إلى ذهني، لم يكن في ذلك شرود ذهن ولا اضطراب تفكير، فكأنني ~~بمثابة من وقف عند ذكرى الصورة الريفية متسائلا: أين وحدة الهدف ووضوحه هناك، من تشتت ~~الأهداف وغموضها في حياتنا اليوم؟ # وهل يمكن القول بأن أهدافا مشتركة هي التي تربط بين من يخفي القوت ليكسب من مخزونه ~~الملايين، وبين من لا يملكون إلا القروش ويريدون الطعام؟ هل تكون الأهداف مشتركة بين ~~دعوة الدعاة إلى اللحاق بموكب الحضارة في عصرنا وجمهور ملئت صدوره بدعوة أخرى تدعوه إلى ~~الرجوع القهقرى؟ هل يستهدف العربي والعربي، أو المسلم والمسلم، هدفا واحدا، والعربي ~~يخاصم العربي، والمسلم يقاتل المسلم؟ ... إن الباحث منا في حقائق أمورنا ليقع في حيرة ~~عجيبة - بأي حكم يحكم على اتجاه سيرنا: أهو اتجاه إلى الأمام، أم هو استدارة برءوسنا ~~ووجوهنا إلى الوراء؟ أم أنه جمود سمرت به أقدامنا في مواقعها من الأرض فلا هو أمام ولا ~~هو وراء؟ وسر الحيرة هو أن ما يصدق على الأفراد من حيث هم أفراد، لا يصدق على الشعب ~~مأخوذا في مجموعه كأنه كيان عضوي واحد، ولعل أوضح ما نشبه به موقفنا هو عقد اللؤلؤ ~~انقطع خيطه فتناثرت حباته، فكل حبة ما تزال تحمل قيمتها في ذاتها إلا شيئا واحدا، وهو ~~أن تكون مسلوكة مع غيرها في وجود مشترك، فإذا نحن سألنا المشرف على التعليم ما الخبر؟ ~~أجابنا بأننا قد أعددنا كذا ألفا من الأطباء وكذا ألفا من المهندسين، وكذا ألفا من ~~رجال القانون ومثلهم من رجال الاقتصاد ومن رجال العلوم ومن رجال الآداب ... إلخ إلخ، وإنه ~~في هذا لعلى حق، فالحمد لله ما يزال المصري مدعاة للفخر في كل ميدان من ميادين العمل، ~~نراه حيثما توجهنا في مختلف أنحاء الأرض، فلا نملك إلا أن تمتلئ قلوبنا زهوا، لكن انظر ~~إلى كتلة الشعب في جملتها وقارن رؤيتها الثقافية اليوم برؤيتها الثقافية منذ مائة عام، ~~تجدها إما جمدت على حالها وإما انحدرت بضع خطوات إلى الوراء، وذلك إذا جعلت مقياسك مدى ~~استعدادها لقبول «الخرافة» أو ms109 رفضها، فقد كانت الرؤية اللاعقلية اللاعلمية منذ مائة عام ~~تكاد تقتصر على من لم يظفر بشيء من نعمة التعليم، وأما الآن فهي تطوي بردائها من تعلم ~~ومن لم يتعلم على حد سواء، وكثيرا ما قلت في هذه الظاهرة العجيبة، إنها ربما ترجع ~~إلى الهزيمة وأثرها في نفوسنا، إنها حقا لظاهرة تلفت النظر: أفراد يلمعون بذكائهم ~~وقدراتهم، وشعب قوامه هؤلاء الأفراد أنفسهم انطفأت جذوته وأسلم قياده لمن يضع على عينيه ~~الغطاء، حتى لقد ألف الكلام، أمعن النظر في شتى صنوف التعامل السائدة بيننا اليوم، تجد ~~نوعا من الفردية غير مألوف، فنحن إذا ما استعرضنا مذاهب الفكر المعروفة رأيناها ~~تقسم نفسها قسمين، عند تصورها للعلاقة بين الناس في مجتمعاتهم، فإما أن تكون ~~الأولوية لفردية الأفراد، بحيث لا يتنازل الواحد منهم عن شيء من حريته، إلا بمقدار ما ~~ليس له بد من التنازل عنه لكي تقوم للمجتمع قوائمه، وإما أن تكون الأولوية للجماعة في ~~نسيجها الشامل بحيث لا يعطى للفرد الواحد من الحرية إلا الحد الأدنى منها، في الحالة ~~الأولى تكون الحرية صفة تصف الفرد قبل أن تصف الجماعة في شمولها، وفي الحالة الثانية ~~تكون الحرية صفة تصف المجتمع قبل أن تصف الفرد الواحد من أفراده، ثم ظهر في عصرنا من ~~رأى رؤية وسطا تجمع بين الطرفين، بمعنى أن يقال إن حرية الفرد لا تتحقق له إلا وهو في ~~نشاط يشترك فيه مع سواه وذلك لأن عصرنا قد سادته أنواع من الاشتراكية لم يعد عنها غنى، ~~حتى في البلاد التي يقال عنها إنها رأسمالية في المقام الأول. # لكن الفردية التي تسود بلادنا في عصرنا الراهن، لا تندرج تحت واحد من الأقسام الثلاثة ~~المذكورة، إذ هي فردية تشطر نفسها شطرين، بشطر منهما ينطلق كل فرد إلى حيث تقوده ~~أطماعه، وكأنه يعيش وحده، يحصل لنفسه من المنافع ما استطاع الحصول عليه، لا فرق عنده ~~بين مشروع وغير مشروع؛ ولذلك كان كل فرد بشطره هذا حرا حرية تعمل في الخفاء، وفي هذا ~~المجال المتستر تتجمع الملايين ms110 عند أصحابها ويوصل إلى السلطة في كثير من الأحيان، وتدار ~~السوق التي تسمى حقا بالسوق السوداء، وأما الشطر الثاني من شخصية الفرد، فهو يسلم ~~زمامه لمن كان له الرواج عند الرأي العام من ناحية، وعند من بيده السلطان من ناحية ~~أخرى، وفي هذا الشطر ليس ثمة ما يدعو إلى خفاء في سواد أو ظلام بل على العكس من ذلك، ~~ترى الفرد يحرص على أن يزهو أمام الناس في أسطع ضوء ليعرف، وربما كان هذا الزهو الساطع ~~في هذا الشطر من حقيقته عاملا مساعدا على تحقيق ما يريد تحقيقه في الشطر ~~الأول. # إذا صح هذا التحليل، استطعنا على ضوئه تفسير الازدواجية التي انفرجت زاويتها خلال ~~الأعوام الأخيرة لما قد طرأ علينا من ظروف، وهي ازدواجية تثير الحيرة الشديدة عند ~~تعليلها، فهنالك موجة عاتية تغمرنا بالنزوع نحو موقف متطرف نميل به نحو السلف وتراثه، ~~ومعها في وقت واحد قول لا يتردد في التمتع بطيبات هذا العصر، بل وبكثير من تفاهاته ~~كذلك، ولقد أصبحت إحدى طرائفنا في حديثنا الذي نسمر به، أن نذكر ما أخذ فلاح القرية ~~يغمر داره به من أجهزة أخذت تتسع معه حتى شملت «الفيديو»، لكن موضع العجب، هو أنك قد ~~يصادفك الرجل وهو في أقصى درجات التطرف الذي يتعصب به للسلف وتراثه، لا لكي يضاف إليه ~~عنصر آخر، بل ليظل قائما وحده خالصا صافيا لا تشوبه شائبة من شوائب هذا العصر ~~المنكود، ثم يتركك لينعم بكل ما استطاعت يده أن تناله من منتجات العصر، وإذا قال له ~~قائل - كما يفعل كاتب هذه السطور في معظم ما كتبه ويكتبه - إن الخير يا أخي هو في أن ~~نبحث عن الصيغة الميسرة التي تجمع لنا تراث أسلافنا بكل قيمه المثلى، مع ما تميز به ~~عصرنا من روح علمية صناعية ديمقراطية مغامرة محددة، تشنج صاحبنا وتيبست أطرافه، ~~مصرا على أن يظل الجانبان كالخطين المتوازيين اللذين لا يتلاقيان مهما امتدا! لماذا؟ ~~لأنه يضمر في نفسه أن يظهر أمام الناس بخط السلف والتراث، ثم يرتد ms111 إلى حياته الخاصة ~~ليستضيء بنور الكهرباء، وليقضي ساعات فراغه مشاهدا للتليفزيون، مستمعا للراديو، ~~متصلا مع ذويه وأصدقائه بالتليفون، وذلك كله بعد أن يكون قد حجز مكانا له ولأسرته على ~~الطائرة ليعالج مما اعتل به عند الأطباء في أوروبا وأمريكا، ازدواجية تتعذر على ~~الفهم، إلا إذا عرفنا أن فردية الفرد عندنا، وخلال المرحلة الأخيرة، قد اتخذت لها معنى ~~جديدا فريدا، لا ينضوي تحت نموذج من النماذج المعروفة. # إن خير ما يدلك على وجهات النظر في العصور المختلفة هو فلسفاتها، فكثيرا ما أوضحت ~~فيما كتبته طبيعة الفكر الفلسفي ما هي؟ فقلت: إنها على الأغلب تحفر تحت جذوع الأفكار ~~والمشاعر وأنماط السلوك السائدة في العصر المعين، لتستخرج المبادئ النظرية المختفية عند ~~الجذور؛ لأنها هي التي منها تنبثق حياة الناس بأفكارها وقيمها، حتى ولو لم يشعر بوجودها ~~هؤلاء الناس أنفسهم حتى تتعرى أمام أبصارهم ليشهدوها، فماذا قال فلاسفة العصور المختلفة ~~عن المحور الذي تدور حوله فردية الفرد، كل في عصره الخاص؟ قال سقراط مخاطبا الفرد من ~~الناس: «أيها الإنسان اعرف نفسك.» إذن فلا تتكامل للفرد فرديته على هذه الوجهة من النظر ~~إلا إذا «عرف» كيف ركبت عناصره الداخلية التي جعلته إنسانا، ولاحظ أن «المعرفة»، ~~بمعناها الصحيح، أداتها «العقل»: فالفرد فرد بمقدار ما «يعقل»، وهكذا كانت نظرة ~~اليونان، وقال الإمام الغزالي في ذلك ما معناه أن جوهر الإنسان «إرادته»، أي أن الإنسان ~~إنسان بمقدار ما تقوى فيه «الإرادة»، وهذه هي النظرة الإسلامية في جوهرها وأساسها، ~~ومصداق ذلك أن نجد ابن تيمية عندما أراد أن يبين العنصر الأساسي الذي يجعل أفراد ~~الناس «أمة» واحدة، وجد ذلك الأساس في مشاركة هؤلاء الأفراد جميعا في «فعل» واحد، ~~والفعل - كما نعلم - هو الإرادة عند ظهورها، وكلنا يعلم قولة ديكارت المشهورة التي ~~يبين بها جوهر الإنسان ما هو؟ إذ يقول: «أنا أفكر، إذن أنا موجود.» ... وفي عصرنا جاءت ~~فلسفة في هذا الصدد تحمل تعبيرا عن حقيقة الإنسان من وجهة النظر في الظروف الجديدة، ~~فقالت تلك الفلسفة: إنه لا بد أن ms112 يضاف إلى الوعي الداخلي - أيا كان محوره - شيء ما ~~في العالم الخارجي يشير إليه ذلك الوعي، أي أنه لا يكفي الإنسان لتكتمل فرديته، أن يعرف ~~نفسه كما أراد سقراط، ولا أن يعزم بإرادته عزيمة داخلية، دون أن يخرج تلك العزيمة في ~~فعل خارجي، ولا أن يفكر مجرد تفكير في داخل نفسه كما أشار ديكارت، بل لا بد أن يتعلق ~~ذلك التفكير بموضوع معين مما تطرحه علينا الدنيا من حولنا - وحاول بعد هذا العرض السريع ~~أن تدرج ازدواجيتنا الحاضرة كما شرحتها تحت نموذج من هذه النماذج تجدها مستعصية، إلا ~~إذا نسبتها إلى نموذجين في آن واحد، ينطوي تحت كل نموذج منهما أحد الشطرين اللذين ~~أسلفت لك أن حقيقة المواطن في ظروفنا الراهنة تشطر بهما، وكأن لكل منا نفسين، يستخدم ~~كلا منهما إذا توافرت لها ظروفها المناسبة. # وأعود بعد هذه الرحلة إلى الصورة الريفية التي صدرت بها هذا الحديث، إنها صورة أسرة ~~اجتمع أفرادها على «فعل»، وكان مقياس نجاحها من وجهة نظرها، أن تجيء عن هذا الفعل أكمل ~~النتائج وأجملها وأضناها، ولا أظنك واجدا في أفرادها - إذا ما بادلته الحديث - التواء ~~بين هدفين متضاربين، وربما لو كان له هدفان لأنبأك أنهما هدفان وهو يريدهما معا، ~~فالفرق بين العهدين، هو واحدية الرؤية في الحالة الأولى وازدواجيتها في الحالة الثانية، ~~وعند كاتب هذه السطور أن لب العقيدة الإسلامية، الذي هو «التوحيد»، إذا ما كشفنا فيه ~~ما استطعنا كشفه من أبعاد وأعماق، وجدنا من تلك الأبعاد والأعماق، أن يتوحد الفرد ~~الواحد في شخصية واحدة تدور حول محور واحد، وأن ينظر إلى هذا الكون الفسيح المحيط بنا ~~على أنه متصل الأجزاء في كيان واحد، وإذا نحن استطعنا أن نربي أنفسنا وأبناءنا على مثل ~~هذه الوحدانية التي تجمع بين الشتات في حياة غير منقسمة على نفسها، فربما كان ذلك أهم ~~ما نقدمه إلى عصرنا، إضافة إيجابية يكمل بها أخطر نقص في بنائه. # | للعصر الواحد صوت واحد # كان الموعد المضروب هو اليوم الأول من هذا العام - عام 1986 ms113 - هو «رأس السنة» كما ~~يسمونه، بعد أن اختفت في منتصف الليل أطراف القدمين من العام المنسحب، ولقد استبشرت ~~خيرا أن يكون ذلك اليوم من فاتحة العام الجديد، هو موعد لقائي مع حشد كبير من طلبة ~~الآداب وطالباتها، يسعدهم ويسعدني أن ينضم إلينا جماعة من زملائي الأكرمين، فلقد تحقق ~~في ذلك اللقاء - أول ما تحقق - أن تجسدت أمام عيني تلك الصورة التي تصورها الفنان ~~اليوناني القديم، حين رسم التقاء العامين عند تلك اللحظة الفريدة التي يدبر فيها عام ~~ويقبل عام، فرسم رأسا بشريا، برز من عنقه الواحد وجهان، أحدهما يتجه إلى ناحية ~~والآخر يتجه إلى الناحية المضادة، الوجه الأول لرجل شاخت مجسماته وتغضنت ~~بشرته وطالت لحيته وتشعثت، وأما الوجه الآخر فهو لشاب في نضارة العمر، تشيع ابتسامة ~~الأمل بين ملامحه، ولا عجب، فقد كان التضاد بين الوجهين، هو نفسه التضاد بين ماض ~~ومستقبل تفصلهما تلك اللحظة الحائرة، التي يتجاذبها أنصار القديم من ناحية، وأنصار ~~الجديد من ناحية أخرى، أقول: إن لقائي بطلاب الآداب وطالباتها في ذلك اليوم الفريد، قد ~~جسد لي تلك الصورة، لولا أن الوجهين في هذه الحالة لم يكونا متضادين في اتجاه البصر، بل ~~كان الجانبان ينظر أحدهما إلى الآخر، إذ جلس الراحل وجها لوجه مع من وقف في بداية ~~الطريق، على عتبة مستقبل مجهول لكنه مأمول. # وكان حديثنا المشترك حول هذا العصر وسماته، فبأي شيء يتميز عما سبقه من عصور؟ وحين ~~نقول: «يتميز»، فليست الإشارة هنا إلى ما بين العصور من «تفاضل»، بل هي مقصورة على مجرد ~~الاختلاف، قبل كل شيء «يختلف عصرنا عن العصور السابقة جميعا»، على أن ذلك لا ينفي أن ~~يكون هذا العصر أفضل مما سبقه، بل إن ذلك بالفعل هو الأمر الحاصل، من وجهة نظر الذين ~~يؤمنون بأن التاريخ سائر بالناس - حتما - إلى ما هو أكمل، ومن أولئك الناس كاتب هذه ~~السطور. # أعود إلى القول بأن موضوع الحديث بيننا، كان بحثا عن السمة التي تميز هذا العصر، ~~لكننا لم نكد نبدأ حديثنا حتى وجدنا ms114 سؤالا أوليا يطرح نفسه علينا، هو: وما الذي يحدد ~~عصرا ما ببداية هنا، أو بنهاية هناك؟ أوليس الزمن متلاحق الموج؛ فأمسه مؤد إلى يومه، ~~ويومه ممهد لغده؟ وما أسرع ما اتفقنا على أنه بالرغم من أن الزمن نهره دفاق وموصول ~~الماء، إلا أن هنالك من الأحداث الكبرى ما يجيء بداية لعصر جديد، حين يكون عصر سابق قد ~~استهلك قدراته في مواجهة مشكلاته، ثم ولدت له مشكلة جديدة كبرى تحتاج مواجهتها إلى فكر ~~جديد. # وبعد أن استعرضنا معا أمثلة من عصور سلفت، لنرى كيف جاءت وكيف ذهبت، انتقلنا إلى ~~عصرنا لندير أبصارنا باحثين وفاحصين، وكان لا بد لنا - في ذلك السياق - أن نفرق بين ~~«حديث» و«معاصر» تفرقة أقمناها على القاعدة نفسها، وهي أن يواجه الناس بسؤال جديد ~~يملأ عليهم جو الفكر، لا يخلي بينهم وبين الراحة حتى يجدوا له الجواب، إذ يستعصي عليهم ~~جوابه إذا هم أصروا على ما عندهم من معارف وعلوم، فأما ما يصح تسميته بالعصر «الحديث» ~~فهو الفترة التي بدأت بالنهضة الأوروبية وامتدت إلى أوائل القرن الماضي (التاسع عشر) ~~وأما ما هو «معاصر» فهو ما تلا ذلك وإلى يومنا الراهن، وكان الذي أسدل ستارا على ~~الحقبة الأولى، هو أنها كانت تدير فكرها كله حول محور أساسي ربما جاز لنا أن نجسده ~~ونلخصه، بالإشارة إلى ما قد تصوره «نيوتن» وتصورته من بعده الحقبة «الحديثة» كلها من ~~«القصور الذاتي» في الأشياء، بمعنى أن كل شيء قاصر بذاته عن أن يغير من أمر نفسه، حركة ~~أو سكونا أو اتجاها، فإذا كان شيء ما متحركا في اتجاه معين، ظل على حركته تلك إلى ~~أبد الأبدين، لا يغيرها إلا عامل خارجي يصدمه لينحرف إلى اتجاه آخر، وكذلك قل في شيء ~~ساكن، فهو يظل على سكونه ما لم يدفعه إلى الحركة عامل خارج ذاته، فإذا استطاع العلم أن ~~يحسب لحركة الأجسام حسابها الرياضي الدقيق، استطاع بالتالي أن يتنبأ بكل ما سوف يطرأ ~~من أوضاع ، وأن يسترجع - بالاستدلال الرياضي - كل ما قد حدث في الماضي: ms115 كأن يستدل متى ~~حدث كسوف للشمس أو خسوف للقمر، ومتى سيحدث في مقبل الدهر من ذلك؟ فقد كان التصور العام ~~للكون والكائنات إبان الفترة «الحديثة» هو أنه كالآلة الكبرى، محسوبة أجزاؤها حركة ~~وسرعة واتجاها. # ظلت تلك النظرة الآلية السكونية للأشياء سائدة حتى نهاية القرن الثامن عشر، يقوم ~~العلم على أساسها، وعلى أساسها كذلك تقوم أفكار الناس في شتى ميادين حياتهم، من سياسة ~~وتجارة وغيرهما، فلما جرجر ذلك العهد أذياله إلى مغيب، ظهر على مسرح التاريخ عهد آخر، ~~وكأنه كان على موعد مع قيام الثورة الفرنسية، وكانت بدايته ظهور تصور آخر للكون ~~والكائنات لا تكون السيادة فيه لوجهة النظر الآخذة بمبدأ القصور الذاتي في الأشياء، بل ~~لوجهة نظر أخرى تبث في الكون حياة أو ما يشبه الحياة، بحيث تأتي فيه الحركة من داخله ~~تماما كما يحدث لأي كائن حي، فالشجرة - مثلا - لا تنمو بأن يضاف إليها من خارجها ~~جذوع وفروع وأوراق، بل تنمو باعتمال ذاتي في داخلها، تستخدم فيه العوامل المحيطة بها من ~~غذاء وماء وهواء وضوء، لكنها هي التي تنسج تلك العوامل على أنوالها بدفعة من حياتها ... ~~وبهذا التغير في وجهة النظر، وما يستتبعه من تغيرات بدأت الحقبة «المعاصرة». # فالفرق بين ما كان وما أصبح، إنما هو شيء يشبه الفرق بين الجامد والحي، أو بين السلب ~~والإيجاب، فبعد أن كان التصور في تفسير التغير، أينما وقع وحيثما وقع، يعزى إلى أسباب ~~تأتي من خارج الشيء لتغييره، أصبح التصور هو أن الشيء يغير نفسه بفاعليته الذاتية ~~مستعينا بما يأخذه أخذا مما هو متاح له: فالشجرة لا يفرض عليها ما تغتذي به، بل ~~إنها هي التي تنقيه، بدافع من فطرتها، مما حولها، ودع عنك ما يستطيعه الحيوان، ثم قل ما ~~شئت فيما يستطيعه الإنسان. # وماذا تكون - في ظنك - أول صفة يمكن أن نصف بها مخلوقات الله - جلت قدرته - في ~~سمائه وفي أرضه؟ بناء على هذه النظرة الجديدة التي بظهورها ولدت لنا الحقبة «المعاصرة»؟ ~~إن تلك الصفة الأولى فيما يبدو لي إنما هي ms116 الحرية: حرية الحركة في هامش يتسع أو يضيق ~~باختلاف الأنواع، كانت الفترة «الحديثة» (القرنان السابع عشر والثامن عشر بصفة خاصة) ~~ترى الكائن المعين صنيعة بيئته، بما في تلك البيئة من عوامل تشكل في طبيعة الكائن من ~~نواح كثيرة، وانظر إلى كلمة «عوامل» نفسها تدرك كم كان الرأي السائد يرجع كل ما يصيب ~~الشيء إلى «عوامل» تحدث ما يقع من ضروب التغير: فتحول العصر إلى رأي آخر، يضع في الكون ~~ضربا من الحيوية التي تعتمل بذاتها فينتج لها ما ينتج، فعلوم الدنيا بأسرها لا تستطيع ~~أن تتنبأ على وجه الدقة كم يكون عدد الفروع التي تنبت في شجرة معينة، وماذا على وجه ~~الدقة تكون اتجاهاتها والتواءاتها، وكم عدد الأوراق التي تظهر في كل فرع منها، وقد كان ~~ذلك كله ممكنا - من الوجهة النظرية على الأقل - في النظرة السابقة. # ومع هذه الحرية النسبية، تجيء صفة ثانية، وهي الصفة التي لا تخطئ إذا نحن زعمنا أنها ~~هي أبرز ما يمكن أن يوصف به العصر الحاضر من صفات: ألا وهي صفة التطور، فلست أظن أن في ~~دنيانا الآن رجلا واحدا من رجال الفكر، أيا كان نوع الفكر ومستواه، يجرؤ على تصور ~~الكون بكائناته ساكنا ثابتا على حاله، وأن كل ما يحدث فيه من تغيرات لا يزيد على ~~انتقال الأجزاء، من هنا إلى هناك، فمثلا تكون المادة حفنة من تراب هنا فتنتقل لتكون ~~جزءا من نبات أو حيوان، وقد تنتقل من هذين لتكون جزءا من إنسان. # ولست أقول أي نوع من «التطور» هو الذي أصبحت وجهة النظر المعاصرة ترى الأشياء ~~والأحياء على أساسه: بل أكتفي بأنه «التطور» أيا كانت صورته، فهو على اختلاف صوره ~~نظريا يعني أن الكون بما فيه دائب التحول من طور إلى طور: من حالة إلى حالة، حتى ~~ولو اقتضى كل تحول من تلك التحولات آلاف الملايين من السنين، ولكن بينما يمكن للعقل أن ~~يتصور ذلك التطور دون الحاجة إلى معرفة اتجاهه ، أهو انتقال بالأطوار نحو الأسفل أم هي ~~أطوار تتنوع دون ms117 أن يكون فيها ما هو أعلى من غيره ولا ما هو أسفل - أم أنه تطور نحو ما ~~هو أفضل دائما؟ أقول: إنه بينما يجوز للعقل من الناحية النظرية أن يتصور ذلك التطور ~~بغض النظر عن اتجاهه، فإن الإدراك الإنساني السليم يكاد يقطع بأنه ما دام في الكون وفي ~~الكائنات تطور، فهو إذن تطور نحو ما هو أحسن وأفضل وأكمل، والتاريخ يؤيد ذلك؛ لأننا إذا ~~تعقبنا مراحل التاريخ، في أي رقعة من رقاع الأرض، وجدنا حياة الإنسان تنحو باطراد نحو ~~علم أكثر وقدرة أقوى، وحرية أوسع وأعمق. # وانتقل بنا الحديث - كاتب هذه السطور مع طلاب الآداب بجامعة القاهرة وطالباتها - إلى ~~ذكر ما ظهر به القرن الماضي في أوروبا من أفكار ضخام، انطلقت كلها من الرؤية الجديدة ~~إلى حقيقة الكون، لكنها كانت أضخم مما يستطيع أهل زمانها ازدراده في وقت قصير؛ ولذلك ~~لبثت معلقة لا تنتقل من صفحاتها لتسري في شرايين الحياة العملية، إلى أن جاء هذا القرن ~~العشرون بحروبه وثوراته، فأخذ يتفحصها لعله واجد فيها هاديا تستضيء به الأمم في ~~انتقالها من حضارة كانت إلى حضارة ستكون، وكان أهم تلك الأفكار الضخام أربعا: جاء ~~ماركس بمذهبه وبمنهجه، وداروين بنظريته البيولوجية في التطور، وفرويد بتحليله للنفس، ثم ~~أينشتين بنظريته في النسبية، على أن تلك الأفكار الضخام الأربع، جاوزها وسايرها طريقة ~~جديدة في البحث العلمي، أساسها الاستناد إلى أجهزة يبتكرها العلماء: لتصل بهم إلى دقة ~~النتائج ومضاعفة قدراتهم على فك رموز الطبيعة لتنطق لهم بأسرارها، وكانت تلك الطريقة ~~الجديدة هي ما يسمى بالتكنولوجيا (ومعناها الأصلي: علم البحث بالأجهزة). # انتقلت تلك الأفكار الأربع، وانتقلت معها طريقة البحث الجديدة، إلى هذا القرن ~~العشرين، فأصبحت هي شغله الشاغل حتى هذه الساعة: فما من فكرة واحدة منها، إلا ولها أثر ~~عميق على تغيير حياة الناس عما كانت عليه، وكذلك ما من فكرة واحدة منها إلا وقد أخذت هي ~~نفسها تتطور على أيدي العلماء والباحثين، مما أدى إلى أن تكون الفترة الحاضرة التي ~~تعيشها دنيانا سريعة التغير والتحول، ms118 ونتج عن هذا التقلب السريع أن بات هذا القرن ~~العشرون، بعد الحرب العالمية الأولى وحتى الآن، يجتاز مرحلة انتقال بين حضارتين بلغت ~~أولاهما ذروتها في القرن الماضي، وأما الثانية فيرجى أن تكتمل صورتها في القرن الحادي ~~والعشرين، ومن هنا نفهم لماذا اهتزت بنا القيم، وارتجت النظم، وكثرت الحروب والثورات، ~~واتسع نطاق العنف، وغمضت الرؤية أمام الجميع. ~~••• # وكان الطلبة والطالبات الذين شاركوا في اللقاء، قد أثيرت رغبتهم في السؤال عن جوانب ~~ورد ذكرها في حديثنا معا، لكن الوقت لم يكن يسمح بامتداد الجلسة فترة أطول، فحملوني ~~حزمة من أسئلتهم، فلما عدت إلى داري تصفحتها وبوبتها، وإذا أهم ما فيها أسئلة عن ~~«الفلسفة» ذاتها ما طبيعتها، والحق أني لا أدري كم من السائلين كانوا من طلاب الفلسفة، ~~وكم كانوا من طلبة الأقسام الأخرى، وجاءوا ليشاركوا، وهاك بعض ما ورد في تلك الأسئلة: ~~وسأتبع كل سؤال منها بإجابة موجزة. # سؤال (1): # ما جوابك عن قول لفضيلة الشيخ بأنه لا مكانه للفلسفة في الإسلام؟ # الجواب: # الدعاء بالرحمة لفلاسفة المسلمين: الكندي، والفارابي، وابن سينا، ~~وابن طفيل، وابن باجة، وابن رشد. # سؤال (2): # هل تستطيع الفلسفة أن تغير الواقع؟ # الجواب: # إذا كان العلم يستطيع أن يغير الواقع، فالفلسفة تستطيع ذلك بنفس ~~المقدار؛ لأنها هي والعلم امتداد واحد، وكل ما في الأمر أنها أكثر من العلم ~~تعميقا وتجريدا، فمعرفة الإنسان قوامها ثلاث درجات تتصاعد في التعميم ~~والتجريد، وهي الخبرات المباشرة بالواقع، كأن يعلم الإنسان العادي بخبرته ~~أن الماء يغلي بحرارة النار، ثم يأتي العلم فيستخرج بتجاربه «قوانين» غليان ~~الماء، وأخيرا يجيء الفكر الفلسفي باحثا عن مبدأ عام يضم في وحدة واحدة ~~علم الحرارة مع غيره من العلوم. # سؤال (3): # نقرأ عن أن الفلسفة هي «محبة الحكمة» ... فما معنى ذلك؟ # الجواب: # اسأل أولا عن معنى كلمة «حكمة» تجد جواب سؤالك، فالحكمة كلمة قريبة ~~الصلة «بالحكم»، والإنسان يكون أقدر على حكم نفسه، كلما ازداد علما، ثم ~~استخلص من ذلك العلم مبادئه الأولى التي من شأنها ضبط السلوك، والسير به ~~على هدى، وفي ms119 القرآن الكريم إشارة تكررت عدة مرات - إلى الربط بين «الكتاب» ~~و«الحكمة»، وهو ربط يتضمن العلاقة بين «العلم» و«العمل» بناء على ذلك ~~العلم. # سؤال (4): # ما مدى قدرة العقل العربي على التفلسف؟ # الجواب: # أولا يجدر الإشارة بأن القدرة على التفلسف هي نفسها القدرة على التحليل، ~~إلا أن تحليل الفكر له نوعان: أولهما التحليل المنطقي الذي يسير مع الجملة ~~سيرا أفقيا، ليرى العلاقات التي تربط أجزاءها بعضها ببعض، كأن ننظر إلى ~~جملة تقول إن الشمس طالعة، فندرك أن فيها موضوعا دار حوله الحديث هو لشمس، ~~وصفة نسبت إلى ذلك الموضوع، ثم هنالك كلمة «إن» للتوكيد، أما النوع الثاني ~~من التحليل فتجاهه رأسي، وهو يتناول الفكرة المعينة ليتعقبها إلى العناصر ~~الأولية التي هي قوام تلك الفكرة، كأن نتناول مثلا مفهوم «الفن» فنحلل ~~محتواه إلى العناصر التي تجعله فنا، والفلسفة تحليل بالمعنيين، وأعتقد أن ~~قدرة العقل العربي أظهر في النوع الأول منها في النوع الثاني. # سؤال (5): # نلاحظ أنك تكتب في اتجاهات كثيرة ومنوعة، فهل هناك وراءها اتجاه خاص؟ ... ~~ثم ورد السؤال نفسه أو ما يقرب منه من سائل آخر يقول: إنه لا يرى فيما ~~أكتبه وجهة نظر خاصة، ولا يرى فيه شيئا جديدا عما أنقله عن آخرين. # الجواب: # لقد أخرجت كتابا عنوانه «قصة عقل»، لأبين فيه على وجه التحديد ما هي ~~وجهة النظر الخاصة التي حكمت كتاباتي منذ خمسين عاما، ولو قرأه السائلون ~~لوجدوا كذلك أين الجديد الذي كنت فيه غير مسبوق بأحد، على أنني بغير شك ~~درست كثيرا وقرأت كثيرا في الفلسفة، ولا شك أني خرجت من تلك الدراسة ~~والقراءة بمحصول تمثلته حتى أصبح جزءا مني. # سؤال (6): # إننا نشعر بشيء من الغربة حين نجد أننا لا ندرس إلا نتائج غيرنا، فماذا ~~ترى في ذلك؟ # الجواب: # ليست الدراسة في أي جامعة من جامعات الدنيا إلا ما قد أنتجه آخرون غير ~~الطالب الدارس، إلا أن تلك الدراسة لنتاج الآخرين إذا سارت على منهج سليم ~~أدت حتما إلى قدرة على الابتكار والإبداع عند الطالب الدارس، بحيث ~~يستطيع ms120 على ضوء تلك الدراسة أن ينتج بدوره شيئا جديدا، فتزول الغربة التي ~~يشعر بها لو أنه اكتفى بحفظ نتاج الآخرين فقط. # سؤال (7): # أليس هو قصورا في الفلسفة أنها لا تقدم للناس حقائق ثابتة؟ # الجواب: # أكرر القول بأن الفلسفة هي امتداد للعلم في كل عصر من العصور، فكلما ~~انتقل العلم من رؤية معينة إلى رؤية جديدة انتقلت معه الفلسفة؛ لأنها متصلة ~~به، فكما أن العلم يتغير مع العصور تغيرا يصحح به أخطاء نفسه ويزيد من ~~قدراته على كشف حقائق الكون، فكذلك الفلسفة وبنفس المقدار تتغير كما يتغير ~~هو وتزيد عمقا وتحليلا ليس فقط لحقائق الكون، بل هي تضيف إلى ذلك تحليلا ~~لما قاله الفلاسفة السابقون لتبين أين وقع الخطأ وكيف جاء الصواب. ~~••• # ذلك كان لقائي مع طلاب الآداب وطالباتها في جامعة القاهرة أول يوم من أيام هذا العام، ~~وتلك كانت أسئلة الطلاب والطالبات أو قل إن تلك هي أمثلة مما وجهوه إلي من أسئلة، ~~وواضح في تلك الأسئلة أن طلابنا ينطوون على قلق شديد انبعث في نفوسهم من الدراسة التي ~~يدرسونها، فلا هم يجدون سبيلا إلى فهمها وهضمها، ولا هم يرون علاقة واضحة بينها وبين ~~ما سوف يعملونه كسبا للعيش في حياتهم العملية، وليس في مثل هذا القلق غرابة، فقد سمعنا ~~خلال الستينيات من هذا القرن، أي منذ نحو عشرين عاما، عن مثل ذلك القلق الشديد الذي ~~استبد بطلاب الآداب بكل فروعها في فرنسا وفي إنجلترا وفي أمريكا وفي غيرها، إذ رأوا ~~أن العلاقة مبتورة أو تكاد بين ما يدرسونه وما سوف يعملونه في مستقبلهم، لكن ذلك كله ~~إذا انصب على الطالب ودراسته بالنسبة إلى الحياة العملية، فهو لا ينصب على الفكر ~~الفلسفي في حد ذاته وهل هو ضرورة أو زائدة يستغنى عنها، وعن هذه النقطة أقول: إنه ~~فضلا عن أن مثل ذلك الفكر هو جزء من فطرة الإنسان وتطلعه، ولن يكتمل تعبير الإنسان عن ~~نفسه إلا إذا جاء ذلك التعبير مستوفيا لكل جوانب تلك الفطرة، فهو بفطرته يبحث في ~~الأشياء ms121 ليعلم أسرارها وذلك هو العلم، ثم هو يتناول ذلك العلم نفسه ليبحث عما يوحده ~~ليبين صلة أجزائه بعضها ببعض حتى يظل الإنسان كائنا موحدا، وإلى جانب العلم وفلسفته ~~هنالك نواح أخرى للتعبير كالفن والأدب، وهما بدورهما يخضعان للفكر الفلسفي ليبين كيف أن ~~الإنسان في أمة بعينها وخلال عصر بعينه هو أيضا إنسان موحد الكيان، فمن شأن الفلسفة أن ~~تتناول نتاج الفن في عصرها ونتاج الأدب كذلك لتصب عليها تحليلاتها التي تكشف عن الوحدة ~~الكامنة في نتاجها برغم تعدد أجزائه. # فإذا عرف طلابنا وطالباتنا الذين يدرسون الفلسفة في الجامعات أنهم هم المسئولون قبل ~~غيرهم عن حراسة الحياة الثقافية في بلدهم أولا وفي العالم كله ثانيا، حراسة يستخدمون ~~فيها ما قد دربوا عليه من تحليل للفكر وجوانبه من علوم وفنون وآداب ليروا مدى ما ~~حققه للإنسان في العصر المعين من حياة اكتمل كيانها، فإذا رأوا شيئا من التمزق في ~~تلك الحياة كانوا هم أول القادرين على الكشف عن موضع النقص ابتغاء الكمال. # | من الجذور # لعلي قرأت في الفلسفة المعاصرة أكثر مما قرأت في أي مجال آخر من ميادين الفكر، ~~وكان ذلك بحكم التخصص العلمي أولا، وبتوجيه دافع قوي عندي يدفعني إلى فهم البنيان ~~الثقافي لعصرنا، وإنني في ذلك لعلى اعتقاد مرجح الصواب، وهو أنه لا يعدل الفكر ~~الفلسفي فكر آخر، في الكشف عن روح العصر الذي قد تعين لنا أن نعرفه على حقيقته، ومن هنا ~~كان لكل عصر فلسفته التي تتميز عما سبقها في عصر سبق، وعما لحقها في عصر لحق، وذلك لا ~~ينفي أن يكون للفكر الفلسفي - على إطلاقه في كل عصوره - طابع ينفرد به دون سائر ضروب ~~الفكر، والأمر في هذا مرهون بطبيعة المنهج الذي تسير على نهجه عملية التفكير في كل ~~ميدان على حدة. # وأراني ملزما بتوضيح ذلك ما استطعت إلى الوضوح سبيلا؛ لأنني أستهدف غاية سيري ~~القارئ مقدار أهميتها عندما نبلغها معا في نهاية المطاف، فلا بد لي من تمهيد الأرض؛ ~~لنسير معا خطوة خطوة حتى نبلغ الهدف ms122 ونحن على تفاهم حسن، حتى ولو لم نكن على رأي واحد ~~في كل تفصيلات الطريق، وأول ما أتناوله بالتوضيح، هو طبيعة الفكر الفلسفي وحقيقة منهجه، ~~فأقول إنه فكر يبدأ طريق سيره مما هو واقع في حياة الناس، ففي حياة الناس الجارية بهم ~~لحظة بعد لحظة، تفرقة بين الصواب والخطأ فيما يتبادلونه من أفكار، ولا نستثني من ذلك ~~صغار الأطفال منذ تتحرك ألسنتهم بالكلام، فإذا قال الطفل عن الشباك إنه باب «صححناه» ~~ليعرف الصواب ويتخلى عن الخطأ، وتستمر معنا التفرقة بعضنا لبعض بين ما هو صواب وما هو ~~خطأ ما دام بيننا تعامل وتبادل ... وفي حياة الناس الجارية بهم لحظة بعد لحظة، تفرقة في ~~أنماط السلوك بين ما يجوز فعله وما لا يجوز، فإذا أوفى أحدنا بوعوده وعهوده، أجزناه ~~وأبدينا له علامات الرضا، وإذا نكث آخر استنكرناه، وفي حياة الناس الجارية بهم لحظة بعد ~~لحظة مواقف يبدون فيها إعجابهم بشيء يعدونه جميلا، ونفورهم من شيء آخر يعدونه قبيحا، ~~وفوق هذا وهذا وذلك، فإن في حياة الناس دينا يؤمنون به، وعلوما يقيمونها ويعلمونها ~~في المدارس، كما أن في حياتهم الجارية كذلك ضروبا من الفن، وألوانا من الأدب ... إلى ~~آخر ذلك العالم الطويل العريض العميق، المعقد بكثرة أجزائه وتفصيلاته، والذي قد يطيب ~~للمتكلم أو الكاتب أحيانا، أن يلخصه في كلمة واحدة، هي كلمة «ثقافة»، وذلك حين يقول - ~~مثلا: «ثقافة اليونان الأقدمين» أو «ثقافة العرب الأولين»، مشيرا بذلك إلى عصور ~~بأسرها، أو حين يقول: «الثقافة الإنجليزية» أو «الثقافة الهندية» مشيرا بذلك إلى شعوب ~~بأكملها. # لكن الإنسان العادي من جمهور الناس، إذا عرف في حياته الجارية كيف يصف قولا معينا ~~بأنه صواب، وقولا معينا آخر بأنه خطأ، فإنه برغم ذلك يظل بعيدا أشد البعد عن العلم ~~بمواضع هذه التفرقة في دقة كالتي يتطلبها «العلم»، ومن ثم وجدنا من يتصدى للتفكير ~~في تلك التفرقة، حتى يصوغ مبادئها وشروطها وقواعدها، التي ينبغي لرجال البحوث العلمية ~~أن يلتزموها؛ لكي يطمئنوا إلى صحة ما ينتهون إليه من نتائج، فإذا ms123 حدث أن اضطلع أحد بمثل ~~هذه المهمة، كان ما ينتهي إليه جزءا من الفلسفة هو ما يسمونه «بالمنطق» حينا، أو ~~«بفلسفة العلم» حينا ثانيا، وكذلك نقول عن الإنسان العادي من جمهور الناس، إذا عرف في ~~حياته الجارية، كيف يفرق بين ما هو جميل وما هو قبيح فيما يحيط به من أشياء، فإنه مع ~~معرفته تلك، يظل بعيدا أشد البعد عن القدرة على بيان الأسس التي إذا توافرت في شيء ما ~~كان ذلك الشيء جميلا، وإذا غابت عن شيء ما، كان ذلك الشيء مسلوب الجمال بمقدار ما غاب ~~عنه من تلك الأسس، وقد يحدث هنا أيضا، أن يتصدى للمشكلة مفكر موهوب في عمق التفكير ~~ودقته فيتناول هذه التفرقة بين الجمال والقبح حتى يصوغ أسسها ومبادئها وشروطها، وعندئذ ~~يقال عن مثل هذا المفكر إنه فيلسوف، كما يقال عما يكتبه في هذا الموضوع، إنه «فلسفة ~~الجمال» - ولنلحظ هنا أن عملية «النقد» في مجال الفن والأدب إنما هي فرع يتفرع عن ~~فلسفة الجمال؛ ولذلك فقد يختلف النقاد في الأساس الذي يقيمون عليه نقدهم باختلافهم في ~~المذهب الفلسفي الذي يناصرونه، وعلى تلك الوتيرة نفسها، التي رأيناها في الحالتين ~~السابقتين، وأعني الحالة التي رأينا فيها كيف جاء قسم من أقسام الفلسفة، وهو «المنطق» ~~تطويرا وتدقيقا لما يمارسه الإنسان العادي من تفرقة بين الصواب والخطأ، والحالة التي ~~رأينا فيها كيف جاء قسم آخر من أقسام الفلسفة وهو النظرية الجمالية تطويرا وتدقيقا ~~لما يمارسه الإنسان العادي من تفرقة بين الجمال والقبح، أقول: إنه على الوتيرة نفسها ~~ننتقل إلى حالة ثالثة، نرى فيها الإنسان العادي على معرفة واسعة بما يفرق بين ما هو ~~فضيلة وخير من أفعال الناس، وما هو رذيلة وشر من تلك الأفعال، ولكن الإنسان العادي، ~~برغم معرفته الواسعة تلك يظل بعيدا بعدا شديدا عن إدراك الأسس التي تكمن وراء ما هو ~~فضيلة وخير، والتي إذا غابت عن فعل معين، كان ذلك الفعل رذيلة وشرا ، بمقدار ما غاب ~~عنه من تلك الأسس، وها هنا أيضا - كما رأينا ms124 في الحالتين السابقتين - قد يتصدى للأمر ~~مفكر موهوب في دقة التحليل ونفاذ البصيرة، فيصوغ تلك الأسس التي على وجودها تبنى ~~الفضيلة، وعلى غيابها تبنى الرذيلة، فإذا تحقق لمثل ذلك المفكر ما أراده، عددناه ~~فيلسوفا، وعددنا ما كتبه «فلسفة للأخلاق»، ويجمل بي في هذا الموضع من سياق الحديث، أن ~~أوضح نقطة أراها عظيمة الأهمية في إقامة رؤية صحيحة عند «المثقف»، وهي أن شعوب الأرض ~~جميعا، على اختلاف عصورها، واختلاف ثقافاتها وعقائدها، تكاد كلها تكون على اتفاق فيما ~~يعد فضيلة وما يعد رذيلة، فليس في هذا يكون الاختلاف بين شعب وشعب، أو بين عصر وعصر، ~~وإنما يكون موضع الاختلاف مضمرا يخفى على أعين الناس بصفة عامة، وينكشف عندما يكشف ~~«فيلسوف الأخلاق» تلك الأسس التي يرى أنها كامنة في نيات الأفعال؛ وذلك لأن الشعوب ~~المختلفة - وإن اتفقت جميعا على أفعال بعينها لتكون من الفضائل - فهي تختلف في أعماقها ~~عن السبب الذي من أجله تكون الفضيلة المعينة فضيلة، فمثلا، هنالك إجماع بين أفراد ~~البشر جميعا، على أن الوفاء بالعهد فضيلة واجبة، فإذا سألنا: لماذا؟ (ومثل هذا السؤال ~~هو الذي يطرحه الفيلسوف في بحثه عن الأسس المضمرة) جاءتك إجابات تختلف باختلاف الشعوب ~~والعصور والثقافات، فمنها إجابة تقول: إنها خبرة الإنسان في حياته العملية على امتداد ~~الزمن، هي التي علمته أن الوفاء بالعهود من شأنه أن يصون كيان المجتمع، وإجابة ثانية ~~تقول: بل إن الوفاء بالعهد إنما كان فضيلة بحكم العقل ومنطقه الفطري، الذي يرفض الفكرة ~~إذا تبين أنها تنطوي على تناقض، والوفاء بالعهد فضيلة لأننا لو كنا اخترنا للفضيلة أن ~~تكون نكثا للعهود لما استطاع إنسان أن يثق في إنسان، وبذلك يفنى المجتمع وتفنى البشرية ~~كلها بفناء المجتمع، وإجابة ثالثة تقول: إن الوفاء بالعهد إنما هو فضيلة لأن الأمر به ~~قد جاء توجيها من السماء فيما نزل من وحي على الرسل والأنبياء ... وهكذا تتعدد وجهات ~~النظر إلى الأسس، برغم اتفاقها على وجوب صورة معينة في ظاهر العقل، على أن ذلك الاختلاف ~~على الأسس هو الذي ms125 يكشف عن موضع التباين بين الشعوب في رؤيتها العامة - وتلك الرؤية ~~العامة هي عماد الموقف الثقافي لشعب معين أو لفرد معين. # ونكتفي بالأقسام الثلاثة التي ذكرناها لنسوق بها أمثلة توضح طبيعة الفكر الفلسفي، ~~وكيف أنه فكر يبدأ مما هو قائم ومتداول بين الناس في حياتهم اليومية العادية، أو في ~~حياتهم العلمية، أو في حياتهم الأدبية والفنية، فمن هذا الواقع الفعلي يبدأ الفيلسوف ~~راجعا بالفكرة التي يختارها، حتى يصل بها إلى المبدأ الأساسي، الذي هو مضمر فيها، ولا ~~ينكشف لعين الإنسان المجردة إلا بعد تحليل يظهره ويخرجه من الخفاء إلى العلن، ~~والأقسام الثلاثة التي ذكرناها، هي: علم المنطق الذي يستخرج أسس الصواب في عملية الفكر، ~~وعلم الأخلاق الذي يرد الفضيلة إلى الأصل الذي انبثقت منه، وعلم الجمال الذي يوضح ~~العوامل التي إذا توافرت في شيء أو في فن أو في أدب، صار جميلا، وإن تلك الأقسام ~~الثلاثة التي نريد الاكتفاء بها في سياق حديثنا هذا، إنما هي المجالات التي تقابل القيم ~~الكبرى الثلاث ... وهي قيمة الحق «متمثلة في علم المنطق»، وقيمة الخير «متمثلة في ~~علم الأخلاق» وقيمة الجمال «متمثلة في علم الجمال»، وتحت مظلة الحق والخير والجمال ~~تندرج القيم الإنسانية جميعا فروعا لها ... # ولقد ذكرنا هذا كله عن طبيعة الفكر الفلسفي لكي نسير معا - القارئ والكاتب - في ~~خطوات نلتقي عند كل خطوة منها على فهم مشترك، حتى أصل بك إلى الغاية التي أنشدها، ~~ولعلك تذكر ما زعمته لك عند فاتحة هذا الحديث من أنني أجد في قراءة الفلسفة - في أي ~~عصر من عصورها - أفضل وسيلة للكشف عن حقيقة المناخ الثقافي الذي يسود عصرا بذاته، ~~فقراءة الفلسفة اليونانية تكشف لنا بوضوح عن أهمية المعاني الأخلاقية في المجتمع ~~اليوناني، وذلك حين نرى شطرا كبيرا من الموضوعات التي أدار سقراط حولها حواره كانت ~~موضوعات أخلاقية، وحين نرى أن عددا كبيرا من محاورات أفلاطون كان المدار فيها مفهوما ~~إنسانيا يتصل من قريب بسلوك الإنسان، حتى لقد جعل أفلاطون مثال «الخير» هو قمة المثل ~~جميعا، تتجه ms126 نحوه كل المعاني على اختلاف ميادينها، وتنتقل إلى الفلاسفة المسلمين ~~الأولين فتجد في قراءة فلسفتهم ما يدلك أقطع دلالة على أن الاهتمام الأكبر، الذي كان ~~بمثابة قطب الرحى في حياة الناس الفكرية عندئذ، هو المعاني الأساسية التي وردت في ~~غضون العقيدة الإسلامية، فانصب التحليل على المعاني الإسلامية الأساسية كالتوحيد، ~~والخلق، والعدل وغيرها، فضلا عن النظرة الشاملة والعميقة إلى الإسلام ليجد فيه ~~الفيلسوف المسلم أنه دين لا يتناقض مع «العقل»، إلى الحد الذي يمكن معه أن نرى الحقيقة ~~الواحدة، قد وردت في فلسفة اليونان بلغة الفلسفة، وفي نصوص الإسلام بلغة الشريعة، مما ~~يدل على أن خط الشريعة وخط العقل الخالص متوازيان، وإذا شئت فاقرأ في ذلك ابن رشد في ~~كتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال» ... # إن صورة الحياة لأي شعب في أي عصر، تنعكس فيما تجري به الأقلام، وفيما تؤديه النظم ~~والمؤسسات، على أن كل ميدان من ميادين التخصص يتكلم عن تلك الحياة بلغة تخصصه، فإذا ~~كانت الحياة سوية ومتكاملة، جاءت صنوف الكتابة المختلفة باختلاف التخصص وكأنها فصول من ~~كتاب واحد، وأما عندما تكون الحياة مضطربة متنافرة العناصر، فإن ميادين النشاط المختلفة ~~تنعكس صورها بحيث يحسبها من يطالعها أنها إنما جاءت من عصور مختلفة أو من شعوب متباينة، ~~ففي تلك الصورة التي تصور حياة الناس في شعب معين وتقدم الفلسفة نصيبها من تلك ~~الصورة بلغة الأفكار، ويقدم الاقتصاد نصيبه بلغة المال والإنتاج، ويقدم التعليم نصيبه ~~بلغة المناهج الدراسية ونظم التعليم، وتقدم السياسة نصيبها بلغة الأحزاب ومذاهبها ~~وجودا وعدما ... وهكذا تتعدد لغات الميادين المختلفة، إلا أنها برغم تعددها هذا، يستطيع ~~صاحب النظرة التحليلية أو صاحب البصيرة الثاقبة، أن يرى تلك الصورة وكأنها ترجمات ~~مختلفة لأصل واحد، وأما حينما يقل الانسجام أو ينعدم في جماعة، إبان فترة معينة، تعذر ~~أن تجد النقطة الواحدة التي تلتقي عندها جوانب النشاط في حياتها. # أظن أن الفكرة التي أردت إبرازها، قد باتت الآن واضحة، وهي أن من يقرأ لفلاسفة شعب ~~معين في فترة معينة، ms127 يعرف من خلالها كيف كانت صورة الحياة في ذلك الشعب إبان تلك ~~الفترة، ولقد زعمت لك في أول هذا الحديث أنني أطلت القراءة في الفلسفة المعاصر، لا بحكم ~~التخصص العلمي فحسب، بل كذلك رغبة مني في معرفة روح هذا العصر الذي نعيش فيه ... # والآن فلنستعرض معا، بنظرات سريعة خاطفة نفرا من فلاسفة هذه الفترة الراهنة من ~~عصرنا - وأعني هذا القرن العشرين على وجه التقريب - لنرى في أي شيء كتبوا ويكتبون، ~~وما هي صورة الحياة التي نستشفها وراء تلك الكتابة، وأبدأ بالفيلسوف الإنجليزي المعروف ~~«برتراند رسل» فهو من أعلاهم قامة، ومن أشدهم حذرا في قبول ما كانت العصور الماضية قد ~~أخذته مأخذ التسليم ... فيروى عنه - أو هو يروي عن نفسه - أنه بدأ في سن الحادية عشرة ~~يدرس هندسة إقليدس بمعاونة شقيقه الأكبر، وتلك الهندسة - كما نعلم جميعا مما درسناه ~~منها في المدرسة الثانوية - تبدأ بما يعد «مسلمات»، أي أنها بضعة تعريفات وبدهيات ~~ومصادرات، نسلم بها بادئ ذي بدء، لنأخذ بعد ذلك في استخراج النظريات بناء عليها، لكن ~~رسل الطفل سأل أخاه: ومن أين جاءت هذه المسلمات؟ وضاق أخوه بالسؤال؛ لأنه مما لا يصح ~~إلقاؤه بالنسبة إلى «المسلمات» وإلا لما استحقت تلك المسلمات أن تسمى باسمها هذا ... ~~وأصر الطفل على أن يعرف على أي أساس فرضت علينا، وهدده أخوه بأن يكف عن معاونته، ~~وسكت الطفل على مضض، لكن سؤاله لم يبرح ذهنه، حتى إذا ما أصبح شابا يدرس الرياضة في ~~جامعة كمبردج، شغل نفسه بسؤاله القديم، ومن تلك البداية، دخل عالم الفلسفة من باب ~~الرياضة؛ وذلك لأن سؤاله ينقله من علم الرياضة إلى فلسفة الرياضة، ثم أخذت الخيوط تتشعب ~~بين يديه حتى انتهى به الأمر إلى إقامة فلسفة شاملة، جاءت في نهاية المطاف واحدة من ~~أكثر الصور العقلية توضيحا لروح هذا العصر، وحسبنا أن نعلم أنه أعظم من أسهم بنصيب في ~~إقامة منطق جديد يتناسب مع ضرورات الحياة العلمية في صورتها الجديدة. # وننتقل إلى شامخ آخر هو: ج. أ. مور، الذي يصفونه ms128 بأنه «فيلسوف الفلاسفة»؛ وذلك لأنه ~~جعل محور اهتمامه تحليلا لما كتبه فلاسفة آخرون، ليرى إذا كان فيما كتبوه اتساق، أم ~~أنه ينطوي على تناقض فيرفضه ... ولقد انتهى به تحليله البارع القدير إلى نتائج، كان أهمها ~~رفضه للفلسفة «المثالية» التي تجعل العقل النظري الخالص مصدرا للمعرفة، وذهب إلى أن ما ~~يدركه الإنسان بحسه الذي يشترك معه فيه سائر الناس يجب أن يكون مقبولا على أنه إدراك ~~سليم. # وهنالك جماعة من علماء الرياضة وعلماء الطبيعة، أخذتهم رغبة في أن ينظروا إلى الفلسفة ~~من خلال علومهم، فانتهوا إلى نتائج مهمة صححت كثيرا من أخطاء الماضي، كان من أهمها ~~التفرقة بين هاتين المجموعتين من العلوم - الرياضية والطبيعية - في معايير الصواب ~~والخطأ، فلكل مجموعة منها معيارها الخاص بها، بعد أن كان الظن فيما مضى أن للصواب ~~العلمي معيارا واحدا، ومن نتائجهم المهمة كذلك، أن الطريقة التي تبنى بها الجملة ~~المزعوم لها أنها جملة علمية، كافية وحدها للتدليل على صلاحيتها للعلم من حيث الشكل، أو ~~على عدم صلاحيتها، وذلك عن طريق التحليل المستند إلى طبيعة اللغة ذاتها، فمن الجمل ~~اللغوية ما يصلح للمنهج العلمي، ومنها ما لا يصلح، ويطلق على تلك الجماعة اسم «جماعة ~~فينا» ... # وهنالك فلاسفة كان مدار بناءاتهم الفلسفية فكرة «التطور»، لا بالمعنى البيولوجي الذي ~~قدمه داروين في القرن الماضي، بل بمعنى أوسع يشمل الكون كله دفعة واحدة، إذ الكون عندهم ~~قد أخذ على الزمن يتطور من مرحلته الأولية الأولى، ليعلو درجة بعد درجة، وله في كل ~~درجة صفات تزداد تركيبا، وتزداد - بالتالي - ارتقاء، وكان من أشهر هؤلاء صموئيل ~~إسكندر وألفريد نورث هوايتهد. # وهنالك، إلى جانب أولئك وهؤلاء، فلاسفة كثرت الكتابة عنهم عندنا، فعرفهم المثقفون ~~منا، منهم الوجوديون والبراجماتيون، والماركسيون، لكن الذي يلفت النظر بحق هو أن هنالك ~~فئة كبيرة وجهت اهتمامها إلى فلسفة اللغة، وهم جديرون بأن يعرف عنهم المثقفون العرب ~~أكثر مما يعرفونه الآن. # وبعد هذا العرض السريع لبعض اتجاهات الفكر الفلسفي في عصرنا ... نسأل: أين نجد روح ~~العصر من هذه الأشتات؟ ms129 كيف نستخرجها من هذا الخليط؟ والإجابة التي أقدمها عن هذا السؤال ~~هي أننا لا نكاد نلقي نظرة على تلك التشكيلة المنوعة من الاتجاهات؛ حتى يتبدى لنا في ~~وضوح أن الاهتمام كله قد انصب على الكون في طبيعته التي نحيا بين جنباتها، فكأنما ~~الإنسان في عصرنا هذا، قد اتجه بفكره نحو بيته الذي يقيم فيه، يحاول معرفة ما فيه، وأما ~~ما سبق إقامة البيت، وما سوف يلحق البيت بعد زواله، فلم يظفر من فلاسفة العصر بنظرة، لا ~~إثباتا، ولا نفيا، ولا تعليقا، إلا القليل النادر، ومن هذه الزاوية استحق عصرنا أن ~~يوصف به كثيرا، وهو أنه عصر «مادي»، بمعنى أنه لا يجاوز حدود واقعه الذي يعيش فيه إلى ~~خالق ذلك الواقع بكل ما فيه ومن فيه، وهو «سبحانه» مالك يوم الدين حين تفنى الدنيا ~~ويكون الحساب. # وها هنا نصل إلى النتيجة المهمة التي أسلفت لك منذ أول الحديث، بأننا بالغوها، وهي ~~التي من أجلها قدمنا ما قدمناه من شروح تمهد طريق الوصول إليها، وتلك النتيجة هي أنه ~~حيث قصر الغرب، يقع واجب المفكر الإسلامي، وهو إذا أدى واجبه هذا، كان ذلك إضافة منه ~~إلى ثقافة العصر، وإلى حضارته، التي تبنى على تلك الثقافة، فلست أظن أن أحدا يستطيع ~~بمثل ما يستطيع المسلم أن يزود الطائر المهيض، بجناحيه المفقودين: جناح ما قد كان «قبل ~~هذا الوجود» وجناح ما سوف يكون «بعده»؛ لأن في العقيدة الإسلامية من التفصيلات في ذينك ~~الجانبين، ما هو كفيل بأن يسد النقص في صورة الحياة العصرية كما هي قائمة. # إن الجزء الأكبر مما قاله فلاسفة الغرب المعاصرون عن «البيت» الدنيوي من الداخل ليس ~~فيه - كما أرى - ما يحمل المسلم على رفضه بحكم عقيدته، وإلا فمن الذي يرفض تلك ~~التحليلات الرياضية التي انتهت إلى المنطق في صورته الجديدة؟ من الذي يتردد أمام نظرات ~~تصحح خطأ وقع فيه الإنسان، حين انبهمت أمامه الفواصل، بين العلوم المختلفة، فانبهمت - ~~بالتالي - معالم المنهج العلمي في التفكير؟ لكن المسلم إذ يقبل الجزء الأكبر مما ms130 قيل عن ~~«البيت» من داخل، يرفض رفضا قاطعا أن تكون جدران البيت هي أوله وهي آخره؛ لأنه يعتقد ~~أنه بيت إلى زوال كان قبله أزل، وسيكون بعده أبد الخلود، وما البيت - على أهميته كلها - ~~إلا الوسيلة التي تؤدي بالإنسان إلى أي النوعين من الخلود هو صائر، أهو خلود الثواب، أم ~~خلود العقاب؟ # على أن هذه الإضافة الإسلامية إلى صورة الحياة في عصرنا، لا يكفي فيها أن تضاف إلى ~~حافة الصورة من خارج، بل لا بد من سريانها في العروق؛ لأنها هي بمثابة الوقفة ~~الأخلاقية التي لا تنفصل عن الإنسان كلما رفع ذراعا في عمل، أو خطا بقدم ليمشي، لكن ~~من أراد أن يتغلغل بمبادئه الأخلاقية تلك في جسم الحياة العصرية، لن يكون له مندوحة عن ~~معرفتها والمشاركة فيها مشاركة إيجابية فعالة: بالعقل متمثلا في الإبداع العلمي، ~~وبالقلب متمثلا في الإبداع الفني والأدبي ... فهل نحن فاعلون؟ # | حياتنا الجديدة تصنعها أقلامنا # آيات التنزيل بينات، بأنه لا إلزام للخلف بأن يحذوا حذو السلف في أسلوب الحياة ~~إذا هم وجدوا ذلك السلف، على صورة من الحياة في ماضيهم لم تعد تتفق مع عصر آخر جاء ~~بعد عصرهم، وهو إنما جاء - إذا جاء - بجديد لم يكن للآباء عهد به. # وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ~~عليها آباءنا ~~(سورة الأعراف). # أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ~~ولا يهتدون ~~(سورة البقرة). # أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ~~ولا يهتدون ~~(سورة المائدة). # تلك آيات، هي بعض ما جاء به الكتاب الكريم، فيمن تمسكوا بما كان عند الآباء، حتى ~~ولو كان عصر الآباء قد انقضى، وتلاه عصر آخر، ثم جاءتهم هداية ترشدهم إلى سبيل أقوم، ~~يسلكونها في الحياة الجديدة لذلك العصر، فهذه الآيات الكريمة، وإن تكن قد نزلت في ~~مناسباتها، إلا أن لها نورا يضيء أمام أبصارنا طريق الرشاد، بالنسبة إلى كل دعوة ~~تقتضيها حقائق الحياة في عصر جديد، فطالما كانت أركان الدين قائمة جاز لنا، بل وجب ~~علينا، فيما يختص بأوضاع الحياة المتغيرة، وفي اتجاهات الفكر والذوق، أن نلائم ms131 بينها ~~وبين ما استحدثته الظروف في زمن رحل، بعد سابق له رحل. # كان حديث كهذا، هو ما مهدت به الطريق، إلى إجابة مستفيضة، أجبت بها على سؤال هام ~~ألقاه علي ضيف كريم، وهو فقيه وعالم، وأديب، تفضل بزيارتي لأول مرة مقتنعا بأن الأخذ ~~والرد في حوار مباشر، خير له ألف مرة من كتابة وقراءة ثم كتابة للرد، تتباعد فيها كل ~~خطوة عن الخطوة التي تليها ثلاثة أسابيع أو أكثر، فيجيء الرد على الفكرة المعروضة، بعد ~~أن تكون الفكرة نفسها قد بهتت معالمها، ... هكذا قال لي الضيف الوقور في حديثه الهاتفي ~~مستأذنا في زيارة، ليناقش معي موضوعا له عنده أهمية كبرى. # وكأنما كان ضيفي حريصا على ألا تضيع منا دقيقة واحدة فيما ليس يجدي، فلم يكد يجلس ~~على كرسيه حتى واجهني بقوله: إنك يا أخي تكثر من ذكر الفوارق بين العصور، حضارة ~~وثقافة، وتلح على أن يكون للعصر الجديد ما يلائمه، كما كان لكل عصر من العصور ما هو ~~ملائم لظروفه التاريخية، وهذا كلام معقول في ظاهره، لكنه أثار في نفسي سؤالا لا أظنني ~~قد وقعت له عندي على جواب مقنع، وهو: ما الذي يفصل عصرا مقبلا عن عصر مدبر؟ أليس تيار ~~الزمن سيالا، تشرق فيه الشمس صباح اليوم كما أشرقت صباح الأمس؟! إنك قد ترى الظل ~~والنور متجاورين متميزين، لكن قرب منهما النظر، تجده عسيرا أن ترسم الخط الحاد الذي ~~يفصل هذا عن ذاك، فما بالك بفترات الزمن حين نميز فيها عصرا عن عصر؟ هل في مستطاعك - ~~يا أخي - أن تحدد لنفسك، متى على وجه التحديد أدبرت طفولتك، ليحل محلها شبابك؟ ومتى على ~~وجه التحديد كذلك أسدل الستار على مرحلة الشباب، ليرتفع عما بعد الشباب من مراحل ~~الحياة؟ فإذا كان من المتعذر علينا أن نقيم الفواصل بين المراحل في أمثال هذه الحالات ~~الواضحة وضوحا نسبيا، فكيف يمكنك إقامة الفواصل بين عصور التاريخ، لتبني على ذلك تلك ~~النتيجة الخطيرة ، وهي أن عصرا ما قد ذهب بحضارته وثقافته، وقام بعده عصر يريد ms132 بدوره أن ~~تكون له حضارته وثقافته؟ ~~- فأجبته قائلا: لقد أثرت بسؤالك هذا موضوعا، لا حدود لأهميته عند من يريد لنفسه ~~فهما دقيقا وواضحا لحركة التاريخ الفكري، ومثل هذا الفهم الواضح الدقيق ضروري؛ لأنه ~~إذا لم يتحقق لأحد منا - أو لجماعة من الناس، سبق إلى أوهامهم أنه من الممكن والجائز أن ~~يعيش إنسان في مرحلة فكرية لاحقة في ترتيب الزمن، على نحو ما كان الناس يعيشون في مرحلة ~~سابقة في ذلك الترتيب، ثم تظل حياته رغم ذلك الرجوع موفورة الخصب قادرة على ~~الإبداع. # ولهذه الأهمية التي أعلقها على دقة الفهم ووضوحه فيما يميز العصور بعضا عن بعض، ~~ولاحقا عن سابق، أرجوك يا سيدي أن تأذن لي بشيء من بسط القول وتبسيطه بقدر المستطاع، ~~فيقال عن عصر ما إنه قد أذن بالزوال، إذا كانت حياته قد استقرت زمنا على أفكار معينة ~~فيها كل الحلول المطلوبة لما ينشأ له عادة من مشكلات، ولكنه يفاجأ بأحداث جديدة لم يكن ~~قد عهدها من قبل، وبالتالي فهو لا يملك لها أسلوبا خاصا يواجهها به، فعندئذ ~~تتأزم الصدور وتتعقد مسيرة الحياة اليومية، التي يراد لها أن تكون حياة «جارية» ~~وكأنها ماء النهر يتدفق في سيولة سلسة لا تتطلب من الناس وقفة يفكرون فيها، وهكذا - على ~~وجه الإجمال يا سيدي - يدبر عصر ويقبل عصر جديد، فحلقات السلسلة تتعاقب على هذه ~~الصورة الآتية: حياة مستقرة على نمط سلوكي لا تعرقل سيره العقبات، ثم مفاجأة بأحداث ~~كبرى غير مسبوقة بما يشبهها، فضرورة تحتم على الناس أن يجدوا لذلك الجديد ما يلائمه من ~~ردود فعل جديدة، ونمط سلوكي غير الذي ألفوه، يتكيفون له، على أنه ليس مستحيلا على ~~الإنسان من الناحية الجسدية والنفسية معا، أن يرفض عن عمد وإرادة، مواجهة الأحداث ~~الجديدة بما يلائمها، مؤثرا المضي في صورة حياته المألوفة، لكن مثل هذا العناد الحضاري ~~لا بد له من ثمن باهظ يدفعه العنيد من لحمه ودمه (بالمعنى الحرفي أحيانا لهاتين ~~الكلمتين)؛ وذلك لأنه في حالة كهذه، يصبح أمرا مؤكدا أن يبسط ms133 صاحب الحضارة الجديدة ~~سلطانه على من تشرنق في حضارة قديمة، والأمر العجيب هنا، هو أن من أصبح سيدا ذا سلطان، ~~يهمه أن يظل العنيد المنهزم على عناده، ليدوم للقوي سلطانه على الضعيف ... # ولقد ضربت لي أمثلة - يا سيدي - تبين صعوبة التمييز للفواصل التي تقام بين مرحلتين، ~~فضربت مثلا بالظل والنور يتجاوران، ثم ضربت مثلا بمراحل الحياة في الفرد الواحد، ~~طفولة وشبابا وما بعد الشباب، وأنا متفق معك في وجود الهامش الغامض بين المرحلتين حين ~~تكون المراحل أقساما متعاقبة لظاهرة هي بطبيعتها مستمرة استمرارية النقط في الخط، أو ~~استمرارية الماء في النهر، لكن هذه الهوامش الغامضة بين المراحل - لا تنفي أن لكل ~~مرحلة وسطا تستقر فيه وتتضح معالمها، وهذا بعينه هو ما يحدث في مراحل التاريخ ~~الحضاري. ~~- قال الشيخ في هدوء وقاره: هلا أوضحت قولك هذا بأمثلة حقيقية من تاريخنا نحن؟ وأعني ~~تاريخ مصر من حيث هي مصر، أو تاريخها من حيث هي جزء من التاريخ العربي بصفة عامة، أو من ~~حيث هي جزء من تاريخ الإسلام بصفة أعم وأشمل؟ لك أن تختار المجال الذي تنتزع منه ~~المثل، فأصارحك القول، بأني - بعد كل ما عرضته علي - لا أتصور تصورا واضحا، كيف ~~أطالب بأن أحيا على نمط عقلي وذوقي وسلوكي يختلف عن نمط السلف الأولين، ثم أظل رغم ذلك ~~- كما أريد أن أكون مصريا عربيا مسلما - إن المسألة يا أخي إنما هي مسألة النماذج ~~المثلى من أي حياة نختارها، لندنو منها ما استطعنا ولنربي أبناءنا على ~~استهدافها. # قلت: لقد أعطيتني بقولك هذا مادة أستخدمها هي نفسها في الجواب! إنك تريد - وأريد ~~معك أن تظل كما أنت - مصريا عربيا مسلما، وذلك من حيث النموذج الأمثل الذي تحاول ~~الحياة على هداه، مهما يكن من أحداث جديدة طرأت في دنيانا، فأسموها «العصر الجديد»، ~~وأنا بدوري أطرح بيننا هذا السؤال، وسترى أنه سؤال شديد الإيضاح لما أقوله، والسؤال هو: ~~ما هي العناصر التي إذا ما توافرت في إنسان، صح لنا وصفه بأنه «مصري عربي مسلم»؟ وأرجوك ms134 ~~ألا تسرع إلى القول بأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى سؤال، وأستأذنك بأن أسترسل في ~~الحديث فأقول: إنه لو طرح سؤال كهذا في أي عصر مضى، وحاول أصحاب النزعة العلمية أن ~~يجيبوا عنه، لكانت طريقة البحث عندهم، كما كانت عند الأقدمين جميعا شبيهة جدا ~~بالطريقة المتبعة في الفكر الرياضي، فماذا يصنع الرياضي إذا رسمت له مثلثا، وطلبت منه ~~أن يقيم البرهان على أنه مثلث؟ إنه يلجأ إلى التعريف العقلي الصرف، الذي يحدد المثلث ~~وحقيقته، حتى ولو لم يكن في العالم كله مثلث واحد مرسوم بصورة فعلية على الأرض، أو على ~~الورقة أو على أي جسم آخر، فللمثلث حقيقة حددها الفكر الرياضي، غير مستمدة من مثلثات ~~فعلية موجودة في الطبيعة المادية، وهي التي يقاس إليها بعد ذلك ما عسانا مصادفوه في ~~دنيا الواقع من أشكال، لنعرف إذا كان ما صادفناه مثلثا أو لم يكن. # هذه نقطة منهجية في أقصى درجات الأهمية والخطورة، ولها أثرها العميق في موضوعنا هذا ~~الذي نتحدث فيه، وهي - مرة أخرى - أن الأقدمين، وحتى منتصف القرن الماضي، كان يغلب ~~عليهم النهج الرياضي في التفكير، مهما تكن طبيعة المشكلة المعروضة، بمعنى أن «يفترضوا» ~~للموضوع المطروح للبحث، تعريفا يحددونه، دون أن يؤخذ هذا التعريف من الموضوع نفسه كما ~~هو واقع بالفعل في دنيا الأشياء، وكان ذلك عند الأقدمين ظنا منهم بأن التفكير لا سبيل ~~أمامه إلا هذا السبيل، حتى حدث في منتصف القرن الماضي ما قد حدث من تغيرات أساسية ~~وجوهرية في علم الرياضة ذاته، مما أظهر في جلاء، أنه إذا كان موضوع الدراسة شيئا من ~~أشياء الواقع الطبيعي، كانت الطريقة العلمية في دراسته مختلفة أشد اختلاف عن الطريقة ~~المتبعة في دائرة الرياضة أو ما ينهج نهجها من مجالات أخرى. # وموضوعنا الآن - يا سيدي - هو المصري العربي المسلم: ما هي العناصر والمقومات التي لا ~~بد أن تتوافر فيمن يصبح من حقه أن تطلق عليه هذه الصفة؟ ها هنا لا يتوقف البحث على ~~«افتراض» نفترضه ونبني عليه، بل لا بد ms135 من دراسة على الواقع الفعلي، وفي أي عصر من ~~التاريخ نختاره، فإذا فعلنا ذلك، وجدنا أنفسنا أمام خصائص كثيرة جدا، كلها كانت مما ~~يمكن أن تكون ماثلة فيمن هو مصري عرب مسلم، فماذا نحن صانعون بتلك الخصائص الكثيرة، ~~التي لا يشترط لها أن تتحقق كلها معا في كل مصري على حدة، بل يكفي أن يتحقق منها بعضها ~~دون بعض! وفي مستطاع الباحث المدقق أن يستخرج من تلك الخصائص الكثيرة جانبا يرى فيه ~~الضرورة والدوام، وجانبا آخر يتغير بتغير الظروف في العصور المختلفة. ~~- سألني الضيف الفاضل مبتسما: لقد درنا وعدنا إلى المشكلة الأولى، وهي: كيف أعرف أن ~~عصرا ذهب وعصرا أتى لأتكيف له؟ ~~- قلت: صبرا، فذلك سوف أنتقل إليه الآن، لقد كان لا بد لي أولا أن أبرز هذا ~~الجانب الهام من موضوع حديثنا، وهو أن هنالك في هويتنا التي نريد لها أن تبقى مصونة من ~~التشويه والانهيار، أقول: إن هنالك في هويتنا ما يجب أن يدوم مهما يكن في العصر الجديد ~~من تغيرات، لكن هنالك أيضا من مقومات تلك الهوية ما هو بطبيعته قابل للتغير مع تغيرات ~~الزمن، هذه واحدة، وأما الأخرى، فهي أن الحديث الضخم الذي وقع فأنهى عصرا، وألزم الناس ~~بأن يدخلوا معه في عصر جديد، أو أن يهلكوا إذا هم عاندوا فرفضوا، والتهلكة قد تتخذ ~~صورا كثيرة، منها أن يقعوا في ذل التبعية للأقوياء، ذلك الحدث الضخم الذي جاء فاصلا ~~بين عصرين هو ظهور علم من نوع جديد، استدعى منهجا علميا جديدا، وكان من نتائج ذلك ~~هذا الذي نراه محيطا بنا حتى أصغر كوخ في أقصى قرية، فعلم هذا العصر بمنهاجه الجديد، ~~هو الذي ملأ البر والبحر والهواء بأجهزة وآلات لم يعد على الكوكب الأرضي إنسان واحد ~~لم يتأثر بها كثيرا أو قليلا. # ودخولنا في هذا العصر الجديد - يا سيدي - لا يتحقق أبدا بكوننا ننتظر حتى ينتج ~~الغرب علما، وحتى يصنع الغرب بذلك العلم أجهزة وآلات فنتقدم نحن إليه، فننقل عنه ~~علوما لتدريسها في معاهدنا وجامعاتنا، ثم ms136 نشتري منه تلك الأجهزة والآلات التي ابتكرها ~~بناء على علومه، لا، بل إن دخولنا في العصر الجديد لا بد له من تشرب المنهج الجديد ~~الذي من شأنه أن يؤدي إلى تلك النتائج كلها، وإذا نحن فعلنا ذلك، فلن يقتصر الأمر في ~~حياتنا على دراسة العلوم الجديدة، وعلى صناعة أجهزة وآلات عليها بصماتنا، بل سرعان ما ~~نجد أن نسيج حياتنا كله قد تأثر ابتداء من الحرص على دقة التوقيت، بحيث نحسب حساب ~~الزمن بدقائقه وثوانيه؛ لأنها مسألة جوهرية في دنيا الأجهزة والآلات، وستنتقل منها إلى ~~الحياة العامة، أقول: إن هذه الحياة العامة في شتى أوضاعها سرعان ما تتأثر وتتغير، ~~نتيجة للنظرة الجديدة، ابتداء من حساب الزمن بدقائقه وثوانيه، وانتهاء بما ليس له ~~نهاية. # سألني الضيف المهذب الوقور: ومن ذا الذي تظنه قادرا على إدخالنا في العصر الجديد، ~~بالصورة التي بينتها؟ وكيف يكون هذا؟ # فأجبته قائلا: أشكرك على سؤالك، أنه يتيح لي فرصة الحديث عن موضوع كان بودي أن ~~أتحدث فيه إلى قرائي منذ زمن طويل، إن أول ما يرد إلى خواطرنا إذا ما طرح علينا سؤالك ~~هذا، هو أن مثل ذلك التحول في الرؤية العامة، إنما تحدثه العلمية التعليمية كلها، ~~مضافا إليها في يومنا هذا، العملية الإعلامية، بكل فروعها، لكنني إذ أسلم بتلك الإجابة ~~بالطبع؛ لأن صوابها مقطوع به ولا ريب، إلا أنني أوثر هنا أن أقصر حديثي على جانب واحد ~~من الجوانب التثقيفية التي من شأنها أن توصلنا إلى اكتساب الرؤية المطلوبة، وذلك الجانب ~~الذي سأقصر حديثي عليه الآن، هو «الكاتب»، وإذا قلت «الكاتب» فإنما أعني صنوفا كثيرة ~~مختلفة من نتاج القلم، فهناك «الأدب» بكل فروعه، من شعر، ورواية، وقصر ومسرحية ومقالة، ~~وهناك إلى جانب الأدب الخالص دراسات مما يقع في نقطة وسطى بين الدراسات العلمية الخالصة ~~من جهة والإبداع الأدبي من جهة أخرى، فالكاتب بهذا المعنى، وسيلة لعلها أقوى الوسائل ~~جميعا، في إعداد العقول والقلوب إعدادا جديدا ، وليس هو من قبيل الشطح في التعليل، أن ~~يقال في الثورة الفرنسية ms137 إن أهم العوامل التي أدت إلى قيامها، هو مجموعة الكتاب ~~الذين تولوا حركة التنوير في فرنسا إبان القرن الثامن عشر، وكان أبرزهم فولتير، ولا هو ~~من قبيل الشطح في التعليل، أن نقول عن حياتنا في هذا التاريخ الحديث والمعاصر، إن أهم ~~العوامل التي أدت إلى قيام الثورة العرابية، تلك الدعوة إلى الحرية بمختلف أنواعها، ~~والتي أثارها الطهطاوي ومحمد عبده، وإن أهم العوامل التي أدت إلى قيام ثورة 1919 ما ~~كتبه النديم، ولطفي السيد، ومصطفى كامل، وأن أهم العوامل التي أدت إلى قيام ثورة 1952 ~~هو ما كتبه لبيان حقوق الإنسان ذلك الرعيل الكريم من الأعلام خلال العشرينيات ~~والثلاثينيات، ثم امتداده فيما كتبه الكاتبون في النصف الثاني من الأربعينات بعد أن ~~بلغت الحرب العالمية الثانية ختامها. # ولقد كان يمكن لتلك الأقلام نفسها، أن تعمل على إدخالنا في روح عصرنا بدرجة أكبر مما ~~فعلت، لولا أن مشغلتها الأولى، التي استنفدت جهدها - كانت المطالبة بالحريات - سياسية ~~واجتماعية، فلم تركز على إقامة المناخ الحضاري الجديد، وتركته ليكون قضية جانبية، وربما ~~كانت الفرصة المناسبة أمام «الكاتب» ليضطلع بالجانب الحضاري، قد حانت له بعد أن استقرت ~~الحياة على أسس ثورة 1952، لكن ذلك لم يحدث، وإن حدث، فبدرجة خافتة الصوت ولم تسمعها ~~الآذان، لا، بل الذي حدث هو عكس ذلك تماما، إذ نشأت ظروف في العلاقة بين مصر - والوطن ~~العربي في جملته - حملت كثيرين جدا من رجال الفكر والأدب، ومن شبابنا، على أن يرتابوا ~~ريبة شديدة في الغرب وحضارته وثقافته، وكان يكفيهم في تبرير ريبتهم تلك أن قامت إسرائيل ~~على الأرض العربية بتلك الصورة التي قامت بها وبتلك الحرارة التي أيدتها بها دول غربية ~~هي أقوى الدول، فأدرك العرب جميعا - مصريين وغير مصريين - بأن الغرب ليس في جانبهم، ~~وهنا اضطرمت في الصدور نار الكراهية للغرب وثقافة الغرب وحضارة الغرب، وأخذت الأبصار ~~والأسماع تتجه إلى حيث يجد العربي مصادر هويته الأصيلة وهي في عز قوتها، فاتجهت إلى ~~السلف تلوذ به وكأنها ودت لو استطاعت أن تطوي بساط الزمن ms138 وراءها لتجد نفسها هناك، مع ~~أسلافنا الصالحين. # وإذا كانت تلك هي العاصفة واتجاهها، فماذا تكتب الأقلام إذن؟ إلا أن يئن الشاعر بحزنه ~~وإحباطه، وأن يعرض الروائي صورا من جهاد الشعب في ثورته على ما هو غربي أيا كان، وأن ~~يصور الفنان ما عساه ينطق بروح المقاومة ... مقاومة من؟ مقاومة أولئك الذين هم في حقيقة ~~الأمر صناع العصر الحاضر بمعظم مقوماته وأهمها. # كان ذلك كله نتائج طبيعية للأحداث، فإذا كنا قد أحجمنا فيما سبق عن الدخول في عصرنا ~~بقلوبنا وعقولنا مرة، فقد أصبحنا منذ الخمسينيات نحجم عن ذلك مرتين، فلو كان الأمر أمر ~~عاطفة وما تمليه علينا، فمن ذا الذي يلومنا على هذا التقوقع في ماضينا وفي تاريخنا، ~~إزاء عالم يناصبنا العداء؟ لكن السؤال الأهم هو: أنترك للعاطفة الثائرة الكارهة أن ~~تتحكم فينا؟ إننا لو فعلنا ذلك لما فعلنا عندئذ إلا أن زدنا أنفسنا ضعفا على ضعف، ~~وزدنا أعداءنا قوة على قوة. # وإنما الوقفة الصحيحة للكاتب العربي، أينما كان في طول الوطن العربي وعرضه، هي أن ~~يفصل في ذهنه بين ما توحي به العاطفة من جهة، وما يوجبه العقل من جهة أخرى، والذي يوجبه ~~العقل هو أن تجند الأقلام جهودها في التعبئة الثقافية التي تحمل جمهور الأمة العربية ~~على التسلح بثقافة الغرب وأدواته الحضارية، وأقل ما نقوله في هذا التوجه هو أن نصبح به ~~أقدر على مواجهة الغرب ذاته، ومع ذلك، فمن ذا الذي أوهمنا بأن تشرب روح العلم الجديد، ~~بكل ما يستتبعه من نتائج، يتنافى مع هويتنا الأصيلة، بالجوانب الثلاثة التي نراها ~~مقومات لتلك الهوية، وأعني، التدين، والوطنية المصرية، والقومية العربية؟! إن تاريخنا ~~شاهد بأننا قد عشنا صناع حضارات، بما تقتضيه تلك الحضارات من دين، وعلم، وفن، ونظم، ~~وقوانين، دون أن نجد شيئا من هذا قد وقف عقبة في سبيل الوطنية المصرية أو القومية ~~العربية، وعلى أقلامنا تقع التبعة الكبرى، في أن نهيئ النفوس لتدخل مطمئنة في عصرها ~~الجديد. # | وهذه جزيرة أخرى # لم أعد أذكر، أكنت في صدر شبابي قد ms139 قرأت «ثورة الملائكة» - وهي رواية لأناتول فرانس - ~~في ترجمة عربية كاملة لها، أم كان الذي قرأته مقالة عنها؟ ولقد كان أناتول فرانس ممن ~~قدمه إلى قراء العربية أعلامنا الكبار، الذين كتبوا عنه وعن أدبه، فتصورناه نحن شباب ~~العشرينيات، عملاقا فارع القامة، وإني لأذكر حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها، كيف وقعت ~~في نفسي - ذات يوم منذ ستين عاما - تلك العبارة التي افتتح بها الدكتور محمد حسين هيكل ~~مقالة له عن أناتول فرانس، إذ بدأ مقالته بقوله: «مات أناتول فرانس؛ لأنه أراد أن ~~يموت!» (وكان موته سنة 1924 فيما أذكر)، إنني عندئذ لم أقل لنفسي كيف استحل الكاتب أن ~~يجعل موت الرجل رهن إرادته! لا، بل إن خاطرا كهذا لا أظنه قد طاف برأسي عندئذ، وإنما ~~كان الذي وقع لي هو أن حلق خيالي إلى ما يمكن لإنسان عظيم كأناتول فرانس أن يرتفع ~~إليه، وأحسب أنني استطعت ساعتها أن أجاوز في غير تكلف ولا عناء، أن أجاوز حرفية المعنى، ~~إلى اللباب الذي أراده الكاتب بعبارته، والذي من شأنه أن يشعل الخيال ويحفز الهمة إلى ~~طموح وثاب. # كلا، لم أعد أذكر: أقرأت في تلك الأيام البعيدة «ثورة الملائكة» لأناتول فرانس، في ~~ترجمة عربية كاملة أعتقد أني اطلعت عليها ذات يوم، أم كان الذي قرأته مقالة عنه وعنها؟ ~~لكن الذي رسخ في الذاكرة مما قرأته - كاملا أو موجزا - هو بعض المعاني التي ختمت بها ~~الرواية، فأذكر أن الملائكة عادوا آخر الأمر فترفعوا عن الدخول مع الشيطان في حرب ~~كانوا أزمعوها أول الأمر، قائلين ما معناه: إن الحرب لا يتولد عنها إلا حرب أخرى، وإن ~~النصر في ناحية يستتبع هزيمة في ناحية أخرى، وإذا هزم الملائكة، أصبحوا في أعين الناس ~~هم الشياطين، وإذا انتصر الشياطين، أصبحوا في أعين الناس هم الملائكة، وأولى من الدخول ~~في حرب، أن نحصن نفوسنا فلا جهالة نبقى عليها، ولا خوف، ومن محا في نفسه كل ما يغشاها ~~من خوف وجهالة ، رأى وكأن الشياطين قد ذوت وانقضت من تلقاء نفسها، ms140 فليس في مستطاع شيطان ~~أن يقهر أحدا ظفر في دخيلة نفسه بقوة الروح. # استيقظت في ذاكرتي هذه الذكرى، لكنني حين تذكرت ما تذكرته من حديث الملائكة في حربهم ~~مع الشيطان، وجدتني أقرأ ذلك الحديث قراءة جديدة، فليس بنا حاجة تدعونا إلى أن ننصت لما ~~يقوله الملائكة في ثورتهم على الشياطين، كما تخيلها أناتول فرانس، عن حقيقة واقعة نراها ~~بأعيننا، ونلمسها بأيدينا، كل يوم في حياة الناس الجارية، ويهمنا في هذا المجال، أن ~~نركز انتباهنا على عنصري «الجهالة» و«الخوف»، فما من هزيمة لحقت بنا أفرادا أو ~~جماعات، إلا كانت علتها جهالة، أو خوفا، أو كليهما معا، وما من نصر ظفرنا به أفرادا ~~أو جماعات، إلا وكانت السبيل إليه قدرا من معرفة تعلمناها، وقدرا من ثقة بالنفس، ~~يتناسب مع مقدار النصر الذي ظفر به من ظفر، فردا كان أو جماعة، وإننا نعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم ألف ألف مرة كل يوم، كلما تلونا شيئا من الكتاب الكريم، فإنما نعوذ به ~~من ضلالة تصرفنا عن العلم بما ورد في الكتاب، والضلالة جهالة، وإذ نعبد رب البيت ~~الحرام، فإنما نعبده لما أنعم به علينا، ومن تلك النعمة أن أمننا من خوف، لكننا إذ ~~نردد بالألسنة والشفاه ما نردده في هذا السبيل، لا نحرص على أن تتسلل هذه المعاني إلى ~~نفوسنا، فنظل على جهالة ونظل في خوف. # هذان - إذن - مفتاحان تفتح بهما الأبواب المغلقة في أوجه من أرادوا أن يغيروا ما ~~هم فيه من هزيمة إلى نصر، من هبوط إلى ارتقاء، من ركود إلى صحوة، من خيبة رجاء إلى أمل ~~يتحقق، والمفتاحان هما: العلم والثقة بالنفس، فلا جهالة ما استطعنا إلى نور العلم ~~سبيلا، ولا خوف ما وسعتنا الحيلة إلى طمأنينة نفس عرفت طريقها ... وماذا أقول؟ أأعيد على ~~نفسي قصصا طويلة عريضة، وقعت أحداثها في خبرة حياتي، من أفراد صادفتهم على الطريق أو ~~صادفوني لم يكن بيني وبين أي منهم صلة إلا أنني أبذل الجهد وهو لا يبذله، فيجعل مشغلته ~~أن يضع العوائق في طريقي؛ ms141 خشية أن أصادف نجاحا يريده لنفسه، وعبثا أقيم الدليل فوق ~~الدليل، على أنني دءوب على تحصيل العلم رغبة فيه، جاءني منه النجاح أو أفلت، وأحمد الله ~~أن هداني إلى لذة المعرفة فلم أكترث بعوائق الشياطين، ومضيت على حكمة الملائكة فيما ~~كتبه أناتول فرانس، وهو أن الشيطان ليس جديرا بحرب معلنة، فهو يقتل نفسه بنفسه، إذا ~~أنت محوت من نفسك شيئين: الجهالة والخوف. # هذان مفتاحان تنفتح بهما أبواب، وتنغلق أبواب، ~~فأما الأبواب التي تنفتح فهي المؤدية إلى نور المعرفة وإلى طمأنينة النفس الواثقة ~~بذاتها، وأما الأبواب التي تنغلق فهي أبواب الظلام، ظلام الجهل، والخوف الذي ترتعد به ~~قلوب الجبناء، حتى من الأشباح، ولو كنت ذا قدرة لأرسلت لقلمي عنانه حتى يكتب كتابا ~~كاملا عن أوضاع الحياة بشتى صورها وتفصيلاتها، كيف تصبح إذا عاشت أمة بكل أفرادها، ~~حياة تلقي بزمامها إلى «العلم»، وتعمر قلوبها «بالإيمان» الذي من شأنه أن يقتلع الخوف ~~من جذور جذوره، وماذا يخشى المؤمن الحق إلا أن يخشى ربه؟ أيخشى كبيرا وهو يعلم أن ~~الله أكبر؟ أقول: إنني لو كنت ذا قدرة لأنشأت بخيالي «جزيرة» مثلى، كتلك الجزر ~~الخيالية التي أنشأها ذوو القدرة من الفلاسفة والمفكرين، وأذكر - بهذه المناسبة - أني ~~بينت في مناسبة سابقة، كيف أن الخيال «الطوباوي» قد تدرج بأصحابه على امتداد التاريخ ~~الفكري، بادئا أول الأمر بأن جعل «المدينة» هي ما يصلح لإقامة الحياة المثلى، ثم تدرج ~~من ذلك فجعل «الجزيرة» هي أصلح مكان لإقامة حياة مثلى، ثم توسع آخر الأمر بأن وجد ~~أن الحياة المثلى لا يصلح لها إلا أن تعم الكوكب الأرضي بأكمله، ولو كنت ذا قدرة ~~لاخترت أن أقف مع أصحاب الجزر بجزيرتي؛ وذلك لأني أحس بأن الحياة على جزيرة نائية في ~~أطراف المحيط، توحي بسكينة وهدوء، أما «المدينة» في ناحية و«كوكب الأرض» بأسره في ناحية ~~أخرى، فيوحيان بالتلوث والضجيج، ذلك فضلا عن أن المدينة الواحدة أقل من أن تتسع لحياة ~~كاملة، وكوكب الأرض أوسع من أن يكون وحدة اجتماعية واحدة، وفي هذه المناسبة ms142 نذكر أن ~~الملك فيليب المقدوني كان قد عهد بتربية ابنه إسكندر (الذي صار فيما بعد «الإسكندر ~~الأكبر») إلى الفيلسوف اليوناني العظيم أرسطو، أخذ المعلم في درس من دروسه يشرح للغلام ~~التلميذ، كيف أن الوحدة السياسية لا ينبغي لها أن تزيد على مدينة واحدة في حجم أثينا، ~~فاستمع إليه الغلام وهو يبتسم؛ لأنه كان قد عقد النية منذ حداثته، أنه إذا ما تولى ~~الملك بعد أبيه فسوف يزحف بجيشه حتى يكتسح المنطقة كلها، والتي كانت هي العالم المعروف ~~عندئذ: من مصر ثم شرقا إلى الهند، ذلك من ناحية المدينة الواحدة، وهل تكفي لقيام ~~المجتمع الأمثل أو لا تكفي، وأما أن كوكب الأرض في مجموعه، وهل يصلح أن يكون وحدة ~~سياسية واحدة أو لا يصلح، فلا أظن أن العالم قد نضج النضج الذي يقوى به على هذه السعة ~~كلها، وإذا لم تصدقني فاسأل هيئة الأمم المتحدة. # كان أهم من اختار أن تكون «المدينة» الواحدة مكانا للمجتمع الكامل، أفلاطون في ~~محاورة «الجمهورية»، والفيلسوف الإسلامي «الفارابي» في كتابه «آراء أهل ~~المدينة الفاضلة»، وكان الأساس الأول الذي يجب أن تقوم عليه المدينة المثلى، هو ~~«العدالة» عند أفلاطون، والعدالة هي هنا بمعنى أن يوضع كل مواطن في الموقع الذي يتفق مع ~~قدراته وملكاته، وهو معنى يشمل عنده أن تسود حياة الناس ثلاث صفات، كل صفة منها تخص ~~فئة من الفئات الثلاث التي إليها ينقسم أهل المدينة: صفة الحكمة للفئة الحاكمة، وصفة ~~الشجاعة لفئة المدافعين عن أرض الوطن، وصفة العفة للفئة العاملة في مختلف ميادين العمل، ~~وأما فيلسوفنا الفارابي، فيبدو أنه قد قصد بمدينته المثلى أن تضيف إلى الأبعاد ~~الأفلاطونية الثلاثة بعدا رابعا، هو أن تكون الرئاسة والريادة في يدي «إمام» معصوم؛ ~~وذلك بناء على نظرية الإمامة كما عرفها شيعة الإمام «علي» كرم الله وجهه. # وأما «فكرة الجزيرة» التي أرادت أن تكون الوحدة السياسية المثلى جزيرة، فأهم اثنين ~~من أنصارها هما «تومس مور» في كتابه «يوتوبيا »، و«فرنسيس بيكون»، في كتابه «أطلنطس ~~الجديدة»، وإذا أردنا معرفة الأساس الأول ms143 الذي تقام عليه الحياة المثلى في جزيرة تومس ~~مور، فربما كان الصواب هو أن المساواة بين المواطنين هي ذلك الأساس، في حين كان الأساس ~~عند «بيكون» في جزيرته هو العلم، ولقد وفق ذلك الرجل توفيقا شديدا في كتابه ذاك ~~الصغير، أن يرسم الخطوط الأولية في بناء المجتمع والدولة، إذا أردنا لهما حياة علمية ~~إلى أبعد آماد مستطاعة، وحسبنا أن نشير بجملة واحدة إلى الهدف البعيد كما رآه صاحب ~~«أطلنطس الجديدة»، إذ هو أن تتحول الدولة من السيطرة على مواطنيها إلى السيطرة على ~~الطبيعة، وأن تتحول الوزارات والإدارات، من حصر اهتماماتها بالسياسة وتنفيذها، إلى ~~العلوم وبحوثها فتكون وزارات الدولة هي: وزارة الفيزياء ووزارة الكيمياء ... وهكذا إلى ~~سائر العلوم ... وأما فكرة أن تكون الدولة المثلى هي تلك التي تقام على كوكب الأرض ~~بأكمله، فلست أجد أحدا قالها إلا «ه. ج. ولز» في كتابه «يوتوبيا حديثة». # وقد أسلفت القول بأنني إذا كنت ذا قدرة، لاخترت أن أكون من أصحاب الجزر، واخترت ~~لجزيرتي أن يقام مجتمعها على أساس الصفتين اللتين أجراهما أناتول فرانس على ألسنة ~~الملائكة في روايته «ثورة الملائكة»، والصفتان هما: التخلص من الجهالة، والتخلص من ~~الخوف، أو قل - من الجانب الإيجابي - إنهما العلم والثقة بالنفس. # لست أدري على وجه الدقة، ولا أظن أن أحدا يدري، كيف تتجمع اللحظات الهامة في حياة ~~الطفل منذ أول وعيه، كيف تتجمع تلك اللحظات بما تركته من آثار، لتصبح «موقفا» يغلب أن ~~يكون بعد ذلك هو الموقف الذي يتخذه ذلك الطفل، وقد أصبح شابا فرجلا مكتمل النضج؟ إنه ~~لا بد أن يكون الأمر في هذا شبيها بالروافد الصغيرة الكثيرة عند منابع النهر، تلك ~~الروافد التي تأخذ على امتداد الطريق في أوائله، في التجمع اثنين اثنين، فثلاثة ثلاثة، ~~وهكذا، حتى تنتهي آخر الأمر إلى أن تصبح نهرا موحد المجرى، وإن تلك اللحظات المتفرقة ~~في حياة الطفل، والتي تشبه روافد النهر في أوائل طريقها، لتظهر أوضح ما تظهر في أحلام ~~يقظته حتى بعد أن يكبر، ولو استطاع أحدنا - إذا ms144 شاء ذلك - أن يتعقب أحلام يقظته لأمكنه ~~بعد ذلك، أو على ضوء ذلك أن يعرف كثيرا جدا عن العوامل المتفرقة في اللحظات ~~المتباعدة أو المتقاربة على طريق حياته، التي تجمعت فأصبحت خطوطا رئيسة في بناء ~~شخصيته، ولأمكنه - بالتالي - أن يعرف لماذا يختار في ثيابه لونا دون لون، ولماذا يختار ~~في مذاهب الرأي مذهبا دون مذهب، ولماذا يميل في أذواق الفن إلى اتجاه أكثر مما يتجه ~~إلى سواه، وأما الشيء الوحيد الذي يظل صامدا كصخرة الجرانيت، لا تتأثر بتلك العوامل ~~ولا تميل مع الهوى، فهو ما يدركه العقل مؤسسا على دليل كاف أو برهان حاسم، فإذا كنت ~~اخترت لجزيرتي الوهمية أن يقوم مجتمعها على أساسين، هما العلم والثقة بالنفس، فلا بد ~~أن يكون هذا الميل راجعا إلى شيء بعيد من تلك العوامل، التي تتألف معا في تشكيل ~~الرؤية عند الإنسان. # وإن سريرة الإنسان لتكشف له عن سرها في استحياء وخفاء، وهي تفعل ذلك في أحلام النوم ~~وفي أحلام اليقظة على السواء، وإذا كانت أحلام النوم في حاجة إلى خبراء النفس ليؤولوها، ~~فأحلام اليقظة أيسر منالا لغير الخبراء، فاليقظان الحالم حين يغترف ما يغترفه من خبرات ~~ماضيه، كثيرا ما يرسم لنفسه بتلك الصور التي يسترجعها من مكامنها - وقد تكون تلك ~~المكامن غائرة في الماضي حتى تصل إلى طفولته الباكرة - أقول: إنه كثيرا ما يرسم بتلك ~~الصور مشاهد يؤلفها في لحظة حلمه تأليفا جديدا؛ لتجيء على هواه وليشبع بها حاجة ~~طالما تمنى إشباعها في ساعتها، لكن الفرصة أفلتت منه في حينها، فجاء الآن في حلم يقظته ~~ليشبعها بوهم أحلامه، على أن الأفراد يتفاوتون في قدراتهم على ذلك الإبداع الحالم، ~~فمنهم من تقل قدرته في ذلك، حتى تراه لا يعدو خليطا من صور تتتابع في مخيلته وكأنها ~~تجري بلا هدف، ولكن منهم كذلك من ترتفع قدرته حتى تبلغ به أن يقيم لنفسه تصورا مركبا ~~متسق الأجزاء، وكأنه فنان يصور لوحة، أو أديب يحكي رواية محبوكة السرد موصولة الأطراف، ~~وربما جاز لنا أن ندرج كتاب ms145 المؤلفات الطوباوية في هذا الفريق ولو إلى حد محدود، ثم ~~يجيء العقل الواعي عندهم ليضع لمساته ليصبح البناء الفني أشد إحكاما وتناسقا. # ولقد أتيح لي أن أكتب عن حياتي ما يشبه القصة، تعقبت فيها جريان مشاعري من الباطن ~~تجاه الحوادث أكثر جدا مما تعقبت الحوادث نفسها كما حدثت في الواقع الخارجي المرئي ~~والملموس، فكان مما وقعت عليه في مخزونات الذاكرة منذ طفولة الأعوام الخمسة الأولى، فما ~~بعدها بقليل أو كثير، صور من أحلام يقظتي رأيتني فيها محاولا أن أجد لنفسي مكانا ~~قصيا ألوذ به فلا يراه أحد ولا يراني، وكنت في تلك المحاولات أبدل في أجزاء الصورة ~~وطريقة تركيبها، فأقيمها على وضع معين حينا، ثم ألحظ فيها قصورا يجعلها ممكنة الانكشاف ~~لمن أراد، فأبدل شيئا من أجزائها أو شيئا من طريقة تركيبها. وبالطبع لم أكن أخرج في ~~ذلك كله عما قد وقع لي بالفعل في خبرتي، وهذا بديهي وواضح، إذ من أين يجيء الفنان أو ~~الأديب المبدع إلا مما وقع له في خبرته، وكل ما في الأمر أنه يحلل ذلك الذي وقع له في ~~الخبرة تحليلا يمكنه من نقل العناصر الجزئية من أماكنها إلى أماكن أخرى، فقد يصور ~~إنسانا فيجعل له عينين من طراز كان رآه في وجه ما، مع أنف كان رآه في وجه آخر ... وعلى ~~هذا النحو، كنت أقيم مخابئي في أحلام يقظتي منذ طفولتي فما بعدها، وكان بين الصور ~~الكثيرة التي ابتدعتها لذلك، صورة جزيرة نائية في عرض المحيط، لا سيما بعد أن تلقيت ~~الدروس الأولية في الجغرافيا، وعرفت منها ماذا يكون المحيط وماذا تكون الجزيرة. # ولم يكن المكان المختار للتخفي إلا بمثابة إعداد المسرح الذي تجري عليه الحياة ~~بتفصيلاتها، كما يشاء لها خيال الحالم أن تكون، وهنا قد يسبق إلى الظن بأنني - أو أي ~~حالم في يقظته - كنت أتخير بخيالي ما عساه يعود بالمتعة من مسكن وملبس وطعام وغيرها، ~~وحقيقة الأمر غير ذلك، فقد يكون هذا وقد لا يكون، إذ ما أكثر ما كنت أتعمد بقوة ms146 خيالي ~~أن أجعل ظروف حياتي في مخبئي معاكسة وقاسية، ألتمس فيها الطعام فلا أجد ما أطعمه، ومهما ~~يكن من أمر في هذا الشأن، فحلم اليقظة إنما يقيمه الحالم على الصورة التي يهواها ~~الحالم، ممتعة كانت أو مؤلمة، وربما اختار الحالم لنفسه، أن يكون وحيدا في مخبئه ~~المختار، ولكنه كذلك ربما اختار أن يجيء بآخرين ليعيشوا على مقربة منه أو مبعدة، وهنا ~~تراه لا يبقي أولئك الآخرين على حقائقهم التي عرفهم عليها، بل هو يشكلهم تشكيلا جديدا ~~يرضي هواه، يرفع منهم من يرفع ويخفض من يخفض، يسعد منهم من يسعد، ويشقي منهم من ~~يشقي، إنه هنا سيد نفسه وسيد الآخرين، لا بمعنى أنه يضع نفسه فوق رءوسهم، لا، ليس ذلك ~~لأنه قد يختار لنفسه أن يكون خادما أو جائعا مشردا، فالمهم هو أنه يشكل نفسه ~~ويشكل الآخرين كما تملي عليه الدوافع التي لا يعلم مصادرها إلا من خلقنا بشرا ~~فسوانا. # وإننا لنجد في أحلام اليقظة «صورا» أكثر جدا مما نسمع «كلاما»، ومن هذه الناحية ~~يجيء حلم اليقظة أشبه شيء بالسينما الصامتة، أو بالحكايات التي ترسم للأطفال في كتبهم ~~صورا صامتة بغير كلمات، ومن أمثال هذه الصور ينشئ الحالم في يقظته القافية أي حياة ~~يريد لنفسه وللآخرين. # هكذا كانت حالتي مع أحلام يقظتي، فلما تقدمت بي الأيام، تعلمت وطالعت ما طالعت مما ~~كتبه الكاتبون، شغفت ذات مرحلة من مراحل العمر بالكتب التي يصور فيها أصحابها ما يظنونه ~~صورة المجتمع الأمثل، ولقد أصبحنا نطلق على مثل هذا التصوير اسم «المدينة الفاضلة» ~~(جريا على سنة أبي نصر الفارابي في ذلك) لكن ذلك المجتمع الأمثل لم يكن دائما على ~~صورة «مدينة» - كما أسلفت القول، بل كان التصور بالمدينة هو المرحلة الأولى في تاريخ ~~هذا النوع من التصوير الأدبي أو الفكري، إذ تدرج بعد ذلك ليكون جزيرة ثم ليكون في عصرنا ~~الحالي كوكب الأرض مأخوذا بجملته، فإذا كنت قبل تلك القراءات قد ابتدعت لنفسي مخبأ ~~الجزيرة لأعتزل فيه بخيالي، فلم يبق أمامي، بعد تلك القراءات لكتب ms147 الطوباويات إلا أن ~~أعمر جزيرتي بمجتمع أرضى عنه ويرضى عني، لكنني لم أركز الانتباه مرة، لأرى إن كنت ~~أستطيع أن أكمل صورة المجتمع الأمثل - كما أراه - أو لا أستطيع، ولعلي لم أعن بتركيز ~~انتباهي في ذلك؛ لأني أحس في طوية نفسي أنني لا أملك القدرة على مثل ذلك ~~الإبداع. # ولو كنت استطعت، لجعلت محور المجتمع الأمثل في جزيرتي - كما قلت فيما أسلفته - العلم ~~الذي يطارد الخرافة حتى يمحوها محوا، والذي يسعى سعيا دءوبا نحو التفكر فيما خلق ~~الله، ولكن لا ليكون ذلك «التفكر» شبيها بتهويم العاجز في قعوده الكسيح، بل ليكون ~~جهدا مبذولا على النهج الذي عرفته عصور العلم الكاشف المنتج، حتى إذا ما فاض ذلك ~~العلم من علمائه نورا على جمهور الناس، وجد هذا الجمهور نفسه وقد كسب «نظرة علمية» ~~ينظر بها إلى ما يعترض طريقه من مشكلات الحياة اليومية الجارية، وأما المحور الثاني ~~للمجتمع الأمثل في جزيرتي فهو مطاردة «الخوف» الكامن في صدورنا تملؤها أشباح تثير فينا ~~الرعب والفزع، والخوف فينا هو الوجه السالب من موقفنا من دنيانا موقفا تقل فيه الثقة ~~في أنفسنا حتى تنعدم. # الجهل والخوف هما العلتان اللتان حصنت منهما جزيرتي، وإن معنى «الجهل» ليتسع ليشمل ~~كل موقف يغيب فيه «الحق» عن ضمائر الناس، وعقولهم وقلوبهم فيما يعرض لهم من مواقف ~~ومسائل، وإذا كان «الحق» بمعناه المطلق غير المحدود هو من صفات الله - عز وجل - فإن ~~الحق في صوره الجزئية المحدودة هو ما يجب على الإنسان أن يسعى نحو إدراكه والعمل ~~بمقتضاه، وحينما انكشف للإنسان جانب من جوانب الحق، غابت أباطيل الجهالة وطارت خفافيش ~~الوهم والخرافة، وكذلك يتسع معنى «الخوف» ليشمل كل حالات الحذر الذي يزيد على حده ~~المعقول، بحيث يغري صاحب السلطان بالبطش خوفا على سلطانه، ويغري صاحب المنصب بأن يختلس ~~ويرتشي خشية أن تفلت الفرصة السانحة من يديه، فيخرج من منصبه فقيرا كما دخله فقيرا، ~~ويغري الإنسان العادي من جمهور الناس أن ينافق مواطنيه فلا يبوح لغيره بما يراه، اللهم ~~إلا إلى خاصته ms148 المقربين، فتصبح أمورنا العامة نهبا لكل من أراد كما أراد. # وأعيد هنا ما ذكرته في مناسبة سابقة، وهو أني وقفت يوما عند قول الله تعالى في كتابه ~~الكريم: ~~... فليعبدوا رب هذا البيت * ~~الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف # فرأيت فيه أن ~~العبادة وجبت على عباد الله، لهاتين النعمتين اللتين أنعم بهما الله على الناس، وهما أن ~~أطعمهم من جوع، وأنه آمنهم من خوف، لكنني وسعت من معنى الجوع ليشمل كل حاجة للإنسان، من ~~شأنها إذا ما سدت أن تبقي عليه حيا أولا، وأن يرتقي بتلك الحياة ثانيا، وكيف يرتقي ~~الإنسان بحياته إذا هو لم يكن على علم كاف بأهدافه وبالوسائل الموصلة إلى تلك ~~الأهداف؟ وكذلك وسعت الأمان من الخوف، ليشمل كل ضروب الخوف وكل طريق الأمان من حدوثها، ~~فرأيت في هذين الشطرين معا وهما: إشباع الحاجات من جهة، وأمان الحياة من عوامل الخوف ~~من جهة أخرى، أقول: إني وجدت فيهما الدعامتين اللتين لا بد منهما لأي حضارة تقام ~~لتزدهر، وعلى الدعامة الأولى يقوم الجانب المادي من الحضارة، وعلى الجانب الثاني - جانب ~~الأمان - ينهض الجانب الروحي الذي هو في صميم ما نطلق عليه اسم «الثقافة». # وعلى هاتين الدعامتين أقيم الحياة المثلى في جزيرتي، لو كنت ذا قدرة تعرف كيف تكمل ~~الصورة بكل تفصيلاتها. # | تقاليد وتقليد # ظاهر هاتين اللفظتين أنهما تحملان معنى واحدا، يجيء مفردا في إحداهما، ويجيء جمعا ~~في الأخرى، فالتقليد عمل يحاكي به إنسان إنسانا آخر، كالطفل يوضع له نموذج من الكتابة ~~ويطلب منه أن يكتب على غرار النموذج، وذلك ما صنعوه لنا ونحن أطفال، حين أرادوا أن ~~يعلمونا الخط العربي، بل هو ما صنعوه لنا ونحن أكبر قليلا، حين أرادوا أن ~~يعلمونا كتابة «الإنشاء»، إلا أن النموذج في دروس الخط العربي يقلد في رسمه، وأما ~~النموذج في دروس «الإنشاء» فكان المطلوب فيه أن يقاس عليه، بأن يكتب التلميذ موضوع ~~إنشائه على صورة تشبه النموذج الذي قرأه أو الذي قرئ أمامه، وللتقليد صور كثيرة في ~~الحياة العملية، فكثيرا ما ms149 تصنع خرزات بخسة الأثمان، تقليدا للؤلؤ، والماس، والفيروز، ~~والمرجان، ليلبس الفقراء أشياء تشبه ما يلبسه الأغنياء، وما دمنا بصدد هذا المعنى فأحب ~~أن أذكر أمرين كان لهما دلالة كبيرة عندي، كل في لحظته التي وقع فيها، أما أولهما فهو ~~نبأ طريف كنت قرأته في بلد خارج مصر، عن أميرة مصرية ضاق بها العيش وهي في غربتها، ~~فلجأت إلى عقد من اللؤلؤ النفيس، وأخذت تبيع حباته بعضا بعضا، وكلما باعت بعضا ~~منها، ملأت مكان الحبات المفقودة بحبات من تقليد اللؤلؤ رخيصة الثمن، ولم يلحظ أحد أن ~~شيئا تغير في عقدها، فالوهم الأول الذي يحاصر عقل الرائي وذوقه، هو أن مثل تلك الأميرة ~~لا تزين الصدر والعنق إلا باللؤلؤ «الحر»، ثم تكمل الأضحوكة حين يستطرد النبأ في ~~روايته، ليقول إن إحدى السيدات اللائي اشترين منها بعض لؤلؤاتها الحرة، ووضعتها عقدا ~~أو أقراطا ... أو لست أدري ماذا كانت، لم يصدقها أحد بأن يكون ما عليها هو من ذلك اللؤلؤ ~~النادر؛ لأن مثلها لا يملك السبيل إلى مثله. # ذلك أحد الأمرين اللذين أردت أن أستطرد بالحديث إليهما، بمناسبة ما يلجأ إليه الفقراء ~~تقليدا «للأغنياء»، وأما الأمر الثاني، فهو أبعد دلالة من الأميرة ولؤلؤات عقدها، وذلك ~~أن اليابان حين صنعت الحرير الصناعي لأول مرة، راعت في صناعته أن يكون شبيها بالحرير ~~الطبيعي الذي عرف به الناس من طبقة المحاربين، وكانت تلك الطبقة عالية المكانة في ~~المجتمع الياباني، فلما أن شاع الحرير الصناعي في ثياب عامة الناس، وكان مما يتعذر على ~~العين المجردة أن تفرق بينه وبين ما كانت طبقة «الساموراي» (طبقة المحاربين) قد تميزت ~~به وامتازت، كان ذلك من العوامل التي يقول عنها المؤرخون: إنها عملت على سرعة انتشار ~~الروح الديمقراطية في المجتمع الياباني. # قلت: إن «التقليد» له أمثلة كثيرة في حياة الناس العملية، وأريد أن أدخل في تلك ~~الحياة العملية، تقليد الآيات الروائع مما أبدعه عباقرة الفن بمختلف أنواعه، ولا يكاد ~~يمضي صيف واحد، دون أن أقرأ أنباء غريبة عن قطع من الفن في ms150 أعلى درجاته، يقلدها ~~مقلدون، ثم يتولى المزورون عملية دسها في سوق الفن، فتباع بمئات الألوف من ~~الدولارات أو من الجنيهات، بل قد تباع بملايينها، إذ تبلغ فيها براعة التقليد حدا ~~ينخدع به كبار النقاد في أسواق الفن، الذين يزودون أشهر متاحف الفن بمعروضاتها حتى إذا ~~ما انكشف التزوير في حالة من حالاته، سمعت الضجة الكبرى ترتج لها الصحف والإذاعات في ~~أرجاء العالم. # ذلك عن التقليد، وقد يعرف القارئ عن أمثلته في دنيا الصناعات والفنون أكثر مما أعرف، ~~وأما «التقاليد»، فهي لا تقتصر على أن تكون صيغة الجمع لكلمة «تقليد»، بل أكسبها ~~الاستعمال معنى آخر، وهو معنى إن يكن مشتملا على فكرة «التقليد» إلا أنه يضيف إلى تلك ~~الفكرة أبعادا أخرى، تكفل له أن يصبح معنى متميزا قائما بذاته، فالتقاليد في معناها ~~المباشر، ما يقلد به الأجيال لاحقا لسابق، ولولا أن جيل القوم اللاحق يقلد سابقه في ~~الجزء الأكبر من شئون الحياة الجارية، لتعذر عليهم التفاهم، بل لتعذر عليهم العيش نفسه، ~~فاللغة يأخذها اللاحق عن السابق في الجماعة الواحدة، تقليدا في المفردات، وفي طرائق ~~التركيب، وفي النطق، وفي الكتابة، بل وفي نبرة الصوت حين تتشكل ارتفاعا وانخفاضا، ~~تبعا للظروف المختلفة التي تقال فيها الكلمة أو الجملة، على أني لا أترك هذه المناسبة ~~تمضي، دون أن أضيف إضافة هامة، وهي أن التقليد في مجال اللغة، حين يأخذها جيل عن جيل، ~~لا ينفي خاصة بشرية عجيبة، عميقة الدلالة عمقا ليس له حدود، وتلك هي أن كل فرد من ~~أفراد الناس، ومنذ المرحلة الأولى التي يتلقى فيها الطفل لغته عن أبويه أو من يتولون ~~أمره، يبدي قوة إبداعية في تشكيل العبارات اللغوية، بمعنى أن كل فرد من البشر، في ~~حدود حصيلته من لغته، لا يتقيد بصورة معينة يكون ملزما بصب تعبيراته في قوالبها ~~الحديدية، بل هو حر في طريقة التعبير، طالما هو يؤدي بطريقة تعبيره المعنى المحدد الذي ~~يريد أن يؤديه، فلئن كانت اللغة تنتقل عبر الأجيال تقليدا، إلا أن هامشا عريضا من ~~الإبداع ms151 الفردي يظل باقيا، من حيث اختيار المفردات واختيار الطريقة التي ترتب بها، ~~وسوف أعود إلى هذه الخاصة الإبداعية في غضون هذا الحديث. # وليست اللغة وحدها، هي التي تمثل جانب «التقليد» من «التقاليد» الاجتماعية، بل ~~هنالك من جوانب التقليد في حياة المجتمع عدد كبير يدركه كل من أراد أن يدير البصر في ~~عناصر حياته مع سائر مواطنيه، فالطعام وألوانه وطرائق طهوه، وماذا يؤكل منه في الصباح ~~عادة، وماذا يؤكل في وجبة الغداء أو العشاء، وما الذي يميز الطعام في رمضان، وفي عيد ~~الفطر، وفي عيد الأضحى، وفي عاشوراء، وفي ليلة النصف من شعبان، كل هذه التفصيلات يقلد ~~فيها اللاحقون من سبقوهم، بحيث ينتهي الأمر بالشعب الواحد إلى روح واحدة تميز طعامهم، ~~وهكذا قل في الملابس، وفي وسائل التسلية في أوقات الفراغ، وما إلى ذلك من جوانب الحياة ~~اليومية في الجماعة الواحدة، وكلها جوانب من «التقاليد» الاجتماعية، و«التقليد» هو ~~وسيلة انتقالها من جيل إلى جيل. # لكن كلمة تقاليد - كما أسلفنا - لها دلالات أخرى غير جانب التقليد من معناها، وهذه ~~الدلالات الأخرى هي بيت القصيد في هذا الحديث. # فما قصدنا بهذا الحديث إلا أن يجيء شارحا لما نعنيه بكلمة «تراث»، عندما نقول إن ~~إطار حياتنا الثقافية والحضارية الجديدة، إنما هو - أو ذلك ما ينبغي له - دمج عضوي تام ~~بين تراثنا من جهة، ومقتضيات هذا العصر من جهة أخرى، فماذا نعني بهذه الكلمة الهامة ~~والخطيرة: كلمة «تراث»؟ إنني ما زلت أذكر تلك اللحظة الفاصلة من حياتي الفكرية، لحظة أن ~~جلست في مكتبة الجامعة حين صح مني العزم على أن أكثف جهدي - وهل أقول: أكثف جهادي - ~~في أن أسد نقصا خطيرا أخذت أزداد شعورا به في تكويني الفكري يوما بعد يوم، وأعني به ~~ما كان يعوزني من روابط أربط بها الحقائق المفككة المتناثرة التي كانت قد اجتمعت لي مما ~~قرأته من التراث وعن التراث، على مدى بضع عشرات من السنين، نعم، إن ما كان يعوزني ~~عندئذ - في أوائل الستينيات - ليس هو «الحقائق» المفردة عن التراث، ms152 بل هو ما يربط تلك ~~الحقائق في لوحات متماسكة المحتوى، وأحسست في نفسي بذلك النقص الخطير، الذي لا يجيز لي ~~قط أن أحكم بأي حكم على شيء من تراثنا، وكيف أحكم والصورة المتكاملة الأجزاء ~~والأطراف غائبة عني؟ من هنا صحت عزيمتي على أن أكلف نفسي بما كلفتها به من تحصيل ~~ومراجعات، واصلت فيها ساعات العمل دون أن أحس مرورها، حتى تكامل لي الحد الأدنى من ~~الصورة المتماسكة التي أردتها. # وعندئذ كانت جلستي التي أشرت إليها، حين أشرت إلى لحظة فريدة وأنا جالس في قاعة ~~المراجع من تلك المكتبة، وسألت نفسي - قبل أن أهتم بالعمل في ذلك اليوم - ماذا تعني ~~«بالتراث»؟ أهو مجموعة كتب وغير الكتب من صنوف المدونات، بحيث تكون قد ألممت بذلك ~~التراث، إذا أنت قرأت كل ما تحويه المكتبة العربية، أو قرأت أكثره، أو بعضه؟ وإذا كان ~~ذلك كذلك ففيم العناء؟ إن الكتب موجودة في خزائنها في هذه المكتبة وغيرها من مكتبات، ~~لا تعد ولا تحصى في شتى أرجاء الأرض، لا، محال أن يكون مطلوبك هو أن تكون مكتبة تمشي ~~على قدمين، إذن ماذا تعني بالتراث؟ هل يكفيك منه اللغة وعلومها؟ فقه الفقهاء؟ شعر ~~الشعراء؟ نقد النقاد؟ هل تريد ما كتبه المتصوفة؟ ما كتبه المتكلمون؟ ما كتبه الفلاسفة؟ ~~وهنالك في التراث أيضا تاريخ كتبه مؤرخون، ورحلات كتبها رحالة، وعلم كوني وعلم ~~رياضي كتبه علماء هذه الفروع، فماذا تريد من «التراث» الذي من أجله رفعت لواء الجهد ~~والجهاد؟ # كلا، إن ما أريد هو «روح» تشيع في هذا كله، روح تتمثل في كل سطر من كل كتاب، وفي كل ~~بيت من كل ديوان، فإذا وقعت ببصيرتي على لمحة من لمحات ذلك الروح سواء وقعت عليها من ~~قليل قرأته أم وقعت عليه من كثير، وسواء جاءتني تلك اللمحة من نثر أو من شعر، فهي التي ~~تحقق مرادي بقدر ما جاءت كثيرا بكثير، وقليلا بقليل، ولكن أليست كلمة «الروح » هنا حين ~~تقول إن مرادك هو الإلمام بروح التراث، كلمة يكتنفها غموض؟ فماذا ms153 أردت بها؟ ... وأجبت ~~نفسي على سؤالها هذا بقولي: إنني أعني بها التقاليد الأساسية في كل ميدان من ميادين ~~التراث، التي ترى الشاعر، أو الكاتب، أو العالم، أو الفقيه، أو الفيلسوف، أو من شئت من ~~أعلام التراث، قد التزمها في عمله وكأنها جزء من طبعه، لا تكلف فيه ولا تصنع. # تراثنا بهذا المعنى، هو مجموعة تقاليدنا، ولكن - وبهذه الكلمة، كلمة لكن - أريد أن ~~أستدرك استدراكا عظيم الشأن في موضوعنا هذا، لو أفلت منك فقد أفلت الموضوع كله - أقول: ~~إن تراثنا هو مجموعة تقاليدنا، ولكن بعد أن نطرح من معنى كلمة تقاليد «في هذا الموضع من ~~السياق، جانب التقليد»، وبعد طرحنا لجانب التقليد من معنى التقاليد «يكون باقي الطرح من ~~معنى التقاليد» هو بالضبط ما يعنيه بالتراث الذي نريد له أن يندمج دمجا عضويا مع ~~مقتضيات العصر ليتكون من عملية الدمج مواطن عربي معاصر، لكن هذا القول الموجز يريد منا ~~شرحا طويلا يوضح معناه، وفيما يلي بعض هذا الشرح المطلوب: # وأول مثل أسوقه في سبيل الشرح، أستمده من اللغة وطبيعتها، وتستوي في ذلك اللغة ~~العربية وكل لغة أخرى من لغات البشر، وربما أفادنا أن نمهد لما نريد عرضه، بتشبيه يوضح ~~حقيقة الموقف، فتصور معي إنسانا صاحب أعمال، وضع ماله في مصرف ليسحب منه أي مبلغ من ~~المال أراد، عند قيامه بعمل من أعماله، فالرصيد المالي المودع في المصرف، لا يدل بذاته ~~على العملية التي سوف يؤديها الرجل غدا أو بعد شهر أو بعد عام، رصيد المال هناك، ينتظر ~~رغبته وإرادته وما ينشأ له في مجرى حياته من أعمال يريد إنجازها، فأما رصيد المال في ~~هذا التشبيه، فهو اللغة، وأما كل سحب من هذا الرصيد لقضاء ما يراد عمله، فهو بمثابة أي ~~جملة أو مجموعة جمل يستخدمها صاحب اللغة ليقضي شأنا من شئونه، فكما أن رصيد المال ليس ~~هو التجارة، أو الصناعة أو إقامة أي مشروع معين، فكذلك اللغة وهي في معاجمها، أو في ~~قواعد نحوها وصرفها واشتقاقها، ليست هي قصيدة الشعر يقولها ms154 امرؤ القيس، أو يقولها ~~المتنبي، أو أحمد شوقي، ولا هي موطأ مالك، أو مسند أحمد بن حنبل، ولا كتاب الأم للإمام ~~الشافعي، لا، ليست اللغة وهي في معاجمها وقواعدها هي أي كتاب كتبه مؤلفه في تاريخ، أو ~~فلسفة، أو فلك، وإنما تلك الكتب المؤلفة كلها، هي التي تقابل عمليات السحب من الرصيد ~~المالي المودع في المصرف ليكون رهنا برغبة صاحبه ... ومن أين جاء رصيد اللغة المودع في ~~المعاجم وفي كتب النحو وغيره من علوم اللغة؟ إنه جاء على النحو التالي: كانت هنالك ~~جماعة من الناس يكلم بعضها بعضا، وفيهم من ينظم شعرا، ومنهم من يثبت على الورق أي شيء ~~يريد إثباته، ثم جاء من جاء في عصور تالية، من رجال أرادوا أن يجمعوا المفردات اللغوية ~~التي استخدمتها تلك الجماعة في حياتها، ورجال أرادوا أن يستخرجوا من الطرق التي تكلمت ~~بها تلك الجماعة، ما عساه يكون فيها من ضوابط استخدام تلك اللغة عند أصحابها، فإذا ~~تصورنا ما قد جمعه هؤلاء الرجال، وما استخلصوه من قواعد، فقد تصورنا بهذا لغة الجماعة ~~المذكورة، إذ تكون في رصيدها الذي يختزنها، لمن شاء من أصحاب ذلك الرصيد أن يأخذ ما ~~يريده ليستخدمه لما يريد. # وعلى ضوء هذا التصور الذي أسلفنا، لا يكون أي إنسان واحد ممن استخدموا لغة ما، هو ~~اللغة «لم يكن المتنبي أو المعري، هو اللغة العربية»، ولا كان هو اللغة العربية أي رجل ~~ممن استخدموها، اللغة كعين الماء التي لا تنضب، ولكل من أراد أن يغترف منها فليغترف، ~~ولأي غرض أراده، وبأية وسيلة اختار، فهذا ينضح ماءه بدلو، وذلك ينضحه بكوب أو فنجان، ~~وهذا يريد ماءه ليطهو طعاما، وهذا يريده ليشربه، وثالث يريده ليستحم أو ليغسل ثيابه، ~~كل واحد من هؤلاء ينضح من عين الماء، لكنه ليس هو عين الماء. # وهكذا نقول عن التراث، فهو هناك مخزون في مكتباته وخزائنه، ولكل من شاء أن يغترف منه ~~ما شاء وكيفما شاء بحسب ميدان تفكيره أو مجال نشاطه، لكن الاغتراف نوعان: فقد يغترف ~~دارس ms155 منه شيئا ليحفظه حفظا أهم عن ظهر قلب ليتظاهر به، أو لا أدري ماذا يصنع به، وقد ~~يغترف منه مبدع أراد أن يلتمس فيه إلهاما يقدح به شرارة الإبداع، فأما الحفاظ فهم ~~الكتب ذاتها، وقد أصبحت تمشي وتأمل وتجلس وتنام، بعد أن كانت مخزونة في خزائنها ~~ومكتباتها، فليسوا هم - أعني حفاظ الكتب - التراث، بالمعنى الذي نريد به للتراث أن ~~يشتعل حياة ينبض بها عصرنا وتنبض به، وأما الذين يلتمسون في مخلفات السلف إلهاما توقد ~~به المشاعل، فهؤلاء هم الذين يسحبون من الرصيد ما يحولونه في دنيا الأعمال تجارة وصناعة ~~وكل نشاط مما تموج به الحياة. # إن أحياءنا لتراثنا لا يكون بحفظ نصوصه وتسميعها كلما نشأت مناسبة للتسميع، إن ~~إحياءنا للتراث لا يتحقق بنقله من خزائنه الخشبية إلى جماجم رءوسنا نصا بنص، فهذه ~~الرءوس لم تخلق لتنافس الخزائن، وكذلك إحياؤنا لتراثنا لا يكون بتقليده، إذ المقلد ليس ~~محسوبا في النبتة الصغيرة كيف تلتمس ماءها وغذاءها، كما تراه في أصغر حيوان كيف يظفر ~~لنفسه بمكان آمن إذا أحاط به الخطر، بل إن إحياءنا لتراثنا إنما يكون بالتزام تقاليده ~~لا بتقليده، فليس فقيه الدين هو من حفظ ما قاله الفقهاء السابقون، بل هو من درس ما قاله ~~هؤلاء الفقهاء، ليصوغ لنفسه فقها كما صاغوا، ولتكون له رؤية كما كانت لهم رؤى، فهو ~~يدرسهم ليتذوق الرحيق لكي يتسنى له أن ينخرط في تاريخ الفقه فقيها، وليس الشاعر هو من ~~حفظ دواوين الشعراء السابقين، لكنه هو الذي يتذوق الشعر العربي في تلك الدواوين لكي ~~يتسنى له - بموهبته الفطرية - أن ينخرط في تاريخ الشعر العربي شاعرا، وليس الناقد ~~الأدبي هو من قرأ كل ما كتبه نقاد الأدب في الماضي، ثم قرأ فوق ذلك كل ما كتبه نقاد ~~الأدب في الحاضر، بل الناقد الأدبي هو من درس هؤلاء وأولئك ليقف على سر المهنة كي يتاح ~~له أن ينخرط في سلك النقد الأدبي أو الفني ناقدا، إني لأشعر بالقلق الخلقي، كلما ~~وجدتني مضطرا إلى شرح ما تدركه البديهة ms156 الإنسانية بفطرتها، وماذا هو أكثر بداهة من ~~قولك: إن الشاعر العربي عليه أن يكون شاعرا عربيا، وإن الناقد الأدبي مطالب بأن يكون ~~ناقدا أدبيا؟ # قس كل جانب من جوانب التراث، وما يكون موضعه من حياتنا الراهنة، بالمقياس الذي ~~قدمناه بلغة، فاللغة رصيد في المعاجم وقواعد التركيب، ثم يأتي كل مستخدم لها في أي عصر ~~من التاريخ، ليبدع - أكرر: ليبدع، وأقولها مرة ثانية: ليبدع - يأتي من يستخدم تلك ~~اللغة ليبدع ما لم يسبق إليه سابق، الطفل في أول نشأته، لا يكاد يجمع شيئا من مفردات ~~اللغة، مع الذوق الخاص في تركيبها، حتى تسمعه يصوغ عبارات على نحو لم يسبق أن صاغ أحد ~~على صورته، لكن ذلك الطفل ما كان ليبدع صياغته إلا بعد أن يملك من مادة اللغة ما يمكنه ~~من ذلك، وهكذا يكون الأمر بالنسبة لكل مبدع في أي مجال، يبدع الفقيه بوحي من دراسة ~~الفقه عند القدماء، ويبدع الشاعر بوحي ما أنتجته القريحة العربية من شعر القدماء، وهكذا ~~في كل شيء، هل يمكن لمهندس العمارة أن يبدع تصميما لمسجد إذا هو لم يكن قد رأى في ~~حياته مسجدا؟ وربما سألتني عمن صمم أول مسجد، فأجيبك إن الناس لم يمسوا ذات ليل ثم ~~أصبحوا مع فلق الصبح ليروا مهندسا يقيم مسجدا محسوبا في فن العمارة من لا شيء، بل ~~إن الأمر ليحتاج إلى بداية ساذجة، ثم تظل تلك البداية تتطور لتوغل في مجالها الفني على ~~امتداد التاريخ. # علاقتنا بتراثنا هي أقرب شيء إلى اكتساب كل ذي موهبة، حسا تاريخيا فيما يتصل ~~بمجال موهبته، فهو إذ ينتج ما ينتجه إبداعا غير مسبوق إليه إنما يفعل ذلك وهو ممتلئ ~~بشعوره بالانتماء لا إلى جيله وحده، بل بالانتماء إلى كل من ظهروا في التاريخ مبدعين في ~~الميدان الذي جاء هو بدوره ليبدع فيه، فالفقيه المعاصر ينتمي إلى الفقه متمثلا في جميع ~~من شهدهم تاريخ الإسلام من فقهاء، والشاعر العربي المعاصر ، يرتد انتماؤه إلى الشعر ~~العربي لا في جيله وحده، بل منذ عرفت الحياة ms157 الإنسانية شعرا ... وهكذا في أي مجال آخر ~~للإبداع في الفكر والأدب والفن. # حقيقة الموقف الإبداعي في أي فرع من فروع الثقافة والعلم بكل ما يشتملان عليه من فروع ~~هي أن توضع اللحظة الراهنة في خطها التاريخي، وإلا فكيف تتاح لها أن تجد مكانها؟ هل ~~يمكن لعالم الرياضة ألا يكون على علم بما وصل إليه علماء الرياضة قبله، وكيف وصلوا؟ هل ~~يمكن للخياط أن يعرف كيف يجيد صناعته، قبل أن يعرف أصولها؟ «قف لحظة عند كلمة أصول»، ~~إنه لا سبيل أمامك إذا أردت أن تأتي بجديد في أي مجال، نظريا كان أم عمليا في فن أو ~~في صناعة، إلا إذا عرفت أصوله «لتعرف عندئذ كيف تنبثق الفروع» الجديدة من ~~أصولها. # فالمطالبة لحياتنا بصيغة جديدة، تدمج فيها عناصر العصر مع عناصر التراث لا تعني أن ~~نضع شيئا من هنا إلى جانب شيء من هناك، بل يعني - بكل بساطة - أن يبدع منا من يبدع، ~~وماضينا كله فيما يختص بمجال إبداعه ماثل في وجدانه؛ لأن انتماءه الفني أو العلمي لا ~~يقتصر على جيله الحاضر بل يمتد ليشمل تاريخ مجاله ليتشرب تقاليده، دون أن يقلد ~~أحدا. # | الاقتصاد في الاعتقاد # «الاقتصاد في الاعتقاد» كتاب لأبي حامد الغزالي، كانت له في حياتي قصة: فلقد كان ~~المجال الدقيق الذي تخصصت في دراسته وتدريسه في الجامعة، هو مناهج البحث العلمي، أو ~~إذا شئت فقل «منطق العلوم»، والهدف الأخير من ذلك المبحث هو إيجاد الجواب عن هذا ~~السؤال: كيف نستوثق من أن نتيجة معينة وصل إليها الباحثون في مجال علمي معين هي نتيجة ~~صحيحة؟ ولقد يبدو السؤال في ظاهره هينا ميسور الجواب، إذ قد يتسرع مجيب فيجيب بقوله: ~~إن صحة النتيجة العلمية مرهونة بإمكان تطبيقها، لكنه إذا تريث قليلا وتروى، وجد جوابه ~~هذا ينقصه الشيء الكثير، فأولا: هناك علوم بأسرها، ومنها «الرياضيات» لا تجعل التطبيق ~~معيار صدقها؛ لأنها في حقيقة أمرها، تصورات عقلية مشتقة من تصورات عقلية أخرى، أي أن ~~الفكر الرياضي يبدأ داخل الرأس، وينتهي داخل الرأس، وثانيا: حتى ms158 في العلوم الطبيعية ~~التطبيقية ذاتها، قد نصل إلى ما نظنه قانونا صحيحا صحة شاملة ومطلقة، لأننا كلما ~~طبقناه على الواقع وجدناه قد انطبق، لكننا بعد ذلك قد نفاجأ ذات يوم بموقف مما يدخل في ~~مجال ذلك القانون كما حسبناه يستعصي معه التطبيق، وعندئذ نستيقظ لنعلم بأن القانون ~~الذي ظنناه صحيحا في ميدانه صحة شاملة ومطلقة، إنما هو أقل اتساعا من أن يشمل ميدانه ~~كله، فمثلا، كان الظن لفترة طويلة، هو أن قانون الجاذبية كما صاغه نيوتن، صحيح صحة ~~تشمل كل ما في الكون من أجسام، حتى انكشف للناس في أواخر القرن الماضي أن الذرة - التي ~~هي أصغر ما يصل إليه تحليلنا للمادة - إنما هي مجموعة منسقة من كهارب، تتحرك في جوفها، ~~كل منها في فلك خاص به، لكنه قد يقفز من فلكه إلى فلك آخر، وهو في هذه الحركة لا يخضع ~~لقانون الجاذبية كما صاغه نيوتن، ثم أضيف إلى ذلك انتقال الضوء في الأبعاد الفلكية، فها ~~هنا أيضا لا تتم الحركة وفق الجاذبية كما صاغ نيوتن قانونها المعروف، إذن كان الأمر ~~بحاجة إلى إيجاد صيغة جديدة، لقانون الجاذبية تتسع لتشمل مجالها السابق ومجالها اللاحق ~~جميعا، ومعنى ذلك هو أنه على الرغم من صحة التطبيق لقانون نيوتن، إذ هو في مجاله ~~المحدود، فلم يتنبه العلم إلى قصوره إلا بعد أن تكشفت لهم حالات في الواقع الطبيعي لم ~~يكونوا قد حسبوا لها حسابا. # فسؤالنا - إذن - ما زال قائما وهو: متى نكون على يقين بأن نتائجنا العلمية صحيحة؟ ~~ومحاولة الإجابة عن هذا السؤال، هو ما يسمونه في التخصص الفلسفي «علم مناهج البحث» أو ~~«منطق العلوم»، وذلك هو جانب رئيس فيما تخصصت في دراسته وتدريسه والتأليف فيه، وبين ~~التفصيلات الكثيرة التي تساق في محاولات تحديدنا لشروط «المنهج» في أي بحث علمي، ~~تفصيلة نقول فيها إنه إذا حدث لنا أن وقعنا على فرض معين، يمكننا به وحده أن نفسر إحدى ~~الظواهر تفسيرا كاملا من الناحية العلمية، ويصبح من غير الجائز للباحث أن يتبرع بفرض ~~آخر ms159 يضيفه إلى الفرض الأول، وكأن الظاهرة المراد تفسيرها، محتاجة في ذلك إلى الفرضين ~~معا، كأن يحدد لنا العلم ميكروبا معينا في تعليله لمرض ما، فنجيء نحن ونضيف إلى ذلك ~~الميكروب فعل الجن ... ويسمى هذا الجانب في علم المناهج، بالاقتصاد في الفروض. # فلما صادفت اسم الكتاب الذي ذكرناه للإمام الغزالي، وهو: «الاقتصاد في الاعتقاد» - ~~ولم أكن قد رأيت الكتاب بعد - تساءلت في حيرة: أيكون موضوع هذا الكتاب متصلا بما نقول ~~عنه في علم مناهج البحث: الاقتصاد في الفروض؟ ولم أكن في تساؤلي ذلك مغاليا ولا ~~شاطحا؛ لأن للغزالي مؤلفات كثيرة، وثيقة الصلة بمناهج التفكير، لكنني - بالطبع - لم ~~أقطع لنفسي بجواب، وكل ما رأيته حتى تلك اللحظة هو بطاقة في مكتبة الجامعة تحمل اسم ~~الكتاب، ولست مختصا من الناحية الأكاديمية الخالصة في «الفلسفة الإسلامية»، نعم، إن ~~الأستاذ في مجال ما من مجالات العلوم، وإن يكن تخصصه منحصرا في دائرة ضيقة من ذلك ~~المجال، إلا أن أجزاء المجال الواحد يتشابك بعضها مع بعض تشابكا يفطر معه الأستاذ أن ~~يجاوز حدود تخصصه الضيقة، ليستطلع ما هو متصل بها من سائر موضوعات المجال الدراسي الذي ~~ينتمي إليه، فأستاذ القانون الدولي في كلية الحقوق - مثلا - لا يجهل جهلا تاما كل ~~شيء عن القانون المدني أو القانون الجنائي، وأستاذ الفيزياء في كلية العلوم، لا يجهل ~~جهلا تاما كل شيء عن الرياضة أو عن الكيمياء، وهكذا، فأستاذ مادة معينة من مواد ~~المجال الفلسفي، لا بد أن يكون على بعض العلم بسائر الجوانب في هذا المجال، وعلى هذا ~~النحو، كانت صلتي بالفلسفة الإسلامية، ومن هنا، كنت أبحث عن شيء خاص فيما كتبه أبو ~~حامد الغزالي، حين صادفتني بطاقة تحمل اسم «الاقتصاد في الاعتقاد» للغزالي، فتساءلت كما ~~تساءلت، وأسرعت إلى من هو مختص في الفلسفة الإسلامية، وسألته: أيكون موضوع كتاب ~~الغزالي «الاقتصاد في الاعتقاد» متصلا بمبدأ الاقتصاد في الفروض، كما نعرفه في مناهج ~~البحث العلمي؟ فلم يتردد دقيقة واحدة في أن يجيب بأن الأمر هو كذلك، ولم يفته أن يفاخر ms160 ~~فيقول: إن كل شيء مما قد تظنه جديدا، موجود فيما كتبه الفلاسفة القدماء، وكذلك لم ~~يفتني أن أرد مصححا، لأنبهه بأن فكرة الاقتصاد في الفروض، ليست جديدة، بل ترجع في ~~أصلها إلى رجل من رجال الدين في أوروبا إبان العصور الوسطى، ولكنه كان من أوائل البشائر ~~التي عملت على النهضة العلمية الحديثة، وهو «وليم أوكام». # وعدت مسرعا إلى المكتبة، واستعرت كتاب الغزالي: «الاقتصاد في الاعتقاد»، وما كدت ~~أبدأ قراءته حتى تبينت حقيقة موضوعه، فليس هو بذي صلة كائنة ما كانت بمبدأ «الاقتصاد في ~~الفروض»، ومع ذلك فقد رأيت في مادته موضوعا هو أهم عندي من الاقتصاد في الفروض، إذ ~~وجدته متصلا برفض الفكر المتطرف في مجال الاعتقاد الديني، ولم أترك الكتاب إلا بعد أن ~~ملأت منه وعائي، لا بدقة الدارس وحدها، بل بما دونته منه في مذكراتي، وعن هذه ~~المذكرات أنقل ما يأتي: # الفكرة الرئيسة التي يدور حولها هذا الكتاب، هي وجوب استخدامنا لعقولنا عند فهمنا ~~لنصوص الشرع، وذلك بأن نلتمس بين الطرفين طريقا تصان فيه أحكام الشرع وأحكام العقل ~~معا، فلا يصح - من جهة - أن نجمد النصوص جمودا يجعلنا في تناقض مع منطق العقل، كما لا ~~يصح - من جهة أخرى - أن نذهب مع منطق العقل إلى حد خروجنا على النصوص القاطعة، ولقد ختم ~~الغزالي كتابه بفقرة تلخص موقفه هذا، إذ قال في تلك الفقرة الخاتمة لكتابه: «ولنختم ~~الكتاب بهذا، فقد أظهرنا الاقتصاد في الاعتقاد، وحذفنا الحشو والفضول المستغنى عنه، ~~الخارج عن أمهات العقائد وقواعدها، واقتصرنا من أدلة ما أوردناه، على الجلي الواضح، ~~الذي لا تقصر أكثر الأفهام عن دركه» ... وكان من أهم العبارات دلالة ومن أقواها توضيحا ~~لموقفه، وهي كذلك من أهداها لنا نحن في عصرنا هذا، الذي أخذنا نتخبط فيه بين غلو ~~المتطرفين وإسرافهم في تضييق الخناق على أنفسهم وعلى الناس جميعا، هذه العبارة: «... ~~فالمعرض عن العقل، مكتفيا بنور القرآن، مثاله مثل المتعرض لنور الشمس ، مغمضا للأجفان، ~~فلا فرق بينه وبين العميان، فالعقل مع الشرع نور على نور ms161 ...» # وهكذا أخذ الإمام الغزالي في كتابه هذا، يعاود القول مرة بعد مرة، في وجوب التوفيق ~~بين نصوص الشرع، من جهة، وبين مقتضيات العقل، من جهة أخرى، قائلا: إن ذلك التوفيق بين ~~العقل والشرع، هو طريق أهل السنة، مؤكدا: «أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق ~~المعقول، وقد عرف أهل السنة أن من ظن من «الحشوية» وجوب الجمود على التقليد، واتباع ~~الظواهر، ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر، وأن من تغلغل من الفلاسفة، وغلاة ~~المعتزلة، في تصرف العقل، حتى صادموا به قواطع الشرع، ما أتوا به إلا من خبث الضمائر، ~~فميل أولئك إلى التفريط، وميل هؤلاء إلى الإفراط، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط، بل ~~الواجب المحتوم في قواعد الاعتقاد، ملازمة الاقتصاد، والاعتماد على الصراط المستقيم، ~~فكلا طرفي قصد الأمور ذميم.» # تلك فقرات مما ورد في كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد» للإمام أبي حامد الغزالي، الذي ~~شاعت عنه، عبر التاريخ الإسلامي من بعده، صفة «حجة الإسلام»، «فكلا طرفي القصد ذميم» ~~كما قال بحق، وعلينا الآن أن نصب ما استطعناه من ضوء التحليل، على ذينك الطرفين اللذين ~~قال عنهما «حجة الإسلام» إن كليهما ذميم، وإن التوفيق بينهما في وسط تجمعهما معا في ~~نظرة واحدة، هو واجب محتوم، والطرفان هما - ونعيد ذكرهما زيادة في الوضوح - الجمود عند ~~فهمنا لنصوص الشرع جمودا يؤدي بنا إلى تناقض أو إلى تضاد مع أحكام العقل، من ناحية، أو ~~الذهاب مع مقتضيات العقل إلى الحد الذي نصادم فيه قواطع النصوص الشرعية، من ناحية أخرى ~~... ويبدو لي أنه لن تكتمل لنا الرؤية الواضحة في هذا الصدد، ما لم نقف وقفة نستطرد فيها ~~لنحدد ما يمكن أن تعنيه كلمة «عقل» في هذا السياق. # وفي سبيل تحديدنا لمعنى «العقل» في هذا السياق من حديثنا، لا بد للقارئ أن يستحضر ~~إلى ذهنه نقطتين أساسيتين في هذا الصدد: أولاهما هي أنه لكي يكون هنالك ما يدعو إلى ~~استخدام «العقل » يجب أن تكون بين أيدينا «مشكلة» ما يراد لها حل، سواء أكانت تلك ms162 ~~المشكلة عملية، أم كانت مشكلة نظرية، فلا فرق بين أن نحاول إقامة البرهان على نظرية ~~هندسية، وأن نحاول عبور خندق صادفناه في الطريق أثناء السير، ففي كل من هاتين الحالتين، ~~مشكلة يراد حلها، وأقول ذلك لكثرة ما يملأ حياتنا من مواقف نظن فيها أننا على خلاف في ~~الرأي بعضنا مع بعض، فإذا أمعنت النظر، وجدت الموقف لا إشكال فيه يتطلب رأيا، فضلا عن ~~أن تختلف فيه الآراء، وإنما الأمر كله «لغو» بأدق معنى لهذه الكلمة، إذ اللغو هو أن ~~تعيد الشيء نفسه مرة ومرة وثالثة ورابعة، دون أن تضيف إليه جديدا، فما تقوله أنت، هو ~~نفسه الذي يقوله خصمك، وإذن فلا إشكال بينكما، وبالتالي فلا رأي، ولا تفكير، ولا ~~«عقل». # تلك إحدى النقطتين الأساسيتين اللتين أردت للقارئ أن يستحضرهما قبل أن نمضي معا في ~~تحديدنا لمعنى «العقل» في سياق حديثنا هذا، وأما النقطة الثانية، فهي أنه حتى إذا وجدت ~~مشكلة معينة تريد لها حلا، فلا بد - لكي يكون الحل مبنيا على «عقل» - أن تكون ~~هناك حركة ننتقل بها من شواهد معينة، أو من مقدمات محددة، إلى النتائج التي تؤدي إليها ~~تلك الشواهد أو المقدمات، وأقول ذلك؛ لأن هنالك مواقف كثيرة في حياة الإنسان يستشكل ~~فيها أمر، فيجيئه الحل بلمعة من لمعات البصيرة، أو الحدس، أو القلب، أو الوجدان، أو ما ~~شئت فسمها، ففي هذه الحالات يأتي الحل المطلوب مباشرة وبغير وسيط من شواهد أو مقدمات، ~~وهنا لا يكون الموقف مما ندرجه تحت فاعلية «العقل»، ومرة أخرى نقول: إن العقل هو «حركة» ~~يسير بها الإنسان بين طرفين، أحدهما شواهد، والآخر نتائج أو أحكام، لكنها حركة قصيرة ~~بقواعد تضبط سيرها لنضمن بها صحة النتائج أو الأحكام، ولا تنس أن كلمة «عقل» في أصلها ~~اللغوي، معناها «قيد». # أما وقد فرغنا من هاتين النقطتين، فعودة بنا إلى الموضوع الرئيس لحديثنا، الذي هو ~~ضرورة أن نجمع بين «الشرع» و«العقل»، ونريد أن نعرف كيف يكون ذلك، فنقول: إن أهم ما وصل ~~إليه «العقل» البشري، بحركته الاستدلالية ms163 التي أشرنا إليها، هو «العلوم». وماذا يكون أي ~~علم إلا مجموعة أحكام، أو قوانين، استدلها الباحثون من الظواهر التي تقع في مجاله؟ فإذا ~~كان هنالك نص شرعي، فيه ما يتصل من بعيد أو من قريب، بموضوع ذلك العلم، فإن «العقل» ~~يقضي بألا يتناقض فهمنا للنص الشرعي مع ما قد قرره جانب العلم، وإلا كان العقل هنا ~~بمثابة من يحكم بالصواب للنقيضين معا وفي آن واحد، وقد لا تكون المقابلة المطروحة بين ~~أيدينا، مقابلة بين نص شرعي في ناحية، وقانون أثبته العلم من ناحية أخرى، بل ربما ~~كانت - وكثيرا جدا ما تكون - مقابلة بين نص شرعي في ناحية ومشكلة اجتماعية أو فردية، ~~في ناحية أخرى، بحيث لا تجد تلك المشكلة حلها العقلي - أي حلها العلمي - متفقا مع ما ~~يدل عليه ظاهر النص الشرعي، فماذا نحن صانعون؟ هنا تجيء فتوى الإمام الغزالي بوجوب ~~«التوفيق» بين الطرفين، غير أنه من حق أي سائل أن يسأل: وكيف يكون هذا التوفيق بين ~~الطرفين، إذا كانا ضدين أو نقيضين؟ # لعله من الخير أن أترك الإجابة للشيخ محمد عبده، فهاك نص ما كتبه جوابا عن سؤال ~~كهذا: ~~... إنه إذا تعارض العقل والنقل «أي تعارض حكم العلم مع نص شرعي» أخذ بما دل ~~عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول، مع الاعتراف ~~بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في عمله، والطريق الثانية تأويل النقل، ~~مع المحافظة على قوانين اللغة، حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل. (كتاب ~~الإسلام والنصرانية، ط6، ص59) # لقد كان لفكرة «التوفيق» بين طرفين يبدوان كأنهما متعارضان، أهمية كبرى في تاريخ ~~الفكر الإسلامي، وإذا نحن لم نعطها حقها من الاهتمام، ومن اللجوء إليها في حياتنا ~~الفكرية بشتى جوانبها، كنا بمثابة من يهدر جانبا كبيرا من تراثنا الفكري، فكلنا يعلم ~~أنه لم يكد قرنان من الزمن يمضيان بعد نزول الإسلام، حتى انكب المسلمون انكبابا، كله ~~الصحة والقوة والثقة بالنفس، على ثقافات أخرى، ينقلونها، ويدرسونها، ويجرونها في شرايين ~~حياتهم الفكرية، وكان طبيعيا أن ms164 يتجه اهتمامهم أول ما يتجه إلى النظر فيما نقوله، وفي ~~مقارنته بأصول دينهم، ليروا أين يتفقان إذا اتفقا، وأين يختلفان إذا اختلفا، ولقد كانت ~~المادة المنقولة - بالطبع - مصبوبة في صورة تختلف في «ظاهرها» أشد اختلاف عن الصورة ~~التي جاءت عليها ديانة الإسلام، فلم يصدهم هذا الاختلاف في الظاهر، عن البحث وراءها وفي ~~جوفها، ليروا إذا كان الطرفان من حيث المضمون، متفقين أو مختلفين، وإلى أي مدى؟ وقد كان ~~أن وجدوا تشابها في مواضع كما وجدوا تباينا في مواضع، وها هنا أعملوا عقولهم في عملية ~~«التوفيق» كلما وجدوا التوفيق ممكنا، وليس معنى التوفيق أن يحذف المفكر المسلم من ~~المادة المنقولة ما يراه متعارضا مع عقيدته، منقبا على ما هو متفق معها، كما ذهب ~~إلى ذلك أستاذ جليل فيما كتبه عن هذا الموضوع؛ لأنه لو كان الأمر كذلك، فكأن المسلمين ~~ما نقلوا عن غيرهم شيئا، ولقد كنت أبديت في بعض ما كتبته تعليقا على ما ذهب إليه ~~الأستاذ الجليل في معنى التوفيق، فرد ليبدي دهشته وعجبه من التعليق، ولكي أوضح ما أراه ~~في معنى التوفيق، أقول افرض أن ما عندي يمكن الرمز له بالحروف أ، ب، ج، وأن ما نقلته عن ~~الآخرين يمكن الرمز له بالحروف س، ب، ج، فهنالك بين ما عندي وبين ما نقلته تشابه في ~~حرفين، هما ب، ج، فلا إشكال فيهما بين أصيل ومنقول، والمشكلة تتركز في الجزء الباقي، ~~فمهمة الباحث عندئذ أن ينظر في س الوافدة، هل تتعارض مع أ تعارضا يستحيل معه أن ~~يتجاورا؟ أو أن الاختلاف بينهما ظاهري ولا يمس الجوهر؟ فإذا كانت الثانية بحثت عن صورة ~~جديدة ابتكرها ابتكارا، لتضم أ، س معا في فكرة واحدة، فينتج عن هذا كله مخلوق ثقافي ~~جديد، فيه بعض الملامح الأصلية عندي، وفيه كذلك ملامح جديدة استحدثت بعملية الدمج الذي ~~أجريناه على أ، س، ولولا هذه الجدة في التركيبة الجديدة، لما جاز لنا أن نقول عن ~~الفلسفة الإسلامية، حين تناولت الموضوعات التي نقلت عن الفلسفة اليونانية، إنها قد ms165 جاءت ~~بشيء جديد في عروضها، فالتوفيق هو دمج للطرفين دمجا يلد لنا مخلوقا جديدا، لا هو ~~الطرف الأول كما كان، ولا هو الطرف الثاني كما كان. # وأغلب ظني هو أن مصدر الخطأ - إذا كان هناك خطأ نخطئ به في موقفنا من عملية «التوفيق» ~~- فأساس ذلك الخطأ هو صعوبة التفرقة - في حالات كثيرة - بين فكرتين: متى تتعارضان، ومتى ~~تتكاملان دون أن يكون بينهما تعارض، وإذا شئت فاصحبني في رحلة قصيرة، نستعرض فيها ~~ضروبا من اختلاف الرأي، كيف يغلب عليها ألا تكون اختلافا حقيقيا بقدر ما هي أفكار ~~يمكن أن تتكامل معا في موقف واحد، وخذ مثلا مذاهب الفلسفة في عصرنا، ولقد شاءت لنا ~~المصادفة أن يجد كل مذهب منها من بيننا أنصارا، وتسمع هؤلاء الأنصار للمذاهب المختلفة ~~يتجادلون، أو تقرأ لهم ما يكتبون، فيخيل إليك أن الهوة سحيقة بين تلك المذاهب، بحيث ~~لا أمل في لقاء، وواقع الأمر أنها وجهات نظر نحو حياة عصرية واحدة، اختارت كل وجهة فيها ~~جانبا من تلك الحياة، تاركة سائر الجوانب لسائر المذاهب، وإذا نحن ضممنا المذاهب كلها ~~معا، لظفرنا بصورة واحدة متكاملة لهذا العصر في علومه، وفي سياساته، وفي ~~أخلاقياته. # وانتقل معي إلى مذاهب النقد الأدبي والفني، فهي الأخرى اتجاهات، وجد كل اتجاه منها ~~بيننا مناصرين، وكلنا يذكر كيف اشتعلت المعارك بين الفئات المختلفة، وواقع الأمر هو أن ~~كل مذهب نقدي اختار طريقة يفهم بها الأدب الذي يقرؤه، أو الفن الذي يطالعه، على أن كل ~~طريقة للفهم، يمكن أن تضم إلى أخواتها، فيزداد الناس فهما، إذ بدل أن يروا العمل ~~الأدبي أو الفني من جانب واحد، فهم سيرونه من جوانب متعددة بتعدد طرائق النظر. # فهل يكون التوفيق بين الشرع والعقل، الذي رآه الغزالي، وكان الأشعري قد رآه من قبله، ~~ورآه محمد عبده من بعده، ورآه كثيرون آخرون، عبروا به عن موقف أهل السنة، أقول: هل يكون ~~التوفيق بين الشرع والعقل، في حقيقته، ضربا من رؤية الشيء الواحد من جانبين، يتكاملان ~~ولا يتعارضان؟ وذلك بالمعنى الذي ms166 رآه الغزالي حين وجه النقد إلى فئتين تطرفتا في ~~اتجاهين: فئة «الحشوية» جمدت عند فهمها للنص، حتى لكأنها قلصته من شدة الجمود وبرودته، ~~فجعلته لا يتسع لكل ما يمكن أن يتسع له، وفئة المعتزلة مطت النص مطا حتى أصبح يتسع ~~لما ليس يتسع له، وكان الصواب أن يفهم النص فهما يستثمر كل إمكاناته لا زيادة ولا نقص، ~~وبهذه الوقفة المتزنة، التي لا زيادة فيها فوق ما يجب ولا نقصان فيها عما يجب، يتحقق ~~لنا الاقتصاد في الاعتقاد. # القسم الثالث # | من عوامل الضعف # | صرخة # تقدمت الفتاة بخطو ثابت نحو قضاة الرأي في مسائل الدين، وذلك فيما يختص بالشباب ~~وما يعترض حياته من مشكلات، تقدمت فقالت بصوت مهذب صادق أمين إنها تتحدث عن نفسها، ~~ونيابة عن زميلات لها كثيرات، وكلهن طالبات «طب وجراحة» - كما قالت - وقد تأرقت فيهن ~~الضمائر، فهن مؤمنات ويردن الصواب فيما يجوز لهن وما لا يجوز في حكم الدين: ماذا يحل ~~لهن أن يبصرنه وماذا يحرم عليهن، إذا ما دخلن إلى درس التشريح وكان موضوع الدرس جثة ~~عارية لرجل؟ ... فتولى الإجابة عالم فاضل لحظت فيه وهو يجيب أنه ينتقي كلماته في حذر ~~شديد، فكان كمن يمشي على حبل مشدود في الهواء، ينقل القدم بعد القدم مع تفكير وتدبير؛ ~~لأنه أراد - فيما بدا لي - أنه يود لو وقع حديثه على المشاهدين السامعين موقع المجدد في ~~رأيه، كما أراد في الوقت نفسه أن يحسب عند أقرانه محافظا ملتزما نصوص الشريعة وسلوك ~~السلف الصالح، وبين هذين البرزخين أراد أن ينفذ من مضيق ضيق وهو بمأمن من الخطأ والخطر، ~~ولست أدري إن كانت السائلة - طبيبة المستقبل القريب - قد خرجت لنفسها ولزميلاتها بإرشاد ~~واضح مفيد. # لكن الذي أدريه حق الدراية، أنني ضربت كفا على كف، صارخا لنفسي صرخة مكتومة، لأقلق ~~نفسي بصرختي ولا أقلق أحدا سواي، على غرار ما نسمع عنه هذه الأيام من مسدسات كاتمات ~~للصوت، ليقتل من يقتل في صمت لا يزعج الجيران. صرخت لنفسي صرخة كتمتها في كبدي، لأصيح ~~بها قائلا: ms167 يا فضيحتنا عند أبنائنا وأحفادنا، حين يحكي لهم الحكاءون في زمانهم، عن قوم ~~عاشوا في الربع الرابع من القرن العشرين، كانت فيه الطبيبة الجراحة تسأل كما يسأل كذلك ~~الطبيب الجراح: هل يحل لها أن تنظر إلى جثة رجل مكشوفة العورة في دروس التشريح أولا، ~~وفي شئون التطبيب ثانيا؟ وهل يحل له أن يتولى معالجة امرأة إذا كان الأمر يقتضي كشفا ~~لمستور؟ ... ولعلي لم أخطئ السمع عندما تفضل العالم الجليل بالجواب، إذا زعمت أنه قد أورد ~~في جوابه تساؤلا يقترح فيه بأن تكون أمثال هذه المعالجات في ظلمة الليل! ... يا فضيحتنا ~~عند أبنائنا وأحفادنا، حين يحكي لهم الحكاءون عن آباء لهم وأجداد، كانوا ذات عهد من ~~تاريخهم أيقاظا بمجدهم ثم ناموا، فلما أرادوا لأنفسهم يقظة بعد نوم، كانت وسيلتهم هي ~~أن يتجرعوا من أكواب التثقيف شرابا ينيم اليقظان! # صرخت لنفسي تلك الصرخة المكتومة، أريد لنفسي السلامة والعاقبة من حراب الذين امتلأت ~~صدورهم الطيبة بالهواجس، حتى لقد صورت لهم أوهامهم أن أرضنا بكل طولها وبكل عرضها، إنما ~~هي مخدع كبير، يموج بأشباح ذكور تطمع في إناث، وإناث تفزع من ذكور، وحول هذا المحور ~~الواحد الوحيد دارت لهم هموم، وقلقت بهم مضاجع! ... لكنني لم ألبث أن اتجهت إلى نفسي بلوم ~~وتقريع، سألتها: لماذا تريدين لهذه الصيحة المذعورة أن تبقى مكتومة في حشاك؟ لم لا ~~ترسلينها مدوية في الآفاق؟ إن الأمر لم يعد مقصورا على طبيبة شابة وطبيب شاب مع ~~أقرانهما وقد ملأ الخوف قلوبهم، ومع خوف القلوب ذهب صواب الرءوس، نعم، فإن هنالك خوفا ~~وخوفا ... فهنالك الخوف من الوقوع في الخطأ بدافع من همة وثابة طموح، وهو خوف ليس فيه ~~عيب يعاب، ولكن هنالك كذلك خوفا من الوقوع في الخطأ، يؤدي إلى جمود صاحبه - أو صاحبته ~~- فتشل أطرافه دون فورة الشباب وطموحه، ومن هذا الصنف الحائر الجبان، رأيت الطبيبة ~~الجراحة، والطبيب الجراح، وهما في أول درجة من مدارج الحياة العلمية العملية ، وهما ~~يسألان قضاة الرأي الديني عن موقفهما من عورات الجنس الآخر، ماذا ms168 يكون أثناء قيامهما ~~بواجبات الطب والجراحة؟! ... أقول: إني اتجهت إلى نفسي بلوم وتقريع، سائلا إياها لماذا ~~لا ترسلين الصيحة مدوية؟ ولم يعد الخوف الجبان مقصورا على طبيبة شابة وطبيب، بل هو خوف ~~عم وانتشر حتى أصبح علامة على حياة هذا الجيل كله، متذرعا بذريعة الصلاح والتقوى، ~~والله يعلم بما تخفيه تلك الذريعة من ضعف في الهمة وخور في الطموح، لماذا - يا نفسي - ~~تكتمين الصيحة في جوانحك، ومم تخافين وممن؟ أهو إرضاء لجمهور الناس، وجمهور الناس هم ~~الأحق بالإرشاد؟ أهو خوف على كيس نقودك أن تقل جنيهاته مائة أو مائتين؟ وهل يليق مثل ~~هذا الخوف برجل وهن عظمه وتأهب للرحيل، إلا أن يكون هدفه هو أن يزداد مشيعوه رجلا أو ~~رجلين؟ لا ... بل اجهر يا رجل بصرختك واجعلها في آذان الناس كصيحة البجعة عند زفرتها ~~بأواخر أنفاسها قبيل موتها، هي عندها صرخة ألم، لكنها في آذان السامعين تغريدة الشادي ~~بالغناء، أو اجعل صرختك في آذان السامعين باعثا على حيرة، كحيرة أبي العلاء المعري حين ~~سمع هديل الحمامة على فرع غصنها المياد، فتساءل: أهو غناء ذلك الهديل أم هو ~~بكاء؟! # إنك أيتها الطبيبة الناشئة، وإنك أيها الطبيب الناشئ، سألتما عن حكم الدين في موقف ~~معين من مواقف العلم، ولست أدري عن وقع الإجابة عندكما، من الاقتناع أو الارتياب، فهل ~~تريدان أن تعرفا بماذا كنت أجيب لو توجهتما بالسؤال إلي؟ إنني سأملي عليك الجواب، ~~فاكتب يا قلم: ~~... لقد سمعت ذات يوم عن عالم في علوم الطبيعة من علماء عصرنا هذا، أنه إذ كان يعرض ~~نتائج علمه على من اجتمعوا ليستمعوا إليه، أنه ختم حديثه بأن قال ما معناه: إن رؤية ~~العلم للكون أصدق من رؤية الفلسفة ومن رؤية الدين! ... فما إن قرأت عبارته تلك، حتى ألقيت ~~بالكتاب جانبا، لأراجع بفكري هذا القول العجيب من عالم في مثل مكانة من كنت أقرأ له أو ~~- على الأصح - أقرأ عنه، وبعد أن تساءلت: ولماذا أسقط من حسابه رؤية الأدب، ورؤية الفن؟ ~~إذن فلأضفهما من عندي إلى ms169 العبارة المذكورة، ثم أنظر فيها لأرى كم بعدت تلك العبارة عن ~~الصواب. # وكان السؤال الأساسي الذي وضعته بين يدي، هو هذا: أهي رؤية واحدة للكون، أم عدة رؤى؟ ~~أيمكن للإنسان السوي في العصر الواحد، أن تكون له رؤى كثيرة ومتعارضة للكون الذي يحيط ~~به؟ لست أظن ذلك، حتى ولو تعددت زوايا النظر، فالإنسان - كل إنسان وأي إنسان - قد ~~يكون لنفسه تصورا للعالم، يستخلصه مما قد نشأ عليه من عقيدة دينية، فهل - يا ترى - ~~لو أن ذلك الإنسان نفسه، قد ارتفعت به درجة العلم بالعالم، أو بجزء منه، يمكنه أن ~~يكون لنفسه رؤية مضادة لرؤيته من زاوية عقيدته الدينية؟ ثم هل يمكنه أيضا أن يضيف ~~رؤية ثالثة للعالم، تكون هي الرؤية الفلسفية إذا حدث له كذلك أن ارتفعت به درجة دراسته ~~في هذا الميدان؟ ويظل معنا السؤال نفسه قائما بالنسبة إلى الرؤية من زاوية الأدب، ~~والرؤية من زاوية الفن، ذلك لو كان ذلك الإنسان أديبا أو دارسا للأدب، وفنانا أو ~~دارسا للفن ... إن تعدد الرؤى على هذا النحو، وعند الإنسان الواحد المعين، تستحيل معها ~~حياة سوية مفكرة، مبدعة، منتجة؛ لأن لكل رؤية إشعاعاتها وانعكاساتها على طريقة ~~التفكير وطريقة العمل وطريقة التفاعل بين الأفراد بعضهم مع بعض، والتفاعل بينهم وبين ~~العالم الذي يعيشون فيه. # وإنني حقا لأعجز عن التصور الذي يفتت الإنسان الواحد إلى عدة أفراد في جلد واحد: ~~فرد منهم للدين، وفرد آخر للعلم، وثالث للفلسفة، ورابع للفن والأدب، وليس رفضي لهذا ~~التعدد داخل الإنسان الواحد، قائما على أساس أن الإنسان الواحد لا يستطيع الجمع بين ~~عدة فروع، لا؛ لأن هذا التعدد في الفروع ممكن، بل هو قائم بالفعل في كل فرد من الناس، ~~مع تفاوتهم بعد ذلك في مدى الكثرة ومدى العمق، لكن رفضي منصب على الظن بأن تلك ~~الكثرة في الفروع، تظل هكذا متفرقة، لكل منها رؤيته التي يختلف بها عن رؤى الفروع ~~الأخرى، فذلك التمزق في اتجاهات الرؤية لا يكون إلا عند غير الأسوياء، الذين أصابهم مرض ~~من ms170 أمراض النفس التي أصبح لها طب خاص بها، وأما الفرد من الأسوياء الأصحاء، فلا بد ~~فيه من التقاء الفروع المختلفة عند رؤية واحدة للكون، أو للحياة الاجتماعية، أو أي مجال ~~أردت الرأي فيه، على أن يكون لكل فرع من الفروع لغته الخاصة به في تعبيره عن تلك ~~الرؤية الواحدة، وينتج عن ذلك بطلان القول الذي أسلفنا ذكره منسوبا إلى أحد علماء ~~الطبيعة المعاصرين، وهو قوله بأن رؤية العلم أصدق من رؤية الفلسفة ومن رؤية الدين ~~لحقيقة الكون؛ لأنه - ابتداء - لا تعدد في الرؤى عند الإنسان الواحد ما دام سويا، ~~ولأن الفروع التي ذكرها، إذا اختلفت، فاختلافها في طريقة التعبير عن الرؤية الواحدة ~~المشتركة، إذ لكل مجال طريقته التي ينفرد بها فتميزه عن سائر المجالات، وإذا كان هذا ~~هكذا، فمن باب أولى ألا يقال عن العلم إنه أصدق رؤية من الدين أو من الفلسفة، أو من ~~الفن، كما لا يقال عن أي ميدان من هذه الميادين أصدق من العلم، فالحق واحد لا يتعدد ~~بتعدد طرائق الوصول إليه. # كان السؤال الذي طرحته الطبيبة الناشئة على قضاة الرأي في الدين سؤالا عن موقف معين ~~في مجال العلم، ولو كنت أنا المسئول، لرفضت منذ البداية مشروعية السؤال، بناء على ما ~~قدمته من استقلالية الفروع في طرائقها وممارساتها، برغم كونها جميعا تنضوي تحت رؤية ~~واحدة، للفرد الواحد، والأمة الواحدة، وكثيرا ما تكون كذلك بالنسبة إلى العصر الواحد، ~~ولعل الطبيبة الناشئة تعلم أن العرب المسلمين الأوائل، حين ترجموا عن اليونان القدماء ~~فلسفتهم وعلومهم إلى اللغة العربية، أخذوا يوازنون بين مضموناتها ومضمون العقيدة ~~الإسلامية، وانتهوا إلى اتفاق الطرفين في الجوهر، فكيف حدث ذلك الاتفاق، مع أن أحد ~~الطرفين فلسفة وعلم، والطرف الثاني دين؟ ... الجواب هو أن الاختلاف إنما يكون في طريقة ~~التعبير، فللدين طريقته، وللفكر الفلسفي أو العلمي طريقته، ومع اختلاف الطريقتين ليس ~~ثمة ما يمنع أن يكون المعنى في جوهره واحدا، افرض - مثلا - أن فلسفة اليونان قالت ~~فكرة تصف بها طريقة الخلق كيف كانت، وقال الدين ms171 فكرته عن طريقة الخلق، فاللغتان ~~تختلفان؛ أعني أن كلا منهما يقول الفكرة بطريقته، لكنهما قد يتفقان على فكرة واحدة في ~~الموضوع الواحد. # إن فكرة «النظائر» قديمة جديدة معا؛ وذلك لأنها فكرة مبثوثة في حقائق الكون ~~وكائناته، وهي واردة على نطاق واسع في دنيا الفكر النظري وفي عالم الفن والأدب، ~~ومؤداها بسيط، وهو أن كائنا ما يكون «نظيرا» لكائن آخر، أو موقفا لموقف، أو فكرة ~~لفكرة، إذا اتفق الاثنان في طريقة البناء، فمربع من الخشب يكون نظيرا لمربع من الحديد؛ ~~لأن كلا منهما يحيط به أربعة أضلاع مستقيمة ومتساوية، وزواياه الأربع قوائم، والخريطة ~~الجغرافية نظيرا للرقعة التي تصورها تلك الخريطة؛ لأن كل نقطة على الخريطة لها ما ~~يقابلها على الواقع المصور بالخريطة، وقد استطاع شامبليون أن يفك رموز الكتابة ~~الهيروغليفية لأول مرة في التاريخ الحديث، حين وجدت فقرة معينة مكتوبة بثلاث لغات على ~~«حجر رشيد»، فاللغات الثلاث مختلفة الأحرف والكلمات، لكنها «نظائر» لاشتراكها في أداء ~~معنى واحد ... ولما كان شامبليون عالما بإحدى تلك اللغات، اتخذ منها مفتاحا يفك بها ~~أسرار ما يناظرها، وإذا توسعنا في التطبيق، وجدنا أمثلة للتناظر لا حصر لعددها، فيمكن ~~القول بأن الذرة الصغيرة، بما فيها من كهارب تدور في أفلاكها حول مركز، إنما هي نظيرة ~~المجموعة الشمسية، مركزها الشمس وتدور حولها كواكب المجموعة، كل كوكب منها في فلكه، ~~والإنسان الواحد - بوجه من الوجوه - هو نظير للكون كله من حيث البنية التي تجعله مادة ~~وروحا، والشطران في المعادلة الرياضية متناظران، فالمقدار الرياضي في كل من الشطرين ~~مساو للمقدار في الشطر الآخر، برغم ما بين الشطرين من اختلاف الرموز ... وهكذا وهكذا ~~... # وكذلك يكون الدين، والعلم، والفلسفة، والأدب، والفن، في الأمة الواحدة أو في العصر ~~الواحد، ما دامت الأمة موحدة الكيان، وما دام العصر الواحد متجانس الأجزاء، كلها نظائر ~~يقول الواحد ما يقوله الآخر من حيث المضمون في جوهره، والذي يختلف هو طريقة الأداء، ~~ولنأخذ العلم والدين، ثم قد ننتقل إلى التطبيق على المجالات الأخرى، وليكن حديثنا عن ~~الدين منصبا ms172 على الإسلام، فرسالة الإسلام هي التوحيد، وأيا ما كانت وجهة النظر في ~~تفسير مصطلح «التوحيد» فهو فضلا عن إشارته إلى واحدية الذات الإلهية وأحديتها، فهي ~~تشير بالتالي إلى أن كل ما في الكون من جزئيات وتفصيلات وأفراد ومفردات، إنما هي ~~مترابطة معا في مجموع واحد، كل جزء فيه متصل ومتفاعل مع سائر الأجزاء، فإذا انتقلت ~~بالنظر إلى ميدان العلم، أو العلوم، وجدتها - في ظاهر الأمر - مفرقة بين موضوعات ~~تخصصاتها، لكل منها مجموعة من قوانين، وليس أي علم فيها مطالبا بأن يطل على غيره من ~~العلوم، فقد يحدث ذلك وقد لا يحدث، وهنا تجيء «الفلسفة» لتكون إحدى مهامها الأساسية، ~~إيجاد الصلة التي تربط كل العلوم المتفرقات في نقطة التقاء واحدة، ولا يستقر لفيلسوف من ~~الأعلام الشوامخ قرار، إلا إذا وجد الجذر المشترك الذي تنبثق منه الشجرة بكل فروعها، ~~وفي هذا «التوحيد» - من حيث المبدأ - يكون التناظر في الرؤية بين العلم والدين. # ولا يشذ عن هذا المنحى العام أدب وفن، فقد يخيل إلينا للوهلة الأولى أن ألوف الألوف ~~من قصائد الشعراء، ومن لوحات الفن ومبدعاته المختلفة، لا سبيل إلى جمعها في «وحدة» ~~واحدة، لكن حقيقة الأمر في ذلك، هي أنه - في كل عصر واحد على الأقل - يستطيع الناقد ~~القدير أن يضرب بتحليلاته إلى الأعماق، ليخرج لنا بالروح الواحدة، التي تجمع العصر ~~الواحد في أدبه، وفي فنه، فيجيء هذا التوحد ضميمة تضم إلى فكرة التوحيد في الدين ~~والعلم، وربما جاز لنا أن نقول إن مثل هذا التوحد في الرؤية، مهما اختلف الفرع المعين ~~من فروع العقيدة والعلوم وغيرهما، إنما هو خير مقياس نستعين به على معرفة ما قد ظفر به ~~عصر معين، أو أمة معينة، أو فرد معين، من توازن واتزان، فإذا غاب البناء الموحد، كان ~~غيابه علامة على انهيار الجانب الذي غاب عنه. # وإني لأخشى أن يظن قارئ بأنني قد خلطت خلطا معيبا بين «التوحيد» كما نفهمه في ~~الدين، وبين وجوده الذي أشرنا إليه في الفروع الأخرى، وأقل ما يمكن أن يعترض ms173 به مثل ذلك ~~القارئ، هو أن عقيدة التوحيد هي رسالة الإسلام على وجه التحديد، فكيف عممناه ليكون خاصة ~~من خواص الدين على إطلاقه؟ وعلى اعتراض كهذا يكون الرد هو أن التوحيد الذي هو خاص ~~بالإسلام، إنما هو وحدانية «الذات» الإلهية بالصورة التي أخذ بها الإسلام، والتي ~~تناولها بعد ذلك فلاسفة الإسلام وفقهاؤه بالتحليل والشرح، وإلا فلا أظن أن ثمة عقيدة ~~دينية تخلو من مبدأ يوحد على أساسها الكون بصورة من الصور. # ويكفيني هذا التوضيح المسهب، لأعود بعده: أولا - لعالم الطبيعة المعاصر الذي سبقت ~~الإشارة إليه، وثانيا - للطبيبة الناشئة التي ذهبت إلى فقهاء الدين تلتمس عندهم رأيا ~~خاصا بموقف معين في دائرة العلم، فأما صاحبنا عالم الطبيعة المعاصر «وقد يكون هو ~~ماكس بورن، أو اسم قريب من هذا الاسم»، فقد كان في قوله: «إن رؤية العلم أصدق من رؤية ~~الفلسفة ومن رؤية الدين» أكثر من وجه واحد من وجوه البطلان، أولها: افتراضه تعدد الرؤى ~~في حياة الإنسان الواحد، أو العصر الواحد، تعددا يساير تعدد مجالات النظر، وحقيقة ~~الأمر أنها رؤية واحدة، تتوحد بها شخصية الإنسان السوي، أو الأمة السوية، أو العصر ~~السوي، مع اختلاف وسائل الأداء في التعبير عن تلك الرؤية الواحدة باختلاف الفرع من فروع ~~المعرفة أو العقيدة. # والوجه الثاني: من أوجه البطلان في قول عالم الطبيعة المعاصر، هو في استخدامه لاسم ~~«فلسفة»، وكأنما يتصورها شيئا مبتور الصلة بالعلم، في حين أنها لا تكون شيئا إذا هي ~~لم تدر مع علم عصرها، أو قل مع محاور ثقافته، دورانا يجعل موضوعها نفسه هو نفسه موضوع ~~العلم، أو أي محور آخر من المحاور الأساسية في عالم الفكر يحدث له أن يكون هو المحور ~~السائد في عصر بذاته، وكل ما في الأمر من اختلاف بين ما هو علم وما هو فلسفة في العصر ~~الواحد، هو درجة التعميم والتجريد، فإذا وقف العلم عند مجموعة قوانينه، جاءت الفلسفة ~~لتستأنف السير بتلك القوانين العلمية ذاتها، نحو «مبدأ» يضمها جميعا، ويكون - بطبيعة ~~الحال - أكثر منها تعميما وتجريدا. ms174 # وفي خطوتنا الأخيرة، نعود إلى الطبيبة الناشئة التي ذهبت إلى قضاة الحكم الديني ~~لتسألهم ماذا يكون موقف الأنثى من دراسة الطب والجراحة «وشركها في سؤال شبيه طبيب ناشئ» ~~أما جثة رجل بكل أعضائه أثناء درس التشريح؟ ... أهو حلال لها أم حرام عليها أن تشارك ~~في النظر والبحث؟ ولتلك الفتاة أقول - مع الأسف والأسى - إن موقفها ذاك، بكل ظروفه ~~وتفصيلاته، قد كان له في نفسي وقع الصاعقة؛ لأنه دليل على خلط، ودليل على انعدام الثقة ~~بالنفس، ودليل على أن أملنا في حياة علمية قوية يتبدد مع الريح ... # | متطرف تحت المجهر # لا أذكر من هو الشاعر، ولا من هو الخليفة أو الأمير الذي قال الشاعر شعره بين يديه، ~~لكنني أذكر بيتي الشعر اللذين تبادلهما الشاعر والأمير، فوضع كل منهما وجهة نظره في ~~بيت الشعر الذي ارتجله من وحي الموقف، فيبدو أن الأمير (أو لعله كان الخليفة المنصور) ~~كان متسرعا يعجل الفعل قبل أن يتدبره في روية وأناة: فوجه إليه الشاعر النصح في ~~بيت من الشعر، مؤداه أن صاحب الرأي من واجبه أن يتدبر رأيه قبل أن ينتقل به إلى مجال ~~التنفيذ، إذ لا يفسد الرأي إلا أن يتعجل صاحبه إلى الفعل قبل أن يستيقن من صواب ذلك ~~الرأي، وهنا أسرع الأمير (أو الخليفة) بالرد في بيت من الشعر، أجراه على منوال البيت ~~الذي قاله الشاعر، إلا أنه أخذ فيه بوجهة نظر مضادة، إذ قال: إن صاحب الرأي ليس في حاجة ~~إلى التدبر بقدر ما هو بحاجة إلى العزيمة، إذ ليس ما يفسد الرأي هو الإسراع به نحو ~~التنفيذ، وإنما يفسده أن يتردد صاحبه في تنفيذه، وهذان هما البيتان: # قال الشاعر: # إذا كنت ذا رأي، فكن ذا تدبر # فإن فساد الرأي أن تتعجلا # فأجاب الأمير: # إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة # فإن فساد الرأي أن تترددا # وأذكر أني في ساعة من ساعات الفراغ، أخذت ألهو في هذين الموقفين من الحياة ، فأيهما يا ~~ترى أقرب إلى الصواب؟ وهما موقفان كثيرا جدا ما نراهما ms175 يقسمان الناس صنفين: صنفا ~~يتروى قبل التنفيذ، وصنفا آخر لا تكاد فكرة تطوف بخاطره حتى يسرع إلى تنفيذها، ~~والأغلب أن يكون الصنف الأول ممن أنضجته خبرة السنين، وعرف أن الرأي المعين في الموقف ~~المعين، كثيرا جدا ما تقابله وجهات نظر أخرى تستحق الالتفات إليها، والموازنة بينها، ~~قبل الانتهاء إلى قرار أخير، والأغلب أن يكون الصنف الثاني ممن لا يزال محكوما ~~بانفعالاته وعواطفه من الشباب أو من هم في حكم الشباب، فليست العبرة هنا بعدد السنين، ~~وإنما العبرة بغزارة الخبرة المحصلة أو ضحالتها. # وبعد مراجعات أقارن فيها بين الموقفين وأوازن: لمع الذهن بحل يجمع بين وجهتي ~~النظر في موقف واحد: فليس الصواب هو أن نجعل الأمر بديلين، علينا أن نختار أحدهما وأن ~~نترك الآخر: فإما أن نتدبر الرأي ونتروى قبل العمل، وإما أن نعزم عزيمتنا مسرعين إلى ~~العمل بلا تردد بين جانب الخطأ منه وجانب الصواب، فحقيقة الأمر - كما بدا لي - هي أن ~~الطريق إلى العمل ذو مرحلتين: أولاهما مرحلة للتدبر، وثانيتهما مرحلة للعزيمة التي تهم ~~بالفعل بناء على ما وصلت إليه المرحلة الأولى: فإذا رأينا الناس وكأنهم منقسمون صنفين ~~في هذا الصدد، فما ذلك إلا أن صنفا منهم يقف عند المرحلة الأولى وحدها، وكأن إمعان ~~التدبر قد أصابه بالشلل، وأما الصنف الثاني فهو الذي يتجاهل المرحلة الأولى، ويجعل نقطة ~~البدء والانطلاق معا في المرحلة الثانية، وكلا الرجلين نصف إنسان. # ولأمر ما، تواردت في رأسي عند تلك اللمعة الذهنية، ذكريات لا حصر لها، لمواقف كثر ~~فيها اللغو بيننا، في التفرقة بين ما نطلق عليه اسم «الكليات النظرية» و«الكليات ~~العملية»، وهو تقسيم لا يجري بدقة مجرى التقسيم الذي باعد المسافة بين الشاعر والأمير، ~~إلا أنه برغم ذلك يمت إليه بسبب؛ لأن شيئا شبيها بما قلناه عن وجوب الجمع بين تدبر ~~الرأي وعزيمة تنفيذه، ليكونا مرحلتين لا بد أن يتكاملا معا في الإنسان الواحد، نقوله ~~كذلك فيما هو «نظري» وما هو «عملي» من ضروب العلم، فكل «علم» عرفته الدنيا من أول ~~التاريخ الذي ms176 عرف فيه الإنسان كيف يفكر على نهج العلم، هو «نظري» أولا، وعملي ثانيا، ~~إذا قسم «للنظرية» أن تجد من ينقلها إلى مجال التطبيق: وإلا فكيف يكون؟ أيبدأ الإنسان ~~بالخبط هنا والتخبط هناك بغير «فكرة» في فكره؟ أم أنه يبلور خبراته المتفرقة في «فكرة» ~~يقتنع بصوابها ثم يهم بتنفيذها: فإما طاوعه الواقع على فكرته، فتكون فكرته صحيحة، وإما ~~استعصى الواقع على فكرته فتكون فكرة خاطئة؟ ولعل ما أضلنا عند القسمة إلى «نظري» ~~و«عملي» في كليات الجامعة هو خلط فكري أفدح: إذ حسبنا دراسة العلوم الإنسانية أدخل في ~~باب «النظري»، غافلين عن أن النظري هو ما يستند إلى «النظرية»، والنظريات بهذا المعنى، ~~تعرفها العلوم الطبيعية أكثر مما تعرفها العلوم الإنسانية؛ لسبب واضح - هو أنه قرينة ~~الدقة عندما تعلو درجاتها، وإذا شئت فراجع ما شئت من بلاد الدنيا، لترى كيف تقسم فيها ~~أنواع الدراسات، ولن نجد - فيما أعتقد - أحدا سوانا نقل صفة «النظري» من موصوفها ~~الحقيقي، وهو العلوم الطبيعية، إلى غير موضوعها الأساسي المباشر، وهي العلوم الإنسانية، ~~فهذه علوم مختلف على منهجها حتى اليوم: هل يكون في نفسه منهج البحث في العلوم الطبيعية، ~~أو يكون لها منهج خاص؟ وذلك لأن «النظرية» في أي علم، إذا ما وجدت سبيلها إلى دقة ~~الصياغة، وغالبا ما تكون الصياغة الدقيقة في صورة رياضية، كان ذلك دليلا على أن ذلك ~~العلم قد بلغ مرحلة متقدمة من الدقة والقدرة على التنبؤ الصحيح في مجاله. # ثم انعرجت بي الخواطر نحو الكليات الجامعية وأسمائها، فرأيت كم تعجل أولئك الذين ~~أطلقوا تلك الأسماء على غير مسمياتها؛ فالتي أطلقوا عليها اسم «كلية الآداب» لا تدرس ~~آدابا بالمعنى المعروف لهذه الكلمة، ولا كان مقصودا بها أن تفعل - وإنما هي تدرس ~~علوما اجتماعية، أو علوما إنسانية، فلماذا لم يسموها باسمها؟ و«كلية التجارة» لا ~~تدرس تجارة، بل تدرس محاسبة وإدارة، فلماذا لم يسموها باسمها؟ وكلية «الحقوق» تدرس ~~القانون، فلماذا لا تسمى كلية القانون كما هي الحال في سائر بلاد الدنيا؟ # ولكنني سرعان ما أوقفت هذه الخواطر ms177 متهكما، قائلا لنفسي: هذه الأسماء كلها، وإن ~~أطلقها من أطلقها على غير مسمياتها، فهي حتى وإن اختلف الناس حول معانيها، فلن يؤدي بهم ~~ذلك الاختلاف إلى قتال تسفك فيه الدماء، وماذا أنت قائل في مجموعات أخرى من الأسماء ~~يفهمها الناس على أوجه مختلفة، ثم ينتهي بهم انقسامهم في الفهم إلى عراك، ينشب بينهم ~~بالكلمات أول الأمر ثم يتحول العراك إلى ساحات الحرب ونيران المدافع؟! فاسم ~~«الديمقراطية» يطلقه فريق على نظام تتعدد فيه الأحزاب لتعدد وجهات النظر، ويطلقه قوم ~~آخرون على نظام الحزب الواحد لواحدية الرأي الذي لا يجوز له عندهم أن يتعدد، فإذا قال ~~الأولون: هذه هي الديمقراطية، رد الآخرون بقولهم، بل الديمقراطية هي هذه، وعلى ~~العرافين، والمنجمين، وقراء الكف والفنجان، أن يكشفوا للناس وجه الحق بين الفريقين، ~~قبل أن ينتقلا بالخلاف إلى لغة الحديد والنار، وكل إنسان على كوكب الأرض يرفع لواء ~~«الحرية»، وهل شهد التاريخ كله حاكما واحدا يعلن عن نفسه أنه يحكم لغير الحرية؟ إنه ~~يقتل من أجل الحرية، ويزج في السجون من أجل الحرية، ولكن تعال فانظر إليهم، كيف ~~يفهمونها على معان تختلف باختلاف العصور وباختلاف الشعوب في العصر الواحد، تجد عجبا، ~~إننا هنا لا نريد أن نسيء الظن بأحد، فكل يحب وطنه وأهله إلى حد العشق والهيام، لكن ~~العلة هي في فهم الناس للكلمات، فواحد يقول إن الحرية أساسا هي حرية الفرد، وهي نفسها ~~الحرية التي جاءت رسالات السماء لتقررها لكل فرد حيث يكون مسئولا حقا عما قدمت ~~يداه وهو بين يدي الله يوم النشور، لكن قوما آخرين يتعجبون إذ هم لا يرون كيف تكون ~~حرية إلا لكتلة الشعب معجونة كلها معا في عجينة واحدة، إن الحرية عند الأولين هي آخر ~~الأمر أن يعبر المواطن عن نفسه فكرا وعقيدة وسلوكا ولا تقيده في ذلك إلا ضوابط تستهدف ~~في نهاية المطاف أن يتاح للإنسان الحر أن ينعم بذلك التعبير عن ذات نفسه، وأما الآخرون ~~فلا يخجلهم أن يقولوها صريحة، وهي أن الحرية في آخر التحليل - هي ms178 أن يأمن كل مواطن على ~~رغيف الخبز ... # جاءت معي تلك المقارنات استطرادا طبيعيا، في تلك الجلسة الهادئة التي بدأتها بموقف ~~المناظرة الشعرية التي دارت بين الشاعر والأمير (أو لعله الخليفة) حول أن يكون صاحب ~~الرأي ذا تدبير أو أن يكون ذا عزيمة، ثم أخذ تعاقب المعاني ينتقل بي من موضوع إلى ~~موضوع، وكان الرابط بين مختلف الموضوعات التي طرقتها، هو اختلاف الناس في فهم الكلمات ~~التي يستخدمونها، ثم ما هم إلا أن ينقلهم الوهم إلى الاعتقاد بأنهم إنما يختلفون على ~~حقائق الواقع، وحقائق الواقع هي هي، لكن كلا منهم يريد أن يأخذ جانبا منها دون جانب، ~~ويظن مع ذلك أنه أخذها جميعا واستوعبها من شتى أطرافها ... ولبثت خواطري تلك تنساب بي من ~~مجال للحديث إلى مجال، انسيابا طليقا لا يقيده هدف محدد أبتغي الوصول إليه، لكن الله ~~العليم الخبير شاء لي أن يتحول معي ذلك الانسياب الحر إلى موقف جاد وحاد: وكان ذلك ~~عندما طرق على الباب زائر عاد لتوه من سفر، ولا أعرف ماذا كانت مناسبة الحديث التي ~~ظهرت فيها فكرة التطرف الديني، وقد يكون زائري نفسه هو الذي افتعل ظهورها افتعالا: ~~ليقول لي في شيء من الرعشة العصبية المكشوفة: لست أفهم كلمة التطرف يوصف بها متدين، ~~فالمتدين الحق متمسك بدينه، لا زيادة ولا نقصان، إنه إنسان يلتزم الخط الديني، وخط ~~الدين خط واحد، والأمر بعد ذلك يكون في أفراد الناس هو: إما سائر على هذا الخط وإما ~~منحرف عنه، فأين يكون في هذه الصورة الواضحة من هو معتدل ومن هو منحرف؟ قلت لزائري: ~~قد فاتتك تفرقة مهمة بين طرفين، هما «الدين» كما هو مثبت في كتابه المنزل من جهة، ~~و«المتدين» بذلك الدين من جهة أخرى، فبينما الكتاب «واحد»، فإن المتدينين به كثيرون، ~~وليس هو من الأمور الشاذة في طبيعة الناس، أن يختلفوا في طريقة فهمهم لنص واحد قرءوه: ~~وهذا هو ما حدث بالفعل للمسلمين (كما حدث مثله في أتباع الديانات الأخرى جميعا)، ~~فالمسلمون متفقون على الكتاب الكريم، لكنهم ms179 مختلفون في فهمهم لبعض آياته: ومن هنا نشأت ~~المذاهب المتعددة، ومن ثم يكون معنى التطرف يا صاحبي هو أن يأخذ المسلم بطريقة ~~معينة في الفهم، أو قل: بمذهب معين، ثم يعلن أنه هو وحده الصحيح، وقد أخطأ الآخرون، ~~ولو وقف أمره عند هذا الحد، لما كان عليه غبار؛ لأن معنى أن يأخذ إنسان بمذهب معين ~~دون سائر المذاهب، هو أنه قد رأى الصواب في جانب المذهب الذي اختاره، لكنه ينقلب ~~«متطرفا» إذا هو أراد أن يحمل الآخرون بالقوة - كائنة ما كانت صورة القوة - على ~~مشاركته فيما اعتقد. # بدأت حديثي مع الزائر هادئ النبرة: ثم شعرت في داخلي بالحرارة تزداد معي شيئا ~~فشيئا، كأنما أحسست بأن موضوع التطرف في حياتنا أكثر أهمية وأشد خطورة، من أن يؤخذ ~~بهذا الهدوء، فقلت لزائري - وكان قد هم بالرد على شيء مما قلته - اسمع يا أخي، ~~إنني بحكم فارق السن بيني وبينك - على الأقل - أستأذنك في مواصلة حديثي؛ لأفتح عينيك ~~على حقيقة: «المتطرف» في مجال الدين أو في أي مجال غير الدين: # أولا: # ليس ما يؤخذ على المتطرف أنه قد اختار لنفسه وجهة نظر يرى الأفكار ~~والمواقف من خلالها، لا، فهذه - على العكس - علامة نضج، وكذلك ليس ما ~~يؤخذ عليه أنه يحاول إقناع الآخرين بمشاركته في وجهة نظره؛ لأن تلك ~~المحاولة منه إنما هي علامة إيمان بصدق ما رأى، لكن الذي يؤخذ عليه ~~حقا هو إرهابه للآخرين، لإرغامهم على قبول ما يدعو إليه هو وزمرته، ~~ففي ذلك الإرهاب جوهر التطرف. # ولأضرب لك مثلا على ذلك من التاريخ: فإنه لما نشبت الحرب بين الإمام ~~علي - كرم الله وجهه - وبين معاوية، على الحق في إمارة المؤمنين لمن ~~تكون، كان الموقف يتضمن رأيين في أحقية الخلافة، أولهما: أن آل النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - أحق من غيرهم بها، وفي هذه الحالة تكون الأحقية ~~لعلي، فضلا عن أن عليا قد بويع بالفعل، والرأي الثاني : هو أن أحقية ~~الخلافة جائزة لكل ذي أصل عربي، سواء أكان من آل بيت رسول الله ms180 # صلى الله عليه وسلم # أم لم يكن، وفي هذه الحالة لم يكن ثمة ما يمنع أن يتولاها ~~معاوية إذا توافرت له البيعة، فلما ثارت في قلب المعركة مسألة الاحتكام ~~إلى الكتاب الكريم، في فض الخلاف بين الفريقين المتحاربين، تطورت ~~الحوادث تطورا سريعا أدى إلى أن يعلن بعض أنصار الإمام علي - كرم ~~الله وجهه - خروجهم عليه؛ اعتقادا منهم بأنه لم يكن حاسم الرأي في ~~مسألة الاحتكام إلى الكتاب، وأطلق على هؤلاء المعارضين اسم ~~«الخوارج». # ولم يلبث هؤلاء الخوارج أن كونوا لأنفسهم وجهة نظر شاملة، كان منها ~~رأي في أحقية الخلافة، فلا هم سلموا بأولوية آل البيت في ذلك الحق على ~~سواهم، ولا هم وافقوا على أن يقصر ذلك الحق على من كان ذا أصل عربي من ~~بين المسلمين الأكفاء للخلافة، وخرجوا برأي ثالث، هو أن كل مسلم له ~~حق الحكم ما دام ذا قدرة معترف بها، دون أن يكون بالضرورة من أصل عربي، ~~أو أن يكون بالتفضيل من آل البيت: فإذا ضممنا هذا الرأي إلى غيره من ~~آرائهم، ونظرنا إليها في ذاتها، فربما وجدنا وجهة نظر الخوارج خالية ~~مما يؤخذ عليهم، فهي وجهة نظر لا تقل عن سواها من وجهات النظر: إذن ~~فلماذا نفرت منهم الأمة الإسلامية، ولا تزال تنفر من مجرد ذكرهم؟! كانت ~~العلة في تطرفهم بالمعنى الذي أسلفته عن التطرف؛ وهو اللجوء إلى القسوة ~~العنيفة، إرهابا لكل من وقعت عليه أيديهم حتى يوافق على وجهة نظرهم، ~~وإن لم يفعل قتلوه بأفظع صور القتل وأبشعها، ولا بد أن نضيف هنا ~~حقيقة عنهم لتكتمل الصورة أمام القارئ، وهي أنهم كانوا لا ينقطعون عن ~~عبادة الله لحظة واحدة، ويديمون الصلاة، حتى لقد كانوا يعرفون بما ~~كانت تتقرح بهم جباههم من السجود على حصباء الأرض العارية، فالخوارج - ~~كما ترى - قد أغضبوا الأمة الإسلامية على طول التاريخ الإسلامي كله، لا ~~لمجرد أن لهم وجهة نظر إسلامية خاصة، ولا لأنهم قصروا في عبادة الله، ~~بل هم أغضبوها بتطرفهم حين يكون معنى التطرف لجوء صاحبه إلى ms181 الإرهاب، ~~فلا هي الموعظة الحسنة وسيلتهم، ولا هي الجدل بالحجة تقارع الحجة، ولا ~~هي الحكمة: وتلك الوسائل الثلاثة هي وحدها المذكورة في القرآن ~~الكريم. # ثانيا: # إذا كان اتخاذ الإرهاب وسيلة لإرغام الخصوم، هو العلامة الحاسمة التي ~~تميز المتطرف عمن سواه، كان محالا أن يلجأ إليه إنسان قوي واثق بنفسه ~~وبعقيدته، وإنما يلجأ إليه من به ضعف في أية صورة من صوره، لماذا؟ لأن ~~الإنسان إذا أحس في نفسه ضعفا، تملكه الخوف من أن يطغى عليه أصحاب ~~المواقف الأخرى، وكأي خائف آخر، ترى المتطرف هلعا جزوعا، يسرع إلى ~~أقرب أداة للفتك بخصمه إذا استطاع قبل أن تتسع الفرصة أمام ذلك الخصم، ~~وليس هذا النزوع العدواني مقصورا على المتطرف في الدين، بل هو نزوع ~~نلحظه في كل ضروب التطرف الأخرى، فإذا أحدثت جماعة انقلابا في ~~بلدها، تولت على أثره مقاليد الحكم في ذلك البلد، فإنها على الأرجح لا ~~تتريث قبل أن تنزل على من تتوخى فيهم المعارضة، كل ضروب التنكيل ~~والتعذيب تخلصا منهم أولا، ليكونوا عبرة لغيرهم ثانيا. # ثالثا: # لا يتطرف بالمعنى الذي حددناه للتطرف: إلا من حمل على كتفيه رأسا ~~فارغا وحاويا، اللهم إلا أضغاثا دفع بها إلى ذلك الرأس، عن فهم أو ~~عن غير فهم؛ وذلك لسببين يأتيان على التعاقب في خطوتين: فمن جهة أولى، ~~لا تكون الأفكار التي شحن بها رأسه علمية بأي معنى من المعاني، إذ ~~الفكرة العلمية لا هي تتطلب أن يتعصب لها أحد بالتطرف فيها، ولا الأخذ ~~بما يشعر في نفسه بأي حافز يحفزه إلى ذلك؛ لأنها ما دامت فكرة علمية ~~فهي مقطوع بصوابها من ناحية، وخالية من أية شحنة انفعالية، من ناحية ~~أخرى، وهنا ننتقل إلى الخطوة الثانية: وهي أن ما يمتلئ به رأس المتطرف، ~~ما دام لا يمت إلى العلم بصلة فلا بد - إذن - أن يكون فيه الخصائص ~~المضادة لخصائص العلم، ومنها حرارة الانفعال، وغموض المعنى، واحتمال أن ~~تتعدد فيها وجهات النظر في فهمها وتأويلها واغتراف جانب من جوانبها مع ~~إهمال الجوانب الأخرى. # وهذه ms182 الخصائص كلها لا غبار عليها، إذا كان رأس حاويها فيه القدرة ~~الناقدة، وموضوعية النظر، بحيث إذا تقدم إليه ناقد بنقد شيء مما في ~~رأسه، لم يقابله بالثورة الغاضبة، وبالتهديد بالقتل أو بالضرب، بل أنصت ~~إلى نقده بعقل مفتوح، وما دمنا قد حددنا معنى التمرد باقترانه بالإرهاب ~~الأهوج، تحتم أن يكون رأس المتطرف قد خلا من الضوابط التي تمكنه من ~~مخالفة الآخرين لوجهة نظره. # رابعا: # لقد تساهلنا فيما أسلفناه، حين جعلنا التطرف في أي مجال، وجهة نظر؛ ~~لأن من كانت له وجهة للنظر ثبت عليها ورأى كل شيء من خلالها ... لكن ~~التطرف في حقيقته الدفينة «حالة» من حالات التكوين النفسي، تجعل صاحبها ~~معدا لأن يتطرف وكفى: فليس المهم هو الموضوع الذي يتطرف فيه، بل ~~المهم في تكوينه هو أن يتطرف للتطرف في حد ذاته، ومن هنا رأينا أمثلة ~~كثيرة لمتطرفين يقفزون بين يوم وليلة من تطرف في فكرة إلى تطرف في ~~الفكرة التي تناقضها: فنراه اليوم - مثلا - متطرفا في رؤية إسلامية ~~معينة، ثم نراه غدا متطرفا في رؤية شيوعية، مع أن الإسلام والشيوعية ~~ضدان لا يلتقيان. # إن المريض بالتطرف لا يعرف وهو بالتالي لا يعترف بأنه مريض، شأنه في ذلك شأن المرضى ~~بسائر الأمراض النفسية، وإذا كاشفت المتطرف الديني مثلا بحقيقة حالته، أجابك بأنه إنما ~~يسير على الخط الديني، فماذا يعني التطرف فيمن يتمسك بدينه ويلتزم أوامره ونواهيه؟ قال ~~زائري: هذه إشارة إلى ما قلته لك عن نفسي في أول الحديث، نعم إنني ملتزم خط الدين، وفق ~~ما تعلمت وما علمت بأنه الدين الصحيح، فقل لي ماذا تريد أن أفعل؟ # قلت: لا أريد لك أن تغير من أمر نفسك شيئا، إلا أن تتذكر كلما رأيت أحدا يلتزم دينه ~~مع اختلاف في تفصيلات الرؤية والفهم والتأويل، بأنه هو الآخر يمارس دينه كما تعلم وعلم ~~بأنه الخط الصحيح، فإما تركته وشأنه وضميره، وإما دخلتما معا في حوار هادئ، منتج، ~~أمين. # | عصر الحنين # كانت رباعيات الخيام، في ترجمة السباعي لها عن الإنجليزية، مما قرأته ms183 في مرحلة ~~الشباب، وكنت ألحظ أن لتلك الرباعيات عندي وعند من قرأها من جماعة الأصدقاء، وقعا ~~جميلا وأثرا عميقا، حتى كأنها في نفوسنا مجموعة من قواعد السلوك الحكيم لمن أراد أن ~~يحيا حياته سعيدا، ولقد علمت فيها بعد ذلك، أن المرحوم أحمد رامي ترجمها عن الفارسية، ~~لكني لم أصادف تلك الترجمة، فلم أقرأ منها شيئا، وفي أول الخمسينيات، أصدرت لجنة ~~التأليف والترجمة والنشر، ترجمة للرباعيات عن الفارسية، للشاعر عبد الحق فاضل، الذي ~~قدم لها بدراسة مستفيضة، عرفت منها لأول مرة أن رباعيات الخيام ليست مجموعة محددة ~~معروفة ومحققة الانتساب إلى صاحبها، بل الذي حدث هو أن شعراء كثيرين بعد ذلك، أخذوا ~~ينشئون رباعيات على غرار ما نظمه الخيام، فتضاف إليها وكأنها منها، ومع مر الزمن لم ~~يعد أحد يعلم على التحقيق ما الذي قاله الخيام وما الذي لم يقله، وكانت ترجمة عبد الحق ~~فاضل - عندي - أكثر جمالا من ترجمة السباعي، ففضلا عن أنها منقولة عن أصلها الفارسي ~~مباشرة، فإن لغتها جاءت في انسياب سهل لا تكلف فيه، مع دقة في نسج خيوطه، بالقياس ~~إلى التصنع عند السباعي في اختيار ألفاظه، فكان بين الترجمتين فارق يشبه الفارق الذي ~~رآه شاعر بين حسناء المدينة وحسناء البدو، فبينما الأولى تجلب جمالها من وسائل التجميل، ~~ترى جمال الثانية بسيطا ومن صنع الطبيعة البدوية. # ثم حدث لي بعد ذلك أن قرأت رباعيات الخيام مترجمة إلى الإنجليزية، وهي الترجمة ~~المعروفة للشاعر فيتزجرولد، ومن تلك الترجمة تعلمت درسا في كيف ينبغي أن يترجم الشعر ~~من لغة إلى شعر في لغة أخرى، وكانت المصادفة وحدها هي التي علمتني ذلك الدرس، وذلك أني ~~صادفت الرباعيات في أكثر من ترجمة واحدة لفيتزجرولد نفسه، وبالمقارنة السريعة، وجدت أن ~~الرباعية الواحدة قد تظهر في صورتين لا تشتركان في شيء، وكأن إحداهما ليست الأخرى، ~~اللهم إلا مشاركة في الروح من بعيد، ومن ذلك عرفت أن الشاعر وهو يترجم شعرا من لغة ~~أخرى إلى لغته، إنما ينقل الأثر المتروك في نفسه، بغض النظر عن ms184 النص المترجم في ~~تفصيلاته، وعندئذ تذكرت شيئا كنت أعرفه لكنني لم أكن قد تنبهت إلى مغزاه، وهو ذلك ~~الفرق البعيد بين إلياذة هومر في ترجمتها إلى الإنجليزية عند شاعرين: تشابمان، ~~وبوب. # وأعود إلى قراءة الرباعيات أيام الشباب، فأذكر أن من بين أبياتها التي لصقت في ~~أذهاننا - جماعة أصدقائي وأنا - هذا البيت الذي يقول: «ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك ~~الساعة التي أنت فيها.» # ولا أدري لماذا اجتذبنا هذا المعنى، مع أننا جميعا لم نكن ممن تلهيهم لذة الساعة ~~التي نحن فيها، بل كنا ممن يجاوزون بأملهم العريض مرحلة الحياة القائمة، أملا في مرحلة ~~قادمة تحقق لنا رجاءنا في أنفسنا، لكنها رباعيات الخيام وسحرها الذي يخيل لقارئها أنها ~~إنما وقعت على ما يصح أن يتخذ قانونا للحياة عند من أراد أن يكون سعيدا، ومن ذا الذي ~~لا يريد؟! # إن البيت المذكور للخيام، لا يصدق إلا في حالتين: إحداهما أن يكون حاضر الناس ~~مزدهرا، مما يستحق أن ينعم به أصحابه، وأما الحالة الأخرى فهي أن تستبد بالناس حالة من ~~الضيق واليأس، فيخرجون على قيود الأخلاق، ويستهترون، انغماسا في لذائذ الشهوات ما ~~استطاعت لهم وسائلهم، وربما كانت هذه الحالة الثانية هي ما يعيشه اليوم سكان الأرض ~~جميعا، ونحن في مصر جزء من هؤلاء، ولعل ضيق الناس بحاضرهم ويأسهم منه، ورغبتهم في ~~تغييره، هو الباعث على العنف الذي يملأ أرجاء العالم، غربيها وشرقيها وشماليها وجنوبيها ~~جميعا، فلم تعد لغة التفاوض والتفاهم لتغني عن البؤس واليأس شيئا، فاندفع الضحايا إلى ~~لغة أخرى يصرخون بها، هي لغة القنابل تفتك بالأبرياء، وخطف الطائرات فيتعذب الأبرياء، ~~وغير ذلك من أسباب الفزع التي يراد بها أن توقظ الغافلين عن حقوق الإنسان في كل ألوانه ~~وعقائده وشعوبه. # لا ... إن قول الخيام: «ولك الساعة التي أنت فيها» لا يصلح أن يكون هو المبدأ، بالنسبة ~~إلى الأكثرية العظمى من سكان الأرض، في هذه المرحلة الراهنة من هذا العصر؛ لأن كل هؤلاء ~~يريدون أن يفروا من الساعة التي هم فيها، ولكن إلى أين ms185 يفرون؟ هنا تختلف الإجابات ~~باختلاف «الحنين» ووجهته ... إنه حقا «عصر الحنين»، إلا أن بعضا يجد حنينه متجها إلى ~~هدوء الماضي وبساطته ونظافته، فيما يصورونه لأنفسهم، وأما بعضهم الآخر فيريد أن يشق ~~جدران هذا الحاضر الكريه، ليسرع الخطى إلى مستقبل رسمه لنفسه على هواه، وليكن لكل ~~إنسان منا ما يرى، فمن حقك أن ترى رؤية القرون السابقة كلها، من أن الحياة الكاملة ~~تحققت صورتها عند بداية الطريق، وكل ما جاء بعد ذلك تدهور وابتعاد عن ذلك الكمال الذي ~~مضى، ولكن من حق غيرك كذلك أن يرى الرؤية التي لم تتبلور وتنضح أبعادها، إلا في القرن ~~الماضي، وأعني بها أن العالم يتقدم مع مر الزمن، وأن سير تقدمه متجه إلى الكمال الذي لم ~~يكن قط وإنما نحن في طريق تكوينه، أو إن شئت الدقة فقل إننا في طريق الاقتراب منه ~~أبدا؛ لأنه كالأفق، تقترب منه فيبتعد عنك ليظل أمام عينيك أفقا تسعى إليه، لقد كان ~~«ستيفن سبندر» - الأديب الإنجليزي المعاصر - قد طرح فكرة وأخذ يدافع عنها، وهي أنه لا ~~يتصور الأديب - والشاعر بصفة خاصة - إلا وقد بحث له عن ركن من حياة القدماء في الماضي ~~ليلوذ به في خياله؛ لأن انغماس الشاعر في الحاضر وتفصيلاته قد يصلح مادة للناثر، لكنه ~~لا يلهب الخيال بشعلة الفن الرفيع، وكاتب هذه السطور يفهم «سبندر» في قوله هذا، على أن ~~الشاعر إذ يختار من الماضي الذي يختاره ملاذا، فإنما هو يفعل ذلك ليتخذ من ملاذه ذاك ~~«برجا للمراقبة» - بلغة المطارات - لتسهل عليه رؤية الحاضر في قبحه ومواضع نقصه، ~~فيستلهم ذلك الماضي وهو يستبق بخياله مستقبلا جديدا. # وليكن الأمر في ذلك ما يكون، ولنعد بأنظارنا إلى حاضرنا - وسوف أحصر حديثي الآن في ~~مصرنا الحبيبة - وكيف أن حاضرنا، كما هي الحال مع الكثرة الغالبة من أهل الأرض جميعا، ~~إنما هو بمثابة عصر للحنين، مع اختلافنا بعد ذلك فيما نحن إليه، أهو ماض نعود إليه ~~لنسكن ونستقر، أم هو مستقبل جديد نبدعه من قلوبنا وعقولنا إبداعا؟ # الفارق الحاد بين ms186 الماضي والحاضر في تصور الإنسان لحياته، هو الفارق بين السكون ~~والحركة، أو بين الثبات والتغير، فإذا استثنينا آحادا من رجال الفكر في الماضي، ~~وآحادا من رجال الفكر في الحاضر، وجدنا الماضي كله على رؤية واحدة، وهي أن حقائق ~~الأشياء ثابتة، وما على من يريد أن يرسم لنفسه صورة للعالم على حقيقته، إلا أن يبحث في ~~كل شيء عن جانبه الذي هو ثابت فيه، ثم - إذا استطاع - عليه أن يجمع تلك الحقائق ~~الثابتة عن الأشياء، لا ليكومها جميعا في كومة كما اتفق، بل لينسقها في بناء يظهر ~~الصلة بينها، فما هو منها فرعي يوضع في أسفل البناء، وما هو أساس وعام يوضع فوقه، ثم ~~يأتي الترتيب صعودا بأنه يسير في البناء إلى الأعم فالأعم وهكذا، وبهذا يستطيع الإنسان ~~أن يرسم بفكره صورة للعالم كما هو قائم في حقيقته، وكانت هذه الرؤية للأشياء في ثباتها، ~~تقتضي أن يكون لكل نوع من أنواع الكائنات - بما في ذلك النوع الإنساني - تعريف يحدد ~~جوهر حقيقته، لا في عصر معين، ولا في عدة عصور تتوالى، بل هي حقيقته الثابتة إلى الأبد ~~... فللإنسان - مثلا - صفته المميزة والثابتة معه أبد الدهر، وهي أن فيه كل ما في ~~الحيوان، مضافا إليه «العقل»، وكذلك للدولة صفاتها إلى الأبد، وكذلك حجم المدينة، ~~ونظام الطبقات وطريقة نظم الشعر، وبناء المسرحية ... إلخ إلخ. # وكان من أهم نتائج تلك النظرة، التي تبحث عما هو ثابت في الشيء لتجعله جوهرا ~~لحقيقته، أقول: إن من أهم نتائج تلك النظرة وانعكاساتها، أن قسم المجتمع إلى طبقات، ~~يكون لكل طبقة منها حقيقة ثابتة، وما دامت هي كذلك فمن الخلط في الأمور أن ينقل فرد من ~~انتمائه إلى طبقة، إلى طبقة أخرى، مهما كان لديه من صفات يتميز بها عن سائر أفراد ~~طبقته، وقسمت الأعمال بين طبقات المجتمع، فما هو عمل الطبقة العليا بطبيعتها، لا يجوز ~~أن يشارك فيه أفراد من الطبقة الدنيا ، والعكس صحيح أيضا، وكان أساس التقسيم بصفة عامة، ~~هو أن الأعمال التي يؤديها الإنسان ببدنه، كالزراعة ms187 والصناعة، وحتى الألعاب الرياضية، ~~إنما هي مقسومة للطبقات الدنيا، وأما العليا فمجالها ما يؤديه الإنسان وهو جالس، ~~كالتفكير العقلي والإبداع الشعري، وأهم من ذلك تولي مناصب الحكم. # هذه «الخانات» الحديدية القوالب، والتي كان يقسم فيها الناس كل بحسب طبيعته المزعومة، ~~ومنذ ولادته، إنما جاءت تفريعا خطيرا للرؤية العامة التي سادت العصور القديمة، وهي ~~الرؤية التي ترى الأشياء وسائر الكائنات على اختلافها، ذات حقائق ثابتة، قد تطرأ عليها ~~الطوارئ المتغيرة، كأن ينمو الطفل ليصير شابا، وأن ينمو الشاب ليصير رجلا، لكن وراء ~~تلك التغيرات الطارئة جوهرا ثابتا هو الذي يحدد حقيقة ما بقي له وجود، ولقد جاءت ~~الأديان جميعا لتغير ما هو خاص بالإنسان في تلك الرؤية العامة والشاملة، لتجعل الإنسان ~~متساويا في جميع أفراده، وجعل الإسلام الفارق الوحيد بين فرد وفرد هو التقوى، لكن ~~الرؤية القديمة كانت في كثير جدا من الحالات، أرسخ جذورا في نفوس الناس من أن تغيرها ~~رسالات الأديان، وإلا فلماذا أصر أولو الأمر في الدولة الأموية، وهي أول نظام سياسي نشأ ~~في التاريخ الإسلامي بعد الخلفاء الراشدين، أصروا على ألا يتساوى المسلمون الذين هم من ~~أصل عربي، مع المسلمين الذين هم من أصول أخرى - كالفرس وغيرهم - وأسموهم بالموالي، ~~وحتموا أن يكون لذوي الأصل العربي مناصب الحكم والحرب، وأما أعمال الحياة الجارية فمن ~~نصيب الآخرين. # ولم تبدأ في الظهور رؤية أخرى إلى حقائق الأشياء، بما في ذلك الإنسان ونظمه ~~الاجتماعية، إلا في القرن الماضي، ولم يكن ذلك انتقالا عشوائيا من قديم إلى جديد، بل ~~جاء نتيجة طبيعية وضرورية لكشوف علمية جديدة، ولنظرات فكرية نافذة، مكنت الإنسان من ~~رؤية العالم بكل ما فيه في إطار غير الإطار الذي كان، فلقد رأى السابقون الأشياء وكأنها ~~ثابتة، لكل منها طبيعته التي لا تتغير، والتي على أساسها تقام القوانين العلمية ~~التيقنية الثابتة، التي في إطارها يحدث للكائن المعين ما يحدث له، فوجد أهل القرن ~~الماضي أن الأمر ليس كذلك، وأبدأ بالنظر إلى الذرة اللامتناهية في صغر حجمها، والتي من ~~تجمعاتها تتألف ms188 الأشياء، فبينما كان تصور العلماء والمفكرين للذرة التي إليها يرتد كل ~~كائن أيا ما كان نوعه، هو أنها جسم مصمت، ساكن، ثابت، لا يتحول من مكانه إلا بدافع ~~خارجي، أشرق على علماء القرن الماضي ومفكريه، تصور آخر للذرة، هو أنها لا تعرف سكونا ~~ولا ثباتا، فضلا عن أنها ليست مادة بقدر ما هي طاقة، تطوي في داخلها حركة لا تسكن ولا ~~تفتر، وتجيء حركة كهاربها وكأنها حرة لا تتقيد بقانون حاسم وحتمي، ومن هنا استعصت ~~حركتها على التنبؤ العلمي المحدد الدقيق، ومن هذا الأساس الأولي الصغير، تغيرت وجهة ~~النظر، فلم يعد في الكون - كما كان الظن قبل ذلك - تلك الحتمية الصارمة التي تصورها ~~الأسبقون. # وفي هذه الحالة، أيضا، كان للرؤية العامة إلى الكون وكائناته انعكاساتها على الإنسان ~~ونظم حياته، فجاءت نظرة جديدة مضادة للنظرة السابقة، فبينما كان الأسبقون يرون أن خطوط ~~الحياة مرسومة لكل فرد من أفراد الناس، ولكل طبقة من طبقاتهم، بحيث لا يستطيع من وضعته ~~طبيعته في جماعة العاملين، أن ينتقل منها إلى طبقة الحاكمين، جاء المعاصرون ليزيلوا تلك ~~الجدران الحاجزة بين الأفراد والطبقات، وأصبحت القدرة وحدها هي التي ترفع أصحابها أو ~~تنزل بهم، وإن لم يتحقق ذلك بصورة كاملة في دنيا الواقع لعوامل أخرى، فهو أمر مأخوذ به ~~من الوجهة النظرية، على الأقل، تضعه الشعوب في دساتيرها ليكون ملزما للجميع، فالفرق ~~كبير بين حياة كانت مطردة اطرادا رتيبا لا يتغير منها شيء ولا يتبدل، بحيث كان من ~~مستطاع أي إنسان أن يتنبأ على وجه التقريب بما سوف يجتازه من مراحل حياته مرحلة بعد ~~مرحلة، تماما كما كانت الشجرة لتروي مراحل حياتها قبل وقوعها، ذلك لو كانت الشجرة لتعي ~~وتنطق، فكأن الإنسان في التصور القديم كان أقرب إلى عالم النبات منه إلى عالم الإنسان، ~~لكن قارن ذلك الاطراد القديم بشدة التغير وسرعته في حياة الناس اليوم، حتى لقد استحال ~~الآن على أي إنسان أن يتنبأ بسيرة حياته على وجه التقريب قبل وقوعها، فقد يبدأ الفرد ~~حياته فقيرا معدما، ms189 ليصبح في مرحلة وسطى من سيرته صاحب الملايين، والعكس صحيح كذلك، ~~فكم هم أولئك الذين بدءوا حياتهم في مراتب العز، وإذا بأحداث الدنيا تدور دورتها لتردهم ~~أشد المعوزين، إنه لو بعث أفلاطون من قبره اليوم، وهو الذي ظنه من مستحيلات الطبائع أن ~~يصعد عامل إلى مراكز الحكم، أقول: إنه لو بعث اليوم لأفزعه أن يرى من القوة والسيطرة في ~~أيدي العمال، ما ليس في أيدي سواهم، حتى لقد ضمن لهم الدستور عندنا حدا أدنى من حق ~~الكلمة، في حين لم يضمن لغيرهم في ذلك الصدد شيئا. # جاء عصرنا هذا متميزا بما لم يتميز به عصر سواه، وهو أنه عصر كثرت فيه الثورات التي ~~غيرت كثيرا جدا من أوجه الحياة كما عرفها القرن الماضي - والقرن الماضي يعد جزءا من ~~«العصر» - فبعد أن كانت القاعدة في القرن الماضي أن يكون الحكم للرجل الأبيض، وأما سائر ~~الألوان فعليها أن تخضع وتنقاد، حدثت ثورات لونية في كل أرجاء الأرض لتغير تلك ~~الأوضاع الجائرة، وشهد هذا القرن العشرون وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، استقلال ~~الشعوب الملونة شعبا في أثر شعب، ولم يبق إلا رواسب قليلة هي الآن في سبيلها من ~~الجهاد الوطني إلى تحقيق استقلالها، بل إن اللون الأصفر لم يكفه أن يحقق لنفسه السيادة، ~~وإنما بسط الطموح بجناحيه العريضين، ليبلغ من القوة والوفرة والثراء والقدرة على ~~المنافسة حدا أرغم به من كان ألف السيطرة والكبرياء أن يخشع، ولقد نتج عن ثورة ~~اللون وانتصاره، ثورة أخرى هي ثورة الثقافات، فكما كان للرجل الأبيض «في الغرب» الريادة ~~في دنيا السياسة، كانت له كذلك الريادة ينفرد بها في دنيا الثقافة، فكانت الثقافات ~~المتباينة بتباين الشعوب في سائر أرجاء الأرض، تقاس تقدما وتأخرا بدرجة اقترابها أو ~~ابتعادها عن ثقافة الرجل الأبيض، فهو وحده المعيار: الأدب الحق هو أدبه، والفن الحق هو ~~فنه، والموسيقى الحق هي موسيقاه، وكذلك أصبح لكل ثقافة شأنها وقيمتها ، لكن بقيت للرجل ~~الأبيض في الغرب مكانة ما زال منفردا بها، يوشك ألا يشاركه فيها أحد ms190 من الشعوب ~~الأخرى، اللهم إلا الشعوب الصفراء إلى حد ما، وتلك هي مكانته في التقدم العلمي، بما ~~يتبعه من عالم الآلات والأجهزة، ثم مكانته - في بعض شعوبه - في ممارسته للحرية ~~وللديمقراطية بدرجة لم تستطع تحقيقها سائر الشعوب، لكننا لا بد أن نستدرك هنا ~~استدراكا له مغزاه البعيد، وهو أن تلك المكانة في العلم وفي الاختراع، قد شارك فيها ~~مواطنون ذهبوا إلى تلك الشعوب البيضاء ليصبحوا جزءا منها، فالولايات المتحدة الأمريكية ~~التي تمسك بعجلة القيادة في التقدم العلمي، إنما هي خليط من شعوب وألوان كلها يشارك في ~~الإبداع العلمي وغير العلمي هناك، مما يدل أقطع الدلالة على أن المواهب الخلاقة ليست ~~مرهونة بلون أو جنس، وإنما هي مرهونة بنظام اجتماعي يشحذها أو يميتها. # تغيرت الأفكار والأوضاع في عصرنا تغيرا شاملا وعميقا، ولكنه تغير انبثق من ينبوع ~~واحد، هو ما أحدثته الرؤية العلمية الجديدة من اختلاف في وجهة النظر إلى العالم بكل ما ~~فيه، فما قد كان ذا ثبات وسكون - كما أسلفنا القول - قد أصبح في الرؤية العلمية الجديدة ~~متطورا ودائب الحركة، كان ذلك في كل شيء، من الذرة الصغيرة فصاعدا، إلى أن نصل إلى ~~الكون الكبير في وحدته، فهل يمكن إزاء هذا التغير الشامل أن يتحدث فينا متحدثون ~~ليقولوا: إلا الإنسان فلا يجوز له أن يغير من حياته شيئا؟ # إن عصرنا هذا بالنسبة إلى أهل الأرض جميعا، إنما هو «عصر الجنين»، فكل إنسان أرهفت ~~حواسه واستيقظ وعيه، لا مفر له من أن يأخذه قلق عميق، لا من جوانب الإبداع في عصره، من ~~علوم وفنون، وصناعات، ونظم، ولا من كسب الإنسان لكثير من حقوقه في الحرب، والديمقراطية، ~~والعدالة، والتعليم، وحصوله على الحد الأدنى من ضرورات العيش في صحة وفي أمن وفي أمل، ~~أقول: إن عصرنا هذا هو عصر الحنين، الذي يدفع الناس إلى القلق من أن يكون عصرنا هذا - ~~إلى جانب حسناته - مثقلا بسيئاته، مما أشاع في أهله ما لم يشهد له مثيلا في تاريخه، ~~من سخط وغضب وقسوة وعنف، حتى بات ms191 كل فرد عاقل واع حساس من أفراده، «يحن» إلى اجتيازه ~~إلى ما عداه، ولكن إذا كان لكل إنسان أن يحن على الصورة التي يهوى، فهل يتساوى الرشاد ~~بين من يتجه بحنينه ذاك إلى الماضي ليعيده كما كان، ومن يتجه بحنينه إلى مستقبل جديد ~~يبدعه من عقله ومن قلبه إبداعا؟ # وعودة بنا إلى بدء، فلقد سحرني الخيام، وسحر سائر أصدقائي منذ كنا في أوائل شبابنا، ~~والتقطنا نحن كلنا البيت الذي وجدناه في ترجمة السباعي للرباعيات، يقول: «ما مضى فات، ~~والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها» ... لكن نظرة أخرى بمنظار العصر إلى هذا البيت، ~~يتبين أن الخيام كان على صدق بمنظار عصره، أما نحن فقد أخطانا حين توهمنا أن هذه الصورة ~~نفسها تصلح لتصوير الحياة في العصر القائم، والخطأ يشمل الأجزاء الثلاثة التي يتألف ~~منها البيت. # أما ما مضى من تاريخنا فلم يفت، بالرغم من أننا نستنكر أن نجده ونجمد عنده، كأن ~~حياتنا لا يجوز لها أن تعرف سواه، فما مضى لا يزال حيا في لغتنا، وفي عقائدنا، وفي ~~مبادئنا، وفي طابعنا القومي، إلا أن هذه جميعا لا تحول بيننا وبين أن نتخذ منها أطرا ~~ندرج فيها كل ما تظله روح عصرنا؛ لكي نظل مع الأحياء أحياء، هذه - إذن - واحدة، وأما ~~الثانية القائلة عن المؤمل إنه غيب، فتلك قولة لا يقولها إلا من لا يعرف للإنسان قدرته ~~على الحساب، فالمجانين وحدهم هم الذين إذا أملوا، جاءت آمالهم خبطا كخبط الأعمى، ~~ولنذكر هنا عن عمر الخيام حقيقة قد لا يعرفها كثيرون، وهي أنه من أعلام العلماء في علوم ~~الرياضة، ثم نجيء إلى الثالثة التي تمس موضوعنا مسا مباشرا، وهي استئثار الساعة التي ~~نحن فيها بكل اهتمامنا كما يوصينا الخيام، فحقيقة الأمر بالنسبة إلى ساعتنا الراهنة، هي ~~أنها مصدر قلق شديد في صدورنا، نعمل جاهدين على اجتيازها، على أن يكون ذلك الاجتياز ~~متجها لوجهة نحو مستقبل نقيمه نحن على قواعد نرضاها، ولن يتحقق لنا مثل هذا الأمل، إلا ~~والماضي مصدر إلهامنا، لا عصا ms192 لتأديبنا ... # | أزرع ولا حصاد؟ # كان اليأس قد استبد بي في فترة من حياتي، حتى أحسست كأنما القلب لم يعد ينبض كما ~~كان ينبض، ولا الرئتان تتنفسان كما كانتا تتنفسان، وإنني لأذكر تلك الأيام السوداء، بعد ~~أن انقضى عليها خمسة وثلاثون عاما، فلا أغفر لنفسي قط أن اختلت موازينها إلى ذلك ~~الحد الذي يخلط بين وقائع الحياة المختلفة وأوزانها، بحيث تخف الكفة بما هو في حقيقته ~~ثقيل، وترجح الكفة بما هو في حقيقته خفيف، إنه لا حكمة لمن يزن حياته ومقدارها، لظروف ~~لحظته الراهنة؛ لأنها ليست إلا حلقة في سلسلة طويلة، سبقتها حلقات وستلحق بها حلقات، ~~وإلا كان كمن يرى الليل قد جاء فلف العالم بظلامه، فيظن ألا شروق للشمس بعد حين، لكن ~~هذه حكمة من لا تلسعه النار، إنها حكمة ما بعد الأزمة التي تحيط بالمأزوم فلا تترك له ~~طريقا للنجاة، وكانت أزمتي في تلك الفترة الحالكة، هي أزمة مظلوم، بذل كل ما يستطيع ~~بشر أن يبذله، فتؤخذ ثمرات جهده، ثم يقال له: انصرف يا أخانا، فليس لك عندنا جزاء، ~~وأذكر أني في تلك الضائقة قد هدأت يوما، لأحلل الموقف إلى كل عناصره، لعلي أقع على ~~موضع الخطأ من حياتي فأصححه، ووجدت الموقف يبدو لي وكانه ذلك الحصان «اللعبة»، الذي ~~اكتملت فيه الأجزاء كلها، لكن الطفل صاحب اللعبة لا يعرف ماذا يصنع فيه ليسير كما كان ~~المفروض له أن يسير، فحمل الطفل حصانه وجاءني مستغيثا، فقلبت معه الحصان من جوانبه ~~جميعا لأرى أين موضع القصور، ولم أجد، فأعدته إليه، متمتما بعبارة لو سمعها لما فهمها ~~- إذ قلت فيها: إن حصانك يا بني هو كحياتي، أعددت لها أجزاءها، لكنها مع ذلك «بلطت» في ~~الخط لا تريد أن تتزحزح خطوة إلى أمام. # وعندما أذكر ذلك كله اليوم، لا أغفر لنفسي ذلك الضيق الذي ضاقت به؛ لأن تلك النفس ~~عندئذ قد نسيت أمرين مهمين: أولهما أن الجهد الذي كانت قد بذلته، هو من النوع الذي ~~يحمل في صلبه جزاء نفسه، فالدراسة في ذاتها ms193 متعة - أو هكذا وجدتها دائما، ولا أزال ~~أجدها - فلماذا لا تنظر إلى تلك المتعة ذاتها وكأنها الجزاء إذا ما عز الجزاء يأتيها ~~من الآخرين؟ وأما الجانب الثاني فهو أن تلك النفس عندئذ أيضا قد فاتها أن القوس ~~المشدودة بين يدي الفارس، قد يبدو عليها السكون، مع أنها في حقيقتها تختزن العزيمة حتى ~~تجيء اللحظة المناسبة فتطير إلى هدفها، فالذي ينقصها هو حركة خفيفة تتحرك بها أصابع ~~الفارس فتنطلق. # وليست هذه الصورة بالنادرة الحدوث في حياة الناس العملية، ففي مواقف كثيرة يظن صاحب ~~الموقف أنه تجمد ولم يعد له أمل في حياة ما ظن به الموت، حتى يرى بعينه أن حركة ~~خفيفة تأتي من خبير، وإذا بالذي كان قد تجمد، سرت فيه الحياة، رأيت ذلك منذ قريب في ~~جهاز التليفزيون الذي عندي، فقد ذهبت عنه الحياة، لا صوت ولا صورة، وأشار علي صديق ~~بمن يصلحه، وأعطاني رقم تليفونه، وجاء الرجل فور استدعائه، يرافقه مساعد يحمل حقيبة ~~العدة، ولبث الرجل نحو ثلاث ساعات «يلغوص» في جيوب الجهاز وفي أمعائه، وانتهى إلى الحكم ~~«بألا فائدة» وعلي أن أحمله إليه في «الورشة»، والحقيقة أني لم أكن قد استبشرت خيرا ~~عند أول رؤيتي للرجل؛ لأنه أنيق الثياب، مصفوف الشعر، لامع الوجه، حتى لتحسبه من رجال ~~الدولة الكبار، وعلى أية حال فليس من المستطاع لمن هو في ظروفي - أن ينتقل بجهاز ~~التليفزيون إلى أي مكان - حتى ولو كان ذلك المكان هو الغرفة المجاورة، فأهملت الأمر كله ~~يائسا، ثم أراد الله بي خيرا، وأرسل إلي أحد أقربائي زائرا، وكان ممن يحسنون ~~التصرف في هذه المواقف، فقبل أن يشير برأي، نظر إلى الجهاز مدة دقيقة واحدة، وحرك على ~~وجه الجهاز شيئا لا أدري ما هو، وإذا بالتليفزيون تعود إليه حياته كاملة، وإلى يومي ~~هذا، صورة وصوتا كأكمل ما تكون الصورة ويكون الصوت. # وهكذا قد نيأس من حياتنا، مع أنها لو امتدت إليها يد ماهرة فربما تستقيم لها الأمور ~~بعزمة واحدة من إرادة قوية التصميم، فنحن إذا دققنا النظر ms194 فيما يحيط بنا اليوم من أسباب ~~تشدنا إلى الأرض شدا، وجدنا ما قد يبرر لليائس أن يشتد يأسا من أن ينزاح الكابوس ~~الجاثم على صدورنا، وهو كابوس كثيرا ما ضلت أعين الناظرين إليه، فظننت أنه كامن في هذا ~~المظهر أو ذاك، مما قد ملأ حياتنا بالصعاب العملية التي تزهق الروح، أما كاتب هذه ~~السطور، فالرأي عنده هو أن تلك الصعاب العملية، من تليفونات ومواصلات ومرافق وغير ذلك ~~من هذا القبيل، فأمره يهون؛ لأنه سرعان ما يعالج فيزول، لكن الكابوس الرازح الذي شل ~~حياتنا حقا، ولا يسهل زواله إلا إذا أخذتنا عزيمة صادقة من إرادة مصممة، فهو انحراف ~~في اتجاه النظر؛ لأنه إذا أراد مسافر أن يذهب من القاهرة إلى الإسكندرية وأخطأ القطار ~~الصحيح، وركب - وهو لا يدري - قطار الصعيد، فربما وجد في عربة القطار صعابا، في المقعد ~~الذي اختاره للجلوس، أو في طريق الوصول إلى دورة المياه، أو في قذارة القفف والبؤج التي ~~تزحم المكان بحيث لا يستطيع أن يحرك قدميه ... لكن ذلك المسافر المنكود الحظ، برغم تلك ~~الصعاب كلها التي يشكو منها، قد فاته أن يقع على الخطأ الأكبر، وهو أنه قد ركب القطار ~~الذي لن يصل به أبدا إلى حيث أراد أن يصل، وإذن تكون خطوة الإصلاح الأولى، هي أن يترك ~~قطاره في أقرب محطة، ليركب القطار الصحيح. # ولكي ألخص موقفنا في أوجز عبارة ممكنة، أقول: إننا ركبنا القطار الصحيح مدة لا تقل عن ~~قرن ونصف القرن، وكان كل عيبه أنه بطيء السير، وأعني بذلك القطار تلك الصيغة الموفقة ~~التي رسمناها لتسير عليها حياتنا، وهي صيغة مثلثة الأضلاع: أحدها يمثل ما نحييه من ~~تراثنا، والثاني يمثل ما ننقله من الغرب، الذي هو ممسك بزمام العصر، والثالث يمثل ما ~~نبدعه نحن إبداعا يحمل طابعنا وشخصيتنا وهويتنا، مستلهمين فيه ما قد أمدنا به الضلعان ~~الآخران، كانت تلك هي الصيغة، حتى حلت بنا هذه الفترة الأخيرة، وأصابنا فيها من الضعف ~~ما أصابنا، فوجدنا من غير لنا تلك الصيغة الأولى، ليرفع لنا ms195 شعارا آخر، هو أن نزرع ~~الماضي في أرض الحاضر، لا ليكون معه جزءا من حياتنا، ويترك الجزء الباقي لضرورات ~~الحياة في ظروف عصرنا، بل لقد زرعه في الأرض، مريدا له أن يستوعب الأرض كلها، فنتج ~~التناقض الذي شبهناه بمسافر أراد الانتقال إلى الإسكندرية فركب قطار الصعيد ... إنه لا ~~موضع في حياتنا الراهنة إلى يأس من ذلك النوع المتشائم القاتل، فكل ما في الأمر هو أن ~~ننتقل من قطار خطأ إلى قطار صحيح. # لقد سألني ذات يوم من أخطأ طبيعتي وحقيقتي، قائلا: لماذا أنت على تشاؤم ويأس فيما ~~تكتب؟ فأجبته بقولي: لو كنت على تشاؤم ويأس كما تقول، لما كتبت، لكنني أكتب على عقيدة ~~مني بأن المحنة قريبة عهد بنا، ولا بد كذلك من أن تكون قريبة موعد بزوالها، إننا لا ~~نريد أن نخلق أمة من عدم، فالأمة - بحمد الله - باقية بكل كيانها، كانت هنالك أمم أخرى ~~تجاورها في عهود قديمة، وزالت واحدة بعد أخرى، وبقيت أمتنا أرسخ أساسا من رواسخ ~~الجبال، وإنما الذي حدث، هو أنها لفتت وجهها في اتجاه لا يحقق لها رسالتها، وعلينا أن ~~ندعوها إلى لفت وجهها إلى اتجاه أصح وأنسب، ولم تكن هذه هي أول مرة يدعوها من يدعوها ~~إلى تغيير اتجاه رؤيتها فيضل عن الطريق الصحيح، بل حدث لها بعد الفتح العثماني، أن أدير ~~رأسها جهة الشرق والجنوب، فاستدارت ليكون ظهرها إلى البحر الأبيض المتوسط، مع أنها في ~~تاريخها كله، كانت لها صلات بالشمال الأوروبي لم تنقطع، فلما أدارت ظهرها إلى شمال، ~~واتجهت بوجهها إلى جنوب وشرق، انقطعت عنها شرايين الحياة، وأظلمت دنياها من الناحية ~~الفكرية والحضارية ثلاثة قرون كاملة، حتى شاء لها الله من الأحداث ما تعود به سيرتها ~~الأولى، وهنا بدأت سيرها على طريق النهوض، مهتدية بالصيغة الثلاثية التي أشرنا إليها، ~~ثم لحقها هذا الخطأ العارض في أعوامها الأخيرة، وذلك يعني أن المطلوب لإصلاح الخطأ ليس ~~من الفداحة بالقدر الذي يظنه المتشائمون. # إننا الآن في حكم من يزرع ثم لا يحصد بمقدار ما ms196 زرع، وإذا كان أمرنا كذلك، وجب البحث ~~عن مواضع القصور في عملية الزرع، التي أدت إلى فقر الحصاد، ففي ميدان التعليم تبذل ~~جهود مخلصة، مهما قيل في نتائجها فلا بد أن يقال إنها أنتجت أفرادا ممتازين في ~~ميادين تخصصاتهم، يعدون بعشرات الألوف، فهم الذين يقيمون لنا العمران في كل أركانه، وهم ~~الذين بثوا ويبثون معظم الحياة الجديدة في الوطن العربي الكبير طولا وعرضا، ولكن هل ~~ازداد «المجتمع» المصري، من حيث هو مجتمع لا مجموعة أفراد، قوة وارتفاعا في مضمار ~~الحضارة العصرية التي هي مقياس يقاس به من تقدم من الشعوب ومن تأخر؟ إنها لمفارقة ~~عجيبة، كانت جديرة بأن تستوقف أنظارنا لنتناولها بالجدية التي تستحقها، وهي - مرة أخرى ~~- زيادة المتعلمين زيادة عددية، وجمود المجتمع في جملته حضاريا وثقافيا معا، فكيف ~~أمكن لكائن حي، أن تقوى مفردات أعضائه عضوا عضوا، ثم يظل في مجموعه على ضعفه الذي كان ~~عليه منذ مائة عام، إن لم يكن أضعف مما كان؟ بدليل أنه الآن مجتمع لا يقوى على تقبل ~~الجديد، بمثل ما كان يقوى على ذلك منذ قرن كامل أو ما يزيد على قرن، فالموقف في عبارة ~~مختصرة هو أننا نكبر حجما، ولكننا لا نتطور. # وما قلناه عن التعليم ونتائجه، نقول مثله عن الاقتصاد وعن السياسة معا، فالأفراد في ~~المجال الاقتصادي قد ازداد معظمهم دخلا، ولكنهم في الوقت نفسه ازدادوا خفضا في مستوى ~~معيشتهم، أضف إلى ذلك انحرافا خطيرا في محاور الدخل، إذ أصبح معظم الدخل مصبوبا في ~~جيوب من لم يظفروا بدرجة من التثقيف تدعوهم إلى الارتفاع بمستواهم الحضاري بما يتناسب ~~مع زيادة كسبهم، وأصبحت العلاقة عكسية بين درجة العلم والثقافة من جهة، والقدرة المالية ~~من جهة أخرى، فالأعلم هو الأفقر، والأجهل هو الأغنى، مما كان له الأثر الملحوظ في ~~انخفاض «المجتمع» في جملته حضارة وثقافة، وبدل أن ترتفع القرى إلى مستوى المدن، انخفضت ~~المدن إلى مستوى القرى . # وفي ميدان السياسة أحس شيئا كهذا، وإنما عنيت بالسياسة - هنا - حقوق الإنسان في ~~المقام الأول، لا ms197 من حيث هي أسماء تكتب وتقال، ولكن من حيث هي صور من الحياة الفعلية، ~~تمارس وتعاش، فها هنا كذلك نجد المفارقة نفسها التي رأيناها في ميدان التعليم، بمعنى ~~أن نجد الأفراد على شيء والمجتمع - في جملته - على شيء آخر؛ لأننا إذا أخذنا الصحافة ~~مرآة للمجتمع في جملته، رأينا على تلك المرآة صورة تقرب من الكمال في الإحساس بضرورة ~~الحرية وضرورة المساواة بين المواطنين وضرورة العدل، لا بمعناه القضائي فقط، بل بمعناه ~~الاجتماعي الشامل، الذي من شأنه أن يجد كل فرد نفسه في الموقع الذي يتناسب مع مواهبه ~~وقدراته، وهكذا وهكذا، لكن اترك تلك المرآة الصحفية جانبا وانظر إلى الحياة الفعلية ~~كما تجري ممثلة في الأفراد، تجد عجبا من حالات الضغط على حريات هؤلاء الأفراد، ومن ~~حالات الإجحاف الصارخ الذي يضع القادر تحت إمرة العاجز، ومن حالات التسلط الذي كثيرا ~~ما تقصر قيود القوانين على الضعفاء دون الأقوياء بنفوذهم وسعة حيلتهم، وإذن، فها هنا ~~أيضا ليس المجتمع حاصل جمع أفراده، بل هو في مجموعه شيء، وفي أفراده - في أثناء ~~ممارستهم لحياتهم العملية - شيء آخر، وأرجو من القارئ أن يتسع لي صدره دقيقة واحدة، ~~لأضرب له مثلا واحدا، عن حرية الأفراد في الرأي والعقيدة كيف تصان عند أمة متقدمة في ~~رعاية حقوق الإنسان بالفعل لا بالكلام، سأضرب هذا المثل الواحد، وأترك للقارئ أن يراقب ~~نفسه من الداخل جيدا، فإذا وجد نفسه على شيء من الشعور بالغضب والمقاومة، علم كم هو في ~~حقيقة نفسه يريد للأفراد الآخرين من مواطنيه حق الحرية أو لا يريد. # والمثل الواحد الذي أسوقه، صادفني خلال هذا الصيف (1985) فيما علمته من أخبار دولة ~~أوروبية قصدت إليها للعلاج، والنافذة التي يطل منها مريض على المجتمع الذي يقيم بين ~~ظهرانيه، هي وسائل الإعلام فيه، ووسيلتي الوحيدة الآن: الأذن، أسمع بها ما يذيعه ~~الراديو، فسمعت أن لجنة كانت قد شكلت بصورة رسمية، قدمت تقريرها، فإذا بإحدى المواد ~~المعروضة التي يراد لها أن تسن وتصاغ قانونا من قوانين الدولة الخاصة بحريات الأفراد ~~في ms198 الرأي والعقيدة، أن يحرم على من يعرض شيئا عن الديانة التي يؤمن بها، أن يجرح أية ~~عقيدة دينية أخرى، فهو مسموح له أن يشيد كيفما شاء بعقيدته دون أن يتعرض لعقيدة دينية ~~أخرى بتجريح ... إلى هنا وقد لا يثير الأمر دهشة عندنا، برغم أننا من الناحية التطبيقية ~~عاجزون عن تنفيذه، لكن ما يشد الانتباه بعد ذلك، هو أن أعضاء الندوة التي عرض عليها ~~ذلك التقرير لمناقشة مواده قبل عرضها على البرلمان، وجدوا أن ثمة نقصا يجب تلافيه؛ ~~لأننا إذا اكتفينا بالنص على ألا يتعرض أنصار ديانة معينة لديانة أخرى بتجريح، فربما ~~فهم من ذلك أنه من الجائز أن يجرح من اختار لنفسه أن يكون بغير دين، فلا بد من إضافة ~~ما يحمي هؤلاء في حريتهم لما اختاروه ... ذلك هو الحرص من مجتمع يريد صادقا أن يكون ~~لأفراده حق الحرية في الرأي والعقيدة. # وهكذا تستطيع أن تدور ببصرك في جوانب حياتنا، وسترى في كل جانب أن هناك فجوة تتسع ~~بين الوطن في مجموعه من ناحية، والمواطنين - من حيث هم أفراد - من ناحية أخرى، فما تصف ~~به الوطن قد لا يصدق بنفس الدرجة على المواطنين الأفراد، والعكس صحيح، أي أن ما يصدق ~~على الأفراد من صفات، قد لا تجده بالدرجة نفسها في الوطن مأخوذا بجملته، فأفراد بأعداد ~~ضخمة، قد أصبحوا في عداد الأغنياء حتى بالمقاييس العالمية، وملايين من عمال الأرض وعمال ~~الزراعة باتوا على قدرة شرائية لم نكن نحلم لهم بها مهما شطحت بنا الأحلام، ولكن الوطن، ~~في جملته فقير بأي مقياس مما يستخدمه المختصون في قياس درجات التقدم والتخلف في ~~الشعوب، انظر إلى مجموعة الأفراد الذين نبغوا في دنيا الفن والأدب وفي كثير من الدراسات ~~المنهجية، تجدنا في حالة من الثراء بحيث استطعنا أن نجول في أنحاء العالم المتقدم ~~جميعا، وحيثما كنا، وجدنا من أبنائنا أفرادا تفاخر بهم وبقدراتهم كل أمة من الأمم، ~~وهؤلاء الأبناء في معظمهم تلقوا تعليمهم في جامعات وطنهم مصر، ومع ذلك فمصر متخلفة في ~~العلم وفي الثقافة ms199 تخلفا جعلها من بلاد يسمونها تأدبا «بالنامية» حين يريدون بها ~~معنى التخلف. # وهنا نقف لنلقي سؤالنا، فقد زعمنا في الفقرات السابقة أن موقفنا على ما فيه من تناقض، ~~أو ربما بسبب ما فيه من تناقض بين ما يوصف به الأفراد ولا يوصف به الوطن، ليست مشكلته ~~من الفداحة بالدرجة التي يتوهمها اليائسون، بل هي مشكلة حلها قد يتحقق في حركة خفيفة ~~نغير بها الاتجاه، والسؤال هو: ماذا عساها أن تكون تلك اللعبة الجديدة؟ # هل سمعت قصة الأعمى والمقعد؟ تحكي أن مقعدا شلت رجلاه فلا تقويان على حمله، ~~التقى مع أعمى سليم الرجلين، فهو قادر على المشي لكنه لا يرى الطريق، فاتفقا على أن ~~يجلس المقعد على كتفي الأعمى، فيكون عليه أن يرشد إلى الطريق، وعلى الأعمى أن يمشي ~~برجليه إلى حيث يريدان، ولما كان كل إنسان سليم فيه ما في الاثنين معا، فهو قادر على ~~الوظيفتين: يرى طريق السير، فيمشي برجليه إلى الهدف، وبهاتين الوظيفتين معا تتكامل ~~للإنسان حياته، وما التعليم والتربية معا للناشئ الذي نعلمه ونربيه، إلا هاتان ~~الوظيفتان: فالتعليم هو تزويد الفرد بمجموعة «أفكار» نضعها في رأسه، لتكون له بمثابة ~~الإبصار، والتربية هي تزويد من نربيه بعادات يتحرك بها إلى حيث تهديه أفكاره التي ~~حصلها، وباسمين آخرين نقول: إن الأفكار الهادية إلى الأهداف هي العلوم، وإن العادات ~~المحركة نحو الأهداف هي القيم، ونحن إذ نصف فردا ما، أو شعبا معينا، بأنه مزدهر مبدع ~~ناجح، كان معنى ذلك أن في حصيلته أفكارا هي له بمثابة خطط مرسومة للسير، وأن لديه ~~العزيمة والقدرة على أن يخرج تلك الخطط إلى عالم التنفيذ، ومن هنا نفهم قول الفيلسوف ~~«ليبنتز» للأمير الذي كان يحكم الإقليم الذي يقيم فيه، وكانت حالة الناس في ذلك ~~الإقليم لا تعجبهما معا، فقال ليبنتز للأمير: سلمني مقاليد التعليم والتربية، أغير لك ~~وجه الأرض في جيل واحد من الزمان، وقد صدق، إذ ماذا يريد قوم يعيشون حياة قوية مزدهرة، ~~إلا «أفكارا» هادية إلى أهداف و«قيما» تدفع الناس إلى تحويل ms200 الأفكار إلى أعمال، ~~والأفكار - كما أسلفنا - «تعليم» و«القيم» تربية. # وسر النكسة الحضارية التي نجتازها اليوم، هو أننا إذ نملأ رءوس الناس بأفكار، لا تكون ~~هي الأفكار الحية التي يمكن تحويلها إلى بناء حضاري متعدد الطوابق والأركان، وإذ نبث ~~فيهم ما نبثه من قيم، لا تكون هي القيم التي تدفعهم إلى السير الناجح في هذه الدنيا - ~~واللمسة الخفيفة التي قلت عنها إنها كافية لإصلاح حالنا، هي أن نجعل الأفكار التي نملأ ~~بها رءوس الناس «علوما»، وأن نقصر القيم على جهاز التحريك فتعتدل الكفتان ويتعاون ~~المقعد والأعمى، إذ العلوم بغير دوافع للعمل بمقتضاها، هي بمثابة مبصر كسيح، وكذلك ~~القيم الدافعة إذا وضعت في فراغ، هي بمثابة الرجلين السليمتين عند مكفوف البصر، فلا ~~يعرف إلى أي اتجاه يسير. # المصدر الرئيس للمعرفة العلمية هو المدارس والجامعات، والمصدر الرئيس للقيم الموجهة ~~للسلوك هو الدين، والحياة السوية شرطها أن يتوازن المصدران، فبالمصدر الأول نعرف حقيقة ~~العالم الواقع، وبالمصدر الثاني نعرف الحدود الجائزة في التعامل مع ذلك الواقع الذي ~~عرفناه، وينشأ الخطأ في حياة الناس حين يتوهمون أنهم بأحد المصدرين هم في غنى عن المصدر ~~الآخر، فربما كان خطأ الغرب اليوم هو ارتكازه على معرفة الواقع بغير ضوابط تضع حدود ~~التعامل مع ما عرفوه، وربما كان خطؤنا وخطأ أمثالنا هو الارتكاز على ضوابط القيم، وأما ~~معرفتهم بحقيقة الواقع فهم حتى إذا درسوها، فإنما يدرسونها بنصف عقولهم، كأنها زائدة لا ~~ضرورة لها، فتبقى لهم ضوابط القيم وكأنها طاحونة تعمل في فراغ، ولا عجب أن يزرعوا ~~زرعهم، ولكن لا حصاد. # | ظلال بين اليأس والرجاء # كنت في مطارح الغربة حين اكفهرت السماء بسحاب غاضب، وأظلمت الدنيا في عز الظهر ~~وكأنها قد انتقلت إلى قلب الليل في لمحة سريعة من لمحات الزمن، فقفزت إلى ذاكرتي رواية ~~«ظلام في الظهيرة» لآرثر كبستلر، وهي رواية قوية التصوير ناصعة البيان، كتبها كاتبها في ~~لحظة تحوله من يسار السياسة إلى يمينها، كان شيوعيا متطرفا، وشارك في الحرب الأهلية ~~الإسبانية في أواخر الثلاثينات على ذلك الأساس، ms201 وكان يحلم مع سائر الحالمين بأن جنة ~~الله قد أوشكت على الظهور فوق الأرض، لكنه لم يلبث على أحلامه تلك إلا قليلا، حتى ~~اسودت سماء السياسة في وجهه، وأظلمت الدنيا ساعة الظهر، وذاق مرارة الاعتقال ورأى ظلمة ~~السجن، لغير ذنب يعرفه، وعن تلك الخبرة كتب روايته «ظلام في الظهيرة» التي قفزت إلى ~~ذاكرتي، عندما اكفهرت السماء بسحاب أقتم غاضب، وكان الوقت لم يزل في ساعة الزوال من ~~منتصف النهار. # إنني هنا على أرض ليست هي أرضي، وسماء ليست سمائي، ويفصلني عن مصر لا أدري كم ألفا ~~من آلاف الأمتار، ولكني مع ذلك أطير على أجنحة الخيال إلى أرضها وسمائها ثم أعود، وأطير ~~وأعود في تلاحق سريع، وتلك هي نعمة الخيال، يحطم به الإنسان حواجز المكان وحواجز ~~الزمان، مهما بعدت المسافة وطال الزمن، ومع ذلك فأنا حريص هنا أن أضع مقعدي بحيث أواجه ~~حائط الزجاج، الذي ينحرف قليلا عن جهة الجنوب الشرقي، وهو الاتجاه إلى مصر، وكأني بذلك ~~أساعد الخيال على الطيران في الاتجاه الصحيح، وفي جلستي تلك يعن لي آنا بعد آن، أن ~~أستوي إلى منضدة صغيرة لأكتب ما عسى أن يفيض به الخاطر، وإني لألصق المنضدة في الحائط ~~الزجاجي، لعلي أظفر بمزيد من ضوء النهار، يضاف إلى مصباحين يصبان نور الكهرباء على ~~الورق صبا قريبا مباشرا، فلما أعددت نفسي لأثبت على الورق فكرة كانت برأسي، اكفهرت ~~السماء بسحابها الأسود الغاضب. # كانت الفكرة التي أعددت لها الجهاز الضوئي لتنزلق من مكمنها إلى سن القلم فيخطها على ~~الورقة المنشورة أمامي، فكرة يخالطها عبوس، لم تكن مستبشرة ضاحكة إلا في قليل منها، ~~وأما في معظمها فهي قنوط ويأس، واسودت السماء فانصرفت إليها عن الورقة والقلم، ونفذت ~~ببصري - أعني بما بقي منه - خلال الحائط الزجاجي، لأرى وأسمع ما يشبه ثورة الجن، فخيوط ~~البرق تلمع في رعشات عصبية مخيفة، لتعقبها زمجرة الرعد بما تحس معه كأنها تهز أطباق ~~السماء، وانهمر المطر غزيرا قوي القطرات في وقعه على ألواح الزجاج، حتى لتخشى أن يتحطم ~~هشيما ms202 من الشظايا تحت ضرباتها، وهنا تذكرت «لير» مشردا وحده في شيخوخته المحزونة ~~والمجنونة، إذ هو في الخلاء المكشوف مشعث الشعر مهلهل الثياب عريان الصدر، فاتجه إلى ~~السماء وهي ثائرة فوق رأسه ببرقها وبرعدها، وبما تصبه من جام غضبها، فخاطبها بأخلاط من ~~اللفظ المخزون المجنون اليائس قائلا فيما قاله: زمجري يا سماء وصبي ما ملأت به أمعاءك ~~من غضب، حتى يتعادل داخلي مع خارجي نقمة وسوادا. # تذكرت «لير»، لكن ... لا ... لا ... لم أكن قط في مثل ما كان فيه، فقد كان الرجل ملكا نزل ~~عن أرضه لبناته، على أن يحفظن له كرامته ومأواه، ووعدنه بما أرضاه، لكنهن غدرن به حتى ~~ولو كان والدا، فعند الجشع الجائع للمال والسلطان، لا مكان لأبوة وبنوة، فأين أنا منه، ~~فلا ملك ولا بنات، وكل ما في الأمر أن خطابا ورد إلي من شاب لا أعرفه - ولا أعلم من ~~أين عرف عنوان إقامتي، إذ هو من طبعي أن أتسلل كالظل، صامتا متسترا، جاءني ذلك الخطاب ~~ليسألني الشاب عما عساه أن يصنع، فهو يريد أن يحيا بالعلم والثقافة، للعلم وللثقافة، ~~ولعله أحسن الظن في شخصي، فطلب شيئا من الإرشاد والنصح، كنت - إذن - أمام هذا السؤال، ~~أفكر بماذا أجيب لو كنت لأجيب، عندما أزحت المنضدة الصغيرة نحو الحائط الزجاجي، لأكون ~~أقرب إلى ضوء النهار، وأعددت الورقة والقلم، لكن السماء اكفهرت بسحابها الأقتم الغاضب، ~~وبدأ الجن في ثورته أو في قتاله بمشاعل البرق وطبول الرعد. # كانت النفس عندئذ قد غشتها ظلال تقع بين اليأس والرجاء، فلا النفس في حالة من اليأس ~~الخالص الذي لا رجاء فيه، ولا هي في حالة الرجاء الذي لا يأس فيه، فيكفيني أملا أن أرى ~~شابا كهذا الذي أرسل إلي سؤاله، وهو في أول طريقه ينذر نفسه للعلم وللثقافة، لكن ~~موضع حيرتي هو وقفتي بين ما يكون وما ينبغي أن يكون، فبين هذين الطرفين في حياتنا زاوية ~~منفرجة واسعة الانفراج، يسألني الشاب: ماذا صنعت أنت بنفسك؟ وشكرا لك يا بني مرة أخرى ~~على حسن ظنك، ms203 لكنني - وأقولها صادقا - إذ عشت حقا بالعلم والثقافة، للعلم وللثقافة، ~~ويمنعني طبعي أن أمد يدا أستجدي بها العون، حتى لو اجتمع لي الفراعنة، والأكاسرة، ~~والقياصرة، والأباطرة، والملوك، كان لزاما علي أن أعيش من العمر ثمانين عاما، قدمت ~~فيها ما أظنه قد لقي شيئا من القبول عند كثيرين، لكنه ظل إلى هذه الساعة التي أكتب ~~فيها هذه السطور، قبولا مكتوم الأنفاس، أو هو كالمكتوم، إذ لم يخل الأمر من صوت ارتفع ~~حينا طويلا بعد حين طويل، لكنني لم أيأس قط؛ وكان ذلك لسبب بسيط، وهو إذا لم أنفق ~~أيامي في دراسة أتعلم بها، وفي كتابة أعبر بها عما يفيض به خاطري، ففيم كنت أنفقها؟ لكن ~~الأعوام الثمانين قد أسمعت آخر الأمر آذانا فيما وراء الحدود، والحمد لله على نعمته، ~~فإذا كنت يا بني على استعداد نفسي، للعمل المتصل الذي لا يفتر، والذي - في الوقت نفسه - ~~قد لا يعود عليك بما يتكافأ مع الجهد المبذول فيه، مكتفيا بأن ترضى عن نفسك وترضى عنك ~~نفسك، فهيا إلى جهاد طويل، لا أوصيك فيه إلا بشيء واحد، وهو أن يكون لك هدف واضح في ~~رسالة تؤديها لوطنك ومواطنيك، متوخيا الصدق مع نفسك ومع الناس. # غير أن أمانة القول تقتضيني أن أضيف الوجه الآخر للموقف في حياتنا على حقيقته، وهو أن ~~حب الظهور يملأ خياشيم عدد كبير منا، ولعل لهم عذرهم في ذلك؛ لأن «ثقافتنا» الشعبية ~~الأصيلة تسير بجمهور الناس في خطين معا، فهم لا يصفقون إلا لمن استطاع أن يظفر بقدر ~~ملحوظ من القوة في كثير من جوانبها: قوة النفوذ، قوة الصوت، قوة المال، قوة المنصب إلى ~~آخر هذا الخط الطويل، لكن جمهورنا مع ذلك يكن التقدير الصامت لمن نذر نفسه للعلم ~~وللثقافة كما تريد أنت أن تفعل، فإذا كنت نزاعا بطبعك إلى قوة الجاه، فلا سبيل أمامك ~~سوى أن تأخذك الكبرياء حتى ولو كانت كبرياء النفخة الكذابة، فلا تتواضع لأحد؛ لأن ~~جمهورنا سريع الخلط بين التواضع والضعة، اشمخ بأنفك حتى لو لم يكن لك ms204 أنف تشمخ به، ~~وابرز بصدرك إلى الأمام، حتى لو لم تسعفك في ذلك رئتاك. # لقد كتبت بالأمس عن «الإرادة» وموضعها في النظرة الإسلامية، وكان مضمرا في نفسي أن ~~أهم ما ينقصنا هو تربية الإرادة القوية في أبنائنا وبناتنا؛ لأنه إذا كان قد أصابنا ضعف ~~في نواح كثيرة فأساسه فتور الإرادة وتراخيها، وإذا رغبنا في استعادة مجدنا فسبيلنا إلى ~~ذلك هو إرادة قوية لا تلين أمام الصعاب. # فلما جاءتني رسالة الشاب، كان أول خاطر سبق إلى ذهني هو أن أوجه السؤال لنفسي على هذا ~~النحو: لقد كتبت عن الإرادة وأنها هي صاحبة الأولوية في النظرة الإسلامية، وها هي ذي ~~فرصة قد حانت لنكمل الحديث، فبأي شيء نريد للإرادة أن تتعلق؟ ولعل في الإجابة ما يكون ~~في الوقت نفسه جوابا مفيدا للشاب صاحب الخطاب، فلم ألبث بضع ثوان حتى أجبت نفسي: أول ~~ما أود لعزيمتنا أن تمتد إليه، فتمحوه من الوجود محوا هو «الخوف»، إن من طبيعة الإنسان ~~أن يتحصن بشيء من الخوف على سبيل الحذر من المجهول، لكن الخوف - شأنه في ذلك شأن جميع ~~الظواهر النفسية - يصبح مرضا إذا بولغ فيه، وقد زاد عن حده المعقول في حياتنا وأصبح ~~مرضا، فيخاف الإنسان فينا من ظله، كما نقول، نخاف من صاحب النفوذ، ومن صاحب القوة بكل ~~أشكالها، ومن هنا ترانا نكتم الحق خوفا من إعلانه، إذا كان في إعلانه ما يغضب أصحاب ~~القوة، فكانت النتيجة المحتومة لذلك أن نحيا - كما نحيا - بازدواجية القيم، فحياة ~~نحياها في الظاهر بالقيم التي تصادف الرضا، وحياة أخرى نحياها في الخفاء، ليسر بعضنا ~~لبعضنا الآخر همسا في الآذان، عما يراه حقا، فإعلان الحق ضرب من الجهاد، كثيرا ما ~~يصيب المجاهدين في سبيله العناء والعنت والأذى، مما يتطلب من أولئك المجاهدين في سبيل ~~الحق وإعلانه، اللجوء إلى الصبر، ولكن الناس يظلون في خسر إلى أن يظهر فيهم من تواصوا ~~بالحق وتواصوا بالصبر ... # أمة تخلو من الخوف والتخويف، إلا بالقدر الذي تتطلبه طبيعة الإنسان - هذا هو أول ما ~~يجب ms205 أن تتعلق به الإرادة، ولا يكون ذلك إلا بتربية تبث في الناشئ ثقته في نفسه، مع ~~احترامه للآخرين، إنه مطلب يسير في وصفه والتعبير عنه، لكنه عسير في تحقيقه تحقيقا ~~يجعله طريقة عيش وأسلوب حياة عند كل فرد من أفراد الشعب، فالحياة عندما تتخذ في ~~الإنسان صورتها المثلى تصبح مغامرة يغامر بها الفرد ابتغاء الوصول إلى مثل أعلى يراه ~~في هذا الجانب أو ذاك من جوانب الحياة، فقد يتجه المثل الأعلى بصاحبه نحو أن يكون ~~عالما بحاثة يكشف عن حقائق الوجود، أو يتجه به نحو إبداع في الفن والأدب، أو نحو قوة ~~الحكم أو قيادة الجيوش أو ما شئت من سبيل، لكن أيا ما كان السبيل المختار، فهنالك ~~طريقتان للتربية من أجل تحقيق غاية منشودة: طريقة توحي بالمغامرة والكشف والتحديد ~~وإرادة القوة، وطريقة ثانية تبث في الناشئ روح الخوف والانكماش والمحافظة والبعد عن ~~الخطر والمخاطرة، والطريقة الأولى تكون لها السيادة في الشعوب عند نهضتها، والطريقة ~~الثانية تخنق الرقاب وهم في مرحلة الضعف والتخلف والجدب والجمود، في الحالة الأولى ~~إقدام وجرأة، وفي الحالة الثانية، جبن وحذر وخوف، والأغلب في الحالة الأولى ألا يضغط ~~الرأي العام على حرية الفرد إلا بالحد الأدنى الضروري لسلامة المجتمع، أما في الحالة ~~الثانية فيغلب أن يبطش الرأي العام بأي فرد من أفراده تأخذه الجرأة فيحاول تغيير ~~المألوف، وأخشى أن يكون المسيطر على حياتنا في مرحلتنا الراهنة هو مناخ الخوف ~~والهزيمة. # نعم إن الحياة المزدهرة لا بد لها من «أمن»، لكن المهم دائما هو تحديد المعاني ~~التي لها قوة التأثير على تشكيل الفكر والسلوك، فبأي معنى نفهم «الأمن»؟ أما الخائف ~~الضعيف المهزوم، فلا يفهم من الأمن إلا أنه ضمان استمراره فيما هو فيه، وأما صاحب ~~العزيمة القوية، الطموح الجريء البحاثة الرحالة الطائر في أجواز الفضاء، الغائص إلى ~~أغوار المحيط، فمعنى «الأمن» عنده أن تصان له حريته وظروفه التي تساعده على أن يحيا ~~تلك الحياة المخترقة للآفاق، ولقد سبقت لي الإشارة في مناسبة سابقة إلى مغزى العنوان ~~الذي ms206 اختاره الإدريسي لكتابه «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» فهو يدل على روح الشعب ~~العربي الإسلامي إذ كان في مرحلة قوته، فقوته لم تكن في إغلاق النوافذ خوفا من لفحة ~~البرد، بل كانت قوته في اختراق الآفاق. # ولطالما وقفت متأملا قول الله - جلت قدرته: # فليعبدوا ~~رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع ~~وآمنهم من خوف # والإشارة هنا كانت إلى قريش الذين هيأ لهم الله ~~سبل السفر المطمئن في رحلاتهم التجارية إلى الجنوب شتاء، وإلى الشمال صيفا، فللحياة ~~المزدهرة ركيزتان أساسيتان: وفرة في الجانب الاقتصادي من جهة، تسانده سكينة نفس من جهة ~~أخرى، وتستطيع أن تفهم من الوفرة الاقتصادية كل ضروب النشاط الإنتاجي مع كل ما يؤدي ~~إليه ويتفرع منه، كما تستطيع أن تفهم من النفس التي أمنت من الخوف واطمأنت، كل ما قد ~~تنتجه تلك النفس الهادئة المطمئنة من علم وفن، بل ووسائل الحياة المهذبة في ساعات ~~الفراغ، من يسرت لهم حياة فيها الركيزتان: الازدهار في ضرورات العيش الكريم من جهة، ~~والنفس التي أمنت عوامل الخوف، فقد حقت عليهم عبادة الله الذي هيأ لهم السبيل. # وحديثي الآن، إنما هو عن الخوف الذي أراه قد ملأ صدورنا، فسدت أمامنا أبواب الفكر ~~الحر والنشاط المغامر الجريء، ولست أقصر قولي على الخوف في حياتنا السياسية، بمعنى ألا ~~يكون بين الحكومة والشعب إلا تلك العلاقة التي أشار إليها سعد زغلول في زمانه، ووصفها ~~بأنه نظرة الطير للصائد، لا نظرة الجند للقائد، لا، بل إني في حديثي عن الخوف أنظر نظرة ~~أشمل، ومن العجب أنها هي النظرة التي لا تزال ترى الصدق في عبارة سعد زغلول، مع جعل ~~العلاقة التي تكون موضع الحديث، علاقة الرأي العام عندنا اليوم مع أفراد الشعب، فقد عبئ ~~هذا الرأي العام تعبئة مالت به إلى نوع غريب من الخوف، وأعني الخوف من كل فكرة تثار، ~~ويكون من شأنها أن تجيء مخالفة في كثير أو في قليل للمادة التي عبئ بها حتى انسدت بها ~~أوعيته الدموية جميعا، موضع العجب هنا هو أن ms207 الخائف قد بلغ به الخوف حدا جعل منه ~~طاغية على من يجرؤ على فتح باب أو نافذ في جدران البرج الأصم الذي بناه بيديه ليضع نفسه ~~فيه ... # وانتهى الأمر بالرأي العام عندنا اليوم إلى سطحية ساذجة، ومعذرة إذا قلت إنه قل أن ~~يكون لها نظير حتى في مجموعة العالم الثالث، الذي كنا نستكبر في أول الأمر أن تكون مصر ~~جزءا منه، من الناحية الحضارية والثقافية، وقد سرنا في هذا التدهور على خطوتين: كانت ~~أولاهما أن نفخنا في أبواق الفزع من شيء أسموه بالغزو الثقافي، ثم لم يريدوا أن يفهموه ~~بما كان يجب أن يفهم به، فإذا قصد بمقاومة الغزو الثقافي أن نحصن أنفسنا ضد العوامل ~~التي تمحو هويتنا الذاتية، فأين هو الفرد الواحد الذي لا يوافق على مقاومة الغزو ~~الثقافي مأخوذا بهذا المعنى؟ أما أن تتسع الدائرة ليصبح المعنى شاملا لتيارات الفكر ~~والفن والأدب ونظم التعليم ونظم السياسة، ونظم التجارة ... إلخ ... إلخ، فذلك هو الانتحار ~~الحضاري بعينه، وسره هو «الخوف»، وسر الخوف فينا هو ما قد أصابنا من هزيمة وضعف وخيبة ~~رجاء، وقد أضيف أنه لا بد أن يكون بيننا صاحب مصلحة في إثارة ذلك الخوف في نفوسنا، ~~كأن تكون قوته وارتفاع قدره وكثرة ماله مستمدة من أن تدوم فينا حالة الفزع من الهواء ~~والنور. # وأروي للقارئ هذا النبأ، لنرى معا ماذا ينطوي عليه من مغزى، وهو أنني بينما كنت في ~~رحلتي العلاجية إلى إنجلترا في صيف عام 1984، تصادف أن جاء عيد الأضحى أثناء إقامتي، ~~وفي ليلة الوقفة، سمعت حديثين في الإذاعة البريطانية، كما شهدت في التليفزيون برنامجا، ~~بمناسبة وقفة عرفات ... أما الحديثان المذاعان بالراديو، فكان أحدهما لرجل من كبار رجال ~~الدين في تلك البلاد، وأما الحديث الثاني، فكان لباكستاني مسلم، وكان المتحدث في ~~البرنامج التليفزيوني مصريا، ماذا قال رجل الدين البريطاني؟ أخذ يشرح كيف أن اليهودية ~~والمسيحية والإسلام ديانات ثلاث، تنتمي كلها إلى سيدنا إبراهيم - عليه السلام - مما لا ~~بد أن يعني أخوة أصيلة بين أتباع الديانات الثلاث جميعا، ms208 وأما الباكستاني المسلم فقد ~~أدار حديثه حول المشكلة التي أصبحت تستدعي النظر عند المسلمين، وهي تزايد أعداد الحجاج ~~تزايدا بلغ بهم الملايين، وهو في تزايد مستمر، ما دام سكان العام يتزايدون، ومنهم ~~بالطبع جماعة المسلمين، فماذا يكون الحل عندما يصبح مستحيلا على عدة ملايين أن تجتمع ~~كلها في وقت واحد وفي مكان واحد محدود المساحة؟! إن المملكة السعودية تبذل كل ~~مستطاع في إيجاد الوسائل، بما تقيمه من الكباري العلوية ونحو ذلك، لكنها وسائل مهما بلغ ~~المبذول فيها من جهد، فمصيرها أن تضيق بالحجاج ذات عام لا نراه بعيدا، وكانت تلك ~~المشكلة هي التي طرحها المتحدث الباكستاني، وجاء دور المواطن المصري، يتحدث على شاشة ~~التليفزيون، فركز حديثه على ما رآه من نعمة الإسلام على المسلمين، فما الذي أورده من ~~جوانب تلك النعمة؟ ... كان أهم ما قال في ذلك أنه لولا الإسلام علينا لما اهتممنا بغسل ~~أقدامنا في الوضوء، ولا تنبهنا إلى ضرورة الاستحمام، فالإسلام علم المسلمين النظافة، ~~كما حث الغني على أن يتصدق للفقير ... وسار المتحدث في هذا الخط من الكلام، ولنلحظ ~~هنا في انتباه أن المتحدث يتحدث إلى قوم يأخذون النظافة مأخذ التسليم، وينظرون إلى ~~تأمين العيش للفقراء بنظم شاملة من التأمينات الاجتماعية، فهل أفادهم ذلك المتحدث عن ~~الإسلام بما كان ينبغي له أن يفعل؟! فلولا أنه معبأ بما انتهى به إلى درجة مخيفة من ~~السطحية الساذجة، لقدم الإسلام عن طريق القصيدة في لبها وأساسها، فشرح لهم «التوحيد» ~~الإسلامي ما معناه وما مداه في توجيه النظرة الإنسانية نحو الأكمل، وفي تشكيل السلوك ~~نحو الأقوم ... لكنه لم يفعل شيئا من ذلك كما رأيت، وأكاد أوقن أنه لو حدث مثل هذا ~~الحديث فيما قبل هذه المرحلة التي نجتازها، ثم اختير من رجالنا العلماء من يتحدث في مثل ~~تلك الظروف، لعرف كيف يكون الحديث عن الإسلام، لكنها سطحية علم، وسذاجة رؤية، وبراءة ~~كبراءة الأطفال، هي التي تسودنا اليوم، وكان مبعث سيادتها أن دبت فينا روح الهزيمة، ~~والخوف، وتسلم القيادة الفكرية في معظم حياتنا، ms209 من رأى أن النجاة إنما تتحقق لنا بأن ~~نلف أنفسنا في غطاء جلودنا، فلا تفتح منا عين لترى، ولا تصغي أذن لتسمع ... # وكيف نبدأ العودة إلى مصادر النور؟ الخطوة الأولى هي أن نفتح الأعين لترى، وأن نصغي ~~بالآذان لتسمع، وماذا نرى ونسمع؟ إن ذلك يتم من ناحيتين في آن واحد: الناحية الأولى أن ~~نزيل الغشاوة عن عقولنا لندرك مواضع القصور في حياتنا الفكرية، وعندئذ نرى أننا قد ~~جمدنا إلى حد لن نغفره لأنفسنا عندما نفيق، تصوروا يا سادة أنني كتبت يوما لأندد ~~بكتاب أخرجته مطبعة مصرية، يقيم فيه صاحبه البراهين على بطلان القول بكروية الأرض، ~~زاعما أنه باطل مقصود من جانب المستعمرين! فتصلني رسالة بعد ذلك المقال، أشكر صاحبها ~~على أدبه في اختيار لفظه، لكنه يناشدني أن أتقي الله في الدفاع عن هذا الباطل! ... وبعد ~~الناحية السلبية التي قلت إننا نبدأ بها فنفحص مواضع النقص الخطير في حياتنا الفكرية، ~~تأتي ناحية إيجابية نكفل بها حرية الفكر وحرية التعبير، لكل فرد من أفراد الشعب لم يثبت ~~أنه مصاب بمرض في عقله، وأود لفت الانتباه في هذه المناسبة إلى أننا لكثرة انشغالنا ~~بالمسائل السياسية، أصبحت المطالبة بحرية التفكير وحرية التعبير، تعني أول ما تعنيه عند ~~الناس، أن تكون تلك الحرية في مجال الفكر السياسي، ومع إدراكي - بالطبع - لأهمية تلك ~~الحرية في مجال السياسة، إلا أن اهتمامي الأقوى متجه نحو مجال أسبق وأشمل وأخطر من ذلك، ~~وأعني حياتنا الفكرية حين تجعل مدارها وجهة نظرنا إلى العالم الذي نعيش فيه، فنحن في ~~هذا العالم، بعد أن كنا نطمع في خطوة نخطوها إلى الأمام، أصبحنا ندعو إلى خطوة نخطوها ~~إلى الوراء، وبينما نعطي حرية القول لأصحاب هذه الدعوة، نخاف إذا أخذ هذا الحق نفسه ~~دعاة يدعون إلى السير نحو الأمام، ومع دعاة الرجوع رأي عام معبأ، بات كفيلا وحده أن ~~يكتم أنفاس المخالفين. # وإلى صاحب الرسالة التي جاءتني من شاب يسأل كيف يكون السبيل ... أقول: إنني حين هممت ~~بكتابة هذه السطور، كانت السماء قد اكفهرت ms210 وثارت ثورتها بالبرق والرعد والمطر، واستجابت ~~لها نفسي بشيء من اليأس، وها هي ذي السماء قد صفت وتقشع سحابها، عندما فرغت من ~~الكتابة، فاستجبت لها بنفسي امتلأت بالأمل والرجاء ... # | أهو شرك من نوع جديد؟! # «أشهد أن لا إله إلا الله» شهادة هي أول كلمة في إسلام المسلم، يقول «أشهد» لتدل ~~صيغة الفعل على أنه لمتكلم فرد مفرد فريد مسئول عما يقول: إنه لا يقول «نشهد» لينضم ~~بشخصه إلى غيره من أبناء أسرته أو أمته؛ لأنها شهادة يحملها مفردا، حتى ولو لم يكن معه ~~إنسان آخر من أهل الأرض جميعا، كلمة «أشهد» دالة وحدها، منذ أول حرف من حروفها - حرف ~~«الألف» - على أن الإيمان بالدين من شأن كل مؤمن على حدة، يدفعه إليه ضميره، وحتى حين ~~يفرض عليه دينه بعد ذلك أن يجتمع مع شركائه في الدين، أن يجتمع معهم في جهاد، أو في ~~صلاة، أو في حج، فذلك إنما يجيء بعد أن قال - أصالة عن نفسه، لا ينوب عنه أحد ولا ينوب ~~هو عن أحد - «أشهد» بصيغة المتكلم المفرد، والصيغة تبقى هي هي، إذا كان ذلك المتكلم ~~المفرد رجلا أو امرأة، حاكما أو محكوما، غنيا أو فقيرا، حرا أو مقيدا، فانظر ~~إلى حرف «الألف» الذي هو أول حرف في أول كلمة، أول جملة يدخل بها المسلم في دينه، دين ~~الإسلام، انظر إلى هذا الحرف الواحد، كم يتضمن من مواثيق تضمن للإنسان فرديته، ~~ومسئوليته، إلا أنه أسلم، وليكن بعد ذلك ذا مال أو ذا متربة، صاحب سلطان أو مجردا من ~~كل سلطان. # وبماذا يشهد الشاهد في شهادته أن لا إله إلا الله؟ إنه يقرر شيئين في وقت واحد، ~~أحدهما بالسلب، وثانيهما بالإيجاب، وهو يبدأ بقراره السالب أولا، إذ هو يبدأ بأن يمحو ~~الباطل، ثم يعقب على هذا بأن يثبت الحق، فهو ينكر وجود آلهة أخرى، لينتقل بعد هذا ~~الإنكار إلى إثبات وجود «الله »، لا إله - إلا - الله، وليس هذا التعاقب بين سلب الباطل ~~قبل إثبات الحق، أمرا جاء في الشهادة مصادفة، ms211 أو عن غير قصد، بل إنه هو نفسه التعاقب ~~الذي يحتمه منطق العقل في كل منهج للتفكير السليم، بل إنه تعاقب نلحظه في حياة الناس ~~العملية إذا ما توافرت لهم أركان الفطرة السليمة، فتراهم يزيحون الأنقاض قبل أن يقيموا ~~البناء الجديد، وينظفون البيت قبل تأثيثه بفرش نظيف، وأما في منهج التفكير العلمي، فهذا ~~التعاقب بين إزالة الأخطاء القائمة قبل عرض الفكرة الجديدة، أمره معروف للباحثين، ~~فتراهم يبدءون باستعراض ما قد قيل فيما سبق عن الموضوع المطروح للبحث، ليرد الباحث تلك ~~الآراء السابقة، رأيا بعد رأي، مقيما رده على بيان مواضع بطلانها، حتى إذا ما خلت له ~~الأرض، أقام هو فكرته مقرونة بأدلة صدقها، وعلى هذا التعاقب نفسه جاءت شهادة الشاهد بأن ~~لا آلهة لها وجود إلا «الله». # كانت الآلهة الباطلة التي جاءت بشهادة المسلم لتنفي عنها الوجود، أول ما جاء الإسلام، ~~أصناما لها أسماء، فهذا الصنم هو «اللات» وذلك هو «العزى»، وهكذا دار بنا الزمان ~~قرونا تتلوها قرون، حتى بعد العهد بتلك «الآلهة» بعدا أصبح مستحيلا معه أن يرتد عابد ~~عن عقيدته، ليعبد «اللات» أو ليعبد «العزى»، لكن ذلك الزمان نفسه الذي دار بقرونه ما ~~دار، إنما هو كالوحش الكاسر، يتربص بفرائسه أن يدب في أنفسهم دبيب الضعف فيفتك بهم ~~فتكا لا رحمة فيه، فلئن استحال على الناس، حتى وهم في حالة الضعف، أن يرتدوا إلى عبادة ~~اللات والعزى، فضعف نفوسهم - إذا ضعفت - كفيل أن يوسوس لهم في صدورهم بما يحملهم على ~~خلق أرباب أخرى من دون الله، ولتلك الأرباب عندهم أسماء، ولن أذكر هنا شيئا عن رب ~~عندهم اسمه «الذهب» ولا عن رب اسمه «السلطان» أو رب اسمه «الشهوة»، فتلك وغيرها صنوف من ~~الآلهة عرفها الناس منذ أقدم قديم في تاريخهم، وجاءت الأديان، وجاء المصلحون، ليوقظوهم ~~من تلك الغفلة، لكنها غفلة إذا استحكمت في الغافي، فهيهات له أن يفيق، وإنه لفي مستطاع ~~الإنسان، إذا كان قوي الروح، مؤمنا بالله الواحد، واثقا في نفسه، عاقلا، حرا، ~~مسئولا أمام ضميره وأمام ms212 الله الذي هو مؤمن به، أقول: إنه لفي مستطاع الإنسان أن ينزع ~~عن تلك الآلهة الزائفة شوكتها، بحيث لا يكون لها هي القوة في أن تملك عليه زمامه وتتحكم ~~فيه، بل يبقيها أدوات في يديه، يوجهها كما يشاء لها هو، لا كما تشاء هي له، وعندئذ لا ~~يعاب فيه ذهب، أو سلطان، أو رغبة؛ لأنها لم تعد الأرباب التي كانت يوم أن ذل ~~لأحكامها وخشع. # لا، لن أذكر هنا شيئا عن تلك الآلهة الزائفة، لأن أمرها في حياة الإنسان الضعيف ~~معروف، لكنني سأذكر إلها جديدا ظهر حديثا في حياة الناس، وهو - بدوره - ذو وجهين، ~~فهو بوجه منهما لا عيب فيه، بل إنه ضرورة مطلوبة، وذلك إذا نزعت عنه شوكة التأله، ولكنه ~~بوجهه الآخر، الذي يتسلح فيه بتلك الشوكة الرهيبة، ينقلب إلى طاغية يسحق فردية الأفراد ~~سحقا، ليحيلهم إلى أشباح من ظلال، وأعني بذلك الإله الزائف الجديد، شيئا اسمه «الرأي ~~العام»، ولهذا الرأي العام نحني رءوسنا طاعة وإجلالا، على شرط واحد، وهو ألا يكون في ~~معنى من معانيه، حرمانا لأي فرد أراد أن يختلف بفكره المستقل، عما أعلنه الرأي العام، ~~حتى ولو جاء ذلك الإعلان نتيجة سليمة لاستفتاء صحيح ومشروع؛ لأن ذلك الفرد - إذا كان ~~مسلما - كان قد التزم حين شهد، بوصفه فردا مفردا فريدا، أن لا إله إلا الله ~~... # إن وجود فرد واحد، لا يرى الرأي الذي هو «رأي عام»، ينفي عن الرأي العام عموميته، ~~وحتى لو كان من حق الرأي العام أن يضغط بقوته العددية في اتخاذ القرارات، وفي انتخاب ~~النواب الذين ينوبون عنه - وهو حق للناس لا نشك فيه - فليس له ذلك الحق نفسه في منع ~~الآراء والأفكار التي لا تعجب جمهوره، إن الذي يربط أفراد الجمهور بعضهم ببعض في تكوين ~~رأي عام، يغلب أن يكون هو «الانفعال» لا «العقل»، فالانفعال ينتقل من فرد إلى فرد ~~بالعدوى، وأما الفكرة العقلية فينقلها صاحبها إلى متلقيها بالإقناع، والإقناع بحكم ~~طبيعته عملية فردية وليست عملية جماعية، وحتى إذا استطاع صاحب فكرة ms213 عقلية أن يقنع بها ~~جمهورا من الناس، فذلك إنما يتحقق حين يقتنع كل فرد على حدة، بينه وبين نفسه، بصدق ~~الفكرة التي تلقاها، أما «الجمهور» من حيث هو كذلك، فليس العقل هو الوسيلة إليه، ألم تر ~~إلى الآية الكريمة التي فصلت الوسائل الثلاث في الدعوة إلى سبيل الله؟ إنها ذكرت: ~~«الموعظة الحسنة» و«الحكمة» و«المجادلة بالتي هي أحسن»، إنها وسائل مختلفة، ويظهر ~~اختلافها عند تدبرها وتحليلها، واختلافها هذا يقابل تفاوت الناس في الطريقة التي تناسب ~~الدرجة الثقافية التي لكل منهم، فعامة الناس - عادة - لا يتحملون «البرهان العقلي» ~~ويكفيهم أن تضرب لهم الأمثلة الموضحة للفكرة التي تعرضها عليهم، ويحسن أن تساق إليهم ~~تلك الأمثلة في أدب خطابي يثير انفعالهم، ليحرك قلوبهم وتلك هي الموعظة، وأما «الحكمة» ~~- حين تساق في معرض الدعوة والإقناع - فشأنها شأن آخر؛ لأنها طريقة لا تبني النتيجة على ~~«فروض» يفرضها عارض الفكرة الجديدة، إنما هي تبدأ مع المتلقي من «الصفر» وكأنهما - عارض ~~الفكرة ومتلقيها - يبدآن المعرفة من أول وجديد، وهنا يسير عارض الفكرة مع المتلقي خطوة ~~خطوة، ولا ينتقل من خطوة إلى التي تليها إلا إذا أقام على الفكرة الأولى برهان صدقها، ~~كما ترانا نفعل في علم الحساب أو علم الهندسة، وواضح أن منهاج «الحكمة» هذا، لا يناسب ~~إلا الصفوة التي ظفرت بتدريب عقلي أكسبها القدرة على إقامة البراهين، وأخيرا تأتي ~~طريقة «المجادلة بالتي هي أحسن»، فلئن كانت الموعظة الحسنة أصلح الوسائل إلى «قلوب» ~~الجمهور العريض، ثم كانت «الحكمة» أنسب الوسائل إلى «عقول» الصفوة، فهنالك وسط بين ~~الطرفين، فلا هو من الصفوة الممتازة بقدرتها العقلية العلمية، ولا هو من عامة الناس ~~الذين لا يطيقون الاستماع إلى البراهين العقلية في بطء سيرها، وفي دقة لفظها، إنما هو ~~وسط بين بين، فهؤلاء يناسبهم، لا أن تبدأ معهم من الصفر، بل أن تبدأ معهم بنص معين، أو ~~بفكرة معينة، تعلم أنهم على استعداد لقبولها بلا نقاش، ثم تستخرج لهم من تلك المقدمة ~~المسلم بها نتائجها التي تلزم عنها لزوما منطقيا، فلا مفر ms214 عندئذ من قبولها ... ~~فالآية الكريمة حين جعلت لكل درجة من درجات القدرة العقلية وسيلتها إلى قبول الفكرة ~~الجديدة، تضمن فيها أن ما يدركه فرد من الناس، قد لا يستطيع إدراكه فرد آخر أو أفراد ~~آخرون، والذي يهمنا في سياق حديثنا هذا، هو أن نخلص إلى حق الفرد الواحد في أن ينفرد ~~وحده بفكرة معينة، حتى ولو كانت تلك الفكرة مستعصية على الآخرين، وحسبه في ذلك أنه ~~«فرد» ضمنت له «الألف» التي هي أول حرف في «أشهد أن لا إله إلا الله» أن تصان فرديته ~~حتى ولو خالفه سائر أفراد البشر جميعا. # على أن هذا الحق الذي يبيح للفرد أن يتفرد بفكره وبعقيدته لا يمتد به إلى دنيا العمل ~~تطبيقا لذلك الفكر أو لتلك العقيدة؛ لأن دنيا العمل هي على الأغلب دنيا الناس، اللهم ~~إلا إذا حصر صاحبنا نفسه في عالم مغلق لا شأن لأحد به، أما ما دامت دنيا العمل شاملة ~~لأفراد آخرين، فها هنا يصبح لكل منهم نفس الحق الذي هو لصاحب الفكرة أو العقيدة، الذي ~~انفرد وحده بما رأى وما اعتقد، فدنيا الناس المشتركة، والتي هي مجال الحياة العملية، من ~~حقها أن تسير وفق متوسط الرأي عند معظم الجمهور - وذلك هو الرأي العام - دون أن يكون في ~~ذلك حرمان للفرد المختلف برأيه من الدعوة إلى فكرته بالوسائل المشروعة، لعل يوما يجيء، ~~تحل فيه الفكرة الجديدة محل الفكرة القديمة، وتصبح بدورها هي «الرأي العام». # إنني ما ذكرت مرة هذه المفارقة العجيبة بين الرأي الفردي والرأي العام، إلا وذكرت ~~معها موقفا رائعا لسقراط، وهو في سجنه على وشك أن ينفذ فيه الحكم بالموت، وهو حكم ~~قضت به محاكم أثينا، استجابة «للرأي العام» الذي وجد في سقراط خطرا على تقاليدها ~~الفكرية، وكانت المحكمة التي أصدرت عليه حكمها بالموت، قد طلبت منه أن يعارض هذا الحكم ~~باقتراح من عنده، لتحدث الموازنة بين الحكمين، ثم يكون الرأي الأخير النافذ، فأجابها ~~سقراط بسخريته المعروفة - إن اقتراحي هو أن تنفق علي أثينا؛ لأنني أعلمها ما ms215 فيه خير ~~لها، أقول: إنه حين دنا موعد تنفيذ الحكم بالموت مسموما، أنبأه بعض الأثرياء من ~~أتباعه، بأنهم قد مهدوا الطريق لفراره من السجن، حتى يخرج من أثينا سالما، فعجب ~~لأمرهم، ولم يتردد في رفض ما عرضوه قائلا لهم: إنه إذ يحاول جهده أن تغير أثينا من ~~قوانينها وتقاليدها ما من شأنه أن يعرقل سيرها نحو ما هو أفضل، إلا أنه يظل ملتزما ~~بالعمل في ظل تلك القوانين، إلى أن تتغير عن اقتناع من أبنائها. # ذلك هو المثل الأعلى في العلاقة بين الرأي الفردي والرأي العام، فللفرد حريته الكاملة ~~في عرض الفكرة التي يراها صالحة ومصلحة لحياة الناس، ولجمهور الناس حق القبول والرفض، ~~دون أن يتعرض صاحب الفكرة للأذى، إن للرأي العام حرمته وقيمته، لكن ليس له شيء من ~~التقديس الذي يتوهمه له من يتوهم، فليس الرأي العام تنزيلا من التنزيل، بل هو رأي ~~ينقد، ويتغير إذا ألزمته الظروف المستحدثة أن يتغير، أما قيمته التي أشرنا إليها، فهي ~~أنه صمام للأمان من العثرات القاتلة، فليس كل جديد تأتي به الحضارة الجديدة في أي عصر ~~تنشأ فيه حضارة غير الحضارة التي يكون لها السيادة عندئذ، أقول: إنه ليس كل جديد ~~مقطوعا له بالصواب منذ أول ظهوره، بل الأمر مرهون بالتجربة خلال الممارسة العملية، ~~فإما ثبت ذلك الجديد، وإما أهمل وترك ليزول، وهنا يكون للرأي العام قيمته الحضارية؛ ~~لأنه رأي بطبيعته أميل للتمسك بما هو قائم، فهو - عادة - يبادر برفض القادم الجديد، حتى ~~إذا ما أخذ ذلك القادم الجديد يتسلل في حياة الناس قطرة قطرة، ويقابل بالرضا شيئا ~~فشيئا، أرخى الرأي العام قبضته الحديدية على القديم، تلك هي القيمة الكبرى للرأي العام ~~وجموده النافع، إلا أنه لا بد في الوقت نفسه للجديد أن يتسلل ولو خلسة، لكي يوضع تحت ~~الامتحان، فمن الذي يفتح له الثقوب التي يتسلل منها خلال الجدران المصمتة؟ إنهم أفراد ~~أخلصوا للفكر إخلاصهم لشعبهم الذي هم من أبنائه، ولعلنا نلحظ خلال القرن الأخير كله، ~~ظواهر تدل على قيام الحالة ms216 التي وصفتها لتوي، وهي أن جديدا يتسلل إلينا، رذاذا ~~أحيانا، وغيثا منهمرا أحيانا أخرى، وهذا وذاك يقابله الرأي العام بالرفض الشفوي من ~~ناحية، وبأخذه واستخدامه في الحياة العملية من ناحية أخرى، ولست أشك لحظة في أن النصر ~~آخر الأمر هو للجديد النافع، وستذهب صيحات الرفض أدراج الرياح. # حدث لي في إحدى اللجان الرسمية التي كنت عضوا من أعضائها، أن كان الموضوع المطروح هو ~~مطالبة الدولة بأن تكفل حرية الفرد في التعبير عن فكره، فأبديت رأيا أعلق به على ~~الحوار الدائر، فقلت: إنها ليست الدولة التي تكمم الأفواه عن الفكر الحر، بقدر ما هو ~~«الرأي العام»، وهذا الرأي العام لا يفك عنه الجمود قوانين تصدرها الدولة، بل يفعل ذلك ~~بعلم وإعلام، ولعلني قلتها في مناسبة سابقة مما كتبته، وأعني تلك الظاهرة العجيبة في ~~حياتنا الثقافية، وهي أن التعليم قد ازداد اتساعا، والأفراد الأفذاذ قد ازدادوا عددا ~~في كل ميدان من ميادين حياتنا، مما يشهد بنجاح نسبي لحركة التعليم في بلادنا، لكن الأمر ~~الذي يدعو إلى العجب حقا، هو أن «الرأي العام» لم يكد يتقدم قيد أنملة في أواخر القرن ~~عنه في أوائله؛ ولذلك، فقد يحدث أن ترى العالم من علمائنا قديرا في علمه وهو في ~~ميدانه، لكنه ما إن يفرغ من واجبه إزاء تخصصه العلمي، حتى يسرع الخطى لينخرط مع الرأي ~~العام فيما هو غارق فيه من تهاويم قد تبلغ أحيانا كثيرة حد الخرافة العمياء. # وسر ذلك هو أن الفكرة، إذا جاء بها إلى الناس فرد يحمل رؤية حضارية معاصرة، لم يستطع ~~أن ينفذ بها إلى عامة الجمهور، وبين تلك العامة - من الناحية الثقافية - أعداد ضخمة ممن ~~تلقوا تعليمهم في المدارس والجامعات، كاملا أو منقوصا، إذ كانت عامة الجمهور في شبه ~~احتكار لجماعة وجدت مكانتها وأرزاقها وشهرتها ومناصبها في الدعوة إلى بعث الماضي لتعيش ~~فيه، لا لمجرد استلهامه وتشرب قيمه المبثوثة في نصوصه، ولكي يزيدوا موقفهم رجحانا ~~وقوة، مزجوا ذلك بسلامة الإيمان الديني، وبحرارة الشعور الوطني في آن واحد، نعم، إنه ms217 ~~لا مراء في أن إحياء الروح الديني وقيم الأسلاف ضرورة لا غنى عنها في ترسيخ الشعور ~~القومي، وتثبيت الهوية الخاصة بنا، لكن أبناء النصف الأول من هذا القرن عرفوا كيف ~~يضيفون إلى ذلك الأساس الضروري، أقباسا قبسوها من ثقافة العصر، فكاد الميزان الثقافي ~~الجديد تعتدل له كفتاه، لكن جاءت هذه الموضة التي تغمرنا اليوم، والتي أزعم أنها قد ~~استمدت قوتها من هزيمة 1967 التي زعزعت فينا الثقة بالنفس، أقول: إن هذه الموجة الجديدة ~~جاءت لتحذف من المركب الثقافي ذلك الجانب العصري، ولتشكك الناس في طواياه ونواياه، حتى ~~لقد أصبح الفرد السابح بثقافته مع توازن النهضة في العشرينيات والثلاثينيات إنما يسبح ~~ضد التيار، ويعرض نفسه لغضب الرأي العام وسخطه، فتراه في معظم الحالات يلوذ بالصمت ~~وإيثار السلامة، متجاهلا - أمام غضب الجمهور العام - أنه فرد مسئول أمام ضميره وأمام ~~ربه، بحكم قوله: «أشهد أن لا إله إلا الله.» # المسلم مسلم لكونه أسلم إرادته لمشيئة الله، وإننا لنخطئ خطأ خطيرا، إذا أخذنا الظن ~~بأن معنى ذلك هو أن يتجرد الإنسان من إرادته، لأنه لو فعل، لأصبحت عبادته لله ذاتها ~~معدومة القيمة، إذ هي في هذه الحالة عبادة تحولت إلى حركات يتحرك بها من لا إرادة له، ~~في حين أننا نعلم أن إعلان العابد لنيته بأن يعبد، نقطة جوهرية في أداء تلك العبادة؛ ~~لأن إعلان النية مقدما، كأن يقول القائم للصلاة: نويت الصلاة، وأن يقول المتأهب للصوم: ~~نويت الصوم، أقول: إن إعلان النية مقدما معناه أن العابد يؤدي عبادته عن إرادة واعية ~~واختيار حر، إذن لا بد أن يكون إسلام المسلم لإرادته لمشيئة الله، ذا معنى آخر، وهو ~~أن المسلم يسخر إرادته لتحقيق ما أمر الله بأن يتحقق، كما يدعونا إخلاصنا للوطن - ~~مثلا - أن نوجه إرادتنا إلى فعل ما هو صالح للوطن. # على أن تسليم المسلم لإرادته، لتتجه نحو ما يرضي الله - سبحانه - لا يشمل فيما يشمله ~~من معان، تسليم المسلم لعقله؛ لأننا لو زعمنا ذلك كنا ننقض أنفسنا بأنفسنا، وشرح ذلك ~~هو أن ms218 الإرادة وظيفتها أن تضع الأهداف، كأن يقول القائل: أريد بناء مسجد بما أنعم الله ~~به علي من مال، فإذا ما وضع الهدف، بدأ العقل مسيرته في سبيل الوصول إلى ذلك الهدف، ~~من شراء للأرض الملائمة لبناء المسجد، والاستعانة بمهندس معماري قادر، وإنفاق على عمال ~~البناء ... إلخ، وهذه كلها خطوات من تصميم «العقل» في خدمة ما وقع عليه اختيار «الإرادة»، ~~وواضح من هذا أن القوة العاقلة في الإنسان تفقد مبرر وجودها، إذا هي لم تصب فاعليتها ~~على رسم الخطوات المؤدية إلى تحقيق الأهداف، فإذا لم يكن لمجتمع الناس في وقت معين، ~~أهداف معلومة وواضحة، تبعثرت قوته العاقلة في لت وعجن لا ينتهيان بالناس إلى رغيف من ~~الخبز، وكذلك إذا رأينا مجتمع الناس في مرحلة معينة ذات أهداف معلومة وواضحة، لكن ~~عقولهم كالمخدرة بنعاس أو بيأس أو بضلالة وجهالة، ظلت تلك الأهداف معلقة وكأنها أحلام ~~النائمين! # المجتمع الذي يريد أن يخرط أفراده بمخرطة تسوي بينهم جميعا في الفكر والسلوك، كما ~~يخرط النجار قوائم المقاعد والمناضد على مخرطة واحدة، كي تصبح «طاقما» واحدا، هو ~~مجتمع يبعثر في الهواء هبة الله لعباده، فإذا سألتني: وكيف - إذن - تريد للأفراد الذين ~~اختلفت أهواؤهم أن يصبحوا «أمة» واحدة؟ أجيبك بأن العلاقة كما أتصورها بين مختلف ~~الأفراد وما يوحدهم في أمة واحدة - مصرية، أو عربية، أو إسلامية - هي أن تكون «الوحدة» ~~بمثابة «إطار» وأن يكون كل فرد بمثابة عجينة خاصة متميزة تنصب في ذلك الإطار، فالصورة ~~القومية واحدة، والمضمونات الفردية متمايزة، ويطوف بخاطري الآن تشبيه جيد، وهو أن تكون ~~العلاقة بين الطرفين كالعلاقة بين الصورة الرياضية في علم الجبر، وما يملأ تلك الصورة ~~نفسها من قيم عددية لتتعين وتتحدد فتصبح جزءا من علم الحساب، وبالطبع لا حصر للمضمونات ~~العددية التي يمكن اختيارها لتملأ الصورة الجبرية المفرغة، فمثلا خذ هذه الصورة برموز ~~الجبر: ~~(س + ص) # 2 ~~= س # 2 ~~+ 2 س ص + ~~ص # 2 ~~، فها هنا تستطيع أن تستبدل بالرمزين س، ص أي عددين ~~أردت، فتتحول الصيغة الجبرية المفرغة لتصبح ms219 صيغة حسابية محددة كأن تختار - مثلا - ~~العددين 2، 3 بدل الرمزي س، ص الصيغة التي أمامك (2 + 3) # 2 ~~= ~~4 + 12 + 9 = 25، فالعلاقة بين الإطار الصوري في الجبر، ومضموناته العددية التي يمكننا ~~أن نملأ بها ذلك الإطار والتي لا حصر لها، هي كالعلاقة بين إطار قومي وأفراده، فالإطار ~~واحد، والأفراد الداخلون به متمايزون، وبهذا يحقق كل فرد فرديته الكاملة دون أن يخرج ~~على الروح القومية الواحدة، التي تجمع في ظلها جميع الأفراد، وبهذه الفردية المنتمية ~~إلى أمتها، يتحقق للإنسان المسلم ما كان متضمنا في قوله: «أشهد أن لا إله إلا الله» ~~... # | هذا الصغير وصغائره # كانت جلستي هذه المرة مع نفسي، آخذ منها وأعطيها، ولقد بدأ الحديث بيننا حين دفعت ~~الأحداث بين أيدينا بصورة ذلك الرجل الصغير الكبير، فهو صغير بأوهامه وأحلامه، وهو كبير ~~بعمره ومناصبه، وهو صغير بتفاهاته التي يعيش بها وعليها، وهو كبير في أعين قوم قلبت ~~أمام أعينهم درجات القيم، وربما كان للرجل عذره في صغاره؛ لأنه يريد الوصول إلى أعلى ~~البناء، فماذا هو صانع بنفسه، إذا كانت أيامنا قد حكمت بألا يكون الأعلى للحق قبل ~~الادعاء؟ ماذا هو صانع بنفسه، إذا كانت حياتنا قد أسلمت أسواقها للعملة الزائفة قبل ~~العملة الصحيحة؟ أئذا ركب صاحبنا الصغير الكبير ظهور الموج مع اتجاه الريح، كان أحق ~~باللوم، أم كان أحق بالثناء؟ # وسمعت نفسي سيل هذه الهواجس مني، فانتفضت لتعترض قائلة في همس المختنق: كفى، كفى يا ~~صاحبي، إن صغيرك الكبير هذا، حقيق بأن يلقي العقاب على صغاره، وعقابه يكون بإهماله فلا ~~يذكره الذاكرون، حتى يتعلم الشعب أن يكون الفرق بين صغير وعظيم، لقد اختلطت على الناس ~~أمورهم واضطربت الموازين، فمتى يعود إلينا يوم لا يعلو فيه جهل على علم، ولا مهارة ~~الحواة على كدح العاملين؟ لقد راقبت صغيرك الكبير على تعاقب السنين، فإذا هو يقيم بناءه ~~من قش هش هزيل، لكنه يطليه بزخارف الألوان، فيخطف به أبصار البلهاء، الذين لا ~~يكادون يركلون البناء بأقدامهم حتى يتهاوى قبل أن يعودوا بأقدامهم إلى حيث ms220 كانت، إنني ~~لفي عجب منك يا أخي ومن أقرانك، الذين يظنونه خلقا كريما أن تخفت أصواتهم أمام زيف ~~خادع، وأرى الناس في بساطتهم يسألون في الصحف كل يوم: لقد دب في حياتنا ضعف، فأين يا ~~خبراء مواطن الضعف؟ وأول موطن من مواطن الضعف بين أصابعهم ولا يحسونه، وهو أن القوس لم ~~تعد تعطى لباريها، فبات فينا عالما، من علمه قد انحصر في «أبجد هوز» أو ما يشبهها، ~~وأصبح فينا أديبا من أدبه قد اكتفى بركاكة اللفظ واختفاء المعنى، وأضحت شجاعة الرأي هي ~~التهجم الغشوم الأجوف، وأمست حكمة الحكماء هي في مخادعة المنافق الجبان ... رحمك الله يا ~~أبا الطيب، لقد أنشدتها كلمة حق، حين قلت: إن من كان به صغار، عظمت في عينه الصغائر، ~~وأما العظيم حقا، فهو ذلك الذي تصغر في عينه العظائم؛ لأن له وراء أي هدف عظيم، هدفا ~~أعظم منه، وهكذا تعلو همته علوا يشده صعدا إلى عظيمة فوق عظيمة، فلعلك يا رفيقي لم ~~تنس بعد بيت المتنبي الذي أشير إليه، والذي يقول: # وتعظم في عين الصغير صغارها # وتصغر في عين العظيم العظائم ~~- قلت لنفسي: بارك الله فيك يا نفسي ... ولقد ذكرتني بأبي الطيب المتنبي، فتعالي يا نفس ~~نعش في ظل شموخه بضع دقائق، فإن دقيقة واحدة يعيشها إنسان مع ذلك الطامح، الأبي، ~~الجبار، لكفيلة بأن تنقذه من صغائر الصغار، ومن قناعة الضعفاء بما هم فيه من غث رخيص، ~~ولنجعل مأوانا من ديوان المتنبي، تلك القصيدة التي كان البيت الذي أشرت إليه يا نفس، هو ~~ثاني أبياتها ... # كان بنو كلاب قد عاثوا في ناحية من البلاد تدميرا وتخريبا، فسار إليهم سيف الدولة، ~~وفي صحبته أبو الطيب المتنبي، وأدركهم وحصرهم في مأزق بين جبل وماء، وأوقع بهم ليلا، ~~فقتل من قتل وغنم ما غنم، ثم اتجه نحو ثغر كانوا قد خربوه، وقصد إلى بنائه من جديد، فخط ~~له الأساس وحفر أوله بيده؛ ابتغاء مرضاة الله، لكن أهل المدينة كانوا قد أسلموها إلى من ~~يدعي «بالدمستق»، فجمع له هذا الدمستق ms221 جيشا جرارا من خمسين ألفا من الفرسان، كانوا ~~خليطا من جموع الروم، والأرمن، والروس، والبلغاريين، والصقالية، وغيرهم، ولم يكن مع ~~سيف الدولة إلا خمسمائة مقاتل، فهجم بهم وهو على رأسهم، وكتب له الله نصرا مبينا، قتل ~~فيه من جيش عدوه ثلاثة آلاف، وأسر عددا من خيرة فرسانه، ثم انصرف بعد نصره إلى بناء ~~المدينة بعد دمارها، ويقال: إنه لبث حتى وضع بيده ما يكون خاتمة العمل عند ~~اكتماله. # وكان أبو الطيب المتنبي يصاحبه في ذلك كله، فلما كتب للمهمة ما حققته من نصر ~~وتعمير، كانت تلك هي المناسبة التي أنشد فيها قصيدته، التي أعتقد أن مطلعها وبعض ~~أبياتها مألوف لكثيرين؛ لأنها كثيرا ما تورد بين المحفوظات في المدارس، ومع ذلك فإني ~~أفضل أن أعرض مضمونها نثرا، لسببين: أولهما أنهم قليلون أولئك الذين يصبرون على قراءة ~~الشعر وهو في صورته المنظومة، وثانيهما: أنني سأحل لنفسي أن أسوق المعنى المنثور، ~~مشروحا بإضافات وتعليقات؛ لأن هدفي هو أن أشرك القارئ في تلك الجلسة التي انصرفت ~~فيها أنا ونفسي إلى قراءة تلك القصيدة للمتنبي، لنظفر منها بشيء من عظمة الروح، يخفف ~~عنا ما يحيط بنا من صغائر الصغار، فهاك نفحة مما عشته مع نفسي في ظلال المتنبي وقصيدته ~~التي أشرنا إلى مناسبتها: # ماذا تكون الحياة بغير إرادة تعزم، وعمل ينفذ؟ وإن الناس لتتفاوت أقدارهم بتفاوتهم في ~~العزيمة وقوتها من ناحية، وفي تفاوتهم في دنيا الكفاح والعمل من ناحية أخرى، إنهم ~~ليتفاوتون في هذا وفي ذلك تفاوت الماء وهو عند صفر التجمد أو ما دونه من درجات، ثم وهو ~~عند مائة الغليان، وعند أسفل الدرجات ترى صغائر الصغار، وعند عليا الدرجات ترى عظمة ~~الإنسان كيف تكون، ولكن ما كل إرادة تستوي مع كل إرادة، حتى لو تكافأتا في قوة التصميم، ~~فقد تتعلق إرادة إنسان بمال يجمعه حتى يعد بالملايين، وقد تتعلق إرادة إنسان آخر ~~بمناصب النفوذ النافذ الذي يخترق صلابة القوانين فلا يحاسبه أحد، أو تتعلق بمظاهر الجاه ~~ذي الهيل والهيلمان الذي تنخلع له القلوب ms222 من بطش سطوته، لكن لا هذه ولا تلك هي التي ~~عنيناها عندما تحدثنا عن تفاوت الأقدار في ناحية الإرادة وفي ناحية الجهاد من أجل ~~تحويلها إلى عمل، وإلا فهل رأيت صحائف التاريخ قد شغلت بسطر واحد من صفحة واحدة، ~~برجل لتقول عنه إنه كان ذا ثراء ثم لا شيء بعد الثراء؟ أو رأيتها شغلت بسطر واحد من ~~صفحة واحدة، برجل لتقول عنه إن كل بضاعته هالة من هيلمان؟ وحتى هي إذا قالت ذلك عن ~~إنسان مضى، فإنما تقوله بحروف في مدادها قطرة من ازدراء، لا، إنما نعني إذ نتحدث عن ~~تفاوت الناس في ناحية الإرادة وفي ناحية تنفيذها، أن يكون معيار التفاوت هو مقدار ~~الجوهر الإنساني في الإنسان، فليس الناس - صغارهم وكبارهم - كلهم سواء في الصفات ~~الأساسية التي تجعل من الإنسان إنسانا، ومن هنا كان أبو الطيب موفقا توفيق شاعر ~~عبقري، حين جعل التقابل - في البيت الأول من قصيدته - بين «العزائم» و«المكارم»؛ ~~فبالعزائم تمضي الإرادة نحو العمل، وليس أي عمل، بل العمل الذي يجيء مكرمة، فيبني للناس ~~جزءا من صرح الحياة ويعلي البناء، وفي أمثال هذه الإضافات الحقيقية الحيوية يتفاوت ~~الناس، تفاوتا يسفل به الصغير بصغائره ويعلو العظيم بعظائمه، فحقا: على قدر أهل ~~العزم تأتي العزائم، وتأتي على قدر الكرام المكارم ... # وإذا ما انتهت عزائم الناس - في تفاوت درجاتها - إلى دنيا العمل، اختلف نزلاء الدرجات ~~السفلى عن نزلاء الدرجات العليا في شيئين: أولهما نوع الهموم التي تشغل حياتهم، فأصحاب ~~الحظ القليل من العزيمة ينشغلون بتوافه الأمور التي لا تغني أحدا عن فقر، ولا تضيء ~~لأحد طريقا من ظلام، في حين ينشغل أصحاب الحظ الموفور من العزيمة، بما يترك أثرا على ~~وجه الحياة المحيطة بهم، لا تمحوه الأيام، بل يصمد حتى يجيء ذو عزيمة قوية آخر فيضيف ~~إليه ذلك جانب، وأما الجانب الآخر في اختلاف الفريقين، فهو أن الصغير يستعظم صغائره حتى ~~ليحسبها مما يخلد به الرجال، وأما العظيم فهو من علو النفس وشرف الطموح، لا ترضيه ~~الإضافة العظيمة التي يضيفها، ms223 فيسعى نحو ما هو أعظم وأسمى، فتبعد مسافة الخلف بينه ~~وبين الصغير، بعدا فوق بعدها، فالصغير يلهو على الأرض بتوافهه، والعظيم ماض، يعلي ~~البناء طابقا على طوابقه، وهكذا تعظم في عين الصغير صغارها، وتصغر في عين العظيم ~~العظائم ... # ولما أردت الانتقال مع نفسي إلى البيتين الثالث والرابع من قصيدة أبي الطيب، ووجدتهما ~~تتحدثان عن سيف الدولة، قلت: هل نتخطى هذين البيتين يا نفس؟ فأجابتني في غضب: لا ... في ~~مستطاعنا أن نسقط «سيف» فتبقى لنا «الدولة» وبذلك ربما وجدنا الموقف قد تحول بهذا ~~الحذف، فأصبح وكأنها مصر تخاطب أبناءها في أيامنا هذه، وما نخوضه فيها من صعاب، فاقرأ ~~... # وقرأت أول البيتين، فوجدت وكأن الدولة حين أثقلتها همومها الجسام، توجهت إلى أبنائها ~~ليحملوا عنها همومها، بيد أننا كما رأينا كم يتفاوت الناس في عزائمهم، ما بين صغير فاتر ~~العزيمة، لا يحتمل إلا أوهن الأعباء، ورأينا الناس يتفاوتون كذلك في مكارمهم، ما بين ~~التافه الذي يكفيه من الأعمال صغائرها، والجليل الذي لا يرضيه إلا أن يزحزح الجبل، إذا ~~رأى الجبل يسد على الناس طريق التقدم، ثم رأينا - في البيت الثاني - كيف تتسع المسافة ~~بين الصغير الذي تعظم في عينه الصغائر، والعظيم الذي تصغر في عينه العظائم، فكذلك نحن ~~الآن - في البيت الثالث - أمام تفاوت من نوع ثالث، هو تفاوت الناس في أنواع الهموم التي ~~يهتمون لها، فلقد باتت الهوة واسعة وسحيقة، بين هموم «الدولة» وكانت في القصيدة «سيف ~~الدولة» من جهة، وهموم أبنائها من جهة أخرى، وكأنها ليست هي الأم، وكأنهما ليسوا هم ~~الأبناء! لكن «الدولة» إذ تستمد عظمة طموحها، من عظمة تاريخها، تهيب بالأبناء أن ~~يطاولوها همة وهموما ... # وننتقل إلى البيت الرابع، فنجد «سيف الدولة» أعني أننا (في حالتنا نحن) نجد «الدولة» ~~أو قل إننا نجد مصر، تطلب عند الناس ما عند نفسها، شأن كل عظيم عندما يتوقع مثل عظمته ~~من أوساط الناس، فلأنه يفيض عظمة بفطرته، لا يتكلف ولا يتصنع، يحسب أن تلك هي فطرة ~~الإنسان - كل إنسان - وهو ضرب من ms224 الطموح لا يعرفه بين كائنات الدنيا إلا الإنسان ... وأما ~~في عالم الحيوان، فالليوث تدرك بغريزتها أنها من قوتها وسطوتها، في منعة لا ترتقي إليها ~~الغزلان والحملان، فالقوة التي رآها المتنبي في سيف الدولة، والتي نريد أن نرى شبها ~~لها في مصر اليوم، وهي القوة التي يراد لها أن تنتقل من الدولة إلى أبنائها، ليست قوة ~~الغابة، وإنما هي قوة الحضارة، قوة الدين، قوة العلم، قوة الفن، إنها قوة الريادة، ~~والقيادة «ويطلب عند الناس ما عند نفسه، وذلك ما لا تدعيه الضراغم.» # قالت لي نفسي: هيه يا رفيقي ... في حلو أيامي ومرها، امض فيما أنت قارئ، ولنجعل مصر نصب ~~أعيننا فيما نقرؤه، اقرأ، قلت لنفسي: إن أروع ما يستوقف النظر، هو أن أبا الطيب، في هذه ~~القصيدة، لا يفوته قط أن عظمة الإنسان الحقيقية، إنما هي في البناء، فإذا أقام إعجابه ~~بشجاعة أميره في ذلك القتال الذي واجه فيه «الدمستق» وفرسانه في عشرات ألوفهم، فهو ~~سرعان ما يشفع ذلك بالهدف البعيد الذي من أجله لجأ سيف الدولة إلى الحرب، وذلك الهدف ~~البعيد، هو بناء المدينة التي كانت عامرة فدمروها، فانظري - يا نفسي - كيف بدأ هذا ~~البيت بعبارة: «بناها فأعلى» قبل أن يذكر ما كان يحيط بذلك الجهد في عملية البناء: ~~«بناها فأعلى، والقنا تقرع القنا، وموج المنايا حولها يتلاطم»، فإذا نحن عدنا مرة أخرى ~~إلى اسم «سيف الدولة» فأسقطنا عنه السيف، لتبقى لنا الدولة، التي هي مصر، وجدنا الصورة ~~التي نريدها فيما نخوضه اليوم مع العالم الذي نعيش فيه، فهو عالم يضطرنا اضطرارا، حين ~~نمضي في جهود البناء الحضاري، الذي عرف بنا وعرفنا به آلاف السنين، أن ندجج أنفسنا ~~بأقوى السلاح، الذي نريد له أن يكون من صنعنا، وابتكارنا، ومؤسسا على علمنا؛ لكي نواصل ~~عملية البناء، حتى ولو كان «موج المنايا حولها متلاطم»، نعم، فسماء الدنيا امتلأت ~~بجوارح الطير، «أحداثها والقشاعم» وهو طير لا يخشى شعوبا خلقت بغير مخالب ... أتذكرين يا ~~نفسي - ذلك الشاعر الإنجليزي، الذي أدار البصر في «الطبيعة» فهاله ms225 أن يراها «ملطخة ~~بالدماء نابا ومخلبا»؟ فقد فاته أن مجتمع البشر، في يومنا هذا على الأقل، قد بات ~~ينافس الطبيعة ولوغا في الدماء! # إننا - يا نفس - نقرأ هذا الذي نقرؤه لأبي الطيب المتنبي، لنستمد منه روح الشجاعة، ~~والهمة، والطموح، والأمل، والثقة بالنفس، لعلنا نبرأ مما أصابنا من شعور باليأس، ~~والقصور، والهزيمة، ونبرأ قبل هذا كله من التفاهة، والصغار، والعبث اللاهي في ظروف ~~تقتضي الجد والجهد وقوة البأس، والتسامي إلى أوج نحن به جديرون، لقد هزأ الشاعر بذلك ~~«الدمستق» الذي اجترأ على مواجهة الأسد، فعجب كيف لم تسعفه حواسه فتنبئه بالهول الذي هو ~~مقدم عليه، مع أن ريح الليث تشم من بعيد: «أينكر ريح الليث حتى يذوقه؟ وقد عرفت ريح ~~الليوث البهائم»، ولنختم - يا نفس - لقاءنا مع المتنبي، بهذه اللوحة الرائعة، التي جلس ~~فيها الظافر، ينظر إلى الأسرى من أبطال عدوه، موصيا - يا نفس - بأن توجهي انتباهك إلى ~~أن الظافر في جلسته تلك، كان في جلاله متكافئا مع نصره، وجهه وضاح، وثغره باسم: # وقفت وما في الموت شك لواقف # كأنك في جفن الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة # ووجهك وضاح وثغرك باسم # تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى # إلى قول قوم أنت بالغيب عالم ~~«العظيم» اسم من أسماء الله - جل جلاله - وهو اسم يحمل صفة المسمى به، وكان اسم ~~«العظيم» في أول الأمر - كما يقول الإمام الغزالي في شرحه للأسماء الحسنى - إنما أطلق ~~على الأجسام، ليدل على امتداد الجسم، في الطول والعرض والعمق (وليلحظ القارئ أن كلمة ~~«عظيم» متصلة بالعظم في هياكل الأجسام)؛ ولذلك كان «العظيم» في مدركات البصر، هو ما لا ~~يدرك البصر أطرافه، ومن هنا نقول عن المحيط إنه عظيم، وكذلك عن الصحراء وعن السماء ~~بنجومها، وغير ذلك من امتدادات المكان، ثم انتقل معنى «العظيم» من وصف الأجسام التي لا ~~يدرك البصر أطرافها، ليصف مدركات العقول والبصائر إذا تحقق فيها العمق والاتساع، ومنها ~~ما تستطيع العقول الجبارة إدراكها، ومنها ما يستعصي إدراكه الكامل على الإنسان؛ وعلى ~~هذا الأساس يكون ms226 العظيم من العباد، هو ما تعذر على عامة الناس إدراك أبعادهم وأعماقهم ~~إلا بالدرس، وواضح أن عظمة الإنسان تقاس إلى من دونه من البشر، وأما عظمة الله سبحانه ~~فهي لا متناهية ومطلقة. # قالت لي نفسي: ماذا أردت بهذا التحليل لمعنى «العظيم»؟! هل أردت أن تعلل انشغالنا ~~بصغائر الأمور، بغياب «العظيم»؟ فأجبتها: إن ذلك جزء مما أردته، ولو اقتصر الأمر على ~~غياب العظيم، لما كان الخطب فادحا؛ لأن حياة الناس منذ كان في الحياة ناس، لم تشهد ~~عظماءها في كل عصر من عصورها، وفي كل شعب من شعوبها، بل كانت العظمة بمعناها الصحيح، ~~كالشهب تسطع في السماء حينا بعد حين، ويظل وهج الشهاب هاديا للناس فترة طويلة بعد ~~غيابه، قبل أن يسطع في سمائهم شهاب آخر، لكن فداحة الخطب في حياتنا الآن، هو في هذا ~~الخمول الفكري الذي نحياه، يخيم علينا بوخمه فنتثاءب فيأخذنا نعاس، ثم ما هو أفدح، إذ ~~يختلط علينا الأمر فنظنه عظيما من تشيطن فمشى على حبل مشدود مشية البهلوان، أو نعده ~~عظيما من تكاثرت ملايينه في بلد يعد حصيلته بالقروش، فيأخذنا الذهول، ونهتف: ألا إنه ~~لعظيم ... صنوف كثيرة من «الشطارات» يظهر بها أصحابها، وكل بضاعتهم سفاسف وتفاهات، ~~فندرجهم في قائمة العظماء، فأين هذه السذاجة البلهاء، من المقياس الصحيح، الذي يضن بلقب ~~«العظيم» على رجل مثل نابليون، قائلا: إنه مهر فيما لا يدفع بحضارة الإنسان إلى ~~الأمام، قد محا ممالك وأنشأ أخرى، وخلع ملوكا وتوج ملوكا، ثم مرت الأعوام وعاد كل ~~شيء كما كان، فكأنك يا زيد ما حاربت ولا غزوت، العظمة في العباد إنما تكون للأنبياء ~~والعلماء والمبدعين لروائع الفن والأدب، وللمصلحين الذين تتحول بهم شعوبهم حالا بعد ~~حال ... # إن لشكسبير حكمة مشهورة، يقسم بها العظمة بين ثلاثة رجال، إذ يقول ما ترجمته: «بعض ~~العظماء يولد عظيما، وبعض يبني عظمته بيديه، وبعض ثالث تدفع إليهم العظمة دفعا» - ~~ولست أدري من ذا قصد إليه في القسم الأول، فإذا كان قد أراد ملوكا يولدون ملوكا لأن ~~آباءهم ملوك، فقد ms227 أخطأ لأن التربع على عرش الملك ليس - في ذاته - دليلا على عظمة، ~~وإنما عظمة الإنسان فيما يقيمه لتتقدم به حياة الناس، والصواب فيمن يولد عظيما، هو ~~الموهوب بفطرته في دنيا العلم والفن وإصلاح ما فسد أو ضعف من حياة الناس. # قالت لي نفسي وقلت لها: وهكذا ظللت آخذ منها وأعطيها، وقد بدأ حوارنا - كما رأيت - ~~بتذكر صغير كبير، كبرت سنه، وعلا موقعه، ولم تزل حياته نسيجا من صغائر، ثم سار بنا ~~الحوار مستهدفا - بنفحة من أبي الطيب المتنبي - أن نلهب العزائم حتى يولد العظماء ~~... # | صانع الحروف # لقد دار الفلك بصاحبنا دورته، وجاءه اليوم الذي ينساه لأنه يخشاه، إنه في حياته يوم ~~لا ككل يوم، إنه ينساه ليذكره، ثم يذكره لينساه، فهو من يومه ذاك كمن يحاوره ويداوره، ~~لا يريد له الظهور فيظهر، إنه دون سائر الأيام يوم ذو لون وطعم ورائحة، ففي مثله بدأت ~~القصة فصولها، والله أعلم أهي قصة في صفحاتها مأساة أم هي مسلاة وملهاة؟ إنه يوم يشبه ~~أن يكون صورة مصغرة ليوم الحساب، ففيه يصر صاحبنا على أن يقيم لنفسه الموازين، لا عن ~~عام واحد مضى، بل عن شريط أعوامه منذ كانت له أعوام: ماذا صنعت يا أخانا لتغير من حياة ~~الناس؟ فلما أن طرح السؤال على نفسه هذا العام، كما كان يطرحه في موعده من كل عام، جاءه ~~الجواب - ربما لأول مرة - بأنه لم يصنع سوى كلمات. # فلقد كانت حياته كلها كلاما في كلام، كالذي قاله هاملت عن نفسه، حين رآه من رآه وهو ~~يقرأ كتابا، فسأله: ماذا أنت قارئ يا هاملت؟ فأجابه ساخرا: إنها كلمات، كلمات، ~~كلمات. # كانت الحياة قد تأزمت بأبي الطيب المتنبي وهو في مصر، أيام كافور الإخشيدي؛ لأنه لم ~~ينل من كافور ما جاء ليناله منه، فلما حل يوم العيد، نظم قصيدته التي هجا فيها كافور، ~~ووجه إلى مصر عتابا لائما. # وقد بدأت تلك القصيدة بتوجيه خطابه إلى يوم العيد في نغمة مرة ساخرة: «عيد! بأية حال ~~عدت يا عيد؟ ... بما مضى؟ ms228 أم - لأمر - فيك تجديد؟» والمتنبي ذو كبرياء، إذا وجد في حياته ~~قصورا، فمحال أن يكون منه هو ذلك القصور، في سلوك الآخرين تجاهه، وأما صاحبنا الذي ~~أروي عنه الحديث، فهو مهما بلغت به كبرياؤه، فإنها لا تبلغ حدا يلوم عنده الآخرين على ~~ما يراه من قصور، إنه تقصير وليس قصورا، إن صاحبنا شديد القسوة على نفسه، إذ هو على ~~اعتقاد جازم بأن الإنسان صنيعة أفعاله وأقواله، فإذا أخفق فقد أخفق لأنه لم يحسن ~~الفعل والقول، ولا شأن في ذلك لأحد سواه، إنه العاجز هو الذي ينسب عثراته إلى سواه، ~~ليست النجوم هي التي تملك للإنسان سعده ونحسه: «إن نجومنا - أي عزيزي بروتس - هي طي ~~نفوسنا» كما ورد في مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير، وما تقوله في ذلك عن الأفراد، قل مثله ~~عن الشعوب، فخائب الرجاء هو الذي قل عقله وضعفت عزيمته فانحدر وانهار، قال: إنها ~~الصهيونية وإنه الاستعمار، فقلة العقل وخور العزيمة هما طي نفوسنا، أي عزيزي بروتس! ~~ونقول ذلك عن كل من تعثرت قدماه فصرخ وقال إنها الظروف وإنهم الأشرار، حتى ولو كان ~~القائل هو أبو الطيب المتنبي. # ذلك هو موقف صاحبنا من نفسه، كلما حاسب نفسه عن عام مضى، ولقد أخذ يقص علي كيف ~~انتهى به الحساب يوم الحساب من هذا العام، فقال فيما قال، وفي سياق حديثه بأن «الكلمات» ~~هي صناعته: إنه لمن عجب أن شيخوختي هذه ما تزال تحمل في إهابها كل مراحل عمرها، فهي ~~تحمل الطفل الذي كانته، وتحمل المراهق، والشاب، والرجل المكتمل، فقد يخرج له الطفل من ~~مكمنه ليلهو بالمزاح البريء، وقد يفاجئه المراهق بأحلامه الجامحة وعاطفته الملتهبة ~~وحيرته بين طرق الحياة وأيها يسلك، وقد يتصدى له الشاب بآماله العراض، على ظن منه بأن ~~المستقبل ما زال أمامه ممدود السنين، وقد يجيء إليه الرجل القوي الذي لا يعرف في عمله ~~كللا ولا مللا، فكأن الجلد الشائخ في صاحبنا مجرد غطاء يخفي وراءه جمهورا متفاوت ~~الأعمال ، وهو بهذه الصفة يصلح أن يكون مرجعا يركن إليه إذا ms229 ما أردنا مراجعة الحياة، ~~كيف كانت في كل مرحلة من مراحل القرن العشرين! لكن تلك الشيخوخة - كما قال لي صاحبها - ~~كثيرا جدا ما تضيق بهذا العبث من أولئك الصغار الرابضين لها في جوفها، فهي مكدودة ~~مهدودة بفعل السنين، لا طاقة لها بلهو الطفل، وتهاويم المراهق، وطموح الشاب، وجهد ~~الرجولة القوية، فتهم بأن تضع الشكائم وتشد اللجام، ليثوب هؤلاء الصغار إلى واجبهم إزاء ~~جسد منهوك، ولكنها قد تخيب فيما أرادت، وكثيرا جدا ما تخيب، فصغارها هؤلاء لا يسهل ~~أن يكبح لهم جماح، فعندئذ تأوي إلى فراشها لتنام ... # ومضى صاحبي في حديثه عن نفسه، فقال: ... وهذا هو ما قد حدث لي منذ بضعة أيام - هي أربعة ~~أيام على وجه التحديد - عندما هممت أن أقيم لنفسي موازين الحساب عن عام مضى، وما سبقه ~~من أعوام، فلما أن عبث بي الصغار على نحو ما ذكرته لك، ضقت بهم ذرعا وآويت إلى فراشي، ~~وكانت الساعة مبكرة في أول المساء، فلم يأخذني النعاس، واسترسلت خواطري بغير قيد ولا ~~ضابط، ولأمر ما كان أول ما خطر لي هو قصة «ألس في بلد العجائب»، و«ألس» هذه طفلة حملتها ~~قدماها إلى نفق، فما هي إلا أن وجدت نفسها بين مجموعة من الحيوان رأت فيها عجبا، ~~واستطرد صاحبي ليقول عن تلك القصة: إن ذاكرتي كثيرا ما تخون، فإن صدقت هذه المرة فقصة ~~«ألس في بلد العجائب» التي هي الآن من عيون الأدب الإنجليزي - في أدب الطفولة - إنما ~~كانت في أصلها حواديت حكاها عفو الخاطر أستاذ للرياضيات بجامعة أكسفورد، ولقد حكاها ~~لأطفال أستاذ زميل له في الجامعات كان يسكن جارا له، وأحبه الصغار، فكانوا يلحون عليه ~~كلما وجدوه، أن يحكي لهم «حدوتة»، فيطلق أستاذ الرياضيات العنان لخياله ويحكي، ومرارا ~~ما سمعه والد الأطفال ذاهلا لتلك القدرة العجيبة عند زميله، ورجاه أن يكتب ما حكاه ~~لينشر، وتحقق الرجاء فكان كتاب «ألس في بلد العجائب»، قال صاحبي: لأمر ما كان ذلك ~~الكتاب أول ما ورد في تيار الخواطر المرسلة ... # وسرعان ما امتزجت قصة ms230 «ألس» في مخيلتي بقصة علاء الدين ومصباحه، من حكايات ألف ليلة ~~وليلة، واندمجت القصتان معا في صورة واحدة، وجدتني على أثرها - وكنت ما أزال في يقظة ~~مسترخية تنساب فيها الذكريات والصور، من حيث أدري ولا أدري - أقول: إني قد رأيتني ~~وكأنما انحدرت بي قدماي إلى نفق، تماما كما حدث للطفلة «ألس» وكما حدث للفتى «علاء ~~الدين»، لكن ما رأيته في عمق النفق لم يكن كالذي رأياه، إذ وجدتني في مدينة عامرة ~~بأهلها ونشاطها، فهنالك الدكاكين المنوعة مصفوفة شوارع شوارع، وهنالك المصانع كبيرة ~~وصغيرة، وهنالك دور اللهو رفيعة وخفيضة، وهنالك كل ما يجعل المدينة مدينة نابضة بالحركة ~~والحياة، أخذت أطوف بها حتى استوقفني شارع الصناعات الصغيرة وهو شديد الشبه بخان ~~الخليلي في القاهرة، هناك رأيت صناعات تطرق النحاس وأخرى تصنع التحف الخشبية الجميلة، ~~وثالثة تصوغ الذهب والفضة، وهكذا، إلى أن وصلت إلى مصنع كتب على بابه أنه يصنع ~~الحروف. # ومضى صاحبي ليقول: هنا وقفت طويلا، لأرى العاملين في مصنع الحروف وهم يصبون الرصاص ~~المنصهر في قوالب تشكله على هيئة الحروف، ولكل حرف قوالب عديدة لتخرجه في صور مختلفة، ~~فحرف الباء - مثلا - له صورة والباء مستقلة وحدها، وصورة وهي في أول الكلمة، وثالثة ~~لها وهي في وسط الكلمة، ورابعة لها وهي موصولة بآخر الكلمة، ثم تختلف صورها كذلك ~~باختلاف أحجامها منها الكبير والمتوسط والصغير. # هنا وقفت، لا لأطيل النظر إلى الحروف الرصاصية تخرجها القوالب أشكالا وأحجاما، فذلك ~~على أية حال أسلوب للطباعة قد ذهب وانقضى! بل وقفت لأسترجع بالذاكرة فترة طويلة من ~~حياتي وهي في أوج نشاطها، عندما كان الطريق بين بيتي والمطبعة هو «مشواري» كل يوم، ~~رائحا وغاديا، أروح ومعي أصول كتاب جديد، أو مقال، وأغدو ومعي التجارب المصححة ~~لأزيدها صحة بمراجعتها، فلم يحدث لي قط أن تركت كلمة واحدة بغير مراجعة ثم مراجعة ~~للمراجعة، وكنت أوثر من عمال المطبعة «عم علام» ليتولى طباعة كتبي وقد عرف طبعي وعرفت ~~طبعه ! وتلك أيام لم يكن يطوف لي فيها بخاطر أن ستأتي بعدها ms231 أيام أخرى لا أقرأ فيها ما ~~أكتبه قبل دفعه إلى المطبعة، ولا أرجع شيئا مما طبع، ولا أظن أحدا يا صديقي (هكذا ~~وجه إلى صاحبنا حديثه) لا أظن أحدا يستطيع أن يقدر كل التقدير، كم أشقى بحسرتي حين ~~أراني وقد حيل بيني وبين ما أكتبه، ودع عنك ما يكتبه الآخرون ... لا علينا، فليس ذلك هو ~~موضوعنا، فموضوعنا الآن، هو ما استثارته الحروف الرصاصية في مصنعها الصغير، من تأملات ~~وأفكار ضاربة في حياتنا إلى أعمق جذورها. # تلك الحروف هي «أفكار» إذا هي رتبت بصماتها على الورق لتكون أفكارا لكنها مجرد قطع ~~من الرصاص، لو بقيت مكومة في صناديقها، وليس الفرق كبيرا بين أن تبقى مكومة في تلك ~~الصناديق وبين أن تنثر على الورق نثرا لا يحمل معه معنى، وحتى إذا هو حمل المعنى ~~فمعناه هذا لا يحدث أثرا في حياة الناس كائنا ما كان هذا الأثر، ومثل هذه الحالة من ~~بعثرة الحروف على الورق هي طريقة مألوفة في كثير مما نراه منشورا في الكتب ~~والصحف. # الأصل في الكتابة بهذه الحروف وأمثالها، هو أن تجيء «التركيبة» المطبوعة صورة تصور ~~للقارئ «صورة» لأشياء الواقع كيف وقعت، حتى لقد كانت الكتابة في عصورها الأولى تصويرا ~~حقيقيا لما يراد تصويره، فترسم شجرة لتعني شجرة ويرسم عصفور ليعني عصفورا وترسم ~~سمكة لتعني سمكة وشمس لتعني شمسا، وهكذا، وكان ذلك أيام لم يكن الإنسان قد وقع بعد على ~~فكرة «الحروف» فلما أن تقدمت بذلك الإنسان حضارته وكثرت أشياؤه التي يريد أن يسجل عنها ~~بالكتابة لم يعد في وسعه أن يشير إلى كل شيء برسم صورته، وبهذا نشأت في نفسه حاجة ~~شديدة إلى مخرج من هذا المأزق، والحاجة - كما يقال لنا بحق - هي أم الاختراع، فهنا تفتق ~~ذهنه عن الفكرة العبقرية التي هي أن يصور الأشياء، لا برسمها على نحو ما تراه العين ~~منها، بل أن يصورها بما يرمز إليها، لكننا لو وقفنا بالأمر عند هذا الحد لبقيت المشكلة ~~القديمة قائمة، إذ يتعذر أن يستوعب رموزا بعدد الأشياء ms232 استيعابا يمكن الأفراد من ~~تبادل الأفكار؛ لأن هذا التبادل يقتضي أن يكون الكاتب والقارئ معا على اتفاق فيما يرمز ~~إليه كل رمز على حدة، فما هي إلا أن أشرقت على الإنسان فكرة «الحروف»؛ لأن عددا قليلا ~~منها يكفي أن يركب ويفك على عدد لا نهاية بحصره، فالأمر فيها شبيه بعلبة الألوان عند ~~المصور، يكفيه أن يكون فيها الألوان السبعة الأساسية لكي يمزجها في تشكيلات لا نهاية ~~لعددها، بحيث يستطيع أن يرسم على لوحته أي لون تقع عليه العين في دنيا الأشياء، ولتعلم ~~أن اللون الأساسي الواحد - كالأخضر مثلا أو الأحمر - يمكن أن يجيء في دنيا الأشياء على ~~ظلال متفاوتة قد تعد بالألوف، وهكذا الأمر في «الحروف» عند الكاتب فهو - كما قلنا - ~~يفكها ويركبها، لتخرج له ألوف الألوف من التركيبات، التي هي مفردات اللغة ومركباتها، ~~لكن هذا كله لا ينسينا الأصل الذي من أجله فكر الإنسان في حروف يستخدمها في عمليات ~~«التصوير» لما شاء أن يصوره من عالم الكائنات، وهو العالم الذي يعيش فيه مع آخرين، ~~يريدون أن يتبادلوا الكتابة والقراءة عن شئون دنياهم، وما معنى هذا في جملة واحدة؟ ~~معناه أن الكتابة التي لا تدل قارئها على ما جاءت تلك الكتابة لتصوره، إنما هي حروف ~~كومت على الورق، على نحو ما تكون حروف الرصاص في صناديقها. # ومع ذلك، فالمسألة فيما بين الكتابة ومدلولها ليست بهذه البساطة كلها؛ لأن الإنسان في ~~ارتقائه لا تكفيه الأشياء التي في دنياه ليجعل منها شغله الشاغل، بل يضيف إلى تلك ~~الأشياء المجسدة «أفكارا»، والأفكار كائنات عقلية وليست كالأشياء أقيمت من حجر وخشب ~~وحديد، وإذا كانت الأشياء المجسدة تبلغ من الكثرة حدا يجاوز الحصر، فالأفكار في رءوس ~~الناس أكثر منها عددا؛ لسبب واضح وهو أن الأشياء يحكمها أنها موجودة بالفعل، وأما ~~الأفكار، فمنها ما هو مرتبط بتلك الأشياء القائمة ارتباطا مباشرا أو غير مباشر، ومنها ~~كذلك ما هو أفكار عن «الممكن» الذي لم يوجد بعد وليس ما يمنع أن يوجد ذات يوم، فضلا عن ~~الممكنات التي ms233 قد لا تجد طريقها إلى التجسد حتى أبد الآبدين ... هذه الأفكار كلها بشتى ~~ضروبها قد يراد لها أن تكتب، ووسيلة كتابتها هي الحروف، فإذا كانت الحروف - كما قلنا - ~~هي أدوات تصوير، قريبة الشبه جدا في أدائها لوظيفتها بمجموعة الألوان عند الرسام، ~~فقد ينشأ عن قارئ سؤال: وهل يمكن تصوير الأفكار بمركبات الحروف، كما يصور الرسام منظرا ~~ما بمزج الألوان؟ وجوابي (هذا ما تحدث به صاحبي إلي في غمرة انفعاله)، جوابي هو أن ~~الفكرة المكتوبة إذا لم يتصورها قارئها، فهي ليست شيئا على الإطلاق، والذهن إذا تصور ~~فلا بد أن يكون ثمة «صورة» يتصورها، هذا بالطبع إذا كان المتلقي متكافئا في قدرته ~~مع المستوى الذي يتلقاه. # أعجب عجيبة في كائنات الدنيا بأسرها هي هذه الحروف، فالحرف الواحد منها وهو منفرد على ~~حدة يكاد يستحيل على الإنسان أن ينطق به، فحاول - مثلا - أن تنطق بحرف الباء وحده، ~~تجدك قد زممت شفتيك ولكن لا صوت، وأرجوك ألا تظن أن قولك «باء» هو نطق بالحرف وحده لأنك ~~في هذه الحالة قد أضفت إليه ألفا وهمزة لتتمكن من النطق، لا، إن الحرف وحده يتعذر ~~النطق به ما لم تضف إليه حركة ليست منه، ومع ذلك فهو إذا انضم إلى غيره من زملائه ~~الحروف، ليكون كلمة أو جملة أصبح قوة أين منها قوة الزلازل والبراكين؟! فالحرب تستعر ~~بكلمة، والحب يشتعل بكلمة، والعلم مجموعة كلمات، والأدب تكوينات من حروف ... ولا تقل: إن ~~المهم هو ما وراء الحروف من حالات نفسية وأفكار عقلية؛ لأن تلك الحالات والأفكار ما ~~كانت لتكون لها قوتها، بل ربما هي لم تكن لتثبت وجودها إلا إذا أسعفتها الحروف ... ~~الكلمات نكتبها أو ننطق بها، هي الهدى وهي الضلالة هي العلم وهي الجهالة، هي الحب ~~والبغض ... إنها هي الإنسان. # هل يعقل بعد هذا كله أن نجعل منها عبثا ولهوا نجريه على الورق؟ لقد نظرت إلى صف ~~المصانع الصغيرة التي يقع بينها مصنع الحروف، وذلك فيما سرحت به في أحلام يقظتي (هكذا ~~استأنف صاحبي حديثه معي) ms234 وسألت نفسي أمام مصنع النحاس: هل يعقل أن يشكل الصانع نحاسه ~~ليكون «لا شيء»؟ وأمام صانع الخشب: هل يعقل أن يشكل النجار الخشب ليصبح «لا شيء»؟ ~~وأمام صانع الذهب والفضة: هل يعقل أن يشكل الصائغ معدنه ليخرج به «لا شيء»؟ أليس صانع ~~النحاس يصنع الأكواب والأواني والطشوت والأباريق؟ أليس النجار يصنع المقاعد والمناضد ~~والصناديق والخزائن؟ أليس الصائغ يصوغ الأقراط والأساور والمدليات فلماذا لا يحذو حذوهم ~~صانع الكلمات من الحروف؟ إن تكوين الكلمات والعبارات هو ضرب من صناعات التشكيل، ولا ~~بد للتشكيل أن يخرج ما هو نافع في حياة الإنسان العملية والفكرية والوجدانية جميعا، ~~ولقد حدث في ألمانيا الغربية منذ سنوات قلائل، أن أراد اتحاد الكتاب هناك الانتفاع ~~بمزايا النقابات الصناعية، فقام بحملة قلمية ينادي فيها بأن الكاتب إنما هو «صانع» ~~كلمات وعبارات يشكلها على نحو ما يشكل النحاس والحداد والنجار والصائغ مادته، وما ~~دام الأمر هو صناعة وتشكيل إذن لا بد أن تتجه صناعة الكاتب نحو أن يقدم للناس ما ~~يحيون به. # قلت لصاحبي: وهل ترى أقلام كتابنا سيالة بما لا ينفع الناس؟ فأجابني صاحبي - وقد ~~اشتد انفعاله - نعم، إني أرى ذلك في كثير من الأحيان، لكن قولي هذا يريد ضبطا ~~وتحديدا؛ لأن سؤالا هنا يجب أن يقام وهو: ما هو مقياسنا الذي نميز به ما ينفع؟ إذ قد ~~ينطق الناطق بما هو أقرب إلى التخليط الذي يضر ولا ينفع، ثم يزعم لكلماته هداية ونفعا، ~~وتحديد النفع مرهون حتما بالهدف، والنافع هو ما يكون خطوة تقرب السائر من هدفه، فإذا ~~قلنا إن الهدف في سير الحضارات لا بد أن يكون - آخر الأمر - مستقبليا وجديدا ~~ومتساميا بالإنسان في عمله وفي فنه، وفي معيشته، وفي إبداعه، وفي حقوقه وواجباته ... ~~إلخ، كان حتما علينا أن نقيس صناعة الكاتب بما هي فاعلته نحو دفع الإنسان إلى ذلك ~~المستقبل المأمول، وأزعم أن كثيرا جدا مما يكتبه الكاتبون يشد الناس إلى الوراء، ~~أكثر مما يدفعهم إلى الأمام ... إن معظم ما كتبه حملة الأقلام منا في قرن ms235 كامل، لم يستطع ~~أن يزحزح الجمهور في وقفته ليلفت وجهه في اتجاه عينيه، بدل أن يظل مشدودا إلى قفاه، ~~فلئن كنا قد نجحنا في تغيير الأفراد من حيث هم أفراد ذوو مهن وحرف ومعرفة، فنحن يقينا ~~لم نوفق إلى نجاح مثله بالنسبة إلى الجمهور مجتمعا، إذ ما يزال نكفيه إشارة بأصبع ~~واحدة من رجل واحد أن انظر وراءك يا جمهور الناس، ليسرعوا إلى تلبية النداء ... # قال صاحبي: فلما أفاقت خواطري السارحة من أحلامي يقظتي، عدت فواجهت اليوم الموعود من ~~كل عام، الذي أحاول دائما أن أنساه لأنني أخشاه، وأخشاه لأنه يوم تحاسب فيه النفس ~~ذاتها ماذا صنعت؟ إنني رجل صناعته الحروف معلما وكاتبا؟ يجمعها ويفرقها، ثم يجمعها من ~~جديد، لعلها تحمل إلى الناس نصيبها من رسالة التغيير والتجديد، فإلا تكن فعلت اليوم، ~~فربما تحقق لها ذلك غدا أو بعد غد. # | هؤلاء الآخرون! # لم أصدق «توم لاندو»، عندما قرأت كتابه منذ لا أدري كم من عشرات السنين، وكان كتابه ~~ذاك عن فن التعامل بين الناس، وقد كنت استعرته من صديق أوصاني بقراءته، لم أصدقه حين ~~وجدته لا يكف - صفحة من كتابه بعد صفحة - لم يكف عن التحذير من صعوبة التعامل مع ~~الآخرين، وأن الأمر في ذلك ليس من البساطة واليسر الذي يظنه الناس، فهؤلاء الناس ~~كثيرا ما يعيشون مع غيرهم، وهم على وهم بأن معاملة الآخرين تجيء مع الفطرة في سهولة ~~وكأنها شربة ماء، إنها لو جاءت مع الفطرة لهان خطبها، فهي مع الحيوان تجيء مع فطرته؛ ~~ولذلك قلما يعترك حيوان مع حيوان من نوعه، وحتى إن فعل، جاء اعتراكه أقرب إلى ممازحة ~~اللعب فيها إلى جد القتال، كما نرى أحيانا بين القطط والكلاب، وأما أفراد الناس فشأنهم ~~في التعامل بعضهم مع بعض عجب من عجب، إن النمر لا يضمر الشر بالنمر ثم يبدي له الصداقة ~~ليلهيه، ولا الضبع يتودد إلى الضبع وفي نفسه ما في نفسه من كيد، وأما الإنسان فقد أفسد ~~غرائزه الطبيعية - التي هي غرائز حيوانية في أساسها ms236 - أفسدها بما أضافه من ~~«ثقافات». # ولأن ذلك هو الإنسان على حقيقته، أخذ «لاندو» يعرض على قارئه تحليلاته العلمية، وما ~~استخرجه من قوانين وقواعد، هي التي يجب على من يريد لنفسه حياة هادئة آمنة، أن يهتدي ~~بهديها، ولم أصدقه في كثير مما ذهب إليه من طبيعة الإنسان، وكيف أصدق تلك النظرة ~~السوداء؟ وكان الله قد أنعم علي بمجموعة من الأصدقاء وجدتهم نعم الأصدقاء، نتنافس، ~~نعم، ونتعاتب، نعم، ونتخاصم حينا بعد حين - نعم، لكن ذلك كله كان معنا كما لو كان ~~الواحد منا ينافس نفسه، ويختصم مع نفسه، وحقا جاءت صداقتنا مصداقا لقول شكسبير: ~~«الصديق مرآة لصديقه»، وبأي معنى هو مرآته؟ بمعنى أنه يرى حقيقة نفسه في انعكاس سلوكه ~~على سلوك صديقه، وانظر إلى بلاغة اللغة العربية حين بثت صفة «الصدق» في كلمة «صديق»، ~~فالصدق هو جوهر الصداقة وصميمها، فلا صداقة بغير أن يصدقك الصديق بما يكنه في نفسه، ومن ~~هنا تحقق الصداقة للصديقين أن تتواصل النفسان حتى لتصبحا وكأنهما نفس واحدة، فتتسع ~~الآفاق لكل منهما، وتغزر خبرة أحدهما بإضافة خبرة صديقه إليها، أما إذا أحسست فيمن ~~ظننته أول الأمر صديقا، أنه يسمع منك ما تنفضه إليه من نفسك، ثم يكتم عنك ما في نفسه، ~~فاعلم أنه لا صداقة بينكما، وأنه قد يأتي يوم يستخدم فيه ذلك الآخر ما كان سمعه منك عن ~~حقيقة نفسك، بارودا يقاتلك به فيرديك صريعا، إذا استطاع، ولم يكن شيء من ذلك بيني ~~وبين مجموعة الأصدقاء التي أنعم الله علي بها ونحن في مرحلة الشباب؛ ولهذا لم أصدق ~~«توم لاندو» في نظرته السوداء. # لكن أعوام العمر أخذت تكر، وأخذت معها الخبرة بالناس تزداد، فكنت كلما ازددت خبرة ~~بالناس مع تعاقب السنين، تنقشع السحب التي تحجب عني ضوء الشمس شيئا فشيئا، وشيئا ~~فشيئا أحس كأنني «بالذاكرة أقرأ توم لاندو» مرة أخرى، وأقلب صفحة من كتابه بعد صفحة، ~~فلقد صدقت رؤيته، وتبين لي كم هو ضروري أن يتدبر الإنسان كيف يتعامل مع الآخرين، ليظفر ~~منهم بنعيم الصحبة، وينجو بنفسه ms237 من جحيم العداوة والعدوان، لقد ختم جان بول سارتر إحدى ~~مسرحياته - ولعلها - مسرحية «الذباب» - بعبارة تقول: «لجحيم هي الآخرون»، لكنني أصحح ~~عبارته تلك لأجعلها تقول: «جنة الإنسان وجحيمه على هذه الأرض هما هؤلاء الآخرون»؛ لأنهم ~~- حقا - مزيج من جنة وجحيم. # وما لي أسافر بعيدا لأسقط ما قاله هذا وذاك، في وجوب العناية والحذر عند التعامل مع ~~الناس، وعندي حديثان شريفان فيهما الإرشاد والتوجيه، أما أولهما فهو قوله: «الدين ~~المعاملة»، وأما ثانيهما فهو قوله - عليه الصلاة والسلام - «المسلم من سلم الناس من ~~لسانه ويده»، وإننا لنكرر هذه الأحاديث الشريفة، ولكننا قل أن نقف منها موقف المتدبر ~~لمعانيها، ففي القول بأن الدين هو المعاملة، إشارة هادية إلى أنه لو لم تكن المعاملة ~~بين الناس عسيرة المأخذ، كثيرة العثرات، لما اقتضت أن تنزل من السماء ديانات لتنظيمها ~~وهداية الناس في مسالكها، ولو كان أمرها مكفولا بالفطرة الغريزية وحدها، لما احتاج ~~الأمر إلى وحي وتنزيل، والذي يدعونا إلى التفكير هنا هو الإنسان فيه ما في الحيوان من ~~غرائز، فلماذا كان ما أنتجته تلك الغرائز عند الحيوان، ألا يأكل حيوان لحم أخيه الذي من ~~نوعه، فلا يأكل النمر نمرا، ولا الضبع ضبعا، في حين أن الغرائز نفسها وهي عند الإنسان ~~لم تهده هداية الحيوان؟ إنه لا بد - على ضوء هذه المقارنة - أن تكون العلة المانعة هي ~~ما أضيف للإنسان فوق غرائزه من قدرة على التفكير والتدبير، فكانت تلك الإضافة نعيما ~~وجحيما في آن واحد، وصدق الله العظيم في قوله عن النفس البشرية: # ونفس وما سواها * فألهمها فجورها ~~وتقواها # فالأداة واحدة، لكن استخدامها يختلف بين الخير مرة والشر مرة، ~~ومن هنا لزمت الضوابط الخلقية لتقيد سلوك الإنسان، تقييدا يصرف ذلك السلوك في طريق ~~الخير وحده دون طريق الشر، وذلك هو الدين، وأما الحديث الشريف الثاني الذي يقول في وصف ~~المسلم الصحيح، بأنه هو من سلم الناس من لسانه ويده، فهو - إلى حد ما - يفصل ما أجمله ~~الحديث الأول، بذكره الوسيلتين الرئيستين اللتين يستخدمهما الإنسان في التعامل ms238 مع ~~الآخرين، فيهتدي إلى الصواب والخير مرة، ويزل في الخطأ والشر مرة أخرى، والوسيلتان: ~~الفعل والقول، والقول إنما هو ضرب من ضروب الفعل لكن تختلف الصورة عندما يكون الفعل ~~باليدين، وعندما يكون الفعل بنطق اللسان، وتستطيع أن تضيف إلى فعل اليد عملية الكتابة، ~~وفي هذه الحالة يكون المسلم كاتبا بقلمه، أو متحدثا بلسانه، هو من كتب أو تكلم ليهدي ~~لا ليضل الآخرين ... ولولا أن الإنسان في جبلته من القدرة على التفكير والتدبير، ما قد ~~يتوجه بهما نحو الوقيعة والغدر، لما احتاج الأمر إلى آيات قرآنية كريمة ترشد، وإلى ~~أحاديث نبوية شريفة تنبه الغافلين. # اختلفت خبرتي بالآخرين بين مرحلة شبابي، ومرحلة ما بعد ذلك، رأيت في المرحلة الأولى ~~ما كان في ظني صفاء ونقاء برغم ما يجيء ويذهب من قطع السحاب، ووجدت فيما بعد ذلك ~~رجحانا للغدر والوقيعة، ولأنني نشأت على طبع يجبن دون المصارعة والقتال، ويسبق إليه ~~تصديق الآخرين، قبل تكذيبهم، كنت الفريسة في حلبة التعامل مع أولئك الآخرين تسع مرات من ~~كل عشرة لقاءات توهمت فيها صداقة في صدقها وإخلاصها، وكثيرا ما أقدم العزاء لنفسي، بأن ~~أذكرها بموقف للراهب الفيلسوف «توما الأكويني» - وكان أعظم من شهدته أوروبا من فلاسفة ~~في عصورها الوسطى - فقد كان سريع التصديق لما يقوله الآخرون إذ كان يغلب عليه الظن ... ~~بخيرية الإنسان وطيبة عنصره، فحدث يوما أن ضحكت عليه جماعة من زملائه الرهبان، وكانوا ~~قد عرفوا فيه تلك البساطة البريئة، فصاحوا به قائلين: أسرع يا توما لترى تلك الأبقار ~~الطائرة بأجنحة في جو السماء، فأسرع توما إلى حيث وقف زملاؤه عند النافذة، ونظر إلى ~~السماء، فقهقه الزملاء سخرية بسذاجته، وهنا نظر إليهم توما في هدوء ثم قال: علام الضحك؟ ~~فلأن أصدق بأن أبقارا تطير، أهون على نفسي من أن أرى رهبانا يكذبون! # ذلك هو الإنسان الذي خلقه الله ذا نفس ينفتح أمامها طريق الفجور كما ينفتح طريق ~~التقوى، ولها أن تختار، وعليها تقع التبعة فيما اختارت، وإذا استثنيت جان جاك روسو، ~~الذي كتب ليقول إن ms239 الإنسان إذا نشأ على فطرة الطبيعة، جاء ذا نفس طيبة بخيرها خيرا لا ~~تمازجه شرور، وإنما الحضارة هي التي أفسدت عليه طبيعته، فكان من خبثه وشره، ما كان، ~~أقول: إنك إذا استثنيت روسو، وجدت الأعلام فيمن تناولوا طبيعة الإنسان بالتحليل، قبل أن ~~يخرج من حياة الغابة، ليدخل في حضارة تتلوها حضارات، وجدت هؤلاء الأعلام يجمعون على أن ~~الفرد من الناس، كل فرد، هو عدو للآخرين عداوة إذا هو أخفاها في تعامله مع هؤلاء ~~الآخرين، فإنما يخفيها حتى يحين له الحين، فينقض على فريسته، وأحسب أن أوضح وأعمق من ~~نقرأ لهم في بيان الطبع الإنساني على حقيقته العارية، هو توماس هوبز في كتابه «التنين ~~الجبار». # ولا علينا من ذلك كله - صدق أو كذب، اقتصد في القول أو أسرف - فالذي همني عندما بدأت ~~هذا الحديث، هو خاطر خطر لي في صورة سؤال، عندما أخذت ذاكرتي - كعادتها - تلف أمامي ~~مواقف حياتي خلال مراحلها، فكان ما عرضته علي هذه المرة، تلك المقارنة بين خبرتي مع ~~أصدقاء الشباب، وخبرتي مع أصدقاء ما بعد ذلك، وهنا خطر لي الخاطر في صورة سؤال يسأل: ~~أهو اختلاف بين المرحلتين في حياتك أنت، أم هو يا ترى اختلاف بين مرحلتين في حياة الشعب ~~كله؟ فبينما كانت ضوابط التعاون في المرحلة السابقة راجحة في ميزان التعامل، انحلت هذه ~~الضوابط في مرحلته الراهنة، فانطلق مع الطائر جناح الفجور وانخفض جناح التقوى، وإذا كان ~~ذلك كذلك، فلا بد للظاهرة من تعليل؛ لأنه تناقض يلفت النظر بين أن تشتد الدعوة ~~الدينية كما لم تشتد في أي يوم شهدته، فيما مضى، وبين أن يعنف الصراع بين أفراد ~~الشعب، كما لم يعنف في أي وقت مما وقع لي في خبرتي، وربما كان الأمر في هذا قد اتسع حتى ~~شمل العالم كله، ونحن جزء منه، لا فرق بين شعب وشعب، ولا بين دين ودين، فالمسلم يقاتل ~~المسلم حتى الموت، والمسيحي يقاتل المسيحي حتى الفناء. # إنه لمن أغرب النقائض في عصرنا، أن تبلغ الدعوة إلى التآخي بين ms240 الشعوب وبين الأفراد ~~ما لم تبلغه خلال التاريخ الماضي كله، وأن تهبط علاقات الإخاء بين الشعوب وبين الأفراد ~~إلى حضيض لم تهبط إلى مثله خلال التاريخ الماضي كله أيضا، فنحن في عصر تعاقدت الأمم ~~فيه على أن تلتقي في جمعية متحدة، وأحسب أن لقاءات تلك الجمعية منذ نشأت في أول لقاء ~~لها سنة 1946 - بعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية في صيف 1945، أقول إني أحسب أن ~~لقاءاتها منذ ذلك الحين، ومؤتمراتها، ولجانها ومطبوعاتها ومحاضرها لا تستطيع حصرها إلا ~~الأجهزة الإلكترونية الحاسبة، ومع ذلك تشعبت الأمم أكثر جدا مما اتحدت، فقد انقسم ~~الشعب على نفسه شرائح، تريد كل شريحة منه أن تستقل أمة وحدها، مهما صغر حجمها وقل عدد ~~سكانها، ثم تنافر الأفراد حتى في الشريحة الواحدة من الشعب الواحد، حتى لكان كل فرد بات ~~يتمنى لنفسه أن يكون دولة وحده وانسدت في حياة الناس قاطبة طرق التفاهم، فالمتكلم لا ~~يكلم سامعا، وإذا أنصت له السامع جعل يفكر في دخيلة نفسه وهو يسمع، كيف يرفض وينقض هذا ~~الذي يسمعه قبل أن يسمعه! ولا عجب - إذن - أن ينشأ في عصرنا ويشيع ما أسموه بالأدب ~~اللامعقول، أو أدب العبث، الذي جاء هو - وكثير غيره من الفنون - انعكاسا لعدم التفاهم ~~السائد في عالم اليوم، وفي الأدب العربي المعاصر مشاركة في تلك الموجة شارك بها توفيق ~~الحكيم بمسرحيته «يا طالع الشجرة». # لقد أصابنا نحن من تلك الحمى المجنونة شرر وشر، فتعثر التفاهم وتعسر وتعذر؛ لأن مصالح ~~الأفراد والجماعات تباعدت وتنافرت، ويكتب الكاتبون ويذيع المذيعون، ويعظ الواعظون، ~~ويعلم المعلمون، فلا تتحرك في الأبدان شعرة لأنه إذا تعددت أهداف المواطنين بحيث لا ~~تلتقي، فإنها لا تتحد وتلتقي بكلمات تكتب وتقال، ولكنها تتحد وتلتقي في اقتلاع الجذور ~~التي أنبتت فروع الخلاف، افتح عينيك جيدا ترى في تعالي بعضنا على بعض عجبا، إننا ~~نتصارع على درجات السلم، نتدافع ونتدافع بالأذرع والأرجل، فيصعد منا من هو أقوى ~~وأمهر، ويسقط منا من هو أضعف بنية، وأضيق حيلة، ولا علاقة قط في ms241 ذلك الصعود والهبوط ~~بالمواهب والقدرات، ولكن ماذا تصنع القدرات والمواهب أمام قوة السلطان في أيدي ~~الصاعدين؟ فإذا ما استقر الصاعد والهابط كل على أرضه، رأيت لعبة غريبة يلعبونها في صمت: ~~فالهابط يحاول أن يكتسب شيئا من رائحة النجاح، فيتقرب من الصاعد، والصاعد بدوره ~~يبعده، بالسياسة والكياسة، آنا، وبالمصارحة القاسية الجارحة آنا آخر، حتى لا يقترب ~~منه فيظن الناس أنهما تقاربا مكانا فتقاربا مقاما، الحق أني لم أشهد في أي بلد آخر ~~من الدنيا التي خبرتها، من ينافسنا في لعبة المسافات، وكان من أشد ما رأيته إثارة ~~لدهشتي، أن رأيت ذات يوم في بلد ما وزيرا وساعيا يقفان في طابور واحد، وفي المكان ~~الذي يعملان فيه، وقفا انتظارا لدورهما ساعة الشاي بعد الظهر، وكان الساعي أسبق من ~~الوزير في صف الانتظار، فلا تململ الوزير من موقعه، ولا عرض الساعي أن يترك موقعه، ~~وأذكر أني بنيت على تلك الواقعة مقالة صورتها في صورة أدبية، وقلت عندئذ - وكان ذلك في ~~أواسط الأربعينات - إن مأساتنا الحقيقية فيما يتصل بمعاني الديمقراطية والمساواة ليست ~~في أن الوزير يتعالى على الساعي ومن إليه من جمهور الناس، بقدر ما هي في القلق الذي ~~يصيب الساعي ومن إليه إذا رأى نفسه وقد وضعته المصادفات في مواقف المساواة مع ~~الوزير. # ومرت بعد تلك الواقعة أربعون عاما، وتغيرت مواقع الأفراد، وارتفع من ارتفع وانخفض ~~من انخفض، لكننا مع ذلك احتفظنا بالطابع القومي في لعبة المسافات، ثم أضافت إليها في ~~هذه المرحلة الزمنية التي اضطربت لها الأوضاع في سائر أنحاء العالم - ونحن جزء منه - أن ~~صار أفراد الشعب الواحد وكأن كل فرد منهم قد انفرد وحده في برج مغلق، لا شأن له بسواه، ~~وإن صورة برجية كهذه كان قد تصورها «ليبنتز» (القرن 17) وهو يتصور حقيقة الإنسان، أو ~~على الأصح، وهو يتصور طبيعة الكائنات الحية جميعا، إذ تصور أن كل كائن حي إنما هو في ~~حقيقته كيان منطو على نفسه، ومستقل عمن سواه وعما سواه، فهو يشبه أن يكون في برج ~~مسدود ليس ms242 فيه نافذة تنفتح على أي شيء مما حوله، وسيرة حياته تتم بأن ينبسط ما هو منطو ~~في البذرة التي أنشأته، ويظل ذلك المنطوي من حقيقته ينبسط شيئا فشيئا حتى يتم سيرة ~~حياته، ثم يذبل ويموت، فكأن الكائن الحي يعيش وحده في هذه الدنيا، وليس له إلا ما هو ~~مضمر في بذرته، فهو في ذلك أشبه بشريط سجلت عليه قصة، أو مسرحية، وأخذ الشريط يبسط من ~~نفسه ما انطوى، جزءا جزءا، فإذا ما بلغ نهايته، انتهت مع نهايته القصة أو المسرحية ~~المسجلة عليه. # لكن هذا التصوير الذي قدمه «ليبنتز» لطبيعة الكائنات الحية، بما في ذلك أفراد ~~الإنسان، يختلف اختلافا بعيدا عن أبراج اليوم التي يسكنها الأفراد لينعزل كل منهم في ~~برجه عن الآخرين، وموضع الاختلاف بين الحالتين هو أن ليبنتز أكمل صورته بأن أضاف إليها ~~أن رعاية الله وعنايته، أرادت للأفراد أن تتناسق الحياة بينهم، برغم انفراد كل فرد عن ~~بقية الأفراد، فيتحقق بذلك اتحاد خطوات السير، وكأنهم يتجاوبون بعضهم مع بعض عن وعي ~~منهم وإرادة، ثم أخذ ليبنتز يسوق تشبيهات جميلة يبين بها ما يعنيه، فقال في تشبيه منها، ~~إن الأمر في حياة الأفراد وتناسقها برغم انعزالهم، كل في برجه المغلق، يشبه فرقة ~~موسيقية لكل فرد منها آلته الموسيقية الخاصة، وقد وضع كل منهم في غرفة وحده، ثم ضبط لهم ~~التوقيت، فبدءوا العزف، كل على آلته الخاصة، فنشأ عن مجموعهم سيمفونية موحدة، دون أن ~~يكون أي مهم على علم إلا بالدور الذي أداه والرابطة التي ضمنت هذا التناسق بينهم، هي ~~اشتراكهم في مدونة «نوتة» موسيقية واحدة، وتلك المدونة المشتركة هي التي تقابل عناية ~~الله ورعايته. # وأما الأبراج البشرية التي تتحرك على مسرح حياتنا اليوم، والتي انعزل في كل برج ~~منها فرد عن بقية مواطنيه، ليطلق لنفسه العنان فيما يفعله وما لا يفعله، بلا رقيب ~~عليه ولا حسيب، فهي أبراج لا تعزف على مدونة موسيقية واحدة، ولا عليها أن يصدر عنها ~~خليط صوتي نشاز. # وتشبيه جميل آخر ساقه ليبنتز لتوضيح رؤيته ms243 لحقيقة الإنسان، كيف كانت لكل فرد من ~~الناس فرديته الكاملة؟ وكأنه يقيم في برج مغلق لا نافذة في جدرانه تنفذ إلى العالم ~~الخارجي من حوله، ومع ذلك فهنالك تناسق كامل بين مجموعة الأفراد، وهي مشكلة يستند في ~~حلها إلى تناسق منذ الأزل، دبرته عناية الله ورعايته، وذلك يشبه ألوف الألوف من ~~«الساعات» الدالة على الزمن، يحملها أفراد الناس، وكل ساعة منها مستقلة وحدها عن سائر ~~آلات الزمن، فكيف أمكن لهذه الآلات المتفرقة المتباعدة أن تتفق كلها على قياس الزمن على ~~صورة واحدة؟ الجواب هو أنها استطاعت ذلك؛ لأن صانع الساعات صنعها على تكوين إرادة لها، ~~في تروسها وسائر أجهزتها بحيث تتحرك كلها في موازاة لا خلل فيها، وهكذا أيضا تكون ~~رعاية الله وعنايته لأفراد الناس. # وقياسا على هذا التشبيه، أقول: إنه إذا كان المثل الأعلى في حياة المجتمع الإنساني ~~وأعضائه، هو أن يكون للفرد حريته الكاملة في تطوير حياته بما يتفق مع استعداداته ~~الطبيعية، شريطة أن يجيء نموه متناغما مع سائر الأعضاء ونموهم، إذن فالظاهر في مجتمعنا ~~اليوم، أن الأفراد قد حملوا ساعات مختلفة في سرعاتها وفي اتجاهات سيرها، فبعض الأفراد ~~قد حملوا ساعات تشير إلى الزمن بما يسمونه التوقيت العربي، وبعضهم يحملها أفرنجية ~~التوقيت، وبعض ثالث جعلوا ساعاتهم على توقيت صيفي، وبعض رابع اختاروا التوقيت الشتوي، ~~وهكذا، فإذا سألت جمعا منهم: كم الساعة الآن؟ جاءتك إجابات تتراوح بين الواحدة ~~والثانية عشرة، وهكذا انسلخ كل فرد منا ليعيش في سبيله، سائرا به نحو هدفه، وليس ~~السبيل متفقا عليه مع سواه، ولا الهدف نفسه هو ما يستهدفه سائر أفراد المجتمع. # لقد كنا ذات يوم قريب، نصب اهتمامنا على التفكير في تشخيص العلة التي أصابت المصري في ~~المرحلة الأخيرة، من تاريخه، بحيث اختفت عنه صفات كان متميزا بها، ومنها تعاونه ~~التلقائي مع أهل أسرته وقريته أولا، ومع أبناء وطنه بصفة عامة، وكان لكاتب هذه السطور ~~رأي أبداه وهو أن العلة الطارئة على المصري في علاقته مع وطنه ومواطنيه، أساسها ضعف ~~شديد في ms244 إحساسه بالآخرين، فتراه يتصرف وكأن لسان حاله يقول: وهل هناك آخرون؟ على غرار ~~ما قاله «بلفور» حين رسم خريطة وهمية لفلسطين، التي كانت عندئذ (1917) تحت الانتداب ~~البريطاني، وكان بلفور وزيرا في الحكومة البريطانية، وأراد أن يعلن وعده المشهور ~~لليهود بوطن على أرض فلسطين، فرسم تلك الخريطة التي أشرنا إليها ليبين عليها كيف يكون ~~التقسيم، فسأل من عرض عليه خريطته تلك: وأين يذهب سكان هذه المنطقة التي حددتها وطنا ~~لليهود؟ فأجابه: وهل هناك سكان؟! سؤال استنكاري يثير الدهشة والغضب ... # لم يعد المواطن المصري - لظروف طارئة - يحس بوجود «الآخرين»؛ ولذلك فهو لا يحسب ~~حسابهم، إذا ما خطط لنفسه طريق حياته، حتى يصطدم اصطداما فعليا بهؤلاء الآخرين، لأن ~~كل واحد منهم - بدوره - قد خطط لنفسه طريقا للحياة، لم يوضع في ميزانها أن هنالك على ~~أرض مصر أناسا آخرين، ونتج عن هذا الموقف الشاذ أن هبط التعاطف الحقيقي بين المواطنين، ~~بعد أن كان ذلك التعاطف أقوى سمة تميز المصري في علاقته بوطنه. # ويلفت النظر أن ذلك الموقف مزدوج الاتجاه، فبينما الفرد من ناحيته يدير ظهره نحو ~~المجتمع ليتصرف وكأنه لا مجتمع، ترى ذلك المجتمع هو الآخر قد شاعت فيه روح سلبية نحو ~~أبنائه، فهو لا يأبه لأي فرد من هؤلاء الأبناء، يغض النظر عنه إذا احتاج إلى مؤازرته ~~وكأن ذلك الفرد المهمل ليس واحدا من أبنائه، أو هو يهاجمه ويقلل من قيمته علنا، وكأن ~~قيمة المجتمع ليست هي حاصل جمع القيمة في أفراده، ومع ذلك كله، فبين مصر وأبنائها من ~~الجذب ما قد يدهش له الغرباء، فلئن كان «الآخرون» الآن هم لفرد منهم جحيمه، بما ~~يحاولونه لهدمه وخفض قدره، فهم هم الجنة ونعيمها ... # | فعل الزمن # دق الهاتف، فلما استجبت سمعت زميلا أعرفه، وأعرف أنه يهاتفني آنا بعيدا بعد آن ~~بعيد. # قال: لم أسمع صوتك منذ زمن طويل، فكيف حالك؟ # قلت: حالي في هذا الصباح عجب من عجب. # قال: وكيف ذلك؟ # قلت: يا أخي كأنما الدنيا تجمدت حولي، وترفض أن تدور دورانها المألوف. # قال ضاحكا: ms245 اشرح. # قلت: ذبلت الزهور على حداثة عمرها، ولم يبق منها إلا أنفاس خافتة من عطرها، وأبى ~~المفتاح أن يفتح بابه لأننا تركنا الباب مغلقا لفترة من الزمن، وأخرجت من خزانة ~~الأوراق وثيقة أردت الاستعانة بها في أمر هام، فوجدتها قد اصفرت مع طول الزمن، وجفت حتى ~~أوشكت أن تتمزق بين أصابعي، بل إنها قد تمزقت بالفعل عند ثنياتها، فلما أخذني الضيق، ~~عزمت على الخروج لأتنفس الهواء الطلق، بعد أن قضيت أياما بين الجدران، وهم السائق ~~بإدارة مفتاح السير، زمجرت السيارة زمجرة سمعت فيها صوت الغضب والرفض، وأبت أن تسير، ~~ولقد عدت إلى بيتي فسمعت دقات الهاتف ... # قال: وفيم العجب يا صديقي من كل ما ذكرته؟ إنه الزمن وفعله في الأحياء ~~والأشياء. # قلت: نعم إنه الزمن وفعله، عبارة نقولها مصدقين، ثم نرفض أن نحيا ذلك المعنى، الذي ~~صدقناه. # قال: آه! إنك في قولك هذا قد أمسكت بطرف خيط طويل، فأنا أعرفك وأعرف مراميك ... لكن ~~الهاتف لا يسعف، فهل لديك ما يمنع قدومي إليك ليتسع بيننا مجال الحديث؟ # قلت: أبدا، أبدا، تفضل على سعة ورحب. # وجاءني الزميل، ثم ما هي إلا بضع دقائق قضيناها في تحية نتبادلها، حتى عدنا بحديثنا ~~لنبدأ من حيث انتهينا على الهاتف، فقال الزميل: لماذا أخذك العجب من أحداث جاءت كلها ~~نتائج طبيعية لما يفعله الزمن بالأشياء؟ الأزهار تذبل وتموت كما تذبل وتمرض الأحياء ~~بكل أنواعها لتموت، والمفتاح يبطل فعله إذا لم يواصل عمله، وكذلك تفعل السيارة إذا ~~تركت، وهو ما يحدث للآلات بشتى أنواعها، بل إنه ليحدث للقلم إذا تراخى الكاتب ولم ~~يواصل الكتابة، إنما يصدأ المخ، ويتبلد العقل، وتتجمد الأفكار كما يحدث للماء في صقيع ~~الشتاء، وانظر إلينا - أنت وأنا - لترى كيف تغضنت جلودنا، وتثلمت حواسنا، فلا العين ~~تبصر كما كانت، ولا الأذن تسمع، ولا اللسان يفرق بين الطعوم، فلم يعد الحلو على ~~حلاوته التي كانت، ولا المر على مرارته، أترانا نضحك كما كنا نضحك، أو نبكي كما كنا ~~نبكي؟ ألم تتحول القهقهة إلى ابتسامة، كما ms246 جفت دموع الحزن فلم تعد تسيل، ليتحجر الحزن ~~في صدورنا فلا ينصرف ولا ينزاح؟ لقد فترت العاطفة يا صديقي من همود القلب، وخمدت الشعلة ~~مع الإحباط، ووهنت العزيمة مع تراكم الهموم ... إنه الزمن وفعله كما ترى، إن في بيتي ~~سلما ذا درجات عشر، كنت أقفز فوقها قفزا كلما انتقلت من الطابق الأعلى إلى الطابق ~~الأسفل، أو صعدت من الأسفل إلى الأعلى، فانظر إلي الآن كيف أهبط أو أصعد درجة درجة، ~~متكئا على حاجز مثبت فوق الحائط، وأحس كأن الدرجات العشر قد باتت مائة، وأن المسافة ~~بين الدرجة والتي تليها قد ضوعف مقدارها ... إنه الزمن وفعله، وإنك لتعلم ذلك ففيم كان ~~العجب؟ # أجبته - وبدا عليه أنه سيترك لي حبل الحديث بلا حوار - أجبته قائلا: نعم إني لأعلم ~~ذلك، لكن المسافة بعيدة بين الحقيقة المعينة يعرفها الإنسان، وبينها هي نفسها وذلك ~~الإنسان يحياها، إن الزمن ليفعل الأعاجيب بالكائنات، فيحكى أنه في ماضي الكون السحيق، ~~انتثرت من لهب الشمس قطعة صغيرة، فاستقلت وحدها، لكن بقي انتماؤها لأمها الشمس ظاهرا ~~في دورانها حولها، ثم بردت مع الزمن الطويل تلك القطعة النارية المنسلخة، فإذا هي هذا ~~الكوكب الأرضي الذي نعيش فوق سطحه، نزرع، ونصنع، ونتكاثر حتى تضيق بنا موارد العيش، ~~فنشعلها حروبا يقتل فيها بعضنا بعضا. ثم يحكى أنه قبل أن تبرد تلك الكتلة التي ~~تمردت على أمها الشمس فانفصلت، عادت قطعة منها تتمرد بدورها فتنفصل، ولا يبقى من ولائها ~~لأمها (الأرض) إلا احتفاظها بالدوران حولها، فكانت تلك القطعة، التي بدأت - كأمها - ~~نارا ثم بردت بفعل الزمن، هي القمر الذي لبث يسبح في الفضاء وحيدا صامتا لا يؤنسه في ~~وحشته حي ناطق، حتى صعد إليه إنسان هذا العصر بجبروت علمه، وسار على صخره وترابه، نعم ~~يا أخي، إنه الزمن وفعله، وهل بقيت أرضنا على حالها التي كانت عليها عندما بردت قشرتها ~~وصارت «أرضا»؟ كلا، إنها لبثت تظهر من مادة جوفها صنوفا شتى تفاوتت من خسيس إلى ~~نفيس، ومن نفائسها أن صنعت ماسا وذهبا وأحجارا أسميناها ms247 نحن بعد ذلك أحجارا كريمة؛ ~~لندرتها وكمال صنعها ... أتدري ماذا كان الخاطر الذي طاف برأس كيميائي عربي عظيم، هو جابر ~~بن حيان، عندما أراد أن يخرج ذهبا من نحاس؟ إنه سأل نفسه: إذا كانت الأرض قد استطاعت ~~على مر الزمن أن تصنع من مادتها الجوفية ذهبا، فهل يستحيل على الإنسان أن يدرس ~~الخطوات التي سارت عليها الأرض حتى أنتجت ما أنتجته، ثم يسير تلك الخطوات نفسها لينتج ~~النتائج نفسها؟ لكنه إذا أفلح في بلوغ الهدف، كان الفرق بينه وبين ما فعلته الأرض ~~بمادتها، هو أنه استطاع أن يختصر الزمن الذي تتحقق فيه تلك النتائج؛ إذ لا بد أن تكون ~~الأرض قد أنتجت ذهبها في ملايين السنين، أما الإنسان الكيميائي (أو السيميائي كما يريد ~~علماء الكيمياء المحدثون أن يسموا أسلافهم ليفرقوا بين أهداف السيميائي فيما مضى، ~~وأهداف الكيميائي في الحاضر) أقول: أما الإنسان فلا بد له أن يختصر الزمن لينتج ~~الذهب في أقل من عمر رجل واحد. # نعم، هذا هو الزمن وما يفعله، مسرعا حينا ومبطئا حينا، وذلك بحسب ما تقتضيه ~~الحال، فيحكى أن الشمس الجبارة القاهرة، التي كانت قد حملت الناس في قديم الزمان - ~~حملتهم بجبروتها المشتعل - على أن يعبدوها، حتى جاءتهم من الله الهداية فاهتدوا، أقول: ~~إنه لمما يحكى عن الشمس على ألسنة طائفة من العلماء، أنها وهي تغمر الفضاء ~~بحرارتها، فإنما هي تفقد مخزونها قطرة قطرة، وشعاعا شعاعا، يوما بعد يوم، وعاما بعد ~~عام، وألف ألف عام بعد ألف ألف عام، إلى أن يأتي يوم تتساوى فيه الحرارة في أجزاء ~~الدنيا جميعا، فلا يعود هناك جزء أشد حرارة من جزء آخر، وعندئذ لن يكون اختلاف في ~~الحرارة بين شمس وأرض، فتقف الحركة وتهلك الحياة، فاختلاف الحرارة بين شمس وأرض، هو ~~الذي يبخر الماء سحابا، وينزل من السحاب ماءه مطرا على اليابس فينبت النبات، ويشرب ~~الحيوان ويأكل ... كل ذلك ينتهي، هكذا تحكي لنا طائفة من رجال العلم، وأظن أن طائفة أخرى ~~قد تحوطت فقالت: إن حركة النار في جسم ms248 الشمس تعود فتولد حرارة قد تعوض ما كانت بعثرته ~~في أرجاء الفضاء، فإذا فرضنا صدق الحساب عند الطائفة الأولى، ألا تنبعث منا آهة تتساءل ~~في عجب: من ذا يصدق أن امتداد الزمان قد يبلغ بفعله كل هذا المدى؟ وإن مناسبة هذا ~~الحديث لتغريني أن أروي لك عن موقف للشاعر عبد الرحمن شكري، الذي كان زميلا للعقاد ~~والمازني في اتجاه شعري واحد، وذلك أن عبد الرحمن شكري كان قد دفعه شيء من اليأس إلى ~~التزام داره بالإسكندرية، لا يغادرها قط، وامتنع عن جمع مجموعة كبيرة من شعره لم يكن ~~نشرها، فذهب إليه صديق، وسأله: لماذا يتردد في نشر شعره وإنه لشعر جدير بالبقاء؟ فابتسم ~~له الشاعر ابتسامة ساخرة وتمتم وهو يشير بإصبعه إلى أعلى، وقال: بقاء؟! إن للشمس يوما ~~تبرد فيه فتزول، وسبحان من له وحده البقاء. # على أن الزمن - يا صديقي - كما يهدم ويمحو، فهو يبني وينشئ، إنها دورة عجيبة تتناول ~~الأحياء والأشياء والمواقف والحضارات وكل ما يخطر لك ببال، فمع مر الزمن ينمو الطفل ~~رجلا أو امرأة، ومع مر الزمن كذلك ينحدر الإنسان إلى شيخوخة فموت، وعلى تعاقب الأعوام ~~تنهض أقوى الحضارات بأسا وأغزرها علما وفنا، وعلى تعاقب الأعوام كذلك، يضعف ما قد ~~كان قويا حتى يزول، وربما كان في مستطاع الإنسان - بقوة إرادته، وتقدم علمه ورفعة فنه ~~- أن يدوم حينا من الدهر فيزداد قوة وازدهارا، ويظل في صعوده أمدا قد يطول، إلا أن ~~شيئا هاما في طبيعة الزمن يبقى ولا حيلة للإنسان فيه، وهو أن الزمن كالحياة - يسير ~~في اتجاه واحد لا يقبل الرجوع، فمع مر الزمن تصير البذرة شجرة، ومحال على الشجرة أن تكر ~~راجعة لتعود إلى البذرة التي كانت، على أنها تنتج بذورا، كل بذرة منها يمكن أن تنبت ~~شجرة من نوعها، لكن هذه الشجرة التالية هي كائن جديد. # ولقد اختلفت الثقافات عند الشعوب المختلفة في نظرتها إلى العلاقة بين الإنسان والزمن، ~~وإنه لاختلاف يشمل فيما يشمله، فكرة الناس عن الثبات والتغير: فما الذي يجب أن ms249 يبقى ~~ثابتا من جوانب حياتهم، وما الذي يجوز أن يتغير؟ وعند هذا السؤال يبرز الفرق واضحا ~~بين السلفي الذي يفتنه الماضي فيثبت عنده، والمستقبلي الذي ينجذب إلى أمام، فإذا هو ~~أيقظ في نفسه شيئا من ماضيه، فإنما يفعل ذلك ليستعين به على قوة الوثبة نحو غد وبعد ~~غد، فالسلفي إذا تطرف، أميل إلى أن يدرج كل أوجه الحياة فيما يجب أن يبقى ثابتا، فلا ~~فرق عنده بين ماض وحاضر، كأنه واقف عند نقطة معينة، والزمن أمامه كالنهر الذي لا يرى ~~أين نبع وأين ينتهي، أي أنه يخرج نفسه من التيار ليقف على شاطئ النهر متفرجا، وأما ~~المستقبلي - إذا تطرف - فهو أميل إلى أن يرى أوجه الحياة جميعا مما يجوز أن يتغير، ~~فليس هناك ما هو ثابت بالضرورة وبحكم المبدأ، وإنما كل شيء مرهون بأحداث الزمن، وإننا ~~لنحمد الله حمدا كثيرا، أن هنالك بين الطرفين فريقا ثالثا، هو الذي تعقد عليه آمال ~~الناس - غالبا - بأن يمسك بزمام الحياة لتتقدم، مبقية من تلك الحياة على ثوابتها، ~~ومغيرة منها ما لا بد له أن يتغير مع الزمن. # إن في «القدم» شيئا يبهر، ولا بد لنا من وقفة قصيرة هنا قبل المضي في الحديث، ~~أقول: إن بقاء الشيء المعين على مر الزمان الطويل، يكسبه عظمة ووقارا، حتى لقد أصبح ~~مجرد القدرة على الصمود في وجه أحداث الزمن، قيمة في ذاته، فقد يخرج لنا علماء الآثار ~~كسرة من إناء فخاري قديم، فنفسح لها مكانا بين معروضات المتاحف، ومن ذا الذي يقع على ~~كراسة قديمة كانت كراسته يوم أن كان طفلا في أعوام الدراسة الأولى، فيمزقها غير عابئ؟ ~~وليس الأمر في هذا مقصورا على الحنين إلى ماض ذهبت أيامه، بل إنه ليجاوز ذلك إلى ما هو ~~أهم من الحنين، ألا وهو معنى «الدوام» الذي يذكرنا بالخلود، ويخرجنا من محدودية ~~اللحظة الزمنية القصيرة العابرة، إلى اللامتناهي في انطلاقه، وشيء من هذا المعنى قد جعل ~~قابلية الشيء لطول البقاء، إحدى صفات الفن العظيم والأدب الرفيع، إن الفنان الذي ms250 شيد ~~معبد الكرنك، والفنان الذي نحت تماثيله من الجرانيت، والرسام الذي صور لوحاته بألوان ~~لا تبهت على مر الزمن، وشاعر معلقة من معلقات الشعر العربي في الجاهلية، وكل فنان غير ~~أولئك وهؤلاء، ممن بقي أثره الفني على الزمن، يستحق الخلود لخلود أثره؛ لأن مجرد القدرة ~~على البقاء كاف وحده ليكفل البقاء لمن أبدع الأثر الذي صمد في وجه الأيام ~~وتقلباتها. # نعم، فإن «للقدم» في ذاته هيبة ورهبة، كما أن «للحداثة» في ذاتها جذبا للنظر ~~وتنشيطا للروح، ولقد تعرض أبو حيان التوحيدي لهذه الجوانب من القديم ومن الجديد في أول ~~الجزء الأول من كتابه «الإمتاع والمؤانسة»، فكان مما قاله في الموازنة بين موقف الإنسان ~~من الجديد، وموقفه من القديم: إن الجديد يثير في النفس التعجب والإعجاب، وأما القديم ~~فله في النفس إجلال وتعظيم، ومن أطرف ما ذكره في سياق حديثه، تعليقه على معنى كلمة ~~«عتيق» التي تؤخذ وكأنها مرادفة لكلمة «قديم»، فبين لنا أبو حيان أنها تضيف إلى معنى ~~القدم جانبا، وهو الإشارة إلى «الكرم، والحسن، والعظمة»، هذه كلمات التوحيدي، وهذه ~~المعاني موجودة في قول العرب «البيت العتيق»، وبالطبع يتبادر إلى أذهاننا سؤال هنا، هو: ~~هل يوجد هذا الجانب من المعنى في عتق العبد من عبوديته؟ فيقول عمن أعتقه سيده إنه ~~«العتيق»، ويجيب أبو حيان التوحيدي بأن هذه الكلمة تدخل في المعنى نفسه، حتى في ~~استعمالها هذا؛ لأن من كان عبدا قد أكرمه العتق بأن ارتفع به عن العبودية. # معذرة فقد استطرد بي القلم، لكنني أردت أن أقول: إنه ربما كان لمن جذبه الماضي فوقف ~~عنده، عذره، لأن للقدم هيبته ورهبته وجلاله وعظمته، إلا أنه إذا كانت لهذه المشاعر ~~الشريفة فتنتها، فلا ينبغي لتلك الفتنة أن تذهب بأصحابها إلى أبعد من النشوة والحنين، ~~بحيث لا يضحون في سبيلها واجب السير إلى أمام ... ~~... وهنا جاءت لحظة صمت بيني وبين صاحبي، الذي جلس يستمع إلى حديثي بأذن مصغية إصغاء ~~توترت به جلسته، وكان صاحبي هو الذي خرج بنا من لحظة الصمت، فقال: إنني ms251 عرفتك منذ زمن ~~بعيد، ولهذا استطعت إدراك ما ترمي إليه منذ بدأت حديثك هذا عن الزمن وفعله، وأخذت تشرح ~~لي كيف يكون فعل الزمن في الأشياء وفي الأحياء جميعا، هادما جاء ذلك الفعل أم جاء ~~بانيا، ثم بينت الرابطة بين فعل الزمن وفكرة الثبات والتغير، فلقد أدركت أنك تشير إلى ~~من يتملك الوهم ظنونهم، فيحسبون أن في مستطاعهم أن يجمدوا الزمن فلا يسير ولا يترك في ~~الحياة بصمة إصبع، فيصبح وكأنه لم يكن، أو كأنه لحظة واحدة تحجرت على حال واحدة، فلا ~~فرق عندئذ بين أن تقول عن تلك اللحظة إنها الماضي - أو إنها الحاضر - أو إنها ~~المستقبل، إذ استقلت هي وحدها بالزمن كله، وإن أعجب ما تعجب له في هذا الوهم، أن أصحابه ~~يحيون حياتهم اليومية كما يحياها سائر عباد الله، لا يختلفون عن سواهم إلا فيما توهموه ~~في رءوسهم، دون أن يلحظوا ولو للحظة واحدة، أن ذلك الذي يتوهمونه ليس هو الذي يحيونه، ~~لا صحوا في ساعات النهار، ولا حلما في نعاس الليل، فهم إذ يتحدثون عن ضرورة البقاء مع ~~السلف في حياة واحدة، مسقطين من الحساب فعل الزمن، تراهم في شئون حياتهم اليومية، يحيون ~~على غير ما يتمنون له أن يكون، ونحن بهذا القول لا ننحي بلائمة على أحد، لأننا نعلم كم ~~يحتاج الأمر إلى إرادة جبارة، إذا أراد صاحب دعوة أن يعيش ما يدعو إليه، إذا كان الذي ~~يدعو إليه مضادا للعواصف العاتية، فليس في أفراد البشر عشرات مثل غاندي، حين خاصم ~~بريطانيا في جبروتها، ثم عاش خصومته تلك في حياته العملية، فارتدى ثوبا من غزله ونسجه، ~~واغتذى بلبن عنزته، فلم يعد بحاجة إلى شيء من مصانع مانشستر وليفربول، وليس في أفراد ~~البشر عشرات مثل تولستوي، يدعو إلى تضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وبدأ بنفسه ~~فتنازل عن معظم ما يملك، وإنه لمن أغنياء الروسيا في عهده، فقليلون جدا هم الدعاة ~~الذين ينعمون بإرادة قوية تعينهم على أن يحيوا على النموذج الذي يدعون الناس إلى ~~احتذائه ... لا، ms252 إننا لا ننحي باللائمة على أحد، حين نقرر أمرا واقعا، هو أن الداعين ~~إلى النمط السلفي في حياتنا، تضطرهم ظروف العصر بقوة دفعها، إلى أن يمارسوا شئون الحياة ~~الجارية كما يمارسها سائر عباد الله، فهم - والحمد لله - لا يفوتهم - ما استطاعوا - أن ~~ينعموا بثمرات الحضارة الجديدة، فيسكنون البيوت المشيدة على هندسة العمارة الحديثة، ~~ويذهبون بمرضاهم إلى طب جديد بأجهزته ووسائله، أينما وجدوه، ويرسلون أبناءهم إلى مراكز ~~العلم الجديد حيثما كان، وهم لا يقصرون في استخدام سبل العيش الحديثة، بسياراتها، ~~وطياراتها، وثلاجاتها، وهواتفها، وأنوارها ... واختصارا هم يحيون في ظلال الحضارة ~~الجديدة، ما امتدت أمامهم تلك الظلال، وهكذا اتسعت المفارقة بين الصورة الكلامية التي ~~يرسمها السلفيون بما يدعون الناس إليه، وبين ما اضطرتهم قوة التيار الحضاري الجديد إلى ~~ممارسته في حياتهم العملية، وإلى هنا وليس ثمة من ضرر حقيقي يحيق بنا، لولا أن الدعوة ~~حين وقعت على آذان الشباب، بالقوة التي وقعت بها، اهتزت لها نفوسهم، وغمضت الرؤية أمام ~~أبصارهم، ولم يعودوا يفرقون تفرقة واضحة بين خطأ وصواب في دنيا السلوك العملي. # ومضى صاحبي في الحديث على هذا النحو، كأنما أراد أن يتكلم عني بلسانه، فيقول ما كنت ~~لأقوله لو أمسكت بزمام الحديث، إلا أنه أخذ يعلو بصوته وبشدة انفعاله معا، خصوصا ~~عندما قال في ختام حديثه: إنهم يريدون - يا أخي - أن يوهموا شبابنا بأن تيار الزمن بين ~~حاضرنا وماضينا قد تجمد وسقط من الحساب. # قلت: هون على نفسك، فليس الفارق بيننا حين ننادي بوجوب الدمج بين حاضر وماض في صيغة ~~حياتية واحدة، وبين الدعاة إلى سلفية، حين يجدون أنفسهم مرغمين على أن تكون تلك الدعوة ~~في واد، والحياة العملية في واد آخر، أقول: إن الفارق بيننا ليس كما نظن من البعد ~~البعيد، ففي كلتا الحالتين ينتهي الأمر بنا إلى حياة فيها درجة من الدمج المطلوب، ~~يتفاوت مقدارها بتفاوت الأفراد، يقرها بعضنا وينكرها بعضنا الآخر إنكارا يوقعه في ~~الازدواجية التي أشرنا إليها بين قول وفعل. # إن المدار الصحيح، الذي يجب أن تتجه ms253 إليه الدعوة بالنسبة إلى الماضي والحاضر، وكيف ~~تكون العلاقة بينهما، هي أن ندعو إلى أن يكون لقاء الطرفين في كيان الفرد الواحد، ~~وبالتالي يكون في كيان المجتمع كله، فالماضي الذي نريد له أن يحيا، إنما هو يحيا في ~~كائن حي يفكر ويشعر ويسلك، فيجيء فكره وشعوره وسلوكه محصلة واحدة من روافد تربوية، جاء ~~بعضها من المصادر الموروثة، وجاء بعضها الآخر من مصادر الحاضر، وبمقدار ما يتحقق لنا ~~التوازن بين الجانبين في حياة موحدة يكون التوفيق إلى جادة الطريق. # وسكتنا لحظة، ثم قلت لصاحبي: أتذكر يا صديقي ما قلته لك هذا الصباح عما أحاط بي من ~~عوامل الضيق؟ فالزهور وجدتها ذابلة على حداثة عهدها، ومفتاح الباب أبى أن يدور في قفله، ~~والوثيقة القديمة بحثت عنها فوجدتها وقد اصفر وجهها وتمزقت أركانها، والسيارة من طول ما ~~تعطلت رفضت أن تسير، ولكن فلتعلم يا صديقي أن الزهور الذابلة ستخلي مكانها لزهور ناضرة، ~~وأن مفتاح الباب سيزول عنه الصدأ، ويدور في قفله لينفتح الباب، والوثيقة سأعطيها لمن ~~ينسخها بأحرف ناصعة على ورق أبيض، وسيارتي سيصلح عطبها فترغم على أن تسير، فإذا صح منا ~~العظم، انفتح لنا الطريق. # | حتى يغيروا ما بأنفسهم # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم # صدق الله العظيم. # هذه آية كريمة نتلوها مع ما نتلوه من كتاب الله، لكن هل وقفنا عند الشرط المشروط ~~علينا فيها، إذا نحن أردنا أن يغير الله ما بنا؟ وما بنا مما نحتاج له أن يتغير، قد ~~كثر حتى لقد ضعفنا بعد قوة، وذللنا بعد عزة، وتخلفنا بعد أن كنا الطلائع التي يقتفيها ~~من أراد أن يتقدم. # والشرط المشروط علينا في الآية الكريمة هو أن نغير ما بأنفسنا، مطلوب منا أن نغير ~~الداخل ليتغير الخارج، مطلوب منا أن نعيد النظر في ترتيب جهازنا النفسي من باطن، ~~فتتبدل دنيانا، ليرتد ضعفنا قوة، وذلتنا عزة، وتخلفنا ريادة، ولكن نقطة البدء في هذا ~~كله، هي الإجابة عن هذا السؤال: كيف يغير المرء ما بنفسه؟ وما «القوم» ms254 إلا مرء، ومرء، ~~وثالث ورابع. # لو كانت «النفس» آحادية العنصر، لما كان في الأمر إشكال، إذ ما علينا إلا أن نغير ما ~~قد فسد من ذلك العنصر الواحد، كما تزيل الصدأ - مثلا - عن مفتاح لم يعد قادرا على ~~الدوران في القفل، فأصبح عاجزا عن السيطرة عن ذلك القفل فتحا وإغلاقا، لكن الأمر في ~~«النفس» أعقد من ذلك، فهي جهاز متعدد العناصر، وأتحفظ هنا فأقول: إن هذا الاسم متعدد ~~المعاني في مجالات استعماله، فقد تراه مستخدما في سياق ما بمعنى، ثم تراه مستخدما ~~بمعنى آخر في سياق آخر؛ وعلى ذلك فقد تكون رؤيتي لمعنى هذه الكلمة، في هذا السياق، ~~مختلفة عن رؤية آخرين، وأما رؤيتي فهي أن تكون «النفس» التي يراد منا أن نغيرها، ليغير ~~الله ما بنا، جهازا متعدد الأجزاء، بحيث تشترك تلك الأجزاء معا في توجيه صاحب تلك ~~النفس نحو ما يفعله وما لا يفعله، ما يقوله وما يسكت عنه، ما يسر له وما يحزن له ... ~~إلخ، وليست هذه المقالة بحثا علميا نتوقع منه أن يتقصى المعنى بكل دقة وبكل شمول، بل ~~يكفينا هنا أن نبرز عددا قليلا ومؤثرا، من أجزاء الجهاز الذي من أجزائه تتكون ~~«النفس»، لنقف عندها وقفة متأملة، لعلنا نهتدي إلى طريقة تغييرها إذا كانت في حاجة إلى ~~تغيير. # وأول ما يهمني ذكره من جوانب النفس، هو مجموعة «الأفكار» التي نملأ بها رءوسنا، والتي ~~هي ذات شأن في تشكيل سلوكنا، فلنقف هنا وقفة، حتى إذا ما فرغنا من عنصر «الأفكار»، ~~انتقلنا إلى عنصر آخر. # تعالوا نبدأ من البداية فنسأل: ما هي الفكرة؟ ولكي أجيب إجابة بسيطة وخالية من ~~التعقيد، أقول: إنه كما يكون لكل حيوان طريقته التي يحمي بها نفسه حماية سلبية ~~بالدفاع، أو حماية إيجابية بالهجوم، فإن وسيلة الإنسان في ذلك هي «أفكاره»، إنه قلما ~~يلجأ في دفاعه وهجومه، إلى أظافره وأنيابه وعضلاته، لكنه «بالأفكار» يصنع السلاح، ويضع ~~الخطط، ويرسم طريقة السلوك التي تنتهي به آخر الأمر إلى حماية نفسه هجوما أو دفاعا، ~~«فالفكرة» لا ms255 تكون فكرة، إلا إذا كانت منطوية على شيء يصلح أن يكون أداء لحياة أقوى ~~وأكمل، إن الله لم يخلق الإنسان ذا عقل «يفكر» ليجيء الإنسان فيجعل من أفكاره فقاقيع ~~فارغة كفقاقيع الصابون ... تبدو براقة وشفافة وجميلة التكوين، وكثيرا ما تزدان بألوان ~~فيها الأزرق والأخضر والبرتقالي، مما يخطف البصر في لمحة سريعة، ولكنها - وا أسفاه - لا ~~تكاد تمس الهواء أو يمسها الهواء حتى تنفجر وتختفي كأن لم تنتفخ بلمعتها وألوانها منذ ~~لحظة يسيرة، نعم، إن الله - جلت قدرته وحكمته - لم يجعل الإنسان كائنا عاقلا، ليجيء ~~الإنسان فيجعل من عقله ذاك أداة يعبث بها ويلهو، وإنه ليصبح ذلك العابث اللاهي، إذا ما ~~شحذ عقله شحذا، ليلد له عقله تصورات تبدو له وكأنها «أفكار» يدافع بها عن حياته ~~ويهاجم، وإذا هي في حقيقتها تنتسب إلى أسرة الفقاقيع الصابونية الخالية في أجوافها حتى ~~من الهواء، والفرق بين «الفكرة» التي هي أداة للحياة القوية المزدهرة، والفكرة التي ~~تشبه الفكرة ولكنها ليست منها، هو هذا، الأولى ترسم لك طريقا تسلكه إلى ما هو أنجح ~~وأقوى وأحكم، والثانية إما أن تهوى بك إلى ما يشبه الموت إذا لم يكن هو الموت نفسه، ~~وإما هي - في أهون حالاتها - تقعد بك قعودا لا فعل فيه ولا حركة ولا مقامرة ولا ~~إنتاج. # ونحن إذ نزدهر حينا ونذبل حينا، فإنما نزدهر بأفكار من النوع الأول تبث فينا، فتكون ~~هي الموجهات لنا في حياتنا العملية، وتذبل بأفكار - أو قل أشباه أفكار - تقع منا مواقع ~~القيود والأغلال، لا تسمح لحياتنا بحركة مؤدية إلى شيء، ولا يفوتنا أن نلحظ في الحالة ~~الأولى عوامل تدعو الناس إلى أمل في مستقبل مزدهر، وأما في الحالة الثانية فالأغلب أن ~~يكون في حياتنا ما يدعو إلى يأس من مستقبل ناجح، وإني لأخشى ألا أكون مخطئا، إذا زعمت ~~بأن الفترة الراهنة التي كانت بدايتها هزيمة 1967، قد أخذت تميل بنا شيئا فشيئا نحو ~~ذلك المناخ الفكري الذي يملأ جو السماء وصخور الأرض «بأفكار» الجمود والفقر واليأس من ~~الحياة، وإذا صح ms256 هذا النظر، لم يكن لنا بد من أن نغير ما بنفوسنا ليغير الله ما بنا، ~~وأول ما نغيره هو تلك الأفكار، التي أشرت إليها، لنملأ رءوسنا بغيرها مما يؤذن ~~بالأمل. # وسأضرب أمثلة قليلة من الأفكار، التي هي في حقيقتها أشباه أفكار، والتي - واعجباه - ~~تنفتح لها أبواب الأجهزة الإذاعية والصحفية انفتاحا لتنصت إليها الملايين، فتملأ بها ~~أوعية دمائها، ولا تلبث أن تكون هي «الرأي العام»، فمن ذلك ما يلح به علينا أصحاب ~~الكلمة العليا، يلحون علينا بالكلمة المسموعة المذاعة، وبالكلمة المقروءة في الصحف، ~~يلحون على آذاننا وعلى أبصارنا، في الصبح وما بعد الصبح من ساعات النهار، وفي العشية ~~وما بعد العشية من ساعات الليل، إن ماضينا يجب أن يعود إلى الحياة ليكون هو حاضرنا، ~~هكذا يقولونها بغير تدقيق ولا تحليل، فيتلقاها الجمهور السامع والجمهور القارئ، فلا ~~يعرف كيف يفهمها إلا أن يأخذها بظاهر حروفها، وعندئذ ترى عجبا عند التطبيق، ولو أن ~~حقيقة الصلة بين حاضر الإنسان وماضيه، عرضت على الناس في صورتها الصحيحة والقوية، ~~لاستبدلنا بالفكرة المريضة فكرة سليمة، فليس على سطح الأرض مخلوق من البشر، بقيت له في ~~رأسه مسكة عقل، يريد أن يخلع على نفسه ماضيه، كأن ماضي الإنسان قميص يخلعه إذا شاء ~~ويرتديه إذا شاء، لكن المسألة هنا هي «كيف»؟ كيف نبث ماضينا في حاضرنا؟ إننا لو تصورنا ~~بأن المطلوب هو أن يجيء الحاضر مصبوبا في قالب الماضي بكل حذافيره، لكان هذا الحاضر ~~قد جاء زائدة دودية ليس لها إلا أن تقتلع من جسد التاريخ لتفنى، هذا إن كان في حدود ~~المستطاع أن يبعث ماضي الإنسان في حاضره كما يتصورون، إن حقيقة الموقف يمكن توضيحها ~~باللغة، فنحن نستخدم لغة السلف، لكن إذا كانت «الأداة» واحدة ومشتركة بيننا وبين ~~أسلافنا، فهل نطالب أبناء الحاضر ألا ينطقوا أو يكتبوا بتلك اللغة إلا ما نطق به ~~الأولون أو ما كتبوه؟ وهل تشابه السابقون أنفسهم فيما قالوه وكتبوه هم؟ لا بد لنا من ~~أن نبقى على لغتنا العربية حية وقوية، وإلى هنا ms257 يظل الماضي حيا في الحاضر، لكن البون ~~شاسع بين ما قالوه بتلك اللغة وما نقوله، وقد يكون الماضي أفضل في قوله من الحاضر في ~~قوله أحيانا، وقد يكون الحاضر أحيانا أخرى أفضل من الماضي. # وعلى هذا الغرار، تكون صلة الماضي بالحاضر في كل مواقف الحياة العقلية والوجدانية ~~والعملية، فقد كان من أسلافنا من برع في علوم الرياضة وعلوم الطبيعة وغيرها، فيصبح ~~ماضينا حيا في حاضرنا إذا حافظنا على مكاننا في الريادة العلمية، لكن أحدا لا يتصور ~~علماءنا اليوم وقد وقفوا بعلومهم عند الحدود التي وقف عندها علماء الأمس، إذ هو محال أن ~~يجيء يومنا كأمسنا في الطب والهندسة والرياضة والفلك إلخ إلخ، وما نقوله عن الحياة ~~العقلية، نقول مثله في الحياة الوجدانية، فليس حتما لشاعر عصرنا أن يفرح ويحزن ويفخر ~~ويهجو، لكل ما فرح له الشاعر القديم وحزن وفاخر وهجا، وهل كان في القديم شاعر واحد، ذو ~~موقف واحد، لكي أحاكيه وجدانا بوجدان؟ مرة أخرى أقول: إن الماضي يظل موصولا بالحاضر ~~بالمشاركة اللغوية أولا، وبشيء من الروح السارية في النغمة العربية. # والحقيقة نفسها تتمثل في الحياة العملية وأوضاعها، فبينما يتحتم على الحاضر أن ينشط ~~في حياته العملية، مهتديا بإطار القيم التي احتكم إليها أسلافنا في سلوكهم، إلا أنه من ~~غير المعقول أن يجيء السلوك نفسه ... المنضبط بقيمة معينة، صورة مكررة من سلوك السالفين، ~~ومرة ثانية أقول: إن هؤلاء السالفين لم يكونوا رجلا واحدا في موقف واحد، حتى أجعل منه ~~نموذجا أحاكيه، فمثلا إذا كان السالفون قد رفعوا من شأن إكرام الضيف، ونجدة المأزوم، ~~والشجاعة في مواجهة المخاطر، فنحن كذلك يجب أن نربي أبناءنا على تلك النماذج «القيمية»، ~~لكن صور السلوك التي تندرج تحت تلك القيم ليست بالضرورة هي نفسها صور السلوك في عصر ذهب ~~بذهاب ظروفه. # كلام بسيط وواضح، لو وجد سبيله إلى رءوس شبابنا، لما رأينا شبابا من شباب الجامعة ~~يفكر جادا في أن يغير ثيابه وفي أن يوجه مطالعاته نحو أن يحاكي صورة قدمها إليه ~~السادة مسموعة ومقروءة، ms258 فللشباب أن يرتدي من الثياب ما يوافق ظروفه كما ارتدى الأقدمون ~~ثيابا تتفق مع ظروفهم، وللشباب أن يوجه مطالعاته ودراساته وجهة تعينه على القوة ~~والنجاح، كما كان الأقدمون يفعلون ما يفعلونه ابتغاء القوة والنجاح. # ونأخذ فكرة أخرى مما يحرص السادة على تبليغها إلى الناس، وهي قد بلغتهم وصدقوها ~~وعاشوا على منهاجها، لكن الأرجح أن ينتهي بهم الطريق إلى ضعف وفقر وهزيمة، وهي فكرة أن ~~الإنسان لا حول له في أمور نفسه ولا قوة؛ وذلك لأن أموره إنما تجري بمشيئة الله، وها ~~هنا - كما في المثل السابق - نقول: إنه إذا تلقى الجمهور السامع والجمهور القارئ كلاما ~~كهذا بغير تدقيق وبغير تحليل وتوضيح، لجاز على كثيرين أن يحدوا من نشاطهم وأن يتركوا ~~انتصارهم وهزيمتهم، نجاحهم وفشلهم، قوتهم وضعفهم لمشيئة الله، وكأنه لا جهد ولا اجتهاد ~~ولا جهاد، فليس هنالك على وجه الأرض مخلوق واحد من البشر المؤمن بدين، إلا ويعلم أن ~~وراء جهده واجتهاده وجهاده، مشيئة إلهية، لكن الفرق بعيد بين أن «أعلم» هذه الحقيقة ~~الثابتة، وبين أن تتأثر إرادتي بما قد علمته عنها، فواجب الإنسان هو أن «يريد» وأن يسعى ~~إلى تحقيق ما أراده، ويكون لله - جل شأنه - مشيئة في أن يوفق ذلك الإنسان إلى تحقيق ما ~~أراده أو لا يوفق، فإذا كان السادة لا يقصدون بإلحاحهم على ضعف الإنسان وعجزه وقلة ~~حيلته، أن يكف ذلك الإنسان عن أن يكون ذا طموح وصاحب عزيمة قوية يعمل بها على تحقيق ذلك ~~الطموح، فهل يكون السداد في تربية أبنائنا، هو أن نبث فيهم ما يقوي إرادتهم ويشعل ~~فيهم روح النشاط والعمل؟ أو أن نجعل محور الارتكاز هو تذكيره بضعفه وعجزه وقلة حيلته؟ ~~إني أرجو ألا يساء فهم ما أقوله، فأنا أكرر مرة أخرى، أنه ليس في الدنيا من لا يعلم - ~~وأكرر «يعلم» - أن مشيئة الله فوق كل إرادة، لكن «العلم» بحقيقة ما، وإن يكن واجبا إلا ~~أنه «علم» لا يراد له أن يحد من أن تكون للإنسان إرادته وسعيه واجتهاده، فالأمر كما ~~قال ms259 شاعر قديم هو أن «علي أن أسعى، وليس علي إدراك النجاح»، فواجب الإنسان أن يسعى ~~جهده، كما لو كان النجاح مضمونا، ولكن إدراك النجاح بالفعل إنما أمره مرهون بمشيئة ~~الله، فإذا كنا لنغير ما بأنفسنا من أسباب الضعف والهزيمة رجاء أن يغير الله ما بنا، ~~كان بين ما نغيره في تربيتنا لأبنائنا أن يكونوا على «علم» بقدرة الله ومشيئته، وأن ~~يكونوا في الوقت نفسه على طموح نحو القوة والنجاح والنصر، وعلى إرادة تتكافأ مع ذلك ~~الطموح. # وأكتفي بالفكرتين اللتين أسلفت ذكرهما، لأوضح بهما ماذا نغيره مما بأنفسنا، ليغير ~~الله ما بنا، لأنتقل إلى جانب آخر من جوانب النفس - غير جانب «الأفكار» - مما يجب أن ~~نغيره، ليغيرنا الله حالا بعد حال، والجانب الذي سأختاره هذه المرة، هو العلاقات ~~الإنسانية التي يجري التعامل بين المواطنين على أساسها في هذه الفترة الزمنية التي ~~نحياها، وهي علاقات يستحيل عليها إلا أن تكون طارئة بحكم ظروف استحدثت في حياتنا، نحتاج ~~في تفصيلها وبيانها إلى بحوث علمية دقيقة؛ لأنها لو كانت كامنة في طبيعتنا، لما كان ~~للمصري دوام على امتداد التاريخ، ولما استطاع أن يقيم ما أقامه من حضارات، وحسبنا في ~~حديثنا هذا، أن نشير إلى جانبين فقط من تلك العلاقات: # أولهما: هذا الإرهاب الفكري العنيف، الذي يضغط به الرأي العام على حرية الفرد ~~في اختياره لوجهة النظر التي يختارها لنفسه، لينظر من خلالها إلى ما ~~يعرض له من قضايا، خصوصا إذا كانت تلك القضايا مما يمس الدين - عقيدة ~~وشريعة - من قريب أو من بعيد، فهنالك اليوم ما يشبه القيادة الفكرية في ~~هذا المجال، وهي قيادة أخذت تبث في جمهور السامعين والقارئين إطارا من ~~التفكير، حتى خيل لذلك الجمهور أنه هو الإطار الذي لا إطار سواه، ~~وها هنا ألتمس من قارئ هذه السطور شيئا من سعة الصدر ومن حسن ~~الاستماع، كما ألتمس منه قليلا من الثقة أحدنا في الآخر، حتى ولو لم ~~تدم تلك الثقة المتبادلة أكثر من دقائق معدودات، لأقول لذلك القارئ بعد ~~ذلك: إن ms260 المبدأ الأول والأساسي الذي يجب أن يعتمد عليه كلانا في الحوار ~~والتفاهم، هو أن يثق أحدنا في سلامة العقيدة الدينية عند أخيه، وأود أن ~~أذكره - بهذه المناسبة - أن حاجة الإنسان إلى دينه، هي جزء من فطرته ~~التي لا حياة إلا بها، وحتى إن خيل لفرد من الناس أنه ليس به حاجة ~~إلى ذلك الجزء من فطرته، فهو - بكل بساطة - إنسان لا يعرف نفسه، وليست ~~هي بالحالة النادرة القليلة الحدوث، أن تجد من الناس من لا يعرف نفسه ~~على حقيقتها، حتى يبصره بها من هو أكثر دراية وعلما، فليس الاختلاف ~~بين فرد وفرد، أو بين جماعة وجماعة، هو «دين أو لا دين» إنما الاختلاف ~~هو: كيف تكون الظواهر التي يتخذها الدين؟ وإننا لنعلم جميعا أنه ما من ~~دين، إلا ويحدث بين المؤمنين به أنفسهم اختلافات في طريقة الفهم ~~والرؤية، ومع ذلك تبقى الجماعات المختلفة كلها تحت مظلة ذلك الدين، ففي ~~الإسلام - مثلا - شيعة وسنة، وفي كل من الشعبتين مذاهب، ولم ~~يقل أحد، بل لم يجرؤ أحد على القول، بأن الإسلام مقصور على تلك الشعبة ~~دون هذه ... أو أنه مقصور على هذا المذهب دون ذاك، وتستطيع أن ترى ذلك في ~~أجلى وضوح، إذا طلبت من مؤرخ مختص أن يؤرخ للإسلام، فماذا نتوقع منه ~~عندئذ إلا أن تجيء روايته للتاريخ شاملة لكل ما شمله تاريخ الإسلام ~~من وجهات النظر في الفهم والرؤية، وهذا طبيعي، بل هو علامة خصوبة وغنى؛ ~~لأن الاختلافات لا تمس جوهر الرسالة، بحيث نرى شعبة تأخذ بالتوحيد، ~~وأخرى لا تأخذ به، إنما تبدأ الاختلافات، عند تفريع النتائج من ذلك ~~الجوهر؛ لأنه ميدان قدرات عقلية قد تتفاوت واجتهادات بشرية قد لا ~~تلتقي. # لكن هذا التفريع نفسه، لا يقف عند حد الأقسام الكبرى والمذاهب المتعددة التي تندرج ~~تحت كل قسم منها، بل إنها قد تتسلسل حتى تصل إلى فروع الفروع، فيختلف الرأي بين ~~الأفراد، دون أن يكون من الحق أو من الإنصاف ، أو من الصالح للحياة الاجتماعية والعملية ~~نفسها، أن يحكم مختلف ms261 على مختلف بالخروج على دينه، فتلك تهمة كبرى يجب التردد ألف مرة ~~قبل إلقائها، ومع ذلك فانظر إلى ما قد شحنت به العقول في جمهور السامعين والقارئين، ~~وكيف تحول الأمر حتى أصبح من لا يجري على غرار الجمهور في شحنته تلك، موضع اتهام قد لا ~~ينجيه من التعرض للأذى، مما يميل بكثيرين من أصحاب الرأي أن يلوذوا بالصمت إيثارا ~~للسلامة والعافية، وفي ظل هذا المناخ، الفكري، أو قل في ظلمة هذا المناخ وظلمه، تضيع ~~كرامة الأفراد، وحريتهم في التفكير وإعلان الرأي، فتحرم الأمة من مصابيح كان يمكن لها ~~أن تضيء الطريق. # ذلك جانب من حياتنا كما هي قائمة في يومنا، وجانب آخر يستحق الذكر في هذا الموجز ~~السريع، وهو جانب ربما يكون عاما في بلاد العالم الثالث كلها أو معظمها، وأعني به ذلك ~~الشعور الغامض، الذي يوهم صاحبه بأن النظام الاجتماعي - وأهم عناصره هو الناحية ~~الاقتصادية - إنما هو إلى زوال سريع، وليس هو بالنظام المقدر له أن يستقر قرنا كاملا ~~من الزمان، وأظن أن مثل هذا الشعور الغامض بسرعة الزوال، ينشأ عادة بعد الثورات؛ وذلك ~~لأن التغيرات التي تحدثها ثورة ما ليس لها ذلك الثبات لحالة تجيء نتيجة تطور طبيعي على ~~امتداد فترة طويلة، حتى لقد قال باحث تناول الثورات الكبرى التي حدثت في التاريخ، ~~ليستخرج منها ما يمكن أن يكون شبيها بالقوانين العلمية في طبائع الثورات وخصائصها، قال ~~ذلك الباحث: إن التاريخ قد شهد ثورات كثيرة، جاءت ثم ذهبت ولم تخلف وراءها إلا ~~تبديلا لأسماء عدد من شوارع المدن وميادينها. # إذن فقد كان طبيعيا للشعوب التي تغير فيها ما قد تغير - من بلاد العالم الثالث - أن ~~يشيع في صدر الناس ذلك الشعور الغامض بزوال سريع لما قد استحدث في الحياة من تغيرات، ~~وإذا كان الأمر كذلك، فلينهب الناهبون قبل الزوال، وليظفر الظافرون بالغنائم قبل السقوط ~~... # أفكار، وحالات، ومواقف، هي هي نفسها التي نجملها معا في حزمة واحدة، ونشير إليها ~~بكلمة «النفس»، ونفوس الناس - بهذا المعنى - هي التي لا يغير ms262 الله ما بنا اليوم، حتى ~~نغير نحن أولا ما بها. # القسم الرابع # | دوائر الانتماء # | عروبة مصر # ثلاثة خطوط، مستقل كل خط منها عن الخطين الآخرين، تقاطعت معي في نقطة واحدة، وفي فترة ~~لم تزد على ساعة واحدة، فجاءت مصادفة من تلك المصادفات التي تقع في حياة كل إنسان حينا ~~بعد حين، والتي يكون في وقوعها شيء من غرابة التوافق في الحدوث، حتى ليحس صاحبها أنه لا ~~بد أن يكون وراءها قوة مدبرة، لا نراها فنقول عما حدث إنه مصادفات ... وأما الخطوط ~~الثلاثة التي تلاقت وتقاطعت في نقطة واحدة، فسأذكرها بإيجاز، ثم أعقب على الإيجاز بشيء ~~من التفصيل: # كان أحدها تلك المقدمة التي تستوقف النظر بعقمها وبصدقها، وهي المقدمة التي قدم بها ~~الأستاذ الدكتور أحمد قدري، رئيس هيئة الآثار المصرية، للترجمة العربية لمؤلفه ~~الإنجليزي، الذي صار عنوانه في الترجمة: «المؤسسة العسكرية المصرية، في عصر ~~الإمبراطورية، 1570ق.م-1087ق.م»، ولقد ذكر ما يفيد بأن هذا الكتاب إنما هو ~~(في صورته العربية) حلقة أولى من سلسلة سوف تبلغ حلقاتها مائة، كلها يستهدف وعيا ~~حضاريا معاصرا، والمشروع لوزارة الثقافة، ممثلة في هيئة الآثار المصرية، وكان من أهم ~~ما سعدت به في تلك المقدمة، ما ورد فيها عن البحوث العلمية التي أثبتت الخصائص المشتركة ~~بين لغة المصريين الأقدمين، وسائر اللغات السامية (بتشديد الياء) في هذه المنطقة التي ~~نطلق عليها اليوم اسم الشرق الأوسط، وسأعود إلى استئناف الحديث عن هذا الموضوع بعد ~~قليل. # وكان سر سعادتي بما وجدته في مقدمة الأستاذ الدكتور أحمد قدري، في هذا الصدد، هو ما ~~كنت كتبته تحت عنوان «قضية تستحق النظر»، وهو منشور في كتابي «في مفترق الطرق»، وهنا ~~أنتقل إلى الخط الثاني من الخطوط الثلاثة، التي قلت إنها تقاطعت معي على صورة المصادفة ~~الغريبة، وذلك أني لم أكد أفرغ من قراءة مقدمة الأستاذ الدكتور أحمد قدري، حتى دق ~~التليفون من متحدث ليس بيني وبينه إلا ما يكون بين قارئ وكاتب، فلقد قرأ المتحدث ما ~~كتبته في فصل «قضية تستحق النظر»، وفيه عرضت ms263 مسألتين مرتبطة إحداهما بالأخرى، وكلتاهما ~~متصلة بانتمائنا الوطني والقومي، أما المسألة الأولى منهما: فهي ذلك القلق العميق الذي ~~يضطرب في صدر المصري المسلم، حتى وإن تركه مكتوما في نفسه ولم يعبر عنه، ومصدر ~~القلق هو التوتر الناجم عن قوتين تجذبانه في اتجاهين متضادين، فمن حيث هو مصري يريد أن ~~يشعر بفخر الانتماء إلى عصور الفراعنة بكل أمجادها، ومن حيث هو مسلم تأخذه الربكة حين ~~يجد فرعون مغضوبا عليه في القرآن الكريم، ولقد كنت وجدت حلا لتلك المشكلة في أن ~~المغضوب عليه من الفراعنة فرعون واحد، هو فرعون موسى «رمسيس الثاني»، وليس طغيان حاكم ~~واحد يسيء إلى عدة آلاف من السنين، شهدت من الحكام الفراعنة عشرات. # تلك مسألة، انتقلت منها إلى المسألة الثانية، فأما وقد أزلت عن نفسي حيرتها إزاء ~~المسألة الأولى، فماذا أنا صانع في حيرة أخرى، هي هذه المرة بين أن يكون المصري ~~مصريا، وأن يكون في الوقت نفسه عربيا؟ لكنني هنا كذلك اهتديت إلى حل، هو أن ~~«العروبة» - في آخر التحليل - ليست إلا نمطا ثقافيا معينا، يعيشه أهل هذه البقعة من ~~الأرض، التي هي في التسمية الحديثة تسمى بالشرق الأوسط، وعندئذ أخذت أحلل ذلك النمط ~~الثقافي المزعوم إلى عناصره، من تدين إلى لغة (من حيث خصائصها الشكلية)، إلى مبادئ حياة ~~خلقية، وغير ذلك، ولقد أحسست بمزيد من الرضا عما كنت قد انتهيت إليه من نتائج، عندما ~~وجدت النتائج نفسها مثبتة بأبحاث علمية قام بها متخصصون في الآثار المصرية الفرعونية، ~~بما في ذلك قراءة النصوص الهيروغليفية وتحليلها كما ذكر لنا الدكتور قدري في مقدمته ~~التي أسلفنا الإشارة إليها، والذي يعنيني هنا الآن، هو أن القارئ الذي فاجأني بحديثه ~~التليفوني، عقب قراءتي لمقدمة الدكتور أحمد قدري، أراد أن يستجلي بعض ما غمض عليه، في ~~الفكرة التي كنت عرضتها، وهي أن «العروبة» يمكن فهمها على أنها نمط ثقافي معين، شارك ~~فيه المصري منذ أقدم عصوره، وشاركت فيه شعوب هذه المنطقة كلها، وبهذا التعريف للعروبة، ~~نكون قد أخرجنا من معناها الأصل العرقي، ms264 وتقلبات السياسة، ونكون في الوقت نفسه، قد ~~وضعنا الأساس الذي تبنى عليه عروبة مصر، منذ ما سبق الفتح العربي بزمان طويل. # ثم اكتملت معي غرابة المصادفات، حين جمعت بين يدي ثلاثة خطوط، من مصادر مختلفة كل ~~الاختلاف في موضوع واحد، خلال فترة قصيرة من صباح واحد، إذ لم تكد ساعة واحدة تمضي على ~~الحديث التليفوني، حتى جاءني البريد يحمل فيما يحمله، خطابا من قارئة كريمة، وقعت ~~على حوار أجرته معي مجلة عربية، ورد عني فيه قولي بأن مصر كانت عربية، حتى قبل الفتح ~~العربي، مرتكزا في هذا القول، على تعريف العروبة بأنها نمط ثقافي ذو خصائص تميزه، ~~فكتبت السيدة القارئة - وهي السيدة هبة الله عزى - تقول: # لقد فاجأتني بقولك إن عروبة مصر، كانت قائمة حتى قبل الفتح الإسلامي، وذلك في ~~إطار مفهومك للعروبة، وهو أن العروبة نمط ثقافي ذكرت ركائزه وأهم عناصره، وليست ~~مستندة إلى أصل عرقي معين، وإنه ليبدو لي أن فرعونية مصر وعروبتها مشكلة ستظل ~~قائمة، تعاني منها الأجيال القادمة، كما تعانيها أنت، بل ربما ازدادت حدة، ~~واشتدت إلحاحا علينا، في ظل الظروف العربية الراهنة، إنني واحدة ممن يوصفون ~~بأنهم «جيل الثورة»، صحوت من أحلامي الجميلة الرومانسية على هزيمة 1967، لأجد ~~أن كل ما عشت فيه وآمنت به، إنما كان سرابا وأوهاما، لأجد حقيقة فاجعة ~~تنتظرني بواقعها الأليم، وذلك أني رأيت أمة ممزقة بالهزيمة، وعلى عكس ما توقعته ~~من الشعوب العربية، وجدت منها شماتة بمصر، وتجريحا لها وإذلالا، ومصر هي مصر ~~الإسلام ومصر العروبة! فكان من الطبيعي لمصر أن يكون رد فعلها، هو أن تقوقع ~~شخصيتها على نفسها، باحثة عن بديل لعروبتها الممزقة الجريحة، فكان البديل هو ~~فرعونيتها المسلمة، وتتوالى الأحداث بمصر، من مبادرة السلام إلى كامب ديفيد، ~~ليزداد الهجوم وتزداد القطيعة، ثم أجد من ينادون بمصر العربية! كيف؟ كيف؟ ~~والعرب يقاطعوننا ولا يريدون الاعتراف بنا، وذهب مع الهواء ما صنعنا، وذهب مع ~~الهباء ما ضحينا! ... إنني أم لطفلين في الثامنة، وكنت على وشك أن ألقنهما درسا ~~في أصولهما ms265 الفرعونية، وكيف ينبغي لهما الاعتزاز بما يجري في عروقهما من دم ~~فرعوني أصيل ... لولا أن أوقعتني المصادفة على كتاب «هموم داعية» للإمام الغزالي، ~~فوجدت إمامنا يقول في صفحة 42 من ذلك الكتاب: إن إبعاد العرب عن الإسلام خيانة ~~وطنية، إلى جانب كونها «ردة دينية» ... فأمسكت عما كنت اعتزمته مع ولدي؛ حتى ~~أستيقن حقيقة الأمر من فقهاء الدين والعقيدة ... وما إن فرغت من قراءة الإمام ~~الغزالي، حتى وقعت على كتاب «ما قبل السقوط» للدكتور فرج فودة، فوجدته يطالبنا ~~- بعقلانية وواقعية شديدتين - بألا نستمع إلى دعوة تقول للمسلم المصري بأن ~~المسلم في الهند أقرب إليه من القبطي المصري، وها أنت ذا تنادي بأن العروبة ما ~~هي إلا نمط ثقافي متميز بخصائصه، وأن مصر كانت تقيم حياتها على ذلك النمط ~~الثقافي حتى قبل الفتح العربي ... فهذه آراء ثلاثة، فأيها نصدق؟ ... # تلك كانت الخطوط الثلاثة التي تلاقت عندي فيما يقرب من ساعة زمنية واحدة، فما كان مني ~~إلا أن جلست أفكر فيها متدبرا مترويا، ومتسائلا: ترى هل تخرج منها بما يؤيد وجهة ~~نظرك في حقيقة العروبة؟ أو أن الأمر أصبح في حاجة إلى مراجعة؟ ورأيت عندئذ أن أبدأ بما ~~ورد في رسالة السيدة القارئة التي أخذتها الحيرة بين ما ظنت أنها آراء ثلاثة متعارضة، ~~وهي تريد أن ترسو بسفينتها على بر تطمئن له بين تلك الآراء؛ لأنها سترتب على ذلك نهجا ~~تربي عليه طفليها، والرأي عندي هو ألا تعارض هناك بين الآراء الثلاثة التي وقفت ~~السيدة القارئة إزاءها حيرى، وقبل أن أبين ذلك، يحسن بي أن أبرز الجانب الذي قد يفلت من ~~عين الرائي، فيختلط عليه الأمر وتصعب الرؤية. # هنالك صفتان، تتلاقيان حينا، وتفترقان حينا، وهما: العروبة، والإسلام، فنحن فيهما ~~أمام احتمالات ثلاثة: الأول: هو أن نجد الصفتين وقد تلاقتا في شخص واحد، فيكون ذلك ~~الشخص عربيا مسلما، والاحتمال الثاني: هو أن يكون المسلم غير عربي، كما هي الحال مع ~~مسلمي إندونيسيا، والملايو، وباكستان ، والهند، وإيران، وأفغانستان، وتركيا، وغيرهم، ~~والاحتمال الثالث: هو أن يكون ms266 الشخص عربيا غير مسلم، كالمسيحيين في مصر، ولبنان، ~~وفلسطين، وفي سائر الأقطار العربية، فإذا كانت السيدة صاحبة الرسالة قد وجدت الإمام ~~الغزالي يحذر من أن نباعد بين العربي وإسلامه، أو بين المسلم وعروبته، فهو إنما يتحدث ~~عن فئة واحدة من الفئات الثلاث التي ذكرناها، وهي فئة الاحتمال الأول، وإنني إذ أتكلم ~~عن الإمام الغزالي في هذا الصدد، فإنما أقيم كلامي على «افتراض» أن السيدة قد أحسنت ~~الرواية عما قرأته للغزالي في ذلك؛ لأنني لم أقرأ له الكتاب الذي قرأته هي، وجاءت منه ~~بما جاءت، ومحال أن يكون الإمام الغزالي قد ربط بين العروبة والإسلام ربطا لا يتسع ~~لوجود الاحتمالين الآخرين، وهما: أن يكون المسلم غير عربي، وأن يكون العربي غير مسلم؛ ~~لأننا حتى لو قصرنا صفة العروبة على أبناء الجزيرة العربية، التي كانت مهبط الوحي ~~الإسلامي، فقد كان في الجزيرة العربية ذاتها عرب قبل نزول الإسلام، ومن هؤلاء العرب من ~~لم يدخل دين الإسلام فظلوا عربا كما كانوا عربا، برغم احتفاظهم بعقيدتهم الدينية التي ~~كانوا عليها. # ذلك إذن هو ما روته السيدة عن الغزالي، أي أنه قصر كلامه على من اجتمعت فيهم عروبة ~~وإسلام، ولم يذكر شيئا - فيما روت السيدة - عن الاحتمالين الآخرين، فإذا انتقلنا إلى ~~ما نقلته السيدة عن الدكتور فرج فودة، من أن الرابطة بين المسلم المصري والقبطي المصري، ~~لها أولوية على الرابطة بين المسلم المصري والمسلم الهندي، فالحديث هنا يتناول موضوعا ~~آخر، غير الموضوع الذي ورد ذكره فيما نقل عن الغزالي، فبينما الغزالي يتحدث عن المباعدة ~~بين صفتي العروبة والإسلام، فيمن هو عربي مسلم، نجد حديث الدكتور فودة قائما على ~~مقارنة بين نوعين من الروابط، ليرى أيهما تكون له الأولوية على الآخر بالنسبة إلى ~~المواطن المصري، إنهما موضوعان مختلفان كل الاختلاف، بحيث نستطيع بكل اليسر أن نقول ~~عن الرأيين فيهما إنهما صادقان معا، لأن أحدهما لا ينقض الآخر، ففي الوقت الذي لا يجوز ~~لنا فيه أن نباعد بين العروبة والإسلام، فيمن هو عربي مسلم، يجوز أن نقول ms267 أيضا عن ذلك ~~العربي المسلم أنه أوثق ارتباطا بمواطنه غير المسلم، منه بمسلم ينتمي إلى وطن آخر، ~~فأين يكون موضع الحيرة بين هذين الموقفين؟ # وبقي الموقف الثالث، الذي يجعل موضوعه «تعريف» العروبة، ماذا تكون عناصره؟ فإذا كان ~~كاتب هذه السطور، قد رأى أن تعريف العروبة هو أنها نمط ثقافي معين (وبعد قليل سأذكر ~~عناصره الأساسية) فلا هو يتعارض بالضرورة مع ما قاله الغزالي في وجوب عدم الفصل بين ~~العروبة والإسلام، في العربي المسلم، ولا هو يتعارض بالضرورة مع ما قاله الدكتور فرج ~~فودة في ترتيبه للأولويات، ولنضرب مثلا آخر لعله يزيد الفكرة وضوحا: فافرض أن الصفتين ~~اللتين نتحدث عنهما، واللتين تلتقيان أحيانا وتفترقان أحيانا، هما صفة «مصري» وصفة ~~«جامعي» فهنا يكون أمامنا احتمالات ثلاثة: الأول: أن يكون الشخص مصريا جامعيا، ~~والثاني: أن يكون مصريا غير جامعي، والثالث أن يكون جامعيا غير مصري، فإذا سمعنا ~~أحدا يقول عن المصري الجامعي، إنه لا يجوز له أن يباعد بين مصريته وجامعيته، بمعنى ~~أنه لا يفرط في شيء من مصريته بسبب أنه جامعي، ولا في شيء من جامعيته بسبب أنه مصري، ثم ~~سمعنا أحدا آخر يعطي تعريفا «للجامعي» بأنه الشخص الذي يواصل الدرس بعد المرحلة ~~الثانوية، فهل نقول عندئذ: إننا في حيرة من أمرنا، لا ندري أيهما نصدق؟ إن موضوع الحديث ~~عند المتحدث الأول ليس هو موضوع الحديث عند المتحدث الثاني، فمن أين تجيء الحيرة؟ فإذا ~~وجدت السيدة صاحبة الرسالة نفسها أمام رجال ثلاثة، قدم لها كل منهم رأيا في جانب معين، ~~مما يتصل بصفتي العروبة والإسلام، فليس في الأمر ما يدعوها إلى حيرة في تربيتها ~~لطفليها، فهما مصريان مسلمان؛ أي أنهما عربيان مسلمان (بتعريف العروبة على أساس الجذور ~~الثقافية)، إذن لا يجوز محاولة الفصل بين صفتي العروبة والإسلام فيهما «بناء على قول ~~الغزالي»، ثم إذا حدث تعارض في الروابط بينهما من جهة، وقبطي مصري من جهة أخرى، أو ~~بينهما من جهة، ومسلم هندي من جهة أخرى، وجب أن تكون الأولوية للرابطة التي تربطهما ms268 ~~بمواطنهما القبطي، إذ هما قد يقاتلان في صف واحد مع مواطنهما القبطي، كلهم على ~~استعداد أن يضحي بروحه، إذا داهم الوطن عدو معتد، لكن أحدا لا يطالب هنديا في تلك ~~الحالة أن يضحي بنفسه في سبيل مصر، حتى لو كان ذلك الهندي يدين بالإسلام. # وهنا أنتقل إلى ما قلت عنه إنه نمط ثقافي معين، هو الذي يجعل العربي عربيا، فما هي ~~عناصره في إيجاز؟ أول تلك العناصر، إحساس ديني عميق ينبض به قلب الإنسان من حيث يدري ~~ولا يدري، وجوهر ذلك الإحساس شعور الإنسان شعورا قويا، بأن هذا الواقع الذي يعيش ~~الناس حياتهم فوق أرضه وتحت سمائه، وراءه غيب خلقه ويخلقه، ودبره ويدبره، ونقول «وراءه» ~~على سبيل المجاز؛ لأن ذلك الحق الذي خلق ويخلق، ودبر ويدبر، بالنسبة إلى هذا الواقع ~~الذي هو مسرح نشاطنا، لا هو «وراء» ولا هو «أمام»، فقل عنه أيا من هذه العلاقات ~~المكانية، قل عنه إنه «فوق» الواقع الكوني أو «تحته» أو إنه مبثوث فيه، فكلها تصويرات ~~صادقة كاذبة معا، ولا حيلة لصاحب الإحساس الديني في ذلك، إذ ليس في وسعه إلا «لغة» ~~يحرك بها لسانه، وشتان شتان بين لفظة تنحدر بين شفتيك، وحالة وجدانية نبض بها قلبك ~~أيا ما كانت تلك الحالة: من حب الإنسان للإنسان، صعودا إلى حب الإنسان لله، هو - إذن ~~- هذا الإحساس الديني قد تميز به إنسان هذه الرقعة الجغرافية من كوكب الأرض، لا من حيث ~~«النوع»، وإلا فلم تشهد الدنيا إنسانا واحدا لم يحس بفطرته مثل ذلك الإحساس، ولكن ~~تميزنا بغزارته، وبالقدرة على التعبير عنه تعبيرا تكونت من تفصيلاته حضارة بأسرها أو ~~عدة حضارات، كما تكونت من إشعاعاته ثقافة طويلة عريضة، أو عدة ثقافات، وإن هذا الإحساس ~~الديني في عمومه، لهو بالنسبة إلى الديانات النوعية المتمايزة، لهو بمثابة الجذر من ~~الشجرة تعددت فروعها وكثرت ثمارها، أفلا يلفت أنظارنا أن كل الديانات المنزلة بوحي من ~~الله تعالى، إنما نزلت هنا على هذه المنطقة؟ أفلا يلفت أنظارنا أن الديانات الثلاث ~~الكبرى: اليهودية، والمسيحية، ms269 والإسلام، وهي التي كان لها شأن أي شأن في أرجاء هذه ~~المنطقة أول تاريخها، ومنها انتشرت إلى سائر بقاع الدنيا، أقول: أفلا يلفت أنظارنا أن ~~تلك الديانات الكبرى الثلاث، قد أراد لها موحيها - جل وعلا - أن ترتبط بمصر ارتباطا ~~خاصا؟ فموسى - عليه السلام - ولد هنا، وتعرض للخطر وهو وليد، لكنه نجا بإذن الله، ~~وعيسى - عليه السلام - ولد في فلسطين، لكنه كذلك تعرض لخطر العدوان من أعداء ولادته، ~~فلاذت معه أمه مريم بمصر، فنجا بإذن الله، وأن نبي الإسلام - عليه الصلاة والسلام - ~~فضلا عن زواجه من مارية القبطية، كان هو الذي وصف مصر بأنها كنانة الله، والكنانة هي ~~عدة السلاح في خزائن الفرسان. # والعنصر الثاني في بنية النمط الثقافي الذي نزعم له أنه هو معنى «العروبة» في مصر وفي ~~غير مصر، من أجزاء هذه الرقعة من الأرض، هو اللغة، فبالرغم من تعدد الفروع اللغوية في ~~أقطار هذه المنطقة قديما، إلا أنها جميعا تشترك في طابع مميز، بما فيها لغة المصريين ~~القدماء، وهنا ألجأ مع القارئ إلى ما أورده الدكتور أحمد قدري في مقدمته التي أسلفنا ~~ذكرها، ففيها يشير إلى البحوث في علم أصول اللغات، وما قام به «إدوارد ماير» من ~~تحليلات علمية للوثائق الهيروغليفية، لينتهي آخر الأمر إلى نتائج - أكدها من جاءوا بعد ~~من علماء اللغات - كان من أهمها مشاركة اللغة المصرية القديمة مع سائر لغات المنطقة، في ~~المفردات وفي قواعد التركيب، فهي مثلها تتميز باستخدامها لصيغة المثنى، وباستخدام تاء ~~التأنيث، وصفة النسبة، والجذر الثلاثي للفعل، وإهمال كتابة الحروف المتحركة، وإن كاتب ~~هذه السطور ليضع أهمية كبرى في خاصة «الجذر الثلاثي»؛ لأنه يرى فيها انعكاسا للنظم ~~الاجتماعية في أعمق أسسها؛ وذلك لأنه كما تنبثق من «الثلاثي» مفردات أسرة لغوية ~~بأكملها، يتجمع أبناء الأمة الواحدة، أو القبيلة، أو الأسرة، أو القرية، تحت رئاسة رجل ~~واحد، يكون هو الفرعون، أو الملك، أو الوالد، أو شيخ القبيلة، أو عمدة القرية. # ومن الخاصتين اللتين ذكرناهما ، الإحساس الديني، واللغة في طرائق اشتقاق مفرداتها ~~وتركيب جملها، تنتج ms270 نتائج عظيمة الأهمية في حياة الناس، وتشكيلها وتوجيهها، وحسبنا أن ~~نذكر منها قيم الأخلاق، فهذه القيم تلزم لزوما مباشرا عن العقيدة الدينية، وعن ~~المضمونات المعنوية المكثفة في مفردات اللغة وفي طرائق تركيبها، مما قد ذكرت بعضه في ~~مناسبات كثيرة سابقة، وإن المصري المعاصر ليحتاج إلى تربية جديدة، توقظ فيه الوعي ~~بتاريخه وعيا ناضجا رشيدا، لا يكفي له حفظ المذكرات ونجاح التلاميذ في الامتحان، بل ~~هو وعي يسري في الدماء مع الدماء؛ لكي يعلم من هو، فيكون على يقين من أنه وليد حضارات ~~اختلفت ظروفها مع متغيرات الزمن، لكنها برغم ذلك اشتركت كلها في عدد من الركائز ~~والدعائم، هي هي الركائز والدعائم التي تميز هذه المنطقة «العربية» كلها، وإن المرء ~~ليتساءل في هذا السياق: ترى هل كان شيء من هذا المعنى، هو الذي راود علي مبارك، حين علل ~~ضعف الأمة الإسلامية، والأمم الشرقية عموما، بما يعيبهم من نقص ملحوظ في وعيهم ~~بالتاريخ؟ # | حول مشكلة الانتماء # ذات يوم من عام بعيد، قرأت مقالا في مجلة أمريكية لكاتب ساخر جعل عنوانها: «من ~~أنا؟»، وجاء جوابه لنفسه عن نفسه قائمة من أرقام، كأن يقول مثلا: ولدت عند تقاطع خط ~~عرض 42 مع خط طول 63، عمري 47، طولي 175 سنتيمترا، وزني 75 كيلوجراما، أسكن رقم 19 ~~شارع 74، بطاقتي الشخصية رقمها 3189، ورقم سيارتي 8549، ورقم حسابي في البنك 63817، ~~وهكذا أخذ الرجل يرص أرقاما حتى ملأ المساحة الورقية التي خصصتها المجلة لمقالته، ~~جاعلا كلمة الختام قوله: «هذا هو أنا» ... # وكان واضحا أنه إنما يسخر، لا من شخصه فقط، بل يسخر من العصر كله، من حيث تحويله ~~للناس إلى أرقام، فمدير المصنع لا يعرف عن أي عامل في مصنعه إلا قائمة من أرقام، حتى ~~لقد أصبح اسم الرجل مجرد رمز لا يشير إلى إنسان بذاته، يفرح ويحزن، ويصح ويمرض، وله ~~أسرة يعولها ويحمل همومه وهمومها إذا أمسى به المساء، أو أصبح به الصباح، لا، بل هو ~~مجموعة أرقام رصدت في «ملفه»، قد لا تعني شيئا قط إذا قرأتها زوجته، أو ms271 قرأها جاره في ~~السكن، لكنها تعني كل شيء عن العامل بالنسبة إلى صاحب العمل، وقد يكون ذلك هو كل ما هو ~~المطلوب عن العامل، على نحو ما يكفي إدارة التليفونات أن تعرف أرقامها مقرونة بأصحابها، ~~أو يكفي إدارة المرور أن تعرف أرقام السيارات مقرونة بمالكيها، وغير ذلك من الدوائر ~~التي تحصر معاملاتها مع الأرقام، لا مع ما يعانيه أصحابها أو ما ينعمون به، ونتوسع ~~قليلا في هذه الظاهرة العددية من عصرنا، فنرى كل جوانب الحياة قد تحولت في أيدي أولي ~~الأمر إلى إحصاءات ومتوسطات، وهذا - بالطبع - أدنى إلى الدقة، لكنه في الوقت نفسه أعمى ~~وأصم وأبكم بالنسبة للإنسان المبين بشخصيته المفردة ذات الظروف الخاصة التي قد لا ~~تشاركها فيها شخصية أخرى، فنسمع - مثلا - عن مواطن خطف فتاة من الطريق العام، واعتدى ~~عليها عنوة، ثم أصابها بما أصابها، فيصرخ الرأي العام في الصحف، وهنا يجيء الرد المطمئن ~~من أولي الأمر، بأنه لم يحدث ما يدعو إلى القلق؛ لأن أمثال هذه الحوادث لا تزيد نسبتها ~~عن نصف في المائة من السكان، نعم، هذا صحيح من ناحية الإحصاءات والمتوسطات، لكن ماذا عن ~~شعور الفتاة المصابة وذويها؟ إن الأمر بالنسبة إلى هؤلاء هو مائة في المائة؛ لأنه يتصل ~~بصميم حياتهم، وربما امتد معهم الأثر ما بقي لهم من حياة. # كان الكاتب الساخر - إذن - يسخر من العصر كله في هذا الجانب المعين من جوانب الحياة ~~فيه؛ لأنه اكتفى من حقيقة الإنسان بالسطح العددي، فسقط من حسابه ما هو وراء تلك ~~الأعداد، على أن ذلك «الماوراء» هو عند صاحبه كل شيء يستحق أن يعاش من أجله، وإذا نحن ~~دققنا النظر في العناصر الماورائية في حياة الإنسان، وهي العناصر التي يعيش ذلك الإنسان ~~من أجلها ويموت من أجلها، وجدنا من أهمها انتسابه إلى فئة بعينها، أو - في واقع الأمر - ~~إلى عدة فئات تتدرج في القيمة درجات، فلقد سأل الكاتب الساخر نفسه: من أنا؟ وأجاب ~~بقائمة من أرقام، وهو يعلم أنه يسخر ، لكننا إذا ألقينا السؤال نفسه على ms272 عابر طريق: من ~~أنت؟ لجاء جوابه مختلفا كل الاختلاف، فهو بعد أن يذكر اسمه، يبين أنه ابن فلان، ~~ووالد فلان وفلان، ويعمل كذا إلى آخر هذا الخط، وهو خط كله علاقات تربطه بأطراف مختلفة، ~~وتلك هي نواة الانتماء، فالفرد المعين من أفراد الناس، لا يستطيع أبدا أن يكتفي بذاته ~~هو، أي بما هو مستكن داخل جلده، في تعريف الناس بحقيقته، بل لا بد له من أجل الوفاء ~~بذلك التعريف من ذكر الشبكة التي جاءت حياته الفردية طرفا من أطرافها، فلسنا نجاوز ~~الحق مجاوزة بعيدة، إذا ما قلنا إن أي إنسان ما هو إلا مجموعة علاقات تربطه بعدة أطراف، ~~منها ما هو أحياء ومنها ما هو أشياء، ومنها - وهو ذو أهمية كبرى - ما هو معان اجتمع ~~عليها هو والآخرون الذين التقوا تحت لواء انتماء واحد. # فما هي «المعاني» الكبرى التي يجيب بها المصري: من أنت؟ وعند هذه النقطة يبدأ ~~الإشكال، فأول الإجابة بديهي وسهل، لكن تأتي الصعوبة التي كثيرا ما يثور حولها الخلاف، ~~عندما نريد أن نمتد بعد تلك الخطوة الأولى بضع خطوات، فأنا أقرر عن نفسي - أنا كاتب هذه ~~السطور - أنني لم أتردد منذ الوهلة الأولى في أن أرتب خطوات الانتماء بعد مصريتي بذكر ~~عروبتي، فإسلامي، بحيث أقول: أنا مصري، عربي، مسلم، ولم أكن أحسب أن مثل الترتيب لخطوات ~~الانتماء يثير اعتراضا من أحد؛ وذلك - على الأقل - لأنه ترتيب يمليه المنطق، إذ هو ~~يسير من الخاص إلى العام، فمصر جزء من الوطن العربي، وهذا الوطن العربي جزء من مجموعة ~~أوطان يدين معظم أهلها بالإسلام، وأذكر أنني أوردت هذه الوحدات الثلاث، مرتبة هذا ~~الترتيب، في سياق شيء مما كتبته، فجاءني خطاب من قارئ ليصحح لي خطأ هذا الترتيب، ~~قائلا: إن الإسلام يأتي أولا في تعريف المسلم لنفسه، ثم يأتي بعد ذلك ما شاء من صفات، ~~وكأن أخانا حسب الأمر في هذا مرهونا بأهمية الصفة في ذاتها، مستقلة عن الشخص وعناصر ~~هويته بالنسبة لسائر أفراد المجتمع الذين يعايشونه في حياة مشتركة واحدة، ms273 فعليه يقع ~~واجب الضريبة، وواجب التجنيد، وواجب القتال إذا نشبت حرب، وواجب التزام القانون المصري، ~~وهكذا وهكذا، يقع عليه كل ذلك من حيث هو مواطن مصري، وقد لا ترد في شيء من هذا كله، ~~مناسبة، يطلب فيها معرفة عقيدته الدينية ما هي؛ لأن مصريته وحدها توجب واجبات المواطن ~~كما تحق حقوقه. # كان ذلك واضحا لي، ومع ذلك فإني أقرر أنه منذ جاءني ذلك الخطاب، وقد جاء منذ عامين ~~على أقل تقدير، وأنا مشغول الذهن بقضية طرحتها على نفسي، وهي كيف يكون ترتيب الصفات ~~التي منها تتكون هدية المواطن من حيث الأساس الذي قد تضاف إليه بعد ذلك فروع، لقد طالبت ~~نفسي بألا يكون الترتيب جزافا، بل لا بد أن أقيمه على أساس يشبه الأسس العلمية؛ حتى ~~لا يبقى أمام الناس موضع لخلاف، فهل يصدقني القارئ إذا أنبأته بأن المشكلة لم تجد لها ~~عندي حلا مقنعا إلا منذ قريب؟ وعندما تحل أمثال هذه القضايا الفكرية، كثيرا ما يقول ~~الناس: يا أخي إن المسألة أوضح من أن تكلفك كل هذا العناء، فهذا الذي تقوله، إنما هو ~~مما تدركه البديهة في لمحة، فليكن ما يكون من تعليقات وردود، فالأمر الواقع هو أن ~~النتيجة التي سأذكرها الآن، قد جاءتني بعد إمعان في الفكر، كلما وردت القضية إلى ذهني، ~~مدة لا تقل عن عامين؛ لأنني كنت كلما رضيت عن حل ما، وجدت في الحال ما ينقضه، فلو ~~أنني - مثلا - وضعت مصريتي قبل إسلامي لسألت نفسي: أي هاتين الصفتين أيسر في التنازل ~~عنها، لو فرضنا - جدلا - أن جاء الظرف الحاسم الذي يطلب فيه الاختيار؟ فلم أجد عندي ~~ذرة من التردد في أن التنازل عن مصريتي في مثل هذه الحالة، أيسر ألف مرة من التنازل عن ~~إسلامي، ولا أظن أني أنفرد بهذا الجواب، بل هو - على الأرجح - موقف الإنسان أيا كان ~~وطنه وأيا كانت ديانته، والذين نسمع عنهم أنهم أعلنوا عن أنفسهم تنازلا عن دين ~~وقبولا لدين آخر، يغلب جدا أن يكون التغيير ظاهريا دون أن يمس ms274 إيمان القلوب، وإنما ~~أعلنوا ما أعلنوه قضاء لمصلحة معينة في حياتهم العملية. # كان مثل هذا التساؤل يعترض طريقي، لكنني أعود فأجد في الموقف جوانب تقتضي هذا الترتيب ~~أو ذاك، وإنما نشأت لي تلك الحالة المترددة، بسبب أنني لم أكن قد وقعت بعد على فيصل ~~حاسم، فلما وجدته استقام لي الأمر، ومؤداه أن الصعوبة كلها قد نشأت من عدم التفرقة بين ~~زاويتين يتم منهما الوصول إلى هذه النتيجة، أو تلك، وإحدى هاتين الزاويتين هي أن ننظر ~~إلى الموضوع من خارج الذات، والزاوية الأخرى هي أن ننظر إليه من داخل الذات، أما النظرة ~~الأولى فتقدم إلينا ترتيبا يقرره واقع الحياة الاجتماعية بكل ما تتضمنه تلك الحياة من ~~دستور وقوانين، ونظم مختلفة، ويضاف إليها بعض التقاليد التي ارتضاها المجتمع في تنظيمه ~~للعلاقات بين أفراده، وأما إذا نظر الفرد إلى الموضوع من ناحية ما يحسه هو في دخيلة ~~نفسه، ماذا يحب وماذا يكره، فقد يجيء الترتيب عندئذ بعيد الاختلافات عن الترتيب الذي ~~ينتج عن ضرورات الواقع الخارجي. # فالدستور والقوانين، والنظم، والتقاليد، تفرض على المواطن - أحب هو ذلك أو كره - ~~كثيرا جدا من الواجبات التي لا اختيار له في القيام بها، كما أنها كذلك تقرر له ~~كثيرا جدا من الحقوق، التي لا اختيار للآخرين في إقرارها له، وهي تفرض عليه تلك ~~الواجبات، وتقرر له هذه الحقوق، دون أن يكون لنوع عقيدته الدينية دخل في الأمر، وإذن ~~فمصرية المصري هي الأساس، إذا كانت زاوية النظر مرتكزة على العوامل الاجتماعية التي ~~ذكرناها. # ولكن هل يمنع ذلك أن نجد مصريا يعبر لنا عن شعوره الحقيقي الداخلي، فإذا به قد ضاق ~~بمصريته تلك، وأخذ يفكر فعلا في هجرة عسى أن تنتهي به إلى التخلص من جنسيته واكتساب ~~جنسية أخرى؟ فمثل هذا الإنسان، لو طلبنا منه أن يرتب صفات هويته كما يشعر هو لا كما هو ~~مفروض عليه من خارج ذاته، لما وضع مصريته في أول الدرجات. # إنهما زاويتان للنظر، لا زاوية واحدة، قد يتسع البعد بين الحكم بإحداهما عن ms275 الحكم ~~بالأخرى، فتختلف صورة «الانتماء» عند المنتمي في وقوعه بين الحالتين، على أن المثل ~~الأعلى للمجتمع السوي، هو أن نجد ما يشعر به المواطنون من داخل ذواتهم، في ترتيبهم ~~لدرجات انتمائهم متطابقا مع ما تتطلبه منهم الدساتير والقوانين والنظم والتقاليد، فإذا ~~ما تحققت لنا تلك الحالة المثلى، جاءت مصرية المصري صفة أولى عن حب ورضا وطواعية، ~~وبمقدار ما تضيق الزاوية أو تتسع بين أولويات الانتماء في نفوس المواطنين، من جهة، وبين ~~تلك الأولويات في حساب المجتمع متمثلا في الدولة، من جهة أخرى، يمكننا قياس الاستقامة ~~أو العوج في ظروف الحياة القائمة، وما ينبغي عمله من إصلاح في النظم الاقتصادية ~~والتعليمية، والقضائية وغيرها ... فليست المسألة متوقفة على وعظ نلقيه على الناس عبر ~~قنوات الإعلام، قائلين لهم بالكتب والنشرات والخطب والمقالات والأغاني والمسلسلات: إن ~~انتماء المصري لمصر واجب، نعم: هو أوجب الواجبات، كما يعلم ذلك كل مصري علم بالفطرة ~~ذاتها، إن لم يكن بحكم ما اكتسبه المصري من تعلق طبيعي شديد بأرض الوطن، لكن ذلك كله ~~تتغير موازينه في قلوب الناس، وتأخذ المقومات الأخرى في مزاحمة الروح الوطنية على ~~الأولوية والصدارة، كما حدث بالفعل بالنسبة إلى مئات الألوف من مواطنينا، من هاجر ومن ~~لم يهاجر. # الوضع الطبيعي في البناء الاجتماعي السليم، هو أن تجيء مشاركة المواطنين في وطنهم، ~~بالواجبات وبالحقوق، أسبق من مشاركتهم أو عدم مشاركتهم في الدين، وإني لأرجو من القارئ ~~ألا يتسرع بانفعاله، ويعترض صارخا: كيف يكون هنالك ما هو أسبق من الدين؟! فالمسألة هنا ~~ليست تفاوتا في درجات «الأهمية» - كما أسلفت القول - فالعقيدة الدينية أيا كانت، هي ~~عند صاحبها في قرة عينه وصميم قلبه، تلازمه أينما كان، أما إذا وجهنا أنظارنا، لا من ~~داخل المؤمن بدينه وما يشعر به - بل من جهة البناء الخارجي الذي يسكن فيه ذلك المؤمن مع ~~ملايين من مواطنيه، فالحكم في ترتيب الأولويات يختلف، وربما اتضح الأمر إذا شبهنا حياة ~~المواطنين معا في وطن واحد، بركاب سفينة تسافر بهم في وسط المحيط، فبأي منظار ينظر ms276 ~~قائد السفينة إلى سلوك الركاب من حيث المفاضلة بين شيء وشيء، أو من حيث خطأ السلوك ~~وصوابه؟ إنه ينظر بمنظار سلامة السفينة بركابها، وأما العقيدة التي يؤمن بها كل راكب ~~على حدة، فمتروكة لصاحبها، وهذا هو المعنى الذي عبرنا عنه في ثورة 1919 بعبارة شاعت حتى ~~استقرت في الصدور، وهي عبارة تقول: الدين لله، والوطن للجميع. # وأسبقية الولاء الوطني على الشعور الديني، أمر لا جديد فيه، فوقائع التاريخ تقدم ~~إلينا ما شئنا من أمثلة، وأبدأ بمثلين من التاريخ الإسلامي، حين لم يكن مضى أكثر من قرن ~~واحد بعد ظهور الإسلام، وأحد المثلين مأخوذ من الحياة السياسية، والآخر مأخوذ من الحياة ~~العلمية، أما أول المثلين فهو عن المشكلة التي ثارت في القرن الثاني الهجري، وأطلق ~~عليها اسم «الشعوبية»، وهي تعني أن كلا من الشعبين العربي والفارسي، برغم أنهما كانا ~~يعيشان معا تحت مظلة الإسلام، قد أخذ يفاخر الآخر بمزايا قومه على القوم الآخرين، ولم ~~تقف تلك المفاخرة عند التشدق بكلمات الزهو، بل جاوزت ذلك لتصبح تدبيرا وتخطيطا ~~للوقيعة بالخصوم، وإننا لنعرف كيف استثمر العباسيون هذا العداء القومي بين الفرس والعرب ~~في الأمة الإسلامية الواحدة، بأن ناصروا الفرس سرا ليستعينوا بهم في هدم دولة ~~الأمويين، لتقوم بعدها دولة العباسيين، حتى إذا ما انتصر العباسيون في خطتهم، ومكنوا ~~للفرس جزاء ما عاونوهم به، جاءتهم الفرصة المناسبة ليعيدوا تعادل الميزان. # وأما المثل الثاني الذي نأخذه من الحياة العلمية، فهو أن علماء اللغة، حين انكبوا على ~~دراسة اللغة العربية دراسة مستفيضة وعميقة، باعتبارها الخطوة الضرورية الأولى لفهم ~~القرآن الكريم فهما مؤسسا وموثقا، رأينا هؤلاء العلماء وقد انقسموا مدرستين مختلفتين ~~في وجهة النظر: إحداهما كانت في البصرة، ومن أبرز أعضائها سيبويه الفارسي الأصل، وأما ~~الثانية فكانت في الكوفة، وكان رجالها عربا خلصا، فعلى الرغم من أن موضوع الدراسة ~~علمي بحت، إلا أن الروح القومية تسللت إلى عملهم، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وكان ~~مدار الخلاف بين الجماعتين، هو ماذا يكون مرجعنا في تمييز ما يجوز ms277 وما لا يجوز في اللغة ~~واستعمالها استعمالا صحيحا؟ أما علماء الكوفة فلم يترددوا في أن يكون المرجع في الحكم ~~هو ما قاله العرب الأقدمون وما لم يقولوه، فاللغة لغتهم، وعنهم يأخذ الخلف، فما ~~استعملوه يعد صحيحا، وما لم يستعملوه لا يجوز لمن جاء بعدهم أن يجيزوا استعماله ~~لأنفسهم، لكن علماء البصرة كانت لهم نظرة أخرى، وهي أن نترك للعقل المحض أن يشتق من ~~الأصل اللغوي ما «يمكن» اشتقاقه من مفردات، وما دامت هي مشتقة وفق القاعدة فهي صحيحة ~~حتى ولو لم نجدها مستعملة عند الأقدمين فيما تركوه من شعر ونثر، لا، بل إنه ليجوز ~~لعلماء الخلف أن يصفوا بالخطأ ما قد استعمله أحد الأقدمين، إذا كان قد جاوز فيه القاعدة ~~العقلية في استدلال الفروع من الأصول، فإلى هذا الحد يبلغ أثر الروح الوطنية حتى ليظهر ~~ذلك الأثر في مجال العلم، وليس بخاف على أحد، أن علماء اللغة في البصرة وفي الكوفة ~~جميعا، كانوا يدينون بالإسلام، بل وكان دافعهم الأول إلى البحث في اللغة هو خدمة ~~الكتاب الكريم، لكن تلك المشاركة في الدين لم تمنع أن يتأثر كل فريق بما يعلي من شأن ~~قومه، فعرب الكوفة يعلون من شأن الأصول العربية، والمتأثرون بالفرس بالبصرة، يلجئون ~~إلى منطق العقل، ليكون المعنى الضمني في ذلك ألا فضل للعربي على سواه حتى في موضوع ~~اللغة العربية ذاتها. # وانظر إلى العالم الإسلامي في يومنا هذا تجد روح الأخوة والمساندة قائمة بين شعب مسلم ~~وشعب مسلم آخر، لكن الشعبين لا يترددان في أن يخوضا أهوال الحرب، أحدهما ضد الآخر، ~~إذا اقتضت سلامة أوطانه أن تنشب الحرب، فإيران والعراق شعبان مسلمان، والمغرب وأهل ~~الصحراء الغربية شعبان مسلمان، وباكستان وبنجلاديش شعبان مسلمان، لكن حدث في تلك ~~الحالات كلها ما ظنه أبناء الشعبين المتخاصمين خطرا على سلامة الوطن، فأصبحت الأولوية ~~أمرا مقطوعا به بين الانتماء للوطن والانتماء للدين المشترك. # على أن أولوية المشاركة في الوطن على المشاركة في الدين، وهي أولوية تكون خافية في ~~وقت المصالحة، ثم تظهر إذا ms278 ظهرت دواعي المخاصمة، غالبا ما تكون الدعامة التي تستند ~~إليها، هي قوة الدولة التي من شأنها أن تصون للوطن الواحد وحدته، أما إذا انهارت أركان ~~الدولة في وطن ما، أو ضعفت ضعفا يدنو من الانهيار، فالأغلب هنا أن تطفو الانقسامات ~~الدينية، ما دام السقف القومي الذي كان يظللها ويحميها قد زال فتعرت رءوسها، وإن لبنان ~~في حربه الأهلية الراهنة لخير مثل يساق على ذلك، فقد ضعفت سلطة الحكم، فانكشفت ~~انقسامات الدين لا بين المسيحيين والمسلمين فحسب، بل بين الطوائف المسيحية بعضها مع ~~بعض، والطوائف الإسلامية بعضها مع بعض كذلك. # أظنني الآن قد وفيت المشكلة حقها من التوضيح، فيما يختص بطرفي المشاركة في الوطن، ~~والمشاركة في الدين، ولكني مع ذلك وقد ألفت أن يقرأني كثيرون بأنصاف عقولهم، فيخرجون ~~من قراءتهم بفكرة مغلوطة، فإني أوجز تسلسل التفكير فيما أسلفته، فأقول: إنه في الحالة ~~السوية للبناء الاجتماعي، يكون هنالك - مبثوثا في صلب الحياة نفسها - عدة انتماءات ~~للفرد الواحد، منها انتماؤه لمصريته، ومنها - في الوقت نفسه - انتماؤه لعقيدته الدينية، ~~وعندئذ لا تظهر فكرة الأولويات بين تلك الانتماءات لأنه لا يكون ثمة داع لظهورها، لكن ~~ذلك البناء الاجتماعي نفسه قد يصيبه خلل ما، مما يستدعي أن تنشأ المشكلة بأي الولاءين ~~يبدأ المواطن، إذا ما جاء الموقف الذي يضطره إلى اختيار، وهنا أقول: إن الأولوية يجب أن ~~تكون للانتماء القومي، ولقد بينت فيما أسلفته، أن تلك الأولوية في الحياة الاجتماعية ~~التي هي شركة بين المواطنين جميعا، لا تنفي وجود ترتيب آخر يكنه الفرد الواحد في نفسه، ~~فزاويتا النظر، من الخارج ومن الداخل قد تتباعدان في الفترات الشاذة، والمثل الأعلى هو ~~أن تجيء الحياة الاجتماعية على صورة لا تثير الفارق في حساب الأولويات بين باطن وظاهر! ~~إن الجسم الصحي السليم، لا يشعر صاحبه بوجود أجهزته؛ لأن تلك الأجهزة تؤدي وظائفها كلها ~~معا كما يجب أن تؤدي، فالإنسان لا يحس بوجود عينه أو أذنه أو معدته، إلا إذا أصابتها ~~العلة، وأما وهي سليمة فهو لا يدري أن له ms279 عينا ترى وأذنا تسمع ومعدة تهضم ~~الطعام. # ولم أقل شيئا حتى الآن عن ترتيب الأولوية في الانتماء، بين مصرية المصري وعروبته؛ ~~لأنها في الحقيقة واضحة ولا تحتاج إلى شرح طويل، وإني لأعجب ممن يجعلون منها مسألة ~~تنتظر الجواب، وكنت أنا من هؤلاء حتى سنة 1956، ثم تبينت الحقيقة في وضوحها، ومنشأ ~~الوضوح هو أن المصرية والعروبة تسيران في خط واحد، وكل الفرق هو ما بين الخاص والعام، ~~فهنالك شبه في البنية المنطقية بين قولنا، الشعب المصري جزء من الأمة العربية، وقلنا ~~مؤلفات الحكيم جزء من الأدب العربي، فللجزء الأصغر صفات تميزه ولا شك، لكن هذا ~~التمييز لا ينفي عنه وقوعه جزءا من كل يحتويه، ولولا تعدد السيادات والقيادات في أجزاء ~~الوطن العربي الكبير، لظهرت الحقيقة صارخة، بأن في هذا الوطن، من أقصاه ذات الشرق إلى ~~أقصاه ذات الغرب، كيانا يتنفس ويتغذى من جذور ثقافية واحدة، حتى وإن تعددت الديانات ~~بين بعض فئاتها، ولا غرابة، فكلها فروع انبثقت من أب واحد، هو إبراهيم - عليه ~~السلام. ms280