######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.SharqFannan.Hindawi51637207 #META# Tags: philosophy #META# ID: 51637207 #META# Title: الشرق الفنان #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # | الشرق الفنان # | الشرق الفنان # تأليف # زكي نجيب محمود # | مقدمة # نستطيع أن نقول على وجه الإجمال إن في العالم طرفين مختلفين من حيث النظرة إلى ~~الوجود؛ طرف منهما يتمثل في الشرق الأقصى: الهند والصين وما جاورهما، ويتمثل الآخر ~~في الغرب: أوروبا وأمريكا، وبين الطرفين وسط يجمع بين طابعيهما؛ هو الشرق الأوسط. # فأما الشرق الأقصى فطابعه الأصيل العميق هو النظر إلى الوجود الخارجي ببصيرة تنفذ ~~خلال الظواهر البادية للحس إلى حيث الجوهر الباطن، فيدرك ذلك الجوهر بحدس مباشر يمزج ~~ذاته في ذاته مزجا تفنى معه فردية الفرد لتصبح قطرة من الخضم الكوني العظيم، ومثل هذه ~~النظرة المعتمدة على اللمسة الذاتية المباشرة التي لا تحتاج إلى تعليل وتحليل ومقدمات ~~ونتائج، أو إن شئت فقل: إن إدراك حقيقة الوجود بما يشبه التذوق هو ما يميز ~~الفنان في نظره إلى الأشياء. ونحن إذا أخذنا «الفن» بمعناه الواسع، شمل فيما يشمله ~~تصوف المتصوف وخشوع المتدين؛ لأن هذه كلها جوانب لوقفة واحدة، هي وقفة من يدرك ~~العالم بروحه لا بعقله. # وأما الغرب فطابعه الأصيل العميق هو النظر إلى الوجود الخارجي بعقل منطقي تحليلي يقف ~~عند الظواهر مشاهدا لها وهي تطرد وتتتابع على هذه الصورة أو تلك، فيجعل من هذه ~~الاطرادات في الحدوث قوانين يستخدمها بعدئذ في استغلال الظواهر الطبيعية على النحو ~~الذي يرتضيه، ولا بد لمثل هذه النظرة من السير في خطوات استدلالية تنتزع النتائج ~~الصحيحة من مقدماتها الصحيحة، وتلك هي نظرة العلم ms01 . # وهذه التفرقة التي تجعل من الشرقي فنانا يدرك الحقيقة بذوقه، ومن الغربي عالما ~~يدرك الحقائق بالمشاهدة والتجربة والتحليل والتعليل، لا تنفي بطبيعة الحال أن يكون في ~~الشرق علماء، ولا أن يكون في الغرب رجال فن ودين، لكننا نطلق القول على وجه من ~~التعميم الواسع الذي يفسر بعض التفسير ما هو شائع على الألسنة من وصف الشرق ~~بالروحانية، ووصف الغرب بالمادية. # ولقد التقى الطرفان في الشرق الأوسط طوال عصوره التاريخية؛ ففي حضاراته القديمة ~~تجاور الدين والعلم، كما تجاور الفن والصناعة، ثم شاء الله لهذا الشرق الأوسط أن ~~يكون مهبطا للديانات المنزلة جميعا، فلم يلبث رجال الفكر فيه أن حلوا عقائدهم ~~الدينية هذه بحيث أقاموها على أسس عقلية، كما هي الحال عند فلاسفة المسلمين، وهكذا جعل ~~أهل الشرق الأوسط ينظرون إلى الوجود بالنظرتين معا: بالنظرة الروحانية - التي هي في ~~صميمها نظرة الفنان - التي تميز وحدها بلاد الشرق الأقصى، وبالنظرة العقلية المنطقية ~~التي تحلل وتعلل وتستدل، وهي النظرة التي تميز وحدها بلاد الغرب. # تلك هي الفكرة الرئيسية التي بسطتها في هذه الرسالة الصغيرة التي جعلتها أقرب إلى ~~السمر أسمر به مع القراء، منها إلى بحث علمي تذكر فيه المراجع ~~والأسانيد. # والله ولي التوفيق. # الجيزة في 15 يناير 1960 # زكي نجيب محمود # | الفصل الأول # سأستعمل كلمة «الفن» في هذه الرسالة بأوسع معانيها، وهو أن ينظر الإنسان إلى الوجود ~~الخارجي نظرة ذاتية مباشرة، كأنما هذا الوجود خطرة من خطرات نفسه، أو نبضة من ~~نبضات قلبه، وتلك هي نظرة الروحاني ونظرة الشاعر ونظرة الفنان، وهي نظرة تتم على ~~خطوة واحدة، بخلاف العلم النظري الذي تتم نظرته إلى العالم على خطوتين؛ ففي الأولى ~~يتلقاه كما تنطبع به الحواس انطباعا مباشرا، وفي الثانية يستخلص من معطياته الحسية ~~نظريات وقوانين يصور بها مجرى الظواهر والأحداث. # فانظر إلى العالم من داخل تكن فنانا، أو انظر إليه من خارج تكن عالما؛ انظر ~~إلى العالم من باطن تكن شاعرا، أو انظر إليه من ظاهر تكن من رجال التجربة والعلم؛ ~~انظر إليه وجودا ms02 واحدا حيا تكن من أصحاب الخيال البديع المنشئ الخلاق، أو انظر ~~إليه كثرة من ظواهر يصحب بعضها بعضا، أو يعقب بعضها بعضا، تكن من أصحاب العقل ~~النظري الذي يستدل النتائج ويقيم الحجة والبرهان ... ولك بطبيعة الحال - بل ينبغي لك ~~إن أردت لنفسك تكامل الجانبين - أن تجمع بين النظرتين، فتصبح الفنان حينا ~~والعالم حينا. # هما نظرتان إلى الوجود مختلفتان: نظرة الفنان الذي يمس الكائنات بروحه - إذا صح ~~هذا التعبير - ليقف عندها لأنه ينشدها في ذاتها، ونظرة العالم النظري الذي يقيم ~~بينه وبين الكائنات حاجزا من قوانينه ونظرياته؛ فالجزئية الواحدة تهم العلم من حيث ~~هي مثل يوضح القانون، لكنها تهم الفنان لذاتها؛ هذه الزهرة هي عند عالم النبات ~~ملتقى اجتمعت عنده طائفة من قوانين الطبيعة الحية؛ فهي مجموعة من خلايا تنشأ ~~وتفنى على أسس كيميائية. وأما الفنان فينظر إليها كائنا واحدا متكاملا كما تبدو ~~لعينيه؛ فالقوانين الكيميائية التي تتمثل في الزهرة وفي سواها هي بغية العلم؛ ~~وبالتالي فهو لا يجعل لهذه الزهرة وجودا مستقلا خاصا بها؛ لأنها لا تعنيه إلا ~~بمقدار ما هي مثل يساق لتلك القوانين. وأما الفن فيفرد الزهرة وحدها، ويقف ~~عندها يتملاها ويخلطها بنفس الفنان كأنما هي امتداد لوجوده. # هذان عالم فلكي وفنان ينظران إلى السماء ونجومها في ليلة شفافة صافية، فيقول ~~الفلكي: لا تحسب أن هذا النجم اللامع الذي تراه الآن قائم حيث تراه، بل هو حزمة ~~ضوئية غادرت مصدرها الأصلي منذ أمد طويل، وقطعت المسافة في كذا عاما حتى جاءت آخر ~~الأمر لمعة من الضوء عابرة كما تراها. وأما الفنان فلا شأن له بشيء من هذا كله، وما ~~النجم عنده إلا هذا الكائن الحاضر المشهود، يملأ بين عينيه، وتهتز له جوانحه. ~~ففي النظرة العلمية ترد الظاهرة إلى قانونها الذي يطويها طيا مع أخواتها، ~~مستعينا في ذلك بأسباب المنطق العقلي من استقراء وقياس، وأما عند النظرة الجمالية ~~فلا ترد الظاهرة إلى سواها، فهي عندئذ تكون المبدأ والمنتهى. # ولهذا كانت النظرة العلمية دائما بحاجة إلى تعليل، فإذا قلت عن ms03 حجر ألقي به في ~~الفضاء إنه يسير بالسرعة الفلانية، وسيسقط في المكان الفلاني في اللحظة الفلانية، كان ~~للسامع أن يسألك: كيف عرفت هذا؟ فتجيبه عندئذ بقانون الجاذبية، أو بما شئت من قوانين ~~العلم الطبيعي. وأما في النظرة الفنية إلى الشيء فلا تعليل، فإن رأيت زهرة وأحببتها ~~فقربتها إلى نفسك، لم يكن للسامع الحق في أن يسألك كيف ولماذا، ولو شاءت لجاجة ~~السامع أن يلح عليك في أن تهديه إلى السر في حبك لهذه الزهرة بعينها، لم يكن أمامك ~~سوى أن تشير له إلى جوانبها التي أعجبتك قائلا: انظر إلى لونها، وانظر إلى أوراقها، ~~وهكذا؛ فأنت بهذا تلفت نظره إلى جوانب المرئي نفسه، دون أن تجاوز به هذا المرئي ~~إلى قانون عام يشمله ويطويه. # وهذا نفسه هو الفرق بين النافع والجميل، فلو عرضت عليك شيئا لنفعه، كان لزاما علي ~~أن أبين لك الأغراض التي من شأنه أن يحققها لك، فأقول لك مثلا: هذا القلم أفضل من ~~ذلك؛ لأنه أدوم منه بقاء، وأوسع منه جوفا، فلست بحاجة إلى ملئه بالمداد إلا مرة ~~في كل أسبوع، وهكذا. وأما إن عرضت عليك شيئا لجماله، فلا غرض هناك يحققه لك سوى أنه ~~جميل وكفى؛ وهكذا ترى النظرة الجمالية إلى الأشياء بغير حاجة إلى تعليل وتبرير، فلا ~~القانون الطبيعي يفسرها، ولا القانون الغائي يعللها. # نعم، إن جمال الشيء الجميل قوامه دائما نظام داخلي في الشيء تتسق به أجزاؤه ~~وعناصره؛ فجمال القصيدة من الشعر هو آخر الأمر نسق باطني فيها ينتظم أطرافها ~~ودقائقها، وهكذا قل في جمال اللوحة الفنية، وجمال التمثال، وغير ذلك، لكن هذا ~~النسق الخفي الكامن في جسم الشيء الجميل إنما يتبدى مباشرة لرائيه، فإما أن يراه ~~معك زميلك أو أن يغفل عن رؤيته، فلا تكون لك حيلة في الأمر، على خلاف القوانين العلمية ~~بما فيها هي الأخرى من نسق ونظام؛ إذ إن المدار ها هنا على استدلال النتيجة من ~~مقدماتها، لا على العيان المباشر، فإن اختلف عالمان على أمر، أشار كل منهما ~~لزميله إلى ms04 طريقة استدلاله ، لينتهي إلى تصويبه أو تصويب نفسه حسبما تكون الحال. # والنظرة الفنية من شأنها - آخر الأمر - أن توحد العالم؛ وذلك لأنها، كما أسلفنا، ~~نظرة العيان المباشر الذي يلمح في حدوسه الحسية علاقات تربط أطرافها، ونسقا ~~ينتظم أجزاءها؛ ومن هنا كانت الفردية - أو قل: الكيان العضوي المترابط - شرطا أساسيا ~~جوهريا في نتاج الفن كائنا ما كان؛ فلو كان موضوع الفنان زهرة أو إنسانا أو منظرا ~~طبيعيا أو حالة وجدانية أو الكون كله دفعة واحدة، فالأساس واحد، وهو أن يصاغ الموضوع ~~على نحو يبرز وحدته وفرديته؛ فليس كل تتابع للألفاظ قصيدة من الشعر، وليس كل ~~تتابع للنغمات لحنا جميلا؛ إذ لا بد لهذا التتابع أن يجيء على نحو معين فذ فريد، ~~بفضل العلاقات الداخلية التي يستحدثها الفنان بين أجزاء موضوعه بحيث تستقيم كلها في ~~كائن واحد، ولعل هذا نفسه هو الذي يجعل القطعة الفنية - كائنة ما كانت - مستحيلة على ~~الترجمة والتلخيص والوصف، فإذا أردت أن تدرك جمال صورة معينة، فلا مندوحة لك عن ~~مقابلتها لتراها في بنائها كله مادة وعلاقات، وكذلك إذا أردت أن تدرك جمال قصيدة من ~~الشعر أو غير ذلك من آيات الجمال. # | الفصل الثاني # وقد أراد الله للإنسان أن تكون له النظرتان معا؛ فبالنظرة العلمية إلى الأشياء ~~ينتفع، وبالنظرة الفنية ينعم، إلا أن إحدى النظرتين قد تغلب على زيد، على حين تغلب ~~الأخرى على عمرو، وكذلك قد تسود إحداهما شعبا، وتسود الأخرى شعبا آخر، أو قد تشيع ~~إحداهما في عصر كما تشيع الأخرى في عصر آخر ... وإني لأزعم أن نظرة الشرق إلى ~~الوجود كانت نظرة الفنان، على حين كانت نظرة الغرب إلى الوجود نظرة العالم، حتى ~~لتستطيع أن تعد الشرق معرضا كبيرا من معارض الفن، وأن تعد الغرب معملا ~~كبيرا من معامل العلم، ذلك إن جاز لي أن أعمم القول تعميما لا يخلو من مجازفة ~~خطيرة في الحكم - فيستحيل أن يخلو من هذه المجازفة حكم يعمم القول على ملايين ~~البشر خلال عشرات من القرون. # إن ما قد جرى ms05 العرف على أن يطلق عليه اسم «الشرق» ليس بالبلد الصغير، بل هو أقطار ~~بعيدة الأطراف فسيحة الأرجاء، تفصلها آنا شم الجبال، وآنا تفصلها الصحارى ~~والبحار، فلا رقعة الأرض واحدة، ولا المناخ متشابه، كلا ولا الناس من طراز واحد؛ فليس ~~التشابه ظاهرا قريبا بين أهل الشرق الأوسط وأهل الهند وأهل الصين واليابان، وإذن فما ~~يسمى ب «المدنية الشرقية» لا بد أن يكون في حقيقة أمره بناء مركبا كثير ~~التفصيلات، معقد العناصر، متشعب الأصول والفروع، غير أنه على الرغم من هذا ~~الاختلاف البعيد كله، فما من شك في أن للشرق لونا ثقافيا واحدا تتحد فيه أقطاره ~~جميعا، وهو الروحانية التي ظهرت في أرضه دينا وفنا. # والدين والفن كلاهما مما يتذوقه المتذوق، فلا سبيل إلى معرفتهما حق المعرفة ~~سوى أن يحياهما الإنسان حياة ينبض بها قلبه، ولا يكفي لهذه المعرفة الصحيحة أن تقرأ ~~عنها تلخيصا يصف لك حدود القواعد والأصول؛ ففرق بعيد بين أن أشرح لك نظرية الجاذبية ~~مثلا في العلم الطبيعي، فتفهم عنها كل شيء، وبين أن أشرح لك الديانة البوذية أو إحدى ~~الصور الفنية، فيصل الشرح إلى عقلك لكنه لا يتسلل إلى قلبك؛ أفلا يجوز لنا إذن أن نقول ~~إن عبقرية أهل الشرق هي في التفاتهم إلى الوجود من حيث هو حقيقة تمارس بالخبرة ~~الذاتية، لا من حيث هو شيء يوصف وتوضع له القوانين النظرية؟ فثقافة الشرق ~~الأصيلة يوصل إليها بالمكابدة والمعاناة، وليست هي كالعلم النظري وصفا وتحليلا، ~~فإذا أراد الشرقي أن يعرف طبائع الأشياء على حقيقتها، التمسها في أعماق خبرته من ~~داخل، لا في الظواهر البادية للعين من خارج، إنه كالعاشق الذي لا يعرف شوقه إلا من ~~يكابد مثل شوقه، ولا صبابته إلا من يعانيها؛ فالمعرفة إذن من وجهة نظره مكابدة ~~ومعاناة، هي ممارسة وخبرة، وليست هي بالتجارب تجرى في المخابير، ولا بالمشاهدة التي ~~ينظر صاحبها إلى الحقائق من وراء المناظير وخلال العدسات. # ذلك على خلاف المعرفة العلمية النظرية التي نقول إنها على وجه الإجمال طابع التفكير ~~الغربي، والتي إن ms06 بدأ صاحبها بما يقع له في خبرة حواسه من بصر وسمع ولمس، فهو يعود ~~فيجزئ تلك الخبرة قطعا قطعا، ليتناول كل قطعة منها على حدة، فيخضعها للتحليل ~~والتشريح والوزن والقياس؛ ذلك لأن المعرفة العلمية تريد أن تنتهي - آخر الأمر - إلى ~~قوانين ذات صياغة رياضية، تقوم عليها الحجة بسلامة الاستدلال المنطقي من جهة، ~~وبصدق التطبيق من جهة أخرى. # بل إن الفلسفة الغربية نفسها - ودع عنك العلوم - إنما تستند في سياقها - أو على ~~الأقل هكذا يزعم لها أصحابها - إلى استدلالات منطقية تخاطب في القارئ عقله لا ~~قلبه؛ إنها لا تدعي أنها جاءت لتثير في القارئ خياله، أو أنها تحتكم في ~~صدقها إلى الخبرة الذاتية الخاصة، بل هي تلجأ إلى العقل تقنعه بأن المقدمة ~~الفلانية تلزم عنها النتيجة الفلانية، سواء كانت تلك المقدمة أو هذه النتيجة مما ~~عانيته معاناة في خبرتك الخاصة أو لم تكن ... ولا كذلك الفلسفة الشرقية القديمة، التي ~~قالها قائلوها تعبيرا عن ذوات أنفسهم قبل كل شيء، ولا عجب أن كان هؤلاء حكماء أكثر ~~منهم فلاسفة بالمعنى الغربي لهذه الكلمة، والذين يقولون إن الفلسفة قد بدأت عند اليونان ~~لا ينكرون بطبيعة الحال حكمة الشرق القديم، وإنما المهم أن نفرق بين نظرتين: ~~نظرة تقيم البراهين وتسلسلها مقدمات ونتائج، ونظرة أخرى تستوحي وجدان القلب وحدس ~~اللقانة وصفاء البصيرة - وهي النظرة التي أسلفنا لك القول عنها بأنها في صميمها هي ~~نظرة الفنان. # الفرق بين ثقافة الغرب وثقافة الشرق التقليديتين هو نفسه الفرق بين الرأس والقلب، ~~بين العقل والوجدان، بين الحياة توصف لغير صاحبها والحياة يحياها صاحبها، فبينما ~~الشرقي يرتكز أولا وآخرا على إدراكه المباشر الحي، ترى الغربي لا يعنيه هذا ~~الإدراك المباشر إلا بمقدار ما يترتب عليه من نتائج، وسواء لديه أن يكون هو نفسه ~~الذي أدرك الإدراكات المباشرة، أو أن يكون قد أدركها سواه ثم وصفها له وصفا ~~دقيقا أمينا؛ لأن الجانب الذاتي لا يعنيه، ما دام هدفه هو استخلاص القوانين النظرية ~~لا المشاهدات في ذاتها. # وما كذلك الشرقي الصوفي الفنان، الذي ms07 إن لجأ إلى كلمات اللغة ليعبر بها عن ذات ~~نفسه، فما ذلك إلا لأنه لا حيلة له سواها، على أن تجيء للسامع موحية بما هو ~~خفي خبيء، لا واصفة وصفا كاملا شاملا دقيقا، واقرأ إن شئت شيئا من حكمة الشرق ~~وديانته، وشيئا يقابله من فلسفة الغرب وعلمه، تجد هذا الفرق واضحا، فهنا خبرة ~~ذاتية فردية حية، وهناك أحكام منطقية عامة لا فرق إزاءها بين عقل وعقل، فلئن كان ~~الغربي يحكم بالنتائج، فالشرقي يحكم بالشعور الراهن، فإذا سعد بشعوره وبقلبه ~~وبإيمانه فلتكن النتائج بعد ذلك ما تكون، وما أصدق ما قاله في هذا حكيم من الشرق ~~الأقصى حين طفق يعلم تلاميذه ألا يأخذن أحدا منهم خزي لطعامه الغليظ وثوبه ~~الخشن ومأواه الفقير، فالخزي خليق فقط بمن لا يجد في ثقافته ما يدعوه إلى إدراك ~~الوجود إدراكا جماليا تستروح به النفس، وينعم به الروح، ومما قاله ذلك ~~الحكيم في هذا الصدد: «عش على أرز وماء، متخذا من ذراعك المطوية وسادة، تكن ~~نشوة النفس نصيبك، وأما الثراء الذي ساءت وسائله، والأمجاد التي جاءتك عن طرائق ~~السوء، فكالسحائب العابرة، لا خصب منها ولا نماء.» # كانت الكتابة الشرقية القديمة - وبعضها ما يزال - صورا تصور المسميات تصويرا ~~مباشرا، وفرق بعيد في عملية الرمز اللغوي بين أن تستخدم كلمة «إنسان» مثلا لتدل بها ~~على كائنات معينة لا وجه للشبه بين صورها في الحقيقة، وبين صورة هذه الكلمة كما ~~تكتب، أقول إنه فرق بعيد بين هذا الموقف من ناحية، وبين أن ترسم صورة كائن بشري ~~ذي رأس وجذع وأطراف لتشير بها إلى هذه الكائنات من ناحية أخرى؛ ففي هذه الحالة الثانية ترتكز ~~في الرمز الكتابي على إدراكك الحسي المباشر لما هو قائم في الوجود الحقيقي الواقع، فليست ~~الكتابة الصينية مثلا مركبة من أحرف هجاء معينة نفكها ونركبها، وننثرها ~~ونجمعها، لنكون منها أية كلمة شئنا، بل هي مجموعة من رسوم يبين كل رسم ~~منها - بيانا قريبا أو بعيدا - طريقة تكوين الشيء ~~نفسه الذي جاءت الكلمة لتسميه، فالعلاقة وثيقة بين ms08 الاسم والمسمى ، شكلا ~~وتكوينا، وهي علاقة الرؤية المباشرة للأشياء، أو إن شئت فقل إنها نقل للخبرة ~~المباشرة بها. # إن كل كلمة في الكتابة الصينية مؤلفة من جرات، كل جرة منها مستقلة بذاتها؛ ~~لأنها تشير إلى جانب معين من جوانب الشيء الخارجي المدرك، ثم تأتي التركيبة ~~اللغوية، سواء كانت كلمة واحدة أو عبارة كاملة، تأتي وقد تآلفت فيها تلك الجرات ~~المستقل بعضها عن بعض تآلفا يجعل منها وحدة واحدة، هي نفسها الوحدة الإدراكية ~~التي يحصل عليها الإنسان المدرك حين يدرك الحقيقة الخارجية؛ ومن هنا امتازت اللغة ~~الصينية في قدرتها على نقل الحقيقة التي يراد التعبير عنها، نقلا يحافظ لها على ~~فرديتها وتفردها وشتى خصائصها ومميزاتها وتفصيلاتها وظلالها التي تجعل منها حقيقة ~~فردية قائمة بذاتها. # وانظر إلى الكتابة الهيروغليفية تجدها تصويرا، ثم انظر إلى التصوير المصري تجده ضربا ~~من ضروب الكتابة، حتى يصح القول - كما قال «دريتون» مدير الآثار المصرية ذات يوم - بأن ~~الكتابة المصرية القديمة تسجيل بصري للمسموع، والتصوير المصري القديم تسجيل بصري ~~للمنظور؛ فقد كان الكاتب يرسم ما يريد أن يقوله، والرسم بطبيعته لصيق العلاقة بالأشياء ~~المحسة المرئية، ومن ناحية أخرى قد كان التصوير المصري - في رأي «دريتون» أيضا - ~~ضربا من الكتابة؛ لأن المصور إذا ما أراد تصوير بضعة أشياء يجمعها في لوحته ~~لتعبر له عن معنى معين، كان يختار العناصر التي تكون ذلك المعنى، من ناس وحيوان ~~ونبات وغيرها، ثم يرتبها ترتيبا ترتبط به أجزاء المعنى المقصود، كأنه كاتب يضع ~~الكلمات جنبا إلى جنب ليصوغ منها جملة مفيدة؛ فلا عجب إذن أن نرى التصوير المصري ~~خاليا من دلائل الانفعال والعاطفة في الشخوص المصورة؛ فقد ترى صورة لسيد يضرب خادمه، ~~أو صورة لعامل يحمل الأثقال، دون أن ترتسم في الصورة الأولى دلائل الغضب على وجه السيد، ~~ولا دلائل الألم عند الخادم المضروب، ودون أن ترتسم في الصورة الثانية دلائل التعب في ~~ملامح العامل الذي ينوء بحمله الثقيل. كذلك قد ترى صورة للملك رافعا عصاه على جمع ~~من الأسرى والهدوء والسكينة ms09 باديتان على وجهه، حتى لكأنه يقدم لهؤلاء الأسرى ~~طاقة من الزهر؛ فالعاطفة والانفعال في التصوير المصري لا يعبر عنهما بتغير في ~~الملامح، بل يعبر عنهما بوضع معين للجسم يصطلح عليه للدلالة على عاطفة معينة أو ~~على انفعال معين؛ فوضع خاص للرجل وهو يتكلم، وآخر للرجل وهو نشوان، وثالث للرجل وهو ~~سأمان أو حزين، وهلم جرا. وهذه هي نفسها الحال في الكتابة، فلا ينتظر من الكاتب أن ~~يجعل كلماته التصويرية معبرة عن نشوة أو حزن، فهو مثلا لا يصور الكلمة الدالة ~~على خوف تصويرا يجعلها مرتعشة الأحرف، ويكفي أن ترص الكلمات رصا مستقرا هادئا، ~~بحيث تثير في قارئها ما يراد له من فرح وحزن وسأم وخوف، وحسبنا هذا التشابه الشديد ~~عند المصريين القدماء بين طريقتهم في الكتابة وطريقتهم في التصوير، لنعلم أن النظرة ~~إلى العالم الخارجي هي في صميمها نظرة الفنان. # ولئن كانت الكتابة العربية مؤلفة من أحرف الأبجدية التي نفكها ونركبها في ~~مختلف الكلمات والجمل، وليست هي كالهيروغليفية صورا فعلية تمثل الأشياء بأعيانها؛ إلا ~~أننا نلاحظ قدرتها العجيبة على مسايرة الأوضاع الجزئية للأشياء الخارجية، مما ~~يقربها جدا من وسائل الفنان. ونعيد ما قد فصلنا فيه القول، فنقول إن الفرق ~~الجوهري بين نظرة الفنان ونظرة العالم، هو أن الأولى تساير جزئيات الوجود الفعلي، ~~بينما الثانية تبدأ بتلك الجزئيات ثم تجاوزها إلى معان مجردة تتمثل في الصيغ ~~الرياضية التي نصوغ بها القوانين العلمية؛ فكلمة واحدة في الكتابة العربية، مثل كلمة ~~«كتبت» تستطيع أن تغير في شكلها فتحا وضما وكسرا وسكونا فتجعل منها عدة كلمات، كل ~~كلمة منها تشير إلى حالة جزئية غير الحالة الجزئية التي تشير إليها الصورة الثانية من ~~مختلف صورها، فافتح التاء الأخيرة تخاطب مذكرا، واكسرها تخاطب مؤنثا، ~~وضمها تتكلم عن نفسك ... وهكذا وهكذا. # ولا بد أن نلاحظ هنا أن هذه الميزة التعبيرية في اللغة لها ثمنها، وذلك أن تركيز ~~مجموعة كبيرة من الوظائف في كلمة واحدة، أو في عبارة واحدة، لا بد أن يتبعه تعقيد في ~~النحو والصرف؛ لأن ms10 اللغة إذا سايرت جوانب الوجود الفعلي الكثيرة بما بينها من ~~فروق دقيقة ولطائف رقيقة، كان لا بد لصور كلماتها وعباراتها أن تتنوع تنوعا ~~يقابل تلك الكثرة الهائلة. # إن روعة لغات الشرق لتتبدى حين يكون الموضوع شعرا أو ما هو قريب الصلة ~~بالشعر، ودقة لغات الغرب تظهر حين يكون الموضوع علما أو ما هو قريب من ~~العلم. # | الفصل الثالث # نظرة الشرقي هي في جوهرها نظرة الفنان، تمس الأشياء مسا مباشرا يهز الوجدان، ~~ولا تبعد عن الأشياء بالتحليل والتجريد اللذين هما من وظائف العقل المنطقي الصرف، وهي ~~نظرة ترى الكائن الواحد في مجموعه كأنه حقيقة واحدة، لا بعناصره التي ينحل إليها ~~ويتألف منها، ثم هي نظرة سرعان ما تهتدي إلى الوحدة التي تضم شتى الكائنات في ~~كائن واحد يطويها في ذاته فإذا هي جزء منه؛ فمهما يكن من أمر هذه الكثرة الكثيرة ~~التي تراها أعيننا هنا وهناك في أرجاء المكان، فالحقيقة واحدة لا تعدد ~~فيها. # والطابع الذي يميز هذه النظرة الجمالية للوجود، فيميز بالتالي ثقافة الشرق، ~~إنما يتمثل في الأسفار الدينية، وفي الكتب المنزلة التي أراد الله أن يوحي بها في ~~بقاع الشرق المبارك، فمن هذه الأسفار والكتب انبثقت نظرة الشرقي إلى الحياة وإلى الفن ~~وإلى الدنيا وإلى الآخرة، ومن لم يتمثل الروح المنبثة السارية في هذه الأسفار ~~والكتب، بحيث يمزجها بنفسه مزجا، فلا أمل له في معرفة صحيحة عن الشرق وثقافته، حتى ~~لقد قيل إن تفهم هذه الأسفار والكتب ليغني الغريب عن السفر إلى الشرق والعيش ~~فيه بين أهله وبنيه؛ لأنه إن أدركها تمام الإدراك، فقد أدرك تلك الوحدانية الصوفية ~~التي تدمج الكون في كائن واحد على اختلاف ما فيه من كائنات، أو التي تجعل للكون ربا ~~واحدا على تعدد ما فيه من أشياء وأحياء، وأما من لم يستطع أن يتمرس هذه الخبرة ~~الروحانية في حياته وفي فلسفته، فهو أبعد ما يكون عن روح الشرق، ولو عاش في ربوعه ~~طيلة حياته. # نعم، إن هذا بعينه يصدق على كل ثقافة غير ثقافة ms11 الشرق، فحسبك أن تدرس ~~وتتمثل ذخيرة الغرب الفكرية لتصبح ذا نظرة غربية إلى دنياك، ولكنه أصدق بالنسبة إلى ~~الشرق منه بالنسبة إلى الغرب؛ لأن ثقافة الشرق - كما أسلفنا - معتمدة على اللمسة ~~الفنية والخبرة الذاتية الباطنية، وثقافة الغرب أقرب إلى النظرة العلمية، واللمسة الفنية ~~مستحيلة على من لم يمارسها لمسا مباشرا، كما يستحيل على من لم يذق لونا من ~~الطعام أن يعرف كيف يكون طعمه على ذوق اللسان، وأما النظرة العلمية فتوقف صاحبها ~~على مبعدة من موضوع بحثه، فليس به حاجة مثلا إلى أن يرى الضوء بعينيه ليفهم ~~قوانين الضوء في علم الطبيعة. # ففي مصر القديمة كان الدين - والدين خبرة ذاتية لا صيغة رياضية نظرية - عماد ~~الحياة ومحور الأدب والفن وأساس النظام الاجتماعي كله، وقد كانت عقيدة المصري أن ~~بداية الخلق هي السماء، ولكنه لم يصور لنفسه هذه السماء وأجرامها تصويرا يحولها ~~إلى مسافات وأبعاد فلكية يقيسها القياسون ويحسبها الحاسبون، بل تصورها قبة تقف ~~في فضائها الرحيب بقرة عظيمة أقدامها مرتكزة على الأرض، وبطنها هو هذا الذي تراه ~~مزدانا بآلاف النجوم الساطعة، وبهذه الصلة بين الأرض والسماء عن طريق البقرة الثرة ~~الولود، ولدت الأشياء جميعا ... فماذا تكون هذه النظرة إن لم تكن نظرة ~~الفنان؟ # ونظر المصري إلى الحياة فلم تتحول في عينيه «بيولوجيا» تخضع لتجارب العلماء، بل نظر ~~إليها فإذا هي حقيقة متصلة واحدة مقدسة أصولا وفروعا؛ فمصدر الحياة مقدس، نباتا ~~كان أو حيوانا، فالنخلة السامقة المثقلة بثمرها والوارفة بظلها في قلب الصحراء، ~~والجميزة التي تزدهر وتترعرع في الرمال، والماء الذي يسقيهم، كلها قمينة ~~بالقداسة والتوقير ... ألا ما أجمل أن ترى القروي حتى يومنا هذا ينحني لقطعة الخبز إذا ~~وجدها ملقاة في عرض الطريق، فيقبلها ثم يضعها في حضن الجدار بمأمن من أقدام ~~السائرين؛ لأن لقمة الخبز نعمة الله إذ هي من مقومات الحياة. # والمغرور من الناس هو الذي ينظر إلى صنوف الحيوان والطير، فلا يلمس فيها رابطة ~~الحياة التي تؤاخي بينه وبينها، فلا غرابة أن يهتدي المصري بوجدانه الحي الحساس ms12 إلى ~~توقير هذه الأسرة الكبيرة بمختلف أفرادها توقيرا بلغ حد التقديس. # على أن ما هو أقرب صلة بموضوعنا، عقيدة المصري في الخلود؛ فها هو ذا النيل يغيض ~~ثم يفيض بالحياة، وها هو ذا النبات يذبل ويذوي مع الخريف والشتاء، ثم يحيا ~~ويزدهر مع الربيع والصيف، أفيكون الخلود مكتوبا للماء والنبات ولا يكتب للإنسان؟ ~~كلا! بل إنه ليعود إلى الحياة بعد موت، يعود ليحيا حياة الخلود في فردوس السماء، ~~على شريطة ألا يكون قد اقترف في حياته من الإثم ما يستلزم بقاء جسده في قبره ظمآن ~~جائعا، ولقد أعد مركب للصالحين يعبر بهم إلى حيث الجنة الأبدية، لكن أحدا من ~~الناس لا ينزل هذا المركب إلا بعد حساب يؤديه له «أوزيريس» بميزان، فيضع قلبه في ~~كفة، ويضع ريشة خفيفة في الكفة الأخرى، حتى إذا ما تعادلا كان جزاؤه العبور إلى جنة ~~الخلد ... فماذا تكون هذه الصورة إذا لم تكن من لمسة الفنان؟ # واستمع إلى هذا الدعاء يخاطب به الإنسان قاضيه الإلهي عند لقائه - وهو من ~~المجموعة الكبيرة من الأدعية والصلوات والتعاويذ التي يطلق عليها اسم «كتاب الموتى»: # يا من يكمن في كل خفايا الحياة، # ويا من يحصي كل كلمة أنطق بها، # انظر! إنك تستحي مني، وأنا ولدك، # وقلبك مفعم بالحزن والخجل؛ # لأني ارتكبت في دنياي من الذنوب ما يفعم القلب حزنا، # وقد تماديت في شروري واعتدائي، # فعفوك اللهم عفوك، # حطم الحواجز القائمة بيني وبينك، # وامح اللهم ذنبي؛ # لتسقط آثامي عن يمينك وشمالك. # أو استمع إلى هذا الدعاء يخاطب به الإنسان قاضيه الإلهي ليثبت له براءته من ~~الذنوب: # سلام عليك أيها الإله العظيم، رب الصدق والعدالة! لقد وقفت أمامك يا رب، ~~وجيء بي لأشهد جمالك ... جئت إليك أحمل قول الصدق. إني لم أظلم الناس ... لم ~~أظلم الفقراء ... لم أفرض على رجل حر أكثر مما فرضه هو على نفسه ... لم أهمل ولم ~~أرتكب إثما بغيضا لدى الآلهة، ولم أكن سببا في أن يسيء السيد معاملة عبده، ~~لم أمت أحدا من الجوع، ولم أبك ms13 أحدا، ولم أقتل أحدا، ولم أخدع أحدا ... لم ~~أطفف الكيل، ولم أنتزع اللبن من أفواه الرضع ... أنا طاهر، أنا طاهر، أنا ~~طاهر. # على أن المصري القديم قد بلغ من نظرته الروحانية الفنية ذروتها في شخص «إخناتون»، ~~الذي ربما كان أول إنسان في الوجود أدرك وحدانية الوجود، أدركها بالبصيرة لا ~~بالبصر، أدركها بخفقة الوجدان لا بالقياس العقلي، أدركها بطويته لا من خارج، ~~أدركها بالروح لا بالبدن، أدركها إدراك الفنان لا إدراك العالم، وهاك ترنيمة من ~~ترانيمه الخالدات، لترى هل ينطق بمثل هذا الكلام إلا شاعر فنان؟ # قال يخاطب الشمس رمز الإله الواحد، ومصدر النور والحياة: # ما أجمل مطلعك في أفق السماء! إيه يا منشئ الحياة، ويا مخرج الأحياء، ~~إنك إذا أشرقت ملأت الأرض جمالا من جمالك، فأنت الجميل العظيم المضيء ~~المتعال، يحيط شعاعك بالأرض وما عليها من خلائقك التي ربطتها جميعا بآصرة من ~~حبك، فمهما نأيت غمرت الأرض بنورك، ومهما علوت ألمت أطرافك بالأرض لألأة ~~بإشراق الضحى. # إنك حين تغرب يكتنف الأرض ظلام كالموت، ويأوي الناس إلى مخادعهم، معصوبة ~~رءوسهم، مسدودة خياشيمهم، لا يرى أحد منهم أحدا ... وعندئذ يخرج الأسد من عرينه، ~~وتلدغ الأفعى، وتسكن الدنيا سكونا لا حراك فيه. # ألا ما أبهى الأرض حين تشرق أنت في الأفق فتضيئها بنورك يا مصدر النور، ~~فتمحو آية الظلام ... ويستيقظ الناس وينشطون، فيغسلون أجسادهم ويرتدون ثيابهم، ~~ويرفعون أيديهم تمجيدا لطلعتك. # عندئذ تنشط الدنيا بالعمل، وتستريح الأنعام في مراعيها، ويزدهر الشجر، ~~ويورق النبات، ويرفرف الطير في مناقعه باسط الجناحين تسبيحا بحمدك، وترقص ~~الأغنام نشوانة، ويطير كل ذي جناحين؛ إنها كلها لتحيا بإشراقك عليها. # وبإشراقك تقلع السفائن رائحة غادية، وتثب الأسماك في أنهارها، ويتلألأ ~~بشعاعك البحر العظيم الأخضر. # يا خالق الناسلة في المرأة، ويا صانع النطفة في الرجل، ويا واهب الحياة ~~للجنين في بطن أمه، تهدهده فلا يبكي، وتغذوه وهو في الرحم، يا واهب الأنفاس ~~ويا محرك العباد! إنه إذا ما خرج الوليد من بطن أمه، فرجت شفتيه لينطق، ~~وسددت له حاجته. # إنك أنت واهب ms14 الحياة للفرخ في بيضته، وحافظ له حياته حتى يخرج منها مغردا ~~بكل قوته، ماشيا على قدميه منذ اللحظة الأولى. # زرقة السماء وصفرة الصحراء، هكذا رأى المصري بلاده نورا على نور، فأقام شوامخ ~~الأهرامات والمعابد، وسوامق المسلات والتماثيل، ليصل بين النورين، وجاشت نفسه بما ~~لمسه في الطبيعة كلها من حوله، من صمت رهيب، فتكلم معبرا عما جاش في نفسه، تكلم ~~بلغة الحجر الأصم تماثيل تراها على اختلاف عصورها ذات طابع واحد، هو طابع الجلال ~~الهادئ الرزين الرصين، تراها فتحسبها الرهبان قد ملأتهم السكينة والرضا، وترى على ~~شفاهها بسمات خفيفات هامسات، فيها معنى الإشفاق على من ألهته دنيا العوابر ~~والزوائل؛ هذا الإيمان الصابر، هذا الجلال الصامت، هو المصري من أول عصوره حتى اليوم، ~~وإنما اكتسب المصري القديم فنه من عقيدته، ثم استمد حكمته من فنه، وكلها جوانب من ~~نفسه نشأت حين لمس الوجود لمسة الروحاني الفنان. # وأنظر إلى التصوير المصري على جدران المعابد، أنظر إليه نظرة الفاحص المتأمل، وأعجب ~~أن يمضي على هذا التصوير ثلاثون قرنا أو يزيد، وإذا بالفنان المعاصر - فنان القرن العشرين ~~- يعود القهقرى مع القرون، ليجعل مبادئ فن التصوير كما عرفه المصريون هي المبادئ التي ~~يثور بها على الفن الأوروبي التقليدي، ثم يجعلها هي نفسها المبادئ التي يحتذيها ويسير في ~~فنه الحديث على نهجها. # ذلك أن المصور المصري كان يرسم شخوصه مسطوحة ذات بعدين، ويهمل البعد الثالث ~~الذي من شأنه أن يظلل الرسوم ليجسمها فتصبح على اللوحة كما هي قائمة في عالم الواقع؛ ~~أقول إن الفنان المصري كان يهمل البعد الثالث، لا جهلا منه بقواعد المنظور في الرسم، ~~بل إدراكا منه بجوهر الفن الأصيل، وهو ألا يحاكي الفنان بفنه موجودات الطبيعة ~~الخارجية محاكاة تجعل اللوحة الفنية صورة تطابق الواقع كما يعرفه الإنسان بعقله، لا ~~كما ينطبع ذلك الواقع على حواسه؛ فأنت إذ ترى رجلا قائما أمامك على مقربة أو على ~~مبعدة، إنما ترى منه في حقيقة الأمر مسطحا ملونا، فإذا قدرت لنفسك بعد ذلك ~~أنه جسم ذو أبعاد ثلاثة: ms15 طول وعرض وعمق، فإنما تضيف العمق من خبرة أخرى غير الخبرة ~~المباشرة التي تنطبع على شبكية العين عند الرؤية. ولقد أراد الفنان المصري أن يكون أمينا ~~في فنه مخلصا لحواسه، فأثبت على لوحاته رسوم الأشياء وفق إدراك الحس لها لا وفق ~~حساب العقل، وها هم أولاء قادة الفن في عصرنا الراهن «بيكاسو» و«جوجان» و«ماتيس» وغيرهم، ~~يثورون على التقليد الذي كان قائما في الفن الغربي منذ النهضة الأوربية في القرن السادس ~~عشر، ويستلهمون الفن القديم في مبادئه؛ لأنه أقرب إلى الخلق الفني بمعناه الصحيح. # وكذلك لم يكن الفنان المصري - إذ يضع على لوحة ~~عدة أشياء، بعضها قريب منه وبعضها بعيد عنه - لم يكن ذلك الفنان يعبأ عندئذ بقواعد ~~المنظور، من حيث تكبير القريب وتصغير البعيد، بل كان يضع أشكاله كلها في حجم واحد رغم ~~تفاوتها في البعد بعضها عن بعض، فتراه يرصها جنبا إلى جنب، أو يضعها بعضها فوق بعض، ~~كأنما هي كلها في مستوى واحد، ثم لم يكن يعبأ أيضا برسم المحيط الذي تكون تلك الأشياء ~~موضوعة فيه، فلا منظر من مناظر الطبيعة، ولا جدران غرفة ولا أرضية بأي معنى من المعاني ~~... وهو ها هنا أيضا لم يكن جاهلا بقواعد المنظور، بل كان على وعي كامل بأنه فنان حر في ~~وضع أشيائه، ولا إلزام عليه بأن يجعل صورته تنطق بالمحاكاة الدقيقة للطبيعة كما هي ~~قائمة. # وانظر آخر الأمر كيف كان يرسم الفنان أشخاصه: فالوجه جانبي، ولكن العين مرسومة ~~كاملة على الجانب الظاهر، والصدر متجه كله إلى الأمام، غير ملتفت إلى جانب مع اتجاه ~~الوجه، ثم القدمان متجهتان إلى جانب، على غير اتساق بينهما وبين اتجاه الصدر، ولا مانع ~~عنده من أن يجعل الفخذين ظاهرين كأنهما عاريتان، مع أنه يلفهما بالرداء، فهو يضع الثوب على ~~الجسم، ثم يتجاهل وجوده ليظهر ما تحته، وهكذا وهكذا من ألوان الخروج على قواعد المنظور. ~~لماذا؟ لا لأن الفنان جاهل بتلك القواعد، بدليل أنه يراعيها كلما أراد ذلك، إنما هو ~~يصدر عن مبدأ فني أصيل، وهو ms16 أن يبرز «الشكل» (الفورم) على أكمل وجوهه، فخير شكل يبدو ~~عليه الوجه هو الجانب، فيرسمه ملتفتا إلى جانب، وخير شكل تبدو عليه العين هو أن تكون ~~شاخصة كلها إلى أمام، فيرسمها بأكملها على جانب الوجه رغم قواعد المنظور، وخير شكل ~~للجذع هو أن يكون متجها إلى أمام، فليكن كذلك، سواء وافق هذا الوضع وضع الوجه ~~الجانبي أو لم يوافقه، وخير شكل للقدمين هو حين تكون جانبية ليراها الرائي كاملة، وإذن ~~فلتكن كذلك في الصورة، ولا عبرة باتفاق وضعهما مع وضع الصدر والوجه والعين. ثم ~~لماذا يجعل الثوب يخفي الفخذين ما دام هدفه هو أن يبرز شكل الفخذين في استدارتهما ~~واستقامتهما، فليس الأصل عنده هو أن يحاكي الواقع على حقيقته، بل الأصل هو أن يوضح ~~الأشكال في أجمل صورها ... ليس الفنان آلة تصوير تنقل عن الطبيعة وهي صماء بكماء، فتنقلها ~~كما هي، بل الفنان إنسان خلاق يتصرف في خلقه الفني كما يهديه ذوقه وفطرته، ولقد كان ~~الفنان المصري أول من عرفته دنيا الفنون أو يكاد، لكنه كان من سلامة الذوق والفطرة ~~بحيث استطاع أن يقع على المبادئ الفنية التي غفلت عنها القرون الطويلة بعدئذ، حتى جاءت بعض ~~مدارس الفن المعاصرة فالتقطت أطراف الخيوط من جديد لتستأنف السير في طريق شقها ذلك ~~الفنان الأول. # | الفصل الرابع # وننتقل إلى الهند فنجد وحدة الوجود بادية في كل كلمة ينطق بها الهندي، وفي كل نفس ~~يتنفسه، نراها بادية في دينه وفي أدبه، فالهندي يمزج نفسه بمحيطه الطبيعي مزجا، ~~ويكتنه الوجود إلى سره الخفي الدفين، فيؤاخي بين نفسه وبين الحيوان كأنهما أفراد من ~~أسرة واحدة هي أسرة الحياة، فليس العالم الخارجي عند الهندي مادة ميتة جامدة تتحرك في ~~فضاء بسرعات معلومة محسوبة، وحسب قوانين محكمة مضبوطة، بل العالم عنده دار تعج ~~بالأرواح الكثيرة التي تستكن في الصخور، وتدب في الحيوان، وتسري في الأشجار، ~~وتكمن في مجاري الماء، وتعمر الجبال والنجوم، فحتى الثعابين والأفاعي مقدسات؛ ~~لأنها آيات ناطقة بالحياة المقدسة، فأقدم آلهة ذكرتها «أسفار الفيدا» هي قوى ms17 الطبيعة ~~وعناصرها؛ هي: السماء والشمس والأرض والنار والضوء والريح والماء، جعلوا السماء أبا ~~والأرض أما، وكان النبات هو ثمرة التقائهما بوساطة المطر ... فإذا لم يكن هذا شعرا ~~فكيف تكون نظرة الشاعر؟ # وأراد الهندي أن يعبر عن هذه الوحدانية التي تشتمل الكائنات الحية كلها في كائن ~~واحد، فصور الأمر تصويرا فنيا بارعا في هذه العبارة المشهورة التي وردت في سفر ~~من أسفار «يوبانشاد»: # حقا إنه لم يكن مسرورا، فواحد وحده لا يشعر بالسرور، فتطلب ثانيا، ~~لقد كان حقا كبير الحجم حتى ليعدل جسمه رجلا وامرأة تعانقا، ثم شاء لهذه ~~الذات الواحدة أن تنشق نصفين، فنشأ من ثم زوج وزوجة؛ وعلى ذلك تكون ~~النفس الواحدة كقطعة مبتورة ... وهذا الفراغ تملؤه الزوجة، وضاجع زوجته فأنسل البشر، وسألت ~~الزوجة نفسها قائلة: كيف استطاع مضاجعتي بعد أن أخرجني من نفسه؟ فلأختف، ~~واختفت الزوجة في صورة البقرة، فانقلب هو ثورا وزاوجها، وكان بازدواجهما أن ~~تولدت الماشية، واتخذت الزوجة لنفسها هيئة الفرس، فاتخذ هو لنفسه ~~هيئة الجواد، وأصبحت هي أتانة فأصبح هو حمارا، وزاوجها، وولدت لهما ذوات ~~الحافر، وانقلبت عنزة فانقلب لها تيسا، وانقلبت نعجة فانقلب لها كبشا، ~~وزاوجها، فولدت لهما المعز والخراف، وهكذا كان الخالق حقا خالق كل شيء، ~~مهما تنوعت الذكور والإناث، حتى تبلغ في درجات التدرج أسفلها حيث النمال، ~~وقد أدرك هو حقيقة الأمر قائلا: «حقا إني أنا هذا الخلق نفسه؛ لأني أخرجته من ~~نفسي» ... وهكذا نشأت الخلائق. # في هذه الفقرة الرائعة نلمس بذرة مذهب وحدة الوجود وتناسخ الأرواح، فالخالق ~~وخلقه شيء واحد، وكل الأشياء وكل الأحياء كائن واحد، فاختر ما شئت من صور الكائنات، ~~تجدها كانت ذات يوم صورة أخرى، ولا يميز هذه الصورة من تلك ويجعلهما حقيقتين منفصلتين ~~إلا الحس المخدوع ... وليس يهمنا من هذا كله الآن إلا إلقاء الضوء على الفكرة الرئيسية التي ~~نريد توضيحها في هذه الرسالة الصغيرة، وهي أن طابع الشرق الأول الأصيل هو أن ينظر إلى ~~الوجود نظرة الفنان التي تجاوز السطوح الظاهرة إلى الكوامن الخافية، فلئن كانت ms18 ~~ظواهر الأشياء تدل على تعددها، فحقيقتها الخبيئة هي أنها كائن واحد، وهي ~~وحدانية يدركها الإنسان ببصيرته النافذة إن لم يدركها ببصره. # وما تنفك هذه الفكرة تتكرر عند الهندي في أسفار «يوبانشاد»، تكرارا يتخذ صورا ~~شتى، لكنها صور تجتمع كلها على رأي واحد، وهو أن حقائق الأشياء تدرك بلمح الحدس ~~ولا ترى بالأعين الظاهرة، فاستمع مثلا إلى هذا الحوار بين معلم وتلميذه: # المعلم ~~: # هات لي تينة من ذلك التين. # التلميذ ~~: # هذه هي يا مولاي. # المعلم ~~: # اقسمها نصفين. # التلميذ ~~: # ها أنا ذا قد قسمتها يا مولاي. # المعلم ~~: # ماذا ترى هناك؟ # التلميذ ~~: # أرى هذه الحبيبات الدقاق يا مولاي. # المعلم ~~: # اقسم حبيبة منها نصفين. # التلميذ ~~: # ها أنا ذا قد قسمتها يا مولاي. # المعلم ~~: # ماذا ترى هناك؟ # التلميذ ~~: # لا أرى شيئا قط يا مولاي. # المعلم ~~: # نعم يا ولدي، فهذا الجوهر الذي هو أدق الجواهر، والذي لا تستطيع العين رؤيته، ~~هو نفسه الجوهر الخفي الدقيق الذي نبتت منه هذه الشجرة العظيمة، فصدقني ~~يا ولدي، إن روح العالم هو هذا الجوهر الذي ليس في دقته وخفائه جوهر ~~سواه؛ هذا هو الحق في ذاته، هذا هو الخالق، هذا هو أنت يا ولدي. # إن أول درس يعلمه حكماء أسفار «اليوبانشاد» لتلاميذهم المخلصين هو قصور العقل؛ ~~إذ كيف يتاح لهذا الدماغ الضعيف الذي تتعبه عملية حسابية صغيرة، أن يدرك هذا العالم ~~الفسيح المعقد الذي ليس دماغ الإنسان إلا ذرة عابرة في أرجائه؟ وليس معنى ذلك عند ~~حكماء الهند أن العقل لا خير فيه، بل إن له لمكانة متواضعة، وهو يؤدي لنا أكبر ~~النفع إذا ما عالج الأشياء المحسوسة وما بينها من علاقات، أما إذا حاول فهم ~~الحقيقة الخالدة، اللامتناهية، فما أعجزه من أداة! فإزاء هذه الحقيقة الصامتة التي ~~تكمن وراء الظواهر كلها دعامة لها، والتي تتجلى في وعي الإنسان، لا بد للإنسان من ~~وسيلة إدراكية أخرى غير هذه الحواس الظاهرة وغير هذا العقل المنطقي؛ ذلك أننا لا ندرك ~~روح العالم بالتحصيل والدرس، ولا بالعبقرية الفذة وسعة الاطلاع في الكتب، إنما ms19 ~~الوسيلة المثلى في هذه الحالة هي نفسها وسيلة الطفل في براءته، هي الإدراك الحدسي ~~المباشر، أو هي البصيرة النافذة إلى جوهر الحق وصميمه بغير مقدمات ولا نتائج، وما ~~البصيرة إلا بصر ينثني إلى الداخل ويسد أبواب الحس الخارجي ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ~~ليشهد الإنسان حقيقة الوجود متمثلة في ذات نفسه؛ ذلك لأن جوهر النفس الإنسانية ~~ليس هو الجسم ولا هو العقل، بل ليس هو الذات الفردية، وإنما هو الوجود العميق الصامت ~~الكامن في دخيلة أنفسنا، وذلك هو «أتمان» - كما يسمونه - أو هو روح العالم كله، هو ~~القوة الواحدة التي هي فوق جميع القوى. # روح الثقافة الهندية بأسرها هي في دمج الفرد في الكون دمجا يزيل الفواصل التي ~~تميز الفرد من محيطه، ولو أريد الشقاء لفرد من الأفراد كتب عليه أن يعود مرة ~~بعد مرة إلى ولادة جديدة تجعل منه فردا. والنعيم الأبدي هو أن يذوب الفرد في الوجود ~~ذوبانا لا يبقي من ذاته الفردة المتميزة أثرا، فعندئذ يعود الجزء إلى الكل الذي كان ~~قد انفصل عنه حينا من الدهر؛ «فكما تفنى الأنهار المتدفقة في البحر، وتفقد أسماءها ~~وأشكالها، فكذلك الرجل الحكيم إذا ما تحرر من اسمه وشكله، يفنى في الكائن الواحد ~~القدسي الذي هو فوق الجميع» ... وتلك هي «النرفانا». # وتلك هي نظرة الفنان التي نظر بها الهندي إلى نفسه وإلى الوجود، وهي نظرة إن وقف ~~صاحبها عند جزئية من الأشياء، فما ذلك إلا لينسجها خيطا في رقعة الكون الواحد ~~الفسيح. # وبهذه الروح نفسها جاءت فلسفة الفيلسوف وعقيدة المتدين وفن الفنان، فالموسيقي ~~الهندي شبيه بالفيلسوف الهندي، كلاهما يبدأ بالجزئي المحدود ليرسل روحه بعدئذ إلى ~~الكون اللامحدود، إنه يظل يمعن في وشي موضوعه وشيا دقيق الأجزاء ناعم النغمات؛ ~~حتى يتمكن آخر الأمر بتأثير تيار التوقيعات المتكررة النغم أن يخلق نوعا من ~~«التخدير» الموسيقي في نفس السامع؛ لأن غاية الموسيقي - كما هي غاية الفلسفة والدين والفن ~~عندهم - أن يصيب النفس الفردية بضرب من الذهول الذي ~~يشل الإرادة ويطمس الفردية، وبهذه النفس الذاهلة ms20 عما يحيط بها من مادة ومكان وزمان، ~~ترتفع الروح إلى ما يشبه الاتحاد الصوفي بكائن عميق عظيم ساكن. # وهكذا قل في فن التصوير الهندي، الذي لا يحاول تصوير الأشياء، بل يستهدف تصوير ~~العواطف، ولا يحاول مطابقة الأصل بل يكتفي بالإيماء إليه، فغايته ليست هي أن يحاكي ~~هذا الواقع الجزئي الماثل أمام بصر الفنان، بل غايته هي أن يثير في نفس الرائي وجدانه ~~الديني وعاطفته الجمالية؛ لكي تنزاح عنه السدود الحوائل بينه وبين الحقيقة الكونية ~~العليا، فليس المهم عند المصور الهندي أن يكرر الطبيعة المرئية نفسها على لوحته، بل ~~المهم هو أن يقتنص من تلك الطبيعة الزائلة العابرة روحها الدفينة، ليبرزها في ~~رسومه. # ولئن كان شاعر القوم هو لسانهم المعبر، فهذا هو شاعرهم «أكبر» يقول: # هنالك يا أخي عالم لا تحده الحدود، # وهنالك «كائن» لا اسم له، ولا يوصف بوصف، # ولا يعلم عنه شيئا إلا من استطاع أن يصل إلى سمائه، # وإنه لعلم مختلف عن كل ما يسمع وما يقال، # هنالك لا ترى صورة، ولا جسدا، ولا طولا، ولا عرضا، # فكيف لي أن أنبئك من هو؟ # إنه ليستحيل أن نعبر عنه بألفاظ الشفاه، # ويستحيل أن يكتب وصفه على ورق. # إن الأمر هنا لكالأخرس الذي يذوق طعاما حلوا؛ فكيف يصف لك ~~حلاوته؟ # وفي قصيدة أخرى يقول: # إنه ليضحكني أن أسمع أن السمك في الماء ظمآن! # إنكم لا ترون «الحق» في دياركم، فتضربون من غابة إلى غابة هائمين على ~~وجوهكم. # هاكم الحقيقة! اذهبوا أين شئتم ... # فإذا لم تجدوا أرواحكم، أمسى العالم زائفا في أعينكم ... # إلى أي الشطآن أنت سابح يا قلبي؟ ليس قبلك من مسافر، كلا ولا أمامك من طريق ~~... # ليس هنالك جسم ولا عقل، فأين تلتمس ما يطفئ غلة روحك؟ # إنك لن تجد شيئا في الخلاء؛ # فتذرع بالقوة وادخل إلى باطن جسدك أنت، # تقف بقدميك هنالك على موطئ ثابت. # فكر في الأمر مليا يا قلبي، أفلا تغادر هذا الجسد إلى مكان ~~آخر؟ # اطرد صنوف الوهم عن نفسك، # وثبت نظرك في حقيقة ذاتك ms21 ، # تنكشف أمام عينيك حقيقة الوجود. # | الفصل الخامس # وننتقل إلى ثقافة الصين، فنلتقي أول ما نلتقي باللغة الصينية - منطوقة أو مكتوبة - لنجد ~~لها من الخصائص ما يدل على طابع الشرق كله، فهي لغة مثقلة بمضمونها الفني، بالإضافة ~~إلى كونها رموزا تشير إلى مسمياتها، وأعني بذلك أن الكلمة المعينة من تلك اللغة، ~~تكتب على هيئة تصويرية تجمع عددا من الخصائص الفردية المميزة لمسمى تلك الكلمة، ~~فتنظر إلى الكلمة مكتوبة وكأنك تنظر إلى مسماها نفسه؛ ولهذا فإن كلمات اللغة الصينية ~~أقرب إلى الرسوم الدالة على أعلام أفراد، منها إلى الأسماء الكلية المجردة الدالة على ~~أنواع وأجناس؛ ولذلك كانت اللغة الصينية على وجه الإجمال أقرب إلى أن تشير إلى جزئيات ~~العالم الخارجي المحسوس، منها إلى أن تشير إلى خواطر المتكلم وما يدور في عقله من معان ~~مجردة. # وما دامت اللغة وثيقة الصلة بعالم الجزئيات الخارجية المحسوسة، تحتم أن تجيء ~~تلك اللغة وفيها كثرة من اللفظ تعادل كثرة تلك الجزئيات، ولو كتبت فلسفة بهذه ~~اللغة، لجاءت هذه الفلسفة وصفا لمواقف جزئية فردية، كأنها الأمثلة يسوقها الفيلسوف ~~ليوضح بها فكرة مجردة، إلا أن الفكرة المجردة هنا لا يكون لها وجود، والوجود كله مقتصر ~~على أمثلتها الجزئية التي يسوقها الفيلسوف مثلا في إثر مثل حتى يستوفي الفكرة التي ~~يريد استيفاءها. # ومعنى ذلك بعبارة أخرى، أن الفكر لا يكون نظريا بالمعنى المعروف في العلوم النظرية، ~~بل يكون حالات مفردات لا يشترط لها ارتباط منطقي يصلها صلة المقدمات بنتائجها، ~~بحيث يرتبط السابق منها باللاحق ارتباطا منطقيا يوجبه العقل النظري ويحتمه، فيجوز ~~لك أن تبدل وتغير من ترتيب الأمثلة الجزئية المتعينة التي يسوقها المفكر توضيحا ~~لوجهة نظره؛ لأن ما يجمعها معا هو اشتراكها في توضيح الفكرة المراد توضيحها، وليس هو ~~تسلسلها على النحو الذي يجعل الحلقة السابقة مقدمة تستتبع بالضرورة الحلقة التي ~~تليها. # فذلك بعينه هو الطابع الذي يميز كتابات «كونفوشيوس» حكيم الصين؛ فأنت إذ تقرأ له، ~~فإنما تقرأ عبارات تنساب انسيابا مرسلا، حتى لكأنه يتحدث بما تقتضيه المناسبات، ~~لا ms22 بما تحتمه في تسلسله مبادئ المنطق الصوري؛ ولذلك تراه ينتقل بك من مثل إلى مثل، ومن ~~حالة جزئية إلى حالة جزئية، لا يلتزم في تتابع سياقه إلا مجرى السليقة الفطرية في انسياب ~~الحديث، فلا تجد في عباراته مصطلحا خاصا يحتاج إلى تعريف وتحديد كما يفعل أصحاب العقول ~~العلمية، كما لا تجد في تلك العبارات ترتيبا منطقيا كالذي تستدعيه إقامة البرهان في ~~بسط النظريات العلمية. # لكن هذه الأمثلة الجزئية والحالات المتعينة الفردية تتميز بما تحمله من صور روعي ~~فيها أن تكون مما يدركه الإنسان إدراكا مباشرا بحسه وشعوره، ولا إلزام هنا يقضي أن ~~تجيء هذه الصور الجمالية مصورة لوقائع بعينها وقعت في العالم الخارجي؛ إذ ليست ~~الحقائق الخارجية بذاتها وكما تقع هي مدار الوصف والحديث، بل المدار هو طريقة تأثر ~~الإنسان بتلك الحقائق وكيفية وقوعها في نفسه. # ولهذا فلا تتوقع أن تجد في أقوال حكيم الصين تعميمات نظرية مجردة كالتي تراها عند ~~أصحاب النظرة العلمية، بل إنه ليكتب كما يكتب الأديب من حيث مراعاته للمضمون الفني في ~~كتابته، وأعني بهذا أن تكون دلالة الكلام فردية جزئية مما يستطيع السامع أن يتصوره ~~تصورا مباشرا، وتلك هي اللمسة الفنية التي جعلناها طابع التفكير الشرقي على وجه ~~التعميم الغالب ... يريد «كونفوشيوس» مثلا أن يرسم الطريق إلى السلام العالمي، فكيف يرسمه؟ ~~إنه لا يلجأ إلى نظريات السياسة والاجتماع، بل استمع إليه في ذلك يقول: «إنه إذا ما ~~تهذبت حياة الإنسان الشخصية استقامت حياة الأسرة، وإذا ما استقامت حياة الأسرة ~~اتسقت حياة الأمة، وإذا ما اتسقت حياة الأمة ساد السلام في العالم، ~~فينبغي لنا - من الحاكم فنازلا إلى سواد الناس - أن ~~نجعل تهذيب الحياة الفردية الشخصية بمثابة الجذر أو الأساس، فيستحيل على فروع الشجرة أو ~~الطوابق العليا في البناء أن يستقيم لها كيان إذا دبت الفوضى في جذور الشجرة أو في أساس ~~البناء، فلم تشهد الطبيعة كلها بعد شجرة استدق جذعها وأخذ منه النحول، ثم ~~جاءت فروعها العليا سميكة ثقيلة؛ وهذا هو ما أسميه «معرفة الأشياء ms23 من جذورها أو من ~~أسسها» ...» وهكذا يسوق لك الحديث وكأنما هو يغترف من خبرات حياته الخاصة ومن مشاهداته ~~الجزئية في مجرى الحياة اليومية؛ فهو لا يلجأ إلى البرهان النظري يدعم به صدق زعمه، بل ~~يكتفي بمثل هذا التصوير الفني لفكرته، وهو تصوير لا يسع القارئ إلا أن يتقبله وكأنما ~~هو منه إزاء البداهة التي لا سبيل إلى نقضها. # إن «كونفوشيوس» لينثر أقواله نثرا، كأنه المصور الفنان ينثر ألوانه على لوحة ~~التصوير، فالرابطة بينها ليست هي الرابطة المنطقية، بل هي رابطة الاتساق والانسجام، ~~حتى ليخيل إليك أن ليس له من مبدأ واحد ينتظم حياته وفلسفته، لكن بين أقواله ~~المتناثرات خيطا يسلكها جميعا في عقد واحد، يستطيع العقل التحليلي الفاحص أن ~~يستخرجه ويبرزه، أما «كونفوشيوس» نفسه، فلم يضع آراءه على صورة مبدأ ونتائجه، والمبدأ ~~الذي يسري في حياة الرجل وفلسفته هو أنه جعل علاقة الأبوة بمثابة القانون العام، ~~الذي بغيره يصاب النظام الاجتماعي - كائنا ما كانت صورته - بالعطب والفساد، فعلاقة ~~الحاكم بالمحكوم مثلا لا تستقيم إلا إذا جرت مجرى العلاقة بين الوالد وولده، وهكذا قل ~~في كل علاقة اجتماعية أخرى؛ فما لم تكن الرابطة بين أفرادها هي نفسها رابطة البر ~~بين الأبناء والآباء، أو هي عاطفة الرحمة والعطف بين الآباء والأبناء، فلا يرجى لها صلاح؛ ~~فحتى العلاقات التجارية - على هذا الأساس - لا يكتب لها النجاح إلا إذا ارتبط ~~الشركاء بروابط الأسرة أو ما يشبهها، فالبيوت التجارية هناك «بيوت» بالمعنى الحرفي ~~لهذه الكلمة، والمؤسسات الصناعية وغيرها تكون أقرب إلى تحقيق النجاح إذا كان أصحابها ~~أبناء أسرة واحدة. لكن قارن هذه النظرة بنظرة أخرى تقيم المؤسسات الاقتصادية على ~~أساس المساهمة بين شركاء لا علاقة بينهم، بل لا يعرف أحد منهم أحدا، وليس للعضو في ~~الشركة من وزن وقيمة إلا بمقدار ما يملك من الأسهم ... قارن بين النظرتين، تجد النظرة ~~الأولى هي نظرة من لا يريد أن يعيش في عالم من المعاني المجردة، بل يريد أن يحيا حياة ~~فيها دفء الوجدان، وفيها دائما ما يشبه ms24 نشوة الفنان. # إن ل «كونفوشيوس» عبارة عميقة المغزى بعيدة الدلالة فيما نحن الآن بصدده؛ إذ يقول: ~~«إنه لا موضع لإنسان في المجتمع إلا إذا درب نفسه أولا على إدراك الجمال.» فإذا ~~فهمنا «إدراك الجمال» على أنه الإدراك الذي يتم باللمسة المباشرة، ولا يقوم على ~~تحليل وتعليل وحجة وبرهان، فهمنا مراد الحكيم بعبارته تلك؛ ذلك أن علاقة الأبوة ~~- التي هي عنده أساس كل علاقة اجتماعية سليمة - ليست مما تحتاج إلى شرح وتفسير؛ ~~فالوالد يحس علاقته بولده، والولد يحس علاقته بوالده، إحساسا مباشرا، وهكذا ~~ينبغي أن يكون إحساس الفرد في المجتمع السليم بسائر الأفراد، فإذا كان الشعور القومي خيرا، ~~فهو إنما يستمد خيريته هذه من كونه شعورا بين أبناء الوطن الواحد شديد الشبه ~~بالشعور الذي يربط أفراد الأسرة الواحدة؛ أي أنه شعور لا يقيمه صاحبه على منفعة ~~مرجوة، ولا على نظرية علمية مجردة، وإذن فهو شعور قائم على إدراك «جمالي» لا ~~على إدراك منطقي نظري. وإذا كانت طاعة الحاكم واجبة، فلأنها شديدة الشبه بطاعة الولد ~~لوالده، تقتضيها طبائع الأشياء التي يدركها الإنسان بفطرته الداخلية من غير تعليل وبرهان. ~~وما هكذا يسوق حديثه المفكر الغربي حين يحلل الشعور القومي أو طاعة الحاكم، فها هنا ~~تراه يجعل أساسه مبادئ نظرية مجردة عامة، كهذا الذي يقوله «لوك» الفيلسوف الإنجليزي، أو ~~يقوله «جان جاك روسو»، عندما يتحدثان عن تعاقد أفراد المجتمع كيف نشأ وتطور ... الفرق ~~بين الحالتين هو الفرق بين النظرتين؛ فنظرة تنبني على الفطرة واللقانة، وأخرى ~~تلتمس المنطق العقلي والبرهان؛ والأولى هي نظرة الفنان، والثانية هي نظرة ~~العالم. # | الفصل السادس # مواجهة الحقيقة الوجودية مواجهة مباشرة، لا تتوسطها حلقات من تعليل وتدليل، هي ~~لب الشرق وصميمه؛ ومن ثم كان إدراكه قبل غيره للألوهية، وإدراكه قبل غيره للعلاقة ~~الرابطة بينه وبين الوجود من حوله، وفي هذه المواجهة المباشرة للحقيقة الوجودية تلتقي ~~شتى فروع الثقافة الشرقية، قاصيها ودانيها، فلا فرق في هذه الخاصة بين «إخناتون» ~~و«بوذا» و«كونفوشيوس»، وسواء كان محور الإدراك المباشر هو الوجود الطبيعي أو النظام ~~الاجتماعي، ms25 فالمدار في جميع الحالات هو اللمسة المباشرة بين الذات المدركة والحقيقة ~~المدركة، وهي نفسها اللمسة المباشرة التي أدرك بها أنبياء الشرق وقديسوه ورهبانه ~~ومتصوفته حقيقة الوجود الخافية وراء ظواهره العابرات. # هذه اللمسة المباشرة بين الذات والموضوع هي التي جعلناها تعريفا للنظرة الفنية إلى ~~الحقيقة بالقياس إلى نظرة العلم، وإن هذا التباين ليظهر بين الفنان في الشرق ~~والفنان في الغرب رغم التقائهما في مجال واحد، فليست نظرة المصور الصيني - مثلا - إلى ~~الطبيعة شبيهة كل الشبه بنظرة زميله الغربي إلى الطبيعة، فبينما المصور الغربي يخرج ~~إلى الطبيعة مزودا بأدواته وأصباغه ليجلس واللوحة أمامه والمنظر المراد تصويره ~~ماثل أمام بصره، وما عليه سوى أن يجتزئ مما يراه جانبا يثبته على لوحته، ترى المصور ~~الشرقي يخرج إلى الطبيعة وليس معه شيء من أدوات التصوير، يخرج إليها وحده وليس معه إلا ~~حسه ووجدانه، وهناك يتخذ جلسته مغرقا نفسه فيما حوله حتى يصبح جزءا منه؛ إنه ~~يغمس نفسه في تيار الكون غمسا حتى لكأنه القطرة من ماء البحر، لا تتميز عما حولها من ~~قطرات، وعندئذ يتاح له أن يشهد الطبيعة في سيالها المتصل الدفاق، وعندئذ كذلك ~~تكون الصلة وثيقة مباشرة بين الرائي والمرئي فلا يحول بينهما حائل؛ لأنهما يكونان ~~عندئذ شيئا واحدا؛ ولهذا تخرج الصورة من إنتاج الفنان الصيني وكأنها كل واحد متصل، ~~لا تمايز فيها بين جزء وجزء، إنه لا يعنيه - كما يعني المصور الغربي - أن يبرز ~~هذا الجزء وذلك الجزء من أجزاء الصورة إبرازا يحقق لكل شيء كيانه المستقل في أبعاده ~~الثلاثة؛ كلا، فليس المعول في الفن الشرقي على صيانة الحقائق الواقعة بواقعيتها كما هي ~~قائمة في العالم الخارجي، بل المعول هو اندماج الفنان بذاته وبروحه في تلك الحقائق، ~~ثم على اندماجها بعضها في بعض، بحيث تؤكد ما بينها جميعا من صلة تجعل منها ومن الفنان ~~معها حقيقة واحدة. # إن مصور الشرق لا يفترض - كما يفترض زميله في الغرب - أنه «متفرج» على الطبيعة، ~~يشهدها كما يشهد النظارة ما يدور على المسرح، وهو كذلك لا ms26 يفترض - كما يفترض زميله ~~في الغرب - أن للأشياء الفلانية خصائص معينة درسها وقرأ عنها؛ كلا، بل يدنو ~~الفنان الشرقي من الطبيعة وذهنه خال من كل افتراض سابق عن حقائق الأشياء كما تقع له في ~~ذوقه المباشر، فوازن مثلا بين المصور الشرقي والمصور الغربي إذا ما أراد كل منهما ~~أن يصور الطبيعة وهي متلفعة بغشاء من ضباب؛ فعندئذ تدرك من صورة الفنان الغربي ~~ما يؤكد لك أنه رسم مشهده وهو على وعي بأن الضباب غلالة عارضة جاءت فكست ~~الشجر والنهر والجبل؛ وذلك لأنه دخل ساحة الطبيعة مزودا بعلم سابق عن مقومات ~~المنظر الثابتة الدائمة وزوائده التي جاءت عارضة فحالت بينه وبين «حقائق» الطبيعة كما ~~قد عرفها من قبل؛ وأما الفنان الشرقي فيدخل محراب الطبيعة متحررا من كل علم ~~سابق، ليتقبلها بكرا؛ وبذلك لا يفرق بين جبل ثابت وضباب عارض، فكلها عندئذ ~~طبيعة واحدة موحدة، لا مبرر لتجزئتها قطعة قطعة وشيئا شيئا، فليس التوحيد من ~~وجهة نظره هو الوهم، بل الوهم هو تجزئة ما قد جاءه موحدا، فلا شجر عنده ولا حجر، ولا ~~نهر ولا جبل، ثم لا ضباب يكسو هذه الأشياء أو لا يكسوها، بل إن هذه العناصر كلها خيوط ~~من نسيج واحد. يدرك الإنسان وحدانيته لا بعقله الذي يحلل، بل يدركها بالمجابهة ~~الروحية المباشرة، يدركها باللقطة الوجدانية الواحدة؛ وتلك هي الصوفية الشرقية بأدق ~~معانيها وأصدقها؛ فهي صوفية لا تلغي الواقع ولا تنسخه، لكن تمحو ما يفرق - في رؤية ~~العين - أجزاءه بعضها عن بعض، إنها صوفية تعتمد في إدراكها للحق على العيان ~~المباشر، على البصيرة النافذة، لا على الدراسة النظرية التي تحلل الكل إلى أجزائه ~~لتنظر إلى كل جزء على حدة بعد تجريده مما يتشابك معه في نسيج واحد. # إن في الفن الشرقي بساطة قد تخطئها عين الغربي فلا ترى أسرارها، ومكمن السر هو في ~~اتحاد الفنان بالطبيعة التي يصورها اتحادا لا يتذوقه إلا من طعم الثقافة ~~الشرقية وتنفس هواءها، فلقد قيل عن فنان شرقي صور قصبات الخيزران على لوحته: ~~إنه ms27 قد نسي نفسه حتى تحول إلى خيزرانة، بحيث لم يعد يرى في نفسه إلا قصبات من ~~خيزران، وهكذا يخيل إليك إذا نفذت بعين الناقد الخبير خلال الفن الشرقي إلى سره ~~الدفين؛ يخيل إليك أن الفنان إذا ما صور حصانا أو طائرا أو فراشة أو نهرا، قد ~~تحول هو نفسه إلى هذه الأشياء التي يرسمها، فهو لا يرسمها من ظواهرها كما تبدو لعين ~~الإنسان المنتفع بها، بل يتحد معها بروحه ليرسمها من الباطن، فينفذ إلى صميم ما ~~يتصدى لتصويره؛ وبعبارة أخرى، لا يظل الفنان أثناء ممارسته لفنه إنسانا من البشر ~~مستقلا بجسده قائما بذاته متميزا مما حوله، بل يصبح وكأنه جزء من الكل الشامل، وما ~~الكل الشامل عنده سوى الواحد الأحد الذي إن تعددت آياته جيادا وطيورا وأشجارا ~~وأنهارا، فهو في جوهره لا يتعدد؛ وهذا الجوهر هو ما ينشده العابد، وهو كذلك ما يراه ~~الفنان. # | الفصل السابع # إنه بفضل هذه النظرة الدينية الصوفية الفنية التي ينظر بها الشرقي إلى الأشياء، ~~يستطيع إدراك الوحدة التي تشتمل الكون على اختلاف ظواهره وتعدد كائناته، فلئن كانت ~~الحواس والعقل معا من شأنها أن تجزئ الأشياء وتجرد العناصر بحيث تجعل من كل عنصر ~~حقيقة قائمة وحدها، فإن الحدس عند من يستطيعه (وأعني بكلمة «الحدس» معناها ~~الفلسفي، وهو اللقانة أو البصيرة) هو الوسيلة إلى إدراك الوحدة في الشيء الواحد، أو ~~في الكون الواحد حسبما تكون الحال؛ فهذه الزهرة التي أمامي الآن لون وشكل وأريج وعود ~~وأوراق، لكنها مع هذه التجزئة زهرة واحدة ذات كيان واحد وروح واحد، وكذلك قل في ~~الكون كله؛ فهذه أنجم لا يحصيها العد، تقع على أبعاد لا يحصيها الحساب، وهذه ألوف ~~الألوف من الكائنات على جرم واحد، هو الأرض التي نعيش عليها، فإن أسلمت نفسك إلى ~~حواسك وعقلك، قلت عن الكثير إنه كثير، لكن أصحاب النظرة الحدسية لا يسلمون ~~أنفسهم إلى حواسهم وعقولهم وحدها، بل يلجئون إلى تلك البصيرة النافذة عندهم، فيرون ~~بها وراء الكثرة وحدة واحدة؛ ومثل هذه الوحدانية في إدراك الإنسان ms28 للكون هو الطابع ~~المميز لنظرة الشرقي بصفة عامة، وهو نفسه الطابع المميز لنظرة الفنان، ولست بحاجة إلى ~~القول بأن من أهل الغرب فلاسفة كثيرين - منهم «برجسون» مثلا - قد دعوا إلى هذه النظرة ~~الحدسية النافذة إلى جوهر الحقيقة، لكننا هنا نطلق الأحكام على وجه الإجمال ~~الغالب. # وإذا أراد القارئ أن يفهم المقصود بتوحيد الكثرة في كون واحد حين ينظر إليها بالحدس ~~لا بالعقل، فلينظر إلى ذات نفسه من باطن، فماذا يرى؟ إنه في ظاهر الأمر يدرك سلسلة ~~من خواطر تمر أمام انتباهه عابرة، فلو كان أمينا في وصف ما قد رآه، لقال عن نفسه ~~إنه في الحقيقة مؤلف من حالات كثيرة، وليس أمامه برهان واحد يدل على ~~أنه - رغم هذه الحالات الكثيرة - إنسان «واحد»، لكني على ~~يقين من غضبه وثورته على من يصفه بهذا التعدد والتفكك، وسيصر على أنه - رغم ظاهر ~~الأمر - حقيقة واحدة ونفس واحدة وذات واحدة، فكيف أدرك هذه الوحدانية في نفسه مع أن ~~الإدراك العقلي لا يجد من نفسه إلا حالات جزئية تظل تتعاقب؟ أدركها بما يسمونه ~~«الحدس»؛ وبهذا الحدس نفسه يدعوك المتصوفة أن تنظر إلى العالم بكثرته، فإذا هو أمامك ~~واحد أحد أنت جزء منه مندمج فيه. # نعم، إن صاحب النظرة الفنية - كصاحب النظرة العلمية - يعلم أن لون الزهرة شيء غير ~~شكلها، وهذان يختلفان عن أريجها، لكنه يضيف إلى ذلك علما أعلى وأوفى، وهو أن الزهرة - على ~~اختلاف صفاتها من لون وشكل وأريج - حقيقة واحدة عند الوعي الذي يدركها في جملتها إدراكا ~~مباشرا، وكذلك يعلم صاحب النظرة الفنية - كما يعلم صاحب النظرة العلمية - أن الفرد ~~الواحد من الإنسان سلسلة من حالات وخواطر ومشاعر متباينات متعاقبات، لكنه يضيف إلى ذلك ~~علما أعلى وأوفى، وهو أن هذه الكثرة ليس من شأنها أن تفتت وحدانية الذات الفردية ~~الواحدة، وهو كذلك يعلم - كما يعلم زميله - أن الذات المدركة شيء غير الموضوع ~~المدرك، لكنه يضيف إلى ذلك علما أعلى وأوفى، وهو أن الذات والموضوع كليهما حقيقة ~~واحدة عند الحدس المباشر . # هذه الوحدانية ms29 الضاربة في صميم الحقيقة الكونية - رغم ما يبدو للحواس الظاهرة وللعقل ~~التحليلي من تباين واختلاف، ومن تجزؤ وتعدد - هي سر الشرق وروحه، بها نادت ~~دياناته المنزلة وغير المنزلة على السواء، أفيكون غريبا بعد ذلك أن تجيء ثقافة ~~الشرق الأصيلة داعية إلى الإخاء بين الإنسان والإنسان حينا، وإلى الإخاء بين الإنسان ~~والحيوان حينا آخر، بل إلى الإخاء بين الكائنات الحية والجوامد حينا ثالثا: # خفف الوطء ما أظن أديم ال # أرض إلا من هذه الأجساد # وما أجمل ما يقوله حكيم صوفي من الشرق إلى تلميذه: «أن ضع الكوب مقلوبا، ~~فوهته إلى أسفل، وقاعه إلى أعلى، تنحصر بداخل الكوب بضعة من هواء، تحيط بها جدران ~~الكوب فتعزلها عن بقية الهواء، لكن ارفع الكوب تزل الحواجز الفاصلة بين هواء ~~الداخل وهواء الخارج ... وهكذا يا بني، قد ترى نفسك معزولة عن بقية الكون بين جدران جسدك ~~فتظنها فردا مستقلا قائما بذاته، لكن أزل هذه الجدران الحاجزة تجدها جزءا من كل ~~شامل عظيم.» # وبديهي أن هذا الكون الواحد المتصل الدافق السيال، الذي إن استطاعت الحواس ~~الظاهرة أن تتبين فيه صنوفا من تباين الأجزاء، فاللقانة اللدنية المباشرة ~~وحدها هي التي تدرك وحدانيته واتصاله. أقول إنه من البديهي أن هذا الكون الواحد ~~محال على من يدرك وحدانيته بحدسه أن ينقل إلى الآخرين إدراكه هذا عن طريق اللغة. ~~ولا بد لمن يريد أن يدرك هذه الوحدانية الكونية من تذوقها بوجدانه هو، فإذا ~~حاول مدركها أن يصفها لغيره بألفاظ اللغة ليفهمها، فما ذلك إلا على سبيل التقريب ~~والإيحاء؛ ومن هنا جاءت الكتب الأساسية في ثقافة الشرق الأصيلة أقرب إلى الإيماء والإيحاء ~~والتلميح، منها إلى التحليل الدقيق المستفيض. وأي غرابة في ذلك؟ إن هذا الضرب من ~~الإيحاء هو جوهر الفن كله، فقد ينشئ لك الموسيقي معزوفة يقول لك عنها - مثلا - ~~إنها «الفجر»، أو إنها «الغسق»، لكن الأذن العارية وحدها لا تجد فيها فجرا ولا ~~غسقا، والمراد هو أن توحي لك المعزوفة بما قد خبرته أنت بذاتك ساعة الفجر أو ساعة ~~الغسق، ms30 إن نقل الخبرة الوجدانية بذاتها من صاحبها إلى غيره ممن لم يكابدها ولم يكابد ~~شبيها لها؛ أمر محال، فليس أمل الشاعر إذا ما بث حزنه أو فرحه في قصيدة، هو أن ينقل ~~إليك هذا الفرح أو ذلك الحزن بعينه وبذاته، بل أمله هو أن يكتب لك الألفاظ على نحو ~~يرجى منه أن يوحي لك وأن يثير فيك خبرات ذاتية لك، قد تشبه من قريب أو من بعيد ما ~~جاشت به نفس الشاعر، ومن هنا كثرة التأويلات للقطعة الفنية الواحدة. نعم، إنه لا أمل ~~ولا رجاء في أن تجيء كلمات الفنان مطابقة لوجدانه، كما تجيء أوصاف العلم لظواهر ~~الطبيعة مطابقة لتلك الظواهر، وإن شئت فقارن بين لوعة الحزين من جهة وبين وصف تلك ~~اللوعة في كلمات، أو قارن صبابة العاشق الولهان بالألفاظ التي تساق وصفا لها، وهل ~~كلمة «النار» تلسع قارئها كالنار نفسها؟ كلا، فإدراك الصوفي للكون لا وسيلة إلى نقله ~~بكلمات اللغة إلى من لم يعان الخبرة الصوفية معاناة ذاتية مباشرة؛ فاللغة قد تكون ~~صالحة لنقل المدركات المجردة، وقد تكون صالحة لوصف الحوادث والأشياء كما تجري وكما تقع ~~في الطبيعة الخارجية، لكنها يستحيل عليها استحالة قاطعة أن تنقل الخبرة الذاتية الباطنية ~~كما يهتز بها وجدان صاحبها؛ ولهذا كان الفرق البعيد في أداء اللغة لأغراضها بين أن ~~يكتب بها كتاب علمي وأن يعبر بها عن خفقات الأفئدة ونبضات القلوب، والثقافة ~~الغربية - على وجه الإجمال - هي من النوع الأول، ~~والثقافة الشرقية من النوع الثاني. # | الفصل الثامن # روح الشرق وسره هما في إدراك الجوهر الكوني الواحد المتصل الذي لا تجزئة فيه ولا ~~تباين، ولكن أين عساك أن توجه النظر لترى هذا الجوهر، ألست مضطرا أن تلتمسه في هذه ~~الزهرة، أو في هذا الجبل، أو في هذا العصفور؟ وإذا ركزت انتباهك في جزئية واحدة من ~~هذه الأشياء لتستشف وراءها روح الكون الواحد، أفمستطيع أنت أن تجرد نفسك عن هذه ~~الجزئية التي وقفت عندها متأملا؟ الجواب هو بالإيجاب؛ لو وهبك الله روح الفنان ~~الأصيل، فما ms31 روح الفن في صميمها سوى قدرة الفنان على إدراك الحقيقة الكبرى خلال ~~الجزئيات التي يقع عليها بحسه؛ فالفن مزيج متداخل مما هو جزئي ظاهر للعين باد ~~للحواس، وما هو خبيء خفي مستعص على إدراك الحواس، فإذا قال شاعر في هذه الزهرة ~~شعرا، أو إذا رسمها مصور فنان، فهو لا يقف عندها محاكيا ورقة بورقة وعودا بعود، ~~وإلا لأغنت عنه آلة التصوير، بل إنه ليمزج بين خصائصها المميزة الفريدة من جهة، ~~وبين ما توحي له من المعاني التي تكمن وراءها مما هو بطبيعته مفارق للحس، وما دمت ~~قد سرحت مع الفنان بوجدانك فيما وراء الزهرة المصورة، فلا سدود عندئذ ولا حدود، بل ~~ستظل غارقا في بحر الوجدان حتى ينتهي بك آخر الأمر إلى اللامتناهي واللامحدود، إلى الحق ~~الواحد الذي هو جوهر الوجود. # إنه إذا اجتمع رجلان: أحدهما يقف من الطبيعة الخارجية وقفة العلماء، يلاحظ ظواهرها ~~بحواسه المجردة أو بمناظيره المقربة والمكبرة، بحيث لا يجاوز هذه الظواهر ولا يسمح ~~لأحد أن يجاوزها حتى لا يضرب في الغيب المجهول؛ والآخر يقف من الطبيعة وقفة المتصوف ~~الفنان، يترك الظاهر ليلتمس الباطن ويجاوز عالم الشهادة ليغوص في عالم الغيب، أقول ~~إنه إذا اجتمع رجلان بهذه المميزات لكل منهما، فلا رجاء ولا أمل في أن يلتقيا على ~~رأي؛ لأن كلا منهما يجول في عالم غير العالم الذي يجول فيه زميله، وإذا لم ~~يهبهما الله شيئا من سعة الصدر ورحابة الأفق، لكان الراجح أن يضيق كل منهما ~~بزميله، ذلك إن لم يجعل من زميله موضع هزء وسخرية، فلا سبيل إلى تفاهم بينهما إلا ~~إذا اتفقا بادئ ذي بدء على أي العالمين هو المقصود المنشود؟ أما أن يلتمس أحدهما ~~حقائق الأشياء عن طريق حواسه الظاهرة من بصر وسمع وما إليهما، ثم عن طريق العقل ~~المنطقي الذي يستخرج من هذه الظواهر المحسة قوانينها، على حين يلتمس الآخر حقيقة ~~الأشياء فيما هو دائم ثابت وراء تلك الظواهر؛ فعندئذ لا تكون بينهما نقطة التقاء في ~~وجهة النظر، وهذا الانفراج والتفاوت بين ms32 النظرتين هو الذي شهدناه مدى قرنين أو ثلاثة في ~~التاريخ الحديث بين الغرب والشرق؛ فللأول منهما نظرة تدرك الجزئيات العابرة لتكون ~~منها علما، فتدرك هذه اللمعة من الضوء تجيء وتذهب، وهذا اللون القرمزي من الزهرة ~~يظهر ويختفي، وهذا الصوت يطرق الأذن ثم يفنى؛ وللثاني منهما نظرة أخرى، نظرة تلتمس ~~شيئا لا يتحقق في هذه اللمعة وحدها، ولا في هذا اللون القرمزي وحده، ولا في ذلك الصوت ~~المسموع، ولكنه يتحقق فيها جميعا على حد سواء، الأول منهما يهزأ من زميله الملغز ~~الحالم، وكذلك يهزأ الثاني من زميله الأول لتفاهة إدراكه، ولغروره الصبياني الذي يرضى ~~ويقنع بالعوابر الزائلات. ألا إن سر الشرق وروحه - أو إن شئت فقل: إن سر ~~الفن وروحه - هو في الغوص وراء هذه الجزئيات العابرة كأنها الموجات الصغار تضطرب على سطح ~~المحيط. # فليس الخلود وليس الدوام وليس السكون إلا للجوهر الذي تكون تلك الحالات الظاهرة ~~الطارئة حالاته، وسبيل إدراك الجوهر الخالد هو الحدس النافذ، هو حدس المتصوف وبصيرة ~~الفنان، وإنها لنظرة تنتهي بصاحبها إلى الاعتقاد الجازم بفناء الجوانب الحسية الزائلة ~~من شخص الإنسان ومن الطبيعة على السواء؛ فكل صفة لأي كائن تعلم عنها أنها صفة خاصة ~~بهذه اللحظة من حياة ذلك الكائن، أو خاصة بهذا الظرف المعين الذي يحيط به، هي صفة ~~زائلة وإدراكها لذاتها لا يعني شيئا، ولا يغني عن الحق شيئا، والمهم هو أن ندركها ~~لنستشف وراءها جوهرا لا يقتصر وجوده على هذه اللحظة المعينة، ولا على هذا الظرف ~~الموقوت، وهو الجوهر الذي لا تعرف طبيعته تمايزا ولا تباينا بين أجزائه؛ لأنه ~~متجانس متصل لا تجزئة فيه ولا كثرة ولا تعدد، هذا الجوهر الذي يتبدى من ~~الأشياء ألوانا وأشكالا، هو وحده الذي يفلت من قبضة الموت، هو وحده الباقي، هو «وجه ربك» ~~الذي يبقى بعد أن تفنى الأرض وما عليها. # هذا هو الشرق وطريقة إدراكه للوجود والموجود، وهو يرتب على هذا المبدأ فلسفته في ~~الحياة؛ فيستحيل - مثلا - على شرقي أن يجعل مثله الأعلى في الأخلاق متعة الجسد؛ ms33 لأن ~~متعة الجسد بطبيعتها صائرة إلى زوال سريع. والعبرة هنا «بالمثل الأعلى» لا بطرائق ~~العيش الفعلية، فقد يحدث للشرقي أن يغوص في المتعة الجسدية إلى أذنيه، لكنه يحس في ضميره ~~أنه ضال عن جادة الطريق، على حين قد تجد في الغرب فلسفات أخلاقية بأسرها - كفلسفة ~~«بنتام» و«مل» - تجعل المنفعة والمتعة مبدأ خلقيا صريحا، ولو كانت المتعة مما يدوم ~~دواما لا يطرأ عليه التغير والتحول - كما هي الحال في جنة الفردوس - لما كان فيها ~~عند الشرقي من بأس، لكنها في هذه الدنيا متغيرة متحولة، شأنها شأن سائر الظواهر ~~الجزئية الفردية العابرة؛ ولذلك ازدراها الشرقي في مثله العليا وغض عنها ~~البصر. # | الفصل التاسع # تلتقي ديانات الشرق الأقصى كلها في وجهة نظر واحدة، مؤداها هو هذا الذي أسلفناه؛ ~~فللكون روح واحد أزلي أبدي، تنبثق منه هذه الكائنات الأفراد لتقيم على السطح الظاهر ~~حينا ثم تعود فتندمج - كما كانت - في ذلك الروح الواحد الخالد، وإن هذه الكائنات التي ~~تمر كأنها الظلال لهي من التنوع والكثرة بحيث يجوز لنا أن نتصور الجوهر الكوني ~~أما ولودا، ما تنفك تخرج من جوفها ألوف الألوف من الصور، ثم لا تلبث أن ~~تعيد ما أخرجته إلى جوفها من جديد؛ إنها تخرج الفضيلة والرذيلة معا، والجمال ~~والقبح، والتقوى والفجور، من جوفها يخرج الغضب والجشع والفتك والإجرام، ومن جوفها كذلك ~~يخرج صفاء القديسين ونقاء الأطهار، لكن جانب الفضيلة هذا إنما يخرج ليكون صورة ~~معبرة عن روح العالم وهو في سكونه وصمته؛ لأن السكينة والصمت هما من الكون جانبه ~~الأبدي الذي لا تفسده العواطف والانفعالات والكدح العابث المغرور. # وروح العالم إذ يعبر عن نفسه في كلتا الصورتين: صورة الطمع والجشع والتناحر ~~والقتال، وصورة العفة والترفع والسكينة والصمت والتأمل؛ إنما يهيئ للإنسان ~~بذلك سبيلا لتحقيق حريته بمعناها الصحيح، فليست الحرية الحقيقية هي أن تقر الكائن ~~البشري كما هو برغباته وشهواته، ثم تضع في يديه وسائل العلم ليستغلها في استخدام ~~الطبيعة لصالحه، بل الحرية بمعناها الصحيح هي في اندماج الإنسان بروحه في روح العالم ms34 ~~ليصبح جزءا من مصدر الإمكانات التي بوسعها أن تكون أي شيء على وجه التعين والتحديد؛ ~~الحرية بمعناها الصحيح هي أن تخرج عن كيانك هذا الجزئي الفردي الذي تحددت صفاته ~~وخصائصه، ودخل في نطاق الأشياء التي تحققت بالفعل، ولم يعد في حدود المستطاع أن ~~يصيبها تبدل وتغير وحذف وإضافة؛ الحرية الصحيحة هي أن تخرج من كيانك الفردي ~~المفروغ من صياغته على نحو محدد معلوم، لتدخل في نطاق اللامحدود واللامتعين، فتصبح ~~جزءا من الأم الولود التي تلد صنوف الكائنات، فتتجدد لك حرية الاختيار في أن تكون ~~شيئا لم يتم بعد صياغته. # كثيرا ما يتهم الغربيون أهل الشرق بأنهم قد فرضوا على أنفسهم الأغلال التي تحد من ~~حريتهم، باعتقادهم في القدر المحدد المرسوم، مع أننا لو تعقبنا النظرة العلمية ~~الغربية والنظرة الشرقية الصوفية إلى أصولهما، لتبين أن مغلول الحرية هو صاحب ~~النظرة الأولى، أليس العلم عند أصحاب النظرة العلمية منتهيا بهم إلى معرفة العالم معرفة ~~كاملة؟ وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يكون معنى هذا هو أن العالم قد خرج كله إلى دنيا ~~التحقق الفعلي، فتحددت صفاته وخصائصه، وما علينا بعد ذلك إلا أن نرفع النقاب عن هذه ~~الخصائص والصفات لنحيط بكل شيء علما؟ أين إذن تكون الحرية في تغيير ما هو كائن بالفعل؟ ~~وأما وجهة النظر الأخرى فهي - على خلاف ذلك - ترى إمكان أن يعود الأفراد إلى الانغماس في ~~المصدر اللامحدود اللامتعين، وإمكان أن يصدر عن هذا المصدر سيل آخر من الكائنات التي ~~لا سبيل إلى تحديد صفاتها قبل صدورها؛ وإذن فهنالك الاحتمال دائما بأن ينشأ عن الجوهر ~~الكوني مخلوق جديد مبتكر. وكما أن الكون كله فيه هذان الجانبان: جانب المصدر المبدع ~~الخلاق في خلوده وثباته، وجانب المخلوقات الجزئية التي تم تكوينها على صور معلومة، ~~فكذلك في الإنسان الواحد هذان الجانبان: ففيه جانب سلوكي جزئي هو هذه الحياة العملية التي ~~يحياها ويسعى فيها نحو تحقيق رغباته وشهواته وآماله، وجانب السكون والصمت والتأمل، ولو ~~استطاع الإنسان أن ينجو من تيار الحياة العملية المضطربة ليخلد ms35 إلى ذات نفسه في سكينة ~~وتأمل، لاستطاع أن يحقق لنفسه الحرية بمعناها القويم. # هذه وجهة للنظر تجعل الإنسانية والطبيعة كلتيهما تسيران في طريق مفتوح قابل ~~للتغير الذي قد تقتضيه الحكمة، وأما أن ننظر إلى العالم وكأنما هو شيء قد كمل ~~واكتمل على قوانين معينة لا سبيل إلى تبديلها، فهو بمثابة أن نضع الغل في أيدينا؛ فقد ~~يستقل المسافر الغربي في مدينة شرقية سيارة ساعة معينة، حاسبا حسابه بأنه سيبلغ جهته ~~المقصودة في كذا من الدقائق، وكم تكون دهشته حين يسأل السائق الشرقي: ألا تكفينا عشر ~~دقائق لنقطع المسافة إلى المكان الفلاني؟ فيجيبه السائق الشرقي بما معناه: ~~«إن شاء الله.» لأن الشرقي في صميمه يحس أن مجرى الأمور معرض للتغير، ولا يدعي حسابه ~~حسابا دقيقا إلا جاهل؛ فأي هاتين النظرتين تتمشى مع الحرية الحقيقة وأيهما تناقضها؟ ~~أيكون الغربي مؤمنا بالحرية الكونية حين يزعم أن الأمور دقيقها وجليلها قد رسمت رسما ~~لا سبيل إلى تغييره وتحويره؟ أم يكون الشرقي مؤمنا بالقدر المغلق المقفل حين يتصور أن ~~الأمور تحتمل أن تجري على غير ما حسب لها الحاسبون؟ ... الفرق بين الرجلين هو هذا: رجل ~~يعطي الحرية للإنسان الفرد ويسلبها من الكون في مجموعه، وآخر يعطي الحرية للكون في ~~مجموعه بما فيه الإنسان نفسه باعتباره جزءا منه، ويسلبها من الإنسان الفرد من حيث هو ~~فرد منعزل مستقل عن الكون العظيم. # ومن فلاسفة الغرب من يذهبون مذهبا قريب الشبه بهذه الفلسفة الشرقية، وعلى رأسهم ~~«سبينوزا» بمذهبه المعروف، الذي يأخذ فيه بأن في الكون حقيقة شاملة يسميها «جوهرا»، ~~وهذا الجوهر أزلي أبدي ثابت، يتبدى في هذه الأشياء الكثيرة التي تقع لنا تحت الحس، وهي ~~كلها أعراض زائلة فانية؛ فأنت وجسدك وعشيرتك ونوعك الإنساني وأرضك التي تعيش عليها إن ~~هي إلا أعراض زائلة، تنم عن حقيقة خالدة كامنة فيها، فقد يزول الشيء الجزئي ويفنى، ~~وأما الحقيقة التي تتمثل فيه فباقية لا تخضع لزوال أو فناء. # ومن رأيه أن للطبيعة الكبرى مظهرين: فهي طابعة من ناحية ومنطبعة من ناحية ms36 أخرى؛ ~~أي أنها فعالة منشئة خالقة من ناحية، وهي منفعلة مخلوقة من ناحية أخرى؛ فأما هذا ~~الجانب المنفعل المنطبع المخلوق فهو الدنيا وما تحوي من غابات وهواء وماء وجبال وحقول ~~وسائر الأشياء الحسية التي لا تقع تحت الحصر، فهي كلها أشياء من إنتاج الجانب الطابع الفعال ~~المنشئ الخلاق؛ وهكذا تجد في الكون قوة تخلق وهي «الجوهر»، وأشياء مخلوقة وهي ~~«الأعراض»، فإذا سألت عن الإنسان حرا أو مقيدا؟ أجبناك بأنه الاثنان معا من ~~وجهتين للنظر مختلفتين، فهو حر إذا اعتبرته جزءا من الكون الطابع الفعال، وهو لا شك ~~جزء منه؛ لأنه ليس خارجه ولا مفارقا له، ولكنه أيضا مقيد إذا اعتبرته أحد الأعراض ~~التي جاءت نتيجة محتومة للجوهر الكوني؛ إذ لا سبيل أمام هذه الأعراض المنطبعة ~~المنفعلة المخلوقة إلا أن تسيرها في مجراها المرسوم. # وكذلك هناك شبه قوي بين فلسفة «شوبنهور» وبين هذه الفلسفة الشرقية، حتى لقد قيل إن ~~«شوبنهور» قد استقى فلسفته من هذا المصدر الشرقي الزاخر؛ فمما يقوله «شوبنهور»: «إن ~~الأحياء كافة أجزاء من حقيقة واحدة، ولكن وجودها الفردي في زمان ومكان يظهرها بمظهر ~~الكائنات المنفصلة؛ فالزمان والمكان هما أصل الانفصال الفردي الذي تنقسم به الحياة إلى ~~كائنات عضوية متميزة تبدو كأنها أشتات متفرقة في أمكنة مختلفة، وفي فترات من الزمان ~~متباعدة، فليس الزمان والمكان إلا نقابا وهميا يخفي عن أعيننا اتحاد الأشياء، ~~والواقع أن ليس هناك إلا نوع واحد وإلا حياة واحدة؛ ومهمة الفلسفة عنده هي أن توضح ~~للإنسان في جلاء أن ليس الفرد إلا الظاهرة لحقيقة وراءها، لا الحقيقة في ذاتها، وأن ~~تبين له أن ثمة صورة دائمة ثابتة نراها من خلال التغير المتصل في دنيا الجزئيات ~~والأفراد.» # يقول «شوبنهور»: «إن من لا يستطيع أن ينظر إلى الأحياء والأشياء جميعا وفي كل عصور ~~التاريخ بحيث يراها أشباحا وأوهاما، فليست لديه ملكة الفلسفة ... إن فلسفة التاريخ ~~الصحيحة هي إدراكنا لوجود ثابت لا يتغير، وإن بدا كما تراه متغيرا تغيرا لا ~~نهاية له في الحوادث المتشابكة ؛ فهو يتابع اليوم ms37 نفس الأغراض التي كان بالأمس ~~ينشدها، والتي سيظل ينشدها إلى الأبد، فعلى فيلسوف التاريخ أن يتعرف - بناء على ~~هذا - تلك الصفة الواحدة في كل الحوادث ... وعليه أن يرى أن الإنسانية هي هي في كل ~~مكان، على الرغم مما توجبه الظروف الخاصة من أوجه الخلاف في العادات والأخلاق ~~والأزياء.» # | الفصل العاشر # وما دمنا بسبيل مقارنات سريعة بين الفلسفة الشرقية وبعض فلسفات الغرب، فلا بد أن نقف ~~وقفة عند مقارنة كثيرا ما تتردد على أقلام الكتاب، وهي المقارنة بين «بوذا» من ~~ناحية و«هيوم» من ناحية أخرى؛ إذ إن كليهما يتفقان في نقطة رئيسية هامة، وهي تفكك ~~مجرى المعرفة إلى حالات مفردة متتابعة. # ففي الحق إن هناك شبها قويا بين خطوتين من خطوات التفكير في كلتا الحالتين؛ فمن ~~ناحية نرى «بوذا» (حوالي 600ق.م) قد أعلن عن رأيه المعين في المعرفة، ثم جاء تلاميذه ~~فأخرجوا النتيجة المنطقية التي تترتب على هذا الرأي مما لم يفصح عنه «بوذا» نفسه؛ ومن ~~ناحية أخرى نرى «باركلي» الفيلسوف الإنجليزي في القرن الثامن عشر (1685-1753) قد أبدى كذلك ~~رأيه المعين في المعرفة، الذي هو شبيه برأي «بوذا»، ثم جاء من بعده «هيوم» في الفلسفة ~~الإنجليزية (1711-1776) فأخرج من الرأي نتائجه المنطقية كما قد فعل تلاميذ «بوذا»، بحيث ~~انتهى الأمر في الحالتين إلى نقطة واحدة وقفت عندها الفلسفة الإنجليزية، لكن الفلسفة ~~الشرقية مضت في السير بعدها، فكان في هذا المضي موضع الخلاف بين فلاسفة الغرب ~~وفلاسفة الشرق. # في كلتا الحالتين - «بوذا» ومن بعده الأتباع يكملونه، و«باركلي» ومن بعده «هيوم» ~~يتممه - يبدأ البادئ بقوله: إن حقيقة الشيء المدرك هي كيفية وقوعه على الذات ~~المدركة، فحقيقة هذه الشجرة التي أنظر إليها هي انطباعها على عيني، وحقيقة القلم الذي ~~أحسه الآن بين أصابعي هي ضغطته على أصابعي مضافة إلى انطباع صورته اللونية على ~~عيني؛ وهكذا حقائق الأشياء هي نفسها معطياتها الحسية المباشرة؛ وإذن فما لم يكن ~~هنالك ذات تدرك فلن يكون هنالك شيء يدرك، هذا إلى أنه ما دامت الحاسة - كالبصر ~~واللمس - لا ms38 تدرك إلا شيئا جزئيا معينا حاضرا ماثلا أمامها الآن، فكل إدراكاتنا ~~إذن هي من قبيل الجزئيات، وما المدرك الكلي العام (مثل قولي «شجرة» و«قلم» على ~~إطلاقهما) إلا إحدى الجزئيات التي أدركتها الحاسة فيما مضى، جعلناها ممثلة ~~لبقية أفراد نوعها، كما يمثل مثلث واحد مثلا بقية المثلثات ... هكذا يقول «باركلي»، ~~فيجيء من بعده «هيوم» ليطبق المنطق نفسه على الذات المدركة، فإذا هي وهم ليس ~~له وجود؛ لأنه ما دام الإدراك لا يكون إلا لجزئيات حسية معينة، من لمعات الضوء التي ~~تنطبع بها العين إلى نبرات الصوت التي تنطبع بها الأذن، ثم لما كانت «الذات» التي ~~نفرض وجودها ونزعم لها أنها هي التي تدرك تلك الجزئيات المتتابعة دون أن تكون هي ~~نفسها واحدة منها، أقول إنه لما كانت «الذات» ليست انطباعا جزئيا من بين شتى ~~الانطباعات التي تتعاقب مع تعاقب اللحظات؛ إذن فليست «الذات» موجودة بين الموجودات التي ~~يمكن للإنسان معرفتها؛ لأن كل ما لدى الإنسان من معرفة هو خرزات مفردات من انطباعات ~~تنطبع بها هذه الحاسة أو تلك، وأما «الذات» التي هي بمثابة الخيط الذي يربط الخرزات ~~في عقد واحد، فلا وجود لها ... هكذا تطور الرأي من «باركلي» الذي جعل الشيء المادي ~~المعين - كهذه الشجرة مثلا - مجرد إدراك الذات له، ولا حقيقة له غير ذاك؛ إلى «هيوم» ~~الذي مضى بالرأي إلى نتيجته، وهي أن الذات المزعومة نفسها - بناء على الأساس نفسه - ~~وهم ليس له وجود. وهكذا أيضا كان تتابع الرأي بين «بوذا» وأتباعه؛ ف «بوذا» يذهب إلى ~~أن حقيقة كل موجود هي وقع ذلك الموجود على الذات المدركة له، ثم يجيء شراحه ~~فينفون وجود الذات على الأساس نفسه الذي انتفت به الحقائق المادية الخارجية. ~~«بوذا» في الشرق و«باركلي» في الغرب، كلاهما قد جعل الحقيقة ذاتية، فليس لشيء - كائنا ~~ما كان - وجود إلا بمقدار إدراكنا الذاتي له؛ وبهذا فلا عالم إلا ما تدركه ذات ~~الإنسان؛ وهكذا تتبخر الحقائق المادية الصلبة فتصبح لا شيء سوى حالات عقلية ذاتية عند ~~الإنسان المدرك، وأتباع «بوذا» ms39 في الشرق و«هيوم» في الغرب كلاهما قد انتزعا نفس النتيجة ~~من نفس المقدمة، والنتيجة هي أنه إذا لم يكن ثمة وجود لشيء إلا إذا انطبعت به ~~الذات، ثم إذا كانت الذات ليست من بين ما ننطبع به؛ إذن فهي اسم على غير مسمى، فلا ~~موضوع في الخارج ولا ذات في الداخل، وكل ما هنالك هو انطباعات فرادى تتتابع واحدة ~~في إثر واحدة. # إلى هذا الحد يسير المذهبان: الشرقي والغربي، في طريق واحدة من النفي والإنكار، لكن ~~الفلسفة الشرقية تمضي في طريق الإنكار والنفي خطوة أخرى لتبلغ المنتهى. وها أنا ذا ~~أوضح للقارئ خطوات هذا النفي واحدة بعد واحدة، كما قد سارت فيها الفلسفة البوذية، بل ~~الفلسفة الشرقية كلها: # هبني واقفا في زمالة فيلسوف شرقي أمام شجرة معينة، ثم سألني الزميل الفيلسوف: ماذا ~~ترى؟ فأجبته بما يوحي إلي به إدراك السليقة الفطرية، قائلا: أرى شجرة قائمة خارج ~~كياني، وهي قائمة هناك سواء أكنت أنا شاخصا إليها ببصري أم لم أكن؟ ها هنا يخطو بي ~~الفيلسوف أول خطوة في طريق النفي والإنكار، قائلا: لا، ليست الشجرة قائمة خارج ذاتك؛ إذ ~~كيف يتاح لك أن تخرج من إهابك وتنسلخ من جلدك وحواسك لتتحقق من وجودها أو عدم وجودها ~~خارج نفسك؟ إن كل ما تعلمه هو أن لديك انطباعا ذاتيا بصورتها، ولا حيلة لك بعد هذا في ~~معرفة إن كان لهذه الصورة الذاتية أصل خارجي أو لم يكن، وبهذا الإنكار ضاع الوجود المادي ~~للشجرة وباتت عدما، وتحولت إلى وجود ذاتي صرف. # ثم يخطو بي الفيلسوف خطوة ثانية، فيسألني: ماذا عندك الآن؟ وأجيبه: عندي ذات مدركة ~~وعليها انطباع لصورة شجرة. فيردني عن هذا قائلا: هل أدركت فيما أدركت «ذاتا» قائمة ~~بنفسها كأنما هي موجود مستقل ذو كيان خاص؟ فأجيبه: كلا، لم أدرك مثل هذه الذات. فيقول: ~~إذن فلا وجود لذات قائمة بنفسها في كيانك، فليس في وسعك أن تجاوز حدود مدركاتك ~~الجزئية التي تشغل انتباهك واحدة بعد واحدة في لحظات الزمن المتعاقبة، لترى إن كان ms40 ~~وراءها «ذات» تمسك بها وتعيها أو لم يكن؟ فكل محصولك هو خواطر وانطباعات، وبهذا ~~يضيع الوجود المستقل للذات، ويصبح الموجود كله حالات عقلية أو حالات نفسية أو ذاتية ~~مفككة فرادى. # إلى هنا ينتهي شوط الإنكار والنفي عند فلاسفة الغرب («باركلي» و«هيوم»)، ومن هنا تبدأ ~~مرحلة جديدة من النفي عند «بوذا» وأتباعه، فماذا لو جردت نفسي من هذه الإدراكات الجزئية ~~نفسها؟ إنها عابرة وإنها زائلة؛ فهذه لمعة من الضوء تظهر وتختفي، وهذه نبرة من الصوت ~~تسمع ثم تزول، وتلك لمسة بالأصابع تحس ثم تفنى، فلننفضها جميعا، لننفض ~~هذه الموجات الصغيرة التي يضطرب بها السطح ثم ننظر فيما يبقى ... إنه لا شيء، إنه لعدم، ~~إنه «النرفانا». هكذا يمضي البوذي في نفيه، وها هنا يقف الغربي مشدوها كأنما هذا ~~«العدم» الذي انتهينا إليه، ليس نتيجة تلزم عن كل تأمل يبدأ بالتجريد ثم يمضي في شوطه ~~حتى نهايته. # لكن وجه الاختلاف بين الفيلسوف الغربي وزميله الشرقي في هذا، هو أن العدم عند الأول ~~سلبي محض، وأما عند الثاني فهو عدم إيجابي؛ أي أن العدم عنده هو الوجود المجرد، ~~يوصف بصفات سالبة، فتصفه بأنه ليس كذا وليس كيت، ولكنك لا تدري ماذا تقول عنه على سبيل ~~الإيجاب؛ لأنك إن فعلت تورطت في صفات ما هو متحدد متعين؛ وبالتالي جعلت له حدودا ~~وقيودا، وهو ليس كذلك؛ ولهذا كله يرى البوذي استحالة أن يتحدث عنه المتحدث؛ لأن أقل ~~ما يقال عن الحديث أنه كلمات مفككة ذات ترتيب نحوي معين، وفي هذا شيء من القواعد ~~التي تحد وتقيد، وإنما أمر إدراكه متروك للشهود المباشر حيث لا يجدي التعبير ~~اللفظي ولا يفيدنا استدلال عقلي مجرد، إنه الوجود الخالص المتصل الواحد الذي تمارسه ~~ممارسة مباشرة وتذوقه ذوقا مباشرا، ولا يكون ذلك إلا بالفناء فيه؛ وفناء الذات ~~المدركة في الموضوع المدرك هو في الصميم من نظرة الفنان. # | الفصل الحادي عشر # ذلك هو الشرق الأقصى الموحد للوجود بكل ما فيه ومن فيه، توحيدا اهتدى إليه بلمسة ~~وجدانية مباشرة غمست كل شيء في ms41 خضم واحد، تطفو عليه الأفراد آنا ثم تختفي، وقد ~~تعاود الظهور لتختفي مرة أخرى، وهكذا دواليك. ولا تسأل فيلسوف الشرق الأقصى: ما برهانك ~~على ذلك، وأين الحجة والدليل؟ لأنه لا برهان عنده ولا حجة ولا دليل؛ إذ ليست هذه ~~الوسائل وسائله في الإدراك، وهل تسأل المفتون بجمال البحر وروعة الشفق ولألاء ~~النجوم: أين برهانك على فتنتك؟ كلا، فالإدراك الجمالي للأشياء أمر ذاتي مباشر، وإما أن ~~تكون لك العين التي ترى أو لا تكون، وتلك هي بداية المطاف ونهايته على السواء. # ولهذا قال القائلون: إن اليونان هم أول من عرف التاريخ من قوم لهم عقل الفيلسوف ~~المنطقي بالمعنى الدقيق، فلقد يقول فيلسوفهم شيئا يشبه في توحيد الوجود ما يقوله ~~متصوف الشرق الأقصى، لكنه يعطيك ما يظنه الدليل والبرهان على هيئة مقدمات المنطق ~~ونتائجه؛ وهكذا ترى الطرفين المتطرفين: فتأمل حدسي في طرف، وتدليل عقلي في طرف ~~آخر، وهما الطرفان اللذان يشطران الحضارة البشرية - فيما يتوهم بعضهم - شطرين: ~~فحضارة شرقية في ناحية، وحضارة غربية في ناحية أخرى، حتى لقد قيل عن هذين الطرفين ~~المتباعدين إنهما لا يلتقيان ولن يلتقيا في أمة واحدة، أو في رجل واحد. # لكن الطرفين قد اجتمعا في «هذا الشرق الأوسط» العبقري العجيب؛ ففي شخصه اجتمع تأمل ~~المتصوف وتحليل العالم وصناعة العامل، حتى لقد قال «وايتهد» إن حضارة الغرب كلها ~~ترتد إلى أصول ثلاثة: اليونان وفلسطين ومصر؛ فمن اليونان فلسفة، ومن فلسطين دين، ومن مصر ~~علم وصناعة. # ولقد اجتمع كثير من هذه العناصر دفعة واحدة في شوارع الإسكندرية القديمة - كما يقول ~~«إنج» - إذ التقى رجال العلم بأصحاب النظرة الصوفية وأصحاب المهارة العملية في آن ~~معا، وحين انتقل مركز الثقافة من أثينا إلى الإسكندرية لم تكن النقلة تغييرا في ~~المكان وكفى، بل كانت تغييرا في منهج التفكير كذلك، حتى جاز لمؤرخي الفكر أن يفرقوا ~~بين مرحلتين يطلقون عليهما اسمين مختلفين وإن يكونا قريبين، هما «الهلينية» ~~و«الهلنستية»؛ فالكلمة الأولى اسم لفلسفة اليونان الخالصة، والكلمة الثانية اسم لتلك ~~الفلسفة نفسها حين امتزجت في ms42 الإسكندرية - كما يقول «وايتهد» أيضا - بالتراث الديني ~~والتراث العلمي والتراث الصناعي العملي؛ فقد أدى هذا المزيج إلى ضرب من الثقافة، فيه ~~تأمل المتأمل وتحليل العالم؛ فهي إذن ثقافة لها عبقرية الشرق وعبقرية الغرب ~~مجتمعين. # جاءت الأفلاطونية من أثينا إلى الإسكندرية، فانطبعت بالطابع الشرقي الصوفي على يدي ~~«أفلوطين» (ولد سنة 205 ميلادية)، وهو من أبناء أسيوط وتعلم في الإسكندرية؛ فنشأ ما ~~يسمى في تاريخ الفلسفة بالأفلاطونية الجديدة، وقد كان لها بالغ الأثر فيما بعد على ~~فلاسفة المسلمين الذين أطلقوا عليها أحيانا اسم مذهب الإسكندرانيين. # تقول الأفلاطونية الجديدة إن هذا العالم كثير الظواهر دائم التغير، وهو لم يوجد ~~بنفسه بل لا بد له من علة سابقة هي السبب في وجوده، وهذا الذي صدر عنه العالم «واحد» ~~غير متعدد، لا تدركه العقول، وهو أزلي أبدي قائم بنفسه ولا تحده الحدود، ~~خلق الخلق ولم يحل فيما خلق، بل ظل قائما بنفسه على خلقه، ليس هو ذاتا ولا ~~صفة، هو الإرادة المطلقة لا يخرج شيء عن إرادته، هو علة العلل ولا علة له، وهو ~~في كل مكان ولا مكان له، ولما كان الشبه منقطعا بينه وبين الأشياء، لم نستطع أن ~~نصفه إلا بصفات سلبية؛ فهو ليس مادة، وهو ليس حركة، وليس سكونا، وليس هو في زمان ولا ~~مكان، وليس هو صفة لأنه سابق لكل الصفات، ولو أضيفت إليه صفة ما لكان ذلك تشبيها له ~~بشيء من مخلوقاته، وبعبارة أخرى لكان ذلك تحديدا له؛ وهو لا متناه وغير محدود، فلسنا ~~نعلم عن طبيعة هذا «الواحد» شيئا إلا أنه يخالف كل شيء ويسمو على كل شيء. ولأنه فوق ~~العالم ولأنه غير مقيد بحدود، لم يتم خلقه للعالم عن طريق اتصاله المباشر بمخلوقاته؛ ~~لأنه لو اتصل بخلقه اتصالا مباشرا لاقتضى ذلك أن يمسه وأن ينزل إلى مستواه. وكذلك ~~هو «واحد» ومخلوقاته متعددة كثيرة، وخروج الكثرة من هذه الوحدة تحتاج إلى تفسير؛ فلكي ~~يفسر «أفلوطين» عملية الخلق دون أن ينزل بالله الخالق إلى مستوى خلقه، ودون أن يجعل ~~الكثرة ms43 قد خرجت من وحدته، ودون أن يجعل تغير الأشياء وتباينها قد صدر عن حقيقته ~~الواحدة التي لا تغير فيها ولا تباين؛ قال: إن تفكير الله في ذاته وفي كماله قد نشأ ~~عنه فيض، وهذا الفيض هو العالم المخلوق، فكما ينبعث من الشمس ضوءها فكذلك انبعث من ~~الله خلقه إشراقا وفيضا. # ولما كانت الكائنات قد انبثقت على هذا النحو من طبيعة الله دون أن يتحرك هو لها أو ~~يتغير، كانت هذه الكائنات تميل بفطرتها إلى العودة إلى أصلها ومبعثها الذي كانت صدرت ~~عنه؛ ومن ثم فكل كائن يحاول الوصول إليه، أما ذلك المصدر نفسه فمستقر في نفسه ~~مكتف بذاته، على أن هذه الكائنات التي صدرت عن الله تكون سلما نازلا من درجات ~~الكمال؛ فكل شيء أقل كمالا مما فوقه، ويستمر التناقص في الكمال حتى ينعدم الكمال ~~في آخر درجات السلم انعداما تاما، حيث يتلاشى النور في الظلام؛ فأقرب شيء إلى ~~الله هو العقل، وأقرب شيء إلى العقل هو النفس، ولهذه النفس درجات تتناقص كمالا ~~حتى تنتهي آخر الأمر إلى الطبيعة المادية؛ فالأمر كله شبيه - كما قلنا - بانبثاق الضوء ~~من مصدره، كلما بعد عن المصدر ضعف حتى يصير ظلاما، وهذا الظلام في ترتيب الكائنات ~~هو المادة. # فالمادة هي بمثابة الضوء السلبي إذا صح هذا التعبير؛ فهي مصدر التعدد، وهي علة ~~الشر كله لأنها عدم (انعدام الضوء)، والعدم هو أشد درجات النقص، والنقص هو الشر ~~بعينه، وغاية الحياة هي أن تتحرر من ربقة المادة، وأول خطوة لذلك هي التحرر من ~~سلطان الجسم المادي بما فيه من حواس، وبما لهذه الحواس من شهوات، لكن هذه الخطوة الأولى ~~لا تؤدي بصاحبها إلا إلى أدنى مراتب الفضيلة والخير، وتليها خطوة ثانية هي أن يفكر ~~الإنسان ويتأمل، ثم خطوة ثالثة هي أن يسمو الإنسان بنفسه فوق مرتبة التفكير والتأمل ~~ليصل إلى منزلة العلم اللدني أو العلم الذاتي المباشر، وما هذه الخطوات كلها إلا ~~إعداد للدرجة الأخيرة، وهي أن يذوب في الله بالهيام والذهول والغيبوبة والوجد؛ عندئذ ~~تتحد ms44 النفس بالله الواحد، فلا يقال عن الإنسان في هذه الدرجة إنه يفكر في الله، أو ~~إنه ينظر إلى الله؛ لأن كل هذه العبارات تدل على الانفصال أو على وجود شيئين، إنما يتحد ~~بالله اتحادا تاما، ويفنى في ذاته فناء كاملا، وهي الحالة التي عبر عنها ~~«الحلاج» - المتصوف المسلم - بقوله: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # نحن روحان حللنا بدنا # فإذا أبصرتني أبصرته # وإذا أبصرته أبصرتنا # وهل بنا حاجة إلى القول بأن هذا الشرق الأوسط في روحانيته، منذ أقدم عصوره، هو الذي ~~اختاره الله ليكون مهبط وحيه إلى موسى وعيسى ومحمد # صلى الله عليه وسلم ~~؟ فلئن كان عرف ~~الكتاب في الغرب قد جرى على تسمية الحضارة الغربية باسم الحضارة المسيحية آنا، والحضارة ~~المسيحية اليهودية آنا آخر، فمن أين جاءتهم الديانتان؟ إنهما جاءتا من مهدهما ~~ومهبط وحيهما؛ الشرق الأوسط. وأقل ما يقال في ذلك هو أنه إن كان من خصائص العقيدتين أن ~~تطبعا العقل بطابع معين في الفكر والعمل، فيستحيل أن يكون ذلك الطابع غريبا على ~~أهل الشرق الأوسط الذين تلقوهما وآمنوا بهما قبل أن ينقلوهما إلى بلاد الغرب. # لقد كانت الإسكندرية حامية للمسيحية في قرونها الأولى، وفيها بدأ اللاهوت المسيحي لأول ~~مرة ينسق بين العقيدة من جهة والعقل الفلسفي من جهة أخرى؛ مما رسم الطريق أمام ~~أوروبا المسيحية بعد ذلك طوال العصور الوسطى، وذلك دليل على اجتماع أمرين لأهل هذه ~~البلاد كما زعمنا: القلب والعقل معا، الإيمان والعلم، اللمسة المباشرة ومعها عملية ~~التحليل العقلي، وإنا لنذكر من آباء الكنيسة الإسكندريين رجلا واحدا هو حسبنا ~~دليلا على هذا الذي نقوله، هو «أوريجن» (185-254)، وهو معاصر ل «أفلوطين» الذي أسلفنا لك ~~ذكره منذ حين، وقد بذل «أوريجن» جهدا في تثبيت العقيدة المسيحية عندما كانت لا تزال ~~تتعرض لهجمات المنكرين، ومن أهم ما قاله وأيده بالأدلة هو أن الفلسفة اليونانية ~~القائمة على العقل المنطقي الصرف، والأناجيل القائمة على الإلهام والوحي الصرف، إنما ~~يتطابقان ولا يتعارضان، مما يبين أن العقل والنقل يسيران معا ولا يتناقضان، ms45 ولا يخفى ~~أن هذا هو الأساس الذي قامت عليه فلسفة العصور الوسطى كلها في الشرق الأوسط الإسلامي وفي ~~الغرب المسيحي على السواء؛ إذ أخذ الفلاسفة في كل منهما يحاولون البرهان على أن الوحي ~~الديني ونتاج العقل الفلسفي اليوناني ينتهيان آخر الأمر إلى نتيجة واحدة. # على أن «أوريجن» حين قال ذلك عن الأناجيل، لم يفته أن يؤكد بأن صحة ما قد ورد فيها ~~ليس مترتبا على صدق الفلسفة اليونانية، بل «الإنجيل يحمل برهان نفسه بنفسه، وهو أقدس ~~من أي برهان أقامه فن الجدل اليوناني»؛ وهكذا يتمثل في الرجل الواحد إيمانه ~~بعقيدته واهتداؤه بعقله في آن واحد، وذلك هو ما أقول عنه إنه روح الشرق الأوسط في شتى ~~عصوره. # | الفصل الثاني عشر # سأضع الرأي الذي أعرضه في هذه الرسالة وضعا موجزا واضحا قبل أن أمضي في الحديث: هنالك ~~طرفان من وجهات النظر؛ طرف يتمثل في الشرق الأقصى، مؤداه أن ينظر الإنسان إلى الوجود ~~الكوني نظرة حدسية مباشرة، فإذا الإنسان جزء من الكون العظيم، وهذه نظرة الفنان ~~الخالص؛ وطرف آخر يتمثل في الغرب، مؤداه أن ينظر الإنسان إلى الوجود نظرة عقلية ~~تحلل وتقارن وتستدل، وهذه نظرة العلم الخالص؛ وبين الطرفين وسط يجمع بين ~~الطابعين، وهو الشرق الأوسط، الذي يدل تاريخ ثقافته على مزج بين إيمان البصيرة ~~ومشاهدة البصر، بين خفقة القلب وتحليل العقل، بين الدين والعلم، بين الفن ~~والعمل. # لقد عرض كثير من الكتاب الغربيين للفوارق التي تميز الغربي من الشرقي في تفكيره ~~ووجهة نظره إلى العالم من حوله، لكنني أراهم لا يلتفتون إلى الفارق بين الشرق الأقصى ~~والشرق الأوسط من جهة، والفارق بين الشرق الأوسط والغرب من جهة أخرى، والرأي الذي أعرضه هو ~~أن الفارق الأول هو في أن الشرقين الأقصى والأوسط يتشابهان في النظرة الحدسية - نظرة ~~الفنان - ثم يختلفان في أن الشرق الأوسط يضيف إليها نظرة علمية عملية؛ والفارق الثاني - ~~بين الشرق الأوسط والغرب - هو في أنهما يتشابهان في النظرة العقلية العلمية العملية، ثم ~~يختلفان في أن الشرق الأوسط يضيف إليها ms46 نظرة حدسية. # في هذا الضوء نستطيع أن نرى وجه الخطأ في آراء بعض المستشرقين الذين تصدوا لتحليل ~~العقلية العربية ووصفها، ووجه الخطأ دائما هو أنهم نظروا من جانب واحد إلى عقلية هي ~~بطبيعتها ذات جانبين. # يقول «ليون جوتييه» في كتابه «تمهيد لدراسة الفلسفة الإسلامية» ص66: # يختلف الآريون عن الساميين اختلافا أصيلا في المناشط البشرية كافة، من ~~أدنى الأمور كالطعام والثياب إلى أعلاها كالنظم الاجتماعية والسياسية؛ فالعقل ~~«السامي» ... يترك الأشياء مفرقة ومفككة كما يصادفها، وكل ما يفعله ~~إزاءها هو أن يقفز قفزات مباغتة من شيء إلى شيء بغير ربط ينسقها معا، ~~بما يراه فيها من تدرج؛ على حين أن العقل الآري يركب الأشياء المختلفة ~~تركيبا يعتمد على روابط متدرجة تجعلها وثيقة العرى بعضها مع بعض، حتى ~~ليصبح الانتقال من شيء إلى شيء أمرا طبيعيا. # والانتقال المباغت من جزئية واحدة إلى جزئية أخرى، هو هو بعينه ما يطبع نظرة ~~الفنان إلى ما حوله من أشياء، لو أخذت هذه النظرة من سطحها الظاهر؛ ذلك لأنه لا مندوحة ~~للفنان عن الوقوف أمام هذه الزهرة اليوم وأمام ذلك الغدير غدا، إنه لا مندوحة له في ~~اللحظة الفنية من الفناء في جزئية واحدة هي التي يجعلها مدار نتاجه الفني، على أنه قد ~~يغوص داخل هذه الجزئية الواحدة ليبرز حقيقتها الباطنة إبرازا يبين لصاحب النظرة ~~النقدية النافذة روابط القربى بينها وبين سائر أجزاء الطبيعة من جهة، وبينها وبين ذات ~~الفنان نفسه من جهة أخرى، فإذا كان العقل «السامي» - كما يقول «جوتييه» - يقفز من ~~جزئية إلى جزئية؛ فذلك لأنه فنان، ووجه الخطأ عند «جوتييه» هو أنه حصر النظر في هذا ~~الجانب وحده بحيث فاته الجانب الآخر من عقلية الشرق الأوسط، وهو الجانب العقلي العلمي ~~الذي ظهر في مناهج فلاسفتهم وعلمائهم كما سنذكر في إيجاز بعد قليل. # وكذلك يقول «دنكان ماكدونالد» في كتابه «تطور الفقه ونظرية الحكم عند المسلمين» ~~(ص125-126): # ليست الحياة بأسرها في نظر الساميين إلا موكبا طويلا، يبدأ من المحيط ~~العظيم لينتهي إلى المحيط العظيم مرة أخرى ms47 ... فليس في العالم من حق سوى الله، ~~فمنه نشأنا وإليه نعود، وما على الإنسان إلا أن يخشى الله ويعبده، أما هذه الدنيا ~~فخادعة، تسخر ممن يركنون إليها، تلك هي النغمة السائدة في الفكر ~~الإسلامي، وهي الإيمان الذي يرتد إليه السامي آخر الأمر دائما. # وهذا القول صواب كل الصواب بالنسبة إلى الشرق الأقصى، لكنه صواب بعض الصواب بالنسبة إلى ~~الشرق الأوسط. # وما دمنا بصدد تقسيم الأمم على أساس طبائعها، تقسيما يصيب حينا ويخطئ حينا، فجدير ~~بنا أن نذكر رأيا للشهرستاني لا نراه موفقا فيه كل التوفيق، وذلك حين يقول إن ~~كبار الأمم أربع: العرب والعجم والروم والهند، ثم يزاوج بين أمة وأمة، فيذكر: ~~«أن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير خواص الأشياء، والحكم ~~بأحكام الماهيات والحقائق، واستعمال الأمور الروحانية؛ والروم والعجم يتقاربان على مذهب ~~واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء، والحكم بأحكام الكيفيات ~~والكميات، واستعمال الأمور الجسمانية» (ص3 من الملل والنحل، طبعة ~~ليبتسك). # فها هنا قد وقع الشهرستاني على مميز أصيل يميز بين وجهتين للنظر؛ إحداهما ~~تمس في الأشياء جوهرها الباطن، وأخرى تنظر إليها من صفاتها الظاهرة كيفا وكما، لكنه ~~قد فاته - فيما أعتقد - إمكان التقاء النظرتين في أمة واحدة، ولو قسمنا الأمم الأربع ~~التي ذكرها في الفقرة السابقة بناء على الرأي الذي بسطه، لجعلنا الهند من القسم ~~الأول، والروم من القسم الثاني، والعرب والعجم بين بين، تجتمع فيهما النظرتان ~~معا. # | الفصل الثالث عشر # إنني أعتقد أن التفكير الفلسفي في أمة من الأمم مفتاح هام لفهم طبيعتها، فليس من ~~المصادفات العارضة أن نرى الفلسفة الفرنسية عقلية، والفلسفة الإنجليزية تجريبية ~~حسية، والفلسفة الألمانية ميتافيزيقية مثالية، والفلسفة الأمريكية براجماتية عملية ~~... فماذا نرى في الفلسفة الإسلامية مما يدلنا على طابع الشرق الأوسط؟ # نرى المشكلات المعروضة للبحث هي مشكلات دينية، لكن طريق معالجتها طريقة عقلية منطقية، ~~فلا فرق إطلاقا بين فلاسفة الشرق الإسلامي من جهة وفلاسفة الغرب المسيحي (في العصور ~~الوسطى) من جهة أخرى، لا في نوع المشكلات ولا في ms48 منهج البحث، اللهم إلا أن الفريق الأول ~~مسلم يختار مشكلاته من العقيدة الإسلامية، والفريق الثاني مسيحي يختار مشكلاته من ~~العقيدة المسيحية، لكن كل فريق من الفريقين يلتمس للعقيدة أساسا من العقل، مستعينا في ~~ذلك بأدوات من الفلسفة اليونانية، وبالمنطق الأرسطي على وجه الخصوص. # فهؤلاء هم المعتزلة من فرق المتكلمين: فريق يصطنع منهج العقل في تأويل ما أرادوا ~~تأويله من مسائل العقيدة، فافرض مثلا أن المسألة المطروحة للبحث هي حرية إرادة الإنسان ~~التي معناها أن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله ولذلك فهو مسئول عنها، ففي استطاعته أن يفعلها ~~وأن يتركها حينما يشاء، فكيف كانوا يقيمون الدليل العقلي على هذه الحرية الإنسانية التي ~~آمنوا بها؟ إنك لتراهم ينهجون في ذلك النهج الذي يضع المقدمات ويستدل النتائج، وهو ~~نهج العقل والعلم، فيقولون: إن سلوك الإنسان في حياته ليس كله من صنف واحد؛ فهنالك حركات ~~للجسد نشعر فيها بأننا مضطرون إليها، وأخرى نشعر فيها بأن زمامها في أيدينا، فمن النوع ~~الأول حركة المرتعش من البرد مثلا، ومن النوع الثاني حركة من يرفع ذراعه ليؤدي بها ~~عملا يريده، فلو كان الإنسان مجبرا لا سلطان له على مسلكه لما كان هذا الفرق بين ~~النوعين من السلوك، هذا إلى أنه لو لم يكن الإنسان خالق أفعاله الإرادية، لما كلفه ~~الله أن يعمل كذا ويترك كذا من الأعمال، ولما كان هناك معنى للثواب والعقاب، بل لما ~~كان هناك أية فائدة في إرسال الأنبياء لإصلاح الناس؛ إذ كيف يصلحون الناس إذا كان الناس ~~لا يملكون من أمرهم شيئا؟ وإذا كان الله هو الذي خلق للإنسان أفعاله، فكيف يغضب من بعض ~~ما خلق؟ # فانظر إلى مثل هذا الحجاج وقارنه بنوع الكتابة الواردة في أسفار الشرق الأقصى، تجد ~~منطقا عقليا في الأول، وعبارة وجدانية في الثانية، فإذا تذكرنا أن المسألة ~~المعروضة هي مسألة دينية أقرها الإنسان بوجدانه أولا، ثم جاء المعتزلة فأيدوها ~~بالبرهان؛ جاز لنا أن نقول إن الوجدان والعقل في مثل هذا يجتمعان. # وهؤلاء هم فريق «الفلاسفة » المسلمين، تقرأ لهم ms49 فترى منهجا عقليا منطقيا كهذا الذي ~~رأيته عند المعتزلة، فانظر إلى الكندي مثلا يشرح العقل الإنساني وقواه، فيحلله ~~تحليلا منطقيا ويقول إن له درجات أربعا: ثلاث منها فطرية في النفس ولا تكون النفس ~~نفسا إلا بها، وأما الرابعة فقد جاءت إليها من خارج، وهي مستقلة عنها وتستطيع أن تفارقها ~~لتقوم بذاتها، ومن ثلاث القوى الفطرية واحدة موجودة بالقوة كما يوجد فن الكتابة عند من ~~تعلم كيف يكتب، وثانية تخرج ما كان موجودا بالقوة ليكون موجودا بالفعل، كما يخرج ~~الكاتب فن الكتابة من حالة الكمون إلى حالة الظهور حين يكتب شيئا معينا، وثالثة هي ~~الذكاء المتضمن في عملية الإخراج السالفة، وأما العقل الذي يأتي إلى الإنسان من خارج ~~نفسه فهو هبة من الله يفيضها على الإنسان، وهو وإن حرك الجسد فليس جزءا منه، أعني ~~أنه لا يعتمد في علمه على تحصيل الحواس. # أو انظر إليه وهو يحلل الحركة إلى ستة أنواع: اثنتان تكونان في المادة نفسها، فهي ~~إما حركة تسير بالمادة نحو التكوين والإنشاء، وإما حركة تسير بها نحو التحلل ~~والفساد؛ واثنتان تكونان في كمية الشيء، فهي إما حركة تسير به نحو الزيادة، وإما ~~حركة تسير به نحو النقصان؛ وحركة خامسة تطرأ على كيفيات الشيء حين تغير صفاته فيكون ~~أصفر بعد أن كان أخضر مثلا؛ وسادسة تطرأ على وضع الشيء فيكون هنا الآن ثم يصبح هناك، ~~والزمان عنده هو حقيقة متصلة بالحركة، فلولا حركة الأجرام والأجسام لما استطعنا أن ~~نقول عن شيء إنه بعد كذا أو قبل كذا من الأشياء ... وأما المكان فهو السطح الملامس ~~لجسم ما، فإذا أزيح الجسم لم يبطل المكان؛ لأن المكان الذي سيمتلئ في الحال بجسم ~~آخر كهواء أو ماء، يكون له نفس السطح الملامس الذي كان يحيط بالجسم الأول، أي أن المكان ~~ليس في ذاته جسما، ولكنه السطح الذي يمس ظاهر الجسم ويحيط به. # فماذا ترى في مثل هذا التحليل؟ أتراه دالا على نظرة عقلية منطقية تحليلية، أم تراه ~~تعبيرا فيه اللمسة الجمالية وحدها؟ # ثم انظر ms50 إلى الفارابي كيف كان يتناول مسائله، انظر إليه مثلا يقيم البرهان ~~المنطقي على وجود الله فيقول: إن كل موجود جاء بعد أن لم يكن لا بد أن يكون قد سبقته ~~علة هي التي سببت وجوده، وهذه العلة لا بد أن تكون بدورها نتيجة لسبب سابق لها، ~~وهكذا حتى تصل إلى علة أولى لم تسبقها علة أخرى، لكنها هي التي سببت نفسها؛ إذ ~~بغير هذا الفرض سنظل ننسب كل علة إلى أخرى سابقة لها إلى ما لا نهاية، وهذا ~~التسلسل في العلل إلى غير نهاية شيء مستحيل على العقل أن يقبله. وهذه العلة ~~الأولى هي الله، ومعرفته هي الغاية من الفلسفة؛ وذلك بديهي لأنك تقصد من الفلسفة أن تفهم ~~الوجود، ولا سبيل إلى هذا الفهم إن لم تعلم علة ظواهره، فإذا عرفت الله معرفة ~~صحيحة، فقد عرفت علة العلل؛ وبذلك تفهم الأشياء. غير أن الله لا يمكن تعريفه؛ لأن ~~تعريف الشيء يكون بذكر الجنس والفصل، أي بذكر جنسه الذي ينتمي إليه، وبذكر الصفة ~~الذاتية التي تفصل النوع الذي تعرفه عن سائر الأنواع التي تدخل معه تحت ذلك الجنس، ~~ولما كان الله لا يقع تحت جنس، وليس هو نوعا من الأنواع حتى نذكر الصفة التي تفصله عن ~~تلك الأنواع التي تقع معه في مرتبة واحدة، فليس يمكن تعريفه؛ فكيف إذن نعرفه إذا لم ~~نستطع تعريفه؟ نعرفه بصفاته: فهو واحد، وهو كامل، وهو قادر ... إلى آخر الصفات التي ~~تصفه تعالى. # فالوجود ضربان: وجود واجب، أي أنه لا يمكن في حكم العقل ألا يكون؛ ووجود ممكن، ~~أي أن العقل يتصور إمكان وجوده وإمكان عدم وجوده. والله واجب الوجود؛ لأن العقل ~~يستحيل أن يتصور سلسلة من العلل بغير علة أولى، وكل شيء آخر غير الله هو ممكن ~~الوجود؛ لأن العقل يتصور وجوده وعدم وجوده على السواء؛ وعلى ذلك تكون الأشياء كلها ~~مفتقرة إلى أسباب تعلل وجودها، والله وحده هو الذي لا سبب لوجوده غير نفسه. # فماذا ترى في مثل هذا السياق؟ أتراه صادرا عن عقل ms51 منطقي، أم تراه تعبيرا عن شعور ~~ووجدان؟ أتراه محكم الحلقات نتائج ومقدمات، أم تراه قفزا من قول إلى قول بغير ~~صلة ولا رباط؟ # هذه لمحات قصار سراع نستشهد بها على أن عقلية الشرق الأوسط لها من الطابع المنطقي ~~ما للعقل الغربي سواء بسواء، يضاف إليها قلب المتدين ووجدان الفنان. # | الفصل الرابع عشر # ذلك أنه إلى جانب الفلسفة الإسلامية القائمة على منطق العقل، ترى جماعة المتصوفة ~~المسلمين يلجئون لمعرفة الحق إلى شيء غير العقل ومنطقه؛ إذ يلجئون إلى الحدس ~~المباشر، أي إنهم يلجئون إلى دمج أنفسهم في الحق دمجا يتيح لهم أن يشهدوه شهودا ~~مباشرا وأن يتذوقوه، وهذه - كما أسلفنا لك القول في مواضع كثيرة - هي نفسها وسيلة ~~الفنان في الإدراك، فهذا هو «ذو النون» المصري المتصوف (توفي 859م) يقول في عبارة ~~صريحة: «إن المعرفة الحقيقية بالله ... ليست من علوم البرهان والنظر، التي هي علوم الحكماء ~~والمتكلمين والبلغاء، ولكنها معرفة صفات الوحدانية التي لأولياء الله خاصة؛ لأنهم هم ~~الذين يشاهدون الله بقلوبهم، فيكشف لهم ما لا يكشفه لغيرهم من عباده.» وكذلك يقول: «المعرفة ~~الحقيقية بالله هي أن ينير الله قلبك بنور المعرفة الخالص ...» «والعارفون بالله فانون عن ~~أنفسهم، لا قوام لهم بذواتهم، وإنما قوامهم من حيث ذواتهم بالله، فهم يتحركون بحركة الله، ~~وينطقون عن الله بما يجريه على ألسنتهم، وينظرون بنور الله في أبصارهم.» وهكذا ترى «ذا ~~النون» - جريا على سنة المتصوفة جميعا - يجعل الإدراك دمجا للذات العارفة في ~~الموضوع المعروف، فلا يكون هنالك إلا حق واحد، فيه اتحد الإنسان بالله؛ إذ تفنى ~~ذاتية الإنسان بزوال صفاته البشرية جميعا، بحيث لا يكون له بعدئذ بقاء إلا بما قد أفنى ~~نفسه فيه من صفات الله؛ وتلك حالة شديدة الشبه بحالة «النرفانا» التي حدثناك عنها حين ~~حدثناك عن الشرق الأقصى، فقلنا إن الفرد الناظر بحدسه المباشر إلى محيطه الكوني، إنما ~~ينمحي فيه انمحاء تاما، فينمحي تبعا لذلك وهمه بأن له وجودا حقيقيا خاصا ~~به. # ولمن شاء كذلك أن يقرأ «تائية» عمر بن الفارض ms52 (ولد بالقاهرة 1182م، وتوفي بها ~~1235م)، التي ترقى إلى أن تكون آية من آيات الأدب الصوفي في العالم كله؛ فهو في هذه ~~القصيدة العصماء يتكلم بلسان الصوفي الذي وصل إلى مقام «الاتحاد»، وفيها يصف فناء ذاته ~~في محبوبه (الذات الإلهية) بأنها حالة تتجرد فيها النفس من رغباتها وميولها وبواعثها، ~~بحيث تتعطل إرادتها وتموت، فإذا ماتت الإرادة أصبحت النفس طوع الإرادة الإلهية ~~تحركها كيف تشاء، وهذا هو حب الله لها، ولكن المحب والمحبوب يكونان شيئا واحدا، ~~فيتحد العابد والمعبود، والعاشق والمعشوق في شخصية واحدة: # كلانا مصل واحد ساجد إلى # حقيقته بالجمع في كل سجدة # وما كان لي صلى سواي ولم تكن # صلاتي لغيري في أدا كل ركعة ~~••• # فلا حي إلا من حياتي حياته # وطوع مرادي كل نفس مريدة # ولا قائل إلا بلفظي محدث # ولا ناظر إلا بناظر مقلتي # ولا منصت إلا بسمعي سامع # ولا باطش إلا بأزلي وشدتي # ولا ناطق غيري ولا ناظر ولا # سميع سوائي من جميع الخليقة # وهكذا عبر ابن الفارض عن الحالة الصوفية «التي يفنى فيها العبد عن صفاته البشرية ~~ليتحقق وجوده بصفات الربوبية.» # ثم اقرأ قولة الحلاج المشهورة «أنا الحق»، التي صاغ بها مذهبه في وحدة الوجود صياغة ~~مختصرة واضحة، فهو يرى أن الإنسان إذا ما طهر نفسه وصفاها بأنواع الرياضة والمجاهدة ~~والزهد، وجد حقيقة الصورة الإلهية التي طبعها الله فيه؛ لأن الله خلق الإنسان على ~~صورته، وهو في ذلك يقول: تجلى الحق لنفسه في الأزل، قبل أن يخلق الخلق، وقبل أن يعلم ~~الخلق، وجرى له في حضرة أحديته مع نفسه حديث لا كلام فيه ولا حروف، وشاهد سبحات ~~ذاته في ذاته، وفي الأزل - حيث كان الحق ولا شيء معه - نظر إلى ذاته فأحبها وأثنى على ~~نفسه، فكان هذا تجليا لذاته في ذاته في صورة المحبة المنزهة عن كل وصف وكل حد، ~~وكانت هذه المحبة علة الوجود والسبب في الكثرة الوجودية، ثم شاء الحق سبحانه أن يرى ~~ذلك الحب الذاتي ماثلا في صورة خارجية يشاهدها ويخاطبها، فنظر ms53 في الأزل، وأخرج من ~~العدم صورة من نفسه لها كل صفاته وأسمائه وهي آدم الذي جعله الله صورته أبد الدهر، ~~ولما خلق الله آدم على هذا النحو عظمه ومجده واختاره لنفسه، وكان من حيث ظهور الحق ~~بصورته فيه وبه هو هو. # ونختم حديثنا عن الجانب الصوفي من الثقافة الإسلامية بكلمة عن أبي حامد الغزالي، الذي ~~كثيرا ما قال المسلمون عنه: «لو كان بعد النبي محمد نبي لكان الغزالي ذلك النبي.» ~~وكلنا يعلم كيف بدا له في سن الصبا أن يترك الأخذ بالعقائد والآراء تقليدا لسواه، ~~وكيف أخذ يبحث عن الطريق الحقيقي لتحصيل العلم اليقيني، فلما أعجزه ذلك وقع في غمرة ~~من الشك، حتى اعتراه المرض إلى أن أنقذه الله من ضلاله، وقذف بنوره في قلبه، فاستعاد ~~قواه، وبدأ يفكر من جديد ويبحث من جديد، فكان أن هداه الله إلى كتب الصوفية فوجد ~~فيها طلبته، كما وجد في طريقتهم سبيلا إلى الحق واليقين. # أخذه الشك فنازعته نفسه وتجاذبته العوامل المختلفة بين أن يضحي بجاهه ~~العريض وشهرته الواسعة - إذ كان أستاذ العلوم الدينية بالمدرسة النظامية ببغداد - ~~وبين أن يخرج عن كل هذا إلى حياة الزهد والعزلة بعدما أيقن أن «نيته في ~~التدريس غير خالصة لوجه الله ... وأن كل ما فيه من العلم والعمل رياء وتخييل»، فأدى به ~~طول التردد وحدة الصراع النفسي إلى المرض، فالتجأ إلى الله، فأجابه الله وسهل على ~~قلبه الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب، فترك بغداد وعاش عيشة العزلة ~~عشر سنوات تعلم في أثنائها التصوف لا عن طريق العلم والكتب فحسب، بل عن طريق ~~العمل أيضا، وأخيرا عاد إلى طوس مسقط رأسه بخراسان، بعد أن استأنف التدريس مدة يسيرة ~~ومات بها عام 1111م. # يحكي لنا الغزالي ذلك عن نفسه في كتابه «المنقذ من الضلال»، وهو في هذا الكتاب يميز بين ~~مرحلتين من مراحل الطريق الذي وصل به إلى الله، أما المرحلة الأولى - وهي مرحلة الكشف ~~الإلهي الذي نجاه الله به من غائلة الشك - فيقول فيها: «فأعضل هذا ms54 الداء ودام قريبا ~~من شهرين، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال، حتى ~~شفى الله تعالى ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضرورات العقلية ~~مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين، ولم يكن كل ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور ~~قذفه الله تعالى في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف؛ فمن ظن أن الكشف ~~موقوف على الأدلة المجردة، فقد ضيق رحمة الله الواسعة.» والجملة الأخيرة من هذا النص ~~هي خلاصة ما نريد أن نجعله علامة مميزة لثقافة الشرق الأوسط كلها، وهي أن ثمة طريقين ~~للإدراك لا طريقا واحدا، أحدهما هو الأدلة العقلية المجردة، وذلك هو أساس العلم، والثاني ~~هو اللمسة الذاتية المباشرة، وذلك هو أساس الإيمان وأساس التصوف وأساس الفن على حد ~~سواء. # وأما المرحلة الثانية من مراحل توبته، ففيها يقول إنه بعد أن استعرض أقوال ~~المتكلمين والفلاسفة: «أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقتهم إنما تتم ~~بعلم وعمل، وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس، والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها ~~الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله، وكان ~~العلم أيسر علي من العمل، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم ... وغير ذلك من ~~كلام مشايخهم، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية، وحصلت ما يمكن أن يحصل من ~~طريقهم بالتعلم والسماع، وظهر لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه ~~بالتعلم، بل بالذوق والحال، وتبدل الصفات، فكم من الفرق بين أن يعلم حد الصحة ~~وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما، وبين أن يكون «الجسم» صحيحا وشبعان، وبين أن يعرف ~~حد السكر وبين أن يكون سكران، بل السكران لا يعرف حد السكر وعلمه وهو سكران وما ~~معه من علمه شيء، والصاحي يعرف حد السكر وأركانه وما معه شيء من السكر ... فعلمت ~~يقينا أنهم (أي الصوفية) أرباب أحوال لا أصحاب أقوال، وأن ما يمكن تحصيله بطريق ~~العلم فقد حصلته، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع وبالعلم، بل بالذوق ms55 والسلوك ~~...» # هذه التفرقة التي وصفها الغزالي وصفا ينبض بالتجربة الوجدانية الحية، بين العلم ~~العقلي بشيء وأن يحيا الإنسان ذلك الشيء حياة حقيقية، هي نفسها التفرقة بين نظرة العالم ~~من جهة ونظرة الفنان من جهة أخرى، وقد تمثلت الأولى على الأغلب في ثقافة الغرب، ~~وتمثلت الثانية على الأغلب في ثقافة الشرق الأقصى، وتجاورت النظرتان في الشرق ~~الأوسط. # | الفصل الخامس عشر # هما إذن نظرتان ينظر الإنسان بأي منهما إلى نفسه وإلى العالم، أو ينظر بكلتيهما، ~~بهذه مرة وبتلك أخرى؛ ذلك أن الإنسان إذ يقف إزاء الحقيقة الخارجية، فإما أن ينظر إليها ~~خلال ذاته فيشبهها بنفسه تشبيها يدمج الطرفين في كائن واحد، وتلك هي وقفة الفنان ~~والمتصوف ومن لف لفهما؛ وإما أن ينظر إليها وكأنه متفرج يتابع ما يجري أمامه على ~~مسرح الحوادث فيصفه وصفا يصلح لنفسه ولغيره من الناس على حد سواء، بل إنه ليشبه ~~نفسه هذه المرة بما يرى بحيث يجعل من نفسه حدثا من الأحداث يلاحظ ويوصف كما تلاحظ ~~سائر الأحداث وتوصف؛ وتلك هي نظرة العالم ومن يجري مجراه في التفكير؛ وثالث الفروض ~~أن يجمع المرء بين النظرتين ليفرق بهما بين أمرين، فإن كان موضوع النظر وجدانا ينبض ~~به قلبه إزاء الكون، نظر إليه بالنظرة الأولى فكان فنانا أو متصوفا، وإن كان موضوع ~~النظر ظواهر الأشياء الخارجية، نظر إليه بالنظرة الثانية فكان عالما أو ذا نزعة علمية، ~~وبديهي أن كل إنسان ينظر بالنظرتين معا حسبما يكون موضوع النظر، لكن أحد الأطراف قد يغلب ~~عند فرد بالقياس إليه عند فرد آخر، فمن الناس من يجعل معظم النظر إلى ذاته ومنها ينتقل ~~إلى سواها ليصبه على غرارها، ومنهم من يجعل معظم النظر إلى عالم الأشياء الخارجية ~~ومنها ينتقل إلى ذاته ليفهمها على نحو ما قد فهم تلك الأشياء، ثم من الناس من يتعادل ~~عنده الطرفان أو يكادان، ولقد زعمنا لك أن النظرة الأولى هي طابع الشرق الأقصى، وأن النظرة ~~الثانية هي طابع الغرب، وأما تآلف النظرتين فهو مميز تميزت به ثقافة الشرق ms56 ~~الأوسط . # ونزيد هذه التفرقة توضيحا فنقول إنه محال على الإنسان - مهما تكن نظرته إلى نفسه وإلى ~~العالم الخارجي - أن يقف عند مدركاته المباشرة كما تأتي مجزأة على لحظات الزمن ~~المتتابعة وموزعة على نقاط المكان المتفرقة، فالعين تتلقى لمعة من الضوء هنا ~~ولمعة من الضوء هناك، والأذن تسمع رنة من الصوت الآن ورنة بعد لحظة، والأصابع تلمس هذا ~~هنا وذلك هناك وهلم جرا؛ فهل نقف عند كل واحدة من تلك الانطباعات كأنما هي حقيقة ~~مستقلة قائمة بذاتها؟ ذلك ما أقول عنه إنه محال على الإنسان أن يقتنع به، وإلا لوجد ~~نفسه أمام خضم هائل من الجزئيات المتفرقات التي لا ينتظمها عقد ولا ينسقها ~~بناء؛ إذن فماذا هو صانع إزاءها، إنه يجاوزها إلى مبدأ أعم يطويها تحت جناحه، وها ~~هنا يكون الاختلاف الأصيل بين نظرة ونظرة، وبين ثقافة وثقافة؛ فمن الناس من ينتهي إلى ~~مبدأ شامل يضم هذه الجزئيات المتفرقة الفرادى، ثم يقول عن ذلك المبدأ إنه هو الحق ~~الثابت الدائم الأزلي الأبدي الخالد. لماذا؟ لأنه يقول إنه قد عاينه معاينة ببصيرته، ~~وشاهده شهودا بوجدانه، ولا سبيل إلى الشك فيما تعاينه على هذا النحو وتشاهده، ~~ولكن من الناس أيضا من ينتهي إلى مبدأ شامل يدرج تحته هذه الجزئيات الحسية ~~المتفرقة، غير أنه لا يدعي لهذا المبدأ سوى أنه فرض يفترضه ويعرضه للتحقيق وإثبات ~~الصدق، بما يشاهده وبما يجريه من تجارب، ووسيلته إلى ذلك هي أن ينتزع من هذا الفرض المفروض ~~نتائجه التي تترتب عليه، ثم يعود إلى عالم المحسات لينظر: هل هذه النتائج صادقة على ~~الواقع أو غير صادقة؟ فإن كانت الأولى ظل محتفظا بالمبدأ الذي افترضه لنفسه ليفسر به ~~الجزئيات المتفرقة، وأما إن كانت الثانية فهو لا يتردد في التنكر لفرضه وإنكاره، ~~ليحل محله مبدأ آخر يفترضه لتفسير وقائع العالم المحسوس كما تقع لبصره وسمعه؛ ~~ولهذا تجد تاريخ المعرفة عند هذا الفريق الثاني متغيرا متبدلا، يفرغ من مرحلة ~~ليبدأ في سيره مرحلة جديدة؛ لأنه يرفض مبدأ كان قد افترضه ثم ثبت ms57 له بطلانه فنبذه ~~ليفرض مبدأ آخر، على حين تجد تاريخ المعرفة عند الفريق الأول على كثير جدا من الثبات ~~والدوام، وفيم يكون التغير إذا كان المبدأ الأول المأخوذ به متصفا بالثبات ~~والدوام؟ # إن الفريقين من الناس حين يجاوزان حدود الجزئيات المحسة لينصرف كل منهما إلى ~~المبدأ العام الشامل، يكونان عندئذ على اختلاف في طبيعة ذلك المبدأ وكنهه، فأما ~~أحدهما فيرى نفسه إزاء حقيقة أدركها إدراكا ناصعا لأنه شاهدها بروحه - إن صح ~~هذا التعبير - لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع التعبير عنها بكلمات مستقيمة المعنى كهذه ~~الكلمات والعبارات التي يتفاهم بها الناس في حياتهم اليومية وفي أمور معاشهم؛ لذلك تراه ~~يلجأ إلى العبارات والكلمات التي تومئ وتوحي، لا التي تصف وتحدد، ومن هذا القبيل ~~تجد جميع الكتب والأسفار الدينية والصوفية في الثقافة الشرقية، وتلك هي لغة الفن. وأما ~~الفريق الآخر فيرى نفسه إزاء حقيقة يفرضها لنفسه فرضا لكي يستنبط منها النتائج؛ ~~ولذلك فهو مضطر أن يسوق تلك الحقيقة في عبارة محددة دقيقة، ومن هذا القبيل تجد جميع ~~الكتب العلمية في ثقافة الغرب، وتلك هي لغة العلم النظري، حتى لتبلغ بها الدقة والتحديد ~~أن تستغني عن الكلمات المألوفة في لغة الحديث الجارية - لما يحيط بها من غموض - برموز ترمز ~~بها إلى المعنى المحدد المراد على سبيل الاصطلاح الذي لا يحتمل اللبس. # الشرق والغرب كلاهما متفق على أن العين ترى والأذن تسمع، لكن ما هذا الذي تراه ~~الأعين وتسمعه الآذان؟ يجيبك الشرقي: إنه آيات يتبدى فيها الواحد الأبدي ويتجلى، ~~ليصبح بآياته مرئيا مسموعا، لكنه هو وحده الخالد الباقي، وأما هذه الآيات الدالة ~~على وجوده فإلى زوال سريع أو بطيء على حد سواء. ويجيبك الغربي: إنه ظواهر يرتبط ~~بعضها ببعض على صور مطردة، فإذا نحن كشفنا عن هذا الاطراد فقد كشفنا عن القوانين ~~التي تسير الأشياء على سننها ... هكذا يجيب كل من الفريقين، فإذا سألت صاحب الجواب ~~الأول: ما برهانك؟ لم يكن لديه برهان يقدمه سوى أن تروض نفسك رياضة حتى تستطيع أن ~~تدرك ms58 ما قد أدركه؛ فليس الإدراك الوجداني مما تقام عليه البراهين، لكنه يمارس ~~ويعانى، ويختبر بالنفس، وهل يستطيع محب أن ينقل إليك لوعة قلبه بالبرهان؟ ... أما ~~إذا سألت صاحب الجواب الثاني: ما برهانك على أن قانون الجاذبية مثلا يفسر كل ~~الظواهر الفلانية؟ وجدت عنده ما يقوله على سبيل البرهان. # ثقافة الشرق هي من قبيل ما يستطيع صاحبه أن يقطع بيقينه لأنه قد أحسه بقلبه، وثقافة ~~الغرب هي من قبيل ما يطلب على صدقه البرهان لأنه قائم على التفكير النظري والمنطق ~~العقلي، فإن تكلم الأول جاء كلامه مرتعشا بهزة الوجدان الشاعر، وإذا تكلم ~~الثاني جاءت عبارته باردة في رمزها؛ لأن حرارة العاطفة عندئذ تشينها وتعيبها. كلام ~~الأول ناطق بما تضطرب به النفس من داخل، وكلام الثاني رامز إلى ما يشار إليه من ظواهر ~~الخارج. # وهذا الفارق نفسه كائن بين الفن هنا والفن هناك - على وجه العموم - لأن الفن الشرقي في ~~شتى عصوره وفي جميع أصقاعه لم يكن يراد به أن يصور الحقيقة الجزئية الخارجية ~~تصويرا يستهدف التمثيل الدقيق لكل تفصيلات الشيء المصور، وإن شئت فانظر إلى ~~التصوير المصري القديم الذي هو أقرب إلى التخطيط الذي قلما يراعي قواعد المنظور - عن ~~عمد لا عن جهل من الفنان - أو انظر إلى التصوير الهندي للآلهة والإلهات ذوات الأذرع ~~الكثيرة والرءوس المتعددة وما إليها؛ ذلك لأن الفنان الشرقي يرسم الحقيقة كما تقع في ~~وعيه، لا كما هي قائمة في الطبيعة الخارجية، وأما زميله الغربي - لو استثنينا الثورة ~~الفنية الحديثة في الأعوام الستين أو السبعين الأخيرة - فقد كان يراعي أن تجيء الصورة ~~وكأنها - بأبعادها الثلاثة - تمثال منحوت في الحجر؛ وذلك لأنه أراد دائما أن تجيء ~~الصورة مطابقة للمصور حتى لتقول في غير عناء: هذه صورة لذلك الشخص أو ذلك الشيء ... ~~وما دلالة ذلك فيما نحن بصدد الحديث عنه؟ دلالته أن الثقافة الشرقية بشتى نواحيها من ~~دين وفن وفلسفة تعبيرات تخرج ما تضطرب به النفس من وجدان، على حين أن الثقافة ~~الغربية بجميع ألوانها من علم وفلسفة وفن ms59 لا تخلو أبدا من الرمز إلى ما هو كائن ~~خارج النفس الإنسانية بكل ما فيها من جيشان. # فكأنما الفنان الشرقي حين يصور لك شيئا، فإنما يريد لك أن تقف عند المادة المعروضة ~~لذاتها وفي ذاتها؛ لأنها هي نفسها الحق كله، وأما الفنان الغربي - وأعيدها مرة ~~أخرى أنني أستثني الثورة الأخيرة في الفن العربي - فيعرض لك أثره الفني لا لتستمتع به ~~في ذاته ولذاته، بل لتنقل بعد ذلك من الأثر إلى المؤثر، من الصورة إلى المصور، من ~~الرمز إلى المرموز إليه، كأن الصورة الفنية عنده ضرب من الكلام العلمي الذي يقال ليدل ~~على أشياء تقع خارج الكلام نفسه؛ فهي ليست مكتفية بذاتها لأنها ليست هي الحق كله، إنما ~~يكملها الطرف الآخر الخارجي الذي جاءت الصورة لتصوره وتشير إليه، فلو توسعنا في ~~القول بحيث نقول إن الرمز - كائنا ما كان - إذا أريد به أن يشير إلى مرموز إليه، كانت ~~المنفعة هي أساس استخدامه، وأما إذا أريد به أن يكون نهاية في ذاته ولا يرمز إلى ~~شيء سواه، كانت النشوة الجمالية هي أساس استخدامه. أقول إننا إذا أطلقنا القول على هذا ~~النحو الواسع، جاز لنا أن نقول إن ثقافة الغربي هي ثقافة المنتفع، وثقافة الشرقي ~~الأصيلة هي ثقافة المخمور بعاطفته المنتشي بوجدانه، فالأولى هي ثقافة العالم، والثانية ~~هي ثقافة الفنان. # وإن خير وسيلة تدرك بها الفرق الشاسع بين الثقافتين، هي أن تقلب النظر في نماذج ~~تمثل كلا منهما: فقارن مثلا بين رجل يقول وهو يتحدث عن حقائق الكون: «إن الأجسام ~~تتجاذب بنسبة تطرد مع حاصل ضرب كتلتي الجسمين المتجاذبين، وبنسبة عكسية مع مربع ~~المسافة بينهما.» أو يقول: «إن ضغط الغاز مضروبا في حجمه يساوي مقدارا ثابتا إذا ظلت ~~درجة الحرارة على حالها.» وهكذا قارن هذه الأقوال وأمثالها بأقوال الحكيم الشرقي وهو ~~يعلم تلميذه حقيقة الكون: # إذا قطعت هذه الشجرة عند جذورها، فإنها تقطر لأنها حية، وإذا قطعتها ~~عند وسطها، فإنها تقطر لأنها حية، وإذا قطعتها عند قمتها، فإنها تقطر ~~لأنها حية ... أما إن ms60 خرجت الحياة من أحد فروعها فإنه يذوي ... فاعلم كذلك ~~أن هذا الجسد مائت ولا ريب إذا خرج منه الواحد الحي، ولكن الواحد الحي لا ~~يموت، ومن جوهره الدقيق جاء الوجود، إنه الحق، إنه الروح، إنه أنت. # وفي درس آخر يقول الحكيم نفسه إلى تلميذه: # الحكيم ~~: # ضع هذه القطعة من الملح في الماء وعد إلي غدا. # التلميذ ~~: # قد وضعتها ... # الحكيم ~~: # ائت لي بالملح الذي وضعته في الماء بالأمس. # التلميذ ~~: # لست أراه. # الحكيم ~~: # ذق الماء، كيف مذاقه؟ # التلميذ ~~: # إنه مالح. # الحكيم ~~: # دع الماء وتعال فاجلس إلى جواري ... إن الملح موجود ولست تراه، كذلك لست ~~ترى الموجود ها هنا في دخيلة أجسامنا، ولكنه مع ذلك موجود، ومن وجود هذا الجوهر ~~الدقيق جاء الوجود؛ إنه الحق، إنه الروح، إنه أنت. # كذلك يتكلم العالم، وهكذا يتكلم الفنان. # | الفصل السادس عشر # تاريخ الفكر في الغرب - إلا أقله - هو تاريخ العقل النظري، وتاريخ الفكر في الشرق - ~~إلا أقله - هو تاريخ الإدراك الصوفي والحاسة الجمالية؛ فللغرب نزعة عقلية منطقية ~~علمية إلا ريثما يثور على نفسه، وللشرق نزعة روحانية تصوفية فنية إلا ريثما ~~يثور على نفسه، والنزعتان تتجاوران متكاملتين في الشرق الأوسط، فلئن أخطأ من قال ~~عن الشرق والغرب إنهما شيء واحد، فكذلك أخطأ من قال عنهما إنهما نقيضان لا يلتقيان في ~~رقعة واحدة؛ لأنهما قد اجتمعا في الشرق الأوسط، وكذلك هما مجتمعان في كرة أرضية واحدة، ~~والأصوب أن يقال إنهما نزعتان متكاملتان في كل فرد، ثم في كل أمة بنسب تختلف في فرد ~~عنها في فرد آخر، وفي أمة عنها في أمة أخرى، بل إن النسبة بينهما في الفرد الواحد وفي ~~الأمة الواحدة لتختلف في مرحلة من العمر عنها في مرحلة أخرى، فإذا ما أسرفت أمة ~~في ميلها نحو منطق العلم مثلا، كان الأرجح أن يجيئها من يذكرها بأنه لا بد للإنسان ~~من دفء العاطفة، وكذلك حين تسرف أمة في حياتها العاطفية، يغلب أن يظهر من بنيها من ~~يحاول إلجامها بشكائم العقل ومنطقه. # ففي الغرب الذي يتميز بالعقل ms61 النظري أكثر مما يتميز بالحدس المباشر، الذي يرى ~~الحقيقة رأسا بغير وساطة الأدلة وخطوات الاستنباط، في هذا الغرب نفسه من الفلاسفة من ~~ينهضون للحد من سلطان العقل لكي يتاح للإدراك الحدسي - أو إن شئت فقل الإدراك ~~الوجداني - أن يدرك من الحقائق ما ليس في وسع العقل أن يدركه، ونسوق لذلك مثلا ~~«هنري برجسون»، الذي راعه أن يلقي الناس بزمامهم إلى العقل دون غيره، فينتهوا إلى إثبات ~~ما يثبته العقل وإنكار ما ينكره، على حين أنه يصلح لشيء ولا يصلح لشيء آخر، ولا بد من ~~وسيلة إدراكية أخرى ندرك بها بواطن الأمور ما دام العقل مقتصرا في إدراكه على ظواهرها، ~~وهذه الوسيلة الأخرى هي «الحدس» المباشر. # فبالحدس يدرك الإنسان الكل جملة واحدة، وبالعقل يدرك الأجزاء وما بينها من ~~علاقات، بالحدس يدرك ماهية الشيء وجوهره من حيث هو كائن موجود لذاته وبذاته، وبالعقل ~~يدرك أوجه الشبه وأوجه الاختلاف بينه وبين سائر الأشياء. نعم، إن في مقدور العقل أن ~~يفهم الحقائق الساكنة، أعني الأشياء التي تتصف بالقصور الذاتي، والتي تدوم على حالة ~~واحدة بعينها، أما الحياة في تيارها الجارف السيال ففوق مستطاع العقل إدراكها، في ~~مقدور العقل أن يتناول مركبا فيحلله إلى أجزائه ثم يركبه وهكذا، ما دامت أجزاء ~~المركب باقية على حالها بغير زيادة تضاف إليها ولا نقص يأخذ منها، ولكن الحياة ليست على ~~هذا السكون وهذا الثبات، بل هي دائبة السير على مر الزمن، وتظل تضيف إلى نفسها في ~~كل لحظة جزءا جديدا؛ لأن كل لحظة زمنية فيها الماضي كله مضافا إليه هذه اللحظة الجديدة، ~~فإن أراد العقل أن يفهم الحياة أو مر الزمان، أفلتت منه هذه الإضافات التي تستجد ~~في كل لحظة، ولو كان العقل قادرا على فهم الحقيقة كلها كاملة منذ الأزل لكان معنى ذلك أن ~~الحقيقة بدأت كاملة منذ الأزل، وليس الأمر كذلك في حالة الحياة مثلا، وهي التي تزيد - كما ~~قلنا - على مر الزمن. # فهل كتب على الإنسان أن يفهم الحياة وأن يفهم غير الحياة من الحقائق ms62 التي ما تنفك ~~نامية مترقية ما دام عقله لا يدرك إلا ما هو ثابت على حالة واحدة؟ هل كتب عليه ~~ألا يرى الحياة إلا في صورها الظاهرة التي تتبدى في سلوك الكائنات الحية حركات في ~~المكان، فلا يتاح له أن يخرج إليها في محرابها ليراها وهي في نشاطها المبدع الخلاق؟ ~~ألا إنه لو كان العقل هو وحده أداة المعرفة، ولا أداة لنا سواه، فسيظل سر الحياة ~~مغلقا خافيا على البشر إلى أبد الآبدين. لكن لا، إن سيال الحياة الذي يأبى أن يكشف ~~عن سره لذكاء العقل، إنما يسفر عن نفسه للبصيرة، أو الحدس أو اللقانة أو ما شئت ~~أن تسمي هذه الملكة التي تتيح لصاحبها أن يواجه الحقيقة مواجهة مباشرة لا تستنبط ~~كما يفعل العقل ولا تستدل. # إن كمال الإنسان مرهون بأن يسير الحدس مع العقل جنبا إلى جنب، فبالعقل يفهم ~~البيئة المادية المحيطة به فهما يعينه على العيش، وبالحدس يدرك ما خفي عن العقل من ~~حقائق كر الحياة وحرية الإدارة وما إليها. إن مجال العقل هو العلوم التي تستند إلى ~~الملاحظة والتجربة، ثم استخراج القوانين الطبيعية التي تمكننا من الانتفاع بالظواهر على ~~النحو الذي نريد. وأما مجال الإدراك الحدسي فهو الفلسفة؛ لأنها إذ تترك للعلم بحث ~~الظواهر، تحاول هي أن تنفذ إلى البواطن، فالعلم مثلا يعامل الجسم الحي كما يعالج ~~الجماد، ومهما بلغ من التوفيق في فهم المادة، فلن يكتب له النجاح في فهم معنى الحياة عن ~~طريق الدراسة البيولوجية؛ لأن البيولوجيا - كسائر العلوم الطبيعية - تعنى بظواهر الأشياء، ~~وها هنا يبدأ واجب الفلسفة؛ فعليها أن تبحث في الكائن الحي دون أن تبتغي لنفسها غاية ~~عملية، وأن يكون الحدس وسيلتها إلى الإدراك، ولا يجوز لها أن تصطنع طريقة العقل في ~~البحث؛ لأن هذا من طبيعته لا يبحث إلا في المادة الجامدة، ذلك هو ميدانه، وكل امتداد له ~~خارج ميدان المادة الميتة هو توسع في اختصاصه غير مشروع، فلم يخلق العقل ليفكر في ~~أي شيء من شأنه الحركة والتغير كالحياة المتطورة ms63 مثلا ؛ لأنه إزاء الحقيقة النامية ~~عاجز؛ إذ من شأنه أن يجزئ موضوع بحثه ليبحث في كل جزء على حدة، ولو أراد عالم أن ~~يحلل كائنا حيا إلى أجزائه ليعود فيركبه كائنا حيا من جديد، كما يحلل قطعة ~~من الخشب مثلا إلى عناصرها ثم يركبها خشبا مرة أخرى، لوجد نفسه إزاء كومة من ~~أشلاء هيهات أن تعود كما كانت كائنا حيا. كلا، ليس العقل ومنهجه هو ما يسعفنا إذا ما ~~أردنا أن نفهم الحقيقة المتطورة المتغيرة المترقية، وكيف يستطيع ذلك وهو نفسه أداة ~~خلقتها الحياة في ظروف معينة ليعمل في حدود معينة؟ إنه إن حاول ذلك كان كالجزء الذي ~~يزعم أنه أعم من الكل وأشمل، وكالحصاة التي تقذفها أمواه البحر على الشاطئ، تريد أن ~~تصور الموجة التي حملتها إلى هناك ... # هكذا يتحدث فيلسوف من الغرب إلى ذويه، وقد سقناه مثلا لما زعمناه، وهو أن غلبة ~~التفكير العقلي النظري على ثقافة الغرب لا تنفي أن يظهر الفيلسوف الذي يحاول أن يوازن ~~الميزان. # | الفصل السابع عشر # أما بعد، فإن لكاتب هذه الرسالة مذهبا في الفلسفة يتابعه وينتصر له، ولا يدخر ~~وسعا في عرضه وتأييده، وخلاصته في أسطر قلائل هي أن الإنسان إذا ما تكلم فإنما ~~يقع كلامه في أحد صنفين: فإما هو كلام يساق للتعبير عن خطرات النفس ومكنون ~~الضمير، أو هو كلام يقال ليشار به إلى الطبيعة الخارجية كما تتبدى للحواس، فإن كانت ~~الأولى كان الكلام من قبيل الفن، مهما يكن مضمونه؛ لأنه عندئذ سيجري مجرى الفن من حيث هو ~~تعبير ذاتي قاله قائله ليبسط به ما قد أحسه بوجدانه، فإن وافقه الناس على ما قد ~~ورد فيه كان خيرا، وإلا فلا سبيل إلى إقناع الناس به إذا هم لم يجدوا من أنفسهم ما ~~يحملهم على قبوله. وأما إن كانت الثانية، فإن الكلام عندئذ بمثابة القضايا العلمية التي ~~يتحتم على قائلها أن يبين لسامعها كيف يكون إثبات صدق تلك القضايا على الطبيعة كما ~~يراها المتكلم والسامع من وجهة نظر واحدة. # وما دمنا ms64 قد فرقنا بين الكلام الذي يكون فنا أو كالفن، والكلام الذي يكون علما ~~أو كالعلم، فقد أضحى الطريق أمامنا واضحا كلما نشب بين الناس اختلاف في الرأي أو ما ~~يشبه الاختلاف؛ لأننا قبل أن نحاج من يعارضنا في قول نقوله، سنتبين بادئ ذي بدء ~~ما طبيعة هذا القول الذي نحاج فيه؛ أهو من قبيل التعبيرات الذاتية التي يكون الإدراك ~~الحدسي أساسها ومدارها؟ أم هو من قبيل العبارات العلمية الموضوعية التي تكون ~~الحواس والعقل مصدرها وعمادها؟ فإن كانت الأولى بطل الحجاج من أساسه؛ لأن ~~الحجاج لا يكون لشيء أساسه الذوق، وإنما يكون الحجاج فيما يقال على سند من ~~الحواس والعقل؛ لأن المتعارضين ها هنا سيقيسان صدق القول والبطلان بمعيار ~~مشترك. # ولقد قلتها كثيرا وها أنا ذا أقولها مرة أخرى، وهي أن التفرقة بين ما هو ذاتي وما هو ~~موضوعي ليس معناها المفاضلة، بل معناها هو كما يدل عليه اسمها: التفرقة بين شيئين ~~مختلفين، لا بل إنني لو كنت أفاضل بين الحياتين: حياة الفنان الذي يعبر عن نفسه، ~~وحياة العالم الذي يهمل نفسه ليصف الطبيعة الخارجية؛ لما ترددت لحظة في أن أحيا ~~حياة الفنان الذي يدير نشاطه حول ذاته وما تنطوي عليه، لكن الأمر ليس أمر مفاضلة، بل ~~هو أمر تمييز وتفرقة بين نوعين من المعرفة: معرفة تصور الباطن ولا تصلح للمحاجة ~~والمناقشة، فإما أن نستحسنها فنقبلها، أو أن نستقبحها فنعرض عنها؛ ومعرفة تصور ~~الخارج، وهذه وحدها هي التي يصح أن يناقش فيها ويجادل؛ لأنها هي وحدها التي يجوز ~~لنا أن نصفها بالحق أو بالبطلان. # فإذا كنا قد أصررنا وألححنا في مواضع كثيرة أخرى غير هذه الرسالة الصغيرة، بأن الكلام ~~الذي يريد به صاحبه أن ينبئ عن الحقيقة الخارجية لا بد أن يجيء ومعه إمكان تحقيقه ~~بمراجعته على المحسات الخارجية التي يدعي أنه ينبئ عنها، وإلا فهو كلام خلو من ~~المعنى؛ أقول إننا إذا كنا قد ألححنا في توكيد هذا المذهب، فما أرانا إلا أن نقول ما ~~يتفق مع البداهة والإدراك الفطري ms65 السليم . # اختر لنفسك إزاء نفسك وإزاء الكون الموقف الذي ترتضيه، لكن كن على وعي بما قد ~~اخترت لنفسك راضيا: فإما أن يكون ركونك في قولك على حدسك، وبذلك تكون فنانا في ~~طبيعتك؛ أو أن تستقي علمك من حواسك وعقلك المنطقي، وبذلك تكون عالما في طبيعتك؛ ولك ~~بطبيعة الحال أن تكون فنانا في نظرتك حينا وعالما حينا آخر، على شرط أن تكون في كل ~~حين مسئولا عما تفعل، فعند الوقفة الفنية تكون مسئولا أمام قواعد النقد الفني، وعند ~~الوقفة العلمية تكون مسئولا أمام قواعد الاختبار العلمي؛ والخطأ كل الخطأ، بل الخطر كل ~~الخطر هو أن تعبر عن ذات نفسك أنت إزاء الأشياء ثم تدعي أنك تنبئ الناس عن حقائق ~~مما يصح أن يناقشوك فيه. # ولقد حاولت أن أبين في هذه الرسالة أن الشرق الأقصى قد وقف إزاء الكون وقفة الفنان ~~الذي يستند إلى حدسه، وأن الغرب قد وقف إزاءه وقفة العالم الذي يرتكن إلى حسه ~~وعقله، وأن ثقافة الشرق الأوسط قد جمعت الوقفتين جنبا إلى جنب؛ فنرى الدين والعلم ~~معا متجاورين، بل ترى الدين نفسه يناقش بمنطق العلم، فتندمج النظرتان في موضوع واحد؛ ~~فلا جناح على من يلتمس حقيقة الوجود في جوهره غير المنظور، نافذا إليه بحدسه، ما دام ~~هو على علم بأنه عندئذ إنما يحتكم إلى الذوق والوجدان، ثم لا جناح على من يلتمس ~~حقيقة الوجود في ظواهره المنظورة، ناظرا إليها بحواسه، ومستدلا من شواهد الحس ~~نتائج يستنبطها العقل بوسائل المنطق، ما دام هو على علم بأنه عندئذ إنما يقتصر على ~~الجانب المحس الذي هو ميدان العلوم، أما أن نخلط بين الأمرين، فنتكلم عن الوجود ~~بلغة الذوق والوجدان، ثم نزعم أننا نرضي منطق العقل، أو نتكلم بلغة الحس ~~والاستنباط مما يدركه الحس، ثم نزعم أننا قد شملنا بالقول كل مجال للحديث؛ فذلك هو ~~الخلط الذي يباعد في الرأي بين الناس إلى حيث لا سبيل إلى التقاء. ms66