######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.ShuruqMinGharb.Hindawi90938482 #META# Tags: philosophy :: literature #META# ID: 90938482 #META# Title: شروق من الغرب #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إلى القارئ‏ # ظلم‏ # يوم الميلاد‏ # رسالة إلى صديقة أدبية‏ # بغير مرآة‏ # شبكة الصياد‏ # المئذنة والهرم‏ # حمل الهموم‏ # سحر الكلام‏ # النجاح والفشل‏ # الصداقة العابرة‏ # قميص السعادة‏ # حمى الحياة‏ # الآدمية الصحيحة‏ # عندما أطللت من النافذة‏ # وضع العقل في غير موضعه‏ # الأخلاق التي لا تزال بخير!‏ # الطاغية الصغير‏ # غير مطلوب‏ # سيجار‏ # 9 شارع الكرداسي‏ # خبرة السنين‏ # أرقام‏ # قلوب‏ # أصنام تحطمت‏ # الببغاء والقفص‏ # درع من ذهب‏ # من طبائع الناس‏ # القصد في القول والعمل‏ # الرأس والساعد‏ # مطلوب إنسان!‏ # التعميم في الحكم‏ # التفكير النظري والتطبيق‏ # بين الأماني والواقع‏ # من وحي العزلة‏ # الطير الذي طار وارتفع‏ # المتفرج واللاعب‏ # الصفر النفيس‏ # شمال وجنوب‏ # جناية الصحافة على الأدب‏ # حامد سعيد‏ # طوائف تتنافس‏ # الأديب بين يومه وغده‏ # السحر والساحر‏ # عريان يحلم‏ # جمل في حركة المرور‏ # نملتان في الفلفل‏ # مراحل الطريق ...‏ # بين الأدب ونقده‏ # دفاع عن الأدب1‏ # القطة السوداء‏ # التصوف والمعرفة‏ # التاريخ لا يعيد نفسه‏ # بداية قصة‏ # إلى القارئ‏ # ظلم‏ # يوم الميلاد‏ # رسالة إلى صديقة أدبية‏ # بغير مرآة‏ # شبكة الصياد‏ # المئذنة والهرم‏ # حمل الهموم‏ # سحر الكلام‏ # النجاح والفشل‏ # الصداقة العابرة‏ # قميص السعادة‏ # حمى الحياة‏ # الآدمية الصحيحة‏ # عندما أطللت من النافذة‏ # وضع العقل في غير موضعه‏ # الأخلاق التي لا تزال بخير!‏ # الطاغية الصغير‏ # غير مطلوب‏ # سيجار‏ # 9 شارع الكرداسي‏ # خبرة السنين‏ # أرقام‏ # قلوب‏ # أصنام تحطمت‏ # الببغاء والقفص‏ # درع من ذهب‏ # من طبائع الناس‏ # القصد في القول والعمل‏ # الرأس والساعد‏ # مطلوب إنسان!‏ # التعميم في الحكم‏ # التفكير النظري والتطبيق‏ # بين الأماني والواقع‏ # من وحي العزلة‏ # الطير الذي طار وارتفع‏ # المتفرج واللاعب‏ # الصفر النفيس‏ # شمال وجنوب‏ # جناية الصحافة على الأدب‏ # حامد سعيد‏ # طوائف تتنافس‏ # الأديب بين يومه وغده‏ # السحر والساحر‏ # عريان يحلم‏ # جمل في حركة المرور‏ # نملتان في الفلفل‏ # مراحل الطريق ...‏ # بين الأدب ونقده‏ # دفاع عن الأدب1‏ # القطة السوداء‏ # التصوف والمعرفة‏ # التاريخ لا يعيد نفسه‏ # بداية قصة‏ # | شروق من الغرب # | شروق من الغرب # تأليف # زكي نجيب محمود # | إلى القارئ # هذه صفحات كتبتها إلا قليلا جدا منها، في الأعوام الثلاثة: 1948م، ~~1949م، 1950م. وهي سنوات عصفت ms001 فيها العواصف بنفسي، وتجهم الأفق ~~أمام عيني ، ورأيت خريف عمري يتساقط أمامي على الأرض أوراقا صفراء ~~يابسة، كنت أسمع لها خشخشة كأنها حشرجة المحتضر. # ونظرت فإذا بقيتي بعد جهاد طويل حطبة جافة من ساق وفروع، ~~تعرت عن الورق والزهر والثمر، تعوي في ثناياها الريح عواء الأمعاء ~~الجائعة، وليس على مرمى البصر منها إلا اليباب. # فخلخلت التراب حول الفروع والساق، وحملتها تجاه الغرب إلى طرف ~~ناء من الصحراء، حتى إذا ما أغمضت الشمس جفنيها من غروب، أشعلت ~~النار في بقيتي، وبقيتي حطبة يابسة، فتراءت من بعد أمام عيني ~~العشواءين كأنما هي الشمس قد عادت إلى الشروق، لترسل من حر أنفاسها ~~شعاعا جديدا، قبل أن تعود إلى مهدها في ظلام الغيب. ~~••• # فمن الغرب تمنيت لو أشرق على بلادي شعاع من نور، من الغرب الذي ~~شاءت له إرادة الله أن يكون في عصرنا مبعث المدنية ومنارها؛ فيه ينتج ~~العلم والفلسفة والأدب والفن، وتنشأ النظم الاجتماعية والسياسية، ~~وبين أهله تقوم الثورات التي تحطم أسوار القديم لتنبت في الأرض ~~نباتا جديدا. # أليست المدنية الإنسانية تغمر العالم موجة في إثر موجة، والموجات ~~تارة يكون مسراها من هنا إلى هناك وطورا من هناك إلى هنا؟ ... خرافة أن ~~يقال في الحضارة البشرية: شرق وغرب وشمال وجنوب. والصدق أن يقال: ~~إنسان العصر وحضارته، أينما كان الإنسان على وجه الأرض، وأيا ما كانت ~~حضارته. ~~«إنني في ساعات حلمي، حين أحلم لبلادي باليوم الذي أشتهيه لها، ~~فإنما أصورها لنفسي وقد كتبنا من اليسار إلى اليمين كما يكتبون، ~~وارتدينا من الثياب ما يرتدون، وأكلنا كما يأكلون، لنفكر كما يفكرون، ~~وننظر إلى الدنيا بمثل ما ينظرون ...» (ص 223). # وإذن فستقرأ في هذا الكتاب صفحات تصور لك نفسا اكفهر فيها ~~الأفق وتلبدت سماؤها بالغيوم، كما تطالع فيه كيف راحت تلك النفس - ~~في ظلماتها - ترسل من غربها شعاعا، كأنه البصيص الخافت ينفذ خلال ~~الرماد، راحت ترسل شعاعها ذلك الضئيل الخافت، قبل أن ينطوي ظلامها في ~~ظلام الغيب. # أول فبراير سنة 1952م # زكي نجيب محمود # | ظلم # كان ms002 الفتى في عامه الثاني عشر أو الثالث عشر ، طويلا نحيلا، في عينه ~~اليمنى حول ظاهر، ولا يفارق عينيه منظار التوت ذراعاه فمال على ~~أنفه. وكانت تبدو على الفتى علامات البلاهة التي لا يخطئها ~~النظر. # سأل أباه ذات يوم، إذ هما على مائدة الغداء، فقال: كلمة «ظلم» ما ~~معناها؟ ~~- وأين سمعتها؟ ~~- سمعت رجلا يصيح بها في الطريق. يصيح بها وهو يدفع عربة صغيرة ~~عليها بطيخ وشمام. وكان الشرطي من ورائه يصفعه ويركله. ~~- الظلم هو أن يوضع الإنسان في غير موضعه اللائق به. فإذا جلست ~~الخادمة على مقاعدنا الحريرية فذلك ظلم، وإذا أسندت الرياسة إلى من ~~لا يستحقها فذلك ظلم، وإذا أخذ العامل أجرا على غير عمل فذلك ~~ظلم، وإذا ظفر بالراحة من لم يعمل فذلك ظلم، وإذا نزل العقاب على ~~غير مستحقه فذلك ظلم. كذلك من الظلم أن يفلت من العقاب من هو ~~حقيق به، وهكذا. كل هذه أمثلة لناس وضعوا في غير أماكنهم ~~الصحيحة. # سمع الفتي هذه الإجابة من أبيه في إنصات ظاهر، وكأنما أعجبه رنين ~~الكلمة، فراح يرددها وهو بعد على مائدة الغداء. وبلغ إعجابه ~~بالكلمة أن كان ينطق بها في نغمات مختلفة، ثم يضحك ضحكاته ~~البلهاء. # ولما أصبح صباح اليوم التالي، ارتاعت أم الفتى لما رأته في كل ~~ركن من أركان الدار ... إذ راح الغلام منذ الصباح الباكر يكتب بقطعة ~~من الطباشير كلمة «ظلم». يكتبها على المقاعد والموائد والجدران، ~~يكتبها أينما وجد فراغا يصلح للطباشير أن يخط عليه، فهي على أواني ~~المطبخ، وهي على البلاط، وهي على جوانب الأثاث، وهي على السجاد ~~القائم. # ونودي الغلام وسئل عما فعل، فلم يزد على أن ضحك ضحكة بلهاء. ~~وماذا يصنع الأبوان في ابن لهما يعلمان فيه البلاهة؟ انتهرته أمه ~~ونهره أبوه وتهدداه بالعقاب الصارم إذا عاد إلى مثل هذا العبث. ثم ~~طفقت الأم من فورها تمسح «الظلم» من أجزاء بيتها بخرقة بالية! # ومضى يوم واحد. جاء بعده الجيران يشكون الغلام لأبويه، فقد ظفر ~~بقطعة من الفحم، وراح يتسلل إلى حيث استطاع ms003 سبيلا من دورهم. وأخذ ~~يخط كلمة «ظلم» على الأشياء فيفسدها، حتى أتلف للجيران أبوابهم ~~ونوافذهم وجدرانهم وأثاثهم. # فضربه أبوه، وسأله في غيظ قائلا: ما الذي يغريك بهذه الكلمة، ~~تكتبها في كل مكان، تكتبها لنا بالطباشير، وللجيران بالفحم؟ # فأجاب الغلام بعينين دامعتين: لست أدري يا أبت! اعف عني هذه ~~المرة، ولن أعود. # لكن لم يكد يمضي يوم آخر، حتى جاء أصحاب الدكاكين المجاورة يشكون ~~الغلام لوالديه، فقد ظفر هذه المرة بما ليست تمحى آثاره في يسر، ~~كما محيت آثار الفحم والطباشير. ظفر بوعاء فيه طلاء أسود وفرجون، جاء ~~به من عمارة قريبة يقام بناؤها، وراح يغافل أصحاب الدكاكين ويكتب ~~أمام متاجرهم، على الطوار: «ظلم»، «ظلم». فشوه الطريق بخطه الرديء ~~من ناحية، وأساء إلى المتاجر وأصحابها من ناحية أخرى؛ لأن هؤلاء ~~يريدون إغراء الزبائن بما يكتب أمام متاجرهم، لا تنفيرهم بالمعنى ~~السيئ والشكل الرديء. # وها هنا بلغ الغيظ من الوالد أبلغ مداه، وجاء بغلامه أمام الشاكين ~~يضربه ضربا مبرحا هذه المرة؛ حتى مست الرحمة قلوبهم، وهم الغرباء، ~~قبل أن تمس قلبه وهو الوالد. # وسأله أبوه من جديد: ما الذي يغريك بهذه الكلمة تكتبها لنا ~~بالطباشير، وللجيران بالفحم، ولهؤلاء الناس بالطلاء؟ # فأجابه الغلام بصوت مخنوق بالبكاء: لست أدرى يا أبت! اتركني هذه ~~المرة، ولن أعود إلى مثل ذلك أبدا. # لكن الغلام لم يكن عند وعده هذه المرة أيضا، فمضت ثلاثة أيام لم ~~يعكر صفوها «ظلم» يصيب أحدا من الناس. وفي اليوم الرابع تأخر ~~الغلام عن موعد عودته من المدرسة، وشغل الأبوان وبحثا عنه في مظانه ~~كلها، فلم يعثرا له على أثر، حتى إذا ما كانت الساعة العاشرة أو نحوها ~~في الليل، دق الجرس وأسرع الأبوان في لهفة إلى الباب، فإذا ابنهما ~~في صحبة رجل من رجال الشرطة. # قال الشرطي: هذا ابنكم وجدناه ينقر بابا لدار من دور الحكومة ~~بمبراة، فأخذناه إلى قسم الشرطة، وكتبنا عن الأمر «محضرا». لكنا نريد ~~مواصلة سؤاله وعقابه غدا، ورأينا أن نسوقه إلى داره ليقضي ليلة مع ~~والديه؛ حتى ms004 لا يشغلا عليه بالا. # ونظر الغلام إلى أبيه نظرة يطلب بها العفو والعطف، فلم يسأله أبوه ~~عن شيء، وبات محزونا. # حتى إذا ما جاء الصبح، وذهب إلى الدار الحكومية التي أتلف الغلام ~~بابها بمبراته، وجد ابنه قد حفر على الباب كلمة «ظلم». حفرها كلمة ~~كبيرة عميقة، حتى ليدهش الرائي كيف استطاع أن يصنع ذلك كله في ظلمة ~~الليل! وأين كان الحارس طول الساعات التي استغرقها الفتى في حفر هذا ~~كله على باب من الخشب الصلب المتين؟! # واتفق رجال الشرطة مع الوالد الحيران أن يخلوا له سبيل الغلام، ~~وكان ذلك بمشورة طبيب استشاره الوالد في أمر ولده، فأشار الطبيب بأن ~~يصحب الأبوان ابنهما إلى مكان من الريف؛ لتهدأ أعصابه لأنه ~~مريض. # وكم عجب الوالدان وهما في القطار أن سمعا عجلاته تقرقع على القضبان ~~في صوت واضح لا سبيل إلى إنكاره: ظلم، ظلم، ظلم! # | يوم الميلاد # هذه سطور أكتبها يوم ميلادي الثالث بعد الأربعين. # 1 # وأقول «يوم» الميلاد ولا أجعله لنفسي «عيدا» من الأعياد؛ ~~فإني أشهد الله أنه يوم ما أقبل قط في حياتي مرة بحيث استقبلته ~~بنفس مرحة طروب. بل إني لأعجب عجبا لا ينقضي من رجل يحتفل لنفسه بمثل ~~هذا اليوم من حياته، أو يرضى أن يحتفل له الناس به. فنحن من هذه ~~الأعوام التي تكر ماضية عاما في إثر عام، بمثابة من وقف على جسر ~~النيل، وفي يده عقد أخذ يلقى حباته في الماء حبة وراء حبة. أفكلما ~~نقصت لؤلؤات العقد لؤلؤة فرحت لنقصانها مسرورا؟! # لكن لعل هؤلاء المحتفلين بأعوامهم تمضي أعقل مني وأحكم؛ فقد تكون ~~الحياة عبئا ثقيلا، ينقض ظهور الرازحين تحت حمله، فكلما انزاح من ~~أجزائه جزء سر حامل العبء وابتهج. نعم، قد تكون الحياة عبئا ثقيلا ~~ينقض الظهور أكثر منها كنزا ثمينا يشرح الصدور ... ومهما يكن من أمر ~~هؤلاء وأمري، فنحن على اتفاق أننا أبدا سائرون إلى نقصان، ما دمنا قد ~~اجتزنا قمة الشباب في العشرين أو نحوها، على اختلاف بيننا في فهم هذا ~~النقصان؛ فيرونه ms005 كسبا وأراه خسرانا. # وليس يخلو من المعنى أن يكون مولد العام الجديد أقوى أثرا في نفسي ~~من يوم ميلادي. فيستحيل أن يمر اليوم الأول من يناير، وأنا عنه لاه ~~ساه غير آبه ولا حافل. أما يوم ميلادي فما أ كثر ما يمر لا أذكره ولا ~~أحسه ولا أشعر به، حتى إذا ما فات وانقضى أذكر عرضا أنه فات وانقضى ~~وأصبح تاريخا يروى. وأرجح الظن أني في ذلك لا أشذ عن كثير من الناس. ~~أيكون ذلك؛ لأن مولد العام الجديد يسجل للإنسانية بأسرها، بينا ~~يسجل يوم ميلادي لفرد واحد؟ أم يكون لأن مولد العام الجديد تسجيل ~~للحوادث؟ وأما يوم ميلادي فرقم لا يدل على شيء سوى ما انقضى من عدد ~~السنين، وأن هذا العدد بغير الحوادث التي تملؤه رقم أجوف ~~فارغ؟ # رقم أجوف فارغ! لقد سألت نفسي يوما: لو أرخت لحياتك ودونت ما ~~مر بها من حوادث؛ فماذا أنت ذاكر؟ إن من الرجال من يكتبون قصص حياتهم، ~~فإذا هي حافلة بأحداثها. تقرؤها فكأنما تقرأ قصة من خلق الخيال ~~البارع. فأين من ذلك ما عشت من حياة فارغة جوفاء؟! وهنا رأيت الشبه ~~مائلا بيني وبين ساعي البريد. أرأيت كيف ينفق هذا الرجل حياته ساعيا ~~بين الناس ببريده؟ إنه لا يمس «الظروف»، إلا من ظاهرها دون أن ينفذ إلى ~~قلوبها ولبابها. إنه لا يعلم من الرسالة إلا عنوانها أو بعض عنوانها. ~~فأين ذلك من صاحب الخطاب؟! إنه يفض غلافه ويمس شغافه، ويقرأ السطور ~~وما بين السطور. إنه يستروح من كلماته أنفاس الحبيب، أو هو ينظر إلى ~~الألفاظ فإذا هي ألحاظ الصديق ناظرة إليه تباسمه وتناجيه. # لكأنني من هذه الحياة إزاء مدينة حصينة سورت بمنيع الجدر. ~~ولكأنني منها طواف يطوف حولها ويطوف، ثم لا يجد إلى جوفها من سبيل ... ~~صه! أذلك همس؟ إنهما حبيبان يتغازلان؟ أتلك ضحكات طروب؟ إنها جماعة ~~أخذتها نشوة ومرح. أذلك أنين؟ إنه بكاء حزينة ثكلى. يا ويح نفسي! أريد ~~أن أهمس كما يهمس الهامسون، أريد أن أضحك كما يضحك الضاحكون، ms006 بل أريد ~~أن يكون لي في حياتي ما أبكيه وأرثيه! أين يا صديقي الجواز الذي يبيح ~~لي الدخول في هذه المدينة الصخابة فأشتريه؟! # رأيت الناس ذات صيف حرور يصطافون، فأقسمت لأكونن كسائر عباد الله ~~مصطافا. ذهبت إلى الشاطئ مع الذاهبين، فسرعان ما برزت من إهابي شخصية ~~الساعي؛ أقف على الشاطئ ولا أغوص. الناس يمرحون في الماء ويلعبون، ~~والأطفال يتقلبون مع الموج ويضحكون، والنساء كعرائس الماء غائصات ~~طائفات صائحات ضاحكات، وليس لي من كل ذلك شيء. ونظرت حولي، فإذا أنا ~~واقف بين أكوام الملابس نضاها أصحابها. ويشاء القدر الساخر أن يكون ~~أقربها إلي حذاء مخلوع، فأدركت عندئذ في يقين، أني بين هذه الأحياء ~~كالقوقعة الفارغة، يرتسم على سطحها الحيوان ولا تحتويه، ولم أستطع أن ~~أواجه هذا الحق المخيف، فقفلت إلى الدار راجعا. # رقم أجوف فارغ، إذن، هذه الأعوام تنقضي من حياة الأمة، فلا يكاد ~~يتغير من وجهها شيء! نعم يا قائد الثورة الفرنسية «إن أربعين قرنا ~~تنظر إلينا من قمة هذا الهرم». وكأنها أربعون لسانا يقول للمصري: ماذا ~~صنعت يداك؟ هذه هي ذخيرة العلم توشك بقوتها أن تميل بالأرض عن مسراها، ~~فماذا لك منها؟ إذا أرخت لحياتك ودونت ما مر بها من حوادث، فماذا ~~أنت ذاكر سوى أن ساسة الأمم ما زالت تعترك عليك وتصطرع، وأنت بينهم ~~واقف كالصبي الأبله، وضع إصبعه في فمه، وأخذ ينقل نظراته بين هذا ~~وذاك؟ حسبك من البقرة «نعيرها»، كما يقولون. ويكفيك أن تكون حياتك ~~معدودة بعشرات القرون! # لست إذن أرى في حياتي الخالية الخاوية ما يستحق أن أحتفل له إذا ما ~~انقضى من الحياة عام. بل إني ما فكرت فيها بيني وبين الأيام من أخذ ~~وعطاء، إلا ورأيتني قد نلت من الأيام صفقة المغبون. فقد ظللت كما يظل ~~كل إنسان منذ مولده حتى يبلغ من الشباب ذروته، ظللت آخذ من دنياي مادة ~~أكثر مما أعطيها، فأزداد بهذا الكسب المادي لحما وعظما، ثم بهذا ~~اللحم والعظم أنمو صبيا ويافعا وشابا. لكني لقاء ذلك الكسب في ~~وزن ms007 البدن، كنت محروما من المال، فلم أكن أرى منه ، إبان ذلك العهد، ~~إلا قروشا قليلة يعطينيها أبي رحمه الله، مليمين مليمين، أو على أحسن ~~الحظوظ قرشا قرشا، حينا بعد حين. وقد كان يحدث أيام العيد أن يتبادل ~~أبي وعمي «الأعياد» للأولاد. فكنت آخذ من عمي ريالا أو نصفه، فلا ~~يكاد الريال يستقر في كفي حتى يتقاضاه أبي من جديد إذا ما خلا بي. ~~ولم أكن أفهم لذلك معنى حتى شببت وازددت علما، فعرفت أن قد كان للأمر ~~اقتصاديات عليا لا يفهمها الصغار، على نحو ما يفعل رؤساء الحكومات ~~اليوم. فهم يضبطون الصادر والوارد، بحيث يكون لهم في نهاية الأمر ~~ميزان متعادل. والناس، إزاء هذا الذي يحدث في السماء العالية من دنيا ~~الاقتصاد، لا يعرفون إلا أن السكر كان يصرف لهم بالأمس أقات ~~تسعا، فإذا هو اليوم يصرف لهم سبعا، وأنهم كانوا يأكلون الخبز أبيض ~~خالصا، فإذا هم اليوم يأكلونه مخلوطا أسود. # حتى إذا ما جاوزت قمة الشباب، وانتهى من الحياة طريقها الصاعد، ~~وأخذت أسلك منها سفحها الهابط، تغير الموقف رويدا رويدا، حتى انعكس ~~الوضع؛ فخسارة من اللحم والعظم، وكسب من المال؛ ذلك أني بدأت الآن أعطي ~~دنياي من بنيان جسمي أ كثر مما تعطيني. فأسنان تفسد ثم تخلع، وشعر ~~يضعف ثم يتساقط، وعضل يفتر ثم يترهل، وجلد ينكمش ثم يتغضن. بعد أن ~~كانت الأسنان والشعر والعضلات والجلد تزداد مع الأيام قوة وفتوة. فهذا ~~جانب الخسارة، ويقابله زيادة في كسب المال؛ فقد كانت وحدة نقودي مليما ~~أو قرشا، فأصبحت أفكر فيها بلغة الجنيهات، وأخشى أن أقول بعشراتها، ~~فيظن بي القارئ ثراء أو ما يشبهه، ولست من هذا بحمد الله في عير أو ~~نفير. لكنها هذه السنوات السود التي أضاعت جزءا عزيزا من حياتنا، هي ~~التي علمتنا ذلك الحساب كرها وقسرا. فلم أعد أدفع أجر مسكني بلغة ~~الجنيه الواحد كما كنت أفعل، بل أدفعه مبلغا ذا رقمين سواء استطعت إلى ~~ذلك سبيلا أو لم أستطع. ولم أعد أشترى البدلة بلغة الجنيه الواحد ms008 ~~كما كنت أفعل، بل أشتريها بالعشرات راضيا أو كارها . وهكذا تراني ~~اليوم، بالقياس إلى يفاعتي، أخسر في بنيتي وأكسب في ثروتي، أنقص في ~~دمي ولحمي وأزداد في مالي. فكأنني إزاء هذا كله أشترى الضلالة بالهدى، ~~وأبيع سمسما مقشورا بسمسم غير مقشور ... ولست أدري ماذا تقول أنت في ~~مثل هذه الصفقة؟ لكنها عندي صفقة المغبون، وبمثل هذه الصفقة الخاسرة ~~يذكرني يوم ميلادي. # لو خيرت في الأمر لسرت بالحياة في طريق معكوس، بحيث تأتي الشيخوخة ~~أولا والشباب آخرا، فالخمسون تأتي قبل الأربعين، والأربعون قبل ~~الثلاثين، والثلاثون قبل العشرين، حتى أنعم بالصعود في سلم الحياة، ~~ولا أحزن لمثل هذا الهبوط. وأنا مسئول عن كل النتائج التي تترتب على ~~هذا الوضع المعكوس ... لو كنت موظفا مدنيا في الحكومة؛ فسأبدأ بالدرجة ~~الأولى وأتمتع براتبها الضخم، وأنا بعد في سن العشرين. ولا بأس عندي ~~أن أعقب عليها بالثانية فالثالثة وهلم جرا، بحيث أنحدر في الدرجات ~~والمال كلما دب في جسمي الهزال؛ لأننا على هذا الوضع الراهن بمثابة ~~من يخزن البندق حتى تزول عن فكيه الأضراس والأنياب. فقل لي بربك: ما ~~غنى هذه الدرجات تعلو، وهذه النقود تزداد، ولم يعد لها في الجسم ~~مستقبل أو مستجيب؟ هذه هي السوق قائمة، وتلك هي الحلوى معروضة أمام ~~بائعيها كما عهدتها وكما اشتهيتها أيام الصبا. وهذا هو المال في ~~جيبي، فلماذا لا أشتري الحلوى ولطالما تمنيتها؟ أما وقد تهيأت لي ~~الأسباب فلماذا لا أشتري الحلوى، ولطالما سال مني عليها اللعاب؟! ... ~~لأنني خزنت البندق، حتى زالت الأضراس والأنياب! # ولو كنت موظفا عسكريا؛ فسأبدأ الشوط بكتف مملوءة بكل ما عندهم من ~~أنجم وتيجان. ولا بأس عندي أن تتساقط عن كتفي هذه اللوامع واحدة بعد ~~واحدة كلما تقدمت بي الأعوام، كما تسقط عن الشجرة أوراقها في الخريف ~~بعد أن أينعت ناضرة عاطرة في الربيع. وإلا فحدثني بربك ما معنى أن ~~يكون ربيع على الكتفين وخريف في صميم البدن؟! # ولو كنت كاتبا فسأبدأ الحياة بكومة من الكتب هي كتبي، ومئات من ~~المقالات جرى بها ms009 قلمي؛ فأزهى بهذا كله يوم يكون للزهو معنى ~~مستساغ . ولا بأس عندي أن يخفت على مر الأيام صوتي، ويقل صيتي، وينكمش ~~اسمي سيرورة وذيوعا. فذلك كله عندي خير ألف مرة من أن أزداد في ~~درجات الحكومة رفعة، أو أزداد في كتفي التماعا، أو أزداد في دولة ~~الأدب أو العلم شيوعا وذيوعا، حتى إذا ما اكتمل لي من هذا أو ذاك ~~قدر أحسد عليه؛ لم أجد له في نفسي صدى، فكأنما أمتلئ من خارج، إن صح ~~هذا التعبير، وأخلو وأفرغ من داخل ... ولست أدري: ماذا تقول أنت في هذه ~~الصفقة؟ لكنها عندي صفقة المغبون، ومثل هذه الصفقة الخاسرة يذكرني يوم ~~ميلادي. # | رسالة إلى صديقة أدبية # أهديها إلى الآباء والأمهات الذين قد ينزلون بأبنائهم السوء ~~من حيث لا يعلمون. ~~*** # صديقتي أ ... # يشاء الله يا صديقتي أن تكون أولى رسائلي إليك صادرة عن قلب مكروب ~~مكلوم حزين، وقد كنت أوثر أن يجيء أول اللقاء ابتسامة صافية لا تشوبها ~~شائبة من هذه الهموم التي أترعت بها نفسي. لكننا تعاهدنا - ألا ~~تذكرين؟ - تعاهدنا على الصدق الذي ينثر مكنون القلب نثرا، ولا يفتري ~~على الحق شيئا ... أفلا تذكرين ذلك اللقاء السريع العابر، والبحر يطن في ~~مسامعنا صداه، حين اختلجت يداك، ولمعت عيناك، في إيمان صادق، وقلت ~~صارخة: حرام، حرام أن يعيش الناس في جو من أكاذيب ... فلنكن نحن صادقين ~~في رسائلنا، ولنسكب خواطرنا ومشاعرنا على الورق خالصة لوجه الفن، لا ~~نخشى في تصوير الحق لومة لائم. # هذا القلب الجريء الذي لا يخاف لوم اللائمين هو أملي، وهو علة ~~إخفاقي في آن معا! # نعم يا صديقتي، فلست أرجو لنفسي شيئا أعز من أن يكون لي قلب حر ~~جريء، مثل عقلي الحر الجريء! ... فقد أشرفت بنفسي على تربية رأسي ~~وتغذيته بالفكر، جاء عقلا لا يتردد لحظة في تحطيم الأصنام كائنة ما ~~كانت تلك الأصنام. فلا يعتز بقديم لقدمه، ولا يهوله جبار لجبروته ... ~~لكن قلبي - وا حسرتاه! - صنيعة سواي! أشرف على تربيته والدي رحمه الله، ~~فجاء قلبا رعديدا جبانا، ms010 يريد له الرأس أن ينهض فيكبو، يريد له أن ~~يطير معه في أجواء الحرية الطليقة، لكنه يسقط ويهوي، يريد له أن يحطم ~~الأصنام فيعبد الأصنام! يا حسرتي من هذا القلب الضعيف الخائر الذي ~~أحمله بين جوانحي! # في هذا الصراع بين رأسي وقلبي، يا صديقتي، تقع مأساتي. يقرأ الناس ما ~~أكتبه، فيتوهمونني سيلا عرمرما دفاقا كاسحا. هيهات أن توقف ~~مجراه سدود أو حدود، ثم يلقاني من يلقاني، فإذا أنا المستكين الخائف ~~الخائر المتهافت، الذي لا يثبت على قدميه أمام التوافه! # من لي بمن يعلم هذا القلب الجبان أن التخلص من الخوف هو حكمة ~~هذه الحياة؟ من لي بقلب جريء مثل رأسي، فلا تهوله أرض ولا سماء ولا ~~يروعه عرف ولا تقاليد؟ # لكنه أبي - رحمه الله - هو الذي حطم بين أضلعي قلبا خلقه الله ~~وثابا؛ فقد أنسى كل شيء من أحداث طفولتي ويفاعتي، قبل أن أنسى كف ~~والدي التي قست على ذلك الطفل مني أو اليافع. وهل أنسى يوما أجلسني ~~فيه والدي أمامه - وكنت لا أجاوز الخامسة - وسألني سؤالا في الحساب ~~ولم أسرع له بالجواب، فضربني بكتاب ضخم كان أمامه ضربة لا أزال أشعر ~~بالدوار كلما ذكرتها. وكان بالغرفة أضياف، فضحكوا ضحكات تهز الهواء ~~من حولي حتى الآن. وقال منهم قائل وهو غارق في ضحكه: «قد ضربته بالدنيا ~~كلها على رأسه.» وترددت الكلمة في سمعي دون أن أفهم لها معنى، لكنني ~~سأنسى كل شيء، قبل أن أنسى كيف عز على نفسي أن أضرب «بالدنيا كلها ~~على رأسي» مع أني بريء. فانفجرت باكيا، لا أملك لدمعي زماما، ولعلك ~~تعلمين يا صديقتي أن الطفل كثيرا ما يبكي مؤخرا؛ فقد يصاب بجرح وهو ~~لا يدري، حتى إذا ما نبهوه أن دماءه تسيل، أخذ في البكاء ... ودارت ~~الأيام، وجاء يوم كنت فيه تلميذا بالمدرسة الابتدائية، وتسلمت «الأطلس ~~الجغرافي» بين ما تسلمته من الكتب أول العام الدراسي، وأخذت أقلب ~~صفحاته، وأدير فيه البصر معجبا بألوانه، فإذا جاري يهمس لي: «الدنيا ~~كلها في هذا الكتاب الذي في يدك»، ms011 فانتفضت لعبارته انتفاض الجريح؛ لأني ~~ذكرت عندئذ حادثة طفولتي التي جرحت فيها كبريائي جرحا لم يندمل حتى ~~اليوم. ويومئذ فقط، أدركت معنى ما قاله ذلك الخبيث الذي قال لوالدي ~~ضاحكا: لقد ضربته بالدنيا كلها على رأسه. # وطلب مني والدي ساعتئذ أن أكف عن البكاء. فلما عجزت عن طاعته؛ ~~صفعني بكفه على وجهي صفعة أسمع الآن رنينها، وأعاد لي أمره بالسكوت. ~~ولست أدري الآن كيف استطعت أن أوقف البكاء، لكني فعلت، وأنا أنتفض بين ~~يديه جزعا فزعا. ولم أجرؤ على رفع بصري إلى الجالسين، خجلا من ~~كبريائي الجريحة ... وأعاد والدي رحمه الله سؤاله من جديد، وأراد الجواب ~~السريع. لكني كنت في هذه المرة أعجز عن الجواب مني في المرة الأولى، ~~فحملني بين ذراعيه حملا، وقذف بي خارج الغرفة. وكان الباب على بعد ~~منه لا يقل عن مترين أو ثلاثة أمتار، قذف بي كما يقذف اللاعب بالكرة، ~~وقال لأضيافه في نغمة المزهو الشامخ بأنفه: لن يعيش لي ولد خائب؛ فإما ~~أن يفلح أو يموت! # أقسم لك بالله يا صديقتي، أن دمعة كادت تطفر مني، وأنا أكتب هذه ~~السطور. لعلها دمعة باقية في محجري منذ ذلك اليوم! ... إنني لأنظر الآن ~~إلى الناس من حولي، وكأني أرى في وجوههم الضاحكة انعكاسا لوجوه هؤلاء ~~الأضياف الذين كانوا يجلسون إذ ذاك مع والدي. يشهدون ويضحكون، أنظر إلى ~~الناس من حولي الآن، يضحكون، فأكره منهم هذا الضحك: ترى هل تضحكهم خيبة ~~رجائي في حياتي كما كان يضحك أضياف أبي عند خيبتي في حل المسألة التي ~~ألقاها إلي أبي وأراد الجواب؟! ترى هل يرضى عني روح والدي لو ألقيت ~~بنفسي في اليم لأحقق له مبدأه الذي ألقاه في مسمعي، وأنا بعد في سن ~~الخامسة؟ ولا تزال آثاره عالقة برأسي، تحركني في مسالك الدنيا يمنة ~~ويسرة: إما أن يفلح أو يموت! # ماذا يا أبت لو لم يكن نجاح، والنجاح ليست عناصره كلها في ~~يدي؟ # واحر قلباه! ... ألا إن الجواب عن هذا السؤال مخيف فظيع. لقد عشت ~~ما عشت يا ms012 صديقتي، وجاهدت ما جاهدت، فلم يفتح علي الله من أبواب ~~النجاح بمثل ما يفتح على سواي من الناس، وأحاول ما استطعت أن أشيع ~~الرضى في قلبي القلق الثائر، فلا أستطيع. ترن في رأسي عبارة أبي ألف ~~مرة في اليوم الواحد: إما أن يفلح أو يموت، ثم أفكر في اليوم الواحد ~~ألف مرة في تحقيق ما أراده لي أبي! # إنه لا يعلم إلا الله مدى ما أثر ذلك اليوم المشهود في مجرى حياتي. ~~فكما عز على نفسي عندئذ أن أرفع بصري إلى وجوه الحاضرين وأنا موصوم ~~بالعجز والخيبة، لا أزال حتى اليوم عاجزا عن مواجهة الناس، كلما ظهر ~~في حياتي مظهر جديد من مظاهر الخيبة؛ فما أسرعني إلى الانزواء ~~والانطواء كلما هاض إلى الزمن جناحا ... # معذرة، يا صديقتي، فلم أرد أن يجيء هذا الخطاب في هذا السواد، ولكننا ~~تعاهدنا على مقربة من هدير البحر ساعة الغروب، ألا يخفي أحد منا في ~~رسائله شيئا، فهل تذكرين؟ # | بغير مرآة # نزلت أسبوعا في غرفة من فندق ريفي (في فرنسا) كانت بغير مرآة، فمن ~~ظن - كما ظننت - أنه ضيق بنفسه صدرا، ولم يعد يملك على حياته صبرا؛ ~~فليسكن - كما سكنت - أسبوعا في غرفة بغير مرآة. # لم أكن أدري كم أحببت نفسي، حتى حرمت - خلال ذلك الأسبوع - من رؤية ~~نفسي. ترى أكان اليونان في أساطيرهم جادين أم هازلين، حين رووا لنا عن ~~«نارسيس» أنه رأى صورة وجهه لأول مرة معكوسة على صفحة الماء، فأحبها - ~~وهو لا يدري أنها صورته - وأراد أن يضم إلى صدره هذا الحبيب، فلم يجد ~~إلى ضمه من سبيل. ثم تمضي الأسطورة في قصتها، فتروى أن «نارسيس» لما ~~عز عليه الحبيب - الذي هو نفسه - اعتزل الحياة محزونا على حافة ~~الغدير حتى فارقته الحياة. وسمعت عرائس الجن بموته فأرادت أن تواري ~~جسده في جدث يزوره الرائح والغادي، ولكنها لم تجد جسده الذي ذوى وذوى ~~ثم ذوى. لم تجد إلا زهرة نبتت على حافة الماء، حيث كان الحبيب يتأمل ~~وجه الحبيب، يتأمل الحبيب البعيد وهو ms013 قريب. نبتت زهرة مكان جثمانه ~~الذاوي، فأطلقت عرائس الجن اسمه على الزهرة وما يلحقها في نوعها من ~~زهرات فجعلوا اسمها «نارسيس»، ومعناها النرجسة. فكلما رأيت نرجسة - أي ~~قارئي الكريم - فارفق بها، واعلم أنك تبصر فيها رمزا نسجته يد ~~الطبيعة؛ تخليدا للمرء يحب نفسه حبا قد يودي به إلى الفناء. # كنت أتوهم، قبل الأسبوع الذي عشته بغير مرآة، أن اللحى تنبت على وجوه ~~الرجال كارثة أصيب بها الرجال؛ لأنهم بين اثنتين إما أن يطلقوها أو ~~يزيلوها. فإن هم أطلقوها ذوائب تنوس على صدورهم؛ نفرت منهم جموع ~~الغانيات، ثم ... ثم إذا أنت أطلقت للرجال لحاهم؛ فأين يكون الفرق بين ~~الكواسر والرجال؟ وإن هم تعقبوها بالحلق كل صباح؛ فيا له من عناء ~~موصول لا يدري فداحة رزئه إلا الرجال! # ولم أدر إلا خلال ذلك الأسبوع أن اللحى فضل من الله ونعمة ... «وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها» ... هي فضل من الله ونعمة؛ لأنها ذريعة يتوسل ~~بها الرجال لينظروا إلى وجوههم في المرآة كل صباح. فلا بأس على المرأة ~~إن هي استهلت يومها بالنظر إلى مرآتها لتطمئن على جمالها. لكن ماذا عسى ~~أن يصنع الرجل المسكين، وقد عد عارا أن يطمئن على جماله؟ بماذا ~~يبرر أمام ضميره وأمام الناس نظره إلى المرآة، بحيث لا تشوب رجولته ~~شائبة من التخنث والتأنث؟ هي اللحية أطال الله بقاءها، هي اللحية التي ~~تبرر لك أن تجلس إلى مرآتك كل يوم، فيسبق إلى وهم الناس أنك حلاق بريء ~~عن الهوى، أملت عليك الصناعة مواضعات المجتمع وضرورة العيش بين ~~الناس؛ لأن الناس - لسبب لا أدريه - يريدون للرجال أن يبدوا بأوجه ~~ملساء. أما الحق الذي لا مراء فيه ولا خداع، فهو أنك تجلس أمام مرآتك ~~كل يوم، حبا لنفسك وإعجابا بها. ومن ظن أني أفترى على الرجال كذبا؛ ~~فليختلس نظرة إلى رجل جالس إلى مرآته ليحلق لحيته، فسيراه يلوي عنقه ~~يمنة ويسرة في عجب وإعجاب، ويربت بيده على خده في رفق وحنان، بل ~~فيما يشبه العشق والهيام. # والناس في هذا العشق ms014 يختلفون درجات؛ فمنهم من يشبه «روميو»، ومنهم من ~~يصور «المجنون». ولست أدري كم أغرم قارئي هياما بنفسه، فأحب أن ~~أسأله: كم صورة لك علقتها على جدران دارك؟ وكم منها قد وضعته على ~~المناضد ليطل على الزائرين في ابتسامة الظرفاء؟ وفي أي إطارات ~~مزخرفة، مزركشة قد وضعت تلك الصور؟ أحب أن أسأله: كم تأخذك هزة الفرح ~~الخفي الخفيف حين ترى نفسك - عند الطرزي مثلا - معكوسا في كثير من ~~المرايا في وقت واحد، فتتلفت إلى نفسك هنا وهنا وهناك وعلى شفتيك ~~ابتسام. حتى إذا ما أقبل الطرزي أو صبيه نظرت إلى الأمام في تجهم ~~خفيف؛ لتوهم القادم أنك رجل جاد مع نفسك صارم، تضن عليها بكل ما ينم ~~عن حب وإعجاب. هذه فطرة في نفسي لا أكتمها، ولا أظن أنك كاتم. ولقد ~~ظللت حينا طويلا من الدهر، أغالب هذه الفكرة من نفسي، فلا أجلس أبدا ~~أمام آلة التصوير، حتى اضطرني القانون أن أصور نفسي لتتم الشروط ~~لجواز السفر. لكني ما كدت أبصر نفسي مصورة على الورق؛ حتى أخذت أطيل ~~النظر إليها. أضع الصورة في غلافها ثم أخرجها لأعيد إليها النظر، ثم لم ~~أملك سوى أن أعود إلى المصور ليرسمني مكبرا اثنتي عشرة مرة دفعة ~~واحدة! # إنه لتعجبني من أجدادنا الأولين صراحة لم تعرف خداعا ولا رياء. فإذا ~~ما أحسوا في فطرتهم شهوة أشبعوها، وأطلقوا لها السراح. ففيم كتمان ما ~~فطرنا الله عليه؟ كان هؤلاء الأجداد الأولون يرون صورهم معكوسة على ~~الماء أو غيره من صقيل الأجسام، فيحبونها كما يحبون أنفسهم بل يحبونها ~~لأنهم يحبون أنفسهم، ثم لا يكتمون هذا الحب. فيغارون على تلك الصورة ~~ويشفقون عليها من اعتداء الأعداء، فيحيطونها بالطلاسم والرقى؛ حتى ~~لا ينال منها سحر الساحرين، فلا فرق في عالم السحر بين المرء وصورته. ~~وإن أعز المرء صورته فقد أعز نفسه، والحق أن أجدادنا هؤلاء كانوا ~~يحارون لهذا الازدواج العجيب لنفوسهم، فما الجسم وما صورته؟ أين ~~الحقيقة منهما وأين الخيال؟ أيكون هذا الازدواج من قبيل ازدواج الأرواح ~~وأشباحها؟ إذن فليوضع ms015 في قبر الميت صورة له أو صور، وتمثال له أو ~~تماثيل، حتى لا يحرم في غربته من هذا الحبيب ورفقته. # ونحن نحب نفوسنا إلى هذا الحد، بل إلى أبعد من هذا الحد، ثم نخفي ~~ونستحيي! # الصديق مرآة صديقه، كما يقول شيكسبير. قد كنت أفهم هذا القول فهما ~~صبيانيا تافها قبل ذلك الأسبوع الذي عشته بغير مرآة. كنت في سذاجتي ~~أظن أن شاعر الدنيا بأسرها إنما أراد بقوله هذا أن يدلني هذا الصديق أو ~~ذاك عن رباط الرقبة؛ أهو في موضعه أم ينحرف قليلا إلى يمين أو يسار؟ ~~وبذلك يكون الصديق مرآتي إذا عزت المرآة! أو كنت إذا أوغلت في ~~الفكر والنظر أظن أن الشاعر إنما أراد بقوله إن الصديق يدل على نوع ~~صديقه، كما تدل الصورة على شكل صاحبها، على نحو ما يقال عندنا: قل لي ~~من تعاشر أقل لك من أنت. لكني حين افتقدت المرآة في ذلك الأسبوع فلم ~~أجدها، تنبه في ذهني معنى آخر؛ أني أريد الصديق كما أريد صورتي، ~~أريدهما معا لأثبت وجودي! لست بالموجود الكامل حتى أراني معكوسا في ~~جسم آخر، ولست بالموجود الكامل حتى أجد الصديق الذي أتحدث إليه فيجيب، ~~فيكون في جوابه انعكاس لروحي كما يكون في الصورة انعكاس لوجهي على ~~صفحة المرآة. إنني أنظر إلى السماء والأرض وما بينهما فلا أجد في كل ~~ذلك شيئا واحدا يدل على وجود العين التي ترى! ... لولا أني أراها ~~معكوسة في المرآة! ... كذلك أعيش وأحيا، أحس وأفكر، وأنعم وأتألم، دون أن ~~أجد شيئا واحدا يدلني على وجود هذا الذي يحس ويفكر وينعم ويتألم ... ~~لولا أني أراه - أي أرى نفسي - معكوسا في إنسان يجاوبني حين أوجه إليه ~~الحديث! يا إلهي، كيف تكون الحياة بغير سمر وحديث؟! أبعد هذا ألوم من ~~يمتنع عليه المسامر فيحدث نفسه؟! يا ليت شعري هل خلقت حواء إلى جنب ~~آدم ليتم بوجود اثنين كلام، فتتم الحياة؟ # يتحدث الصديق إلى صديقه ليسمع بأذنيه برهان وجوده، وينظر المرء إلى ~~صورته في المرآة ليرى بعينيه أنه هناك ms016 كائن بين الكائنات. # نحن إلى هذا الحد البعيد نحب أنفسنا، نحب أن نراها مصورة بالكلام ~~المنطوق والرسم المرقوم ... ثم نخفي ونستحي! # والأمر في الأمة كلها كالأمر في الفرد الواحد. تريد الأمة إن كانت ~~تجري في عروقها دماء الحياة، تريد أن ترى صورتها مرقومة وأن تسمع صوتها ~~منطوقا، له في نفوس الآخرين رجع وترديد. وعرف الناس ذلك الطبع في ~~جبلتهم، فراحوا لأنفسهم بالريشة يصورون وبالقلم يكتبون، حتى إذا ما ~~تقاطر الناس إلى جدران المتاحف، وجدوا الصور، صور نفوسهم، أخرجتها لهم ~~ريشة المصور، أو قلبوا صفحات الكتب، وجدوا الصور، صور نفوسهم، ~~دبجتها لهم يراعة الكاتب. والأمة التي ترى صورتها معكوسة على جدران ~~المتاحف، مبسوطة على صفحات الكتب، لا يساورها القلق على وجودها؛ فها هي ~~ذي نفسها مرسومة مرقومة على مرأى منها ومسمع. # ونحن كسائر الأمم، إلى هذا الحد البعيد نحب أنفسنا، ونحب أن نراها ~~بالعين ونسمعها بالأذن، لكننا نخفي ونستحيي! # وإذا لم يكن بنا من إخفاء أو استحياء؛ فقل لي بربك: أين مرآتنا التي ~~نرى فيها أنفسنا معكوسة مصورة، صامتة أو ناطقة، وإن بيننا لأدباء ~~ومصورين، وإنهم على فنهم لقادرون؟ # رفعت القلم الآن، وأمسكت عن الكتابة لحظة، ونظرت خلال نافذة ضيقة على ~~يميني إلى الأفق البعيد، فصورت لنفسي أدباءنا في قصر منيف، يقلبون ~~كتبا ويفحصون أوراقا لعلهم واجدون ما يصلح غدا أن يكون مقالة! ... ~~وأمام القصر ميدان واسع فسيح، زاخر بجموع الشعب الحاشدة. وقد تحلق ~~أفراده في الزحمة جماعات جماعات؛ فلاح القرية والشيخ والعمدة، مأمور ~~المركز والحارس وضابط البوليس، طالب المدرسة والأستاذ والناظر، كاتب ~~الديوان والحاسب والرئيس، الكواء والحذاء والساعي، والكناس ~~والبواب وبائعة اللبن، الحبيبان اللذان التقيا بين أعواد الذرة في ~~الريف، والحبيبان اللذان التقيا في ظلمة السينما في المدن؛ لأن ~~الشعب لا يعترف بالحب ولا يعرفه. وإلى جانب هؤلاء وأولئك جماعات من طير ~~وقطط وكلاب، وبعوض وذباب، وثيرة وأبقار. # ازدحم الميدان الواسع الفسيح بهذه الجموع الحاشدة الزاخرة، محتجة ~~صاخبة، وليس احتجاجها هذه المرة على صعوبة المناهج في المدارس، ولا على ~~كثرة ms017 ساعات العمل في مراكز البوليس، ولا على درجاتهم المالية التي ~~اضطربت وأصبحت في حاجة إلى التنسيق والتنميق. لكنها احتجت تريد هذه ~~المرة ما هو أخطر من ذلك، تريد أن تطمئن على وجودها، تريد لأنفسها ~~الرسم والتصوير. # إننا لنحس في أنفسنا حبنا لأنفسنا، وإن أدباءنا على فنهم لقادرون، ~~لكننا نخفي ونستحيي! # | شبكة الصياد # صبت صديقتي الشاي في قدحي، فتناولته ساهما ساكنا، وأخذت ~~أتحساه على مهل، وكأنما بدا على وجهي ساعتئذ شرود الفكر، ~~فسألتني، قالت: ماذا دهاك؟ # قلت: إنه اليوم الأول من شهر فبراير. إنه يوم مولدي. # قالت: إذن؛ فهو يوم تفرح فيه، فما لي أراك قد بترت حبل الحديث ~~وأخذك الوجوم؟ # قلت: لا، ليس ما بي من وجوم، إنما هي خلقة طبعها الله على وجهي، ~~فأبدو واجما ولست بواجم. # قالت: لكنك شطحت بفكرك في السحاب. # قلت: بل سرحت به دبيبا على هذه الأرض، كررت به راجعا عشرين عاما، ~~إلى العام الذي أتممت فيه دراستي العالية، واستعرضت في مثل اللمح ~~بالبصر كل ما كان، وكنت قد بدأت أحاسب نفسي. # قالت: أعد لي ما دار في رأسك، لأبدأ معك حسابك لنفسك. # قلت: كان البحر مضطربا، وكانت السماء مكفهرة دكناء، حين خرجت ~~بشبكتي أقصد الصيد، وكان معي فريق من الزملاء، حملوا شباكهم على ~~أكتافهم؛ إذ كانوا كذلك إلى الصيد يقصدون. # خرج الصيادون جماعة واحدة، يحملون شباكهم، كل قد حبك الشبكة حبكا ~~يتفق مع وجهة نظره فيما يراه أنفع في الحياة وأجدى، وكل لا يكاد يدري ~~شيئا عن شبكة زميله. فكان الصيادون في جملتهم يعتقدون أن الشباك قد ~~تقاربت نسجا وحبكا. فإن اختلفت عيونها سعة وضيقا، وإن تباينت خيوطها ~~شدة وضعفا؛ فاختلافها في رأيهم يسير على كل حال، لن يؤدي إلى تفاوت ~~كبير فيما يصيدون؛ لذلك لم يكن بينهم يومئذ حسد ولا حقد، ولم تدب في ~~نفوسهم يومئذ شحناء أو بغضاء، حتى لقد ذهب بهم الوهم الجميل إلى ~~الإيمان بأنهم سيظلون أحبابا أصحابا؛ فقد أخرجتهم إلى الصيد قرية ~~واحدة، وأسكنتهم تلك القرية منازل متجاورة متقاربة. ms018 # أقلعت الزوارق بجماعة الصيادين من مكان واحد عند الشاطئ ، ثم أخذ ~~الموج المضطرب الهائج يباعد بينها. فهذا زورق يمضي قدما في خط ~~مستقيم، وذلك زورق ينحرف ذات اليسار، وثالث يتجه إلى اليمين، ورابع لم ~~يكد يسبح قليلا حتى ارتطم بالصخر ووقف حيث كان. # وها أنا ذا، يا صديقتي، أصور لنفسي جماعتنا، وقد عادت إلى الشاطئ بعد ~~رحلة الصيد. # قالت: فماذا رأيت؟ # قلت: هالتني الفوارق بين صيد وصيد. # هذا صياد قد أخرج من شبكته سمكة واحدة ضخمة جبارة، لم يكد يراها ~~الزملاء حتى خجلوا من صيدهم الهزيل. # وسألناه جميعا بصوت المشدوه المبهوت: كيف كان ذلك؟ فقال: حبكت ~~شبكتي منذ البداية على هذا الأساس، فجعلت عيونها قليلة لكنها وسيعة، ~~وكنت أعلم منذ البداية أني مغامر مخاطر مقامر. فإما عدت بغير صيد على ~~الإطلاق، أو عدت بمثل هذا الصيد السمين؛ ذلك أن معظم السمك في البحر - ~~كما تعلمون - متوسط الأحجام أو صغيرها، وشبكتي هذه عيونها أوسع من أن ~~تمسك بمتوسط أو صغير. # فقال له زميل، وهو يبلع ريقه الذي جف في حلقه غيرة وحيرة: لقد ركنت ~~إلى الحظ فواتاك! فأجابه الصياد الناجح ضاحكا مزهوا بنجاحه: ليس ~~الأمر كله حظا مواتيا. يا صاحبي لا يحملنك الفشل على غمط الناس ~~حقوقهم، أني حين حبكت شبكتي على نحو ما حبكتها، كنت أصدر عن روية ~~وتفكير وإرادة وتدبير. ثم جاء أوان الصيد فتخيرت الموضع الذي ألقي فيه ~~شبكتي. وليس التخير الصحيح من قبيل الحظ المواتي والمصادفة العمياء ... ~~نعم قد كان من الجائز أن أحبك عيون الشبكة على نحو ما فعلت، وأن ألقي ~~بها حيث ألقيت، فلا تصادفني السمكة الكبيرة التي رجوت. لكن الحياة ~~السليمة الصحيحة القوية هي في التعرض لمثل هذا الخطر، فهو تعرض للخطر ~~قائم على حسن الروية لا على الطيش والجنون، ثم هو تعرض للخطر يحدوه ~~الأمل. # وكان طبيعيا أن تلتفت أنظارنا إلى شبكة الزميل المعترض، فإذا هي ~~مليئة بالسمك الصغير. إن صيده كثير غزير، ومع ذلك فقد أفرغ شبكته ~~خجلا، ونظرنا إليه في ابتسامة ms019 الساخرين! فاعجب لكثرة تبعث على السخرية ~~وتدعو إلى الخجل ! لقد رسم هذا الصياد خطة صيده على أساس الحذر الشديد ~~والحرص الشديد؛ فأعد لنفسه شبكة ضيقة العيون لا تفلت منها سمكة شاردة ~~أو واردة من صغار السمك، لكن كبار الأسماك وأوساطها ليست من نصيبه. إن ~~السمك الصغير موجود في كل موضع من البحر، فأينما ألقيت بالشبكة الضيقة ~~العيون جاءتك منه بعدد كبير، وأهم ما كان يهتم له هذا الزميل الصياد، ~~حين بدأنا رحلة الصيد؛ ألا يعود من الرحلة صفر اليدين. إنه أراد حصادا ~~مؤكدا، فكان لا بد له أن يستغني عن أوساط السمك وكبارها. # لا، فإني أذكر الآن صديقا ثالثا، كان أكثر من ذلك عناية وأشد ~~حرصا؛ فقد استوقف صيده أنظارنا بأنه خليط من متوسط وصغير. وسأله سائل ~~كيف كان ذلك؟ فأجابه بأنه قد تحوط للأمر فحمل معه شبكتين، ووقف في ~~زورقه ممسكا إحداهما بيمناه، والأخرى بيسراه، وعاد بما عاد به من ~~صيد يستوقف الأنظار. لكنه مع ذلك يدعو إلى الإشفاق على صاحبه؛ لأن ~~المسكين قد أجهد نفسه إجهادا أضناه وأشقاه، حتى ليكاد ينظر إلى صيده ~~نظرة المتحسر الذي يحس أنه قد صاد الصيد لسواه. # قالت صديقتي: إنك لم تذكر شيئا عن صيدك أنت، فما لي الآن ولصيد ~~زملائك؟ إن اليوم يوم ميلادك، وقد حلا لك أن تشطح عني بفكرك إلى ماضيك ~~تستعيده؛ لتنصب لنفسك ميزان الحساب. # قلت: كانت عيون شبكتي أقرب إلى الضيق منها إلى التوسط أو السعة؛ ~~فأمسكت بسمكات قلائل، كلها أقرب إلى الصغر منها إلى التوسط فضلا عن ~~الكبر والضخامة. # قالت: أفهم أن تجيء أحجام السمك في صيدك أقرب إلى الضآلة منها إلى ~~التوسط أو الكبر، لكني لا أفهم أن تكون سمكاتك قلائل، فما شأن الشبكة ~~وعيونها بكثرة السمك أو قلته؟ # قلت: ها هنا يا صديقتي يقع الخطأ الأكبر في رحلة صيدي، فقد أخطأت ~~الحساب وألقيت الشبكة في غير موضع الغزارة والدسم. فجعلت أطرحها ~~وأجذبها، ثم أطرحها وأجذبها، مرة بعد مرة، ولا أظفر في كل مرة بأكثر من ms020 ~~سمكة أو سمكتين. # قالت: ولماذا لم تتحول عن ذلك الموضع إلى سواه؟ # قلت: إنه يا صديقتي أمر عجب، أن يدرك الإنسان مدى إخفاقه في موضعه، ~~ثم يستحيل عليه أن يتحول عنه إلى غيره، كأنما قد أصابه الشلل فلا يقوى ~~على الحركة! وأعجب من ذلك أني إلى اليوم لا أقصد إلا إلى ذلك المورد من ~~البحر كلما أردت صيده، أطرح الشبكة نفسها في المكان نفسه وأعود مثل ما ~~عدت به من الصيد في كل مرة! # لكني فيما مضى كنت ألقي التبعة على الحظ الأنكد، كأنما هذا الحظ رجل ~~من لحم ودم يضطرب معنا في سبل الحياة، فيعين هذا ويعرقل الطريق لذاك. ~~فلما كبرت وازددت خبرة ودقة، أدركت أن تبعة الصيد الهزيل واقعة لا ~~محالة على الصياد. فالشبكة من نسج يديه، وموضع الصيد من اختياره، إن ~~هذا «الحظ» المسكين الذي نلطخه بأوحالنا، ونفرغ على رأسه قمامتنا، ~~مظلوم مغبون. إنه بريء إلا بمقدار ضئيل جدا مما يصيبنا. ليتني أعرف ~~أين يسكن هذا الذي ظلمه الناس وقسوا عليه؛ لأبعث إليه بقطعة من الحلوى ~~اليوم، يوم ميلادي؛ تكفيرا عما ألقيته في فمه من حنظل مر في سالف ~~الأعوام. # ثم ابتسمت لصديقتي وسألتها: ترى أين يكون موضعك أنت من هذه الأنواع ~~المختلفة من الشباك والصيد؟ # فقالت ضاحكة: نحن النساء لنا شباك أخرى وصيد آخر. # | المئذنة والهرم # على مقربة من داري مسجد، مررت به ألوف المرات، ولم أصعد بصري إلى ~~مئذنته مرة، حتى كان الأمس ... فقد كنت ماشيا أمامه ساعة العصر في طريق ~~إلى غايتي، مطرق الرأس، مفكرا في هموم دنياي. وإن همومي لمن الصغائر ~~الحقائر، وإن دنياي بأسرها لمن التوافه. وإذا بصوت المؤذن ينبثق من ~~شرفة المئذنة صارخا: «الله أكبر.» # علوت ببصري إلى المؤذن عن غير عمد، لكني بعدئذ أمهلت الخطى عامدا. ~~وأخذت أصعد نظري في المئذنة وأصوبه، وأدور به مع بنيانها حيث ~~يدور. وأحاول جاهدا - ما استطاع بصري الضعيف الكليل - أن أرى ما ~~ازدانت به المئذنة من زخارف ونقوش؛ لأنها في جملتها قطعة فنية جميلة، ms021 ~~تراها قائمة كأنها العروس ازينت من رأسها إلى القدمين . # مضيت في طريقي، ولم تزل المئذنة ماثلة نصب عيني، ثم أخذت تتلاحق ~~في ذهني خواطر تمت إلى المئذنة من قريب أو بعيد. وحمدت الله أن صرف ~~عني بهذه المئذنة ما كان يضطرب به رأسي من وساوس وهموم. # كان طبيعيا أن تذكرني المئذنة بالإسلام، ثم بالعرب في فورتهم ~~الجامحة. وذكرت فتح العرب لمصرنا فتحا جاءها كالموجة الكاسحة، فانتزع ~~من أفواه الناس لغة قديمة ليجري مكانها لغة جديدة، واجتث من قلوب ~~الناس ديانة ليبث فيها ديانة أخرى وليدة. وفي غمرة هذه الخواطر ~~المنسابة سألت نفسي: ماذا لو لم تغزنا هذه الموجة العربية الثائرة ~~الفائرة القوية العارمة؟ ولم ألبث أن همست لنفسي في دخيلة نفسي مجيبا: ~~جاءنا الفتح العربي بالمئذنة ... وكان لدينا الهرم! فانظر ما تنطوي عليه ~~المئذنة، وما ينطوي عليه الهرم؛ تر الانتقال من حال إلى حال كيف ~~كان. # كلاهما فارع سامق شامخ بأنفه في الفضاء، وكلاهما من وحي الدين يعبر ~~عن القلب وما يختلج به، أكثر مما يعبر عن الرأس وما يضطرب فيه ... لكن ~~المئذنة عروس في جلوتها، والهرم مارد عملاق. تذكرك المئذنة بالصائغ ~~الذي ينقر السوار وينقشه ويزخرفه ويزركشه، وهو جالس لا يتحول عن ~~مكانه ولا يريم. أما الهرم فيذكرك برباع يحمل الأثقال بجسمه القوي ~~وعضله المفتول. وإن كان ذلك كذلك، فانتقالنا من هذا إلى تلك كان ~~انتقالا من الوثوب إلى القعود، ومن الطموح إلى الخمود، ومن عزة الغالب ~~إلى ذلة المغلوب. # وتذكرك المئذنة بمن طال فراغه؛ فأخذ يطيل الوقوف عند التفصيلات ~~والدقائق. أما الهرم فيذكرك بمن قصر فراغه؛ فراح يركم الجلاميد في لهفة ~~العجلان. وإن كان ذلك كذلك؛ فقد كان انتقالنا انتقالا من حياة لاهثة ~~كادحة إلى أخرى هادئة وادعة، من المشغلة إلى الفراغ، من حمل لهموم ~~دنيانا بأنفسنا إلى اعتماد على سوانا يحمل لنا همومنا. # المئذنة تنشد الجمال، والهرم يريد الجلال. الأولى تهدف إلى الرقة ~~والرشاقة، وأما الثاني فهدفه الضخامة والرسوخ. الأولى أملها أن تكون ~~زينة الناظرين، وأما الثاني ms022 فأمله أن يكون خشنا صلبا قويا فتيا. ~~إن راعتك المئذنة فكما تروعك الزهرة الرقيقة التي تحبها وتعطف عليها، ~~وإن راعك الهرم فكما يروعك الجبل الأشم، تهابه وتخشاه. إن أوحت إليك ~~المئذنة فإنما توحي برقة العصفور الغرد، وإن أوحى إليك الهرم ~~فبالصقر وقف ساكنا، لكنك تلمح في سكونه تحفزا لانقضاضه. إن حركت في ~~نفسك المئذنة شيئا فهو الخشوع، وإن حرك في نفسك الهرم شيئا فهو ~~الحكم والجبروت. # المئذنة صفير ناعم فيه العذوبة الحلوة، كصفير الناي تسمعه فريدا ~~وحيدا في جوف الصحراء إبان سكتة الليل، فيميل بك إلى النعاس الهادئ. ~~والهرم كضربات الطبول التي ينخلع لدويها قلبك فيستحيل عليك النوم ~~والرقاد وهي ملء أذنيك. المئذنة رقيقة رقة الإناء الجميل تستحسن شكله، ~~وتخشى عليه سرعة الزوال، وأما الهرم ففيه معاني الرسوخ والثبات والصمود ~~لأحداث الزمان. # المئذنة شاعر والهرم فيلسوف، والشاعر انفعال والفيلسوف تفكير. الأول ~~ثورة والثاني روية وتدبير. المئذنة شعر، والهرم نثر. جمال المئذنة ~~في سلامة الوزن واطراد القافية، وروعة الهرم في عمق المعني وبعد ~~النظر. الأولى إيقاع يفتن القلوب، والثاني حقيقة تأخذ بالعقول، أو قل ~~إن المئذنة بمثابة القصيدة الغنائية الرشيقة. والهرم بمثابة الملحمة ~~التي تحتدم فيها المعارك وتقع فيها ضخام الأحداث. فإن أشبهت المئذنة ~~شاعرا مثل بترارك ظل يتغنى بحبيبته؛ فإن الهرم شبيه بشاعر مثل دانتي ~~يصف الخطوب ويخوض بك مشاهد الأهوال. # المئذنة كالأديب المصنوع، والهرم كالأديب المطبوع. الأول يفكر كيف ~~يزخرف ويزركش، والثاني لا يبالي كيف جاء التعبير عن نفسه؛ لأنه تعبير ~~صدر عن قلب خصب عميق. المئذنة كالبستان الذي قلمت أشجاره وهذبت ~~أطرافه حيث يصلح تحفة في قصور الأغنياء والأمراء تنظر إليها العيون ~~ولا تدوسها الأقدام. والهرم كالغابات والأحراش إن أخطأت النظرة الأولى ~~جماله؛ فهو قمين أن يستثير الإعجاب عند النظرة الثانية البطيئة ~~المتمهلة. # لو كانت المئذنة سمرا خفيفا لطيفا لا تمل سماعه؛ فالهرم هو صمت ~~الراهب في صومعته، يفكر صامتا ويتأمل صامتا. المئذنة أشبه بالضاحك ~~لخلاء باله من الهموم، والهرم أشبه بالمتجهم لما يحمله فوق كتفيه من ~~أثقال ms023 وأعباء. المئذنة ملهاة، والهرم مأساة. المئذنة رجز، والهرم ~~من البحر الطويل. المئذنة كرجل أنيق يعنى كل العناية بهندامه، يهذب ~~شاربيه شعرة شعرة، ويمشي بحساب ويقف بحساب ويجلس بحساب؛ حتى لا يفسد ~~وضع الثياب على جسده، وأما الهرم فشبيه برجل شغله باطنه عن ~~ظاهره. # قف إلى جانب المئذنة ثم قف إلى جانب الهرم؛ تحس إحساسا عميقا عند ~~الهرم أنك إزاء أثر يعبر عن أمة بأسرها، وتحس عند المئذنة أنك إزاء ~~أثر أقامه فرد بماله. فبناء الهرم كالذي يبني بيته بيده، وبناء ~~المئذنة مأجور على صناعته؛ لأنه كالذي يبني لغيره. فلو قيل لك: من بنى ~~الهرم؟ أجبت: المصريون. وإن قيل لك: من أقام هذه المئذنة؟ قلت: فلان. ~~الهرم يوحي بالمجد التليد، والمئذنة كالنعمة المستحدثة. فلو سئلت: ~~من بنى الهرم؟ قلت: آباؤنا الأولون. أما إن قيل لك: من أقام هذه ~~المئذنة؟ أجبت: لست أدري! ~~••• # المئذنة مثل شروق الشمس، والهرم مثل غروبها. المئذنة كالسماء ~~المشرقة الصافية، والهرم كاليوم العابس المتجهم. إن كانت المئذنة أقرب ~~إلى فرحة العرس؛ فالهرم أدنى إلى كآبة المأتم. المئذنة ولادة والهرم ~~موت. المئذنة غناء والهرم رثاء. # في المئذنة طلاقة الحرية، وفي الهرم معنى الإذلال (لا الذل). طبقات ~~المئذنة واحدة فوق أخرى وسلمها واحد، فلكل أن يرتقي ذراها إن أسعفه ~~جهده ونشاطه. وأما الأهرامات فمتفرقات بينها حواجز، أقصى جهد الصاعد في ~~هرم أن يبلغ قمته دون أن ينتقل إلى الهرم الذي يليه. ففي الأولى مساواة ~~بين الناس مع تفرقة على أساس مجهودهم. وفي الثانية تفرقة على أساس ~~الطبقات، لا يجوز لفرد في طبقة أن يجاوزها إلى طبقة سواها. التفاوت ~~فسيح بين قاعدة الهرم وقمته، أي بين الشعب وحاكمه، لكنه ضئيل في ~~المئذنة، حتى ليكاد التفاوت بين الأسفل والأعلى أن يكون اختلافا في ~~الوضع بغير تفاوت في القيمة. # المئذنة صريحة تنطق بسرها على لسان هذا المؤذن، وسرها بسيط قوي لا ~~تخشى عليه من الذيوع شيئا، بل إن شئت فقل إنها تريد لسرها أن يذيع ~~ويشيع. أما الهرم فكتوم ضنين بسره بين جوانحه. ms024 ترى ألأنه سر عظيم أم ~~لأنه متهافت يخشى ضوء النهار؟ لكن السر إن كان عظيما فمن الخسارة ~~كتمانه، وإن كان تافها فمن العبث كتمانه. المئذنة تفصح، أما الهرم ~~فيلغز ويومئ. المئذنة جنينها حي يخرج من جوفها يدب ويسعى، ~~والهرم جنينه ميت دفين يخرج من جوفه ليكون تحفة للناظرين. # وبعد، فماذا لو لم تغزنا هذه الموجة العربية الثائرة الفائرة القوية ~~العارمة؟ ... إذا أردت لنفسك جوابا - هكذا همست لنفسي - فقل: جاءنا ~~الفتح العربي بالمئذنة، وكان لدينا الهرم. # | حمل الهموم # قلت لنفسي بمناسبة ما يحيط بي هذه الأيام من هم وغم، وما يكتنف ~~نفسي من هواجس ووساوس: يومك هذا هو غدك بالنسبة لأمسك. ألم تكن بالأمس ~~محزون النفس مكروب الفؤاد، تفكر فيما عسى أن يتكشف عنه الغد؟ ها هو ~~ذا غدك المخوف قد جاء وكاد ينقضي. وكانت الشمس على إشراقها والسماء ~~على صفائها، وكان الناس هم الناس والأشياء هي الأشياء. وهكذا سيأتي غد ~~وينقضي، كما سينقضي بعد الغد وما بعده إلى آخر أيامك المعدودة في هذه ~~الحياة. # الحق أن أمر الإنسان عجب في حمله لهمومه؛ فتكاد لا تجد إنسانا بغير ~~عبء من الهموم ينقض ظهره، ثم تكاد لا تجد من بين هؤلاء واحدا لا ينسى ~~همومه هذه بعد حين، لكنه ينساها ليضع مكانها أخرى! ماذا لو نظرنا إلى ~~همومنا الحاضرة بنفس العين التي سننظر بها إليها بعد حين؟ إنك بعد حين ~~يقصر أو يطول، ستذكر هذا الذي كان يهمك ويشغل بالك، فإذا به في عينك ~~تافه حقير، فهلا وزنته بهذا المثقال نفسه الآن؟ # لعل قارئي قد أتاه نبأ الصداقة التاريخية الشهيرة بين الدكتور جونسن، ~~الأديب الإنجليزي الكبير، وزميله المعجب به «بوزول» الذي كتب كتابا في ~~سيرة صديقه وأستاذه «جونسن» فأصبح كتابه هذا مثلا يضرب لأدب السيرة ~~في أرجاء العالم كله، بل اشتقت اللغة الإنجليزية من اسم «بوزول» فعلا ~~يدل على علاقة الإعجاب التي تقوم بين متبوع في الرأي وتابعه. فيقال: ~~فلان «يبزول» لفلان؛ أي: يبدي له من الإعجاب ما يكاد يفنيه في شخصه. ms025 ~~جاء «بوزول» هذا ذات صباح عابس الوجه إثر معركة كلامية نشبت بينه وبين ~~صاحبة المنزل الذي كان يسكن في غرفة منه - والمعارك بين ربات المنازل ~~والساكنين في بيوتهن معروف شهير متصل لا تنقطع أسبابه - فقال له ~~«جونسن» حين سمع النبأ: اقض بخيالك يا سيدي اثني عشر شهرا، ثم انظر ~~كم يبدو هذا الأمر في عينيك من تفاهة الشأن بعدئذ. ويذكر لنا «بوزول» ~~هذه العبارة في السيرة التي كتبها عن زميله وأستاذه، ثم يعقب عليها ~~بقوله: «لو أننا طبقنا هذه النظرة على معظم حوادث الحياة الصغيرة التي ~~تثير الغضب في صدورنا، والتي تقلق طمأنينة نفوسنا قلقا شديدا؛ ~~لكفينا أنفسنا كثيرا من الإحساسات المؤلمة. ولقد حاولت ذلك مرات عدة، ~~فنعمت بأطيب النتائج.» # ولست أذكر اسم الأديب الإنجليزي الذي قرأت له مقالا ممتعا رائعا ~~عنوانه «جبل الهموم» الذي يقول فيه: إن جماعة من الناس لاحظ بعضها على ~~بعض أن كل فرد من أفرادها يحمل في صدره هما ثقيلا، فظنوا أن ما هو ~~هم بالنسبة لهذا قد لا يكون هما بالنسبة إلى ذاك، على أساس الفكرة ~~القائلة بأن مصائب قوم عند قوم فوائد. فاتفقوا على أن يخرجوا جميعا ~~إلى قطعة أرض خلاء، حيث يلقي كل منهم بهمه، ثم يختار له بعدئذ ما ~~شاء من هموم الآخرين، وتم ذلك. فألقيت الهموم من الصدور بحيث تكدس ~~بعضها فوق بعض جبلا عاليا، وانطلق الأفراد بعد ذلك يختار كل منهم ما ~~يحلو له من كومة الهموم، فإذا بكل واحد منهم يؤثر همه السابق على ~~هموم سائر الناس، فيحمل همه القديم ويقفل إلى داره راضيا قانعا، يحمد ~~الله الذي لا يحمد على مكروه سواه ... وإنما يخيل إلينا أننا المنكوبون ~~وحدنا، المهمومون وحدنا، وأن سائر الناس في راحة بال وطمأنينة نفس؛ ~~لأننا لم ندخل صدور هؤلاء الناس، ولو تغلغلنا في ثنايا قلوبهم، إذن ~~لعلمنا أن الناس في الهموم سواء، كل يحمل منها قسطا موفورا. # لقد ارتسمت على وجهي ابتسامة عريضة حين وقعت منذ أيام في إحدى ~~المكتبات على كتاب حديث ms026 لكاتب أمريكي، عنوانه: «كيف تتخلص من عادة حمل ~~الهموم .» وقرأت في مقدمته أسطرا قلائل، هي التي رسمت الابتسامة ~~العريضة على وجهي. لكني لم أشتر الكتاب؛ لأني قلبت صفحاته فوجدتها ~~مفعمة بالنصائح، وقد آمنت بعد خبرة حياتي الماضية أن ألف ألف نصيحة ~~لا تساوي جناح بعوضة إذا قيست إلى أثر الخبرة نفسها. وإنما استثار ~~ابتسامتي ما يقوله المؤلف من أنه حين أراد الكتابة في موضوع الهموم، ~~ذهب إلى المكتبة العامة في نيويورك ليطالع الكتب التي كتبت في الموضوع ~~نفسه. فأخرج من دليل الكتب الحرف الأول من الكلمة التي معناها «هموم» ~~- وهو نفسه الحرف الأول الذي تبدأ به الكلمة التي معناها «دود» - فكم ~~كانت دهشته قوية عميقة، حين وجد في المكتبة العامة ما يقرب من مائتي ~~كتاب عن «الدود»، ولم يجد إلا عشرين كتابا في موضوع «الهموم»! وتساءل ~~في عجب: أيمكن بعد ذلك أن نقول صادقين: إن الأدب تصوير للحياة، وإن ~~الكتاب يعكسون اهتمامات الناس في مرايا كتبهم؟ إنني ما سألت إنسانا ~~واحدا إلا وجدته «مهموما»، مع أني لو بحثت عمن يهتمون بأمر «الدود» ~~لما وجدت إلا نفرا قليلا. فكيف نهمل موضوعا هو من حياة كل إنسان في ~~الصميم؟! اسأل من شئت من الناس: كيف حالك؟ فإن أخلص لك في الجواب ~~وزالت بينك وبينه الكلفة، أخذ يقص عليك همومه، على اختلاف الناس في ~~تلك الهموم. فهذا همه صحته وما أخذ يتعاورها من أسباب العلة. وذلك همه ~~ضيق ذات يده عما تقتضيه الحياة من نفقات. وثالث يشكو ما يعانيه من ~~لؤم في طباع الناس. ورابع همه أبناؤه، فليسوا من النجابة أو من ~~العافية؛ بحيث كان يتمنى ويشتهي. وخامس يحب فيضحك الناس من حبه مع أنه ~~هو جاد فيه. وسادس وسابع وثامن ... # لماذا لا نعد أنفسنا لأسوأ حال؛ حتى إذا ما جاءت الحال خيرا مما ~~توقعنا، انشرحت لها صدورنا واطمأنت نفوسنا؟ كم من مرة غيرت بدلتي، ~~فلما دسست يدي في جيب سروالي وجدت عشرة قروش أو عشرين، كنت قد نسيتها ~~هناك، فيكون لها في ms027 نفسي فرحة كبيرة، كأنما عثرت على كنز دفين! لماذا ؟ ~~لأن الحال الواقعة خير من الحال المتوقعة. توقعت جيبا خاليا، فإذا ~~به يحمل في طيه القروش! ولا عبرة بعد ذلك قلت تلك القروش أو كثرت ... ~~ترى أتكون فرحتنا بالحياة موصولة لا مقطوعة ولا ممنوعة، لو أننا ~~رسمنا خطتها على هذا الأساس؟ أعني لو أننا توقعنا في كل موقف أسوأ ~~حال ممكنة، فمهما جاءنا بعد ذلك من نزر قليل؛ كان في أعيننا فيضا ~~غزيرا. # لو أنني جعلت من نفسي مقياسا لسائر الناس؛ لقلت في غير تردد: إن ~~حركة الجسم أفعل أداة تزيل الهموم الجاثمة على صدر المهموم. أجلس إلى ~~مكتبي فتتراكم في رأسي همومي، فأرتدي بدلتي وأنزل من فورى وأمشي مشية ~~سريعة قوية، فإذا الرأس قد خلا مما كان به! ولا بد أن أرد الفضل في ~~هذا إلى صاحبه؛ فقد كسبت هذه الحيلة البسيطة النافعة من «ثورو» منذ ~~أعوام طوال، حين قرأت له موازنة جميلة بين حياة الإنسان وحياة ~~الحيوان، وهو يفضل الثانية على الأولى. وكذلك ورد العلاج نفسه في إحدى ~~قصائد «رديارد كبلنج»؛ إذ قال: إن الإنسان إذا ما نال منه الهم، فليس ~~علاج حاله أن يجلس ساكنا أو أن يقطب الجبين وهو مكب على كتابه ~~بجوار المدفأة، بل علاجه أن يحمل منجلا كبيرا ومجرافا، ويأخذ سمته ~~نحو حقل أو غابة، ويظل يقطع النبت والشجر، ويجرف تربة الأرض حتى يقطر ~~جسمه بالعرق. فإذا لم يؤد ذلك إلى زوال همومه؛ فلا أقل من أنه ~~ينبت للناس خضرا قد يملأ بعض البطون الجائعة! # ورد ذلك كله على خاطري حين أخذتني الهموم هذه الأيام، «وتفلسفت» ~~على نفسي ما شاءت لي قدرتي، فما رأيت في كل ذلك نفعا كبيرا ... فالظاهر ~~أن الكلام شيء، والواقع شيء آخر! # | سحر الكلام # لئن زعمت لك أن للكلام سحرا، فإنما أقصد السحر بمعنى الكلمة الدقيق، ~~ولا أرسل الكلمة إرسالا على سبيل المجاز. فلكم شهدت بعيني رأسي ~~أناسا أحلامهم أتفه من أحلام العصافير، ووهبهم الله نعمة الكلام ~~المعسول. شهدتهم يتحدثون إلى ms028 هذا الرئيس، فيحكم لهم الرئيس المتزن ~~العاقل برجحان التفكير ! وشهدتهم يتحدثون إلى تلك الفتاة فتحكم لهم ~~الفتاة الحذرة المتريثة بخفة الدم، ثم تفتح لهم قلبها على مصاريعه! ولم ~~يكن ذلك الرئيس عبيطا، ولا كانت هذه الفتاة حمقاء ... لكنه سحر الكلام! ~~فوالله لو انفتحت لي أبواب السماء لأتمنى؛ لما تمنيت منك يا رباه إلا ~~أن تهبني طرفا من حلاوة الكلام التي تستميل عقول الرجال، وتنفتح لها ~~قلوب النساء ... ليت صديقتي تعلم أني كلما عدت إلى دارى بعد لقائها، ~~جعلت أقرع نفسي تقريعا وأؤنبها تأنيبا هامسا لنفسي: كان ينبغي أن ~~تقول هذا، ولم يكن ينبغي أن تقول ذاك. كيف يمكن - يا أحمق - لإنسان أن ~~يظفر بقلب إنسان بغير حلاوة الكلام؟! وأذهب من جديد، معتزما مصمما، ~~فإذا بالكلام الجميل الذي فكرت فيه قد أوصدت دونه الأبواب. وإذا ~~باللسان يتلعثم، والقول يلتاث علي سبيله ... إنها طبائع، بل إنها ~~نعمة الله يهبها من شاء، ويحرمها من شاء، بغير حساب. # ومتى كان الكلام بغير سحر؟ هذه شهرزاد قد سحرت السلطان بحلو كلامها؛ ~~فإذا هو يبقي على حياتها ألف ليلة وليلة؛ لينصت إلى قصصها الجميل، ~~الذي لولاه لطار عنقها بعد ليلة واحدة. بل نستطيع أن نعمم القول ~~تعميما يشمل سائر النساء وسائر الرجال، فنقول إن سيادة المرأة على ~~الرجل مرهونة بحسن كلامها؛ فما شهرزاد إلا واحدة تمثل جنسها كله، وما ~~السلطان إلا رجل يصور كافة الرجال ... ومن يدري؟ لعل الله - جلت حكمته ~~- قد وهب النساء ثرثرة الحديث من أجل هذا. فإذا ما عاد الزوج منهوك ~~القوى مهدود الجسد بارد القلب جامد اللسان، فكيف تكون الحال لو سكتت ~~الزوجة؟! الكلام وحده هو مفتاح القلوب، هو الذي يشيع في الهواء روح ~~الود والمحبة. وإن كان ذلك كذلك؛ فما ينبغي لنا أن نعيب في المرأة ~~انطلاق لسانها، وإنما العيب كل العيب ألا تكون كذلك. # إن الحياة الاجتماعية لتقتضينا - رضينا أو كرهنا - أن نتكلم حتى إن ~~جاء الكلام خاليا خاويا لا يقول شيئا. فإذا جاءك ضيف، أو إن قابلك ~~صديق؛ فحتم ms029 عليك لا مفر منه أن تتكلم، ولن يلتمس إلي الناس عذرا ~~إذا أمسكت عن الحديث. وها هنا يتفاوت الناس تفاوتا فسيحا؛ فمنهم من ~~«تدور أسطوانته» بغير انقطاع وفي أي لحظة شاء. ومنهم من يظل ينكت رأسه ~~نكتا ليستخرج كلمة واحدة يقولها فلا يجد. وهذه الطائفة الأخيرة هي ~~التي حل بها غضب الله ونزلت بها نقمة المجتمع! الكلام مع الناس واجب، ~~ومن قصر في أداء هذا الواجب الاجتماعي، كان جزاؤه الإهمال، بل كان ~~جزاؤه الكراهية والمقت. وإن أنس لا أنس يوما دخلت فيه على رئيس أطلب ~~حقا ضائعا، واستقبلني الرجل استقبالا طيبا كريما، ولكن عز على ~~نفسي أن أقف موقف الذي يطلب شيئا؛ فانعقد لساني، وزمت شفتاي، وسرت ~~في جسمي رعدة، وظننت أن قد أصابني شلل. فعجب الرجل عجبا، وابتسم ~~ابتسامة الذي لا يفهم، وذهب الحق الضائع مع الرياح أباديد؛ لأني حرمت ~~نعمة الكلام! فقل شيئا من لا شيء. تكلم في غير معنى مقصود، وإلا ~~نبذك الناس نبذ النواة. نعم إني أعترف لك أن الثرثرة الفارغة فن ~~يحتاج إلى قدرة ومهارة - أين أنا منهما يا رباه؟! - لكنه فن واجب. وفي ~~هذا الصدد يتندر الإنجليز عن فتاة لم يتقدم إلى خطبتها خاطب، وكاد ~~أوانها يمضي. فقيل لها: العلة في انصراف الناس عنك هو أنك لا تتكلمين. ~~تكلمي ثم تكلمي وتكلمي؛ ينجذب إليك الشباب انجذابا، فالكلام وحده هو ~~أحبولة الصيد! وصممت المسكينة على أن تتكلم مع جارها في أول حفل ~~للشاي عقدته صديقة لها، وجاء أوان الحفل وجلس إلى جانبها شاب كما ~~تمنت، لكن أين في رأسها الكلام الذي أرادته؟! اللهم احلل من لساني ~~عقدة وألهمني ما أقول! وأخيرا، وبعد جهد ولأي، قالت لجارها الشاب: ~~أتحب القهوة غير مخلوطة باللبن؟ فأجابها الشاب بقوله: لا، وسكت! فرغ ~~الحديث؛ فماذا تقول؟ وأعادت السؤال في صورة أخرى: وأختك، هل تحب القهوة ~~غير مخلوطة باللبن؟ فأجابها: ليس لي أخت. ماذا تقول بعد ذاك؟ أعادت ~~السؤال في صورة ثالثة: لو كان لك أخت؛ فهل كانت لتحب القهوة غير ms030 ~~مخلوطة باللبن؟ فضحك الشاب وضحك السامعون سخرية. وحكم المجتمع على ~~المسكينة بالطرد من حظيرته طردا لا رجعة لها بعده ... لأنها لم توهب ~~نعمة الكلام! # للكلام سحر عجيب فطن إليه أقدم القدماء، فجعلوا للكلمات المعينة ~~فعلا معينا، أو قل جعلوا للكلمات «أسرارا». فتستطيع - مثلا - أن ~~تشفى من مرضك لو كتبت كذا وكذا، وحملت المكتوب معك «حجابا». ~~وتستطيعين أن تظفري بحب حبيبك المارق إن قلت كيت وكيت، بل إن الجلمود ~~الثقيل في سفح الجبل لينزاح من مكانه إذا نطقت بلفظة «سمسم»، كما جاء ~~في بعض الأساطير. ولو كررت هذه اللفظة المعينة ألف مرة ساعة الفجر ~~انفرجت كروبك. # إن من بين الآلهة المنقوشة في الهرم إلها اسمه «الكلمة»؛ ذلك لأن ~~«الكلمة» لم تكن في عصور السحر رمزا نشير به إلى هذا أو إلى ذاك، ~~لكنها قد تكون مصدرا لقوة تحرك النفوس، بل تحرك الطبيعة إلى حيث يريد ~~لها الإنسان أن تتحرك. فإن جفت عيون السماء وأجدبت شعاب الأرض؛ ففي ~~مقدورك أن تستنزل الغيث بكلمات، وإن حاربت العدو فقد تنتصر عليه ~~بكلمات. ثم انظر إلى الخطيب وما يستطيع أن ينزله بنفوس السامعين من ~~أثر! واذكر أن معظم الخطب القوية الفعالة لا تحمل ألفاظها إلا قليلا ~~جدا من جيد المعنى، لكنه الكلام وسحره! # الحق أنك تخطئ أفحش الخطأ لو ظننت الكلام «حبرا على الورق» أو موجات ~~صوتية يهتز بها الفضاء. إن كل كلمة كائن حي ينبض بالدماء الدائرة في ~~عروقه وبالتنفس تهتز به رئتاه. كم ألف ألف من البشر قد ألقوا بأنفسهم ~~في التهلكة من أجل كلمة! الحرية، الديمقراطية، الوطنية، وما إلى ذلك من ~~كلمات تحرك بقوتها جحافل الجيوش ... إنها كلمات، لا أكثر ولا أقل. وبربك ~~لا تقل إن هؤلاء الألوف إنما يزهقون أرواحهم في سبيل ما وراء هذه ~~الكلمات من معان؛ لأني أراهنك بنفسي إن وجدت رجلا واحدا يفهم على ~~وجه الدقة ما وراء هذه الكلمات من معنى. لست أشطح مع الخيال الجامح إن ~~زعمت لك إن الكلمة من هؤلاء لها شخصية حية قد ms031 تكون أفعل وأقوى من شخصية ~~الإنسان؛ لأن الإنسان لا يتحرك ولا يحرك إلا بفعلها. # وهل تظن أسماء الأشخاص - وهي كلمات - مجردة عن الحياة؟ إن اسمك جزء ~~منك لا يتجزأ، تحب له أن يكرم وأن يعلو ذكره. إنك إذا قصدت إلى ~~ساحرة، تريد بأحد عندها خيرا أو شرا، حسبك أن تذكر الاسم لينوب عن ~~المسمى. والبدائيون - وأشباههم من الأمم المتحضرة - يكرهون أن تذكر ~~أسماؤهم علنا. أرأيت كيف يخفي الزوج اسم زوجته والزوجة اسم زوجها؟ لأن ~~الاسم ليس مجرد كلمة تقال ورمز يشير، بل هو في ذاته «شخصية» حية. ولا ~~عجب أن ترى عامة الناس يطلقون أحيانا على أبنائهم أسماء ذميمة كريهة، ~~إذا ما أرادوا أن يبعدوا عنهم رسل الموت. # إن كلمات اللغة قماقم مشحونة بالفكر والعاطفة، ويتكثف في بعضها ~~تاريخ طويل؛ لذلك قد تربط كرامة الفرد أو كرامة الأمة كلها بكلمة أو ~~كلمات ... وإن كان ذلك صحيحا بالنسبة للكلام يجيء كما اتفق؛ فما ظنك ~~بالكلام الذي يبلغ أن يكون بيانا؟! ألا إن من البيان لسحرا. # | النجاح والفشل # أصبت فشلا في أمر من أمري، فقلت لنفسي وأنا متزن الأعصاب هادئ ~~التفكير: «لعله خير.» # وهذه العبارة التي قلتها لنفسي، كثيرا ما تدور على ألسنة الناس كلما ~~أصابوا في أمرهم فشلا، وهم يعنون بها: «لعل هذا الفشل أن يكون ~~نجاحا.» # وتوقع النجاح من الفشل فيه تناقض ظاهر؛ لأنه إن كان فشلا فيستحيل ~~أن يكون في الوقت نفسه عاملا من عوامل النجاح؛ وإلا لكان الاسم هنا ~~مطلقا على غير مسماه. # لكنه تناقض ظاهر. وأما المتعقب للأمور في بواطنها فقد لا يجد تناقضا ~~بين فشل الساعة الراهنة ونجاح المستقبل القريب أو البعيد. وإني إذ ~~أستعرض حياتي الماضية وحياة من أعرف من الناس لأستخرج عشرات من ~~الأمثلة لحادثات كانت فشلا محققا في حينها، وإذا بالأيام تدور دورة ~~سريعة وتخلف الظنون؛ لأن ذلك «الفشل المحقق»، في ظاهره قد كان في ~~حقيقته نجاحا لا شك فيه. فحوادث الأيام سلسلة متصلة حلقاتها، كل حلقة ~~فيها نتيجة لما مضى وسبب لما ms032 هو آت. ونتائج الحادثة الواحدة لا عدد ~~لها، ولا تقف عند حد. وربما خيل إليك أنها حادثة عابرة قصيرة العمر ~~جاءت لتوها ومضت لتوها. والحقيقة هي أن الحادثة مهما تكن تافهة؛ ~~فقد تتسلسل نتائجها إلى أمد بعيد، فكأنما الحادثة الواحدة حجر ألقي ~~به على صفحة ماء بغير شطآن، فتظل حلقات الماء تتسع وتتسع لغير نهاية ~~معلومة. وما أصدق الكاتب الإنجليزي الذي قال: إنه يستحيل الحكم على ~~إنسان بنجاح أو بفشل حتى يموت ويصبح جزءا من الماضي؛ لأنه مادام ~~حيا فهناك احتمال أن يظهر بعض النتائج في مجرى حياته مما يغير الحكم ~~عليه بهذا أو بذاك. # فهذه فتاة أعرفها، خطبها طبيب شاب، ولم تكن تتوقع أن يخطبها كل هذا ~~الشباب المزدهر وكل هذا المستقبل المديد العريض؛ لأنها من أسرة متوسطة ~~الحال، وليست على كثير من الجمال بحيث تفتن العقول وتسحر الألباب. لكن ~~شاءت المصادفات أن يتصل ذلك الطبيب بأخ لها، وأن تكثر الزيارة بينهما ~~وأن تكثر رؤيته لها في تلك الزيارات، ثم شاءت المصادفات لهذا الطبيب أن ~~يفكر في الزواج في هذا الحين، وكلما فكر لم يثب إلى خاطره إلا تلك ~~الفتاة ... فخطبها إلى أخيها. وقل ما شئت عن نشوة الفرح التي أخذت الفتاة ~~وأهلها جميعا؛ لأن ما هو أبعد من الأحلام قد تحقق في مثل اللمح ~~بالبصر! وراح أبناء الأسرة يتهامسون في عجب: فلانة خطبها فلان؟! وهنا ~~كنت تسمع من تعليقات السامعين ما يبعثك على التأمل حينا، والضحك ~~أحيانا. # واتفق على يوم تعلن فيه الخطبة وتلبس الخواتم في الأصابع، ويجيء ~~اليوم المضروب، ويدعى أفراد الأسرة جميعا، ويصطفون صفوفا على ~~الكنبات والمقاعد، وتدار أقداح «الشربات» وقطع الحلوى أشكالا ~~وألوانا. ولم تكن أسرة الفتاة بقادرة على تلك النفقات كلها، لكن ~~«العريس» صفقة رابحة جدا، ويستحق هذا كله وأكثر من هذا كله. # وما هو إلا أن جاء الخاطب الشاب وأبوه، ولم يكن في صحبته أم ولا ~~أخوات؛ ما جعل العيون تتلفت والشفاه تهمس. لكن ما قيمة الأم ~~والأخوات، بل ما قيمة الدنيا كلها، ms033 مادام «العريس» بنفسه وشخصه قد جاء؟ ~~جاء في سيارته الخاصة، ولم يكن يخطر على رأس إنسان من محيط الفتاة أن ~~تقف على بابها سيارة خاصة ... وما أسرع ما تشعر القلوب بالخطر حين يقبل! ~~ما أسرع ما تخفق القلوب وتنبض خفقا غريبا ونبضا عجيبا حين يحس ~~الإنسان بأنه قادم على كارثة قريبة الوقوع! لكن الإنسان في مثل هذه ~~الحالات لا يزيد على قوله لنفسه ولأصدقائه الخلصاء: «إن قلبي يحس ~~خطرا.» ثم يمضي فيها هو ماض فيه إلى آخر الشوط! أين أين هذا الإنسان ~~الذي يزعم لنفسه ولنا أنه يسير في حياته وفق العقل والمنطق؟ أين هو ~~لأضرب له ألف مثل ومثل على سير الإنسان في حياته مدفوعا كأنه الحجر ~~الأصم ينزلق على سفح الجبل، لاحول له في ذلك ولا قوة، يدرك الخطأ في ~~سيره، ويرى الخطر في طريقه، ثم يمضي فيما هو ماض فيه إلى آخر ~~الشوط! # إذن، فقد أقبل «العريس» ولم يكن في صحبته إلا أبوه، وتلفتت الأعين ~~وهمست الشفاه ورجفت القلوب إحساسا بالخطر. وما هو إلا أن أعلن الخطر ~~عن نفسه وتبدى؛ ذلك أن الطبيب الشاب قد جلس مطرقا من هم ظاهر، ~~وما هكذا يكون «العريس». وأما الوالد فما لبث أن نقر الأرض بعصاه، ~~وأعلن أنه جاء ليعتذر عن إتمام الخطبة؛ لأن الظروف غير مواتية من بعض ~~وجوهها. # وانفض كل شيء، وبكت الفتاة ما شاء لها البكاء، ورثت لحظها ~~المنكود ما وسعها الرثاء، وكانت تشاركها أمها بكاءها ورثاءها حينا، ثم ~~تعزيها عن مصابها حينا ... ومضى شهران، وخطبت الفتاة وتزوجت. وأما ~~صاحبنا الطبيب الذي كانت الدنيا قد فتحت له آفاقا؛ فقد اندك صرح ~~حياته في لمحة واحدة؛ إذ قرأنا في الصحف نبأ اشتراكه في جريمة؛ مما ~~انتهى به إلى السجن حيث لا يزال في غياهبه. وقال قائل: إنه لم يجرم ~~عن رذيلة مطبوعة في نفسه، لكنها الحوادث لفته لفا في أحابيلها وهو ~~لا يدري. # وليس من شأننا الآن أن نعلم أكان الطبيب في حقيقة الأمر مذنبا أم ~~بريئا. لكن الذي ms034 نكتب من أجله، هو أن الفتاة وأهلها جميعا راحوا ~~يغبطون أنفسهم على هذا الحظ الجميل الذي أفلتت به الفتاة من زوج كان ~~على قيد أشهر قليلة من السجن ... وهكذا كان «الشر» «خيرا»، بل هكذا يكون ~~الشر الظاهر خيرا في حقيقته في كثير جدا من الحالات. # وليس يمكن أن نجد تعبيرا عن هذا المعنى خيرا مما ورد في القرآن ~~الكريم عما دار بين موسى والخضر عليها السلام: # قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما ~~علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع ~~معي صبرا * وكيف تصبر على ما لم ~~تحط به خبرا * قال ستجدني إن شاء ~~الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * قال ~~فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث ~~لك منه ذكرا * فانطلقا حتى إذا ~~ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق ~~أهلها لقد جئت شيئا إمرا * قال ~~ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا * قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري ~~عسرا * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما ~~فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد ~~جئت شيئا نكرا * قال ألم أقل لك ~~إنك لن تستطيع معي صبرا * قال إن ~~سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت ~~من لدني عذرا * فانطلقا حتى إذا ~~أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ~~فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا * قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا * ~~أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ~~فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل ~~سفينة غصبا * وأما الغلام فكان ~~أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا ~~وكفرا * فأردنا أن يبدلهما ربهما ~~خيرا منه زكاة وأقرب رحما * وأما ~~الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان ~~تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك ~~أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ~~ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم ~~تستطع عليه صبرا ~~(الكهف). # كم وجها عابسا من حقه أن يبتسم إذا ms035 عرف صاحبه أن ما ظنه فشلا قد ~~أصابه إنما هو في حقيقة الأمر نجاح إذا قيس إلى نتائجه البعيدة؟! إن ~~الإنسان قد يدرك عاملا واحدا من عوامل الحياة الجارية ويفوته ألف ~~عامل. ثم تراه يحكم بما علم، وما خفي عليه واستتر كان أعظم. يقول ~~الناس عن فلان إنه نجح في حياته وعن فلان إنه فشل، والنجاح والفشل لا ~~يكونان إلا بالنتائج. والنتائج لا تقف عند حد؛ فكيف يمكن الحكم؟ لقد ~~قيل عن هتلر في غضون الحرب: إنه نجح لأنه انتصر، ثم قيل: بل فشل لأنه ~~انكسر. ثم قرأت مقالا منذ عام للسير بيفردج يقول عنه: إنه المنتصر ~~حقا؛ لأن ألمانيا زاد سكانها في آخر الحرب عنهم في أولها، وستكون ~~العبرة آخر الأمر بالسكان. وهكذا ستظل النتائج الجديدة التي تتكشف عنها ~~الأيام تحملنا على تغيير حكمنا بالنجاح أو بالفشل كل يوم مرة. # وإن كان ذلك كذلك؛ أفليس جديرا بالإنسان العاقل أن يبتسم متفائلا ~~لكل ما تجيئه به الأيام؟ # | الصداقة العابرة # كثيرون هم أولئك الذين كتبوا عن الصداقة والأصدقاء، فوفقوا وأجادوا. ~~أذكر منهم على وجه التخصيص أرسطو وبيكن. لكني لا أحسب أحدا من هؤلاء ~~جميعا قد كتب شيئا في نوع من الصداقة عجيب، يمر في حياة الإنسان مرور ~~الأطياف والأحلام، فلا يستغرق أمده إلا ساعة أو ساعتين، أو قل يوما ~~أو يومين، ومع ذلك تراه يترك في النفس أثرا قد يبلغ من الشدة والعمق ~~ما لا تبلغه الصداقة الثابتة الدائمة. # وإنما أردت بذلك تلك الصداقة العابرة التي تنعقد أواصرها بين اثنين ~~يلتقيان في قطار أو في فندق أو على شاطئ البحر، أو ما إلى ذلك من أماكن ~~لا تتيح للمجتمعين إلا حينا قصيرا، حتى إذا ما بلغ القطار غايته، أو ~~انفض الاجتماع حيثما كان، تفرق الصديقان، ولم يعد للصديق منهما شأن ~~بصديقه. بل قد تنعقد أواصر هذه الصداقة العجيبة وتتوثق عراها، دون أن ~~يعرف أحد من الصديقين اسم زميله! # وقد التقيت منذ قريب بطيف من هاتيك الأطياف العابرة، التقيت به في ~~فندق ms036 أقيم فيه، حيث شاءت لنا المصادفات أن يكون مكانه في غرفة الطعام ~~على نفس المائدة التي أجلس إليها ... أكلنا الوجبة الأولى معا، دون أن ~~ينطق أحد منا بكلمة لأخيه. أما هو فإنجليزي نشأ وتربى على أن يلتزم ~~حدود نفسه، لا يكلم أحدا ولا يتدخل في شأن أحد إلا إذا دعي إلى ~~ذلك. وأما أنا ففي خلقي من هذا الالتزام شيء كثير، أضف إليه موجة مؤقتة ~~من الكآبة وضيق النفس تغمرني، فلا تكاد تترك لي متنفسا أستنشق منه ~~الهواء النقي الطليق. وهي بالتالي لا تدع لي من فسحة الصدر متسعا يفتح ~~شهيتي لمبادلة الناس الحديث. # وجاء وقت الوجبة الثانية، وبدأنا صامتين، لكن الظروف لم تلبث أن ~~دفعتنا دفعا إلى الكلام ... وما هو إلا أن أخذ الرجل يبدي إعجابه ~~بالقاهرة؛ فقد جاءها زائرا لأول مرة، وتمنى لو أتيحت له الفرصة فيعمل ~~فيها ويقيم. وهكذا بدأت سلسلة الحديث بيننا. لكنها سرعان ما غاصت بنا ~~في أعماق نفسينا، وراح ينفض لي هذا الزميل شيئا من أخص خصائص نفسه؛ ~~إذ أخذ يقص علي كيف نشبت خصومة حادة عنيفة بينه وبين أبيه؛ بسبب ~~فتاة إيرانية أراد أن يتزوجها؛ التقى بها في أكسفورد حيث كانا يدرسان ~~معا، وأحبها وصمم على الزواج منها، وأبوه لا يريد أن يتم بينهما هذا ~~الزواج ... فكأنما وجدت في ذلك ذريعة كنت أنشدها منذ أيام. وجعلت بدوري ~~أفرغ في أذنيه كلاما كان حبيسا في صدري، لم أبح به إلى أخلص ~~الأصدقاء. واستمع الرجل إلي في صبر جميل واهتمام ظاهر، كأنه أراد أن ~~يدرس أوضاع الأمور في مصر من حوادث قصتي. ومهما يكن من أمره في ذلك؛ ~~فقد وجدت أنا في ذلك الصديق العابر متنفسا لحمم كانت تضطرب بين ~~جنبي كما تضطرب النار في جوف البركان لتلتمس لها مخرجا. # لقد أخلصت الحديث لهذا الصديق العابر، وأوشكت ألا أبقي في صدري ~~شيئا دفينا. كأنما كان الرجل قسيسا، وكأنما كنت آثما أراد أن يزيح ~~عن صدره عبء إثمه بالاعتراف به في حضرة ذلك القسيس. ولو كان ms037 هذا الصديق ~~العابر صديقا من أصدقائي الملازمين الدائمين؛ لقلت مما بنفسي شيئا ~~وأخفيت شيئا. # فالصديق العابر في مثل هذا التنفيس والترويح خير من الصديق الأصيل ~~الدائم؛ لأنه لا يعرف عنك إلا أنك إنسان يبادله الحديث. فلا شأن له ~~بماضيك ولا حاضرك، لا شأن له بأصلك وفصلك وآمالك وآلامك ومطامحك ~~ومطامعك ودخائل نفسك. فلا ترى وأنت تنفض إليه جملة حالك ما يبرر لك أن ~~تكتم عنه من سرك شيئا ... إن موقفه منك كموقفك من الممثل، تراه على ~~المسرح أو على الشاشة البيضاء؛ فلا تدري من أمره إلا ما يقوله في هذا ~~الدور المعين من هذه الرواية المعينة، ولا شأن لك به بعد ذلك. # إن الصداقة الدائمة مهما بلغت من الشدة والعمق والإخلاص؛ فلا تخلو ~~من تنافس بين الصديقين. بل ماذا أقول؟ أأقول في غير تحفظ إن التنافس ~~لا يشتد إلا بين الصديقين؟ إن روح التسابق تكاد تنعدم وأنت غريب بين ~~غرباء، ولا يكون تسابق وتنافس وتنازع إلا وأنت في دنياك الاجتماعية ~~الخاصة. وما دنياك هذه إلا جماعة معارفك وأصدقائك؛ فلا غرابة - إذن - ~~أن تجد من نفسك حافزا يحفزك على كتمان شيء من نفسك على أصدقائك ~~الخلص؛ لأنهم - على شدة إخلاصهم لك وإخلاصك لهم - هم منافسوك. وليس ~~من صالحك أن تطلع منافسك على كل سرك. أما الصديق العابر الذي لن ~~يلازمك إلا ساعة أو ساعتين في قطار، أو يوما أو يومين في فندق؛ فلا ~~يكون بينك وبينه سباق على شيء ولا تنافس في سبيل شيء. إنها ساعة أو ~~ساعتان أو يوم أو يومان، ثم ينصرف كل منكما بعد ذلك إلى سبيله. فهو إذن ~~خير متنفس للمكروب المغموم، وأفضل من يبثه الإنسان همومه ~~وأحزانه. # عجيبة هذه الصداقة العابرة في سرعة نموها وسرعة ازدهارها. فكأنها ~~شجرة وضعت في ظروف صناعية لتثمر فاكهتها قبل أوانها المعهود. كأنها ~~شجرة لم تترك للعوامل المناخية الطبيعية تتولاها فتعينها على النمو مرة ~~وتعوقها مرة، ولا تسمح لها على كل حال بطرح الثمر إلا بعد شهور ~~معلومة، بل وضعت في ms038 بيت من زجاج، نفخت فيه تيارات هوائية بدرجة ~~الحرارة المطلوبة؛ فلم تجد الشجرة إلا العوامل المواتية المساعدة دون ~~المعاكسة المعرقلة، فأسرعت نموا وإيراقا وازدهارا وإثمارا. نعم، ~~إن هذه الصداقة العابرة عجيبة في سرعة نموها؛ فقد تبلغ بعد ساعات قليلة ~~من الشدة وحرارة العاطفة ما لا تبلغه الصداقة في الظروف الطبيعية في ~~أشهر وأعوام، وكأنما هي تعوض عن قصر أمدها بعمق شعورها، تعوض عن قلة ~~اتساع السطح بزيادة العمق وبعد الغور. # وتدنو هذه الصداقة العابرة من نهايتها مسرعة؛ فيتولاك شعور فريد في ~~نوعه، شعور افتراق لا لقاء بعده. هو شعورنا إزاء الموت، لكنه بدرجة ~~أخف وألطف وأبعث للنفس على الخصب والفاعلية. تنظر إلى صديقك هذا الذي ~~عرفته منذ حين قصير، والذي توثقت بينك وبينه الصلة على نحو أتاح لك ~~فرصة تفرغ فيها كل ما يثقل نفسك من شواغل الهموم التي لا تجيز لنفسك ~~أن تبوح بها لأحد من أهلك وأصدقائك. تنظر إليه بعين المتحسر على هذا ~~اللقاء الجميل الذي لم يكد ينشأ حتى كان ختامه، تنظر إليه وصوت في نفسك ~~يهمس متعجبا: هذا صديق لن أراه إلى الأبد. # لقد أمسكت عن الكتابة هاهنا لحظة؛ فأخدت تنساب في رأسي صور متلاحقة ~~لأشخاص التقيت بهم هنا وهنا وهناك، ودامت الصلة بيني وبينهم ساعات أو ~~أياما. اشتدت فيها العلاقة بيننا حتى امتزجت نفوسنا امتزاجا، واندمجت ~~قلوبنا اندماجا، ثم تفرقت بنا سبل الحياة؛ حيث لا لقاء بعد ذلك إلى ~~الأبد! # قابلت «م»، في قطار «السهم الذهبي» بين لندن وباريس، ولم نكد نبدأ ~~الحديث حتى خيل إلينا أننا أصدقاء منذ أمد بعيد. جعلت أخبرها وجعلت ~~تخبرني. كان حبل الحياة متصلا بيننا، ثم بلغ بها القطار غايته، ولعلي ~~كنت أحس بهذه الخاتمة القريبة، ولعلها كانت تحس، فأخذت صداقتنا تتكثف ~~وتغزر لحظة بعد لحظة، كأنما عز علينا أن يتبدد هذا اللقاء، ~~فتشبثنا ممسكين بقبضتين قويتين على هذا الود الوليد، لعله يدوم. لكن ~~القطار بلغ بها غايته وافترقنا إلى الأبد. # وقابلت غير «م» كثيرين وكثيرات هنا وهنا وهناك، وتوثقت ms039 بيني وبينهم ~~أسباب الصداقة الحقة والود الصحيح. وها هي ذي ذكرياتهم تنساب الآن في ~~رأسي متلاحمة، هذه أذكرها بابتسامتها، وهذا بعبارات معينة تحدث بها ~~إلي، وتلك بنبرة صوتها ... كل هؤلاء قد ضربت الأيام بيني وبينهم إلى ~~الأبد. # أليست هذه الصداقة العابرة - بكل ما تترك في نفس الإنسان من أثر ~~يدوم عميقا مع الأيام - جديرة من الكاتب بالتحليل والتسجيل؟ # | قميص السعادة # يحكى أن رجلا ضاق بنفسه وضاقت به نفسه، ومل الحياة وملته ~~الحياة، لا يكاد يستقر في مكانه من مأواه حتى يخرج هائما على وجهه في ~~الطريق، ثم لا يكاد يهيم في الطريق على وجهه حتى يقفل راجعا إلى مكانه ~~من مأواه. ولبث على هذا النحو حينا، فاشتد به القلق، ولم يعد في قوس ~~الصبر عنده منزع. # وما هو ذات يوم إلا أن ضرب المنضدة أمامه بجمع يده، وقال لنفسه في ~~لهجة حازمة جازمة: إما موت وإما حياة، كما يقول هاملت. إما موت يقضي ~~على هذه الحياة الخيالية الخاوية الفارغة إلا من التافه السفساف، ~~وإما حياة خصبة مليئة غزيرة بعيدة الأغوار ... فأما الموت فلست أشتهيه ~~لنفسي. وإذن؛ فلا بد لي منذ اليوم أن أعيش، وأن أعيش سعيدا. # راح يفكر كيف السبيل إلى ذلك العيش السعيد المأمول، واستهدى الناس ~~إلى هدفه المرجو سواء السبيل، فقال له قائل: الأمر هين ميسور، ابحث ~~عن أسعد الناس عيشا وأحفلهم بالحياة، حتى إذا ما جئته؛ البس قميصه ~~ساعة أو ساعتين، تكن مثله سعيدا محتفلا بالحياة. # وانطلق صاحبنا يبحث عنه في الحضر تارة وفي البادية طورا، يبحث عنه ~~في القصور مرة، وفي أكواخ الريف مرة، حتى جيء به يوما إلى رجل شهد ~~لنفسه وشهد له الناس من حوله أنه سعيد هانئ، لم يعرف قط في حياته كيف ~~تضيق النفوس وتحرج الصدور ... فإذا هو عريان الجسد لا يملك ~~قميصا! # عاد الرجل من سفره وهو يتدبر ما وجد وما رأى ... ها هو ذا الحق قد ~~وضح أمام عينيه أبلج ناصعا، لم تعد السعادة في رأيه مشكلا معضلا. ~~ففيم هذا ms040 الكلام الطويل العريض الذي ما انفك يديره الناس في ~~أفواههم عن السعادة والحياة السعيدة؟ ... إن اللغز لم يعد لغزا. إن سر ~~السعادة قد افتضح، سر السعادة في قلة الحاجات. فقل لي كم تتطلب لحياتك ~~من حاجات؛ أقل لك كم أنت سعيد ... هي عملية حسابية أولية بسيطة: لو بلغت ~~حاجاتك صفرا كانت لك مائة السعادة كلها. وتزيد حاجاتك فيهبط مقدار ~~السعادة في نسبة عكسية دقيقة ... لم يكن ديوجنيس إذن هازلا حين اكتفى من ~~دنياه ببرميل يقيم فيه. فلما جاءه الإسكندر العظيم يسأله: ماذا تريدني ~~أن أصنع لك من معروف؟ أجابه: لا أريد منك سوى أن تبعد عني الآن؛ حتى لا ~~تحجب ضوء الشمس. # إذا آمنت بأن ملابس الشتاء تنفعك في الصيف كذلك؛ فأنت أقرب إلى ~~الحياة السعيدة ممن لا يتصور الحياة بغير ملابس للصيف وأخرى للشتاء. ~~وإذا آمنت بأن غرفة واحدة تكفيك للنوم والأكل والجلوس والقراءة؛ فأنت ~~أقرب إلى السعادة ممن لا يتصور الحياة بغير عشر غرف أو عشرين. وإذا ~~آمنت أنك تستطيع بيديك أن تؤدي لنفسك معظم حاجاتك؛ فأنت أدنى إلى العيش ~~السعيد ممن يستحيل عليه العيش بغير خدم وأتباع ... وهكذا قل في شتى ~~جوانب الحياة وأوضاعها. ~~••• # لكن ما أيسر القول وما أشق العمل؛ فأيسر اليسر أن تقول لنفسك: ~~البس ملابس الشتاء في الصيف، واسكن غرفة واحدة، واصنع هذا وذاك بيديك، ~~وامش إلى هنا وهناك برجليك ... أيسر اليسر أن تقول لنفسك: إن كان عبء ~~الحياة ثقيلا على كاهلك؛ فانفضه عن نفسك بضربة واحدة وعزمة واحدة؛ ~~تزح عن كاهلك العبء الثقيل الذي يبهظه وينقضه. أما أن تنفذ هذا الذي ~~تنصح نفسك بفعله؛ فأمر دونه أقوى ما عرف البشر من مضاء الإرادة وقوة ~~التصميم. وإن شئت فاقرأ للغزالي كيف كادت نفسه تتمزق إربا من شدة ما ~~كان يعانيه من تردد، حين أحس الرغبة في اعتزال حياته المدنية بكل ما ~~جاءته به من مجد وجاه؛ ليلوذ بحياة بسيطة ساذجة متقشفة زاهدة. # ولا أكتم القارئ أني في موقف شبيه بهذا: أحس رغبة عارمة في ms041 ~~الانطواء والانزواء والاختفاء وخلع الحياة المعقدة، لألوذ بما هو ~~أبسط وأخف من ألوان الحياة. لكن ما حيلتي إن عزت علي إرادة الغزالي ~~وأمثاله؟ إنني أتمنى الآن أن أعيش أبسط العيش وأبعده عن التركيب ~~والتعقيد. ومع ذلك تراني لا أصنع شيئا في سبيل التنفيذ، فلا أزال ~~أتأنق في ثيابي، وأجعل منها شيئا للصيف وشيئا للشتاء، وهذا الثوب ~~للنهار وذلك للمساء! # حيلتي إزاء ذلك كله هي حيلة العاجز، وقد اصطنعتها، ألا وهي التنفيس ~~عن طريق القراءة. فأقرأ لرجل عاش هذا العيش البسيط الذي أتمناه، ووصف ~~لنا أسلوب عيشه؛ فلعلي أستمتع على صفحات كتابه بحياة أتمناها ولا أقوى ~~على تحقيقها. ومن يدري؟ فقد يكون هذا هو أنفس ما يقصد إليه الأدب كله ~~من غايات، فيعيش الأديب للناس، بمعنى أنه يعاني حياة معينة ليقدمها ~~مكتوبة، فيعيشها غيره وهو مضطجع على مخدعه مسترخي البدن مستريح ~~البال! # وكان الكتاب الذي اخترته ليحقق لي ما أبغيه هو كتاب «وولدن» الذي وصف ~~فيه الكاتب الأمريكي «هنري ديفد ثورو» حياته في الغابة التي فر إليها ~~من وجه المجتمع الممقوت البغيض. وقد كنت أهم بقراءة هذا الكتاب منذ ~~سنتين، وكانت تصرفني عن ذلك شواغل الحياة، حتى سنحت هذه الفرصة البديعة ~~لقراءته. فها أنا ذا فيما يشبه الحالة التي دفعت «هنري ديفد ثورو» إلى ~~هجر المجتمع فرارا من تكاليفه المرذولة وتقاليده الممقوتة. لكني لا ~~أملك الشجاعة التي كانت له، فحققت له ما أراد من هروب؛ فلا أقل من أن ~~أصاحبه في فراره وأنا مستلق على مخدعي! # ضاق «ثورو» بهذا التنافس الحاد العنيف الذي يتدافع الناس فيه ~~بالمناكب؛ سعيا وراء أدوات العيش التي ألهتهم عن العيش ذاته. وفكر ~~وتدبر، فلم يجد مهربا إلا الحد من حاجاته حتى لا يضطر إلى العمل ~~إلا بضع ساعات قليلة. وهو في ذلك يقول: إن أوضاع الأمور يجب أن تنقلب ~~رأسا على عقب. فبدل أن نسعى ستة أيام ونستريح في السابع، ينبغي أن ~~يكون سابع أيام الأسبوع هو فترة العمل التي نكسب فيها رزق الحياة ~~بالكدح وعرق ms042 الجبين. أما الستة الأيام الأخرى، فكلها يكون عطلة ~~الأسبوع ، نستمرئ فيها حياة الوجدان والروح، ونستجلي فيها روائع الطبيعة ~~في جلالها وجمالها. # لكن المدينة بالطبع لم تسمح له بمثل هذا الذي تمناه، ففر إلى ~~غابة عاش فيها مع الحيوان الذي أحبه؛ لأنه أحب الحياة في شتى صورها ... ~~وهل تظنه قد استراح في عزلته تلك من أعباء المجتمع؟ لا والله، بل ذهب ~~إليه في مكمنه جباة الضرائب يطلبون منه ضريبة للدولة، فأبى أن يجيبهم ~~إلى ما طلبوه؛ احتجاجا على سياسة الدولة عندئذ في إرغام العبيد ~~الفارين على العودة إلى المزارع التي كانوا يعملون فيها لسادتهم، فقبض ~~عليه وسيق إلى السجن. وهاهنا يروي أن «إمرسن» زاره في سجنه، وسأله: ~~«ما الذي جاء بك إلى هنا يا هنري؟!» فأجابه: «العجيب هو أنهم لم يجيئوا ~~بك أنت أيضا إلى هنا يا إمرسن!» # قرأت كتاب «وولدن» وتعلمت منه درسا لن أنساه ما بقيت على ظهر الأرض ~~حيا. تعلمت ذلك الدرس من سؤال ألقاه «ثورو» على نفسه وأجابه لنفسه: ~~ما الذي يبرر للإنسان أن يعيش حياته؟ ~~- إنه لا مبرر للإنسان أن يحيا لحظة واحدة، إن ملك الدنيا بأسرها ~~وفقد نفسه. # | حمى الحياة # يروى أن آخر عبارة نطق بها سقراط قبل أن يطبق جفنيه عن نور ~~الحياة، هي هذه: «يا أقريطون! إني مدين بديك لأسكلبيوس، فهلا تذكرت أن ~~ترد علي هذا الدين؟» # وذلك أن الناس كانوا إذا ما ألم بأحدهم مرض، ثم عوفي منه، قدم ~~ديكا إلى إسكلبيوس. فكأنما رأى سقراط نفسه وهو مشرف على الموت، بمنزلة ~~من أصابته الحمى حينا، ثم زالت، فوجب عليه إذن أن يقدم الديك ~~التقليدي إلى من تقدم له الديكة إثر الشفاء من المرض. والحمى التي ~~أصابته في هذه الحالة ثم زالت، هي حمى الحياة. # والشبيه يذكر بشبيهه؛ فقد أمضيت ساعات من القلق الذي لا يستقر على ~~قرار، أجلس إلى مكتبي ساعتين ثم أنهض إلى مقعد وثير في ركن الغرفة ~~أستوي فيه لأسترخي وأستريح، ثم أمل الراحة والاسترخاء، فأعود إلى ~~المكتب ساعة أو ms043 بعضها، ثم يعاودني القلق وأنتفض نحو النافذة أطل ~~منها دقائق، ثم يغريني السرير بضجعة تقصر أو تطول. فمعظم حياتي أقضيه ~~في غرفة واحدة لا أملك أثاثها. نعم قد يغريني منظر السرير بضجعة تقصر ~~أو تطول حسب هذه السرحات التي أسرحها، أستعيد بها الماضي بكل مرارته، ~~وأتوجه إلى نفسي فيها بالتأنيب والتقريع، حتى لأكاد أمزقها تأنيبا ~~وتقريعا: لماذا لم تفعل هذا؟ ولماذا لم تقل ذاك؟ ... وأنتزع نفسي من ~~هذه السرحات انتزاعا لأعود من جديد إلى مكتبي دقائق، وتقع عيني على ~~بدلتي معلقة مدلاة كالمشنوق انتحارا، فأرتديها وأخرج إلى مكان قريب ~~أحسو قهوتي إن كنت من النهار في ساعة الضحى، أو الشاي إن كان ~~الأصيل. # حياة أرقة قلقة أعيشها كالمحموم يتقلب في الفراش بين جنبيه، هي ~~التي ذكرتني بما يشبه الفكرة التي طافت برأس سقراط وهو يحتضر، ~~مودعا الحياة ببسمة على شفتيه؛ لأنه رآها عندئذ مرضا، ورأى نفسه قد ~~دنا من البرء والعافية. ~~••• # لكني في ساعة من طمأنينة النفس أكتب هذه السطور لأقول لسقراط حين ~~سخط على الحياة، ولأقول لنفسي حين سخطت على الحياة؛ لما فيها من قلق ~~لا يعرف الرضا: لقد أخطأتما؛ فالحياة محببة لهذا القلق نفسه الذي لا ~~يعرف الرضا. ولو حلت محلها سكينة الهدوء والقرار؛ لما كانت جديرة ~~بالعيش. ولم يخطئ «ستيوارت مل» حين قال: «إني لأفضل أن أكون سقراط في ~~قلق نفسه، على أن أكون مطمئنا طمأنينة الغر الأبله.» # ولولا هذه الشرارة المقدوحة التي تؤرق جنوب الناس، وتباعد ~~بينهم وبين السكينة والهدوء؛ لكان الإنسان قطعة من طين لم تنفخ فيها ~~النفخة التي تنقلب معها إنسانا قلقا طامعا طامحا. ثم لولا طموح ~~الإنسان وأطماعه، لما كان هنالك ما يبرر ارتفاع السماء عن الأرض، ولا ~~ما يبرر أن يكون الأفق بعيد المدى. فكلما دنوت منه خطوة تقهقر إلى ~~الوراء خطوة؛ حتى لا ينقطع لك سير، ولا يخمد لك نشاط. # إنني لا أستطيع أن أعرف الحياة المتوثبة المتوقدة بخير من قولي: ~~إنها عصيان الطبيعة، ولا أن أعرف الموت في خموده وهموده ms044 بأحسن من القول ~~إنه الخضوع لقوانين الطبيعة. فالكائن الحي يعصي الطبيعة، بمعنى أنه إذا ~~فرضت الطبيعة على الحجر أن ينحدر من قمة الجبل إلى أسفله مدفوعا ~~بقانون الجذب؛ فللإنسان أن يعصيها ويصعد من بطن الوادي إلى قمة الجبل. ~~وإذا فرضت الطبيعة على الحجر أن يتمدد لها إذا سخنت، وأن ينكمش لها ~~إذا بردت، وأن تتفتت أجزاؤه هباء إذا شاءت له عواملها؛ فللإنسان أن ~~يرغمها على البرودة له إذا سخنت، وعلى الحرارة إذا بردت، وألا يصيخ ~~إلى ما تأمر به عواملها من تفتيت أجزائه ... إلا إذا مات! # والسكينة الهادئة هي إلى الموت أقرب، فقل لي كم يبلغ بك استقرار ~~الحياة؛ أقل لك كم فعلت بك أسباب الموت. وقل لي كم أنت قلق؛ أقل لك ~~إلى أي حد قد بلغت من سلم الحياة؛ فالقناعة - التي هي الرضا بما أنت ~~فيه - كنز لا يفنى عند من خمدت في صدره شعلة الحياة. أما عند اليقظان ~~الحي فهي والهزيمة شيء واحد. ودر ببصرك حيث شئت في جنبات الأرض، وفي ~~أرجاء التاريخ؛ لتعلم علم اليقين أنه ما ذل أبدا من طمع، ولا عز ~~أبدا من قنع. # ولئن صدق هذا القول على الأفراد مرة؛ فهو على الأمم أصدق ألف مرة. ~~ولو شئت فاستعرض أمم الأرض جميعا. وإن شئت فاسترجع أمم التاريخ منذ ~~فجر التاريخ؛ لتصل إلى هذه النتيجة الواحدة. وهي: أنه حيثما دبت ~~الحيوية في جسم الأمة لسبب من الأسباب، أخذها القلق مما هي فيه، ~~وراحت «تطمع» في غيره وتطمح إلى سواه، والعكس صحيح أيضا؛ أي إنه إذا ~~قلقت أمة فاعلم أنها بهذا القلق في طريقها إلى الحياة بمعناها الكريم، ~~الذي لا يكتفي بتردد الأنفاس في الصدور. # إن المادة الموات من دأبها دائما أن تتلمس في سيرها سبيلا لا ~~تعترضه من عوامل المقاومة إلا أقلها. فاسكب على الأرض ماء، وانظر ~~كيف يسيل. إنه لا يصعد من أسفل إلى أعلى، ولا يقتحم صخرة أمامه إذا ~~استطاع أن يدور حولها، لكن الحيوية السليمة تبحث عن الصعب لتذلله، ~~ولا تنفك ms045 أمام العقبات حتى يسلس قيادها. وهؤلاء هم أبطال الإنسانية ~~جميعا؛ أنبياؤها وعلماؤها وقوادها ورجال الفن فيها. كان بوسع كل ~~واحد منهم أن يقنع ويرضى ويغمض العين لينام ويستريح، لكن أحدا منهم لم ~~يجد في القناعة عزة، وراح يطرد عن نفسه وعن أمته هذا الذل القانع، ~~طامعا له ولها فيما هو أعز وأكرم. # وإذا كان ذلك كذلك؛ فكم يغيظك أن تسمع هنا وهناك هذه المقارنة ~~السخيفة السمجة بين ما يسمونه شرقا وما يسمونه غربا. فيقال: قد عرف ~~الشرق كيف يخلد إلى السكينة فهو نعيم، وأما الغرب فهو الأتون الذي ~~يغلي بالحروب، وبالمعامل التي شغلت نفسها بإنتاج القنابل الذرية وغير ~~القنابل الذرية من أدوات الفتك والتقتيل. لكني أرى هناك قلق الحياة ~~الطامعة، وأرى هنا سكينة الموت. وإذا أخذت تدب فينا الحياة، فبمقدار ~~ما نحن آخذون في سبيلنا إلى مشاركة الغرب في مثل قلقه واضطرابه ... ~~فوالله لو خيرت بين أن أكون فردا في أمة تنتج القنابل الذرية أو أكون ~~عضوا في جماعة تلقى القنابل الذرية فوق رءوسها؛ لما ترددت في الخيار ~~لحظة. وبالطبع أترك للقارئ كامل الحرية يختار لنفسه ما يشاء. # فلئن كان هذا القلق الذي يدوخ منه الرأس، هو حمى الحياة التي سخط ~~عليها سقراط، وسخطت عليها أحيانا، ويسخط عليها كثيرون؛ فقد أخطأنا ~~جميعا؛ لأن مثل هذه الحمى هي التي لا نرجو لأنفسنا منها ~~شفاء. # | الآدمية الصحيحة # أهديها تحية إلى «قارئة»؛ فلرسائلها في نفسي أجمل الأثر ~~وأعمقه. ~~*** # كانت ليلة من شتاء إنجليزي برده زمهرير، تغوص الأقدام غوصا في أكوام ~~الثلج وكثبانه، حين التمست طريقي إلى حفل راقص أقامته الجامعة في لندن. ~~التمست طريقي إلى هناك بعد تردد طويل؛ إذ كنت في غرفتي جالسا أمام ~~النار مستدفئا، فما كان أغناني عن التعرض لذلك البرد الذي يقرض ~~الأطراف قرضا، ويأكل الأنوف والآذان أكلا. # ترددت طويلا، شأني دائما كلما دعاني داع للمرح والفرح، فعندئذ ~~تتألب في ضميري أسباب الموانع والتعلات، ويظل عقلي يفند لي تلك ~~الأسباب واحدا في إثر واحد، ويدفعني دفعا للأخذ من لذائذ ms046 الحياة ~~بنصيب ... فإن وجدت الناس تدفعهم طبائعهم إلى اجتراع اللذائذ وعبها، ~~لا يمنعهم عن ذلك أحيانا إلا صوت العقل فيهم؛ فإني على عكس ذلك؛ أتخوف ~~بطبعي من الإقدام على متع الحياة، وأتردد طويلا كلما سنحت لي ~~ظروفها، ثم لا يدفعني إليها إلا صوت من العقل ومنطقه! # التمست طريقي إلى هناك، ولم أكد أخطو داخل البهو خطوة أو خطوتين ~~حتى شمل الدفء أطرافي، وعادت إلي حرارة الأحياء، بعد أن كدت أنقلب من ~~برد الطريق عودا جف وذوى ... فالمكان دافئ جميل، وحسبي هذا الشباب ~~النضير من فتيان وفتيات، يشع من حوله حرارة تستنهض من به ميل إلى ~~قعود، لكني جلست هنيهة على هامش المرقص، لا أضرب بسهم في زحمته. ~~جلست أنظر مفتونا بهذه الموجات المتناغمة المتهادية من الراقصين ~~والراقصات ... إن أجمل شيء في الدنيا غادة في «فستان» السهر! فماذا تقول ~~في مجموعة كبيرة منهن دفعة واحدة تراهن راقصات مع زملائهن من الشباب ~~الفتي الوسيم؟! # وإني لأنظر تجاه الباب، وإذا الداخلة مرغريت - فتاة عرفتها من ~~الجامعة - كانت تطمئن إلى حديثي، وأسعد بحديثها، فيا لفرحة قلبي ~~حينئذ! لقد كنت أتوقع كل إنسان إلا هذه الصديقة؛ لأنها كانت تسكن ~~ضاحية بعيدة مع أبويها، ولم تكن بها عادة التخلف إلى هذه الأمسيات ~~الراقصة التي يقيمها الطلاب آنا بعد آن ... لكنها جاءت وفرحت لمجيئها. ~~وما هي إلا أن أخذت تنفض إلي هم يومها. ~~- جئت إلى الرقص على غير نية سابقة، فأعتذر عن ثيابي! كان وينبغي أن ~~أكون بثوب السهر. ~~- لا داعي لاعتذار منك عن ثيابك؛ فكل شيء رائع وجميل ... كأني بك لم ~~تذهبي إلى الدار! ~~- لا، بل ظللت هاهنا في المدينة، أبحث لي عن غرفة أسكنها. ~~- ماذا تقولين؟! ~~- نعم، فقد بلغت روحي الحلقوم من أبي. إن مصيبتي الكبرى هي هذا ~~الفارق البعيد بيني وبينه في العمر؛ فلست في هذا كسائر الناس مع ~~آبائهم. إنه تزوج من أمي وهو قريب من الخمسين، وكان يكبرها بخمسة ~~وعشرين عاما، فلا عاشا سعيدين، ولا عرف كيف يعيش سعيدا مع أبنائه ~~وبناته. ms047 إنه الآن يدنو من السبعين، وأنا في الثانية والعشرين ؛ ~~فالتفاهم مستحيل بين عمرين يفصلهما خمسون عاما. فلأكبر ما شاءت لي ~~الأيام، ولأنضج ما وسعني النضج، لكني ما زلت في عينه طفلة. ~~- هوني على نفسك الأمر يا مرغريت؛ فأحسب هذا شأن الآباء في كل زمان ~~ومكان. إن أعجب ما في الآباء أنهم لا يقررون لأنفسهم؛ هل يريدون ~~لأبنائهم أن يكونوا كبارا أو صغارا؟ فإن تصرف صغيرهم كما يتصرف ~~الصغير، قالوا له: إنك لم تعد صغيرا. وإن سلك لهم مسلك الكبار، قالوا ~~له: تذكر أنك لا تزال صغيرا! ... لم تكن مسافة العمر كبيرة بيني وبين ~~أبي، ومع ذلك فكنت إذا تصرفت تصرف الأطفال وأنا طفل فعلا، نهرني؛ ~~لأني في رأيه ينبغي أن أصنع صنيع الرجال. وإذا تصرفت تصرف الرجال، وأنا ~~رجل فعلا، غضب مني قائلا: لا تنس أنك في عيني طفل وستظل طفلا. الحق ~~أني كم تمنيت لأبي أن يستقر في ذلك إلى قرار يطمئن إليه. ~~- ليت أبي مثل أبيك، يعترف لي ولو مرة واحدة بأني رشيدة ناضجة، ~~وينبغي أن أسلك سلوك الراشدات الناضجات. لكني عنده طفلة دائما ... لا، ~~إن هذه حال لن تدوم بعد اليوم. لقد كان يصبحني بنصيحة، ويمسيني بنصيحة. ~~فلما أحسست إزاء نصحه الذي لا ينقطع أني لا أكاد أملك من أمر نفسي ~~شيئا؛ أبلغت أمي أن تنقل إليه نذيري بأني تاركة له الدار إن عاد ... ~~وكف يوما ثم عاد! فكان لي أن أختار لنفسي طريق حياتي. ولا طريق عندي ~~إلا ما يصون علي شخصيتي وفرديتي، بحيث لا تنطمس معالمها في شخصية ~~أخرى. ونتيجة اختياري هي أني سأستقل منذ غد في غرفة وجدتها ~~اليوم. # فهتفت لنفسي، وأنا أنظر لها نظرة الإعجاب، قائلا: تلك يا بنيتي هي ~~الآدمية الصحيحة! ~~••• # إن ذلك منك يا فتاتي هو الآدمية الصحيحة! والآدمية الصحيحة هي أن ~~يتصرف الآدمي كما تصرف آدم نفسه، ومن شابه أباه فما ظلم. لقد جاء خروج ~~آدم من الجنة رمزا لما يتفرد به الإنسان دون سائر الكائنات جميعا، ~~وهو أن تكون ms048 له إرادة حرة يختار بها لنفسه هذا الطريق أو ذاك، وكان ~~خروجه من الجنة أول عمل إنساني حر كتب السابقة لكل من أراد أن يكون ~~حرا من بنيه. بل كان خروجه من الجنة أول عمل فيه تفكير؛ لأن التفكير ~~كذلك هو في اختيارك لطريق دون أخرى، وهل تفكر الآلة كيف تسير؟ هل تفكر ~~النحلة كيف تجمع الرحيق؟ أمام الآلة وأمام النحلة طريق واحد لا اختيار ~~فيه. وإذن فلا فكر، ولا إرادة ثم لا كرامة. الإنسان إنسان؛ لأنه يفكر ~~كيف يعيش هذه الحياة التي لا تقع له أبد الدهر إلا مرة واحدة! # كان خروج آدم من الجنة رمزا لتقرير الذات الفردية، كان أول خروج ~~للإنسان على الطبيعة. وبالتالي أول خروج على القانون الذي يسد المسالك ~~أمام الإرادة سدا، كان خروجه من الجنة أول خروج للإنسان عن محيطه، ~~وانفراده ذاتا حرة تفكر لنفسها وتعمل وفق تفكيرها. # بل إن تبرعم الأفراد أفرادا هو معنى التطور في الطبيعة نفسها؛ ~~فقد كان العالم كله سديما واحدا، فلما انفصلت عن السديم أجزاء، وقام ~~كل جزء مستقلا بذاته، قلنا إن العالم بهذا قد تطور ... التطور في كل ~~شيء هو السير من الوحدة التي تنطمس فيها الأجزاء، إلى التفكك الذي ~~يبرز تلك الأجزاء أفرادا. فكان الناس في بدائيتهم يعيشون قبائل، كل ~~قبيلة وحدة لا تعرف لأفرادها وجودا ولا وزنا؛ فالقبيلة كلها جسم ~~واحد، ولها شيخ رئيس يسيرها كيف شاء، حتى إن اعتدى على أحد أفراد ~~القبيلة معتد من الخارج، عدت القبيلة كلها أن الضر قد مسها جميعا. ~~لكن المجتمع اليوم هو أقرب إلى أفراد تعاقدوا على العيش معا، لكل فرد ~~منهم شخصيته، ولكل منهم صوته في انتخاب الرئيس. # تقرير ذوات الأفراد هو الهدف الذي تهدف إليه الحياة في خطوات سيرها. ~~وليس مصادفة عمياء أن تكون العبادة عند الهمج البدائيين طقوسا جماعية، ~~يؤديها أعضاء القبيلة معا؛ لأن الفرد لم يكن له وجود مستقل عن سائر ~~الأفراد، ثم تطور الإنسان وتقدم، ونزلت شرائع السماء تقضي بأن تكون ~~العبادة واجبا يؤديه ms049 الفرد بغض النظر عما يفعله في ذلك سائر الأفراد ؛ ~~لأن الفرد أصبح مسئولا عن نفسه أمام الله يوم يكون السؤال، يوم يفر ~~المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن ~~يغنيه. # إن ما فعلته، يا مرغريت، هو الآدمية الصحيحة، الآدمية التي تفعل ما ~~فعل آدم، حين فصم الروابط التي كانت تربطه بمحيطه، ما دام ذلك المحيط ~~من شأنه أن يطمس وجوده. ترى هل ذلك ما أرادته الطبيعة حين جعلت ولادة ~~الطفل مصحوبة بقطع الحبل السري الذي يصل الجنين بأمه؛ إيذانا من ~~الطبيعة بأن هذا الوليد لم يعد جزءا من غيره، بل أصبح فردا يعد ~~واحدا في عداد الناس؟ # إن من طمس فردا من البشر، بحيث حرمه معالمه التي تميزه من سواه؛ ~~قتل نفسا حرم الله قتلها. وقد يكون القتل بغير دماء تسيل! وليس ~~أشد إهدارا لآدمية الإنسان من ذوبان وجوده في أسرته أو في أمته، ~~بحيث لا يعود له وجود شخصي بارز ظاهر. وهل العبد الرقيق إلا إنسان ~~أهدرت آدميته؛ حين جعلوا وجوده جزءا من وجود مولاه؟! # وددت يا فتاتي أن أذكر لك - لولا وطنية مني - كيف يتبرع الناس ~~عندنا تبرعا بمحو أنفسهم. فيقول الواحد منهم - أستغفر الله فما هو في ~~هذه الحالة بواحد - يقول لكبيره الذي يتملقه: أنا محسوب عليك؛ يعني أنه ~~بذاته لا شيء. ويريد أن يحسب تابعا من الأتباع، وهو بذلك مغتبط ~~سعيد! # وددت يا فتاتي أن أذكر لك - لولا كبريائي - أننا أمة تحسب بالحزمة ~~لا بالعود؛ فأبناء العزبة كلهم - عند الوجيه صاحب العزبة - خلية واحدة ~~تتبعه. والأصل عندنا في الأسرة، يا مرغريت، هو إما أن يكون الزوج كل ~~شيء والزوجة لا شيء، وأن يكون الوالد صاحب الكلمة التي لا ترد، ~~والأبناء في عينه هباء. وإما أن يفلت الزمام، فتصبح الزوجة كل شيء ~~والزوج لا شيء، ويصبح الأبناء الصغار مردة طغاة والوالدون ~~أتباعا. # الأصل عندنا، يا مرغريت، ألا يعيش فرد إلا إذا أكل في جوفه أفرادا. ~~أما أن يعيش الأفراد جميعا في توازن ms050 واتساق كما تقوم أنغام الموسيقى ~~ممتزجة متجاورة؛ فهو عندنا ضرب من المحال. # لكنى مستبشر؛ فنحن اليوم في رجة اجتماعية عنيفة قد أيقظت بعضا، وما ~~تزال توقظ بعضا؛ ليعلموا - كما علمت - كيف يعيش الفرد آدميا ~~كاملا. # | عندما أطللت من النافذة # هذه المقالة تجربة أدبية قمت بها، وأريد عرضها على القراء ليروا ~~رأيهم ... فمن أهم الاتجاهات الأدبية السائدة اليوم، اتجاه نفسي يريد ~~للأديب أن يسجل مجرى خواطره كما تقع في شعوره، لا يتخير منها شيئا ~~ليدع شيئا آخر؛ إذ لا تفرق هذه المدرسة الأدبية بين وقائع الحياة ~~الشعورية، بحيث تجعل منها ما هو هام فيؤخذ ويسجل، وما ليس بهام ~~فيترك ويهمل. ولا مانع عند أنصار هذا المذهب الأدبي من أن تأتي ~~الخواطر مفككة و«تافهة»، ما دامت قد وردت على هذا النحو في رأس ~~الكاتب ... ولم يتخير الأديب؟ إن الإشارة العابرة والفكرة الشاردة قد ~~يكون لها مدلول لا يقل في خطره عما اصطلح الناس على تسميته بالفكرة ~~المجيدة الجليلة. # في ذلك تقول الكاتبة فرجينيا وولف: «علينا أن نسجل الخواطر كما تقع ~~في الذهن، وبالترتيب الذي تقع به ... مهما تكن من التفكك في ظاهرها ... ~~إن الحياة لا تتمثل في الذي يسمونه فكرة عظيمة، بأكثر مما تتمثل فيما ~~يزعمونه تافها حقيرا.» # وفي مثل ذلك أيضا يقول الشاعر الإنجليزي ت. س. إليت: «لتكن ~~(كتابة الأديب) كالسحابة تزجيها الرياح الشمالية الشرقية منسابة في ~~غير شكل. # حياة الإنسان مجموعة من حوادث عابرة. # لقد ملئت أيامنا بالتوافه الضئيلة. # يشغلنا هذا وذلك، ثم ذاك وما يتلوه. # يشغلنا ما قاله فلان هنا، وما قاله علان هناك، وما دار في ظن العم ~~المكتهل. # نسأل: أمطرت السماء أو لم تمطر؟ ومتي أمطرت؟ هل عجنت الفطيرة ~~بيضتين أو ثلاث؟» ~~... ... # فإن كان قوام حياة الإنسان من أولها إلى آخرها، هي هذه الخواطر؛ ~~فلماذا لا تكون كتابة الأديب تسجيلا لسلسلة قصيرة أو طويلة من مجرى ~~خواطره؛ لكي يصور بذلك نفسه أدق تصوير وأصدقه؟ # ذلك ما تقوله هذه المدرسة النفسية الحديثة في الأدب. وقد عن لي أن ms051 ~~أنسج على هذا المنوال مرة على سبيل التجربة ، فأسجل خواطري كما انسابت ~~في مجرى الشعور فعلا، في أثناء فترة قصيرة قضيتها في شرفة ~~غرفتي. ~~••• # الهوة سحيقة والأرض بعيدة، بيني وبين الأرض سبعة طوابق 1 - 2 - 3 - ~~000 - 6 - 7. إن هذه الشرفات المتراصة في إطلالها على فناء المدرسة ~~والكنيسة تشبه مقصورات الأوبرا. ما كان أروع المشية التي مشيتها مع ~~«ك» في بهو الأوبرا بباريس، وكانت الأضواء لألاءة، وزحمة الناس يفوح ~~منها العطر! ضاعت مني الفرصة التي سنحت لي حينئذ. إنها الآن سعيدة بمن ~~هو خير مني ألف مرة. هذا الغسيل القذر المعلق في الشرفة المجاورة أقطع ~~دليل على أن مدام «ح» عديمة الذوق. ترى هل عاد الرجل الأحمر صاحب الصدر ~~المفتوح من رحلته؟ إن نافذته لا تزال مغلقة. يخيل إلي أن صديقته ~~الجميلة في لهفة ترقبه. ما أكثر ما أحسست بالغيرة الخفيفة من هذا الرجل ~~الأحمر الذي يسكن إلى جواري؛ لأنه قوي مليء بالشباب، ومدام «ح» معجبة ~~به أشد إعجاب. 1 - 2 - 3 - 000 - 6 - 7، سبعة طوابق بيني وبين الأرض. ~~مسافة هي الحد الفاصل بين الحياة والموت، هي بضع ثوان. بضع ثوان ~~قليلة كفيلة لك أن ينسدل الستار على كل شيء؛ فلا عظيم ولا حقير بعدئذ، ~~ولا نجاح، ولا فشل. كم حز في نفسي أن يكلمني «ع» وهو يركب السيارة، ~~كأنما هو يخاطب حفنة من هواء! ساعة الكنيسة تدق، لماذا لا يضبطون هذه ~~الساعة؟ فهي تضلل بما تقدم أو تؤخر من دقائق. دقيقة واحدة، لا، بل ~~بضع ثوان هي كل ما يلزمك ليسكن في أذنك كل صائت ويسود كل شيء. إن ~~هؤلاء الأطفال الذين يلعبون ويصيحون في فناء المدرسة لا يأبهون لدقات ~~الساعة، إنهم لا يأبهون للزمن. لا يزال في الوقت متسع للنزول وشرب ~~القهوة في مكاني المألوف؛ فربما أرى اليوم أيضا ذلك الرجل وتلك المرأة ~~اللذين رأيتهما هناك. إنها فاتنة، ظلت طوال الوقت شاخصة ببصرها إليه ~~مفتونة به. ماذا كان يعجبها في ذلك الجلف البدين؟ بوت ... بوت. بوق هذه ~~السيارة ms052 الفخمة المسرعة دليل قوي على أن راكبها شاب يلهو بشبابه. قالت ~~لي مرة إن عيبك هو هذا الهدوء . هب! تبدل نور المرور أحمر، ووقفت ~~السيارة المسرعة، وتأخر صاحبها الفرحان عن غايته بضع ثوان، بضع ثوان ~~تكفيك أن تلقي بهذا الجسد الثقيل إلى الأرض البعيدة. طاخ ... انتهى كل ~~شيء! ما أجرأ الذين يزهقون أنفسهم عن هذا الطريق! إني أفضل النيل. ~~لن أترك جسدي في العراء يراه هؤلاء الأطفال. مؤذن يصيح! من أين جاء ~~هذا الأذان الذي أسمعه وليس على مقربة منا مئذنة ولا مسجد؟! أنا جائع. ~~بقي على موعد الغداء ساعة ونصف ساعة. تلك الفتاة التي تسير على الطوار ~~هناك بصدارها الأصفر وثوبها الرمادي وحذائها الأبيض. إنها مليئة ~~بالشباب كما يبدو من سرعة خطاها، يا لخفة الشباب ورقته! إنها ستسبق ~~الرجل الشيخ الملفف بعباءته. تصور هذا الرجل وهذه الفتاة زوجين! ~~لماذا لم أحسم الأمر حين ازورت بوجهها أول مرة؟ أقسمت لي إنها لا ~~تضمر السوء وصدقتها. كنت أخشى دائما أن أسيء إليها، فكيلت لي ~~الإساءة لطمات بعد لطمات. اشرب يا نذل! اشرب! لو كان هؤلاء الناس ~~الذين أساكنهم يكفون عن تقديم الفاصوليا والقرع مسلوقين على النحو ~~الذي يفعلون! لا أحب أن أراهما في طبقي. لكل شيء في هذه الدنيا ثمن، ~~جئت إلى هنا وأردت البعد عن وجع الدماغ، فلا بد لك أن تأكل هذا ~~الخضار المسلوق الذي لا يحسنون طهيه. مسكين هذا الشاب اللبناني الذي ~~شكا لي اليوم حبه المرفوض. مغفل! في الدنيا كثيرات سواها، ليتني ما ~~تدخلت في أمر «أ»! ربما كنت سببا في شقائه، نصحته بما يرضي العقل، ~~ناسيا أن العقل في هذه الأمور لا شيء. صياح الأطفال في فناء المدرسة ~~يملأ الفضاء؛ أين لي شيء من هذا النشاط؟ كانت غاية في الرشاقة حينما ~~رأيتها، لماذا خفق قلبي لها وما كان ينبغي له أن يفعل؟! يا بني، لا ~~تتحدث حديث القلب؛ فهذه لغة الشباب ولم تعد شابا. ما أشد غرور «ش»! ~~لو كنت أجد الشجاعة فأسيء إلى من يسيئون ms053 بمثل ما أساءوا! مدام «ح» تطل ~~من نافذتها، جميلة لكنها ثقيلة الدم. غريب زوجها هذا، إنه مفتون بها ، ~~لكنه لا يغار أبدا من الرجل الأحمر صاحب الصدر المفتوح! ترى ماذا أنا ~~فاعل حين تصل «ر» قادمة من بلادها؟! إني أريدها ولا أريدها. إنها ~~معتمدة علي في قدومها هذا، لكني خائف أشد الخوف من قدومها. هل أبحث ~~لها عن غرفة في مكان بعيد! يعجبني ذكاؤها وثقافتها وسعة أفقها، لكن لا ~~يعجبني كثير من طباعها. ترى هل تغير من طباعها في مصر؟ ليتها تفعل! ~~إني خائف من قدومها؛ إنها تريد شيئا لا أريده أبدا. قلت لها في صراحة ~~إني معتمد على عقلي. فقالت في لغة أصرح: وأنا معتمدة على غريزتي 1 - 2 ~~- 3 - 000 - 6 - 7، سبعة طوابق - 8 - 9. التليفون يا مسيو «ح». كانت ~~نغمة كلامها في التليفون أخاذة، لكنها إبليس في صورة البشر، إنها ~~الشر كله في صورة إنسان، إني لأعجب كيف يكون هذا الشر كله في هذه الرقة ~~كلها! الحمد لله، آه لو رددت الإساءة بإساءة مثلها! إذن لما عانيت ~~شيئا من لذع الضمير الذي يؤرقني ويعذبني. لن أنسى أن أقول لمتولي حين ~~أراه ساعة الغداء ألا يضع لي في طبقي خضارا؛ سأكتفي اليوم بالبطاطس ~~واللحم. يا ليت لي شخصية مستر «ك»! رأسه فارغ مع أنه في الستين من ~~عمره. لم أره عابسا مرة واحدة! قال لي مرة: أنا معجب بذكائك. قلت له: ~~بل أنا المعجب بفرحك بالحياة يا مستر «ك». كان منطق الحوادث يحتم أن ~~يتزوج من مس «ج»، لكن يظهر أن ذلك لن يحدث. خسارة مس «ج» هذه؛ قاربت ~~الخامسة والأربعين بغير زواج، وفيها كل الصفات التي تجعل من المرأة ~~زوجة صالحة! 1 - 2 - 3 - 000 - 6 - 7، سبعة طوابق بينك وبين الأرض. لكن ~~الأطفال ما زالوا في الفناء يصيحون. كان العريس شابا وكانت العروس ~~شابة. هو أكثر من العشرين قليلا، وهي أقل من العشرين قليلا. وهكذا ~~يكون استقبال الحياة؛ وإلا فلا. أنا من ضيع في الأوهام عمره. ما الذي ms054 ~~أعجب تلك المرأة في رجلها الذي لبثت شاخصة إليه ببصرها طيلة اليوم ~~بعين المفتونة المعجبة؟ أوه! من يدريك؟ لعله معها في جحيم. الظواهر ~~تخدع، وقد انخدعت بها أنت حتى شرقت وغرقت. حسبوني أبله ساذجا! هم ~~مخطئون، لكن أمسكت عن الردود الصحيحة في المواقف المختلفة؛ فما ذاك إلا ~~حياء لم يكن بلاهة ولا سذاجة. إن الماضي لا يعود، وجرحك لن يندمل إلى ~~الأبد. # | وضع العقل في غير موضعه # اكتبي إلي؛ فما أنا إلا مخلوق ضعيف، يفرح بالرسائل تأتيه، فرحة ~~الأطفال بالحلوى. # اكتبي إلي ألف مرة، وارفعي الضواغط عن سن القلم. خففي بعض الشيء ~~من الضوابط واللجم والشكائم التي تكبحين بها القلم إذ تكتبين؛ لعله ~~ينساب انسيابا، فيمتزج بانسيابه قلب بقلب وروح بروح. # اكتبي إلي؛ فإني أقرأ الرسالة وأطويها، ثم أقرؤها ثانية وأطويها، ~~ثم أحفظها في مكتبي؛ لأعود إليها بعد أيام، أو بعد ساعات. # وقد عدت إلى رسالتك لأقرأها مرة أخرى وأطويها، حين أحسست في القلب ~~خفقة غامضة تناديني. لكني لم أكد أمسها بأصابعي، حتى وسوس لي العقل ~~بالتأنيب، الذي ما انفك يوسوس لي به كلما نزت مني نزوات قلبي: يا بني لا تتحدث حديث القلوب؛ فهذه لغة الشباب، ولم تعد شابا ... إن من ~~سلخ من دهره ما سلخت من دهرك؛ خليق به أن ينظر إلى الأشياء نظرة ~~العقل، لا نظرة الهوى. # وخفقان القلب - عند العقل - اضطراب في دورة الدم، وهذا الخطاب - عند ~~العقل - ورقة عليها نثار من مداد! # هكذا همس لي العقل عندما عدت إلى رسالتك أقرؤها؛ فارتعشت أصابعي، ~~وبردت دمائي، وتندى جبيني بقطرات باردة؛ لأني رأيتني عندئذ تافها ~~سخيفا، قد أفلت زمام عقلي من يدي، وأسلمت نفسي لما يشبه ترهات ~~الشباب. فأعدت الرسالة مكانها؛ ليرضى العقل عني، وعرفت بعدئذ كيف ~~أسكت القلب وأصرفه عن سخافات الصغار. # لماذا أنصت للعقل في نزوات الفؤاد؟ # لا، عودي بربك فاكتبي إلي؛ فإن كان وضع الهوى في موضع العقل عيبا، ~~فكذاك وضع العقل في موضع الهوى. ~~••• # لكن أين يكون موضع العقل؟ وأين يكون موضع الهوى؟ ms055 هذا هو السؤال الذي ~~تنزاح بجوابه مشكلات لا أول لها ولا آخر. فلو تحدد لكل منهما نطاقه؛ ~~انحسمت أسباب الغضب عند الناس حين يقوم بينهم خلاف. # فأولا: لن يكون بين الناس اختلاف في مسائل الهوى؛ لأن الأهواء شخصية ~~ذاتية بحكم تعريفها. وما هو ذاتي بطبيعته لا يكون موضعا لجدال؛ فإذا ~~شعرت بالبرد ولم أشعر به، وإذا أحسست ألما ولم أحسه، وإذا استحسنت ~~طعاما ولم أستحسنه؛ لم يكن هنالك ما يبرر أن نعترك أو نصطرع، فحالك ~~خاص بك، وحالي خاص بي. # وثانيا: قد ينشأ بين الناس اختلاف في مسائل العقل، لكنه اختلاف ~~يستحيل أن يؤدي إلى غضب أو حقد أو قتال. فإذا رأيت مثلا أن الضوء ~~يسير في موجات، ورأيت أنه جسيمات تنفث نفثات متتابعة بينها فواصل، ~~وإذا رأيت أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان مهما امتدا، ورأيت ~~أنهما يتلاقيان في اللانهاية، وإذا رأيت أن الصحراء يمكن إخصابها ~~ورأيت استحالة ذلك؛ لم يمكن هنالك ما يبرر أن نعترك أو نصطرع، إلا ~~اعتراك الحجة واصطراعها. وما سمعنا قط أن عالمين من علماء الرياضة أو ~~العلوم الطبيعية قد انتهى بهما اختلاف الرأي إلى مبارزة بالسيف؛ ليكون ~~الحق للغالب. # إنما ينشأ الغضب بين فريقين، وينشأ الحقد، وينشأ العراك والقتال، حين ~~يختلط نطاق العقل بنطاق الأهواء الشخصية؛ فنخضع مسائل الهوى لأحكام ~~العقل، ونظل في جدال يستحيل - بطبيعة الحال - أن ينتهي؛ لأن الأهواء لا ~~تنتقل من شخص إلى شخص بالحجة، إنما تنتقل بالإغراء. فإن لم يجد ~~إغراء؛ فلا سبيل إلى نقلها بالإقناع. ثم يستحيل أن يخلو اختلاف الناس ~~في مسائل الأهواء من الغضب وثورة النفس؛ لأن أهواءك متصلة أوثق صلة ~~بذاتك، فمن أنكرها عليك؛ فقد أنكر عليك وجودك كله وكيانك كله. # أعود فأقول إنه لو تحدد لنا على وجه الدقة أين يكون موضع العقل، ~~وأين يكون موضع الأهواء؛ لانحسمت كل أسباب الغضب والخلاف في مسائل ~~العقل، ولأنه لا وجه للمناقشة حين يكون الخلاف في مسائل الأهواء ~~الذاتية. # بل إننا إذا حددنا على وجه الدقة، أين يكون موضع ms056 العقل، وأين يكون ~~موضع الهوى؛ لما كان سبيل الاختلاف المرء مع نفسه هذا الخلاف الذي دب ~~بين عقلي وقلبي، حين هممت بقراءة الخطاب بدافع من القلب، وأبى علي ~~العقل ذلك لما فيه من سخافة ظاهرة. # وإذا كنت مثلا بصدد قياس البعد بين الشمس والأرض؛ فلا يجوز لهواي ~~الشخصي أن يتدخل في أمري، حيث يقول لي: اجعله كذا ميلا واخلص من ~~الإشكال. وكذلك إذا خفق قلبي لهذا الخطاب وأردت تلاوته مرة بعد مرة، ~~فلا يجوز لعقلي أن يتدخل في الأمر قائلا: إنه لا ينبغي لك أن تحس هذا ~~الإحساس إزاء ورقة انتشرت عليها قطرات من مداد. # لكن الناس يخلطون بين نطاق العقل ونطاق الأهواء، بل إن الفرد الواحد ~~ليخلط بينهما، فيعترك الناس فريق مع فريق، ويعترك الفرد عقله مع ~~قلبه. ~~••• # ولو جاز لنا أن نقول إن ميدان العقل هو ميدان العلوم على اختلاف ~~أنواعها؛ فهلا يجوز لنا أن نقول كذلك إن ميدان الأذواق الشخصية هو ~~الفنون على اختلاف صنوفها؟ أظن ذلك. # فموقف العالم إزاء جبال الهملايا هو أن يصف صخوره ويقيس ارتفاعه وما ~~إلى ذلك. حقائق لو خالفته في واحدة منها؛ لم يشعر في نفسه بدافع ~~لمبارزتك بالسيف، واكتفى بمطالبتك أن تسافر إلى الهملايا كما سافر، ~~وتصفه أو تقيس ارتفاعه كما وصف أو قاس. # أما موقف الشاعر أو الفنان بصفة عامة إزاء الهملايا؛ فهو أن يحس ~~إحساسا خاصا، فيرهب جبروت الطبيعة مثلا، أو يحب الإقامة في غابات ~~السفوح هناك، وما إلى ذلك. إحساسات لو خالفته في واحد منها، لم يكن ~~ثمة سبيل إلى اتفاق بينكما. فإذا أحس هو جبروت الطبيعة بحيث عبدها، ~~وإذا جئت أنت فأحسست إزاء الطبيعة نفسها بالاستهزاء والاستخفاف؛ فقد ~~يؤذى في شعوره إيذاء يدفعه إلى حمل السلاح، فإما خشعت معه لما خشع ~~له، وإما فناؤك أو فناؤه. # وليس كل من يحس إحساسا خاصا إزاء شيء يخافه أو يحبه بقادر على ~~إخراج هذا الإحساس في كلمات إن كان أديبا، أو في ألوان إن كان ~~مصورا، أو في حجر أو ms057 برونز إن كان نحاتا، أو في أصوات إن كان ~~موسيقيا ... على أنه لا يجوز لك في كلتا الحالين - في حالة قدرة صاحب ~~الإحساس على التعبير الفني، وحالة عدم قدرته - أن تجادله فيما أحس؛ ~~وإلا كنت بمثابة من يضع العقل في موضع الهوى. كل ما لك من حق في هذا ~~الصدد هو أن تذوق مذاقه أولا تذوقه، وكفى الله المؤمنين شر ~~القتال. # ومن ثم كان أكبر اختلاف بين العلم والفن؛ أي بين الحالات التي يجوز ~~لنا أن نحتكم فيها إلى العقل، والتي لا يجوز فيها ذلك، هو أن الأولى ~~عامة يشترك في إدراكها الناس جميعا، لو أتيحت لهم وسائل الإدراك، ~~والثانية خاصة يدركها صاحبها وحده. ولست أريد للقارئ أن يظنني مدافعا ~~عن الاحتكام في النقد الفني إلى الذوق دون العقل؛ لأني على نقيض هذا ~~الرأي. فأنت تنتج الفن تبعا لذوقك وهواك، وتتمتع بفن غيرك تبعا لذوقك ~~وهواك أيضا، لكنك إلى هنا لست بناقد. أما إذا بدأت تنقد؛ فقد بدأت ~~تناقش صاحب الفن في فنه، أعني أنك قد أهملت الجانب الذاتي الخاص في ~~فنه؛ لأن ذلك يستحيل بطبيعته أن يكون محلا لمناقشة بينكما، وأخذت من ~~فنه إطاره أو بنائه أو هيكله. فهذا وحده ما يصح أن يكون عاما بينك ~~وبينه، وبالتالي ما يصح أن يكون محلا للمناقشة والنقد. ~~••• # إنني حين كتبت مقالي «عندما أطللت من النافذة» لأسوقه مثالا على ~~سبيل التجربة للاتجاه الحديث في الأدب، بل في الفنون عامة، وهو أن ~~يسجل الأديب خواطره كما تقع له في مجرى شعوره بغير تفرقة بين ما ~~يسميه الناس فكرة جليلة تستحق التسجيل، وما يسمونه فكرة وضيعة لا تستحق ~~الذكر؛ لم أتخذ موقف المدافع عن هذا المذهب، لكني أردت عرضه وتطبيقه ~~على سبيل التوضيح والتمثيل. # وتفضل أستاذنا الجليل الدكتور أحمد أمين بك فنقد هذا المذهب، لكنه ~~جعل بعض نقده قائما على أساس أن الخواطر المنسابة كما اتفق؛ لا تتفق ~~مع العقل؛ لأنها لا تفرق بين ما هو شريف وما هو وضيع من الخواطر، وأنها ~~تهم ms058 علم النفس؛ لأنها تصور نفسية الكاتب أكثر مما تهم الأديب. # وإني وإن كنت لا أتصدى للدفاع عن هذا المذهب الأدبي بصفة عامة؛ ~~فإنني لا أرى أن هذا الجزء من نقد أستاذنا أحمد أمين بك يهدمه؛ لأننا ~~إن قلنا لأنصاره: إنكم لا تفرقون بين الشريف والوضيع من الخواطر؛ كان ~~جوابهم حاضرا على أطراف ألسنتهم. وهو أن الرفعة والضعة من القيم ~~الذاتية، التي لا سبيل إلى المناقشة فيها كما نناقش المسائل العلمية. ~~إننا نصور لك نفوسنا كما هي على حقيقتها، فلك أن تحب هذه النفوس من ~~أوصافها، أو تمقتها لأنها من نوع لا يعجبك ولا تميل إليه. وهل تقول ~~للكاتب المسرحي: لا تصور في مسرحيتك إلا الشخص العظيم؟! # إن غاية ما ينشده الأديب بأدبه أن يصور نفوسا؛ نفسه أو نفوس غيره ~~في ضوء خبرته. وكلما دنا تصويره من الحبكة التي تجعل النفس المصورة حية ~~واضحة المعالم؛ كان أدنى إلى الكمال في فنه. ولا عبرة بعد ذلك أبدا ~~للقيمة الخلقية لما صور، فلا تفاوت في القيمة الفنية بين تصوير ~~الكريم وتصوير البخيل، أو بين تصوير الشيطان وتصوير القديس. المهم ~~دائما هو صدق التصوير، وكما أنه لا وجه للاختيار على أساس خلقي بين ~~شخص وشخص عند التصوير الفني؛ فكذلك لا وجه للاختيار بين خاطر وخاطر على ~~هذا الأساس الخلقي. # وكذلك إن قلت لأنصار هذا المذهب: إن خواطركم المنسابة في مجرى شعوركم ~~تهم عالم النفس أكثر مما تهم الأديب؛ كان جوابهم هنا أيضا على أطراف ~~ألسنتهم؛ لأنهم سيقولون: إنها تهم الأديب وعالم النفس في وقت واحد، لكن ~~من وجهين مختلفين: فهي عند الأديب صورة فذة فردة حية، وهذا كل ما ~~يريد. وهي عند عالم النفس مثل يستطيع أن يضيف إليه أمثلة أخرى من ~~الأدب أو من الحياة الواقعة؛ ليستخرج ما يريد استخراجه من قواعد ~~وقوانين. # لكن أستاذنا الجليل الدكتور أحمد أمين بك يؤثر أن يكون الأديب ~~مهتديا بعقله فيما يكتب؛ فيختار الطيب ويدع الخبيث. ويريد أنصار هذا ~~المذهب ألا يكون الزمام هنا في يد العقل؛ ms059 لأنه ليس من اختصاصه، كما ~~يقول أصحاب الدواوين الحكومية. فهل هم على حق في هذا التقسيم؟ # الحق أني لو استطعت أن أضع حدا لاختصاص العقل في شئوني، لما عانيت ~~في حياتي الخاصة كثيرا جدا مما أعانيه من صراع بيني وبين نفسي. وقد ~~صدرت لك المقال بمثل يسير من هذا الصراع. # | الأخلاق التي لا تزال بخير! # هذا قارئ من المنصورة، ذكي حصيف، قد كتب إلى «الثقافة» كتابا، يعلق ~~فيه على مقالتي «عندما أطللت من النافذة»، التي عرضت فيها اتجاها ~~جديدا في الأدب وفي الفنون عامة. فشرحت أساس المذهب شرحا موجزا، ~~وأردت أن أزداد له فهما، وأزيد القارئ به علما؛ فأجريت له تطبيقا؛ ~~إذ سجلت مجرى خواطري كما وقعت في تيارها الدافق؛ لأرى - وليرى معي ~~القارئ - كيف يكون هذا المذهب في صورة عملية؛ فليس أصلح اختبارا ~~للفكرة من تطبيقها. # وقرأ قارئ المنصورة الذكي الحصيف هذا المقال، فوقفت شعراته فوق رأسه ~~على أطرافها جزعا وفزعا، ونهض من فوره، وحمل القلم ليرسل إلى ~~«الثقافة» هذا «الخطاب المفتوح» يوجهه إلي، ويستهله بمدح أشكره عليه ~~أبلغ الشكر وأوفره، ثم يعقب على هذا الثناء المشكور برأيه في مقالتي ~~التي أسلفت ذكرها. ولو قد استطاع القلم أن يستقيم بين أصابعه ثلاثة ~~أسطر كاملة، بحيث يجري في عربية صحيحة؛ لأفسحت الثقافة لرأيه مكانا ~~رحبا فسيحا. # ولست أنوي بطبيعة الحال أن أناقش خطابه من حيث الرأي والفكرة؛ فكل ما ~~في الخطاب دليل ناهض على أن أدنى ما أهبط إليه مع كاتبه هو أن أعلمه، ~~وأرقى ما يرقى إليه معي هو أن يتعلم. # لكن الذي استوقف نظري في خطابه، بحيث حملني على الإغراق في الضحك ~~أولا، ثم على الكتابة ثانيا، هو أن قارئ المنصورة الفاضل يرى أن مثل ~~هذا الكلام الذي نشرته لو جاز أن «يستساغ» نشره في الصحف الغربية؛ فهو ~~مما لا يصح نشره في صحافتنا؛ حيث لا تزال الأخلاق بخير، والفتاة ~~بخير! بارك الله فيك يا مولانا، والله إن الدنيا كلها خير ما بقيت ~~وما قرأت وما كتبت! ~~••• # لست ms060 أدري إن كان قارئ المنصورة الذكي الحصيف قد سمع بكتاب كامل ~~أخرجته منذ حين، وأسميته «جنة العبيط» ... وإذا لم يكن قد سمع به، فإني ~~أتقدم إليه خجلا متواضعا؛ لأنبه بأن العبيط الذي أردته بهذا ~~العنوان، بل بهذا الكتاب كله، هو ذلك الذي يعيش ها هنا، ويتلفت حوله، ~~حيث قد اجتمع كل ما أراد الله لعباده من نكد وبؤس في صعيد واحد، ~~ويهتف لنفسه مع ذلك كله - ومن يدري؟ فلعله يهتف لنفسه بسبب ذلك كله! - ~~أن الحمد لله رب العالمين؛ الذي هيأ لنا في بلادنا ما لم يهيئ لأهل ~~الغرب المناكيد مثيلا له ولا شبيها. # إن العبيط الذي أردته - يا سيدي - بعنوان الكتاب، بل أردته بالكتاب ~~كله، هو الذي يتلفت حوله في هذا البلد، ثم يرسل بصره المديد الحديد ~~إلى ما وراء هذه البلاد، فإذا هو يطمئن نفسا وينعم بالا؛ لأن الله ~~قد أراد لنا من الخلق المتين المكين ما لم يرد مثله لأهل أوربا ~~الذين يخبطون في أدران الضلالة وأوحال المنكر والبغي! # أيسمح لي سيدي بذكر فقرة أو فقرتين مما ورد في ذلك الكتاب على ~~لسان العبيط؛ إذ يتحدث وهو في جنته؟ قال العبيط: «أنا في جنتي الحارس ~~للفضيلة أرعاها من كل عدوان، لا أغض الطرف عن مجانة المجان. ~~والعالم حول جنتي يغوص إلى أذنيه في خلاعة وإفك ورذيلة ومجون. دعهم ~~يطيروا في الهواء، ويغوصوا تحت الماء؛ فلا غناء في علم ولا خير في ~~حياة بغير فضيلة. دعهم يحلقوا فوق رءوسنا طيرا أبابيل، ترمينا بحجارة ~~من سجيل؛ فليس الموت في رداء الفضيلة إلا الخلود. إني والله لأشفق على ~~هؤلاء المساكين، جارت بهم السبيل فلا دنيا ولا دين. أتدري ما معنى ~~الفضيلة عند هؤلاء المجانين؟ معناها كل شيء إلا الفضيلة! فالنساء عندهم ~~يخالطن الرجال، والنساء عندهم يراقصن الرجال، ثم النساء عندهم ~~يعملن مع الرجال، وهن يقاتلن مع الرجال! أرأيت أفحش من هذا الإفك ~~إفكا، وأقبح من هذا المجون مجونا؟! حدثني صديق أنه رأى هناك ذات يوم ~~بعينيه، في مكان واحد من ms061 دكان واحد، قبعة وقبعا (وأراد بالقبع قبعة ~~الرجل تمييزا للذكر من الأنثى؛ إذ لا يجوز عند أرباب الفضيلة أن يجتمع ~~الرجال والنساء على لفظ واحد!) رآهما معروضين، لا يسترهما عن أنظار ~~المارة إلا لوح من الزجاج، يشف للمارة عما وراءه. وأعجب العجب أن ~~علامة واحدة من علامات الحياء والخجل، لم تبد على رجل منهم أو امرأة ~~... إلخ.» # هذه، يا سيدي، فقرة مما قال العبيط لنفسه؛ إذ هو يتحدث إليها في ~~جنته. وأستأذنك في ذكر فقرة أخرى، وأقسم لك غير حانث إنني لا أريد ~~بذلك إعلانا عن كتابي؛ فقد أنفقت عليه ما أنفقت، وأعطيته للناشر بنصف ~~تكاليفه؛ ليضمن لي أن يباع لعله يقرأ، فينصت الناس إلى قول العبيط ... قال: ~~«أنا في جنتي السمح الكريم، الذي ورث الجود عن آباء وجدود. ~~فمن سواي كان أبوه يذبح الجمل والناقة ليطعم كل ذي مسغبة ~~وفاقة؟ من سواي إلى حاتم ينتمي وبهذا العنصر الكريم يحتمي؟ وهل ~~كانت صفات آبائي وأجدادي تذهب مع الهواء هباء، أو هي تجري في ~~العروق مع الدماء دماء؟ ها أنا ذا أحنو على البائس عطفا وإن كنت ~~لا أعطيه، وأذوب على المصاب أسى، وإن كنت لا أواسيه! وتبت يدا ~~حاسد يقول إن أصحاب الحاجة عندي يستجدون ولا عطاء، والمعوزين ~~أكفهم تنقبض على هواء. فقلب عطوف خير للفقير من قرش إنفاقه ~~سريع، وفؤاد ذائب أبقى له من عون لا يلبث أن يضيع. إني أعوذ بالله ~~من إنسان يفهم الإحسان بلغة القرش والمليم؛ تلك لعمري مادية طغت ~~موجتها على العالم كله. ولولا رحمة من ربي، ورشاد من قادتي؛ لكنت ~~اليوم في غمرتها من المغرقين! لقد أقفر العالم حول جنتي، فلا عطف ~~ولا عاطفة، واستحالت فيه القلوب نيكلا ونحاسا. تعرفها بالرنين؛ ~~لأنها لم تعد من لحم ودم! أهكذا يقوم كل شيء بالمال، حتى ~~إحسان المحسن وعطاء الكريم؟! فالقرش والمليم هو معنى الإحسان في ~~الغرب الذميم، الذي غلظت فيه الأكباد، كأنما قدت من صخر جماد. ~~كم جامعة عنده أنشأها ثري؟ وكم دارا أعدها للفقير غني؟ ms062 كم منهم ~~يلبي النداء إذا ما دعا الداعي بالعطاء؟ لا، بل إن هذ الغرب ~~المنكود، ليسير إلى هاوية ليس لها من قرار؛ إذ هو يسعى إلى محو ~~الفقر محوا ، حتى لا يكون لفضيلة الإحسان عندهم موضع! فاللهم إني ~~أحمدك أن رضيت لي الإسلام دينا، وجعلت لي الإحسان ~~ديدنا.» # معذرة سيدي؛ فقد أطلت لك الاقتباس من كلام العبيط، وما كان ينبغي أن ~~أفعل ما دام العقلاء من حولنا كثيرين. لماذا نطيل الإنصات إلى هذا ~~الأبله المجنون، والحق أبلج واضح؟ إن قبائل الغابات كلها قد أجمعت على ~~أن الأخلاق لا تزال بخير ما دامت الفتاة بخير! # | الطاغية الصغير # كتب هيجل - الفيلسوف الألماني في النصف الأول من القرن الماضي - يقول ~~في مجرى عبارة له عن تطور الحرية: «... إن أهل الشرق لا يعرفون حتى اليوم ~~(1840م) أن الإنسان حر لمجرد كونه إنسانا عاقلا. إنهم لا يعرفون إلا ~~أن تكون الحرية لرجل واحد، ثم لا تكون حرية هذا الرجل الواحد إلا ~~اندفاعه وراء نزواته ...» # وقد مضى على هذا الذي كتبه هيجل قرن أو يزيد، وتبدلت أحوال الشعوب ~~الشرقية في كثير جدا من الجوانب والأوضاع؛ فصدرت لها الدساتير وقامت ~~فيها مجالس النيابة، وما إليها من مظاهر الحكم الديمقراطي الذي يعترف ~~الإنسان العاقل بحريته. ولا يقصر الحرية على رجل واحد يندفع وراء ~~نزواته - كما يقول هيجل - لكنني رغم ذلك كله، ما كدت أقرأ لهيجل هذه ~~العبارة، وأدير فيها الفكر، أو أديرها في الفكر بتعبير أصح، حتى تبينت ~~صدقها إلى اليوم (1950م). # نحن أهل الشرق لا نعترف بالحرية إلا لرجل واحد من كل هيئة أو جماعة، ~~ثم لا تكون حرية هذا الرجل الواحد إلا أهواءه ونزواته. هذا قول صادق في ~~الأسرة المصرية الصميمة، وفي ديوان الحكومة المصري الصميم، وفي كل ~~علاقة تنشأ بين جماعة من الأفراد كائنا ما كان شأنها ولونها. # المثل الأعلى في الأسرة المصرية الصميمة أن يكون الزوج صاحب الكلمة ~~النافذة على زوجته، ثم أن تكون هذه الكلمة النافذة متقلبة مع أهوائه ~~ونزواته. # فقد عرفت زوجين، ms063 أراهما يمثلان وجهة النظر المصرية تمثيلا صادقا ~~دقيقا؛ فالزوج مستبد طاغية، والزوجة لا يطوف برأسها، ولو على سبيل ~~الأحلام العابرة، أن تنكر على زوجها حقه في استبداده وطغيانه. كلاهما ~~من الريف ، لكنهما أنفقا في حياة المدن أربعين عاما، وهما من الطبقة ~~المتوسطة التي تعتقد أنها إلى أصحاب العوز أميل منها إلى ذوي ~~اليسار. # جاءا إلى المدينة يحملان في أصلابهما تقاليد الريف كلها، أعني ~~التقاليد المصرية الصافية الخاصة من أخلاط الثقافة الأوربية، ولم يكن ~~للزوجة نصيب من التعليم كائنا ما كان. أما الزوج فيكتب ويقرأ ويحسب ~~ويناقش ويجادل ويفكر على نحو يدعوك إلى الاعتراف بحدة ذكائه أكثر مما ~~يدعوك إلى احترام دقة تفكيره وصدق خبرته. # كان للزوج حقوق على زوجته، وكادت تكون هي صفرا من كل حق إزاءه؛ فهو ~~يحاسبها وهي لا تحاسبه. البيت بيته هو لا بيتها والأبناء أبناؤه هو، ~~حتى ليوشك أن يظن أنهم أبناؤها بالمصادفة. من حقه أن يدعو من شاء من ~~الضيوف، ولا وزن إطلاقا لقبولها أو رفضها. أما هي فيستحيل عليها ~~استحالة قاطعة أن تدعو زائرا أو زائرة إلا بعد استشارته ~~وموافقته. # وحدث في ليلة ليلاء من ليالي الشتاء، أن تأخر الزوج عن موعده ~~المألوف، فنامت الزوجة ونام الأبناء، وكان أكبرهم في نحو العاشرة. حتى ~~إذا ما انتصف الليل، نهض هذا الغلام - وهو الذي قص علي قصة والديه ~~بعد أن شب واكتمل - نهض من نومه فزعا لأنه سمع أمه تبكي. وتسلل من ~~غرفة نومه خائفا مرتعشا، مشوقا متطلعا، كان يرتعش خائفا لأن أباه ~~في الدار، وحسبه هذا باعثا على الرعشة والخوف، فما بالك وأبوه هذا ~~يقرقع بصوته غاضبا ثائرا؟! ثم ما بالك والغضب والثورة قد جاءا في هذه ~~الساعة من الليل التي يسكن فيها الإنس وينشط الجن؟! وكان مشوقا ~~متطلعا؛ لأنه يسمع بكاء أمه نحيبا قويا حزينا، ويود لو يعلم فيم ~~بكاؤها في مثل هذه الساعة التي يخلد فيها المحزون فينسى حزنه في غمرة ~~من أحلام الظلام، حتى تعود الشمس فتستيقظ لتوقظ في الناس أحزانهم من ms064 ~~جديد؟! # وقف الغلام في ردهة الدار دقيقة أو نحوها، يتسمع. ويبني مما يسمعه ~~قصة فاته نصفها الأول، وإذا بأبيه يناديه دون أن يراه. فأسرع الغلام ~~إلى سريره ليجيب النداء من فراشه . وأجاب الغلام من مخدعه نداء أبيه، ~~وجاءه مسرعا إلى حيث كان، وإذا بالغلام الصغير - وهو في العاشرة من ~~عمره! - يرى عجبا ويسمع عجبا. # فقد عاد الوالد إلى الدار ومعه سمك، وأمر الزوجة التي استيقظت ~~كالذاهلة الحالمة في تلك الساعة من الليل، أمرها أن تعد له من هذا ~~السمك عشاء. وهمت الزوجة أن تعترض على هذا الأمر الشاق العسير، ~~فكان ما كان من ثورة وغضب وصياح. # ولو وقف الأمر عند هذا الحد، لما كان في الأمر ما يقتضي الحكاية ~~والرواية؛ ففي كل دار زوج يثور ويغضب ويصيح. لكن الرجل الطاغية، أقسم ~~بالطلاق ليقذفن بالسمك في النيل! ومن ثم كانت دعوته للغلام الصغير أن ~~ينهض من نومه ليحمل له السمك، ويصحبه في هذه الساعة من زمهرير الليل ... ~~إلى النيل! والشر بعضه أهون من بعض، فخروج الصبي مع أبيه على هذه الحال ~~أهون شرا من خراب الأسرة وانفصال الوالدين. # ويمضي الصديق في حكاية ذكرياته عن هذا الحادث العجيب، فيقول دفاعا ~~عن أبيه: إنه كان مفرط الذكاء، ولولا اندفاعه لكان خيرا من ذلك حالا. ~~ويروي كيف أن أباه قد أحس لذعا قويا من ضميره على ما فرط منه، ~~وراح يلتمس لنفسه الغفران عند ابنه الصغير وهو يسير إلى جانبه يحمل ~~مقطفا صغيرا، يحمله بيمناه مرة وبيسراه مرة، حتى لم يسع الغلام ~~عندئذ إلا أن تدمع عيناه إشفاقا على أبيه! # ووصل الوالد والولد إلى مكان من ضفة النيل، وإن الفتى ليذكر جيدا ~~كيف اضطرب جسمه كله عندئذ حين خيل إليه أنه يسمع حفيفا في أعشاب ~~الشاطئ. وتوهم أن عفريتا من الجن قادم إليهما من مكمنه، لكن الوالد ~~طمأن ولده، وتناول مقطف السمك، وقبله قبلة أحس فيها الغلام كل ~~ما ينطوي عليه الوالد الطاغية من حنان الأبوة الذي استحال على طغيان ~~الشرق أن يمحوه من ms065 القلوب. # تناول الوالد من ولده مقطف السمك وأفرغه في النيل عند شاطئه. ووقف ~~قليلا، وعاد مع ابنه خطوتين، ثم رجع إلى كومة السمك يعيدها إلى ~~وعائها، قائلا لابنه الغلام الصغير، إنه لم يعد يرى مانعا من أخذ ~~السمك إلى الدار بعد أن نفذ اليمين. والغلام لم يفهم بعد ما تلك ~~اليمين التي تدعوهما معا أن يخوضا في هذا البرد الشديد وفي تلك الساعة ~~التي لا يخرج فيها الناس من بيوتهم! ~~••• # لما قرأت قول هيجل إن أهل الشرق لا يعرفون إلا أن تكون الحرية لرجل ~~واحد، وإن حرية هذا الرجل الواحد لا تكون إلا اندفاعه وراء نزواته؛ ~~ارتسمت في ذهني صور لرجال ثلاثة، منهم هذا الوالد الذي قص علي ~~الفتى قصته ... # بل إني بعد قليل من تفكير وتدبر وتذكر، لم ألبث أن أتبين أننا - ~~أهل الشرق - قد أقمنا على أنفسنا من أنفسنا، في كل منعطف من طريق ~~حياتنا، طاغية صغيرا. # | غير مطلوب # ليس أشد مرارة على نفس الإنسان من شعوره بأنه غير مطلوب لذاته ~~ولشخصه الذي يختلف به عن سائر الذوات والأشخاص؛ فالإنسان إنسان بمقدار ~~ما ينفرد بخصائصه ويتميز من سواه. ومن وسائل التفرد والتميز أن توكل ~~إلى الإنسان مهمة يشعر أنه وحده دون سائر الناس جميعا هو الذي يستطيع ~~أن يؤديها. ومن ثم كان شعور الآباء والأمهات بالزهو بما قد عهدت إليهم ~~الطبيعة من أبناء يقومون على تربيتهم، مهما لاقوا في سبيل ذلك من عناء، ~~ومن ثم أيضا تولد الشعور عند من لا ولد له يرعاه بأنه تافه القدر ~~قليل الشأن إذا قيس إلى من له ولد. وعبثا يحاول الناس إقناعه بالمنطق ~~والأرقام أنه مستريح البال موفور المال بسبب عقمه؛ فالشعور بالخلاء ~~يملؤه ويطارده، واستخفافه بقيمة نفسه ما ينفك يتابعه ويلاحقه؛ لأنه ~~يعلم أنه غير مطلوب لذاته. وقد يكون البنون زينة الحياة الدنيا بهذا ~~المعنى؛ فالحياة الدنيا نسيجها من التوافه، ولا تنقلب هذه التوافه ~~شيئا له قيمة في عينيك إلا إذا أحسست بمهمة تعتمد عليك أنت دون سواك. ~~وإذن فلا ms066 عجب أن يقول لنا رجال الإحصاء إن حوادث الانتحار أكثر في غير ~~الوالدين منها في الوالدين. # وأقسى ما تقسو به على إنسان هو أن تشعره بأنه غير مطلوب لشيء مما ~~يستطيعه هو ولا يستطيعه سواه. ولعل هذا بعينه هو ما اتخذه الناس أساسا ~~لتقسيم الأرزاق بينهم منذ أقدم العصور؛ فأجر العامل يزداد كلما ازدادت ~~فيه العناصر التي تجعل العمل متعذرا على غيره، ويقل كلما قلت فيه ~~هذه العناصر بحيث يستطيع كثيرون أداءه. فإذا سأل سائل: لماذا يتقاضى ~~الكناس أجرا أقل مما يتقاضاه الطبيب؟ كان الجواب هو هذا: ليس في عمل ~~الكناس ما يجعل صاحب العمل مطلوبا لذاته. بمعنى آخر: ليس فيه ما يجعل ~~الكناس فردا متميزا من سائر الأفراد. أو إن شئت فقل: ليس فيه ما ~~يجعله إنسانا بمعنى الكلمة الدقيق. إذا كان معنى الكلمة الدقيق هو ~~التفرد والتميز بخصائص لا تتكرر في سائر الأفراد، وهكذا يظل أفراد ~~الناس على تفاوت في أقدارهم بمقدار ما فيهم من تفرد في الخصائص، حتى ~~تبلغ القمة في النبي الذي يبشر بدين جديد، أو العالم الذي يكشف عن ~~قوانين الطبيعة، أو الفنان الذي ينظم أو يعزف أو يصور أو ينحت على ~~نحو لا يشاركه فيه غيره من الناس. # إذا فقدت الجماعة رجلا مطلوبا لذاته؛ فقد فقدت شيئا لا يعوض ~~بسواه، أما إذا فقدت رجلا يعمل ما لا يعجز عن عمله الآخرون؛ فكأنما هي ~~لم تفقد شيئا، ولم يتغير منها إلا أرقام السكان والوفيات. ومن لطف ~~الله بالناس أن غرز فيهم غريزة تميل بكل إنسان إلى الوهم بأنه يؤدي ما ~~يستحيل على غيره أداؤه. فكم من رجل يصادفك ويحكي لك عن نفسه ما يوهمك ~~بأنه لولا قيامه بعمله على النحو الفريد الذي يقوم به، لوقفت العجلات ~~وتعطلت الآلة عن المسير! وهو مخلص كل الإخلاص مع نفسه حين يتوهم، وحين ~~يوهم، بأن الفراغ الذي يشغله يستحيل على سواه أن يملأه، ولا يكاد يتصور ~~كيف تكون الحال؟ بل كيف تكون الحياة كلها بغيره؟ ذلك لأنه يريد من ms067 صميم ~~طبيعته أن يشعر بأنه مطلوب لشخصه. وهيهات أن يتنبه الواهم أن الأفراد ~~تموت، وأن الناس يزولون عن أماكنهم أو يزالون عنها، ومع ذلك فالآلة ما ~~زالت تدور! # ولست في الحق أدري ماذا يصنع معظم الناس بأنفسهم إذا ما زال عنهم هذا ~~الوهم بحيث تبينوا في وضوح بأن الواحد منهم فرد يغني عنه أي فرد ~~سواه؟ لقد سألت نفسي متعجبا: كيف يطيق الكمساري في الترام حياته، وهي ~~عملية واحدة سخيفة آلية متكررة! فهو منذ الفجر إلى ما يقرب من منتصف ~~الليل يأخذ من الناس الملاليم ويعطيهم التذاكر! وكيف لا يبرم السائس ~~في حظيرة السيارات بحياته، وهو ممسك بخرقته طوال النهار والليل ينظف ~~كل سيارة داخلة وكل سيارة خارجة. وهذا البواب الذي يجلس طوال يومه في ~~مكان واحد لا يعمل شيئا، ماذا يجد في حياته ما يجعله يمسك بها ~~ويتشبث؟! ... ولما أخذت أستعرض أنواع الناس في خاطري متعجبا كيف لا ~~يحسون بتفاهة أنفسهم؛ لم ألبث أن اتجهت بفأسي نحو نفسي! لقد شاء لي ~~الله أن أتعلم الفلسفة وأعلمها. ولست أخفي على القارئ قلقا ~~شديدا يساورني في قيمة ما تعلمت وما أعلم. أليست قافلة الحياة ~~بمستطيعة أن تسير بغيري؟ لم أعد أومن بقيمة هذا الذي أعرفه والذي ~~أرتزق بتعريف الناس إياه. لو كنت نجارا أو حدادا لتصورت أن ينقص ~~العالم عددا من النوافذ أو المفاتيح لو لم أصنعها أنا، لكن العالم لا ~~ينقص شيئا إذا نقص رأسا فيه خليط مما قاله الفلاسفة! لن تغلق نافذة ~~كانت مفتوحة ولن تفتح نافذة كانت مغلقة. لن ينهدم بناء كان قائما أو ~~يقوم بناء كان منهدما ... وإني لأعجب الآن كيف شكا إلي زميل من ~~الزملاء يوما أنه لا يكسب ما يكسبه ممثل هزلي معين، مع أنه يعرف ~~وهذا الممثل لا يعرف! وأنا الآن أعد الضحكات التي أضحكها هذا ~~الممثل للناس؛ فأعلم كم ينتقص من بشر الناس لو زال عنهم. لكني لا أعرف ~~والله ماذا أعد لأعلم مقدار خسارة الناس إذا زلت عنهم، أو زال من ~~هو ms068 مثلي في نوع ما يعلم وما يعمل! # ألا ما أشدها من مرارة على النفس أن يعلم الإنسان أنه غير مطلوب ~~لذاته! إني لأفهم جيدا موقف الجندي الحارس الذي وقف يحرس قصر الملك، ~~والذي يروي عنه الناس قصة ليضحكوا. فيقولون إن أم هذا الجندي الحارس ~~قد جاءت من الريف تزور ابنها، وقد كان أوهمها أنه في المدينة ذو خطر ~~عظيم. جاءت أمه تزوره، وحلا لها أن تفاجئه في مكان عمله، فإذا هي ~~ترى ابنها واقفا لا قيمة له ولا شأن به. فسألته ساخرة: أهذا كل ما ~~تؤديه في حياتك من عمل؟ فعز على الجندي أن يكون تافها في عين أمه، ~~ونفخ في بوق الخطر، فازدحم المكان في مثل الغمض بالعين بألوف وألوف ~~جاءوا مسرعين شاكي السلاح. وابتسم الجندي قائلا: انصرفوا، لا خطر ~~هناك، إنما أردت أن ترى أمي من يكون ابنها! # هذا شعور صادق، يختلج مثله في نفوسنا جميعا، فليس ألصق بطبيعة ~~الإنسان من حاجته إلى أن لم يكون مطلوبا. ولست أدري - لو تعرضت لمثل ~~هذا التحدي الذي تعرض له الجندي الحارس - في أي بوق أنفخ لترى أمي من ~~يكون ابنها؟! آه لو تذرع الناس بالشجاعة! إذن لبتروا بترا سريعا ~~كل هذه الدراسات النظرية التي يحملها أصحابها عبثا في رءوسهم، ثم ~~لا يجدون سبيلا للرزق إلا أن يحملوها لسواهم! ثم يذهب بهم الغرور ~~بعدئذ إلى حيث يسلكون أنفسهم في زمرة من يعلمون، ويطالبون بألا يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون! # ومن لطائف النفس البشرية أن الإنسان إذا ما تبين في جلاء لم يعد ~~يحتمل عنده شك أنه غير مطلوب. اعتزل الناس إنقاذا لنفسه، لأنه سيوهم ~~نفسه عندئذ أنه هو الذي لم يعد بحاجة إلى الناس، وأنه يستطيع ~~الاستغناء عنهم. ومن أشق الأشياء على نفسه أن يدرك أن الناس قد ~~أهملوه إهمالا وأسقطوه من حسابهم؛ فأقسى ما تقسو به على أحد هو أن ~~تهمله، فلا يظفر منك بحب أو كراهية. فليست الكراهية هي آخر درجات ~~الأذى؛ لأن كراهيتك لشخص تحمل في طيها ms069 احترامك له وتقديرك إياه. ~~ولولا أنه ذو وزن في اعتبارك - مهما خف ذلك الوزن أو هان - لما خصصته ~~بشيء من عواطفك، والكراهية جزء من تلك العواطف. أما أن تهمله وتسقطه ~~من الحساب جملة واحدة؛ ففيه إلغاء لوجوده ومحو لكيانه وإهدار لآدميته ~~كلها. وماذا عسى أن يصيب الإنسان من الإيذاء ما هو أقسى من المحو ~~والإلغاء؟! # | سيجار # صادقته أيام الدراسة وما يزال أصدق الأصدقاء. لم تغيره أحداث الزمن ~~مدى ربع قرن كامل؛ فهو وديع متواضع، تشيع في محياه معاني السكينة ~~والسلام والاستسلام والرضا، وتلمع عيناه دائما ببريق فيه لمعة من ~~البشر، ولمحة من عمق النظر. فما أعرف في الدنيا أحدا يجاريه أو ~~يدانيه في اجتماع الذكاء النادر والخلق القويم؛ فقد أجد من معارفي ~~الذكي الملتوي، وقد أجد منهم صاحب الخلق القويم الذي حرمه الله نعمة ~~الذكاء النافذ. أما أن يجتمع الجانبان معا في شخص واحد؛ فأندر ~~النوادر، وصاحبي هذا من الفئة القليلة النادرة. # في شخصه سحر عجيب يجذب إليه القلوب في غير مشقة ولا عسر؛ فما إن ~~تهيئ لك الظروف اتصالا به بضع ساعات؛ حتى تهفو نفسك للقائه ~~دائما. وإنك لتعجب أن ترى بين أصدقائه الموظف الصغير والمهندس والضابط ~~والطبيب والمدرس، والمصري والأجنبي، والمثقف والجاهل، والمتفرنج ~~والبلدي، والكهل والشاب. فإذا هو مع كل هؤلاء صديق وفي حبيب، لا ~~يتكلف أبدا في حضرة أحد من هؤلاء جميعا، كأنما ركب طبعه من طباع ~~مختلفات، يبدي منها أيا شاء في أي وقت أراد. ولعل السر في سحره ~~العجيب هو البساطة الجميلة التي تطبعه من الألف إلى الياء، فلا تأفف ~~ولا تكلف، ولا تأنق ولا تصنع، ولا عجرفة ولا تكبر، ولا تصغير ~~لكبير ولا تكبير لصغير، كأنما خلق هذا الرجل ميزانا حساسا دقيقا ~~للمواقف والرجال، يزن كل شيء بمثقاله؛ فلا حيف هنا ولا إسراف ~~هناك. # كل شيء يبدو طبيعيا فيه، فإذا بدا في عينيك عظيما فلأنه عظيم، ~~وإذا بدا صغيرا فلأنه متواضع متسامح كريم، صادق القول وصادق الطبع، لا ~~زيف ولا خداع فيما يقول أو ms070 يفعل. وقد تضطره ظروف الحياة أن يخفي عن ~~الناس أمرا من أمره. فعندئذ تراه يؤثر الاختفاء عن الناس حينا؛ ~~حتى لا يتورط في كذب لا يتفق وطبيعته. # هو جاد إن أردت الجد، وهو هازل إن أردت الهزل، فليس فيمن أعرف ~~من الناس أكثر منه جدا، وليس فيهم أكثر منه هزلا ومزاحا، متفائل ~~دائما مستبشر دائما، ينظر إلى الجانب اللامع من كل شيء. فلو نظر ~~الناس إلى كوب مليء إلى نصفه بشراب الليمون، وقال بعضهم متشائما: إن ~~الكوب فارغ إلى نصفه، وقال بعضهم متفائلا: إن الكوب مليء إلى نصفه، ~~كان هو في طليعة هذا الفريق الثاني. فهو سعيد بحياته سعادة الرجل القوي ~~السليم المعافى الذي رزقه الله جهازا عصبيا أسلاكه من الصلب ~~الصليب، لا تهزه العواصف القواصف؛ فقد تنزل الفوادح، وإذا هي على هذا ~~الجهاز العصبي السليم توافه لا تلبث أن تمر وتمضي. # خرج صديقي هذا على بساطة طبعه مرة، أراد منها التفكه والمزاح، ~~وذلك حين التقت جماعة الأصدقاء منذ قريب، كما تلتقي يوما من كل أسبوع، ~~فإذا صاحبنا يخرج «سيجارا» ضخما طويلا، أشعله وراح يدخن، فضحكنا ~~جميعا، وضحك هو مع الضاحكين. وسأله سائل: ما هذا؟ فأجابه ساخرا من ~~الدنيا، أو إن شئت فقل أجابه فرحا بالدنيا: أفعل ما يفعل العظماء ~~... # ومضت بعد ذلك أيام، وجلست مع صديقتي، وأخذنا نفرع الحديث بيننا ~~ونشققه، ثم سادت لحظة من صمت، طافت خلالها برأسي صورة صاحبي وسيجاره؛ ~~فضحكت. # قالت: فيم تضحك؟ # قلت: فلان وسيجاره. # ثم مضيت معها في الحديث حول هذا: لماذا نضحك من رجل إذا دخن السيجار، ~~ولا نضحك من رجل آخر إذا فعل؟ وها هنا طاب لي أن أقسم الناس طبقات، ~~جاعلا أساس التقسيم استعدادهم أو عدم استعدادهم لتدخين ~~«السيجار». # قسمت الناس على هذا الأساس طوائف أربعا: طائفة يستحيل عليها أن ~~تفكر في تدخين السيجار، بغض النظر عما لها من قدرة مالية. وطائفة ~~ثانية تدخن السيجار فتزيد هيبة السيجار من هيبة وجوههم. وطائفة ثالثة ~~تدخن السيجار فيذهب وقار السيجار بشيء في وجوههم. ms071 وطائفة رابعة تدخن ~~السيجار، فإذا الوجه والسيجار متلائمان. لا يزيد الواحد من قدر زميله، ~~كأنما خلق كل منهما للآخر. # أما الطائفة الأولى؛ فهي أولئك الذين ينطوون على أنفسهم، ولا يريدون ~~أن يكونوا بين الناس موضع نظر ولا موقع انتباه؛ فالسيجار الضخم في ~~أفواههم لا يوافق انطواءهم؛ لأنه سيلقي ضوءا على وجودهم وهم يريدون ~~الخفاء، وسيجعلهم محط الأنظار وهم ينشدون التستر ... والأمر بعد أمر ~~تربية ونشأة؛ فإذا أراد لك الحظ أن يأخذ أبوك على نفسه أن يغرز فيك ~~معنى الطفولة إزاءه والانقياد الأعمى لأمره، فستظل مدى حياتك طفلا، ~~وإن طالت قامتك ونمت لحيتك وكبرت سنك. إن كنت واحدا من هؤلاء؛ فلن ~~تجرؤ على تدخين «السيجار» الغليظ الضخم على ملأ من الناس، تدخينا يبدو ~~طبيعيا فيك ملائما لشخصك؛ لأن الموقف - على تفاهته - يتطلب «رجلا» ~~معتدا بشخصيته ورجولته. ونستطيع أن نتوسع في هذا المعنى فنقول: إن ~~من لا يقوى على تدخين السيجار في جمع من الناس؛ بحيث لا يتعثر ولا ~~يتلعثم ولا يتكلف؛ هو نفسه الذي لم تهيئه تربيته للشعور بعظمة نفسه. ~~وهو نفسه الذي لا يصلح لمناصب الحكم والقيادة التي تتطلب من أصحابها ~~أن يأمروا لا أن يطيعوا. ولعل ذلك نفسه هو ما جعل تنافرا بين المرأة ~~والسيجار؛ فلا أظن أن امرأة واحدة في الدنيا كلها قد حدثتها نفسها حتى ~~اليوم أن تدخن سيجارا في جمع من الناس؛ لأن السيجار كما قلت، إنما ~~يلائم الرجولة القوية التي أعدتها عوامل نشأتها للشعور بعظمة ~~نفسها. # وليس يشترط في الرجل من «اللاسيجاريين» الانطوائيين المنكمشين في ~~قواقعهم، أن يكون متواضعا في آماله، بل قد يكون طامحا طامعا، ~~يتمنى أن تدوي جنبات الأرض بذكره، على شرط ألا تقع عليه أعين الناس ~~وهو في موضع بارز! فهذا الذي تخونه قواه إذا ما وضع في فمه سيجارا ~~على مرأى من الناس، قد يريد لنفسه أن يقود الإنسانية كلها - لو استطاع ~~- بآرائه وأفكاره، ما دامت هذه القيادة لا تخرجه من مخابئه ومكامنه. ~~ولست أرى غرابة فيما يقال عن «هربرت سبنسر»، ms072 وهو من قادة الفكر في ~~العالم كله في أواخر القرن التاسع عشر، ما يقال من رفضه أن يقابل ~~أحدا من المعجبين الكثيرين الذين كانوا يقصدون إلى رؤيته من أرجاء ~~العالم كله (وإن يكن قد استقبل الشيخ محمد عبده عند زيارة الشيخ ~~لإنجلترا). فهذا الذي كان في مستطاعه أن يهز العالم بالكتاب في إثر ~~الكتاب، لم يكن في مستطاعه أن يواجه الناس عينا لعين، فضلا عن أن ~~يدخن أمامهم السيجار! # والطائفة الثانية من الناس، هي التي تدخن السيجار فتزيد هيبة السيجار ~~من هيبة وجوههم، على نقيض الطائفة الثالثة التي تنزل من قدر السيجار ~~بدل أن تستمد منه الوجاهة والعظمة. هاتان طائفتان كثيرا ما تصادفانك ~~في شتى أوجه الحياة؛ فقد تجد المنصب الواحد يتولاه رجلان، فيزداد ~~أحدهما قدرا بحكم منصبه، بينما ينزل الثاني من قيمة ذلك المنصب ~~نفسه. وقد يلبس الرجلان نوعا واحدا من الثياب، فيستمد أحدهما الوجاهة ~~من وجاهة ثيابه، بينما يخلع الثاني هزال شخصيته على ثوبه. # وكلتا الطائفتين مرذولة على كل حال، وإن تكن الأولى أفضل من الثانية. ~~وخير منهما أن تفيض عظمة شخصك على الأشياء من حولك، فإذا هي عظيمة ~~بعظمتك أنت. # هذا سر عجيب أودعه الله في عباده! سر الشخصية العظيمة التي تطبع ~~الأشياء بطابعها العظيم، ولا تعظم بشيء إلا بنفسها! هذه هي الطائفة ~~الرابعة من مدخني السيجار، الذين يلبسون العظمة فتلبسهم في غير ~~مشقة ولا تكلف، ومن هذا القبيل مستر تشرشل الذي يوافق السيجار كما ~~وافق شن طبقة! # لو لبس غير غاندي مثل ما لبس غاندي: ثوبا ساذجا لا بهرجة فيه، ولو ~~عاش غير غاندي كما عاش غاندي؛ عيشة متواضعة فقيرا؛ لهوت هذه الظروف ~~الخارجية الوضيعة بقيمة شخصه في أعين الناس، لكنه أفاض من عظمة نفسه ~~على الوضيع فارتفع. وتلك درجة قصوى من منازل الطائفة الرابعة؛ لأنها ~~لا تقف عند حد الملاءمة بين عظمة الداخل وعظمة الخارج، بل تجاوز ذلك ~~إلى مرحلة أبعد، تفيض فيها من عظمة الداخل على وضاعة الخارج فيعظم ~~... # قالت صديقتي: هذا هو الفرق ms073 الأساسي بينك وبين زميلك هذا الذي حدثتني ~~عنه؛ فقد طافت فكرة السيجار في رأسه، فاشتراه ودخنه، واستمتع وضحك ~~وأضحك. أما أنت فنصيبك من الفكرة - من كل فكرة - التحليل النظري ~~والكلام الذي لا يغير من مواضع الأشياء فتيلا. # | 9 شارع الكرداسي # بمناسبة انتقال لجنة التأليف والترجمة والنشر إلى دارها ~~الجديدة، 12 شارع سعد زغلول. ~~*** # منذ سبعة عشر عاما، # 1 # وفي نحو هذا الموعد من السنة، جاءني خطاب ينبئ بقبولي ~~عضوا في لجنة التأليف والترجمة والنشر، وكان اليوم يوم أربعاء - فيما ~~أذكر - وكنت ما أزال مترع الرأس بالأحلام، عامر القلب بالآمال ~~الضخام في مستقبل تجيء أيامه مثقلات بالثمر! # قضيت عصر ذلك اليوم قلقا، أرقب غروب الشمس أو ما بعده بقليل؛ لأذهب ~~إلى دار لم أكن قد رأيتها أبدا من قبل. 9 شارع الكرداسي، لجنة ~~التأليف والترجمة والنشر التي أصبحت يومئذ واحدا من أبنائها! ترى ~~كيف تكون هذه الدار التي تسكنها آلهة الأولمب؟ وكيف يمكن أن أكون ~~واحدا من هؤلاء الجبابرة الذين يقبضون على ناصية الحركة الأدبية في ~~هذا البلد؟ غدا ستذكر في المحافل كما يذكرون، وستعرف في الأوساط ~~الأدبية كما يعرفون. أما والله إنه لحظ موات سعيد أن أجلس حيث ~~يجلسون، وأبادلهم الحديث ويبادلون، سيعرفني أئمة الأدب وأنا بهذه ~~المعرفة مجدود ... # قم الآن واذهب في ضوء النهار، لماذا ترقب ظلمة المساء؟ ... لا، بل اصبر ~~هذه الساعات القلائل، لاتكن خفيفا أرعن. إنك اليوم عضو في هيئة من ~~أعضائها فلان وفلان وفلان. وأمثال هؤلاء لا يتحركون من دورهم قبل غروب ~~الشمس، من تظنهم يكونون؟ أتظنهم من أمثالك لا يعرفون في يومهم فرقا ~~بين ظهر وعصر ومساء؟ # وصبرت على جمرات من القلق حتى مضت ساعة بعد الغروب، وارتديت أحسن ما ~~عندي من ثياب، وذهبت إلى 9 شارع الكرداسي ... كان الليل قد أظلم، وأنا ~~أعلم من الوصف أن الطريق إلى دار اللجنة يبدأ قبالة قسم عابدين. ~~فألفيتني هنالك أنحدر في طريق هابط مظلم. وبعد خطوات قليلة، رأيت ~~بوابة ضخمة لا تبشر وراءها بعمران! فتثاقلت خطاي. أيكون ms074 هذا الفناء ~~المظلم - يا رباه! - مهبط الوحي لأرباب الفنون؟! كلا، هذا محال، امض ~~قليلا وسترى بناء يلمع بالضوء، ضوء المصابيح وضوء العلم على ~~السواء، وسيكون ذلك هو 9 شارع الكرداسي، لكني ما مضيت عشرين خطوة حتى ~~وجدتني محاطا بسيارات ضخمة قديمة بعضها كامل البناء، وبعضها منثور ~~الأجزاء! # اللهم إني أعوذ بك من أشباح الشياطين! ماذا عسى هذا المكان أن يكون؟ ~~ولم أكد أرى صورة رجل تنبثق من وراء كومة من العدد القديمة الملقاة ~~حتى بلعت ريقا جافا، ونطقت بالشهادتين سرا، ثم حييت: السلام ~~عليكم. ~~- وعليكم السلام. ~~- أين أجد لجنة التأليف والترجمة والنشر؟ ~~- لجنة ماذا؟ ~~- لجنة التأليف والترجمة والنشر، أما سمعت بها؟ ~~- لا والله يا سيدي، لا تؤاخذني. ~~- إنها 9 شارع الكرداسي. ~~- آه، شارع الكرداسي! اخرج من هذه البوابة التي دخلت منها، ومل إلى ~~يسارك. # وفعلت كما أشار. وأنظر إلى شارع الكرداسي، فإذا هو «حارة» تجمعت ~~فيها ألوان كثيرة من الحياة البلدية، وأنقل بصري في لمحة من أول ~~الشارع إلى آخره، فلا أجد بناء واحدا يلمع بشيء يمكن أن يكون ضوءا ~~جديرا بأبناء الآلهة، جبابرة الأدب. # وبلغت 9 شارع الكرداسي، فإذا الواقع يصدم الخيال صدمة عنيفة قوية، ~~أهاهنا إذن يقيمون؟ قل الحمد لله رب العالمين؛ لأن ذلك معناه تواضع ~~فيهم. ابلع ريقك الآن رطبا طريا، واصعد الدرج، تجد من تجده منهم ~~مستعدا للقاء العضو الجديد في ترحيب كريم، فلا يمكن لساكن هذه الدار ~~أن يأخذه شيء من كبرياء، خصوصا إذا كان يستقبل زميلا جديدا. # وأخذت أصعد السلم، فمر بي رجل يهبطه، إنه لم يسأل من ذا أكون؛ لأنه ~~بالطبع يعلم أنني الزميل الجديد، صعدت ودخلت مكتبا مقابلا. ~~وحييت وجلست، ولم يكن في الغرفة إلا رجل يجلس إلى المكتب ووجهه ~~إلى ورق أمامه، لم ينطق كلانا بكلمة مدى نصف ساعة أو نحوها، ولا دخل ~~الغرفة في هذه الفترة إنسان. فاستجمعت قواي وسألت: أليس في اللجنة ~~أحد من أعضائها؟ ~~- لا، لكنهم قد يأتون غدا، الخميس، من ذا تريد؟ ~~- لا أريد أحدا بذاته، أنا ms075 عضو في اللجنة جديد، أنا فلان. ~~- تعال غدا، وقد تجد بعض الأعضاء. ~~••• # ومنذ ذلك الحين، لبثت ما يقرب من سبعة عشر عاما أتردد إلى هذا ~~البناء، 9 شارع الكرداسي ... ولست أريد أن أفيض القول هاهنا كيف وجدت ~~الزمالة عسيرة الأسباب . إن آلهة الأولمب لا يهبطون من قمتهم الشامخة ~~بما ظننت من يسر، إنهم أعضاء أسرة واحدة، لكنهم كجزر الأرخبيل، تقوم ~~كل جزيرة وحدها ويحيط بها الماء من أقطارها جميعا. كلا لم أجد ما ~~أوهمني الخيال عصر ذلك اليوم بأني واجده، لم أبادل الأرباب حديثا ولم ~~يبادلوا، وجلست معهم لا كما يجلس الزميل مع الزميل. فكما اصطدم الخيال ~~بالواقع صدمة عنيفة حين رأيت مهبط الوحي لأول مرة: أين هو وكيف يبدو، ~~كذلك اصطدم الخيال بالواقع صدمة أشد عنفا لما تبينت أن الأرباب أشد ~~من سواد الناس حرصا على أن يظل الأمر بينهم درجات، فلا يصغر الكبير من ~~أجل الصغير، ولا يكبر الصغير ليستوي مع الكبير. وأوشك كل أن يضرب حول ~~نفسه نطاقا من حراس وحجاب، حتى لا يظن ظان أن الملتقى سهل ~~يسير. # لكني لبثت سبعة عشر عاما أختلف إلى 9 شارع الكرداسي، حتى بات جزءا ~~من حياتي ... ألا ما أعجب اختلاط الناس بالبناء! من ذا يستطيع أن يقص ~~قصة حياته دون أن يجد شطرا كبيرا منها مرتبطا بهذا البناء أو ذاك. ~~فمنزل ولد فيه ونشأ بين جدرانه، ومدرسة تلقى فيها العلم، وهكذا ... إن ~~هذه الجدران الحجرية جزء حي من حياتي في هذه الغرفة سلخت كذا ساعة. ~~وفي تلك الغرفة بذرت بذور هذا المشروع أو ذاك. وفي هذه الردهة نبتت ~~الفكرة الفلانية لأول مرة، فكان من نتائجها كذا وكيت ... إني لا أعجب ~~لشعراء العرب أن يقفوا عند الأطلال الدوارس يستوحونها؛ لأن الأحجار ~~تنطق كما نطق الأحياء! ورب حجر يظل أبد الدهر ناطقا يقص على الناس ~~القصص، جيلا بعد جيل، والناس أنفسهم يمضون إلى حيث يعلم الله ولا يعلم ~~الناس. # 9 شارع الكرداسي بناء قديم كسيح تكاد تتقوس جدرانه وتهوي سقوفه، ~~لكنه ms076 جزء لا يتجزأ من حياتي ومن حياة رجال كثيرين، بل إنه جزء لا ~~يتجزأ من تاريخ الأدب المصري الحديث. فكما ترتبط الحركات الأدبية ~~أحيانا بهذا الصالون، أو ذاك المنتدى، فسترتبط الحركة الأدبية المصرية ~~من بعض وجوهها بهذا البناء المتهافت 9 شارع الكرداسي؛ ففي حجراته قامت ~~مشروعات وصدرت مطبوعات، واجتمعت حلقات الأدباء والمتأدبين يسمرون ~~وينقدون. # لكن دار الزمان دورته، وضاق البناء على أصحابه، أو قل ضاق أصحابه ~~به، فهجروه من قريب إلى بناء آخر أجمل وجها، وأفسح صدرا وأرقى ~~موقعا. # وذهبت بعدئذ إلى 9 شارع الكرداسي لأقضي بعض شأني، فأخذتني وحشة؛ لأن ~~المكان قد خلا إلا من المطبعة ترن بأصدائها في البناء الحالي، كأنها ~~حشرجة المحتضر، وغدا أو بعد غد تزحف المطبعة إلى مكانها الجديد، ~~ويصبح شارع الكرداسي قطعة من التاريخ. ومن يدري ماذا سيكون من أمره بعد ~~ذلك؟ من يدري ماذا أثبت في أم الكتاب لهذا البناء الذي دوت ~~جنباته حينا من الدهر بجد لا هزل فيه؟ قد تزول عنه الكتب لتحل ~~محلها أكياس الفحم أو صفائح الزيت، فرب بيت صار بيتا مرارا، ضاحك ~~من تتابع الأضداد! # ليتني أستطيع التفاهم مع هذا البناء الذي هجرناه، إذن لأرضيته بما ~~أرويه من حق؛ وذاك أني ذهبت إلى بديله الجديد، فأحسست ببرودة عجيبة ~~تدب في عظامي، ولا أعني برودة الجو، وإنما أعني برودة الروح. فآثرت أن ~~أعود إلى العمل في 9 شارع الكرداسي حتى اللحظة الأخيرة، أين أين جمال ~~الجسم من خفة الروح؟ لقد كان سقراط دميم الخلقة ومهبط الحكمة في آن ~~معا. # فلو جاز لصداقة أن تنشأ بين إنسان وبناء، فلا شك أن صداقة حميمة ~~قد توثقت عراها بيني وبين هذا البناء. # | خبرة السنين # سئل سوفوكليز الشاعر المسرحي اليوناني مرة، وكانت السن قد بلغت به ~~مبلغ الشيخوخة: «ما موقفك الآن إزاء الحب يا سوفوكليز؟ ألا تزال قادرا ~~عليه؟» فأجاب: «صه! نشدتك الله لا توقظه في قلبي من جديد، فكم يسعدني ~~أن أراني قد فررت من حبائله، فأحس كأنما فررت من مستبد متوحش ms077 ~~مجنون!» # فإذا جعلنا لفظة «الحب» في هذه العبارة رمزا يشير إلى العاطفة في ~~شتى ألوانها: من غضب شديد وحزن شديد ومقت شديد وحقد شديد وطموح شديد ~~وحماسة شديدة، إلى آخر هذه العواطف التي يحتدم أوارها عادة في صدور ~~الشباب، وتبرد نارها في صدور الشيوخ، ثم إذا جعلنا «سوفوكليز» في هذه ~~العبارة ينطق بلسان الرجل إذا تقدمت به السن، كان لنا أن نضع السؤال ~~والجواب السابقين في هذه الصورة الآتية: ~~- في أي شيء جوهري يختلف الشيوخ عن الشباب؟ ~~- في برودة العواطف بعد اشتعالها. ~~••• # وفي برودة العاطفة تتلخص خبرة السنين؛ فالشيخ المجرب الذي خبر ~~الأيام وعرك الحوادث لا يقف نفس الموقف الذي يقفه الشاب إزاء مشكلة ~~بعينها، فلا يغضب أو يحزن أو يثور حين يغضب الشاب أو يحزن أو ~~يثور. ليس الفرق بينهما اختلافا في الذكاء؛ لأن علماء النفس يحدثونك ~~حديث اليقين، بأن ذكاء المرء لا يزيد بعد سن السادسة عشرة أو ~~السابعة عشرة، وإنما الذي يزيد بعد ذلك في المرء كلما تقدمت به ~~الأعوام؛ هو الخبرة لا درجة الذكاء. # وكذلك ليس كل الفرق بينهما هو أن خبرة بعينها يصادفها الشاب ~~لأول مرة في حياته، على حين يصادفها الشيخ للمرة العاشرة أو ~~العشرين، فيكون الفرق بينهما اختلافا في عدد الخبرات؛ مما يمكن الشيخ ~~أن يتصرف في كل موقف على غرار ما تصرف في الموقف الشبيه به فيما ~~مضى. ولا يجد الشاب في خبراته السابقة ما يقيس عليه، فيتخبط في ~~خطاه ويضل سواء السبيل. # أقول إن الفرق بين الشيخ والشاب، حين لا يغضب الأول ويغضب الثاني ~~إزاء موقف معين، أو لا يحزن الأول ويحزن الثاني، ليس هو اختلافا في ~~درجة الذكاء، بحيث يرى الأول ما لا يراه الثاني ولا هو اختلاف في ~~عدد الخبرات السابقة فقط، بحيث يجد الشيخ دائما في خبرته من ~~السوابق ما يقيس عليه الموقف الراهن، ولا يجد الشاب في خبرته شيئا ~~يهتدى بضيائه. إنما الفرق الجوهري الهام بين الشيخ والشاب هو برودة ~~العواطف عند الأول، واحتدامها في الثاني، وهذه ms078 البرودة هي ما نعنيه ~~بخبرة السنين. # لقد مات لي عمان، جاء موت الثاني بعد موت الأول بما يقرب من ~~عشرين عاما. وشهدت موقف جدتي في الحالتين، فكأنما شهدت امرأتين ~~مختلفتين أشد ما يكون الاختلاف بين الناس! شهدت في المرة الأولى ~~أما جزعت على موت ابنها جزعا لم أشهد له مثيلا في كل من رأيت ~~من الأمهات اللائي ثكلن أبناءهن. شهدت عندئذ أما لا يكاد ينقطع ~~لها بكاء، تهيم على وجهها أحيانا في شوارع القرية صارخة نادبة ~~لادمة، وتصوم عن الطعام أياما. فإن أكلت تعمدت ألا يكون طعامها من ~~أطيب الطعام. وكثيرا ما كانت تذهب إلى قبر ابنها حيث تقضي اليوم ~~كله والليل كله، وتأبى أن تفترش غير الحصير الغليظ الخشن، على أن ~~تكون السماء غطاءها. وألد أعدائها أولئك الذين يتقدمون إليها ~~بالنصح أو بالتعزية والمواساة؛ لأنهم إن فعلوا كان معنى ذلك عندها ~~قصورهم عن إدراك المصاب بكل هوله وفداحته. # ثم شهدت جدتي هذه لما مات ابنها الثاني، وكانت قد تقدمت بها السن ~~عشرين عاما تقريبا. مات عمي هذا في القاهرة ونقلنا جثمانه إلى ~~القرية حيث كانت تقيم جدتي، وحمل النعش إلى بهو الدار، حيث رأيت ~~جدتي واقفة في سوادها، وكان الليل قد انتصف والسكون ضاربا بجرانه ~~على أطراف القرية جميعا، والأضواء خافتة في الدار، حتى كاد الأشخاص ~~يتحولون أشباحا ... وقفت جدتي لحظة شاخصة ببصرها إلى النعش، بعد أن ~~وضعه حاملوه على أريكة خشبية في بهو الدار، وقفت لحظة صامتة لا ~~تتحرك ولا تنطق، فلم يسعنا إلا الوقوف معها في صمت خاشعين، ثم ~~صرخت صرختين، تنطق فيهما بلفظة «يا ولدي» ... وكان ذلك كل ما أبدته ~~جدتي من علامات الجزع! جلست هادئة في المأتم، لا تصرخ ولا تبكي ولا ~~تندب، ولا تلطم صدرا ولا تمزق ثوبا. # فكان الفرق بين موقفها في المرة الثانية وموقفها في المرة الأولى ~~هو خبرة السنين. # ولما كان التعليم هو بمنزلة اختصار الزمن في تحصيل الخبرة التي تتطلب ~~زمنا أطول بغير تعليم؛ رأينا هذه العواطف الحادة أقل حدوثا ms079 في ~~المتعلم منها في الجاهل. وقل ذلك بعينه في الأمم بصفة عامة؛ فالأمة ~~التي ارتفع فيها التعليم أقدر من غيرها على التخلص من هذه العواطف ~~الشديدة على اختلاف أنواعها. أو بعبارة أخرى: بردت فيها العاطفة وازداد ~~العقل رجحانا، فلا تبلغ عاطفة الأبوة أو عاطفة الأمومة هذه الدرجة من ~~الهوس التي تلحظها في الأمة المتأخرة، ولا يبلغ حزن الوالدين على ~~فقيدهما ما قد يبلغه في الأمة المتأخرة من درجة الجنون، ولا ترى فيها ~~علائم الغضب الشديد والغيرة الشديدة، بل لا ترى فيها علائم الفرح ~~الشديد. # إن العاطفة الحادة كائنة ما كانت، نوع من العربدة الخلقية، تزداد ~~مع الرعونة وتقل مع رجاحة التفكير. ولعل أهم ما يؤخذ على اليونان ~~في تصويرهم لآلهتهم، أنهم صوروهم كائنات تنفعل بالعواطف كما ينفعل ~~البشر، فيضحكون ويحزنون ويحقدون ويتنافسون ويغضبون. أما الإله في ~~الديانات الرشيدة؛ فيوشك أن يكون تفكيرا خالصا لا عاطفة فيه. وإذا ~~أراد إنسان من البشر أن يعلو على سائر الناس في مكانه، كالملك في ~~الاحتفال الرسمي، أو كالقاضي في ساحة العدل؛ خلع عن نفسه مظاهر ~~الخفة والطرب والحزن والغضب وما إلى ذلك، وبدا للناس كأنما هو ~~كائن بغير عاطفة. # ذلك أن العاطفة معناها نقص في قوة التفكير، فانظر إلى ما شئت من ~~أوضاع الحياة أو جوانب الطبيعة نظرة عقلية علمية؛ تر العاطفة قد ~~امحت آثارها. انظر إلى الحب - مثلا - نظرتك إلى السمك يبيض ويلقح له ~~البيض، وانظر إلى المرأة «الفاتنة» نظرة عالم التشريح إلى الجسم ~~الإنساني، وإلى الزهرة «الرائعة» نظرة عالم النبات، وهو يدرس أجزاءها، ~~وإلى أي نوع من الزهر تنتمي، وحدثني بعد ذلك ماذا بقي لك من ~~عاطفة. # إن الشيخ إذا تعلم من خبرة السنين، تعود برودة العواطف، فإن ~~قلت لذائذه تبعا لذلك، فقد قلت كذلك آلامه. ولست أتردد لحظة - ~~إذا كان لي اختيار - في أن أوثر القلة منهما معا على الكثرة منهما ~~معا. نعم، إن الشيخ لم تعد له لذة الحب الجامحة كما يتمتع بها ~~الشاب، لكنه كذلك مستريح البال من آلامه ms080 وأوجاعه. ودونك شعراء الحب ~~فانظر كم قصيدة قيلت في نعيم الحب! وكم قصيدة قيلت في جحيمه! لئن ~~كان الشباب يعرف ما الحب؛ فالشيخوخة تعرف كيف تكون الصداقة. وما ~~الصداقة إلا حب هدأت فيه العاطفة وزالت عنه شرورها. # التخلص من العاطفة الحادة هو - كما قال سوفوكليز - «فرار من مستبد ~~متوحش مجنون». فأنت مستبد برأيك إذا سيرتك العاطفة استبدادا يستحيل ~~معه الوصول مع خصمك إلى اتفاق، وإن شئت فانظر إلى فريقين اختلفا في ~~عاطفتهما الوطنية، وفريقين اختلفا في نظرية علمية؛ فالسبيل عند ~~المختلفين في الحالة الأولى هو القتال؛ إذ لا سبيل إلى مقاولة أو ~~مداولة أو نقاش، والسبيل عند المختلفين في الحالة الثانية هو الإقناع؛ ~~إذ لا ضرورة إلى قتال. # وأنت متوحش إذا احتكمت إلى عواطفك في حكمك على الناس والأشياء؛ لأنك ~~عندئذ ستحب هذا وستكره ذاك على غير أساس إلا ما يبني عليه الحيوان ~~الأعجم حبه وكراهيته. إن الهمجي يريد الشيء بغرائزه وعواطفه أولا، ~~ثم توحي له الأهواء أنه أراد الحق فيما أراد، والعكس أرقى في مراتب ~~التطور البشري، وهو أن أرى أولا أن الشيء حق دون تدخل من العاطفة ~~والهوى، ثم بعد ذلك أدرب نفسي على حبه. # وأنت مجنون حين تمسك العاطفة بزمامك؛ لأن الجنون هو أن تأخذ بما في ~~رأسك من أوهام، متحديا بذلك الواقع المحسوس، فيرى «العاقل» في النهر ~~ماء يجري في منخفض من الأرض. أما «العاطفي» فقد يراه كائنا حيا ~~يهمس إلى الشواطئ والزوارق همسات الغرام! # التزام الواقع في هدوء بغير صخب العاطفة وهوسها - هذه خبرة السنين؛ ~~فالرجل طفل غر مهما تقدمت به الأيام - إن ظلت تعصف به عواصف ~~العواطف الهوج، والشاب شيخ مجرب مهما صغرت أعوامه، إن نفخ الدخان ~~عن نيران الحوادث ليراها على حقيقتها. # لقد كنت أنظر مع صديقتي إلى ألعاب بهلوانية أجاد فيها اللاعبون، حتى ~~إذا ما فرغوا من ألعابهم، صفق الناس تصفيقا يمزق في الأكف جلودها، ~~وجلست ساكنا لم أصفق، فسألتني صديقتي: لماذا لا تصفق مع الناس؟ ~~فأجبتها قائلا: إنها خبرة السنين. # | أرقام ms081 # أنزل الله بهذا القلم محنة طال أمدها حتى أشرف على الخمسين يوما ~~انقطع خلالها عن الكتابة في شتى ضروبها. وقد كان يوشك قبل ذلك ألا ~~ينقطع عنها يوما واحدا؛ وذلك أن صاحبه قد شد إلى أعمال الامتحان ~~شدا بغيضا، حتى تحرج صدره وضاقت نفسه، ولم يجد ما يعينه على ~~البلاء سوى أن يرخي على عقله ونفسه ستارا من خياله، فلا يدرك ما حوله ~~إلا إدراكا غامضا، على نحو ما يرخي الغطاء على عيني الثور المربوط ~~إلى الساقية؛ حتى لا يتبين ما هو فيه من محنة فيثور. # كان هذا القلم أيام محنته يملأ جوفه في الصباح مدادا؛ ليفرغه ~~طيلة الضحى أرقاما، يظل يرصها صفوفا صفوفا. وكلما فرغ من كومة منها ~~جاءته كومة أخرى: فالمملي لا ينفك يملي عليه، والقلم لا ينفك يفرغ ~~مداد جوفه بما يملى عليه: 7 ضعيف، 10 مقبول، 5 ضعيف جدا، 12 جيد، 6 ~~ضعيف، 9 ضعيف، 11 مقبول، 8 ضعيف، 3 ضعيف جدا ... وهكذا راح قلمي ~~المسكين اليائس المخيب الرجاء، يملأ جوفه في الصباح مدادا؛ ليفرغه ~~طيلة ساعات الضحى بما يملى عليه من هذه الأرقام وما يشبه الأرقام. ~~ولم يكن يعلم إلا الله وصاحبه كم كانت تتلوي أمعاؤه من الألم حينا بعد ~~حين! إذ كان يتمنى لنفسه شيئا فوجد شيئا آخر. فما أبعد الفرق بين ما ~~كان هذا القلم يرتجيه لنفسه، وبين ما سخر له تسخيرا خلال تلك ~~الأيام الخمسين. # وجاءتني عندئذ رسالة كريمة تريدني على الكتابة، فهممت أن أجلس إلى ~~مكتبي ساعة أتصيدها اختلاسا من شبكة الأرقام، التي ضربت حول قلمي ~~نطاقا كأنه نسيج العنكبوت، وقد تعثرت فيه الفريسة المنكوبة. هممت ~~أن أجلس إلى مكتبي ساعة؛ لعلى أجيب تلك الرغبة المشكورة، فأطفئ من نفسي ~~ظمأين، وأحقق لقلمي غرضين، لكني وجدت القلم محموما مثل صاحبه، فهو ~~- كصاحبه - في غمرة من خيبة الرجاء؛ كلاهما كان يريد لنفسه مكانا، ~~ويأبى الناس إلا مكانا أدنى. فهذا القلم المسكين اليائس المخيب ~~الرجاء، ينظر إلى الأقلام التي يباريها وينافسها، فيعجب لماذا يحكم ms082 ~~عليه الناس من دون أن يفرغ مداده فيما قد كان يصلح له أتفه الأقلام، ~~إلا أن يكون سجنا مقصودا، ونفيا منشودا وتشريدا مدبرا؟! # ولم أكد أفرغ من محنتي تلك، وأخرج من ضائقتي كما يخرج السجين من ~~غيابة سجنه، حتى أفرغت ما في القلم من بقية مداده؛ لعلي أطهره مما ~~احتوت أمعاؤه من آثار الدنس ، وملأته مدادا جديدا نقيا، إن صح أن ~~يوصف المداد بالنقاء. وقلت له: عد الآن فأكتب يا قلمي، فدمع دمعة ~~سوداء كان منها عنوان هذا المقال: «أرقام»؛ لأن الأرقام التي ظل يكتبها ~~خمسين يوما، كانت لا تزال عالقة بسنانه، لكنها الآن قد نفخ فيها ~~روح، فإذا هاتيك الأرقام ناس! ~~«7 ضعيف» ... ليست هذه العبارة رقما أصم إلا عند صاحب القلب الميت ~~والبصر المفقود. انظر إليها متأملا، ترها شابا في الثامنة عشرة من ~~عمره، أميل إلى السمرة، صحت له عين وعطبت عين، له شارب خفيف، ~~وانتشرت على وجهه شعرات لحية عمرها أربعة أيام أو خمسة. وفي الشاب ~~ذبول الزهرة التي لم تذبل ذبول الموت، ولا هي ازدهرت ازدهار الحياة. ~~فهو وسط بين الصحة والمرض، وبين النشاط والخمول، إنه بحاجة إلى قطرتين ~~من ماء لينتعش ويصحو، هو بحاجة إلى قطرتين اثنتين من حب ليرتوي قلبه ~~الظمآن. لقد شبع وارتوى من حب أبويه، وأرادت له الطبيعة الآن حبا ~~آخر. ~~... لكن اذبل عودا يا بني، مت قلبا وروحا وانطفئ عقلا وفؤادا، ~~إنك تحيا في قفر يباب، هيهات أن تجد فيه هاتين القطرتين اللتين ~~تتعطش إليهما؛ لأن الفضيلة عندنا، يا بني، حدها هاتان القطرتان من ~~ماء. اسرق ما شئت، وانهب ما شئت، واستهن بالناس ما شئت، ودس على ~~الواجب بقدميك ما شئت؛ فلن يخرجك ذلك كله، يا بني، ولن يخرجك أضعافه ~~من حظيرة الفضيلة وزمرة الفضلاء. ما دمت بمنجاة من هاتين القطرتين من ~~ماء الحب اللتين يريدهما عودك ليرتوي، وها قد أتى سجانوك آخر العام ~~لينشروا أوراقهم بين أيديهم، فيملي المملي على الناسخين: «7 ضعيف»، ~~ويكتب الناسخون في جهمة على جباههم ورعشة ms083 بأيديهم: «7 ضعيف» ... ~~غيره. ~~«7 ضعيف» ... ليست هذه العبارة رقما أصم خطه قلم، لكنها صورة ذلك ~~الشاب الذي سنحت له في الدرس فرصة ذات يوم؛ فقام يسألني أسئلة فيها ~~مرارة وثورة على كل صاحب سلطة، في الأرض أو في السماء. وفرغ الدرس ولم ~~أكن قد أتممت حديثي معه فتبعني في ركن هادئ من المكتبة، وراح ينفض لي ~~جملة حاله، فإذا هو يعيش في بيت كأنه الجحيم: أم مطلقة وزوجة والد ~~تذيقه العلقم كلما أصبح له صباح أو أمسى مساء، ووالد لا يكاد يجد القرش ~~لغذاء أسرته، فضلا عما يتطلبه شاب كهذا الشاب مما تقتضيه سبحات ~~الشباب. # إذن يا بني، فالجوع الذي يعصف بقلبك الغض يمتد حتى يشمل المعدة ~~والأمعاء ويوقر السمع ويعمي البصر! لكن امض في هذا السعير الذي ~~تخوضه بالنهار والليل. وستنقضي أشهر قبل أن يأتي يوم الحساب، فيجلس ~~زبانية جهنم في أجنحة الملائكة، ليملي منهم ممل، وينسخ ناسخ: «7 ~~ضعيف». والله يعلم أن الضعف باد في عينك وفي مشيتك، وفي جناحك ~~المهيض، ولم يكن بهم حاجة إلى هذه الأروقة ينصبونها، وإلى هؤلاء ~~الحراس يقيمونهم، والأجراس يدقونها، كأنها جنازة وهذه شعائرها. لم يكن ~~بهم حاجة إلى كل هذا لينشروا بعد ذلك أوراقهم بين أيديهم خمسين يوما ~~كاملة، يصفونك فيها بأنك «7 ضعيف». # آه لو رزق الله هذا الإنسان المنكود قوة في خياله ليرى أشخاصا ~~أحياء وراء الرسوم! ينظر القائد الحربي إلى الخريطة، ويضع إصبعه على ~~نقطة سوداء، فيهمهم لنفسه أن تضرب «هذه النقطة» بالقنابل لينفسح ~~الطريق أمام جيشه. والنقطة السوداء تحت مجهر الخيال الحي بيوت ملأى ~~بالآباء والأمهات والأطفال والقطط والكلاب والدجاج. يا ليت النقطة ~~السوداء على الخريطة تطن بكل ما يملأ منازلها وشوارعها من أصوات ~~الأحياء؛ لعل القائد الحربي يتردد لحظة قبل أن يقرر ضربها ~~بقنابله. # وكذلك هذه الأرقام التي نضعها على أوراقنا آخر العام، فنحنط فيها جثث ~~الشباب! أعمروا هذه الأرقام بخيالكم لتشهدوا وراءها أبناءنا كائنات حية ~~متنفسة نابضة القلوب، فتروا في أي قفر من الوجدان يحيون، ms084 وفي أي جو ~~من الجوع النفسي يتنفسون، قبل أن تجلسوا إلى موائدكم آخر العام، وفي ~~أيديكم الأقلام مشرعة كالأسنة المسمومة، فيملي المملي ويكتب ~~الكاتبون: «7 ضعيف.» # | قلوب # جاء في الأنباء العلمية أن طائفة من العلماء الروس قد لبثت تجاهد - ~~حتى أفلحت - في نقل الأعضاء من حيوان إلى حيوان، فإذا الأعضاء المنقولة ~~تفعل فعلها في صاحبها الجديد، على نحو ما كانت تفعله في الصاحب ~~القديم. # فهذا هو العالم «مازيف» يحدثنا عن نقل الساق من كلب إلى كلب، فما ~~هو إلا أن يمشي الكلب بساقه الجديدة ويجرى ويقفز، كأن الساق كانت ساقه ~~منذ ولد. وليس ذلك شيئا مذكورا إلى جانب ما وفق إليه العالم ~~الأستاذ «دميكيوف» في نقل الرئتين من حيوان إلى آخر، ثم ما استطاعه ~~أخيرا الأستاذ «أوجنيف» من نقل القلوب، فيأخذ القلب من هذا ليضعه في ~~ذاك ... وإنما جاهد هؤلاء العلماء ما جاهدوا؛ لينتفعوا بعلمهم عن الحيوان ~~في عالم الإنسان. # وإذن فقد جاء اليوم الذي ينتقل فيه القلب من أضلع زيد لينبض في ~~جوانح عمرو ... ~~••• # كان «خالد» منذ أيام الشباب الأولى حاد العاطفة سريع الانفعال؛ حتى ~~توشك ألا تراه إلا محمر العينين منتفخ العروق من غضب، وتكاد لا ~~تسمعه إلا صائحا ملوحا بيديه وذراعيه في تحد ووعيد؛ فسماؤه عاصفة ~~أبدا، وبحره هائج مائج أبدا. # تصادفه المشكلات فيعالجها بالغريزة لا بالعمل، وينظر إلى الحياة ~~نظرة أقرب إلى نظرة الفنان منها إلى نظرة العالم، أعني أنه يواجه ~~الأشياء في مجموعها ومجملها، ويكره أشد الكراهية أن تطالبه بتحليل شيء ~~أو موقف إلى عناصره، أو تعليل نتيجة بمقدماتها. اختار زوجته لا لشيء ~~سوى أنه قد سمعها مرة في لقاء عابر تقول كلاما لطيفا عن حوض من الزهر ~~في حديقة. وصمم - ولو أنه لم ينفذ ما صمم عليه - أن يؤلف كتابا في ~~موضوع معين؛ لأنه تصور العنوان فأعجبه إذا نطق به، وأعجبه رسمه إذا ~~كتب، حتى لقد أوصى بهذا العنوان أن يكتب ويحفر، قبل أن يخط من ~~الكتاب حرفا واحدا، ووضع «الكليشيه» في درج مكتبه؛ ms085 انتظارا لفراغه ~~من الكتاب. فلا فرق عنده أبدا بين أن تقرأ أحرف الهجاء من الألف إلى ~~الياء أو من الياء إلى الألف، أو أن تبدأها من الوسط ثم تسير راجعا أو ~~متقدما، أعني أنه في ترتيبه لأموره لا يعبأ أن يجيء الأول قبل الآخر. ~~وعنده أن الطريقة الأصح في أي أمر، هي الطريقة الأجمل، والتصرف المعقول ~~في نظره هو التصرف الذي يرضي أهواء نفسه ونوازع قلبه. # ولما كان «خالد» مدفوعا في حياته بعواطفه، ثم لما كانت العواطف أقرب ~~إلى التقلب منها إلى الدوام، رأيته سريع التنقل في فكره وفي فعله على ~~السواء، فلا تكاد العاطفة تغريه بعمل ويبدأ في أدائه، حتى تعود ~~العاطفة فتغريه بعمل آخر؛ ولذا قل أن ينجز عملا من أوله إلى آخره؛ ~~فحياته أقرب إلى كومة من مواد البناء منها إلى البناء المشيد ~~المرصوص، أو هي أقرب إلى قطرات المطر التي تدق النوافذ والجدران ~~والأرض والشجر، منها إلى نهر متصل المجرى متدفق التيار، يبدأ شوطه ~~عند منبع معروف؛ لينتهي مجراه إلى مصب معروف. # وهو قلق سريع الحركة، لا تراه مرة واحدة يستطيع الجلوس على مقعد ~~واحد في مكان واحد ثلاث ساعات متصلة، ويقال إنه لا ينام من الليل إلا ~~قليلا. # لا يمنع عنده مانع أن يذهب إلى مقاول يقاوله في بناء بيت مساحته كذا ~~وشكله هكذا، دون أن يكون في كيسه من المال ما يكفي لبناء عش من ~~أعشاش الطير أو بيت من بيوت النمل، ولكنه يفعل ذلك إن طاف برأسه مثل ~~هذا الحلم الجميل، وليس من ضر على أحد إن لم يكن بناء. # وأنت عدو من أعدائه إذا عرفت أنه بصدد مشروع فسألته: ومن أين لك ~~المال؟ ذلك لأنه يكره العد والحساب، وله حجة في ذلك ظريفة طريفة، ~~وهي أنه قد عاش ما عاش من دهره لم يحسب ولم يعد، وترك أموره تجرى ~~«بالبركة» فلم يمت من جوع أو مرض. وليست أعوامه الباقية في الحياة ~~بأطول من أعوامه الماضية حتى يحسب لها الحساب. # وهكذا ترك «خالد» ms086 زمام أمره لعواطف قلبه. # وأصابت العلة هذا القلب الفياض بعواطفه، الجياش بدوافعه، فلم ~~يعد يقوى على الحياة الزاخرة بالحركة السريعة والتقلب المفاجئ، حتى ~~لكأن هذا القلب قد قطعت نياطه كما يقولون. يلهث إذا مشى الهوينا ~~وقد كان الجري لا يكفيه. غير أن الطب قد بلغ في معالجة القلوب مبلغا ~~بعيدا، فما أهون أن يوضع قلب سليم مكان قلب مريض، فاستبدل خالد عند ~~الطبيب قلبا بقلب. # لكن الطبيب حين يضع قلبا مكان قلب؛ لا يعبأ بما تحتويه هذه القلوب ~~من مشاعر وعواطف، فهو يريد أن يستبدل بعضلة ضعيفة عضلة قوية وكفى. ~~أما هل يعمر هذا القلب الجديد ما كان يعمر القلب القديم من ~~عواطف، فأمر لا يعنيه في قليل أو كثير. # وكان أن حمل خالد قلبا جديدا، وخرج من عند الطبيب لا يدري أنه قد ~~أصبح في الحق إنسانا آخر؛ لأنه حمل الآن قلبا يختلف مكنونه عن مكنون ~~قلبه القديم. # ذهب إلى داره، وجلس إلى مكتبه، وفتح درجا من أدراجه، فإذا عيناه ~~تقعان على عنوان الكتاب الذي كان قد طلب إلى الخطاط أن يكتبه له ~~ويحفره، وأخذ يقلبه بين أصابعه متعجبا: لماذا يكون هذا قبل أن يكون ~~الكتاب؟ وما هو إلا أن ألقى «بالكليشيه» في سلة المهملات؛ لأنه عرف ~~الآن أن الكتاب لن يكتب. وجاءه المقاول يقاوله في أمر البيت الذي يريد ~~بناءه لنفسه سكنا، فلم يستمرئ أن ينطق في الموضوع بكلمة واحدة إلا إذا ~~تهيأت له الأسباب أولا؛ فما هو اليوم بالرجل الذي كان. وبدأت تدب ~~بينه وبين زوجته ضروب من الخلاف لم تكن تقع بينهما فيما مضى. فهو الآن ~~يعد ويحسب قبل أن يذهب إلى المصيف، وكان فيما مضى يذهب إلى المصيف ~~بغير عد ولا حساب. وهو الآن يفصل ميزانية داره تفصيلا، وكان ~~فيما مضى ينفق ما في الجيب معلقا رجاءه بما قدر له في ~~الغيب. # لم تعد حياة خالد تشيع في نفسه لذة ونشوة كما كانت تشيع فيه حياته ~~الأولى اللذة والنشوة في عهد قلبه القديم؛ فليس في ms087 القلب الجديد من ~~دخان العواطف ما يعميه عن الحقائق الواقعة، والنظر بالعين المجردة ~~إلى الحقائق العارية عن تزويق الخيال فيه مرارة وألم، ولكنه آمن ~~عاقبة وأسلم ختاما وأخصب نتاجا. # كان «خالد» في عهد قلبه القديم طفلا يلهو بأحلامه لهوا لذيذا ~~جميلا، فأصبح تحت سيطرة القلب الجديد رجلا يواجه الواقع المرير ~~المؤلم في شجاعة الرجال. إن أحلام القلب شهية ممتعة لذيذة؛ لأننا ~~نطبخ لأنفسنا فيها ما نشتهي، فننقص من ملحها وفلفلها كما نشاء ~~ونهوى، ونزيد من لحمها وأرزها كما نشاء ونهوى. وأما الواقع فعلقم ~~مرير في أكثر الأحيان؛ لأن الطعام يقدم لنا معدا مطبوخا على ~~مشيئة طاه سوانا، لكن الأحلام على لذتها من طبيعة الطفولة الغريرة، ~~والواقع على مرارته من مميزات الرجولة المكتملة الناضجة. # النضج العقلي معناه إدراك الواقع والاعتراف به، والعمل بمقتضاه، ~~فيجيء العمل منتجا بقدر ما يسع طبائع الأشياء أن تنتج. والعقل ~~النيئ الفج هو الذي لا يطيق النظر إلى الواقع كما هو، فيغمض عينيه ~~ويرسل للأحلام عنانها. ولا غرابة بعد ذلك أن جاء الشعر قبل النثر في ~~تاريخ الأدب، ما دامت مرحلة الشعر الحالم أسبق من مرحلة النثر ~~الواقعي في تاريخ الحياة، حياة الأفراد وحياة الأمم على السواء. # جرع «خالد» في عهد قلبه الجديد، الذي لم يطق معه أن يركب ~~للواقع الثقيل أجنحة من ريش الأحلام الطيارة الدوارة؛ جرع في عهد ~~قلبه هذا مر الواقع وعلقمه، لكنه مع ذلك تمنى لأمته كلها أن ~~يبدلها الله قلوبا بقلوب؛ فينزع من صدورها القلوب الحالمة المساهمة ~~النائمة، ليضع مكانها قلوبا صاحية متيقظة واعية. # | أصنام تحطمت # صادفتني أيام الشباب طائفة قليلة من رجال نزلوا من نفسي عندئذ ~~منزلة إكبار لا ينتهي وإجلال ليس بعده مزيد. ثلاثة منهم أو أربعة ~~كانوا دوما أمام عيني مثلا أتمثل به حين أطلب لنفسي، أو حين أسوق ~~للناس مثلا للرجل كيف يصلب عوده وتتعدد جوانبه وتتنوع نواحيه. كنت ~~أنظر إليهم نظرة الطفل إلى أبيه، يراه عملاقا قادرا على كل شيء؛ فهو ~~إن شاء أمسك بالقمر، وهو إن ms088 أراد أنزل المطر، وأراني بالقياس إليهم ~~قطرة من محيط أو ذرة من جبل ... آه لو كان لي قلم فلان وشهرته ولتنزل ~~بي نكبات الدهر بعد ذلك ألوانا فما أبالي! أو لو كانت لي هذه الحيوية ~~الدفاقة التي لفلان وهذا الأفق الواسع والعلم الغزير! إن شخصه ليملأ ~~الفضاء حتى ليكاد يتعثر به السمع والبصر أنى مضيت. وانظر إلى فلان ~~كيف كسب القلوب بترفعه عن الصغائر وازدرائه لما ينغمس فيه الناس إلى ~~أذقانهم من توافه! وأين لك مكانة فلان في هدوئه واعتداده بنفسه؛ حتى ~~لتتوجه إليه الأنظار أينما حل. أتذكر في يوم جلس في جمع كبير من ~~كرام الناس وأحس التعب في قدميه، فخلع الحذاء في حركة ثابتة طبيعية ~~كأن إنسانا لم يكن معه؟ أين أنت من هذا وأنفاسك تكاد تتقطع حياء من ~~نفسك؟! ... هكذا كان هؤلاء الرجال يملئون مني شعاب الخيال في عهد ~~الشباب. # ومضت الأعوام وازددت خبرة بالناس وطبائعهم، وراقبت من كثب، وفي ~~شيء من الدقة والتفصيل، بعد أن كنت أنظر من بعيد وعلى وجه التعميم ~~والإجمال. فأخذ نفر من هؤلاء العمالقة يصغرون ويضؤلون حتى لأراهم ~~اليوم أقرب إلى الأقزام. كنت أحسبهم أقوياء بنفوسهم، فرأيت كيف يضعفون ~~أمام أيسر الدوافع وأصغر ضروب الغواية. إن الفرق بعيد بين صورة الهرم ~~الأكبر حين تبدو لعينيك من بعد، وبينها وأنت إلى جواره؛ فالمسافة ~~البعيدة تزيل الحفر والنقر والغلظة والخشونة، وتجعل الجدار أملس ~~صقيلا. إن القمر الذي تراه من بعد لامعا ساطعا وضاء، هو على ~~القرب حزون وجبال عتمة مظلمة سوداء. لقد كنت مع جماعة من الأصدقاء ~~ليلة في مرقص، فأبى واحد منا عرفناه بالظرف والفكاهة إلا أن يجلس في ~~آخر الصفوف. ولما سئل في ذلك أجاب بأنه يرى الراقصات على هذا البعد ~~روائع فاتنات، فلماذا يقترب ويرى الغضون والعيوب فيجعل الجميل ~~قبيحا؟ # والحق أني حين ازددت خبرة بهؤلاء الناس على مر السنين، وصغر في ~~عيني منهم من صغر، كبرت عند نفسي على حسابهم؛ فلم أعد أراني قطرة من ~~بحر ولا ذرة من جبل ms089 كما كنت أتوهم. وإن الله لينعم عليك بالنعمة ~~الكبرى إذا وهبك القدرة على وزن نفسك، ووزن الناس ميزان صحيح لا تحيز ~~فيه ولا تحيف. # والفضيلة في هذا الأمر، كما هي في شتى الأمور، وسط بين طرفين كما ~~يقول أرسطو. فرذيلة منك أن تغلو في قدرك لنفسك حتى تراها أضخم مما هي، ~~وكذلك رذيلة منك أن تحط من قدر نفسك حتى تراها أضأل مما هي. والفضيلة ~~ها هنا إنما تقع في الوسط الذهبي الذي يضع النفس في موضعها الصحيح، فلا ~~زيادة من طرف، ولا نقص من طرف آخر، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه ~~كما يقولون. # كان الخطأ الأكبر عند عبدة الأصنام هو أنهم عبدوا شيئا كان يمكن ~~لخيالهم أن يتصور ما هو أكبر منه، وإن كان هنالك ما هو أكبر، ففيم ~~عبادة الأصغر؟ إن كان إلهك صنما صغيرا من حجر، فالجبل الأشم أولى ~~منه بالعبادة، أو كان جبلا عاليا فالشمس أعلى، أو كان شمسا واحدة ~~فالسماء أوفر شموسا. وهكذا تستطيع أن ترقى بمعبودك حتى تدرك في ~~النهاية أن من يستحق العبادة كائن واحد - سبحانه وتعالى - كل ما عداه ~~صغائر عابرة، تتجمع حينا كسحاب الصيف لا يلبث أن ينقشع ويزول، وكذلك ~~قل في تقديرك للناس من حولك، فما دمت تنوي أن تعنو بوجهك لإنسان؛ ~~فليكن عظيما حقا في البعد والقرب على السواء. # إن الشيطان الذي أبى أن يعبد الله استعلاء واستكبارا لأجدر عندي ~~بالتقدير والتوقير من عابد الصنم الصغير ذلة وخنوعا. وليس من عجب أن ~~يخفق «ملتن» في الفردوس المفقود، فلا يوفق إلى ما يريده بالشيطان من ~~تحقير! أراد أن يصف تمرد الشيطان وعصيانه وصفا يحمل القارئ على ~~مقته وازدرائه. فأفلت منه الزمام رغم أنفه. وإذا القارئ يقرأ القصيدة ~~ليرى عراكا يوشك أن يكون بين ندين، فليس يخلو من العظمة من تحدثه ~~النفس أن يخاصم العظيم. # عدم الخوف هو سر النجاح، فعش حياتك على فوهة بركان، كما قال ~~نيتشه. ولا تركن إلى الأمن والدعة، فأنت حي بمقدار ما أنت مغامر ~~جريء، ms090 لا تتمثل أمامك فكرة الموت فتصيبك بالجمود والشلل، عدم الخوف هو ~~جوهر الحكمة كما يقول رسل. ومن الجبن أن تكبل نفسك بأغلال الخوف ~~وأصفاده إزاء المخاطر الحقيقية، فما بالك بما هو في الواقع ظلال ~~وأشباح؟! وأول المغامرة أن تحطم الأصنام، ففيم عبادتك أصناما من ~~أناس عبادة الخائف يخشى منهم السطوة والبطش ويرقب منهم الصدقة ~~والإحسان؟ # انظر كم تجني على حاضرنا عبادتنا لماضينا! إن موتانا ليتحكمون في ~~رقابنا بأبشع ما يتحكم به أغلظ الطغاة في عبيده الأذلاء، لماذا؟ ~~لأننا نخشاهم فلا نخشى فيهم إلا وهما، كما يخاف الطفل خشخشة الورق ~~في الظلام، نخشاهم فنعبدهم فنكيل لهم الحمد والثناء بغير حساب. وليس ~~بعد ذلك من بأس إن صغرنا نحن بسبب إكبارهم، وذللنا بسبب إعلائهم؛ ~~فاللغة ما نطقوا، والشعر ما نظموا، والنثر ما كتبوا، والحكومة الرشيدة ~~على غرار ما حكموا، والعلم الصواب ما علموا، كأن الأرض تدور من المشرق ~~إلى المغرب، أو كأن الزمان يسير القهقري، والأمر كله عبادة أصنام رسمت ~~من ظلال. إن عبء الموتى يكاد ينقض ظهورنا؛ فهلا ألقيناه عنا لنمضي في ~~الطريق خفافا! ... ولأمر ما ركبت الأعين في الجباه؛ لتنظر إلى أمام ولم ~~تركب في مؤخرة الرءوس. # لقد تصور اليونان آلهتهم - أول الأمر - ذوي نزعات ومنازعات كالتي ~~تحدث للبشر؛ فهي تلهو وتعبث وتغضب وتعبس وتعترك وتشتجر، وتحب ~~وتكره وتنتقم. فلما نضج العقل اليوناني أبى أن يمضي في عبادة هذه ~~الآلهة التي لا ترتفع عن مستوى البشر في دوافعها وأطماعها، واختاروا ~~لأنفسهم بديلا لها، إلها عاقلا حكيما خيرا يدبر أمره تدبيرا ~~محكما في إرادة صامتة؛ فلا ثرثرة ولا قهقهة ولا ولولة ولا بكاء. كذلك ~~فعلت مع أصنامي التي عبدتها حينا، ثم حطمتها لما بدا أمام عيني ~~صغارها. # ولم أتم بعد عملية التحطيم، لكني أخذت أتنفس الصعداء وأتنسم ~~الهواء بقدر ما تم من تحطيم. لقد طالت عبوديتي وعبادتي حتى احلولكت ~~نفسي بسواد سحيم، وها أنا ذا أرى شعاعا من ضياء يشرق في جنبات صدري ~~بالقدر الذي خلصت فيه نفسي من ركام الأوهام. ms091 # حياتك - أيها القارئ - وحياتي مليئة بالأصنام نعبدها، عن وعي مرة، ~~وغير وعي ألف مرة. إنها تحيط بك وبي، فهي عن أيماننا وشمائلنا وأمامنا ~~ووراءنا، هي معنا في المنازل التي نسكنها، وفي المكاتب التي نعمل فيها، ~~بل هي في رءوسنا نحملها أينما سرنا، كالذي يقال عن بعض رجال الجاهلية ~~من أن الواحد منهم كان يحمل معه صنمه في ترحاله مصنوعا من عجوة ~~البلح، حتى إذا ما استقر في مكان أكله. فاحمل فأسك - كما حملت فأسي - ~~وابحث في رأسك، وانظر من حولك، وحطم الأصنام لا تخش بأسها؛ لأنها ~~أضعف جدا مما ظننت بها؛ تذق لحرية نفسك واستقلالها طعما ~~لذيذا. # | الببغاء والقفص # أهديها إلى رجال المعارف بمناسبة موسم الامتحان. ~~*** # قال الراوي: # وكان عارف باشا سمينا بدينا، انتفخ جفناه، وتهدل شارباه، ~~وتورم صدغاه، انتشر أمامه بطن كبير، وامتدت وراءه أعجاز. إذا تكلم ~~لا يبين لأنه يأكل أواخر الكلمات. # ولكن عارف باشا لم يكن كريها ولا ذميما، تنظر إليه فتبتسم ولا تدري ~~لماذا تبتسم، ولعلها ابتسامة الحب الذي يخلو من كل تقدير وإعجاب. والحق ~~أن عارف باشا جدير بحبك؛ لأنه طيب القلب إلى حد بعيد، تحفزه طيبة ~~قلبه أن يعمل الخير، ثم يعينه على فعل الخير ثراؤه الضخم، وجاهه ~~العريض، ونفوذه الشامل، لكنه ما أكثر ما يخطئ وما أقل ما ~~يصيب. # جيء له يوما بطائر جميل الريش، رائع الألوان، سريع اللفتات، رشيق ~~الحركات. وقيل له: هذا ببغاء يفصح البيان إذا ما تعلم نطق الكلام. ~~فنظر عارف باشا ذات اليمين وذات اليسار وهو يفتر بثغره الواسع عن ~~ابتسامة الدهشة والعجب، وقال: لأعلمنه نطق الكلام؛ لأرى كيف يفصح ~~البيان! كم يكلفني هذا؟ وما سبيلي إليه؟ # فأجابه من جاءه بالببغاء: أما التكاليف فلا يسأل عنها من كان في ~~مثل ثرائك يا مولاي، وأما السبيل فلك أن تسأل عنها العلماء الراسخين، ~~وإنهم بحمد الله لكثيرون. # وما هو إلا أن أمر عارف باشا بالطائر أن يعهد لفريق من العلماء ~~الراسخين في العلم؛ ليرى كيف يفصح هذا الطائر الأعجم البيان إذا ms092 ما ~~تعلم نطق الكلام. # وانقسم العلماء جماعتين، جماعة تعد القفص، وأخرى تجمع الكتب والدفاتر ~~والأقلام والمحابر ... # ومضت سنون ... # قال الراوي: وبينما كان عارف باشا يوما يتحسى أقداح القهوة مع ~~نفر من أصدقائه، ويقهقه لنكاتهم قهقهة عالية تهز بطنه وترج صدغيه، ~~إذا به يذكر فجأة أنه كان منذ أعوام قد عهد بببغائه إلى جماعة من ~~العلماء يعلمونه الكلام ليفصح البيان، فأمر من فوره بعربة تعد وخيل ~~تشد؛ ليزور الببغاء ومعلميه. # وجلجلت العربة بعجلاتها، وصلصلت الجياد بأجراسها، ووصل عارف باشا ~~إلى حيث يريد، واستقبله المشرفون على تعليم الببغاء بكل تجلة ~~واحترام. ~~- ماذا صنعتم بطائري وقد مضت سنون؟ ~~- كل خير يا باشا. ~~- أروني الببغاء، هل يفصح البيان؟ # وهنا طفق أستاذ يشير ويشرح: هذا، يا مولاي، هو القفص الذي أعددناه، ~~مستدير القاع، مدبب القمة، في جداره تسعة وتسعون سلكا، سلك من فضة ~~يجاوره سلك من ذهب، وهكذا دواليك على التوالي. ولو كانت الأسلاك قد ~~كملت مائة لاطرد معنا هذا التوالي في أسلاك الفضة والذهب، وكنا ~~عندئذ نزل زلة فاحشة؛ لأنه يتعذر علينا في مثل هذه الحالة أن ~~نعلم أين نجعل للقفص بابه؛ إذ تتوالى أسلاك الفضة والذهب أينما درت ~~مع القفص، وأين وجهت البصر. لكننا يا مولاي تدبرنا أمرنا منذ ~~البداية، ورسمنا طريقنا، فأحكمنا الرسم والتدبير؛ لذلك جعلنا أسلاك ~~القفص تسعة وتسعين، فرمينا عصفورين بحجر واحد؛ إذ باركنا القفص بهذا ~~العدد المبارك. وهنا تبسم عارف باشا ليعلن إعجابه ورضاه، ثم جعلنا ~~بهذا العدد الفردي سلكين من أسلاك الذهب يتعاقبان فيشيران إلى موضع ~~الباب. # والباب يا مولاي قطعة فنية، فهو يسمح للطائر بالدخول ولا يهيئ له ~~سبيل الخروج؛ لأننا لوينا الأسلاك على نحو يجعلها ملساء إذا ما دخلها ~~داخل، مسننة مدببة تسد على الخارج طريقه إلا إذا مزق جلده ~~تمزيقا تسيل منه الدماء. # فأومأ عارف باشا برأسه إيماءة الرضا والإعجاب، وطفق الأستاذ الشارح ~~يقول: وطول القفص وعرضه وارتفاعه كلها قيست قياسا دقيقا، بحيث ~~تتيح للطائر حركات بعينها ولا تتيح له سواها؛ فللطائر مثلا أن يطير ms093 ~~قليلا إلى أعلى أو قليلا إلى أسفل، لكن ليس في مقدوره أن يضرب ~~بجناحيه ويحوم. وها نحن أولاء قد مددنا له في داخل القفص عند الوسط ~~ثلاثة أسلاك مسنونة؛ لتطمئن قلوبنا أن طائرنا لن يدور بجسده باسطا ~~جناحيه؛ فهذا ما لا نريده له أبدا. # ثم خدعناه؛ فعلقنا له في سقف القفص أرجوحة صغيرة، فيظل يهتز بها ~~طول النهار يمنة ويسرة، حاسبا أنه يشق أجواز الفضاء، وهو في ~~حدود قفصه لم يتحول. # وأقمنا على تنظيف القفص خادمين، وأعددنا للطعام طاهيين، وخصصنا ~~لضبط الحساب حاسبين، وأفردنا للتسجيل كاتبين، فما تفلت هنا يا مولاي صغيرة ولا كبيرة. نعرف كم أنفقنا من المال، وأين انصرف ذلك المال ~~مليما مليما، ونسجل كم رفة للجناح الأيمن، وكم للجناح الأيسر، ومتى ~~تحركت ساقه اليمنى، ومتى تحركت ساقه اليسرى؛ كل ذلك عندنا مقيد مسجل، ~~نضبط حسابه بالأرقام. يقوم على ضبط الحساب حاسب، ثم يقوم على ضبطه مرة ~~أخرى حاسب آخر، وبعدئذ يقوم على الحاسبين مراجع، وعلى المراجع ~~مراجع. # سل يا مولاي ما شئت عن الببغاء خلال هذه السنين، نجبك الجواب ~~اليقين، سل أين كان في اليوم الأول من يناير منذ عامين، أجبك على ~~الفور أنه كان عندئذ من القاع على بعد قدمين، سل ماذا أكل يوم ~~الإثنين، أجبك من الفور أن الوجبة قسمت له يومئذ وجبتين، أكل في كل ~~وجبة منها فولتين. # ويقوم على الطائر طبيب معالج يرعاه كلما ألم به المرض، على شرط أن ~~يكون المرض مما يعالج. أما إن تحطم له جناح أو فقئت له عين فما لنا ~~بمثل ذلك حيلة. # وبعدئذ يا مولاي، بعد أن أعددنا القفص كل هذا الإعداد المحكم ~~المتين، راح منا فريق يجمع للطائر ما يلزمه من الكتب والدفاتر والمحابر ~~والمساطر. وانقسم هذا الفريق جماعات: فجماعة تأتي له بالكتب التي بها ~~يرطن، وجماعة تأتي له بالكتب التي بها يعد ويحسب، وجماعة تستعيد له ما ~~كتب الأقدمون، وأخرى تجمع له ما أنتج المعاصرون، حتى تجمعت لنا بذلك ~~يا مولاي أكداس ثمينة رصصناها على ms094 الرفوف رصا أنيقا، وحفظناها في ~~المخازن حفظا أمينا، تخرج منها الكتب بحساب، وتدخل إليها ~~بحساب. # فهتف عارف باشا هتفة اطمئنان: «برافو! برافو! حسبي هذا. فامضوا على ~~بركة الله، فما ضاع مالي عبثا.» # وعاد فركب العربية التي جلجلت بعجلاتها، تجرها الجياد التي صلصلت ~~بأجراسها، حتى إذا ما اطمأن في داره إلى مجلسه، وحف به الأصدقاء، ~~راح يروي لهم ويحكي؛ فالقفص كله ألاعيب ، والمدرسة كلها أعاجيب، ~~والمعلمون علماء، والموظفون أكفاء. # وسأله سائل عديم الذوق لا يحسن اختيار مواضع الكلام: «وكم تعلم ~~الببغاء يا مولاي من فصاحة البيان؟» # فصاح عارف باشا صيحة من ذكر من توه شيئا نسيه: «الببغاء! ~~والله لقد نسيت الببغاء! ...» # | درع من ذهب # هذا خطاب كتبه كاتبه، ثم ألقاه على مائدة صغيرة إلى جوار مخدعه؛ ~~وأخذته العلة؛ فألزمته الفراش حينا. وهو أعزب اختلطت في غرفته زجاجات ~~الدواء بالفراجين والأمشاط، وانتثرت كتبه وجواربه وأوراقه ومناديله ~~على الأرض والمقاعد. # ولما عدته في مرضه؛ وقع بصري على الخطاب منشورا، يستوقف النظر ~~بأسطره المائلة وخطه المنفوش، فلم أملك أن أنظر فيه إلى كلمة هنا وكلمة ~~هناك. ولحظ ذلك صديقي؛ فقال: اقرأه، فما فيه سر مكتوم، بل هو خطاب ~~مفتوح مكشوف، أردت به فتاة بعينها، لكني أراها تمثل طائفة من بنات ~~جنسها. فأمسكت بالخطاب وقرأت: # عزيزتي ... # هل كتب الله على هذه الدنيا أن تكون ناقصة شائهة إلى الأبد، لا ~~تعرف الكمال إلا أملا يتردد في بعض الرءوس؟ تالله يا عزيزتي ما ~~رأيت شيئا إلا همست لنفسي: «آه لو كان! ...» حتى أنت! كنت قبل ~~اليوم سيدة الدار وخادمته في آن معا، حين كنت تطهين وتغسلين ~~وتكنسين؛ حتى إذا ما أقبل زوجك مع الظهيرة، وجد الدار نظيفة مرتبة ~~والطعام معدا شهيا، ووجد زوجته باسمة ابتسامة من لا تعرف ~~حقا في راحة البال وطمأنينة الضمير إلا لمن قام بواجبه كاملا؛ ~~فقد كان هذا الضرب من الكمال في رأيك هو معنى الجمال. # لكن وسوس لك الشيطان أن النافع لا يكون جميلا، والجميل لا يكون ~~نافعا؛ فقال لك فيما قال: ms095 أرأيت إلى هذا التمثال القائم في ركن ~~الغرفة؟ إنه لا ينفع لكنه جميل، وهل رأيت هذا البساط وما انتشر ~~فوقه من طنافس؟ إنه لا يستخدم في رقاد أو جلوس لكنه جميل، وثوبك ~~هذا البديع؟ لقد تكدست على جنبيه وفوق ظهره من طيات بعضها فوق ~~بعض، ما يكفي وحده لكساء فقيرتين من بنات جنسك. إن هذه الثنايا في ~~ثوبك والحنايا لم تخلق لتأتي بطراوة الهواء في الصيف، أو لتدفع ~~عنك برد الشتاء ... إنها لا تنفع ولكنها جميلة! ... وهكذا راح الشيطان ~~يوسوس لك حتى دب وسواسه منك في مجرى الدماء، فصحت لنفسك: ويح ~~لي! ألا تكون المرأة كذاك جميلة بمقدار ما يقل نفعها؟! والله لا ~~طهي بعد اليوم ولا كنس ولا غسل ولا ولادة ولا رضاعة «ولا ~~يحزنون» ... سأكون جميلة منذ اليوم! # لكنك، يا عزيزتي، كنت جميلة قبل اليوم، ولم تبقي لنفسك من ~~الفتنة شيئا بعد هذا الذي اعتزمته من هجر ما تنفعين فيه ... أصبحت ~~دمية لا غناء فيها ولا جمال، وأضلك الشيطان ضلالا بعيدا وأنت ~~لا تشعرين؛ فالجميل يا سيدتي هو النافع، والنافع هو الجميل. # حتى هذا المثال القائم في ركن الغرفة، جميل لأنه نافع. وهو نافع؛ ~~لأن إدمان النظر فيه وفي أمثاله من آيات الفنون. يهذب الحس ~~تهذيبا حتى ليجزع إن وقع بعد ذلك على قذر أو قبيح. ولو رأيت ~~القاهرة ملأى بما تنفر منه العيون والأسماع، ولا تجدين في الناس ~~إزاء هذا كله إلا حسا بليدا لا يجزع ولا يثور. فما ذاك يا سيدتي إلا لأن هؤلاء الناس لا تقع أبصارهم على مثل هذا التمثال ~~الجميل! # أتعلمين لماذا تكون الذراع التي طولها كذا أجمل الأذرعة، والخصر ~~الذي قطره كذا أبدع الخصور؟ أتعلمين لماذا لا ينبغي للفتاة ~~الجميلة أن تقصر أو تطول؟ كل ذلك يا سيدتي أساسه المنفعة! ~~فالذراع التي طولها كذا أقدر على الحركة السهلة المناسبة ~~الكاملة منها لو أصابها طول أو قصر. وكذلك الخصر، وكذلك القد، ~~وكذلك كل شيء. # لقد قال قائل لن أذكر لك اسمه؛ لأنك - فيما ms096 أعتقد - تكرهين أسماء ~~الفلاسفة والعلماء، قال: إن وعاء القمامة أجمل عندي من درع ~~الذهب؛ لأن وعاء القمامة مفيد نافع يؤدي الغاية التي صنع من ~~أجلها، ودرع الذهب تؤدي بحاملها في حومة الوغى إلى هاوية ~~الهلاك! ماذا أنت قائلة يا سيدتي في جندي يتقي الحراب بدرع من ~~ذهب؟! ألا تكون الدرع في عينك عندئذ قبيحا بغيضا مع أنها في ~~أسواق السلع نفيسة ثمينة؟ ذلك لأن الجمال في النفع، فالجميل هو ~~النافع والنافع هو الجميل. # كلا، لا تنصتي إلى الشيطان فيما يوسوس لك! وكوني في بيتك درعا ~~من صلب أو حديد، تستعيدي جمالك المفقود. # إني ليعجبني ذلك الرجل الهمجي الذي سأله رحالة أوربي عن ~~زوجاته أيهن أروع جمالا؟ فقال: جمال، ماذا تريد بهذه الكلمة؟ كل ~~ما أعرفه هو أن فلانة أقدر على حمل الأثقال من فلانة. وهذه أبرع في ~~الطهي من تلك ... أذلك ما أردت بالجمال يا سيدي؟ وضحك الأوربي ~~الرحالة لجهل الهمجي بالجمال، وراح يكتب مذكراته لينشرها في ~~الناس فيضحكهم من هذا الذي لم يعرف معنى الجمال وقرأت أنا هذه ~~المذكرات، وضحكت مع الضاحكين، لكني ختمت الضحك بقولي: والله لقد ~~أصاب. # فرغت من قراءة الخطاب ونظرت إلى صديقي المريض باسما سائلا: أفي ~~ظنك أن النساء كلهن هذه الفتاة؟ # فقال: كلا، فهن مختلفات. # وراح صديق يتمتم بقصيدة من الشعر اليوناني القديم، وعنوانها «بعض ~~النساء»: # جعل الله عند الخلق طبائع النساء مختلفات. # فجاءت إحداهن، كأنما أخرجها الله من خنزير، # يسرح بنوها في الدار في فوضى واضطراب. # وتراهم طرحى على الأرض يتمرغون في ألوان من القذر ~~متباينات، # بينا تراها في أقذارها وثوبها المتهدل # تمرح كالخنازير في حظائرها، وتزداد شحما على شحم. # وأخرى كأنما هي الكلبة حركة ونشاطا، # يشوقها أن تسمع كل شيء وتكشف عن كل خافية. # تجوس أرجاء المكان فاحصة متطلعة، # فإن لم تجد شيئا أطلقت بالسوء لسانها، # ولا يجدي فيها وعيد زوجها. # كلا ولا يسكتها الغضب، ولا حجر يلقى فيحطم ~~أسنانها. # ولا تنفع معها كلمة طيبة، ولا مسح بكف عطوف. # إنها حتى وهي ms097 في ضيافة غيرها # تظل كالكلبة في صياحها ونباحها. ~~••• # وصاغت آلهة السماء من تراب الأرض امرأة، # قدمتها - على نقصها - للرجل زوجة. # يعوزها العلم، فلا خيرا عرفت ولا شرا، # ولا تعرف من واجباتها شيئا سوى أن تملأ جوفها، # إن قرصها برد الشتاء فارتعشت، # فلا تزحزح نفسها نحو النار تصطلي. ~~••• # وأخرى خلقت كالبحر ذات طبعين؛ # فيوما تراها مشرقة ضحوكا. # إن رآها في دارها غريب لم يدخر ثناء، # قائلا: ليس على وجه الأرض مثلها ظرفا وسناء. # ويوما تعبس فلا تقوى على الدنو منها والنظر إليها، # فكأنما مسها عندئذ مس من جنون. # غضوب كما تكون الكلبة مع جرائها، # حقود تصيب نقمتها الناس جميعا على السواء، # كأنها حجر يتعثر به الأصدقاء والأعداء، # ولكنها كالبحر قد تسكن في هدوء رحيم. # كالبحر في الصيف هو للملاحين بهجة للناظرين، # ثم قد ينقلب السكون إلى جنون، # فيدوي بموجه دوي الرعود. ~~••• # وأخرى تراها نحلة في دارها، فطوبى لزوجها! # لن تقع العين فيها على عيب يعاب، # فهي تجعل الحياة منتجة خصيبة، # وتنجب من بنيها كل مجيد نبيل؛ # حتى تبلغ الشيخوخة في حب زوجها، # وتزداد على مر الأيام طيب أحدوثة بين لداتها، # ويفيض عليها الله من بركاته الطيبات. # إنها لا تجد متعة في المكث بين النساء، # حين يتحدثن في الحب ولقاء الرجال. # مثل هذه المرأة نعمة من الله لزوجها، # وهي بين الزوجات أكثرهن فضلا وحكمة. # صافحت صديقي قائلا: أأنت واضع هذه الرسالة في غلاف لأرسلها نيابة ~~عنك بالبريد؟ # فأجاب: أرسلها كيف شئت وإلى من تشاء، ولست أحب أن أقع فريسة لفتياتنا ~~الأنيقات الرشيقات؛ فقل عن رسالتي إنها أخلاط محموم. # | من طبائع الناس # من أعجب ما يستوقف النظر من طبائع الناس حبهم الشديد أن تنزل بهم ~~المصائب الخفيفة، كأنما يريد الإنسان أن تكون بمصائبه موضع عطف ~~الآخرين، فما أشد فرحة الإنسان حين يصيبه وجع خفيف في ضرسه! تراه ~~عندئذ يضع إصبعه على صدغه آنا بعد آن ليستوثق أن الوجع لم يزل ~~هناك. والكارثة الحقيقية عنده أن ينزل به الوجع، ثم يزول دون أن يراه ms098 ~~أحد من آله أو أصدقائه. والأفضل عند المرء إذا ما سئل كيف صحته أن ~~يقول إنها ليست على أكمل حالاتها، فهو يشكو من عسر في الهضم أو صداع ~~في الرأس. وما أجمل عنده أن يزوره الزائر مصادفة فيلقاه في فراشه ~~عليلا! على أن الإنسان في كل ذلك لا يريد أن يجاوز به الوجع أو المرض ~~حدا معقولا، يعرضه على الناس، دون أن يعرضه للخطر. # إني ما زلت أذكر يوم أعلنت هذه الحرب الأخيرة، وكنت ساعتئذ أجالس ~~بعض الأصدقاء في مقهى، فلا تسل كم اهتزت قلوب الناس من نشوة ~~الفرح! وكم تهللت الأسارير وعلت قهقهات الضاحكين! ولم يكد ~~يستقر من الحاضرين رجل واحد على كرسيه لحظة واحدة؛ فهو يدور ويتلفت ~~ويرفع كفه بالتحية، ويصيح ويضج ويزأط ويحرك قدميه ويخبط المنضدة ~~أمامه بغير موجب ... قليلون هم جدا أولئك الذين يحزنون لسوء النتائج ~~قبل وقوعها. وقد كنت أظن ذلك الفرح بالحرب عند أول إعلانها لا يقع ~~مثيله في الأمم المحاربة فعلا، وكم دهشت حين أخذت سيدة إنجليزية ~~في نحو الستين من عمرها تقص علي بعض ذكرياتها عن الحرب العالمية ~~الأولى، فراحت تلاحظ على قومها الذي رأيته نفسه في قومي؛ هزة من ~~الفرح كادت تشمل الناس أجمعين. ثم ألم نبدأ قتالنا في فلسطين منذ ~~قريب؟ ألم تكن رنة الفرح ذائعة شائعة على ألسنة الناس وفي قلوبهم في ~~أولى أيام القتال؟ ... هذه طبيعة الإنسان إزاء المصائب إذا لم يتبين بعد ~~فداحة نتائجها. # واستمع إلى الناس يتحدثون عن غلاء المعيشة وارتفاع أجور المساكن، ~~إنهم ليفرحهم أن يتناقلوا أخبار الغلاء الفاحش. ولطالما لحظت في كثيرين ~~رغبتهم في إخفاء ما قد سمعوه من أنباء تدل على انخفاض في السعر أو ~~بحبوحة في العيش. تسمع الناس يتحدثون عن أجور المساكن الجديدة، ~~فيقولون: إن الغرفة الواحدة في العمارة الفلانية بلغ أجرها عشرة ~~جنيهات، وإذا قلت لهم مصححا: إن أجر الغرفة ستة جنيهات فقط؛ فكأنما ~~قد أسأت إليهم؛ لأنك خيبت آمالهم وأحبطت رجاءهم. وإني لأذكر جيدا ~~كيف كان الناس يتمنون من ms099 صميم أفئدتهم - عندما بدأت موجة الغلاء في ~~الارتفاع سنة 1941م - يتمنون أن تزيد وتزيد. إن الناس لا يرضيهم أن ~~يكون المصاب من التفاهة بحيث لا يذكر، كما أنه لا يرضيهم أن يكون ~~المصاب من الفداحة بحيث لا يحتمل، لكن لا يكون ذلك إلا بعد ما ~~يعانونه فعلا من فداحة المصاب الثقيل، أما قبل ذلك، عندما يكون ~~الأمر في مرحلة الكلام والتوقع؛ فهم يرحبون بكل زيادة فيه. # وذلك يذكرني بحالة شبيهة، عندما كان الضباب يكتنف مدينة لندن. ~~فإذا كان ضبابا خفيفا فهو مضايقة للنفوس بغير طائل. أما إذا اشتد - ~~كما يحدث أحيانا - بحيث لا تستطيع رؤية قدميك، عندئذ ينقلب الضيق عند ~~الناس فرجا، ويأخذون في التعليق على هذه الحالة الفظيعة من حالات ~~الجو - هي فظيعة باللفظ، لكنها محببة إلى نفوسهم مقربة إلى ~~قلوبهم - ويحلو للناس عندئذ أن يتذاكروا ما يحدث في أمثال هذا اليوم ~~من حوادث؛ فقد حدث في عام كذا أن اصطدمت سيارات في الطريق ومات ناس. ~~وحدث في عام كيت أن ارتطمت سفن في صخور الشاطئ وغرق ناس ... # وانظر إلى الناس في القاهرة إذا نزل المطر، انظر إلى الأطفال يزأطون ~~وكيف يمرحون، وانفذ إلى أعماق نفوس الكبار؛ تر المطر الخفيف يضايقهم، ~~فإذا ما أخذ المطر يشتد سقوطا؛ لمحت لديهم رغبة أكيدة في أن يظل ~~على ازدياد شدته، ليصبح لهم حدثا يتحدثون فيه يوما أو يومين. # وأذكر أني قرأت مرة مقالا لسيدة كاتبة، تقول فيه إنها كانت تسافر في ~~قطار عبر الولايات المتحدة - أو عبر كندا لا أذكر - وإن القطار تعطل ~~عن المسير أياما؛ بسبب ما تراكم عليه وفي طريقه من الثلج، وتعذرت ~~كل وسائل الاتصال بينهم وبين العمران، وأخذ الطعام يقل في أيديهم ~~شيئا فشيئا. تقول الكاتبة إنها توقعت أن ترى على وجوه الناس علائم ~~الحزن لهذا الخطر الداهم، فما كان أشد دهشتها حين رأت عكس ذلك! رأتهم ~~فرحين بهذه الورطة التي هم فيها، بل رأتهم كأنما يتمنون في أعماق ~~نفوسهم أن تزداد الورطة شدة بنفاد الطعام جملة واحدة؛ ms100 ليروا ماذا ~~يكون بعدئذ ... هذه طبيعة الإنسان، مهما تكن بعيدة عن العقل ~~والمنطق. # بل إن لها لعلة عند العقل والمنطق؛ فالإنسان محب للحادث الغريب ~~يكسر به ملل الحياة و«روتينها» الرتيب. إني - في الحق - كلما فكرت ~~كيف يتشابه يومي وأمسي؛ عجبت لنفسي كيف أطيق هذه الحياة؟! ولعلني في ~~ذلك خير حالا من ألوف سواي، كثيرا جدا ما أنظر بعين العطف ~~والإشفاق للكمساري في الترام. أسأل نفسي: أيظل هذا المسكين ثلاثين أو ~~أربعين عاما على هذا النحو يأخذ من الناس ملاليمهم ويعطيهم تذكراتهم؟ ~~ثم أقلب الطرف، فأرى الناس كلهم تقريبا على هذا المنوال المملول ~~الرتيب، مهما تنوعت أعمالهم ... هذه الحياة المتشابهة المملة ترحب ~~بالحادث الغريب الذي يكون حدثا يطلق الألسنة بالتعليق والكلام. ~~وكلما كانت الحادثة أشد غرابة عن المألوف؛ كانت أحب إلى نفسك، ~~وكثيرا ما يضيف الإنسان بخياله إلى الحادثة الواقعة أشياء تجعلها ~~أغرب؛ ليجعلها أطرف في الحديث. فلو أصيب الإنسان بأرق - مثلا - ولم ~~ينم من ليله إلا ثلاث ساعات؛ جعل الثلاث الساعات في حديثه ساعة ~~واحدة. ولو سقطت قنبلة فهزت النوافذ؛ جعل الاهتزاز في حديثه للناس ~~تحطيما وتهشيما، وهكذا ... والمحور في ذلك كله أن يجد ما يقال بحيث ~~يحدث عنده وعند الناس شيء من تغيير صور الحياة المكرورة ~~المعادة. # هذه الحوادث الكريهة في ذاتها محببة؛ لاستثارتها لنفوس الناس التي ~~أخمدها ملل الحياة، كما قلت. وغني عن البيان أن الاستثارة تكون ~~أمتع لو كانت الحادثة الغريبة التي أحدثتها لذيذة في ذاتها، كأن ~~تكسب ورقة النصيب، أو تسبق في لعب أو سباق. # وهنالك علة أخرى تجعل المصائب محببة إلى الناس بحكم فطرتهم، وتلك ~~أنها توحد بين الناس في شعور واحد. والناس ينشدون هذه المشاطرة ~~والمشاركة في وجدان واحد؛ لأنها تكون لأفراد المجتمع بمنزلة الملاط ~~الذي يمسك لبنات البناء. هذه المشاطرة الوجدانية بين الناس لذيذة ~~الوقع في النفوس مهما يكن الباعث لها؛ فالمطر إذا اشتد حتى زاد على ~~المألوف، والضباب إذا تكثف حتى حجب الضياء، وما إلى ذلك من أمور، ~~يتهلل لها الناس بشرا؛ ms101 لأنها ستكون موضوعا للحديث مشتركا بينهم ~~جميعا. # وكم في تقاليد المجتمع من حكمة تخفى على النظرة العابرة السريعة! ~~فالأعياد والمواسم وأيام العطلة الدورية لهذا السبب أو ذاك؛ أساسها أن ~~تهيئ للناس فرصة مشتركة تشيع في أنفسهم وجدانا واحدا، فضلا عما ~~تهيئه لهم من تغير في مجرى الحياة الرتيب. # | القصد في القول والعمل # الظاهر أن المبالغة في القول والتهويل في الوصف من أوضح ما يميز ~~انحطاط الثقافة عند القبائل، ويبين قلة حظه من المدنية والتهذيب، ~~وأنه كلما أمسك المتكلم بزمام القول فلا يسرف ولا يغالي، كان ذلك ~~دليلا على وفرة نصيبه من الثقافة والمدنية. وقل مثل ذلك في الأمم ~~المختلفة والعصور التاريخية المتابعة؛ فالأمة المتأخرة تشيع المبالغة ~~والتهويل في أدبها وكلام أفرادها. وأما الأمة الراقية فتراعي القصد في ~~القول وعدم المبالغة في الوصف. وكذلك ترى الظاهرة الأولى جلية في ~~عصور الجاهلية، بينما تلحظ الثانية في عصور الحضارة واضحة ~~بينة. # إنه لمن أعسر الأمور على الأديب الهزيل أو الفنان الضعيف أن يقنع ~~بالأمور كما يألفها الناس في الحياة الجارية الواقعة، فالتل على يديه ~~يصبح جبلا شامخا، والفقر عنده لا بد أن يكون «مدقعا»، ~~ويستحيل ألا يكون حر الصيف «لافحا» وبرد الشتاء «قارسا». لو كان ~~موضوعه معركة فهي «حامية» والجيش فيها «جرار» والدماء لا يمكن أن ~~تتناثر قطرات، بل لا بد لها أن «تسيل أنهارا»، والظلم عنده دائما ~~«فادح»، وجمال أي فتاة تصادفه «رائع فتان»! # والأديب القدير وحده هو الذي يلجم القلم؛ حتى لا ينقلب التل على ~~سنانه جبلا، ولا القطرة الواحدة مدرارا. والعجيب أن التزام الواقع ~~أو ما يقرب منه مستحيل على غير الأديب البارع، مع أن هذا الواقع ماثل ~~أمام العاجز كما هو ماثل أمام القادر سواء بسواء، بل أعجب من هذا أن ~~الأديب الضعيف إن أخذ نفسه بوصف الواقع لا يعدوه؛ جاء وصفه ماسخا ~~بائخا مبتذلا ذميما؛ لأنه لا يجد في طبيعته ما يهديه إلى اختيار ~~العناصر التي يجوز إثباتها في وصفه، وترك العناصر التي لا يحسن ~~إثباتها؛ فنحن إذ ms102 نقول إن الأديب الفحل وحده هو الذي يلجم قلمه ~~بحيث يقف عند المألوف المعهود، فلا يهول ولا يسرف، لا يفوتنا أنه ~~لا يأخذ هذا الواقع جملة وتفصيلا، لكنه يختار هذا العنصر ويترك ذاك، ~~فإذا الصورة في النهاية رائعة تستثير الإعجاب. # ومن الشواهد الجميلة التي أذكرها من الأدب الإنجليزي في هذا ~~الصدد، ما حدث حين انتصر «مولبرا» في موقعة بلنهيم (سنة 1704م)، ~~فأخذ الشعراء الإنجليز عندئذ ينظمون القصائد في مدحه، والإشادة بنصره، ~~ولكن التوفيق الفني أخطأهم جميعا؛ لأنهم أخذوا يمتدحون في «مولبرا» ~~أنه صبغ الأنهار وخضب السهول بدماء الأعداء، فلم يصادف هذا القول ~~وأشباهه قبولا عند نقدة الشعر. وأحس الناس أن هذه الواقعة ~~الفاصلة ينبغي أن تلتمس سبيلها إلى الخلود عن طريق الشعر الرفيع؛ لذا ~~لجأ بعض الوزراء إلى شاعر فذ هو «أدسن»، وطلبوا إليه أن يجود بقصيدة ~~من شعره الخالد في «مولبرا» اعترافا بفضله، ففعل. وصادف عند النقاد كل ~~إعجاب، وأشد ما أثار إعجابهم قوله عن «مولبرا» إنه كان رزينا هادئا ~~يدبر في روية والعاصفة من حوله قاصفة. إنه لم يقل ما قاله سواه من ~~أنه كان يرمي الرمح فيحصد الأعناق، وإنه كان وحده يسوق أمامه ~~ألوف الرجال ويصبغ الأرض بالدماء؛ لأن هذه صور كلها زائفة مغالية ~~مسرفة. والتصوير الصحيح الصادق هو أنه امتاز بتدبيره الهادئ، وضبطه ~~لأعصابه، في يوم كانت الدنيا ترتج فيه من حوله. # ولا تقتصر المبالغة والتهويل على الكلام والأدب عند من تأخرت منزلته ~~في المدنية والثقافة والتهذيب، بل إنهما ليظهران في مظاهر شتى، ترتبط ~~كلها بسبب من التشابه بحيث ترتد إلى أصل واحد؛ فالجاهل المتأخر ~~يبالغ في طعامه وشرابه، والمتحضر المهذب يراعي القصد فيهما. ~~الأكلة الطيبة عند صاحب الذوق الخشن الغليظ هي التي يتخم فيها ~~بحيث لا يقوى على حركة أو نشاط. وإن شرب خمرا؛ فالشراب عنده لا يكون ~~جديرا باسمه إلا إن سكر وغاب عن وعيه. وترى هذا الصنف من الناس ~~يفاخر بعضهم بعضا بكثرة ما يشتري وما يأكل من طعام، ولكم سمعنا في ~~الريف ms103 كيف يمدح الرجل بأنه لا يشتري البطيخ إلا حملا كاملا، ولا ~~القصب إلا «لبشة لبشة» ... وإنه لترد على خاطري الآن ملاحظة غاية في ~~الطرافة لست أذكر أين وقعت عليها، وهي أن اهتداء الإنسان لتقسيم طعام ~~يومه على ثلاث وجبات لم يأت إلا بعد أن سار في المدنية شوطا بعيدا. ~~أما الهمج البدائيون - شأنهم في ذلك شأن الحيوان - فقد كانوا يأكلون ~~وجبة ضخمة حينا بعد حين، كلما صادفهم طعام، وكانوا لا يعرفون مبدأ ~~الاحتفاظ بالطعام إلى مستقبل قريب أو بعيد. وعلى ذلك فإن الشعوب التي ~~تركز طعامها في وجبة واحدة في النهار يغلب أن تكون متأخرة بالنسبة ~~للشعوب التي تجزئ الطعام بين وجبات ثلاث. ولعل الأساس في هذا هو ~~المبالغة عند فريق والقصد والاعتدال عند فريق آخر؛ فالذي طبع على ~~المغالاة والإسراف لا يستطيع أن يكف عن الطعام ما دام أمامه بقية من ~~طعام. والذي نشأ على القصد والاعتدال يسهل عليه ترك المائدة على شبع ~~خفيف هو بين الخلاء والامتلاء. # ومن ظواهر المبالغة عند المتأخر، والقصد عند من حسن حظه من التهذيب، ~~طريقة كل منهما في التعبير عن عواطفه على اختلافها غضبا كانت أو حزنا ~~أو سرورا؛ فالهمجي إذا غضب يثور ويفور ويضرب ويركل وقد يقتل. أما ~~المهذب إذا غضب فيكاد لا يبدو عليه الا القليل من تجهم؛ فهو يملك ~~زمام نفسه حتى يتولى القضاء الأمر إذا دعت الحال إلى ذلك. والهمجي إذا ~~حزن ولول ومزق ثيابه وتمرغ في التراب وأرسل لحيته، وأبى على ~~نفسه النظافة إلى آخر ما نشاهده بأعيننا في بعض الطبقات عندنا، وخصوصا ~~النساء. وأما المهذب فإذا حزن جاء تعبيره عن حزنه صامتا هادئا، ~~والهمجي إذا فرح ضحك في قهقهة عالية ترج الهواء رجا، على حين ~~تكفي المهذب ابتسامة أو ضحكة في حدود الاعتدال. والمآتم والأفراح ما ~~زالت قائمة بيننا لسانا ناطقا بما يتصف به بعضنا من إسراف في الحزن ~~والفرح على السواء. # وظواهر المبالغة والإفراط التي تنم عن حوشية الطبع وخشونة الذوق عند ~~صاحبها لا تنتهي إذا ms104 أردت لها حصرا وعدا؛ فالهمجي يبالغ في الألوان ~~الفاقعة الناصعة، حتى لتعرف مقدار حظ الرجل من التثقيف والتهذيب ~~والتمدن بألوان ثيابه. فإن كانت زاعقة صارخة فالأرجح جدا أن يكون ~~حظه من ذلك كله قليلا أو معدوما. وكذلك قل في زينة المرأة، فكل ~~امرأة تصبغ وجهها، لكن ما كل امرأة تعرف أين تقف في صبغها لوجهها حتى ~~لا تجاوز هدوء الألوان الذي يرتضيه ويقتضيه الذوق المهذب السليم. ~~وإني لأذكر بهذه المناسبة أني زرت معرضا للفن مع صديق لا يكاد يظفر ~~بشيء من الذوق المرهف، ولم يزر معرض الفن إلا لأنه كان يصحبني، وخجل ~~أن يعتذر ووقفنا عند صورة امرأة بالغ الرسام في أحمر خديها وكحل ~~عينيها. وبالطبع قد بالغ في ذلك عمدا ليبين كيف تقبح المرأة، على ~~الرغم من جمال قسماتها، إن هي أفرطت في الزينة إفراطا يمجه ~~الحس الرقيق. ونظر صاحبي إلى الصورة قائلا: ما أجملها! فقلت: بل ما ~~أقبحها! ولتعلم أن الفنان قد ضاع جهده عبثا إذا كانت هذه الصورة لم ~~تبعث في نفسك التقزز والنفور. # وقل ذلك أيضا في ارتفاع الصوت عند الحديث. الهمجي المتأخر يبالغ ~~في ارتفاع صوته بغير حاجة منه إلى ذلك؛ لأن من يتحدث إليه قد يكون ~~على بعد قدم واحدة منه. وإن شئت فادخل مكانا يجتمع فيه فريق من ~~الطبقات الدنيا التي لم تصب من التهذيب شيئا، واسمع ما يملأ المكان ~~من ضجيج وعجيج قد يستحيل معهما أن تسمع صوت من يحادثك. # إنه ليعجبني من «شوبنهور» قوله: إن احتمال الأصوات العالية مقياس ~~دقيق لدرجة المدنية، بل مقياس دقيق لمدى العبقرية في الإنسان. فكلما ~~ازددت بطبعك اضطرابا للأصوات العالية كنت أعلى منزلة في درجات ~~النبوغ. وإني لأسأل نفسي: لو كان هذا صحيحا، فأين نضع القاهرة وأهلها ~~في سلم الحضارة الإنسانية؛ هذه المدينة التي قيل إنها أصخب مكان على ~~وجه الأرض بغير استثناء، ومعظم الناس لا يشعرون! # المبالغة في كل شيء علامة لا تخطئ على الضعف العقلي عند من يبالغ؛ ~~المبالغة في قلقك على صحتك وفي ms105 جعلها محورا لحديثك مع الناس، المبالغة ~~في مقدار ما تشتريه لنفسك من ثياب ومن أثاث، مبالغة الأمة في ~~الألقاب، المبالغة في التزمت والتشبث بعقيدة أيا كانت، المبالغة ~~في صقل اللفظ إن كنت كاتبا، إلى آخر هذه الأمثلة التي لا حصر لها ~~ولا عدد. # وأنت مهذب مثقف متمدن سليم الذوق بمقدار ما تلجم هذا ~~الجموح من نفسك. # | الرأس والساعد # بين الرأس والساعد، بين الفكر والعمل، بين العقل والبدن، بين الذين ~~يفكرون والذين يعملون؛ صراع طويل عنيف على الغلبة والسلطان: فلمن تكون ~~الكلمة العليا؟ أنلقي بزمامنا في أيدي أصحاب الآراء النظرية والأفكار ~~المجردة؟ أم نجعل السيادة للعاملين بالأيدي والسواعد؟ # فقد التقيت منذ أيام بشاب استوقفني في الطريق مناديا باسمي، ~~وذكرني بنفسه، فإذا هو تلميذ قديم من تلاميذي. وسألته كيف دنياه؟ ~~فأجابني بعد أن مط شفتيه وهز كتفيه بما دل على أنه قلق في حياته: ~~أنا أشتغل بالمحاماة، وليست الحال كما قد كنت أتمنى لنفسي؛ فلا أكسب ~~من عملي ما يكسبه سائق السيارة ... وهكذا انقلبت الأوضاع. # فقلت: وكان ينبغي للأوضاع أن تنقلب يا صديقي، فقد مضى الزمان ~~وانقضى، الذي كان يزهى فيه صاحب الرأس بنفسه على صاحب ~~الساعد. # فسألني: ماذا تريد؟ # وهنا اقتربنا من المكان الذي كنت أقصد إليه لأشرب الشاي، فدعوته، ~~وجلسنا نصف ساعة، كنت فيها متكلما وكان منصتا: كان «الكلام»، يا صديقي، في القرون الماضية كلها؛ هو صاحب السلطان على «العمل»، ولا تزال ~~هذه الحال - ولن تزال - قرينة التأخر في الأمم. # كان «الكاهن» في العصور القديمة آمرا مطاعا، بل كان سيدا مخوفا ~~مهيبا؛ لا لأنه يزرع الأرض وينتج الغلة للناس يأكلون؛ بل لأنه يعرف ~~كيف يتكلم، فينفث السحر بكلامه، فقد كان يظن أن الكلام وحده ينحدر من ~~شفتي كاهن كفيل بإنزال المطر من السماء، والظفر بالنصر على الأعداء، ~~وبكل شيء مما قد يعوز الفرد أو تحتاج إليه الدولة. # ولبثت الحال كذلك مع تغير في نوع «الكلام» الذي يكتب لصاحبه السيادة ~~والسلطان؛ فللخطيب في الأمم المتأخرة شأن أي شأن، مع أنه لا ms106 يحمل ~~في جعبته إلا «كلاما»! وانظر إلى التاريخ؛ تر الأمم كلها في بدايات ~~أشواطها تفسح مجالا أسمى للخطباء المصاقع. هكذا كان العرب في ~~جاهليتهم، وهكذا كان اليونان، حتى لقد تزاحم الشبان الأغنياء في ~~اليونان القديمة على معلمي الخطابة يتعلمون عنهم صناعة الكلام؛ لما ~~رأوا أن الكلام وحده ضمين لصاحبه أن يظفر بأكثر الأصوات عند سواد ~~الشعب، وبالتالي فهو ضمين لصاحبه أن يتبوأ مكان الزعامة ومناصب ~~الحكم، بل هكذا كانت إنجلترا منذ قرنين؛ فسرعان ما كان يبرز الخطيب بين ~~الناس، فإذا هو النائب في البرلمان، وإذا هو الوزير الحاكم بعد حين. ~~وهكذا كانت فرنسا كذلك أيام ثورتها الكبرى، ولست بحاجة إلى أن أضيف ~~بلادنا مثلا آخر، فقد اقتضت طبيعة موقفها أيام ثورتها أن تجعل ~~زعامتها، بل حكومتها، في أيدي القادرين على الكلام. # والكلام والفكر النظري قرينان؛ فلم يكن السيد الكريم المحتد من أهل ~~يونان القديمة يرضى لنفسه قط أن يعمل بيده. وكانت علامة الشرف أن تكون ~~من أصحاب الفكر الذي لا يقتضي حركة، بل لا يقتضي جسدا على الإطلاق. ~~ولعل هذه التفرقة الواضحة بين الفكر والعمل فرع عن مفاضلة الناس بين ~~الروح والبدن؛ فالروح (أو العقل) وما يتفرع عنه من فكر أو عقيدة أسمى ~~منزلة وأطهر وأنقى من البدن وما يتعلق به. كان الفرض دائما أن الروح ~~شريفة بالقياس إلى البدن الوضيع، وكان الفرض دائما أنه لولا هذا البدن ~~الشهواني النجس؛ لارتفع الروح إلى معارج السماء ... فلزم من ذلك كله أن ~~يكون المفكر بعقله أسمى مقاما وأرفع مكانا من العامل بجسده؛ فأين أين ~~الزارع الذي يفلح الأرض ممن يبرهن بعقله أن المربع المنشأ على وتر ~~المثلث القائم الزاوية مساو لمجموع المربعين المنشأين على ~~الضلعين الآخرين؟! # ثم بالغ أهل اليونان القديمة في هذا الاتجاه حتى أسرفوا فيه إسرافا ~~يستوقف النظر ويستثير العجب، فما كل علم عندهم بمنزلة سواء؛ بل تتفاوت ~~العلوم نفسها قيمة بمقدار ما تبعد عن كل ما يتصل بحركة الجسد في أثناء ~~بحثها. ومن هنا كانت الرياضة عندهم أفضل العلوم ms107 إطلاقا، ولذلك تقدموا ~~في ميدانها خطوات فسيحة، بل كاد المفكر عندهم والمشتغل بالعلوم ~~الرياضية يكونان شيئا واحدا، فلا فكر إلا الرياضة. وحتى إن فكر ~~الرجل في غير الرياضة؛ فلا بد أن تكون الدقة الرياضية في عمله هي ~~مقياس نجاحه في تفكيره. # وكان لليونان القدماء باع كذلك في الفلك؛ لأن ملاحظة النجوم ~~والتفكير في مسالكها لا يستدعيان منك أن تحرك الجسد أو أن تستعين به ... ~~أما الكيمياء - مثلا - فقد كان حظها عندهم ضئيلا هزيلا؛ لأنها تقتضي ~~شيئا من العمل باليدين، والعمل اليدوي من شأن العبيد! # وإنه لمما يذكر في هذا الصدد أن أرشميدس الذي نعرفه اليوم بنظريته ~~عن الأجسام الطافية في الماء، كان قد مهر في الميكانيكا، وكان ابن عمه ~~أميرا على «سرقصة»، فلما هاجم الرومان بلاده؛ استعان بابن عمه العالم ~~في اختراع آلات حربية تساعده على حماية ملكه من الأعداء المهاجمين. ~~فتلاحظ أن «فلوطرخس» المؤرخ اليوناني، وهو يؤرخ لأرشميدس، يعتذر عن ~~اشتغاله بصناعة الآلات؛ لأنه يشعر أن مثل هذه الصناعة لم تكن تليق بمثل ~~ذلك الأمير الشريف، فتراه يلتمس له العذر في ذلك على أساس أنه اضطر ~~لمعونة ابن عمه الملك ساعة الخطر، فليس بعجيب بعد هذا أن يتصدى فيلسوف ~~اليونان «أفلاطون» لرسم معالم الدولة المثلى، فإذا الدولة المثلى ~~عنده أن يكون الزراع والصناع في أسفل القاع من البناء، وأن يكون في ~~قمة الحكم فيلسوف! لماذا؟ لأن الزراع والصناع عاملون منتجون، ولا يعمل ~~بيده في سبيل الإنتاج إلا الرجل من طبقة العبيد، أو من يهبط في إدراكه ~~العقلي هبوطا لا يفسح له مجالا بين أولي الأمر في الدولة، ولأن ~~الفيلسوف من جهة أخرى هو وحده الذي يستطيع أن «يسبح» في ملكوت الله ~~و«يشطح» في تأملاته النظرية. وهذا وذاك من شأن الروح والعقل، لا يتصلان ~~بالجسد بأي سبب من الأسباب. # ويتقدم الزمان بالإنسانية - يا صديقي - شوطا بعد شوط، فلا تغير ~~من قديمها إلا بمقدار ضئيل لا تكاد تدركه الأبصار، كأنما أصرت ألا ~~تغير من نفسها شيئا إلا بثورة ترجها رجا. فها ms108 أنت ذا ترى ~~أعقاب القديم ما زالت عالقة في أذهاننا، رغم تغير الظروف كلها. ~~وانقلاب الأوضاع كلها - على حد تعبيرك أنت - لا نزال نؤمن في أعماق ~~نفوسنا أن صاحب الدراسة النظرية خير مقاما ممن يعمل بساعديه؛ فالمدرسة ~~الثانوية النظرية لا تزال أرفع منزلة من مدرسة تعلم الصناعة والزراعة ~~بحيث لا يلجأ إلى هذه إلا من فشل في تلك، وبحيث يعدها الناشئ من الأسرة ~~الكريمة سبة كبرى لحقت به وبأهله وذوي قرابته، أن يكون واحدا من ~~هؤلاء، لا من أولئك. # فمن البشائر بالخير أن ترى الأوضاع في طريقها إلى الانقلاب؛ فالخطة ~~التعليمية الجديدة في العالم المتمدن كله - والحمد لله أن نرى مصر ها ~~هنا قد لحقت بالركب غير مبطئة - تعمل على التسوية التامة بين ضروب ~~المهارة على اختلاف أنواعها، فما ينبغي لك يا صديقي أن تزهى بمهارتك ~~في الكلام على سائق السيارة، وقد مهر هو الآخر، لكنه مهر في ~~«العمل». # بل ماذا أقول؟ أأقول إن من البشائر بالخير أن ترى الأوضاع قد تم بحمد ~~الله انقلابها، فقامت في إنجلترا حكومة «العمال» لا حكومة الفلاسفة ~~التي تمناها فيلسوف اليونان القديم؟! # | مطلوب إنسان! # من الحقائق النفسية الأولية المعروفة أن الإنسان إذا شغلت باله ~~مشغلة، كان شديد التنبه على كل ما يتصل بها من قريب أو بعيد. فانظر ~~إلى نفسك وأنت مقبل على شراء شيء، ولنقل مثلا إنه حذاء؛ تجد أيسر ~~المنبهات التي تتصل بما أنت بصدد شرائه كافيا لاستثارة يقظتك. ~~وسواء أردت أو لم ترد، شعرت أو لم تشعر؛ فإن عينيك ستتجهان إلى أحذية ~~الناس في الطريق وإلى الأحذية معروضة في نوافذ الدكاكين، وإليها ~~مرسومة في إعلانات الصحف. # لكن هذه الحقيقة النفسية الأولية المعروفة، وجدت تطبيقها عندي ~~بالأمس على نحو رسم على شفتي ابتسامة؛ وذلك أني صادفت من أحداث حياتي ~~القريبة ما دعاني إلى التفكير في أخلاق الناس، كيف تخدعك ظواهرهم مهما ~~ظننت أنك قد بالغت من الخبرة بالحياة أمدا بعيدا. وكيف يندر أن تجد ~~بينهم من يحترم نفسه ويحترم الآخرين بغض النظر ms109 عن ارتفاعه وانخفاضهم، ~~فأخذت الأمر مأخذ الجد وسألت نفسي: من ذا تعده «إنسانا» بمعنى ~~الكلمة الصحيح من بين من تعرف حتى يمكنك أن تحلل خلاله وخصاله ~~تحليلا يكشف لك عن حقيقة «الإنسان»؟ ... وما هو إلا أن جاءني الخادم ~~بصحيفة الصباح، فاشتغلت بقراءتها حينا، ثم شاءت المصادفة العجيبة أن ~~تقع عيني على إعلان بها، عنوانه «مطلوب آنسات ...» فقرأته خطأ «مطلوب ~~إنسان! ...» لسابق اشتغالي بالتفكير في صفات الإنسان الحق. وها هنا عاودت ~~تفكيري من جديد: أحقا لا يكون بين هؤلاء الألوف من عباد الله من لا ~~يستحق بجدارة أن يكون «إنسانا»؟! # وكان من الطبيعي عندئذ، أن ترد على خاطري قصة ديوجنيس، التي لا ~~بد أن يكون كل قارئ قد سمع بها، ديوجنيس الذي رأوه في أثينا ممسكا ~~بمصباح، وهو يجوب المدينة ليلا أو نهارا، حتى إذا ما سئل: عم تبحث ~~يا ديوجنيس في ضوء مصباحك؟ أجاب: أبحث عن «الإنسان!» إذن فماذا عسى أن ~~تكون هذه الألوف البشرية التي تملأ فجاج الأرض وشعابها إن لم تكن ~~ناسا تتصف بصفات الإنسان الذي يبحث عنه ديوجنيس؟! ... بعبارة أقصر ~~وأوضح: متى يكون الإنسان «إنسانا»؟ # بديهي أن الطعام والشراب والنعاس واليقظة والمشي والوقوف والتنفس ~~والتناسل وما إلى ذلك؛ يستحيل وحدها أن تجعل من الكائن الحي إنسانا؛ ~~لأن الكلاب والخنازير لا ينقصها من ذلك شيء، بل إني لأرفض أن يكون ~~التفكير - فاسدا كان أو سليما - هو الذي يميز الإنسان من سائر ضروب ~~الحيوان؛ فالرجل «المفكر» قد يبهرك بتفكيره ويروعك بحدة ذكائه، لكنه ~~لا يستميل قلبك ولا يستثير حبك ولا يحرك عطفك بتفكيره أو ذكائه. ~~اقرأ لمؤلف في علم الرياضة أو الطبيعة أو الطب أو ما شئت من علوم، اقرأ ~~له ألف كتاب أفعمت صفحاتها بالفكر المبتكر الجديد؛ فستعجب به، ~~وستهولك قدرته، لكنك لن تحبه (ولن تكرهه) من أجل فكره ذاك، لكن اسمع عن ~~ذلك المفكر المجيد خبرا واحدا ينبئك عن معاملته الناس بالحسنى؛ ~~يقرب من قلبك الرجل، ويستثر في نفسك الحب والعطف؛ لأنه بذلك - لا ~~بغيره - يكون إنسانا، ms110 بل ماذا أقول؟ أأقول إن الكلب الأعجم يدعوك ~~أحيانا بفعلة خير يفعلها إلى حبه ما لا تثيره في نفسك ألف معادلة ~~رياضية يبتكرها عالم؟ # معاملة الناس بالحسنى هي أول ما تبادر إلى ذهني من صفات تجعل من ~~الآدمي «إنسانا»، ولا فرق بعد ذلك أكان ذلك الآدمي غنيا أم فقيرا، ~~عظيما أم حقيرا، متعلما أم جاهلا. وإن فقد الآدمي هذه الصفة ~~اليسيرة البسيطة كان أقرب إلى الهمجية والبدائية والتوحش مهما ظن ~~بنفسه ارتفاع الشأن وعلو المنزلة. لكن معاملة الناس بالحسنى صفة تحتاج ~~إلى شيء من التحديد والتحليل، فما عسى أن تكون في لبها ~~وصميمها؟ # انتهيت بعد التفكير إلى جواب لا أتشبث به، بل أعرضه على القارئ ~~اقتراحا؛ لعله يصادف عنده قبولا، أو تعديلا وتصحيحا. وله بالطبع أن ~~يرفضه ليستبدل به ما يراه صوابا فيفيدني به، وله عند الله حسن ~~الجزاء. # انتهيت إلى أن الإنسان يكون إنسانا بمقدار ما وهبه الله من قدرة ~~على ألا ينظر إلى الناس نظرة التاجر إلى سلعه وزبائنه، وتسألني: كيف ~~ذلك؟ فأجيب: إن العلاقة بين البائع وزبائنه هي بعينها العلاقة التي ~~تربط الإنسان بالأشياء الجامدة. فأنا - مثلا - أحرص على هذا المصباح ~~الذي أمامي بمقدار ما يهبني من ضوء أستعين به على القراءة والكتابة؛ ~~وإلا فلن أتردد في تغييره بما هو أصلح منه. وكذلك العلاقة بيني وبين ~~منظاري، فتراني أمسحه وأنظفه حينا بعد حين؛ لأنه يعيني على الإبصار. ~~ولو لم يفعل؛ لكان نصيبه مني الإهمال المحقق، فلا مسح ولا تنظيف ولا ~~عناية، وهكذا قل في كل شيء جامد مما يصادفك في مجرى حياتك: في ثيابك ~~وأدواتك وأثاثك وما إليها، فلا يربطك بكل هذا إلا رباط المنفعة. إن نفع ~~الشيء؛ احتفظت به وحرصت عليه، وإن لم ينفع نبذته نبذا، وهي نفسها ~~العلاقة بين البائع وزبائنه؛ فأنت عند البائع مكرم مبجل ما دمت ~~نافعا، حتى إذا ما انتهى عنده نفعك انفصمت كل علاقة بينك ~~وبينه. # ولعل أبشع جوانب هذه النظرية «السوقية» (نسبة إلى السوق التي يتم ~~فيها البيع والشراء) هو ms111 ما يبدو منها حين تنشأ هذه العلاقة نفسها بين ~~المرء ونفسه! إي والله، إن الإنسان قد يهوي إلى هذه الهاوية السحيقة؛ ~~فيجعل من نفسه لنفسه بائعا. وعندئذ يقيس قيمة نفسه في نظر نفسه ~~بمقدار ما يراها سلعة صالحة للرواج في أهل عصره. ولا عبرة بعد ذلك ~~أكانت لها قيمة حقيقية ذاتية أم لم تكن! نعم؛ فقد يشق الإنسان نفسه ~~شطرين: بائعا وسلعة! فكما يبيع البائع سلعته لمن يدفع فيها أغلى ثمن، ~~فكذلك هو يبيع نفسه لمن يشتريها من الرؤساء أو الحكام أو من شئت من ~~صنوف البشر! ليس على العامل الذي يبيع صناعته وثمرة مجهوده لوم ولا ~~تثريب، لكن ماذا أنت قائل فيمن يصنع نفسه صناعة أعني أنه يشكلها ~~تشكيلا على النحو المطلوب ليرغب فيها الراغبون؟! فإن كان المطلوب أن ~~يكون مضحكا أو بهلوانا؛ فما أسرع ما يجعل من نفسه مضحكا أو بهلوانا ~~ليقبل عليه الشارون من ذوي السلطان، وإن كان المطلوب أن يكون ذا نفس ~~خانعة خاشعة ذليلة، فما أهون أن يشيع في نفسه الخنوع والخشوع والذل؛ ~~حتى تروج في السوق! # وأعود إلى سؤالي من جديد؛ لألخص الجواب الذي أتقدم به اقتراحا: ~~متى يكون الإنسان «إنسانا» بالمعنى الصحيح؟ # يكون كذلك بمقدار ما يبعد عن وزنه لنفسه ولسائر الناس بميزان ~~الجزارين والبقالين، يكون الإنسان إنسانا، حين يعرف للإنسانية ~~حقها بغض النظر عن نفعها. انظر إلى الجسد البشري - كائنا ما كان صاحبه ~~- نظرك إلى الشيء المقدس المهيب. يكفي أن يكون الكائن الذي أمامك ~~واحدا من البشر ليستوجب احترامك، بل إجلالك وإكبارك لهذا الذي خلقه ~~الله، فسواه وكرمه. إننا لو قدسنا البشرية في كل فرد من أفرادها؛ ~~وضعنا بذلك أرسخ أساس للحرية والإخاء والمساواة بين الناس. ألا من ~~يبلغ عني كل مترفع متغطرس أننا جميعا - أعلانا وأسفلنا - على بعد ~~واحد من الشمس! ألا من يبلغ عني كل متجبر متكبر أنه إذا ظن نفسه ~~واقفا على قمة جبل بالنسبة إلى سائر الناس، ينظر إليهم فيراهم في ~~عينيه صغارا ضئالا؛ فهؤلاء الناس كذلك ينظرون ms112 إليه من بطن واديهم، ~~فإذا هو أيضا في أعينهم صغير ضئيل؛ لأن المسافة بينهم وبينه ~~كالمسافة بينه وبينهم. # يكون الإنسان «إنسانا» بمقدار ما يرى في كل فرد من الناس غاية ~~مقصودة لذاتها، لا وسيلة تخدم غاياته وأغراضه. أما إذا سارت العلاقات ~~بين الناس وفق القواعد التي تتحكم في عمليات البيع والشراء، أما إذا ~~نظر الناس بعضهم إلى بعض نظرتهم إلى الأدوات التي تستغل ثم تنبذ ~~وترمى بعد الفراغ من نفعها ووجه استغلالها؛ فلن يجد ديوجنيس «الإنسان» ~~الذي ينشده، ولو بحث عنه بألف مصباح، وسيظل المتعجلون مثلي في قراءة ~~الصحف، يخطئون فيقرءون في إعلاناتها: «مطلوب إنسان.» # | التعميم في الحكم # سألني طالب فقال: أيهما في رأيك أقوى من الآخر: الفرد أم ~~المجتمع؟ # فقلت له: أي فرد وأي مجتمع؟ # فقال: الفرد كائنا من كان، والمجتمع أيا ما كان. # فقلت له: السؤال على هذه الصورة ليس له عندي جواب. ولو أردت مني ~~جوابا مفيدا تحتم عليك أن تدلني على فرد معين في مجتمع معين؛ ~~ليتسنى لي الحكم أيهما كان أقوى من الآخر، بحيث حمله على تغيير ~~مجراه. # وسقت له بعض الأمثلة لأوضح له ما أريد فقلت له: لو كان الفرد الذي ~~تعني - مثلا - هو محمد عليه السلام، ولو كان المجتمع الذي تريد هو ~~المجتمع العربي الذي ظهر فيه النبي؛ لقلت في غير تردد جوابا على ~~سؤالك: كان الفرد في هذه الحالة أقوى من المجتمع؛ لأنه أرغم المجتمع ~~إرغاما على تغيير أوضاعه، حتى ليقال كان العرب على الصورة الفلانية ~~قبل محمد، وأصبحوا على صورة سواها بعد محمد. # وقل شيئا قريبا من هذا في النوابغ الذين صنعوا التاريخ بما أحدثوه ~~في مجتمعاتهم من انقلابات اجتماعية أو سياسية أو علمية، فالعالم أو ~~العلماء الذين كان لهم الفضل في الكشوف العلمية التي انتهت في القرن ~~الماضي إلى الثورة الصناعية؛ كانوا بغير شك أقوى من المجتمع، بل أقوى ~~من سائر البشر أجمعين؛ لأنهم شقوا للناس طريقا جديدة رسمت لهم ~~أوضاعا غير التي ألفوا، وبدأت لهم بدايات فكرية جديدة لبثت ms113 ~~تتخمر في الرءوس - وما تزال - حتى انتهت إلى القلقلة التي يجتازها ~~العالم اليوم، والتي تهدف بالعالم إلى وضع جديد يقلب القديم رأسا على ~~عقب. # أما إن كان الفرد رجلا من غمار الناس يصنعه المجتمع بعاداته ~~وتقاليده صناعة لا تترك له أدنى مجال للاختيار؛ فذاك فرد المجتمع ~~أقوى منه. # وليس يكفي أن تحدد لي الفرد لكي أحكم لك أهو أقوى أم المجتمع ، بل لا ~~بد كذلك أن تعين لي أي مجتمع تراد الموازنة بينه وبين ذلك ~~الفرد المعين؛ لأن الفرد قد يكون زعيما في جماعة، حتى إذا ما انتقل ~~إلى جماعة أخرى، كان نكرة لا وزن لها ولا خطر. # واستطردت في حديثي مع الطالب السائل فقلت له: هكذا ترى سؤالك يتضح ~~جوابه كلما جعلت تفكيرك منصبا على أفراد جزئية. وهو سؤال بغير جواب ~~إذا أطلقته إطلاقا عاما بغير تحديد. # إنني لا أكاد أرى عاملا أقوى تضليلا في الحكم وإفسادا للرأي من ~~التعميم الذي لا يقف عند الجزئيات والأفراد، ولست أرى طريقا في ~~التفكير أقوم وأهدى من تصور الجزئيات عند إبداء الرأي في موضوع معين، ~~بل إني لأوشك أن أقول إن أقوى ما يميز العقل المتنور البصير من العقل ~~المظلم الأعشى هو القدرة على النظر في جزئيات الأمر الذي يكون الإنسان ~~بصدد التفكير فيه. # خذ هذه المشكلة التي ملأت ألوف الألوف من صفحات الكتب والصحف: ~~أيهما أقدر على كذا وكذا: الرجل أم المرأة؟ ... هذا سؤال كثيرا ما ~~يسأل، وكثيرا ما يندفع المسئول في جوابه قائلا: الرجل لأنه كيت ~~وكيت؛ أو المرأة لأنها تتصف بهذا أو بذاك. ولو سأل هذا المجيب بدوره: ~~أي رجل تريد وأي امرأة؟ لألقى بذلك ضوءا قويا على طريق الجواب ~~الصحيح. لو قلنا مثلا: أيهما أقدر على البحث العلمي: الرجل أم المرأة؟ ~~ثم تنبه المسئول إلى ضرورة التفكير في أفراد بدل التعميم الذي يؤدي ~~إلى الضلال؛ لقال في غير مشقة ولا عسر: لو كانت المرأة هي مدام كوري، ~~ولو كان الرجل هو هذا الحوذي؛ كانت مدام كوري أقدر على ms114 البحث العلمي من ~~هذا الحوذي. أما إن كانت المرأة هي خادمتنا في المنزل، وكان الرجل هو ~~مسيو كوري؛ كان الرجل في هذه الحالة أقدر من المرأة ... وهكذا قل في كل ~~سؤال تلقيه جزافا على الرجل والمرأة؛ فالأمر مرهون بأفراد جزئية في ~~ظروف معلومة محدودة. # وخذ أيضا هذه الموازنة التي لا تكاد تذكر على مسمع مني حتى ~~يضطرب كياني كله ولا أعود مالكا لزمام نفسي، وأعني بها الموازنة ~~بين ما يسمونه شرقا وما يسمونه غربا؛ فقد تسمع القائل يقول في غير ~~تحرج ولا قلق: أيهما خير من زميله الشرق أم الغرب؟! وذلك الشرق وهذا ~~الغرب فيهما ملايين البشر! ولو جرينا في هذا السؤال كذلك على المنهج ~~المقترح، فسألنا بدورنا: من ذا تريد من رجال الشرق ومن ذا تعني من رجال ~~الغرب؟ لانحصر الكلام فيما يؤدي حتما إلى جواب مفيد سريع؛ لأني قد لا ~~يصعب علي أن أوازن بين فلان الإنجليزي وفلان المصري ما دمت أعرفهما. ~~لا، بل لا يكفي أن أحدد شخصين لتتم الموازنة على النحو النافع، بل ~~ينبغي أن أمضي في التحديد والتجزئة فأقول: إن فلانا الإنجليزي خير من ~~فلان المصري في كتابة القصة، لكن فلانا المصري خير من فلان ~~الإنجليزي في ركوب الدراجة. # ولعلي بعد ذلك قريب إلى عقلك إذا ما زعمت لك أن ما يقوله القائلون ~~عن «روحانية الشرق» و«مادية الغرب» كلام يستحيل أن يثبت لحظة واحدة ~~أمام العقل الناقد البصير؛ لأن من أبناء الشرق من ينغمس إلى أذنيه في ~~زراعته أو صناعته أو تجارته، وهذه مادية واضحة. بل قليلون هم جدا من ~~أبناء الشرق «الروحاني» من لا ينغمسون إلى آذانهم في كسب عيشهم، وكسب ~~العيش بالطبع مادي صريح في ماديته، ومن أبناء الغرب من ينفضون عن ~~أنفسهم شواغل العيش ليفنوا من أجل فكرة أو عقيدة. ولا أحسب الذين ~~يفنون من أجل أفكارهم وعقائدهم إلا ممعنين في «الروحانية»، بل إني ~~لأستحلف قارئي الكريم أن يهدأ لي لحظة واحدة سريعة عابرة؛ ليفكر فيها ~~كم من أهل «الغرب» يعيشون ويموتون ms115 في معاملهم أو في رحلاتهم الكشفية! ~~وكم من أهل الشرق يصنعون ذلك! وإنما وضعت كلمتي «الغرب» و«الشرق» بين ~~أقواس؛ لأنهما في الحق كلمتان لا معنى لهما إلا عند من يريد أن ينزلق ~~في التعميم الفاسد، وإلا فحدثني: أين الخط الفاصل الذي يكون شرقه شرقا ~~وغربه غربا؟ # وإذا شئت مثلا آخر يبين لك كيف يضل الإنسان في أحكامه إذا عمم ، ~~وكيف يهتدي سواء السبيل إذا خصص؛ فانظر فيما يسمونه متعة عقلية ~~ومتعة جسدية. والأولى عندهم أفضل وأشرف وأسمى من الثانية، لكنك لو سألت ~~عند الموازنة بين هذين النوعين من المتعة: أية متعة عقلية تريد ~~وأية متعة جسدية؟ إذن لرأيت من متعات العقل ما هو دنيء مرذول، ومن ~~متعات الجسد ما هو رفيع شريف. أوليس الحقد وحب الانتقام والتعصب وشهوة ~~السيطرة على عباد الله من متعة العقل؟ ثم أليس الطعام المعتدل من متعة ~~الجسد؟ فأيهما عندك أشرف: أن يأكل الرجل برتقالة أم أن يثير حربا ~~دينية أو مذهبية تفنى فيها ألوف الناس؟! # الفرق بين المرأة العجوز المخرفة حين تصف للناس «وصفة» علاجية وبين ~~الطبيب حين يصف لمريضه دواء؛ هو هذا: المرأة العجوز الجاهلة تعمم ~~بغير نظر إلى جزئيات الموقف وتفصيلاته؛ فقد شهدت مرة أن «وصفة» معينة ~~عالجت مريضا؛ فراحت تعمم تلك الوصفة في كل المواقف الشبيهة دون ~~اعتبار منها لما قد يكون بين تلك المواقف الشبيهة في الظاهر من أوجه ~~الخلاف. وأما الطبيب العالم؛ فهو لا يكتفي باسم المرض ليصف العلاج، بل ~~لا بد أن يرى هذا المرض متمثلا في «المريض» الفرد المعين؛ ليبني ~~حكمه على جزئية أمامه، منفردة في تفصيلاتها، لا على شيء عام مشترك بين ~~الناس أجمعين. # ولا إخال القارئ إلا سائلا: ألا تريد أن تعترف بإمكان الحكم بصفة ~~عامة، وإذن فماذا تكون القوانين العلمية كلها إن لم تكن أحكاما عامة؟ ~~إني إذ أقول إن الماء يغلي في درجة مائة - مثلا - فقولي منصب على كل ~~ماء. وهذا تعميم لا ضرورة فيه لسؤال يفصل جزئيات الماء المراد ... وجوابي ~~على ذلك هو ms116 أنه حتى القوانين العلمية تكون مشروطة بشروط؛ فالماء لا ~~يغلي على درجة مائة إلا إذا كان تحت ضغط جوي معين ... وعلى كل حال ~~فالتعميم يهون خطره إذا استقيناه من جزئيات درسناها. أما أن نرسل القول ~~إرسالا بغير ضابط من التفكير في الجزئيات؛ فطريق لا تؤدي بنا إلى صواب ~~الحكم إلا مصادفة. # | التفكير النظري والتطبيق # للإنجليز براعة في الفكاهة، أكاد لا أجد أمة أخرى تلحقهم في ميدانها؛ ~~فالفكاهة في أدبهم ليس لها نظير في آداب العالم كلها. وهي فكاهة خفيفة ~~أقرب ما تكون إلى الابتسامة اللطيفة إذا كانت الفكاهة عند غيرهم تقاس ~~إلى القهقهة العالية. وهم يمزجون فكاهتهم هذه في جدهم؛ فكثيرا ما ~~يعمد الخطيب السياسي إلى تخفيف جد الموضوع الذي يخطب فيه بملح ~~ونكات ينثرها في غضون حديثه هنا وهناك. وإذا أقاموا حفلا للتكريم - ~~مثلا - فيكاد يستحيل على المتكلم في مثل هذا الحفل ألا يجعل كلمته ~~كلها أقرب إلى الفكاهة المستمرة، حتى إن قصد إلى الجد في ~~الحديث. # بل إن ميلهم هذا إلى الفكاهة لا يبرحهم حتى في المحاضرات العلمية ~~التي قد توحي بطبعها إلى عبوس المحاضر وتجهمه. وإني لأذكر بهذه ~~المناسبة موقفا لطيفا لأستاذ في علم النفس كان يحاضرنا في جامعة ~~لندن، وكان الموضوع الذي يحاضر فيه هو نظرية فرويد في التحليل النفسي. ~~فبعد أن شرح الرجل بعض معالم هذه النظرية، وبين كيف يحاول أتباعها أن ~~يصلوا بالتحليل إلى سبب نفسي لكل شيء مما يحدث في سلوك الإنسان، ~~وإن خاله الإنسان مصادفة عارضة، قال: على أنني أحب ألا تبالغوا في ~~تطبيق هذا الرأي. وأضاف إلى قوله هذا مثلا من حياته الخاصة، فحكى ما ~~يأتي: لاحظت حينا من أيامي الماضية أنني أفقد أشياء كثيرة؛ فأضع ~~المفاتيح في جيوبي، ثم لا أجدها، وأضع النقود فيها حتى إذا ما هممت ~~بدفع أجر للسيارة أو ثمن لفنجان القهوة؛ لم أجد نقودي التي وضعتها ~~واثقا مما فعلت. فقلت لنفسي: أنت تعلم شيئا من التحليل النفسي؛ ~~فلماذا لا تفكر في سبب من نفسك لهذه الظاهرة ms117 الغريبة التي انتابتك هذه ~~الأيام؟ وجلست إلى مكتبي ساعات وساعات، أسجل أحلامي وأحللها ما ~~استطعت إلى ذلك سبيلا، وأضع لنفسي الاختبارات وأنتزع النتائج ... وبينا ~~أنا في غمرة من هذا البحث العلمي الذي أجريته على نفسي لأعلم السبب ~~الدفين في اللاشعور، منذ الطفولة الأولى، الذي يستلزم ضياع مفاتيحي ~~ونقودي هذه الأيام؛ إذا بي ألحظ أن جيوبي فيها خروق! فكففت عن بحثي ~~وتحليلي وتعليلي ... لأن سبب الظاهرة الذي أبحث عنه بين أوراقي، كان أقرب ~~إلي من حبل الوريد. # هذا مثل جيد جدا - على ما فيه من فكاهة حلوة - لما أردت أن أقوله؛ ~~فكثيرا ما تأخذنا الحماسة لنظرية علمية فنطبقها على كل شيء كأنما هي ~~مفتاح الغيب المجهول كله، أو كأنها لعبة جديدة صادفت أطفالا أغرارا ~~ففرحوا بها، وجعلوها دنياهم بأسرها حينا، حتى يملوها، أو تجيئهم ~~لعبة غيرها. # وإن شئت تسرية عن نفسك من عناء الحياة وأعبائها؛ فتعال لي ~~أجلسك مع جماعة من أصدقائي يقرءون كتبا في التحليل النفسي هذه ~~الأيام، فيجدون على صفحاتها ما يفرحهم من طريف الآراء ولطيف التعليلات ~~للظواهر الإنسانية، فلا يكادون يسمعونك في أحاديثهم إلا أخبار هذا ~~التحليل، وكيف انفتحت لهم بفضله مغاليق النفوس. وهم حريصون كل الحرص ~~على أن ترد في أحاديثهم ألفاظ ضخمة حتى لا تظن بهم اللهو والعبث؛ ~~لأنهم لا يقولون إلا «علما» لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ~~فهذه - مثلا - زوجة لا تجد سعادتها مع زوجها، لماذا؟ الجواب عندهم لا ~~بد أن تكون هذه العقدة النفسية أو تلك مما تركب منذ الطفولة ~~الباكرة. ويستحيل - في رأيهم - أن يكون سبب شقائها الزوجي ضآلة مرتب ~~زوجها، أو قسوة هذا الزوج في معاملتها أو ما ينحو هذا النحو من علل ~~وأسباب. # وتعجب أن ترى هذه النزعة تجاوز أوساط الناس إلى علمائهم وصفوة ~~مفكريهم. فهذا كتاب ظهر حديثا في إنجلترا عن الكاتب الإنجليزي المعروف ~~«تشارلز لام» الذي عاش في النصف الأول من القرن التاسع عشر، فهذا ~~الأديب له قصة معروفة مشهورة مع أخته «مارية»؛ إذ أحبها ms118 وأحبته حب ~~الشقيق المخلص لشقيقته المريضة العليلة، وحب الشقيقة لشقيقها الذي لم ~~يتنكر لآصرة القربي، ولم يتزوج «لام»؛ لأن أخته «مارية» لم تتزوج. ~~وكانت في مرضها تحتاج إلى عطف ورعاية، والذي جعل هذا التعاطف بين ~~الشقيق وشقيقته معروفا ومشهورا هو أنهما تعاونا معا على إخراج بعض ~~الآثار الأدبية، ومثل هذا التعاون والتآزر جميل ونادر، حتى ليستوقف ~~النظر ويستقر في الذاكرة ... فتأتي هذه الكاتبة الحديثة التي أخرجت هذا ~~الكتاب الجديد عن «تشارلز لام»، وتأبى إلا أن تطالع العالم بنظرية ~~جديدة في العلاقة بين الرجل وأخته؛ إذ تذهب إلى أنها كانت علاقة جنسية، ~~فقد كان الأخ والأخت معا على شيء من الشذوذ العقلي - وهو شذوذ قد ~~انتهى بهما معا إلى الجنون - فالأرجح أن ينحرف بهما هذا الشذوذ إلى ~~شذوذ جنسي كذلك ... إلى آخر ما قالت في هذا الاتجاه، ونحن لا نقول إن ذلك ~~مستحيل الوقوع، لكننا نعجب: لماذا لا نعلل الأشياء بأسبابها القريبة ~~ولا نلجأ إلى هذا الإغراب في التعليل إلا إذا كانت الحجة قاطعة باترة؟! ~~إننا إذا سمعنا بشقيق وشقيقة يتحابان ويتعاطفان، فأول ما ينبغي أن ~~نعلل به هذا الود بينهما هو العلاقة الطبيعية التي تكون بين أخ ~~وأخته، وقد تزيد قليلا هنا أو تقل قليلا هناك، بل هذا ما تقتضيه شروط ~~البحث العلمي الصحيح؛ إذ يقال لنا في هذا المجال: إنه لو كان لظاهرة ~~ما تعليلان، ورأيت التعليلين كليهما على درجة واحدة من حيث تفسير ~~الظاهرة، إلا أن أحدهما أبسط من الآخر؛ فالتحليل الأبسط هو التحليل ~~الأصدق، وعلى هذا الأساس نفسه نأخذ بدوران الأرض حول الشمس لا العكس في ~~تفسير الليل والنهار، مع أن تعاقب الليل والنهار - وسائر الظواهر ~~الفلكية - يفسره أن تكون الأرض ثابتة والشمس تدور حولها (كما ظن ~~بطليموس)، كما يفسره أن تكون الشمس هي الثابتة، والأرض تدور حولها (وهي ~~نظرية كوبرنيق)، وإنما أخذنا بالرأي الكوبرنيقي؛ لأنه أبسط الرأيين؛ إذ ~~يترتب على مذهب بطليموس تعقيدات في مسارات النجوم لا مبرر لافتراضها ما ~~دام هناك تفسير أبسط يحل لنا ms119 الإشكال. # لو كان الكلام النظري الجميل يجد السبيل هينة ميسرة إلى التطبيق ~~الناجح؛ لما عانت الإنسانية كثيرا جدا مما تعانيه. فما أجمل أن يجلس ~~أفلاطون في الأكاديمية ليكتب جمهورية يكون فيها الحكم لأصحاب العقول ~~الراجحة وحدهم! وتكون بين الناس مساواة تامة في الفرص وما إلى ذلك من ~~كلام منسق جذاب، لكن الكلام شيء والتطبيق شيء آخر. وإنما يكون ~~الأمر كذلك؛ لأن الكلام النظري يتجاهل ألوف الألوف من التفصيلات، لكن ~~هذه التفصيلات كائنة واقعة في الحياة الحقيقية، فإذا ما أردت التطبيق ~~وجدت الفرق واضحا بين سهولة القول الذي يلخص الواقع تلخيصا موجزا ~~شديد الإيجاز، وبين هذا الواقع المركب المعقد الذي لا تكاد تحصى ~~عناصره. # لقد قرأ قارئ مرة في إحدى المجلات أن الإنسان لو نظر بحدة إلى ~~عيني قطة، فسرعان ما تنام القطة نوما «مغناطيسيا». وأحب صاحبنا أن ~~يجري هذه التجربة اللذيذة؛ فأتي بقطة ووضعها على منضدة أمامه، وجعل ~~ينظر إليها نظرا مركزا حادا، لا يتحول عنها، وجعلت القطة تنظر إليه ~~بدورها - ولعلها كانت تعجب في نفسها من هذا المجنون! - حتى ملت القطة ~~طول النظر؛ فمدت كفها في سرعة خاطفة، وخدشت عيني الرجل خدشة خطيرة، ~~وانصرفت لحالها ... قد يكون الذي كتب هذا الخبر عن القطة وتنويمها صادقا ~~فيما روى، لكن القطط مختلفات والرجال مختلفون؛ فمن القطط ما هو سمين ~~ومنها ما هو هزيل ومنها ما هو جائع ومنها ما هو ممتلئ، وهكذا! وكذلك ~~قل في الرجال وسعة حيلتهم أو ضيقها وقوة نظراتهم أو ضعفها إلى آخر ~~ما بين الأفراد من فروق، لكن النظرية تلخص هذه الفروق، بل تهملها ~~إهمالا، مع أنها قوام الواقع ونسيجه، ومن هنا كان التفكير النظري ~~شيئا وتطبيقه شيئا آخر. # ولعلي تلقيت في ذلك درسا هو بين دروس الحياة أمرها وأقساها؛ فقد ~~كنت أرى في المرأة المصرية رأيا حدا بي إلى الكتابة مرة بعنوان ~~«النساء قوامات»؛ لأني رأيت - نظريا - أن المرأة المصرية أصدق ~~نظرا وأصح رأيا من الرجل المصري، ناسيا بذلك ما بين الأفراد من ~~فروق ... حتى علمتني ms120 الحياة درسها القاسي، وهو أنها في واقعها أعقد ~~جدا من أن تلخصها النظريات في أقوال موجزة مبسطة. # | بين الأماني والواقع # «الأحلام أفضل من تحقيقها» هذه عبارة يقولها الإنجليز، مع أنهم - أو ~~إن شئت فقل لأنهم - من أكثر شعوب الأرض تمسكا بالواقع وانحصارا في ~~نطاقه، حتى جاءت فلسفتهم متميزة من سائر الفلسفات باتجاهها الواقعي ~~الصريح؛ فهم إذ يقررون ويكررون أن الأحلام أفضل من تحقيقها، فهم ~~إنما يقررون ويكررون حقيقة نفسية هي نفسها جزء من الواقع الذي لا ~~مفر من الاعتراف به، لمن أراد ألا يشطح مع أوهامه؛ حتى لا تمس هذه ~~الأرض الصلبة في كثير أو قليل. # فمن الحقائق النفسية الواقعة، أن الإنسان يظل يزخرف لنفسه الأشياء ~~ما دامت بعد في حدود الأمل، حتى إذا ما أخرجها - أو أخرجت له بفعل ~~الظروف - واقعا ملموسا؛ هانت في عينيه، وخف وزنها على كفيه! ~~لماذا؟ لأنه في أحلامه يطبخ لنفسه الطبخة كما يشتهيها، فيحذف عنصرا ~~ويبقي عنصرا؛ حتى لا يقدم لنفسه إلا كل طيب مستساغ. وأما ~~الواقع حين يتبدى له، فيقدم له صحاف الطعام مزيجا مما يشتهي وما ~~لا يشتهي، وعندئذ لا يجد صاحبنا مهربا من إبر النحل إذا أراد ~~العسل، ولا منجاة من الشوك إذا التمس الزهور. # وأقرب ما يرد إلى الخاطر من أمثلة على ذلك، هو هذه الفتاة أو هذا ~~الفتى، يظل يحلم بحبيبة قلبه التي ستملأ له الدنيا سعادة وبشرا، حتى ~~إذا ما جاءت هذه الحبيبة؛ خاب الرجاء في كثير جدا من الأحيان، ووجد ~~الجنة المرتقبة جحيما وسعيرا؛ لأنه وهو يحلم، رسم الجانب البراق ~~ونسي الجانب المعتم. ويستحيل أن يكون واحد بغير الآخر، إنه وهو يحلم ~~رسم الحبيبة وهي في عافيتها تثب وتطفر، ونسي صورتها وهي عليلة ~~طريحة الفراش. رسمها وهي ضاحكة مرحة، ونسي صورتها وهي عابسة ~~متجهمة، رسمها وهي مكتسية بالثوب الجميل، متحلية بزينتها ~~فواحة بعطرها، ونسي صورتها وهي تلزمه شراء ذلك الثوب وهذه ~~الزينة وهذا العطر. وقل ذلك وأكثر منه في الفتاة وهي حيرى بين فتى ~~أحلامها والفتى الذي ms121 جاءها به الواقع. آه لو لم يكن أسمر! لولا هذه ~~الشعرات البيض في فوديه! لو كان أغنى قليلا مما هو! ماذا لو كان ~~بغير أم وأخوات؟ ... هكذا ظلت فتاتنا تنظر إلى الفتى الواقع في ~~حسرة على فتى الأحلام! # على أن الإنسان مضطر بحكم ضرورة العيش إلى نسيان أحلامه ليقبل ~~الحقائق كما جاءته، إلا إذا كانت الفجوة أعمق وأوسع من أن تلتئم ~~وتنمحي في غير عسر ولا مشقة. وعندئذ تجذب الأحلام صاحبها إلى ~~صومعة بعيدة يعتزل فيها لينجو بنفسه من الحقائق المرة الأليمة، فلو ~~رأيت زاهدا قد انتبذ إلى صومعة قصية نائية؛ فلا يخدعنك الهدوء ~~البادي على وجهه، واعلم أنه على هدوئه ذاك يخفي في صدره ثورة متأججة ~~على الحياة الواقعة كما لمسها بين الناس ورآها. ولا عجب أن نرى بعض ~~الحكام المستبدين في الماضي يوجسون من أمثال هؤلاء الرهبان ~~الزاهدين خيفة، ويتعقبونهم بالأذى؛ لأن مجرد وجودهم دليل حي ناطق ~~أمام الناس على نقص الواقع وبعده عن الكمال الذي تتعلق به أحلام ~~الحالمين. # ولئن كان هذا الضرب من الفرار من وجه الحقائق قليلا نادرا لا ~~يستطيعه إلا نفر معدود؛ فهناك ضروب أخرى شائعة يلجأ إليها سواد الناس ~~كل يوم، منها قراءة القصص. فلسنا على صواب إن زعمنا أن الإنسان يحب ~~قراءة القصة - أو الأدب بصفة عامة - إذا كان فيه تصوير نفسه، بل ~~العكس؛ كثيرا ما يكون هو الصواب، فتعجبك القطعة الأدبية بمقدار ~~بعدها عن تصوير نفسك؛ فلو أخذت تقص أخبار الفقراء على فقير لما ~~أعارك أذنا ولا احتفل لحديثك؛ لأنه منقوع في الفقر، ولا يثير ~~انتباهه شيء هو منغمس فيه إلى أذنيه، لكن قص على الفقير كيف يعيش ~~الأغنياء في قصورهم يرهف لك الأذن؛ لأنه يحب أن يعلم كيف تدور ~~الحياة في هذا العالم البعيد. وكذلك يحب القعدة أن يسمع قصص المغامرين، ~~ولا يشوق المصري أن يسمعك تحدثه عن المصريين بقدر ما يشوقه أن ~~يسمع نبأ رحلة بين أهل الصين ... وإذن، فطريق الفرار قد أصبحت واضحة ~~أمام من خيبت حقائق الواقع ms122 أحلامه، فليقرأ قصة فيها حياة تشبه ~~هاتيك الأحلام الرائعة، وهكذا يفعل الناس. # وليس كل الفرار من الحقائق البغيضة يتم على هذا النحو العملي الذي ~~وصفنا، بل هناك من تخيب أحلامه فينطوي على نفسه. وحسبه بذلك فرارا، ~~فلا هو من الهمة بحيث ينسحب إلى دير بعيد، ولا هو من هواة القصص ~~يهرب فيها من دنياه الواقعة، فأقل ما يستطيعه هو أن يغلق أبواب نفسه ~~على نفسه ويظل يجتر أحلامه كما يجتر الجمل طعامه المخزون إذا ~~عز الطعام في عرض البادية. وكم رجل وامرأة ممن ترى حولك لا يعيشون ~~مع الناس بقدر ما يعيشون في نفوسهم! أولئك لم يستطيعوا سد الثغرة ~~التي تباين بين الحقائق والأحلام. # وإذا كان لكل فرد منا حقائقه وأحلامه جنبا إلى جنب، فمراحل العمر ~~- بالإضافة إلى ذلك - تختلف من حيث رجحان كفة هذه أو تلك، في الشباب ~~ترجح كفة الأحلام بصفة عامة، وفي الرجولة المكتملة والكهولة ترجح كفة ~~الحقائق بصفة عامة كذلك؛ فقلما يستطيع الشاب الفياض بغمرة الحياة ~~الدافعة أن ينظر إلى الواقع، ثم يقف عند هذا الحد لا يعدوه، بل ~~تراه - بغير وعي منه - يضفي على ذلك الواقع ألوانا زاهية من عنده؛ ~~ولذلك قل أن تجد شابا يائسا. وفيم اليأس ما دام خياله كفيلا أن ~~يكمل النقص الذي أصاب الواقع؟! # وأما إذا نضجت الرجولة - أو الأنوثة - في إنسان؛ فهو يزداد حصرا ~~لنظره في نطاق الحقائق، فكأنما كان وهو شاب زوبعة من دخان لا تمكن ~~العين من رؤية الحطب المشتعل، فلما تقدمت سنه انجلى ذلك الدخان شيئا ~~فشيئا وتبلورت النار في جمرات محددة المعالم، وهي إلى أن تحدد ~~معالمها بالقياس إلى الحطب أول اشتعاله؛ أحمى نارا وأشد فعلا ... ~~وأقصد بذلك أن الرجل القادر على رؤية الحقائق بعيدا عن غفوة الأحلام ~~أخصب إنتاجا من الشاب الذي تعميه أحلامه عن رؤية الحقائق في وضوح ~~وجلاء، ومن ثم كان أكثر زعماء العالم في شتى نواحي النشاط رجالا أو ~~كهولا، وندر جدا في التاريخ من أنتج إنتاجا غزيرا وهو لم يزل في ms123 ~~صدر شبابه الحالم: التجار ورجال الأعمال وأصحاب البحث العلمي وقادة ~~الجيوش وساسة الحكم، ثم الفلاسفة والأنبياء؛ معظمهم رجال تجاوزوا سن ~~الشباب. # على أنه لا مناص للإنسانية في سيرها من شباب يحلم وشيوخ يلجمون ~~الأحلام بالحقائق الواقعة، أو إن شئت فقل: لا بد لها من قلب يحس ~~وعقل يفكر. # | من وحي العزلة # في هذه الغرفة التي أسكنها في الطابق السادس من البناء، معتزلا ما ~~استطعت إلى العزلة سبيلا، جلست في مساء ما بعد أن جاوز الليل نصفه، ~~وهدأت المدينة في نعاس حالم، فلم أكن أسمع إلا حفيف السيارات آنا ~~بعد آن، وإلا حركة المصعد حينا بعد حين ... جلست وحدي في هذه الغرفة ~~العالية بعد أن جاوز الليل نصفه، وكان القمر ينشر غلالة شفافة رقيقة ~~على صف من العمائر المتلاصقة، فرأيتها أمامي مفضضة الصدور ~~معتمة الأسافل، كأنها صف من عمالقة الجن توحي للإنسان ما توحي، ~~فخيل إلي عندئذ أني من غرفتي تلك في برج من هاتيك الأبراج التي ~~يقال إن أصحاب الفكر يعتصمون بها من ضجة الحياة وصخبها، لولا أني ~~أحسست أن البرج لم يكن من عاج! # في ذلك الهدوء الساكن الحالم، ألقيت على نفسي سؤالا: هل يمكن أن ~~تكون هذه الطبيعة الوديعة «مخضبة بالدماء نابا ومخلبا» - كما يقول ~~تنسن، شاعر الإنجليز فيما أذكر؟ هل يمكن أن تكون هذه الطبيعة - التي ~~تراها الآن نائمة وساهمة - مليئة بأنواع التنافس والتناحر والتقاتل ~~والتنازع، حتى ليقال إن الحياة ليست إلا قتالا متصلا بين أفراد ~~النوع الواحد من جهة، ثم بين الأنواع الحيوانية المختلفة من جهة أخرى؟ ~~هل صدق «دارون» حين صور وجه الأرض معتركا لا تنفك الكائنات الحية ~~فيه ناشبة الأنياب والأظفار بعضها في بعض، بحيث لا يكون بقاء إلا ~~للأقوى، حتى أوحى بوصفه هذا إلى الشاعر الإنجليزي الذي عاصره أن يتغنى ~~قائلا: إن الطبيعة «مخضبة بالدماء نابا ومخلبا»؟ أم أن الحياة ~~قوامها التعاون والتساند والتآزر؟ ... بعبارة أخرى: هل الحياة في صميمها ~~حب أم قتال؟ # لو كنت ألقيت هذا السؤال على نفسي منذ شهرين، لوجدت ms124 من الظروف التي ~~كانت تحيط بي عندئذ ما ينطق لساني بالجواب السريع الصريح، وهو أن ~~الحياة لحمتها قتال، وسداها قتال، ونسيجها قتال، وأولها قتال ~~وآخرها قتال. فقد كانت الحياة عندئذ تبدو في ضوء خبرتي «مخضبة ~~بالدماء نابا ومخلبا»؛ لأني رأيت الناس يكاد يأكل بعضهم بعضا من ~~تسابق وتنافس. # لكني حين ألقيت هذا السؤال الآن، في هذه العزلة الساكنة الهادئة التي ~~تجنب الإنسان اضطراب الخواطر وثورة المشاعر، أراني في عجب كيف يخفى ~~على عين الرائي ما في الحياة من تعاون إلى جانب ما فيها من تنازع ومن ~~حب إلى جانب ما فيها من قتال؟! # كيف يخفى على عين الرائي اتصال الجنين بأمه وهو بعد في أحشائها قطعة ~~منها تحييه بدمها وتغذيه بغذائها تأكل له وتتنفس له وتمرض له؟! ثم ~~كيف يخفى على عين الرائي اتصال الوليد بأمه وقد فصل عنها وأصبح كائنا ~~عضويا قائما بذاته، لكنه لم يزل معتمدا في بقائه عليها، ترضعه ~~حبا، وترعاه حبا، وتفنى في سبيله حبا؟ أفي هذا كله تنازع على ~~البقاء أم تعاون في سبيل البقاء؟ # كيف يخفى على عين الرائي منظر الدجاجة تنشر جناحيها لأفراخها، ~~فتقيها بنفسها وتحميها بجسدها، ومنظر الحمامة تضع الحب في مناقير ~~صغارها، ومنظر الطير يسير في الفضاء أسرابا أسرابا، والغنم تلتئم ~~قطعانا؟ أفي هذا كله تنازع على البقاء أم تعاون في سبيله؟! # دلني في هذه الدنيا العريضة على كائن واحد من أي نوع شئت عاش ~~حياته مستقلا بذاته! إنه ليكفي الكائن الحي أن يحتاج إلى أبوين ~~ينسلانه لنقول عنه إنه جاء نتيجة التعاون والتعاطف والحب ... والإنسان ~~بصفة خاصة تراه إذا ما فرغ من مرحلة اعتماده على غيره من الناحية ~~الفسيولوجية قد استبدل بذلك اعتمادا آخر في وسائل عيشه ومقومات حياته؛ ~~فمحال أن تقوم للإنسان قائمة بغير معونة الآخرين. # إن الكاتب الإنجليزي «دي فو» حين أراد أن يعلم إلى أي حد يمكن ~~للفرد أن يعيش بمعزل عن سائر الناس، كتب قصته الشهيرة «روبنسن كروسو» ~~التي جعل فيها «روبنسن» هذا تنقطع به الطريق ms125 في جزيرة خالية، فراح يبني ~~لنفسه الكوخ ويطهو لنفسه الطعام ويعد لنفسه الثياب، لكن في هذا ~~مغالطة كبرى؛ لأنها توهم القارئ أن روبنسن، استطاع فعلا - ولو إلى ~~حين - أن يعيش بغير معونة الآخرين، ناسيا أنه حين انقطعت به الطريق في ~~الجزيرة كان قد امتلأ رأسه بأفكار وذكريات استمدها من المجتمع الذي ~~كان يعيش بين ظهرانيه قبل أن يعتزل ... وعلى كل حال فقد اهتدى «دى فو» ~~بسلامة تفكيره إلى خاتمة جميلة يختم بها قصته؛ إذ جعل «روبنسن» يسعى ~~إلى العودة إلى بلاده، ولم يكد يرى سفينة على بعد حتى لوح لها، ~~فعرجت عليه وأقلته؛ مما يعني أن الفرد مصيره إلى المجتمع أولا ~~وآخرا. وإذا قلنا «المجتمع» فقد قلنا التعاون؛ لأن قوائم المجتمع بغير ~~تعاون تندك بين عشية وضحاها. # على أننا لم نعد نحيا في عصر التخمين والضرب في مجاهل الفروض النظرية ~~الخيالية. لم نعد نعيش اليوم في عصر تكون فيه الكلمة للأديب وخياله، ~~إنما عصرنا عصر التجارب العلمية، والكلمة الفصل فيه أصبحت للعالم في ~~معمله. فإذا أردنا أن نعلم هل يستطيع الكائن الفرد أن يحيا حياته سليمة ~~قوية بغير معاونة زملائه له أو لا يستطيع؛ فلا تكون وسيلة ذلك أن يكتب ~~كاتب مثل «دى فو» قصة «روبنسن كروسو»؛ ليرسل خياله فيما يمكن أن يقع ~~لرجل يعيش وحده بعيدا عن الناس، بل لا تكون وسيلة ذلك أن يجلس فيلسوف ~~جلسة أرسطو، ويضع سبابته على جبهته ليتأمل هل الإنسان حيوان اجتماعي ~~بطبعه وفطرته أو أن اجتماعه بغيره عادة مكتسبة ونظام موضوع، كان يمكن ~~أن يكون أو ألا يكون. # لا، لم نعد نعيش في عصر يسوده تأمل الفيلسوف ولا خيال الأديب، لكننا ~~نعيش في عصر العلماء والمعامل، وأصبحت الكلمة للمعامل وحدها، ~~وللأنابيب والمخابير وحدها. # وهذا هو عالم يخضع المشكلة للتجارب العلمية، فإذا التجارب ناطقة ~~بأن عزلة الفرد عن أبناء نوعه فيها القضاء عليه، وبأن تعاون الفرد مع ~~أبناء نوعه أمر محتوم لبقائه. وإنما أردت بذلك العالم «أولي» في كتاب ~~له عنوانه «جماعات الحيوان»، بين ms126 فيه بمنطق العلم التجريبي، كيف ~~تزداد قدرة الكائن الحي على البقاء كلما ازداد حوله عدد الأفراد من ~~نوعه، وكيف تقل قدرته على البقاء من الناحية البيولوجية كلما قل عدد ~~هؤلاء الأفراد أو اعتزل. # فالحيوان إذا عزل عن زملائه - هكذا دلت التجربة العلمية التي أجراها ~~«أولي»- حيل بينه وبين النمو السوي السليم، أو أصاب جثمانه تلف، أو ~~هلك. بينما الحيوان الذي يسمح له بالعيش بين أفراد نوعه يكبر حجما ~~وتسرع استجاباته لمثيرات البيئة، وتلتئم جروحه في وقت أقصر، ويتغلب على ~~صدمات لا يتغلب عليها الحيوان المعتزل. # مثال ذلك: جاء العالم في تجاربه بفريق من الدود، وسلط عليه أشعة فوق ~~البنفسجية وهو مجتمع، ثم سلط نفس الأشعة على الديدان منفردة، فوجد أن ~~الدودة أسرع إلى التحلل والفناء في انفرادها عنها في اجتماعها مع ~~زميلاتها. وأعاد عالمنا التجربة بأشكال مختلفة، فسلط الأشعة القاتلة ~~على مجموعة الديدان، ثم رفع عنها الأشعة وترك الديدان مجتمعة؛ ليرى بعد ~~كم دقيقة تموت، وأعاد نفس التجربة فسلط الأشعة القاتلة عليها، ثم رفعها ~~عنها وفرق الديدان بعضها عن بعض بحيث تحيا كل منها في عزلة عن ~~زميلاتها، ووقف يرقب ليرى بعد كم دقيقة تموت؛ فوجد أن الديدان في هذه ~~الحالة الثانية تموت أسرع جدا من الديدان في الحالة الأولى. # ومن تجاربه أيضا أنه وضع مجموعات من السمك الذهبي عشرات عشرات في ~~سائل قمين أن يقضي على حياته. ووضع أفردا من السمك نفسه في السائل ~~نفسه، فوجد أن السمك وهو مجموعة يستطيع البقاء في السائل المميت مدة ~~أطول جدا مما تستطيع تلك السمكة، وهي بمعزل عن أخواتها. وأعاد ~~التجربة عينها في صور مختلفة، فجعل يضبط الكمية اللازمة من هذا السائل ~~لقتل السمكة وهي منفردة، ثم يضع كميات مساوية من السائل لأسماك مجتمعة ~~فلا تموت، ومعنى ذلك أن ما يكفي لفناء الفرد وهو معتزل؛ لا يكفي لفنائه ~~وهو عضو في جماعة. # وهكذا مضى «أولي» في تجاربه المتعددة المتنوعة، وكان دائما يصل إلى ~~النتيجة عينها، وهي أن اجتماع الفرد في حياته مع زملائه ms127 (على شرط ألا ~~يزيد عدد الأفراد المجتمعة عن حد معلوم) عامل قوي في المساعدة على ~~البقاء من الوجهة البيولوجية. # وما تقوله عن الديدان والأسماك؛ قل أضعاف أضعافه عن الإنسان. ولسنا ~~بذلك ننكر ما في الحياة من تنافس وصراع، لكن نكبة النكبات أن ننظر إلى ~~الصورة من أحد وجهيها، ثم ننكر الوجه الآخر الذي لم نوجه إليه النظر ... ~~نعم إن بين الأفراد والأنواع تنازعا على البقاء، ولكن إلى جانب ذلك ~~حقيقة لا سبيل إلى نكرانها، وهي أن هنالك كذلك تعاونا في سبيل ~~البقاء. # وتعاونك مع الناس لا يكون وأنت معتزل ... # هذه خواطر أوحت إلي بها عزلتي في غرفتي حينا من زمان، وإن كان ~~المريض أصدق الناس حديثا عن فضل العافية، وإن كان الجائع أولى الناس ~~بالقول في نعيم الشبع؛ فقد يكون المعتزل أبصر الناس بضرورة التعاون مع ~~سائر الناس. # | الطير الذي طار وارتفع # يعجبني من الأديب أن يكذب، فإذا أكذوبته سارية في الناس جيلا بعد ~~جيل، ترددها الألسنة فتنة بسجعها وإعجابا بوقعها في المسامع، دون أن ~~يتمهل عندها متمهل، لينكت معناها نكتا، فيهتدي إلى مدى ما ~~فيها من خطأ أو صواب. ولو كانت أكاذيب الأدباء التي تجري في الناس مجرى ~~الأمثال، يقتصر شرها على دورانها في الأفواه، ورنينها في الأسماع؛ لهان ~~خطبها، لكنها كثيرا ما تؤثر في سلوك الناس، فيضلون سواء السبيل، من ~~حيث يريدون لأنفسهم هداية ورشدا. # فقد زعم للناس أديب - لست أدري من هو، ولا في أي زمن عاش - أنه «ما ~~طار طير وارتفع، إلا كما طار وقع» فانساق الناس بقوله المسجوع انسياقا ~~أعماهم عن مدى الصواب فيما زعم، فكلما هوى في المجتمع نجم بعد سطوع، ~~وكلما ذوت أمة بعد ازدهار، هزوا رءوسهم ومصوا شفاههم، وقالوا ~~مع الأديب: «ما طار طير وارتفع، إلا كما طار وقع.» # وكنت كذلك أهز رأسي، وأمص شفتي اعتبارا واتعاظا، وأقول حكمة ~~الأديب مع القائلين، حتى كان أمس ... جلست وأسندت رأس على مقعدي و«سرحت»، ~~وأخذتني نزعة من الحسد - ألا ما أضعف طبيعة الإنسان! - إذ طاف ms128 برأسي ~~فلان، وأخذت أتعقب خطواته في الحياة وخطواتي، فرأيته يخطو خطوات ~~الجبابرة، ورأيتني أكبو وأتعثر؛ فقد فرغنا من الدراسة معا، وسرنا ~~فيما يشبه أن يكون طريقا واحدا، لكنه كاد يشرف على القمة، وما ~~أزال ألهث في ربع الطريق! عندئذ جاءتني حكمة الأديب على سبيل العزاء: ~~إنه ما طار طير وارتفع ...! # ولم ألبث أن أتبين كم أنا غر ساذج أتلهى بالأكاذيب! ... إن الطير ~~هذه المرة في ارتفاع دائب، ولا ألمح فيه علامة تنبئ بسقوط. إنه صاعد ~~أبدا ... إن الذروة قد باتت منه قريبة دانية ... لقد كذب الأديب صاحب ~~الحكمة. # لكن من يدري؟ لعل الأديب الذي أذاع في الناس هذه السجعة معذور؛ لعله ~~لم يرد بالناس كذبا ولا تضليلا، وإنما أراد أن يسجل ما ظن أنه ~~الحق، فلم تقع عينه على طير طار إلا وعاد إلى الهبوط بعد حين قصير أو ~~طويل؛ فمهما أوتي الطير من قوة الجناحين وصلابة الريش، فهو لا يستطيع ~~أن يظل محوما في الفضاء إلى أبد الآبدين، فلا بد له من عودة ~~إلى الغصون أو السقوف أو إلى هذه الأرض، يلتمس هنا أو هناك لنفسه ~~مستقرا يلوذ به، وكنا يأوي إليه ولو إلى حين، لعل أديبنا لم ~~يرد بالناس كذبا ولا تضليلا حين قال ما قال، وإنما أراد وصفا ~~للواقع الذي يشهده في كل حين. والذي أخطأ هم الناس حين طبقوا قول ~~الأديب على شتى أوضاع الحياة؛ فظنوا أن ما يصدق على الطير يصدق كذلك ~~على الآدميين أمما وأفرادا. # فمن أبشع مصادر الخطأ الإنساني، وأفظعها خطرا، المماثلة بين شيء ~~وشيء، بحيث نطبق على الثاني ما يصدق على الأول لشبه بين الشيئين في ~~وهمنا وخيالنا، ثم نتصرف على هذا الأساس ... فالحكومات الاستبدادية التي ~~أظلت أوروبا منذ عهد قريب، إن هي إلا نتيجة هذا الخطأ، ولأن الفرد من ~~الناس كائن عضوي. والمجتمع يشبه الفرد، فلا بد أن يكون المجتمع ~~كائنا عضويا كذلك، وما دام الكائن العضوي يتسم بوحدة تمسك الأعضاء، ~~بحيث لا يجوز لعضو أن يتصرف بما لا يتفق مع ms129 تصرف سائر الأعضاء؛ فكذلك ~~الأمة لا ينبغي للفرد منها أن يعارض بسلوكه أو بفكره ما تواضع عليه ~~سائر الأفراد، ومن الحكم؟ هو العقل في الفرد، وهو الدولة في المجتمع، ~~فما تحكم به الدولة قضاء مبرم لا راد له، وليس فيما تنطق به ~~الدولة خطأ يصحح أو كذب يرد إلى صواب. # والخطأ كله هنا مصدره المماثلة بين المجتمع والفرد، ولا تماثل هناك ~~إلا في وهم الإنسان، فلو قلنا لهؤلاء الذين يعتقدون الشبه بين المجتمع ~~والفرد، ويفرحون بهذا الشبه، ويستنتجون منه النتائج الخطيرة البعيدة ~~المدى، لو قلنا لهم: إن للفرد شعرا وأظفارا، فأين الشعر والأظفار في ~~المجتمع؟! ضحكوا من جهلنا، وقالوا: ما هكذا تكون المشابهة بين الشيئين، ~~وإنما يشبه الشيء بالشيء في الصفات الجوهرية التي هي كيت وكيت ... ~~وكأنما فاتهم هم في هذا الموضوع أن الصفة تكون جوهرية لمن ~~أرادها! # وكذلك ترى من أصحاب الفكر من يمضون في تشبيه المجتمع بالفرد إلى حد ~~أن يقولوا: إن الفرد له طفولة وشباب وشيخوخة بعدها يموت، وكذلك حال ~~المجتمع، فلكل مجتمع طفولته، وشبابه وشيخوخته ... وعلى ذلك المنطق لا ~~يترددون في الحكم على الأمم، فتراهم يقولون - مثلا - إن هذه الأمة ~~الفلانية قد طال بها العهد وهي في أوجها؛ ولذا فلا بد أن تكون قد ~~هرمت، ولا ينتظر لها إلا الفناء القريب ... وربما رتبوا على ذاك التفكير ~~نتائج عملية تمس سلوكهم. ~~••• # هذا مثل واحد أسوقه لأبين به كيف يتعرض الإنسان للخطأ حين يبني ~~نتائجه على تشبيه شيء بشيء. وإنما سقت هذا المثل استطرادا في ~~الحديث، وما أردت في الواقع إلا أن أذكر للقارئ حالة على وجه التخصيص، ~~وهي أن الطير إذا كان لا بد له أن يقع بعد ارتفاع، فما كذلك ~~الإنسان؛ فصفحات التاريخ مفعمة بالشواهد على أن الرجل من الناس قد ~~يرتفع ويرتفع في غير نقوص ولا انتكاس، بل يظل يرتفع حتى بعد موته! وإلا ~~فحدثني متى وقع شيكسبير بعد صعوده في أجواز الفضاء؟ لقد ظل الرجل يعلو ~~ثم يعلو، وها هو ذا لا يزال في ms130 أنظارنا يعلو! وحدثني متى وقع «فورد» ~~بعدما أصابه من نجاح في عالم الأعمال؟ ومتى سقط نيوتن أو أينشتين؟ وقل ~~مثل هذا في كثير جدا من نوابغ الإنسانية في كل جانب من جوانب ~~حياتها. # إننا على وجه الإجمال أمة متشائمة، تعطف على العاجز أكثر مما تصفق ~~للقوي الناجح. إن أسماع الناس لا تطمئن إليك إذا زعمت لهم أن الإنسان ~~ذو قدرة وجبروت، وأنه يحاول أن يمضي قدما في غزو الطبيعة حتى يغزوها ~~ويقهرها، لكن اضرب لهم على وتر الضعف والإخفاق. وقل لهم: من ذا يكون ~~هذا الإنسان المسكين؟ إنه ضئيل هزيل، لن يبلغ من فهم الكون شيئا يسمن ~~أو يغني؛ يصفقوا لك إجلالا وإكبارا. # وهذا هو - في أغلب الظن - ما يدعوهم إلى التجهم لك إذا زعمت لهم أن ~~الطير القوي قد يظل محلقا في أعلى أجواز السماء إلى الأبد؛ لأنهم لا ~~يريدون لرفعة إنسانية أن تتصل وتستمر. ولا يحبون شيئا بمقدار ما يحبون ~~لهذا الطائر المحلق في حصون الجو أن يسقط مهيض الجناح محطم ~~الريش، جزاء ما طمع وما طمح. # إننا على وجه الإجمال أمة تنطوي على كثير من الذلة والانكسار، وصدق ~~من لاحظ أن بين نظراتنا ونظرات الغربيين فرقا في البريق واللمعان! ~~فعين الأوروبي مفتوحة تلمع وعين الشرقي مكسورة تنم عن كثير من ~~الشعور بالضعف ... ولعل أول شروط الحياة الناجحة أن تثق بالقدرة على ~~تحقيقها؛ فلن تشق أجواز الفضاء بجناحيك إلا إذا وثقت منذ البداية أن ~~ارتفاعك لا يعقبه سقوط. # | المتفرج واللاعب # كثيرا ما يقال إن هذه الحياة مسرحية، وهؤلاء الناس ممثلوها، والحق ~~أن الحياة والمسرحية شبيهتان إلى حد بعيد، فليس يقتصر الأمر فيما ~~بينهما من أوجه الشبه على الظواهر التافهة، كأن يقال مثلا: إن ~~الحياة لها - كما للمسرحية - ستار يرفع ساعة الميلاد بصرخة ويسدل ~~ساعة الختام بشهقة خفيفة ينتهي بها كل شيء، أو أن يقال إن في الحياة - ~~كما في المسرحية - فصولا ومشاهد؛ فهذه طفولة لاهية، وهذا شباب مندفع، ~~وتلك كهولة تنضج عندها ثمرة العمر نضجا قد يشوبه شيء ms131 من العطب فتسقط، ~~كما يسقط البطل في نهاية المأساة سقوطا ينسدل بعده الستار. # كل هذا شبه صحيح، لكن ما هو أعمق منه من أوجه التشابه بين الحياة ~~والمسرحية؛ هو أن الإنسان في الحياة - كاللاعب في المسرحية - يحصر نفسه ~~في «دوره» حصرا؛ فلا تتوقف إجادته له على معرفة العلاقة بين ما يقوله ~~أو يفعله، وبين ما يقوله أو يفعله سائر اللاعبين. ولو قد ارتفع بنظره ~~لينظر إلى الأوضاع كلها نظرة تقرن بعضها إلى بعض، كما ينظر إليها ~~مؤلف المسرحية، أو كما ينظر إليها المتفرج؛ إذن لتغيرت قيم كثيرة ~~للأشياء في عينه وتقديره. # إن من يلعب دور العظيم في الحياة - كالذي يلعبه في المسرحية - قد لا ~~يكون عظيما بالقياس إلى شخص آخر من أشخاص الرواية، إذا نظر إلى ~~الشخصين نظرة مقارنة تحلل وتوازن، وهي النظرة التي ينظر بها المؤلف ~~أو المتفرج الناقد، لكنه عظيم في ظن نفسه، لأنه- كما قلت - يحصر نفسه ~~في دوره حصرا، لا يتيح له أن يمد النظر إلى ما وراء ذلك من أشخاص ~~وأحداث. # وإنه لمن أشق الأمور على الإنسان أن يجاوز حدود نفسه، بحيث يجعل من ~~شخصه شخصين: شخصا يلعب دوره في قصة الحياة، وشخصا «يتفرج» بعين ~~الناقد الخبير العاقل؛ ليزن مقدار نفسه بالقياس إلى مقادير الناس ~~الآخرين، غير أن هذا الأمر العسير الشاق قد استطاعه نفر قليل من ~~العباقرة الجبابرة الفحول، فقد يبلغ الرجل من هؤلاء قمة المجد البشري، ~~لكن هذا المجد لا يمنعه من الخروج على نفسه لينظر إليها «من الخارج»، ~~فيزنها بالقسطاس المستقيم وزنا لا يصدر فيه عن التعصب والهوى لنفسه. ~~أقول إن الرجل من هؤلاء قد يبلغ قمة المجد البشري، ثم ينظر إلى نفسه من ~~الخارج، فإذا به يؤثر عليها «دورا» آخر، لا يكون له ظاهر المجد وإن ~~تكن له حقيقته. فهذا بوذا مثلا، كان في مسرحية الحياة الظاهرة صاحب ~~سطوة لا تقاس إليها عند النظرة العابرة أدوار كثيرين من سائر ~~اللاعبين، لكنه خرج من حدود نفسه، وقارن وحلل، فإذا به يؤثر على ~~سطوة ms132 الملك - أو ما في حكمها - دورا آخر يقتضيه أن يكون جائعا ~~عاريا، وطاؤه الأرض وغطاؤه السماء، وقد أثبت الزمان صدق ميزانه؛ ~~لأنه لو آثر وجاهة الإمارة والملك لما أفسح له التاريخ من صفحاته أكثر ~~من سطر أو سطرين. على حين ضمن له ذلك العري والجوع زعامة ألوف ~~الملايين من البشر، وكتب له صفحات من نور في سجل الخلود. # وهذا الغزالي مثلا آخر، أتيح له في مسرحية الحياة أن يلعب دورا فيه ~~كثير من الأبهة والعظمة الظاهرتين، لكنه هو الآخر استطاع أن يتجرد ~~من نفسه لينظر إلى نفسه نظرة موضوعية تمكنه من قياسها إلى غيرها، فإذا ~~دور آخر يستهويه، ليس فيه من جلال المنظر كثير ولا قليل. # نحن في مسرحية الحياة لاعبون، لكل دوره الذي أريد له، أو الذي ~~اختاره لنفسه بما يتفق مع ميله وهواه. ولو قد أتيح للواحد منا أن يكون ~~لاعبا حينا ومتفرجا حينا آخر؛ لهان كثير جدا من الكوارث والخطوب؛ ~~لأن كثيرا جدا من هذه الخطوب وتلك الكوارث منشؤه ما يعيش الناس فيه ~~- أفرادا وجماعات - من أوهام عن أقدار أنفسهم. وإني أعود فأقول إنه ~~ليس من الهينات الميسورة لكل إنسان أن يقف من نفسه موقف المتفرج ~~ليضعها موضعها الصحيح بالنسبة لما عداها، ولو كان ذلك من الهينات ~~الميسورة لكل إنسان، لما طلبت الرحمة من الله لمن يعرف قدر نفسه ~~بالتعيين والتخصيص؛ إذ قيل: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه. ~~••• # على أن الحكمة هي في الموازنة بين اللعب والتفرج؛ فالإمعان في تجرد ~~الإنسان عن نفسه ليتفرج مضر ضرر الإمعان في اللعب بغير وقفة للتدبر ~~والنظر. فلو كان العالم كله لاعبا بغير تدبر الناقد الفاحص المحلل؛ ~~لما اتخذت الأمور أقدارها الصحيحة، ولو كان العالم كله متفرجا لما ~~أنتج شيئا. # وإن سياق الحديث ليدعوني في هذا الموضع أن أستطرد، فأقول: إن ~~اللاعبين في مسرحية الحياة من جهة، والمتفرجين من جهة أخرى؛ قد اختلفت ~~قيمة الفريق منهم بالنسبة لقيمة الفريق الآخر في العصور المختلفة، ~~اختلافا يبعث على التأمل والتفكير. # فقد كان ms133 الناس في الألعاب الأولمبية عند اليونان الأقدمين، ينقسمون ~~فرقا ثلاثا: ففريق ينزل مضمار السباق، وهؤلاء هم اللاعبون وفريق آخر ~~يجلس على هامش الحلبة، وهؤلاء هم المتفرجون، وفريق ثالث لا ناقة له في ~~مضمار اللعب ولا جمل، وإنما ذهب هنالك لينجز ما أراد لنفسه من أعمال ~~تتصل بالبيع والشراء في ذلك المزدحم المائج من الناس ألوانا ~~وأشكالا ، وكانت القيمة الاجتماعية الكبرى للفريق الثاني - فريق ~~المتفرجين - فما كان يجوز لرجل يعتز بكرامته وكرامة أسرته أن ينزل ~~المضمار لاعبا متسابقا، ويتلو هؤلاء في المنزلة فريق اللاعبين؛ فقد ~~كان هؤلاء يظفرون بكثير من المجد في أعين الناس، مهما يكن قدرهم ~~بالنسبة إلى الطبقة العالية المتفرجة. وأما أرباب البيع والشراء، الذين ~~لا هم إلى أولئك ولا إلى هؤلاء؛ فكانوا أدنى الناس قيمة وقدرا. # ويمكن التعبير عن هذا المعنى نفسه بعبارة أخرى، فنقول: إن القيمة ~~الكبرى عندئذ كانت لمن يتدبر ولا يعمل. أو بعبارة ثالثة: كان أصحاب ~~التفكير النظري هم السادة، والعكس صحيح؛ أي إن من علامة السيادة ~~والرفعة أن تقف عند حد التفكير النظري دون أن تجاوزه إلى العمل ~~والتطبيق. ولذا كان أمعن العلوم في التفكير النظري - مثل الرياضة ~~والفلسفة - هي أجدر العلوم بالدراسة عند أبناء العلية. ولا عجب في ~~مثل هذا الجو الفكري أن يدعو فيلسوفهم أفلاطون إلى أنه لا يجوز أن يحكم ~~الناس إلا فيلسوف. ثم لا عجب كذلك أن يقتضي بناء المجتمع عندئذ أن ~~يكون فيه طبقة من العبيد، يوكل إليها العمل اليدوي بأنواعه ~~المختلفة. # وها نحن أولاء نشهد في عصرنا كيف تغيرت الأوضاع، وتبدلت القيمة ~~النسبية للاعبين والمتفرجين، بالمعنى الحرفي والمعنى المجازي على ~~السواء. # فاللاعبون - بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة - قد تفوقوا في قيمتهم على ~~المتفرجين. فأين من يسبح في الماء ممن يقف على الشاطئ متفرجا؟ أين ~~قيمة لاعب الكرة أو المتسابق في الجري والقفز ممن يقرأ أخبار ذلك في ~~الصحف أو يستمع إليها في المذياع؟ # ثم تفوق اللاعبون - بالمعنى المجازي هذه المرة - على المتفرجين، لم ~~تعد القيمة في عصرنا للذي يجلس ms134 إلى مكتبه «يفكر»، بل آلت القيمة كلها ~~لذلك الفريق اللاعب الذي ينزل مضمار الحياة العملية، والجانب السياسي ~~منها بوجه خاص. الكلمة العليا في العالم الآن صائرة، أو قد صارت، لصاحب ~~الحركة والعمل. وأما الذي يجلس اليوم على كرسيه «يفكر»؛ فما أجدره أن ~~يفتح فمه كالأبله؛ ليملأه الزمان ترابا. # فلو سألت نفسي بعد هذا: لماذا أخفقت حين نجح سواي؟ كان الجواب: لأنك ~~جلست تتفرج حين لعب سواك. ~~••• # ولو عدنا إلى تشبيه الحياة بالمسرحية الذي بدأنا به الحديث؛ لقلنا ~~إنه لا تتم حياة كاملة بغير لاعبين ومتفرجين في آن معا، بغير عمل ~~ونقد نظري جنبا إلى جنب، والحكمة كل الحكمة أن تجتمع في الفرد الواحد ~~صفتا اللاعب والمتفرج، ليعمل من جهة ويتدبر طريقه ومنهجه من جهة ~~أخرى، وأن تجتمع في الأمة الواحدة فئة العاملين وفئة المفكرين؛ ~~لتتمم كل منهما الأخرى. # | الصفر النفيس # يقولون في تاريخ الرياضة إن الصفر كان آخر الأرقام العددية ظهورا، ~~ومع ذلك فهو أهمها على الإطلاق. وإذن؛ فهو أكثرها تحضرا وأرقاها ~~تطورا؛ لتأخر ظهوره في عصور التاريخ من جهة، ولهذه الأهمية التي يمتاز ~~بها من دونها من جهة أخرى، كما يقال عن الإنسان - مثلا - إنه أرقى ~~ضروب الحيوان؛ لأنه جاء في مراحل التطور بعدها، ولأنه كذلك أهمها ~~وأخطرها في آن معا. # أما أن الصفر قد كان آخر الأرقام العددية ظهورا؛ فذلك معقول، لأن ~~الإنسان في مراحل همجيته يبدأ بعد الأشياء الموجودة فعلا، ولا يأبه ~~كثيرا أو قليلا بحساب ما هو معدوم ليس له وجود، وهو يريد أن يعرف كم ~~بقرة له: واحدة هي أم اثنتان أم ثلاث؟ وكم زوجة يملك؟ يريد أن يعد ~~الثمار المخزونة والطرائد التي صيدت، والأسرى الذين وقعوا له في ~~القتال، وكل هذا يحتاج إلى أعداد، لا يكون الصفر بينها. # فلما تطور الإنسان على مر الزمان، استوقف نظره العدم كما استوقفه ~~الوجود، فأراد التعبير مثلا تعبيرا حسابيا عما يكون لديه من بقر ~~أو ثمر أو زوجات أو أسرى، حين لا يكون لديه في الواقع من هذا ms135 كله شيء، ~~فاضطر حينئذ أن يخلق «الصفر»، أداة للتعبير عما يريد، فلو قال ~~لزميله إنه يملك «صفرا»، من البقرات أو الزوجات؛ فهم زميله عنه ما ~~أراد. # وأما أن الصفر قد جاء أهم الأرقام العددية جميعا؛ فذلك أيضا واضح ~~إذا ما ذكرنا أنه لولاه لاستحال على الحساب أن يجد أرقاما مقدار ما ~~لدينا اليوم من أعداد، ولاضطر الإنسان تبعا لذلك أن يحصر حسابه في ~~دائرة ما عنده من أرقام. فلولا الصفر؛ لما أمكن للواحد المتواضع أن ~~ينقلب عشرة أو عشرين أو ألفا أو عشرة آلاف أو ما شئت من هذه الأعداد، ~~التي أعرفها أنا وأنت أرقاما على الورق، وقد يعرفها سوانا جنيهات أو ~~ما إليها مما تطيب به الحياة. نعم، لولا هذا الصفر «المسكين» الذي لا ~~يساوي في سوق البيع والشراء شيئا - لأنك لا تشترى بالصفر خبزا ولحما ~~- لولاه لاستحالت عمليات الحساب، التي لها في شئون الحياة العملية ~~والحياة الفكرية، ما لها من خطر. ~~••• # تلك حقيقة أرويها لك باردة لا تجري في عروقها دماء، ثم أضع القلم ~~حينا لأدير البصر في الحياة من حولي، وما تدل عليه أوضاعها من معان، ~~فإذا هذه الحقيقة التاريخية الجامدة قد انتفضت أمامي بغتة كائنا حيا ~~مختلجا نابضا، يمتعني ويفزعني ... وكان المفتاح الذي ضغطت عليه ~~بإصبعي، فانفتحت لي هذه الآفاق الجديدة الممتعة المفزعة هو أني حولت ~~الصفر من أرقام الحساب إلى دنيا البشر! # تخيلت أن هؤلاء الناس من حولي أعداد حسابية، تختلف «قيمة» باختلاف ~~«قدرتها الشرائية»؛ فهذا الرجل واحد، وذلك اثنان، وهكذا حتى وصلت إلى ~~الرجل الذي تكون قيمته تسعة بالقياس إلى من ذكرت. ثم أردت بعد ذلك أن ~~أنتقل إلى من يكون عشرة بين الناس - واضعا أرقام الحساب التي أقيس ~~عليها نصب عيني - فإذا بالأمر يقتضيني في هذا الموضع أن أبحث عن شخص ~~آخر تكون قيمته في الحياة صفرا؛ ليقف إلى جوار سيده، حتى يجعله في ~~الناس عشرة محترمة موقرة ... # وها هنا انفتح أمام عيني هذا الأفق المخيف الرهيب! أيكون هذا صحيحا ~~في عالم البشر ms136 كما هو صحيح في أرقام الحساب؟! أصحيح في عالم البشر أن ~~الإنسان يستحيل أن يعظم ويضخم - بعد حد معلوم - إلا على حساب غيره من ~~«أصفار» الإنسانية الذين لا يساوون في دنيا العيش شيئا؟ أمن أجل هذا ~~إذن قاربت اللغة بين لفظتي العدم والعدم؛ لتدل على أن ما كتب عليه ~~أن يكون صفرا - أي عدما - لا بد له كذلك أن يعيش في عدم ~~وإملاق، ولا عبرة بالحقيقة الواقعة الرهيبة المخيفة، وهي أن هذه ~~الأصفار البشرية هي التي خلقت «عشرات» الرجال و«مئاتهم» ~~و«آلافهم»؟ # إي والله إنه الحق! فقد يستطيع الرجل مثلا أن يزرع أرضه بيديه، ~~وعندئذ لك أن تعده واحدا أو تسعة حسب انفساح الرقعة التي يملك، لكنه ~~إذا ما اتسعت رقعته فوق ما يستطيع زرعه بيديه، اضطر أن ينتقل خطوة ~~في علم الحساب، فيجعل نفسه في خانة العشرات، بأن يضع «إلى يمينه» صفرا ~~أو صفرين أو أكثر حسب ما يقتضيه اتساع ملكه. وعلى هذه الأصفار أن تظل ~~قائمة إلى يمينه، تمده بقيمته الحقيقية، وإلا اندك بناؤه ~~وانهار! # ثم ماذا؟ # تم مضيت في التشبيه إلى آخره، فوجدت الأمر ينتهي إلى خاتمة اطمأنت ~~لها نفسي بعد ضيق، وانبسط لها جبيني بعد عبوس؛ إذ وجدت أن إدراك قيمة ~~الصفر - في علم الحساب - كان دليلا على الرقي في مدنية الإنسان. ~~كان دليلا على الرقي بمعنيين: بمعنى أن هذا الإدراك قد جاء آخرا، ~~وبمعنى أنه كان أداة وسعت الآفاق أمام علم الحساب. # أفيكون الأمر كذلك - يا رباه - في أصفار البشر؟ الجواب: كان ولم يكن، ~~أعني أنه قد تم منه شيء وبقي شيء نرجو له التمام؛ فقد أخذ العالم منذ ~~قريب يعرف للطبقات العاملة - وقد كانت أصفار البشر - قيمتها الحقيقية، ~~أخذ العالم منذ قريب يدرك أنه على الرغم من أن هذه الأصفار البشرية ~~محدودة في قوة شرائها؛ فإنها هي التي تهيئ الأسباب لأصحاب هذه القوة، ~~وأنه إن أراد «الواحد» الذي ارتقى إلى «خانة العشرات» أن يحتفظ بمكانته ~~العددية؛ فلا بد له من المحافظة كذلك على الصفر الذي ms137 يقف إلى جانبه ~~مؤيدا ومعضدا، لكن ما قد تم من الأمر حتى اليوم لا يكفي؛ لأنه إن ~~غير في إدراك القيمة العددية لهؤلاء الأصفار؛ فهو لم يغير بعد في ~~إدراكنا لقيمتهم «النفسية» ... ولا مدنية بغير هذا. # لا مدنية بغير إدراكك أن للصفر البشري قيمة شعورية، وإن أعوزته ~~القيمة في سوق البيع والشراء، وكيف أنسى ما رأيته أمس في غرفة الطعام ~~من الفندق الذي أقيم فيه؟ # جاء ضابط طيار، وجلس إلى مائدة قريبة مني يتناول غداءه. فلما قدم ~~له الخادم طبق الفاكهة، ازور عنه الضابط لعطب رآه - فيما أظن - ~~فوجه إلى الخادم لوما حادا عنيفا (وقد لا يكون في ذلك ما يعاب؛ ~~إذ ربما جاز هذا «للواحد» على «صفره»، الذي جعله عشرة موقرة محترمة) ~~لكن الصفر البشري المسكين هم بالجواب، فثارت ثائرة الضابط الطيار؛ ~~لأن خادما أراد الجواب، وأمره أن ينادي «الخواجة»؛ لأنه لم يتعود أن ~~يجادل الخدم. # وددت أن يعلم القارئ عن هذا الخادم ما أعلمه؛ فوالله ما وقعت عيني ~~عليه مرة إلا وتذكرت قصيدة «جراي» الخالدة التي وقف فيها وسط قبور ~~الفقراء في فناء الكنيسة يسائلهم: ترى كم منكم من كان يعدل فحول ~~الشعراء وجبابرة القادة والعلماء لو أسعفته الظروف؟! # إن المسكين «صفر» في سوق البيع والشراء، ولسوء حظه أن الضابط الطيار ~~لم يبلغه أن الإنسانية منذ قرون طويلة قد فرغت من الكشف عن قيمة الصفر ~~في علم الحساب؛ فرأته أكثر الأرقام العددية حضارة، وأهمها منزلة وقيمة ~~... وإنه لم يبق إلا أن تعترف الإنسانية كذلك بما للأصفار البشرية من ~~خطر وقيمة. # وفرغت من غدائي، وصعدت إلى غرفتي، فإذا بي ألمح الخادم مقرفصا في ~~ركن معتم يجهش بالبكاء. # | شمال وجنوب # كثيرا ما أقرأ الصحيفة أو الكتاب في شيء من الغفوة والذهول؛ ~~فعيناي تطالعان شيئا، والعقل مشغول بشيء آخر، حتى إذا ما فرغت من ~~قراءتي، وسألني سائل: ماذا قرأت في هذا الفصل أو في ذاك المقال؟ لم أجد ~~ما أجيب به إلا على نحو مضطرب مهوش غامض. # لكني قد أصادف في ms138 غضون قراءتي الغافية الذاهلة فقرة أتنبه لها ~~مذعورا كأنما هي تلسع؛ فأعيد قراءتها متمهلا متفهما، وأديرها في ~~رأسي لأتخذ إزاءها موقف القابل أو الرافض أو المتشكك، ثم أمضي في ~~القراءة ... ولعله من مثل هذه الفقرات المنبهة الموقظة تتألف ثقافة ~~الإنسان؛ لأنها هي التي تكون له رأيا ووجهة النظر، وما أكثر ما يكون ~~الكاتب أو الفيلسوف صنيعة وخزة من هذه الوخزات القوية، التي لولاها ~~لظل العقل قابلا، يحصل العلم تحصيلا يجمع الحقيقة إلى جوار الحقيقة، ~~حتى يصبح الرأس كتابا متحركا لا إنسانا مفكرا. # وهذا هو فيلسوف الألمان «كانت» يقرأ لزميله الإنجليزي «هيوم» ما ذهب ~~إليه في إنكار العلاقة السببية بين الأشياء والحوادث، «فيستيقظ من ~~سباته» - كما يقول - وينهض ليجيب عن قول زميله إجابة مستفيضة، فإذا هو ~~يقيم للناس بجوابه ذاك بناء شامخا جبارا. # من هذه الفقرات التي قرأتها فتنبهت من غفوتي، ثم أعدت قراءتها ~~متمهلا متفهما متفكرا، هذه الفقرة الآتية التي كتبها كاتبها ~~«ديورنت»، وهو يصف كيف أطبقت القبائل الآرية الشمالية في العصور ~~القديمة على بلاد الهند؛ فاكتسحت أهلها نحو الجنوب اكتساحا، ولم تلبث ~~أن استذلتهم واستعبدتهم وملكت زمامهم ... «ولم تكن غزوة الآريين لهذه ~~القبائل المزدهرة، وانتصارهم عليها إلا حلقة من سلسلة متصلة من ~~الغزوات، كانت تقع على فترات منتظمة بين الشمال والجنوب، فينقض ~~الشمال انقضاضا عنيفا على الجنوب المستقر الآمن. وقد كان ذلك مجرى من ~~المجاري الرئيسية التي سارت فيها حوادث التاريخ؛ إذ أخذت المدنيات تعلو ~~على سطحه وتهبط، كأنها أدوار الفيضان يعلو عصرا بعد عصر؛ فالآريون قد ~~هبطوا على الدرافيديين (في الهند) والآخيون والدوريون قد هبطوا على ~~الكريتيين والإيجيين (في اليونان)، والجرمان قد هبطوا على الرومان، ~~واللمبارديون قد هبطوا على الإيطاليين، والإنجليز قد هبطوا على العالم ~~بأسره، وسيظل الشمال إلى الأبد يمد العالم بالحاكمين والمقاتلين، ~~والجنوب يمده برجال الفن والدين، فالجنة إنما يرثها الجبناء.» # إذن فهذه تفرقة جديدة تقسم عباد الله قسمين: شمالا سيظل إلى الأبد ~~يمد العالم بالمقاتلين الذين يحكمونه، وجنوبا سيظل إلى الأبد كذلك ~~ملقيا بزمامه في ms139 أيدي سادة يجيئون إليه من الشمال؛ لأنه في شغل ~~بالآخرة عن الدنيا، فلئن كان أهل الشمال يقاتلون بالحديد والنار ليمدوا ~~سلطانهم على هذه الأرض وهادها ونجادها وسهولها ووديانها؛ فأهل الجنوب ~~ساهمون حالمون، يريدون الجنة، والجنة - في رأي الكاتب الذي نقلنا عنه ~~الفقرة السالفة - يرثها الجبناء. # هذه تفرقة جديدة نصادفها، تقسم الناس إلى شمال وجنوب ، بعد أن تقيأنا ~~الصديد من تفرقة قديمة مألوفة، شطرت الناس إلى غرب وشرق، والمعنى في ~~التفرقتين واحد، والاختلاف في الأسماء وحدها؛ إذ المراد في كلتا ~~الحالين أن يقال إن أوروبا وأمريكا صنف من البشر، وسائر العالم صنف ~~آخر، ولك بعد ذلك أن تجعل الصنفين شمالا وجنوبا، أو غربا وشرقا، ~~كيفما حلا وقع الألفاظ في مسمعيك. # وليس لي من العلم بالتاريخ ما أستند إليه في رد مفصل على هذا ~~الزاعم بأن مجرى التاريخ كان دائما يتلخص في سادة ينقضون من الشمال ~~ليحكموا في الجنوب. لكن علمي الضئيل بالتاريخ يتيح لي على ضآلته أن ~~أعلم بأن اتجاه الغزو لم يكن دائما من الشمال إلى الجنوب؛ فالمصريون ~~القدماء قد ساروا في فتوحهم من الجنوب إلى الشمال. وأخذت جيوش الرومان ~~سمتها نحو الشمال حتى بلغت بريطانيا، وجاءت غزوات العرب في خط أفقي ~~لا رأسي؛ فاتجهوا من قلب صحرائهم شرقا وغربا، والأتراك ساروا في ~~الغزو نحو الغرب إلى جانب اتجاههم نحو الجنوب، وهكذا. # على أني أعترف أن نفوري من الفقرة السابقة لم يكن أساسه تكذيب الكاتب ~~فيما ذهب إليه من تفصيلات التاريخ، بل كان نفورا ذاتيا شعوريا، ما ~~فتئت أبديه كلما سمعت إنسانا يقسم عباد الله أقساما، فمرة هم ~~شرق وغرب، ومرة أخرى هم شمال وجنوب، لأننا - في أغلب الظن - لا نظفر من ~~هذه التقسيمات إلا بصفقة المغبون. فإن كان العالم غربا وشرقا؛ فنحن ~~شرق، وإن كان العالم شمالا وجنوبا؛ فنحن جنوب، أعني أن العالم إذا ~~انقسم حاكما ومحكوما فنحن الفريق المحكوم، هازما ومهزوما؛ فنحن ~~الفريق المهزوم، سادة وعبيدا؛ فنحن العبيد، أهلا لنعيم هذه الدنيا، ~~وأهلا للجنة؛ فنحن أصحاب الجنة ... «التي ms140 يرثها الجبناء». # نحن نرفض كل تقسيم من هذا القبيل، فلا شرق هناك ولا غرب، ولا شمال ~~وجنوب في خصائص البشر وصفاتهم؛ فكل شعب في الدنيا ككل شعب آخر من حيث ~~الاستعداد والفطرة، وتبقى بعد ذلك ظروف اقتصادية وسياسية، قد توجد في ~~الشرق أو الغرب، في الشمال أو الجنوب على السواء، فهي تظهر هنا مرة ~~وهناك مرة. # هذا تقسيم خرافي أخذ به أصحابه؛ لأنه يشبع في أنفسهم رغبة ~~الاستعلاء والسيادة، فحين ذهب «رديارد كبلنج» إلى الهند حيث أقام ~~أعواما، ثم عاد إلى بلاده ليقول عبارته المشهورة: «الشرق شرق والغرب ~~غرب، ولن يلتقيا»؛ لم يكن بالطبع يقصد أن اختلاف الهند عن إنجلترا هو ~~اختلاف النظائر الأنداد، بل أراد أن يقول إنه اختلاف الأبيض عن الأسود، ~~والسيد عن المسود. وكذلك فيما أعتقد، يرمي «ديورنت» إلى شيء كهذا من ~~قوله إن التاريخ لم يزل منذ بدايته يجري في مسلك يبدو فيه أهل الشمال ~~سادة على أهل الجنوب، على الرغم من أن «ديورنت» - على نقيض كبلنج ~~الاستعماري المتعصب الضيق الأفق - من أشد الناس في عالمنا المعاصر ~~تسامحا وأوسعهم ثقافة، وأرحبهم صدرا لما بين شعوب الأرض من أنواع ~~الخلاف. # هم يقولون ذلك ليشبعوا في أنفسهم رغبة الاستعلاء والسيادة، فماذا ~~يقول أدباؤنا؟ يعترفون لهم بالتقسيم، ثم يأخذون في الدفاع عن شرقهم أو ~~جنوبهم؛ ليظهروا ما فيه من حسنات بينات. ولست أدري لماذا نلزم أنفسنا ~~بالدفاع عن قضية خاسرة؟! لماذا نتورط في تقسيم خرافي يزعمه سوانا لغرض ~~في نفسه؟! لماذا نضرب على النغمة التي تؤكد في أنفسنا معنى التدهور ~~والتأخر؟! # إن أعجب العجب في موقفنا؛ هو أنا نختار لأنفسنا أسوأ الفروض؛ إذ ~~الفروض ها هنا ثلاثة: الأول أن يكون التقسيم باطلا من أساسه لخلوه من ~~المعنى، ومن شاء فليدلني على الموضع من وجه الأرض، الذي يبدأ عنده ~~التقسيم شرقا وغربا أو شمالا وجنوبا. والفرض الثاني هو أن يكون ~~التقسيم صحيحا، لكننا نقع من الأقسام في الغرب دون الشرق، وفي الشمال ~~دون الجنوب، وهذا هو ما اختاره الخديوي إسماعيل ms141 حين أراد أن يجعل مصر ~~قطعة من أوربا، وما يجب أن يختاره كل عاقل مخلص إذا أخذ بمبدأ التقسيم ~~إطلاقا. فلو كانت الدنيا أقساما؛ فلسنا أقرب إلى السنغال ويوغندة ~~والتبت منا إلى اليونان ويوغسلافيا وإيطاليا. والفرض الثالث هو أن يكون ~~التقسيم صحيحا أيضا، غير أننا نقع في الشرق دون الغرب، وفي الجنوب ~~دون الشمال . وهذا ما قد جرى به العرف، وما قد استسلم له أدباؤنا ~~وثبتوه وأكدوه، كأنما هو شرف نسعى إليه! # ليس الأمر هنا أمر ألفاظ، وإلا لهان الخطب واحتملنا البلاء. لكنه ~~يصيب حياتنا ووجهة نظرنا وطرق إصلاحنا ونهضتنا في الصميم، إذا أردنا ~~دستورا سياسيا، أو تعليما، أو إصلاحا للأسرة أو المجتمع بأي صورة ~~من الصور؛ فأي طريق نختار؟ إذا أراد الشاعر أن ينظم، والفنان أن يرسم ~~أو ينحت التماثيل، والموسيقي أن يعزف، فأي طريق يختار؟ # عندي أن الجواب واحد واضح، لا تردد فيه ولا غموض لمن أراد أن ينظر ~~إلى الأمور نظرة جادة حازمة، وهو الجواب الذي أجابت به تركيا صريحة ~~جريئة مخلصة. الجواب الواحد الواضح هو أن نندمج في الغرب اندماجا؛ في ~~تفكيرنا وآدابنا وفنوننا وعاداتنا ووجهة نظرنا إلى الدنيا. الجواب ~~الواحد الواضح هو أن تكون مصر قطعة من أوروبا كما أراد لها إسماعيل، ~~وكل من يريد لها النهوض الذي لا يكبو ولا يتعثر، ليس من العزة القومية ~~في شيء أن نحتفظ لأنفسنا بطابع إذا كان هذا الطابع مما يصم صاحبه ~~بالعجز والقعود والبلاهة. فإذا اختلفنا عن أمم أوروبا وأمريكا؛ فلا ~~ينبغي أن يجاوز هذا الاختلاف مقدار ما تختلف به تلك الأمم بعضها عن ~~بعض. # إنني في ساعات حلمي، حين أحلم لبلادي باليوم الذي أشتهيه لها، وإنني ~~أصورها لنفسي، وقد كتبنا من اليسار إلى اليمين كما يكتبون، وارتدينا من ~~الثياب ما يرتدون، وأكلنا كما يأكلون؛ لنفكر كما يفكرون، وننظر إلى ~~الدنيا بمثل ما ينظرون. # لسنا شرقا إن كانت الدنيا إلى غرب وشرق، ولسنا جنوبا إن كانت ~~الدنيا إلى شمال وجنوب ... والتقسيم كله باطل من أساسه على كل ms142 ~~حال. # | جناية الصحافة على الأدب # لا أظنني مسرفا في التقدير إذا زعمت أن تسعة أعشار الأدب المصري ~~تكتب مقالات في الصحف والمجلات، ولو أردت أن أفرق بين الأديب المصري ~~والأديب الأوروبي بكلمة واحدة؛ قلت إن أديبنا يكتب مقالة وأديبهم يكتب ~~كتابا؛ فطريقة الكتابة عندنا - في أغلب الأحيان - هي أن يكتب الأديب ~~مقالة هنا ومقالة هناك، حتى إذا ما تجمع له مما كتب مقدار يصلح أن يكون ~~كتابا، جمعه في كتاب واختار له اسما، يوهم القارئ أنه كتاب، وهو في ~~الحق كتاب إذا كانت الوحدة فيما كتب هي وحدة القلم والكاتب. أما إن ~~جعلت وحدة الكتاب موضوعه؛ فليس هو بالكتاب إلا على سبيل المجاز، ~~والمجاز هنا أساسه أن مجموعة الأوراق قد ضمها غلاف. # هذه حقيقة واقعة، وليس بالشاق العسير عليك أن تتبين صدقها باستعراض ~~ما أنتجه الأدباء: طه حسين، أحمد أمين، العقاد، المازني، توفيق الحكيم، ~~وغيرهم؛ لتعلم أن الكثرة الغالبة مما يخرجون للناس من كتب، هي مجموعات ~~من مقالات أو فصول ... حتى المسرحية، هذا اللون الأدبي الذي كان يمكن أن ~~يفلت وينجو؛ لم تلبث أن طواها الاتجاه العام، فإذا هي في الأعم الأغلب ~~مسرحية ذات فصل واحد. وكذلك القصة عندنا في معظم الأحيان هي القصة ~~القصيرة التي تنشر في الصحيفة على دفعة واحدة. # وقد يكون تعليل هذه الظاهرة في أدبنا، هو أن أديبنا قصير النفس، إذا ~~قيس إلى الأديب الأوربي صاحب النفس الطويل، ثم قد يكون هذا النفس ~~القصير فطرة فينا، ورثناها عن آبائنا مع سمرة اللون وسواد الشعر وكثافة ~~الشفاه؛ فالأديب العربي منذ أقدم عصوره - فيما يقال - معروف بالتركيز ~~والإيجاز؛ فتكفيه الحكمة الواحدة أو الفصل القصير، حين لا يكتفي الأديب ~~الأوربي بأقل من قصة طويلة عريضة، قد تجاوز صفحاتها الألف؛ ليحلل فكرة ~~واحدة، ويخلق لها الأشخاص خلقا ليلبسوها ويمثلوها في أفعال ~~وأقوال. # أو قد يكون هذا النفس القصير عند أديبنا، نتيجة لضعف ثقافته وضيق ~~أفقه، فليس لديه ما يقوله عن الفكرة أكثر من ثلاث صفحات أو أربع، في ~~الوقت الذي ms143 يتمكن فيه الأديب الغربي بحكم ثقافته الواسعة العريضة أن ~~يكتب الكتاب الضخم لتحليل الفكرة الواحدة، فيبرز ظلالها وأضواءها، ~~ويجعلها كائنا حيا يسعى على قدميه؟! # ثم جاءت الصحافة عاملا آخر، قضى على الأدب العربي قضاءه الأخير، ~~وبات معه حتما مقضيا على هذا الأدب أن يظل على صورته الممسوخة ~~الشائهة البتراء، التي لا تسمح للأديب أن يستقر على أثره الأدبي ~~حينا من الدهر يكفي لتسويته كائنا كامل الأعضاء، كما يفعل أدباء ~~الغرب بما ينتجون من آثار. # جاء عامل الصحافة، فقضى على أديبنا أن يكون صحفيا في إنتاجه لا ~~خالقا متأنيا مبدعا؛ ذاك أن الصحافة استعانت بالأدباء، فكان لها ~~الفضل على الأدب مرة واحدة، لكنها كانت جناية على الأدب ألف مرة. أما ~~فضلها فهو أنها أتاحت لكثير من الأدباء فرصة العيش المتواضع حينا، ~~والمعتدل حينا. وأما جنايتها الكبرى فهي أنها صبت الأدباء في القالب ~~الذي تريد، فإذا الأدباء في يدها مأجورون لا يكادون يسطرون من أجل الفن ~~الخالص سطرا واحدا، إنما يكتب أديبنا ما يصلح للصحف وما يقبله منه ~~رئيس تحرير الصحيفة. وللصحف ورؤساء تحريرها أساس يحكمون به أبعد ما ~~يكون عن الأساس الذي يرضاه الفن الرفيع، وإذن فقد بات أدباؤنا في واد، ~~ومقاييس الفن الرفيع في واد آخر. # كيف يكتب الأديب المصري اليوم؟ وماذا يكتب؟ هنالك صحف يومية أو ~~أسبوعية أو شهرية، تركزت في أيديها قوة الشراء، بحيث أصبح محالا أو ~~قريبا من المحال أن ينافسها منافس تواضعت موارده المالية. وهذه الصحف ~~القوية بمالها هي أيضا واسعة الانتشار؛ لأن الأمر ها هنا كالحلقة ~~المفرغة: قوة مالها توسع من انتشارها، وسعة انتشارها تزيد من مالها ... ~~والأمر عند رؤساء التحرير في تلك الصحف، هو الأمر في كل بيع أو شراء؛ ~~فهم كباعة الفاكهة والخضر يريدون أن يعرضوا على وجه الصندوق أو على سطح ~~المقطف برتقالتين كبيرتين تخفي وراءهما البرتقال الصغير، أو «كرنبة» ~~ضخمة تستوقف الأنظار، فيدق رئيس التحرير التليفون إلى فلان الأديب ~~الكبير صاحب الاسم اللامع، ويطلب منه مقالا لعدد هذا الأسبوع أو هذا ms144 ~~الشهر، والأجر الكبير المعروض كفيل خير كفيل للأديب الكبير أن يضعف ~~فيكتب، ولا عليه حرج؛ لأنه بشر كسائر البشر يريد أن يعيش. # فماذا يكتب الأديب عندئذ؟ إنه لا يكتب ما يمليه عليه فنه، أو ما كان ~~ينبغي أن يمليه عليه الفن الرفيع، بل يدير في رأسه نوع المجلة التي ~~طلب إليه أن يكتب مقالة فيها، فيكتب شيئا يلائمها ويلائم قراءها، ~~وإذا لم يفعل؛ فقد يقبل منه رئيس التحرير هذه المرة حياء، لكنه لن ~~يعود إليه مرة أخرى. # يقول الأديب لنفسه إذا ما هم بالكتابة: إن قراء هذه الصحيفة هم ~~أوساط المثقفين الذين لا يطلبون إنشاء رزينا رصينا، ولا يقوون على ~~خلق أدبي رائع ممتاز. إنهم طراز من البشر يشتري المجلة لتسليته في ~~الترام أو عند الحلاق، فلا بد من مراعاة ذلك في اختيار الموضوع ~~ومعالجته معا، فينبغي للموضوع أن يكون خفيفا لطيفا، وأن يعالج على ~~نحو مسل ظريف، وعلى هذا الأساس يكتب الأديب، فليس هو حرا كل الحرية ~~في اختيار ما يكتبه، ولا في الطريقة التي يعالج بها موضوعه، بل ليس هو ~~حرا كل الحرية في طول ما يكتبه؛ لأنه يكتب ليملأ فراغا طوله كذا ~~سطرا وعرضه كذا نهرا. إن رئيس التحرير يأمره بما يريد، وهو يصدع ~~بالأمر راضيا أو كارها، فإذا عرفنا أي الدوافع يحدو رئيس التحرير في ~~نوع ما يطلبه؛ عرفنا من هو الآمر الحقيقي الآن الذي يستبد بأرباب ~~القلم! إنهم أنصاف المثقفين وأرباعهم. # ولا تقل إنها الديمقراطية في الأدب، وإنه لا عيب في الديمقراطية بكل ~~صورها، سياسيها وأدبيها، لا تقل: ماذا تريد؟ أتريد للأديب أن يكون ~~مترفعا يخاطب الطبقة الأرستقراطية في مالها وثقافتها؟ لا تقل ذلك؛ ~~لأنني ما أردت شيئا منه، لأن الديمقراطية في الأدب كما فهمت في الغرب ~~لم تكن قط شيئا كهذه الأمساخ التي يضطر أدباؤنا إلى صناعتها ~~والاشتغال بها دون ما قد يستطيعون من آثار خالدة باقية. # كان أهم معنى للديمقراطية في الأدب عند الغرب - فيما أعلم - هو ~~اختيار الأديب أشخاصا من سواد الشعب ms145 يصورهم بأدبه، فلم يعد شرطا أن ~~يجعل أشخاصه ملوكا وأمراء، بل أصبحت الخادم الساذجة تصلح أن تكون بطلة ~~لقصة، يهتم الأديب بتحليلها وتشريحها، وبهذا جعل عنايته ملاحظة أوساط ~~الناس كيف يعيشون وكيف يشعرون ويفكرون، لا ليكتب ذلك على النحو الذي ~~ترتضيه الصحافة الأسبوعية أو الشهرية، بل على الصورة التي يرضاها الفن ~~المتمهل المتأني الذي يسوي خلقه تسوية كاملة في كتاب كامل يقصر ~~حينا ويطول حينا، حسب ما تقتضيه أوضاع الفن، لا حسب ما يأمر به رؤساء ~~التحرير. # إنه من حسن حظنا - أبناء هذا الجيل - أن أدباءنا قد وجدوا بعض الفراغ ~~فيما مضى، لم تشغل الصحف عندئذ كل وقتهم؛ لأنها لم تكن - فيما يظهر - ~~قد تنبهت إلى شراء هذه السلعة الرابحة، من حسن حظنا أن أدباءنا قد ~~وجدوا في ماضيهم فراغا أنتجوا لنا فيه قطعا أدبية نعتز بها، وإن تكن ~~من النوع الذي لا يرتضيه رؤساء التحرير. وإني لأتساءل جادا: ماذا عسى ~~أن يئول إليه الأمر بعد عشرة أعوام أو عشرين؟ اذكر لي أديبا واحدا ~~اليوم لم «تستخدمه» الصحافة استخداما يعود عليها بمئات الجنيهات ~~وألوفها، ويعود على الأدب الرفيع بالفقر، وكدت أكتب: بالخزي والعار؟! ~~إنه بعد عشرة أعوام أو عشرين، لن تجد مقالا واحدا يكتب من أجل الفن ~~الرفيع؛ لأن «أشلاء» المجلات الأدبية الباقية في طريقها إلى الزوال ~~والباقيات الفاسدات، لأن العبرة في الباقيات هي سعة الانتشار وقوة ~~المال. ولم يعد الأديب الكبير يرضى أن يضيع وقته فيما لا يعود عليه ~~بالكسب، والكسب مرهون بطاعة رؤساء التحرير ... إن الذي يعمل الآن في ~~تسيير الأدب المصري هو قانون تنازع البقاء وبقاء الأفسد؛ لا لأن ~~أدباءنا غير قادرين على إنتاج الصالح؛ بل لأن الصالح ليس هو ما يأمر به ~~رؤساء تحرير الصحف القوية الغنية، وأدباؤنا قد باتوا اليوم في حكم ~~المحررين في تلك الصحف، وقل على جودة الإنتاج ألف عفاء. # ومن أنواع التسلية - إذا أردت تسلية - أن تتعقب الأدباء وهم يتجمعون ~~في صحيفة بعد صحيفة، كما ينتقل مركز البيع والشراء في المدينة من ms146 شارع ~~إلى شارع، كان شارع الموسكي هو مركز الحركة التجارية في عهد مضى، ثم ~~انتقل مركز التجارة إلى شارع فؤاد الأول، وكأني به اليوم ينتقل إلى ~~شارعي قصر النيل وسليمان باشا، وهكذا الصحف والأدباء ترى مجموعتهم في ~~هذه الصحيفة مرة، ثم في هذه الصحيفة أخرى؛ لأن الصحف تتنافس كما تتنافس ~~دكاكين البقالة، فقد يعن لصحيفة منها أن تضارب زميلاتها بالإكثار ~~من أجور الأدباء الكبار، فيجتمع لديها هؤلاء، ثم تعود صحيفة أخرى فتمسك ~~بالزمام، ويعود الأدباء فيرحلون رحلة جديدة، وهكذا. ولسنا نكره بالطبع ~~أن يؤجر الأدباء أعلى الأجور، إنما الذي نكرهه ونتشاءم له أن تكون ~~هذه الأجور ثمنا لطاعة الأدباء؛ فلرؤساء التحرير أن يأمروا وعلى ~~الأدباء أن يطيعوا، كأن الأمر مقاولة وبناء، فأضع التصميم الذي يعجبني ~~وأستأجر البناء لينفذ لي ما أريد دون أن يكون له حق الاعتراض! إذا ~~حدث هذا فلا فن في بناء، وكذلك قل في فن الكتابة وفي أي فن ~~آخر. # جناية الصحافة على الأدب جناية كبرى، لا تعوضها الجنيهات القليلة ~~التي تدفعها لأدبائنا ثمنا بخسا رخيصا، يموتون بعده فقراء - كما مات ~~المازني - فأولا تجنت الصحافة على الأدب فجعلته مقالات قصارا، ولم ~~تفسح من الوقت لأديبنا أن يتفرغ للكتاب المسهب المطول. وثانيا جعلت ~~مدار ما يكتب هو ذوق الجمهور القارئ من حيث الصنعة والأداء، ومن حيث ~~الموضوع والمعنى. ولو سارت الحال على هذا النحو عشرين عاما؛ فلن تدور ~~عجلات المطابع بكتاب واحد ممتاز يخرجه أديب إنتاجا خالصا لوجه الفن ~~الرفيع. # | حامد سعيد # هناك، على مبعدة نائية من المدينة وصخبها، وفي أحضان النخيل المتشابك ~~المتعانق، أقام هذا الفنان الشرود لنفسه دارا من الطين تراها بقبابها ~~وسط الزرع، فيخيل إليك أنك دان من مهبط ولي من أولياء الله، نفرت به ~~قداسة روحه عن مطارح العمران. وتدخل الدار فيزداد هذا المعنى شيوعا في ~~نفسك، منذ تنحني راكعا لتدخلها من باب وطيء، إلى أن تدور في قيعانها ~~القليلة البسيطة المترعة بالروح في كل شبر من أرضها وجدرانها ~~وسقوفها ... ويودعك الفنان وزوجه الفنانة، ms147 وكأنهما ملكان طاهران قد نظرا ~~إليك نظرة الإشفاق، أن تركت لهما ركنا معمورا بالروح والمعنى؛ لتعود ~~إلى مدينة مزدحمة الأرض والهواء بكل ما تضيق له الصدور وتكتئب ~~النفوس. # أغفل هذا الفنان الشرود النفور مدائننا وشوارعنا وبيوتنا وأسواقنا ~~وموائدنا ومآكلنا ومشاربنا وأطماعنا؛ ليعيش هو وزوجه في تلك العزلة ~~النائية، فينصرف إلى الطبيعة يستمد منها الحياة غزيرة دفاقة، واسمع ~~له يحدثك في هدوئه العجيب الأخاذ، كيف تمتلئ الطبيعة في كل ركن من ~~أركانها بما تهتز له النفوس الحية اليقظى فتنة وإعجابا. ألا خسئت ~~عينان تغضيان عن هذا الغصن، وهذه الصخرة، وتلك الصدفة، وهاته ~~الحشرة. انظر إلى هذه الحشرة يوما ويوما وأياما، تطالع فيها كل يوم ~~جديدا من ترتيب وتنسيق ونظام وجمال وجلال، سبحانك اللهم خالق ~~الخلق! # وفي هذه اللفتات إلى ما يظنه الناس صغائر توافه، وما يرى فيه ~~الفنان موضعا للفتنة ومصدرا للسحر، ثم فيما بين كائنات الطبيعة من ~~وحدة وإخاء، برغم ما يبدو فيها من تباين وخلاف. يدور «حامد سعيد» ~~بفكره وفنه، وعلى هذا الأساس يقيم مدرسته، وبهذا المبدأ يعلم ~~حوارييه. # وأين عسى هذا الفنان المصري الصميم جسما وروحا أن يجد مصدر إلهامه؟ ~~عند أجداده القدماء، عند المصريين الأوائل، فتراه مع تلاميذه في المتحف ~~المصري ينظرون ويتأملون ويستوعبون، ليمتلئوا روحا، ثم يعودون إلى ~~لوحاتهم ليصبوا أرواحهم المترعة آيات من الفن الجميل. # وشعار هذه الجماعة هو تمثال «حتحور»، انظر إليه كيف اتحد فيه الإنسان ~~بالحيوان والطبيعة؟! هذا إنسان واقف تحت عنق البقرة وكأنه جزء منها، ~~وهذه بقرة لها قرنا ثور ليمحى عندك كل تفريق بين ذكور الطبيعة ~~وإناثها، ثم هذه هي الشمس قد استقرت بين القرنين في اتساق وانسجام، ~~بهذه العين ينظر الفنان وتلاميذه إلى الأشياء، فيرون الطبيعة كلا ~~واحدا لا تجزئة فيه. وهذا الكل ماثل في كل جزء كائنا ما كان، ففي هذا ~~الغصن الجاف روح الطبيعة كلها. # وفي هذه الصدفة الخاوية سر الكون كله! انظر إلى هذه الصدفة ~~الخاوية التي قد تصادفك ملقاة على رمل الشاطئ فلا تعيرها التفاتا، ~~تأمل ms148 أي ركن شئت من أركانها؛ تر فيه الثنايا والخطوط والتعاريج على ~~اتساق كأنه أنغام اللحن المنسجم. ثم اجمع هذه الألحان بعضها إلى بعض، ~~تجد في الصدفة الخاوية الملقاة على رمل الشاطئ بناء موسيقيا ~~كاملا، قد يشغلك التفكير فيه، وتتبع أجزائه وبنائها واتساقها يوما ~~وأياما، وتلك هي الطبيعة العامرة! # أو انظر إلى جذع هذه الشجرة ، التي قد تتفيأ بظلها وأنت لا تدري ~~ما هي! انظر إلى هذه الأجزاء المتآخية فيه، كأنما قد تعاقد كل منها مع ~~أخيه على أن يكون له مؤازرا وظهيرا. ~~••• # زرت حامد سعيد في داره النائية، وزرت المعرض الذي أقامه لرسوم ~~تلاميذه في متحف الفن الحديث، فعرفت معنى جديدا لأشياء كنت قرأتها، ~~وكنت ظننت أني فهمت معناها! فقد كنت قرأت، فيما قرأت، هذه الفقرة ~~الآتية في «يو بانشاد» - الكتاب الهندي المقدس - التي عبر بها الهنود ~~عن عقيدتهم في وحدة الوجود، وفي أن الكائنات كلها تعبير عن إله واحد ~~قهار، فأضيئت لي اليوم بضوء جديد: ~~«لم يشعر بغبطة بادئ ذي بدء؛ لأن واحدا وحده لا يشعر بغبطة، ~~فتطلب ثانيا، وكان في الحق ذا حجم كبير، حتى ليعدل جسمه رجلا ~~وامرأة تعانقا، ثم شاء لهذه الذات الواحدة أن تنشق نصفين، فنشأ من ~~ثم زوج وزوجة، وهكذا تكون النفس الواحدة كقطعة مبتورة.» # وهذا الفراغ تملؤه الزوجة، وضاجع زوجته وبهذا أنسل البشر، وسألت ~~نفسها الزوجة قائلة: «كيف استطاع مضاجعتي بعد أن أخرجني من نفسه؟! ~~فلأختف» واختفت في صورة البقرة، فانقلب هو ثورا، وزاوجها حقا، وكان ~~بازدواجهما أن تولدت الماشية، فاتخذت لنفسها هيئة الفرس، واتخذ لنفسه ~~هيئة الجواد، ثم أصبحت هي أتانا، فأصبح هو حمارا وزاوجها، وولدت لهما ~~ذوات الحافر، وانقلبت عنزة، فانقلب لها تيسا، وانقلبت نعجة فانقلب لها ~~كبشا وزاوجها حقا، وولدت لهما الماعز والخراف، وهكذا حقا كان ~~خالق كل شيء، مهما تنوعت الذكور والإناث، حتى تبلغ في التدرج أسفله إلى ~~حيث النمال. وقد أدرك هو حقيقة الأمر، قائلا: «حقا إني أنا هذا ~~الخلق نفسه؛ لأني أخرجته من نفسي ... وهكذا نشأ الخلق.» ms149 # ولكن «حامد سعيد» لم يقف عند الحيوان وحده في تصوره لوحدة الوجود، ~~فأضاف إليه النبات والمحار والحجر! نعم، فهمت معنى جديدا لوحدة ~~الوجود بعد زيارتي لهذا الفنان العجيب، وآمنت بصدق ما قاله القديس ~~برنار: «إن ما تعلمته من العلوم الدينية ومن الكتاب المقدس قد عرفته من ~~الغابات والحقول؛ فليس لي من معلم سوى أشجار الزان والبلوط ... إن ~~الشجر والحجر يعلمانك أكثر ما تتعلمه من شفتي الحكيم ...» ~~••• # ليس من عجب بعد هذا كله، أن ينقل حامد سعيد رسومه ورسوم تلاميذه ~~يعرضها في لندن، فيكتب فيها «هربرت ريد» - وهو في إنجلترا إمام في عالم ~~الفنون - ما يلي: «لما طلب إلي منذ أسابيع أن أرى نتاج طائفة من ~~الفنانين المصريين؛ ذهبت لا يحدوني شيء من رجاء عظيم، فما أكثر ما خاب ~~رجائي فيما مضى، وأنا الناقد الفني في مثل هذه السن وهذه الخبرة ... فآخر ~~ما كنت أتوقعه، أن أرى أصالة حقيقية ... لكنني ما كدت أبصر رسمين أو ~~ثلاثة من رسوم الفنانين المتصلين بحامد سعيد، حتى أدركت أني إنما أرى ~~فنا أقل ما يقال فيه إنه لا ينساق وراء الأساليب الجارية؛ فهو فن ~~فيه من صدق الفنان ما يلزمك إلزاما أن تقف له معترفا به، وليست كلمة ~~«الصدق» بالكلمة التي تجرى هذه الأيام على اللسان إذا ما أردت وصفا ~~لشيء مما ينتجه الفن السائد، لكنها أول كلمة ترد على ذهني، وأنا ماثل ~~أمام رسوم بلغت مدى بعيدا من الإخلاص - لا أقول إخلاص الفنان للطبيعة ~~نفسها، بل إخلاصه في إخراج مواقع الطبيعة من نفسه. # وإنما سر الأصالة في هذه الرسوم، وما يخلع عليها هذه القوة التي ~~تفردت بها؛ هو الفلسفة الكامنة وراءها.» # ولو قد زار الناقد العظيم «هربرت ريد» حامدا في بيته الذي نأى به عن ~~العمران المدني ليزداد قربا من أحضان الطبيعة؛ لأضاف إلى قوله ذاك ~~عبارة أخرى، هي: وسر الأصالة في هذا الفنان العجيب، وما أضفى عليه ~~روحا عجيبا تفرد به، هو الفلسفة الكامنة وراء حياته التي ~~يحياها. # | طوائف تتنافس # في مصر - كما ms150 في غيرها - طوائف من الموظفين، فيها مدرسون ومهندسون، ~~وفيها ضباط للأمن وضباط للقتال، وفيها أطباء وقضاة، وفيها غير هؤلاء ~~وأولئك من سائر عباد الله. # لكن الذي في مصر - وليس في غيرها - هو هذا التنافس العجيب القائم بين ~~هذه الطوائف. ولست بحمد الله من «فقراء» الهنود بحيث أصيح بالناس أن ~~كفوا عما أنتم فيه من قتال وتنافس، وسالموا واستسلموا؛ لأني أعلم أن ~~الحياة في صميمها ليست إلا هذا التنافس وذاك القتال، لكن الذي يستوقف ~~نظري ويستثير عجبي هو أن هذا التنافس القائم بين طوائف الموظفين في ~~مصر، قد أقام نفسه على أساس من علم الفلك القديم كما عرفه بطليموس، ~~وكان حقه أن يتماشى مع العلم في تطوره، فيقيم دعائمه على أساس من علم ~~الفلك في صورته الراهنة التي رسمها له كوبرنيق، خشية أن يظن الناس ~~بهؤلاء الموظفين جهالة وإنهم لعالمون، ولو غيروا من وجهة نظرهم وبدلوا ~~من أساسهم؛ لرضيت عنهم أنفسهم، ورضي العلم، ورضي الوطن جميعا. # وقد تقول: وما شأن هذه الدرجات يطلبها المهندسون، فيطلبها في أثرهم ~~المدرسون؟ وما شأن هذه «الأقدار» المالية يظفر بها القضاة، فيلاحقهم ~~بها المدرسون والمهندسون معا؟ وما شأن ضباط القتال يسبقون ضباط الأمن ~~فيما تزدان به أ كتافهم من أنجم وتيجان، فيثور ضباط الأمن لما ظفر به ~~من دونهم ضباط القتال؟ ما شأن هذا كله بعلم الفلك كما تصوره بطليموس أو ~~كوبرنيق؟ هذه الطوائف المتنافسة جميعا تمشي ها هنا على الأرض «في غير ~~مرح». وأما هذان العالمان فكانا يسبحان في السماء صلفا بين الكواكب ~~والأفلاك، فأين الشبه بينهما وبين هؤلاء؟ # قد تقول ذلك؛ فهاك البيان: كان ما كان في قديم العصر والأوان، عالم ~~فلكي يدعى بطليموس، يقيم في مدينة الإسكندرية. ولست والله أدري لماذا ~~اختار له الله مدينة مصرية؛ ليهبط فيها عليه الوحي بفكرته الفلكية؟! ~~فكان من رأي هذا العالم أن أرضنا هذه القليلة الضئيلة النحيلة هي من ~~دنيا الله الواسعة الفضاء بمنزلة القطب من الرحى، تدور حولها سائر ~~الشموس والنجوم! فالشمس والقمر ومريخ وعطارد والزهرة ms151 والمشتري وما شاء ~~الله من أجرام وأجسام تدور حولها وهي في مكانها لا تتحول؛ لأنها أعظم ~~عند الله قدرا من أن تدور مع الدائرين. ولو قد نطقت هذه الأرض بلسان ~~حالها كما تصورها بطليموس؛ لقالت إني رأيت ملايين الكواكب والشمس ~~والقمر رأيتهم لي ساجدين ... وكان لا بأس على بطليموس من هذا النظر؛ لأن ~~الدنيا كما رأتها عيناه كانت أضيق من الدنيا كما يعرفها الواقع. # ثم اتسع في أعين الناس الأفق؛ فرأوا عالما فسيح الأرجاء واسع ~~الجنبات، وأدركوا أن الأرض يستحيل أن تكون قطبا لهذا كله، وإلا لاقتضى ~~الأمر لبعض الأجرام السماوية البعيدة عنا أن تقطع الفضاء بسرعة ~~مستحيلة؛ حتى يتسنى لها أن تدور حول الأرض المكرمة في كل يوم مرة. وها ~~هنا تدخل في الأمر فلكي آخر هو كوبرنيق، وكان في مدينة إيطالية، لم ~~يشأ له الله أن يكون مقامه على أرض مصرية، فرأى الدنيا بمنظار آخر، ~~جعل يدير منظاره في أرجاء السماء ليرقب النجوم في مسالكها ويساير ~~الكواكب في مساربها، ثم قال في بساطة صاحب القلب الطيب والنية السليمة: ~~كلا! بل إن هذه الأرض كوكب كسائر الكواكب، وهي تدور حول الشمس كما أن ~~غيرها يدور، وبهذا القول البسيط تغير وجه العلم كله! # ولعلك تدرك الآن ما أردته حين زعمت لك أن التنافس القائم بين طوائف ~~الموظفين في مصر قد أقام نفسه على أساس من علم الفلك كما رآه بطليموس. ~~وكان حقه أن يتابع كوبرنيق لتستقيم الأمور؛ فالمدرسون والمهندسون وضباط ~~الأمن وضباط القتال والأطباء والقضاة وغير هؤلاء وأولئك من سائر عباد ~~الله؛ تريد كل طائفة منها أن تكون مركزا فيدور حوله العالم بأسره؛ ~~لأنها لا تفكر إلا في نفسها، ولا ترى الدنيا إلا بمنظارها! هذه هي ~~الدنيا تجري أنهارها ذهبا نضارا؛ فلماذا لا يصيبني منها إلا جنيهات ~~قليلة؟! # ولو قد استعارت هذه الطوائف المتنافسة منظار كوبرنيق؛ إذن لرأت أن ~~هناك شمسا كبرى - هي مصر بأسرها - ولرأت كل طائفة منها أنها كوكب واحد ~~من كواكب، وأن مصلحتها واحدة من مصالح؛ فليست ms152 إذن هي كل شيء، ويستحيل ~~أن تتدفق أنهار الذهب في جيوبها وحدها! # لكن لا، كل طائفة من هؤلاء تحصر نظرها في نفسها، وتأبى إلا أن تكون ~~أسبق من سواها وأفضل، فإذا وجد السابق أن المسافة التي تفصله عن ~~مسبوقه قد نقصت، غذ في المسير وأسرع في الخطى يستعيد مكانته، ~~والمسبوق يغضبه أن يكون فوقه سابق على الإطلاق، ودع عنك أن يرضى ~~بمسافة تقل أو تزيد. # وكان أولو الأمر إذا ما رأوا المسبوق غاضبا دفعوه إلى الأمام ~~قليلا؛ لعله يدنو من سابقه، حتى إذا ما غضب السابق لهذه الإهانة التي ~~لحقت به دفعوه إلى الأمام قليلا كذلك؛ ليسترد مكانته بالقياس إلى ~~سواه. # وإن ذلك ليذكرني بقصة من حياتي الماضية، كنت مدرسا في بلد ريفي حيث ~~لا فنادق ولا مطاعم، فاستخدمت طاهية من أهل البلد تطبخ لي الطعام، وكنت ~~أجد في طهيها فكاهة أكثر مما أجد غذاء، وطلبت منها يوما أن تعد ~~لغدائي شيئا من محشو الكرنب، فلما عدت ساعة الغداء وجدت الكرنب ~~المحشو الذي رجوت، لكني وجدت منه «قزانا» كبيرا يكفي مدرسة ~~بأسرها لا مدرسا واحدا. ~~- ما هذا كله يا فاطمة؟ ~~- كرنب محشو كما أمرت يا سيدي. ~~- لكن لمن هذا كله؟ ~~- وماذا أصنع يا سيدي؟ اشتريت كرنبة واحدة ورطلا واحدا من اللحم، ~~وأعددت مادة الحشو وأخذت أحشو، فإذا بمادة الحشو تنتهي والكرنبة بعضها ~~باق، فاشتريت رطلا آخر من اللحم وأعددت مادة جديدة للحشو وأخذت أحشو، ~~فإذا بالكرنبة تنتهي ومادة الحشو بعضها باق، فاشتريت كرنبة ثانية ~~وأخذت أحشو، فإذا مادة الحشو تنتهي والكرنبة بعضها باق! ... وهكذا ~~دواليك يا سيدي، ولا تسل كم أنفقت من وقت، وكم أنفقت من جهد حتى فرغ ~~الكرنب والحشو في آن معا! ~~- لقد ذكرت ما أنفقته من وقت ومن جهد، ولم تذكري ما أنفقته من ~~مال. ~~- إي والله، يا سيدي؛ لقد كلفتك هذه الطبخة قدرا كبيرا. ~~- لكن يا فاطمة هذا غير معقول، فلو حسبت ... ~~- أنا، يا سيدي، كما تعلم لا أعرف ما تعرفه أنت من العد والحساب، ~~فلم ms153 أتعلم في المدارس كما تعلمت؛ فهل لك أن تدلني على طريق صواب كنت ~~أسلكه؟ ~~- لا تعقيد في الأمر يا فاطمة، لما فرغت منك الدفعة الأولى من مادة ~~الحشو؛ لماذا لم تقذفي ببقية الكرنبة في صفيحة القمامة؟ ~~- صفيحة القيامة يا سيدي؟! أرمي الكرنب في القمامة؟! وماذا كنت تقول ~~إذا ما عدت ونظرت، فرأيت كرنبك الذي اشتريته بمالك ملقى في ~~القمامة؟! كنت بالطبع تملأ لنا الدنيا صياحا، وتحتج قائلا: كيف ~~تقذفين بالكرنب في القمامة؟! ولماذا لا تشترين له رطلا من ~~اللحم؟! # فأدركت أن الحوار لن ينتهي بنا إلى نتيجة، وهززت رأسي متعجبا ~~باسما، حتى لقد ظنت أنها أفحمتني بالحجة القوية وراحت تقول في زهو: ~~ليست العبرة بالمدارس وحدها يا سيدي ... ما زلنا مثلكم ناسا نفهم، ~~ونحسب. # ذكرت قصة فاطمة ومحشو الكرنب حين فكرت في هذه الطوائف التي يلاحق ~~بعضها بعضا كأنها في سباق. فالحكومات المتعاقبة هي فاطمة في هذه ~~القصة، لا تجد في نفسها شجاعة تتذرع بها فتلقي بشيء من الكرنب في ~~القمامة لتقف من الأمر عند حد معقول، بل لبثت تعالج الأمر بمحايلة ~~هذه الطائفة مرة وهذه الطائفة مرة، راجية أن تحل العقدة نفسها، حين ~~تصل الطوائف في حلبة السياق حدا يرضاه الجميع، ولن يكون ذلك إلا إذا ~~ضخمت «الطبخة» وناءت ميزانية الدولة بتكاليفها. # | الأديب بين يومه وغده # سمع شاعر من شعراء الإنجليز بشاعر من شعراء الفرس، فقرأ له ثم قرأ، ~~ودهش للذي قرأ؛ فأعاد ثم أعاد: «لله هذا الجمال النادر! أأترك هذا ~~«الخيام» دفينا في فارسيته، فلا أبتعث «رباعياته» إلى حيث تشهد النور؛ ~~فيستمد منها بنو وطني نورا على نور؟ ... لأترجمن هذا السحر ~~الفاتن.» # وراح «فتزجر ولد» يترجم. فكان مما ترجم: # ها هنا في ظل هذي الغصون: رغيف الخبز في يدي، # وزق الخمر، وديوان الشعر، ثم أنت في صحبتي # إلى جانبي تنشدين الغناء في هذا القفر الأجرد. # إيتني بذا وذا؛ يكن لي من هذا القفر جنتي. # ومضى الشاعر في ترجمته للزميل الفارسي حتى فرغ، فماذا هو صانع بهذا ~~الذي صب ms154 فيه النفس صبا؟ أيذهب به إلى الناشر؟ لكنه شاعر مغمور، ~~والناشر لا يجازف بماله إلا لكاتب مشهور. لأذهبن إلى أستاذ اللغة ~~الفارسية في أكسفورد؛ فلعله إن شهد بصدق الشعور في الترجمة، كانت ~~شهادته عند الناشر شفيعا. # وجلس الأستاذ والشاعر إلى نضد يواجه أحدهما الآخر، وأمسك الأستاذ ~~بالأصل الفارسي في يمناه وبالترجمة الإنجليزية في يسراه ، وجعل يهمهم ~~لنفسه: «ها هنا في ظل هذي الغصون ...» # ونقر الأستاذ بإصبعه على الأصل الفارسي، ورفع عينيه إلى الشاعر ~~الشاب: «لم يذكر الخيام غصونا في قصيدته؟!» # فأجاب الشاعر: «وما ذاك؟ لقد أنبأتك أني امتصصت من القصيدة شعورا ~~فصببته في لغتي شعورا مثله؛ فلم أقصد إلى ترجمة حرفية أجتاز فيها ~~امتحانا في معاني الألفاظ.» # فهز الأستاذ رأسه وتمتم، وهو يقلب الأصل الفارسي وقال: «رغيف ~~الخبز: موجود، وزق الخمر: مذكور، وأنت في صحبتي: صحيحة، لكنك حذفت ~~جزءا مهما من رباعية الخيام؛ فقد ذكر عمر إلى جانب هذه الأشياء ~~فخذا من الضأن. على كل حال، هل فرغت من ترجمة القصيدة كلها؟» ~~- نعم، فأين أرسلها؟ ~~- ابعث بها إلى الصحيفة الأدبية الفلانية، وسأكتب للمحرر خطابا ~~أوصيه بك خيرا. # مضى عام كامل والصحيفة الأدبية لم تنشر للشاعر قصيدته؛ فأرسل إليها ~~الشاعر خطابا شديد اللهجة يطلب أن ترد له قصيدته التي أسرى فيها ~~روحا من روحه، فدار حديث بين رئيس التحرير ومساعده. # رئيس التحرير: ابحث لي عن قصيدة هذا الرجل بين أوراقك، فإن وجدتها ~~أعدها إليه مصحوبة بخطاب اعتذار. # مساعد التحرير: ما عنوانها؟ # رئيس التحرير: هي قصيدة صينية أو هندية لست أذكر، وعنوانها غريب لا ~~أستطيع نطقه. فهاك خطاب الرجل فاقرأه، اعتذر له بخطاب؛ لأنه صديق ~~لأستاذ الفارسية في أكسفورد. # مساعد التحرير: ها هي ذي. # رئيس التحرير: اقرأ لي منها سطرا أو سطرين من أي موضع شئت. # مساعد التحرير: ها هنا في ظل هذى الغصون، رغيف الخبز في يدي. وزق ~~الخمر، وديوان الشعر، ثم أنت في صحبتي. # رئيس التحرير: ما رأيك في شاعر يذكر الخمر في شعره؟ # مساعد التحرير: هذا فحش يا سيدي ms155 لا نرضاه لقرائنا. ثم اسمع يا سيدي ~~لهذا الشاب المستهتر يمضي في قصيدته، فيصف لنا جماعة من مدمني الشراب ~~قد أنفقت سواد ليلها أمام الحان، حتى إذا ما تنفس الصبح راحوا ~~يخبطون الباب لصاحب الحان؛ كي يفتح لهم ليواصلوا شرابهم، فالحياة ~~قصيرة، ومن يمضي عنها لا يعود. واسمعه ها هنا يجادل العلماء في الفلسفة ~~والدين، فلا يفهم عنهم شيئا؛ لأنه مخمور، فينادي بمزيد من الخمر؛ ~~ليغرق جهله في حبابها. لا يا سيدي، لا، كان الله في عوننا من شباب ~~هذا الجيل! # رئيس التحرير: امض في قراءتك؛ فإنه ليخيل إلي أن شعر هذا الشاب لا ~~يخلو من جمال. # مساعد التحرير: جمال يا سيدي! إنه يعترف بأنه لا يعبأ بالعلم ولا ~~يهتم به، وكل ما يفكر فيه هو الخمر. واسمع ها هنا ماذا يقول! يقول لك ~~إن الدنان الفارغة المهملة على رفوفها تحلم بأيام كانت فيها مترعة ~~بخمرها، أسمعت هذا؟! وها هنا أيضا البلبل نادى الورد صائحا: الخمر! ~~الخمر! الخمر! أعوذ بالله! لا يا سيدي، إن صحيفتنا معروفة لقرائها ~~بوقارها، ولا يجوز أن نرسل أعدادها إليهم وهي تترنح، وثق بأن نشر ~~قصيدة كهذه معناه لصحيفتنا الموت والفناء. # رئيس التحرير: لا جدال في هذا، أعدها إلى صاحبها؛ فما إلى هذا الحد ~~البعيد يكون التسامح في ضيعة الأخلاق. # ووصلت القصيدة إلى صاحبها، فحملها إلى الطابع يريد طبعها بما عنده من ~~مال، لكنه آثر أن يستشير وراقا صديقا، فدار بينهما هذا ~~الحديث: # الوراق: ماذا تقول؟ تطبع شعرا وتنفق مالك في طباعته؟ أين في هذه ~~الأيام من يقرأ الشعر؟ # الشاعر: عدني بشيء واحد، ولا عليك بعد ذلك، عدني بأن تضع ~~الديوان بعد طبعه في معرض الكتب في دكانك هذا. # الوراق: لك مني هذا، لكني أعيد تحذيري، ليس بين زبائني رجل واحد ~~يشتري الشعر، وليته شعر وكفى، بل هو شعر فارسي! لا يا صديقي، أنا أحدثك ~~الآن حديث الخبير ببيع الكتب وشرائها. # الشاعر: سأطبع القصيدة؛ فانصحني كم نسخة أطبع منها. # الوراق: إذن فاطبع مائتين لا تزد، واسمح ms156 لي مرة أخرى أن أحملك ~~على العدول. إن عيالك أولى بهذا المال على قلته؛ فما اضطرارك إلى ~~طباعة شيء لا يجد قارئا واحدا؟ # الشاعر: لست أدري، لكن روح الخيام لا تمهلني لحظة واحدة، إنها تلح ~~علي وتلحف، ما زالت كذلك حتى ترجمته، وهي ما تزال كذلك، ولن تزال ~~حتى أطبعه. # وطبع الشاعر «رباعيات الخيام »، وأنفق على طبعها مالا كان يحتاجه ~~لقوته وقوت أسرته، طبع منها مائتي نسخة كما أوصاه الوراق، وكان ~~الوراق عند وعده للشاعر - وإنه لوعد سخي كريم - وهو أن يعرض له كتابه ~~الصغير بين ما يعرض من كتب! # عرضت «الرباعيات» وكتب عليها الثمن بما يساوي خمسة وعشرين قرشا، ~~فدخل الزبائن إلى دكان الوراق وخرجوا من دكان الوراق، ثم دخلوا ~~وخرجوا ألف ألف مرة، والرباعيات ملقاة على النضد تضرع إلى كف ~~كريمة تسخو لها مرة واحدة بخمسة وعشرين قرشا! وعلى هذا النحو مرت ~~سنون! # وكان الشاعر يخجله أن يسأل صديقه الوراق: كم بعت من الكتاب لكثرة ~~ما سأل السؤال، ولكثرة ما أجابه الوراق بالجواب: لم أبع منه نسخة ~~واحدة يا صديقي الشاعر. فكتب الشاعر للوراق رسالة صغيرة ذات يوم ~~يهدي إليه الرباعيات بنسخها المائتين جميعا، فما لبث التاجر اليائس ~~من تصريف بضاعته الكاسدة أن أنزل الثمن إلى نصف ما كان، ثم إلى نصف ~~النصف، وهكذا، ولم يجد الكتاب شاريا! # وكان في ركن من أركان الدكان صندوق كبير ألقيت فيه أكداس من كتب ~~قديمة منوعة، وكتب على الصندوق: «الكتاب من هذا الصندوق بنصف قرش.» ~~وفي هذه الحاوية ألقى الرجل بآية الشاعر، بل بآية الشاعرين، وتركها ~~للتراب وعفر جبهتها بما يشاء أن يعفر. # ولكل فولة كيال - كما يقولون - جاء إلى دكان الوراق شاعر مفلس ليس ~~في جيبه إلا بضعة قروش، كما أرادت الأيام للشعراء والأدباء أن يكونوا، ~~لا فرق في ذلك بين كبيرهم وصغيرهم! لكن الشاعر المفلس يريد أن يقرأ كما ~~يريد ذلك سائر عباد الله، بل هو في ذلك أكثر من سائر عباد الله، إذن ~~فليستبضع لنفسه كتابا أو كتابين ms157 من ذوات نصف القرش الملقاة في جوف ~~الصندوق. وشاء القدر أو قل شاءت ربات الفنون أن يدلي الشاعر بيده ~~في الصندوق؛ ليخرج بين أناملها كتابا من «الرباعيات» وقرأ الرباعية ~~الأولى، فقطب جبينه في اهتمام ودهشة، وجعل يقرأ، فإذا الرباعيات كلها ~~سحر وفتنة، وعز عليه أن يشتري نسخة واحدة من هذه الآية العصماء؛ فدفع ~~للتاجر ثمن أربع، وأخذ من الكتاب أربعا! # كان هذا الشاعر المفتون بما قرأ من رباعيات الخيام، هو «روزتي». ذهب ~~إلى داره فلم يستقر له على كرسي قرار، فقصد إلى شاعر صديق على غير ~~موعد. ~~- أي صديق «سونبرن»، خذ، يا صاح، فاقرأ! # وقرأ الشاعر «سونبرن»، ولمعت عيناه من عجب وإعجاب: أنى لك هذا ~~الكتيب يا روزتي؟ ~~- ابتعته من مكتبة هناك في ركن الطريق، ورأيته ملقى في صندوق هناك ~~في ركن المكان! واشتريته بنصف قرش للكتاب الواحد؛ فاشتريت ~~أربعة. # وهم «سونبرن» بالخروج ليشتري لنفسه كتابا، وأخرج مكنون جيوبه كلها ~~سترة وسراويل؛ فلم يجد فيها نصف قرش؛ ذلك لأنه شاعر! فنادى الخادمة ~~واستقرضها قليلا من قروش ومضى. # وأخذ الشاعران يتحدثان في الحلقات الأدبية عن هذا الكشف الأدبي ~~العجيب، والعلم به يزداد انتشارا ويتسع نطاقا. # ودارت دورة الأعوام، وانقضى بعدئذ نصف قرن من الزمان، ومات الشاعر ~~المترجم «فتزجرولد» كما مات من قبله الشاعر المبدع «عمر الخيام». ~~وعندئذ أرسل محب للرباعيات خطابا إلى دكان الوراق، وكان يقوم عليه ~~حفيد الوراق القديم، قال فيه: «ابعث إلي بنسخة كلما طبعت من ~~رباعيات الخيام طبعة جديدة.» # فأجابه الوراق في خطاب رقيق ينبهه على حقيقة قد يكون غافلا عنها، ~~فقال: «إننا نطبع من الرباعيات طبعة كل أسبوع، وتتراوح أثمانها حسب ~~جودة ورقها وغلافها من خمسة قروش إلى عشرة جنيهات للنسخة الواحدة ... ~~وسآمر بحجز نسخة لك من كل طبعة جديدة كما أمرت يا سيدي.» # لكن «فتزجر ولد» كان عندئذ قد بات في رمسه رفاتا! # | السحر والساحر # لو كان معنى السحر هو أن يلتمس الإنسان النتائج من غير أسبابها كنا ~~بحمد الله - الذي لا يحمد على مكروه سواه ms158 - نعيش في بلد السحر ~~والساحرين. # فإذا شهدت إنسانا «يطبل على صفيحة» لكسوف الشمس؛ لعله يزول عنها ~~فتشرق، أو شهدت امرأة عجوزا تخز بالدبابيس تمثالا من الشمع وخز ~~الحانقة الغاضبة، فتفقأ عينيه مرة، وتطعن جنبيه أخرى ثم تلقي به في ~~النار؛ تفعل ذلك لعل العدو الذي يشير إليه التمثال يصيبه ما أصاب صورته ~~على الشمع ، أو شهدت قرويا ساذجا يحمل في جيوبه الأحجية والطلاسم، ~~لترد عنه الضر والأذى؛ لو شهدت واحدا من هؤلاء؛ فماذا أنت قائل؟ وماذا ~~أنت صانع؟ سترتسم على شفتيك ابتسامة ساخرة حزينة؛ إشفاقا على هؤلاء ~~السذج المساكين مما يتخبطون فيه من ظلمات الشعوذة وأضاليل ~~السحر. # وما الشعوذة والسحر هنا إلا التماس النتائج من غير أسبابها؛ فالشمس ~~لا يزول عنها كسوفها بالنقر على الصفائح، والعدو لا يهلك إذا هلك له ~~تمثال من الشمع، وليس سبيل الخلاص من الضر والأذى أن تحمل الأحجبة ~~والطلاسم في الجيوب. # لو كان الساحر ساحرا لأنه يوهم الناس أن يتوقعوا النتائج من غير ~~أسبابها؛ كنا بحمد الله محوطين بالسحرة من كل جانب، يكاد كل منهم ~~يلقي بعصاه، فإذا هي حية تسعى! # وإن شئت فاقصد إلى من شئت من ساستنا - أو من هم في طريقهم أن يكونوا ~~ساسة لنا - اقصد إليهم وهم يروجون لأنفسهم بين ناخبيهم، فإذا الواحد ~~منهم يبدي من سحره للناس ما يزري بسحر بابل كلها، ومصر القديمة ~~والهند والسند وبلاد الأفيال جميعا. فأصغر سياسي منا قادر - ولله ~~الحمد على آلائه ونعمائه - أن ينقر بعصاه نقرة، أو يزمر بمزماره ~~زمرة، فإذا البلاد قد تقشع عنها كل مرذول كريه، فلا جهل بعدئذ ~~ولا فقر ولا مرض! # فلئن كان الجهل يزول في بلاد الأرض طرا بالمدارس تقام، ~~وبالمدرسين يدربون، وبالمناهج تعد، وبالكتب تكتب وتطبع؛ فزوال ~~الجهل عندنا لا يريد هذا العناء كله، فقد تكفيه خطبة أو خطبتان، ومقالة ~~أو مقالتان ... نعم، إن زوال الجهل عن بلادنا يكفيه أن نصنع له مسخا من ~~الشمع، نعطيه لامرأة عجوز، تخزه بدبابيسها في جنبيه وفي عينيه، ثم ~~تلقي به في ms159 النار، فإذا الأمية قد امحي عارها، وإذا الناس جميعا ~~قد انقلبوا قراء كاتبين! # ولئن كان زوال الفقر في بلاد الأرض طرا مرهونا بزيادة وسائل ~~الإنتاج، واصطناع الآلات، وتكوين العقول الصناعية والتجارية التي تأخذ ~~مسائل الاقتصاد مأخذ الجد الذي لا يريد هزلا ولا مزاحا؛ فزوال الفقر ~~عن بلادنا أمره أيسر من ذلك سبيلا وأهون طريقا ، إنه لا يكلفنا إلا ~~قطرات من مداد ننثرها على الصحائف هنا وهناك، والله بعد ذلك قادر على ~~أن يجعل من هذه الطلاسم قوة قاصفة عاصفة، كأنها الريح العاتية هبت ~~من قماقم الشياطين؛ فلا ترى العين بعدها عاريا إلا اكتسى، ولا جائعا ~~إلا شبع، ولا مشردا إلا أوى إلى بيت. # وإذا كان المرض في بلاد العالم كلها يحتاج إلى مستشفيات ومعدات ~~وأطباء ودواء، وفحص ورقابة ورعاية وعناية تتآزر في سبيلها الحكومات ~~والأفراد جميعا؛ فهو عندنا لا يتطلب شيئا من هذا كله، فلا أكثر من ~~ضربة يضربها الخطيب بجمع يده على منضدة أمامه، أو سجعة يسجعها الكاتب ~~في مقال تنشره له الصحف ... وبعد ذلك فانظر كيف يجيء البرء للمرضى بين ~~عشية وضحاها، انظر كيف يقوى السقيم، ويعتدل الكسيح، ويبصر ~~الأعشى! # ولو قد كانت الأمور في بلادنا مستقرة مطمئنة هادئة؛ لانحصر فعل ~~السحرة في نطاق ضيق غير ذي خطر؛ لأن الناس لا يلتمسون أفاعيل السحر إلا ~~حين يشتد بهم الضيق ويزداد الحرج، فما أيسر أن ينساق الناقم الساخط ~~القلق المضطرب لسحر الساحر؛ لأنه يريد شعاعا من الأمل حتى لو كان ~~كاذبا. فمن وعده بإزالة الجهل عنه في شهر أو شهرين، خير ممن يدقق له ~~ويحقق ويتأنى ويتمهل، ومن وعده بعلاج الفقر والمرض جميعا في يوم أو ~~يومين خير له آلاف المرات ممن يقف عند أرقام الإحصاءات، يستقرئها ~~ويستوحيها؛ عسى أن يهتدي بهديها إلى صراط مستقيم، لكنه على استقامته ~~طويل لا يعلم إلا الله متى ينتهي، وإلى أين ينتهي. # نعم، إن المصلح الجاد الذي يحترم عقول الناس لا يتوقع إلا النتائج ~~القليلة في الزمن القليل، ثم هو لا يتوقع هذه ms160 النتائج القليلة إلا من ~~أسبابها الصحيحة. وأما الساحر فهو الذي يستطيع - مستعينا بسحره - أن ~~يبشر الناس بنتائج لا تعرف قيودا ولا حدودا، فأي الرجلين ~~نختار؟ # إلى الساحر وسحره يا قوم، بقضكم وقضيضكم، وحسبه فضلا أنه يزخرف ~~لكم الآمال، في هذه السنين التي استحكم فيها اليأس، وخاب ~~الرجاء. # | عريان يحلم # لو قيل لي: ما الكتاب الواحد الذي تتمنى أن يذيع في الناس ويشيع، وأن ~~يستوعبه الناس درسا وتمحيصا؛ لعله يصور لهم أنفسهم تصويرا يثير فيهم ~~الضحك والسخرية، فيستقيم لهم بذلك من أنفسهم عوج، ويرتدوا إلى نهج قويم ~~وطريق مستقيم؟ لأجبت في غير تردد: هو قصة دون كيشوت! # ولا بد أن يكون القارئ قد ألم بطرف من قصة هذا الحالم الواهم، ~~الذي قرأ كثيرا عن الفروسية والفرسان في سالف الأزمان فأعجبه ما قرأ، ~~فتوهم نفسه فارسا من هؤلاء، وامتطى صهوة جواد له نحيل هزيل، وأمسك ~~بسيف صدئ متآكل مثلوم، وراح ينسج على غرار الفرسان الأقدمين ... ولكنه ~~نسج لم يجاوز به دائرة أوهامه وأحلامه، فيطعن الهواء بسيفه، وهو ~~يتوهم أنه يطعن السيف في أحشاء الأعداء، ثم يغمد السيف في قرابه، وهو ~~يتوهم أنه قد انتصر! # ولا بد كذلك أن يكون القارئ قد لحظ أن كثيرا جدا من الناس ~~يشبهون «دون كيشوت» إلى حد بعيد أو إلى حد محدود؛ فتراهم ينسجون ~~حول أنفسهم نسيجا من أوهامهم، يعيشون فيه ثم يخيلون لأنفسهم أنهم إنما ~~يحيون ويتحركون في عالم الواقع ... ويزداد هذا الانحراف في الإنسان كلما ~~كان أميل إلى الطفولة في نفسه وعقله؛ إذ يتميز الطفل بشدة هذا النوع من ~~الخيال الذي يختلط عنده بالواقع، فيركب عصاه موقنا أنه على فرس، أو ~~يجلس على وسادة حاسبا أنه في مركب أو قطار ... فانظر - مثلا - إلى هذا ~~الرجل الذي أوهم نفسه بأنه عين من أعيان القوم وذات من ذواتهم، ثم ~~أبى على نفسه بعد ذلك إلا أن يكون في معاملته للناس شاذا نابيا؛ ~~لأنه يخشى لو اعتدلت أساليبه واستقامت، ألا يعده الناس ذاتا ولا ~~عينا، فتصطدم أحلامه بالحقائق ms161 ويهوي إلى الأرض حطاما. # لكن الحديث يطول بنا لو جعلنا نتعقب الناس مرأة مرأة ورجلا ~~رجلا، لنحلل ما أحاطوا أنفسهم به من أوهام استراحوا إليها وعاشوا في ~~أكنافها سعداء، فما ضرنا أن يسعد الناس بالأوهام والأحلام؟! # إنما الخطر كل الخطر، والضرر أبلغ الضرر، أن تصاب الأمة بهذه ~~النزعة «الكيشوتية» فتعيش في أوهامها وتستغرق في أحلامها، والدنيا من ~~حولها ساهرة واعية، لا تحرك قدما إلا بحساب ولا تفعل فعلا إلا مهتدية ~~بالأرقام ... إن أخشى ما أخشاه أن تفكر معي، فينتهي بنا التفكير إلى أننا ~~أمة من هذا الطراز الحالم! # نعم، إن هذه الشطحات «الكيشوتية» ملهاة مسلية حين تحكى عن ~~الأفراد، لكنها مأساة أي مأساة حين تروى عن الأمم؛ فقد يحكى لك - ~~فتضحك - أن رجلا فقيرا يلبس الهلاهيل، قد أراد له الله يوما أن يصنع ~~صنيعا حسنا، فجزاه السلطان بلقب عظيم من ألقاب الإمارة، لكن الرجل ظل ~~جائعا عريانا رغم لقبه الذي خلع عليه، غير أن صاحبنا كان موفور ~~النصيب من أوهام «دون كيشوت»؛ فاستمد من أوهامه تلك غذاء وكساء، حتى ~~كان شتاء قارس البرد، فشكت إليه زوجته من لذعة البرد وعضة الجوع، ~~فانتهرها قائلا: إذا كنا ونحن الأمراء نشكو بردا وجوعا؛ فماذا يقول ~~الفقراء؟! # قد يحكى لك ذلك عن الفرد الواحد فتضحك، أما أن يروى لك أمثال ذلك ~~عن الدولة؛ فمأساة تشيع في النفس أسفا وحسرة ... ولأضرب لك مثلا ~~واحدا من أمثلة كثيرة اختزنتها في رأسي: # لإنجلترا في مصر معهد أو معاهد، أنشأتها لتكون مراكز لنشر الثقافة ~~الإنجليزية، واللغة الإنجليزية، فاهتزت نفوسنا هزة «كيشوتية» وقلنا: ~~ولماذا لا نقف من إنجلترا في هذا موقف الند للند، لماذا لا ننشئ ~~معهدا في لندن ينشر لنا الثقافة المصرية في بلاد الإنجليز، كهذا ~~المعهد الذي أنشأته إنجلترا في القاهرة لينشر لها الثقافة الإنجليزية؟ ~~... وما هو إلا أن أرسل الموظفون كبارهم وصغارهم إلى لندن، وفرشت هناك ~~الحجرات الفاخرة بأفخم الأثاث، وبدأ المعهد ينشر الثقافة ~~المصرية. # وشاء لي حسن الحظ - أو سوءه - أن أدخل ذات يوم غرفة ms162 الدرس في المعهد ~~المصري بلندن، وهي الغرفة التي أعدت لتشع منها أضواء الثقافة ~~المصرية في بلاد الإنجليز، فرأيت هنالك صفا من مقاعد أمامه سبورة، ~~كتب عليها بالحروف المتقطعة: ض ر ب، ق ت ل ... إلخ، واستفسرت كم يكلف ~~الدولة نشر الثقافة المصرية على هذا النحو في بلاد الإنجليز؟ فقيل: كذا ~~ألفا من الجنيهات لست أذكر عشرة أو عشرين. # يا سبحان الله العلى العظيم! أنا الذي أجد حولي من أبناء بلدي ملايين ~~تبيت على الطوى، بالمعنى الحرفي لهذه الكلمات، وتلبس الهلاهيل بالمعنى ~~الحرفي لهذه الكلمات، وتجهل القراءة والكتابة، تسول لي نفسي الواهمة ~~الحالمة أن أبعثر مالي يمينا ويسارا؛ لأزيل الأمية في بلاد الإنجليز! ~~... ثم يمضي بعد ذلك عامان، فماذا تظننا قد فعلنا في ضوء خبرة العامين؟ ~~أتظننا قد قضينا على هذا الهذر، وحولنا شآبيب المال إلى أبناء هذا ~~البلد نكسوهم ونغذوهم ونعلمهم؟ لا والله؛ فنحن أمة تدين بمبدأ هو أن ~~«الجرن الكبير خير من شماتة الأعداء» ماذا يقول عنا العاذلون لو أنا ~~أقفلنا معهدا أنشأناه لنشر الثقافة المصرية؟ ألا يقولون عندئذ إننا ~~أمة بغير ثقافة تنشرها؟ فلننشئ - إذن - معهدا مصريا آخر في واشنطن ~~ينشر الثقافة المصرية بين الأمريكان! # ثم ماذا؟ ثم هذه الثقافة المصرية التي زخرت بها رءوسنا حتى فاضت، ~~وامتلأت بها صدورنا حتى طفحت، لا بد من نشرها كذلك في بلاد الشرق ~~كلها، فابعثوا بالمدرسين أفواجا أفواجا، وادفعوا لهم من أموال الدولة ~~ما يزيد على خمسين ألفا من الجنيهات كل عام - فيما أعلم - لكي يقال ~~إن مصر منارة ترسل الضوء هنا وهناك ... وأنت كافر بنعمة الله لو اضطربت ~~نفسك بالقلق إزاء هذا كله؛ فقلت لأولي الأمر إن أبناءنا في مدارسنا قد ~~يظلون في فصولهم بغير مدرس أشهرا ثلاثة أو أربعة في أول العام، فحرام ~~أن تضيعوا أبناءنا لتنشئوا أبناء الآخرين. # لكن هل كان يمكن إنسان أن يقنع «دون كيشوت» وهو سابح في أوهامه ~~وأحلامه، أنه لا يطعن السيف في أحشاء الأعداء، بل طعنه في ~~الهواء؟! # اللهم زدنا وهما على وهم، ms163 لنستمد من عرينا كساء، ومن جوعنا غذاء، ~~ومن جهلنا علما. # | جمل في حركة المرور # عند ملتقى شارع شامبليون بشارع الأنتكخانة، على بعد أمتار قليلة من ~~ميدان سليمان باشا، وقف شرطي المرور بحلته البيضاء الناصعة ~~وكميه الأسودين، باسطا يمنى ذراعيه، ليمنع بها المرور في أحد ~~طريقيه. # ونظرت إلى السيارات الممنوعة عن السير حينئذ - وكنت قد خرجت من ~~توي من حيث أقيم، مكروب النفس محزون الفؤاد - فإذا ضحكة تنطلق من ~~صدري نقية خالصة لوجه الله؛ ذلك أني رأيت جملا واقفا في حركة ~~المرور. # وقفت السيارات متزاحمة في أحجام مختلفة وألوان متباينة، فهذه سيارة ~~نقل كبيرة تحمل أكداسا من القش المحزوم، وهذه سيارة أنيقة مزخرفة ~~لامعة فيها سيدتان جميلتان، كانتا تطفحان بالزينة، ثم هذه وهذه وتلك ... ~~وقفت كل هذه السيارات متزاحمة متحفزة للجري، كأنها جماعة من كلاب ~~الصيد، قد تأهبت على أطرافها مرهفة الأذان محدقة العيون تنتظر من ~~سيدها إشارة خفيفة، لتنطلق مع الريح إلى حيث قناص الصيد. # وأما الجمل، فقد وقف بينها شاخصا ببصره إلى الأفق البعيد. ونظرت إلى ~~عينيه فرأيت فيهما ازدراء وامتعاضا. وقف الجمل في حركة المرور هادئ ~~الأعصاب، قد أرخى أعضاءه عن طمأنينة ودعة؛ فشتان ما كان بين هدوئه ~~هذا وتحفز السيارات التي حوله تأهبا للوثوب! هو في اطمئنانه لا يكاد ~~يفرق بين حركة ومسير. أما هي فقد وقفت تمغص بأمعائها، كأنها لا تريد ~~للحركة الدائبة أن تقف، فلما وقفت لحظة، هاجت أحشاؤها حتى لتوشك أن ~~تتميز من الغيظ. # الفرق بين الجمل في استرخائه ذاك، وبين جاراته اللائي وقفن مختلجات ~~الأعصاب، مضطربات الأبدان، هو بذاته الفرق بين مدنية ومدنية! هو الفرق ~~بين مدنية ذهب زمانها وانقضى، ومدنية لها اليوم سيادة وسلطان، هو فرق ~~بين مدنية قديمة لم تعرف للزمن قيمة، فآثرت أن تسير الهوينا على غير ~~عجل، ومدنية حديثة تستقطر الزمن كل لحظة فيه؛ لكي يجيء عمر الفرد ~~مترعا مليئا، وتجيء حياة الأمة منتجة خصيبة، هو فرق بين عهد ~~الرماية بالقوس في الحروب، فتصرع العدو رجلا رجلا، وبين عهد ms164 القنبلة ~~الذرية فتسحق الأعداء بلدا بلدا، هو فرق بين عصر كان الإنسان يغزل ~~فيه نسجه بيديه، وقد ينسج الثوب الواحد في عام كامل! وبين عصر تخرج ~~فيه الآلات نسجها أثوابا كل يوم ... هذا هو الفرق بين الجمل الذي وقف ~~هادئا في حركة المرور وبين جاراته المتوثبات المتحفزات ... والعجيب أن ~~الجمل لم يدرك تخلفه عن زميلاته، فراح يشخص إلى الأفق بنظرات ناعسة ~~مسترخية، فيها ازدراء وامتعاض! # وسارت حركة المرور بسياراتها وجملها، ومضيت في طريقي، فما كدت أستقر ~~في مكان قريب حتى سألت نفسي: ما الذي أضحكك لما رأيت الجمل واقفا في ~~حركة المرور؟ # أيكون ذلك؛ لأن الجمل كائن حي والسيارات من حوله آلات جامدة، وخضوع ~~الأحياء لما تخضع له الجوامد يثير الضحك، كما ترى رجلا انزلق على ~~الطين فوقع على الأرض، فتضحك لأنه قد تصرف كما يتصرف الجماد الأصم؛ إذ ~~خضع للجاذبية، وسقط كما تسقط قطعة الحجر. # لكني سرعان ما عدت إلى نفسي قائلا: فيم هذا الإغراب في التحليل ~~والتعليل؟! إن مبعث الضحك حين رأيت الجمل بين السيارات في حركة المرور، ~~هو رؤيتك منظرا لم تكن تتوقع أن تراه. إن سر الفكاهة كلها هو في وضع ~~الشيء في غير موضعه المنتظر، فإذا رفع ستار المسرح - مثلا - عن قرد، ~~وكنت تتوقع إنسانا، انطلقت منك الضحكات لا تملك حبسها، وإذا رأيت ~~القرد يتحرك حركات آدمية، وكنت تتوقعها منه حيوانية كالتي تعهدها في ~~سائر الحيوان، انطلقت ضاحكا، وهذا هو نفسه ما يضحك حين يتصرف الأطفال ~~تصرف الرجال. # فالذي أضحكني في الجمل حين وقف المسكين بين بنات عصر غير عصره هو ~~بعينه ما يضحكني لو رأيت رجلا شيخا متهدما يلعب الكرة مع فئة من ~~الشباب القوي الفتي، الوثاب السريع! أو هو ما يضحكني لو رأيت سلحفاة ~~ثقيلة متحجرة، وقفت إلى جانب صف من الجياد في حلبة السباق! # يا ويح نفسي لو نظرت فرأيتنا بين بلاد العالم المتحضرة بمثابة الجمل ~~الذي وقف مع السيارات في حركة المرور! # أليس من حقي أن أضحك ملء شدقي إذا ما ms165 رأيت الشادوف في القرن ~~العشرين لا يزال يئن تحت أصابع الفلاح، ورأيت المحراث لا يزال يشق ~~الأرض إصبعا إصبعا، ورأيت النقل لا تزال أداته الحمار! والعجيب - بل ~~إنه لأعجب العجب - أننا ننظر إلى الأفق كما كان ينظر الجمل، بنظرات ~~ناعسة مسترخية، فيها امتعاض من مدنية عصرنا، وفيها ازدراء! # لكني، رغم هذا كله، أكبرت في الجمل أن يخضع لقيود الحضر، بعد أن ~~عودته البادية طلاقة وانسيابا؛ ففي التزامك لقواعد المجتمع الذي تعيش ~~فيه معنى جميل من معاني المدنية، بل لعله المدنية في أرقى ~~معانيها. # وإن في مراعاة الجمل لحقوق غيره لدرسا يلقيه على كثيرين وكثيرات، لا ~~أقول من عامة الناس وسوادهم، بل من العلية والذوات. # | نملتان في الفلفل # جلس الشيخ في دكانه محزونا، اعتمد رأسه على راحتيه، وجعل يفكر: ~~ماذا أنا صانع يا رباه في جحافل النمل التي تهجم على سكري في ظلمة ~~الليل؟ إنها لتأكلني أكلا؛ إذ هي تأكل قوت عيالي، وإني لعائل أسرة ~~أكاد أنوء بحملها الثقيل. لو كانت النمال مما يرعى مبادئ الأخلاق؛ ~~لناشدتها الضمائر ألا تسطو على ملك غيرها، فحرام عليها أن تستريح ~~بياض النهار في أعشاشها، حتى إذا ما سترها الليل بعتمته ملأت بطونها ~~مما كد غيرها في جمعه وكدح، حتى تندى منه بالعرق الجبين، لكن - وا ~~أسفاه! - ليس للنمل أخلاق يراعيها. # وتحير الشيخ في أمر هذا النمل؛ كيف يعرف موضع السكر، وإنه لخبيء في ~~علبة محكمة الغطاء. وإن الشيخ ليغير مكان العلبة كل مساء فيضعها ~~على الرف مرة، وتحت النضد مرة، ويكسوها باللفائف تارة، ويعلقها في ~~الهواء طورا، لكن النمل يعرف! # ولمعت فكرة في رأس الشيخ كاد يثب لها في مقعده: أما والله إني ~~لأحمق مأفون، أضع إصبعي في الفخ حتى إذا ما ضغط الفخ على إصبعي، صرخت ~~من ألم! ألم أكتب على الصناديق بيدي هذه بطاقات، تعلن عما في بطونها ~~فلمن كتبت - يا أحمق - هذه البطاقات، إن لم تكن للنمل يقرؤها في ~~الليل؟ وإنه لذو بصر حديد، فيعرف موضع السكر من الدكان في حندس ms166 الليل! ~~لأنزعن من فوري هذه البطاقات عن أماكنها، وكفاني من بلاهتي ما لقيت ~~كفاني ... ونهض الرجل في حماسته لينزع ... # لكن لا، لقد لمعت عيناه بفكرة أخرى، فكرة افترت لها شفتاه بابتسامة ~~عريضة، ثم انفجرت بقهقهة عالية ... أأنا الرجل الذي يغلبه النمل على ~~أمره، وإن عد النمل بالألوف لا بآحاد وأفراد؟! أأنا الرجل الذي ~~يغلبه النمل على أمره ثم لا ينتقم؟! فيم إذن كان مقامي في حلقات ~~العلم أعواما إن قصرت بي عن ختام العلم فقد دنت منه! ويحك الليلة مني ~~يا نمال! # ونزع الرجل في زهو الظافر بطاقة السكر ووضعها على علبة الفلفل، وكتب ~~الفلفل على علبة السكر. ~~- سيأتي النمل الليلة أسرابا كعهده، وسيقرأ العنوان فيظنه دالا ~~على مضمون الكتاب، وسيدخل علبة الفلفل، وفي وهمه أنه سيجد حلاوة كل ~~يوم، وما كل ما يتمنى المرء (يا نمل) يدركه، تأتي الرياح (يا نمل) بما ~~لا تشتهي السفن. # وأوشكت الخطة أن يصيبها الفشل؛ إذ جاء النمل ولم يقرأ، بل اشتم ~~وانصرف، إلا نملتين حفظتا القراءة في مدرسة من مدارس الإلزام، فقرأتا ~~وضحكتا من جهل الأخوات، وتسللتا إلى السكر الموهوم، فإذا داخل العلبة ~~ديجور لم تعهداه فيما سلف من الليالي. وبينا هما تسعيان وراء الرزق، ~~صدمت نملة منهما نملة في بعض الطريق: ما لك الليلة؟ ماذا ~~دهاك؟! ~~- عتمة لم أعهدها هنا، يا أختاه. ~~- لست أرى في الأمر اختلافا عن المألوف. ~~- بل ألفت أن يتسرب من سماء هذا المكان شعاع ضئيل من الضوء يعكس ~~شيئا من بياض. وإذا الأمر كله الليلة في عيني سواد في سواد، ثم ~~ألفت أن أسير على منبسط فسيح، فإذا بي الليلة أدور مع موطئ القدم ~~حيث يدور، ثم ... لست أدري، يا أختاه، ماذا دهاني؟ لعله مرض في جوفي ~~تغيرت معه طبيعة دنياي، ثم ألفت على اللسان حلاوة، فإذا بالشيء ~~يلسع الليلة لساني لسعا أليما، حتى ليكاد اللسان من حدة اللسع ~~يحترق. ~~- لك الله يا مسكينة، ألا إن الأرض هي الأرض والسماء هي السماء، ~~والمأكل كعهدنا به طيب حلو المذاق، ms167 غيري من جوفك تتغير الدنيا في ~~عينيك. ~~- أواثقة أنت أننا في علبة السكر؟ ~~- قرأت العنوان بعيني، وأذوق الطعم الآن بلساني، وليس إلى الشك عندي ~~من سبيل. وفيم الريبة والسؤال؟ دونك المكتوب فاقرئيه، وليست الرحلة ~~إليه بشاقة ولا عسيرة. ~~- سأفعل، لا ارتيابا في صدق ما تقولين، ولكن ليطمئن قلبي. # وخرجت النملة إلى ظاهر العلبة، ثم عادت والتقت بأختها بعد تعثر في ~~الطريق، وبحث في الثنايا هنا وهناك. ~~- صدقت، إنه السكر لا شك فيه. ~~- لا «يا أختاه» بل كل الشك فيه. ~~- وي! ماذا تقولين؟ ماذا تظنين؟ ~~- كأنه «يا أختاه» حب فلفل، إني لأحس الآن ما تحسين، فسواد شديد ~~حالك يسد علي مسالك الطريق، وانبعاج في الأرض لا يكاد يمكنني من ~~السير، ثم طعم لاذع يذيب اللسان ويمزق الأحشاء. ~~- لكنه السكر، والبدال لا يخطئ الترقيم. ~~- نعم، لا بد أن يكون سكرا؛ لأن البدال لا يخطئ الترقيم. ~~فصبرا جميلا، حتى نملأ جوفينا مما رزقنا الله، وإنه لحلو مستساغ. وإن ~~كره البصر واللسان والأحشاء جميعا! # وأصبح الصباح وعاد النمل إلى عشه، لا لتستريح النملتان هذه المرة من ~~عناء الليل، بل لتتلويا من عذاب أليم كلما مغصت في جوفيهما الأمعاء، ~~والتقت المسكينتان في منبطح من العش. ~~- ليتنا ما أكلنا السكر! ~~- السكر؟! ~~- وماذا عساه في ظنك أن يكون؟ ~~- اسمعي يا أختاه، لقد ذهبت مع ظلمة الليل غفلتي، وعادت إلي مع ~~ضوء النهار حكمتي. إن هؤلاء الناس لأصحاب خدعة، فما فتئوا الدهر ~~يخدعون ويخدعون، إني لأعلم من أمرهم ما لا تعلمين، بل لعلي أعلم منه ~~ما ليس يعلمون. ~~- ماذا تريدين؟ ~~- سأوضح لك الليلة ما أريد. # وجاء المساء وخرجت النملتان، نملة تهدي وأخرى تهتدي. ~~- تعالي معي فادخلي خزانة الكتب، أمسكي هذا الكتاب، ما ~~عنوانه؟ ~~- من الفلسفة الإسلامية. ~~- ومن كاتبه؟ ~~- شيخ جليل في طليعة الشيوخ. ~~- دونك فاقرئيه، ماذا ترين فيه؟ ~~- لست والله أطالع فيه إلا فقها، وما إلى الفقه. ~~- نعم، وسماه فلسفة ليدخل المريدون خلال العنوان إلى فلسفة، فإذا ~~بهم في فقه يتقلبون. كما دخلنا ليلة أمس على بطاقة من ms168 سكر، فإذا الفلفل ~~يملأ منا الأمعاء والبطون ... وهذا الكتاب الآخر، ما عنوانه؟ ~~- خواطر الأديب. ~~- ومن كاتبه؟ ~~- علم من أعلام القلم. ~~- دونك فاقرئيه، ماذا ترين فيه؟ ~~- لست والله أرى فيه إلا خليطا من معرفة، لا هي إلى العلم في ~~دقته، ولا إلى الأدب في جمال صورته. ~~- نعم، وجعله الكاتب أدبا؛ ليتسرب إليه الراغبون في أدب ، فإذا هم في ~~مرج آخر يمرحون ... اخرجي من بطون الكتب، وهيا بنا إلى الحياة العريضة في ~~المنازل والشوارع. انظري هناك، ماذا تبصرين؟ ~~- كومة من قمامة ... لا بل هو آدمي يتحرك. ~~- هذه القمامة البشرية يسمونها مدنية شرقية. ~~- كلا، لا تمزحي، بل ... ~~- وانظري هناك، ماذا تبصرين؟ ~~- شرطي يضرب إنسانا في عرض الطريق. ~~- وهذا الطغيان الساري يسمونه مدنية شرقية. ~~- كلا لا تمزحي، بل ... ~~- وانظري هناك، ماذا تبصرين؟ ~~- كأني به مريض محموم أحاط به ذووه. ~~- وهذه الجهالة يسمونها مدنية شرقية. ~~- كلا لا تمزحي، بل ... ~~- وادخلي هذه الدار فانظري، ثم ادخلي جماجم الرءوس وانظري، وسترين ~~شيئا عجبا يسمونه مدنية شرقية. ~~- كلا، لا تمزحي، بل المدنية الشرقية شيء غير هذا كله، سمعتهم هكذا ~~يقولون. ~~- وأنا سمعت آخرين يقولون: إن المدنية لا تكون شرقية ولا غربية، إنما ~~هي علم يعلمه الإنسان أنى كان، وفن خلقه الإنسان أنى كان. فحيثما ~~وجدت الجهالة والمرض، وجدت ماذا؟ ~~- لكنهم يقولون ... ~~- ويحك من نملة حمقاء! أفتنصتين بعد لما يقولون؟! إن المؤمن لا ~~يلدغ من جحر مرتين، ألا يكفيك ليلة واحدة قضيناها في علبة ~~الفلفل؟! # | مراحل الطريق ... # استمع إلى صيحة الوليد! إنه ينذر العالم بقدوم عضو جديد ... إن كل ما ~~في الدنيا يؤلمه ويؤذيه؛ فقد فاجأته الحياة بضرورة التنفس والتنفس مؤلم ~~لرئتين لم تعهداه من قبل، وتدفقت على عينيه أشعة الضوء، والضوء شديد ~~على عينين كانتا مغمضتين حتى الساعة. وازدحمت أخلاط الصوت في أذنيه، ~~والصوت يؤذي أذنين لم يقرعهما طارق إلى اليوم، وبرد الهواء يلفح جسما ~~ما عرف إلا جوفا دفيئا ... كل ما في الدنيا إذن يؤلمه ويؤذيه، ولكنه ~~ادرع قبل قدومه بما يصونه ويحميه، ادرع بلادة الحس، فالضوء ms169 المتوهج ~~خافت في عينيه، والصوت القوي همس ضئيل في أذنيه، ولم يكفه هذا، بل ~~هيأت له الطبيعة أن يغط معظم يومه في نوم عميق، لا يدرك ما تموج ~~به الدنيا من حوله ... ويكبر الوليد ويكبر، فيكشف عن دنياه شيئا فشيئا، ~~مدفوعا في كشفه بقوة تغريه بالتطلع واكتساب العلم، حتى إنه ليمس كل ~~شيء ويلقم كل شيء! وأداته في ذلك كله هي اللعب، فما يزال الطفل يلهو ~~بطبيعته ليخبر الحياة عن طريق لهوه، حتى يدركه الشباب. # والشباب هو البرزخ بين لعب الطفولة وجد الرجولة، وحلقة الاتصال بين ~~تواكل الفرد على أسرته، واعتماده على نفسه. الشباب ينزع بطبعه إلى ~~الفوضى وحب الذات؛ لأن الدنيا لم تعلمه فيما سلخ من عمر إلا درسا ~~واحدا: يأمر فيطيع الوالدان. والشباب مغامر مخاطر يميل إلى المبالغة ~~والغلو؛ لأن به نشاطا فياضا يريد أن ينطلق في هذه المغامرة ~~والمخاطرة والإسراف. ولقد قيل إن الرجل يكون شابا بمقدار ما فيه من ~~حب لركوب الخطر، ومن سمات الشباب كذلك أن يضيق بالقانون وينفر من ~~النظام؛ لأن القانون ضرب من القيد، والنظام نوع من الغل، فأين يصب ~~نشاطه الحبيس؟ إن أوضاع المجتمع قد تطالبه بالسكون، مع أن طبيعته ~~الحيوية تدعوه إلى جلبة وضوضاء. والشباب يحيا في حاضره أكثر ما يحيا، ~~لا يأسف على أمس ولا يعبأ بالغد. فلئن كانت الطبيعة قد ثلمت إحساس ~~الوليد ليكون بنجوة مما حوله، فقد أرهفت إحساس الشاب حتى ليكاد يلتهم ~~ما حوله التهاما؛ لأن كل شيء حوله ما يزال جديدا، ولم يبلغ بعد من ~~سعة التجربة أن يرى الدنيا صورة مكررة مملولة. إن الحياة في عين ~~الشباب خلابة ساحرة جديرة أن ينغمس فيها الإنسان ليستمتع بطيباتها؛ ~~ولهذا قيل إن الشباب هو الحياة، وأما رجال الأربعين وما بعدها فلا ~~يعيشون إلا في ذكرى الشباب الدابر. وأفدح الكوارث أن يخلو هذا الشباب ~~الفتي القوي من الحكمة التي تهديه، وأن يفرغ الرجل المجرب العارف من ~~الشباب الذي يستطيع التنفيذ. # أواه لو عرف الشباب # وآه لو قدر ~~المشيب! # فلقد ms170 يقنع الرجل بمشاهدة اللعب، وأما الشاب فلا يرضيه إلا أن يكون ~~من اللاعبين! إنه يؤثر حلبة الرياضة على قاعة الدرس. وهل تراه أخطأ ~~الاختيار؟ لا؛ إن أول ما نطلبه للرجل الكامل هو، كما يقول نيتشه: «أن ~~يكون حيوانا كاملا.» فخليق بالتربية أن تستمع إلى صوت الطبيعة في ~~ميول الشباب، وأن تعنى بتثقيف الأجساد في الملاعب كما تعنى - على ~~الأقل - بتغذية العقول بالتفكير النظري. # ولكن الشباب لا يستنفد نشاطه كله في فاعلية الجسد، بل إن موجة ~~المراهقة ما تكاد تغشاه حتى يأخذ في شيء من التفكير الذي لم يكن له ~~به عهد من قبل؛ فهو كثيرا ما يتأمل نفسه ويفكر في العالم من حوله، ~~وتعجبه النظريات؛ لأنها تفسر له معاني ما يرى من أشياء. تراه يكثر من ~~السؤال: ما هذه الدنيا؟ ما أصلها؟ إلام تصير؟ ما الروح؟ وما الله؟ إن ~~العقل في هذه السن جياش فوار، والحس مغمور مأخوذ بجمال كل ~~شيء. # وما هي إلا أن يكشف الشاب عن الحياة سترها قليلا قليلا؛ فيرى السوء ~~فيزعجه، لأنه لم يكن يتوقعه! ماذا؟ ألم أكن في أسرتي عضوا في جماعة لا ~~تعرف سوى المحبة والعطف والتعاون، القوي يعين الضعيف، ورزق الكاسب ~~مشاع للجميع؟! فما لي أرى المجتمع الأكبر لا يفهم إلا التنافس ~~والقتال؟ يتنازع أفراده على البقاء كأنما البقاء ضيق محصور! ما لي أرى ~~المجتمع الأكبر يمحو الضعيف محوا، ويسحق الفقير سحقا، ليخلو المكان ~~للقوي الغني؟ هكذا تتردد الخواطر في نفس الشاب مبهمة غامضة، فيثور، ~~فيصيح في وجه العالم: أن خذوا أيها الناس مبدأ الحياة من مبدأ الأسرة؛ ~~ليعيش الأفراد في تعاون الشقيق. وهكذا تبدأ المبادئ الاشتراكية، ~~ويعلو صوتها من صفوف الشباب! ولكن وا حسرتاها! إن هذا الشباب الطموح لا ~~يلبث أن ينساق أمام تيار الحياة الجارف، فتأخذه الحماسة لشخصه بعد ~~قليل، وتشتد به حتى لا يعود يرى في الدنيا إلا نفسه، وتسيطر عليه رغبة ~~الملك، فيدلي بدلوه في دنيا التنافس ليختطف به ما وسعه أن يختطف من ~~قوة ومال! وهكذا تخمد ثورة ms171 الشباب، وتسير قافلة الحياة ... تسير آمنة من ~~معاول الشاب الهادمة؛ لأن الشاب قد أحب فتزوج. # وإذا تزوج الشاب فقل على شبابه العفاء! فها هنا يبدأ طور جديد، ها ~~هنا تبدأ مرحلة الرجولة من مراحل الطريق، فيعرف ما العمل وما عبئه ~~الثقيل، وتخضع العاطفة لقيود القانون والمجتمع ... هنا تنتهي قصيدة ~~الحياة الشعرية ويبدأ نثرها! # ولكن للرجولة حسنة كبرى وفضلا عظيما؛ فهي الوسط الذهبي بين طرفين ~~من الغلو، فورة الشباب من ناحية، وخمود الشيخوخة من ناحية أخرى ... ~~الشباب يعتمد في كسب العلم الجديد على إلهام الغريزة، والشيخ يركن إلى ~~العلم الراكد الجامد، فيستوحي منه النتيجة الجديدة عن طريق القياس. ~~وأما الرجولة فتعمد إلى الاستقراء، استقراء الأمثلة التي تجمعها من ~~الطبيعة لتصل إلى العلم الجديد ... الشباب لعب، والشيخوخة راحة مطلقة. ~~وأما الرجولة فشأنها العمل المنتج ... الشباب مليء بالفن، والشيخوخة ~~نزاعة إلى الدين. وأما الرجولة فمشغوفة بالعلم قبل كل شيء. الشباب ~~خيال مبتكر، والشيخوخة ركون إلى ذكريات الماضي. وأما الرجولة فعقل ~~مفكر مدبر ... في الشباب ثورة، وفي الشيخوخة جمود. وأما الرجولة ~~فتستمتع بالحرية، والحرية بمعناها الصحيح مرحلة بين الثورة والجمود ... ~~في الشباب جرأة إلى حد التهور، وفي الشيخوخة خوف إلى حد الجبن. وأما ~~الرجولة ففيها الشجاعة كما تمليها الحكمة. # فأنت ترى أن عهد الرجولة عصر العمل والبناء، فلئن فقد الرجل حماسة ~~الشاب وأمله، فقد كسب قوة الإنجاز والتنفيذ، حتى إذا ما بلغ الرجل سن ~~الخامسة والثلاثين؛ فقد بلغ الذروة القصوى، التي تحتفظ ببقية صالحة من ~~عاطفة الشباب وبداية طيبة من فهم الشيوخ. ولقد قام باحث إنجليزي بإحصاء ~~عجيب، أثبت به أن الكثرة العظمى من نوابغ الإنجليز أنجبهم آباؤهم بين ~~الثلاثين والرابعة والثلاثين. # وبعدئذ يأخذ النشاط في التدهور والفناء، وينضب معين القوة قليلا ~~قليلا دون أن يملأ ما فرغ منه، أو كما يقول شوبنهور: يعيش الإنسان ~~بعد ذلك على رأس ماله لا من دخله. وإن الرجل في هذه السن لتتكشف له هذه ~~الحقيقة المروعة المخيفة، فتعلوه غاشية من الكآبة والقنوط، ساخطا على ~~هذه الحياة القصيرة ms172 التي لن تمكنه من تحقيق أمله. إنه ليقف في ذروة ~~الجبل وينظر، فإذا بالموت قابع عند السفح يرقب وينتظر، فماذا يفعل؟ إنه ~~في الأغلب يشتد حماسة في العمل ليغالط الحقيقة الواقعة، كأنما يريد أن ~~يصيح في وجه الفناء: أنا هنا حي نشيط متوثب! أنا موجود رغم أنف ~~الزمان! # يقول نيتشه: إن الإنسان في شبابه ورجولته شأنه شأن الحطب، تشعل فيه ~~النار؛ تعلو شعلته ويملأ الدنيا دخانا وشرورا، ولكنه لا يدفئ. فإذا ~~ما انجابت عنه غاشية الدخان وهدأت أطراف لهيبه، بدأت جمراته الهادة ~~تشع الدفء الجميل. وهكذا فورة الشباب ودخانه لا يفيدان شيئا إلا إن ~~استقرا في هدوء الرجولة وسكونها ... فالرجولة إذن هي عصر الخصب ~~والإنتاج. # ولكن دبيب الشيخوخة لا يمهل الرجل طويلا حتى يسري في العظام ~~والمفاصل! فلا يعود الشيخ قادرا على حفظ علم جديد، كأنما العلم الجديد ~~لا يجد في رأسه المزدحم مكانا خاليا! إن الطفل في سنيه الأولى يكبر ~~بنسبة أسرع من النسبة التي يكبر بها بعد ذلك، وكذلك الشيخ كلما أمعن في ~~شيخوخته ودنا من ختامه يضعف بنسبة أسرع مما كان. والطفل مزود عند ~~مولده ببلادة الإحساس؛ لئلا تصعقه الإحساسات الجديدة المتكاثرة، وكذلك ~~الشيخ يعود في هرمه إلى ذلك الحس البليد؛ لأن رغبة الحياة قد خمدت ~~قواها. إن الشيخ المتهدم ليشعر بمزيج عجيب من حب البقاء وحب الراحة ~~الأبدية؛ فهو يريد أن يمتد به البقاء، ولكنه يريد في الوقت نفسه أن ~~يتخلص من هذا العناء المضني. إن الشيخ ما يفتأ ساخطا ناقما على ~~مظاهر الحياة التي يشهدها صخابة حوله، ومن الشطط أن تطالب إنسانا ~~ذهبت عنه الحياة بحب الحياة! # لقد بلغ الحي غاية الشوط، فأسلم حياته إلى كف المنون! إن الحياة ~~آخر مراحلها الموت والفناء! ... ولكن لا! إننا نموت من أجل الحياة. إن ~~هذه الخلايا الذابلة لتسقط من جسم الحياة ليبقى سليما معافى، فيفنى ~~الشيوخ لتبقى الحياة في قوة الشباب. # صه! هذا وليد يصيح، إن الحياة خالدة لا تعرف الفناء. # | بين الأدب ونقده # عجيبة هذه المصادفات ... # لم ms173 أكد أفرغ من كتاب «النقد المنهجي عند العرب» للدكتور محمد مندور، ~~وأسجل رأيي في بعض ما جاء فيه - وهو رأي عارضه الدكتور مندور - أقول ~~إني لم أكد أفرغ من ذلك الكتاب؛ حتى طالعت كتابا آخر لأديب آخر، ليس ~~بين موضوعه وموضوع الكتاب السابق من أواصر القربى إلا ما يذهب إليه ~~الأديبان من أن النقد الأدبي مرده إلى الذوق ... وأما هذا الكتاب الجديد ~~الذي أعنيه؛ فهو «على هامش الأدب والنقد» للكاتب الأديب المطلع الذواقة ~~الأستاذ علي أدهم. # وكم كنت أحب أن أستعرض هذا الكتاب للقارئ، وأن أقدم له قبسات منه ~~تظهره على ما فيه من غزارة مادة وجمال صورة؛ ففيه خمس وعشرون مقالة ~~أضيفت إليها مقدمة، كل مقالة منها - أستغفر الله - بل كل صفحة من ~~صفحاتها، وأستغفر الحق، بل كل فقرة من كل صفحة؛ تضيف إلى علمك علما ~~جديدا. # نعم، كم كنت أحب أن أستعرض هذا الكتاب للقارئ، لولا أني آثرت شيئا ~~آخر لنفسي ولقارئي معا، وهو أن أجادل أديبنا الكاتب رأيه في اعتماد ~~النقد الأدبي على الذوق، في كلمة أوجهها كذلك إلى الدكتور مندور، وإلى ~~كل من يأخذ هذا الرأي في أساس النقد ... أريد أن أبسط رأيي في شيء من ~~التفصيل؛ لأبين للقارئ ما أذهب إليه وأدين به، من وجوب اعتماد النقد ~~الأدبي على العقل دون الذوق. ~~••• # يا ويح نفسي من هذه الألفاظ تلوكها الأفواه، ويشتد حولها الجدال ~~والقتال، دون أن يتمهل المجادلون المقاتلون لحظة واحدة يتبينون فيها ~~معاني هذه الألفاظ التي شمروا عليها السواعد وأرهفوا الألسنة ~~وشرعوا السيوف! يرحمك الله يا سقراط رحمة واسعة! إنك لم تطلب إلى ~~الناس إلا هذا المطلب المتواضع؛ تحديد الألفاظ التي يستخدمونها في ~~أحاديثهم ونقاشهم، ولو قد فعلوا؛ لاستراحت ضمائرهم، واطمأنت أفئدتهم في ~~صدورهم. # إن موضوع الخلاف بيني وبين الأديبين الكبيرين هو أنهما يريدان النقد ~~الأدبي أن يعتمد على الذوق، وأريد أن يعتمد على العقل. بعبارة أخرى، ~~هما يريدان للنقد الأدبي أن يكون فنا، وأريد له أن يكون علما. انظر ~~- نشدتك الله - إلى هذه ms174 الكلمات التي حشرناها حشرا في سطر واحد، ولو ~~تناولنا واحدة منها بالتحليل والتحديد؛ لجاز أن ننفق أعمارنا دون أن ~~نبلغ المدى: «فن»، «علم»، «ذوق»، «عقل». # ما معاني هذه الكلمات الأربع على وجه التحديد؟ ألا يجوز أن ينحسم ~~الخلاف إذا ما اتضحت لنا تلك المعاني؟ ذلك ما أنا فاعله الآن، غير زاعم ~~أني أقول الكلمة الأخيرة في شيء، وكل ما أدعيه هو أني حين أقول إنني ~~أريد للنقد الأدبي أن يعتمد على العقل دون الذوق، فإنما أقول ذلك وفي ~~ذهني ما سأثبته الآن من معان لهذه الألفاظ. # ماذا أفهمه من كلمة «فن»؟ # أنا الآن جالس إلى منضدة صغيرة أكتب هذا المقال، فحانت منى التفاتة ~~من نافذة صغيرة إلى يساري، ورأيت غرابا يرف بجناحيه، نعق نعقتين ~~كان في صوتهما تهدج، ثم هبط على غصن من شجرة لا أعرف نوعها. ولعله ~~هبط على مكان من الغصن أوراقه متهافتة، فسقطت ورقة تأرجحت في الهواء، ~~وهوت إلى الأرض هويا بطيئا. # هذه صورة مركبة من جملة عناصر، نكتفي الآن منها بثلاثة: أنا والغراب ~~والشجرة (لأنك تستطيع أن تضيف عشرات العناصر الأخرى مما أراه وأسمعه ~~وأحسه بخلدي، وأفكر فيه في هذه اللحظة عينها). # أما أنا فبديهي أني كنت في هذه اللحظة من لحظات حياتي في حالة معينة ~~فذة فريدة، لم يسبقها قط منذ ولادتي، ولن تلحقها قط إلى مماتي؛ لحظة ~~أخرى تطابقها كل التطابق من جميع الوجوه، فلا يعقل أن يتكرر موقفي إذ ~~ذاك بما فيه ما يحيط بي من أشياء وملابس. وما أرى، وما أسمع، وما يدور ~~في نفسي من خواطر، وأقل ما يقال في هذا الموقف الفريد الفذ، هو ~~أني كنت قبل الآن أصغر مني الآن، وسأكون بعد الآن أكبر مني ~~الآن. # وأما ما رأيته من الغراب فبقعة سوداء، تحركت حركة معينة، ثم سكنت في ~~مكان معين، على هيئة معينة. بقعة سوداء! لكن السواد يا صاحبي له ظلال ~~تعد بالألوف؛ فأي ظل من هذه الظلال رأيت؟ والبقعة السوداء تحركت! ~~الحركة كذلك يا صاحبي لها ألوف ms175 الألوف من الصور، فبأي منها تحركت تلك ~~البقعة السوداء؟! ثم سكنت البقعة السوداء في مكان معين! حتى السكون يا صاحبي صنوف وأشكال؛ فليس سكون النائم مثل سكون الميت، وليس سكون الصخرة ~~ملقاة على سفح الجبل كسكون غرابك هذا على الفنن ... وقل مثل هذا ~~فيما سمعت من الغراب، سمعته ينعق نعقتين في صوتهما تهدج، كم درجة من ~~الصوت سمعت أذناك؟ وفي أية درجة من الدرجات أردت أن أضع نعيق الغراب؟ ~~الحق أن ما رأيت من الغراب وما سمعت مركب فريد من عناصر اجتمعت على نحو ~~يستحيل أن يكون له ما يماثله مماثلة تامة في كل ما رأيت وما سأرى من ~~الغربان. # وما قلته في نفسي وفي الغراب، أستطيع أن أقوله في الشجرة والورقة ~~التي سقطت منها وهوت إلى الأرض ... ثم يزيد الأمر كله في درجة التركيب ~~والتعقيد، حين نضيف هذه الأشياء الثلاثة بعضها إلى بعض في صورة واحدة، ~~هي صورة فذة فريدة - كما أسلفت - لم تعرف، ولن تعرف الحياة لها ~~مثيلا آخر، بكل ما في التماثل من دقة وتطابق. # وكأني ألمح في قارئي علائم الدهشة من هذه المبالغة في قولي، ولكن ليس ~~في الأمر يا صاحبي غرابة ولا عجب! هكذا الحياة في شتى صورها، الحياة ~~لا تعرف تكرار الأفراد. كل كائن حي - والكائنات الحية ملايين الملايين ~~- فيه ما يجعله فردا بذاته يختلف، ولو قليلا عما عداه. خذ ورقة من ~~شجرة، ودر بها الأرض من قطبها إلى قطبها؛ فلن تجد لها مثيلا بمعنى ~~التماثل الذي تنتفي فيه كل الفروق المميزة انتفاء تاما. وانظر إلى ~~ألوف الناس من حولك، هل رأيت قط فردين يتشابهان إلى الحد الذي تنمحي ~~فيه المميزات جميعا؟ لا، بل الاختلاف بين الأفراد أدق من هذا وألطف؛ ~~فبصمات الأصابع لا تتشابه في الأفراد، ودع عنك دقائق الجسم الباطنية ~~من حيث الشكل والحجم والتركيب. # هكذا الحياة يا صاحبي في شتى صورها، ولا موضع لغرابة منك أو عجب، ~~الحياة لا تعرف تكرار الأفراد، بل لا تعرف تكرار اللحظات في الفرد ~~الواحد، فيستحيل ms176 أن يكون الكائن الحي في هذه اللحظة هو بعينه ما كان ~~في لحظة مضت، وهو بعينه ما سيكون في لحظة تالية. # والفن كما يقولون تصوير للحياة! مقياس الفن، بل معنى «الفن» هو ~~التقاط موقف فرد مما يعج به العالم من حولنا. لو قلت كلاما يصور ~~حقيقية عامة تنطبق على هذا وذلك؛ فقولك بعيد عن الفن الرفيع. ومن هنا ~~كانت ثورتي النفسية، وكان غيظي الشديد؛ كلما قرأت لكاتب من كتابنا يقول ~~عن هذا الشاعر أو ذاك من أسلافنا إنه شاعر لحكمته، أو لصدق حكمه، أو ما ~~إلى ذلك. الحكمة يا سيدي القارئ والحكم الصادق أدخل في باب العلم؛ ~~لأنها تعمم القول ولا تخصصه في تصوير موقف فريد؛ وإلا خبرني - أثابك ~~الله - ما الفرق بين شاعرهم حين يقول: «والظلم من شيم النفوس»، وبين ~~عالم الطبيعة حين يقول: «التمدد بالحرارة من شيم الحديد» و«الغليان من ~~صفات الماء»، كلاهما يعمم الحكم، وإذن فكلاهما عالم وليس بأديب، ولا ~~يكون ذلك الشاعر شاعرا إلا إذا صور حالة جزئية فريدة من حالات ~~الظلم، أو صور ظالما معينا يتجسد الظلم في أعماله. # إننا نقول إن شكسبير كان شاعرا فنانا حين كتب مسرحيته عن ~~كليوباترة، وشوقي لم يكن شيئا حين كتب؛ لأن الأول قد استطاع بقوة ~~فنه أن يجمع عناصر جزئية بعضها إلى بعض بحيث تتكون صورة فذة فريدة ~~لشخصية تجعلها كهذه الأشخاص الذين تراهم حولك أحياء. وأما الثاني فربما ~~حاول ذلك ولم يوفق. ونجعل كتاب «الأيام» للدكتور طه حسين باشا خير ~~كتبه جميعا لما فيه من تصوير لطفولة واحدة فريدة لا تجتمع عناصرها إلا ~~مرة واحدة، ونجعل «سارة» خير ما أنتجه الأستاذ العقاد لإبرازه فيه ~~شخصية واحدة كذلك، ونرجح للدكتور أحمد أمين بك أن يخلد في دولة الأدب ~~بكتاب زعماء الإصلاح # 1 # أكثر من أي كتاب آخر؛ لأنه وفق فيه إلى هذه الفردية ~~التي ينشدها الفن، حين رسم صورة هؤلاء الزعماء. # لو أحسنت لجعلت مقياسك في الحكم دائما على القطعة الفنية كائنة ما ~~كانت هو هذا: إلى أي ms177 حد أخرج الأديب أو الفنان مركبا من عناصر ~~الحياة يستحيل أن يقع إلا مرة واحدة؟ إن تغزل حبيب في حبيبته ولم تلمح ~~في عبارته ما يفرد حبه عن حب سائر الناس، بل لم تلمح فيه ما يفرد تلك ~~اللحظة الواحدة من حياته الغرامية عن سائر لحظات حياته الغرامية أيضا؛ ~~فاعلم أنه شاعر زائف لا يصدر عن شعور صحيح، لأن شعوره الصادق الصحيح في ~~تلك اللحظة إزاء حبيبته شيء فريد لم يتكرر، ولن يتكرر له مثيل إلى أبد ~~الآبدين. # وقد قلت هذا الكلام يوما لأستاذ يحاضر في الأدب، فضحك مني ساخرا ~~وقال: إنك تجعل الأدب أضيق من سم الخياط. وأنا الآن أرد عليه بقولي ~~إنه فعلا كما وصف، وإلا فليحدثني لماذا يزخر كل جيل من الناس في البلد ~~الواحد بآلاف «الأدباء» و«الشعراء» ثم لا يبقي الزمان من هؤلاء إلا ~~أديبا واحدا أو شاعرا واحدا من كل عدة أجيال؟ ذلك لو نظرنا إلى ~~العالم كله جملة، ولم نقصر نظرنا على قطر بعينه؛ لأننا قد نحصر النظر ~~- يا سيدي الأستاذ - في قطر واحد، ولا أقول ما هو. قد نحصر النظر ~~الصارم الصادق في هذا القطر الواحد، فلا نراه قد أنجب أديبا واحدا ~~ولا شاعرا واحدا في طول الزمان من مولده، ولا أقول إلى ~~منتهاه. ~~••• # حسبي هذا في تحديد الفن - ومنه الأدب بالطبع - لأسائل نفسي: وماذا ~~تريد بكلمة «العلم»؟ # العلم - كما قلت في كلمتي للدكتور مندور عند التعليق على كتابه - هو ~~منهج لا موضوع؛ فقد يختلف الموضوع عند مختلف العلماء فيكون النبات عند ~~هذا، وطبقات الأرض عند ذاك، قد يكون الموضوع هو أجرام السماء عند عالم ~~وماء البحر عند آخر، قد ينفق أحد العلماء عمره في حشرة يدرسها، وقد ~~ينصرف عالم آخر بجهده كله إلى إشعاع الراديوم، وكل هؤلاء علماء! لماذا؟ ~~لأنهم جميعا يصطنعون منهجا معينا في فرض الفروض وتحقيقها. وليس هنا ~~مجال التفصيل في ذلك. # لكن الدكتور مندور لم يعجبه منا هذا القول، فأنكره، قائلا: «إن الذي ~~يعرفه الجميع تعريفا للعلم هو أنه ms178 «مجموعة من القوانين التي تفسر ~~الظواهر الطبيعية» ...» وقد كنت أحب أن يستثنيني على الأقل من هؤلاء ~~الجميع؛ لأن «القوانين التي تفسر الظواهر الطبيعية» تتغير وتتبدل في ~~مختلف العصور. قد يقول هذا بقانون ما، يفسر به ظاهرة طبيعية، وقد يقول ~~غير ذلك من زملائه المعاصرين - ودع عنك من سبقوه ومن سيلحقون به - قد ~~يأخذ زميل له بقانون آخر يفسر به الظاهرة عينها، ومع ذلك فكلاهما عندنا ~~عالم إذا اتبع منهاج العلم الصحيح، بغض النظر عن القوانين التي وصل ~~إليها هذا أو ذاك. ولو كانت العبرة في تعريف العلم بالقوانين التي تفسر ~~الظواهر الطبيعية؛ للزم أن نخرج من قائمة العلماء كل من لم تثبت ~~قوانينه التي وصل إليها ثبوتا يدوم على مر الزمن. وبعبارة أخرى، لزم ~~أن نمحو كل العلماء من قائمة العلماء! # ولو كان العلم منهاجا - لا موضوعا معينا - كما نعتقد، لما كان ~~مستحيلا أن ينصب هذا المنهاج على الآثار الأدبية فيصبح النقد ~~علما. وسنعود إلى تفصيل ذلك. # أقول إن المجال لا يسمح بذكر تفصيلات المنهج الذي يجعل العلم علما، ~~لكني أذكر من خصائص هذا المنهج خصيصة لا بد من ذكرها في سياق هذا ~~الحديث؛ ليتكامل الرأي الذي ندافع عنه. # من أخص خصائص المنهج العلمي أن يسقط ما هو خاص من جوانب الموضوع ~~الذي يبحثه؛ فلا يستبقي إلا ما هو عام بين الناس، ومن هنا يتضح الفرق ~~بين الفن والعلم، فبينما الفن كما قلنا يلتقط من الموضوع تلك العناصر ~~التي تجعله فردا فريدا لا يتكرر في أشباه؛ ترى العلم يستبعد هذه ~~الجوانب الخاصة من موضوعه ليحصر نظره في العام المشترك. فمثلا، إن ~~طالعتنا بأوصاف تتجمع في أذهاننا فتتكون منها صورة فريدة لشخص معين كما ~~فعل شكسبير مثلا في تصوير هاملت أو الملك لير أو غيرهما من عشرات ~~الأشخاص الذين رسمهم بقلمه، أقول إن طالعتنا بمثل هذه الصورة الفذة ~~الفريدة التي تجد ما يطابقها تمام التطابق في سائر أفراد الناس؛ كنت ~~أديبا فنانا. أما إن أتيتنا بقواعد عامة لسلوك الناس على اختلافهم؛ ms179 ~~فأنت عالم يشاهد الجوانب المشتركة بين الأفراد، فيجردها ويسجلها، ولا ~~يغير من الموقف أن تضع علمك هذا في قصيد منظوم. # وهاهنا نضع إصبعنا على مميز واضح للعلوم في شتى صورها، يميزها من ~~الفنون في مختلف ألوانها، وهو «التجريد». العلوم موضوعاتها جوانب مجردة ~~انتزعناها من المفردات التي نشاهدها، والفنون موضوعاتها هي هذه ~~المفردات في تفردها؛ فلو لحظت صفة تميز البقر - مثلا - فعزلتها ~~بذهنك جانبا، فقلت إن البقر يجتر، كنت بمنزلة العالم؛ لأنك جردت صفة ~~واحدة من مجموعة صفات لا توجد في العالم الواقع إلا مركبة مشتبكة؛ أي ~~انتزعتها وحدها، مع أنها لا توجد في الدنيا الحقيقية وحدها، ثم لأنك ~~عممت هذه الصفة بين البقر جميعا. أما إذا استوقفت نظرك بقرة واحدة ~~بشيء، فصورتها رسما أو كلاما أو نحتا، بحيث تثبت لها فرديتها التي ~~لا تشترك فيها مع سائر البقر؛ فأنت ها هنا بمنزلة الفنان. ~~••• # وننتقل في هذا الموضع إلى صميم ما أردنا أن نعرضه على القارئ، وهو ~~الذوق والعقل، ما معناهما؛ لنرى أيهما يصلح معيارا للنقد الأدبي، ~~وبالتالي لنرى هل يكون النقد الأدبي فنا أو علما. # سأعرف الذوق بأنه تأثر أي حاسة جسدية بأي أثر من الآثار. إن الذوق ~~في أصله تأثر حاسة معينة عضوها اللسان، لكنا في هذا السياق سنعمم ~~استعمال الكلمة على سائر الحواس، فلو نظرت إلى شجرة أمامك، فلنسم ~~انطباع صورة الشجرة على شبكية عينك وتأثرك بها ذوقا، على غرار ما ~~يتأثر اللسان بذوق الطعام الذي يمسه، وكذلك قل في سمعك لصوت، أو لمسك ~~لشيء، أو شمك لرائحة. # وبديهي أن الحاسة لا تتأثر إلا بما هو فرد فريد؛ فليست «الحرارة» ~~بصفة عامة هي التي تلسع أصابعك، لكنها «هذه القطعة المعينة من الحديد» ~~هي التي تلسعك، وأنت لا ترى «الشجر» بصفة عامة، بل ترى هذه الشجرة ~~الواحدة المعينة في هذه اللحظة الزمنية المعينة، وهكذا قل في سائر ~~المدركات الحسية. # وسنسمح لأنفسنا أن نستعمل كلمة «الذوق» في تأثر الإنسان بما هو فريد ~~من المشاعر، على نحو ما أطلقناها على تأثره ms180 بما هو فريد من الإحساسات. ~~فمثلا إذا أصيب إنسان بموت ولده، فسيحزن، لكنه لن يحزن «حزنا ~~عاما» بل حزنا خاصا فريدا في ظروفه وفي الشعور به، وإذا رأيت ~~منظرا جميلا، شروق الشمس أو غروبها مثلا؛ فستشعر بفرحة قوية حسب ~~استعدادك، لكنك لن تفرح «فرحا عاما»، بل فرحك فريد فذ يتعلق بمنظر ~~فريد فذ كذلك. وحتى لو فرحت بشروق الشمس أو غروبها كل يوم، فالمنظر ~~في كل مرة من هذه المرات واحد متميز، لا ينطمس مع أقرانه في سائر ~~الأيام. # هذا التأثر الفريد المتميز، الذي تنطبع به نفسك استجابة لموقف فريد ~~متميز كذلك؛ هو الذوق، وهو كما ترى شيء خاص بك، يستحيل أن تنقله إلى ~~سواك، يستحيل أن تنقل إلي ما تشعر به أنت من ألم في ضرسك أو حزن ~~على فقيدك الذي تحبه وتعزه، كما أنه يستحيل أن تنقل إلي تذوقك ~~للطعام، وكل ما في مستطاعك أن تقول لي كلمات؛ لتثير في نفسي إحساسات ~~ومشاعر أستمدها من تجاربي الخاصة أيضا. فإن قلت لي مثلا: إني حزين ~~على ولدي الذي مات، فربما حزنت لحزنك، لكني سأحزن حزنا ثانيا خاصا ~~بي، سأستثير من ذكرياتي شعور الحزن، إنك لم تنقل إلي حزنك، وإنما ~~أثرت في نفسي جانبا من سابق خبرتي. # هذا هو الذوق، وأما العقل يا سيدي القارئ؛ فلسنا نريد أن نصوره سحرا ~~غامضا، ليرتع كل متكلم وكل كاتب في معانيه كيف شاء. العقل هو ألا يكون ~~في قولك تناقض، هو ألا تقول قولا ينقض بعضه بعضا. # وبديهي أن التناقض لا يعني شيئا إذا طبقناه على الأفراد؛ إذ لا ~~معنى لقولك إن هذا الكتاب الذي أمامي يناقض هذا القلم، أو إن شعوري ~~بالحزن في هذه اللحظة يناقض شعوري بالفرح عصر الأمس. أقول إن التناقض ~~لا يكون بين المفردات الواقعة، وإذن فهو لا يكون أبدا فيما أتلقاه عن ~~العالم بالذوق؛ لأن الذوق - كما أسلفنا - هو وسيلة تأثرنا (بالحس أو ~~بالشعور) بتلك المفردات الواقعة. من هنا استحال علينا أن نقول لشاعر ~~صدقت أو كذبت. هذا ms181 إن كان الشاعر شاعرا حقيقيا يعبر عن أثر شعوري ~~فريد. # وإنما يكون للتناقض معنى في التعميمات المشتركة؛ فإذا قلت عن شيء ~~إنه فوق المنضدة، فمن التناقض أن تعود فتقول إنه تحتها. و«فوق» و«تحت» ~~وأشباههما من المعاني مشتركة عامة، وليست هي بالإحساسات الفذة ~~الفريدة. ~~••• # وبعد، فهل يكون النقد الأدبي للذوق أو للعقل ؟ هل يكون فنا أو ~~علما؟ هذه هي المشكلة، كما يقول هاملت. # وأعتقد أن الأمر لم يعد عسيرا بعد تحديد الألفاظ الذي أسلفناه. ~~فهبك قرأت قصيدة فأشاعت في نفسك لذة، إلى هنا أنت بمثابة المتذوق ~~الذي يتأثر بشعور فريد خاص به، ولسنا نحرمك ولا نحرم أحدا من هذه ~~اللذة الذوقية بأي معنى من معاني الحرمان، لكن اذكر - أستحلفك الله - ~~أن ذلك التذوق يستطيعه الأبكم؛ فلا تقل: إنني ما دمت قد قرأت القصيدة، ~~وذقت فيها حلاوة فأنا ناقد! لا تقل ذلك بربك العظيم؛ لأن الأبكم يستطعم ~~القصيدة كما استطعمتها أنت، ثم لا ينطق، والناقد بالطبع لا بد فيه ~~من كلام يقوله لنسمع. # لكنك لست مصابا بالبكم، وتريد أن تتكلم بعد استمتاعك بما قرأت. ~~عندئذ أنت بين أمرين؛ فإما أن تقول ما شئت من كلام تقصد به أن تثير في ~~نفس سامعك مثل الأثر الذي وجدته أنت، وقد تفلح وقد لا تفلح في تحقيق ~~بغيتك، لكنك - على فرض توفيقك بمثابة الأديب المبدع، لا الناقد؛ لأنك ~~تؤدي ما يؤديه الأديب. وهو أن يقول كلاما يرصه على الصورة التي ~~يهوى؛ ليؤثر في السامع وقد نجحت، وسم هذا الضرب إن شئت نقدا ~~تأثريا، إذا ضمنت لنفسك حرصا لا ينسيك أنه لا يصف حقيقة القطعة ~~الأدبية، بل يصف وقعها في نفسك. # وأعجب العجب في هذا الصدد أن نفتح «منهج البحث في الأدب واللغة» ~~للانسون، وهو الذي يوصينا به الدكتور مندور لنهتدي سواء السبيل، فترى ~~الرجل يفتتح بحثه قائلا: «فالنقد التأثري نقد مشروع لا غبار عليه، ما ~~ظل في حدود مدلوله، ولكن موضع الخطر هو أنه لا يقف قط عند تلك ~~الحدود؛ فالرجل الذي يصف ما يشعر ms182 به عندما يقرأ كتابا مكتفيا بتقرير ~~الأثر الذي تخلفه تلك القراءة في نفسه، يقدم بلا ريب للتاريخ الأدبي ~~وثيقة قيمة ... ولكن مثل هذا الناقد قلما يمسك عن أن يزج بأحكام ~~تاريخية خلال وصفه لأثر الكتاب في نفسه، أو أن يتخذ من ذلك الأثر وصفا ~~لحقيقة الكتاب الذي يقرؤه ... ولذا كان من أهم وظائف المنهج أن يطارد هذا ~~النقد التأثري.» # كلا، أيها القارئ الكريم، لسنا نحرمك بأي معنى من معاني الحرمان، أن ~~تقرأ وتتذوق ثم تسكت، فلا تكون شيئا بالنسبة إلينا، ولسنا نحرمك بأي ~~معنى من معاني الحرمان أن تقرأ وتتذوق، ثم تكلمنا لتثير فينا أثرا ~~مثل الذي تأثرت به، وعندئذ تكون أديبا من المرتبة الثانية؛ فليس ~~هنالك فرق جوهري في طبيعة الموقف بين تأثر الأديب الأصلي بالطبيعة ~~مباشرة فيكتب، وبين أن تتأثر أنت بالأثر الأدبي فتكتب. وفضله عليك هو ~~أنه أسبق منك إلى إدراك الجمال في الطبيعة، لكن كليكما مع ذلك أديب ~~يتأثر، فينشئ ليحدث في القارئ أثرا شبيها بأثره. # أما إذا أصررت على أن تكون ناقدا، فلا مندوحة لك عن خطوة بعد قراءة ~~التذوق، خطوة هي وحدها التي تجعلك ناقدا، وهي أن تسأل نفسك: ماذا في ~~هذه القصيدة من العوامل الموضوعية التي أثارت في نفسي هذا الشعور أو ~~ذاك؟ وقد ينتهي بك البحث - مثلا - إلى أن اختيار الشاعر للبحر الطويل ~~جاء موفقا؛ لأنه يناسب موضوعه، فأحدث ما أراد أن يحدثه من أثر في ~~نفس القارئ أو السامع، أو إلى أن كثرة الراءات في هذا البيت جعلته ~~جميلا، أو كثرة السينات والصادات في ذاك ... لكن هذه وأشباهها قواعد ~~عامة، فكأنك تقول: كل بيت يصف خرير الماء وتكثر فيه الراءات فهو جميل ~~في هذا الجانب منه، وكل بيت يصف الحرب بالسيوف وتكثر فيه السينات ~~والصادات؛ فهو جميل كذلك في هذا الجانب منه، وهكذا. أنت هنا لا تنقل ~~إلينا عناصر تجتمع فتكون موقفا فريدا لا يتكرر، بل تحدثنا عن قواعد ~~عامة تتكرر في كل حالة شبيهة بالحالة التي أنت بصدد تحليلها. وما ms183 دمت ~~في مجال التعميم فأنت عالم، وإذن فالنقد علم. ثم يقتضيك المنطق - أي ~~العقل - ألا تناقض ما تقوله في موضع، بما تقوله في موضع آخر؛ فلا ~~تقل مثلا في موضع ما: إن البحر الطويل يناسب التعبير عن الحزن؛ لأنه ~~بطيء، والحزين بطيء الحركات والكلمات، ثم تناقض ذلك في موضع آخر، وتزعم ~~لنا أن البحر الطويل لا يناسب الحزن ... وإن كان هذا هكذا؛ فأنت تصدر ~~فيما تقول عن عقل. إنك، حين تنقد، عالم لا فنان، يبني كلامه على عقل؛ ~~أي يخلصه من تناقض أجزائه، لا على الذوق الذي يتأثر بهذا الفرد الجزئي ~~أو ذاك وكفى. # ولأنك في نقدك عالم يبني قوله على العقل؛ أمكن أن نناقشك الحساب فيما ~~تقول، فنعترف لك بصدق قولك أو ندعي عليك الكذب، ولا يكون كذب أو صدق ~~إلا فيما يصور شيئا موضوعيا بعيدا عن ذوقك الخاص وشعورك الخاص، بل ~~يستحيل استحالة قاطعة أن تفيدني شيئا على الإطلاق بكلامك، إذا أردت أن ~~تنقل إلي هذا الذوق الخاص وهذا الشعور الخاص؛ لأنه خاص بك مصبوب ~~في أعصابك. # لست إذن أوافق أديبينا الكريمين: الدكتور مندور في كتابه «النقد ~~المنهجي عند العرب»، والأستاذ علي أدهم في كتابه «على هامش الأدب ~~والنقد»؛ فيما ذهبا إليه من أن النقد فن، ومرده للذوق. وأصر - ~~كما قلت - على أن يكون علما، مرجعه إلى العقل، على شرط أن تفهم هذه ~~الألفاظ بما حددت لها من معان. # | دفاع عن الأدب1 # تطغى على العالم موجة مادية تجتاحه أصولا وفروعا، وتريده على أن ~~يحمل تراث الإنسانية الأدبي، منذ فجرها حتى اليوم الراهن، فيأخذ ~~سمته نحو اليم؛ فيلقي بذلك التراث في لجة ما لها من قرار، ثم ~~يعود وقد أزاح عن كاهله ذلك العبء المضني من دموع الشعراء وأنينهم ~~وهزات نشوتهم وسرورهم، وغير ذلك من نزوات الطفولة التي لا تدعو ~~إليها ضرورة ولا شبه ضرورة في هذا العصر الحديث، وأن يتوفر على أزيز ~~المعامل ومقارع الآلات، التي لا ينبغي أن يطرب لسواها، أو ينصت لصوت ~~غير صوتها! وماذا يغني ms184 دانتي وشكسبير بجانب علوم الطبيعة والكيمياء، ~~التي على أساسها تعمل المطارق وتدور الأرحاء؟! وفي ذلك يقول الكاتب ~~الإنجليزي توماس بيكوك: «الشاعر في عصرنا هذا نصف همجي يعيش في عصر ~~المدنية؛ لأنه يقيم في الزمن الخالي، ويرجع بخواطره وأفكاره وخوالجه ~~وسوانحه إلى الأطوار الهمجية، والعادات المهجورة، والأساطير الأولى، ~~ويسير بذهنه كالسرطان زحفا إلى الوراء ... لقد كان الشعر نقرة تنبه ~~الذهن في طفولة الهيئة الاجتماعية، ولكن من المضحك في عصر النضج العقلي ~~أن نعنى بألاعيب طفولتنا، ونفسح لها موضعا من شواغلنا، فإن هذا سخف ~~يشبه سخف الرجل الذي يشتغل بألاعيب الصبيان، ويبكي لينام على رنة ~~الأجراس الفضية.» # هكذا يقال عن الأدب الآن، كأنه عرض من أعراض الحياة، لا يمسها في ~~الجوهر والصميم! والواقع أننا حين ننزل عن الأدب وسائر الفنون؛ فإننا ~~إنما ننزل عن نفوسنا، لأن هذه وتلك شيء واحد اختلفت أوضاعه. # وللشاعر الفيلسوف طاغور تحليل يبين به موضع الفن من أساس الحياة، ~~وأنه ضرورة لازمة لا مناص منها، ونحن نورد للقارئ خلاصة موجزة لذلك ~~البحث الجليل: # من الحقائق البديهية، أن الإنسان مرتبط بهذا العالم بصلات شتى؛ فهو ~~يعيش في مضطرب الحياة مدفوعا بطائفة من الحاجات التي يتحتم عليه ~~قضاؤها، وهو في تلك المحاولة مضطر إلى أن يتصل بالعالم اتصالا ليس له ~~عنه منصرف ولا محيد. # فالحاجة الجسمية تملي عليه أن يفلح الأرض ويتعهد الزرع؛ حتى ~~يثمر له القوت، وأن يلتمس من الطبيعة مسكنا وملبسا يدفعان عنه ~~القر والهجير. # والحاجة العقلية تريده على أن يمعن النظر، ويستقصي البحث في مظاهر ~~الكون؛ لأن العقل لا يقنع بالنظر إلى الأشياء الخارجية دون أن يتتبع ~~العلل ويكتشف القوانين العامة التي تنتظم جميع الجزئيات، فهو مطبوع ~~على هذا البحث؛ ليخفف عن نفسه أعباء الحقائق الكثيرة التي تصادفه في ~~حياته، باختزالها في عدد قليل من القوانين، أو في قانون واحد شامل إن ~~استطاع إلى ذلك سبيلا. # وليست حاجة الإنسان تقتصر على العقل والجسد، بل هو يحمل بين جنبيه ~~نفسا لها مطمح تنشده وتسعى إليه؛ فهي بدورها مضطرة ms185 إلى أن تتصل ~~بالكون كي تلتمس عند مظاهره ما تصبو إليه، وهي بحكم وجودها تعالج ~~ضروبا من المشاعر؛ فهي تموج بالأمل والسرور والغضب وغير ذلك من ~~ألوان الشعور. # ولكن هذه الروابط التي تصل الإنسان بالعالم لا تقتصر عليه دون سائر ~~الحيوان؛ فهو يشاركه في الحاجة الجسمية ويشاركه في الحاجة العقلية، إن ~~صح إطلاق هذه الكلمة على الحيوان الأعجم، كما يشاركه في مشاعره النفسية ~~كذلك، إلا أن أهم ما يرتفع بالإنسان عن مرتبة الحيوان؛ أن هذا محدود ~~في دائرة ضيقة جدا، لا تتسع لأكثر من الضرورات التي يقتضيها استمرار ~~الحياة، فهو يبذل ما يبذله من مجهود لحفظ كيانه، والاحتفاظ بجنسه، ثم ~~لا يزيد على ذلك إلا بمقدار ضئيل. أما الإنسان فلا تكلفه الضرورة إلا ~~بقدر محدود، ثم يبقى لديه من القوة ما يجول به حرا من الأصفاد ~~والقيود. مثل الحيوان في ذلك، مثل الزارع الذي ينوء بأعباء الدين ~~الفادحة فهو يكد ويكدح ويعمل ويشقى طوال العام، فإذا ما حان الحصاد ~~تسرب الثمر إلى الدائن، ويخرج صاحبنا من المعركة صفر اليدين. أما ~~الإنسان فهو في هذا التشبيه صاحب ضيعة واسعة النطاق، لا يفقد من دخله ~~إلا جزءا يسيرا، ثم ينعم بعد ذلك حرا لا يقف دونه سلطان ولا رقيب؛ ~~أي إن لديه من ثروة الحياة ما يزيد على الحاجة الضرورية بقدر عظيم. ~~وبذلك يتاح له من القوة والفراغ ما يستطيع معهما أن يعالج مختلف ~~الشئون، لا باعتبارها واجبا حتما تمليه ضرورة الوجود، ولكن على أنها ~~أغراض في نفسها تقصد لذاتها. # فللحيوان مقدار من المعرفة ولا ريب، إلا أنها معرفة ضئيلة محدودة، ~~يستخدمها في حفظ الحياة وكفى؛ فهو ملزم أن يدرس بيئته في شيء كثير من ~~الدقة، ليستطيع أن يتخذ لنفسه من أركانها مستقرا يؤويه، وليتمكن من ~~الحصول على طعامه وشرابه في سهولة ويسر. وهو ملزم كذلك أن يعلم بعض ~~خواص الأشياء من حيث اللدونة والصلابة مثلا؛ ليبني ما يشاء من أوكار، ~~ويعالج شئون الحياة الأخرى، وهو لا بد أن يعرف للفصول المختلفة ms186 ~~علامات تدل على قدومها، حتى يتهيأ لأجوائها المتباينة بالريش أو ~~الفراء. هذه وأشباهها معرفة لا ندحة عنها لكل أنواع الحيوان ~~للذود عن كيانها والاحتفاظ بوجودها، ولكنها لا تزيد على ذلك إلا ~~قليلا. والإنسان أيضا، لديه تلك المعرفة اللازمة لاستمرار الحياة - ~~حياة الفرد والجنس - ولكن معرفته لا تقف عند هذا القدر القليل، بل تفيض ~~معرفته فيضا غزيرا يطغى على تلك الحدود الضرورية؛ فهو يحصل جانبا ~~عظيما من المعرفة لذاتها، وينشد العلم لأجل العلم، لا يبغي وراء ذلك ~~قصدا ولا غاية. ومن هذا الفيض العلمي تنشأ الفلسفة والعلوم. # وللحيوان جانب خلقي غير منكور؛ فلديه كثير من الإيثار تراه واضحا ~~في حنان الأم على صغارها أيا كان نوعها. ويبدو ذلك الإيثار بارزا ~~في هذه النحلة العاملة، وتلك النملة المثابرة، فيما تسعيان وتطوفان ~~هنا وهناك، تجمعان القوت، ولكن لماذا؟ لخلية النحل كلها أو لجماعة ~~النمال بأسرها. وهذا المقدار الضئيل من الأخلاق، إنما أوجدته ضرورة ~~الحياة عند الحيوان. أما الإنسان فقد رسم لنفسه من التشريع الخلقي ما ~~يربي على حاجته الضرورية أضعافا مضاعفة، فهو يفرض على نفسه الخير؛ ~~لأنه صالح للجماعة أولا، ولكنه لا يكتفي بهذا الغرض المتواضع، بل ~~يمعن في ذلك إمعانا بعيدا، فينشد الخير محضا ويطلبه لذاته فقط، ~~ومن هذا الفيض الخلقي نشأ علم الأخلاق. # وللحيوان شعور يحسه ويعبر عنه، فهو يبغض ويحب، وهو يسر ويحزن، ~~وهو يأمن ويخاف. ولكنه كذلك لا يعدو في التعبير عن مشاعره ذلك الحد ~~الذي تقتضيه ضرورة الحياة. أما الإنسان، فعواطفه، وإن تكن قد نشأت في ~~الأصل لتلك الأغراض التي نشأت من أجلها عواطف الحيوان؛ فإنها قد جاوزت ~~ذلك الحد تجاوزا فسيحا. وتركت في الأرض جذورها الأولى التي أخرجتها ~~إلى الوجود، وانبسقت عالية منتشرة بغصونها في سماء اللانهاية. نعم، لدى ~~الإنسان من العواطف أضعاف أضعاف ما تتطلبه طبيعة وجوده، وهذا الفيض ~~الغزير العميق من المشاعر التي تضطرم وتحتدم في الصدور، لا بد أن ~~يجد متنفسا يتسلل منه؛ ليعلن عن نفسه في أنحاء الوجود. وقد كانت ~~الثغرة التي تدفق ms187 منها ذلك الفيض الشعوري هو الفن الجميل في ضروبه ~~المختلفة من أدب وتصوير ونحت وموسيقى وغيرها؛ إذ اتخذها الإنسان أداة ~~للتعبير عما يحسه من شعور. وهذا الشعور الذي يلتمس طريقه إلى عالم ~~التعبير في صورة فنية؛ إنما يكشف عن نفوسنا وما يدور فيها من إحساس. ~~وبعبارة أخرى إن الفنون وسيلة لإبراز مشاعر النفس الإنسانية، دون ~~الأشياء المحسة التي تتعلق بها تلك المشاعر. وبذلك أتاحت للإنسان أن ~~يسكب نفسه أمامه؛ فيراها ويلمسها، وليس له عن ذلك بد بحكم تكوينه، ~~فهو حين ينظم القصيدة من الشعر، أو يضرب على أوتار الموسيقى. فإن ذلك ~~يوازي في قائمة الضرورات الإنسانية الملبس والطعام، ومن هنا كان ~~الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يعرف نفسه ويشعر بوجوده. # ولما كانت الآداب والفنون هي شخصيتنا تدفقت إلى العالم الخارجي في ~~مختلف الأثواب، كان لا يصلح موضوعا للفن إلا ما يتصل بنفوسنا، وينتظم ~~في سلك مشاعرنا، أو تغذوه عواطفنا، فيكتسي الرضا أو السخط أو ~~السرور أو الألم أو غيرها. وعندئذ يصبح جزءا منا، يصح له أن يبرز في ~~صورة فنية. فعلمنا أن الأرض تبعد عن الشمس كذا ميلا لا يصلح موضوعا ~~للفن؛ لأنه لا يمس نفوسنا. أما منظر غروب الشمس؛ فهو يثير فينا عاطفة ~~ما - الإعجاب مثلا - فيمتزج المنظر بنا، ويختلج في نفوسنا، ثم لا ~~يلبث أن يسلك سبيله إلى التعبير. وهكذا كلما اجتمعت مشاعرنا حول شيء ~~معين؛ فإنها تجاهد في الإفصاح عن نفسها مستعينة في ذلك بالفنون. ولما ~~كانت معظم الأشياء التي تصادفنا في الحياة تثير فينا لونا خاصا من ~~العواطف، فالإنسان فنان في الكثير الغالب من نواحي الحياة. فهو يشيد ~~دورا فخمة لمسكنه، وكان يكفيه كوخ خشن ضئيل، وهو يبتني المعابد ~~والمساجد الشامخة، التي ترسل قبابها ومآذنها في الفضاء؛ لينفس عن ~~عاطفته الدينية. وكان يكفيه حيز محدود في العراء لأداء فريضته، وهو ~~يخطط المدن وينسق الحدائق؛ ليرضي عاطفته الوطنية، وهو يعنى بأثاث ~~منزله وجمال ملبسه إلى آخر دقائق الحياة، لماذا؟ لأنها تمس مشاعره، ~~فتصبح قطعة من شخصيته لا ms188 يسعه إلا إبرازها والإعلان عنها. # من ذلك نرى أن الفنون جميعا هي الأداة التي يستخدمها الإنسان ليتمكن ~~من صب الوجود في نفسه، ثم يعود فيسكبها شخصية تنبض فيها الحياة. وقد ~~اتخذت الفنون قوالب الجمال وسيلة إلى ذلك التعبير، كالتصوير والموسيقى ~~والعبارة الجميلة، فأدى ذلك إلى اقتران الآيات الفنية بمعاني الجمال؛ ~~فالتبس الأمر على بعض المفكرين، وذهب بهم الظن إلى أن الجمال هو الغرض ~~المقصود من الفنون، والحقيقة أنه أداة فقط، استعملت للوصول إلى الغاية ~~الحقيقية، وهي إبراز الشخصية الإنسانية. وقد تبع ذلك جدل ونقاش حول ~~موضوع لم يكن ليحتمل النقاش والجدل، وهو أيهما أفضل في الأدب: المعنى ~~أم المبنى؟ فذهب فريق كبير إلى تفضيل العبارة الجميلة، وحجتهم في ذلك ~~أن المعنى أدخل في باب العلوم منه في باب الأدب. أما اللفظ الجميل، فهو ~~فن خالص؛ لأنه قطعة من الجمال، والجمال أساس الفنون! وفات هؤلاء أن ~~جمال الأدب لا يتحقق إلا بمزج هذين العنصرين مزجا (كيميائيا) لا ~~يقبل التجزئة والتحليل، فأنت إذا أردت أن تتذوق لونا من ألوان الطعام، ~~فلا تعمد إلى تحليله إلى عناصره الأولى لتختبر كل واحد على حدة، بل ~~لا بد لك أن تتناوله وحدة متماسكة. كذلك الحال في الأدب: الكل شيء ~~آخر غير أجزائه؛ فالمعنى وحده قطعة من العلم، واللفظ وحده كذلك جزء من ~~علم البلاغة والنحو والصرف، فإذا مزجت بينهما؛ كانت لديك بذلك آية ~~أدبية خالدة. # فالفنون ومنها الأدب، هي أشخاصنا وأرواحنا، في حين أن العلوم - ~~كالأشياء نفسها - جامدة ميتة، لا تتصل بنفوسنا ولا تظهر فيها الشخصية ~~الإنسانية. وقد أحسن فيكتور هوجو حين قال في كتابه «وليم شكسبير»: ~~«ينادي كثير من الناس في أيامنا هذه - ولا سيما الفلاسفة وفقهاء ~~القانون - أن الشعر قد أدبر زمانه! فما أغرب هذا القول! الشعر أدبر ~~زمانه؟! لكأن هؤلاء القوم يقولون: إن الورد لن ينبت بعد، وأن الربيع ~~قد أصعد آخر أنفاسه، وأن الشمس كفت عن الشروق، وأنك تجول في مروج ~~الأرض، فلا تصادف عندها فراشة طائرة، وأن القمر لا يظهر ms189 له ضياء بعد ~~اليوم، والبلبل لا يغرد، والأسد لا يزأر، والنسر لا يحوم في الفضاء، ~~وأن قلل الألب والبرانيس قد اندكت، وخلا وجه الأرض من الكواعب ~~الفواتن والأيفاع الحسان ... لكأنهم يقولون إنه لا أحد اليوم يبكي على ~~قبر، ولا أم تحب وليدها، وأن أنوار السماء قد خمدت، وقلب الإنسان قد ~~مات.» # والخلاصة أن الأدب، والفن بوجه عام، ضرورة تحتمها المشاعر الزائدة ~~على حاجة البقاء، وأنها صورة دقيقة لنفوسنا، تربطها بالعالم برباط ~~الصداقة والرحم، بخلاف العلوم؛ فإنها صورة العالم الخارجي ولا دخل ~~للإنسان فيها؛ فهي من الإنسان بمنزلة الزائر الأجنبي الذي لا تصله بنا ~~وشائج القربى. وأحسب أنا لو خيرنا بين العلم والأدب؛ لما ترددنا ~~لحظة في أن ننبذ العلم نبذا، ونتمسك بالأدب ونعتز به اعتزازنا ~~بالنفوس. # | القطة السوداء # يانصيب! # في هذه الكلمة القصيرة تلخيص موجز - لكنه تلخيص مليء بالقوة والحياة ~~- لقصة كثير جدا من الأحياء والأشياء في هذه الدنيا؛ فعدد كبير من ~~الناس جاءت له الحياة على نحو تلخصه كلمة يانصيب، هذا إنسان سحبت ورقة ~~نصيبه، فإذا هو مولود لرجل غني يرث ماله العريض، وذلك آخر، يولد ~~لمعدم فقير لا يرث عنه إلا الهم والمرض. # وعدد كبير من الحيوان جاءت له الحياة كذلك على نحو تلخصه كلمة ~~«يانصيب»! فكلب ينعم بما تشتهيه الأعين والأنفس من لذائذ العيش، وكلب ~~يتمرغ في الطين ويأكل العظام، ويضرب على ظهره بالهراوة ~~والعصي. # وعدد كبير من الأشياء جاءت ظروفه على نحو تلخصه كلمة يانصيب! فنسخة ~~من كتاب قد تباع بالقروش والملاليم، وهي لا تزال زاهية بحلتها ~~الجديدة، وتباع زميلتها بعد أن يتغضن عليها الجلد ويصفر لون ~~البشرة - أعني إذا ما تقدمت بها السنون - تباع هذه الزميلة العتيقة ~~بمئات الجنيهات وألوفها، وربما كان صاحب الكتاب في حياته أشد ما يكون ~~الإنسان حاجة إلى مال. # بل إن عددا كبيرا من الألفاظ أراد له الله هذه القصة نفسها في ~~تقدير الحظوظ، ومن هذه الألفاظ كلمة منحوسة مسعودة في آن معا، منكودة ~~مجدودة في وقت واحد، هي كلمة «فلسفة»؛ ms190 فقد تسحب ورقة نصيبها حينا؛ ~~فإذا هي دليل على اضطراب الفكر والتواء النظر، وقد تسحب ورقة نصيبها ~~حينا آخر، فإذا هي وصف للعبقرية والذهن الجبار، فلماذا؟ # لأن الناس مذ جعلوا ينعتون بالفلسفة بعض ضروب التفكير اختلفوا، وهم ~~لا يزالون يختلفون في مدلولها؛ ففيم يبحث هذا الذي اعتزل في برجه ~~العاجي وغلق دونه الأبواب، زاعما لنا أنه فيلسوف! إن الناس ~~ليعرفون على وجه الدقة واليقين متى يكون الرجل رياضيا أو طبيبا أو ~~عالما من علماء الطبيعة أو الكيمياء، وقل مثل ذلك في شتى ضروب ~~المعرفة ... إلا الفلسفة! # سل أصحابها: فيم تبحثون؟ يتعثروا في الجواب وتحمر وجوههم بالخجل، ~~فإن كانوا ممن لا يخجلون ولا يتعثرون في الكلام، أجابوك بكلام أقل ما ~~يقال فيه إنه كلام غير مفهوم. والحق أني لا أعجب لرجل يصادفني في بعض ~~الطريق، فيعلم عني أني درست الفلسفة وتخصصت فيها حتى ظفرت بدرجاتها ~~العلمية أدناها وأعلاها. لا أعجب له إذا ابتسم مشفقا ساخرا كأنما ~~يريد أن يقول: وفيم هذا العناء كله؟! لست أعرف عن الفلسفة إلا أنها ~~الكلام إذا لم يكن له معنى مفهوم! لست أعجب لمثل هذا الرجل؛ لأني أتهم ~~كثيرين ممن يشتغلون بالفلسفة بأنهم يقولون ما لا يفهمون، إذا كانوا ~~لأنفسهم يخلصون. # هم يقولون ما لا يفهمون؛ لأنهم يحاولون عبثا وباطلا أن يجدوا ~~لدراستهم موضوعا؛ ليكون شأنهم في ذلك شأن سائر عباد الله. وفاتهم أن ~~الحقيقة الحلوة - والحقيقة ليست مرة دائما - هي أن الفلسفة دراسة ~~بغير موضوع، ومن شاء أن يتصيد لها موضوعا تخبط في ديجور بعد ~~ديجور. # الفلسفة طريقة في البحث بغير موضوع؛ فليست غايتها أن تبحث «مسائل» ~~لتصل فيها إلى «نتائج»؛ لأنه ليست هناك «مسائل فلسفية» ولا ينبغي أن ~~يطلب من الفلسفة أن تصل إلى «نتائج» عن حقائق الكون. كل مسألة في ~~الدنيا يراد فيها الوصول إلى نتائج يجب أن تترك للعلم والعلماء؛ إذ ~~هي والله أضحوكة الأضاحيك أن يجلس المتفلسف على كرسيه في برجه ~~معزولا عن العالم، حتى إذا ما سئل: ماذا تصنع ها ms191 هنا في عزلتك هذه؟ ~~أجاب: أريد الوصول إلى حقيقة العالم! وسأسوق لك مثلا كلام فيلسوف مسلم ~~- هو الكندي - في موضوع الفلسفة؛ لأوضح لك به ما أريد، قال: «علوم ~~الفلسفة ثلاثة: فأولها العلم الرياضي في التعليم وهو أوسطها في الطبع، ~~والثاني علم الطبيعيات وهو أسفلها في الطبع، والثالث علم الربوبية وهو ~~أعلاها في الطبع. وإنما كانت العلوم ثلاثة؛ لأن المعلومات ثلاثة: إما ~~علم ما يقع عليه الحس، وهو ذوات الهيولى، وإما علم ما ليس بذي ~~هيولى إما أن يكون لا يتصل بالهيولى ألبتة، وإما أن يكون قد يتصل ~~بها. وأما ذات الهيولى فهي المحسوسات، وعلمها هو العلم الطبيعي، وإما ~~أن يتصل بالهيولى وإن له انفرادا بذاته، كعلم الرياضيات التي هي ~~العدد والهندسة والتنجيم والتأليف (أي الموسيقى)، وإما لا يتصل ~~بالهيولى البتة، وهو علم الربوبية.» # وقد يكون كلام الكندي مما لا تألفه أذنك من الكلام، فخلاصة رأيه ~~هذا هي أن الفلسفة تبحث إما في شيء لا يمكن أن يتصل بمادة وهو الله، أو ~~في شيء قد يتصل بالمادة وقد ينفصل ويكون وجوده ذهنيا فقط مثل العدد، ~~وعلمه الرياضة، أو في شيء يتصل دائما بالمادة ولا ينفصل عنها كالأشجار ~~والنجوم والهواء، وعلمه الطبيعة، وبعبارة أقصر، يقول لنا الكندي إن ~~موضوع الفلسفة ثلاثة: الإلهيات، والرياضة، والطبيعة. # والذي أريد أن أعترض به على الكندي وأمثاله هو أنك حين تبحث في ~~الإلهيات فأنت من رجال الدين ولست بالفيلسوف، وحين تبحث في الرياضة؛ ~~فأنت رياضي لا فيلسوف، وحين تبحث في الطبيعة فأنت من علماء الطبيعة، لا ~~فيلسوف. # كلا، ليس للفلسفة موضوع، ولا ينبغي أن يطلب إليها أن تصل إلى نتائج ~~هي من شأن رجال الرياضة والعلوم، ولو طلبنا إليها ذلك كنا عابثين. ولو ~~أخذ الفيلسوف على نفسه أن يصنع ذلك؛ كان عابثا واستحق سخرية الساخرين. ~~إنما واجب الفلسفة الصحيح هو نقد وتحليل، نقد وسائل التعبير وتحليل ~~معاني الألفاظ التي يستخدمها الرياضيون والعلماء؛ ليزداد الإنسان فهما ~~لما يقوله الرياضيون والعلماء، بل ليزداد الرياضيون والعلماء أنفسهم ~~فهما لما يقولون. ms192 # وسيقول لنا المستنكر: ولماذا توضح للعلماء والرياضيين ألفاظهم؟ أليس ~~العلماء والرياضيون أقدر منك على تحديد معنى اللفظ الذي يستخدمون؟ ~~وأجيبه أن نعم، هم أقدر في بعض الأحوال، بل هم يصنعون ذلك لأنفسهم في ~~معظم الأحيان، لكن العالم أو الرياضي إذا ما تناول اللفظ الذي يستخدمه ~~بالتعريف والتحديد والنقد والتحليل كان بذلك فيلسوفا إلى جانب كونه ~~عالما أو رياضيا، وليس ما يمنع أن يكون الرجل الواحد عالما ~~وفيلسوفا في آن معا. إن «أينشتين» حين حدد معنى كلمة «آنية» - أي ~~وقوع حادثين في لحظة واحدة - كان في ذلك فيلسوفا إلى جانب كونه من ~~أعلام الرياضة البارزين. # وسيقول المستهين بثقال الأحمال: أهذا كل ما تريده من الفيلسوف الذي ~~تقوس ظهره وطالت لحيته؟! وجوابي على مثل هذا المستهين هو أن كلمة ~~واحدة قد تتطلب لتحديد معناها فحول العقول في كل العصور، ثم هي لا تصل ~~إلى معناها! هل تدري فيم كتب أفلاطون جمهوريته؟ كتبها ليحلل لفظة ~~واحدة هي «العدالة»! وإذا لم يعجبك مثل هذا القول فنبئني بربك - ولك ~~عند الله الثواب - ما معنى هذه الألفاظ الآتية: مادة، عقل، إحساس، ~~شعور، زمان، مكان؟ ومن هذه مئات وألوف يستخدمها الرياضي أو العالم، ~~فيأتي الفيلسوف أو الرياضي نفسه، والعالم نفسه إن أراد الواحد منهما أن ~~يكون فيلسوفا كذلك؛ ليحلل ما وراء هذه الألفاظ، كي يسير البحث العلمي ~~على هدى وصراط مستقيم. # ليس للفلسفة موضوع معين، وليس لها أن تنبئنا عن حقائق الكون، إنما هي ~~طريقة بغير موضوع، كقولك عن الرجل إنه وزير بلا وزارة، فيعمل في العدل ~~مرة وفي الدفاع مرة! هي البحث عن معاني الألفاظ، لا كما تشرحها ~~القواميس، بل هو بحث تحليلي له أوضاع وشروط ... ماذا أريد أن أقول للقارئ ~~في مقال؟ إن موعدي معه في ذلك كتاب. # أكاد أوقن أن كثيرين - وكثيرين ممن يشتغلون بالفلسفة دراسة وتدريسا ~~بنوع خاص - سينكرون علي ما ذهبت إليه، وسيقولون: وماذا أنت صانع بهذه ~~«المشكلات» التي أخذ الفلاسفة في حلها منذ نشأت على وجه الأرض فلسفة؟ ~~وأعود فأؤكد لهؤلاء ms193 أن الأمر لا يعدو أحد اثنين؛ فإما أن تكون تلك ~~«المشكلات» مسائل حقيقية عما في الكون من أشياء، وعندئذ فهي من شأن ~~العلم وحده يقول فيها قوله ويبحث فيها بطريقته، وإما أن تكون «مشكلات» ~~زائفة بمعنى أنها أسئلة لا تحتمل الجواب؛ لأنها كلام فارغ من المعني، ~~وإنما خدع به الناس حين رأوه يتخذ هيئة السؤال كما يقررها علم النحو، ~~لا كما يقررها منطق العقل. إذا سألتك مثلا: ما لون الفضيلة أهو أحمر ~~أم أصفر؟ كم تساوى زوايا الإنسان؛ هل تساوى قائمتين أو أكثر؟ فبماذا ~~تجيب؟ إنك لن تجيب، وستعلم أني لست جادا في السؤال؛ لأن سؤالي لا ~~يحمل معنى يتفق مع طبيعة المنطق، على الرغم من أنه يتخذ صيغة يرضاها ~~علم النحو، لكن النكبة الكبرى هي أن بعض الأسئلة يخدع الناس، فيكون ~~فارغا من المعنى كهذه الأسئلة التي سقتها إليك، غير أن فراغها من ~~المعنى لا يكون بهذا الوضوح، فترى الناس ينفقون أعمارا وأعمارا في ~~محاولة الجواب ولا جواب! خذ هذا السؤال مثلا: ماذا وراء الطبيعة؟ ... لن ~~أحدثك عن ضخامة الجهد الذي بذله «الفلاسفة» في سبيل الجواب. والأمر في ~~حقيقته هو ألا سؤال، وإذن فلا ينبغي أن يكون جواب. شرط السؤال أن يكون ~~جوابه مما يمكن عليه التحقيق، وشرط التحقيق أن تكون مادة الجواب مما ~~يمكن أن يقع في حدود التجربة الإنسانية، وما عدا ذلك هراء في ~~هراء. # وسيقول المستنكر مرة أخرى: ليست الميتافيزيقا إلا هذه المسألة ~~وأضرابها، فماذا أنت قائل؟ قولي هو أن الميتافيزيقا أسطورة من أساطير ~~الأولين - وكثير من الآخرين - وها هنا تأتي قصة القطة السوداء؛ فقد قيل ~~عن الفيلسوف الذي يجعل همه مثل هذا البحث العقيم، إنه رجل أعمى يبحث ~~في غرفة مظلمة عن قطة سوداء ليس لها وجود. # | التصوف والمعرفة # نشر الأستاذ الفاضل الدكتور أبو العلا عفيفي مقالين في عددين ~~متتاليين من مجلة الثقافة، ذهب فيهما إلى أن الصوفية من بين رواد ~~الحقيقة، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فزعم «أنهم وفقوا حيث أخفق ms194 ~~غيرهم إلى معرفة الحقيقة». ومعنى ذلك أنهم وحدهم دون سائر عباد الله قد ~~عرفوا هذا الذي يتحرق الإنسان شوقا إلى عرفانه، مذ خلقه الله ~~إنسانا، ورزقه فكرا ووجدانا. # قرأت المقالتين قراءة المتمهل المتأني؛ لأنه لو كان الأستاذ الفاضل ~~يبسط فيهما رأيه، إذن فشقة الخلاف بيني وبينه بعيدة بعد ما بين ~~الأرض والسماء ؛ فبينا هو يرى الصوفي قادرا بصوفيته على إدراك الحقيقة ~~كاملة شاملة، أراه أنا - بما هو صوفي - لا يعرف من تلك الحقيقة كثيرا ~~ولا قليلا، أراه لا يعرف شيئا على الإطلاق. أقول إني قرأت المقالتين ~~قراءة المتمهل المتأني؛ لأنني إن لم أجد فيما يكتبه الدكتور أبو العلا ~~عن التصوف ما يردني عن وجهتي، فما أحسبني واجدا ذلك عند أي كاتب عربي ~~آخر، لكني فرغت من قراءتي دون أن أجد ما يضطرني إلى التحول من رأي ~~إلى رأي، والانتقال من مذهب إلى مذهب. # ترى أيكون هذا الاختلاف البعيد بيننا أساسه خلاف في المعاني التي ~~ننسبها إلى ما نستخدمه من الألفاظ؟ فإني ألاحظ في حديثنا ثلاث كلمات ~~ضخمة شغلت جبابرة العقول في تحديد معانيها، وهي «تصوف» «معرفة» ~~«حقيقة»؟ لا بد إذن من تحديد المراد بهذه الكلمات على وجه الدقة، ~~قبل القول إن كان المتصوف يعرف أو لا يعرف الحقيقة. والمثل الأعلى أن ~~يتفق المتناقشان على تحديد دقيق لمعاني الألفاظ قبل المضي في البحث. ~~فإن تعذر ذلك؛ بين كل منهما ما يقصد إليه حين يستخدم هذه اللفظة أو ~~تلك، وفي كلتا الحالتين لن يطول بينهما خلاف فيما أعتقد؛ لأنهما إن ~~كانا يدوران في دائرة واحدة من المعاني، فاتفاقهما هين ميسور. وأما ~~إن وجد أنهما يتكلمان بلسانين مختلفين؛ فلا سبيل بينهما إلى ~~نقاش. ~~••• # وقبل أن أوضح وجهة نظري، أحب أن أعترف لأستاذنا الفاضل بأنني أعاني ~~ما أعانيه من شقاء العيش ومرارته، مذ أخذت نفسي أخذا صارما جازما ~~بأن أفهم عن المتكلمين أو الكاتبين بمدلولات ألفاظهم. فقل ما شئت يا سيدي في مقدار ما أفسد ذلك علي من متعة القراءة أو الحوار؛ لأني ~~أحاول ms195 عند كل عبارة أن أفهم - ذلك بالطبع إن كنت أعلم عن المتكلم أو ~~الكاتب نية الجد فيما يقول - والفهم عندي معناه أن أتخذ من هذه ~~الألفاظ التي أمامي أصابع تشير إلى أشياء، فما أكثر يا سيدي ما ألوي ~~العنق؛ لأرى هذا الذي يشير إليه المتكلم أو الكاتب بألفاظه، فلا أرى ~~شيئا، وأبوء من قراءتي بما هو شر من الفشل الذريع؛ إذ إني كثيرا ما ~~أنحو باللائمة إلى نفسي، وأنزل عليها سخطا وغضبا أن ركبت على ~~هذا النحو الذي يحول بينها وبين رؤية ما يراه كثيرون من أفضل ~~المفكرين. # لكن الحب الفطري الذي يكنه الإنسان لنفسه، سرعان ما يثور في نفسي ~~ليدفع عنها هذا الاتهام؛ فلست أطلب بدعا حين أبحث عن مدلولات ~~الألفاظ؛ ليتسنى لي فهم ما يقال، فها أنت ذا ترى الناس في حياتهم ~~اليومية العملية لا يفهم بعضهم عن بعض إلا على هذا الأساس. وكيف كان ~~صاحبي ليفهمني حين قلت له منذ حين إن «المعطف ثمنه عشرون جنيها» إلا ~~إذا استطاع أن يجد لكل لفظة من هذه الألفاظ مدلولها بين ما يرى من ~~الأشياء وما بينها من علاقات؟ ولو قلت له إن «المرطف ثمنه عشرون ~~جنيها» كان من حقه أن يسألني: «ما هذا المرطف الذي تتحدث عنه؟» ثم كان ~~من واجبه نحو نفسه ألا يطمئن إلى ما أقوله له إلا إذا أظهرته خبرته ~~على شيء يسميه الناس مرطفا مما يمكن أن تدفع في شرائه ~~الجنيهات. # بل ها أنت ذا ترى العلماء في شتى ضروب العلم لا يتفاهمون إلا على هذا ~~الأساس بعينه. فلو قال قائل منهم: إن أجرام المجموعة الشمسية بينها ~~علاقة الجاذبية، كان حتما عليه أن يوضح المراد بلفظ الجاذبية، ولمن ~~يستمع له أن ينظر إلى أجرام المجموعة الشمسية؛ ليرى هل يقوم بينها هذا ~~الذي يسميه القائل جاذبية أو لا يقوم. وسواء وجده مخطئا أو مصيبا، ~~فكلامه مفهوم ما دام يحدد له معاني ألفاظه على نحو يتيح له أن يري ~~أأخطأ في قوله أم أصاب. أما إن قال ms196 إن أجرام المجموعة الشمسية بينها ~~علاقة «اللاذبية»، وسألته ماذا تكون هذه اللاذبية، فأجاب إنها ليست مما ~~يقع في حدود الخبرة الحسية، كان من حقي، بل كان من واجبي، أن أصم عنه ~~أذني ولا أعبأ بما يقول؛ لأن قوله عندئذ لا يزيد على خليط من موجات ~~صوتية، لا يحمل إلى السامع معنى على الإطلاق. ~~••• # وأستاذنا الدكتور أبو العلا عفيفي يقظ متنبه فيما يجري به قلمه، ~~فتراه يحدد لك ألفاظه ما وسعه التحديد؛ فهو في مقالتيه هاتين عن ~~الصوفية ومعرفتهم للحقيقة، يبين في مواضع شتى ما يريده بالصوفية، وما ~~يريده بالمعرفة، وما يريده بالحقيقة. # وللقارئ ها هنا أن يسألني: وماذا تريد منه بعد هذا التحديد لما يريد؟ ~~وجوابي هو: أني لم أفهم اللغة التي استخدمها في تحديداته تلك، وكانت ~~عندي بمنزلة «المرطف» و«اللاذبية»، ومن حقي إذن أن أستفسر ماذا يراد ~~على وجه الدقة بهذه الألفاظ؛ ليتسنى لي الحكم على ما يقال بالخطأ أو ~~بالصواب. # فالصوفية عند أستاذنا الدكتور صنف من الناس «ملهم متصل بالعالم ~~الروحي». هذا زعم يزعمه لك زاعم. أليس من حقك، بل من واجبك أن تعلم إن ~~كان في زعمه هذا مصيبا أو مخطئا؟ لكنك لكي تعلم ذلك؛ فلا سبيل إلا أن ~~تكون هذه الألفاظ دالة على أشياء مما عسى أن يقع في خبرتك، وإذن فمن ~~حقك - بل من واجبك - أن تسأل: أين أرى هذا العالم الروحي لأستيقن من ~~صدق القول بأن الصوفي قد اتصل به، كما تسأل الذي يزعم لك أن «إفرست» ~~وصل إلى قمة الهملايا، أو أن «أمندسن» كشف عن القطب الجنوبي. أين هذه ~~الهملايا؟ وأين ذلك القطب الجنوبي؟ لكنك إذا سألت: أين هذا العالم ~~الروحي؟ وما صفاته؟ ليتاح لي أن أفهم معنى قولك إن الصوفي «متصل ~~بالعالم الروحي» أجابك الدكتور أبو العلا في أولى مقالتيه بأن ~~«الحقيقة» ليست هي هذا الواقع المحسوس، أو العالم الخارجي الظاهر، وأنك ~~إذا تشبثت بهذا الواقع المحسوس كنت «أقل نضجا في العقل والروح» ~~(وهي دعوى لا أعرف كيف يستطيع الدكتور أبو العلا ms197 إثباتها؟) # الفرض في الكلام أن ينقل المتكلم خبرا إلى سامعه، ولو لم يكن في ~~الكلام خبر ينبأ به؛ لوجب على المتكلم - منطقيا - أن يزم شفتيه ~~صامتا. والشرط الأساسي في الخبر أن يكون مما يمكن وصفه بصدق أو كذب. ~~فإن نطقت لي بكلمات زعمت أنها خبر، ثم استحال علي أن أصف كلامك هذا ~~بصدق أو كذب، لا عجزا مني، بل نتيجة لازمة عن طبيعة كلامك نفسه، فليس ~~كلامك - إذن - مما يصح أن يقال عنه إنه خبر، وليس لك الحق من الوجهة ~~المنطقية أن تحرك لسانك قط بهذا الكلام. # والصوفي يزعم لنا هذه الدعوى: «أنا على اتصال بالعالم الروحي» ~~وسأسأله: أين هذا العالم وما أوصافه؟ فيجيب: يستحيل عليك أن تعرف؛ لأنك ~~لست مركبا على نحو ما ركبت أنا ... إذن فكلامه هذا ليس بالخبر، بل ~~ليس بالكلام إطلاقا؛ لأنه شبيه بقول القائل إن بين أجرام المجموعة ~~الشمسية «لاذبية»، فإن سألته: وما «اللاذبية»؟ أجابك بأنها يستحيل أن ~~تقع في خبرتك. # بل كلامه هذا شبيه بالمحموم أو المخمور الذي يزعم لك أنه يرى أرانب ~~خضراء تجري أمامه، فان أنكرتها عليه كان جوابه - بحق - إنه يستحيل عليك ~~إدراكها إلا إذا كنت في مثل ما هو فيه من حمى أو من سكر بالخمر. ~~ولست أنكر أبدا على المحموم أو المخمور رؤيته للأرانب الخضر، لكني ~~أخضع زعمه هذا للتحقيق، فإن كان ما يستحيل تحقيقه، كان «حالة خاصة» لا ~~يجوز أن تأخذ بيننا موضع الأقوال العلمية، بل لا يجوز فيها الكلام ~~إطلاقا إلا على سبيل الترنم بأنغام الكلام، وهكذا قل في «الحالة ~~الخاصة» التي يحسها الصوفي. # ولم يسع الدكتور أبو العلا - بالطبع - إلا أن يعترف في صراحة بأن ~~حالة الصوفي عند «اتصاله بالعالم الروحي» حالة خاصة به؛ إذ يقول: «إن ~~الغاية التي يتجهون إليها ويكرسون حياتهم لها هي البحث عن حالة روحية ~~خاصة ...» # وهنا ينشأ السؤال الآتي، وهو المراد بهذا المقال: هل تصلح الحالات ~~الخاصة أن تكون معرفة؟ ~~••• # أعود فأسأل: «هل تصلح الحالة الخاصة أن تكون معرفة؟» إنني إذا ms198 ألقيت ~~بنفسي من نافذة غرفتي، فسأحس عند الهبوط بحالة معينة نشأت عن سقوط ~~الجسم إلى الأرض بفعل الجاذبية، فهل يجوز لي عند أن أقول إني عرفت ~~الجاذبية؟ وإذا لمست سلكا مكهربا أحسست بهزة خاصة، فهل يجوز لي أن ~~أقول إني بهذه الهزة بجسمي قد عرفت الكهرباء؟ وهكذا تستطيع أن تمضي ~~في ضرب الأمثلة لحالات خاصة يحسها فرد معين في ظروف معينة. وتستطيع أن ~~تسأل هل هذه الحالات الخاصة معرفة؟ إنه في الجواب عن هذا السؤال القول ~~الفصل في: هل يعرف الصوفي شيئا أو لا يعرف؛ لأن الصوفي - بحكم تعريفه ~~- يحس حالة خاصة هي التي تجعل منه صوفيا، وبغيرها لا يكون. # ونحب في محاولة الجواب عن هذا السؤال أن نفرق في إدراكاتنا بين ~~جانبين، هما «مضمون» الإدراك من جهة «وهيكله» من جهة أخرى. ولو ~~استمسكنا بهذه التفرقة استمساكا جادا صارما لتبين لنا الجواب عن ~~سؤالنا واضحا؛ لأننا سنجد أن المعرفة لا تكون إلا في هيكل الإدراك. ~~وأما مضمونه فليس من المعرفة في شيء ... لكن هذا الكلام بحاجة إلى شرح ~~وتوضيح. # أنا الآن أنظر إلى بقعة خضراء أمامي، فلو أردت أن أنقل إدراكي هذا ~~إلى سواي، الذي لم ير هذه البقعة الخضراء، قلت له: رأيت بقعة خضراء. ~~فماذا تظنني قد نقلته إليه حين قلت: خضراء؟ بديهي أني لم أنقل إليه ~~«مضمون» الاخضرار الذي اهتزت بتأثيره أعصابي؛ لأن هذا «المضمون» خاص ~~ونقله إلى سواي مستحيل، ولكنني أقدم له بكلمة «أخضر» هيكلا فارغا ~~ليكسوه من ماضي خبرته، أو إن شئت فقل إني أقدم له بهذه اللفظة وعاء ~~فارغا ليملأه بالأخضر الذي عرفه من حياته الخاصة. ولم يكن نقل «مضمون ~~الإدراك» مستحيلا علي؛ لأنني حاولت ذلك وفشلت محاولتي، بل لأن مجرد ~~المحاولة في ذلك ضرب من المحال، كما تطلب إلى شخص أن يترجم عبارة إلى ~~لغة لا يعرفها! # ونحن نعلم أن بيننا نفرا كثيرا يمتعه أن نتغنى بعجز الإنسان ~~وضعفه. ولن أعدم من هذا النفر قارئا يسأل: ألا يمكن أن يجيئنا ~~المستقبل بفيلسوف يدلنا على ms199 طريقة نعبر بها عن «المضمون» في إدراكاتنا؟ ~~أين برهانك على أن ذلك مستحيل على كل إنسان وفي كل زمان؟ وجوابي هو ألا ~~برهان؛ لأن البرهان إنما يكون على قضية تحتمل الصواب والخطأ. # وقولي «مضمون الإدراك يستحيل على التعبير» ليس مما يحتمل خطأ أو ~~صوابا؛ لأنه قضية نحصل فيها حاصلا ولا نزعم جديدا. فمضمون ~~الإدراك من معانيه أنه يستحيل على التعبير، فكأننا في قولنا هذا نعرف ~~لفظا بلفظ، كما نقول: إن المثلث سطح مستو محوط بثلاثة خطوط ~~مستقيمة. # فإن كان مضمون إدراكي مستحيلا على التعبير؛ فهو إذن ليس معرفة، لأن ~~شرط المعرفة أن تكون عامة يمكن نقلها من شخص إلى شخص، إني حين أنطبع في ~~أعصابي باللون الأخضر، فهذا الانطباع جزء لا يتجزأ من كياني العضوي، أو ~~قل هذا الانطباع هو «أنا» في هذه اللحظة التي أدرك فيها اللون الأخضر. ~~وليست المعرفة بالجزء الذي لا يتجزأ من كياني، إنما هي على خلاف ذلك ~~يمكن نقلها. وأصدق ما تظهر فيه المعرفة الموضوعية التي يجوز نقلها من ~~شخص إلى آخر، هو العلاقات المكانية والزمانية بين الأشياء، فلو قلت ~~مثلا: إني رأيت طائرا على الشجرة؛ فقد يترجم السامع لنفسه معنى ~~الطائر ومعنى الشجرة بما مر عليه في خبرته من طيور وأشجار، بحيث يختلف ~~تصوره لها عن تصوري. أما العلاقة المكانية «على» فنشترك فيها، وكذلك لو ~~قلت له إن الموسيقى عزفت بعد رفع الستار، فقد يختلف تصوره عن تصوري ~~لصوت الموسيقى ولصورة الستار، أما العلاقة الزمنية «بعد» فنشترك فيها، ~~وهكذا. # المعرفة - إذن - شرطها أن تكون مشتركة بيني وبين سائر الناس، فمعرفة ~~الجاذبية - مثلا - هي علمنا بالمعادلات الرياضية التي تصف ظاهرتها، ~~وليست هي إحساسي الخاص الذي أحسه عند سقوطي. ومعرفة الكهرباء هي كذلك ~~العلم بمعادلاتها الرياضية (والمعادلات تحديد للعلاقات) وليست هي ~~الهزة التي أحسها حين ألمس سلكا فيه كهرباء. # والصوفي ينظر إلى الوجود، أو على الأصح إلى جزء منه، فيبهره على نحو ~~ما يبهرنا - مثلا - النظر إلى جبل شامخ أو شلال دافق، لكن هذا ~~الانبهار وجدان ms200 خاص لا يمكن نقله، وبالتالي لا يجوز اعتباره ضربا من ~~المعرفة. فإن تكلم الصوفي عما يحس؛ فهو فنان لا يقصد بقوله شيئا مما ~~يصح أن يقال له فيه صدقت أو كذبت. وهذا هو ما يؤكده أيضا الدكتور أبو ~~العلا في مقالتيه، ولكنه رغم تأكيده لنا بأن التصوف «تجربة شخصية أو ~~حال معينة يعانيها فرد بعينه ... ومثل هذه الحال لا يقال فيها إنها ~~صادقة أو كاذبة، ولا يطالب صاحبها بإقامة الدليل على صحتها.» أقول إنه ~~رغم تأكيده هذا، يعود فيقول إن الصوفي بتجربته الشخصية هذه يعرف ~~الحقيقة! إن الصوفية كما يقول الغزالي «أرباب أحوال لا أصحاب أقوال» أي ~~إنهم يحسون وجدانات خاصة، لكن ليس في وسعهم أن يقولوا شيئا. وما ~~دام الأمر كذلك وجب عليهم الصمت، وإذا كان صمت فلا معرفة، أو كما يقول ~~وتجنشتين «ما لا نستطيع الكلام فيه يجب الصمت عنه.» ~~••• # ومما يزيد في عجبي أن يقال عن المتصوف: إنه يعرف «الحقيقة»، وما عسى ~~هذه الحقيقة، أن تكون؟ هي - بتعريف الدكتور أبو العلا - «ذلك الغيب ~~المجهول أو ذلك الوجود المحجوب»، وإن كان الشيء بحكم تعريفه غيبا ~~ومجهولا ومحجوبا؛ فلست أدري ما حيلة الإنسان فيه صوفيا أو غير ~~صوفي؟! # إن من أكبر أخطاء الفلسفة التأملية أن تأخذ المعاني الكلية على ~~أنها حقائق قائمة بذاتها، فهذا منها بمثابة التجسيد للظل والتشخيص لما ~~ليس مشخصا، فليست هناك حقيقة واحدة حتى يجوز للصوفي أو لغيره أن ~~يبحث عنها، إنما هناك حقائق. فارتفاع فيضان النيل في الصيف حقيقة، ~~وتمدد الحديد بالحرارة حقيقة، ونمو النبات بالغذاء حقيقة. وهكذا قل ~~في ملايين الحقائق التي هي من شأن العلوم المختلفة، وقد تكون بين تلك ~~الحقائق علاقات وقد لا تكون، على ألا ننسى أن العلاقات لا تضيف إلى ~~العناصر الموجودة عنصرا جديدا. # وبالطبع لم تغب هذه النظرة الساذجة عن الدكتور أبو العلا، فهو يعلم ~~وجود هذه الأشياء، لكنه يعلم فوق ذلك أن الحقيقة شيء سواها! يقول: «إن ~~العالم المحسوس عالم حافل بالظواهر المتكثرة المتغيرة، وطالب ~~الحقيقة المطلقة يطلبها ms201 واحدة لا كثرة فيها ولا تغير» ... إلخ. ونحن لا ~~نريد أن ننغص على طالب الحقيقة المطلقة عيشه، ولا أن نقض له ~~مضجعه؛ فليس ذلك من حقنا، ولكن الذي هو من حقنا بغير نزاع أن ~~يختار هذا الطالب للحقيقة المجردة أحد أمرين: فإما أن يتمتع بوجدانه ~~ذاك الخاص به، وألا يكون له شأن بنا؛ فلا يتحدث إلينا ولا يكتب لنا ~~الكتب، وإما أن يتحمل تبعة من يريد أن يصف للناس شيئا، وأعني بهذه ~~التبعة إمكان أن يكون صادقا فيما يقول. ولا يمكن وصف الكلام بالصدق ~~إلا إذا كان يصف شيئا عاما مشتركا بيننا جميعا، لكنه لا يريد ~~لنفسه الحالة الثانية، فلا مندوحة له عن الأولى. # ويمكن تلخيص ما قلناه في هذه الخطوات. ~~(1) # الصوفي يعاني تجربة شخصية، أو حالة خاصة. ~~(2) # الحالة الخاصة هي بمثابة «مضمون الإدراك»، وهو ما يستحيل ~~نقله من شخص إلى شخص. ~~(3) # والمعرفة شرطها أن تكون عامة، وأن يكون نقلها ممكنا؛ ولذلك ~~كانت المعرفة بأدق معناها منحصرة في «هيكل الإدراك»؛ أي في ~~العلاقات القائمة بين الأشياء. ~~(4) # وإذن فليس التصوف معرفة. # ولا بد أن نذكر أن الدكتور أبو العلا قد فرق بين «الاتصال» ~~و«المعرفة»، ونحن نوافقه كل الموافقة على أن الحالات الذوقية الخاصة ~~اتصال مباشر بالتجربة المعينة، وهو ما سماه رسل # acquaintance # تمييزا له من المعرفة ~~التي سماها «وصفا» # description ~~، لكن ~~ما فائدة هذه التفرقة إذا لم نكن ننوي التزامها؟ # إن قلنا إن التصوف «اتصال»؛ فيستحيل أن يكون «معرفة»، وإن قلنا إنه ~~«معرفة» فليس هو بالاتصال. # لكن المتصوف يعاني تجربة شخصية؛ فهو إذن - كما قلنا في فاتحة المقال ~~- لا يعرف شيئا على الإطلاق. # | التاريخ لا يعيد نفسه # أما أن يعيد التاريخ نفسه بمعنى «أن الحوادث نفسها بأشخاصها وزمانها ~~ومكانها تعود مرة ثانية وثالثة؛ فهذا ظاهر البطلان. فمحال أن يعود ~~الإسكندر أو نابليون أو تيمورلنك فيفتح فتوحه، ومحال أن يعود سقراط في ~~أثينا ويعيد دروسه، ومحال أن يعود المتنبي إلى مصر، فيلقى كافورها، أو ~~إلى حلب فيلقى سيف دولتها، أو نحو ذلك». ms202 # هكذا بدأ أستاذنا الجليل الدكتور أحمد أمين بك تحليله للجملة الشهيرة ~~«التاريخ يعيد نفسه» في مقالة نشرت له بهذا العنوان في مجلة الثقافة. ~~وقد انتهى من هذه الفاتحة التحليلية إلى نتيجة، وهي أن «الجملة على هذا ~~المعنى سخافة ظاهرة». # لكن التاريخ - في رأي أستاذنا الجليل - يعيد نفسه بمعنى آخر يقبله ~~ويعده صوابا ، وهو «أن كل حدث من أحداث الزمان نتيجة لمقدمات، فإذا تمت ~~المقدمات ظهرت النتيجة لا محالة، وإذا تشابهت المقدمات تشابهت النتائج. ~~وهذا الأمر يتكرر دائما على نمط مطرد؛ فكلما حدثت مقدمات من نوع ~~خاص حدثت النتيجة بعينها». # ويستطرد الدكتور أحمد أمين بك في شرح هذا المعنى فيقول: «إن أحداث ~~التاريخ - على هذا النظر - مثلها مثل كل القوانين الطبيعية، إذا حصلت ~~أسبابها حصلت مسبباتها، فإذا وجد الحديد ووجدت الحرارة تمدد ~~الحديد لا محالة، وأمكننا أن نقول إن تمدد الحديد يعيد نفسه، كما ~~نقول التاريخ يعيد نفسه». # وخشي أستاذنا الفاضل أن يطوف برأس القارئ في هذا الموضع اعتراض على ~~تشبيهه حوادث التاريخ بحوادث الحديد في تمدده المحتوم إذا سلطت عليه ~~الحرارة، وأن يقيم القارئ اعتراضه على أساس أن حوادث التاريخ متصلة ~~بالنفس التي تختلف عن قطعة الحديد في أنها حرة قد تعمل العمل في ظرف ~~ولا تعمله في الظرف نفسه، وأنه إذا صحت هذه التفرقة بين النفس ~~الإنسانية الحرة وبين قطعة الحديد المجبرة؛ فالتاريخ لا يعيد نفسه ~~كما يفعل تمدد الحديد ... خشي أستاذنا الفاضل أن يطوف برأس القارئ في ~~هذا الموضع اعتراض كهذا على موازنة التاريخ بالحديد المتمدد ~~بالحرارة؛ فأسرع ها هنا إلى إثبات رأيه جليا واضحا، وهو أن النفس ~~الإنسانية مجبرة في شكل مخيرة؛ فهي بحكم قوانين الوراثة والبيئة وما ~~إليهما لا يمكنها أن تفعل غير ما فعلت. ولو جاز لنا أن نضع رأيه في ~~عبارة أخرى؛ قلنا إنه لا يرى فرقا بين النفس الإنسانية وقطعة ~~الحديد. # فإن كان هذا رأى أستاذنا الجليل؛ فلماذا إذن يقطع قطعا لا تردد ~~فيه باستحالة «أن يعود الإسكندر أو نابليون أو تيمورلنك فيفتح ms203 فتوحه ~~...إلخ»؟! # إن استحالة أن تعود هذه الكائنات الحية إلى ما كانت عليه مرة ثانية ~~وثالثة، أساسها أنها كانت حية تختلف من قطع الحديد وسائر أجزاء الجماد. ~~ولو جعلنا الكائن الحي وقطعة الحديد سواء؛ لارتفعت هذه الاستحالة ~~التي نحكم بها على عودة هؤلاء الأحياء سيرتهم من جديد؛ ذلك لأنه إذا ~~كان الكائن الحي - وأنا لا أفرق هنا بين الشجرة والإنسان - حاصل جمع ~~العناصر الموجودة تجتمع اجتماعا لا مهرب منه ولا محيص عنه، إذن فليس ~~هناك ما يمنع - في حكم العقل - أن تجتمع العناصر نفسها في الظروف نفسها ~~مرة ثانية وثالثة، بحيث يكون لنا من اجتماعها «الإسكندر أو نابليون أو ~~تيمورلنك». ولعل هذا الرأي بعينه هو ما حدا بأحد الفلاسفة اليونان ~~الأقدمين أن يزعم بأن العالم بما وقع فيه من أحياء وأشياء وحوادث سيعود ~~إلى الوقوع بكل تفصيلاته مرة بعد مرة إلى ما لا نهاية له من المرات ~~كأنه شريط السينما، تديره آلاف المرات، فتظهر لك على الشاشة نفس القصة ~~التي تظهر في كل مرة، ولم يكن فيلسوفنا هذا قد أخطأ في زعمه، إذا سلمنا ~~له بالمقدمة التي يسلم بصحتها أستاذنا الجليل أحمد أمين بك، وهي أن كل ~~كائن - حيا كان أو جامدا - هو حاصل جمع الظروف والعوامل المحيطة، ~~فإن كان ذلك كذلك؛ فليس بعيدا على العقل أن يتصور «عجيبة» الوجود قد ~~طمست من جديد في شكلها السديمي الأول، وما دامت الظروف بعينها ستتكرر، ~~والعوامل بذاتها ستفعل فعلها، فليس من شك «أن يعود الإسكندر أو نابليون ~~أو تيمور لنك فيفتح فتوحه ...» # إنه من الممكن لأجرام المجموعة الشمسية - مثلا - أن تتخذ وضعا ~~معينا بحيث يصيب الشمس كسوف، أو يصيب القمر خسوف، ولا استحالة قطعا ~~في أن يعود الكسوف أو الخسوف مرة ثانية وثالثة ورابعة، وما لا نهاية له ~~من المرات، حيث يستحيل أن تفرق بين حالتين من هذه الحالات. ولا فرق - ~~حينئذ - بين أن تكون إزاء حالتين متعاقبتين من حالات الكسوف أو الخسوف ~~بينهما فترة انفصال، وبين أن تكون إزاء حالة واحدة ms204 مستمرة ذات لحظات ~~متتابعة، فنستطيع بغير خطأ أن تقول عندئذ: إن كسوف الشمس أو خسوف القمر ~~يعيد نفسه ... وهذا بعينه ما كان يحدث لو نظرنا إلى «الإسكندر أو نابليون ~~أو تيمور لنك» نظرنا إلى أحجار الأرض وأجرام السماء، أعني أنه لا ~~استحالة أن تعود الظروف مرة أخرى فيعودوا، لولا شيء واحد فيهم هو الذي ~~جعل هذه العودة مستحيلة، وهو أنهم كانوا أحياء. # الفرق بين الحي والجامد هو هنا كل شيء، لو أغفلته كان التاريخ ~~يعيد نفسه على الحي كما يعيدها على الجامد سواء بسواء. أستغفر الله، ~~بل لو أغفلت هذا الفرق بين الحي والجامد لما كان هناك تاريخ على ~~الإطلاق يعيد نفسه أو لا يعيدها؛ فالمجموعة الشمسية - مثلا - ليس لها ~~تاريخ، وإنما التاريخ يكون للكائن الحي وحده. وأعود فأقول إني لا أفرق ~~هنا بين الشجرة والإنسان ... ليس للجماد تاريخ؛ لأنك تستطيع أن تتصور ~~أحداثه سائرة من هذا الطرف إلى ذلك، أو من ذلك إلى هذا. تستطيع أن ~~تتصور أحداث الكائن الجامد سائرة من «أ» إلى «ب» أو من «ب» إلى «أ» دون ~~أن يتعارض ذلك مع أحكام العقل في شيء. أعني أنه لا فرق - عند العقل - ~~بين أن تسير الشمس من الشرق إلى الغرب أو من الغرب إلى الشرق؛ فقد كان ~~من الممكن لأية ظاهرة طبيعية أن يجيء سير حوادثها على غير ما هو عليه؛ ~~بحيث يكون ذلك السير الجديد هو قانون الطبيعة، فلم يكن مستحيلا - عند ~~العقل - أن تتقلص قطعة الحديد بالحرارة وأن تتمدد بالبرودة، وإنما ~~كان العكس هو الصحيح بحكم التجربة وحدها، لا بحكم المنطق العقلي الذي ~~لا محالة من وقوعه. دلتنا التجربة على أن الحديد يتمدد بالحرارة، ~~فقلنا إنه يتمدد بالحرارة، ولو دلتنا على غير ذلك لقلنا غير ~~ذلك. # لكن هذا السير العكسي الذي يجوز على الجماد لا يجوز على الكائن ~~الحي بحال من الأحوال؛ فها هنا خط السير واحد لا رجعة فيه، إذ يستحيل ~~- في حكم العقل والتجربة معا - أن يكون سير الحياة في الشجرة أوله ms205 ~~الإثمار وآخره بذر البذور في الأرض، ويستحيل أن يكون سير الحوادث في ~~تاريخ الفرد من الإنسان بادئا من جثمانه وهو ميت ومنتهيا إليه وهو ~~جنين. # ما شأن هذا كله بما نحن الآن بصدد بحثه، وهو: هل يعيد التاريخ نفسه ~~أو لا يعيدها؟ # شأنه هو هذا: الكائن الحي وحده هو الذي يكون له تاريخ، وأما ~~الجامد فلا تاريخ له؛ لأن الزمن لا يدخل عنصرا من عناصر تكوين الشيء ~~الجامد؛ إذ لا فرق بين حاضره وماضيه ومستقبله إلا في طريقة توزيع ~~أجزائه المادية، ولا يتحتم أن يكون توزيع معين في زمن معين. أما ~~الكائن الحي فالزمن جزء أساسي من طريقة تكوينه؛ لأنه يكبر وينمو مع ~~مر الزمن؛ فليس الفرق بين الإنسان وهو طفل وبينه وهو رجل هو مجرد ~~إعادة توزيع مادة جسمه، بل هناك فرق في النمو يستحيل أن يفهم بغير فعل ~~الزمن ... وإذا كان هذا هكذا، إذا كان التاريخ بمعناه الدقيق لا يتناول ~~إلا الأحياء، ثم إذا كان سير مراحل التغير في الكائن الحي يستحيل أن ~~يكون في اتجاه عكسي، بمعنى أن الرجل يستحيل أن يكون راجعا ليعود طفلا ~~من جديد، كانت عودة التاريخ مستحيلة بالنسبة لأي كائن حي نباتا كان ~~أو حيوانا أو إنسانا. # وما أفعال الجماعات التي يسجلها التاريخ كالثورات مثلا، إلا مجموعة ~~أفعال أفراد، فالثورة الفرنسية هي مجموعة ما فعله هذا وهذا وذاك من ~~أفراد الأمة الفرنسية إبان حدوثها. فتاريخ الجماعة - إذن - هو حصيلة ~~تواريخ أفرادها، والجماعة بهذا المعنى وحده كائن حي؛ لأنها حزمة من ~~أحياء. فإذا كان لا رجعة للفرد الواحد فلا رجعة لمجموعة الأفراد التي ~~تتألف منها الجماعة، ثم لا رجعة لأفعالهم. وبعبارة أخرى: لا رجعة ~~لحوادث التاريخ، على النحو الذي يرجع إليه تمدد الحديد. # ومن هنا كان يقين التنبؤ بحوادث المستقبل؛ اهتداء بحوادث التاريخ ~~الذي مضى ضربا من المحال ... محال لأنه كلام يناقض بعضه بعضا؛ ~~فالمستقبل إذا لم يكن فيه جديد يختلف به عن الحاضر والماضي لم يكن ~~مستقبلا بالمعنى الصحيح. إذا أنت نظرت إلى ms206 أجرام السماء، وتنبأت ~~بكسوف للشمس بعد مائة عام، فأنت في هذه الحالة لا تتنبأ بمستقبل ~~بمعنى الكلمة الحي الصحيح، إنما تقرأ الحاضر، ولا فرق في هذه الحالة ~~بين أن يكون الكسوف أمامك تراه الآن بعينيك، أو أن يكون آتيا بعد مائة ~~عام، لكنك ترى علاماته قائمة في السماء الآن ... وهذا بعينه هو ما حدا ~~بنا إلى القول بأن الكون الجامد لا تاريخ له؛ لأن ماضيه وحاضره ~~ومستقبله كلها موجودة في لحظته الحاضرة، ويمكنك أن تجرى عملية ~~حسابية راجعا بها إلى الوراء؛ فتعلم كيف كان الكون في الماضي، أو ~~متقدما بها إلى الأمام؛ فتعلم كيف يكون الكون في لحظة آتية. أما ~~مستقبل الكائن الحي فغير ذلك، مستقبله فيه جديد دائما، فيستحيل ~~استحالة قاطعة أن تحلل بذرة القمح - مثلا - ثم تهتدي بهذا التحليل إلى ~~مستقبل شجرة القمح التي ستتولد منها تحليلا دقيقا يدلك على عدد ~~أوراقها بالضبط وحجمها بالضبط، وعدد زهراتها بالضبط. وهكذا كما يستحيل ~~أن تحلل جرثومة منوية، فتهتدي بالتحليل إلى شيء دقيق عن مستقبل ~~الإنسان الذي سيتولد عنها ... # محال أن تتنبأ بحوادث المستقبل مهتديا بحوادث الماضي، وإلا فها هو ~~ذا العالم أمامنا، ولك أن تختار أي أمر من أموره القائمة. ولتكن ~~العلاقة بين إنجلترا وأمريكا مثلا، فهل تستطيع أو يستطيع إنسان كائنا ~~من كان أن يتنبأ بما ستكون عليه تلك العلاقة بعد عشر سنين على وجه ~~الدقة واليقين؟! دع عنك ما هو أدق من ذلك من المسائل التي تتصل ~~بإرادة الإنسان. # يقول أستاذنا الجليل أحمد أمين بك توضيحا لرأيه: «فالثورة إنما هي ~~نتيجة لمقدمات كثيرة، مثل حالة سيئة اجتماعية تسود الشعب ودرجة عالية ~~من غليان الشعب، وزعماء يوقدون النار تحتها، ونحو ذلك من مئات ~~العوامل. وهذه هي المقدمات، فإن حدثت كلها ولم يتخلف شيء منها؛ حدثت ~~الثورة لا محالة، وقلنا حينئذ إن التاريخ يعيد نفسه.» # لكننا نطلب من أستاذنا أن يذكر لنا مثلا واحدا من تاريخ الإنسانية ~~كلها تشابهت فيه ثورتان تشابها تاما لتشابه مقدماتهما كما تتشابه ~~قطعتا الحديد إذا ms207 تمددتا بفعل الحرارة. الثورة الفرنسية، والثورة ~~المصرية، وثورة الإسلام على الجاهلية، وثورة الاشتراكية على الرأسمالية ~~في إنجلترا اليوم ... إلخ، إلخ، كل هذه «ثورات» حدثت، فأين منها ما ~~تشابه لتشابه مقدماته؟ كلا، بل إني أرى في كل هذه الأمور التي ~~تتصل بالأحياء عامة وبالإنسان خاصة تفردا يستحيل عليه التكرار. وهذا ~~التفرد الذي لا يقبل التكرار هو صميم الحياة والأحياء، وإن كان كل فعل ~~إنساني فريدا بذاته، فمحال أن يتكرر. # ولعل معترضا يقول: ماذا يصنع علم النفس إذن، إذا لم يكن يستخرج لنا ~~من أفعال الناس قوانين عامة تنطبق على جميع الحالات، كما يستخرج العالم ~~الطبيعي قوانين عامة تنطبق على قطع الحديد كلها؟ # والجواب هو أنه يستحيل أن تستغرق القوانين العامة كل أفعال الإنسان، ~~بل لا بد أن يتبقى لكل فرد حي بقية تميزه من سائر الأفراد، وهذه ~~البقية الفردية هي وحدها التي تجعله إنسانا بالمعنى الصحيح، وهي التي ~~تجعل من الممكن أن يتصرف الإنسان تصرفا معينا ألف مرة، ثم يغير هذا ~~التصرف في المرة الحادية بعد الألف. # فقد تتكرر الظروف بعينها ولا تتكرر الأفعال الإنسانية، ومعنى ذلك أن ~~التاريخ لا يتحتم أن يعيد نفسه. # | بداية قصة # عبء ثقيل # هو عبء الحياة ... # هكذا قال لي ذلك الرجل العجيب، الذي رأيته في زحمة الطريق ~~عابسا، يلتمس لنفسه مسلكا بين مئات الناس الذين خرجوا من ~~توهم أفواجا من دار السينما، دون أن يمس أحدا منهم بمنكب أو ~~قدم، يتأرجح في مشيته بعض الشيء ولا يدق الأرض بعقبيه. نظراته ~~تنحدر نحو الأرض أكثر مما تلتفت إلى أعلى أو أمام، كأنما أراد أن ~~يتثبت قبل الخطو من موضع القدم، تبدو على خطواته السرعة وما هي ~~بسريعة، وتشع من جبهته وفمه جهامة تصرف الناظر إلى وجهه عن ~~رؤية ملامحه عند النظرة الأولى، حتى إذا ما ثبت الناظر فيه ~~عينيه، وأزال غلالة الجهامة عن صورته؛ رأى ملامح ثابتة غليظة: ~~حاجبان قويان عريضان أسودان، وأنف طويل مليء، وشفتان قويتان ~~ظاهرتان، ولحية وشارب كثيفتان، شعرهما سميك غليظ اختلط أسوده ~~بأبيضه، ms208 كلها ملامح تدل على المضاء والحدة والبأس الشديد، ~~لولا أن عينيه تفضحانه فضيحة كبرى؛ إذ تنطقان بأجلى بيان، أن ~~الرجل هادئ وادع مستسلم مستكين. # رأيته يمضي في مزدحم الطريق، وقد حمل على ظهره ربطة كبيرة ~~بيضاء، شبكها برباط تحت إبطيه؛ لتظل حركة الذراعين حرة، فيطوحهما ~~حينا، ويضع إحداهما في جيب سرواله حينا ، إنه رجل عجيب يستوقف ~~النظر بين جمع الناس الذي ملأ الطريق، يبدو من دونهم جادا ~~مهموما صامتا، كأنه ينطوي على شيء ... ثم ما هذا الحمل الذي حمله ~~فوق كتفيه؟ # وتعقبته مستطلعا، فرأيته يخلص من قلب المدينة إلى طرف من ~~أطرافها بعيد، وهنالك في مكان تغلب عليه الظلمة إلا من شعاع خافت ~~جاءه من مصباح الطريق في خلال أوراق الشجر، جلس على جدار لم يتم ~~بناؤه، جلس والحمل على كتفيه، يتململ ويتأرق، ويرتكز على ذراعه ~~اليمنى مرة وعلى ذراعه اليسرى مرة، والحمل ما زال قائما على ~~كتفيه، فسعلت سعلة خفيفة؛ لأشعره بوجودي على مقربة منه حتى لا ~~يفزع إذا ما دنوت منه. ذلك أني خطوت إليه وحييته. # قلت: هذا مكان هادئ يوحي بالتأمل. # قال: نعم، تشعر بهدوئه إذا أويت إليه من قلب المدينة ~~الصاخب. # قلت: إني لأدهش أن أراك ها هنا؛ فما كنت أحسب أحدا سواي يفكر ~~في هذا الركن الهادئ البعيد! # قال: بل العجب عجبي أن أراك! فأنا أقضي في هذا الركن المعزول ~~أكثر ساعات المساء، فما رأيتك قبل، وما رأيت أحدا سواي، آوى إلى ~~هذا المكان لأستريح. # قلت: لكنك فيما أرى لا تريد لنفسك الراحة؛ فحملك ما يزال فوق ~~كتفيك! # قال: ما يزال؟! وهل عرفت أنه من الأحمال التي لا تلقى عن ~~الكتفين إلا إذا فاضت الروح؟ أنا قائم به وقاعد به ونائم به ~~ومستيقظ به. # قلت: وماذا عسى هذا العبء الثقيل أن يكون؟ # قال: إنه عبء الحياة، أما ترى؟ هو عبء الحياة وقد أنقض والله ~~كتفي. # قلت: آه، إذن فهو حمل نفيس. # قال: ليست نفاسة الحمل مانعة من أن يكون ثقيلا؛ فالحمار الذي ~~ينوء تحت أثقاله ms209 لا يعبأ أن تكون أثقاله من ذهب أو من حطب. # قلت: ولكنك تستطيع أن تلقيه عن كاهلك إذا أردت. # قال: كيف أستطيع؟ إن رئتي لتعلوان وتهبطان في صدري كأنهما منفاخ ~~الحداد لا يفتر عن النفخ؛ ليظل للنار وهجها واشتعالها، فلا ~~مناص من أن تظل جذوة الحياة مشتعلة بين جنبي - رضيت أو كرهت - وقد ~~أتمنى لهذه الجذوة المتأججة اللاذعة المحرقة أن تنطفئ، فتصبح ~~رمادا تذروه الأعاصير كيف شاءت على يابس أو ماء. # قلت: وما لرئتيك وهذا الحمل الذي على كتفيك؟! # قال: العلاقة بينهما وطيدة وثيقة؛ فهذا الحمل أطرافه في جوفي، ~~وهو مشدود هناك إلى أوتاده بما هو أوهى من نسيج العنكبوت. مشدود ~~إليها بأنفاسي التي أرددها شهيقا وزفيرا، مشدود إليها بموجات ~~خفية من هواء؛ فالويل لي من هذه الأنفاس الواهية التي تنسجها ~~رئتاي خيوطا، فتشد بها هذا الحمل على كتفي لأنوء به، فأين أطراف ~~هذا المنفاخ الذي ما ينفك يعلو في صدري، ويهبط كي أمسكه عن النفخ ~~لحظة لتخمد الأنفاس، وتنحل الروابط وينفك الوثاق؟! فينزاح عن كاهلي ~~هذا العبء الثقيل. إن أطرافه خفية، أمد البصر في جميع أقطاري ~~فلا أراها، وأرهف السمع فلا أقع لها على حفيف أو رفيف. وكل ما ~~أسمعه هو هذه النفخات تتوالى شهيقا وزفيرا ما ابيض لي نهار أو ~~احلولك ليل ... إني لا أذكر الآن من ذلك الفيلسوف اليوناني الذي ~~قيل عنه إنه ضاق صدرا بأنفاسه التي تتردد رغم أنفه، وكره أن ~~تشعل له جذوة الحياة بهذا المنفاخ اللعين وهو راغم؛ فكتم أنفاسه ~~حتى مات، لا أذكر اسمه الآن، لكني أكبره وأمجده، وأشعر إزاءه ~~بالضآلة والصغار؛ لأنه رأى ففعل، وأنا أرى ثم لا أفعل ~~شيئا. # قلت: ما هذا الذي تراه ولا تفعله؟ # قال: أرى الحكمة في التخفف من هذا العبء الثقيل، ثم لا أفعل ~~شيئا في سبيل هذا الخلاص. الحق أني لست أدري كيف يظل الإنسان ~~مشدودا إلى ما ليس يرضى، ثم يظل مشدودا إليه رغم أنفه، وهو عالم ~~كل العلم أن الروابط نفخات من هواء، يسد ms210 عليها الطريق فينتهي كل ~~شيء؟! # قلت: كلا يا صاحبي، الروابط التي تشدك إلى حملك هذا أقوى جدا ~~من هذه الأنفاس؛ فليست هي بنفخات من هواء كما ظننت، إنما هو الشعور ~~بالواجب. نعم إنك تستطيع في أي لحظة شئت أن تتنكر لواجب الحياة؛ ~~لتظفر براحة الجسد راحة أبدية، لكنه الجحيم بعينه أن تبث في نفسك ~~القلق إذا ما تخليت عن واجب وجب عليك أداؤه بحكم وجودك. # قال: لقد حكمت الآلهة على «أطلس» - في الأسطورة اليونانية - أن ~~يحمل السماء على كتفيه؛ حتى لا ينقض بناؤها، والسماء هي السماء ~~بأنجمها الزواهر اللوامع. فهل رأيت واجبا أسمى وأمجد من أن تكلف ~~حمل السماء على كتفيك؟ وحملها «أطلس» ثم ناء بحملها، حتى إذا ما ~~جاءه «هرقل» يسأله عن مخبأ التفاحات الذهبية التي كلف بالبحث ~~عنها في أركان الكون وبين جنباته، والتي قيل له عنها إن مخبأها ~~ذاك لا يعرفه إلا «أطلس» حامل السماء، ما جاء «هرقل» إلى «أطلس» ~~يسأله أين عساه أن يجد بغيته؟ حتى وثب «أطلس» إلى هذه الفرصة ~~النادرة؛ للتخلص من عبئه الذي أنقض ظهره، وقال لهرقل: لست ~~بمستطيع أن تجدها؛ لأن منالها عسير، فاحمل عني هذه السماء لحظة حتى ~~أعود إليك بها. ورضي «هرقل» مسرورا بحمل السماء حتى يحقق له ~~«أطلس» ضالته التي لقي العناء في سبيلها. وانطلق «أطلس» إلى ~~حيث التفاحات الذهبية، ورآها هناك تلمع في بريق الشمس يحرسها ~~أفعوان جبار عظيم، فتسلل وغافل الأفعوان وهو في غفوة، وخطف ~~التفاحات وعاد مسرعا إلى حيث ترك «هرقل» في انتظاره يحمل السماء ~~بدلا منه. # لكن «أطلس» حين اقترب من موضع هرقل، تذكر بشاعة الحمل الذي ~~حمله على كتفيه هذه القرون الطوال، ترى هل يفي بوعده ويعطي هرقل ~~تفاحاته الذهبية، ويسترد عبأه الباهظ؟ أم هل ينعم بهذه الحرية ~~التي أتاحتها له الظروف فيخلص من عبئه ذاك إلى الأبد؟ # لا، إنه لن يعود إلى حمله ذاك، وسيحتفظ بحريته التي ظفر بها ~~بمصادفة قد لا تعود، هكذا اعتزم أطلس، ودنا من «هرقل»، وقال له: ~~ابق حيث ms211 أنت حاملا السماء على كتفيك، وسآخذ أنا هذه التفاحات ~~الذهبية إلى حيث أردت أنت أخذها. فتظاهر «هرقل» بالرضى والقبول! ~~أليست هي السماء بأنجمها اللوامع الزواهر فليحملها راضيا على ~~كتفيه، لكنه طلب من «أطلس» أن يتفضل عليه بصنيع واحد صغير، وهو ~~أن يحمل الحمل لحظة واحدة حتى يضع الوسائد على كتفيه؛ لأن ضغط ~~الحمل شديد على كاهله، فأخذت الشهامة من «أطلس» مأخذها، وفعل ما ~~طلب إليه هرقل أن يفعل وكيف يتردد في قبول العناء لحظة أخرى ~~قصيرة، لقاء حرية يظفر بها من هذا العبء الثقيل إلى الأبد؟! # ألقى «أطلس» التفاحات على الأرض، وحمل السماء عن هرقل حتى يضع ~~هرقل على كتفيه الوسائد والحشايا التي تهون عليه أداء هذا ~~الواجب الجديد الذي ألقي عليه، لكن «هرقل» لم يكد يزيح عن كاهله ~~حمل السماء، حتى أخذ التفاحات ومضى ... تاركا أطلس في مكانه ~~القديم، ينعم بأداء واجبه، واجب الوجود. # قلت: ماذا تعني؟ # قال: أعني ما قلته، أعني أن عبء الحياة ثقيل، حتى إن بلغت من ~~المجد عنان السماء، وأن الروابط التي تشدنا إلى عبئها إن هي إلا ~~أنفاس من هواء، لكن كتم الأنفاس يتطلب الفيلسوف. # قلت: يا صاحبي إن الحياة التي تؤرق صاحبها هي الحياة المريضة، ~~فأنت لا تشعر بوجود أي جزء من أجزائك إلا إذا اعتل، إنك لا تشعر ~~بوجود عينك أو أذنك أو معدتك أو قلبك؛ إلا إذا أصابتها العلة. ~~أما إذا كانت هذه الأجزاء سليمة فيستحيل أن تشعر بوجودها فضلا عن ~~أن تحس الألم من حملها ... إن حياتك - فيما أرى - قد أصابتها العلة، ~~فأحسست بوجودها وحملها ... ولا عجب أن تبرز حياتك في صورة قتب كبير ~~فوق ظهرك؛ لأنها حياة عليلة. # قال: قل ما شئت فيها؛ فهي حياتي التي لا أملك سواها، وقد ضقت ~~ذرعا بثقلها. # صومعة خاوية # شغلني «أحدب الحياة» طوال الليل - ذلك الرجل العجيب المكتئب ~~العابس الذي يحمل عبء حياته قتبا بارزا على ظهره - شغلني طوال ~~الليل، يملأ أحلامي إذا ما غفوت، وتمثل صورته أمام عيني إذا ما ~~صحوت، وما ms212 زلت طوال ليلي بين غفوة وصحو حتى كان ~~الصباح. # ترى، لماذا يحمل هذا المسكين حياته كالدمل الكبير فوق ظهره؟ ~~أيكون ذلك لأنه ركز انتباهه فيها، فوضحت له علتها وبرز ~~سخفها. ولو قد تغافل عنها كما يفعل سائر الناس لسرت في دمه، ~~وخفيت عن بصره؟ يجوز، كما تكرر لفظة وتركز سمعك في ~~جرسها ، فسرعان ما تعجب لصوتها السخيف يكون بين الناس ذا دلالة ~~ومعنى، كرر - مثلا - كلمة إمبراطور عدة مرات: إمبراطور، ~~إمبراطور، إمبراطورمبرا، طورمبرا، طورمبرا، طورمبراطور ... صوت عجيب ~~منكر، ظهر نكره وشذوذه بتركيز السمع فيه، وكان يمكن ألا نقف ~~عنده هذه الوقفة الفاحصة، فيظل له في النفس جلال وهيبة. # كذلك صاحبنا «أحدب الحياة» ربما كان الفرق بينه وبين سائر الناس ~~أنه قد أنعم النظر في معنى الحياة، فانتهى به النظر إلى أنها ~~أنفاس فاترة واهية من هواء، تتردد في صدره شهيقا وزفيرا. لا ~~شيء أ كثر من ذلك، وهو لذلك في عجب كيف يمكن أن يشد وثاقه إلى ~~الأرض بخيوط هي أوهى من خيوط العنكبوت؟! # وأحسست برغبة قوية في نفسي أن ألقى هذا الرجل لقاء آخر، فقصدت ~~إلى المكان المهجور الهادئ الذي لقيته فيه أول مرة، ووقفت أرقب ~~من بعيد، حتى رأيته يسري في غير صوت بين الظلال كأنه الشبح. إنك لا ~~تخطئه من بعيد؛ فالحمل الذي على كتفيه يميزه، وله مشية خاصة ~~يتأرجح فيها الجذع وتلتف الساقان. # وقفت في مكاني حتى رأيته يستقر في موضعه من الجدار الذي لم يتم ~~بناؤه، صعد إليه على كومة وطيئة من هشيم الصخر، ومسح جبهته ~~بمنديل، ومال مرتكزا على ذراعه اليسرى فدنوت منه. # قلت: السماء الليلة أكثر غماما، والدنيا أشد ظلاما من ليلة ~~الأمس، برغم القمر. # قال ولم يرتع لرؤيتي: وماذا يصنع القمر في الدنيا إذا اسودت ~~بظلامها وغمامها؟ إن من أراد الضوء فضيا رائقا خالصا من ~~شوائب الظلمة؛ فليرتفع عن الأرض وغلافها حتى يجعل الغمام من دونه، ~~وعندئذ لا يكون ظلام ... لكن الإنسان مشدود إلى الأرض بأحمال ~~وأثقال. أستغفر الحق، بل مشدود إليها ms213 بهذه الخيوط الواهية، بنفخات ~~من هواء، وإذن فلا رجاء له في ضوء أكثر مما قد يتسرب له خلال ~~فتحات السحاب ... العجيب في هذه الدنيا أنها بيع وشراء، لا بد أن ~~تدفع لكل شيء ثمنه! أتريد أن تمتد بك الحياة؟ إذن فخذ هبة من ~~الهواء على شرط أن ترد مكانها هبة مثلها. أتريد أن تخلص من ظلام ~~الأرض ليصفو لك الضوء؟ إذن فاصعد إلى قمة هذا الجبل العالي حتى ~~تجاوز السحاب، عندئذ تجد الضوء الساطع، لكنك ستجد كذلك برودة ~~الثلج. # قلت: وماذا يشقيك من غمام السماء وظلمة الليل؟! انظر إلى ~~الدنيا بعين الفنان؛ تر السماء الغائمة في مثل جمال السماء ~~المقمرة. ألا يكون ظلام الليل أحيانا أشد فتنة من ضوء النهار؟ ~~سل العاشقين يجيبوك؛ أيهما أفعل في النفس سحرا: الليل الوسنان ~~في ستره أم النهار اليقظان في نشاطه وصحوه؟ سل العابدين متى ~~تصفو لهم قلوبهم للعبادة؟ سل المفكرين متى تهدأ لهم عقولهم ~~للفكر؟ سل المجان متى طيب المجون؟ سل المتآمرين لماذا ~~يدبرون الأمر بينهم بليل؟ ... لماذا لا تلتمس يا أخي في كل شيء وجهه ~~الجميل؟ إن الذي ينقصك هو الخيال. # قال: الخيال الذي أهرب به من الواقع؟! # قلت: ليكن ذلك، ولماذا تستعبد نفسك للواقع إذا أمكن العيش الهانئ ~~في جو من الخيال؟ أتدري ماذا تكون المرأة الجميلة في «الواقع»؟ ~~إنها كيس من الجلد محشو بالقذر والبلغم ومختلف السوائل ~~والغضاريف! أتدري ماذا تكون الصورة الجميلة في «الواقع»؟ إنها ~~خرقة من قماش، صب عليها خليط من الأحمر والأصفر والأخضر وما ~~شاء الله من ألوان، واهصر الوردة الجميلة؛ لترى ماذا عساها في ~~الواقع أن تكون بين إصبعيك؟ ... إن الذي ينقصك - كما قلت - هو الخيال ~~الذي يجعل لك من المرأة شيئا جميلا، ومن الصورة شيئا جميلا، ~~ومن الوردة شيئا جميلا، ومن غمام السماء شيئا جميلا، ومن ظلمة ~~الليل شيئا جميلا! لماذا تنظر إلى الأرض كما تفعل الديدان، ولا ~~تشخص إلى السماء كما تصنع الآلهة؟! # لست أدري لماذا أخذني الاهتمام بهذا «الأحدب»، فامتلأت حرارة ~~وأنا أبادله ms214 الحديث؟ لقد أوحي إلي عندئذ أن هذا «الأحدب» عليل ~~النفس، مريض القلب، كليل الحياة، وأن الواجب الخلقي يقتضي أن ~~أقوم فيه ما اعوج إذا استطعت إلى تقويمه من سبيل. إنه عابس ولا ~~بد أن يبتسم، يائس ولا بد أن ينبسط أمامه الأمل، كافر ولا ~~بد أن يؤمن، أعماه «الواقع» ولا بد له أن يبصر بعين ~~الخيال. # وضاق «الأحدب» صدرا بحديثي فيما يظهر، وأخذ يعتدل في جلسته مرة ~~ويميل على هذه الذراع أو تلك مرة، ويشيح بوجهه عني، كأنه يريد أن ~~يصم الأذن عما أقول، لكني لم أعد أنظر إلى موقفي منه نظرة ~~التسلية والعبث، فلا أقل من أن أستطلع بعض سره وأستخرج شيئا ~~من مكنون نفسه. وسادت فترة قصيرة من سكون، فنزل عن مكانه من ~~الجدار، وقال في صوت فيه افتعال وتصنع: أنا مضطر أن أعود، ~~وسينقطع بعودتي هذا الحديث الجميل. # قلت: الأرجح أن طريقنا واحد، ولو إلى حين. # ولعله لم يطب نفسا لهذه الصحبة الثقيلة في طريق عودته، لكني ~~تجاهلت ما يريده لنفسه من عزلة الطريق، وسرت إلى جانبه. سرنا ~~بخطوات بطيئة خفيفة، لكن وقع أقدامنا على حصباء الرمل ومنثور ~~الحجر، كان له رنين في ذلك الركن الهادئ البعيد. # قلت: نعم إن الذي ينقصك هو الخيال، ينقصك مثل أعلى تعمل من ~~أجله، فينسيك الهدف مشاهد الطريق. # قال وقد ازداد تثاقلا في خطاه: أصابني مرض الخيال، وعلة المثل ~~الأعلى منذ خمسة وعشرين عاما، ولبثت آثار المرض تتراكم حتى كان ~~هذا البروز الذي تراه شائها فوق كاهلي. # قلت لنفسي عندئذ، دع عنك الواقع، والتمس لنفسك سلما في ~~دنيا الخيال تصعد على درجاته إلى أجواز الفضاء؛ فصحبة الأصدقاء ~~واقع فلا تأبه لها، والمرأة واقع فلا تلق بالك إليها. والطعام ~~والشراب واقع فلا تحتفل بطعام أو شراب. هذا الذي حولك كله واقع ~~فاخرج من نطاقه. وهناك في صومعة وقعت عليها في جوف الجبل، آثرت ~~الكفاح في سبيل الخيال. # ولبثت الصومعة يعمرها خيالي عاما في إثر عام، وعقدا من السنين ~~بعد عقد من السنين. ms215 لم تكن الصومعة خالية في بصري وسمعي، كنت أرى ~~فيها الخيال مجسما حتى لأنسى أنه من خلق أوهامي، وأحدثه وأسمع ~~لحديثه، وأتملقه ويبتسم في وجهي، وظللت في صومعتي أعبد آلهة ~~خيالي، لا أشهد نور الشمس ولا أريد أن أشهده، ولا أرتد إلى دنيا ~~الناس والعمران، ولا أريد أن أرتد إليها، ولا أستنشق الهواء ~~الطلق النقي ولا أريد أن أستنشقه ... كنت على نقيض فاوست: # فقد اتفق الشيطان مع فاوست أن يمهله ردحا من الزمن، يعمل فيه ~~فاوست ما يشاء، على شرط أن يأتيه الشيطان بعد ذلك فيتقاضى أجر ~~إمهاله، وليس أجره بأقل من روح فاوست. وكان فاوست عند أول اتفاقه ~~مع الشيطان يظن أنه الكاسب في هذه الصفقة، فماذا يهمه من نفسه إذا ~~ما ترك له الحبل على الغارب عشرين سنة أو ثلاثين؟ لكن السنين ~~انقضت، وصبر الشيطان جميل طويل لا ينفد، وجاء الشيطان ليستل من ~~فاوست حياته. وعندئذ فقط أدرك فاوست أنه خسر في اتفاقه مع ~~الشيطان خسرانا مبينا؛ كيف يبيع نفسه وحياته بعشرين عاما أو ~~ثلاثين مهما يكن ما يملأ هذه الأعوام؟ # وأما موقفي من شيطاني فعلى نقيض ذلك؛ عقدت معه اتفاقا أن أبيعه ~~حياتي ردحا من الزمن، على أن يردها لي بعد ذلك خصبة مليئة قوية، ~~وذهبت إلى صومعتي تلك لا أعرف فيها الحياة ولا أخالط الأحياء، أعلل ~~النفس طوال السنين بأن حياتي السليبة مردودة إلي بعد حين، بعد أن ~~تكون كل حبة فيها قد أنبتت مائة سنبلة وفي كل سنبلة مائة ~~حبة. # فلما انقضى على غربتي عهد طويل؛ طلبت من الشيطان أن يفي بوعده ~~كما وفيت له بعهدي، وفعل فإذا ما يعطينيه نفخات من هواء، هي هذه ~~الأنفاس أرددها في صدري شهيقا وزفيرا، ثم لا شيء غير ذاك. وضحك ~~مني الشيطان ضحكة قوية حسبت الأرض ترتج لها تحت قدمي، فابتسمت ~~ابتسامة من زالت عنه غشاوة الخيال لأول مرة، وأبصر بحقيقة الواقع ~~لأول مرة، وقلت: أستريح إذن بعد هذا العناء الطويل. إن الصومعة ~~التي عمرها لي الخيال قد ms216 باتت خالية خاوية إلا من أصداء ~~أنفاسي. # لكن مضجعي لم يستقم تحت ظهري حين أردت الراحة؛ لأن عهد الصومعة ~~قد خلف لي هذا الورم الأليم، الذي تراه بارزا عند كتفي، نسجته ~~لي الأعوام طبقة فوق طبقة، كما يفعل مر الأعوام في جذوع ~~الشجر. # وكنا قد بلغنا العمران، وأراد الأحدب، أن ينصرف إلى سبيله، فقلت ~~له: إن لي معك حديثا آخر. # لعبة الحصان # حسب صاحي «الأحدب» حين افترقنا أني أدبرت عنه كما أدبر عني، لكني ~~تعقبته لأرقبه وهو يلتمس لنفسه الطريق في زحمة الناس التماس ~~الحيي الذي يخشى أن تلتقي بعينيه عينان، إنه على وعي شديد من ~~نفسه، إن ذراعيه تحيرانه وتربكانه، أين يضعهما؟ وذلك دليل على ~~حيرة نفسه وارتباكها، ألا إن الذراعين لتخبرانك بمكنون النفس كما ~~تحدثك العيون والشفاه ... إنه لا يمشي في ضوء المصباح إذا وجد ~~الظلام، ولا يقصد إلى مزدحم الطريق إذا رأى الفضاء المهجور. ~~عيناه مصوبتان نحو الأرض دائما، وقدماه تحفان الأرض حفا ~~خفيفا. # عبر الطريق في موضع كثر فيه العابرون، إنه في العابرين بارز ~~واضح، إنه لا يفنى في الزحام، ولا يذوب في الناس. إنه فيهم كملعقة ~~من الزيت صبت في قدح من الماء، تحركها إلى أعلى وأسفل، وإلى يمين ~~ويسار، فما تزال شيئا متميزا عن الماء الذي حولها، إنه في أمواج ~~الناس على طول الشارع لم يفقد معالمه، أخذ يعلو على تلك الأمواج ~~البشرية حينا ويهبط حينا، أعني أنه كان يظهر لي حينا ويختفي ~~حينا آخر، حتى انتهى إلى شارع هادئ متباعد المصابيح. # كان ظله مروعا مخيفا، يقصر ويطول، ثم يطول ويقصر، هو الآن ~~مطروح أمامه، وهو الآن إلى جانب، وهو الآن ممدد وراءه يتابعه ~~ويلاحقه، وهو في كل أوضاعه أبعد ما يكون الظل عن صورة البشر ... وما ~~هو إلا أن دخل «الأحدب» دارا، خطوات سريعة، كأنه الأرنب الفازع ~~يأوي إلى جحره ليستكن فيه آمنا من طراد الصائدين. # فوقفت بغتة، ثم سرت مسرعا نحو الباب الذي قذف «الأحدب» بنفسه ~~فيه، لم أر شيئا هناك إلا ms217 مصباحا كهربائيا خافت الضوء جدا ~~في الركن الأعلى من بهو السلم. إنه بناء عال من ستة طوابق أو ~~سبعة، وحين صعدت بصري في لمحة سريعة إلى أعلاه، لم أر إلا نوافذ ~~وشرفات، أكثرها معتم وأقلها مضيء. # من عسى هذا «الأحدب» أن يكون؟ ترى هل ينطوي جنباه على سر دفين ~~أو أنه لا سر في الأمر، وكل ما في جوفه قد برز ورما على ظهره؟ ~~لكنه شاذ غريب بغير شك. إنه يستوقف النظر، بل يستوقف الفكر، إنه لا ~~يندمج مع الناس في عجينة واحدة، ولا ينطمس مع من حوله في سديم، ~~إنه قطعة منثورة وحدها، والويل كل الويل، ثم الخير كل الخير، من ~~هذه القطع التي تنثرها عجلة الحياة بعيدا عن إطارها، فتظل دائرة ~~في ذلك وحدها. من هؤلاء يكون الثائرون الساخطون الهادمون، ومن ~~هؤلاء يكون العظماء المصلحون، ومن هؤلاء يكون الأنبياء والأولياء، ~~ومن هؤلاء يكون المجرمون النوابغ في إجرامهم، ومنهم يكون الفنانون ~~النوابغ في فنهم، الشبه قريب جدا بين هؤلاء جميعا، على بعد ما ~~بينهم من تفاوت واختلاف، كسيل الماء العرم، هو الذي يصلح ~~الزرع، وهو الذي يفسده، حسب ما يحيط به من ظروف. # و«الأحدب» فيما يظهر لي، قطعة بشرية منثورة وحدها، تدور في فلك ~~وحدها، ترى من ذا يكون؟ وماذا يكون؟ # وبت ليلتي أفكر فيه وأفرض في أمره الفروض، وعاودني الشعور ~~بالواجب أن أصلح ما فسد، فأقيم في هذا المسكين ما التوى، وأقوم ~~ما مال واعوج، أو قل إن حبي لاستطلاع أمره قد غلبني، فسترت ~~نفسي وراء الشعور بالواجب. وتذرعت بهذا السلاح، ومضيت عصر اليوم ~~التالي إلى الدار التي دخلها الأحدب ليلة الأمس، مضيت لا ألوي على ~~شيء، وأخذت أسرع الخطو حتى لا يصرفني التردد عن غايتي. # لم أجد عند الباب أحدا، وتلفت ها هنا وها هنا، وتحركت خطوتين ~~هنا وخطوتين هناك، ثم دخلت وصعدت الدرج مبطئا غاية الإبطاء ~~شاخصا ببصري إلى أعلى. الأبواب كلها مغلقة. صعدت الدرج حتى ~~نهايته، ونهايته سطح نظيف. وقفت قليلا وقلبي ينبض نبضا شديدا، ms218 ~~من الصعود ومن الخوف معا، الخوف من هذا البناء المهجور الذي لا ~~يعمره إنس ولا جن. لكني رأيت الضوء منبعثا من نوافذه ليلة الأمس ... ~~وهممت بالنزول، لولا أني بلفتة غريزية، لويت عنقي، ونظرت إلى ~~نافذة مغلقة الزجاج في ركن السطح، إن وجها يطل من خلف الزجاج، ~~إنه هو، إنه «الأحدب». # لم يعد بيني وبين كشف الغطاء إلا خطوات خطوتها نحو غرفة ~~«الأحدب»، وفتح لي الباب قبل أن أقرعه ... إن روعي ليهدأ قليلا ~~قليلا، إن الخوف لينزاح عني إزاء هذا الوجه الباسم الذي فتح لي ~~الباب ليتقبلني مسرورا مرحبا. ليس الوجه العابس في الطريق عابسا ~~هنا، والصدر الضيق على الجدار الذي لم يتم بناؤه رحيب واسع هنا، ~~ولولا بروز الورم فوق ظهره لقلت إنه إنسان آخر، إنه استدر في ~~الطريق إشفاقي، لكنه في داره استثار حبي وإعجابي، إنه ها هنا يمزج ~~في حديثه الجد بالفكاهة، ويقول النكتة في إثر النكتة ويضحك من كل ~~قلبه. ألا سبحانك اللهم، تضع الرجلين، بل جمهورا من الرجال في ~~إهاب واحد! # إن مشكلة «الذاتية» التي تحير الفلاسفة لم تعد تحيرني. إن ~~الفلاسفة يصدعون رءوسهم تصديعا في محاولة الجواب عن هذا السؤال: ~~كيف يحتفظ الشخص الواحد بذاتية واحدة مع اختلاف ظروفه؟ إنه يكون ~~صحيحا ويكون مريضا، ويكون طفلا ويكون رجلا، ويكون شبعان ويكون ~~جائعا، ويكون غضبان ويكون راضيا، ويكون يقظان ويكون نائما. ومع ~~هذا الاختلاف الشديد الذي يطرأ على حالاته يظل إنسانا واحدا، فما ~~الذي فيه يخلع عليه تلك الوحدانية مع تعدد حالاته وأوضاعه؟ ... لم ~~تعد تحيرني المشكلة التي تحير الفلاسفة، بعد أن رأيت «الأحدب» في ~~الطريق وفي داره، فلا وحدانية هناك، ليس الرجل رجلا واحدا، ولكنه ~~عدة رجال، هو في كل حالة رجل غير الرجل الذي يكونه في الحالة ~~الأخرى؛ فيستحيل أن يكون «الأحدب» العابس الجاد المهموم الحزين ~~الذي رأيته، وتحدثت إليه وهو جالس على الجدار الذي لم يتم بناؤه، ~~هو نفسه «الأحدب» الضاحك الفكه المرحب بي وهو في داره. # أدخلني «الأحدب» فعبر بي ردهة لاحظت ms219 خلاءها من الأثاث تقريبا، ~~وانتهينا إلى غرفة هي مأواه، فيها كل شيء: فيها السرير وصوان ~~الملابس ومكتب ومكتبة ومنضدة ومقاعد، ومرآة، أثاثها هزيل لكنه ~~نظيف، وتنسدل على النافذة ستارة رقيقة فيها خروق ممزقة، لكنك تشعر ~~في غرفته بالطمأنينة وراحة النفس. وليست ديار الناس في ذلك سواء، ~~فقد أزور الدار وأحس أثناء زيارتي أني أتقلب على الشوك دون أن ~~يكون بيني وبين صاحب الدار ما يدعو إلى النفور، ثم قد أزور الدار ~~فينبسط صدري وتطيب نفسي، وأتمنى لو بقيت فيه اليوم كله. وقد قلت ~~ذلك لصاحبي «الأحدب» فور جلوسي على مقعده المريح، الذي كان - فيما ~~يظهر - جالسا عليه لتوه؛ لأن الحشية كانت ما تزال دافئة ~~بحرارته. # قلت: إن النفس لتحس الطمأنينة في غرفتك هذه، والمنظر الذي يطالعك ~~من نافذتك رائع جذاب. # قال: إذن لا أحسب الفجوة بين نفسينا عميقة كما يبدو للوهلة ~~الأولى؛ فقد أعجبك مأواي ها هنا، كما أعجبك ملاذي الهادئ، الذي ~~ألوذ به من صخب الحياة. إن النفوس الإنسانية لتشعر بالتقارب ~~والتداني في حالات هدوئها، حتى إذا ما عج بها عجيج الحياة ~~ألفيتها متنافرة متعاركة لا عجب أن يكون الناس جميعا سواء ~~وهم نيام، ثم يأتي الموت فيسوى بينهم إلى الأبد. # وخشيت أن ينتقل صاحي بذكر الموت إلى حالة من حالاته الكئيبة ~~السوداء، فغيرت موضوع الحديث، وجعلت موضوعه أقرب ما وقعت عليه يدي ~~على المنضدة الصغيرة الوطيئة التي كانت أمام مقعدي. # فقلت: ما هذه المكعبات الخشبية الملونة المصورة؟ # قال، وكان ورائي مشتغلا بقلب الفناجين والأكواب: تلك لعبة من ~~لعب الأطفال اشتريتها ألهو بها، إنها مكعبات ترص؛ فتكون هذه ~~الصورة أو تلك. # ودنا مني «الأحدب» وأشار بإصبعه إلى اللعبة، وقد رص ما يقرب ~~من نصفها، فإذا هي صورة جواد عليه راكبه، ولم تبق من الصورة إلا ~~أرجل الجواد. # قلت. وأحسبك كنت في سبيل إتمام الحصان بأرجله؟ # قال: هذا ما حرت فيه، حاولت عبثا منذ ساعة الغداء، فلم تستقم ~~للحصان أرجل؛ حتى لقد مللت فوقفت أنظر من نافذتي حين رأيتك ~~قادما. ms220 # قلت: وما فائدة الحصان بغير أرجله؟ إن راكبه المسكين سيظل ~~مشلول الحركة حتى تتم لحصانه الأرجل فيسير. # هنا وضع «الأحدب» قدحين كانا في يده، وضعهما على ظهر مكتبه، ~~وجلس. إنه «الأحدب» الذي رأيته هناك على الجدار، وهو «الأحدب» الذي ~~رأيته في الطريق. عبس وجهه وتجهم، ثم ساده استرخاء الذي فقد ~~القدرة على الوقوف والحركة، وابتسم لكنها ابتسامة غير التي لقيني ~~بها، هي ابتسامة صاحب النفس المريضة المعبأة بالهموم. ما أسرع ~~التغير في سماء هذا الرجل: صفو في لحظة، وغمام كثيف في اللحظة ~~التي تليها! # قال: لعل ذلك بعينه ما أعجزني عن إقامة الحصان على قوائمه، ~~وإذن فما أشبه الجد باللعب ... كأني بك يا صديقي قد أتيتني ~~لتستطلع شيئا من أمري. هذا هو أمري قد كشفت عنه في لحظة واحدة، في ~~هذا الحصان المقعد تتلخص قصة حياتي، لكل امرئ جواده، وكل جواد ~~يسير إذا استقام على أرجله، وجوادي كاب، والأرجل هناك، لكنها كانت ~~تنتظر العين البصيرة لتضعها مكانها من جسم الجواد فيسير. إن الذي ~~يرى أحرف الهجاء أمامه، ولا يستطيع أن ينشئ منها قصة مطردة ~~أو قصيدة من الشعر يكون العجز فيه، ولا يكون العيب في أحرف ~~الهجاء. # قلت: دع عنك الآن هذا الحصان ولعبته، وانظر ماذا أردت أن تضع ~~في هذين القدحين من شراب. # لكني صممت أن أستطلع قصة الأحدب، أو قصة هذا «الجواد ~~الكابي». ms221