######OpenITI# #META# URI: 1414ZakiNajibMahmud.ThaqafatnaFiMuwajahatCasr.Hindawi20464862 #META# Tags: philosophy #META# ID: 20464862 #META# Title: ثقافتنا في مواجهة العصر #META# AuthorID: 64904748 #META# Author: زكي نجيب محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة تقديم‏ # الأصالة والتجديد في الثقافة العربية ~~المعاصرة‏ # موقف العرب من المذاهب الفلسفية ~~المعاصرة‏ # التوفيق بين ثقافتين‏ # أزمة العقل في حياتنا‏ # الواقع وما وراء الواقع‏ # لمسات من روح العصر‏ # منطق جديد .. لفكر جديد‏ # دماغ عربي مشترك‏ # صراع الأجيال‏ # لحظة مع الماضي‏ # رجل الفكر ومشكلات الحياة‏ # ضمير الكاتب ودستور المثقفين‏ # نموذجان من ثورة الفكر‏ # الحضارة وقضية التقدم والتخلف‏ # حياتنا بين الأمس واليوم‏ # إنسانية العلم‏ # سارتر في حياتنا الثقافية‏ # عندما يحلم العقلاء‏ # من برتي إلى برتراند‏ # تعادلية الحكيم‏ # شاهد على الصهيونية من يهود‏ # هذه الأفعى .. كيف تسللت؟!‏ # العنصرية والعسكرية معا‏ # كلمة تقديم‏ # الأصالة والتجديد في الثقافة العربية ~~المعاصرة‏ # موقف العرب من المذاهب الفلسفية ~~المعاصرة‏ # التوفيق بين ثقافتين‏ # أزمة العقل في حياتنا‏ # الواقع وما وراء الواقع‏ # لمسات من روح العصر‏ # منطق جديد .. لفكر جديد‏ # دماغ عربي مشترك‏ # صراع الأجيال‏ # لحظة مع الماضي‏ # رجل الفكر ومشكلات الحياة‏ # ضمير الكاتب ودستور المثقفين‏ # نموذجان من ثورة الفكر‏ # الحضارة وقضية التقدم والتخلف‏ # حياتنا بين الأمس واليوم‏ # إنسانية العلم‏ # سارتر في حياتنا الثقافية‏ # عندما يحلم العقلاء‏ # من برتي إلى برتراند‏ # تعادلية الحكيم‏ # شاهد على الصهيونية من يهود‏ # هذه الأفعى .. كيف تسللت؟!‏ # العنصرية والعسكرية معا‏ # | ثقافتنا في مواجهة العصر # | ثقافتنا في مواجهة العصر # تأليف # زكي نجيب محمود # | كلمة تقديم # في هذا الكتاب محاولة ثالثة أقدمها إلى القارئ، ساعيا بها - كما ~~سعيت بسابقتيها - نحو صيغة ثقافية تلتقي فيها أصولنا الموروثة مع ~~ثقافة العصر الذي نعيش فيه. # كانت المحاولة الأولى في كتاب «تجديد الفكر العربي». # وكانت الثانية في كتاب «المعقول واللامعقول في تراثنا ~~الفكري». # وها هي ذي المحاولة الثالثة في هذا الكتاب «ثقافتنا في مواجهة ~~العصر»؛ فلئن تفرقت زوايا النظر في فصول هذا الكتاب، فإنها تلتقي ~~كلها عند هدف رئيسي واحد، هو النظر في ثقافة عصرنا من جهة، ثم ~~النظر في ثقافتنا الموروثة من جهة أخرى؛ بحثا عن وسيلة تلتقي بها ~~الثقافتان عند أبناء الأمة العربية في يومهم الجديد. # فما هي أهم العناصر في ثقافة عصرنا؟ عن هذا السؤال تجد محاولة ms001 ~~الجواب في «لمسات من روح العصر»، وفي «منطق جديد لفكر جديد»، وفي ~~غيرهما من فصول الكتاب. # وكيف واجهنا تلك الثقافة العصرية حين وفدت إلينا فيما وفد من ~~عناصر الحضارة الغربية الجديدة؟ أكان ذلك بالقبول؟ أم بالرفض؟ أم ~~بالتعديل؟ وجواب هذا تراه في «الأصالة والتجديد في الثقافة العربية ~~المعاصرة» بصفة خاصة؛ ثم إلى أي حد يجد العربي مشكلاته الفكرية ~~منعكسة في المذاهب الفلسفية المعاصرة؟ ألا يجوز أن تكون تلك المذاهب ~~كلها منبثقة عن أزمات عقلية حدثت هناك ولم تحدث هنا، ومن ثم ~~تعذر على الدارسين عندنا أن يردوا أوجه التساؤل التي حاولت تلك ~~المذاهب الفلسفية أن ترد عليها؟ عن هذه الأسئلة هناك محاولات ~~للجواب، يجد القارئ بعضها في «موقف العرب من المذاهب الفلسفية ~~المعاصرة»، كما سوف يجد نموذجا لاتجاهين رئيسيين في الفكر الفلسفي ~~المعاصر، متمثلين في «سارتر» و«رسل»، وضعنا إلى جانبهما موضوعا ~~شبه فلسفي تعرض له علم من أعلام الأدب والفكر عندنا، هو توفيق ~~الحكيم، في كتابه «التعادلية»، ليرى القارئ أين تتفق مشكلاتنا ~~الفكرية مع مشكلات الغربي، وأين تختلف. # فإذا كان هنالك اختلافات رئيسية بين مشكلاتنا ومشكلاتهم، وبين ~~حلولنا وحلولهم، فهل من سبيل إلى التلاقي؟ عن هذا السؤال يجيب الكاتب ~~في «التوفيق بين ثقافتين»، وفي غيره؛ ثم إذا كان لا بد عندنا من ثورة ~~فكرية نغير بها بعض الوقفات؛ كالتي عبرنا عنها في «أزمة العقل في ~~حياتنا» وفي «الواقع وما وراء الواقع»، وفي غيرهما من فصول، فكيف تكون ~~الثورة؟ لقد عرضنا نموذجين من ثورة الفكر جوابا عن هذا السؤال، تلك ~~وأمثالها هي أنواع الأسئلة التي تعرضت لها فصول الكتاب، فإذا خرج ~~القارئ من هذا الكتاب بمثل ما خرج به من الكتابين السابقين، وهو أن ~~يجد بين يديه موضوعا يتحداه، وأن يشعر في مواضع كثيرة في معارضة ~~الرأي الذي يراه، برأي آخر من عنده يراه، كنت سعيدا بما حققته من ~~إثارة القضية، واستثارة الرغبة في بحثها. # إلا أن النية خالصة، وعلى الله التوفيق. # د. زكي نجيب محمود # | الأصالة والتجديد في الثقافة العربية ms002 ~~المعاصرة # 1 # صميم الثقافة العربية - لا فرق في ذلك بين قديمها وحديثها - هو ~~أنها تفرق تفرقة حاسمة بين الله وخلقه، بين الفكرة المطلقة ~~وعالم التحول والزوال، بين الحقيقة السرمدية وحوادث التاريخ، بين ~~سكونية الكائن الدائم ودينامية الكائن المتغير؛ فالأول جوهر لا ~~يتبدل، والثاني عرض، يظهر ويختفي، على أنها تفرقة لا تجعل ~~الوجودين على مستوى واحد، بل تتخذ من عالم الحوادث رمزا يشير ~~إلى عالم الخلود، فمهما تكن طبيعة الواقع والأحداث، مما يقع عليه ~~البصر والسمع، فليست هي إلا علاقات تشير - لصاحب البصيرة ~~النافذة - إلى الكائن الروحاني الكامن وراءها، إلى مبدعها ~~ومجريها، وسواء نظرنا إلى الإنسان باعتباره عالما صغيرا، أو ~~نظرنا إلى الكون كله باعتباره إنسانا كبيرا - وهي مقابلة يكثر ~~ورودها في ثقافة العرب الأقدمين - فإن مادة الجسم في كلتا ~~الحالتين، إنما هي ستار يستر وراءه روحا يمتنع على ~~الفناء. # تلك التفرقة الفاصلة بين ظاهر الأمر وباطنه، هي المنبت العميق ~~الذي يوضح لنا ما يقسم رجال الثقافة عندنا في فترات ~~التحول، قسمين، أطلق عليهما حينا (في عشرينيات هذا القرن ~~وثلاثينياته) أسماء القديم والجديد، وحينا آخر (في أيامنا هذه) ~~أسماء الرجعية والتقدمية؛ وذلك أن رجال الثقافة هؤلاء، كلما ~~عصفت بهم رياح الحوادث، ونظروا حولهم فإذا هذا الهيكل الصوري ~~راسخ كالجبال العاتية التي لا تنال منها الرياح، ظن منهم فريق ~~أن النجاة هي في اعتصامهم بأركانه، وظن فريق آخر ألا نجاة ~~إلا في الخروج منه ليلوذوا بهيكل ثقافي آخر، أقامته حضارة ~~أخرى، أثبت العصر نجاحها، ومهد لها سبيل السطوة والسيادة، ~~فأنصار القديم أو الرجعيون هم - في كلتا الفترتين - الذين ~~يلوذون بالمبادئ نفسها، وبالقواعد نفسها، وبالصورة نفسها التي ~~ميزت الثقافة العربية الكلاسيكية، والتي قلنا عنها إنها في ~~صميمها تفرقة بين عالم الأزل وعالم الزوال، وأما أنصار الجديد، ~~أو التقدميون، فهم الذين يودون لو بتروا الشجرة من جذورها، فلا ~~يعود الظاهر مردودا إلى الباطن، ولا الحاضر منسوبا إلى الماضي، ~~ولا الأحداث محكومة بمبادئ سوى المبادئ التي نقررها نحن ~~المعاصرين لها، حتى لا نترك قيادة الأحياء ms003 للموتى. # ولم يكن ذلك البناء الهيكلي للثقافة العربية في صميمها، ليكون ذا ~~معنى، لولا أن جانب الثبات والدوام من بنائه، بالقياس إلى جانب ~~التغير والزوال، يشتمل على مجموعة «القيم» التي يناط بها توجيه ~~السلوك والمفاضلة بين الأفعال، فليست معايير الإنسان التي يحتكم ~~إليها من صنعه - بناء على هذه النظرة الثقافية - بل هي مفروضة ~~عليه، وإنما فرضت عليه لأنها بمنزلة «الحق» الموضوعي الذي لا ~~قبل للإنسان أن يغيره أو يحوره، فهل في وسع الإنسان أن ~~يغير من طبيعة المثلث أو المربع، فيجعل المثلث محوطا ~~بخمسة أضلاع إذا شاء؟ كلا، فهكذا المثلث بحكم تعريفه، أن تحيط به ~~ثلاثة أضلاع، وكذلك قل في العدل والصدق وغيرهما من معايير ~~السلوك، ثم نتوسع قليلا في هذه المعايير الثابتة، فإذا هي ~~المبادئ كلها والقواعد كلها، التي تهدي الإنسان في نشاطه، ~~كائنا ما كان ذلك النشاط، من عبادة المتعبد، إلى فروسية ~~الفارس، ومن توقيعات الموسيقى والغناء، إلى زخرفات الفنان وتفعيلات ~~الشاعر ... معايير هي التي في مجموعها تصنع «الذوق» العربي على ~~جميع مستوياته، من «الذوق» الصوفي إلى «ذوق» الناقد الأدبي، وهي ~~معايير لو حللتها ألفيتها على تنوعها تلتقي في نهاية ~~الأمر عند نقطة مشتركة، وهي أن الوقائع الجزئية الماثلة على ~~مرأى البصر، أو على مسمع الأذن، تنتهي بك - لو تعقبتها إلى ~~أصولها الأولى - إلى فكرة مطلقة ثابتة، لا يوصل إليها عن طريق ~~التجريد والتعميم من خبرات الحياة الجارية، بل هي فكرة «أولية» - ~~باصطلاح الفلاسفة في ذلك - يجدها الإنسان مغروزة في فطرته إذا ~~هو استبطن فطرته، أو يستدلها من ظواهر الكون إذا هو نفذ خلال ~~تلك الظواهر إلى جوهرها الباطن. # ومن هنا كان بين الأسس العميقة في بناء الثقافة العربية ~~الصميمة أن تكون «للإرادة» أولوية منطقية على «العقل»؛ فالإرادة ~~«فعل»، والفعل باطنه «قيمة» توجهه، وما دامت مجموعة القيم ~~قائمة أمامنا، لم نصنعها، بل نشخص إليها لنحذو حذوها؛ فلم ~~يبق «للعقل» إذن مهمة يؤديها إلا أن يرسم الطريق المؤدية ~~إلى تحقيق ما تقتضيه تلك النماذج العليا المنصوبة أمامنا، ~~ومعنى ذلك ms004 أن مجال «العقل» منحصر في دنيا التنفيذ، بحيث نلتمس ~~به السبل المؤدية إلى الغاية المطلوبة، أما الغاية نفسها فلا ~~شأن له بها؛ لأنها تنتمي إلى عالم القيم، فليختلف الناس كيف شاءوا ~~في أي الطرق يسلكون، لكن الغايات مرسومة لهم، تسدد الخطى ~~كأنها أنجم السماء تهدي السائرين في تيه الفلاة. # وواضح أن أداة الإنسان في إدراكه للغايات التي «ينبغي» عليه ~~بلوغها، غير أداته في إدراك الخطوات التي تؤدي إلى تلك الغايات؛ ~~فهذه الخطوات هي تخطيط «عقلي» تتتابع فيه المقدمات والنتائج، ~~وأما تلك الغايات فإدراكها يكون «بالحدس» - وهذا مصطلح فلسفي ~~- وإذا شئت فقل عنه إنه إدراك بالبصيرة، أو بالقلب، أو ~~بالوجدان، أو بإلهام، أو بما تختاره من لفظ يؤدي معنى الإدراك ~~الذي يتم بصورة مباشرة بين الذات العارفة والشيء الذي تعرفه، ~~وإذن تكون الثقافة العربية الأصيلة - بناء على هذا التحليل - ~~قائمة على دعامتين: الإلهام والعقل؛ بالأول ندرك ما «ينبغي»، ~~وبالثاني نحقق ما انبغى. # 2 # ويحكي لنا التاريخ حكاية مفصلة عن هذا الهيكل العام ~~للثقافة العربية، ماذا كان من أمره حين ألفى نفسه وجها لوجه مع ~~ثقافة «غربية» قديمة، هي ثقافة اليونان، فقد نقلت هذه الثقافة إلى ~~العربية، في القرن التاسع، بأمر من الدولة وبتدبيرها وبأموالها، ~~على نحو يكاد المرء يلمح فيه رائحة السياسة وأهدافها، لكن ذلك ~~ليس من شأننا في هذا المجال، وحسبنا أن نعلم أن خاصة المثقفين ~~عندئذ قد وجدوا أمامهم هذا الوافد الجديد، الذي هو «الفلسفة» ~~اليونانية خاصة، وإذا قلنا «الفلسفة» فقد قلنا «منطق العقل» فكيف ~~استجابوا له؟ # استجابوا له على طريقتين؛ ففريق حاول أن ينتفع به لأغراضه، ~~وفريق آخر وقف منه موقف الرفض الصريح، فأما أول الفريقين ~~فنراه في المعتزلة من المتكلمين وفي الفلاسفة، فحاول فريق ~~المعتزلة أن يستخدموا أداة المنطق العقلي في الوصول إلى صيغة ~~تدفع عن الدين كل شبهة، وتصون للفرد الإنساني في الوقت نفسه ~~حريته في الاختيار، ومسئوليته عما يختار، فركزوا أنظارهم على ~~محورين؛ هما وحدانية الله من جهة، وحرية إرادة الإنسان في دنيا ~~الفعل من ms005 جهة أخرى، فسلمت لهم بذلك أركان الهيكل الثقافي ~~العتيد، الذي يحرص على التمييز الواضح بين المطلق في ثباته، ~~والجزئي في تغيره، مع اصطناعهم للثقافة اليونانية الوافدة ~~وسيلة يتوسلون بها، لا غاية يقفون عندها، وأما الفريق الثاني ~~- فريق الفلاسفة - فقد كانت طريقتهم أن يحاولوا التوفيق بين ~~الوافد والمقيم، بين الطارف والتليد، بين ما يؤدي إليه منطق ~~العقل، وما قد هبط به الوحي، بين حكمة الفلسفة وشريعة الدين؛ ~~ليبينوا أن لا اختلاف على الحقائق وإن تعددت المناهج، ~~وهكذا اتفق الفريقان: فريق المعتزلة من المتكلمين، وفريق ~~الفلاسفة، على أن قبولهم للثقافة اليونانية المنقولة إليهما، لا ~~يؤدي إلى تنازلهما عن أي شيء من مقومات الثقافة العربية ~~الأصيلة، بل قد يزيدها رسوخا بما يضفيه إليها من براهين ~~التوكيد والتأييد. # لكن تلك الوقفة المعتدلة المتسامحة اقتصرت على جماعة من خاصة ~~المثقفين، ولا أظنها قد تسربت لتسري في حياة الناس، وأما ~~الذي بدأ بجماعة من خاصة المثقفين كذلك، ثم سرى في جمهور الناس ~~جيلا بعد جيل، فهو وقفة أخرى رفض بها أصحابها فلسفة اليونان ~~المنقولة، ورأوها دخيلة على ثقافتهم وربما أفسدتها، فعند هؤلاء ~~الرافضين أن «علوم الأوائل» - هكذا أسموا ثقافة اليونان - لا ~~تكاد تصلح لشيء في «علوم العرب»، وعلوم العرب هذه لا تخرج عندهم ~~عن عقيدة دينية وشريعة ولغة عربية، فكيف يمكن لهذه الفروع الثلاثة ~~أن تفيد من علوم قوامها «طبيعيات ورياضيات وإلهيات» تدور في ~~مجال آخر وبأسلوب آخر؟ إن هذه العلوم الوافدة - في رأيهم - هي ~~على أحسن الفروض «حكمة مشوبة بكفر» أو هي «حق مشوب ~~بباطل». # وحسبنا أن نذكر من هذا الفريق الرافض للفلسفة اليونانية، الإمام ~~الغزالي، ليدرك القارئ كم كان لوقفته هذه من أثر لم يقتصر على ~~خاصة المثقفين، بل اتسع مداه حتى أصبح مقوما هاما من مقومات ~~الثقافة الشعبية - إذا صح هذا التعبير - فقد كتب الغزالي كتابه ~~المشهور «تهافت الفلاسفة»، ليبين - من وجهة نظره - كيف أن ~~الفلسفة الأرسطية بصفة خاصة، منطوية على كلام ينقض بعضه بعضا، ~~نعم .. إن الغزالي قد أمسك بزمام نفسه، فلم ms006 تجرفه ~~المبالغات، بدليل أنه أخذ يميز من جملة الثقافة اليونانية ~~التي سلط عليها نقده، جوانب يراها مفيدة، ولا ضير على ~~العقيدة الدينية منها؛ كالرياضيات، والمنطق الخالص، ومع ذلك فقد ~~كان يخشى على الناس أن يقرءوا للفلاسفة الأقدمين أشياء صحيحة ~~كهذه، فيتوهموا أن كل ما قاله الفلاسفة لا بد أن يكون ~~صحيحا كذلك. # لا، لم يكن النظر العقلي - عند الغزالي - هو وسيلة إدراك الحق، ~~والحق هو الله سبحانه، وإنما الوسيلة لذلك هي الحدس الصوفي، ~~فكان بقوله هذا بمثابة من واجهته ثقافة «العقل» الدخيلة، ~~فلاذ بما قد ألفه واستراح إليه ووجد فيه الدفء، ألا وهو القلب ~~ونبضته، والوحي وهدايته. # 3 # ويخطئ من يظن أن قوائم الهيكل الثقافي الأصيل قد غيرها ~~الزمن، حتى وإن تغيرت جميع القضايا المطروحة للنظر، فإذا ~~تحدثنا عن «الثقافة العربية الحديثة» فلا بد من التفرقة الواضحة ~~بين «المنظار» من جهة، و«الموضوع» الذي ننظر إليه من جهة أخرى؛ ~~فهنالك موضوعات للنظر أثارتها مشكلات العصر لم يكن لنا بد من ~~التعرض لها؛ لأنها تمس حياتنا في الصميم، ومن تفكيرنا فيها ~~توالدت «الثقافة العربية الحديثة»، لكننا نسأل هنا: بأي ~~منظار نظرنا، وعن أي موقف فكري صدرنا؟ وتلك هي ~~«المواجهة». # وإنني لأزعم أن الموقف الفكري الذي صدرنا عنه في مواجهتنا ~~للعصر، هو نفسه الموقف الفكري الذي صدر عنه أسلاف لنا عندما ~~فوجئوا بثقافة جاءتهم من اليونان: ففريق أراد أن يجعل من الثقافة ~~الجديدة أداة ينتفع بها في حل مشكلاته، وفريق آخر رفضها ~~رفضا، وكان الرافضون هم الفئة التي استجابت لها عامة الناس ~~طوال القرون التالية، نعم، إن هنالك فريقا ثالثا ثار على ~~الهيكل نفسه، وخرج منه، بل خرج عليه، وحاول العيش مع الغرباء؛ ~~بغية أن يتبعه الآخرون، لكن سرعان ما تبين لهؤلاء وللناس، ~~أنهم إنما فرضوا على أنفسهم عزلة قد تفيدهم إلى حين، ~~ولكنها لن تكون جزءا باقيا من «الثقافة العربية ~~الحديثة». # أريد أن أكون في هذا الموضع واضحا غاية الوضوح؛ فلست أدافع ~~ولا أهاجم، ولكنني أصف، فأقول إن الثقافة العربية الحديثة إذا ms007 ~~واجهت العصر بمقولاتها، لم تجد مقولاتها تلك معدة كل ~~الإعداد لتلقي مادة العصر، فانقسم رجال الثقافة عندنا ثلاثة ~~مذاهب: مذهب وجد الصيد نافرا من القفص، لكنه لم يزل به حتى ~~طوعه بعض التطويع، فاستكان له ولو إلى حين، وفي رحاب هذا المذهب ~~تقع الكثرة الغالبة من أعلام الأدب والفكر في تاريخنا الحديث: ~~محمد عبده، والعقاد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، وغيرهم، فهؤلاء ~~جميعا - على اختلاف نزعاتهم وأذواقهم - لم يرفضوا العصر، لكنهم ~~حاولوا أن يصوغوه في قوالب الثقافة العربية الأصيلة، مع تفاوت ~~بينهم في درجة النجاح، ومع هؤلاء القادة يذهب معظم المثقفين. ~~ومذهب آخر وجد الصيد نافرا من القفص، فاستغنى عن الصيد، واحتفظ ~~بالقفص يضع فيه من كائناته المألوفة ما يجده حاضرا بين يديه، ~~وفي هذا المذهب تقع جماعة لا حصر لعددها، ممن ملئوا أوعيتهم ~~من كتب التراث، وغضوا أنظارهم غضا عن العصر بكل ما يضطرب به ~~من قضايا ومشكلات فكرية، ومع هذه الجماعة تذهب عامة الناس من غير ~~المثقفين. ومذهب ثالث وجد الصيد نافرا من القفص، فحطم القفص، ~~وجرى مع الصيد حيث جرى، وهؤلاء قلة قليلة، لا تجد بأسا في أن ~~نمحو صفحتنا محوا، لنملأها بثقافة العصر وحده، كما هي معروفة ~~في مصادرها، بغير تحريف ولا تعديل. فمن ذلك ترى جماعتين من ~~الجماعات الثلاث، هما اللتان تصدتا للعصر؛ إحداهما بتعديله ~~ليلائم قالبنا الموروث، والأخرى بغير تعديل فيه، ملقية في ~~اليم القالب الموروث، وأما الجماعة الثالثة فقد لاذت بالهروب ~~في حصونها، فلا مواجهة بينها وبين العصر، ومن ثم فلنا أن ~~نسقطها من حسابنا، برغم كثرة عددها، وبرغم أنها هي التي ظفرت ~~بتأييد الجماهير. # وكذلك نستطيع أن نسقط من حسابنا - في موضوعنا هذا - تلك ~~القلة القليلة التي، وإن تكن قد شاركت العصر في مشكلاته ~~الفكرية وقضاياه؛ فإنها قد شاركته كما يشاركه رجال الفكر من ~~أصحاب الحضارة الغربية نفسها، فكأن هذه الجماعة المستغربة تنظر ~~إلى الأمور بعين أوروبية أو أمريكية، وكل ما لها من انتماء إلى ~~الثقافة العربية الحديثة هو أنها تكتب ما تكتبه ms008 باللغة العربية، ~~ولعل أهم ما قامت به في صنيعها ذاك، هو أنها عرضت على الأمة ~~العربية ثقافة الغرب، لا عن طريق الترجمة المباشرة، بل عن طريق ~~تمثلها لتلك الثقافة ثم عرضها بأسلوب حي، فيه روحها ~~وشخصيتها، فلئن كانت الفئة الكبيرة التي لاذت بالماضي بغير تعديل، ~~قد خرجت من ميدان المواجهة بالفرار؛ فإن هذه الفئة الصغيرة ~~التي دمجت نفسها في حاضر الغرب كما هو، قد خرجت هي الأخرى من ~~ميدان المواجهة بالذوبان في عالم غير عالمهم، وتبقى بين أيدينا ~~جماعة واحدة، هي التي اضطلعت بالمواجهة الثقافية بكل ما في ~~هذه الكلمة من أبعاد، وأعني تلك الجماعة التي تستقطب جمهور ~~المثقفين، والتي جعلت همها أن تسوق ثقافة العصر في مقولات ~~الثقافة العربية كما عرفها التاريخ. # 4 # ولكن ما هي ثقافة العصر التي نواجهها أو لا نواجهها؟ أحسب ~~أننا في هذا الموضوع مطالبون بشيء من التحديد؛ فأغلب الظن أن ~~تمر كلمة «العصر» على قارئها أو سامعها، فيعدها اسما ~~كالأسماء التي نسمي بها الأشياء لنميز بعضها من بعض، وحقيقة ~~الأمر غير ذلك؛ لأن «العصر» ليس شيئا محددا يشار إليه بقولنا ~~هذا هو، وإنما هو خضم من الأحداث والكائنات تتشابك حينا ~~وتتفكك حينا آخر، وهي ما تنفك في حركة دائمة تحذف منها ~~وتضيف إليها، فإذا تذكرنا أننا فوق ذلك كله نتحدث عن فترة ~~زمنية بلغت ثلاثة أرباع القرن؛ أدركنا كم هو جزاف أن نرسل ~~القول الواحد ليشير إلى هذا المركب كله دفعة واحدة. # فأقل درجات الحيطة والحذر، تقتضينا ألا نطلق التعميم ~~الواحد ليشمل أهل هذا العصر جميعا؛ وذلك لأن «العصر» ليس ~~واحدا بالنسبة للجميع، فقد يعيش رجلان في محيط واحد، وفي لحظة ~~واحدة، فإذا كل منهما قد انصرف بانتباهه إلى جانب غير الجانب ~~الذي انصرف إليه زميله؛ فينتج عن ذلك أن يكون لكل منهما عصره، ~~برغم اشتراكهما في أرض واحدة تظلهما لحظة بعينها، والأمثلة ~~من حولنا تعد ألوفا لأفراد من الناس يعيشون معا في محيط ~~زمني واحد، ومع ذلك فقد اكتفى أحدهم من ذلك المحيط ms009 بطعامه ~~وثيابه ، وأما فكره فقد اختار أن يقيم في فترة زمنية سلفت، ~~بينما استدبر غيره ذلك الذي سلف، لا يكاد يدري من أمره شيئا، ~~ليعيش بفكره مع ما تصدره مطابع اليوم عن مشكلات اليوم، أنقول ~~عن هذين إنهما يعيشان في عصر فكري واحد؟! خذ مذاهب الفلسفة - ~~مثلا - تجد لكل مذهب عرفه الناس داعيا ونصيرا في عصرنا هذا، ~~فما يزال بيننا دارسون هم من أعظم الدارسين، قصروا أنفسهم على ~~الفلسفة الأفلاطونية، أو الأرسطية، أو على مذاهب المتكلمين، أو ~~المتصوفة من المسلمين، أنقول عنهم إنهم ليسوا من أبناء العصر دون ~~أن نجاوز الحق؟! # وإن الأمر في ذلك لتشبيه «بالبيئة» الطبيعية التي تحيط ~~بعدد من الناس، فيظن للوهلة الأولى أن هؤلاء جميعا يعيشون ~~في بيئة واحدة، فإذا ما أمعنت النظر قليلا ألفيت كلا منهم ~~قد اتجه بنظره واهتمامه إلى جانب من البيئة غير ما اتجه إليه ~~جاره؛ فقد يكون هذا الجار فلاحا يتقن زراعة أرضه، ثم لا يهمه ~~بعد ذلك شيء، على حين أن صاحبنا الأول دارس للآثار، أو باحث ~~عن البترول، أو فنان جاء ليرسم لوحاته من وحي هذا المكان، ~~فالمكان واحد، لكنه بالنسبة للرجلين بيئتان مختلفتان. # ونعود إلى سؤالنا الأول: ما ثقافة العصر التي نواجهها أو لا ~~نواجهها؟ إنها يقينا ليست كل فكرة جرى بها قلم في صحيفة أو ~~كتاب، بل هي مختارات من تلك الحصيلة الكبرى، وجدناها ذات صلة ~~مباشرة بحياتنا ومصيرنا، فوقفنا عندها قبولا أو رفضا أو ~~تحليلا ينتهي بتعديل وتبديل، إن الحدث الواحد قد يكون أضخم ~~حدث بالنسبة لسوانا، ولكننا حياله متفرجون، وهل في هذا العصر ~~ما هو أضخم من إطلاق الصواريخ التي تغزو الفضاء؟! فلعلي ~~أفجأ القارئ إذا ما زعمت له بأن هذه الضجة الكبرى تكاد لا ~~تكون جزءا من ثقافة عصرنا نحن، التي نواجهها أو لا نواجهها، ~~لكن قارن ذلك بحدث آخر، هو إقحام إسرائيل على أرضنا، وانظر ~~بأي معنى وإلى أي مدى قد دخل هذا الجانب من الاستعمار الذي ~~هو من علامات العصر، في دنيانا ms010 الثقافية، بحيث لم يعد منا واحد ~~يستطيع أن يغض عنه النظر. # فالعصر إذن من الوجهة الثقافية، وبالنسبة إلى الثقافة العربية ~~الحديثة على وجه التحديد، هو تلك الأفكار والأحداث التي مست ~~حياتنا فأثارت اهتمامنا عن إخلاص لا تكلف فيه، ولا جدال في ~~أن أخطرها جميعا وأعمها شمولا وأعمقها أثرا، هو القفزة ~~الهائلة التي قفزتها العلوم الطبيعية في عصرنا، بكل ما تبعها ~~من نتائج، كانت إحداها سعار المستعمرين، وكانت الأخرى خشية منا ~~على الدين أن تهتز مكانته في نفوس المؤمنين، فلو تقصينا ما ~~كتبه الكاتبون حول هذين المحورين: ما كتبوه دفعا للمستعمر ~~ودفاعا عن الحرية، ثم ما كتبوه بيانا لقوة الدين أمام غزوات ~~العلم الجبارة؛ تارة بالتدليل على أن الدين والعلم لا ~~يتناقضان، وتارة أخرى بالتقليل من شأن العلم بالقياس إلى ~~الدين؛ أقول إنا لو تقصينا ما كتبه الكاتبون حول هذين ~~المحورين، لوجدناه قد ملأ رقعة فسيحة من مجال نشاطنا الثقافي ~~الحديث. # والتشابه - كما ترى - شديد بين وقفتنا اليوم في مواجهة العصر ~~ومؤثراته، وبين وقفة أسلافنا في مواجهة مثلها؛ ففي كلتا ~~الحالتين كان الوافد «عقلا»، لولا أن هذا العقل في الحالة ~~السابقة تمثل في الفلسفة اليونانية، وهو في الحالة الحاضرة ~~متمثل في العلوم الطبيعية، لكن جوهر المواجهة واحد في ~~الحالتين: في الماضي حاول أسلافنا إما أن يدللوا على أن ~~التوافق تام بين نتاج العقل وإملاء الوحي، وإما أن يبينوا ~~أن الثقافة العقلية الدخيلة ليست بذات نفع، إن لم تكن ضارة ~~بإيمان المؤمنين، وكذلك في حالتنا الراهنة قد وقفنا الوقفة ~~نفسها أمام العلوم الغازية؛ فإما - وهو الأغلب - جعلنا لها ~~ميدانا وللدين ميدانا آخر، بحيث لا يتعارضان، وإما ~~استخففنا بمزاعم العلم، إيمانا منا بأن الروابط السببية ~~التي يعتز بها العلم، قد تنفصم بقدرة القادرين من أصحاب الخوارق ~~ومن إليهم. # ومهما يكن من أمر؛ فذانك عنصران من مقومات «العصر» التي ~~واجهتها الثقافة العربية الحديثة: المطالبة بالحرية السياسية، ~~ثم بالحرية على إطلاقها في شتى الميادين، والدفاع عن الدين ضد أي ~~تشكك محتمل نتيجة لسيادة العلوم الطبيعية ms011 ونجاحها الذي خطف ~~الأبصار، تضاف إلى هذين العاملين عوامل أخرى تتفرع عنها؛ منها ~~ما قد أدى إليه الاقتصاد الحديث القائم على العلم والصناعة من ~~فجوة هائلة بين الغني والفقير، سواء كان ذلك على مستوى الأفراد ~~أو على مستوى الأمم؛ ما أنشأ موضوعا خطيرا تحدى رجال الفكر ~~والأدب، ألا وهو المساواة العادلة بين الناس كيف تتحقق، وما صورة ~~المجتمع التي تعمل على تحقيقها، ومن تلك العوامل أيضا تلك ~~المقارنات العجيبة التي كثرت وتنوعت، في محاولة الكشف عن ~~طبيعة الإنسان ما هي؟ أهو العقل أم الوجدان؟ أهو الشعور الواعي أم ~~اللاشعور؟ وكذلك من العوامل التي تحرك ثقافة العصر، فواجهناها ~~نحن بالقبول أو الرفض؛ تحديد العلاقة بين الإنسان والعالم الذي ~~يعيش فيه، ترى هل تفصل بينهما الفواصل بحيث يمكن القول بأن ~~الذات الإنسانية في طرف والعالم في طرف آخر، أم أن الإنسان ~~ظاهرة طبيعية كأي ظاهرة أخرى؟ ... تلك وأمثالها أسئلة ملأت ~~ثقافة العصر، ورددنا عليها بمواجهات تنوعت باختلاف المفكرين ~~والأدباء. # على أن ذلك كله إجمال، وسبيلنا الآن أن نفصله. # 5 # يستهل الشهرستاني كتابه «الملل والنحل» (القرن الثاني ~~عشر الميلادي) بفقرة يوضح فيها منهجه في عرض المذاهب الفكرية ~~التي ينوي عرضها، فيقول: إن هنالك طريقتين في الترتيب؛ الأولى ~~أن نتخذ من المسائل أصولا، ثم نورد في كل مسألة مختلف ~~الطوائف والرجال الذين تحدثوا فيها فنقارن بينهم، والثانية أن ~~نتخذ من الرجال والمؤلفين أصولا، ثم نورد مذاهبهم في ~~مختلف المسائل، ثم يقول إنه اختار لنفسه الطريقة ~~الثانية. # وأراني أميل إلى الجمع بين الطريقتين، بحيث تكمل إحداهما ~~الأخرى؛ فلقد أسلفت القول - بناء على الطريقة الثانية - إن ~~رجال الثقافة العربية الحديثة ينقسمون طوائف ثلاثا في مواقفهم من ~~العصر وقضاياه: فطائفة منها رفضت العصر ولاذت بالتراث وحده، ~~كمن تطرفوا في وجوب الأخذ بمبادئ الشريعة في تنظيم الحياة، وكمن ~~تناولوا الفكر بمثل ما تناوله مصطفى صادق الرافعي، وطائفة ثانية ~~قبلت العصر بحذافيره؛ فإذا تعارض مع أحوال التراث العربي ~~رفضوا التراث، مثل فرح أنطون، وسلامة موسى، وسعيد عقل، وأما ~~الطائفة ms012 الثالثة؛ فهي التي صنعت لنا ثقافتنا العصرية؛ لأنها هي ~~التي زودت نفسها بكلا الزادين: الثقافة العربية الأصيلة، ~~وثقافة عصرنا، وأخرجت منهما مزيجا، هو الذي نطلق عليه بحق ~~«الثقافة العربية الحديثة»، وفي مقدمة هؤلاء: طه حسين، والعقاد، ~~وتوفيق الحكيم، وأمين الريحاني، وميخائيل نعيمة، وسائر من سار على ~~هذا النهج القويم. # وعلى أساس هذه الطائفة الثالثة وحدها، نطبق أول المنهجين ~~اللذين ذكرهما الشهرستاني، وهو المنهج الذي يتخذ من «المسائل» ~~أصولا له؛ فما علينا إلا أن نعرض لأمهات القضايا التي جذبت ~~انتباهنا وأثارت اهتمامنا من مشكلات العصر؛ لنرى كيف عالجها رجال ~~الطائفة الثالثة هؤلاء، فنعلم أنهم في معالجتهم لها، كانوا ~~عربا وكانوا معاصرين في آن معا؛ فقد كانوا عربا بما ~~حافظوا عليه في أنفسهم من أسس هي نفسها الأسس التي قام عليها ~~البناء الثقافي العربي منذ قديم، وكانوا معاصرين بمادة الموضوعات ~~التي تناولوها. # وأولى القضايا هي قضية العلم، وما استتبعه من تقنية وصناعة؛ ~~فمهما تكن لعصرنا هذا من خصائص تميزه، فهو عصر العلم التقني بلا ~~نزاع، وما كان أحد منا ليتردد في قبول هذا العلم النظري، من ~~حيث نتائجه، ولا من حيث تطبيقاته، وكيف له أن يتردد في حقائق ~~من شأنها أن تقلب وجه الحياة المادية نحو الأصح والأمتع ~~والأيسر؟! بل إننا على مدار الخمسين عاما الأخيرة، استطعنا أن ~~نحول التعليم في مدارسنا وجامعاتنا، من تعليم كان أقله ~~علما وأكثره مواد إنسانية، إلى تعليم أصبح أكثره علما ~~وأقله تلك المواد الإنسانية - كما يسمونها. # إلى هنا ولا إشكال، ولكن ذلك كله - عند النظر الفاحص - لا يعدو ~~السطح الظاهر إلى الباطن الخبيء، إن أخذنا العلم من حيث نتائجه ~~وطرق تطبيقه في أجهزة نستخدمها في البيوت وفي المصانع؛ لم يجاوز ~~هذه القشرة العملية الظاهرة بحيث يتغلغل إلى الداخل فيغير من ~~وجهة النظر؛ وذلك لأننا أخذنا الثمرة ولم نأخذ الشجرة بجذورها، ~~أخذنا النهاية ولم نأخذ المنهج الذي أدى إليها، والنظرة التي ~~تضمنتها؛ فالعلم العصري ينطوي على أسس ليست هي الأسس التي ~~عرفناها في بنائنا الثقافي العربي، فكان ms013 لا بد لنا من أحد ~~أمرين: إما أن نرفض البناء الجديد كله أسسا وجدرانا، وبذلك ~~نعزل أنفسنا عن العصر عزلا تاما، وإما أن نقبله أسسا ~~وجدرانا كذلك، وبذلك نخرج على نظرتنا ذات الطابع المتميز، وكان ~~هذان الموقفان هما بالفعل موقف الطائفتين الأولى والثانية على ~~التتابع، من الطوائف الثلاث التي ذكرناها، لكن فاجأتنا الطائفة ~~الثالثة - التي هي العمود الفقري للثقافة العربية الحديثة - ~~بموقف وسط، فيه مرونة برغم ما فيه من مفارقة منطقية؛ وذلك أن ~~أصحابها قبلوا العلم ورفضوا الأسس التي ينطوي عليها، كأنما هم ~~قبلوا الجدران المقامة ورفضوا الركائز التي أقيمت عليها هذه ~~الجدران، ولا عليهم أن يقال لهم إن ذلك لا يتسق مع الصورة ~~المنطقية الشكلية، ما داموا قد وجدوا في هذا الموقف ما يريح ~~الأنفس ويحل الإشكال. # وذلك أنك لا تستطيع أخذ العلم النظري الحديث، دون أن تفطن ~~إلى أنه قد انبنى على تغيير في وجهة النظر، نقل الإنسان من ~~البحث عن «أسباب» الظواهر، إلى البحث عن «قوانينها»، وقد كان البحث ~~التقليدي عن الأسباب، ثم عن أسباب الأسباب، وهلم جرا، ينتهي ~~بالفلاسفة دائما إلى ما كانوا يسمونه «بالعلة الأولى»، أو السبب ~~الأول، وكانت هذه العلة الأولى - في تصورهم - لا تكتفي بذاتها إلا ~~إذا كان من طبيعتها أن تحرك سواها، لكنها هي نفسها ساكنة ~~وثابتة، والقول بالعلة الأولى يتفق مع الإيمان الديني بوجود ~~الله، وهو إيمان رأينا أنه يقع في الصميم من البناء الثقافي ~~العربي على طول العصور، فإذا جاءت النظرة العلمية اليوم واستغنت ~~عن الأسباب في تسلسلها، وقنعت بالصيغ الرياضية التي تؤلف ~~مجموعة القوانين العلمية، فقد انحصرت في «الطبيعة» ذاتها؛ كيف ~~تتفاعل عناصرها، وعلى أي القوانين تسير؟ وطرحت من حسابها ~~سؤالين كان لهما فيما مضى كل الخطر: ما الذي أحدث ...؟ وإلى أي ~~غاية ...؟ # ها هنا يقع الحرج للمثقف العربي الذي لا يجد بدا من ~~مسايرة العصر في علمه وتقنياته وتطبيقاته، وها هنا أيضا وجد ~~رجال الطائفة الثالثة التي أشرنا إليها، الشجاعة والمهارة معا ~~ليعلنوا حكمهم بأن «العلم وحده لا ms014 يكفي» وعند هذه النقطة ~~يكمن أعمق جذر في مواجهة الثقافة العربية الحديثة للعصر؛ فليس ~~منا واحد لم يحس في نفسه القلق الشديد إذا طولب ببتر ~~الطرفين من مجال النظر: طرف القوة التي أحدثت، وطرف الغاية ~~التي من أجلها أحدثت؟ وفي يقيني أنه حتى أولئك الذين أرادوا ~~أن يكونوا علميين تجريبيين بكل ما تقتضيه وجهة النظر ~~الجديدة؛ لم يستطيعوا مصالحة أنفسهم، وبقي القلق في ضمائرهم ~~يؤرقها، إذن فهذه هي نظرتنا التي تريحنا، وهي أن نضيف إلى عالم ~~الشهادة غيبا مستورا، وإذا كان عالم الشهادة بحاجة إلى ~~مشاهدة وتجربة لإدراكه، فالغيب إدراكه يبنى على إيمان. # ولك بعد ذلك أن تطالع ما كتبه أعلام الثقافة العربية الحديثة من ~~هذه الزاوية، لتجد صحائفهم مليئة بهذا التطلع الذي يجاوزون به ~~المادة، دون أن يتنكروا للعلم المؤسس على هذه المادة ~~وطبيعتها؛ إيمانا منهم بأن التعلق بما وراء المادة، إضافة تنفع ~~الإنسان ولا تنقص من العلم شيئا، ويكفينا هنا مثالان أو ثلاثة، ~~نسوقها من هؤلاء الأعلام: # كان طه حسين عقلانيا خالصا، على نهج العلم والعلماء، حين ~~أصدر كتابه عن «الأدب الجاهلي» سنة 1926م، حتى ظن الناس أنه ~~قد ذهب مع عقلانية العصر إلى المدى الذي ينسيه روح الثقافة ~~العربية، حتى إذا ما أقبل على الناس عام 1933م، أصدر لهم طه حسين ~~رائعته الأدبية «على هامش السيرة» وفي مقدمة هذا الكتاب، يقول: ~~«أنا أعلم أن قوما سيضيقون بهذا الكتاب لأنهم محدثون، ~~يكبرون العقل، ولا يثقون إلا به، ولا يطمئنون إلا إليه؛ وهم ~~لذلك يضيقون بكثير من الأخبار والأحاديث التي لا يسيغها العقل ~~ولا يرضاها .. وأحب أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن ~~للناس ملكات أخرى ليست أقل حاجة إلى الغذاء والرضى من ~~العقل». # وأما توفيق الحكيم، فتكاد كل مسرحية من مسرحياته تفصح عن ~~هذه العقيدة، وهي عقيدة طالما ساقها الكاتب صريحة لا تحتاج منك ~~إلى استدلال وبحث؛ فهو يؤمن أعمق الإيمان بوجود قوة غيبية لا ~~قبل للإنسان بردها، فإن أوهمه عقله المحدود بأنه قادر على ~~فرض ms015 إرادته، حدثت الفاجعة ونزلت المأساة ، فلا مندوحة للإنسان ~~عن حصر معرفته العقلية في حدودها، تاركا لإيمانه ما وراء تلك ~~الحدود، وإنا لنرى الكاتب في «عصفور من الشرق» يخاطب الغرب، ~~الذي أخذه الغرور بعلمه، فيقول: «ماذا صنع لنا العلم؟ وماذا ~~أفدنا منه؟ الآلات التي أتاحت لنا السرعة؟ وماذا أفدنا من هذه ~~السرعة؟ البطالة التي تلم بعمالنا، وإضاعة ما يزيد من ~~وقت فراغنا فيما لا ينفع ...» ولكنه برغم هذه النبرة اليائسة من ~~العلم وحضارته، لا يريدنا أن نستغني عنه؛ فهو لا يفتأ يذكرنا ~~مسرحية بعد مسرحية، أن على العقل أن يرتاد الكون إلى آخر ~~مستطاعه، ثم يسلم الزمام بعد ذلك لإدراك الوجدان. # وتقرأ العقاد نثرا أو شعرا، فترى العقيدة نفسها؛ فالكون ~~عنده روح نلمسها بيد من المادة؛ أي إن الروح هي حقيقة الوجود، ~~والمادة وسيلتنا إلى معرفتها، وأن هذه الطبيعة بكل ما فيها ~~لهي ألسنة تنطق بالروح الكامنة وراءها؛ ولذلك فليس العقل، وليست ~~الحواس (وهذه هي أدوات العلم) بمستطيعة وحدها أن تدلنا على ~~الحق، وإنما وسيلتنا إلى إدراك الحق هي الوجدان. # 6 # ومن الأفكار التي ميزت عصرنا، واستجابت لها الثقافة العربية ~~الحديثة بضروب شتى من المواجهة العنيفة التي بلغت حد الثورات ~~الشعبية الجارفة، فكرة «القومية»، وهي فكرة تمتد جذورها إلى أول ~~يوم قامت فيه تجمعات بشرية، لكنها اكتسبت في عصرنا أبعادا ~~جديدة، جعلتها - مع التجوز - تعد من معالم العصر البارزة، ~~فمن أعجب المفارقات أن هذا العصر قد شهد من وسائل الاتصال ما ~~لم يحلم به أي عصر مضى، بحيث باتت أبعد مطارح الأرض رهنا ~~بدفعة صغيرة من إصبع، فإذا أنت هناك، ومع ذلك؛ فقد فرقت بين ~~شعوب هذا العصر فواصل لم يشهدها عصر آخر، فكأنما خشي الناس - ~~من أبناء هذا الوطن أو ذاك - أن تغمرهم موجة التقارب، فإذا هم قد ~~أضاعوا خصائصهم المميزة، فطفقوا يشددون القبضة على كل علائم ~~التمييز: اللغة والعادات والثياب والفنون الشعبية، وغيرها وغيرها، ~~فزاد ذلك من ظهور الفوارق القومية شدة، وكلما كان اللقاء بين ~~الأمم على صعيد دولي ms016 أوسع؛ كان الحرص على إبراز الخصائص القومية ~~أشد وأقوى. # ولقد تلازمت فكرة القومية في بلادنا بفكرة الحرية السياسية، ~~وكان ذلك أمرا طبيعيا؛ لأننا وقد خرجنا من سلطان الأتراك ~~لنقع في قبضات المستعمر الغربي، لم نجد حافزا يجمع قوانا في ~~حركة المقاومة أفعل أثرا من الدعوة إلى ضم صفوفنا تحت راية ~~القومية، وإذن فنستطيع القول بأن صدامنا مع المستعمرين، كان ~~هو الذي ألهب شعورنا بقوميتنا، لكنها لم تكن «قومية» بمعنى ~~واحد على طول الطريق، بل بدأت قوميات إقليمية، وانتهت إلى قومية ~~عربية مشتركة، وتخللت هذه وتلك نداءات إلى قوميات طائفية؛ ~~كالفرعونية في مصر، والفينيقية في لبنان. # والذي يهمنا في موضوعنا هذا، هو ما أحدثته هذه الحركة ~~القومية بشتى معانيها وأهدافها، من صلات ثقافية بيننا وبين مصادر ~~الثقافة العصرية، وحسبنا في هذا المجال أن نذكر أن عشرات ~~المؤلفين الذين كتبوا مئات البحوث والكتب في موضوع القومية، ~~يكادون جميعا يكونون ممن استمدوا ثقافتهم من معين الثقافة ~~الغربية، ويندر جدا أن تجد مؤلفا واحدا ذا خطر في هذا ~~الميدان ممن اقتصرت ثقافتهم على تراثنا العربي وحده، فماذا ~~يعني ذلك إلا أن تكون فكرة «القومية» من النقاط المهمة التي ~~حدثت عندها مواجهة ثقافية بيننا وبين عصرنا؟ لقد كنا في هذا ~~الميدان كالمحارب الذي يستمد سلاحه من عدوه ليحاربه به، اقرأ ~~مثلا هذه الفقرة المأخوذة من خطاب لمفكر عربي ألقاه في مؤتمر ~~عربي: «إن الجماعات في نظر علماء السياسية لا تستحق هذا الحق ~~(حق القومية الواحدة) إلا إذا جمعت - على رأي علماء الألمان - ~~وحدة اللغة ووحدة العنصر، وعلى رأي علماء الطليان وحدة التاريخ ~~ووحدة العادات، وعلى مذهب ساسة الفرنسيس وحدة المطمع السياسي. ~~فإذا نظرنا إلى العرب من هذه الوجوه الثلاثة، علمنا أن العرب ~~تجمعهم: وحدة لغة، ووحدة عنصر، ووحدة تاريخ، ووحدة عادات، ووحدة ~~مطمع سياسي؛ فحق العرب بعد هذا البيان أن يكون لهم - على رأي ~~كل علماء السياسية دون استثناء - حق جماعة، حق شعب، حق أمة.» ~~فلنلحظ هنا كيف يبني المفكر العربي حق العرب في أن ms017 يكونوا ~~قومية واحدة، على مذاهب الغرب ، ليكون مفهوما لأبناء الغرب حين ~~يتحدث إليهم بلغتهم. # وإنه لجدير بالذكر هنا أن نقول إنه إذا كانت القومية حلما ~~يتغنى به الشعراء أو أئمة السياسة، فإن الفضل في ذلك درجة ~~ثقافتهم، ولم تعد فكرة تقتصر على علية المثقفين، أو حلما ~~يتغنى به الشعراء أو أئمة السياسة، فإن الفضل في ذلك هو لرجال ~~الثقافة العربية الحديثة، الذين كتبوا وكتبوا، وشرحوا وشرحوا، ~~حتى بلغت الدعوة كل فرد من أبناء الأمة العربية من أقصاها إلى ~~أقصاها، فلربما وجدت هذه الأمة مختلفة على قادة السياسة، لكنك ~~واجدها على اتفاق يكاد يكون تاما على المثقفين، فالشاعر ~~الكبير، والكاتب المرموق، يتخطى حدود إقليمه ليصبح شاعر ~~الجميع، وكاتب الجميع، بغير تمييز ولا تفرقة، فلا نقول عن أحمد ~~شوقي إنه من مصر، ولا أمين الريحاني إنه من لبنان، ولا معروف ~~الرصافي إنه من العراق، ثم لا نميز بالقومية الإقليمية طه حسين، ~~أو العقاد، أو الزهاوي، إلا على سبيل استيفاء الملامح الفردية ~~لكل منهم، وأما من حيث الواحد منهم شاعر أو كاتب، فهو عربي ~~وكفى. # ولعل فرعين تفرعا من «القومية» بمعناها السياسي، أن يكونا ~~أجدر باهتمامنا في موضوعنا، وهما: اللغة العربية، وهل نأخذ ~~بعامياتها المتنوعة، أو بفصحاها المشتركة؟ ثم اللغة العربية، ~~وهل نكتبها بأحرف عربية أو نكتبها بأحرف لاتينية؟ فهاتان مشكلتان ~~اشتجر حولهما خلاف بين المثقفين، حتى لنراهما تكونان ~~جانبا ملحوظا في تاريخنا الثقافي الحديث، نعم، إن مشكلة ~~الكتابة بأحرف عربية أو لاتينية قد أوشكت على الزوال، بعد أن ~~اشتد صراخها في ثلاثينيات هذا القرن وأربعينياته، لكن مشكلة ~~الفصحى والعامية ما زالت قائمة على أشدها، وربما كان ذلك بسبب ~~النهضة المسرحية، التي استدعت منا تفكيرا جادا في لغة ~~الكتابة المسرحية ماذا تكون، ثم تتسع المشكلة عند نفر قليل، ~~لتشمل الكتابة على إطلاقها. # لقد ارتبطت فكرة «القومية» بالاهتمام باللغة ارتباطا عضويا، ~~لا يجعل إحداهما بمعزل عن الأخرى، مهما يكن موقف الكاتب، لكننا ~~نستطيع المجازفة بشيء من التعميم المقبول، إذا قلنا إنه كلما ~~أحس الكاتب ms018 رغبة مخلصة في تدعيم للقومية العربية ؛ أحس ~~بالتالي ضرورة أن تحافظ اللغة الفصحى على مقوماتها، والعكس ~~صحيح، فكلما أراد الكاتب - عن قصد مباشر أو غير مباشر - ~~مناهضة القومية العربية لأي سبب من الأسباب - طائفيا كان ~~السبب أو ثقافيا - أراد بالتالي أن يلتمس وسيلة يتذرع بها ~~إلى التخلص من الفصحى وما يتبعها من أصول وقواعد ومفردات، ولقد ~~رأينا جميع من تناولوا القومية العربية بالبحث العلمي من ~~كتابنا - ساطع الحصري، وأنطون زريق، وحازم نسيبة، وغيرهم كثيرون ~~- يختلفون حول العوامل المكونة لتلك القومية، أيها يتقدم ~~أيها في قوة الأثر، لكنهم يتفقون على أن اللغة لها المكانة ~~الأولى في بناء القومية العربية. # ومجرد الاهتمام باللغة - على أي وجه كان - هو اهتمام بتجديد ~~العلاقة بين حاضرنا وماضينا، لكننا نزيد الأمر تخصيصا فنقول - ~~مع إدوارد سابير في كتابه «اللغة» - إن اللغة من حيث هي أداة ~~للثقافة، تقع في مستويين؛ فهناك المستوى الذي تكون فيه العلاقة ~~بين اللغة والواقع الحسي علاقة مباشرة، أو كالمباشرة، فإذا ~~تحدث المتحدث كان السامع يتابع حديثه وعينه على شئون الواقع، ~~ليطابق بين الرمز اللغوي من جهة، وأوضاع العالم الفعلية من جهة ~~أخرى، لكن هنالك مستوى آخر للغة، وذلك حين يصوغ المتكلم أو ~~الكاتب عبارته، فإذا بها تقع على أذن السامع وكأنها هابطة من ~~مصدر مجهول، وهنا ترانا نصغي، وندرك الحق فيما نسمعه، دون أن ~~يدور في خلدنا أن يكون مصدر هذا الحق ما حولنا من شئون الحياة ~~الجارية، فكأنما أمثال هذه العبارات ليس لها صاحب يحتكرها، أو ~~كأن الوجود كله عندئذ هو الذي يتكلم العربية بهذه ~~العبارات، ليصور بها جوانب من الحقائق الأزلية الأبدية. # ونعود إلى الهيكل الصوري الذي أشرنا إليه في أول هذا المقال، ~~زاعمين أنه بين قوائم الثقافة العربية الأصيلة، فقد كان أهم ما ~~ذكرناه عندئذ، مقابلة بين «المطلق» و«عالم الحوادث»، وما لم تكن ~~وقفة المثقف العربي - مهما يكن ميدانه - وقفة تجمع بين هذين ~~الطرفين، لا من حيث يكون «المطلق» استخلاصا من عالم الحوادث ~~الجزئية، بل من حيث هو موجود ms019 واجب الوجود، يفرض نفسه على مجرى ~~الأحداث، فمثل ذلك المثقف يبتر الصلة بينه وبين «الأصالة» ~~بالمعنى الذي يرد «الأصالة» إلى الأصول الأولى، وعلى أساس ذلك ~~الهيكل الصوري للثقافة العربية، نقول إن اللغة العربية التي ~~كونت تراثنا الأدبي، هي لغة صادرة عن المستوى الثاني - المستوى ~~الأعمق - الذي قلنا عنه إن العبارة الصادرة عنه تجيء وكأنها ~~لغير متكلم فرد، أو كأنها قيلت بلسان الكون كله، ولعله لا ~~يصعب على المتعقب أن يلاحظ أن الفرق الجوهري بين أنصار ~~«القديم» وأنصار «الجديد» في حياتنا الثقافية الحديثة، هو في طريقة ~~استخدام اللغة: استخدامها بالطريقة المبهمة الموحية كما كان ~~شأنها، وبذلك نجعلها وكأنها هي صادرة عن «المطلق» من فوق رءوس ~~الحوادث، أم نستخدمها بالطريقة الواضحة المباشرة التي نتتبع بها ~~حوادث الحياة الجارية، ووقائع الطبيعة المحسوسة؟ لو كانت الأولى ~~كنا من أنصار «القديم»، ولو كانت الثانية كنا من أنصار ~~«الجديد»، ونترك لصاحب الموهبة أن يلتمس لنفسه طريقا يجمع ~~بينهما، فيكون هو الكاتب الذي جمع التجديد إلى الأصالة، كما هي ~~الحال مع طه حسين، وغيره من أعلام الأدب العربي الحديث. # 7 # بدأ العالم العربي الحديث صلاته بحضارة عصره، حين جاءته هذه ~~الحضارة غازية غالبة متسلطة؛ فما هي إلا أن زالت عنه الدهشة، ~~حتى أخذ يحاول الخلاص؛ لذلك كانت فكرة «الحرية» نقطة تماس بين ~~المقهور والقاهر، وكما هي الحال في سائر الميادين، أخذنا المبادئ ~~النظرية من الغرب الظافر، لنحاربه بها، وإلا فلو اعتمدنا على ~~محصولنا الموروث وحده في المطالبة بالحرية والاحتجاج لها؛ لما ~~وجدنا ما يحقق الغاية. # بدأنا بفكرة الحرية السياسية، كما نرى عند مصطفى كامل، وأحمد ~~لطفي السيد، وعبد الرحمن الكواكبي، وغيرهم، لكن سرعان ما تفرع ~~معنى الحرية وتعددت أوجهه؛ من حرية المرأة عند قاسم أمين، إلى ~~حرية الأديب والشاعر في اختيار مادته وأسلوبه، وفي هذا كان لكل ~~فترة روادها، فالعقاد وزميلاه، عبد الرحمن شكري وإبراهيم ~~المازني، في الربع الأول من القرن، وجماعة الرومانسيين، التي ~~أطلقت على نفسها جماعة أبولو في ثلاثينيات القرن، ثم دعوة إلى ~~أن يكون ms020 الأدب هادفا نحو عدالة اجتماعية بين الناس؛ وذلك بعد ~~الحرب العالمية الثانية، وما استهل عقد الخمسينيات حتى ~~توالت الثورات الشعبية، بادئة بثورة مصر سنة 1952م، ثم في ~~العراق، وسوريا، والجزائر، واليمن، والسودان، وليبيا، من أقطار ~~الوطن العربي، تعمل كلها على توسيع معنى الحرية، ليجاوز الحرية ~~السياسية ويشمل الحرية الاجتماعية كذلك. # ولسنا نذكر هذه اللمحة الخاطفة عن موضوع «الحرية» وإلى أي ~~مدى بعيد شغل، وما زال يشغل، الثقافة العربية بكل أبعادها، ~~أقول إننا لا نذكر هذه اللمحة الخاطفة من موضوع «الحرية» ~~لتؤدي ما يؤديه تاريخ سياسي يكتب عن الوطن العربي في عصره ~~الحديث، بل نذكرها لنسأل على ضوئها: كيف كانت مواجهة الثقافة ~~العربية للعصر في هذا الميدان؟ # فضلا عن مواجهة الصراع السياسي الذي أنتج لنا مقالات سياسية ~~ممتازة على أيدي كبار كتابنا، مما لا أظن القارئ بحاجة إلى ~~مزيد من معرفة به، أود أن أسوق ضربا آخر من المواجهة في ~~ميدان «الحرية» قد لا يرد ورودا سريعا على الخواطر، وهو مواجهة ~~«الشمولية» في السياسة وفي الصناعة، بموقف يصون للأفراد حياتهم، ~~حتى لا تنجرف في التيار، نعم، إن هذه المقاومة ملحوظة أيضا ~~في ثقافة الغرب العصرية نفسها، بما قد نشأ هناك من فلسفة وجودية، ~~تعطي للفرد حق الحياة المستقلة المسئولة بقرارات يتخذها في ~~المواقف التي تصادفه، وتتطلب منه القرار على طريق دون طريق، ~~وهي وجودية تبدأ بالفلسفة لتنتشر إلى كل ضروب الثقافة من أدب ~~وفن؛ حرصا منها على ألا يتجانس الأفراد بفعل المحاكاة ~~وحدها، كأنما هم آلات صبت في قالب واحد، فلو تركنا عوامل ~~العصر - سياسية كانت أم صناعية - تفعل فيها بغير تدخل منا، ~~لأنتجت الإنسان ذا البعد الواحد - على رأي هربرت ماركيز في كتابه ~~المعروف بهذا العنوان - وهذا البعد الواحد هو ما يتجانس به الفرد ~~مع سائر الأفراد، لكن فطرة الإنسان تدعوه في إلحاح إلى أن ~~يتميز من سواه، وإذن فلا بد من إضافة عمق التمييز إلى سطح ~~التجانس؛ ليجيء الإنسان بسطحه وبعمقه متكامل التكوين، يحقق ~~الهدفين: التفرد بما يميزه، والتجانس ms021 مع غيره بما لا ~~يميزه. # ولقد سارعت الثقافة العربية المعاصرة إلى التقاط خيوط المذهب ~~الوجودي، حتى قبل أن يصاب الناس في الوطن العربي بكل ما من شأنه ~~أن يصيبهم لو اكتملت لهم حياة العصر من علم تقني وصناعة، ولا ~~غرابة أن نجد أطرافا متناثرة من المذهب الوجودي على أقلام ~~كتابنا وشعرائنا، حتى لقد أصبح هذا المذهب جزءا مألوفا من ~~ثقافة العامة، فضلا عن الخاصة من المثقفين، لكننا لو وقفنا عند ~~هذا الحد - وعند هذا الحد يقف أكثرنا - نكون قد محونا أصالتنا؛ ~~إذ لا يكون ثمة فرق بين عربي وفرنسي وإيطالي في وجهة النظر، ما ~~داموا جميعا يشتركون في صورة واحدة من مقاومة العصر في نزوعه نحو ~~طمس الفردية من الأفراد. # والذي حدث هو أن رجالا من الفئة الممتازة التي تصنع لنا ~~الثقافة العربية الحديثة، لكي تجمع بين الجديد والأصيل، لجأت إلى ~~الإطار الثقافي العتيد، واستعانت به في توكيد الفردية للأفراد، ~~فوجدته في ذلك - والحق يقال - خير معين؛ لأنه إطار قائم ~~أساسا على موضوعية القيم، وأعني أن طريق الإنسان في حياته - من ~~حيث معايير الصواب والخطأ - مرسوم له بمجموعة من المقاييس، أعطت ~~له إلهاما ووحيا، وهذه المقاييس الموحى بها لتهدي عالم ~~الحوادث، مشحونة بما يذكر الإنسان الفرد أنه فرد مسئول ~~عما يأخذ وعما يدع، باختياره الحر، وانظر إلى رجال الأدب ~~والفكر جميعا، واحدا واحدا، فلا تكاد تجد منهم أحدا لم يلجأ ~~إلى تصوير البطولات العربية التقليدية، تصويرا يراد به تجسيد ~~القيم الأصيلة في تراثنا، وهي قيم لا تدع مجالا لريبة مرتاب، ~~في أن حرية الفرد حق له وواجب عليه في آن معا؛ فهو من ناحية ~~حياته الخاصة مسئول عن اختياره يوم الحساب، وهو من ناحية حياته ~~الاجتماعية مسئول عن تقويم المعوج حيثما رآه: العقاد ب ~~«عبقرياته» الكثيرة، وطه حسين بمن أرخ لهم من الخلفاء الراشدين، ~~وكذلك هيكل والحكيم، وسائر أفراد الزمرة الكريمة من حملة ~~الأقلام، التي لم يكفها القديم وحده، ولم تندفع إلى الجديد ~~وحده، بل صبت هذا في إطار من ms022 ذاك، فكان لنا من المركب ~~ثقافة عربية حديثة. # ومرة ثانية؛ نلفت الأنظار إلى أن الثقافة العربية بموقفها ~~هذا، هي بمنزلة من رفض العصر في ركن ركين من بنائه؛ ففي المرة ~~الأولى أشرنا إلى ما تقتضيه علمية العصر من اكتفاء بظواهر ~~الطبيعة وقوانينها، فرفضت ثقافتنا مثل هذا الاكتفاء، وأضافت ~~باطنا إلى الظاهر، وغيبا إلى الشهادة، وها هي ذي مرة أخرى؛ ~~تجد العصر - وهو عصر النسبية بلا جدال - قد استدبر كل فكرة تأخذ ~~بمطلق من المطلقات الكثيرة التي كانت تأخذ بها العصور الماضية، ~~ومنها القيم - أخلاقية كانت أو جمالية أو كائنة ما كانت - فإذا ~~كان المكان والزمان نسبيين، تختلف عنهما الحقائق باختلاف ~~موقع الرائي، فما بالك بتقديرات الإنسان عن الجيد والرديء والجميل ~~والقبيح؟ إنها مسائل مرهونة كلها بما ينفع، بل ذهب أصحاب ~~التحليلات الفلسفية في عصرنا، وهم الذين عنوا بنقد الكلام لتمييز ~~ما يكون منه ذا معنى وما لا يكون، إلى أن العبارات الدالة على ~~قيمة من القيم، هي عبارات بغير «معنى»، وذلك حين يقصد ب ~~«المعنى» مقابل خارجي تشير إليه الجملة المعنية .. هذا هو ~~العصر في وقفته إزاء «القيم»، فتجيء ثقافتنا العربية المعاصرة ~~(وقد غضضنا النظر عمن ينحاز منا نحو الثقافة العصرية كما هي ~~قائمة في مصادرها، بغير تعديل) وترفض هذه الوقفة التي تحيل كل ~~«قيمة» إلى وجهة نظر ذاتية، لا يؤيدها ولا يدحضها أن تجيء عند ~~الآخرين وجهات نظر توافقها أو تعارضها؛ فالقيم - بناء على ~~إطارنا الثقافي الأصيل - هي كسائر الحقائق الروحية، أمور ليست من ~~صنعنا، إنما هي هناك، نشخص إليها ببصائرنا كما نشخص ~~بأبصارنا إلى الشمس والقمر، وعلينا أن نهتدي بهديها، كما يهتدي ~~الملاح بالنجم القطبي الثابت، وعلى المنحرف عن هديها تقع ~~التبعة يوم يكون الحساب. # كذلك تقف ثقافتنا العربية الحديثة موقف الرفض الصريح من معظم ما ~~يذهب إليه العصر بالنسبة إلى حقيقة الإنسان؛ فأغلب الرأي الذي ~~نراه منعكسا في العلوم وفي كثير من التيارات الفلسفية التي ~~تساير العلوم (إذ هنالك تيارات فلسفية رافضة، موقفها شبيه ~~بموقفنا) هو أن ms023 الإنسان ظاهرة من ظواهر الطبيعة، نبحثه بالمنهج ~~نفسه الذي نبحث به سائر الظواهر؛ لأنه إذا اختلف عنها فهو ~~اختلاف في درجة التركيب والتعقيد، لا في النوع، وإذا كانت فكرة ~~«التطور» في عصرنا هي الفكرة ذات السيادة في كل التفسيرات ~~العلمية والفلسفية على السواء - على اختلافهم في تحديد الخصائص ~~الرئيسية للتطور - فإن النتيجة التي تلزم عن مبدأ التطور هذا، ~~هي أن نفسر الأعلى بالأدنى، بمعنى أننا إذا أردنا إدراكا ~~صحيحا لكائن من الكائنات، أو لموقف من المواقف، أو مرحلة من ~~المراحل، فعلينا أن نحللها إلى المكونات البسيطة التي دخلت ~~في تركيبها، وليس الإنسان بالشاذ في هذا التعميم، فإذا أردنا ~~دراسة الإنسان دراسة علمية دقيقة تغض النظر عن «قيمته» وتحصر ~~البحث في «حقيقته» الواقعة؛ كان حتما علينا أن نرده إلى أصوله ~~التي نشأ عنها، وبالطبع قد كانت هذه الأصول، في مرحلة من التطور، ~~أسبق من الفروع التي نشأت عنها، فقد نرده إلى طبائع حيوانية، ~~بل قد نرده آخر الأمر إلى مجموعة من تفاعلات كيماوية إذا ~~استطعنا. # وتأسيسا على هذه النظرة العصرية، وجدنا مدارس علم النفس في ~~دراستها للإنسان قد تختلف في الأصول التي ترد إليها سلوكه، لكنها ~~تتفق في أن هذا هو منهج النظر؛ فهذه مدرسة فرويد مثلا ترد ~~السلوك الإنساني إلى أصول دفينة من اللاشعور؛ أي إنها تفسر ~~الطبقة العليا من كيان الإنسان بالطبقة الدنيا، وبهذا ينحل ~~«العقل» إلى جذور ضاربة في غرائز الحيوان، وهذه هي مدرسة أخرى، ~~أقرب إلى روح العلم الحديث من فرويد، وأعني بها مدرسة ~~«السلوكيين»، الذين يحللون السلوك تحليلا يرده إلى أفعال ~~منعكسة، ومرة أخرى نلاحظ أن الطبقة السلوكية العليا تفسر ~~بالطبقة السلوكية الفطرية الدنيا. # هذا هو العصر .. ولكننا بحكم إطارنا الثقافي الأصيل، نشعر ~~بالقلق الشديد، إذا نحن أنزلنا الإنسان هذه المنزلة التي تسلكه مع ~~الطبيعة في عقد واحد، وإذا نحن هبطنا «بالعقل» إلى درجة تجعله ~~وظيفة عضوية كسائر الوظائف التي تؤديها أعضاء البدن؛ لأن هذه ~~النظرة من شأنها أن تؤدي بنا إلى إنكار ما بعد الموت، ms024 ومن ~~ثم استمسكت ثقافتنا العربية بنظرتها التقليدية الأصيلة، التي ~~تفرق بين بدن وروح، لتكون هذه التفرقة مدخلا إلى تفرقة أعم، ~~ولعلها أهم، بين دنيا ودين، بين حياة أولى وحياة آخرة. # هما اتجاهان متضادان، تراهما في مختلف الثقافات ومختلف العصور؛ ~~فإما أن يميل أصحاب النظر الفلسفي أو العلمي إلى «تعقيل» ~~الطبيعة، وإما أن يميلوا إلى «تطبيع» العقل، الأولون ~~«روحانيون»، والآخرون «ماديون»، والفكرة السائدة في عصرنا هذا هي ~~أميل إلى تطبيع العقل؛ أي إلى جعل العقل ممكن التحليل، بحيث ~~يرتد إلى ظواهر طبيعية صرف .. وهو ما ترفضه الثقافة العربية ~~الحديثة من عصرها. # ونسأل بعد الذي قدمناه: ما موقف الثقافة العربية الحديثة في ~~مواجهة العصر؟ فنجيب: هو موقف الرافض للمبادئ والجذور، ولا بأس ~~عليه بعد ذلك أن يقبل بعض النتائج مبتورة عن مبادئها، ويقبل بعض ~~الثمار مستغنيا عن جذورها التي أنبتتها. # فقد وجدنا العصر متميزا بالعلم التقني، وهو علم يقتضي وراء ~~ذلك أن نحصر النظر فيما يخضع للتجربة من ظواهر الطبيعة، لا نمد ~~البصر إلى ما كان قبل ذلك، ولا إلى ما سوف يكون بعد ذلك؛ فلا ~~الأسباب الأولى تهمنا في مجال العلم، ولا الغايات تعنينا، ~~فقبلنا من العصر نتائجه العلمية النظرية، وأجهزته وآلاته، ~~ورفضنا أن نحصر النظر في دنيا الظواهر الطبيعية كما ~~يحصرها. # ووجدنا العصر متميزا بالنظرة النسبية التي ترفض المطلقات حتى ~~في الحال العلمي الدقيق نفسه، بله أن يرفضها فيما هو نسبي ~~بطبيعته كالقيم، فقبلنا النسبية في الفيزياء وما إليها، لكننا ~~تشبثنا بالقيم المطلقة الموضوعية، التي نزعم أنها حقائق ~~أزلية لا سبيل إلى الاختلاف عليها بين إنسان وإنسان. # ووجدنا العصر أميل إلى أن يجعل الإنسان ظاهرة كغيرها من ظواهر ~~الطبيعة، يخضع للبحث العلمي بالطريقة نفسها التي تخضع بها ~~الفيزياء أو علوم الحياة، فرفضنا أن ننظر إلى الإنسان تلك ~~النظرة التي تسوي بينه وبين سائر الكائنات. # | موقف العرب من المذاهب الفلسفية ~~المعاصرة # من أفدح الكوارث التي يشقى بها المشتغلون «بالفلسفة» أنها - في ~~العصر الواحد - لا تستقر لنفسها على معنى واحد، حتى لقد ms025 ينظر ~~الرائي فإذا هو أمام ضروب من النشاط العقلي اختلف بعضها عن بعض، ومع ~~ذلك فكلها «فلسفة» على حد سواء، ثم جاء عصر الناس هذا، فزادت ~~الكارثة فداحة؛ لأن ضروب ذلك النشاط العقلي قد ازدادت تشعبا، ~~وأوشكنا أن نبلغ حدا يستحيل معه الإجماع على رأي واحد، فيما عسى ~~أن يكون مجال البحث، عندما نسمي هذا البحث «فلسفة» والباحث ~~«فيلسوفا»؛ وذلك لأن موضع الاختلاف فيما مضى كان ينحصر - عادة - في ~~موضوع البحث الفلسفي ماذا يكون؟ وأما اليوم فقد اتسعت هوة ~~الخلاف، بحيث تناول منهج البحث أيضا: كيف يكون؟ # كان العصر الواحد - فيما مضى - يكاد يتفق على هدف واحد، يضعه ~~المفكرون أمامهم ليشخصوا إليه جميعا بأبصارهم، ثم يكون التباين بعد ~~ذلك في الوسيلة التي يراها كل منهم محققة لذلك الهدف، بعبارة ~~أخرى، ربما كانت أوضح: كان لكل عصر مسألته الرئيسية يطرحها أمام ~~الناظرين، فيكون الاختلاف بعد ذلك في «الحلول» المقترحة لتلك ~~«المسألة» المتفق عليها من الجميع. # انظر معي نظرة عجلى إلى مراحل التاريخ الفلسفي: # فعصر «ما قبل سقراط» اتفق على مسألة واحدة؛ هي جوهر الوجود الذي ~~يكمن وراء المتغيرات، أليس البادي أمام حواسنا هو أن ~~الموجودات يتحول بعضها إلى بعض، فما هو اليوم تراب، قد يتحول ~~غدا ليصبح شجرة وثمرة، فما هو ذلك الجوهر الثابت الأصيل الذي يلبس ~~اليوم لبوسا فإذا هو تراب، ويلبس غدا لبوسا آخر فإذا هو شجرة أو ~~ثمرة؟! كان ذلك هو السؤال، اتفق عليه الجميع، ثم اختلفت إجاباتهم ~~عنه. # وذهب ذلك العصر اليوناني الأول، وتلاه عصر، كان سقراط فاتحته، ~~فاختفى سؤال وظهر سؤال، اتفق عليه العصر كله، ثم اختلفت عنه ~~الإجابات، وكان السؤال هذه المرة هو هذا: ما حقيقة الإنسان؟ وعلى أي ~~أساس ينبغي أن يقيم سلوكه فردا ومجتمعا؟ وهكذا دار البحث حول ~~«الإنسان» في أخلاقه وسياسته، وخيره وشره، وسعادته وشقائه، وفنائه ~~وخلوده، لكن الرأي اختلف عندما عرض رجال الفكر الفلسفي حلولهم ~~للسؤال المطروح. # وذهب عصر قديم، وجاء عصر وسيط - في الغرب المسيحي، وفي الشرق ~~الإسلامي على السواء ms026 - فاتفق الفلاسفة هنا وهناك على الهدف، واختلفوا ~~على الوسيلة؛ إذ اتفقوا جميعا على أن يكون هدفهم تحليلا لمفهومات ~~الدين بحيث يقام البرهان على أنه لا تناقض - عموما - بين دين ~~جاء وحيا، وبين فلسفة أنتجها فلاسفة اليونان عقلا، غير أن ~~وحدانية الهدف لم تمنع أن يكون لكل مفكر فكرته التي يعرضها ~~للحل. # ثم دخلت أوروبا - وحدها هذه المرة - تاريخها الحديث بنهضة ~~أخرجتها من عصورها الوسطى، فكان السؤال الرئيس المطروح طوال قرون ~~ثلاثة، امتدت من عصر النهضة الأوروبية - في القرن السادس عشر - إلى ~~عصرنا هذا الأخير، الذي بذرت بذرته في القرن الماضي، هو: كيف ~~يعرف الإنسان ما يعرفه عن الطبيعة الخارجية، أو عن نفسه الباطنية، أو ~~عن الله؟ ولذلك رأينا معظم الجهد منصرفا إلى تحليل «العقل» لنرى كيف ~~يعمل، فنفهم بذلك كيف حصل ما حصله من معرفة، لكن الاتفاق على ~~السؤال لم يكن معناه أن يتفق المجيبون على جواب. # ثم جاء عصرنا هذا، فلم يكن كسوابقه متفقا - بشكل واضح ظاهر - على ~~المسألة المطروحة، مختلفا على حلولها، بل تعددت فيه المسائل ~~الرئيسية نفسها، فانقسم المفكرون حينها، كل فريق منهم يؤثر لنفسه ~~إحداها دون الباقيات، ولم يكن في ذلك من بأس؛ لأنه قد يعد علامة ~~غنى لا علامة فقر، وجئنا نحن - أعني رجال الفكر الفلسفي في الأمة ~~العربية - وأردنا أن ننقل عن الغرب في هذا الميدان ما استطعنا نقله، ~~فلم نقصر أمر التفرق على اختلاف في زاوية النظر، بل جاوزنا ~~ذلك، فتحول الميدان على أيدينا ميدانا للصراع الفكري، يتبادل فيه ~~الأطراف ألوان السباب، فضاع الحق في غمرة النقع المثار، فإذا ~~تذكرنا ما لا بد أن يبقى مذكورا دائما، وهو أنه لا المسائل ~~المثارة مسائلنا نحن أثرناها منبعثة عن أزمات في ضمائرنا ~~عانيناها، ولا الحلول المعروضة حلولنا نحن، كددنا الذهن حتى ~~انتهينا إليها، وإنما المائدة بكل ما عليها، أعدها طهاة غيرنا، ~~ولم يكن منا إلا أن استوينا على المائدة الممدودة لنأكل، كل من ~~الطبق الذي يشتهيه. عرفنا كيف أن صراعنا الفكري كان أجدر به ~~سوانا؛ ms027 لأن الأمر كله بالنسبة إلينا كالشعر المستعار ، وضعناه ~~فوق رءوسنا وضعا، دون أن ينبت من جلودنا، ويتغذى بدمائنا، ها هنا ~~يكون التفرق تمزقا هو إلى أن يكون علامة فقر أقرب منه إلى أن يكون ~~علامة غنى. # ومع ذلك؛ فقد كان في وسع الفكر العربي أن يقف أمام اختلافات ~~الفلسفة المعاصرة، ليلتمس لنفسه مدخلا فيها، يكون ذا صلة بحياتنا، ~~وفي هذا المقال محاولة في هذا السبيل، لكننا نريد أولا أن نرسم ~~للقارئ حقيقة الموقف الفلسفي في عصرنا بخطوط عريضة؛ لعله يشارك في ~~قبول المحاولة أو رفضها. # إن من الأفكار القديمة ما قد فقد قيمته في الموضوع الذي قيل فيه ~~أساسا، لكنه ربما صلح وسيلة للتوضيح في موضوعات أخرى؛ من ذلك ~~فكرة مشهورة لأرسطو عن «العلل الأربع»، التي ظن أنها السبيل إلى ~~تعليل أي شيء نريد تعليله، فافرض مثلا أننا نعلل لتمثال مقام ~~في ميدان من مدينة؛ فأولا: نسأل عن الفنان الذي نحته «وهذا هو ما ~~أسماه أرسطو بالعلة الفاعلة»، وثانيا: نسأل عن الغاية التي من ~~أجلها صنع الفنان هذا التمثال، فإذا عرفناها، كانت هي ما أسماه ~~أرسطو بالعلة «الغائية»، وثالثا: نسأل عن المادة التي صيغ منها ~~التمثال، فتكون هي العلة «المادية»، ورابعا: نسأل عن أسلوب صياغته، ~~فيشار لنا إلى مقومات هذا الأسلوب، فيكون ذلك هو «العلة ~~الصورية». بهذه الأسئلة الأربعة، وإجاباتها الأربع، يتم لك تغطية ~~المجال من جميع جوانبه، فيتم لك فهم ما أردت أن تفهمه. # هي فكرة أرسطية قديمة؛ إذ ~~لبثت هذه «العلل الأربع» على مر الزمن تتآكل وتتساقط واحدة بعد ~~أخرى، كلما وجد المشتغلون ب «العلم» أنهم لم يعودوا بحاجة إليها ~~في تفسيراتهم العلمية للظواهر المختلفة، حتى زالت كلها الآن، ولم ~~تعد فكرة «السببية» نفسها ذات شأن في ميدان العلم؛ إذ حلت ~~محلها فكرة أخرى، هي فكرة «القانون العلمي»، الذي يصاغ في دالة ~~رياضية لا تميز بين سبب ومسبب، بل تحدد المتغيرات الداخلة في ~~موضوع البحث، وطرائق تجاوبها أو تفاعلها بعضها مع بعض ... فكرة ~~أرسطية قديمة إذن هي فكرة ms028 «العلل الأربع»، لكنني سأستعين بها على ~~توضيح الموقف الفلسفي في عصرنا، وإني لأراها تعين. # عصرنا يعج بنتائج العلم، ويضطرب ويموج بتغيرات الأنظمة ~~الاجتماعية جميعا، ومهمة «الفلسفة» أن تفهمه، فماذا صنع الفلاسفة ~~في هذه السبيل؟ أريد أن أصورهم للقارئ وكأنما هم جماعة وقفت ~~أمام الخضم الهائل الذي هو عصرنا بكل ما فيه، وأخذت تسأل الأسئلة ~~الأرسطية الأربعة، لكنها سألت تلك الأسئلة من سائلين متفرقين؛ ~~أعني أن الشخص الواحد لم يسأل الأسئلة الأربعة كلها، بل اكتفى ~~لنفسه بسؤال واحد، وترك البقية للآخرين، فاكتفى كل منهم بدوره ~~بسؤال واحد، فكان أن سأل فريق: ما الذي أدى إلى الموقف الراهن ~~كله؟ (كأنه يسأل عن العلة الفاعلة)، وكان أشهر الإجابات في ذلك جواب ~~المادية الجدلية، وسأل فريق آخر سؤالا آخر: ما الهدف من هذا أو ~~ذلك مما نقول ونسمع؟ (سؤال عن الغاية)، وكان أشهر الإجابات جواب ~~الفلسفة البرجماتية، وسأل فريق ثالث سؤالا ثالثا: مم صنع هذا ~~العلم كله، وهذه المذاهب الفكرية كلها؟ بمعنى: على أي نحو ~~نسجت اللحمة بالسداة ليتكون هذا القماش الفكري الممدود ~~أمامنا؟ (سؤال عن الكيان ومادته)، وكان أشهر الإجابات في ذلك جواب ~~الفلسفة التحليلية، ويلحق به جواب الوضعية المنطقية، وسأل فريق ~~رابع سؤالا رابعا: أليس من حقنا أن نفترض بأن وراء هذا الفكر ~~كله، البادي فيما يقال ويكتب، «وعيا» ذا خصائص معينة، لا بد ~~من النظر إليه قبل أن ننظر إلى ما نبع منه (سؤال عن العلة الصورية)، ~~وكان أشهر الإجابات هنا إجابة مذهب الظاهراتية (الفينومينولوجيا)، ~~ويلحق به الفلسفة الوجودية. # ذلك مخطط تقريبي لجوانب الموقف، أفلم يكن الإنصاف يقتضي أن ننظر ~~إلى هذه الوقفات الأربع باعتبارها مكملة إحداها لبقيتها، ما دامت ~~كل منها تقنع بجانب واحد وتترك الجوانب الثلاثة الأخرى لسواها؟ ~~نعم، ولكن يحلو دائما لمن لا يرى الموقف في مجمله أن يقول: إن ~~هناك «صراعا» مذهبيا بين اتجاهات أربعة تغطي الميدان الفلسفي ~~المعاصر، وحقيقة الأمر عندنا هي ألا صراع، بل تكامل، والفهم الكامل ~~يتطلب الإجابات الأربع جميعا. # لكني أرسل حديثي وكأنما ms029 القارئ على علم كاف بهذه الاتجاهات ~~الرئيسية الأربعة: المادية الجدلية، البرجماتية، الفلسفة التحليلية، ~~والظاهراتية! وأحسبني مطالبا بشيء ولو يسير من الشرح؛ ليتاح ~~لنا جميعا بعد ذلك أن نشترك في التفكير: ما موقف الفكر العربي من ~~هذا كله؟ # أما المادية الجدلية، فهي «مادية» بمعنى أن مرد الكائنات ~~جميعا إلى مادة، على أن «المادة» هنا لا تعني خصائص سكونية ثابتة ~~لا يصيبها تغير؛ إذ إن مادة الطبيعة دائبة التطور والتغير وفق ~~قوانين «الجدل» (الديالكتيك)، والمقصود ب «الجدلية» هو أقرب شيء إلى ~~ما يحدث بين متحاورين يتعارضان؛ أحدهما يقول الرأي، والآخر يقول نقيض ~~ذلك الرأي، حتى إذا ما تصادم النقيضان تولد عنهما رأي ثالث، هو ~~الصحيح، أو قل إن «الجدلية» هي عملية شبيهة بما يحدث إذا أنت ~~«جدلت» أو ضفرت خيطين، ليتكون منهما - آخر الأمر - ناتج ~~يحتويهما معا، فهكذا الحال في الطبيعة وفي المجتمع، يتصادم في أثناء ~~سيره النقيضان فيتولد وضع جديد، وبذلك يتحقق التطور. # وإنهم ليصوغون قوانين السير الجدلي هذا في ثلاثة: أولها: أن ~~يعد التناقض مقوما أصيلا في الطبيعة؛ لأنه كان يستحيل التغير ~~إلى جديد ما لم يكن في صلب القديم ما ينقضه، وثانيها: أن هذا النقض ~~الذي ينسخ الحالة الأولى لينقلها إلى حالة جديدة، لا بد بدوره أن ~~يجد هو الآخر ما ينقضه؛ ليدوم السير على طريق التطور، وثالثا: ~~أنه كلما تراكمت التغيرات من جنس واحد، وصلت حدا انقلب معه ~~ذلك الكم المتراكم إلى كيف جديد؛ أي إلى حالة من جنس آخر، وهكذا ~~يسير العالم: من وضع معين قائم، إلى نقيضه، ثم إلى وضع ثالث يؤلف ~~بين النقيضين، وما إن يصبح هذا الوضع الجديد هو الأمر الواقع حتى ~~ينسخه نقيضه، فإلى وضع يجمع النقيضين، وهلم جرا. # وتطبيقا لهذا السير ~~المثلث الخطوات، على تاريخ الإنسان ونظمه الاجتماعية، تنشأ ما ~~يسمونها ب «المادية التاريخية»، ومؤداها أنه لما كان ~~البناء الاقتصادي للمجتمع هو أهم جوانبه، ثم لما كان هذا البناء ~~الاقتصادي قائما على ما ينشط به الناس نشاطا عمليا، نتج عن ذلك ~~أن ms030 جوهر الإنسان ليس هو أنه كائن يعقل الفكرة النظرية (الحيوان ~~الناطق، كما كان يقال عنه)، بل هو الكائن الذي «يعمل» العمل المنتج ~~في زراعة أو تجارة أو صناعة، أو في ما شئت من ضروب النشاط في دنيا ~~الاقتصاد، وبهذا المعيار يتحد الفكر بالعمل اتحادا يجعلهما حقيقة ~~واحدة ذات وجهين؛ ومن ثم جاءت عبارة ماركس الشهيرة «لقد حاول ~~الفلاسفة تفسير العالم بطرق شتى، مع أن المهم هو أن يغيروه.» ~~ورجائي أن يحتفظ القارئ بهذه النتيجة التي جعلت لنا الفكر وعمليات ~~التغيير شيئا واحدا؛ لأننا سوف نرى هذه النتيجة نفسها، أو ما يقرب ~~منها في المذاهب الفلسفية الأخرى؛ مما يكاد يجعلها هي روح عصرنا ~~وصميمه، وقد يوحي لنا بالموقف الذي نريده للفكر العربي. # يعتقد أنصار المادية الجدلية أن فلسفتهم هي الفلسفة العلمية؛ ~~لأنها هي التي تتناول واقع العالم تناولا علميا سليما، ~~ولعلهم في استخدامهم لكلمة «العلمية» إنما يقصدون «المادية»؛ ~~فالمعرفة العلمية كلها مرهونة بما هو مادي، وبما هو واقع في ~~التجربة الحسية، فإذا كانت هنالك كائنات عضوية، رددناها جميعا ~~إلى أصل لا عضوي، وإذا لحظنا في أنفسنا حالات وعمليات وجدانية أو ~~عقلية، أرجعناها كلها إلى أساس فسيولوجي، فمهما تكن النظرية ~~العلمية، ومهما يكن موضوعها؛ فما لم تكن قابلة للرد إلى ما هو واقع ~~في التجربة الحسية، تجردت من علميتها وأصبحت لغوا. ومرة أخرى ~~نرجو القارئ أن يحتفظ بهذه النتيجة التي تحتم أن تنبني النظرية ~~العلمية على تجربة وتطبيق؛ لأنها نتيجة سنصادفها هي الأخرى في ~~مذاهب فلسفية غير المادية الجدلية، مما قد يشير إلى أنها علامة ~~تميز المعرفة العلمية اليوم، ومما قد يوحي بما نجعله أساسا ~~ضروريا في الموقف الذي نختاره للفكر العربي. # إذا حق لنا القول عن ~~«المادية الجدلية» (ومعها المادية التاريخية) بأنها فلسفة للتاريخ، ~~بمعنى أنها تصوب النظر إلى الماضي لترى كيف سار حتى انتهى به ~~السير إلى الحالة الحاضرة الراهنة، حق لنا كذلك أن نقول عن الفلسفة ~~«البرجماتية» إنها فلسفة المستقبل، بمعنى أنها تقيس الأمر الراهن ~~إلى ما يترتب عليه ms031 من نتائج عملية تستطيع الحكم عليه بقبول أو ~~برفض، إن المعنى الحقيقي للفكرة - أي فكرة - هو مجموع التصرفات ~~العملية التي تؤديها بناء عليها، فإذا كان لديك ما تزعم له أنه ~~«فكرة»، ثم بحثت فلم تجد عملا واحدا تؤديه بناء عليها، فاعلم ~~أنها ليست من الفكر في شيء؛ لقد كان «تشارلس بيرس # Charles peirce ~~» إمام البرجماتية ~~في العصر الحديث، (وتبعه على التوالي ثلاثة آخرون: وليم جيمس، وشلر، ~~وجوني ديوي، فكانت أربعتهم عمد المذهب البرجماتي)، وفي العبارة ~~الآتية التي قالها «بيرس» ما يبرز أهم خصائص هذا المذهب: «إذا كانت ~~لديك فكرة، وأردت تحديدا لمضمونها، فانظر: ماذا عسى أن يكون لها من ~~نتائج تطبيقية في دنيا العمل، ثم اجمع هذه النتائج العملية معا؛ ~~يكن لك قوام فكرتك»، وبعبارة أخرى، إن قولك: «إني أعرف كذا» ~~مساو لقولك: «إني أستطيع أن أعمل كذا»، وما ليس في وسعك أن «تعمل» ~~به شيئا، لا يكون لك به «علم»؛ لأن علما بلا عمل يؤديه، كلام ينقض ~~نفسه بنفسه. # ويتصل بالبرجماتية اتصالا وثيقا مذهب يقال له «مذهب الإجرائية» ~~في فهم المعاني أو الأفكار؛ فالفكرة معناها هو مجموعة الإجراءات ~~التي نجريها في تحقيقها، وهو قول - كما ترى - مطابق لما تقوله ~~البرجماتية، لولا أن «الإجرائية» لا تقصر الأمر على الإجراءات ~~المادية التي تتم في سلوك منظور، بل توسعه حتى تشمل به ~~الإجراءات التي تتم في العقل، كما يحدث في تناولنا لمسألة رياضية ~~أو ما يشبهها. # ولنعد بالقارئ إلى نتيجتين أوردناهما فيما سبق، ورجوناه أن ~~يحتفظ بهما في ذاكرته، وهما: أن الفكر وعمليات التغيير وجهان لشيء ~~واحد، وأن التجربة على الواقع المحسوس هي أساس التفكير العلمي، ~~فنرى أن البرجماتية برغم اختلافها عن المادية الجدلية في «اتجاه» ~~النظر؛ فإنهما يشتركان في رفض «التأملات» العقيم، التي لا تلد ~~للناس «عملا» يؤدونه، ولا تنسل لهم «تغييرا» يبدلون به وجه ~~الحياة إذا فسد. # ننتقل الآن إلى جماعة ثالثة من أبناء عصرنا؛ هي جماعة «التحليل ~~الفلسفي» و«التحليل المنطقي» (وبينهما اختلاف في المعنى، نغض عنه ~~النظر)، فلئن كانت ms032 المادية الجدلية تنظر إلى «سير التاريخ» وكيف ~~انتهى إلى ما نحن فيه، وكانت البرجماتية تنظر إلى ما يراد عمله ~~وإجراؤه فيما هو آت من زمان؛ فإن أصحاب التحليل يقفون حيث هم ~~ليروا أولا ماذا تحت أقدامهم! لنضرب مثلا موضحا، حتى لا نشطح ~~بالقارئ في سماء التجريد، افرض أن فكرة عرضت لنا، تقول: «حضارة ~~هذا العصر مادية»، فماذا نحن صانعون بقول كهذا؟ أم هل يراد به أن ~~يمضي مع نسمات الهواء حيث تمضي ونحن قاعدون له نستمع؟ كلا، إن ~~الفكرة الجادة يراد بها أن تكون منطلقا لوثبة نثبها في هذا ~~الاتجاه أو ذاك، وها هي ذي فكرة جادة كثيرا ما تعرض لنا على ~~أقلام الكاتبين، فماذا نحن صانعون بها؟ فلو كنت من أصحاب المادية ~~الجدلية في النظر، لثنيت عنقي إلى الوراء أنظر إلى خطوات التاريخ ~~كيف كانت، بحيث أنتجت لنا اليوم هذه «الحضارة المادية»، ولو كنت من ~~أتباع البرجماتية لأرسلت بصري إلى أمام، أبحث عن النتائج الفعلية ~~التي تترتب على هذه الفكرة، فإن وجدتها كانت هي نفسها «معنى» ~~الفكرة، وإن لم أجدها كانت الفكرة يعوزها المعنى. وها نحن أولاء ~~مع جماعة ثالثة، هي جماعة «التحليل»، فهؤلاء يؤثرون القيام بعملية ~~«تشريح» لهذا الجسم اللفظي أولا؛ لنرى ماذا يمكن أن يكون لهذه ~~العبارة من معنى، لا على أساس النتائج الفعلية المترتبة عليها، كما ~~قال البرجماتيون، بل على أساس منطق اللغة نفسه؛ إذ كثيرا جدا ما ~~نرص ألفاظا بعضها إلى جوار بعض، حتى يكتمل لنا بناء تقبله ~~قواعد النحو، لكن منطق العقل يرفضه، ولكي يرفضه منطق العقل أو ~~يقبله، لا بد بادئ ذي بدء من تحليله، حتى نتبين عناصر بنائه، ~~وما بين تلك العناصر من روابط، وعندئذ يتبدى اللغو الفارغ من ~~الكلام ذي المعنى. # لكن الأمر في هذا التحليل ليس ألعوبة لاعب يلهو، فما تكاد تهم ~~به حتى تتوالى عليك أعوص المسائل، وأهمها أن ترد العبارة التي ~~بين يديك إلى صورة يمكن أن يكون بينها وبين «الواقع» شبه في ~~التركيب إذا كانت صادقة، وأن ms033 يمتنع هذا الشبه إذا كانت كاذبة، فإذا ~~تذكرنا أن حقائق الواقع هي دائما «أفراد» جزئية ليس فيها تعميم ~~ولا تجريد، بمعنى أنك لن تجد على أرض الواقع أو في سمائه، إلا ~~مفردات معينة محدودة، فهنالك هذه الشجرة، وهذا الرجل، وذلك ~~الطائر، وتلك السحابة، وهكذا، أقول إننا إذا تذكرنا ذلك، عرفنا ~~أن تحويل الجملة المراد الحكم عليها بالمعنى أو بالخلو منه، يجب ~~أن يتجه نحو أن نستخرج منها قائمة طويلة من جمل لا تتحدث ~~الواحدة منها إلا عن «فرد» واحد، وعندئذ فقط يمكن المقابلة بين ~~العبارة اللفظية من جهة، ودنيا الواقع التجريبي من جهة أخرى، ~~ولنعد إلى الجملة التي سقناها مثلا موضحا، وهي: «حضارة هذا ~~العصر مادية»، وأبدأ بكلمة «حضارة»، فما هي مجموعة المفردات التي ~~تتكون منها حضارة هذا العصر؟ إذا قلت مثلا: هي نتاج العلم، ونتاج ~~الفن، و... و...، كان علينا أن نعود إلى كل واحد من هؤلاء، فما نتاج ~~العلم بالشيء الواحد الذي تمسكه دفعة واحدة بيديك، وما نتاج الفن ~~بالشيء الواحد الذي تنظر إليه نظرة واحدة في لمحة بعينيك، بل نتاج ~~العلم هو ألوف القضايا، ونتاج الفن كذلك ألوف التماثيل واللوحات ~~والمعزوفات الموسيقية، وبعد هذا التحليل، نعود فنضع كل فرد واحد من ~~تلك الألوف، وألوف الألوف، في جملة واحدة، لنقول عنه إنه «مادي»، ~~وقد نتبين ساعتئذ أن معظم الجمل في هذه الحالة سيكون بغير ~~معنى؛ إذ ما معنى أن نقول عن قانون علمي معين إنه مادي؟ وما ~~معنى أن أقول عن لوحة فنية أو قطعة موسيقية إنها مادية؟ وقد نمضي ~~على هذا النحو من التحليل حتى نستيقن من أن العبارة التي تلوكها ~~الأفواه في استخفاف، وأعني عبارة «حضارة هذا العصر مادية»، إنما ~~هي صف من ألفاظ ينتهي بنا إلى لا شيء، أو قد ينتهي بنا إلى معنى، ~~لكنه معنى ينتج لنا بعد عناء التحليل الذي يبين لنا ما نحن ~~قائلوه. # ومدرسة التحليل هذه لا تجعل «العبارات» التي نقولها مجرد صور نعكس ~~بها «أفكارا» في رءوسنا، بل يجعلونها هي ms034 هي الأفكار، وبذلك نقلوا ~~التقابل، الذي كان الفلاسفة يجرونه بين «الفكر» و«الواقع»، دون ~~تحديد لطبيعة الفكر، نقلوا هذا التقابل فجعلوه بين «العبارة ~~اللغوية» و«الواقع»، وبذلك لم يتركوا مجالا لكائنات شبحية تعرقل ~~سيرنا نحو الوضوح. # وإني لأرجو القارئ هنا أيضا أن يحتفظ بهذه النتيجة، وهي أن ~~الجملة «والجملة = فكرة» لا يكون لها معنى إلا إذا وجدناها - بعد ~~تحليلها إلى عناصرها - على تقابل مع واقعة من وقائع العالم ~~التجريبي، وما لم نجده كذلك من الجمل «أي من الأفكار» كان لغوا بغير ~~معنى، والقارئ إذا احتفظ بهذه النتيجة، ثم ضمها إلى ما كان احتفظ به ~~من «المادية الجدلية» ومن «البرجماتية»، وجد نفسه أمام وجهة نظر ~~مشتركة بين هذه الفلسفات المتباينة، وهي ضرورة أن تكون العلاقة وثيقة ~~بين الفكر والعمل. # أما «الظاهراتية» أو «علم الظواهر العقلية» أو «الفينومينولوجيا» ~~فموقف رابع من الفلسفة المعاصرة، يريد أصحابه تحليل الوعي الإنساني ~~في إدراكه للأشياء؛ لعلنا نقع على حقيقته وحقيقة تلك الأشياء في ~~آن معا، نعم، كانت هذه في مقدمة المحاولات التي بذلها الفلاسفة قبل ~~«هوسرل # Husserl ~~»، لكن هؤلاء ~~الفلاسفة كانوا يفترضون دائما فروضا مسبقة، على ضوئها يفهمون عملية ~~الإدراك من وجهة نظرهم، فإذا كانوا من التجريبيين قالوا إن نقطة ~~البدء في الإدراك هي «المعطيات» الأولية، فارضين من عندهم أن تلك ~~المعطيات الأولية لا تكون إلا بانطباعات تقع من الأشياء على ~~حواسنا، وإن كانوا مثاليين أو عقلانيين، قالوا إن الأساس ~~الأولي هو وجود أطر صورية عقلية في فطرة الإنسان - يسمونها ~~«مقولات» - فتكون هذه الأطر بمثابة الشباك، تتصيد من الدنيا التي ~~حولنا مضمونات من هنا وهناك، حتى إذا ما امتلأ إطار معين بمضمون ~~معين، كان لنا بذلك شيء من المعرفة العقلية بالعالم المحيط بنا، فكان ~~الجديد الذي دعا إليه «هوسرل» هو أن نواجه الأشياء بلا فروض مسبقة، ~~فتكون حقيقة الشيء الذي ندركه هي بالضبط كما ندركه، حتى إذا ما سألنا ~~سائل: أهي حقيقة حسية أو حقيقة عقلية؟ أجبناه بأننا نرفض هذه ~~التفرقة من أساسها؛ فهذه الزهرة التي أراها وأعي ms035 صورتها، لونا ~~وشكلا ورائحة، وكل شيء، هي كما أراها وأعيها، ولا تحليل لها عندي ~~وراء ذلك، فلا أنا بالذي يزعم أنها جاءتني معطيات حسية مبعثرة ~~أول الأمر ثم قام ذهني بجمع المبعثرات في زهرة، ولا أنا بالذي يفترض ~~أن عقلي كانت به أطر صورية مركوزة في فطرته هي التي جذبت إليها ~~مدركات الزهرة وصبتها في قوالبها حتى تكاملت في تصوري زهرة، ~~وإنما الذي أقوله هو أنني أدركت الزهرة كما أدركتها، وإذن فهذه هي ~~حقيقتها. # على أن الذي يهمنا نحن من هذه «الظاهراتية» (وهي التي عنها ~~تفرعت بعض فروع الفلسفة الوجودية الحاضرة)، هو أن الوعي الذي نعي ~~به الأشياء ليس بمنزلة كيان مستقل قائم بذاته مثل الذراع أو ~~اللسان، وإنما الوعي عبارة عن «انتباه» أو «التفات»، ومن ذا الذي ~~يتصور «الانتباه» كيانا له استقلاله وحدوده؟ إنه «اتجاه» أو ~~إشارة، إنه كشعاع الضوء، يسقط هنا أو هناك، فيظهر بسقوطه شيء ما، ~~وأهم ما يميز الوعي هو ما أسماه هوسرل ب «القصدية»؛ أي إنه ~~دائما يقصد باتجاهه المعين إلى مسقط ما يسقط عليه فندركه، وعلى ~~هذا الأساس (وأرجو من القارئ حصر انتباهه هنا؛ لأهميته في موضوعنا) ~~يكون من التناقض أن ندعي بأننا نعي فكرة ما، دون أن يكون لهذه ~~الفكرة ما تشير إليه في دنيا الواقع، إن عملية الإدراك لا تتم إلا ~~بهاتين الشعبتين معا: لفتة من الوعي، وشيء معين تقصد إليه تلك ~~اللفتة، أما أن يقال عن اللفتة أنها لا تلتفت إلى شيء، فذلك ينفي ~~عنها طبيعتها، أو أن يقال إننا أدركنا ما أدركناه بلا التفات ~~إليه، فهو تناقض ممتنع الحدوث، لقد كان مما أخذه هوسرل على ديكارت ~~قول ديكارت: «أنا أفكر ...» كأنه جزيرة وحده معزولة عن العالم وعن ~~الآخرين، على حين أنه محال أن تحدث عملية تفكير إلا إذا تعلقت ~~بقصد معين يكون هو الشعبة الثانية التي يتم بها الموقف الإدراكي، ~~فالأمر هنا كالمقص، لا يكون مقصا بإحدى شعبتيه دون ~~زميلتها. # وبهذا الجانب من «الظاهراتية» نلتقي مع المذاهب الفلسفية الثلاثة ~~التي ms036 أسلفناها، في أنها جميعا تربط الفكر بالأشياء ، وألا تنتفي ~~عن الفكر طبيعته. # لقد قيل عن الفلسفة المعاصرة إنها تتميز - عموما - بأنها ~~جعلت مدارها الرئيسي هو البحث عن «المعنى»، وبعض ما يقصد إليه بهذا ~~الوصف، هو أنها أصبحت تشترط لكل فكرة تطوف بذهن، ولكل عبارة ينطق ~~بها لسان، مشارا إليه، تشير إليه الفكرة أو العبارة، فيكون هذا ~~المشار إليه هو مدلول الفكرة، أو معنى العبارة، فإذا لم نجد للفكرة ~~المعينة، أو للعبارة المعينة، مشارا إليه في دنيا الواقع - سواء ~~كان ذلك وجودا بالفعل أو وجودا بالإمكان - لم نتردد في أن نقول عن ~~الفكرة المزعومة إنها تشبه الأفكار وليست منها، وعن العبارة إنها ~~لغو بغير معنى، ذلك هو موقف الفلسفة المعاصرة بأجمعها، كائنا ما ~~كان مذهبها، مادية جدلية، أو برجماتية، أو تحليلية، أو ظاهراتية ~~ووجودية، فماذا يكون موقف الفكر العربي من ذلك كله؟ # إننا لو قصدنا ب «الفكر العربي» أشخاص الرجال الذين حملوه، تدريسا ~~في الجامعات، أو تحريرا في الكتب والمجلات؛ وجدنا أمرا عجبا؛ ~~لأننا واجدون هؤلاء الرجال قد اقتسموا فيما بينهم تلك المذاهب ~~الفلسفية الأربعة، كل أخذ منها بما يتفق مع تكوينه العقلي، فما من ~~مذهب منها إلا وقد كان له الأتباع المؤيدون العارضون الشارحون، ثم ~~أضيفت إلى هؤلاء جميعا فئة خامسة، انتشر أفرادها على مدارج ~~المثقفين، من أعلاها تخصصا إلى أدناها علما، وهي فئة جمعت ~~قوما لا يكادون يعرفون عن عصرهم شيئا، واكتفوا بزاد كثير أو ~~قليل، يقطفونه من كتب الأقدمين، وقد اقتضى دفاع هؤلاء عن أنفسهم - ~~أحيانا عن قصد ووعي، وأحيانا أخرى عن غير قصد ولا وعي - أن ~~يوجهوا سهام النقد - والشتم في كثير من الحالات - إلى ما ليس يعرفون ~~عنه شيئا، أعني أنهم يوجهونها إلى العصر وفكره وأهله، فلنتركهم ~~في كهوفهم يظلمون. # ولننظر إلى المؤيدين لمذاهب عصرهم هذا، على اختلافهم بعد ذلك في ~~أي من تلك المذاهب يؤيدون، وها هنا سنجد الأمر العجب الذي أشرت ~~إليه، وهو أنه بينما المذاهب المعاصرة جميعا تتفق آخر الأمر في ~~وجوب ارتباط ms037 الأفكار بالأشياء والأفعال، فإن واحدا منها فقط هو الذي ~~يجعل هذا الارتباط الضروري موضوعه الخاص، وذلك هو مذهب التحليل ~~المنطقي، على حين يظل ذلك الارتباط مضمرا إلى حد بعيد أو قريب ~~في سائر المذاهب، ومع ذلك، فلما شاءت المصادفة النافعة أن يتصدى ~~لمذهب التحليل المنطقي من أولاه اهتمامه وعنايته، فعرضه محاضرا ~~وكاتبا، تألب عليه الآخرون تألبهم على عدو ظهر في الميدان، ~~يخشون أن تنقلب عصاه حية تبتلع سائر الحيات، لماذا؟ لأن ~~المفكر العربي - شأنه شأن الإنسان العربي على إطلاق - يخاف أن ~~تجعلها له صريحة، بأن الفكرة أو العبارة إما تحولت إلى عمل، ~~وإما كانت وهما ولغوا، إنه يخاف ذلك لأننا قوم نأكل لفظا، ~~ونشرب لفظا، ونتسلى في أوقات فراغنا بلفظ، وقد يعمل منا ~~العاملون، لكن أعمالهم - مع ذلك - تكون في عالم لا يؤثر ولا يتأثر ~~بعالم اللافظين. # وهذا هو أول الإصلاح الفكري في حياتنا: أن ندمج العالمين في واحد، ~~فيكون عالم «الكلام» هو جانب «التخطيط» لعالم العمل والتطبيق، إنه لم ~~يكن مصادفة أن أصبح «التخطيط» علامة من أبرز العلامات المميزة ~~لعصرنا؛ لأن التخطيط تحليله هو أن «الفكر» خطة لعمل نؤديه أو هو ~~لا يكون فكرا، فعملية التخطيط التي شاعت إنما هي انعكاس لفلسفة ~~العصر كلها، أو إن شئت فقل إن فلسفة العصر قد استقت ماءها من ~~ميول العصر واتجاهاته. # فالمدخل الذي أقترح أن يكون بابنا الذي ندخل منه إلى ساحة الفلسفة ~~المعاصرة، هو الوصول إلى هذه الحقيقة الكبرى بشتى السبل، حقيقة أن ~~الفكر لا يستحق أن يكون فكرا بمعناه الصحيح، إلا إذا رسم الطريق ~~المؤدي إلى التغيير، وهي حقيقة التقت عندها كل مذاهب العصر كما ~~أسلفت، فلا ضير على المتفلسف منا أن يختار أيا ما شاء من تلك ~~المذاهب، ليدرسه لنا بكل تفصيلاته، ولن يكون في اختلافنا فيما يختاره ~~كل لنفسه «صراع» بقدر ما ينتج عنه التأييد والتركيز لما نحن في ~~أشد الحاجة إلى تأييده وتوكيده، وهو - وأقولها مرة ثانية وثالثة ~~وعاشرة بلا ملل - أن «الفكر» ليس له في عصرنا ms038 معنى إلا أن يكون ~~أداة لتغيير ما نود تغييره مما يحيط بنا: من مواقف في السياسة ~~إلى شئون في الاقتصاد، أو في التعليم، أو في نقد الفنون، أو فيما ~~شئت أن تغيره. # لم تكن الدنيا على هذا الاهتمام كله بالجانب التطبيقي العملي من ~~الفكرة في أي عصر مضى؛ لأن فكرتنا عن «العلم» نفسها قد تغيرت ~~مع العصور: كان «العلم» عند اليونان الأقدمين هو أن تصنف الكائنات ~~أنواعا وأجناسا، ثم ترتب تصوراتك الذهنية عن تلك الأنواع والأجناس ~~ترتيبا يصعد بها من الأخص إلى الأعم على صورة هرمية، وتستطيع أن ~~تلم بالعالم كله - على هذا النحو - دون أن يكون في يدك جهاز ~~واحد، ودون أن تحرك من كائنات العالم جناحا لبعوضة، وجاء العصر ~~الوسيط، فكان «العلم» هو ما مهد الطريق إلى السعادة في الآخرة، وإذا ~~شئت فاقرأ - مثلا - كتاب الغزالي «إحياء علوم الدين»، لترى كيف يكون ~~العلم في تصوره رسما لكل خطوة يخطوها من أراد نعيم الآخرة، أو ~~اقرأ له «ميزان العمل»، وكانوا جميعا على هذا المنوال نفسه في ~~تصورهم «للعلم»، ثم جاءت النهضة الأوروبية وما بعدها، فنشأ العلم ~~الطبيعي نشأة متكاملة بعد أن اجتاز مراحل التمهيد قبل ذلك، لكنه ~~كان أيضا علما نظريا إلى حد كبير، فقد ينشر نيوتن - مثلا - ~~نظريته عن الجاذبية، فيعلمها دراسو العلم، لكن شيئا من أوضاع ~~الحياة العملية لا يتغير، وأما في مرحلتنا التاريخية هذه فقد ~~تغير الموقف من أساسه، وأصبح العلم ممزوجا بالأجهزة التي تعين ~~على إنتاجه، مزجا جعل النظر والعمل وجهين لكل خطوة نخطوها في ~~مجاله، ثم لا تكاد النتيجة العلمية الجديدة تظهر حتى تنبني عليها ~~أدوات للحياة العملية نراها في كل ركن من أركان الدنيا ماثلة .. هذا ~~هو «العلم» الذي فلسفناه في المذاهب الفكرية التي اختلفت منهجا، ~~واتفقت في نتيجة عظمى، هي أن الفكرة أداة للعمل، وهي النتيجة ~~التي تلزمنا - أعني الأمة العربية - أكثر مما تلزم سوانا، للإسهال ~~اللفظي الذي أصيبت به ثقافتنا، دون أن يحد اللفظ إنجاز في دنيا ~~العمل. # وقد يسألني سائل ms039 ممن يحبون القول ويكرهون العمل: أتريدنا على أن ~~نقيد كل لفظ نلفظه بعمل يتبعه؟ وأجيب مسرعا بالنفي؛ فلك مجالات ~~كثيرة تستطيع فيها أن تمرح بلفظ غير مسئول، أما حيث تقف أمامنا ~~مشكلات الحياة تتحدى مطالبة بالحلول، فها هنا لن يزحزح اللفظ ~~جبالها مهما زخرفته ببيان وبديع، وضبطت له الوزن والقافية، ها هنا ~~لا بد أن يرسم خطة للعمل الذي نؤديه حيال المشكلة القائمة. ذلك ~~هو الدرس الذي نتعلمه من مذاهب الفلسفة المعاصرة جميعا، وذلك ~~وحده هو جواز المرور، الذي لا يمكنك الدخول في أجواء هذا العصر إلا ~~به. # وهل في هذا الذي يتطلبه منا العصر شيء جديد كل الجدة على ~~ما ورثناه عن تراثنا الفكري من مبادئ؟ إن القرآن الكريم كلما ~~وجه الخطاب إلى «الذين آمنوا» أضاف إلى ذلك قوله: «وعملوا ~~الصالحات»، كأن الإيمان لا يكون إيمانا كاملا إلا إذا اقترن ~~بالعمل الصالح، وصلاحية العمل إنما تكون بالنسبة إلى الهدف المنشود، ~~وإلى نوع الموقف الذي نواجهه، كالمفتاح لا يكون «صالحا» للباب إلا ~~إذا نفع في فتحه وإقفاله، والسيارة لا تكون صالحة إلا إذا دارت ~~آلتها على النحو المطلوب للسير، وكذلك السياسي لا يكون صالحا إلا ~~إذا رسم لقومه خطة للعمل الناجح، والاقتصادي لا يكون صالحا إلا ~~إذا عرف الطريق الذي ينقذنا من التخلف ... وهكذا، كل هؤلاء عاملون ~~للصالحات، التي وإن بدأت بدنيا الناس؛ فهي الطريق إلى مرضاة الله، ~~فليست تعوزنا المبادئ النظرية في ثقافتنا الموروثة، ولكن ماذا ~~تجدي المبادئ إذا لم تنسكب في سلوك الناس «عادات» يحيون على ~~أساسها؟ بمثل هذه العادات، ننشأ عليها في ربط القول بصلاحيته في دنيا ~~العمل، ننخرط في تيار عصرنا، وفي الوقت نفسه نلتزم ميراثا كريما ~~ورثناه. # | التوفيق بين ثقافتين # 1 # لست أتردد لحظة حين أقرر بأن أم المشكلات في حياتنا ~~الثقافية الراهنة هي محاولة الكشف عن صيغة لحياتنا الفكرية ~~والعملية، تجمع لنا في طيها طرفين؛ إذ تحافظ لنا على ~~خصائصنا العربية الأصيلة، وفي الوقت نفسه تفتح لنا الأبواب على ~~مصاريعها، لنستقبل - في رحابة صدر ms040 - أسس الحضارة العصرية كما ~~يحياها اليوم روادها. # ولن نجني من الحق شيئا، إذا نحن اكتفينا في هذا المجال ~~بكلمات نحرك بها شفاهنا، دون أن تكون صادرة منا عن اقتناع ~~وإيمان؛ إذ ما أيسر على المتكلم أن يدعي لنفسه الصفتين معا: ~~صفة العروبة الأصيلة، وصفة التحضر بحضارة العصر، فإذا ما ~~تناولنا حياته الفعلية بالتحليل الموضوعي الدقيق، ألفيناه ~~واحدا من ثلاثة: فإما هو قد خلا من الأسس الأصيلة في الثقافة ~~العربية، مكتفيا في حياته بعناصر متنافرة جمعها لنفسه من هنا ~~وهناك من ظواهر الثقافة العربية، أو هو قد ملأ نفسه بثقافة عربية ~~صرف، حتى انسدت دونه أبواب العصر، فلا يدري من أمر هذا ~~العصر شيئا، أو هو قد أخرج وفاضه خاليا من الثقافتين جميعا؛ ~~فلا هو إلى أولئك ولا إلى هؤلاء. تلك صور ثلاث أراها تستنفد ~~الكثرة الكاثرة من أبناء الأمة العربية، وأما الصورة الرابعة ~~التي هي صورة العربي وقد جمع في كيانه وحدة عضوية متسقة ~~متماسكة، قوامها أصول رئيسية من التراث العربي، وأصول رئيسية ~~أخرى من مقومات عصرنا الحاضر، فلن تجدها متمثلة إلا في نفر قليل، ~~تكاد تشير إلى أفراده في أرجاء الوطن العربي؛ لأنهم بهذا الجمع ~~الحقيقي بين الثقافتين في حياة واحدة، قد برزوا عن غمار الناس ~~بروزا لا يخطئه البصر. # 2 # إن الموقف الحضاري للأمة العربية اليوم، يتركز في سؤالين، ~~لو أحسنا الإجابة عنهما، تبدت لنا حقيقة ذلك الموقف جلية ~~لا يشوبها غموض؛ السؤال الأول هو: ما هي أهم العناصر التي ~~نعنيها حين نتحدث عن «الشخصية العربية الأصيلة»؟ وأما السؤال ~~الثاني فهو: ما هي أهم العناصر التي تتألف منها بنية الثقافة ~~العصرية؟ فبعد الإجابة عن هذين السؤالين، تكون أمامنا صورتان، وقد ~~يسهل علينا بعد ذلك أن نلتمس السبيل إلى خلق المركب الواحد، ~~الذي يضم ما يمكن ضمه من أجزاء الصورتين، دون أن تضيع من ~~أيهما صفة جوهرية فينتفي بذلك وجودها. # ولنبدأ بسؤالنا الأول: من نحن على الأصالة؟ ما هي مقوماتنا ~~التي إذا تحققت في فرد أو في مجموع قلنا ms041 عنه إنه عربي ~~أصيل من الناحية الثقافية؟ لست أطمع في أن تجيء الإجابة شاملة ~~لكل هذه المقومات، بحيث لا يفلت منا شيء منها، وحسبنا أن ~~نقع على طائفة من المقومات الأساسية فنهتدي فيما نحن ~~بسبيله. # وأول ما يرد إلى خاطري من الخصائص المميزة للوقفة العربية، ~~العقيدة الراسخة بمستويين من الوجود، بحيث يستحيل علينا ~~استحالة قاطعة، أن نخلط بينهما في التصور؛ فهنالك الذات ~~الإلهية الخالقة، ثم هنالك عالم الكائنات المخلوقة لتلك الذات، ~~وبين هذه الكائنات المخلوقة، كائن أراد له خالقه أن يتميز ليحمل ~~إلى الدنيا أمانة اؤتمن على حملها ونشرها، وذلك هو الإنسان. في ~~هذا الإطار العام، تتحدد وجهة النظر العربية الأصيلة، وعن هذا ~~الأصل الأول تتفرع فروع: # منها أن الإنسان كائن خلقي، بمعنى أنه مكلف بأن يحقق ~~في سلوكه قيما أخلاقية محددة معينة، أمليت عليه ولم تكن ~~من اختياره، فليس من حقه أن ينسخ بعضها، أو أن يضيف إليها ما ~~يناقضها، ولما كان هذا التكليف الأخلاقي لا يكتمل معناه إلا ~~إذا كان الفرد الإنساني مسئولا عما يفعل، فإن هذه المسئولية ~~الأخلاقية بالنسبة لكل فرد على حدة، تصبح أمرا لا مفر منه، ~~فلا يجوز أن يحملها فرد عن فرد آخر، قد تجد في الثقافات الأخرى ~~أنماطا أخرى، بل إن في عصرنا هذا نمطين آخرين لا يلتئمان مع ~~الوقفة العربية التي ذكرناها؛ أحدهما يقول إن القوانين ~~الأخلاقية كغيرها من القوانين، هي وليدة الحياة الواقعة، فما قد ~~ثبت على التاريخ أنه نافع جعلناه قانونا خلقيا ننظم به ~~سلوكنا، وما قد تبين على التاريخ أنه ضار، حذفناه من قائمة ~~الأفعال المقبولة، ولما كان النفع والضرر يتغيران بتغير ~~الظروف، وجب علينا أن ننظر إلى مبادئ الأخلاق على أنها نسبية ~~لا مطلقة، بحيث نكون على استعداد لأن نغير منها ما لا بد من ~~تغييره؛ لئلا يقف عقبة في سبيل التقدم مع ما يقتضيه الزمن ~~وحضارته. # ذلك أحد النمطين الآخرين، وأما النمط الآخر فيقول أصحابه ~~إن المسألة هنا ليست مرهونة بتقدم أو تأخر في طريق الحضارة، ~~ولكنها ms042 مسألة الإنسان وحريته المطلقة في أن يتخذ لنفسه ما شاء ~~من قرار؛ بشرط أن يكون مسئولا عن قراره ذاك، فليس هنالك أحد ~~فوقه أو إلى جانبه يملي عليه ما يجب وما يجوز، بل هو البادئ ~~بقراره بدءا غير مسبوق بمبدأ صاغه سواه. # وواضح أن الوقفة العربية الأصيلة مختلفة عن كلا النمطين من ~~حيث المبدأ والأساس، حتى وإن اتفقت معهما في النتيجة؛ فهي ~~مختلفة عن النمط الأول الذي يجعل المعول في السلوك الإنساني ~~الصحيح على التجارب، على حين أن الوقفة العربية تفترض أسبقية ~~المبدأ الخلقي على التجارب، فالصواب صواب، والخطأ خطأ، بغض ~~النظر عن النجاح أو الفشل في تجارب الحياة العملية، وليست حدود ~~الصواب والخطأ من صنع الإنسان، ولكنها حدود شاءها الله ~~للإنسان. # والوقفة العربية مختلفة عن النمط الثاني كذلك، الذي يجعل القرار ~~الإنساني غير مسبوق بمعيار؛ وذلك لأن وجهة النظر العربية - ~~كما ذكرنا - تفترض أسبقية المعيار الذي يقاس به القرار في صوابه ~~أو خطئه، وسؤالنا - في حدود هذه النقطة الأولى - هو: هل يمكن ~~التوفيق بين أن يكون الإنسان عربيا يحمل هذه الوجهة من النظر، ~~وأن يكون في الوقت نفسه معاصرا يتطور مع الزمن وتغيراته ~~السريعة؟ لست أدعي ها هنا بأن مشكلة التوفيق - في هذا الجانب ~~- بين الأصالة والمعاصرة هنة هينة، ولكنها على كل حال مشكلة ~~تستحق منا النظر الطويل والعميق؛ لأننا لو أمسكنا بالقيم ~~الثابتة الموضوعة لنا، تعرضنا لخطر الجمود، ولو سبحنا أحرارا مع ~~تيار التغير، تعرضنا لزوال الشخصية وانحلالها، وغاية ما ~~أستطيع قوله في هذا الصدد، هو أن قيمنا الأخلاقية الموروثة ~~فيها من السعة ما يمكننا من التصرف في إطارها بدرجة من ~~الحرية تكفي للحركة مع سرعة الإيقاع في عصرنا، وليكن الأمر في ~~هذا شبيها بالأمر في تكوين ألفاظ اللغة من حروف الأبجدية؛ ~~فالحروف محددة معلومة العدد، ومع ذلك ففي مستطاعنا أن نبني بها ~~ألفاظا تعد بملايين الملايين إذا أردنا، فلماذا لا نقول إن ~~مبادئنا الخلقية الموروثة هي أسس يمكن أن نبني عليها ما لا ~~حصر له من ضروب ms043 العمل؟ إن هذه القيم الموروثة ماثلة في أسماء ~~الله الحسنى؛ لأن هذه الأسماء - كما يقول الإمام الغزالي - هي ~~صفات تكون مطلقة بالنسبة لله تعالى، وهي نفسها تكون نسبية ~~محدودة بالنسبة للإنسان، فاقرأ هذه الأسماء تعلم ماذا يطلب منك ~~أن تكون؛ يطلب منك - مثلا‏ - أن تكون عليما، بصيرا، سميعا، ~~قادرا، صبورا، إلى آخر هذه الصفات العليا، فما الذي يمنع من ~~مسايرة العصر بهذه الصفات؟ ما الذي يمنع أن أكون عليما وبصيرا ~~وسميعا بحقائق عصري وما تتطلبه الحياة فيه؟ وأن أكون قادرا ~~وحكيما وجسورا وقويا وخبيرا، وكلها صفات من تلك الصفات ~~المطلوبة مني بحكم عقيدتي؟ كل الذي يطلب مني في هذا المجال، هو ~~أن أفهم من كل صفة جوانبها التي تكون أقرب إلى العصر، فأكون ~~عليما بعلم العصر، وقادرا بقدرة العصر، وقويا بقوته، وحكيما ~~بحكمته، وهلم جرا. # 3 # ومن مميزات الثقافة العربية كذلك، تلك الرغبة الشديدة عند ~~الإنسان في أن يتسامى على دنيا الحوادث المتغيرة؛ لياذا بما هو ~~ثابت ودائم، إن كل ما في الأرض والسماء فان وزائل، متغير ~~أبدا، متحول أبدا، ففيم التمسك به وهو عاجز عن التماسك ~~بذاته، أليس ثمة مرفأ بمأمن من أعاصير الفناء والصيرورة ~~والتغير الدائب من حال إلى حال، لنحتمي بمثل هذا المرفأ ~~فنسلم؟ نعم، هنالك مثل هذا المرفأ الآمن، فنستطيع أن نلتمسه، حتى ~~ونحن لم نزل أحياء في هذه الحياة الدنيا، ألا وهو الذات الباطنية ~~التي بها تكون هويتنا، هو «الأنا» التي تظل قائمة صامدة ~~مهما حدث التحول لما حولها، ثم هنالك مثل هذا المرفأ الآمن ~~بمعنى آخر، وهو مرفأ الحياة الآخرة التي هي غاية منشودة خلال ~~كل نشاط ننشط به في هذه الحياة الدنيا. # هذا هو العربي في نظرته، ينشد الخلود عن طريق الظواهر ~~الزائلة، يريد أن يقهر الزمن وأن يقهر الموت، أما الزمن المتقلب ~~بأحداثه، فهو يقهره بالخروج منه إلى ما ليس زمنيا بطبيعته، ~~فيلجأ إلى ذاته التي هي كائن لا زمني، كما يأمل في حياة آخرة لا ~~تخضع هي الأخرى لعوامل الزمن، ولو ms044 كانت الحقيقة كل الحقيقة هي ~~هذه المتغيرات المتبدلات الفانيات الزائلات ، التي نراها في ~~الأشياء المحيطة بنا، لكان الكون - من وجهة نظر العربي - عبثا ~~في عبث. # وليست هذه النظرة هي ما يأخذ به عصرنا الحاضر؛ فتكاد المذاهب ~~الفلسفية المعاصرة كلها تجمع على تحليل كل شيء إلى ظواهره ~~المتغيرة، دون أن تزعم وجودا لأي كائن ثابت وراء تلك ~~الظواهر، فهذه المنضدة أمامنا ليست إلا مجموعة ظواهرها البادية ~~لحواسنا من بصر ولمس، وكذلك قل في كل شيء، بما في ذلك الإنسان ~~نفسه، فالكائن البشري بدوره ليس إلا مجموعة ظواهر يراها فيه ~~الآخرون أو يحسها هو في باطنه، دون أن يكون وراء هذه الظواهر ~~المتدفقة «ذات» ثابتة تدوم على الزمن، بل قل هذا نفسه في ~~الوجود كله جملة واحدة، فما هذا الكون إلا خضم من ظواهر، ما ~~تنفك متصلة بعضها ببعض أو منفصلة، دون أن يكون وراءها ~~شيء. # مثل هذه النظرة إلى العالم إنما تجيء ملحقة بالنظرة ~~العلمية الصارمة التي هي من خصائص عصرنا، فسؤالنا هذه المرة هو ~~هذا: كيف ألتزم النظرة العلمية الصارمة لأساير عصري، وأن أظل ~~مع ذلك تواقا إلى غيب وراء الشهادة، يتحقق لي فيه الخلود ~~والدوام؛ لأظل محتفظا بهذه السمة العربية في نظرتي؟ ومرة ~~أخرى أقول: إنني لا أدعي أن مشكلة التوفيق هنا هي من ~~الهنات الهينات، بل هي كزميلتها السابقة مشكلة تتطلب منا ~~التفكير الطويل والعميق، وإني لأرجح أن يكون الحل في أن نعيش ~~في عالمين يتكاملان ولا يتعارضان؛ بشرط ألا نسمح لأحدهما أن ~~يتدخل في مجال الآخر، في أحدهما نعيش حياتنا العلمية بكل ما ~~تقتضيه، ولكننا بدل أن نقول: إن هذه الحياة العلمية حسبنا في ~~دنيانا، يجب أن نقول: إن إلى جانب هذه الحياة العلمية حياة ~~أخرى فيها الأماني، وفيها المثل العليا، وفيها المرفأ والملاذ، ~~فإذا كنت في الساعات العلمية من حياتي أحصر النظر في الظواهر ~~وحدها، لأستخرج قوانينها برغم تغير تلك الظواهر، ففي الساعات ~~الوجدانية من حياتي أخلع عن نفسي عباءة العلم، وأسلم نفسي ~~للتمني والرجاء، وبغير ms045 هذا الفصل الحاد بين العالمين، يستحيل ~~علينا التوفيق بين علمية العصر وصوفية الأصل الموروث. # ولقد أحس الغرب نفسه بمثل هذه المشكلة، فالتمس مخرجا ~~منها، بأن أقام حدا فاصلا بين العلم من جهة، والفن من جهة ~~أخرى، فإذا كان محتوما على الإنسان في حياته العلمية أن يتقيد ~~بالواقع كما هو واقع، وبالظواهر كما هي ظاهرة لحواسه، فله في ~~الفن متسع يجول فيه ويصول؛ لأنه في الفن يستطيع ألا ~~يتقيد بواقع، وأن يخلق لنفسه طبيعة أخرى غير الطبيعة التي ~~تصدمه بظواهرها، ومن هنا نشأت مدارس الفن الحديث، التي تتفق ~~كلها على نقطة مشتركة، هي أن الفنان لا يطلب منه أن ~~يصور الواقع، ومن حقه أن يبدع لنفسه ما شاء له خياله أن ~~يبدع، فهذا التحرر من قيود الواقع الموضوعي، يعوضه عما في ~~حياته العلمية من قيود لا تحقق له ما يشبع الأماني ~~والآمال. # فقل عن ثقافة أوروبا وأمريكا اليوم إنها ثقافة يسودها ~~معقول العلم؛ تكن على صواب، أو قل عنها إن الذي يسودها هو لا ~~معقول الأدب والفن؛ تكن أيضا على صواب؛ لأن المعقول واللامعقول ~~يتجاوران ليعوض أحدهما نقص الآخر، وإذا كان هذا هكذا، فما ~~الذي نتحرج له إذا نحن اخترنا أن نجاور بين معقول العلم ~~والإيمان بالغيب في حياة واحدة؟ إننا إذا فعلنا ذلك، عاصرنا ~~زماننا بالشق الأول، ووصلنا وشيجة القربى بيننا وبين تراثنا ~~بالشق الثاني. # 4 # على أن العربي الأصيل في رغبته أن يجاوز الواقع المتغير ~~إلى ما وراء الواقع في أبديته وخلوده، يظل مرتبطا بالمكان ~~الأرضي ارتباطا عجيبا، فهو مع المكان المحيط به في حوار لا ~~ينقطع، هنالك حركة جدلية موصولة، طرفاها الإنسان العربي ومكانه، ~~إلا أنها جدلية لا تنتهي بدمج الطرفين في مركب واحد، بل هي ~~جدلية تحتفظ للذات الإنسانية بالسيطرة على موضوعها، الطبيعة ~~كلها عند العربي مسرح للفعل والحركة، هي عنده حلبة للقتال ~~والنزال، هي ميدان لفروسيته وبطولته، كانت الصحراء حول العربي ~~مصدر روع له وروعة في آن معا؛ فهو يرتاع لجهامتها ~~ومجهولاتها، ولكنه في الوقت نفسه ms046 يكاد يخشع لهيبتها خشوع ~~العابدين، ومن ثم كانت الصحراء له مسرح قتال ومغامرة، كما كانت ~~له مصدر حب وشعر وغناء، إنه يتفحص كل ما حوله من مكان - ~~أرضا وسماء - بجميع حواسه، يتفحصه بالبصر والسمع واللمس ~~والشم والذوق، لا يترك منه شيئا، من جرذان الأرض إلى أنجم ~~السماء، لكنه يتفحص هذا كله ليستخدمه ويسيطر عليه، لم يكن ~~العربي مستندا في علمه بالطبيعة من حوله، إلى كتب تركها له ~~أسبقون، بل استند إلى كتاب الطبيعة نفسه؛ ينظر في صفحاته، ويقرأ ~~ثم يعي، ولم يكن علم العربي بالطبيعة للمتعة وإزجاء الفراغ، بل ~~كان مسألة حياة وبقاء؛ يقول أبو حيان التوحيدي في كتابه ~~«الإمتاع والمؤانسة»: «إن العرب ليس لها أول تؤمه، ولا ~~كتاب يدلها، أهل بلد قفر، ووحشة من الأنس، احتاج كل واحد ~~منهم في وحدته إلى فكره ونظره وعقله، وعلموا أن معاشهم من نبات ~~الأرض، فوسموا كل شيء بسمته، ونسبوه إلى جنسه، وعرفوا ~~مصلحة ذلك في رطبه ويابسه، وأوقاته وأزمنته، وما يصلح منه في ~~الشاة والبعير، ثم نظروا إلى الزمان واختلافه، فجعلوه ربيعيا ~~وصيفيا، وقيظيا وشتويا، ثم علموا أن شربهم من السماء، ~~فوضعوا لذلك الأنواء، وعرفوا تغير الزمان، فجعلوا له منازله ~~من السنة، واحتاجوا إلى الانتشار في الأرض، فجعلوا نجوم السماء ~~أدلة على أطراف الأرض وأقطارها، فسلكوا بها البلاد، وجعلوا ~~بينهم شيئا ينتهون به عن المنكر، ويرغبهم في الجميل .. حتى ~~إن الرجل منهم وهو في فج من الأرض يصف المكارم فما يبقي ~~من نعتها شيئا، ويسرف في ذم المساوئ فلا يقصر ...» # من ذلك نرى صورة للعربي، جوابا في أرجاء الأرض، جوالا ~~ببصره في السماء، ممسكا خلال ذلك بقيم توجهه نحو الفاضل ~~والجميل، فأين تتفق هذه الصورة العربية، وأين تختلف، إذا ما ~~اصطدمت بوقفة الحضارة العصرية من الطبيعة ومن القيم التي توجه ~~الإنسان في سيره؟ أما الاتفاق فهو الاهتمام بالكون وما فيه ~~اهتماما لا يقف عند حدود الكشف عن الحقائق لذاتها، بل هو ~~اهتمام يستهدف النفع واجتناب الأذى، وأما الاختلاف العميق فهو ~~في أن ms047 العربي لم يرد من الطبيعة إلا أن تكون مسرح فعل ~~وإرادة ، على حين أن إنسان الحضارة الغربية بصفة عامة يضيف ~~إلى ذلك ما قد يكون أهم منه، وهو أن تكون الطبيعة مجالا لفاعلية ~~العقل تحليلا وتركيبا؛ ولذلك لم يكن مصادفة أن وجدنا في ~~فلسفات الغرب الحديث نظريات المعرفة (إبستمولوجيا) تحدد العلاقة ~~النظرية بين الإنسان العارف والموضوعات المعروفة، على حين أننا ~~لا نكاد نعثر في التراث العربي الفلسفي كله على نظرية ~~للمعرفة من هذا القبيل. عني المفكر العربي بالإرادة ~~وتحليلها لأنها أداة العمل والحركة، أكثر جدا مما عني ~~بالعقل وتحليله؛ لأنه رآه أداة لفاعلية ذهنية تتم لصاحبها ~~وهو جالس على مقعده. # فماذا نحن صانعون - نحن العرب المعاصرين - للتوفيق في هذا ~~المجال بين أصيل موروث وجديد معاصر؟ أحسب أن الطريق أمامنا ~~واضح، وهو طريق تربوي من الأساس، فما علينا إلا أن نربي ~~ناشئتنا على أن يحتفظوا بميراثهم في تدريب الإرادة الماضية، وفي ~~التطلع والمغامرة، ثم يضيفوا إلى ذلك تدريبا آخر على النظر ~~العقلي والبحث النظري. # إن عصرنا هذا إن تميز بسمة تبرزه عن سائر العصور التي ~~سلفت، فهذه السمة هي إيغاله في دنيا العقل - ودنيا العقل هي ~~نفسها دنيا العلوم على اختلافها - إيغالا لم يترك جانبا واحدا ~~من جوانب الحياة، ولا ركنا واحدا من أركان الأرض - وكدت أقول: ~~وأجواز السماء - إلا وقد تناوله بتأثيره، على أن العقل العلمي ~~في زماننا لا يكفيه ما كان يكفيه بالأمس، وهو أن يقف عند الحدود ~~النظرية الرياضية، بل إنه ليصر على أن يتجسد في أجهزة، وعلى ~~أن ينثر هذه الأجهزة على بقاع الأرض ليبدل حياة الناس حالا بعد ~~حال، فلم يعد لنا مناص من السبح على هذا التيار العلمي ~~التقني، فإذا كنا أصحاب فعل وحركة وإرادة من جهة الأصالة، ~~فلا بد من إضافة هذه الصفحة الجديدة إلى كياننا؛ وذلك - كما قلت ~~- إنما يتحقق عن طريق التربية ابتداء، لنخلق النظرة التي لا ~~تترك الفعل والحركة والإرادة سائبة كما اتفق، بل تلجمها ~~إلجاما لتسيرها على الطريق المؤدية إلى ms048 تكوين علم وعلماء بهذا ~~المعنى العصري الجديد. # 5 # وأخيرا، وكان ينبغي أن يكون أولا، لكنني أرجأت ذكره لبداهته، ~~وهو أن أصالة العربي تبدأ من كونه يتكلم لغة عربية، وإذن ~~فلا بديل أمامنا إلا أن نرعى هذه اللغة على ألسنة أبنائها ~~وأقلام كتابها، فهي بطاقة الهوية التي تجعل من العربي ~~عربيا، هذه بديهية لا أظنها مثيرة لجدال، لكنني أنتقل إلى ما ~~يترتب عليها؛ لأنه لا يبدو للناس بهذه البداهة كلها، وهو ~~أننا إذا أردنا الحياة في عصرنا، فلا بد من صب هذا العصر ~~بكل ما فيه، من علم وأدب، في وعاء اللغة العربية، أعني أنه لا ~~بد من ترجمة العلوم العصرية كلها، وكذلك أدب العصر وفلسفته، ~~وبقدر ما نستطيع أن نسكب مادة العصر في إنائنا اللغوي، يكون ~~نصيبنا من المعاصرة. # إن العصر لا يقتصر على شعب واحد، ولا على قطر واحد؛ فالعصر ~~هو أمريكا وإنجلترا وفرنسا وألمانيا وروسيا واليابان، وغيرها مما ~~يسير معها في شوطها، لكن هذا العصر الواحد يلبس في كل قطر من ~~هذه الأقطار ثوبا ينسجه له ذلك القطر؛ ليجعله واحدا من أهله، ~~دون أن يكون تبدل الأثواب سببا في تغيير شيء من ملامح العصر، ~~وما هذه الأثواب المختلفة باختلاف البلدان الممسكة بزمام ~~الحضارة في عصرنا، إلا اللغات المختلفة؛ فقد صب الفرنسي - مثلا ~~- نتاج العصر في لغته الفرنسية، فبات الفرنسي بذلك معاصرا ~~لزمانه، وكذلك فعل الألماني والروسي والياباني وغيرهم. # ومع ذلك فلقد صادفت في أمتنا أفرادا تعارض ترجمة العلوم، ~~على ظن منهم بأن هذه العلوم لا يليق لها إلا الثوب الإنجليزي ~~أو الفرنسي أو غيرهما من لغات الأمم المتقدمة، ولا يسعني في ~~هذا الصدد سوى أن أكرر القول بأنه على قدر ما ننقل إلى ~~الثوب العربي من نتاج العصر، يكون نصيبنا من العصر؛ فالأصالة في ~~هذا المجال هي في اللغة العربية التي هي لغتنا لا لغة أحد سوانا، ~~والتي هي كذلك ميراث تسلمناه من أسلافنا، وأما المعاصرة فهي ~~أن نصب عصرنا في وعائها. # إن التاريخ العربي هو كالنهر، دفاق ms049 المياه، وتظل للنهر ~~هويته منذ ألوف السنين، برغم جريان مائه وتبدله يوما بعد ~~يوم، بل لحظة في إثر لحظة، والذي يحفظ للنهر هويته هو ~~التزامه مجرى واحدا، وهكذا نريد لحياتنا أن تكون: نحفظ لها ~~الإطار الأساسي العام، ووجهة النظر الرئيسية، ثم نجدد ~~المضمون الذي يملأ ذلك الإطار، أو الذي يشغل تلك الوجهة من ~~النظر، كلما جاءت العصور المتوالية بحضارات متعاقبة، لكل حضارة ~~منها مضمونها الجديد. # 6 # هذه - إذن - نقاط أربع، أو إن شئت فقل إنها مجالات أربعة ~~ذكرناها، في كل مجال منها موقف لنا أصيل، ضارب بجذوره في ~~أعماق تراثنا، يقابله موقف مضاد للحضارة التي نعاصرها، ولقد ~~حاولنا أن نبين في كل حالة من الحالات الأربع كيف يمكن أن تحدث ~~المصالحة بين الضدين؛ فأولا: كانت لنا وقفة معينة بإزاء الله ~~والكون والإنسان، استتبعت وجهة نظر معينة في المبادئ الخلقية، ~~ليس هي وجهة نظر الحضارة القائمة، فبينا كيف يمكن أن تسد ~~الفجوة بين الوجهتين، وثانيا: كانت لنا وقفة بإزاء الواقع ~~المادي، استتبعت منا أن نجاوزه إلى غيب وراءه، وليس ذلك مما ~~تأخذ به الحضارة الحاضرة، فاقترحنا طريقة نخلص بها من هذا ~~التناقض، وثالثا: كانت لنا سبل معينة في التعامل مع الطبيعة ~~المكانية من حولنا، ليست هي السبل المأخوذ بها في حضارة اليوم، ~~فالتمسنا لأنفسنا وسيلة للتقريب بين الطريقتين، ورابعا ~~وأخيرا: لنا لغة لا بد من الحفاظ عليها، وهي التي تحمل ميراثنا ~~في أوعيتها، وقلنا إنه لا مناص لنا من صب نتاج عصرنا في تلك ~~الأوعية، ليمتزج الجديد بالقديم، في إناء واحد، وهكذا رسمنا ما ~~يشبه الخريطة لما يمكن عمله؛ توفيقا بين الأصالة ~~والمعاصرة. # فتعالوا معي الآن في جولة خاطفة، ننظر خلالها إلى ما قد حدث ~~بالفعل في حياتنا الثقافية؛ لنرى إلى أي حد أصابنا التوفيق في ~~هذا الدمج الحضاري المطلوب: فأما بالنسبة للمجال الأول، ~~الخاص بوجهة نظرنا إلى الله والكون والإنسان، فلا أظننا قد ~~ظفرنا بتوفيق كبير في أن نوسع من معنى قيمنا الأخلاقية بحيث ~~تتطابق مع ما هو مستحدث في ms050 عصرنا، فقد نرى أصحاب القول ~~والكتابة بين قادة الفكرة منا منقسمين قسمين: أحدهما يضرب على ~~الوتر القديم وحده، والثاني يضرب على الوتر الجديد وحده، ~~وفشلنا حتى الآن في أن تجيء النغمة المعزوفة شاملة للجديد ~~والقديم معا، فإذا قلت - مثلا - كلمة «علم» انصرفت أذهان ~~بعضنا إلى الفيزياء والكيمياء وما إليهما، وانصرفت أذهان ~~الآخرين إلى حفظ المدونات القديمة، وبقينا في معسكرين، لا يكاد ~~يلتقي أحدهما بالآخر، اللهم إلا في أوجه النشاط التي لا تتصل ~~بالحياة الفكرية من قريب، وهكذا قل في كثير جدا من المعاني ~~الرئيسية التي هي محاور الفكر والثقافة. # وأما بالنسبة إلى المجال الثاني، الخاص بمجاوزة الواقع إلى ~~ما وراءه، فللأسف الشديد، أرانا نحتفظ بهذه السمة، ولكننا ننحرف ~~بها عما خلقت من أجله؛ فقد كان الأصل فيها هو أن ننجو ~~بأنفسنا من دنيا الأحداث المتقلبة المتغيرة الزائلة؛ لنلوذ بما ~~هو ثابت وخالد، لكننا جعلنا مجاوزة الواقع إلى ما وراءه في ~~عصرنا هذا؛ فرارا من نظرة العلم إلى سمادير الخرافة، فضاع منا ~~الواقع وما وراءه دفعة واحدة. # وأما بالنسبة إلى المجال الثالث، الذي هو علاقة العربي ~~بالمكان، وهي علاقة - كما أسلفنا - قوامها الفعل والحركة ~~والبطولة والسيطرة على البيئة بكل تفصيلاتها؛ فلقد انطوينا على ~~أنفسنا إثر ما ابتلينا به من قهر وهزيمة خلال القرون الثلاثة ~~الأخيرة، وبهذا الانطواء الذليل، لا نحن عالجنا الطبيعة كما ~~كان أسلافنا يعالجونها، ولا نحن تناولناها كما يتناولها ~~أبناء الحضارة الغربية الحديثة، وتركنا ما تحت أقدامنا من رقعة ~~الأرض، وما فوق رءوسنا من جو السماء، للأوروبي وحده، أو ~~للأمريكي وحده، يفعل فيهما ما شاء أن يفعل، لولا أننا - والحمد ~~لله - قد أخذتنا آخر الأمر يقظة واعية، نحاول بها النهوض من ~~كبوتنا التي كانت، والأمل معقود بجيل جديد يتناول أرجاء الوطن ~~العربي بنظرة فيها تقليد التراث، وفيها تجديد الحضارة ~~معا. # وأما المجال الرابع والأخير، من المجالات الأربعة التي ~~جعلناها مدار الحديث، وهو مجال اللغة، فلا شك أننا قد مضينا في ~~شوط إحيائها بمضمون الحضارة العصرية مسافة بعيدة، لكننا مع ms051 ذلك ما ~~زلنا بعيدين بعدا شديدا عن الهدف النهائي، الذي هو - كما أراه - ~~أن نسكب كل مقومات العلم والأدب والفلسفة الشائعة في دنيا ~~العصر، أن نسكبها كلها في لغة عربية، ولن يحق لنا الحديث عن ~~وجودنا في عصرنا قبل أن نجد هذا العصر قد نطق بلسان عربي ~~مبين. # | أزمة العقل في حياتنا # نقول في أحاديثنا الجارية: ~~إن فلانا «متزن»، وذلك إذا أردنا مدحه بصفة لعلها أن تكون من أعظم ~~ما يوصف به إنسان، وفيم يكون هذا «التوازن» المحمود؟ إنه يكون بين ~~مقومات متباينة هي قوام الإنسان، قد تتعاون كلها على بلوغ هدف ~~معين، لكنها كذلك قد تتنازع بحيث تتجه كل منها وجهة غير الوجهة ~~التي تتجه إليها المقومات الأخريات، ولو أخذنا بالتصنيف ~~الأفلاطوني القديم لهذه المقومات، لقلنا إنها صنوف ثلاثة، كل ~~صنف فيها يتعلق بجزء من البدن، على سبيل الحقيقة، أو على سبيل المجاز، ~~وتلك هي شهوات البطن، وعواطف القلب، وحكمة الرأس، وليس من الخير ~~لأحد أن تطمس منه الشهوة أو العاطفة، أو أن يقيد منه العقل، الذي ~~هو مصدر الحكمة، وإنما الخير كل الخير في أن تبقى هذه العناصر ~~الثلاثة جميعا؛ على أن يكون بينها اتساق في طرائق السير، واتحاد ~~في الهدف، ولقد صور أفلاطون هذا الاتحاد، وذلك الاتساق، بصورة ~~مشهورة، وهي أن تصور الشهوة والعاطفة جوادين يجران عربة، ويمسك ~~باللجام سائق، هو العقل، فلو ترك الجوادان لدفعتهما الفطرية ~~لجمحا، لكن العقل السائق يعرف كيف يضبط منهما خطوات السير نحو ~~الهدف المقصود، فإذا توافرت لشخص مثل هذه الحالة التي تنساق بها ~~الشهوة والعاطفة مقيدة بشكائم العقل، قلنا عنه إنه بذلك قد اكتسب ~~فضيلة «العدالة» - كما يسميها أفلاطون - وصفة «الاتزان» كما نحب نحن ~~أن نسميها لتساير أفهام الناس في عصرنا القائم، وهذا الاتزان ~~(أو هذه «العدالة» بالمصطلح الأفلاطوني) إنما يصف الفرد كما يصف ~~الدولة سواء بسواء، ففي كليهما بطن يشتهي، وفي كليهما قلب ينفعل ~~بالعاطفة، وفي كليهما رأس يسوس. # لقد استهل أفلاطون محاورة «الجمهورية» ببحث مستفيض في هذه ~~«العدالة»، ما ms052 معناها على وجه التحديد؟ كان لا بد له أن يفعل ذلك ~~ليجعل من هذه الصفة الجوهرية أساسا يقيم عليه الدولة التي أراد أن ~~يقيمها، لكنه تردد لحظة: أي الطرفين يبدأ ببحثه ليطبق ~~النتيجة التي ينتهي إليها على الطرف الآخر؟ يبدأ بالفرد الإنساني ~~فيحلل خصائصه؛ ليكون له بذلك ما يمكن إسقاطه على بناء الدولة، أم ~~يبدأ بالدولة ليستخلص من تعادل كيانها كيف يجيء الفرد الإنساني ~~المتعادل؟ ولقد آثر هذا البديل الثاني، وهاك نص حديثه في هذا الصدد ~~لطرافته: ~~«هب أنه قد طلب إلى شخص قصير النظر أن يقرأ حروفا ~~صغيرة، وهو منها على مبعدة، ثم جاءه من أنبأه بأن هذه ~~الحروف نفسها مكتوبة في مكان آخر بحجم أكبر، أفلا تكون هذه ~~فرصة نادرة له، تتيح له أن يبدأ بقراءة الحروف الكبيرة، ثم ~~ينتقل منها إلى الصغيرة، ليرى ما بينهما من تماثل إن وجد؟ ~~.. إن «العدالة» التي هي موضوع بحثنا، إذا كانت تصف الفرد ~~باعتبارها فضيلة له، فهي كذلك تصف الدولة .. والدولة أكبر من ~~الفرد .. وإذن فالأيسر هو رؤية العدالة في صورتها الكبيرة؛ ~~ومن ثم فإني أقترح البحث عن طبيعة العدالة كما تتجلى في ~~الدولة أولا، لننتقل من الأكبر إلى الأصغر فتسهل المقارنة ~~بين الصورتين .. وإذن فلنتخيل دولة تنمو وتتكون أمام ~~أبصارنا، لنرى العدل والظلم إذ هما ينموان فيها.» # هكذا أراد أفلاطون أن يفهم حقيقة الفرد في اكتسابه لفضيلة العدل ~~(أو فضيلة «الاتزان»)، وقد يكون هذا هو المنهج السديد، عندما تكون ~~المعاني المطروحة للبحث منظورا إليها في صورة كمالها النظري، ~~فعندئذ يمكننا أن نرسم صورة للدولة المثلى، فنرى في جنباتها كيف ~~يكون الفرد الأمثل من أفرادها، أما إذا كانت الصورة المطروحة للبحث ~~مأخوذة من الواقع الفعلي المحسوس بكل ما يشوبه من نقص وتشويه، ~~فإن المنهج الأفلاطوني لا يسعف، ويكون حتما علينا أن نعكس طريق ~~السير، فنرى الأفراد في نقصهم، لنخلص منها إلى تصور الدولة التي ~~تسودهم في أوجه نقصها الذي يعكس بالضرورة نقص الأفراد؛ إذ الأمر - ~~كما قيل - هو أنه كيفما يكون ms053 أفراد الناس، تكون الدولة التي ~~تولى عليهم. # وإني لأزعم هنا بأن متوسط الفرد من أبناء الأمة العربية في عصرنا، ~~يفلت من يديه زمام العقل، فتجمح عنده الشهوة والعاطفة جموحا ~~يحجب عنه رؤية الأهداف واضحة، ومن ثم فهو يسد أمامه سبل ~~الوصول. # فلننظر - إذن - إلى أوساط الناس من حولنا، فماذا نرى؟ نراهم على ~~عداوة حادة مع العقل، وبالتالي فهم على عداوة لكل ما يترتب ~~على العقل من علوم ومن منهجية النظر ودقة التخطيط والتدبير، فإذا ~~انطلقت الصواريخ تغزو الفضاء ويرود أصحابها أرض القمر، تمنوا من ~~أعماق نفوسهم أن تجيء الأنباء بفشل التجربة، وإذا سمعوا عن قلوب أو ~~غير قلوب، تؤخذ من آدمي لتزرع في آدمي آخر، أحزنهم أن يتحقق ~~النجاح، وأفرحهم أن تخفق المحاولة، وهاك هذين المثلين من خبرتي ~~الخاصة، لم أقرأ عنهما في صحيفة أو كتاب، بل شهدتهما بعيني ~~وسمعتهما بأذني: # أقيمت ندوة ثقافية كنت أحد أعضائها، وكان من المسهمين فيها ~~كذلك عميد لإحدى كليات العلوم عندئذ، وكان السؤال المطروح هو: ماذا ~~نرى في هذه الوثبة العلمية الجريئة، التي هي صعود الإنسان إلى أرض ~~القمر؟ فكان مما قاله عميد كلية العلوم بإحدى الجامعات العربية أنه ~~يعوذ بالله من هذا الشطط، الذي قد يؤدي بالكون إلى دمار، ثم تساءل ~~قائلا: أليس يجوز أن يهبط الصاروخ على القمر بدفعة قوية فإذا ~~القمر ينحرف عن مداره فتكون الطامة على البشر؟ # أما المثل الثاني فهو أنه سئل قطب من أقطاب الطب في الأمة ~~العربية: ما رأيك فيما سمعناه عن زرع القلوب في أبدان غير أبدانها؟ ~~فاستعاذ بالله هو الآخر من شر ما يسمع، مؤكدا أنها محاولات ~~مجنونة، لن تؤدي إلى شيء، وربما كانا هذان العالمان لا يعتقدان في ~~صدق ما قالاه، وإنما قصدا به إلى إرضاء السامعين، فتكون الطامة ~~أكبر؛ لأن الدليل عندئذ ينهض ليؤيد ما نزعمه، وهو أن مثل هذا ~~القول هو ما يرضي الناس، ثم نكون قد خسرنا بالنفاق نزاهة العلم ~~والعلماء! # أولئك هم علماؤنا، فما بالك بأبناء السبيل؟ ألا إن مضجع ms054 العلم ~~الجاد خشن تحت جلودنا؛ ولذلك كان شرطا عليك إذا كتبت للصحف ~~والمجلات ، أو أذعت في الناس حديثا، أن تكسو الحقائق العلمية التي ~~تنوي عرضها على الناس بحشايا من ريش النعام؛ لئلا تتأذى أبدانهم ~~اللينة، فعليك أن توهم الناس بأنك لم تقصد إلى العلم الجاف ~~الكريه، وإنما قصدت إلى تسليتهم في أوقات الفراغ، وإذا لم تفعل ذلك ~~فلا سبيل أمامك إلى صحافة أو إذاعة. # الرأي السائد فينا هو أن العلم يعوق مجرى الحياة، فليست وسيلتك ~~إلى النجاح في أي ميدان تشاء: ميدان العمل، أو ميدان السياسة، أو ~~غيرهما، هي أن تدقق، وإلا لما بلغت من الطريق أدناه، إن الساعات ~~التي يصرفها الدارس العلمي في مشكلة واحدة من مشكلاته «النظرية» ~~كفيلة أن يقفز بها «العمليون» إلى الذرى مالا وجاها وقوة .. ~~أليس لكل شيء معيار يقاس به؟ والمعيار السائد بيننا هو: كم يعود ~~هذا العمل المعين على صاحبه من نفوذ وسلطان وثراء؟ ولما كان ~~الأغلب ألا يعود العلم على أصحابه من هذه الأشياء بمحصول وفير، ~~كان لهؤلاء المنزلة الثانية في مجتمعنا، وذلك على أحسن الفروض. # الرأي الشائع فينا هو أن العقل بعلومه عدو للوجدان ومشاعره، ~~ولما كانت الكثرة الكاثرة منا نصيرة الوجدان، فسحقا للعقل ~~ومناهجه ونتائجه، إنه إذا كانت المفاضلة بين رأس وقلب، فلا تردد ~~في اختيار القلب، وهل هي مصادفة أن تجد منا ألف شاعر كلما وجدت ~~عالما واحدا؟ إنه لما كثرت علوم الغرب وامتلأت الدنيا بأجهزته ~~ومكناته، قلنا عنه إنه «مادي» لعين، وأما نحن بما نسبح فيه من ~~ملكوت الوجدان، فروحانيون أنقياء وأصفياء، كأنما العلم من وحي ~~الشيطان، وكأنما أجهزته ومكناته قد ركبها الأبالسة، وحذار أن تذكر ~~أمامهم أن العلم الذي يتجلى في هذه الآلات هو «عقل» تجسد، أو هو ~~روح ظهرت فيما أبدعته، ليصبح مشهودا، بعد أن كان كامنا خافيا، ~~شأن كل خالق وخلقه، حذار أن تقول شيئا كهذا؛ لأن الروحانية في ~~حسابهم يستحيل أن تتدلى إلى دنس الصفائح المعدنية، تنشرها ~~المصانع، وتطويها طيارة أو سيارة، أو ما شاءت ms055 .. إن أغلب الناس ~~حولنا هم أقرب إلى الظن بأن الحقيقة إنما ينطق بها البلهاء، قبل ~~أن ينطق بها العلماء. # ذكاء العقل إذا توقد خشي الناس لعنته؛ لأنه نافذ إلى الأعماق، ~~وهم يريدون أخذ الأمور ب «البركة» من أسطحها، لا من أعماقها، ~~ولأنه يتشكك قبل أن يستقر على عقيدة، وهم يريدونها عقيدة خلصت ~~من شوائب الشك والبحث، وكثيرا ما تسمعهم ينعتون مثل هذا الشك ~~المتسائل المتقصي «خوضا» فيما ينبغي ألا يخاض فيه؛ إعمال العقل - ~~عند الناس - مجلبة للشقاء؛ لأن الحياة - عندهم - تسلم زمامها ~~إلى الذين يقبلونها كما ترد إليهم عن عمى وصمم؛ فذو العقل يشقى في ~~النعيم بعقله، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم؛ لأن الشقاوة والنعيم ~~يقاسان بمعايير البهائم؛ إذ هي تنعم أو تشقى بمقدار ما يصادفها من ~~كلأ المراعي، إن كثرة الناس يؤذيها أن يكون الكون سائرا على ~~قانون محكم، ويسعدها أن يكون هذا القانون ألعوبة يلهو بها أرباب ~~القلوب الطيبة. # تلك وأشباهها هي الخصائص المألوفة في أوساط الناس من حولنا، وعلى ~~غرار الأفراد تستطيع أن تتصور الدولة. # الفرق بين دفعة الغريزة (ونريد بالغريزة جانبي الشهوة والعاطفة ~~اللذين أشرنا إليهما في التقسيم الأفلاطوني)، أقول إن الفرق بين ~~دفعة الغريزة من جهة، وتخطيط العقل وتدبيره من جهة أخرى، هو أساس ~~الاختلاف بين ما يسمى في الثقافة الغربية بالرومانسية من ناحية، ~~والكلاسيكية من ناحية أخرى، وإني لأرانا - أعني الأمة العربية في ~~حاضرها - على أساس هذه التفرقة غارقين إلى آذاننا في موجة رومانسية ~~بكل ما في ذلك من خير وشر، لكني لا أدع هذا القول بغير تحفظ ~~شديد؛ فأولا: قد شاعت لهاتين اللفظتين ترجمة عربية، فيقال عنها ~~«الإبداع» (للرومانسية) و«الاتباع» (للكلاسيكية)، لكنني إذ أصفنا ~~بالرومانسية فليس الجانب الإبداعي من معنى الكلمة هو ما أريد، ~~وإنما أردت من معناها جانبا أساسيا آخر؛ هو الصدور عن العاطفة ~~في الاتجاه وفي السلوك، لا عن العقل، وثانيا: أن من معنى «الاتباع» ~~احتذاء الناس للأقدمين في الفكر وفي العمل، وليس هذا الجزء من معنى ~~الكلاسيكية هو ما أردت ms056 نفيه بالنسبة إلينا؛ إذ إننا من ناحية ~~اتباع الأقدمين كلاسيون إلى حد بعيد، ولكني أردت من الكلاسية جانبا ~~أساسيا آخر؛ هو اهتداء الناس بالعقل وما يقتضيه من قواعد ~~وقوانين. # نحن في حاضرنا الثقافي والعملي رومانسيون بمعنى الدفعة الغريزية ~~والنفور من كل ما يحيط بالتفكير العقلي من ضوابط وحدود؛ ~~فالرومانسية في جوهرها ضيق بالقواعد والقوانين، حتى لو كانت هذه ~~القواعد والقوانين قد وضعت لضبط معايير الأخلاق ومعايير الفنون، ~~فوسيلة الرومانسي في إدراك ما يدركه هي وجدانه لا منطق عقله، ~~ما ينبض له قلبه هو الحق، واقذف في جهنم ما قد يمليه عليك منطق ~~العقل إذا جاء مخالفا لما قد مالت إليه العاطفة، المنظر الريفي ~~متروكا على طبيعته هو عند الرومانسي خير من مدينة تعج بظواهر ~~الحضارة؛ وذلك لأن الريف هكذا جاء انبثاقة فطرية، وأما المدينة ~~بحضارتها فمن نتاج العقل وعلومه، ولما كان المنظر الريفي أكثر ~~ملاءمة للشاعر، وكانت المدينة الصاخبة أكثر ملاءمة للباحث العلمي، ~~كان للشاعر عند الرومانسي أسبقية على رجل العلوم، وحسب الشاعر ~~قيمة عنده أنه هو - دون الباحث العلمي - الذي يعبر عن الذات ~~الإنسانية وما تختلج به من عاطفة وانفعال ورغبة؛ فذلك عند ~~الرومانسي أهم من قوانين الفيزياء والكيمياء، ومرة أخرى أريد أن ~~أتحفظ ببعض القيود على ما أوردته الآن؛ فما قد أوردته إنما يصف ~~الرومانسي المخلص، الذي يصدر عن عقيدة صادقة لا يشوبها الرياء، ~~الذي كثيرا ما يباعد بين القول والعمل، وأما الرومانسي العربي فهو ~~قادر على هضم التناقض بين أن يكون شاعرا يتغنى بالطبيعة وهو على ~~فطرتها، وبين أن يسكن في قلب الصخب الحضاري من المدينة. # وليست هذه أولى المفارقات التي يعيشها راضيا مطمئنا ولا هي آخر ~~المفارقات، إنه لما حدث الانقلاب الصناعي في إنجلترا في النصف ~~الثاني من القرن الثامن عشر، وأخذ الناس رويدا رويدا يهجرون الريف ~~إلى المدن؛ استدبارا لعصر سادته زراعة، واستقبالا لعصر جديد ~~تسوده صناعة، غضب الشعراء لهذه الظاهرة المحزنة في حياة الإنسان، ~~وراحوا يصورون المصانع والآلات والمدينة بهوائها الخانق، وكأنهم ~~يصفون شيئا ms057 أقامه الشيطان لغواية الإنسان، لكن هؤلاء الشعراء - في ~~رومانسيتهم تلك - قد اتسقوا مع أنفسهم ورفضوا حياة المدن، وتشبثوا ~~بالعيش في ريفهم الهادئ الجميل، وجئنا نحن اليوم - أعني المثقفين العرب ~~- وأردنا لأنفسنا حركة رومانسية من ذلك القبيل نفسه؛ لنعبر بها عن ~~شيء من الرفض الذي نحسه تجاه الحضارة الغربية الجديدة، لكننا لم ~~نستطع التوفيق بين القول والعمل - شأننا في سائر جوانب الحياة حتى ~~أصبح ذلك طابعا يميزنا تمييزا واضحا عن عباد الله الآخرين - ~~فأشدنا سخطا على «مادية» الحضارة الغربية ربما كان أكثرنا انتفاعا ~~بنتاجها، وأعلانا صوتا في الدعوة إلى جمال الريف وسكونه؛ قد يكون ~~أعمقنا انغماسا في حياة المدينة بكل صخبها ووهجها. # وليس هذا التعارض بين العاطفة والعقل مقصورا على أصحاب الفن ~~والأدب، ولا على عامة الناس في حياتهم اليومية، بل إنه ليظهر كذلك ~~على مستوى الفكر الفلسفي، فترى كلا من الطرفين المتنازعين يكبح ~~جماح الآخر إذا ما طغى وجاوز حدوده؛ فقد يوغل الناس ذات عصر في ~~تحكيم العقل حتى ليذهبوا إلى حد عبادته وإنكار كل ما عداه، ~~فعندئذ يظهر الفلاسفة الداعون إلى أولوية العاطفة، كما حدث حين ظهر ~~جان جاك روسو، إبان القرن الثامن عشر ليقاوم عباد العقل من ~~أعلام حركة التنوير في فرنسا، وكما حدث أيضا حين ظهر برجسون في عصرنا ~~الحديث هذا، داعيا إلى أولوية الوجدان، ليصد موجة عارمة طغت على ~~أوروبا خلال القرن الماضي، لتحمل الناس على الإيمان بالعلم وحده، ~~والعقل وحده. والعكس صحيح كذلك؛ فقد يوغل الناس في التنكر للعقل، ~~حتى تراهم لا يحتكمون إلا لما جاء عن غير مصدره من عاطفة أو عرف ~~وتقليد، فعندئذ ينهض الفلاسفة الداعون إلى الحد من هذه الدفعة ~~اللاعقلية بضوابط العقل ومناهجه، كما حدث حين ظهر ديكارت في فرنسا، ~~وفرانسيس بيكون في إنجلترا، على مشارف التاريخ الحديث، وكما حدث أيضا ~~عندما ظهر أوجست كونت في أواسط القرن الماضي ليصد تيار الرومانسية ~~الذي أعقب الثورة الفرنسية، وشمل بأمواجه كل ميدان من ميادين الفكر ~~والفن والأدب. # على أن طريقة العاطفة أو الغريزة ms058 في إدراك حقائق الأشياء، قد تأخذ ~~عند الفلاسفة صورة يسمونها بالمصطلح الفلسفي «حدسا» ويقصدون به ~~رؤية الحقيقة رؤية مباشرة كأنما هي تحدث بنور إلهي، أو بلمعة من ~~الوحي، فإذا «حدس» الفيلسوف - أو أي إنسان من عامة الناس - حقيقة ~~ما على هذا النحو المباشر، لم يكن من حقنا مطالبته بإقامة برهان على ~~صدق ما يزعمه؛ لأن إقامة برهان تتضمن اعترافا بوجود فكرة أخرى ~~ذات أسبقية منطقية، هي التي نستند إليها في إقامة البرهان، فإذا كان ~~الزعم عن فكرة ما هو أن رائيها قد رآها بلمحة من وجدانه لمحا ~~مباشرا، كما يحس المتألم الألم، أو كما يحس النشوان نشوته، تبع ~~ذلك ألا تكون الفكرة المرئية موضع شك عند صاحبها بأي وجه من ~~الوجوه، وألا يكون هنالك عنده ما هو أوثق منها يقينا، فيرتد إليه ~~يقيم به الدليل على صدقها. # على مثل هذه الرؤية المباشرة المزعومة، يعتمد المتصوفة، حين يزعمون ~~لك أنهم قد «شهدوا» الحق شهودا مباشرا، فلا أدلة يستدل بها، ولا ~~وسائط بين المرئي والرائي، وعلى مثل هذا الأساس الصوفي نفسه - ~~بدرجات متفاوتة - تقوم الكثرة الغالبة من أحكامنا ورؤانا، لا أقول ~~في حياتنا الخاصة وحدها، بل أضيف إليها شئون حياتنا العامة كذلك، ~~فكم من قرار نتخذه، وقد يكون قرارا ذا نتائج بعيدة المدى في حياة ~~الناس! ومع ذلك فإذا سألت الرجل المسئول الذي أصدر القرار: أين ~~المبررات «العقلية» التي كانت بين يديك بمنزلة المقدمات، حتى لم تجد ~~مفرا أمامك من اتخاذ قرارك هذا؟ لما وجدت لسؤالك عنده من جواب، إلا ~~أن يكون موهوبا يرى الحقائق بمثل تلك البصيرة النافذة التي «تشاهد» ~~الحق بحدس مباشر، وفي هذه الحالة لا يكون تحليل ولا ~~تعليل. # وأي تحليل وأي تعليل تطالب به من ينظر أمامه فيقول: إني أرى ~~بقعة صفراء؟ هكذا تكون الرؤية المباشرة، لولا أن رؤية اللون هنا قد ~~جاءت إلى من أدركه عن طريق حاسة معلومة هي حاسة البصر، أما رؤية ~~الحقائق عند أولئك الذين يدعون رؤيتها بموهبة حدسية خارقة، ~~فكثيرا ما تكون ميلا ms059 مع دفعة الغريزة أو العاطفة، بل لماذا لا نسمي ~~الأشياء بأسمائها الصحيحة ، فنقول إنها كثيرا ما تكون ميلا مع ~~اندفاعة النزوة والهوى؟ # ودعوى فلاسفة الرؤية الحدسية - مثل برجسون - ومن يلفون لفهم من ~~صغار الناس في صغار الأمور، قائمة على أن الحدس فطرة لا تخطئ؛ ~~لأنه كالغريزة أو لأنه هو نفسه الغريزة الملهمة التي تعرف ~~طريقها المأمون؛ ولذلك فكلما اقترب الإنسان من حالة الغريزة الفطرية ~~هذه، عددناه أقرب إلى رؤية الحق بصفاء روحه، كالأطفال أو كمن ~~أصابتهم البلاهة والعته، أما إذا جاء الرأي ممن اكتملت له ~~عوامل النضج، وقال لنا إنه رأي جاء بعد تحليلات وإحصاءات وتدقيق ~~وتحقيق، فها هنا يغلب أن ننظر إليه نظرة المرتاب؛ لأن السماء - في ~~ظننا - لا تفتح أبوابها لأمثال هؤلاء الحاسبين. # يقول برجسون: هنالك طريقان مختلفان أعمق اختلاف أحدهما عن الآخر ~~في معرفتنا لحقائق الأشياء: أولهما يكتفي بأن يحوم حول الموضوع ~~ناظرا إلى ظواهره الخارجية البادية للحواس، والآخر يقع في لب ~~الموضوع وصميمه، فلا يقف عند الجانب المنظور من الشيء المراد ~~معرفته، ولا هو يطمئن - كما يطمئن أصحاب الطريق الأول - إلى رموز ~~اللغة يسوق فيها الحقيقة التي رآها، بل يغوص إلى الأعماق مجتازا ~~الظواهر الخارجية ليدرك الجوهر الباطني إدراكا يستعصي بعد ذلك على ~~التعبير بأدوات اللغة أو الأرقام؛ ولهذا كانت المعرفة في الحالة الأولى ~~(وهي المعرفة العلمية) معرفة نسبية لا تبلغ مبلغ اليقين لأنها ~~تتعرض للخطأ، وأما في الحالة الثانية (وهي الإدراك الصوفي)، فهنالك ~~تكون المعرفة مطلقة اليقين. # وهذا الضرب من المعرفة اليقينية عن طريق الوجدان - حتى إن أنكرها ~~العقل بمنطقه النظري المجرد - هو ما يصفه المتصوفة من أسلافنا؛ ~~إذ يفرقون بين ما يسمونه بعلم القلوب، وعلم اللسان، فالمتصوف ~~بوجدانه إذا ما كشف عن بصيرته الحجاب تبدلت حواسه بأخرى تمكنه ~~من رؤية الغيب، كالذي يحدث للنائم في رؤياه؛ فما إن يغيب في نعاسه ~~ويتحلل قليلا من أثقال الوجود المادي، حتى تنفتح له حواس أخرى ~~إلى الغيب، فيرى ويسمع ويأكل ويتكلم ويمشي ويبطش ويصل إلى أقصى أرجاء ms060 ~~الأرض، لا تحجبه أبعاد المكان، عندئذ يحيا في وجود أكمل من الوجود ~~الدنيوي، وربما اكتسب في ذلك الوجود الخفي قوة الطيران والمشي على ~~الماء والدخول في النار دون أن يحترق، فإذا كان مثل هذا هو ما يجده ~~الإنسان من عامة الناس في نومه، فهو هو بعينه ما يحققه الصوفي في ~~صحوه؛ لأن الجانب الشريف من وجوده له غلبة على الجانب الخسيس، ~~فتراه قادرا في عالم الشهادة على فعل المعجزات (هذا كلام مأخوذ من بعض ~~المتصوفة الأقدمين). # وخلاصة ما أردت قوله، هو أن المتصوفة - حديثهم وقديمهم على السواء ~~مع اختلافات في العرض لا في الجوهر والأساس - متفقون على أن ~~للإنسان قدرة على اكتساب ضرب من المعرفة لا عن طريق العقل ولا عن ~~طريق الحواس؛ إذ يحدث - كما يقول برجسون - نوع من التعاطف بين الإنسان ~~وما يدركه، تعاطفا يضع به الإنسان نفسه في صميم الشيء المدرك؛ ~~ليقع منه على ما هو فريد فيه، لا يشاركه فيه شيء آخر، وما دام ~~جانبا فريدا لا يتكرر في شيئين، بل يختص به الموضوع المدرك دون ~~سواه، كان مستحيلا على التعبير اللغوي؛ لأن اللغة إنما تعبر عن ~~الجوانب المشتركة العامة التي يتكرر وقوعها في مختلف الأفراد، ويسوق ~~لنا برجسون مثلا لهذه الحالة الإدراكية التي يواجه بها الشخص ~~المدرك صميم ما يدركه، معرفة الإنسان لنفسه، فهو إذا ما استبطن ~~ذاته أدركها «بحدس» مباشر إدراكا لا يحتمل الشك ولا الخطأ، وهو ~~في الوقت نفسه إدراك لا يتطلب تحليلا ولا تعليلا. # هذا الذي يقوله المتصوفة الأقدمون والمحدثون هو ما يؤمن بصدقه ~~الكثرة الغالبة من أبناء الأمة العربية، لا فرق في ذلك بين أمي ~~وعالم، ولا عجب أن وجد برجسون عند المشتغلين منا بالفلسفة رواجا ~~وتأييدا، ويا ويل من غشيت عيناه عن الحق فاجترأ معترضا ليقول: ~~لكن برجسون هذا لم يجد إلا الأداة الشائهة الناقصة - وأعني أداة ~~اللغة ورموزها - ليبسط بها رؤيته الفلسفية التي قال عنها - شأن ~~المتصوفة جميعا - إنها رؤية ليست مما تستطيع اللغة أن تحكيه، ~~وتلك - عندنا نحن ms061 الذين غشيت أبصارهم عن الحق - هي العقبة التي يقع ~~فيها حمار الشيخ ! فالمتصوفة يقولون، وجميع المؤيدين للرؤية الصوفية ~~يقولون معهم: إن ما نراه من الحق لا يأتينا عن طريق الحواس ~~الظاهرة، ولا هو مما يصاغ في كلمات؛ لأنه «حالات» يشعر بها الصوفي ~~من الداخل، كشعوره بحلاوة العسل أو بمرارة الحنظل، والحالات لا توصف ~~بأدوات اللغة، ومع ذلك تراهم يقولون ذلك لنا في «كلمات»! # قل لمن شئت: إن العقل الذي هو أداة العلوم مأمون الجانب، وينبغي ~~الركون إلى تدبيره وحسابه، كلما هممنا بعمل نؤديه؛ تره يشيح ~~بوجهه عنك حتى لو كان من رجال العلوم في أعلى مستوياتهم، طالما هو خارج ~~معمله؛ لأن العقل عنده مكانه بين جدران المعمل لا يجاوزها، ولكن قل ~~له: إن الإدراك الصوفي النافذ خلال الحجب والأستار قادر على ~~رؤية الغيب رؤية حق وصدق، فقل أن تجد منه الشك والتكذيب؛ ~~فالسائد فينا جميعا أن هذا الضرب من كشف المحجوب هو في مستطاع نفر ~~مكرمين مقربين، وهؤلاء إذا ما اهتدوا بوجدانهم إلى الحق فلن يجد ~~الباطل إليهم سبيلا. # فهل أصاب حقا هؤلاء جميعا في ظنهم بأن مثل هذا الإدراك ~~الوجداني المباشر لما هو مغيب عن البصر وعن العقل صادق دائما؟ هل ~~الرؤية المباشرة للمستور، وهي الرؤية التي يدعيها المتصوفة ~~ويدعيها برجسون، كما يدعيها كل من اختار هذه الطريقة في النظر إلى ~~الأمور، معصومة من الخطأ كما يظنون؟ لنأخذ المثل نفسه الذي ضربه ~~برجسون للرؤية التي يستحيل عليها الخطأ، وهو مثل الإنسان يستبطن ~~ذاته من داخل فيراها رؤية اليقين، فهل من الحق أن الإنسان في ~~استبطانه يعرف حقيقة نفسه معرفة تبلغ حد اليقين؟ أيسهل عليه ~~عندئذ أن يرى كل ما تنطوي عليه تلك النفس من حقد وحسد وخسة ~~وغرور؟ # لقد تناول برتراند رسل هذا الموضوع بالدراسة، في فصل من أهم ما ~~أنتجه في بحوثه الفلسفية، وهو الفصل الذي يسميه «المنطق والتصوف»، ~~ثم حدث أن أطلق هذا العنوان على كتاب له يضم ذلك الفصل مع فصول ~~أخرى في موضوعات متفرقة، هناك ms062 يقول رسل في سياق حديثه عن الرؤية ~~الحدسية التي تشبث بها برجسون ، ويتشبث بها المتصوفة، ويؤيدها الرأي ~~العام السائد من حولنا، يقول: نعم، إن الإدراك الحدسي يفرض نفسه ~~على صاحبه فرضا يحول بينه وبين أن يشك لحظة في صوابه، وكيف له أن ~~يشك فيما يراه ماثلا أمامه؟ تلك خاصة لا تتوافر للإدراك العقلي؛ ~~لأن إدراك العقل طريقه الاستدلال، والاستدلال معرض للخطأ، لكن هذا ~~اليقين الجازم الذي يصاحب الإدراك الصوفي عند أصحابه، هو نفسه الذي ~~قد يحول ذلك الإدراك إلى كوارث، فلو أن المعرفة الآتية إلينا عن ~~طريق الوجدان معصومة من الخطأ؛ لكان اليقين الذي نشعر به إزاءها ~~خيرا كل الخير، لكن تلك المعرفة معرضة للخطأ، كما يتعرض العقل ~~للخطأ، وليس الأمر كما يزعمون لها من عصمة. # وها هنا يكون الفرق البعيد بين من يركن إلى عقله، ومن يركن إلى ~~وجدانه، فأولهما يعلم أن أحكامه معرضة للخطأ؛ ولذلك تراه لا يكف ~~عن مراجعتها، ثم هو لا يغضبه أن يظهر له في الناس من ينبهه إلى ~~مواضع الخطأ في تلك الأحكام، وأما ثانيهما فلأنه واهم في ظنه ~~بأن إدراكه الوجداني منزه عن الخطأ، تراه يقدم إقدام الواثق، ~~ويصم أذنيه عن نقد الناقدين، وعندئذ قد تدهمه الداهية من حيث لا ~~يحسب حسابها. # إننا نعطي الصدارة لعواطفنا، في أحكامنا وسلوكنا، ونفاخر الناس ~~بأننا كذلك، وإن عواطفنا تلك لتخطئ، وكم أضلتنا عن سواء ~~السبيل! فلو كنا نتعلم من أخطائنا كما تتعلم من أخطائها فئران ~~التجارب العملية، لجاز أن يكون لنا اليوم موقف آخر، لكننا نصر ~~على الركون إلى العاطفة إصرار الفراشة على النار الحارقة، ونترك ~~عقولنا في أزمتها تنتظر لنا البعث الجديد. # | الواقع وما وراء الواقع # الناس رجلان في طريقة النظر إلى الأشياء من حولهم، وكثيرا ما تتجاور ~~الطريقتان في ثالث. # أما الأولى فهي أن يحصر الإنسان إدراكه في حدود الشيء الذي ~~يدركه؛ فليس له من هذا الشيء إلا ما يقع عليه البصر أو ما تمسه ~~الأيدي، أو غير ذلك من جوانب مما له صلة ms063 بهذه الحاسة أو تلك، ~~فكأنما هو حيال ذلك الشيء أداة تصوير أو تسجيل، تلتقط ما هنالك من ~~ظواهر الضوء والصوت والحجم والوزن، وما إلى هذه الحقائق التي يمكن ~~إدراكها بالحواس، أو بمختلف الأجهزة التي تعين الحواس بكثير أو ~~قليل من ضبط ودقة. # وأما الطريقة الثانية من النظر إلى الأشياء، فهي التي لا يكتفي ~~أصحابها بالشيء كما تراه العين أو تسمعه الأذن أو تمسه الأصابع؛ ~~لأن هذه «الظواهر» عندهم هي أشد جوانب الشيء تفاهة وقلة شأن، ~~وإنما وراء هذه الظواهر «بواطن» هي التي تؤلف حقيقة الشيء ولبه ~~وصميمه، وإذن فما تلك الجوانب الظاهرة للحواس إلا رموز تشير إلى ~~حقيقة تخفت وتسترت، بحيث لا يكون إدراكها بالبصر والسمع واللمس، ~~بل يكون إدراكها بقوة أخرى، يتفاوت الناس في أنصبتهم منها، وإن شئت ~~فسمها «بصيرة»، تدرك ما لا يدركه البصر، فلئن كانت الأشياء كما ~~نصادفها في دنيا الواقع المحس هي الحقيقة نفسها التي لا حقيقة ~~وراءها من وجهة نظر الطائفة الأولى؛ فهي لا تعدو عند الطائفة الثانية ~~أن تكون رموزا ترمز إلى مجهول وراءها، وإما أن يكون لديك من قوة ~~البصيرة ما يمكنك من رؤية هذا الوراء المجهول، وإما ألا تكون ~~هذه القوة الإدراكية من نصيبك، فعندئذ سوف تحدق بالعينين ما تحدق، ~~دون أن ترى شيئا، فتنكر أن يكون لهذا الوراء الخافي وجود. # والطائفة الأولى هي زمرة العلماء، وأعني علماء الكيمياء والفيزياء ~~وما شابههم من سائر العلماء الذين يتقصون بالنظر «ظواهر» الطبيعة ~~ليستخرجوا قوانينها، وأما الطائفة الثانية فرجالها كثيرون، ~~يتشكلون أنواعا وصنوفا، ولعل ذروتهم أن تكون في جماعة «المتصوفة» ~~الذين ينشدون رؤية «الحق» عن غير طريق الحواس، بل عن غير طريق ~~العقل، وإنما عن طريق ما يسمى «بالحدس» أو البصيرة أو العيان ~~الروحاني المباشر. # على أنه كثيرا ما يحدث أن يكون للرجل الواحد هاتان النظرتان معا، ~~يستخدم كلا منهما في مجال، فهو يتشبث بالواقع المحسوس إذا كان في ~~مجال بيع أو شراء أو طعام وشراب، إنه لا يرضى وهو في هذا المجال ~~العملي أن ms064 يدفع ماله ثمنا لدار يشتريها أو لثوب قماش، ثم يرضى بعد ~~ذلك أن يعود خالي اليدين مما اشترى، على زعم له من البائع أن ~~الدار التي اشتراها أو ثوب القماش، ما هو إلا رمز لما وراءه، فليترك ~~هذا الرمز لينصرف إلى البحث عما يرمز إليه في دنيا الطي والخفاء، ~~لا، إنه في مجال الحياة العملية يقبض على الواقع بكلتا يديه؛ ~~لأنه آنئذ هو كل ما يعنيه، لكنه في ساعات الفراغ المتأمل، بعد ~~أن يكون قد طعم وشرب واكتسى، لا بأس عنده في أن «يتفلسف» على النحو ~~الذي يوهم بأن كل هذه الأشياء التي نشط لكسبها بياض نهاره، ليست ~~إلا «ظواهر» طافية كرغوة الماء على سطح الوجود، وعلى الحكيم أن ~~يمحو غشاوتها من أمام عينيه، ليرى بواطنها الخافية، التي هي الحق ~~الثابت الدائم الذي لا يتبدل ولا يتحول ولا يزول، ومن هذا الطراز ~~من الرجال، أعني الطراز الذي يتمسك «بالواقع» في حياته العملية - أو ~~العلمية - ثم لا يلبث أن يتنكر له في حياته المسترخية المستريحة ~~من قيود ذلك الواقع، أقول إن من هذا الطراز من الرجال تتألف ~~الكثرة الغالبة من البشر، وأما الذين يحدون أنفسهم بحدود الواقع ~~في كل الظروف، فقلة قليلة، وكذلك هم قلة قليلة أولئك الذين ~~يصرون على مجاوزة الواقع إلى ما قد خفي وراءه في كل الظروف ~~كذلك. # الفرق واضح - فيما أرى - بين أن يكون الشيء الواقع حقيقة مقصودة ~~لذاتها، وبين أن يتخذ دليلا على سواه؛ فالضوء الأحمر في علامات ~~المرور هو ضوء كأي ضوء آخر مما يقع على العين المبصرة، ولكنه قد ~~يتخذ دليلا على أمر أصدره الشرطي بأن تقف السيارات العابرة حتى ~~يأذن لها باستئناف الحركة، وعلم الدولة هو قطعة من قماش، كأي ~~قطعة أخرى من قماش، لكنه قد يتخذ رمزا يدل على دولة قائمة ~~واجبة الاحترام، وعقارب الساعة وهي تشير إلى أرقام رقمت على وجهها، ~~هي قطع من معدن تتحرك كما يتحرك سواها من أجزاء المادة المتحركة، ~~لكنها في كل وضع من أوضاعها تدل على ms065 «زمن»، ونستطيع أن نمضي في ~~ذكر الأمثلة مئات وألوفا لأشياء نراها على وجه ونتخذ منها ~~دليلا رامزا على وجه آخر، وأول هذين الوجهين هو الواقع كما تدركه ~~حواسنا، والوجه الثاني هو ما وراء هذا الواقع، فإذا أنت توسعت في ~~هذه التفرقة ووعيتها، وجدت الإنسان الحي: واقعه المحسوس بدن بكل ما ~~فيه من أجهزة للهضم والتنفس وغيرهما، وما وراء هذا الواقع روح ~~نستدلها ولا نراها، ووجدت الطبيعة كلها بما فيها من أكوان فلكية، ~~واقعها هو هذا الذي تراه وتلمسه، ووراء هذا الواقع قوة عظمى ~~تستدلها ولا تراها. # على أن الناس - كما أسلفنا القول - يختلفون درجات في محور ~~التركيز: نفر قليل ينحصر في الواقع المرئي المحسوس غاضا نظره عن ~~مهمة الرمز التي قد ينسبها آخرون إلى هذا الواقع، ونفر قليل آخر ~~يجاوزون الواقع المرئي، لا يقفون عنده لحظة، إلا ريثما يطعمون ~~بأقل الزاد، ويكتسون بأقل الثياب؛ لكي يسارعوا إلى ما وراءه، ثم ~~كثرة كاثرة تحاول الجمع بين النظرتين، فتجعل من يومهم ساعات للواقع ~~يقفون عنده من حيث هو، وساعات أخرى لما يفرضون وجوده وراء ذلك ~~الواقع. # وعلى هذا النحو نفسه تختلف العصور، وتختلف الأمم، فمن عصور التاريخ ~~ما تغلب عليه النظرة إلى الواقع كما تقع صورته على حواس المشاهدين ~~- مثل عصرنا الراهن في جملته - ومنها ما تغلب عليه النظرة الأخرى ~~التي تتخذ من هذا الواقع رمزا، ثم تحاول البحث وراءه عما يرمز ~~إليه - مثل العصور التي اشتدت فيها روح التدين - ومنها عصور حاولت ~~أن توازن بين النظرتين كما حدث في ظني إبان القرن الماضي حين كادت ~~تتجاوز مثالية هيجل مع وضعية أوجست كونت، وكذلك تختلف الأمم كما ~~تختلف العصور، ولقد جرى عرف الناس في أحاديثهم الجارية على أن ~~ينعتوا الشعوب التي يغلب عليها الوقوف عند حدود الواقع لا ~~يجاوزونها ما استطاعوا، بأنها شعوب «مادية» - كما نقول اليوم عن ~~الشعب الأمريكي مثلا في وقفاته العلمية الصارمة - وأن ينعتوا الشعوب ~~التي يغلب عليها الميل إلى مجاوزة الرمز إلى المرموز إليه - أعني ~~مجاوزة الواقع إلى ms066 ما وراءه، بأنها شعوب «روحانية» - كما نقول نحن عن ~~أنفسنا أحيانا، وعن الشعب الهندي، وعن الشرق كله بصفة عامة. # أما بعد هذا التمهيد الشارح، فإني أعرض للمشكلة الكبرى التي ~~تشغلني وتشغل سواي من رجال الثقافة في الأمة العربية، وهي: كيف ~~نلتمس لأنفسنا طريقا في عصرنا هذا، بحيث نعاصره حقا وفعلا ~~وإيجابا، ونحافظ في الوقت نفسه على المقومات الأساسية التي تجعلنا ~~أمة عربية؟ # إن أغلب الظن عندي هو أن أوضح سمة تميز العربي في ثقافته - ~~وذلك حين يكون هذا العربي في عصور قوته - هي أنه يوازن في دقة ~~وبراعة بين وجهي الحياة؛ فللواقع المحدود المحسوس مجال، ولما وراءه ~~مجال آخر، بحيث لا يطغى أحد المجالين على الآخر، بل يتكامل ~~المجالان في حياة سوية متزنة، وربما كان المعنى المقصود من الحديث ~~الشريف بأن يعمل الإنسان لدنياه كأنه يعيش أبدا، ولآخرته كأنه ~~يموت غدا، هو وجوب مراعاته لهذا التوازن بين النظر إلى الواقع حين ~~ينبغي أن يحصر رؤيته فيه، ثم النظر إلى ما وراءه باعتبار الواقع في ~~هذه الحالة رمزا يشير إلى ما هو أرفع وأسمى؛ فالواقع مهما كانت ~~قيمته، إنما هو جزئية عابرة تجيء وتمضي، وأما ما يمكن أن يشير ~~إليه فمطلق أزلي لا يتعاوره الحدوث والفناء. # لكن الأمة العربية لم تكن دائما بهذه القوة التي توازن بين ~~الطرفين في اتساق وتوازن، بل أصابها الضعف حينا، ولعلها ما زالت ~~تئن من بعضه إلى يومنا، فماذا يصنع ضعيف البنية إلا أن يفر من ~~حمل الأعباء الثقال؟ ماذا يصنع ضعيف المعدة سوى تجنب الطعام؟ ومثل ~~هذا الفرار رأيناه في العربي الضعيف، حين رأيناه يفر من الواقع ~~لائذا بما وراه، فتكون النتيجة أن يضيع منه الجانبان معا، عندئذ ~~يكثر التواكل والتخاذل، وتشيع الخرافة، ويضيع الإيمان بالعلم وروابطه ~~السببية! إذا أراد الناس قمحا ليأكلوا، فلماذا يلتمسونه على أرض ~~الواقع ما دام في وسع أصحاب الخوارق أن يضعوا أيديهم في أوعيتهم ~~الخالية فإذا هي مليئة بالخبز والأرز واللحم والمرق؟ # على أن ضعف العربي الضعيف لم يظهر دائما ms067 في صورة الفرار من ~~الواقع، بل كثيرا ما ظهر - وما يزال - في الوقوف عند الواقع المحسوس، ~~لا وقفة العلماء يحللونه ويركبونه ويخترعون منه الأجهزة العلمية ~~ويخلقون منه حضارة جديدة، بل وقفة الخلعاء يكثرون من الطعام ~~والشراب والثياب والبذخ واللهو الفارغ، وسواء لها العربي الضعيف ~~عن الواقع أو انغمس فيه، فهو في كلتا الحالتين صورة شائهة للثقافة ~~العربية إبان قوتها. # ومع ذلك فهذا كلام جاء عرضا في سياق الحديث، وليس هو ما قصدت ~~إليه، وإنما قصدت إلى بحث للثقافة العربية الحديثة عن وقفة تحقق ~~بها ذاتها وتشارك بها عصرها في آن معا، وهي إنما تحقق ذاتها - ~~ولا جدال في هذا - بأن تضيف إلى الواقع ما وراءه، ولكن كيف؟ # تستطيع أن تقول عن عصرنا هذا ~~أي شيء تريد، لكنك لا بد ناعته بأنه عصر علمي من الرأس إلى ~~أخمص القدم، ولا ينفي عن العصر علميته هذه أن نراه يلجأ في دنيا ~~الأدب والفن إلى ضروب يتحلل فيها من روابط المنطق، مستهدفا بذلك أن ~~يزيح عن ظهره صرامة العلم ومنطقه ولو لبضع ساعات ليستريح، وإذا ~~قلنا عن العصر إنه ذو طابع علمي ظاهر في أدواته وآلاته وتقنياته، ~~فقد قلنا بالتالي إنه عصر يرتكز على «الواقع» وحده، وإلا فهل يترك ~~عالم الضوء - مثلا - ظاهرة الضوء لينظر إلى ما وراءها؟ هل تريد ~~لعالم الطبيعة الذرية أن يغض النظر عن الذرة التي هي موضوع بحثه ~~ليبحث عن خفاء كامن خلفها؟ لا؛ فالعلم مربوط بالواقع أوثق ~~الروابط، والعالم مشدود العنق إلى موضوع بحثه، يصب عليه المشاهدة، ~~ويجري عليه التجارب، ليستخرج خصائصه وتفاعلاته مع غيره، ثم ليصوغ ~~له القوانين آخر الأمر في صورة رياضية ليتمكن الإنسان بعد ذلك ~~من إلجام الظواهر الطبيعية بكل ما استطاع من شكائم، فيركبها ~~ويوجهها، كما يفعل مهرة الفرسان في جيادهم. # فإذا شاء العربي أن يعاصر زمانه، فلا مندوحة له عن العلم، ثم ~~العلم، ثم لا ثم بعد العلم، وإنما عنيت العلم بمعناه الطبيعي، لا ~~بالمعنى الذي يتصوره بعضنا حفظا لما ورد في صحائف ms068 الأقدمين، فلن ~~تزداد عصرية لو رويت عن ظهر قلب ألف ألف بيت من الشعر، لكنك ~~تزداد عصرية لو شاركت في العلم بالإلكترون وفي تسييره لخدمة ~~الإنسان، وكما أن الحياة يقظة للنشاط المنتج، ونعاس للراحة ~~والأحلام، فكذلك حياة الإنسان الثقافية: يقظتها في دراسة العلم ~~الطبيعي وتطبيقاته، ونعاسها الحالم في رحاب الأدب والفن. # ولنترك المعاصرة ووسيلتها؛ فما أظن عليها بين أولي الرأي اختلافا ~~ولا خلافا، ولنعد إلى سؤالنا الأهم والأعوص، وهو: ماذا عسانا أن ~~نضيف إلى العلم من لدنا لنصبح عربا، بعد أن بتنا بالعلم ~~معاصرين؟ .. الجواب هذه المرة يكمن فيما وراء الواقع؛ فلئن كان ~~الواقع المرئي، الذي هو مجال العلوم الطبيعية، مشتركا بين الناس ~~أجمعين، فإن ما وراء الواقع تختلف صورته باختلاف الأمم، بل إنها ~~لتختلف في الأمة الواحدة باختلاف الأفراد في أنصبتهم من ~~الثقافة. # ولو أمعنت النظر حولك في أحاديث الناس ومسالكهم لرأيت هذه ~~الحقيقة ماثلة أمام عينيك، لا، بل إنك لتراها ملقاة أمامك على ~~قارعة الطريق، لا تتطلب منك إمعانا للنظر، وهي أننا لا نكاد نغفل ~~عما وراء الواقع في حياتنا لحظة؛ فذلك - كما أسلفت القول - هو ~~طابعنا الثقافي الأصيل المميز، ولا عجب أن كنا نحن الأمة التي ~~عن طريقها عرفت الدنيا رسالات السماء، ومعنى ذلك أننا بحكم ~~الوراثة الثقافية نفسها معدون أتم إعداد لإضافة الباطن الخفي ~~إلى الظاهر البادي، فإذا استطعنا - بالمشاركة في الحركة العلمية - أن ~~نشارك عصرنا في هذا الظاهر البادي للبصر والسمع، فما أيسر علينا ~~بعدئذ أن نميز أنفسنا بنظرتنا الخاصة إلى ذلك الخفي ~~الباطن! # غير أن هذه الإضافة - إضافة الباطن إلى الظاهر - لسوء الحظ لا ~~تتخذ عندنا صورة واحدة من الطراز الذي يعلو بصاحبه، بل إن لها ~~عندنا صورتين: إحداهما قد تراها في قلة ضئيلة من المثقفين، وأما ~~الأخرى فلها الشيوع في السواد الأعظم من الناس، أما في الحالة ~~الأولى، فالماورائية تبني لنفسها نسقا متينا من القيم السامية، ~~التي من شأنها أن تحدد الأهداف العليا ثم ترسم لها خطوات الوصول، ~~وبذلك تصبح فعالة محركة نحو ms069 الأرقى والأفضل، وأما في الحالة ~~الثانية، فالماورائية تتحول إلى مجموعة من السمادير والأوهام، ~~فترين على القلوب وتغشى الأبصار، وما هي إلا أن تتجمد الحياة ~~في شرايينها، فلا سير ولا حركة، بله أن يكون ارتفاع وارتقاء. # ونغض أنظارنا عن أصحاب الأوهام والسمادير، برغم كونهم الفئة ~~الأكثر عددا والأوسع انتشارا؛ لأنهم إذ يجاوزون دنيا الواقع إلى ~~ما وراءها، لا تقع أبصارهم في هذا «الوراء» الخصب الغني الملهم، ~~إلا على ما يشتت الأذهان ويبعثر الجهود ويضل السائرين عن ~~جادة الطريق، نغض النظر عن هؤلاء؛ لأنهم يلتمسون فيما وراء ~~الواقع كل ما من شأنه أن يهدم بنيان العلوم، فالعلوم قائمة على ~~اطراد القوانين، أما هؤلاء فيبحثون عن روايات يروونها ليثبتوا ~~بها ألا قوانين ولا اطراد، فإذا كانت قراءة مخطوط معين تتطلب ~~في الحياة الواعية العاقلة عيونا ترى، جعلوها لك أمرا ممكنا بغير ~~رؤية، وإذا كان الانتقال من نقطة إلى نقطة أخرى تتطلب اجتياز ~~المكان الواقع بينهما، جعلوا لك هذا الانتقال ممكنا بغير اجتياز ~~للمكان، وهكذا وهكذا، ألوف الأمثلة والروايات يسوقونها لك ويروونها، ~~ولو صدقت لكذب العلم، وبالتالي لاستحال علينا مشاركة العصر في ~~علميته بكل عقولنا وقلوبنا. # نغض أنظارنا إذن عن هؤلاء برغم كثرتهم، ويكفي لإهمالهم من حسابنا أن ~~نعلم أن أوهامهم هذه، ولو زيدت أضعافا مضاعفة، لما زادت غلال ~~القمح حبة، ولا أقامت للمضيعين من الناس جدارا، ولا نسجت ~~للعريان ثوبا، هي أوهام تهدم ولا تبني، وتقيد العقول لا تفك ~~أغلالها ولا تفسح أمامها آفاق النظر. # نغض أنظارنا عن هذا اللون المريض من مجاوزة الواقع إلى ما وراءه؛ ~~لنحصر تلك الأنظار في طريق آخر، يميزنا ونستطيع أن نفخر به ~~ونفاخر، وذلك هو الطريق الذي نبني به وراء الواقع المادي منظومة ~~من القيم، بينها وحدة واتساق، وفيها دينامية محركة، ولها القدرة ~~على رسم حياة مثلى، يكون فيها العمل والأمل، وهي منظومة من القيم ~~لم تعرف بها أمة كما عرفنا، ومن ثم فهي التي يمكن أن تمدنا ~~بالطابع الفريد الذي يحقق لنا الأصالة، التي إذا أضيفت ms070 إلى المعاصرة ~~عن طريق اكتسابنا للعلوم؛ حققنا وجودنا من طرفيه، فكنا بذلك ~~عربا ومعاصرين في آن معا. # وهي مجموعة من قيم لن تحتاج منا إلى بحث طويل للكشف عنها؛ ~~لأنها على أطراف أناملنا، نرددها ألف مرة كل يوم، يحفظها صبية ~~المدارس، ويجريها الراشدون في أحاديثهم الجارية، لكن - وا أسفاه - ~~يحفظها أولئك ويرددها هؤلاء ألفاظا، لكنهم لا يعيشونها حياة، ~~وإنما عنيت القيم المتمثلة في أسماء الله الحسنى. # هذه الأسماء هي في حقيقتها دلالات تشير إلى قيم تضبط السلوك ~~وتوجه مجرى الحياة إلى أهداف تليق بالإنسان كما تتصوره ~~وتصوره الثقافة الإسلامية العربية، هي صفات تكون مطلقة بالنسبة ~~إلى الله سبحانه، ومنقوصة متدرجة نحو الكمال بالنسبة إلى الإنسان، ~~فلو استطعنا - عن طريق التربية بصفة خاصة، وعن طريق الفكر والنشر ~~بصفة عامة - لو استطعنا ألا نجعلها مجرد ألفاظ نرددها على حبات ~~المسابح، بل نجعل منها معايير حية نابضة نترسمها ونهتدي بهديها، ~~إذن لكانت بين أيدينا منظومة منسقة كاملة من القيم التي تضاف إلى ~~دنيا الواقع فتخرج الإنسان الكامل المتكامل. من وجهة نظر ~~إسلامية، وفي ظروف هذا العصر، عصر العلم والصناعة. # إننا لنبصر بأعيننا ونلمس بأيدينا كيف انتهى العلم الطبيعي ~~والصناعة التقنية في البلاد التي تقدم فيها العلم وتقدمت الصناعة، ~~كيف انتهى بها هذا العلم وهذه الصناعة إلى حالة من العرج الحضاري، ~~فكأنما هي تحجل على ساق واحدة، فكان ما كان من تمرد الإنسان ~~على نفسه في الفن والأدب، حتى لقد أعلنوها صريحة بأنهم لم يعودوا ~~يطيقون العقل والمعقول، واندفعوا وراء اللامعقول والعبث، فأي إضافة ~~عظيمة تستطيع الثقافة العربية الأصيلة أن تضيفها إلى حضارة هذا العصر، ~~لو أنها جسدت قيمتها في أبنائها أولا، فاستطاعت بذلك أن تعطي ~~للعالم المعاصر معاني إنسانية في مقابل ما تأخذه من علم ~~وتقنيات؟! # كان من بين ما أوحى إلي بهذه النظرة إلى الأسماء الحسنى، وهي ~~النظرة التي تجعل منها قيما للسلوك البشري، كتاب صغير عميق ملهم، ~~هو كتاب الإمام الغزالي: «المقصد الأسنى في أسماء الله الحسنى»؛ ~~فالإمام في كتابه هذا ms071 يلقي على الأسماء الحسنى أضواء ساطعة تبرز ~~معانيها الخافية، وهو يعقب على شرحه لكل اسم منها بقوله: إن ~~نصيب العبد من هذه الصفة كذا وكذا، فيبين للقارئ كيف يسلك في حياته ~~العملية على ضوء هذه الصفة المعينة أو تلك من «المجموعة ~~بأسرها». # وإنني لعلى ظن يبلغ درجة الرجحان الشديد، بأن المتأمل لهذه ~~المجموعة من الصفات، يستطيع آخر الأمر أن يقيم منها بناء واحدا ~~متسقا، وإنما قصدت ب «البناء المتسق» هنا ما نقصد إليه في ~~دراساتنا الفلسفية حين نرتب القضايا ترتيبا تنازليا، يبدأ بالأعم ~~وينتهي بالأخص، بحيث تجيء كل خطوة نتيجة منطقية لازمة لزوما ~~ضروريا عن الخطوة السابقة عليها، وفي الوقت نفسه تكون مقدمة ضرورية ~~بالنسبة للنتيجة التي تلزم عنها في الخطوة التي تليها، ولو استطعنا ~~بناء هذه القيم على هذا النحو المتسق أوله مع آخره، كان لنا بذلك ~~- لا مجرد عدد متناثر من القيم، بل - مجموعة «موحدة»، ويكون مثل ~~هذا «التوحيد» في القيم عندئذ جانبا مهما من التوحيد الذي هو ~~أميز ما يميز عقيدة المسلم، وعندئذ كذلك يكون هذا التوحيد في ~~القيم ضامنا للإنسان ألا يتمزق سلوكه يمنة ويسرة، فلا يدري ~~إلى أين يتجه؟ فمن نقائص عصرنا - بشهادة رجال الفكر أجمعين - أنه ~~عصر أدى بشبابه إلى حالة من التمزق والتفسخ والضياع، لماذا؟ ~~لأن القيم التي ينطوي عليها هذا العصر ليست كلها على اتساق ~~بعضها مع بعض؛ فترى هذه القيمة المعينة تغري الناس بالتزام العقل ~~الصارم (في دنيا العلوم مثلا)، بينما تغريهم تلك القيمة الأخرى ~~بالخروج والعصيان وتفضيل الغريزة والوجدان على العقل ومنطقه (كما هو ~~مشاهد في كثير من نتاج الأدب والفن، وفي تمرد الشباب)، فلو استطعنا ~~نحن أن نقدم للعالم مجموعة متسقة الأجزاء من القيم الهادية ~~للإنسان على طريق الحياة، كان هذا دورنا في بناء الحضارة ~~المعاصرة. # ولا يتسع المقام هنا لبحث شامل كالذي اقترحته، فلأقنع بمثال ~~واحد، لعلي أوفق به إلى توضيح ما أريد: # أعتقد أن لصفة «الحياة» في هذه المجموعة صدارة منطقية؛ فمنها ~~تتفرع سائر الصفات، وفي ذلك ms072 يقول الزبيدي في شرحه لكتاب الغزالي ~~«إحياء علوم الدين» (ج2): إن تأخير ورود «الحياة» بعد ذكر صفات ~~أخرى؛ كالقدرة والعلم، هو بمنزلة تأخير المدلول عن الدليل؛ فمن شرط ~~العالم القادر أن يكون حيا، ومع ذلك فكل ترتيب نجعل به صفة تسبق ~~أخرى، لا يعني ترتيبا في الظهور؛ لأن هذه الصفات كلها أزلية ~~معا. # وبعد هذا التحفظ أعود فأقول إن لصفة «الحياة» صدارة منطقية، ~~فماذا نعني بها حين ندعو الإنسان إلى أخذ نصيبه منها فيكون «حيا»؟ ~~المقصود «بالحياة» هنا جانبان أساسيان، هما «الإدراك» و«الفعل»، ~~فللإنسان حياة بقدر ما لديه من إدراك ومن فعل، إنه قد يتنفس ~~ويتغذى ويتناسل، ومع ذلك كله لا يعد «حيا» بهذا المعنى المقصود، ~~شرط الحي أن يكون على وعي كامل بما يدور حوله وبما تعتلج به نفسه، ثم ~~لا يقف أمام إدراكه هذا ووعيه موقفا سلبيا سكونيا؛ لأنه لو ~~فعل لما تغيرت الدنيا على يديه، بل لا بد أن يكون «فاعلا» ~~نشيطا منتجا مشاركا في دفع تيار الحياة بحياته، وإلى أين يدفعه؟ ~~يدفعه إلى حيث تسمو وترتقي، فالواقف على جانب الطريق ينظر إلى ركب ~~الحياة ولا يسهم في دفعه؛ ليس حيا، والذي يحاول الرجوع بتيار ~~الحياة إلى وراء ليعود به إلى حيث بدأ؛ ليس حيا بمعنى الحياة ~~الإيجابي الذي أسلفناه، الحي يقود ولا ينقاد، ويكون متبوعا لا ~~تابعا، ما دامت «الحياة» بحكم تعريفها السابق خلقا وإبداعا ~~وابتكارا وإضافة للجديد. # كان العربي من الأولين «حيا» لأنه ما انفك بانيا في كل ~~مجال: بانيا في مجال الفكر وفي مجال الحرب وفي مجال السياسة، ولأنه ~~كان تام الإدراك لدنياه، وشديد الفاعلية فيما حوله، والإدراك والفعل ~~- كما أسلفنا - هما عصب الحياة بالمعنى المقصود، فإذا رأيت العربي ~~من المتأخرين - وأعني العرب في حالتهم الراهنة - إذا رأيته سطيحا ~~تحت وطأة المستعمرين، ينقاد لإمامتهم ولا يقود، ويأخذ من حضارتهم ولا ~~يعطي، فاعلم أنه قد فقد من نفسه قيمة عليا من قيمه، ولو ~~استردها لاسترد عروبته بها، إن العربي لا يكون عربيا لمجرد ~~تكراره لهذه ms073 اللفظة ملايين المرات، إنما يكون العربي عربيا ~~حين يتشرب القيم العربية الأصيلة ، وأولها صفة «الحياة» بالمعنى ~~الذي قدمناه. # خط الحياة كخط الزمن، فانظر إلى ما شئت من الكائنات الحية؛ إلى شجرة ~~- مثلا - تجدها تنوع فاعليتها - والحياة فاعلية - بتنوع ~~مراحلها، إن الفعل الذي تبذله في بناء جذورها ليس كالفعل الذي تبذله ~~في صنع الأوراق والثمر، هي شجرة واحدة من جذورها إلى ثمارها، لكنها ~~لو قالت لنفسها عند مرحلة الثمر: لا، اتركي حاضرك وارجعي إلى ماضيك ~~الجليل الجميل، لعادت إلى بناء الجذور مرة أخرى، ولألغت بذلك ~~وجودها، وهكذا يفعل أعداء الحياة حين يدعوننا إلى العودة إلى ما ~~كان، لقد كان لما كان خطره حين كان الملتقى الذي تنصب عليه فاعلية ~~الأحياء، أما وقد انتقل الأمر إلى مرحلة تالية في عملية البناء وطريق ~~السير، فلننصرف بالحياة وفعلها إلى هذه المرحلة الجديدة، شريطة أن ~~نخصص منها جزءا لحفظ الجذور الأولى، وهكذا ترانا نضل طريقنا ~~ونخطئ فهم الحياة، لو ظننا أن شرائح الزمن المتعاقبة يمكن أن ~~يحل بعضها مكان بعض، فننزع المرحلة الأخيرة من سياقها لنردها ~~إلى مكان المرحلة الأولى. # العربي مطالب بحكم تراثه أن يكون «حيا»، فالله تعالى هو «الحي» ~~بالمعنى المطلق الذي يستحيل معه أن يتسرب إليه جمود وموت، وأما ~~الإنسان فهو كذلك - أو ينبغي أن يكون - «حيا» بالمعنى النسبي الذي ~~يعطيه من الحياة بمقدار ما يدرك وما يفعل. # ولو استرسلت في حديثي لأنتقل من صفة «الحياة» إلى سواها، مما يكون ~~في مجموعه منظومة متسقة للقيم الضابطة لسلوك الإنسان ووقفته؛ لطال ~~الحديث وفاض، فحسبي هذه «القيمة» الواحدة نموذجا لما أعنيه حين ~~أدعو إلى أن تكون مجاوزتنا للواقع العلمي، مجاوزة لا تنقلنا إلى ~~تخليط السمادير والأوهام والشطح والخرافة، بل تنقلنا إلى عالم القيم ~~التي تؤيد العلم ولا تنقضه، وتبني الحضارة ولا تهدمها، وتجعل من ~~الإنسان إنسانا يسير على ساقين، فها هنا العلم، وهناك ضوابط ~~القيم. # | لمسات من روح العصر # كان حديثا مشبوبا بانفعال ملتهب بيني وبين صاحبي، قال لي فيه: ~~إنك ما تنفك داعيا ms074 إلى العصر والمعاصرة، كأنما ترانا وقد ~~سدت في وجوهنا أبواب الحضارة، فلهونا خارج أسوارها، لا نسمع منها ~~إلا صرير أقلامها وأصداء عجلاتها؟ ولست في الحق أرى ما تراه، إذا ~~كان هذا هو الذي تراه، فها هي ذي مطابعنا تدور بألوف من الكتب والصحف ~~والمجلات، فنتابع خلالها ما يجري في أنحاء العالم من شرقه إلى غربه، ~~وها هي ذي معاهدنا وجامعاتنا تنتج العلوم وتخرج العلماء، وإذا ~~أدرت البصر في أرجاء بلادنا رأيت يابسها وماءها وسماءها تعج بكل ~~ضروب الأجهزة والمكنات، في البيوت وفي الشوارع وفي المصانع، وحيثما ~~وجهت البصر، فماذا تريد؟ لا، بل إننا بعد أن نقلنا هذا كله من ~~عصرنا فعاصرناه، زدنا عليه حفاظا على الأخلاق، فلم تنهدم أركانها هنا ~~كما انهدمت هناك! # فقلت: إن أربعين سنة قضيتها في التعليم - والتعليم عندي معظمه ~~حوار سقراطي، يخرج خبيء المعاني - قد علمتني بدورها درسا، هو ~~أن الفجوة فسيحة فسيحة، وعميقة عميقة، عند الكثرة الكاثرة من الناس، ~~بين فروع المعرفة وأصولها؛ أعني بين سطوحها البادية وأعماقها المضمرة، ~~أو بين ما يظهر منها وما يخفى، فقلة قليلة جدا منا - نحن ~~المثقفين ودع عنك سواد الناس - هي التي تريد، وإذا أرادت، تستطيع أن ~~ترد الأفكار الدائرة على أطراف الألسنة في الأحاديث الجارية إلى ~~جذورها المستورة، لتطمئن إلى ما بين الفكرة وجذورها من اتساق، فأنت ~~لا تكاد تغوص مع محدثك إلى ما قد غيبه في حنايا الصدر من معتقدات ~~دفينة راسخة الأسس، حتى ينكشف لك - ولا أقول ينكشف له؛ لأنه في ~~معظم الحالات يرفض أن يرى - كم يكون من التضاد بين ما يعلنه من ~~الفكر وما يخفيه من المعتقد، لا عن عمد خبيث منه، بل عن غير وعي، ~~حتى تلفت إليه وعيه، وهو في أكثر الحالات - كما قلت - يغمض عينيه ~~على أوجه التضاد حتى لا يراها فتفزعه، ولقد شهدت بعيني وسمعت بأذني ~~عشرات من «العلماء» المتخصصين في فروع الفيزياء والكيمياء وغيرهما من ~~ضروب «العلم» بأحدث معانيه، لا يقلقهم أن يقفوا في معاملهم وأمام ~~تجاربهم طيلة نهارهم، ms075 حيث لا يأخذون إلا بما تشهد لهم به تجربة ~~يرونها ويسمعونها، إن لم يكن بأجهزة السمع والرؤية، فلا أقل من أن ~~يكون ذلك بالحواس العارية، حتى إذا ما خلعوا عن أجسادهم معاطفهم ~~البيض، وخرجوا من معاملهم إلى حيث يستريحون ويسمرون؛ رأيتهم ~~يديرون الحديث - بكل نفس مطمئنة - عن خوارق، إذا صدق ما يروونه ~~عنها انهدمت علومهم من أساسها، وهيهات لك أن تشير إلى فجوة التضاد ~~بين «علم» النهار و«خوارق» الليل! # فإذا سمعت الناس يحدثونك عن العصر وفكره وحضارته، وظننت أنهم قد ~~أجروا في شرايينهم عصارة زمانهم، فلا تنخدع، وصابرهم على تحليل ~~مكنوناتهم، وأغلب ظني أنك كاشف في دخائلهم رواسب قرون خلت، ~~برغم ما قد صبغوا به جلودهم من ألوان القرن العشرين وزخارفه، وسأضرب ~~لك أمثلة توضح ما أريد: # أحسب ألا خلاف على أن فكرة «التقدم» هي من أبرز ما يميز العصر ~~الحديث كله، لثلاثة قرون مضين وإلى يومنا، فلا أظنك مصادقا في ~~جموع الناس أحدا يرضى لنفسه أن يكون عدوا «للتقدم» في شتى جوانب ~~الحياة العقلية والمادية؛ فمهما يكن مذهبه الذي يدعو إليه، فهو يزعم ~~لنفسه وللناس أنه مذهب يعمل على تقدم الحضارة بكل فروعها، ~~وإلا لما دعا إليه. # إلى هنا والناس على إجماع، فلنأخذ في تحليل الفكرة لنرى كم منهم ~~يظل صامدا في دعوته إلى «التقدم»: إنك لكي «تتقدم» من حالة ~~إلى حالة، لا بد أن تعد الحالة الأولى متخلفة بالنسبة للحالة ~~الثانية، فالنقلة لا تكون تقدما إلا إذا كان وراء ذلك فرض هو ~~أنها نقلة مما هو أسوأ إلى ما هو أفضل، لا مما هو حسن إلى ما هو حسن ~~آخر، فضلا عن أن تكون نقلة من الأفضل إلى الأسوأ! ومعنى ذلك في ~~عبارة صريحة هو أن «الماضي» دائما، وفي كل الظروف، أقل صلاحية ~~من «الحاضر» دائما وفي كل الظروف؛ ذلك أن زعمنا أن الحضارة ~~«تتقدم» وإلا فقدت هذه الكلمة معناها. # وها هنا نضع أصابعنا على ركيزة أولى، لا محيص لنا عن قبولها إذا ~~أردنا أن نتشرب روح عصرنا، ms076 وهي أن نزيل عن الماضي كل ما نتوهمه ~~له من عصمة وكمال؛ فمهما تكن وسائل الماضي الثقافية والحضارية ~~ملائمة لظروف عصرها؛ فهي بالضرورة تفقد هذه الصلاحية في ظروف عصرنا، ~~فإذا وجدت مكابرا يدعي بأنه عصري الوقفة والنظر، ثم وجدته - في ~~الوقت نفسه - يتمنى لو كرت الأيام راجعة، بحيث تعود إلى الناس ما ~~كان للأسلاف من رؤية وسلوك، فاعلم أن سطحه الفكري مناقض لأعماقه، ~~وأنه بعيد عن عصره بعد ما بين السطح والأعماق! وليس يعني هذا ~~بترا للماضي، كلا؛ فبغير الماضي لا تكون للحاضر هويته! وإنما ~~يعني تطويرا له، فالشباب لا ينسخ الطفولة نسخا، لكنه يطورها، ~~بحيث تظل هوية الشخص الواحد قائمة، والرجولة لا تنسخ الشباب، ~~لكنها تطوره، ليكون حاضر الإنسان امتدادا لماضيه، امتدادا لا ~~يكرر ذلك الماضي، بل ينبثق منه كائنا جديدا، يحمل من ماضيه بعض ~~ملامحه، ويضيف إليها بحاضره ملامح أخرى. # إذا آمنا «بالتقدم» إيمانا يجاوز نطقنا باللفظة صوتا تفوه به ~~الشفتان، كانت النقلة الفكرية بعيدة بعدا فسيحا؛ لأننا عندئذ ~~سنقلب الميزان، فنجعل معيارنا هو المستقبل المرجو، بعد أن كان ~~الماضي الذي خلفناه وراء ظهورنا؛ أي إن معيارنا بعدئذ لا يكون هو ~~«المبدأ» بل «المنتهى»، لا ما قد كان بل ما سوف يكون، فلو سئلنا ~~عندئذ: ماذا ترى في هذا السلوك المعين يسلكه الأفراد، أو في هذا ~~التشريع المعين تسنه الدولة، أو في هذا الوضع أو ذاك من أوضاع ~~الحضارة السائدة، لم يكن جوابنا عندئذ: انتظر حتى أقيسه إلى سلوك ~~الآباء وتشريعهم وأوضاعهم الحضارية، بل يكون الجواب: انتظر حتى أحسب ~~النتائج المترتبة على هذه الأشياء، فإذا وجدت النتائج مزيدا من ~~علم ومن صحة ومن حرية ... إلخ، قبلت السلوك ورضيت بالتشريع وأقبلت على ~~الأوضاع الحضارية الجديدة، إن المعول عندئذ لا يكون: ماذا كان ~~بالأمس؟ بل يكون: ماذا سيكون غدا؟ # كان «للمبادئ» رهبة تدنو من التقديس، إن لم تكن هي التقديس نفسه، ~~وكان سر الرهبة كامنا في أن مصدر المبادئ مجهول، فازدادت بذلك ~~ألغازا يصرفنا عن تحليلها والنظر في محتواها، هل ms077 يصلح مقياسا للعصر ~~أو لا يصلح؛ ولذلك رأينا فلاسفة الأخلاق على طول الزمن، من اليونان ~~الأقدمين إلى مشارف العصر الحديث، لا يسألون أنفسهم: ما حقيقتها؟ بل ~~يسألون: من أين جاءت؟ وهنا اختلف الفلاسفة في ذلك مذهبا، فقال قائل: ~~إنها منبثقة من فطرة الإنسان، سواء كانت هذه الفطرة عندهم «عقلا» ~~أو «ضميرا» أو ما شاء لكل منهم مذهبه، وقال قائل آخر: بل نزلت من ~~السماء وحيا يهدي البشر سواء السبيل، على أن ما نزل على الناس ~~وحيا، وما انبثق من دخائلهم يتساويان آخر الأمر، كأنما الشريعة ~~السماوية عقل ظاهر، والعقل في توجيهه شريعة باطنة، وهكذا أخذتهم ~~الحيرة أمام «المبادئ» بين ظاهر وباطن، بين سطح وأعماق، على اختلافهم ~~بعد ذلك في ماذا يكون السطح، وماذا تكون الأعماق: أيكون على السطح ~~رغبات وأهواء ربما جمحت بصاحبها لولا أن في أعماقه عقلا يوجهها ~~نحو ما ينبغي أن يكون؟ (هذا هو الفيلسوف الألماني «كانت» في القرن ~~الثامن عشر)، أم يكون «العقل» هو القشرة السطحية البادية، وأما ~~أعماقه فوجدان صادق، يوجه ويملي؟ (وهذا هو «جان جاك روسو» في القرن ~~الثامن عشر أيضا)، ترى هل يكون على السطح الظاهر مجتمع يفرض على ~~الأفراد ما أراده لهم من تقاليد، يتقيد بها هؤلاء الأفراد وكأنها ~~قيود من حديد، وإذن لا نتوقع في الخفي الباطن إلا جيشانا وغليانا ~~يلتمس طريقه إلى الخروج في ثورات الاحتجاج حينا بعد حين؟ (وهذا شيء ~~قريب مما ذهب إليه «ماركس») أو لعل الذي خفي عن الأبصار هو تقاليد ~~المجتمع وأوامر الدولة، خفيت عن الأبصار واتخذت لنفسها كيانا ~~مطويا في حنايا النفس، ونطلق عليها «الضمير»، وأما الذي ظهر على ~~السطح فهو النزوات الفردية التي تنزو بأصحابها أن يفلتوا من رقابة ~~المجتمع والدولة، فما يلبثون أن يسمعوا صوت الضمير في أنفسهم صارخا ~~ومؤنبا؟ أم هل يكون الظاهر وعيا صاحيا مدركا لكل ما فرض ~~علينا من قيود، يبطنه اللاوعي أو اللاشعور، الذي إذا لم يجد لنفسه ~~متنفسا في عالم الصحو التمسه في دنيا النعاس والأحلام؟ .. ~~مذاهب اختلفت كما ms078 ترى في أي الجوانب هو ظاهر الإنسان وأيها هو ~~باطنه؟ لكنها اتفقت جميعا على افتراض ظاهر وباطن معا، وما ذلك ~~كله إلا لأنهم سلموا بمقدمة لم يجادلوها، وهي أن ثمة ~~«مبادئ» ترسم صور السلوك الأمثل، فمن أين جاءت يا ترى؟! # والذي يفرض قيام هذه المبادئ قبل خوض التجربة الحية، إنما يكون قد ~~خطا بالناس أجرأ خطوة نحو صورة من صور الاستبداد السياسي؛ لأن ~~المبادئ قواعد، فإذا أنت جعلتني أقدم على حياتي ونصب عيني هذه ~~القواعد الأولية فقد حددت الإطار العام لسلوكي، ثم ما هو إلا أن ~~يخرج على الناس مارد من هؤلاء المردة الجبابرة، فيأخذ لنفسه حق ~~تفسير هذه القواعد، ليضع أعناق العباد في أي شكيمة أراد، مسدلا على ~~وجهه قناع «المثل العليا» التي يسعى إلى تحقيقها، والويل عندئذ ~~لمن أخذته في الأمر ريبة أو اجترأ على طرح سؤال على الملأ! وفيم ~~الريبة وفيم السؤال؟ إن «القواعد» بحكم طبيعتها ومنطقها تبرر ~~نفسها، خذ قواعد لعبة الكرة مثلا، فهل يحق للاعب وهو في معمعان ~~اللعب أن يسأل: لماذا يكون خط الجزاء هنا وليس هناك؟ ولماذا يجوز ~~مس الكرة بالقدم ولا يجوز مسها بالأصابع؟ لا، إنها «قواعد» اللعبة ~~التي تقبل ابتداء؛ لأنه بغيرها لا يكون لعب يمكن الحكم عليه ~~بالصواب أو بالخطأ؛ ولذلك «فالحكم» في لعبة الكرة هو حاكم مطلق، وله ~~أمره، وأمره نافذ، وهكذا قل في كل ضروب «القواعد»، بما فيها قواعد ~~الأخلاق، فإذا نحن سلمنا بقيامها قياما مسبقا، فقد مهدنا الطريق ~~أمام الحاكم المستبد، يظهر كلما ظهر الشخص الذي يريد ذلك ~~ويستطيعه. # ومع الحاكم المستبد يظهر ما يسمونه بالبيروقراطية؛ أي ذلك الضرب ~~من الحكومة الذي يجيز أن تهبط الأوامر من أصحاب المكاتب والمناصب، ~~لتهوي على أرواح البشر وهم في ميادين نشاطهم، كأنها ضربات القدر، ~~وقد تسألني: لكن القواعد الخلقية نراها مفروضة حيث يظهر الحكم ~~المستبد والبيروقراطية، وحيث لا يظهران على السواء، فلماذا ترتب ~~على قيامها الحالة الأولى، ولا ترتب عليه الحالة الثانية؟ والجواب ~~هو أن الشأن في هذا هو كالشأن ms079 في أشياء كثيرة أخرى، فالماء يرويك ~~من ظمأ، والماء يقضي عليك بالغرق فيه، والنار تنضج لك الطعام، والنار ~~تدلع الحريق المدمر، فكذلك القواعد أيا كانت حين يقال عنها ~~إنها مفروضة من حيث لا ندري، فهي إما تصلح أداة للحاكم المستبد، ~~وإما تتخذ أداة لحكم الشورى، والفرق بين الحالتين هو أن الحاكم ~~المستبد يطبق القواعد على الناس ويعفي نفسه منها، وأما الحاكم ~~الديمقراطي فهو يطبق القواعد على الناس وعلى نفسه، سواء ~~بسواء. # من أجل هذا كله، تسود عصرنا هذا فكرة أخرى، يريد أصحابها أن ~~يحلوها محل «المبادئ» أو القواعد التي كان يقال إنها مفروضة ~~علينا من حيث لا ندري، ألا وهي فكرة «الأهداف»، فنحن ندخل حياتنا - أو ~~ينبغي لنا - وليس في أيدينا القيد، ولا في أرجلنا الأغلال، وإنما ~~ندخلها وفي رءوسنا «أهداف» يراد تحقيقها، وكل سبيل نراه محققا لها، ~~لا رؤية «فردية» شخصية، بل رؤية «جماعية» مشتركة، فهو السبيل ~~النموذجي الأمثل، وواضح أنه كلما تبدلت الأهداف تبدلت ~~السبل، وبالتالي تغيرت المثل العليا، وها هنا فليسأل من شاء أن ~~يسأل: لماذا نسلك هذا السبيل ولا نسلك ذاك؟ لنبين له أن سبيلا ~~منهما يؤدي إلى الهدف المقصود والآخر لا يؤدي. # إني لأخشى أن يكون هذا الاستطراد الطويل قد شتت معالم الطريق، ~~فلنذكر أننا أردنا أن نوضح كيف أن الناس كثيرا ما يعيشون في ~~القرن العشرين، بما يدور على ألسنتهم من كلمات، أما ما وراء ذلك في ~~بواطنهم فهم يعيشون به في القرن العاشر! أأقول القرن العاشر؟ لماذا ~~أظلم القرن العاشر وهو قرن الفارابي وابن سينا وإخوان الصفا؟ لماذا ~~أظلمه وهو عصر المتنبي في الشعر، وأبي حيان التوحيدي في النثر، ~~الذي يعمق بالفكرة ولا يزخرف باللفظ. # ولكي أسوق مثلا يوضح ما أردت توضيحه أخذت فكرة واحدة تصف العصر ~~بغير حاجة إلى جدال، وهي فكرة «التقدم»؛ فهي حديثة الظهور في تاريخ ~~الفكر، وأما قبل ظهورها على مر القرون الطويلة، فكان الأغلب على ~~الناس ليس هو أن العالم يسير من نقص إلى كمال، بل أنه يسير ms080 من ~~كمال إلى نقص، يكفي تصويرا لهذا الاتجاه المضاد قصص كثيرة كانت ~~تروى لتؤكد أن العصر الذهبي إنما هو عصر مضى وهيهات له أن ~~يعود، إذن ففكرة «التقدم» طابع يميز فكرنا المعاصر، وسل من شئت ~~من الناس: هل تؤمن «بالتقدم»؟ وكن على يقين أنه سوف يجيبك ~~بالإيجاب المصحوب بالدهشة على أن يكون ذلك موضعا لسؤال، لكن امض معه ~~بعد ذلك في تحليل الفكرة لتخرج له مكنونها، فيعلم أنه يتحتم ~~نتيجة لقبوله هذه الفكرة أن يكف عن دعوة الحاضر إلى اتخاذ الماضي ~~نموذجا، وأن يمسك عن إقامه مثله العليا من مبادئ هبطت إليه من ~~حيث لا يدري، لتقيده دون الحركة الحرة نحو تحقيق أهدافه، فعندئذ ~~سترى أي شخص تخاطب، سترى ذلك الذي قبل فكرة «التقدم» لنفسه حتى ~~يكون معاصرا، قد ثار عليك ثورة، أخشى عليك من آثارها؛ لأنها يغلب ~~أن تركب صهوة الغضب الجموح، فصاحبنا - كما ترى - معاصر باللفظة، ~~متخلف باللباب. # وبعد ذلك فلأنتقل بك إلى فكرة أخرى مما يميز العصر، لترى مرة أخرى ~~كم من الناس حولك يقبلها بفروعها الظاهرة وجذورها الخافية معا، وكم ~~منهم تكفيه ألفاظها على طرف اللسان، وأما أن تورطه في مضموناتها ~~فدون ذلك خرط القتاد، كما كان قدماؤنا يقولون، وأعني فكرة ~~«التغير» في مقابل «الثبات»، والتغير نسبي، والثبات مطلق. # الحق أنه خلال ما يقرب من قرنين من الزمن، بادئا من أوائل القرن ~~التاسع عشر، وإلى يومنا الراهن، ودنيا الفكر بأسرها تدور حول محور ~~جديد لم تألفه بهذا الاطراد وبهذا الإصرار، فيما مضى، ألا وهو ~~محور «التطور»، والفرق بعيد عن ثقافة تقيمها على افتراض وجود ~~الثوابت الأزلية الأبدية، وثقافة أخرى تقيمها على تطور لا يلبث على ~~حالة بعينها حتى يتحول بها إلى حالة أخرى، ولقد كان افتراض الثوابت ~~هو مشغلة الفلاسفة جميعا منذ نشأت على وجه الأرض فلسفة؛ وذلك أن ~~هؤلاء الفلاسفة، كسائر عباد الله، نظروا حولهم فوجدوا تيارا دافقا من ~~ظواهر ما تنفك تتحول وتتبدل؛ فألوان يتبع بعضها بعضا، وأشكال ~~وطعوم، وكائنات تجيء وكائنات تذهب، وفصول ms081 تتعاقب، ونهار بعد ليل ~~وليل بعد نهار، إلى آخر هذا الخضم الهائل من ظواهر متغيرة، فسألوا ~~أنفسهم: هل يمكن أن تكون هذه المتغيرات هي البداية والنهاية، ~~والظاهر والباطن جميعا؟ ذلك عندهم محال، إذن فماذا يا ترى تكون ~~الأسس الثابتة وراء هذه التحولات؟ وأخذ الفلاسفة يجيبون، وما زالوا ~~إلى يوم الناس هذا يجيبون! كل بجواب يقترح به ثابتا يراه، أو ~~عددا من ثوابت بحسب ما يرى، ثم أسموا هذه الثوابت «جوهرا»، ~~وأما ما يطرأ عليها من تغيرات ظاهرة فهي «أعراض» لذلك الجوهر، بل ~~هم لم يتصوروا كيف يمكن أن نقول عن شيء إنه تغير، دون أن يتضمن هذا ~~القول افتراضا بأن له جانبا ثابتا هو الذي طرأ عليه ذلك ~~التغير، كأنما هو ينضو ثوبا ويرتدي ثوبا، أما هو فهويته ~~ثابتة لا تتغير بما نضا وما ارتدى، ولقد جعل أرسطو أسسا للتفكير ~~الإنساني، بغيرها لا يكون تفكير على الإطلاق، وأولها ما أسماه «قانون ~~الهوية»، الذي يتصور عملية التفكير أمرا محالا إذا لم يكن ~~هنالك هوية ثابتة لكل شيء، هي التي ندير عليها عملية التفكير ~~هذه. # ولست أطيل؛ لأنها قصة شرحها يطول، وحسبي الآن أن أقرر أمام ~~القارئ بأن الخلفية الثقافية والفكرية كانت دائما وعلى امتداد ~~التاريخ تفترض للأشياء حقائق ثابتة، ثم تجيء عليها موجات الظواهر ~~المتغيرة، وتنحسر لتجيء سواها، فإذا استطعنا أن نعرف هذه الحقائق ~~الثابتة بما يحددها ويعين قوانينها كنا بذلك قد أمسكنا بناصية ~~الطبيعة كلها، في هذه الحالة - وأرجو من القارئ أن يتأمل ذلك على ~~مهل لأهميته - في هذه الحالة يكون «الزمن» غير ذي شأن في علمنا ~~بحقائق الأشياء؛ إذ ماذا يكون شأنه إذا كان الجوهر الثابت لكائن ما، ~~هو بحكم تعريفه «ثابت» على حالة واحدة، فكان ماضيه كحاضره، وكما سوف ~~يكون في مستقبله؟ ماذا يكون شأنه لو عمر ألف عام أو ألف ألف أو ~~آلاف الملايين؟ إنه «ثابت» على جوهر واحد، ولا يتغير عليه إلا ما ~~يطرأ من ظواهر، والظواهر ليست بذات موضوع في إدراكنا للحق كما هو قائم ms082 ~~من أزله إلى أبده .. أو هكذا كانوا يقولون؛ ولذلك كانوا يؤمنون بأن ~~لمحة واحدة تدرك بها إدراكا صحيحا لما هو قائم في هذه اللحظة ~~الحاضرة من مجرى الزمن، كفيلة لك - إذا أحسنت الاستدلال - أن تكر ~~بها راجعا إلى الماضي كله، وتجري بها قدما إلى المستقبل كله، ~~فتعرف منها وحدها - عن طريق الاستدلال - كل ما مضى، وكل ما هو ~~آت! ولم لا وامتداد الزمن، طال أو قصر، لا يغير من حقيقة الأمر ~~شيئا؟ # هكذا كانت الحال حتى جاء عصرنا بتصور جديد وضع «التغير» مكان ~~الثبات، وجعل «التطور» أساسا وحيدا تفسر على ضوئه الأشياء، ولا ~~يكون تباين بين شيئين أشد من التباين بين ثقافتين؛ إحداهما تجعل ~~سكونية الثبات والدوام أساسها، وأخرى تجعل دينامية الحركة والتطور ~~أساسا لها، ومصدر التباين بينهما كامن في فكرة كل منهما عن حقيقة ~~«الزمن»: أهو خط أشبه بالخط الهندسي، ليس بين أي جزأين متساويين ~~من أجزائه فرق جوهري؛ إذ لا فرق بين طول مقداره سنتيمتر في أول الخط ~~وطول آخر بالمقدار نفسه في آخر الخط؛ أي إن الطول نفسه لا يدل ~~بذاته إن كان قد تقدم في ترتيبه من التعاقب أو تأخر، وهكذا قل في ~~«الزمن» على ضوء هذه الفكرة: فإذا كان القرن طوله مائة عام مما نعرف، ~~فلا فرق في الجوهر بين قرن زمني جاء في قديم وآخر جاء في حديث، أم ~~أن الزمن طبيعته ليست هندسية رياضية على هذا النحو، لكنها أقرب ~~شبها بمخروط يتسع كلما استطال، وفي هذه الحالة يكون الفرق كل ~~الفرق بين طولين متساويين تأخذهما من موضعين مختلفين؛ لأن أحدهما ~~سيكون أغنى حصيلة من الآخر وأوسع أفقا. # هذا التطور المخروطي للزمن إنما يكون إذا ما تصورنا العالم ~~متطورا ناميا، فهو الآن أغزر حياة منه في أي عهد مضى، وسوف يكون ~~في مقبل الزمن أغزر حياة مما هو الآن، هذه واحدة، والأخرى هي أن ~~الفكرة القديمة كانت تلازمها فكرة أخرى، هي أن الأشياء لا تتحرك ~~بدفعة داخلية فيها؛ ولذلك فهي تحتاج دائما إلى محرك ms083 خارجي يحركها ~~كيف شاء، وأما الفكرة التطورية بمعناها السائد في عصرنا (هي ليست ~~بهذا المعنى عند دارون) فيلازمها أيضا فكرة أخرى، وهي أن العالم ~~مدفوع متحرك من ذاته، كالكائن الحي حين ينمو بحركة ذاتية منبثقة من ~~طبيعته، ولك على ضوء هذا القول أن تراجع فلاسفة التطور المعاصرين، من ~~أمثال برجسون ومورجان وألكسندر ووايتهد، ومن شئت، لترى كيف انعكست ~~هذه الفكرة الجديدة في فلسفاتهم، وإذن فأنت مساير لعصرك ظاهرا ~~وباطنا، إذا وجدت نفسك على استعداد كامل لقبول هذا التصور بكل ~~ما يقتضيه من نتائج، وأقل ما يقتضيه هو استحالة أن يكون الماضي ~~أكثر رشدا من الحاضر وأخصب فكرا وأهدى سبيلا، أما إذا وجدت ~~نتيجة كهذه لقمة عسرة الهضم في معدتك، لا تميل إلى الأخذ بها وأنت ~~مطمئن؛ فلك الخيار، ولكن اعلم في يقين أنك معاصر باللفظة ~~وحدها، عتيق إذا قيس أمرك بمضمونها وفحواها. # لعل موضوع الحديث لم يغب عن ~~أبصارنا؛ فنحن نزعم منذ بدايته أن الناس كثيرا ما يظنون بأنفسهم ~~المعاصرة، مخدوعين بما يحيط بهم من أدوات هي من نتاج العصر، حتى إذا ~~ما حللنا مواقفهم الفكرية، لا من حيث ما «يقولونه» باللفظ عن ~~أنفسهم، بل من حيث ما نكشف عنه في خفايا نفوسهم، وجدناهم لا ينتمون ~~إلى هذا العصر إلا بأوهن الأسباب، وأخذنا نضرب الأمثلة؛ فمن خصائص ~~هذا العصر إيمانه بالتقدم، وما أهون أن يصف الناس أنفسهم بأنهم من ~~أخلص المناصرين للتقدم، فإذا ما بينت لهم على أي النتائج تنطوي هذه ~~الفكرة جزعوا وأنكروا! ثم انتقلنا إلى مثل آخر يتصل بأسس ~~الأخلاق، فهل تقاس أفضلية الفعل إلى مبدأ توارثناه جيلا بعد جيل ~~على أنه النموذج الأسمى، أو تقاس تلك الأفضلية إلى هدف يتحقق أو ~~لا يتحقق دون أن نكبل أنفسنا بأفكار مسبقة، ها هنا أيضا قد نجد من ~~الناس من يظنون بأنفسهم عصرية الروح، حتى إذا ما واجهناهم بهذه ~~النسبية الأخلاقية، التي هي من معالم العصر، أخذهم الفزع مما يسمعون، ~~وبعدئذ عرضنا مثلا ثالثا، هو الانتقال من تصور الثبات المطلق ms084 ~~لحقائق العالم إلى تصور التغير والتطور الذي يجعل كل حقيقة أمرا ~~نسبيا مرحليا، ينسب إلى ما يؤدي إليه، وأوضحنا للقارئ بعض ما ~~يترتب على هذه النظرة من رؤى عند مقارنة الماضي بالحاضر، على وجه ~~الخصوص، وخيل إلينا أن هذا القارئ ربما أبت نفسه قبول هذه ~~الرؤى. أمثلة تبين كلها كم منا لا يصلح لعصره بحكم تكوينه الفكري، ~~مهما زعم أنه متجدد متطور مساير لحركة الزمن. # ولنضرب مثلا رابعا وأخيرا، هو تصور «الفردية» التي نود أن ~~تتميز بها أشخاصنا وأوطاننا، فقد كانت الفكرة القديمة عن هذه الفردية ~~أنها «ذات» مستقلة قائمة برأسها، حتى لو لم يكن في الدنيا سواها، ~~وإنك لترى هذا التصور منعكسا في الفلسفة قديمها ووسيطها ~~وحديثها على السواء (ولم أذكر المعاصرة منها لأنها تختلف)؛ فهذا هو ~~سقراط يطالب الإنسان أن يعرف «نفسه» على ظن منه أن هذه المعرفة ~~فيها مفتاح معرفته لسائر الأشياء؛ وذلك لأنك إذا أمعنت النظر في ~~نفسك حتى عرفتها، عرفت بالتالي طرائقها في الإدراك، ومتى تظفر ~~بالصواب، وكيف تزل في الخطأ، ومعرفة الإنسان لنفسه على هذا النحو لا ~~تشترط أن يكون إلى جواره ناس آخرون، فهو وحده - كالجزيرة المعزولة - ~~يمكن أن يستبطن ذاته من داخل، فيعلم ما يريد أن يعلمه، وذهب الزمان ~~وجاء ديكارت بقولته المعروفة: «أنا أفكر، فأنا - إذن - موجود»، اكتفى ~~بأن ينظر إلى دخيلة نفسه ليرى «الأنا» وهي تفكر، فجعل ذلك برهانا ~~على وجوده، بل جعله أساسا لكل برهان سواه، ثم تبعه في ذلك ليبنتز، ~~الذي أفاض القول في أن الذات الإنسانية - بل كل ذات مهما كان نوعها ~~- هي كالذرة المصمتة، التي ليس لها نوافذ تطل منها على سواها، ~~فهي في حقيقتها أقرب إلى شريط ملتف على نفسه، وما حياة الكائن ~~الحي بعد ذلك إلا أن يبسط هذا الشريط شيئا فشيئا حتى ينتهي، وإذا ~~خيل إلينا أن أفراد الناس يتبادلون الآراء وغيرها؛ ما قد يدل ~~على أن بينهم صلات لا تكون إلا إذا كانت لديهم الوسائل التي ~~يطلون منها بعضهم على بعض، أنبأنا ms085 ليبنتز هذا بأن ذلك وهم، فما ~~التوافق الذي تراه بين فردين أو أكثر إلا كالساعات المضبوطة، كلها ~~تدل على الزمن الصحيح دون أن يكون بينها «تفاهم»، ولا اتفاق ~~بالتبادل. # صورة من فردية الفرد كان يسهل على الناس قبولها، وقد ظهرت في صورة ~~أدبية أو فكرية كثيرة، فانظر - مثلا - إلى قصة روبنسن كروسو، وهو في ~~فردانيته على الجزيرة المعزولة، وانظر في تراثنا الفكري العربي إلى ما ~~تصوره ابن باجه في «تدبير المتوحد»، أو إلى ما تصوره ابن طفيل ~~في «حي بن يقظان»، تجد تصويرا للفردية المستقلة بذاتها، بغض ~~النظر عمن يحيط بها من آخرين، واتسعت فكرة الفردية هذه بعض الشيء ~~لتشمل فكرة الإنسان عن قومه أو أمته، فكأنما هذا «القوم» أو هذه ~~«الأمة» فرد ضخم متعدد الأعضاء، لكنه متميز كل التميز عن سائر ~~الأقوام وسائر الأمم. # وجاء العصر الراهن بتعديل أساسي في هذا التصور لفردية الإنسان، وهو ~~تصور انعكس بدوره في الفلسفة وفي الأدب، بل وفي مذاهب السياسة ~~نفسها، وخلاصته أن الفردية القديمة ضرب من المحال؛ «فالأنا» لا ~~وجود لها بغير «الأنت»، أعني أنك لكي تكون على علم بنفسك، لا مناص ~~لك من مخاطبة سواك، فلئن قال سقراط «اعرف نفسك» فقد جاء عصرنا ليضيف ~~إلى النفس سواها حتى يمكنها أن تعرف، فكان الأصوب أن يقال: «اعرف ~~نفسك عن طريق معرفتك لسواك»، وإذا كان ديكارت يقول: «أنا أفكر فأنا ~~موجود»، فقد قال له الفلاسفة المعاصرون (مثل هوسرل) تفكر في ماذا؟ ~~فلا فكر إلا فيما عداه، وبالتالي فلا «أنا» إلا بسواها. # وسع هذا المعنى يكن لك اتجاه عصرنا في التصور «الجماعي» للفرد؛ ~~فالفرد «عضو» لا مجرد فرد قائم بذاته، إنه عضو ينتمي حتما إلى ~~جماعات مهما يكن نوعها، وبغير هذا الانتماء الضروري يفقد ذاته ~~ويتيه في ضياع؛ ولذلك لم يعد انتماء الفرد إلى وطنه أو إلى أمته ~~أمرا عرضيا له أن يختاره وله أن يرفضه، بل هو في صميم الصميم من ~~وجوده، إذا تنكر له تنكر لحياته نفسها، وحتى إذا أصر على رفضه ms086 ~~الانتماء لأمته، فعليه أن يبحث له عن مجموعة أخرى ينتمي إليها ، حتى ~~إن كانت مجموعة غير مجتمعة في مكان واحد، كأن ينتمي إلى العلماء إذا ~~كان صاحب علم، أو إلى رجال الفن، إذا كان منهم، أو إلى العمال إذا ~~كان عاملا، أو إلى الشباب إذا كان في مرحلة الشباب ... وهكذا. # وهذه الفردية الجماعية - إذا ~~صح هذا التعبير - ما تزال توسع من حلقاتها، حتى لتراها توشك أن ~~تجمع الإنسانية كلها في مجموعة واحدة، فأنا «مصري» أنتمي إلى بني ~~وطني، ولكن هذا الوطن المصري يظل قلق الوجود ما لم يدخل في دائرة ~~أعم كالوطن العربي الكبير، وبهذا أصبح مصريا عربيا، وسرعان ~~ما ترى الدائرة العربية أن وجودها يتطلب انتماء أوسع، فلا عجب أن ~~نشهد العالم متكتلا في أحلاف تجمع أجزاءه على أساس الأهداف ~~المشتركة، والأمل هو أن يجيء اليوم الذي يشعر الناس فيه بإيمان ~~صادق - لا بمجرد ترديد اللفظ على طرف اللسان - أن هذا الانتماء ~~الضروري الحتمي لن تكتمل دائرته إلا إذا أصبحت الأرض وطنا ~~واحدا يسكنه مواطنوه الذين هم بنو الإنسان، وهيئة الأمم المتحدة ~~بداية متعثرة نحو هذه الغاية القصوى، لكن الطريق قد يستقيم لها بعد ~~حين. ذلك هو عصرنا، فإذا أحسست في نفسك نفورا من أن تدمج نفسك مع ~~سواك في وحدة تربطكما معا في وجود واحد، كنت غريبا في عصرك بمقدار ~~ما عندك من نفور. # لست أشك لحظة واحدة في أن ~~أساسا عميقا لبناء الفكر القديم بشتى ظواهره قد تشقق بحيث أصبح ~~البناء كله منهارا، أو على وشك الانهيار، ليحل محله أساس جديد ~~يقام عليه بناء فكري آخر، فبعد أن كانت فكرة «الجوهر» - بمعناها ~~الفلسفي - هي المحور الرئيسي للتفكير، ويقصد «بالجوهر» ~~النواة التي تلتف حولها خيوط الظاهرة المعينة دون أن تتكشف هي ~~لأي ضرب من ضروب الإدراك الحسي، وإنما يفرض وجودها لاستحالة ~~تعليل الظواهر إلا بها؛ أقول بعد أن كانت فكرة «الجوهر» هي محور ~~التفكير، رأينا اليوم أنه لم يعد لافتراض وجودهما ضرورة؛ إذ ~~استطعنا أن نفسر الظواهر جميعا ms087 بغير حاجة إليها، كنا لا نتصور ~~ظواهر الإنسان - مثلا - إلا معلقة على مشجب داخلي غير منظور، ~~هو «الجوهر»، وهو الذي نطلق عليه اسم العقل أو النفس، أو ما له هذا ~~المعنى من الأسماء، فأصبحنا اليوم نفهم هذه الظواهر على صورة أخرى، ~~وهي أنها مجموعة متلاحقة من أحداث يرتبط بعضها ببعض بضروب من ~~«العلاقات» حتى لنتوهم أنها قد أصبحت - لتماسكها - ذات هوية ~~واحدة، على حين أنها في حقيقتها مجموعة أحداث يتكون منها قطعة ~~من تاريخ، وعلى هذا الأساس نفسه نفهم اليوم كل شيء، فمثلا، ليست ~~مدينة «القاهرة» شيئا محددا له ثبات ودوام، بل هي أفراد وأحداث ~~تموج مع زيادة أو نقص، ويتصل بعضها ببعض على نحو يوحي بأن تلك ~~المجموعة متماسكة في شيء واحد معين، على حين أن شأنها أقرب إلى ~~خلية النحل، فيها مفردات وحركة، لكنها تتشكل في مجموعة ذات إطار ~~تقريبي يحفظ لها نوعا من الهوية، وعلى هذا الغرار نفسه تستطيع ~~أن تفهم الأشياء جميعا، من الذرة الصغيرة إلى المجرة الفلكية، ~~ومثل هذا الفهم الجديد ينتهي بنا إلى نتائج بعيدة المدى؛ لأن أهمية ~~«الكيانات» المعينة - أشخاصا وأشياء وأمما وأوطانا وغيرها - ستنتقل ~~إلى «العلاقات» التي تربط مجموعة من الأطراف، ومن ثم جاءت صورة ~~«الفردية الجماعية»، التي أشرنا إليها، وجاءت أيضا فكرة التغير الذي ~~لا يجعل أمرا واحدا يستقر على وضع واحد، إلا ريثما يتحول إلى وضع ~~جديد. # هذه الانتقالة البعيدة من رؤية الدنيا على أنها «أشياء» و«كائنات» ~~إلى رؤيتها على أنها «علاقات»، قد نقلت منطق الفكر نفسه من إقامة ~~التدليل والبرهان على أساس الإدراك الكيفي للأنواع والأجناس، إلى ~~إقامة ذلك التدليل والبرهان على أساس رياضي بحت؛ ما أخرج لنا ما ~~يسمونه اليوم بالمنطق الرياضي، الذي جاء ليحل محل المنطق الأرسطي ~~القديم، كان أرسطو - مثلا - يكفيه دقة في العبارة أن يقال: «كل ~~إنسان فان»، كأنما «الإنسانية» و«الفناء» أمران ندركهما بالبصر ~~المباشر، مع أن كل فكرة من هاتين الفكرتين قوامها مجموعة ضخمة ~~من التفصيلات التي يتركب بعضها على بعض بعلاقات تخضع لدقة ms088 الحساب، ~~وإلا لظل معناها مرنا غامضا يختلف فيه المدركون ، كل على حسب ~~خبرته وثقافته، أما اليوم فدقة الإدراك العلمي تقتضينا ألا ~~نقبل ألفاظا عائمة المعاني كهذه، بل نحللها إلى الذرات الفكرية ~~الصغيرة البسيطة التي تدخل في تكوينها، ونصوغ هذه الذرات الفكرية في ~~دالة رياضية تضبط لنا روابطها الداخلية التي بررت أن نعدها ~~تصورا ذهنيا واحدا، وأن تحليلا كهذا قمين أن يغوص بنا في ~~تشكيلات من رموز، يبدو للوهلة الأولى أنها عقدت علينا ما كان ~~بسيطا، مع أنها في الحقيقة حولت لنا ما كان غامضا إلى صيغة ~~رياضية دقيقة، والحق أنه تحول لا يسيغه من ألف قبول المعاني ~~المبهمة، حتى لقد وجدت هذه النزعة الفلسفية التحليلية الجديدة ~~معارضة أشد المعارضة، وسخرية أمر السخرية، عندما أدخلها إلى ~~الفكر العربي لأول مرة العبد الفقير لله كاتب هذه السطور، وممن كانت ~~المعارضة وكانت السخرية؟ من أساتذة الفلسفة في الجامعات العربية ~~أنفسهم، حتى لقد كتبوا يعارضون ويسخرون، والله وحده عليم بمقدار ~~ما علموه من هذا الاتجاه الفلسفي المعاصر، وهل يكفي لإبداء الرأي فيه ~~أو لا يكفي. # أما بعد، فلنعد إلى ما بدأنا به حديثنا: لقد عجب صاحبي الذي ~~كنت أحدثه كيف أتشكك في مسايرتنا لروح عصرنا، ودنيانا قد امتلأت ~~بعلوم العصر وأجهزته ومكناته، فأجبته بأن ذلك كله قشرة على السطح ~~نقلناها، ولم تمس منا اللباب، وبينت له على مدار الحديث، ~~بأمثلة كثيرة أوردتها، كيف يحدث غالبا ألا يكون عند الإنسان من ~~الفكرة المعينة إلا اسمها، فيقبل الاسم ويظن أنه قد قبل كذلك معناه ~~بكل أبعاده ولواحقه، حتى إذا ما تكشفت له تلك الأبعاد واللواحق ~~أخذه الفزع والنفور. # وليس لأحد سلطان على أحد في أن يساير العصر أو أن يتنكر له، ~~لكن الذي ليس من حقك ولا من حقي، هو أن تدعي الانتماء للعصر ~~بفكره وثقافته عندما تكون في حقيقتك منطويا على ما يناقضه، فأحد ~~أمرين: إما أن تعتد بما في دخيلة نفسك، فتمحو ما يبدو على ~~ظاهرك، وإما أن تعتد بما هو ظاهر في لفظك، ms089 فتغير ما قد ترسب في ~~طويتك من رواسب الماضي ، أما أن تعاصر زمانك بظواهر اللفظ ~~وتعارضه بباطن الإيمان، فذلك موقف أقل ما يقال فيه إنه غموض في ~~الرؤية، أو هو نفاق ثقافي لا ترضاه. # | منطق جديد .. لفكر جديد # لم يكن تحليل الأشياء إلى «ذرات» تتألف منها، بالفكرة الجديدة التي ~~جاء عصرنا ليستحدثها من العدم؛ إذ الفكرة قديمة قدم اليونان ~~الأولين، فرأيناها عند ديمقريطس، ثم رأيناها عند نفر من فلاسفة ~~العرب ومتكلميهم، ولبثت بعد ذلك قائمة تتردد ظهورا وخفاء. لكن ~~الجديد فيما استحدثه عصرنا هو بناء الذرة كيف يكون، وإذا استطاع ~~القارئ أن يتصور النقلة التي انتقلتها فكرة الذرة في عصرنا، استطاع ~~بذلك أن يمسك بخيط رئيسي تتعلق به أوجه كثيرة من حياتنا العلمية ~~والفكرية؛ مما ينتهي بنا إلى طابع عام يجعل من العصر الحاضر عصرا ~~متميزا مما عداه، وإنه ليكفيه في هذا التصور أن يعلم أن «الذرة» ~~الأولية بعد أن كانت - عند من جعلوها نهاية التحليل للوجود المادي - ~~قطعة صماء لا ينفذ خلالها شيء؛ لأنها ملاء كلها ليس فيها خلاء ~~بأي معنى من معانيه، وهي تستعصي على التجزئة بطبيعة الحال، وإلا ~~لما كانت أولية بسيطة ينتهي عندها التحليل، أقول إن صورة الذرة - ~~عند القائلين بها - بعد أن كانت على هذا النحو المصمت الصلب ~~المليء، أصبحت عند عصرنا كيانا مخلخلا، يتشابه تكوينه مع تكوين ~~المجموعة الشمسية - مثلا - فنوية أو نويات في مركزها، تدور ~~حولها كهارب في أفلاك، إلى آخر تفصيلات هذه الصورة الجديدة للذرة، مما ~~نستطيع مراجعته مبسطا في كثير جدا مما ينشر عن تبسيط العلم في ~~الكتب والمجلات. # ولو كان قارئنا ممن ألموا بشيء من الدراسة الفلسفية - قليل أو ~~كثير - لأدرك من فوره أن أهم فارق يميز هاتين الصورتين للذرة ~~إحداهما من الأخرى، هو أن الذرة في صورتها القديمة كانت «جوهرا» ~~(بلغة الفلاسفة)، وأما في صورتها الجديدة فهي «تاريخ»، وبين هاتين ~~الفكرتين يكمن الفرق العميق بين فكر قديم وفكر جديد .. لكن مهلا، ~~فمن حق القارئ علينا شيء من الأناة، حتى ms090 يستوثق أولا مما نعنيه - ~~في الفلسفة - بكلتا هاتين الفكرتين : «الجوهر» و«التاريخ». # أما فكرة «الجوهر» فلست أطمع في شرح مفصل للكثير من وجهات النظر ~~التي اتخذها الفلاسفة حيالها، ولا عجب؛ فقد كانت هذه الفكرة من أهم ~~ما شغل الفلسفة قديمها ووسيطها وحديثها، وحسبي أن أقول عن «الجوهر» ~~هنا إنه هو - من أي كائن - ما يستحيل إزالته؛ لأنه بزواله يزول ~~الكائن، أي إنه مهما تغير الكائن حجما وشكلا ولونا، ففيه عنصر ~~ذو دوام، هو الذي يعطي الكائن هويته منذ لحظة وجوده وإلى لحظة ~~فنائه، بل إنه بالنسبة لبعض الكائنات - كالإنسان - قد لا يكون ~~«لجوهره» فناء حتى بعد أن يفنى منه الجسد بكل ظواهره وتغيراته، خذ ~~فردا من الناس تعرفه، وانظر، تجده متغيرا أبدا لا يستقر على ~~حالة واحدة لحظتين؛ فقد كان رضيعا ثم أخذ يتغير ناميا، حتى بلغ ما ~~بلغ، لكنه مع هذا التغير الذي لم يجمد دقيقة واحدة، كانت له ~~«هوية» واحدة، عرف بها وما يزال معروفا، فعلى أي أساس دامت له ~~هذه الهوية الواحدة برغم ما تعرض له من تحول مستمر؟ لقد كان ذلك ~~على أساس ما نزعمه لأنفسنا في تكوينه، وهو أن مجموعة الظواهر ~~المتغيرة فيه ليست هي حقيقته كلها، وإنما حقيقته هي «جوهره» وهو الذي ~~تطرأ عليه التغيرات، حتى لقد قيل إنه بغير افتراض ذلك الجوهر، لما ~~أمكن أن يكون للتغير نفسه معنى؛ إذ ما الذي يتغير؟ ما الذي يستوعب ~~الخبرات على مر الزمن؟ إنه ذلك الجوهر المفروض، يدوم ما دام ~~الشيء، وليطرأ عليه بعد ذلك من التحولات ما يجيء ويذهب، ما يظهر ~~ويختفي، لكنه يبقى شيئا «واحدا» بفضل جوهره ذاك. # على أن الأمر في هذا العالم لم يقتصر على أفراد الناس، بل يمتد ~~حتى يصبح هو الطريقة التي لا طريقة للناس سواها في تصورهم ~~للأشياء كائنة ما كانت، فهذه كرة يلعب بها على مرأى مني الآن طفل ~~صغير، تجرى بدفعته، وتنط، وتنضغط وتنبسط بضغطات من أصابعه، فهل كانت ~~هذه «الظواهر» البادية هي كل حقيقة الكرة؟ كلا؛ لأنها ms091 لما ~~اختفت تحت قطع الأثاث، ظل الطفل يبحث عنها، فحتى هذا الطفل قد ~~أوحت إليه فطرته أن وراء ظواهر الكرة المتغيرة، «كرة» يبحث عنها ~~إذا لم تعد لها ظواهر بادية، ومعنى ذلك أن لها «دواما» في ~~افتراضنا، ما دامت «الظواهر» متغيرة لا تدوم؛ إذن لا بد أن يكون ~~الدوام خاصا بحقيقة خافية، وهي «الجوهر» الذي جعل لكرة الطفل ~~«هوية» متصلة يميزها بها من سواها، بل إنه بغير افتراض هذا ~~الجانب الثابت الدائم، لما استطعنا أن نتحدث عن شيء، ألا ترانا نقول ~~- مثلا - إن الكرة مستديرة، والكرة بيضاء، والكرة متدحرجة أو ساكنة، ~~إلخ إلخ؟ فانظر إلى مجموعة الجمل التي يقولها المتكلم عن «الكرة» ~~تجدها عنده «موضوعا» يراكم عليه ما يراه لها من صفات، ومن ثم ~~كان التركيب اللغوي نفسه لعباراتنا التي نقولها عن الأشياء شاهدا ~~على أننا «نفرض» قيام «موضوع» معين، تتبدل عليه الصفات وهو ذو ~~ثبات. # ثم قارن هذه النظرة في تفسير فهمنا للأشياء بنظرة أخرى لا ترى من ~~أي كائن إلا أحداثه التي تظهر، دون أن تضطر إلى افتراض حامل ~~خفي يحمل تلك الأحداث الظاهرة، فهي نظرة لو سألت صاحبها: ما حقيقة ~~هذا الفرد المعين من أفراد الناس، أو هذه الكرة التي يلعب بها طفلنا ~~هناك؟ أجابك: حقيقة كل منهما سلسلة «الأحداث» التي وقعت، فاكتب لي ~~تاريخا مفصلا لتلك الأحداث تكن لنا حقيقة الإنسان المعين أو الكرة ~~المعينة أو ما شئت من كائنات؟ لكنك لن تطمئن لجوابه هذا، وستعاود ~~سؤاله: إذا كان هذا الإنسان المعين لا يزيد على كونه خطا من أحداث ~~تتابعت، فما الذي يجعل له «هوية» واحدة مستمرة منذ نشأته حتى هذه ~~اللحظة؟ هنا يجيبك بأن «الهوية» الواحدة للكائن الواحد، ليست ~~مرهونة بقيام عنصر مستقل، بل هي مرهونة بمجموعة «العلاقات» ~~الرابطة لتلك الأحداث، فحتى لو وقع ما كاد يستحيل أن يقع، وهو أن ~~يتشابه فردان في الأحداث التي تكون تاريخهما، فلن تكون الروابط ~~بين تلك الأحداث واحدة في الحالتين، ومن ثم ينتج لنا «نمطان» أو ~~تركيبتان مختلفتان، ms092 هما ما تميز بهما بين الفردين. # خلاصة القول : وجد الفلاسفة قبل عصرنا (فيما عدا استثناءات قليلة) ~~أنه لا مندوحة لنا من «افتراض» جوهر ثابت لكل شيء، وكان ذلك منهم ~~على أساس أنه بغير افتراض هذا الجانب الثابت لما أمكننا أن نفهم ~~معنى للتغير، ولما استطعنا أن نسند إلى الأشياء صفات معينة، وأما ~~فلاسفة عصرنا فمعظمهم على اتفاق بأن كيان الشيء - أي شيء - ليس في ~~جوهر له مزعوم، إنما هو في تسلسل الأحداث التي تصنع تاريخه، مضافا ~~إليها الطريقة الفريدة المتميزة التي ربطت بها تلك الأحداث، ولنلاحظ ~~هنا أن افتراض «جوهر» للشيء، يتضمن أن ذلك الجوهر لا يتأثر ~~بمر الزمن؛ فالروح - مثلا - هي الروح، سواء مرت عليها ساعة ~~واحدة أو ألف ألف عام، والمربع هو المربع بالتعريف الواحد الذي ~~يحدد فكرته، بغض النظر عن زمن يطول بالكون ملايين السنين، وأما ~~أن تجعل حقيقة الشيء مساوية للأحداث التي صنعت تاريخه، فمعناه أن ~~الزمن عنصر أساسي، لأن الأحداث إنما تحدث على فترة من الزمن، لا ~~يكون الشيء المعين في أولها هو هو نفسه في آخرها، وهاتان الوقفتان ~~تنعكسان - كما قدمنا - في تصور الإنسان للذرات الأولية؛ ما ~~وصفها؟ فمع تصور الدوام والثبات كانت الذرة جسيما صلدا أصم ~~لا ينقسم ولا يتفتت ولا خلاء فيه، ومع تصورنا لحقائق الأشياء على ~~أنها تواريخ يمتد كل تاريخ منها ما امتدت سلسلة الأحداث التي ~~تكون هذا الشيء أو ذاك، تكون الذرة - كما نعرفها الآن - كهارب ~~دوارة في أفلاكها حول نواة، ويفصل الكهارب بعضها عن بعض وعن ~~النواة خلاء، فما تنفك الذرة في حركة، يؤخذ منها بالإشعاع أو يضاف ~~إليها. # ولكي نزيد المقارنة بين النظرتين وضوحا، نسوق لك الأمثلة؛ فقد كان ~~الظن أن كل اسم من الأسماء الواردة في لغة الناس، إنما يدل - إذا ~~دل - على مسمى معين ثابت بحكم التعريف القائم على طبيعة ذلك ~~المسمى، أي القائم على «جوهره»، فإذا قلنا «إنسان» كانت الإشارة هنا ~~إلى «حيوان ناطق»، أعني إلى كائن حي عاقل؛ لأن طبيعة الإنسان أو ~~جوهره ms093 هو أنه حياة عاقلة، لكن انظر معي إلى أسماء كهذه: «تجارة»، ~~«مدينة»، «مسرحية»، «موسيقى»، ولنسأل أنفسنا: ماذا تسمى هذه ~~الأسماء؟ هل هناك على أرض الواقع كيان معلوم القسمات محدود ~~المعالم هو الذي أطلقنا عليه اسم «تجارة»؟ إن نظرة واحدة فاحصة ~~تكفيك لتعلم أن ما هنالك هو مجموعة «علاقات» بين أفراد من الناس ~~بعضهم مع بعض، فالذي أسميناه «تجارة» ليس «شيئا» ولكنه نمط من ~~تفاعلات، كذلك قل في «المدينة» ولتكن هي مدينة القاهرة مثلا، إن ما ~~جعلها كذلك هو مجموعة سكانها الذين يعيشون فيها، وهذه المجموعة تزيد ~~وتنقص وتموت وتولد وتنشط وتتاجر، إنها كخلية النحل، يكون لها ~~«شكل» عام، لكن المحتوى هو في حركة دائبة لا تستقر لحظة، وكذلك قل ~~في «المسرحية» وفي «الموسيقى»، كلها أنساق من «علاقات» وأنماط من ~~حركة وأطر من بناء، إنك لا تنتظر لترى موضوع المسرحية المعينة ~~ومضمونها الفعلي لتقول إنها مسرحية، بل يكفيك أن تعلم أنها قد صبت ~~في الإطار المعلوم الذي هو شكل المسرحية كما نعرفه أو كما نريده، ولقد ~~يخيل إليك بعد هذه الأمثلة أن الكائنات صنفان: صنف له طبيعة ~~«الأشياء» الثوابت ذات «الجوهر» المعلوم، وصنف آخر له طبيعة الهيكل ~~البنائي، تحدده «العلاقات» الرابطة لأجزائه، لكن الجديد في وجهة ~~النظر المعاصرة هو أن كل حقيقة في دنيا الواقع أو في عالم الفكر إنما ~~تحددها طريقة بنائها، كما هي الحال بالنسبة إلى «الذرة» في التصور ~~الحديث. # هاك مزيدا من أمثلة تبين أبعاد هذه الفكرة الخصبة الجديدة ~~لتتمثلها في مختلف أبعادها؛ لأنها من الفكر المعاصر بمنزلة ~~الركيزة التي يعتمد عليها البناء، إذا سئلت: ما الذي يجعل ملايين ~~البشر نوعا واحدا؟ كان الجواب فيما مضى هو أنهم جميعا يتميزون ~~بما يسمى عقلا، وأما الجواب الأصح فهو أنهم جميعا ذوو «بنية» ~~واحدة، أو هم ذوو «تشريح» واحد؛ أي إن الطريقة التي تتصل بها ~~الأعضاء بعضها ببعض ليكتمل بها بناء عضوي معين طريقة واحدة فيهم ~~جميعا، كذلك قل في كل نوع حيواني على حدة، وكذلك قل في عالم ~~الحيوان ms094 كله مأخوذا معا من حيث هو جنس واحد ، فالحيوان حيوان ~~لطريقة تركيبه وأدائه لوظائفه، وهكذا الأمر في أنواع النبات، وفي ~~النبات جملة، ما الذي يجعلنا نجمع الهملايا والألب والأنديز في ~~اسم واحد هو «جبل»؟ إن ذلك ليس مرجعه نوع الصخور، بل مرجعه ~~«البنية» التي على هيكلها العام قام الجبل .. تماما كما أصبحنا ~~نحدد ذرة الهيدروجين أو ذرة الكربون بطريقة بنائها النوعي، ونحدد ~~«الذرة» إجمالا - بغض النظر عن اختلاف أنواعها - بطريقة ~~بنائها. # إن القطعة الموسيقية الواحدة قد تتعدد ظروف عزفها، بل قد تتفاوت ~~إجادة العزف في كل مرة، لكننا نظل نقول عنها إنها قطعة موسيقية ~~بعينها في جميع الحالات؛ لأن البنية الصوتية واحدة، ثم انظر! إن ~~هنالك هذه القطعة الموسيقية كما تقع في مسمعك، وهنالك أيضا هذه ~~القطعة الموسيقية نفسها مرقومة على «النوتة»، وهي نفسها كذلك مسجلة ~~على شريط أو على أحد أقراص الحاكي، صور مختلفة، لكننا برغم ذلك نخلع ~~عليها كلها هوية واحدة؛ لما بينها من تشابه في طريقة ~~البناء. # وقل الشيء نفسه في مسرحية تمثل على المسرح كمسرحية هاملت، ثم ~~تكون هي نفسها مكتوبة في كتاب، ويشاهدها آلاف المشاهدين، وتتعدد ~~مرات تمثيلها بمجموعات مختلفة من الممثلين، وقد يلقطها شريط سينمائي ~~لتعاد على الشاشة صورا متحركة، فما الذي يجعلك تقول على درجة تقرب ~~من اليقين بأن الهوية واحدة برغم هذا التعدد والتنوع في الظهور؟ ~~إنها البنية الواحدة. # إن الاعتماد على واحدية البنية في الحكم بواحدية الهوية ~~لهو في صميم المنهج العلمي نفسه؛ فالعلماء يجرون التجارب في ~~المعامل حتى إذا ما اتفقت تجربتان أو أكثر على نتيجة واحدة، كنا ~~على اطمئنان معقول في قبولها؛ فما معنى «اتفاق» التجارب، أو «اتفاق» ~~الشهادات عند مختلف المشاهدين؟ إن كل تجربة وحدة قائمة بذاتها، ~~وكذلك كل مشاهدة يقوم بها مشاهد، لكن الذي يجمعها معا هو التشابه في ~~البنية، فكأنما عديد التجارب المتشابهة قد اندمج بفضل هذه البنية ~~الواحدة فأصبح تجربة واحدة، أو مشاهدة واحدة، إنهم ليقولون إن ~~الموضوعية هي من أهم شروط النظرة العلمية، وما ms095 الموضوعية؟ هي أن ~~ننظر إلى الأمر الواحد من زوايا مختلفة (أو بأعين عدة مشاهدين) فنجد ~~أن البنية المرئية واحدة برغم اختلاف الزوايا التي ننظر ~~منها. # إننا نقول عن خريطة جغرافية إنها صحيحة، إذا راجعناها على ~~الواقع الذي تصوره فوجدنا الطرفين على بنية واحدة، أعني أن ~~كل جانب من جوانب الواقع له ما يقابله على الخريطة، وتقول إن هذا ~~الظل هو لتلك الشجرة إذا رأيت اتفاقا بينهما في البنية، برغم ما قد ~~يكون بينهما بعد ذلك من اختلاف في الأبعاد المكانية وفي مادة المضمون ~~الفعلي، وما أكثر ما تهتدي الشرطة إلى مجرم معين ارتكب عدة جرائم، ~~بالأسلوب الذي يرونه مشتركا بينها! فالجرائم قد اختلفت وتعددت، ~~لكن يوحد بينها أنها قامت كلها على بناء واحد، يقف المذيع ~~أمام المذياع ويرسل موجات صوتية، تتحول إلى موجات كهرومغناطيسية، ثم ~~تعود في الطرف الآخر إلى موجات صوتية كما كانت، والذي يجعلها - برغم ~~هذه التحولات على الطريق - تثبت على صورة واحدة نسمعها في الطرف ~~الآخر وكأننا نسمعها عند نطقها في الطرف الأول، هو أن البنية تظل ~~واحدة من أول الطريق إلى آخره، بل لماذا لا نضرب المثل بأنفسنا إذا ~~سمعنا محدثا يتحدث إلينا مباشرة، إنه يبعث موجات صوتية تنتقل على ~~الهواء إلى الأذن، ثم تتحول في عصب السمع إلى حركة من نوع آخر، وتصل ~~إلى المخ على أسلاك الجهاز العصبي، لكنها مع تحولاتها هذه تحتفظ ~~ببنية واحدة هي التي تضمن أن يكون الصوت المسموع مطابقا للصوت ~~المنطوق في الصورة وإن اختلفا في المادة، وهكذا وهكذا، أمثلة لا حصر ~~لها من إدراكنا للأشياء من حولنا، ومن إدراكنا للأفكار العلمية وغير ~~العلمية على السواء، كلها تؤكد أن اعتمادنا في معرفة دنيانا لم يعد ~~على إدراكنا ل «جواهر» الأشياء، بل لطرائق بنائها وأدائها لوظائفها ~~وفق ذلك البناء. # إلى هنا وقد أشرنا إلى لمحة من الوقفة العصرية في أحد جوانبها، ~~وخلاصتها أن المعول في معرفتنا لحقائق الأشياء والمواقف، لم يعد ~~على إدراكنا ل «جوهر» غيبي قائم فيها، بل المعول في ms096 ذلك إنما هو ~~على إدراكنا لشكل بنائها، وبالتالي فهو على إدراكنا ل «العلاقات» ~~المحددة لصورتها، وبقي أن نبين كيف أن هذا الفكر الجديد قد اقتضى ~~منطقا جديدا. # لا بد لي بادئ ذي بدء أن أنبه القارئ إلى مجمل المعنى الذي ~~يقصد إليه دارس الفلسفة بما يسمى «منطقا»؛ لأن هذه اللفظة كثيرا ~~ما تستخدم في حياتنا الفكرية الجارية بمعان أخرى، ليست هي المعاني ~~التي اصطلح عليها الدارسون، فباختصار شديد نقول إن المنطق هو ~~استخراج للصور الشكلية التي نظن أن تفكيرنا العلمي يسير على نهجها، ~~ولما كان هذا الفكر العلمي نفسه يتوقف إلى حد كبير على ما «نعتقد» ~~أنه الواقع، كان المنطق كذلك - في صوره التي يتابع بها سير الفكر ~~العلمي - متوقفا أيضا على ما «نعتقد» أنه حقيقة الواقع، كل ما ~~هنالك من فرق بين «العلوم» المختلفة في موضوعات بحثها، وبين ~~«منطقها»، هو أن للعلوم مادة معينة، كالضوء أو الصوت أو النبات أو ~~الحيوان، وأما المنطق فهو يطرح من حسابه تلك المادة المعينة ~~ليتابع «شكل» التفكير وكيف تتتابع خطواته، نتائج من مقدمات، لكن ~~العلوم ومنطقها معا يرتبطان بأوثق الروابط مع ما «يعتقد» الإنسان - ~~في العصر المعين - أنه طبيعة الوجود. # وكان أرسطو - كما نعلم - هو واضع «المنطق» كما عرفه عصره والعصور ~~التالية لعصره حتى عهد قريب، فكيف كانت «العقيدة» عندئذ فيما يختص ~~بطبيعة الوجود؟ كانت «الطبيعة» عندهم طبيعتين: إحداهما هي هذه الأشياء ~~التي تظهر من حولنا وتختفي، هي هؤلاء الأناسي، وأفراد الحيوان ~~والطير، هي هذه الشجرات والصخرات والأنهار والبحار، هي هذه الشمس وهذا ~~القمر وتلك الكواكب والنجوم ... تلك هي إحدى الطبيعتين، ولما كانت ~~كائناتها - كما ترى - متغيرة متحولة، فهي طبيعة لا تصلح أساسا لعلم ~~ثابت مكين؛ إذ العلم الثابت لا بد أن يكون علما بما هو ثابت ~~كذلك. # وهنا يأتي تصورهم لطبيعة أخرى، قوامها «الأفكار» لا مفردات ~~الأشياء، والأفكار إنما تتعلق ب «الأنواع» لا بالأفراد الجزئية، ~~ففكرتنا عن «المربع» ليست مرهونة بمربع يرسمه تلميذ على ورق؛ لأن ~~الرسم - مهما دق - فلن يبلغ حد ms097 الكمال في استقامة الخطوط واكتمال ~~الزوايا، وإنما ترتهن فكرتنا عن المربع بتعريف عقلي له، نحدد به ~~جوهره، وهكذا قل في كل شيء، فكرتنا عن «الإنسان» لا ينبغي أن ترتكز ~~على ما نشاهده في فلان أو فلان؛ لأن هؤلاء الأناسي قد يتفاوتون ~~كمالا، لكن ليس فيهم واحد نستطيع أن نقطع بأنه هو فكرة الإنسان في ~~غاية كمالها، وإذن ففكرتنا عن الإنسان قائمة على تعريف عقلي له، ~~نحدد به جوهر حقيقته، وهلم جرا. # وعلى هذا الأساس - أساس «الجوهر» - أقام أرسطو «منطقه»؛ لأنه هو ~~نفسه الأساس الذي أقام عليه العلم عندئذ بناءه، وتستطيع أن تدرك ~~الفرق بين ما هو «فرد» متغير وبين ما هو «جوهر» للنوع، بأن تقارن ~~الأسماء التي نطلقها على الأفراد بالأسماء التي نطلقها على الأنواع، ~~قارن بين قولي «معاوية» وقولي «إنسان»؛ الأول اسم لفرد، ولذلك لم ~~يكن يمثل عندهم «فكرة علمية»، وأما الثاني فاسم لنوع، ولذلك فهو ~~يتضمن فكرة علمية لأنه يتضمن تعريفا محددا لنوع ~~بأسره. # من نقطة الابتداء هذه انطلق أرسطو يبين لنا كيف تتحد في أذهاننا ~~تصوراتنا الذهنية عن الأنواع، ثم كيف تتدرج الأنواع في سلم هرمي ~~تحت أجناس أعم منها، وهذه تحت أجناس أعم ... وهكذا، فإذا نحن ~~أحكمنا هذا البناء الهرمي الذي يشمل جميع «الأنواع» وأجناسها، كنا ~~بمثابة من أحاط بعلم الطبيعة كما هي قائمة في عالم الثبات العقلي، ~~لا كما هي منظورة في جزئيات العالم الحسي، ومن تصوراتنا الذهنية عن ~~الأنواع نستطيع أن نبني أحكامنا على حقائق الوجود، بأن نربط بين ~~تصورين منها ربطا يثبت أحدهما للآخر أو ينفيه عنه، وكلما ~~انتهينا إلى حكم صادق من تلك الأحكام، كان لنا أن نستدل منه أحكاما ~~أخرى، وهكذا دواليك. # الذي أكسب المنطق الأرسطي قوته الجارفة التي مكنته من البقاء ~~أكثر من عشرين قرنا، هو أنه يساير إدراكنا الفطري للأشياء، فنحن ~~بالفطرة أميل إلى الاعتقاد بأن ما تقع عليه أبصارنا، أو أية حاسة ~~أخرى من حواسنا، كالكرسي والقلم والفنجان والنافذة والسمكة والطائر ~~والسحابة والشجرة، إنما هو ذو كينونة مستقلة ms098 قائمة بذاتها، وما ~~علينا بعدئذ إلا أن ننتقل من الكرسي الفرد إلى الكرسي بالمعنى العام، ~~ومن القلم الفرد إلى القلم بالمعنى العام ... وهكذا، فتكون لدينا ~~«التصورات» التي نبني عليها علمنا بالوجود، وحتى إذا وجد الإنسان ~~بين يديه ألفاظا تسمى كائنات مجردة، كالحرية والجمال والفضيلة وغير ~~ذلك، فلن يرى في الأمر بعد ذلك عسرا حين يجريها في الطريق ~~الاستدلالي الذي رسمه المنطق الأرسطي؛ لأنه لن يطالب ب «تحليل» ~~هذه المعاني بحيث يردها إلى عناصرها الأولية، فما عليه - مثلا - سوى ~~أن يقول: إن كل ما في الكون قد جاء على نظام جميل، وهذا الواقع ~~الفلاني هو جزء من الكون، وإذن فلا بد أن يكون على نظام جميل، فإذا ~~لم تكن عيني ترى فيه النظام الجميل فلأنها عين عشواء، أما أن ~~يحلل المتكلم معاني «الكون» و«النظام» و«الجمال» فليس ثمة ما ~~يحتم عليه ذلك في منطق الفكر القديم. # فماذا - إذن - عن المنطق الجديد؟ أرجو ألا يكون القارئ قد نسي ~~الجانب الذي ركزنا عليه القول في الفكر الجديد، وهو أننا نلتمس ~~حقائق الأشياء في طرائق بنائها، لا في «جوهر» أنواعها، أعني أننا ~~نلتمس تلك الحقائق في «العلاقات» الرابطة بين الأطراف، أكثر مما ~~نلتمسه في الأطراف نفسها المرتبطة بتلك العلاقات، وذلك نفسه هو شأن ~~«الرياضة»، فأنت حين تقول أن: «2 +3 = 5» تقولها ولا تدري ما هي ~~«الأشياء» التي سترتبط بهذه العلاقة الرياضية؟ هل هي برتقالتان وثلاث ~~برتقالات؟ أو هي كتابان وثلاثة كتب؟ ولم يبعد برتراند رسل عن الصواب ~~قيد شعرة حين قال بطريقته الخاصة في التعبير: إن الرياضي هو ~~الرجل الذي لا يعرف عم يتحدث. وكذلك الشأن في المنطق الجديد: هو ~~منطق ل «العلاقات» لا لحقائق الأشياء المتعلقة بها، وإذا أحكمنا ~~بناءه، كان لك أن تملأ إطار تلك العلاقات بأي شيء أردت. # إنها لم تكن مصادفة عمياء في تاريخ الفكر المعاصر، أن ظهرت ~~فكرة الوحدات الذرية في أكثر من ميدان، وعلى فترة قصيرة، ففي وقت ~~واحد تقريبا ظهرت النظرية الذرية في الفيزياء، كما ظهر كذلك تحليل ms099 ~~الكائنات العضوية إلى «خلايا»، كأنما الخلايا في البيولوجيا هي ~~المقابلة للذرات في الفيزياء، ثم ظهرت بعد ذلك بقليل نظرية برتراند ~~رسل في «الذرية المنطقية» وهي ما نعنى به بصفة خاصة في هذا ~~الحديث. # فلقد كان معظم الخطأ في ~~التفكير، ينشأ عن خلط الإنسان بين ما هو «فرد» وما هو «مجموعة» حتى ~~كاد ألا يفرق بين قولنا «هذه الشجرة» و«الشجر» أو بين قولنا «عباس ~~العقاد» و«إنسان»؛ لذلك كان إذا ما صادف جملة تتحدث عن مجموعات ~~(والأكثرية العظمى مما يقوله الناس أو يكتبونه هو عن مجموعات لا عن ~~مفردات) ظن أنها تتحدث حديثا مباشرا عن الأشياء الواقعة، مع ~~أن هذه الأشياء الواقعة لا تكون إلا مفردات، فإذا جاء كلام المتكلم ~~عن مجموعات، كان معنى ذلك أن كلامه هذا يحتاج إلى خطوة وسطى ~~ترده أولا إلى صورة لفظية تشير إلى مفردات، قبل أن يتوافر لنا ~~إمكان التقابل بين البناء اللفظي وبناء الواقع الخارجي، فافرض - ~~مثلا - أني قلت لك جملة كهذه: «العرب روحانيون.» وأردت أن تفهم ~~عني القول فهما علميا دقيقا، فأول ما تصنعه هو أن تحلل هذه ~~الجملة التي يدور فيها الخبر حول «مجموعة» هي «العرب»؛ أي أن ~~تحللها إلى قائمة من جمل يكون موضوع الحديث في كل منها شخصا ~~عربيا واحدا يقع لك في مشاهداتك، وبعد أن تحلل المقصود من لفظة ~~«روحاني» إلى عناصرها المكونة لها، عندئذ يكون بين يديك عبارات عن ~~أشخاص بأعينهم يتصفون بصفات معينة، فيكون التقابل بين العبارة ~~والحالة الواقعة تقابلا مباشرا، وبتعبير مختصرا: لا بد أن ~~تحلل الكلام المجمل إلى «ذراته» لتتمكن من مراجعة كل ذرة ~~فكرية على الواقعة المفردة التي جاءت تلك الذرة لتصفها، أما أن تترك ~~الكلام على إجماله، ثم يخيل إليك أنك قادر على الحكم بصوابه أو ~~ببطلانه، فذلك هو المنزلق الذي يؤدي إلى الضلال، وأهم ما نلفت ~~إليه النظر هنا، هو هذا المعيار: إذا وجدت أن الكلام المجمل ~~العام يستعصي على الرد إلى ذرات فردية في دنيا اللفظ وفي دنيا ~~الواقع الذي يقابل اللفظ، ms100 فاعلم أن أرجح الرأي عندئذ هو أنك ~~بإزاء كلام بغير معنى. # لعلك قد سمعت بما يسمى في عصرنا ب «المنطق الرياضي» (أو المنطق ~~الرمزي)، بل لعلك قد سمعت كذلك بالاتجاه الجديد الذي بدأه رجال ~~التعليم في أقطار كثيرة من أرجاء الأرض (وبينها بعض الأقطار العربية)، ~~وهو أن يتخذ تدريس الرياضة صورة جديدة تختلف اختلافا واضحا عن ~~الصورة التي ألفناها في المدارس، وهو اتجاه جاء نتيجة مباشرة ~~للمنطق الجديد الذي نتج بدوره عن اللفتة الفكرية الجديدة في عصرنا ~~الراهن. # وخلاصة هذا الاتجاه هي أننا قد كشفنا آخر الأمر عن حقيقة مهمة، ~~وهي أن تفكير الإنسان في حياته العادية وعن الأشياء المألوفة، إنما ~~يجري - في أساسه - على أسلوب الرياضة في جريانها، لقد لبث الإنسان ~~قرونا، يظن أن الفكر في مجال الرياضة له طريقته ورموزه التي نعرفها ~~جميعا، وأما في الحياة المألوفة الجارية فقد تقول مثلا: «البرتقال ~~أصفر»، فيكون قولك من نوع آخر لا يمت إلى الرياضة ورموزها بسبب، ~~ومن ثم جاء المنطق الأرسطي القديم ليواجه حالات الفكر التي من ~~هذا القبيل، بعبارة أخرى، كان الظن أن الرياضة إنما تهتم ~~بدنيا «الكم»، وأما «المنطق» فيهتم بدنيا «الكيف». # فلما وقف نفر من أعلام الرياضة وأعلام المنطق خلال القرن الأخير، ~~وقفتهم التي أرادوا بها أن يزدادوا تحليلا وفهما للعلاقة بين ~~الرياضة والمنطق، وقعوا على هذا الكشف العلمي الخطير، وهو: أولا: ~~أن أسس الرياضة (كفكرة العدد) يمكن تحليلها بأسرها إلى مفهومات من ~~النوع الذي يتناوله المنطق بالدراسة، وثانيا: أن المنطق بدوره ~~يمكن أن يقام له بناء جديد يقوم على الأسلوب الرياضي، بمعنى أن يقنن ~~جهاز من الرموز تدار في إطاره عمليات الاستدلال، تماما كما تفعل ~~الرياضة، حتى لا يتعثر الفكر بما تشتمل عليه ألفاظ اللغة العادية ~~من مشحونات غامضة، وبهذا نكون قد ضممنا عالمي التفكير: التفكير ~~فيما هو «كم» والتفكير فيما هو «كيف» في جهاز رمزي واحد، وهذا هو ما ~~يحاوله أصحاب الفكرة الجديدة في تدريس الرياضة على أسس المنطق ~~الرمزي. # أنكون قد شطحنا بالقارئ إلى ms101 سماء التجريد أكثر مما ينبغي؟ قد ~~نكون، لكننا لن نأمل في إصلاح فكري إلا إذا تناولنا علة الفساد من ~~جذورها، فالفكر العربي ما يزال إلى يومنا غارقا في ضروب من الفكر ~~عتيقة ذهب زمانها، ولم يعد لها أثر عند قادة الحضارة العلمية ~~الراهنة، وذلك من وجهين على الأقل؛ أحدهما: أنه ما يزال يضمن في ~~تفكيره عن الكائنات أنها ثوابت في طبائعها، كأنما لكل كائن ~~«جوهره» الذي لا يتغير مع الزمن، مع أن عصرنا - كما أسلفنا - قد ~~استبدل بهذه الفكرة فكرة أخرى، وهي أن الكائن المعين أو الموقف ~~المعين إنما هو «نمط من علاقات»؛ أي إن وجه الثبات هو في صورة ~~البناء، لا في المضمون الذي يملأ تلك الصورة، إذ قد يتغير هذا المضمون ~~مع ثبات الصورة، فيبقى للشيء ثباته ودوامه، وثانيهما: أنه (أعني ~~الفكر العربي) لا يكاد يعبأ عند قبوله الأفكار التي تعرض عليه، ~~بأن ينظر ليرى إن كان في دنيا الواقع «مفردات» تؤيدها؛ ليكون على ~~استعداد لرفض أي فكرة لا يجد لها وسيلة للتطبيق. # أما عن الوجه الأول فانظر في ~~حياتنا الاجتماعية كيف كان لوقفتنا المخطئة أبلغ الأثر، ويكفي أن ~~نسوق مثلا واحدا: النظم الاجتماعية بما في ذلك النظم السياسية، ~~فانظر إلى بلد أشرب أهله باللفتة الفكرية الجديدة، تجدهم هناك على ~~عقيدة راسخة بأن الجانب الثابت من النظم الاجتماعية والسياسية هو ~~بنية الإطار، وأما الأفراد أنفسهم فيجيئون ويذهبون، فليست العبرة ~~بأشخاص الرجال في ذواتها، بل هي في الدور الذي يؤدونه في المجموعة ~~المنغومة التي هم أعضاؤها؛ ولذلك فقد يجيء حاكم ويذهب حاكم، لكن إطار ~~الحكم نفسه باق وثابت، إن الديمقراطية أو الدكتاتورية أو أي نظام ~~سياسي شئت، إنما هي «تركيبة» معينة، إذا بقيت على طريقة بنائها ~~بقيت صورة الحكم كما هي، مهما تبدل عليها أشخاص الحاكمين، قل مثل ~~ذلك في مؤسسات التجارة والصناعة وغيرها من منظمات المجتمع ~~المتطور، تجدها هناك قادرة على البقاء عشرات من السنين متوالية؛ ~~بسبب أن أصحابها يحافظون على «كيانها» الذي بنيت على أساسه، برغم ~~تبدل ms102 الأشخاص الذين يتولون أمورها، الأمر في كل هذا كالأمر في ~~فريق الكرة - مثلا - حيث يكون الجانب المهم فيه هو الدور الذي ~~يؤديه الفرد الواحد في موضعه من التكوين الجماعي، وليس هو أنه فلان ~~بن فلان من الأسرة الكريمة الفلانية، إن المجتمع الحديث هو مجتمع ~~من نظم قبل أن يكون مجتمعا من أفراد، وليس في ذلك حيف على الفرد، ~~ما دمنا نفهم الفرد على أنه عضو في جماعة .. قارن كل هذا بما هو ~~شائع في حياتنا، تجد الوزن كله - أو معظمه - في شخصية الفرد من حيث ~~هو فرد، لا يربط علائقه بالنظام الذي هو عامل فيه بقدر ما يربطها ~~بالأسرة التي جاء منها، المهم عندنا هو «من هذا الرجل؟» لا «أين ~~موقع هذا الرجل من البناء الاجتماعي وماذا يؤديه؟» ولا غرابة أن نجد ~~النظام - كائنا ما كان، سياسيا أو اجتماعيا أو تربويا أو غير ~~ذلك - ليس له الأهمية الأولى بحيث يدخله الأفراد ليخدموه ثم يذهبوا ~~عنه وهو أكثر رسوخا، بل إننا لنجد عندنا أن أيسر الأمور علينا ~~هو أن يتحطم النظام القائم على يدي كل قادم جديد، ليقيم هذا ~~القادم الجديد نظامه الخاص؛ إمعانا منه في توكيد شخصه هو على حساب ~~أي بناء اجتماعي أو سياسي قائم. # وأما عن الوجه الثاني، الذي هو مراجعة القول على وقائع العالم، ~~فحدث في أمره وليس عليك من حرج؛ لأنك مهما أسرفت فلا مبالغة ~~فيما أسرفت به، فإننا أمام الأقوال لفي غيبوبة المنتشي بخمر، فننسى ~~أن القول إنما يقوله صاحبه - في ميادين الجد - ليعني به شيئا ~~من مفردات الواقع، ننسى ذلك إلى الحد الذي قد يميل بالرأي العام ~~بين المثقفين - ودع عنك جمهور الناس - إلى ازدراء من يطالبهم بأن ~~يكون معنى الكلام في دنيا التطبيق والعمل .. وإن الحديث في هذه الآفة ~~ليطول، فإذا كان قادة الحضارة في عصرنا مشغولين «بالتكنولوجيا»، فنحن ~~مشغولون - كما قلت مرة في إحدى المناسبات العامة - ب ~~«الكلامولوجيا». # ألا إن في عصرنا لفكرا جديدا، ولهذا الفكر الجديد منطق جديد، ~~فإما قبلناهما في ms103 شجاعة من أراد لنفسه مسايرة زمانه ، أو رضينا ~~بالتخلف الفكري في غير شكاة ولا ضجر. # | دماغ عربي مشترك # كنت أستطيع أن أجعل العنوان «عقل عربي مشترك»، أو «فكر عربي ~~مشترك»، أو ما يشبه هذا؛ لأضمن به لفظا مألوفا، لكني تعمدت ~~الإشارة إلى «الدماغ»؛ لأنه هو العضو الذي يجيء العقل أو الفكر ~~وظيفة له، كما تكون العين عضوا والبصر وظيفته، والأذن عضوا والسمع ~~وظيفته، وهلم جرا، والجانب المفقود في حياتنا الثقافية العربية - ~~فيما أرى - ليس هو الوظيفة بقدر ما هو العامل الذي يعضونها في ~~كيان؛ إذ قد نجد قطرات من «الفكر» مبعثرة هنا وهناك، في الكتب ~~والصحف، لكنها تفتقر إلى «العضو» الذي يجمع أشتاتها في تيار واحد ~~متجانس الطبيعة والهدف، برغم ما قد يكون فيه من كثرة وتباين، ولو ~~كانت حياتنا الثقافية مكتملة النماء لجاءها توحيد الأجزاء من ~~أعصابها وشرايينها، ولكنها ليست كذلك، فأصبح حتما أن نصطنع لها ~~جهازا يوحدها حتى تسترد العافية. # وإننا إذ نبحث لأشلائنا الفكرية عن شريان يجعل منها كائنا حيا ~~حساسا لما حوله، مستجيبا له على النحو الذي يكفل له البقاء والقوة، ~~فإنما نساير عصرنا في صفة لعلها أبرز ما يميزه من صفات، فبينما ~~غلبت على العصور السابقة نزعة فسيفسائية في بناءاتها ~~الفكرية، ترى عصرنا أميل إلى دمج الأجزاء المنفصلة في تيار متصل، ~~وهذا هو نفسه الفرق بين طريقتين في التفسير: التفسير بنظرة آلية ~~تجاور بين الأجزاء ولا تسكبها في تيار، والتفسير بنظرة حيوية ~~عضوية تسيل الأجزاء في خط موصول، النظرة الأولى سكونية في أساسها، ~~والثانية حركية، فلو أمعنت النظر في الفكر الأوروبي خلال القرنين ~~السابع عشر والثامن عشر (ولتذكر جيدا أن أوروبا هي القابضة على ~~زمام الحضارة خلال الخمسة القرون الأخيرة، أحببنا نحن ذلك أم ~~كرهناه، ثم أضيفت إليها الولايات المتحدة أخيرا)، أقول: إنك لو ~~أمعنت النظر في الفكر الأوروبي خلال الفترة التي سبقت عصرنا، ~~وجدته نابعا من أساس مشترك، هو تحليل الكل إلى أجزائه؛ بحيث لا ~~يجعلون من الكائن - أيا ما كان - أكثر من حاصل ms104 جميع أجزائه؛ ~~«فالعقل» مثلا هو مركب قوامه مجموعة انطباعات حسية، تظل تتجمع ~~داخل رءوسنا وتتشكل في طرائق تركيبها، فينشأ منها «الأفكار» من ~~أدناها إلى أعلاها (راجع فلسفة هيوم)، و«المكان» مجموعة نقاط، ~~و«الزمان» مجموعة لحظات، و«العالم» كله مجموعة عناصر أولية، ~~و«الإنسان» نفسه - كأي كائن حي - مجموعة أعضاء تعمل معا كما ~~تعمل أجزاء المكنة، وعلى أساس هذه النظرة التحليلية ظن رجال الفكر ~~عندئذ أن عناصر الوجود كله أو مكوناته الأساسية قد يتصل بعضها ~~ببعض، أو ينفصل بعضها عن بعض، فيتكون باتصالها أو بانفصالها تلك ~~الظواهر الطبيعية المعينة، أو ذلك الكائن المعين من الكائنات، ~~أما الكون في مجموعه فهو دائما ذو حاصل واحد، لا يزيد جزءا ولا ~~ينقص جزءا، وإذا جاز لي أن أشبه الموقف الفكري عندئذ بتشبيه ~~يقرب الصورة إلى الأذهان، قلت إن الأمر كان كما لو كان عندك ~~ورقة نقدية بعشرة دنانير، هي كل ما لديك من مال، تستطيع أن ~~«تفكها» - أي تحللها - إلى آحاد أو إلى قروش، أو إلى قطع من ~~ذوات العشرة القروش، على ألا يزيد المجموع النهائي دائما عن عشرة، ~~مهما تنوعت الصورة التي تضعها فيها من صنوف النقد المتاحة. # ذلك ما قد كان عليه تصور ~~الناس لطبيعة الكون ولطبيعة الإنسان ولطبيعة الفكر والفن، فجاء عصرنا ~~ليغير هذا التصور من أساسه، وذلك بأن أحل محل الكل ~~الثابت الذي لا ينقص ولا يزيد، صورة أخرى للكون وللطبيعة ولعالم ~~الأحياء - ومنه الإنسان - تجعل الكل ناميا أبدا، متطورا أبدا، ~~فهو أبدا يزداد اتساعا ويزداد غزارة وحصيلة، ولقد اقتضت هذه ~~الصورة الجديدة عدة نتائج، منها أن الشريحتين المتعاقبتين من ~~الزمن، وإن تساوتا رياضيا فلن تتساويا في كثافة الخبرة وغزارتها؛ ~~لأن الشريحة التالية في الترتيب لا بد بالضرورة أن ترث حصيلة ~~الشريحة السابقة، ثم تضيف إليها ما قد استحدثته هي بفعل النمو ~~والتطور، ومن النتائج كذلك - وهو ما يهمنا هنا في سياق حديثنا الراهن ~~- أن تكون الأجزاء في أي كيان تختاره للنظر، متلاحمة بعضها في بعض ~~ليتكون منها سيال واحد، فإذا أنت فككت ms105 هذا التيار الدافق إلى ~~قطراته، كما تنثر حبات العقد، بطل أن يكون كائنا حيا ناميا، ~~وبالتالي فاتت عليه فرصة النمو والتطور وبلوغ النضج والإثمار. # وعلى هذا الضوء المبدئي العام، نعود فننظر إلى موضوع حديثنا هذا ~~الخاص، وهو حالة العقل العربي اليوم، فنقول إنه إذا ثبت صدق ما ~~أزعمه له، وهو أنه حتى على فرض أن هنالك جملة أفكار تنبت على ~~أرضنا هنا وهناك فهي أفكار مفرقة مجزأة، مرصوص بعضها إلى جوار ~~بعض - على أحسن الفروض - لكنها غير مترابطة معا في كيان عضوي ~~واحد، وإذن فلا أمل لها - إذا بقيت على هذه الحال - في أن تسعفها ~~عوامل النمو والنضج والإثمار، ما لم ينشأ لها ما يقابل «الدماغ» من ~~الجهاز العضوي في الفرد الواحد. # إن لأصحاب التفسير البيولوجي للتاريخ في عصرنا، وأظن أن في ~~مقدمتهم جميعا المفكر الفرنسي المعاصر «تيار دي شردان» # Teilhard de Cardin ~~؛ رؤية ~~للحقيقة - حقيقة الكون وحقيقة ~~الإنسان - يصلون إليها عن طريق نظريتهم الخاصة في تفسير التطور، ~~أحسبها معينة لنا أنفع العون فيما نحن الآن بصدد الحديث فيه، حتى ~~وإن كانت لنا اعتراضات على تفسيرهم للتطور بصفة عامة، وأساس تلك ~~الرؤية التي أشرنا إليها، هو أولا: أن ننظر إلى التطور فيما قبل ~~ظهور الإنسان نظرة تختلف عنه فيما بعد ظهور الإنسان، وبالنسبة ~~للإنسان وحده دون سائر الكائنات، فأما قبل ظهوره فقد كانت القوة ~~الباطنية الدافعة قوة طاردة، بمعنى أنه كلما ظهر جنس حيواني معين ~~إلى الوجود، فهو لا يلبث أن يتفرق في أنواع مختلفة، يتميز كل منها ~~بخصائصه، برغم اشتراك الأنواع كلها في أرومة واحدة، وأما ~~بالنسبة إلى الإنسان، فالقوة الباطنية الدافعة هي قوة ضامة أو ~~جاذبة، تدأب على تجميع الأطراف نحو مركز واحد، حتى لا تتفرق أنواعا ~~كما حدث في دنيا الحيوان والنبات؛ ولذلك لبث الإنسان بين سائر ~~الكائنات الحية جميعا، وحيدا في كونه نوعا واحدا، ولم يتكاثر ~~أنواعا متباينة، كما نرى مثلا في عالم الحشرات التي تزيد أنواعها ~~على نصف المليون، وفي عالم الطير الذي تقرب أنواعه ms106 من تسعة آلاف، لكن ~~الإنسان - وإن صمد على مجرى الزمان نوعا إنسانيا واحدا - فقد ~~استعاض عن التنوع البيولوجي تنوعا آخر، هو التنوع في الثقافات. ~~ومع ذلك فحتى هذا التشتت الثقافي، سرعان ما يجد له دائما مراكز ~~حضارية كبرى، تجمع خيوطه في قبضتها الواحدة، فيظهر العصر وكأنه ~~متميز بطابع فكري واحد. # وثانيا: تتميز رؤية الحقيقة من وجهة نظر التفسير البيولوجي للتاريخ ~~بمبدأ هام، وهو أن البناء العضوي صفة لا تقتصر على الكائن الفرد، ~~بل تتسع لتشمل مجموعات الأفراد؛ فما يصدق على الفرد الواحد من حيث ~~الترابط والتعاون بين أعضائه الكثيرة المتنوعة، بحيث يصبح برغم كثرة ~~أجزائه كائنا واحدا ذا هدف واحد ووجهة نظر واحدة؛ يصدق أيضا على ~~«المجموعة» إذا تعضونت بحيث تصبح هي الأخرى - برغم كثرة أفرادها - ~~وكأنها فرد واحد في اتجاهه وغاياته ووجهة نظره، وذلك بما يكون ~~عندئذ بين هؤلاء الأفراد من ترابط وتعاون؛ شريطة أن يكون لهذه ~~المجموعة من الخصائص العضوية الموحدة ما للفرد، وأهم تلك الخصائص أن ~~يكون لها «دماغ» يتولى التوجيه والتوحيد، ولقد حرصت على ألا أقول ~~هنا كلمة «رأس»؛ لأنها كلمة سرعان ما تتحول في أوهامنا إلى «رئيس»، ~~ثم تتوالى بعد ذلك النتائج، التي لا بد لها - في مناخنا الثقافي ~~الذي تغلغل في كياننا حتى العظام - أن تجعل بين الرئيس والأعضاء ~~حاكما ومحكوما، ومستبدا وخاضعا، وآمرا ومطيعا، وهو ما لا يطوف ~~لي ببال حين أريد الانتفاع بفكرة «الدماغ» في عملية التوحيد ~~العضوي. # هي رؤية تنفعنا نفعا عظيما في إيجاد الوحدة الفكرية الحية النامية ~~التي تبلغ النضج في حينه وتعطي الثمر في إبانه؛ ففي ضوئها نفهم ~~لإحياء تراثنا العربي معنى وقيمة؛ إذ لو سألني سائل (وقد وقعت على ~~السؤال مطروحا في بعض مجلاتنا العربية التي تشتعل على صفحاتها ~~ألسنة من لهيب الثورة الفكرية الجامحة عند طائفة من شبابنا)، أقول ~~إنه لو سألني سائل: فيم العناية بتراثنا الفكري وعصرنا قد اختلف ~~كل هذا الاختلاف عن عصور آبائنا؟ لأجبته - على ضوء الفكرة العضوية ~~التي أسلفنا ذكرها - أننا نحن مع ms107 هؤلاء الآباء تيار حيوي واحد ، ~~إذا بترت جزءا منه؛ فني هذا الجزء بالذبول والضمور، فالموت. وليس ~~هذا القول من قبيل التشبيهات البلاغية الجوفاء، لكنه تصوير دقيق ~~لما يقع ويحدث؛ لأننا قد نسأل بدورنا: إذا نحن أهملنا تراث الآباء ~~الفكري إهمالا تاما، فماذا تقترحون لحياتنا الفكرية عندئذ؟ أتقولون ~~مثلا: نقتصر على نتاج أوروبا وأمريكا الآن؟ لكننا لو فعلنا ذلك، ألا ~~يكون فيه «فناؤنا» الفعلي بأن جعلنا أنفسنا خلايا في جسم آخر، هو ~~جسم أوروبا أو أمريكا أو كلتيهما، لو كانا متحدين في كيان واحد؟ ~~وبالفعل هذا ما قد حدث لطائفة من رجال الفكر فينا، ملئوا شرايينهم ~~بثقافة غربية خالصة، فكان وجودهم بيننا وجودا جغرافيا وجوارا ~~مكانيا فقط، وأما أن يشاركونا في الوجود «الزماني»، أي الوجود ~~الذي يمتد ليصل أمسنا بيومنا، ثم ليصل هذين معا بالغد، فذلك ما ~~يستحيل عليهم؛ ومن ثم فهم لا يدخلون حلقات من تاريخنا الفكري، ومع ~~ذلك كله، فلا بد لي من التحذير بأن يؤخذ كلامي هذا على أنه دعوة ~~لقبول الثقافة الموروثة بقضها وقضيضها، بغثها وسمينها؛ فذلك ما ~~لست أعنيه ولا أريده؛ لأنه لو حدث، كان هو الآخر موقفا يند ~~عن وجهة النظر العضوية التي ننظر منها؛ لأنها نظرة تحتم علينا ~~شيئين في آن معا: أن يكون الحاضر موصولا بالماضي في شريان واحد، ~~وأن يكون الحاضر أغزر من الماضي وأضخم وأغنى، بما يستحدثه ويضيفه ~~خلقا جديدا. # الوراثة في عالم النبات والحيوان مقصورة على ما تنقله الناسلات من ~~الوالد إلى الولد، وأما في دنيا الإنسان فيضاف إلى هذا الجانب ~~الجسماني وراثة أخرى، هي الوراثة الثقافية، فلا مندوحة لي - إذا ~~أردت لنفسي «حياة» فكرية صحيحة - عن تشرب العقل العربي كما تجلى ~~في تاريخنا الفكري، لا لأقف عنده خاشعا عابدا، بل لأتصرف فيه تصرف ~~الأحرار فيما بين أيديهم من أدوات نافعة؛ فلئن أخذت قوامي وقامتي ~~وبشرتي وسماتي عن طريق الناسلات العضوية، فلا بد أن يضاف إلى ذلك ~~كله أن أسقى شراب الأقدمين من آبائي، شريطة أن يسري ذلك الشراب ~~سريان ms108 العصارة الحية، وذلك هو على وجه الدقة جانب «التربية» الذي ~~ينضاف إلى جانب التعليم والتدريب المهني؛ ليكون لنا من ذلك «المواطن ~~العربي» إلى جانب الكائن البشري متمثلا في - أو مصبوبا في - «الفرد» ~~البيولوجي، الذي هو واحد من آحاد تعد بالملايين من سكان الأرض، لا ~~فرق بين واحد منهم وواحد. # نظرتنا إلى الجهاز الإدراكي كله عند الإنسان، إذا نحن أخذنا بمبدأ ~~التفسير البيولوجي الذي أسلفناه، تعلو به درجة عن مستوى الإدراك ~~الفردي؛ فإذا كان المخ عند الفرد الواحد مؤلفا من خلايا كثيرة ~~تعضونت لتعمل معا؛ فالدماغ الجماعي المشترك خلاياه الكثيرة هم ~~الأفراد من أصحاب الفكر العلمي، أو الخلق الفني، أو ما شئنا من ~~مجالات النشاط العقلي، وإن تضامن المنتجين في كل ميدان بعضهم مع بعض، ~~من شأنه أن يصعد بالوعي إلى درجة أعلى من درجته وهو عند الفرد ~~الواحد، ولست أقصد بهذا ذلك الضرب من العقل الجمعي الذي قال به ~~علماء الاجتماع في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، بل أقصد إلى ~~نوع من المشاركة يزيد فاعلية الأفراد، وإذا شئت توضيحا فقارن ~~لنفسك بين حالتين: الأولى أن يخرج كاتب من كتابنا كتابا يبسط ~~فيه فكرة معينة، فإذا به يجد الصدى بعد حين آتيا إلى مسامعه من ~~سائر أجزاء الوطن العربي، فهو - مثلا - يخرج كتابه في القاهرة، فإذا ~~هو محور للمناقشة والرد والتعديل والرفض عند حلقات المفكرين في ~~لبنان أو الكويت أو العراق. والثانية أن يخرج الكاتب كتابه فإذا الذي ~~يلقاه من الناس صمت أعمق من صمت القبور؛ في الحالة الأولى تكون ~~عقل مشترك بدرجة ما، وفي الحالة الثانية بقي الفرد عند حدود ~~فرديته. # إنني لا أفهم لإحياء التراث ودراسته معنى إلا أن ننظر إليه نظرة ~~بيولوجية؛ بمعنى أنه يتيح لنا أن نجعل من «العربي» إنسانا واحدا ~~امتدت حياته مئات السنين أو آلافها، بحسب العدد الذي نستطيع ~~ربط بعضه مع بعض من حلقات الزمن ليتكون منها تيار واحد متصل، فإذا ~~كان هذا هكذا بالنسبة إلى الماضين مع الحاضرين، فأولى به أن يكون ms109 ~~أيضا بالنسبة للحاضرين بعضهم مع بعض، وإلا فهم حفنة من أفراد لا ~~يتكون منهم جماعة عضوية واحدة، ومن باب أولى ألا يمكن ربطهم ~~بماضيهم الموروث؛ وإني لأزعم أن رجال الفكر العربي المعاصر - ~~مهما تكن قيمتهم الثقافية - مبعثرون على نحو يستحيل معه أن تلتقي ~~روافدهم في نهر عظيم واحد، حتى لقد أمكن لهم - بحكم هذا التفكك ~~- ألا ينتموا إلى عصر واحد من الناحية الفكرية، فمنهم من عاد ~~بالتاريخ القهقرى ليعيش مع الأسلاف، ومنهم من عبر الحدود بعقله ~~وخياله ليعيش مع أبناء هذا العصر من أصحاب الفكر في أوروبا وأمريكا، ~~ومنهم من يتخبط في أعاصير الزمن فلا يدري هو نفسه في أي عصر ~~يعيش. # كان من أهم ما يلفت النظر في الحياة الفكرية لآبائنا العرب ~~الأقدمين تواصل قوي وثيق بين رجالها، حتى لتحسبهم في كل شريحة ~~زمنية أسرة واحدة اجتمعت تحت سقف واحد، فها هنا كتاب يصدر في ~~موضوع معين، فلا يلبث أن يرد عليه ناقد هناك بكتاب آخر، بل كان ~~هؤلاء الرجال بالفعل يتنقلون ليلتقي أحدهم بأحدهم لقاء حيا، ~~فيتبادلون الرأي، وكأن جميعهم أساتذة يعملون في جامعة واحدة، ثم ~~لا يقتصر هذا التواصل على أبناء العصر الواحد، بل إنه ليجاوز هذه ~~الحدود فيقوم النقاش بين لاحق وسابق، فكان لنا من ذلك كله نتاج ~~فكري أمكن تسميته ووصفه باعتباره شجرة واحدة، وإن تنوعت فروعها ~~وتباعدت، وهكذا الأمر في كل ثقافة قومية حية، وإلا لما استطعنا أن ~~نفرق مثلا بين مجموعة الفكر في فرنسا ومجموعته في إنجلترا ومجموعته ~~في أمريكا ... وهلم جرا، لكننا نستطيع التفرقة بما تتميز به ~~كل مجموعة من طابع أصيل، نشأ بسبب ما يربط رجالها من روابط المتابعة ~~الممزوجة بالنقد والتمحيص، لماذا تشيع الفلسفة التحليلية في إنجلترا، ~~والفلسفة الوجودية في فرنسا، والفلسفة البرجماتية في أمريكا، والمادية ~~الجدلية في الروسيا، إلا أن تكون هنالك الصلات القوية التي تجمع ~~عددا من الرجال في فريق. # الحق أنه لولا هذا الدوران حول محور يجمع أشتات المجموعة ~~الواحدة فيما يشبه الوحدة برغم تنوع الأفراد، لما ms110 أمكن لأي ثقافة ~~أن تكتسب طابعها القومي المميز، وكذلك لولا ما يجمع المتفرقات من ~~الثقافات القومية في فترة معينة من الزمن، لما أمكن للمؤرخ أن ~~يميز عصرا من عصر، بل لانتفت فكرة التاريخ ذاتها؛ لأن التاريخ ~~- بأي منظار نظرت إليه - هو التماس لروابط الوصل التي تحيل ~~الحوادث المفككة في ظاهرها، حياة جارية موصولة الأجزاء. # على أن وسائل الربط في عالم الفكر قد اختلفت من عصر إلى عصر، ومن ~~أمة إلى أخرى؛ فربما كانت مجالس الخلفاء والأمراء والوزراء في الحياة ~~العربية القديمة وسيلة مهمة لذلك؛ ففي تلك المجالس كان يذكر الشاعر ~~أو اللغوي أو الفقيه أو الفيلسوف مقرونا بما أذاعه في الناس من ~~أدب وفكر، ليكون ذلك موضوعا لحديث الحاضرين، وموضعا للمعارضة أو ~~التأييد، وبهذا الحوار المستمر خلق الجو المشترك للعصر الواحد، ثم ~~للفكر العربي كله بصفة عامة؛ فأحسب أنا لو أرخنا لقصر واحد، ~~كقصر الرشيد، أو قصر المأمون، أو قصر سيف الدولة الحمداني؛ لأرخنا ~~لحركة فكرية أدبية بأسرها، وكذلك لو أرخت لجامع واحد من الجوامع ~~التي كانت ملتقى الفقهاء والمفكرين - والجامع بهذا المعنى كان هو ~~الجامعة - لتعقبت مدرسة فكرية كيف نشأت وعلى أي وجه تشعبت ~~فروعها، وهكذا كان لنشاطهم الفكري مراكز تجمعه وتهيئ له طريق السير، ~~ولا عجب أن أخذ أعلام الفكر في كل عصر يذرعون أرض العروبة من ~~مشرقها إلى مغربها، ومن مغربها إلى مشرقها، كل يقصد إلى هذه المراكز ~~يؤمها، ليأخذ ويعطي، فتندمج الروافد الكثيرة في نهر واحد ~~عظيم. # وفي عصرنا هذا، في البلدان الرائدة، ربما كانت الملاحق الأدبية ~~لكبريات الصحف هي التي تهيئ للناس مكان الالتقاء الفكري، الذي من ~~شأنه أن ينسج - أسبوعا بعد أسبوع، وشهرا بعد شهر - مناخا ~~ثقافيا مشتركا يطبع البلد الواحد، ثم يطبع العصر كله بما يميزه، ~~وربما قامت الجامعات والمنتديات والمؤتمرات وغير ذلك من صنوف اللقاء ~~المدبر المرسوم، بشيء من هذا التجميع؛ إنك لو سألتني - في مجال ~~الدراسة الفلسفية - أين أجد الفلسفة الإنجليزية اليوم؟ لأجبتك جوابا ~~يحقق كثيرا من الصواب: في مجلة # mind ms111 ~~، ~~وفي الندوات الدورية التي تنظمها «الجمعية الأرسطية» هناك؛ لكن افرض ~~ألا مجلة ولا جمعية تنظم ندوات الحوار حول الموضوع الواحد، فهل كان ~~يسهل على الرأي المبعثر أن يتبلور فيما يسمى «فلسفة إنجليزية ~~معاصرة»؟ # وقد أتخيل قارئا «علميا» في تخصصه الدراسي يبتسم في شيء من ~~تعجب الزراية - وكثيرا ما يفعلون - فيقول: لكن حديثك هذا كله هو ~~عن الأدب والدراسة الأدبية، فما بالك وعصرنا عصر التكنولوجيا؟ ~~والجواب عندي أيسر تناولا؛ لأن نظرة واحدة تكفيك لتعلم أن ~~دنيا العلم التكنولوجي بأسرها، من غربها إلى شرقها، تسير وكأنها ~~عقل واحد وصدر واحد؛ فكيف كان ذلك ليتحقق لولا الاتصال الوثيق بين ~~المشتغلين في كل ميدان علمي، حتى لكأنهم يتجاورون في معمل واحد ~~ومركز واحد للبحوث والتجارب؛ وفي سياق حديث كهذا قرأت يوما لكاتب ~~أوروبي لفتة عجيبة، تأخذها منه أول الأمر وكأنها شطحات ~~المتصوفة، ثم تمعن فيها النظر فإذا هي الحق أو ما يقرب منه؛ وذلك ~~أنه كتب ليقول: إن الأجهزة العلمية اليوم تكون عالما متصلا ~~بعضه ببعض، يكاد ينفصل وحده ليتولى تطوير نفسه بنفسه، ليخلق ~~مرحلة رابعة من مراحل التطور الكوني: فمن المرحلة اللاعضوية، إلى ~~المرحلة العضوية، إلى المرحلة العقلية في الإنسان، وأخيرا إلى مرحلة ~~تتخلق فيها دنيا التقنيات؛ إن الأجهزة التقنية اليوم تتواصل ~~أرجاؤها بحيث يستحيل أن تنمو هنا وتتخلف هناك، ولو أحكمنا تصور ~~هذه الصورة التطورية الجديدة، أفزعتنا نتيجتها؛ لأنها لو صدقت ~~كانت الجماعات البشرية التي تنفض أيديها من المشاركة في العلوم ~~التقنية خلقا وإبداعا - اكتفاء بشراء أجهزة يصنعها الآخرون - قد ~~أوشكت أن تصبح «نوعا» بشريا تطور بعده «نوع» بشري آخر. # ونعود إلى رجال الفكر العربي في عصرنا الراهن هذا لنلحظ عليهم ما ~~قد أسلفناه، وهو أن أوصالهم مفككة، يكاد لا يدري أحد منهم عن أحد ~~إلا أسماء وعناوين، فلا مشاركة ولا حوار، إنه ليس بالشيء ~~المستبعد في حياتنا الفكرية أن تنبت فكرة هناك فلا نسمع بها هنا، ~~فضلا عن أن تجد من يناقشها ليحييها؛ وأقتل ما يقتل التفكير ~~مقابلته بالصمت؛ لأن المعارضة ms112 والموافقة كلتيهما زاد للنماء، في ~~الوطن العربي «أفكار» مبعثرة، لكنها «هوامل» لا تجد «الشوامل» التي ~~تجمعها وتصهرها (والإشارة هنا إلى كتاب التوحيدي «الهوامل والشوامل»)، ~~والأمر يحتاج إلى تحليل وتوضيح، لم يفلح في صهرها كل ما نقيمه ~~من مؤتمرات ومهرجانات ولمحات نقدية نتقاذفها حينا بعد حين؛ إنني ~~لأكاد أعجز عن الجواب إذا سألني سائل: ما أهم القضايا الفكرية التي ~~تشغل رجال الثقافة العربية؟ فلكل منهم قضية، ثم لا لقاء! # سل: ما التيار الفلسفي الأغلب بين المثقفين العرب؟ ولن تجد ~~الجواب؛ فكل صوت مسموع في دنيا الفلسفة في أوروبا وأمريكا له بيننا ~~صداه، ففينا المثاليون والتجريبيون والواقعيون والوجوديون ~~والبرجماتيون والماديون الجدليون والشخصانيون. # سل: ما الاتجاه الأغلب بين ~~المثقفين العرب في ميدان النقد الأدبي؟ ولنلحظ هنا أن الإجابة عن ~~هذا السؤال لو وجدناها؛ لأشارت إلى طريقتنا المقبولة في الأداء ~~الأدبي، ولكنك لن تجد الجواب؛ فكل مذهب في النقد مما يتردد في ~~أوروبا وأمريكا، له عندنا مناصرون، فهنالك من يقيمون النقد على أساس ~~بحثهم في القطعة الأدبية عن «نفسية» الكاتب، ومن يقيمونه على أساس ~~بحثهم عن «الظروف الاجتماعية» كما انعكست في الثمرة الأدبية المنقودة، ~~ومن يقيمونه على أساس بحثهم عن «الهدف المذهبي (الأيديولوجيا)»، هل ~~وجد تعبيرا عنه أو لم يجد؟ وهكذا وهكذا؛ هنالك من يأخذون عن ت. س. ~~إليوت، ومن يأخذون عن أ. أ. ريتشاردز، ومن يأخذون عن جان بول سارتر، ~~ومن يأخذون عمن لست أدري من في روسيا أو غيرها ... عندنا من البضاعة ~~الفكرية ألف صنف وصنف! أتقول إنها فاعلية وحيوية هذا التوثب ~~لالتقاط الشاردة والواردة؟ قل ما شئت، لكني أقول إنها كالميازيب ~~تصب ماءها دون أن تجد المجرى الأصيل الذي يوحد الماء في تيار؛ ليس ~~في عقولنا الإطار القومي المعد لتشكيل المادة الوافدة في شكل ~~يحمل الطابع العربي برغم اختلاف الأفراد، قل هذا نفسه في كل شيء؛ ~~قله في الفنون على اختلافها، لقد كان للفن العربي طابع مميز تعرفه ~~من أصغر قطعة فيه إلى أضخم مسجد أو قصر، ولم تمنع وحدانية الطابع ms113 ~~هذه أن تكون لكل قطعة فرديتها ومميزاتها، ولكن ها هي ذي متاحف رجال ~~الفن عندنا تفتح أبوابها هنا وهناك كل يوم، فزر منها ما شئت، ثم ~~أنبئني عن الطابع الذي يغلب عليها. # كلا، ليس لنا مناخ فكري نعيش فيه؛ فتنوعنا أفرادا وامتنعت ~~روح الفريق؛ لو كان الفيلسوف «ليبنتز» يبعث فينا اليوم حيا لما ~~وجد خيرا منا مثالا يضربه لمذهبه الفلسفي الذي جعل كل فرد ~~برجا مغلقا على نفسه بغير نافذة يطل منها على الآخرين؛ كل فرد ~~منا هو روبنسن كروسو وحيدا في جزيرته، يشتق من رأسه ما يقوله وما ~~يصنعه؛ لو كتب ابن طفيل كتابه «حي بن يقظان» وهو بيننا، لما مست ~~به حاجة إلى أن يخلق بخياله جزيرة لبطله ينفرد فيها بتحصيل العلم ~~كله مستقلا عن سواه؛ لأن في كل رجل منا عزلة تحقق لابن ~~طفيل ما أراد. # اختر حفنة من المفكرين العرب، اخترها كما اتفق، تجدها قد ~~مثلت كل عصور الفكر منذ فجر تاريخنا إلى اليوم، فيها القديم الذي ~~لا يعرف عن الجديد حرفا، وفيها الجديد الذي لا يعرف عن القديم حرفا؛ ~~فيها المستكين وفيها الثائر، فيها الداعية إلى غرب والداعية إلى شرق، ~~فيها من كل صنف مما عرفت ومما لم تعرف ... أفنخطئ لو طالبنا لهذا ~~الشتيت المبعثر ب «دماغ» مشترك يعضونه ويوحده؟ # وهنا يأتي السؤال: وما الذي، أو من ذا الذي تريد له أن يكون ~~المهيمن على توجيه هذه الطائفة الفكرية السائبة؟ وأول ما أؤكده ~~وأحرص عليه أشد الحرص هو ألا يقوم فينا من يملي علينا ما نصنعه ~~وما لا نصنعه؛ وإنما نريد من يخلق لنا وسيلة اللقاء الفكري بصورة ~~فعالة جادة، نريد من يهيئ المناخ الملائم الذي يدعونا من ~~تلقاء نفسه إلى ضرب من التجمع العقلي، حتى إن لم يجمعنا مكان ~~واحد؛ نريد للفكرة تصدر في هذا الطرف فتجد الآذان لسمعها في ذلك ~~الطرف؛ القطرات الفكرية موجودة تظهر آنا بعد آن، ونريد من يجعل ~~منها نهرا، اللمعات الفرادى متناثرة بين الصحف، ونريد من يصنع منها ~~سراجا. ms114 # ترى هل نتوقع شيئا كهذا من منظمة اليونسكو العربية مثلا؟ هل نسعى ~~لإيجاد التعاون الصحفي (وهو قائم في بعض البلاد الأخرى) الذي من ~~شأنه ألا يكون الاتصال مباشرا بين الكاتب والصحيفة، بل تتولى هذه ~~الصلة نقابة أو ما يشبهها، فتأخذ من الكاتب مقالته لتنشرها في ~~يوم واحد في عدة أقطار دفعة واحدة، فتنشر في الرباط والقاهرة وبغداد ~~- مثلا - في يوم واحد، وعندئذ لا يكون الكاتب مغربيا أو عراقيا، ~~وإنما يكون كاتبا عربيا. # لست أدعي معرفة الوسيلة، ولكني موقن بأنه لو تحقق لنا شيء ~~من هذا اللقاء الفكري الحي الفعال فلن نلبث طويلا قبل أن تشهد ~~الأمة العربية حركة فكرية يمكن وصفها وتقنينها، فيمكن لها - بالتالي ~~- أن تدخل في تاريخ الفكر المعاصر فصلا من فصوله. # | صراع الأجيال # فكرة «الجيل» فكرة غامضة، فلست تدري - إلا على وجه التقريب - متى ~~يبدأ الجيل ومتى ينتهي؟ فالحياة تيارها دافق، يتعاقب فيها موج ~~الأحياء لحظة بعد لحظة، وساعة بعد ساعة، ويوما بعد يوم؛ ولو استطعت ~~أن تدرج الأحياء بحسب أعمارهم صعودا أو هبوطا، لوجدت خط ~~البيان موصولا، يظهر فيه بين كل مولودين مولود؛ فهو خط يبدأ من ~~كائنات شهدت نور الحياة لتوها، وينتهي عند كائنات عمرت كذا من ~~السنين - فليس هناك حد أقصى نعرفه - وفيما بين البداية والنهاية ~~أعمار تتفاوت، لكنها مسلسلة رياضية لا تترك بين حلقاتها ثغرة ~~خالية، وأمام هذا التدرج المتصل، كيف يجوز الوقوف عند نقطة بحيث ~~نقول عنها إن جيلا يبدأ هنا وجيلا ينتهي؟ إني لألحظ الأسرة ~~المعينة وهي تحتوي على جد ووالد وولد، فأسأل: ترى هل تكون هذه ~~الأسرة ممثلة لثلاثة أجيال: فالجد جيل، وابنه جيل ثان، وحفيده ~~جيل ثالث؟ لكنني سرعان ما أجد أن من هو جد هنا قد يتساوى في ~~عمره مع أب هناك، ومع حفيد هنالك، فتأخذني الحيرة إذا أردت أن أرسم ~~خطا أفقيا يقسم مجموعة الأسر إلى أجيال، برغم أن الأسرة الواحدة ~~قد أمكن فيها أن نرسم خطا عموديا يقسمها أجيالا متعاقبة. # ومع ذلك ففكرة «الجيل» - على ~~غموضها ms115 - فكرة لازمة ونافعة، عند الحديث عن حركة التاريخ الحضاري، كيف ~~تنتقل في سيرها إلى الأمام من «جيل» إلى «جيل»؟ حتى لقد قيل إنه ~~يكفينا من تحديدها أن نعد القرن الواحد مشتملا على ثلاثة أجيال، ~~كأنما مجرى الزمن - ومعه مجرى الحياة - يعرف في تدفقه هذه ~~«المحطات» العرفية التي اتفق الناس على أن يؤرخوا بها الحوادث، ~~فيقولوا عن سنة معينة إنها نهاية قرن، وعن سنة تليها إنها ~~بداية قرن جديد؛ لكنه شيء كالقدر المحتوم، كتب على الإنسان في ~~مناهج فكره ألا يجد أمامه مندوحة عن استخدام كلمات لازمة ونافعة في ~~التفاهم، برغم بعدها البعيد عن الدقة الرياضية التي تعرف كيف تفرق ~~بين المثلث والمربع والدائرة؛ فنحن - في تفاهمنا اليومي - نباين بين ~~الكثبان والتلال والجبال، لكن هيهات لنا أن نتفق على ارتفاع معين ~~يكون مرتفع الأرض قبله كثيبا، ويكون بعده تلا، ويكون بعد بعده ~~جبلا. ونحن - في تفاهمنا اليومي - نباين بين ذوي الرءوس الصلعاء ~~وذوي الرءوس المكسوة بفرائها، ولكن من ذا يستطيع القطع فيقول عند ~~أي شعرة ينتقل الرأس من حالة الاكتساء إلى حالة الصلع؟ # وأتوسع في هذا السياق قليلا - لأهميته عندي وأرجو أن تكون له ~~أهمية عند القارئ - فأقول إن التفاهم اليوم كثيرا ما يكتفي من ~~درجات التحديد بذكر الأضداد، فيكفيه أن يقال: حار وبارد، طويل ~~وقصير، شاب وشيخ، ثقيل وخفيف، غال ورخيص ... وهلم جرا إلى مئات ~~الأمثلة التي من هذا القبيل؛ مع أن الضدين في كل حالة من هذه ~~الحالات هما طرفان أقصيان، ليس الذي بينهما خلاء وفراغ، فبينهما ~~درجات متدرجة في تسلسل متصل، لا ينقطع عند ثغرة أو عند فجوة؛ ~~فدرجات الحرارة مثلا تسير مع سلسلة الأعداد السالبة والموجبة في ~~تتابع متلاصق، بادئا من درجة كذا تحت الصفر، إلى درجة كذا فوق الصفر، ~~دون أن يكون في هذا الخط الطويل فاصل معين تقول عنده: هنا ينتهي ~~الحار ويبدأ البارد؛ وقل هذا في حالة الشباب والشيخوخة - وهما طرفان ~~متصلان بالحديث عن «الأجيال» - فإذا استطعنا أن نحدد بداية الشباب ~~بحالة بلوغ الرشد، ms116 فلن نعرف بعد ذلك أين ينتهي إلا على سبيل ~~التقريب الشديد؛ وإن الأمر ليزداد عسرا إذا احتكمنا إلى الشخص ~~نفسه نسأله: متى تنتهي عندك مرحلة الشباب؟ ذلك لأنه لولا الشواهد ~~الخارجية لما استطاع إنسان أن يعرف عن نفسه - محتكما إلى دخيلة نفسه ~~- أشاب هو أم بلغ الكهولة أو الشيخوخة، وأعني بالشواهد الخارجية ~~شيئا كشهادة الميلاد، أو ما يرويه الناس الآخرون من حوادث تدل على ~~عدد ما عاشه من سنين، أو ما يصادفه في حياته من تحديات تقيس قدرته ~~الجسدية فتشير إلى انحدارها بدرجة معينة؛ كان فيما مضى - مثلا - ~~يستطيع أن يقفز على سلالم البيت قفزا، وهو الآن لا يستطيع، كان يستطيع ~~أن يعدو في الطريق عدوا ليلحق بالسيارة أو بالقطار، وهو الآن لا ~~يستطيع؛ كان يهضم صنوفا من الطعام، وهو الآن لا يقوى على هضمها، ~~كان شعره أسود فدب فيه البياض، كان حديد البصر، قوي السمع، وهو ~~الآن يتحسس الأشياء ليراها، ويكور كفه حول أذنه ليجعل منه ~~بوقا يعينه على السمع، وهكذا، فمتى ذهبت القوة ودخل الضعف؟ في أي ~~عام ابيض الشعر الأسود وتجعدت بشرة الوجه؟ إنه لا يدري، فكيف ~~يدري متى خرج من جيل ودخل في جيل؟ # لكن الفكرة شائعة ونافعة بأن الناس «أجيال»، بل إن الفكرة شائعة، ~~وإن لم تكن نافعة كل النفع، بأن تلك الأجيال المتعاقبة في صراع ~~لا ينتهي؛ فالجيل اللاحق ناشب بأظافره المحنقة المغيظة في أعناق الجيل ~~السابق، الجيل اللاحق - هكذا يزعم أصحاب هذه الفكرة - ساخط دائما ~~على سابقه، غاضب دائما، ثائر دائما، يريد أن يفلت من معاييره ~~وأحكامه، ويظن أنه متسامح غاية التسامح إذا قبل أن يبقى من سلفه ~~السابق على خيط رفيع يمسك على الأمة تاريخها، ويحتفظ لها بطابعها ~~المميز؛ لأن هذا الدوام لا يرضيه إلا نفاقا؛ إن الشباب في بلد ~~يظن أنه أقوى رباطا بالشباب في سائر البلدان، منه بالشيوخ في ~~بلده، إنه يظن أن الرابطة بينه وبين شيوخ بلده رابطة مكانية لا ~~تعني شيئا كثيرا، وأما الرابطة بينه وبين سائر الشباب ms117 في سائر ~~الأقطار فرابطة زمانية تعني الكثير؛ فروح العصر مرهونة بعصرنا ~~الزمني، لا بهذا المكان أو ذاك؛ المكان ثابت والزمان متحرك؛ إن النهر ~~هو النهر، والوادي هو الوادي، والصحراء هي الصحراء منذ آلاف السنين، ~~أما النصف الثاني من القرن العشرين فشريحة من الزمن، لم تقع قبل ~~ذلك، ولن تقع بعد ذلك. # فإذا قبلنا قسمة التيار الزمني - الذي هو متصل في حقيقته - إلى ~~مراحل منفصلة نطلق عليها اسم «الأجيال»، تيسيرا للتفاهم؛ فهل نقبل ~~أن هذه الأجيال «متصارعة» دائما؟ أصحيح أن القيم الجديدة ~~والأفكار الجديدة والنظم الجديدة هي من خلق الشباب، يملونها على ~~الشيوخ، فإذا قبلوها كان خيرا، وإذا رفضوها وقع الصراع؟ # الحق أني أكره الخبط العشوائي في أمثال هذه الأمور، وأتمنى أن ~~ينبني الحكم فيها على إحصاءات من الواقع، فإذا فرضنا أن الجيل ~~الأول - في الفترة المعينة - يتألف ممن هم دون الخامسة ~~والثلاثين، وأن الجيل الأوسط يمتد من هذه السن إلى الستين، ~~وأن الجيل الثالث يقع فيما فوق هذه السن، فكم هي نسبة الذين ~~حرروا السياسة والاجتماع والاقتصاد والأدب والفن والعلم والتعليم ~~من قيود التقاليد لتنطلق مع العصر الجديد، أقول كم هي نسبة هؤلاء من ~~الجيل الأول، الذي هو جيل الشباب؟ وإذا وفقنا إلى هذه النسبة، لم ~~تكن وحدها كافية؛ إذ لا بد أن نثبت معها أن أبناء الجيلين ~~الأوسط والأعلى قد تنكروا للجديد؛ لأنهم إن قبلوه لم يكن ثمة ~~بين الأجيال ما يزعمونه من صراع. # وليس بين يدي إحصاءات عن شيء من هذا كله، لكنني أتصور - ~~بالانطباع المبهم العام - أن العشرينيات من هذا القرن، وكذلك ~~الخمسينيات - وأنا هنا أضرب المثل من حياتنا الفكرية - كانتا ~~فترتين من الفترات التي شهدت صراع الأجيال واضحا في كل هذه ~~الميادين تقريبا: في السياسة، وفي الاجتماع، وفي الاقتصاد، وفي الأدب ~~والفن، والعلم والتعليم، وإذا تجاوزنا قليلا في الحدود التي وضعناها ~~للشباب، جاز لنا القول بأن الدعوة إلى الجديد في هذه الميادين ~~كلها قد جاءت من الشباب، وأن هذه الدعوة قد لقيت اعتراضا - ~~منطوقا أو صامتا ms118 - من الجيل الأقدم، ولكنه اعتراض أخذ يزول ~~زوالا سريعا أو بطيئا في حومة الصراع؛ إذ كانت الدعوة إلى الجديد ~~أقوى من الحفاظ على القديم. # فليست الحياة النيابية التي يشارك فيها الفلاحون والعمال بالنصف ~~على الأقل هي كالحياة النيابية التي كانت الكلمة فيها مقصورة على ~~أصحاب الجاه والمال، وليست الحياة الاجتماعية التي تنبني أساسا على ~~الاعتزاز بالعروبة هي كالحياة الاجتماعية التي كان الاعتزاز فيها ~~باللكنة الفرنسية أو الإنجليزية، تتردد بها الألسنة المعوجة في ~~الصالونات، وليست الحياة الاقتصادية التي تجعل أموال الشعب ملكا ~~للشعب، وتحرم على إنسان أن يستغل إنسانا، هي كالحياة الاقتصادية ~~التي تكون فيها السيادة لمن يملكون على من لا يملكون؛ وليس الأدب من ~~مسرح وقصة وقصيدة ومقالة، الذي يتحسس طبيعة الإنسان العربي كما ~~تتجسد في سلوكه وفي خفايا ضميره وفي آلامه وفي آماله، هو كالأدب ~~الذي يترك هذا الإنسان ليكتفي بما يطالعه في بطون الكتب قديمها ~~وحديثها .. لا، ليست حياتنا الجديدة في الخمسينيات هي كسابقتها، ولا ~~كانت الحياة الفكرية في العشرينيات كسابقتها، وكان التجديد في كلتا ~~الفترتين من صنع الشباب بصفة عامة، وكانت هنالك مقاومة، وكان هناك ~~صراع، سمي في العشرينيات صراعا بين القديم والجديد، وسمي في ~~الخمسينيات صراعا بين الرجعية والتقدمية، وكان محور التقسيم في ~~الحالة الأولى هو الحياة الفكرية؛ من أين نستقيها؟ هل نستقيها من الغرب ~~أو من تراثنا العربي؟ وأما محور التقسيم في الحالة الثانية فهو - ~~أساسا - وضع الفرد بالنسبة إلى المجتمع، أيكون الفرد من أجل ~~المجتمع، أم يكون المجتمع وسيلة لسعادة الفرد؟ وفي كلتا الحالتين ~~تأدى الصراع بين الأجيال إلى نصرة الجديد. # على أن صراع الأجيال يتجلى في أوضح صورة حين تشتد قبضة ~~التقاليد على رقاب الناس، فلا تترك لهم خيارا في ملبس أو مأكل أو ~~أي وضع من أوضاع الحياة، فتضيق النفوس بهذه القيود كلها، فينفجر ~~الشباب ثائرا ساخطا غاضبا، حتى يتطرف في ثورته وسخطه وغضبه، بحيث ~~لا يدع شيئا إلا حاول تغييره، فلا يبقي على ملبس قديم، ولا على ~~مأكل، ولا على طريقة ms119 من طرق استخدام الفراغ، وهنا تتبدل العلاقات ~~الاجتماعية بين الأفراد تبدلا جوهريا يقلب القيم القديمة رأسا على ~~عقب. # وأوضح مثل أستطيع أن أقدمه لمثل هذه الثورة الغاضبة من الشباب ~~على جيلهم القديم، هو ما شهدت بعضه وسمعت أو قرأت عن بعضه، مما ~~حدث ويحدث في أوساط الشباب في إنجلترا، والمثل هنا واضح؛ لأن إنجلترا ~~كانت هي القوة الاستعمارية الأولى في العالم لفترة طويلة من الزمن، ~~وكان هذا الاستعمار يعود على أبنائها بثروات منهوبة، فكان تمسكها ~~بتقاليدها عندئذ - برغم أنه قد بلغ حدا مضحكا في كثير من ~~الأحيان - هو من قبيل الحرص على وضع نافع لها، ولم يكن للشباب عندئذ ~~أن يثوروا على تلك التقاليد؛ إذ فيم الثورة عليها وهي تقاليد تعود ~~عليهم بتلك البحبوحة كلها، وبتلك السيادة كلها؟! لكن التغير ~~العميق الذي شمل العالم فيما بعد الحرب العالمية الثانية، والذي كان ~~من أهم أركانه تحرر الشعوب من ربقة المستعمر، قد أفقد إنجلترا ~~سلطانها وثراءها، فلم يعد هنالك في أعين الشباب ما يبرر أن يقيدوا ~~أنفسهم بقيود تضر ولا تنفع، فانطلقوا في ثورة عارمة، هي التي نسمع ~~عن أطراف منها في أنباء تلك الجماعات الغريبة التي تلجأ إلى الغريب ~~الشاذ في ثيابهم وفي قص شعورهم وفي طرائق عيشهم؛ لكنهم لم ~~يقفوا عند هذا الحد السطحي الظاهر، بل تجاوزوه إلى ميادين الأدب ~~والفن، فكان لهم موسيقاهم ومسرحهم وقصتهم وشعرهم. # لقد مررت بإنجلترا صيف عام 1964م، وكنت لم أشهدها منذ أعقاب ~~الحرب، أعني أنني لم أشهدها لما يقرب من عشرين سنة قبل ذاك، فعجبت ~~لهذا التحول العميق يصيب أمة كهذه، في مثل هذه الفترة القصيرة، ~~وكان من أظهر مظاهر هذا التحول هؤلاء الشبان الذين كنت أراهم ~~في زيهم المميز - ولكل جماعة منهم زي خاص - فيصعب أن أميز فيه بين ~~فتى وفتاة؛ لقد كان سلوكهم الاجتماعي أقرب جدا إلى سلوك الجانحين، ~~حتى ليتعذر عليك أن تصدق أنهم في حقيقتهم هم الشباب العادي الذي ~~يختلف إلى معاهد الدرس، أو ينتظم في مكاتب العمل، وبهذا كادت ms120 الفوارق ~~تنمحي بين السلوك الجانح والسلوك المألوف ، أو قل بين سلوك الإجرام ~~وسلوك الحياة المشروعة، ومعنى ذلك بعبارة أخرى أن انحراف السلوك عن ~~العرف القديم، قد اتسع مداه، حتى كاد يكون بدوره عرفا لا حق ~~لأحد أن يعترض عليه. # ليس الجديد في هذه الجماعات الثائرة من الشباب هو تمردهم على ~~الأوضاع المألوفة؛ لأن شيئا من التمرد جزء لا يتجزأ من طبيعة ~~الشباب، تشكمه تقاليد المجتمع فينشكم ويتجانس المواطنون في سلوكهم ~~الاجتماعي المميز لهم، لكن الجديد في هذه الجماعات الثائرة من الشباب ~~هو جرأتهم على مواجهة المجتمع بتمردهم، بحيث لا تكون للمجتمع قوة ~~الشكم ولا يكون في وسعه أن يفرض التجانس بين أفراده؛ لقد كان ~~للشباب دائما منظماتهم، لكنها كانت منظمات تجري - في الأغلب - على ~~صور معروفة مألوفة من أوجه للنشاط في مجالات السياسة أو الفكر أو ~~التعاون الاجتماعي، وما إلى ذلك، أما هؤلاء الشبان الثائرون اليوم ~~فيرفضون هذه الصور المألوفة لنشاط الشباب؛ لأنهم بادئ ذي بدء ~~يرفضون «النظام» في حد ذاته، لأنه يقتضي الولاء، وهم يحاربون أن ~~يكون ثمة ولاء منهم لأحد أو لفكرة أو لنظام أو لشيء كائنا ما كان؛ ~~ولك أن تعجب من جماعات «تنظم» نفسها لتحارب «النظام»! # ويعلل علماء الاجتماع عندهم هذه الظاهرة الاجتماعية بعوامل عميقة ~~المدى في صلب المجتمع الإنجليزي ذاته، أو قل إنها عوامل تعتمل ~~في أصلاب المجتمعات الأوروبية الغربية والأمريكية بصفة عامة؛ وأهم ~~تلك العوامل فكاك الشبان من رقابة المجتمع الصغير، الذي كان فيما مضى ~~لا يجاوز قرية أو حيا من أحياء مدينة؛ لأن النشأة والدراسة والعمل ~~والزواج والسكن، كانت - في معظم الأحيان - تتم كلها في مثل هذه ~~الدائرة الضيقة، وبذلك كان كل فرد يعرف جميع الأفراد في القرية أو ~~الحي، ومن هنا كانت تنشأ معايير اجتماعية وأخلاقية، تضغط بقوة على ~~الأفراد، فلا يملكون إلا أن ينصاعوا لها ولو بعد حين؛ لم تكن وسائل ~~المواصلات بهذه الكثرة ولا بهذه السرعة، وبالتالي لم يكن العامل يسكن ~~على مسافة من مكان عمله تمتد إلى عشرات الأميال ms121 أو مئاتها، كما هي ~~الحال اليوم، وقد أدى ذلك إلى أن يحيا الفرد الواحد معظم وقته بين ~~«غرباء» لا يجاورونه ولا يساكنونه، ومن ثم لا تكون لهم عليه رقابة ~~تحدد سلوكه؛ فهل ينتج عن هذا التباعد شيء سوى أن تتنوع صور السلوك ~~بتنوع الأمزجة، بحيث لا يستطيع أحد أن يقول أيها هو الصواب وأيها ~~هو الخطأ؟ لا، بل إن هذا التنوع سرعان ما انتهى إلى نتيجته الطبيعية، ~~وهي أنه بدلا من أن يستهدف المواطن أن يتجانس مع سائر مواطنيه، ~~كما كانت الحال من قبل، أصبح يستهدف التميز الشخصي، الذي يباين بينه ~~وبين سائر الأفراد، فلا يشبههم في ملبس، ولا في طريقة التمتع ~~بالفراغ، ولا في مزاج ثقافي بصفة عامة؛ وتسربت هذه العوامل كلها ~~في نفوس الشباب، تم تجمعت وتبلورت حتى أصبحت عداء صريحا منهم ~~للمجتمع القديم. # وازدادت الهوة اتساعا بين الجيلين بزيادة التغلغل الذي تغلغلت ~~به التقنيات (التكنولوجيا) الحديثة في الصناعة وفي شعاب الحياة ~~نفسها؛ لأنه إذا كان على الجيل الأصغر - فيما مضى - أن يخشى سطوة ~~الجيل الأكبر، فما ذلك إلا لأن هذا الجيل الأكبر كانت في رأسه ~~المعرفة، وفي يده المهارة، فلا مندوحة للجيل الأصغر من التبعية ~~الصريحة، حتى يكسب لنفسه المعرفة ويكتسب المهارة، لكنه إذا ما تم ~~له هذا الكسب والاكتساب، كان قد انتقل به الزمن من جماعة الشباب إلى ~~جماعة الكهول، وهكذا دواليك؛ أما وقد أصبح الأمر موكولا لتقنيات ~~تعمل بالأزرار، تضغطها إصبع من شاب، أو إصبع من كهل على حد سواء؛ ~~فقد زال المبرر الذي يحتم على الجيل الأصغر أن يصغي بالتوقير ~~والإذعان إلى أبناء الجيل الأكبر. # فسرى في الشباب ما يشبه التمرد، وهو في الحقيقة رغبة في ~~استقلالهم وتقرير أشخاصهم على الأوجه التي يرونها، وليس لأحد أن ~~يعترض ما داموا يؤدون أعمالهم بطريقة منتجة؛ بل ربما حدث - وكثيرا ~~ما يحدث - أن يكون الشبان ألصق عهدا بالتقنيات الحديثة، وأمهر من ~~سابقيهم على استخدامها، ومن هنا ينقلب الوضع القديم، ويكون الأولى ~~بالاحترام والتوقير هو الشاب من الشيخ، ms122 لا الشيخ من الشاب، كما كان ~~الأمر . # وإذا كان الشباب قد انتقل إلى مواقع القيادة في العمل وفي الأدب وفي ~~الفن، فهل نستكثر عليهم أن يتوقعوا من القائمين على محال التسلية ~~وعلى أدواتها من إذاعة مسموعة أو مرئية، ومن صحافة، وسينما ومسرح، ~~وأندية، وغناء، ووسائل اللهو وتزجية الفراغ؛ أقول هل نستكثر على الشباب ~~أن يتوقعوا من القائمين على هذه الوسائل كلها أن يقدموا لهم ما يتفق ~~وميولهم الجديدة؟ وهكذا كان، فأصبح الشيوخ هم الذين يلتمسون وسائل ~~المتعة التي تتناسب وأعمارهم وثقافاتهم فلا يجدونها إلا قليلا؛ ~~لأن تلك الوسائل قد شغلت نفسها بما يرضي الشباب. # وانظر بعد ذلك إلى شبابنا نحن، بالقياس إلى جماعات الشباب التي ~~رأيتها في إنجلترا سنة 1964م، والتي ما زلت أسمع عنها وأقرأ، فأجد ~~شبابنا باعثا على الأمل من جهات عديدة، مثيرا لعدم الرضى في نفسي من ~~جهات قليلة، أم يا ترى يرتد عدم الرضى عندي إلى غيرة جيل هابط ~~من نشاط جيل صاعد؟ لست أدري. # وأما أنه باعث على الأمل؛ فذاك لأنهم - برغم التغيرات الحضارية ~~التي أزالت عن الكبار مبررات احترامهم والإذعان لهم - لم يسخطوا ~~السخط الذي يؤدي بهم إلى ضروب الانحراف التي ألمت بشباب المجتمعات ~~الغربية؛ نعم إنهم يشبهونهم في طرائق ملء فراغهم بما يثير ~~العاطفة ويحرك الشهوة، ويشبهونهم في البحث عن أسهل الطرق وصولا إلى ~~القمة، بغض النظر عن قيمة تلك الطرق في تكوين شخصياتهم وفي تقوية ~~أقدارهم الذاتية، وفي ملء صدورهم بما يشبع طبائعهم الإنسانية ~~الفطرية؛ أعني أن شبابنا يشبه شبابهم في أنه قد جعل النجاح ~~والمتعة مدارين تدور عليهما الحياة، فلا ضير عند هؤلاء وأولئك في أن ~~تفرغ الرءوس من المعرفة وفي أن تخلو الصدور من القيم المثلى، وفي أن ~~يحس الإنسان في دخيلة نفسه أنه إنما ينطوي على خلاء وخواء، ما ~~دام هذا الإنسان الخاوي من داخل، قد ظفر بمكان مرموق من مجتمعه، يأمر ~~فيه وينهي، ويحرك ويوجه ويدير. # لكن شبابنا لا يشبه شبابهم في الشعور الزائف بأن المجتمع قد ~~أحبطهم ms123 فوجب عليهم أن يناصبوه العداء؛ ليس في حياتنا هذا الانفصام ~~الغريب الذي يشطر المجتمع شطرين يتقاتلان: شباب وشيوخ، أو جيل جديد ~~وجيل قديم؛ فمهما يكن بين الجيلين عندنا من أوجه التباين، فما يزال ~~الشعور عميقا بأننا في مجتمع واحد يستهدف هدفا واحدا؛ وشبابنا لا ~~يشبه شبابهم في اصطناعه لحياة التشرد عن مبدأ وعقيدة، وفي ~~التنكر لروابط الانتماء إلى الأسرة، وفي أن يحلوا محلها روابط ~~جديدة بانتماء جديد، تجعل الشباب فردا في مجموعة شباب يسخطون ~~بطريقة واحدة، ويتشردون بطريقة واحدة، لا فردا في أسرة تراقب ~~السلوك وتضبطه؛ وشبابنا لا يشبه شبابهم في هذا اليأس المرير الذي ~~يدفعهم إلى الانحراف الجنسي، وإلى أخذ المخدرات بهذه الدرجة البشعة ~~التي نسمع عنها ونقرأ؛ واختصارا، فإن الأمل في مستقبل أسعد ما زال ~~يحرك شبابنا على الطريق، على حين يتحرك شبابهم على غير طريق؛ لأن ~~المستقبل لم يعد يحمل لهم أملا يرتجى، أو هكذا يظنون. # فلو أضاف شبابنا إلى جذوة الأمل التي أغنتهم عن الانحراف، ~~جدية في الوسائل المحققة لذلك الأمل؛ لو أضاف شبابنا إلى ~~انفعالهم فكرا يسدده، وإلى عاطفتهم علما تستقيم به وتهتدي؛ لو ~~أضاف شبابنا إلى سلامة الطوية سلامة فعل، وإلى وثبات الطموح ~~رسوخا في العمل؛ لو أضاف شبابنا إلى رغبتهم في النجاح العملي وسائل ~~الكد والكدح لا وسائل الوساطات التي تطير بهم على أجنحتها إلى ~~ارتفاع لا يستند إلى عمد وركائز، لو أضاف شبابنا هذا كله؛ لما وجد ~~فيه جيل الكهول وجيل الشيوخ شيئا يعاب. # ليس صراع الأجيال عندنا كالصراع الذي شهدناه في المجتمعات الغربية؛ ~~لأن الأجيال عندنا - صغيرها وأوسطها وكبيرها - قد وجدت في العدو ~~الخارجي المشترك ما يجمعها على هدف واحد، فلا يبقى للخلافات الداخلية ~~بينها إلا حيز ضئيل سرعان ما ينتهي فيه الخلاف إلى اتفاق أو ما ~~يشبه الاتفاق، فنحن اليوم على تفاوت أجيالنا، نوشك أن نتفق على ~~معيار واحد لحياتنا الجديدة. # | لحظة مع الماضي # إيماني لا يحد بضرورة أن ينسكب ماضينا في حاضرنا انسكابا لا ~~يعرقل سيرنا، بل يجيء قوة ms124 محركة دافعة تزيد من عجلة السير؛ وذلك ~~لأن من تراث الماضي ما يعرقل، ومنه ما يحرك ويدفع، وأغبى الغباء هو ~~أن نغمض العين عن هذه الحقيقة الصارخة، ليس للحاضر الحي غنى عن ~~ماض يمده بغذاء الحياة كما تمد الأم جنينها، وليس أدعى إلى ~~تشتت وحيرة وضياع من حاضر يهدم الجسور الواصلة بينه وبين ما كان ~~.. لكن كيف تكون الصلة بين حاضر وماض بحيث تحقق للإنسان حياة ~~موصولة التيار معلومة الأهداف مكينة الأصول؟ # لعل إجابة من الإجابات ~~الصحيحة عن هذا السؤال - فلهذا السؤال أكثر من جواب واحد - هي ما ~~نستخلصه من لمحة وردت عند «بروست» Proust ~~، في حديثه عن الصلة بين الحاضر والماضي، ~~في كتابه «البحث عن الزمن الضائع»، إذ يقول إن الفن من شأنه أن ~~يجمد لحظات من الماضي تظل قائمة حية في الحاضر، فيتيح لنا هذا أن ~~نحطم حواجز الزمن بيننا وبين أسلافنا بأن نعيش تلك اللحظات: «فإذا ~~ما سمعنا الآن صوتا كنا قد سمعناه من قبل، وحين ننشق رائحة ~~كنا قد نشقناها من قبل، فعندئذ - بالذكرى - نكون قد سمعنا ذلك ~~الصوت ونشقنا تلك الرائحة في الماضي والحاضر معا، وحينئذ فقط ~~يزول حاجز الزمن، وتبرز إلى الوجود المتصل المستمر حقائق الأشياء ~~في جوهرها الخفي، وتستيقظ ذواتنا الأصيلة التي كانت قد خيل إلينا ~~أنها ماتت واندثرت آثارها .. إن لحظة واحدة نعيشها اليوم مع من ~~عاشوها في الماضي، كفيلة وحدها أن تفك عنا قيود الزمن التي ~~فصلت حاضرنا عن ماضينا.» # وأحسب أني قد عشت لحظة كهذه مع أبي العلاء، حينما أوقفني التأمل ~~عند قوله: «أبكت تلكم الحمامة أم غنت؟» # ها هي ذي حمامة على غصنها تبعث صوتا، هو عند الحقيقة الكونية «صوت» ~~متميز بموجاته التي يتناولها علم الصوت في الفيزياء بالتحليل ~~والقياس، فيعرف لهذه الموجات أطوالها وسرعاتها، هو «صوت» في الطبيعة ~~الخارجية، قد تسجله آذان السامعين أو لا تسجله، لكنه هناك: حدث ~~من أحداث الطبيعة، وإنما هو الإنسان بمشاعره ومنافعه، يصنف تلك ~~الأحداث الطبيعية على مزاجه وهواه، فيقول: هذا «بكاء» وذلك ms125 «غناء»! ~~ليس في حقائق الطبيعة بكاء وغناء، فهذان من ذات الإنسان وميوله، حقائق ~~الأشياء كما هي واقعة، لا تفرق بين «نوح الباكي» و«ترنم الشادي»، ~~فالنوح والترنم كلاهما «صوت»، كلاهما اهتزازات للهواء، كلاهما ~~ينصاع في حدوثه وفي مساره لقوانين محددة معلومة عند علم الصوت في ~~الفيزياء، وأما الذي جعل هذا الصوت نوحا، وذلك الصوت ترنما، ~~فذلك هو الإنسان؟ «صوت البشير» شبيه «بصوت النعي» عند الحقيقة ~~الموضوعية الخارجية التي لا تعبث بها وتحرفها أهواء البشر. # والفرق بعيد بعد السماء السابعة عن الأرض السابعة، بين نظرة تلقط ~~الواقع كما وقع، ونظرة أخرى تلوي هذا الواقع فتسلكه في رغبات ~~الإنسان، فيصبح منه ما هو محبب له وما هو كريه، ما هو خير وما هو ~~شر، وحقائق الدنيا بريئة كل البراءة من الخير والشر، والحب ~~والكراهية ... وماذا ينقص العربي المعاصر أكثر مما ينقصه من مثل ~~هذه القدرة على التفرقة بين حقائق الدنيا الواقعة من جهة، وبين ~~انطباعاته هو بتلك الحقائق من جهة أخرى؟ وليس العيب في أن يكون ~~للإنسان أهواؤه بالنسبة لما يصادفه في عالم الأشياء، فيحب ما يحب، ~~ويكره ما يكره، ولكن العيب كل العيب هو أن نخلط بين الجانبين ذلك ~~الخلط الذي يجيز لنا أن نتحدث عن أوهامنا وأحلامنا، ثم نظن أننا ~~إنما نتحدث عن أمور الواقع. # لقد عشت مع أبي العلاء هذه اللحظة التي تسيطر فيها النظرة ~~المحايدة إلى الدنيا وأحداثها من حولي، النظرة التي تطرح من حسابها ~~الفوارق الذاتية بين النوح والترنم، بين الغناء والبكاء، بين صوت ~~البشير وصوت النعي، فكنت في تلك اللحظة مثلا مجسدا للصلة ~~الثقافية حين تربط المعاصرين بالسالفين، وهكذا - فيما أظن - تجيء تلك ~~الصلة بتراثنا نابضة بالحياة، لا مجرد لغو لا يكاد يتجاوز حدود ~~الشفاه. # إنه لمما يلفت نظري في الفلسفة الأوروبية الحديثة كلها، منذ ~~نشأت على أنقاض العصور الوسطى وإلى عهد قريب، حرصها الشديد على ~~التمييز - في معرفة الإنسان لما حوله - بين نوعين من المدركات؛ ~~أحدهما يصف الواقع كما يقع، والآخر يتولد في ذهن الإنسان عن ms126 ذلك ~~الواقع، ويطلق رجال الفلسفة على الصنف الأول من المدركات اسم الصفات ~~الأولية، وعلى الصنف الثاني اسم الصفات الثانوية، فالأولى تفرض نفسها ~~على الإنسان فرضا، ولا قبل له بتغييرها، وأما الثانية فيطهوها ~~الإنسان لنفسه، فإذا كان أمامي برتقالة، فإن شكلها الكري هو من ~~القبيل الأول، وأما مذاق طعمها فهو من القبيل الثاني. ولماذا حرصت ~~الفلسفة الأوروبية الحديثة على إبراز هذه التفرقة بين النوعين من ~~خصائص الأشياء وصفاتها؟ إنها فعلت ذلك لتميز بين ما يصلح للنظرة ~~العلمية وما لا يصلح؛ فالصفات الأولية موضوعية ولذلك فهي صالحة ~~للبحث العلمي، وأما الصفات الثانوية فذاتية من عندنا، ومن ثم فهي ~~إن صلحت لأن يصفها الشعر والفن بكل أشكاله، فلا تصلح لأبحاث ~~العلماء. «أبكت تلكم الحمامة أم غنت ...؟» سؤال قد يجيب عنه ~~الإنسان محتكما إلى وجدانه الذاتي، فإذا كان الإنسان السامع حزينا ~~عد صوت الحمامة بكاء، أو كان سعيدا مرحا، حسب الصوت غناء، ~~وأما النظرة العلمية فهي ترفض السؤال من أساسه؛ لأن البكاء ~~والغناء كليهما يخرج عن مجالها، وإنما تجيبك النظرة العلمية إذا ~~سألتها عن موجة الصوت المسموع ما طولها وما سرعتها. # ولنوسع من البكاء والغناء، من نوح الباكي وترنم الشادي، من ~~صوت البشير وصوت النعي، لنوسع هذا المجال الضيق كي نجعلها تفرقة ~~بين الخير والشر بصفة أعم وأشمل، فنرى النتيجة واحدة في الحالتين: ~~العالم الواقع لا يعرف خيرا ولا شرا. إنما هو أنت وهو أنا وهم ~~غيرنا، الذين يصبون أهواءهم على وقائع ذلك العالم، فيقسمونها في ~~أوهامهم خيرا هنا وشرا هناك، لكننا - مع ذلك - نلحظ تفاوتا شديدا ~~بين الناس في مدى هذه الأوهام وتسلطها على حياتهم؛ فمن الناس من ~~يلجم هذه الأوهام عند النظر الموضوعي إلى حقائق الموقف الذي يعنيهم ~~أمره، ومنهم من لا يستطيع هذا الإلجام، فيعيش أوهامه في كل المواقف ~~على حد سواء. # قد يتعذر على الإنسان بصفة عامة أن يفرق هذه التفرقة في حياته ~~العملية، فيفصل فصلا رياضيا بين ما هو واقع، وبين الطريقة التي ~~تأثر بها هو إزاء ذلك الواقع، ms127 لكنها تفرقة لا بد منها عند من يهمه ~~معرفة «الحق» كما هو، كائنا ما كان وقعه على نفسه، وفي ذلك يقول ~~برتراند رسل (في كتابه «التصوف والمنطق»): «إنه إذا أرادت الفلسفة أن ~~تبلغ الحق فلا مندوحة للفلاسفة عن التزام النظرة العقلية المنزهة ~~عن الهوى، وهي نظرة تميز رجل العلم.» وإذا أردت أن تقرأ لفيلسوف ~~آمن بهذه النظرة العقلية النزيهة إلى حقائق الوجود، فأظن أن خير من ~~تقرأ له في ذلك هو سبينوزا: ~~«غير مجد» في ملتي واعتقادي # نوح باك ولا ترنم شادي # تلك هي اللحظة الإدراكية التي ~~عشتها مع أبي العلاء، إنه لم يقل ذلك تجاهلا منه للفارق الشعوري ~~عند الإنسان بين أن ينوح ساعة بكاء، وأن يترنم ساعة نشوة؛ فذلك ~~فارق قائم لا بد أن يكون أبو العلاء قد أحسه في نفسه، كما لا بد ~~أن يكون قد لحظه ألوف المرات في سلوك الآخرين، لكنه - برغم ذلك - ~~فارق لا يغير من حقيقة الواقع شيئا، إن الفرق بين هاتين الحالتين ~~الشعوريتين لا يتعدى حدود الذات ساعة بكائها وساعة نشوتها، وأما ~~الوقائع الصلبة التي منها يتألف الموقف من حولنا فلا يتبدل منها ~~مقدار أنملة، بسبب أن باكيا هناك ينوح أو أن شاديا يترنم .. ~~الحالة الوجدانية تهز صاحبها، لكنها لا تهز من البعوضة ~~جناحها. # ترى ماذا كان أبو العلاء يقول إذا ما بعث اليوم ليرانا نوشك أن ~~نعلق أمورنا على مشاعرنا قبل أن نعقلها على مقومات الواقع الفعلي؟ ~~إنه سيجد أمامه قوما يملئون الجو بانفعال الغضب، وصيحات الغيظ، ~~ويظنون أن هذا وحده كفيل لهم بأن تنزاح عن أرضهم دبابات العدو ~~وأن تختفي من سمائهم طائراته، قد يصفون العدو برذائل الأولين ~~والآخرين؛ قد يصفونه بالغدر واللؤم والكذب والخداع، وإنها لصفات ~~تميزه حقا، ولكن هل يجدي ذلك من أمر الواقع شيئا؟ إن الفرق بين ~~عالم يسوده الخير والفضيلة، وعالم يسوده الشر والرذيلة، هو فرق ~~كائن في نفوس البشر، كائن في رغباتهم وآمالهم، هو فرق يلحظه الناس ~~بحسب ما يجدون العوائق أو لا يجدونها في ms128 طريق تحقيق أهدافهم، أما ~~الواقع نفسه فسوف يظل واقعا إلى أن يغيره واقع آخر. يقول ~~برتراند رسل في كتابه الذي أسلفنا ذكره: «الحب والكراهية ضدان ~~أخلاقيان، لكنهما عند النظرة الفلسفية شبيهان أحدهما بالآخر، من حيث ~~هما طريقتان في النظر إلى الأشياء، فإذا ما أردنا أن ننظر إلى المسألة ~~نظرة فلسفية، وجب أن نحصر النظر في الصورة العامة، أو البنية العامة ~~لذينك الموقفين إزاء الأشياء، بعبارة أخرى، فإنه يجب على صاحب ~~النظرة الفلسفية أن يفرغ إطار الوقفة من مضمونها (فالإطار «عقل» ~~والمضمون عاطفة). # وهكذا فلو حصرنا النظر في الحب والكراهية من حيث هما حالتان ~~شعوريتان، كان الفرق الذي نراه بينهما فرقا في مضمون وجداني، مما ~~يتصل بالذات ولا شأن للعالم الطبيعي الواقعي به، نعم، إن علم النفس ~~قد يحدد لنا المميزات الخاصة التي تفرق حالة الحب عن حالة ~~الكراهية، لكن النظرة الفلسفية تسقط من حسابها تلك المميزات الفارقة؛ ~~لأنها «في النفس»، وليست «في الأشياء والمواقف». # الشبه الذي يشير إليه برتراند رسل بين الحب والكراهية من حيث هما ~~موقفان، هو نفسه الشبه الذي أشار إليه أبو العلاء بين صوت البشير وصوت ~~النعي، أتقول: إن هذه نظرة متشائمة تغم النفس وتضيق رحاب ~~الأمل؟ قل ما شئت، لكنه الحق الواقع، وإلا فلماذا لا تطالب ~~علماء الفيزياء والكيمياء أن يقيموا البرهان على الأهمية الأخلاقية ~~لكهارب الذرات؟ لماذا لا تطالب عالم النبات أو عالم الحيوان بأن ~~يتناول موضوعات بحثه بنظرة تتفق مع آمال الإنسان في دنيا النبات ~~ودنيا الحيوان؟ لا، إن النظرة العلمية الموضوعية الناضجة هي تلك ~~التي لا تمزج بين «الواقعة» وبين ما يشعر به الإنسان نحوها، وبمثل هذه ~~النظرة الناضجة نظر أبو العلاء، فإذا هو يقرر أن لا جدوى - من حيث ~~تغيير الواقع - من أن ينوح باك أو أن يترنم شاد، وإذا هو يقرر أن ~~لا فرق - من حيث تغيير الواقع - بين أن يكون الصوت المسموع بكاء أو ~~غناء، وإذا هو أخيرا يقرر الشبه التام - من حيث القدرة أو العجز ~~عن تغيير الواقع - بين ms129 صوت النعي وصوت البشير. # هي لحظة عشتها مع الماضي، فإذا هذا الماضي منسكب في حاضري ~~انسكابا هدم حواجز الزمن بيني وبين السلف، وهكذا - في ظني - يتحقق ~~الربط المنشود في ثقافتنا بين عصرية وتراث. # | رجل الفكر ومشكلات الحياة # هنالك نفر من الشباب الكاتب، لا يعجبهم العجب ولا الصوم في رجب، ~~إلا أن تكتب لهم على نحو ما يكتبون، وأن تذهب معهم في مذاهب الفكر ~~كما يذهبون! ولست أدري كيف تصطدم الفكرة بالفكرة ليولد الصدام ~~فكرة أعلى وأكمل، إذا لم نختلف في الرأي ووجهات النظر؟ إن كل ما ~~يطالب به الكاتب هو أن يكون مخلصا لنفسه، أمينا على فكرته، ~~وقصاراه أن يبسط الفكرة بكل ما وسعه من وضوح وإيضاح، وفهم ~~وإفهام، ولا عليه بعد ذلك أن تقع الفكرة من قارئها موقع القبول، بل ~~لا على هذا القارئ نفسه إذا هو لم يقرأ ما يتفق مع هواه، وإلا لما ~~أحدثت القراءة في نفسه حوارا داخليا وفاعلية منتجة؛ شريطة ألا ~~يكون مصدر الاختلاف بين الكاتب والقارئ اختلافا في معاني الألفاظ ~~التي يستخدمانها؛ لأنه لو حدث ذلك لكان أحدهما في واد والآخر في ~~واد، لا يلتقيان ولا يتصادمان، إذا قال أولهما: هذا ثور، أجابه ~~الثاني: إذن، فاحلبوه! لأن الثور عنده يعني البقرة، فلا المتكلم ~~الأول قد أفهم، ولا السامع قد فهم عنه؛ أما أن يتفق المتحدثان ~~- أو الكاتب وقارئه - على أن اللفظة الفلانية تعني كذا وكذا من ~~العناصر التي تدخل في مكونات الشيء الذي جاءت تلك اللفظة لتسميه، ~~ثم أن يختلفا بعدئذ على الحكم الذي ينتهيان إليه بالنسبة إلى ذلك ~~الشيء المطروح أمامهما للبحث والنظر؛ فليس في مثل هذا الاختلاف بأس ~~ولا ضرر، بل إن فيه لخيرا ونماء؛ لأنه اختلاف قمين - مع ~~المحاورة والجدل - أن يجمع المختلفين على رأي مشترك. # إنني لو سئلت: ماذا ترى من الفوارق التي تميز كاتب اليوم من كاتب ~~الأمس؟ لجاءتني الإجابة مسرعة بأن أول ما يميزهما من فوارق هو ~~أن كاتب اليوم ألصق من زميله بالخبرة الحية، كأنما هو قد ms130 وضع ~~أصابعه على عروق الحياة ليتحسس نبضها، ولا عجب أن رأينا كاتب اليوم ~~يلجأ إلى القوالب الأدبية التي من شأنها أن تجسد الحياة بشخوصها ~~الناطقة المتحركة، وأعني القصة والمسرحية، على حين أن كاتب الأمس ~~كاد يقصر نفسه على «المقالة»؛ لأن بضاعته التي يعرضها «أفكار» ~~على شيء من التجريد قليل أو كثير، وكل ما تتطلبه الأفكار من باسطها، ~~هو أن يتناولها بالتحليل والتوليد حتى ينكشف مضمونها وفحواها؛ فلئن ~~رأى كاتب اليوم نفسه مضطرا إلى الخوض في مواكب الناس الأحياء ليرى ~~ويسمع، ويحس ويتأثر، ثم يخلو إلى نفسه ساعة ليصور ما قد رأى ~~وسمع وأحس؛ فإن كاتب الأمس كان في مستطاعه ألا يبرح غرفة ~~مكتبه؛ مراجعه على رفوفها، والمصباح أمامه، فليأخذ في القراءة ~~والمراجعة، حتى إذا ما وقع على شيء يستحق أن يعرض على الناس، كانت ~~له القدرة على عرضه في مقالة يكتبها، أو سلسلة مقالات تستوعب ~~الموضوع إذا اتسعت رقعته وتباعدت أطرافه. # فإذا قلنا عن رجل اليوم إنه «كاتب» بالمعنى الأدبي الخالص لهذه ~~الكلمة، كان الصواب أن نقول عن رجل الأمس إنه «قارئ»، ما دامت ~~كتابته عرضا لمادة قرأها وأراد لغيره أن يقرأها معه. # لكن هذه التفرقة لا تنصب إلا على أديب القصة والمسرحية من ~~جهة، وكاتب المقالات التحليلية العقلية من جهة أخرى، على أساس أن ~~الأول له السيادة اليوم، والثاني كانت له السيادة أمس؛ فها هنا يجوز ~~القول عن أديب اليوم إنه - في المحل الأول - ينصت إلى أحاديث ~~الدار والدوار والمصنع والطريق، في الوقت الذي كان فيه كاتب الأمس ~~يرجع إلى الكتاب والندوة وقاعة الدرس وعزلة التأمل، كما يجوز كذلك ~~أن نقول عن أديب اليوم إنه يمس «مشكلات الحياة» في حضورها ~~المباشر؛ لأنها مشكلات عملية تجري من حولنا، يوما بعد يوم، وساعة ~~في إثر ساعة، وعن كاتب الأمس إنه كان يتعرض لمشكلات فكرية مجردة، ~~بعدت صلتها المباشرة عن واقع الحياة الجارية؛ بل إن رواد الأدب ~~القصصي والمسرحي في جيلنا الماضي - وهم أنفسهم الذين ما تزال لهم ~~الريادة في القصة وفي ms131 المسرحية بين أدباء اليوم - كانوا بالأمس يكتبون ~~القصة أو المسرحية فيما لم يكن يتصل بالحياة الجارية من قريب، ثم ~~أصبحوا اليوم يكتبون وفي أذهانهم مشكلات الحياة اليومية كما تلمسها ~~الأصابع وتبصرها العيون. # لكن هل يعني ذلك كله أن يوم الناس هذا قد خلا من كاتب المقالة ~~العقلية التحليلية التي تتناول موضوعاتها تناولا مجردا، يعمم ~~القول ولا يخصصه، ويبعد بالتجريد وبالتعميم عن المشكلات الحية كما ~~تقع في المنزل والمصنع والطريق؟ كلا، بل مثل هذا الكاتب موجود - كما ~~كان موجودا بالأمس - لأن وجوده محتوم بحكم وجود «الأفكار» التي ~~تريد التحليل والتوضيح. # والخلاصة التي نريد أن نكتبها بالأحرف البارزة لتظهر للأعمى ~~وللأعشى وللمبصر على حد سواء - قبل أن نمضي في الحديث - هي ~~اختلاف طريقتين في تناول المشكلات: طريقة «الأديب» وطريقة «المفكر»؛ ~~فرغم أن الأدب الخالص قد يجسد فكرا في ثناياه، وأن الفكر قد ~~يصاغ في عبارة لها جمال الأدب وخصائصه؛ إلا أننا إذا ما تطرفنا ~~هنا وهناك لنميز بين الطرفين، رأينا أنه حتى لو جعل كل منهما ~~«مشكلات الحياة» المباشرة موضوعا له، لكان لكل منهما طريقته ~~الخاصة. # فالأدب تجسيد لما يجرده الفكر، والفكر تجريد لما يجسده الأدب؛ ~~على أن الأدب والفكر كليهما إذ يجيئان على مستوى رفيع؛ لا يجعلان ~~من «مشكلات الحياة المباشرة» موضوعا لهما، لأن ذلك متروك للصحافة ~~ولأصحاب التخصصات العلمية؛ فأما الأدب فيعالج تلك المشكلات بطرائقه ~~الرامزة الخفية، وأما الفكر فيعالجها بالتحليل والتعليل اللذين من ~~شأنهما أن يطيرا عن أرض الواقع المباشر إلى سماء التجريد. # لكن هنالك نفرا من الشباب الكاتب، لا يعجبهم العجب ولا الصوم في ~~رجب؛ لأنهم في اللحظة نفسها التي يكرسون أنفسهم فيها «للفكر ~~المجرد» يسوقونه في مقالات قصيرة أو طويلة، ويضطرون - شأنهم في ذلك ~~شأن عباد الله المفكرين - أن يعلوا عن تفصيلات المشكلات كما هي ~~واقعة، أقول إنهم في تلك اللحظة نفسها يوجهون اللوم لغيرهم من ~~رجال الفكر على تقصيرهم في تناول «مشكلات الحياة»؛ وهل تكون للكاتب ~~قيمة إلا بمقدار ما يواجه بفكره تلك المشكلات؟ هكذا يقول ms132 شبابنا ~~الكاتب الغاضب، ولست على يقين من أنهم إذ يقولون ذلك قد وقفوا ~~لحظة ليسألوا أنفسهم: إلى أية صورة تئول مشكلات الحياة عندما تصبح ~~موضوعات للنظر عند رجل الفكر؟ إذ يجوز أن تبعد الشقة - في الظاهر - ~~بين ما يتداوله المفكرون في عصر من العصور من ناحية، وما يعانيه ~~الناس ويكابدونه في ساحات الأخذ والعطاء وأسواق البيع والشراء من ~~ناحية أخرى، على حين يكون الطرفان - في حقيقة الأمر - على صلة ~~وثيقة أحدهما بالآخر، برغم اختلاف الصورة في حالة الفكر عنها في حالة ~~الواقع بتفصيلاته وكثرة عناصره المتشابكة. # إن «الحياة» التي يريد شبابنا الغاضب أن نقصر الفكر والكتابة ~~على «مشكلاتها» لا تجيء في واقع الأمر إلا مجسدة في «أحياء» ~~كلهم أفراد، يلتقون أو يفترقون على صور وأشكال لا سبيل إلى حصرها؛ ~~أعضاء الأسرة الواحدة، والعمال في المصنع، والركاب في سيارة أو ~~قطار، ومجموعة الناس في السوق، والطلاب اجتمعوا في غرفة الدراسة ... ~~وهكذا وهكذا، على أن هؤلاء الأفراد إذ يجتمعون قد تتفق بينهم ~~الأهداف والأساليب، وإذن فلا اختلاف، أو قد لا تتفق فيقع الصراع؛ ~~إما على الهدف ماذا يكون، وإما على الوسيلة كيف تكون. # وإني لأتصور «المشكلات» التي قد تقع للناس في حياتهم على نوعين ~~رئيسيين، ثم يعود أحد هذين النوعين فينشعب شعبتين: فأولا قد تكون ~~مشكلات الناس «خاصة»، وقد تكون «عامة»، ولا أحسب الشباب الكاتب الغاضب ~~الذين يحثوننا على تناول «مشكلات الحياة» دون سواها، لا أحسبهم ~~يريدون منا أن نعالج بمقالاتنا مشكلات الناس الخاصة لنعرضها على ~~الملأ - رضي أصحابها أو كرهوا - فنعرض للزوج وقد اختلف مع زوجته على ~~شأن من شئون الحياة، أو نعرض للجار وقد اعترك مع جاره، فتلك - على ~~أبعد الفروض - صور مما قد تسرع إليه صحافة الخبر حين تكون الصحافة ~~لاهية في أمة عابثة. وهي نفسها المشكلات التي إذا مستها أصابع ~~الفن بسحرها حولتها إلى أدب من مسرحية وقصة، وفي كلتا الحالتين لا ~~يكون لرجل الفكر - من حيث هو كذلك - شأن بها في حد ذاتها؛ وأما ~~المشكلات العامة التي ms133 تمس أبناء الإنسانية كلها، أو أبناء الوطن ~~الواحد جميعا، أو مجموعات ضخمة من هؤلاء وأولئك، فهي التي تنشعب ~~شعبتين: إحداهما مشكلات هي من شأن البحوث العلمية المتخصصة وحدها؛ ~~لأنه لا حيلة «للفكر» بمعناه الأعم حيالها، فماذا يصنع رجل الفكر ~~في مواجهة الأمراض المتوطنة؟ ماذا يصنع في توسيع الرقعة الزراعية؟ ~~ماذا يصنع في تحسين الطرق وإقامة الجسور؟ لا شيء، وإذن فأحسب أن ~~الشباب الكاتب الغاضب لا يريدون منا أن نعالج أمثال هذه المشكلات؛ ~~وإذن فقد بقي نوع واحد هو الذي يجوز، بل يجب، أن يتناوله رجل الفكر ~~بكل ما أوتيه من قدرة على التحليل والتعليل والحل، وهو المشكلات ~~التي تكون عامة من جهة، وتنصب على علاقات الناس بعضهم ببعض من ~~جهة أخرى، فماذا تكون العلاقة الصحيحة بين المواطن ومواطنه؟ بين ~~المحكوم وحاكمه؟ بين المتعلم ومعلمه؟ ماذا تكون العلاقة بين الفرد ~~الواحد وبقية الأفراد؟ بين الأمة الواحدة وبقية الأمم؟ وهكذا ~~وهكذا. # إن هذه العلاقات الإنسانية كلها تتمثل في مواقف الواقع ~~المحسوس؛ إما على صورة حسنة أو على صورة رديئة، لكن رجل الفكر إذ ~~يتناولها يكاد لا يقف إلا لحظة قصيرة عند ما قد وقع منها بالفعل؛ ~~ليجاوزه إلى ما وراءه من مبادئ ليقبل بعضها ويرفض بعضها، غير ~~أنه إذ هو بإزاء مناقشة المبادئ المجردة تراه وقد بعد عن أرض ~~الواقع بعدا يوهم المشاهد المتعجل أنه - أي رجل الفكر - قد ~~شطح مع الخيال إلى أبراج عالية لا يكاد يسمع منها أنات ~~المعذبين الذين يعانون في حياتهم مشكلاتها، ويكابدون أزماتها، ~~انتظارا للفرج يأتيهم من حيث لا يعلمون. # تعالوا نطف بأبصارنا في تاريخ الفكر، لنرى كيف كانت وقفات ~~المفكرين بإزاء مشكلات حياتهم؟ لعلنا نهتدي إلى الوقفة الصحيحة، حتى لا ~~يلوم أحد منا أحدا على أنه يبلبل خواطر الناس دون أن يعالج ~~لهم مشكلات الحياة التي يريدون لها حلولا على أيدينا. # هذا هو شيخ الفلاسفة سقراط، يواجه مشكلة من أعوص «مشكلات الحياة»، ~~وأعني بها طريقة التوفيق بين واجب المواطن الصالح في إطاعة قانون ~~دولته، وواجبه - في ms134 الوقت نفسه - في نقد تلك القوانين ومحاولة ~~تغييرها إذا وجد فيها مواضع نقص وضرورة تغيير؛ فهل يلجأ المواطن في ~~ذلك إلى التماس المؤامرات أو اصطناع وسائل العنف؟ أو هل يظل المواطن ~~مطيعا للقانون حتى يتمكن من إقناع مواطنيه بالحجة العقلية ليغيروا ~~من أوضاعه ما يراه معيبا فاسدا؟ # تناول سقراط هذه المشكلة الحية التي مست حياته هو مسا مباشرا؛ ~~ذلك أنه وهو في سجنه ينتظر الموعد المحدد لموته بجرعات مسمومة - ~~كما حكم عليه رجال القضاء - جاءه تلميذه الغني أقريطون يعرض عليه ~~الفرار من الدولة وقوانينها الجائرة، بعد أن أعد له الطريق برشوة ~~الحراس، لكن سقراط - رجل الفكر - سرعان ما أسقط من الموقف تفصيلاته ~~التي هو جزء منها، وارتفع بالمشكلة إلى مستواها المجرد المطلق، ~~الذي يصلح للإنسان كائنا من كان، مهما يكن مكانه وزمانه، فانتهى به ~~التفكير إلى أنه لا مناص للمواطن من إطاعة قانون دولته إلى أن ~~يتاح له تغييره - إذا استطاع - بالحجة والإقناع، وفي محاورة أقريطون ~~الجميلة الرائعة، التي تصلح إلى يوم الناس هذا أداة فكرية رادعة ~~لمن يدبرون وسائل العنف للحصول على ما يريدونه لأنفسهم من أوضاع ~~أمتهم، في هذه المحاورة الجميلة الرائعة، يتخيل سقراط قوانين الدولة ~~وقد تجسدت أمامه تسائله وتحاسبه إذا هو فر من وجهها، كيف يجوز ~~له أن يتمتع بحماية القوانين ثم يخونها ويخرج عليها غدرا؟ وهل تظل ~~للدولة قوائمها ودعائمها إذا لم تعد لقوانينها قوة، وإذا قابلها ~~الأفراد بالعصيان كلما حكمت عليهم بما لا يحبون؟ # ها هنا كانت «مشكلة الحياة» خاصة برجل واحد في موقف واحد، لكنها ~~تحولت عند رجل الفكر إلى مشكلة عقلية نظرية صرف، حتى لينسى ~~قارئ المحاورة أن البحث قد بدأ خاصا بشخص معين في موقف معين؛ ~~لأن هذا القارئ سيرى الماثل أمام عقله قضية عامة عن موقف المواطن، ~~كائنا ما كان موطنه، تجاه قوانين دولته التي قد لا يكون راضيا ~~عنها. # ونسوق مثلا آخر من الفكر العربي القديم، فقد اعترضت رجال الفكر ~~عندئذ المشكلة نفسها التي تعترضنا اليوم - وهي كذلك من ms135 صميم ~~«مشكلات الحياة» - وهي: هل نأخذ عن ثقافة اليونان أو لا نأخذ اكتفاء ~~بثقافتنا المنبثقة من ظروفنا الخاصة؟ كان السؤال عندئذ - كما هو اليوم ~~- حادا يتطلب الجواب الحاسم؛ لأنهم كانوا يجتازون عصرا - كعصرنا ~~- تتدفق فيه التيارات الثقافية من كل صوب، وبخاصة في ميدان ~~التفكير الفلسفي، فعلي أية صورة تشكلت المشكلة عند ~~المفكرين؟ # إنها ما لبثت أن اتخذت صورا مرسومة بالطابع النظري العقلي ~~الذي ربما أنساك كيف بدأت؛ لأنك ستحصر النظر في موضوع البحث النظري ~~وكأنه هو الموضوع، فها هما ذان رجلان يجتمعان في حضرة الوزير ابن ~~الفرات (في منتصف القرن العاشر الميلادي) وهما أبو سعيد السيرافي، الذي ~~لم يكن يؤمن بضرورة النقل عن ثقافة اليونان، وأبو بشر متى، الذي ~~كان يرى ألا مندوحة عن ذلك، فبدأت بينهما مناقشة عن المنطق ~~الأرسطي، الذي كان أبو بشر متى من علمائه: هل ينفع المتكلم باللغة ~~العربية في شيء؟ ولم يكد أبو بشر يقول عن ضرورة هذا المنطق اليوناني ~~للإنسان بغض النظر عن لسانه؛ لأنه «آلة من آلات الكلام يعرف بها ~~صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف ~~به الرجحان من النقصان»، حتى طفق السيرافي يتدفق حججا يقيمها ~~على أن للغة العربية خصائصها المميزة، وصحة الكلام مرهونة ~~بالإعراب من حيث اللغة، وبالعقل من حيث المعنى، ودراسة المنطق الصوري ~~لا تغني أحدا عن التجربة الواقعية الفعلية بحقائق الأشياء المرتبط ~~بعضها ببعض بتلك الصور التي يدرسها المنطق. وتشبيه المنطق بالميزان ~~ناقص؛ لأن من الأشياء ما لا يوزن بميزان، فإذا كان المنطق الأرسطي ~~ملزما لأحد فهو ملزم للمتكلم باللغة اليونانية التي على أساس ~~تراكيبها قام ذلك المنطق، واختلاف اللغات بعضها عن بعض يقتضي حتما أن ~~تكون هناك صور مختلفة في تركيب اللفظ الذي يعبر عن معنى معين، ~~والمعاني لا تكون يونانية ولا عربية، إنما هي إنسانية عامة. # هكذا تمضي المناقشة بين الرجلين، على نحو لو كان قد سمعه واحد من ~~شبابنا الكاتب لغضب متسائلا: ما هذا النقاش النظري، الذي لا يطفئ ~~ظمأ الظمآن، ms136 ولا يشبع جوع الجوعان؟ لماذا لا تصبان اهتمامكما على ~~«مشكلات الحياة»؟! # إلى أن ينبهه صديق هادئ بأن الجذور التي انبثق منها مثل هذا ~~النقاش النظري، هي من صميم مشكلات الحياة؛ لأنها تمس المصادر التي ~~يجوز أو لا يجوز للناس أن يغترفوا منها الفكر والثقافة. ~~••• # واختر ما تشاء من أمثلة رجال الفكر في عصرنا؛ اختر مثالك من ~~فلاسفة الوجودية في فرنسا، أو من فلاسفة التحليل في إنجلترا، أو من ~~فلاسفة البرجماتية في أمريكا، أو من فلاسفة المادية الجدلية في روسيا؛ ~~تجدك أمام نقاش نظري مجرد، لا يذكر لك شيئا عن زيد في حقله، وما ~~يلاقيه من مشكلات في ري الأرض وحرثها، ولا يذكر لك شيئا عن عمرو ~~في مصنعه، وما يعانيه هناك من طرق الحديد وتشكيل القضبان، لكنه ~~نقاش إما يغوص بك في أغوار عميقة من النفس الإنسانية ليظهر ما ~~كمن فيها من عوامل القلق والحيرة، لا نفس زيد ولا عمرو، لكنها ~~«النفس» بمعناها المجرد المطلق، وإما يدخلك في دقائق جملة ~~لغوية يحلو لرجل الفكر أن يحللها ليضع تحت المجهر طرائق الناس في ~~لفتات تفكيرهم كيف تكون، وإما يرد لك كل شيء في حياتك إلى واقع ~~مادي يتسلسل سيره في حلقات متتابعة من التطور النامي، ولن تجد في أية ~~حالة من هذه الحالات أن «مشكلات الحياة» من أخذ وعطاء، وبيع وشراء، ~~وطعام وشراب، وثياب ومسكن، قد حلت صعابها، لا كثيرا ولا قليلا؛ ~~لأن الذي يحل هذه الصعاب هم أصحاب التخصصات العلمية في الزراعة ~~والصناعة وتبادل السلع ونسج الأقمشة وبناء البيوت، لكنها - برغم ذلك ~~- مناقشات ينفذ أصحابها من خلال المشكلات الراهنة إلى الأسس والمبادئ ~~التي اندست في طواياها، لنعود هابطين مرة أخرى من تلك الأسس ~~والمبادئ إلى أرض الواقع، فإذا هو مفهوم واضح، فنزداد بحياتنا وعيا، ~~ونزداد لمشكلاتها إدراكا. # وبعد هذا كله، فإني أقرر أن رجل الفكر ملتزم أمام نفسه وأمام ~~الناس؛ ملتزم بماذا؟ إنه ملتزم بالخوض مع الناس في مشكلاتهم، ولكن ~~ذلك يتم له بطريقة «المفكر» لا بطريقة «الأديب» ولا بطريقة ms137 «العالم ~~المتخصص» ولا بطريقة الصحفي الذي ينقل الخبر عن الشيء كما وقع؛ فلكل ~~من هؤلاء طريقته إزاء المشكلة الواحدة، ومن الخير أن يلتزم كل منهم ~~الطريقة التي يحسن أداءها، وقد يجتمع أكثر من طريقة واحدة في شخص ~~واحد موهوب، فتراه يتعرض للمشكلة على صورة معينة هنا، وعلى صورة ~~معينة هناك، كما يحدث لسارتر - مثلا - أن يعالج مشكلة ما بالفكر ~~المجرد حينا، وبالقالب المسرحي حينا آخر. # كل هؤلاء يلتزمون «الحق»، لكن معيار الحق متعدد الصور بتعدد ~~طرائق القول؛ فلئن كان الحق عند الصحفي - وهو ينقل للناس خبرا عن ~~مشكلة من مشكلات الحياة الجارية - هو أن يرسم صورة كلامية دقيقة ~~التطابق مع تفصيلات الحادث كما وقع، فإن الحق عند الأديب - وهو يعرض ~~للمشكلة عينها في قصة أو مسرحية - هو أن يجيد تصوير أشخاصه في ~~تفاعلهم حتى لو لم يلتزم، بل لا ينبغي له أن يلتزم تفصيلات الواقع كما ~~وقع، والحق عند العالم المتخصص وهو يخطط للمشكلة حلا، هو نجاح ~~التطبيق، وأما صاحبنا المفكر فصورة الحق عنده هي دقة التحليل أو ~~سلامة التعليل الذي يستطيع بهما أن يجاوز حدود الواقع إلى حيث ~~المبادئ الأولى التي على أساسها وقعت، أو إلى حيث النتائج القريبة ~~والبعيدة التي عساها أن تترتب على تلك المشكلة. # خذ مثلا هذه المشكلة التي أعدها من أعقد مشكلات حياتنا ~~الاشتراكية الجديدة، وأعني مشكلة التوازن بين احتفاظ الفرد بكيانه ~~المستقل المسئول، وبين ضرورة أن يكون هذا الفرد على صلات وثيقة ~~بينه وبين سائر المواطنين، بحيث ينصهر معهم في مجموع واحد متصل؛ وسل ~~نفسك: كيف يمكن لرجل الفكر أن يتناول هذه المشكلة إذا هو قصر نفسه ~~على ظواهرها البادية في حياة الناس اليومية، دون أن يتعمقها إلى أصولها ~~وجذورها، التي ربما ارتدت إلى الحياة القبلية الأولى؛ ذلك أننا إذ ~~نلاحظ سهولة أن ينصهر الفرد منا في أسرته، نلاحظ أيضا إلى جانب ~~ذلك صعوبة أن ينصهر ذلك الفرد نفسه في مجموعة المواطنين، من عرفهم ~~منهم، ومن لم يعرفهم، على حد سواء. # أفإن فلسفنا الموضوع، ms138 وشرحنا كيف تتحقق ذاتية الشيء - أي شيء - ~~بوجوده وبصفاته وبعلاقاته مع سائر الأشياء، وأخذنا نوغل في الجانب ~~الصوري الخالص، الذي يبين أن الكائن الواحد محال تعريفه إلا ~~بربط الصلة بينه وبين سواه، أقول أفإن فعلنا شيئا كهذا قيل لنا: على ~~رسلكم، واحصروا أنظاركم في مشكلات الحياة؟! ذلك هو ما يطالبنا به ~~نفر من الشباب الكاتب! # | ضمير الكاتب ودستور المثقفين # ضمير الإنسان - كاتبا أو غير كاتب - هو ما يضمره في دخيلة نفسه ~~من مبادئ يستخدمها في التمييز بين الطيب من سلوكه والخبيث؛ ولندع ~~رجال الفلسفة يختلفون فيما بينهم على مصدر تلك المبادئ: من أين جاءت؟ ~~أهي نابعة من فطرة الإنسان من حيث هو إنسان ذو طبيعة خاصة، أم هي ما ~~بثه المجتمع في أفراده من معايير وجدها على طول السنين صالحة ~~لبقائه؟ أقول: لنترك رجال الفلسفة يختلفون فيما بينهم على الضمير كيف ~~نشأ، وحسبنا أنهم متفقون جميعا على وجود طائفة من مبادئ ~~مكنونة مطوية بين الجوانح، توحي إلى صاحبها بما ينبغي فعله في كل ~~موقف معين، فإما استمع صاحبها إليها فهدأت نفسه واستراح، وإما ~~عصاها فتمزقت نفسه بين باطن وظاهر. # لكن هذا القول إذا صدق على كل إنسان مرة؛ فهو يصدق على الكاتب ألف ~~مرة، لأن الكاتب بحكم وصفه هذا لا يكتم ما بنفسه في صدره، بل يخرجه ~~في كتابة تصل إلى أي عدد شئت من الناس، بحسب ما يكون لهذا الكاتب ~~من جمهور قارئ؛ إن الكاتب لا يكتب لنفسه، وإلا لاكتفى بالتأمل ~~الصامت، هذه حقيقة واضحة بذاتها، لا تحتاج إلى برهان يؤيدها؛ وإنما ~~جاء وضوحها الذاتي هذا من أن كلمة «كاتب» لا يتم معناها إلا بما ~~يضايفها، وهو «القارئ»، شأنها في ذلك شأن كلمات كثيرة أخرى، فهل تتصور ~~«والدا» بغير ولد، أو «معلما» بغير متعلم، أو «حاكما» بغير ~~محكوم؟ لا، وكذلك لا يكون كاتب بغير قارئ - موجود بالفعل أو بالإمكان ~~- وإذا كان هذا هكذا؛ فقد أصبح واضحا أن ليس من حق الكاتب أن يكذب ~~في الرسالة التي يريد نقلها إلى ms139 قارئه؛ الكاتب «متكلم» يثبت كلامه ~~على الورق؛ والقارئ سامع، والفرض في المتكلم أنه ينقل إلى سامعه ~~نبأ جديدا، أو رأيا يراه، وإذن فالواجب الخلقي يقتضيه أن يكون ~~صادقا فيما ينقله، لا أقول أن يكون مصيبا؛ لأنه قد ينقل ما هو ~~خطأ بالنسبة إلى الحقيقة الخارجية، لكنه عند نقله لم يكن يعلم عن ~~تلك الحقيقة الخارجية إلا ما كان قائما في اعتقاده، فليس على ~~«المخطئ» في الرأي حرج ولا ضير، لكن الحرج كل الحرج، والضير كل ~~الضير، على «الكاذب» الذي يقول بظاهر لفظه - منطوقا أو مكتوبا - ما ~~لا يعتقد هو في صوابه، وذلك هو الضمير وما يمليه على صاحبه. # ليكن الكاتب من أي طراز شئت، ليكن كاتب قصة أو مسرحية، ليكن ~~شاعرا أو شارح فكرة أو صاحب رأي؛ فهو في كل حالة، وفي جميع الحالات، ~~مطالب بالصدق؛ ليتسق ظاهر لفظه مع باطن ضميره، وما أصدق الذي ~~قال إن «لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده»! أما اللسان فهو النصف ~~الخارجي الظاهر، الذي يتمثل في نطق المتكلم وفي كتابة الكاتب، ~~وأما الفؤاد فهو النصف الداخلي، الذي نضمر فيه ما نضمره من مبادئ ~~وأفكار، وكمال المرء هو في مطابقة النصفين، الباطن منهما (= الضمير) ~~والظاهر (الكتابة والكلام وسائر أنواع السلوك)؛ لأنه لا يبقى بعد أن ~~تختلج في فؤادك الفكرة ثم تصدق في التعبير عنها، لا يبقى بعد ذلك ~~«إلا صورة اللحم والدم» التي يقيمها رغيف خبز وجرعة ماء. # فإذا سألتني: هل يكون لرجال الفكر والأدب والفن دستور يلتقون عنده ~~جميعا، على اختلاف ما بينهم من وسائل التعبير، وعلى تباين ما تضطرب ~~به أنفسهم وقلوبهم وعقولهم من مشاعر وأفكار؟ أجبتك: نعم، يكون لهم ~~دستور ذو مادة واحدة هي أن يصدر كل منهم عن ضميره صدورا صادقا ~~أمينا، فيخلص لنفسه وللناس؛ إنك إذا طالبت الكاتب أو الفنان ~~ألا يخرج من ذات نفسه إلا ما يتفق مع أهوائك؛ كنت كمن «صادر ~~على المطلوب» (في لغة المناطقة) لأنك عندئذ كمن يعلم النتيجة قبل ~~مقدماتها، وكمن يرى النهاية قبل الطريق إليها؛ ms140 وإذن فما جدوى أن ~~يكتب لك كاتب إذا كنت تعلم مقدما ما لا بد أن ينتهي إليه من ~~نتائج؟ إن الأصل في الكتابة - بل في الكلام بكل أنواعه المفيدة - أن ~~يحمل إليك جديدا لم تكن تعلمه قبل القراءة أو قبل الاستماع إلى حديث ~~المتحدث، ومعنى ذلك كله - مرة أخرى - أن دستور المفكر والفنان ~~الذي لا فكاك منه، هو صدقه مع نفسه ومع الناس، على اختلاف معنى ~~«الصدق» في مجالي «الفكر» و«الفن»، مما لا مجال لتفصيل القول فيه ~~الآن، لكن القاسم المشترك الأعظم في حالات الصدق كلها، هو التطابق ~~بين طرفين، أحدهما داخلي وهو «الفكرة» أو «الرأي» أو «الشعور»، أو ~~ما شئت من هذه المضامين، والآخر هو القول الذي جاء ليصوره؛ وأما ~~انطباق هذا القول على الموقف الخارجي أو عدم انطباقه فأمران داخلان ~~في باب الصواب والخطأ الذي يمكن فيه رد الخطأ إلى صواب، دون أن يكون ~~في الأمر ما يمس أخلاق الكاتب أو الفنان، أعني: دون أن يكون فيه ما ~~يخدش ضميره. # وأقول ذلك تمهيدا لإثبات خواطري التي خطرت بمناسبة ما طرحته ~~مجلة «الاشتراكي» في عددها الحادي والعشرين، الصادر يوم السبت 13 من ~~نوفمبر 1965م، أمام المثقفين جميعا ليكون موضوعا للمناقشة، وهو أن ~~يكون لهم دستور قوامه جملة مبادئ اقترحتها إحدى اللجان المتخصصة في ~~أمانة الدعوة والفكر الاشتراكي. # وينقسم المعروض قسمين رئيسيين؛ أحدهما للمبادئ العامة، والآخر ~~لمشكلات التطبيق، وسأكتفي هنا بذكر ما قد عن لي من ملاحظات عن ~~«المبادئ» الأحد عشر، تاركا ما قيل عن مشكلات التطبيق إلى فرصة ~~أخرى. # كانت الإشارة دائما إلى الفن والأدب، ولم ترد إشارة واحدة إلى ~~«الفكر» الذي يتناول القضايا بالتحليل والنقد والعرض والشرح، والذي ~~يقدم الرأي الجديد فيما ينبغي تغييره من أوضاع الحياة، أو ما تنبغي ~~إضافته أو حذفه، وكيف يكون ذلك ومتى؟ وميثاقنا الوطني مثل لهذا ~~النوع من «الفكر» وهذا البيان نفسه المعروض للمناقشة ضرب من ضروب ~~«الفكر»، فليس هو بالقصة ولا بالمسرحية ولا بقصيدة شعر، والنقد الأدبي ~~والفني «فكر»، والفلسفة «فكر»، والاقتصاد ms141 والاجتماع «فكر»، فهل يراد ~~بالدستور ألا يشمل الكتابة التي تدخل في هذه الأبواب؟! أغلب ظني ~~أن الحذف هنا غير مقصود؛ لأن الغاية - كما جاء في العنوان الكبير ~~الذي صدر به البيان المنشور - هي «وحدة فكرية للمثقفين»، وأصحاب ~~«الفكر» هم بغير شك من هؤلاء المثقفين، الذين تراد لهم الوحدة؛ وإذن ~~فلنفترض أن البيان حين أخذ يكرر الإشارة إلى «الأدب والفن»، كان ~~مراده أن يتضمن معهما بقية ضروب النشاط الفكري، التي قد تجعل ~~وسيلتها المقالة أو الكتاب أو الحديث أو الندوة، أو ما يجري مجراها من ~~وسائل الاتصال بين صاحب الفكرة وقرائه أو المستمعين إليه، وربما جاز ~~لنا أن نستثني العلماء المتخصصين في علومهم؛ لأن العلم الأكاديمي ~~المتخصص - وإن يكن فكرا - إلا أنه لا يدخل في مفهوم «المثقفين» الذين ~~نقصد إليهم بالدستور المقترح؛ إذ لا محل لإضافة الباحث في الجيولوجيا ~~أو في الكيمياء أو في التشريح إلى جماعة «المثقفين» بالمعنى الذي نريده ~~ليشمل رجال الأدب والفن والفكر، الذي ينصب على صور المجتمع وما ~~يتصل بها من روابط وعلاقات، وما تقاس به من قيم، وما ترمي إليه من ~~غايات وأهداف. # ألاحظ أن المبدأين (1) و(2) هما أقرب إلى «النداء» الموجه إلى ~~أولي الأمر منهما إلى «المبادئ» يتعاهد عليها المثقفون في نشاطهم؛ ~~فالمبدأ الأول يقرر أن الأدب والفن ضروريان للثورة؛ ولذلك لا ينبغي ~~إهمالهما، والمبدأ الثاني يطالب بأن ينظر إلى «الثقافة» على أنها ~~«خدمة» لا على أنها «سلعة» يطلب من ورائها الربح. # إلا أن أصحاب البيان - كأنما أرادوا أن يطمئنوا القائمين على ~~خزانة الدولة على أموالهم - أضافوا إلى المبدأ الثاني إضافة يقررون ~~بها شيئا هو أبعد شيء عن اتفاق المثقفين، وذلك أنهم قرروا أن الفن ~~والأدب الجيدين الرفيعين من شأنهما حتما أن يجتذبا انتباه الجماهير ~~وإقبالهم، ومن ثم يزداد الشراء، فتزداد الحصيلة النقدية، فلا تضيع على ~~الدول أموالها «هذه النتيجة الأخيرة من عندي، وليست مذكورة بنصها في ~~البيان»، فها هنا لا يكون اتفاق بيننا جميعا على الرأي، ما لم ~~نحدد المعنى المقصود بكلمة «الجماهير»؛ ذلك ms142 لأنه مما لا جدال فيه ~~أن «جمهور» القراء - وأتعمد ذكر الكلمة على هذه الصورة بدل كلمة ~~«الجماهير» - أقول إن «جمهور» القراء على درجات متفاوتة من التحصيل ~~ومن الاهتمامات الثقافية؛ فهنالك قاعدة واسعة عريضة من المواطنين بينها ~~قدر مشترك من الثقافة الأولية، كما أن هنالك قمة ضيقة الدائرة، ~~لها حظ موفور من الثقافة العليا، وحتم على من يخططون للثقافة في ~~بلادنا ألا يغفلوا عن «الجمهور» بكل درجاته الثقافية، وبكل ~~اهتماماته، ومن هذه الاهتمامات ما يشترك فيها عدد ضخم من المواطنين، ~~ومنها ما ينحصر في قلة قليلة؛ وإذن فلا مناص من أن تتفاوت دخول ~~المنتجات الثقافية؛ فمنها ما هو كفيل بسد نفقاته، ومنها ما لا بد ~~فيه من التضحية المالية من قبل الدولة. # وإذا كان لي أن أقترح تعديلا على العبارة الواردة في المبدأ ~~الثاني، وأعني العبارة القائلة: ~~«وفن رفيع بلا جمهور ليس فنا على الإطلاق؛ لأنه في الغالب فن ~~زائف يتعالى على الناس ...» فإنني أرى أن يزال التناقض اللفظي الكائن ~~في المقابلة بين «على الإطلاق» و«في الغالب»؛ لأنه إذا كان الفن الذي ~~لا جمهور له لا يعد فنا «على الإطلاق»، فهو كذلك «على الإطلاق» فن ~~زائف، ولا يقتصر زيفه على «أغلب» الحالات دون «أقلها»؛ ولذلك أقترح ~~أن تكون العبارة هكذا: ~~«وفن بغير جمهور - قل ذلك الجمهور أو كثر - هو فن لا رجاء ~~فيه»؛ فبهذه الصورة تتحقق لي معان كثيرة: (1) التخلص من تناقض القول ~~«بأن فنا رفيعا ... ليس فنا»، (2) والتخلص من تناقض القول بين ~~«على الإطلاق» و«في الغالب»، (3) والإشارة الضمنية بأن جمهور ~~المستفيدين من النتاج الثقافي قد يكون كثيرا حينا وقليلا حينا آخر؛ ~~بحسب الدرجة الثقافية أولا، وبحسب تنوع الاهتمامات ثانيا، (4) ~~عدم التورط في تعريف بعينه من بين التعريفات الكثيرة للفن؛ فسواء ~~كان الفن هو ما يجد جمهورا أو لم يكن، فإننا «لا نريد» إلا ذلك الفن ~~الذي ينتفع به فريق من المواطنين، مهما يكن عددهم. # يشترط المبدأ الثالث أن تكون «حياة الناس في بلادنا» هي منابع ~~الفن؛ ولهذا يلزم «الكتاب والفنانين ms143 الذين يبحثون عن جوهر ~~بلادنا، وروح شعبنا الحقة أن يعيشوا بين الجماهير ...» # فأولا: # لست أدري ~~لماذا نقصر منابع الفن على حياة الناس «في بلادنا»، ~~وكان يكفي أن نقول «حياة الناس» على إطلاقها؛ لأن ~~الكاتب أو الفنان كثيرا جدا ما يحتاج في عمله إلى ~~مقارنة «بلادنا» بغيرها ليتضح «جوهر بلادنا» بهذه ~~المقارنة نفسها، وفي ظني أنه كلما قصر الكاتب أو ~~الفنان نفسه على حدود بلاده؛ ضاقت أمامه فرصة معرفة ~~بلاده ضيقا شديدا، وهاكم رجال الأدب والفن عندنا ~~منذ أول القرن العشرين، حتى الآن، منذ محمد عبده، إلى ~~أي كاتب أو فنان ممن يعيشون معنا اليوم، فلن تجد ~~بينهم واحدا كان له أثر دون أن يمتد أفقه ليشمل ~~حياة الناس في بلاده وحياة الناس في بلاد أخرى؛ ~~ليخرج من المقارنة بشيء يفيده ويفيدنا عن حقيقة ~~بلادنا، وحسبي في هذا المقام أن أقول إنه لولا ~~متابعتنا لتيارات القصة والمسرحية - مثلا - في غير ~~بلادنا؛ لما ظفرنا بكل ما قد ظفرنا به من قصص ~~ومسرحيات على أيدي أدبائنا من حيث النضج في الشكل ~~والمضمون معا، ودع عنك ما نستضيء به في فهم ~~بلادنا نفسها، من أفكار ومن فلسفات ومن مناهج بحث ~~مما يستفيده الباحثون والدراسون لما يجري في غير ~~بلادنا. # وثانيا: # أخشى أن يكون ما يدور في أخلاد الكتاب والفنانين ~~حين يلتزمون بهذا المبدأ، هو أن المقصود ب «حياة ~~الناس في بلادنا» هو الجانب المرئي الظاهر من ~~مواضعات العيش؛ لأن التوصية الواردة في المبدأ ~~بوجوب أن يعيش رجال الفن والأدب «في الريف والحضر ~~والمناطق الصحراوية وعلى شواطئ البحر وفي منطقة ~~البحيرات الشمالية وفي الصعيد ... إلخ»، أقول إن هذه ~~التوصية قد توهم بأن المقصود هو شيء أشبه بالمسح ~~الاجتماعي لأبناء البلاد في شتى بقاع سكناهم ~~وأعمالهم؛ فالمادة المحصلة من مثل هذا المسح ~~الاجتماعي - على ضرورتها - يقوم بها مختصون من غير ~~رجال الأدب والفن عادة (وبالطبع لا يعني هذا ألا ~~يطلع الأدباء والفنانون على وجوه الحياة في شتى ~~أرجاء البلاد)، لكن الأديب والفنان يأخذ هذه المادة ~~الاجتماعية ms144 - سواء أكانت من تحصيله هو أم كانت من ~~تحصيل علماء الاجتماع - ثم ينفذ خلالها ليتصيد ما ~~وراء السطح الظاهر من أصول وبواعث وقيم ومعايير، هي ~~التي منها تتكون روح الشعب. # وإذن، فبينما نوجب على الفنان والكاتب أن يبحث عن روح الشعب وجوهره، ~~لا يقتضي ذلك منا أن نوجب عليه التنقل بجسده هنا وهناك؛ وهل ~~تنقل على هذا النحو توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ليتاح لهما أن ~~يستخلصا كثيرا من العناصر الأساسية في روح الشعب على الصورة التي ~~وفقا فيها إلى تحقيق هذا الهدف؟! # يقرر المبدأ الرابع أن «الفن في جوهره دعوة لشيء ما»، ثم يترك ~~للفنان كامل الحرية فيما يدعو إليه بفنه، لأن ذلك متوقف على وجهة ~~نظره فيما يحب وما يكره .. وإلى هنا أجد المبدأ يقاتل في غير ~~معركة؛ لأنني أقلب نظري في كل ما أنتجه رجال الفن والأدب، لأرى ~~أين يكون الأثر الفني أو الأدبي الواحد الذي نحاربه بناء على هذا ~~المبدأ؟ فلا أجد شيئا. # لكن عبارة وردت في غضون العبارة التي صيغ المبدأ بها، أراها ~~قلقة في موضعها، ومتناقضة مع جيرتها، وتلك هي العبارة التي قيل فيها ~~إن القائلين بأن الفن ليس ذي رسالة يؤديها، قد يكونون من ~~المغرضين الرجعيين الذين ينادون بالفن الفارغ الخالي من الهدف ~~«لصرف الجماهير عن أهدافها»؛ أنفهم من هذه العبارة الأخيرة أن ~~الكاتب أو الفنان محتوم عليه أن يخدم «أهداف الجماهير»؟ إذا كان الأمر ~~كذلك فهناك إذن تناقض بين هذا القول وقول آخر وارد في المبدأ ذاته ~~من جهة أخرى، وهو أن الكاتب أو الفنان حر في اختيار وجهة النظر ~~التي يدعو إليها؛ ولو كان لي أن أختار أحد النقيضين الواردين في هذا ~~المبدأ، لاخترت حرية الإنسان الكاتب الفنان في اختيار ما شاء من ~~وجهات النظر إلى الحياة، ما يحب منها وما يكره. # ويوصي المبدأ الخامس رجل الفن أن يكون عطوفا على الشعب، وألا ~~يقوم أخطاءه - التي هي نتيجة مباشرة للظلم والقهر مدى قرون طويلة ~~- ألا يقوم تلك الأخطاء وأوجه النقص بالتشهير، ولكن ms145 بالعطف ~~والهداية. # إنه إذا جاز توجيه مثل هذه التوصية إلى من هم غرباء عن الشعب؛ ~~فلا يجوز أن يوجه لابن الشعب وربيبه، إن الكاتب أو الفنان لم يهبط ~~على قومه من المريخ، وليس هو بالذي يجلس متفرجا من خارج، يشهد أفراد ~~شعبه وهم يتحركون على المسرح، بل هو واحد منهم، وعلى مسرح واحد معهم؛ ~~إن أحدا منا لا يتفرج على أحد، بل إن جميعنا بحارة على مركب ~~واحد، تتنوع بيننا الواجبات، لكن المرفأ المقصود واحد؛ ولهذا فإني ~~أحس من عبارة هذا المبدأ ظلا من الريبة يلقيها بعضنا على ~~بعضنا بغير جدوى. # في المبدأ السادس تكرار لما ورد في المبدأ الثاني، لكنه تكرار ~~يزيد الخطأ وضوحا؛ فهو مبدأ يقرر الارتباط القوي بين الفنان ~~وبيئته - وجمهور الناس جزء جوهري من هذه البيئة - وإذن فلا بد أن ~~يخاطب الأديب أو الفنان هؤلاء الناس. إلى هنا لا خلاف. # لكن عبارة المبدأ السادس تستطرد لتضع أمامنا مقدمة ونتيجة تنتج ~~عنها في ظن أصحاب المبدأ، ولكنها لا تنتج عنها أبدا في ظننا؛ وفضلا ~~عن عدم لزومها عن مقدمتها، فهي كذلك نتيجة تحمل رأيا لا نراه صائبا؛ ~~أما المقدمة فهي ما أسلفناه من ضرورة أن يكون العمل الفني عملا ~~اجتماعيا، بالإضافة إلى كونه في الوقت نفسه تعبيرا عن صاحبه؛ ~~وأما النتيجة فهي قولهم: «ولهذا فإن الأعمال الفنية التي تخاطب ~~أعدادا كبرى من الناس، وتحظى برضاهم أو اهتمامهم، هي بالضرورة أفضل ~~من أعمال أخرى أقل منها جمهورا»، وهذا حكم يتضمن أن العمل الفني ~~الواحد يخاطب «الجمهور» كله على اختلاف درجاته الثقافية، فكأنما ~~توفيق الحكيم - مثلا - يخاطب بمسرحية «أهل الكهف»، فلاح الحقل، ~~وعامل المصنع، كما يخاطب بها جمهور الثقافة الرفيعة، فإذا وجدنا ~~مسرحية أخرى له أو لكاتب آخر قد لقيت إقبالا أكثر من الجمهور بكل ~~درجاته الثقافية؛ تحتم أن تكون مسرحية أفضل! نعم، إن المبدأ ~~السادس يشترط في العمل الفني ذي الجمهور الكبير جودة فنية، لكننا ~~برغم هذا الشرط المفيد، نقول إنه إذا كان ثمة عملان فنيان، كلاهما ~~جيد ms146 من الوجهة الفنية، أحدهما يخاطب فئة عالية الثقافة، والآخر ~~يخاطب فئة أقل ثقافة وأوسع رقعة؛ فكلاهما يكون عندنا على درجة واحدة ~~من الفضل؛ لأن كليهما حقق الغرض الذي من أجله أنشئ؛ ولو لم يكن ~~الأمر كذلك، لانتفت الحكمة في أن نخصص في الإذاعة برنامجا خاصا، ~~وفي التلفزيون قناة خاصة، وفي المسرح مسرحا خاصا، وفي المجلات ~~والمؤلفات مطبوعات خاصة، نريد بها جميعا فئة قد لا تكون كثيرة ~~العدد، لكنها بالغة التأثير. # لهذا أقترح في المبدأ السادس أن نبقي على المقدمة، وأن نحذف ما ~~زعمناه نتيجة ضرورية لها، وهو في حقيقته ليس كذلك. # لست أظن أن ثمة خلافا في الرأي حول المبدأ السابع الذي يوصي ~~بصيانة التراث الفني والأدبي الذي استطاع أصحابه أن يجاوزوا به حدود ~~مصالحهم الشخصية أو الطبقية، إلى الجانب الإنساني المشترك بين البشر ~~أجمعين. # وكذلك لا خلاف في الرأي حول المبدأ الثامن الذي يدعو إلى ضرورة ~~الإجادة الفنية، فلا يكون الكم هو مدار إنتاجنا، بل لا بد أن ~~يجيء الكيف في المرتبة الأولى، حتى إذا ما اتسع نطاق الإقبال عليه ~~بين الجمهور، كان إقبالا على ثمرات ممتازة تسمو بالإنسان روحا ~~وعقلا؛ ولكنني ألاحظ هلهلة في صياغة هذا المبدأ، قد تضيع علينا دقة ~~المعنى المقصود، كما أنني أخشى أن يكون ثمة تناقض بين مضمون هذه ~~المادة ومضمون المادة رقم 2؛ لأن الضغط هنا واضح على أن العمل ~~الجيد لا يعود بالربح، وأن هدفنا ليس هو الكسب المادي، بل هو كسب ~~العقول والأرواح، وهو الاتجاه الصحيح؛ على حين أن المادة رقم 2 قد ~~يفهم منها أن العمل الفني يحكم على جودته بسعة الإقبال عليه من ~~قبل الجمهور، وإذن تكون كثرة الإقبال هي الأصل، والحكم بالجودة فرع ~~عنه، أي إن الحكم بجودة الكيف نتيجة متفرعة عن زيادة الكم، وليست ~~تلك الجودة الكيفية حقيقة قائمة بذاتها، يمكن الحكم عليها بمعايير ~~النقد الفني التي لا تركز على كثرة التوزيع أو قلته، فموضوع ~~الكم والكيف في حاجة إلى مزيد من الإيضاح والتحديد. # وأما المبدأ التاسع الذي ms147 يقرر أن الفن أصدق من الطبيعة؛ فأرى ~~أنه أقرب إلى الملاحظات العابرة التي تقال عند الموازنة بين خلق ~~الطبيعة والخلق الفني، منه إلى «المبدأ» الذي يضعه المثقفون في ~~دستور لهم ليلتزموه في إنتاجهم الفني والأدبي. # يضع المبدأ العاشر مواصفات للعمل الفني إذا أريد له أن يكون ~~عالميا غير منحصر في حدود إقليمه المحلية، ومن تلك المواصفات أن ~~الذي يقرر عالمية العمل هو مضمونه «وليس اللغة أو الوسيلة التي ~~نفذ بها»، ونحن لا نتردد في قبول ذلك من حيث «اللغة»، لكننا ~~نتردد في قبوله من حيث «وسيلة التنفيذ»؛ إذ ماذا تكون «وسيلة ~~التنفيذ» سوى «الشكل» الفني الذي صب فيه المضمون؟ .. لقد سبق أن ~~قررنا في المبدأ الرابع أن «على الاشتراكيين أن يؤكدوا في وضوح ~~ضرورة الالتحام العضوي بين الشكل والمضمون في العمل الفني الواحد»، ~~فكيف يجوز الآن أن نقول إن أحد هذين الجانبين فقط - وهو المضمون - ~~هو الذي يؤدي إلى عالمية العمل، كأنما نريد أن نقول إن الفصل ~~ممكن بين الجانبين، بعد أن قررنا التحامهما التحاما عضويا؟ هل ~~يمكن مثلا أن يحتفظ شكسبير بكل مكانته في الأدب المسرحي، إذا نحن ~~نقلنا «معانيه» مجردة عن القالب المسرحي الذي انصبت فيه تلك ~~المعاني؟ هل يكون دانتي هو دانتي إذا غضضنا النظر عن هيكل بنائه ~~الفني واكتفينا بمضمون المعاني التي يريد نقلها؟ لا، إن العمل ~~الفني وحدة عضوية كما قرر البيان في مواضع مختلفة، وإذن فهو عالمي ~~- أو محلي - من حيث هو كيان موحد، والذي يجعل العمل الفني ~~عالميا، هو السبب نفسه الذي ذكر في المبدأ السابع، الخاص بضرورة ~~احتفاظنا بالتراث، حين قررنا أننا نصون تراث الماضين إذا وجدناه ~~يتناول الإنسان من حيث هو كذلك، ولا يقصر نفسه على إقليمه المحدود، ~~فكذلك نحن اليوم، إذا أردنا لسوانا أن يقدر إنتاجنا، فعلينا ألا ~~نقصره على إقليمنا المحدود، بل لا بد أن نعلو به إلى حيث يتناول ~~الإنسانية جمعاء، متمثلة ومتجسدة فيما نبثه في أعمالنا من مثل ~~الحق والخير والجمال. # وأما المادة الحادية عشرة - وهي الأخيرة ms148 - فأظنها لا تضيف شيئا ~~إلى ما سبق ذكره في مواد أخرى، حين تقول إن للعمل الفني ~~جانبين؛ أحدهما سياسي والآخر تقني، والمقصود بالسياسي خدمته لمصالح ~~الشعب، والمقصود بالجانب التقني مراعاة الجودة الفنية. # | نموذجان من ثورة الفكر # ليست ثورة الفكرة كثورة السياسة، فيها قعقعة المصفحات وهزيم ~~الطائرات، وهتاف يثير غبار الطريق، وصياح يهز أمواج الصوت والصورة في ~~أجهزة الإذاعة؛ لكن ثورة الفكر يغلب أن تجيء كقطرات الماء تنصب على ~~الجلمود الأصم فتحسبها واهنة بلا أثر، وإذا بالأيام تمضي فإذا ~~الجلمود الأصم قد تفسخ وأرهف السمع ليلتقي الرسالة، والعجب هو ~~أن ثورات الفكر بصوتها الخافت الهادئ، هي التي تحرك النفوس - على ~~مدى الزمن القصير أو الطويل - لتثور بذلك الهتاف والقعقعة والهزيم في ~~دنيا السياسة والاجتماع. # وفي تراثنا ثورات فكرية مكتومة، نخشى أن يطول بها الصمت، فإذا هي ~~كالعدم الذي لم يكن ولا هو كائن أو يكون، فما علينا نحن الكاتبين في ~~هذا العصر إلا أن ننفض الغبار عن صفحاتها لعلها تفعل في الناس فعلها ~~.. قال شكسبير - في مسرحية «العين بالعين» - على لسان أمير أراد أن ~~يخبر حال إمارته متنكرا، فجاء بمن ينوب عنه في أثناء غيبة زعم ~~أنها سفر إلى بلد آخر، وما هو في الحقيقة بسفر، بل تبديل ثوب بثوب ~~ليخالط الناس وكأنه أحدهم، فيذوق بنفسه حلو الحياة ومرها، ~~فأوصى نائبه ذاك بقوله: «... ألا إن السماء لتفعل بنا ما نفعله نحن ~~بالشموع، فنحن لا نضيء الشموع لذاتها، وكذلك حسناتنا إذا هي لم تنشر ~~ضوءها في الناس فهي عدم من العدم، إن النفوس السامية إنما اكتسبت ~~سموها من سمو غاياتها، وإذا أقرضت الطبيعة أحدنا مثقال ذرة من ~~كنوزها، فإنما تكون في إقراضها ذاك مثل ربة شحيحة، تعطي ما تعطيه ~~مزهوة بنفسها، كما يفعل دائن القروض، له على المدين أن يشكر له ~~الصنيع، وأن يدفع له ريع قرضه»، ولقد دس لنا الأسبقون في ثنايا ما ~~أورثونا إياه كنوزا، هي كالشموع التي ذكرها شيكسبير، إذا لم تكن ~~هادية بضوئها فهي كالعدم، أو هي كالقروض ms149 أقرضونا إياها، ويتوقعون ~~منا أن نرد لهم قرضهم ، مضافا إليه زيادة الريع وعرفانا ~~بالجميل. # لست أدري كم أحس القارئ في حياته العملية ما أحسسته في حياتي، ~~لا أقول مرة، ولا عشر مرات، ولا مائة؛ لأنها مواقف تعد بالألوف، ~~تلك التي أحسست فيها أن قدري عند الناس - ودع عنك الدولة - لم ~~يوزن قط إلا بمقدار ما كان لي من سلطان نافذ الكلمة فعال ~~الإرادة، ولما كانت حياتي قد خلت من كل سلطان، كنت كلما أردت ~~قضاء لأمر؛ أجدني واحدا في زحام، لأرى بعيني كيف يكون الويل في ~~بلادنا لمن ليس له نصير من أصحاب الإرادة النافذة؛ فالفرق بعيد بعيد ~~في حياتنا العملية بين إنسان وإنسان، وليكتب أولو الأمر ما شاءوا في ~~دساتيرهم المعلنة من مساواة بين المواطنين في الحقوق وفي ~~الواجبات. # فالثورة الفكرية هنا هي أن تبدأ مع الناس من مرحلة الصفر، فتصدمهم ~~بما لا يتوقعونه، قائلا: إن الإنسان وصنوف الحيوان سواسية، حتى ~~إذا ما بهتوا لقولك، ثم زالت عنهم آثار الدهشة بعد حين، كان هينا ~~عليك بعدئذ أن تقنعهم بما أردته، وهو أن أي إنسان كأي إنسان، ~~أمام الله، وفي ساحات القضاء، وفي الطرقات والمطارات، ومكاتب البريد، ~~ومخافر الشرطة، ومعاهد العلم، ودواوين الدولة، وأمام ضباط الجمارك ~~والضرائب. # لنبدأ - إذن - من مرحلة الصفر، فنزعم بأن الإنسان وصنوف الحيوان ~~سواسية .. قال ذلك «إخوان الصفا» في رسائلهم، ترى هل قالوه من أجل ~~ثورة فكرية كالتي نريدها؟! .. ولكن كيف قالوه؟ # ففي صفحات طوال من الجزء الثاني من «الرسائل» أجرى «إخوان الصفا» ~~محاكمة بين بني الإنسان وأنواع الحيوان؛ إذ ترفع هذه الأنواع ~~الحيوانية شكاتها إلى ولي الأمر، مما تعانيه من عنت الإنسان، ~~رافضة أن يكون للإنسان فضل عليها، من حيث إنها - هي وهو معا - ~~صنعة الله، فيسأل ولي الأمر بني الإنسان ماذا يقولون دفاعا عن ~~أنفسهم؟ ويجيبون بما يظنونه مؤيدا لموقفهم من آيات القرآن الكريم، ~~لكن الحيوان سرعان ما يقدم تأويلا لهذه الآيات، يبين أن ~~الإنسان قد جاوز حدود الحق حين فهمها على الوجه الذي ms150 فهمها ~~به. # وأما ولي الأمر هنا، فلا هو إنسان ولا حيوان؛ ليكون محايدا في ~~نظرته وحكمه بين المتخاصمين، إذ هو ملك من الجان، يدعى «بيراست ~~الحكيم»، وتبدأ الصورة الأدبية الرائعة التي رسمها المؤلفون، بأن ~~جعلوا مقر «بيراست الحكيم» جزيرة في وسط البحر الأخضر، مما يلي خط ~~الاستواء، وهي جزيرة طيبة الهواء والتربة، فيها أنهار عذبة وعيون ~~جارية وأشجار مختلفة ألوانها وثمارها، وحدث ذات يوم أن طرحت الرياح ~~العاصفة مركبا من سفن البحر إلى تلك الجزيرة، وكان على المركب قوم ~~من التجار والصناع وأهل العلم، فخرجوا من مراكبهم إلى أرض ~~الجزيرة وطافوا بها، فرأوا فيها من ضروب النبات ومن صنوف الحيوان من ~~بهائم وأنعام وطيور وسباع ووحوش وهوام وحشرات، وكان الكل يألف ~~الكل ويأنس له، فاستطاب القوم الجزيرة وما عليها، واتخذوها لهم ~~موطنا، وأخذوا يبنون ويعمرون وينشطون بحياتهم على نحو ما اعتادوا ~~في بلادهم أن يفعلوا، ولم تأخذهم عندئذ ريبة من أنفسهم، حين أرادوا ~~استخدام ما شاءوا أن يستخدموه من صنوف الحيوان، لكن هذا الحيوان الذي ~~لم يألف شيئا كهذا من قبل، هو الذي أفزعته هذه المصيبة التي نكب ~~بها من حيث لا يدري، وأراد التمرد، ولكن هيهات أن يترك الإنسان له ~~زماما بعد أن أمسكه بكلتا يديه. # فما هي إلا أن جمعت البهائم والأنعام زعماءها وخطباءها، وذهبت ~~إلى «بيراست الحكيم» - وكان ملك الجن - وشكت إليه ما لقيت من جور ~~بني آدم واعتقادهم فيها بأنها عبيد لهم، فبعث ملك الجن رسولا ~~إلى أولئك القوم ودعاهم إلى حضرته، فذهبت منهم طائفة تمثلهم، قال ~~لهم ملك الجن على لسان ترجمانه: ما الذي جاء بكم إلى بلادنا؟ # قال قائل منهم: دعانا ما سمعنا من فضائل الملك وعدله، وها نحن أولاء ~~بين يديكم لتحكم بيننا وبين عبيدنا الآبقين من صنوف البهائم ~~والأنعام. # قال الملك: بينوا ما تريدون. # قال زعيم الإنس: نقول إن هذه البهائم والأنعام عبيد لنا، ونحن ~~أربابها، لكننا نراها إما هاربة عاصية، وإما مطيعة وهي كارهة ~~منكرة لحقوقنا فيها. # قال الملك: وما حجتكم، ms151 يا معشر الإنس، فيما زعمتم لأنفسكم على ~~الحيوان من سلطان؟ # قال زعيم الإنس: لنا على ذلك دلائل شرعية سمعية، وأخرى عقلية ~~منطقية؟ .. وطفق الإنسي يقيم الحجة تلو الحجة، ويذكر من آيات ~~الله ما يؤيد دعواه؛ كقوله تعالى: # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ~~ومنها تأكلون ~~، وقوله: # وعليها وعلى الفلك تحملون ~~، وقوله: # والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها وزينة ~~. # فتوجه الملك بالسؤال إلى جماعة الحيوان قائلا: قد سمعتم، يا معشر ~~البهائم والأنعام، ما قال الإنسي من آيات القرآن مستدلا بها على ~~صدق دعواه، فماذا تقولون في ذلك؟ # فأناب الحيوان عنه البغل ليتكلم بلسانه، فقال: ليس في شيء مما قرأ ~~هذا الإنسي من آيات القرآن دليل على زعمهم بأنهم أرباب لنا، ~~وبأننا عبيد لهم، إنما هي آيات تذكرهم بما أنعم الله عليهم به؛ ~~قال لهم القرآن الكريم: # سخرناها ~~لكم ~~، كما جاء فيه في آيات متفرقة أن الله سخر لهم ~~الشمس والقمر والسحاب والرياح، أفترى أيها الملك أنها قد أصبحت ~~بذلك عبيدا للإنسان، وأن الناس قد أصبحوا أربابها؟! ألا إن الله ~~تعالى خلق كل ما في السموات والأرض وجعلها مسخرة بعضها لبعض؛ ~~جلبا للمنفعة ودفعا للخطر. # واستطرد البغل زعيم البهائم ليقول: أيها الملك، كنا وكان ~~آباؤنا سكان الأرض قبل خلق آدم أبي البشر، قاطنين في أرجائها، تذهب ~~وتجيء كل طائفة منا في بلاد الله طلبا للعيش، كل منا مقبل ~~على شأنه في مكان يوافق مآربه من برية أو أجمة أو جبل أو ساحل أو ~~تلال أو غياض أو رمال، آمنين في أوطاننا، معافين في أبداننا، ~~ومضت على ذلك الدهور والأزمان، حتى جاء بنو آدم، وانتشروا في الأرض، ~~برا وبحرا وسهلا وجبلا، وضيقوا علينا الأماكن والأوطان، ~~وأخذوا منا من أخذوا أسيرا، من الغنم والبقر والخيل والبغال والحمير، ~~وسخروها واستخدموها وأتعبوها بالكد والعناء في الأعمال الشاقة؛ من ~~الحمل والركوب والشد في الدواليب والطواحين، بالقهر والضرب والهوان ~~وألوان العذاب، فهرب منا من هرب في البراري والقفار، فشدوه ~~بالغل والقيد، والقنص والذبح والسلخ، وشق الأجواف وقطع المفاصل، ~~ونتف الريش ms152 وجز الشعر والوبر، ثم نار الوقد والطبخ والتشويه ، وأنواع ~~من العذاب لا يبلغ الوصف كنهها. # فسأل الملك زعماء الإنس (بعد أن حصن نفسه بأعوانه وجنده من قبائل ~~الجن): ماذا أنتم قائلون فيما تحكي هذه البهائم والأنعام من جور ~~وعدوان؟ # قال زعيم الإنس: إن لنا حججا عقلية تؤيد حقنا على هذه البهائم ~~في أن تكون عبيدا لنا، نتحكم فيها تحكم الأرباب، من ذلك ما أنعم ~~الله به علينا من صورة حسنة، وهيكل قويم، وحواس مدركة، ونفس ~~ذكية، وعقل راجح. # فسأل الملك زعيم البهائم ماذا ~~يقول في ذلك، فأجاب: إن الله جل ثناؤه ما خلقهم على تلك الصورة ~~لتدل على أنهم أرباب، ولا خلقنا على هذه الصورة لتدل على ~~أننا عبيد، لكنه تعالى فعل ذلك لعلمه أن تلك البنية أصلح ~~لهم، وهذه أصلح لنا، وبيان ذلك أن بني آدم عراة، بلا ريش على ~~أبدانهم، ولا وبر ولا صوف على جلودهم، يقيهم الحر والبرد، ولما ~~كانت أرزاقهم من ثمر الأشجار، ودثارهم من أوراقها، وكانت الأشجار ~~منتصبة في جو الهواء؛ خلقت قاماتهم منتصبة ليسهل عليهم تناول ~~الثمر والورق منها، وأما نحن، فلأن أرزاقنا من حشيش الأرض؛ فقد ~~جعلت أبداننا منحنية ليسهل علينا تناولها، وإذن فلا أحسن ولا أردأ ~~في هذا الاختلاف بيننا وبينهم، بل هي طبيعة العيش في كلتا الحالتين ~~وما تقتضيه. # فقال ملك الجن لزعيم البهائم: لكن ماذا تقول في قول الله عز وجل: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم ~~؟ # فقال الزعيم: الآية تعني أنه تعالى خلقه في تناسب تام مع ظروفه، ~~فلم يجعله طويلا دقيقا، ولا قصيرا لزيقا، بل جعله ما بين ذلك، ~~وكذلك الأمر معنا، فنحن من هذه الناحية سواء. # قال زعيم الإنس لزعيم البهائم: من أين لكم اعتدال القامة واستواء ~~البنية وتناسب الصورة، وقد نرى الجمل عظيم الجثة، طويل الرقبة، ~~صغير الأذنين، قصير الذنب، ونرى الفيل عظيم الخلقة، طويل ~~النابين، واسع الأذنين، صغير العينين؟ # فأجاب زعيم البهائم: ذهب عليك أيها الإنسي أحسنها، وخفي عليك ~~أحكمها! أما علمت أنك لما عبت ms153 المصنوع فقد عبت ~~الصانع؟ # إنه إذا كان ما زعمت لبني جنسك من حسن الصورة شيئا مرغوبا فيه ~~لتنجذب ذكوركم إلى إناثكم، وإناثكم إلى ذكوركم؛ فلنا كذلك ما ينتج ~~هذا التجاذب من ذكورنا وإناثنا، وأما عن جودة حواسكم ودقة ~~تمييزكم، فليس ذلك بما تنفردون به من دون الحيوان؛ ففي الحيوان ما هو ~~أدق منكم حاسة وتمييزا؛ فالجمل يرى موضع قدميه في أوعر الطرقات ~~برغم ظلمة الليل، والجواد يسمع وطء السائر من بعد في سواد الليل، ~~حتى لقد يوقظ صاحبه من نومه بركضة رجله حذرا عليه من عدو هاجم، ~~وأما الذي ذكرته من رجحان العقل؛ فلسنا نرى لذلك أثرا بأشياء ~~ليست من صنعكم، فالعقلاء إنما يفتخرون بأشياء هم صانعوها. # ولقد طلب البغل من طوائف الحيوان أن تتكلم كل طائفة عن نفسها، ~~فتكلم الحمار، والثور، والكبش، والجمل، والخنزير. # وهكذا لبث الحوار قائما وممتعا، حتى إذا ما فرغ الفريقان من هجوم ~~ودفاع، وبذل كل منهما في الأمر جهد طاقته، استشار ملك الجن ~~أعوانه، فكاد الرأي بينهم جميعا يلتقي عند فكرة رأوها عادلة، وهي ~~أن الحيوان صاحب حق، وأن بني آدم جائرون بما بين أيديهم من بهائم ~~وأنعام؛ ولذلك أصدروا نصحهم لصنوف الحيوان الأسيرة أن تهرب كلها من ~~قبضة الإنسان دفعة واحدة، وفي ليلة واحدة، وتبعد عن ديار بني آدم ~~لتتحرر من ظلمهم، كما فعلت حمر الوحش والغزلان والسباع، لكن شيخ ~~حكماء الجن أسر في أذن الرئيس أن ذلك الفرار قد يكون أمرا ~~محالا؛ لأن الآدميين يقيدون ما في حوزتهم أثناء الليل، ~~ويغلقون دونه الأبواب، فاقترح أحد الأعضاء على الرئيس أن يبعث ~~بقبائل من الجن لتفتح الأبواب المغلقة، وتفك القيود عن البهائم، ~~وتخبل الحراس حتى تبعد البهائم عن منطقة الخطر وتنجو ~~بحياتها. # هذه خلاصة ما أورده إخوان الصفا في رسائلهم، ولمن شاء التفصيل ~~المستفيض أن يرجع إلى الجزء الثاني من تلك الرسائل. # ولست أعلم ماذا يطوف برأس القارئ بعد قراءة هذا الحوار! أما أنا ~~فقد أبى علي خيالي إلا أن أترجم صنوف الحيوان إلى طوائف ms154 من ~~البشر أنفسهم، حاق بهم الظلم على أيدي قلة من ذويهم آلت إليهم قوة ~~وجاه عريض وحكم نافذ، فكان لهم ما أرادوا ولم يتركوا لسواهم الأمل ~~في إرادة، ولقد استرعى انتباهي في أثناء قراءتي للنص الأصلي عبارة ~~رجحت بها أن يكون لهذا الحوار مغزاه البعيد في الحياة السياسية ~~التي أحاطت بإخوان الصفا في عصرهم - وعصرهم هو القرن العاشر الميلادي ~~- وذلك أن الكاتب حين أقام خطيبا من الإنس ليدافع عن حقوق بني ~~جنسه، أفلتت منه هذه الإشارة الدالة: «فقام الخطيب من الإنس، من ~~أولاد العباس، ورقي المنبر وخطب الخطبة، وقال ...» إذن فالأمر هو ما ~~بين الحاكمين من أولاد العباس والمحكومين ممن كانت لهم ظلامة، وبقي ~~على المؤرخين أن يبينوا لنا إلى أي الطوائف من سواد الناس رمز ~~المؤلف - أو المؤلفون - بالبغل والحمار والثور والجمل والخنزير؛ ~~فلكل منها شكاته الخاصة، فوق الشكوى العامة، وإذا صدق هذا الفهم ~~لقول إخوان الصفا؛ إذن فقد كان ما قالوه نموذجا جميلا من ثورة الفكر ~~التي نريدها. # أما النموذج الثاني الذي ~~اخترته لثورة الفكر، فهو من صنف يختلف عن الأول اختلافا بعيدا، ~~وقد اخترته من أوروبا في عصر جاء بعد إخوان الصفا بأربعة قرون، وإذا ~~كان موضع الثورة الأولى تفاوت الناس في الأقدار، فموضع الثورة ~~الثانية هو أفكار ينسجها الناس بأوهامهم ثم لا يلبثون أن يقحموها ~~على الواقع كأنها جزء منه، فتزيغ أبصارهم وتضل خطاهم على طريق ~~الحياة، وأما قطب هذه الثورة الثانية فهو وليم الأوكامي. # نحن في أوروبا إبان القرن الرابع عشر، على مبعدة قرن أو قرنين ~~من حركة النهوض التي استيقظت بها أوروبا، ثم تبعها في اليقظة سائر ~~أقطار الأرض على فترات متعاقبات ربما طالت هنا وقصرت هناك؟ كان ~~البناء الفكري الثقافي كله قد تزعزعت أركانه وخارت قواه؛ ~~انعكاسا لتدهور الحياة بشتى مقوماتها إذ ذاك، وكأنما إذا أراد الله ~~لنظام فاسد أن يزول؛ أحاطه بما ينخر في عظامه، فلقد تكاثرت على ~~أوروبا عندئذ عوامل الضعف: رجال الدين لم يعودوا يحافظون على الدين ~~إلا في قشوره ms155 دون اللباب، وفي شعائره دون المحتوى، وما يسمى في ~~التاريخ بحرب مائة العام، ثم وباء الطاعون الذي يرد ذكره في الكتب ~~باسم «الموت الأسود»، فماذا يتخلف عن جو كهذا سوى اضطراب القيم ~~وفوضى الأخلاق، وجدب الفاعلية العقلية، ونكسة تصيب الإنسان في ~~ثقته بعقله، وتقذف به إلى دنيا الخرافة؟! # وفي هذا الجو نشأ وليم ~~الأوكامي # William Of occam ~~- نسبة إلى قرية إنجليزية تسمى أوكام - ~~ولقد تعلم وليم في كيمبردج وأكسفورد معا، وقام بالتدريس في هذه ~~الأخيرة، وأي تدريس! كان هنالك كتاب تقليدي صنفه بطرس لمبارد في ~~أوائل القرن الثاني عشر، يقع في أربعة أجزاء، وعنوانه «مأثورات»، ~~ويحتوي على مجموعة مختارة مما قاله آباء الكنيسة الأولون. # وكان العرف قد جرى في الجامعات الأوروبية أن يبدأ المدرس الناشئ في ~~الجامعة، بأن تدور محاضراته حول مادة هذا الكتاب، ويكفينا لكي نعلم ~~أهمية هذا الكتاب أن نذكر ما قاله عنه «روجر بيكون»، إذ قال: إن ~~الجامعة في باريس تدرس هذا الكتاب أكثر مما تدرس الكتاب ~~المقدس. # بدأ الأوكامي محاضراته بهذا الكتاب جريا مع العرف، لكنه لم يلبث ~~أن انحرف، فيما يلقيه على طلابه، عن مألوف الطريق انحرافا خطيرا، ~~من ذلك أنه أخذ يغلف محاضراته بمبادئ المذهب التجريبي، وهو مذهب ~~يجعل هذه الدنيا مصدرا للعلم؛ ولذلك فهو مثير للفزع عند رجال اللاهوت ~~الذين لا يرضون بديلا عن الكتاب المقدس مصدرا لكل علم حقيقي ~~جدير بعناية الإنسان. وشاع في الأوساط الدينية ما انحرف به الأوكامي عن ~~الخط المألوف، فاستدعاه البابا في مقره عندئذ بمدينة أفنيون بفرنسا، ~~ليحاكمه على زندقته تلك، ولكن محاكميه أرجئوا إصدار الحكم عليه، ~~وسجنوه في دير لطائفة الفرنسسكان بأفنيون، حيث لبث بضع سنين، لكنه ~~هرب آخر الأمر من سجنه، ولاذ بالإمبراطور لويس في بافاريا - وكان ~~معاديا للسلطة الدينية القائمة ويسعى إلى تبديلها - فكان ذلك من ~~الأوكامي بمنزلة الخروج على البابا وعصيانه. # وشاءت له الأيام أن يخذله الإمبراطور، بمعنى أن هذا الإمبراطور قد ~~عاد واستسلم في خشوع ذليل للبابا ليستعيد رضاه، وأما المفكر ~~الثائر - وليم ms156 الأوكامي - فقد مضى قدما في ثورته، يخرج الرسالة ~~تلو الرسالة، دفاعا عن «الفرد» وحقه في أن يستقل برأيه، وضرورة ~~أن يصبح «الفرد» - لا الجماعة التي تحتويه - هو محور الاهتمام، أليس ~~«الفرد» مسئولا أمام نفسه وأمام خالقه وأمام الناس عما يفعل؟ إذن ~~فالحكم على الدولة نفسها إنما ينبثق من حصيلة المواقف الخلقية التي ~~يقفها المواطنون أفرادا قبل أن يكونوا جماعات. # غير أن هذا وسواه من الأفكار التي أذاعها الأوكامي عندئذ في ~~نشراته التي أمطر بها القارئين، إنما جاءت كلها تفريعات عن موقف ~~له أساسي في فلسفة المعرفة، هو الذي اشتهر به في تاريخ الفلسفة، وهو ~~الذي بقيت منه بقية لها المكانة البارزة في فلسفة بعض معاصرينا ~~اليوم، ومن هؤلاء برتراند رسل، وهي ما يسمونه «نصل أوكام» # Occams Razor ~~، الذي سنتولاه ~~بالشرح فيما بعد. # جاء الأوكامي في مناخ فكري عجيب؛ فالبابا يأمر أسقف باريس - مثلا ~~- أن يراجع كل ما يدرس في جامعة باريس، ليستخرج منها ما هو مخالف ~~للدين في رأيه، فأخرج له الأسقف أكثر من مائتي رسالة علمية ~~يتداولها الدارسون، وكان بين ما صادره: كل رسالة يرد فيها - من قريب ~~أو من بعيد - أن البدن (أي الحواس من بصر وسمع ... إلخ) يشارك في ~~تحصيل العلم، ويتدخل في العمليات العقلية بأي وجه من الوجوه، من ~~أين - إذن - يعرف الإنسان ما يعرفه عن العالم الذي حوله؟! إنه يعرفه ~~بإدراكاته الباطنية التي تهتدي بالنور الإلهي؛ فلا شأن للإنسان ~~بالأشياء نفسها ليعرفها، بل عليه أن ينتظر الإلهام الرباني يلمع ~~بالنور في دخيلة نفسه فيعرفها. وأكثر الناس اعتدالا في ذلك الحين هم ~~الذين قالوا: لنقسم المعرفة قسمين؛ قسم منها يأتي من تجربة ~~الحواس للأشياء، وهي معرفة لا قيمة لها، وقسم آخر يأتي عن طريق ~~الإلهام أو ما يشبهه، وهذا هو الجدير باهتمام الإنسان. # في هذا المناخ الفكري نشأ الأوكامي، فكانت ثورته التي أردنا عرضها ~~في هذا المقال، ومحور فكرته الثائرة هو هذا المبدأ الذي اصطنعه ~~وسماه ب «النصل» أو «الموسى» الذي أراد أن يجز به كل ms157 فكرة ~~يثبت ألا ضرورة لافتراضها في تفسيرنا للعالم وظواهره، ومن ثم ~~نشأت قاعدة «الاقتصاد في الفروض» التي يأخذ بها القائمون بالبحوث ~~العلمية أساسا منهجيا معترفا به، وكان لها تطبيق خاص عند برتراند ~~رسل كما أسلفنا. # لست أدري كم يعلم القارئ من نظرية «المثل» الأفلاطونية؛ إذ لا ~~بد من الإلمام بطرف منها لنفهم موقف الأوكامي و«نصله» ذاك؛ ~~لأن الأوكامي قد ظهر والنظرية الأفلاطونية هذه معقود لها السيادة ~~بين رجال الفكر، وخلاصتها أن أفراد النوع الواحد، كأفراد الناس ~~وأفراد الشجر وأفراد الطير ... إلخ، إنما خلقت على غرار نموذج عقلي ~~سابق على الوجود المادي كله؛ أي إننا لو تصورنا أن هذا الوجود ~~المادي كله قد انمحى، أو أنه لم يخلق أصلا، فتلك النماذج ~~العقلية تظل هناك قائمة كما تقوم الكائنات الروحية كلها، فإذا ~~أردنا الحكم على شيء ما بالجودة أو الرداءة، نظرنا: إلى أي حد يقترب ~~ذلك الشيء من النموذج الأزلي الأبدي الروحاني القائم قبل الوجود ~~المادي وخلاله وبعده، إذا كان لهذا الوجود المادي قبل ~~وبعد. # فها هنا يحتج الأوكامي مستخدما «نصله البتار»، فكأنه يسأل: ~~أإذا أردت معرفة هذه الشجرة أو هذا الطائر، فأخذت في تحليل خصائصه ~~وطريقة تكوينه وما إلى ذلك، حتى لا يبقى من تلك الخصائص والطبائع شيء، ~~فهل أزداد علما بالشجرة التي أحللها أو بالطائر الذي أفحصه إذا أنا ~~أضفت زعما يقول إن هنالك فيما وراء السماء نموذجا لا ماديا ~~للشجرة أو للطائر؟! إذا كانت الإجابة بالنفي، إذن فلا مناص من ~~«بتر» هذه الزائدة من عملية العلم بالشجرة أو بالطائر. # والنص الحرفي لمبدأ «النصل» الأوكامي هو: «لمضيعة للوقت أن نستخدم ~~أسسا كثيرة للتعليل والعلم بشيء معين إذا كانت تكفينا الأسس ~~القليلة»، «ولا يجوز أن نفترض وجود عدة عناصر (في الكائن الذي نريد ~~الإلمام بحقيقته) إلا إذا لم يكن لنا بد من افتراض وجودها.» # انظر كيف يتعلم الطفل ما يتعلمه منذ شهوره الأولى، إنه يرى ~~مقعدا، فنلفظ له نحن بكلمة «كرسي» وتتكرر هذه العملية، فيرتبط الشيء ~~عنده باسمه، ويكون بذلك قد ms158 «عرف» هذا الجزء من عالمه المحيط به، ~~ولنلحظ هنا جيدا أنه ليس هنالك في هذه الحالة إلا طرفان: المقعد ~~في دنيا الأشياء، ولفظ الكرسي في دنيا اللغة، ومعنى ذلك أن المعرفة ~~كلها ترتد إلى ألفاظ وطريقة استخدامها وتركيبها لتجيء دالة على ~~دنيا الأشياء، وأما ما عدا ذلك فليس له عند الأوكامي إلا «النصل» ~~أو «الموسى» يبتره به بترا؛ لأنه زوائد لا تزيدنا من العلم ~~بالأشياء، أو قل إنه وهم خلقه الإنسان لنفسه فأحدث لها الربكة ~~بغير داع، ومن هذا القبيل نفسه ما كان يفرضه الفلاسفة دائما، وهو ~~أن لكل شيء «جوهرا» مطويا خلف ظواهره، وأن معرفة أي شيء ~~معرفة صحيحة إنما تكون بمعرفة ذلك الجوهر الخبيء، لا بالوقوف عند ~~الظواهر البادية، فيجيء النصل الأوكامي ليبتر هذا «الجوهر» إذا وجدنا ~~أن معرفتنا بظاهر الشيء قد أتاحت لنا العلم به. # وخلاصة الموقف الجديد هي أن الحواس وحدها - السمع والبصر واللمس ~~وغيرها - هي وسيلتنا الوحيدة للعلم بالعالم، فإذا رأيتنا نأخذ ~~بالقبول بعض القضايا العامة المجردة، التي قد لا تظهر العلاقة ~~بينها وبين دنيا المحسوسات علاقة مباشرة، فاعلم أننا نستطيع ~~بالتحليل أن نردها خطوة خطوة حتى نرتد إلى أصولها بين الأشياء ~~المحسوسة، وإلا لحكمنا عليها بالبطلان. # وذلك هو لباب الثورة الفكرية التي أثارها وليم الأوكامي في أواسط ~~القرن الرابع عشر، فجاءت من البشائر التي آذنت بقيام نهضة عقلية ~~علمية في أوروبا، هي التي ننعم اليوم بآثارها. # أما بعد؛ فلقد اخترت للقارئ هذين النموذجين لثورة الفكر عامدا، ~~فانظر إلى العربي المعاصر واسأل: ماذا أصابه من جوانب الضعف حتى صار ~~إلى ما صار إليه من سلبية واسترخاء، برغم ما قد يدعيه لنفسه فيما ~~يقول وما يكتب؛ لأنك تعرف حقيقة الإنسان من سلوكه وطرائق سعيه، لا ~~مما يخطب به فوق المنابر أو ما تجري به الأقلام في أنهر الصحف من ~~مقالات وقصائد! لا أعلم بماذا يجيء جوابك، لكنني أجيب فأقول: إن علل ~~الضعف كثيرة؛ من بينها اثنتان بارزتان، إحداهما ما بين أفراد الناس من ~~تفاوت في ممارسة ms159 الحقوق والواجبات، والأخرى مجاوزة الواقع إلى ما ~~يخلقه الناس عن ذلك الواقع من أوهام، فكان من شأن الضعف الأول أن ~~أهدرت كرامة البشر، وبالتالي غيض في أنفسهم معين الابتكار ~~والخلق، وكان من شأن الضعف الثاني أن اهتزت صورة العالم الطبيعي في ~~أعيننا، وبالتالي سدت المصادر الحقيقية التي تنشأ عنها العلوم، ~~فاستعرنا من تاريخ الفكر الإنساني ثورتين: أولاهما من إخوان الصفا، ~~نعالج بها العلة الأولى، وثانيتهما من وليم الأوكامي، نعالج بها ~~العلة الثانية، وقصارى الكاتب أن يكتب، وليس في وسعه أن تنفتح له ~~الأبصار والأسماع والقلوب. # | الحضارة وقضية التقدم والتخلف # 1 # لطالما تعرض هذا الكاتب لهجمات الناقدين، طوال الخمسة والعشرين ~~عاما الماضية (وأعني بها الخمسينيات والستينيات ونصف السبعينيات)، ~~لماذا؟ لأنه ما فتئ خلال تلك الفترة ينادي بكل ما في إرادته من ~~إصرار، وبكل ما لقلمه من صرير، ما فتئ ينادي بأن نلجم شهوة ~~الحديث فينا بشكائم الدقة والتحديد؛ لعله يتاح للمتكلم والسامع، ~~أو الكاتب والقارئ، أن ينتهي بهما الحديث أو الكتابة إلى اتفاق ~~على رأي واحد، فيسلكوه في تيار الحياة الجارية عملا وسلوكا؛ ذلك ~~لأنه مما يلاحظ، حتى للعين العابرة، أن أحاديثنا وكتاباتنا ~~كثيرا ما تتخبط في أبحر ظلمات المعاني الغامضة، كأننا جماعة ~~من الصم، يتحدث بعضنا إلى بعض دون أن يستمع أحد إلى أحد. # نعم، ما فتئ هذا الكاتب طوال هذه الأعوام يتعرض لهجمات ~~الناقدين؛ لأنه رفع الصوت، وما يزال يرفعه في عصبية المخلص ~~لدعوته، بأن تراعى - عند الحديث والكتابة - دقة التحديد في ضبط ~~المعاني التي نجريها على الألسنة والأقلام، ما دام الموضوع ~~المطروح يتسم بجدية العلم، ويمس حياتنا في أسسها وأركانها؛ ~~إذن ففيم كانت هجمات النقد إذا كان هذا هو هدف الدعوة ولبها؟ ~~والجواب هو أن علتها تكمن في رغبتنا الجامحة نحو أن تنساب ~~من أفواهنا وأقلامنا خيوط اللفظ، لا نكاد نطلب منها إلا حلاوة ~~جرسها في الأسماع، أما من أراد أن يقف بنا عند هذه اللفظة، أو ~~عند تلك العبارة، سائلا ومدققا في المعنى المقصود، فجزاؤه عندنا ~~هو ms160 الإهمال، وإنه لمجدود لو اكتفى منا بإهماله، دون أن نكيل ~~له مع الإهمال صاعا من الشتائم أو صاعين. # فإذا كانت الدعوة إلى الدقة في تحديد المعاني هي أهم الهموم ~~التي يحملها هذا الكاتب طوال ربع قرن مضى؛ أفلا يكون من أوجب ~~واجباته على نفسه أن يتوخى هو مثل هذه الدقة التي يدعو الناس ~~إليها؟! وموضوع حديثنا هذا هو عن «الحضارة» لنرى بعد ذلك موقفنا من ~~حضارة عصرنا، أين نكون على درجات السلم، صعودا أو هبوطا، ~~فحتم علينا - إذن - أن نحدد معنى الحضارة بصفة عامة وشاملة؛ ~~لنستطيع بعدئذ أن نضيق دائرة الحديث لتنحصر في حضارة العصر ~~وما يميزها دون سائر الحضارات التي شهدتها العصور السالفة، فإذا ~~استطعنا ذلك في دقة ووضوح، كان الحكم على موقف الأمة العربية في ~~مرحلتها الراهنة أمرا ميسرا لا عسر فيه. # ولكننا ما إن نهم بمثل ~~هذا التحديد لمعنى «الحضارة» حتى نغوص في بحر متلاطم الموج؛ ~~لكثرة ما يعترضنا من آراء تختلف إلى حد التناقض بين رأي ورأي، ~~ذلك فضلا عما في تحديد أمثال هذه المعاني العامة من صعوبة ~~شديدة حتى لو لم يكن اختلاف الرأي فيها بعيد المدى؛ فقد تكون ~~الكلمة واضحة حين تجري في سياقها، لكنك إذا عزلتها وحدها، ~~ووضعتها في مخبار التحليل والفحص، ألفيتها تقاوم وتروغ حتى ~~ليستعصي عليك أن تمسك بأطرافها، فكأنما اللفظة من هذه الألفاظ ~~العامة كائن حي بالمعنى الحقيقي لهذه العبارة، تنصاع لفهمك إذا ~~جعلتها جزءا من عبارة، لكن اجعلها وحيدة وحاول أن تمسكها من ~~جناحيها؛ تتمرد عليك وتنتقم، كانت وهي مسوقة في عبارة، ~~وسيلة تتعاون مع غيرها على أداء معنى، أما وقد جعلتها غاية في ~~ذاتها، تريد اختبارها هي، فما أسرع أن تنقلب بين يديك لغزا ~~غامضا، وأن تتخذ لنفسها أعماقا وأبعادا، لم تتكن تتوقعها في ~~بداية الطريق! وهذا هو الشاعر الفرنسي بول فاليري يحدثنا في ذلك، ~~فيشبه اللفظة وهي تؤدي معناها داخل عبارة تضمها مع غيرها، ~~بلوح من الخشب الرقيق، وضع على خندق ليعبر عليه العابرون، فلا ~~بأس هناك ms161 إذا جرى عليه العابر خفيفا سريعا، أما إذا وقف ~~العابر عليه ليختبر قوته ، وراح يقفز بكل ثقله؛ فإن اللوح ~~الخشبي لا يلبث أن ينكسر تحت قدميه. # لكننا، برغم هذا النصح من بول فاليري، لن نمر على كلمة ~~«حضارة» خفافا سراعا، وسنقفز عليها ونقفز حتى تتهشم؛ لنرى ~~أجزاءها جلية أمام أبصارنا. # 2 # نريد تعريفا للحضارة يحدد لنا الخصيصة الواحدة، أو مجموعة ~~الخصائص التي لا بد من ظهورها في كل حالة حضارية، كما لا ~~بد من اختفائها في كل حالة بدائية؛ لأنه إذا كانت الصفة أو ~~الصفات التي نقع عليها ماثلة في المتحضر وغير المتحضر على ~~سواء، إذن فهي ليست من التعريف الذي ننشده، مثلا إذا عن لنا ~~أن نذكر الفن أو الأدب ليكونا تعريفا للحضارة، وقعنا في الخطأ ~~الذي أحذر منه؛ لأنه ما دام الفن والأدب - كائنا ما كان ~~نوعهما - موجودين في كل جماعة بشرية، أيا ما كان حظها من ~~الحضارة؛ إذن فهما عنصران ضروريان، لكنهما وحدهما لا يكفيان ~~للتعريف؛ فالشرط الأساسي الذي لا بد من توافره في أي تعريف ~~كامل، هو أن نذكر الصفات الضرورية والكافية معا، فالبصر ضروري ~~للإنسان، ولكنه لا يكفي لتعريفه، وإذن فلا يجوز أن نعرف ~~الإنسان بأنه الكائن المبصر، وهكذا الحضارة لا يجوز تعريفها ~~بأنها الحياة التي تحتوي على فن وأدب، برغم أن الفن والأدب ~~عنصران ضروريان لا تخلو منهما حضارة. # فما هي الصفة - إذن - التي تجمع إلى كونها ضرورية للحضارة أن ~~تكون كذلك كافية لتعريفها؟ وهي إنما تكون كافية إذا امتنع ~~ظهورها من كل حياة أخرى مما يتفق الناس على أنها ليست في ~~عداد الحضارات. # ولقد قلت: «مما يتفق عليه الناس» عن وعي وعن عمد؛ لأنه لا ~~سبيل أمامنا في تعريف الحضارة، إلا أن نبدأ بأمثلة من عصور، أجمع ~~العرف على أنها فترات ذات حضارة رفيعة؛ لكي نستخلص من هذه ~~الأمثلة الواقعية التي شهدها التاريخ، والتي أقرها الخبراء في ~~ميادين الثقافة، صفتها المشتركة التي تظهر فيها جميعا، ثم نستوثق ~~من أنها صفة لا تظهر في ms162 غيرها، وسوف أغض النظر هنا عن سؤال ~~يثيره الباحثون، وهو: هل الحضارة صفة تصف عصورا وجماعات، أو هي ~~صفة تصف الأفراد أولا ومن مجموعة الأفراد المتحضرين تتكون ~~حضارة معينة في عصر معين؟ سأغض النظر عن هذا السؤال لسبب ~~بسيط؛ هو أن خبراء الرأي أقرب إلى الاتفاق عندما ينصب الحكم ~~على جماعة بأسرها، أو على عصر بأكمله، منهم إلى الاتفاق عندما ~~ينصب الحكم على هذا الفرد أو ذاك. # فأي الجماعات، أو أي العصور يمكن إجماع الرأي عليها بأنها ~~نماذج للحياة المتحضرة حضارة رفيعة؟ نستطيع الاكتفاء بأربعة ~~أمثلة لا أظن أحدا يجادل في رفعة حضارتها، وهي: أثينا في عهد ~~بركليز، في القرن الخامس قبل الميلاد، بغداد في عهد المأمون، في ~~القرن التاسع، فلورنسة في القرن الخامس عشر، باريس في عصر ~~التنوير، إبان القرن الثامن عشر. # فما هو القاسم المشترك بين هذه الحضارات الأربع؟ إنه يقينا ~~ليس الأجهزة الآلية؛ لأن هذه الحضارات جميعا قد خلت منها؛ إذ ~~إن أوانها لم يكن قد آن بعد؛ ما يدل على أن الحضارة - من حيث ~~هي حضارة وكفى غير مقيدة بعصر معين - تستطيع أن تقوم بغير ~~الآلة كما تفهم في عصرنا، كلا، ولا كان القاسم المشترك بين ~~الأمثلة الأربعة التي اخترناها نماذج للحضارة في اكتمالها، هو ~~الفن أو الأدب أو غيرهما من وسائل الحياة الوجدانية؛ لأن ما ~~تجده من هذه العناصر في واحدة من تلك الحضارات قد لا تجده في ~~الأخرى، فضلا عن أن هذه العناصر جميعا قد تتوافر في شعوب وفي ~~عصور لم نتفق على أنها موسومة بحضارة تذكر؛ ففي قلب الأدغال ~~البدائية ربما رأيت من العقائد ومن الفنون نحتا وتصويرا وغناء ~~ما يستحق التقدير في ذاته، لكنه وحده لم يستطع أن يقيم حضارة ~~يسجلها لها التاريخ، لا، ولا القاسم المشترك هو القدرة العسكرية، ~~وإلا وضعنا جنكيزخان وهولاكو في طليعة المتحضرين، وعددنا ~~قبائل التتار أكثر حضارة من الشعوب التي اجتاحتها تلك القبائل، ~~ولا النظم السياسية هي ذلك القاسم المشترك الذي نبحث عنه؛ فقد كانت ~~أثينا بركليز ms163 أولجاركية الحكم، وكانت بغداد المأمون يحكمها خليفة، ~~وكانت السيطرة في فلورنسة لأسرة مديتشي، وكانت تحكم باريس التنوير ~~ملكية مطلقة. # ولكن القاسم المشترك الذي تراه في تلك النماذج الأربعة جميعا، ~~كما نراه في كل نموذج حضاري تختاره بعد ذلك، ولا نراه في أي شعب ~~أو عصر منعوت بالبدائية والتخلف، هو الاحتكام إلى العقل في قبول ~~ما يقبله الناس، وفي رفض ما يرفضونه، هذا الاحتكام إلى مقاييس ~~العقل وحده قد يتبدى في صور تختلف باختلاف العصور، فربما ظهر ~~في مجال السياسة، أو في مجال الحرب، أو في مجال التشريع، أو في ~~مجال العلوم الطبيعية، لكن هذه المجالات المختلفة إن هي إلا ~~تطبيقات مختلفة لمبدأ واحد، هو أن يكون الحكم للمنطق العقلي وحده ~~دون سواه، فهذه العقلانية في وجهة النظر هي التي تراها ماثلة في ~~كل حضارة مهما اختلف لونها، ولا تراها في أي جماعة بدائية مهما ~~تعددت بعد ذلك صفاتها، وليس هذا الذي نسميه علما إلا ~~عقلانية اتخذت لها منحى معينا من مناحيها الكثيرة؛ فلربما ~~اتجهت النظرة العقلية تلك نحو الأفكار المجردة تنظمها وتنسقها ~~في ترتيب هرمي يضع الأعم منها فوق الأخص، كما حدث لليونان ~~الأقدمين، أو ربما اتجهت نحو تحليل ما نزل به الوحي من تشريع، ~~كما حدث للعرب الأولين، أو اتجهت نحو ظواهر الطبيعة تستخرج ~~قوانينها النظرية، كما حدث لأوروبا في عصورها الحديثة، أو اتجهت ~~نحو تجسيد تلك القوانين العلمية النظرية في أجهزة يديرها ~~الإنسان، أو تدير نفسها بنفسها، كما يحدث لعصرنا القائم. # 3 # عند هذا المنحنى من سياق الحديث، ينبغي الوقوف لحظة قصيرة ~~نتساءل فيها عن المعنى المحدد الواضح لكلمة «عقل»، ما دمنا قد ~~جعلنا الاحتكام إلى العقل أساسا تقام عليه الحضارات حيثما ~~قامت، وبغيابه تنعدم الحضارة كلما انعدمت، فما هذا الذي نسميه ~~«عقلا»؟ هو ببساطة شديدة ذلك النمط من أنماط السلوك الذي ~~يتبدى عندما نحاول رسم الطريق المؤدية إلى هدف أردنا بلوغه؛ ~~فليس الهدف المختار في ذاته «عقلا»؛ لأنه وليد الرغبة وحدها، ~~وليست النقطة التي أبدأ منها السير ms164 على الطريق «عقلا»؛ لأنها ~~مبدأ مفروض، أما «العقل» بمعناه الدقيق فهو ببساطة شديدة - كما ~~قلت - رسم الخطوات الواصلة بين هذا المبدأ المفروض من جهة، وذلك ~~الهدف المطلوب من جهة أخرى. فافرض مثلا أن أمة أرادت الحرية ~~لأبنائها؛ إذن فهذه الحرية المنشودة هي الهدف المقصود، والفاعلية ~~العقلية في هذه الحالة هي في دقة التصوير لما ينبغي أن يتخذ من ~~وسائل لتحقيق ذلك الهدف، وبمقدار ما يكون لتصور الوسيلة من دقة ~~تمكن الناس من السير على هداها فلا ينحرف بهم الطريق؛ ~~يكون لدينا من قدرة عقلية في هذا المجال. # وننظر الآن إلى أثينا بركليز، وبغداد المأمون، وفلورنسة آل ~~مديتشي، وباريس فولتير، فلا نخطئ فيها جميعا هذه الصفة البارزة؛ ~~هي أن قبول الأشياء ورفضها لم يكن قائما على عواطف الحب ~~والكراهية، والرضى والسخط، ولا كان قائما على التقاليد الموروثة ~~قياما أعمى، بل كان القبول والرفض قائمين - على وجه التعميم ~~الذي قد يشذ هنا أو هناك - كانا قائمين على حكم العقل ~~ومنطقه، فكأنما الناس يسألون عند كل وقفة يقفونها من موضوع ~~مطروح: هل الخطوة الفلانية إذا خطوناها أبلغتنا إلى ~~الأهداف؟ # وإن عقلانية كهذه في النظر إلى أمور الحياة والثقافة معا، ~~لتستتبع صفات فرعية كثيرة، تنتج عنها كما تنتج الثمرات من ~~شجراتها، ومن أول هذه النتائج النابعة من ذلك المبدأ العقلاني، ~~أن تتخذ الأشياء نسبها الصحيحة بعضها من بعض، فيبدو الكبير ~~كبيرا كما هو، والتافه تافها كما هو؛ فقد تهتم الدولة ~~المتحضرة بمسألة علمية تريد لها أن تستقر في الناس، ولكنها ~~تغضي عن توافه السلوك التي ربما اختارها هذا الرجل أو ذاك ~~طريقة لحياته الخاصة، مع أنك إذا نظرت إلى جماعة غاب عنها ~~العقل واستبدت بها النزوة في أحكامها؛ فقد تراها وهي تقيم ~~الدنيا ثم لا تقعدها، تجاه سلوك خاص اصطنعه خالد أو زيد في ~~حياته الخاصة، بينما تعشى عينها عن رؤية تيار بأسره في دنيا ~~العلوم أو الفنون. # ومن النتائج التي تترتب على الوقفة العاقلة كذلك، إيثار الآجل ~~على العاجل، إذا كان في العاجل ms165 خير قليل قد يعقبه شر كثير، أو ~~كان في الآجل خير كثير قد يسبقه شيء من ألم التضحية. # ومن أبرز جوانب النظرة العقلانية أن ترد الظواهر إلى أسبابها ~~الطبيعية؛ فلا يفسر المرض - مثلا - إلا بالجراثيم التي ~~أحدثته، ولا يعلل سقوط المطر إلا بظروف المناخ ... وهكذا، ~~ويترتب على هذا الربط السببي الصحيح أن نلتمس للأشياء ~~أسبابها الطبيعية كذلك، فإذا أردنا غلالا زرعنا لنحصدها، ~~وإذا أردنا قتالا حملنا له السلاح بمران واقتدار. # النظرة العقلانية تنظر إلى الواقع كما هو واقع، لتحوره إلى ~~واقع جديد إذا أرادت، دون أن تقيم بينها وبين الواقع حائلا تنسجه ~~الأوهام، ثم سرعان ما ننسى أنه أوهام، فإذا كان البدائي يخلق ~~لنفسه الخرافة لينظر بمنظارها إلى وقائع الدنيا، فإن المتحضر ~~هو الذي يواجه تلك الوقائع كما تبدو لبصره وسمعه، وبغير هذه ~~الرؤية العارية المباشرة، كان يتعذر عليه أن يلجم الطبيعية ~~ليسير وقائعها حيث أراد لها أن تسير. # على أن أبرز ما تتميز به النظرة العقلية إلى الكون؛ هو حب ~~الإنسان للمعرفة، حيث يلم بأسرار البيت الذي هو ساكنه؛ ~~فالعقلاني في نظرته ذو نهم نحو معرفة الحقائق والطبائع والعلل، ~~لا يصده عن ذلك شيء من التحريم الذي يفرضه البدائيون على ~~أنفسهم، من منا لا يذكر الحكايات التي كانت تحكى لنا ونحن ~~صغار، عن القصر ذي الغرف الكثيرة، الذي يستباح الدخول في غرفه ~~كلها إلا غرفة واحدة محرمة؟ ذلك هو الإنسان إذا ترك ~~لفطرته: يتهيب نزع الستائر عن حقائق الأشياء، وحتى إذا جاز ~~لنفسه أن ينزع بعضها، أوجب على نفسه أن يترك بعضها الآخر ~~مسدولا على كوامنه، إلا من جعل السيادة لعقله، فذلك هو ~~بروميثيوس - في أساطير اليونان - الذي نزع الشعلة من أيدي الآلهة ~~ليضيء بها أركان الأرض فلا يترك منها ركنا خافيا في عتمة ~~الظلام؛ هكذا كانت أثينا حين أمسكت بقبس النور لتتفحص الدنيا ~~على ضيائه، وهكذا كانت بغداد المأمون حين أخذت تعب معارف ~~الأولين عبا لم يكد يفرق بين شراب وشراب؛ فكل شراب من ~~مورد العلم عندها سائغ، ms166 وهكذا كان عصر النهضة وعصر التنوير في ~~أوروبا. # 4 # سلطان العقل - إذن - هو مدار القياس لدرجات الحضارة؛ فقل لي كم ~~عقلت أمة في تدبيرها لأمورها؛ أقل لك كم صعدت في مدارج التحضر، ~~وأقول سلطان العقل ولا أقول مضاء الإرادة؛ فالأولوية في البناء ~~الحضاري للعقل وفكره، قبل أن تكون للإرادة وفعلها، نعم، إنه لا ~~بد من التفكير العقلي من إرادة التنفيذ، لكنها عندئذ تكون ~~إرادة ملجمة بتخطيط العقل، وأما إذا بدأنا الشوط بإرادة ~~تفعل؛ فمن ذا الذي يضمن لنا ألا يجيء فعلها تخبطا أهوج، يتجه ~~بنا نحو اليسار إذا كان الاتجاه إلى يمين هو الموصل إلى الهدف، ~~أو يتجه بنا نحو اليمين عندما تقتضي حكمة العقل أن نسير إلى ~~يسار؟ # العقل هو وحده الفيصل بين الحق والباطل، وبه وحده يصبح ~~الإنسان سيد مصيره، رغبات الإنسان قد تدفعه إلى سن القوانين ~~وإقامة التقاليد، ثم قد تعود فتغريه بأن يتحلل مما قد سن أو ~~أقام، وأما ما بني على العقل فهو ثابت على الدهر، لا يزول؛ ~~ولذلك كان محالا علينا أن نحكي تاريخنا للحضارة متسلسل ~~الحلقات، صاعد الخطوات، إلا إذا تعقبنا ما أنتجه العقل؛ ~~لأن نتاجه - دون أي نتاج آخر - هو الذي يظل يكمل نفسه ~~عصرا بعد عصر، يصلح من أخطاء نفسه، ويكشف الجديد ويوسع الرقعة ~~قليلا قليلا، حتى يبسط سلطانه على الأرض والسماء، وأما الفن ~~وأما الأدب وغيرهما من كائنات العالم الوجداني في الإنسان؛ فلا ~~يأتي الجديد ليعلو درجة على القديم، بل ربما حدث أن تفوق ~~القديم على الجديد، فليس من التناقض أن يكون هومر أعظم من شعراء ~~القرن العشرين جميعا، أو أن يكون فنانو النهضة الأوروبية أروع ~~فنا من رجال الفن في عصرنا، فكيف إذن يتسلسل التاريخ في حركة ~~صاعدة إذا لم يكن اللاحق أعلى درجة من السابق؟ إن هذا التتابع ~~الضروري لا يتحقق إلا في ميدان العلوم، التي هي رمز للعقل ~~ونتاجه، وبالتالي يكون الجانب العلمي هو وحده مدار القياس ~~لدرجات التقدم والتخلف بين الأفراد أو الشعوب. # إنني لأرجو هنا ms167 ألا يختلط الأمر على أحد؛ فنحن لا نقول ~~إن أي حضارة يمكنها الاستغناء عن عالم الشعور بكل ما يفرزه ~~لنا من فنون وآداب وغيرهما، ولكننا نقول - بكل قوة نستطيعها - ~~إن عالم الشعور وما ينتجه ضروري لكل حضارة، لكنه وحده لا ~~يكفي، والعقل دون سواه هو الجانب الضروري والكافي معا لتعريف ~~الحضارة وقياس درجاتها. # يقول ألبرت شفايتزر عن الحضارة إنها بذل الجهد من أجل التقدم، ~~وكلمة «التقدم» هنا هي التي تهمنا في سياق حديثنا؛ لأنه إذا ~~كان التقدم إلى أعلى وإلى أمام، شرطا أساسيا للحضارة، كان ~~الجانب العقلي وحده من الإنسان، بما ينتجه من العلوم، هو الذي ~~يتقدم، بمعنى أن تجيء الخطوة التالية من خطوات الطريق تقدما نحو ~~الهدف الأخير، بالنسبة للخطوة السابقة؛ فالفيزياء أو الكيمياء أو ~~البيولوجيا، أو علوم النفس والاقتصاد والاجتماع، أو غيرها من فروع ~~العلم؛ ليست اليوم كما كانت بالأمس، واختلاف يومها عن أمسها هو ~~الاختلاف الذي يتحتم فيه أن تكون حصيلة الأمس أفقر من حصيلة ~~اليوم، وأكثر منها تعرضا للخطأ، وأما الآداب والفنون فكلمة ~~«التقدم» بالنسبة إليها ليست بذات معنى؛ فقد لا يستطيع شاعر من ~~شعرائنا اليوم أن يجاري امرأ القيس، وقد لا يستطيع أحد من رواة ~~الحكايات في يومنا أن يقترب من الذروة الأدبية التي بلغتها ألف ~~ليلة وليلة، لا، إن التقدم لا يكون إلا في معرفتنا العلمية، ~~وأما ما هو خاص بالوجدان، فلا أظن أن الأم العصرية الثكلى ~~تبكي فقيدها على نحو أكمل من بكاء الأمهات بالأمس، ولا أن يفنى ~~عاشق في عشق حبيبته بأكثر مما فني قيس في عشق ليلاه. # ومن فكرة التقدم هذه تنبثق لنا فروع، لا بد لنا أن نعيها حق ~~الوعي؛ حتى لا يفلت منا جوهر الحضارة ولبها، التقدم الحضاري ~~يقتضي حتما ألا نجعل الماضي مقياسا للحاضر، وكيف نجعله ~~المقياس إذا كان هذا الحاضر أفضل منه بحكم فكرة التقدم ~~نفسها؟ النظر إلى الماضي هو نظر إلى الوراء، على حين أن التقدم ~~يقتضي أن نوجه النظر إلى الأمام، والانحصار في الماضي هو ms168 انحصار ~~في نمط واحد من أنماط الحضارة، مع أن التقدم يحتم علينا ~~الخروج من نمط أضيق نطاقا إلى نمط أوسع أفقا وأرحب إطارا، ~~إن فكرة التقدم من حيث هي علامة نميز بها المسيرة الحضارية، ~~توجب علينا أن نجاوز واقعنا المحدود إلى واقع آخر أكبر ~~عظما وأعلى ارتفاعا، على أن نفهم «واقعنا» هذا بأنه يشتمل ~~على الماضي والحاضر معا، فكلاهما واقع تم، فلا بد أن ننظر ~~النظرة التي نرجو أن يجيء المستقبل أكثر تحضرا - بمعنى أغزر ~~علما - من الحاضر والماضي على السواء. # 5 # على ضوء هذا الذي أسلفناه، نستدير إلى عصرنا وحضارته، إنه ~~ليس بدعا يشذ عن القاعدة التي سارت عليها سائر العصور، ~~فالحضارة فيه ما زالت قائمة على نفس الأساس الذي قامت عليه ~~حضارات السالفين، والأساس هو العقل، غير أن العقل - كما أسلفنا ~~- يوجه فاعليته إلى ميادين تختلف كيفا من عصر إلى عصر، ~~وميدانه اليوم هو العلوم الطبيعية التي تتمثل في أجهزة، ولا تقف ~~عند كونها صياغات رياضية نظرية، كما كانت الحال حتى عهد قريب، ~~فلو كان الخليل بن أحمد بعقله الجبار الذي خلق ترتيبا معجميا ~~من عدم، واستخلص عروض الشعر استخلاصا بلغ حدا مذهلا من كمال ~~العقل الرياضي ودقته، وقنن لنحو اللغة بعض قوانينه؛ أقول لو ~~كان الخليل هذا ولد في عصرنا؛ لجاز أن يكون من أضخم علماء ~~الفيزياء النووية حجما وأوسعهم شهرة؛ فالفكر العقلي عنده، ~~ويبقى الميدان الذي يوجهه إليه، وكذلك لو كان بلانك أو بور أو ~~هيزنبرج رجلا من أهل البصرة في القرن الثامن لأخرج للناس معجما ~~للغة، وعروضا للشعر، مدار التقدم الحضاري - أعود فأكرر - هو ~~الفاعلية العقلية دون سواها، والذي يختلف في مراحل التاريخ هو ~~ميدان النظر الذي تحدده ظروف العصر المعين. # ولقد حددت ظروف عصرنا هذا أن يكون الميدان هو الواقع ~~الطبيعي، وأن يكون الهدف هو إيجاد الجهاز الذي يجسد الفكرة ~~العلمية كائنة ما كانت، الأجهزة هي لغة العلم في عصرنا، ولا عجب ~~أنه عصر الصناعة في ثورتها الثالثة؛ كانت الثورة الأولى حين ~~حلت الآلة ms169 محل الأبدان، سواء أكانت أبدان البشر أم أبدان ~~الحيوان، والثورة الثانية حين أصبحت الآلة تسير آلة سواها ، ~~دون تدخل الإنسان فيما يسير وما يسير، والثورة الثالثة حين ~~اتسع نطاق الآلة فلم يعد يقتصر على ما كانت الأبدان تفعله، بل ~~امتد حتى شمل فاعليات العقول، ذلك هو عصر التكنولوجيا كما ~~يسمونه، لا فرق في هذا المجال بين مجتمع في الشرق، أو مجتمع في ~~الغرب، فما دام المجتمع متقدما بمقياس العصر، كان حتما أن يلقي ~~زمامه إلى عقله أولا، وأن يوجه فعل العقل نحو العلوم ~~الطبيعية وأجهزتها ثانيا، فإن فوتت عليه قدراته الاقتصادية أن ~~يسهم في هذا الميدان بنصيب؛ كان لزاما أن يجعل منهاج تلك ~~العلوم منهاجا له في أي ميدان يتاح له النظر فيه؛ فقد تعددت ~~ميادين النظر: فهنالك ميادين العلوم الاجتماعية؛ علم النفس وعلم ~~الاقتصاد وعلم الاجتماع، وهنالك مجالات الارتفاع بمستوى العيش؛ من ~~حيث التغذية والسكن والتعليم والعلاج الطبي ووسائل الراحة ~~وتأمين الأفراد ضد كوارث الزمن، هنالك كل هذه الميادين التي ~~تتفاوت فيها الأمم في عصرنا ارتفاعا وانخفاضا؛ مما قد يوحي ~~بأن أيا منها يصلح أن يكون أداة لقياس التقدم والتخلف، إلا ~~أنها جميعا تلتقي في نقطة واحدة؛ هي النظرة العقلية بمنهاج ~~العلم إلى كل أوجه الحياة. # ونسأل بعد هذا كله: أين تقف الأمة العربية اليوم من المسيرة ~~الحضارية؟ وأجيب بجواب يختلط فيه قليل من الأسى وكثير من ~~الأمل، الأسى للهوة اللاعقلية العميقة العميقة التي لا نزال ~~نتخبط في ظلامها، والأمل في جيل جديد أراه على الطريق إلى ~~العقلانية العلمية وضيائها. # قد أكون على غير هدى فيما أقول، ولكنني - على الأقل - أصدق ~~القول مع نفسي، حين أقرر ما أراه أمامي واضحا، وهو: إما أن نعيش ~~عصرنا بكل ما يقتضيه من أخلاق، وإما أن نكون قادرين على ~~تحويره، بحيث نعيد صياغته على مثالنا، أما أن نتمرد عليه، ثم ~~نعجز عن تحوير أي شيء فيه؛ فذلك حكم على أنفسنا بموت حضاري، ~~لا يعلم إلا علام الغيوب متى تكون قيامته. # قل ما شئت ms170 عن عصرنا، ولكنك مضطر إلى أن تصفه بصفات ثلاث: ~~فهو عصر علمي، وهو عصر تقني، وهو عصر مدار الأخلاق فيه على ~~المنفعة، ولقد جمع مؤلف إنجليزي معاصر هذه الصفات الثلاث في ~~صيغة مركزة، إذ قال إنه عصر «تقني بنتامي»، أما التقنية فهي ~~تتضمن ذلك الضرب من العلوم، الذي يستهدف اختراع الأجهزة التي ~~تجسد قوانينها، ولا يترك هذه القوانين في صورتها المجردة، وأما ~~أنه عصر بنتامي؛ فالإشارة هنا إلى بنتام، فيلسوف المذهب ~~المنفعي إبان القرن الماضي. # معنى ذلك أن جواز المرور الذي يبيح لنا الدخول في عصرنا، هو ~~أن نطور من قيمتنا السائدة لكي تصبح قيما قائمة على ~~علمنة، وعلى تقنية، وعلى منفعية في أسس التعامل السياسي ~~والاقتصادي على أقل تقدير، فإذا لم تعجبنا هذه الصفات لكونها ~~غريبة على ثقافتنا الموروثة، كان علينا أحد أمرين: إما أن ~~نلوي عنق العصر حتى يرى الدنيا بأعيننا، وإما أن ننسحب من ~~العصر إلى حيث شئنا أن يكون الاختفاء في ستر الظلام، لكن ~~المفارقة العجيبة، هي أننا لا نخلق للدنيا المعاصرة فكرا ~~يثنيها عن طرقها، وفي الوقت نفسه ترانا نقف من ثقافة العصر ~~موقفا يقبل أسماءها المجردة ويرفض مضموناتها، بمعنى أننا على ~~استعداد لقبول الاتجاه العلمي والتقني بل الاتجاه المنفعي في ~~التعامل، على شرط أن يقف هذا القبول عند حدود هذه الأسماء، ~~وأما ما يندرج تحت هذه الأسماء من مضمونات؛ فليست لدينا ~~المعدات التي أعدت لهضمها، مما أحدث فينا ضربا عجيبا من ~~الازدواجية الحضارية؛ فعلى سطح الأمور الظاهرة، نبدو وكأننا ~~نعايش العصر في تصوراته، فإذا نفذنا إلى ما تحت السطح وجدنا ~~أنفسنا ما نزال نطوي في صدورنا قيم حضارة ذهبت مع تيار ~~الزمن. # سل من شئت: هل تحب أن تتابع العصر في عقلانيته وتقنياته؟ ~~يجبك في استعلاء بأن العقلانية وما يترتب عليها هي جزء من ~~ميراثنا الأصيل، لكن قل له إنها في عصرنا تستتبع عدة أمور: منها ~~ألا تلقي بزمامك إلى العاطفة أيا كان نوعها، ومنها أن ~~يتولى العمل من يحسن أداءه، لا من ينتمي ms171 إلى أصحاب الجاه ~~بأواصر القربى، ومنها أن يكون الارتكاز كله على الواقع ~~المادي الصارم، ومنها أن نصطنع في حياتنا نظرة علمانية تجعل ~~محورها هنا على هذه الأرض، قبل أن يكون هناك في عالم آخر .. قل له ~~هذا، يأخذه الفزع؛ لأنه عندما أعلن أنه من أنصار النظرة ~~العقلية، لم يكن قد تخيل لنفسه أنها نظرة تلد كل هذا ~~النسل العجيب؛ فهو عقلاني بالاسم، لا بالمضمون والنتائج، إنه ~~يقبل من العصر تقنياته؛ لأنه يريد - كسائر عباد الله - أن ينعم ~~بالسيارة والطيارة، وأجهزة التدفئة والتبريد، لكنه إذا علم بأن ~~إدخال هذه الآلات في حياتنا معناه إدخال عادات جديدة في تلك ~~الحياة، ومعناه إحلال قيم جديدة محل قيم قديمة، أخذه الهلع؛ ~~لأنه في عمق نفسه لا يريد عن قيمه الموروثة بديلا. # وهكذا نقع في أزمة حضارية من طراز نادر؛ لأننا في الحقيقة ~~بمنزلة من يحيا ثقافتين متعارضتين في وقت واحد: إحداهما خارج ~~النفس، والأخرى مدسوسة في حناياها لا تريم، فترى حضارة العصر ~~في البيوت والشوارع والأسواق، بينما تحس حضارة الماضي رابضة خلف ~~الضلوع. # 6 # ونعود فنسأل: أين تقف الأمة العربية اليوم، من حيث التقدم أو ~~التخلف على طريق الحضارة؟ # إن معايير القياس كثيرة، أشرنا إلى بعضها؛ فهنالك المعيار ~~الاقتصادي الذي يقيس التقدم بمتوسط الدخل، وهنالك المعيار ~~الثقافي الذي يقيسه بدرجة انتشار التعليم، وهنالك المعيار الذي هو ~~أشيعها قبولا، وهو معيار يقيس تقدم الأمة أو تخلفها بدرجة ~~العلمنة والتصنيع؛ أي بدرجة تحولها إلى الحياة الصناعية ~~المستندة إلى الأجهزة الآلية، وأيا ما كان المعيار الذي ~~تختاره، فالشرط الضروري دائما هو أن تتغير طرائق العيش ~~والتفكير، بحيث تساير روح التقدم العصري. # لكن هذا التقدم لا يعني شيئا إلا إذا عرفنا إلى أي هدف ~~نتقدم، حتى يمكن قياس المسافة الفاصلة بين موقفنا الراهن وذلك ~~الهدف الذي نتقدم نحوه، بعبارة أخرى: ما هو النموذج الكامل الذي ~~نضعه نصب أعيننا في أثناء سيرنا، لنكون على يقين بحقيقة ~~موقفنا: هل هو اقتراب أو ابتعاد عن ذلك النموذج؟ وإنه لعزيز ~~على نفسي ms172 أن أقولها صريحة، وإنه كذلك لعزيز على نفوس القراء أن ~~يسمعوها، لكنه حق لا منجاة لنا عن مواجهته ، وهو أن نموذج ~~القياس إنما هو الحياة العصرية كما تعاش اليوم في بعض أجزاء ~~أوروبا وأمريكا، فقد شاء الله أن يكون هناك اليوم ينبوع ~~الحضارة، كما كان ينبوعها في أرضنا ذات يوم. # وقد نوجز أهم معالم تلك الحياة الأوروبية الأمريكية التي هي ~~حضارة العصر في بضع نقاط، تساعدنا على قياس موقعنا بالنسبة إلى ~~الهدف: فمن تلك المعالم المميزة سرعة التغير، وسرعة قبول الجديد، ~~فحياة الناس هناك توشك أن تتغير يوما بعد يوم، وعليهم أن ~~يلاحقوها، والملاحقة معناها ألا يبهرنا ما قد فات ومات، حتى لا ~~نقف طويلا عند أطلال، بل نوجه البصر دائما نحو غد وبعد غد؛ ~~فالقوم هناك يؤمنون إيمانا لا تحده حدود بالعلم وقدرته على ~~النمو المطرد، وبأنه كلما اطرد نموه قلب حياة ~~الإنسان كما وكيفا. # فإذا أردنا قياس التقدم أو التخلف، فما علينا إلا أن نقيس ~~المسافة بين حياة الفرد العادي في مجتمعاتنا بحياة الفرد العادي ~~في مجتمعاتهم: في حصيلة العلوم، في دقة التخطيط، في غزارة الإنتاج، ~~في مدى الحرية السياسية والاجتماعية، وغير ذلك مما يتفرع عن أصل ~~واحد، يتلخص في قولنا عن حضارة العصر إنها: علمية تقنية ~~منفعية. # إنني لعلى وعي بوجه الاعتراض هنا، وهو: لماذا نفني ثقافتنا ~~في ثقافة غيرنا بحيث نجعل منهم نموذجا لنا نحتذيه؟ وأظن أن ~~خير جواب يزيل عن أنفسنا القلق، هو أن ينحصر تفردنا الثقافي ~~في تلك الجوانب التي تميز الشعوب، والتي هي في الوقت نفسه ليست ~~مقياس التقدم الحضاري كما حددناه، وأعني بها جوانب العقيدة ~~والفن وبعض تقاليد الحياة التي لا تتنافى مع الحركة العلمية بكل ~~فروعها، وبهذا نتيح لأنفسنا أن نتحضر بحضارة العصر في أخص ~~خصائصها، كما نتيح لها في الوقت نفسه أن نحتفظ بما يميزها عما ~~سواها، وبهذا نتركها تساير العصر في نظراته العلمية، وتنطوي على ~~ذاتها في ميادين الوجدان وطرائق التعبير عنه في العقائد والأدب ~~والفن. # إن الحديث عن ms173 الحضارة وقضية التقدم والتخلف للأمة العربية، ~~ما كان ليستثير نشاطنا الفكري، لو أن بنا مواتا نزل بنا إلى ~~حفرة الحضيض، وكذلك ما كان ليستثير نشاطنا لو أننا قد علونا في ~~حضارة العصر إلى ذروة الأوج؛ ففي الحالة الأولى ينعدم الوعي، ~~فلا فكر ولا نشاط، وفي الحالة الثانية تتحقق الطمأنينة ~~والرضى، فلا قلق ولا تساؤل، لكننا من مدارج الصعود في منزلة ~~بين المنزلتين؛ ولذلك كان لا بد لنا من مثل هذا النشاط الفكري، ~~نتحسس به الطريق، حتى لا نضل عن الجادة المستقيمة لنبلغ ما ~~نريد ونبتغي. # | حياتنا بين الأمس واليوم # 1 # ولدت في أوائل هذا القرن، قبل أن تفجع البلاد في دنشواي بعام ~~واحد، ولما اكتمل لي الوعي بالدنيا وأحداثها كان قد انقضى من ~~القرن ثلاثة عقود، كنت قبلها أسمع عن أقطار الأرض البعيدة، ~~وكأنني أسمع عن عالم من ضباب، وأسمع عن جسام الحوادث في وطني، ~~فأفهم الجمل مفككة ومتناثرة، ولكني لا أكون لنفسي منها قصة ~~مفهومة. # أما دنياي القريبة مني، التي ألفتها حولي؛ فقد كانت بسيطة ~~إلى حد السذاجة، أعقد ما فيها هي الكتب التي صادفتني ~~فطالعتها، والتي حدث أن كانت في مجموعها أميل إلى «الأفكار» ~~المجردة التي تعرت عن دم الحياة ولحمها؛ ومن هنا كانت الفجوة ~~سحيقة بين ساعات أقضيها داخل الكتاب، وساعات أقضيها خارجه؛ ~~وليس بي حاجة هنا إلى القول بأنني عشت أربعين سنة في بيت لم ~~يعرف جهازا واحدا من أجهزة الحضارة الحديثة؛ إما لأنها لم ~~تكن قد وجدت بعد، وإما لأنني كنت لا أملك ثمن اقتنائها، ~~فلا راديو، ولا تلفزيون، ولا ثلاجة، بل ولا النور الكهربائي ~~استخدمته خلال سنوات طويلة من حياتي، وكان أول فيلم سينمائي ~~شهدته هو فيلم «سفينة العرض» - في أوائل الثلاثينيات - وإني ~~لأذكر الآن كيف خرجت من شهوده ذاهلا لهذا العالم العجيب الذي ~~لم أفتح أبوابه قبل ذاك؛ حتى التلفون لم يدخل بيتي إلا بعد أن ~~انقضى من القرن نصفه، وبدأ نصفه الثاني. # لم يكن غريبا علي عندئذ أن ألتقي مع ألوف الناس ms174 من رجال ~~ونساء، فلا أجد بينهم إلا قلة قليلة جدا أصابت شيئا من ~~التعليم، وخصوصا في عالم النساء؛ ولذلك كان أول فرض يرد على ~~الخواطر بالنسبة إلى أي امرأة تربطك معها روابط الحديث أو ~~المعاملة؛ أنها تجهل القراءة والكتابة، فإذا كان الأمر بينكما ~~يقتضي توقيعا، توقعت منها أن تخرج ختمها لتختم، أو أن ~~تعد إبهامها لتبصم؛ حتى لقد كان من المفارقات التي تلفت ~~النظر أن ترى سيدة وفي يدها جريدة أو كتاب، ودع عنك أن ترى ~~سيدة على وجهها منظار، وكنت تحس عن الفئة القليلة المتعلمة، ~~أنها كنقطة الزيت في قدح الماء، لا تندمج فيه مهما تحركت في ~~أرجائه، كأنما تلك الفئة في أمتها عنصر أجنبي دخيل. # ولم يكن غريبا علي أن أجد ألوف الناس من رجال ونساء، ~~يولدون ويعيشون ويموتون في مكان واحد، كأنهم نبات ينمو ويذبل ~~وهو في موضعه! كانت الأكثرية العظمى من أهل القرية تسمع عن ~~العواصم القريبة منهم، وكأنهم يسمعون حكايات من ألف ليلة وليلة ~~تروى لهم عن الهند والسند؛ ولا يدخل القرية رجل من المدينة - ~~وهم يعرفونه من ثيابه - حتى يتجمع الغلمان يرقبونه من بعيد ~~بنظرات متطلعة، ويطل النساء من نوافذ الدور وأبوابها، ~~مسدلات على الوجوه أغطية تحجب منها شيئا وتترك شيئا ~~للرؤية؛ وإذا لم يكن في متناول إحداهن غطاء رفعت إحدى ذراعيها ~~على وجهها لتؤدي لها ما يؤديه الغطاء. # كنت إذا ذهبت إلى القرية خلال أشهر الصيف، لا ألبث أن أدخل ~~مع الناس هناك في ضروب من الحديث، لم أفهمها كل الفهم، ولم ~~أجهلها كل الجهل؛ هي ضروب من الحديث تكثر فيها كلمات «الحجز» ~~و«البروتستو» و«المحضر» و«البورصة» و«البنك» و«الخواجة»؛ ولم يكن ~~للناس من حديث في أواخر الصيف إلا عن أسعار القطن، ترتفع وتنخفض ~~لأسباب مجهولة، فتسري موجة من الفرح أو موجة من الحزن، وكان ~~الشعور العام هو أن تلك الأسعار الصاعدة الهابطة هي ضربات ~~القدر، تأتي من حيث لا تدري كيف جاءت؛ وحدث ذات مساء، وجمع من ~~الرجال يسمرون وهم جلوس على «دكتين» متقابلتين ms175 أمام دكان ~~البقال؛ أن سأل سائل وهو جاد: من ذا الذي يرفع هذه الأسعار ~~يوما ويخفضها يوما؟ وأجاب مجيب وهو جاد أيضا، فقال: لقد ~~سمعت أن هاتفا من السماء يهبط ساعة الفجر، يعلن في همس غير ~~مسموع بما يقرر أسعار اليوم. ولم يعترض أحد على الجواب. # وكان مألوفا غاية الألف أن تسمع عن أحد الموسرين أنه أفلس ~~بين يوم وليلة، كأن الأمور تتحرك بأصابع العفاريت الخافية على ~~الأبصار؛ فترى آثارها المفاجئة ولا ترى محركاتها، وكان من أعقد ~~الألغاز التي حيرتني فترة طويلة من مرحلة الشباب، تلك الحالات ~~الكثيرة التي كان يقترن فيها موت رب الأسرة بخراب أسرته ~~ودمارها، من بيع وتبديد وإفلاس، ولم يكن من باب اللغو في ~~الحديث أن تجري ألسنة الناس بهذه العبارة التي تقول إنه «موت ~~وخراب للديار»؛ لكثرة ما اقترن الحادثان وكأنهما علة ومعلول. ~~وكذلك كان مما له مغزى حقيقي من واقع الحياة، أن يطلب الرجل ~~«الستر» في حياته، كأنما هو على يقين أن هذا الستر سينكشف ~~يوما عن خواء، وإذن فالدعاء لله هو أن يجيء ذلك اليوم بعد ~~وفاته. # لم أكن واسع المعرفة بالزراعة وحياة المزارعين - من ملاك ~~الأرض أو مستأجريها - لكن المعرفة القليلة التي حصلتها من ~~تتبع الحياة وأطوارها في بعض من عرفتهم، كانت كافية لرسم ~~صورة تقريبية لتلك الحياة، كيف يجري تيارها وكيف تتعاقب ~~أطوارها؛ فقد كان الشيخ .. (وهذا مثل حقيقي بقيت لي منه ذكريات) ~~يملك نحو عشرة أفدنة ملكا خاصا (وتلك هي أحسن الحالات، فلا ~~هو بمستأجر عليه أن يدفع الإيجار من محصوله، ولا هو مدين - أول ~~الأمر - مطالب بدفع فوائد الدين من محصوله)، وكانت حياته أول ~~أمرها تجري بين يديه عسلا ولبنا؛ لكن الأعوام لم تمهله إلا ~~قليلا، حتى فاجأته بعيال من زوجتيه، بلغت عدتهم عشرة بين ~~بنين وبنات؛ وأقول «فاجأته» لأنه كان يبدو على كر الأعوام، ~~كأنه على غير وعي بتكاثر نسله؛ ثم أراد له الله عند المفاجأة ~~بهذا العبء الثقيل أن تزداد فداحة العبء بمرض أصابه، تطلب منه ~~السفر ms176 المتصل إلى المنصورة حينا، وإلى القاهرة حينا؛ فأخذت ~~حصيلة أرضه تعجز عن الوفاء بعيش عياله ونفقات علاجه؛ فكان لا ~~مناص من اقتراض على المحصول قبل مجيئه، والقرض لا يكون إلا ~~بفائدة مرتفعة، ويجيء وقت المحصول، ويجيء معه صاحب القرض، ~~فالأرجح أن يقدم له محصول عيني لقاء ماله، وهنا تكون الخطوة ~~الثانية من الغبن الفادح؛ إذ يغلب أن يأخذ الدائن ما يأخذه من ~~ناتج الأرض بثمن قليل؛ بحيث لا يبقى لصاحب الأرض إلا نزر يسير ~~من ناتج أرضه، ونزر أيسر منه من مال سائل؛ ويجيء العام التالي، ~~فتزداد الحاجة إلى القروض، لا من أجل عياله وعلاجه فقط، بل فوق ~~ذلك من أجل الإنفاق على الأرض لفلاحتها، لكن صاحب المال هذه ~~المرة لا يكفيه أن يقرض ماله على محصول الأرض، لأن ذلك قد لا ~~يكفي؛ وإذن فلا بد من رهن جزء من الأرض ضمانا للدين؛ ويحدث ~~بالفعل أن يعجز الرجل عن سداد دينه، فتذهب القطعة المرهونة من ~~أرضه، وهكذا دواليك، على مر عدد من السنين، ثم تزداد العلة ~~بالرجل ويموت، فيقترن موته باجتماع الدائنين لتصفية ما تركه ~~لأولاده، فإذا الباقي لأولاده صفر من الأرض، وبقية الديون، ومع ~~ذلك كله فقد عاش الرجل «مستورا» - في عرف الناس - لم ينكشف عنه ~~الستر إلا بعد موته، فكان العري والجوع نصيب أبنائه من ~~بعده. # تلك كانت حياة الزارع، في حالات ليست هي أسوأ الحالات، فلا ~~عجب - حين ضاقت الضائقة في الثلاثينيات الأولى - أن كان المعلم ~~في المدرسة الإلزامية - وكان على الأغلب من أهل القرية - ذا مكانة ~~عالية لا تدانيها إلا مكانة من يملكون رقعة كبيرة من الأرض؛ ~~فهذا المعلم بأربعة جنيهاته كل شهر - فذلك هو راتبه عندئذ - ~~كان أقدر على الشراء من مالك العشرين فدانا، أو ربما كان أقدر ~~من مالك الثلاثين؛ ولذلك فسرعان ما كانت الأرض تنفرط من أيدي ~~ملاكها، لتهبط في أيدي هؤلاء. # ومع ذلك فقد كانت الزراعة هي المبدأ والمنتهى، وكل ما عداها من ~~أوجه النشاط والعمل، كان يبدو وكأنه من لوازمها وملحقاتها؛ ms177 ~~ولهذا كانت الأصالة والعراقة لمن ملك الأرض - ولأن يملكها ~~مالكها عن إرث خير من أن يملكها عن كسب بمجهود - أما من لا ~~يملك أرضا فهو في المجتمع من نوافله وهوامشه، مهما بلغ من شأن ~~في أوجه أخرى من أوجه الحياة، فكانت ملكية الأرض هدفا يسعى إليه ~~كل من اجتمع له شيء من مال؛ لقد عرفت طبيبا جمع مالا من ~~مهنته، ولم يكن له شأن بالأرض وزارعيها، لكنه اشترى بماله ~~قطعة واسعة من أرض جرداء لا تنتج إلا القليل، فلما أبديت ~~له عجبي قال: إن جزائي الأوفى هو أن يقال بين الناس إن ~~الدكتور ذهب إلى العزبة، وإن الدكتور عاد من العزبة؛ ففي ذلك ~~وحده ما يكفل لي أن تنفتح أبواب الجاه والمكانة. # كان العمل الزراعي يومئذ يدويا في معظمه؛ فلم يكن أحد ~~ليتوقع أن تحرث الأرض بغير المحراث التقليدي، أو أن تدرس ~~«الغلة» بغير النورج، أو أن تروى الأرض بغير الساقية والشادوف، ~~ولم يكن أحد ليتوقع أن يحصد الحصاد بغير الأيدي، وأن تحش ~~الجذوع بغير المنجل؛ فكنت تسير في الأرض الزراعية أميالا بعد ~~أميال، قبل أن تصادف مكنة تدار ببخار أو كهرباء؛ العمل يدوي ~~كله، والانتقال أسرعه على ظهر الدواب؛ ومن ثم انطبع الجو كله ~~بالبطء والمهل؛ وعدت السرعة من عمل الشيطان، ومما يبعث آخر ~~الأمر على الندم، وفيم الإسراع والزرع ينمو على مهل، والمحصول ~~يجيء في أوانه من العام؟! لقد ضرب لي صديق في القرية موعدا أن ~~نلتقي في صبيحة الغد، فزللت بالخطأ وسألته: في أي ساعة من ساعات ~~الصبح تريدنا أن نلتقي؟ فما وجدت منه ومن الصحبة كلها إلا مر ~~السخرية؛ فقد كدت أبدو في أعينهم «خواجة» لأنني أردت تحديد ~~ساعة اللقاء؛ ففي كلمة «الصبح» تحديد لهم بما يكفي للحياة في ~~الريف. وكان مما زاد في بطء الحركة رسوخا في النفوس أن صاحبها ~~- نتيجة طبيعية لها - بطء شديد في تغير الأوضاع؛ أوضاع الفرد ~~وأوضاع المجتمع، حتى تكاد بالنسبة لأي فرد - إذا عرفت كيف بدأ ~~حياته - أن تجزم فيما ms178 يشبه اليقين كيف تنتهي. وكان من دواعي ~~البطء الذي استحكمت في النفوس أسبابه؛ صعوبة اتصال الناس ~~بعضهم ببعض إذا ما فرقت بينهم مسافة من الأرض؛ فالخطاب ~~البريدي يحتاج إلى وقت طويل، والسفر يحتاج إلى وقت أطول، ~~والأخبار تنتشر في أرجاء القطر الواحد - ولا أقول في أرجاء العالم ~~- على فترة مديدة، قد تصل إلى بضعة أشهر؛ لم يكن في قريتنا مكتب ~~للبريد، وكان لا بد لإرسال الخطاب أو لتسلم خطاب من الذهاب ~~إلى القرية المجاورة حيث المكتب، وكان من ينوي السفر يعد له، ~~مهما يكن من قصر المسافة، وقل في ذلك ما شئت بالنسبة إلى من ~~يعتزمون السفر إلى أرض الحجاز لأداء فريضة الحج؛ فها هنا يكون ~~الإعداد بما نظنه اليوم لا يتناسب إلا مع رحلة إلى ~~المريخ! # 2 # لكن المفارقة العجيبة حقا هي ما كان بين هذه الصورة المعيشية ~~من جهة، والصورة الفكرية والثقافية من جهة أخرى (وما زلت أتحدث ~~عن الثلاثة العقود الأولى من هذا القرن)، فإذا كانت البساطة قد ~~صحبت الأولى، فإن الحيوية قد صحبت الثانية؛ ففي الأولى سذاجة، ~~وفي الثانية عمق؛ في الأولى نطاق محدود، وفي الثانية أفق واسع، ~~حتى لأستطيع المجازفة بالقول فأزعم أن حياتنا - كما عرفتها إلى ~~أن بلغت الثلاثين بل بعد أن جاوزتها - كانت مصابة بفصام خطير؛ ~~فهنا بدن يعيش - أو يكاد - في امتداد العصر التركي، وهناك عقل ~~يتابع ثقافة العصر في آخر تطوراتها؛ هنا المحراث والنورج والساقية ~~والشادوف والمنجل - تراها حيثما توجهت على الأرض المزروعة بما ~~يسودها من بساطة عيش وبطء حركة - وهناك لطفي السيد والعقاد وطه ~~حسين وهيكل وسلامة موسى، تصادفهم في كل صحيفة ومجلة وكتاب. # لقد تجاورت في مجتمعنا أضداد نستطيع على وجه التعميم والإجمال ~~أن نقول إنها أضداد استقطبتها حياة الريف في ناحية، وحياة ~~المدن - أو قل حياة القاهرة - في ناحية أخرى؛ ففي الريف بلغ من ~~الناس استسلامهم للخرافة حدا أقصى، وفي القاهرة بلغت النزعة ~~العقلانية بأئمة الفكر شوطا بعيدا؛ في الريف كان الإنتاج، برغم ~~حياة الشظف والفقر، وفي القاهرة ms179 كان الإنفاق في بذخ؛ في الريف ~~امتداد للعصور الوسطى في وسائل العيش، وفي القاهرة القصور ~~والمسارح وأماكن السهرات اللاهية؛ أضداد تجاورت حتى شطرت ~~مجتمعنا مجتمعين لا يكادان يلتقيان، وقد انعكس هذا الانشطار في ~~نوعين من التعليم: مدني هنا وديني هناك، وفي نوعين من المحاكم: ~~مدنية هنا وشرعية هناك، وفي نوعين من أحياء السكنى وطرائق ~~العيش: «إفرنجي» هنا و«بلدي» هناك، وفي نوعين من ضوابط السلوك؛ ~~فالسلوك الجائز عند فريق «تفرنج» قليلا أو كثيرا، مجلبة للعار ~~عند فريق آخر يرعى التقاليد. # على أن ما يعنيني الآن من هذه الأضداد ذلك التباين الحاد ~~بين الحياة المعاشية في ركودها وبطئها وتخلفها، والحياة العقلية ~~في نشاطها وحيويتها وسرعتها؛ وكان لا بد ليوم أن يجيء، يشتد ~~فيه الجذب بين حياة الواقع المادي البطيئة وحركة العقل السريعة، ~~بحيث لا يكون ثمة مناص من التصدع، وبحيث يتحتم على الحياة ~~المادية البطيئة المتخلفة أن تعيد بناءها لتلحق بالفكر في طيرانه ~~ووثوبه؛ وذلك هو ما حدث - بدرجة متواضعة أول الأمر - في الحركة ~~الاقتصادية والصناعية التي بدأها رواد أوائل مثل طلعت حرب، ثم ~~حدث بدرجة قوية طموح بالثورة الاقتصادية والاجتماعية الجذرية ~~الشاملة، ثورة 23 من يوليو سنة 1952م، التي جاءت لتغير الصورة ~~المعيشية تغييرا كاملا؛ فإذا كانت العين لم تألف - في السنوات ~~التي رسمت صورتها سنوات العقود الثلاثة الأولى - أن ترى على الأرض ~~الزراعية مكنة تدار ببخار أو كهرباء، فأحسبها اليوم واقعة على ~~الآلات الزراعية المتقدمة، في الأرض المنزرعة وفي الأرض ~~المستصلحة، بنسبة لا بأس بمقدارها، وإذا كانت العين خلال تلك ~~الفترة لم تألف أن ترى في سماء المدن إلا المآذن فوق المساجد؛ ~~فهي اليوم تألف أن ترى مداخن المصانع إلى جانب مآذن المساجد، ~~فيكون ذلك عندها أجمل رمز وأصدقه، على أن حياتنا قد اتحد ~~فيها دين ودنيا، كما أراد لهما الإسلام أن يتحدا. # تصدعت الحياة الاقتصادية البطيئة الراكدة بفعل الجذب الشديد ~~الذي وقع عليها من ناحية الحياة الفكرية التي تقدمت حتى انقطعت ~~كل صلة بينها وبين الركود الاقتصادي، كما يتبدى ms180 هذا الركود ~~في حياة الفلاح المتوسط، وهل نخطئ إذا قلنا إن ثورة 1952م إن هي ~~في صميمها إلا ثورة أريد بها أن تغير من أوضاع الحياة المادية ~~تغييرا من شأنه أن يزيد من سرعة نشاطها لتلحق بالحياة الفكرية، ~~حتى إذا ما توازيا، سار المجتمع بعدئذ في تكامله سيرا فيه ~~اتزان بين الرأس والبدن؟! # انتقلت الحركة من الأسرع إلى الأبطأ، على نحو شبيه بما يحدث ~~حين تنتقل الحرارة دائما من الجسم الأسخن إلى الجسم الأبرد إذا ~~تلامسا؛ ضع قطعة من الحديد الساخن ملامسة لقطعة أخرى من ~~الحديد البارد، تجد أن الحرارة تنساب من الأولى إلى الثانية حتى ~~تتعادل بينهما درجة الحرارة، وليس في ذلك شيء من ضرورة ~~التحتيم؛ فقد كان يمكن للعكس أن يكون هو الأمر الواقع، بحيث ~~تزيد حرارة الحار، كما تزيد برودة البارد، على أن يظل مجموع ~~الحرارتين ثابتا؛ كان يمكن لاتجاه السير أن يكون على هذا النحو ~~العكسي، لكن هكذا وقع ما وقع، فرصدناه في قانون، يسمونه القانون ~~الثاني للديناميكا الحرارية، وكذلك قل في الجانب الاقتصادي من ~~الحياة، وفي جانبها العقلي، فإن الحركة تنتقل من أكثر الجانبين ~~نشاطا إلى أقلهما، وقد حدث في مصر، كما عهدتها في العقود ~~الأولى من هذا القرن، أن كان النشاط الأوفر في حياة الفكر، ~~والنشاط الأقل في حياة الزراعة والصناعة، فانتقلت الحركة من ~~الأولى إلى الثانية، لكنه انتقال تطلب ثورة كبرى لتحدثه، ~~كما يتطلب المريض بالعصاب هزة كهربائية تصدمه ليفيق؛ على ~~أني لا أريد أن أترك هذا الموضوع من الحديث، قبل أن أثبت ~~ظنا يدور الآن في خاطري، وهو أن هذا الترتيب بين الحياتين قد ~~يعكس في بلد آخر، بحيث يكون السبق للحياة الاقتصادية المادية ~~على حياة الفكر، فعندئذ - فيما أظن - تجيء الثورة عقلية؛ ليزيد ~~الفكر من حركته حتى يلحق بازدهار الحياة الاقتصادية، وربما كان ~~ذلك هو ما حدث في القرن التاسع عشر في أوروبا، حين أحدثت الثورة ~~الصناعية زيادة في الإنتاج، تلكأ دونها الفكر، فثار الفكر في ~~منتصف القرن ليحدث في نفسه ms181 انقلابا يمكنه من سرعة ~~السير. # وأعود إلى صورة بلدي كما رأيتها في النصف الأول من حياتي؛ لأرى ~~كيف تبدلت، أما يزال الفرق شاسعا بين خط العرض الذي يعيش ~~فيه مفكر القاهرة، وخط العرض الذي يعيش فيه زارع الأرض في الريف؟ ~~هل ما تزال مسافة الخلف بين فلاح القرية اليوم وبين كاتب في ~~القاهرة مثل الدكتور حسين فوزي، هي نفسها المسافة التي كانت بالأمس ~~بين فلاح القرية وكاتب في القاهرة عندئذ كالعقاد؟ أو لأضع ~~السؤال في صيغة أكثر توضيحا للنقطة المطروحة، فأقول: هل الصلة ~~بين توفيق الحكيم حين أصدر مسرحية أهل الكهف في أوائل ~~الثلاثينيات، وبين فلاح القرية حينئذ، شبيهة بالصلة بين توفيق ~~الحكيم حين أصدر مسرحية الصفقة أو الأيدي الناعمة وبين فلاح القرية ~~اليوم؟ لا أظن ذلك؛ فالمسافة قد قربت إلى درجة كبيرة بين ~~الطرفين. # لم تكن مشكلات المفكرين بالأمس لتعني شيئا عند ساكن الريف؛ ~~فماذا يهم زارع الأرض في الريف، بكل ما كان يحمله في حياته من ~~أعباء ثقال، لا تترك له من نتيجة جهده طوال العام ما يملأ جوفه ~~ويكسو عريه، ماذا يهمه إذا كانت ثقافة السكسون أفضل من ثقافة ~~اللاتين أو كانت هذه أفضل من تلك؟! وقد كانت هذه مشكلة فكرية ~~عندنا ذات يوم، ماذا يهمه إذا كان الشعر الجاهلي قد جنى على الشعر ~~العربي المعاصر أو كان ذلك الشعر الجاهلي مصدرا لقوة هذا ~~الشعر المعاصر؟! وقد كانت هذه مشكلة ثانية، بل ماذا يهمه إذا ~~كتبنا بأحرف عربية أو كتبنا بأحرف لاتينية؟! وقد كانت هذه مشكلة ~~ثالثة، لا، لم يكن يهمه شيء من هذا؛ ولذلك بترت العلاقة بترا ~~بين سكان القرية وكاتب القاهرة؛ لتخلف الأول بالنسبة إلى ~~الثاني من جهة، ولأن الثاني مهتم بأمور لا شأن للأول بها من ~~جهة أخرى. # أما صورة اليوم فقد اختلفت اختلافا بعيدا؛ فالمشكلات التي ~~يثيرها كتاب المسرحية والقصة الطويلة أو القصيرة، هي نفسها ~~المشكلات التي تعتمل في نفس الريفي: علاقة الناس بعضهم ببعض، ~~وعلاقتهم بالثروة ومصادرها وبالسلطان ومراكزه، وغير هذا وذلك ms182 مما ~~يضرب في صميم الحياة، ثم جاء الراديو وجاء التلفزيون، فأثرا في ~~نوع الكتابة بقدر ما أثرت الكتابة فيهما؛ فأصبح كاتب ~~المسرحية مثلا لا يخط حرفا إلا والشاشة ماثلة أمام بصره، ~~فماذا يصلح لها وماذا لا يصلح، وبالتالي: ماذا سيشاهد الريفي ~~وماذا سيسمع بحيث يتأثر أو لا يتأثر؟ # فبطء الحياة بالأمس، وبطء الحركة، وبطء الانتقال والاتصال؛ قد ~~انقلب اليوم سرعة سريعة، مما أدى إلى أن سارت القرية أشواطا ~~في سبيل وصولها إلى القاهرة؛ حلاق الصحة في القرية قد حل محله ~~طبيب أو أكثر من طبيب، ومقرض المال للفلاح قد حل محله ~~جمعيات تعاونية وبنوك ائتمان؛ فلا أظن أن الشيخ الذي قصصت ~~قصته، لو كان يعيش اليوم، كان يفاجأ بما فوجئ به من إفلاس. # قلت إنه كان من المفارقات التي تلفت النظر أن ترى سيدة وفي ~~يدها جريدة أو كتاب، وأنا أترك للقارئ أن يحدثنا هو عن ~~المفارقة التي تلفت أنظارنا اليوم؛ إنها اليوم لمفارقة أن نرى ~~فتاة قعيدة البيت لم تختلف إلى معهد أو جامعة، ولم تشغل نفسها ~~بعمل بعد ذلك، إنك اليوم إذا طالبت امرأة بالتوقيع؛ فلا ~~تتوقع منها ما كنت تتوقعه بالأمس، من أنها ستخرج ختمها لتختم ~~أو ستمد إبهامها لتبصم، بل تتوقع منها أن تخرج قلم الحبر من ~~حقيبتها لتوقع بعد أن تجادلك في مبررات التوقيع. # ترى إذا عاد الزمن بصديقي الطبيب، الذي وضع ماله في أرض لا ~~يحسن زراعتها، ليقول الناس عنه إنه ذهب إلى العزبة وعاد من ~~العزبة؛ كسبا للجاه وبعد الصيت، فهل يظل على رأيه بأن يغتصب ~~الأرض من زارعيها بماله بغية الجاه؟ أو إنه سيجد ذلك - اليوم ~~- ما يأباه الإدراك السليم؛ فالأرض للزرع لا لاكتساب السطوة ~~والسلطان! لكنها كانت بقايا إقطاع تمكنت من النفوس، وذهبت ~~اليوم وذهب ريحها. # تغيرت صورة الحياة بين أمسها ويومها، ومن ذا يعلم ماذا تكون ~~غدا؟ # | إنسانية العلم # المذهب الإنساني في الفلسفة - أو «الإنسية» كما أرادنا المرحوم ~~إسماعيل مظهر أن نسميه - هو في صميمه صرخة احتجاج على كل ضرب ms183 من ~~ضروب الفكر أو الحياة، يؤدي إلى التضحية بالإنسان من حيث هو كائن حي ~~متكامل بعاطفته وعقله ، التضحية به من أجل أي شيء آخر سواه، كأن ~~يضحي بهذه الدنيا من أجل الآخرة، أو أن يضحي بالعاطفة من أجل ~~العقل، أو أن يضحي بالروح من أجل المادة، أو بالمادة من أجل الروح، أو ~~بالحياة الفكرية من أجل الحياة العملية، أو بهذه من أجل تلك؛ فلئن ~~كانت العصور الوسطى - في أوروبا - قد سادتها روح تطالب الإنسان بأن ~~يئد رغباته الجسدية وغرائزه الفطرية الحيوية، فإن ثورة كان لا ~~بد لها عندئذ أن تجيء لتعيد الإنسان إلى إنسانيته بكل ما فطرت ~~عليه؛ فليس الإنسان بإله، كلا، ولا هو بحيوان، إنما هو كائن أريد ~~به أن يقف حلقة وسطى بين السماء والأرض، يأخذ من الأولى روحانيتها ~~ومن الثانية ماديتها، ثم يجاور في شخصه بين الجانبين، والعكس صحيح ~~كذلك؛ أي إنه إذا كانت الثورة الصناعية في القرن الماضي قد أرادت - ~~في أوروبا أيضا - أن تقتلع الإنسان من جذوره الروحانية كلها لتضعه ~~في المصانع آلة من آلاتها؛ فإن ثورة على الثورة كان لا بد لها ~~أن تظهر لتعيد للإنسان إنسانيته - في الاتجاه المضاد هذه المرة - ~~وهكذا كلما اقتضت ظروف الحضارة في عصر من العصور أن ينطمس من طبيعة ~~الإنسان جانب لحساب جانب؛ تحتم أن يخرج للناس فيلسوف «إنساني» يصحح ~~الخطأ ويعيد للإنسان توازنه المفقود. # وإنه لمن حسنات الثقافة الإسلامية - فيما له صلة بموضوع حديثنا - ~~أنها في جوهرها ثقافة لا تضحي من الإنسان بجانب من أجل جانب؛ فهو ~~مخلوق للدنيا وللآخرة معا، للجسد وللروح معا، للنشاط العملي في ~~هذه الحياة وللسبحات الروحية في سبيل حياة آخرة؛ ولهذا لم تكن ~~هذه الثقافة الإسلامية بحاجة ماسة إلى أنصار للمذهب الإنساني يصرخون ~~احتجاجا على ذلك أو على هذا، كما كانت الثقافة الأوروبية بحاجة؛ لكننا ~~لم ندع ثقافتنا الأصلية تسير في مجراها، فأدخلنا عليها عناصر ~~اقتضتها ظروف حضارية حديثة، ومن ثم هبت علينا الأنواء التي تميل ~~بشراع السفينة إلى اليمين أكثر مما ms184 ينبغي تارة، وإلى اليسار أكثر مما ~~ينبغي تارة أخرى، إلى الإيغال في العقل ولوازمه مرة، وإلى الإيغال في ~~العاطفة وملحقاتها مرة، فأصبحنا بحاجة إلى «مذهب إنساني» يظهر ~~حينا بعد حين ليصحح الخطأ ويعيد تعادل الميزان. # وليس في هذا كله علينا من بأس نخشاه، لكن البأس هو في أن تقع ~~الثقافة الأوروبية في خطأ فنقع فيه مثلها، حتى لو لم تكن حياتنا ~~تستلزم الوقوع فيه! ذلك أن المصادفة البحتة قد أدت بأصحاب المذهب ~~الإنساني في أوروبا إبان نهضتها، أن يرتدوا إلى تراثهم اليوناني ~~واللاتيني؛ ليلتمسوا فيه صورة الإنسان المتكامل بعاطفته وعقله، وأن ~~يغفلوا العلوم الطبيعية من الصورة التي أرادوا تصويرها، لحداثة تلك ~~العلوم الطبيعية عندئذ؛ فجاءت الأجيال التالية، ليظن أبناؤها أن ~~الصورة الإنسانية المثلى، التي تتوافر فيها القيم الرفيعة وتتحقق ~~بها الغايات القصوى، هي في ثقافة إنسانية من النوع الذي رسمه أنصار ~~المذهب الإنساني في أوروبا النهضة، بلا زيادة ولا نقصان؛ فإذا كان ~~هؤلاء قد ارتدوا إلى التراث اليوناني واللاتيني، فلا مناص لنا - نحن ~~أنصار المذهب الإنساني الحديث - من أن نرتد إلى هذا التراث نفسه ~~بغير تحريف، وإذا كان هؤلاء الرواد قد أغفلوا ذكر العلوم الطبيعية في ~~الصورة الإنسانية كما رسموها لمعاصريهم، فلا مناص لنا كذلك - نحن ~~أنصار المذهب الإنساني الحديث - من إغفال تلك العلوم؛ وبهذا نقع في ~~خطأ مزدوج، فلا التراث اليوناني واللاتيني بضرورة ليس عنها من محيص ~~لمن يريد أن يهيئ للإنسان حياة ثقافية إنسانية متزنة العناصر، ~~ولا إغفال العلوم الطبيعية بشرط محتوم لكي تتوافر للقيم الإنسانية ~~ظروفها المواتية. # ومن هذا الخطأ المزدوج ترتبت عندنا - في ثقافتنا العربية الحديثة ~~- نتائج، منها أن قادة التعليم الجامعي في بلادنا، اشترطوا دراسة ~~اليونانية واللاتينية، كأنما هما لازمتان لا غنى عنهما لمن أراد أن ~~تتكامل ثقافته، وكأنهما لم تكونا إبان النهضة الأوروبية لصيقتين ~~بطبيعة الثقافة الأوروبية عندئذ، في خروجها من ضيق العصور الوسطى إلى ~~رحابة العصور الحديثة؛ ومن تلك النتائج أيضا أن قر في أذهاننا ~~أن القيم الإنسانية العليا لا تصاحب العلوم الطبيعية، ms185 ما دام قادة ~~المذهب الإنساني في أوروبا إبان نهضتها قد أغفلوا تلك العلوم من ~~الصورة المثلى، وكأنما إغفالهم هذا لم يكن صدفة محضة، بل كان ضرورة ~~حتمية تدوم مع العصور جميعا؛ ولهذا أصبح مألوفا على ألسنة ~~المتكلمين وأقلام الكاتبين، أن نسمع وأن نقرأ بأن المغالاة في العلوم ~~الطبيعية على حساب الدراسات الإنسانية قد يكون مفسدة لكياننا ~~الإنساني! ونريد بهذا الحديث بيان الخطأ في هذين الموضعين. # أما عن دراسة اليونانية واللاتينية؛ فأحب أن أجعلها واضحة منذ ~~البداية. إن موضوع الحديث هنا ليس هو ضرورة هذه الدراسة من حيث إن ~~هاتين اللغتين أصل ثقافي، لا بد من دراسته إذا أردنا أن ندرس ~~فروعا كثيرة أخرى، كالفلسفة والقانون الروماني، بل إذا أردنا أن نكون ~~على علم من الداخل بالمصطلح العلمي في فروع العلوم الطبيعية جميعا؛ ~~فدراسة هاتين اللغتين ضرورة ليس لنا حيالها اختيار؛ لكن موضوع ~~الحديث هنا هو السؤال عما إذا كانت دراسة هاتين اللغتين، وما كتب ~~بهما من تراث يوناني وروماني، ضرورة تقتضيها النظرة «الإنسانية»، ~~كما كانت الحال في نظر النهضة الأوروبية. والرأي عندي هو أن ما قد ~~عد ضرورة إنسانية في أوروبا النهضة - وفي إيطاليا بصفة خاصة - ~~إنما عد كذلك للصلة الشديدة التي كانت تربط الثقافة الأوروبية ~~بسالفتيها من يونانية ولاتينية، فإذا أرادت تلك الثقافة أن تتنفس ~~الهواء الطلق، بعد أن فكت عن خناقها قبضة اللاهوتيين إبان ~~العصور الوسطى؛ فأين كانت لتجد ذلك الهواء الطلق تتنفسه إلا في ~~تراثها، ولا سيما أن ذلك التراث يحمل في حصائله كل ما كان ينقص ~~الإنسان الثائر على القيود، من قيم الحركة الفكرية، وحب ~~الحياة؟! # فإذا أردنا نحن اليوم أن نصنع الصنيع نفسه، بأن نتيح للإنسان ~~ثقافة تمكنه من اكتساب القيم الإنسانية التي ينشدها، فإنما ~~يتحقق لنا ذلك، لا بضرورة التوسع في دراسة اليونانية واللاتينية، بل ~~بضرورة الاستعانة بتراثنا نحن، كما استعانت أوروبا النهضة بتراثها؛ ~~وبذلك تتحقق الموازاة بين الموقفين. # أقول ذلك عابرا، بعد أن لم تعد مسألة اليونانية واللاتينية قضية ~~تشغل الأذهان، كما كانت ms186 تشغلها في الثلاثينيات؛ فقد راجعت ما قاله ~~أستاذنا الدكتور طه حسين في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر » (1938م)، ~~وقد خصص للحديث في هذا الموضوع فصلا كاملا (من صفحة 275 إلى صفحة ~~299، في الجزء الثاني من الكتاب)، يعرض فيه رأيه في ضرورة اليونانية ~~واللاتينية لا في تعليمنا الجامعي وحده، بل في التعليم الثانوي ~~كذلك، ما دام هذا التعليم الثانوي مرحلة مؤدية إلى المرحلة ~~الجامعية؛ وقد خيل إلي أن أستاذنا في دفاعه الحار، لم يقصر ~~أهمية تلك اللغتين على كونهما مادتين دراسيتين بين المواد الدراسية ~~الواجب قيامها في المدارس والجامعات، بل جاوز ذلك ليجعل لهما مكانة ~~أخرى ممتازة، تشبه المكانة التي كانت لهما عند أنصار الدعوة ~~«الإنسانية» في تاريخ أوروبا الحديث، يقول: «وأنا مؤمن أشد الإيمان ~~وأعمقه وأقواه، بأن مصر لن تظفر بالتعليم الجامعي الصحيح، ولن تفلح ~~في تدبير بعض مرافقها الثقافية المهمة، إلا إذا عنيت بهاتين ~~اللغتين، لا في الجامعة وحدها، بل في التعليم العام قبل كل شيء»، ~~ويقول أيضا: «إن التخصص في أي فرع من فروع الدراسات الأدبية، ~~التخصص الصحيح، لا سبيل إليه إلا إذا استعد الطلاب له بمعرفة ~~اللاتينية دائما، واليونانية أحيانا، فلا بد أن يهيأ الطلاب ~~في المدارس العامة لهذا التخصص» (يقصد في المدارس الثانوية). # وإني لأقرن هذا الاهتمام كله من أستاذنا - وربما كان لذلك ~~الاهتمام مبرراته في حينه - أقول إني لأقرن اهتمام أستاذنا بما ~~ليس له صلة وثيقة مباشرة بحياتنا الثقافية، أقرنه برأي للفيلسوف ~~الأمريكي «رالف بارتون بري» - وقد كان أستاذا للفلسفة في هارفارد ~~معظم حياته العاملة، بل وبعد أن بلغ سن التقاعد سنة 1946م، إلى أن ~~توفي منذ قريب - إذ يقول في كتابه «إنسانية الإنسان» ما ترجمته: ~~«لقد كان حدثا تاريخيا عارضا هنا أن الماضي الذي شعر نحوه ~~أصحاب المذهب الإنساني الإيطاليون في القرنين الرابع عشر والخامس ~~عشر، بذلك الإجلال العظيم، هو عصر الحضارة اليونانية الرومانية؛ كان ~~هذا تاريخهم هم بالمعنى المزدوج، فقد كان بالنسبة إليهم ماضيهم ~~المباشر الذي ارتبطوا به بالاستمرار الثقافي، بينما كان الأدب ms187 ~~اللاتيني أدبهم القومي، وكانت اللغة اللاتينية لسان أجدادهم، إلى ~~جانب كونها اللغة المتواضع عليها للعالم المثقف؛ أما الثقافة ~~اليونانية فإنها كانت قد غزت الثقافة الرومانية، ولم يتطلب إحياء ~~اللغة والأدب اليونانيين إلا متابعة النهر إلى منبعه، غير أن ~~المعنى الذي كانت تحمله اليونانية واللاتينية لأصحاب المذهب الإنساني ~~الإيطاليين، لم يعد يحمل المعنى نفسه لأي مكان آخر أو ~~زمان». # وأكرر القول بأن الاعتراض هنا ليس موجها إلى دراسة اليونانية ~~واللاتينية من حيث هما، وباعتبارهما جزءا من التراث الإنساني الذي ~~لا بد من دراسته، بل هو موجه إلى أي اتجاه يريد أن يجعل منهما ~~النبع الأساسي الذي نستمد منه قيمنا الإنسانية، إذا ما أردنا أن ~~ننشئ للإنسان العربي الحديث شخصية متكاملة؛ إذ النبع الأساسي لهذا ~~الإنسان العربي، هو المقابل العربي للتراث اليوناني اللاتيني بالنسبة ~~لأوروبا، أعني أنه هو التراث العربي بما يحمله من قيم. # 3 # ذلك هو أحد الخطأين اللذين تورطنا فيهما مع من تورط، ممن ~~جعلوا نموذج المذهب الإنساني الذي ينشد للإنسان أن يكون هدفا ~~مقصودا لذاته، حرا في تفكيره، متحررا من قيوده، مستمتعا ~~بحياته الدنيا؛ أقول ممن جعلوا نموذج هذا المذهب الإنساني هو ما ~~أعلنه أنصار ذلك المذهب في أوروبا إبان نهضتها، فنقلوا عنهم ~~حرفا بحرف، فإذا كان هؤلاء الأنصار قد عادوا إلى التراث ~~الكلاسي ليحرروا الإنسان من نير العصور الوسطى؛ فلا بد لنا ~~كذلك أن نعود إلى هذا التراث الكلاسي نفسه؛ على حين أن العبرة ~~هي في «التراث» - ولكل تراثه - لا في ضرورة أن يكون ذلك التراث ~~هو اليوناني الروماني دون سواه. # أقول إن ذلك هو أحد الخطأين، وأما الخطأ الثاني فهو أن ~~نتورط مرة أخرى فيما فعله رجال النهضة الأوروبية، عند عودتهم ~~إلى المذهب الإنساني بعد ظلام العصور الوسطى، وهو أن يغفلوا ~~العلوم الطبيعية من حيث هي مصدر للقيم الإنسانية التي تجعل من ~~الإنسان إنسانا؛ فكلما توسعنا في العلوم الطبيعية بغية إقامة ~~حياة جديدة تساير العصر الحاضر في علمه وصناعته؛ أشفق ~~المثقفون، خشية أن يكون ذلك التوسع مؤديا ms188 إلى جدب في القيم ~~الإنسانية، على اعتبار أن هذه القيم تنشأ - أكثر ما تنشأ - من ~~«العلوم الإنسانية» كالتاريخ والفلسفة ودراسة اللغة والأدب. # ونريد هنا أن نؤكد ما يصحح هذا الخطأ، بأن لا تعارض بين ~~العلم الطبيعي والمذهب الإنساني؛ بل إن رجال النهضة الأوروبية ~~أنفسهم - الذين نتخذهم نموذجنا في الدعوة الإنسانية - لم ~~يعارضوا بين العلم الطبيعي والقيم الإنسانية، لم يقولوا إن هذه ~~القيم لا تنشأ عن ذلك العلم، وهم إذا كانوا في دعوتهم الإنسانية ~~قد أغفلوا العلم الطبيعي؛ فذلك لأن هذا العلم كان قد ولد ~~لتوه في الحضارة الأوروبية قويا مكينا على أيدي جاليليو ~~وكوبرنيق ونيوتن وغيرهم، فلم يكن بحاجة إلى من يؤكد ضرورته، وهو ~~الوليد القوي الذي ولد من الثورة على القرون الوسطى؛ ليكون ~~فجر العالم الجديد. # أنه مهما اختلفت الزوايا التي ينظر منها إلى المذهب الإنساني، ~~ومهما اختلفت خصائص هذا المذهب باختلاف المتكلمين في فلسفته؛ ~~فالرأي مجمع على أن الأساس الأول والهدف الأخير هما أن نكفل ~~للإنسان حياة نعترف له فيها بحقوقه الإنسانية في هذه الدنيا وعلى ~~هذه الأرض، وإذا كان ذلك كذلك؛ فبأي شيء نكفل له هذه الحقوق ~~الإنسانية أكثر مما نكفلها له بالعلوم الطبيعية، وبخاصة في عصر ~~تطبيقها على الحياة العلمية؟ أنكفلها له بأبراج عاجية - كما ~~يقولون - يعتزل فيها المثقفون بثقافات «إنسانية» من النوع الذي ~~لا يبني البيوت ولا يقيم الجسور ولا ينبت الطعام ولا ينسج ~~الثياب؟! إن تلك الأبراج العاجية نفسها بحاجة إلى من يقيمها ~~بالعلم وتطبيقاته؛ والحق أن الحلقة في هذا حلقة مفرغة؛ ~~فالعلم وتطبيقاته على الحياة شرط أساسي لازدهار الحياة، ثم يجيء ~~هذا الازدهار بدوره شرطا أساسيا لتقدم العلم وتطبيقاته؛ ولك ~~أن تستعرض عصور التاريخ الحضاري، وستجد عندئذ أن تقدم العلم ~~وارتفاع المستوى المعيشي يكادان يكونان متلازمين حيثما وقعا، ~~فلم يتقدم العلم بدرجة ملحوظة إلا في عصر ازدهرت فيه ظروف ~~العيش، ولم تزدهر هذه الظروف في عصر أو في بلد إلا ومعها ~~تقدم في العلم؛ مما يؤكد العلاقة الوثيقة بين العلم الطبيعي ~~وحياة الإنسان ms189 في هذه الدنيا وعلى هذه الأرض، وهي الحياة التي يدعو ~~إليها المذهب الإنساني. # يخاف الخائفون من طغيان العلم وتقنياته، ومصانعه ومعامله ~~وآلاته، أن يؤدي ذلك إلى جفاف العاطفة الإنسانية ويبوسها ~~وذبولها، على اعتبار أن العاطفة لا مكان لها في حياة يسودها ~~العلم وملحقاته! وإني لأنتهز هذه الفرصة لأشير إلى هذه ~~المقابلة الزائفة التي كثيرا ما يقابل بها الناس بين العقل ~~والعاطفة، حاسبين أن الأمر إما عقل أو عاطفة؛ وحقيقة الموقف ~~هي أن لكل من العقل والعاطفة مهمة مختلفة، والمهمتان ~~متكاملتان في كل عملية من مجرى النشاط اليومي؛ وذلك أن الإنسان ~~يختار أهدافه بالعاطفة، ثم يخطط الخطط بالعقل لتحقيق تلك ~~الأهداف. # إن كلمة «العقل» لا تطلق إلا على الحركة الانتقالية من ~~المقدمات إلى نتائجها، ومن المراحل إلى غاياتها؛ وأما الإدراك ~~لشيء بذاته، كأن أنظر - مثلا - إلى هذه البقعة اللونية الصفراء ~~التي أمامي، أو كأن أركز الذهن في فكرة من الأفكار أو في مبدأ ~~من المبادئ مجرد تركيز، دون انتقال منه إلى نتائجه التي تتفرع ~~عنه، فذلك لا يندرج في مفهوم العقل، وله أسماء أخرى؛ فهو إدراك ~~حسي في حالة البقعة اللونية، وهو إدراك حدسي في حالة التركيز ~~الذهني على فكرة أو على مبدأ معين، لا تتزحزح عنه إلى ما ~~يترتب عليه من أفكار وأعمال؛ ولذلك كان التخطيط لمراحل السير ~~المحققة لهدف معين، فاعلية عقلية، كالسير في خطوات الحل لمسألة ~~رياضية، أو في خطوات لبلوغ شاطئ البحر أو قمة الجبل، أو كالسير ~~في خطوات تحقق مضاعفة الدخل القومي كذا مرة، وتوسيع الرقعة ~~المزروعة كذا فدانا من الأرض، وهكذا وهكذا ... «العقل» سير منظم ~~نحو هدف مقصود، وحيث لا «سير» فلا عقل، ثم لا يكون هنالك سير ~~منظم إلا إذا كان هنالك هدف معلوم يجيء السير سيرا نحوه ~~ليحققه. # وأما اختيار الهدف فعملية «إرادية» تتم بالرغبة - أي بالجانب ~~العاطفي من الإنسان؛ إذ إن كل «ميل» عاطفة - والإرادة والرغبة ~~والعاطفة والميل كلها أسماء تطلق على ما ليس بعقل في تيار ~~النشاط الإنساني؛ افرض أنني اخترت ms190 لنفسي «هدفا» قريبا من أهداف ~~حياتي اليومية، هو أن أكتب مقالة في المذهب الإنساني وعلاقته ~~بالعلوم الطبيعية، فليس هذا الاختيار في حد ذاته عملية «عقلية»، ~~لكنه اختيار كان يمكن ألا يكون، كان يمكن مثلا أن أختار ~~موضوعا آخر للكتابة، أو أن أختار عدم الكتابة إطلاقا؛ الاختيار ~~إرادة ورغبة وميل؛ لكنه إذا ما تم؛ أصبح الهدف المختار أمرا ~~يريد أن يتحقق، فكيف يكون ذلك؟ ها هنا تبدأ العملية «العقلية»، ~~ترسم المراحل والخطوات، حتى يتحول الهدف المختار من مجرد رغبة ~~وميل إلى واقع ماثل محسوس. # وأعود إلى ما بدأت الحديث فيه، وهو خشية أنصار العاطفة أن يؤدي ~~طغيان العلوم الطبيعية إلى وأد العاطفة، فنقول إنها على عكس ~~ذلك تماما، ستضع في أيدينا وسائل كثيرة لتحقيق أهدافنا - ولا ~~تنس أن الهدف قد اختارته العاطفة ولا دخل للعقل فيه - ~~فبالعاطفة أردت مثلا أن أرقى بمستوى العيش في أسرتي، وبوسائل ~~العلوم الطبيعية (أي بالعقل) استطعت تحقيق ما قد رغبت في ~~تحقيقه، ولا تقل إن وسائل العلوم الطبيعية وتطبيقاتها منصرفة ~~إلى راحة الجسد، ولا شأن لها بالجوانب الروحانية من الإنسان، لا ~~تقل ذلك لأنه بغير الجسد لا ركوع ولا سجود ولا قراءة ولا بصر ~~ولا سمع، فالجانبان إذن وجهان لكائن موحد واحد. # 4 # اختلاجة مذعورة نشهدها كلما سارت حضارة عصرنا خطوة نحو مزيد ~~من العلم ومن التقنيات ومن المعامل ومن المصانع؛ خشية أن تضيع على ~~الإنسان بساطة العيش أيام الرعي أو الزراعة اليدوية، والبديل الذي ~~يقترحه المشفق المذعور، هو العلوم الإنسانية؛ لأنها هي التي تغرس ~~القيم في النفوس، وحتى لو اضطرتنا الحضارة العلمية أن نزيد ~~من اشتغالنا بالعلم الطبيعي، فلا بد عندئذ - هكذا يقول المشفق ~~المذعور - من إدخال شيء من العلوم الإنسانية تخفيفا من وقع ~~الحياة العلمية الصناعية على حياة الإنسان. # وهنا أيضا يحتاج الأمر إلى شرح وتوضيح؛ فمتى تؤدي الدراسة ~~ومتى لا تؤدي إلى تكوين الإنسان على النحو الذي نريده، سواء كانت ~~تلك الدراسة من العلوم الطبيعية أو كانت من العلوم الإنسانية؟ ~~لماذا يظن أن ms191 دراسة التاريخ والجغرافيا والفلسفة تقيم ~~الإنسان متكاملا معتقدا في القيم الإنسانية العليا، وأن دراسة ~~البيولوجيا والكيمياء والطبيعة تفتت بناء الإنسان وتفقده ~~المثل السامية؟! # إن الأمر مرهون بالهدف المقصود، وبطريقة الوصول إليه؛ فكل ~~دراسة تشعر الإنسان بإنسانيته، من حيث هو كائن حر الفكر، حر ~~الإرادة، يختار الأهداف كما يشاء، ويفكر لتحقيقها بغير معوقات ~~وحوائل، لا بد مؤدية آخر الأمر إلى الإنسان الذي يريده ~~المذهب الإنساني؛ فليس الخوف من العلوم الطبيعية في ذاتها، ولا من ~~العلوم الإنسانية في ذاتها، بل الخوف هو من أن يدخل الدارس إلى ~~رحاب هذه العلوم أو تلك، محدود النظر، فيفقد بهذا التحديد أول ~~شروط الحركة الإنسانية، وأعني بهذه الشروط الأساسية أن يكون ~~مطروحا أمامه في الأفق من المبادئ والأفكار ما يمكنه من ~~الاختيار تحقيقا لأهدافه؛ وهذا هو بعينه ما يقال إنه موجود في ~~الدراسات الإنسانية، ومعدوم في العلوم الطبيعية؛ إذ يقال إن ~~هذه العلوم الطبيعية من شأنها التخصص الذي يضيق الأفق، ويسد ~~طريق الاختيار الحر بين ممكنات كثيرة، لكن تحليلا أدق ~~وأوفى للعلوم الطبيعية ومناهج البحث فيها، يبين أنها لو قدمت ~~على الوجه الصحيح؛ لأتاحت الفرصة نفسها، من حيث اتساع الأفق، ~~وإمكان المقارنة، وحرية الاختيار، التي تقدمها أي دراسة ~~منهجية في ميدان العلوم الإنسانية. # ويقال فيما يقال إن العلوم الطبيعية من شأنها أن تحصر الانتباه ~~والاهتمام في جانب المنفعة وحده دون سائر الجوانب التي يجاوز ~~بها الإنسان في حياته حدود المنفعة، وبذلك النظر الجزئي إلى ~~طبيعة الإنسان يفقد الإنسان تكامله، على حين أن العلوم الإنسانية ~~عادة تنظر إلى الإنسان في فاعليته من حيث هو كائن متكامل، يحب ~~المنفعة، ويحب الطموح، ويحب الخيال، ويحب التأمل، ويحب ~~أشياء كثيرة جدا مما يجاوز به قيود اللحظة الراهنة؛ لكننا ~~نقول إن العلوم الطبيعية إذا درست من حيث هي دراسة للبيئة ~~التي يعيش فيها الإنسان، فعندئذ سيدخل الإنسان بكله ومجموعه في ~~الصورة، ولا تكون البحوث العلمية بحوثا مجردة في الهواء، ~~معزولة عن حياة الإنسان الفعلية، وأحسب أن الصيحة التي تدعو ~~العلماء بقوة ms192 إلى أن يجعلوا علمهم في خدمة الإنسان، هي صيحة ~~ترد للعلوم إنسانيتها التي أشفق المشفقون من ضياعها. # وإننا لندخل في مبحث طويل ، إذا طفقنا نعدد الجوانب ~~الإنسانية التي يمكن لعلماء الطبيعة أن يحققوها، فضلا عن أنهم ~~يهيئون «للإنسان» بيئة أصلح لعيشه، فهم في كل جهد يبذلونه ~~إنما يستهدفون قيمة من القيم الإنسانية العليا، ألا وهي قيمة ~~«الحق»؛ إذ يكشفون عن حقيقة العالم وأسراره. # العلوم الإنسانية علوم، والعلوم الطبيعية علوم؛ هذه تدرس البيئة، ~~وتلك تدرس موضع الإنسان من تلك البيئة مكانا وزمانا؛ فهل نعيش ~~لنرى يوما يفيق الإنسان إلى وحدته مع بيئته فتتدخل المجموعتان ~~من العلوم في جهد بشري واحد، لا يكون فيه عالم للطبيعة جاهلا ~~بتاريخ الإنسانية وأهدافها، ولا يكون فيه دارس للإنسان جاهلا ~~بالبيئة الطبيعية التي يسكنها الإنسان؟! # الإعلاء من شأن الإنسان غاية متفق عليها، لكننا قد أخطأنا في ~~سبيل تحقيقها خطأين؛ وقع أحدهما في ثلاثينيات هذا القرن حين ~~ظننا أن ذلك لا يكون إلا إذا سلكنا السبيل نفسها التي ~~سلكتها أوروبا في قرون نهضتها من عودة إلى تراث اليونان ~~والرومان ففاتنا أن المهم هو رجوع الأمة المعينة إلى تراثها ~~لتصل حاضرها بماضيها، ولكل أمة تراث. وأما الخطأ الثاني فنحن ~~اليوم في سبيل الوقوع فيه، وهو التفرقة غير المشروعة بين علوم ~~وعلوم، بحيث تفوتنا الوحدة التي يجب أن تتسق بها جوانب الإنسان ~~كائنا واحدا، فيه العاطفة التي تميل نحو أهداف، وفيه العقل الذي ~~يرسم مراحل السير مسددة نحو أهدافه. # | سارتر في حياتنا الثقافية # 1 # عندما كتبت منذ بضع سنوات عن الفكر الفلسفي في بلادنا، ورددت ~~نشاطنا في هذا الميدان إلى محورين، هما «العقل والحرية»، وقلت إنه ~~إذا كان أسلافنا من فلاسفة العرب قد أداروا أعمالهم الفلسفية حول ~~محاولة التوفيق بين «العقل» و«النقل»، فنحن أبناء اليوم - في ~~محاولة شبيهة بتلك - نسعى إلى الجمع في خط واحد بين «التعقيل» ~~و«التحرر»: التعقيل الذي نتخلص به من أوهام الخرافة وأخلاط الجهل ~~وغيبوبة الدراويش، والتحرر الذي ننطلق به من أغلال المستعمر ~~الأجنبي واستبداد الحاكم ms193 الداخلي؛ أقول أنني عندما كتبت هذا منذ ~~بضع سنوات، لم أكن قد التفت إلى العلاقة الوثيقة بين هذا ~~الموقف الفكري من جهة، وما جاء جان بول سارتر ليدعو إليه، دعوة ~~تحمل التعبير القوي العميق الصادق عن روح العصر كله من بعض ~~نواحيه. # فلما أن توجهت بفكري إلى هذا الضيف الكبير؛ إذ هو في زيارتنا ~~هذه الأيام (مارس 1967م) بدعوة من جريدة الأهرام، تبين لي في ~~جلاء هذه العلاقة القوية بين ما نحن جاهدون في سبيله، وما يدعو ~~إليه الفيلسوف الفرنسي؛ ما لم يدع أمامي موضعا لتساؤل عن سر ~~الجاذبية العقلية الشديدة التي قربت سارتر من جماعة المثقفين ~~على اختلاف درجاتهم في هذه البلاد، وليس يعني هذا أن فكرنا نسخة ~~من فكره؛ إذ يكفي أن نقول إن وجهتنا الفكرية قد بدأت أوائلها ~~منذ منتصف القرن الماضي، وأخذت تتجمع قواها على مر السنين وعلى ~~أيدي قادة الفكر منا، رائدا بعد رائد؛ يضاف إلى ذلك أن جانبا ~~أساسيا من نظرة سارتر - وهو الجانب الخاص بفكرته عن الله - لم ~~يكن - ولن يكون - جزءا من بنائنا الفكري؛ لكن الذي أعنيه هو أننا ~~إذ نفكر في ظروفنا وفي عصرنا، نجد روح الفكرة عندنا متسقة في ~~نواح رئيسية منها مع روح الدعوة التي يدعو إليها سارتر. # وإنك لتجد في حياتنا الفكرية ضروبا من النشاط، قد يخيل ~~إليك أنها أشتات متناثرة لا وحدة بينها ولا رباط، لكنك ما إن ~~تنظر إليها على ضوء مبدأ شامل ومحور جامع، حتى تجدها قد تجمعت ~~وكأنما هي خطوات سائر واحد على طريق واحد، يسير نحو هدف محدد ~~مقصود؛ فها هم أولاء أفراد بارزون من جماعة المثقفين في بلادنا، ~~قد عنوا عناية خاصة بالوجودية بصفة عامة، وبوجودية جان بول ~~سارتر بصفة خاصة، ينقلون عنها النصوص ويعلقون عليها بالبحوث، ~~فنظن للوهلة الأولى أنها اهتمامات فردية خاصة لا تندمج ولا ~~تتلاحم مع تيارنا الفكري العام، على حين أنها جهود تقع في صميم ~~الصميم من ذلك التيار، ما دامت الروح السائدة فيه هي - كما كنت قد ms194 ~~أوضحت في المناسبة التي أشرت إليها في أول هذا الحديث - نفسها ~~الروح التي تسود العصر كله، والتي كان الفلاسفة الوجوديون بغير ~~شك من أفصح الألسنة التي نطقت بالتعبير عنها. # وفي طليعة الطليعة ممن توجهوا بجهودهم في هذا الاتجاه الدكتور ~~عبد الرحمن بدوي، الذي أثرى حياتنا الفكرية بنتاجه الخصب ~~الغزير، فلم يكفه أن يخرج لنا في الأربعينيات الأولى فلسفة ~~وجودية تدعو إلى الحرية العقلية وحرية الفعل دعوة قوية صريحة، بل ~~طفق منذ ذلك الحين يلفت أنظارنا إلى المعالم الرئيسية في وجودية ~~الفلاسفة الآخرين من رجال الغرب الحديث، ومن العرب الأقدمين، على ~~السواء؛ ونخص بالذكر من جهوده العظيمة هذه آخر أعماله في هذا ~~السبيل، وهو عمل ضخم كان وحده يكفي أن يكون ثمرة حياة نشيطة، ~~وأعني به ترجمته لكتاب سارتر «الوجود والعدم»، وكأنما أراد ~~الدكتور بدوي أن يقول لنا - بهذا العمل المضني - إذا أردتم أن ~~تربطوا تياركم الفكري بتيار العصر كله؛ فلا يكون ذلك ~~بالثرثرة الخفيفة المخطوفة الخاطفة، التي تجمع حبة من هنا وحبة ~~من هناك، وإنما يكون بالرجوع إلى الأسس والأصول، وهاكم مني هذا ~~الأصل والأساس. # ومن أهم النقول السارترية قبل ذاك، كانت الترجمة العربية التي ~~أداها خير أداء الدكتور محمد غنيمي هلال لكتاب سارتر «ما ~~الأدب؟» أو إن شئت دقة فهو - وإن يكن قد حمل هذا العنوان نفسه ~~في أصله الفرنسي - ليس في أصله كتابا قائما بذاته، إنما هو الجزء ~~الأكبر من المجلد الثاني من كتاب سارتر الذي عنوانه «مواقف»، ~~والذي ظهر في عدة مجلدات. وأهمية هذا الكتاب في حياتنا الفكرية ~~عظيمة، وحسبك أن تعلم أنه أدق وأوفى عرض لفكرة الأدب ~~الملتزم؛ فما أكثر ما نتبادل الحديث عن التزام الأديب في مرحلتنا ~~الاجتماعية والسياسية الراهنة! ولكن ما أقل ما يتسم حديثنا ~~عنه بالدقة التي تحدده، مما عساه أن يؤدي إلى خلط ~~واضطراب. # والذي يهمنا في هذا الصدد، ليس هو أن هذين الباحثين الجليلين ~~قد نقلا إلينا نصين من أهم النصوص السارترية وكفى، بل هو أن ~~في حياتنا الفكرية من العناصر ms195 ما يستلزم أن ندعمه بأمثال هذه ~~النصوص؛ لما بيننا وبينها من رباط وثيق، وأخيرا أصدر سارتر كتاب ~~«الكلمات» ليكون سيرة حياة، فنقله إلى العربية الدكتور خليل ~~صابات، وبذلك اكتملت لنا صورة بوجهيها: الذات وما تدعو ~~إليه. # لكننا نعلم أن سارتر قد جسد فلسفته النظرية في شخوص أدبية ~~ومواقف روائية ومسرحية، ولقد قام أدباؤنا بنقل طائفة من روايات ~~سارتر ومسرحياته - إما ترجمة كاملة أو تلخيصا لمادتها - أخص ~~بالذكر منها مسرحية الذباب التي ترجمها الدكتور محمد القصاص .. ~~وإنني ها هنا لألتمس المعذرة عند قارئي؛ لأنني قليل العلم بما ~~ترجم عن سارتر في سائر الأقطار العربية الشقيقة؛ فقد قيل لي إن ~~«المواقف» قد ترجمت كلها بجميع أجزائها كما ترجمت رواية ~~الغثيان ومعظم المسرحيات. # على أن الترجمة لم تكن هي كل ما صنعناه بفلسفة سارتر، بل ~~أضفنا إليها تأليفا عنه فيما لا يكاد يحصى من الكتب والمقالات، ~~ولو كان لي أن ألفت النظر إلى مؤلف واحد قبل سواه، لذكرت ~~الدكتور زكريا إبراهيم. # وقد بلغت عناية أدبائنا بسارتر أن تعقبوا كثيرا مما كتب ~~عنه في أوروبا وأمريكا، وكان من أهم ما صدر تجميعا وتنسيقا لما ~~قيل، كتاب مجاهد عبد المنعم مجاهد، وعنوانه «سارتر .. عاصفة على ~~العصر». # وبديهي أننا لم نترجم ولم نلخص ولم نؤلف لنقف من هذا كله ~~في صمم، بل كان لا بد أن تسري العصارة في مداد الأقلام عند ~~طائفة من كتابنا؛ وإني لأسوق من هؤلاء مثلا واحدا بارزا، ~~هو كاتبنا، النابضة كتابته بكل ما في حياتنا المتوثبة ~~المتطورة من نبض سريع، الأستاذ أنيس منصور، وإني لأفتح كتابه ~~«يسقط الحائط الرابع» لأقرأ في رأس أولى مقالاته قوله: «إن كل ~~فلسفة لا تقاوم الجوع في العالم لا تساوي وزنها ورقا .. إن ~~كل كاتب لا يتعذب عند رؤيته لطفل جائع هو كائن قد صفى حسابه ~~مع ضميره، ومع مسئوليته، كاتبا وإنسانا ...» أقرأ له هذه البداية، ~~فأهتف لنفسي: هذا كاتب قد تدفقت السارترية في دمائه. # 2 # لقد صبرت على قلق خلال الأسطر السابقة، وإني لموقن أنها ms196 لم ~~تشتمل من جهود الجاهدين إلا لمحات موجزة سريعة، هي أشد ما ~~تكون تقصيرا وقصورا، وموقن كذلك أن مئات القراء سيهمسون ~~لأنفسهم وهم يقرءون: لماذا يذكر فلانا وفلانا ممن بذلوا جهدا ~~في الفلسفة السارترية ترجمة أو تعليقا؛ ولكنني - فضلا عن قلة ~~إلمامي بكثير جدا مما كتب في هذا السبيل - قد كنت على قلق ~~يدفعني إلى الإسراع، حتى أوضح ما أردته حين قلت إن اتجاهنا ~~نحو «العقل» و«الحرية» فيه مشاركة واضحة للدعوة السارترية - عن ~~قصد أو عن غير قصد - ذلك لأنني أرجح أن يسأل سائل: أتعد ~~الوجودية بكل أشكالها نزوعا نحو «العقل»؟ أليست مندرجة في ~~النزعات «اللاعقلية» حتى ليوصف العصر كله أحيانا بأنه عصر ~~«اللامعقول»؟ إن دارسي الفلسفة ليعلمون أن الفلاسفة ضربان ~~متميزان - وإن يكن أحدهما مكملا للآخر - ففريق منهم يتجه ~~باهتمامه نحو «الحياة» الإنسانية المتعينة المتجسدة في أفراد ~~الناس، على حين يتجه الفريق الآخر باهتمامه نحو «الفكر» في ~~تجريده الذي لا لحم له ولا دم، ولا قلب ولا تنفس؛ أما ~~الأولون فيجعلون مجرى التجربة الداخلية مدار بحثهم أساسا، ~~وأما الآخرون فمدارهم التصورات العقلية؛ الأولون منهجهم حدسي ~~والآخرون منهجهم بناء النسق الاستنباطي، الذي يهبط فيه ~~الاستدلال من المبدأ إلى نتائجه ... إلى آخر هذه الفوارق التي ~~تميز فلاسفة الحياة من فلاسفة الفكر النظري. وإذا كان سارتر - ~~بحكم فلسفته الوجودية - من الفريق الأول؛ ففيم القول بأن ~~نزعتنا «العقلية» تقربه منا، وتقربنا منه؟ # نعم، لقد خشيت أن يلحظ قارئ عند قراءته للأسطر الأولى من هذا ~~الحديث شيئا من المفارقة، فأردت أن أسرع إلى بيان ما أعنيه؛ وهو ~~تلك العودة التي عاد بها سارتر - مع غيره من فلاسفة العصر - إلى ~~ربط الوجود الإنساني ب «الوعي» أو «اللاشعور» بعد أن كانت الموجة ~~الفرويدية قد ربطته باللاوعي أو اللاشعور. والحق أن الموروث ~~الفلسفي كله تقريبا لم يخرج على هذا التقليد، حتى جاءت مدرسة ~~فرويد فشذت عن جادة الطريق؛ فلم يكن الإنسان عند أرسطو وسائر ~~القدماء إلا الكائن «الناطق»؛ أي «المفكر» - والفكر والوعي ~~مترادفان - ثم جاءت العصور الحديثة ms197 بادئة بأبي الفلسفة ديكارت، ~~الذي أقام فلسفته على الكوجيتو المعروف: «أنا أفكر فأنا موجود»؛ ~~أي إن الفكر الواعي هو شرط الوجود الإنساني ؛ وكذلك قل في مسار ~~الفلسفة التجريبية، حين جعلت قوام المعرفة الإنسانية انطباعات ~~الحس، فهي إذن «واعية». وتناول «كانت» المعرفة العلمية بتحليله ~~الفذ، فردها إلى حدوس حسية ومقولات عقلية، وكلاهما يكون ~~الحياة الواعية. وظهرت مدارس علم النفس التجريبي بشتى صورها، ~~لكنها أجمعت على أن تجعل «الوعي» قوام الحياة النفسية عند ~~الإنسان؛ إلا صاحبنا فرويد وأنصاره وتابعيه، فقد ضرب ضربته ~~التي دوت في دنيا الثقافة بجميع أرجائها، وما تزال تدوي، وإن ~~تكن صائرة إلى خفوت، وهي أن الإنسان حقيقته تكمن في اللاوعي؛ ~~نعم، إنه يقيم النفس الإنسانية من ثلاثة طوابق؛ يجعل الوعي ~~أحدها، يأتي دونه شبه الوعي، الذي يكمن فيه من ماضينا ما نستطيع ~~أن نتذكره، وهناك دون هذا وذاك يقبع اللاوعي، الذي هو الأساس ~~الخبيء في تحريك الإنسان، فيما يرى فرويد. # ويجيء «علم الظواهر» على يد هوسرل - أو «الظواهرية» أو ~~«الظاهراتية»، كما قد تسمى عند مختلف الكتاب عندنا - ~~فيلفتنا نحو «الوعي» مرة أخرى؛ أنه يعود بنا إلى ديكارت من ~~جديد، ولكن بعد إضافة مهمة جدا؛ فلئن كان الوعي مجرد الوعي عند ~~ديكارت شرطا للوجود الإنساني (أنا أفكر إذن أنا موجود)، بغض ~~النظر عن علاقة ذلك الوعي بما يشير إليه من أشياء هي التي تكون ~~موضع الوعي منا؛ فقد أكد هوسرل أن الوعي لا يكون إلا ~~وعيا بشيء، فإذا قلنا إن ثمة وعيا بكرا خالصة نحدسه في ~~ذواتنا من داخل، فقد قلنا حتما وبالضرورة إن ثمة أشياء ~~وحالات هي التي نعيها بذلك الوعي، ومن ثم يتحتم وجود ~~«الآخر» مع وجودنا الواعي. # وليس هوسرل و«علم ظواهره» هو موضوع حديثنا، لكنه سارتر الذي ~~تبع هوسرل فيما ذهب إليه من أن الجذور الأولية في حياتنا النفسية ~~إنما هي «الوعي» - ولا ذكر للاوعي الذي تعلق به فرويد ومدرسته ~~- وعلى سبيل المقارنة نقول إن ديكارت كان يعلق الوجود على الفكر ~~- أي الوعي - فجاء سارتر ليعلق ms198 الفكر - أي الوعي - على الوجود، ~~فديكارت بمنزلة من يسألك: هل أنت ذو فكر؟ إذن فأنت موجود ولا شك ~~في وجودك؛ وأما سارتر فبمنزلة من يسألك: هل أنت موجود؟ إذن فأنت ~~ذو فكر ووعي. # وأعود إلى علاقتنا الفكرية بسارتر، فأقول إن أهم عوامل ~~نهوضنا الفكري منذ الأفغاني ومحمد عبده، وإلى يومنا هذا، هو إخراج ~~الناس من حياة لا واعية أو شبه واعية، إلى حياة واعية، قوامها ~~الاحتكام إلى العقل وأحكامه، وانظر إلى حياتنا الفكرية اليوم، ~~تجد كلمة «التوعية» مترددة في كل مجال؛ إدراكا منا لضرورة ~~الارتكاز على «الوعي» الصاحي المفكر المتنبه اليقظان؛ وهذا ~~الاهتمام بالوعي دون اللاوعي، هو ما قصدت إليه حين ربطت بين ~~حياتنا الفكرية ودعوة سارتر. # وأما الدعوة إلى الحرية فأوضح من أن نلجأ في أمرها إلى ~~تحليل، لكننا نلاحظ أن دعوتنا إلى الحرية كانت سطحا بغير قاع، ~~ومن هنا كان اهتمامنا بفلسفة الحرية الإنسانية عند سارتر؛ لأنها ~~فلسفة تعطينا القاع الذي نرتكز عليه؛ فلمن شاء أن يقلب ما شاء ~~فيما أنتجناه منذ الأفغاني إلى اليوم، ولن يجد إلا دعوات ~~متلاحقات إلى التحرر من هذا وهذا وذاك، والحرية في هذا وهذا وذاك، ~~حتى لأكاد أقول إن أدباءنا ومفكرينا لم يكن لهم شاغل أساسي ~~إلا موضوع الحرية من شتى وجوهها وفي مختلف تطبيقاتها. وحتى ~~الدعوة إلى العقلانية كانت فرعا من الدعوة إلى الحرية؛ لأن ~~الاحتكام إلى العقل هو ضرب من التحرر من قيود الجهل ومعوقاته .. ~~دعونا إلى الحرية السياسية، وإلى حرية المرأة، وإلى حرية ~~التعليم، وإلى حرية الأديب، وإلى حرية الباحث، وإلى الحرية ~~الاقتصادية أخيرا، بمعنى ألا يكون العائق الاقتصادي حائلا دون ~~الإنسان في طريق سيره وطموحه؛ ما أمكن ذلك. # وإني في هذه المناسبة لأذكر ما قاله سارتر في كتابه «ما الأدب؟» ~~إذ يقول إن للكاتب موضوعا واحدا هو موضوع الحرية؛ يقول: «... ~~فليكن المؤلف كاتب رسائل أو مقالات أو هجاء أو قصصيا، ~~وليقتصر في حديثه على عواطف فردية، أو ليهاجم نظام المجتمع؛ فهو ~~في كل أحواله الرجل الحر، يتوجه إلى ms199 الأحرار من الناس، وليس ~~له سوى موضوع واحد، هو الحرية.» (ص76 من الترجمة العربية) أقول ~~إني لأذكر هذا القول من سارتر، وأقرنه بما فعلناه خلال قرن ~~كامل، فأعلم أن قوله يصف فعلنا. # وهل أترك هذه المناسبة دون أن أذكر شيئا عن هذه الأحكام القاسية ~~التي قضى بها الأستاذ فتحي رضوان في كتابه «عصر ورجال» على مفكرينا ~~وأدبائنا فيما بين الحربين، والسياسة أو الحياة؟ يقول عنهم: «كان ~~الأمر عندهم تنقلا بين الشخصيات والأفكار والكتب، وكان ما يصدر ~~عنهم انطباعات سريعة، من قراءات لا تستولي عليهم، ولا تملأ حياتهم ~~ولا وجدانهم؛ وإنما أقصى ما تستطيعه هذه القراءات أن تدخل ~~إلى نفوسهم نشوة الإعجاب بفكرة أو بشخص، ولكنها لا تلبث أن ~~تنطفئ ليحل محلها إعجاب بفكرة أخرى وشخصية تالية .. ولذلك إذا ~~فرغت من قراءة كل ما كتبه العقاد والمازني وهيكل؛ لا تعرف ~~بالضبط ما الذي يريده أي منهم، ثم لا تعرف الفارق بين الواحد ~~منهم والآخر ...» (ص24). # وإني لأجد هذا الحكم ظالما، فأنا أظن أني «أعرف بالضبط ما ~~الذي يريده أي منهم»، وأعرف كذلك أن لا فرق بين أحدهم والآخر؛ ~~ذلك لأنهم جميعا يديرون القول - أساسا - حول التحرر ~~والحرية؛ تحرر من قديم، وحرية في بناء جديد؛ ولذلك كانوا في هذا ~~الوجه متشابهين جميعا، لا ترى فارقا بين أحدهم والآخر إلا في ~~الزاوية التي اختارها والطريقة التي سلكها في بلوغ الهدف؛ نعم، ~~كتب هيكل عن روسو، وكتب العقاد والمازني معا «الديوان» في ~~النقد، وكتب المازني حصاد الهشيم، وكتب علي عبد الرازق في الإسلام ~~وأصول الحكم، وكتب طه حسين في الأدب الجاهلي؛ كل أولئك في سنوات ~~متقاربة من العشرينيات، وكلهم يستقل في كتابته بمجال، لكنهم ~~جميعا يدعون بما كتبوا إلى الحرية الأدبية والسياسية والعلمية ~~والاجتماعية، وإلا فهل تستطيع أن تقرأ كتابا من هذه الكتب، ثم ~~تتركه بغير أن تنزع إلى التحرر من هذا أو من ذاك، قليلا أو ~~كثيرا؟ # لا، إن موضوع الكتابة الأدبية عندنا كان هو «الحرية» من شتى ~~وجوهها، لكن الذي نوافق عليه ms200 حقا، هو أنه لم تكن في أذهاننا ~~عن الحرية فلسفة واضحة المعالم؛ قد يقال: أن تعشق الحرية فطرة ~~لا تحتاج إلى فلسفة، لكن الفطرة نفسها تصبح أقوى تحريكا حين ~~تنتقل إلى سطح الوعي اليقظان، وهذا هو ما تصنعه لنا فلسفتها؛ ~~وكان مما حبب إلينا سارتر فلسفته في الحرية؛ إذ رأيناها ضرورية ~~لسد الثغرة الموجودة في كياننا الثقافي، وقد تكون هناك فلسفات ~~للحرية معاصرة غير فلسفة سارتر، وربما نقلنا بعضها إلى العربية ~~كما نقلنا فلسفة سارتر، وربما تأثرنا بها جميعا، لكن ذلك لا ~~ينفي - بل يؤيد - أننا أقبلنا على هذه الفلسفة بنفوس متفتحة ~~وصدور رحبة. ولست أريد هنا أن أفصل القول في فكرة الحرية ~~الإنسانية عند سارتر؛ لأن مراجعها أمام القارئ كثيرة، وحسبنا أن ~~نذكر مسرعين أن سارتر يرادف بين الحرية والحقيقة الإنسانية؛ إذ ~~الوجود عنده وجودان: وجود لذاته «وذلك هو الإنسان»، ووجود في ذاته ~~«وتلك هي الطبيعة»، والوجود الأول حرية صرف، والوجود الثاني ~~متقبل لما تفعله تلك الحرية فيه؛ وإنك لتمسخ الإنسان مسخا إذ ~~أنت جعلته «شيئا» يتقبل حرية سواه، إلى آخر ما ذهب إليه ~~سارتر في وجوديته. # ولست أرى نقطة التقاء بين حياتنا الفكرية في يومها الراهن ~~وبين سارتر، أقوى من القول بالأدب الملتزم؛ فماذا يقول سارتر في ~~التزام الأديب؟ إنه بادئ ذي بدء يخرج الشعر من الالتزام ~~الذي يعنيه، ويقصر الالتزام على النثر وحده، ولكي يوضح ذلك ~~سأل سؤالين، أجاب عن كل منهما إجابة مستفيضة؛ سأل: لماذا نكتب؟ ~~ثم سأل: لمن نكتب؟ # فأما عن السؤال الأول؛ فقد أجاب بأن الكاتب يكتب ليكشف عن ~~حقيقة واقعة يعرضها أمام القارئ على صورة توحي له بأن يفعل ~~إزاءها شيئا؛ فإذا وصف حالة من حالات الظلم مثلا، فهو لا يصفها ~~ليزداد بها القارئ علما فحسب، ولا ليزداد بفن الكتابة فيها ~~متعة فنية فحسب؛ بل يصفها لينشط القارئ بعدئذ للقضاء عليها، ~~«فإذا تناولت هذا العالم، بما يحتوي عليه من مظالم، فليس ذلك لكي ~~أتأمل في هذه المظالم في برودة طبع، بل لكي أردها ms201 حية بسخطي، ~~وأكشف عنها وأبعثها مظالم على طبيعتها؛ أي مساوئ يجب أن تمحى، ~~وبذا لا يكشف القارئ عن العالم في عمقه الذي صوره فيه الكاتب ~~إلا بفضل بحث القارئ فيه وسخطه» (ص75 من الترجمة العربية). إننا ~~لا نتصور بحال أن يكون الكاتب كاتبا حقا، إذا هو أجاز الظلم ~~بما يكتبه؛ إذ لا نتصور أن يستمتع قارئ بما يقرأ إذا ما وجد فيه ~~استعباد إنسان لإنسان «فالكتابة طريق من طرق إرادة الحرية، فمتى ~~شرعت فيها - إن طوعا وإن كرها - فأنت ملتزم» (ص78). # خذ كاتبا من السود في أمريكا، هو رتشارد رايت، ومن أشهر مؤلفاته ~~قصة «ابن الأقاليم» (1940م)، و«غلام أسود» (1945م)، وهذا الأخير ~~سيرة ذاتية للكاتب؛ خذ هذا الكاتب الأمريكي الأسود، فماذا ~~ينتظر منه أن يكتب فيه إلا قضية السود في أمريكا؛ يقول عنه ~~سارتر: «أويستطيع امرؤ أن يفترض لحظة، قبوله إنفاق حياته ~~في التأمل في الحق والجمال والخير الخالد؟ في حين تسعون في ~~المائة من سود جنوب الولايات المتحدة محرومون فعلا من حق التصويت ~~في الانتخاب؟! .. إنه إذا اكتشف أسود من سود الولايات المتحدة ~~في نفسه أنه من الملهمين في الكتابة، فقد اكتشف في الوقت نفسه ~~الموضوع الذي يكتب فيه» فلا مناص له من الكتابة في مشكلة ~~السود، كتابة يوجهها إلى فئة السود المثقفين أولا، وإلى ~~البيض المتعاطفين ثانيا؛ ولذلك تراه يوجه الكتابة وجهة تؤدي ~~غرضها في تحريك هاتين الفئتين. إنه بداهة لا يكتب للبيض الذين ~~يناصرون التفرقة العنصرية، لأنهم لن يقرءوه، ولا للسود ~~الأميين، لأنهم لن يقرءوه، بل هو لا يكتب أساسا لمن هم ~~خارج الولايات المتحدة. وهكذا، ترى أن الموقف قد حدد أمام ~~الكاتب لا موضوع الكتابة فحسب، بل حدد له أيضا نوع ~~القراء الذين يوجه إليهم الحديث، بالأسلوب الذي يقدر له ~~أعمق التأثير في نفوسهم، وفي هذا إجابة عن السؤال الثاني. # إلا أننا إذ نرحب بالفيلسوف الفرنسي الكبير في بلادنا، ~~فإنما نرحب برجل قد التقينا معه في كثير من الأهداف. # | عندما يحلم العقلاء # للمصور الإسباني فرانسسكو جويا ms202 (1746-1828م) صورة جعل عنوانها ~~«أحلام العقل» أو «رؤى العقل»، يصور بها رجلا منهوك القوى، جلس ~~على كرسيه إلى جوار منضدة، مادا ساقيه على الأرض، ملتفة منها ~~ساق على ساق، والرأس - مستورا بالذراعين - منكب على سطح ~~المنضدة، وحول الجسد المهدود هومت كائنات غريبة مخيفة، منها ~~ذوات الجناح كأنها الخفافيش، ركبت عليها رءوس البوم، ومنها الرابض ~~على الأرض ربضة الفهد المفترس يتحفز لفريسته .. # ترى هل رقد الرجل في جلسته رقدة النعاس، أو غفا غفوة السارح في ~~أحلامه؟ لسنا ندري، لكن تأويلات المؤولين من نقاد الفن، تذهب في ~~تفسير الصورة مذاهب شتى، فتأويل منها يقول إن الصورة رمز للعقل ~~إذا غفا، فتدهمنا مع غفوته وحوش الخرافة والضلال، وتأويل آخر يقول ~~إنها رمز للعقل وقد انتصر بغزواته، فثمل مخمورا بنصره، وظن ~~أنه قد أصبح وحده سيد الموقف ومالك الزمام، فما لبث أن أحاطت به ~~أسباب الهلع والجزع. # التأويل الأول هو تأويل المؤمن بالعقل وقدرته، وهو يحث الناس على ~~أن يمضوا مع عقولهم قدما في جرأة وبسالة؛ لتخلو الحياة من أوهامها ~~وأشباحها، والتأويل الثاني هو تأويل المرتاب في العقل وقدرته، فيرى ~~لزاما أن يستند العقل إلى إيمان حتى لا ينحرف عن جادة الهداية ~~والصواب. # والمعنى هو على أي حال في بطن الفنان، لكني لا أعرف لماذا ذهب ~~أصحاب التأويل مذاهب شتى، وقد أشار الفنان إلى مراده بعبارة كتبها ~~على جانب المنضدة التي استلقى عليها الرجل برأسه وذراعيه، إذ كتب ~~يقول: «إذا العقل استغنى عن الخيال؛ تولدت أشباح مخيفة .. أما ~~إذا اقترنا فانتظر منهما المعجزات.» وإذن فقد أصاب صاحبنا المنهار ~~ما أصابه؛ لأنه أراد أن يعتمد على العقل وحده غير متوكئ على ~~خيال. # وما العقل؟ وما الخيال؟ قبل أن نمضي في الحديث .. لعل أوجز عبارة ~~توضحهما وتقارن بينهما هي أن نقول إن العقل يعالج الواقع كما يقع، ~~وأما الخيال فيصور الممكن، الذي لو أسعفته الظروف خرج من عالم ~~الإمكان إلى عالم الواقع. # إنك - بالعقل - تشتري وتبيع وتبني البيوت وتنسج الثياب وتتقي البرد ~~والحر، وبالعقل يحكم الحاكمون ms203 ويخطط الساسة، وبالعقل تصنع الأجهزة ~~العلمية، وتجري البحوث، وتركب العقاقير، وتهزم المرض .. لكنك - ~~بالخيال - تصعد الجبال وأنت على كرسيك جالس، وتحيا حياة القصور إذا ~~لم تكن من أهلها، وتفتك بالأعداء في ميدان القتال، وأنت راقد في ~~مخدعك. إنك - بالخيال - ترسم لنفسك ما شئت من صور، وإنما يمتاز ~~خيال من خيال بمدى قربه أو بعده عما يمكن تحقيقه لو زالت العوائق ~~من الطريق، فإذا شطحت بخيالك نحو المستحيل، كان ذلك هو تخليط ~~المجانين، وأما إذا قيدت خيالك بقيود المستطاع، كان هو الخيال ~~الذي يحلم به العقلاء. # فإعفاء الخيال من قيود الواقع، يخلق للمجنون عالما كعالم الوحوش ~~المجنحة، التي رسمها جويا في الصورة التي ذكرناها، كذلك يخلق تلك ~~الوحوش أن نضرب في أرض الواقع صما بكما، لا نهتدي بفكرة ~~تخيلناها ورسمناها في الأذهان لنسير على هداها. # ونسوق مثلا للعاقل كيف يحلم بالواقع المرجو قبل وقوعه، فيرسل ~~لخياله العنان بمقدار ما يمكن ذلك الخيال من السير المستقيم الذي ~~لا يكبو معه ولا يتعثر، مثل فرانسيس بيكون (1561-1626م) حين تخيل في ~~كتاب له صغير، اسمه «أطلنطس الجديدة» ما يتمناه للإنسان من حياة ~~علمية عملية، يتخلص فيها مما كان قد أحاط به إبان العصور الوسطى ~~من جو كله «كلام في كلام». فهذا نص، وهذا تحليله، وهذا شرح ~~لتحليله، وذلك هو الشرح على الشرح، والتحليل للتحليل! فينتقل الدارس ~~من فقرة في كتاب إلى فقرة أخرى في كتاب، ثم من مقدمة على صفحة إلى ~~نتيجة تلزم عنها على صفحة أخرى، وهكذا كانت رحلة الدارسين تبدأ على ~~الورق وتنتهي على الورق: كلام يسبقه كلام ويلحقه كلام، ثم يقال عن ~~أصحابه إنهم «علماء». # فحلم فرانسيس بيكون بيوم يغير فيه الإنسان معنى «العلم»؛ فلا ~~يطلق هذه الكلمة العظيمة إلا على ذلك الضرب من الكلام الذي لا ~~يكاد يثبته صاحبه على صفحات كتابه، حتى يثب إلى حياة الناس عملا ~~ينفع، وله في مقارنة «العلم» بمعناه اللفظي القديم، و«العلم» بمعناه ~~التطبيقي الجديد، تشبيهات رائعة؛ فهو بمعناه القديم كالغانية تكون ~~للمتعة لا للثمر ms204 والإنجاب؛ هو بمعناه القديم كالطفل في وسعه أن ~~يتكلم، لكن ليس في وسعه أن ينسل البنين، أنه بمعناه القديم ~~كالمرأة العاقر، تناقش وتناقش، لكنها لا تلد. # إن العلماء بالمعنى القديم هم كالعناكب، ينسجون النسيج من أجوافهم، ~~وإذا كان ذلك لا يقدم من الدنيا ولا يؤخر، فكذلك لا يقدم منها ولا ~~يؤخر أن يجيء علماء من طراز جديد، يزعمون لأنفسهم أنهم علماء ~~«تجريبيون»، ثم لا يزيدون على تكديس المعلومات فوق المعلومات، ~~والإحصاءات فوق الإحصاءات، فذلك التجميع يجعل منهم طائفة من النمل، ~~تخزن مخزونها دون أن تغير منه شيئا، وأما العلماء الذين كان يحلم ~~بهم بيكون فهم كالنحل، يمتصون من الطبيعة رحيقا، ثم يصيرونه ~~عسلا حلو المذاق. # العلم قوة - وهذه عبارة قالها بيكون - بمعنى أنه أداة لتغيير ~~البيئة المحيطة بنا على النحو الذي يحقق أغراضنا، فإذا كنت قد ~~حصلت «كلاما» تسميه علما، ثم لا تعرف كيف تستخدمه أداة للتغيير ~~والخلق، فاعلم أنك لم تحصل من «العلم» شيئا. # يروي لنا الراوي في هذه «اليوتوبيا» العلمية، كيف أقلع مع رفقائه من ~~بلاد بيرو، حيث صوبوا نحو شواطئ الصين واليابان، لكن الرياح أخذت ~~تهب عليهم أثناء الطريق، مواتية حينا، معاكسة حينا، حتى طال بهم ~~الأمر، وقل من خزائنهم الزاد، ثم شاءت لهم عناية الله أن يصادفوا ~~في الطريق هذه الجزيرة التي أذهلهم أهلوها بمستوى عيشهم الرفيع، ~~وبمحصولهم العلمي الغزير، وسرعان ما استضيفوا هناك في بيت هو بين ~~البيوت آية فريدة، يطلق عليه «بيت سليمان»، خصص للبحوث العلمية، وهي ~~بحوث لم يكن العالم قد سمع بمثلها إلى ذلك الحين، وإنما سمي بيت ~~سليمان تذكيرا للباحثين برسالتهم، وهي أن يدرسوا النبات والحيوان - ~~كما حاول سليمان أن يفعل - دراسة لا تترك من كائنات الأرض والبحر ~~والهواء كائنا ما دامت فيه حركة وحياة، وإنهم ليطلقون على هذا ~~البيت أحيانا اسما آخر، هو «معهد مخلوقات الأيام الستة» - وهي ~~المخلوقات التي خلقها الخالق في ستة أيام، أعني أنها هي الكائنات ~~جميعا. # أخذ الزائرون إلى بيت سليمان، حيث أدخلوا على رئيس البيت ms205 في غرفة ~~جميلة، مزدانة بما علق على جدرانها، وبما فرشت به أرضها، وكان ~~الرئيس متربعا على عرش وطيء لكنه عني بزخارفه، متشحا بوشاح ~~رسمي على رأسه، صنع من الحرير الأزرق الموشى، وكان وحيدا في غرفته ~~إلا غلامين معاونين، وقفا عن يمين عرشه ويساره، وقد ارتديا ~~ثيابا ناصعة البياض. وبعد أن حياه الزائرون تحية الخشوع، انصرف ~~الجميع إلا واحدا منهم - بحسب ما أوصوا بفعله قبل دخولهم - ~~وأذن لهذا الواحد بالجلوس، ثم أخذ الرئيس يحدثه بالإسبانية عن بيت ~~سليمان، فقال: بارك الله فيك يا بني، إنني سأقدم إليك الآن أنفس ~~جوهرة في حوزتي، وذلك لأني سأصف لك - في سبيل محبة الله والإنسان - ~~بيت سليمان، ولكي تكون الصورة التي أقدمها واضحة؛ سأسلك في تقديمها ~~هذا الترتيب الآتي: # سأبدأ بأن أدلك على الغاية التي قصد إليها من إقامة هذا البيت، ثم ~~أعقب على ذلك بذكر ما هنالك من معدات وأجهزة نستعين بها على أداء ~~بحوثنا العلمية، وبعدئذ أنبئك بمختلف المناصب والمهام التي ~~يشغلها ويؤديها العاملون في هذا البيت، وأخيرا أبين لك ما ~~ينبغي لنا اتباعه هنا في هذا البيت العلمي من مبادئ ومن ~~شعائر. # أما الغاية التي قصد إليها من إقامة هذه المؤسسة العلمية، فهي ~~معرفة الكائنات من حيث علل حدوثها وما يسري فيها من حركات خافية؛ ~~ابتغاء أن نوسع من رقعة السيادة للإنسان على عالم الأشياء. # وأما المعدات والأجهزة التي نستعين بها في بحوثنا فهي هذه: لدينا ~~كهوف فسيحة وعميقة، تتفاوت فيما بينها سعة وعمقا، أما أعمقها ~~فيبلغ ثلاثة آلاف وستمائة قدم، ولقد احتفرنا بعض هذه الكهوف ~~تحت التلال العالية والجبال، فإذا ما أضفت ارتفاع الجبل إلى عمق ~~الكهف؛ وجدت قاع الكهف على بعد ثلاثة أميال وأكثر، فانظر كم يبعد هذا ~~القاع عن ضوء الشمس وتيار الهواء، وإننا لنسمي هذه الكهوف باسم ~~«المنطقة السفلى»، ونستخدمها في أعمال كالتبريد وحفظ الأجسام من ~~الفساد، كما نستخدمها في أن تفعل بالعناصر فعلا شبيها بما يتم في ~~المناجم الطبيعية، وبذلك يمكن استخراج معادن جديدة نبتكرها لأنفسنا ~~ابتكارا، ms206 بما نصنعه من تركيبات وتكوينات نضم بها العناصر بعضها ~~إلى بعض في صور جديدة، ثم نتركها في أعماق الكهوف، لتفعل هناك فعلها ~~على مر السنين، بل إنا لنستخدم تلك الكهوف (وقد يبدو هذا غريبا) ~~في معالجة بعض الأمراض، وفي إطالة أمد الحياة لمن شاء من الزهاد أن ~~يعتصم بتلك الصوامع، وكذلك نستخدم الكهوف في صناعة صنوف من الخزف ~~تفوق ما يصنعه أهل الصين من ذلك، كما نستخدمها في تكوين مخصبات ~~للأرض مختلفة الشكول. # وفي مقابل تلك الكهوف، أقمنا «الأبراج العالية» يبلغ أعلاها نحو نصف ~~ميل. وكما حفرنا الكهوف تحت الجبال ليضاف ارتفاع الجبل إلى عمق ~~الكهف، فكذلك أقمنا الأبراج فوق قمم الجبال لتزداد بها ارتفاعا، ~~وبذلك يصل أعلى الأبراج أكثر من ثلاثة أميال، ونطلق على هذه الأبراج ~~اسم «المنطقة العليا»، ونعد المنطقة التي تقع وسطا بين «العليا» ~~و«السفلى» منطقة وسطى، وإنا لنستخدم هذه الأبراج بما يتناسب مع ~~تفاوتها في الارتفاع وتباعدها في الموقع؛ نستخدمها في عمليات العزل ~~والتبريد والحفظ، ونستخدمها مراصد فلكية نرصد بها مسار الشهب، ~~ومهب الريح، وسقوط المطر والصقيع، وكما صنعنا في الكهوف فكذلك نصنع ~~في الأبراج، بأن نجعلها ملاذا للزهاد، وإننا في كلتا الحالين ~~لنمدهم بما يتطلبون في عزلتهم، لقاء أن نوصيهم بملاحظة ما ~~نريد لهم أن يلاحظوه. # ولدينا بحيرات فسيحة، بعضها ملح الماء، وبعضها عذب، وفيها نربي ~~الأسماك والطير، كما ندفن في قاعها بعض الأجسام الطبيعية؛ فقد وجدنا ~~أن حالة الجسم الدفين تتغير على نحو وهو تحت تربة الأرض المعرضة ~~للهواء، وتتغير على نحو آخر وهو تحت الماء، وعندنا برك (جمع ~~بركة) أعددناها لنستخلص الماء العذب من الماء الأجاج، بعزلها ~~الملح عن الماء، أو لتحول الماء العذب إلى ماء ملح، بحسب ما ~~نريد. وكذلك أقمنا صخورا وسط البحر، وصنعنا خلجانا على شاطئه؛ ~~لنجعل من هذه وتلك معامل للتجارب العلمية، إذا ما كانت تلك ~~التجارب بحاجة إلى هواء البحر وبخره، كما أن لدينا تيارات ~~مائية قوية الدفع، سريعة الجريان، وشلالات؛ لنستخدم هذه وتلك في ~~إدارة الآلات، أو ms207 لإحداث السرعة في حركة الرياح إذا ما أردنا استخدام ~~الريح السريعة القوية في إدارة الآلات أيضا. # واحتفرنا آبارا على نحو يجعلها قريبة من الينابيع الطبيعية؛ لتكون ~~لها من الفوائد ما ندبر لها، كما أعددنا المراصد، ومعامل التفريخ ~~التي نفحص فيها توالد الحشرات والزواحف، ومصحات مكيفة الهواء ~~بالدرجة الحرارية التي نحتاج إليها لمختلف صنوف المرضى، وحمامات ~~للاستشفاء، وكذلك عندنا حدائق وبساتين على أنواع مختلفة، لا نقصد فيها ~~إلى التمتع بالجمال، قدر ما نبغي لها أن تكون معامل تجريبية ~~لزراعة صنوف الشجر والعشب، وفي هذه الحدائق والبساتين تستخلص عينات ~~تجريبية لأنواع العصير والشراب، المستخرجة من النبات والثمر، كما ~~نستغل تلك المعامل التجريبية في خلق أنواع جديدة من النبات عن طريق ~~التهجين، وكذلك نتحكم بالنسبة إلى بعض الزهر والثمر في توقيت نضجه، ~~فنجعله ينضج قبل أوانه الطبيعي أو بعد أوانه، كما نجعله يحمل محصولا ~~أوفر وأغزر مما أرادت له الطبيعة أن يحمل. ونزيد من حلاوة الثمر إذا ~~أردنا ذلك، ونزيد من حجمه، وننوع درجات الطعم كما نشاء لكل ~~فاكهة، كما ننوع من الشكل واللون والرائحة، وأضف إلى هذا كله ~~أننا نستخرج من تلك المزارع التجريبية ما نراه يصلح في باب الطب ~~والعلاج. # وقل هذا نفسه بالنسبة إلى ما عندنا من مرابي الحيوان التي لا نقصد ~~فيها إلى جمال الجلد والريش، بقدر ما نقصد إلى التشريح وإلى ~~التجارب على الكائنات الحية، لنهتدي بالنتائج إلى ما يمكن تطبيقه ~~على الإنسان، وإلى جانب ما نجريه من تجارب العقاقير وما إليها، هنالك ~~التجارب نجريها على إحداث التغيرات في أطوال الحيوانات وأحجامها، ~~وفي الزيادة أو القلة من إخصابها، وفي تنويع ألوانها وأشكالها ودرجة ~~الفاعلية فيها، فضلا عن المزاوجة بينها؛ ما يخرج لنا صنوفا ~~جديدة، ولسنا في شيء من هذا كله نركن إلى المصادفات، بل إننا - في ~~مجرى التجارب العلمية - لنكون على يقين من أي شيء نضيفه إلى أي ~~شيء لينتج لنا كذا أو كيت من الكائنات. # ولن أطيل بك الوقوف عند ما لدينا من معاصر ومخابز ومطاعم، نخرج ms208 ~~بها المآكل والمشارب بكل ما يشتهيه المذاق، لأنتقل بك إلى ما قد ~~بلغناه في صنع الآلات وما نصنعه بها: الورق، وأنسجة التيل والحرير، ~~والطنافس، وغير ذلك من أسباب الترف، كما أن لدينا من المعامل ~~العلمية ما تعلو فيه درجات الحرارة وما تهبط، ومن المراصد ما ~~يمكننا من دراسة الضوء والإشعاع واللون والشفافية، وكل ما يتصل بهذا ~~الأصل من فروع، كالبحث في الأحجار الكريمة، وفي المنشورات الزجاجية، ~~وغير ذلك، ولدينا كذلك من المعامل ما يمكننا من دراسة الصوت على ~~اختلاف درجاته وتنوع مصادره، ويدخل هذا الباب دراسة النطق، وأصداء ~~الصوت، وانعكاساته، ووسائل تقويته، وطرائق توصيله إلى مسافات بعيدة، ~~وشبيه بذلك ما عندنا من معامل لإجراء التجارب على الروائح، فنستخرج ~~العطور، وفي هذه المعامل نفسها تجرى التجارب على الطعوم، وهكذا لا ~~نترك شيئا مما تراه العين، أو تسمعه الأذن، أو يذوقه اللسان، أو ~~يشمه الأنف، إلا وأخضعناه للتجارب التي تمكننا من الإمساك ~~بزمامه، ومن إنتاج الجديد فيه. # وبعد أن أفاض الرئيس في وصفه لما يحتوي عليه بيت سليمان من أجهزة ~~علمية ومن تجارب، ختم حديثه بموجز عن إدارة هذا البيت، وما يتبع ~~فيه من أوضاع، وبارك لزائره، وتمنى له ولبلاده التقدم ~~والصعود. # كان ذلك حلما حلم به عاقل عاش في القرن السادس عشر، حين لم يكن ~~يعرف الناس من أمور دنياهم إلا قليلا، جاءهم عن طرق خبرات القرون ~~الطويلة، ولم يكن قد طاف برءوسهم أنه هو العلم الطبيعي وتطبيقه الذي ~~في يده أن يثب بالحياة طيرانا إلى أجواز الفضاء، وغوصا إلى جوف ~~الأرض وأغوار الماء، بهذا وحده وبأمثاله يتغير وجه الدنيا. # لكن هذا كله كان عند فرانسيس بيكون خيالا يتخيله، لا واقعا ~~يعيشه، ثم جاء العلم بعدئذ ليصير الخيال علما وعملا، وفي هذا ~~التكامل بين الخيال المقيد البناء، والعلم الذي يتحول إلى عمل، ~~يقيم الإنسان لنفسه حياة مطردة السير إلى أمام، وإلى أعلى، ~~ناجيا من أشباح الخرافة والجهالة التي رسمها «جويا» في صورته «أحلام ~~العقل»، رسمها خطرا مخيفا يدهم الإنسان إذا ما ms209 عقله غفا، حالما ~~كان ذلك العقل، أو صاحيا. # | من برتي إلى برتراند # منذ أن كان الفتى «برتي» في سن المراهقة الباكرة - وبهذا العمر ~~«برتي» كان يدلله ذووه - شغل نفسه بالفلسفة وقضاياها، ولم ينقطع ~~عنها حتى بلغ برتراند رسل من عمره ما بلغ، فماذا تتوقع من عقل فلسفي ~~لم ينفك طوال ثمانين عاما نشيطا منتجا سوى أن يجيء فكره كالنهر ~~الغزير في فيضانه، يهدم هنا، ولكنه يخصب الأرض هناك، ويظل ينعرج في ~~دفعه يمنة ويسرة، لا توقفه الصخور العاتية على طول الطريق؛ ~~لأن له - برغم انعراجاته ودورانه - قصدا واحدا، يجري إليه، يحكم ~~طبيعة المجرى الذي يتدفق فيه، أجل، ماذا تتوقع من فيلسوف لبث ~~يعاني الفلسفة من الخامسة عشرة حتى جاوز الخامسة والتسعين إلا أن ~~يغير من رأيه في مواضع ويثبت عليه في مواضع؟ ولكم شهدت بعيني، ~~وسمعت بأذني، نفرا من دارسي الفلسفة - لا أقول من طلابها الناشئين، ~~بل ممن بلغوا من دراستها شوطا بعيدا - شهدتهم وسمعتهم يهاجمون ~~الرجل لأنه ناقض نفسه في هذا الموضع أو ذاك؛ ألم يذكر في كتابه ~~«مشكلات فلسفية» (صدر 1912م) أن للمعاني الكلية - مثلا - وجودا ~~أوليا لا يقبل التحليل مما يدرجه في زمرة المثاليين، ثم عاد ~~ليقول عنها في كتابه «المعرفة البشرية» (صدر 1948م) ما ينفي ذلك؟ هكذا ~~كنت أسمع وأرى هجمات الهاجمين، فأدرك الظلم في تلك الهجمات؛ لأنها ~~تنسى عشرات السنين التي تفصل عند الرجل كتابا عن كتاب، وتنسى أن ~~الرجل إنسان يتطور وينمو ويفكر، ثم يعيد التفكير مدى ثمانين عاما ~~نشيطة منتجة، هي التي تخللت في عمره ما بين الخامسة عشرة ~~والخامسة والتسعين. ولست أعرف في تاريخ الفلسفة، من أوله إلى آخره، ~~فيلسوفا عمر بقدر ما عمر برتراند رسل، كلا، ولا أعرف من صرف ~~في التفكير الفلسفي ثمانين عاما كاملة كما حدث لفيلسوفنا برتراند، ~~مات سقراط في السبعين، وأفلاطون في الثمانين، وأرسطو في الثالثة ~~والستين، وديكارت في الرابعة والخمسين، وبيكون في الخامسة والستين، ~~وإسبينوزا في الثالثة والأربعين، وليبنتز في السبعين، ولوك في الثالثة ~~والسبعين، وباركلي ms210 في الثامنة والستين، وهيوم في الخامسة والستين، ~~وكانت في الثمانين، وهيجل في الحادية والستين، ومن فلاسفة المسلمين ~~مات الكندي في نحو السبعين، والفارابي في نحو الثمانين، وابن سينا ~~في السابعة والخمسين، وابن رشد في الثانية والسبعين، وكان جون ديوي ~~من أطول الفلاسفة عمرا؛ إذ مات وهو في الثالثة والتسعين، على أن ~~طول العمر في ذاته ليس بذي مغزى كبير، بالنسبة إلى طول الفترة التي ~~قضاها الفيلسوف مشتغلا بالفلسفة. فإذا عرفنا أن برتراند رسل لم ~~ينقطع عن اشتغاله بها مدة ثمانين عاما كاملة، أدركنا على الفور أن ~~قد كان أمامه من فرصة المراجعة والتبديل ما لم يكن أمام غيره. # كتب برتراند رسل عن «محاولاته الأولى» يقول: بدأت أفكر في المسائل ~~الفلسفية في الخامسة عشرة من عمري، ومنذ ذلك الحين إلى أن التحقت ~~بكيمبردج بعد ذلك بثلاثة أعوام، كنت أفكر بمفردي، ومن قبيل الهواية؛ ~~فلم أكن قد اطلعت بعد على أي كتاب فلسفي، حتى قرأت «منطق» جون ~~استيوارت مل في الشهور الأخيرة قبيل التحاقي بالجامعة .. ولم يكن ~~«برتي» قد أتم عامه السادس عشر حين كتب مذكراته الفلسفية الأولى، ~~وكانت - في معظمها - تدور حول ما ساوره عندئذ من شكوك في مسائل ~~العقيدة وفي خلود الروح، لكنه كان يخشى الردع والسخرية من ذويه، ~~وذووه متدينون على الأغلب، لا يريدون لوليدهم كثرة التفكير في ~~موضوعات كهذه، يحسن أخذها مأخذ التسليم لينصرف الإنسان إلى ~~سواها مما يتصل بالحياة العلمية وشواغلها، كان يخشى الردع والسخرية، ~~لو وقع ذووه هؤلاء على مذكراته، فكتبها كلها بالرموز، ولم يفصح عن ~~مدلولات رموزه تلك إلا بعد أن جاوز الثمانين، وتقرأ هذه المذكرات ~~الأولى، فترى علائم النضج المبكر واضحة قوية؛ فاقرأ - مثلا - ما ~~يقوله في تلك المذكرات بتاريخ 29 من أبريل سنة 1888م، (أي حين كان عمره ~~ستة عشر عاما): ~~«قطعت على نفسي عهدا أن أجعل العقل رائدي في كل الأمور، ~~وألا ألقي بالا للميول التي ورثتها - في جانب منها - عن ~~أجدادي، والتي اكتسبتها تدريجا بفعل الانتخاب الطبيعي، والتي ~~ترجع - في جانب ms211 آخر منها - إلى ما تلقيته من تربية؛ فما ~~أشده من عبث لو أننا احتكمنا إلى هذه الميول في مسائل ~~الصواب والخطأ! فالجانب الذي ورثته من تلك الميول إنما هو ~~بمثابة المبادئ التي تهدي في طريق المحافظة على النوع، أو قل ~~إلى المحافظة على ذلك الجزء الذي أنتمي إليه من النوع؛ وأما ~~الجانب الذي يرجع إلى التربية، فهو يجعل الصواب والخطأ ~~مرهونين بما قد ربيت عليه؛ ومن الجانبين معا يتكون لدى ~~الفرد ما يسمى ب «الضمير» ومع ذلك تراهم يوهموننا بأن هذا ~~الضمير هو هبة من الله، هذا الضمير الذي دفع مارية السفاحة ~~إلى حرق من حرقتهم من البروتستانت؛ نعم، إنهم مع ذلك يقولون ~~لنا إن الواجب يقتضي من الإنسان أن يتبع «ضميره». وعندي ~~أن ذلك ضرب من الجنون؛ أما أنا فسأحاول أن أذهب مع ~~«العقل» إلى أقصى مداه، وسيكون مثلي الأعلى هو ما يؤدي ~~آخر الأمر إلى أكبر قدر من السعادة لأكبر قدر من الناس ~~وبالعقل وحده أستطيع أن أحقق هذه الغاية من أيسر ~~الطرق.» # واعجب لهذا الفتى الناشئ يتناول في مذكراته تلك، ما قد ساوره من ~~قلق شديد إزاء المسلمات الرياضية في علمي الهندسة والحساب؛ يقول ~~في ختام يوميته المؤرخة 3 من يونيو من نفس العام: «إن بعض براهين ~~إقليدس - وخاصة ما كان منها متصلا بالتطابق - قد أثار قلقي إلى حد ~~بعيد، حتى لقد أنبأني معلم الهندسة أن هندسة لا إقليدية قد نشأت، ~~فأمتعني هذا النبأ، برغم أني لم أعلم عن تلك الهندسة يومئذ إلا ~~مجرد اسمها، ولم يكن الذين يعلمونني حساب اللامتناهي على علم ~~بالبراهين الصحيحة التي تقام على نظرياته الأساسية، وكانوا يحاولون ~~إقناعي بأن أسلم بالمغالطات السائدة، فآخذها مأخذ الإيمان، وكذلك ~~أدركت أن الحساب يصلح في التطبيق العملي، لكنني لم أفهم قط لماذا ~~كان ذلك ...» # بهذه الشكوك الفلسفية في دنيا اللاهوت، وفي دنيا الرياضة، بدأ الفتى ~~«برتي»، وظل يكتم شكوكه وراء رموزه، حتى دخل جامعة كيمبردج، وهناك ~~أفصح عما كان يضمره. # ذهب الفتى إلى كيمبردج، فانفتح أمامه ms212 عالم جديد، «لقد وجدت للمرة ~~الأولى» هكذا يروي عن نفسه في ترجمة قصيرة كتبها عن حياته «أنني ~~إذا ما صرحت بفكري، صادف عند السامعين قبولا، أو كان عندهم - على ~~الأقل - جديرا بالنظر: كان وايتهد هو الذي اختبرني في امتحان ~~الدخول، وقد ذكرني لكثيرين ممن يكبرونني بعام أو بعامين، فكان من ~~نتيجة ذلك أنه لم يمض أسبوع واحد، حتى التقيت بمن أصبحوا بعد ذلك ~~أصدقاء العمر كله .. وكانوا يتميزون بقدرتهم العقلية وتحمسهم ~~وأخذهم الأمور مأخذ الجد؛ كانوا يتناولون باهتمامهم أمورا كثيرة ~~خارج نطاق عملهم الجامعي، فيولعون بالشعر والفلسفة، ويناقشون ~~السياسة والأخلاق، وشتى نواحي العالم الفكري ...» # كان ماكتاجارت بين هؤلاء الأصدقاء في كيمبردج، وهو الفيلسوف الهيجلي، ~~فسرعان ما حمل جماعة الأصدقاء على دراسة هيجل؛ وفي ذلك يقول رسل في ~~ترجمته القصيرة لحياته: «وقد علمني ماكتاجارت كيف أنظر إلى الفلسفة ~~التجريبية الإنجليزية نظرة ترى فيها فجاجة وسذاجة؛ وأخذت أميل إلى ~~العقيدة بأن هيجل - وكذلك «كانت» بدرجة أقل - يتصف بعمق هيهات ~~أن تجد له مثيلا في أئمة الفلسفة الإنجليزية: لوك، وباركلي، وهيوم»، ~~على أن الطالب الشاب لم يدخل كيمبردج ليدرس الفلسفة، وإنما ~~دخلها ليدرس الرياضة؛ وهكذا فعل لثلاثة أعوام، وبعدئذ لم يستطع لنفسه ~~دفعا عن الدخول في دنيا الفلسفة بكل ما تستطيعه تلك النفس من جهد ~~واهتمام؛ حتى لقد عني وهو يعد رسالته التي أراد بها أن يظفر ~~بدرجة الزمالة من الجامعة - وكان موضوع الرسالة «أسس الهندسة» - أقول ~~إنه قد عني في تلك الرسالة أن يقيمها على مبادئ الفلسفة الكانتية، ~~وقد عقب عليها ببحث عن العدد والكمية، أقامه على مبادئ الفلسفة ~~الهيجلية؛ لا، بل ذهب به إعجابه عندئذ بهيجل إلى حد الرغبة في ~~محاكاته، فأراد أن يبني لنفسه بناء جدليا كاملا للعلوم كلها، ~~على غرار ما فعل هيجل؛ واستمع إليه يروي عن نفسه: «إني لأذكر ذات ~~صباح، إذ كنت سائرا في متنزه «تير جارتن» في برلين، كيف وضعت ~~لنفسي خطة مؤداها أن أكتب سلسلة من الكتب في فلسفة العلوم، صاعدا ~~بها صعودا متدرجا نحو ms213 ما هو أكثر تعينا، فأبدأ بتجريد ~~الرياضة، ثم أنتقل خطوة خطوة إلى نهاية التعيين في علم الحياة ~~(البيولوجيا). وكذلك رجوت عندئذ أن أكتب سلسلة أخرى من الكتب، ~~أعالج بها المشكلات الاجتماعية والسياسة، بادئا هذه المرة بالعلوم ~~المتعينة، ومنتهيا بما هو مجرد، ثم أقيم آخر الأمر بناء - على ~~غرار ما قد صنع هيجل - فأكتب موسوعة أجمع فيها بين النظر والتطبيق؛ ~~تلك خطة أوحى إلي بها هيجل ...» # لكن هذه الوقفة الكانتية الهيجلية لم يطل أمدها مع الفيلسوف ~~الشاب؛ إذ ما جاء عام 1898م - وكان عندئذ قد بلغ من عمره ستة وعشرين ~~- إلا وقد أعلن تمرده على هذين الإمامين، وشاركه في التمرد ~~جورج مور؛ وكان مدار الثورة عندهما هو اعتقادهما - على نقيض ما ذهب ~~إليه كانت وهيجل - أن الأشياء موجودة في دنيا الواقع، وليست هي من ~~خلق الذهن؛ فحتى لو لم يكن في العالم ذات واحدة واعية، لظل العالم ~~معمورا بأشيائه تلك التي نصادفها فندركها فتصبح بعد إدراكها أجزاء ~~من تيار الخبرة في طوايانا؛ وكأنما قسم الثائران ثورتهما قسمين ~~ليضطلع كل منهما بنصيب، أما مور فنصيبه هو أن يدحض المذهب ~~المثالي في جملته، وأما رسل فكان عليه أن يدحض أهم أركان ذلك ~~المذهب المثالي، وهو فكرة «الواحدية» التي تضم شمل الكون كله في ~~بناء واحد متماسك الأطراف متكافل الأجزاء؛ ولما كان الرباط الذي ~~يصل المذهب المثالي في جملته بفكرة الواحدية الذهنية، هو مبدأ ~~العلاقات الباطنية أو المحايثة في مصطلح الفلاسفة، كان من أهم ما ~~اهتم به رسل عندئذ هو إثبات أن العلاقات «خارجية» لا «باطنية»، ~~ولكن ما هذه؟ وما تلك؟ # أما القول بالعلاقات «الباطنية» بين الأشياء؛ فمؤداه أن أي ~~فكرتين مرتبطتين إحداهما بالأخرى بأية علاقة، كقولنا - مثلا - إن ~~العدد أربعة «ضعف» العدد اثنين، فإن هذه العلاقة يمكن رؤيتها في ~~كل من الطرفين على حدة، فلو حللت العدد أربعة تحليلا كافيا ~~وجدت بين عناصر معناه أنه «ضعف» العدد اثنين، فإذا جاء قائل بعد ذلك ~~ليقول صراحة إن العدد أربعة هو ضعف العدد اثنين، لم ms214 يكن في قوله ~~جديد؛ إذ كل ما فيه هو التصريح بما كان متضمنا في كل من الطرفين ~~المتعلقين أحدهما بالآخر بالعلاقة المذكورة، وهي علاقة «ضعف» أو علاقة ~~«نصف» إذا عكسنا اتجاه الجملة ، وقلنا إن العدد اثنين هو نصف العدد ~~أربعة؛ على هذا النحو تستطيع أن تتصور فكراتنا جميعا، فتجدها ~~متضمنة بعضها في بعضها، حتى ليمكنك استنباط بعضها من بعضها؛ إلى أن ~~تبني منها نسقا واحدا مترابطا، كل جزء منه كاف وحده - إذا ~~حللته تحليلا كافيا - أن يدلك على بقية الأجزاء، ومن ثم كان ~~صدق الفكرة - أي فكرة - معتمدا على أنها مستنبطة من بقية فكرات ~~النسق، ومن ثم كذلك كان النسق الفكري كله واحدا لا تعدد ~~فيه، كأي كائن عضوي حي بالنسبة لأجزائه. # وأما القول بالعلاقات «الخارجية» الذي أعلنه رسل في ثورته على هيجل ~~بصفة خاصة؛ فمؤداه أن هنالك من العلاقات التي تربط الأشياء بعضها ~~ببعض ما لا يمكن استخراجه من مجرد تحليلنا للأطراف المرتبطة بتلك ~~العلاقات؛ مثال ذلك أن يرتبط حادثان بعلاقة «قبل»، فإذا قلنا إن ~~الحادثة «س» وقعت «قبل» الحادثة «ص»، كان هذا التتابع الزمني مما لا ~~نجده في عناصر «س» ولا في عناصر «ص»، وإنما المرجع فيه إلى مقياس ~~الزمن الذي يدلنا على ذلك، وليس مقياس الزمن هذا جزءا من «س» ولا ~~جزءا من «ص». وأهمية أن تكون العلاقات «خارجية»، أو أن يكون بعضها ~~على الأقل خارجيا؛ هي أنك إذا أخذت بهذا المبدأ، انتهيت إلى ~~نتيجة، هي أن العالم مكون من حقائق متعددة متكثرة، يرتبط ~~بعضها ببعض على أنحاء مختلفة، نحتاج في إدراكها - إدراك تلك الصور ~~المختلفة للعلاقات بين الأشياء - إلى بحوث ومشاهدات، خارج بنية ~~الأشياء نفسها؛ وإذا كان ذلك كذلك، فليس العالم في حقيقته «واحدا» كما ~~ذهب المثاليون، ولكنه عالم «متعدد» يحتاج في معرفته إلى مشاهدات ~~وتجارب، ولم يعد يكفي فيه أن يقبع الفيلسوف في عقر داره ليستنبط ~~أفكارا من أفكار، حتى يستوي أمامه البناء كاملا متكاملا. # ذلك هو لب الثورة الفلسفية التي خرج بها رسل من ms215 تبعيته لهيجل، ~~وهو لم يزل شابا في السادسة والعشرين من عمره. وكان ما أثار ~~انتباهه إلى تلك الثورة، دراسته لفلسفة ليبنتز حينئذ تمهيدا للقيام ~~بتدريسها؛ إذ شاءت المصادفة لماكتاجارت، الذي كان مفروضا له أن يحاضر ~~عن ليبنتز في كيمبردج سنة 1898م، أن تضطره ظروفه إلى السفر إلى ~~نيوزيلنده، فطلب من تلميذه وصديقه برتراند رسل، أن يؤدي هذا الواجب ~~بدلا منه، فكان أن عكف على دراسة ليبنتز، وهي الدراسة التي أخرجها ~~كتابا بعنوان: «عرض نقدي لفلسفة ليبنتز»، فوجده يبني ميتافيزيقاه ~~على أساس من منطق تحليلي قوامه «العلاقات الباطنية»؛ فمهما تكن ~~القضية التي يقدمها القائل، لتكن - مثلا - أن الزجاج قابل للكسر، ~~أو أن الأرض كروية الشكل، فمحمولها كامن في موضوعها، بحيث إذا ~~حللت ذلك الموضوع تحليلا كافيا وجدت فيه المحمول، حلل فكرة ~~«الزجاج» تجد كامنا فيها فكرة قابليته للكسر، أو حلل فكرة ~~«الأرض» تجد كامنا فيها فكرة أنها كروية الشكل، وهكذا؛ وعلى هذا ~~الأساس المنطقي أقام ليبنتز فلسفته عن «المونادات» (أو الذرات ~~الروحية)، ليقول إن جميع الأحداث التي تصدر عن كائن ما، قد انبثقت ~~من طبيعته، إلى آخر ما قال ... ومن هنا ثارت الثورة في نفس رسل، وفك عن ~~عقله قيود «العلاقات الباطنية»، وانطلق - على حد تعبيره - «كما لو ~~كنت نبتة أخرجت من بيت زجاجي دفيء؛ لتنبت على صخرة في البحر ~~يلطمها الموج.» # ونستطيع القول، ونحن في مأمن من الخطأ، إن فيلسوفنا الشاب ~~عندئذ، قد تمخضت له ثورته الفكرية عن بضعة مبادئ فلسفية، لم يغير ~~رأيه فيها منذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا؛ منها: مبدأ العلاقات ~~الخارجية، ومبدأ التعدد في الكون، وهو مبدأ ينتج بالضرورة عن المبدأ ~~الأول، ومبدأ أن صدق كل حقيقة جزئية مكفول لها بغض النظر عن ~~بقية الحقائق الجزئية الأخرى، ومبدأ أن منهج التحليل الذي يحلل ~~الفكرة إلى عناصرها ليعيد تركيبها عن فهم؛ هو مبدأ قديم، ومبدأ أن ~~صدق القضايا التجريبية مرهون بمطابقتها للواقع التي جاءت تلك القضايا ~~لتصورها، ومبدأ أن وقائع العالم الخارجي قائمة فيه، سواء وجدت ~~الذات ms216 الواعية التي تعيها أو لم توجد. # 3 # على أن الحد الفاصل الذي قسم حياة برتراند رسل الفلسفية ~~مرحلتين، تختلف أولاهما عن ثانيتهما، هو عام 1900م، والمؤتمر ~~الفلسفي الذي أقيم في باريس عامئذ، وبصفة خاصة لقاؤه مع الرياضي ~~الإيطالي بيانو؛ فها هنا قل إن شئت إن «برتي» قد أسلم زمامه ل ~~«برتراند». قل إن مرحلة التحسس قد ذهبت؛ لتحل محلها مرحلة ~~الرسوخ، أو قل إن الفيلسوف الرياضي قد ظهر من الرجل عندئذ، ~~لتودع الفلسفة على يديه صفحة وتبدأ صفحة أخرى، وأعجب العجب ~~أن هذا الذي ظهر من الرجل ليجعل منه فيلسوفا لعصره غير ~~منازع، هو نفسه الذي لا يعرفه عنه إلا الدارسون المتخصصون، ~~وأما المثقفون بالمعنى العريض فيعلمون عنه أشياء أخرى، كان ~~يمكن أن تجتمع كلها، بل أن تجتمع أضعاف أضعافها في رجل، ثم لا ~~تجعل منه فيلسوفا لا صغيرا ولا كبيرا. # فما الذي سمعه رسل من بيانو، ليحدث الانقلاب؟ هما شيئان قبل ~~سواهما: الأول أن ثمة فارقا بين قولنا «سقراط فان»، وقولنا ~~«كل الإغريق فانون»، ولم يتنبه أرسطو في منطقه على هذا ~~الفارق، وحسب أن الصورتين متشابهتان منطقيا، وأن كلا ~~منهما قضية حملية، تنسب محمولا إلى موضوع، مع أن تقدم المنطق ~~الحديث والرياضة الحديثة كليهما موقوف على إدراك هذه التفرقة. ومن ~~أهم ما نلاحظه مسرعين عن الفرق بين هاتين الصيغتين: أن قضية ~~«سقراط فان» تتحدث عن فرد معين، ومن ثم يتحتم أن تكون ذات ~~مقابل فعلي في دنيا الواقع، على حين أن قضية «كل الإغريق ~~فانون» تتحدث عن الرابطة التي تربط فكرتين عامتين مجردتين ~~إحداهما بالأخرى؛ فكرة أن يكون الإنسان إغريقيا وفكرة أن يكون ~~فانيا؛ وهنا لا يشترط لصدق هذه الرابطة وجود واقعي على ~~الإطلاق، فحتى لو لم يكن هنالك على أرض الواقع إغريق، فسيظل في ~~مستطاعنا أن نقيم هذه الرابطة بين الفكرتين، على اعتبار أن ~~الصيغة التي تربطهما يدخلها معنى الشرط، كأنك تقول: إذا حدث أن ~~وجد في الدنيا إنسان إغريقي فهو معرض للفناء؛ وكأي جملة ~~شرطية أخرى، يكون ms217 قوام الجملة ارتباطا افتراضيا لا شأن للواقع ~~الفعلي في تكوينه؛ وهكذا قل في كل قضية كلية، بالمقارنة إلى ~~أي قضية جزئية. # وأما الشيء الثاني الذي وجده رسل عند بيانو في ذلك المؤتمر ~~الفلسفي، فهو أن الفئة ذات العضو الواحد ليست هي بذاتها ذلك ~~العضو الواحد؛ فإذا قلنا عبارة كهذه: «جرم سماوي يدور حول ~~الأرض»، كان ذلك بمثابة وصف يحدد نوعا بأسره، حتى يثبت أن ما ~~ينطبق عليه هذا الوصف هو كوكب واحد، وهو «القمر»، والفرق بين ~~التسميتين هو أن التسمية الأولى تنطبق على القمر وعلى غيره مما ~~قد نكتشف أنه يدور حول الأرض، على حين أن التسمية الثانية هي ~~«اسم علم»؛ أعني اسم فرد واحد لا ينطبق إلا على مسماه ~~الواحد المعين ... وقد تقول: وما أهمية ذلك؟ فنجيب إن الخلط ~~بين الحالتين يؤدي إلى خلط في منطق المجموعات، أعني أنه يؤدي ~~إلى خلط في منطق الأعداد الرياضية، وفي ذلك ما فيه من تعويق ~~لتطور العلم الرياضي. # وهذا ينقلنا فورا إلى فكرة من أهم ما ورد في فلسفة رسل ~~الرياضية - وفي فلسفة غيره من الفلاسفة الرياضيين كذلك، مثل ~~فريجه الألماني - وأعني بها تعريف العدد بالفئة، أعني تعريف مفهوم ~~رياضي أساسي بمفهوم منطقي أساسي، ومن ثم ينفتح الطريق أمام وصل ~~الرياضة بالمنطق وصلا يؤدي إلى جعلهما علما واحدا لا سبيل إلى ~~شقة شقين إلا جزافا واعتباطا؛ فما هو العدد؟ كان الجواب ~~عند الفلاسفة الحدسيين، أنه كائنات ميتافيزيقية يراها ~~الإنسان بحدسه رؤية مباشرة، فيدركها؛ أي إن الرائي بحدسه ~~يعلم معنى «الواحد» ومعنى «الاثنين» ومعنى «الثلاثة» - إلى آخر ~~صف الأعداد الطويل - بمجرد رؤيته لصورة الفكرة في ذهنه؛ حتى جاء ~~هؤلاء الفلاسفة الرياضيون - وعلى رأسهم رسل - فحللوا العدد إلى ~~ما هو أبسط منه؛ إذ جعلوه دالا على مجموعة الفئات الصغيرة التي ~~تكون كل مجموعة منها ممثلة له؛ فلو أتيح لك أن تجمع - في تصورك ~~- جميع الثالوثات التي في العالم بأسره، ثم تحزمها كلها في ~~حزمة واحدة، لكان لك بذلك مجموعة كبيرة تضم مجموعات صغيرة ~~متشابهة ms218 من حيث تكوينها؛ وهذه المجموعة الكبيرة هي التي تكون ~~معنى العدد ثلاثة؛ هذا هو المقصود حين يقال إن العدد عبارة عن ~~فئة من فئات - فئة كبيرة تضم فئات صغيرة متشابهة البنية - كل ~~منها يدل بمجرد تكوين بنيته على العدد المراد تعريفه. وبهذا ~~التحليل ترتد الرياضة كلها إلى منطق صرف، ما دمت قد استطعت ~~رد مصطلحها الأساسي إلى مصطلح منطقي، فبدل قولك - مثلا - ~~ثلاثة، أصبحت تقول فئة كبيرة تضم فئات ثلاثية كثيرة؛ وبذلك تكون ~~قد استغنيت عن مجوعة كبيرة من الكائنات كان يظن أنها موجودة ~~وجودا فعليا كما توجد سائر الكائنات، وأعني بها الأعداد، وتكون ~~أيضا قد ألغيت ركنا من البناء الميتافيزيقي لم يعد له داع، ~~ما دامت الأعداد الرياضية - وسائر الحقائق الرياضية - قد تحولت ~~إلى تيسيرات لفظية لا أكثر ولا أقل. # وعاد رسل من مؤتمر باريس؛ ليشرع توا في تأليف كتابه «أصول ~~الرياضة»، وانكب عليه انكبابا، حتى فرغ من مسوداته ليلة رأس ~~السنة: 31 من ديسمبر سنة 1900م، لكنه صدر من المطبعة سنة 1903م، ~~بعد مراجعات وتعديلات أجراها فيه قبل طبعه. # وفي الوقت نفسه تقريبا، اتفق مع وايتهد على أن يشتركا معا في ~~كتاب «مبادئ الرياضة»، الذي استنفد منهما عشر سنوات (1900-1910م)، ~~أضيفت إليها ثلاث سنوات أخرى قبل أن تخرجه المطبعة كاملا في ~~مجلداته الثلاثة، يقول رسل في طريقة التأليف المشترك لهذا الكتاب - ~~الذي يعد فاصلا بين عهدين في تاريخ الفلسفة المعاصرة جميعا ~~- ما يأتي: # لقد كرسنا - وايتهد وأنا - كل وقتنا طيلة الأعوام الممتدة ~~من 1900م إلى 1910 للعمل الذي صار فيما بعد كتاب «مبادئ الرياضة» ~~(برنكبيا ماثماتيكا)، وبالرغم من أن المجلد الثالث من هذا الكتاب ~~لم ينشر إلا سنة 1913م، فإن دورنا في تأليفه (باستثناء قراءة ~~تجارب طبعه) قد انتهى سنة 1910م، عندما حملنا أصول الكتاب ~~بأكملها إلى مطبعة جامعة كيمبردج ... وكانت المشكلات التي عالجناها ~~من نوعين: مشكلات فلسفية، وأخرى رياضية؛ ويمكن القول إجمالا إن ~~وايتهد قد ترك لي المشكلات الفلسفية؛ وأما المشكلات الرياضية ~~فإنه هو الذي ابتكر لها ms219 الجانب الأكبر من الرموز - إلا ما كان ~~مأخوذا من «بيانو» - وقمت أنا بالجانب الأكبر من العمل الخاص ~~بالمسلسلات، وقام وايتهد بالباقي؛ غير أن هذا كله لا ينطبق ~~إلا على المسودات الأولى؛ لأننا أعدنا كتابة كل جزء من ~~الأجزاء ثلاث مرات، وكنا كلما فرغ أحدنا من مسودة أولى، ~~أرسلها إلى الآخر، فكان هذا يجري فيها تعديلات قد تكون كبيرة ~~أحيانا، وبعدئذ يقوم صاحب المسودة الأولى بصياغتها في صورتها ~~الأخيرة؛ لذلك لا يكاد يوجد في المجلدات الثلاثة سطر واحد لم يكن ~~إنتاجا مشتركا بيننا.» # قلنا إن رسل قام بالجانب الفلسفي - بصفة عامة - من هذا ~~المؤلف الجسيم، بينما قام وايتهد بجانبه الرياضي - بصفة عامة ~~أيضا - وبقي أن نذكر بعض تفصيلات عن الجانب الفلسفي الذي اضطلع ~~به رسل؛ فنقول - ابتداء - إن الهدف الرئيسي من الكتاب كله هو - ~~كما يقول رسل - «إثبات أن الرياضة البحتة بأكملها تترتب على ~~مقدمات منطقية خالصة، وأنها (أي الرياضة البحتة) تستخدم مدركات ~~عقلية لا يمكن تعريفها إلا على أساس من المنطق.» وواضح من ذلك ~~- عند دارسي الفلسفة والرياضة - أن الكتاب بهدفه هذا قد جاء ~~لينقض الفلسفة الكانتية، التي أسست المدركات الرياضية على ~~مبادئ خاصة بها، لا على المدركات المنطقية من حيث هي كذلك؛ ومن ~~أجل هذا يقول رسل: إنني عددت الكتاب في أول الأمر بمثابة جملة ~~اعتراضية جاءت في سياق تفنيدنا لذلك المتعجرف السوفسطائي، كما ~~وصفه جورج كانتور، وهو وصف أضفت إليه ابتغاء مزيد من التحديد ~~قولي: «ذلك المتعجرف السوفسطائي الذي لم يكن يعرف من الرياضة إلا ~~قليلا.» # وكان من أهم الجوانب الفلسفية التي تعرض لها كتاب «مبادئ ~~الرياضة» هذا، تحليله للفئات (أي الأنواع) المنطقية تحليلا تبدت ~~بعده في صورة دالات القضايا؛ فقولك مثلا «إنسان» أو «قط» أو ~~ما شئت من هذه الأسماء الدالة على مجموعات يمكن تحليله بحيث ~~يتحول كل اسم من هذه الأسماء إلى عبارة فيها مجهول، مثل «س ~~يتصف بكذا وكذا»، ومن هنا فهي عبارة ليست بذي معنى وحدها، ولا ~~يكون لها معنى إلا إذا ملئت «س» ms220 بمعلوم معين، فإذا ملأنا ~~الفجوة بهذا المعلوم، تحولت «دالة القضية» إلى قضية كاملة ~~يمكن التحقق من صدقها أو عدم صدقها. # وهنالك تفرقة مهمة بين قضية تشير إلى مجموعة قضايا، وقضية ~~أخرى تشير إلى واقعة معينة؛ وهي تفرقة لو أفلتت منا وقعنا في ~~متناقضات لا سبيل إلى الخروج منها، اعترضت الفكر الإنساني منذ ~~اليونان الأقدمين، ولم يعرفوا كيف يكون الخلاص. ومن الأمثلة ~~التاريخية لهذه المتناقضات مثل - وكثيرا ما يجعلون هذا المثل ~~رمزا يشير إلى مجموعة كبيرة منها - يروى عن إبمنديز الأقريطي، ~~حين قال عن أهل بلده أقريطش إنهم جميعا كذابون، فها هنا تنشأ ~~المفارقة الشهيرة: إذا كان أهل أقريطش جميعا كذابين، وإذا كان ~~إبمنديز من أهل أقريطش؛ إذن فهو كذاب، ويترتب على تلك الصفة فيه ~~أن يكون قوله هذا الذي قاله عن أهل أقريطش كاذبا، وإذن فنقيضه ~~هو الصدق، أعني أن أهل أقريطش جميعا صادقون، وإبمنديز واحد ~~منهم، إذن فهو صادق؛ هكذا ترى أن إبمنديز لا يكون صادقا في قوله ~~هذا إلا إذا كان كاذبا، ولا يكون كاذبا في قوله هذا إلا إذا ~~كان صادقا. # أصبح هذا المثل التاريخي عنوانا على موقف يتكرر في الفكر ~~الإنساني أشكالا وألوانا، حتى حدثت التفرقة على يدي رسل، ~~بنظريته المسماة «نظرية الأنماط»، ومؤداها أنه لا يجوز أن ~~تعد القضية المشيرة إلى قضايا من نفس المستوى مع القضية التي ~~تشير إلى وقائع؛ فافرض أنك قلت عن فلان من أهل أقريطش إنه ~~كاذب، وعن فلان الثاني إنه كاذب، وعن فلان الثالث إنه كاذب، ~~وهلم جرا؛ فهذه كلها قضايا تشير إلى وقائع، أما إذا ~~لخصت هذه القضايا وعممتها في قضية تقول: «أهل أقريطش كلهم ~~كذابون» فهذه قضية تشير إلى قضايا؛ ولذلك فهي من مستوى أعلى ~~ويكون لها حكم غير الحكم الذي يكون للقضايا التي هي من المستوى ~~الأدنى. وأراني هنا أضعف من أن أقاوم الإغراء بأن أذكر للقراء ~~مثلا كثيرا ما تعرضت له عند نقد الناقدين للوضعية المنطقية؛ إذ ~~هم كثيرا ما يقولون: ما دام الوضعيون المنطقيون يقولون ms221 إن ~~القضايا العلمية هي إما قضايا رياضية وإما قضايا في العلوم ~~الطبيعية، وما عدا هذين الفرعين هو من قبيل الكلام الخالي من ~~المعنى، فنحن إذا طبقنا هذا المعيار نفسه على قول الوضعيين ~~المنطقيين، وجدنا أنه قول لا هو من قبيل القضايا الرياضية ولا ~~هو من قبيل قضايا العلم الطبيعي، وإذن فهو قول فارغ من المعنى؛ ~~وهنا يكون الرد بنظرية الأنماط التي قدمها رسل في كتاب «مبادئ ~~الرياضة»؛ لأن قول الوضعيين المنطقيين ينصرف إلى أقوال، ~~وإذن فهو من نمط منطقي أعلى، ولا يجوز أن نطبق عليه ما نطبقه على ~~المستوى الأدنى؛ ولتوضيح ذلك أفرض أنني كتبت على رأس هذه الصفحة ~~جملة تقول: إن جميع الأقوال الواردة في هذه الصفحة مكتوبة ~~باللغة العربية؛ فإذا وجدت بعد ذلك أن من بين الأقوال الواردة ~~في هذه الصفحة ما هو صواب وما هو خطأ، فلا ينصرف ذلك على الجملة ~~العليا؛ لأن لها صدقها وحدها أو عدم صدقها. # على أن نظرية الأنماط المنطقية إنما أوردها رسل ليقابل بها ~~مشكلة رياضية هامة، كان قد أثارها كانتور الرياضي، وهي مشكلة ~~خاصة بالعدد الذي يكون هو أكبر الأعداد، ولا يكون هناك عدد أكبر ~~منه في السلسلة العددية؛ يقول كانتور في هذا الصدد إنه ليس هناك ~~مثل هذا العدد، ويجيء رسل شارحا لذلك؛ لأنه ربما قيل إننا لو ~~عددنا الأشياء كلها الموجودة في العالم؛ فقد يكون آخر عدد ~~نصل إليه هو أكبر عدد يمكن الوصول إليه، لكن رسل ينبه على ~~أننا نستطيع أن نكون من الأشياء فئات فئات؛ أي أن نجمعها ~~مجموعات مجموعات، وعندئذ نجد أن مجموع الفئات أكبر من مجموع ~~الأشياء الداخلة في تكوينها، وعلى سبيل المثال افرض أن كل ما في ~~العالم ثلاثة أشياء؛ هي: أ، ب، ج؛ فمن هذه الأشياء الثلاثة تستطيع ~~أن تكون مجموعات عددها 32؛ أي ثمانية مجموعات، ومن هنا يتعذر ~~أن نصل إلى مرحلة نقول عندها: هذه أكبر مجموعة، أو أكبر عدد ~~يمكن تصوره؛ ومن هذا المدخل تناول رسل مشكلة الفئة التي لا ~~تكون عضوا ms222 في نفسها، ف «الإنسان» اسم لفئة الأناسي، لكن ~~«الإنسان» ليس واحدا منهم، كما تحزم الملاعق كلها - وهذا هو ~~المثل الذي يسوقه رسل - فلا تكون حزمة الملاعق ملعقة مضافة ~~إليها، وكذلك ما يقال عن فئة الأعداد كلها، لا يكون عددا من ~~بينها؛ وعلى وجه الجملة ليس لأي اسم كلي معنى على نفس المستوى ~~الذي يكون فيه لاسم العلم (بفتح اللام) معنى. # ومن هذه النقطة ينتقل رسل إلى التفرقة المنطقية بين نوعين من ~~التسمية: التسمية بواسطة عبارة وصفية، والتسمية باسم علم (بفتح ~~اللام)، ومن قبيل التسمية الأولى أن تقول «مؤلف الأيام»، ومن قبيل ~~التسمية الثانية أن تقول «طه حسين»؛ وليس هنا مكان الإسهاب في ~~أهمية هذه التفرقة، وحسبنا أن نقول إن العبارة الوصفية لا يكون ~~لها معنى إلا وهي في جملة، أما وهي وحدها فلا معنى لها، على ~~خلاف اسم العلم، فمحال من الوجهة المنطقية أن يكون بغير ~~مسمى يشير إليه، ويكون هذا المسمى هو معناه، ولو وجد اسم ~~علم بغير مسماه كان اسما زائفا، لا يجوز قبوله اسما من ~~الأسماء؛ وأظنك إذا عرفت أن نظرية العبارات الوصفية هذه قد ~~تعد من أهم ما أسهم به رسل في المنطق، عرفت بالتالي أنها ~~جديرة بالدراسة الجادة، وقد جاءت لتصحح موقفا غريبا كان ~~قائما، وهو أنه ما دام هناك عبارة وصفية مفهومة فلا بد أن ~~يكون لها مسماها في عالم الواقع؛ مما أدى بالإنسان إلى افتراض ~~وجود كائنات بعدد ما خلقه خياله من عبارات وصفية. # 4 # ويخرج فيلسوفنا من موجة المنطق الرياضي التي غمرته ثلاثة ~~عشر عاما، ليلفت بصره فورا نحو الطبيعة الخارجية كيف ركبت؟ ~~ويصدر سنة 1914م كتابه «علمنا بالعالم الخارجي» فيبدؤه بتحليل ~~للإدراك الحسي؛ لأنه في رأيه الوسيلة التي نعرف بها ذلك ~~العالم، وأول ما يلفت إليه أنظارنا هو الفارق الفسيح بين الصورة ~~كما تقع في إدراكنا، والصورة كما هي في لغة علماء الطبيعة ~~المحدثين، أو قل الفارق الفسيح بين العقل والمادة؛ فأنت تعلم ~~بالطبع ما إدراكك للمنضدة التي أمامك، فقارن هذه ms223 الصورة ~~المدركة بدنيا الإلكترونات والبروتونات وسائر هذه الكائنات ~~الدقيقة التي يقول لنا علم الطبيعة الذرية إن المنضدة هي ~~مجموعة منها. # ويأخذ رسل في التحليل المتقصي لعله يبلغ من الأمر شيئا، ~~فينتهي إلى نظريته في أن العالم كله «أحداث»؛ سواء في ذلك ~~المادة أو العقل، ومن ثم يلتقي عنده العقل والمادة في أنهما ~~معا من هيولى محايدة، لا هي مادة ولا هي عقل، إنما هي ~~مجموعات من أحداث، ترتب على هذا النحو فتكون ما يسمى بمادة، ~~أو ترتب على ذلك النحو فتكون ما يسمى بعقل؛ ولشرح ذلك نقول ~~في إيجاز شديد: افرض أنك وضعت أي عدد شئت من اللوحات الحساسة ~~في نقاط متفرقة من المكان، وأنها جميعا معرضة لأشعة الشمس، ~~فعندئذ ترتسم صورة الشمس على اللوحات الحساسة جميعا، مهما كان ~~موضعها، ما دام الطريق بينها وبين الشمس خاليا من الحوائل؛ فما ~~معنى ذلك؟ معناه أن ثمة نوعا غريبا من «الأحداث» هو حال في ~~نقاط الفضاء، بسبب الشمس، وأن هذه الأحداث إذا ما وقعت على لوحة ~~حساسة تبين وجودها؛ فإذا سألتني بعد هذا: أين مكان الشمس؟ أجبتك ~~بأن لها ثلاثة ضروب من المكان؛ أولها هو المكان الذي تحل فيه ~~الشمس ذاتها، وثانيها هو أي نقطة شئت من نقاط الفضاء لا يحجبها ~~حائل عن الشمس؛ لأن أي نقطة في الفضاء فيها أحداث لها بنية ~~الشمس وصورتها، إذا لم تكن ظاهرة للوهلة الأولى، فهي تظهر لو ~~وضعت في تلك النقطة لوحة حساسة، وثالث الأمكنة هو الذي يحل على ~~اللوحة الحساسة حين ترتسم عليها الشمس؛ وإذا سألتني بعد ذلك: وما ~~حقيقة الشمس بين هذه الظواهر كلها؟ أجبتك بأن حقيقتها هي هذه ~~الظواهر كلها، فاجمع هذه الظواهر كلها وهذه الأحداث كلها؛ تكن لك ~~الشمس كما هي واقعة. # وننتقل بعد ذلك خطوة أخرى فنقول: إن اللوحة الحساسة حين ~~تضعها في أي نقطة شئت من نقاط الفضاء، وحين تلتقط لك من تلك ~~النقطة ما كان حالا فيها من «أحداث» تحمل صورة الشمس، أقول إن ~~تلك اللوحة الحساسة عندئذ ms224 لا تعكس صورة الشمس وحدها، بل إنها ~~تعكس كذلك كل ما هو متجمع في مكانها من أحداث، بحيث نرى على سطح ~~اللوحة شمسا وجسوما أخرى ارتسمت صورتها عليها. # فلو تصورنا أن اللوحة الحساسة كائن عضوي حي، لجاز القول - ~~إذن - إن هذا الكائن «يدرك» مختلف الأشياء التي تكون أحداثها ~~متجمعة في النقطة المكانية التي يحل فيها ذلك الكائن؛ وبهذا نصل ~~إلى التفرقة بين ما يسمى ب «مادة» وما يسمى ب «عقل»؛ فمادة ~~الشمس هي حاصل جمع أحداثها الساقطة على أي جهاز حساس - والجهاز ~~العصبي جهاز حساس - مهما يكن مكان تلك الأجهزة وزمانها؛ وأما ~~«العقل» فهو ما يتجمع على جهاز حساس واحد في لحظة بعينها من ~~مختلف الانعكاسات الآتية إليه من هنا وهناك؛ وهكذا ترى أن ~~«الأحداث» هي المادة الخامة التي يتكون منها المادة والعقل ~~معا، وأن الفرق هو في طريقة التجميع والترتيب؛ ومن ثم كان في ~~فلسفة رسل ما يسمى ب «الهيولى المحايدة» التي منها يتكون ~~العقل وتتكون المادة في آن واحد؛ فبعد أن كان الفلاسفة إما ~~ماديين يحولون كل شيء إلى مادة، وإما عقليين يحولون كل شيء ~~إلى فكر، جاء رسل وسبقه على الطريق نفسه وليم جيمس، فأخذ ~~بالهيولى المحايدة التي لا هي مادة بالمفهوم القديم، ولا هي ~~عقل بالمفهوم القديم، لكنها أصل للمادة والعقل معا. # 5 # وتقع الحرب العالمية الأولى سنة 1914م، فينصرف فيلسوفنا إلى ~~مناهضتها بكتابات أدت به إلى السجن؛ لمجرد أنها تدعو إلى ~~السلام في عالم مجنون. وما كادت الحرب تدنو من ختامها حتى يأخذه ~~اليأس، فيعود من جديد إلى دنيا الفلسفة يلوذ بها - مع نزهة حينا ~~بعد حين يقضيها مع شئون البشرية في أحكامها العامة وفي علاقات ~~أفرادها - فلئن كان قبل الحرب قد شغلته التحليلات المنطقية ~~الرياضية، ثم شغله تحليل العالم الطبيعي، فإنه هذه المرة قد ~~غاص في دخيلة الإنسان لتحليل العقل، وما يتصل بهذا التحليل من ~~بحوث في المنطق وفي المعرفة، فله محاضرات عن «الذرية المنطقية» ~~(1918م) جمعت في كتاب (1924م)، وله محاضرات عن «تحليل ms225 العقل» ~~جمعت كذلك في كتاب (1921م)، ومحاضرات عن «المعنى والصدق» ~~جمعت هي الأخرى في كتاب (1940م)، وله كتاب في «المعرفة ~~الإنسانية» (1948م)، إلى جانب عشرات من الكتب الأخرى. # ولو شئنا موجزا في سطور يلخص برتراند رسل كما هو في دنيا ~~الفلسفة، قلنا: إنه ينتمي إلى مدرسة «الواقعية الجديدة»، التي ~~تعترف بأن للأشياء الخارجية وجودها المستقل عن عقل الإنسان ~~المدرك لها. فسواء وجد على وجه الأرض ناس أو لم يوجدوا، وسواء ~~كانت في الكون كله ذات واعية مدركة أو لم يكن؛ فهنالك العالم ~~الخارجي بأشيائه قائم. ثم هو فيلسوف يتخذ «التحليل» منهجا له، ~~بمعنى أنه يتناول الأفكار مهما يكن ميدانها، ليحاول تفتيتها ~~وفكها إلى عناصرها الأولية، حتى يتبين له آخر الأمر إن كانت ~~أفكارا أصيلة أولية، أو كانت مما يمكن ردها إلى سواها، ~~فإذا كانت الأخيرة كان معنى ذلك أنه يستغني عنها، مكتفيا بالأصل ~~الذي ترد إليه، وقد لبث طول عمره الفلسفي الطويل يبتر ويجذ ويقص، ~~هادفا إلى أن يصل إلى أقل عدد ممكن من الأفكار تكون هي ~~الأفكار البسيطة الأولية التي لا بد من قبولها بغير تعريف، ~~لنعرف بها سواها الذي ينبثق عنها، وتسمى هذه العملية في عالم ~~الفلسفة بنصل أوكام (أوكام فيلسوف من العصور الوسطى، كان يدعو ~~المفكرين إلى القصد في عدد الكائنات، بحيث لا نضيف من عندنا ما ~~لا تقتضيه ضرورة افتراض وجوده)، فحتى الفكرتان «مادة» و«عقل» ~~استطاع أن يستغني عنهما بفكرة واحدة هي «الهيولى المحايدة» التي ~~قوامها «أحداث». ويأخذ رسل بما قد وصل إليه علم الطبيعة النووية ~~في تحليله للعالم، بل إن فلسفة «الأحداث» التي يرد إليها كل ~~شيء، هي انعكاس لعلم الطبيعة الحديث بما قد رد المادة إليه من ~~كهارب، حتى لقد انعدمت الشقة التي كانت تباعد بين المادة ~~والعقل، وأصبحت المادة طاقة، والطاقة مادة، ولا فرق بين الاثنتين. ~~وهو في علم النفس يساير الاتجاه التحليلي نفسه، فيأخذ بالمذهب ~~السلوكي الذي يفتت السلوك إلى وحدات بسيطة هي الأفعال المنعكسة ~~الفطرية والشرطية، لكنه يجد أن السلوكية لا ms226 تفسر كل ضروب ~~السلوك وكل جوانب الخبرة، فيكملها بما يغطي هذه الزوائد ~~الفائضة؛ ويتنبه رسل على العلاقة الكائنة بين عالم اللغة وعالم ~~الأشياء، فمتى تصور اللغة هذا العالم ومتى لا تصوره؟ ولذلك ~~ينصرف بعنايته إلى الدراسات اللغوية من جانبها المنطقي ويربط ~~الصلة بين اللغة والوقائع الخارجية ربطا وثيقا. # تلك لمحة عن رسل الفيلسوف، لعلها تضيء صورة في أذهان عامة ~~القراء، وهي الصورة المشرفة في حد ذاتها، والتي تصوره رجلا ~~يسهم في رسالة السعادة والعدالة والسلام. # | تعادلية الحكيم # وقفة الأديب ووقفة الناقد مختلفتان، اختلاف المرحلتين اللتين تكمل ~~إحداهما الأخرى، لا اختلاف الضدين اللذين ينفي أحدهما ما يثبته ~~الآخر، فالأديب يصور الإنسان تجسيدا في أفراد ومواقف، وأما ~~الناقد فيتناول بالتحليل هذه الأفراد والمواقف؛ لعله أن يقع على ~~مبدأ كامن وراءها، يكون هو عندئذ مبدأ الأديب قد أضمره في طويته ~~ليخرجه للناس متجليا فيما خلقه لهم من تلك الأفراد والمواقف، ~~فوقفة الناقد من أدب الأديب ومخلوقاته، أشبه ما تكون بوقفة العالم من ~~الطبيعة وكائناتها، كل منهما يجد نفسه إزاء كثرة من وقائع وحقائق، ~~فيحاول استقطابها في أم واحدة تربطها جميعا بصلة الرحم. # وكثيرا ما يكون الأديب والناقد رجلين، يفحص أحدهما عمل الآخر، ~~وقليلا ما يجتمع الأديب والناقد في رجل واحد، يكون اليوم أديبا ثم ~~يصبح في غد ناقدا لأدبه، مستخرجا منه أصوله ومبادئه، وقد كان ~~توفيق الحكيم بكتابه «التعادلية» واحدا من هؤلاء القلة، التي التقى ~~فيها خلق الأديب وتحليل الناقد، فقد جاءته - فيما يروى لنا - رسالة ~~من قارئ جاد، يسأله فيها عن مذهبه في الحياة والفن، مستخلصا من كتبه، ~~ليرى صاحب هذه الرسالة إن كان قد أصاب أو أخطأ في استخلاص ذلك المذهب ~~لنفسه؛ ذلك أن ذلك السائل قد انتهى بعد قراءته لكتب الحكيم إلى رأي، ~~هو أن تلك الكتب في مجموعها تحاول تفسير «الإنسان» في وضعه العام من ~~الكون بزمانه ومكانه، وفي وضعه الخاص من المجتمع بأجياله وبيئاته، ~~فانتهز أديبنا الحكيم فرصة سؤال السائل، وهم بالإجابة ليعدها ~~للنشر؛ لأنها ربما جاءت على ms227 صورة محددة يمكن وصفها بأنها مذهبه في ~~الحياة والفن، فكان هذا الكتاب الذي بين أيدينا: «التعادلية». # قرأت الكتاب، فخيل إلي وأنا ماض بين صفحاته، أنني إنما أستمع ~~إلى فيلسوف من فلاسفة اليونان الأقدمين، يتكلم العربية ويرتدي ثياب ~~أوروبا العصرية، لكن الفكر واللغة والثياب لم يكن بينها - مع ذلك - ~~تنافر، بل جاءت كلها في وحدة متسقة تنسيك اختلاف وجوهها، ~~فأديبنا الحكيم في «تعادليته»، ينظر إلى الكون وإلى الإنسان، النظرة ~~نفسها التي نظر بها فلاسفة اليونان، وهي نظرة تحاول جمع الأضداد في ~~وحدة، وهل تستطيع أن تقرأ نظرات الحكيم في هذه المحاولة، فلا يرد ~~على خاطرك قول هرقليطس - مثلا - بأن حقيقة الكون أضداد تتعادل: ~~النهار والليل، والشتاء والصيف، والحرب والسلم، والشبع والجوع، ~~والبارد والحار، والرطب واليابس، واليقظة والنوم، والحياة والموت؟ ~~أو هل تستطيع أن تقرأ تعادلية الحكيم، ثم لا تذكر قول أنبادقليس في ~~المحبة والكراهية، في التجاذب والتنافر، اللذين يعلل بهما هذه ~~الحركة الدائبة في الكون من اتصال وانفصال يسببان كون الأشياء ~~وفسادها؟ أو هل تستطيع أن تقرأ تعادلية الحكيم دون أن يمثل أمام بصرك ~~مبدأ «الوسط الذهبي» الذي يتوسط المتطرفات فيكون هو الفضيلة ~~والحكمة؟ وهكذا أخذت أصداء الفلاسفة اليونان الأقدمين تتردد في ~~سمعي كلما مضيت بين صفحات التعادلية. # فالتعادلية بصفحاتها التي لا تكاد تزيد على مائة وثلاثين صفحة من ~~القطع الصغير، سياحة تطوف بك على ميادين الفكر، لتقف بك عند كل ميدان ~~منها لحظة، تعطيك فيها الجرعة المركزة الموجزة، التي ربما تفجرت ~~في نفسك بعدئذ تساؤلات وتأملات؟ إنها سياحة تطوف بك على ~~الميتافيزيقا والأخلاق والجمال والاقتصاد والاجتماع والسياسة ~~والبيولوجيا، وغيرها من فروع العلم والمعرفة، ليدلك المؤلف عند كل ~~واحد منها على موقفه إزاءه، وكيف يراه بالعين التي تجمع الضدين في ~~فعل واحد موحد، بديهي أن هذه السياحة السريعة لا تمكن الدليل من ~~الوقوف الطويل عند كل منظر وكل أثر ليطنب القول ويسهب، فهو ~~مضطر أن يخطف الحجة خطفا، وإذا لم يكن هذا يكفيك في إقناع العقل، ~~فالمعول عندئذ إنما يكون على ms228 القلب، الذي قد ترضيه نغمة ~~الإيمان في إيجازها، ما دامت تفوح بالصدق وبالعمق في آن معا. # أما المسألة الميتافيزيقية فيطرحها المؤلف في سؤالين؛ يسأل أحدهما ~~عن الإنسان، إن كان في هذا الكون وحيدا؟ ويسأل الآخر عن حرية الإنسان ~~في هذا الكون؟ وقبل أن يدلي الحكيم بجوابه عن السؤالين، يقدم الرأي ~~الذي يسود عصرنا، ثم يعلله، وبعدئذ ينقضه برأيه هو، الذي يقيمه على ~~«التعادل». # فلقد أجاب العصر الحديث فعلا عن هذين السؤالين، فيما يقول أديبنا ~~الحكيم «بأن الإنسان وحده لا شريك له في هذا الكون، وأنه إله هذا ~~الوجود، وأنه حر تمام الحرية، وبهذا الجواب الذي قضى على تعاليم ~~الأديان، ختم العصر الحديث على نفسه بطابع المادية» .. ذلك هو جواب ~~العصر، وأما تعليله - كما يراه الحكيم - فهو «أن التعادل الذي كان ~~قائما حتى مطلع القرن التاسع عشر بين التفكير ونشاط الإيمان، قد ~~اختل منذ ذلك الوقت، بتوالي انتصارات العلم العقلي، واستمرار جمود ~~الجانب الديني»، ويلحظ الحكيم أن هذا الاختلال في التعادل بين ~~العقل والقلب، قد «كانت له نتيجته الطبيعية التي لا بد أن تلازم ~~كل اختلال في التوازن .. وهو القلق.» # هكذا شخص الحكيم اعتلال عصرنا، وهكذا رد الاعتلال إلى علته، ثم ~~استنتج منه نتيجته الطبيعية، وأردف موضحا كيف كانت العلاقة بين العقل ~~والقلب - تعادلا أو اختلالا للتعادل - هي موضوع مسرحيته «أهل الكهف»، ~~وذلك عندما وضعت تلك العلاقة في إطار مشكلة الزمن، كما كانت هي موضوع ~~مسرحيته «شهرزاد»، وذلك عندما وضعت تلك العلاقة في إطار مشكلة ~~المكان، وينتهي الحكيم من ذلك كله إلى تحديد موقفه من السؤالين ~~السابقين؛ فليس الإنسان في هذا الكون وحيدا ومسيطرا سيطرة مطلقة، ~~بل هنالك إلى جانبه قوى غير منظورة، من شأنها أن تحد من حريته، ~~وأن تكن حافزة له على الكفاح نحو الأرقى، أما القوى غير المنظورة ~~فإدراكها عنده يكون بإيمان القلب، وأما فكرة الأرقى التي تتطلب ~~الكفاح، فإدراكها يكون بالعقل، ولا بد من إيمان وعقل يعملان معا ~~في تعادل. # وعلى هذه القاعدة الأساسية - قاعدة التعادل بين ms229 الإيمان والعقل - ~~يستأنف الحكيم حديثه عن الحرية الإنسانية، فيقول إن الجانب العقلي من ~~الإدراك كفيل وحده بأن يشهد بالحرية للإنسان دون الحيوان، وما العقل ~~إلا مشاهدات واستدلال من المشاهدات، أما المشاهدات في هذا الصدد ~~فتقوم على أن الحيوان كله يولد مكبلا بمعرفة محددة معينة - ~~هي الغرائز - يتصرف على أساسها فيما يصادفه من مواقف، بغير حاجة منه ~~إلى تعلم وتدريب، على خلاف الإنسان الذي يولد عاجزا، حتى عن المشي ~~والكلام، ولا يختزن في جوفه حضارته، كما يفعل النحل والنمل، ولذلك كان ~~علمه اكتسابا، وكانت حضارته من صنعه وبإرادته، تلك هي المشاهدات، ~~وأما النتيجة التي تستدل منها فهي أن الحيوان مجبر والإنسان حر، ~~وعندئذ يتولد سؤال جديد عن هذه الحرية الإنسانية، أمطلقة هي أم ~~مشروطة ومقيدة بحدود؟ هي حرية - عند الحكيم - مقيدة بقوى خارجية ~~«أسميها أحيانا القوى الإلهية .. حرية الإرادة في الإنسان عندي إذن ~~مقيدة، شأنها في ذلك شأن حرية الحركة في المادة.» # تلك هي النتيجة التي ينتهي إليها إذا نظر إلى الأمر بأداة العقل، ~~فإذا ما استدار إلى الأداة الإدراكية الأخرى - القلب - ليرى ماذا تقول ~~في ذلك، وجد عندها النتيجة نفسها، وهي أن الإنسان حر الإرادة ~~حرية قد تتدخل فيها القوى الكونية المجهولة، وإذن فهي نتيجة لا ~~اختلاف عليها بين عقل وإيمان، ومن ثم كانت هي إحدى الأفكار الرئيسية ~~التي بنيت عليها مسرحياته، أعني أنها هي «مأساة الحياة كما تتكشف ~~عن عجز الحرية الإنسانية»، فتستطيع أن تقول هنا إن «إرادة الإنسان في ~~كفتها تعادلها الإرادة الإلهية في كفة أخرى، والعقل البشري في كفة ~~يعادله الإيمان في كفة»، وبهذا التعادل بين القوى يعيش الإنسان. ~~ويسوق المؤلف لمثل هذا التعادل أمثلة من «أهل الكهف» و«شهرزاد» ~~و«سليمان الحكيم»، وغيرها. # تلك هي وقفة الحكيم الميتافيزيقية في حقيقة الإنسان بالنسبة إلى ~~الكون، وإلى حريته بإزاء هذا الكون، وهو موقف يترتب عليه موقفه ~~الأخلاقي، فما دام الإنسان حر الإرادة - ولو إلى حد محدود - فهو ~~إذن مسئول عما يفعل، وما دمت قد ذكرت المسئولية الخلقية فقد ~~أثرت مشكلة ms230 الخير والشر، «والخير والشر في رأيي لا شأن لهما ~~بالإنسان الفرد، ولا وجود لهما إلا بالمجتمع»، وهو رأي نثبته هنا ~~كما أراده صاحبه، ولكنه رأي يدعو إلى شيء من التأمل قبل قبوله، فهل ~~يا ترى يجوز للمنعزل وحده في جزيرة أن ينتحر مثلا؟ فإذا قلنا إن ~~ذلك لا يجوز ، لأن فيه افتئاتا على الحياة، التي ليس هو وحده ~~صاحبها، فقد قلنا بذلك إن الانتحار شر، حتى ولو لم يكن المنتحر ~~فردا في مجتمع، لكنني أترك أمثال هذه الوقفات الجانبية لأنصرف إلى ~~رأي الحكيم، كما أراده في تعادليته؛ فالخير - عنده - لا يكون إلا ~~فعلا إراديا يؤدي إلى نفع الغير، والشر هو الفعل الإرادي الذي يؤدي ~~إلى ضرر الغير؛ أي إن أديبنا الحكيم - إذا نسبناه إلى إحدى مدارس ~~الأخلاق - انتمى إلى مدرسة المنفعة، التي تقيس الفعل بنتائجه لا بشيء ~~في طبيعة الفعل نفسه، ولست أريد أن أستطرد هنا مرة أخرى لأقول إن ~~القائلين بهذا المذهب هم عادة الفلاسفة الذين يركنون في عملية ~~الإدراك إلى الحس والعقل وحدهما، لا الفلاسفة الذين يعترفون بإدراك ~~القلب؛ إذ لهؤلاء قول آخر يجعل الخير والشر صفتين في الأفعال ~~نفسها، بغض النظر عن نفعها وضررها، وبغض النظر عن انعزال الإنسان ~~أو اشتراكه مع غيره في مجتمع. # ومهما يكن من أمر، فالحكيم في تعادليته يرى أن الخير والشر ~~كليهما ضروري ليعادل أحدهما الآخر، ويضرب أمثلة من مسرحياته كيف ~~جمع الطرفين في كل شخصية من شخصياته، وينتقل المؤلف إلى فكرة ~~العقاب، ليرى فيه رأيا طريفا، هو أن فعل الضرر بالناس لا ينبغي أن ~~يقابله سجن يحرم صاحبه من حريته؛ إذ التعادل لا يكون بين الشر ~~والحرية، وإنما يكون بين الشر والخير، ومؤدى ذلك هو أن أجعل الشرير ~~الذي فعل فعلا ضارا يؤدي فعلا نافعا، ليتعادل نفعه للناس مع ~~ضرره. # وفكرة الخير والشر تنتج عنها فكرة الضمير، وهنا يحاول الحكيم أن ~~يحدد معنى «الضمير» بقوله «إنه شعور الذات بشر لحق الغير لم ~~يقدم عنه حساب»، فالمذنب الذي يعاقب على ذنبه لا ms231 يؤنبه ضميره على ~~شيء، كأنما الضمير لا يتحرك إلا إذا كان صاحبه مدينا إزاء المجتمع ~~بضرر ألحقه به، ولم يدفع مقابله من النفع ما يتعادل معه، وهذا التعادل ~~بين الضرر والنفع، أي بين الشر والخير، هو ما يسميه المجتمع بالعدل، ~~وإذن «فالعدل هو المظهر الأخلاقي للتعادل، والضمير إذن هو الشعور ~~بالعدل»، وكما يقال إن للفرد الواحد ضميرا، كذلك يقال إن للمجتمع ~~بأسره ضميرا، يؤدي المهمة نفسها، أعني أنه يؤرق المجتمع إذا ما ~~أحس أنه أوقع الضر بغيره، أو أحس بأن طائفة منه أضرت ~~بطائفة أخرى من أبنائه، ومن هنا تقوم الثورات الاجتماعية لترد إلى ~~المظلوم حقه. # ويعتقد الحكيم أن مسألة الضمير هذه مقصورة على الأفراد داخل ~~الجماعة الواحدة، أما إذا انتقلت إلى السياسة وإلى الاقتصاد، فإنك ~~ها هنا تجد التعادل قائما بين الأطراف المتضادة، قيامه في دنيا ~~الحيوان والنبات؛ ففي السياسة لا بد أن تتعادل القوى، ومحال أن ~~يقوم في العالم قوة واحدة بغير قوى أخرى تعادلها. ويضرب المؤلف لنا ~~أمثلة من التاريخ، تدل على أنه حتى إذا قامت قوة واحدة، نراها من ~~الفور قد انقسمت على نفسها شطرين يتعادلان؛ كما حدث للإمبراطورية ~~الرومانية مثلا. # والأمر في السياسة الداخلية شأنه شأن الأمر في السياسة الخارجية؛ ~~لأنه في السياسة الداخلية لا بد من تعادل بين الحاكم والمحكوم، ~~ولما استطاع الشعب في العصور الحديثة أن يحكم نفسه بنفسه، نشأت ~~الأحزاب التي يعادل بعضها بعضا، «فإذا تغلبت طائفة في النهاية ~~وابتلعت كل ما عداها من الطوائف والطبقات، واتحدت في قوة واحدة، ~~تشمل الدولة كلها، فإن هذه القوة أيضا لا تلبث أن تولد قوة ~~أخرى خفية تعارضها وتجاهد في الظهور، وقد تخنق وتكبت وتهزم وتخفق، ~~ولكنها لا بد يوما أن توجد؛ لأن قانون التعادل الذي نرى مظهره في ~~الشهيق والزفير هو الذي يعمل هنا أيضا، ونرى مظهره في وجود حركة ~~توازن حركة؛ لأن هذا هو شرط الحياة.» # ذلك هو شأن السياسة - خارجيها وداخليها على السواء - أما في ~~الاقتصاد فإن قانون التعادل يفعل كذلك فعله ms232 بصورة واضحة، فلا بد أن ~~يكون هناك توازن بين العرض والطلب، كالتوازن بين الشهيق والزفير، ~~وكذلك الأمر في ضرورة التعادل بين الصادرات والواردات، وبين الإيرادات ~~والمصروفات، وهكذا. # وإن فكرة التعادل هذه لتراها في الطبيعة نفسها على صورة الفعل ~~ورد الفعل، فكل فعل له الفعل الذي يرد عليه ليحدث التعادل ، مهما ~~يكن المجال الذي يحدث فيه ذلك الفعل، وإذن فالتعادل هو قانون الطبيعة ~~وقانون الإنسان معا. # وهكذا ينقلنا إلى الميدان البيولوجي لنرى أن عملية الحياة نفسها ~~وتطورها قائمة على التعادل؛ ففضلا عن التعويض الذي تلجأ إليه طبيعة ~~الكائنات الحية لتوازن بجوانب القوة جوانب الضعف، ولتعوض النقص هنا ~~بالزيادة هناك، فإذا كانت النحلة رقيقة الجناح، فهي حادة الإبرة، ~~أقول إنه فضلا عن عملية التعويض هذه، فإن الطبيعة في تطورها ~~تستخدم أداة الفعل ورد الفعل في سيرها قدما وإلى أعلى وأقوى، ~~فإذا رأيت الشجرة تنتقل من خضرة يانعة في الربيع إلى صفرة ذابلة في ~~الخريف، ثم إلى خضرة يانعة في الربيع التالي، وهلم جرا، فقد تظن أن ~~سيرها يتم في خط مستقيم، أو أنها تسير في خط يدور على نفسه، فلا ~~يتقدم خطوة إلى الأمام، وبذلك لا يكون ثمة «تطور»، لكن حقيقة الأمر ~~هي أن هذه الدورة تلازمها دفعة إلى الأمام يظهر أثرها في ~~الأجيال القادمة من الكائن الحي، وحتى أجرام السماء في سيرها تتحرك ~~في هذين الاتجاهين معا: تدور حول نفسها وحول الشمس، لكنها في الوقت ~~نفسه «تسير في الفضاء إلى الأمام في إطار المجموعة الشمسية بأكملها»، ~~وقل شيئا كهذا في الإنسان وحضارته، فقد يتعاوره الظلام والنور في ~~حركة كحركة الليل والنهار، ولكنه مع ذلك يسير إلى الأمام في خلال ~~دورات من الفعل ورد الفعل، وإنك لتجد هذه الفكرة عن التطور في ~~مسرحية شهرزاد. # ويطبق الحكيم فكرة التعادلية في ميدان علم الاجتماع، كما طبقها ~~في ميادين الميتافيزيقا والأخلاق والسياسة والاقتصاد والبيولوجيا، ~~فيجيء التطبيق هنا على صورة التضاد بين الفكر والعمل تضادا لا بد ~~أن ينتهي إلى التعادل بينهما، لولا أني أوثر ألا ms233 أعرقل سير ~~الفكرة التعادلية باعتراضات جزئية ترد على خاطري كلما مضيت في صفحات ~~هذا الكتاب، لوقفت هنا وقفة أناقش فيها هذه القسمة إلى فكر بلا عمل، ~~وعمل بلا فكر - هذا إذا أخذنا الفكر بمعناه الذي يأبى أن يدخل في ~~أحلام اليقظة وشطحات الوهم - لكن الحكيم على كل حال يضاد بينهما، إلى ~~الحد الذي قد ينتصر أحدهما على الآخر فيخضعه لسلطانه، وهنا تجد ~~إما أن رجل الفكر خاضع لرجل العمل، وإما أن تجد رجل العمل ~~خاضعا لصاحب الفكر، ولكن هذا التضاد قد يقف عند حد التعادل بين ~~الضدين، فلا خضوع لجانب منهما للجانب الآخر، وعندئذ يتم التعادل ~~وتصلح الحياة. # وإن التعارض بين العمل والفكر، لهو الذي تراه - فيما يقول أديبنا ~~الحكيم - فيما نشأ من صراع على طول التاريخ بين الملوك من جهة، ورجال ~~الدين من جهة أخرى، ولئن استطاع الفكر في صورته الروحية هذه أن يصمد ~~لأصحاب السلطان، فقد عجزت صور الفكر الأخرى كالفلسفة والأدب والفن، عن ~~هذا الصمود؛ ولذلك نرى أصحابها قد ذلوا لأصحاب السلطان، وهنا يقترح ~~الحكيم اقتراحا جميلا، وهو أن سر ضعف رجال الفكر أمام أصحاب ~~الحكم، هو تفككهم، ولو تكاتفوا وتآزروا لتكونت منهم قوة تعادل ~~قوة الحكام، ولنلاحظ أن رجال الحكم في عصرنا هذا، برغم أنهم ~~جاءوا إلى مراكز الحكم بانتخاب الشعب، فإن شعور الجفوة ما زال قائما ~~بين رجل التنفيذ من جهة، ورجل الفكر من جهة أخرى؛ لما يخشى أن يوجهه ~~رجل الفكر من نقد وتوجيه. # ويستطرد الحكيم هنا، فيقول إن عصرنا الراهن قد ابتكر طريقة ~~يستطيع بها رجل السلطان أن يسكت رجل الفكر، فهو اليوم لا يعذبه ولا ~~يسجنه، كما كان يفعل الحكام السابقون، لكنه يستدرجه إلى حظيرة ~~السياسة العملية، فيلغي بذلك وجوده؛ لأنك إذا أدمجت الفكر في ~~العمل، لم يعد فكرا، «فواجب رجل الفكر إذن أن يحافظ على كيان ~~الفكر، وأن يصون وجوده الذاتي حرا مستقلا.» # ولكن ذلك لا يعني أن «ينعزل» الفكر، فاستقلال الفكر شيء، وانعزاله ~~شيء آخر؛ إذ المنعزل لا يؤثر في ms234 غيره، ولا يتأثر به، فكأنه معدوم ~~بالنسبة إلى الآخرين، ولا فرق بين فكر ينعزل عن العمل، وفكر يبتلعه ~~العمل ويذيبه؛ لأنه في كلتا الحالتين مفقود معدوم، أما استقلال ~~الفكر عن العمل - بغير انعزال - «فهو أن يكون له كيان خاص وإرادة خاصة ~~في مواجهة العمل، حتى يستطيع أن يتأثر به ويؤثر فيه.» # وأخيرا يجيء ميدان الأدب والفن، فها هنا يكون التعادل بين التعبير ~~والتفسير، بين الأسلوب والموضوع؛ «فالأثر الأدبي أو الفني لا يكتمل ~~خلقه ولا ينهض بمهمته إلا إذا تم فيه التوازين بين القوة المعبرة ~~والقوة المفسرة»، لكن هذا قول يريد شرحا، فيشرحه المؤلف شرحا أسهب ~~فيه، أما التعبير فيقصد به شيئا غير «الشكل»؛ لأنه الشكل مضافا ~~إليه شيء آخر، هو الموضوع نفسه الذي سيق فيه، التعبير هو الشكل، ~~والشيء الذي يتشكل فيه هو الأسلوب والموضوع معا، فإذا تعادل الأسلوب ~~والموضوع، إذا تعادل الشكل والمضمون، كان لنا بذلك «تعبير» قوي، أما ~~إذا طغى أحد الطرفين، كأن نزخرف الأسلوب ولا موضوع، أو أن نضع ~~الموضوع العظيم في شكل سقيم، ففي كلتا الحالين لا نظفر بتعبير له شأن ~~في دنيا الأدب والفن. # ولئن كان التعبير بالمعنى الذي يتعادل فيه الشكل والموضوع هو - كما ~~يقول الحكيم «كل شيء في نظر الفن» - فهو ليس كل شيء في نظر ~~التعادلية، «فقوة التعبير عند التعادلية يجب أن تقترن في الأدب والفن ~~بقوة التفسير»، والمراد بالتفسير ذلك الضوء الذي يلقيه الأديب أو ~~الفنان على موضع الإنسان في الكون ومكانه في المجتمع، أو بعبارة ~~أخرى، فإن التعادلية تتطلب من الأدب والفن أن يضيف إلى عالمي ~~المتعة والجمال ضوءا كاشفا يهدي الإنسان في طريقه إلى الكمال، أعني ~~أن يكون للأدب والفن «رسالة»، فإذا اكتفينا بالتعبير وحده، كان لنا ~~بذلك فن للفن، وإذا اكتفينا بالتفسير وحده، كان لنا بذلك فن ملتزم ~~برسالته وكفى، لكن المطلوب تعادل بين خصائص الشكل الأدبي والفني ~~ومضمون الرسالة المراد نشرها في آن معا. # وهنا يجد الكاتب نفسه أمام موضوع الالتزام وجها لوجه، ويرى لزاما ~~عليه أن ms235 يرى كيف يكون التعادل بين حرية الأديب والتزامه، وفي رأيه أن ~~الالتزام واجب، شريطة ألا يكون مصدره غير ذات الفنان؛ لأنه لو ~~جاء من خارج الفنان، كان إلزاما، وفقد الأديب حريته، وفقد الأديب ~~كيانه، لا، بل التزام الأديب برسالته هو، لا ينبغي أن يطول به الأمر؛ ~~إذ لا بد من مراجعة الرسالة المراد تبليغها آنا بعد آن، وإلا ~~أصبح الأديب عبدا لشيء مضى أوانه وتغيرت عليه الظروف. # ألا إن فلسفة الأمة هي مجموع فلسفات أبنائها الذين استطاعوا أن ~~يتخذوا موقفا فكريا، واستطاعوا أن يصوغوا ذلك الموقف في عبارة ~~يتبادلها الناس، ويحملها الزمن إلى الأجيال الآتية، وإذا كان هذا ~~هكذا، فإننا لن نذكر الفلسفة العربية بعد اليوم، إلا وفي أذهاننا ~~فكرة التعادلية التي بسطها أديبنا الحكيم في كتاب له بهذا ~~العنوان. # | شاهد على الصهيونية من يهود # لو كتب كاتب عربي في الصهيونية بما يفضحها ويشينها، لقيل: عدو ~~كتب؛ ولو كتب فيها أوروبي محايد بما يظهر مواضع الخطر والشر ~~والسوء، لقيل: مناهض للسامية تعصب؛ لكن ماذا يقال إذا كان الكاتب ~~يهوديا، بل مديرا للمجلس اليهودي الأمريكي؟ إن له من يهوديته ما ~~يعصمه من تهمة العداوة للجنس السامي، ومن أمريكيته ما يضمن عطفه ~~مقدما على إسرائيل؛ وإذن فلشهادته قيمة مضاعفة؛ لأن يهوديته ~~وأمريكيته معا لم تستطيعا أن تحجبا عنه الحق حين فتح عينيه ~~ليراه. # وأما هذا اليهودي المرموق في يهوديته، فهو الدكتور «إلمر برجر» # Elmer Berger ~~، المدير التنفيذي ~~للمجلس اليهودي في أمريكا؛ طاف بأقطار الشرق الأوسط، في زيارة أراد ~~بها أساسا أن يستطلع حالة الأقليات اليهودية في تلك الأقطار، ليبعث ~~برسائله تباعا عما يراه ويسمعه؛ فزار القاهرة وبغداد وبيروت ودمشق، ~~والقدس العربية في الأردن، ثم ختم الجولة بزيارة القدس المحتلة في ~~إسرائيل؛ كان تاريخ خطابه الأول يوم 7 من أبريل «نيسان» 1955م؛ أرسله ~~من السفينة التي أقلته من أمريكا عبر المحيط الأطلسي، وأعقبه خطاب ~~ثان من السفينة، ثم بدأت رسائله من القاهرة، حيث بعث بست رسائل ~~خلال أسبوعين أقامهما بها، وتركها إلى بغداد ms236 ليبعث منها برسالة ~~واحدة، ثم عقب عليها ببيروت فأرسل منها رسالتين؛ ثم دمشق فأرسل منها ~~كذلك رسالتين؛ وبعدئذ أرسل من القدس العربية أربع رسائل، ومن القدس ~~المحتلة أربع رسائل، ومن حيفا رسالة، وختم بأربع رسائل أرسلها وهو ~~في طريق عودته؛ من الطائرة، ومن السفينة، ومن طنجة، ومن باريس؛ فمجموع ~~الرسائل ست وعشرون، كتبت على مدى شهرين ونصف شهر، وقد جمعت في ~~كتاب صغير، قرأته فلمست فيه الدقة والأمانة والصدق، وأحسست من ~~عنوانه شجاعة كاتبه في مواجهة الصهاينة؛ إذ جعل العنوان: «على من ~~يعرف الحق أن يعلنه»، وكانت الرسائل كلها موجهة إلى شخصين ~~بالاشتراك، هما رئيس المجلس اليهودي ومقرره. # وفيما يلي لمحات مما ورد في هذه الرسائل، ومنها يرى القارئ صورة ~~لإسرائيل بالقياس إلى الوطن العربي، فبينما وجد الزائر اليهودي في ~~أرجاء الأمة العربية سعة الصدر وسماحة النفس واعتدال الرأي وتسامح ~~العقيدة وروح الإخاء؛ ما لم يسع الزائر اليهودي إزاءه إلا أن ~~يعبر عن دهشته العميقة للفارق الفسيح بين ما وجده وما سمعه ورآه، ~~وبين ما كان قد تسلل إلى وطنه ووهمه خلال الدعاية الصهيونية التي ~~تطن في أرجاء العالم بعامة، وفي الولايات الأمريكية بخاصة؛ أقول ~~إنه بينما وجد كل هذه الجوانب في البلاد العربية، ما لم يكن ~~يتوقع شيئا منه؛ رأى العنت كل العنت - وهو اليهودي المرموق في ~~يهوديته، والأمريكي البارز في أمريكيته - رأى هذا العنت كله من ~~إسرائيل، قبل دخوله فيها وبعد دخوله. # فهذا هو خطابه الأول، يكتبه على ظهر السفينة وهي تعبر به المحيط، ~~يذكر فيه حادثتين وقعتا له قبل أن يغادر بلاده بأيام قلائل؛ يقول ~~عن إحداهما: ... إنكما تعلمان ما كنت قد لقيته من مصاعب حين أردت ~~أن أحصل على تأشيرة الدخول في إسرائيل؛ فقد كتبت خطابا رسميا إلى ~~أفرام هارمان - القنصل العام الإسرائيلي في نيويورك - بالإضافة إلى ~~الطلب العادي الذي كنت قد قدمته قبل ذلك ببضعة أسابيع، وانتهى ~~الأمر إلى أن دعيت إلى مقابلة السيد هرمان على غداء، وبدل أن نتحدث ~~على الغداء عن تأشيرة الدخول ms237 التي طلبتها، دار الحديث عن السبب الذي ~~يدعوني إلى الذهاب إلى إسرائيل، وما هو إلا أن تأدى بنا الحديث ~~- بما اقتضاه منطق السياق - إلى مناقشة طويلة جدا حول مسائل ~~مذهبية ... وأظن أنني أستطيع تلخيص ما دار بيننا حتى ساعة متأخرة ~~من عصر ذلك اليوم، بقولي إنه كان حديثا هادئا ومنبها للتفكير، ~~لكننا انتهينا منه إلى إدراكنا بأن ما بينه وبيني في الرأي هو ما ~~بين القطبين؛ إذ لم يكن بيني وبينه أرض مشتركة على الإطلاق؛ فهو - ~~كأغلبية رجال الحكومة الإسرائيلية - علماني إلى أعماقه، لا يسري فيه ~~أدنى شعور بالعقيدة اليهودية؛ وهو يكرس نفسه لما يسميه «الأمة ~~اليهودية» (فلا يكفيه أن يتحدث عن دولة يهودية) ... فهو يقول إن مصالح ~~الأمة اليهودية في العالم تأتي أولا، ومنها تنبثق الدولة؛ لأنك - ~~هكذا قال - إذا ضمنت أن يتماسك يهود العالم في شعب واحد؛ فقد ضمنت ~~أن يتكفل هذا الشعب الواحد بإعادة دولة إسرائيل، إذا ما أصابها ~~سوء. # وقد جرنا الحديث إلى محاولة إسرائيل تهجير اليهود من أوطانهم ~~إليها، وعلمت منه كيف كان خلال الحرب العالمية الثانية (أي قبل نشأة ~~إسرائيل) يمثل «الوكالة اليهودية» في رومانيا، وكيف حاول عندئذ جمع ~~المال والنفوذ، ليستطيع بهما أن يخرج يهود رومانيا؛ ليبعث بهم إلى ~~فلسطين، لكنه لم ينجح إلا بقدر ضئيل، ولما أبديت له رأيي في ~~حوادث شمالي إفريقيا، التي حدثت بتحريك من الصهاينة، قال لي إن ~~إسرائيل في الحقيقة ليست بحاجة إلى يهود عرب، ثم قال: «إنني لعلى ~~استعداد أن أعطيك عشرة من اليهود العرب لأستبدل بهم يهوديا ~~أمريكيا واحدا»؛ وأضاف ما معناه أن إسرائيل الصهيونية إنما ~~تفعل ذلك لإنقاذ اليهود ممن يحيطون بهم، فاعترضته متعجبا كيف تريد ~~إسرائيل الصهيونية هذه أن تجعل من نفسها إلها يعمل على تخليص عباده، ~~وتساءلت لماذا تظن إسرائيل أن يهود أمريكا مثلا يحبون مغادرة ~~وطنهم الأمريكي ليقيموا فيها؟ ولما أبديت له رأيي بأن اليهودي حيث ~~كان، إذا هو أدمج نفسه في أبناء وطنه، يشاركهم ويسايرهم كما ينبغي له ~~أن يفعل؛ اختفت ms238 كل مشكلة اليهود كما يتصورها، أقول إني لما ~~أبديت له ذلك، أجاب من الفور بأن مثل هذا الدمج مضاد لأهداف ~~إسرائيل، لأن من شأنه أن يفتت «الشعب اليهودي»، ولا تصبح بين أفراده ~~تلك الرابطة التي هي في رأي الصهيونية جديرة بالاهتمام الأول. ثم دار ~~بيننا حديث طويل عن يهود أمريكا، أما أنا فوجهة نظري هي أن تبقى ~~اليهودية بالنسبة إليهم عقيدة دينية لا تمس ولاءهم لأمريكا في شيء، ~~وأما هو فوجهة نظره - وهي وجهة نظر الصهاينة جميعا - أن جزءا من ~~العقيدة الدينية اليهودية نفسها ينبغي أن يكون إقامة الرابطة التي ~~تربط بين يهود العالم في أمة واحدة؛ يقول ذلك عن العقيدة الدينية ~~اليهودية مع اعترافه في أثناء الحديث أنه لا يعبأ بهذه العقيدة من ~~حيث هي، ولا يريد لها إلا أن تكون أداة لتحقيق أغراض السياسة ~~الصهيونية؛ حتى لقد صارحته بوجهة نظري، وهي أن إسرائيل تريد في ~~حقيقة أمرها أن تباعد بين اليهود وديانتهم، مصطنعة لهم موقفا ~~دنيويا سياسيا صرفا، وبينت له أن انشطار اليهود على هذا ~~النحو، بحيث يصبحون فريقين: فريقا يستهدف جمع اليهود تحت راية ~~السياسة، بغض النظر عن العقيدة الدينية، وفريقا آخر يريد لليهود أن ~~يظلوا مواطنين حيث هم، مع احتفاظهم بعقيدتهم الدينية، ليس هو بالأمر ~~الجديد، بل ظهرت بوادره منذ الثورتين الأمريكية والفرنسية، في القرن ~~الثامن عشر. # كانت تلك المقابلة مع هارمان إحدى الحادثتين اللتين قال الكاتب في ~~أول خطابه إنه صادفهما قبيل مغادرته نيويورك، وأما الحادثة ~~الثانية فهي أنه حضر مع زوجته احتفالا راقصا، اكتفيا فيه بالجلوس ~~والمشاهدة، فشاركهما على المائدة رجل وزوجته، وسرعان ما دخلوا معا ~~في حديث، تبين منه أن هذا الرجل يعمل في وزارة الخارجية الأمريكية، ~~وأنه من خبراء الشرق الأوسط، ولما علم أن محدثه هو مدير ~~الجمعية اليهودية الأمريكية - التي لا تناصر الصهيونية وجهة نظرها ~~بالنسبة لإسرائيل - قال له ما معناه إنه لو ترك لرأيه الحر، لما رأى ~~غير هذا الرأي المعارض للسياسة الصهيونية، وأن الوجود الإسرائيلي ~~لا يقوم على أساس ms239 عادل، إلا إذ بترت العلاقة بينهما وبين الصهيونية ~~العالمية. # ونقفز في صفحات الكتاب لنصل إلى الرسائل المبعوثة من القاهرة، وأهم ~~ما ورد في الرسالة الأولى (تاريخها 14 من أبريل 1955م)، لقاء بين ~~الكاتب وحاخام اليهود بالقاهرة، حايم ناحوم، «وهو شيخ جليل في الثالثة ~~والثمانين من عمره، وكان قبل هذا حاخام اليهود في الإمبراطورية ~~التركية، وقد لبث في مصر ثلاثين عاما، وهو اليوم كفيف البصر، لكنه ~~من نفاذ الرأي ويقظة الوعي في درجة لا تستطيع أن تتخيل درجة أبعد ~~منها؛ ولأنني أعلم التضليل الذي يذاع في أمريكا عن اليهود في ~~البلاد العربية، فإنني أؤكد هنا أن الاجتماع بالحاخام كان في ~~منزله، ولم يحضره أحد من رجال الحكومة ... وإنه لمن باب التفكهة أن ~~أذكر - في مواجهة التفرقة الباطلة التي تذيعها الدعاية الصهيونية ~~للتمييز بين العربي واليهودي - أن الحاخام يلقب ب «الأفندي» عند ~~المصريين لولا أن هذا اللقب لم يعد يستعمل بصفة عامة في كل أنحاء ~~البلاد بعد الثورة، على أني أريدكما أن تعلما أن اللقب كان يراد ~~به الاحترام؛ ولذلك لم تكن دهشتي عظيمة حين ذهبنا إلى شقة الحاخام ~~ناحوم، لأراه هناك جالسا وعلى رأسه الطربوش العربي، وتساءلت ماذا يا ~~ترى يكون الرجع إذا ما ظهر الرجل في حفلة يقيمها الصهاينة في ~~نيويورك؟ # تحدثت مع الرجل ساعتين، وطرقنا بالحديث موضوعات كثيرة، فوجدته ~~عدوا للصهيونية، لا يرغب في شيء رغبته في التنصل منها، وقد قص ~~علي قصة منذ كان في الماضي مقيما في تركيا، كيف جاء عندئذ وفد ~~صهيوني يطلب منه التوسط لدى السلطان ليسمح للصهيونيين بشراء الأرضي ~~في فلسطين، فأفهمهم أن مثل هذه الوساطة تسره لو كان يعلم أن ~~الأراضي تباع لليهود من حيث هم «أفراد» يعتزمون أن يكونوا مواطنين في ~~فلسطين، لكنه لن يتوسط في ذلك ما دام يعلم أن الأراضي إنما ~~تشترى تحقيقا لخطة «جماعية» يراد بها خدمة الحركة ~~الصهيونية». # ومضى الكاتب في رسالته ليقول إنه لا بد لمن يريد أن يرى الحقيقة ~~بعينيه، أن يحضر إلى هنا ليرى كيف ms240 تمارس العقيدة اليهودية بكل ~~شعائرها في حرية تامة، وكيف يشارك المواطنون اليهود سائر أبناء ~~وطنهم في نشاط الثورة؛ ثم يؤكد الكاتب - وكأنما هو في عجب مما يرى - ~~أن ليس في مصر علامة واحدة تدل على اضطهاد السامية (وفاته أن يعلم ~~أن العرب هم أنفسهم ساميون)، وقد أثبت الكاتب في رسالته هذه ما ~~أنبأه به الحاخام ناحوم، من أنه في الأسبوع الماضي، دعي مع قادة ~~المسلمين والمسيحيين، للمشاركة في الاحتفال برفع العلم المصري لأول مرة ~~على مدينة السويس؛ فأين هذه المساواة في المواطنة برغم اختلاف ~~الديانات؟ أين هي مما يذيعه دعاة الصهيونية في أمريكا؟ # وفي رسالة تالية أرسلها من القاهرة (بتاريخ 22 من أبريل 1955م) يؤكد ~~الكاتب ما ذكره في رسالته السابقة، وما يغيب عن أذهان الأمريكيين بفعل ~~ضلالات الدعاة، من أن اليهود هنا هم عرب من العرب، يتكلمون العربية، ~~ويرتدون ما يرتديه العرب، ويبيعون للعرب، ويشترون من العرب؛ ويقول ~~إنه لتأخذه الدهشة الممزوجة بالعار حين يتذكر كيف يجلس الأمريكيون ~~في جهلهم، بل كيف يبدون استحسانهم أحيانا، كلما وقف بينهم سفراء ~~إسرائيل، ووزراء إسرائيل، يخطبون فيهم لجمع التبرعات، مصورين البلاد ~~العربية في حديثهم في صورة بشعة، ما أبعدها عن الحقيقة كما تراها عين ~~الرائي! أفلا يجدر بهؤلاء المنصتين هنا في إعجاب أن يجيئوا إلى هنا ~~ليروا كيف يعيش خمسون ألفا من اليهود، مواطنين عاملين أحرارا، ~~شاركوا حياة بلادهم في ماضيها، وفي حاضرها، وفي رسم مصيرها؟ # واتصل الكاتب بصحفي يهودي في مصر، وطلب منه أن يكتب له تقريرا عن ~~حالة اليهود في هذه البلاد؛ فكتب الصحفي يقول: # يتمتع اليهود المصريون والأجانب في مصر، بحرية كاملة في عقيدتهم، ~~وفي التعبير عن أنفسهم وفي مزاولة أعمالهم، وقد شارك اليهود في مصر ~~- قبل حملة فلسطين وبعدها - في اقتصاد مصر وتجارتها إلى حد بعيد؛ ~~وحتى حين نشبت الحرب في فلسطين، لبث اليهود المصريون يتمتعون بحقوقهم ~~كاملة، ويؤدون واجباتهم كاملة، من حيث هم مواطنون مصريون، ولم يشعر ~~اليهود المصريون قط بأي اضطهاد أو تمييز عنصري؛ فقد كان ms241 يمثلهم ~~نواب في البرلمان المصري، وحدث في أيام الحرب الفلسطينية أن كان عنهم ~~نائبان في البرلمان، هما أصلان قطاوي، في مجلس الشيوخ، ورينيه قطاوي، ~~في مجلس النواب. # وبعد ثورة 23 من يوليو 1952م، ازداد شعور اليهود باحترام حكومة ~~الثورة لهم؛ إذ إن هذه الحكومة لم تدع فرصة واحدة تمر - دينية ~~كانت أو اجتماعية - دون أن تنتهزها لتبين لليهود المصريين أن ليس ~~عندها قط ما تميز به بين مواطنيها من المسلمين والمسيحيين عن ~~مواطنيها من اليهود، فرئيس الوزراء يشارك بنفسه في أعياد اليهود، ~~ويزور معابدهم؛ ولما شكلت حكومة الثورة في مصر لجنة خاصة لوضع ~~دستور جديد للبلاد، عينت فيها عضوا يمثل اليهود، هو الأستاذ زكي ~~العريبي، المحامي المصري المعروف؛ وإنك لتجد في القاهرة والإسكندرية ~~وغيرهما من البلاد المهمة في مصر، مدارس يهودية يديرها يهود، حيث ~~يستطيع التلاميذ اليهود أن يتعلموا العبرية بلا تدخل من أي موظف ~~حكومي، بأية صورة من الصور. # وبرغم حالة التوتر القائمة بين الدول العربية عامة، ومصر خاصة، وبين ~~إسرائيل؛ فإن اليهود المصريين يقومون بدورهم في حياة مصر الاقتصادية ~~والتجارية، ولهم رءوس أموال ضخمة مستثمرة في المصانع والشركات، وفي ~~مؤسسات الاستيراد والتصدير، وفي البنوك. # نعم، إن عددا من فقراء اليهود، تحت تأثير الدعاية الصهيونية، قد ~~هاجروا من مصر إلى إسرائيل، لكن هذا العدد أخذ يتناقص بشكل ملحوظ منذ ~~قامت الثورة، ويرجع التناقص أساسا إلى عاملين: أولهما التمييز في ~~إسرائيل بين اليهود العرب واليهود الوافدين من أوروبا؛ فقد جاءت ~~الأنباء ممن هاجروا إلى إسرائيل بأن اليهود العرب هناك يكلفون ~~بأداء أحط الأعمال شأنا، كالعمل في المجاري، برغم أنهم قد يكونون ~~ممن ظفروا بقسط عال من التعليم، على حين أن اليهود الوافدين من ~~أوروبا يعاملون كما لو كانوا سادة، وكما لو كان اليهود العرب عبيدا ~~لهم وخدما؛ وأما العامل الثاني، فهو ما يشعر به اليهود المصريون - ~~في حكومة الثورة - بمساواة تامة بينهم وسائر المواطنين من مسلمين ~~ومسيحيين، فهم يختارون لأنفسهم من ضروب الأعمال ما يشاءون، على حين ~~أن زملاءهم في ms242 إسرائيل يجبرون على الأعمال التي تختارها لهم ~~السلطات. # على أن الدعاية الصهيونية - برغم هذه الحقائق - ما تزال تجد سبيلها ~~إلى نفوس عدد من اليهود الفقراء، الذين قد يتوهمون أنهم مصادفون ~~ثراء في إسرائيل، فيهاجرون بمعونة تأتيهم من عملاء الصهيونية، ~~فترسل لهم تذاكر السفر مجانا إلى مرسيليا، كما ترسل لهم إعانات مالية ~~لإعداد أنفسهم بالثياب وغيرها من لوازم السفر. وإن الحكومة هنا لتعلم ~~مقصد المهاجرين، ومع ذلك فهي لا تقف في سبيل هجرتهم. # ويقول هذا الصحفي اليهودي المصري في تقرير: إنني لأرى - باعتباري ~~مواطنا مصريا يعتنق اليهودية دينا - أن الدول العظمى قد ~~اقترفت أفحش خطيئة ضد يهود العالم، بأن أقامت دولة إسرائيل؛ لأنها ~~بذلك قد عزلت اليهود في معظم أرجاء الدنيا، إذ نظر إليهم على أنهم ~~موالون لهذه الدولة الوليدة، وأنهم ليسوا على ولاء للبلاد التي ~~يعيشون فيها، وحسبوا كما لو كانوا مواطنين إسرائيليين يقيمون خارج ~~بلادهم. وفي الوقت الذي عارضت فيه تلك الدول العظمى بكل قوتها، ~~النازية والفاشية، واتهمتهما باضطهاد اليهود في ألمانيا، وفي الوقت ~~الذي لم تدخر فيه تلك الدول العظمى جهدا في إيواء اللاجئين اليهود ~~الذين طردوا من ألمانيا؛ فهي لم تصنع - حتى الآن - شيئا قط لإعادة ~~اللاجئين العرب إلى ديارهم في فلسطين، أو لتعويضهم، وتركتهم خلال ~~السنوات السبع الماضية (من 1948م إلى 1955م، وهي تاريخ كتابة هذا ~~التقرير)، مشردين في الصحراء، بلا مأوى. وإننا نحن اليهود ~~المصريين لنشعر بالمفارقة حين نرى أنفسنا في مأمن من وطننا، ثم نرى ~~هؤلاء اللاجئين يتجرعون العيش المر في حياة متوترة قلقة. # وفي رسالة أخرى من القاهرة، وصف الكاتب مقابلة له مع شيكوريل، ~~يقول فيها: قابلنا السيد شيكوريل في مكتبه الكائن في متجره - وهو ~~أكبر متجر في مصر، مليء بصنوف السلع، جميل البناء، حديثه - وكان معه ~~في مكتبه الحاخام ناحوم ونائب مدير المتجر، الذي هو عضو بارز في ~~الجالية اليهودية. إنك حيثما توجهت هنا في لقاء على ميعاد، كانت ~~أول خطوة في مراحل العمل هي أن تشرب فنجانا من القهوة التركية، وبهذه ms243 ~~البداية بدأت زيارتنا للسيد شيكوريل، فقلما يبدأ حديث جاد إلا ~~بعد أن تكون هذه الشعيرة قد تمت. وبدأت أنا الحديث - كما رجاني السيد ~~شيكوريل أن أفعل - بأن أخبرتهم عن المجلس اليهودي الأمريكي، وعن دهشتي ~~السارة التي دهشتها حين سمعت الحاخام ناحوم وهو يحدثني عن اليهود ~~في مصر، والطمأنينة التي يتمتعون بها في حياتهم. وشرحت لهم كيف أن ~~ضجة الدعاية الصهيونية في أمريكا، والدعوة هناك لجمع المعونات ~~لإسرائيل، قد ضللت حتى أولئك الذين أرادوا منا أن يحصلوا على ~~معلومات صحيحة عن حالة اليهود في البلاد العربية، فكان كل ما سمعناه ~~تقريبا هو التهم التي وجهتها الصهيونية وإسرائيل إلى العرب ~~بأنهم يريدون إبادتهم، وبأنهم يضطهدون الساميين. فأكد لي السيد ~~شيكوريل صحة ما سمعته قبل ذاك من الحاخام ناحوم، وأن هذه التهم ~~كلها باطلة بطلانا تاما، نعم، إن هناك شعورا بالقلق، لكنه ~~شعور ناجم من التحول العميق الذي تتحول به البلاد من حياة إلى ~~حياة، لا من اضطهاد موجه إلى اليهود بأية صورة من الصور. ولئن كان ~~الفقر الشديد شائعا بين اليهود هنا، فهي حالة تصدق على مصريين ~~كثيرين من ديانات أخرى، وإن مثل هذا الفقر لهو نفسه أحد العوامل ~~الهامة التي أدت إلى قيام الثورة. وقد اتهم السيد شيكوريل وكلاء ~~الصهيونية باستغلالهم لأمثال هذه الظروف القائمة، مع علمهم أنها لا ~~تمت بصلة على الإطلاق بعلاقة اليهود بغيرهم .. ويعتقد السيد شيكوريل ~~أنه برغم جهود الصهيونية نحو تهجير اليهود، فليس هنالك إلا عدد ~~قليل جدا من يهود مصر يفكرون أقل تفكير في الهجرة إلى ~~إسرائيل. # ولعل أقوى حجة قدمها السيد شيكوريل في حديثه، هي خبرته الشخصية ~~التي صادفها في عمله؛ فقد أحرق متجره في حريق القاهرة، الذي حدث في ~~يناير سنة 1952م - وكان ذلك قبل الثورة - فواجه هو وشركاؤه هذا ~~السؤال: هل يعيدون بناء المتجر في القاهرة؟ أو يقررون بأن الأمل ~~في المستقبل مسدود أمام اليهود المصريين؟ «وإن جوابنا عن هذا ~~السؤال» هكذا استطرد شيكوريل في حديثه «لتراه قائما في هذا البناء ~~الجديد، الذي ms244 يعد من أجمل المباني في مصر؛ فهو كاف وحده للدلالة ~~على ما نظنه بالنسبة إلى مستقبل اليهود في مصر.» # ومضى الكاتب يقص في رسالته هذه عن حديث فرعي دار في مكتب السيد ~~شيكوريل؛ «وذلك أن الجالية اليهودية أرادت أن تقيم لنا - زوجتي ~~وأنا - احتفالا تكريميا، وأراد السيد شيكوريل أن يستطلع مسئولا في ~~الحكومة رأيه في ذلك، وجاءنا شاب نابه واشترك معنا في الحديث، ~~فأكد لنا رغبة أولي الأمر في أن يحضر بعضهم هذا الحفل؛ لأنهم ~~حريصون أشد الحرص على أن يظهروا للجالية اليهودية ما يكنونه لهم ~~من رعاية لأوجه نشاطهم الاجتماعي. وإذن فالحكومة لم تكتف بمجرد ~~الموافقة على إقامة الاحتفال، بل أرادت المشاركة فيه. إن رجال ~~الحكومة هنا يعلمون ما يتهمهم به الصهيونيون من اضطهاد للسامية، ~~ويريدون أن يبطلوا الاتهام، وقد كان أروع جانب من حديث الشاب اللامع ~~الذي جاءنا موفدا من الحكومة، حين أخذ الحاضرون يحددون مكان ~~الاجتماع، فكان رأي شيكوريل أن يكون الاجتماع في مكان ما من ممتلكات ~~الجالية اليهودية، فأصر الشاب على أن يكون الاجتماع في فندق ~~سميراميس، تاركا الاختيار الأخير للسيد شيكوريل، لكن وجهة نظره في ~~تفضيل الفندق للاجتماع، أقامها على أساس أنه بينما الحرية التامة ~~مكفولة لكل فئة دينية أن تمارس شعائرها على أي نحو شاءت، فإن ~~الحكومة حريصة على الفصل بين النشاط الاجتماعي والعبادة الدينية، ~~وأن اجتماعا كهذا إذا ما أقيم في فندق عام، كان دليلا على الفصل ~~بين الجانبين.» ويقول صاحب الرسالة إنه بعد حوار طريف بين شيكوريل من ~~طرف، وهذا الشاب النابه من طرف آخر، سئل ماذا تختار لنفسك أنت، ~~وأنت موضع التكريم؟ فأجاب بأنه برغم أنه لا يهتم بمكان الاحتفال ~~أين يكون، لكنه يؤيد الشاب في وجهة نظره؛ لأنها هي نفسها وجهة ~~النظر التي ينظر منها المواطن الأمريكي. # ويكمل الكاتب رسالته هذه بوصف لزيارة قام بها لمديرية التحرير، ~~وللجهود التي رآها مبذولة هناك، واستطرد ليثني على العزيمة الماضية ~~التي لا تكل ولا تمل، عزيمة الحكومة والزعماء في بعث الحياة بعثا ~~جديدا. ms245 ثم يصف زيارته للمحلة الكبرى ومصانعها، وللمراكز الاجتماعية في ~~الريف، ويختم بحديث دار بينه وبين دبلوماسي في وزارة الخارجية، ~~تحدثا فيه عن سياسة مصر تجاه إسرائيل، فوضع له هذا الدبلوماسي ~~النقط فوق الحروف؛ مما جعله على علم تام بموقف العرب من هذه المصيبة ~~التي أصيب بها العرب على أيدي المستعمرين. # ونخطو خطوا خلال الرسائل المرسلة من بغداد ودمشق وبيروت، وفيها ~~معلومات قيمة وملاحظات جديرة بالنظر، لنصل مسرعين إلى رسائل الكاتب ~~من القدس بقسميها: العربي والمحتل. # ففي رسالة من القدس العربية، يكتب (بتاريخ 21 من مايو (أيار) 1955م) ~~قائلا إنه يكتب والشعور يتملكه بأنه قد بعد عن دنيا الواقع ~~بعدا لم يحس له نظيرا من قبل. وإنه لمن المفارقات الغريبة أن ~~يكون هذا الشعور باللاواقع منبثقا من حقيقة واقعة، وهي أن الكاتب ~~يكتب ما يكتبه، وهو قابع فوق المركز العصبي للمشكلة، التي استنفدت ~~كل طاقاتهم وقدراتهم العقلية مدى أعوام طوال: «فها هو ذا حائط ~~بأكمله من حوائط غرفتنا في الفندق مصنوع من زجاج، يؤدي بنا إلى شرفة ~~رائعة، لو وقفت فيها استطعت بالفعل أن أنفذ ببصري خلال نوافذ البيوت ~~في القدس المحتلة. وقد اجتمعت هذا المساء - في حفل ساهر - بأناس ~~عرب، كانوا فيما مضى يعبرون هذه الرقعة الصغيرة، عائدين إلى ~~منازلهم: لكنهم الليلة لا يستطيعون إلا أن ينظروا من بعيد، وأن ~~يتذكروا. وإنه لمن هراء القول أن يناقش بعضنا بعضا في من هو ~~المسئول عن كون هؤلاء الناس واقفين هنا وليسوا هناك؛ لأنه إذا كان ~~صندوق الحلوى الزجاجي يحول بين الطفل والحلوى، فإنها عندئذ تكون ~~حقيقة لا تغيرها حقيقة أخرى، وهي أن ثمة خلافا في الرأي عن اسم ~~الصانع الذي صنع زجاج الصندوق! ويكفي أن تكون الحلوى ممتنعة على ~~هؤلاء الناس هنا، بعد أن كانوا هم أصحابها.» # ويمضي الكاتب بعد ذلك في التعبير عما يشعر به في هذه الرقعة ~~المليئة بذكريات التاريخ، التي يمر عليها الزمن وكأنما هي في أزلية ~~أبدية لا تشارك الزمن في عبوره: «فاليوم الذي انقضى عليه الآن ms246 ثلاثة ~~آلاف عام، واليوم الذي سنصبح عليه غدا في هذا المكان، موصولان في ~~وحدة زمنية واحدة؛ ففي موضع قريب من قبة الصخرة كان العمل قائما ~~لرصف طريق يمتد إلى بيت لحم، وعندما أزالت آلات الهرس بعض الأنقاض ~~من الطريق، انكشف جزء «جديد» من جدار قديم؛ مما اضطر القائمين ~~بالعمل أن يدوروا بالطريق في انحناءة بحيث يحافظون على الأثر ~~المكشوف، إلى أن يقرر علماء الآثار المتخصصون ما إذا كان هذا الجدار ~~«الجديد» القديم جزءا من «المعبد» الأصلي.» # وهنا يستطرد الكاتب ليعود إلى بعض ملاحظاته التي وقعت له في زيارته ~~لسوريا ولبنان. وبعد ذلك يمضي في رسالتين متتابعتين يشرح ويحلل ويصف ~~كل ما رآه في معسكرات اللاجئين، بروح ساخطة على الصهيونية التي ~~أحدثت هذه الفظائع على رقعة كان ينبغي أن تكون آمنة مطمئنة. # ويدخل القدس المحتلة بإسرائيل، فكان أول ما أثار حيرته ودهشته وغيظه ~~أن ذلك الرجل «أفرام هارمان» قنصل إسرائيل العام في نيويورك، كان ~~قد أذن له بدخول إسرائيل، لكنه فيما يبدو قد سجل الإذن على صورة ~~تثير شكوك الواقفين على الحدود؛ يبدأ الكاتب رسالته قائلا: «هذا ~~ختام اليوم الأول - أو على الأصح نصف اليوم - لنا داخل إسرائيل؛ لقد ~~عبرنا بوابة «مندلبوم» في الساعة الثانية بعد الظهر، وأن هذه ~~«البوابة» في حد ذاتها لظاهرة تثير الاهتمام، وترمز للموقف كله ~~هنا؛ فبوابة مندلبوم هي «نقطة عبور» تمتد بضع مئات من الياردات على ~~شارع كان يوما ما شارعا عاما عاديا في القدس قبل حرب 1948م، وهو ~~شارع يصل المدينة القديمة بالمدينة الجديدة، وأما اليوم، فعند مكان ~~معين منه، يقوم منزل كان يسكنه فيما مضى رجل بهذا الاسم «مندلبوم»، ~~وترى هنالك كوخا صغيرا لشرطة الأردن. أما المنزل فقد ضرب أثناء ~~الحرب وهجره ساكنوه، فإذا ما غادرت كوخ الشرطة الأردنية دخلت في ~~جزء يمتد بضع مئات من الياردات، هو جزء حرام لا يتبع أحدا بعينه، ~~لكنك لا تسير عبر هذا الجزء إلا إذا كنت من قبل قد أخطرت ~~الحراس على جانبيه (الأردني والإسرائيلي) حتى إذا ms247 ما قطعته ألفيت ~~كوخا صغيرا آخر، حيث الشرطة الإسرائيلية تراجع أوراقك، داخلا كنت ~~أو خارجا.» # وبعد هذه المقدمة القصيرة، يذكر لنا الكاتب أنه لولا شعوره ~~بواجبه نحو نفسه، ولولا ما تذرع به من عناد، لما اجتاز الحدود ~~الإسرائيلية أبدا. ثم يقص قصة ذلك الشعور كيف نشأ عنده، فيقول ~~إنه كان قد قضى معظم الصباح محاولا الحصول على استمارة معينة ~~تسجل عليها تأشيرة الدخول في إسرائيل ؛ لأنه لو سجلت له هذه ~~التأشيرة في جواز سفره، لما استطاع بعد ذلك أن يدخل البلاد العربية ~~بذلك الجواز؛ وهو يشهد بأن الموظفين في الجانب الأردني كانوا أكثر ~~من مجرد معاونين له، فقد تطوع أحدهم بالمجيء من داره لا لشيء إلا ~~ليضع له تأشيرة الخروج من حدود الأردن، لكنه ما إن بلغ حدود ~~إسرائيل حتى بدأت المتاعب؛ فبرغم أن الأمر عادي ومألوف، فقد ~~اضطر إلى أن يشرح للحراس على الحدود لماذا يريد أن توضع له تأشيرة ~~الدخول على الاستمارة لا في جواز السفر؛ فأعجب العجب أن «ضابط ~~الهجرة قد غافلني لحظة أدرت فيها بصري إلى السيارة التي كانت زوجتي ~~فيها مع القنصل الأمريكي، ووضع التأشيرة على جواز السفر، لا في ~~الاستمارة المنفصلة التي قدمتها له»، وبرغم أن الرجل أخذ يعتذر عن ~~«الخطأ»، فإن الزائر يقول في رسالته: «لكنني على يقين من أنه ~~خطأ متعمد.» # يدخل الزائر مع زوجته بسيارة القنصل الأمريكي في إسرائيل، فإذا ~~بمندوب سياحي يلاقيه، ليصحبه في سيارة أعدها له إلى فندق الملك ~~داود، وهنا اقترح القنصل أن يأخذه في سيارته هو؛ حتى لا ينقلوا ~~الحقائب من سيارة إلى أخرى بغير داع، فما هو إلا أن أبدى مندوب ~~السياحة غيظه الشديد، قائلا إن الزائر على كل حال عليه أن يدفع ~~أجرة السيارة التي أعدت له، سواء استخدمها أو لم يستخدمها. وهنا ~~يعلق الكاتب بقوله إنه عندئذ أحس بأن المسألة يستحيل أن تكون ~~مجرد حسرة على بضعة جنيهات إسرائيلية، خصوصا أنه لم يقل إنه ~~ممتنع عن الدفع، بل «لا بد أن يكون عند المندوب ms248 رغبة في أن ينفرد ~~بنا - دون القنصل - حسب تعليمات وجهت إليه، وقد أثبتت الحوادث ~~بعدئذ صدق ما أحسسته.» # وأخذ الكاتب يقارن بين ما تمتع به من حرية اختيار لما يراه وما لا ~~يراه حين كان في البلاد العربية جميعا، وما يجده الآن في إسرائيل من ~~شعور بالتوجيه الذي يرسم له ما يراد له فعله، سواء صادف عنده ~~قبولا أو لم يصادف؛ «إنني لأشعر بأسف تجاه هؤلاء الإسرائيليين، ~~إنهم في الحقيقة لا يفهموننا نحن رجال الجمعية اليهودية، ولا يفهمون ~~العرب.» لم يكد يستقر الزائر في فندقه عشرين دقيقة حتى جاءه رجل ~~من وزارة الخارجية، ثم ما هو إلا أن طفق يلقنه بما أرادوه له من ~~دعاية: كيف أن إسرائيل «يحاصرها» العرب، وكيف يهدد «المتسللون» ~~طمأنينتهم وأمنهم، وكيف أن العرب لا يريدون معهم سلاما، بل ~~يدبرون أخذا بالثأر! ولقد صارحه الكاتب - فيما يروي - بأنه إذا ~~كان العرب «يتسللون» لأعمال جزئية محدودة، فإسرائيل «تقاتل» قتالا ~~على نطاق واسع، وإنه لا يرى أن مثل هذا الفعل من جانب إسرائيل - ~~وهو متكرر - يمكن أن يكون طريقا موصلا إلى إقناع العرب بحسن ~~الجوار. وأضاف الكاتب إلى محدثه الإسرائيلي بأنه لم يحضر ليسمع ~~محاضرة عن التسلل العربي، بل حضر ليرى على الطبيعة الجانب الصهيوني ~~من إسرائيل (يلاحظ أن كاتب هذه الرسائل يظن أن لو نزعت إسرائيل ~~من صلاتها بالصهيونية العالمية، بحيث أصبحت دولة مقتصرة على حدودها، ~~وعلى سكانها؛ فربما أمكن تثبيت السلام بينها وبين العرب). # يذكر الكاتب مضايقات كثيرة لاقاها من دليله الإسرائيلي، فإذا طلب ~~منه أن يدبر له لقاء مع هذا الشخص أو ذاك، راوغه ليقابل غير من ~~يريد، وإذا رافقه الدليل في أماكن سياحية، أخذ يضيف من الملاحظات ~~الصبيانية ما ضاق له صدر الزائر، الذي لم يسعه إلا أن يكتب: ~~«لقد ظننت أن اليهود هنا سيتمكنون من العيش «العادي» خالين من ~~العقد التي لاحقتهم من هتلر ومن اضطهاد السامية؛ لكنني - بعد يوم ~~ونصف - أشهد بأنني لم أجد ما توقعته؛ فهم إذا حدثوك، فإما أن ~~يبرروا ms249 سياستهم العدوانية تجاه العرب، بأن «العرب يكرهونهم»، ~~وإما أن يبرروا لك ضرورة اعتمادهم على اليهود الأمريكيين، ~~ليزودوهم بالمال الذي يخلصون به اليهود من هذا البلد أو من ذاك ~~.. إنه لواضح غاية الوضوح أن هؤلاء الناس ليسوا هم الشعب العادي ~~الصحي المتفتح الذي قيل لنا إن الدولة «اليهودية» كفيلة بأن ~~تنشئه؛ بل هم بالغو الحساسية لشتى المركبات النفسية التي تعتمل ~~في حياتهم، وليس أقل تلك المركبات شأنا شعورهم بالذنب تجاه ~~اللاجئين العرب، وإدراكهم لضرورة اعتمادهم على صدقات ~~الأمريكيين.» # يذهب الزائر مع دليله إلى جبل صهيون، الذي يقال إن داود قد ~~دفن فيه، ويصعد إلى القمة سلالم كثيرة، حتى إذا ما بلغها لم يجد ما ~~توقعه من عناية ونظافة، فيسأل دليله عن سبب ذلك، فيجيبه الدليل ~~بأن رواده على الأغلب هم من اليهود الذين وفدوا من بغداد، ثم يضيف ~~إضافة يسخر منها الكاتب، إذ يقول: «إننا نحن (الغربيين) لم نعد ~~نقصد إلى هذا المكان إلا نادرا.» وهنا يعلق الكاتب بقوله إن ما ~~أغاظه من هذه الملاحظة وأمثالها من الدليل، هو هذا التناقض المنطقي ~~في أقوال الإسرائيليين؛ لأنهم كلما نقلوا يهودا من وطنهم، ~~وعدوهم بجنة إسرائيل، فإذا ظل اليهود الوافدون من هذا البلد أو ذاك ~~على عاداتهم القديمة، فأين إذن الجنة التي وعدتموهم بها في إسرائيل؟! ~~فيم هذا التفاخر عند الإسرائيلي الوافد من الغرب، على زميله الوافد ~~من الشرق، ما دام الزعم الأساسي هو أن إسرائيل ستضم اليهود إخوة، ~~وتخلصهم من اضطهاد غير اليهود؟ ويلاحظ الكاتب في رسائله بأنه ~~كلما وقع في رحلاته على جزء نظيف، قال له الدليل إن هذا من صنعهم هم ~~- يقصد اليهود الغربيين - وكلما وقع على جزء قذر، قال له الدليل إنه ~~مستقر لجماعة من يهود الشرق؛ مثال ذلك حين مر بأحد «الكيبوتزات» ~~- أي أماكن الحياة الجماعية - (ولاحظ أن الكيبوتزات هي موضع الفخر ~~عند الإسرائيليين) فهاله أن يرى ما رآه من كآبة وقذارة، فالساحات ~~تنتثر في أرجائها القمامة والصفائح الفارغة وبقايا السيارات القديمة ~~المهجورة؛ ولما دخل قاعة الطعام المشتركة، ms250 وجدها من القذارة بدرجة ~~لم يكن يتصورها قط؛ فعندئذ سارع الدليل بقوله: إن هذا ليس هو ~~الكيبوتز المثالي، وسأريك غيره لترى النظافة وجمال التنسيق، ومر ~~الزائر بقرية قديمة يسكنها يهود من اليمن، ولما لحظ الدليل على وجه ~~الزائر دهشة من تأخر الحياة، أسرع بتعليقه على الموقف بأن أهل ~~اليمن هكذا عاشوا في بلدهم، وهكذا يحبون أن يعيشوا! وهنا يسأل الكاتب ~~في خطابه: هل يسع الإنسان سوى أن يتساءل في تعجب: ففيم إذن ~~زعمتم أنكم ستخلصون هؤلاء الناس مما كانوا فيه من مرض وفقر، وطلبتم ~~المعونة المالية لتتمكنوا من عملية الخلاص هذه؟! ثم يضيف الكاتب ~~من عنده أنه لا يشك في أن الإسرائيليين حين وضعوا هؤلاء ~~اليمنيين في تلك القرية، وتركوهم بغير عناية، فإنما فعلوا ذلك ~~صدورا عن تعصب عنصري من ناحية اللون؛ لأن هؤلاء اليهود الوافدين ~~من اليمن - كما يقول الكاتب - يكادون يكونون سود البشرة، ولم يرد ~~الإسرائيليون «البيض» أن يمزجوهم مع سائر المجتمع؛ فماذا إذن بقي ~~للصهيونية من دعوى تدعيها بأنها هي البلسم الشافي الذي سيقلب ~~أرض اليهود جنة ونعيما، بالمعنى المادي والمعنى النفسي على ~~السواء؟ # إنه كتاب صغير، فيه ست وعشرون رسالة، بعث بها مدير المجلس ~~اليهودي الأمريكي إلى صديقين له من رجال ذلك المجلس، تقرؤه فتجد بين ~~سطوره نكهة لم نألفها عند الأمريكيين خاصة، فيأخذك شيء من الأمل ~~إلى الاعتقاد بأن الإنسانية لن تعدم صوت الصدق يرتفع آنا بعد ~~آن، فتطوي الكتاب وأنت تردد لنفسك عنوانه الدال: على من يعرف ~~الحق أن يعلنه. # | هذه الأفعى .. كيف تسللت؟! # هل أنسى تلك الساعة الباكرة من ذلك الصباح الصيفي الجميل، في يوم من ~~شهر يونيو سنة 1931م، عندما نزلنا - شقيقي وأنا - في محطة اللد ~~بفلسطين الحبيبة، نستبدل فيها قطارا بقطار، قاصدين إلى القدس؛ لنراها ~~لأول مرة؟ هل أنسى تلك الساعة الباكرة من ذلك الصباح الصيفي الجميل، ~~ولم تكن الشمس قد ظهرت بعد في الأفق، إلا طلائع من نورها سبقت ~~لتنشر في الفضاء ضوءا رماديا هو أحب أضواء السماء إلى نفسي، ms251 وكان ~~الهواء رطبا ينعش الوجوه بلمسته الرقيقة، ولم يكن على رصيف المحطة ~~أحد في انتظار القطار - سوانا - إلا رجل يرتدي سروالا قصيرا، ~~يبلغ إلى ما فوق ركبتيه، وقميصا فيه جيبان على الصدر منتفخان. كان ~~معنا حقيبة وضعناها على أرض الرصيف، ولم يكن مع الرجل شيء، أخذنا نحن ~~نذرع الرصيف بخطوة وئيدة، جيئة وذهابا، وأخذ الرجل كذلك يذرعه ~~في اتجاه مضاد لاتجاهنا، فكنا نلتقي معه عند نقطة يختلف وضعها كل ~~مرة، لاختلاف السرعتين، نحن في ذهابنا وهو في جيئته؛ فننظر إليه ~~بأعين مرتابة، وينظر إلينا بعين تحملق في شر وسوء! حتى وقف ذات ~~مرة عند حقيبتنا، فوقفنا، وبادرناه بتحية الصباح بالإنجليزية؛ إذ ~~حسبناه من القوم، لأن سمته من سمتهم، فأجاب التحية في عبوس يشيع ~~القشعريرة في البدن، وبدأت بسؤاله: بريطاني أنت، أليس كذلك؟ فأجاب: ~~لا، فسألته: وماذا تكون قوميتك إذن؟ فأجاب: يهودي، فقلت في دهشة ~~السذاجة البريئة: إنني لم أسألك ما عقيدتك في الدين، بل سألتك ما ~~قوميتك؟ وهنا قال: نعم، يهوديتي هي قوميتي ... تبادلت مع شقيقي نظرات ~~التعجب، وصمتنا وصمت، وجاء القطار، فاتخذنا منه مكاننا إلى ~~القدس. # ولم نكد نخلو إلى أنفسنا في القطار، حتى تبادلنا السؤال والجواب ~~فيما رمى إليه الرجل بقوله إن يهوديته هي قوميته، ولكن هل كان في ~~علمنا عندئذ ما يلقي لنا الضوء؟ كان قد مضى على فراغنا من الدراسة ~~عام، وكان كلانا ممن يتابعون ما يصدره المفكرون والأدباء، حتى ~~ليمكن القول إننا كنا عندئذ خير مثال يضرب للمتعلم المثقف ~~العليم بما يدور به الفكر في بلدنا على الأقل، ومع ذلك فلم يكن لنا من ~~الدراية ما يكفي أن ندرك أبعاد هذا التوحيد الذي زعمه الرجل بين ~~قوميته ويهوديته؛ ذلك لأننا لم نكن نعلم بما يكفينا أن نلم بما ~~كان يجري على أرض فلسطين، ولست إلى هذا اليوم أدري، أكان التقصير ~~منا أم كان من رجال الفكر والأدب؟ # ونزلنا بالقدس في فندق متواضع، ولم نكد نضع حقيبتنا في الغرفة، ~~حتى خرجنا، إلى أين؟ لماذا لا نجلس ms252 قليلا في هذا المقهى المقابل ~~للفندق وهو يعج بالناس؟ إن ذكرى اللحظة ما زالت ماثلة في عيني ~~ومسمعي: الضوء ساطع، الظل عميق، فالفواصل حادة بين الظل والنور؛ ~~المكان متفجر بالصوت، فالباعة يعلنون عن بضاعتهم، ورواد المقهى ~~يخبطون على المناضد، ويتصايحون، وقوة الحياة بادية. جلسنا، ولعلنا قد ~~أثرنا حب السؤال في بعض المشاهدين، عمن نكون؛ لأن مشيتنا ~~المترددة، ونظراتنا المتطلعة، ووقفتنا المتسائلة، كلها تعلن أننا قد ~~هبطنا الدار لتونا، فما هي إلا أن قدم شاب وسيم إلينا نفسه، ~~نسيت الآن اسمه، لكنه كان - فيما أذكر - قريب التخرج من دراسة ~~القانون، وكان يشتغل بالمحاماة، واستأذن وجلس، فما فرح أحد بلقاء ~~أحد كما فرحنا به وفرح بنا! وكان أول ما نطق به من سؤال: ما أنباء ~~«القضية» في مصر؟ ~~«قضية»؟! وتبادلت مع شقيقي نظرة تستفهم المعنى؛ أية «قضية» تعني ~~يا صديقي؟ هنا أعاد علينا الشاب ذكر «القضية»، ولكن في حرارة المتحمس ~~هذه المرة؛ «قضية العروبة أعني، قضية الوطن العربي ما أعنيه، قضية هذه ~~الأرض الطاهرة فلسطين، التي تكاد تذهب نهب الناهبين، هي بعض ما أسأل ~~عنه ... ما أنباء ذلك كله في مصر؟» فكيف أنسى ما اعتراني من خجل، وما ~~وثب إلى ذهني فورا - ولم أعلنه - بما يربط حديث هذا الشاب المتحمس، ~~بعبارة ذلك المتغطرس في محطة اللد، الذي ربط بين قوميته ~~ويهوديته؟ # وطفق الشاب الصديق الجديد يحكي ويحكي ويحكي، وأخذنا نحن ننصت ~~لنتعلم، ولتضطرب قلوبنا لما علمناه؛ إذن فها هنا النكبة نازلة بالعرب ~~وبالعروبة ونحن في عمى وفي صمم؟! إنه لم يكن قد مضى - حينئذ - ~~إلا عام واحد على ضحايا حادث البراق؛ وما حادث البراق؟ هو الحادث ~~المفجع الذي كان أشعل أول ثورة دامية في فلسطين سنة 1928م. والبراق ~~عند المسلمين هو حائط المبكى عند اليهود، وأراد اليهود أن يستولوا ~~عليه بعد أن كان في قبضة المسلمين، فثار المسلمون، وامتدت ثورتهم من ~~القدس إلى سائر مدن البلاد وقراها، حتى لقد اضطرت حكومة الانتداب ~~البريطاني إلى استخدام القوة لقمع الثورة، وصدرت أحكام بالسجن على ms253 ~~ثمانمائة عربي، أحكام بالإعدام على عشرين؛ منهم ثلاثة نفذ فيهم ~~الحكم من عام واحد من تلك الجلسة التي جلسناها نحن في المقهى بالقدس، ~~نستمع إلى زميلنا الشاب يشرح لنا الأحداث، وهم الثلاثة الذين ~~خلدهم الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان في قصيدته «الثلاثاء ~~الحمراء»؛ لأن إعدام هؤلاء الشهداء الثلاثة قد وقع يوم الثلاثاء ~~السابع عشر من شهر يونيو سنة 1930م. ومضى الزميل الشاب يروي كيف وضع ~~الانتداب البريطاني أمورا خطيرة في أيدي اليهود، مكنتهم من النكاية ~~بالعرب، والعبث بحقوقهم. # فبدر من أحدنا سؤال بريء: وما شأن اليهود في هذه الأرض العربية؟ فكان ~~لا بد للراوية أن يروي القصة من بدايتها. # إنها رواية تروى بين قصص المستعمرين؛ لأنها رواية عن مستعمر لم ~~يميزه عن سائر المستعمرين في القرنين التاسع عشر والعشرين، إلا أنه ~~أشدهم جبنا، وأخسهم نذالة؛ ففي القرن التاسع عشر شب في قلوب ~~الأوربيين سعار منهوم تجاه أفريقيا وآسيا، كل يريد أن يلتهم من ~~الذبيحة قبضة؛ تسابق البريطاني والفرنسي والألماني والإيطالي ~~والبرتغالي، تسابقوا إلى الغنائم، فللأسبق الظفر؛ لأن الغنيمة ~~بغير صاحب قوي يحميها .. فدبت في نفس الصهيوني عندئذ فكرة، لماذا ~~لا يكون بين المستعمرين مستعمرا، وتلفت في أرض الغنائم، ووقع بصره ~~على فلسطين العربية؛ إذن لتكن هذه نصيبي. # لكن سائر المستعمرين وراءهم حكومات تئويك وتئويهم أيها الصهيوني، ~~ألست بريطانيا مع البريطانيين، أو فرنسيا مع الفرنسيين؟ لا، لا، ~~إنني بريطاني وزيادة، وفرنسي وزيادة، والزيادة هي أني من آل صهيون؛ ~~فإذا كان سائر المستعمرين يخططون لأنفسهم أن يدخلوا هذه الأرض أو تلك ~~ليقيموا بين أهلها مستغلين لهم ولها، فهدفي أنا الصهيوني هو ~~استعمار من لون فريد؛ لأنني سأحول الأرض المستعمرة وطنا؛ ولما ~~لم تكن الأرض التي اخترتها لاستعماري الفريد أرضا خلاء، بل هي ~~مأهولة بسكانها، تحتم أن يلحق بالخطة الاستعمارية خطة فرعية، هي أن ~~أحل مكانهم، وأسكن بيوتهم، وليذهبوا ما شاءت لهم الأقدار أن ~~يذهبوا. # هكذا بذرت البذرة الأولى في رأس الصهيوني، فلكي نزداد فهما ~~للرواية بكل فصولها؛ فلنفهم الصهيونية على أنها حركة استعمارية ms254 نشأت ~~مع بقية الحركات الاستعمارية الأوربية في وقت واحد، وإن اختلفت ~~الدوافع والأهداف، فإذا كان المستعمرون الآخرون يريدون ثراء وتجارة ~~وتسلطا، فالصهيوني في استعماره يريد وطنا يحوله فيما بعد إلى ~~دولة، ولاحظ أنني أقول «يحوله فيما بعد»، لأنه بادئ ذي بدء لم ~~يجرؤ أن ينطق ولو مرة واحدة على الملأ بأنه يريد فلسطين العربية ~~ليجعل منها «دولة» يهودية؛ لأنه خشي المقاومة؛ فاكتفى في البداية ~~بقوله إنه يريد فلسطين العربية «وطنا» له، فها هنا تقل المقاومة؛ ~~لأن الوطن الواحد قد يسعه ويسع الأكثرية العربية، كما يكون البلد ~~الواحد في سائر أقطار الأرض «وطنا» للأقلية والأكثرية على السواء؛ ~~أما إذا أعلنت أقلية ما، في أرض ما، بأنها تريد أن تجعل من ~~نفسها «دولة» فعندئذ تكون المقاومة. وأدرك المستعمر الصهيوني ذلك، فلم ~~يعلن نيته عن «الدولة»، واكتفى برغبته في «وطن». # ولماذا وردت على الصهيوني عندئذ فكرة «الوطن» هذه؛ ألم يكن بالفعل ~~قائما في وطن؟ ألم يكن مواطنا في بلد ما؛ في إنجلترا أو في ألمانيا ~~أو في فرنسا، أو في أية داهية تبتلعه من وجه الأرض وتخفيه؟ لا، ~~إنه أراد أن ينفرد وحده بحركة استعمارية تميزه، ولما كانت ~~الموجة الاستعمارية التي عمت أوروبا في القرن التاسع عشر، قد ~~صحبتها موجة شقيقة لها، هي موجة التعصب القومي، فلم يكن بد أمام ~~الصهيوني - حتى تكون محاكاته كاملة وتامة - أن يقرن استعماره هو ~~الآخر بجانب قومي، فكيف يكون ذلك إلا أن يجعل الأرض التي اختارها ~~ليستعمرها وطنا قوميا له في الوقت نفسه، وبهذا تتم له العناصر ~~كلها: استعمار وقومية معا؟! ولما كان لكل «قوم» ذوي «قومية» ~~حدود جغرافية، فليجعل هو حدود قوميته عنصرا وديانة، فتكون قوميته هي ~~يهوديته، كما قال لنا اليهودي المتعجرف في محطة اللد. # الصهيونية حركة استعمارية، فيها مقومات الحركات الاستعمارية التي ~~أنبتتها، ثم زادت عليها أنها تخفت في جبن، وخبثت في نذالة، فهي ~~الأفعى تسللت مقنعة بعنصر ودين، ولو كان العنصر والدين قوام ~~الصهيونية - مجردا من الاستعمارية - لاتخذت الصورة نفسها التي ~~تتخذها مشكلات ms255 العنصرية والأقليات الدينية، وهي على وجه الأرض ~~كثيرة. # ثم لم تترك الصهيونية صلتها بالاستعمار على هذه الصورة المجردة، ~~فربطتها بمستعمر معين في ظروف معينة، هو المستعمر الذي ربط أواصر ~~استعماره بأرض فلسطين، وأعني بريطانيا. # وكانت بريطانيا أول الأمر واحدة من آحاد، كانت ذئبا من قطيع ~~الذئاب الأوروبية الهاجمة على فرائسها في أفريقيا وآسيا، لكنها كانت ~~تختلف عن بقية الذئاب بأنها ابتلعت قارة الهند بأسرها بين ما ~~ابتلعته، فإذا كان الآخرون يبحثون عن فتات هنا وهناك، فهي أيضا ~~تبحث معهم، لكن عينيها وقلبها وفؤادها موصولة بالغنيمة الضخمة؛ كيف ~~تصونها وتحميها! ومن هنا كانت أهمية كل طريق مؤدية إليها، ومن أهمها ~~قناة السويس. وكمن يمتلك في يده جوهرة نفيسة، يخشى عليها السطو، ~~فيحيطها بغلاف من ورائه غلاف، ومن وراء الغلاف غلاف، ثم يضع هذا كله ~~في صندوق يحويه صندوق؛ فكذلك أرادت بريطانيا أن تصون الهند بصيانة ~~قناة السويس، وأن تصون القناة بصيانة ما يحيط بها، ثم ما يحيط ~~بالمحيط! ومن هذه الأغطية المحيطة أرض فلسطين العربية، لكنها أرض - ~~كغيرها من الأراضي العربية - تحت حكم الأتراك؛ فماذا تصنع يا ترى؟ ~~أتتركها مع الأتراك لتكون لها ذريعة تتذرع بها كلما طمع طامع ~~أوروبي كفرنسا أو غيرها؟ أم تنتزعها من الأتراك لتطمئن على حوزتها ~~لها؟ لقد أرادت لنفسها البديل الأول في بادئ الأمر، حتى نشبت الحرب ~~العالمية الأولى، وانضمت تركيا إلى أعداء بريطانيا، فلم يكن لها ~~مناص عندئذ من أن تختار البديل الثاني؛ لكنها لكي تختار هذا البديل ~~الثاني كان يجب أولا أن تتحرر الأرض العربية من تبعيتها للسلطان ~~التركي؛ ومن ثم كان تحريكها للثورة العربية على الأتراك؛ لتتمهد لها ~~الخطوة الأولى على أيدي العرب أنفسهم؛ فلما تم لها ما أرادت، ~~همت بالخطوة الثانية، وهي أن تكون لها هي السلطة، لا في مصر وحدها ~~- أرض القناة - بل في هوامشها كذلك، ومنها فلسطين. # وها هنا لمحت الأفعى فريستها على مبعدة، فزحفت زحفا كان أوله ~~وئيدا، وكان آخره افتراسا؛ فلماذا لا تتعاقد الصهيونية مع بريطانيا، ~~كما يتحالف ms256 شيطان مع زميله الشيطان على شر يدبرانه؟ فتعمل ~~الصهيونية بأموالها ونفوذها على ترشيح بريطانيا في مؤتمر الصلح أن ~~تعين دولة منتدبة لحماية هذه القطعة من الأرض حتى يحين الظرف ~~المناسب لاستقلالها، خشية أن تسارع إليها فرنسا أو غيرها، وماذا في ~~مقابل ذلك؛ في مقابله أن يعد بلفور سنة 1917م، وعده المشئوم، بأن ~~تكون فلسطين وطنا لليهود (ولم تكن نية «الدولة» قد كشف عنها الغطاء ~~بعد)؛ وهكذا حبكت خيوط المؤامرة بين مستعمرين؛ فنفذ المستعمر ~~البريطاني ما اتفق عليه، وأصدر إعلانه ذاك، وبعدئذ تقدم المستعمر ~~الصهيوني فدفع الثمن، وهو أن يسعى في مؤتمر الصلح لتنصيب بريطانيا ~~دولة منتدبة على فلسطين. # ولم تكد بريطانيا تتسلم زمام الأمور هناك، حتى أطلقت يدها في ~~إفساح الطريق أمام شريك السوء؛ فكان أول مندوب سام لها في فلسطين ~~صهيونيا، ليطهو الوليمة على مزاجه، وفتحت الأبواب واسعة أمام ~~المهاجرين اليهود، وأعطيت الأرض التابعة للحكومة لبعض هؤلاء الوافدين ~~يستعمرونها، وأذنت لليهود أن يقيموا لأنفسهم مدارسهم الخاصة، ~~ومنظماتهم العسكرية الخاصة، وأغمضت العين عن عصابات الإرهاب. وماذا عن ~~العرب في ذلك الحين؟ لم ينقطعوا عن احتجاجهم، يطلبون من الدولة ~~المنتدبة أن تطمئنهم على مصيرهم، فترد الدولة المنتدبة بحرمان ~~يقع على العرب بعد حرمان! ومضت السنون، فإذا بالجماعة اليهودية تزداد ~~أضعافا مضاعفة؛ في العدد، وفي المناصب الرئيسية، وفي النفوذ، بمقدار ~~ما يتضاءل العرب. # وقامت الحرب العالمية الثانية وانتهت، وكان المارد قد نما حتى لم يعد ~~حضن الحاضنة يكفيه، فأعلنت الحاضنة فطام ربيبها، فانطلق العظيم ~~المارد يبرطع في ظل حامية أخرى أغنى وأقوى، تمخضت عنها الحرب ~~الثانية؛ هي الولايات المتحدة الأمريكية، فعملت على أن تعلن إسرائيل ~~«دولة» كسائر الدول. # صنع المسخ، وقال له صانعوه: كن «دولة»، فلم يكن؛ لأنه يعوزه ~~كل مقومات الدولة السوية، ولذلك النقص في تكوينه؛ لجأ إلى سياسة ذات ~~شعب ثلاث، لا يلجأ إلى أي منها إلا من ركبته عقدة النقص، ~~فزادته مرضا على مرض؛ أما هذه الثلاثة الأثافي فهي العنصرية أولا، ~~والعنف ثانيا، وشهوة التوسع ثالثا. # أما العنصرية فهي ms257 علة كامنة في صلب الصهيونية؛ لأنها هي ~~الدعامة التي على أساسها زعمت أن لها كيانا قائما بذاته، فإذا ~~كانت الجماعات في مختلف جهات الأرض يربط أفرادها لغة أو حضارة أو ~~تاريخ، أو وحدة اقتصادية، أو وحدة ثقافية، أو غير ذلك من العوامل التي ~~تربط الأفراد في جماعة؛ فإن إسرائيل وحدها، دون خلق الله جميعا، ~~هي التي لا يرتبط أفرادها بشيء من ذلك، وإنما تتخذ رباطها من ~~عنصريتها، زاعمة أن اليهود جميعا يرتدون إلى أصل واحد، فلا ~~الديانة نفسها ولا اللغة عند الصهيونية بكافية للترابط، وإنما ~~الرابط عندها هو انتماء الأفراد إلى أصل عرقي واحد، وهو الشيء الذي لا ~~تجد على وجه الأرض واحدا من علماء الأجناس يعترف بوجوده؛ فالجنس النقي ~~الخالص من الأخلاط، خرافة خلقتها أوهام الطامعين تحقيقا لأطماعهم، ~~وحق لهم أن يلوذوا بهذا الوهم؛ لأنهم لو قالوا إن رباطنا هو ~~العقيدة الدينية، وجدوا أن العقيدة متباينة فيما بينهم أشد ~~التباين، ولو قالوا إنها اللغة العبرية، وجدوا أن العبرية لم يكد ~~يتكلم بها أحد ولا أن يكتبها أحد قبل مولد الصهيونية. # وقد تولدت نتائج عن العنصرية الصهيونية، منها أن يتكتل اليهود ~~تكتلا يترك فجوة بينهم وبين سواهم، كأنهم أثر خرب أحاط به ~~خندق. ومنها أن شطح المنعزلون مع الوهم فظنوا أن انعزالهم ذاك ~~علامة تفوق، وإذا بدأت جماعة من الناس بعزل نفسها بنفسها تعذر ~~عليها بعد ذلك أن تنساب في جسم الأمة التي يعيشون بين ظهرانيها. ولكن ~~ها هنا العجب أشد العجب؛ فقد صنع اليهود الصهيونيون هذه العزلة ~~بأيديهم عامدين متعمدين، ليقولوا للناس انظروا كم تضطهدنا الشعوب ~~الحاقدة، لكنهم في الوقت نفسه يسرون لأنفسهم قائلين: إياكم ~~والاندماج في سائر الناس؛ فالعدو الأكبر للصهيونية ليس هو الاضطهاد ~~العنصري كما يزعمون، بل عدوهم الأكبر هو من يقول لهم: ها نحن أولا ~~قد فتحنا لكم صدورنا لتخالطوا وتختلطوا وتفنوا فينا ونفنى فيكم! ~~هذا هو عدوهم، وإن حسب أنه هو الصديق؛ لأن تجارتهم كلها قائمة ~~على أساس العزلة العنصرية، لقد حدث لكاتب هذه السطور ms258 في أثناء مقامه ~~في أمريكا، وبعد أن ألقى محاضرة عن موقف العرب وإسرائيل، أن سئل: ~~لماذا تضطهدون العنصر السامي؟ فقال للسائل: لكننا نحن العرب ~~ساميون فكيف نضطهد السامية؟! فأخذت الحاضرين دهشة، كأنما هم يسمعون ~~هذه الحقيقة لأول مرة، غير أنني لا أعلم كم من هؤلاء الحاضرين قد ~~أدرك بأن اضطهاد السامية هذا بضاعة زيفت عليهم؛ وإنما زيفت ~~عليهم البضاعة ليجدوا الأساس الذي ترتكز عليه الصهيونية في إقامة ~~دولة لهم هم وحدهم، تجمع أشتاتهم، كأن للمسيحيين دولة، وللمسلمين ~~دولة، وللبوذيين أو للهندوكيين دولة! # وإنه لمما يلفت النظر في هذا السبيل؛ أن اليهود حينما فتحت ~~لهم أبواب فلسطين يهاجرون إليها أفواجا أفواجا - قبل أن تكون فكرة ~~الدولة اليهودية لأحد في حساب - مضوا في مبدئهم إلى نهايته، ~~وصمموا على ألا يخالطوا عرب فلسطين، وحرموا على أنفسهم أي ~~شيء مما ينتجه العرب، بما في ذلك الأيدي العاملة؛ فبدا للغافلين ~~عندئذ أن انعزال اليهود في فلسطين ليس كانعزال المستعمرين في البلاد ~~التي استعمروها عن أهل البلاد؛ فانعزال هؤلاء المستعمرين عن الأهالي ~~كان غطرسة وكبرياء وترفعا، وأما اليهود النازحون إلى فلسطين - ~~هكذا بدا للغافلين - فلو أرادوا غطرسة كتلك لاستخدموا الأيدي ~~العاملة من العرب، أما وهم يتولون أعمال أنفسهم بأنفسهم؛ إذن ~~فالمسألة مسألة «عنصرية يهودية» اعتزلت لا أكثر ولا أقل، ولكن لم يكد ~~يحقق اليهود أملهم في قيام دولتهم، حتى أبدوا للعرب الذين ظلوا ~~بأرضهم لم يهجروها، كل صنوف الغطرسة والكبرياء والترفع، أعني ~~أنهم اصطنعوا نحو هؤلاء العرب كل ما يصطنعه أي مستعمر نحو ~~«الأهالي» الوطنيين في البلد الذي يستعمره؛ لا، بل كانوا أنكى من ~~أي مستعمر آخر وأضل سبيلا؛ لأن الأول يبقي على من يستعمره ~~ليستخدمه، على أقل تقدير، وأما الثاني فقد أراد أن يمحو أبناء ~~البلد المستعمر (بالميم المفتوحة) محوا، ويستأصلهم استئصالا من ~~الأرض؛ تماما كما أراد أن يصنع النازيون باليهود حلا لإشكالهم، ~~فإذا ما بقي منهم أحد على أرضه، عومل بأشنع ما عرف العالم من ~~تفرقة واضطهاد. # لقد بقيت في فلسطين المحتلة جماعة من ms259 أهلها لم ينزحوا عنها، ~~فكيف تظنهم يعاملون هناك على أيدي اليهود، سادة آخر الزمن؟ إنهم ~~أولا ينحصرون في مناطق لا يتعدونها، وهم وحدهم هناك خاضعون للأحكام ~~العسكرية؛ يتولى الأحكام في مناطقهم ضباط عسكريون، لا قضاة مدنيون، ~~ومن أيسر الأمور أن يحكم على من يريدون الحكم عليه بالنفي عن ~~البلاد، والبقية العربية هناك هي وحدها - دون سائر سكان البلاد - لا ~~ينتقل أفرادها من مكان إلى مكان إلا بتصريح، وهي وحدها التي لا ~~يسمح لها بحرية الكلمة، ولا بحرية الاجتماع، ولا بإصدار الصحف، ولا ~~بتكوين الأحزاب السياسية، وهي وحدها التي يقف التعليم لأبنائها عند ~~حد محدود لا يعدوه، وهي وحدها التي تقام أمامها العراقيل في ~~ميادين العمل، حتى ينال منهم التعطل قبل أن ينال من سواهم! والخلاصة ~~أن تلك البقية العربية هناك لا تتمتع بحقوق المواطنة ~~الكاملة. # وإلى هذا الحد، ومن أجل هذه الأهداف، يستغل اليهود مبدأهم المصطنع ~~بأنهم مجموعة من البشر اضطرها الناس إلى التقوقع، فكان أن ~~أصبحت في عزلة عن الناس، هي عزلة اختاروها اختيارا ليتخذوا منها ~~منطلقا ينقضون منه في ستر الخفاء على فرائسهم، ما لم تكن تلك ~~الفرائس منهم على يقظة وتنبه. # التقوقع اليهودي - إذن - هو أحد الأسلحة التي تستخدمها الصهيونية ~~تحقيقا لأغراضها، وأما المبدأ الثاني فهو اصطناع وسيلة الإرهاب ~~والعنف عندما تتاح لهم أول فرصة لاصطناعها؛ وهم إذ يستخدمون العنف لا ~~يستخدمونه استخدام الباسل الجريء، بل يستخدمونه كما يستخدمه الذليل ~~الجبان؛ فهم بعد أن استغلوا موقف العرب الأعزل من السلاح، وانقضوا ~~عليهم بجماعاتهم الإرهابية المسلحة أيام الانتداب البريطاني، بل تحت ~~رعاية ذلك الانتداب، لم يترددوا حين سنحت لهم الفرصة في أواخر أيام ~~الانتداب أن يستديروا بإرهابهم نحو من كانوا بالأمس حماتهم من ~~الإنجليز أنفسهم؛ ولما قامت دولتهم ونشب القتال بينهم وبين الدول ~~العربية، وتدخلت منظمة الأمم المتحدة، لجئوا إلى رصاصهم الغادر ~~يسكتون به كل من تحدثه نفسه الشريفة من رجال الأمم المتحدة أن ~~يميل نحو الإنصاف والصدق. ولما عقدت الهدنة بينهم وبين جيرانهم ~~العرب، أغوتهم نذالتهم حينا ms260 بعد حين بهجمات في الظلام، يعقبها ~~هروب واختفاء. ثم توجت خستها في تواطئها مع شريكتيها على العدوان ~~على مصر، فيما يسمى بحرب السويس سنة 1956م. # ويبقى من مبادئهم الثلاثة مبدأ التوسع على حساب الآخرين، بتخطيط ~~مدبر في الخفاء؛ فكما أخذوا يدبرون سطوهم على فلسطين العربية خطوة ~~فخطوة، حتى أصبح الوهم حقيقة في أعينهم، مضوا في تدبيرهم للتوسع في ~~أرض جيرانهم؛ ومبدؤهم هنا هو كمبدئهم في أي ميدان آخر؛ أي إنهم ~~يخططون في ظلمة الليل، وينكرون ويكذبون إذا ما كان ضوء الصباح، ~~ويظلون كذلك إلى أن يظنوا أن الغدر قد تكاملت لهم أسبابه، فعندئذ ~~يفاجئون ويباغتون! أما إلى أي حد يريدون أن يتسع ملكهم ~~على الأرض؛ فجواب ذلك بحسب الظروف، حتى لقد يلجئون إلى التوراة ~~يستخرجون منها أحيانا ما ينبغي لهم أن يمدوا ملكهم إليه، لكن ~~عبارة «من النيل إلى الفرات» كثيرا ما ترد في غضون أحلامهم. # وما دروا أن لحظة واحدة من لحظات العزيمة العربية، قد تقوض ~~بنيانهم فوق رءوسهم، إن لم يكن اليوم، ففي الغد القريب. # | العنصرية والعسكرية معا # 1 # كثيرا ما يضيق بالإنسان خياله، حتى لينحبس في حدود الواقع لا ~~يجاوزها، فيتعذر عليه عندئذ أن يتصور إمكان الخروج من هذا ~~الواقع نفسه إلى واقع آخر يملأ مكانه؛ كالذي يشخص ببصره إلى ~~جبل راسخ، فلا يتسع خياله إلى جواز أن تتحول صخور الجبل إلى ~~عمائر ومعابد تقام لتعمر بها المدن، أو كالذي ينظر إلى البحر ~~فلا يسعفه الخيال لينفذ خلال اللحظة الحاضرة إلى ما سوف يتولد ~~عنها، حين يتبخر شيء من ماء هذا البحر ليسقط مطرا على يابسة، ~~فتسيل الأنهار، وتلد تربة الأرض نباتا مختلف الطعوم والألوان؛ ~~فأشد المفكرين إخلاصا للواقع واحترام حدوده، لا ينفي أن يتحول ~~الأمر من واقع إلى واقع جديد؛ بل إنه بغير هذا التحول الذي ما ~~انفك ساريا في صلب الطبيعة منذ الأزل، وسيظل ساريا في ~~صلبها إلى الأبد، ما كان ليصبح للدنيا تاريخ يقص قصة ~~كائناتها، بل ما كان ليكون لها وجود بالمعنى الذي ms261 يفهمه الإنسان ~~ولا يفهم سواه. # لقد شهد التاريخ الإنساني - في رأي توينبي - نحو عشرين حضارة، ~~منها ست عشرة ذهبت مع الريح كأن لم تغن بالأمس، وبقيت هذه ~~البقية القليلة من حضارات تحاول أن تثبت أقدامها في الأرض ~~لئلا تزول، وبينها حضارة واحدة واثقة بنفسها شامخة برأسها راسخة ~~بجذورها، هي الحضارة الغربية، وهي كلما سمقت بقامتها؛ ازدادت ~~منافساتها انزواء في عتمة الخفاء! على أن هذه الحضارة الغربية ~~نفسها، قد أخذت اليوم تغوص بأقدامها في وحل الطريق، بما يعترضها ~~وما يكتنفها من مشكلات انبثقت لها من طبيعة تكوينها، لكنها ما ~~زالت في حيويتها، ولها من القدرة - بعلومها وفنونها - ما يمكنها ~~من تناول هذه المشكلات الطارئة عليها، بمعالجات تزيلها أو تخفف ~~من حدتها، وهكذا دواليك، تتعاقب عليها الحالتان، كما ~~تتعاقبان على كل كائن حي: أزمات فانفراجات لها. # وإن صنوف المشكلات والأزمات التي تعترض الحضارات في طريق ~~صعودها؛ لهي من الكثرة بحيث يستحيل حصرها، وكل ما يسعنا فعله هو ~~أن نستقطبها في أقل عدد ممكن من الرءوس؛ لتسهل الرؤية ويتحدد ~~النظر؛ فإذا أخذنا بما انتهى إليه توينبي في هذا الصدد؛ قلنا إن ~~جميع الحضارات التي سلفت وزالت، إنما تحطمت على إحدى صخرتين، ~~أو على الصخرتين معا، وهما: الروح العسكرية التي تميل بأصحابها ~~إلى شن حروب لا تنقطع، حتى ينهد كيانهم من الداخل، ثم الروح ~~العنصرية التي قد يشتط بها أصحابها إلى إيجاد ضروب من ~~التفرقة بينهم وبين سواهم من البشر، بحيث يجعلون لأنفسهم ~~المكانة العليا في تلك التفرقات، ولغيرهم المكانة الدنيا؛ فإذا ~~ما طبقنا هذه القاعدة الحضارية على الوجود الإسرائيلي، أيقنا ~~بمصيرها المحتوم؛ لأنها جمعت القبيحين اللذين يعملان على هدم ~~الحضارات ومحوها، إذ جمعت في كيانها: العسكرية والعنصرية ~~معا. # 2 # إن ذبول الحضارات وموتها قلما تجيء عوامله من خارج حدودها، ~~وإنما تجيء تلك العوامل دائما من صلب كيانها؛ بل لعل هذه ~~الحقيقة العجيبة أن تكون سمة لكل حياة - حياة الفرد أو حياة ~~المجموع على حد سواء - فكأنما كل حالات الذبول والموت هي ~~حالات انتحار، ms262 نبعت عواملها من الداخل. ولو فرضنا وجود أمة ~~سليمة من داخلها، فيكاد يستحيل على مثل هذه الأمة أن تزول، حتى لو ~~غزاها الغزاة؛ فهي سرعان بعدئذ ما تقوم قائمتها عندما تزول عنها ~~غمة الغزو - ولا بد لها أن تزول - وربما تعرض أولئك الغزاة ~~أنفسهم، بعد حين يقصر أو يطول، للضعف والفناء، إذا ما كانت ~~طويتهم الاجتماعية مصابة بمرض. # ومن ذا الذي لا يقفز إلى ذهنه في هذا السياق مثل أثينا ~~وإسبرطة من تاريخ اليونان الأقدمين؟! فقد كانت أثينا معافاة من ~~الوجهة الحضارية، وأما جارتها إسبرطة فقد لعبت برأسها الروح ~~العسكرية، فما كادت المدنيتان تتلاقيان على ساحة الحرب (وكان ذلك ~~في القرن الخامس قبل الميلاد) حتى حققت إسبرطة العسكرية نصرا ~~على أثينا المترعة بحب الحكمة والتزام الحياة المعتدلة ~~المتزنة المعلية من شأن الحق والخير والجمال: ولكن كم بقيت ~~أثينا في جسم الحضارة الإنسانية على مدار التاريخ وكم بقيت ~~إسبرطة؟ إن ما كان بين أثينا وإسبرطة من اختلاف النظر والتكوين؛ ~~قريب جدا مما هو اليوم بين العرب وإسرائيل، وسأنقل إلى القارئ ~~صورة لمدينة إسبرطة كما صورها المؤرخون، ثم أترك له أن يرى ~~لنفسه كيف أنه يقرأ عن إسبرطة القديمة، فيحسب أنه إنما يقرأ ~~وصفا لإسرائيل الحديثة، فإذا وجدنا شبه التطابق بين الجماعتين؛ ~~جاز لنا أن نحكم على مصير الثانية بما حكم به التاريخ على مصير ~~الأولى. # كان الجيش عماد السلطة في إسبرطة، ومناط فخرها؛ لأنها وجدت ~~في شجاعته ونظامه ومهارته أمنها ومثلها الأعلى وكان كل ~~إسبرطي يدرب تدريبا عسكريا، ويؤمر بأن يكون على أهبة ~~استعداد لدعوة الحرب، وبفضل التدريب العسكري العنيف أمكنهم ~~تكوين فرقة حربية من المشاة المتراصة الثقيلة قاذفات الحراب، ~~غايتها أن تقذف الرعب في قلوب الأثينيين بصفة خاصة، وكان الجيش ~~في إسبرطة هو المحور الذي صيغت حوله قوانين الأخلاق؛ فالفضيلة ~~عند الإسبرطي هي أن يكون قاسيا عنيفا، والسعادة مكانها ميدان ~~القتال. # كانت هذه السياسة الإسبرطية في تدريب المواطنين جميعا تدريبا ~~عسكريا، وإعدادهم جميعا للحرب، قد حتمت على القائمين بالأمر ~~فيها ms263 أن ينزعوا الأطفال من أمهاتهم وهم بعد في أيام الرضاعة؛ ~~لتتولى الحكومة تنشئتهم على الخشونة والصرامة ونضوب كل عاطفة من ~~القلوب! ولم يكن أصحاب السلطان ليترددوا لحظة في سحق الطفل ~~الضعيف بأن يلقوا به من قمة عالية ليهوي مهشما على ~~سنان الصخور! ويروي فلوطرخس (بلوتارك) عن الرائد الإسبرطي ~~ليكرجوس أنه كان يسخر من احتكار الأزواج لزوجاتهم: ويقول إن من ~~أسخف السخافات أن يعنى الناس بكلابهم وجيادهم، فيبذلوا كل ما ~~في مستطاعهم ليحصلوا على أقوى السلالات وأجودها، ثم تراهم مع ~~ذلك في حياتهم البشرية يعزلون زوجاتهم في حصانة ليختصوا بهن في ~~نسل الأبناء، وقد يكونون ضعاف العقول ومرضى الأبدان. # كانوا يجمعون الناشئة في مراكز التعليم والتدريب، ويعرضونهم ~~لأشق الأعمال وأغلظ ضروب العيش، لا حبا في رياضة الأجسام - ~~فقد كانت أثينا مولعة برياضة الأجسام - بل كان ذلك سبيلا إلى ~~كسب المهارة في القتال ... ويستطيع القارئ أن يتعقب صورة الحياة ~~الإسبرطية بتفصيلاتها في أي كتاب يروي عن حياة اليونان (ونذكر له ~~في هذا الصدد كتاب «قصة الحضارة» تأليف ول ديورانت، على سبيل ~~المثال). # وبينما كان الإسبرطي مشغولا بالحرب والإعداد لها؛ كان على ~~مقربة منه يوناني آخر، هو ابن أثينا، يحيا حياة أخرى، مدارها ~~القيم العليا التي تنشد حياة السلم قبل أن تفكر في الحرب، وهي ~~إن حاربت؛ فمن أجل سلام يجيء بعد حرب. وشاء الله للمدينة ~~المتحضرة بقيمها أن يكون لها النصر آخر الأمر. # 3 # ومن إسبرطة التي ضربنا بها مثلا لقوة عسكرية بلغت مداها، ~~فلم تلد آخر الأمر لأصحابها إلا زوالا في عالم النسيان، ننتقل ~~إلى مثل آخر نضربه للغاية نفسها، هو جنكيز خان، وأستأذن ~~القارئ في أن أنقل أسطرا كنت كتبتها عنه منذ سنين، قلت ~~فيها: # الرجال الأعلام، والأحداث الجسام، هي المعالم المضيئة التي ~~يستهديها الرائي، إذا ما كر ببصره راجعا؛ ليرى كيف سارت ~~الإنسانية في طريقها، منذ فجرها حتى بلغت هذا الذي بلغته في ~~يومنا الراهن. وعبرة التاريخ تأتينا من المصلحين ومن المفسدين على ~~حد سواء؛ فمن الأولين نأخذ الدرس ms264 كيف نبني، ومن الآخرين ~~نتعلم أي صنف من الرجال نتجنب. ولقد كان جنكيز خان من هؤلاء ~~الرجال الذين يهبطون على عباد الله الآمنين، يهبطون وكأنهم ~~الإعصار المجنون الذي يقتلع النبت من جذوره، ويهدم البناء من ~~أساسه، ثم يمضي والأرض من خلفه بلقع يباب! وما ظنك بهذا ~~الرجل وقد ظهر من لا شيء، ليعدو بجياده وجياد أتباعه الذين ~~أخذوا يتزايدون في سرعة مذهلة، أقول إنه ظهر من لا شيء ليعدو ~~بجياده فوق السهول هنا ، وعلى متون الجبال هناك، كأنه الشيطان ~~المريد؛ فما هو إلا أن بسط سلطانه من حدود الصين القصوى على ~~شاطئ المحيط الهادي شرقا، إلى قلب أوروبا وإلى عواصم المسلمين ~~غربا. حتى إذا ما استقر له هذا السلطان العريض في سنوات قلائل، ~~سأل ضابطا من أتباعه ذات يوم: ماذا يعود على الإنسان بالسعادة ~~القصوى؟ فأجابه الضابط: جواد سريع يجوب به السهول الخضراء، وعلى ~~رسغه باز يطير ليعود بطراد الصيد، فقال الطاغية ليصحح تابعه: ~~كلا، بل السعادة أقصى السعادة هي أن تسحق العدو سحقا، حتى يجثو ~~خاشعا عند قدميك، ثم تسلبه كل ما يملك، ومن حوله نساؤه ~~يعولن باكيات! # ذلك مثل أعلى عند الهمج الطغاة، ولكنه ليس بالمثل الأعلى عند ~~من هذبته الحضارة وصقلته الثقافة. ولقد كان ذلك هو الحلم ~~الذي طاف برأس هذا الرجل العجيب، منذ أول صباه، حتى ليروى ~~أنه ما كاد يكون له نفر قليل من الأتباع، حتى جمعهم في مجلس، ~~ليعلن فيهم قائلا: لقد زعم لنا الحكماء الكهول أن القلوب ~~والعقول إذا تباينت استحال عليها أن تجتمع في جسد واحد، لكنني ~~سأجعل من حياتي برهانا على كذب ما زعموه، وسأجمع في شخصيتي شتى ~~أرجاء العالم من حولي، مهما اختلف أهلوها عقولا وقلوبا. ثم ~~استمع إليه وهو في بدء قوته يقول لخلصائه: لئن اعتمد ~~التاجر على بضاعته التي يعرضها للبيع كسبا للربح، فاعتمادنا نحن ~~على شيئين: الدهاء والقوة - وبالدهاء والقوة امتد له السلطان - ~~وبسط سلطانه من أقصى اليابس إلى أول المحيط! وإننا لنعجب - كما ~~عجب مؤرخ فارسي ms265 - حين قال: ألم يصل إلى أسماعكم أن عصابة من ~~الرجال، موطنها عند مشرق الشمس، قد نهبت الأرض نهبا على ظهور ~~جيادها، حتى طرقت أبواب قزوين؟ لقد نشروا الدمار بين الشعوب، ~~وبذروا الهلاك على طول الطريق، ثم عادوا سالمين، يحملون الغنائم ~~إلى سيدهم، وكل ذلك قد تم في أقل من عامين. # لكن هذا البهرج لا يخدع من آتاه الله حكمة، فهذا حكيم من ~~الصين، كان الطاغية قد اصطفاه، حذره يوما قائلا: لقد غزوت ~~إمبراطورية وأنت على صهوة جوادك، ولكنك لن تستطيع أن تحكمها ~~وأنت على صهوة هذا الجواد. وقد صدق الحكيم؛ لأن الحكم قوامه ~~فكر وبصيرة ورؤية وسياسة وبناء، وهذه كلها لا تجيء خطفا، كما قد ~~يجيء الغزو خطفا. ثم حدث لهذا الطاغية مرة أخرى أن سمع بحكيم ~~صيني؛ فأرسل إليه يدعوه للشورى، وجاءه الحكيم واثقا من قوة روحه - ~~وإن لم تكن في يده قوة السلاح - حتى مثل أمام الطاغية؛ فلما ~~استنصحه الطاغية ماذا يفعل وقد غزا ما غزا، وحكم ما حكم؟ قال ~~الحكيم: النصح عندي هو أن تعيش في سلام، وأن تكف عن إزهاق أرواح ~~الناس. # ولكن من نشأ نشأة جنكيز خان، ومن نجح نجاحه، هيهات أن يعرف ~~الحياة المسالمة، وأن يكف عن سفك الدماء إلا مرغما، أفتدري ~~من ذا الذي أرغمه، وأوقفه، ورده على أعقابه أو على الأصح: رد ~~أتباعه؛ لأنه كان قد لقي حتفه ورجع مع الراجعين جثمانا ~~محمولا على عربة؟ إنهم هم العرب المسلمون، وإنه لفضل لهم ~~يضاف إلى أفضال في تاريخهم المجيد، أن يكونوا دعامة للحضارة ~~وللثقافية، كلما أحاق بالحضارة وبالثقافة خطر داهم ... فليست عظمة ~~الإنسان في أن ينتفخ كالفقاعة الفارغة، ثم ينفجر جداره الهش، ~~فيذهب كأن لم يكن منذ لحظة، بل عظمة الإنسان هي في أن ينتج ما ~~يمكث في الأرض تراثا للإنسانية خالدا. # 4 # لم يكن السؤال الضخم الذي ألقته الحضارات البشرية على نفسها ~~هو: كيف يكون النصر في الحروب؟ بل كان: كيف يمكن التغلب على ~~الحروب لتزدهر الحياة في ظل السلام؟ وهو سؤال ms266 جاءت محاولات ~~الإجابة عنه في إحدى صور ثلاث: الصورة الأولى هي أن تحاول ~~الدولة القوية بسط سلطانها على بقية العالمين - إذا أمكن ذلك - ~~لتسكت فيها كل صوت للمعارضة، ومن ثم فهي تخرج من معارك ~~الحروب بحالة من الصمت الأخرس عند المغلوب، وتخيل لنفسها ~~أنها في حالة السلام المنشود، ولا عليها عندئذ أن تفرق بين ~~استسلام وسلام. والصورة الثانية هي أن تعقد الدولة الراغبة في كتم ~~أنفاس الآخرين أحلافا مع مجموعات من دول تجد صوالحها محققة في ~~التحالف معها، بحيث يكون لتلك الأحلاف من القوة ما يضمن لها أن ~~تظل سيوف الأعداء مشلولة في أغمادها؛ فتعد هذا الشلل ~~سلاما، ما دام قد كفل لها امتناع القتال. والصورة الثالثة أن ~~تسعى الدولة الراغبة في اجتناب الحرب نحو إقامة حالة من التوازن ~~بين سائر القوى؛ لعل هذا التوازن أن يحقق السلام. # ولما كانت روح «العسكرية» هي التي استبدت بإسرائيل؛ رأيناها ~~تبدأ شوطها لا بالبحث عن سلام، بل بالبحث عن طريق للنصر في حروب ~~تشنها؛ حتى إذا ما وجدت حولها عالما يسعى إلى السلام، سايرت ~~بدورها هذا التيار الساعي إلى السلام باللفظ لا بالحقيقة؛ ولذلك ~~اختارت لنفسها الصورة الأولى من الصور الثلاث التي أسلفناها، أعني ~~الصورة التي تفرض بها سيادتها العسكرية المطلقة، فإذا استطاعت بذلك ~~أن تخنق أصوات العرب في حناجرهم، فلم يرتفع لهم لفظ مسموع، ولم ~~تصطك لهم سيوف بسيوف؛ قالت للعالم: ها هي ذي منطقتنا قد شملها ~~السلام المطلوب. # لقد عرف التاريخ هذه الصورة من سلام مفروض بقوة الغالب منذ ~~قديم؛ عرفها مثلا في السيادة التي فرضتها روما على العالم ~~بقوة جيوشها، حتى سكت الصوت وانصرفت الشعوب إلى حقولها تزرع ~~لنفسها ولسيدتها روما معا. ومثل هذا السلم المفروض بقوة ~~السلاح، كان هو الأمل الذي راود نابليون، وراود هتلر. وهو نفسه ~~الأمل الذي يراود الولايات المتحدة الأمريكية في يومنا ~~الحاضر. # ولهذا الاتفاق في تصور السلام بين إسرائيل والولايات المتحدة ~~الأمريكية؛ نتج بينهما التحالف الذي يوشك أن يكون دمجا لهما في ~~دولة واحدة! وهكذا ms267 تولدت الصورة الثانية - من الصور الثلاث التي ~~ذكرناها - فأصبح السلام الذي تدعي إسرائيل أنها تسعى إليه ~~سلاما من الصورتين الأوليين معا؛ فهو سلام يراد فرضه بقوة ~~السلاح أولا، وهو سلام يراد فرضه عن طريق تحالف القوى ~~ثانيا. # ونستطيع القول - استطرادا مع منطق حديثنا هذا - إنها في ~~المرحلة الأخيرة التي انبثقت من حرب أكتوبر 1973م، قد ترغم على ~~سلام من الصورة الثالثة، وهو السلام الذي يقوم نتيجة لتوازن ~~القوى توازنا يمنع إحدى الكفتين من الطغيان على الكفة الأخرى، ~~لا اختيارا منها، بل إرغاما يجيء أساسا من القوة الذاتية لتلك ~~الكفة الأخرى، موضوعة في ظروف دولية متوازنة. # جاء ما يلي في البحث الذي قام به «جانيس تيري» وعنوانه «سياسة ~~إسرائيل تجاه الدول العربية» (وتجده ضمن مجموعة البحوث المنشورة في ~~كتاب «تهويد فلسطين»). # لقد جعلت إسرائيل مبدأها في التصرف إزاء الدول العربية ~~المجاورة لها، أن تشتد حالة التوتر على تلك الحدود، فيتحقق ~~لها بذلك غرضان: الأول هو أن تتوثق الروابط بين المواطنين في ~~إسرائيل؛ لأنهم من فئات متباينة، والخطر الخارجي وحده هو ~~الكفيل بصهرهم في شعب موحد. والثاني هو أن تحصل على تأييد ~~المؤيدين في الخارج، حينما يرونها في خطر لم تنقطع أسبابه. # وبناء على هذا المبدأ؛ رأت القيادة الإسرائيلية أن التفوق ~~العسكري الساحق هو وحده الذي يرغم الدول العربية على الرضوخ. ~~ومما يلاحظ أن الفترة الممتدة من 1948م إلى 1954م، قد تميزت ~~ببناء إسرائيل لقوتها العسكرية التي قدرت لها أن تنزل الهزيمة ~~بأي هجمة عربية محتملة الحدوث؛ ذلك فضلا عن اعتقاد القيادة ~~الإسرائيلية بأن الجيش أداة فعالة في ميدان التأهيل الاجتماعي ~~للمهاجرين اليهود الوافدين من بيئات متباينة. ومن أقوال بن ~~جوريون: «إن العداء المستمر من جانب العرب قبل إنشاء دولة ~~إسرائيل، هو الذي أدى إلى قيام مجتمع يهودي أكثر تماسكا في ~~إسرائيل.» وما دامت هذه عقيدتهم؛ فقد حرصوا أشد الحرص على أن ~~تظل حالة التوتر على الحدود قائمة، مع ضمان قوتهم العسكرية في ~~كل ما عسى أن ينشب بين الجانبين من قتال؛ ms268 ولم ينقطع بن جوريون ~~عن تكرار مبدئه في فرض حل للنزاع بالقوة، وهو مبدأ أخذه عنه ~~أتباعه، ومنهم جولدا مائير، وموشي ديان، وغيرهما من الأسماء التي ~~حفظناها عن ظهر قلب؛ فلطالما ردد موشي ديان قوله بأن النصر ~~العسكري الحاسم هو وحده الطريقة التي تحمل العرب في نهاية الأمر ~~على قبول إسرائيل، مستندا في ذلك إلى عقيدة عنده بأن العرب لا ~~يحترمون إلا القوة. # هكذا حاولت إسرائيل أن تحقق «سلاما» بالصورة الأولى، أعني ~~سلاما مفروضا على أعدائها بقوة السلاح، ولما أن باءت بالفشل، ~~لأن مثل هذا السلام المنشود لم يتحقق لها برغم انتصاراتها ~~العسكرية المتوالية، فلا الفلسطينيون استناموا ولا الدول العربية ~~المقهورة اعترفت بالأمر الواقع؛ فطفقت الحروب تتوالى، ولكن لا ~~سلام كما ظنوا لأنفسهم أول الأمر! فكان لا بد من تجربة ~~السلام من الصورة الثانية؛ بالبحث عن حليف قوي في مستطاعه أن ~~يحرك الدنيا على هواه. وأخذ هذا الحليف يتبدل معها بتبدل ~~الظروف؛ فآنا كان الحليف بريطانيا، وآنا كان بريطانيا وفرنسا ~~معا، وأخيرا ألقت السفينة الحائرة رواسيها على الولايات ~~المتحدة الأمريكية، ومع ذلك فلم يجئ يومها خيرا من ~~أمسها. # انعقدت أواصر الحلف بينها وبين أمريكا لأنهما شبيهتان في عدة ~~وجوه جوهرية؛ فكلتاهما أرادت أن تنزع شعبا من أرضه لتأخذ ~~مكانه؛ وفي ذلك أفلحت أمريكا بالفعل، وفي ذلك أيضا أرادت إسرائيل ~~أن تفلح، وعاونتها الفالحة الكبرى على أن تظفر بمثل ما ظفرت ~~به هي من قبل، وكأنما عميت أبصارهم عن الفرق الشاسع بين ~~الموقفين! وكلتاهما عنصري حتى الصميم، فقصة التفرقة العنصرية ~~في أمريكا أمرها معروف، وأرادت الأخت الوليدة أن تحاكي أختها ~~الكبرى في عنصريتها، وها هنا أيضا قد عميت أبصارهم عن اختلاف ~~الوضع بين الموقفين؛ إن بين الأشباه في النزعة العنصرية تحالفا ~~خفيا أو ظاهرا، وهو تحالف ظاهر بين أمريكا وإسرائيل، وكلتاهما ~~يدين باصطناع القوة في كتم الأنفاس؛ ليتاح لهما بعد ذلك أن ~~يصفوا حالة الصمت بأنها حالة سلام، وكلتاهما ينطوي على ~~شعار يوجه خطى سيره، وهو أن تزدهر له تجارته متوسلا ms269 ~~بذريعة الدين! هل تذكر ما قاله الرحالة فاسكو دي جاما عندما وصل ~~إلى الهند، حين قال لمن لقيه من أهل البلاد: لقد أتينا إلى هنا ~~بحثا عن المسيحيين والتوابل؟ إن هذا القول يمكن ترجمته فإذا ~~هو مطابق لما فعلته أمريكا طوال أعوام مديدة حين كانت شديدة ~~الحرص على إرسال بعثاتها التبشيرية، كأنما هي المسيح الثاني على ~~الأرض؛ فلسان حالها عندئذ كان يصرخ بعبارة فاسكو دي جاما أو ما ~~يشبهها. وأما إسرائيل فلو نطقت بما جاءت هنا من أجله، لقالت - ~~على غرار ما قاله دي جاما - لقد جئنا بحثا عن الصهيونية ~~والبترول. # فهو تشابه شديد في الأهداف والوسائل، بين إسرائيل والولايات ~~المتحدة الأمريكية، كان من شأنه حتما أن يقفا معا في معسكر ~~واحد. # قال الرئيس سوكارنو في خطبته التي افتتح بها مؤتمر باندونج سنة ~~1955م: «إننا - نحن الإندونيسيين وإخواننا من مختلف الشعوب ~~الآسيوية والأفريقية - نعلم جيدا بأن الاستعمار قد استحدث ~~لنفسه أساليب جديدة ينفذ بها إلى بلداننا، وذلك عن طريق السيطرة ~~الاقتصادية والعقلية والجسمية، بواسطة مجموعة صغيرة ولكنها دخيلة ~~...» وهو قول ينطبق انطباقا كاملا على موقف الاستعمار الأمريكي ~~الجديد، الذي جاء يطرق أبواب الشرق العربي، ليحل محل الاستعمار ~~بصورته الكلاسيكية، الذي كانت أقامته من قبل بريطانيا وفرنسا في ~~هذا الوطن العربي. ولقد كانت «المجموعة الصغيرة الدخيلة» التي ~~اختارها الاستعمار الجديد هي إسرائيل! وجاءت الأداة متلائمة مع ~~الذراع الممسكة بها؛ للتشابه الذي ذكرناه بينهما. # ولقد فات الذراع وأداتها معا (أمريكا وإسرائيل) أن تدركا أهم ~~عناصر الموقف، وتصرفتا كما لو كان ذلك العنصر الجوهري المهم ~~ليس له وجود، ألا وهو الشعب وقوته، وأعني بالقوة هنا - أول ما ~~أعني - قوة العقيدة التي قوامها - بالإضافة إلى الإيمان بالدين ~~والوطن - أفكار ملأت الرءوس عما ينبغي أن يكون من حقها في ~~العصر الجديد. نعم، فقد توهمت الذراع وأداتها أن القوة لا ~~تكون إلا مركبا من قوة الجيش والطيران والأسطول، وقوة السلاح ~~الذري وغير الذري من نتاج العلم التكنولوجي الجديد، وقوة ~~الأحلاف العسكرية، وقوة المواد الخام والصناعة ووسائل ms270 المواصلات ~~والمواقع الاستراتيجية وما إلى ذلك؛ وفي ذلك يقول «تشستر بولز» في ~~كتابه «الأبعاد الجديدة للسلام» (وله ترجمة عربية بعنوان: الآفاق ~~الجديدة للسياسة العالمية)؛ يقول إنه سأل يوما أحد عشر رجلا ~~من صانعي السياسة في أمريكا، ماذا يفهمون من كلمة «القوة»، وكان ~~السؤال واردا في سياق الحديث عن عوامل الصراع بين القوتين ~~الكبريين في العالم، فلفت نظره أن أحدا من الأحد عشر رجلا ~~لم يطرأ بباله أن يذكر لا قوة «الشعوب» ولا قوة «الأفكار»، فلم ~~يذكروا إلا عوامل من قبيل ما أسلفناه، فإذا غضوا أنظارهم - ~~فيما يختص بالشرق العربي - عن قوة الشعب العربي في عقيدته، وفي ~~إيمانه بوطنه وبتاريخه، وفي الأفكار الثورية الجديدة التي تسللت ~~إلى حياته الثقافية، فلم يكن مستبعدا بعد ذلك أن تظن الذراع ~~الأمريكية وأداتها الإسرائيلية بأن السيطرة على هذه البلاد بقوة ~~السلاح والعلم والصناعة أمر سهل ووشيك الوقوع. # كان لا بد للشعب العربي العريق المتحضر أن يثور، ولم تكن ~~ثورته وليدة الأمس القريب، بل هي ثورة تستطيع أن ترتد بها إلى ~~ما يقرب من أوائل القرن الماضي، ولكنها خلال تلك الفترة الطويلة - ~~التي هي فترة ولادة جديدة للأمة العربية المعاصرة - ترددت في ~~ثورتها بين درجات متفاوتة من العنف والهدوء، وفي لحظات هدوئها ~~كانت تتخذ صورة عملية تطويرية بطيئة لكنها بعيدة الأثر، إلى أن ~~ظهرت الحركة الصهيونية على مسرح الأحداث، وظهرت معها بعد الحرب ~~العالمية الثانية راعيتها الكبرى أمريكا؛ فمنذ ذلك الحين، لم تهدأ ~~الثورة العربية يوما واحدا، تظهر في جو العلانية مرة، ~~وتتأجج نيرانها خفية في الصدور مرة، وتشتد حتى تبلغ درجة ~~الحرب مرة ثالثة. # ولئن كانت عدة إسرائيل هي قوة السلاح وقوة العلم والصناعة؛ ~~فقوة الأمة العربية مكمنها إيمان بعقيدة، وإيمان بمجد قديم، ثم ~~إيمان بفكر اشتراكي جديد، وجدت فيه وسيلة تؤدي بها إلى مرحلة ~~جديدة من تاريخها الطويل. نعم، إنه لا بد من قوة السلاح وقوة ~~العلم والصناعة، لكننا إذا كنا لنوازن بين طرفين من حيث ~~القدرة على البقاء الطويل: أحدهما هو قوة الوسائل ms271 المادية، ~~والآخر هو قوة العقائد والأفكار، كان السداد في اختيار الطرف ~~الثاني (وهذه موازنة نظرية صرف، نسوقها لتوضيح الموقف) فقد كانت ~~لبريطانيا جيوش في مصر والعراق والسودان والهند وغيرها، وكانت ~~لهذه البلاد عقائد وأفكار، فذهبت الجيوش وبقيت الأفكار. وكانت ~~لفرنسا جيوش في لبنان وسوريا وتونس والجزائر والهند الصينية ~~وغيرها، وكانت لهذه البلاد عقائد وأفكار، فذهبت الجيوش وبقيت ~~العقائد والأفكار. ووقفت أمريكا بجيوشها مع كاي شيك ضد ماوتسي ~~تونج المؤيد بالفكر والعقيدة، فذهب الأول وبقي الثاني ... هذه هي ~~حركة التاريخ، لن يشذ فيها صراع الأمة العربية مع إسرائيل؛ فمع ~~إسرائيل القوة التكنولوجية الأمريكية مضافة إلى أساطير، ومعنا ~~التراث التاريخي الحي والفكر الثوري، أضفنا إليهما القوة ~~التكنولوجية، فلأي الكفتين يكون الرجحان في المدى الطويل، ~~إذا لم يكن في المدى القريب؟ # ويسألني السائل (وقد أتي السؤال من الأستاذ الفاضل رئيس تحرير ~~مجلة المعرفة)، يسألني الرأي في هذه القسمة بين شطرين: العرب ~~والقوى التقدمية من جهة، وإسرائيل والاستعمار من جهة أخرى، وإني ~~لأحسبها قسمة كان محالا أن يحدث نقيضها؛ لأن الجوهر الأساسي ~~في موقف الأمة العربية هو قوة الشعب وقوة الفكر عند هذا الشعب، وهو ~~جوهر يتجانس مع الموقف التقدمي في أهم دعائمه؛ أي أن يكون ~~الاعتماد الأساسي على الشعب وفكرته، وكذلك من الناحية الأخرى ~~يتجانس الجوهر الأساسي في موقف إسرائيل ومثيله في موقف أمريكا، ~~فكلاهما يرتكز أساسا على إهمال الشعب وفكرته، مكتفيا بالسلاح ~~وسطوته، والمال وغوايته. ms272