######OpenITI# #META# URI: 1418AminSalama.AsatirYunaniyyaWaRumaniyya.Hindawi95839483 #META# Tags: history :: literature #META# ID: 95839483 #META# Title: الأساطير اليونانية والرومانية #META# AuthorID: 16952470 #META# Author: أمين سلامة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - كيف بدأ العالم تبعا لقدامى الأغارقة‏ # 2 - آلهة السماء على جبل أوليمبوس‏ # 3 - قصص جوبيتر ومينيرفا‏ # 4 - قصص فينوس‏ # 5 - قصص أبولو‏ # 6 - قصص ديانا‏ # 7 - آلهة الطبيعة‏ # 8 - قصص آلهة الطبيعة‏ # 9 - في العالم السفلي‏ # 10 - مغامرات ثلاثة أبطال وصديقين‏ # 11 - مغامرات هرقل‏ # 12 - البحث عن الجزة الذهبية‏ # عظيمة هي الأساطير‏ # مقدمة‏ # 1 - كيف بدأ العالم تبعا لقدامى الأغارقة‏ # 2 - آلهة السماء على جبل أوليمبوس‏ # 3 - قصص جوبيتر ومينيرفا‏ # 4 - قصص فينوس‏ # 5 - قصص أبولو‏ # 6 - قصص ديانا‏ # 7 - آلهة الطبيعة‏ # 8 - قصص آلهة الطبيعة‏ # 9 - في العالم السفلي‏ # 10 - مغامرات ثلاثة أبطال وصديقين‏ # 11 - مغامرات هرقل‏ # 12 - البحث عن الجزة الذهبية‏ # عظيمة هي الأساطير‏ # | الأساطير اليونانية والرومانية # | الأساطير اليونانية والرومانية # تأليف # أمين سلامة # «عظيمة هي الأساطير في نظر الشخص النبيل.» # | مقدمة # إذا رجع الإنسان بمخيلته إلى بدايات الزمن الغامضة وجد أنه إذا لم تنر الديانة ~~الحقيقية ذهن الإنسان، ولم تفسر له العلوم الأشياء ونشأتها، فإنه قد يلاحظ مولد ما نسميه ~~بالأساطير. # ففي ظلام الغابات الدامس، وعلى السهول التي تسطع عليها الشمس بنورها، وفي الكهوف التي ~~قلما كانت تحمي ساكنيها من هجوم النمور الحادة الأنياب أو الدببة العملاقة، وفي ~~البيوت الطافية بغير أمان فوق مياه البحيرات، وفي أعماق الأدغال الرطبة، وعلى سفوح الجبال، ~~وعلى سواحل البحار، وفي كل مكان، نظر الإنسان إلى العالم الخطر الغامض، وتأمل في ~~أموره. # فسأل الإنسان نفسه: «من أين تأتي الشمس؟ وما هي هذه الشمس؟» وأجاب على هذا السؤال بقوله: ~~«الشمس قارب (أو عربة) يجلس فيه الإله المتألق المبهر، ويقوده عبر السماء.» ولما حيره ~~القمر، فسر الإنسان الأول ذلك المضيء الأبيض بالتفكير فيه كقارب آخر، أو عربة أخرى تجلس ~~فيها شقيقة إله الشمس. # وتساءل الإنسان: «ماذا يكمن وراء رعب الرعد والبرق؟» ولكي يحل غوامض هذا اللغز، وصل إلى ~~صورة إله عظيم يجلس على عرش في السماء، وصوته هو الرعد، ورسوله هو البرق. فإذا ما هاج ~~البحر في عواصف مدمرة، فذلك سببه غضب إله ms01 الأمواج ذي الشعر الأزرق، وإذا ما أنتجت الحبوب ~~والأشجار بذورا، كانت الأم الأرض كريمة. وإذا جاء القحط والمجاعات؛ فذلك بسبب غضبها، ~~وعندئذ يجب استرضاؤها بالذبائح والصلاة. # حير كثير من الأسئلة الأخرى سكان الأرض البدائيين؛ أصل النار، والشكل الذي جاء به ~~مختلف أنواع الحيوان والنبات، وأسباب رفاهية بعض الناس، وشقاء البعض الآخر، وطبيعة الموت، ~~ومسألة العالم الآخر. # ولكي يجيب قدامى الناس في تلك العصور على هذه الأسئلة، كونوا الأساطير، الأساطير التي ~~يضمها هذا الكتاب، وكثيرا غيرها. وظلت هذه الأساطير طوال عصور مديدة، غير مكتوبة، ~~يتلقاها الابن عن أبيه شفويا، وينقلها الجيل إلى الجيل التالي بالكلمة المنطوقة بالفم، ~~وفي معظم الأحوال كان يتناولها الكثير من التغييرات على يد من تسلموها. ويستطيع القصاص ~~الماهر أو الشاعر ذو الخيال الخصب أن يضيف إليها بعض اللمسات هنا وهناك، يتقبلها الناس في ~~بيئته بصدر رحب. وهكذا يحدث عادة أن مختلف روايات الأسطورة الواحدة التي تروى في عدة ~~أماكن مختلفة، بصور يختلف كل منها عن الآخر. وأحيانا يتناول شاعر عظيم، مثل هوميروس، ~~أسطورة ما، ويرويها بطريقته الخاصة، وبعد ذلك تغدو روايته تلك هي ما يتقبله كل فرد، ~~وبواسطة أمثال أولئك الشعراء العظام، سرعان ما وصلت الأساطير أخيرا إلى مرحلة ~~تدوينها. # لجميع الأمم أساطيرها، ورغم إمكان تتبع مشابهة بين هذه الأساطير، فإنها تختلف في ~~تفاصيلها حتى لتكون في مجملها مجموعة عجيبة من القصص. كما أن عملية خلق أساطير جديدة لم ~~تتوقف أبدا بين القبائل البدائية في العالم. وهناك أساطير لم تدون حتى الآن. فمثلا ~~تجد دارسي الأساطير يعيشون بين هنود أمريكا؛ كي يسمعوا من شفاه حكمائهم وشعرائهم تلك القصص ~~التي يفسر بها الرجل الأحمر العالم حوله. ~~••• # لماذا ندرس الأساطير؟ ندرسها لأربعة أسباب على الأقل: # ما زالت هذه الأساطير تدرس حتى الآن؛ لأن لها تأثيرا عميقا على جميع الآداب العظمى، ~~وإنه لحقيقي أن الأساطير الإغريقية والرومانية قد أثرت تأثيرا عميقا، ولا سيما في ~~الأدبين الإنجليزي والأمريكي. وقد أعجب كتاب اللغة الإنجليزية العظام بالقصص التي حكاها ~~القدماء. وقلما نستطيع فهم ms02 شكسبير، أو ملتون، أو كيتس، أو لويل، دون أن نلم بأساطير ~~الأغارقة والرومان. # كذلك تلعب آلهة الأساطير وأنصاف آلهتها وأبطالها أدوارهم أيضا في الموسيقى . فكلمة ~~«موسيقى» نفسها، تذكرنا بفضل الموزيات. وتروي كثير من الأساطير كيف اخترعت أوليات ~~الآلات الموسيقية لأول مرة. وهناك مؤلفات عديدة للعروض الموسيقية والصوتية أوحت بها ~~الشخصيات القديمة التي تروى قصصها في هذا الكتاب. # كانت قصة أورفيوس ويوريديكي أول أوبرا كتبت. ومنذ ذلك الحين صارت موضوعا محبوبا لدى ~~المؤلفين الموسيقيين، وربما كان أشهر تناول لهذه القصة هو ما ألفه جلوك، ويضم القطع ~~المشهورة التي تعزف على آلة واحدة، والتي تعزف على آلتين، والتي يغنيها شخص واحد، ~~والتي يغنيها شخصان: لقد فقدت محبوبتي يوريديكي، وأورفيوس ويوريديكي. ومن القصص الأخرى التي ~~جذبت إليها الموسيقيين: قصص ميديا، وجاسون وإيفيجينيا. ومن المؤلفين الذين اقتبسوا ~~الأفكار من علم الأساطير: ماسنيت، وأوفنياخ، وبورسيل. # ربما كان أعظم عباقرة الموسيقيين جميعا، الذين اتخذوا موضوعاتهم من بيت الكنوز ~~الأسطورية هو ريتشارد واجنر، الذي استخدم أساطير وطنه في كثير من أوبراته، وخصوصا قصة ~~سيجفريد. ويحكي النصف الثاني من دورة الأوبرات الأربع، وهو حلقة نيبلونج، وتتضمن مغامرات ~~ذلك البطل العظيم. # وزيادة على ذلك، فإن للأساطير تأثيرا قويا على الفنون الأخرى؛ فقد فعل عظماء المصورين ~~والنحاتين، في جميع العصور، مثلما فعل الموسيقيون؛ إذ وجدوا في هذه الأساطير القديمة إيحاء ~~لأجمل أعمالهم. وإن الصور التي تضمها صفحات هذا الكتاب لتشهد بفصاحة على هذا ~~الإيحاء. # ثم إن القصص في حد ذاتها، كثيرا ما تكون جميلة ومسلية؛ فهناك قصص ما زالت تستهوي خيالنا ~~حتى اليوم؛ إذ نجد فيها نواة للحقائق المكنية، ولكنها تقرأ لغرض التسلية ولخططها الرائعة ~~وشخصياتها البعيدة الصيت. # وأخيرا هذه الأساطير حلقة اتصال هامة بالماضي. وكثيرا ما تكون هي المصدر الوحيد ~~لمعارفنا عن الكيفية التي نظر بها أسلافنا الأقدمون إلى العالم حولهم، وكيف فسروا ظواهره ~~العديدة. وكذلك، كثيرا ما ندهش لنجد أنه بسبب استخدام الأقدمين لفكرة معينة لتفسير لغز ~~من ألغاز الطبيعة. وربما أنه لا تزال لدينا كلمة تحتفظ بتلك ms03 الفكرة. واللغة الإنجليزية ~~زاخرة بالمصطلحات التي يرجع أصلها إلى تلك الأساطير القديمة، والتي لا يمكن تفسيرها إلا ~~بدراسة تلك الأساطير. فمثلا الكلمة «جانيتور» الشائعة الاستعمال، ترجع إلى جانوس الإله ذي ~~الرأسين، حارس الأبواب، الذي عبده الرومان، وكذلك كلمة «يونية» مشتقة من «جونو» ملكة ~~الآلهة عند الرومان، بينما اشتق «يوم الخميس» من «ثور» إله الحرب لدى القبائل الجرمانية ~~القديمة. وإننا لنمتدح الطعام بقولنا: «طعمه كالعسل» الذي كان طعام آلهة جبل أوليمبوس. كما ~~أن فكرتنا عن العالم السفلي لتشبه كثيرا فكرة هوميروس وفرجيل. هذا وإننا مقيدون بالماضي ~~في عدة نواح، ومن الخير أن ندرس الأساطير القديمة، حتى نستطيع أن نفهم عصرنا نفسه. ~~••• # توجد الأساطير في جميع أنواع الكتابات. فهناك أولا المستندات القديمة التي كتبت فيها ~~أولا. فإذا قرأ الإنسان هوميروس أو فرجيل أو أوفيد، استطاع أن يجد الأساطير بالصورة التي ~~تبلورت فيها بين الأقوام الذين ألفوها. وبنفس هذه الطريقة نجدها في الإداس للشعوب ~~السكندناوية، وكتب الشرق المقدسة. وتمدنا المؤلفات المشابهة بأساطير الأمم والأجناس ~~الأخرى. # وكثيرا ما جمع الدارسون في عصور لاحقة، قصصا قديمة، فقد روى جوفري الذي موطنه مونموث، ~~وهو كاتب إنجليزي من القرن الثاني عشر، روى بعض الأساطير التي حكاها الكلت عن حاكمهم الملك ~~«آرثر» وفرسانه الذائعي الصيت. وفي العصر الحاضر يجمع الدارسون قصص الهنود الحمر والإسكيمو ~~والقبائل الأفريقية، ورجال أدغال أستراليا. # وعلاوة على هذا، يستعمل شعراء جميع الأمم وقصاصوهم الأساطير في أغراض شتى، فيعيدون ~~روايتها بلغتهم شعرا ونثرا، وفي القصص القصيرة وشعر الملاحم والمسرحيات. فهذا «دانتي» ~~يستعمل «يولوسيس» البطل الإغريقي، فيروي جزءا من قصته في جحيمه «إنرفرنو». ويعيد شكسبير ~~صياغة حلقات معينة من الحرب الطروادية في «ترويلوس وكرسيدا». ويروي «جوتيه» قصة إيفيجينيا ~~في تاوريس. ويروي راسين قصة أندروماخي، كما يروي وليم موريس في ملحمة مطولة مغامرات ~~جاسون؛ بحثا عن الجزة الذهبية. وبالمثل كتبت عدة روايات عن هيلين الطروادية، ومغامرات ~~الملك آرثر وفرسانه. # غير أن الشعراء يجدون استعمالا آخر للأساطير في تلميحاتهم وإشاراتهم وتشبيهاتهم، وغير ~~ذلك من الصور البيانية والبديعية. ونذكر ms04 في هذا الكتاب مئات السطور لتوضيح هذه الحقيقة، ~~ولكن بوسع المرء أن يبرهن على هذا؛ بالرجوع إلى مؤلفات أي شاعر إنجليزي تقريبا، وإلى نثر ~~بعض الكتاب أمثال تشارلز لام، وجون روسكين؛ إذ تلمع صفحات ما كتبوه بأسماء شخصيات من ~~الأساطير الإغريقية والرومانية. # كذلك نجد في الإعلان إشارات عديدة إلى الأساطير؛ فقد تسمى سيارة ما باسم ربة رومانية، ~~وقد يوضع اسم عداء سريع على «رادياتير» سيارة. وقد يحمل نوع من مواد اللحام اسم عملاق ~~قديم، أو يحمل قلم رصاص اسم ربة الحب الرشيقة، أو تسمى عملية معالجة إطارات السيارة ~~باسم رب كير الحداد. ومن الممتع ملاحظة الكيفية التي يستخدم بها كتاب الإعلانات تلك ~~القصص القديمة. # أضف إلى كل ما سبق أن صياغة الأساطير ما زالت تستهوي الكتاب المحدثين. فهم لا يؤمنون، ~~كما فعل قدامى مؤلفي الأساطير بالقصص التي يروونها، ولكن يسرهم خلقها، كما يسر بها ~~قراؤهم أيضا. فهذا جويل تشاندلر هاريس يضع الأساطير في فم شخصيته «العم ريموس». وهذا لورد ~~دنساني يروي قصص آلهة بيجانا من تأليفه هو نفسه. وكل فرد يعرف بيتر بان الشهير للسير جيمس ~~م. باري، ويذكرنا هذا الاسم برب الطبيعة الإغريقي بان. # بعض التعاريف # الأسطورة: # هي رواية أعمال إله أو كائن خارق ما. تقص حادثا تاريخيا ~~خياليا، أو تشرح عادة أو معتقدا أو نظاما أو ظاهرة طبيعية (وبستر). ~~وللأجناس أو الأمم أو القبائل أو الأماكن أساطيرها الخاصة. # الميثولوجيا: # هي نظام الأساطير كما يرويها جنس معين. كما يعني هذا اللفظ أيضا ~~دراسة الأساطير بصفة عامة، أو علم الأساطير. # تعدد الآلهة: # هو الإيحاء بوجود عدة آلهة كما نجد في جميع علوم الأساطير. ويمكن ~~تخيل هذه الآلهة في صورة بشرية (كما لدى الأغارقة والرومان)، أو في ~~صورة حيوان وإنسان معا (كما لدى قدماء المصريين)، أو كمخلوقات خرافية ~~(كالتنين الصيني). ~~••• # بعد هذه المقدمة الأكاديمية التي فرضها الموضوع المعالج بين دفتي هذا الكتاب ~~وأهميته القصوى، أرجو أن أكون قد وفقت في تقديم بعض أساطير الأولين بكل ما تتضمنه ~~أساطير اليونان والرومان من ms05 فكر ثاقب وابتكار خلاب نادر، ظلت القرون تشيد بروعته، ~~وتتمشدق بوسامته كمصدر أول لكل ما طار صيته بعد ذلك من أساطير أخرى في بلاد أخرى، ~~كالأساطير الهندية، والصينية، والمصرية القديمة. # وإني بهذا الكتاب أود من صميم قلبي أن أكون قد أسديت خدمة طيبة للمكتبة الكلاسيكية، ~~بتقديم هذا العرض السليم الدقيق البنيان والأركان للأساطير الرائعة التي طالما تمشدق ~~بها الإغريق والرومان، والتي على أكتافها قامت أعظم الأعمال الأدبية التي أكسبت ~~أصحابها عظيم الشهرة والمجد العريض. # وفي الختام، لا يسعني إلا أن أشكر المولى العظيم على توفيقه إياي بأن ساعدني حتى ~~أتممت هذا العمل الهام، رغم كل ما تطلبه من تعب ومجهود، فضلا عن العبء المادي ~~الكبير. # والله ولي التوفيق. # أمين ~~سلامة # 1 / 6 / 88 # الباب الأول # | كيف بدأ العالم تبعا لقدامى الأغارقة # مجيء الآلهة # في البدء كان هناك الهيولى، وهو فضاء واسع مضطرب مائج. لم تكن هناك حدود للدنيا، لم ~~يكن بها سطح، ولا محيط لذلك السطح. # كان الهيولى كله فوضى، ولكن جميع الأشياء الموجودة وقتذاك مختفية في ذلك ~~الهيولى. # وتدريجيا، وبعد انصرام عدة عصور طويلة، كف الهيولى عن أن يكون مجرد ظلام وفوضى، ~~فقسم نفسه كائنين ضخمين، أي إلى إلهين عظيمين، هما: جايا أو الأم الأرض وأورانوس، أو ~~السماء المخيمة فوق الأرض، غير أنه بقيت هناك ذكرى مستديمة للهيولي، ولا تزال باقية ~~في الليل، ذلك الظلام الغريب الذي يعيش فيه الهيولى. # لما تزوج أورانوس جايا، أنجبا عدة أولاد، بعضهم جميل جدا، والبعض الآخر وحوش عمالقة ~~مفزعون. أطلق على النوع الأول اسم «تيتان»، وهم اثنا عشر تيتانا ضخام الأجسام ذوي قوة ~~جبارة يشبهون البشر، ولكنهم أضخم منهم بكثير، ومن أشهرهم: أوقيانوس ونيثيس اللذان ~~حكما البحر، وهيباريون وثيا إلها الشمس والقمر، وريا التي عرفت فيما بعد باسم «الأم ~~العظمى»، وثيميس حارس القانون والعدل، ونيموسيني ربة الذاكرة، وكرونوس أصغر هؤلاء ~~جميعا وأقواهم. كان العمالقة المتوحشون الذين أنجبهم أورانوس وجايا نوعين؛ ثلاثة من ~~هؤلاء لكل واحد منهم مائة يد، وثلاثة آخرون لكل واحد منهم ms06 عين واحدة في وسط رأسه ~~تماما، وأطلق على النوع الأول «هيكاتو نخيريس»، أي العمالقة ذوو المائة يد، والثاني ~~«سيكاوبس» أي العمالقة ذوو العين الواحدة. # مقت أورانوس جميع أولاده ولا سيما العمالقة الستة الذين كان يمقتهم أكثر الجميع؛ ولذا ~~حبسهم في المناطق السفلى من الأرض المسماة تارتاروس. أما الأم الأرض، التي لم تمقت أي ~~واحد منهم، فغضبت لحبس أولادها الستة، فاستدعت التيتان ليساعدوها ضد أبيهم، فلم ~~يساعدها أي واحد منهم باستثناء كرونوس، الذي يعتقد الرومان أنه إلههم ساتورن، فأخذ ~~منجلا حادا وذبح به أباه. فنشأ من دم أورانوس العمالقة الذين هم أشبه بالبشر منهم ~~بالآلهة، وكانوا يلبسون جلود الحيوانات البرية، واشتهروا بأنهم مقاتلون متوحشون، كما ~~نشأت من دمه الفوريات، أو اليومينيديس اللواتي كانت شعورهن ثعابين تتلوى. # لما تغلب كرونوس على أبيه، قبض على زمام حكم العالم، فتزوج ريا، وقسم إمبراطوريته ~~بين زملائه التيتان. أما حكمه هو نفسه فانتهى في الوقت المناسب، وخاف أن يصيبه ما أصاب ~~أباه فيلقى نفس حتفه. وعلى ذلك كان يبتلع كل طفل يولد له، عند ولادته مباشرة. أنجب ~~ثلاثة أبناء هم بلوتو ونبتيون وجوبيتر، وثلاث بنات هن فيستا وكيريس وجونو. ظن كرونوس ~~أنه ابتلع جوبيتر كما ابتلع سائر الباقين، ولكن الواقع أنه لما جاء دور ولادته، وهو ~~أصغر الأولاد، استعاضت ريا بدهائها بحجر بدل الطفل. # نقل جوبيتر سرا إلى جزيرة كريت، حيث قامت بتغذيته الحوريتان إديا وأدراستيا بلبن ~~العنزة أمالثايا. ولما اكتمل نمو جوبيتر وبلغ من القوة أقصاها، عزم على أن يهزم كرونوس. ~~وبمساعدة جايا، أجبر كرنوس على أن يتقيأ أولاده الخمسة الذين ابتلعهم. فلما خرج هؤلاء ~~ساعدوا جوبيتر في شن الحرب على ذلك الإله العجوز، فانضم جميع التيتان تقريبا إلى ~~جانب كرونوس، بينما انضم إلى جانب جوبيتر، ليس إخوته وأخواته فقط، بل وكذلك العمالقة ~~ذوو المائة يد وذوو العين الواحدة، الذين حبسهم كرونوس مثل أورانوس في تارتاروس. ولكي ~~يكافئ الكوكلوبس جوبيتر على إطلاق سراحهم، صنعوا له الصاعقة والبرق، بينما زوده ~~العمالقة ذوو المائة يد بسلاح الزلازل. ms07 # وقف الآلهة العجائز على جبل، بينما وقف الآلهة الصغار على جبل آخر، واستمرت الحرب ~~بينهم عدة عصور. وكلما قامت معركة بينهم، اهتزت الأرض تحت أقدام أولئك الآلهة ~~المتحاربين، ودوى الهواء بصوت صيحات المعارك الضارية، فأخذ جوبيتر يقذف صاعقة بعد أخرى، ~~واشتعلت النار في الغابات وعلا لهيبها، وغلت مياه الأنهار وفارت، واحترقت السماء ~~نفسها. وأخيرا لم يستطع التيتان الصمود أمام قوة جوبيتر بعد ذلك. فقذف بهم إلى وسط ~~النيران من حصنهم الجبلي، ولما حاولوا الفرار طاردهم الآلهة الصغار، وتغلبوا عليهم. ~~فسجن جوبيتر معظم التيتان في تارتاروس، وكلف ابن أحدهم، ويسمى أطلس، بأن يحمل الدنيا ~~فوق كتفيه إلى الأبد. وكان ولدا تيتان آخر، وهما بروميثيوس وإبيميثيوس، قد رفضا حمل ~~السلاح ضد جوبيتر، فأفلتا من السجن، ولمدة ما كان بروميثيوس المستشار الأول ~~لجوبيتر. # قسم الآلهة الدنيا فيما بينهم، فأخذ جوبيتر (وهو زوس عند الإغريق، كما سماه الرومان ~~جوف أيضا) السيادة على الآلهة والبشر، وكان يحكم كملك على حصنهم الجبلي، وهو جبل ~~أوليمبوس. فاختار جوبيتر جونو (هيرا الإغريقية) لتكون زوجته، وعهد إلى نبتيون (بوسايدون ~~الإغريقي) بحكومة المحيط، وإلى بلوتو (ويطلق عليه هاديس أحيانا) بحكم العالم السفلي، ~~وصارت فيستا (هستيا الإغريقية) ربة الوطيس والمنزل، وصارت كيريس (ديميتير الإغريقية) ~~ربة الزراعة. # وفي تلك الأثناء ظهرت الأجناس البشرية على سطح الأرض، وكما تروي القصص، تعاقبت عدة ~~أجناس من البشر. ففي عصر كرونوس الذهبي كانت الحياة ربيعا أبديا، وأخرجت الأرض ~~ثمارها بوفرة، حتى إنه لم تكن هناك حاجة على الإطلاق للكد والكدح. وكان الناس سعداء ~~وخيرين، تأتيهم الشيخوخة بطيئة متثاقلة. وكانوا يعيشون في الخلاء في صفاء لا يعرفون ~~التشاحن ولا الفقر. فإذا ما جاءهم الموت أخيرا أقبل في صورة نوم هادئ يستغرقون ~~فيه. # بعد ذلك جاء العصر الفضي، فخلق جوبيتر الفصول، وجعل العمل ضروريا، وساد الجوع ~~والبرد، فاضطر الإنسان إلى بناء البيوت، وأبدى الإنسان شجاعة وجرأة في ذلك العصر، ولكنه ~~تغطرس في معظم الأحوال، ولم يقدم الاحترام اللائق للآلهة. # وبعد العصر الفضي جاء العصر البرنزي، وفيه تعلم الإنسان ms08 استخدام الأسلحة، فحارب بعضهم ~~البعض الآخر. وأخيرا جاء العصر الحديدي، وهو عصر الإجرام وعدم الشرف، فكفر البشر بنعم ~~الآلهة وأساءوا استعمال تلك النعم، وانغمسوا في الوضاعة والانحطاط . # ارتبطت قصة بروميثيوس العجيبة بتاريخ البشرية، في تلك العصور المبكرة. ومعنى اسم هذا ~~التيتان «التفكير المسبق» أو «بعد النظر»، كما يعني اسم إبيميثيوس «التفكير المتأخر» ~~أو «النظر المتخلف». وبمعنى آخر كان بوسع بروميثيوس، بقوة ذهنه، أن يتنبأ بما سوف ~~يحدث. وقد اختير بروميثيوس مستشارا لجوبيتر لفترة ما. وكان جوبيتر يعتمد عليه وعلى ~~مساعدته في كثير من الأمور. ومع ذلك فبمرور الزمن نشب عراك بينهما بسبب البشر؛ فعندما ~~أبصر جوبيتر كيف سقط البشر من عليائهم السابقة في العصر الفضي، اكتسحهم من فوق وجه ~~الأرض، واعتزم خلق جنس جديد، وطلب مساعدة بروميثيوس. فأخذ ذلك التيتان طينا من شواطئ ~~نهر في أركاديا، وجعله على صورة الآلهة. ونفخ نفس الحياة في تلك التماثيل التي صنعها، ~~وهكذا ولد جنس جديد. # بيد أن أولئك الناس كانوا أضعف من جنس البشر في العصرين السابقين، وجاءوا إلى أرض ~~تطلب المزيد منهم أكثر مما سبق أن طلب من البشر. كان عليهم أن يناضلوا ضد تغيرات ~~الطقس. وما كانت الأرض لتخرج لهم طعاما إلا إذا فلحوها من قبل، وأحاطت بهم وحوش ضارية. ~~وكان يبدو أن هذا الجنس سيهلك إلا إذا جاءته مساعدة من ناحية ما. # أطل بروميثيوس إلى أسفل نحوهم، فرأى ما يحدث، وقال لجوبيتر: «هيا بنا نعطي هؤلاء ~~القوم المساكين نعمة النار المباركة، فبواسطتها لن يخافوا البرد، وبواسطتها يمكنهم أن ~~يصنعوا لأنفسهم أسلحة وأدوات.» # ولكن جوبيتر خشي أن يعطي البشر نعمة عظيمة كهذه؛ لئلا يظن معشر البشر أنهم مساوون ~~للآلهة، وعلى هذا رفض إجابة طلب بروميثيوس، فحزن ذلك التيتان حزنا شديدا، وقرر أخيرا ~~ألا يقيم مع جوبيتر، بل يسكن مع البشر. وهكذا غادر أوليمبوس، وحمل معه هدية النار مخبأة ~~في بوصة، وعلم البشر كيف يمكنهم بواسطة النار أن يصنعوا أسلحة يقتلون بها الحيوانات ~~المفترسة، ويلاقون بها أعداءهم، وكيف يصنعون بالنار الأدوات اللازمة ms09 لجميع الحرف ~~والمهن. وبناء على ذلك، ففي هذا العصر خلط القصدير مع النحاس لأول مرة، وصهرا في ~~الأتون فنتج عنهما البرنز. كما علمهم كيف يخضعون الثور والحمار والحصان، وعلمهم بناء ~~السفن وحساب مدار السنة، وكيف يكتبون ويحسبون ويعالجون الأمراض. # بائنة باندورا وعقاب بروميثيوس # وهكذا عاش البشر في رغد من العيش وبذخ، وكلما زاد ازدهارهم زاد غضب جوبيتر، وأخيرا ~~استقر على خطة خبيثة للتغلب على بروميثيوس، وبمساعدة ابنه فولكان (هيفايستوس ~~الإغريقي) سيد كير الحدادة، ومساعدة الآلهة الآخرين صنع امرأة فاتنة الجمال، اسمها ~~باندورا (كلمة إغريقية معناها «جميع الهدايا»)، ومنحها كل واحد من الآلهة نعمة من ~~الجمال، وأرسلها إلى بروميثيوس، وأرسل معها جرة كبيرة كالتي يخزن فيها الزيت، وأحكم ~~إقفال هذه الجرة، فاشتبه بروميثيوس في وجود خدعة من جانب جوبيتر، فرفض قبول المرأة ~~والجرة، فما كان من جوبيتر إلا أن أرسلها إلى إبيميثيوس، الذي سبق أن حذره أخوه من ~~أحابيل جوبيتر، ولكنه ما إن رأى تلك المرأة ذات الجمال الفائق، حتى غلب على أمره، ~~فقبلها زوجة له. # عندما سأل إبيميثيوس باندورا عما بالجرة، قالت: «إنها بائنتي» وكسرا معا ختم الجرة ~~وفتحاها، وعلى الفور طارت منها سحابة من الشرور؛ جميع الأمراض والمصائب والهموم التي ~~تصيب البشر. فحاولا إعادة الغطاء مكانه، ولكن بعد فوات الأوان، غير أن روحا واحدة ~~بقيت في الجرة «هي الأمل». # وبالطبع لم يقنع جوبيتر بنتيجة خطته هذه، لقد تأكد من إصابة البشر بأضرار وهموم ~~كثيرة، ولكن بروميثيوس ما زال بغير عقاب. فأمر عملاقين بأن يقبضا عليه، كما أمر ~~فولكان الذي أطاعه على مضض بأن يشد وثاق بروميثيوس إلى صخرة عاتية في جبال ~~القوقاز. ترك بروميثيوس هناك، حيث يأتي نسر ضخم (ويقول البعض إنه طائر جارح آخر)، فينهش ~~بالنهار جزءا من جسمه، وفي كل ليلة ينمو ذلك الجزء، فيغدو جسمه كاملا كما ~~كان. # قال له جوبيتر بلهجة الأمر: «اخضع لي أطلق سراحك.» # ولكن بروميثيوس لم يخضع قط لجوبيتر، ولم يتنازل عن حبه للبشر وولائه لهم. وزيادة ~~على ذلك نظر إلى المستقبل، ms10 فرأى أنه سيأتي إليه في يوم ما من يخلصه، وسيكون ذلك ~~المخلص من ذرية جوبيتر نفسه. كما رأى أيضا أن جوبيتر سيهزم في يوم آخر، وأن الإله ~~المنتصر، وهو الإله الحقيقي سيثبت حاكما على الكون؛ ولذا تحمل آلامه في صبر دون أن ~~يتملل. # وفي تلك الأثناء، قرر جوبيتر أن يتخلص من البشر جميعا بطوفان عظيم. فحذر ~~بروميثيوس ابنه ديوكاليون من مجيء هذا الطوفان، فاختبأ الابن مع زوجته «بيرها» فوق جبل ~~بارناسوس، فلما غمرت الفيضانات المائجة الأرض وجميع سكانها، نجا هذان الزوجان؛ لأن ~~جوبيتر أشفق عليهما على الأقل، وتذكر حياتهما التي لا غبار عليها. # عندما انحسرت المياه لجأ ديوكاليون وبيرها إلى معبد للآلهة، حيث كلمهما صوت خفي غامض ~~قائلا: «أعيدوا تعمير الأرض بالسكان من عظام أمكما.» ففسر ديوكاليون هذا القول بأنه ~~يعني الحجارة، فغطى هو وامرأته رأسيهما، وأخذا يرميان الحجارة خلف ظهريهما وهما ~~سائران. فالحجارة التي رماها ديوكاليون صارت رجالا، والتي رمتها زوجته صارت نساء. فكان ~~هؤلاء تبعا للأساطير القديمة، أسلاف جميع سكان الأرض اليوم. وصار ديوكاليون ملكا على ~~أولئك القوم، فعلمهم كثيرا من الفنون النافعة. # الباب الثاني # | آلهة السماء على جبل أوليمبوس # هناك سلسلة جبال في الجزء الشمالي من بلاد الإغريق تفصل بين منطقتي مقدونيا وتساليا. ~~وعلى الطرف الشرقي من سلسلة الجبال هذه يقع جبل أوليمبوس البالغ ارتفاعه عشرة آلاف قدم، ~~وتكسو الثلوج قمته باستمرار. ويعتقد قدامى الإغريق أن جوبيتر حارب قوة كرونوس على هذا ~~الجبل. ولما استقر الحكم لجوبيتر صار يعقد اجتماع بلاطه على هذا الجبل. وكان يرأس مجالس ~~الآلهة، ويسكن قصرا فخما بقربه قصور الآلهة الهامة الآخرين، كانوا يأتون إلى جوبيتر كل ~~يوم، ويجلسون حوله في اجتماع يتصف بالجدية، وأحيانا يرقص الآلهة الصغار أمامه، ويسلونه ~~بأغانيهم. كان طعامهم الأمبروسيا وشرابهم النكتار (الرحيق). وكان يفصلهم عن نظر البشر من ~~السحب تحرس بابه الساعات. # يعتقد أن بعض الآلهة الآخرين يقيمون في ذلك البيت السماوي، كما كان المعتقد أن بعض ~~الآلهة كانوا آلهة الطبيعة أو الأرض نفسها، والبعض الآخر آلهة العالم ms11 السفلي. وسنتكلم عن كل ~~مجموعة من مجموعات الآلهة الثلاث هذه، كل بدورها. # جوبيتر وجونو وفيستا # أقام أولاد كرونوس دائما على جبل أوليمبوس، ولو أن رسائلهم جعلتهم يزدرون ~~البشر. # فجوبيتر المسمى «أبو الآلهة والبشر» هو مؤسس سلالة ملكية، وحامي الحكام ومشرع ~~القوانين والنظام والعدل، فخصص لكل إنسان نصيبه الأرضي من الأحزان والرخاء. كان مسلحا ~~بالرعد والبرق، وإذا هز درعه قامت العواصف. وكان جوبيتر إله الطقس وخصوصا المطر، ويقبع ~~أمامه نسر ضخم انتظارا لأن يكون رسوله. وكرست له شجرة البلوط التي هي ملكة الأشجار. ~~وكان البعض يعتقدون أنهم إذا أصغوا إلى حفيف أوراق شجرة البلوط استطاعوا التكهن ~~بنوايا جوف. # كانت تجلس إلى جانب جوبيتر زوجته ورفيقته جونو. فإذا ما تكلمت بما يجول بخاطرها، أصغى ~~إليها جوبيتر بكل احترام، وكانت تعلم كل أسراره. ومع ذلك كانت أقل منه قوة، وعليها أن ~~تطيعه. كانت ربة الزواج وكان منظرها منظر امرأة فائقة الجمال بالغة العظمة، متوسطة ~~العمر، ذات جبهة عريضة وعينين واسعتين ساحرتين، وملامح تنم عن الجد والرزانة، ~~وتدعو إلى التوقير، وتزين رأسها بتاج وخمار تسدله خلف رأسها، وكرس لها الطاووس بريشه ~~الجميل، والكوكو بشير الربيع. وتلازمها باستمرار إيريس ربة قوس قزح. لم تكن جونو محبوبة ~~كثيرا، وتميل إلى الغيرة على جوبيتر، فاضطهدت معشوقاته وعاقبتهن. # أما فيستا شقيقة جوبيتر فكانت ربة البيت والوطيس، وحارسة حياة الأسرة. وقد غازلها ~~الكثيرون من الآلهة، ولكن جوبيتر قرر أنها يجب أن تظل طول حياتها بغير زواج. وكانت ~~نارها المقدسة تتأجج فوق كل وطيس. ولما كانت كل مدينة وكل قرية عبارة عن أسرة واحدة ~~عظيمة، كان في كل مجتمع قديم من المجتمعات الرومانية الإغريقية وطيس عام تتراقص فيه ~~ألسنة اللهب، لهب فيستا المقدس، وترعاه كاهناتها العذارى الفيستاويات. وإذا خرج ~~المهاجرون لتأسيس مستوطن جديد، أخذوا معهم جزءا من تلك النار، واستعملوه في إشعال لهب ~~الوطيس في بيوتهم الجديدة. # أولاد جوبيتر وجونر # كان إله الحرب مارس (أريس الإغريقي) من أهم الآلهة، وهو ابن جوبيتر وجونر. كان يفرح ~~بالمعارك والمجازر، فيظهر في كامل ms12 عدته الحربية تتأرجح فوق خوذته قبرة، ويركب ~~غالبا جوادا عاليا، أو في عربته الحربية التي تجرها أربعة جياد تنفث النار، ~~وترافقه الكلاب المفترسة والطيور الجارحة. وشعاره الرمح ومشعل متقد، ويعرف أولاده ~~بهذه الأسماء: الفزع والرجفة والذعر والخوف. # ومن أبناء الآلهة الملكية: فولكان السابق ذكره كإله كير الحداد، وكان يشرف على النار ~~في شتى مظاهرها، من نار الحداد إلى البركان، وعلى الأخص النار في استعمالاتها العملية. ~~وكان هو نفسه صانعا ماهرا، وحامي الصناع. وكانت جميع قصور جبل أوليمبوس من صنع يده. ~~وكان مصنعه يقع عادة على جزيرة بركانية، كجزيرة إثنا مثلا، فإذا ما ثار بركان إثنا، ~~قال السكان المجاورون: إن فولكان يعمل. وتقول أسطورة إنه حاول ذات مرة أن يتدخل في ~~عراك بين جونو وجوبيتر، فاشتد غضب جوبيتر، وأمسك به وقذفه من السماء، فظل يسقط طول ~~النهار، وعند غروب الشمس، سقط فوق جزيرة لمنوس، فصار أعرج من ذلك الحين. وصور كرجل ~~قوي ذي لحية، يمسك في يده مطرقة أو آلة أخرى. وكان يلبس قبعة بيضاوية الشكل، بينما ~~كتفه اليمنى وذراعه اليمنى عاريتان. # ومن بنات جوبيتر وجونو: هيبي ربة الشباب، وحاملة الكأس لدى الآلهة. وفي عصور لاحقة ~~تزوجت البطل العظيم هرقل، وحل محلها في وظيفتها كحامل كأس عند الآلهة، الشاب جانيميدي، ~~الذي خطفه نسر جوف من سهول طروادة. # أولاد جوبيتر الآخرون # كان لجوبيتر أولاد آخرون كثيرون، منح بعضهم وظائف هامة يقومون بها. # ولدت لاتونا (ليتو الإغريقية) لجوبيتر توءمين، عهد إليهما أبوهما بمهمة الشمس ~~والقمر. # فويبوس أبولو إله الشمس، الذي صور يقود العربة الملتهبة لنور النهار خلال السماء، ~~كما كان إله الغناء والموسيقى والتنبؤ، وكان يقود كوروس الموزيات، وهن العذارى التسع، ~~بنات جوبيتر والتيتانة نيموزيني المشرفة على الذاكرة. وينسب إلى أبولو اختراع الناي ~~والقيثارة. ومن القوس النارية التي يحملها، تخرج السهام الملتهبة للطاعون والوباء، ومع ~~ذلك؛ فقد كان أيضا رب الشفاء، ووالد إسكولابيوس أول الأطباء. # وأخته ديانا (أرتيميس الإغريقية) ربة القمر، التي تقود عربتها الفضية عبر السماء ~~ليلا. وكانت كأبولو تتسلح بقوس وجعبة ms13 سهام، وينسب موت البشر الفجائي إلى سهامها. كما ~~كانت ربة الشفاء والصيد، وتصور غالبا كصيادة ترافقها كلاب الصيد، وإلى جانبها رأس ~~خنزير بري. كما تصور أحيانا في عربتها التي تجرها أربعة خيول ذوات قرون ذهبية. وكانت ~~حامية العفة لدى النساء، وكربة للقمر، كانت تظهر مرتدية ثوبا يصل إلى قدميها، وخمارا ~~أبيض على رأسها، ويرتفع فوق جبينها هلال. # كانت ديوني ابنة أوقيانوس وتيثيس، وهما من التيتان الذين سبقوا نبتيون في حكم المحيط. ~~ولدت لزوس ربة الجمال فينوس (أفروديتي الإغريقية). وتقول بعض الأساطير إن فينوس ولدت ~~زبد البحر، وأن الأمواج حملتها أولا إلى جزيرة ~~كينيرا؛ ولذا تسمى أحيانا «المولودة من الزبد»، وأحيانا أخرى «الكيثيرية» تفوقت في ~~جمالها على كافة الآلهة والبشر، وزيادة على ذلك كانت لها القدرة على أن تمنح غيرها ~~الجمال. وكانت تملك زنارا سحريا إذا منحته واحدة من الربات أو من النسوة البشريات، ~~صارت تلك الربة أو المرأة في الحال موضوع حب ورغبة. أما زوجها فهو فولكان الأعرج، وكرس ~~لها الريحان البري والورد، وتجر اليمام عربتها، وصورت غالبا مع ابنها كيوبيد (إيروس ~~الإغريقي) الذي كان يحمل سهاما من نوعين؛ سهاما أسنتها من الرصاص، وهذه تجلب ~~البغضاء، وسهاما أسنتها من الذهب، وهذه تثير عاطفة الحب. # مينيرفا (بالاس أثينا الإغريقية) قال الأغارقة: إنها خرجت من رأس جوبيتر كاملة ~~التسلح وكاملة النمو. وربما كانت هذه الأسطورة كناية عن المملكة التي حكمتها مينيرفا؛ ~~لأنها كانت ربة الحكمة، كما كانت المحافظة على الولايات والحكومات، التي ترعى من يظهر ~~الحكمة من الحكام. وكذلك كانت حامية الفنون الجميلة. تجد متعة خاصة في النسج، وتصور ~~عادة تحمل عصا، وتلبس درعا تسمى أيجيس، وقد علقت على هذه الدرع رأس وحش يسمى ~~الجورجونة. وهذه الجورجونة امرأة شعرها من الثعابين، ولها القوة على تجميد من ينظر ~~إليها، وتحوله إلى حجر، ومثل ديانا، تشرف مينيرفا على الفتيات العذارى. # أطلس، التيتان الذي يحمل على كتفيه ثقل السماء، وله سبع بنات يسمين بلياديس، اللواتي ~~تبعا للأسطورة الإغريقية، نقلن إلى السماء كنجوم تسمى كبراهن مايا، ms14 التي ولد لها ~~ولجوبيتر ابن يسمى ميركوري (هرميس الإغريقي) الذي يتصف بخليط بالغ الغرابة من الصفات، ~~فأهم وظيفة له هي أنه رسول الآلهة. وكانوا يسمونه «ميركوري الطائر القدمين»، وحتى عندما ~~كان طفلا، كان له ميل إلى اللصوصية، وكان حامي اللصوص وغيرهم من الأنذال. وكرسول ~~للآلهة صار حارس المسافرين، وكحاجب للآلهة صار رب الخطابة. وهو الذي يقود أشباح الموتى ~~إلى العالم السفلي، وكانت جميع الملاعب تحت إدارته. وأقيمت أعمدة على طول الطرق وعند ~~الأبواب والبوابات تحمل على قمتها رءوس آلهة تسمى هرميس، وصور كشاب رشيق. ومن ~~شاراته قبعة ذات جناحين صغيرين تساعده على التخفي عن الأنظار، فلا يراه أحد، وعصا ~~مجدولة بالثعابين تسمى كادوكيوس، هي شعار قوته، وصندل مجنح. # صغار آلهة أوليمبوس # تسيطر كل واحدة من الموزيات السابق ذكرهن على ناحية معينة. فتسيطر خيو على ~~التاريخ، وتسيطر يوتربي على الشعر الغنائي، وثاليا على الكوميديا، وميلبوميني على ~~التراجيديا، وتربسيخوري على الرقص، وإيراتو على الشعر الغرامي، وبوليهمنيا على الشعر ~~الديني، وأورانيا على الفلك، وكاليوبي على شعر البطولة. وأطلق الشاعر بندار عليهن اسم ~~«التسع ذوات الشعر الفاحم»، وإليهن يصلي الشعراء وغيرهم؛ طلبا للإيحاء. # خضع جوبيتر نفسه للأقدار الثلاث؛ لأن قرارهن يحكم كلا من الآلهة والبشر. صورن ~~يغزلن منسوجا ضخما، ويمسكن مقصات يقطعن بها خيط حياة الإنسان حسبما يحلو لهن. كانت ~~كلوثو تقوم بالغزل، وتحدد لاخيسيس لكل إنسان مصيره، ويتحرك المقص القاتل في يد ~~أتروبوس. # وكذلك أقام على جبل أوليمبوس: ديكي ربة العدل، والجراكيات الثلاث، والفصول الأربعة. ~~كما كان أيضا مسكن تيميسيس روح الغضب والعقاب الحقين، وفيكتوريا (نيكي الإغريقية) ~~ربة النصر. # اعتقد الإغريق أن الآلهة كانوا يعلنون مشيئتهم للبشر في أماكن معينة، وبوسائل خاصة عن ~~طريق الوحي (جمع وحي). وأشهر هذه الوحي: وحي دلفي القائم على جانب جبل ~~بارناسوس، حيث يقوم معبد لأبولو في وسطه الوحي. وبهذا المعبد شق في الأرض تتصاعد منه ~~أبخرة بركانية، تجلس كاهنة أو السيبول على ركيزة ثلاثية الأرجل فوق ذلك الشق. وبعد أن ~~تستنشق الأبخرة تتكلم، فيعتبر كلامها وحي أبولو. ms15 كان بهذا المعبد كنوز ضخمة عبارة عن ~~الهدايا التي قدمها من استشاروا الوحي. وهناك وحي آخر لجوبيتر في غابة أشجار البلوط في ~~دودونا، حيث يتقدم الناس بأسئلتهم ، فيجيب عليها حاكم الآلهة والبشر بحفيف أوراق تلك ~~الأشجار، ويفسر الكهنة ذلك الحفيف. # الباب الثالث # | قصص جوبيتر ومينيرفا # أوروبا وثورها # كان جوبيتر الشخصية الرئيسية في حلقة غرامية، جرت في ركابها كثير من الأحداث ~~والنتائج الهامة. # كانت «أوروبا» أميرة آسيوية ابنة ملك فينيقيا، تتألق جمالا بين تابعاتها العذارى، ~~كما تتألق فينوس بين الجراكيات. فأبصرها ابن كرونوس فوقع في غرامها، فقابلها في صورة ~~ثور قوي جميل المنظر، جاء إلى المرعى المزهر، حيث كانت أوروبا تلعب مع رفيقاتها ~~العذارى، اللواتي عندما أبصرن الثور هربن جميعا ما عدا أوروبا؛ إذ سلط جوبيتر إيحاءه ~~عليها، فبقيت دون أن يتطرق الخوف إلى قلبها، وتقدمت نحوه فانخفض لها في رفق وانحنى ~~أمامها، وقدم لها ظهره العريض. ابتسمت الفتاة وقد أغراها الثور، فجلست على ظهره، وما ~~كادت تجلس حتى ارتفع عن الأرض، واتجه نحو شاطئ البحر المجاور، وقفز بها وسط ~~الأمواج. # عبثا نادت أوروبا على رفيقاتها، وعبثا توسلت إلى الثور البادي الرقة أن يعيدها إلى ~~اليابسة، ويسمح لها بالعودة إلى أهلها، ولكنه أصم سمعه عن توسلاتها، وشرع يسبح ~~بسرعة بضربات قوية وسط البحر الهادئ أمامه. وما من موجة صغيرة أصابت ثوب الفتاة ~~بالبلل، وكانت وحوش البحر تقفز حوله، وارتفعت جماعات حوريات البحر من بين الأمواج ~~يحيينه في مرح. # صاحت الفتاة أخيرا في فزع تقول: «إلى أين تحملني؟» فأجابها الثور في صوت إلهي ~~عميق يأمرها بالشجاعة والجرأة. # قال: «انظري، إنني جوبيتر، اضطرني حبك إلى أن أتخذ هذه الهيئة، وسرعان ما ستستقبلنا ~~كريت لتكون حجرة عرسنا؛ كريت التي ولدت فيها أنا نفسي.» # هكذا قال، وهكذا كان، وباسم هذه الأميرة سميت قارة أوروبا بأكملها. أنجبت أوروبا ~~لجوبيتر ثلاثة أبناء: مينوس الذي صار فيما بعد ملكا على كريت، ورادامانثوس، ~~وساربيدون. وبعد موت الابنين الأولين، صارا قضاة الأشباح في العالم السفلي. # هذا، وتروى قصة ممتعة عن ms16 مينوس عندما كان حاكما على كريت. كان له خادم يدعى ~~دايدالوس، وكان ميكانيكيا بارعا، وصانع معادن، ومخترعا عبقريا، وهو أبو جميع ~~الاختراعات. صمم دايدالوس لمينوس مجموعة من الأنفاق المعقدة والكثيرة التعاريج، تسمى ~~متاهة لابيرينث حبس فيها المينوطور، وهو وحش نصفه لإنسان ونصفه لثور. # وذات يوم غضب مينوس على دايدالوس، فسجنه هو وابنه إيكاروس، فطفق دايدالوس يقدح ذهنه ~~لإيجاد وسيلة للهروب من السجن. وأخيرا هداه تفكيره إلى أن يصنع زوجا من الأجنحة ~~لنفسه، وزوجا آخر لابنه، وثبتها على كتفيه وعلى كتفي ابنه، مستخدما الشمع كمادة ~~لاصقة، فطار الاثنان بنجاح، وارتفعا في الجو بسرعة، واقتربا أكثر فأكثر من قارة ~~أوروبا، ولكن إيكاروس سر سرورا عظيما وابتهج، وأخذ يطير إلى فوق عاليا جدا، ~~واستمر في اقترابه من الشمس رغم تحذير والده. وأخيرا حلق إلى مسافة بعيدة مقتربا من ~~الشمس، فصهرت حرارتها الشمع، وسقط الجناحان عن كتفيه، فسقط هو في اليم، وغاص في البحر ~~وغرق. وفيما بعد سمي البحر الذي غرق فيه بالبحر الإيكاري. أما دايدالوس فنجا وأفلح في ~~هروبه، وعاش مدة طويلة في صقلية. # عندما خطف الثور أوروبا، أمر أبوها أخاها المسمى كادموس، بأن يذهب ويبحث عنها في كل ~~مكان، وبألا يعود إليه إلا بعد العثور عليها. فظل كادموس يبحث عنها شهورا وسنين دون ~~جدوى، وأخيرا أمره وحي أبولو بأن يتتبع بقرة معينة أينما سارت، ويبني مدينة حيث تستقر ~~البقرة. وفي النهاية وقفت البقرة في سهول بانوبي، وإذ أراد كادموس أن يقدم سكيبة للربة ~~مينيرفا، أخذ يبحث عن الماء في كل الجهات المجاورة، وسرعان ما عثر على ينبوع يتدفق منه ~~تيار من الماء النقي الرائق كالبلور، ولكن تنينا ضخما كان يحرس ذلك الينبوع. وما إن ~~غمس خدم كادموس جرارهم في الماء، حتى هجم عليهم التنين، فقتل بعضهم بمخالبه، بينما سحق ~~البعض الآخر بين ثنيات جسمه. # بعد ذلك قام كادموس نفسه، وقاتل ذلك التنين وقتله، دون أن يعرف أنه مكرس لمارس. فغضب ~~إله الحرب على كادموس، وأجبر هذا الأخير على أن يخدمه مدة ثماني ms17 سنوات. ولما أمرته ~~مينيرفا أن يزرع أنياب التنين، خرج منها رجال مسلحون صاروا من أتباع كادموس. فبنى ~~هناك مدينة طيبة، وينسب إلى كادموس هذا ابتكار الحروف الهجائية ، وعندما بلغ الشيخوخة ~~تحول هو وزوجته هارمونيا إلى ثعبانين، ولكنه لم ير أوروبا مرة أخرى. # قصة أوديب # عندما ولد للايوس ملك طيبة ابن، حذره وحي من أن ذلك الطفل لو ترك ليكبر، فسوف ~~يعرض عرشه وحياته للخطر. وعلى هذا أمر لايوس أحد رعاة ماشيته بأن يأخذ ذلك الطفل ~~ويقتله، ولكن الراعي أشفق على الطفل، فثقب قدميه وتركه على جانب جبل، فعثر راع آخر على ~~هذا الطفل، فأخذه إلى بوليبوس ملك كورنثة، فتبناه هذا وسماه أوديب، أي ذو القدم ~~المتورمة. # لما كبر أوديب استشار وحيا بدوره، فعلم ما أفزعه، علم أنه مقدر له أن يقتل أباه (وظن ~~أوديب أنه سيقتل بوليبوس)، ولكي يتحاشى مثل هذا القضاء، أسرع بمغادرة كورنثة في عربة ~~ومعه خادم واحد، وأخذ يطوف في بلاد الإغريق. وفي يوم ما، بينما هو يسير بعربته في طريق ~~ضيق، التقى برجل في عربة أخرى، فأمره هذا الرجل متغطرسا أن يفسح له الطريق. ولما رفض ~~أوديب الانصياع لأمره، قفز خادم من عربة ذلك الرجل، وقتل أحد خيول أوديب. فما كان من ~~أوديب، وقد ثارت ثائرته واشتد غضبه، إلا أن هجم على راكب العربة فقتله. كان ذلك الرجل ~~هو لايوس، وهكذا قتل أوديب أباه دون وعي منه. # لما وصل أوديب إلى طيبة، وجد المدينة في ارتباك عظيم. هناك وحش يسمى سفنكس، نصفه ~~لأسد والنصف الآخر لامرأة، يوقف كل المسافرين ويقدم لهم لغزا، إذا لم يجيبوا عنه ~~إجابة صحيحة، قتلهم. أما أوديب فتوجه إلى السفنكس في جرأة دون ما خوف ولا وجل. فسأله ~~السفنكس: «ما هو المخلوق الذي يمشي في أول النهار على أربع، وفي الظهر على اثنتين، وفي ~~الليل على ثلاث؟» فأجاب أوديب على الفور بقوله: «إنه الإنسان، الذي يحبو على يديه ~~ورجليه طفلا، ويقف منتصبا يسير على قدمين، وهو كامل النمو، وعندما يبلغ الشيخوخة في ms18 ~~آخر حياته يحتاج إلى عكاز.» فاغتاظ السفنكس، وقذف بنفسه من فوق صخرة عالية، ~~فتهشمت عظامه ومات. # فرح أهل طيبة وشكروا أوديب، وأرادوا مكافأته على حسن صنيعه، واعترافا بجميله، ~~فزوجوه ملكتهم جوكاستا أرملة لايوس. فلما أصاب المدينة وباء، واستشاروا عرافا ~~أخبرهم بجريمة أوديب وجوكاستا. فلما رأت جوكاستا بشاعة جريمتها انتحرت، وأما أوديب ~~فأعمى عينيه. وبعد ذلك ظل أوديب عدة شهور يتسول في بلاد الإغريق، تقوده ابنته الوفية ~~أنتيجوني. وأخيرا أراحته الآلهة من حياته. # كاليستو وابنها # كان في أركاديا فتاة بارعة الجمال تدعى كاليستو، أحبها جوبيتر، فولدت له ابنا ~~سمياه أركاس، فلما رأت جونو أن كاليستو تتمتع بحب جوف، وأن ابنها الجميل ينمو يافعا، ~~أكلت الغيرة قلبها، وأخيرا اشتد غضبها وحسدها وتعديا كل الحدود، فحولت كاليستو ~~إلى دب. # أخذت كاليستو تهيم على وجهها وسط غابات أركاديا في صورتها الجديدة البغيضة. لم تجرؤ ~~على الاختلاط بغيرها من الدببة؛ إذ خافتها كما لو كانت من البشر. ومع ذلك كانت تهرب ~~من الصيادين أيضا؛ إذ سيطاردونها بمجرد أن يروها، ويقتلونها إن أمكنهم. # ومع هذا لمحت ابنها أركاس ذات يوم، وهو على مسافة بعيدة منها، وقد كبر وصار شابا ~~يافعا، فتغلبت عليها عاطفة الأمومة، ودفعها حبها له وشوقها إليه، إلى أن تتقدم نحوه في ~~مشية متعثرة، ووقفت على رجليها الخلفيتين، وحاولت أن تعانقه، ولكنه تراجع في خوف ~~مختلط بالدهشة. ولما أصر الدب على ملاحقته، رفع رمحه، وأوشك أن يقتل به ذلك الحيوان ~~الغريب المخيف. وبينما كان الرمح يكاد يخترق صدر كاليستو، نظر جوبيتر من السماء، فأبصر ~~ما يحدث، فأمسك الرمح إشفاقا، وخطف كليهما من الأرض، ووضعهما بين النجوم في السماء، ~~يطلق على أحدهما الدب الأكبر، وعلى الآخر الدب الأصغر. # وتقول الأساطير القديمة: إن جونو شكت بمرارة إلى آلهة البحر من طريقة معاملة جوبيتر ~~لمنافستها وابن منافستها، وإهماله جونو نفسها. فقرر أولئك الآلهة إكرما لخاطرها، ألا ~~يمس الدب الأكبر ولا الدب الأصغر المياه إطلاقا، ومن ثم تحيط مجموعتا النجوم هاتان ~~بالقطب باستمرار، ولا تغطسان في الماء كما ms19 تفعل سائر النجوم الأخرى. # باوكيس وفيليمون # رغم أن جوبيتر كان، أولا وقبل كل شيء، إله السماء الواسعة، ويفكر فيه البشر على أنه ~~يعيش دائما في قصره العجيب فوق جبل أوليمبوس، إلا أنه كان ينزل أحيانا إلى الأرض، ~~ويختلط بسكانها في صورة بشرية. كان غرضه من أمثال هذه الزيارات أن يكتشف ما إذا كان ~~الناس يراعون واجب إكرام الضيف وحق ابن السبيل؛ لأن جوبيتر لم يكن فقط ملك الآلهة ~~والبشر، وإنما كان أيضا وبنوع خاص إله إكرام الضيف، الذي ينزل العقاب بكل من ~~يعامل الأغراب بقسوة أو بغير رقة. # وحدث ذات مرة أن جوبيتر تنكر في زي مسافر فقير، ولم يصاحبه في هذه الجولة سوى ~~ميركوري. فبدءا بزيارة أرض فروجيا، وطلبا المأوى لمدة الليل في بيت بعد آخر، ولكن ~~أهل تلك المنطقة طردوهما، وسلطوا عليهما كلابهم تنبحهما، وأطفالهم تقذفهما بالحجارة، ~~علاوة على الشتائم وعبارات الاحتقار. # طال الظلام، وكاد جوبيتر وميركوري يتركان تلك المنطقة يأسا. وأخيرا شاهدا كوخا ~~منعزلا فوق مرتفع من الأرض بتلك القرية. كان ذلك الكوخ لزوجين عجوزين هما باوكيس ~~وزوجها فيليمون. كان كوخا وضيعا سقفه من البوص والقش المأخوذين من مستنقع قريب، ~~عاش فيه هذان الزوجان منذ أن تزوجا، وحظيا فيه بالسعادة والقناعة والرضا. # لما سمعت باوكيس الطرق على باب الكوخ أسرعت هي كما أسرع زوجها، ففتحا الباب ~~ورحبا بالضيفين أعظم ترحيب، ولبيا طلبهما بصدر رحب أن يقضيا تلك الليلة في ~~كوخهما. وخرجا يدوران حول الكوخ يجمعان الحطب لإيقاد نار يصطليها الضيفان، وقدما لهما ~~كل ما كان لديهما من طعام. # عندما مد الغريبان يديهما لتناول الطعام، حدث شيء غريب؛ فقد كثر الطعام فجأة، ~~وانبعثت منه رائحة عجيبة زكية، وفجأة أظهر الإلهان حقيقتهما في كامل عظمتها، فخر ~~العجوزان راكعين أمامهما، وطلبا صفحهما عن قلة الطعام الحقير الذي قدماه لهما. فأمر ~~جوبيتر باوكيس وفيليمون بأن ينهضا، وقادهما إلى قمة جبل مجاور. فلما نظرا إلى الوادي ~~الذي كانا يقيمان فيه، اعترتهما الدهشة؛ إذ وجداه بحيرة واسعة، فبكيا على مصير ~~جيرانهما، وحدثت المعجزة، ms20 ارتفع معبد عظيم الحجم إلى جانبهما، وعهد إليهما بالعناية ~~بذلك المعبد. ولما مات هذان الزوجان بعد ذلك بعدة سنوات، ماتا معا في وقت واحد، وفي ~~سن متقدمة جدا. وحولهما جوبيتر إلى شجرتين باسقتين أمام المعبد، شجرة بلوط وشجرة ~~زيزفون، عبدهما الفلاحون إشارة إلى واجب إكرام الضيف. # مينيرفا تدخل في مسابقتين # دخلت بالاس أثينا (التي يسميها الرومان مينيرفا) ذات مرة في مباراة مع نبتيون على: ~~من منهما سيكون له شرف أن تسمى باسمه مدينة حديثة التأسيس في أتيكا. وكان كل منهما ~~يتوق جدا إلى الفوز بذلك الشرف، حتى خيل للجميع أنه لا بد أن يقوم بينهما عراك. ~~وحسما للنزاع قرر الآلهة أن يقدم كل منهما هدية تفيد الجنس البشري. ومن منهما يقدم ~~أنفع هدية، ينل شرف تسمية المدينة باسمه. # بدأ نبتيون، فضرب الأرض برمحه الثلاثي الشعاب، وفي لمح البصر خرج منها حصان جميل شرع ~~من فوره يرفس برجليه الخلفيتين، ليقذف بالأرض المتعبة. فلما وقف ذلك الجواد أمام الآلهة ~~يركل الأرض بحوافره تساءل الآلهة في دهشة. ثم جاء دور أثينا فضربت الأرض برمحها، فما إن ~~ترك رمحها الأرض، حتى انبثقت من الأرض شجرة نبيلة محملة بثمار سوداء لامعة، هي ثمار ~~الزيتون. فجلس الآلهة صامتين، وتطلعوا خلال المستقبل يحصون الفوائد التي يجنيها البشر ~~من هذه الشجرة وثمارها. وفي صوت واحد هتف الآلهة لأثينا معلنين فوزها، وهكذا سميت ~~باسمها مدينة أثينا. # وفي مناسبة أخرى تبارت بالاس أثينا مع فتاة من البشر اسمها أراخني، ابنة إدمون، ~~الماهر في الصباغة بالأرجوان. ومنذ حداثة سن هذه الفتاة، تعلمت مهنة أبيها، بالإضافة ~~إلى مهنة نسج الأقمشة وبرعت فيهما، لدرجة أنه ما من أحد بذها في ذلك، على وجه ~~البسيطة كلها. فركب الغرور أراخني، حتى إنها رفعت رأسها نحو السماء، متحدية الربة ~~أثينا نفسها، حامية جميع الفنون المنزلية، أن تباريها في مهنتها هذه. # راقبت أثينا في استمتاع وإعجاب، ذلك التقدم الذي تقوم به أراخني. فلما سمعت ذلك ~~التحدي وليد الغرور، استاءت أيما استياء، فاتخذت صورة امرأة عجوز دردبيس، وذهبت ms21 إلى ~~بيت إدمون، حيث شاهدت النول الذي تنسج فوقه هذه الفتاة، وأعجبت بمهارتها. # قالت أثينا: «إنني امرأة عجوز وقديمة في التمرين، ورأيت الكثير في هذه الدنيا. بلغني ~~أنك تحديت الربة أثينا، اسمحي لي بأن أنصحك بأن تسحبي أقوالك. إنك تتفوقين على سائر ~~البشر، وسوف تتفوقين عليهم جميعا، ولكن ما أحمقك أن ترغبي في الدخول في مباراة خاسرة ~~مع الآلهة الذين تأتي منهم كافة المهارات!» # فأجابت أراخني بازدراء: «صه، أيتها العجوز الغبية! لن أخاف أثينا، ولكني سأخجلها ~~بمهارتي، فلتظهر وتختبرني.» # ما إن نطقت أراخني بهذه الألفاظ، حتى نزعت أثينا تنكرها، ووقفت في عظمتها أمام ~~الفتاة. # قالت: «ها هي أثينا أمامك.» وعندئذ ارتجفت الفتاة، وأدركت بعد فوات الأوان، جنون ~~تحديها، ولكنها استجمعت شجاعتها، وأخذت تنسج أبرع منسوج صنعته. صورت على جزء من ~~النسيج بعض موضوعات من غرام الآلهة، نسجتها بعدة ألوان، وأغلبها من الأرجوان الذي كان ~~أبوها سيد صناعته. وأخيرا اكتمل عملها. # شرعت أثينا تنسج بعد ذلك، فصورت أعجب المناظر في أوليمبوس السامي، وانبعثت من ~~نسيجها رائحة عبقة من النكتار والأمبروسيا. حلق فوق النسيج جمال غير أرضي، فصورت في أحد ~~أركانه مصائر البشر الذي يتحدون الآلهة. وبينما هي تمر من مصير إلى مصير، أحست أراخني ~~بمصيرها يدنو منها رويدا رويدا. وما إن تم آخر ركن، حتى استدارت نحوها أثينا ~~بمغزلها السحري، وقالت: «ستعاقبين على غرورك، ولكن الآلهة لن تسمح بأن تموت مثل هذه ~~المهارة التي أبديتها. تحولي إلى حشرة، كي تكوني عبرة للبشر الآخرين، فاستمري في نسج ~~منسوج بديع الرسوم.» # ما إن قالت أثينا هذا، حتى بدأت الفتاة تنكمش وتضمحل، وأخيرا تحولت تماما. وحيث ~~كانت الفتاة واقفة، زحفت حشرة العنكبوت، وأمام بصر المشاهدين المذعورين، انتحت الحشرة ~~نحو ركن وشرعت من فورها تنسج نسيجا من الخيوط الواهية. وهكذا ظل الأغارقة حتى اليوم ~~يسمون العنكبوت «أراخني». # الباب الرابع # | قصص فينوس # فينوس وأدونيس # بطبيعة الحال، كان لفينوس كثير من المغامرات الغرامية، أشهرها ما حدث بينها وبين ~~أدونيس، وهو شاب من منطقة في آسيا الصغرى، رائع ms22 الجمال الذي يضرب به المثل، فنقول عن ~~الرجل ذي الجمال الفذ «إنه أدونيس». فذات يوم كانت فينوس تعبث بسهام ابنها كيوبيد، ~~فخدشت نفسها بسهم منها، وقبل أن يلتئم الجرح، ويخرج السهم الخطر من عروقها، أبصرت ~~أدونيس، وفي الحال تغلغل حبه في قلبها. # بعد ذلك أهملت فينوس كل غرامياتها العادية، وما عادت ترى بعد ذلك في الأماكن التي ~~كانت تزورها عادة، بل صارت بهجتها الوحيدة أن ترافق أدونيس أينما يذهب. ورغم جمال ~~أدونيس كان يتصف بأخلاق الرجولة، فأولع بالصيد أكثر من كل شيء آخر. وعلى هذا كانت ~~فينوس تصحبه في جميع المغامرات الخطرة. وكانا يجولان معا وسط الغابات يوميا. وما ~~عادت فينوس لتهتم بزينتها وتجميل مفاتنها، وما عادت تقضي الساعات كما اعتادت في إبراز ~~سر جمالها، بل كانت تذهب معه في ثياب عادية تحمل قوسا وجعبة سهام مثل الربة الصيادة ~~ديانا، كما تعلمت هي أيضا أن تطارد الغزلان وتقتلها، وتركت لأدونيس قتل الذئاب ~~والخنازير البرية والفهود والدببة. # حذرت فينوس أدونيس من أن يكون كثير الجرأة، وكانت تخشى أن يهاجمه وحش مفترس في وقت ~~ما، إن عاجلا أو آجلا، فيؤذيه. وهذا ما حدث فعلا؛ إذ تركت فينوس أدونيس في يوم ما، ~~وطارت إلى أوليمبوس في عربتها التي يجرها اليمام. وكانت آخر كلماتها لأودنيس هي ~~التحذير. غير أنه كان يصم أذنيه عن سماع نصائحها التي تزرع الجبن، كما كان يعتقد. فكان ~~الأول دائما في مطاردة الصيد، والأول دائما في مطاردة أي حيوان يرغب في قتله، ~~ويحتقر إلقاء عبء الخطر على غيره. في ذلك اليوم أثارت الكلاب خنزيرا بريا ضخما ~~ومتوحشا ومفترسا، فصار ذلك الخنزير يجري أمام الكلاب حتى انقض عليه أدونيس والرمح ~~في يديه، وقلبه تواق لأن يغيب الرمح في جسم الخنزير، وفعلا أفلح في جرح ذلك الوحش، ~~ولكن سن الرمح لم تتعمق في جسمه، فاندفع الخنزير يهجم على أدونيس، وأنفذ نابيه كليهما ~~في جنبي هذا الشاب الوسيم، فخر فوق السهل صريعا. # حزنت فينوس على أودنيس حزنا شديدا، وبكته بكاء مرا، وظلت كاسفة ms23 البال مدة ~~طويلة. وكان سكان تلك المنطقة يجددون الحداد عليه سنويا في عيد مقدس. ويقال إن ~~الأقحوان خرج من دمه، كما قيل أيضا إن جوبيتر أشفق على ابنته فينوس، فسمح لأدونيس بأن ~~يصعد من العالم السفلي لمدة ستة شهور في كل عام، ويقيم مع فينوس كزوجها في تلك المدة، ~~وعندئذ كان الصيف يعم الأرض. # كيوبيد وبسوخي # روى الكاتب اللاتيني أبوليوس قصة من أجمل القصص القديمة عن كيوبيد وبسوخي، ~~فقال: # كان لأحد الملوك ثلاث بنات تسمى صغراهن بسوخي (ومعنى اسمها بالإغريقية، إما «روح» ~~أو «فراشة») وكانت أجملهن. ومن فرط جمالها كانت إذا سارت في الطريق نثر الناس الأزهار ~~أمامها، ومن شدة إعجاب الناظرين بها، أهملوا مذابح فينوس. # غضبت ربة الحب إذ رأت أن بسوخي قد خلعتها من مركز محبة الناس لها. فصممت على أن ~~تعاقب تلك الفتاة ذات الجمال الخارق الساحر، فاستدعت ابنها كيوبيد، وأمرته بأن يعد ~~وسيلة لانتقامها. أمرته بأن يذهب إلى بسوخي، ومعه شيء من الماء من نافورة معينة في ~~حديقة فينوس، فيوحي إلى تلك الفتاة بواسطة ذلك الماء بأن تحب شخصا وضيعا. فطار ~~كيوبيد لتنفيذ هذه المهمة، ولكنه ما إن أبصر بسوخي راقدة في نوم لذيذ، حتى ندم على ~~قبوله ما كلفته به أمه. ومع ذلك فقد أخذ ينفذ رسالته، وعندما انحنى فوقها جرح نفسه بأحد ~~سهامه، ولكنه لم يكترث لجرحه، وأخذ يعمل على إبطال مفعول المياه السحرية، فصب عليها ~~عقارا حلوا من قارورة أخرى، وطار. # منذ ذلك الوقت لم يلتفت أحد ما إلى بسوخي رغم جمالها، وتزوجت أختاها أميرين عظيمي ~~السلطان، ولكن ما من أحد جاء يطلب يد بسوخي. وأخيرا استشار والداها وحيا فأخبرهما ~~بأن يرسلا ابنتهما إلى قمة جبل، حيث خصص لها بيت يأتي إليها فيه وحش من مولد إلهي ~~ويتزوجها. فبكى الوالدان بدموع سخينة، ولكنهما ألبساها لباس العرس، وصحباها إلى صخرة ~~منعزلة، حيث يوجد بيت وضيع، وتركاها هناك لتلقى مصيرها. # هبت الريح الغربية فجأة، فحملت بسوخي برفق إلى واد عطر الأريج، حيث يوجد قصر عظيم ms24 ~~وسط الزهور، ويرتكز سقفه على أعمدة من الذهب الخالص، فدخلت بسوخي القصر مدهوشة، فقد ~~التقت عيناها في كل خطوة بأعجوبة جديدة. وبينما هي تسير وسط الأبهاء العالية ، سمعت صوت ~~فتاة تخبرها بأنه قد خصص لخدمتها عدة خدم غير مرئيين، على استعداد لتلبية أوامرها ~~فورا. وشاهدت مائدة زاخرة بكل ما لذ وطاب من صنوف الطعام معدة لها. وبينما هي ~~تتناول الطعام، شنفت أذنيها نغمات موسيقية حلوة، وعندما ذهبت لتنام وجدت مخدعها حجرة ~~فخمة الزخارف، تنتظم العديد من مناظر مغامرات الآلهة. وبينما هي في دهشة بالغة لكل ما ~~شاهدته غلبها النعاس، فاستسلمت للنوم. # وفي منتصف الليل أيقظها صوت عذب. # قال ذلك الصوت: «إنني زوجك يا بسوخي. وهذا البيت وكل ما فيه ملك لك، ولكن على شرط ~~واحد: ألا تحاولي رؤية وجهي بحال ما.» # وعلى هذا كان أثناء الليل فقط، تلتقي بسوخي مع زوجها. ورغم أنها سمعت صوته، فإنها لم ~~تلمح وجهه إطلاقا. # ظلت بسوخي سعيدة مدة طويلة، ولكنها مع مرور الشهور، اجتاحتها الرغبة الشديدة في أن ~~ترى والديها وأختيها، وجعلتها تلك الرغبة تذوي. وأخيرا لاحظ زوجها وجود شيء غير عادي ~~يضايق زوجته، فسألها فأخبرته في تردد بأنها تتحرق شوقا إلى رؤية أسرتها، ولو لمدة ~~قصيرة. بقي زوجها صامتا بعض الوقت، وأخيرا وافق على السماح لها بالذهاب إلى بيت أبيها ~~لفترة قصيرة. # استعدت بسوخي لرحلتها فرحة جذلى، وأخذت معها كثيرا من الهدايا الجميلة. ومرة ~~أخرى حملتها زفيروس برفق إلى الصخرة التي كان والداها قد تركاها عندها. فنزلت بسرعة ~~إلى أسفل الجبل، وبعد فترة قصيرة بلغت قصر والدها، فرحب بمقدمها والداها مدهوشين، ~~وامتلئا بهجة وسرورا؛ لأن ابنتهما ما برحت على قيد الحياة، وسرت أختاها لرؤيتها، ~~فأخبرتهما بأن زوجها يزورها ليلا، وأنها لم تبصر وجهه أبدا. ووصفت لهما القصر الرائع ~~الذي تعيش فيه، والخدمة السريعة التي تقوم بها حوريات القصر غير المرئيات. # وبينما هي تحكي لأختيها طريقة حياتها، اشتعلت نار الغيرة في قلبيهما وملأهما الحسد، ~~وأبدتا شكهما في صحة روايتها، وحاولتا بكل ما لديهما من ms25 حول وطول وقوة إقناع، أن ~~تدخلا في روع شقيقتهما أن زوجها وحش حقا، ونصحتاها بأن تزود نفسها بمصباح زيتي لترى ~~في نوره منظر زوجها على حقيقته، كما أشارتا عليها بأن تعد سكينا حادة لتذبحه بها ~~إن كان وحشا. # رفضت بسوخي في أول الأمر أن تهتم بارتيابهما، ولكنهما أفلحتا أخيرا في التأثير ~~عليها، واعتزمت أن تعمل بنصحهما. فلما عادت إلى قصرها حملت معها مصباحا وسكينا. وعاد ~~زوجها إليها كالمعتاد، فلما عرفت أنه غارق في النوم، أضاءت المصباح في هدوء، وانحنت ~~فوقه. ولدهشتها وسرورها رأت أمامها شابا رائع الجمال. وفي الحال صارت محبتها له عظيمة ~~جدا، ولكنها قبل أن تبعد المصباح عن وجهه سقطت نقطة زيت ساخنة من الآنية فوق كتفه، ~~فأيقظت ذلك الإله النائم. فأدرك كيوبيد لتوه ما حدث، وبدون أن ينطق بكلمة واحدة نشر ~~جناحيه الأبيضين، وطار من القصر. # عرفت بسوخي أن كيوبيد قد هجرها إلى غير رجعة، فامتلأت يأسا، ولامت نفسها وندمت، ~~حيث لا ينفع الندم على ارتيابها الدنيء، فألقت بنفسها في نهر رغبة في أن تموت، ولكن ~~رب النهر أبى أن يقتل شيئا جميلا كهذا، فلفظها إلى الشاطئ. فظلت مدة طويلة هائمة على ~~وجهها تضرب في الفيافي والقفار غير عابئة بوعورة الطريق، ولا بما ينالها من تعب، حتى ~~وصلت أخيرا إلى معبد لفينوس، فاعتزمت الدخول في خدمة تلك الربة. وكانت فينوس تعلم ~~بزواج ابنها من بسوخي، وما برح الحقد يتأجج في قلبها ضد هذه الفتاة، فأخبرتها ~~بواسطة فم كاهنتها أنها إذا أرادت أن تكون محبوبة، فعليها القيام ببعض الأعمال الشاقة. ~~وكانت فينوس تعتقد تماما أن بسوخي لن تستطيع إنجاز تلك الأعمال، إلا أن بسوخي وافقت في ~~لهفة على أن تقوم بأي عمل يفرض عليها، وسألت عما يجب عليها أن تفعله. # فرضت عليها فينوس أول عمل: كان في مخزن واسع بالمعبد كومة كبيرة من الحبوب المختلفة ~~مختلطة معا: القمح والفول والعدس والخشخاش والشعير والذرة العويجة، وكثير من أنواع ~~الحبوب الأخرى اللازمة لإطعام حراس المعبد ويمام فينوس. # قالت فينوس في ms26 صيغة الأمر: «افرزي هذه الحبوب، كل نوع في كومة منفصلة، على أن يتم هذا ~~العمل عند مجيء الظلام.» # ما كان لبسوخي أن تستطيع إنجاز هذا العمل في عشرة أيام، ولكن كيوبيد الذي ما زال ~~يراقب بسوخي سرا، كلف النمل بالقيام بذلك العمل، فأطاعته جميع أمة النمل، وشرعت على ~~الفور تعمل دائبة. فلما بدأت جحافل الظلام تنتشر على الكون، كان كل نوع من الحبوب ~~كومة مستقلة. # عادت فينوس لترى ماذا فعلت بسوخي، فإذا بها تجدها قد أنجزت أول أوامرها، فحنقت؛ ~~لأنها أدركت أنها لم تفعل ذلك بمفردها، وفرضت عليها العمل الثاني. ~~«أحضري لي ثلاث خصلات من صوف الأغنام ذوات البريق الذهبي الموجودة في ذلك ~~الحقل.» # ذهبت بسوخي إلى الحقل تجر قدميها في بطء، وهي تسير على جانب النهر، فهمست لها أعواد ~~البوص النامية هناك، وأمرتها بالانتظار؛ لأن تلك الأغنام كانت بالغة التوحش. # ألحت أعواد البوص على بسوخي بقولها: «انتظري حتى ينتصف النهار، ثم انظري إلى ~~الشجيرات.» # أطاعت بسوخي النصيحة، وبعد الظهر وجدت خصلات من الصوف الذهبي معلقة فوق الشجيرات ~~التي احتكت بها الأغنام أثناء مرورها إلى جانبها. فأخذت هذه الخصلات، وعادت بها إلى ~~فينوس. # وفي الصباح التالي أمرتها فينوس في خشونة بالعمل الثالث: «اذهبي إلى بروسربينا ملكة ~~هاديس، وأحضري لي علبة من المرهم الذي تستعمله للاحتفاظ بجمالها الإلهي.» # كان ذلك العمل فظيعا ويبدو مستحيلا، ولكنها قامت به، فدخلت إلى العالم السفلي من ~~خلال كهف، وتوسلت إلى خارون أن ينقلها في قاربه عبر نهر ستوكس. فلما صارت هناك استمالت ~~إليها بروسربينا بأن أخذت تستدر عطفها، متضرعة أن تعطيها علبة من ذلك المرهم الثمين. ~~فلما أخذت العلبة اجتاحتها رغبة ملحة في أن تفتح العلبة، وترى ما بداخلها، ولكنها ما ~~إن فتحتها حتى وقعت على الأرض في نوم عميق يشبه نوم الأموات. لم يقاوم كيوبيد لهفته ~~إلى الطيران إليها على الفور وإنقاذها. فأيقظها من سباتها، وتوسل إلى ملك السماء أن ~~يساعده في قضيته. فتدخل جوف في الأمر، ورجا فينوس في أن تقبل تلك الفتاة ms27 زوجة ~~لكيوبيد، بعد ذلك حمل ميركوري بسوخي إلى أوليمبوس، حيث أكلت تلك الفتاة من الأمبروسيا ~~الإلهية، وصارت خالدة. ولما حان الوقت، ولدت للحب والروح ابنة سميت «السرور ». # التفاح الذهبي أتالانتا وهيبومينيس # عقدت مسابقة من نوع جديد اشتركت فيها أتالانتا، وهي عذراء من بيوتيا، فعندما كانت ~~أتالانتا طفلة، تنبئ لها بأن زواجها سيكون خطرا عليها. وبناء على تلك النبوءة ~~عقدت العزم على ألا تتزوج إطلاقا، وتحاشت كل اتصال بالرجال، وعاشت في الغابات مكرسة ~~نفسها للربة ديانا، تقضي أيام حياتها في الصيد وغيره من رياضات الغابات. بيد أنه لما ~~كانت أتالانتا على قدر كبير من الجمال الساحر الفتان؛ ولأن حياة الخلاء وهبتها صحة ~~ونشاطا، تقدم إليها الرجال كعشاق يطلبون يدها، وأخذوا يضايقونها باستمرار، وألحوا ~~عليها في عدم رفض طلبهم. # وأخيرا، توصلت أتالانتا إلى حيلة تتخلص بها من أولئك الرجال، فاستدعتهم جميعا، ~~وأعلنت أمامهم أنها ستكون عروس من يتفوق عليها في سباق الجري، ومن هزمته منهم كان ~~مصيره الإعدام. عندئذ ساد السكون بين العشاق فترة من الوقت. وبعد ذلك أعلن عدد منهم ~~استعداده لأن يستبق معها، ولكنهم أخفقوا جميعا، فما من عذراء يمكنها أن تجري بمثل سرعة ~~أتالانتا، وما من رجل استطاع أن يصل إلى سرعتها. وعلى ذلك نفذ حكم الإعدام القاسي ~~في جميع من خسروا السباق. # وفي أحد أشواط السباق، اختير شاب اسمه هيبومينيس؛ ليكون حكما في المباراة، فأخذ ~~يتحدث باحتقار، ويسخر من أولئك الأغبياء الذين اشتركوا في السباق، وخاطروا بأرواحهم من ~~أجل عذراء مهما يكن جمالها فتانا. # غير أن ذلك الشاب، ما إن أبصر قوام أتالانتا الرشيق يثب بخفة فوق الأرض كأنه عصفور، ~~وأحدق النظر إليها عندما لمست شريط نهاية السباق، فألفى وجهها ساحرا فاتنا، كأنه وجه ~~إحدى الربات، ما إن شاهد كل ذلك حتى غير رأيه على الفور، وتاق مثل الباقين إلى الفوز ~~بيدها. # تقدمت أتالانتا وقد احمر وجهها من الجري، فاقترب منها هيبومينيس، وأعلن تحديه إياها ~~في مباراة أخرى صباح اليوم التالي. # صاح هيبومينيس يقول: «ليس أولئك الشبان سوى ms28 حفنة من الكسالى الخاملين. ستكون القصة ~~مختلفة تماما معي. أنا المنحدر من نسل الآلهة، أنا أحد ذرية إله البحر نبتيون.» # نظرت أتالانتا إلى هذا الشاب الوسيم والحسرة تملأ نفسها. فما من شاب ممن سابقوها قد ~~أعجبها خيرا من هيبومينيس، وأحست بوخز يتغلغل في قلبها أن يموت مثل هذا الشاب المتوثب ~~صحة وقوة. أما هيبومينيس ففكر في أن يطلب مساعدة ربة من الممكن جدا أن تمد له يد ~~العون. فتوسل إلى فينوس، وطلب منها أن تفكر في مناقضة انتصار أتالانتا لقاعدتها الخاصة ~~بالحب، فسمعته فينوس واستجابت إلى توسله، فذهبت إلى حديقة الهسبيريديات النائية إلى ~~مسافة بعيدة في أقصى غرب الدنيا، حيث قطفت ثلاث تفاحات ذهبيات عجيبات من شجرة ضخمة ~~تنمو بوسط تلك الحديقة، وقدمتها إلى هيبومينيس، وزودته بالتعليمات التي يجب عليه أن ~~يتبعها ليهزم أتالانتا. # بدأ السباق في اليوم التالي أمام حشد كبير من المشاهدين. فانطلق كلا المتسابقين ~~من نقطة الابتداء، كأنهما سهمان أطلقا من قوس، ولكن سرعان ما أدرك هيبومينيس، رغم أقصى ~~جهوده وخير محاولاته، أن الفتاة سبقته، فقذف بيده إحدى التفاحات الذهبية، فانطلقت ~~التفاحة تتدحرج متألقة في طريق أتالانتا مباشرة، فبهر جمالها وبريقها عيني الفتاة، ~~وبدون أن تعي ما هي فاعلة، انحنت وخطفت التفاحة من فوق الأرض. وبينما هي تفعل ذلك لحق ~~بها هيبومينيس وتقدم عليها، ولكنها أسرعت ثانية وتقدمته مرة أخرى. فما كان منه إلا ~~أن أرسل تفاحة ثانية تتدحرج متلألئة في طريقها. ومرة أخرى توقفت أتالانتا لتلتقط تلك ~~التفاحة الذهبية البراقة. وعندئذ تقدمها هيبومينيس، بيد أن سرعتها كانت عظيمة جدا ~~لدرجة أن كل هذه العقبات لم تكن كافية ليتفوق عليها هيبومينيس. وفي بضع لحظات جاءت ~~أتالانتا في المقدمة مرة أخرى. وعندما اقتربت نهاية السباق، وقد دب اليأس في قلب ~~هيبومينيس، فألقى بالتفاحة الذهبية الأخيرة، فتدحرجت لامعة إلى جانب الطريق، وترددت ~~أتالانتا فيما إذا كان يصح لها أن تلتقطها أم تتركها، ولكن جمال التفاحة كان عظيما، ~~فلم تستطع مقاومة إغرائه، فاتجهت جانبا على الرغم منها، وانحنت لترفعها من ms29 على الأرض. ~~وبينما هي تلتقطها، دوت صيحة هائلة ردد الجو صداها في جميع الأرجاء: «لقد فاز ~~هيبومينيس.» # لم تأسف أتالانتا بحال ما على أن تكون زوجة هيبومينيس ، غير أن قدرها لا بد أن ~~ينفذ؛ فقد نسي كلا الحبيبين تقديم فروض الشكر لفينوس التي كانت السبب في انتصار ~~هيبومينيس. ولذلك غضبت هذه الربة؛ لنسيانهما فضلها، وحولتهما إلى وحشين. حولت ~~هيبومينيس إلى أسد، وأتالانتا إلى لبؤة، وجعلتهما يجران عربة الربة ريا (المسماة ~~أيضا كوبيلي). # جالاتيا وبيجماليون # كان يحكم جزيرة قبرص ملك اسمه بيجماليون، لم يكن حكيما فحسب، بل ونحاتا بارعا ~~أيضا. غير أن به رغم هذا طبعا غريبا؛ إذ كان لا يثق بالنساء إطلاقا، وأعلن أنه ~~يعتزم ألا يتزوج طول حياته. # وذات مرة كان بيجماليون ينحت تمثالا من العاج في صورة عذراء، وظل يعمل فيه يوما بعد ~~يوم، والتمثال يزيد جمالا فوق جمال. صب بيجماليون في ذلك التمثال كل أحلامه، وعبر فيه ~~عن جميع مثله العليا، فأعجب هو نفسه بذلك التمثال، واستمر يضيف إليه اللمسات هنا ~~وهناك؛ ليزيد في بهائه حتى آلمته عيناه، وخيم على مرسمه ظلام حالك، فأطلق على هذا ~~التمثال اسم «جالاتيا». # وأخيرا تم التمثال، ولشد ما أدهش بيجماليون أنه هو نفسه لا يهدأ له بال بعيدا عن ~~أروع ما نحتت يداه. وسواء رغب أو لم يرغب، كان يجد نفسه دائما في الحجرة الجميلة التي ~~وضع بها ذلك التمثال، ويجد عينيه تديمان النظر إليه. وذات يوم، استيقظ بيجماليون ليدرك ~~الحقيقة الواضحة؛ كان يعشق التمثال الذي صنعه. # بعد ذلك بوقت قصير احتفلت قبرص كلها بعيد الربة فينوس، فوقف بيجماليون بخشوع أمام ~~مذبح هذه الربة، وخاطبها يذكرها باحترامه إياها وإخلاصه لمعبدها، وطلب منها أن تمنحه ~~أمنية واحدة: أن يتخذ التمثال جالاتيا لحما وحياة. # فلما رجع بيجماليون إلى بيته في تلك الليلة، سار بخطى وئيدة إلى الحجرة التي بها ~~التمثال، وكم كانت دهشته بالغة عندما وجد إكليلا من الزهور العطرة، حول عنق التمثال! ~~فأدرك على الفور أن هذه بشرى طيبة؛ إذ لم يسمح ms30 لأي فرد سواه بدخول تلك الحجرة. وبينما ~~هو واقف مبهوتا رأى مسحة من الحمرة الرقيقة تنتشر في العاج الأبيض المصنوع منه ذلك ~~التمثال، ثم بدا النبض الهادئ في جبهة التمثال ومعصميه، وتحرك بطيء في الركبتين ~~والرأس. فتقدم بيجماليون مترددا يلمس يد جالاتيا، وبينما هو يفعل ذلك التفت أصابعها ~~حول أصابعه، وتحركت إلى الأمام، ونزلت عن قاعدتها التي كانت واقفة عليها. # صاح بيجماليون يقول: «جالاتيا!» وهي تتقدم في نفس اللحظة نحوه مبتسمة، ليحتضنها بين ~~ذراعيه. # باركت فينوس زواج بيجماليون وجالاتيا. ومن اتحادهما أنجبا طفلا اسمه بافوس، أسس ~~مدينة سميت باسمه، تقع في أقصى نقطة غرب جزيرة قبرص، وكرسها لربة الحب. # هيرو ولياندر # كان يعيش في بوغاز الهلسبونت شاب اسمه لياندر، يقع بيته في مدينة أبيدوس قبالة بيت ~~فتاة تدعى «هيرو» في مدينة سيستوس. وكانت هذه الفتاة بارعة الجمال، حتى قيل إن أبولو ~~وكيوبيد أنفسهما طلبا يدها، ولكن أجيب طلبهما بالرفض. # كانت هيرو تخدم فينوس ككاهنة، وحدث ذات يوم أن جاء لياندر إلى سيستوس؛ لتقديم فروض ~~التعظيم للربة فينوس، فأبصر هيرو، كما وقع بصر هيرو عليه في نفس اللحظة، وعلى الفور، ~~وقع كل منهما في غرام الآخر من أول نظرة. غير أن والدي هيرو رفضا طلب لياندر يد هيرو، ~~رفضا باتا. ليس هذا فحسب، بل وحرما على هذين الشابين أن يرى أيهما ~~الآخر. # ورغم كل هذا، لم يكن من السهل منعهما اللقاء، فاتفقا على إشارات سرية فيما بينهما ~~تيسر لهما أن يتقابلا في جنح الظلام بعيدا عن عيون الرقباء. اتفقا على أنه عندما ~~يكون الجو خاليا أن تعلق هيرو، بالليل، فانوسا فوق قمة برج المعبد، وعندئذ يسبح ~~لياندر بوغاز الهلسبونت مهتديا بنور الفانوس، ليلتقي بها مدة ساعة أو ساعتين قصيرتين، ~~ثم يعود أدراجه إلى بيته، ولكن شاءت المقادير أن تهب عاصفة هوجاء في إحدى الليالي، ~~بعد أن خرج لياندر في رحلته الخطرة للقاء هيرو. وسرعان ما أطفأت الرياح الشديدة الفانوس ~~الذي يقود لياندر إلى طريقه نحو المعبد، فضل لياندر وجهته، وبدلا من ms31 أن يسبح إلى بر ~~الأمان، استمر يعوم نحو عرض البحر المائج الهائج. كانت العاصفة أشد مما يقوى على ~~احتماله فهلك. وفي الصباح التالي جرفت الأمواج جثة لياندر إلى الشاطئ أمام المعبد ~~تماما، وتحت قدمي هيرو التي كانت تنتظر حبيبها في لهفة، وهي تتطلع إلى البحر في كل ~~اتجاه؛ خشية أن يكون قد أصابه مكروه وسط البحر العاصف، ولكنها أبصرت الجثة أمامها ~~مباشرة، فبخعها الحزن، فألقت بنفسها في اليم، فابتلعها وغرقت. # بيراموس وثيسبي # كان في بابل شاب اسمه بيراموس يشتهر بمنظره الوسيم. كما كانت بها فتاة تدعى ثيسبي، ~~اعتبرها القوم هناك أجمل عذراء في المدينة كلها، وذلك في عهد الملكة سميراميس. أقام ~~هذان الشخصان منذ طفولتهما في بيتين متجاورين. ولما كبرا ودخلا في طور الشباب، تحولت ~~صداقتهما إلى حب شديد. # غير أن والديهما لم يوافقوا على زواجهما، وحرموا عليهما كل اتصال بينهما، فلم ~~يتمكنا من التحدث معا إلا بالإشارات واللحاظ فحسب. ولكنهما اكتشفا ذات يوم شقا في ~~الحائط الفاصل بين بيتهما مكنهما من التحدث همسا من خلاله كلما سنحت لهما فرصة، ~~فيبث كل منهما صاحبه ما يعتمل في قلبه من لواعج الحب والوفاء المستديمين. # وأخيرا لم يطيقا الانفصال أكثر من ذلك، فاتفقا على أن يلتقيا معا في إحدى الأمسيات، ~~عندما يخيم الظلام، تحت شجرة توت خارج سور المدينة مباشرة. فذهبت ثيسبي إلى مكان ~~اللقاء قبل حبيبها، فإذا بها، وهي تقترب من الشجرة، تجد أمامها لبؤة مفزعة تكشر عن ~~أنيابها. فصرخت الفتاة، وأطلقت العنان لقدميها؛ فرارا من تلك اللبؤة. وفي ارتباكها ~~وعجلتها، سقط منها خمارها وهي تجري، غير أن اللبؤة لم تحاول مطاردتها، وإنما أمسكت ~~بالخمار في فمها المضرج بالدم، ثم تركته. وبعد مدة غير طويلة غادرت المكان، وانطلقت ~~نحو غابة مجاورة. # في تلك اللحظة نفسها أقبل بيراموس إلى الملتقى، فأبصر خمار حبيبته على الأرض ملوثا ~~بالدماء، فاستولى عليه خوف شديد، وصاح يقول: «لقد قتلت ثيسبي، ولكنها لم تمت وحدها!» ~~وبمجرد أن نطق بهذه الألفاظ، استل حسامه وأغمده في جنبه، فسقط على ms32 الأرض يتخبط في ~~دمائه. وبينما هو يلفظ آخر أنفاسه، جاءت ثيسبي وقد هزمت فزعها؛ لتحذر بيراموس من ~~الخطر الذي ينتظره، ولكن سبق السيف العذل. فلما رأت ما حدث، بحثت عن مهرب من حياتها ~~التي ما عادت لها قيمة، ولا فيها أية بهجة لها، فكان نفس الحسام الذي قتل حبيبها هو ~~وسيلة موتها. فصعد الدم المختلط من دميهما فوق جذع شجرة التوت، وخضب ثمارها باللون ~~الأرجواني الداكن. وهكذا ظلت ثمار التوت مصبوغة بذلك اللون، حتى يومنا هذا؛ تخليدا ~~لذكرى هذين العاشقين. # الباب الخامس # | قصص أبولو # تجوالات لاتونا # من بنات التيتان ربة الظلام المسماة لاتونا. وكانت رائعة الجمال لدرجة أن جوبيتر نفسه ~~وقع في هواها، وبذا أثارت غضب جونو، التي لم تصفح عنها قط. وكلما سنحت لها فرصة ~~لعقابها، أنزلت بها صورة من صور العقاب. # ولدت لاتونا لجوبيتر توءمين هما: أبولو إله الشمس وديانا ربة القمر، فأخذت لاتونا ~~طفليها بين ذراعيها، وهامت على وجهها تجوب البلاد متنقلة من مدينة إلى مدينة، تلاحقها ~~باستمرار غيرة جونو التي كانت تعلم بالعظمة المستقبلة لطفلي لاتونا. وأثار حفيظتها ~~وحقدها أن طفلي منافستها سيحصلان على مثل هذه العظمة. # تحملت لاتونا كثيرا من المشاق أثناء تجوالاتها الطويلة؛ فذات مرة، وهي في لوكيا ~~أبصرت أمامها بركة جميلة من الماء الزلال، تظللها الأشجار. فأسرعت إليها والفرح يملأ ~~قلبها، وهي تحمل طفليها؛ إذ أنهكها التعب وجف حلقها من شدة الظمأ، إلا أنها ما كادت ~~تنحني نحو الماء البارد لتعب منه ما يروي أوار ظمئها، حتى التف حولها عدد كبير من ~~الأهلين، ودفعوها بعيدا عن الماء، ومنعوها الشرب. فأشارت إلى الطفلين اللذين معها، ~~وذكرتهم باسم جوف بأن إكرام الضيف وابن السبيل واجب مقدس للآلهة، ولكنهم سخروا منها، ~~ولم يدعوها تقترب من البركة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما شرع بعضهم يخوض البركة ~~ليعكر ماءها؛ كي يصير غير صالح للشرب. # كان هذا أكثر مما تطيق لاتونا احتماله، فاستشاطت غضبا، وتذكرت أنها ربة هي نفسها، ~~فأشارت بيدها غاضبة، وصاحت تقول: «لن تتركوا البركة ms33 طول حياتكم، أيها القوم! ولتسكن ~~البرك مساكنكم إلى الأبد!» وما إن انتهت من قولها هذا، حتى تحول أولئك الريفيون إلى ~~صورة غريبة. فصارت أيديهم وأجسامهم خضراء، وتفلطحت رءوسهم، وغدت أصواتهم نقيقا، ولا ~~يزال نسلهم «الضفادع» يعيش حتى اليوم في البرك الموحلة والعكرة المياه. # عاشت لاتونا مع طفليها مدة ما في أودية جبال بيريا، مأوى الموزيات المحبوب، حيث قامت ~~تسع شقيقات بتعليم أبولو فن الموسيقى والغناء إلى أن صار، في الوقت المناسب، ليس ~~تلميذهن، بل أستاذهن، ولكنه لم يحصل بعد على القيثارة التي قدمها إليه ميركوري فيما ~~بعد. أما ديانا فربيت في كهف بجبل كونثوس (ولذا أطلق عليها أحيانا لقب كونثيا). ~~ووكلت حراستها إلى هيكاتي ملكة الساحرات، وكانت ديانا تتجول بحرية في أودية ذلك ~~الجبل، غير هيابة ولا خائفة. وتعلمت هناك معرفة وفهم المخلوقات البرية، وعندما اكتمل ~~نمو أبولو وديانا، ذهبا إلى جبل أوليمبوس، واتخذا مكانيهما بين آلهة السماء. # زهرة الخزامى أو السوسن # أحب الأغارقة الإله أبولو أكثر من غيره من الآلهة الآخرين، فنسجوا حوله كثيرا من ~~الأساطير. كان حامي الرجال، ولا سيما عندما يكونون في شرخ الشباب، وعندما يشتركون في ~~الألعاب الرياضية والمباريات. فتروى عنه قصة تقول إنه صادق غلاما اسمه هواكنثوس ابن ~~ملك إسبرطة، وكان هذا الصبي يهوى جميع صنوف الألعاب والرياضيات، فكان أبولو يصحبه في ~~رحلات صيد السمك وصيد الحيوان، ويشترك في جميع الألعاب التي يشترك فيها هواكنثوس. وكان ~~زفيروس، إله الريح الغربية، مولعا أيضا بذلك الغلام، وكثيرا ما حاول كسب عطفه، بيد ~~أن الصبي لم يكن ليهتم بأحد غير أبولو. # وذات يوم أخذ أبولو وهواكنثوس يمارسان لعبة قذف الجلة، وكان كل منهما يلعبها ببراعة ~~ومهارة، فكان هذا يقذف الجلة إلى مسافة بعيدة، فيأتي الآخر فيقذفها إلى مسافة أبعد من ~~السابقة، فيعود الأول فيقذفها ... وهكذا. غير أن زفيروس تسلل إلى حيث يلعبان، وشرع ~~يراقبهما، وغضب الغيرة يستعر في نفسه ويملأ قلبه؛ إذ فضل هواكنثوس أبولو عليه. ~~وفجأة بلغ غضب زفيروس ذروته، فلم يعد يحتمل تلك الإهانة أكثر من ms34 ذلك، فانتظر حتى جاء ~~دور أبولو ليقذف الجلة. وبينما هي تخترق الهواء أمسك بها إله الريح الغربية بقبضته غير ~~المرئية وغير اتجاهها، وأرسلها بقوة قاتلة شطر هواكنثوس . فأصابت القذيفة الثقيلة ~~الصبي في رأسه، فسقط على الأرض فاقد الوعي. وعبثا ضاعت كل جهود أبولو في إعادة الحياة ~~إليه، فحزن عليه أبولو أبلغ الحزن وأمره وهو راقد يحتضر. ولما لفظ روحه أخذ أبولو ~~جثته بين ذراعيه، ووعده بحياة خالدة. # صاح أبولو يقول للغلام: «ها أنت قد مت، ولكن ستخرج من دمك زهرة يحبها ~~الجميع.» # ما إن أتم أبولو كلامه، حتى انبثقت من الأرض زهرة رقيقة أرجوانية اللون تشبه الزنبق، ~~وقد نقش على وريقاتها التويجية الكلمتان «الويل، الويل»، فأطلق الإغريق على هذه الزهرة ~~اسم هواكنث، وهي زهرة الخزامي، ولكنها تسمى اليوم «إيريس» أي زهرة السوسن؛ تكريما ~~لإيريس ربة قوس قزح. # أبولو وماربيسا # رفضت الفتاة ماربيسا، ابنة الملك إيفينوس، «حب أبولو»، وقد اتصف أبوها بالأنانية، ~~فأراد أن يبقيها معه طول حياته دون أن يزوجها لأي رجل، رغم أنها كانت على قدر عظيم ~~من الفتنة والجمال، ولها كثير من العشاق. وأخيرا ضاقت حلقة المنافسة بين أولئك ~~المعجبين بها إلى اثنين فقط هما: إيداس، ذلك الشاب النبيل والشجاع، ذو القسمات الحلوة، ~~والرب العظيم أبولو. وكانت ماربيسا تفضل منهما إيداس، الذي ألح على والدها في أن ~~يزوجه إياها، بيد أن إيفينوس رفض طلبه في غضب، وهدده بالقتل إن عاد إليه مرة ~~أخرى. # يئس إيداس من الحصول على ماربيسا كزوجة، إلا أن نبتيون هب إلى نجدته في تلك اللحظة. ~~فقدم إله البحر إلى إيداس عربة عجيبة شدت إليها، ليس أسرع الجياد الموجود على سطح الأرض ~~فحسب، بل وزودها بزوج من الأجنحة لتزيد في سرعتها أيضا. انتظر إيداس في تلك العربة ~~بجانب البئر التي اعتادت ماربيسا أن تأخذ منها الماء لأسرتها، فلما جاءت أغراها على أن ~~تهرب معه. وما إن صعدت إلى جانبه، حتى انطلقت العربة تسابق الريح، فطار النبأ إلى ~~إيفينوس بما حدث، فركب عربته وهو غاضب أشد ms35 الغضب، وخرج من فوره يطاردهما، ولكن عبثا ~~حاول؛ إذ كان إيداس وماربيسا بعيدين عن متناول يده. # غير أن أبولو لم يقبل أن يحظى إيداس بيد ماربيسا بمثل هذه السهولة، فظهر أمام العربة ~~المسرعة، وأمسك بأعنة الخيل، وأمر إيداس في غطرسة بأن يتنازل له عن هذه الفتاة. ورغم ~~أن إيداس كان يعلم يقينا أن حتفه مؤكد، فقد استعد لأن يقاتل من أجلها حتى الموت. ~~ومرة ثانية خف نبتيون إلى مساعدته، فبينما كان جالسا إلى جانب جوبيتر في أوليمبوس ~~الشاهق، توسل إلى ملك الآلهة والبشر أن يقيم العدل في تلك المنافسة غير المتعادلة. ~~وعلى هذا سمع قصف الرعد يزلزل الجو في نفس اللحظة التي تكلم فيها أبولو. # سمع أبولو هزيم الرعد، فانحنى إلى الأرض، وارتجف ذعرا ووجلا؛ لأنه أدرك علامة ~~جوبيتر. وبعدها جاء صوت جوبيتر نفسه يأمره بقوله: «دع الفتاة تقرر بنفسها بمن ~~تتزوج.» # وهكذا ترافع العاشقان أمام الفتاة: العاشق البشري والإله. فوعدها أبولو بالسعادة ~~الدائمة والعلم بالماضي والحاضر والمستقبل، وأن يكون بمقدورها منح البركة أو اللعنة ~~للبشر، وأن ترفع من تشاء وتسقط من تريد. ثم جاء دور إيداس، فقال في ذلة بالغة إنه لا ~~يستطيع أن يقدم لها أي شيء غير الحب، ولا يمكنه أن يطلب شيئا سوى الشفقة على شخص ~~يعتبر جمالها بالنسبة له نور الدنيا كلها. # وبينما كان إيداس يتكلم، مدت ماربيسا إليه يدها، وقالت: «وقع اختياري على إيداس؛ ~~لأنني وإياه سنشيخ معا، وسأظل أحبه ويحبني حتى نبلغ من الكبر عتيا. أما أبولو فسيأتي ~~وقت يملني فيه، أنا الإنسانة الذابلة.» # أحنى أبولو رأسه احتراما لقرارها، ورجع إلى مساكن أوليمبوس غير غاضب، بل حزينا. ~~بينما سار إيداس وماربيسا معا ترافقهما السعادة والفرحة. # فايثون وأيسكولابيوس # كان لأبولو ولدان أهلكهما جوف بصواعقه، أولهما فايثون ابن أبولو والحورية كلوميني. ~~ربي كإنسان، ولكن أمه كانت تشير دائما نحو السماء، وتقول له إن والده إله الشمس. ~~وعندما أخبر فايثون زملاءه في اللعب، بهذا سخروا منه، ولم يصدقوا أنه من نسل إلهي، ~~فكان يذهب إلى أمه ms36 باكيا، ويخبرها بما حدث، فتهدئ من روعه، وتخبره بأنه إذا زار إله ~~الشمس أبولو، فإنه سيعترف بأنه ابنه، ويثبت للعالم طرا أنه من ذرية إله. # وبناء على هذا، خرج فايثون ميمما قصر أبولو الكائن على مسافة بعيدة، حيث يلتف مجرى ~~أوقيانوس حول حافة الأرض. فوصل إلى بيت والده، فوجد أباه الإله واقفا هناك في أثوابه ~~المتلألئة العطرة، تحوم حوله الأيام والساعات والفصول والسنون. فدبت الرهبة في قلب ~~ذلك الشاب؛ لما شاهده من عظمة، وأخرس لسانه فلم يستطع الكلام، ولكن إله الشمس أمره ~~بعبارات رقيقة بأن يخبره بما يدور في خلده. # فقال الغلام متلعثما: «هل أنا ابنك حقا؟» عندئذ أحدق أبولو النظر إلى الغلام، ~~وتعرف على ابنه، فقبله واحتفى به كثيرا. # سأله أبولو ابنه يقول: «ولكن ماذا جاء بك في مثل هذه الرحلة البعيدة؟» # فقص فايثون قصته على أبيه، وطلب منه أن يهبه أمنية. # توسل فايثون إلى أبيه بقوله: «امنحني أن تحقق لي أمنية، وسأكون راضيا كل الرضا مجرد ~~أمنية واحدة.» # فلما أبصر أبولو الدموع تترقرق في عيني ابنه، وشاهد أمارات المحنة بادية في وجهه، ~~أجابه في الحال إلى ما طلب. # أقسم أبولو هكذا: «ورأس جوبيتر، ستنال أي شيء تطلبه.» # سر فايثون سرورا عظيما، وصاح بسرعة يقول: «دعني أقود عربة الشمس في السماء يوما ~~واحدا فحسب.» # فلما سمع أبولو ما قاله ابنه، فزع من فرط جرأته. وعبثا حذره من الأخطار الجسام ~~التي سيتعرض لها، ومن المخاطر المريعة التي تنطوي عليها مثل هذه الرحلة، ومن شراسة ~~الجياد التي عليه أن يسوقها ووحشيتها، ومن الحرارة الشديدة التي ستحيط به، ولكن على ~~الرغم من كل ذلك، ما من شيء أمكن أن يثني فايثون عن عزمه، طالما وعده والده. # وهكذا أحضرت الجياد العظيمة في صباح اليوم التالي، وهي تنفث اللهب من خياشيمها، وتعض ~~على اللجم في وحشية، فشدت إلى العربة. وعندئذ ودع أبولو ابنه متحسرا حزينا، ~~وساعده في الجلوس داخل العربة. وما إن أمسك الغلام بالأعنة، حتى انطلقت الجياد تقفز ~~خلال السماء. وعلى الفور تقريبا ms37 أحست تلك الخيول بيد ضعيفة غير مألوفة لها تمسك ~~بالأعنة. وبعد فترة قصيرة جمحت، ولم يستطع فايثون أن يسيطر عليها، وصار منظر الشمس ~~غريبا في ذلك اليوم ؛ إذ ترتفع العربة أحيانا إلى علو بالغ وسط السماء، فيشتد البرد ~~على سكان المعمورة أسفلها. وعند مرور العربة فوق أفريقيا انخفضت إلى درجة كبيرة، ~~فاحترق كل شخص بتلك القارة. # وأخيرا بدا كما لو أن الأرض كلها ستتجعد وتتحطم بواسطة الحرارة الشديدة، فتوسل ~~البشر جميعا إلى جوبيتر أن يساعدهم. فوضع يده مترددا على صاعقة، وقذف بها في تردد ~~أيضا، فاحترق فايثون، وسقطت كتلة من اللهب، كأنه نجم يهوي على الأرض مباشرة. وإذ صارت ~~جياد الشمس بغير قائد، عادت تلهث إلى حظائرها. فحزن أبولو على ابنه حزنا ما بعده حزن، ~~ورفض الظهور محتجبا عدة أيام، تاركا السماء تكسوها السحب السوداء، كما حزنت شقيقات ~~فايثون عليه حزنا شديدا، فتحولن إلى أشجار حور. # هذا ما كان من أمر فايثون، أما كيف لقي أيسكولابيوس حتفه، فشيء آخر يختلف عن هذا. كان ~~أيسكولابيوس ابن أبولو والأميرة التسالية كورونيس، التي ماتت أثناء ولادته. فعهد أبولو ~~إلى خيرون، وهو واحد من جنس غريب الشكل من الآلهة يطلق عليهم اسم قنطور، صوروا على ~~هيئة مخلوقات كل منها نصفه لحصان ونصفه الآخر لرجل، ويقال إنهم كانوا نسل رجل من البشر ~~اسمه إكسيون وإحدى السحب، عهد إليه بتعليم أيسكولابيوس. وقد حدث في إحدى المناسبات أن ~~أقامت قبيلة اللابيثيين وليمة عرس فخمة دعي إليها القنطور، فأحدث هؤلاء شغبا وعاثوا ~~في الحفل فسادا، فهاجمهم المدعوون الآخرون وطردوهم من وطنهم تساليا. وقد شغف قدامى ~~المصورين بتصوير هذه المعركة. # كان خيرون هذا أكثر القنطور حكمة وعقلا ونبلا، تلقى علومه على يد أبولو وديانا، ~~فبرع في الصيد والطب والموسيقى وفن التنبؤ. وكان معلم كثير من عظماء الأبطال الأغارقة، ~~وحتى في عصور لاحقة، صار ليوناردو دافنشي الذي كان حتى ذلك الوقت من أعظم العباقرة في ~~العالم كله، صار يهذي في بعض الأوقات، ويقول إنه رأى خيرون وتحدث إليه. # لم يبذل ms38 خيرون جهدا لأحد ما أكثر مما بذل لأيسكولابيوس؛ إذ صار ذلك الطفل يزيد ~~عقلا وحكمة يوما بعد يوم. وعندما كبر وبلغ مبالغ الرجال أصبح طبيبا عظيما. ولم ~~يقتصر طبه على شفاء المرضى فحسب، بل رد الحياة إلى رجل ميت ذات مرة. بعد ذلك خشي جوف ~~أن يطرد نمو فن العلاج واتساع أفقه لدى أيسكولابيوس، فيساعد البشر على الإفلات تماما ~~من الموت. وعلى ذلك قذفه بصاعقة أردته قتيلا محترقا. غير أنه وضعه بعد ذلك بين ~~النجوم في السماء. وكان لأيسكولابيوس ولدان صارا طبيبين أيضا، ولكنهما لم يبلغا عظمة ~~أبيهما، الذي صار إله الطب، ويصور عادة يحمل عصا التف حولها ثعبان. # راعي الملك أدميتوس # ملأ موت فايثون أبولو حنقا ضد جوبيتر، وزاد في ذلك الحنق موت أيسكولابيوس. فلم يقنع ~~أبولو في هذه المرة، بمجرد أفكار الغضب وألفاظه، وإنما أراد بطريقة إلهية أن يصب ~~جام غضبه على صانعي صواعق جوف الأبرياء، وهم الكوكلوبس ذوو العين الواحدة، الذين يعملون ~~في مصنع حدادة فولكان تحت بركان جبل إتنا. فما كان منه إلا أن أطلق عليهم سهامه القوية ~~فأبادهم، فثارت ثائرة جوبيتر من أجل هذا العمل غير المتصف بالعدل، وصمم على أن ينفي ~~أبولو في ديجور ظلام العالم السفلي، غير أن والدة أبولو تدخلت في الأمر. وأخيرا اكتفى ~~جوبيتر بأن يعاقبه على شروره، فحكم عليه بأن يخدم رجلا من البشر مدة عام كامل. # اختير أدميتوس ملك فيراي في تساليا لشرف أن يكون سيد إله الشمس أبولو. فكلف أدميتوس ~~أبولو بأن يرعى قطعان أغنامه. فدأب أن يجول بالأغنام مدة الاثني عشر شهرا، متنقلا على ~~طول شاطئ النهر، وعبر مراعي ذلك الملك. وتقول الأسطورة: إنه لكي يسلي أبولو نفسه تعلم ~~العزف على القيثارة، فسحر بها ألباب جميع من سمعوه بموسيقاها العذبة. # وهكذا كان الملك أدميتوس رقيقا في معاملة أبولو، فتولد عند أبولو شغف عظيم بسيده ~~البشري أدميتوس، وعقد العزم على أن يساعده في كل أمر، وبكل الطرق الممكنة. فبينما كان ~~أبولو يرعى قطعان أغنام أدميتوس، زاد نتاج هذه ms39 الأغنام وتكاثرت بصورة غير عادية، وبلغت ~~أعدادها فوق كل ما كان متوقعا. كما ساعد أبولو أدميتوس في ناحية أخرى، أراد أدميتوس ~~أن تكون عروسه عذراء فاتنة تدعى ألكستيس ابنة بيلياس أحد أبناء نبتيون. غير أن بيلياس ~~أعلن أنه لن يزوج ابنه لأي رجل إلا إذا جاء يطلب يدها في عربة تجرها السباع ~~والخنازير البرية، فيئس أدميتوس؛ لاستحالة تنفيذ هذا المطلب. فلما علم أبولو بشروط ~~بيلياس، خف إلى مساعدة أدميتوس، وجعله يشد إلى عربته الأسود والخنازير البرية، وساقها ~~إلى قصر بيلياس. وعندئذ اضطر هذا الأخير إلى تنفيذ وعده، فصارت ألكستيس زوجة أدميتوس ~~السعيدة. # أدميتوس وألكستيس # وفيما يختص بحياة هذين الزوجين بعد ذلك، تروى أسطورة من أجمل الأساطير ~~الإغريقية. # فبعد عدة سنوات من الحياة الزوجية السعيدة، مرض أدميتوس مرضا خطيرا ألزمه الفراش. ~~وسرعان ما اتضح أن ساعة موته قد دنت، وذهبت كافة جهود ومهارة أطبائه أدراج الرياح. ~~وكذلك لم تجد محاولات أبولو، الذي كان يتوق إلى رد جميل أدميتوس عندما كان أبولو ~~راعيا عنده، ولكن أبولو ذهب إلى جوبيتر، وطلب منه أن يسدي إليه معروفا من أجل ~~أدميتوس. # فقال جوبيتر: «إذا كان هناك أي شخص يرغب في أن يموت بدلا من أدميتوس، يمكن استبدال ~~حياة هذا بذاك، فيطول عمر أدميتوس بمقدار السنوات الباقية من عمر ذلك الذي سيموت ~~مكانه.» # عاد أبولو إلى قصر أدميتوس مبتهجا يحمل بشرى قرار ملك الآلهة والبشر. فلما دخل القصر ~~وجد أهل أدميتوس وأصدقاءه وأتباعه وجنوده يذرفون الدموع مدرارا حول الملك. فساد بينهم ~~السكون عندما اقترب أبولو ورفع يده. أعلن إله الشمس الكيفية التي يمكن بها إنقاذ حياة ~~الملك أدميتوس حسب قرار جوبيتر، وفكر أبولو في قرارة نفسه: «من المؤكد أن جميع هؤلاء ~~المحزونين سيتقدمون عن طيب خاطر للموت، بدلا من الملك.» # غير أنه بعد أن انتهى أبولو من إعلان قرار جوبيتر، لم يرد أي صوت على كلامه. فاستدار ~~نحو والدي أدميتوس العجوزين، وتوسل إليهما بذل حياتهما من أجل حياة أدميتوس، فرفضا ~~قائلين إنهما يرغبان في التمتع بالأيام ms40 القليلة الباقية لهما. فاتجه بعد ذلك إلى ~~أتباعه، الذين كثيرا ما قادهم أدميتوس في القتال، ثم إلى حاشيته الذين كثيرا ما أكدوا ~~له في لهجة التملق بأنهم على استعداد لأن يموتوا بدلا منه لو أصابه أقل مكروه، ~~ولكنهم جميعا أصموا آذانهم عن توسلات أبولو. # وفي نفس الوقت الذي كان أبولو يناقش فيه أولئك المرائين، ارتفع صوت في وضوح وشجاعة. ~~إنه صوت ألكستيس زوجة الملك. # قالت: «سأموت مسرورة؛ من أجل إنقاذ حياة زوجي.» # ذعر أبولو لذلك القول. # فصاح فيها أبولو يقول: «ماذا؟! تبذلين حياتك من أجل حياته! فكري كذلك في أطفالك ~~الصغار، وفي أنك ستتركينهم بدونك وبدون أم، تتركينهم لعناية عالم لا يرحم! من الأفضل ~~أن يموت أدميتوس، من أن تقدمي حياتك فداء عن حياته.» # قال أبولو هذا، واستدار لينصرف، ولكن ألكستيس جرت خلفه، وأخبرته بأنه يجب عليه تنفيذ ~~أمر جوبيتر. وعلى ذلك وافق والحزن يملأ فؤاده، فرقدت ألكستيس على سرير. وبالتدريج أخذ ~~وجهها يمتقع، والقوة تغادر أعضاءها، وأنفاسها تضمحل وتضعف، إلا أنه بينما كانت الحياة ~~تنحسر عن جسمها، عادت في قوة متزايدة إلى أدميتوس. عاد الدم إلى محياه، وأحس بالنشاط ~~يدب في أوصاله، وحيويته تتجدد وتسري في أحنائه من قمة رأسه إلى أخمص قدمه. وفي بضع ~~دقائق قام من على السرير الذي كان راقدا فوقه صحيحا معافى، وموفور الصحة كما كان ~~أيام شبابه. # أما ألكستيس؛ فكانت راقدة على سريرها تحتضر. # في هذه اللحظة بالذات، حدث انقلاب غريب، فقد شاءت الصدفة أن يمر البطل العظيم هرقل ~~(ستروى عنه قصص كثيرة في باب لاحق) خلال تساليا في ذلك الوقت، واتجه نحو قصر أدميتوس؛ ~~ليقدم له فروض الاحترام. فلما اقترب من أبواب القصر، دهش للسكون الغريب المخيم هناك، ~~وأذهله أنه ما من حارس طلب منه أن يقف، وما من خادم أقبل لتحيته، وعندما اقترب إلى ~~مسافة أكثر، سمع البكاء والنحيب ينبعثان من الحجرة التي بها أدميتوس. فاتجه نحو تلك ~~الحجرة، ووقف أمام بابها دون أن ينتبه إليه أحد، وسمع كل ما كان يجري ms41 بداخلها. # وبينما هو يصغي إلى عرض ألكستيس السامي، وبينما هو يلاحظ شحوب الموت يدب في جسمها، ~~امتلأ إشفاقا أن تموت مثل هذه المرأة الباسلة. وفي هذه اللحظة سمع حفيفا، فاستدار ~~حوله، فرأى الموت إلى جانبه تماما، وهو شبح يرتدي ثيابا حالكة السواد، وتقدم الموت ~~يتسلل خلسة يتأهب لأن يخطف ألكستيس في قبضته، إلا أن هرقل الذي لم يفزعه أي إرهاب، ~~سواء أكان سماويا أو أرضيا، أو من الأعماق تحت الأرضية، اعتزم فجأة أن يعمل ~~شيئا. # صاح هرقل يقول لنفسه: «لن يحدث أبدا أن يأخذ الموت هذه الروح النبيلة!» # وبينما هو يقول هذا، اندفع إلى الأمام فقبض على الموت، ذلك المادة غير المحسوسة ~~والمشئوم الطالع. وعبثا حاول الموت الإفلات من قبضة هذا البطل الحديدية، الذي استخدم ~~جميع خداعات المصارعة. وأخيرا وبعد لأي كف الموت عن النضال، وأسلم ألكستيس إلى ~~هرقل. فوضعها البطل بدوره بين ذراعي زوجها. وعند ذلك تبدل حزن التساليين العميق إلى ~~فرح عظيم، واستحال عويل أطفال ألكستيس الصغار إلى بهجة وجذل، وقدم الجميع الشكر ~~للآلهة ولهرقل. # هكذا عادت الحياة إلى ألكستيس بمعجزة، فعاشت مع زوجها في سعادة وعز سنوات عديدة، ~~وسر كل من البشر والآلهة. ولما بلغت سن الشيخوخة أخيرا ماتت، أما أدميتوس فمات ~~بعدها بوقت غير طويل. # مقتل التنين بوثون # الألعاب الرياضية # قتل أبولو وحشا عملاقا مفترسا كان يلقي الرعب في نفوس الأهلين، فوقره البشر ~~وكرموه تكريما عظيما. # كان هناك تنين متوحش يعيش على جوانب جبل بارناسوس، اسمه بوثون لم يضايق البشر ~~الذي يلتقي بهم في طريقه فحسب، بل وكان يعترض طريق الآلهة أيضا. فذات مرة رفع هذا ~~التنين رأسه في غضب؛ ليهاجم لاتونا والدة أبولو وديانا. فنادت ابنها لنجدتها، ~~فأسرع أبولو إلى ذلك الجبل، وبحث عن التنين حتى عثر عليه، فدارت بينهما معركة ~~مريرة، ولكن سرعان ما سقط هذا الثعبان قتيلا يتلوى فوق الأرض، بعد أن اخترقت جسمه ~~سهام أبولو. # أولع الأغارقة بالمباريات، وأعجبوا بالبسالة الرياضية أيما إعجاب. فبعد أن ~~قتل أبولو التنين بوثون، أقاموا الألعاب البوثية، ms42 وصاروا يقيمونها في فترات منتظمة ~~في مدينة دلفي؛ تكريما لذلك الإله، وتخليدا لذكرى انتصاره على التنين العملاق. ~~والألعاب الأكثر أهمية من هذه هي الألعاب الأوليمبية، التي كانوا يقيمونها تكريما ~~لجوبيتر كل أربع سنوات؛ فقد اهتم الإغريق اهتماما بالغا بهذه الألعاب، حتى إنهم ~~صاروا يحسبون تقويمهم بناء عليها، فيقولون إن ذلك الحادث وقع في الأوليمبياد (أي ~~فترة أربع سنوات بين احتفالي ألعاب متعاقبين) السابع أو في الأوليمبياد التاسع ~~والسبعين، كذلك احتفلوا بالألعاب النيمية تكريما لجوبيتر أيضا. # وفي هذه الألعاب وغيرها من الألعاب الأخرى، كان الأغارقة، الذين يحارب بعضهم ~~البعض الآخر، يشتركون معا فيها بروح الود والصداقة، يتبارون في إخاء، ويقدمون ~~فروض الطاعة للآلهة مجتمعين معا. فيخصصون يوما لتقديم الذبائح والمواكب، وبعده ~~تأتي ثلاثة أيام للمباريات، ومنها: سباق الجري الذي تختلف أشواطه ما بين مائتي ~~ياردة إلى ثلاثة أميال، ومباريات الألعاب الخمس، وتشمل خمسة أنواع من المهارات، ~~وقذف الجلة، وقذف الرمح، والعدو، والقفز والمصارعة، وسباق العربات المصحوب بكثير ~~من الإثارة، والذي كثيرا ما تغنى بوصفه الشعراء، والملاكمة وأشواط المصارعة. وإلى ~~جانب هذه الألعاب يتبارى الشعراء والموسيقيون. وفي اليوم الأخير من العيد، تمنح ~~الجوائز للفائزين، وهي عبارة عن أكاليل جميلة تختلف تبعا للإله صاحب العيد. وكانت ~~أكاليل الألعاب الأوليمبية من أغصان الزيتون، وأكاليل الألعاب البوثية من أغصان ~~الغار، وأكاليل الألعاب النيمية من المقدونس. # وعقب الألعاب تقدم ذبائح جديدة، ويقام الكثير من الولائم، ويكرم الفائزون في ~~شتى المباريات تكريما عظيما. ليس عندئذ فحسب، بل وبعد انصراف الحشود أيضا. ~~وينظم الشعراء القصائد عنهم، ويصورهم النحاتون بتماثيل من البرنز وأخرى من ~~الرخام. كما تحتفل بهم مدنهم عند عودتهم إليها، فتستقبلهم الوفود بالترحيب ~~والتهليل، وتنشد أناشيد الكوروس. هذا ويمنح اللاعب الذي يفوز في ثلاثة أعياد ~~أوليمبية، شرف إقامة تمثاله في العراء أمام معبد جوبيتر. # الباب السادس # | قصص ديانا # قصة إنديميون # كانت ديانا، ربة القمر، باردة العاطفة ومنطوية على نفسها، كالفلك الذي تحكم عليه. ~~واعتبرت بنوع خاص حامية العذراوية المتزمتة. وكان يطاردها في بعض الأحيان، قليل من ~~العشاق، ms43 ولكنها لم تستسلم إليهم إطلاقا، وأعدت لبعضهم مصيرا قاسيا. غير أنها أحبت ~~ذات مرة، أحبت إنديميون. # كان إنديميون هذا راعيا شابا، يرعى قطعان أغنامه على المنحدرات الخضراء لجبل ~~لاتموس. وكان شابا رائع الجمال، ونبيل الأخلاق، حتى إن أهل المنطقة التي يعيش فيها ~~نظروا إليه والرهبة تملأ قلوبهم، وقالوا إنه لا بد أن يكون ابن جوبيتر. وفي إحدى أمسيات ~~الصيف، بعد أن رعى أغنامه، رقد تحت شجرة بلوط، واستغرق في نوم عميق، بينما كان الكون ~~في ظلام دامس لا ينيره سوى ضوء النجوم، ولكن بعد فترة وجيزة، بينما كانت ديانا تقود ~~عربتها الفضية عبر السماء، أنارت الجبل والوادي. وكانت تسوق جيادها الناصعة البياض في ~~بطء. وبينما هي تسوقها، نظرت إلى الأرض تحتها، فإذا ببصرها يقع على إنديميون النائم، ~~وفجأة تغلغل في قلبها حب ذلك الصبي الراعي الوسيم. # رنت إليه ديانا، وقد تملكها ارتباك. وكان يسرها أن توقظه فتبثه غرامها، ولكنها لم ~~تجرؤ على أن تفعل ذلك؛ لأنها كثيرا ما نهرت الآلهة الآخرين على إعجابهم بالبشر. وطالما ~~افتخرت بأنها هي نفسها ذات مناعة ضد مثل ذلك الضعف، وبأنها ربة العذراوية اللامتغيرة، ~~فكيف وقعت هي الآن في الحب؟ # وعلى هذا، تسللت من عربتها خلسة، وجلست إلى جانب إنديميون، وقبلته برفق لئلا توقظه. ~~وأضفت على نومه أحلاما لذيذة، كثيرا ما يتخللها شبح ربة القمر يخطر أمامه، فيتنهد ~~إنديميون في نومه سعيدا، وهكذا كانت ديانا تقضي الليلة بعد الليلة. # ولكن الآلهة الآخرين بدءوا يلاحظون كثرة غياب ديانا عن السماء، وأن عربتها تسير ~~بسرعة غير منتظمة عبر السماء، ثم شرعوا يتجسسون عليها. وسرعان ما انكشف سرها وذاع بين ~~كل من في أوليمبوس الشاهق، وكان بعضهم، ولا سيما فينوس، يود لو يسخر منها لولا أن ~~جوبيتر قمعهم. وخشي أبو الآلهة والبشر أن يأتي وقت تهمل فيه ديانا، بسبب ذلك الصبي ~~الراعي، تهمل واجبها الأصلي، وهو إضاءة السماء ليلا. # لذلك اعتزم جوبيتر أن يفرض على إنديميون اختيارا عسيرا. فاستدعى إليه ذلك الشاب ~~وخيره بين أمرين لا ثالث لهما. ms44 إما أن يموت بأية طريقة يختارها، أو يغط في نوم أبدي. ~~فاختار إنديميون المصير الأخير، ولا يزال نائما في كهف بجبل لاتموس، حتى تستطيع ديانا ~~أن تنظر إليه من نقطة معينة، وهي في طريقها عبر السماء. # كيف صار أوريون من ساكني السماء # اعتقد الإغريق أن مجموعة نجوم أوريون (برج الجوزاء) كانت في الأصل جسم عملاق ضخم ~~ابن نبتبون. كان رجلا جميل المنظر وصيادا متحمسا، يزهو كثيرا بمنظره وبمهارته في ~~الصيد. وقد أولعت به ديانا ولعا كبيرا، حتى اشتبه البعض في وجود علاقة حب بين ربة ~~القمر وبين أوريون. وفي بعض الأحيان نهرها أبولو على شدة اهتمامها بهذا الصياد، ولكن ~~دون جدوى. # وذات يوم أشار أبولو لشقيقته إلى نقطة سوداء بعيدة في المياه، وتحداها أن تستطيع ~~إصابتها بسهمها. فما كان منها إلا أن أمسكت بقوسها، وأطلقت منها سهما أصاب النقطة. غير ~~أنها أدركت بعد فوات الأوان، أنها قتلت أوريون. فحزنت عليه، ثم وضعته بين النجوم في ~~السماء، حيث يتبعه كلبه سيريوس (نجم الشعرى) يجري أمامه الأرنب، وتفزع من مجيئه ~~البلياديس (برج الثريا). # ويعتقد الإغريق أن البلباديس كانت عذراوات بنات أطلس، طاردهن أوريون حتى برمن به، ~~فطلبن العون من جوبيتر، فحولهن إلى يمام، ثم إلى نجوم. # انتقام ديانا وأبولو # إن حقد أبولو الظاهر في بعض الحلقات، ليتجلى أيضا في قصة نيوبي ابنة ملك تانتالوس، ~~تزوجت نيوبي بأمفيون بن جوبيتر. وفي وقت ما دأبت على أن تزهو بنسبها وبزوجها وبأسرتها ~~المكونة من سبعة أبناء شجعان وسبع بنات فاتنات، وتمادت في زهوها بغطرسة وصلف. # وذات مرة، في عيد لاتونا والدة أبولو وديانا، أخذت نيوبي تملأ شدقيها فخرا بأسرتها، ~~حتى خرجت عن طورها فأمرت الناس، في غرورها الكاذب، بأن يكفوا عن عبادة لاتونا ذات ~~الطفلين الاثنين، ويقدموا لها (أي لنيوبي) فروض التبجيل بدلا من لاتونا، وأن يكون ~~تبجيلهم إياها سبعة أضعاف تبجيلهم لاتونا. # سمعت لاتونا بهذا الصلف، فخاطبت ابنها وابنتها وعنفتهما على سكوتهما إزاء تلك ~~الغطرسة، وكانا هما أنفسهما حانقين من قبل مثل والدتهما؛ لاختيال ms45 نيوبي وتكبرها، ~~فصمما على معاقبة تلك المرأة الحمقاء من فورهما. # سرعان ما انطلق أبولو وديانا إلى المدينة التي تقيم فيها نيوبي، وألقيا نظرة فاحصة ~~على المنظر الذي أمامهما، فلاحظا أبناء نيوبي السبعة بين المشتركين في الألعاب الرياضية ~~فوق السهل. وبسرعة حملا قوسيهما على كتفيهما، فطارت منهما السهام تصرع جميع أبناء نيوبي ~~السبعة. # رغم هذا لم تكف نيوبي عن زهوها متحدية لاتونا كعادتها. # صاحت نيوبي تقول: «ما زالت بناتي أفضل وأعظم من طفليك!» ولكنها ما كادت تنطق بآخر ~~كلمة، حتى سقطت بناتها السبع صريعات أثناء بكائهن على مقتل إخوتهن. فلما رأت نيوبي ما ~~حدث، حزنت حزنا شديدا حولها إلى حجر، غير أن دموعها ما فتئت تنهمر، فأشفق عليها ~~الآلهة، وحولوها إلى نافورة. # الصيد الكاليدوني # اشتهرت فتاة تدعى أتالانتا (غير أتالانتا التي سابقت هيبومينيس) بمهارتها في الصيد ~~وفي الألعاب، وكان والدها قد تركها طفلة في غابة أركاديا فأبصرتها دبة، فقامت بتربيتها ~~كما لو كانت جروها. كبرت هذه الفتاة تحت الحماية الخاصة للربة ديانا، وصارت صيادة ~~بالغة الجرأة. # حدث في منطقة كاليدونيا أن أهمل حاكمها أينيوس، تقديم بعض الفروض الواجبة للربة ~~ديانا. فغضبت هذه الربة، وأرسلت خنزيرا بريا ضخما ليعاقبه، فانطلق هذا الوحش يعيث ~~فسادا في الأراضي فدمر محاصيلها، وأتى على الأخضر واليابس فيها. # رأت ألثايا زوجة أينيوس، فيما يراه النائم، ربات القدر الثلاث يغزلن نسيج حياة ابنها ~~ملياجر، الذي كانت قد ولدته حديثا، وسمعت بعض حديثهن. # قالت إحدى ربات القدر: «بمجرد أن يتم احتراق قطعة الخشب هذه، المتقدة في وطيس أمه، ~~ستنتهي حياته.» # استيقظت ألثايا من حلمها مذعورة، وجرت بسرعة إلى الوطيس، فأخرجت منه قطعة الخشب ~~المتقدة، وأطفأتها بالماء، وخبأتها بعناية وسط أنفس كنوزها. # كبر ملياجر وصار شابا يافعا جريئا، أحبه كل من عرفه. فلما بلغه أمر ذلك الخنزير ~~البري، أصر على أن يجعل من مقتله عيدا عظيما. فبعث الرسل إلى جميع أنحاء البلاد ~~الإغريقية يطلب اشتراك كل أبطالها في صيد ذلك الخنزير. فلبوا نداءه بنفوس راضية، ومن ~~بين الأبطال جاءت أتالانتا ms46 متلهفة لأن تكون قاتلة ذلك الوحش. وعندما أقبلت التقت ~~بملياجر وجها لوجه، وعلى الفور، وقع البطل الشاب ملياجر في غرام أتالانتا. # ظل ملياجر طوال الصيد إلى جانب أتالانتا، ولكي يفوز برضاها قام بعدة أعمال بطولية ~~رائعة. وعندما طرد الخنزير أخيرا من مكمنه، كان ملياجر هو الذي أصابه بالضربة القاتلة، ~~فوقع الوحش أمامه صريعا. # سلخ الخنزير فكان جلده الضخم أعظم تذكار صيد، وسلم إلى ملياجر، فقدمه هذا بدوره ~~إلى أتالانتا. وعندما فعل هذا تذمر اثنان من إخوة ألثايا، وكانا ضعيفي العقل. # صاح الأخوان قائلين: «ما هذا؟! أيصح أن يقال إن جائزة عظيمة كهذه تذهب إلى مجرد ~~فتاة؟ يجب أن تعلق إلى الأبد في قصر الملك.» # لما انتهى الأخوان من قولهما هذا، تقدما غاضبين نحو أتالانتا، وخطفا من يدها جلد ~~الخنزير بخشونة. فلما رأى ملياجر ما حدث، سحب قوسه إلى كتفه، فأطلق منها سهمين نحو ~~خاليه، فأرداهما قتيلين على الأرض يتخبطان في دمائهما. # نظر الحاضرون إلى جسميهما فزعين، وفي الحال أسرع رسل الشر إلى بلاط الملك، فملئوا ~~الجو عويلا. فسمعتهم ألثايا وخرجت لترى ما الخطب. فلما علمت بما حدث تملكها غضب شديد ~~أفقدها وعيها، فأسرعت إلى المكان الذي احتفظت فيه بكنوزها، وأمسكت بقطعة الخشب التي ~~خبأتها عند مولد ملياجر، ودون أن تسمح لنفسها بوقت للتفكير، ألقت بها وسط اللهب ~~المشتعل في الوطيس، فالتهمتها النار في لهفة، وسرعان ما احترقت عن آخرها. # في تلك الأثناء، كان ملياجر يتحدث آسفا إلى أتالانتا في مكان الصيد. وفجأة انتابته ~~آلام شديدة، فسقط على الأرض يذوي، وما هي إلا بضع دقائق حتى لفظ آخر أنفاسه. # لما علمت ألثايا بموت ابنها، ثابت إلى رشدها، وأدركت خطأها وهي غاضبة بسبب أخويها، ~~وعرفت كيف تحقق الحلم الذي رأته يوم ولادة ملياجر، وأن قطعة الخشب التي التهمتها ~~النيران قد أنهت حياة ابنها، ففنيت نفسها يأسا. # الباب السابع # | آلهة الطبيعة # نظرة قدامى الأغارقة إلى الأرض # ظل الإغريق، لعدة عصور، يعتقدون أن الأرض مسطحة، وأن بلادهم تقع في وسطها تماما، وأن ~~البحر الأبيض ms47 المتوسط (البحر الأوسط كما يدل اسمه) يمر بمركز قرص الأرض، وأن نهر ~~أوقيانوس يجري حول الحافات. وفي أقصى الشمال يقيم سكان الشمال، في أرض الربيع الدائم ~~إلى مسافة بعيدة وراء الجبال التي تهب على منحدراتها وتجاويفها رياح الشتاء الشمالية. ~~ونحو الجنوب يقيم الأثيوبيون الذين أحبهم الآلهة كثيرا، ولا سيما بنتيون. ونحو الغرب ~~تقع الجزر الإليوسية، وهي نوع من الفردوس. # ويسير فراقدا السماء من مجرى المحيط، ثم يعودان إليه ثانية. ففي كل يوم تسير الشمس ثم ~~القمر في عربتيهما خلال السماء. وكذلك تفعل النجوم ومن الغرب، حيث تغرب الشمس ينقل إله ~~الشمس في قارب مجنح؛ ليعود به إلى نقطة بدايته. # آلهة الأرض # ربة الأرض ومحاصيلها وثمارها هي كيريس (ديميتير الإغريقية)، شقيقة جوبيتر. وتضم ~~عبادتها تقديس بذرة الحياة في كل مظاهرها، كانت حامية الفلاحين، وقد صوروها تضع إكليلا ~~من سنابل القمح أو شريطا بسيطا حول رأسها، وتمسك في يدها صولجانا أو ثمرة خشخاش، ~~وأحيانا أخرى قرن الإخصاب تتناثر منه الحبوب والثمار. وكانت ابنتها بروسربينا ربة وقت ~~الربيع. # ومن أشهر الآلهة الآخرين المرتبطين بالأرض بنوع خاص: باخوص (ديونيسوس الإغريقي) ~~وبان. # أما باخوص، فهو ابن جوبيتر وسيميلي. وقد عهد جوبيتر بتعليمه إلى سيلينوس العجوز ~~السكير المرح ذي الأنف الأفطس وأقدام العنزة. صار باخوص إله الخمر خاصة، وإله الإخصاب ~~ووفرة الزروع عموما. واتصف بالمرح والعربدة في عبادته. ويحتفل بأشهر أعياده في شهر ~~مارس من كل عام عندما تكون الخمر معدة للشرب. وإذ جرت العادة في بلاد الإغريق أن تقدم ~~العروض التمثيلية في مثل هذه الأوقات، أصبح باخوص إله الدراما والمسرح، كما أطلق عليه ~~الرومان اسم ليبر. # يصور باخوص عادة في عربة تجرها الفهود، ويتوج رأسه إكليل من أغصان الكروم ~~واللبلاب، ويمسك في يده عصا خاصة تسمى ثورسوس، وهي عصا مكسوة بأغصان اللبلاب ~~المجدولة، وتنتهي من أعلى بكوز صنوبر، وكرست له الكروم واللبلاب والفهد. وله فئة ~~خاصة من الأتباع، ويطلق على تابعاته من النساء اسم المانيادبس، ويصورن متحمسات في ~~العربدة، يلقين أيديهن إلى الخلف، وشعرهن أشعث ms48 غير مصفف، وفي أيديهن عصا ~~باخوص. # وأما بان، ومعنى اسمه «الجميع»، فكثيرا ما سحر ذوي الخيال حتى عصرنا هذا، وهو ابن ~~ميركوري وإحدى حوريات الغابات. ولما كان إله قطعان الأغنام والرعاة والطبيعة، وصف ~~بالتجوال بين جبال أركاديا وأوديتها، إما ليتسلى بالصيد، أو ليرأس فرق رقص الحوريات. ~~وينسب إليه اختراع مزمار الراعي، ويصور عادة كرجل ملتح ذي أنف معقوف وأذني وحوافر ~~عنزة، يكسو جسمه الشعر، ويمسك في يده مزمار الرعاة أو خطاف الراعي. ولما كان بان إله ~~المناظر المقفرة، وخصوصا في المناطق الجبلية، فقد ارتبط بالخوف المفاجئ لغير ما سبب، ~~الذي ينتاب المسافرين. وقد جاء هذا الخوف أولا في عالم الخلاء، ثم جاء بعد ذلك وسط ~~المعارك، وينسب إلى بان، ويطلق عليه اسم «بانيك»، أو خوف باني (ذعر)، ولأتباعه الساتور ~~آذان تشبه آذان الماعز، وأذناب قصيرة وقرون متبرعمة قصيرة، وكان سيلينوس رئيس ~~الساتور. # والحوريات من صغار آلهة الطبيعة، وكان هناك منهن أعداد كبيرة، أهمهن خمس مجموعات: ~~الدرياد والهامادرياد، وتعيش كل منهن في شجرة، وكان المفروض أن تموت الحورية من هؤلاء ~~بموت شجرتها. والأوقيانيد والنيرييد اللواتي يعشن في مياه المحيط، والناياد المشرفات ~~على المياه العذبة في الينابيع والأنهار والنهيرات والبحيرات وغيرها، والأورياد وهن ~~حوريات الجبال والكهوف. # آلهة الفجر والظلام والهواء # تشرف أورورا (إيروس الإغريقية) على بزوغ الفجر في كل يوم، ويطلق عليها اسم «ابنة ~~الصباح الوردية الأصابع». تترك مخدعها كل صباح، وتركب عربة تجرها الخيول السريعة، ~~فتنزل إلى السماء قادمة من نهر أوقيانوس؛ لتعلن عن قدوم الشمس، فترغم نجم الصباح ~~على الفرار. وفي أثناء مرورها، يهب نسيم عليل، بينما يلتهب خلفها النهار، ويشتد نوره ~~أكثر فأكثر. وتضفي عطفها على فجر الحياة بنوع خاص، وكان الشباب تحت رعايتها، ولا ~~سيما عندما يخرجون في الصباح الباكر للصيد أو للقتال. # ونجم الصباح، فوسفور بن أوروا والصياد كيفالوس. كما تقول بعض الأساطير، إن نجم المساء ~~هسبر، والد الهسبريديات وهن ثلاث عذارى يحرسن شجرة التفاح الذهبي في حديقة عجيبة بأقصى ~~المناطق الغربية من العالم المعروف. وتقول أساطير ms49 أخرى إنهن بنات التيتان أطلس. # وأما ملك الرياح فهو أيولوس الذي يقيم في جزر شديدة الانحدار، عرفت فيما بعد باسم ~~الجزر الأيولية، حيث يحبس الرياح في كهف بالجبل، ولا يخرجها إلا عند الحاجة إليها. ~~وآلهة الرياح الأربعة هم: بورياس إله الريح الشمالية، وزفيروس إله الريح الغربية، ~~ونوتوس إله الريح الجنوبية، ويوروس إله الريح الشرقية. # آلهة المياه # كما أن في السماء آلهة كبارا وأخرى صغارا، كذلك الحال في المحيط. تحل مجموعة الآلهة ~~الصغار محل أسرة الآلهة الكبار، أو محل جزء منها على الأقل. # وإبان حكم كرونوس، حكم أوقيانوس وتيثيس المياه بمساعدة عدد لا يحصى من حوريات ~~المحيط، وقد أقام هذا الملك وزوجته في قصر عجيب تحيط به الحدائق. ولهما ابنة تدعى ~~دوريس، تزوجت أحد سكان المحيط المسمى نيريوس، وهو رجل عجوز حكيم له موهبة التنبؤ، ~~وموهبة أخرى هي استطاعته التحول إلى أية صورة يريدها. ويصور نيريوس كغيره من سكان ~~الأعماق، وجسمه مغطى بالأعشاب البحرية بدلا من الشعر. وكان لنيريوس ودوريس خمسون ابنة ~~يسمين النيرياد، يشكلن نوعا من حوريات البحر. وقد اشتهرن جميعا بفرط جمالهن ~~الساحر، وأقمن في شتى أجزاء البحر المتوسط. ويصورن أيضا في صورة نصفها لفتاة، ~~والنصف الآخر لسمكة (مثل عرائس البحر)، ومن أشهرهن ثيتيس وجالاتيا وأمفتريتي. وتزوجت ~~أمفتريتي نبتيون، وهكذا كونا رباط صداقة بين أسرة عجائز المحيط وأسرة شبابه. وأقام ~~أوقيانوس وثيتيس بقصرهما، لا يعكر صفو حياتهما معكر، على الرغم من أن سلطانهما قد ~~انتقل إلى نبتيون. # أما نبتيون فكان يقيم تارة في قصره بالبحر، وتارة أخرى على جبل أوليمبوس، وله عدة ~~خدم في البحر، ومن بينهم حوريات الماء، وحامل بوقه هو ابنه تريتون، يحمل صدفة بحرية ~~ينفخ فيها، فتصدر أصواتا تثير الأمواج أو تهدئها. ومن خدمه أيضا بروتيوس الذي كانت ~~له قوة التنبؤ، وقوة تغيير صورته بعدة طرق؛ ولذلك يشبه نيريوس في كثير من الأحوال، ~~وعهد إليه نبتيون بعجول البحر الخاصة به. فيخرج من البحر في وقت الظهيرة، فينام في ظل ~~صخور إحدى جزره التي يحبها، وتنام حوله ms50 وحوش البحر. وكان بوسع أي فرد أن يقبض عليه، ~~وهو مستغرق في النوم، ويرغمه على أن يخبره بما سيحمل إليه المستقبل، ولكنه، حتى وهو ~~مقبوض عليه، يقوم بعدة خدعات، فيتحول إلى كل صورة ممكنة، منتقلا من صورة إلى أخرى ~~بسرعة، حتى إذا ما وجد أخيرا عدم جدوى تحوله إلى شتى الصور، عاد إلى صورته الأولى ~~العادية، وأجاب على أسئلة القابض عليه. # والسيرينيات من سكان الأمواج أيضا، وهن حوريات بحريات نصفهن لطائر، والنصف الآخر ~~لامرأة. ولهن القوة على أن يسحرن بأناشيدهن العذبة كل من يسمعهن، فكم من بحار سيئ ~~الحظ سحرته أصواتهن الرخيمة، فطاش عن صوابه ورشده، واستسلم إلى النوم رغم حذره، فتندفع ~~سفينته وترتطم بالصخور، فيرى هناك بعد فوات الأوان حطام سفن وعظاما آدمية ملقاة حول ~~الصخور التي تغني فوقها السيرينيات. # هناك وحشان بحريان فظيعان هما: سكولا وخاريبديس، اللتان تقيمان على صخرتين متجاورتين. ~~كانت سكولا في الأصل عذراء فاتنة، ثم تحولت إلى مخلوق ذي ستة أعناق وستة رءوس، سلح ~~كل منها بثلاثة صفوف من الأنياب الحادة، وينبح كل رأس مثل الكلب. فإذا ما استطاعت ~~الوصول إلى سفينة ساقها سوء الحظ إلى أن تمر على مسافة قريبة من متناول يدها، قبضت ~~عليها وأمسكت ببعض ركابها والتهمتهم طعاما سائغا. وتقبع قبالتها خاريبديس، وهي ~~كتلة ضخمة عديمة الشكل تحت شجرة تين كبيرة تبتلع مياه البحر ثلاث مرات في اليوم، ~~وتلفظها ثانية ثلاث مرات أيضا، ولا يستطيع أحد من الآلهة أن يمر بسلام بين خطري البحر ~~هذين إلا من حوبي محاباة خاصة. # الباب الثامن # | قصص آلهة الطبيعة # كيريس وبروسربينا وبلوتر # لما قسم جوبيتر مملكة العالم، عند بداية حكمه، عهد إلى أخيه بلوتو (الذي يسمى ~~أحيانا ديس، وأحيانا أخرى هاديس) بإدارة العالم السفلي وظلال الموتى. وفي الأيام ~~اللاحقة سميت أرض الموتى نفسها باسم هاديس. # لم يكن بلوتو راضيا تماما عن إعطائه مملكة مظلمة ليحكمها، ولكن احتجاجه لقي آذانا ~~صماء. # فقال جوبيتر: «ارض بنصيبك! فرغم أنه لا يوجد سكان في مملكتك الآن، فبمضي الوقت ~~ستمتلئ بالناس؛ ms51 فكل من يعيشون فوق سطح الأرض الآن سوف يموتون عند نهاية آجالهم، وعندما ~~يذهبون تحت سلطانك، وزيادة على ذلك فلديك جميع الثروات المخبأة في باطن الأرض، ستكون ~~إله الثروة، وستكون بلوتو الغني.» # بعد هذا، رضي بلوتو مكرها، وبمرور الزمن صار قانعا بنصيبه، ولكنه تاق إلى زوجة ~~تشاطره مصيره، فوعده جوبيتر بأن يعطيه بروسربينا ابنة كيريس، الفتاة الفاتنة. غير أنه ~~خاف أن يخبر والدتها بخطته، ولم تكف جميع إلحاحات بلوتو لأن تجعله يبر بوعده، ويعلن ~~قراره. فصمم بلوتو على أن يتناول الأمر بطريقته هو نفسه. # فذات يوم كانت بروسربينا مع خادماتها العذارى يجمعن الأزهار من حقل مشمس في صقلية. ~~وبينما هن يتحدثن عن الأيام السعيدة التي سيتمخض عنها المستقبل، اهتزت الأرض فجأة، ~~وانشقت تحت أقدامهن مباشرة، وخرجت من الشق الحادث عربة يقودها رجل أسمر البشرة، بغيض ~~الخلقة. قفز ذلك الرجل من العربة بسرعة، وبغير أن ينطق بكلمة واحدة، أمسك بروسربينا ~~بين ذراعيه، وحملها إلى العربة أمام صويحباتها، وعبثا صرخت وناضلت. فقد اختفت العربة ~~مرة ثانية داخل الشق. # لما افتقدت كيريس ابنتها علمت بما حدث، فثارت ثائرتها يأسا. ما من أحد أمكنه أن ~~يخبرها بشخصية ذلك الذي خطف ابنتها، فشرعت تبحث عنها في جميع بقاع الدنيا، ولكن دون ~~جدوى. وإذ استسلمت للحزن الشديد، أهملت واجباتها. فذبلت المحاصيل وماتت، وهددت المجاعة ~~الجنس البشري، وحاول جوبيتر أن يحث ربة المحاصيل على أن تستأنف عنايتها بثمار الأرض، ~~ولكنها أرسلت له بدورها تخبره بأن قدمها لن تطأ بيت جوبيتر مرة أخرى، ولن تنتج حقول ~~الأرض محاصيلها وثمارها مرة ثانية، إلا إذا عادت إليها ابنتها. # عندئذ قال جوبيتر: «إذا كانت الفتاة قد ذاقت طعاما خلال الأيام التي قضتها في ~~هاديس فسيطلق سراحها ثانية، ولن تكون زوجة لبلوتو.» # وبناء على ذلك، أرسل ميركوري ذلك الرسول المجنح الأقدام إلى قصر العالم السفلي ~~المظلم، ليأمر بلوتو بإخلاء سبيل الفتاة وإعادتها. فأطاع بلوتو الأمر، غير أن بروسربينا ~~قبل أن تغادر العالم السفلي، وضع بلوتو أمامها طعاما وشرابا، ولم تكن بروسربينا حتى ms52 ~~تلك الساعة قد وضعت لقمة طعام واحدة في فمها، بل صامت تماما عن الطعام والشراب؛ إذ ~~كانت تعلم أن من يأكل طعام هاديس يصبح عبده، ولكنها في غمرة فرحها خرقت الوعد الذي ~~قطعته على نفسها، فكسرت رمانة نصفين، وأكلت منها ست حبات. # انصرفت بروسربينا بصحبة ميركوري، وعادت إلى أمها العزيزة، ولكن بسبب إفطارها من ~~صيامها وتناولها ست حبات من الرومان، تحتم عليها أن ترجع إلى هاديس ستة شهور في كل ~~عام. وعلى هذا تختفي بروسربينا ربة الربيع عندما ينتهي فصل الصيف. وإذ تحزن كيريس ~~ثانية، تهمل واجباتها من جديد، ويسود الشتاء الأرض إلى أن تعود بروسربينا ~~ثانية. # تجولات باخوص # اتصف باخوص إبان طفولته بالبراءة والمرح، وكانت تعنى به حوريات نوسا ورعاة مواشيها. ~~وعندما كبر أخذت جونو تطارده بدافع الغيرة، فلجأ إلى الترحال إلى الكثير من بلاد ~~الدنيا، ينشر زراعة الكروم، ويعلم الناس فائدتها. وزيادة على ذلك كان يعلمهم فنون ~~السلم والعدل والمعاملات الشريفة. وقام بعدة مغامرات، وعاقب من تدخل في طقوسه، ومن أشهر ~~أعماله تلك التي قام بها عندما استأجر سفينة؛ لتنقله من إيكاريا إلى ناكسوس. وكان بحارة ~~تلك السفينة، في الحقيقة، قراصنة، فتآمروا فيما بينهم على أن يبيعوا هذا الشاب الجميل ~~عبدا. وعلى ذلك اتجهوا بسفينتهم شطر آسيا الصغرى. فلما رأى باخوص هذا أدرك قصدهم، ~~فحول صاري السفينة ومجاذيفها إلى ثعابين ضخمة، واتخذ هو صورة أسد غضنفر، وجعل اللبلاب ~~ينمو ويلتف حول السفينة، وانبعث من الجو أصوات النايات الحلوة ترن عند كل جانب. فلما ~~أبصر البحارة ما حدث من معجزات، ذهلوا وأصابهم الجنون، فقفزوا إلى البحر حيث تحولوا إلى ~~دلافين. # قصة ميداس # كان بان يفخر كثيرا بمعرفته فن الموسيقى، حتى إنه، في ذات يوم، تحدى أبولو في مباراة ~~موسيقية. فوافق أبولو على أن يباريه، واختاروا ميداس ملك فروجيا أن يكون حكما بينهما. ~~بدأ أبولو فعزف ألحانا جميلة على القيثارة، فرد عليه بان بنغمات عذبة على الناي. ودون ~~أن يفكر ميداس كثيرا، حكم لصالح بان، فاستاء أبولو استياء بالغا، وبروح ms53 غير رياضية ~~صمم على أن يعاقب ميداس على إبدائه مثل هذا الذوق الرديء، الرديء في رأي أبولو. فحول ~~أذني ميداس إلى أذني حمار. فخجل ميداس كثيرا من ذلك التحول الغريب. ومع ذلك، فقد أخفى ~~أذني الحمار تحت قبعته الفروجية. وتقول الأسطورة إن حلاق ميداس اكتشف السر عندما قص ~~شعره، ولكن ميداس هدده بالعقاب الصارم الرادع إن هو أخبر أي إنسان بعيب الملك. ولمدة ~~طويلة ظل الحلاق كاتما ذلك السر، ولكنه في يوم ما لم يطق الاحتفاظ بالسر أكثر من ~~ذلك. فخرج إلى حقل وحفر فيه حفرة، ثم همس داخل الحفرة يقول: «لميداس أذنا حمار!» # نمت أعواد البوص، بعد ذلك في نفس تلك البقعة، فأفشت السر إلى العالم كله ~~بهمساتها. # وحدث مكروه آخر لميداس هذا نفسه. فذات مرة قدم خدمة إلى سيلينوس معلم باخوص، فأراد ~~هذا الأخير أن يكافئه على صنيعه، فأخبره بأنه سيمنحه أمنية مهما يكن نوعها. وفي غباء ~~ودون تفكير، طلب ميداس أمنيته بقوله: «دع كل شيء ألمسه يتحول إلى ذهب!» وكان ميداس ~~غنيا من قبل غنى عظيما، ولكنه أراد المزيد. وبوسعنا أن نتخيل نتيجة هذه الأمنية، ~~فكل ما لمسه ميداس تحول إلى ذهب، حتى طعامه والماء وابنه المحبوب. وأخيرا ثارت ثائرته ~~وأدرك خطأه، فتوسل إلى باخوص أن يسحب منه هديته، فأمره باخوص بأن يغتسل في منابع نهر ~~باكتولوس. فأطاع ميداس واستحم في ذلك النهر، فذهبت عنه اللعنة، ما في هذا شك، ولكن ~~رمال نهر باكتولوس ما زالت منذ ذلك الحين تحتوي على الكثير من التبر. # قصة إيو # تروى قصص كثيرة عن الحوريات الجميلات الفاتنات، وكثيرا ما نزل آلهة أوليمبوس إلى ~~الأرض من أجل جاذبية ربة أرضية رائعة السحر والجمال. وقد وقع جوبيتر نفسه في غرام إيو، ~~ابنة رب النهر إناخوس، الذي كان هو بدوره ابن أوقيانوس العتيد. وذات مرة، بينما كان ~~جوبيتر يتحدث إلى تلك الحورية، لاحظ فجأة أن عيني جونو تراقبانه، فنشر من فوره سحابة ~~حول نفسه هو وإيو، ولكن جونو ارتابت في أمر هذه السحابة فأزاحتها، ms54 والغيرة تتأجج في ~~فؤادها، فإذا بها ترى جوبيتر واقفا وإلى جواره عجلة جميلة؛ إذ أسرع جوبيتر على الفور ~~فحول إيو إلى تلك الصورة؛ ليتحاشى تقريع جونو. # امتدحت جونو جمال هذه العجلة، وطلبت من جوبيتر أن يعطيها إياها، فأجابها إلى ما طلبت ~~وهو متردد. فسلمت جونو هذه العجلة إلى خادمها الأمين أرجوس ليحرسها. وكان أرجوس هذا ~~حارسا بالغ اليقظة؛ إذ له مائة عين تتناوب النوم فيما بينها. وعلى ذلك ما من شيء يمكن ~~أن يشغله عن الحراسة، أو يعمل على شرود انتباهه على الإطلاق. وكما هو جلي قاست هذه ~~العجلة المسكينة كثيرا من الصعاب في صورتها الجديدة، ولم يكن بوسعها أن تعبر عن محنتها ~~إلا بطريقة لا يفهمها أي فرد، ولكن جوبيتر تذكرها، فأرسل ميركوري ليبعد أرجوس عن ~~طريقه. # تقدم ميركوري من الحارس ذي المائة عين في صورة راع، فجلس إلى جانبه، وأخذ يحكي له ~~القصص، ويعزف على مزاميره. فسر أرجوس لاهتمام هذا الراعي به، وفي أغلب الأحوال كان ~~على وشك أن ينام، غير أن بعض عيونه يظل دائما يقظا، وأخيرا شرع ميركوري يقص على ~~مسامع أرجوس قصة اختراع مزامير بان، التي كان يعزف عليها. # قال ميركوري في لهجة رقيقة: «منذ زمن بعيد غابر، أحب الإله بان الحورية سورنكس، ~~ولكنها كانت تابعة وفية للربة ديانا، ولا يمكن أن تنمو بينه وبينها أية علاقة غرامية.» ~~فقالت له: «لقد نذرت حياتي للربة ديانا، فأبقى عذراء ولن أتزوج إطلاقا.» فلم يلق بان ~~أي بال إلى حديثها، وحاول أن يطوقها بذراعيه، ويضمها إلى صدره اللهيف. فأسرعت تجري ~~صوب نهر قريب، ولكنه جرى وراءها واقترب منها أكثر فأكثر، وكاد يمسك بها، فاستغاثت برب ~~ذلك النهر، وطلبت مساعدته؛ كيلا يغتصبها بان، فهب إلى نجدتها. وبينما كان بان يضمها ~~بين ذراعيه، وجد نفسه لا يحتضن الحورية، بل حزمة من ~~البوص الطويل، فتنهد بان متحسرا، وفي أثناء تنهده تحركت أنفاسه خلال أعواد البوص في ~~نغمة موسيقية. فعندما لمس الهواء جذوع البوص الجوفاء أحدث نغمة رقيقة عذبة. فلما سرت ~~تلك ms55 النغمات بان كسر أعواد البوص، وصنع منها لنفسه مزمارا، ثم جلس بان على جانب النهر، ~~واستمر مدة طويلة يعزف أناشيد شجية حلوة، استمع إليها الرعاة مبتهجين. وهكذا كان مولد ~~مزامير بان المعروفة باسم «السورنكس». # عندما ختم ميركوري قصته رأى جميع عيون أرجوس نائمة، فقفز على الفور في خفة وقتله، ~~وأطلق سراح إيو، ولكي تكافئ جونو خادمها الأمين أخذت عيونه ونثرتها على ذيل الطاووس، ~~وما زال من الممكن رؤيتها. # ورغم هذا استمرت جونو تطارد إيو. فأرسلت ذبابة من ذباب الخيل؛ لتعذب العجلة المسكينة، ~~ولما برح بهذه العجلة العذاب هربت إلى البحر وسبحت فيه. وما برح ذلك البحر يسمى باسمها ~~«البحر الأيوني». وبعد عدة تجوالات وصلت إيو إلى مصر. ولما وعد جوبيتر زوجته جونو بألا ~~يهتم بعد ذلك بإيو، وافقت جونو على تخليصها من صورتها الحيوانية، وهكذا عادت إيو حورية ~~كما كانت. # أبولو ودافني # لا شك في أن اسم الإله الجميل الصورة والماجد أبولو يقترن بأسماء كثير من الحوريات. ~~غير أنه ليس دائما أن تقابل أولئك الحوريات عواطفه الغرامية بالقبول. # فهذه دافني ابنة رب النهر بينيوس الذي يجري في تساليا، أحبها أبولو بخدعة من كيوبيد. ~~فذات يوم عندما كان أبولو عائدا من الصيد شاهد كيوبيد بن فينوس يلعب بقوسه وسهامه. ~~فعير ذلك الإله الصغير بقوله: «اترك أمثال هذه الأسلحة لمن يمكنهم فهمها ~~واستخدامها.» # فأجابه كيوبيد قائلا: «ستعرف تماما كيف أنني أجيد استخدام أسلحتي، وأنني أفهمها حق ~~الفهم.» # بعد ذلك بوقت قصير، كان أبولو يسير مع الحورية الجميلة دافني، فأبصرهما كيوبيد، وفي ~~الحال، أمسك كيوبيد قوسه، وأطلق منها سهمين: سهما رصاصيا نحو دافني؛ ليثير بغضها ~~لأبولو، وسهما ذهبيا نحو أبولو ليولد الحب في قلبه. # منذ تلك اللحظة صارت حياة أبولو عذابا لا ينتهي، وجحيما لا يطاق. فكلما استخدم ~~فنون الاستمالة في مغازلة دافني، وتوسل إليها بشتى طرق الإغراء، زادت هي جفاء، وغدت ~~عاطفتها نحوه أكثر برودا، وأخبرته بأنها تمقت كل فكرة عن الحب، وأن متعتها لا تكمن إلا ~~في الصيد وممارسة رياضات الغابات. ms56 وإذ ثارت ثائرة أبولو صمم أخيرا على أن يخطفها، ~~ويجعلها زوجته رغما منها، ورغم برود عاطفتها. فقبض عليها، ولكنها أفلتت من قبضته، ~~وهربت داخل الأحراش والغابة. وكلما أسرعت دافني في فرارها، بدت أكثر جمالا في عيني ذلك ~~الإله، فزاد من سرعته وهو يطاردها، وبذا زادت صعوبة فرارها منه أكثر فأكثر. وأخيرا ~~خارت قواها فارتمت على الأرض، وبينما هي تسقط تلت صلاة تتضرع بها إلى أبيها. # صاحت دافني تقول: «ساعدني يا أبت! أنقذني من أبولو!» # سمع بينيوس تضرع ابنته دافني، ونظرا لضيق الوقت لجأ إلى طريقة عاجلة؛ لينقذ بها ~~ابنته. فما إن انتهت دافني من كلامها، حتى بدأت تتحول. وفي تلك اللحظة عينها، كان أبولو ~~قد أدركها وطوقها بذراعيه، فإذا به يجد أنه يطوق شجرة غار جميلة، وليس الحورية ~~دافني، وحتى وهي على هذه الصورة، ما فتئ يحبها. وهكذا صارت شجرة الغار هي الشجرة ~~المحببة إلى أبولو أكثر من غيرها. ومنذ ذلك الوقت يتوج كل من يكسب عطف أبولو ~~بأكاليل من أغصان الغار وأوراقه، ولا سيما الشعراء، الذين اعتبروا دائما أن إكليل ~~الغار دليل شرف خاص. # أبولو وكلوتي # كان موضوع كلوتي عكس موضوع دافني تماما. فكان أبولو هو صاحب العاطفة الباردة نحو حب ~~هذه الحورية التي كانت إحدى بنات أوقيانوس. # أبدت كلوتي غرامها بذلك الإله في خفر وخجل، ولكنه كان يصدها دائما، ويزيد عدم ~~اهتمامه بها؛ ولذلك بدأت تذوي. كان كل تفكيرها في إله الشمس، وكل نظرها يتجه نحوه، ~~أهملت نفسها، لا تتناول طعاما ولا شرابا، ولا تهتم بملبسها ولا بمنظرها، وعلى ذلك ~~ماتت بعد فترة وجيزة، وحتى وهي ميتة ظلت على وفائها لمعبودها. فانغرست أعضاؤها في ~~الأرض، وتحول جسمها إلى جذع رفيع، وغدا رأسها زهرة تختلف عن سائر الأزهار. يتحرك رأس ~~كلوتي فوق عوده متجها دائما نحو الشمس، ينظر إلى الشرق صباحا، وإلى جهة الغرب مساء؛ ~~إذ صارت كلوتي زهرة عباد الشمس التي تتجه نحو إلهها عندما يغرب. # وبنفس هذه النظرة عندما يشرق. # إيخو وناركيسوس # إيخو حورية جبل فاتنة من ms57 أشهر الحوريات، ومن أقرب المقربات إلى ديانا، كما أولعت ~~بها جونو أيضا، ولكن ذات يوم وجدت جونو أن إيخو أخرتها عمدا بحديثها الحلو، بينما كان ~~جوبيتر يلهو مع حوريات أخريات. فغضبت جونو وعاقبت إيخو بأن سلبتها كل قوة لأن تبدأ ~~الكلام، لا تستطيع إيخو إلا أن تجيب عندما يخاطبها شخص ما. # ضايق هذا العقاب إيخو أي مضايقة، حتى تصادف مرور شاب جميل اسمه ناركيسوس في ~~الغابة التي بها إيخو، فأحبته إيخو بمجرد أن أبصرته، ولكنه عندما تحدث إليها، كان كل ما ~~أمكنها قوله هي أن تكرر ألفاظه، فظنها تسخر منه، وعمل كل ما في وسعه؛ لكي يتجنبها. غير ~~أن إيخو كانت تتبعه أينما سار، وحيثما توجه، لم يمكنها الرد على تأنيب ناركيسوس إلا ~~بتكرار الألفاظ التي ينطق بها. وإذ يئست إيخو أخذت تذوي حتى صارت مجرد صوت فحسب، صوت ~~يؤم الكهوف والصخور والأماكن المنعزلة والمهجورة، حيث تكرر كل ما تسمعه. # ومع ذلك، فلم ينفر ناركيسوس من إيخو وحدها، بل نفر من سائر الحوريات الأخريات؛ إذ ركب ~~الغرور رأسه، فكان يعتقد أنه ما من فتاة تصلح له مهما بلغت من الحسن والملاحة. ~~وأخيرا تمنت إحدى العذارى أن يعرف ناركيسوس معنى أن يحب ولا يقابل بحب متبادل. فمنحت ~~هذه الفتاة أمنيتها بطريقة بالغة الغرابة، فذات يوم انحنى ناركيسوس على بركة ماء عذب ~~في الجبل؛ لينهل من مائها البارد الرائق، فلمح صورة وجهه في مائها بين الأمواج، فظنها ~~حورية ماء خجلى تتدارى من نظراته الغرامية. فأخذ يتحدث إليها ويبثها لواعج غرامه، ~~وأخيرا مد يديه ليعانقها، ولكن عبثا حاول، ومثلما حدث لإيخو ذوى هو أيضا ومات. ~~فخرجت من جسمه زهرة ما زالت تحمل اسمه، هي زهرة النرجس. # أورورا وتيثونوس # تقترن عدة أساطير باسم أورورا (ربة الفجر)، أشهرها قصة تيثونوس ابن ملك طروادة، فلما ~~أبصرته أورورا لأول مرة، أحبته من فورها، فخطفته وجعلته زوجها. وقد تعمق حبه في ~~قلبها، وتغلغل، لدرجة أنها رغبت في أن تستبقيه معها إلى الأبد. فذهبت إلى جوبيتر، ~~وتوسلت إليه أن ms58 يحقق لها أمنية واحدة. # قالت: «امنح تيثونوس حياة خالدة.» # ابتسم جوبيتر وهو يخبرها بأنه استجاب لطلبها؛ لأنها نسيت أن تضمن كلامها أن يمنح في ~~الوقت نفسه، الشباب الخالد. وعلى ذلك أخذ تيثونوس يشيخ شيئا فشيئا، بدأ الشيب في ~~شعره، وأنشأت التجاعيد تتعمق في وجهه، ويطرد تعمقها أكثر فأكثر، وصار شيخا واهنا ~~تماما. وأخيرا وضعته أورورا في حجرة لا يسمع فيها غير صوته الخافت الضعيف في توسلات ~~لا تنتهي، وفي النهاية حولته إلى حشرة، هي جندب الحقل المعروف باسم ~~«النطاط». # كيكس وهالكيوني # تزوج كيكس ملك تراخيس في تساليا (وهو من ذرية أورورا) بهالكيوني ابنة الملك أيولوس ~~حاكم الرياح. وقد ظل الزوجان عدة سنوات يحكمان في سعادة إلى أن مات شقيق كيكس، فصحبت ~~موته عدة أحداث غريبة، فهبت عواصف هوجاء استمرت أمدا طويلا، وساد الشمس والقمر ~~ظلام حالك، واجتاحت البلاد وحوش ضارية مفزعة. فاعتقد كيكس أنه من الأفضل أن يستشير ~~الآلهة. وعلى ذلك أعلن عزمه على الإبحار إلى كلاروس في أيونيا؛ لاستشارة وحي أبولو ~~بها، وحاولت زوجته أن تثنيه عن عزمه؛ لأن ذلك الوقت كان موسم الزوابع والأعاصير، ولكنه ~~لم يستمع لنصحها وصمم على الإبحار. فخرج في سفينة سارت به في عرض البحر نحو هدفه، غير ~~أنه لما أوشك على الوصول إلى آخر رحلته هبت عاصفة عاتية حطمت سفينته فغرق، ولكنه، ~~وهو يغوص تحت الماء نحو الأعماق، تلا صلاة نبتيون، طالبا أن تحمل الأمواج جثته حتى ~~توصلها إلى وطنه، كي تدفنها هالكيوني. # مرت الشهور وتعاقبت وهالكيوني تنتظر عودة زوجها في قلق بالغ، فقدمت الصلوات والبخور ~~والذبائح للآلهة، وعلى الأخص إلى جونو، وتوسلت إليها أن يعود زوجها سالما. وأخيرا ~~تأثرت جونو بتضرعاتها، ولكنها كيف يتسنى لها أن تفعل شيئا لرجل مات منذ مدة طويلة؟ ~~فاعتزمت أن تعلم هالكيوني بأنه ما عاد هناك أمل في عودته. # استدعت جونو رسولتها إيريس، وأمرتها بأن تحمل رسالتها إلى سومنوس إله النوم، فأسرعت ~~إيريس فوق قوسها المتعددة الألوان إلى أرض الظلام، حيث يقيم إله النوم النعسان، فوجدته ~~يغط ms59 في سبات عميق داخل مغارة ليس بها أي شعاع من ضوء، وتتسرب إليها جميع الأصوات ~~التي في العالم، إما بحالتها كما هي أو مكتومة قليلا. ويحوم حول تلك المغارة الداجية ~~كثير من الأحلام، بعضها يجثم فوق رأس سومنوس نفسه، وهو راقد على سرير من الريش غارقا ~~في نوم دونه نوم الموت. فلقيت إيريس مشقة كبيرة في إيقاظه، وأخيرا وبعد لأي ~~أمكنها إبلاغه برسالة جونو في وضوح. فلما علم ذلك الإله الثقيل الأجفان بما تطلبه ~~جونو، نادى ابنه مورفيوس، وأمره بأن يرسل حلما إلى هالكيوني. وما كادت هذه الألفاظ ~~تخرج من فم سومنوس حتى غلبه الكرى ثانية، فراح في سبات طويل، عندئذ أسرعت إيريس ~~بالخروج من المغارة، وهي تذب الأحلام بعيدا عن وجهها، بينما تجد صعوبة بالغة في ~~الاحتفاظ بيقظتها. # في تلك الأثناء طار مورفيوس نفسه إلى قصر كيكس، متخذا صورة سيد ذلك البيت، وظهر ~~للملكة هالكيوني، إلا أن صورته في الحلم كانت متغيرة تماما، تعلو وجهه صفرة الموت، ~~ويتساقط الماء من ثيابه المبتلة، فأخبر زوجته بأن عاصفة هبت على بحر إيجه، فأغرقت ~~سفينته، وبأنه مات. # وعندما اختفى الحلم، صحت هالكيوني من نومها مذعورة، والدموع تنهمر من مآقيها ~~منحدرة على خديها. وما إن أقبل الصباح الباكر حتى انطلقت من فورها إلى البحر، ~~وبينما هي تسير على الشاطئ أبصرت جسما غير واضح طافيا على سطح الماء ويتجه نحوها، ~~فلما اقترب ولمس الشاطئ عرفت أنه جثة زوجها. فلم تطق رؤية تلك الجثة التعيسة، ~~وألقت بنفسها في الماء، ولكن جوبيتر أشفق عليها وهي تقفز وسط الأمواج، فحولها إلى ~~طائر يغرد حزينا أثناء طيرانه فوق الماء، كما حول كيكس إلى طائر، فانضم ثانية إلى ~~زوجته، وانحدرت منهما طيور القاوند. # تأثر الملك أيولوس بوفاتهما، فمنح البحارة ميزة خاصة، فمنع هبوب الرياح قبل أن يبدأ ~~الانقلاب الشتوي بسبعة أيام، وبعد نهايته بسبعة أيام. وبذا جعله موسم الهدوء والسلام، ~~وعندئذ تجلس هالكيوني في عشها الطافي على سطح الماء في هدوء. ويطلق البحارة على هذه ~~المدة «أيام الهدوء»؛ إذ ms60 يحرم ملك الرياح على جميع العواصف أن تهب، كي يولد أحفاده ~~في هدوء. # الباب التاسع # | في العالم السفلي # مناطق العالم السفلي # تمتد مملكة العالم السفلي التي يحكمها بلوتو في جميع الاتجاهات، وتضم عددا من ~~المناطق المختلفة، فيسمى المدخل أفيرنوس، ويصب فيه خمسة أنهار، أولها نهر ستوكس، الذي ~~تأتي إليه أشباح الموتى، ولونه ومنظره مفزعان. ويقسم به الآلهة، واليمين التي تحلف ~~بستوكس لا يمكن الحنث فيها، فكان الموتى ينتظرون على شاطئه حتى يأتيهم المعداوي خارون، ~~وهو رجل عجوز أشعث اللحية، يرتدي ثوبا وضيعا، فينقلهم إلى الشاطئ الآخر. وكان أجره ~~أوبولا واحدا، وهو قطعة نقود إغريقية كانت توضع في فم كل جثة قبل الدفن. وما إن تصل ~~الأشباح إلى الشاطئ الآخر، حتى تشرع في التجوال المستمر إلى أن تصل إلى نهر ليثي، وهو ~~نهر النسيان. عندئذ تجثو تلك الأشباح على ركابها، وتشرب من ماء ذلك النهر بحفنات ~~أيديها، وعلى الفور تختفي جميع ذكريات حياتها الماضية من عقولها. تجول جماعات الأشباح ~~جيئة وذهابا، كأنها السحب المسرعة في مناطق هاديس الداجية. أما الأنهار الأخرى فهي ~~أخيرون، نهر الويلات، وروافده، ونهر فليجيثون، الذي تجري بين ضفتيه النار بدلا من ~~المياه، ونهر كوكوتوس أو نهر العويل. وتتكون من هذه الأنهار حدود العالم السفلي الواقع ~~«تحت الأماكن السرية للأرض». # ويقف على باب هاديس الحارس المخيف كربيروس، وهو كلب متوحش ذو ثلاثة رءوس، وله ذيل ~~تنين. لا يحاول هذا الكلب إطلاقا أن يتعرض للأشباح الداخلة إلى هاديس، ولكنه يهاجم ~~بوحشية كل من يحاول الخروج. وعندما زار أينياس هاديس، كما يخبرنا الشاعر اللاتيني ~~فرجيل، صنع حبة ملغومة تحتوي على عقار منوم، فرماها إلى كربيروس الذي ما كاد ~~يتناولها حتى سقط على الفور فاقد الوعي. وكان هذا البطل وقليلون آخرون ممن حباهم ~~الآلهة محاباة خاصة، هم وحدهم الذين استطاعوا الإفلات من كربيروس. # أما قصر بلوتو فمظلم قاتم، حيث يجلس بلوتو مرتديا قبعة الظلام، ويمسك في إحدى ~~يديه مفتاح العالم السفلي، وفي اليد الأخرى عصا سحرية. وحول ذلك القصر أحراش من ms61 ~~الأشجار القاتمة، وتمتد بقربه مراعي السرواس، وهو زنبق الموتى. # ينقسم هاديس، المسمى أحيانا إريبوس، إلى عدد من المناطق، يسمى الجزء الأكبر منها ~~أخيرون، باسم النهر المعروف، وتسير في هذه المناطق غالبية الموتى بوجوه مكتئبة مهمومة، ~~وعلى مسافة بعيدة إلى الغرب تقع مملكة إلوسيوم، التي تشبه فكرتنا عن الجنة. ويأتي إلى ~~هذه بعض المحظوظين والمحبوبين من الآلهة، ومنهم مشاهير الشعراء وعظماء الأبطال، ~~ويحكمهم كرونوس المنفي بعد أن هزمه جوبيتر. هنا يعيشون ثانية عصرا ذهبيا، وهناك ~~منطقة تختلف عن هذه المنطقة تمام الاختلاف، وهي منطقة تارتاروس المقيتة المخصصة لمن ~~تريد الآلهة عقابهم. فيعيش هناك أمثال هؤلاء الأشخاص في بؤس وعذاب. # أهم شخصيات هاديس # علاوة على بلوتو وبروسربينا وخارون وكربيروس، هناك سكان آخرون في العالم السفلي. ~~وعندما يراد تقديم أرواح الموتى إلى المحاكمة يقوم ملك هاديس وملكته بدور القضاة. ومن ~~شخصيات هاديس الموحية بالفزع: الغوريات. وهن ثلاث مخلوقات يقمن بخدمة بروسربينا، وكن ~~عذارى مجنحات جدلت شعورهن بالأفاعي، ويتساقط الدم من عيونهن، ويقوم هؤلاء بمطاردة من ~~أفلتوا من العقاب عن الجرائم التي ارتكبوها، وينزلن بهم كل صنوف التعذيب، وأطلق ~~الإغريق عليهن اسم «يومينيديس». # وأما هيكاتي فربة غريبة، هي تيتانة استعادت سلطتها بعد أن قبض جوبيتر على زمام حكم ~~العالم، وكرمها جميع الآلهة. وقد ساعدت كيريس في البحث عن بروسربينا. وبقيت مع ملكه ~~هاديس، وهي التي ترسل جميع الشياطين والأشباح المخيفة من العالم السفلي إلى أرض ~~الأحياء. كانت ربة السحر والعرافة، ويعلن عن قدومها بنباح الكلاب أو هريرها، وهي ~~تشخيص مرعب لظلام الليل، كما كانت ديانا ربة نور القمر المتألق الجميل. # وأما سومنوس (هوبنوس الإغريقي) الذي وصفنا قصره في الباب السابق فهو إله النوم، ~~ويمسك في يده ثمرة خشخاش النسيان، أو بوقا تتساقط منه قطرات النوم، وأخوه التوءم ~~هومورس (ثاناتوس الإغريقي) أو الموت. وكثيرا ما يصور هذا هيئة شاب هادئ مفكر ذي ~~أجنحة، يقف إلى جانب قدر جنائزية مزينة بإكليل جنائزي، ويمسك في يده مشعلا مطفأ. ~~وأما مورفيوس فهو حارس الأحلام التي يحتفظ بها محبوسة ms62 في قصره، كان يرسل الأحلام ~~الخاملة والخداعة من الباب العاجي لقصره، وأما الأحلام التنبؤية وذوات المعنى فيرسلها ~~من الباب القرني. # سكان تارتاروس # يقيم التيتان الذين شنوا الحرب ضد جوبيتر، وهزموا في خلجان تارتاروس البعيدة الغور، ~~وفي أعمق مناطقه، كما يعيش هناك في عذاب دائم أولئك الذين عاقبهم الآلهة، ومن بينهم ~~تانتالوس، وإكسيون، وسيسيفوس، والداناييد. # كان تانتالوس إبان حياته ملكا حبته الآلهة بكثير من النعم، ولكنه رغم هذا اقترف ~~كثيرا من الجرائم، لدرجة أنه قتل ابنه هو نفسه. فلما مات حكم عليه بعقاب لا ينتهي، ~~وجد نفسه واقفا وسط الماء الرائق الذي يكاد يصل إلى ذقنه، وتتدلى فوق رأسه مباشرة ~~أغصان جميع صنوف أشجار الفاكهة، ذوات الثمار الناضحة المغرية. ورغم هذا حكم عليه ~~بالجوع والعطش الدائمين، يحاول دائما أن يرتشف الماء، الذي ما إن يقرب فمه منه، حتى ~~ينحسر، فلا يجد قطرة يروي بها شفتيه اللاهثتين، وإذا أراد أن يسد جوعه ومد يده إلى ~~تلك القطوف الدانية، ابتعدت الأغصان عن متناول يده، وهكذا يظل ظمآن جائعا. # قتل إكسيون حماه؛ كيلا يقدم هدايا الزواج التي جرت العادة على تقديمها في ذلك العصر. ~~وعلاوة على ذلك أبدى احتقارا للآلهة، فربط بالسلاسل في تارتاروس إلى عجلة تتدحرج ~~إلى الأبد في طريق غير منتهية. # شجع سيسيفوس ملك كورنثة التجارة والملاحة، ولكنه اتصف بالجشع والغش. فعوقب عند موته ~~بأن يدحرج كتلة ضخمة من الرخام إلى أعلى تل، فإذا ما بلغ بها القمة بعد تعب مرير، ~~تدحرجت ثانية إلى أسفل عند سفح التل، وعندئذ يعود ليدحرجها إلى أعلى من جديد، وهكذا ~~دواليك. # أما الداناييد؛ فهن بنات داناوس ملك أرجوس اللواتي قتلت كل منهن زوجها في ليلة ~~العرس بتحريض من داناوس. فلما ماتت أولئك النسوة، عوقبن في هاديس بأن يحملن الماء في ~~غربال، وبذا يكون عملهن عديم الجدوى ومستمرا إلى الأبد. # جزر المباركين # كانت إلوسيوم نوعا من الفردوس جاء إليها نوع من البشر المحظوظين، فهي أرض ضوء الشمس ~~الدائم والمريح «لا يسقط فيها برد ولا مطر أو ثلج، ms63 ولا تهب الرياح عليها بصوت مرتفع». ~~يرقد الأبطال والشعراء المنشدون في مراعيها الدائمة الإزهار والأريج العطر، في هناء ~~تام، أو يتجولون في سعادة دائمة. # عندما جاء أينياس إلى جزر السعادة، أثناء رحلته إلى هاديس، كما وصفها فرجيل، وجد ~~سكانها يتنفسون هواء أنقى من هواء العالم العلوي، ورأى كل شيء يغمره ضوء أرجواني، ~~وأن لأرضهم شمسا ونجوما خاصة بها. كما رأى بعض السكان يشتركون في الألعاب الرياضية ~~فوق المروج المعشوشبة، بينما ينهمك آخرون في الرقص والعناء. ويمسك الشعراء المنشدون ~~قيثاراتهم يعزفون عليها ألحانا حلوة. وفي مكان آخر يستريح المحاربون في سلام، وقد ~~صدئت أسلحتهم، ووقفت عرباتهم بغير عمل، ويقيم في هذه الجزر أيضا جميع الشعراء ~~والفنانين الذين باركوا ذاكرتهم بخدمة الجنس البشري. # أورفيوس ويوريديكي # من الشعراء المنشدين الذين تمكن رؤيتهم في إلوسيوم، شاعر ابن أبولو نفسه، كان له مع ~~الموت قصة فذة؛ إذ كان من بين القليلين الذين زاروا هاديس وهم أحياء. # هذا الشاعر هو أورفيوس، الذي ولدته الموزية كاليوبي لإله الشمس. أهداه أبولو القيثارة ~~ولقنه كيفية استعمالها، وسرعان ما برع في العزف عليها، حتى طار صيته، واشتهر بأنه ~~واحد من عظماء شعراء الإغريق المنشدين. سحر بموسيقاه ليس البشر وحدهم، بل ووحوش ~~الحقول المفترسة أيضا، تلك التي لانت أثداؤها بالنغمات التي وقعها على قيثارته. ومما ~~يقال عن عزفه إن الأشجار والصخور تأثرت بها، وحاولت أن تتحرك من مواضعها، وتسير خلف ~~صوت أنغامه الشجية. # كانت يوريديكي فتاة حسناء فاتنة تعيش في تراقيا، أحبها أورفيوس، فوافق الجميع على ~~زواجهما، فعاشا في سعادة عظمى مدة سنة أو سنتين، وبينما كانا يسيران في أحد المراعي ~~لدغ ثعبان يوريديكي. وقبل إمكان إسعافها ماتت بين يدي زوجها، فبخعه الحزن وحطم ~~قلبه، فصار يعبر عن حزنه بالبكاء الحار، والعويل المر، والرثاء المستمر. وأخيرا قرر أن ~~يتبع زوجته إلى مناطق بلوتو المفزعة. فوجد مغارة في أحد أركان بركان، فدخل إليها، ومر ~~خلال عدة ممرات مظلمة وحفر وعرة، إلى أن وصل أخيرا إلى مملكة هاديس. وكان قد أخذ ~~معه إلى ms64 هناك قيثارته الإلهية، فشرع يعزف عليها. فلما رنت موسيقاه العجيبة خلال ~~جنبات تارتاروس، توقف سيسيفوس وإكسيون، ولم يشعرا بعذابهما المستمر، ولمدة لحظة خفت ~~حدة ظمأ تانتالوس وجوعه . # مر أورفيوس خلال سحب الأشباح التي تبعته في هدوء ساحر، ولما وصل إلى عرش بلوتو ~~وبروسربينا، انحنى أمامهما، وبمهارة سحرية قدم طلبه بمصاحبة موسيقى قيثارته. وانحدرت ~~الدموع على خدي بلوتو، وتذكرت بروسربينا، وهي تبكي حقول صقلية المليئة بالأزهار. # توسل أورفيوس إلى بلوتو، قائلا: «امنحني أن تعود زوجتي معي ثانية.» وتساقطت دموع ~~الحزن ساخنة على وجنتيه، وهو يتضرع بقوله هذا. # لم يستطع بلوتو نفسه أن يقاوم مثل هذا التوسل، فاستجاب لتضرع أورفيوس. غير أنه صحب ~~هذه الاستجابة السخية شرط أعلن عندما مثلت يوريديكي أمام بلوتو، وأعيدت إلى ذراعي ~~أورفيوس. # قال بلوتو بلهجة الأمر: «لا تنظر خلفك أثناء مغادرتك هاديس، فإن خالفت هذا الأمر خطفت ~~يوريديكي منك ثانية، وصارت من رعيتي مرة أخرى.» # وعد الزوجان بلوتو بالطاعة، وخرجا في رحلتهما السعيدة إلى أرض الأحياء من جديد. ~~فقاد أورفيوس زوجته بمحبة خلال الطريق الخطر، قادها خلال الكهوف المظلمة والطرق غير ~~المنتهية، وبجانب هوات سحيقة وأمواه خطرة. وأوشكت هذه الرحلة المليئة بالأخطار أن ~~تنتهي عندما وصلا إلى ممر طويل لا يمكنهما السير خلاله إلا واحدا واحدا. فسار ~~أورفيوس في المقدمة يتعثر فوق الصخور التي في طريقه، وبدت نهاية الطريق أمامه، وكان ~~بوسعهما أن يبصرا ضوء الشمس المبارك. # في تلك اللحظة المشئومة تغلب القلق على أورفيوس، وتملكه الخوف من أن تكون يوريديكي قد ~~سقطت أثناء تعثرها في الطريق، أو أن أحد مخلوقات العالم السفلي المفزعة قد أمسك بها ~~واحتجزها، فألقى نظرة خاطفة وراءه، فألفى يوريديكي خلفه تسير في أمان، ولكنها بمجرد هذه ~~النظرة، اختفت وسحبت ثانية إلى مملكة بلوتو، وهي تصيح صيحات مفزعة. كما حاول ~~أورفيوس أن يرجع، ولكنه وجد الطريق خلفه مسدودا بصخرة صلبة ضخمة. لم يعد يجد ~~طريقا بعد ذلك إلى العالم السفلي. # صارت الحياة عديمة القيمة لأورفيوس بعد ذلك، فطفق يجول وهو في أشد حالات ms65 الاكتئاب ~~من بلد إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى ينتظر أن يموت، وذات مرة حاولت إحدى فرق ~~المايناد التابعة لباخوص أن تغريه على الاشتراك معهن في العربدة المخمورة، فرفض رفضا ~~باتا، فغضبن وقذفن الحجارة على رأسه، ولكن موسيقى قيثارته سحرت الحجارة، فسقطت إلى ~~جانبه مبتعدة عن رأسه، فلم يصبه منها أي أذى. فلما رأت المايناد ذلك، أخذن يصرخن ~~بأعلى أصواتهن المرعبة التي طغت على صوت موسيقاه، فأصابته الحجارة من كل جانب، فسقط ~~جريحا ومات متأثرا بجراحه البالغة، ومرة أخرى ذهب إلى هاديس، حيث انضم إلى يوريديكي. ~~فوضع جوبيتر قيثارته بين النجوم. # الباب العاشر # | مغامرات ثلاثة أبطال وصديقين # تجارب برسيوس # كانت داناي فتاة جميلة، أولع بها والدها أكريسيوس ملك أرجوس، ولعا شديدا، وذات ~~يوم استشار وحيا للآلهة، فقيل له: إن حفيده من ابنته سوف يقتله في يوم ما. فلكي ~~يتحاشى أكريسيوس ذلك المصير، حبس ابنته داناي في برج، وحرم على أي إنسان يتصل بها، ~~فيما عدا خدمها المختارين. بيد أن أكريسيوس ما كان ليفلت بهذه الطريقة من المصير الذي ~~قدرته له الآلهة، فأبصر جوبيتر نفسه تلك العذراء وأحبها. وتقول الأسطورة إنه ظهر ~~لها أولا في صورة مطر من الذهب، فلما أكملت مدة حملها، ولدت ابنا اسمه ~~برسيوس. # لما علم أكريسيوس بما حدث، غضب وثار وأربد، وأمر بوضع الأم وطفلها في صندوق خشبي ~~كبير، أحكم إقفال غطائه، وألقى هذا الصندوق بمن فيه في البحر. لم يغص الصندوق، ولكنه ~~ظل طافيا فوق الأمواج يسير في اليم قدما، كما لو أن ربانا غير مرئي يقوده وسط ~~البحر. # وبعد مدة وصل القارب الغريب إلى جزيرة، حيث استقر على شاطئها، فرآه أحد صيادي السمك. ~~ولما فتح غطاءه دهش؛ إذ وجد بداخله الأم وابنها نائمين، وكلاهما في جمال منقطع ~~النظير، فأخذهما إلى بوليدكتيس ملك الجزيرة، الذي رحب بهما وأولاهما كل عناية ~~ورعاية. # رغم هذا، لم تنته متاعبهما بحال ما، فقد وقع بوليدكتيس أسير هو داناي، وألح عليها ~~في أن تتزوجه، ولكنها ظلت ترفض سنة بعد أخرى؛ إذ ms66 انحصر كل همها في تربية ابنها ورعايته. ~~وأخيرا عندما اقترب برسيوس من طور الرجولة، اعتزم بوليدكتيس أن يتخلص منه، أملا في أن ~~تغير أمه رأيها إذا ما أزاح ابنها من الطريق، فأمر ذلك الغلام بأن يحضر له رأس ~~الجورجونة ميدوسا. # كانت ميدوسا مخلوقة فظيعة مرعبة، هي إحدى ثلاث شقيقات، خصلات شعرهن من الأفاعي ~~الدائمة الفحيح، ولهن أجنحة، ومخالب من البرنز، وأنياب ضخمة بارزة، ونظرات تحول كل ~~من ينظر إليهن إلى حجر، ولم يكن بوسع برسيوس أن يتغلب على ميدوسا بمفرده. وعلى ذلك ~~سعى إلى معونة مينيرفا وميركوري، فنصحته مينيرفا بأن يذهب إلى الشقيقات الثلاث ذوات ~~الشعر الأشيب، اللواتي لن يخبرنه بمكان إقامة الجورجونة فحسب، بل ويزودنه بثلاثة ~~أشياء بدونها يكون من العبث محاولة الوصول إلى بغيته. كما أخبرته بالكيفية التي ~~يتسنى له بها أن يسيطر على الشقيقات الثلاث، ويرغمهن على إجابة طلبه؛ إذ لن يخبرنه ~~بشيء من تلقاء أنفسهن. # رحل برسيوس وظل يضرب في الأرض مسافات بعيدة، حتى وصل إلى منطقة منعزلة تعيش فيها ~~الشقيقات الثلاث. فتسلل في هدوء إلى الكهف الذي اعتدن المجيء إليه في وقت الظهر عند ~~اشتداد القيظ، وتختص أولئك الشقيقات بأمر غريب منذ ولادتهن، فلهن عين واحدة يتناوبن ~~النظر بها فيما بينهن، يمررنها من أخت إلى أخرى لترى بها مدة معينة. وفي الوقت ~~الذي تمرر فيه إحداهن العين إلى أختها، يكون الجميع عمياوات. # كمن برسيوس في ركن من ذلك الكهف ينتظر مجيئهن، فلما جئن واسترحن، قالت إحداهن: ~~«هيا يا أختاه، لقد انتهت مدتك، فأعطني العين.» # نزعت الأخت العين من رأسها، وأمسكتها بيدها؛ لتقدمها إلى أختها. في تلك اللحظة مد ~~برسيوس يده، وخطف العين من يدها. # فصاحب الأخت الثانية: «أين العين؟» # عندئذ تكلم برسيوس وقال: «العين معي.» # ارتجفت الشقيقات الثلاث عند سماع صوته، وتوسلن إليه أن يعيد العين إليهن. فأخبرهن ~~بأنه سيعيد العين إليهن عن طيب خاطر إن منحنه أمنية، فرفضن إجابة رغبته في بادئ ~~الأمر، ولكنه هددهن بالانصراف، وتركهن عمياوات إلى الأبد. فأدركن أنه لا خيار ms67 لهن، ~~وعلى ذلك كشفن لبرسيوس عن مخبأ الجورجونات، وأخبرنه بموضع حوريات البحر اللائي سيعطينه ~~الأشياء الثلاثة التي يحتاج إليها، وهي خوذة بلوتو التي تجعله غير مرئي، فتحجبه عن ~~الأنظار، وزوج من النعال المجنحة تمكنه من الطيران بسرعة الريح، ومخلاة ليضع فيها ~~رأس ميدوسا بعد قطعه، وزودته حوريات البحر بنصائح أخرى عظيمة النفع. # بعد ذلك قدم إليه ميركوري مساعدة قيمة، فأعطاه منجلا حادا جدا؛ ليحز به رأس ~~ميدوسا. وهكذا تزود برسيوس بكل ما يلزمه لمعركته المقبلة. فطار بسرعة حتى بلغ جزيرة ~~صخرية في وسط مجرى أوقيانوس، أرضها مغطاة بأعشاب كثيفة كريهة الرائحة، ضارة وعفنة، ~~بينما تسعى الأفاعي القاتلة في كل مكان فوق أرضها. أما الجورجونات فيقمن في مغارة ~~بوسط تلك الجزيرة، وعندما وصل إليهن برسيوس كن نائمات، لم يجرؤ على النظر إليهن ~~مباشرة، بل نظر إلى صورتهن المنعكسة في الدرع المصقولة التي كان يحملها. أمكنه التعرف ~~على ميدوسا؛ لأنها أصغر حجما من شقيقتيها. فأمسك الدرع أمامها، وفصل رأسها بضربة ~~واحدة من المنجل، ووضعه في المخلاة، وطار في سرعة البرق. ما كاد يفعل ذلك حتى استيقظت ~~الجورجونتان الأخريان، فأدركتا مقتل شقيقتيهما. فصرختا غاضبتين، وخرجتا تبحثان عن ~~قاتلها، فلم تبصراه؛ لأن خوذة بلوتو جعلته غير مرئي وهو طائر، وبذا وصل إلى بر ~~الأمان. # إنقاذ أندروميدا # ظل برسيوس يطير لعدة أيام، حتى وصل أخيرا إلى دولة في أثيوبيا يحكمها الملك كيفيوس، ~~وتصادف في ذلك الوقت أن كانت البلاد كلها في حزن بالغ. فقبيل ذلك أخذت كاسيوبيا ملكة ~~كيفيوس تزهو بجمالها، وتمادت في غرورها بأن قالت إنها أعظم جمالا من النيريديات، ~~فغضبت أولئك الحوريات، وطلبن من نبتيون أن يعاقبها، فأجاب نبتيون طلبهن، وأرسل وحشا ~~بحريا ضخما اجتاح البلاد، وعاث فيها تدميرا وتقتيلا، ملتهما كلا من الناس ~~والماشية. # لما يئس الملك استشار وحيا عما يجب عليه أن يفعله؛ لدرء ذلك الخطر، فقيل له إنه لا ~~شيء يزيل غضب الحوريات اللاتي أهينت كرامتهن سوى التضحية بابنته أندروميدا لذلك ~~الوحش. # كانت أندروميدا تفوق أمها جمالا، وعز على أبيها ms68 أن يضحي بها، رغم أن الوحش ينزل ~~إلى الشاطئ يوما بعد يوم، يحدث الدمار بالبلاد، ويفتك بالأهلين ومواشيهم، حتى طفح ~~الكيل. فثار الشعب، واتجهت جموع غفيرة نحو القصر، واقتحمت أبوابه، وصاحت تقول: «ضح ~~بأندروميدا يا كيفيوس، لا بد من التكفير عن ضلالكما!» # إزاء ذلك حدد الملك يوما، تربط فيه أندروميدا بالسلاسل إلى صخرة على الشاطئ ~~انتظارا لمجيء الوحش، كي تخلص البلاد من ذلك الدمار. وفي اليوم المحدد اقتيدت ~~أندروميدا إلى حتفها وهي تبكي، رغم أنها كانت تسير بشجاعة، وبعد أن ربطت إلى الصخرة ~~تركها أهلها وخدمها، والحزن يقطع أفئدتهم؛ لتلقى حتفها على يد ذلك الوحش. # تضرعت أندروميدا إلى الآلهة، وهي تنتظر فوق الشاطئ، أن يأتي حتفها بسرعة. غير أن ~~خلاصها هو الذي كان يسرع إليها عند ذاك، ففي أثناء طيران برسيوس فوق أفريقيا أبصر على ~~الأرض تحته هرجا ومرجا عظيمين، فانقض منخفضا، فشاهد من كثب فتاة جميلة مربوطة ~~بالسلاسل إلى صخرة، فهبط إلى الأرض عند قدميها مباشرة، وخلع قبعة بلوتو؛ كي تستطيع ~~الفتاة رؤيته. فلما رأت شبحا يظهر أمامها فجأة، ارتعدت ولكنه طمأنها وسألها عن خبرها، ~~وعن سبب ربطها بالسلاسل إلى تلك الصخرة. فما إن سمع قصتها حتى اجتاحته رغبة ملحة ~~لينقذها، وانتظر كلاهما مجيء الوحش في سكون. # وفجأة انشقت المياه عن جبال من الزبد، وخرج من وسطها وحش في ضخامة الحوت، شق طريقه ~~مباشرة نحو الصخرة التي ربطت إليها أندروميدا. بيد أنه وجد شابا يمتشق سلاحا ~~براقا يقف في طريقه، فانتحى الوحش جانبا لينقض على برسيوس، ويسحق عظامه بين فكيه ~~الضخمين بمضغة واحدة، ولكنه قبل أن يهم بذلك تلقى طعنة نجلاء في قلبه، جعلت الدم ~~يتدفق منه في نوافير عظيمة، ويصبغ الماء بلون قرمزي في كل ناحية، وعندما استدار الوحش ~~ليبحث ثانية عن برسيوس أصابته ضربة أخرى من أعلى. وعبثا حاول الوحش الهجوم على هذا ~~البطل المجنح، فصار يتلقى الضربة تلو الضربة، حتى خارت قواه فمات، وطفت جثته الضخمة ~~فوق الأمواج. # شاهد الأثيوبيون المعركة، وهم واقفون على مسافة بعيدة، ms69 فأقبلوا مبتهجين، وخلصوا ~~أندروميدا من الصخرة. ولما طلب برسيوس يد أندروميدا، وافق أبواها مسرورين على ~~زواجهما، غير أن عمها فينيوس كان قد وعد بها منذ مدة، فجاء يطلبها الآن رغم أنه لم ~~يحرك ساكنا؛ لتخليصها من ذلك الخطر القاتل. فلم يهتم والداها بطلبه، إلا أنه ظهر فجأة ~~عند وليمة العرس، ومعه جيش ضخم من الأتباع، وحاول خطفها بالقوة. ولما بدا أن برسيوس ~~سيهزم أخرج هذا رأس ميدوسا بسرعة، فتحول فينيوس وأتباعه إلى حجارة. # عودة برسيوس # زود كيفيوس برسيوس وزوجته بسفينة جميلة انطلقت بهما نحو الجزيرة التي تقيم فيها ~~داناي، فوجد برسيوس أن أمه اضطرت إلى الالتجاء إلى معبد للآلهة؛ فرارا من مغازلات ~~بوليدكتيس الذي حاول تجويعها كي تخضع إليه. فلما علم بوليدكتيس بعودة برسيوس جمع جيشا ~~هاجمه به، ولكن برسيوس أظهر رأس ميدوسا مرة ثانية، فحول أعداءه إلى أحجار، وهكذا ~~أطلق سراح أمه، وأقام شقيق بوليدكتيس ملكا على الجزيرة، وأعاد إلى الشقيقات الثلاث ~~ذوات الشعر الأشيب الأشياء التي استعارها منهن. وقدم رأس ميدوسا إلى مينيرفا، ومنذ ذلك ~~الحين تضع هذه الربة رأس الجورجونة على درعها المعروفة بالأيجيس. # بقي لنا من قصة برسيوس أن نوضح الكيفية التي قتل بها جده أكريسيوس، محققا بذلك ~~نبوءة وحي الآلهة. والآن رغم الطريقة التي عامل أكريسيوس ابنته داناي، فإنها ما زالت ~~تحبه. وبما أن برسيوس رغب أيضا في رؤية جده، أبحر الاثنان لزيارته في السفينة التي ~~أهداهما إياها كيفيوس. # علم أكريسيوس أن ابنته داناي وحفيده لم يموتا وما برحا على قيد الحياة، وأنهما في ~~طريقهما إليه لزيارته. فامتلأ خوفا؛ خشية أن تتحقق نبوءة الوحي أخيرا، فأسرع بمغادرة ~~البلاد. ولما وصل برسيوس وأمه إلى أرجوس وسألا عن الملك، لم يعرف أحد إلى أين ~~ذهب. # أراد برسيوس أن يقطع الوقت ريثما يعود جده، فعزم على مشاهدة مباراة في الألعاب ~~الرياضية في دولة مجاورة. واشترك هو نفسه هناك في كثير من المباريات، ونال عدة جوائز. ~~لم يعرفه أحد، وأعجب الجميع ببراعته وكفاءته وقوته، وقبيل نهاية المباريات أقيمت ~~مباراة ms70 قذف الجلة، فتقدم برسيوس؛ ليختبر مهارته في تلك اللعبة، ولكنه عندما رفع القرص ~~الحجري الثقيل، وهم بقذفه، انزلق من يده وطاش جانبا، فقتل رجلا عجوزا جاء ليشاهد ~~المباريات. وعلم من أتباع ذلك الرجل أنه أكريسيوس ملك أرجوس الذي لقي حتفه المقدر له ~~رغم فراره منه. # حزن برسيوس حزنا شديدا لوقوع ذلك الحادث، ونقل الجثة إلى أرجوس، حيث دفنت هناك في ~~جنازة لائقة بها. وبعد انتهاء مراسم الحداد تبوأ برسيوس عرش أرجوس، حيث عاش في سعادة ~~عدة سنوات يحكم خلالها بالحكمة والعدل. # أوليات مغامرات ثيسيوس # لما سئم أيجيوس ملك أثينا هموم الحكم وأعبائه، ذهب لقضاء بعض الوقت في بلاط صديقه ~~بيتثيوس ملك ترويزن. فالتقى هناك بابنة ذلك الملك الحسناء، الأميرة أيثرا، فأحبها على ~~الفور، وطلب يدها من أبيها، وهكذا تزوج أيجيوس أيثرا، فأنجبت له ابنا سمياه ثيسيوس ~~ليكون وارث عرش أثينا. # وأخيرا وجد أيجيوس لزاما عليه أن يعود إلى أثينا، ويستأنف مسئولياته. وعندئذ قرر ~~أنه من الأفضل أن يترك ثيسيوس في قصر جده، بدلا من أن يأخذه إلى مدينة أثينا الصاخبة، ~~وزيادة على ذلك سيكون عند جده بمأمن أكثر من متناول يد أعداء الملك الكثيرين. # قال أيجيوس لأيثرا: «عندما يستطيع هذا الغلام أن يرفع ذلك الحجر الضخم القائم عند ~~مدخل الغابة، ويجد السيف الموضوع تحته، أرسليه إلي.» # انتظر ثيسيوس على أحر من الجمر، حتى يأتي الوقت الذي يستطيع فيه أن يختبر قوته. ~~وأخيرا جاء يوم ذهب فيه ثيسيوس إلى الغابة، واختبر قوته، وناضل بعنف مع ذلك الحجر، ~~فزحزحه قليلا. وحاول مرة أخرى فدحرج الحجر بعيدا، في بطء، فوجد تحته سيفا جميل ~~النقش، وزوجا من النعال. # فقالت أيثرا لابنها: «ترك لك أبوك هذه الأشياء. إنه ملك أثينا، وبينه وبين أخيه ~~عداوة؛ لذا خشي عليك القتل إن ذهبت إليه قبل أن تنضج قوتك، وتكفي لأن تساعدك على أن ~~تأخذ ما هو لك. اذهب إليه الآن، وعسى أن تحافظ عليك الآلهة.» # عندما أراد ثيسيوس السفر، نصحه جده بأن يأخذ الطريق الأقصر والأكثر أمنا في ms71 ذهابه ~~إلى أثينا. غير أن ذلك الصبي كان يتلهف إلى إثبات رجولته، فاختار طريقا مليئا بكثير ~~من الأخطار. وقد التقى بهذه الأخطار، بمجرد أن بدأ السير في ذلك الطريق، فالتقى أولا ~~بقاطع طريق أعرج عظيم القوة اسمه بريفتيس، يقال إنه ابن فولكان، فما إن أبصر ذلك اللص ~~ثيسيوس يسير في الطريق، حتى انقض عليه في وحشية بالغة، وهوى عليه بهراوة حديدية ~~ضخمة. بيد أن ثيسيوس انتحى جانبا ليتحاشى الضربة، وفي لمح البصر هجم على ذلك اللص ~~وقتله. # التقى ثيسيوس، بعد ذلك، بلص آخر يدعى بروكروستبس، وكان ضخم الجسم كأنه عملاق، وشرس ~~الأخلاق. فإذا ما قبض على عابر سبيل سيئ الحظ، حمله على كتفه وذهب به إلى وكره، حيث ~~يوجد سرير حديدي يضع فوقه المسافر المسكين، فإن كان السرير أقصر منه، بتر أعضاءه؛ ~~ليلائم طول السير. وإن كان السرير هو الأطول، شد أعضاءه حتى يصبح ذلك المنحوس الطالع، ~~بطول السرير، ولكن ثيسيوس برهن على أنه أكثر من ند له. وبعد أن هزم بطلنا ذلك ~~العملاق، عاقبه بمثل عمله، فساواه بطول سريره. # ثيسيوس والمينوطور # لما وصل ثيسيوس إلى أثينا، وذهب إلى الملك، تعرف هذا الملك على السيف الذي تركه ~~لابنه، فرحب به مسرورا، وأعلن في الحال أنه وارث العرش. # في ذلك الوقت كانت أثينا في حزن بالغ؛ إذ تضطر هذه المدينة في كل سنة إلى أن ترسل ~~جزية إلى كريت، عبارة عن سبعة شبان وسبع فتيات من الشباب الفائق الجمال والقوة؛ كي ~~يكونوا طعاما للمينوطور، ذلك الوحش الغريب الذي نصفه لثور ونصفه الآخر لرجل. # يعيش ذلك المينوطور في وسط متاهة لا يمكن أن يخرج منها من يدخلها، دون أن يعرف سر ~~بنائها. # فلما سمع ثيسيوس قصة هذه الجزية، طلب اختياره واحدا من الشبان السبعة، وعبثا توسل ~~والده أيجيوس لكي يثنيه عن عزمه. أصر ثيسيوس على أنه إما أن يقتل المينوطور، أو يموت ~~في محاولته، ولكن أيجيوس طلب منه معروفا واحدا. ~~«إن عدت سالما فاستبدل الأشرعة السود لسفينتك بأشرعة بيض؛ كي أعرف أنك ms72 انتصرت على ~~المينوطور.» # وعد ثيسيوس أباه بذلك، وأبحر إلى كريت، حيث مثل جميع الشبان والفتيات أمام الملك ~~مينوس، الذي أدهشته جرأة ثيسيوس وتطوعه مختارا أن يكون من بين أفراد الجزية، ولكنه أكد ~~له أنه لن يقدم له أي عطف زيادة على ما يقدم لزملائه. # قال مينوس: «يجب أن تقابلوا حتفكم غدا.» # شاءت الظروف أن تكون أريادني ابنة مينوس جالسة إلى جانبه، فامتلأت إشفاقا على هذا ~~البطل الصغير الجميل، وعقدت عزمها على أن تنقذه رغم قرار أبيها. فلما أقبل الليل، ~~تسللت سرا إلى الحجرة التي حبس فيها الأسرى الأثينيوس، وكشفت لثيسيوس عن شخصيتها، ~~وهربت إليه شيئين دون أن يعلم بهما أحد. أمدته بسيف باتر وكرة من الخيط، وطلبت منه أن ~~يكون بالغ الجرأة. # وفي الصباح التالي، قاد الحراس ثيسيوس وزملاءه إلى المتاهة حيث أدخلوهم إليها، ~~وأقفلوا الباب وراءهم. غير أنهم لم يلاحظوا ثيسيوس، وهو يربط أحد طرفي الخيط بقائم ~~الباب الخارجي، فسار الأثينيون ببطء في طرقات المتاهة، وهم يبكون آملين ألا يلتقي بهم ~~المينوطور. أما ثيسيوس فكان وحده هو المحتفظ برباطة جأشه ومرحه، غير خائف ولا وجل. ~~وأخيرا سمعوا الصوت المدوي لتنفس ذلك الوحش الذي ما إن شم رائحة الدم البشري، حتى جاء ~~يسعى مقتربا أكثر فأكثر، وانقض إلى داخل الحجرة التي يقبع فيها الأسرى الأثينيون ~~يرتجفون ذعرا ويبكون. # كان ثيسيوس واقفا بالمرصاد، شاهرا سيفه استعدادا للقتال حتى الموت. فلما أبصره ~~الوحش وثب ليهجم عليه، ويرفعه فوق قرنيه، ولكن ثيسيوس تحاشى تلك الهجمة، وانتحى ~~جانبا يضرب الوحش بسيفه، ففصل إحدى أرجله. فارتمى الوحش على الأرض كأنه البناء ~~المشمخر، وعندئذ عاجله ثيسيوس بطعنة من حسامه، فغيب النصل في قلبه. # أسرع ثيسيوس يتبعه الأسرى وهم ما زالوا يرتجفون، يقتفي طريق الخيط، حتى وصل إلى ~~الباب، فوجد أريادني واقفة تنتظر لترحب به، وقد امتقع وجهها من طول الانتظار. فصاحت ~~تستقبله فرحة مغتبطة، وأسرعت به وبزملائه إلى السفينة التي أحضرتهم، وكانت لا تزال ~~راسية هناك تنتظر، وما إن ركبوها جميعا حتى رفعت مراسيها على الفور، ms73 وأسرعت إلى عرض ~~البحر فرارا من ساحل كريت، قبل أن يدرك مينوس ورجاله ما حدث. # مغامرات ثيسيوس الأخرى # شاء سوء الحظ ألا يقدم ثيسيوس الشكر لأريادني التي كانت السبب في نجاته هو وأصحابه، ~~وإنما تركها في جزيرة ناكسوس، وهو في طريق عودته إلى وطنه. ويقال إنه فعل هذا بأمر من ~~باخوص، الذي ظهر في تلك الجزيرة، بعد ذلك بوقت قصير، وأخذ أريادني زوجة له. وزيادة ~~على ذلك، فلما اقترب ثيسيوس من أثينا، نسي وصية والده، فلم يستبدل بالأشرعة السود ~~بأخرى بيض. وكان الملك العجوز واقفا على الشاطئ يراقب الأفق يوما بعد يوم؛ أملا في ~~أن يكون ثيسيوس قد هزم المينوطور بطريقة ما. وأخيرا، لمح الأشرعة من مكانه على ~~الشاطئ، فوجد أنها ما زالت سوداء، فأحزنه ذلك المنظر حزنا شديدا أفقده صوابه، فألقى ~~بنفسه في البحر. # ندم ثيسيوس على سهوه هذا، حيث لا ينفع الندم، ولكن الأهلين رحبوا به ملكا على أثينا، ~~فحكم هناك عدة سنوات. وكانت حياته زاخرة بالمغامرات، ففي إحدى المرات مثلا قبض على ~~إحدى الأمازونات، وهن أمة من النساء المحاربات، فجعلها ملكته. فشنت زميلاتها الحرب ~~عليه شعواء، ولكنهن لما شاهدن زوجته تساعده في المعركة، غضبن وقتلنها. وبعد أن مضى على ~~هذا زمن ما، تزوج شقيقة أريادني المسماة فايدرا. # مغامرات بلليروفون # كانت الخيمايرا وحشا مفزعا، إنها مخلوق غريب يلقي الرعب في القلوب؛ إذ كان خليطا ~~من عدة وحوش. كان جزء من جسمه لأسد، وجزء آخر لعنزة، وأرجله الخلفية لتنين وأنفاسه من ~~النار. كان يعيش في لوكيا محدثا أضرارا جسيمة. فبحث ملك البلاد المسمى أيوباتيس في ~~جميع بلاد الإغريق عن بطل يمكنه الفتك بهذا الوحش. وأخيرا، جاء بلليروفون ابن ملك ~~كورنثة لزيارته، فلما سمع عن الخيمايرا تطوع بأن يحاول قتلها، فقبل أيوباتيس عرضه ~~واستعد بلليروفون للمعركة. # رغم ذلك، فقبل أن يخرج بلليروفون لقتل الخيمايرا، استشار وحيا للآلهة، فقيل له أن ~~يضمن أولا أن يساعده في المعركة جواد مجنح اسمه بيجاسوس، نشأ من دم الجورجونة ~~ميدوسا. وفي وقت لاحق قبضت مينبرفا ms74 على ذلك الجواد، وقدمته إلى الموزيات. فطلب ~~بلليروفون معاونة مينبرفا، فأهدته اللجام الذهبي، وقادته إلى الينبوع الذي اعتاد ~~بيجاسوس أن يذهب إليه في كل ليلة ليشرب من مائه. وبمساعدة ذلك اللجام، استطاع بلليروفون ~~أن يقبض على الجواد، ويخشعه لسيطرته. فامتطى هذا البطل صهوته فصعد به في الجو، ولما ~~أبصر الخيمايرا أمكنه أن يمطرها بوابل من سهامه من كل جانب؛ وذلك ليتجنب الاحتراق ~~بأنفاسها النارية. وهكذا تغلب عليها وقتلها. # ويحكى أن بلليروفون أخذ يملأ شدقيه زهوا بسيطرته على ذلك الجواد المجنح، وركب ~~رأسه لدرجة أنه حاول أن يطير به إلى أوليمبوس، لولا أن جوبيتر أرسل ذبابة خيل لدغت ~~بيجاسوس، وهو طائر في أعالي الجو، فجفل بعنف وأوقع بلليروفون من فوق السرج، فمات هذا ~~البطل الشاب، وعاد الجواد إلى خدمة الموزيات. # دامون وبوثياس # من أشهر أبطال العصور القديمة صديقان حميمان نالا إعجاب الناس، وصارا مضرب الأمثال في ~~الوفاء. إنهما دامون وبوثياس. # من المعقول جدا أن يكون هذان الرجلان حقيقيين وعاشا في عصر واحد. تقول القصة إنهما ~~كانا من رعايا الطاغية ديونيسيوس حاكم سيراكوز بصقلية إبان القرن الخامس قبل بداية ~~عصرنا. اشتهر دامون وبوثياس بالحكمة ودماثة الخلق، غير أنه لا توجد سجلات تؤكد ذلك. ~~وذات يوم أثار بوثياس غضب ذلك الطاغية، فحكم عليه بالإعدام. فقبل الحكم بشجاعة، ولكنه ~~طلب من ديونيسيوس أن يسمح له بمهلة يذهب فيها إلى بلده؛ ليسوي أموره. فأجابه الطاغية ~~إلى طلبه على شرط أن يضمنه شخص ما، فإن لم يحضر في الموعد المحدد قتل ذلك الشخص بدلا ~~منه. فتطوع دامون بأن يبقى رهينة حتى يعود بوثياس، وبذا يضمن الطاغية عودته. # سمح الطاغية لبوثياس بالانصراف، ولكنه حذره مغبة عدم عودته بقوله: «سمحت لك بهذه ~~المهلة، ولكن يجب أن تعود في الساعة كذا يوم كذا، وإلا أعدم صاحبك مكانك.» # رحل بوثياس إلى بلده الواقع على مسافة بعيدة، وسوى أموره هناك، وقسم ممتلكاته بين ~~أقاربه، وخرج من هناك عائدا إلى سيراكوز، ولكن لسوء الحظ تأخر في الطريق أثناء عودته ~~لأسباب خارجة عن ms75 إرادته. لقد فاض نهر وامتلأ حتى حافته بالماء، وكان على بوثياس أن ~~يعبره. فناضل بجد حتى عبره. كما هبت عاصفة عاتية جعلت السير في الطريق متعذرا، ~~فطفق يشق طريقه بصعوبة وهو يجاهد بأقصى ما في مكنته. وأخيرا بعد كل هذه المشاق، وصل ~~إلى سيراكوز في اللحظة الأخيرة من المهلة المحددة. وبينما كان السياف يرفع يده بالسيف ~~ليهوي به على عنق دامون، فيفصل رأسه عن جسده؛ إذ ببوثياس يشق طريقه وسط الجموع، وهو ~~يلهث من كثرة الجري، وصاح يقول: «أوقف سيفك! ها أنا ذا قد حضرت!» وركع أمام السياف مكان ~~دامون ليتلقى الضربة القاضية، ولكن ديونيسيوس امتلأ دهشة وإعجابا لوفاء هذين ~~الصديقين، فصفح عن بوثياس، وطلب أن يكونا من أصدقائه. # الباب الحادي عشر # | مغامرات هرقل # مولد هرقل وحياته المبكرة # ما من بطل في العصور القديمة نال من الشهرة ما نال هرقل (هيراكليس الإغريقي)، هو ابن ~~جوبيتر وألكميني الطيبية. وقد دأبت جونو على عداء أبناء جوبيتر من زوجاته الأخريات، ~~ولكن عداوتها لهرقل فاقت كل حد؛ إذ كانت متأصلة وتتصف بالقسوة القاتلة. وقد رتبت الأمور ~~قبل مولد هرقل لكي تمنعه حكم مملكة، وبينما هو في مهده، أرسلت ثعبانين ليخنقاه، ولكن ~~الولد هرقل كان قويا جدا قوة خارقة، فما كان منه إلا أن أمسكهما في يديه ~~وخنقهما. # تلقى هرقل في شبابه تعليما في جميع فنون الرجال، وتدرب على أيدي خيرة معلمي بلاد ~~الإغريق، فلقنه أمفتريوس ملك طيبة ابن ألكايوس، # 1 # وحفيد برسيوس، والذي اشتهر بأنه والده، لقنه دروسا في فن قيادة العربات. ~~وعلمه أوتوليكوس بن ميركوري المصارعة، وعلمه الملك يوريتوس الرماية، وعلمه كاستور الذي ~~هو أحد أبناء جوبيتر كيفية الصمود في القتال العنيف. ولقنه لينوس بن أيولو دروسا في ~~الغناء والعزف على القيثارة، ودربه رادامانثوس، الذي بسبب أخلاقه الحميدة، صار فيما ~~بعد أحد قضاة العالم السفلى، دربه على الحكمة والفضيلة، ولكن هرقل في شبابه ورجولته، ~~كان يفتقر إلى ضبط النفس، ففي إحدى سورات غضب مفاجئة قتل معلمه لينوس. # نفى أمفتريون هرقل؛ بسبب جريمة قتل ms76 معلمه، إلى الريف، حيث جعله يرعى الماشية. فنما ~~وترعرع في الخلاء، واطرد نمو قوته يوما بعد يوم. وفي ذلك الوقت بدأ يقوم بأعمال مدهشة ~~تنم عن فرط القوة والجرأة، فقتل الأسد الثيسبي، الذي ظل وقتا طويلا يفتك بقطعان ~~الأغنام في الجهات المجاورة. ومنذ ذلك الحين، أخذ هرقل يرتدي جلد هذا الأسد، وجعله ~~لباسه العادي. وكان يحمل هراوة ضخمة قطعها بنفسه من شجرة قريبة من منطقة ~~نيميا. # زواج هرقل وجنونه # قضى هرقل حياته كلها في خدمة زملائه البشر. ويحكى أنه رأى حلما في حياته المبكرة: ~~رأى سيدتين تقفان في مفترق الطريق. # قالت إحدى السيدتين لهرقل: «أنا السرور، وعندي لك عدة هدايا. أهبك سهولة العيش والترف ~~والثروة، والأصدقاء الشكورين، والبيت السعيد، والأولاد الذي يخلدون اسمك ويتذكرونك. لن ~~تحتاج إلى شيء، ولن تقاسي أية مشقات، ولن تعرف الحزن إطلاقا، فتعال معي.» # وقالت الأخرى: «أنا الواجب، اخترني تكن المشقة دائما في ركابك، وستكون الراحة غريبة ~~عليك، وكثيرا ما ستعاني الألم، ويمزق الحزن قلبك. ومع ذلك فسيتذكرك البشر بالشكر، ~~وعرفان الجميل. ستكون بطل شعبك وسيخلدون اسمك إلى الأبد، فتعال معي.» # لم يتردد هرقل في حلمه، بل سار في طريق الواجب، وأحيانا يطلق على الواجب اسم ~~«اختيار هرقل». # تحقق كل ما وعدته به الواجب. # فلما رجع هرقل من منفاه راعيا، ساعد أخاه غير الشقيق إيفكليس وأباه بالتبني أمفتريون ~~في حرب شناها لتحرير مدينتهما. ورغم أن أمفتريوس قتل في هذه الحرب، إلا أن العدو هزم ~~هزيمة نكراء بفضل بسالة هرقل، فنال مكافأته يد الأميرة ميجارا، فعاش وقتا ما سعيدا ~~معها ومع أولاده منها. # أطلت جونو من أوليمبوس إلى الأرض، فلم تطق رؤية هرقل في سعادة ورغد عيش، فأرسلت ~~إليه جنونا جعله يقتل أولاده وهو في غمرة جنونه، كما قتل اثنين من أولاد أخيه إفكليس. ~~غير أن مينيرفا أشفقت عليه، فأرسلت إليه نوما عميقا أنقذه من اقتراف جرائم أخرى. ~~فلما استيقظ من نومه، كان سليم العقل معافى. فحزن حزنا عميقا على ما فرط ~~منه. # أعمال هرقل الستة الأولى ms77 # عرف هرقل أن مجرد الحزن لا يكفي، فسعى إلى تطهير نفسه بطرق أخرى. فاستشار الحكماء ~~والكهنة ووحي الآلهة. وأخيرا فرض على نفسه حكما قاسيا، أن يخدم ابن عمه الملك ~~يوريسثيوس، وينفذ أوامره مهما تكن، وذلك لمدة اثني عشر شهرا. وفي تلك الأثناء أوحت ~~جونو إلى يوريسثيوس بعدة أعمال يفرضها على هرقل، فتسبب له معاناة وإهانة ~~بالغتين. # العمل الأول: # أمر يوريسثيوس هرقل بأن يقتل أسد نيميا، ذلك الوحش الكاسر الضخم الذي ~~روع الأهلين، وقتل الناس والماشية، ولم تفلح في القضاء عليه أية ~~هجمات قام بها سكان منطقة نيميا. كما أمر بأن يحضر إليه ذلك الأسد ~~مقتولا، فانطلق هرقل إلى تلك المنطقة، وأخذ يبحث في كافة أرجائها، ~~حتى وجد ذلك الضرغام، فنشب بينهما قتال مفزع. ووجد هرقل أن سهامه ~~وهراوته الضخمة ليست كافية لقتل هذا الأسد. فألقى البطل قوسه وعصاه ~~جانبا، وهجم على الوحش بيديه القويتين فخنقه حتى مات، فحمله على ~~كتفيه، وذهب به إلى يوريسثيوس كما طلب، فارتعد هذا الأخير فرائص ~~وأعضاء؛ لرؤية ذلك الوحش الغضنفر. # العمل الثاني: # أمر هرقل بأن يقتل الهيدرا، أو أفعوان ليرنا. فلما التقى به من كثب ~~وجد له تسعة رءوس، فإذا ما ضرب بعصاه رأسا منها فأطاح به، نبت ~~مكانه على الفور رأسان آخران جديدان. أما الرأس الأوسط فكان خالدا، ~~قاوم كافة الجهود التي بذلها هرقل لقطعه، فلاح لهرقل أن جهوده كله تذهب ~~أدراج الرياح، ولكنه لم يعدم حيلة، فاستعان بابن أخيه أيولاوس الذي ~~صحبه في هذه المرة. فربط الأفعوان إلى شجرة ضخمة، وأوقد نارا تحت ~~رءوسه القابلة للفناء، فالتهمت النار الرءوس الجديدة بمجرد نموها، ~~حتى أتت عليها جميعا، ولم يبق للأفعوان سوى الرأس التاسع الخالد، ~~فدفنه هرقل تحت صخرة عاتية. وانتفع بدم ذلك الأفعوان بأن غمس فيه ~~سهامه فسممها. # العمل الثالث: # القبض على الوعل الأركادي، ذلك الحيوان العجيب البالغ السرعة، ذي ~~القرون الذهبية والأظلاف البرنزية. خرج إليه هرقل يبحث عنه حتى وجده، ~~فظل يطارده مدة عام كامل دون جدوى؛ بسبب سرعته العظيمة. وأخيرا وبعد ~~لأي ms78 استطاع هرقل أن يجرح ذلك الوعل جرحا بسيطا، وبذا قبض عليه ~~وحمله على كتفيه، وذهب به إلى يوريسثيوس. # العمل الرابع: # صيد الخنزير الإريمانثي، طلب يوريسثيوس من هرقل أن يحضر له ذلك ~~الحيوان حيا. وكان هذا الخنزير بالغ الشراسة، عاث في تلك المنطقة ~~الريفية تحطيما وتدميرا، وأتى على اليابس والأخضر. فطارده هرقل وسط ~~الثلوج العميقة المتراكمة على الجبل الذي يعيش فيه هذا الخنزير، وظل ~~يطارده وهو يراوغه، وأخيرا أمسكه في شبكته الضخمة، وحمله إلى سيده ~~يوريسثيوس. # العمل الخامس: # تنظيف حظائر أوجياس ملك إليس. كان لهذا الملك قطيع يتكون من ثلاثة ~~آلاف ثور، ظلت حظائرها لا تنظف لمدة عدة سنوات، حتى تراكمت فيها ~~الأقذار إلى درجة لا تطاق. فلما كلف هرقل بتنظيفها، سد نهري ألفيوس ~~وبينيوس، وجعلهما يصبان مياههما في تلك الحظائر. فأخذت المياه ~~المتدفقة تجرف الأقدار أمامها شيئا فشيئا، حتى نظفتها تماما، ~~وعندئذ أعاد هرقل النهرين إلى مجرييهما الأصليين مرة أخرى. # العمل السادس: # قتل الطيور الستمفالية، تلك الطيور التي كانت تحت الرعاية الخاصة ~~للإله مارس، كانت مخالب وأجنحة ومناقير هذه الطيور من البرنز. فإذا ما ~~هاجمت عدوا أو فريسة استخدمت ريشها سهاما، وكانت جشعة تفضل لحوم ~~البشر على كل ما عداها من الأطعمة. وكانت تعيش في بحيرة قرب منطقة ~~ستمفالوس في أركاديا، فأمر يوريسثيوس هرقل بأن يطرد تلك الطيور من ~~مأواها ويقتلها. فطلب هرقل مساعدة مينيرفا، فزودته بمصلصلة عظمى ~~أزعج صوتها تلك الطيور، فانطلقت من مجاثمها تطير من جو السماء. وعندئذ ~~أخذ هرقل يصوب إليها سهامه حتى قتلها جميعا. # أعمال هرقل الستة الأخيرة # العمل السابع: # القبض على الثور الكريتي الجميل، الذي أهداه نبتيون إلى مينوس ملك ~~كريت، وصار فيما بعد بالغ الضراوة. فأمر هرقل بالقبض عليه، ففعل ~~وحمله على كتفيه القويتين، حتى دخل به على يوريسثيوس، فتركه في ~~قصره. # العمل الثامن: # القبض على أفراس ديوميديس، ذلك الملك القاسي الذي كان يطعم خيوله ~~لحوم البشر. فاستعان هرقل ببعض أصدقائه، وأمسك بتلك الخيول، وسار بها ~~مرتحلا إلى وطنه. فطاردهم ديوميديس وأتباعه، فنشبت بينهم ms79 معركة انتصر ~~فيها هرقل، وسقط ديوميديس صريعا. فألقى هرقل بجثته إلى خيوله، فما أن ~~التهمت لحم سيدها، حتى رجعت أليفة ترفض أكل لحم الإنسان. # العمل التاسع: # كان هذا العمل بالغ الصعوبة بحق، وهو الحصول على زنار هيبوليتي ~~ملكة الأمازونات، أولئك النسوة المحاربات اللواتي أسسن مدينة خاصة ~~بهن في آسيا الصغرى. وكانت هيبوليتي قد أهداها مارس زنارا غاية في ~~الجمال. فتلهفت أدميتا ابنة يوريسثيوس إلى امتلاك هذا الزنار الفريد. ~~فحثت أباها على أن يأمر هرقل بإحضاره، وبعد عدة مغامرات، وصل هرقل ~~أخيرا إلى مملكة الأمازونات، فاستقبلته هيبوليتي بالترحاب، ووعدته بأن ~~تهدي إليه ذلك الزنار، ولكن جونو اتخذت صورة إحدى الأمازونات، وأدخلت ~~في روع تابعات هيبوليتي أن هرقل سيأخذ ملكتهن أسيرة، فهاجمهن هرقل الذي ~~ظن هناك خيانة من هيبوليتي، فقتلها وأخذ الزنار، وقفل راجعا إلى وطنه، ~~حيث قدم الزنار إلى يوريسثيوس. # العمل العاشر: # القبض على ثيران جيريون، ذلك العملاق ذي الثلاثة الرءوس، والذي يعيش ~~في جزيرة إروثيا الصغيرة وغير المعروفة جيدا. كان جيريوس هذا ضخم ~~الجسم عظيم القوة ومسلحا بأسلحة قوية. ويساعده في حراسة قطعان ماشيته ~~الكبيرة عملاق آخر اسمه يوروتيون، وكلب ذو رأسين. ظل هرقل مدة طويلة ~~يبحث عن جزيرة إروثيا، مارا بعدة بلاد منها حدود أوروبا، ولكي يضع ~~علامة تبين مدى تقدمه. وضع جبلين شاهقين كأعمدة أطلق عليهما الأقدمون ~~اسم «أعمدة هرقل»، وأطلق عليهما المحدثون اسم «جبل طارق». ولما ضايقت ~~حرارة تلك المنطقة هرقل، أطلق بعض سهامه نحو الشمس. فأعجب إله الشمس ~~بجرأته، وأعطاه قاربا من الذهب يقود نفسه تلقائيا؛ ليبحث به عن ~~جزيرة إروثيا. فلما وصل إليها قتل جيريوس ويوروتيون والكلب، وشحن ~~الثيران في قاربه السحري، وعاد به إلى شاطئ بلاد الإغريق، حيث أعاد ~~القارب ثانية إلى الشمس. # العمل الحادي عشر: # إحضار تفاح الهسبيريديات الذهبي. لم يعرف هرقل موضع التفاح الذهبي ~~المقدس، ولكنه كان يعلم أن الشجرة التي تثمر ذلك التفاح يحرسها تنين ~~دائم اليقظة، فلا يسمح لأي فرد بأن يمر من هناك، كما أن لديه مناعة ~~ضد الجروح. ms80 وزيادة على هذا، كان يعرف أن أطلس، ذلك التيتان الذي يحمل ~~السماء فوق كتفيه، يقيم بالقرب من الحديقة التي بها ذلك التفاح، وأن ~~بنات أطلس الهسبيربديات، يرقصن باستمرار حول تلك الشجرة التي تثمر ذلك ~~التفاح العجيب. وبعد تجوالات طويلة، عثر هرقل على أطلس، فرجاه أن يذهب ~~معه، ويقطف له بعضا من ذلك التفاح. فوافق أطلس على أن يأتيه بالتفاح ~~إن حمل ثقل السماء بدلا منه، ريثما يجيئه ببغيته. فقبل هرقل وحمل ~~السماء، وانصرف أطلس وعاد بعد فترة قصيرة، ومعه عدة تفاحات ذهبية، ~~ولكنه رفض أن يحمل ثانية حمله القديم؛ إذ ابتهج بحريته. وكان راضيا ~~تمام الرضا بأن يحل هرقل محله إلى الأبد. # قال أطلس مقهقها: «سآخذ التفاح إلى يوريسثيوس بدلا منك، وأخبره ~~بأنك لا تستطيع إحضاره له بنفسك.» # تظاهر هرقل برضاء عن فكرة أطلس، وقال: «ولكن حمل السماء ليس موضوعا ~~على كتفي بطريقة مريحة.» قال هذا، وهو يتململ ويحرك الحمل بعدم ~~ارتياح، ثم مضى يقول: «أمسك السماء لحظة واحدة فحسب، ريثما أضع جلد ~~الأسد كوسادة فوق ظهري.» # لم يشتبه أطلس في وجود خدعة، فحمل السماء ثانية. وما إن استقرت على ~~كتفيه، حتى خطف هرقل التفاح الذهبي من يديه، وودعه مبتسما. # العمل الثاني عشر: # والأخير من الأعمال التي كلف بها هرقل، لم يكن أقل مشقة من أي عمل ~~سابق. كلف هرقل بإحضار الكلب كربيروس من العالم السفلي. وهنا أيضا ~~اضطر هرقل إلى طلب مساعدة الآلهة. فصحبه في رحلته المخيفة إلى مملكة ~~هاديس كل من مينيرفا وميركوري. فرحب بلوتو بطلبه أن يأخذ كربيروس معه ~~إلى العالم العلوي، على شرط ألا يستخدم أية أسلحة ضد كلبه ذي الرءوس ~~الثلاثة، والذي يحرس العالم السفلي. فناضل هرقل مع الكلب بقوته المجردة ~~فحسب، وأخيرا تمكن من إخضاعه، وحمله إلى يوريسثيوس؛ لكي يفحصه فحسب، ~~ثم أعاده ثانية إلى المناطق السفلى. # حياة هرقل الأخيرة # تروى عدة حكايات أخرى عن هرقل الذي أصبح البطل القومي لبلاد الإغريق. عاد إليه ~~الجنون مرة أخرى، فقتل صديقه إفيتوس. ولكي يكفر عن هذه ms81 الجريمة، فرض على نفسه أن يخدم ~~عبدا لمدة ثلاث سنوات، فوضع نفسه في هذه المرة تحت إمرة امرأة هي الملكة أومفالي. ~~ويحكى عنها أنها لكي تظهر سيطرتها على هرقل، أمرته بارتداء ثياب النساء، ويغزل الصوف، ~~بينما لبست هي جلد الأسد. # عندما ربط بروميثيوس بالسلاسل إلى صخرة في القوقاز، وجد تعزية واحدة أدخلت السرور على ~~نفسه، وهي أن واحدا من نسل جوف نفسه سيأتي ويخلصه من قيوده. وهذه الحادثة التي قررتها ~~الأقدار تحققت في الوقت المناسب، عندما أبصره هرقل أثناء قيامه بإحدى رحلاته، فامتلأت ~~نفسه إشفاقا على هذا التيتان الذي قاسى مثل هذا العذاب؛ بسبب خدمته للبشر. وصمم على ~~قتل الطائر الجارح الذي كان يتغذى بلحم بروميثيوس. فنفذ ما أراده، وخلص واهب النار ~~البشر من سلاسله. وفي رحلة أخرى التحم هرقل مع أنتايوس أحد أولاد نبتيون؛ إذ تحداه في ~~القتال، فوجد هرقل أنه في كل مرة يطرح خصمه أرضا، ينهض هذا وقد تضاعفت قوته بعد ~~الاتصال بالأم الأرض. وعلى ذلك رفعه هرقل في الهواء، وظل يخنقه حتى أخضعه. # تزوج هرقل ديانيرا ابنة أوينيوس، وشقيقة ملياجر، تلك التي جاءه الموت عن طريقها. فذات ~~مرة وصل هرقل وديانيرا إلى مخاضة نهر، حيث كان القنطور نيسوس ينقل الناس خلالها نظير ~~أجر. وكان بوسع هرقل نفسه أن يعبر ذلك المجرى بغير عناء، أما ديانيرا فجعل نيسوس يحملها ~~فوق ظهره ليعبر بها النهر. وكانت ديانيرا ذات جمال بارع، فلما أبصرها نيسوس بدلا من ~~أن يحملها إلى الضفة الأخرى للنهر، استدار بها واتجه نحو المغارة التي كان يعيش فيها، ~~فأمسك هرقل قوسه، وهو واقف على الضفة الأخرى. وأطلق منها سهما اخترق قلب نيسوس، وبينما ~~هذا الأخير يلفظ آخر أنفاسه، همس إلى ديانيرا، وأخبرها بأن دمه تعويذة سحرية للحب، ~~تساعدها على الاحتفاظ بحب زوجها لها. # صدقت ديانيرا نيسوس بغباء. وذات مرة عندما تأججت نار الغيرة في فؤادها؛ إذ لاحظت ~~اهتمام هرقل بفتاة أسيرة، فغمست ثوبا سيلبسه هرقل في دم نيسوس الذي كانت تحتفظ به لوقت ~~الحاجة. غير أن ms82 ذلك الدم كان في الحقيقة سما قاتلا. فلما ارتدى البطل ذلك الثوب، ~~امتد شره إلى لحمه؛ إذ التصق الثوب بجسمه، وظل يذيب لحمه مسببا له آلاما مبرحة قاتلة . ~~وعبثا حاول هرقل أن ينزع الثوب عن جسده، فصعد إلى جبل وجمع كومة من الأخشاب، ورقد ~~فوقها لتكون كومته الجنائزية. ثم أمر بإشعال النار فيها، إلا أن جوبيتر تدخل في اللحظة ~~الأخيرة. فخطفه إلى أوليمبوس، حيث تصالح مع جونو، فأعطته ابنتها هيبي ليتزوجها. # الباب الثاني عشر # | البحث عن الجزة الذهبية # كيف بحث جاسون عن مملكته # يحكى أنه كان في أيولكوس بتساليا، ملك يدعى أيسون سئم الحكم، غير أن ابنه جاسون كان ~~لا يزال صغيرا، ولا يمكن أن يلبس التاج، وعلى ذلك عين أيسون أخاه غير الشقيق بيلياس ~~نائبا للملك، على شرط أن يسلم مقاليد الحكم إلى جاسون عندما يبلغ هذا الغلام سن الرشد. ~~وفي تلك الأثناء عهد أيسون بتعليم ابنه جاسون إلى القنطور خيرون، وانسحب هو إلى قرية ~~بعيدة. # مرت الأيام وتعاقبت السنون، ونمت سلطة بيلياس، ولم يعبأ بوعده لأخيه أيسون ولا بالصبي ~~جاسون، واعتبر نفسه ملك أيولكس، وكذلك اعتبره جيش أتباعه. لم يحسن بيلياس سياسة الحكم، ~~فانتابته الشكوك في بعض الأوقات، ولكي يطمئن على حكمه، ويريح باله مما يساوره من قلق، ~~عزم على أن يستشير وحيا، فتلقى هذا الرد الغريب: ~~«لا تخش إلا رجلا يلبس فردة حذاء واحدة!» # حار بيلياس في تفسير هذا الرد، ولكنه قرر أن ينتظر، ويرى ما سوف يتمخض عنه ~~المستقبل. وتصادف في أحد الأعياد العظمى لنبتيون، أن أرسل بيلياس الدعوة إلى كل فرد في ~~جميع أنحاء البلاد؛ ليشترك في ذلك العيد. وفي نفس الوقت الذي كانت تقوم فيه الاستعدادات ~~لهذا العيد، كان جاسون قد صار شابا يافعا عظيم القوة والمهارة، فعزم عن أن يطالب عمه ~~بالعرش الذي هو من حقه. فسار إليه مرتحلا عدة أيام، وقبل أن يصل على أيولكوس، أبصر ~~أمامه مجرى ماء يتدفق تيار الماء فيه بسرعة خطرة. # لم يتطرق الخوف إلى نفس جاسون، بل ms83 أخذ يعبر ذلك المجرى. وعندما قارب الوصول إلى الضفة ~~الأخرى، اصطدمت قدمه بصخرة نانئة في قاع المجرى، فحاول تخليص قدمه منها، ولكنه عندما ~~وصل إلى اليابسة وجد أنه فقد فردة حذاء تحت الماء. فهز كتفيه واستمر في سيره إلى ~~المدينة دون أن يتوقف؛ ليحصل على فردة حذاء أخرى. # وهكذا وصل جاسون إلى عمه الملك بيلياس، وكان جالسا فوق عرشه في الساحة العامة وسط ~~حاشيته. فاتجه إليه جاسون مباشرة، وانحنى له في احترام بالغ. # صاح جاسون يقول: «أهلا أيها الملك!» ومد يد اليمنى ليصافح بيلياس، فتألق في إحدى ~~أصابعه خاتم من الياقوت عظيم القيمة. كان أيسون قد خبأه عند خيرون، وأوصاه بأن يعطيه ~~ابنه عندما يبلغ هذا أشده، ليكون دليلا على سلطته الملكية. # أحدق بيلياس نظره إلى الجوهر الملكي فتعرف عليه، غير أن ما أقلقه وبلبل أفكاره، ~~وغرس الخوف في قلبه، هو أنه عندما اتجه ببصره إلى الأرض ألفى جاسون يلبس فردة حذاء ~~واحدة، فتذكر تحذير الوحي، ولكنه أخفى مخاوفه وتظاهر بالترحيب بابن أخيه في ابتسام ~~زائف. ومر يوم بعد يوم، ولم يحاول بيلياس أن يسلم التاج إلى جاسون. وأخيرا ذكره جاسون ~~في جرأة بحق الميراث، وبأنه أصبح الحاكم الشرعي لأيولكوس، وليس بيلياس. # فسأل جاسون عمه بقوله: «متى ستتنازل عن السلطة يا عماه؟» # صمت بيلياس بعض الوقت، يفكر في وسيلة يتخلص بها من هذا الشاب الخطر. لم يجرؤ على أن ~~يقتله؛ لأن مواطني المدينة قد رحبوا بفكرة أن يكون ملكهم ابن أيسون الطيب، بدلا من ~~بيلياس الظالم. # وأخيرا أجاب بيلياس يقول: «يبدو لي، يا ابن أخي أنه لا يليق أن يتحمل شاب عديم ~~التمرين، وغير محنك في أساليب الدنيا وخداعاتها، عبء مثل هذا الحكم العظيم. ألا ~~تعتقد أنه من الأفضل أن تتلمذ أولا على الأخطار والمشاق؟ وبعد ذلك يمكنك أن تصير بحق ~~ملكا حكيما ونبيلا.» # كان جاسون أكثر من متلهف إلى الرحيل للقيام ببعض المغامرات قبل الاضطلاع بأعباء ~~الحكم، فوافقته هذه الفكرة كثيرا، وصاح يقول في لهفة: «حدد لي عملا يبرهن ms84 على ~~مقدرتي! سأنجز أي عمل تأمرني به، مهما يكن شاقا!» # ابتسم بيلياديس في نفسه؛ إذ رأى جاسون يسلم إليه نفسه في حماس الشباب الوثاب، فأجاب ~~في رفق: «لا يليق بشاب جريء مثلك إلا عمل واحد: البحث عن الجزة الذهبية. أحضر لي هذا ~~التذكار البراق، وعندئذ أعلم يقينا أنك جدير بأن تحكم على أيولكوس بدلا مني.» # خيل إلى بيلياس أنه سيتخلص من جاسون إلى الأبد بإرساله في هذه المهمة العسيرة. كانت ~~الجزة الذهبية فراء كبش عجيب أهداه ميركوري إلى الملكة نيفالي قبل ذلك بعدة سنوات؛ ~~ليحمل طفليها فريكسوس وهيلي إلى بر الأمان عندما هددهما الموت. # ما إن ركب الطفلان الصغيران ذلك الكبش، حتى ارتفع بهما على الفور في الجو، وأخذ ~~يحلق خلال الهواء بقوة السحر متجها نحو الشرق. غير أنه حدث وهو طائر فوق المضيق ~~الفاصل بين أوروبا وآسيا أن اختل توازن هيلي، فوقع وسمي ذلك المضيق هيليسبونت ~~(ويسمى الآن الدردنيل)، وأنزل الكبش فريكسوس بسلام في كولخيس، حيث استقبله ملكها ~~بالترحاب. وبعد ذلك قدم هذا الغلام ذلك الكبش ذبيحة لجوبيتر، وأعطى الملك جزته الذهبية، ~~فوضعها هذا في مغارة مقدسة، ويقوم بحراستها تنين دائم اليقظة لا يعرف النوم. # هذا هو الكنز الذي خرج جاسون ليفوز به، فسار قدما وهو مبتهج ومتلهف إلى القيام ~~بمغامرته العظمى. فطلب من أرجوس، الذي هو أمهر بنائي السفن في ذلك الوقت، أن تبنى ~~له سفينة بها مقاعد لخمسين مجذفا. وأرسلت مينيرفا إلى جاسون كتلة خشبية من شجرة بلوط ~~مقدسة؛ ليصنع منها حيزوم السفينة على صورة رأس سيدة لها القدرة على الكلام. فلما تم ~~بناء السفينة سميت الأرجو، وسمي طاقمها ملاحي سفينة الأرجو. لم يصحب جاسون معه أي ~~بحار عادي في رحلته هذه، وإنما أرسل الدعوة إلى جميع أبطال بلاد الإغريق؛ كي ينضموا ~~إليه، فلما علموا بالأخطار التي كان عليه أن يواجهها جاءوا إليه بصدر رحب. # وهكذا صحبه في هذه الرحلة كاستور وبولوكيس التوءمان اللذان صارا بعد ذلك إلهي ~~الملاكمة والمصارعة، وأورفيوس الشاعر المنشد الإلهي الذي لم ينزل ms85 إلى هاديس حتى ذلك ~~الوقت، وزيتيس وكالايس العداءان السريعا الأقدام، وهرقل والصياد أركاس. والصيادة ~~أتالانتا، ونستور ذو الرأي السديد في المجالس، وبيليوس وتيلامون الشابان المحاربان، ~~وأدميتوس الذي صار فيما بعد ملكا وسيدا لأبولو، وثيسيوس، وكثير غير هؤلاء. # رحلة الأرجو # أقلع جاسون من أيولكوس في يوم طاب هواؤه، وقامت جموع غفيرة على الشاطئ لتودعه وتدعو ~~له بالتوفيق والحظ الحسن. فأسرعت السفينة تمخر عباب اليم، كأنها طائر يشق طريقه عبر ~~الهواء، فوصلت بعد عدة أيام إلى لمنوس التي جميع سكانها من النساء اللواتي يقمن بكافة ~~الأعمال. ولما غادروا هذا البلد ذهبوا إلى أمة الدوليونيس، الذين استقبلوهم أولا ~~بالحيطة والشك، ثم عاملوهم كأصدقاء. # يقال إنهم فقدوا هرقل وبحارا آخر في منطقة البحر الأسود؛ بسبب حادث غريب. فقد انكسر ~~بعض مجاذيف السفينة، فنزل هرقل إلى البر؛ ليبحث عن أخشاب ليصنع منها مجاذيف جديدة. ونزل ~~معه غلام يدعى هولاس كان خادمه، وكان هرقل يحبه كما لو كان ابنه. ولما أحس هرقل بالظمأ ~~أمر غلامه بأن يذهب إلى أقرب مجرى ماء، ويأتيه منه ببعض الماء. # ذهب هولاس إلى بركة ماء عذب صغيرة وسط غابة، تظللها الأشجار الباسقة، وتحيط بها ~~الأزهار الرقيقة العطرة. فلما انحنى ليملأ جرته بالماء أبصرته الحوريات اللائي يعشن في ~~تلك البركة، وعلى الفور سحرهن جماله، فلم يكن في العالم كله من يبذ هولاس جمالا. ~~فأسرعن صاعدات من البركة، وأمسكن بيده في رفق ودعونه إلى كهوفهن القائمة تحت الماء. ~~وبأصواتهن الشبيهة بخرير الماء وحفيف أوراق الأشجار، أدخلن النوم إلى رأسه، فأغمض ~~أجفانه رغما منه، وعندئذ جذبنه ببطء إلى أسفل وسط الأمواج المعانقة التي لم تخرجه ~~بعد ذلك إطلاقا. # لما طال انتظار هرقل، ولم يرجع هولاس، ذهب يبحث عنه وسط الغابة مذعورا، ولم يكف عن ~~البحث رغم اعتراض الأبطال الآخرين. وبعد مدة اضطروا إلى ترك هرقل على الشاطئ، وأبحروا ~~بسفينتهم، فظل هرقل عدة أيام يبحث عنه في كل مكان دون جدوى، وأخيرا عاد حزينا إلى ~~بلاد الإغريق. # بعد بضعة أيام، وصل الأبطال إلى دولة أخرى ms86 كان ملكها يفخر كثيرا بمهارته في ~~الملاكمة، فكان يشترط على كل غريب يطأ أرض بلاده أن ينازله في شوط ملاكمة. وعادة كان ~~الشوط ينتهي بموت الغريب؛ إذ كان هذا الملك موفور القوة، عظيم المهارة في الملاكمة. ~~وهكذا فرض هذا الشرط على طاقم الأرجو، وأمرهم بأن يختاروا من بينهم بطلا ~~ينازله. # أخذ الملك يزهو ويتمشدق بقوته وبراعته، فقال: «ربما احتجتم بعد قليل إلى اختيار بطل ~~آخر.» # لم يتنافس الأبطال في اختيار البطل الذي سينازل ذلك الملك؛ فقد كان بولوكس ماهرا في ~~الملاكمة تلقى دروسه فيها عن الآلهة أنفسهم، فلم يستغرق الشوط بينه وبين الملك وقتا ~~طويلا. فبعد فترة قصيرة لقي الملك نفس المصير الذي لقيه كل من لاكمه قبل ذلك، ومع ~~هذا فلم تعجب نتيجة المباراة هذه أهل وطنه، فقاموا في الحال يهاجمون بحارة الأرجو الذين ~~اضطروا إلى قتل الكثير منهم قبل العودة إلى سفينتهم. # سرعان ما وصلت الأرجو إلى منطقة يقيم بها عراف اسمه فينيوس، اتصف بمنتهى القسوة على ~~أهل بيته هو نفسه، فعاقبته الآلهة بالعمى، ونقلته إلى أرض يسكنها وحشان من جنس يطلق ~~عليه اسم الهاربيات، أجسامهن ورءوسهن لنساء وأقدامهن وأجنحتهن لطيور جارحة. واسم هذين ~~الوحشين «ذات الأقدام العاصفة» و«السريعة الأجنحة». كانت هاتان الهاربيتان تنتظران؛ حتى ~~تضع أيد غير مرئية وجبة الطعام أمام فينيوس، فتخطفان خير جزء منها وتلتهمانه. وهكذا ~~كان فينيوس يعيش في جوع دائم. وعد فينيوس هذا أبطال الأرجو بأن يزودهم بالنصائح ~~الغالية اللازمة لرحلتهم، والتي تجنبهم كثيرا من المشاق والأخطار إن هم خلصوه من ~~هاتين الهاربيتين الضاريتين. # كان زيتيس وكالايس ابني بورياس (الريح الشمالية)، ويستطيعان الحركة في سرعة الريح؛ إذ ~~كانت لهما أجنحة الرياح. فوعداه بمساعدتهما إن هو أقسم لهما بأن يعامل أهله برفق طول ~~حياته. فأقسم لهما بأغلظ الأيمان. وعلى ذلك، فعندما جاءت الهاربيتان هاجماها من الجو، ~~وبعد معركة طويلة طرداهما، ولكي يجازيهما فينيوس على هذا الصنيع أخبر الأبطال بأنهم ~~سرعان ما سيصلون إلى صخرتين خطرتين يطلق عليهما اسم سومبليجاديس أو الجزيرتين ~~المتصادمتين، وأخبرهم بكيفية ms87 المرور بينهما، كما زودهما بنصائح قيمة أخرى. # وبعد نصف يوم وصل الأبطال إلى الصخرتين اللتين حذرهم فينيوس منهما. وكانتا بحق ~~عجيبتين وخطرتين، فلم تكونا مثبتتين إلى قاع البحر، وإنما كانتا دائمتي التحرك ~~والاصطدام إحداهما بالأخرى. ولا يعرف أي إنسان متى سيحدث التقاؤهما المخيف، ولكن جاسون ~~عمل بنصيحة فينيوس، فأطلق حمامة عندما بدأت الصخرتان تقتربان، فاستطاعت الحمامة أن تمرق ~~من بينهما في نفس اللحظة التي اصطدمتا فيها. وعندما افترقت الصخرتان بسرعة، أسرع ~~الأبطال بالتحذيف، فانطلقت الأرجو في سرعة الحمامة، ومرقت من بين الصخرتين بسلام. ولما ~~نظر الأبطال خلفهم رأوا الصخرتين ثابتتين لا تتحركان. وما عادتا طافيتين على سطح ~~المحيط، إذ كانت هناك نبوءة تقول بأنه إذا مرت أية سفينة بسلام من بين هاتين الصخرتين ~~التصقت الصخرتان في قاع البحر. # الفوز بالجزة الذهبية # وصلت الأرجو إلى كولخيس بعد ذلك بوقت غير طويل. فألقى مراسي السفينة، ونزل إلى البر ~~وسط الجموع المدهوشة فوق الشاطئ، الذين لم يسبق لهم أن شاهدوا سفينة بمثل هذا الحجم ~~الضخم. فطلب من الأهلين أن يذهبوا به إلى الملك أييتيس، الذي رحب به، وأمره بأن يوضح له ~~الغرض من مجيئه إلى أرض كولخيس. # فقال جاسون في صراحة تامة: «جئت من أجل الجزة الذهبية؛ إذ بدونها لن أكون ملكا على ~~بلدي.» وشرح للملك كيف أن بيلياس اشترط عليه ألا يسلمه المملكة إلا إذا جاءه بالجزة ~~الذهبية. # كان أييتيس داهية، ولم يشأ أن يجر على شعبه هجوم أبطال الأرجو، إذا ما صرح برفضه ~~تسليم ما جاء جاسون يطلبه. ولم يعتزم بحال ما أن يعطيه تلك الجزة الذهبية، ورد على ~~جاسون بقوله: «لا تحسبن، أيها الشاب، أن الجزة الذهبية تعطى لأي فرد بمجرد أن يطلبها. ~~ولا شك في أنك تعلم يقينا أن تذكار الآلهة هذا محفوف بكثير من الأخطار. إذن فأصغ إلى ~~الشروط التي يمكنك بها أن تفوز بالجزة الذهبية، غدا يجب أن تأخذ الثورين اللذين يحتفظ ~~بهما مارس في معبده، فتربطهما إلى المحراث، وتزرع أنياب التنين.» # وافق جاسون على تنفيذ هذين ms88 الأمرين، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه من المحتمل أن ~~يصحبهما خطر قاتل، وبينما هو ساهر في تلك الليلة فوق ظهر الأرجو؛ إذ انتابه السهاد، فلم ~~تذق عيناه طعم النوم. ظهرت أمامه فجأة فتاة نحيلة الجسم تضع على وجهها خمارا أسود، ~~فظنها الربة مينيرفا أو غيرها من الربات ساكنات أوليمبوس تقف أمامه، ولكن سرعان ما ~~طمأنه صوت رقيق. # قالت الفتاة المقنعة: «أنا ميديا ابنة الملك أييتيس، رأيت اليوم، وكلي إشفاق عليك، ~~كيف أن والدي قد جرك بمكر إلى شرك قاتل، فلن تستطيع أبدا، بغير مساعدة، أن تسيطر ~~على الثورين، ولا أن تزرع أنياب التنين. ومع ذلك فسأعاونك إن قبلت مساعدتي.» # فصاح جاسون متلهفا يقول: «ساعديني، ثم اهربي معي إلى مملكتي، حيث تصبحين ~~ملكتي.» # والحقيقة أن هذا هو عين ما كانت تفكر فيه ميديا عندما ذهبت إليه، وعندئذ وافقت على ~~اقتراحه وهي مسرورة. # همست إليه تقول: «هاك مرهما سحريا يجب أن تدهن به جسمك قبل أن تذهب إلى الثورين، ~~وبذا تكتسب مناعة لمدة يوم واحد ضد النار وضد الجروح. وهكذا لن يتمكن ثورا مارس من ~~حرقك بالنار التي ينفثانها من خياشيمهما، ولن تؤذيك حوافرهما البرنزية. أما أنياب ~~التنين، فاعلم أنه سيخرج منها رجال مسلحون يتحرقون شوقا إلى القتال، وعلى هذا يجب أن ~~تستعمل معهم هذه الخطة.» # وهنا انحنت على جاسون، وأخبرته بصوت خفيض ماذا يفعل؛ ليتجنب خطر المحاربين الخارجين ~~من أنياب التنين. # وفي اليوم التالي خرج الملك إلى الساحة العامة، وقد تجمع فيها حشد كبير من الشعب ~~لمشاهدة جاسون، وهو يقوم بهذين العملين. ولشد ما كانت دهشة أييتيس عظيمة عندما ذهب ~~البطل الإغريقي الشاب إلى مغارة مارس، وكله ثقة، وأمسك بالثورين المخيفين، دون صعوبة ~~وربطهما إلى المحراث، وبدا أنه لم يهتم بالنيران المنبعثة من خياشيمهما على جسمه، ~~وقادهما إلى الساحة. # تناول جاسون، من يد الملك المرتعشة، خوذة مليئة بأنياب التنين، وشرع يسير جيئة ~~وذهابا يزرع أنياب التنين في الأخاديد التي يشقها المحراث. فإذا ما تغلغلت جذورها في ~~الأرض خرج منها خمسون ms89 محاربا قويا، كل منهم كامل التسلح بالفولاذ ويشهر سيفا. وجعلت ~~صيحاتهم العنيفة المدوية السماء ترتجف وجموع المشاهدين ترتعد. # وعلى حين غرة، دون أن يلاحظ المحاربون ولا أييتيس ، قذف جاسون حجرا وسطهم، فسقط ~~محدثا صوتا فوق درع أطول محارب فيهم. فثارت ثائرته من شدة الغضب، وانبرى إلى جاره. ~~وقبل أن ينطق أيهما بكلمة واحدة، انقض عليه بسيفه فشطره. وإذ كان سائر الباقين ~~يتلهفون إلى القتال، اتخذت المعركة جانبين. وفي بضع لحظات زلزلت الأرض من الضربات ~~النازلة على كلا الجانبين. وكلما وجد جاسون فرصته اشترك في القتال بسيفه، ولم يمض وقت ~~طويل حتى سقط جميع المحاربين على الأرض صرعى، فساد السكون فجأة. # رأى الملك أن جاسون قد هزمه في أول جولة، متحاشيا بواسطة شيء غامض، ذلك الفخ القاتل ~~الذي أزمع إيقاعه فيه، ولكنه فضل أن يقتل جاسون وأتباعه على أن يعطيه الجزة الذهبية، ~~فوضع خطة محكمة لهجوم عنيف يقوم به على الأرجو عند الفجر الباكر. # أدركت ميديا، بطريقة ما، ما ينوي أبوها فعله، فوضعت خطتها لتهزمه في الجولة الثانية ~~أيضا. فلما أرخى الليل سدوله، تسللت تحت جنح الظلام إلى جاسون، وصحبته إلى الكهف ~~المعلقة به الجزة الذهبية فوق شجرة يرقد تحتها تنين مريع، ولكن رغم سيرهما في هدوء ~~وصمت، فإن وقع أقدامهما على الحشائش أيقظ التنين، وفي لحظة هب منتصبا متيقظا، ومد ~~رأسه الشامخ إلى الأمام، وبرزت صفوف أنيابه، ولكنه عندما سمع صوت ميديا المهدئ، وهي ~~التي تعودت أن تضع له الطعام أرهف أذنيه يصغي. # فقالت له: «هاك وجبة شهية.» وألقت إليه ببعض من الطعام الذي اعتاد تناوله، فالتهمه ~~بجشع، وكانت قد مزجت ذلك الطعام بعقار منوم، فما كاد يبتلعه، حتى ارتمى على الأرض يغط ~~في سبات عميق. # فأسرع جاسون فخطف الجزة الذهبية الثمينة، وهرب بها مع ميديا إلى السفينة، حيث كان ~~الأبطال ينتظرونه ممسكين بالمجاذيف. فانطلقت بهم السفينة فوق الأمواج تشق طريقها إلى ~~خارج الميناء، وبجهد بالغ أفلتت من مطاردة أييتيس. # ويحكى عن جاسون وطاقم الأرجو، أنهم التقوا في طريق عودتهم ms90 بمغامرات أخرى. وفي إحدى ~~هذه المغامرات لم ينقذهم من سحر السيرينيات إلا أنغام أورفيوس. # لما عاد جاسون إلى أيولكوس وعرض الجزة الذهبية على بيلياس، تذرع هذا الأخير بحجة ~~ما أو بأخرى مماطلا في تسليم العرش لابن أخيه. وكانت بنات بيلياس يعرفن أن ميديا ~~ساحرة، ولها السيطرة على الموت والحياة، فتوسلن إليها أن تحضر لهن جرعة سحرية تعيد إلى ~~أبيهن شبابه من جديد، فتظاهرت بالموافقة، ولكنها أعطتهن سما زعافا قضى على بيلياس ~~بمجرد تناوله، وهكذا صار جاسون ملكا، فقدم الأرجو قربانا إلى نبتيون. أما الجزة ~~الذهبية فعلقها في معبد مينيرفا كي يأتي الشبان في كل عصر، ويشاهدوها فتوحي إليهم ~~بحب المغامرات والشجاعة مقتدين بجاسون. # | عظيمة هي الأساطير # الأسطورة في نظر الشخص الوضيع قليلة المعنى، لكنها عظيمة في نظر الشخص ~~النبيل. # جون روسكين # يوجد جوبيتر أينما نظرت، وحينما تحركت. # لوكان # أيتها الخالقة فينوس، يا قوة الحب المتأصل، وبهجة البشر على الأرض والآلهة في ~~السماء. # درايدين # يا إله القوس الذهبية والقيثارة الذهبية، ويا ذا الشعر الذهبي، والنار ~~الذهبية. # كيتس # تترك أورورا المحيط الآخر، وتخضب بالحمرة سماء الشرق. # كاتولوس # ما أسهل النزول إلى أفيرنوس، غير أن المرء إذا ما أراد أن يعود أدراجه إلى ~~الهواء العلوي، وجد ذلك صعبا شاقا. # فرجيل # ما هي درع الجورجونة ذات الرأس الثعباني التي لبستها مينيرفا الحكيمة ~~والعذراء التي لا تقهر؟ # ميلتون # أتبحث عن نظير لهرقل؟ لا أحد سواه هو نفسه. # سنيكا # تدلت خصلات شعرها المشمسة، فوق صدغيها كأنها جرة ذهبية. # شكسبير ms91