######OpenITI# #META# URI: 1418AminSalama.AwqatCasiba.Hindawi97951825 #META# Tags: novels #META# ID: 97951825 #META# Title: أوقات عصيبة #META# AuthorID: 14791716 #META# Author: تشارلز ديكنز #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 16952470 #META# Translator: أمين سلامة #META# Related_books: 1286CharlesDickens.HardTimes (TRANSL) #META#Header#End# # كلمة المترجم‏ # الجزء الأول: الغرس‏ # 1 - الشيء الوحيد المطلوب‏ # 2 - قتل الأبرياء‏ # 3 - مخرج‏ # 4 - المستر باوندرباي‏ # 5 - كوكتاون‏ # 6 - فنون سليري بالخيول‏ # 7 - مسز سبارسيت‏ # 8 - لا تتعجب إطلاقا‏ # 9 - تقدم سيسي‏ # 10 - ستيفن بلاكبول‏ # 11 - لا طريق للخروج‏ # 12 - المرأة العجوز‏ # 13 - راشيل‏ # 14 - الصانع العظيم‏ # 15 - الأب وابنته‏ # 16 - الزوج والزوجة‏ # الجزء الثاني: المحصول‏ # 1 - أعمال المصرف‏ # 2 - المستر جيمس هارتهاوس‏ # 3 - الكلب الصغير‏ # 4 - رجال وإخوة‏ # 5 - الرجال والرؤساء‏ # 6 - الرحيل‏ # 7 - البارود‏ # 8 - الانفجار‏ # 9 - سماعها لآخر مرة‏ # 10 - سلم مسز سبارسيت‏ # 11 - إلى أسفل وإلى أسفل‏ # 12 - إلى أسفل‏ # الجزء الثالث: الحصاد‏ # 1 - شيء ضروري آخر‏ # 2 - قرار حاسم‏ # 3 - المفقود‏ # 4 - عثر عليه‏ # 5 - ضوء النجم‏ # 6 - مطاردة الكلب‏ # 7 - فلسفة‏ # 8 - الخاتمة‏ # كلمة المترجم‏ # الجزء الأول: الغرس‏ # 1 - الشيء الوحيد المطلوب‏ # 2 - قتل الأبرياء‏ # 3 - مخرج‏ # 4 - المستر باوندرباي‏ # 5 - كوكتاون‏ # 6 - فنون سليري بالخيول‏ # 7 - مسز سبارسيت‏ # 8 - لا تتعجب إطلاقا‏ # 9 - تقدم سيسي‏ # 10 - ستيفن بلاكبول‏ # 11 - لا طريق للخروج‏ # 12 - المرأة العجوز‏ # 13 - راشيل‏ # 14 - الصانع العظيم‏ # 15 - الأب وابنته‏ # 16 - الزوج والزوجة‏ # الجزء الثاني: المحصول‏ # 1 - أعمال المصرف‏ # 2 - المستر جيمس هارتهاوس‏ # 3 - الكلب الصغير‏ # 4 - رجال وإخوة‏ # 5 - الرجال والرؤساء‏ # 6 - الرحيل‏ # 7 - البارود‏ # 8 - الانفجار‏ # 9 - سماعها لآخر مرة‏ # 10 - سلم مسز سبارسيت‏ # 11 - إلى أسفل وإلى أسفل‏ # 12 - إلى أسفل‏ # الجزء الثالث: الحصاد‏ # 1 - شيء ضروري آخر‏ # 2 - قرار حاسم‏ # 3 - المفقود‏ # 4 - عثر عليه‏ # 5 - ضوء النجم‏ # 6 - مطاردة الكلب‏ # 7 - فلسفة‏ # 8 - الخاتمة‏ # | أوقات عصيبة # | أوقات عصيبة # تأليف # تشارلز ديكنز # ترجمة # أمين سلامة # | كلمة المترجم # بكل فخر يسعدني أن يكون لي شرف ترجمة هذا العمل الجليل القيم الذي كتبه في يوم من الأيام ~~تشارلز ديكنز، ذلك الروائي الإنجليزي الذي ولد عام 1812م ومات عام 1870م، والذي ذاع صيته حتى ~~أصبح واحدا من أشهر كتاب الرواية في إنجلترا. # وحسب معلوماتي فإن تشارلز ديكنز لم ms01 تبدأ شهرته الأدبية إلا بعد أن نشر انطباعاته عن لندن في ~~كثير من المجلات الدورية. ولقد بدأ في تأليف رواياته الطويلة عام 1838 الذي كتب فيها روايته ~~المشهورة «أوليفر تويست» ثم أعقبها بقصص «دافيد كوبرفيلد» والتي كتبها عام 1850، وتلي ذلك كتابته ~~لرواية «أوراق بكويك» التي كتبها في الفترة بين 1836، 1837. ولعل أروع ما جاد به قلم هذا ~~الروائي الممتاز روايته المشهورة «قصة مدينتين» وتدور كلها حول الثورة الفرنسية. وإن كنت أفتخر ~~بأنني قرأت كل هذه الروايات بالإنجليزية، إلا أنه يسعدني أن أفيد القارئ بأن المكتبة العربية ~~تزخر بترجمات رائعة بالعربية لهذه الأعمال الفائقة الجودة والشهرة. # وكما كتب تشارلز ديكنز الرواية الطويلة وحاز فيها قصب السبق، إلا أنه تعرض للقصة القصيرة ~~وعالجها بكفاءة نادرة. # وأول ما تتميز به روايات ديكنز وقصصه ثراؤها الواسع بالوصف الدقيق للشخصيات وبعرضها الثري ~~للحياة الاجتماعية في مختلف صورها، وبما فيها نزعة عاطفية، وانتقاد للشرور الاجتماعية، مثل السجن ~~من أجل الديون، ومماطلات القضاء، وسوء التعليم. # ومن الجدير بالذكر أن كتابات ديكنز عجلت بالإصلاح في ميادين كثيرة. # وتعتبر رواية «أوقات عصيبة» التي كتبت عام 1854 من أشهر وألمع ما كتب تشارلز ديكنز. # أملي أن تلقى هذه الترجمة الأولى لهذا العمل الخارق الجودة، والبالغ المتعة ما تستحقه من ~~ترحيب وتقدير، لعلني بذلك أقدم يد المساعدة للقارئ العربي وجميع طلاب مصر من الذين يدرسون هذه ~~الرواية. ولقد أردت بترجمتها معاونتهم على فهم المتن الإنجليزي حتى تعم الفائدة ويتحقق ~~المنشود، وحتى يقرأها أكبر عدد ممكن من طلاب المعرفة ومن عاشقي تشارلز ديكنز، ذلك الروائي العظيم ~~على مدى الأيام والقرون. # والله ولي التوفيق! # أمين سلامة # 1 / 1 / 1993 # الجزء الأول # | الغرس # الباب الأول # | الشيء الوحيد المطلوب # «ما أريده هو الحقائق. لا تلقن هؤلاء الأولاد والبنات شيئا غير الحقائق. ولا نحتاج، في ~~الحياة إلى أي شيء سوى الحقائق. لا تزرع شيئا آخر، واقتلع كل ما عداها. لا يمكنك تكوين ~~عقول الحيوانات العاقلة إلا بالحقائق، الحقائق وحدها، ولا شيء غيرها ينفعهم. هذا هو المبدأ الذي ms02 ~~أنشئ عليه أطفالي، وهذا هو المبدأ الذي أربي بمقتضاه هؤلاء الأطفال. التزم بالحقائق، يا ~~سيدي!» # كان المنظر فصلا دراسيا بسيطا مجردا، وإصبع المتكلم الثابتة، تؤكد ملاحظاته. ويساعد ~~في التأكيد حائط جبهة المتكلم الواضحة، التي قاعدتها الحواجب، بينما كانت عيناه في كهفين مظلمين ~~تحت ذلك الحائط. كما يساعد على التأكيد فم المتكلم الواسع والرفيع والثابت، كذلك ساعد في ~~التأكيد صوت المتكلم القوي والجاف والدكتاتوري الآمر. وساعد في التأكيد، أيضا، شعر المتكلم ~~الذي وقف على جانب رأسه كالأشجار. كما أن سترة المتكلم المناسبة، وساقيه الثابتتين، وكتفيه ~~العريضتين، ساعدت كلها في التأكيد. وحتى ياقة سترته، بدت كما لو أنها أمسكته من خناقه، كحقيقة ~~ثابتة. # تزحزح المتكلم والمدرس، والشخص الثالث الكبير الذي كان حاضرا، تزحزحوا كلهم قليلا إلى ~~الخلف، وألقوا نظرة إلى التخوت المليئة بالأطفال، تلك الأوعية المرتبة بنظام، استعدادا لتنال ~~مكاييل من الحقائق، تصب فيها حتى تملأها إلى حافاتها. # الباب الثاني # | قتل الأبرياء # اعتاد ثوماس جرادجرايند # Thomas Gradgrind # أن يقدم نفسه، ~~دائما، بنفس الألفاظ. ~~«ثوماس جرادجرايند، يا سيدي! رجل الوقائع. رجل الحقائق والحسابات. رجل يسير على مبدأ أن ~~اثنين واثنين، تكون أربعة ولا أكثر من ذلك. رجل لا يسمح بإمكان وجود شيء أكثر. ثوماس ~~جرادجرايند، يا سيدي. يضع في جيبه، دائما، مسطرة وكفتي ميزان، يا سيدي، مستعدا ليزن ويقيس ~~أي طرد من الطبيعة البشرية، ويخبرك بماهيته بالضبط. إنها مسألة أرقام، وحالة حساب بسيط؛ يمكنك ~~أن تأمل في إدخال اعتقاد غير معقول في رأس جورج جرادجرايند، أو في رأس جون جرادجرايند، أما في ~~رأس ثوماس جرادجرايند، فلا، يا سيدي!» # ثبت ثوماس جرادجرايند عينيه بإمعان على الأطفال الجالسين أمامه، والذين سيملؤهم تماما ~~بالحقائق. كان نوعا من مدفع ضخم محشو بالحقائق، متأهبا لإطلاقها على الأطفال في طلقة ~~واحدة. # قال المستر جرادجرايند: «الفتاة رقم عشرين.» # وهو يشير إليها بالضبط، بإصبعه الثابتة. «لست أعرف هذه الفتاة، من هي تلك الفتاة؟» # فقالت رقم عشرين: «أنا سيسي جوب # Sissy Jupe # يا سيدي». ~~واحمر وجهها بشدة عندما وقفت. # فقال المستر جرادجرايند: ms03 «سيسي ليس اسما، لا تطلقي على نفسك اسم سيسي، وإنما أطلقي عليها ~~سيسيليا # Cecilia ~~.» # فأجابت الفتاة الصغيرة بصوت مضطرب، فقالت: «أبي هو الذي سماني سيسي، يا سيدي.» # فقال المستر جرادجرايند: «لا يحق له أن يسميك هكذا. أخبريه يا سيسيليا جوب بأنه لا يحق له ~~أن يسميك هكذا. ولننظر الآن، ما مهنة والدك؟» ~~- «إن طاب لك أن تعرف، يا سيدي، إنه يدرب الخيول للسيرك.» # بدا المستر جرادجرايند مستاء، وأشار بيده معبرا عن امتعاضه من هذه المهنة ~~البغيضة. ~~- «لا نريد أن نعرف شيئا عن مسارح السيرك هنا. والآن، يا سيسيليا، بماذا تعرفين ~~الحصان؟» # ارتبكت سيسي جوب أعظم ارتباك بهذا الطلب. # فقال المستر جرادجرايند: «لا تستطيع الفتاة رقم عشرين تعريف الحصان. لا تعرف الفتاة رقم ~~عشرين أية حقائق عن حيوان من أكثر الحيوانات شيوعا. هل يستطيع أحد الأولاد تعريف الحصان؟ ~~عرفه لنا، يا بيتزر # Bitzer ~~.» # تحركت الإصبع الثابتة، هنا وهناك، ثم توقفت فجأة وهي تشير إلى بيتزر. ربما لأن بيتزر ~~تصادف أن كان يجلس في نفس مسار شعاع الشمس الساقط على سيسي. كانت سيسي في نهاية صف البنات، في ~~الجانب المشمس من تلك الحجرة الواسعة العارية، وبيتزر في نهاية صف الأولاد من الجانب الآخر ~~تسقط عليه نهاية شعاع الشمس، وإذ كانت سيسي سوداء العينيين، وفاحمة الشعر، بدت تنال أحلك لون من ~~ضوء الشمس، بينما كان ذلك الغلام زاهي العينين، وزاهي الشعر، حتى إن نفس الأشعة بدت تأخذ منه ~~قليلا من اللون الذي يملكه. كانت عيناه زاهيتين وباردتين، وبشرته بيضاء تبدو كما لو كانت ستنزف ~~دما أبيض إن جرحت. ويكاد شعره القصير يكون بلون بشرته. # تحركت الإصبع الثابتة، هنا وهناك. # فقال المستر جرادجرايند: «ما هو تعريفك للحصان، يا بيتزر؟» ~~- «حيوان من ذوات الأربع، له أربعون سنا، يفقد جلده في الربيع، نعرف عمره بعلامات في ~~الفم.» # هكذا (وأكثر من هذا) يا بيتزر. # فقال المستر جرادجرايند: «والآن، يا فتاة رقم عشرين، ها أنت ذي تعرفين ما هو ~~الحصان.» # قالت: «نعم يا سيدي». وكان لونها ستشتد حمرته ms04 إن أمكن ذلك. وجلس بيتزر ثانية. # خطا الشخص الثالث إلى الأمام، وكان رجلا عظيما، موظفا حكوميا، ولديه دائما خطة يرغم ~~الحاضرين على قبولها، كما لو كانت دواء يبتلعونه. # قال: «والآن، افرضوا أنكم ذهبتم لشراء طنفسة لحجرة، فهل تشترون طنفسة مزخرفة ~~بأزهار؟» # فقال معظم الأولاد: «لا»، ولم يقل «نعم» سوى القليل، ومنهم سيسي جوب. # فقال ذلك الرجل: «يا فتاة رقم عشرين». فوقفت، وقد احمر لونها بشدة. # قال: «إذن، فهل ستضعين طنفسة في حجرتك أو في حجرة زوجك، مزخرفة بالأزهار؟ لماذا ~~ذلك؟» # فأجابت الفتاة تقول: «من فضلك يا سيدي، أنا مولعة جدا بالأزهار.» ~~- «هل هذا هو السبب في أن تضعي عليها الموائد والمقاعد، وتسمحي للناس بأن يمشوا فوقها ~~بأحذية ثقيلة؟» ~~- «ذلك لا يضر الأزهار، يا سيدي. ستكون صورا لما هو جميل جدا، وسار وأتصور ...» # فصاح الرجل وقد سره تماما الوصول سعيدا إلى ما يريد. فقال: «يجب ألا تتصوري ... ينبغي ألا ~~تتصوري.» # فقال ثوماس جرادجرايند، بجدية: «ينبغي ألا تفعلي أي شيء من هذا القبيل يا سيسيليا ~~جوب.» # فقال الرجل: «الحقيقة، الحقيقة، الحقيقة» وكرر ثوماس جرادجرايند قوله: «الحقيقة، ~~الحقيقة، الحقيقة.» # ثم قال ذلك الرجل: «يجب أن تسيري على نظام الحقيقة، وتحكمك الحقيقة. ينبغي أن تنسي كلمة ~~تصور تمام النسيان. الواقع أنك لا تسيرين فوق أزهار. ولذا، لا يسمح لك بالسير فوق أزهار في ~~الطنافس.» # جلست سيسي، وكانت صغيرة السن جدا وبدت كما لو كانت خائفة من موضوع عالم الحقيقة الماثل ~~أمامها. # استدار الموظف الحكومي، نحو المستر جرادجرايند، وقال: «إن جاء المستر م. تشوكامتشايلد # M. Choakumchild # إلى هنا، وشرع يلقي أول درس له، فسأكون ~~سعيدا لملاحظة طريقته.» # أخذ المدرس، وهو رجل اسكتلندي، يدعى م. تشوكامتشايلد، أخذ يلقي الدرس، بأحسن طريقة لديه ~~.. لقد تخرج حديثا هو ومائة وأربعون مدرسا آخرين، في نفس الوقت، وفي نفس المعهد، وبنفس ~~المبدأ كأنهم أرجل معزف متشابهة. درس العديد من الحقائق عن عدة موضوعات. ولو درس أقل من ذلك، ~~فماذا يمكنه أن يعلم أكثر من هذا؟ # الباب الثالث # | مخرج # سار المستر ms05 جرايند عائدا من المدرسة إلى بيته وهو يشعر بالرضى التام؛ فهي مدرسته وقد صمم ~~على أن تكون نموذجية، ويكون كل أطفالها نموذجيين مثلما كان أولاده، هو نفسه، نموذجيين. # كان المستر جرادجرايند يلقي المحاضرات إلى أطفاله الصغار، منذ السنوات الأولى من أعمارهم، ~~وفي أغلب الأحيان بمجرد أن يستطيعوا الجري وحدهم، فيجروا إلى حجرة المحاضرات، وينظروا إلى سبورة ~~كبيرة عليها علامات بالطباشير الأبيض. # ما من طفل من أولاد جرادجرايند، نظر إلى وجه في نور القمر. وما من طفل من أولاده تعلم ~~أناشيد الحضانة السخيفة. # تقاعد المستر جرادجرايند من عمله ، وبنى لنفسه منزلا كبيرا في الريف، على مسافة حوالي ~~كيلومتر من البلدة الصناعية الكبرى كوكتاون # Coketown # في شمالي ~~إنجلترا. وكان يتحين كل فرصة ليجعل لنفسه اسما في البرلمان. # أطلق المستر جرادجرايند على بيته اسم «ستون ~~لودج # Stone Lodge ~~» ومعناه (المسكن الحجري). وكان بيتا ضخما، مربع الشكل، به عدة حجرات، جعل ~~لأولاده منها حجرات للمواد الخام، وحجرة للمعادن. كل شيء مرتب بنظام وعليه بطاقة ~~باسمه. # يسير المستر جرادجرايند نحو داره، وهو يشعر بالأمل وبالرضى. وكان أبا محبا. ولكنه ربما ~~وصف نفسه بأنه عملي أساسا. ويفخر بأن غيره من الناس، يعتبرونه رجلا عمليا. # ما إن وصل المستر جرادجرايند إلى الجزء الخارجي من تلك البلدة التي لم تكن من الحواضر، ولا ~~من الأرياف، حتى سمع صوت موسيقى، وشاهد فسطاط سيرك متجول، وأبصر علما يرفرف في قمة الفسطاط ~~يعلن أنه «معرض سليري # Sleary # لركوب الخيل» وأعلنت الملصقات أن ~~الآنسة جوزفين سليري # Josephine Sleary ~~، تعرض ألعابها على ظهور ~~الخيل. كما تمكن رؤية السنيور جوب # Jupe # وكلابه المدربة، ~~المعروفة باسم «ميري ليجز # Merry Lego ~~»، ومعناها (الأرجل ~~المرحة). # بينما كان المستر جرادجرايند يسرع بجانب ذلك المكان الصاخب، إذ أبصر فجأة جمعا من الأطفال ~~خارجه، يحاولون استراق النظر إلى داخل الفسطاط، فلم يستحسن ذلك، واقترب ليرى ما إذا كان يعرف ~~أحدا من أولئك الأطفال .. ومن أبصره هناك سوى ابنته لويزا # Louisa # تنظر خلال ثقب في الحائط، وابنه ثوماس راقدا على الأرض ms06 يحاول مراقبة ~~أقدام الخيول؟ ~~«يا لويزا! يا ثوماس!» # نهض كلاهما وقد احمر وجه ثوماس وبدا الخوف والخجل والقلق على محياهما، إلا أن لويزا نظرت ~~إلى أبيها بجرأة أكثر مما فعل ثوماس .. الواقع أن ثوماس لم ينظر إليه، ولكنه استسلم لأن يؤخذ ~~إلى البيت كما لو كان آلة. # قال المستر جرادجرايند: «ماذا تعملان هنا؟» وأمسك كلا منهما من يده، وقاده بعيدا. # فقالت لويزا، باختصار: «أردنا أن نرى ماذا هناك.» # بدا كل من الطفلين متعبا ومستاء، ولا سيما الفتاة. ومع ذلك، كان بوسعك أن ترى في ~~وجهها تخيلا قلقا. أشبه بشعاع ضوء لا يجد شيئا يسقط عليه، أو نار لا تجد ما تحرقه. وبقي ~~هذا التخيل المتلهف، حيا، بطريقة ما. # ووضحت ملامح وجه الفتاة، ليس بالضوء الطبيعي للشباب المرح، وإنما بخلجات مرتابة غير متأكدة، ~~تنم عن وجود شيء مؤلم فيها. # لويزا فتاة جميلة لا يزيد سنها على 15 أو 16 سنة. ولكن أباها فكر في أنها ستغدو امرأة ~~فجأة، وستكون أكثر إصرارا على أن تسير بحسب طريقتها الخاصة لو لم تنشأ جيدا على ذلك ~~النحو. # قال الأب: «يا ثوماس، إني لأجد صعوبة في أن أصدق أنك، رغم تعليمك، قد أحضرت أختك إلى منظر ~~كهذا.» # فقالت لويزا، بسرعة: «أنا التي طلبت منه أن يأتي.» ~~- «يؤسفني أن أسمع هذا؛ فهو لا يجعل ثوماس أفضل، ويجعلك أسوأ، يا لويزا.» # نظرت الفتاة إلى أبيها، مرة ثانية، ولكن ما من دمعة نزلت على خدها. # صاح المستر جرادجرايند، يقول: «أنت! ثوماس وأنت، يا من دائرة المعارف مفتوحة أمامكما. ~~ثوماس وأنت، يا من يمكن القول بأنكما ملمان جيدا بالحقائق. ثوماس وأنت، يا من ~~تدربتما على دقة الرياضيات. ثوماس وأنت، هنا! أنا مدهوش.» # فقالت لويزا: «كنت متعبة يا أبي، ظللت متعبة لوقت طويل.» # فسألها الأب المدهوش، بقوله: «متعبة؟ من أي شيء متعبة؟» ~~- «لست أدري من أي شيء. متعبة من كل شيء، على ما أظن!» ~~- «هذا كلام أطفال، ولن أسمع المزيد.» # لم يتكلم الأب ثانية، حتى ساروا مسافة نصف كيلومتر، بعد ms07 ذلك في صمت. ثم قال الأب في جدية: ~~«ماذا يقول خير أصدقائك يا لويزا؟ ألا تقدرين رأيهم الحسن؟ ماذا يقول المستر باوندرباي # Bounderby ~~؟» # ما إن ذكر المستر جرادجرايند هذا الاسم حتى نظرت إليه ابنته بسرعة، نظرة فاحصة. ثم أسرعت ~~بالنظر إلى أسفل مرة أخرى. ولم يبصر الأب هذه النظرة. # قال: «ماذا يقول المستر باوندرباي؟» وظل يكرر هذه العبارة، طوال الطريق، حتى وصلوا إلى ~~ستون لودج، وهو يقود الأولاد إلى البيت. كان يكرر من وقت إلى آخر قوله: «ماذا يقول المستر ~~باوندرباي؟» # الباب الرابع # | المستر باوندرباي # من هو المستر باوندرباي؟ # هو رجل غني: صاحب مصرف، وتاجر، وصانع ... # رجل كبير الجسم، عالي الصوت، لضحكته رنين، ينظر إليك نظرة شديدة. يتكون جسمه من مادة، يبدو ~~أنها مدت لتجعله ضخما، يفخر دائما بأنه كون نفسه بنفسه. يقرر بصوته الجهوري الشبيه بصوت ~~البوق النحاسي أنه كان في صباه فقيرا وجاهلا. # يصغر المستر باوندرباي صديقه العملي، المستر جرادجرايند، بسنة أو بسنتين، ولكنه يبدو أكبر ~~منه سنا .. سقط كل شعره، ولم يبق منه سوى القليل. قد يخيل إلى المرء أنه محا شعره ~~بكثرة كلامه. ربما كان الشعر الباقي في رأسه غير مرتب إذ تهب عليه باستمرار مباهاته بصوت عال، ~~كأنه إعصار. # وقف المستر باوندرباي على البساط أمام وطيس حجرة الجلوس في ستون لودج، يتحدث مع مسز ~~جرادجرايند، فيقول: «كنت حافي القدمين، وأنا طفل، ليس عندي حذاء. أما الجورب، فلم أعرف اسمه. ~~كنت أقضي نهاري خارج البيت، وأنام ليلا مع الخنازير. هكذا قضيت عيد ميلادي العاشر.» # كانت مسز جرادجرايند، حزمة صغيرة من الملابس الرفيعة البيضاء، حمراء العينين. إنها ضعيفة ~~الجسم والعقل، تتناول الدواء باستمرار، دون أية جدوى، وكلما أبدت علامة ما تدل على أنها حية، ~~هزمتها قطعة عظيمة من الحقيقة. ~~- «وهكذا، ها أنا ذا في يوم عيد ميلادي، يا مسز جرادجرايند، لا أشكر عليه أحدا غير ~~نفسي.» # تمنت مسز جرادجرايند أن والدته ... # فقال المستر باوندرباي: «والدتي ماتت، يا سيدتي!» # لم تحاول مسز جرادجرايند أن تفهم. # فقال باوندرباي: «تركتني ms08 أمي لجدتي. وكانت جدتي أسوأ امرأة في هذه الدنيا. فلو حصلت على ~~زوج أحذية بسيط، أخذته وباعته لتشتري بثمنه خمرا.» # ابتسمت مسز جرادجرايند، في ضعف، ولم تبد أية أمارة أخرى للحياة. تبدو، مثلما تبدو دائما، ~~كأنها صورة فوتوغرافية لأنثى صغيرة، التقطت في نور غير كاف. # استطرد باوندرباي، يقول: «تملك جدتي حانوتا، وتحتفظ بي في صندوق بيض، كان فراشي أيام ~~طفولتي، ولكنني ارتفعت فوق ذلك النوع من الحياة. فما إن كبرت حتى هربت، اشتغلت عاملا في مصنع، ~~ثم كاتبا، ثم ارتقيت فصرت مدير مكتب. ثم شريكا في مؤسسة. ولكن المستر جوزياه باوندرباي # Josiah Bounderby ~~، لم يتلق تعليما، بل تعلم الحروف ~~من واجهات الدكاكين . هذا هو مواطن كوكتاون، يا مسز جرادجرايند.» # عندئذ، دخل المستر جرادجرايند مع لويزا وثوماس الصغير. # صاح المستر باوندرباي، يقول: «ما الخطب؟ لماذا يبدو ثوماس الصغير مكتئبا؟» كان يتكلم عن ~~ثوماس الصغير، ولكنه كان ينظر إلى لويزا. # فقالت لويزا بصوت منخفض، دون أن ترفع عينيها: «كنا نلقي نظرة إلى السيرك، فضبطنا ~~أبونا.» # كانت مسز جرادجرايند حزمة صغيرة من الملابس الرفيعة البيضاء حمراء ~~العينين. # فقال الأب: «يا مستر باوندرباي، بدا الأمر كما لو أنني وجدت أطفالي يقرءون الشعر.» # فقالت مسز جرادجرايند بصوت ضعيف: «يتملكني العجب منكما. كيف أمكنك، يا لويزا، وأنت يا ~~ثوماس، أن تفعلا ذلك؟ إنكما لتجعلاني أسفا على أن لي أسرة. كم أتمنى لو أنه ما كانت لي ~~أسرة! ماذا فعلتما؟ أريد أن أعرف.» # لم يظهر في ملامح المستر جرادجرايند ما يفيد تأثره بمنطق زوجته، بل بدا عليه القلق. # استأنفت مسز جرادجرايند حديثها، فقالت: «لماذا لم تذهبا لمشاهدة قواقعكما، والمواد الخام، ~~والأشياء العلمية، بدلا من مشاهدة مسارح السيرك؟ أنا على يقين من أن لديكما ما يكفي لتعملاه. ~~إن كان هذا هو ما تريدانه. ورأسي بحالته الحاضرة، أن أتذكر نصف الحقائق، فهناك الكثير ~~منها.» # أمرت مسز جرادجرايند طفليها بالعودة إلى حجرة استذكار دروسهما. وبقيت وحدها مع زوجها ~~والمستر باوندرباي، وراحت مرة أخرى في غيبوبة؛ ولكن لم يلتفت إليها أحد. ms09 # قال المستر جرادجرايند: «يا باوندرباي، أنت مولع دائما بطفلي، وخصوصا لويزا - أقول لك ~~هذا صراحة - لقد استأت كثيرا، إذ خططت بحساب تعليم دقيق عقل أسرتي. يجب توجيه التعليم إلى ~~العقل كما تعرف. فلماذا شغفا بذلك السيرك؟» # أجاب صديقه، يقول: «أقول لك لماذا؟ إنه الخيال السيئ». # فقال الأب العملي: «آمل في ألا يكون كذلك، ولكن يدور بخلدي: هل يمكن أن يكون ثوماس ولويزا، ~~قد قرآ كتاب قصص سيئا؟ كيف وصل مثل ذلك الكتاب إلى هذا البيت؟» # فقال باوندرباي: «انتظر لحظة؛ لديك في المدرسة طفلة من السيرك.» # قال: «إنها سيسيليا جوب.» # فقال باوندرباي: «إذن، فسأخبرك بما تفعله. افصل هذه البنت من المدرسة، ينتهي ~~الأمر .» ~~«نعم؛ أنا من رأيك تماما.» # فقال باوندرباي: «افصلها في الحال، كان هذا هو اعتقادي دائما. افصلها فورا.» # فقال صديقه: «لدي عنوان أبيها، سأذهب إلى البلدة. ألديك مانع من أن تذهب معي؟» # فأجاب باوندرباي، يقول: «ولا أقل مانع، على شرط أن تفصلها في الحال.» # وعلى هذا ألقى المستر باوندرباي قبعته على رأسه. إنه يلقيها دائما ليبين أنه رجل مشغول ~~بأمور هامة وليس لديه وقت ليلبس قبعته بعناية. # بينما كان المستر جرادجرايند يبحث عن العنوان، زار المستر باوندرباي؛ لويزا وثوماس الصغير ~~في حجرتهما. # فقال لهما: «اتفقنا الآن يا لويزا، واتفقنا الآن يا ثوماس الصغير، لن تذهبا إلى السيرك بعد ~~ذلك، ولن يقول أبوكما شيئا عن هذا الموضوع. إذن، يا لويزا، فأنت تستحقين قبلة على هذا. أليس ~~كذلك؟» # فقالت لويزا، وقد وقفت ببرود: «يمكنك أن تأخذها يا مستر باوندرباي.» وسارت ببطء عبر ~~الحجرة، ورفعت خدها نحوه، وقد أدارت وجهها بعيدا. ~~- «أنت دائما عزيزة عندي يا لويزا، أليس كذلك؟» # انصرف المستر باوندرباي، ولكن لويزا بقيت واقفة في نفس المكان، تمسح بمنديل خدها الذي ~~قبله المستر باوندرباي. # الباب الخامس # | كوكتاون # كوكتاون بلدة مبنية بالطوب الأحمر أو بالطوب الذي يسمح له الدخان والرماد بأن يبدو أحمر ~~اللون .. إنها بلدة الآلات والمداخن العالية التي يتصاعد منها الدخان كثيفا فيدور ويدور في ~~الهواء بلا نهاية ولا ms10 انقطاع. # بتلك البلدة قناة سوداء، ونهر قذر. وتضم المباني الصناعية الضخمة المليئة بالنوافذ، والتي ~~يستمر الطرق والارتجاج فيها طول اليوم. فتتحرك ذراع الآلة البخارية علوا وانخفاضا باستمرار، ~~كأنها رأس فيل غاضب هائج. # في كوكتاون كثير من الشوارع الكبيرة، كل منها يشبه الآخر تمام الشبه، وبها كثير من ~~الشوارع الصغيرة المتشابهة أيضا، ويسكنها أناس كل واحد منهم مثل الآخر. يدخلون ويخرجون ~~جميعا في نفس الوقت وبنفس الصخب، وعلى نفس الطوار ليؤدوا نفس العمل. وكل شخص منهم يرى اليوم ~~مثل الأمس ومثل الغد، وكل سنة مثل السنة القادمة. # كوكتاون بلدة الحقيقة، لا خيال فيها. بنيت كنائسها مثل المصانع، ومنظر المستشفى بها كمنظر ~~السجن. وجميع اللافتات بتلك البلدة منقوشة نقشا متشابها، بحروف من الأسود والأبيض. # كوكتاون بلدة الآلات والمداخن العالية التي يتصاعد منها الدخان. # الحقيقة، الحقيقة، الحقيقة، بكل موضع في المظاهر الهامة بهذه البلدة. والحقيقة، الحقيقة، ~~الحقيقة في كل مكان بالمظاهر غير الهامة، والمدرسة كلها حقيقة. والعلاقات بين الرئيس والعامل في ~~المصانع، كلها حقيقة. وكل شيء حقيقة بين الميلاد والوفاة، وليس هناك أي شيء لا يمكنك ذكره ~~بالأرقام. ولا يمكن أن يوجد شيء بوسعك أن تشتريه رخيصا وتبيعه غاليا. # يحيرني ما إذا كان من الممكن أن يوجد شبه بين أهل كوكتاون، وبين أبناء أسرة جرادجرايند ~~الصغار. وهل يمكن أن يشبهوا أولاد عائلة جرادجرايند في حاجاتهم إلى التسلية؟ # بينما يسير المستر جرادجرايند، والمستر باوندرباي في طريقهما لمقابلة المستر جوب؛ التقيا ~~بسيسيليا جوب، أرسلها أبوها لتشتري له زيتا يدهن به جسمه، إذ أصيب في حلبة السيرك. فقادتهما ~~إلى فندق صغير اسمه «ذراعا بيجاسوس Pegasus ~~»، يقيم به أبوها ~~وبعض موظفي السيرك. # الباب السادس # | فنون سليري بالخيول # لم يكن بالفندق ولا خارجه أي دليل على وجود المستر جوب، جرت سيسي من الفندق إلى السيرك ~~ووجهها ينم عن الرعب الشديد. وشعرها الطويل الفاحم يطير خلف ظهرها وهي تجري بحثا عن ~~أبيها. # أثناء غياب سيسي، تحدث أحد لاعبي السيرك، واسمه تشايلدرز # Chiders ~~، مع المستر جرادجرايند، فأفهمه أن والد سيسي ms11 لم يكن يؤدي عروضه كما ~~ينبغي، في الآونة الأخيرة، في حلبة السيرك. # فقال المستر جرادجرايند: «معي رسالة للمستر جوب»، فقال المستر تشايلدرز: «أرى أنه لن ~~يتسلمها. هل تعرف الكثير عنه؟» # فقال جرادجرايند: «لم أره في حياتي.» # قال: «وأنا أشك فيما إذا كنت ستراه. من الواضح جدا أنه هرب.» ~~- «أتقصد أنه هجر ابنته؟» # فقال تشايلدرز: «نعم؛ إنه هرب؛ لقد دبت الشيخوخة في عضده، فما عاد يقوم بعروضه جيدا، ~~والمتفرجون لا يحبونه الآن، وابنته لا تعرف هذا، وهو لا يريدها أن تعرف، رأيناه ينصرف وقد أمال ~~قبعته فوق عينيه، وتحت ذراعه صرة مربوطة بمنديل، ولكن سيسي لن تصدق أبدا أنه هرب ~~وتركها.» # فقال المستر جرادجرايند: «لماذا لا تصدق؟» ~~- «لأنه هو وابنته، لم يكونا شخصين، بل كانا شخصا واحدا، لم يفترقا أبدا. أراد والدها أن ~~يعلمها، ولكن كيف يدخل التعليم رأسها؟! لا أستطيع أن أعرف، وكل ما أعرفه هو أنه لم يخرج ~~أبدا. فنحن معشر أعضاء السيرك، لا نستقر في أي مكان، بل نتنقل دائما، ولكن .. لماذا دخلت سيسي ~~المدرسة؟ سر أبوها لهذا سرورا بالغا. ربما ظن أن التعليم سيتكفل بمستقبلها، وربما لأنه كان ~~ينوي دائما أن يهرب. وعلى هذا؛ إن كان بوسعك أن تساعد سيسي الآن بطريقة ما؛ كان هذا من حسن ~~الحظ، من الحظ الحسن جدا، وفي الوقت المناسب.» # فقال المستر جرادجرايند: «بالعكس، جئت إلى هنا لأخبر المستر جوب بأن ماضي سيسيليا في ~~السيرك، لا يصلح لمدرستنا، يجب ألا تأتي إليها في المستقبل، ولكن، طالما أن والدها تركها .. ~~اسمح لي يا باوندرباي بكلمة معك.» # تكلم الرجلان معا لبرهة من الوقت، فحاول المستر باوندرباي أن يحث جرادجرايند على ألا ~~يحتفظ بسيسي في المدرسة. # في تلك الأثناء، جاء مختلف أعضاء سيرك سليري إلى الحجرة، ووقفوا يتكلمون بأصوات هادئة. ~~وأخيرا؛ قدم المستر سليري صاحب السيرك. وكان رجلا كبير الجسم، خشن الصوت. فثبت إحدى عينيه ~~بينما تسرح العين الأخرى فيما حواليه. # فقال للمستر جرادجرايند، وهو يلهث: «هذه مسألة غير طيبة يا سيدي. سمعت أن المستر ms12 جوب وكلبه ~~المدرب قد هربا. فهل بوسعك أن تفعل شيئا لهذه البنت المسكينة؟» # عند ذلك رجعت سيسي، فلما أبصرت الحجرة مليئة بالناس، وليس أبوها بينهم، انخرطت في البكاء، ~~فأمسكها أعضاء السيرك وهدءوها. # وإذ كان المستر جرادجرايند رجلا متعقلا وعمليا، كعادته، تكلم يقول: «ليس من المهم أن ~~نتوقع عودة ذلك الرجل، أو عدم عودته .. إنه هرب، وليس من المتوقع الآن أن يعود؛ هذا هو ما يتفق ~~عليه كل واحد منا، على ما أظن.» # فقال سليري: «هذا متفق عليه، يا سيدي.» ~~- «والآن، يا سيسيليا جوب، أريد أن أتكفل بك وأعلمك. والشرط الوحيد الذي أطلبه، هو ألا ~~تتصلي بأي واحد من أصدقائك هؤلاء.» # عندئذ سأل المستر سليري سيسي عما إذا كانت تفضل البقاء معهم وتتعلم لتصير واحدة من ~~عارضات السيرك. # بينما تفكر سيسي في هذا الموضوع، قال المستر جرادجرايند: «الملاحظة الوحيدة التي أبديها ~~لك، يا سيسيليا جوب، هي أنه من الضروري جدا لك، أن تحصلي على تعليم عملي طيب؛ فحتى والدك ~~نفسه، يبدو أنه عرف ذلك وشعر به.» # من الجلي أنه كان لهذه الألفاظ الأخيرة تأثير ملحوظ على سيسي. فتوقفت عن البكاء، وواجهت ~~المستر جرادجرايند. # همس أعضاء السيرك، يقولون: «إنها ستذهب.» # صاحت سيسي تقول: «ولكن؛ إن رجع أبي، فكيف يعثر علي إن ذهبت؟» # فقال المستر جرادجرايند: «لا تشغلي بالك بهذا الأمر، في هذه الحالة سيسأل أبوك المستر ~~سليري عن مكانك.» # ساد الجو سكون تام، ثم صاحت سيسي تقول: «أعطوني ملابسي، ودعوني أذهب، قبل أن أكسر ~~قلبي.» # أحضرت نساء السيرك ممتلكات سيسي القليلة فقبلتهن قبلة الوداع. وعندما ذهبت لتوديع ~~الذكور من أعضاء السيرك، كان على كل واحد منهم أن يمد ذراعيه، فعلوا ذلك جميعا، لأنها عادتهم ~~عندما يكونون في حضرة سيد حلبتهم المستر سليري، ثم قبلها كل واحد منهم قبلة ~~الوداع. # فتح المستر سليري ذراعيه، وأمسك سيسي من كلتا يديها، كما لو كان لا يزال سيد ركوب الخيل ~~وأنها نزلت لتوها على الأرض من فوق ظهر حصان. # قال المستر سليري: «وداعا، يا عزيزتي! هذه ms13 هي آخر كلماتي إليك، كوني مطيعة للمستر ~~جرادجرايند، وانسينا نسيانا تاما، ولكن عندما تكبرين وتتزوجين، وتصيرين غنية، فإن التقيت ~~بأي سيرك، فلا تشمئزي منه، يجب تسلية الناس.» ثم استطرد كلامه يخاطب زائريه بقوله: «ليس بوسع كل ~~إنسان أن يعمل باستمرار، أو يتعلم باستمرار، يا سيدي!» # أعلنت فلسفة سليري وهم يهبطون السلم، وسرعان ما غاب الأشخاص الثلاثة وسط ظلام الشارع، من ~~أمام عين الفلسفة الثابتة، وعينها المتحركة. # الباب السابع # | مسز سبارسيت # كان المستر باوندرباي رجلا أعزب، ترعى بيته سيدة عجوز، نظير أجر سنوي يدفعه لها؛ إنها مسز ~~سبارسيت # Sparsit ~~.. عاشت قبل ذلك أياما تختلف عن أيامها الحالية؛ إذ كانت ~~زوجة رجل ثري، ولكنه مات فقيرا بعد أن أنفق كل أمواله على الخمر. بيد أنه كان لمسز سبارسيت ~~أقارب من علية القوم. فلها عمة عظيمة، لا تزال على قيد الحياة، اسمها ليدي سيد جرز # Lady Seadgers ~~. # لمسز سبارسيت أنف ضخم معقوف، وحاجبان كثيفان أسودان. ومع ذلك، فما زالت أنيقة المنظر، ~~وأخلاقها محترمة جدا. وكان المستر باوندرباي يعاملها بأدب جم، احتراما لثرائها ~~السابق. # يقول المستر باوندرباي لأصدقائه: «ورغم هذا، فكيف تصير الأمور أخيرا؟ إنها هنا تعمل بأجر ~~مائة جنيه في العام، ترعى بيت جوزياه باوندرباي، أحد مواطني كوكتاون.» # بينما كان المستر باوندرباي يتناول طعام إفطاره على المائدة، قالت له مسز سبارسيت: «إنك ~~تتناول طعام إفطارك ببطء، في هذا الصباح، يا مستر باوندرباي!» # قال: «لماذا يا مدام؟ إنني أفكر في وعد توم جرادجرايند السخيف، بأن يأخذ فتاة ~~السيرك». # قالت: «تنتظر هذه البنت الآن، لتعرف ما إذا كانت ستذهب إلى المدرسة مباشرة، أم إلى بيت ~~المستر جرادجرايند (ستون لودج).» # فقال المستر باوندرباي: «قلت لتوم جرادجرايند: إن بوسع هذه الفتاة أن تبيت هنا الليلة ~~الماضية، ويمكنه أن يقرر ما إذا كان سيأخذها إلى بيته في هذا الصباح.» ~~- «حقا، يا مستر باوندرباي، ما أصوب تفكيرك!» # انكمش حاجبا مسز سبارسيت الأسودان، عندما شربت قليلا من الشاي. # قال باوندرباي: «يتضح لي، أن لويزا لن تحصل على أي شيء طيب ms14 من مثل هذه الصحبة.» # تناولت مسز سبارسيت قليلا من الشاي مرة أخرى، وقالت: «أنت أب آخر للويزا يا سيدي.» ~~- «إن قلت إنني أب آخر لتوم، أي توم الصغير، وليس صديقي توم جرادجرايند، كنت أقرب إلى ~~الحقيقة. سآخذ توم الصغير في مكتبي، يا مدام.» ~~- «أليس توم صغيرا لذلك العمل، يا سيدي؟» # خاطبت مسز سبارسيت المستر باوندرباي بلقب «سيدي» لتبين سلوكها المؤدب. # فقال المستر باوندرباي: «لن آخذه الآن، لا بد لذلك الغلام أن يتم تعليمه، قبل أن يأتي إلي ~~سيكون قد نال قسطا كافيا من التعليم وقتذاك، ولكن ذلك الغلام لا يعلم ما نلته أنا نفسي من ~~تعليم بسيط؛ لذا أجد صعوبة في مخاطبة الناس كأنداد لي .. والآن، كنت أتحدث معك عن أعضاء ~~السيرك، ماذا تعرفين عنهم؟ كان يسرني أنا نفسي أن أعمل في سيرك عندما كنت صبيا. ولكنك، في ذلك ~~الوقت، كنت قد خرجت من الأوبرا الإيطالية، تتحلين بمجوهراتك.» # فقالت باحترام: «هذا أكيد، يا سيدي. عرفت الأوبرا الإيطالية وأنا صغيرة السن جدا. آمل في ~~أن أعتاد تغيرات الحياة، ولكن كل امرئ يلذ له أن يسمع عن تجاربك، وعن مصاعب حياتك أيام ~~صباك.» # فقال المستر باوندرباي: «حسنا يا مدام! ربما يقول البعض إنهم يحبون أن يسمعوا عما سار فيه ~~جوزياه باوندرباي.» # في تلك اللحظة، وصل المستر جرادجرايند مع ابنته لويزا. فاستدعيت سيسي جوب إلى الحجرة، فقال ~~لها المستر جرادجرايند: «يا جوب قررت أن أخبرك بأنني سآخذك إلى بيتي. وعندما لا تكونين ~~بالمدرسة، فستعملين في مساعدة مسز جرادجرايند؛ لأن صحتها ليست طيبة. وقد أخبرت الآنسة لويزا ~~بأن حياتك في السيرك قد انتهت الآن. يجب ألا تتحدثي عنها بعد ذلك، وأنت الآن جاهلة؛ أعرف ~~هذا.» # قالت: «نعم؛ يا سيدي. أنا جاهلة جدا، ولكنني تعلمت القراءة، وكنت أقرأ لوالدي»، ثم أخذت ~~تبكي. # نظرت إليها لويزا، وسألها المستر جرادجرايند بقوله: «ماذا كنت تقرئين لأبيك؟» # انتحبت سيسي، وقالت: «كنت أقرأ له عن الحوريات، وعن المخلوقات الغريبة.» ~~- «الزمي الصمت! هذا يكفي؛ لا تتكلمي عن أمثال هذه الخزعبلات، بعد ms15 الآن ...» ثم استدار نحو ~~صديقه، وقال له: «يا باوندرباي، هذه البنت في حاجة إلى تدريب وتعليم دقيقين. سألاحظ هذا بعد ~~الآن، يا باوندرباي، وأنا أجد متعة فيه.» # وهكذا، صحب المستر جرادجرايند وابنته، سيسيليا جوب معهما إلى ستون لودج، ولم تتكلم لويزا ~~أثناء الطريق بأية كلمة، سواء أكانت طيبة أم خبيثة ... ثم باشر المستر باوندرباي عمله اليومي، ~~وأخذت مسز سبارسيت تفكر طول المساء. # الباب الثامن # | لا تتعجب إطلاقا # بعد ذلك ببضعة أيام، جلست لويزا وأخوها توم في حجرة استذكار الدروس، وأخذا يتكلمان. # فقال توم: «أنا أكره حياتي يا لو، وأكره كل إنسان ما عداك.» # وقالت لويزا: «أنت لا تكره سيسي. فهل تكرهها يا توم؟» # قال: «إنها تكرهني.» # فقالت أخته: «كلا؛ إنها لا تكرهك، أنا متأكدة من هذا.» # قال: «يجب أن تكرهني، يجب أن تكرهنا جميعا. سيرهقون رأسها بهذا العمل، على ما أظن، فقد بدأ ~~لونها يمتقع.» # كانا يجلسان بجانب الوطيس. لويزا في الركن الأكثر ظلاما، تنظر أحيانا إلى أخيها، وأحيانا ~~تلاحظ النار وهي تشتعل. # فقال توم: «أنا غبي؛ مجرد حمار، وأحب أن أرفس مثل الحمار، وبالطبع، لن أرفسك يا لو، ولكن ~~عندما أذهب لأعيش مع العجوز باوندرباي، سآخذ بثأري.» ~~- «ثأرك يا توم؟» # قال: «أقصد أن أمتع نفسي قليلا، وأخرج وأرى الحياة، سأعوض نفسي عن الطريقة التي عوملت بها ~~في هذا البيت.» # فقالت لويزا: «ستجد المستر باوندرباي يفكر مثل تفكير أبي. وهو أشد قسوة، وليس رحيما مثل ~~أبي.» # فضحك توم وقال: «لا يهمني ذلك، سأعرف كيف أسوس العجوز باوندرباي.» # قالت: «وما طريقتك التي ستسوسه بها يا توم؟ هل هي سر؟» # قال: «إن كانت سرا، فهي ليست بعيدة، إنها أنت؛ فأنت عزيزة على نفسه، ويعمل أي شيء من ~~أجلك، فإذا قال لي شيئا لا أستسيغه، فسأقول له: «ستغضب من هذا أختي لويزا، يا مستر ~~باوندرباي.» # نظرت لويزا إلى النار وهي تفكر. # الباب التاسع # | تقدم سيسي # لم تجد سيسي جوب وقتا مريحا؛ فكانت هناك المدرسة، وكانت هناك مسز جرادجرايند. وقد فكرت ~~في الشهور الأولى، ms16 في أن تهرب، إلا أنها كانت تعتقد أن أباها لم يهجرها، فكانت تعيش على أمل أنه ~~سيعود، وسيسعده أن يجدها حيث هي الآن، وكانت معلمتها في المدرسة قررت أن رأس سيسي ضعيف في ~~الأرقام، وأنها متأخرة جدا في دروسها، فهز المستر جرادجرايند رأسه، وقال إن جوب يجب أن تبقى ~~في المدرسة ... وعلى هذا بقيت سيسي بالمدرسة وصارت أضعف روحا وعقلا. # وذات مساء قالت سيسي للآنسة لويزا: «أتمنى لو كنت مثلك يا آنسة لويزا». وكانت لويزا ~~تحاول أن تشرح لها بعض الدروس المدرسية. # فقالت لويزا: «لماذا؟» # قالت سيسي: «لكي أعرف الكثير مثلك يا آنسة لويزا؛ فكل ما هو صعب علي الآن، سيصير ~~سهلا.» # فقالت لويزا: «لن تكوني أحسن من ذلك في الدروس يا سيسي.» # قالت سيسي: «أنا أعطي إجابات خطأ دائما في الفصل، لن أتعلم إطلاقا. ورغم أن أبي المسكين ~~أرادني أن أتعلم، فأخشى أنني لن أحب التعليم!» # فسألتها لويزا بقولها: «وهل كان والدك نفسه يعرف الكثير؟» ~~- «كلا يا آنسة لويزا؛ الحقيقة أن أبي لا يعرف سوى القليل جدا، وقلما يستطيع ~~الكتابة.» ~~- «وماذا عن أمك؟» ~~- «يقول أبي إنها كانت عالمة. ماتت عندما ولدت ... كانت راقصة». ~~- «هل كان أبوك يحبها؟» ~~- «نعم؛ كان يحبها حبا شديدا، مثلما يحبني، وقد أحبني أبي من أجل خاطرها، كان يحملني ~~معه أينما ذهب وأنا طفلة رضيعة، لم نفترق أبدا.» ~~- «ولكنه تركك الآن يا سيسي. ألم يتركك؟» ~~- «لم يتركني إلا من أجل صالحي. ولا أحد يفهمه مثلما أفهمه، أنا أعرف أنه لن يكون سعيدا ~~إلا إذا رجع إلي.» ~~- «أين كنتم تعيشون؟» ~~- «لم يكن لنا مكان ثابت نعيش فيه، بل كنا نتنقل في جميع بلاد الدولة. كان والدي عارضا في ~~السيرك، كان مهرجا.» # فقالت لويزا: «يضحك الناس.» ~~- «نعم؛ ولكنهم كانوا أحيانا لا يضحكون، وبعد ذلك يبكي أبي.» ~~- «وهل كنت راحته في كل شيء؟» # فقالت سيسي وهي تبكي: «نعم؛ وأتمنى ذلك. قال أبي إنني كنت راحته». دخل توم الحجرة وقال: ~~«أحضر أبي معه العجوز باوندرباي إلى بيتنا. أريدك أن تأتي ms17 معي يا لو، إلى حجرة الجلوس. فإن ~~أتيت دعاني العجوز باوندرباي إلى تناول العشاء معه.» # ذهبت لويزا مع أخيها. # كانت سيسي جوب تسال المستر جرادجرايند دائما عما إذا كان قد وصله خطاب عنها، إلا أن الجواب ~~كان دائما: «لا». ما من كلمة جاءت من عند أبيها. # الباب العاشر # | ستيفن بلاكبول # لم تتناول هذه القصة حتى الآن سوى المستر باوندرباي الغني، وأسرة جرادجرايند المرحة، ولكن ~~هناك كثيرين من أهالي كوكتاون فقراء يؤدون أعمالا شاقة بالمصانع القبيحة الشكل، في وسط ~~كوكتاون؛ تظهر الطبيعة هناك قوية البنيان، في الخارج، بينما في الداخل الهواء القاتل والغازات ~~القاتلة. ويعيش العمال في شوارع ضيقة، يسرعون خلالها إلى أعمالهم، ويعودون خلالها أيضا، من تلك ~~الأعمال، وعادة يطلقون على أولئك العمال، اسم «الأيدي». # من بين هؤلاء العمال رجل يدعى ستيفن ~~بلاكبول # Stephen Blackpool ~~، يبلغ من العمر أربعين سنة. # ولكنه يبدو أكبر من سنه، ويعيش عيشة قاسية. # ذات ليلة ماطرة غادر ستيفن عمله، بعد أن توقفت الآلات، ودقت الأجراس، وأسرعت جميع الأيدي، ~~رجالا ونساء، وأولادا وبنات إلى بيوتهم، إلا أن ستيفن وقف ساكنا. # قال ستيفن لنفسه: «لم أبصر راشيل # Rachel ~~». # مرت أمامه جماعات من النساء، وقد وضعن أغطية على رءوسهن، لوقايتها من المطر، بيد أن ~~راشيل لم تكن بينهن. # أخذ ستيفن يسير نحو بيته، وبعد فترة وقع بصره على شخص مألوف له، يسير في نفس الشارع، فزاد ~~من سرعته، ثم نادى، يقول: «راشيل». # استدارت تلك المرأة، فرأى وجهها في ضوء المصباح الساطع بذلك الشارع. كان ذلك الوجه هادئا ~~ذا عينين لطيفتين، وشعر أسود، وتبلغ صاحبته من العمر حوالي خمسا وثلاثين سنة. # فقال ستيفن: «جئت مبكرة، في هذه الليلة، يا راشيل.» # قالت: «لا أعرف أبدا متى أترك العمل. ومن الخير لنا ألا نرى معا. نحن صديقان قديمان، ~~ولكن ذلك من الأفضل.» # قال: «ولكنه يشق علي يا راشيل.» # قالت: «حاول ألا تفكر هذا التفكير.» # قال: «حاولت، ولكن لم أفلح ... أنت على حق؛ فقد يتقول الناس عنا. كلمتك قانون بالنسبة ~~لي.» # سار ms18 ستيفن وراشيل معا، مسافة ما، ولما اقتربا من بيتيهما، توقفت راشيل عند ناصية شارعها، ~~ووضعت يدها في يده، وتمنت له ليلة سعيدة. # قال: «عمي مساء يا عزيزتي راشيل، عمي مساء.» # مشى ستيفن في طريقه إلى بيته، وكان في شارع ضيق فوق حانوت صغير، فصعد السلم إلى حجرته، ~~وكانت مظلمة، ولكنه حمل شمعة ليضعها فوق نضد، وبينما هو يفعل ذلك كاد يقع فوق شيء على ~~الأرض. # أبصر على الأرض امرأة قذرة الملابس، قبيحة المنظر، لعبت الخمر برأسها؛ كانت زوجته. # صاح ستيفن، وهو يتراجع إلى الخلف، فقال: «يا لرحمة السماء! هل رجعت ثانية؟» # قالت: «نعم؛ رجعت ثانية. أنا أرجع دائما ... ولماذا لا أرجع؟» # نهضت تلك الزوجة، وارتمت على السرير، وسرعان ما استغرقت في النوم. بينما استلقى ستيفن على ~~كرسي، ولم يتحرك إلا مرة واحدة، في تلك الليلة، ليضع غطاء فوق جسم زوجته. # الباب الحادي عشر # | لا طريق للخروج # ذهب ستيفن في فترة ساعة الغداء من اليوم التالي، لزيارة مخدومة المستر باوندرباي، وكان هذا ~~الأخير يتناول طعام الغداء مع مدبرة بيته مسز سبارسيت. # فقال المستر باوندرباي: «ما خطبك الآن يا ستيفن؟» # انحنى ستيفن وقبعته في يده. # فسأله المستر باوندرباي بقوله: «هل جئت لتقدم شكوى؟» # قال: «لا يا سيدي.» # أزاح المستر باوندرباي طبقه بعيدا عنه، وانحنى إلى الخلف، وقال: «إذن، فأخبرني بسرعة، ~~لماذا أتيت؟» # فقال: «جئت، يا سيدي، طلبا لنصيحتك. أريدها بشدة، تزوجت منذ تسع عشرة سنة، وكانت فتاة ~~صغيرة السن وجميلة. وكنت رقيقا معها، ولكن الأمور ساءت الآن.» # فقال المستر باوندرباي: «سمعت كل هذا من قبل، وأنها أدمنت شرب الخمر، وتوقفت عن العمل، ~~وباعت الأثاث والملابس.» # فقال ستيفن: «فصبرت عليها، وعدة مرات ذهبت إلى البيت لأجد كل ما أملكه قد ذهب، وأنها أنفقت ~~النقود على الخمر، وأراها راقدة على الأرض فاقدة الوعي.» # وبينما ستيفن يتكلم، تعمقت كل تجعيدة في وجهه لتبين ما يقاسيه من محن، فقال: «ظللت مدة خمس ~~سنوات أدفع لها نفقة لتظل بعيدة عني، ولكني ذهبت في الليلة الماضية فوجدتها راقدة ms19 على ~~الأرض.» # فقال المستر باوندرباي: «أعرف كل هذا قبل الآن، باستثناء الجزء الأخير، إنه أمر سيئ، ما كان ~~يحق لك أن تتزوجها إطلاقا.» # فقال ستيفن: «جئت إليك يا سيدي لتخبرني كيف يمكنني التخلص منها.» # فقال المستر باوندرباي، وهو ينهض من مقعده: «ماذا تعني؟ عن أي شيء تتكلم؟ لقد أخذتها للسراء ~~وللضراء.» # قال: «صادقت أفضل امرأة موجودة في الدنيا ولولاها ولولا خاطرها، لجننت.» # رفعت مسز سبارسيت رأسها تنظر إلى فوق وقالت: «أخشى أنه يريد التحرر ليتزوج هذه المرأة ~~التي يتكلم عنها، يا مستر باوندرباي.» # فقال ستيفن: «هو كذلك، قرأت في الصحف أن العظماء والأغنياء لا يرتبطون معا إلى الأبد، ~~ويمكنهم التحرر من زيجاتهم التعيسة ليتزوجوا مرة ثانية يجب أن أتحرر من هذه المرأة، وأريد ~~أن أعرف كيف يتم لي ذلك.» # فقال المستر باوندرباي: «لا سبيل لخروجك من هذا المأزق!» # قال: «إن هربت منها، فهل هناك قانون يعاقبني؟» ~~- «طبعا، هناك قانون يعاقبك.» ~~- «وإن تزوجت المرأة الأخرى، فهل هناك قانون يعاقبني؟» ~~- «طبعا، هناك قانون لذلك.» # فقال ستيفن: «والآن، أستحلفك باسم الرب، أن تدلني على قانون يساعدني!» # فقال المستر باوندرباي: «هناك قانون يمكن أن يساعدك، ولكنه يكلفك الكثير من النقود.» # قال: «كم؟» ~~- «أظنه يكلفك من ألف إلى ألف وخمسمائة جنيه، أو ضعف ذلك.» # فقال ستيفن: «أما من قانون آخر؟» # فأجاب المستر باوندرباي، بقوله: «بالتأكيد لا يوجد قانون آخر.» # فقال ستيفن، وقد امتقع لونه بشدة: «لماذا إذن يا سيدي كل شيء صعب ومتعب؟ الحياة صعبة ~~ومتعبة، وكلما أسرع إلى حتفي كان أفضل.» # قال ستيفن قوله هذا وأحنى إليهما رأسه، وخرج من الحجرة. # الباب الثاني عشر # | المرأة العجوز # هبط ستيفن درجتي السلم البيضاوين، وأقفل الباب الكبير لبيت المستر باوندرباي، وعبر الشارع ~~وعيناه مثبتتان على الأرض في حزن عميق فإذا به يحس بشخص يلمس ذراعه. # ذلك الشخص امرأة عجوز، طويلة القامة، ما زالت تحتفظ بمسحة من الجمال، نظيفة الثياب البسيطة ~~وحذاؤها ملوث بوحل الريف. من الجلي أنها قطعت مسافة ما. # قالت: «معذرة، يا سيدي! ألم أبصرك تخرج ms20 من بيت ذلك الرجل العظيم؟» وأشارت إلى بيت المستر ~~باوندرباي. ثم استطردت تقول: «هل رأيته؟» ~~- «نعم، رأيته.» ~~- «وكيف رأيت منظره؟ هل يوحي منظره بخير؟» ~~- «نعم، يبدو في صحة جيدة جدا.» # فقالت المرأة العجوز، وقد اقتنعت تماما: «شكرا لك، سيدي! أشكرك!» # فسألها ستيفن عما إذا كانت قد جاءت من الريف قالت: «نعم؛ جئت بالقطار في هذا الصباح من ~~مسافة ستين كيلومترا. وسأقطع نفس المسافة، عائدة في هذا المساء، أنفق مدخراتي هكذا، مرة في كل ~~سنة، أجيء لرؤيته، ذلك السيد، ونظرت مرة أخرى إلى بيت المستر باوندرباي.» # استأنفت هذه السيدة كلامها، فقالت: «لم يخرج من بيته، في هذه السنة، وأنا هنا. ولكني رأيتك، ~~وأنت رأيته، ويجب أن أكتفي بذلك. هل أنت ذاهب إلى العمل؟» # قال: «نعم، فأنا أعمل بمصنع المستر باوندرباي.» # قالت: «هل أنت سعيد في عملك؟ منذ كم من الوقت، وأنت تعمل عنده؟» ~~- «منذ حوالي اثنتي عشرة سنة.» # قالت: «يجب أن أقبل اليد التي عملت في هذا المصنع الجميل، مدة اثنتي عشرة سنة.» # قالت هذا، ورفعت يده إلى شفتيها. # بعد ذلك، بينما ستيفن يعمل في المصنع ألقى نظرة إلى خارج النافذة، فأبصر المرأة العجوز، ~~واقفة بالخارج، تنظر إلى المبنى، معجبة به، ثم انصرفت. # الباب الثالث عشر # | راشيل # قبل أن يذهب ستيفن إلى بيته، في تلك الليلة، ظل يتجول في الشوارع لفترة ما، وتوقع أن ~~يجد زوجته بالمنزل تصيح بوحشية وعندما اقترب من حجرته، أبصر نورا في النافذة. # وجد الهدوء والسلام في الداخل، وكانت راشيل هناك جالسة بجانب السرير الذي ترقد فوقه زوجة ~~ستيفن، وقد نظفت الحجرة، وأوقدت نارا، بينما ترقد زوجته على السرير في هدوء. # فقالت راشيل: «يسرني أنك جئت أخيرا يا ستيفن. لقد تأخرت جدا.» # قال: «كنت أتجول جيئة وذهابا.» # قالت: «هذا هو ما جال بفكري، ولكن هذه الليلة ليست لمثل هذا التجول. فالمطر يهطل وابلا، ~~وقامت الريح شديدة.» # الريح؟ هذا حقيقي. كانت تهب عاصفة وترعد داخل المدخنة، فكيف يبقى ستيفن خارج البيت في مثل ~~هذه الريح، ولا يعلم أنها ms21 تهب؟ # قالت راشيل: «كنت هنا مرة، قبل اليوم، يا ستيفن. استدعتني صاحبة بيتك، في وقت العشاء، وقالت ~~إن زوجتك مريضة .. كانت زوجتك تعمل معي ونحن فتاتان صغيرتان، وكنت صديقتها؛ لذا حضرت لأعمل ~~القليل الذي يمكنني عمله، حاولت أن تنتحر في هذا الصباح.» # سار ستيفن ببطء نحو كرسي، وجلس، وهو مطأطئ الرأس، وراشيل تعتني بالجروح التي في رقبة زوجته ~~فوضعت قطعة من الشاش في حوض، وسكبت في الحوض سائلا من زجاجة، ثم وضعت قطعة الشاش برفق فوق ~~الجروح. وكان هناك نضد صغير إلى جانب السرير، فوقه قارورتان إحداهما التي سكبت راشيل منها ~~السائل. # لم تكن الزجاجة بعيدة عن ستيفن، وإذ كان يتابع يدي راشيل بعينيه، أمكنه أن يقرأ ما كتب ~~عليها بحروف كبيرة «سم. لا تشرب» فامتقع لونه جدا، وتملكه رعب فجائي. # فقالت راشيل، في هدوء: «سأبقى هنا يا ستيفن حتى تدق الأجراس معلنة الساعة الثالثة، يجب أن ~~أغسل جروحها، مرة ثانية، في ذلك الوقت. وبعدئذ يمكن تركها حتى الصباح.» # فقال ستيفن: «ولكن، ماذا عن راحتك في هذه الليلة؟ عليك أن تعملي بالمصنع غدا.» # قالت: «نمت جيدا في الليلة الماضية، وبوسعي أن أبقى متيقظة لعدة ليال، أنت الذي بحاجة إلى ~~الراحة. لونك ممتقع جدا ويبدو عليك التعب. حاول أن تنام على ذلك الكرسي، بينما أظل أنا ~~يقظى.» # سمع ستيفن قصف الريح تزمجر في الخارج وبدا كأن إحساساته الغاضبة، تحاول النيل منه، ولكن ~~راشيل عملت على تهدئة هذه الإحساسات، وكان يثق في أن بمقدورها أن تحميه من نفسه. # قالت راشيل: «إنها لا تعرفني يا ستيفن، إنها مريضة جدا، فعندما تثوب إلى رشدها، مرة أخرى ~~أكون قد فعلت ما في مكنتي، دون أن تعرف إطلاقا .. قال الطبيب إنها ستعود إلى عقلها السليم ~~غدا.» # وقفت عينا ستيفن، مرة أخرى عند القارورة ذات البطاقة المكتوب عليها «سم» فارتجف جسمه، وجعل ~~أعضاءه ترتعش، فقالت راشيل: «إنك لترتعد بردا وبللا يا ستيفن!» # قال: «كلا؛ فقد أصابني رعب وأنا قادم إلى البيت عندما كنت أفكر. عندما كنت ...» # قالت: ms22 «أيا ستيفن!» وهمت بأن تذهب نحوه، إلا أن ذراعه امتدت لتوقفها. # قال: «أرجوك ألا تقبلي نحوي، دعيني أراك جالسة بجانب السرير، طيبة ومسامحة. دعيني ~~أراك مثلما رأيتك عندما جئت إلى هنا.» # ارتعد ستيفن مرة أخرى، وارتمى فوق كرسيه. # فقالت راشيل: «عندما تتحسن حالتها يا ستيفن فمن المنتظر أن تتركك وشأنك مرة أخرى، ولن تصيبك ~~بأي أذى بعد ذلك .. والآن، سألزم الهدوء؛ إذ أريدك أن تنام.» # أغمض ستيفن عينيه، وأخذ يصغي إلى زمجرة الريح. وبالتدريج، تحول إلى عمل آلاته بالمصنع، ~~والأصوات التي سمعها طوال ذلك النهار. ثم استغرق في النوم. # بعد لحظة، أيقظه صوت الريح، وكان المطر يحدث صوتا وهو يسقط على أسطح البيوت. وانكمشت ~~الخطوات الكبرى، التي تحرك بها في حلمه، إلى جدران حجرته الأربعة، وكانت كما هي، باستثناء أن ~~النار انطفأت. # وبدا أن راشيل نامت فوق مقعدها بجانب السرير، وبقي النضد في نفس موضعه، وفوقه الزجاجتان؛ ~~إحداهما زجاجة السم. # خيل إلى ستيفن فجأة أنه رأى الستار الذي فوق السرير يتحرك، فنظر إلى فوق مرة أخرى، وتأكد ~~من أنه يتحرك فعلا. أبصر يدا تتحرك وتمتد، وبعد ذلك، جذبت المرأة التي فوق السرير الستار ~~جانبا، وجلست، وجالت عيناها فيما حولها. يبدو أنها لم تبصر الناس الموجودين في الحجرة. ثم ~~توقفت عيناها عند النضد والزجاجتين اللتين فوقه. # ارتعد ستيفن مرة أخرى، وارتمى فوق كرسيه. # أخذت قدحا، ونظرت إلى القارورتين، ثم أمسكت القارورة التي فيها الموت السريع الأكيد، ونزعت ~~سدادتها، وبينما عيناها تراقبان راشيل، سكبت محتويات الزجاجة ببطء، وقربت السائل من شفتيها. ~~وعندئذ ما هي إلا لحظة، حتى لا يمكن إسعافها. # هبت راشيل واقفة وهي تصيح، فناضلت هذه المرأة المتوحشة، وضربت راشيل، وأمسكتها من شعرها. ~~ولكن راشيل أخذت القدح من يدها. # نهض ستيفن من فوق كرسيه، وقال: «يا راشيل، هل أنا أمشي أم أحلم؟» # قالت: «كل شيء على ما يرام يا ستيفن، لقد نعست أنا نفسي، والساعة الآن حوالي الثالثة ... أصغ ~~.. إني لأسمع دقات ساعة الكنيسة الآن.» # نقلت الريح أصوات ساعة الكنيسة إلى ms23 النافذة، فأصغيا إليها وهي تعلن الثالثة. فنظر ستيفن إلى ~~راشيل، فوجدها ممتقعة اللون، ولاحظ عدم ترتيب شعرها، وآثارا حمراء لأصابع على جبهتها؛ فأيقن ~~من أنه كان متيقظا. وكانت راشيل لا تزال ممسكة بالقدح في يدها، فقالت بهدوء: «ظننتها حوالي ~~الثالثة.» # سكبت راشيل السائل في الحوض، ووضعت فيه قطعة الشاش، وقالت: «لقد هدأت الآن، فيمكنني غسل ~~الجروح.» # غسلت راشيل جروح المرأة المريضة بالسائل، ثم سكبت الباقي من الحوض، فوق النار، وكسرت ~~الزجاجة. # ارتدت راشيل معطفها، واستعدت للخروج في الريح والمطر. # فقال ستيفن: «اسمحي لي بأن أسير معك يا راشيل.» # فقالت: «كلا، فإنها مسافة دقيقة على الأقدام إلى بيتي.» # فقال بصوت منخفض وهما يسيران نحو الباب: «ألست خائفة من أن تتركيني وحدي معها؟» # وبينما هي تنظر إليه وتقول: «يا ستيفن!» جثا على ركبته أمامها، وقال: «أنت ملاك يا ~~راشيل، جئت إلى البيت وقد استبد بي اليأس، وليس بمقدور أي إنسان أن يساعدني، ثم رأيت زجاجة ~~السم على النضد .. لا أحد يعرف ماذا كنت سأفعل بنفسي، أو بها، أو بكلينا.» # قالت: «كف عن الكلام!» ووضعت كلتا يديها على فمه لتمنعه أن يتكلم. ووجهها مملوء ~~بالرعب، ثم ألقت عليه تحية المساء بصوت متهدج، وخرجت إلى الشارع. # هبت الريح من الناحية التي سيبزغ منها النهار، وما زالت تهب بعنف، وجعلت السماء صافية ~~أمامها، وكف المطر عن الانهمار، وذهب إلى مكان آخر، وتألقت النجوم في السماء، ووقف ستيفن ~~عاري الرأس في الطريق يراقب اختفاء راشيل السريع. # وكما هي النجوم المتألقة بالنسبة إلى الشمعة الصغيرة، التي في النافذة، كذلك كانت راشيل ~~بالنسبة إلى هذا الرجل، في أحداث حياته المحزنة. # الباب الرابع عشر # | الصانع العظيم # سار الوقت في كوكتاون مثلما تسير آلاتها، فكم من مواد صنعت! وكم من طاقات استعملت! وكم من ~~أموال جمعت! # كذلك طال الوقت مثلما زاد طول ثوماس الصغير ثلاثين سنتيمترا عما لاحظه أبوه آخر ~~مرة. # فقال المستر جرادجرايند: «حان الوقت الذي يجب أن يذهب فيه ثوماس إلى مصرف ~~باوندرباي.» # وهكذا مرر الوقت ثوماس الصغير ms24 إلى مصرف باوندرباي، وجعله يعيش في بيته. # كذلك مرر الوقت سيسي خلال مصنعه (أي مصنع الوقت) وجعلها فتاة جميلة جدا بحق. # قال المستر جرادجرايند: «أخشى يا جوب أن يكون تقدمك في المدرسة مثبطا للعزيمة، فلم تحصلي ~~على كمية المعارف المتوقعة.» # قالت: «آسفة يا سيدي، أعرف أن هذا صحيح جدا، ولكني حاولت جاهدة، وفكرت أحيانا في أنني ~~حاولت أن أتعلم الكثير جدا بما لا تحمله طاقتي. ولو سمح لي بأن أتعلم أقل من ذلك قليلا، ~~فلربما فعلت ما هو أفضل.» # فقال المستر جرادجرايند: «كلا، كلا، لا تبكي يا جوب؛ أنت امرأة صغيرة رقيقة وطيبة، ومفيدة ~~لمسز جرادجرايند، ومساعدة في الأسرة؛ لذا آمل في أن تجعلي نفسك سعيدة في بيتنا.» # فقالت سيسي معترفة بالجميل: «شكرا عظيما لك، يا سيدي»، ولكنها ما زالت تفكر في أن والدها ~~سيعود في يوم ما. # في كل هذه الأثناء، كانت لويزا تمر هادئة وصامتة، فلما لاحظ أبوها مرة أخرى أنها صارت امرأة ~~صغيرة، قال: «يا عزيزتي لويزا .. يجب أن أتحدث معك على انفراد، وفي جدية، تعالي إلي في حجرتي ~~بعد أن تتناولي طعام الإفطار، غدا، فهل تسمحين بهذا؟» ~~- «نعم يا أبت.» # قال: «يداك باردتان؛ فهل تشعرين بمرض؟» ~~- «أنا على ما يرام من الصحة يا أبت.» # نظرت لويزا إلى أبيها مرة أخرى، وابتسمت بطريقتها الغربية، وقالت: «أنا سعيدة ومبتهجة، ~~مثلما اعتدت أن أكون.» # قبل المستر جرادجرايند ابنته، وانصرف. # أطل أخوها من الباب، وقال: «هل أنت هنا يا لويزا؟» وكان، في ذلك الوقت، شابا أنيقا، ~~ولكنه لم يكن جذاب المنظر جدا. # نهضت لويزا من على مقعدها، وطوقت أخاها بذراعيها، وقالت: «يا عزيزي توم! كم من الوقت ~~مر ولم تأت لتراني؟!» # قال: «كنت مشغولا في الأمسيات يا لو، وبالنهار يشغلني العجوز باوندرباي بالعمل، وعلى فكرة ~~.. هل قال لك أبونا شيئا خاصا، يا لو؟» # نظر هذا الشاب إلى وجه أخته بمتعة أعظم مما اعتاد أن ينظر إليها من قبل، وطوق وسطها ~~بذراعه وقال: «أراك مولعة جدا بي يا لو، أليس كذلك؟» ms25 # قالت: «بلى؛ الواقع أنني مولعة جدا بك يا توم، ولو أنك لا تأتي كثيرا لتراني.» # قال: «حسنا يا أختاه؛ وعندما تقولين هذا فأنت تقتربين كثيرا من أفكاري. الواقع أنه من ~~الممكن أن نكون معا مرات أكثر، تصنعين الكثير من الخير لي، إن فكرت في أن تؤدي لي خدمة» ثم ~~توقف عن الكلام ونظر إلى وجه أخته المفكر، ولكنه لم يفهم منه شيئا فقبلها، فبادلته ~~التقبيل وهي لا تزال تنظر إلى الوطيس. # استطرد ثوماس الصغير، يقول: «لا أستطيع البقاء هنا الآن، لا تنسي أنك مولعة بي.» # قالت: «لن أنسى يا عزيزي توم!» انصرف توم، ووقفت لويزا عند الشباك تنظر إلى نيران كوكتاون، ~~وهي تصغي إلى وقع أقدام أخيها وهو ينصرف. # الباب الخامس عشر # | الأب وابنته # يوجد بحجرة المستر جرادجرايند ساعة دقاقة كبيرة، يمكنك سماع صوتها وهي تعمل. جلست لويزا ~~بجانب النافذة قرب مائدة أبيها، فوقع بصرها على مداخن كوكتاون العالية، والدخان يتصاعد منها ~~كثيفا فيملأ الجو بلون أسود يبعث على الاكتئاب. # قال الأب: «يا عزيزتي لويزا، لدي شيء بالغ الأهمية، أود أن أقوله لك، كما أخبرتك في ~~الليلة الماضية .. لقد تدربت وتعلمت جيدا، ولي ثقة تامة في إحساسك المرهف الطيب.» # انتظر الوالد أن تتكلم ابنته، ولكنها لم تنطق بكلمة واحدة. فقال: «يا عزيزتي لويزا، يريد ~~شخص ما أن يتزوجك وها أنت ذي قد تسلمت اقتراحا بالزواج، فماذا تقولين؟» # انتظر المستر جرادجرايند، مرة أخرى، أن ترد ابنته على سؤاله، ولكنها لم تجب بشيء في هذه ~~المرة أيضا. فأدهش هذا أباها، فكرر قوله: «يريد شخص أن يتزوجك يا عزيزتي.» # قالت: «أنا أسمعك يا أبي، أنا مصغية إلى ما تقول.» # أحس المستر جرادجرايند بالانزعاج، ولكنه استطرد يقول: «أخبرني المستر باوندرباي بأنه يريد ~~أن يقدم لك يده للزواج، وقد لاحظ تقدمك بمتعة، وكله أمل، طيلة وقت طويل، أن تأتي الفرصة التي ~~يطلب فيها يدك للزواج، ويأمل كثيرا في أن تولي طلبه هذا اعتبارك الموافق.» # ساد السكون بين الأب وابنته، وبدا صوت الساعة عاليا جدا، ولاح ms26 الدخان البعيد شديد السواد ~~وكثيفا جدا. # تكلمت لويزا، فقالت: «يا أبتاه، أتعتقد أنني أحب المستر باوندرباي؟» # شعر المستر جرادجرايند بالقلق الشديد، فقال: «لا يمكنني الجزم بذلك، يا طفلتي.» # فاستطردت لويزا تقول بنفس الصوت السابق: «أي أبت! هل تطلب مني أن أحب المستر ~~باوندرباي؟» # قال: «كلا، كلا يا عزيزتي لويزا، لا أطلب منك شيئا كهذا.» # فاستأنفت لويزا كلامها، تقول: «هل يطلب المستر باوندرباي مني أن أحبه؟» # فقال الأب: «الحقيقة، يا عزيزتي، أنه من الصعب الإجابة على سؤالك.» # قالت: «هل من الصعب الإجابة بنعم، أو لا .. يا أبي؟» # أجاب الوالد بقوله: «نعم، هذا أكيد يا عزيزتي؛ لأن الرد يتوقف على المعنى الذي نسنده إلى ~~السؤال. والآن، أقول لك إن المستر باوندرباي لا يطلب منك شيئا خياليا. وربما كان استعمال ~~كلمة «حب» خاطئا قليلا.» # قالت: «وبماذا تنصحني أن أستعمل بدلا من كلمة «حب» يا أبي؟» # قال: «يبدو لي يا لويزا أنه ما من كلمة يمكن أن تكون أوضح منها. وموضوع الحقيقة الذي بوسعك ~~أن تفكري فيه، في قراءة نفسك هو: هل يطلب مني المستر باوندرباي أن أتزوجه؟ نعم، هو يطلب ذلك. ~~والسؤال الوحيد، الباقي بعد ذلك، هو: هل أتزوجه؟ لا أظن يا عزيزتي لويزا أن هناك شيئا سيكون ~~أوضح من ذلك!» # أخذت لويزا تكرر قولها ببطء: «هل أتزوجه؟ هل أتزوجه؟» # فقال المستر جرادجرايند: «نعم بالضبط، وهو مقبول بالنسبة لي، بصفتي والدك يا عزيزتي لويزا، ~~أعرف أنك لن تنظري إلى هذا السؤال بعقل وتفكير كثيرات من النساء.» # قالت: «لن أنظر إليه هكذا يا أبي.» # قال: «أتركك الآن لتفكري في هذا الأمر في هدوء وعلى مهل.» # سحبت لويزا عينيها من على أبيها، وجلست مدة طويلة تنظر نحو مداخن البلدة، ثم قالت ~~أخيرا: «يطلب مني المستر باوندرباي، أن أتزوجه، والسؤال الذي أسأل به نفسي هو: هل ~~أتزوجه؟» ~~- «بالتأكيد، يا عزيزتي.» # قالت: «ليكن هكذا، ماذا يهم؟ فبما أن المستر باوندرباي يريد أن يتزوجني، فأنا موافقة على ~~طلبه، أخبره يا أبي في الوقت الذي تراه ملائما، بأن هذا ms27 هو ردي، كرره حرفا بحرف إن أمكنك؛ ~~لأنني أريده أن يعرف نص ما قلته.» # قبلت لويزا أباها، فأمسكها من يدها، وذهبا معا إلى حجرة الجلوس. وكانت بها مسز ~~جرادجرايند وسيسي. # فقال الأب: «هذا صحيح تماما، يا عزيزتي. ولكي أكون واقعيا، فسأفعل ما تطلبينه. هل لك ~~رغبات بخصوص موعد الزواج؟» # قالت: «كلا، يا أبت. فما أهمية هذا؟» # تأثر المستر جرادجرايند بنجاحه أعظم التأثر، وسر سرورا بالغا، فقال: «أشكرك، يا ~~عزيزتي لويزا إذ عوضتني عن عنايتي بك. والآن، قبليني، يا ابنتي.» # قبلت لويزا أباها، فأمسكها من يدها، وذهبا معا إلى حجرة الجلوس. وكانت بها مسز ~~جرادجرايند وسيسي. # فقال المستر جرادجرايند: «يا مسز جرادجرايند اسمحي لي بأن أقدم لك مسز باوندرباي.» # فقالت مسز جرادجرايند: «مرحى! إذن، فقد سويت الموضوع، أتمنى أن تظل صحتك جيدة، يا لويزا ~~أتمنى ألا تمرضي مثلما مرضت أنا بعد زواجي. لا بد أن أقبلك قبلة التهنئة، ولكن لا تلمسي كتفي ~~اليمنى: أشعر بأن هناك شيئا يسري خلالها ويؤلمني طول اليوم.» # نظرت سيسي إلى لويزا، في عجب، وفي إشفاق، وفي حزن. عرفت لويزا هذا دون أن تنظر مباشرة إلى ~~سيسي. ومنذ تلك اللحظة، ولويزا فخورة وباردة وتنظر إلى سيسي من بعيد. لقد تغيرت نحوها ~~تماما.» # الباب السادس عشر # | الزوج والزوجة # عندما سمع المستر باوندرباي بما أسعده، ساوره القلق من أجل مسز سبارسيت. فماذا يقول لمدبرة ~~بيته؟ # ولما جاء المساء قرر أن يخبرها، فاشترى زجاجة أملاح مضادة للإغماء، احتياطا لما إذا كان ~~سيغمى على مسز سبارسيت، وعمل ترتيبه أن يمكن نزع سدادة الزجاجة بسهولة، إذا اقتضى الأمر ~~استعمالها. ثم استدعى مسز سبارسيت، فلما جاءت وجلست، قال لها: «يا مدام! يا مسز سبارسيت! أنت ~~من كريمات العقائل، بمولدك وبتربيتك، كما أنك سيدة سامية الأخلاق والمشاعر.» # قالت: «يا سيدي، كثيرا ما وقرتني بأمثال هذه العبارات الدالة على رأيك الطيب.» # قال: «يا مدام! يا مسز سبارسيت! سأخبرك بما يدهشك.» # فقالت في هدوء: «نعم يا سيدي!» # قال: «سأتزوج ابنة المستر جرادجرايند.» # قالت: «أهنئك يا سيدي، ms28 وأتمنى لك السعادة يا مستر باوندرباي. الحقيقة أنني أتمنى لك ~~السعادة من كل قلبي يا سيدي.» # قالت ذلك بلهجة الإشفاق، حتى دهش المستر باوندرباي. فوضع السدادة بإحكام في عنق الزجاجة، ثم ~~وضع زجاجة الأملاح في جيبه، وقال في نفسه: «لعنة الله على هذه المرأة إذ تستقبل هذا النبأ بمثل ~~هذه الطريقة!» # ثم قال بصوت مرتفع: «أنا مدين لك بالشكر الجزيل يا مسز سبارسيت، وآمل في أن أظل ~~مدينا به.» # ابتهجت مسز سبارسيت من ذلك الإطراء والثناء، فقالت: «هل أنت مدين لي بالشكر يا سيدي؟ من ~~الطبيعي أن تشكرني .. طبعا تشكرني.» # مرت فترة صمت حرجة، ظلت مسز سبارسيت خلالها تعمل بالخياطة. # فقال المستر باوندرباي: «لا حاجة بك إلى أن تتركي خدمتي يا مسز سبارسيت، سأخصص لك مقرا ~~بالمصرف تكونين مدبرته، سيكون لك فيه حجراتك الخاصة، وخادمة ترعى شئونك، وستجدينه مريحا ~~جدا.» # فقالت مسز سبارسيت: «لا تقل أكثر من هذا يا سيدي، أنا أقبل عرضك شاكرة، وأتمنى أن تكون ~~الآنسة جرادجرايند هي كل ما تحتاج إليه وتستحقه.» # لم تتأثر مسز سبارسيت بذلك الموقف، بل كانت مؤدبة ومبتهجة ولها آمال. ولكن المستر ~~باوندرباي، كان يعرف أنها تشفق عليه. # حدد موعد الزواج بأن يكون بعد ثمانية أسابيع وأخذ المستر باوندرباي يذهب في كل مساء إلى ~~ستون لودج، لمجالسة لويزا، وصنع الحب في تلك المناسبات في صورة هدايا ومجوهرات. وطوال مدة ~~الخطوبة، بدا الحب في مظهر صناعي، صنعت الملابس والقفازات والكعك، كان الموضوع حقيقة، من أوله ~~إلى آخره، ولم يكن به أي مظهر غرامي. وبعد ذلك تزوجا في اليوم. # الجزء الثاني # | المحصول # الباب الأول # | أعمال المصرف # المصرف في كوكتاون عبارة عن بيت ضخم مبني بالطوب الأحمر، أكبر قليلا من بيت المستر ~~باوندرباي. جلست مسز سبارسيت في حجرتها بالمصرف، التي كانت تستعملها بعد الظهر، عقب انتهاء ~~ساعات العمل، وكانت في ذلك الوقت هي المسئولة عن سلامة جميع مباني المصرف، والخزائن بما فيها من ~~نقود، كما كان هناك، أيضا، شاب يحرس خزانة حفظ الأشياء الثمينة. فأعدت الخادمة ms29 صينية الشاي ~~لمسز سبارسيت، أحضرها إليها ذلك الشاب بداخل الحجرة. # فقالت مسز سبارسيت: «أشكرك يا بيتزر.» # فرد عليها الشاب بقوله: «شكرا يا مدام.» وبيتزر هذا، هو الغلام الذي عرف الحصان بمهارة ~~في المدرسة منذ سنوات. وما زال أبيض الشعر والبشرة مثلما كان في أيام المدرسة. # سألت مسز سبارسيت، بيتزر بقولها: «هل كل شيء في أمان، يا بيتزر؟» # قال: «كل شيء مقفل يا مدام.» # فقالت وهي تصب الشاي في القدح: «ما الأخبار اليوم؟ هل من أحداث؟» ~~- «أستطيع القول يا مدام بأنني لم أسمع شيئا بعينه.» # ولما كان ذلك الوقت هو الفترة التي يتحدث فيها مع مسز سبارسيت، عن الأمور السرية، تظاهر ~~بأنه يرتب «كلا، لم يكن العمل كثيرا، يا مدام.» # قالت : «هل كان اليوم كثير العمل يا بيتزر؟» ~~- «كلا؛ لم يكن العمل كثيرا يا مدام.» # قالت: «بالطبع، الكتبة أمناء، ويعملون بجد وإخلاص!» # قال: «نعم يا مدام. كلهم على ما يرام، مع الاستثناء الوحيد المعتاد.» # يقوم بيتزر بدور الجاسوس لمسز سبارسيت في المصرف. وفي نظير هذا العمل، كانت تقدم له هدية ~~في عيد الميلاد، وهو شاب ألمعي بالغ النباهة، وشديد الحرص. وعلى يقين من أنه سوف يرتفع في ~~الحياة، وإذ درب عقله بعناية، لم تكن لديه أية أمور عاطفية، كل أعماله نتيجة حسابات ~~دقيقة. # كرر بيتزر قوله مرة ثانية، فقال: «كلهم على ما يرام، مع الاستثناء الوحيد المعتاد يا ~~مدام.» # فقالت مسز سبارسيت وهي تشرب الشاي وتهز رأسها: «يا للأسف!» # قال: «إنه المستر ثوماس يا مدام. أنا أرتاب كثيرا في المستر ثوماس. لا تعجبني أساليبه ~~بحال ما.» # فقالت مسز سبارسيت بلهجة الأمر: «هل تتذكر ما قلته لك عن عدم ذكر أسماء؟» # قال: «عفوا يا مدام، هذا صحيح تماما. لقد مانعت في ذكر أسماء.» # قالت: «إن قلت: فردا ما استمعت إليك، أما إن قلت المستر ثوماس، فينبغي لك أن ~~تستسمحني!» # قال: «مع استثناء فرد واحد يا مدام.» # فقالت مسز سبارسيت: «حسنا!» # قال: «فرد واحد لم يسلك أبدا المسلك اللائق به، إنه يتلكأ في ms30 العمل، وكسلان، ويبذر ~~نقوده.» # هزت مسز سبارسيت رأسها، وتأوهت. # استطرد بيتزر كلامه، فقال: «آمل يا مدام في ألا يمده صديقه وقريبه بالنقود، ونحن جميعا ~~نعرف من جيب من تأتي النقود.» # فقالت مسز سبارسيت مرة أخرى: «حذار يا بيتزر!» # قال: «ينبغي لنا يا مدام أن نشفق على هذا الشخص الذي تكلمت عنه الآن.» # فقالت: «نعم يا بيتزر؛ كنت أشفق عليه دائما من أجل ذلك.» # قال بيتزر، وقد خفض صوته واقترب منها: «ذلك الشخص الصغير، يبذر نقوده مثلما يبذرها أي شخص ~~في هذه البلدة. وإنك لتعلمين كم هم مبذرون!» # قالت: «لو حذوا حذوك لأحسنوا صنعا!» # قال: «شكرا يا مدام، لقد ادخرت نقودا، والهدية التي أخذتها منك، في عيد الميلاد، لم أمسها ~~على الإطلاق، أنا لا أنفق كل مرتبي، رغم ضآلته. فما يستطيع أن يعمله أي إنسان، يستطيع غيره أن ~~يعمله.» # فقالت: «نعم، هذا صحيح.» # قال: «أتريدين شيئا آخر أحضره لك يا مدام؟» # قالت: «لا شيء الآن يا بيتزر، وشكرا!» # أطل بيتزر من النافذة إلى الشارع، والتفت نحو مسز سبارسيت، وقال: «لا أريد إزعاجك، وأنت ~~تشربين الشاي يا مدام. ولكن يوجد رجل في الخارج ظل ينظر إلى هذا الشباك، مدة دقيقة أو اثنتين، ~~وأظنه سيطرق الباب الأمامي. هل تريدينني أدخله لمقابلتك يا مدام؟» # قالت: «إن رأيت هذا ملائما يا بيتزر.» # طرق الغريب الباب، فهبط بيتزر السلم ليفتحه له. # وأزاحت مسز سبارسيت أدوات الشاي جانبا. # جاء بيتزر، يقول: «الرجل الغريب يريد مقابلتك يا سيدتي.» # كان ذلك الزائر في حوالي الخامسة والثلاثين من عمره، وأنيق المنظر. # فقالت مسز سبارسيت لهذا الزائر: «أعتقد أنك تريد التحدث إلي، تفضل بالجلوس.» # فقال: «شكرا يا سيدتي!» ثم سحب كرسيا لتجلس عليه مسز سبارسيت، بينما بقي هو واقفا إلى ~~جانب المائدة، وقال: «معي خطاب توصية للمستر باوندرباي، صاحب هذا المصرف.» # نظرت مسز سبارسيت إلى هذا الزائر، فأعجبها حسن هندامه، ووجدته ذا شعر أسود، وعينين ~~جريئتين، وصوت عذب جدا. # قال: «سألت عن الطريق إلى بيت المستر باوندرباي، فقادني أحد الناس إلى ms31 هذا المصرف، ولكن من ~~المؤكد أن المستر باوندرباي لا يقيم هنا.» # قالت: «طبعا، هو لا يقيم هنا ولكن بوسعي أن أعطيك عنوان بيته.» ~~- «شكرا، يا سيدتي؛ خطاب التوصية الذي معي من أحد أعضاء البرلمان، هو مندوب كوكتاون، واسمه ~~المستر جرادجرايند. التقيت به في لندن.» # أطلع هذا الغريب مسز سبارسيت على خطاب التوصية، فأعطته عنوان بيت المستر باوندرباي ووصفت ~~له كيفية الذهاب إليه. # فقال الغريب بأدب: «ألف شكر يا سيدتي، من المؤكد أنك تعرفين جيدا صاحب هذا ~~المصرف.» # قالت: «نعم؛ أعرفه منذ عشر سنوات.» # قال: «أظنه تزوج ابنة المستر جرادجرايند.» # قالت: «نعم.» وفجأة انكمش فمها، واستطردت تقول: «كان له ذلك الشرف!» # فقال الغريب: «اغفري لي فضولي يا سيدتي، أنت تعرفين تلك الأسرة، وتعرفين العالم: هل عقيلة ~~المستر باوندرباي بارعة الجمال؟ وكم يبلغ عمرها؟ هل أربعون أم خمس وثلاثون سنة؟» # ضحكت مسز سبارسيت، وقالت: «لم تبلغ العشرين عندما تزوجت.» # فقال الغريب: «هل هذا حقيقي؟ إنه يدهشني!» # ثم انحنى لها، وخرج من الحجرة. # وقفت مسز سبارسيت خلف ستائر النافذة ولاحظت ذلك الغريب وهو يسير في الطريق، وقد جعل منظره ~~وحسن هندامه الناس ينظرون إليه. # عندما كانت مسز سبارسيت وحدها، وهي تتناول وجبة العشاء، قالت: «يا لك من غبي!» فمن كانت ~~تقصد؟ لم توضح. # الباب الثاني # | المستر جيمس هارتهاوس # الغريب الذي زار مسز سبارسيت، اسمه جيمس ~~هارتهاوس # James Harthouse ~~. وهو شاب من أسرة طيبة، كثير الارتحال، ولكنه لم يستقر في أي عمل أو ~~مهنة. التقى أخيرا مع بعض أعضاء البرلمان في لندن، ومن بينهم المستر ثوماس ~~جرادجرايند. # قرر المستر هارتهاوس أنه يستطيع العمل في حزب سياسي؛ فقد كان ماهرا في الخطابة، وقوي ~~التأثير؛ بوسعه أن يتلو المعلومات والحقائق، ويتحدث جيدا إلى الجموع. # اعتقد المستر جرادجرايند أن هذا الشاب يمكن أن يكون ذا فائدة لحزبه؛ لذا أعطاه خطاب توصية ~~للمستر باوندرباي، صاحب مصرف كوكتاون. # ما إن تسلم المستر باوندرباي خطاب هارتهاوس حتى نهض من مجلسه، ولبس قبعته، وذهب إلى الفندق ~~الذي يقيم فيه ذلك الزائر. ms32 # قال: «اسمي جوزياه باوندرباي، من أهالي كوكتاون.» # الواقع أن مستر هارتهاوس سر كثيرا بمقابلته. # فقال باوندرباي: «ليست كوكتاون يا سيدي، المكان الذي تعودته. سأخبرك شيئا عنها قبل أن ~~نتمادى.» # شرح المستر باوندرباي لهذا الزائر أهمية المصانع التي تبدو قذرة المنظر يلوثها ~~الدخان. # ثم قال: «ربما تعلم أنني تزوجت ابنة توم جرادجرايند؛ ويسرني أن أقدمك إليها لو جئت معي إلى ~~البيت.» # التقى المستر هارتهاوس، في حجرة الاستقبال بمنزل المستر باوندرباي، المبني بالطوب الأحمر، ~~التقى بفتاة بالغة الشهرة وهادئة ومتحفظة، ولكنها قوية الملاحظة، تبدو باردة ومتكبرة، غير ~~أنها سامية المشاعر، جميلة الوجه، إلا أنه عديم الملامح، تجلس شاردة الذهن. # وبينما هم يتحدثون سألته لويزا عن معتقداته السياسية. # قال: «أظن، يا مسز باوندرباي أن أية مجموعة من الآراء تأتي بفائدة طيبة كأية مجموعة آراء ~~أخرى، وتأتي بنفس الضرر الذي تجلبه مجموعة أخرى، ما سيكون سيكون، ولكني سأؤيد حزب أبيك.» # لم تأخذ لويزا فكرة طيبة عن هذا الزائر. # صحب المستر باوندرباي هذا الغريب لزيارة بعض الشخصيات البارزة في كوكتاون، الذين يمكنهم ~~التصويت لحزبهم. # أعدت المائدة في المساء لأربعة أشخاص، بيد أن ثلاثة فقط هم الذين جلسوا إليها. # راقب مستر هارتهاوس مسز باوندرباي وهي تجلس إلى رأس المائدة، صغيرة الجسم، رشيقة القوام، ~~تبدو غير مهتمة بالحجرة، ولا بما حولها. # فقال هارتهاوس في نفسه: «أما من شيء يحرك هذا الوجه؟» # نعم، هناك شيء، وها هو، في شخص جاء ولم يكن من المتوقع مجيئه؛ إذ جاء توم؛ فتغيرت ملامح ~~لويزا بمجرد أن فتح الباب ودخل. فابتسمت ابتسامة عريضة حلوة، وأمسكت يد توم في يدها. # فقال الزائر في نفسه: «هل هذا الكلب الصغير هو المخلوق الوحيد الذي تهتم به؟» # وأخيرا، نهض جيمس هارتهاوس ليعود إلى فندقه، وساوره الشك فيما إذا كان بوسعه أن يعرف ~~الطريق إليه ليلا، إلا أن الكلب الصغير قام في الحال، وعرض خدماته كدليل، وخرج مع ذلك الضيف ~~ليريه الطريق. # الباب الثالث # | الكلب الصغير # عندما وصلا إلى الفندق، قال المستر جيمس هارتهاوس: «هل تدخن؟» # قال ms33 توم: «نعم.» وعلى هذا دعاه ذلك الغريب إلى الصعود معه إلى حجرته بالفندق، وأعطاه كمية ~~من التبغ الفاخر ليدخنه، كما قدم له شرابا باردا، ورغم برودته، كان قويا جدا. فجلس ~~توم في مقعد بمتاكئ وأسند ظهره، وأطرى صديقه الجديد. # قال توم: «شكرا، يا مستر هارتهاوس، وأرجو أن تكون قد توصلت إلى ما تريد من المستر ~~باوندرباي في هذه الليلة.» # تكلم توم، وقد أغمض إحدى عينيه، ونظر بالأخرى، من فوق قدح الويسكي، نظرة ذات معنى. # ابتسم المستر جيمس هارتهاوس، ونهض من فوق مقعده، ووقف ينظر إلى توم، وقال: «يا لك من نسيب # 1 # لطيف!» # فقال توم: «أظنك تعني أن تقول: «يا للمستر باوندرباي، من نسيب لطيف!» # تكلم توم، وقد أغمض إحدى عينيه، ونظر بالأخرى ، من فوق قدح الويسكي، نظرة ذات ~~معنى! # فقال المستر جيمس هارتهاوس: «أنت دقيق الملاحظة، يا توم.» # سر توم من أن صديقه خاطبه باسمه المختصر، ولما تمض على صداقتهما مدة طويلة، وبمثل ~~طريقة قدامى الأصدقاء هذه، ولا سيما بواسطة رجل وسيم الوجه حسن الهندام. # قال توم: «سأبدأ بألا أكون مؤدبا من ناحية العجوز باوندرباي. نحن في وقت متأخر من هذا ~~اليوم.» # فقال جيمس هارتهاوس: «لا يهمنك وجودي، ولكن احذر الكلام عندما تكون زوجته على مقربة منك، ~~وأنت تعرف ذلك.» ~~«زوجته؟ أختي لو؟ نعم.» # ضحك توم، وشرب قليلا من الويسكي، بينما وقف جيمس هارتهاوس ينظر إليه. # فقال توم: «لم تهتم أختي لو بذلك العجوز باوندرباي.» # فقال جيمس هارتهاوس: «لم تهتم، تؤدي معني الفعل الماضي، ونحن في الزمن الحاضر الآن، أليس ~~كذلك؟» # فقال توم: «الفعل في الزمن الحاضر (أي المضارع) والفاعل مفرد متكلم، هو (أنا لا أهتم). ~~والفعل المضارع والفاعل مفرد مخاطب هو (أنت لا تهتم) والفعل المضارع والفاعل مفرد غائب هو (هو ~~لا يهتم) هذا للمذكر، أما للمؤنث فهو (هي لا تهتم).» # فقال صديقه: «حسنا! هذا ممتع جدا، ولكنك لا تعنيه.» # فصاح توم يقول: «ولكنني أعنيه، من المؤكد أنني أعنيه، ولن تقول لي يا مستر هارتهاوس أنك تظن ~~أن ms34 أختي لو تهتم بالعجوز باوندرباي!» # فقال جيمس: «يا صديقي العزيز؛ ماذا أظن عندما أجد زوجين يعيشان في وئام وانسجام ~~وسعادة؟» # قال: «أنت تعرف أبي، ولا حاجة بك لأن تدهش من أن لو تزوجت العجوز باوندرباي، لم يكن ~~لها أي عاشق على الإطلاق؛ إذ كان أبي في منتهى الصرامة. # وكان بيتنا عبارة عن سجن؛ فاقترح أبي عليها أن تتزوج العجوز باوندرباي؛ فأخذته.» # فقال المستر جيمس هارتهاوس: «أختك تعرف واجبها، مثلما هي جميلة.» # فقال الكلب الصغير: «ما كانت أختي لتعرف واجبها، لولاي!» # ما كان من المضيف إلا أن رفع حاجبيه؛ فاضطر الكلب الصغير إلى أن يستمر في كلامه. # قال: «أنا حثثتها، وكانت تعمل أي شيء من أجلي، وهذا لطيف جدا منها.» # فقال هارتهاوس: «عندما ذهبت إلى المصرف مساء أمس لأعرف عنوان بيت المستر باوندرباي، التقيت ~~بسيدة عظيمة عجوز هناك، تبدو معجبة جدا بأختك.» # فقال توم: «إنها الأم سبارسيت؛ شعورها نحو أختي أكثر من الإعجاب، على ما أعتقد.» ثم أغمض ~~عينا، وضرب بإصبعه على أنفه عدة مرات، وأردف يقول: «الأم سبارسيت، لم تأمل إطلاقا في أن تتزوج ~~باوندرباي، عندما كان أعزب، لم تأمل في هذا أبدا.» # كان للويسكي الذي ظل توم يشربه لفترة من الوقت تأثير قوي على قواه العقلية، فاستغرق في ~~النوم. # استيقظ توم من حلم مزعج، بركلة من حذاء، ثم سمع صوتا يقول له: «استيقظ! نحن في وقت متأخر ~~جدا من الليل، ويجب أن تنصرف.» # صحا توم من نومه، وقال: «نعم؛ يجب أن أنصرف الآن.» الواقع، أنه كان لا يدري ما يقول. ثم ~~أردف بقوله: «تبغك طيب، ولكنه خفيف.» # فقال المضيف: «نعم؛ هو خفيف جدا.» # فقال توم: «خفيف جدا .. أين الباب؟ مساء الخير!» # وجد توم طريقه إلى البيت وهو يسير كما لو أن الجو أمامه مشبع بالضباب، إذ عب الكثير من ~~ذلك الشراب البارد. # وهكذا ذهب الكلب الصغير إلى البيت وإلى الفراش. # ولكنه لو شعر بما فعله في تلك الليلة لتوقف .. لتوقف وأغرق نفسه في النهر الأسود، الذي يجري ~~خلال كوكتاون. ms35 # الباب الرابع # | رجال وإخوة # «أيا أصدقائي وزملائي المواطنين .. يا عبيد الطغيان ذي اليد الحديدية .. يا أصدقائي ~~وزملائي .. يا من تعانون أقسى ألوان الظلم .. يا زملائي العمال، وزملائي الرجال، أقول لكم: ~~لقد حانت الساعة. يجب أن يلتف كل واحد منكم حول الآخر كقوة واحدة متحدة. يجب أن نسحق في ~~التراب أولئك الذين يحتفظون بنا عبيدا، ويعيشون من عملنا.» # صفق الحاضرون تصفيقا حادا، وشرب الخطيب بعض الماء من كوب، وكانت القاعة مزدحمة وجوها ~~حار. ثم استأنف الخطيب سلاكبريدج # Slackbridge # كلامه، ~~فقال: ~~«ولكنني آسف يا إخواني وزملائي! ماذا نقول لذلك العامل المنشق علينا؟ ذلك الرجل الذي لن ~~ينضم إلينا في حربنا من أجل الحرية والحق؟» # فصاح صوت يقول: «فلنستمع إليه.» # فقال سلاكبريدج: «ها هو!» # إنه ستيفن بلاكبول . فصعد هذا الرجل إلى المنصة شاحب اللون وبادي التعب. # فقال ستيفن بصوت هادئ واضح: «يا إخواني، فكرت في هذا الموضوع يا زملائي العمال، وأنا ~~أعرف تماما أنكم ستقاطعونني ولن تتحدثوا معي بعد ذلك. ولكني لا أستطيع الانضمام إليكم.» # فقال رئيس الاجتماع: «فكر في هذا الأمر مرة أخرى يا ستيفن بلاكبول، قبل أن يتحاشاك جميع ~~أصدقائك وزملائك.» # ولكن ستيفن لم يستطع تغيير رأيه، فغادر القاعة في صمت. # وقع ستيفن في حياة العزلة بسهولة. فإذا قابله زملاؤه أشاحوا بوجوههم عنه. كان ستيفن هذا ~~رجلا هادئا، ولم يعرف كيف أننا جميعا نحتاج إلى نظرة وكلمة من غيرنا من البشر، وكيف أن كل ~~واحد منا بحاجة إلى التآلف والتآزر مع بني جنسه. # مرت الأيام الأربعة الأولى على ستيفن طويلة وثقيلة، لم يلتق خلالها براشيل، وتجنب ~~كل فرصة للالتقاء بها .. إنهم الرجال وليسوا النساء الذين أمروا بمقاطعته، ولكنه اعتقد أنه ~~إن رؤي مع راشيل، فربما أساء القوم معاملتها. # ظل ستيفن هادئا وحده لمدة أربعة أيام، لم يتحدث مع أي إنسان، ولم يتحدث معه أي إنسان. ثم ~~حدث بينما كان يغادر عمله ليلا، أن استوقفه شاب في الشارع، وقال له: «هل اسمك بلاكبول؟» وكان ~~ذلك الشاب ذا بشرة زاهية جدا حتى لتحسبها ms36 بيضاء ناصعة. # فقال ستيفن: «نعم!» # ذلك الشاب هو بيتزر، فقال لستيفن: «هل أنت اليد، الذي يريد العمال جميعا ألا يتحدثوا ~~معه؟» # فأجاب ستيفن يقول مرة أخرى: «نعم!» # قال: «يريد المستر باوندرباي أن يتكلم معك. وأنت تعرف بيته.» # استدار ستيفن، ويمم شطر بيت المستر باوندرباي الكبير والمبني بالطوب الأحمر. # الباب الخامس # | الرجال والرؤساء # ذهب ستيفن لمقابلة المستر باوندرباي الذي كان بحجرة الاستقبال في بيته، وكانت الأسرة وقتذاك ~~تتناول الشاي، وكان هناك زوجة المستر باوندرباي، صغيرة السن، وأخوها، وشاب جميل أنيق، من ~~لندن. # وقف ستيفن عند الباب بأدب، ممسكا قبعته في يده، وقال: «فيم تريد أن تتحدث إلي، يا ~~سيدي؟» # فقال المستر باوندرباي: «أخبرني عن نفسك، وعن اتحاد العمال ذاك.» # فأجاب ستيفن بقوله: «عفوا يا سيدي ، ليس لدي ما أقوله عنه.» # استشاط المستر باوندرباي غضبا، وثار وصار مثل الريح التي إن وقف في طريقها شيء هبت عليه ~~وقهرته. # فقال المستر باوندرباي: «يا هارتهاوس! ها هي عينة منهم. فعندما كان هذا الرجل هنا ذات مرة ~~قبل الآن أخبرته بأنه يسير في الاتجاه الخطأ، وحذرته من صانعي الشغب، وها هو الآن خائف أن ~~يتكلم عنهم.» # فقال ستيفن: «قلت إنه ليس لدي ما أقوله عنهم يا سيدي، ولم أقل إنني خائف أن ~~أتكلم.» # زاد غضب المستر باوندرباي شيئا فشيئا، فقال: «هنا رجل من لندن، وأريده أن يسمع المناقشة ~~بيننا. فمم تشكو؟» # قال ستيفن: «لم آت إلى هنا لأشكو يا سيدي، بل جئت لأنني استدعيت.» # فقال المستر باوندرباي، وقد وضع ذراعيه على صدره: «هل تشتكون بطريقة عامة أيها ~~الناس؟» # تردد ستيفن لحظة، ثم قال: «انظر حول هذه البلدة يا سيدي، يجب على الناس أن يعملوا بجد ~~منذ الطفولة إلى الشيخوخة، بدون أي تغيير، انظر كيف تتحدث عنا، وتقول دائما إننا مخطئون. هنا ~~شيء خطأ، خطأ تماما.» # فقال المستر باوندرباي: «طبعا؛ هو كذلك. والآن؛ ربما أمكنك أن تخبر هذا السيد بما ستعمله ~~لتصحيح الخطأ.» # قال: «لست أعرف يا سيدي.» # فقال المستر باوندرباي: «سأخبرك بشيء يساعدك، سنقبض على ms37 ستة خطباء من أمثال ~~سلاكبريدج.» # هز ستيفن رأسه بجدية. # فقال المستر باوندرباي، وهو يصيح كالريح العاصفة: «لا تقل إننا لن نستطيع القبض عليهم؛ ~~لأننا سنفعل هذا، أكيدا.» # أشارت لويزا إلى ستيفن لكي يذهب نحو الباب، ولكنه لم يكن سريعا بما فيه الكفاية. # فقال المستر باوندرباي، وقد اشتدت حمرة وجهه: «قف لحظة يا ستيفن. أخبرتك في المرة الأخيرة ~~التي كنت فيها هنا ومعك شكوى، أخبرتك برأيي. والآن أجدك سيئ الطباع، فحتى زملاؤك العمال لا ~~يتحدثون معك الآن. لم أفكر، قط في أن أولئك الأشخاص يمكن أن يكونوا على حق في أي شيء، ولكني ~~أتفق معهم الآن، ولن تكون لي بك أية صلة.» # رفع ستيفن عينيه بسرعة إلى وجه المستر باوندرباي. # فقال المستر باوندرباي: «يمكنك أن تنهي العمل الذي تقوم به، ثم تذهب إلى أي مكان ~~آخر.» # فقال ستيفن: «أنت تعرف جيدا يا سيدي أنني إن لم أعمل عندك فلن يكون بوسعي أن أجد عملا في ~~أي مكان آخر.» # فأجاب المستر باوندرباي، بقوله: «ما أعرفه أعرفه، وما تعرفه أنت تعرفه، ولن أقول شيئا عن ~~هذا الموضوع بعد الآن.» # نظر ستيفن بسرعة إلى لويزا، ولكن عينيها كانتا تنظران إلى أسفل نحو الأرض. فانصرف ستيفن ~~وهو يئن، وقال بصوت منخفض: «فلتساعدنا السماء جميعا في هذا العالم!» # الباب السادس # | الرحيل # عندما خرج ستيفن من عند المستر باوندرباي كان الظلام قد خيم على الكون ولفه في غلالة ~~سوداء، فسمع خلفه وقع أقدام يعرفها، فاستدار، فأبصر راشيل ومعها المرأة العجوز التي رآها قبل ~~ذلك عندما زار المستر باوندرباي. فدهش لرؤيتها مرة أخرى. # سار ستيفن مع راشيل وتلك المرأة نحو البلدة، وفي أثناء الطريق، قالت المرأة العجوز إنها ~~سمعت عن زواج المستر باوندرباي، وإنها لتحب كثيرا أن ترى زوجته. غير أن المستر باوندرباي لم ~~يخرج من منزله؛ لذا سألت راشيل عن منظر تلك الزوجة. # فقال ستيفن: «أنا أخبرك؛ فقد رأيتها منذ لحظة. هي صغيرة السن وجميلة، ذات عينين سوداوين ~~مفكرتين وجذابتين، وأخلاقها هادئة.» # سألت راشيل تقول بلهفة: «هل ms38 تركت العمل يا ستيفن؟» # قال: «يا راشيل، سواء تركت عمل المستر باوندرباي أو إن عمله هو الذي تركني؛ فهذان سيان. ~~لقد افترقت أنا وعمله، وربما كانت هذه الطريقة أفضل. فلو بقيت هناك لجلب بقائي متاعب فوق متاعب، ~~ولكن يجب أن أغادر كوكتاون، الآن، ثم أبدأ من جديد.» # فقالت راشيل: «إلى أين ستذهب يا ستيفن؟» ~~- «لست أدري، وسأفكر في هذا الأمر.» # استمر الثلاثة يسيرون نحو بيت ستيفن، فلما اقتربوا منه، قال ستيفن للمرأة العجوز: «هل ~~تتفضلين بالمجيء إلى بيتي، وتتناولين قدحا من الشاي؟ وكذلك تأتي راشيل، وبعد ذلك أوصلك إلى ~~مساكن السياح. سيمر وقت طويل قبل أن ألتقي بك مرة أخرى يا راشيل.» # وافقت المرأة، فذهبوا جميعا إلى حيث يقيم ستيفن. رأى ستيفن بارتياح أن شباك حجرته مفتوح ~~كما تركه، ولا أحد بالحجرة. انصرفت منذ شهور زوجته التي كانت عفريت حياته الشرير، وأخذت معها ~~بعض ممتلكاته، ولم يسمع عنها منذ ذلك الوقت، ولكنه كان يخاف دائما أن تعود. # تناول هؤلاء الثلاثة الشاي معا، وأخبرته المرأة العجوز أن اسمها مسز بجلر Pegler ~~، وأنها أرملة، ولها ابن واحد، ولكنها فقدته. # صعدت صاحبة بيت ستيفن، فجأة، واستدعته إلى الباب، وأخبرته بأن مسز باوندرباي تريد ~~زيارته. # فبدا الخوف عندئذ على وجه المرأة العجوز، وانزوت في أحد أركان الحجرة حيث لا يلاحظ وجودها ~~أحد. # هبط ستيفن السلم، وعاد بعد لحظات مع لويزا، وكان يتبعها أخوها توم. # نهضت راشيل في معطفها وهي ممسكة قبعتها في يدها، وقد دهش ستيفن لهذه الزيارة، فوضع الشمعة ~~على المائدة، ووقف ينتظر أن تتكلم لويزا. # لأول مرة في حياة لويزا تذهب إلى بيت أحد عمال كوكتاون. ولأول مرة في حياتها تلتقي بهم ~~وجها لوجه. كانت تعلم فقط بوجودهم، بالمئات وبالألوف. فوقفت لبضع لحظات تنظر حوالي الحجرة، ~~فلاحظت قلة المقاعد، والكتب القليلة، والسرير والمائدة. # نظرت لويزا إلى المرأتين وإلى ستيفن، وقالت إليه: «جئت إلى هنا بسبب ما حدث بعد ظهر هذا ~~اليوم، وأحب أن أساعدك، إن سمحت لي، ماذا ستفعل الآن؟» # قال: «سأغادر ms39 هذه البلدة، يا مدام، وأجرب غيرها.» # قالت: «وكيف ستسافر؟» ~~- «على قدمي يا سيدتي الرحيمة، على قدمي.» # تغير لون لويزا، وظهر كيس نقود في يدها، فأخذت منه ورقة مالية ووضعتها على المائدة ~~وقالت: «هل تتفضلين يا راشيل بأن تخبريه بأن هذه الورقة له لتساعده في سفره؟ وهل تتفضلين برجائه ~~أن يأخذها؟» # نظرت لويزا إلى المرأتين وإلى ستيفن وقالت إليه: «جئت إلى هنا بسبب ما حدث بعد ظهر ~~هذا اليوم، وأحب أن أساعدك.» # فقالت راشيل: «لا يمكنني أن أفعل هذا يا سيدتي الصغيرة. وليباركك الرب نظير تفكيرك فيه، ~~ولكن قبول هذه الورقة يرجع إليه هو نفسه. عليه أن يفعل ما يعتقده صوابا.» # فقال ستيفن: «شكرا لك يا مدام، سآخذ جنيهين فقط، بصفة قرض، وسأردهما ثانية.» # استعادت لويزا الورقة المالية، ووضعت مكانها جنيهين ذهبيين. # في تلك الأثناء كان توم جالسا على السرير يهز إحدى ساقيه، وينظر إلى ما يجري بدون ~~اهتمام، فلما رأى أخته تستعد للانصراف، نهض بسرعة وقال: «انتظري لحظة يا لو، أريد أن أتحدث ~~مع ستيفن؛ إذ طرأ على بالي أمر الآن، وإن صحبتني إلى الخارج يا بلاكبول فسأقوله لك.» # تبع ستيفن توم، فأغلق هذا الأخير باب الحجرة وراءهما، وقال هامسا: «أعتقد أن بوسعي ~~مساعدتك.» # وقعت أنفاس توم كالنار على أذن ستيفن، إذ كانت ساخنة. # قال توم: «متى سترحل؟» # فقال ستيفن، وهو يحسب: «اليوم الإثنين، إذن، فسأرحل يوم الجمعة أو السبت.» # فقال توم: «يوم الجمعة أو السبت .. إنك تعرف الشاب الذي في المصرف، ذلك الذي جاءك بالرسالة ~~اليوم؟» # قال: «نعم أعرفه.» # فقال توم: «حسنا جدا؛ عندما تترك المصنع مساء، في كل ليلة حتى ترحل، اذهب إلى المصرف، ~~وانتظر خارجه لمدة ساعة أو نحوها، قد ترى ذلك الشخص في النافذة، ولكنه لن يخرج ليتحدث إليك إلا ~~إذا وجدت أن بوسعي مساعدتك، فإن أمكنني مساعدتك، خرج إليك ذلك الشاب، أو ترك لك مذكرة أو رسالة. ~~هل أنت متأكد من أنك فهمت؟» # فقال ستيفن: «نعم فهمت يا سيدي.» ثم رجعا إلى الحجرة، إلى الآخرين. ms40 # بعد انصراف توم ولويزا، صحب ستيفن وراشيل مسز بجلر إلى مسكنها، وقد أعجبت هذه الأخيرة بمسز ~~باوندرباي غاية الإعجاب، وبكت لكونها فتاة جميلة. # سار ستيفن وراشيل نحو ناصية الشارع الذي تقيم فيه راشيل، وعند اقترابهما منه، نزل عليهما ~~سكوت تام ثم توقفا وهما لا يزالان صامتين، كما لو كان كل منهما خائفا أن يتكلم. # وأخيرا قال ستيفن: «يا راشيل، سأحاول أن أراك مرة أخرى قبل رحيلي، ولكن إذا ...» # قالت: «لن تراني، أنا أعرف ذلك. من الخير أن يكون كل واحد منا صريحا مع الآخر. اكتب ~~إلي وأخبرني بكل ما يحدث يا ستيفن.» ~~- «نعم، سأكتب إليك يا راشيل، وليكن الله معك، وليباركك ويجازك ويثبك!» ~~- «عسى أن يبارك الرب جميع تجوالاتك يا ستيفن، وليمنحك السلم والراحة أخيرا ، وليباركك ~~الله، ومساء الخير!» # لم يكن هذا سوى وداع سريع في الشارع، ولكنه كان ذكرى مقدسة لدى هذين الشخصين ~~العاديين. # عمل ستيفن في المصنع في اليوم التالي والذي يليه. وما من أحد من العمال تكلم معه، وكان في ~~كل ليلة يذهب إلى المصرف ويقف خارجه أكثر من ساعة ولم يتصل به أحد، ولم يحدث أي شيء سواء كان ~~طيبا أو رديئا. # قرر ستيفن في الليلة الثالثة والأخيرة أن يبقى خارج المصرف لمدة ساعتين، فبدت هاتان ~~الساعتان دهرا. كان يعرف أن مديرة بيت المستر باوندرباي جالسة عند نافذتها بالطابق الأول، وأن ~~رسول المصرف جاء إلى تلك النافذة مرة أو مرتين، وجاء مرة إلى الباب الأمامي، ولكنه لم يقل ~~شيئا لستيفن. # وأخيرا، ذهب ستيفن إلى بيته، وودع صاحبة البيت، وذهب إلى الفراش مبكرا، ورغب في ~~مغادرة البلدة مبكرا، قبل أن يكون العمال الآخرون في الشارع الذي يسير فيه. # عندما بزغ النهار، ألقى ستيفن نظرة حول حجرته لآخر مرة، ثم غادر البيت. # كانت الشوارع خالية من الناس، لم يبصر فيها أي مار، كما لو أن سكان البلدة قد هجروها؛ ~~لأنهم لا يريدون أن يتحدثوا معه. فصعد في التل. وعندئذ ارتفعت الشمس في السماء بعيدا عن ~~الأفق، وأخذت الحياة ms41 تدب في البلدة. # من الغريب أن يتحول ما اعتاد ستيفن رؤيته، من المداخن العالية ذوات الدخان الكثيف، إلى ~~الطيور تشقشق وتزقزق على أفنان الأشجار، ومن الغريب أيضا أن يعلق تراب الشوارع بقدميه بدلا ~~من تراب الفحم، ومن الغريب كذلك أن يقضي حياته في تلك البلدة، ثم يرحل عنها ليبدأ حياة أخرى من ~~جديد، في هذا الصباح من الصيف. # سار ستيفن في الطريق، وهذه الأفكار تدور في خلده، وهو يحمل صرته تحت ذراعه، تظله الأشجار ~~وتهمس إليه بأنه ترك وراءه قلبا محبا. # الباب السابع # | البارود # أخذ المستر هارتهاوس يفكر في لويزا، وكيف انفرجت أساريرها، وهش وجهها وبش، وابتسمت ~~ابتسامة جميلة لمجرد رؤية أخيها، ذلك الكلب الصغير، وسيكون إحساسا جديدا، أن تغير ذلك الوجه ~~من أجله هو ، جيمس هارتهاوس. # كان المستر هارتهاوس سريع الملاحظة، قوي الذاكرة. لم ينس أي كلمة مما قاله توم عن أخته ~~لويزا، ولكن الحقيقة أنه لم يفهم الجزء الأفضل من أخلاق لويزا. فالعمق لا يستجيب إلا للعمق، ~~ورغم هذا، أخذ يقرأ بقيته في عيني الطالب المتعلم. # عندما تزوج المستر باوندرباي، اشترى منزلا يبعد عن البلدة بحوالي أربعة وعشرين كيلومترا، ~~وعن أقرب محطة سكة حديدية بكيلومتر واحد أو اثنين. وكثيرا ما كان المستر هارتهاوس يعيش الآن مع ~~أسرة باوندرباي، في المنزل الريفي، عندما ينتقل في تلك المنطقة، يعمل من أجل حزبه السياسي. ~~وكثيرا ما كان المستر باوندرباي يفخر أمام جميع معارفه بأنه لا يهتم فيما يختص بذوي العلاقات ~~السياسية؛ أمثال المستر جيمس هارتهاوس، ولكنه يقول إن اهتمت بهم زوجته رحبوا بصحبتها. # وذات يوم، جلست لويزا وحدها في الحديقة، والجو هادئ هناك وسط الأشجار، وقد اعتادت أن تجلس ~~في الحديقة، تلاحظ أوراق السنة الماضية وهي تسقط، مثلما كانت تلاحظ رماد النار في بيت ~~طفولتها. # جاء المستر هارتهاوس إلى حيث تجلس مسز باوندرباي، وقال: «يسرني، يا مسز باوندرباي أن أجدك ~~وحدك؛ لأنني أريد أن أتحدث معك في موضوع خاص بك.» # جلس هارتهاوس إلى جانب لويزا، ينظر إلى وجهها الجميل، وقال: «أخوك ms42 توم، صديقي الصغير توم ~~...» # ما إن سمعت لويزا اسم أخيها توم، حتى انفرجت أسارير وجهها، ونظرت إلى هارتهاوس باهتمام. ~~ففكر يقول لنفسه: «لم أر في حياتي شيئا جذابا مثل هذا الوجه عندما تنفرج ~~أساريره.» # أدرك هارتهاوس أن لويزا لاحظت إعجابه، فقال: «عفوا يا سيدتي! ملامح محبتك الأخوية جميلة ~~جدا، يجب أن يفخر بها توم.» # قالت: «يا مستر هارتهاوس؛ إنني لأوقرك من أجل محبتك لأخي.» # فاستطرد يقول بلهجة ألطف: «يا مسز باوندرباي، أخوك توم ما زال صغيرا، وليس ذنبا كبيرا أن ~~يبذر نقوده.» # قالت: «هذا صحيح.» # قال: «اسمحي لي يا مسز باوندرباي بأن أكون صريحا. أتظنينه يراهن؟» # قالت: «نعم، أظنه يراهن، وأعلم ذلك.» # قال: «وبالطبع يخسر!» # قالت: «نعم.» # قال: «كل من يراهن يخسر. وهل لي أن أقول إنك ربما أعطيته نقودا، في بعض الأحيان؟» # جلست لويزا تنظر إلى أسفل، ولكن عندما سمعت هذا السؤال، رفعت عينيها ذعرا. # فقال هارتهاوس: «أريد مساعدة توم.» # قالت: «يا مستر هارتهاوس! أنا لا أندم على أي شيء فعلته، فعندما تزوجت، وجدت أخي مثقلا ~~بالديون، فبعت بعضا من مجوهراتي وأعطيته النقود، ولكنه يحتاج الآن إلى مبالغ أكبر، لا يمكنني ~~أن أعطيه إياها .. احتفظت بهذا سرا، حتى الآن، وإني لأثق في شرفك!» # فقال المستر هارتهاوس إن ذلك لم يكن خطأ أخيها، إذ كان تعليمه صارما، ثم أردف يقول: «إنني ~~لألومه على شيء واحد؛ هو أن يكون أكثر رقة معك، وأكثر اعترافا بالجميل.» # عندما سمعت لويزا هذا الكلام، لاح أمام عينيها منظر الغابات، إذ امتلأت عيناها بالدموع، ~~خرجت من مآقيها العميقة، حيث ظلت خافية لمدة طويلة. وكان قلبها مفعما بالألم الحاد، إلا أن ~~هذا الألم لم يجد شفاء في الدموع. # فقال هارتهاوس: «سأفعل كل ما في مقدوري لتغيير هذا، يا مسز باوندرباي. وها أنا ذا أرى أخاك ~~قادما إلى الحديقة نحونا.» # نهض جيمس هارتهاوس، كما نهضت لويزا لملاقاة الكلب الصغير، وكان في حالة نفسية بالغة السوء. ~~فلما وصلوا جميعا إلى البيت، تركتهما لويزا. # سأل هارتهاوس، توم بقوله: «ما الخطب ms43 يا عزيزي توم؟» # قال وهو يتأوه: «آه، يا مستر هارتهاوس، أنا بحاجة فظيعة إلى نقود، وقلق جدا من ~~أجلها.» # قال هارتهاوس: «وكذلك أنا يا صديقي الطيب.» # فقال توم: «أنت؟ إنك بخير يا مستر هارتهاوس. أما أنا ففي مأزق حرج. ليس لديك أية فكرة عن ~~الحالة التي أوقعت نفسي فيها، لكن بوسع أختي أن تخرجني منها، وتنتشلني إن فعلت.» # قال: «إنك لتتوقع الكثير من أختك يا توم. لقد حصلت منها على نقود قبل الآن أيها الكلب، وأنت ~~تعرف ذلك.» # قال وهو يكاد يبكي: «أعرف أنني أخذت منها نقودا .. فإلى من أذهب للحصول على نقود؟» # فقال هارتهاوس: «ولكن يا عزيزي توم، إن لم يكن لدى أختك؟» # فأجاب توم بقوله: «يجب أن تحضرها. لم تتزوج العجوز باوندرباي من أجل خاطرها، بل من أجل ~~خاطري أنا، يجب أن تكون أكثر رفقا معه. إنها تجلس معه كقطعة من الحجر، بوسعها أن تجعل نفسها ~~مقبولة وتأخذ منه كل ما تريده من نقود.» # كان بأسفل المكان الذي يقفان فيه بركة ماء للزينة، وكانت لدى المستر جيمس هارتهاوس رغبة ~~قوية في أن يقذف فيها توم جرادجرايند الصغير، ولكنه استمر يتكلم باللين. # قال هارتهاوس: «يا عزيزي توم، دعني أكون صاحب مصرفك.» # فقال توم، فجأة، وقد امتقع لونه: «من أجل خاطر الله، يا مستر هارتهاوس لا تتكلم عن ~~المصارف.» # فقال هارتهاوس: «كم تحتاج الآن يا توم؟ ثلاثة أرقام؟ قل كم تحتاج.» # قال توم وهو يبكي: «الواقع يا مستر هارتهاوس أنه فات الأوان، ليس للنقود أية فائدة لي الآن. ~~كان يجب أن أحصل عليها قبل الآن، ولكني شاكر لك جدا. إنك صديق حميم، وكم أتمنى لو أنني ~~عرفتك من قبل.» # قال: «يا توم؛ يجب أن تكون أكثر محبة، ولطافة حيال أختك.» # قال: «سأكون كذلك، يا مستر هارتهاوس.» # فقال هارتهاوس: «ما من وقت مثل الوقت الحاضر، يا توم ابدأ فورا.» # عندما ظهر توم عند العشاء، قال لأخته: «لم أقصد أن أكون ثقيلا يا لو.» ومد إليها يده ~~وقبلها، ثم استطرد يقول: «أعرف ms44 أنك مولعة بي، وتعرفين أنني مولع بك.» # ابتسمت لويزا، في ذلك اليوم، لشخص آخر. للأسف، لشخص آخر. # الباب الثامن # | الانفجار # في اليوم التالي ركب المستر جيمس هارتهاوس حصانا وأخذ يطوف في أرجاء تلك المنطقة، يزور ~~الناس الذين يصوتون لحزبه. فلما رجع في الساعة السادسة مساء، اندفع نحوه فجأة المستر باوندرباي، ~~فجفل حصانه. # صاح المستر باوندرباي يقول: «يا هارتهاوس! هل سمعت؟» # فقال هارتهاوس: «سمعت ماذا؟» وهدأ حصانه وربطه جانبا. # وقف المستر باوندرباي ثائرا عابس الأسارير وقال: «لقد سرق المصرف.» # قال: «لا بد أنك تقصد شيئا غير هذا!» # فقال باوندرباي: «سرق في الليلة الماضية يا سيدي. سرق بطريقة غير عادية، سرق بمفتاح ~~مصطنع!» ~~- «وهل سرق مبلغ كبير؟» ~~- «ليس كبيرا جدا، إلا أنه كان من الممكن سرقة مبلغ كبير.» ~~- «كم؟» # فقال المستر باوندرباي: «ليس أكثر من مائة وخمسين جنيها، ولكن المهم ليس هو المبلغ، المهم ~~هو الحقيقة. سرق المصرف. هذا هو المهم. يدهشني أنك لم تفهم ذلك.» # جاء إليهما: لويزا، ومسز سبارسيت، وبيتزر. # فقال المستر باوندرباي: «تعرف زوجتي جيدا، ماذا كان يمكن أن يحدث، فلما سمعت أغمي ~~عليها.» # ما زالت لويزا تبدو ضعيفة وشاحبة اللون، فطلب منها المستر جيمس هارتهاوس أن تمسك ذراعه، ثم ~~أخذا يسيران ببطء. # ما زال المستر باوندرباي متكدرا، فقال: «سأخبركم كيف حدثت السرقة. هل تعرف مسز ~~سبارسيت؟» # فأجاب جيمس هارتهاوس بقوله: «سبق أن نلت شرف معرفتها.» ~~- «وهل تعرف ذلك الشاب بيتزر، وتعرف أن كليهما يعيش في المصرف؟ فعند نهاية العمل، مساء أمس، ~~وضع كل شيء كالمعتاد، ونام ذلك الشاب خارج غرفة الخزانة، كما أن هناك خزانة صغيرة في الحجرة ~~التي يعمل بها توم، وتستعمل للمبالغ البسيطة، كان بها مائة وخمسون جنيها.» # فقال بيتزر: «مائة وأربعة وخمسون.» # فقال المستر باوندرباي: «لا تقطع علي القول يا بيتزر. يكفي أن سرق المصرف وأنت نائم .. ~~سأستمر في كلامي. وضع توم ذلك المبلغ في الخزانة وأقفلها، وهي ليست خزانة قوية جدا، وعندما ~~انصرف توم، كان كل شيء على ما يرام، وفي أثناء الليل، وبيتزر ms45 نائم، ذهب شخص ما إلى خزانة توم. ~~لا بد أنه - أو أنهم - كانوا مختبئين في البيت، أو دخلوه بطريقة ما، ففتحوا خزانة توم الصغير ~~عنوة، وأخذوا ما فيها، وخرجوا من البيت، من الباب الرئيسي، وكان الباب موصدا بالقفل، ولكنهم ~~استخدموا مفتاحا مصطنعا، عثر عليه فيما بعد في الشارع بقرب المصرف في حوالي الساعة الثانية ~~عشرة .. فعندما فتح بيتزر المكاتب، في هذا الصباح، لاحظ خزانة توم، كان الباب نصف مفتوح، والقفل ~~مكسورا، والنقود غير موجودة.» # ما زالت لويزا تبدو ضعيفة وشاحبة اللون. فطلب منها المستر جيمس هارتهاوس أن تمسك ~~ذراعه، ثم أخذا يسيران ببطء. # تطلع المستر هارتهاوس حواليه، وقال: «أين توم الآن؟» # فقال بيتزر: «إنه يساعد البوليس، وهو الآن بالمصرف.» # فقال هارتهاوس: «وهل اشتبه في أي شخص؟» # كاد المستر باوندرباي ينفجر غضبا، وقال: «قد يكون اللص يدا من المصنع.» # فقال هارتهاوس، في هدوء: «آمل في ألا يكون صديقنا بلاكبول.» # فقال المستر باوندرباي: «قل بول (أي بركة) بدلا من قدر يا سيدي، إنه ذلك الرجل ستيفن ~~بلاكبول، هو المشتبه فيه.» # أطلقت لويزا صوت دهشة ضعيفا، فنظر المستر باوندرباي إلى هارتهاوس، وقال: «هل تذكر ما قلته ~~له عندما رأيته معي؛ أخبرته بما أعتقده في سلوكه. أنا أصرح دائما بما يجول بفكري. أعرف أولئك ~~الأيدي. لقد اختفى بعد ذلك بثلاثة أيام، ولا أحد يعرف أين ذهب. وماذا فعل قبل أن يرحل؟ شوهد ~~ليلة بعد ليلة خارج المصرف يراقبه.» # فقال جيمس هارتهاوس: «هذا أمر يدعو إلى الريبة بكل تأكيد.» # فقال المستر باوندرباي: «هذا هو نفس اعتقادي. ولكن هناك أكثر من واحد، هناك سيدة عجوز، يبدو ~~أنها قدمت إلى البلدة في زيارة طارئة، وهي تراقب المصرف أيضا. التقت به في الليلة التي رأيت ~~فيها بلاكبول بمنزلي.» # تذكرت لويزا أنه كان بمنزل ستيفن بلاكبول، في تلك الليلة، امرأة عجوز، توارت في ركن مظلم ~~بالحجرة دون أن تتكلم. # فقال هارتهاوس: «لا شك في أنهم سيعاقبون جميعا عندما يعثر عليهم.» # بعد ذلك، دعا المستر باوندرباي، مسز سبارسيت لتمكث معهم ms46 مدة يوم أو يومين، إذ أزعجتها ~~كثيرا سرقة المصرف هذه. # بعد العشاء، تناقش المستر باوندرباي، في حجرة الاستقبال، في موضوع السرقة ثم أرسل بيتزر ~~ثانية إلى المصرف يحمل رسالة إلى توم كي يأتي إليهم بآخر قطار في تلك الليلة. # فيما بعد ذلك، حثت مسز سبارسيت، المستر باوندرباي على أن يجلس إلى مائدة، ويلعب معها لعبة ~~الحظ، فجلسا بجانب شباك يطل على الحديقة، وكان مساء لطيفا، وكانت لويزا تسير مع هارتهاوس في ~~الحديقة، وكان بالإمكان سماع صوتيهما في ذلك الجو الهادئ، ولكن ليس نص الكلام. استمرت مسز ~~سبارسيت تنظر إلى الحديقة بينما يظلم الجو شيئا فشيئا. # فقال المستر باوندرباي: «ما الخطب يا مدام؟ هل ترين حريقا؟» # قالت: «لا يا سيدي .. كنت أفكر في هواء الليل البارد ، وأخشى أن تصاب الآنسة جرادجرايند ~~بالبرد.» وكانت تقصد لويزا. # فقال المستر باوندرباي: «إنها لا تصاب بالبرد أبدا.» # بعد مدة طويلة من ذهاب لويزا إلى الفراش في تلك الليلة انتظرت قدوم أخيها، وأخذت تنصت وهي ~~تعرف أنه لن يأتي إلا بعد منتصف الليل. فلما سمعت وقع أقدامه، عرفت أنه جاء، فذهبت إلى ~~حجرته. # كان باب الحجرة مقفلا، ففتحت برفق، وتحدثت إليه. ثم سجدت إلى جانب سريره، وجذبت وجهه نحوها ~~وهي تعرف أنه لم يكن نائما. فتظاهر بأنه صحا لتوه، وسألها ما الخطب. # قالت: «يا توم؛ ألديك ما تحدثني به؟ إن كنت قد أحببتني في حياتك، ولديك ما تخفيه عن كل ~~إنسان غيري، فبح به إلي.» # قال: «لا أعرف ما تقصدين يا لو. إنك تحلمين!» # لم يخبر توم أخته بشيء، ولكنه بكى بعد أن انصرفت. # الباب التاسع # | سماعها لآخر مرة # ما زالت مسز سبارسيت تقيم مع أسرة باوندرباي. كانت مؤدبة جدا ولطيفة مع المستر باوندرباي، ~~وقدر هو لها هذا المسلك، فصار رقيقا مع مسز سبارسيت أكثر من ذي قبل، وأقسى مع كل من ~~عداها، ابتداء من زوجته فمن دونها. # وذات صباح، قالت مسز سبارسيت بطيبة قلب: «أراك تنتظر طعام إفطارك، يا مستر باوندرباي، ~~وأتوقع مجيء زوجتك إلى ms47 هنا بسرعة لتهتم بك.» # قال: «لو انتظرت زوجتي لكي تهتم بي يا مدام لانتظرت إلى الأبد. ربما يمكنك إعداد إبريق ~~الشاي.» # نفذت مسز سبارسيت ما طلبه المستر باوندرباي، ثم اتخذت مكانها القديم الذي اعتادته عند ~~المائدة، عندما كانت مدبرة بيته قبل أن يتزوج. # بعد مرور مدة، من ذلك اليوم، جاء بيتزر يحمل مذكرة تخبر لويزا بأن أمها مريضة جدا. لم تكن ~~صحة والدتها طيبة، أبدا. وساءت الآن كثيرا. فذهبت لويزا على الفور إلى بيتها القديم لترى ~~أمها. # ذهبت لويزا، والحزن يملأ نفسها، إلى البيت، إلى حجرة أمها. ومنذ أن تركت لويزا ذلك البيت ~~عاشت سيسي جوب مع بقية الأسرة، على قدم المساواة. فوجدتها لويزا جالسة إلى جانب سرير الأم ~~المريضة. # قالت الأم بضعف: «أرجو يا عزيزتي أن تكوني في أحسن حال في حياتك. كان زواجك كله من فعل ~~أبيك. هو الذي أصر عليه، ويجب أن يعرف ذلك.» # فقالت لويزا: «أريد أن أسمع عنك يا أماه وليس عن نفسي.» # فقالت الأم: «لست بحال جيدة يا لويزا، أنا ضعيفة جدا.» ~~- «هل تشعرين بألم يا أمي العزيزة؟» # قالت: «أظن أن هناك ألما في موضع ما بالحجرة. ولكني لست متأكدة من أن الألم بي.» ثم صمتت ~~لحظة وأردفت تقول: «يا فتاتي الطيبة سيسي، اتركيني وحدي لمدة دقيقة.» فغادرت سيسي ~~الحجرة. # فقالت لويزا: «هل تريدين التحدث معي يا أماه؟» ~~«نعم. تعرفين أن أباك في لندن. يجب أن أكتب له عنه.» ~~- «عن ماذا يا أماه؟» # قالت: «لقد علمك أبوك، وعلم أخاك، أشياء كثيرة، أكثر مما أستطيع فهمه، ولكن هناك ~~شيئا نسيه أبوك يا لويزا، لست أدري ما هو. وكثيرا ما جلست، وسيسي قريبة مني، وفكرت في ذلك ~~الشيء، ولكني لم أعرف اسمه حتى الآن. أما أبوك فقد يعرفه. أريد أن أكتب إليه أطلب منه أن ~~يعرفني بذلك الشيء. أعطيني قلما.» # ما كانت الأم لتستطيع أن تمسك قلما، ولكنها حركت يدها كما لو كانت تكتب، ثم توقفت يدها. ~~لقد انطفأ النور الذي كان دائما ضعيفا، وخرجت مسز ms48 جرادجرايند من الظل الذي يعيش فيه الإنسان ~~قلقا. # الباب العاشر # | سلم مسز سبارسيت # مكثت مسز سبارسيت بضعة أسابيع في بيت أسرة باوندرباي، وعندما أرادت الانصراف، دعاها المستر ~~باوندرباي لأن تقضي عندهما عطلة نهاية الأسبوع إبان الطقس اللطيف. فقبلت مسز سبارسيت الدعوة ~~مسرورة. # ظلت مسز سبارسيت تراقب لويزا، وتخيلتها تهبط سلما كبيرا، عند قاعدته العار والخراب ~~للويزا. وصار عمل حياة مسز سبارسيت أن تنظر إلى قمة سلمها الخيالي، وتراقب لويزا وهي تهبطه، ~~أحيانا ببطء، وأحيانا أخرى بسرعة، وأحيانا تهبط عدة درجات في كل خطوة، وأحيانا تهبط ولكنها ~~لا تستدير عائدة إلى أعلى إطلاقا. # عندما كانت مسز سبارسيت تحزم أمتعتها، ذات مساء؛ لتغادر المنزل، نظرت إلى سلمها الكبير ~~فأبصرت لويزا ما زالت تهبط. # جلست لويزا إلى جانب المستر جيمس هارتهاوس في مكان هادئ بالحديقة، يتكلمان بهدوء جدا. ~~الواقع أنهما كانا يتكلمان عن ستيفن بلاكبول، إلا أن مسز سبارسيت لم تسمع حديثهما. # قال المستر هارتهاوس: «أظن أن ستيفن سرق النقود.» # غير أن لويزا لم تصدقه، في مبادئ الأمر. فأخذ يحثها على تصديقه، ثم شرعا يسيران ببطء في ~~ممرات الحديقة، والظلام ينتشر في الجو. فاستندت لويزا على ذراع هارتهاوس، لم تعرف أنها كانت ~~تهبط إلى أسفل، وإلى أسفل، وإلى أسفل، سلم مسز سبارسيت. # الباب الحادي عشر # | إلى أسفل وإلى أسفل # عندما علم المستر جرادجرايند بموت زوجته، رجع من لندن، ودفنها بطريقة عملية، ثم عاد مباشرة ~~إلى أعماله البرلمانية في لندن. # في ذلك الوقت، إذ رجعت مسز سبارسيت إلى مسكنها في المصرف، داومت على المراقبة. لقد انفصلت ~~عن سلمها طوال الأسبوع، بقدر المسافة ما بين كوكتاون ومنزل المستر باوندرباي الريفي، ولكنها ظلت ~~تراقب لويزا، مراقبة دقيقة بطريقة غير مباشرة. # قالت مسز سبارسيت للشبح الهابط: «قدمك على الدرجة السفلى من السلم، يا سيدتي، وكل أفانين ~~خداعك لن تعميني.» # حقيقة، كانت لويزا صامتة هادئة بصورة غريبة. وكانت هناك أوقات لا يتأكد فيها المستر جيمس ~~هارتهاوس من لويزا، وأوقات لم يستطع فيها قراءة ذلك الوجه الذي درسه مدة ms49 طويلة. # مر الوقت، وحدث أن استدعى العمل المستر باوندرباي بعيدا عن بيته لمدة ثلاثة أو أربعة ~~أيام، ولكنه دعا مسز سبارسيت إلى أن تذهب إلى بيته الريفي لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، كما ~~اعتادت. # عندما أقفل المصرف في ذلك المساء، قالت مسز سبارسيت لبيتزر، رسول المصرف: «اذهب من فضلك يا ~~بيتزر، وأخبر توم الصغير بأن يأتي ويشاركني وجبة.» # قبل توم الصغير الدعوة، وسرعان ما كان يتناول العشاء على مائدة مسز سبارسيت. # سألت مسز سبارسيت توم، بقولها: «كيف حال المستر هارتهاوس، يا مستر توم؟» # قال: «إنه بخير.» # فقالت مسز سبارسيت بلهجة ودية: «أين هو الآن؟» # قال: «كان بعيدا عن البيت، غير أنني أتوقع أن أراه غدا. عندي موعد معه. اتفقنا على أن ~~نلتقي في المساء عندما يصل إلى المحطة هنا في كوكتاون، ثم نتعشى معا. لا يستطيع البقاء في بيت ~~أبي كثيرا الآن، إذ عليه أن يتنقل، ولكني أظنه سيمكث هناك يوم الأحد القادم.» # فقالت مسز سبارسيت: «يوم الأحد؟ هذا يذكرني بشيء، فهل تتفضل يا مستر توم بحمل رسالة إلى ~~أختك؟ أرجوك أن تخبرها وهي وحدها، بأنني لن أستطيع الذهاب إلى بيتها الريفي، في نهاية هذا ~~الأسبوع لأن صحتي ليست على ما يرام.» # في يوم السبت التالي، جلست مسز سبارسيت بجانب نافذتها طول اليوم، وفي المساء، ارتدت معطفها ~~وقبعتها وذهبت إلى المحطة، فجلست في أحد الأركان المظلمة بالمحطة، واختبأت في حجرة انتظار ~~السيدات لفترة ما، وأخذت تراقب ما يحدث خارج الحجرة. # أبصرت مسز سبارسيت، توم على رصيف المحطة ينتظر القطار القادم، ولكن عند مجيء ذلك القطار لم ~~يكن المستر جيمس هارتهاوس به، فتحدث توم مع موظفي المحطة، فعلم أن عليه أن ينتظر ساعة وأربعين ~~دقيقة حتى يأتي القطار التالي. # فقالت مسز سبارسيت لنفسها: «هذه خطة مدبرة، لإبعاد توم عن البيت؛ هارتهاوس الآن مع ~~أخته.» # وعلى هذا، تركت مسز سبارسيت هذه المحطة بسرعة، وذهبت إلى المحطة الأخرى التي بالبلدة حيث ~~يمكنها أن تستقل القطار إلى بيت المستر باوندرباي الريفي، وسرعان ما كانت في ms50 القطار، وهي تتصور ~~سلمها الخيالي، طوال الطريق، فترى الشبح يقترب الآن من الخراب والدمار. # كان مساء غائما من شهر سبتمبر؛ فذهبت مسز سبارسيت إلى بيت المستر باوندرباي، واختبأت في ~~الحديقة، ونظرت إلى نوافذ البيت، فلم تكن بها أنوار حتى ذلك الوقت، والجو يسوده الهدوء. فنظرت ~~حواليها في الحديقة، فلم تبصر أحدا. ثم فكرت في الغابة الصغيرة القائمة في طرف الحديقة، ~~والمقعد الذي تحب لويزا أن تجلس فيه. # وسارت مسز سبارسيت، حتى صارت على مسافة آمنة من ذلك المقعد، ووقفت هادئة، وأصغت .. هناك ~~أصوات خافتة قريبة؛ صوته وصوتها. إذن، فقد كان الموعد مع توم في المحطة، مجرد خدعة لإبعاده من ~~طريقهما .. كانا هناك يجلسان معا، بين الأشجار. # اقتربت مسز سبارسيت مسافة ما، وكان جيمس هارتهاوس، قد جاء راكبا حصانه خلال الحقول فلما ~~وصل، ترجل وربط الحصان في السور. إنه يتكلم الآن مع لويزا. # قال المستر هارتهاوس: «يا أعز محبوبة! ماذا بوسعي أن أفعل؟ عرفت إنك وحيدة هنا، فهل من ~~الممكن أن أبقى أنا بعيدا؟» # حولت لويزا نظرها إلى أسفل، ورجت هارتهاوس أن ينصرف، ثم أمرته بأن ينصرف. لم ترفع عينيها ~~عن الأرض، ولم تنظر إلى وجهه، أو إليه، أو نحوه. بل جلست ساكنة واضعة يدا فوق أخرى، وهي تتكلم ~~ببطء. # ابتهجت مسز سبارسيت عندما رأت ذراع هارتهاوس حول وسط لويزا، وهو يقول لها: «يا طفلتي ~~العزيزة. ألا تسمحين لي بالبقاء هنا برهة؟» ~~- «ليس هنا.» ~~- «أين إذن يا لويزا؟» ~~- «ليس هنا.» # فقال هارتهاوس: «ولكن ليس لدينا سوى القليل من الوقت الذي يمكن أن ننتفع به. وقد جئت من ~~مسافة بعيدة، أنا عبدك!» # قالت بلهجة الغضب: «هل أجبر على أن أقول مرة أخرى إنه يجب أن أترك وحدي؟» # قال: «ولكن يجب أن نتقابل، يا عزيزتي لويزا. فأين نتقابل؟» # أخذ جيمس هارتهاوس يلقي على مسامع لويزا أنه يحبها حبا جما، وعلى استعداد لأن يتنازل عن ~~كل شيء من أجلها. فسمعت مسز سبارسيت هذا الكلام العاطفي وهي مبتهجة، وأخيرا، ركب المستر ~~هارتهاوس جواده وانصرف. # لم ms51 تتأكد مسز سبارست من المكان الذي سيلتقيان فيه. ولكنها كانت على يقين من أن اللقاء سيكون ~~في تلك الليلة. ولاحظت لويزا وهي تدخل البيت وانتظرت في الحديقة تحت المطر الوابل، وقد ابتل ~~جوربها الأبيض كله، وسال المطر من قبعتها ومن أنفها المعقوف. وأخيرا، أبصرت لويزا تخرج من ~~البيت. # فكرت مسز سبارسيت في أن لويزا ستهرب مع هارتهاوس. فلم تعبأ بالمطر الغزير، وتبعت ~~لويزا. # خرجت لويزا من الباب الجانبي، ويممت شطر المحطة. وعرفت مسز سبارسيت أنه سرعان ما سيأتي ~~قطار متجه إلى كوكتاون. # اختبأت مسز سبارسيت، من لويزا، في المحطة. فلما جاء القطار، وركبت لويزا في إحدى العربات، ~~وركبت مسز سبارسيت في عربة أخرى. ورغم أن أسنانها كانت تصطك بشدة بسبب البرد، إلا أنها كانت ~~مسرورة . # قالت مسز سبارسيت لنفسها: «ستصل لويزا إلى كوكتاون قبل هارتهاوس، فأين ستنتظره؟ أو إلى أين ~~سيذهبان معا؟ سوف أرى.» # ولكن مسز سبارسيت لم تر شيئا؛ لقد أحدثت العاصفة ارتباكا في محطة كوكتاون، حتى إن مسز ~~سبارسيت فقدت رؤية لويزا. # الباب الثاني عشر # | إلى أسفل # جلس المستر جرادجرايند في بيته (ستون لودج)، إذا لم يعقد البرلمان، جلسته، وكان يكتب في ~~حجرته، والساعة العتيقة ما زالت هناك تدق بصوتها العالي المنتظم. # لم تزعج العاصفة الرعدية المستر جرادجرايند كثيرا. # وكان الرعد وقتذاك يتجه بعيدا والمطر يهطل كالطوفان. # بينما المستر جرادجرايند منهمكا في الكتابة، إذ بباب حجرته يفتح فجأة، فتطلع حواليه وهو ~~أمام المصباح الموضوع على المائدة، فأدهشه أن رأى ابنته الكبرى. ~~- «لويزا!» # قالت: «أريد أن أتحدث إليك يا أبت.» # بدت لويزا غريبة الشكل، حتى إن أباها خاف منها. فجلست على مقعد، ووضعت يدها الباردة على ~~ذراعه. # قالت: «لقد دربتني يا أبت منذ سنواتي المبكرة.» # قال: «نعم يا لويزا.» # قالت: «إني لألعن الساعة التي ولدت فيها لمثل هذا المصير.» # فلما سمع الأب كلامها هذا، بعد كل عنايته بها، طأطأ رأسه، وأسنده فوق يده، وتأوه ~~عاليا. # قالت: «كنا معا لآخر مرة في هذه الحجرة يا أبت، عندما تحدثت إلي عن ms52 الزواج بجوزياه ~~باوندرباي، ولو عرفت حقيقة مشاعري، فهل كنت تعطيني له؟» ~~«كلا يا طفلتي المسكينة.» # قالت: «هل كنت تسلبني الجزء الهام من حياتي: ربيع وصيف إيماني؟» # أجاب الأب بقوله: «كلا، كلا، يا لويزا.» # قالت لويزا: «شعرت بأن الحياة سرعان ما ستمر، ولا شيء يساوي ألم النضال وتعبه.» # فقال المستر جرادجرايند بإشفاق: «وأنت صغيرة هكذا يا لويزا؟» # قالت: «كان شعوري على ذلك النحو يا أبي، عندما اخترت لي زوجي. فأخذته، ولم أدع سواء له ~~أو لك بأنني أحببته .. كنت أعرف، وأنت تعرف، وهو يعرف أنني لا أحبه إطلاقا. ظننت أن بمقدوري ~~مساعدة أخي توم، بهذا الزواج. كنت أشعر بالعطف الكثير على توم.» # فقال أبوها: «وماذا بوسعي أن أفعل يا طفلتي لويزا؟ اطلبي ما تريدينه.» # قالت: «يا أبت، ألقى الحظ في طريقي بصديق جديد، إنه رجل اجتماعي عصري، ومهذب ومرن، لم ~~تسبق لي أية ممارسة مع أمثال هذا الرجل، لم يتقدم بادعاءات، له آراء متواضعة عن كل شيء، شعرت ~~بأنها هي آرائي أنا نفسي، أيضا يبدو أن هناك تقاربا بيننا يا أبي، وما تعرفه عن قصة زواجي، ~~سرعان ما عرفها هو أيضا.» # امتقع لون المستر جرادجرايند جدا، وأمسك ابنته بكلتا ذراعيه. # قالت: «لا أعرف ما إذا كنت أحبه، ولكن تغيب زوجي في هذه الليلة، فجاء إلي ذلك الرجل، ~~وقرر أنه يحبني، وإنه ليتوقع لقائي، في هذه اللحظة .. آسفة لأنني لا أعرف مثل ذلك الشيء، كل ~~ما أعرفه هو أن فلسفتك وتعليمك لن ينقذاني، وبما إنك نشأتني على هذا يا أبي، فأنقذني!» # شدد الأب قبضته على ابنته، فصرخت بصوت فظيع، وقالت: «سأموت إن أمسكت بي!» ثم سقطت على ~~الأرض مغمى عليها. # الجزء الثالث # | الحصاد # الباب الأول # | شيء ضروري آخر # أفاقت لويزا بعد ذلك في فراشها بحجرتها القديمة، ثم دخل أبوها ليطمئن عليها، وبعد ذلك دخلت ~~سيسي جوب. # قالت سيسي: «أرجو ألا أكون قد أزعجتك؛ جئت لأسالك ما إذا كان بوسعي أن أبقى معك.» # فقالت لويزا: «لماذا تمكثين معي هنا؟» # قالت سيسي: «أحب أن ms53 أساعدك إن استطعت.» ~~- «لماذا؟» ~~- «لأساعدك في أي شيء تحتاجين إليه، إن كان ذلك الشيء في مكنتي، وعلى أية حال، سأحاول أن ~~أكون بقربك، قدر طاقتي، فهل تسمحين لي بذلك؟» # فقالت لويزا: «هل سبق أن كرهتك؟» # فقالت سيسي: «أرجو ألا تحدث بيننا أية كراهية، لأنني أحببتك دائما، ولكنك تغيرت ~~قليلا عندما غادرت هذا البيت. وكان هذا طبيعيا جدا، عندما تذهبين إلى أصدقاء .. لم أتأثر ~~إطلاقا.» # أدركت لويزا أن هذه الفتاة تحبها، وتأثر بها قلبها. فقالت سيسي: «هل أحاول؟» # فأومأت لويزا برأسها علامة على الموافقة. # وهكذا صارت سيسي جوب، ابنة عارض السيرك، أوفى صديقة للويزا. ~~••• # قضى المستر هارتهاوس، ليلة كاملة ويوما كاملا في قلق بالغ. فبعد أن ترك لويزا، عاد إلى ~~فندقه، فظل جالسا الليل بطوله ينتظرها . وفي الصباح، ذهب إلى بيت باوندرباي الريفي مرة أخرى، ~~فعلم أن المستر باوندرباي ما زال غائبا، وأن زوجته في البلدة .. سافرت في الليلة الماضية، ~~فجأة. # وعلى هذا، رجع جيمس هارتهاوس ثانية إلى كوكتاون، وذهب إلى بيت باوندرباي بالبلدة أملا في ~~أن يجد لويزا هناك، ولكنه لم يجدها، فسأل في المصرف، فعلم أن المستر باوندرباي ما فتئ ~~متغيبا، وأن مسز سبارسيت ليست هناك هي أيضا. فسأل توم: «أين ذهبت مسز سبارسيت؟» # فقال توم: «لست أدري، انصرفت إلى مكان ما في أول هذا الصباح.» # فقال هارتهاوس: «أين كنت في الليلة الماضية يا توم؟» # قال: «كنت أنتظرك بالمحطة يا مستر هارتهاوس، ولكنك تعني أين كنت أنت!» # فقال هارتهاوس: «منعني الذهاب طارئ ما؛ فاضطررت إلى البقاء.» # فقال توم: «كذلك اضطررت أنا إلى البقاء. كلانا اضطر إلى البقاء؛ إذ بقيت بالمحطة حتى فاتني ~~كل قطار، فكان لزاما علي أن أنام بالبلدة.» ~~- «أين؟» ~~- «ولماذا أين؟ في فراشي ببيتنا.» ~~- «هل رأيت أختك؟» ~~- «كيف أرى أختي وبيني وبينها مسافة أربعة وعشرين كيلومترا؟» # عاد جيمس هارتهاوس إلى فندقه، وظل طيلة بعد الظهر ينتظر أخبارا، وأخيرا جاءه خادم ~~الفندق، يقول: «عفوا يا سيدي، توجد فتاة تريد مقابلتك.» # أسرع المستر هارتهاوس بالخروج من حجرته إلى حيث ms54 تقف فتاة لم يرها من قبل، ترتدي ثيابا ~~بسيطة، وكانت هادئة جدا، وجميلة جدا. فقادها إلى الحجرة، وقدم لها كرسيا لتجلس. فرآها ~~في نور الشموع، أجمل مما كان يظن. # عندما صارا وحدهما، قالت الفتاة: «هل أنت المستر هارتهاوس؟» # قال: «نعم، أنا المستر هارتهاوس.» # قالت: «ربما أمكنك التخمين بمن تركتها منذ لحظة قصيرة!» # قال: «كنت قلقا جدا، ومهموما غاية الهم من أجل سيدة صغيرة السن، في الأربع والعشرين ~~ساعة الماضية، وآمل أن تكوني قد جئت من عندها.» # قالت: «نعم! وتركتها منذ أقل من ساعة.» ~~- «أين؟» # قالت: «في بيت أبيها.» # استطال وجه المستر هارتهاوس، رغم بروده. # استطردت هذه الفتاة تقول: «جاءت إلى هناك في الليلة الماضية، في حالة اضطراب شديد، وظلت ~~فاقدة الوعي طول الليل. أنا أقيم في بيت والدها، وكنت معها. يمكنك أن تتأكد يا سيدي من أنك لن ~~تراها مرة أخرى.» # استنشق المستر هارتهاوس نفسا عميقا، وقال: «هل طلبت منك هذه السيدة أن تخبريني ~~بهذا؟» # قالت: «كلا، ولكن لا تأمل في أن تراها.» # قال: «ولكن تلك السيدة لم تبعث إلي بأية رسالة، ولم تطلب منك أن تأتي إلي؟» # قالت: «هذا صحيح؛ ولكنها تثق بي، وأنا أعلم شيئا عن زواجها، وأظنك أنت أيضا تثق بي، يا ~~مستر هارتهاوس.» # نزل هذا النبأ في المكان الذي به قلب جيمس هارتهاوس. # أردفت هذه الفتاة تقول: «أطلب منك، يا مستر هارتهاوس، أن ترحل من هذا المكان، في هذه ~~الليلة، وتعد بألا تعود إليه.» # قال: «هل تسمحين لي بأن أعرف اسم عدوتي؟» # قالت: «اسمي؟» # قال: «نعم.» # قالت: «اسمي سيسي جوب، أنا فتاة فقيرة، انفصلت عن أبي الذي كان عارضا في السيرك، فأشفق ~~علي المستر جرادجرايند، فعشت مع أسرته منذ ذلك الوقت.» # انصرفت سيسي. # بعد ذلك، أمسك المستر جيمس هارتهاوس قلما وكتب لأخيه في لندن: # عزيزي جاك # انتهى كل شيء في كوكتاون. # مللت هذا المكان. # سأعود. # المحب: جيم # ثم حزم أمتعته وغادر كوكتاون في نفس الليلة. # الباب الثاني # | قرار حاسم # أصيبت مسز سبارسيت، التي لا تكل ولا ms55 تتعب، بنزلة برد حادة؛ فتغير صوتها وتقلص إلى همس، ~~وانتابها عطاس مستمر، ورغم هذا ظلت تبحث عن المستر باوندرباي في كافة أنحاء لندن، حتى عثرت ~~عليه. # أخبرته بقصتها، من أولها إلى آخرها، ثم أغمي عليها، فعمل المستر باوندرباي على إعادتها إلى ~~وعيها برفق، ثم صحبها إلى كوكتاون بالقطار. # فلما بلغا كوكتاون، ذهبا إلى بيت ثوماس جرادجرايند، المعروف باسم «ستون لودج». # اقتحم باوندرباي حجرة توم جرادجرايند في وقت متأخر من الليل، وقال له: «هذه سيدة، مسز ~~سبارسيت، لديها ما تقوله لك.» # فقال المستر جرادجرايند: «إذن، فأنت لم تتسلم خطابي.» # فقال المستر باوندرباي: «لا وقت للخطابات من شخص يتكلم عن خطابات مع جوزياه باوندرباي، ~~مواطن كوكتاون، وعقله في مثل هذه الحال التي هو عليها الآن .. يا مسز سبارسيت، تقدمي يا مدام، ~~وتكلمي.» # ولكن إصابة مسز سبارسيت بالبرد كانت شديدة، فلم تستطع الكلام. فقال باوندرباي: «إذن؛ ~~فسأتكلم أنا بدلا منها.» # قال المستر باوندرباي: «سمعت مسز سبارسيت، صدفة، حديثا بين ابنتك وصديقك المستر جيمس ~~هارتهاوس.» # فقال المستر جرادجرايند: «هل هذا حقيقي؟» # فصاح باوندرباي، يقول: «حقيقي .. وفي تلك المحادثة ...» # فقال جرادجرايند: «لا لزوم للإعادة، يا باوندرباي. أنا أعرف ما حدث.» # فقال المستر باوندرباي: «هل تعرف؟ وربما تعرف أين ابنتك، الآن؟!» # قال المستر جرادجرايند: «لا شك في أنها هنا الآن». فصاح باوندرباي، يقول: «هنا؟» # قال جرادجرايند: «نعم، لويزا هنا. ففي اللحظة التي استطاعت فيها التخلص من ذلك الشخص الذي ~~تتكلم عنه، أسرعت إلى هنا لحمايتها. ركبت القطار من بيتك الريفي، إلى كوكتاون. وجرت من هناك إلى ~~هذا البيت، وسط العاصفة الهوجاء، جاءتني في حالة فظيعة. من المؤكد أنها بقيت هنا منذ تلك ~~اللحظة. أرجوك من أجل خاطرك وخاطرها أن تكون أكثر هدوءا.» # ظل المستر باوندرباي مدة لحظة، ينظر حواليه في صمت، ثم قال لمسز سبارسيت وهو غاضب: ~~«يسعدنا يا مدام أن نسمع منك أي اعتذار بسيط. ربما أمكنك أن تفسري لنا لماذا سافرت حول هذا ~~البلد بحكاية كلها هراء في هراء.» # انخرطت مسز سبارسيت في البكاء، ms56 فصحبها المستر باوندرباي إلى العربة التي كانت لا تزال واقفة ~~أمام البيت، ونصحها بأن تذهب إلى المصرف وتضع قدميها في ماء ساخن وتستريح. # فقال المستر جرادجرايند: «أعتقد يا عزيزي باوندرباي أنني أفهم لويزا الآن أفضل مما كنت ~~أفهمها من قبل. أعتقد أن لها شيما ستنمو وتكبر. وأقترح أننا إن تركناها على سجيتها الأفضل، ~~لفترة ما، فسيكون هذا خيرا لسعادتنا، جميعا.» # احمر وجه المستر باوندرباي غضبا، وقال: «أتعني أنك تريد الاحتفاظ بها هنا، لوقت ~~ما؟» # كانت إصابة مسز سبارسيت بالبرد شديدة، فلم تستطع الكلام. فقال باوندرباي: «إذن؛ ~~فسأتكلم أنا بدلا منها.» # فقال المستر جرادجرايند: «كنت أود أن تسمح لها بأن تبقى هنا، في زيارة لنا.» # قال: «أستنتج من هذا يا توم جرادجرايند أنك تعتقد أن أخلاق لويزا وأخلاقي لا تتفقان، انظر ~~إلي الآن، أنا جوزياه باوندرباي، مواطن كوكتاون. ابنتك لا تعرف قدر زوجها، وابنتك لم تولد ~~عقيلة، أنا الذي منحتها ذلك الشرف بزواجي إياها. لقد دهشت نساء كثيرات، ساميات المنزلة لسلوكها، ~~وأدهشهن كيف أنني صبرت وتحملت ذلك. وأنا نفسي، أدهش الآن، ولن أتحمله.» # نهض المستر جرادجرايند، وقال: «يا باوندرباي، أعتقد أنه كلما قل كلامنا الآن في هذه ~~الليلة كان أفضل.» # فقال باوندرباي: «لا أريد أن أتعارك معك من أجل هذا الموضوع، يا توم جرادجرايند؛ ولكن، إذا ~~لم ترجع ابنتك إلى بيتها غدا، في الساعة الثانية عشرة ظهرا، فسأفهم أنها تفضل البقاء ~~بعيدا، وسأرسل ملابسها ومتعلقاتها إلى هنا، فتتولى أنت أمرها مستقبلا.» # فقال جرادجرايند: «أرجوك أن تعيد النظر في هذا يا باوندرباي، قبل أن تتخذ مثل هذا ~~القرار.» # قال: «كلا؛ فأنا أقرر دائما بسرعة كل ما أفعله، أفعله فورا، وليس عندي ما أقوله زيادة ~~على هذا. مساء الخير!» # ذهب المستر باوندرباي إلى بيته في كوكتاون وأوى في الفراش. # بعد الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق ظهرا في اليوم التالي، أمر المستر باوندرباي بحزم كل ~~متعلقات زوجته، بعناية، وأرسلها إلى بيت توم جرادجزايند وأعلن عن عرض بيته الريفي للمبيع، وعاد ~~من جديد إلى حياة ms57 العزوبة. # الباب الثالث # | المفقود # لم ينس المستر باوندرباي سرقة المصرف، فوضع ملصقة عليها صورة ستيفن بلاكبول، وعرض مكافأة ~~قدرها عشرون جنيها، لكل من يعثر على ذلك الرجل، ويقبض عليه. ففزعت راشيل عندما أبصرت هذه ~~الملصقة، وذهبت لمقابلة المستر باوندرباي. # فصحبها المستر باوندرباي، لمقابلة أسرة جرادجرايند، وأخذ معه توم الصغير. # دخل المستر باوندرباي، ببرود، وقال لزوجته: «يا مسز باوندرباي، آمل في ألا أزعجك، ولكن هذه ~~المرأة الصغيرة، أفضت إلي بحقائق، جعلت زيارتي ضرورية. وأود أن أعرف ما إذا كانت حقيقية أم ~~كاذبة. وأخوك لا يريد أن يتكلم.» # قالت راشيل للويزا: «لقد رأيتني قبل الآن يا سيدتي الصغيرة.» # فقالت لويزا: «نعم، هذا صحيح.» # فقالت راشيل: «هل تتفضلين، يا سيدتي الصغيرة بأن تخبريني أين رأيتني؟ ومن كان هناك ؟» # قالت: «ذهبت إلى البيت الذي كان يقيم فيه ستيفن بلاكبول، في الليلة التي فصل فيها من ~~العمل، فرأيتك هناك، وكان أخي معي.» # فقال المستر باوندرباي: «لماذا لم تتكلم بهذا يا توم الصغير؟» # فأجاب توم، وهو ينظر إلى أخته بحسرة، وقال: «وعدت أختي بألا أذكر ذلك.» # أكدت لويزا قول أخيها بسرعة. # فاستطردت راشيل تقول: «هل تسمحين يا سيدتي الصغيرة بأن تخبرينا بسبب ذهابك إلى بيت ستيفن ~~بلاكبول، في تلك الليلة؟» # فقالت لويزا، وقد زادت حمرة وجهها: «أحسست بالشفقة على ذلك الرجل، فرأيت أن أقدم له ~~مساعدة.» # فقالت راشيل: «هل قدمت له ورقة مالية؟» # قالت: «نعم، ولكنه رفض أن يأخذها، وأخذ فقط جنيهين ذهبيين.» # نظرت إليها راشيل وقالت: «يا سيدتي الصغيرة، البلدة كلها تعرف الآن أن ستيفن بلاكبول لص، مع ~~أنه أعظم رجل من حيث الأمانة والإخلاص، وأعظم رجل في ...» ثم توقفت عن الكلام وهي تنتحب. # فقالت لويزا: «أنا آسفة جدا، جدا!» # فقال المستر باوندرباي لراشيل: «هيا، وأخبريهم ماذا فعلت.» # فقالت راشيل: «كتبت إلى ستيفن بالبريد الذي سافر بعد ظهر اليوم.» # خرج المستر باوندرباي مع توم، الذي بدا شاحب اللون. فلما انصرفا، سألت سيسي راشيل عن عنوان ~~بيتها، ووعدتها بأن تزورها لتعرف إن كانت هناك أخبار من ms58 ستيفن. # وبعد أن انصرفت راشيل، قال المستر جرادجرايند لابنته لويزا: «هل تعتقدين أن ذلك الرجل ~~بريء؟» # قالت: «نعم، أعتقد هذا الآن.» # أخذ المستر جرادجرايند يفكر، فقال لنفسه: «إنني لأسأل نفسي عما إذا كان اللص الحقيقي يعرف ~~هذه الاتهامات، أين هو؟ ومن هو؟» # بدأ لون المستر جرادجرايند يقتتم أكثر من ذي قبل، ويبدو أكبر سنا. فذهبت إليه لويزا ~~بسرعة، وجلست إلى جانبه. وبمحض الصدفة، التقت عيناها بعيني سيسي في تلك اللحظة، فاحمر وجه ~~سيسي، ووضعت لويزا إصبعها على شفتيها. # مر اليومان ولم يحضر ستيفن بلاكبول، وفي اليوم الرابع، ذهبت راشيل إلى المصرف، وأطلعت ~~المستر باوندرباي على الخطاب الذي تسلمته من ستيفن، وعليه عنوانه في مصنع على بعد تسعين ~~كيلومترا. # بعثت رسلا إلى ذلك المكان، ولكنهم عادوا وحدهم .. تسلم ستيفن بلاكبول خطاب راشيل، فسافر ~~على الفور، ولكن ما من إنسان سمع عنه بعد ذلك. # الباب الرابع # | عثر عليه # مر الوقت ولم يظهر ستيفن بلاكبول. فأين يوجد ذلك الرجل؟ ولماذا لم يرجع؟ # أخذت سيسي تزور راشيل كل يوم لتعرف ما إذا كانت هناك أخبار. # وذات يوم، كانت سيسي وراشيل تسيران في الشارع الذي به منزل المستر باوندرباي. فإذا بعربة ~~تأتي وتقف أمام الباب، فنزلت منها مسز سبارسيت تجر خلفها امرأة عجوزا. # صاحت مسز سبارسيت تقول: «اتركوها، لا أحد يلمسها. إنها تختص بي.» # سحبت مسز سبارسيت، هذه المرأة العجوز إلى بيت المستر باوندرباي. وبدافع الفضول، تبعتهما ~~راشيل وسيسي، وعدد من الناس كانوا في الشارع .. فدخلوا جميعا إلى حجرة مائدة المستر باوندرباي ~~الكبيرة، ظنا منهم أنه لا بد لهذه السيدة علاقة بسرقة المصرف. # عندئذ ظهر المستر باوندرباي ودهش لرؤية هذا الجمع في غرفة ~~مائدته. # فقالت مسز سبارسيت: «نادوا المستر باوندرباي.» ثم تكلمت مع راشيل وقالت لها: «يا سيدتي ~~الصغيرة، أنت تعرفين من تكون هذه المرأة العجوز؟» # فقالت راشيل: «سبق أن رأيتها، إنها مسز بجلر.» # غطت مسز بجلر وجهها، وتوسلت إلى مسز سبارسيت أن تدعها تنصرف. # عندئذ ظهر المستر باوندرباي بصحبة المستر جرادجرايند، وتوم الصغير، الذي ms59 كان يتحدث معه في ~~الطابق العلوي، فدهش المستر باوندرباي لرؤية هذا الجمع في غرفة مائدته. # نظر المستر باوندرباي إلى مسز سبارسيت، وقال: «ما الخطب الآن؟ لماذا كل هؤلاء يا مسز ~~سبارسيت، يا مدام؟» # قالت: «يا سيدي! وجدت شخصا، أردت أنت بلهفة أن تراه!» # ما إن وقعت عينا المستر باوندرباي على مسز بجلر، حتى احمر وجهه بشدة. # صاح المستر باوندرباي، يقول: «يا مسز سبارسيت .. كيف تتجاسرين على التدخل في شئوني ~~العائلية؟» # ارتعدت مسز بجلر، وقالت: «يا عزيزي جوزياه!» # يا ولدي المحبوب، هذا خطئي أنا. قلت لهذه السيدة إنك تتوق إلى رؤيتي. كنت أعيش دائما في ~~هدوء، وفي سرية. يا ابني العزيز جوزياه، لم أقل أبدا إنني أمك، بل كنت أعجب بك من بعيد، وأجيء ~~إلى هذه البلدة بين آونة وأخرى كي أحظى بنظرة سريعة إليك دون أن يراني، أو يعرفني أي ~~إنسان.» # أخذ المستر باوندرباي يذرع أرض الحجرة جيئة وذهابا، وقد وضع يديه في جيوبه، والغيظ يكاد ~~يقتله، فقال المستر جرادجرايند لتلك السيدة العجوز: «يدهشني يا مدام، أن تقولي إن المستر ~~باوندرباي ابنك، لقد عاملته بقسوة وهو صغير، وهجرته.» # فصاحت مسز بجلر تقول: «هجرت ابني جوزياه؟ كلا، كلا، لم أهجره، وإنما أعطيته تعليما طيبا. ~~مات أبوه المحبوب، وابني هذا في الثامنة من عمره، فاعتنيت به حتى صار رئيسا طيبا، وتاجرا ~~طيبا.» # فلما سمع الناس الذين جاءوا من الشارع كلامها هذا، أصدروا أصوات العطف على العجوز مسز ~~بجلر. لقد ظل المستر باوندرباي يخدع كل إنسان بالقصص التي رواها عن طفولته الصعبة، وبأنه ~~أهمل في حداثة سنه وكون نفسه بنفسه. # بقي المستر باوندرباي يسير في أرض الحجرة ذهابا وإيابا، واشتدت حمرة وجهه أكثر فأكثر، ثم ~~توقف، وقال: «لا أعرف بالضبط كيف جاءني السرور لهذه الصحبة الحاضرة، ولكن تدخل شخص ما في شئوني ~~الخاصة، فأزعجني؛ إذ أمقت هذا التدخل. مساء الخير!» ثم فتح الباب على مصراعيه ليخرج ~~الناس. # الباب الخامس # | ضوء النجم # كان يوم الأحد التالي يوما مشرقا من أيام الخريف، جوه صحو وبارد، ms60 وكانت راشيل وسيسي قد ~~اتفقتا على أن تخرجا في نزهة على الأقدام في الريف. فركبتا القطار أولا للخروج من تلك البلدة ~~كثيرة الدخان. # نزلت هاتان الفتاتان من القطار، وأخذتا تسيران خلال الحارات والممرات، تتمتعان باستنشاق ~~الهواء العليل. وكانت بالأرض هناك حفر للفحم، فتجنبتا السير وسط الحشائش الطويلة، التي قد تخفي ~~حفر الفحم. # وبينما هما تسيران، صاحت سيسي بغتة تقول لراشيل: «هنا قبعة فوق الحشائش.» فاتجهتا معا نحو ~~القبعة، والتقطتها راشيل بسرعة، وما إن ألقت عليها نظرة حتى ارتعدت فرائصها من رأسها إلى ~~قدميها، إذ قرأت بداخل تلك القبعة، اسم ستيفن بلاكبول. لا بد أن بقيت هذه القبعة فوق الحشائش ~~بضعة أيام، إذ بللها المطر والندى، فهمست سيسي تقول: «سأسير وحدي مسافة قصيرة.» # ما إن همت سيسي بالتقدم خطوة واحدة، حتى صرخت راشيل وأمسكتها بكلتا ذراعيها. فأمامهما، ~~وتحت أقدامهما مباشرة، حافة حفرة واسعة تخفيها الحشائش الكثيفة. فقفزتا إلى الخلف، في وقت واحد، ~~ووقعتا على ركابهما. # صاحت راشيل تقول: «وا ربي الرحيم! إنه في أسفل هذه الحفرة، أسفلها.» # فقالت سيسي: «يا راشيل، قد يكون ستيفن حيا.» وذهبت إلى حافة الحفرة، ونادت بأعلى صوتها، ~~ولكن، ما من صوت رد عليها. # سارت الفتاتان بعد ذلك في جهتين مختلفتين بحثا عن نجدة، وأخذت سيسي تجري من مكان إلى آخر، ~~حتى وجدت اثنين من عمال السكة الحديدية، فأخبرتهما بخبرها، فذهبا معها، وجمعا رجالا آخرين، ~~وجاء طبيب من كوكتاون ومعه أناس آخرون. # وأخيرا، أخرج ستيفن من الحفرة ضعيفا جدا. فأرقدوه على الأرض وذهبت إليه ~~راشيل. # أدليت شمعة متقدة في تلك الحفرة، في الساعة الخامسة مساء لتجربة الهواء الذي بداخل الحفرة ~~ومعرفة ما إذا كان صالحا للنفس. ولما أخرجت الشمعة كانت لا تزال مشتعلة. فربط دلو بحبل، وأنزل ~~رجلان إلى قاع الحفرة. # عاد أحد هذين الرجلين، فعلا صياح الناس يقولون: «أهو حي أم ميت؟» فلما أخبرهم بأنه حي، ~~علت صيحة فرحة عظمى شكرا لله، وترقرقت الدموع في عدة عيون. # أردف الرجل الذي خرج من الحفرة، يقول: «ولكنه مصاب ms61 بفظاعة؛ أين الطبيب؟» # كان ستيفن يحاول عبور تلك المنطقة الخطرة بعد أن هبط الظلام، وكان يسرع الخطو ليعود إلى ~~كوكتاون لينقذ سمعته. # وأخيرا، أخرج ستيفن من الحفرة ضعيفا جدا. # فأرقدوه على الأرض، وذهبت إليه راشيل وقالت له: «إنك لتتألم ألما عظيما، الآن، يا عزيزي ~~ستيفن.» # قال: «كنت أتألم من قبل، أما الآن فلا أشعر بأي ألم، الأمر كما سبق أن قلت من قبل؛ هناك ~~الكثير من سوء التفاهم في هذه الحياة، ولكن انظري إلى فوق، يا راشيل.» # تتبعت راشيل عينيه، فرأته يحدق النظر إلى نجم ساطع، وقال: «أضاء لي هذا النجم عندما كنت ~~أتألم وأشعر بالتعب، أضاء في داخل عقلي. فنظرت إليه، وفكرت فيك، يا راشيل. وإنني لأصلي لله قبل ~~موتي، طالبا منه، أن ينضم الناس بعضهم إلى بعض، أكثر مما هم عليه الآن، ويكون هناك حسن تفاهم ~~بين كافة الأنام، لا تتركي يدي يا راشيل، يا فتاتي المحبوبة.» # أقبل المستر جرادجرايند، وهو وابنته لويزا، فقال له ستيفن: «أنقذ اسمي يا سيدي، واجعله ~~حسنا لدى كل الناس. أترك هذا لك.» # ارتبك المستر جرادجرايند، وقال: «كيف؟» # فأجاب ستيفن يقول: «يا سيدي، سيخبرك ابنك كيف.» # استعد الناس لنقل ستيفن إلى البلدة، وسارت راشيل إلى جانبه، ولكن سرعان ما انقلب هذا ~~الموكب إلى جنازة .. أوضح النجم لستيفن بلاكبول طريقه إلى مثواه الأخير. # الباب السادس # | مطاردة الكلب # وقف توم الصغير بين الجموع المحتشدة حول الحفرة العتيقة، فلما سمعت سيسي ما قاله ستيفن ~~للمستر جرادجرايند، ذهبت في هدوء إلى توم وتحدثت إليه بعض الوقت؛ فأصغى توم إلى كلامها، واختفى ~~بسرعة. # في اليوم التالي، حاول المستر جرادجرايند العثور على ابنه، ولكن دون جدوى. فقال لابنته ~~لويزا: «هل تظنين يا لويزا أن أخاك التعيس خطط لهذه السرقة عندما ذهب معك إلى بيت ~~بلاكبول؟» # قالت: «أخشى أن يكون الأمر هكذا يا أبي أعرف أنه كان بحاجة ماسة إلى نقود، وأنه أنفق مبالغ ~~كبيرة.» # فقال الأب: «وهل تكلم مع ستيفن بلاكبول على انفراد؟» ~~- «نعم، أظنه طلب منه أن ينتظره ms62 خارج المصرف ليلتين أو ثلاث ليال، قبل أن يغادر ~~كوكتاون.» # فقال المستر جرادجرايند: «إذن، فالأمر واضح جدا .. واضح كل الوضوح.» ثم غطى وجهه بيديه ~~لبضع لحظات، واستطرد يقول: «وكيف يمكن إنقاذ توم من العقاب الآن؟ فبعد بضع ساعات، يجب أن أعلن ~~الحقيقة.» # فقالت لويزا: «ما عليك يا أبي إذ دبرت سيسي الأمر». # رفع المستر جرادجرايند عينيه إلى حيث تقف سيسي، وقال لها: «إنه أنت دائما، يا ~~طفلتي.» # فقالت سيسي: «فكرت في سيرك أبي القديم. لم أنس أين يعمل في مثل هذا الوقت من السنة، وكنت ~~قد قرأت عنه في إحدى الصحف منذ مدة قريبة فحسب. فأخبرت توم بأن يذهب إلى المستر سليري ويطلب منه ~~أن يخفيه عنده، إلى أن أذهب إليه.» # فصاح المستر جرادجرايند يقول : «شكرا للسماء! بوسعنا إرساله إلى الخارج.» # تبعد البلدة التي أرشدت سيسي توم إليها، مسيرة ثلاث ساعات من ليفربول # Liverpool # ويمكن إرساله من تلك الميناء إلى أي مكان في العالم. # سارت سيسي ولويزا طول الليل إلى تلك البلدة، بينما ذهب المستر جرادجرايند من طريق آخر .. ~~وأخيرا وصلنا إلى سيرك سليري، فاستقبلهما المستر سليري بترحاب عظيم. # فقالت لويزا: «سرعان ما سيكون أبي هنا، هل أخي في أمان؟» # ابتسم المستر سليري وقال: «في أمان تام، انظري إلى حلبة السيرك، إنه أحد المهرجين الواقفين ~~فيها.» # ما من أحد يستطيع أن يقول أي المهرجين هو توم. # نظر المستر سليري إلى لويزا، وقال: «أشفق والدك على سيسيليا جوب، وعلى هذا أرى لزاما علي ~~أن أقف إلى جانبه. وفيما بعد، عندما يصل أبوك، سيجد أخاك متخفيا تماما.» # عندما جاء المستر جرادجرايند، فيما بعد، قابله توم وهو في ثياب المهرج. # فقال له أبوه: «كيف حدثت السرقة، يا توم؟» # قال: «فتحت الخزانة عنوة، في تلك الليلة، وتركت الباب مقفلا نصف إقفال، قبل أن أنصرف، وقد ~~أعددت المفتاح المصطنع قبل ذلك بمدة طويلة. ورميته في الصباح، في الشارع قريبا من المصرف، حتى ~~يظن أنه استعمل. لم آخذ النقود كلها دفعة واحدة، بل كنت أتظاهر بأنني ms63 أودع رصيدي في الخزانة في ~~كل ليلة، ولكنني لم أفعل. وها أنت ذا تعرف كل شيء عنها.» # فقال الأب: «يجب نقلك إلى ليفربول، ومنها إلى الخارج.» # تأوه الكلب الصغير، وقال: «أظن يجب ذلك، لن أكون أكثر تعاسة في أي مكان آخر، من تعاستي ~~هنا، منذ أن تذكرت فعلتي.» # زود المستر سليري، توم، بمجموعة أخرى من الملابس ليسافر فيها، فارتدى توم زي عامل ~~زراعي. # فقال المستر جرادجرايند: «هاك أوراقك يا توم، وستتخذ كافة الوسائل اللازمة لك. أعطني يدك يا ~~ولدي المسكين، وعسى أن يغفر الله لك، مثلما غفرت أنا لك.» # بكى توم عند ذلك، ولكن عندما مدت لويزا ذراعيها نحوه قال: «ليس أنت، لا أريد أن تكون لي بك ~~أية علاقة.» # فقالت لويزا: «ما هذا يا توم ؟ هل تنتهي علاقتنا على هذا النحو، بعد كل محبتي إياك؟» # قال: «لم تقفي إلى جانبي، ولم تهتمي بي أبدا.» # صاحت لويزا تقول له إنها تحبه وسامحته، وسوف يندم في يوم ما على تركه إياها هكذا، وستسره ~~آخر كلماتها، وهو على مسافة بعيدة. # غير أنه عندما ذهبوا ليستقلوا العربة إلى المحطة، وقف بيتزر في طريق المستر جرادجرايند ~~وسيسي، ومنعهما التقدم، فوقفا. # قال بيتزر: «يؤسفني أن أمنع خطتكم، فلن أسمح لنفسي بأن يهزمني عارضو السيرك ولا بد أن أقبض ~~على توم الصغير. يجب ألا يقوده عارضو السيرك بعيدا .. ها هو يرتدي ثياب عامل بمزرعة، لا بد أن ~~أقبض عليه.» # أمسك بيتزر توم من ياقة قميصه. # الباب السابع # | فلسفة # عاد الجميع إلى فسطاط السيرك. # فقال المستر جرادجرايند مكتئبا وحزينا: «هل لك قلب، يا بيتزر؟» # فأجاب بيتزر يقول: «لا يعيش أي إنسان بدون قلب.» # فقال المستر جرادجرايند: «إذن، فما الدافع الذي يجعلك تمنع هروب هذا الشاب؟ انظر إلى أخته ~~هذه، واعطف علينا.» # فقال بيتزر: «يا سيدي، سأصحب توم الصغير إلى كوكتاون، وأسلمه إلى المستر باوندرباي، ومن ~~المؤكد أن هذا الأخير، سيعطيني وظيفة توم، وهذه ترقية لي.» # وقفت لويزا وسيسي تبكيان. # لما سمع المستر سليري كل ما دار بين ms64 المستر جرادجرايند، وبيتزر من حديث، فتح فاه، وثبت ~~عينه المتحركة على بيتزر، وقال: «يا مستر جرادجرايند، لم أعرف أن ابنك سرق مصرفا، هذه مسألة ~~بالغة الخطورة؛ ولذلك فأنا أوافق هذا الشاب، الآن. وسأنقل ابنك وهذا الشاب، في عربتي إلى ~~المحطة، ولا يمكنني أن أفعل أكثر من هذا.» # ولكنهم عندما خرجوا مرة ثانية، همس المستر سليري يقول لسيسي: «بما أن المستر جرادجرايند، ~~وقف إلى جانبك، فسأقف أنا إلى جانبه. هذه ليلة حالكة الظلام. عندي حصان يفعل كل شيء ما عدا ~~الكلام، وعندي مهر أصغر منه يسير بسرعة أربعة وعشرين كيلومترا في الساعة، وعندي كلب يمكنه أن ~~يحتفظ بأي إنسان في مكانه لمدة أربع وعشرين ساعة ولا يدعه يفلت منه. فأخبري المستر توم الصغير ~~بهذا؛ عندما يرى الحصان الذي يجر عربتنا، يبدأ يرقص، يجب عليه أن يتطلع إلى الطريق حتى يرى ~~حصانا أصغر، يجر عربية أخرى، فلما تقترب منه هذه العربة الأخيرة الصغيرة، عليه أن يقفز من ~~عربتنا ويركب العربة الصغيرة، فتنقله بسرعة إلى ليفربول، وعند ذلك لن يسمح كلبي لموظف البنك هذا ~~بأن يتحرك من مكانه مسافة سنتيمتر واحد، ولن يتحرك حصاني من المكان الذي بدأ يرقص فيه .. ~~أسرعي.» # بعد عشر دقائق، كان حصان المستر سليري وعربته جاهزين، فركب بيتزر وتوم هذه العربة، والكلب ~~ينبح حولها، فأشار المستر سليري للكلب بعينه لكي يجعل بيتزر هدفه الخاص؛ وسرعان ما انطلقت ~~العربة بعد أن خيم الظلام بدياجيره، فبدءوا رحلتهم، وثبت الكلب عينه على بيتزر، وقبع إلى جانب ~~العجلة التي بجانب هذا الشاب. كان ذلك الحيوان الماهر المدرب، على استعداد للهجوم على بيتزر إن ~~بدرت من هذا الأخير أية بادرة تنبئ عن محاولته النزول من العربة. # جلست سيسي ولويزا مع المستر جرادجرايند في الفندق الذي نزلوا به في تلك البلدة، وظلوا فيه ~~طول الليل، وفي الساعة الخامسة من الصباح التالي، ظهر المستر سليري وكلبه، مرة ثانية، ~~مبتهجين. # فقال المستر سليري: «كل شيء على خير ما يرام، يا مستر جرادجرايند، لا بد أن يكون ابنك ms65 على ~~ظهر السفينة الآن، أخذه موظفي المستر تشايلدرز # Childers # إلى ~~السفينة بعد ساعة ونصف من مغادرتنا هذا المكان في الليلة الماضية. طفق الحصان يرقص حتى كاد ~~يموت. فلما قلت له الكلمة، نام، وعندما حاول ذلك الشاب بيتزر النزول من العربة، تعلق الكلب ~~بياقة سترته، فذعر بيتزر وانتفض، واضطر إلى البقاء حيث هو، إلى أن أدرت رأس الحصان، ورجعنا إلى ~~هنا في هذا الصباح.» # شرب المستر سليري ما في قدحه من الويسكي. # شكره المستر جرادجرايند من كل قلبه، وعرض عليه أن يعطيه مكافأة مالية. # فقال المستر سليري: «لا أريد أية نقود، أنا نفسي، يا مستر جرادجرايند، ولكن المستر تشايلدرز ~~ذو أسرة، فإن أعطيته ورقة مالية بخمسة جنيهات، رحب بها وفرح، كذلك إن رغبت في شراء طوق للكلب، ~~ومجموعة أجراس للحصان، فسأقبلها بسرور. وأنا يعجبني أن أشرب الويسكي بالماء.» # قدم المستر جرادجرايند، عن طيب خاطر، كافة أمارات الشكر وعرفان الجميل هذه، ولو أنه اعتقد ~~أنها ضئيلة جدا بالنسبة إلى تلك الخدمة الجليلة، التي أداها له المستر سليري وأتباعه. # فقال المستر سليري: «إذن، فأنا أطلب منك، يا مستر جرادجرايند، أن تتكلم بخير عن رجال ~~السيرك ونسائه وحيواناته، وبذا تقدم لنا خدمة، أكثر مما تستحق.» # صحب المستر سليري، المستر جرادجرايند، إلى حجرة أخرى ليفضي إليه بحديث سرى عن والد سيسي، ~~فأخبره بأنه يعتقد أن والد سيسي قد مات، لأن كلبه العجوز، رجع متعبا من وعثاء السفر، ومريضا، ~~ثم ما لبث أن مات. وفي اعتقاده، أن الكلب جاء من مسافة بعيدة ليعرفهم بأن صاحبه فارق ~~الدنيا. # قال المستر سليري: «يا مستر جرادجرايند قررنا ألا نكتب إلى سيسي، وألا نخبرها بهذا؛ فنحن لا ~~نعرف بصفة قاطعة ما إذا كان أبوها قد تحسر في وحدته لأنه تركها ولم يأخذها معه. الواقع أننا لا ~~نعرف ذلك، ولن نعرفه، ولكن الأرجح، أنه مات.» # نظر المستر سليري إلى قاع قدح الويسكي، وقال: «يبدو أنه يمثل شيئين للمرء، أليس كذلك؟ ~~الأول؛ أن هناك محبة متبادلة، في العالم، ليست كلها منفعة شخصية. ms66 والثاني؛ أن لكل إنسان طريقته ~~الخاصة في الحساب أو عدم الحساب.» # شرب المستر سليري كل ما في قدحه من الويسكي، وطلب من السيدتين أن تدخلا. # لما دخلت سيسي ولويزا، ودع المستر سليري الجميع. وآخر ملاحظة أبداها للمستر جرادجرايند هي: ~~«صافحني، يا سيدي! ولا تشمئز منا، نحن متجولو السيرك المساكين، فلا بد للناس من التسلية لا ~~يمكنهم أن يتعلموا أو يعملوا باستمرار، فلم يخلقوا لذلك، لا بد لكم منا، يا سيدي، فأنتم بحاجة ~~إلينا.» # الباب الثامن # | الخاتمة # غضب المستر باوندرباي غضبا شديدا من مسز سبارسيت، من جراء اكتشافها مسز بجلر. فلما ذهب ~~إلى حجرة المائدة ليتناول طعام الغداء، وجد مسز سبارسيت جالسة إلى جانب الوطيس، فتظاهرت بأنها ~~حزينة جدا. # فسألها المستر باوندرباي، بطريقة مقتضبة جدا وبلهجة في غاية الفظاظة، بقوله: «ما الخطب ~~الآن يا مدام؟» # قالت: «أرجوك يا سيدي ألا تقضم أنفي.» # فقال مكررا قولها: «أقضم أنفك؟ أنفك؟» يقصد أن أنفها طويل جدا، فلا يمكن قضمه. # قالت: «يا سيدي المستر باوندرباي! هل ضايقك أي شيء، في هذا الصباح؟» # قال: «نعم يا مدام.» # قالت: «هل لي أن أسأل يا سيدي عما إذا كنت أنا السبب اللعين في خروجك هذا عن ~~طورك؟» # قال: «سأخبرك الآن ما أغضبني يا مدام.» # وهو أن تلعب بي امرأة. لن أسمح لأية امرأة بأن تضايق وتزعج رجلا في مركزي، لن أتساهل في ~~هذا الأمر. # رفعت مسز سبارسيت حاجبيها، وقالت: «يتضح، يا سيدي، أنني أقف في طريقك الآن. سأذهب إلى ~~حجرتي.» # فقال المستر باوندرباي، بلهجة جافة: «اسمحي لي بأن أفتح لك الباب، يا مدام.» # قالت: «شكرا يا سيدي! بوسعي أن أفتحه لنفسي.» # قال: «من الخير أن تسمحي لي، يا مدام، بأن انتهز هذه الفرصة، فأقول لك كلمة قبل أن تنصرفي. ~~لا أظن يا مسز سبارسيت، يا مدام، أن لك مكانا في بيتي، لا يحق لامرأة، في مثل رجاحة عقلك ~~ونبوغك، أن تتدخل في شئون غيرها.» # نظرت مسز سبارسيت إلى المستر باوندرباي، نظرة غضب شديد، وقالت في أدب: «أهذا حقيقي، ms67 يا ~~سيدي؟» # قال: «كنت أفكر في هذا الأمر. أشعر بأن بيتا آخر يمكنه أن يضم سيدة بمثل قواك، مثل بيت ~~قريبتك الليدي سكادجرز # Scadgers # ألا تظنين أن بوسعك أن تجدي ~~عملا هناك، يا مدام، لتتدخلي فيه؟» # فقالت مسز سبارسيت: «لم يحدث هذا من قبل إطلاقا يا سيدي، ولكن بما أنك تذكره الآن، فينبغي ~~إلى أن أعتبره محتملا جدا.» # فقال المستر باوندرباي، وقد وضع مظروفا به شيك، في سلة أدوات الخياطة الصغيرة، الخاصة بها: ~~«افرضي أنك تحاولين يا مدام.» # صمت المستر باوندرباي برهة، ثم استطرد يقول: «يمكنك اختيار الوقت الذي ترحلين فيه، يا مدام. ~~ولكن، ربما كان من الأوفق لسيدة في مثل قواك العقلية، أن تأكل وجباتها بنفسها دون أن يزعجها أي ~~إنسان.» # أقفل المستر باوندرباي الباب، ووقف أمام الوطيس يفكر في المستقبل. ~~••• # إلى كم مستقبل؟ هل يرى نفسه يقدم بيتزر إلى الأغراب، على أنه شاب يرتقي؟ هل يرى نفسه يكتب ~~وصيته الأخيرة السخيفة والمعقدة؟ هل عرف أنه سيموت بعد خمس سنوات بالسكتة القلبية في أحد شوارع ~~كوكتاون؟ نعم، كل هذا سيحدث. # وها هو المستر جرادجرايند، في نفس اليوم، وفي نفس الساعة، جالس في حجرته يفكر: كم من ~~مستقبل رأى؟ هل رأى نفسه رجلا عجوزا ضعيفا، أشيب الشعر، ما عاد عضوا هاما في البرلمان في ~~لندن؟ # سيترك هذا الرجل نظرياته الصعبة، ويصير أكثر لينا. ستضيع حقائقه وأرقامه، في الإيمان ~~والأمل والمحبة. # وها هي لويزا، في ليلة ذلك اليوم نفسه، تلاحظ النار في الوطيس، كما اعتادت أن تلاحظها منذ ~~سنوات طوال، في أيام طفولتها، إلا أن وجهها صار أكثر رقة، ولم تعد متكبرة مثلما كانت. يمكنها ~~أن ترى الملصقات الآن، موقعا عليها باسم والدها، تعلن براءة ستيفن بلاكبول النساج، وإدانة ~~ابنه، هو نفسه، أخيها. استطاعت لويزا أن ترى هذه الأشياء بوضوح. ولكن، كم من مستقبل؟ # مرضت عاملة، اسمها راشيل، لمدة طويلة ولكنها حلوة الطباع وهادئة ومرحة، وهي وحدها التي تعطف ~~بعد ذلك، انضمت إلى عاملات كوكتاون. إنها امرأة ذات جمال مفكر. كانت ms68 ترتدي ثياب الحداد ~~باستمرار، ولكنها حلوة الطباع وهادئة ومرحة، وهي وحدها التي تعطف على سيدة فقيرة عجوز، هي زوجة ~~ستيفن بلاكبول، التي تظهر من آن إلى آخر، وقد عبت الكثير من الخمر، فهل رأت لويزا ذلك؟ لا بد ~~من حدوث أمثال هذه الأمور. # صارت راشيل نفسها زوجة، وأم أطفال ترعى أولادها بمحبة. فهل رأت لويزا ذلك أيضا؟ لن يكون ~~لها مثل ذلك الشيء. # ولكن أطفال سيسي السعيدة، السعداء يحبون أمهم حبا جما ويحبون لويزا، التي تحب طبيعة ~~الأطفال وتتفهمهم وتساعدهم على أن يشبوا، ليس كالآلات، وإنما كمخلوقات بشرية مفكرة. هل رأت ~~لويزا أمثال هذه الأشياء؟ ستحدث أمثال هذه الأشياء. ms69