######OpenITI# #META# URI: 1418AminSalama.FursanThalatha.Hindawi53040907 #META# Tags: novels #META# ID: 53040907 #META# Title: الفُرسان الثلاثة #META# AuthorID: 26064860 #META# Author: ألكسندر ديماس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 16952470 #META# Translator: أمين سلامة #META# Related_books: 1287AlexandreDumas.TroisMousquetaires (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - هدايا الأب الثلاث‏ # 2 - إهانة وتحد‏ # 3 - ميلادي تقابل الرجل المجهول وتتلقى التعليمات‏ # 4 - بحث دارتانيان عبثا عن خطاب التوصية يوحي لصاحب الفندق بفكرة‏ # 5 - إعجاب دارتانيان بطرق استخدام السيف فوق السلم، وإعجابه بحمالة سيف‏ # 6 - استقبال دارتانيان استقبالا رسميا وسماعه أكثر مما كان متوقعا أن يسمع‏ # 7 - دارتانيان يتلقى نصيحة طيبة من السيد دي تريفي لكنه لا يعيرها كثير التفات‏ # 8 - كتف آثوس وحمالة بورثوس‏ # 9 - منديل أراميس‏ # 10 - الساعة الثانية عشرة خلف قصر لوكسمبورغ‏ # 11 - دارتانيان يتخذ قرارا سريعا‏ # 12 - ميلادي‏ # 13 - آثوس يحافظ على كلمته ودارتانيان ينجح في خطته‏ # 14 - ميلادي تستقبل دارتانيان‏ # 15 - دارتانيان يسترق السمع‏ # 16 - سر ميلادي‏ # 17 - دارتانيان يطلق العنان لقدميه‏ # 18 - مهمة خطرة تأتي بنتائج غير عادية‏ # 19 - عصير أنجو‏ # 20 - فندق برج الحمام الأحمر‏ # 21 - ميلادي تستقبل زائرا غير متوقع‏ # 22 - عقد رهان سخيف على عمل خطير‏ # 23 - انعقاد مجلس الأربعة في ظل ظروف صعبة‏ # 24 - خاتم يحل مشكلة خطيرة‏ # 25 - دارتانيان يحقق أعظم رغباته وأراميس يخط خطابا صعبا‏ # 26 - العدالة‏ # 27 - فخامته يتعرف على خط يده ويصدر قرارا حكيما‏ # 1 - هدايا الأب الثلاث‏ # 2 - إهانة وتحد‏ # 3 - ميلادي تقابل الرجل المجهول وتتلقى التعليمات‏ # 4 - بحث دارتانيان عبثا عن خطاب التوصية يوحي لصاحب الفندق بفكرة‏ # 5 - إعجاب دارتانيان بطرق استخدام السيف فوق السلم، وإعجابه بحمالة سيف‏ # 6 - استقبال دارتانيان استقبالا رسميا وسماعه أكثر مما كان متوقعا أن يسمع‏ # 7 - دارتانيان يتلقى نصيحة طيبة من السيد دي تريفي لكنه لا يعيرها كثير التفات‏ # 8 - كتف آثوس وحمالة بورثوس‏ # 9 - منديل أراميس‏ # 10 - الساعة الثانية عشرة خلف قصر لوكسمبورغ‏ # 11 - دارتانيان يتخذ قرارا سريعا‏ # 12 - ميلادي‏ # 13 - آثوس يحافظ على كلمته ودارتانيان ينجح في خطته‏ # 14 - ميلادي تستقبل دارتانيان‏ # 15 - دارتانيان يسترق السمع‏ # 16 - سر ميلادي‏ # 17 - دارتانيان يطلق العنان لقدميه‏ # 18 - مهمة خطرة تأتي بنتائج غير عادية‏ # 19 - عصير أنجو‏ # 20 - فندق برج الحمام الأحمر‏ # 21 - ميلادي تستقبل زائرا غير متوقع‏ ms01 # 22 - عقد رهان سخيف على عمل خطير‏ # 23 - انعقاد مجلس الأربعة في ظل ظروف صعبة‏ # 24 - خاتم يحل مشكلة خطيرة‏ # 25 - دارتانيان يحقق أعظم رغباته وأراميس يخط خطابا صعبا‏ # 26 - العدالة‏ # 27 - فخامته يتعرف على خط يده ويصدر قرارا حكيما‏ # | الفرسان الثلاثة # | الفرسان الثلاثة # تأليف # ألكسندر ديماس # ترجمة # أمين سلامة # الفصل الأول # | هدايا الأب الثلاث # كان لويس الثالث عشر، ملك فرنسا، من أبرع من استخدموا السيف في مملكته، ومع ذلك، ~~فكثيرا ما سمع يردد: «لو كان لي صديق يريد المبارزة، ويحتاج إلى من يبارزه، فإني ~~أنصحه بأن يختارني أنا أولا، ثم تريفي من بعدي، أو ربما تريفي أولا.» # وكان السيد دي تريفي من أوفى الأوفياء، ومن أعظمهم إخلاصا للملك. وكان من الضروري في ~~تلك الأيام، أن يحاط المرء بالأوفياء أمثال تريفي، ولذلك انتهز الملك لويس الثالث عشر، ~~أول فرصة، فجعله قائدا لحرسه الملكي، الفرسان. # لم يكن الكاردينال ريشلييه، الذي هو رئيس وزراء الملك، والمرهوب الجانب أكثر من الملك، ~~بأقل جدارة بالاحترام. ولما رأى المجموعة القوية من الرجال المختارين، الذين أحاط بهم ~~السيد دي تريفي الملك، قرر أن يكون له حرسه، هو أيضا، مثلما للملك فرسانه. وقد ~~تنافس كل من الرجلين، في أن يضيف إلى مجموعته أمهر الرجال وأشجعهم في استخدام ~~السيف. # وكانت المشاجرات والمعارك وأعمال الشغب من الأحداث اليومية في تلك الأيام. وكان النبلاء ~~المزهوون يتعاركون معا، أو يحيك كل منهم المكائد للآخر. وكان هناك اللصوص والمتسولون ~~المحترفون والمغامرون والأوغاد الذين دأبوا على تعكير صفو حياة كل فرد. وكان المواطنون ~~يتصدون دائما لأولئك المتجولين للشر، وكثيرا ما قاتلوا النبلاء، ولكنهم لم يقاتلوا ~~الكاردينال قط. # إذن، فمن الطبيعي أن يثور فضول شعب ميونغ، حين يسمعون ضجيجا عاليا بقرب فندق «جولي ~~ميلر»، وأن يتسلحوا بكل ما يمكنهم استخدامه من أسلحة، ويندفعوا نحو الفندق، حيث تتزايد ~~حشود الناس سريعا، يصيحون جميعا ويصخبون. ولم يكن من الصعب اكتشاف سبب الاضطراب. # كان سبب تلك المتاعب رجلا في الحلقة الثالثة من عمره، ولا شك في أنه ms02 كان من أهالي ~~غسقونيا، فمن السهل معرفته من عينيه الذكيتين الواسعتين، وأنفه الدقيق. وقد يظنه ذو ~~العين المجربة ابن مزارع يقوم برحلة، لولا السيف الطويل المتدلي إلى ~~جانبه. # وقد لفت حصانه أنظار كل من رآه. كانت سنه تتراوح بين اثنتي عشرة أو أربع عشرة ~~سنة، وكان مغطى بشعر أصفر اللون، وذيله خاليا تماما من الشعر، وكان يسير مطأطئ ~~الرأس لأسفل من مستوى ركبتيه. ورغم ذلك، أفلح في أن يسير المسافات المقررة عليه في كل ~~يوم. # لم يستطع دارتانيان، وهذا هو اسم الشاب، أن يخفي منظره المضحك وهو ممتط صهوة مثل ~~ذلك الحصان، رغم كونه فارسا ماهرا؛ لذا فقد تنهد عميقا عندما قبله هدية من أبيه في ~~ذلك الصباح. # قال السيد الغسقوني: «أي بني، ولد هذا الحصان في إسطبلي منذ حوالي ثلاثة عشر عاما، ~~وخدمني بإخلاص منذ ذلك الحين. وهذه الحقيقة يجب أن تكون مدعاة لسرورك أن يكون ملكا ~~لك.» # استطرد والد دارتانيان قائلا: «وحيث إنك، يا ولدي، ستشق طريقك في الحياة، فضع نصب ~~عينيك أن تحافظ على مكانتك، ولا تتقبل النقد من أي شخص، باستثناء الكاردينال والملك. ~~ولا تخش المعارك أبدا، وابحث عن المغامرة. وقد علمتك كيف تستخدم السيف. وعليك ~~بالقتال في جميع المناسبات.» # وأضاف الرجل العجوز: «بمجرد أن تبلغ باريس، اذهب بهذا الخطاب وسلمه بنفسك للسيد تريفي؛ ~~إذ كان هذا السيد، فيما مضى، جاري، وحظي بشرف اختياره رفيقا لملكنا قبل اعتلائه ~~العرش. إنه الآن قائد الفرسان؛ أي قائد حرس الملك الشخصي. # علاوة على هذا، فالسيد دي تريفي يربح عشرة آلاف كارون راتبا سنويا له، ولذا فهو ~~يعد من النبلاء العظماء. لقد بدأ حياته مثلما تبدؤها أنت. اذهب إليه بهذا الخطاب، ~~واتخذه قدوتك حتى تنجح مثله. ليس لدي ما أعطيكه، يا بني، سوى خمسة عشر كراونا، وحصاني، ~~والنصيحة التي سمعتها الآن. انتهز كل فرصة سانحة، وعش سعيدا وطويلا.» # بعد ذلك، علق السيد دارتانيان سيفه على حمالة ابنه، وقبله في وجنتيه ~~وباركه. # الفصل الثاني # | إهانة وتحد # حين وصل دارتانيان إلى ميونغ، ms03 ترجل عند باب فندق جولي ميلر. ولاحظ أثناء ترجله، ~~رجلا رزين المنظر، يقف عند نافذة نصف مفتوحة بالطابق الأرضي، ويتكلم إلى شخصين آخرين ~~خلفه بالحجرة، ويصغيان إليه باحترام غير عادي. وبطبيعة الحال، ظن دارتانيان أنه موضوع ~~الحديث، خاصة وأن الرجل كان يتطلع إليه بين الفينة والأخرى؛ لذا أصاخ دارتانيان السمع ~~إلى ما يقال. # والواقع أنه كان مخطئا بعض الشيء؛ إذ إن الرجل كان يتحدث عن صفات الحصان، وكثيرا ما ~~كان الرجلان اللذان يصغيان إليه يضحكان بين آونة وأخرى. وإذا كانت نصف ابتسامة تكفي ~~لإثارة طباع ذلك الرجل السريع الغضب، فمن السهل أن نتصور مدى الأثر الذي نشأ عن ذلك ~~الأمر. # في تلك اللحظة عينها، أبدى الرجل ملاحظة دعابية ساخرة عن الحصان، فقهقه الاثنان ~~الآخران بصوت يعلو على صوت ضحكهما السابق. غير أنه، هو نفسه، لم يظهر أكثر من ~~ابتسامة بسيطة على وجهه. وهنا أحس دارتانيان، في هذه المرة، أنه قد أهين. وإذ اقتنع ~~بهذا، تقدم وقد وضع إحدى يديه على مقبض سيفه، وأسند الأخرى على خاصرته، وصاح ~~قائلا: ~~«اسمع، يا سيدي، يا من تخفي نفسك وراء ذلك المصراع. أخبرني عما يضحكك، فنضحك ~~معا.» # أدار الرجل عينيه ببطء، من الحصان إلى صاحبه، وكأنه يحتاج إلى بعض الوقت ليتأكد ~~مما إذا كانت هذه الملاحظات موجهة إليه. وبعد ذلك، عندما لم يصبح لديه شك في هذه ~~الحقيقة، قطب جبينه، ورد على دارتانيان بغير اكتراث، قائلا: «لم أكن أتحدث ~~عنك!» # غضب دارتانيان أكثر من ذي قبل، من هذه السخرية، وقال: «ولكني أتحدث إليك.» # نظر إليه الرجل مرة أخرى، وعلى شفتيه شبح ابتسامة باهتة، وغادر النافذة. ولما غادر ~~الفندق، تقدم نحو الحصان، وبينه وبين دارتانيان خطوتان. # واستأنف الرجل المجهول كلامه، قائلا: «من المؤكد، أو من المرجح أن هذا ~~الحصان كان في شبابه أقحوانة برية صفراء!» وتوجه بكلامه إلى الرجلين ~~اللذين كانا لا يزالان عند النافذة، متجاهلا دارتانيان تماما: «إنه لون معروف جيدا بين ~~الزهور، غير أنه حتى الآن، نادر جدا بين الخيول.» # صاح الشاب: «هناك ms04 من يضحكون من حصان، ولكنهم لا يتجاسرون على الضحك من صاحبه!» # قال الرجل المجهول: «أنا لا أضحك كثيرا، يا سيدي، وربما تكون قد لاحظت ذلك، ورغم ذلك، ~~فأنا أضحك عندما يحلو لي أن أضحك.» # صاح دارتانيان: «وأنا، عندما يحلو لي، لن أسمح لأي رجل بأن يضحك!» # واصل الرجل الوقور كلامه في هدوء: «أهو ذاك ، يا سيدي؟» واستدار ليدخل الفندق. ~~«استدر! استدر أيها المهرج، وإلا ضربتك من الخلف!» # قال الآخر وهو يستدير وينظر إلى ذلك الشاب بدهشة وسخرية: «تضربني! لماذا، يا زميلي ~~العزيز؟ لا بد أنك مجنون!» ثم أضاف بصوت خفيض، وكأنه يحادث نفسه: «هذه إساءة ~~بالغة!» # ما كاد الرجل ينتهي من قوله هذا، حتى هجم عليه دارتانيان ثائرا، ولو لم يرتد الرجل إلى ~~الخلف سريعا، لكانت هذه آخر مرة يمزح فيها. ولما رأى أن ذلك الشاب كان جادا حقيقة، ~~استل سيفه ووقف في موقف استعداد. غير أنه، في هذه اللحظة عينها، خرج الرجلان اللذان كانا ~~في الفندق، ومعهما صاحب الفندق، وانهالوا على دارتانيان ضربا بالهراوات. ولما استدار ~~دارتانيان ليواجه وابل الضربات هذا، أعاد الرجل المجهول سيفه إلى غمده بهدوء. ~~وبدلا من أن يشارك في القتال بحماس، وقف متفرجا. # ظل الرجل المجهول هادئا غير منزعج، وردد لنفسه: «اللعنة على هؤلاء الغسقونيين! ~~ضعوه على حصانه الأصفر، وأرسلوه إلى حال سبيله.» # صاح دارتانيان بشجاعة: «ليس قبل أن أقتلك أيها الجبان!» # ووقف راسخا أمام مهاجميه الذين ظلوا يمطرونه بالضربات. # قال الرجل الوقور: «بشرفي، إن هؤلاء الغسقونيين يتصرفون بدون وعي! إذن استمروا فيما ~~تفعلون، ما دام يريد هذا، فإذا ما كل، فسيصرخ معلنا بأنه نال كفايته.» # بيد أن الرجل المجهول لم يعرف ذلك الشخص العنيد، الذي كان عليه أن يتعامل معه؛ فلم يكن ~~دارتانيان هو ذلك الرجل الذي يستسلم أو يطلب الرحمة. وعلى ذلك استمر القتال حتى سقط سيفه ~~مكسورا بضربة عصا هائلة، وطرحته ضربة أخرى على رأسه أرضا مضرجا بالدم، فاقدا ~~الوعي. # في تلك اللحظة، أقبل الناس من كل حدب وصوب إلى مسرح القتال؛ ms05 وإذ خشي صاحب الفندق ~~العواقب، حمل الرجل الجريح إلى المطبخ، حيث أمر بغسل جراحه وتضميدها. # الفصل الثالث # | ميلادي تقابل الرجل المجهول وتتلقى التعليمات # عاد السيد إلى حجرته، وأخذ يراقب الجموع من النافذة بقلق؛ إذ كان من الجلي أن عدم ~~انصرافهم ضايقه. # سأل الرجل المجهول صاحب الفندق، الذي جاء ليستفسر عما إذا كان ضيفه قد لحقه أذى: ~~«كيف حال هذا المجنون؟» # أجاب: «أرجو أن تكون فخامتكم سليما وفي مأمن!» ~~«نعم! أنا بخير تماما، وسليم تماما. ماذا صارت إليه حال ذلك المتهور الأرعن؟» # أجاب صاحب الفندق: «إنه أحسن حالا. أغمي عليه فقط.» # قال السيد: «أصحيح ما تقول؟» ~~«ولكنه استجمع كل قواه، قبل أن يفقد وعيه مباشرة، معلنا نزالك وتحديك، قائلا إنه ~~لو حدث مثل ذلك الشيء في باريس، لجعلك تندم عليه أشد الندم.» # قال السيد: «إذن، فلا بد أن يكون أميرا متنكرا. ألم يذكر اسم أحد أثناء غضبه؟» ~~«بلى. تحسس جيبه وقال سنرى ماذا يكون رد فعل السيد دي تريفي عن هذه الإهانة التي ~~لحقت شخصا في حمايته.» # ردد الرجل المجهول باهتمام: «السيد دي تريفي!» ووضع يده على جيبه وهو ينطق باسم السيد ~~دي تريفي، ثم أضاف: «والآن، يا عزيزي، ما دام هذا الرجل الصغير فاقدا الإحساس، فمن ~~المؤكد أنك لم تفشل في معرفة ما في جيبه. ماذا كان به؟» ~~«خطاب موجه إلى السيد دي تريفي قائد الفرسان.» # تمتم الرجل قائلا: «من يدري، ربما أرسل تريفي هذا الغسقوني الصغير ليعتدي علي! إنه ~~أصغر من أن يفعل هذا، ولكن ضربة السيف هي ضربة السيف، مهما تكن سن الضارب! وعلاوة على ~~هذا، فإن الشاب أقل عرضة لأن يشتبه فيه من الرجل الكبير.» # بعد ذلك، بقي يفكر مليا لبضع لحظات، ثم قال: «ألا يمكنك أن تتخلص من هذا الفتى ~~المجنون؟ الحقيقة أنني لا أستطيع أن أقتله، ولكنه يضايقني. أين هو؟» ~~«في حجرة بالدور الأول، حيث تضمد جراحه.» ~~«هل معه أشياؤه وحقيبته؟ هل خلع صداره؟» ~~«كل شيء في المطبخ. ولكن إذا كان يضايقك هذا الفتى الأرعن ms06 ...!» ~~«من المؤكد جدا أنه يضايقني؛ فقد أحدث اضطرابا في فندقك، والناس المحترمون لا يحبون ~~ذلك. اذهب، وأعد فاتورتي، وأخبر بها خادمي.» ~~«ماذا، يا صاحب الفخامة؟ هل ستتركنا هكذا سريعا؟» ~~«كنت تعلم أنني سأنصرف؛ إذ أعطيت الأوامر بإسراج حصاني، ألم تنفذ؟» ~~«نفذت أوامرك حرفيا، كما قد تكون فخامتك قد لاحظت، وحصانك في الممر أمام الباب ، ~~وعليه السرج.» ~~«إذن، أحضر فاتورتي.» # انحنى صاحب الفندق بتواضع إثر لمحة آمرة من السيد، وغادر الحجرة. # تمتم الغريب لنفسه قائلا: «ليس من الضروري أن يرى هذا الشخص ميلادي؛ إذ سرعان ما ستكون ~~هنا. لقد تأخرت فعلا. من الأفضل أن أمتطي الحصان وأسرع لملاقاتها، ولكني أود أن ~~أعرف ماذا يحويه الخطاب الموجه إلى السيد دي تريفي.» ثم سار ببطء نحو المطبخ. # في الوقت نفسه، صعد صاحب الفندق إلى دارتانيان، فوجده قد استعاد وعيه لتوه، فأخبره ~~بأن الشرطة ستعامله بقسوة لعراكه مع لورد عظيم - إذ يبدو من هيئة الرجل أنه لا يمكن أن ~~يكون سوى لورد عظيم - وأصر على وجوب انصراف دارتانيان بأسرع ما يمكن. ونزل دارتانيان ~~وهو لا يزال شبه فاقد للوعي، ورأسه مضمد، إلى الطابق الأرضي. ولما أطل من النافذة، ~~أبصر السيد المجهول يتحدث بهدوء إلى شخص ما في عربة يجرها حصانان جميلان. # وأمكنه أن يرى الشخص الذي كان يتحدث إليه الرجل المجهول، رآه بوضوح من خلال نافذة ~~العربة. كانت امرأة من الطبقة الراقية، في حوالي الثانية والعشرين من عمرها. رأى ~~دارتانيان، في لحظة، أن هذه المرأة شديدة الحسن؛ بيضاء البشرة، تتدلى على كتفيها خصلات ~~شعر مسترسلة، ذات عينين نجلاوين زرقاوين حالمتين، وشفتاها ورديتان، ويداها بضتان ~~ناعمتان. كانت تتحدث إلى الرجل المجهول بطريقة عصبية. # قالت السيدة: «إذن، فإن فخامته يأمرني ...» ~~«بأن تعودي فورا إلى إنجلترا، يا ميلادي، وتخطريه مباشرة بأن يغادر دوق بكنجهام ~~لندن.» # سألت المرتحلة الحسناء: «وفيما يختص بتعليماتي الأخرى؟» ~~«يضمها هذا الصندوق، الذي يجب ألا تفتحيه حتى تصلي إلى إنجلترا.» ~~«حسن جدا. وأنت ماذا ستفعل؟» ~~«سأعود إلى باريس.» # سألت السيدة: «ماذا؟ ألن تعاقب أولا ms07 هذا الغلام الوقح؟» # في اللحظة نفسها، التي كان الرجل المجهول سيجيب عليها، اندفع دارتانيان خارجا، وقد سمع ~~ما قالته، فصاح قائلا: «هذا الغلام الوقح هو الذي يعاقب غيره، وآمل في هذه المرة، ألا ~~يفلت مثلما أفلت من قبل.» # ردد الرجل المجهول عابسا: «لن يفلت منه؟» ~~«لن يفلت؛ إذ أعتقد أنه لن يجرؤ على الفرار أمام امرأة!» # قالت ميلادي للرجل المجهول، وهو يضع يده على مقبض سيفه: «تذكر أن أقل تأخير سيفسد ~~كل شيء.» # صاح الرجل: «أنت على حق. انصرفي الآن في طريقك، وسأذهب أنا في طريقي بأسرع ما يمكنني.» ~~وانحنى للسيدة، ثم قفز إلى سرجه، فانصرفت عربتها على الفور. # وهكذا افترق المتكلمان متخذين جهتين متضادتين بأسرع ما في مكنتهما. # صاح صاحب الفندق، الذي تغير رأيه في ذلك المرتحل عندما أبصره ينصرف دون أن يسدد ~~حسابه، قائلا: «الحساب!» # قال الرجل المجهول لخادمه: «ادفع له!» # وألقى الخادم بعدة قطع من النقود الفضية إلى صاحب الفندق، وأسرع يركض بحصانه خلف ~~سيده. # صاح دارتانيان وهو يقفز إلى الأمام: «أيها الجبان! أيها السيد الزائف!» وعند ذلك أنهكه ~~جرحه، فما كاد يسير عشر خطوات حتى أغمي عليه مرة أخرى، وسقط في الشارع وهو لا يزال ~~يصيح: «أيها الجبان! أيها الجبان!» # عقب صاحب الفندق قائلا: «الحق معك؛ فهو في الحقيقة جبان!» ظانا أن قليلا من ~~التملق لن يضيره شيئا. # وهمس دارتانيان: «نعم، إنه لجبان، ولكنها هي جميلة جدا!» # سأله صاحب الفندق: «من تكون هي؟» # قال دارتانيان وهو يغمى عليه: «ميلادي.» # الفصل الرابع # | بحث دارتانيان عبثا عن خطاب التوصية يوحي لصاحب الفندق بفكرة # في الصباح التالي، وضعت ضمادات جديدة لجراح دارتانيان. ولا شك أنه بفضل شبابه، وربما ~~أيضا لعدم وجود طبيب، أخذ يتجول في ذلك المساء، واسترد عافيته في اليوم التالي. وعندما ~~حان وقت سداد فاتورته، كان المبلغ الوحيد المدين به للفندق، هو أجر حجرته، مع وجبة ~~واحدة، بالإضافة إلى أجر الضمادات. ومن ناحية أخرى، تبعا لقول صاحب الفندق، أكل ~~حصانه ثلاثة أضعاف ما يستطيع حصان آخر من ms08 نفس حجمه أن يأكل عادة. ولم يجد دارتانيان ~~شيئا في جيوبه، باستثناء نقوده. أما الخطاب الموجه للسيد دي تريفي، فقد اختفى! # وراح يبحث عن الخطاب بصبر عظيم، وأفرغ جيوبه وبحث في حقيبته مرارا. ولما أدرك أخيرا ~~أنه لن يعثر على الخطاب، استشاط غضبا وثار. وعندما رأى صاحب الفندق أن ذلك الشاب ~~المتسرع الأرعن سيحطم كل شيء في الفندق، إن لم يجد خطابه، أمسك بقضيب حديدي، وأمسكت ~~زوجته بيد مكنسة، وأمسك الخدم بالعصي التي استخدموها في اليوم السابق. # صاح دارتانيان قائلا: «خطاب التوصية الخاص بي! خطاب التوصية، وإلا فإنني أقسم أنني ~~سأمزقكم جميعا إربا إربا!» # ولسوء الحظ، كانت ثمة عقبة كئود تحول دون تنفيذ هذا التهديد؛ فإن سيف دارتانيان قد ~~كسر نصفين، ونسي هو هذه الحقيقة؛ ولذلك، فعندما استله وجد نفسه مسلحا بقطعة من ~~سيف طولها حوالي عشرين سنتيمترا، كان صاحب الفندق قد وضعها بعناية في غمد السيف. وما ~~كان لهذا الأمر أن يوقف ذلك الشاب المتهور، لولا ما أعلنه صاحب الفندق، بأن طلب ~~الخطاب منهم ليس عادلا تماما. # قال الرجل وهو يخفض القضيب الحديدي: «دعنا نفكر معا أين هذا الخطاب.» # صاح دارتانيان معقبا: «نعم، أين هو؟ إني أحذركم بأن ذلك الخطاب موجه للسيد دي ~~تريفي، ويجب العثور عليه، فإن لم يعثر عليه، فسيعرف هو كيف يعثر عليه. أعدكم ~~بذلك!» # حفز هذا التهديد صاحب الفندق للتحرك إلى العمل، فألقى بالقضيب الحديدي من يده، وأمر ~~زوجته بأن تفعل نفس الشيء بيد المكنسة، والخدم بعصيهم، وبدأ يبحث بجدية عن الخطاب. ~~ورغم ذلك، فلم يمض وقت طويل، حتى تذكر شيئا هاما، فصاح فجأة: «الخطاب لم ~~يضع.» # قال دارتانيان دهشا: «ماذا؟» ~~«نعم، بل سرق منك.» ~~«سرق؟ ومن سرقه؟» ~~«سرقه ذلك السيد الذي كان هنا بالأمس. نزل إلى هذه الحجرة التي تركت فيها صدارك، ~~ومكث فيها بعض الوقت. ولا بد أنه سرقه.» # قال دارتانيان وهو لا يزال غير مقتنع: «أتظن ذلك؟» # استطرد صاحب الفندق قائلا: «أقول لك إنني متأكد من هذا تماما؛ فعندما أخبرته بأن ~~سيادتكم ms09 في حماية السيد دي تريفي، وأنك تحمل لذلك الشخص النبيل خطابا، بدا عليه القلق ~~الشديد؛ وسأل عن مكان الخطاب. وبعدها مباشرة نزل إلى حيث تركت صدارك وأشياءك.» # قال دارتانيان: «إذن فلا شك في أنه هو اللص. سأشكو إلى السيد دي تريفي، وسيشكو هو بدوره ~~إلى الملك.» ثم أخرج كراونين، بعظمة، من كيس نقوده، وأعطاهما لصاحب الفندق، الذي رافقه ~~إلى باب الفندق والقبعة في يده. # امتطى دارتانيان، من جديد، صهوة جواده الأصفر اللون، الذي حمله بدوره إلى باريس، وهناك ~~باع حصانه بثلاثة كراونات. وهذا يعتبر ثمنا طيبا للغاية. وهكذا دخل هذا المغامر الشاب ~~باريس على قدميه، حاملا متعلقاته القليلة في حقيبة تحت إبطه. # وبعد بحث غير طويل، وجد شقة للإيجار بسعر يناسب ماليته المحدودة. بعد ذلك، ذهب ليصنع ~~نصلا جديدا لسيفه. وفي طريق عودته، سأل أول فارس أبصره عن مقر السيد دي تريفي الرئيسي، ~~والذي اتضح أنه قريب من المسكن الذي استأجره. # وإذ كان مقتنعا بعد ذلك بالطريقة التي سلكها إلى ميونغ، دون أسف على ما مضى، وواثقا ~~بالحاضر، ومفعما بالأمل في المستقبل؛ فقد أوى إلى فراشه، ونام نومة المقدام. # الفصل الخامس # | إعجاب دارتانيان بطرق استخدام السيف فوق السلم، وإعجابه بحمالة سيف # كان فرسان الملك جماعة من الرجال البواسل المستهترين غير المهذبين تماما، وعلى ~~استعداد لمواجهة أي شخص، فيما عدا رئيسهم السيد دي تريفي. كانوا يشاهدون في كل مكان ~~يضحكون ويتكلمون بأصوات صاخبة، ويفتلون شواربهم، ويصلون بسيوفهم. وفوق كل شيء، كان ~~يحلو لهم أكثر من أي شيء آخر أن يتحرشوا بحرس الكاردينال، حين يلتقونهم بمحض الصدفة. ولم ~~يهتم أولئك الرجال بالقانون في قليل أو كثير، وكانوا دائما في قتال ونزال؛ يقتلون ~~أحيانا، ولكنهم في أغلب الأحيان يقتلون. وكانوا على يقين من عدم بقائهم في السجن؛ إذ ~~إن هناك السيد دي تريفي الذي يعمل على إطلاق سراحهم في الحال. # كان هؤلاء الرجال يقدسون السيد دي تريفي، ويمدحونه مديحا يكاد يصل إلى عنان السماء. ~~ورغم كونهم لا يهابون أحدا، فإنهم كانوا يطيعون أي ms10 أمر يتفوه به السيد دي تريفي، وعلى ~~استعداد تام للتضحية بالنفس والنفيس لغسل أقل إهانة تلحق به أو بالفرسان تحت إمرته. ~~وكان مقر السيد دي تريفي في باريس يشبه معسكرا مسلحا في جميع الأوقات. كان به على ~~الدوام خمسون أو ستون فارسا مجتمعين في الفناء وفي الممرات. وكانوا يتناوبون الحراسة فيما ~~بينهم أثناء فترة راحتهم في القصر؛ ليظهروا قواهم في استعراض عظيم قدر الإمكان. ~~يسيرون في كبرياء وخيلاء، مدججين بالسلاح، ومستعدين لأي شيء. # لما قدم دارتانيان نفسه، كان المجلس مهيأ بعظمة غير عادية، كأن شخصية عظيمة ~~ستزور السيد دي تريفي، فلما اجتاز دارتانيان المدخل الضخم ذا الأبواب الكبيرة المغطاة ~~بالمسامير المربعة الرءوس، وجد نفسه وسط عدد من السيافين، يمزحون ويتشاجرون بمرح، ~~كل واحد مع الآخر، وهم لا يفسحون الطريق لأي شخص إلا إذا كان ضابطا أو نبيلا أو ~~سيدة. # تقدم الشاب وسط هذه الضوضاء والفوضى الواضحة، وقلبه يخفق. وكلما اجتاز جماعة تنفس ~~الصعداء. ولكن لم يسعه إلا أن يلاحظ أنهم كانوا يرمقونه بمتعة، فأحس دارتانيان ~~المزهو، لأول مرة في حياته، بشيء من القلق. وعندما بلغ أول السلم الرحب ~~الضخم زاد قلقه. كان ثمة أربعة فرسان يتسلون بألعاب السيوف، وعشرة فرسان، أو اثنا عشر ~~فارسا، كانوا عند بداية السلم، ليأخذوا دورهم. وقف أحد هؤلاء الأربعة عند درجة سلم ~~عليا مشهرا سيفه، ليمنع أو ليحاول منع الثلاثة الآخرين من الصعود، فانقض عليه ~~الثلاثة الآخرون بسيوفهم المشرعة، إلا أن الفارس الواقف على درجة السلم العليا، أبعد ~~عنه خصومه الثلاثة، بمهارة فائقة. # ويبدو أن القاعدة عندهم تنص على أنه إذا أصيب رجل، خطا جانبا، وحل محله آخر. وخلال ~~خمس دقائق، جرح ثلاثة فرسان جروحا بسيطة، أحدهم في يده، وآخر في ذقنه، وثالث في ~~أذنه، بواسطة الفارس المدافع عن السلم، على حين ظل هو نفسه دون أن يمسه أذى. لم يسبق ~~لدارتانيان أن شاهد مثل هذه المهارة، ولا مثل هذه الجرأة. # وأخيرا لاحظوه، فجاءه رسول وسأله عما يريد، فذكر اسمه باحتشام، والتمس مقابلة قصيرة مع ms11 ~~السيد دي تريفي، فوعده الرسول بتوصيل هذه الرسالة إلى القائد، وعند ذاك، غدا دارتانيان ~~حرا في أن يتطلع إلى ما حوله. وكان في وسط هذه الجماعة البالغة النشاط والحيوية، فارس ~~يبدو عليه الغرور، فارع الطول، يرتدي ثيابه بطريقة تختلف عن طرق الآخرين؛ لجذب الانتباه ~~العام. لم يلبس هذا الفارس الزي الرسمي الذي يرتديه الآخرون ، وإنما كان يلبس صدارا أزرق ~~بلون السماء، باهتا وباليا بعض الشيء، وفوقه حمالة سيف رائعة المنظر، مطرزة بخيوط ~~ذهبية تتألق كما يتألق الماء تحت أشعة الشمس، ويتدلى من كتفيه العريضتين معطف ~~طويل من القطيفة القرمزية اللون، مفتوح من الأمام ليبين الحمالة التي يتدلى منها ~~أضخم سيف رآه دارتانيان في حياته. # ويبدو أن هذا الفارس انفصل حديثا من حرس القصر. وكان يعاني من نزلة برد، ويسعل من آن ~~لآخر ليبرهن على إصابته بالبرد. وأخبر من حوله بأنه ارتدى المعطف ليدرأ هذا البرد ~~عنه. وبينما هو يتكلم هكذا بلهجة ازدراء، ويفتل شاربه في خيلاء، أبدى الجميع إعجابهم ~~بحمالة سيفه المزخرفة في إفراط، كما أعجب بها دارتانيان أكثر من غيره. # قال المدعو بورثوس: «أقسم بشرفي أنني اشتريتها بنفسي، بكل ما كان في كيس نقودي!» # عقب أحد الفرسان متهكما: «ربما؛ فقد اشتريت أنا كيس النقود هذا بنفس الطريقة، بكل ~~النقود التي وضعها شخص آخر في كيس نقودي القديم!» # قال بورثوس: «هذا حقيقي، والدليل على ذلك أنني دفعت فيه اثني عشر بستولا، # 1 # أليس كذلك، يا أراميس؟» واستدار، وهو يتكلم، نحو فارس آخر. وكان هذا الفارس ~~الذي استشهد به ليصدق على قوله، على نقيض بورثوس تماما؛ فهو شاب في حوالي الثالثة ~~والعشرين من عمره، قلما يتكلم، وإذا تكلم فببطء وفي هدوء، وكثيرا ما كان ينحني ~~احتراما لغيره بطريقة نبيلة تدل على حسن التربية. أجاب على استشهاد صديقه به، بإيماءة ~~من رأسه، رغم أنه من المشكوك فيه أنه قد أصغى أساسا إلى كلام بورثوس. # وعلى ما يبدو فإن هذا التصديق قد أزال جميع الشكوك عن أصل حمالة السيف الفاخرة. ورغم أن ~~الفرسان ms12 لم يزالوا يعجبون بها، فقد انتقل الحديث إلى موضوعات أخرى. # بعد ذلك بوقت قصير، خرج رسول من مكتب السيد دي تريفي، وصاح قائلا: «السيد دي تريفي ~~ينتظر السيد دارتانيان.» # عند هذا الإعلان، الذي في أثنائه بقي باب المكتب مفتوحا، وقف الجميع صامتين. وفي وسط ~~هذا السكون، عبر ذلك الرجل البهو بطوله، ودخل مكتب قائد الفرسان . # الفصل السادس # | استقبال دارتانيان استقبالا رسميا وسماعه أكثر مما كان متوقعا أن يسمع # في تلك اللحظة، كان السيد دي تريفي عصبي المزاج، إلا أنه رحب بالشاب دارتانيان في أدب، ~~على حين انحنى له دارتانيان انحناءة شديدة. وابتسم السيد دي تريفي عند سماعه أولى كلمات ~~دارتانيان؛ فقد ذكرته طريقة الكلام الغسقونية بأيام صباه، وبموطنه، ولكنه أشار إليه ~~بأن ينتظر لحظة، وخطا نحو الباب، ونادى بصوت آمر مرتفع: «آثوس! بورثوس! أراميس!» # ولبى فارسان النداء في الحال، وتركا زملاءهما، وأسرعا إلى المكتب. # أخذ السيد دي تريفي يذرع أرض الحجرة جيئة وذهابا في صمت، وقد قطب ما بين جبينه. ~~وكان في كل مرة يمر في صمت أمام بورثوس وأراميس اللذين وقفا منتصبي القامة صامتين، ~~وكأنهما تمثالان. ثم وقف فجأة أمامهما تماما، وشرع ينظر إليهما من رأسيهما إلى أخمص ~~أقدامهما، نظرة شزراء غاضبة. # صاح قائلا: «أتعرفان ماذا قال لي الملك مساء أمس فقط؟ أتعرفان، يا سادة؟» # أجاب الاثنان بعد لحظة سكوت: «لا، يا سيدي، لا نعرف.» ~~«أخبرني بأنه سيختار فرسانه، في المستقبل، من بين حرس الكاردينال.» # شرق وجه الفارسين غضبا من هذه الإهانة. وأحس دارتانيان بالقلق الشديد، وتمنى لو ~~انشقت الأرض وابتلعته. # استطرد السيد دي تريفي كلامه بغضب وحدة، فقال: «كان جلالته على حق! فبينما كنت ألعب ~~الشطرنج معه، بالأمس، روى الكاردينال كيف أحدثتم اضطرابا، أيها الفرسان المستهترون! أنتم ~~أيها الثرثارون! وظننته سيلحق بي إهانة، ويضطر حرسه إلى القبض عليكم. يا لرحمة ~~السماء! لا بد أنكم تعرفون شيئا عن هذا الموضوع. يقبضون على فرساني! ألم تكونا هناك ~~ضمنهم. لا تنكرا أنكما كنتما هناك، لقد تعرفوا عليكما، وذكر الكاردينال ~~اسميكما. # وأنت، ms13 يا أراميس، لماذا ارتديت الحلة الرسمية وأنت لا تصلح إلا لأن تدرس في ~~مدرسة للصغار؟ وأنت، يا بورثوس، أتعلق في حمالتك الجميلة سيفا من القش؟ وآثوس، لست ~~أرى آثوس؟ أين هو؟» # أجاب أراميس بصوت حزين: «إنه جد مريض يا سيدي. مريض للغاية.» ~~«مريض؟ أتقول مريض للغاية؟» # أجاب بورثوس: «يخشى أن يكون كذلك، يا سيدي.» قال هذا وهو لا يرغب في أن يفوته ~~الحديث. ~~«مريض! لا أصدق هذا. من المحتمل جدا أنه جرح، أو ربما قتل. آه لو عرفت! ~~«لا أريدكم، أيها السادة، أن تذهبوا كثيرا إلى الحانات، ولا أن تحدثوا ذلك العراك ~~في الشوارع، ولا أن تستخدموا السيف وسط جموع الشعب. وأخيرا، لن أسمح بأن تهيئوا لحرس ~~الكاردينال فرصة السخرية منكم! ادفعوا عن أنفسكم وصمة الهروب والفرار؛ فهذا شيء جميل ~~يقال عن فرسان الملك، فرساني.» # ارتجف بورثوس وأراميس غضبا لهذه الإهانة. كان بوسعهما أن يقتلا السيد دي تريفي، لو لم ~~يعرفا محبته العظمى لهم؛ لفرسانه، ولما سمحا له بأن يكلمهم بهذه الطريقة. # استأنف السيد دي تريفي كلامه وهو ثائر مثل جنوده، فقال: «فكروا في هذا الأمر. ماذا يعني ~~أن يقبض ستة من حرس الكاردينال على ستة من فرساني؟ يا لرحمة السماء! سأذهب رأسا إلى القصر ~~وأقدم استقالتي للملك، ثم أنضم إلى حرس الكاردينال (قالها وهو ينظر مباشرة إلى أراميس) ~~وإذا رفضها، فسأعتزل!» # قال بورثوس، وهو لا يكاد يتمالك نفسه: «حسن يا سيدي. حقيقة، كنا ستة ضد ستة، ولكن لم ~~يقبض علينا بوسائل عادلة! لقد باغتونا قبل أن نستل سيوفنا، فقتل اثنان من فريقنا، ~~وجرح آثوس جرحا بليغا. وإنك لتعرف آثوس، يا سيدي، فهو ليس جبانا. ولكننا لم نستسلم، ~~وإنما جرونا بالقوة في الطريق، ورغم ذلك، أمكننا أن نهرب. وقد اعتقدوا أن آثوس قتل، ~~فتركوه ظانين أنه لا يستحق مشقة حمله. هذه هي القصة كلها. وأنت تدرك، يا سيدي، أن ليس بوسع ~~المرء أن يكسب كل معاركه!» # قال أراميس: «بمقدوري أن أؤكد لك أنني قتلت واحدا منهم، بسيفه هو، إذ كسر ms14 سيفي من أول ~~ضربة.» # قال السيد دي تريفي بلهجة أقل حدة: «لم أكن أعرف ذلك. أعتقد أن الكاردينال قد بالغ ~~كما يفعل دائما.» # قال أراميس: «ولكني أرجوك، يا سيدي، ألا تذكر شيئا عن جرح آثوس؛ فقد يتطرق إليه ~~اليأس إن سمع الملك بذلك، فالجرح بليغ ويخشى ...» # في تلك اللحظة، رفع الستار الذي يحجب الباب، وظهر وجه نبيل وأنيق، ولكنه شاحب اللون ~~بصورة لافتة. # صاح الفارسان: «آثوس!» # صاح السيد دي تريفي: «آثوس!» # قال آثوس للسيد دي تريفي، بصوت واهن، ولكنه كامل الهدوء: «أأرسلت في طلبي، يا سيدي؟ ~~لقد أخبرني رفقائي بذلك، فهرعت لأتلقى أوامرك.» وكان مرتديا ملابسه بصورة صحيحة، ودخل ~~الغرفة بخطى وئيدة. # وإذ تأثر السيد دي تريفي بدليل الشجاعة والإقدام هذا، تقدم نحوه وقال: «كنت أوشك ~~على إخبار هذين السيدين بأنني أحظر على فرساني تعريض حياتهم للخطر بغير داع؛ فالرجال ~~الشجعان لديهم مكانة خاصة عند الملك، وهو يعلم أن فرسانه أشجع رجال على الأرض.» # كان تأثير مجيء آثوس قويا على الحضور، لدرجة أن اجتمع حشد خارج الباب نصف المفتوح. ~~ورغم أن جميع الفرسان يعلمون بجرحه، فقد احتفظ به سرا على الآخرين، قدر المستطاع. فلما ~~سمعوا كلمات قائد الفرسان الأخيرة، لم يستطيعوا كبت تعبيرهم عن الرضا. ولاحت عدة رءوس من ~~خلف الستار. وكان السيد دي تريفي موشكا على أن يتحدث إليهم بغلظة، لافتقارهم إلى الأدب ~~والنظام، لولا أن آثوس سقط على الأرض مغشيا عليه. # صاح السيد دي تريفي: «طبيب! طبيبي! طبيب الملك! أمهر طبيب يمكن الحصول عليه!» # واندفع عدد من الفرسان إلى داخل الغرفة، واحتشدوا حول الرجل الجريح. ولحسن الحظ، كان ~~الطبيب المطلوب موجودا في ذلك المبنى، فشق طريقه وسط الجمع، وطلب نقل الفارس إلى حجرة ~~أخرى، ففتح السيد دي تريفي بابا جانبيا، وأشار إلى بورثوس وأراميس اللذين حملا زميلهما ~~في الحال. # عاد بورثوس وأراميس مباشرة، تاركين الطبيب والسيد دي تريفي، وحدهما مع آثوس. # بعد فترة وجيزة، عاد السيد دي تريفي نفسه، وأخبرهم جميعا بأن حالة الفارس مطمئنة ~~وليس فيها ما ms15 يدعو إلى القلق، وأن ضعفه، يرجع ببساطة، إلى ما فقده من دم. # أشار السيد دي تريفي، بعد ذلك بيده، فغادر الجميع المكتب، ما عدا دارتانيان الذي لم ~~ينس أن لديه مقابلة رسمية، وهكذا بقي في مكانه بعزيمة الرجل الغسقوني. # الفصل السابع # | دارتانيان يتلقى نصيحة طيبة من السيد دي تريفي لكنه لا يعيرها كثير التفات # عندما خرج الجميع، وأقفل الباب، استدار السيد دي تريفي، فوجد نفسه وحيدا مع ~~دارتانيان. # قال وهو يبتسم: «عفوا! عفوا، فقد نسيتك تماما. ماذا بوسعي أن أفعل؟ ليس القائد بأقل ~~من رب أسرة، يحمل مسئولية ربما أكثر من مسئولية أي أسرة عادية.» # ابتسم دارتانيان، فحكم السيد دي تريفي، من هذه الابتسامة، على أن زائره ليس غبيا. وعلى ~~ذلك غير مجرى الحديث، ودخل في الموضوع مباشرة. # قال: «إنني أحترم أباك كثيرا، فماذا بوسعي أن أفعل للابن؟ أرجوك أن تتكلم سريعا، ~~فوقتي ليس ملكا لي.» # قال دارتانيان: «أتيت إلى هنا، يا سيدي، كي أكون في زمرة الفرسان. ولكن بعد كل ما رأيت ~~في هذا الصباح، فإنني أرتجف خشية ألا أكون جديرا بها.» # قال السيد دي تريفي: «حسن، أيها الشاب. إنها في الحقيقة حظوة، ولكنها قد تكون أبعد من ~~آمالك، على عكس ما يبدو لك. وبالطبع، فإن قرار جلالته ضروري دائما، ولكن يجب أن تبرهن ~~أولا على جدارتك في عدة معارك، أو بالخدمة المقبولة لمدة سنتين في كتيبة ما، أقل درجة ~~من كتيبتنا.» # واستطرد قائلا: «ولكن، إكراما لرفيقي السابق، أبيك، سأفعل لك شيئا؛ فإني أعتقد أنك لم ~~تحضر معك نقودا كثيرة.» # استجمع دارتانيان نفسه وتكلم بلهجة الفخور، قائلا في وضوح: «إنني لم آت لأطلب ~~صدقة من أي إنسان.» # قال السيد دي تريفي: «هذا كله حسن جدا، يا عزيزي الشاب! هذا كله حسن. أعرف شيمة أولئك ~~الغسقونيين، فأنا نفسي جئت إلى باريس وفي كيس نقودي أربعة كراونات ليس غير. وكنت على ~~استعداد لمواجهة أي شخص يتجاسر على أن يقول إنني لست في موقف يمكنني من شراء متحف ~~اللوفر!» # وأضاف قائلا: «يجب ms16 أن تحافظ على ما معك من نقود مهما يكن المبلغ الذي بحوزتك ضخما. ~~وسأكتب خطابا لمدير الأكاديمية الملكية، وسيقبلك غدا دون أية نفقات أو أعباء. لا ترفض ~~هذه الخدمة البسيطة؛ فأحيانا يطلبها رجال نبلاء المولد، كما يطلبها أغنى الرجال دون ~~استطاعتهم الحصول عليها! ستتعلم ركوب الخيل، واستخدام السيف، وكيف تسلك وسط المجتمع، ~~وستتخذ أصدقاء تحتاج إليهم وترغب فيهم. ويمكنك أن تأتي لزيارتي بين الفينة والفينة، ~~لتخبرني كيف تسير، ولتعلمني ما إذا كان بوسعي أن أكون ذا فائدة لك.» # قال دارتانيان: «يؤسفني، يا سيدي، أن أقول كم يحزنني ضياع خطاب التوصية الذي أعطانيه أبي ~~لأقدمه لك.» # قال السيد دي تريفي: «يدهشني كثيرا أنك تتكبد مثل هذه الرحلة الطويلة بدون مثل ذلك ~~الخطاب الضروري لنا، نحن الغسقونيين المساكين.» ~~«كان معي، يا سيدي، ولكنه سرق مني.» # وحكى دارتانيان بعد ذلك ما حدث له في ميونغ، ووصف الرجل المجهول بدقة وصدق أمتعا السيد ~~دي تريفي. # قال السيد دي تريفي بعد تفكير عميق: «هذا كله غريب جدا. أقلت إنك ذكرت ~~اسمي؟» ~~«أجل، يا سيدي، يقينا اقترفت ذلك الخطأ، ولكن لم لا أفعل ذلك؟ فاسم مثل اسمك حماية ~~لي في طريقي.» # قال السيد دي تريفي: «أخبرني، هل بوجنة ذلك الرجل أثر لجرح صغير؟» ~~«أجل.» ~~«وهل هو قبيح الطلعة؟» ~~«أجل.» ~~«وفارع الطول؟» ~~«نعم.» ~~«ذو بشرة باهتة، وشعر بني اللون؟» ~~«نعم، نعم، هو ذاك. كيف عرفت ذلك الرجل، يا سيدي؟ أقسم إن عثرت عليه مرة أخرى، ~~وسأعثر عليه، أن ...» # قاطعه السيد دي تريفي بقوله: «هل كان ينتظر سيدة؟» ~~«أجل، وانصرف مباشرة بعد أن تحدث معها.» ~~«أتعرف موضوع حديثهما؟» ~~«أعطاها صندوقا وأخبرها بأنه يحتوي على التعليمات، وأنها يجب ألا تفتحه حتى تصل إلى ~~إنجلترا.» ~~«هل كانت سيدة إنجليزية؟» ~~«كان يخاطبها بقوله ميلادي.» # ردد السيد دي تريفي: «إنه هو، لا بد أنه هو. ظننته في بلجيكا.» # صاح دارتانيان قائلا: «أي سيدي، إن كنت تعرف من هو ذلك الرجل فأخبرني؛ إذ إن ما أريده، ~~قبل كل شيء، هو أن أعاقبه.» # قال ms17 السيد دي تريفي: «احذر، أيها الشاب! وإن رأيته قادما على أحد جوانب الطريق، فاذهب ~~إلى الجانب الآخر. لا تلق بنفسك على مثل هذه الصخرة الوعرة!» # عقب دارتانيان بقوله: «لن توقفني فكرة قوته إن عثرت عليه.» # قال السيد دي تريفي بلهجة صارمة: «في هذا الوقت، خذ بنصيحتي ولا تبحث عنه. والآن، أيها ~~الشاب، لا أستطيع في هذه اللحظة أن أفعل لك إلا ما قدمته لك الآن. سيكون مكتبي مفتوحا ~~لك. ويسعدني أن تطلبني في أي وقت، واعمل على أن تنتهز جميع الفرص، فربما تحصل على ~~بغيتك.» # قال دارتانيان: «هذا يعني أنك ستنتظر حتى أبرهن على جدارتي.» ثم انحنى لكي ينصرف، ~~فاستوقفه السيد دي تريفي قائلا: «انتظر دقيقة. لقد وعدتك بخطاب لمدير الأكاديمية ~~الملكية، فهل ستقبله أم ستتعالى عليه؟» # قال: «لا، يا سيدي، وأعدك بألا يسرق مني مثلما سرق الآخر.» # ابتسم السيد دي تريفي لهذا التباهي، وتركه عند النافذة حيث كانا يتحدثان، وجلس إلى ~~مكتبه ليكتب خطاب التوصية، على حين أخذ دارتانيان ينظر من النافذة إلى الفرسان وهم يذهبون ~~ويجيئون في الشارع. # نهض السيد دي تريفي بعد أن كتب الخطاب وختمه، وتقدم إلى الشاب ليعطيه إياه، ولكن في ~~تلك اللحظة التي مد دارتانيان فيها يده ليتسلم الخطاب، فوجئ السيد دي تريفي بدارتانيان ~~يقفز فجأة، وقد استشاط غضبا، ويندفع خارجا من الغرفة، وهو يصيح بقوله: «لن يفلت مني في ~~هذه المرة!» # سأله السيد دي تريفي: «من هو؟» # فصاح دارتانيان: «إنه سارقي. يا له من وغد!» # الفصل الثامن # | كتف آثوس وحمالة بورثوس # اندفع دارتانيان في حالة هياج شديدة نحو السلم، محاولا أن يهبط أربع درجات في كل ~~مرة. ولسوء حظه اصطدم - في عجلته - بأحد الفرسان وهو يغادر إحدى حجرات السيد دي تريفي ~~الخاصة، وصدمه صدمة عنيفة في كتفه، جعلته يطلق صرخة عالية. # قال دارتانيان معتذرا، وهو يحاول الاستمرار في طريقه: «عفوا! عفوا! ولكني ~~متعجل.» # وما كاد يهبط أولى درجات السلم، حتى أمسكت بحزامه يد حديدية وأوقفته. # قال الفارس وهو يكاد يتميز غيظا: «إذن، فأنت ms18 في عجلة من أمرك! أتقول عفوا، وتعتقد أن ~~هذا يكفي؟ لا، أيها الشاب! أتتصور، لأنك سمعت اليوم السيد دي تريفي يكلمنا بخشونة، أن ~~يعاملنا الآخرون مثلما يعاملنا هو؟ لا تجر نفسك إلى الغلط فلست أنت السيد دي ~~تريفي!» # أجاب دارتانيان، وقد عرف أنه آثوس، الذي ضمد الطبيب جراحه منذ لحظة: «بشرفي ... بشرفي ... ~~لم أفعل هذا عمدا. ولكوني لم أفعله عمدا، قلت عفوا. ويبدو لي أن هذا كاف جدا. ارفع ~~يدك عن حزامي، ودعني أذهب إلى حيث يناديني عملي.» # قال آثوس وقد ترك الحزام: «أنت لست مؤدبا، يا سيدي! ومن السهل أن ندرك أنك قادم من ~~الريف، وتفتقر إلى أخلاق المدينة الحميدة.» # كان دارتانيان قد هبط ثلاث درجات أو أربعة، غير أنه توقف حين سمع ملاحظة آثوس، وقال: ~~«يا لرحمة السماء! مهما أكن قد أتيت من بعيد، فلست أنت بالذي يلقنني درسا في ~~الأخلاق الحميدة! ولذا فإني أحذرك!» # قال آثوس: «ربما!» # قال دارتانيان: «آه لو لم أكن متعجلا، ولو لم أكن أتعقب شخصا.» ~~«أيها المتعجل، يمكنك أن تجدني دون أن تجري ورائي! أفهمت؟» ~~«وأين؟» ~~«خلف قصر لوكسمبورغ.» ~~«في أي وقت؟» ~~«ظهرا.» ~~«هذا يكفي، سأكون هناك.» ~~«حاول ألا تجعلني أنتظر؛ لأنه في الساعة الثانية عشرة والربع، سأقطع أذنيك وأنت ~~تجري!» # صاح دارتانيان بقوله: «سأكون هناك.» واندفع إلى أسفل السلم، آملا في أن يجد الرجل ~~المجهول، الذي لا تستطيع خطواته البطيئة أن تبتعد به. # ومن سوء حظ الشاب المتعجل أنه تصادف أن كان بورثوس يتحدث إلى جندي الحراسة الواقف عند ~~مدخل الشارع. وكانت بينهما مسافة تسمح بمرور شخص، وبطبيعة الحال، لم يتردد دارتانيان في ~~أن يمر مندفعا بينهما. ولما هم بأن يفعل، أطارت قوة اندفاعه معطف بورثوس الطويل ~~المصنوع من القطيفة. وبدلا من أن يكون دارتانيان حرا طليقا في الشارع، وجد نفسه مشتبكا ~~في أطواء المعطف الطويلة. وكان بورثوس ممسكا به بشدة، وجذبه نحوه جذبة قوية، فكانت ~~نتيجة هذه الجذبة المفاجئة، أن أدارت دارتانيان وطوته أكثر داخل المعطف. # وطفق بورثوس يسبه غاضبا، ورغم ms19 ذلك، فما برح يقبض بقوة على المعطف، على حين ~~يحاول الشاب الغسقوني الغاضب مثله، والمشتبك في الأطواء، تخليص نفسه. # تذكر دارتانيان حمالة السيف الجميلة، وكان يتوق بنوع خاص إلى عدم إتلاف بريق الذهب ~~المتألق، إلا أن مفاجأة كانت في انتظاره؛ فعندما فتح عينيه وجد نفسه ينظر إلى نقطة بين ~~كتفي بورثوس الضخمتين؛ أي إلى الحمالة ، على مسافة سنتيمترات من أنفه، فوجد ~~عجبا. # يا للهول! إن الحمالة التي تتألق بالذهب من الأمام، لم تكن سوى جلد بسيط من الخلف. لم ~~يستطع بورثوس ذو المجد الزائف، أن يشتري حمالة سيف مطرزة كلها بالذهب، فحصل على ~~حمالة مطرز نصفها من الأمام ليظهره للعالم المعجب. وهكذا انكشفت حقيقة الاعتذار ~~بالبرد، مع الحاجة المزعومة إلى المعطف. # وإذ كان بورثوس في حالة غضب عارم، قام بحركة ليندفع خلف دارتانيان، الذي كان يعدو ~~بسرعة. # صاح الأخير، قائلا: «حالا، حالا عندما لا تكون مرتديا معطفك!» ~~«إذن، فموعدنا الساعة الواحدة خلف قصر لوكسمبورغ.» # صاح دارتانيان وهو يدور عند ناصية الشارع: «حسن جدا، في الساعة الواحدة.» # رغم ذلك لم يتمكن دارتانيان من رؤية الرجل المجهول، في أية جهة. وسأل دارتانيان كل ~~مار ولكن دون جدوى. # الفصل التاسع # | منديل أراميس # فكر دارتانيان مليا في أحداث الصباح؛ فقد كانت ساعات عصيبة، وربما يكون قد لحقه ~~الخزي من جراء سلوكه عند السيد دي تريفي، الذي لا بد أن نظرته إليه قد تغيرت. # وعلاوة على ذلك، زج بنفسه في مبارزتين مع رجلين، كل منهما قادر على قتل ثلاثة ~~رجال مثله. لقد ارتبط بمقاتلة اثنين من أقوى الفرسان، اثنين لهما مكانة خاصة عنده، حتى ~~إنه ليقدرهما فوق كل من عداهما من الناس. كانت نظرته غير سعيدة؛ إذ كان على يقين من ~~أن آثوس سيقتله؛ ومن ثم فهو لم يعد يشغل نفسه كثيرا ببورثوس. ورغم هذا، فالأمل هو آخر ~~شيء يخبو في قلب الإنسان؛ لذا لم يفقد دارتانيان بعض الأمل، في أنه سيعيش بعد هاتين ~~المبارزتين، ولو بجراح بالغة. قال لنفسه: «يا صديقي دارتانيان، إن أفلت، ms20 فإني أنصحك ~~بأن يكون الأدب الكامل مسلكك مستقبلا، فلن يصم فعل الخير والأدب المرء، بالضرورة، ~~بالجبن!» # سار وئيدا، وهو على هذه الحال، يفكر جديا في حاله، فرأى أراميس يتحدث في مرح مع ~~ثلاثة رجال من حرس الملك. وكذلك لاحظه أراميس، ولكنه لم ينس أن هذا الشاب، قد سمع السيد ~~دي تريفي يزجره في ذلك الصباح . # امتلأ دارتانيان عزيمة على أن يكون أكثر احتراما للناس، وتأدبا معهم، فتقدم نحو ~~أولئك الرجال بانحناءة شديدة، وابتسامة ودية عريضة، فأحنى أراميس رأسه قليلا، ردا ~~على انحناءته، ولكنه لم يبادله الابتسام. # توقف الأربعة عن الكلام فورا، فأدرك دارتانيان أنهم راغبون عنه. وإذ لم يكن ماهرا في ~~أدب السلوك، قرر في ذهنه أن يتخذ أقل وسائل الاستئذان إحراجا. ولاحظ أن أراميس، قد أوقع، ~~في ذلك الوقت، منديلا، وداس عليه بقدمه، دون أن يتنبه لذلك، فرأى أن الفرصة قد سنحت ~~لإبداء الاعتذار عن تطفله أثناء حديثهم؛ فانحنى وسحب المنديل من تحت قدم ذلك الفارس، رغم ~~جهد هذا الأخير للاحتفاظ به تحت قدمه، ثم قال وهو يقدمه إليه: «أعتقد، يا سيدي، أن هذا ~~منديل لا تود أن تفقده.» # كان المنديل، في الحقيقة، مطرزا بطريقة تدعو إلى الإعجاب، وعلى أحد أركانه الأحرف ~~الأولى لاسم ما؛ فشرق وجه أراميس بشدة، وخطف المنديل من الغسقوني الصغير، بدلا من أن ~~يتناوله منه. # صاح أحد الحرس قائلا: «ألا تزال مصرا على قولك بأنك لست صديقا حميما للسيدة دي ~~بوا-تراسي، وقد أعارتك هذه السيدة الخيرة أحد مناديلها؟» # نظر أراميس شزرا إلى دارتانيان، ولكنه سرعان ما تمالك نفسه، وقال بطريقته المألوفة ~~الهادئة: «أنتم مخطئون، يا سادة. ليس هذا منديلي، ولا أستطيع أن أتصور لماذا فكر هذا ~~الشاب في أن يقدمه لي، بدلا من أن يقدمه لواحد منكم؟ ولكي أثبت لكم صدق كلامي، ~~فها هو منديلي في جيبي.» # وبينما كان يقول هذا، أخرج منديله، وهو أيضا من النسيج الرقيق الفخم، ولكنه بدون تطريز ~~ولا أحرف أولى. # لم يتسرع دارتانيان، في هذه المرة؛ فقال: «الحقيقة أنني لم ms21 أبصر المنديل يقع فعلا من جيب ~~السيد أراميس، بل كانت قدمه فوق المنديل، فظننته منديله.» # قال أراميس ببرود: «ومن الطبيعي أنك مخطئ.» واستدار نحو أحد الحراس، وكان يعتقد أنه ~~صديق السيدة دي بوا-تراسي، واستطرد يقول: «وفضلا عن هذا، يا مونتاران، وحيث إنك أنت ~~أيضا صديق حميم للسيدة دي بوا-تراسي، فقد يكون المنديل قد وقع من جيبك أنت ~~أيضا.» # صاح الفارس قائلا: «كلا، بشرفي!» ~~«أنت تقسم بشرفك، وأنا أقسم بشرفي، إذن فمن الجلي أن أحدنا كاذب. والآن، يا ~~مونتاران، دعنا نصنع أفضل من ذلك. ليأخذ كل واحد منا نصفه.» ~~«نصف المنديل؟» ~~«نعم.» # صاح الحارس الآخر، بقوله: «هذا عدل، إنه حكم سليمان! يقينا، أنت واسع الحكمة، يا ~~أراميس.» # انفجر الرجال ضاحكين، ويبدو أنه بهذا قد انتهت مشكلة المنديل. # بعد لحظة أو اثنتين، تصافح الأربعة، وتفرقوا. ذهب الثلاثة في طريق، وأراميس في طريق ~~آخر. # وقف دارتانيان جانبا أثناء الجزء الأخير من الحديث، فلما رأى أراميس ينصرف دون أي ~~اهتمام به، تقدم إليه قائلا: «معذرة، يا سيدي، آمل ...» # قاطعه أراميس بحدة: «اسمح لي، يا سيدي، بأن أقول لك إنك لم تسلك مسلك رجل حسن ~~التريبة!» # صاح دارتانيان: «ماذا، يا سيد؟ أتظن ...؟» ~~«أظنك لست غبيا؛ فرغم كونك قادما من غسقونيا، فأنت تعرف جيدا، أن الناس لا يدوسون ~~على المناديل، لغير ما سبب.» # قال دارتانيان، الذي سيطرت طبيعته الحادة المحبة للعراك على مشاعره: «لست ~~عادلا، يا سيدي. أنا حقيقة من غسقونيا، وحيث إنك تعرفها، فليس ثمة ما يدعو لأن أذكرك ~~بأن الغسقونيين ليسوا جد صبورين؛ فإن طلبوا المعذرة عن ذنب اقترفوه، فإنهم يكونون قد ~~فعلوا أكثر مما يجب فعله.» # قال أراميس: «أنا لا أسعى إلى العراك، يا سيدي، ولست محبا للضوضاء. أنا فارس فحسب، ~~ولا أقاتل إلا إذا اضطررت إلى القتال. والأمر في هذه المرة خطير؛ إذ يتعرض فيها شرف ~~سيدة من الطبقة الراقية، للخطر.» # صاح دارتانيان: «أتقصد بواسطتنا؟» ~~«لماذا أعدت المنديل إلي بغباء؟» ~~«لماذا أوقعته أنت بغباء؟» ~~«يبدو أنه ينبغي علي أن ألقنك درسا.» ~~«وأنا ms22 سأعيدك إلى دراساتك. امتشق سيفك في الحال.» ~~«ليس هكذا، ليس هنا على الأقل. أود أن أقتلك في زاوية ما، هادئة. سيسرني وجودك ~~في الساعة الثانية بمكتب السيد دي تريفي.» # انحنى الشابان وافترقا؛ فلما رأى دارتانيان أن الساعة تقترب من الثانية عشرة، أسرع إلى ~~خلف قصر لوكسمبورغ. # فكر دارتانيان في نفسه، قائلا: «يقينا ، لا يمكن التراجع الآن. ولكني إذا قتلت، ~~فعلى الأقل يكون الذي قتلني فارسا.» # الفصل العاشر # | الساعة الثانية عشرة خلف قصر لوكسمبورغ # ذهب دارتانيان إلى حيث موعده مع آثوس، لا يرافقه أي صديق؛ إذ لم يكن يعرف أحدا في ~~باريس. # لم يكن هذا الغسقوني الصغير، كما سنعرف الآن، رجلا عاديا؛ فعلى حين كان يؤكد لنفسه ~~أنه مقتول لا محالة، لم يفكر قط في أن يموت هادئا مثلما يفعل أي شخص أقل جرأة. وهنا ~~تذكر نصيحة والده التي تقول: «لا تتقبل النقد من أي شخص دون الملك والكاردينال.» ~~فهرول، بدلا من أن يسير، نحو قصر لوكسمبورغ. # حين وصل على مرأى من مكان اللقاء، كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة، وكان آثوس ينتظر ~~هناك منذ خمس دقائق، جالسا فوق جذع شجرة متداعية؛ إذ كان لا يزال متأثرا بجرحه. ~~ولما أبصر دارتانيان، نهض وسار في أدب بضع خطوات ليقابله، فخلع دارتانيان قبعته ~~وانحنى له. # قال آثوس: «لقد ارتبطت، يا سيدي، مع اثنين من أصدقائي ليكونا في صحبتي، ولكنهما، على ~~نقيض عادتهما، ولدهشتي العظمى، لم يحضرا بعد!» # قال دارتانيان: «أما من ناحيتي، فليس في صحبتي أحد؛ إذ لا أعرف أحدا في باريس، حتى الآن، ~~ما خلا السيد دي تريفي، الذي أوصاه بي أبي.» # قال آثوس: «أرجو - بعد إذنك - أن ننتظر هذين السيدين؛ فلدينا متسع من الوقت، وسيكون ~~الأمر أنفذ. ها هو أحدهما، على ما أعتقد.» # الواقع أن جسم بورثوس العملاق ظهر من بعيد. # صاح دارتانيان قائلا: «ماذا؟ هل صديقك الأول هو السيد بورثوس؟» ~~«أجل. هل يقلقك هذا؟» ~~«لا، إطلاقا.» ~~«وها هو ذا الآخر.» واستدار دارتانيان نحو الجهة التي أشار إليها آثوس، فأبصر ~~أراميس. ms23 # صاح في دهشة أكبر: «ماذا؟ وهل صديقك الثاني هو السيد أراميس؟» ~~«بالتأكيد! فإننا لا نرى أبدا، واحدا بغير الآخرين. ألا تعلم أننا معروفون بين ~~الفرسان باسم الثلاثة الذين لا ينفصلون، ولدى الحرس وفي البلاط، وفي المدينة؟» # أجاب دارتانيان بقوله: «بشرفي هذا اسم طيب!» # في تلك الأثناء، كان بورثوس قد وصل إليهما، فلوح له آثوس بيده، ثم استدار نحو دارتانيان ~~وهو دهش تماما؛ لقد غير بورثوس حمالة سيفه الفخمة، وترك معطفه الجميل في ~~البيت. # قال بورثوس: «رباه! ما معنى هذا؟» # قال آثوس: «هذا هو السيد الذي سأتقاتل معه.» # قال بورثوس: «وأنا أيضا، سأتقاتل معه.» # قال دارتانيان: «ولكن ليس قبل الساعة الواحدة.» # قال أراميس، الذي كان قد وصل لتوه إلى الجماعة: «وأنا أيضا، سأقاتل هذا ~~الرجل.» # قال دارتانيان، بنفس الهدوء: «ولكن ليس قبل الساعة الثانية.» # قال أراميس: «علي أي شيء ستتقاتلان، يا آثوس؟» ~~«بشرفي، لا أعرف تماما! ربما آلمني في كتفي. وأنت، يا بورثوس؟» # قال، وقد شرق وجهه: «سأقاتل لأنني لا بد أن أقاتل!» # لاحظ آثوس، الذي لا تشرد عنه شاردة، ابتسامة بسيطة على وجه الغسقوني الشاب الذي أجاب ~~بدلا منه بقوله: «حدثت بيننا مشادة عن الزي.» ~~«وأنت، يا أراميس؟» # أجاب أراميس، وهو يغمز بعينه لدارتانيان كي يحتفظ بسبب مبارزتهما سرا: «اختلفنا في ~~موضوع ديني.» # قال دارتانيان: «بما أنكم جميعا هنا، يا سادة، فاسمحوا لي بأن أقدم لكم خالص ~~اعتذاراتي!» عند سماع كلمة «اعتذاراتي» قطب آثوس جبينه، وظهرت ابتسامة ازدراء على وجه ~~بورثوس، وأبدى أراميس عدم رضاه صراحة. # قال دارتانيان وهو يرفع رأسه في خيلاء: «إنكم لا تفهمونني! فإني أطلب الاعتذار في ~~حالة عدم إمكاني مقاتلتكم، أنتم الثلاثة معا.» # وإذ قال دارتانيان ذلك بأشجع لهجة ممكنة، استل سيفه. # قال آثوس وهو يستل سيفه: «حار اليوم، ورغم ذلك، لا أستطيع أن أخلع صداري. لقد شعرت ~~الآن بجرحي ينزف مرة ثانية، ولا أريد مضايقة هذا الرجل بمنظر الدم الذي لم يكن هو السبب ~~فيه.» # قال دارتانيان: «إذن، فسأقاتل، أنا أيضا، وأنا مرتد صداري.» # صاح ms24 بورثوس قائلا: «هيا، هيا، كفى شكاوى، وتذكرا - من فضلكما - أننا ننتظر ~~دورينا.» # قاطعه أراميس بقوله: «تكلم عن نفسك. أعتقد أن ما قالاه جد صحيح، ويليق ~~بسيدين.» # ما كاد السيفان يلتقيان معا، حتى ظهرت جماعة من حرس الكاردينال تحت إمرة السيد دي ~~جوساك، عند ناصية القصر. # صاح أراميس وبورثوس، في اللحظة نفسها قائلين : «حرس الكاردينال! أغمدا سيفيكما.» # الفصل الحادي عشر # | دارتانيان يتخذ قرارا سريعا # فات أوان أن يغمد كل من آثوس ودارتانيان سيفيهما؛ فقد شوهدا، وبدا واضحا ما كانا ~~ينتويان. # صاح جوساك وهو يتقدم مع رجاله بقوله: «مرحى! أراكما تتبارزان. يبدو أنكما نسيتما ~~القانون.» # قال آثوس، وهو في ثورة غضبه، لكون جوساك أحد الحراس الذين قاموا بالهجوم الغادر على ~~الفرسان في اليوم السابق: «لست متمسكا تماما بالقانون؛ فلو رأيتك تقاتل، فلن أبذل أي ~~جهد في أن أتدخل. اتركنا وشأننا، وأنت وشأنك!» # قال جوساك، وهو مملوء ثقة بالنفس: «لن أسمح بكسر القانون، يا سادة، حتى ولو كان الذين ~~يكسرونه هم الفرسان. أغمدا سيفيكما، واتبعاني.» # لم يتحرك الفرسان. # وتمتم آثوس بقوله: «إنهم خمسة، ونحن ثلاثة فقط، وسيتغلبون علينا مرة ثانية. أما عن ~~نفسي، وإن حدث هذا، فلن أجرؤ على الظهور مرة أخرى، أمام قائدنا.» # اقترب آثوس وبورثوس وأراميس، كل من الآخر، وجعل جوساك رجاله مصطفين في وضع استعداد، ~~للهجوم عند الضرورة. # قرر دارتانيان قراره على الفور. كان هذا أحد الأحداث التي تقرر حياة المرء. كان ~~الأمر بالنسبة له اختيارا بين الملك والكاردينال، فاستدار نحو آثوس وصديقيه وقال: ~~«أرجوكم، أيها السادة، أن تسمحوا لي بأن أضيف شيئا إلى كلامكم. لقد قلتم إنكم ثلاثة، ولكن ~~يبدو لي أننا أربعة.» # قال بورثوس: «ولكنك لست واحدا منا.» # رد دارتانيان، وهو ينحني بشدة: «أنا، في قرارة نفسي، فارس. قد لا أحصل على حلة ~~الفارس الرسمية، ولكن لي روح الفارس.» # صاح جوساك، وقد خمن قصد دارتانيان من إيماءاته، والملامح المعبرة البادئة في وجهه، ~~قائلا: «انسحب، أيها الشاب. انسحب في الحال. إننا نسمح لك بالانسحاب. انج بحياتك، ~~وانصرف سريعا.» # غير ms25 أن دارتانيان لم يتحرك. # واستطرد آثوس قائلا: «يجب علينا أن نكون ثلاثة فقط أحدهم جريح، مع إضافة غلام. ورغم ~~ذلك، فسيقال إننا كنا أربعة رجال.» # أدرك دارتانيان شكوكهم فيه، فقال: «جربوني، يا سادة، وسأثبت لكم أنني لن أبرح هذا ~~المكان مهزوما.» # سأله آثوس بإعجاب: «يا لك من شجاع! ما اسمك؟» ~~«دارتانيان، يا سيدي.» # صاح آثوس قائلا: «حسن، يا بورثوس، ويا أراميس، ويا دارتانيان، فلنصمد.» # صاح جوساك غاضبا: «هيا، يا سادة، هل قررتم ما ستفعلون؟» # أجاب أراميس رافعا قبعته بإحدى يديه، ومشهرا سيفه بالأخرى: «أجل، نحن موشكون ~~على أن يكون لنا شرف مواجهتكم.» # صاح جوساك: «هكذا! إذن فأنتم مصممون؛ أليس كذلك؟» # انقض الحراس الخمسة بوحشية على الفرسان الثلاثة، ومعهم دارتانيان. # لم يستغرق القتال إلا وقتا قصيرا، فكان سريعا وضاريا، إلا أنه سرعان ما اكتشف ~~دارتانيان أنه ند لأي من الحراس. ولم يمض وقت طويل، حتى قتل أحد الحراس، ~~وجرح ثلاثة آخرون بجروح بالغة، فلم يستطيعوا مواصلة القتال. فلما رأى الحارس الباقي ~~نفسه وحيدا أمام أربعة فرسان، كسر سيفه على ركبته ليتحاشى الاستسلام. # تحترم الشجاعة دائما في أي مكان، حتى لدى العدو نفسه، فحيا الفرسان الحارس ~~الباقي بسيوفهم، وأعادوها إلى أغمادها، وحذا دارتانيان حذوهم. وبعد ذلك، بمساعدة ذلك ~~الحارس، نقلوا الجرحى إلى باب القصر، ودقوا الجرس. # انصرف الأربعة الظافرون مشهرين سيوفهم، مبتهجين ميممين شطر مقر السيد دي تريفي. ~~وكانوا يغنون وهم يسيرون، وقد تأبط كل منهم ذراع الآخر، شاغلين الشارع كله. وانضم ~~إليهم كل فارس التقوه، حتى كونوا في النهاية مسيرة انتصار. وامتلأ دارتانيان فرحا وهو ~~يسير فخورا بين آثوس وبورثوس. # أنب السيد دي تريفي الفرسان الثلاثة علنا، ورغم ذلك فقد هنأهم فيما بينه وبينهم، ~~على انتقامهم السريع الحاسم من حرس الكاردينال. # ونتيجة لمسلك دارتانيان، الذي لا يهاب شيئا، ألحق على الفور بجماعة من حرس ~~الملك، للتدريب تحت إمرة السيد ديسار. وهكذا، في ظروف أكثر ملاءمة مما كان بوسع ذلك ~~الغسقوني الشاب أن يتصور، وجد نفسه في طريقه لأن يصبح فارسا. وعلاوة ms26 على ذلك، رحب ~~به رفيقا للثلاثة الذين لا ينفصلون؛ آثوس وبورثوس وأراميس، وصار يقضي معهم جل ~~وقته. # الفصل الثاني عشر # | ميلادي # بعد ذلك بنحو شهرين، تصادف أن كان دارتانيان يسير متباطئا في أحد شوارع باريس، فإذا ~~بسيدة تجذب انتباهه، وهي تهبط درجات سلم منزل. لم تكن صغيرة السن وبارعة الجمال ~~فحسب، بل كان من الواضح أنها سيدة من طبقة راقية؛ إذ كانت تسير خلفها خادمتان. وبينما ~~هي تستدير لتصدر أمرا لإحداهما، قفز قلب دارتانيان؛ إذ عرف أنها سيدة ميونغ، السيدة ~~التي خاطبها الرجل ذو الندب بقوله: «ميلادي.» # لحسن حظ دارتانيان أن تلك السيدة لم تتعرف عليه؛ ومن ثم فقد أمكنه أن يقتفي أثرها ~~دون أن ينتبه إليه. ركبت عربتها عند قارعة الطريق تماما، وسمعها تأمر سائقها بأن ~~يسير في الطريق المؤدي إلى سان جيرمان، وهي ضاحية جميلة خارج باريس. # لم يكن اهتمام دارتانيان الشديد بميلادي؛ بسبب جمالها الفاتن، الذي جذبه يقينا، وإنما ~~لأنه تأكد من أنها إحدى جواسيس الكاردينال، وتاق إلى اكتشاف اللغز المحيط بها. أضف إلى ~~ذلك، أنها تحدثت إلى عدوه، الرجل ذي الندب؛ وبناء عليه، فلا بد أنها تعرفه. فإذا ما ~~تتبعها، فقد تقوده إلى ذلك الرجل، وبطريقة ما، أو بغيرها، يمكنه أن يكتشف شيئا ~~عنه. # وإذ كان من العبث أن يتبع العربة على قدميه، فقد أسرع إلى إسطبل خيول الحرس، وانتقى ~~حصانا. وسرعان ما كان في طريقه هو أيضا، إلى سان جيرمان. # لم يستغرق بحثه عن آثار العربة طويلا؛ إذ رآها تجرها الخيول في شارع جانبي هادئ، ~~ويسير إلى جانبها رجل فخم الملبس، على صهوة جواده. # شغل الرجل مع ميلادي في حديث هام، فاقترب دارتانيان من الجانب الآخر للعربة، دون أن ~~يلحظه أحد سوى خادمة تلك السيدة الحسناء، الجالسة قبالة سيدتها. # كانا يتكلمان بالإنجليزية، وهي لغة لا يتقنها دارتانيان كثيرا، ولكنه استطاع أن ~~يدرك أن السيدة الإنجليزية النبيلة المرأى، كانت في قمة سورتها. وفجأة توقفت عن ~~الكلام، وضربت الرجل بمروحتها، بقوة جعلت المروحة تتناثر في الهواء قطعا ms27 ~~صغيرة. # ضحك الرجل، على حين جلست ميلادي، تلوي منديلها بعنف وتمزقه في ثورة عارمة. # بدا لدارتانيان، أن هذه اللحظة مناسبة، لكي يتدخل؛ فخلع قبعته وانحنى للسيدة قائلا: ~~«هل تسمحين لي، يا سيدتي، بأن أقدم لك خدماتي؟ يبدو لي أن هذا السيد يضايقك. ما عليك ~~سوى أن تأمري، يا سيدتي، فأعاقبه على سوء خلقه!» # حين سمعت ميلادي هذه الكلمات، استدارت بدهشة، ونظرت إلى هذا الشاب، ثم أجابت في هدوء ~~بالفرنسية: «لا شك، يا سيدي، في أنني أضع نفسي في حمايتك، لو لم يكن الشخص الذي أتعارك ~~معه، هو أخي!» # قال دارتانيان: «رباه! آمل في أن تصفحي عني، يا سيدتي؛ إذ لم أكن أعرف هذا.» # سأل الرجل وهو ينحني نحو نافذة العربة، قائلا: «ماذا يريد هذا الغبي؟ ولم لا يذهب ~~وشأنه؟» # صاح دارتانيان، وهو ينحني أيضا، ويجيب من جانبه خلال نافذة العربة: «الغبي هو أنت! ~~وأنا لن أذهب لأنه يسرني أن أقف هنا.» # عند ذلك تحدث الراكب مع أخته ببضع كلمات بالإنجليزية. # فقال دارتانيان: «تحدثت إليك بالفرنسية، فلم لا ترد علي باللغة نفسها؟ قد تكون ~~شقيق هذه السيدة، ولكن لحسن الحظ أنك لست شقيقي!» # من المؤكد أن يظن الإنسان أن ميلادي ستجبن، مثل عموم النساء، فتحاول إيقاف ذلك ~~العراك. ولكنها، على العكس، جلست في مقعدها بالعربة، وأمرت سائقها في هدوء، بأن يعود ~~أدراجه إلى باريس. # من الجلي أن خادمة هذه السيدة الجميلة قد تأثرت بمظهر دارتانيان الحسن؛ إذ ظلت ~~عيناها مشدودتين إليه، وبدا على وجهها القلق، حين سارت العربة تاركة الرجلين، يواجه ~~كل منهما الآخر. # قام شقيق ميلادي بحركة، وكأنه سيتبع العربة، إلا أن دارتانيان استوقفه قائلا: «يبدو ~~لي، يا سيدي، أنك أغبى مني؛ إذ سرعان ما نسيت أن ثمة عراكا بسيطا بيننا يجب ~~تسويته!» # قال الرجل الإنجليزي: «أترغب في نزال رجل أعزل؟ يمكنك أن ترى بوضوح أن ليس معي ~~سيف.» ~~«عسى أن يكون لديك سيف في البيت، فإن لم يكن، فمعي اثنان، أعيرك واحدا ~~منهما.» # قال الرجل الإنجليزي: «هذا ليس ضروريا. ms28 أنا مزود بأمثال هذه اللعب!» # قال دارتانيان: «حسن جدا، يا سيدي، هات أطول سيف عندك، وتعال أرنيه هذا ~~المساء.» ~~«أين؟» ~~«خلف قصر لوكسمبورغ. هناك ساحة هائلة للألعاب، بجانب القصر. وهناك سألقنك كيف ~~تلعب!» ~~«عظيم! سأكون بانتظارك.» ~~«في أي وقت؟» ~~«في الساعة السادسة. ولتصطحب معك - بهذه المناسبة - صديقا أو اثنين.» ~~«لدي ثلاثة، سيكون مدعاة لسرورهم أن ينضموا إلى هذه اللعبة معي.» ~~«ثلاثة؟ هذا رائع! فعدد أصدقائي كذلك ثلاثة. بهذه المناسبة خبرني من تكون؟» ~~«أنا السيد دارتانيان، رجل غسقوني، أعمل في حرس الملك. ومن أنت؟» ~~«أنا اللورد وينتر، بارون شفيلد.» # قال دارتانيان: «حسن جدا. إذن، فموعدنا الساعة السادسة هذا المساء.» وأدار حصانه، ~~وانطلق عائدا به إلى باريس. # وكالمعتاد في مثل هذه الحالات، ذهب دارتانيان مباشرة إلى منزل آثوس، وحكى له كل ما ~~حدث. # انطلق الاثنان من فورهما، إلى بورثوس وأراميس، فلما قدما أخبراهما بالموعد ~~المتفق عليه في المساء خلف قصر لوكسمبورغ. # استل بورثوس حسامه، ولوح به في الهواء مزهوا بما سيفعله بخصمه. # ذهب أراميس إلى حجرة أخرى، في هدوء، ليكمل قصيدة كان ينظمها، وطلب منهم ألا يزعجوه ~~إلى أن يحين وقت المبارزة. # أشار آثوس إلى خادمه جريمو ليحضر له زجاجة أخرى من العصير. # شغل دارتانيان نفسه بالتفكير في تفاصيل خطة - سوف نقرأ المزيد عنها فيما بعد - تهيئ ~~له مغامرة مقبولة، كما يستنتج من الابتسامات التي تبدو في وجهه بين آونة وأخرى. # الفصل الثالث عشر # | آثوس يحافظ على كلمته ودارتانيان ينجح في خطته # قبيل الساعة السادسة، ركب دارتانيان وأصدقاؤه الثلاثة جيادهم، يتبعهم خدمهم الأربعة، ~~وساروا نحو الساحة الهادئة الواقعة وراء قصر لوكسمبورغ. وأصدروا أوامرهم إلى خدمهم بأن ~~يرصدوا ما يقع من أحداث. وبعد بضع دقائق، جاءت عربة إلى المدخل، فنزل منها لورد وينتر ~~وثلاثة رجال، وساروا في صمت نحو دارتانيان والفرسان الثلاثة. وتبعا للتقاليد، تم ~~التعارف. وكان جميع رفقاء اللورد وينتر من ذوي المكانة، ومن الطبيعي أن كانت الأسماء غير ~~العادية لخصومهم موضع مفاجأة وقلق. # قال لورد وينتر: «لم نعرف، حتى الآن، من ms29 أنتم؛ فنحن لا نقاتل أناسا لهم هذه الأسماء. ~~إنها ليست أسماء أشخاص.» # قال آثوس: «إنها أسماء حركية، كما قد يتبادر إلى ذهنك.» # وكانت هذه هي الحقيقة؛ إذ لم يعرف أحد أسماءهم الحقيقية، ولا حتى هم أنفسهم لم يعرف ~~أحدهم اسم الآخر، فيما عدا السيد دي تريفي. # رد اللورد بقوله: «يولد هذا فينا رغبة أكثر في أن نعرف الأسماء الحقيقية. يقامر ~~المرء أو يلعب الورق مع أي إنسان، ولكنه لا يبارز إلا من يكون ندا له.» # قال آثوس: «وهو كذلك.» وانتحى جانبا بمن سيقاتله، وأخبره باسمه، همسا. وفعل بورثوس ~~وأراميس الشيء نفسه. # قال آثوس لخصمه: «أيرضيك هذا؟ أتجد رتبتي كافية لأكون في شرف مبارزتك ~~بالسيف؟» # رد الرجل بانحناءة وهو يقول: «أجل.» # واستطرد آثوس يقول ببرود: «حسن! دعني أخبرك الآن بشيء آخر؛ كان من الحكمة ألا تصر ~~على معرفة اسمي. إن الناس يعتقدون أنني ميت، ولدي من الأسباب ما يجعلني راغبا في ~~الحفاظ على هذا السر؛ ولذلك سأضطر إلى قتلك حفاظا على سري!» وحملق إليه خصمه ~~معتقدا أنه يمزح، ولكنه لم يكن بمازح؛ فهو لم يعرف المزاح قط. # قال آثوس، بعد لحظة، يخاطب زملاءه وخصومهم: «أيها السادة، هل نحن جميعا مستعدون؟» وجاء ~~الرد منهم جميعا، وفي صوت واحد: «نعم!» # صاح آثوس: «إذن، فخذوا حذركم.» # وفي الحال، تألقت نصال ثمانية سيوف في أشعة الشمس. # بارز آثوس في هدوء وبطريقة مدروسة، وكأنه يتدرب في مدرسة للمبارزة بسيوف الشيش. أما ~~بورثوس، فربما كان أقل مجهودا من المعتاد، قاتل بمهارة ولكن بحذر. وأما أراميس، الذي ~~كان لا بد له من أن يكمل نظم قطعة شعرية ثالثة لقصيدته، فكان من الجلي أنه متعجل. ~~ورغم ذلك، كان آثوس أول من هزم خصمه بضربة سيف في قلبه فأرداه قتيلا. لقد حافظ على ~~كلمته! ورقد خصم بورثوس بعده ممددا فوق الأعشاب مجروحا في فخذه، فحمله بورثوس ~~بذراعيه ونقله إلى العربة المنتظرة. وهاجم أراميس خصمه بوحشية حتى إنه سرعان ما ~~استسلم. أما دارتانيان فقاتل ملتزما الدفاع في بساطة، حتى أبصر لورد ms30 وينتر وقد أنهكه ~~التعب، فأدار نصل حسامه دورة فجائية أطارت الحسام من يده، فحاول اللورد استعادة سيفه، ~~غير أن قدمه زلت، فوقع على ظهره. # وفي لحظة كان دارتانيان واقفا فوقه، يشير بسيفه إلى رقبته. وبقي لورد وينتر تحت رحمة ~~دارتانيان. وهكذا حقق هذا الأخير الجزء الأول من خطته، التي كان يفكر فيها ~~آنفا. # قال دارتانيان: «بوسعي الإجهاز عليك، ولكني سأبقي على حياتك إكراما لأختك.» # نهض لورد وينتر ببطء منتصبا على قدميه، ثم انحنى اعترافا بفضل دارتانيان، واستدار إلى ~~الفرسان الثلاثة، فأثنى على مهارتهم. # قال لورد وينتر لدارتانيان: «أي صديقي الشاب، إن سمحت لي بأن أناديك بهذا، أود أن ~~تقابل أختي، ليدي وينتر، كي تضيف شكرها إلى شكري.» # أشرق وجه دارتانيان سرورا، وأبدى موافقته بانحناءة شديدة. # وقبل أن ينصرف اللورد وينتر، أعطى دارتانيان عنوان أخته - رقم 6، الميدان الملكي - وهو ~~يقع في منطقة جد راقية. ووعده بأن يذهب إليه في ذلك المساء لكي يصحبه إلى هناك، ~~فحدد له دارتانيان الساعة الثامنة في بيت آثوس. # أسرع دارتانيان إلى بيته مباشرة، فاستبدل ملابسه وارتدى أفضل حلة، وأسرع إلى آثوس ~~فأخبره بخططه فيما يختص بميلادي. # أصغى إليه آثوس مليا، ثم هز رأسه ببطء، ناصحا إياه بأن يحتاط جيدا. ولم يتنبه ~~دارتانيان لنغمة الحزن الذي شابت صوته. # قال دارتانيان: «أنا لم أقع في غرام ميلادي، وإنما هدفي الوحيد، هو أن أكتشف بالضبط، ~~الدور الذي تقوم به في البلاط.» ~~«يا لرحمة السماء! ليس هذا صعب التخمين، بعد الذي أخبرتني به. لا شك في أنها والرجل ذا ~~الندب من جواسيس الكاردينال. كن على حذر، وإلا جرتك إلى شرك لن تفلت ~~منه!» ~~«عزيزي آثوس، إنك تنظر دائما إلى الجانب المعتم من الأمور.» ~~«أنا لا أثق بالنساء، ولا سيما الجميلات منهن. كيف لي أن أفكر في غير ذلك! لقد اشتريت ~~خبرتي غاليا. قل لي، هل ميلادي جميلة؟» ~~«إنها من أجمل النساء اللائي وقعت عليهن عيناي!» ~~«آه، يا عزيزي دارتانيان المسكين!» ~~«اسمع، يا آثوس، أنا لا أريد إلا أن أكتشف شيئا ms31 ما، وعندما أكتشفه، فلن تهمني هي بعد ~~ذلك في كثير أو قليل.» # قال آثوس كسيفا: «افعل ما يحلو لك، يا صديقي الصغير، ولكن الزم جانب الحذر.» # الفصل الرابع عشر # | ميلادي تستقبل دارتانيان # بر لورد وينتر بوعده، فذهب إلى دارتانيان في الساعة الثامنة ليصحبه ليقابل أخته ~~ميلادي. # كان بيت ميلادي بالمدينة، أبهى بيت في الحي، ولم يدهش دارتانيان من كونه مؤثثا ~~بأغلى الأثاث. في ذلك الوقت، كان جل الإنجليز يغادرون فرنسا من جراء الحرب المرتقبة ~~بين الإنجليز والفرنسيين. أما ميلادي، فعلى العكس، إذ أعادت طلاء بيتها. وبدا للعيان أنه ~~لم يكن ثمة ما تخافه ببقائها في باريس. لاحظ دارتانيان هذه الحقيقة، فدعمت شكوكه في ~~أن ثمة لغزا يحيط بها. # قال اللورد وينتر لشقيقته: «اسمحي لي بأن أقدم لك رجلا صغير السن، كانت حياتي ~~معلقة بين يديه، ولكنه لم يسئ انتهاز الفرصة؛ إذ أبقى على حياتي، رغم أنني أنا الذي ~~بادرت بإهانته. والآن، ألا بادرت بأن تضيفي شكرك إلى شكري؟» # بعد ذلك استدار اللورد وينتر، ليدق الجرس كي يطلب شرابا؛ ومن ثم، فلم يلاحظ ~~مسحة الامتعاض التي مرت على وجه أخته. ورغم هذا، حين تكلمت لم يبد أي أثر لذلك ~~الامتعاض، في صوتها الرقيق العذب. # قالت: «يسعدني أن أرحب بك، يا سيدي. يبدو لي أنك نلت حقوقا أبدية في اعترافي ~~بجميلك.» # بعد ذلك، روى أخوها القصة بالتفصيل. # أصغت ميلادي بانتباه تام، ولكن اتضح لدارتانيان، أن هذه الحكاية لم تلق عندها القبول. ~~ولاحظ كيف كانت تعقد منديلها وتشده، كما لاحظ أنها كانت تدق الأرض بفردة من حذائها ~~الصغير ذي اللونين الأحمر والفضي، في قلق، فوق البساط اللين. # لم يلاحظ اللورد وينتر شيئا من هذا؛ إذ كان مشغولا بإعداد الشراب عند المائدة الصغيرة، ~~وهو يروي قصته. # ملأ اللورد كأسين، ودعا دارتانيان بإيماءة كي يشاركه الشراب، فاتجه دارتانيان إلى ~~المائدة ليتناول كأسه، مراعيا أن يراقب ميلادي في مرآة كبيرة على الحائط. وحين اعتقدت ~~ميلادي أن لا أحد يراقبها، بدت عليها نظرة مقت هائلة، فطفقت تنهش ms32 منديلها بأسنانها ~~الجميلة. # في تلك اللحظة بالذات، جاءت الخادمة الحسناء بمذكرة للورد، وكلمته بضع كلمات ~~بالإنجليزية. فلما قرأ المذكرة، استأذن في الانصراف؛ إذ كان مطلوبا في موعد ~~هام. # وحين التفت دارتانيان نحو ميلادي، كانت كل آثار الغضب قد اختفت وكأنها بفعل ساحر، وتساءل ~~للحظة ما إذا كانت المرأة قد خدعته أم لا . # بعد انصراف اللورد، غدا الحديث وديا، فعلم دارتانيان أن لورد وينتر لم يكن أخا ميلادي، ~~بل هو شقيق زوجها؛ فقد تزوجت أخا اللورد وينتر الأصغر، وهي الآن أرملته، بعد أن أنجبت ~~منه طفلا واحدا. كان هذا الابن الوارث الوحيد للورد وينتر، شريطة ألا يتزوج هذا ~~اللورد. # أحس دارتانيان، في أثناء الحديث الذي دار بينهما، بأن ميلادي تخفي شيئا ما، ولكن ما ~~هو؟ هذا ما لم يستطع فهمه. أضف إلى ذلك، اقتناعه بأنها من أصل فرنسي وليست إنجليزية. كانت ~~تتكلم الفرنسية بطلاقة ونقاء أزالا كل شك. # في المساء التالي، عاود دارتانيان زيارة ميلادي، فاستقبلته بحفاوة أكثر. وبدا أنها ~~تخصه باهتمام عظيم به وبعمله. رغم ذلك، لم ينس دارتانيان أن يثني على الكاردينال، ~~وقال إنه كان يتمنى الالتحاق بحرس الكاردينال، لو لم يقدم أولا للسيد دي تريفي. # غيرت ميلادي مجرى الحديث بعد ذلك بلباقة، وسألت ببراءة عما إذا كان دارتانيان قد قام ~~بزيارة إنجلترا، في وقت ما. # فكر دارتانيان في نفسه قائلا: «رباه! إنها تعرف زيارتي السرية لإنجلترا، للورد ~~بكنجهام.» # أجاب بصوت بريء براءة صوت ميلادي، بأن السيد دي تريفي أرسله ذات مرة إلى إنجلترا ~~لشراء خيول، فأحضر معه أربعة جياد من نوع أصيل. # وإذ أدركت ميلادي أن دارتانيان يجيد اللعب بالألفاظ مثلما يجيد اللعب بالسيف، أدارت ~~دفة الحديث إلى موضوعات أكثر أمنا. # الفصل الخامس عشر # | دارتانيان يسترق السمع # رغم نصيحة آثوس، هام دارتانيان بحب ميلادي، وظل يزورها كل مساء تقريبا. وما عاد يستأذن ~~في الدخول عليها؛ إذ أصدرت ميلادي أمرا بأن يدخل دارتانيان حجرة جلوسها الخاصة، فور ~~مجيئه مباشرة. # لم يدرك دارتانيان أن ميلادي تلعب دورا، حتى سمعها مصادفة ms33 وهي تتحدث إلى خادمتها ~~الخاصة كيتي، في الحجرة المجاورة لحجرة الجلوس التي كان منتظرا فيها. لم يكن الباب ~~الموصل بين الحجرتين موصدا تماما. وهكذا استطاع أن يسمع بوضوح ما كان يدور بينهما ~~من حديث. # قالت ميلادي: «يبدو أن صديقنا الغسقوني سيتأخر الليلة.» # قالت كيتي: «ماذا، يا سيدتي؟ هل يستهتر بصداقتك إلى حد ألا يكون مواظبا؟» ~~«من المحتمل أن يكون عمله قد منعه المجيء. لا بأس؛ فأنا أعرف ما سأفعله معه، يا ~~كيتي.» ~~«لماذا يا سيدتي؟ وأية لعبة ستلعبينها؟» ~~«هذا سؤال حسن! وسوف نرى. ثمة شيء ما بيني وبين ذلك الشاب. الذي يجهله أنه كاد ~~يحطمني في عيني الكاردينال بشأن موضوع ماسات الملكة. لا بد من أن آخذ بثأري!» ~~«رباه! ظننتك تهيمين بحبه.» ~~«أحبه؟ إنني أمقته! كانت حياة لورد وينتر في يدي ذلك الغبي، فلم يقتله. وبسبب عدم ~~قتله، فقدت ميراثا سنويا قدره ثلاثمائة ألف جنيه!» # قالت كيتي: «هذا حقيقي. لقد نسيت أن ابنك، يا سيدتي، هو الوارث الوحيد لعمه. وحتى يبلغ ~~سن الرشد، ستكونين المتصرفة في أية ثروة يرثها.» # قالت ميلادي بحدة: «نعم، وكان لا بد لي من الانتقام منذ أمد بعيد، لو لم يصر ~~الكاردينال على أن أستمر في صداقة ذلك الغسقوني البغيض. ولا يمكنني أن أفهم ~~السبب.» # ارتجف دارتانيان، وأسرع يهبط السلم، متسللا إلى خارج البيت على أطراف أصابع قدميه، ~~لكي يهدئ من غضبه. وفي الصباح التالي، هرع إلى مقابلة آثوس، وأخبره بما سمع. # قال آثوس: «يبدو أن معشوقتك ميلادي امرأة شريرة. ولا شك في أنك تواجه عدوة ~~شقية.» # وبينما هما يتكلمان، نظر آثوس بإمعان إلى خاتم من الياقوت الأزرق في إصبع دارتانيان، ~~وقال: «يا له من خاتم جميل، هذا الذي تلبسه! إنه يذكرني بجوهرة عائلية كنت أحوزها فيما ~~مضى. هل قايضت به على خاتمك الماسي؟» ~~«لا. إنه هدية من ميلادي.» # صاح آثوس بانفعال: «ماذا؟ جاءك هذا الخاتم من ميلادي؟» # وفحص آثوس الخاتم، فامتقع لونه. # ردد في نفسه: «مستحيل! لا يمكن! كيف وصل هذا الخاتم إلى حوزة ميلادي؟ ms34 ومع ذلك، فمن ~~الصعب أن نتصور إمكان تشابه جوهرتين إلى هذا الحد!» # سأله دارتانيان: «ألك سابق معرفة بهذا الخاتم؟» # أجاب آثوس: «أظن ذلك، ولكن لا بد أن ثمة خطأ ما. أرجوك، يا دارتانيان، إما أن تخلع هذا ~~الخاتم، وإما تدير فصه؛ فهو يذكرني بذكريات قاسية. ولكن انتظر! دعني أفحص الفص؛ ~~فللفص الذي ذكرته لك خدش على أحد أوجهه.» # خلع دارتانيان الخاتم وسلمه إلى آثوس. # نظر آثوس إليه مليا، فبدا عليه الاضطراب. # قال آثوس وهو يشير إلى الخدش الذي ذكره: «انظر، إنه الخدش نفسه كما أخبرتك. هذه جوهرة ~~عائلية قديمة ورثتها عن أمي.» # سأله دارتانيان مترددا: «هل بعتها؟» # أجاب آثوس ببطء وتمعن: «لا، أهديتها لامرأة أحببتها.» # استعاد دارتانيان الخاتم، ووضعه في جيبه لا في إصبعه. # أمسك آثوس بيد دارتانيان وقال: «أي دارتانيان، تعرف أنني أعتبرك أخا أصغر لي. اعمل ~~بنصيحتي، وابتعد عن هذه المرأة. إنني لا أعرفها، ولكن شيئا ما يوحي إلي بأنها لن ~~تجر عليك سوى الشر!» # قال دارتانيان: «أنت على حق. سأكف عن لقائها، ولكن لا تقلق؛ فإننا سنغادر باريس بعد ~~أيام قلائل لنشترك في حصار روشيل.» # بعد انصراف دارتانيان، جلس آثوس صامتا يفكر. أقلقت أفكاره ذكريات الماضي، فأخذ ~~يسترجع ويستدعي المشاهد التي كثيرا ما مرت به. وعبثا حاول أن يكف عن التفكير ~~ويسلو. # رأى نفسه، مرة أخرى، الكونت دي لا فير، النبيل الفرنسي الشاب. كان الاسم الذي يحمله ~~أصيلا ونبيلا. وكانت له السيطرة على أراضيه، وكانت كلمته قانونا. # وضمت هذه الصورة فتاة رقيقة كالنسمة جميلة كالملاك، أقبلت معها نسمات الربيع. ~~جاءت مع أخيها الذي حاز منصبا بمكان ما، في قرية تقع في ممتلكات الكونت. كانت تبدو ~~بريئة ولطيفة، ويبدو أخوها ورعا وتقيا، حتى إن أحدا لم يسأل من أين قدما، أو ارتاب ~~لحظة في أنهما بخلاف ما كانا يبدوان عليه. # كثيرا ما شاهد النبيل تلك الفتاة وهو ممتط جواده خلال القرية. وكان حب ذلك الشاب ~~لهذه الفتاة الرقيقة آن، يزيد يوما بعد يوم. # وتعاقبت مشاهد تلاقيهما، مشهدا بعد ms35 آخر، تحت أشجار الصنوبر ذات الأريج العبق، ~~وخلال الممرات التي يعطرها شذى الأزهار، وبجانب مجرى ماء بارد يخر خريرا جميلا، ~~وعلى الجسر الريفي الذي اعتادا الوقوف عليه، إذا ما أخذت ظلال المساء تطول، ثم في ذلك ~~البيت الصيفي تحت ظلال النباتات المتسلقة. # ورغم كونها ليست من طبقة نبيلة، ورغم عدم موافقة أسرته ، تزوجها ذلك الكونت الشاب، ~~وجعلها أول كونتيسة لذلك الإقليم. # اضطرب آثوس قلقا، على حين تضاءل المنظر أمامه، وظهرت في تفاصيل حيوية، تلك الحادثة ~~المميتة في ساحة الصيد؛ رأى زوجته تسقط عن ظهر جوادها إلى الأرض، وترقد مغشيا عليها في ~~غيبوبة تشبه غيبوبة الموت. ورأى نفسه يرتجف جزعا وهلعا، ويفتح فستانها من عل كي ~~يمدها بمزيد من الهواء، فإذا به يرى على بشرة كتفها الناعمة، واضحة أمام عيون كل من ~~احتشد حولها، أبصر العلامة المريعة، علامة العار والشنار، التي طبعها الجلاد العام على ~~جلدها بمكواته؛ علامة «زهرة الزنبق». # كانت زوجته، كونتيسة دي لا فير، مجرمة مدانة، فأنزل هذا الاكتشاف بكبرياء الكونت ~~ضربة قاصمة؛ ضربة لم يشف منها قط. # في تلك الليلة، غادر الكونت دي لا فير قصره، ولم يرجع إليه ألبتة. # لم يثر احتمال كونها قد تكون على قيد الحياة، رغم افتراض موتها، لم يثر أي إحساس ~~بالشفقة في قلب آثوس. ولم يخفف الزمن، بحال ما، تلك الضربة القاصمة التي تلقاها، فرفع ~~كأسه وشربها حتى الثمالة، ومال رأسه في بطء حتى استقر على ذراعيه الممتدتين فوق ~~المائدة، واحترقت الشمعة حتى تلاشت ثم انطفأت، دون أن يفطن إليها. وهكذا بقي آثوس حتى بدأ ~~نور الفجر البارد يلوح خلال مصراعي النافذة نصف المفتوحة. # الفصل السادس عشر # | سر ميلادي # رغم ما عرفه دارتانيان عن ميلادي، فإنه أحس في قرارة نفسه أنه خرق للأدب ودماثة ~~الخلق، إن هو غادر باريس، دون أن يودعها؛ ومن ثم، فقد زارها بعد مرور ليلتين، ليخبرها ~~برحيله المبكر مع فرقته إلى الساحل الغربي لفرنسا، للمشاركة في حصار روشيل. وعلى أية حال، ~~لم تعرف ميلادي أنه سمع مصادفة كلامها ms36 مع خادمتها. وزيادة على ذلك، لم يرغب في إثارة ~~شكوكها، إن هو قطع، فجأة، زياراته لها، التي كثرت في الأيام الأخيرة. # لم يمكث دارتانيان لدى ميلادي طويلا، وإنما نهض واستأذن في الانصراف، حينما عن له أن ~~ينصرف. وكانت ميلادي رقيقة كعادتها، وتطوعت مبتسمة بأن تصحبه حتى الباب، غير أنها وهي ~~تنهض لتفعل ذلك، اشتبك طرف فستانها بكعب فردة حذائها اليسرى، فجذب الفستان بشدة عند ~~كتفها، فلم يقاوم الفستان الحريري الرقيق هذه الجذبة القوية، فتمزق عند الكتف. # وإذ رأى دارتانيان ارتباك ميلادي، تقدم بطبيعة الحال، ليساعد في تخليص الفستان، فإذا ~~على إحدى كتفيها - وقد كشفها الفستان الممزق - يظهر شيء مذهل، فلم يسعه إلا أن يقف ~~ويحملق دهشا؛ فعلى جلد كتفها الأبيض، نقشت علامة زهرة الزنبق، التي تدل على ~~الإدانة، طبعتها مكواة الجلاد العام. # استدارت ميلادي، وفي لمح البصر، أدركت أن دارتانيان اكتشف سرها الرهيب؛ ذلك السر ~~الذي أخفته، حتى عن خادمتها. # صاحت ميلادي قائلة، وما عادت امرأة، بل قطة متوحشة: «يا لك من وغد! لقد عرفت سري، ~~سأقتلك!» # وهرعت إلى دولاب صغير وسط الحجرة، وفتحت درجا بيدين مرتجفتين، وأخرجت خنجرا ~~صغيرا ذا مقبض ذهبي، واستدارت فألقت بنفسها على دارتانيان. # رغم شجاعة دارتانيان، ارتجف لمرآها المتغير ونظرتها الوحشية، وعينيها اللتين تقدحان ~~بالشرر، ووجنتيها الشاحبتين، وشفتيها الداميتين بين أسنانها، فقفز إلى الخلف، وكأنه ~~يتحاشى قفزة أفعى سامة تهجم عليه، واستل سيفه. # لم تهتم ميلادي بالسيف، ولا بالفستان الممزق، ولا بعدم الاحتشام لكتفها العارية، بل ~~انقضت على دارتانيان بخنجرها في ضراوة. ولم تتقهقر إلى الخلف إلا عندما شعرت بسن ~~السيف الحادة فوق رقبتها. وحتى ذلك لم يفت في عضدها، فحاولت في ثورتها العمياء، أن ~~تمسك السيف بيدها العارية لتنقض على غريمها، ولكنه خلص السيف، واحتفظ به ~~مسلطا، إما على رقبتها وإما على عينيها. # وإذ استمرت توجه إليه الضربات، دون جدوى، صرخت تصب اللعنات في صوت مريع، يرعب ~~أي رجل عادي. # كان كل هذا أشبه بمبارزة. وسرعان ما تمالك دارتانيان نفسه، فأجبر ميلادي على التراجع ms37 ~~إلى خلف الحجرة ببطء، على حين سار هو في طريقه إلى الباب. كان كل هدفه أن يهرب، فتحسس ~~خلفه بيده اليسرى، وأمسك بمقبض الباب فأداره، وركل الباب بعقب قدمه، فانفتح. وبقفزة ~~واحدة، صار خارج الحجرة، وأغلق الباب خلفه بسرعة البرق، وأدار المفتاح في القفل. # أغمد دارتانيان سيفه، وأسرع يهبط السلم. ووقف لحظة في مدخل الباب الخارجي، ليلتقط ~~أنفاسه ويمسح العرق المتصبب من جبينه. وعندئذ أمكنه أن يسمع صرخات ميلادي، وصوت ~~الخنجر وهي تطعن به الباب المقفل، طعنات عمياء. # غادر دارتانيان البيت بعد ذلك، وانصرف بسرعة متجها شطر بيت آثوس. # دهش آثوس لهذه الزيارة المتأخرة من دارتانيان، الذي كان شاحب الوجه مهموما، فأمسك آثوس ~~بيديه، وسأله: «ما الخطب؟ هل مات الملك؟ هل قتلت الكاردينال؟ هيا، هيا، أخبرني!» # قال دارتانيان: «استعد لصدمة، يا آثوس!» # قال آثوس، بعد أن قدم إليه كرسيا: «ما الخبر؟» # تردد دارتانيان لحظة، ثم همس بقوله: «ميلادي مطبوعة على كتفها علامة زهرة ~~الزنبق.» # صاح آثوس بدهشة: «ماذا؟» # قال دارتانيان: «أأنت على يقين مما أخبرتني به ذات مرة من أن تلك المرأة؛ تلك المرأة ~~ذات العلامة، زوجتك، قضت نحبها حقيقة؟» # تنهد آثوس عميقا، وأسقط رأسه بين يديه، وشرد فكره لبضع لحظات. # ولما رفع رأسه، لاحظ دارتانيان أن كل أمارات الحزن والأسى، قد حل محلها نظرة قوية ~~باردة. # قال دارتانيان: «إنها امرأة في حوالي السابعة والعشرين من عمرها، ولكنها تبدو أصغر من ~~ذلك.» # قال آثوس: «أليست جميلة؟» ~~«بلى، هي جميلة للغاية!» ~~«وذات عينين زرقاوين نجلاوين، وأهداب طويلة وحاجبين داكنين؟» ~~«نعم.» ~~«طويلة القامة وبضة القوام؟» ~~«نعم.» ~~«وزهرة الزنبق صغيرة، وردية اللون، وتبدو وكأن جهدا قد بذل لإزالتها؟» ~~«نعم.» # قال وكأن فكرة مفاجئة قد طرأت بباله: «ولكنك قلت إنها إنجليزية.» # قال دارتانيان: «ينادونها ميلادي، ورغم ذلك فمن الجائز جدا أن تكون فرنسية؛ فهي تتكلم ~~الفرنسية بطلاقة. ومع كل، فليس اللورد وينتر إلا شقيق زوجها.» ~~«إنها هي؛ زوجتي. وكنت أظنها ماتت. سأزورها.» ~~«حذار يا آثوس! إنها قادرة على أن تفعل أي شيء. أرأيتها ثائرة، ms38 في وقت من ~~الأوقات؟» # قال آثوس: «لا.» # قال دارتانيان: «إنها وشقة برية، أو نمرة!» ثم روى كل ما حدث. # واستطرد يقول: «أقسم بشرفي، لو عرفت أنك لا تزال حيا، فلن تساوي حياتك عندها ~~شيئا. ولحسن الحظ أننا سنغادر باريس بعد غد.» # رد آثوس قائلا: «أتظن أن الحياة تعني الكثير بالنسبة لي؟» ~~«يحيط بها لغز جديد. من المؤكد أنها إحدى جواسيس الكاردينال.» # قال آثوس: «في هذه الحالة عليك بمزيد من الحذر؛ إذ لم ينس الكاردينال موضوع ماسات ~~الملكة. وإن خرجت، فلا تخرج وحدك. وعندما تأكل فخذ كل الاحتياطات. لا تثق بأي شيء، ~~حتى ولو كان ظلك!» # قال دارتانيان: «لحسن الحظ، ليست هذه الاحتياطات ضرورية؛ إذ سنكون غدا في طريقنا ~~للانضمام إلى القوات، قرب روشيل. وهناك، كما أرجو، لن يكون غير الرجال لنخافهم.» # قال آثوس: «ورغم ذلك، دعني أصحبك إلى بيتك.» # عندما خرجا، بعد ذلك بساعة، أمر آثوس خادمه جريمو بأن يحضر بندقيته، ويتبعهما على ~~بعد خطوات منهما. # الفصل السابع عشر # | دارتانيان يطلق العنان لقدميه # في الصباح الباكر لليوم التالي، استعرض لويس الثالث عشر قواته المختارة لمهاجمة ميناء ~~روشيل. # من سنوات خلت كان الأهلون مشاغبين ومصدرا لقلق الكاردينال. وبسبب عدم وفاء السكان ~~ودسائسهم ضد أنصار الملكية، جاءت إلى هذه المدينة أعداد ضخمة من المنشقين والمغامرين ~~والجنود المرتزقة من جميع الجنسيات. ووجد أعداء فرنسا ترحيبا مسبقا، ومأوى آمنا ~~داخل أسوار المدينة. وفضلا عن هذا، كانت روشيل آخر ميناء مفتوح أمام الإنجليز، الذين ~~اعتبرهم الفرنسيون في ذلك الوقت أعداءهم الحقيقيين. # ولمساعدة سكان روشيل في مقاومة أي هجوم تقوم به القوات الملكية، وعدهم الإنجليز، أو على ~~الأصح، وعدهم دوق بكنجهام، الذي هو ألد أعداء الكاردينال، بتقديم كل عون. فلما علم ~~لويس الثالث عشر أن بكنجهام قد أرسل قوة قوامها تسعون سفينة تحمل عشرين ألف رجل، نزلوا ~~على جزيرة ري أمام حصن روشيل المحاصر، ما عاد يشك في كلام الكاردينال، بأن ثمة خطرا ~~حقيقيا يحدق بمملكة فرنسا. وقرر إرسال جيش من الرجال المختارين لإخضاع المتمردين، ~~إلى ms39 الأبد، وأن يقود الهجوم بنفسه بمساعدة الكاردينال. # رغم هذا، لم يغادر الملك باريس بالقوة الرئيسية، فاضطر حرسه - أي الفرسان - إلى البقاء ~~معه؛ الأمر الذي استاء منه الأصدقاء الأربعة أشد استياء. وما إن انتهى استعراض الملك ~~لقواته، حتى تحركت القوات، تتقدمها فرقة حرس الملك، التي يتبعها دارتانيان، ميممة ~~شطر الشاطئ الغربي. # ركب الغسقوني الصغير مزهوا، مع رفقائه، وهو شارد الفكر تماما؛ ومن ثم لم يلاحظ ~~ميلادي وهي تمتطي جوادا جميلا كستنائي اللون. ووقفت في موضع يمكنها منه أن ترى الجنود ~~بوضوح، وهم يمرون. وكان بقربها رجلان يركبان جوادين قويين أيضا، فأومأت لهما برأسها ~~عندما أشار أحدهما إلى دارتانيان. وكان من المؤكد أن هذين الرجلين لن يعجزا عن ~~التعرف على دارتانيان مرة أخرى. ثم أصدرت إليهما تعليمات خاصة، بصوت هادئ صادق ~~العزم. وركب الرجلان بعد ذلك، متخذين نفس الاتجاه الذي تسير فيه القوات. # ووقفت القوات على مرأى من روشيل، وأقامت معسكرها انتظارا لقدوم الملك. وإذ انفصل ~~دارتانيان عن أصدقائه الثلاثة، وجد لديه متسعا من الوقت للتفكير في هدوء؛ فمنذ مجيئه إلى ~~باريس، اكتسب خبرات كثيرة، فاتخذ أربعة أصدقاء أوفياء؛ إذ هو بطبيعة الحال يعتبر السيد دي ~~تريفي صديقا حميما. # بيد أنه عندما شرع يفكر في أمر مستقبله، لم يجد سوى الأفكار الكئيبة. وبقدر ما يستطيع ~~أن يرى، وهو الشخص غير ذي المكانة، رأى أنه عادى الكاردينال، وهو الرجل الذي يرتجف أمامه ~~أعظم رجالات المملكة؛ فبوسع الكاردينال أن يسحقه، إلا أنه، ولسبب خفي، لم يفعل. أما ~~عدوه الآخر؛ ميلادي، فكان خوفه منها أقل من خوفه الكاردينال. ورغم هذا، أحس بأنها ~~عدو لا يمكن الاستهانة به. # تأمل دارتانيان في هذه الأفكار، وهو جالس إلى نفسه، فأخذ يسير وئيدا في الطريق ~~الموصل من المعسكر إلى القرية المجاورة، في جو المساء البارد. وبالقرب من المعسكر، ~~جذبت انتباهه حركة بسيطة لشيء على جانب الطريق، على مقربة منه. وتألق هذا الشيء تحت ~~أشعة الشمس، وخيل إليه أنه لمح ماسورة بندقية. # وكان دارتانيان يمتاز بسرعة اللماحية والفهم. وكان من ms40 الجلي أن البندقية لم تصل إلى ذلك ~~المكان وحدها، ولم يختبئ الشخص الذي يمسكها، خلف الأعشاب لقصد طيب. وفي اللحظة نفسها، ~~تقريبا، أبصر ماسورة بندقية أخرى تبرز من وراء صخرة على الجانب الآخر من ~~الطريق. # كان من الجلي أن هذا كمين. # نظر مرة أخرى إلى البندقية الأولى، فرآها تصوب نحوه ببطء، وبمجرد أن شاهدها ثبتت ~~لا تتحرك، انبطح على الأرض، وبعد هنيهة، أطلقت البندقية، ومرت الطلقة من فوق رأسه. ~~وعمل دارتانيان على عدم ضياع لحظة واحدة، فهب منتصبا على قدميه، وقفز جانبا. وعلى ~~الفور أطلقت البندقية الثانية، وأصابت الطلقة الأرض التي كان منبطحا فوقها. # لم يكن دارتانيان ليسعى إلى موت تافه؛ كي يقال إنه لم يتقهقر خطوة واحدة، بالإضافة إلى ~~أن الشجاعة هنا ليست جديرة بالاعتبار؛ لذا فقد أطلق دارتانيان العنان لساقيه متجها نحو ~~المعسكر، بأسرع ما تستطيع قدماه أن تفعل. غير أن الرجل الذي أطلق أول طلقة، سرعان ما ~~شحن بندقيته مرة أخرى. وفي هذه المرة، كان تسديدها نحو الهدف أدق من المرة السابقة، ~~فأصابت الطلقة قبعة دارتانيان وأطارتها لمسافة عدة خطوات بعيدا عنه. وإذ لم يكن لديه ~~سوى قبعة واحدة، فقد خاطر بالتوقف ليلتقطها ولحسن حظه لم تطلق طلقة أخرى. # وصل دارتانيان إلى المعسكر ممتقع اللون، مبهور الأنفاس. وذهب مباشرة إلى خيمته دون أن ~~ينطق بكلمة واحدة لأي فرد، بل جلس وحده، وأمسك قبعته، وأخذ يفحص بعناية ذلك الثقب ~~الذي أحدثته الطلقة. لم يكن الثقب بطلقة حربية؛ لذا فلم يكن هذا كمينا نصبه العدو. ولم ~~يخطر بباله أن الكاردينال يلجأ إلى مثل هذا الإجراء الدنيء المشكوك فيه، ليتخلص منه أو ~~من أي عدو آخر. # من الجائز جدا، أن تكون ميلادي قد استأجرت هذين الوغدين لتنفيذ انتقامها، في أول ~~فرصة مناسبة. حاول أن يتذكر ملامحهما، أو ملابسهما، ولكنه كان قد انطلق بسرعة فلم ~~يلاحظهما. # أمر دارتانيان، في تلك الليلة، بوضع الحراسة على خيمته، وبقي هو داخلها معتذرا بأنه ~~متعب للغاية وبحاجة إلى الراحة والهدوء. # الفصل الثامن عشر # | مهمة خطرة ms41 تأتي بنتائج غير عادية # بعد ذلك بأيام قلائل، قام دوق دورليان، الذي يقود القوات الفرنسية أمام روشيل في غياب ~~الملك، ويقوم بالتفتيش على المعسكر، وأقر كل شيء رآه، وأثنى بخير بنوع خاص على ~~السيد ديسار رئيس الحرس الملكي. # اتجه دوق دورليان نحو الجنود، ورفع عقيرته قائلا: «أريد ثلاثة أو أربعة متطوعين مع ~~قائد قدير، للاضطلاع بمهمة خطرة.» # قال السيد ديسار، وهو يشير إلى دارتانيان: «ها هو ذا الرجل الذي يقودهم، يا ~~سيدي.» # تقدم دارتانيان إلى الأمام، وشهر سيفه قائلا: «هل من أربعة رجال يخاطرون بحياتهم ~~معي؟» # تقدم إلى الأمام اثنان من الحرس، وتبعهما مباشرة جنديان، فوافق دارتانيان على هؤلاء ~~الأربعة، الذين أبدوا رغبتهم بدون تردد. # كانت حامية روشيل قد شنت هجمة في أثناء الليل، واستعادت القلعة التي استولت عليها ~~القوات الملكية قبل ذلك ببضعة أيام. # كانت مهمة دارتانيان فحص تلك القلعة عن قرب، ومعرفة كيفية حراسة العدو لها. # خرج دارتانيان مع رفاقه الأربعة، الحارسان على جانبيه، يتبعهما الجنديان، فساروا ~~متخفين داخل خندق، حتى صاروا على مسافة مئة متر من القلعة، فتوقفوا لكي يتنصتوا ~~وينظروا ما فوق جانب الخندق الذي يحميهم، فاكتشف دارتانيان أن الجنديين ليسا خلفه، ~~فصرخ في نفسه قائلا: «يا لهما من جبناء! ربما نكصا على أعقابهما.» # واستداروا حول زاوية على مقربة منهم، فوجدوا أنفسهم على مسافة خمسين مترا من هدفهم، ~~ولكنهم لم يروا أحدا. وبدت القلعة مهجورة، غير أنهم قبل أن يقرروا ما إذا كانوا ~~يستمرون في تقدمهم أو يمكثون ويراقبون، مرت اثنتا عشرة قذيفة تصفر إلى جانب ~~الثلاثة. # وعرفوا من هذا كل ما أرادوا معرفته؛ فالقلعة محصنة، فتقهقروا إلى الخلف في ~~الحال. # وحين انعطفوا عند زاوية الخندق، سقط أحد أفراد الحرس صريعا؛ إذ أصابته قذيفة في ~~صدره، على حين كان الآخر سليما معافى، ولم يصب بسوء، فاستأنف سيره عائدا إلى ~~المعسكر بأقصى ما أوتي من سرعة. # وإذ انكب دارتانيان على الحارس المصاب لإسعافه، انطلقت قذيفتان أخريان، أصابت ~~إحداهما رأس المصاب، وأصابت الأخرى جانب الخندق، بجوار دارتانيان. # كان ms42 من الواضح - بناء على اتجاه القذيفتين - أنهما لا يمكن أن تأتيا من القلعة. وفي لمح ~~البصر، تذكر دارتانيان الجنديين اللذين حاولا الاعتداء على حياته في مساء اليوم السابق؛ ~~فاعتزم في هذه المرة أن يكتشف أمر هذين الرجلين، فوقع فوق جسم الحارس الصريع، وكأنه ~~قد أصيب هو نفسه. # ولم يمض وقت طويل حتى ظهر رأسان حول زاوية جانب الخندق، وكانا رأسي الجنديين. لم ~~يخطئ دارتانيان في حدسه؛ إذ انتهز الرجلان فرصة الخروج مع دارتانيان؛ آملين في أنهما إن ~~قتلاه بدا أن العدو هو الذي قتله، وإذا جرح، اتهما فيما بعد؛ ولذا تقدما نحوه ~~ليتأكدا مما حدث له، ولكن، لسوء حظهما، خدعتهما حيلة دارتانيان؛ إذ لم يعيدا شحن ~~بندقيتيهما. وكان دارتانيان قد احتاط ألا يترك سيفه، فلما صارا على مقربة بضع خطوات منه، ~~هب واقفا على قدميه. # وأدرك القاتلان على الفور، أنه من العبث أن يفرا إلى المعسكر دون أن ينالا منه، فإن ~~أخفقا في ذلك انضما إلى قوات العدو. # وهوى أحدهما ببندقيته على دارتانيان، إلا أن هذا تحاشى الضربة الهائلة بأن قفز جانبا ~~بسرعة البرق، تاركا بعمله هذا ممرا للجندي الآخر، الذي اندفع هاربا في اتجاه القلعة، ~~فأطلق حراس القلعة النار ظانين إياه جنديا ملكيا، فسقط وقد خلعت كتفه. # في الوقت ذاته، هجم دارتانيان على الجندي الآخر، فلم يستغرق القتال معه سوى بضع لحظات، ~~خر بعدها الجندي بضربة سيف في فخذه. # صاح الجندي مسترحما حين سلط دارتانيان طرف سيفه على رقبته، قائلا: «لا تقتلني! ~~اصفح عني! سامحني، وسأعترف لك بكل شيء.» # قال دارتانيان: «لماذا؟ هل سرك عظيم الأهمية بحيث يمنعني قتلك؟» ~~«أجل، إن كنت تعتقد أن الحياة تساوي شيئا لشاب شجاع ووسيم مثلك.» # صاح دارتانيان: «يا لك من وغد! تكلم في الحال! من الذي استأجرك لقتلي؟» ~~«لا أعرف من هي، سوى أنها تدعى ميلادي.» ~~«إن كنت لا تعرفها، فكيف تعرف اسمها؟» ~~«خاطبها صديقي بهذا الاسم، وهو الذي اتفق معها. والواقع أن في جيبه خطابا منها.» ~~«كيف اشتركت في هذا العمل؟» ~~«اقترح ms43 علي زميلي أن أنضم إليه، فوافقت.» ~~«ماذا كنت ستربح بعملك هذا؟» ~~«مائة لويس # 1 # نقتسمها فيما بيننا.» # قال دارتانيان ضاحكا: «إذن فهي تعتقد أنني أساوي شيئا! مائة لويس إغراء قوي ~~لخسيسين من أمثالكما. رغم هذا، سأبقي على حياتك، بشرط واحد.» # سأله الجندي بقلق: «ما هو؟» ~~«أن تذهب وتحضر الخطاب الذي تدعي أنه في جيب زميلك.» # صاح: «لا، لا! ليس هذا سوى طريقة أخرى لقتلي! سيطلق جنود القلعة النار علي، أنا ~~أيضا.» ~~«هيا! فكر في الأمر. اذهب وأحضر الخطاب، وإلا دفعت سيفي في جسدك.» # صاح الرجل جاثيا: «اعف عني، يا سيدي! أشفق علي!» # صاح دارتانيان وهو يهجم على الرجل بوحشية: «لا بد لي من ذلك الخطاب.» # صاح الرجل مذعورا من أن تكون هذه آخر لحظة في عمره: «سأذهب، سأذهب.» # زحف الرجل الجريح نحو زميله وهو يرتعد فرقا من الموت، فلما أبصر دارتانيان الرعب ~~يطل من عيني ذلك الرجل، والدم الذي ينزف منه، أشفق عليه. # قال دارتانيان وهو ينظر إليه شزرا: «قف، سأريك الفرق بين الشجاع والجبان. ابق حيث ~~أنت، وسأحمل عنك عبء هذه المخاطرة.» # أخذ دارتانيان يراقب بحذر حركة الحراس، متخذا من الحفر والصخور ساترا له، حتى وصل في ~~أمان إلى حيث يرقد الجندي الثاني. # كان على دارتانيان أن يعمل أحد شيئين: إما أن يفتش الرجل حيث هو، وإما أن يحمله ويعود ~~به، متخذا إياه درعا، ثم يفتشه في الخندق. # وبدون تردد، قرر دارتانيان الخطة الثانية. وبعد أن رفع الرجل على كتفيه، بلحظة، أطلق ~~الحراس النار. # شعر دارتانيان بثلاث طلقات، على الأقل، تصيب الرجل، وبذا أنقذ حياته من كان سيفقده ~~إياها. # عاد دارتانيان إلى الخندق سليما، فأنزل الجثة، وفتش في جيوبها. # وجد دارتانيان الخطاب في جيب داخلي، فقرأه، فإذا به: # لا تترك ذلك الرجل؛ إذ لو تركته، فأنت تعرف أن يدي تمتد إلى مسافة بعيدة، ~~وأنك ستدفع الثمن غاليا نظير المائة لويس، التي أخذتها مني. # لم يكن بالخطاب توقيع، إلا أنه لم يكن ثمة شك في أن المرسل هو ميلادي. طوى ms44 دارتانيان ~~هذا الخطاب ووضعه بعناية في جيبه، إذ هو دليل مادي قوي لإدانتها. # استدار دارتانيان نحو الرجل الجريح، ومد إليه يده قائلا: «هيا، لا يمكنني أن أدعك ~~هنا بحالتك هذه. اتكئ على ذراعي، وهيا بنا نعد إلى المعسكر.» # جثا الرجل على ركبتيه، وانحنى ليقبل قدمي دارتانيان، متوسلا إليه: «أشفق علي! ~~إنك ستعود بي إلى المعسكر ليشنقوني! دعني أمت هنا! رحماك بي!» # قال دارتانيان غاضبا من فرط جبن الرجل: «انهض؛ فقد حصلت على وعدي. للمرة الثانية، ~~سأبقي على حياتك.» # وصل الحارس الآخر إلى المعسكر بسلام، وأعلن عن موت الأربعة الآخرين من فريقه؛ ولذا فقد ~~دهش من بالمعسكر دهشة بالغة، وابتهجوا عندما شاهدوا دارتانيان يعود سليما ~~معافى. # حكى دارتانيان أنهم هاجموا العدو فيما بعد للحصول على مزيد من المعلومات، وأن العدو ~~تمكن من قتل اثنين، وجرح الجندي الذي عاد معه. # أثنى الجيش كله على دارتانيان ثناء عظيما، ولم يكن ثمة حديث طوال ذلك اليوم إلا ~~في هذا الموضوع. وحتى دوق دورليان، امتدحه بحرارة بعد أن سمع تقريره. # والآن، وقد قتل أحد أعداء دارتانيان، وصار كل هم عدوه الآخر هو أن يكون في خدمة ~~دارتانيان، أحس هذا الأخير براحة بال عظيمة. # وقد أثبتت راحة البال هذه، أن دارتانيان أساء الحكم على ميلادي. # الفصل التاسع عشر # | عصير أنجو # تعاقبت الأيام، ولم يصل الملك بعد، كما كان متوقعا، ويبدو أنه أصيب بوعكة بسيطة، ~~أدت إلى هذا التأخير. # استمر دارتانيان في عمله هانئ البال، كما هي الحال عندما ينجو إنسان من خطر محدق، غير أن ~~كل ما كان يقلقه هو عدم ورود أخبار عن أصدقائه الثلاثة. # وكم كانت فرحته عظيمة، عندما تسلم الخطاب التالي بعد بضعة أسابيع: # السيد دارتانيان ~~«تشرفت بدعوة السادة آثوس وبورثوس وأراميس إلى منزلي لتناول الشراب، وقد ~~أعجب هؤلاء كثيرا بعصير أنجو، حتى إنهم طلبوا مني أن أرسل لك اثنتي عشرة ~~زجاجة منه، ففعلت. # وتفضل، يا سيدي، بقبول عظيم الاحترام.» # خادمك المتواضع المطيع # جودو # صاح دارتانيان قائلا: «هذا رائع! لقد فكروا في أثناء ms45 مسراتهم، مثلما فكرت فيهم ~~أثناء متاعبي، إلا أنني لن أشرب نخبهم وحدي.» # أسرع دارتانيان، من فوره، يبحث عن اثنين بذاتهما من رجال الحرس، كان على صلة جد ~~طيبة بهما. كان أحدهما في نوبته هذه الليلة، والآخر نوبته في الليلة التالية، فاتفقوا ~~على أن يتناولوا العشاء معا في الليلة التالية لنوبة الثاني، ويشربوا نخب أصدقائهم ~~الغائبين. # عهد دارتانيان بزجاجات العصير الاثنتي عشرة، إلى خادمه بلانشيه، وأصدر إليه التعليمات ~~بإعداد عشاء خاص. # ابتهج بلانشيه، وبدأ يعمل بنفس راضية، على ثقة بأن سيده لا بد سيعطيه كأسا من ~~العصير. وكان يساعده في هذا العمل الجندي الزائف، الذي كان، في ذلك الوقت، في خدمة ~~دارتانيان. كما حصل على مساعدة فورو خادم أحد الضيفين. # وحان وقت العشاء، فاتخذ الأصدقاء الثلاثة أماكنهم، وصفت الأطباق على المائدة، وقام ~~بلانشيه بالخدمة، وفتح فورو زجاجات العصير، وصب الجندي بريزمون العصير في الكئوس. ورج ~~فورو أول زجاجة عند فتحها، فإذا بالعصير عكر. وسمح دارتانيان للجندي أن يشرب منه، ثم ~~يملأ الكئوس من زجاجات أخرى. # تناول الضيفان حساءهما، وكانا موشكين على أن يرفعا كأسيهما ليشربا نخب مضيفهما، فإذا ~~بهم يسمعون صوت انطلاق المدافع، فخشي الثلاثة أن يكون قد حدث هجوم مفاجئ، فاستلوا ~~سيوفهم وخرجوا إلى مواقعهم. # وما كادوا يغادرون الحجرة، حتى سمعوا الهتافات: «يحيا الملك. يحيا الكاردينال.» إذن فقد ~~أطلقت المدافع تحية لقدوم الملك. # أخيرا وصل الملك، مع فرسانه وعشرة آلاف رجل. وإذ كان دارتانيان على رأس ضيوفه، فسرعان ما ~~أبصره أصدقاؤه الثلاثة. وانتهى بسرعة حفل الاستقبال، واجتمع شمل الأصدقاء الأربعة ~~مجددا. # صاح دارتانيان مبتهجا وهو يقدم أصدقاءه إلى الحارسين: «ما كنتم لتصلوا في فرصة أفضل ~~من هذه. يمكنكم الآن أن تشتركوا معنا في احتساء عصيركم.» # قال آثوس دهشا: «عصيرنا!» ~~«نعم، العصير الذي أرسلتموه إلي.» ~~«العصير الذي أرسلناه إليك؟» ~~«طبعا، عصير أنجو الذي تغرمون به كثيرا.» # قال آثوس وهو ينظر إلى أراميس بخجل: «هل أرسلت عصيرا، يا أراميس؟» ~~«لا!» # استطرد آثوس يقول: «ولا أنت، يا بورثوس؟» ~~«لم يحدث!» # قال دارتانيان: «حيث ms46 إنكم لم ترسلوه، فمن المؤكد أن جود قد أرسله باسمكم.» # قال بورثوس: «مهما يكن مصدره، فهيا نحتسيه.» # قال آثوس بإصرار: «لا، لن نشرب بغباء عصيرا لا نعرف مصدره.» # قال دارتانيان: «ألم تطلبوا من جودو أن يرسل لي بعض العصير؟» ~~«نعم، لم نطلب. ولماذا تظننا طلبنا منه ذلك؟» # أطلعهم دارتانيان على المذكرة وهو يقول : «ها هو الخطاب الذي جاء مع العصير.» # قال آثوس بصوت مضطرب: «لا يمكن أن يكون هذا الخطاب منه. أضف إلى ذلك، أننا لم نتناول ~~العشاء معه منذ عدة شهور. إذن، فهذا الخطاب زائف!» # صمت الأربعة، وكل منهم يجول بخاطره ما يراه من أفكار. وكان دارتانيان هو أول من خرج ~~عن صمته، فصاح قائلا: «ميلادي! أيمكن أن تكون هذه مؤامرة أخرى على حياتي؟» قال هذا، ~~وانطلق فجأة إلى حجرة المائدة، يتبعه أصدقاؤه الثلاثة والضيفان. # كان أول من وقع عليه نظر دارتانيان حين دخل الحجرة، بريزمون وهو يتدحرج على الأرض في ألم ~~ممض، على حين يحاول كل من بلانشيه وفورو إسعافه، وهما شاحبا اللون يرتجفان، ولكن من ~~الواضح أن ذلك الرجل كان يحتضر. # تأوه بريزمون حين وقع بصره على دارتانيان، وقال: «رباه! بعد أن تظاهرت بالعفو عني، ها ~~أنت ذا تقتلني بالسم!» # قال دارتانيان: «ماذا تقول، أيها الخسيس؟» # قال: «أعطيتني العصير، وطلبت مني أن أشربه. أردت أن تأخذ بثأرك!» # قال دارتانيان: «أقسم بشرفي أنني لم أكن أعرف أن العصير مسموم!» # غير أنه لم تكن ثمة فائدة من أن يزيد على قوله هذا؛ إذ مات ذلك الرجل من فوره. # استدار دارتانيان نحو ضيفيه، وقال: «أرجوكما ألا تتفوها بشيء مما حدث. قد تكون لأناس ~~ذوي سلطان عظيم يد في هذا الأمر، ومن الأسلم لكما ألا تكون لكما صلة به.» # وعد الحارسان بألا يذكرا هذا الأمر لأي إنسان، ثم لما رأيا رغبة الأصدقاء الأربعة في ~~الانفراد معا، استأذنا وانصرفا. # قال آثوس: «فلنترك هذه الحجرة، ونأكل في مكان آخر؛ فليس من المستحب وجود الموتى عند ~~تناول الطعام!» # قال دارتانيان وهو مغادر: «أي بلانشيه، ms47 أترك جثة هذا الرجل في عهدتك. استدع أحدا ~~وادفنه. إنه في الحقيقة اقترف جريمة، ولكنه ندم عليها.» # وجلس الأربعة في حجرة بالطابق العلوي، وتناولوا طعاما شهيا قدمه لهم صاحب الفندق، ~~وشربوا الماء الذي أحضره لهم آثوس بنفسه، من البئر التي خلف الفندق. # وبينما يتناولون وجبتهم البسيطة، روى دارتانيان لأصدقائه الثلاثة، ما حدث في المحاولتين ~~السابقتين، من إطلاق النار عليه. # الفصل العشرون # | فندق برج الحمام الأحمر # بعد ذلك بعدة ليال، كان آثوس وبورثوس وأراميس ممتطين جيادهم ويسيرون الهوينى في طريقهم ~~إلى المعسكر من فندق في القرية المجاورة، فإذا بهم يسمعون وقع حوافر خيول قادمة. وكانوا ~~ثلاثتهم مسلحين تسليحا كاملا، ولكنهم لا يعرفون ما إذا كان الراكبون القادمون أصدقاء، ~~أو أعداء، فتوقفوا عن السير وانضموا معا في وسط الطريق. وفي تلك اللحظة، أضاء القمر من ~~خلف سحابة فأبصروا فارسين. وفي اللحظة ذاتها، أبصر القادمان الرفاق الثلاثة فتوقفا، ~~وبدا أنهما لم يقررا بعد ماذا سيفعلان؛ هل يستمران في طريقهما أم يعودان؟ # وبالطبع، كان هذا التردد كافيا لإيقاظ الشكوك في نفوس الفرسان الذين لا يهابون شيئا، ~~فصاح آثوس على الفور: «من هناك؟» فأجاب أحد الراكبين: «من أنت؟» # قال آثوس: «ليس هذا ردا! من الذي يسير هناك؟ أجيبا، وإلا فسنهجم عليكما.» # رد صوت بدا أنه معتاد مثل تلك الأمور: «يجب أن تأخذوا حذركم، أيها ~~السادة.» # قال آثوس لرفيقيه: «من الجائز أن يكون هذا ضابطا ذا رتبة رفيعة يقوم بالتفتيش ليلا. ~~ماذا تقترحان أن نفعل؟» # كرر الصوت الآخر قوله: «من أنتم؟ أجيبوا وإلا فستندمون على عصيانكم!» # قال آثوس وقد تأكد من أن لهذا المتكلم حق السؤال أكثر منهم: «فرسان الملك.» ~~«من أية فرقة؟» ~~«من فرقة السيد دي تريفي.» ~~«تقدموا وأخبروني ماذا تعملون هنا في مثل هذا الوقت؟» # تقدم الرفاق الثلاثة إلى الأمام قليلا وفي بطء، فرأوا المتكلم على بعد بضع خطوات ~~أمام زميله، فأشار آثوس إلى بورثوس وأراميس بأن يتوقفا، وسار بجواده، وحده، إلى ~~الأمام. # قال آثوس: «عفوا، يا سيدي! لم نعرف من أنت. لقد كنا ms48 نقوم بالحراسة.» # سأله الضابط الذي احتفظ بجزء من وجهه مغطى بمعطفه: «ما اسمك؟» # قال آثوس، وقد ضايقه السؤال: «ولكن من أنت؟ أحب أن أعرف ما إذا كان لك الحق في أن ~~تسألني أو لا.» # كشف الراكب وجهه، وقال: «ما اسمك؟» # صاح آثوس دهشا: «سيدي الكاردينال!» # كرر الكاردينال، للمرة الثالثة: «ما اسمك؟» # قال: «آثوس .» # نادى الكاردينال تابعه، وقال له بصوت خفيض: «يجب أن يتبعني هؤلاء الفرسان الثلاثة. لا ~~أريد أن يعرف أنني غادرت المعسكر، فإذا تبعونا، تأكدنا من عدم إبلاغهم أي ~~شخص.» # قال آثوس: «نحن رجال، يا سيدي. خذ منا كلمة شرف، ولا تخف! فإننا نحفظ السر، وأنت تعلم ~~ذلك يقينا.» # نظر الكاردينال إلى آثوس لحظة، وقال: «لك أذن حادة السمع، يا سيد آثوس! لا أريدكم أن ~~تتبعوني لأنني لا أثق بكم، ولكن ربما أحتاج إلى حمايتكم. وأعتقد أن زميليك هما السيدان ~~بورثوس وأراميس، أليس كذلك؟» # أجاب آثوس: «بلى، يا سيدي.» # قال الكاردينال: «أعرفكم، أيها السادة. ويؤسفني أنكم لستم من زمرة أصدقائي الخلص، ~~ولكنكم، على الأقل، رجال صناديد ومخلصون. وأنا أضع فيكم ثقتي. اتبعوني من فضلكم.» # قال آثوس: «خيرا تفعل، يا سيدي، بأن تطلب منا مرافقتك؛ فقد رأينا في الطريق كثيرا من ~~الرجال ينبئ مظهرهم على أنهم أشرار، وتعاركنا مع أربعة منهم في فندق برج الحمام ~~الأحمر.» # صاح الكاردينال: «عراك! لماذا، أيها السادة؟ تعلمون أنني لا أحب المشاغبين!» ~~«لهذا السبب، يا سيدي، لي شرف إخبارك به؛ إذ قد يشوه لك الحقائق غيرنا، ~~فتلومنا.» # سأل الكاردينال عابسا: «ماذا إذن كانت نتيجة ذلك العراك؟» ~~«جرح صديقي أراميس جرحا بسيطا في ذراعه، إلا أنه يستطيع الوقوف في ميدان المعركة ~~غدا، إن اقتضى الأمر.» # قال الكاردينال: «إنكم لم تتعودوا السماح لأحد بأن يصيبكم هكذا. كونوا صرحاء، يا سادة. ~~أعتقد أنكم أخذتم بثأركم من شخص ما.» # قال آثوس: «نحن يا سيدي؟ لا؛ فلم نستل سيوفنا على الإطلاق، بل لم أفعل سوى أن أمسكت ~~بالرجل الآثم وقذفت به من الشباك، ويبدو ...» ثم صمت قليلا، واستطرد يقول مترددا: ms49 «ويبدو ~~أنه كسرت ساقه نتيجة لسقوطه.» # قال الكاردينال: «رباه! وماذا فعلت، يا سيد بورثوس؟» ~~«لما كنت أعلم، يا سيدي، أن المبارزة محرمة، أمسكت مقعدا خشبيا وهويت به على ~~أحد الأشخاص، وأعتقد أن الضربة كسرت كتفه.» ~~«وماذا فعلت، يا سيد أراميس؟» ~~«كما تعلم، يا سيدي، أنا رجل جد صبور ومحب للعمل وأمقت العراك. وحدث أن هاجمني ~~أحد أولئك الرجال الأشرار، فجرح ذراعي اليسرى، ففقدت صبري، واستللت سيفي، ووضعته أمام ~~جسمي دفاعا عن نفسي، فانقض علي ذلك الرجل بوحشية، فاخترق السيف جسده مباشرة. ولا ~~أعلم يقينا ما حدث له، سوى أنه سقط. ولكني أعتقد أن زميليه حملاه بعيدا.» ~~«يا لرحمة السماء! لقد أصيب ثلاثة رجال في العراك بما يشبه العجز! حقا إنكم تؤدون ~~واجبكم على الوجه الأكمل! وما سبب ذلك العراك؟» # قال آثوس: «كانوا مخمورين، يا سيدي، وخلناهم قد يسببون مضايقة للسيدة التي قدمت إلى ~~الفندق في هذا المساء.» ~~«ما شكل هذه السيدة؟» # أجاب آثوس: «لم نرها، يا سيدي.» # قال الكاردينال بحدة: «لم تروها! إذن فقد فعلتم خيرا بالدفاع عن سيدة. وأنا، ~~بالصدفة، في طريقي إلى فندق برج الحمام الأحمر، وسأتحقق من أقوالكم.» # قال آثوس مزهوا: «سبق أن قلت لسيادتك إننا رجال! نحن لا نكذب لكي نحمي ~~أنفسنا.» # قال الكاردينال: «رباه! أنا لا أرتاب في كلامكم لحظة واحدة، ولكن هل كانت هذه السيدة ~~وحدها؟» ~~«لا، على ما يبدو أن شخصا ما قد زارها، ولكنه، رغم الضوضاء، لم يظهر. وعلى ذلك، فمن ~~المؤكد أنه جبان.» # قال الكاردينال: «لا تتسرع في الحكم! اتبعوني.» # وفي دقائق وصلوا إلى فندق برج الحمام الأحمر، وبالقرب من الباب، أمر الكاردينال خادمه ~~والفرسان بالتوقف، وتقدم بعد ذلك، من باب جانبي، وطرق ثلاث طرقات بطريقة خاصة، فخرج ~~رجل يرتدي معطفا فضفاضا، وتحدث إلى الكاردينال لبضع لحظات، ثم قفز فوق حصانه الذي كان ~~منتظرا هناك، وانطلق به. # قال الكاردينال بعد انصراف ذلك الفارس الغريب: «اقتربوا، يا سادة. لقد نطقتم بالصدق، ولن ~~يكون خطئي، إذا كانت نتائج اجتماعنا في هذا المساء في ms50 غير صالحكم، في يوم من ~~الأيام.» # ترجل الكاردينال وأمر الآخرين بأن يفعلوا مثله، ثم سلم عنان فرسه لخادمه، وربط ~~الفرسان الثلاثة أعنة خيولهم في السياج. # من الجلي أن صاحب الفندق، الذي جاء إلى الباب بنفسه، كان يتوقع مجيء ضابط، ولكنه لم يكن ~~يعرف من هو. # سأله الكاردينال: «هل عندك حجرة بمدفأة في الدور الأرضي، ليبيت فيها هؤلاء السادة ~~ويستمتعوا بالدفء؟» # انحنى صاحب الفندق، وقادهم إلى حجرة فسيحة استبدل فيها بالموقد الحديدي القديم، ~~موقد آخر كبير تضطرم بداخله نار. # أبدى الكاردينال استحسانه قائلا: «هذه حجرة رائعة! ادخلوا، يا سادة، وأرجو أن تنتظروا ~~هنا؛ فلن أتأخر عنكم طويلا.» # دخل الفرسان الثلاثة، على حين صعد الكاردينال إلى الطابق العلوي مباشرة، وكان واضحا ~~أنه يعرف الطريق جيدا. # جلس بورثوس وأراميس إلى مائدة بقرب المدفأة، وأخذ آثوس يذرع أرض الحجرة جيئة ~~وذهابا، مفكرا فيمن سيشرفه الكاردينال بمثل هذه الزيارة الخاطفة. وبينما هو يسير ~~هكذا في الحجرة، كان يمر مرارا بالموقد القديم غير المستعمل. وكانت أنبوبة المدخنة ~~المكسورة تخترق السقف وتتصل بمدفأة في الحجرة العليا. # وفي كل مرة يمر فيها آثوس بالأنبوبة، يخيل إليه أنه يسمع تمتمة أصوات؛ لذا توقف ~~عندها متنصتا. وقد أمتعه ما سمعه؛ إذ أشار لصديقيه بالتزام الصمت والتقدم من أنبوبة ~~المدخنة المكسورة. # سمعوا الكاردينال يقول: «اسمعي، يا ميلادي؛ فهذا الأمر بالغ الأهمية.» # فكر آثوس فيما سمع، وصاح في نفسه متعجبا: «رباه! ميلادي!» واقترب بأذنه ووضعها على ~~الأنبوبة، وبذا أمكنه أن يميز بوضوح كثيرا من المحادثة. # بعد لحظات قلائل، أخذ بأيدي صديقيه وقادهما إلى الطرف الآخر من الحجرة. # قال بورثوس: «ما الأمر؟ لم لا تصغي لنهاية الحديث؟» # قال آثوس هامسا: «صه! لقد سمعت كل ما أريد سماعه. وفضلا عن هذا، يجب أن أنصرف قبل أن ~~ينزل الكاردينال.» # قال بورثوس: «وماذا نقول له إن سأل عنك؟» # قال: «لا تنتظراه حتى يسأل. تكلما أولا. أخبراه بأنني خرجت لأفحص المنطقة المحيطة ~~بالفندق؛ إذ لدي سبب يجعلني أرتاب في الطريق. وسأخبر رجل الكاردينال بالشيء نفسه وأنا ~~مغادر. ms51 لا تقلقا علي ولا على ما سأفعله.» # رجع بورثوس وأراميس إلى مكانيهما قرب المدفأة، يستمتعان بدفئها. # خرج آثوس، فحل عنان جواده وشرح لتابع الكاردينال سبب مغادرته قبل زميليه. وامتطى ~~صهوة فرسه، وانطلق بسيف مسلول في الطريق المؤدية إلى المعسكر. # الفصل الحادي والعشرون # | ميلادي تستقبل زائرا غير متوقع # لم يكد آثوس يبتعد بحصانه كثيرا ، حتى استدار بعيدا عن الطريق، وانبرى عائدا، حتى صار ~~على مقربة من فندق برج الحمام الأحمر، فترجل واختبأ خلف سياج مرتفع من النباتات ~~المتسلقة، ليس ببعيد عن الطريق. ولم ينتظر هناك طويلا حتى أبصر الكاردينال وجماعته ~~يمرون في طريقهم عائدين إلى المعسكر، فتركهم يمرون بخيولهم حتى اختفوا عن ناظريه، ~~وامتطى جواده وأسرع عائدا إلى الفندق. # فتح صاحب الفندق الباب، فعرفه على الفور. وبادره آثوس: «أرسلني الضابط الذي زار السيدة ~~بالدور العلوي، برسالة نسي أن يعطيها إياها.» # رد صاحب الفندق: «السيدة لا تزال في حجرتها. اصعد إليها.» # صعد آثوس من فوره، محاذرا وهو يسير بخفة قدر الإمكان، فأبصر ميلادي من خلال الباب ~~المفتوح تلبس قبعتها، فتسلل إلى الحجرة، وأقفل الباب خلفه بالمزلاج، فالتفتت ~~ميلادي على صوت المزلاج. # وقف آثوس عند الباب متلفعا بمعطفه ويخفي عينيه بقبعته وذهلت ميلادي لهذا الشخص ~~الصامت الساكن الذي لا يتحرك، كأنه تمثال. # صاحت تسأله: «من أنت؟ ماذا تريد؟» # ردد آثوس لنفسه قائلا: «نعم، إنها هي.» # وأطلق معطفه، وخلع قبعته، وخطا نحوها قائلا: «أتعرفينني، يا سيدتي؟» # تقدمت ميلادي خطوة إلى الأمام، ثم تقهقرت إلى الخلف مذعورة وكأنها أبصرت ~~أفعى. # تمتمت تقول وقد امتقع لونها: «الكونت دي لا فير!» # قال آثوس: «نعم، الكونت دي لا فير بشخصه؛ زوجك! فلنقل كما قال الكاردينال منذ لحظة ~~قصيرة: اجلسي ودعينا نتحدث.» # جلست ميلادي مرتعبة، ولم تستطع أن تنبس ببنت شفة. # قال آثوس: «لم يدر بخلدي قط أن توجد امرأة شريرة مثلك! ها قد اعترضت طريقي مرة ~~أخرى. ظننتك شنقت وتخلص العالم منك. لكن يبدو أنني كنت مخدوعا، إلا إذا كنت قد ~~عدت إلى الحياة ثانية من الجحيم!» # رفعت ms52 ميلادي رأسها حين سمعت هذه الألفاظ التي ذكرتها بأحداث الماضي الأليمة. # استطرد آثوس، يقول: «نعم، منحتك الجحيم الحياة من جديد، ومنحتك ثروة واسما آخر، ~~ولكنها لم تستطع أن تمحو عنك سواد روحك، ولا علامة العار من كتفك.» # هبت ميلادي واقفة فجأة، وعيناها تقدحان بشرر الغضب، غير أن آثوس ظل جالسا لا ~~يتحرك. # استأنف آثوس كلامه: «ظننتني مت، كما ظننتك أنا كذلك. لقد أخفى اسم آثوس الكونت دي ~~لا فير، مثلما أخفى اسم ليدي وينتر اسم آن دي بريي. ألم يكن كذلك قبل أن نتزوج؟» # قالت ميلادي بصوت واهن مضطرب: «ماذا جاء بك إلي؟ ماذا تريد مني؟» ~~«أريدك أن تعلمي أنه رغم غيابك عن ناظري، فإن حياتك كانت ظاهرة لي ككتاب مفتوح ~~أمامي.» ~~«ماذا تعرف عني؟» ~~«بوسعي أن أخبرك بكل شيء اقترفته، يوما بيوم، منذ دخولك في خدمة الكاردينال، حتى ~~هذا المساء.» # ابتسمت ميلادي ابتسامة شاحبة، وهي تستعيد بعض الثقة؛ إذ خالته يبالغ في قوله. # أضاف آثوس بحدة: «اسمعي! ليس لدي وقت لأسرد عليك قائمة بكل جرائمك، أو أصف لك ~~حياتك الشريرة. ورغم ذلك، اكتشف دارتانيان سرك المخزي. هل تنكرين أنك استأجرت ~~رجلين ليتتبعاه، وعندما أخطأته قذائفهما، مرتين، أرسلت له نبيذا مسموما، مع خطاب ~~زائف؟ ثم .. ومنذ بضع دقائق فقط، في هذه الحجرة، ارتبطت بعهد مع الكاردينال على أن ~~تقتلي دوق بكنجهام، ونظير هذه الخدمة، سيسمح لك الكاردينال بقتل دارتانيان. وكان من ضمن ~~الكلمات التي استعملتها: «حياة بحياة، ورجل برجل. أليس كذلك؟»» # صاحت ميلادي، التي غدا وجهها شاحبا شحوب الموت: «لا بد أنك الشيطان نفسه!» # قال آثوس: «ربما، ولكن أصغي تماما وبإمعان إلى ما سأقول. يمكنك أن تفعلي ما تشائين فيما ~~يختص بدوق بكنجهام؛ تغتالينه أو تعملين على اغتياله، هذان سيان بالنسبة لي، ولكنك إن ~~لمست بطرف إصبعك شعرة واحدة من رأس دارتانيان، فإني أقسم برأس أبي على أن هذه الجريمة ~~ستكون آخر عهدك بالحياة!» # بقي آثوس صامتا لبضع لحظات، وقد ثبت عينيه على ميلادي، وصار وجهه صلبا ينم عن ~~عزم ms53 ومضاء. ونهض بطيئا من مقعده وأخرج مسدسه من جرابه. وشحب وجه ميلادي شحوب ~~الموتى، وبدت كأنها تحولت إلى تمثال حجري. وحاولت أن تصرخ، ولكن تجمدت الأصوات ~~في حلقها. # رفع آثوس المسدس ببطء، ومد ذراعه، وصوبه نحوها، وهو يتحدث بصوت مرعب، تدل ~~لهجته على الحسم وقوة العزيمة، قائلا: «أعطيني، في الحال، تلك الورقة التي وقعها ~~الكاردينال معك، وإلا نسفت رأسك!» # كان من الممكن أن ترتاب ميلادي في أي رجل آخر، أما بالنسبة لآثوس، فلا. كانت تعرف أنه ~~رجل الكلمة، وقرأت في وجهه الدال على الإصرار وقوة العزيمة، أنه يوشك على أن يطلق ~~النار، فأخرجت الورقة من جيبها سريعا، وقدمتها إليه. # فض آثوس الورقة، وقرأ: # 3 من ديسمبر سنة 1627 # إنه بأمري ولصالح الدولة فعل حامل هذه ما فعله. # ريشلييه # غادر آثوس الحجرة دون أن ينظر خلفه. وفي الخارج كان ثمة فارسان، وحصان أرسله ~~الكاردينال ليحمل ميلادي إلى الميناء في الانتظار. # يمم آثوس نحو الفارسين، وقال: «أيها السيدان، لا تنسيا أن الأوامر التي لديكما هي ~~مرافقة السيدة فورا إلى الميناء، وألا تتركاها إلا بعد أن تصعد على ظهر السفينة.» # كانت هذه التعليمات هي نفسها التي تلقاها الفارسان من قبل، فحيا الرجلان آثوس ~~علامة على الإذعان. # قفز آثوس على ظهر حصانه، وركض به. وبدلا من السير في الشارع، اختصر الطريق عبر الحقول. ~~وتوقف مرتين وأصغى، ولكنه لم يسمع شيئا. أما في المرة الثالثة، فسمع وقع حوافر خيول ~~مقبلة فتيقن في نفسه أنها خيول الكاردينال وجماعته؛ فتحاشاهم وسبقهم بحصانه إلى مكان ~~بجوار المعسكر قبلهم بمسافة ما. # وهناك أسرع فمسح العرق المتصبب من جسم جواده، واتخذ مكانا في وسط الطريق، ~~وانتظر. # عندما اقترب الركبان، صاح آثوس: «من هناك؟» # قال الكاردينال: «أهذا فارسنا الشجاع؟» # قال بورثوس: «أجل، يا سيدي. إنه هو.» # قال الكاردينال: «أشكر لك حراستك المتيقظة يا سيد آثوس.» # وحين بلغوا مدخل المعسكر، حيا الكاردينال الأصدقاء الثلاثة، واستمر في طريقه مع ~~تابعه. # حين ابتعد الكاردينال مسافة كافية، صاح آثوس: «بحوزتي الورقة التي وقع ~~عليها.» # لم ms54 يتفوه الأصدقاء الثلاثة بكلمة واحدة بعد ذلك، وهم في طريقهم إلى مقرهم، إلا ~~بإعطاء أفراد الحراسة كلمة السر. # الفصل الثاني والعشرون # | عقد رهان سخيف على عمل خطير # ما إن وصل الأصدقاء الثلاثة إلى مقرهم، حتى أرسل آثوس في طلب دارتانيان. # رأى آثوس أنه من الخطر الكلام بحرية حيث هم؛ لذا قرروا تناول طعام الإفطار مبكرا في ~~فندق القرية، حيث يختلفون معا. رفض آثوس أن يفصح بكلمة واحدة قبل أن يبلغوا مكانا ~~يمكنهم التحدث فيه دون أن يتنصت عليهم أحد، وحيث يبدو اجتماعهم طبيعيا. # ولسوء حظهم، وجد أن الفندق غير مناسب للحديث الخاص؛ إذ دائما ما يأتي إلى هناك ~~أفواج من رجال الحرس، والفرسان، والجنود لطلب المرطبات؛ لذا طرحوا فكرة المناقشة الخاصة ~~مؤقتا، وانهمكوا في حديث عام. # كان أهم ما دار حوله الحديث، هو الهجوم الذي شن على القلعة في اليوم السابق، وطرد ~~جنود روشيل، على حين غادر جنود الملك القلعة؛ خشية أن تسقط جدرانها عليهم. # قال آثوس لأربعة من ضباط الحرس: «أيها السادة، لدي رهان أريد أن أعقده معكم: ~~أراهن على أن أتناول، أنا ورفاقي الثلاثة، طعام الإفطار في القلعة. وسنمكث هناك ساعة ~~كاملة، رغم ما قد نتعرض له من العدو لإجبارنا على تركه.» # نظر بورثوس وأراميس، كل إلى الآخر، نظرة ذات مغزى. # قال السيد دي بوسيني، وهو أحد الضباط: «إذن، فلنحدد قيمة الرهان.» # قال آثوس: «أنتم أربعة رجال، ونحن أربعة؛ ومن ثم، فلتكن قيمة الرهان العشاء هنا في ~~الساعة الثامنة؟ أهذا يكفي؟» # وافق الضباط الأربعة، على الفور. # نادى آثوس خادمه جريمو، وأشار إلى سلة كبيرة في الركن. # فهم جريمو أن سيده يريد منه أن يضع في السلة طعام الإفطار، الذي أحضره صاحب ~~الفندق. وبعدها ينطلق الأصدقاء الأربعة، يتبعهم جريمو بالسلة إلى القلعة. # وعندما غادروا المعسكر، استدار دارتانيان نحو آثوس قائلا: «أخبرني، يا آثوس، إلى أين ~~نحن ذاهبون؟» ~~«لا داعي لهذا السؤال؛ يمكنك أن ترى بوضوح أننا ذاهبون إلى القلعة.» ~~«نعم، ولكن ماذا سنعمل هناك؟» ~~«نتناول الإفطار.» # قال دارتانيان بضيق: ms55 «ولم لا نفطر في الفندق؟ أنت غامض في هذا الصباح، يا ~~آثوس!» # قال آثوس: «لدينا أشياء هامة يجب مناقشتها. ومن المستحيل أن نتكلم ولو لدقيقتين فقط ~~في الفندق، دون مقاطعة. أما في القلعة، فنستطيع على الأقل أن نتكلم بحرية.» # قال دارتانيان: «يبدو لي أنه كان بوسعنا أن نتكلم بحرية في الحقول، أو على شاطئ ~~البحر .» # قال آثوس: «هناك سوف يلاحظوننا، نحن الأربعة، في الحال، وبعد ربع الساعة يصل الخبر إلى ~~الكاردينال عن طريق عيونه، بأننا نعقد جلسة سرية.» # استطرد آثوس قائلا: «عقدنا رهانا، وأتحدى أي شخص غيرنا، أن يخمن الغرض الحقيقي من ~~هذا الرهان. ولكي نكسبه، سنبقى داخل القلعة ساعة كاملة، سواء هوجمنا أو لم نهاجم؛ فهذا ~~لا يهم. سيكون لدينا متسع من الوقت للحديث، وأنا على يقين من أن تلك الحوائط ليس لها ~~آذان! فإذا هوجمنا، فلا يزال بمقدورنا أن نتحدث في شئوننا. أضف إلى ذلك أننا في دفاعنا عن ~~أنفسنا، نجلل أنفسنا بالمجد والفخار. وهكذا ترى أن كل شيء في صالحنا.» # قال دارتانيان: «نعم، ولكن من المؤكد أننا سنكون هدفا لقذائف العدو.» # قال آثوس: «هذا ممكن جدا، ولكنك تعرف، كما أعرف أنا، أن القذائف التي تخشى أكثر من أي ~~شيء، لا تأتي من العدو!» # قال بورثوس: «كان علينا أن نسلح أنفسنا لمثل هذا العمل الخطير.» # رد آثوس: «سيكون هذا عبئا عديم الجدوى. أنسيت ما أخبرنا به دارتانيان عن الهجوم الذي ~~حدث بالأمس؟» # سأله بورثوس بحدة: «ماذا قال؟» # أجاب آثوس: «في هجوم الأمس، قتل ثمانية جنود أو عشرة في القلعة، ومثلهم من رجال ~~روشيل.» ~~«وبعد؟» # رد آثوس: «لم يدفنوا، ولم تؤخذ أسلحتهم؛ لذا سنجد بنادقهم وبارودهم ~~وخراطيشهم.» # عند ذلك وصل الأربعة إلى القلعة، وتطلعوا فيما حولهم، فوجدوا ثلاثمائة جندي على الأقل، ~~في جماعات صغيرة، على طول حدود المعسكر. وفي إحدى تلك الجماعات، تعرفوا على السيد دي ~~بوسيني، وأصدقائه الثلاثة. # خلع آثوس قبعته ووضعها على طرف سيفه، ولوح بها في الهواء. # وعندما دخل الأربعة القلعة، أمكنهم سماع هتافات الجنود من ms56 بعيد. # الفصل الثالث والعشرون # | انعقاد مجلس الأربعة في ظل ظروف صعبة # كما كان متوقعا، وجد المغامرون الأربعة اثنتي عشرة جثة داخل القلعة، فجمعوا ~~بنادقهم الاثنتي عشرة في الحال، وشحنوها تحسبا لأي هجوم يحدث. # افترش الأربعة الأرض، حول طعام الإفطار الذي وضع على مفرش أبيض. وأعطى آثوس خادمه ~~نصيبا من الطعام، وأمره بالحراسة. # قال دارتانيان: «لا خوف الآن من أن يسمعنا أحد؛ وعلى هذا، فأرجو أن تطلعني سريعا على ~~سرك.» # قال آثوس: «السر هو أنني زرت ميلادي في الليلة الماضية.» ~~«زرت زوج...!» # قاطعه آثوس قائلا: «صه! أنسيت أن هذين السيدين لا يعلمان شيئا عن شئوني العائلية؟ ~~لقد رأيت ميلادي.» # قال دارتانيان: «أين؟» ~~«في فندق برج الحمام الأحمر.» # قال دارتانيان: «إذن، فقد ضعت!» # قال آثوس: «لا! ليس الأمر سيئا إلى هذه الدرجة، يا صديقي. ربما تكون ميلادي قد غادرت ~~الشواطئ الفرنسية، الآن.» # تنفس دارتانيان الصعداء. # سأل بورثوس بصوته العميق: «ومن هي ميلادي هذه؟» # قال آثوس: «امرأة فاتنة. امرأة بالغة الفتنة. يبدو أنها مغرمة بدارتانيان كثيرا، ~~لدرجة أنها استأجرت رجلين ليغتالاه، فحاولا ذلك مرتين، ولكنهما أخفقا. ثم أرسلت له هدية ~~قيمة من العصير المسموم، والذي كنا نوشك على أن نشاركه إياه. وفي الليلة الماضية، ~~طالبت الكاردينال برأسه.» # صاح دارتانيان، وقد شحب لونه: «مستحيل!» # قال بورثوس: «نعم، هذا جد صحيح، لقد سمعتها بأذني.» # قال أراميس: «وأنا أيضا.» # رد دارتانيان، وقد ثبطت عزيمته تماما: «إذن، فلا جدوى لي من النضال بعد ذلك. ~~يمكنني أن أنسف رأسي، فينتهي كل شيء.» # قال آثوس: «هذا غباء محض طالما لا علاج لذلك. يا لرحمة السماء! يشير جريمو بالاستعداد ~~لاستقبال زائرين.» # لقد أنبأهم جريمو، بأن العدو يتقدم نحو القلعة. # قال آثوس: «كم رجلا؟» ~~«عشرون.» ~~«وما نوعهم؟» ~~«ستة عشر عاملا، وأربعة جنود.» # نهض آثوس، والتقط بندقية محشوة، وتقدم من فتحة في الحائط، وحذا بورثوس وأراميس ~~ودارتانيان حذوه. ووقف جريمو خلفهم تماما، على استعداد لإعادة شحن بنادقهم بمجرد ~~إطلاقها. # تقدم العدو داخل خندق يربط بين المدينة والقلعة، ووقف آثوس مكشوفا تماما ~~ليراقبهم. ms57 # صاح دارتانيان: «خذ حذرك، يا آثوس! ألا تراهم يصوبون بنادقهم نحوك؟» # في تلك اللحظة، أطلق الجنود الأربعة بنادقهم فأصابت طلقاتهم الحائط قريبا من ~~آثوس. # وردت عليهم أربع طلقات مسددة بإحكام، فسقط ثلاثة جنود قتلى، وجرح ~~جندي. # وبسرعة تم تغيير البنادق، وانطلقت مرة أخرى، فسقط الجندي الجريح، واثنان من العمال ~~قتلى. وعندئذ فر بقية الرجال هاربين . # صاح آثوس: «والآن، هيا بنا نطاردهم، يا سادة.» # اندفع الأربعة خارجين من القلعة إلى ساحة المعركة، غير أنهم سرعان ما اقتنعوا بأن العدو ~~لن يتوقف حتى يصل إلى موضع الأمان في المدينة. ولذا جمعوا بنادق الجنود الأربعة القتلى، ~~وعادوا إلى القلعة ظافرين. # قال دارتانيان: «أتذكر أنك قلت إن ميلادي ستكون الآن قد غادرت شواطئ فرنسا، فإلى ~~أين ستذهب؟» ~~«إلى إنجلترا.» ~~«وما هدفها؟» # أجاب آثوس: «هدفها أن تغتال دوق بكنجهام، أو تعمل على اغتياله. ولكن هذا لا يهمني في ~~قليل أو كثير.» # استدار آثوس نحو خادمه، وقال: «أي جريمو، اربط فوطة مائدة في ساق خشبية، وضعها بحيث ~~ترفرف فوق القلعة؛ فيبين هذا للعدو، أنهم يتعاملون مع جنود صناديد مخلصين من جنود ~~الملك.» # أطاع جريمو الأمر، وسرعان ما كان العلم الأبيض يرفرف عاليا فوق الأبطال الأربعة، ~~فاستقبل ظهور العلم بهتافات عالية من المعسكر. # استمر الأصدقاء الأربعة في تناول طعام الإفطار، والتحدث عن ميلادي. وارتجفت يدا ~~دارتانيان حين فتح آثوس الورقة التي أجبر ميلادي على أن تسلمه إياها. # قال دارتانيان، وكأنما في هذه الورقة الحكم بإعدامه: «يجب تمزيق هذه الورقة!» # قال آثوس: «لا؛ فلهذه الورقة أهمية أكثر مما تظن.» # سأله دارتانيان: «ولكن، ماذا هي فاعلة الآن؟» # رد آثوس: «لا شك في أنها ستكتب للكاردينال، تبلغه أن فارسا ملعونا اسمه آثوس ~~أجبرها على أن تسلمه الورقة التي تحميها. ومن المحتمل أن تشير عليه، في الوقت نفسه، ~~بالتخلص من صديقيه أراميس وبورثوس. وعندئذ يتذكر الكاردينال أننا اعترضنا طريقه أكثر ~~من مرة. وفي صباح جميل مشرق، عندما يقبض على دارتانيان، ويلقى في غياهب السجن، ~~سيرسلوننا إليه لنؤنس وحدته!» # صاح دارتانيان: «عندي ms58 فكرة.» # بادره الثلاثة الآخرون، في صوت واحد، قائلين: «ما هي؟» # قاطعهم صياح جريمو بقوله: «إلى السلاح!» # هب الشبان الأربعة المغامرون، وأمسكوا بنادقهم. # كان العدو القادم، في هذه المرة، أكثر عددا، كانوا ما بين عشرين وخمسة وعشرين رجلا. ~~وكانوا كلهم جنودا مسلحين. # قال بورثوس: «فلنعد إلى المعسكر، إذ لا أظن أن الجانبين متعادلان تماما.» # رد آثوس : «لن يحدث هذا؛ لثلاثة أسباب؛ أولا، لم ننه إفطارنا، وثانيا، لدينا أمور ~~هامة جدا تجب مناقشتها، وثالثا، لا يزال أمامنا عشر دقائق لنكمل مدة ~~الساعة!» # قال أراميس: «في هذه الحالة، فلنعد خطة للقتال.» # قال آثوس: «لا شيء أسهل منها؛ فبمجرد اقتراب العدو، حتى يصير على مرمى أسلحتنا، ~~نطلق النار. فإن استمر في الزحف، أعدنا الكرة، مرة ومرات، ما دامت لدينا بنادق ~~محشوة، فإن استمر الباقون في هجومهم، فلنستدرجهم إلى الخندق أسفلنا، ثم ندفع فوقهم ~~الجدار الذي لا يزال قائما بمعجزة.» # أثنى الجميع على هذه الخطة، قائلين بأنها رائعة، وصوب كل واحد منهم بندقيته نحو ~~جندي. # صاح آثوس: «أطلقوا النار!» # وأطلقت أربع بنادق، فسقط أربعة جنود صرعى. # ودق العدو طبوله بسرعة أكثر، فتقدمت الفرقة الصغيرة عدوا. واستمر الأربعة ~~في إطلاق النار، وأخذ الجنود في السقوط، على حين استمر الباقون يتقدمون. # وأخيرا، وصل اثنا عشر جنديا إلى الخندق أسفل جدران الحصن. وبدون توقف، أخذوا ~~يستعدون للتسلق. # صاح آثوس: «والآن، الجدار، الجدار!» # انقض الأربعة، يساعدهم جريمو، على الجدار الضخم الذي يميل إلى الخارج، فدفعوه ببنادقهم، ~~فهوى إلى الخندق محدثا دويا هائلا، وإذا بصرخات الجنود المحبوسين في الخندق تتعالى، ~~وارتفعت سحابة ضخمة من الغبار، وبدا السكوت الذي أعقب هذا، غير عادي. # قال آثوس: «لست أدري، ما إذا كنا قد أبدناهم جميعا أو لا.» # قال دارتانيان: «يبدو أننا أبدناهم جميعا.» # صاح آثوس: «لا؛ فهناك ثلاثة أو أربعة يزحفون إلى الخارج.» # والواقع أن أربعة جنود، سيئي الحظ، مسربلين بالتراب والدم، كانوا في طريقهم داخل ~~الخندق عائدين إلى المدينة. كانوا هم وحدهم الأحياء من القوة المهاجمة. # الفصل الرابع والعشرون # | خاتم يحل مشكلة ms59 خطيرة # قال آثوس: «سادتي، لنا الآن ساعة كاملة داخل القلعة؛ لذا فقد كسبنا الرهان، ولكننا لا ~~نستطيع المغادرة حتى يخبرنا دارتانيان بفكرته.» # قال دارتانيان: «فكرتي، أن نذهب إلى إنجلترا ونحذر بكنجهام. كنت هناك ذات مرة، فأثنى ~~علي هذا الدوق كثيرا عن دوري في ماسات الملكة.» # قال آثوس: «لا، لا يمكنك أن تفعل هذا، يا دارتانيان ! فعندما ذهبت إلى إنجلترا، قبل ~~اليوم، لم نكن في حرب معها. أما الآن، فنحن في حرب معها، وبكنجهام عدونا، وزيارتك إياه ~~تعد خيانة عظمى!» # لم يمض وقت طويل حتى قطع حديثهم صفارة الإنذار العام بالخطر، في المدينة. # قال آثوس: «يبدو أنهم في طريقهم لإرسال فرقة كاملة لقتالنا. فليأتوا إذن، فسوف تستغرق ~~مسيرتهم ربع الساعة من المدينة إلى هنا، وفي هذا الوقت، نكون بالتأكيد قد فكرنا في خطة ~~ما؛ فإن غادرنا هذا المكان، فلن نجد مكانا آخر مناسبا. آه! انتظروا لحظة؛ فلدي ~~فكرة.» # نادى آثوس خادمه جريمو، وأشار أولا، إلى جثث الجنود القتلى في القلعة، ثم إلى الحوائط، ~~وأخيرا إلى قبعاتهم وبنادقهم، فصاح دارتانيان: «يا لك من رجل عظيم! لقد فهمت ~~الآن.» # قال بورثوس: «أحقا؟» # قال أراميس: «هل فهمت، يا جريمو؟» # وكان جريمو منهمكا في العمل. # قال آثوس: «والآن، هيا لننفذ الفكرة. هذه المخلوقة، هذه المرأة الشريرة التي تدعى ~~ميلادي، أليس لها أخو زوج، يا دارتانيان؟» ~~«بلى، وأعرفه جيدا، كما أعرف أيضا أن علاقته بأرملة أخيه ليست كما يجب.» # عقب آثوس بقوله: «إن كان يمقتها، فهذا أفضل.» # قال بورثوس: «رغم ذلك، أريد أن أعرف ما يفعله جريمو.» # قال أراميس: «اسمع، يا بورثوس!» # قال آثوس: «ما اسم شقيق زوجها هذا؟» ~~«لورد وينتر.» ~~«وأين هو الآن؟» ~~«لقد عاد إلى إنجلترا عند أول إشارة للحرب.» ~~«حسن، فلنحذره، ونخبره بزيارتها وهدفها. ويقينا، سيجد لها مكانا يمكن أن يسجنها ~~فيه، وعندئذ نحظى بالأمان.» # قال بورثوس: «رغم عدم قدرتنا على ترك المعسكر للذهاب إلى إنجلترا، فبوسع رجالنا أن ~~يفعلوا.» # قال أراميس: «بالطبع يستطيعون. فلنكتب خطابا، ونزود رسولنا بالمال الكافي، وبوسعه أن ~~يرحل ms60 اليوم.» # قال آثوس: «مال! هل معكم أي مال؟» # نظر كل واحد من الأربعة إلى الآخر بوجه مكفهر، وهو يعلم أنهم هم الأربعة جميعا، لا ~~يمكنهم تدبير المال الكافي لتلك الرحلة. # قال دارتانيان وهو يقفز منتصبا على قدميه: «احترسوا! لقد تكلمت عن فرقة من الجنود، ~~يا آثوس، ولكن ها هو ذا جيش قادم.» # قال آثوس: «أقسم بشرفي إنك لعلى حق. هل انتهيت من عملك، يا جريمو؟» # أشار جريمو إلى الاثنتي عشرة جثة التي صفها على الحائط؛ بعضها يحمل بنادق، وبعض آخر ~~يبدو وكأنه يصوبها، ويمسك الباقون السيوف في أيديهم. # صاح آثوس: «مرحى! مرحى! هذا عمل عظيم يشرفك، يا جريمو!» # قال بورثوس: «هذا رائع، ولكني أحب أن أفهم!» ~~«فلننصرف من هنا الآن، وستفهم فيما بعد.» # كان جريمو قد انصرف بسلة الإفطار، ثم خرج في إثره الأصدقاء الأربعة، إلا أنهم بمجرد ~~أن غادروا القلعة حتى توقف آثوس. # سأله أراميس: «هل نسيت شيئا؟» ~~«العلم! يجب ألا نترك العلم في أيدي العدو، حتى ولو كان مجرد فوطة مائدة!» # قال هذا، وجرى عائدا إلى القلعة، فتسلق إلى القمة، وأنزل فوطة المائدة. وفي تلك الآونة، ~~كان العدو على مرمى البنادق، فلما أبصر رجلا يعرض نفسه لهم بغباء، أطلق النار ~~عليه. # لم يصب آثوس، وكأنه يحمل تعويذة سحرية. ومع ذلك، فقد اخترقت ثلاث طلقات الفوطة، ~~وجعلت منها علما حقيقيا! # نزل آثوس، وانضم إلى أصدقائه الذين كانوا ينتظرونه بهدوء، وأداروا ظهورهم إلى القلعة، ~~متجهين نحو المعسكر بخطى وئيدة. # بعد ذلك بلحظة، سمعوا أصوات طلقات سريعة متلاحقة. # صاح بورثوس: «ما هذا؟ على أي شيء يطلقون قذائفهم الآن؟ ما من قذائف تنفذ إلى هذه ~~الناحية، ولا يمكنني أن أرى أحدا.» ~~«إنهم يطلقون القذائف على الجثث التي في القلعة.» ~~«ولكن الموتى لا يمكنهم الرد على نيرانهم!» ~~«بالطبع لا. ولكن في الوقت الذي يكتشف فيه الجيش الحيلة، نكون نحن في أمان بعيدا عن ~~مدى نيرانهم؛ ولهذا السبب، لسنا بحاجة إلى الجري لكيلا نصاب بالبرد.» # صاح بورثوس بدهشة: «رباه! الآن فهمت!» # قال آثوس وهو ms61 يهز رأسه ببطء: «أخيرا!» # إلا أن القذائف سرعان ما أطلقت على المغامرين الأربعة؛ فقد استولى العدو على ~~القلعة. # قال آثوس: «أقسم بشرفي، إنهم جنود مساكين! لست أدري كم قتلنا منهم، ربما اثني ~~عشر.» ~~«أو خمسة عشر.» ~~«وكم سحقنا تحت الجدار؟» ~~«ثمانية أو عشرة.» ~~«وفي مقابل ذلك، لم نصب بخدش، ولكن ماذا أصاب يدك، يا دارتانيان ؟ يبدو أنها ~~تنزف.» # قال دارتانيان: «إنه لا شيء، انحشرت أصابعي بين حجرين فقطع الجلد. هذا هو كل ما ~~حدث.» # عقب آثوس قائلا: «هذا نتيجة لبس الماس، يا صديقي الصغير.» # صاح بورثوس: «أيوجد هذا الماس ونشغل أنفسنا بموضوع المال؟» # قال آثوس: «هذا تفكير صائب، يا بورثوس! في هذه المرة لك فكر يعتد به!» # قال بورثوس مبتهجا لسماع إطراء آثوس عليه: «طبعا، طالما توجد ماسة، ~~فلنبعها.» # قال دارتانيان: «ولكنها الماسة التي أعطتنيها الملكة!» # قال آثوس: «هذا سبب أقوى لبيعها. ألن ننقذ بها صديق الملكة، دوق بكنجهام؟ ما رأيك يا ~~أراميس، وقد أعطى بورثوس رأيه؟» # قال أراميس، في صوت خفيض رقيق: «حيث إن هذا الخاتم لم يعط كدليل للصداقة، بل مكافأة ~~على خدمات جليل، فلا أرى مانعا من بيعه.» # قال آثوس: «أنت تتكلم كواعظ المستقبل، يا عزيزي أراميس. نصيحتك ...؟» # قاطعه أراميس قائلا: «بيعوا الماسة.» # قال دارتانيان: «إذن، فلنبع الماسة.» # قال آثوس: «نحن الآن على مشارف المعسكر، يا سادة، فلا تتفوهوا بكلمة واحدة في هذا ~~الموضوع.» # الفصل الخامس والعشرون # | دارتانيان يحقق أعظم رغباته وأراميس يخط خطابا صعبا # تجمع آلاف الجنود عند حدود المعسكر، وهم يملئون الجو صياحا حين هل الأربعة من ~~مغامرتهم المجيدة، وإن كانت بدون تعقل. ولم يفطن أي فرد لغرضها الحقيقي. ولبعض الوقت ~~ما كان يسمع سوى: «يحيا الفرسان» و«يحيا الحرس». والواقع أن الأصوات غدت صاخبة، حتى إن ~~الكاردينال أرسل قائد الحرس ليستطلع ما يجري هناك. # لم يمض وقت طويل، حتى رجع قائد الحرس إلى الكاردينال بالخبر اليقين. # قال القائد: «تراهن ثلاثة فرسان ورجل من الحرس التابع للسيد ديسار، مع السيد دي ~~بوسيني، يا سيدي، على أن ms62 بوسعهم أن يتناولوا إفطارهم في القلعة، ويظلوا به مدة ساعة ~~كاملة. ويبدو أنهم مكثوا في القلعة قرابة ساعتين، لا ساعة واحدة. واستولوا على القلعة ~~رغم عدة هجمات قام بها العدو. وقتلوا عددا لا أستطيع حصره.» ~~«هل عرفت أسماء أولئك الفرسان الثلاثة؟» ~~«أجل، يا سيدي. إنهم السادة آثوس وبورثوس وأراميس.» # تمتم الكاردينال: «أولئك الثلاثة، مرة أخرى؟ ومن الحارس؟» ~~«السيد دارتانيان، يا سيدي.» # قال الكاردينال لنفسه: «آه! الحقيقة أنه يجب أن ألحق هؤلاء الرجال بخدمتي.» # وعند الظهيرة، تحدث الكاردينال إلى السيد دي تريفي عن مغامرة الصباح، وحاول قدر ~~استطاعته ألا يكثر من الكلام عنها؛ إذ كانت حديث المعسكر كله. وعلم السيد دي تريفي، ~~بجميع تفاصيل هذا الأمر، من الأصدقاء الأربعة أنفسهم، فأعاد القصة للكاردينال، بكل ~~تفاصيلها، ولم ينس دور فوطة المائدة التي اتخذوها علما.» # قال الكاردينال: «هذا رائع! أرجوك أن ترسل لي فوطة المائدة تلك، وسآمر بأن يطرز ~~عليها بخيوط الذهب، ثلاث زهرات نرجس، ثم أهدها لفرسانك كعلم فخار لهم.» # قال السيد دي تريفي، بغير تردد: «لن يكون هذا عدلا لرجال الحرس، يا سيدي! فليس السيد ~~دارتانيان تابعا لي، بل هو من رجال الحرس، تحت إمرة السيد ديسار.» # قال الكاردينال: «إذن، فسأجعله فارسا! فعندما يلتحم أربعة رجال معا في صداقة وطيدة، ~~فمن العدل أن يعملوا معا.» # حين سمع دارتانيان هذا النبأ أحس بفرحة عارمة تجتاح كيانه؛ إذ كان حلم حياته أن يصير ~~فارسا. ولم يكن أصدقاؤه الثلاثة بأقل منه فرحا. # قال دارتانيان: «يا للسماء! لقد أتت فكرتك يا آثوس، بأعظم مما ظننت؛ فقد اكتسينا بالمجد، ~~وصرت فارسا، رغم سرية هدفنا.» # قال آثوس: «نعم، وزيادة على ذلك، فسيظل حديثنا سريا، دون أن يشتبه فينا أحد، في كل ~~مرة نرى فيها معا.» # في ذلك المساء، قدم دارتانيان نفسه للسيد ديسار، قبل انتقاله إلى فرقة الفرسان. وكان ~~السيد ديسار يجل دارتانيان كثيرا، فعرض عليه نقودا لتغطية نفقات حلته الجديدة، ~~والمطالب الأخرى اللازمة له، فشكره دارتانيان في أدب جم، رافضا قبول أية مساعدة من أي ~~إنسان. ms63 إلا أنه انتهز هذه الفرصة، وطلب من السيد ديسار أن يثمن له الماسة، لأنه يريد ~~بيعها. وبعد ظهر اليوم التالي، ذهب خادم السيد ديسار إلى دارتانيان، فسلمه كيسا يحوي ~~سبعة آلاف جنيه، ثمنا لخاتم الملكة الماسي. # بعد ذلك بعدة أمسيات، تقابل الأصدقاء الأربعة، ليكملوا حديثهم الخاص. ولم يبق إلا ~~أن يكتبوا الرسالة، ويقرروا من من رجالهم سيحملها. وبعد مناقشة طويلة، عهدوا بكتابة ~~الرسالة إلى أراميس، العالم، وواعظ المستقبل، فكتب الرسالة التالية: # سيدي اللورد # تشرف كاتب هذه السطور القليلة بأن تبارز معك في ساحة مسيجة خلف اللوفر. ~~وإذ أقررت عدة مرات، أنك صديق هذا الشخص، فإنه يرى من واجبه على طريق هذه ~~الصداقة، أن يرسل إليك هذه المعلومات. لقد كدت، ذات مرة، أن تكون ضحية إحدى ~~قريباتك، التي تعتقد أنها وارثتك الوحيدة؛ لأنك تجهل أنها قبل زواجها في إنجلترا، ~~كانت متزوجة في فرنسا ولكنك قد تموت هذه المرة! # لقد غادرت قريبتك روشيل إلى إنجلترا، أثناء الليل، فترقب وصولها؛ لأن لديها ~~خططا عظمى رهيبة، وإذا أردت أن تعرف ما هي قادرة على فعله فاقرأ تاريخ ماضيها ~~على كتفها اليسرى! # وبعد الفراغ من الرسالة، قرروا إرسال بلانشيه، خادم دارتانيان، بها إلى لندن، ونودي ~~عليه، وزود بالتعليمات، مع سبعمائة جنيه مصروفا للرحلة، ووعد بسبعمائة جنيه أخرى ~~عند عودته ظافرا. # وقال له دارتانيان: «والآن، أمامك ثمانية أيام لكي تصل إلى لورد وينتر، وثمانية أيام ~~للعودة. فإذا لم ترجع في الساعة الثامنة مساء، بعد ستة عشر يوما من الغد، حتى ولو تأخرت ~~خمس دقائق، فلن يكون لك نقود أخرى!» # قال بلانشيه: «إذن، فلتشتر لي ساعة.» # قال آثوس، وقد تفضل بإعطائه ساعته: «إليك هذه، ولكن تذكر أنك إن تفوهت بشيء، أو ~~احتسيت خمرا، فستعرض حياة سيدك للخطر. وتذكر أيضا، أنه إذا أصاب دارتانيان أي ~~سوء، من جراء خطأ منك، فسأجدك أينما كنت، وأقطعك إربا إربا!» # وأضاف بورثوس، وهو يدير عينيه النجلاوين: «وسأسلخك حيا!» # وعقب أراميس ببطء، بصوته الرقيق المألوف: «سأشويك فوق نار هادئة!» # اقتاد دارتانيان خادمه خارجا، ms64 وتحدث إليه بهدوء وجدية، قائلا: «إنك تعرف أصدقائي ~~الثلاثة حق المعرفة. لقد تكلموا معك بهذه الطريقة، بدافع محبتهم لي.» # قال بلانشيه وقد اغرورقت عيناه بالدموع: «سوف أنجح، يا سيدي، أو أقتل في هذه ~~المحاولة.» # قال دارتانيان: «اذهب الآن واسترح، واحفظ الرسالة عن ظهر قلب، ثم أخفها في بطانة ~~سترتك.» # في الصباح التالي، عندما كان بلانشيه موشكا على الخروج في رحلته، انتحى به دارتانيان ~~جانبا، وقال له: «أصغ إلي جيدا، يا بلانشيه. بعد أن تسلم الرسالة إلى لورد وينتر، ~~وبعد أن يقرأها، قل له أن يحرس صاحب السمو دوق بكنجهام، لأنهم يخططون لاغتياله. هذه ~~مسألة خطيرة، يا بلانشيه، سرية لدرجة أنها أثمن من حياتي أنا! فلم أكتب عنها، ولكني ~~أعهد بها إليك.» # رد بلانشيه: «تأكد، يا سيدي، من أنك وضعت ثقتك فيمن تجدر الثقة به.» # في الساعة الثامنة تماما، بعد اليوم السادس عشر من رحيل بلانشيه، عاد الرجل وقدم نفسه ~~لسيده، ودس مذكرة في يده. # همس دارتانيان لأصدقائه قائلا: «معي المذكرة.» # قال آثوس: «هذا رائع! فلنذهب إلى البيت ونقرأها.» # كان بتلك المذكرة نصف سطر مدون بخط إنجليزي واضح: ~~«شكرا؛ لا تقلق!» # أخذ آثوس المذكرة وأحرقها، وانتظر حتى تم احتراقها تماما وصارت رمادا. # قال دارتانيان لبلانشيه: «والآن، يا رجلي، اذهب إلى الفراش ونم نوما عميقا.» ~~«نعم، يا سيدي، وستكون هذه أول مرة أنام فيها، طوال ستة عشر يوما.» فقال الأربعة معا: ~~«ونحن أيضا.» # الفصل السادس والعشرون # | العدالة # تسلم اللورد وينتر الرسالة التي حملها بلانشيه، وكان لديه متسع من الوقت لمراقبة ~~ميلادي في جميع الموانئ الجنوبية بإنجلترا. # وعندما وصلت ميلادي إلى شاطئ إنجلترا، قبض عليها في الحال، وسجنت بموافقة دوق ~~بكنجهام، في أحد قصور اللورد وينتر، الذي لم يكن يدرك أي نوع من النساء هذه المرأة؛ فلو ~~عرف ذلك، لما تركها بعيدا عن ناظريه للحظات، ولقيد يديها وقدميها بالسلاسل، ~~ولربطها في جدار، واحتفظ بمفاتيح زنزانتها معه هو شخصيا. # تمكنت ميلادي من الهروب، بعد أقل من أسبوع، واختفى معها سجانها السيد فيلتون، وهو ~~ضابط ms65 بحري سابق، صغير السن. وفي فجر اليوم التالي لهروبها، كانت على ظهر سفينة مغادرة ~~إلى فرنسا. # وكان اللورد وينتر قد عهد إلى فيلتون بأسيرته الجميلة. وكانت وظيفة هذا السجان، ~~الإشراف على وجبات طعام السجينة، وملاحظة تغيير الحراس كل ساعتين، وأن يحتفظ معه ~~دائما، بمفاتيح زنزانتها. ولكن سرعان ما اكتشفت ميلادي أن فيلتون يمقت دوق بكنجهام، ~~مقته السم؛ لأنه عارض في ترقيته أثناء خدمته في البحرية، وبذا أجبره على الخدمة على ~~الشاطئ. وسريعا ما أشعلت ميلادي نار حقده، فاختلقت بعض الأكاذيب، وأخبرته بأنها هي ~~أيضا من ضحايا ذلك الدوق. وقالت إنها استدرجت إلى إنجلترا بخدعة، ثم قبض عليها، ~~وسجنت زورا بأوامر الدوق، لأنها رفضت أن تتزوجه؛ ومن ثم فقد سجنها الدوق ~~ليعذبها حتى ترضخ له وتتزوجه. # وسرعان ما أثارت ميلادي عطف هذا السجان الصغير، بجمالها ودموعها وأكاذيبها. بعد ذلك، ~~بوقت قصير، أقنعته بأن يقتل الدوق الشرير، وبذا يكون قد أدى عملا نبيلا؛ إذ سينقذ ~~شرف فتاة بريئة مهيضة الجناح، وفي الوقت ذاته، يخلص إنجلترا من رجل قاس ظالم. # تأخر إخطار اللورد وينتر، لبضع ساعات، بهروب ميلادي، واختفاء فيلتون المفاجئ. وعلى ~~الفور أرسل الخبر إلى بكنجهام، لتحذيره من الخطر المحدق به، ولكن بعد فوات الأوان؛ إذ ~~نفذ القاتل فيلتون جنايته الشنيعة. وهكذا، أنجزت ميلادي المهمة الموكولة إليها، رغم ~~سجنها؛ ومن ثم يقع إثم هذه الجناية عليها، وإن لم تكن هي المنفذة الفعلية ~~للجريمة. # في ذلك اليوم نفسه، سافر لورد وينتر إلى فرنسا ليطارد ميلادي. ولم يكن من العسير عليه ~~أن يتتبع حركات مثل هذه المسافرة الحسناء، التي كانت تدفع أجر الخدمات بالذهب، في ~~مختلف الفنادق التي تنزل بها. فلما وصل إلى بيتون، لم يعثر عليها هناك؛ إذ كانت قد رحلت ~~قبل وصوله بوقت قصير إلى أرمانتيير. ولكن، وكأن يد القدر قد تدخلت، التقى هناك ~~آثوس وبورثوس وأراميس ودارتانيان، الذين تصادف وجودهم في بيتون لأمر خاص، فأخبرهم لورد ~~وينتر بكل ما حدث. # قال اللورد وينتر: «وهكذا ترون أنه يجب اتخاذ الخطوات اللازمة للقبض ms66 على هذه المرأة ~~الشريرة، ومعاقبتها بأسرع ما يمكن. هذا واجب ينبغي إنجازه؛ إذ اكتشفت حديثا، أنها هي ~~التي تسببت في موت أخي؛ بأن دست له السم.» # هبت في تلك الليلة عاصفة هوجاء، غير أنه رغم الوابل المنهمر، خرج آثوس وحده في الظلام، ~~وقام بجولة خاطفة في تلك القرية. # تأخر الذهاب إلى أرمانتيير، في الصباح التالي لبعض الوقت، إلى حين مجيء رجل طويل ~~القامة، مقنع، يرتدي معطفا طويلا أحمر اللون. لم يتبين أي فرد من يكون ذلك ~~الرجل، سوى آثوس الذي كان رئيس الفرقة. # ولم يقم آثوس بتعارفهم؛ لذا لم تكن ثمة أسئلة. وامتطوا جميعا خيولهم، وجاسوا في ~~سكون خلال الوحل الكثيف والمطر الغزير. # انتهت مطاردة ميلادي في أرمانتيير، في وقت متأخر من ذلك المساء. وبدأت محاكمتها على ~~الفور، بدون إجراءات رسمية. وكان الشهود هم آثوس وبورثوس وأراميس ودارتانيان ولورد وينتر ~~والرجل الطويل المقنع. وصدر الحكم بالإعدام بيدي الجلاد العام. # كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، عندما خرج الفريق ومعهم ميلادي في آخر رحلة لها في ~~هذه الدنيا. وكانت العاصفة قد هدأت، وكأن الطبيعة نفسها قد اقتنعت أخيرا بوجوب القصاص ~~وتنفيذ حكم العدالة. وكان القمر الشاحب في أعقاب آثار العاصفة قد بدا أحمر بلون الدم، ~~ويظهر منخفضا في السماء. وأمام خلفية من الضوء الباهت، بدت حدود البيوت في أرمانتيير بحيث ~~لا تكاد ترى، ولا يمكن تمييزها. # على مسافة قصيرة أمام هذا الفريق الصامت، كانت المياه الصامتة لنهر ليس، تتدفق في ~~بطء، كأنه نهر من الرصاص. وعلى الشاطئ البعيد، كانت تلوح حدود كتلة من الأشجار تحت ~~السماء التي لا تزال مزدحمة بالسحب المتقطعة، فتنعكس عليها أشعة القمر، وتخلق نوعا من ~~الشفق المخيف. # وفي حقل على يسار الطريق، تقوم طاحونة هواء مهجورة، ذات شراع واحد شاحب اللون، ~~معطل، ويشير إلى أعلى، يشبه من كافة الوجوه إصبع اتهام ضخمة. ومن بين تلك الأنقاض، ~~تصدر بومة وحيدة نعيبها المحزن على وتيرة واحدة. # وعن يمين الطريق ويساره، الذي سارت فيه الجماعة المكتئبة، بدت الشجيرات والأشجار ~~المبتورة ms67 كأقزام ممسوخة، تراقب بعيون متسائلة، أولئك الذين تجاسروا على الخروج ليلا ~~في مثل هذه الساعة المشئومة المتأخرة. # وفي فترات، كان البرق يضيء الأفق بكامله. وكان يتحرك ذهابا وإيابا فوق كتلة سوداء ~~من الأشجار، كسيف مشرع يفصل السماء عن كل اتصال بالأرض. ولم تهب نسمة واحدة من ~~الهواء فتعكر صفو الجو البارد المطير. وكانت الأرض مشبعة بالمياه، وتتألق بها ~~قطرات المطر التي سقطت حديثا. وأطلقت الشجيرات المنتعشة والحشائش عبيرها بقوة. # توقف الجمع عند وصوله إلى النهر. وكبل الرجل الفارع المقنع يدي ميلادي في صمت، ~~ووضعها في المعدية وعبر بها إلى الضفة المقابلة من النهر. # وبدا هذا الرجل هناك متشحا بالسواد، أمام هالة من نور القمر، حيث أبصر الجمع سيف الرجل ~~المقنع ذا المقبضين، يرتفع ثم يهوي مرة واحدة. كان هذا هو الجلاد العام، وكان هو ~~الذي - قبل ذلك بإحدى عشرة سنة - وسم كتف ميلادي بسمة زهرة الزنبق - رمز العار - في ~~الميدان العام لمدينة ليل. # الفصل السابع والعشرون # | فخامته يتعرف على خط يده ويصدر قرارا حكيما # كان من المعتاد، في ذلك الوقت، عندما لا يكون أصدقاؤنا الأربعة في صحبة الملك، أن يقضوا ~~وقتهم في فندقهم المفضل. وهناك، لا يلعبون الورق، ولا يحتسون الخمور، وإنما يتحدثون في ~~هدوء، محاذرين ألا يسمعهم أحد. # وذات يوم، وهم يتجاذبون أطراف الحديث في هدوء بذلك الفندق، سمع دارتانيان شخصا ينطق ~~اسمه. # تطلع دارتانيان حوله فأبصر رجل ميونغ المجهول، فصاح صيحة الرضا، واستل سيفه، واندفع ~~نحو الباب. # في هذه المرة، بدلا من أن يتحاشاه الرجل، ترجل عن حصانه، وتقدم نحوه لملاقاته. # قال دارتانيان: «هيا، يا سيدي! ها نحن نلتقي أخيرا، ولكنك لن تفلت في هذه ~~المرة!» # قال الرجل: «ليست هذه نيتي، يا سيدي، بل أنا الذي أبحث عنك، في هذه المرة، لأقبض عليك ~~باسم الملك.» # صاح دارتانيان: «ماذا تقول؟» ~~«يجب أن تسلمني سيفك دون مقاومة، يا سيدي. وأحذرك من الاندفاع؛ فهذه مسألة بالغة ~~الخطورة.» # قال دارتانيان وهو يخفض سيفه، دون أن يسلمه إياه: «إذن، فمن أنت؟» ~~«أنا فارس ms68 روشفور، التابع الشخصي لسمو الكاردينال ريشلييه. ولدي أمر باقتيادك إلى ~~سموه.» # قاطعه آثوس بقوله: «من المصادفة أننا في طريقنا إلى سموه، يا سيدي. ولذلك آمل في أن تقبل ~~كلمة شرف من دارتانيان، بأنه سيذهب مباشرة إلى هناك ويقدم نفسه.» ~~«لكن يجب أن أسلمه لحارس.» # قال آثوس: «سنكون نحن حرسه، يا سيدي. نقسم بشرفنا كرجال !» ثم نظر إليه نظرة لها ~~مغزى، وقال: «وبشرفنا كرجال، أيضا، لن يتركنا دارتانيان.» # نظر فارس روشفور خلفه، فأبصر بورثوس وأراميس، ففهم أنه تحت رحمة هؤلاء الرجال الأربعة، ~~فقال: «أيها السادة، إذا سلمني السيد دارتانيان سيفه، وضم كلمة شرفه إلى كلمة شرفكم، ~~فسأرضى بوعدكم في اصطحابه إلى صاحب السمو.» # قال دارتانيان: «إليك كلمة شرفي، وهاك سيفي.» # قال الفارس: «هذا يرضيني كثيرا؛ لأنني أريد مواصلة رحلتي.» # قال آثوس، في هدوء: «إذا كنت تؤمل في أن تقابل ميلادي، فأنت تضيع وقتك سدى؛ فلن ~~تجدها.» # سألهم الفارس بلهفة قائلا: «إذن، ماذا صار إليه أمرها؟» ~~«عد معنا، وستعرف.» # بينما كان الكاردينال في طريق عودته إلى مكتبه في المساء التالي، وجد دارتانيان ينتظر ~~استدعاءه. ولاحظ أنه بدون سيفه، ولاحظ أيضا أن الفرسان الثلاثة الذين يحرسونه، ليسوا سوى ~~الثلاثة الذين لا ينفصلون؛ آثوس وبورثوس وأراميس. # ولما كان مع الكاردينال عدد من الأتباع، رمق دارتانيان بحدة، وأشار إليه بيده، أن ~~يتبعه، فأطاع دارتانيان. # قال آثوس بصوت جهوري يستطيع الكاردينال أن يسمعه: «إننا في انتظارك، يا ~~دارتانيان.» # قطب الكاردينال أساريره، وتردد قليلا، ثم مضى إلى مكتبه وهو في حالة تفكير ~~عميق. # دخل الكاردينال مكتبه، وأمر روشفور بأن يحضر إليه الفارس الشاب. # سرعان ما وجد دارتانيان نفسه وحيدا مع الكاردينال، الذي وقف بقرب المدفأة، تفصل بينه ~~وبين دارتانيان مائدة. # قال الكاردينال: «قبض عليك بأمري، أتعرف لماذا؟» ~~«لا، يا صاحب السمو؛ إذ السبب الذي من أجله يمكن القبض علي، غير معروف لسموكم حتى ~~الآن.» # نظر الكاردينال مليا إلى هذا الشاب، وقال دهشا: «ما معنى هذا؟» # قال دارتانيان: «هل تتفضل، سموكم، فتشرفني أولا، بإخباري بالجرائم التي أنا ~~متهم ms69 بها؟» # رد ريشلييه: «أنت متهم بجرائم كانت السبب في هلاك أناس أكثر منك أهمية، يا ~~سيدي.» # قال دارتانيان بهدوء أذهل الكاردينال نفسه: «ما هي، يا صاحب السمو؟» ~~«أنت متهم بالتراسل مع أعداء فرنسا، ومتهم بإفشاء أسرار الدولة، ومتهم ~~أيضا بمحاولة إفساد خطط قائدك.» # وما كان من دارتانيان إلا أن سأل بحدة، وهو مقتنع تماما بأن هذا الاتهام جاء من لدن ~~ميلادي: «من الذي يتهمني بهذه التهم، يا صاحب السمو؟ أهي امرأة موسوم على كتفها عن طريق ~~العدالة؟ امرأة تزوجت رجلا في فرنسا، ورجلا آخر في إنجلترا؟ امرأة قتلت زوجها ~~الثاني بالسم؟ امرأة حاولت اغتيالي مرتين، ثم حاولت أخيرا قتلي بالسم؟» # صاح الكاردينال دهشا: «ما هذا الذي تقوله، يا سيدي؟ وعن أية امرأة تتكلم؟» # أجاب دارتانيان: «عن ميلادي وينتر. لا شك في أن سموك تجهل جرائمها، بدليل أنك ~~شرفتها بوضع ثقتك فيها.» # قال الكاردينال: «إذا كانت ميلادي وينتر، قد اقترفت كل هذه الجرائم التي تتهمها بها، فسوف ~~تعاقب.» # قال دارتانيان: «لقد عوقبت بالفعل، يا صاحب السمو.» ثم أخبر الكاردينال، بعد ذلك، ~~بمحاكمة ميلادي السرية، وإعدامها بعد المحاكمة مباشرة. # استطرد دارتانيان قائلا: «هناك شخص آخر يستطيع أن يخبرك بأنه يحمل أمر العفو عنه في ~~جيبه.» # صاح ريشلييه وقد علت وجهه الدهشة: «العفو عنه! ومن الذي وقع عليه؟» ~~«موقع عليه من سموك.» ~~«أنا الذي وقعت عليه؟ إنك لمجنون، يا سيدي!» # قدم دارتانيان إلى الكاردينال قصاصة الورق الثمينة، التي حصل عليها آثوس من ميلادي، ~~وسلمها بدوره إليه لتكون درعا له، وقال: «لا شك في أن سموك ستتعرف على خط ~~يدك!» # تناول الكاردينال قصاصة الورق، وقرأ بصوت متثاقل: # 3 ديسمبر سنة 1627 # بأمري ولصالح الدولة فعل حامل هذه ما فعله. # ريشلييه # بعد أن قرأ الكاردينال السطرين، وقف يفكر مليا. ويبدو أنه لم يقرر ماذا يفعل؛ لأنه ~~أخذ يقلب الورقة في يده. # وأخيرا، رفع الكاردينال رأسه، ونظر إلى وجه دارتانيان الذي ينم عن ذكاء متوقد، ~~وفكر في مستقبل هذا الشاب، وتأمل فيما يمكن أن يفعله نشاطه ms70 وجرأته وفهمه .. فكم من ~~مرة بلبلت جرائم ميلادي وسطوتها وشرها عقل الكاردينال. وإذ ماتت الآن فقد أحس ~~بالطمأنينة وراحة البال. # وصل الكاردينال إلى قرار، فمزق الورقة بروية قطعا صغيرة، وذهب إلى مكتبه وخط بضعة ~~أسطر على ورقة مطبوعة قيمة المنظر، ووقع عليها. # قال الكاردينال: «أيها الشاب، أخذت منك ورقة لأعطيك ورقة أخرى بدلا منها. يلزم ~~توقيع على هذه الورقة التي أعطيكها، ويمكنك أن توقعه بنفسك.» # تناول دارتانيان الورقة بأصابع مضطربة، وقرأها؛ كانت تكليفا لضابط في ~~الفرسان. # جثا دارتانيان على ركبتيه قائلا: «لا أستحق هذا الفضل، يا صاحب السمو. لي ثلاثة ~~أصدقاء، هم أكثر مني استحقاقا له.» # قاطعه الكاردينال، وهو سعيد بالتفكير في أنه، أخيرا، قد ربح إلى جانبه ذلك الشاب ~~الغسقوني المتوثب الطباع، قائلا: «أنت شاب باسل. اكتب أي اسم تشاء، ولكن تذكر، ~~أنك أنت الذي أعطيت هذا التكليف.» # بعد ذلك، استدعى الكاردينال روشفور، الذي كان ينتظر خارج الباب، وقال له: «يا روشفور، من ~~الآن فصاعدا، أنا أستقبل السيد دارتانيان كصديق. وليصافح كل منكما الآخر، وتصرفا ~~بتعقل، إذا رغبتما في الاحتفاظ بسلامة رأسيكما!» # في ذلك المساء، استدعى دارتانيان آثوس، وعرض عليه التكليف. # قال آثوس: «يا صديقي، الشرف عظيم جدا لآثوس، وقليل جدا للكونت دي لا فير! احتفظ ~~بهذا التكليف لنفسك؛ فهو لك.» # بعد ذلك، ذهب دارتانيان إلى بورثوس، وعرض عليه التكليف ولكنه رفض معتذرا بأنه سيتزوج ~~قريبا، وقال: «سأكون جد مشغول بشئوني وممتلكاتي، ولن يمكنني التمتع بهذه الوظيفة ~~الممتازة. احتفظ بالتكليف، يا صديقي. احتفظ به لنفسك.» # كان أراميس مشغولا بدراساته وبحوثه حين زاره دارتانيان، وقدم له التكليف. # قال أراميس: «صديقي العزيز، لقد كرهتني مغامراتنا التي خضناها معا، في الحياة ~~العسكرية. وأنا موشك على ترك الحياة العسكرية، فاحتفظ بهذا التكليف لنفسك، يا ~~دارتانيان؛ فوظيفة حمل السلاح تناسبك تماما.» # عاد دارتانيان إلى آثوس، وأخبره كيف رفض الاثنان الآخران أيضا هذا التكليف، وكان قلبه ~~مفعما بالفرح، وعيناه مغرورقتين بالدموع، اعترافا بجميل زملائه الثلاثة. # أخذ آثوس الوثيقة، وكتب بيد ثابتة اسم دارتانيان الكامل، في ms71 المكان الخالي بها. ms72