######OpenITI# #META# URI: 1418AminSalama.GharamiyyatCatullus.Hindawi57408372 #META# Tags: poetry #META# ID: 57408372 #META# Title: غراميات كاتولوس: فِطَحل شعراء الغزل الرومان #META# AuthorID: 16952470 #META# Author: أمين سلامة #جمع وترجمة# #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: 0001Catullus (TRANSL) #META#Header#End# # إهداء‏ # مقدمة‏ # 1 - حياة كاتولوس‏ # 2 - غرام كاتولوس بليسبيا‏ # 3 - أشعار كاتولوس‏ # 4 - قصائد كاتولوس‏ # 5 - غراميات كاتولوس الأخرى‏ # 6 - مختارات من قصائد كاتولوس‏ # إهداء‏ # مقدمة‏ # 1 - حياة كاتولوس‏ # 2 - غرام كاتولوس بليسبيا‏ # 3 - أشعار كاتولوس‏ # 4 - قصائد كاتولوس‏ # 5 - غراميات كاتولوس الأخرى‏ # 6 - مختارات من قصائد كاتولوس‏ # | غراميات كاتولوس # | غراميات كاتولوس # | فطحل شعراء الغزل الرومان # جمع وترجمة # أمين سلامة # | إهداء # أيها الملاك الطاهر، # أيها القلب العامر، # أيها الجمال السافر، # أيها العصفور الطائر، # أيها الروح الحائر، # خذ هذا مني؛ # فهو منك، # وهو إليك. # فلئن تجد فيه نداء # فاسمك في صدره نداء، # ولئن تجد فيه ضياء # فاسمك في قلبه نور، # ولئن تجد فيه سناء # فاسمك في ذيله هلال. # | مقدمة # كانت إحدى أمنياتي أن أتناول أشعار «كاتولوس»؛ ذلك المتغزل الروماني، وأعرف بها القارئ ~~العربي. كانت أشعار هذا الشاعر الشاب تثير في شتى العواطف، فاتخذتها تارة عزائي وطورا ~~غذائي. كانت بساطتها تعجبني، وطرافتها تسحرني، وندرتها تسبيني، ومضمونها يفتك بأعصابي ~~فيطربني حينا وحينا يبكيني. وكثيرا ما كنت أتخيل كاتولوس هذا، كاتب تلك الأشعار ~~الجميلة؛ فيصوره لي خيالي شابا مليح الوجه، واسع العينين، رضي النفس، طيب السريرة، عكس ما ~~حملته لنا الكتب بين دفوفها في وصفه، ووصف دعارته وإدمانه على الشراب، ونعته بما قد يشتهي ~~ولا يشتهي من ضروب الصفات. # لقد أحببت كاتولوس هذا من أشعاره، ولا أخالني مبالغا لو قلت إنني تمنيت الحياة في عصره؛ ~~لأحظى بعشرته وأنعم بمجالسته وأستمتع بعذب حديثه. # فأي قسوة هذه قد قساها القدر يوم أن حكم على كاتولوس، ذلك الشاعر الحبيب، بالموت المبكر ~~وهو في عنفوان الشباب؛ فحرمنا بذلك حلاوة أشعاره ومنعنا طلاوة غزلياته، وسلبنا هذا الروح ~~الشاعري النادر، وذلك الفكر السليم الناضج وذاك العقل السديد المبدع! فلو أن كاتولوس قد ~~عاش طويلا؛ فأي إلهام جديد كان سيتفتق عنه ذهنه؟ وأي إبداع مبتكر كانت الأجيال ستتمشدق به؟ ~~وأي كنز من الشعر هذا الذي كنا سنحظى بقراءته اليوم؟ # إن قارئ كاتولوس سيلمس من أول وهلة عبقرية هذا الشاعر، وسيدرك من ms01 فور مقدرته الفائقة في ~~التعبير والتصوير، كما ستروقه عواطفه المتأججة وأحاسيسه الملتهبة ، التي تنبض بها أشعاره ~~الغزلية، حتى لتكاد تزيح لنا الستار عما يجيش بصدر هذا الشاعر من اضطرابات عاطفية، كانت ~~تهز كيانه هزا. # ولقد بلغ بي حبي لمنظومتي كاتولوس عن عصفور حبيبته؛ أنني اشتريت قفصا به عصفور، وجعلت ~~العصفور موضع دراستي لحين من الزمان. كنت أتأمل العصفور تارة وهو يغرد، وطورا وهو يقفز ~~هنا وهناك في أرجاء القفص، وكنت أحيانا أدخل يدي في القفص، وأدع العصفور يقف بين أصابعي ~~ويطير حول يدي، حتى صارت يدي تأنس لوقفات العصفور عليها، وصار العصفور يطمئن إلى يدي، إلى ~~أن اجتاحني الشعور بأن العصفور قد عرف شخصي خير معرفة، وأننا نبادل بعضنا حبا بحب، مثلما ~~كانت حبيبة كاتولوس تبادل عصفورها الحب، ويبادلها هو بحب مماثل. # كان لهذا الشعور أثره الكبير عندما قمت بترجمة هاتين المنظومتين بالذات؛ فلم أكن لأحس ~~بأنني أنقل كلمات كاتولوس اللاتينية إلى ألفاظ عربية، بل كنت أحس تماما بأنني الشاعر نفسه ~~يكتب المنظومتين من جديد باللغة العربية، بعين الإحساس الذي كان قد اعتور كاتولوس يوم ~~حاول أن يكتب قصيدتيه عن العصفور العجيب، الذي هو عصفور حبيبته. وقد لا يصدقني القارئ ~~لو قلت له إنني فوجئت في أثناء ترجمتي لهاتين القصيدتين بموت العصفور، تماما كما مات عصفور ~~الحبيبة. وإذ رأيت القفص وقد ركدت فيه الحياة بوفاة العصفور؛ أحسست بوجوم غريب وبحزن ~~دفين، وكادت عيني تدمع كما أدمعت عيون حبيبة كاتولوس يوم مات عصفورها العزيز. # وأحسب أن سر الجمال الذي تنبض به أشعار كاتولوس ليس فقط ما فيه من قدرة فائقة على ~~إثارة تباريح قلب أي متيم غرقان في بحار الحب، ولكن ما فيه أيضا من قدرة على مناجاة ~~القلوب عامة؛ ما عمر منها بالحب وما قفر منها من كل خلجة من خلجاته. فما أقدره حقا على ~~تحريك القلوب التي قدت من صخر، والتي لم تنعم يوما بحب ولم تشق أبدا بلواعجه! # فكاتولوس ذلك الشاعر الشاب، قد انطلق في أشعاره انطلاقا حرا ms02 جعله أبعد ما يكون من ~~التحفظ أو الإباحية، وأقرب ما يكون من الشاعر المفطور على السجية الحرة الأبية؛ تراه قد ~~سطر مشاعره كما أحس بها دون خوف أو خجل، وعرض مشكلة حبه كما ألمت به دون تحفظ أو مواربة، ~~وصور خلجات قلبه خلجة بعد خلجة دون حياء أو تردد، وتناول سعادة حبه غير ناس ما لاقاه فيه ~~من مرارة وشقاء. وهكذا نجح شاعرنا في تخليد اسم محبوبته على صفحات التاريخ بتلك الأبيات ~~البسيطة القوية، القصيرة العميقة، وبتلك القصائد النادرة في سموها، الرائعة في مضمونها، ~~المحكمة في ألفاظها، الملتهبة في عواطفها، المنتقاة في قوافيها، المبتكرة في أوزانها، ~~الفريدة في غزلياتها. # ولم يكن كاتولوس بالشاعر الذي يمتاز بصدق العاطفة وعمق المشاعر فحسب، بل كان يمتاز ~~أيضا بخفة الظل وحلاوة الروح وملاحة النكتة وطرافة الفكرة، حتى يمكننا أن نلقبه أيضا ~~بالشاعر المرح الخفيف الظل. # ولا يسعني الآن وأنا أنقل أشعار كاتولوس إلا أن ألفت نظر القارئ الكريم إلى أنني لم أنقل ~~جميع أشعار كاتولوس، بل اكتفيت بهذا القدر الذي يكشف لنا أولا وقبل كل شيء عن قصة غرامه ~~بليسبيا، والمراحل المختلفة التي مر بها هذا الحب الجارف، الذي كان مدار حديث الناس في ~~العصر الذي عاش فيه الشاعر. ثم ما عدا ذلك من القصائد التي تميط اللثام عن الغراميات ~~الأخرى، التي تورط فيها كاتولوس مع فتيات أخريات، وهي لا تقل في طرافتها وجمالها عن غرامه ~~الكبير بليسبيا. # ولقد شجعتني بساطة بعض قصائد الشاعر الأخرى على نقلها إلى العربية كي أتيح للقارئ الشرقي ~~أن يلمس عن كثب ما يتمتع به هذا الشاعر الخالد من روح خفيف ومزاح طريف وذوق سليم في ~~انتقاء المواضيع التي يكتب فيها. # واليوم إذ تتحقق أمنيتي فأرى أشعار كاتولوس الغرامية منشورة على الملأ، يسعدني حقا أن ~~تلقى هذه الأشعار عند القراء الأعزاء ما لقيته عندي من مزيد تقدير وإعجاب. # أمين سلامة # جاردن ستي في 10 يوليو 1955م # الباب الأول # | حياة كاتولوس # لعب الحظ دورا رئيسيا في تخليد أشعار كاتولوس، ذلك ms03 الشاعر الروماني الذي اشتهر ~~بغزلياته، ومن ثم في معرفة بعض ما يجب معرفته عن حياته. فلو أن الحظ لم يحرص على صيانة ~~النسخة الخطية الوحيدة لأشعار كاتولوس، ولم يضعها في يد أحد نساخي فيرونا # Verona ~~؛ لما انتشلها هذا الأخير من الضياع والاندثار بعد أن ~~طال الأمد على فقدانها، حتى كاد المهتمون بالأدب الروماني القديم ييئسون من العثور عليها. ~~فلو لم يقم الحظ بهذا الجميل البين، وهذه الخدمة الجليلة والمساعدة القيمة؛ لحرمنا من ~~عبقرية هذا الشاعر الغزلي الخفيف الظل، ولفوت علينا متعة الاطلاع على هذا اللون الفريد من ~~العشق الروماني القديم، الذي انفردت به أشعار كاتولوس، والذي قلما استطاع شاعر قبله ~~أو بعده أن ينظمه بهذه البراعة، وتلك البساطة، أو هذا الجمال الشعري الساحر الجذاب. # بيد أن أشعار كاتولوس، وإن كانت تميط اللثام عن حياة اللهو ودنيا الغرام إبان تلك العصور ~~الخالية، إلا أنها تزيح الستار أيضا عن الحياة العامة في تلك الحقبة التي عاشت فيها روما ~~قبل أن تتدثر بدثار الإمبراطورية القشيب، مصورة لنا بخيال فتى جمهوري عرك الحياة، كشاب ~~نزق وكشاعر ملهم ملتهب الأحاسيس. # وجدير بالاعتبار أنه يجب علينا ألا ننسى أصدقاء كاتولوس الآخرين الذين احترفوا مهنة ~~الكتابة، كما يجب ألا يغيب عن بالنا ما تعرضت له كتاباتهم وأعمالهم الأدبية من الموت ~~المبكر، ومن ثم نستطيع أن نستبين فضل القدر العظيم علينا وعلى أجيالنا، بأن قيد سبيل النجاة ~~لكاتولوس وحده من بين حشد كتاب عصره الكثيرين، فأبقاه لنا كخير قبس تستضيء به الأجيال ~~للوقوف على أدق تفاصيل الحياة العامة في خضم العالم الذي عاش فيه. # فمن يكون كاتولوس هذا؟ ومن أي بيت انحدر؟ وأي حياة تلك التي عاشها؟ وكيف خلقت منه الأيام ~~ذلك الشاعر المرهف الأحاسيس النقي السريرة؟ # لم يولد كاتولوس في روما ولا في مدينة عظيمة من مدن إيطاليا المشهورة، ولكن في بلدة صغيرة ~~بأحد تخوم إيطاليا تسمى فيرونا، وكانت ملتقى عدة طرق؛ منها طريق جنوبي إلى بدرياكوم # Bedriacum # ومانتوا # Mantua ~~، وطريق آخر شرقي صوب أكويليا # Aquileia # والبحر ms04 الأدرياتي، وثالث غربي إلى ميديولانوم # Mediolanum # وبلاد الغال. ومن ثم كانت فيرونا تتمتع بمركز حيوي حربي ~~تصبو إلى احتلاله نفوس الجيوش، وتطمع عيون القواد في السيطرة عليه. # وما يعنينا في بحثنا هذا لا ينحصر في أهمية مركز فيرونا الحربي، بقدر ما ينصب على أهمية ~~هذه البلدة كمسقط رأس الشاعر كاتولوس، وكبقعة قد حبتها الأقدار بقسط وافر من روعة المناظر ~~الطبيعية وسحر الطبيعة الفتان. فمما لا ريب فيه أن فيرونا تفوق شتى بلدان إيطاليا في هذا ~~المضمار بالذات، وفي هذا يقول المستر ~~هويلز # Mr. W. D. Howells ~~: «ما من مدينة تتمتع ببقعة أروع جمالا وأبهى رواء من تلك التي ~~تحتلها فيرونا السعيدة، تلك البلدة التي تتنفس من هواء الجبال النقي، والتي تلفها الثلوج في ~~غلالة ناصعة البياض شتاء، وتكسوها في الصيف حقول الكروم الخضراء ذات العناقيد القرمزية ~~الشهية، وفضلا عن ذلك فإنها غنية دائما بالمرمر.» # ويجب ألا يتطرق إلى الذهن أن هويلز قد آثر المغالاة في وصفه لفيرونا، بل حسبك أن تأخذ ~~كلامه على علاته؛ لأنه لم يطلب به غير إرضاء الحقيقة وتقرير الواقع. # وليست فيرونا جميلة في حد ذاتها فتخلب عقول مشاهديها فحسب، بل تقع أيضا على مسافة ~~قريبة من جاردا # Garda # بحيرة بيناكوس # Benacus # الرومانية، التي تعتبر بحق من أجمل بحيرات إيطاليا وأكثرها فتنة ~~للعين. ومن ثم فإن البطاح التي كانت تحيط بفيرونا في العصور الرومانية الغابرة، لا تختلف ~~كثيرا أو قليلا عما هي عليه الآن. وكلها تجعل من فيرونا ذلك الفردوس المشرق من أشجار ~~الكروم والزيتون والتوت، وأغصان الغار الزكية الرائحة، الذي له أكبر الفضل في إذكاء أرق ~~المشاعر القلبية في صدر كاتولوس، وتحبيبه في كل صوت جميل أو منظر بهيج. # ولد كاتولوس في فيرونا، أو ربما في إحدى ضواحيها القريبة، وهذه الحقيقة يذكرها لنا ~~أوفيديوس # Ovidius # فيما كتبه إذ يقول: «تغتبط مانتوا ~~بفرجيل، وفيرونا بكاتولوس.» # ويجمع المؤرخون على أن كاتولوس ولد في عام 84ق.م. ولا يشذ عنهم غير سانت جيروم الذي ~~يجعل تاريخ ميلاده عام 87ق.م. بدلا ms05 من 84ق.م. وعلى كل فإن كاتولوس قد ولد قبل عودة ~~سولا # Sulla # من الشرق على رأس كتائبه الظافرة؛ ليضع حدا لأعمال النهب والسلب وجرائم القتل ~~الساتورناليا المارية # Marian Saturnalia ~~. # ويحتمل أن يكون لكاتولوس شقيق واحد، يكبره سنا، وكان والده من رجال الحي البارزين، ومن ~~أصحاب النفوذ والسلطان، حتى إنهم كانوا يضعونه وسط القائمة التي تتضمن أصدقاء يوليوس قيصر ~~المقربين. # وهناك احتمال آخر بأن أباه كان أحد متعهدي الجيوش، الذين - كما هو الأمر الآن - وجدوا ~~في الحرب عملا مربحا؛ فكان يمد قوات قيصر بالآلات الحربية والمؤن، كما كان يعمل ممثلا ~~لقيصر في بيع الأسلاب الغالية في السوق الرومانية. فلو صح هذا الاحتمال، فإن ضيعته وبيته ~~الريفي الذي يقع على ضفاف شبه جزيرة سيرميو # Sirmio # في ~~بحيرة جاردا، لم يستخدمهما كاتولوس كمصيف تأوي إليه العائلة للراحة والاستجمام فحسب، بل ~~وكمستودع لحفظ المؤن الحربية وهي تشق طريقها نحو الغرب. # نستنتج من هذا أن كاتولوس الصغير كان يمضي فصلي الصيف والخريف من كل عام في ذلك الجو ~~الريفي الهادئ وسط تلك المناظر الخلابة من الخضرة اليانعة، والماء العذب القراح الذي كان ~~ينساب كأسلاك فضية على بسط زبرجدية تحت أشعة الشمس الدافئة. أما فصلا الشتاء والربيع فكان ~~يقضيهما في خضم مدينة فيرونا. # ومن المفهوم أن كاتولوس كان يتلقى في المدينة دروسه في الخطابة، التي هي أهم علم كان ~~يتضمنه برنامج التعليم الروماني، إلا أن الأمر في حالة كاتولوس اختلف بعض الشيء؛ فقد تلقى ~~إلى جانب دروس الخطابة تعاليم أخرى، وجدت في نفسه هوى أعظم وميلا فطريا أكثر؛ ألا وهي ~~تعاليم فاليريوس كاتو # Valerius Cato # الأدبية، فإن كاتو - ~~كما يعرفنا بذلك سويتونيوس # Suetonius ~~- كان يلقي في ذلك ~~الحين محاضرته على أبناء الأثرياء في الأحياء المجاورة. ولا شك أن الأدب اللاتيني يدين ~~لكاتو بأكثر مما يلاحظ أحيانا؛ لأنه كان أسبق الأدباء الذين عرفوا الشعراء السكندريين ~~بحلقات من المستمعين الرومانيين، ودربوا مدرسة كاملة من الشعراء الصغار الذين يسميهم ~~شيشيرون مغني يوفوريون # Cantores Euphorionis ~~، على ثقافات ~~من الفن السكندري. ms06 # وليس من شك في أن كاتولوس قد تعرف تحت إشراف كاتو بالشعراء الأغارقة الذين عاشوا في ~~مختلف العصور؛ ابتداء من هوميروس إلى كاليماخوس # Callimachus ~~، إلا أن كاتولوس لم ينس أن يصدر أحد أشعاره (المنظومة 56) باسم ~~أستاذه كاتو، الذي مات معدما معسرا بعد أن مات هو بسنوات عديدة. # ويجب ألا يغيب عن بالنا ما كان للثراء من أثر في شاعرنا هذا الصغير؛ فلقد جرفه ثراء أبيه ~~في تيار الغواية الذي تحرر منه زملاؤه الفقراء من طلاب العلم الذين كانوا يكبرونه ~~سنا. ولا ريب أن هناك بين أشعار كاتولوس ما يدل دلالة صريحة على نوع الحياة التي كان ~~يحياها في فيرونا أيام الطيش والجهل. ويحتمل أن كاتولوس قد كتب أمثال هذه الأشعار كي يلفت الأنظار ~~إليه، وحتى يغنم من ورائها ما كان يهدف إليه من صيت؛ كأن يشتهر في مسقط رأسه بأنه ذلك ~~المغامر الجسور. ولهذه الأشعار الفضل الأكبر في اهتمام كلوديا بكاتولوس، بل وفي قيام تلك ~~العلاقة الغرامية بينهما. ولقد كان لقاء كاتولوس بهذه السيدة في فيرونا نقطة التحول الكبرى ~~في حياته وكتاباته، فلما اضطر إلى اقتفاء أثر كلوديا في روما في ربيع عام 61ق.م. هجر ~~كاتولوس من غير شك ملذات الريف الحقيرة، وانصرف إلى عاصمة الدنيا بمباهجها الساطعة ~~الخطيرة. # ومما لا يتطرق إليه أي شك أن كلوديا كانت تلعب دورا رئيسيا في تلك الدسائس السياسية ~~التي كانت موضوع حديث الناس في كل شهر من شهور عامي 60، 61ق.م. ولكننا نفتقر إلى دليل واحد ~~نستخلص منه أن حبيبها اليافع قد لعب في هذه الأحداث السياسية أي دور يذكر؛ فإن ملذات ~~العاصمة ومباهجها قد جرفته بلا ريب إلى صنوف أخرى من الهوايات والميول. ولو حدث أن عفت نفس ~~كاتولوس هذه الملذات؛ لألفيناه ينعكف على الشعر يقرضه وينظمه أنغاما وأوزانا. # ولقد حدث في روما في ذلك الوقت ولأول مرة في تاريخ هذه المدينة العريق، أن قام ميل أدبي ~~واضح بين بعض طبقات المجتمع، تزعمه في شيء من الحماس المحمود طائفة من شباب الشعراء، ~~الذين ms07 قدم معظمهم من شمال إيطاليا ويدعون «الشباب». فانضم إلى هذه الندوة شاعرنا ~~كاتولوس، وسرعان ما أصبح واحدا من روادها، ومن أكبر قادة رسالتها الأدبية. # كانت الروابط بين جمهرة أصدقاء كاتولوس عديدة، وإن كان هؤلاء الأصدقاء جميعا يدينون ~~بالولاء إلى فاليريوس كاتو الذي أضفت عليه ليديا # Lydia # المزيد من الشهرة والصيت، والكثير من الربح الوفير؛ مما مهد له شراء البيت الريفي التوسكولي # Tusculan Villa ~~، الذي اضطر كاتو فيما ~~بعد إلى التنازل عنه لدائنيه. وقد كانوا جميعا من المعجبين بالمدرسة السكندرية التي ~~تعارض الفكرة القائلة بأنه من أول واجبات الشاعر أن يكون وطنيا؛ لأنهم جميعا كانوا مكبين ~~على دراسة فنهم بكل معاني الجد والاهتمام، لا يبخلون بوقتهم أبدا في أي نقاش يدور حول هذا ~~الموضوع، بل كثيرا ما كان يحتدم الجدل فيما بينهم حول قواعد الشعر وأسس النظم. ولقد انتهى ~~بهم الأمر جميعا إلى الهيام بالحب والغرام، حتى أصيبوا بآلامه وتباريحه، وبنعمائه ولذاته، ~~ولم يتورع الذين لم يعرفوا الهوى، من أن يتظاهروا بأنهم غرقى في بحاره. وكان من بين ~~هؤلاء رجل من كريمونا # Cremona # يدعى فوريوس بيباكولوس # Furius Bibaculus ~~؛ وهو الذي اشتهر فيما بعد ~~بقذفه اللاذع في يوليوس قيصر، والذي يحتمل أن يكون هو نفس فوريوس الذي تناوله كاتولوس ~~في منظومته السادسة والعشرين، والتي يأتمنه فيها على ذلك الموقف التعس الذي يعانيه بيته ~~الريفي. # أي فوريوس، # إن بيتي الريفي الصغير # لا يتعرض لهجوم # لفحات أوستير، # أو لفحات فافونيوس # وبورياس العاتي # وأفيليوتيس أيضا، # ولكنه يتعرض لعصفة # خمسة عشر ألف # ومائتي ريح باردة. # فيا لها من حالة جوية مفزعة. # وكان من بينهم أيضا كايكيليوس # Caecilius # أحد مواطني ~~نوفوم كوموم # Novum Comum ~~، الذي كان قريبا إلى جوار ~~الشاعر؛ ولذا نجد كاتولوس يشير في منظومته الخامسة والثلاثين إلى الربة العظيمة كوبيلي # Cybele ~~، التي كانت لب موضوع منظومة كايكيليوس: # إنني يا فتاتي # أحس بإحساسك، # أنت يا من تبذين # ربة الشعر سافو، # فإن كايكيلوس حقا # قد صدر قصيدته «الماجنا ماتير» # بمقدمة آية في الروعة. # أما ثالث هؤلاء فقد ms08 كان جيوس هيلفيوس ~~كينا # Gaius Helvius Cinna # من بريكسيا # Brixia ~~؛ وهو ذلك الشاعر الذي لقي حتفه خطأ على يد ~~السابلة في حفل دفن جثمان قيصر. وقد ألف «سميرنا»؛ وهي ملحمة قصيرة نتيجة جهد متواصل دام ~~تسع سنوات، يروي لنا فيها كينا غراميات مورا # Myrrha # المحرمة مع أبيها كينوراس # Cinyras ~~، ولقد ورد ذكر كينا ~~وملحمته هذه في صدر المنظومة الخامسة والتسعين من أشعار كاتولوس: ~~(سميرنا) صديقي كينا، # التي نشرت أخيرا # بعد تسعة فصول حصاد، # وانقضاء تسعة أخرى مشات # منذ الابتداء فيها، # بينما في عام واحد # كتب هورتينسيوس # خمسمائة ألف بيت من الشعر. # كان هؤلاء الثلاثة غاليين، ومن الأغراب الوافدين إلى روما، أما الأعضاء الآخرون المنتمون ~~إلى ندوة هذا الشاعر، فكانوا ينتسبون إلى عائلات إيطالية عريقة في القدم؛ فقد كان هناك ~~كورنيفيكيوس # Cornificius # مؤلف ملحمة جلاوكوس # Glaucus # القصيرة، والذي كانت أخته كورنيفيكيا شاعرة ~~أيضا، وقد لقي حتفه في ميدان القتال إبان الحروب الأهلية، التي اضطرمت نيرانها في عام ~~41ق.م. وكان وقتذاك حاكما على أفريقيا، حيث هجره جنوده الذين اعتاد أن يسميهم «أرانب ~~في خوذات». ويأتي ذكر كورنيفيكيوس هذا على لسان كاتولوس في منظومته الثانية ~~والثلاثين. # وكان هناك أيضا أسينيوس بوليو الصغير # Asinius Pollio # من ~~تياتي # Teate ~~، وكانت سنه في ذلك الوقت لا تزيد على سن ~~فتى غض الإهاب، كما تصرح بذلك منظومة كاتولوس الثانية عشرة، وهو الذي اشتهر فيما بعد ~~كصديق لكل من هوراتيوس # Horatius # وفرجيل # Virgilius ~~. # ومن أصدقائه أيضا مانليوس توركواتوس # Manlius Torquatus # ابن أحد قناصلة عام 65ق.م. الذي طار صيته في الآفاق إثر إعدامه كورنيليوس سولا # Cornelius Sulla # بتهمة الاشتراك في مؤامرة ~~كاتيلينا # Catilina ~~، والذي كتب كاتولوس إحدى ~~منظوماته تكريما لزواجه من جونيا ~~أورونكوليا # Junia Aurunculeia ~~. # هذا فضلا عن صديقي كاتولوس الحميمين اللذين ولدا بمحض الصدفة في يوم واحد؛ وهما ~~ماركوس كايليوس روفوس # Marcus Caelius Rufus # وجيوس ليكينيوس كالفوس # Caius Licinius Calvus ~~. # لم يتمتع واحد من هؤلاء بما كان يتمتع به كاتولوس، من الذكاء والعبقرية غير كالفوس ~~الذي طبق صيته ms09 الأفاق لا كشاعر فحسب بل وكخطيب مفوه، ورغم أنه كان قصير القامة فقد كان ~~ألد منافسي شيشيرون. # ولقد كان حديثه ضد فاتينيوس شديد الوقع، حتى إن المدعى عليه التعس صاح في هيئة المحلفين: ~~«أيها الأخيار، أيحق أن أتهم بفضل فصاحة خصمي؟!» أما أشعاره وهجائياته السياسية فليس لدينا ~~منها إلا كسر تدعو إلى الرثاء، ولم يكن من بينها ما يدعو حقا إلى الإعجاب، وما يتصف ~~بالروعة والجمال غير البيتين اللذين كتبهما عن بومبي ، واللذين يفوقان في عنفهما ما كتبه ~~كاتولوس في هجاء قيصر: # عظيمنا الذي يخشاه العتاة، # يحك رأسه بأصبعه. # ماذا يريد؟ وا عجباه! # لعله يهوى رفيقة لمضجعه. # ويضع هوراتيوس وأوفيديوس الشاعرين في مرتبة واحدة، أما موت كالفوس المبكر في سن الخامسة ~~والثلاثين فقد كان فجيعة للأدب اللاتيني، لا تقل عن فجيعته بموت كاتولوس نفسه. # وكان مصدر غبطة هذه الجماعة من الشعراء الناشئين أن نشر كاتولوس أول كتيب له في عام ~~60ق.م. وكان يتضمن مجموعة من أشعاره الأولى في لسبيا، وبعض محاولات شاعر فيرونا إبان ميعة ~~الصبا ونعومة الظفر. ولقد صدر كاتولوس كتيبه هذا بمقدمة هي القطعة الأولى من منظومات ~~الشاعر المترجمة بهذا الكتاب، ومنها يفهم أن الشاعر يصدر كتابه لأبرز شخصية غالية كانت في ~~روما وقتذاك؛ ألا وهي شخصية كورنيليوس ~~نيبوس # Cornelius Nepos ~~، المؤلف المشهور الذي كتب كتابي «حياة مشاهير الرجال» و«تاريخ ~~العالم»، والذي لم تخرج كلمات كاتولوس عن مديحه وتمجيده؛ الأمر الذي دفع نيبوس إلى رد ~~هذا الجميل فيما بعد بجميل مماثل، فلم ينس عند الكلام عن «حياة أتيكوس # Atticus ~~» أن يضع كاتولوس في قائمة واحدة مع لوكريتيوس # Lucretius # كأعظم شعراء عصرهما. # ولقد قضى كاتولوس معظم السنوات الثلاث التالية إما في روما أو باياي # Baiae ~~، أو في بعض الأماكن الأخرى التي يجد فيها الإنسان المتعة والسرور، ~~مكرسا بعض الوقت كما نعتقد لكتابة الشعر، هذا وإن كان شغله الشاغل إبانها انحصر في كلوديا ~~وفي تلك الجماعة من الشباب المرح الوثاب أمثال فاروس # Varus # وفلافيوس # Flavius # وكاميريوس # Camerius # ونسائهم. # وفي هذا ms10 الوقت بالذات تقع أحداث سياسية؛ ذلك لأن بومبي وكراسوس # Crassus # وقيصر، كانوا قد غامروا بمواردهم من الجنود والمال والحنكة ضد ~~الدستور القديم، كما أصبح قيصر في عام 59ق.م. قنصلا، وذهب في العام التالي إلى بلاد الغال ~~ليتبوأ هناك منصبا دائما لمدة خمس سنوات. وفي ربيع نفس العام دبر كلوديوس خطة لنفي ~~شيشيرون، كما بدأ في روما الاعتماد على حكم العامة العنيف رغم أنف بومبي، واستمر ذلك ثمانية ~~عشر شهرا كاملة. # بيد أن هذه الأحداث السياسية كلها لم تكن لتثير كاتولوس ، أو على الأصح كانت في المرتبة ~~الثانية بالنسبة إلى شئونه الشخصية، غير أن الأزمة التي أصابت ثروته الخاصة، كانت وحدها ~~العامل الأول الذي دفع كاتولوس إلى أن يقبل هو وهيلفيوس كينا # Helvius Cinna # منصبا ضمن هيئة العاملين مع جيوس ميميوس # Caius Memmius # مالك بيثينيا. # وكان ميميوس هذا الذي صدرت باسمه منظومة لوكريتيوس عن طبيعة الأشياء # De rerum natura ~~، من غواة الشعر كزميله كالبورنيوس بيسو # Calpurnius Piso # قنصل مقدونيا السابق، وكان قد ~~انضم إليه في ذلك الوقت صديقان آخران من أصدقاء كاتولوس هما فيرانيوس # Veranius # وفابولوس # Fabullus ~~، ويحتمل أن ~~الحاكمين قد اعتبرا تعيينهما هذا دليلا قاطعا على إخلاصهما للأدب. # ولكن الأمر في حال الأربعة يشير إلى أن المجد المكتسب يفوق الربح المقتنى. # ولقد أمضى كاتولوس عاما واحدا في وظيفته، ثم عاد في ربيع عام 56ق.م. ساخطا حانقا، وكان ~~قد اشترى لأجل هذه الرحلة ذلك الزورق السريع الذي وصفه لنا في المنظومة الرابعة، ~~والذي كان في مقدوره أن يجلبه من أماستريس # Amastris ~~، ~~مينائها الأول إلى البروبونطيس Propontis ~~. فلما ركب ~~كاتولوس ظهر زورقه في كيوس # Cios ~~، زار أولا وقبل كل شيء ~~قبر أخيه في طرود # Troad ~~، وبعد أن مر بمدن سواحل آسيا ~~الصغرى المشهورة عبر بحر إيجة، عن طريق رودس وديلوس وكيكلاديس # Cyclades # إلى مضيق كورنثة، ثم نقل الزورق إلى خليج كورنثة ليبحر شمالا ~~عبر البحر الأدرياتيكي، ومن هناك عبر نهر البو # po # ومينيكيو # Minicio # إلى حيث بحيرة جاردا. # ويبدو أن كاتولوس أمضى ms11 العامين الأخيرين من حياته في سيرميو وفيرونا، ولم يخل الأمر من ~~زيارات خاطفة إلى روما مفكرا - كما فعل كيتس # Keats # من ~~بعده - في موت شقيقه وفي حبه التعس، آملا أن ينسى أحزانه وقرض الشعر. ولهذه الحقبة من ~~الزمان ينتمي عدد لا يستهان به من أشعار كاتولوس القصيرة؛ أفضلها منظومته عن أكمي وسيبتيميوس # Acme & Septimius ~~، وأردؤها ما كتبه عن ~~مامورا # Mamurra ~~، ويتجلى فيه ما بين الشاعر ومامورا من ~~تحامل شخصي محض مرده أميانا # Ameana ~~؛ تلك السيدة التي كان ~~بينها وبين الفضيلة حب مفقود، كما كانت ذات يوم موضوع حب كاتولوس حتى هجرته إلى أحضان ~~القائد ... # الباب الثاني # | غرام كاتولوس بليسبيا # تداعب قصص الغرام بسحرها المغري خيال الشباب والشيوخ من الجنسين فتجيش لها أقوى العواطف، ~~كما يستجيب لها أكثر المشاعر العالمية. بيد أنه عندما تكون المحبوبة من ألمع شخصيات عصرها؛ ~~فإن نفوذها لا ينبسط على المسرح السياسي فحسب، بل وعلى المجتمع أيضا، فيبلغ نفوذها شأوا لا ~~يقل في عظمته عن خطورته، فيزداد الأمر عندئذ أهمية ويكون لأدق التفاصيل في حياة الحبيبة ~~الخاصة قيمتها البالغة لدى المؤرخ والتربوي. فإن حدث وكان الطرف الثاني شاعرا غراميا؛ ~~فإنه يسجل في أشعاره جميع مراحل علاقته الغرامية منذ أول لحظة من لحظات الطرب والسرور إلى ~~آخر شقوة من شقوات الحب الفاشل دون أن يترك أي نقد أدبي لشعره، مهتما أشد الاهتمام ~~بالتعبير الدقيق عن كل خلجة من خلجات الحس، حتى تبدو صورة رائعة للمشاعر والعواطف ~~الإنسانية، مجسمة ناطقة. فلعل هذا وحده من الأسباب الأولى التي تجعل من قصة غرام ليسبيا ~~وكاتولوس موضوعا جديرا بالتسجيل وقصة خليقة بالذكر، ورواية غرامية تتجاوب مع العواطف ~~الإنسانية الرقيقة، وإن كانت لا تخلو من تباريح الهوى ومن النيران المتأججة المستعرة التي ~~يكوى بها قلب كل محب. ولعل غرام كاتولوس هو الذي صدق فيه قول الشاعر العربي: # سلني عن الحب يا من ليس يعلمه # ما أطيب الحب لولا أنه نكد! # طعمان حلو ومر ليس يعدله # في حلق ذائقه مر ولا شهد # أو قول ms12 زميله: # سلني عن الحب يا من ليس يعلمه # عندي من الحب إن ساءلتني خبر # إني امرؤ بالهوى ما زلت مشتهرا # لاقيت فيه الذي لم يلقه بشر # الحب أوله عذب مذاقته # لكن آخره التنغيص والكدر # فقد كان غرام كاتولوس حقا مزيجا من الحنظل والشهد، خليطا من المسرات ~~القلبية والآلام النفسية. ولقد تولى كاتولوس في أشعاره تسجيل مشاعره هذه في غير حياء ولا ~~خجل، وفي صراحة تدعو إلى العجب، ودقة تثير الدهشة، وبساطة ترفع من شأن شاعرنا الولهان ~~وتجعله رائدا أول بين شعراء الغرام عند الرومان، وتبوئه عرشهم أجمعين كأول من جاهر ~~بأحاسيسه الغرامية، وأصدق من صرح بما يعانيه من تباريح العشق وما يقاسيه من آلام الغرام ~~ومن جفاء الحبيب وصدوده اللعين. حتى إن قصة غرام الشاعر راحت تجري من فم إلى فم، وطفقت ~~تنتقل من دار إلى دار، حتى صارت مدار حديث المجالس والمجتمعات، وأصبحت مضرب المثل بين سكان ~~المدينة، ومقياس العشق كلما عرض ذكر للعشق الروماني على لسان أحد. إن كل قارئ لأشعار ~~كاتولوس الغرامية لن يغيب عليه قط مأساة الشاعر الغرامية، ولن يعجز عن تفهم مدى أثر ذلك في ~~حياته وقلمه. كان كاتولوس وهو يسجل أشعاره في حب ليسبيا لا يردد قول أحد غير قول الذي ~~أنشد: # يا أيها الرجل المعذب بالهوى # إني بأحوال الهوى لعليم # الحب صاحبه يبيت مسهدا # فيطير منه فؤاده ويهيم # والحب داء قد تضمنه الحشا # بين الجوانح والضلوع ~~مقيم # والحب لا يخفى وإن أخفيته # إن البكاء على الحبيب يدوم # والحب فيه حلاوة ومرارة # والحب فيه شقاوة ونعيم # والحب أهون ما يكون مبرح # والحب أصغر ما يكون عظيم # أحب كاتولوس ليسبيا، أحبها حبا جارفا ملك عليه شغاف ~~قلبه، فكان حبا نقيا كماء الغمام، طاهرا كصحائف الأبرار، عظيما كموج البحر، فأحس ~~بليسبيا كأنها في دمه نور، وفي كيانه سحر، وفي حياته رجاء وأمل. # فمن تكون ليسبيا هذه؟ وكيف وقع كاتولوس في حبها؟ # لم تكن ليسبيا حرة طليقة، أي لم تكن عذراء فتية، ولا بكرا نقية، بل كانت ms13 امرأة، أو قل ~~زوجة تنتمي إلى طبقة دونجوانات روما. ولم تكن زوجة رجل مغمور أو بعل من عامة الشعب، بل ~~كانت زوجة كوينتوس كايكيليوس ميتيلوس ~~كيلير # Quintus Caicilius Metelus Celer ~~، وابنة أبيوس كلوديوس ~~بولكر # Appius Claudius Pulcher ~~، وشقيقة بوبليوس ~~كلوديوس Pubilus Clodius ~~. ولم تكن امرأة بسيطة الشأن أو خاملة الذكر، بل كانت من أقطاب ~~عصرها، ومن مشاهير بنات جنسها. لم تكن ليسبيا امرأة ساذجة، بل كانت لغزا أنثويا حيا ~~ممثلا في غادة ماكرة غزلة لعوب، تعرف كيف تأسر في ثقة، وتجذب في سكينة، وتفتن في صمت، ~~وتستميل في إغراء هادئ مطمئن عميق، لا يكشف سرها ولا يميط اللثام أبدا عن حقيقة ~~شخصيتها، لقد كانت ذئبا في فراء حمل وادع. # لم يكن «ليسبيا » الاسم الحقيقي لتلك السيدة التي ألهبت قريحة كاتولوس كما أشعلت بالحب ~~قلبه، بل هو الاسم الذي استخدمه الشاعر في قصائده، كلما أراد أن يعني حبيبته ~~«كلوديا». # أما الأدلة على أن ليسبيا هي كلوديا نفسها، فليست قليلة، وكلها في متناول أيدينا؛ فلقد ~~ذكر لنا أوفيديوس في منظومته «تريستيا # Tristia ~~» ما يؤكد أن ~~كاتولوس كان يستخدم اسم «ليسبيا» على سبيل الكناية: «كثيرا ما كان يترنم كاتولوس السعيد ~~بحبيته ويسميها بالاسم الزائف (ليسبيا).» # أما أبوليوس # Apuleius # أحد كتاب القرن الثاني للميلاد، ~~فيؤكد بصفة قاطعة أن «ليسبيا» هي «كلوديا» ولا أحد غير «كلوديا». إذ يقول: «دعهم يلومون ~~كاتولوس لاستعماله الاسم «ليسبيا» كناية عن «كلوديا».» # غير أن كاتولوس في منظومته التاسعة والسبعين يحدثنا عن شقيق لليسبيا يدعى «ليسبيوس»، ~~ويسميه «بولكر» أي «الفتى الجميل». وهذه هي الدعابة التي كثيرا ما كان يلجأ إليها شيشيرون ~~مع الاسم كلوديوس، وإن كان بدوره يشير من طرف خفي إلى إثم العلاقة الوثيقة التي بين ~~الحبيبين. # كذلك نجد كاتولوس في المنظومة السابعة والسبعين التي كتبها في عام 58ق.م. يسب صديقه روفوس ~~الذي سرق منه أغلى ما كان يملك. # وفي هذا العام بالذات، أي بعد موت ميتيليوس، كما علمنا من خطبة لشيشيرون دفاعا عن ~~كايليوس Pre Caelio ~~، إذ كان ماركوس ms14 كايليوس روفوس يعيش ~~مع كلوديا في بيتها فوق تل البلاتين. # والآن يمكننا دون أي عناء أن نكشف الستار عن مسرحية كاتولوس الغرامية وعن شخصيات أبطالها ~~المبرزين، كما يمكننا أن نذكرهم بأسمائهم الحقيقية دون حاجة إلى أسماء مستعارة؛ أما البطلان ~~فهما كاتولوس وكلوديا، يعاونهما في أداء المسرحية ميتيلوس زوج البطلة، وكايليوس روفوس أصدق ~~أصدقاء البطل. ومن كان يمثل الجوقة بكل مستلزماتها من الإسهاب والتطويل؛ فهو المحامي ~~المشهور والسياسي الداهية، ونابغة زمانه ماركوس توليوس شيشيرون. ولا يجب أن يغيب عن بالنا ~~أن تلك الزوجة وذلك الزوج كانا ينتميان إلى عائلتين من أعرق العائلات الرومانية نسبا ~~وأكرمها محتدا، وأن الشخصيات الخمس رغم ما في مسلكهم من تلون صارخ، كانوا يحتلون أرفع ~~المناصب في المجتمع، كما أنهم قضوا حياتهم وهم محط أنظار العامة والخاصة، لا تكف الألسنة عن ~~ذكرهم والإشادة بمآثرهم حتى طبقت شهرتهم الآفاق. # كان أهم مظهر من مظاهر سلوك طبقة أرستقراط الرومان القدماء، هو تمسكهم الشديد بتقاليد ~~العائلة التي ينتمون إليها وبعاداتها؛ فمن مميزات عائلة كلوديا مثلا الاعتداد بالنفس ~~الذي هو أقرب إلى الكبرياء والغطرسة، والاحتقار الشديد للرأي العام، هذا فضلا عن ~~كفاءة خاصة، أدبية وفنية لا يتمتع بها غيرهم من أبناء أمتهم. فلقد كان من بين أسلاف ~~كلوديا، الحكام العشرة المتغطرسون الذين تدين إليهم روما بالألواح الاثني عشر؛ مصدر ~~قانونها ووحيه، وذلك الرقيب الأعمى الذي شيد طريق ~~أبيا # Appian Way # وخزان أبيا # Appian Aqueduct ~~، وأحد أوائل المؤلفين اللاتينيين، وتلك العذراء ~~الفيستالية التي شهدت لها السموات بالعفة والطهارة. # وكانت كلوديا نفسها تتمتع بنصيب وافر من تلك العبقرية الخارقة التي أكسبت عائلتها ذلك ~~المجد الرفيع والاحترام العظيم. # فمن الجلي إذن أن كلوديا قامت بثورة ضد التقاليد والعرف، ولو أنه كان في مقدورها بحال ~~من الأحوال أن تنال السعادة في حياتها الزوجية؛ لكانت قد وفقت إلى شريك أكثر لياقة في شخص ~~رجل له مثل عبقرية شيشيرون، القادر وحده على الوصول إلى مدارك فهمها. وما كان لها أن تتزوج ~~محض جندي كميتيلوس الذي تزوجته. # أما ms15 إذا ذكرنا شيئا عن طبائع عائلة ميتيلوس، فأنسب لفظ للتعبير عن هذه الطباع جملة هو ~~لفظ «الصرامة # gravitas ~~»، الذي يستخدم في اللغة ~~اللاتينية كمرادف لكلمة «حماقة» أو «غباء». ولقد زودت عائلة ميتيلوس الدولة لأجيال عديدة ~~بسلسلة متواصلة من السياسيين المحافظين والإداريين المتزمتين والقادة الصارمين. ولقد حدث ~~أن أحد أفراد عائلة ميتيلوس ألقى بالشاعر نايفيوس # Naevius # في غياهب السجون؛ لأنه جرؤ على انتقاد سلطته إبان الحرب ~~البونية Punic War ~~. وتزعم ميتيلوس آخر حركة المقاومة العنيفة التي أباحها مجلس الشيوخ ~~ضد التشريع الجراكهي # Gracchan Legislation ~~. هذا فضلا عن ~~ميتيلوس الذي قاد دفة الحرب ضد يوجورثا # Iugurtha # في ذلك ~~الأسلوب البطيء حتى ألفى نفسه - وقد ألم به حزن شديد - قد حل محله ماريوس المحدث. وكان ~~كوينتوس كايكيليوس ميتيلوس كيلير زوج كلوديا ينتمي إلى هذا البيت الروماني، وتسري في دمائه ~~تلك النزعة التحفظية المتزمتة. # كان ميتيلوس هذا أحمق، ولكنه كان عنيدا، وكان في حياته الخاصة سمجا فظا، وإن كان في ~~حياته العامة وقورا جدا ورزينا للغاية؛ لقد كان مع جموع الشعب وقحا متغطرسا، بينما ~~كان مع أبناء عشيرته لطيفا رقيقا. # وإن أردت الحق، فإن ميتيلوس كان مثلا صادقا للأرستقراطي الروماني القديم، ولذلك الزوج ~~العاجز عن السيطرة على امرأة جديدة كزوجته، الفاشل في شق طريقه عبر خضم السياسة المضطربة. ~~فالسياسة العملية - أي المتضمنة أولا وقبل كل شيء؛ معرفة الطريق الذي سيسلكه الناس في ~~إعطاء أصواتهم قبل التصويت بفترة من الزمان - قد أثارت مشكلة عويصة في عصره، كان حلها فوق ~~طاقة رجل له ذكاؤه ونباهته. # ومع ذلك فقد كان ميتيلوس رجلا له بعض الصفات القوية؛ ففي عام 63ق.م. لعب دورا بارزا في ~~تحطيم قوات كاتيلينا المسلحة، فكافأه شيشيرون على ذلك بأن وكل إليه في العام التالي حكم ~~غاليا كيسالبين # Cisalpine Gaul ~~، إذ رأى شيشيرون أن ~~الصالح العام يتطلب منه أن يبقى هو في روما. ومن ثم في ربيع عام 62ق.م. رحل ميتيلوس ومعه ~~زوجته إلى تلك الولاية، ويحتمل أن يكون بعد مضي بعض الوقت في حكم ms16 هذه الولاية. قد التقى ~~حبيبانا في فيرونا وبدءا غرامهما الذي تكشف أشعار الشاعر عن الكثير من مراحله والتغيرات ~~التي اكتنفته. # كان كاتولوس في ذلك الوقت في الثانية والعشرين من عمره، أي إنه كان في السن التي تمكنه من ~~التعرض لبعض التجارب البسيطة في الحب مع بعض العذارى اللطيفات المعشر من أمثال إبسيثيلا # Ipsithilla # وأوفيلينا # Aufilena ~~، ولكنه كان صغير السن من غير شك، وفي غاية السذاجة، ومن ثم لم ~~يقو أمام حب هذه المرأة الرومانية العظيمة، التي تنازلت فخصته هو دون غيره بنظرات الحب ~~ولمحات الهيام، فجرفته في تيارها واكتسحته بسحرها وأوقعته في حبائلها حتى الثمالة. وكانت ~~سن كلوديا نفسها تزيد على سن كاتولوس بما يقرب من العشر سنوات، فقد كانت تقترب من ذلك السن ~~الذي يسميه أوفيديوس سن الفتنة والجاذبية (امرأة في سن الثلاثين)، كما كانت قطعة من ~~الإغراء الفتان، بديعة فريدة المثال، أشبه بالبدر المنير بين النجوم السواطع، ذات وجه صبوح ~~وعينين دعجاوين، في وجهها هدوء، وفي عينيها صفاء، ولصورتها رواء، هيفاء متناسبة الطول ~~معتدلة القد، مرفوعة الرأس دائما، لا يبدو وجهها إلا مليحا صبوحا واضحا. تسير في ~~طريقها فلا تنحرف ولا تميل، كاملة بارعة تعزف لحنا ساحرا، فتجذب بظاهر فتنتها قلبا بعد ~~قلب. وكان عنقها الأتلع المستدير يشبه برجا من اللجين الخالص، وذراعها البضة تشبه فرعا ~~مجيدا من شجرة مباركة، كل ورقة فيها تفيض بالبهاء والنور. وكان جبينها ناصعا كالصراحة، ~~ونظراتها باترة كالعزيمة، ولمعة تفكيرها العبقري تجثم في عمق عينيها كما يجثم سر الحياة ~~الكبرى في مقدس بدنها الغض الجميل. أسنانها بيضاء كياسمين منضد، صقيلة لماعة كأندر العاج ~~وأغلاه. ممشوقة القوام في شموخ ساطع، جريئة الروح في اتقاد ناضر، مشبوبة القلب، مضطرمة ~~العاطفة، أهدابها كحيلة سوداء ذات وطف، ثغرها دقيق عذب المراشف، قد فرع عودها وبرز نهداها ~~المثمران المتحلبان نعيما، كما استدار وجهها وتلألأ جبينها المشرق كأنه الهلال الوليد يطل ~~من الأفق. # كانت كلوديا إذن مثلا صارخا من الجمال الإيطالي الذي كان يتخذه بعض الفنانين ~~نموذجا حيا لهم ms17 في فنهم. هذا وإن كان كاتولوس لم يذكر لنا في أشعاره من أوصاف كلوديا ~~الجسدية إلا النزر اليسير عن قدمها الدقيقة، ويدها المستدقة، وأنفها الصغير المستقيم ~~وعيونها السوداء اللامعة. # أما شيشيرن الذي كان يعرفها معرفة جيدة، والذي فكر مليا في الطلاق من زوجته ~~تيرينتيا # Terentia # من أجل الزواج منها، فقد اعتاد أن ~~يصفها دائما بتلك الصفة الهومرية المشهورة «ذات عيون المها»، التي تنسب دائما لملكة ~~السموات. ولا شك أن كلوديا قد بدت لكاتولوس في بادئ الأمر كأنها جونو # Juno # متجسدة، لها جمال وجلال زوجة جوبيتر # Jupiter # ملك الأرباب والبشر. # كانت القصيدة الحادية والخمسون هي أول القصائد التي كتبها كاتولوس في حبيبته كلوديا، ~~وفيها يصف مشاعر المتعبد المتحمس في حضرة معبوده، وهي ولا شك تعبر تعبيرا صريحا عن عواطف ~~وخلجات صادقة. ويحتمل أن فارق السن والشباب هو الذي دفع كاتولوس إلى اقتباس آراء ~~وكلمات شاعر آخر واستخدامها لتحقيق مآربه. فهذه القصيدة محض ترجمة لإحدى أشعار سافو # Sappho # الخالدة، وهي من حيث الشكل ناجحة كأي ترجمة يمكن أن ~~تتم لقصيدة من قصائد سافو، وهي في كلمات أخرى فشل كان للقضاء والقدر دخل كبير فيه. أما عن ~~الفكرة فيحتمل أن كاتولوس قد تعذر عليه أن يلمس أن نوع حب سافو لصديقها يختلف تمام ~~الاختلاف عن حبه هو لكلوديا، ولكنه يرى أن الأصل قد كتب لفتاة من ليسبوس # Lesbos ~~، ومن ثم فهو يزج بالاسم «ليسبيا» الذي راح ~~يستخدمه في جميع أشعاره كاسم مستعار لحبيبته. # ويحق لنا أن نفترض أن هذه القصيدة الأولى في التودد والتقرب كانت كافية لكي تغمر قلب ~~السيدة بالغبطة والسرور. ولقد سمح للشاعر أن يتعرف إليها وأن يتقرب منها، ومن ثم فإن ~~القصيدة التالية قد صدرها الشاعر بذكر عصفور حبيبته الأليف الذي اعتادت أن تتركه يقفز ~~على نحرها وفي حجرها. ولعل هذه القصيدة هي التي جعلت مارتيالوس # Martialus # يسمى كاتولوس «مؤلف قصيدة العصفور». # أما حياة العصفور فقد جعلت كأقصر ما يكون، شأنها في ذلك شأن عواطف كلوديا نفسها. وفي ~~القصيدة الثالثة ms18 التي ملأها الشاعر بألفاظ التصغير وتعبيرات الاغراء والتقدير، سجلت وفاة ~~العصفور المسكين. # فهذه القصائد الثلاث الأولى التي يحتمل أن يكون كاتولوس قد كتبها في فيرونا، لا تظهر ~~كاتولوس إلا كمعجب متحمس وكمحب بريء ساذج. # أما في قصيدة «القبلات» وفي قصيدة «الدعوة إلى الحب» المحتمل كتابتهما في روما، حيث كان ~~الشاعر قد تبع كلوديا في عام 61ق.م. فإن كاتولوس يبدو فيهما في شخصية المحب الذي حظي حبه ~~بالقبول، كما أنه قد عبر فيهما أحسن تعبير عن سرور الشاب الولهان الغارق في الحب إلى ~~الآذان. # فهذه القصائد الخمس التي هي أول سجل لمظاهر حب كاتولوس السعيد. # وفي سذاجة الشاب اليافع، اعتبر كاتولوس أن من حقه أن تنسى كلوديا من أجله واجبها نحو ~~ميتيلوس، ولكنها عندما بدأت تمارس حرية الاختيار التي كان الرجال يدعونها دائما إلى ~~أنفسهم، وما إن بدأت تسأم وتمل عشقه الحار، مفضلة عليه آخرين من المعجبين بها ؛ فإن آراء ~~كاتولوس في الإخلاص تطورت وتغيرت. وبعد ذلك ببضع سنين حاول كاتولوس في القصيدة الثامنة ~~والستين أن يستعيد أولى جذوات حبه؛ فصور إحدى مقابلاته السرية مع حبيبته في بيت صديقه ~~أليوس # Allius ~~، ونراه يتخيل نفسه محبا صبورا رضي ~~الأخلاق: # أعرف أنني لا أستطيع أن أكون حبيبها الأوحد، وأنه يجب علي أن أتحمل ضعفها في رقة ~~وكياسة، فلست من صنف الزوج الغيور. # فإن تك هي حصيفة، فلسوف أكون أنا أعمى. # ولكنه في حقيقة الأمر لم يكن أعمى ولا رضي ~~الأخلاق، كما أنه كان بعيدا كل البعد عن السعادة. # هذا إلى أن الوضع في روما اختلف كل الاختلاف عنه في فيرونا؛ ففي العاصمة لم يكن المشكل ~~الذي يواجه المرأة منحصرا في الكيفية التي تقضي بها وقتها، بل كان بالأحرى مقصورا على ~~وسيلة إيجاد الوقت لتلك المسرات التي لا حصر لها، وتلك المشاغل التي كانت تملأ أيامها. لم ~~يكن جل همها إزاحة الستار عن حبيب واحد لائق، بل كيفية المحافظة على زمرة من المغازلين ~~الشغوفين في حالة من الغبطة والسرور. وفي عام 60ق.م. أصبح ميتيلوس ms19 قنصلا، فتركزت جميع ~~جهوده في أن يضع بومبي في مكانه اللائق، وهكذا قلت أمامه الفرص والمناسبات عنها في أي ~~وقت آخر لتلك المراقبة الزوجية التي كانت كلوديا في مسيس الحاجة الشديدة إليها. لقد كانت ~~كلوديا محاطة بهالة من الشباب اليافع، الذين وجد كاتولوس في أغلبهم منافسين ألداء له في ~~حب كلوديا. ولعل هذا يوضح لنا شيئا عن طبيعة كلوديا، وكيف استطاعت أن تعذب محبا شديد ~~المراس، كما أزاح الستار عن هذا كاتولوس نفسه. فيصر كاتولوس على اعتبار كلوديا إحدى ~~ممتلكاته، ويصر على ذلك بطريقة تدعو إلى الضحك والسخرية، إن لم تكن تدعو إلى الرثاء أيضا؛ ~~فنراه يحذر في شيء من الجد والصرامة المعتدين على حبه والمنتهكين حرمته من أمثال ~~كوينتيوس # Quintius # ورافيدوس # Ravidus # وجيليوس # Gellius ~~، متظاهرا كمن ~~له الصولة السلطان، غير عابئ بكرامة زوج مسئول، لابسا رداء المحب المتغطرس الولهان. فليس ~~بمستعجب إذن ولا بمستغرب أبدا أن تتعدد المنازعات والمشاجرات، وأن تكفل لنا القصائد التي ~~كتبها كاتولوس عن ليسبيا إبان عام 60ق.م. تاريخا مريرا لتلك التعنيفات المريرة واللائمات ~~القاسية، فضلا عن مناسبات الوفاق القصيرة الأمد، ومرات الوئام والانسجام القليلة ~~العدد. # وعلى كل فقد كان على كلوديا إبان حياة ميتيلوس أن تحافظ على احترام معين للمظاهر، ~~فضلا عن أن واجباتها الزوجية قد زودتها بلا شك بحجة مريحة للتعامل مع مغازل ولهان قد برح ~~به الهوى. ولكن في عام 59ق.م. وقعت حادثة ألحقت بموقفها تغييرا كبيرا ملحوظا؛ فميتيلوس ~~وقد أنهكه ما كان يكتنف السياسات الرومانية من تعقيدات لا مثيل لها، قد مات فجأة، وإذ ~~انتقلت كلوديا إلى الإشراف الاسمي على أخيها سكستوس كلوديوس بولكر، ألد أعداء شيشيرون، فقد ~~أضحت مستقلة تمام الاستقلال كأرملة في سن الخامسة والثلاثين وكصاحبة ثروة طائلة. والمجتمع ~~الروماني الذي تختلف أفكاره في المزاح اختلافا بينا عن أفكارنا، راح يقول مازحا: ~~«إنها سممت زوجها، وكانت عشيقة أخيها أيضا.» بيد أنه من الخطل أخذ مثل هذا المزاح مأخذا ~~جديا. حقا إن كاتولوس وشيشيرون يكرران هذه الأقوال، ولكن كليهما شاهد لا ms20 يعتد به. ~~فالحقيقة المقطوع بها والتي لا مراء فيها؛ ذلك أن كلوديا بعد وفاة زوجها قد وقع اختيارها ~~على ماركوس كايليوس روفوس # Marcus Caelius Rufus # الذي ~~كان تحت حماية شيشيرون، وصديق كاتولوس الحميم، وأحد المغامرين الجسورين الذين ذاع صيتهم ~~في ذلك العصر المضطرب، قد وقع عليه اختيارها حبيبا مفضلا لا يجاريه في قلبها أي ~~حبيب. # أما كيف استطاع كاتولوس أن يتحمل صدمة التنحي عنه وطرحه في عالم النسيان، ولفظه لفظ ~~النواة وجعله ذكرى لغرام مضى وانقضى، فيمكننا أن نلمسه من تلك الأبيات المريرة، التي ~~تضمنتها القطعة السابعة والسبعون والمصدرة باسم روفوس. # ولكن بقدر ما كانت الضربة قاصمة لمركز كاتولوس الأدبي ولقيمته الشخصية، فإن تعلقه بحبيبته ~~السابقة كان تعلقا شديدا بعد تلك الروابط الغرامية الماضية، حتى أصبح من العسير عليه ~~الخلاص منها ومن قيودها؛ ومن ثم فهو يكتب لها في شبه تراكيب هي خليط تارة من السب والحب، ~~وطورا من الاعتراف والاستغفار، وأحيانا أخرى من الثورة ضد عبودية المشاعر والأحاسيس، ~~فيقول: # لا أستطيع احترامك # وإن كنت صادقة، # ولا الكف عن حبك # مهما كنت فاعلة. # وتجري القصيدة الثانية والسبعون على نفس النمط: # أعرفك الآن أفضل من قبل، # وها أنا ذا أقر وأعترف # بأن حبي لك ينمو ويزيد، # بينما تقديري يقل وينكمش. # وأخيرا نجد الشاعر يجمل ذلك العراك الصارم بين العاطفة والكرامة الشخصية في بيتين من ~~الشعر متأججين، بعنوان «أمقت وأحب»: # أكره وأحب، # فلا تسأليني عن السبب؛ # فمهما حاولت لا أعرفه، # وإن كنت أحس بأنه ألم مبرح. # ومن الخطبة التي ألقاها شيشيرون دفاعا عن كايليوس في عام 56ق.م. يمكننا أن نكون فكرة عن ~~لون الحياة التي تحياها كلوديا وجمهرة فرسانها من أمثال كايليوس وكاتولوس وكالفوس ومن ~~عداهم إبان عامي 58 و57ق.م. لقد كان للسيدة بيت ريفي فوق تل البلاتين بالقرب من نهر ~~التيبر حيث كانت، مثلها في ذلك مثل ميديا # Medea ~~، تمارس فن ~~السحر وتزاوله، وقد ساعدها على ذلك ثروتها الطائلة وجمالها الفتان. وكان وفاضها وفراشها ~~مباحين لكل حبيب طارق، كما أن ليالي ms21 الشتاء كانت تمر سريعا في حفلات وولائم متعاقبات، وفي ~~رقصات وما يشبه الرقصات من شتى ألوان اللهو والترفيه عن النفس. فإذا جاء الصيف استجم ~~الفريق كله عند شاطئ البحر. وفي حمامات باياي ظل السعي وراء الملذات والمسرات على أشده، ~~والانغماس في الخلاعة والمجون مستمرا مع شيء من الإباحية التي يندر السماح بها في ~~روما. # والآن، لندع شيشيرون نفسه يتكلم مدافعا عن موكله أمام جمع السناتو في تهمتي دس السم ~~وابتزاز الأموال، وهما التهمتان اللتان وجهتهما إليه كلوديا: «سادتي، إننا في هذه الدعوى لا نتعرض لأحد غير كلوديا، تلك السيدة الكريمة المحتد، ~~الطائرة الصيت، بيد أنني لن أقول عنها شيئا إلا بالقدر الذي يتحتم علي بيانه لكي ~~أدحض الاتهام الموجه نحو موكلي. وإن لم تتهمه كلوديا بأنه قد أعد السم لها، وإن لم تقل إنها ~~أقرضت كايليوس أموالا. فكم تكون وقاحتنا إذا تكلمنا عن سيدة يختلف شرفها عما يستلزمه شرف ~~السيدات الرومانيات. ولكننا إذا نحيناها جانبا، ولم يجد خصومنا اتهاما يوجهونه ضد ~~كايليوس، ولم تبق هناك وسيلة لمهاجمته، فما الذي يتحتم علي، بصفتي محاميه إلا أن أصد ~~كرة من يهاجموننا؟ أما عن هذا الذي أقوله، فقد أقوم به حقا بمنتهى الصرامة، لولا تلك ~~البغضاء التي بيني وبين زوج هذه السيدة - أعني بيني وبين أخيها - حيث إنني دائما أبدا أقع ~~في هذا الخطأ. # وكما هو واقع الحال فإنني سأتصرف في لين خشية أن أتجاوز الحدود التي يرسمها واجبي، ~~أو تقتضيها القضية التي وكل إلي الدفاع فيها؛ فكثيرا ما اعتقدت أنه من المفروض علي أن ~~أتجنب العلاقات السيئة مع السيدات، وخاصة مع كلوديا التي دأبت دائما على أن تكون حميدة ~~الطباع في مسلكها مع الناس أجمعين، متحاشية في ذلك أي عداوة قد تنشب بينها وبين أي فرد من ~~الناس. # ولكني أولا وقبل كل شيء سأستفسر منها لأعرف هل تفضل أن أتصرف معها بأسلوب صارم رسمي ~~عتيق، أو بطريقة لينة رقيقة مليئة بالمجاملة. فإن كانت تفضل الأسلوب الصارم، فلا بد لي من ~~أن أستدعي ms22 من دنيا الأرواح أحد أولئك السادة، طويلي اللحى - ولن تكون لحيته قصيرة كلحية من ~~هي متيمة به الآن، ولكنها ستكون لحية كثة كتلك التي نراها في التماثيل والصور القديمة - ~~فهذا الذي سأستدعيه، سوف يزجر السيدة، متحدثا إليها بدلا مني خشية أن تغضب هي مني الآن. والآن لندع أحد أفراد عائلتها ينهض، وليكن أبيوس # Appius # الضرير، قبل غيره. فحيث إنه لا يستطيع رؤيتها؛ فسيكون من ثم أقل الناس حزنا. فلئن ظهر ~~حقيقة؛ لكان تصرفه كالآتي، ولوجه إليها الخطاب قائلا: «أيتها المرأة! ما شأنك مع كايليوس؟ ~~ما أمرك مع هذا الصبي؟ ماذا دهاك مع غريب؟ وكيف كان رضاك؟ لم كنت تظهرين له مثل هذا الود، ~~حتى أقرضته بعض مالك فأصبحت هكذا عدوته، حتى أضحيت تخشين أن يدس لك السم؟ ألم تشاهدي أباك ~~وهو في منصب القنصل؟ أما سمعت أن خالك وجدك وجد جدك وكبير أجدادك كانوا قناصلة كذلك؟ ~~أتجهلين أن كوينتوس ميتيلوس كان زوجك؟ وأنه كان من أبرز الرجال وأشجعهم؟ بل كان وطنيا ~~غيورا قضى بمجرد ظهوره في الحياة العامة على جميع مواطنيه، وسلبهم المجد والكفاءة ~~والكرامة؟ ثم لم بعد أن تزوجت من تلك العائلة العريقة الأرومة، الكريمة المحتد، الشريفة ~~النجار، الطائرة الصيت، وأنت يا من تنحدرين من بيت كريم شريف، لم سمحت لكايليوس أن يظهر لك ~~كل هذا الود والحب؟ هل كان بينك وبينه قرابة؟ أكان هو نسيبك؟ أكان صديقا حميما لزوجك؟ ~~الحق أنه لم يكن أحد هؤلاء أجمعين، فماذا يا ترى يكون السبب إن لم يكن محض الطيش والشهوة؟ ~~فإذا لم تحركك صور رجال عائلتنا، أفما كان أجدى بابنتي كوينتا كلوديا # Quinta Clodia # أن تثير في صدرك أن تنافسيها فيما تتحلى به من الفضائل ~~العائلية، والعفة التي هي أساس مجد المرأة؟ أفما كان يجب على كلوديا، تلك العذراء ~~الفيستالية التي كانت متى احتضنت أباها وهو في عربة النصر لم يجرؤ تريبون من ترابنة ~~الشعب المعادين له أن يحاول عزله من عربة النصر هذه؟ لم إذن تحاكين رذائل أخ، مؤثرة إياها ms23 ~~على فضائل أب أو جد عائلة كاملة أنتمي أنا إليها كما ينتمي غيري من الذكور والإناث؟ هل ~~رأيتني قد حرمت وطني من الدخول في عالم السلام والوئام مع بيروس Pyrrhus ~~، حتى أسرفت بدورك، في كل يوم تقريبا، في علاقاتك مع عشاق ~~مغمورين؟ هل زودت أنا المدينة بالماء كي تستخدميها في أغراض نجسة؟ هل مهدت أنا طريقا ~~رئيسيا لكي تترددي أنت عليه بصحبة فرسانك المتيمين؟» # ولكن ما هذا الذي أفعله أيها السادة؟ فإنني عندما أقدم شخصية لها مثل هذا الاحترام؛ ~~أخشى أن ينشق أبيوس نفسه فجأة على كايليوس ويتهمه بصرامة العذول، ولكني أيها السادة سأتكلم ~~بالقدر الذي أستطيعه، وبأسلوب يشعرني بأنني أخدع نفسي وبأنني أؤيد سلوك كايليوس بما قد ~~يرضي حتى أقسى القضاة وأعنفهم. أما أنت يا كلوديا، فلتعلمي أنني الآن أوجه الكلام إليك ~~بشخصي دون التواء أو اعوجاج؛ لأنك إن كنت تقترحين كسب رضائنا عن أعمالنا وأقوالك، واتهاماتك ~~وهجماتك، ونشاطك السري، فيجب عليك أن تفسري لنا أسباب تلك الشهرة العظيمة مع موكلي، وتلك ~~الصداقة العظيمة وهذا الود الصارخ. فإن متهمينا يتحدثون بصوت عال عن دعارات وحماقات، وعن ~~ولائم وغراميات، وعن زنى وأغنيات، وعن موسيقى ورحلات، وعن مراكب للمتعة واللهو غير الشريف، ~~نراهم في الوقت نفسه يشيعون أنهم لا يتكلمون بشيء إلا حسب إرشاداتك. وعلى كل فحيث إن ~~مزاحك الممزوج بالعنف والعناد وصلابة الرأي هو الذي جاء بك إلى ساحة الفورم وأوقفك أمام ~~هذه المحكمة، فعليك إذن إما أن تنفي هذه التهم وتثبتي زيفها، أو ألا تسمحي لدليل واحد أن ~~يقوم بحال من الأحوال عونا على اتهامك أو الشهادة عليك. بيد أنني لو شئت التصرف معك في ~~شيء من المجاملة، فلن أفعل غير الآتي: # سأعمل على الخلاص من ذلك العجوز الظلف، الأقرب إلى البرابرة منه إلى أي شيء آخر، وأختار ~~أحد أفراد عائلتك وليكن أخاك الأصغر قبل غيره؛ فهو في أسلوبه مرآة صادقة للأدب، كما أنه ~~يهيم بحبك غاية الهيام، وكما يخيل إلي كانت تنتابه بالليل بعض المخاوف والهواجس، فاعتاد ~~أن ms24 ينام إلى جوارك كأي صبي صغير يرقد مع أخته الكبيرة. فماذا إذن لو راح يخاطبك هكذا ... ~~«لم يا أختاه تحدثين كل هذه الجلبة والضوضاء؟ لماذا أنت في هذه العاصفة من الهياج؟ ~~ولم تعظمين مثل هذا الموضوع التافه وتجعلين من الحبة قبة؟ لماذا تعطين له هذه الأهمية ~~بصيحاتك وصرخاتك؟ لقد ركزت عيونك على جار شاب، وفتنتك خلقته وطلعته، فضلا عن عيونه التي ~~سحرت لبك، لقد همت برؤياه كثيرا، ولقد شوهدت أحيانا في نفس الدار، وأنت كما تعلمين ~~المرأة ذات الصيت العريض، وصاحبة الثراء الطائل. ومع ذلك فلم تستطيعي بحال من الأحوال أن ~~تحظي بحبه الكامل، مع أنه كان ما يزال تحت رعاية أب شديد الرقابة؛ إنه يمتهن هداياك ~~ويحتقرها مستخفا بها. فلترحلي إذن إلى أي مكان آخر. وهل نسيت الدار التي تملكينها هناك ~~بالقرب من نهر التيبر؟ وكيف كنت في حين من الزمان في ألم مبرح كي تؤهلي نفسك لذلك المسكن ~~الذي لا يبعد عن البقعة التي يستجم فيها جميع شباننا ؟ كانت أمامك يومذاك فرصة ذهبية كي ~~تمتعي نفسك كل يوم تقريبا، فلم تكلفين نفسك مشقة كل هذا الانزعاج من أجل شخص لا يكن لك إلا ~~كل احتقار وامتهان؟»» # والجدير بالملاحظة أن شيشيرون لا يتملق ولا يداهن؛ فهو في دفاعه عن كايليوس ضد تهمة ~~الفسق يتكلم بنفس الصراحة فيقول: ~~«إنني لا أتكلم الآن ضد كلوديا، بيد أنه لو فرضنا وجود ~~شخصية أخرى تختلف عنها شكلا، واحدة من اللواتي يرتكبن الفحشاء مع جميع الرجال، ومن اللواتي ~~لا يستسغن الحياة بدون شخص يهبهن العواطف ويطارحهن الهوى جهرا وفي وضح النهار، ومن اللواتي ~~يفتحن أبواب بيوتهن وحدائقهن وحماماتهن على مصاريعها لممارسة شتى ألوان الدعارة والفجور. ~~بلى، واحدة من اللواتي يحتفظن بشاب يافع وينفقن من أموالهن لسد الثغرات التي يحدثها الآباء ~~الممسكون المتزمتون الذين لا يعطون أبناءهم إلا النزر اليسير من المال. لو أن مثل هذه ~~السيدة تعيش عيشة الدعارة هذه وهي أرملة، وأظهرت فسق طباعها ودعارة ميولها بمسلكها ~~الشهواني، واستخدمت أموالها في أغراض التبذير ms25 والإسراف المقيت، ولئن أدى فجورها إلى احتراف ~~الدعارة وانتسابها إلى طبقة المومسات الساقطات؛ فهل يمكن اعتبار ذلك الرجل داعرا أو فاسقا ~~من يتمتع بكامل الحرية في مغازلتها ومطارحتها الغرام؟! ولكن ألا تنفث جيرة كلوديا أزكى ~~الروائح؟ وهل صوت الشعب صامت لا يتكلم؟ أفلا تنطق مياه باياي؟ إنها لا تتكلم فحسب، ولكنها تصيح وتصرخ بأعلى صوتها، بما قد بلغه فجور هذه المرأة ~~الواحدة التي لا تنشد في فجورها عزلة أو ظلمة أو ما شابه ذلك من موبقات الإثم فحسب، بل ~~وتلتذ كذلك بمزاولة ألوان الدعارة أمام جموع الناس. فلو اعتقد أحد أن الجماع الحر ولو كان ~~مع المومسات يجب أن يحرم على الشباب؛ لاتصف حقا بالصرامة والفظاظة. بيد أنني لا أستطيع ~~أن أناقضه؛ فهو في اعتقاده - وهذا ما يتحتم علي قوله - لا يختلف عن حرية عصرنا الحالي فحسب، ~~بل وعما تعود آباؤنا ممارسته والسماح به. فهل جاء أبدا زمان قضي فيه بتحريم هذه العادة؟ ~~فمتى وفي أي زمان جاء اعتبارها تهمة أو خطيئة؟ وفي أي عصر حرم السماح بها دون السكوت عنها؟ ~~وباختصار، هل ورد أبدا زمان حرم فيه ما لم يكن محرما من قبل؟ وإني الآن بصدد توجيه سؤال ~~دون ذكر أي سيدة، ولكني سأترك لكل شخص أن يدلي بالحكم الذي يراه؛ لو أن امرأة غير متزوجة ~~تفتح أبواب بيتها على مصاريعها لكل زان وفاسق، ولمن يطلبون الشهوة والمتعة، ثم تعلن أمام ~~الملأ أنها مومس، ومن ثم تقبل الدعوات من كل غريب. وهب أنها فعلت ذلك في روما في بيتها ~~الريفي، أو في باياي، ذلك المكان الموبوء؛ أي لو أنها لم تظهر أمام الناس في مشيتها ~~الماجنة فحسب، بل وفي ردائها وركبها من الشباب، غير مكتفية بغمزات عيونها وحرية أحاديثها، ~~بل تعدت ذلك إلى القبلات والأحضان، فضلا عن كل مسلك شائن في الحمامات وقوارب اللذة ~~والمتعة، وفي الولائم والدعوات؛ لا لتبدو مومسا فحسب، بل ولتظهر بمظهر المرأة الوقحة ~~المستهترة السليطة. فلو حدث وشوهد شاب يافع في صحبة مثل هذه المرأة، ms26 أفتكون نظرتكم إليه ~~كنظرتكم إلى أي فاسق داعر؟» ~~«إن أسوأ الإفساد لإفساد خير الناس.» ولا شك أن النساء من أمثال كلوديا في أيامها ~~الأخيرة، كن في حاجة ماسة جدا إلى الفضائل الذاتية التي للجنس اللطيف، غير أن كلوديا ~~كانت تتمتع بمفاتنها الخاصة، ولم يكن قبل ربيع عام 57ق.م. حينما جمع كاتولوس شتات شجاعته ~~للخلاص من تلك العلاقة التي نالت من رجولته وألحقت بها المذلة والمهانة. ولقد مات أخوه ~~العزيز حينذاك في طرود، ومن ثم وطن العزم على مغادرة إيطاليا والالتحاق بإحدى الوظائف في ~~جيش ميميوس # Memmius ~~، حاكم بيثونيا # Bithynia ~~. ولقد سجل هذا العزم في قصيدتين من أروع أشعاره؛ وهما القصيدة ~~الثامنة، والسادسة والسبعون. وفيهما تتجلى آخر مرحلة من مراحل الهجران، بينما في القصيدة ~~السابعة والثمانين يضع كاتولوس خاتمة كل شيء فيقول: # لن تستطيع امرأة أن تقول # إنها قد حظيت بالحب # كما أحببتك يا عزيزتي من كل قلبي، # وليس هناك من رجل # ثبت إخلاصه لحبيبته # كما عرفت أنا بإخلاصي. # وهكذا في عام 57ق.م . قطع كاتولوس علاقته الغرامية بكلوديا، غير أننا لا نجد بين ما كتب من ~~أشعار عقب هذا التاريخ إلا ثلاث قصائد عنها. وعند عودته إلى روما متأخرا في عام 56ق.م. وجد ~~أن كايليوس أيضا قد تخلص من الغادة الساحرة، وأنها اتهمته أمام القضاء واتخذت لنفسها لقب ~~«كوادرانتاريا # Quadrantaria ~~» أي «المومس الرخيصة لقاء ~~مليمات». وفي القصيدة الثامنة والخمسين وجه كاتولوس الكلام إلى كايليوس وصب جام اللعنة ~~والسباب على معشوقته السابقة؛ «فبيتها بؤرة للدعارة تنتظر فيه الوافدين، أما هي فمن اللواتي ~~يجبن الطرقات بالليل وينغمسن مساومات في أحط الموبقات.» # ولكن رغم هذه الألفاظ القاسية، يمكننا أن نشك في أن حب كلوديا كان لا يزال يسري في دم ~~الشاعر دون استطاعته نسيانها. ويحتمل أنها بعد رجوعه، في الفترة ما بين عامي 54، 55ق.م. قد ~~حاولت جاهدة إعادته ثانية إلى زمرة أتباعها وعشاقها. وكان وسطاءها اثنين من أقل أصدقائه ~~شهرة؛ هما فوريوس وأوريليوس. ويحتمل أن رد كاتولوس لم يسجله إلا قبل موته المبكر بفترة ms27 ~~وجيزة؛ وذلك في القصيدة الحادية عشرة بنهايتها الرائعة: # ذلك الحب الذي أجرمت هي في حقه؛ # فهوت به إلى الحضيض، # كما تهوي الزهرة عند حافة الحقل. # وقد بترها بسلاحه # المحراث المار بطريقها. # وقد يكون ذلك بمحض الصدفة أو بمحض الاختيار، كما حدث في أول قصائد كاتولوس عن ليسبيا، أن ~~حاكى فيها الشاعر أحد أوزان قصائد سافو، لكن هذا التشابه في الوزن الشعري يؤكد ذلك الفارق ~~المرير بين مشاعر صاحبي القصيدتين. وإلى هنا ينتهي تسجيلنا لأشعار كاتولوس ~~الغرامية. # مات كاتولوس في عام 54ق.م. كما قتل كايليوس بعد وفاته بست سنوات، بينما مات شيشيرون بعده ~~بخمس سنين. أما كلوديا فقد امتد بها الأجل، إذ نجد أن شيشيرون في إحدى خطبه الأخيرة يسأل ~~أتيكوس عن أخبار كلوديا، والمعروف أن شيشيرون كان أحد المعجبين بل والراغبين في الزواج من ~~كلوديا قبل أن يعرفها كاتولوس أو يقع في حبائل غرامها. # الباب الثالث # | أشعار كاتولوس # إن أشعار كاتولوس كما هي الآن بين أيدينا، توضح ظاهرة من أبرز الظواهر؛ ألا وهي التوافق ~~بين محتوياتها. # تختلف أشعار فرجيل وهوراتيوس أيضا من حيث الروعة والتفوق، ولكننا في حالة هذين الشاعرين ~~نستطيع أن نتتبع تقدما طبيعيا من حيث النمو؛ وذلك ابتداء من أناشيد الرعاة الفجة # Eclogues ~~، إلى كمال الأينيذة الناضج، ومن مرارة أشعار ~~الحماس # Epodes # اليافعة والهجائيات المبكرة # Satires # إلى الحكمة الناضجة التي نجدها في الأناشيد # Odes # والرسائل # Epistles ~~. # أما الأمر مع شاعرنا فبخلاف ذلك على خط مستقيم، ومهما كان سبب التفاوت فليس للزمن دخل فيه؛ لأن كاتولوس مات في سن الثلاثين، بعد أن أنجز كتابة ~~جميع أشعاره في السنوات الست أو السبع الأخيرة من سني حياته. أما كون التفاوت حقيقة ظاهرة ~~للعيان، فسوف يتضح بلا عناء لكل من يتحاشى المختارات، مؤثرا قراءة جميع أشعار الشاعر التي ~~بين أيدينا. فبعض الأشعار جميل رقيق، وبعضها الآخر سمج في سماجة لكل ما هو مكتوب باللغة ~~اللاتينية، هذا إلى أن بعضها يبرز كمال الواقعية الخفيفة الحية، بينما يتجرد بعضها الآخر من ~~كل معاني الحياة، ms28 لتكون مثلا في السماجة وإثارة الملل. على أن بعضها قصير مقتضب ينحصر في ~~بيتين من أشعار الرثاء، بينما يطول بعضها الآخر إلى أربعمائة وثمانية أبيات من الشعر فتبدو ~~أطول مما هي عليه. ومجمل القول، إن أشعار كاتولوس تتضمن «مزيجا» من شتى الضروب والأصناف ~~التي من بينها «النوع المحزن». # وما بين أيدينا من نصوص كاتولوس الآن يحتوي على 116 منظومة شعرية، قام بترتيبها أديب لم ~~يكن شديد الاهتمام بموضوعها أو بترتيبها الزمني، قدر اهتمامه بمظهرها الخارجي. وهي تبتدئ ~~بستين منظومة وجدانية، تتبعها مجموعة من ثماني قصائد تفوق الأولى طولا، من بينها منظومة ~~«بيليوس وثيتيس Peleus & Thetis ~~»، وكلها في ~~أوزان شعرية مختلفة. ثم مجموعة من ثمان وأربعين قصيدة أغلبها غاية في القصر، يقع في بيتين ~~اثنين من الشعر الرثائي تقريبا. # أما أولئك الذين تعودوا أن يلمسوا أعمال أي شاعر بعد جمعها مرتبة حسب تاريخ تأليفها أو ~~وفق موضوعها؛ فرأينا فيهم أنهم يتبعون طريقة لا عقل فيها ولا تعقل. إلا أن اهتمام القدامى ~~بالأوزان الشعرية كان يفوق كثيرا مدى اهتمامنا بها. وكان لكل وزن شعري طابعه الخاص، ~~وارتباطاته الخاصة التي تجعله صالحا بإجماع الآراء للون خاص من التأليف، وتحكم عليه بعدم ~~الصلاحية لأي لون آخر من ألوان التأليف، بيد أنه كثيرا ما كان يحدث أن يحتكر أحد شعراء ~~الماضي وزنا شعريا خاصا ويعتبره ملكا خاصا له. وكان على الكتاب المتأخرين اعترافا ~~بامتنانهم له، أن يتخذوه نموذجا لهم، ويحاكون ما يدعيه من وزن شعري. # وهاتان الحقيقتان لا بد من إدخالهما في الحساب عند الكلام عن أشعار كاتولوس بالذات. # ولئن أردت الحق فعندما بدأ كاتولوس يكتب أشعاره الغرامية لم يكن أمامه نماذج رومانية. ~~ولما كان يعرف اليونانية؛ فقد توجه إلى مركز الثقافة في البحر الأبيض المتوسط؛ لأن أثينا ~~في عصره، إن كانت ما زالت منارة علم، إلا أنها كانت قد فقدت صيتها وأهميتها ومكانتها ~~الأولى، بينما احتفظت الإسكندرية بمركزها كعاصمة للبحر الأبيض المتوسط. كما يقول طالب العلم ~~في حديث عيسى بن هشام، عندما سأله عن ms29 مطلع شمس العلم: # إسكندرية داري # لو قر فيها قراري # لكن بالشام ليلي # وبالعراق نهاري # فكانت الإسكندرية مشعل الثقافة والاستنارة في ذلك العصر الذي ~~كانت فيه مصر تتمتع بالاستقلال، أما البطالمة فكانوا ملوكا عظماء، وكان المصريون يكونون مع ~~الإغريق أمة واحدة عظيمة. # ومن ثم فقد توجه كاتولوس إلى أدباء الإسكندرية، غير أنه لم يكن محاكيا ذليلا لأدبائنا ~~العظماء؛ نظرا لما كان بينه وبين أسلافنا من اختلاف بين. # فكاتولوس أولا وقبل كل شيء كان غاليا عاطفيا من الوافدين من الشمال، ولم يكن يعرف تلك ~~القسوة الباردة التي اشتهر بها الرومان القدماء، ولا تلك الكراهية نحو الأدب العاطفي. # ولقد عاش أدباء الإسكندرية وفنانوها تحت حماية القصر الملكي، وكانوا يكتبون أولا وقبل كل ~~شيء إرضاء للقصر الملكي وإشباعا لأهواء أنفسهم، لما كان بالمتحف مكتبة وجامعة، فقد نشأ ~~هؤلاء الرجال أدباء وعلماء ومعلمين، لا يكرسون جل وقتهم لغير نقد الكتب القديمة والتعليق ~~عليها. # رفض كاتولوس وأبى أن يحاكي هؤلاء السكندريين في عاداتهم وطرقهم العلمية؛ وذلك لأنه لم يكن ~~بحال من الأحوال ناقدا مثلهم، فقد كانت أولى أشعاره قصيدة كتبها عن ليسبيا، تعتبر ترجمة ~~لإحدى أشعار سافو، وكان لكاتولوس هدفان من ترجمتها: # أولا: # لأنها كانت خير قصيدة وأصلحها للتعبير عن مشاعره. # ثانيا: # لأن القصيدة لو وقعت في يد زوجها، أو تعرضت للنقد اللاذع؛ لكان في مقدوره ~~عندئذ أن يدعي بأنها محض ترجمة لقصيدة سافو منكرا علاقته بليسبيا. # ومما لا شك فيه أن كاتولوس في بعض أشعاره قد حاكى كاليماخوس # Callimachus # في مراثيه. ومع أن كاليماخوس كان من سادة كتاب هذا اللون، فقد ~~مني كاتولوس بالفشل في كتابته؛ لأنه نسي الفارق بين اللغتين اللاتينية واليونانية، وتناسى ~~طبيعة الشخصية التي تختلف عن طبيعة كاليماخوس. # أما خير مرثاة كتبها كاتولوس فتلك التي نظمها عندما توفي أخوه (القصيدة 101). # ومما لا جدال فيه أن كاتولوس عندما ترجم منظومة سافو، كان يعبر عن مشاعره الشخصية وعن ~~عواطفه ناقلا إياها عن اللغة اليونانية إلى اللغة اللاتينية. # كان كاتولوس يقلد الوزن اليوناني على النمط ms30 الذي كان يتبعه كاليماخوس في كتابة مراثيه، ~~مصدرا القصيدة بصفات وألفاظ كثيرة غير مفهومة، مقتبسا هذه الصفات من الأساطير. فلقد ~~حاول كاتولوس كتابة أشعاره مفعمة بالثقافة، ولكننا في الواقع نحب كاتولوس لما يكتبه ~~تلقائيا، لا لما في أشعاره من علم وثقافة. # كان كاتولوس يترجم ترجمة حرفية، ولقد ثبت هذا بعد اكتشاف ما نقله نقلا حرفيا عن بعض ~~كسر كاليماخوس؛ فقد كانت أشعار الأخير مفقودة، فلما عثر على بعض كسر منها، وجدنا أن ~~كاليماخوس قد استعمل فيها جميع كلمات كاتولوس، مشيرا إلى جميع الأساطير الواردة في منظومة ~~كاتولوس، ومقترفا نفس الأخطاء التي ارتكبها كاتولوس. # وإذ انحدر كاتولوس من عائلة ثرية، فقد اختلط مع عظماء الشخصيات، ومقت بومبي لانضمامه ~~إلى قيصر، كما مقت قيصر كزعيم للعامة. أما هجوم كاتولوس على قيصر فقد كان غاية في القسوة، ~~ويعلق كوينتيليانوس # Quintilianus # على ما ورد بالمنظومة ~~الثالثة والتسعين عن قيصر، بأنه محض جنون؛ إذ كيف يجرؤ كاتولوس فيتكلم بهذه الطريقة وتلك ~~اللهجة عن رجل له عظمة قيصر ومكانته في التاريخ؟! ولم يكن هجاء كاتولوس لبومبي بأقل من ~~هجائه لقيصر، رغم حرصه على عدم ذكر اسم بومبي بقوله: «أيها الحم، لقد دمرت كل شيء.» # كان كاتولوس زعيم المدرسة السكندرية وكان صديقه كالفوس # Calvus # زعيم المدرسة الأتيكية، فوقف كاتولوس إلى جانب صديقه ضد شيشيرون. ~~والحقيقة أنه ليس لدينا برهان واحد يؤيد ذلك، ولكن هناك إشارة به فيما كتبه شيشيرون إلى ~~الشعراء الجدد، بعد وفاة كاتولوس بعشر سنوات. # أما القصيدة التاسعة والأربعون التي وجه فيها كاتولوس كلامه إلى شيشيرون قائلا إنه خير ~~الخطباء، وأفصح أحفاد رومولوس، ناعتا نفسه بأنه أسوأ جميع الشعراء؛ فتدفعنا إلى التساؤل ~~عما فعله شيشيرون حتى يستحق كل هذا الإطراء والتقريظ، وما تضمنته المنظومة من عبارات الشكر ~~على لسان كاتولوس. غير أن هناك احتمالا في أن هذه القصيدة كتبت بهذا الأسلوب من باب ~~السخرية؛ إذ لم يكن هدف كاتولوس مدح شيشيرون بل ذمه ونقده، وذلك لأن كاتولوس كان يعتبر ~~صديقه كالفوس أفصح خطباء روما قاطبة ms31 ولا أحد سواه. وهكذا نعثر على دليل قاطع بأن كاتولوس ~~لعب دوره في تلك المعركة الأدبية التي قامت بين شيشيرون من جهة وبين كالفوس وآخرين من جهة ~~أخرى. لقد كان كل إعجاب شيشيرون منحصرا في الشاعر القديم إينيوس # Ennius ~~، ولم يكن لديه وقت لشعراء الإسكندرية أبدا. # أما أشعار كاتولوس فقد صدرها الشاعر بقصيدة للمؤرخ المشهور كورنيليوس نيبوس، ويبدو أن ~~كورنيليوس كان معجبا بأشعار كاتولوس نظرا لأنه شمالي مثله. # كان كاتولوس رائد شعراء الوزن الحادي عشر؛ لأن معظم أشعاره الوجدانية تتركب أبياتها من ~~أحد عشر مقطعا. أما الوزن السداسي فقد اكتفى باستعماله في مطولاته، بينما استعمل في ~~مراثيه الوزنين السداسي والخماسي معا. ولكن ما من شاعر آخر قد كتب شعرا من الوزن الحادي ~~عشر في جمال ما كتبه كاتولوس بهذا الوزن. # كان كاتولوس شاعرا فطريا انبعاثيا تلقائيا؛ ولهذا كانت أشعاره رقيقة، حرة طليقة. ~~والعجيب في أمر كاتولوس أنه في الأشعار التي يبدو فيها مقصرا أو مهملا، نراه يبذ ~~مارتيالوس # Martialus # وبيترونيوس Petronius ~~؛ وهما الرومانيان الوحيدان اللذان كتبا بالوزن الحادي عشر. # أما النقص الذي نلمسه في مراثي كاتولوس؛ فمرجعه محاكاة النماذج الإغريقية. # إن أول ميزة لأسلوب كاتولوس هو أنه «طبيعي» خال من التكلف الممقوت، ولا يستخدم فيه أي ~~ألفاظ متكلفة، ومن ثم كانت أشعاره الوجدانية جديرة بمقارنتها بأي أشعار وجدانية كتبها أي ~~شاعر إغريقي أو روماني. # ولو شاء فرجيل أن يكون انبعاثيا ذاتيا لما أمكنه أن يصل إلى الدرجة التي وصل إليها ~~شاعرنا كاتولوس. # كان كاتولوس مغرما بالمصطلحات اليومية، ولم يكن يتحاشى أي كلمات عامة، بل وصل به العشق ~~وبلغ به الهيام إلى استخدام عبارات قد تستخدم في الكلام المرسل البسيط والنثر العادي، ~~وكثيرا ما كان يكرر نفس الألفاظ. ومجمل القول وقصاراه، كان كاتولوس يكتب كل ما يحلو له ~~ويروق في ذوقه، ويسجل جميع ما يمر بخاطره. # ولقد أباح كاتولوس لنفسه الحرية المطلقة في كل ما يكتب؛ ولذلك كان عبقريا دون أن يعرف ~~ذلك. # ولذلك فهو يختلف عن جميع الشعراء الرومان؛ لأنه ms32 كان فنانا عبقريا دون إدراك لما عنده ~~من مهارة وحنكة شعرية. # لم يكن من السهل على شاعر مثل كاتولوس أن يحاكي الشعراء السكندريين تماما؛ لأنه يختلف ~~عنهم تمام الاختلاف في كل شيء، وإن كانوا قد علموه شيئا فذلك هو النقد والحرص في كل ما ~~يتعلق بالتركيب والشكل. # ومما كان يميز كاتولوس عنهم، أنه شاعر وجداني عاطفي حار، بينما هم نقاد مجردون من هذه ~~الأحاسيس. كان هو أرستقراطيا رومانيا، أما هم فكانوا مستشرقين، عاشوا في حماية وكنف ~~القصر الملكي، بينما كان هو يهيم حبا بمعارضة ساسة عصره، مهما علا شأنهم وعظم قدرهم وذاع ~~صيتهم. # الباب الرابع # | قصائد كاتولوس # في حب ليسبيا # 51 # إنه لقرين الإله # كما يبدو لناظري، # إنه أسمى من الآلهة # لو كان ذلك ممكنا؛ # من إذا جلس تجاهك، # رفع بصره إليك، # وظل يحدق فيك، # مرة بعد مرة، # فيسمعك تضحكين، # في عذوبة مطربة. # إن هذا يا ليسبيا # يسلبني جميع مشاعري؛ # فيا لتعاستي وشقائي! # فكلما أرى طيفك؛ # ينعدم صوتي على الفور، # ويختلج لساني في فمي، # ويدب في سائر أوصالي # سعير لظى رقيق، # وتجلجل آذاني # بطنين داخلي، # وتحجب عيناي # في أكفان من الدجى. # 2 # أي عصفور فتاتي، # يا جل سلوتها، # ومن تداعبك # قابعا في حجرها، # وتعطيك أنملتها؛ # عسى أن تنقرها، # وتحثك دائما؛ # لتجد في التنقير. # كلما ألحت على فتاتي، # فتاة حبي المشرقة، # رغبة في أن تلهو، # آملة أن تجد ~~- كما يخيل إلي - # بلسما لجراحها. # يوم تخبو في قلبها # لواعج الحب المتأججة. # آه لو أستطيع مداعبتك # كما تداعبك هي، # فأزيح عن قلبي # أثقاله المبرحة. # 3 # يا أهل العشق والهوى، # وكل من تختصهم بعطفها فينوس، # نوحوا، ثم نوحوا، ثم نوحوا؛ # فعصفور حبيبتي قد طواه الردى. ~~••• # كان هذا العصفور دعابة غادتي، # وكانت تحبه كعينيها؛ # لأنه كالشهد حلاوة. # ويعرف سيدته، # كما تعرف أي بنت أمها. ~~••• # وعصفور فتاتي يهيم بحجرها، # يقفز فيه من هنا ومن هنا، # ويخصها بالغناء وحدها. ~~••• # والآن يا عصفور غادتي، # أنت تجتاز طريقا # في دياجير الظلام، # لا يعود منه فرد # كما أجمع الأقوام. ~~••• # أي ms33 رب العالم السفلي! أي رب الظلمات! # لعنتي عليكما، لعنة ما لها مثال؛ # فقد سلبتما عصفورها، # وكان آية في الجمال. ~~••• # أي عمل من الشيطان هذا؟! # آه يا عصفور الحبيبة، # يا عصفورها الصغير، # وا حسرتاه عليك يا عصفور! ~~••• # محبوبتي تقرحت عيونها؛ # من عدم النوم وطول العويل، # فأضناها الفراق ولوعته، # وشوقها إليك وإلى تغريدك الجميل. ~~••• # غن لفتاتي أيها العصفور غن، # فموتك المبكر وفراقك حالا؛ # قد أدميا عينيها حرقة وبكاء. # فحرام عليك ورحمة بفتاتي. # 5 # أي ليسبيا، أي حبيبتي وحياتي، # تعالي نعش في دنيا الغرام، # لا نبالي بحديث العجائز؛ # فهم من التزمت بمكان، # وكلامهم سخافات وهراء. ~~••• # تغرب الشموس مساء؛ # لتشرق من جديد في الصباح، # أما أنا وأنت فليس لنا، # متى غاب عن ناظرينا # شعاع الحياة القصير، # إلا أن ننام طويلا، # في ليل ليس له صباح. ~~••• # هيا أعطيني ألف قبلة ثم مائة، # ثم ألفا أخرى، من بعدها مائة، # وبعد الألف الثالثة، هاتي مائة وهكذا. # حتى إذا طبعنا على الشفاه # آلافا من القبلات؛ # كففنا عن العد # لاختلاط الأرقام. # فلا ندري كم ارتشفنا من رضاب. ~~••• # ويحك يا حبيبتي، ثم ويحك، # وحذاري أن تنسي الحسود، # فعينه الشريرة لو أحصت قبلاتنا؛ # لهالها ذلك الفيض العظيم. # فتبا لها، ثم تبا لكل حسود. # 7 # تسألينني يا ليسبيا # كم قبلة من قبلاتك # تشفي غليلي، وتكفي # أو تزيد لتطفي الأوار؟ # فأقول عدي رمال ليبيا، # وذرات تربتها الخصيبة، # ما بين معبد جوبيتر اللافح، # والقبر المقدس لباتوس العجوز، # أو بقدر نجوم السماء # وسط القبة الداجية، # التي إذا عسعس الليل اطلعت # على اختلاس العشاق لشهد الهوى. # فإن تقبيلك يا ليسبيا # قدرا كهذا من القبل، # فيه ما يكفي كاتولوس # حبيبك المتيم المجنون، # وما يزيد على الكفاية. # فما أحلى هذه القبلات # التي لن يستطيع العذول عدها # بعيونه اليقظة الفضولية، # ولا مجال لأخي الشر # أن يحسدها بلسانه الثرثار! # 82 # عزيزي كونتيوس، # إن شئت من كاتولوس # أن يفديك بمقلتيه، # أو بما هو أعز منهما ~~- لو صح وجود الأعز - # فاتركه ولا تسلبنه، # ما هو أثمن عنده، # وأغلى من عزيز عينيه، # أو ms34 يزيد ويعظم. # 86 # يرى الكثيرون كوينتيا # جميلة فتانة، # لكنها في عيني # أزكى من الريحانة، # مليحة القسمات، # بمقلة وسنانة، # ممشوقة القوام، # طويلة فرعانة. # ولا أنكر أبدا # بلوغها في كل حالة # حد الكمال طبعا، # دون شك ولا إطالة، # ولكنها ليست جملة # جميلة في ناظري؛ # فالجمال عندي لا يعرفها # كما هي لا تعرفه، # ولا أخال جسمها # تبدو به ذرة واحدة # تغريني فأستسيغها. # أما فتاتي ليسبيا # فكلها حسن وكلها إغراء؛ # إذ قد سرقت من السيدات طرا # كل فتنة وكل بهاء، # فاختصت بالجمال وحدها، # دون سائر النساء. # 92 # تسيء ليسبيا القول في، # دائما، دائما. # وسيرتي على لسانها، # دائما، دائما. # فليتني أموت، وليتني أندثر. # لو كانت ليسبيا حقيقة، # لا تحبني، لا تحبني. # وأي دليل عندي؟ # وعلاقتها معي، # هي، هي، كما هي. ~~••• # إنني أصب عليها اللعنة، # دائما، دائما. # ولكن هل لي أن أموت؟ # لو أنني لا أحبها، # لو أنني لا أحبها. # 36 # أي سفر فولوسيوس التاريخي، # أي تلك الصحيفة الدنسة، # هيا ونفذ النذر، # من أجل حبيبتي؛ # فإنها قد قدمت # لفينوس المقدسة، # وكيوبيد المبارك # نذرها ونصه: # لو أنني عدت # ثانية إلى حبها، # وكففت عن قذفها # بأشعار الهجاء # ذات الوزن المفعولي؛ # فسوف تعطي الإله # ذا القدم العرجاء # خير ما كتب وأنتج، # أسوأ الشعراء؛ # كي يدمر حرقا # بحطب شجيرة لعينة. ~~••• # ولقد رأت فتاتي # أنك أسوأ الأشعار # التي نذرتها للآلهة # في نوبة من الفرح، # ولحظة من المرح. # والآن بربك، # أيتها المولودة # من البحر الأزرق، # يا قاطنة إيداليوم المقدسة، # وأوريي الفسيحة الأرجاء، # يا مقيمة في أنكونا # وكنيدوس ذات الأحراش، # وفي أماثيوس وجولجي، # وفي منطقة ديراخيوم # ملتقى البحر الأدرياتي. ~~••• # هيا سجلي في سجلك # أن النذر قد وفي، # وقدم كما اشترط، # ولم يكن سقيما، # ولا عديم الرواء. ~~••• # تعال في الوقت نفسه، # تعال إلى النيران، # يا سفر فولوسيوس التاريخي، # يا أيتها الصحيفة الدنسة، # يا حشاشة السذاجة، # يا لمامة السماجة. # 83 # تحدثني ليسبيا # في حضرة زوجها # بما لا يستباح قولا، # ولا يستساغ سمعا، # ماجنة سادرة، # خليعة مستهترة. ~~••• # ولأقوالها هذه # في نفس بعلها # أبلغ السرور وأعظمه. # فيا ms35 له من غفل أحمق! ~~••• # فيا أيها البغل الغبي، # لست تفهم شيئا. # يا عديم الإحساس، # ويا قصير النظر. ~~••• # لئن نسيتني ليسبيا، # وقنعت بالصمت الطويل؛ # برأ قلبها، # وصح جسمها. ~~••• # ولكنها في الحقيقة # تنصب لي شباكها، # وتكثر من حديثها؛ # فتنجلي أسرارها. ~~••• # وهذا يعني أنني # أحتل كل عقلها، # وأنها لا تذكر غيري، # ولا أحد سواي قط. ~~••• # وليس كل ذا فقط، # بل يرمي لشيء خفي، # أشد من هذا وأنكى، # والخفي في كل أمر أعظم. ~~••• # فجل مغزاه أنها # تحمل لي غيظا دفينا؛ # فإذا بالقلب منها يشتعل، # ولظى الهيام يستعر، # فتبدؤني مغازلة، # قولا ولفظا سادرة. # 104 # أيدور في خلدك أبدا # أنه في استطاعتي # أن أقول عن حياتي # ما يفرح الأعادي؛ # فأتحدث عن حبيبتي # بالسوء والضر معا، # وهي التي أعزها # أكثر من عيوني. # كلا وايم الحق كلا! # فما يمكنني أبدا # أن آتي فعلا كهذا، # ولو سلمنا جدلا # أني فعلت هذا الأمر، # ما كان حبي لك # هكذا مبتذلا، # ولا قبيحا هكذا، # ولكنك مع تابو # تبالغان دائما؛ # فتهولان اليسير، # وتجسمان النقير. # 107 # إن مما يسعد المرء، # ويفرح قلبه وعقله # أن يتوق إلى الشيء، # في شوق جارف، # فلا تحدوه أو تداعبه، # كي يقتنيه ويملكه # بارقة من أمل. ~~••• # ومصدر غبطتي وسعادتي ، # اللتين هما في ناظري # أغلى من النضار قيمة؛ # أن تفيقي يا ليسبيا، # وتعودي ثانية إلي؛ # فقد أضناني في صبابتك # كل شوق عارم. ~~••• # بلى، لقد برح بي الهوى، # والشوق إلى جسمك البض، # بيد أنه لم يحدث قط # أن داعبني الأمل # في أن تلبي رغبتي، # فتعودي إلى حظيرتي. ~~••• # أيها اليوم السعيد، # أيها المفعم بالبياض، # إنك لأنصع ما رأيت # منذ وجودي في الدنيا. # قل لي بربك صادقا، # هل أحسست في الدنيا بمخلوق # أسعد مني حظا؟ ~~••• # اصدقني أيها اليوم المجيد، # ولا تخش لوم اللائمين، # أي كائن آنست في العالم # يمكنه أن يثبت ويقول: # إن في الحياة حظا # يتوق إليه التائقون، # أكثر من حظي هذا؟ # أو هل يوجد في كنوز الدنيا # ما يطمع فيه المرء، # أعظم من سعادتي هذه؟ # 87 # لو دار حي من الدنيا # يسأل ms36 النساء قاطبة؛ # ما رأى واحدة منهن # في مقدورها أن تدعي # أن شخصا ما قد هام بحبها، # أو أن امرأ قد جن صبابة # بعشقها وغرامها، # كما جننت أنا # بحبك يا ليسبيا، # يا محبوبتي أنا وحدي. ~~••• # فلو درست قصص الأولين، # وأساطير الحب أجمعها؛ # ما عرفت روعة الإخلاص # الذي فاقت به واتصفت # أسطورة هيامي بحبك، # وقصة غرامي بشخصك. # 70 # تقول حبيبتي؛ # لا يروقها امرؤ # كما أروقها أنا، # زوجا أشاركها الحياة. # ولو أن جوبيتر جاءها، # بمجده وجلاله، # وسأل أن يتزوجها، # طالبا يدها؛ # لردته عنها خائبا، # يجر أذيال الفشل. ~~••• # وكذا تقول حبيبتي؛ # إن ما تهمسه الفتاة # في أذن حبيبها # الصب غراما في هواها، # لا بد وأن يسجل توا # على نسمات الرياح، # وفوق صفحات المياه # السريعة الجريان. # 72 # لقد اعترفت يا ليسبيا # ذات يوم علنا، # وجاهرت أمام الملأ، # بأن صديقك الأوحد # ليس سوى كاتولوس. # وكان من عادتك أيضا # أن تقولي وترددي، # بأنك لا تفضلين # أحدا علي، ولا تؤثرين، # حتى ولو أتاك جوبيتر، # وطلب صداقتك بنفسه. ~~••• # وكنت يومئذ أحبك يا ليسبيا، # لا كما يحب السابلة # سيدة أو فتاة عابرة، # بل كما يحب الأب أبناءه، # وكما يحب أيضا صهره. # وها أنا ذا الآن يا ليسبيا # أتمتع منك بالصداقة، # ورغم أن عواطفي # على أشدها وتضطرم، # ورغم أن قلبي # متأجج بحبك، # ويزداد في التلظي # والاحتراق والتردي؛ # فإنك في ناظري # أحط قيمة وأقل شأنا. ~~••• # أراك تسألين؛ # وكيف كان ذاك؟ # فردي عليك دائما # يكون فظا قاسيا؛ # لأن إهانة كهذه # إن تلحق أبدا محبا؛ # دفعته من توها # إلى المزيد في الهوى، # وساقته إلى الحماقة، # أو الإقلال من شأن الصداقة. # 85 # إنني أكره وأحب، # وأمقت وأود، # وخليق بك أن تتساءلي؛ # ما العلة في هذا؟ ~~••• # فأقول يا حبيبة قلبي؛ # علم ذاك ليس عندي، # ولكن هذه أحاسيسي، # وأحاسيسي تمعن في عذابي. # 79 ~~«إن ليسبيوس لفتى رشيق.» # وما الغرابة في ذلك؟ # طالما أن ليسبيا # تفضله عليك يا كاتولوس، # وعلى جميع قومك طرا. ~~••• # ولكن دع هذا الفتى الرشيق # يبيع كاتولوس وعشيرته # إن حظي بتزكية # ثلاثة من معارفه. # 75 ms37 # ألا فاعلمي يا ليسبيا # أن عقلي ضل السبيل، # هكذا كما تبصرين. # وليس غيرك يا ليسبيا # مسئولا عما حل بي. ~~••• # فبجريرتك يا ليسبيا # قد حطم الإخلاص قلبي، # وصيره خرابا بلقعا، # هكذا كما ترين. # حتى إنك لو أصبحت # الآن خير السيدات؛ # لما استطاع مطلقا # غمرك بالأماني الطيبات، # ولما أمكنه نبذ حبك # مهما اقترفت منكرا، # أو أتيت من الأفعال، # أشر ما يخطر بالبال. # 77 # أما بان منك يا روفوس حقا؟! # أحقا، وأنا صديقتك؟! # لقد وثقت بك عبثا، # وعبثا كنت أثق بك. # كلا وايم الحق كلا، # فقد كلفتني أغلى الثمن، # وكان ثمنا باهظا؛ # إذ قد سمحت لك # أن تتسلل إلى أعماق نفسي، # وتضرم النيران في أحشائي، # بعد أن مزقتها إربا، # وتسلبني أنا المسكينة # جل سعادتي وهنائي. # أواه، وا حسرتاه، # يا من سلبتني نفسي، # وأقصيتها عني وأقصيتني عنها. # يا ترياق نفسي وسمها، # وزعاف حياتي القتال. # فيا ويلتى وحسرة على الشباب. # يا من قتلت صداقتي، # ودفنت آثارها بيديك. # 73 # إليك أقول: كف، # كف وألف مرة كف، # كف أن تنتظر # من سائر البشر # رد الجميل بالشكور، # ولا الشكور على الجميل. # وإليك أقول: إياك، # إياك وألف مرة إياك، # إياك أن تعتقد # أن من بين البشر # من للجميل عنده قدر # من فضة أو ذهب. # إن الجمائل كلها منكورة؛ # فالجميل فعله لا يحتسب، # ينسى ويطويه الزمن. # وما فعله مشوب بالتعب، # بل حسب عقباه الأذى، # فضلا عن المشقة والنصب. # وهذه هي الحال معي. # فالآن لا يغيظني، # ولا يمعن في إزعاجي، # سوى الذي استأثر بي، # ولم يتخذ له صديقة # إلاي من دون البشر. # 60 # أمن لبؤة في جبال ليبيا # قد ولدت يا قاسية؟ # أم من وحش ذي ستة رءوس، # يقبع في برزخ مسينا، # قد نشأت يا ضبعا ضاربة؟ # حتى تزدري وتحتقري، # نداء ذا المتضرع، # في أشد ساعات حاجته. ~~••• # أواه منك يا عاتية؛ # فإن قلبك صخر # في القسوة المتناهية. # 8 # أي كاتولوس! # أيها الشقي التعس، # كف عن حماقتك، # واعتبر ما ضاع منك # كأنه لم يكن. # كانت أيامك فيما مضى # ساطعة مشرقة، # يوم كانت ms38 عادتك # مرافقة حبيبتك، # أينما رغبت وحيثما اشتهيت. # وكانت يومئذ تحظى بحبي، # كما لن تحظى فتاة أبدا بحب. # وحيثما كنت يومذاك، # تمتعت بفيض المداعبات # التي كنت تمعن فيها، # كما تمعن فيها فتاتك. # حقا ما أسعد تلك الأيام # التي أطلت عليك بمشرقها! # بيد أن معشوقتك # بعد كل هذه المتعة والهناء، # ما عادت ترغب فيك أبدا؛ # فعليك إذن أيها المجنون # أن تكف عن الرغبة فيها، # بل وتعدل عن اقتفائها، # فهي تكويك بهجرانها. # وإياك ثم إياك أن تعيش # مكمودا حزين الفؤاد، # ولا ذليلا مهيض الجناح، # ولكن تأس بعقل رزين، # وكن حازما شديد المراس. # وداعا، حبيبتي، وداعا؛ # فكاتولوس الآن حازم، # إنه حازم شديد المراس، # ولن يلح أبدا في طلبك، # وهو مغلوب على أمره، # ولكنك لن تلومي غير نفسك، # يوم لا يرغب فيك أحد. # حسراتي عليك ولعناتي، # أيها المخلوق التعس. # ما أتعس الحياة التي تنتظرك! # فمن ذا سيطرق باب مخدعك؟ # ولمن سوف تتبرجين؟ # ومن ستحبينه الآن؟ # وما اسم الحبيب الذي ستنادين به؟ # ومن الذي سترتشفين شفتيه؟ # أما أنت يا كاتولوس، # فكن حازما صارما، # ثابتا شديد المراس. # 76 # إن يجد المرء لذة ما # في استعادة ذكرى صنيع قديم، # يوم يعتقد أنه صديق صادق، # لم يحنث قط في يمين مقدس، # ولم يخدع الناس أبدا. # تحت ستار مجد الآلهة ، # في أي عهد له معهم. # ففي حياتك الطويلة إذن، # مباهج جمة يا كاتولوس، # تستطيع أن تستخلصها # من حبك المجحود هذا، # فما من جميل أو صنيع # يستطيع أحد فعله # بالقول إن يكن أو بالعمل، # إلا وقمت يا كاتولوس # بإنجازه قولا وفعلا حتى تم. # بيد أن صنائعك وجمائلك # إلى ذلك القلب الجحود، # قد ضاعت في مهب الريح. # فلم تعذب نفسك بإمعان؟ # لم لا تقطع برأي أخير؟ # لم لا ترجع إلى الصواب؟ # ولم لا تكف عن البأساء؟ # رغم عين الآلهة، # لا ريب أنه أمر عسير # أن تتخلى بغتة # عن حب طال عليه الأمد، # إنه حقا لأمر عسير. # ولكن لا مناص من فعله، # سواء رضيت أو أبيت؛ # فهذا وحده سبيل الخلاص، # وهذا وحده ما ms39 ستعمله، # عليك وربي أن تفعله، # سواء قدرت أو عجزت. # أيتها الآلهة! # لو أن الرحمة من شيمتك، # لو أنكم حقا قد ساعدتم # أحدا من الناس في الرمق الأخير، # فلترعوني في محنتي. # ولئن ثبت لكم طهر حياتي؛ # فلتبعدوا عني هذا البلاء، # ولترحموني من هذا الدمار. # فيا ويحي ويا مصيبتاه! # ما هذا الفتور # الذي يدب في أوصالي؟ # فأخلي قلبي وفؤادي # من شتى مباهج الحياة، # إنني ما عدت بعد اليوم أطلب # أن أحظى بحب حبيبتي، # أو أنها - وهذا محال - # ترضى معي بعلاقة طاهرة؛ # عندئذ أستعيد صحتي، # وأتخلص من مرضي الفتاك. # أواه! أيتها الآلهة، # حسبك أن تمنحيني كل هذا # مقابل إيماني وتقواي. # 58 # ليسبيتنا، يا كايليوس، # ليسبيتنا التي أحبها كاتولوس، # فأحبها أكثر من نفسه، # بل وأكثر من جميع أقاربه. ~~••• # إنها الآن في مفترق الطرق، # وفي الأزقة والحواري، # تقوم بإشباع الشهوات الدنيئة، # لنسل ريموس النبيل، # ذي العقل الراجح والرأي السديد. # 11 # أي فوريوس وأوريليوس، # يا رفيقي رحل كاتولوس، # سواء شق طريقه إلى الهند النائية، # حيث الشاطئ تتلاطم عنده # أمواج الشرق الصاخبة، # أو توغل في هيركانيا، # وبلاد العرب الملساء. # وسواء زار السكيثيين، # أو البارثيين المحاربين، # أو توغل في السهول الناضرة # التي يصبغها النيل بفروعه السبعة. # وسواء عبر جبال الألب الشامخة # ليرى آثار قيصر العظيم، # ويشاهد نهر الرين الغالي، # ويبصر البريطانيين المهولين # القاطنين أقاصي المعمورة. # يا أيها المستعدان لهذه الأهوال كلها # مهما كانت إرادة الآلهة، # أعلما فتاتي واحملا إليها # هذه الرسالة القصيرة، # غير الرقيقة ولا اللطيفة. # بلغاها ألا تنتظر مني # حبا كسابق عهدها بي # فيما مضى من الزمان، # ذلك الحب الذي بخطئها # حطمته وهوت به إلى الحضيض، # كما تهوي الزهرة على حافة المرعى، # وقد بترها بحد سلاحه، # عندما مر بها المحراث. # 43 # سيدتي، إليك تحيتي، # يا طويلة الأنف، # يا بشعة القدمين، # يا ذات العيون الكالحة، # يا قصيرة الأنامل، # يا مبللة الشفاه، # يا ذات اللسان غير العفيف، # إنني أحييك، # يا صديقة مفلس فورمياي. # أأنت هي الجميلة الفتانة # التي يتحدث بذكرها أهل الولاية؟ # أبك تقارن ليسبيا حبيبتي؟ # لعمري! يا لهذا ms40 الجيل! # ويا لقلة ذوقه! # ويا لسوء نشأته! # الباب الخامس # | غراميات كاتولوس الأخرى # تطالبني أميانا الشمطاء، # لقاء قبلة واحدة، # بعشرة آلاف كاملة! # تلك السيدة المفطوسة الأنف، # صديقة مفلس فورمياي. # فيا ذوي قرباها، # وأولياء أمور هذه الفتاة، # هيا اجمعوا الأصدقاء، هيا، # ونادوا الأطباء، هيا؛ # فأميانا ليست سليمة العقل. # إنها لا تكلف نفسها # سؤال المرآة مطلقا، # عن جمالها أو شكلها. # 110 # أي أوفيلينا # كثيرا ما تذكر الصديقات الطيبات # بكلمات الإطراء والمديح، # إنهن يؤدين العمل، # ولهن يدفع الثمن. # أما أنت فلست صديقة صدوقة؛ # لأنك قد وعدتني، # وباطلا كانت وعودك. # أنت تأخذين كل شيء، # ولا تعطين أي شيء، # وهذه خدعة حقيرة. ~~••• # فالإذعان أمر مليح، # وعدم الوعد شيء جميل، # ولكن أخذك كل ما تقدرين عليه، # وسلبك كل ما يملك المرء، # ولا تبرين بوعدك لقاء ما تأخذين؛ # ليظهرك أمامي امرأة # في غاية النهم والجشع، # بما يفوق حد المألوف، # بين أسفل الساقطات الخليعات. # 111 # أي أوفيلينا، # إن حياة الزوجة مع بعلها # دون رجل سواه، # يتوج العرائس بأكاليل المجد، # ويهبهن غاية السعادة والهناء. # بيد أن الأفضل لك، # أن تعيشي مشاعا # من أن تكوني أما، # ثم تنجبين من أحد أعمامك، # أبناء يكونون إخوة لك. # 48 # أي جوفينتيوس، # يا ذا العيون المعسولة، # آه لو كان يسمح لي # بالمضي في تقبيل عيونك؛ # لطبعت عليها ثلاثمائة ألف قبلة، # ولما اقتنعت بعدئذ # بأني أخذت كفايتي. # كلا وايم الحق كلا، # لا، ولو كان حصاد قبلاتنا # أكثر من سنابل القمح الناضجة. # 59 # روفا القادمة من بونونيا، # زوجة مينينيوس، # والتي كثيرا ما أبصرتها # بين ممرات القبور، # تسرق قرابين اللحوم المطبوخة، # من فوق أكوام الحطب. ~~••• # عندما أقبلت تجري، # خلف رغيف يتدحرج، # من بين ألسنة اللهب؛ # أمسك بتلابيبها # عبد لحاد نصف حليق. # 100 # يهيم كايليوس بحب أوفيلينوس، # ويهيم كونتيوس بحب أوفيلينا؛ # فالأول متيم بحب الشقيق، # والثاني متيم بحب الشقيقة. # وكلاهما زهرة شباب فيرونا، # ومثل جميل للأخوة الصادقة. ~~••• # فمن منهما إذن أزكى؟ # طبعا، أنت يا كايليوس. # فما أروع صداقتك لي! # وما كان أندرها! # يوم اضطرمت في أحشائي # نار متأججة ولهيب ms41 مستعر. # فليكن الحظ معك يا كايليوس، # وليكتب لك التوفيق في كل حب. # 78 # لجالوس شقيقان؛ # لأحدهما زوجة من أجمل النساء، # وللثاني صبي آية في البهاء. # وجالوس هذا شهم رقيق. ~~••• # فإنه خير مساعد في طريق الحب اللذيذ، # يربط بين قلوب الأحبة؛ # فيقود الفتاة المليحة، # إلى أحضان الفتى المليح. ~~••• # لكن ما أحمق جالوس هذا! # ألا يرى أن له زوجة؟! # عندما يلقن ابن الأخت، # كيف يغتصب زوجة الخال؟ ~~••• # بيد أن ما يكدرني الآن، # أن يكون ذلك البصاق القذر، # الذي في فمك النجس، # قد لمس الشفاه الطاهرة، # لفتاة حرة طاهرة. ~~••• # ويحك! فلن يتم هذا بلا عقاب؛ # فستعرف أمرك جميع الأجيال، # كما أن شائعات العجائز، # ستتخذ منك فريسة لأحاديثها. # 74 # قد سمع جيليوس، # ويا هول ما سمع! # سمع أن عمه # قد تعود أن يزجر # كل من ينغمس في الشهوات، # أو حتى يتحدث عنها. ~~••• # يتجنب جيليوس هذا الزجر، # اغتصب زوجة ذاك العم. # وهكذا صيره في لمح البصر، # أخرس كالتمثال لا يتكلم. # ومن ثم صار يفعل ما يشتهي، # حتى ولو سمحت نفسه يوما # بهتك عرض عمه، # لما اعترض الأخير، # ولما فاه ببنت شفة. # 45 # يقول سبتيميوس، # وقد احتضن في ذراعيه # حبيبته أكمى: ~~«أي أكمى، أي حبيبتي، # إن لم أتفان في حبك، # وإن لم أكن مستعدا أبدا # لأن أمضي في حبك # طوال سني حياتي بلا انقطاع، # كأقصى ما يكون من الحب عمقا؛ # فليقابلني وحيدا في ليبيا، # أو في بلاد الهند المحرقة، # أسد مكشر أخضر العينين.» ~~••• # وما إن قال ذا الكلام؛ # حتى سعط الحب شمالا، # كما سبق أن سعط يمينا، # مؤيدا صدق كلامه، # وداعيا بأطيب الأماني. ~~••• # عندئذ أمالت أكمى رأسها، # وألقت به قليلا للوراء، # وقبلت بفمها الوردي ذاك # عيون حبيبها الجميلة السابحة، # ثم قالت له وهي هكذا: ~~••• ~~«إذن يا سبتيميوس، # يا حياتي وقرة عيني، # هل لنا أن نخلص لهذا السيد، # ولا نخلص لأحد سواه، # أبدا إلى مدى الحياة؛ # لأن في نخاعي المنصهر # نار الحب قسما تضطرم، # أعظم وهجا وأشد لظى.» ~~••• # وما إن قلت ذا الكلام؛ # حتى سعط الحب عن ms42 يمين، # كما سبق أن سعط عن شمال، # مؤيدا صدق كلامها، # وداعيا بأطيب الأماني. ~~••• # والآن بعد ذا الفأل الحسن، # عاشا معا في هناء ورغد، # متحدين قلبا وقالبا، # يرتشفان كئوس الحب مترعة. ~~••• # وسبتيميوس المسكين في هواه # لا يفضل على سائر السوريين، # ولا على البريطانيين أجمعين، # غير أكمى العزيزة وحدها. ~~••• # وأكمى المخلصة بدورها # لا تشبع لظى حبها، # أو نهم ملذاتها، # إلا مع سبتيميوس، # ولا أحد غير سبتيميوس. # فمن رأى في عمره # أناسا أسعد منهما؟ # ومن رأى أبدا # حبا أسعد من حبهما؟ # 109 # تعدينني يا حياتي، # بأن يكون حبنا سعيدا، # وبأن يدوم فيما بيننا # خالصا إلى الأبد في عمرنا. ~~••• # فيا أيتها الآلهة العظيمة، # امنحيها القدرة الكاملة # على البر بعهدها؛ # فتكون فيه من الصادقات قولا، # ومن المخلصات قلبا وقالبا ~~••• # فيكون من حظنا # دوام هذا الرباط الأزلي، # من الصداقة المقدسة، # طوال أيام حياتنا. # 32 # أي إبسيثيلا الفاتنة، # أي حبيبتي المعبودة، # ومصدر هناءتي المنشودة، # لكم أشتهي أن أتلقى أمرا، # منك بالحضور فورا؛ # فأحظى بقربك ظهرا. ~~••• # فلئن سمحت لي بذا، # فهل لذا العطف أن يحظى # بعطف آخر لمحب يتلظى، # فلا يصدني أمام عتبة دارك # معترض ولا عزول حاقد، # ولا يستهويك أبدا لتخرجي # ميل ولا أمر من الأمور، # حتى تظلي دائما في منزلك؟ ~~••• # فلو سمحت وأذنت بالرضا، # وأمرتني لبيتك أن أحضر، # تم هنائي وبلغت أقصى المأرب. # الباب السادس # | مختارات من قصائد كاتولوس # 1 # لمن أهدي كتابي، # وإنه لجديد جميل، # وغلافه مصقول بالحجر الخفاف # منذ عهد قريب؟ # إليك يا كورنيليوس، # يا من تقدر أعمالي، # وتعتبر التافه منها # جديرا بأعظم التقدير. # فمن زمن بعيد، # يوم واتتك الشجاعة # من دون سائر الإيطاليين، # أن تستعرض في مجلدات ثلاثة # تاريخ العالم كله؛ # فكانت، وحق جوبيتر، # موسوعات مثقفة، # آية في دقة الصنع. # والآن أهدي إليك هذا الكتيب، # راجيا قبوله على علاته، # أيا كانت قيمته، # واحتفظ به لنفسك. # ويا عذرائي، يا نصيرتي، # ليت كتابي هذا يعيش، # ليته يدوم جيلا وأكثر من جيل. # 13 # عزيزي فابولوس، # إنك بعد أيام قلائل # ستحظى بوليمة عظيمة، # لو باركتك الآلهة. # فلئن ms43 جلبت معك من الطعام # مقدارا طيبا وفيرا، # ولم تفتك الفتاة الجميلة، # ولا الخمر ولا الدعابة، # ولا جميع ما يبهج القلوب، # فلو جئتنا يا صديقي اللطيف، # بكل ما طلبت منك؛ # لحظيت معنا بوليمة طيبة، # فكاتولوس مفلس خاوي الوفاض، # نسج العنكبوت خيوطه في كيسه، # مطمئنا، وقد عفا على الكيس الزمان. # بيد أنك ستحصل مني # مقابل هذه الأشياء، # على حب طاهر نقي، # أو ما هو أحلى من الحب وأبهى؛ # فلسوف أعطيك عطرا، # تكرمت به علي حبيبتي، # إلهة الحب والجمال، # وهو عطر لو شممته، # تمنيت يا فابولوس # وطلبت من الآلهة، # أن تمسخك منخارا فحسب. # 9 # أي فيرانيوس، # يا من أوثره وحده # على ثلاثمائة ألف صديق، # هم جميع أصدقائي. ~~••• # هل عدت حقا إلى بيتك، # وإلى آلهة منزلك، # وإلى أشقائك المحبوبين، # وإلى والدتك العجوز؟ ~~••• # ها أنت ذا قد عدت، # فيا له من نبأ تبتهج له نفسي! # وكم يكون سروري عظيما # عندما أراك سالما، # وأصغي إلى صوتك العذب # وأنت تتحدث عن رحلاتك، # وعن مخاطراتك ومغامراتك، # وعن قبائل الهيبيريين، # كما عودتنا دائما. ~~••• # وسأطوق عنقك بذراعي، # وأقبل فمك وعيونك النجلاء. # ويحي من ذا الذي يفوقني # في سعادتي وهناءتي، # من بين جميع المستمتعين، # بقسط أوفر من السعادة؟ # 49 # يا أبرع نسل رومولوس # الأحياء منهم أجمعين، # وجميع الذين ماتوا، # وكل من سيحيا بعد ذلك # في السنوات المقبلة. ~~••• # أي ماركوس توليوس، # إليك يقدم الشكر الحار. # كاتولوس أسوأ جميع الشعراء ، # فبقدر ما هو أسوءهم قاطبة، # فإنك خير المحامين أجمعين. # 52 # ماذا دهاك يا كاتولوس؟ # لم لا تعجل بالموت؟ # إن نونيوس ستروما # متقعمس في مقعد القناصل، # وفاتينيوس يقسم بقنصليته. # ماذا دهاك يا كاتولوس؟ # لم لا تستعجل الموت؟ # 53 # أضحكني في التو والحين # شخص من بين الجماهير؛ # فعندما وجه كالفوس العزيز # اتهامه ضد فاتينيوس، # بأسلوب رائع بليغ # رفع ذاك أنمله # وصاح في دهشة المتعجب: ~~«أيتها الآلهة العظيمة، # يا له من قزم فصيح!» # 56 # أي كاتو، أيا كاتو، # يا له من شيء سخيف مضحك، # جدير بأن تسمعه فيضحكك! # فلتضحكن ملء شدقيك يا كاتو، # وبالقدر الذي به ms44 تحب كاتولوس، # فالأمر غاية في السخافة، # ومثير للضحك جدا. # 80 # بم أعتذر يا جيليوس، # كي أفسر السبب # في أن شفاهك الوردية # تبيض حتى تصير # أنصع من الثلج، # كلما استيقظت في الصباح، # أو حانت الساعة الثامنة، # فأيقظتك من قيلولتك # في ساعات النهار الطويلة؟ # لا بد أن في الأمر شيئا. # فهل حقيقة ما يشاع، # من انغماسك في الرذيلة؟ # فمن الأكيد إذن أن الأمر هكذا، # والظواهر كلها تؤيد ذلك. # 81 # ألم تستطع يا جوفنتيوس # أن تجد وسط جموع الناس هذه، # صديقا يروق جماله ناظرك، # إلى جانب صديقك هذا، # القادم من منطقة بيزاوروم الموبوءة، # والذي يزيد لونه شحوبا # عن تمثال مذهب، # والذي تعزه الآن وتؤثره، # وتزعم أنك تفضله علي، # وتتجاهل أي جرم يقترف؟ # 93 # لا تحدوني، يا قيصر # أي رغبة جامحة # في أن أدخل السرور إلى قلبك، # ولا أن أعرف أو أعلم # إن كنت أبيض البشرة # أم أسودها؟ # 96 # لو أن القبر الصامت # يشعر بالسرور واللذة # من جراء حزننا يا كالفوس، # ذلك الحزن والأسى # الذي نحيي به حبنا القديم، # ونجدده مرة أخرى. # وبكاؤنا الشديد يا كالفوس، # على الصداقة الطويلة المفقودة. # فلا ريب أن حزن كوينتيليا # على موتها المبكر، # أقل من غبطتها بحبك لها. # 101 # آن الأوان لآتي إليك، # بعد طول التجوال في مدن كثيرة، # وعناء الأسفار في بحار عديدة. # اليوم آتي لأودعك الوداع الأخير، # وأحضر مراسيمك الجنائزية، # التي تحزن النفس وتهز كيان المرء، # فأقدم آخر هدية لك مني، # وأخاطب رفاتك الصامت، # دون أن أتلقى جوابا لحديثي؛ # إذ اختطفتك يد المنون. # فيا لهفي عليك أيها الشقيق المسكين، # يا من سلبت مني وشيكا # بهذه الصورة القاسية. # والآن فلتقبلن مني # هديتي هذه، التي بللتها # وخضبتها دموع أخوية حارة، # فقد عودنا آباؤنا # أن نقدمها هدية جنائزية، # لتعبر عن حزننا وعميق ألمنا. # سلام عليك يا أخي، # ثم وداعا إلى الأبد. # 105 # يكافح مينتولا محاولا # تسلق جبل بيليوس، # ولكن ربات الفن والشعر # يطردنه من فوقه بالمذارى. # 106 # لو يرى المرء فتى جميلا # في صحبة تاجر المزاد، # فماذا يظن المرء سوى ms45 # أنه يريد بيع نفسه؟ # 108 # لو أن شيخوختك الشهباء، # يا كومينيوس، # التي لوثتها حياة الدنس # يكتب لها الموت، # بمحض اختيار البشر، # فلست أشك من جانبي # في أن لسانك عدو جميع الأخيار، # سيقطع أولا وقبل كل شيء، # ثم يلقى به سريعا # إلى نسر جائع نهم. # أما عيونك فسوف تنزع # ليلتهمها الغراب في بلعومه الأسود، # بينما تنهش الكلاب أحشاءك، # والذئاب باقي أعضائك. # 4 # رفاقي، وضيوفي، # يقول ذلك الزورق # الواقف أمام عيونكم؛ # إنه كان أسرع السفن، # وإن سرعته الفائقة # قد عجزت عن قهرها # كل خشبة طافية، # سواء أبحر بالشراع أو بالمجذاف. ~~••• # ويقول زورقي؛ إن هذه الحقيقة # لا يمكن بأي حال نكرانها، # فلا شاطئ البحر الأدرياتي الصاخب، # ولا جزر كيكلاديس، # ولا رودس الشهيرة، # ولا بروبونتيس التراقي المتوحش، # ولا خليج بونتس الكئيب، # تستطيع نكران هذه الحقيقة. ~~••• # وزورقي قبل أن يصبح زورقا، # كان حفنة من الأشجار المورقة. # وهناك فوق قمة كوتوريس، # كثيرا ما كان يبعث حفيفه # بأوراق أشجاره المتكلمة. ~~••• # فيا أماستريس البنطية، # ويا كوتوريس حاملة الأشجار، # إن هذا الزورق يقول # إنكما عرفتما هذه الأنباء، # وما زلتما تعرفانها جيدا. ~~••• # ويقول زورقي إنه قد وقف # فوق قمتك منذ نشأته، # وغمس مجاذيفه في بحرك، # ثم حمل سيده وأبحر به # عبر بحار عديدة صاخبة، # سواء هب النسيم # عن شمال أو يمين، # أو هبت على جانبي الشراع # ريح هادئة مواتية. ~~••• # ويقول زورقي إن النذور # لم تقدم قط من أجله، # لأرباب الشاطئ وآلهته، # يوم عاد لآخر مرة # من جولته البحرية، # مباشرة إلى هذه البحيرة الصافية. ~~••• # ولكن حدث هذا في الماضي # وزورقي يقضي الآن شيخوخته، # في عزلة مريحة، # واهبا نفسه لك، # يا كاستور التوأم، # ولك يا توأم كاستور. # 31 # أي سيرميو، # أي درة أشباه الجزر، # بل ودرة الجزر قاطبة، # سواء في بحيرات نبتون الصافية، # أو في بحره الفسيح. # ما أسعدني وما أبهجني # إذ أعود لزيارتك مرة أخرى! # غير مصدق أبدا # أنني قد غادرت ثونيا، # والسهول البيثونية، # وأنني أراك ثانية في سلام. ~~••• # فأي شيء أكثر غبطة للمرء # من أن تزاح عن قلبه الهموم؟ # يوم ms46 يلقي العقل عن كواهله # عبء الأثقال والهموم، # يوم نعود إلى بيتنا # مرهقين من عناء السفر، # ثم نستلقي على الفراش # الذي طال حنيننا إليه. # إن هذه اللحظة وحدها # لخير مثوبة حقا، # لمثل الآلام الجسيمة # التي تكبدناها في حياتنا. # فمرحبا بك يا سيرميو الساحرة، # ومرحى بعودة سيدك. # وأنت، يا أمواج البحيرة اللودية، # فلتفرحي أيضا وتهللي، # ولتنعمي بكل ما في بيتنا # من وسائل اللهو والضحك. # 47 # أي بوركيوس وسوكراثيون، # يا يدي بيسو اليسريين، # يا محض الوباء والقحط. ~~••• # أحقا أن بريابوس، # ذلك الرجل البذيء، # قد آثركما على فيرانيوس وفابولوس، # وكلاهما عزيز علي؟ ~~••• # أحقا أنكما تنفقان المال، # ذات اليمين وذات الشمال، # وتقيمان الولائم الفاخرة، # الحافلة بكل ما لذ وطاب، # وتسرفان في تكاليفها الباهظة، # جهرا وفي وضح النهار؟ ~~••• # بينما على أصدقائي الأعزاء # أن يهيموا في الطرقات، # بحثا عن وليمة تسد رمقهم؟ # 38 # هيا كورنيفيكوس، إن كاتولوس # لمريض يشكو السقم، # وعلته تشتد سوءا، # أضعافا مضاعفة # كلما مر يوم، # وكلما انقضت ساعة، # بيد أنك لم تسر عني بكلمة واحدة # تشد بها أزري إبان مرضي، # مع أنها لن تكلفك شيئا، # أو تستنفد منك جهدا؛ # لذا تأثرت منك كثيرا، # فما هكذا يعامل الصديق صديقه، # وحبيبه وعزيزه وشقيقه. # إذن فلتمنحني من الألفاظ # ما يسري عني همومي، # وأجد فيه عزائي، # وما قد يثير أشجاني، # التي أثارتها دموع سيمونيديس. # 13 # أي أسينيوس ماروكينوس، # إنك لا تجيد استخدام يسراك، # فتنتهز فرصة ضحكنا وثمولنا، # وتسحب من الغافلين مشوشاتهم. # أتظن أن هذا مزاح مقبول؟ ~~••• # إنك لمخطئ أيها الأحمق، # ويا لها من عادة قبيحة سيئة، # يوصم ذوقك بالجدب والسقم! # ولو خامرتك ريبة في قولي؛ # فلتصدق أخاك بوليو، # الذي يسره أن تقدر السرقات، # على قدر جميع المواهب بأسرها. ~~••• # فرغم كونه لا يزال صبيا، # إلا أنه ملم بدنيا المزاح والطرب، # فعليك إذن أن تبحث الآن # عن ثلاثمائة بيت من الشعر، # من الوزن الحادي عشر، # أو أن تعيد إلي مشوشي، # الذي لا يهمني من أمره # سوى أنه هدية صديق قديم. ~~••• # ففابولوس وفيرانيوس # قد بعثا إلي من هيبريا # بهدية من المشوشات ms47 الساتيابية، # فكيف يمكنني ألا أعتز بها # اعتزازي بفيرانيوس وفابولوس؟ ms48