######OpenITI# #META# URI: 1418AminSalama.Iliyadha.Hindawi14284864 #META# Tags: history :: poetry #META# ID: 14284864 #META# Title: الإليَاذة #META# AuthorID: 19291904 #META# Author: هوميروس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 16952470 #META# Translator: أمين سلامة #META# Related_books: 0001Homeros.Iliad (TRANSL) #META#Header#End# # تقديم بقلم المترجم‏ # رأي المرحوم الدكتور محمد مندور‏ # جولة سريعة في ربوع الإلياذة‏ # شخصيات الملحمة‏ # هوميروس‏ # القصائد الهومرية‏ # الملخص‏ # التلاوات البان أثيناوية‏ # النصوص الهومرية‏ # لغة شعر البطولة‏ # المقارنة بين الإلياذة والأوديسة‏ # أبطال القصيدتين‏ # كتبت الأوديسة في تاريخ لاحق‏ # هل كان هوميروس في إيثاكا؟‏ # أهو هوميروس أخيرا؟‏ # النقد الإغريقي لهوميروس‏ # نشأة السؤال الهوميري‏ # دارت العجلة في دائرة كاملة‏ # تصوير هوميروس لنفسه‏ # الإيحاء الهوميري‏ # الأنشودة الأولى‏ # الأنشودة الثانية‏ # الأنشودة الثالثة‏ # الأنشودة الرابعة‏ # الأنشودة الخامسة‏ # الأنشودة السادسة‏ # الأنشودة السابعة‏ # الأنشودة الثامنة‏ # الأنشودة التاسعة‏ # الأنشودة العاشرة‏ # الأنشودة الحادية عشرة‏ # الأنشودة الثانية عشرة‏ # الأنشودة الثالثة عشرة‏ # الأنشودة الرابعة عشرة‏ # الأنشودة الخامسة عشرة‏ # الأنشودة السادسة عشرة‏ # الأنشودة السابعة عشرة‏ # الأنشودة الثامنة عشرة‏ # الأنشودة التاسعة عشرة‏ # الأنشودة العشرون‏ # الأنشودة الحادية والعشرون‏ # الأنشودة الثانية والعشرون‏ # الأنشودة الثالثة والعشرون‏ # الأنشودة الرابعة والعشرون‏ # تقديم بقلم المترجم‏ # رأي المرحوم الدكتور محمد مندور‏ # جولة سريعة في ربوع الإلياذة‏ # شخصيات الملحمة‏ # هوميروس‏ # القصائد الهومرية‏ # الملخص‏ # التلاوات البان أثيناوية‏ # النصوص الهومرية‏ # لغة شعر البطولة‏ # المقارنة بين الإلياذة والأوديسة‏ # أبطال القصيدتين‏ # كتبت الأوديسة في تاريخ لاحق‏ # هل كان هوميروس في إيثاكا؟‏ # أهو هوميروس أخيرا؟‏ # النقد الإغريقي لهوميروس‏ # نشأة السؤال الهوميري‏ # دارت العجلة في دائرة كاملة‏ # تصوير هوميروس لنفسه‏ # الإيحاء الهوميري‏ # الأنشودة الأولى‏ # الأنشودة الثانية‏ # الأنشودة الثالثة‏ # الأنشودة الرابعة‏ # الأنشودة الخامسة‏ # الأنشودة السادسة‏ # الأنشودة السابعة‏ # الأنشودة الثامنة‏ # الأنشودة التاسعة‏ # الأنشودة العاشرة‏ # الأنشودة الحادية عشرة‏ # الأنشودة الثانية عشرة‏ # الأنشودة الثالثة عشرة‏ # الأنشودة الرابعة عشرة‏ # الأنشودة الخامسة عشرة‏ # الأنشودة السادسة عشرة‏ # الأنشودة السابعة عشرة‏ # الأنشودة الثامنة عشرة‏ # الأنشودة التاسعة عشرة‏ # الأنشودة العشرون‏ # الأنشودة الحادية والعشرون‏ # الأنشودة الثانية والعشرون‏ # الأنشودة الثالثة والعشرون‏ # الأنشودة الرابعة والعشرون‏ # | الإلياذة # | الإلياذة # تأليف # هوميروس # ترجمة # أمين سلامة # | تقديم بقلم المترجم # راودتني فكرة ترجمة إلياذة هوميروس منذ أن كنت طالبا بقسم الدراسات ~~القديمة بجامعة القاهرة؛ فقد استهوتني وداعبت خيالي ووجداني، ونزلت من ~~نفسي مكانة عظمى، وأحسست بأن رباطا قويا يربطني بمؤلف هذه الملحمة ~~الفذة الفريدة. # أخذت أقضي الليالي وأنا أقرأ سطورها اليونانية الصعبة، وكلما قطعت ms001 ~~منها شوطا ازددت التصاقا بالنص وبالأفكار الواردة بين سطور هذا العمل ~~الجليل الجبار الفائق الروعة والجمال. # وكان لا بد لي، في هذه الفترة المتقدمة من سني حياتي، وفي مرحلة ~~الاستيعاب والإلمام والتعليم، أن أستعين بالترجمات المختلفة، سواء كانت ~~إنجليزية أو فرنسية ... وكنت لا أترك كلمة كتبت بالعربية عن هذا العمل ~~الأدبي الأول، الذي عرفته البشرية جمعاء في صورته الشعرية البارعة ~~وفي متانة سبكه وطلاوة عباراته وقوة موضوعه، وسلاسة أسلوبه، وجبروت ~~مؤلفه حتى أحاول فهم كافة معانيها واتجاهاتها، وما يرمي إليه كاتبها، ~~حتى وجدتني عاجزا عن تفهم كل ما كتب، وتضاربت الآراء أمامي، وتعددت ~~وجهات النظر، واختلط علي النص اليوناني اختلاطا خطيرا. # أشار علي أساتذتي الأجلاء بأن أعود إلى الترجمة العربية التي ~~وضعها البستاني وصاغها في قالب شعري يستحق التقدير والثناء، غير أنني ~~صدمت لأنني وجدت ترجمة البستاني قد شردت عن النص اليوناني الأصلي، ~~وتركت فجوات، وأضافت من عندها زيادات لا وجود لها في ملحمة هوميروس، ~~التزاما منها بالقافية والوزن الشعري. كما وجدت أن الشعر نفسه غامض ~~كل الغموض، ولا يشجع بحال ما على القراءة الممتعة، كما يضفي على ~~الإلياذة حالة من السرية والتعقيد تنفر منهما النفس والروح والعقل، ~~فاكتأبت نفسي وحزن فؤادي، ونحيت البستاني جانبا، وآليت على نفسي ألا ~~أعود إليه أبدا حتى لا تتأذى نفسي وتتأزم بصورة أشد وأنكى، وحتى لا ~~تتولد عندي نحو هوميروس كراهية لا يستحقها، ونفور لا أشتهيه لشخصي ~~نحوه. # لم تهدأ نفسي الصغيرة، وهي في طور التعلم والدرس إلا عندما استقر ~~في فؤادي، أن تكون إلياذة هوميروس هي شاغلي الأول بعد تخرجي، أعطيها ~~روحي وشبابي، وأهبها حيويتي ووقتي حتى أترجمها ترجمة صحيحة يفيد منها ~~القراء، وأجعلهم يحبونها كما أحببتها، ويحبون صاحبها قدر حبي له بل ~~أكثر، وحتى تتزود المكتبة العربية بأول ترجمة نافعة، وصادقة، مجدية، ~~ودقيقة وافية، وكاملة شاملة، مذيلة بصورة يقرؤها الناس فيفهمونها، ~~ويقصدها الخاصة والعامة فيتلذذون منها، ويخلد إليها الهاوون فيذكرونها ~~بالخير والشكر والتقدير. # لذلك أستطيع أن أقول - بصراحتي المعهودة - أنني شرعت في ms002 ترجمة هذا ~~الشعر الجليل، وأنا بعد طالب في السنة الثالثة من حياتي الجامعية، ~~نعم، شرعت في صمت الراهب، ولم أكن واثقا آنذاك، من أنني سأتمكن في يوم ~~ما، من أن أنجزه أو أصل به إلى حد الكمال والتمام، ثم شغلت في السنين ~~الأولى بعد تخريجي، في أعمال أخرى برزت أهميتها، كالإعداد للحصول على ~~درجة الماجستير، وتأليف أول كتاب عرفته مصر في تعليم مبادئ اللغة ~~اليونانية القديمة، وآخر في تعليم مبادئ اللغة اللاتينية. وكاد تيار ~~التأليف يجرفني فينسيني تماما ذلك العهد الذي قطعته على نفسي وأنا ~~طالب، والذي كنت قد بدأت فيه فعلا، ولم أفق إلى نفسي وأصح لعهدي ~~القوي الصادق إلا بعد أن اهتز مركزي في الجامعة واهتزت حياتي هزة ~~شديدة، فوجدت نفسي - بلا جريرة - في الطريق العام، لا أفيد ولا أستفيد، ~~وتوقف عمري وضاقت الدنيا أمام ناظري، وأظلمت الحياة من حولي، وصرت في ~~حيرة من أمري، وكاد اليأس يدب في أوصالي ويفقدني حبي للحياة والدنيا ~~وذاتي. # تذكرت الإلياذة الحلوة، ووجدت نفسي معها، أنا وهي ولا ثالث لنا إلا ~~الله سبحانه وتعالى، فاستعنت به واستغثت برضوانه كي يساعدني ويشد من ~~أزري ويقويني على نسيان مأساتي، وشعرت أنكب على العمل الذي طالما ~~شغلني وداعب فكري وخيالي، وكانت المعجزة، كان الوقت عندي واسعا ~~فسيحا، فليس لدي عمل يستنفد طاقتي أو يستهلك وقتي الثمين، ولست ~~مرتبطا بأي رباط أو مسئوليات تستوجب مني إنفاق الوقت وتبديده، وعشت ~~على الكفاف، وكنت كلما أنجزت صفحة من الترجمة أشبع وأرتوي وأرتاح ~~قليلا كأنني أكلت وجبة شهية مبتغاة منتقاة. # حملت الترجمة معي إلى السودان حيث جاد الله علي بعمل هناك في ~~التدريس، ولم يكن العمل هناك مرهقا بقدر ما كان الحر معوقا، وبعد أن ~~تعرضت لأزمتين صحيتين شديدتين كدت أموت خلالهما، تأقلم الجسد ~~وتعود جو السودان، وزالت الغمة، فتفرغت تماما للترجمة بالساعات ~~الطوال أقضيها عصر كل يوم حتى ساعة متأخرة من الليل، وساعدني جو ~~العزلة والتفرغ كثيرا، وكأن الله، جلت قدرته، قد أراد لي كل ذلك حتى ~~يتحقق ms003 حلم التلمذة، فأقدم للعالم العربي أول ترجمة مستساغة لا ~~يمجها القارئ، لا تصد نفسه عن الإقبال عليها ومواصلة قراءتها ~~بارتياح واشتياق واستمتاع. # وانتهى العمل بعد خمس سنوات كاملة لم أنشغل فيها بأي عمل أدبي آخر، ~~ولكن فرحتي لم تكتمل إذ تعذر علي العثور على الناشر الذي يستطيع أن ~~يقدم على نشر هذا العمل الكبير الجديد في موضوعه، القديم في فكرته، ~~العتيق في قيمته، العظيم في مكانته. # صدمت إذ بقيت الترجمة حبيسة مكتبي وأسيرة حجرتي سنتين كاملتين، ظللت ~~طوالهما أراجع وأصحح وأنقح وأجود وأمحص وأدقق وأتفنن، وفجأة أشرقت ~~الشمس الدافئة على الإلياذة الكسيرة الأسيرة، فاشتراها مني من كان يعلم ~~حق قدرها وقيمتها ومكانتها وصلاحيتها. ولم أدقق معه في السعر، وقبلت أن ~~يشتريها مني لقاء حفنة صغيرة من الدريهمات؛ إذ كان جل همي وأملي أن ~~ترى إلياذتي النور، وتخرج بسطورها من قمقمها وسجنها المظلم الأبدي، ~~وزنزانتها الكئيبة الموحشة، وتشع بنورها الساطع على العالم. ولا يمكنني ~~أن أنكر بأية حال أن الأستاذ الكبير حلمي مراد صاحب مطبوعات «كتابي» ~~الشهيرة، قد وفى هذا العمل البالغ الأهمية كل حقه، فطبعه طبعة أنيقة ~~شيقة طيبة جيدة في حدود إمكانياته المتاحة، ولم يبخل عليها بالدعاية ~~اللازمة حتى أصبح رجل الشارع يعرف الإلياذة، أو بالأصح يسمع عنها ~~ويتحدث بما تتضمنه من أحداث وروائع، إن جاز لي هذا الافتراض. # نفدت أعداد الإلياذة المطبوعة في ثلاثة أجزاء، نعم، نفدت كلها، وكان ~~المطبوع منها بالآلاف، واعتبر كل من حظي بنسخة منها، أنه قد فاز بكنز ~~ثمين، وغنم غنما هائلا، وزود مكتبته بكتاب نافع جدا، هو الأصل، بل ~~هو جذور الأدب في العالم كله. # وراحت الأيام تجري، والسنون تعدو عدوها السريع، والناس لا ينسون ~~أبدا إلياذة هوميروس ولا اسم ناشرها أو اسم مترجمها. وهكذا اقترن اسمي ~~بهذا العمل الجليل الكبير الخطير، وكنت بعد ذلك قد عكفت على ترجمة ~~الملحمة زميلتها، وهي «أوديسة هوميروس»، التي شاء سوء حظها أيضا أن ~~يظهر منها الجزء الأول أما الجزء الثاني، فقد ظل سنوات دون أن يظهر ms004 أو ~~ينشر، إلى أن رأت دار الفكر العربي لصاحبها الأستاذ محمد محمود الخضري، ~~ضرورة ظهور الأوديسة كاملة في مجلد واحد يليق بمكانتها ومكانة ~~مؤلفها، وقد كان. وكان لظهورها وقع كبير في جميع الأوساط الأدبية، ~~وتناولها النقاد بالحمد والثناء والتقدير. # واليوم تعود دار الفكر العربي من جديد، وبإصرار شديد، تريد العودة ~~إلى نشر إلياذة هوميروس في مجلد واحد، وبصورة محترمة فذة جليلة تخدم ~~النص، وتحفظ للإلياذة هيبتها ومكانتها في دنيا الفكر والأدب العريق، ~~ولكي يكون لها فضل احتضان أعمال هوميروس، أول شاعر عرفته البشرية، وأول ~~من عرف الناس بالأدب الملحمي ووضع بذور فن الأدب والإنتاج الأدبي، ~~على أرقى صوره وأشكاله، موضع التنفيذ، فولد على يديه عملاقا شامخا ~~بصورة لم تشهد البشرية له ضريبا حتى يومنا هذا، وهيهات. # والملحمة التي بين يديك أيها القارئ العزيز، قديمة المضمون عتيقة ~~الفكر والفحوى والمكنون، ولكنها زاخرة بالروعة والجمال، وبالمعاني ~~الراقية والمفاهيم السامية والتعاليم النادرة، والغريب، أنها تدور كلها ~~في ساحة القتال بين جيشين، ومع ذلك فإنها تشدك وتشدوك معا؛ لأنها ~~ترسم لك صورا نادرة من البطولة الفذة الرائعة، وتجسم لك خيالا أشد ~~واقعية من الواقع، وأقسى إيلاما من الألم ذاته، وأروع جمالا من ~~الجمال نفسه. # كل من يقرأ شيئا عن أبطال هذه الملحمة القوية، يزدد إعجابا بقدرة ~~هوميروس، ذلك الكاتب الأعمى، الذي راحت البلاد تتنافس وتتشاحن ... كل ~~تريد أن يكون لها شرف انتسابه إليها، نعم إن قدرته على خلق هذه الأفكار ~~العميقة المثيرة، وتصويرها بما صورها به من إبداع خلاق يفوق الإبداع ~~نفسه، وبجدارة حسدته عليها البشرية جميعا، جعلته يستحق بجدارة أن يكنى ~~بأبي الشعراء والأدباء والكتاب والمفكرين أجمعين. # ولسوف أتركك لنهمك كي تعب من الإلياذة ما طاب لك أن تعب، بقدر ما ~~يتحمله عقلك وفكرك وصبرك، وكلي ثقة بأنك إذا ما ذقت بعض طعمها ما كففت ~~أبدا عن الاستمرار في أن تنهل منها وتتزود بزادها، ولن ألبث حتى أراك ~~قد التهمتها التهاما، إلى أن شبعت نفسك وفاض منها، وأتخم عقلك، وسمنت ~~روحك، ثم أحسست ms005 بعد ذلك بحاجتك الملحة إلى ضرب من الراحة والاستجمام ~~الطويل، كي تجتر وتهضم ما امتلأ به جوفك وكيانك وجنانك، من وجبة غذائية ~~دسمة، قد يتحملها جهازك الهضمي، وقد لا يتحملها ويرهق. # وأبطال الإلياذة من البشر، أحيانا، ومن أنصاف الآلهة أحيانا أخرى، ~~ومن الآلهة الأوليمبيين تارة ثالثة، وهذه الحرب التي نقرأ عنها، رغم ~~كونها استمرت تسع سنوات طوال، إلا أن هوميروس لا يسجل منها في ~~إلياذته إلا أحداث العام التاسع وحده، والحمد لله على أنه فعل ذلك؛ ~~لأنه استعرض أحداث هذه المدة المحدودة القصيرة في خمسة وعشرين ألفا من ~~أبيات الشعر الأيوني الوزن والقافية واللهجة، وهذه لهجة يونانية قاسية ~~تختلف عن اللهجة الأتيكية السليمة، التي تدرس بها اللغة اليونانية ~~القديمة في جميع أنحاء الدنيا، مما ضاعف من تعقيد النص وصعوبته أمام ~~القارئ والمترجم والدارسين بصفة خاصة. # لعل أبرز الأسماء الجديرة بالذكر والتي تستحق الالتفات والاهتمام ~~معا هي أسماء كل من الأبطال: أجاممنون وأخيل (أو أشيل) وهكتور ~~وباريس وبريام (أو برياموس). فمن يتابع أعمال هؤلاء الأبطال، وتحركاتهم ~~وتصرفاتهم في ساحة الوغى، لا يسعه إلا أن يشيد بعظمتهم وقدرتهم وقوتهم، ~~وهائل إرادتهم وعزيمتهم وصبرهم وجلدهم وصمودهم بصورة لم يسمع عنها ~~من قبل، ولم نقرأ عن أمثالها في أية حقبة من الأحقاب القديمة أو ~~الحديثة على حد سواء. # ورغم خلو هذه الملحمة الجبروتية من عنصر النساء، فإنها قامت بسبب ~~امرأة كان الأغارقة يعتبرونها أجمل نساء العالم طرا، كانوا يرونها ~~غادة هيفاء، بديعة الحسن والتكوين، فريدة المثال والجمال لها وجه يخجل ~~الأقمار، ويشتهي ندى الصباح أن يستقي منه نقاوته، ذاته عينين دعجاوين ~~غارقتين في السواد، نجلاوين بالغتي الاتساع ... في وجهها هدوء، وفي ~~عينيها صفاء، ولصورتها رواء ... حسناء متناسبة الطول، متناسقة العرض، ~~مرفوعة الرأس، وضاحة الجبين ... تسير في طريقها فلا تنحرف ولا تميل ... ~~ثيابها غالية وحليها ثمينة وعطرها زكي، وصوتها عذب ساحر، كأنه أنغام ~~فرقة موسيقية كاملة بارعة تعزف لحنا شجيا حلوا ... تجتذب بظاهر ~~فتنتها قلبا بعد قلب وتوردها موارد المنون ... طلقة المحيا، وادعة ~~الأسارير، يزهو ms006 وجهها في إطار من خمار أسود قشيب، قد نصبته شركا ~~لألوان من الإيذاء ... جبينها ناصع كالصراحة، ونظرتها باترة كالعزيمة، ~~ضحكتها مدوية كالحرية، ولمعة تفكيرها العبقري تجثم في عمق عينيها كما ~~يجثم سر الحياة الكبرى في مركز بدنها الغض الجميل، فمها ينبوع ماء حي ~~يود أن يعب منه كل ظمآن، وأسنانها بيض كياسمين منضد، صقيلة لامعة كأندر ~~وأغلى اللآلئ ... خدها آنية من فضة يحف بها إطار من مرمر وورد. أنوثتها ~~خالصة ناضجة لا يلطفها الخفر، بل يضاعفها إغراء وفتنة ... ممشوقة القوام ~~في شموخ ساطع، جريئة الروح في نقاء ناضر، مشبوبة القلب مضطرمة العاطفة، ~~هي أروع في التألق والتحدي من الشمس في كبد السماء ... لها فم شتيت حلو ~~أودعت فيه السماء أسرارها، وصبغته عرائس الفنون بحمرة القبل؛ فهو دائم ~~الابتسام، كل ابتسامة منه تحيي وتميت ... لها عنق طويل بلوري شفاف، وجسد ~~رخص مرمري، وساقان ملتفتان، يختلط في بشرتها بياض الندف بحمرة الورد ... ~~أهدابها كحيلة طويلة سوداء، ذات وطف ... وباختصار، كانت أنثى جميلة ~~فائقة الحسن فاتكة اللحظات، رائعة القسمات، لم تطلع الشمس على أنضر ~~منها وجها، ولا أملد عودا، ولا أشد إغراء وفتنة ... جرى حديث جمالها ~~الفاتن من فم إلى فم، وتنقل من دار إلى دار، حتى أصبحت مضرب المثل بين ~~فتيات المدينة، ومقياس الجمال كلما عرض ذكر الجمال، إذ كان لها وجه ~~كأنه إشراقة الصبح أو صفحة البدر، أو تبلج الحق بين ظلمات الشكوك ... به ~~عينان حوراوان امتزجت فيهما صولة السحر بنشوة الخمر، فكانتا شباك ~~الفتنة لصيد القلوب ... وأنف أحسن الله تقويمه وأبدع تكوينه فزاد وجهها ~~جمالا ... وثغر دري ياقوتي، تهيم به الشفاه، وتحوم حوله القلوب عطاشا ~~كما تحوم طيور الصحراء حول معين الماء العذب النمير ... لها صدر صافي ~~البياض ممتلئ بالأنوثة الملتهبة، يعبث بالعقول، كأنما قد صيغ من لجين ~~براق، استعارت من الزنبق لينه فظهرت ناصعة رجراجة ... قد فرع عودها، وبرز ~~نهداها، وترنح خصرها تحت الثوب الفضفاض الذي يستتر فيه جسدها الفتي ~~المتفجر أنوثة وحياة، كما استدار وجهها وأناره جبين مشرق ms007 وضاء كأنه ~~الهلال الوليد يطل من الأفق على عينين سوداوين كأن أهدابهما ~~الطويلة الساجية غلائل ليل حالك السواد ... إذا تقدمت ترنو وتبتسم ~~وتهتز، وتشد ثديا مثمرا فتجلب نعيما، وتثني ذراعا ملتفة عبلة، ~~وتميل برأسها الذي كله خدود وعيون وأصداغ وأهداب كظلال الخلد ... تطل ~~عليك بوجه صبوح جميل كالأماني، فاتن كوريقات الورد، مشرق كالضحى ... لها ~~شعر طويل ناعم، وأنفاس كعطر تشتاقه الروح، وصوت كنغم من السماء، أو ~~كاللحن الهادئ ينساب في خفوت، وبسمة يخشع لها القلب، ونظرات كأوتار ~~الجيتار الناعمة الحنون ... كان منظرها، بحق، من أبهج المناظر وأشهاها ~~وأظرفها وأحلاها، يوحي لمن يراها أن في دمه نورا، وفي كيانه سحرا، ~~وفي حياته رجاء وأملا. # ورغم أن هذه المرأة ذات الوجه السابح في هالة الجمال والبهاء قد ~~تزوجت مينيلاوس المحظوظ حاكم البلاد، وعاشت معه تحت سقف واحد، إلا أنها ~~نكثت العهد وخانت زوجها الشريف النبيل، وهربت مع الضيف الطروادي الخسيس ~~الذي استضافه زوجها المسكين، فغواها الضيف وزين لها الحرام بمعسول ~~الألفاظ المضللة، فاستجابت لغزله، وضعفت أمام إغرائه، وهكذا هربت ~~هيلينا الحلوة مع باريس اللئيم الخائن، فاعتبرت اليونان أن شرفها قد ~~تلوث وصيتها قد تدنس، وأن سمعتها وسمعة حاكمها قد تلطخت بالوحل ~~والقار، ولحقها العار والشنار، فهب رجال اليونان البواسل هبة رجل ~~واحد، وقاموا يدا واحدة تاركين بيوتهم وزوجاتهم وعيالهم، وركبوا البحر ~~الصاخب العريض، واتجهوا إلى حيث تعيش هيلينا مع خاطفها الدنيء في بلده ~~طروادة. كان الشرف اليوناني يحتم عليهم استرداد الزوجة الهاربة ~~العاصية، والقبض عليها، وأخذها بالقوة من بين أحضان عاشقها الوضيع الذي ~~خان واجبات الضيافة المصونة، واعتدى على عرض أشرف الرجال وأعظم الحكام، ~~وطعنه طعنة نجلاء في أعز ما يمتلك، ودنس فراشه، وانتهك حرمته، وأصابه ~~في الصميم إصابة لا يمحوها إلا الدم والقتال إلى آخر رجل في ~~اليونان. # ظل الأغارقة البواسل مدة تسع سنوات طوال كلها عذاب وشقاء، وقتال ~~وحرمان، يحيطون بأسوار طروادة المنيعة البنيان، والقوية التشييد، ~~والعالية السامقة، والمبنية بالحجر الصلد الصوان، معرضين عن الدنيا وما ~~فيها، ونسوا نساءهم ومضاجعهم ms008 وشرابهم وحياة النعيم والرفاهية التي ~~كانوا ينعمون بها في بلادهم ووسط أولادهم وبناتهم وزوجاتهم، ولم ينشغل ~~بالهم إلا بالثأر من ذلك الخائن الغدار، ومحو ما لحق بسيدهم العزيز ~~وحاكمهم المفدى من عار أي عار، والانتقام بالدم من ذلك النذل الذي أتى ~~فعلة شنعاء متسللا إلى عقر دار حاكمهم ليسرق قلب مليكة فؤاده وشريكة ~~فراشه، بفاتن كلماته، ومنمق عباراته، وعذب منطوقه وأحاديثه، حتى زين ~~لها الخيانة وكساها أمام سمعها بحلة قشيبة مزركشة، خلبت لبها وخدعت ~~فؤادها فانساقت وراء الذئب الخسيس، وهي لا تدري مغبة جريمتها النكراء، ~~والعواقب الوخيمة التي سوف يتعرض لها زوجها المخدوع، ووطنها المنكوب، ~~وكل شعبها المكلوم، رجالا وشبابا. # خرجت تشق عباب اليم ألف سفينة إغريقية محملة بالرجال والسلاح ~~والمؤن والمعدات، ميممة شطر طروادة حيث يحتمي باريس اللعين مع معشوقته ~~هيلينا المارقة، وقد ظن الوغد الداعر، والفاسق السادر، أنه فاز بمراده، ~~وحظي بأجمل ما في الكون من أنوثة وجمال وفتنة، لقمة سائغة، فإذا ببلاده ~~تتعرض لأقسى حصار عرفته أمة على وجه الأرض، ولأفظع حرب حنظلية مريرة ~~مات فيها الألوف المؤلفة من المحاربين الشجعان والأبطال ~~المغاوير. # ولولا الحصان الخشبي - وقصته ~~معروفة شائعة - لما عرفت هذه الحرب الضروس لها نهاية وما أسدل الستار ~~عليها في يوم ما، ولظلت الجيوش تحارب إلى ما شاء الله، كان لا بد ~~للإغريق من خدعة كبرى مبتكرة وجديدة في نوعها، ولم يكن ليتقنها ~~ويبتكرها، وينسج خيوطها، ويحكم حلقاتها، سوى الداهية العفرية ~~أوديسيوس الكثير الحيل المحبوكة، والذي اعتبره العالم كله أمكر البشر ~~جميعا، وأعظمهم براعة في دنيا الحيل والأحابيل والخدع ونصب الشراك. يا ~~لها من فكرة مدهشة تلك التي فكر فيها أوديسيوس، وهي فكرة الحصان ~~الخشبي الذي صنعه الأغارقة بأمره، وحسب تعليماته، وبإرشاده وإشرافه، ~~كان جوادا جميل الشكل من خشب الأبنوس الأسود اللامع، مهيب الصورة ~~والمنظر، بل قل هو تحفة فنية فائقة الجمال رائعة الهيئة، تود أي نفس ~~أن تقتنيها وتستحوذ عليها وتستأثر بها، وهذا عين ما حدث، فما كادت ~~عساكر طروادة وجنودها يرون ذلك الحصان الضخم ms009 الجذاب واقفا في الساحة ~~خارج الأسوار، وقد انفض عنه أصحابه حتى سحبوه وأدخلوه وراء أسوارهم ~~المنيفة الشامخة وسط التهليل وأهازيج الفرح والغبطة والسعادة الفائقة، ~~دون أن يعلموا أن جوف ذلك الحصان يضم أبطالا مدججين بالسلاح البتار ~~الفتاك، فخرج هؤلاء المقاتلون البواسل في جنح الظلام ومع عتمة الليل ~~بعد أن تأكدوا من أن الطرواديين قد أذهلتهم نشوة الفرح، فراحوا يعبون ~~كئوس الخمر مترعة وهم يهللون من فرحة الظفر، ظانين أن الأغارقة قد ~~انصرفوا إلى حال سبيلهم دون رجعة، تاركين خارج الأسوار أشلاء قتلاهم ~~وحصانهم الخشبي الذي كانوا يتباركون به، وارتمى على الأرض من ارتمى، ~~ونام من نام، فإذا في الساعة المحدودة تعود سفن الإغريق المحملة بآلاف ~~الجنود بعد أن تظاهروا بالانصراف متقهقرين مدحورين، وكان أوديسيوس ~~وزملاؤه قد فتحوا لهم أبواب طروادة فتدفق الأغارقة منها إلى الداخل ~~وتجرع الجنود الطرواديون السكارى الموت السريع برماح وسيوف الإغريق ~~العطاش الموتورين، فكانت الهزيمة الجسيمة النكراء لأهل طروادة، فترنحت ~~من شدة وطأتها البلاد، واستسلمت في سهولة ويسر وراح الأغارقة الظافرون ~~يعيثون في البلاد فسادا بعد أن نهبوها وقتلوا باريسها وهكتورها ~~واستعادوا هيلينا وأرجعوها إلى بلادهم، رافعين أعلام النصر فوق ساريات ~~وأشرعة سفنهم المكينة، وهكذا استعادت اليونان شرفها الرفيع وسمعتها ~~الغالية، وثأرت لحاكمها من ذلك الضعيف الجبان الغادر الذي اعتدى على ~~بيته وزوجه في غفلة منه، وجازاه على إكرامه إياه وعدم تقصيره في واجبات ~~الضيافة، ولم يؤذه من بعيد أو قريب، جازاه بالغدر والخيانة. ~~••• # لعلني، أيها القارئ العزيز أكون في هذه العجالة قد أجملت بعض الأحداث ~~الرئيسية في سطور قليلة، وهي، كما ترى، أحداث تهز المشاعر الإنسانية، ~~وتمس الكيان البشري في صميم حياته، فكم من زوجة خانت بعلها، وهربت مع ~~عاشقها، ولكن المفهوم الإغريقي للعلاقات الإنسانية قد خبا واندثر، ~~وتطور مع تعاقب الأعوام واختلاف العصور والظروف، فما عدنا نحارب حرب ~~الإغريق وإن كان الثأر لا يزال يمارس في بطاح كثيرة من المعمورة ~~الغبراء لأمثال هذه الجريمة النكراء. # بعد كل هذا الذي كتبته من تقديم شخصي، يسعدني أن ms010 أقدم لكم إلياذة ~~هوميروس نفسه في كلمات لم يسبقني إليها أحد من الذين تعرضوا لهذه ~~الشخصية الأدبية، وهي امتداد لتلك المقدمة الطويلة التي صدرت بها ~~ترجمتي لأوديسة هوميروس؛ فالمقدمتان نسيج واحد لثوب واحد، وتعالجان ~~شخصية واحدة لا أحسب أن الدارسين قد فرغوا تماما من معالجتها العلاج ~~الشافي، فمما لا شك فيه أن هوميروس بقرونه الثمانية السابقة لميلاد ~~السيد المسيح، ما زال يحيط به غموض كثيف يحتاج إلى مزيد من الدرس ~~والتمحيص والإضافة، للوقوف حقيقة على أبعاد وأعماق شخصيته ومكانته ~~الأدبية الشامخة شموخ الأهرام في عصرنا الحديث. # وإني لأحمد الله - عز وجل - إذ ~~مكنني وساعدني وألهمني، ووهبني القدرة على إخراج هذا الكتاب الذي بين ~~يديك، يا قارئي العزيز، بالصورة التي هو عليها، في ظروف للنشر، تعتبر ~~غاية في القسوة من حيث الغلاء، وارتفاع أسعار الورق والطباعة ارتفاعا ~~فاحشا، علاوة على كل ما يتصل بهذه المهنة الشريفة من شتى نواحيها، وما ~~بالكتاب من صور وكليشيهات كثيرة أضافت إلى تكاليف الطباعة مبالغ باهظة ~~فوق طاقة الناشر. # لذا، لا يسعني إلا أن أقدم لدار الفكر العربي والعاملين بها، وعلى ~~رأسهم الأستاذ محمد محمود الخضري، أجزل الشكر ووافر الامتنان والعرفان، ~~لما أبدوه نحو الإلياذة من اهتمام بالغ، ولما بذلوه في إخراجها بهذا ~~الثوب الجميل الذي ظهرت به. مع شكري الخاص للأستاذ محمد عبد الغني ~~السيد، الذي تفضل بمراجعة البروفات الأولى، وهيمن على الطباعة بكفاءة ~~عالية. # وفقنا الله جميعا إلى ما فيه خير المكتبة العربية بصفة عامة، ~~والمكتبة الكلاسيكية بصفة خاصة، إنه على كل شيء قدير. # أمين سلامة # جاردن سيتي في 1 / 1 / 1981م # | رأي المرحوم الدكتور محمد مندور # | أستاذ النقد الأدبي والمتخصص في الآداب ~~اليونانية اللاتينية # كتب سيادته في العدد الثالث والأربعين من مجلة «المجلة» بتاريخ يوليو ~~سنة 1960م رأيه في إلياذة هوميروس فقال: ~~«يعتبر عمل الدكتور حسن عثمان في حقل الترجمة تجديدا، أو ~~استمرارا للعمل الكبير الذي قام به من قبل الأديب العربي الضخم ~~سليمان البستاني بترجمته لإلياذة هوميروس إلى العربية، وإن كنا ~~نعتقد ms011 أن ترجمة الدكتور حسن عثمان للكوميديا الإلهية ستظل دائمة ~~الحياة والنفع والتأثير في أجيالنا المتعاقبة؛ وذلك لأن ما بقي ~~حيا مقروءا من ترجمة سليمان البستاني للإلياذة، إنما هو المقدمة ~~الضخمة التي كتبها لتلك الترجمة، وتناول فيها الكثير من قضايا ~~الشعر عامة والملحمي بخاصة، وأوزان الشعر وقوافيه عند الغربيين ~~وعند العرب على السواء، وأما الترجمة في ذاتها، فبالرغم من أن ~~البستاني قد اختار لها الشعر وعاء، إلا أن شعره جاء عسيرا مصنوعا ~~لا ماء فيه، وكأنه منحوت من صخر، فذهب ببساطة شعر هوميروس وخفته ~~وسذاجته الساحرة؛ ولهذا نعتقد مخلصين أن الترجمة النثرية التي ~~نشرها الأستاذ أمين سلامة أخيرا باللغة العربية في ثلاثة أجزاء من ~~مطبوعات «كتابي» أفضل بكثير من ترجمة البستاني الشعرية المبهمة. ~~ومن المؤكد أنه لو شفع الأستاذ أمين سلامة ترجمته للإلياذة بدراسته ~~لها ولهوميروس وعصره كما فعل الدكتور حسن عثمان بالنسبة للكوميديا ~~الإلهية، وأعاد طبعها في المظهر اللائق بمثل هذا العمل الضخم على ~~نحو ما فعلت دار المعارف في طبعها للجزء الأول من الكوميديا ~~الإلهية، لحظيت ترجمة الأستاذ أمين سلامة للإلياذة بكل ما تستحق ~~من شكر وإقبال.» # وكتب الدكتور محمد مندور هذا المقال بجريدة الجمهورية في باب «دراسات ~~في الأدب والنقد» تحت عنوان «أوديسة هوميروس ... ملحمة جواب الآفاق» وقد ~~تعرض سيادته في هذا المقال للإلياذة أيضا فقال: # حفلت مكتبتنا العربية في هذه الأيام الأخيرة بكسب جديد بالغ ~~الأهمية وهو ترجمة الأستاذ أمين سلامة لأوديسة هوميروس ونشر الجزء ~~الأول من هذه الترجمة، وهو يشمل مقدمة يعرف فيها المترجم القراء ~~بهوميروس وملحمته الأولى «الإلياذة» التي ترجمها في العام الماضي أيضا ~~الأستاذ أمين ونشرها في ثلاثة أجزاء ضمن مطبوعات كتابي، ثم يعرفهم ~~بالأوديسا ملحمة هوميروس الثانية ويلخص - كما فعل في حديثه عن الإلياذة ~~كل أغنية من الأغاني الأربع والعشرين التي يتكون منها كل من ~~الإلياذة والأوديسا. # ويلي المقدمة النص الكامل ~~للأغاني الاثنتي عشرة الأولى من الأوديسا على أن يتضمن الجزء الثاني ~~الذي لا نزال ننتظره - الأغاني الاثنتي عشرة الأخيرة وقد نقل المترجم ms012 ~~كل هذه النصوص عن اللغة اليونانية أي لغتها الأصلية التي تخصص فيها ~~الأستاذ أمين سلامة وحصل فيها على درجة الماجستير من جامعة القاهرة، ~~واستعان طبعا بالترجمات الأوروبية الحديثة وبخاصة الترجمات ~~الإنجليزية. وإن كان ذلك لا يمس قيمة عمله من حيث إن ترجمته قد اعتمدت ~~أصلا على النص اليوناني القديم مما يعطي هذه الترجمة كل قيمتها من حيث ~~أمانة النقل ودقته، وإن كنا لا نستطيع أن نزعم أن هذه الترجمة العربية ~~تصل في مستوى التعبير الشعري وجماله إلى مستوى الأصل اليوناني أو مستوى ~~بعض الترجمات الأوروبية الحديثة التي تصل إلى حد كبير من الجمال دون ~~أية تضحية بالدقة والأمانة. # ومن المعلوم أن الإلياذة كان قد قام بترجمتها منذ أواخر القرن الماضي ~~المرحوم سليمان البستاني شعرا في أسلوب جهم لا يغري بالقراءة ثم قام ~~في السنوات الأخيرة أديبنا الأستاذ دريني خشبة بتقديم الملحمتين إلى ~~قراء العربية، كل ملحمة في مجلد واحد بعد أن قام - كما يقول هو نفسه - ~~بكثير من التعديلات في القصتين وفي الأسلوب تيسيرا على شباب القراء ~~حتى نشط الأستاذ أمين سلامة في السنوات الأخيرة إلى ترجمة الملحمتين ~~ترجمة دقيقة عن اليونانية، دون أن يحذف أو يضيف أو يعدل شيئا في ~~نصهما الأصلي. وبذلك أدى إلى قراء العربية وأدبائها خدمة رائعة لأن ~~هاتين الملحمتين هما الأساس ومصدر الوحي والإلهام للأدب اليوناني كله ~~والروماني من بعده، ثم للآداب الأوروبية كلها بحيث لا يمكن لأي أديب أن ~~يجيد فهم كل هذه الآداب ما لم يبدأ بفهم أساسها ومصدر وحيها الأول وهو ~~هوميروس وملحمتاه الخالدتان. # ومن المعلوم أن هوميروس قد استمد موضوع ملحمتيه معا من حرب ~~طروادة، وهي تلك الحرب التي اشتعلت قبل الألف عام السابقة على ميلاد ~~المسيح بين أهل طروادة سكان آسيا الصغرى واليونان نتيجة لخطف باريس ~~أمير طروادة الجميل الطلعة لهيلانة زوجة مينيلاوس أحد ملوك المدن ~~اليونانية؛ إذ رآها تلهو مع صاحباتها على الشاطئ الذي رست عليه سفينته ~~فوقعت في قلبه كما وقع في قلبها ونجح في إغرائها على الهرب ms013 معه، وبذلك ~~يكون سبب تلك الحرب الضروس في نظر شاعر الجمال هوميروس هو الصراع بين ~~اليونان والطرواديين على هيلانة رمز الجمال المطلق، ولا غرابة في أن ~~يقتتل اليونان هذا القتال المر الذي دام أكثر من عشر سنوات في سبيل رمز ~~الجمال؛ فهم شعب لم يعشق شيئا كما عشق الجمال. ولقد يرى المؤرخون أن ~~هذه الحرب كانت لها دوافع أخرى كالتنافس على التجارة وارتياد البحار، ~~ولكن هوميروس آثر بحق الرواية الشعبية التي ترجع تلك الحرب إلى الصراع ~~من أجل هيلانة رمز الجمال المطلق. # وإذا كان هوميروس قد كتب الإلياذة ومعناها في اللغة اليونانية: أغنية ~~إليون، وإليون هو الاسم الذي كان يطلقه اليونان الأقدمون على طروادة ~~بحيث يصبح معنى الإلياذة هو أغنية طروادة، وخصص تلك الأغنية، لحادثة ~~واحدة من أحداث تلك الحرب وقعت في السنة الأخيرة من العشر السنوات التي ~~دامتها تلك الحرب وهي حادثة غضب بطل الإغريق الأكبر أخيل لأن ملك ~~الملوك أي القائد الأعلى للجيش اليوناني أجاممنون استولى غصبا على ~~أسيرة أخيل الجميلة بريزيس وحرمه منها، فغضب البطل واعتزل القتال حتى ~~دارت الدائرة على اليونان وأوشكوا أن ينهزموا لولا أن تدارك البطل ~~الآخر أوليس الأمر بحكمته فاسترضى أخيل ورجاه أن يعود إلى القتال لينقذ ~~قومه، وقبل أخيل أن يعود وبخاصة بعد أن علم بقتل صديقه العزيز ~~باتروكلوس في المعركة، فهزه الوفاء لصديقه لكي ينتقم له ويقتل قاتله ~~بطل طروادة هكتور. وتنتهي الإلياذة بانتصار أخيل على هكتور وقتله له ~~وجر جثته مشدودة إلى عربة نصره، ثم تأثره بحزن بريام ملك طروادة ووالد ~~هكتور عندما جاءه باكيا ضارعا طالبا إليه أن يرد جثة ابنه إليه ~~فردها. # وأما الأوديسا فمعناها اللغوي مأخوذ من اسم بطلها أوديسيوس أي جواب ~~الآفاق الذي كان اليونان يسمونه أوليسيوس أو أوليس، وسماه الشرقيون ~~القدماء عولس. فهي إذن أغنية أوليس. وقد اختار هوميروس هذا البطل ~~لملحمته الثانية كما اختار أخيل وغضبه للإلياذة؛ وذلك لأن أوليس يتجسم ~~فيه جانب من الخلق اليوناني القديم يكمل الجانب الذي يمثله أخيل؛ ~~فأوليس يمثل ms014 الحكمة والذكاء واتساع الحيلة في هذه الملحمة، بينما يمثل ~~في الملحمة الأخرى الشجاعة المتهورة والكبرياء العالي والعناد الصلب إن ~~لم نقل خشونة البداوة الأولى. والذي لا شك فيه أن الأدب وبخاصة أدب ~~شاعر واقعي كهوميروس أدل على عقلية الشعب اليوناني من أي تراث روحي ~~آخر؛ فالفلاسفة كأفلاطون أو الرواقيين قد يحدثوننا عن المثل الأعلى في ~~الأخلاق ويراه أفلاطون في أن نعيش وفقا لطبيعتنا البشرية فلا نقاوم ~~غرائزنا ولا نحاول قتلها بل نتركها تنمو نموا طبيعيا حتى لا نفسد ~~حياتنا بكبتها مكتفين بأن نتخذ العقل رقيبا يحد من إسرافها ويلائم ~~بين تنافرها. ولقد يدعونا الرواقيون ألا نتأثر بالأحداث فلا تنخلع ~~قلوبنا للحزن ولا تخف أحلامنا للطرب، ولكن هذه كلها مثل عليا. والمثل ~~الأعلى موضع رغبة ونحن لا نرغب إلا فيما يعوزنا، وأما الأدب وبخاصة أدب ~~هوميروس الواقعي فهو الذي يبصرنا بحقيقة العقلية اليونانية التي لا ~~تزال حتى اليوم معتبرة معجزة البشرية. ومن خلال تصوير هوميروس للبطلين ~~أخيل وأوليس نستطيع أن نرسم الصورة الكاملة لهذه العقلية الفذة. # والأوديسا أو أغنية أوليس يرى فيها العالم الفرنسي الكبير فيكتور ~~جيرار أغنية البحر الذي كان اليونان القدماء يعيشون معظم حياتهم على ~~متنه ويجوبون آفاقه بحثا عن وسائل العيش التي تضن بها أرضهم الجرداء ~~في معظم بقاعها الجبلية، وهذه الملحمة تقص علينا مؤامرات أوليس وما ~~لاقاه من أهوال في طريق عودته من طروادة إلى وطنه ومقر ملكه، ومأوى ~~زوجته الوفية الحبيبة بينيلوب، وهي جزيرة إيثاكا التي تقع على الشاطئ ~~الغربي لبلاد اليونان أي عند شاطئ الماسيا وقد دامت رحلته هذه عشر ~~سنوات أي أنه قد تغيب عن وطنه وأهله عشرين عاما قضى منها عشر سنوات في ~~مقاتلة أهل طروادة وقضى العشر الأخرى في مغالبة الأهوال ومقاتلة الوحوش ~~ومقاومة إغراء الساحرات والفاتنات اللائي التقى بهن عند بعض الشواطئ أو ~~الجزر التي ساقته إليها الأمواج والعواصف وبخاصة أن إله البحار ~~بوسايدون كان يناصبه العداء ولولا رعاية الإلهة منيرفا التي كان ~~اليونان القدماء يسمونها بالاس أثينا ويزعمون أنها قد ms015 خرجت من رأس كبير ~~الآلهة زيوس مدججة بحربة القتال رمزا إلى أن الحكمة لا تخرج إلا من ~~عقل الآلهة، وأنها تخرج مدججة بأقوى سلاح - لولا عطف هذه الآلهة على ~~ربيبها أوليس الحكيم لهلك البطل في رحلته الشاقة ولما استطاع أن يعود ~~إلى وطنه وإلى زوجته الحبيبة الوفية بينيلوب وإلى ابنه العزيز تليماك ~~بعدما لاقى من أهوال يفصل الحديث عنها هوميروس في ملحمته الخالدة، ~~وكلما اشتدت بأوليس المحن تذكر وطنه وأهله فاشتد عزمه وتفتقت حيله حتى ~~كتب له الخلاص في النهاية، وعاد في الوقت المناسب لينقذ وطنه وملكه ~~وزوجته من الطامعين والمتربصين الأشرار، ولا نرى خاتمة لهذا الحديث ~~الموجز السريع خيرا من أن نثبت جزءا من تغني أوليس بوطنه حيث يقول ~~«بلدي إيثاكا الشهيرة التي تنظر إليها الشمس وقت الغروب، فيها ترف ~~الأوراق الكثيفة على سطح جبل النيريت عند الظهيرة، وأما الفجر فينثر ~~حولها عددا وفيرا من الجزر الخصبة الخضراء. بلدي تقع على مقربة من ~~أرض اليونان جزيرة تقطعها الصخور ولكنها موطن فتية بواسل. لا، ليس في ~~الأرض مكان أحب إلى قلبي منها - عبثا حاولت كالبسو أن تستهويني ~~بكهفها لتخصني بشرف الزواج منها، عبثا حاولت سيرسيه العالمة بكل ما ~~يعرف السحر من حيل أن تعرض علي العرض نفسه فتحتفظ بي موثقا بحبائل ~~الزواج. لقد تبدلت جهودهن هباء فعجزن عن إمالة قلبي؛ وذلك لأن أرض ~~الوطن وما تقل من أهل وهبونا الحياة واتصلت قلوبنا بقلوبهم؛ قد أوحت ~~إلي بحب رقيق لا يستطيع كل ما في الأرض من مجد وخيرات أن يصرفني ~~عنه.» # وبعد فأرجو أن يكون في هذا الحديث الموجز ما يغري بقراءة هذه الملحمة ~~الرائعة وزميلتها الإلياذة أكبر مصدرين للأدب العالمي كله. # محمد مندور # | جولة سريعة في ربوع الإلياذة # إيضاحات لا بد منها # قبل أن نبدأ مطالعتنا معا لهذه الملحمة الخالدة، أحب أن أنبهك ~~إلى عدة أمور قد تثير حيرتك إذا لم تعرفها سلفا: ~~(1) # من هذه الأمور أنك ستصادف في «الإلياذة» أسلوبا يختلف ~~عن الأسلوب الذي ألفته في سائر الأعمال الأدبية ms016 الأخرى، ~~ستصادف أسلوبا فيه الكثير من التكرار، والتعبيرات ~~الشاذة، والتفكير البدائي الساذج الذي يتناسب وعقلية عصر ~~هوميروس، العقلية التي تخلط الحقائق بالخرافات، والواقع ~~بالخيال، فتصور الآلهة في صورة البشر، وتزوج هؤلاء من ~~أولئك، وأولئك من هؤلاء، وتنجب لأبطال الملحمة أطفالا ~~بشريين، وآخرين سماويين! ومن أمثلة التعبيرات الغريبة التي ~~ستقرؤها في الإلياذة، والتي تكاد تتكرر في كل صفحة من ~~صفحاتها، هذه العبارة: «أخيل» السريع القدمين، «أبولو» ~~الذي يضرب من بعيد، «الآخيون» (أي الإغريق) المدرعون ~~جيدا، الربة «هيرا» البيضاء الذراعين، الآخيون ذوو الحلل ~~البرونزية ... إلخ. ~~(2) # ومن الإيضاحات التي أحب أن أنبهك إليها أن الترجمة ~~الإنجليزية للإلياذة أطلقت على كل فصل من فصولها لفظ ~~«كتاب»، فقالت: «الكتاب الأول»، «الكتاب الثاني» ... إلخ. ~~أما الطبعة الفرنسية فقد أطلقت على كل فصل لفظ «أنشودة»، ~~فقالت: «الأنشودة الأولى»، «الأنشودة الثانية» ... ~~وهكذا. # وقد آثرت استعمال التعبير الفرنسي؛ لأن هوميروس حين نظم ~~هذه الملحمة الشعرية منذ ثلاثة آلاف سنة لم ينشرها بالطبع ~~على هيئة كتاب، وإنما راح يتغنى بها و«ينشدها» بمصاحبة ~~القيثارة وهو يتجول في أنحاء اليونان؛ ومن ثم فتعبير ~~«أنشودة» هو التعبير الأدق والأصدق في هذا ~~المجال. ~~(3) # وثمة فارق آخر بين الترجمات اليونانية والفرنسية ~~والإنجليزية، هو أن الترجمة الفرنسية أغفلت أن تضع في ~~بداية كل فصل ذلك التمهيد القصير الذي درجت الكتب القديمة ~~على وضعه، والذي يلخص للقارئ أهم الأحداث التي سيقرأ عنها ~~في الفصل التالي. أما الطبعة الإنجليزية فقد حرصت على هذا ~~التقليد. وقد رأيت أن أضيف إلى الترجمة العربية هذه ~~الديباجة التقليدية. ~~(4) # ومن ناحية أخرى فقد حرصت الطبعة الفرنسية على تقسيم كل ~~فصل إلى موضوعات، يبدأ كل موضوع منها بعنوان، بينما أغفلت ~~الطبعات الأخرى هذه العناوين والتقسيمات. وقد آثرت أن ~~أقتبس من الطبعة الفرنسية هذا التبويب وتلك العنوانات التي ~~تيسر عليك مطالعة فصول الملحمة الطويلة. ~~(5) # والملاحظة الأخيرة، أن الطبعات الثلاث جاءت كلها خلوا ~~من أي رسم لأحداث الملحمة، أو صورة مأخوذة عن لوحة زيتية ~~أو تمثال لإحدى شخصياتها، وأنا أومن بالارتباط ~~و«التعايش» بين الفنون جميعها. أومن ms017 مثلا بأن الرسم ~~الجميل أو صورة التمثال المنحوت تضفي على النثر أو الشعر ~~الذي تتخلله جمالا فنيا جديدا، فوق جماله اللغوي ~~أو جرسه الموسيقي؛ ومن ثم حرصت على تزيين هذه الطبعة ~~بأفضل ما استطعت الحصول عليه - من كافة المصادر - من ~~لوحات ورسوم، مستوحاة من حوادث الإلياذة. # تعال نعش مع هؤلاء الأبطال # تصور الإغريق آلهتهم في صورة ~~بشر مثلهم، بعكس المصريين القدماء الذين اتخذوا لأنفسهم ~~آلهة على صورة الحيوانات! # والآن، تعال معي نهجر عالم الذرة والحروب الهيدروجينية، ونغوص ~~في أعماق الماضي إلى ما قبل ثلاثة آلاف سنة، لنعيش في ظل حرب ~~طروادة المشهورة (وكأن الإنسانية ما زالت - بعد واحد وثلاثين قرنا ~~من نشوب تلك الحرب القديمة # 1 ~~- ما زالت حيث كانت منذ الأزل، لا تؤمن إلا بشريعة ~~الهمجية ووحوش الغاب). # وهناك، على جانبي أسوار تلك المدينة الحصينة، سوف نلتقي بهؤلاء ~~الأبطال الذين لست أشك في أنك تتوق منذ بعيد إلى التعرف عليهم، ~~في موطنهم، وهم: «هيلينا» حسناء طروادة، والأمير الجميل «باريس» ~~الذي اختطفها من زوجها ملك «أسبرطة»، و«أجاممنون» شقيق الملك وقائد ~~جيشه، و«أخيل» أبرز أبطال هذا الجيش، و«هكتور» أشجع محاربي طروادة، ~~والحصان الخشبي المشهور الذي أنهى الحصار الخالد لتلك المدينة ~~الحصينة ... إلخ. # ملحمة الحب والحرب # ولكي تتذوق قصة «الإلياذة» الخالدة، كما أحب لك أن تتذوقها، ~~ينبغي أن أمهد لك أولا الطريق الوعر إلى أغوار هذه الملحمة ~~الإغريقية الشعرية التي تتغنى بها الإنسانية منذ أجيال، والتي ~~ترنم بها اليونان كما ترنم اليهود بمزامير داود! وكادوا يقدسونها ~~كما قدس هؤلاء «التوراة»، فلقنوها لصغارهم، وحفظها كبارهم عن ظهر ~~قلب. # والواقع أن هذه «الأعجوبة» التي ترجع إلى ثلاثين قرنا، ما تزال ~~تحتفظ بكل روعتها وجدتها، بل وخلودها الذي هو خلود الفن الصادق ~~الأصيل، وهي تبهر الأذهان بمثل السناء والتألق اللذين بهرت بهما ~~الأسماع لأول مرة يوم تغنى بها المنشدون في مآدب أمراء أثينا ~~الأقدمين. # ولنقرأ وصف «أفلاطون» للأثر الذي كان يحدثه ترنيمها في المآدب ~~والمحافل يومئذ: «كان المنشدون حين يتغنون بها يهتزون نشوة، ~~وتجيش نفسهم ms018 طربا، لمجرد سماعهم صدى موسيقى الأبيات التي ~~يرددونها!» # تتداولها «الذاكرة» خمسة قرون! # وقد ظلت «الإلياذة» غير مكتوبة أو مسجلة إلا في «ذاكرة» أولئك ~~المنشدين نحوا من خمسة قرون، أو على وجه التحديد منذ نظمها الشاعر ~~الضرير «هوميروس» في القرن العاشر قبل الميلاد، حتى سجلتها البعثة ~~التي ألفها «بيزيستراتوس»، في القرن الخامس قبل الميلاد، خصوصا ~~لهذا الغرض، وقد تقصت أبياتها من مختلف حفاظها ومنشديها ~~وحققتها تحقيقا دقيقا ثم سجلتها في صورتها الرسمية الراهنة التي ~~يعرفها بها العالم الحديث، وأنشدتها على الملأ في احتفال وطني ~~كبير. # حياة مؤلفها، أسطورة! # رسم يمثل حصان طروادة المشهور، ~~الذي يعتبر أعظم خدعة في تاريخ الحروب، وأقدم أمثلة ~~«الطابور الخامس»، كما سترى. # الربة أثينا في كامل هيبتها ~~وعدتها. # وإلى ما قبل القرن الثامن عشر كان المجمع عليه أن ناظم ~~«الإلياذة» منشد ضرير من شعراء الإغريق يدعى هوميروس، عاش في فترة ~~اختلف المؤرخون في تحديدها فتأرجحت رواياتهم بصدد ذلك بين عام 1200 ~~وعام 850 قبل الميلاد، وكما اختلفوا بشأن تحديد العصر الذي عاش فيه ~~هوميروس اختلفوا بشأن تحديد موطنه ومسقط رأسه، فقال البعض إنه ~~مدينة من مدن آسيا الصغرى، وقال آخرون إنه جزيرة من جزر بحر إيجه! ~~وقد بلغ من تنافس مختلف المدن والجزر على الاستئثار بفخر إنجاب ~~«هوميروس» أن سبعا منها تنازعت فيما بينها هذا الشرف! وما يزال ~~اللغز قائما بغير حل إلى اليوم. # ولكن في ختام القرن الثامن عشر نادى بعض الباحثين بنظرية جديدة ~~مؤداها أن هوميروس ليس سوى «أسطورة لم يكن لها في الحقيقة وجود! ... ~~أو - إن كان لها وجود - لم تكن لها غير أهمية ضئيلة تافهة، وينسب ~~أصحاب هذه النظرية ملحمة الإلياذة، لا إلى هوميروس، وإنما إلى ~~مجموعة من الشعراء المجهولين الذين كانوا ينظمون القصائد الحماسية ~~للعامة أثناء حصار اليونانيين لمدينة «طروادة» خلال الحرب القديمة ~~المشهورة بهذا الاسم. # على أن أكثر الباحثين المحدثين ينبذون هذه النظرية، جازمين بأن ~~الإلياذة من خلق ذهن واحد، استنادا إلى الوحدة الملحوظة في بنائها ~~الفني، وطابعها، وسياقها! # والخلاصة، أنه ms019 برغم أن اسم «هوميروس» بات من أشهر الأسماء في ~~تاريخ الآداب العالمية قاطبة، فإن العالم لا يكاد يعرف عنه حتى ~~اليوم سوى النزر اليسير، بل لا يكاد يقطع بما إذا كان رجلا واحدا ~~أم مجموعة من الرجال! كل ما نخرج به من الروايات التقليدية ~~المتداولة عنه - والتي تفتقر إلى دليل أكيد - أنه كان شاعرا ~~ضريرا، فقيرا، مسنا، يجول من بلد إلى بلد منشدا أشعاره كلما ~~وجد مستمعا يدفع الثمن! # أبطالها خليط من الآلهة والبشر! # ومهما يكن من شيء، فالمتفق عليه أن «الإلياذة» كانت، وما تزال - ~~وستظل أبد الدهر - صرحا ضخما من صروح الأدب الإنساني، ومرجعا ~~فريدا من مراجع المعرفة، وأساسا راسخا من أسس الأخلاق، وديوانا ~~خالدا من دواوين الحماسة والبطولة، كان له على التربية، والأدب، ~~والثقافة - الإغريقية والعالمية - أبلغ الآثار وأعظمها على مر ~~الأجيال. # و«الإلياذة» مدينة بخلودها ~~إلى قوة موضوعها، و«حرارة» أبياتها، وسلاسة أسلوبها البسيط الوقور ~~الرائع! وأخيرا إلى تصويرها الناطق الحي لنفسيات الإغريق - رجالا ~~ونساء - في ذلك العصر من عصورهم الحافل بصور بطولتهم النادرة في ~~الحرب، وفي الحب! # وتتألف «الإلياذة» من خمسة عشر ألفا وخمسمائة من أبيات الشعر، ~~وهي تصور حوادث واحد وخمسين يوما من أيام السنة العاشرة والأخيرة ~~من حصار الإغريق لطروادة؛ ومن ثم فأنت لكي تقرأها وتستمتع بها على ~~الوجه الأكمل، لا بد أن تعرف أولا قصة حرب طروادة، والغرام العارم ~~الذي كان السبب المباشر لاشتعالها، والأبطال الذين اكتووا بنارها، ~~سواء من بشر، أو الآلهة! # ذلك أن أبطال الإلياذة خليط من البشر والآلهة، فمن أبطالها ~~البشريين: باريس وهكتور، ابنا ملك طروادة، وعدوهما مينيلاوس ملك ~~أسبرطة، وشقيقه أجاممنون قائد جيشه، أما أبطال الملحمة من الآلهة ~~فمنهم: «زوس» كبير الآلهة، ويطلق عليه الرومان جوبيتر؛ وابنته ~~«أثينا» إلهة الفكر، ويطلق عليها الرومان «منيرفا»؛ ثم أخيل - أو ~~«أشيل» - أبرز أبطال جيش أجاممنون؛ وهيلينا، زوجة ملك أسبرطة ~~الفاتنة، التي نشبت بسببها الحرب مع طروادة ... إلخ. # فدعني أقص عليك طرفا من أساطير هؤلاء الأبطال، ومغامراتهم ~~الشائقة في الحب والحرب، قبل أن أقدمهم إليك ms020 في قصتهم الكبرى ~~«الإلياذة»، كي يتهيأ لك الجو المناسب لفهم هذه الملحمة على أكمل ~~وجه. # يغار من ابنه! # كانت لإله البحر «بوسايدون» حورية تدعى «ثيتيس»، وقعت عليها عين ~~«زوس» كبير الآلهة، فأحبته، لكنه علم من «الأقدار» أن الحورية سوف ~~تلد ابنا يصير أعظم من أبيه، فأبى أن يكون هو ذلك الأب! ومن ثم ~~قرر ألا يضيفها إلى قائمة عشيقاته العديدات، بل يزوجها إلى ملك ~~بلد مجاور، ولكي يضفي على الزواج رونقا وبهاء، رأى أن يحضر بنفسه ~~حفلة العرس، مصحوبا بزوجته «هيرا» إلهة الزواج، وغيرهما من آلهة ~~جبل الأوليمب. # التفاحة دائما! # غضب الإله «أبولو» على الإغريق ~~بسبب أسر قائدهم «أجاممنون» للحسناء «كرايسيس»، وهذه لوحة ~~للفنانة «هنرييتا راي» تمثل أبولو يستعطف محبوبته ~~«دافني»! # وكان إله البحر - والد العروس - قد تعمد أن يغفل دعوة إلهة ~~«الشقاق» الكريهة إلى عرس ابنته، لكن اللعينة ذهبت إلى ذلك الحفل ~~متطفلة، وهناك ألقت وسط المدعوين الصاخبين «تفاحة» كتبت عليها هذا ~~الإهداء الماكر: إلى «أجمل الحاضرات»! فتنازعت عليها ثلاث منهن: ~~«هيرا» إلهة الزواج، وابنتها «أثينا» إلهة الفكر، ثم «أفروديت» ~~إلهة الحب، كل تزعم أنها أحق بها من سواها! وتشيع لكل ربة من ~~الثلاث فريق من أنصارها والمعجبين بها، حتى كاد العرس يتحول إلى ~~ميدان قتال! لولا أن استقر رأي الحاضرين على أن يحتكموا في النزاع ~~إلى راع وسيم الطلعة يدعى «باريس»، يرعى قطيع ماشيته على سفح جبل ~~«أيدا» القريب. # معشوق النساء! # ورغم أن الراعي الشاب «باريس» كان يكسب عيشه من هذه الحرفة ~~المتواضعة، فإنه كان سليل ملكين من أعظم ملوك ذلك الزمان: هما ~~«بريام» ملك طروادة، و«هيكوبا» ملكتها! وكان عراف قد تنبأ له في ~~طفولته بأنه سوف يجلب الخراب والكوارث على وطنه، فآثر والداه أن ~~يضحيا به في سبيل طروادة، فتركاه على سفح تل ليموت، لكن الأقدار ~~هيأت له راعيا فقيرا عثر عليه فأنقذه، وتبناه! وشب «باريس» فاتن ~~الطلعة رائع الجمال، إلى حد أوقع جميع الحوريات والراعيات في هواه، ~~أما هو فوقع في هوى حورية تدعى «أوينون »، وعاش ms021 الاثنان في سفوح جبل ~~«أيدا» حياة مترعة بالسعادة. # الفتنة تسعى إليه! # تمثال لإله البحر «بوسايدون»، ~~والد الحورية «ثيتيس» - والدة «أخيل» - وهو من نحت الفنان ~~«آدم»، ومعروض بمتحف «اللوفر» بباريس. # وذات يوم، جاءته الربات ~~الثلاث المتنازعات على التفاحة: أفروديت، وهيرا، وأثينا، فألقين ~~بالتفاحة الذهبية بين يديه، وسألته أن يحكم بينهن بالعدل، فيمنحها ~~لمن يراها أحقهن بها! # ثم شرعت كل واحدة تحاول أن ترشوه - بغير استحياء - كي ينحاز إلى ~~صفها، فوعدته «هيرا» بالسلطان والثراء، ومنته «أثينا» بالشهرة ~~والمجد الحربي، أما «أفروديت» فقد عرضت أن تزوجه من أجمل نساء ~~الأرض! # وراقت له الأمنية الأخيرة أكثر من سابقتيها، فمنح تفاحة «الجمال» ~~الذهبية لإلهة الحب! # ولم تمض أيام حتى هجر «باريس» زوجته، وماشيته، وأبحر في ركاب ~~أفروديت، إلى شواطئ اليونان. # أجمل نساء الأرض! # في تلك الأيام كان لملك «أسبرطة» زوجة تدعى «ليدا» راقت في ~~عيني كبير الآلهة «زوس» فأنجبت منه طفلا وطفلة من الآلهة، بعد أن ~~أنجبت من زوجها طفلا وطفلة من البشر، فلما كبر الأربعة زوجت ~~الابنة «البشرية» من «أجاممنون» ملك «مسينا» فجلبت عليه الكوارث - ~~كما سنرى - أما الطفلة «الإلهية» - وكانت تدعى «هيلينا» - فقد ~~خطبها شقيقه «مينيلاوس» فظفر بها وصار وريثا لعرش أسبرطة في آن ~~واحد! # الراعي الوسيم «باريس» وقد ~~احتكمت إليه الربات الثلاث: «هيرا» و«أفروديت» و«أثينا» ~~حين تنازعن على تفاحة الجمال! # وكان ملك أسبرطة الشيخ قد ~~أدرك بفطنته أن زوج هيلينا - التي كانت تعتبر أجمل نساء الأرض ~~قاطبة - لا بد أن يتعرض بسبب جمالها لكثير من الأخطار والأحقاد؛ ~~فاقترح على جميع خاطبي ود هيلينا - قبل أن يزوجها من أحدهم - أن ~~يقسم كل منهم قسما لا حنث فيه على أن يرضخ لحكمه فلا يحاول ~~التعرض لها فيما لو صارت من نصيب سواه، بل وأن يخف لمساعدة ~~الزوج الذي يظفر بها على استردادها، فيما لو خطفها عاشق ~~حسود! # وسنرى أن ذلك القسم كان السبب في نشوب حرب طروادة! # أفروديت تفي بوعدها! # وتم زواج هيلينا من «مينيلاوس»، الذي صار الآن ملكا لأسبرطة، ~~وعاش الزوجان أعواما سعيدين، ms022 وذات يوم نزل ضيفا عليهما في قصرهما ~~أمير شاب من أمراء طروادة، ولم يكن الأمير سوى الراعي الوسيم ~~«باريس» الذي منح أفروديت تفاحة «الجمال» الذهبية فوعدته بأن تمنحه ~~بدورها أجمل نساء الأرض. وتنفيذا لوعدها نصحته بأن يعود إلى قصر ~~أبيه ملك طروادة فيعرفه بنفسه ويحصل منه على السفن اللازمة كي يقوم ~~برحلة إلى بلاد اليونان حيث تقيم هيلينا «أجمل نساء الأرض»! فقد ~~كان من سوء المصادفة أن الفاتنة التي وعدته بها أفروديت كانت زوجة ~~لسواه! لكن عقبة «تافهة» كهذه ما كانت تعوق إلهة عن الوفاء بوعد ~~قطعته على نفسها! وهكذا، بتأثير تحريض ربة الحب والجمال، انتهز ~~الشاب «باريس» فرصة غياب مضيفه «مينيلاوس» عن القصر، فاختطف زوجته ~~«هيلينا» وفر بها إلى طروادة! # رأس تمثال «أفروديت» ربة الحب ~~والجمال، الذي يزين متحف «الكابيتول» بمدينة روما. # وكانت خيانة وضيعة من جانب الضيف، فإن مضيفه كان قد استقبله بكل ~~مظاهر الترحيب اللائق بالأمير الشاب، وأكرم وفادته كأعظم ما يكون ~~الإكرام! فلما عاد من غيبته فوقف على نبأ فرار زوجته مع ~~ضيفهما، بادر فأرسل رسله على عجل إلى جميع طالبي يد «هيلينا» ~~السابقين، مذكرا إياهم بقسمهم القديم على نجدته في مثل هذا الظرف ~~بالذات! # وهرع الجميع من فورهم إليه، ودعي رؤساء العشائر لإبداء رأيهم ~~في الموقف الحربي الذي قد يتطور إليه النزاع، فوقع اختيار ~~المجتمعين على «أجاممنون» - زوج شقيقة هيلينا، وشقيق زوجها - كي ~~يكون قائدا لهم في عراكهم المقبل، وبفضل دهاء أحد الحاضرين - وهو ~~«أوديسيوس» ملك أحد الأقاليم المجاورة - ضم إلى صفوفهم البطل ~~الصنديد «أخيل» ابن الحورية «ثيتيس» (التي حضرنا زفافها في بداية ~~القصة) وهو الذي كانت الأقدار قد تنبأت له بأنه سوف يصير أعظم من ~~أبيه! ~~«أخيل» ونبوءة الآلهة # ويقترن اسم «أخيل» في أدب القدماء - الإغريق والرومان - بأكثر من ~~أسطورة، ويتوج بأكثر من هالة من هالات المجد، حتى ليعتبر من أعظم ~~أبطال القصص الخيالية وأحبهم إلى الأذهان. # وتقول تلك الأساطير إن «الأقدار» حين حضرت زفاف أبويه، تنبأت ~~لهما بأن ابنهما الذي سيرزقان به يحارب ms023 مملكة طروادة فيتساقط ~~أبناؤها تحت ضربات سلاحه الفاتك البتار، كما تتساقط سنابل الحنطة ~~تحت ضربات منجل الحصاد! وأن حصون المدينة سوف تتداعى أخيرا أمام ~~هجماته، فيدخلها دخول الفاتحين، لكنه سيفقد حياته آخر الأمر عند ~~أسوارها! # ورسخت هذه النبوءة المفجعة في ذهن الحورية العروس «ثيتيس»، فلما ~~رزقت بابنها «أخيل» جعلت همها الأوحد أن تحميه بكل وسيلة من عدوان ~~الأقدار، وتكفل له الخلود على قيد الحياة، فلما شب عن الطوق حملته ~~إلى نهر «ستيكس» المقدس، الذي يكسب ماؤه كل جسم يبلله مناعة ~~أبدية ضد الموت! وهناك أمسكت بالصبي من عقب - كعب - قدمه وألقت به ~~تحت الماء، فاكتسب جسمه تلك المناعة ضد جميع قوى الفناء، ولم يبق ~~للموت منفذ إليه إلا عن طريق عقب قدمه الذي لم يبلله ماء ~~النهر! # امرأة تعاند الأقدار! # وحين ترعرع الغلام تولى أحد العمالقة تدريبه على القتال وصار ~~يغذيه بنخاع أقوى الأسود المفترسة! لكن ذلك كله لم يطامن من مخاوف ~~الأم، التي ما فتئ يقض مضجعها القلق على ابنها الحبيب من مخاطر حرب ~~طروادة العتيدة أن تنشب يوما فتقضي على حياته! وبتأثير هذا القلق ~~ألبسته أمه ثياب النساء وألحقته بسلك «وصيفات» البلاط الملكي! لكن ~~تنكره هذا لم يخف على عين الملك الماكر «أوديسيوس» فتنكر بدوره في ~~زي بائع متجول وذهب يعرض على وصيفات القصر بضاعته من الأساور ~~والأقراط، بعد أن دس بينها سيفا وخنجرا، فلم يكد بصر الشاب ~~المتنكر «أخيل» يقع على الأسلحة حتى بدرت منه حركة نمت عن خبرته ~~بفنون القتال! وهكذا انكشف أمره، فأخذه أوديسيوس معه ليشترك في ~~مقاتلة أهل طروادة بغية استرداد ملكة أسبرطة - «هيلينا» - من ~~أسرهم، والاقتصاص لها من آسريها! # العذراء التي افتدت وطنها! # خريطة توضح مكان مدينة ~~«طروادة» القديمة - في آسيا الصغرى - التي يفصلها «بحر ~~إيجه» عن شواطئ عدوتها اللدودة بلاد اليونان. وترى في ~~الخريطة مواقع: جبل الأوليمب - أو «أوليمبوس» - مقر الآلهة ~~عند الإغريق، ثم مدينة «أسبرطة» المشهورة ببسالة نسائها ~~ورجالها على السواء، ومدينة أثينا (عاصمة اليونان الآن)، ~~ثم مدينة «طيبة» - الإغريقية لا ms024 المصرية - وأخيرا جزيرة ~~رودس، حيث كان يوجد تمثال ضخم للإله «أبولو» هدمه زلزال ~~مروع، وقد كان التمثال يعتبر من «عجائب الدنيا السبع» ~~القديمة. # وهكذا التأم شمل جيش الإغريق، بقيادة «أجاممنون»، وأخذ أهبته ~~للإبحار إلى شاطئ آسيا الصغرى - حيث تقع طروادة - لمهاجمتها وكسر ~~شوكتها، ولكن في هذه اللحظة الأخيرة هبت رياح مضادة عاقت تحرك ~~السفن التي تحمل الجيش المهاجم، واستمر هبوب تلك الرياح أياما ~~طويلة، بحيث لجأ القوم آخر الأمر إلى استشارة عراف في صدد ما ينبغي ~~فعله لإرضاء الآلهة التي تصب عليهم جام غضبها على هذا النحو! فأفتى ~~العراف بأن لا سبيل إلى إرضاء الآلهة غير التضحية بابنة «أجاممنون» ~~الكبرى على مذابح الفداء لوطنها! ولم يكن بد من الرضوخ لحكم ~~الأقدار، فأرسل الأب التعس إلى زوجته يطلب حضورها وبصحبتها ابنتهما ~~الكبرى، دون أن يصارحها بالسبب! # وحضرت الاثنتان، وكانت الابنة مخطوبة للبطل الشاب «أخيل» فلما ~~علم بفتوى العراف حاول عبثا إنقاذ خطيبته من مصيرها المفجع، لكن ~~القوم هاجوا عليه، وفي مقدمتهم أخلص أنصاره، واتهموه بخيانة وطنه! ~~وكادت تنشب في صفوفهم فتنة عمياء، لولا أن حسمت الفتاة الموقف، ~~هاتفة بأمها - والتعبير هنا للشاعر اليوناني «يوريبيدس» في مسرحيته ~~الخالدة التي استوحاها من الأسطورة: «أماه، لقد أمعنت الفكر في ~~الأمر، أصغي إلي: إني سأختار الموت، وسأختاره راضية، فلقد محوت ~~الخوف من قلبي محوا، إن الآلهة تطلب حياتي، فهل أملك لطلبها ~~رفضا؟ إذن فلتكن حياتي فداء لوطني، ولتنطلقوا لغزو ~~طروادة!» # ثم تمضي العذراء إلى حتفها! # ويتغير اتجاه الريح، فتنطلق «الألف سفينة» التي تحمل جيش ~~الإغريق نحو غايتها، تمخر عباب بحر قاتم، أكسبت الظلمة ماءه لون ~~النبيذ! # وبذلك تبدأ حرب طروادة المشهورة! # والآن، وقد هيأت لك بهذه المقدمة - فيما أرجو - الجو المناسب ~~لمطالعة «الإلياذة»، فلننتقل معا إلى حيث نطالع النص الكامل لهذه ~~الملحمة الأدبية الخالدة، التي تبدأ وقد انقضت تسع سنوات على ~~محاصرة الإغريق لطروادة، دون أن يستطيعوا اقتحام أسوارها! # | شخصيات الملحمة # (1) من الإغريق # أو «الآخيين» أو «الأرجوسيين» أو «الدانيين» # أترايديس أو «ابن أتريوس»: # اسم العائلة ms025 أطلقه هوميروس على كل من أجاممنون ~~ومينيلاوس. # كان أتريوس # Atreus # ابن بيلوس وهيبوداميا وحفيد تانتالوس. قتل أخاه غير ~~الشقيق خروسيبوس # Chrysippus # بمساعدة شقيقه ثويسيتيس # Thyestes ~~. ولكي يتحاشى ~~هذان الأخوان غضب والدهما، هربا إلى زوج أختهما ~~سثينيلوس # Sthenelus # ملك موكيناي الذي أعطاهما ميديا ليقيما فيها. ظل ~~أتريوس ملكا على موكيناي التي أعطاه إياها يوروسثيوس، ~~وبقي محتفظا بها بفضل امتلاكه حملا ذهبيا أخذه ~~من هرميس لغرض إثارة الشقاق في بيت بيلوبس والانتقام ~~لموت ابنه مورتيلوس # Myrtilus # بيد أن ثويستيس ارتكب الفحشاء ~~مع أيروبي # Aerope # زوجة أخيه وابنة ملك كريت، وبمساعدتها حصل على الحمل ~~الذهبي وعرش المملكة. # أجاممنون # Agamemnon ~~: # الأتريدي، أي ابن أتريوس، وشقيق مينيلاوس. وإذ طرد ~~ثويستيس هذين الأميرين الشابين من موكيناي بعد مقتل ~~أتريوس، فرا إلى أسبرطة حيث زوجهما الملك ~~توانداريوس # Tyndareus # بابنتيه، كلوتايمنسترا زوجة لأجاممنون، وهيلينا ~~لمينيلاوس، وبينما ورث هذا الأخير مملكة حمية، لم يطرد ~~أجاممنون عمه من موكيناي فحسب، بل ووسع ممتلكاته حتى ~~إنه في الحرب ضد طروادة لاستعادة هيلينا، عهد إليه ~~بالقيادة العامة كأقوى ملك في بلاد الإغريق طرا. قدم ~~مائة سفينة مزودة بالمحاربين، علاوة على ستين سفينة ~~أعارها للأركاديين. وهو في هوميروس، واحد من أشجع ~~المقاتلين أمام طروادة. ومع ذلك فلم يسمح لخروسيس # Chryses ~~، كاهن أبولو، بأن ~~يفتدي ابنته بريسايس التي كانت من نصيب أجاممنون ~~كجائزة حرب، فيجلب وباء على الجيش الإغريقي، الذي كاد ~~أن يدمره بعد ذلك بأخذه بريسايس جائزة أخيل الذي جلس، ~~منذ ذلك، في خيامه غاضبا، ورفض أن يقاتل. وبعد سقوط ~~طروادة عاد أجاممنون إلى وطنه بأسيرته الأميرة ~~كاساندرا # Cassandra # غير أن أيجيسثيوس، عاشق زوجته يقتله عند العشاء، هو ~~ورفقاءه، بينما قتلت الملكة ابنتها كاساندرا. # أخيل # Achilles ~~: # ابن بيليوس Peleus # ملك المورميدون # Myrmidons # بفثيا التسالية # Tessalian Phathia # من الحورية ثيتيس # Thetis # وحفيد أياكوس # Aeacus ~~، ابن حفيد زوس. وتبعا لهوميروس ~~ربته والدته حتى بلغ مبالغ الرجال، وكان صديقا حميما ~~لابن عمه الأكبر باتروكلوس Patroclus ~~، ابن مينويتيوس # Menoetius # الأخ غير ~~الشقيق لأياكوس. تعلم أخيل فنون الحرب ms026 والفصاحة على يد ~~فوينيكس Phoenix ~~، كما ~~تعلم فن العلاج على يد القنطور خيرون # Chiron # جد أمه. بيد أن ~~الأساطير اللاحقة لهذه تضيف أشياء أخرى لقصة شبابه. ~~ولكي تجعله أمه خالدا كانت تدهنه بالأمبروسيا نهارا ~~وتضعه فوق النار ليلا لتتلف أي عنصر بشري ورثه عن ~~أبيه. حتى إذا كان ذات ليلة جاء بيليوس فوجد ابنه يشوى ~~فوق النار فأقام الدنيا وأقعدها. فغضبت الربة لإحباط ~~خطتها، فهجرت الزوج والابن وعادت إلى بيتها مع ~~النيريديات # Nereïds ~~. # أوديسيوس، أو «عولس» أو «أوليس» أو «أولوسيس»: # ويسميه الرومان أوليكسيس # Ulixes ~~، ابن لايرتيس ملك إيثاكا ~~وأنتيكليا. تزوج بينيلوبي وأنجب منها ابنا اسمه ~~تيليماخوس. كان أوديسيوس أشهر أبطال الإغريق إذ فاقهم ~~في الصيت وبعد الشهرة. # وقد قتل في شبابه خنزيرا أثناء الصيد الذي اشترك ~~فيه عند زيارة جديه في بارناسوس فجرحه الخنزير في ~~ركبته أثناء صراعه معه فترك أثرا في جسمه. # انضم أوديسيوس إلى جماعة خطاب هيلينا الذين وافقوا ~~جميعا على فكرة أوديسيوس بأن يتركوا لهيلينا حرية ~~اختيار زوجها وأن يحموها في المستقبل وقت الحاجة. لم ~~يكن أوديسيوس موفقا من بين المتقدمين للزواج منها ~~ولكنه عزى نفسه بزواجه السابق من بنيلوبي اللبيبة ~~الغنية. كان سعيدا وملكا قادرا شهيرا معروفا ~~بكرمه واحترامه للآلهة وخاصة زوس وأثينا. # أيدومينيوس # Idomeneus ~~: # ابن ديوكاليون الكريتي، وحفيد مينوس. وإذ كان من ~~عشاق هيلينا ذهب هو ومريونيس ابن أخيه غير الشقيق، ~~ومعهما ثمانون سفينة إلى طروادة حيث يصوره هوميروس، من ~~أشجع الأبطال، وممن عادوا إلى وطنهم بسلام. وتبعا ~~لرواية أخرى، أطبقت عليه عاصفة وهو في طريقه إلى ~~الوطن، فنذر إلى بوسايدون أنه، إذا رجع سالما فإنه ~~سيذبح له أول ما يقابله عند نزوله إلى البر. فذهب ابنه ~~لملاقاته، وعلى ذلك ذبحه، فاجتاح البلاد طاعون، فنفاه ~~الكريتيون، فذهب إلى كالابريا. ثم انسحب فيما بعد إلى ~~قولوفون بآسيا حيث يقال إنه دفن. ومع ذلك فقد عرف ~~الكريتيون مكان قبره في كنوسوس # Cnossus ~~، حيث عبد كبطل. # مينيلاوس # Menelaus ~~: # ابن أثريوس، وشقيق أجاممنون، وعندما قتل ثويستيس ~~أتريوس، هرب الشابان ms027 إلى تونداريوس في أسبرطة الذي زوج ~~ابنته كلوتا يمنيسترا إلى أجاممنون، كما أنه انتخب ~~مينيلاوس لهيلينا من بين المتقدمين للزواج منها بعد أن ~~قبل المتنافسون على الزواج منها تعضيد من يقع عليه ~~الاختيار. وأنجب مينيلاوس هيرميوني # Hermione # من هيلينا. # هيلينا # Helena ~~: # ابنة زوس وليدا ذات جمال الربات، وزوجة تونداريوس # Tyndareos # ملك أسبرطة ~~وشقيقة الديوسكوري # Dioscuri # وكلوتمنسترا # Clytaemnestra ~~. طلب ~~يدها كثير من العشاق، وأخيرا تزوجها مينيلاوس الذي ~~ولدت له طفلة واحدة هي هيرميوني. وفي أثناء غياب ~~زوجها خطفها باريس Paris # ابن برياموس، إلى طروادة، وأخذت ~~معها كثيرا من الكنزوز. كانت هذه نشأة الحرب ~~الطروادية، ورغم المصائب التي جرتها على الطرواديين، ~~فإنهم أحبوها لجمالها ورفضوا إعادتها إلى زوجها. ومع ~~ذلك فقد بكت لطيش شبابها، وتاقت إلى بيتها وزوجها ~~وابنتها. وبعد موت باريس غازلها دايفوبوس # Deiphobus ~~، وساعدت ~~الأغارقة على الاستيلاء على طروادة، وخانت دايفوبوس ~~وسلمته إلى يدي مينيلاوس. وأخيرا عادت مع مينيلاوس ~~إلى أسبرطة بعد تجوال ثماني سنوات، وعاشت معه هناك منذ ~~ذلك الوقت في سعادة ووفاق. ~~(2) من الطرواديين # أندروماخي # Andromache ~~: # ابنة إيتيون # Eetion # ملك طيبة الكيليكية. وهي من أنبل الشخصيات النسائية في ~~هوميروس. تتميز بحظها السيئ وحبها المخلص الرقيق ~~لزوجها هكتور. وعندما استولى أخيل على المدينة التي ~~كانت موطنها، قتل والدها وإخوتها السبعة وإذ استعيدت ~~أمها من الأسر، ماتت بالمرض. وسقط والدها على يد أخيل. ~~وعندما سقطت طروادة، شاهدت ابنها الوحيد أستواناكس # Astyanax ~~(أو ~~سكاماندر # Scamander ~~) ~~يقذف من فوق الأسوار. وقعت، كجائزة حرب، من نصيب ~~نيوبتوليموس ابن أعظم أعدائها، الذي أخذها أولا إلى ~~إبيروس # Epirus # ثم ~~سلمها إلى هيلينوس شقيق هكتور. وبعد موته، عادت إلى ~~آسيا مع بيرجاموس Pergamus ~~، ابنها من نيوبتوليموس، وماتت ~~هناك. # باريس Paris # أو ~~«ألكساندر»: # هو ابن برياموس وهيكوبا من طروادة، ولقد حلمت هيكوبا ~~قبل أن تلده أنها ولدت جذوة نار مشتعلة أضرمت النيران ~~في المدينة كلها. ففسر أيساكوس حلمها بأنها ستضع طفلا ~~يتم على يديه خراب طروادة. فأعطى برياموس الطفل إلى ~~عبد يدعى أجيلاوس كي يقذف به من ms028 فوق جبل أيدا. فأرضعته ~~هناك دبة مدة خمسة أيام حتى عثر عليه راع تبناه ~~ورباه. فلما نما وترعرع أحب الحورية أوينوبي ابنة رب ~~النهر كيبيرنوس # Cibernus # وتزوجها. ولقد تألق نجمه ~~كمدافع يمتاز بالمهارة والشجاعة يحمي الرعاة والماشية ~~من اللصوص، ويعيد ما سرق منها إلى أصحابها، وذات يوم ~~جاء رسل الملك يبحثون عن ثور يقدمونه هدية إلى إحدى ~~المباريات، فوقع اختيارهم على ثور يحبه باريس، ولكن ~~باريس ذهب إلى المدينة واشترك في المباراة وتفوق على ~~جميع المتنافسين ومن بينهم إخوته ففاز بالثور. # اختار زوس باريس ليفض النزاع القائم بين هيرا وأثينا ~~وأفروديت على أيهن أجمل من الأخريين. ولقد أوجدت أريس ~~هذا النزاع لغضبها الشديد عندما تناسين دعوتها لحضور ~~حفلة زفاف بيليوس وثيتيس، فألقت بين الجموع تفاحة ~~الشقاق بعد أن كتبت عليها «إلى أجمل الموجودات.» فقاد ~~هيرميس الربات الثلاث إلى باريس في جبل أيدا حيث حاولت ~~كل منهن أن ترشو باريس، فقدمت هيرا القوة، وقدمت ~~أثينا النصر في القتال، وأما أفروديت فقدمت له أجمل ~~نساء العالم، فحكم لها باريس. وتعرف هذه القصة بحكم ~~باريس. واستمع باريس إلى تعليمات أفروديت فعبر البحر ~~إلى أسبرطة حيث استقبله مينيلاوس وهيلينا أحسن ~~استقبال. واستطاع بهداياه وجاذبيته أن يكسب بسرعة حب ~~هيلينا، فانتهز فرصة غياب مينيلاوس في كريت وأبحر ~~ليلا مع هيلينا يحمل مالا وفيرا. ولما كان لا بد من ~~الانتقام لهذا العمل، فقد اتحد زعماء بلاد الإغريق ~~جميعا وجمعوا أسطولا في أوليس # Aulis # وأبحروا إلى طروادة، وهكذا بدأت ~~الحرب الطروادية. وهنا ظهر باريس في دورين؛ أولهما دور ~~الجبان الذي يسعى إلى الاختفاء في حجرته فيلام على ~~ذلك كثيرا ويحثه هكتور وغيره مرارا على القتال. ~~وثانيهما دور المحارب الصنديد البارع في الرماية ~~بالقوس والنشاب. فحارب وهزمه مينيلاوس، ولكن أفروديت ~~أنقذته. قتل باريس أخيل بأن أصابه بسهم في ~~عقبه. # برياموس Priamus ~~: # كان برياموس بن لاوميدون ملك طروادة العجوز إبان ~~الحرب الطروادية. تهدمت طروادة أول ما تهدمت على يد ~~هرقل وهو صبي فأسر هو وأخته هيسيوني. فقدمت هيسيوني ~~هدية ms029 إلى تيلامون وسمح لها أن تشتري أي سجين تختاره من ~~العبودية، فاشترت بوداركيس الذي سمي فيما بعد برياموس ~~أي المفتدى. # أعاد برياموس بناء طروادة ووسع حدود مملكته ليضم ~~لواء كثيرين كي يصبحوا رعايا له. تزوج أولا أريسبي ~~ابنة ميروبس فأنجب منها أيساكوس. ثم أسرع فأعطى أريسبي ~~لهورتايوس # Hyrtaeus # وتزوج هيكوبا فأنجبت أولا هكتور، ثم حلمت قبل أن تلد ~~ابنها الثاني باريس أنها ولدت جذوة نار، ففسر أيساكوس ~~الحلم بأن باريس سيكون سببا في دمار طروادة، فأرسله ~~برياموس إلى هلاكه، ولكن باريس اكتشف فيما بعد أصل ~~أبويه وعاد ليعيش من جديد مع عائلته. # هكتور # Hector ~~: # أكبر أبناء برياموس وهيكابي # Hecabe ~~، وزوج أندروماخي ووالد ~~أستواناكس. ونجده في هوميروس أبرز شخصية بين ~~الطرواديين مثلما كان أخيل بين الإغريق. ومن الجلي أنه ~~كان شخصية محبوبة لدى ذلك الشاعر. ويتمتع هكتور بأسمى ~~صفات البطولة الروحية التي لا تعرف التقهقر وشجاعته ~~الذاتية وسداد رأيه. وهو كذلك أكثر ابن محبوب وأرق أب ~~وزوج. تتجلى هذه الصفات بأعظم المظاهر المؤثرة في ~~المنظر الشهير في الأنشودة السادسة من الإلياذة حيث ~~يودع أندروماخي، وزيادة على ذلك كان محبوبا لدى ~~الآلهة وخصوصا أبولو. ويتنبأ بموته في وضوح، وكذلك ~~بتدمير مسقط رأسه، ولكنه لم يسمح لهذه الفكرة أن تثبط ~~من عزيمته أو تفت من عضده لحظة واحدة. ويحبه ~~الطرواديون ويبجلونه راعيا لشعبه، ويخافه أعداؤه ~~ويحترمونه، حتى أخيل نفسه لا يستطيع ملاقاته دون بعض ~~الاستعداد. وكان يوجد دائما حيث توجد المعركة على ~~أشدها. ولا يتوانى قط عن ملاقاة أبرز الأبطال الأغارقة ~~في قتال فردي. وألد أعدائه هو أجاكس # Ajax # ابن تيلامون. وقد وضع الأغارقة في ~~غياب أخيل، في أحرج المواقف، واقتحم وسائل دفاعاتهم ~~وأحرق سفنهم. وبمساعدة أبولو قتل باتروكلوس الذي كان ~~يعارضه ولكنه لقي حتفه أخيرا. ورغم توسلات والديه ~~وزوجته، خرج للقاء أخيل في سورة غضبه، فتملكته آلام ~~الرعب فجأة، فطارده عدوه الفظيع ثلاث مرات حول أسوار ~~المدينة. وقد حزن لمقتله روس، ولكن عندما وضعت حياته ~~وحياة خصمه في الميزان، هبطت كفة هكتور، ms030 فتركه أبولو، ~~فسقط برمح أخيل أمام بصر شعبه. فطرح أخيل جثته في ~~التراب أمام نعش باتروكلوس ليكون طعمة للكلاب والطيور. ~~غير أن أفروديت دهنت جثته بالأمبروسيا فحفظتها من ~~التعفن. وجرها أخيل ثلاث مرات خلف عربته حول قبر ~~باتروكلوس، ولكن أبولو حفظها من التهتك. وأخيرا أمر ~~زوس أخيل بأن يسلم جثة هكتور إلى أبيه العجوز ليضعها ~~في فناء قصره، وبعد ذلك تحرق فوق كومة. وقد عبد هكتور ~~في الأزمنة اللاحقة كبطل بواسطة سكان إيليوم # Ilium # الذين كانوا يقدمون ~~الذبائح عند قبره. ~~(3) من الآلهة # أبولو # Apollo ~~: # ابن زوس من ليتو # Leto ~~، التي تبعا للأسطورة الأكثر ~~شيوعا، ولدته هو وأخته التوءم أرتيميس (ديانا) في ~~جزيرة ديلوس. يظهر أبولو أولا كرب للضوء في كل من ~~تأثيره النافع وأثره المدمر، ورب الضوء عموما، ليس ~~ضوء الشمس وحده؛ لأن أوائل الإغريق كانوا يعتبرون الرب ~~جالب ضوء النهار هو هيليوس # Helios # الذي لم يعترف بأنه هو أبولو إلا ~~بعد مضي شيء من الزمن. ورغم أن معنى اسمه أبولو غير ~~محقق فإن لقبيه فويبوس Phoebus # ولوكيوس # Lycius # يفسران معناه بوضوح، على أنه ~~الساطع معطي الحياة. واللقب الأول يعني أيضا التقي ~~المقدس، لأنه كرب للضوء النقي، عدو للظلام بكل ~~ذريته غير النظيفة والفظة وغير المقدسة. وهو أيضا رب ~~النبوءات والشعر والموسيقى. وقد اشتهر ببراعته في ~~رمي السهام من بعيد. # أثينا # Athene # أو ~~بالاس ~~أثينا Pallas Athene ~~: # ربة إغريقية، هي مينيرفا الرومانية. هي ابنة زوس ~~الذي كان قد ابتلع أولى زوجاته ميتيس # Metis ~~(النصيحة) ابنة ~~أوقيانوس خشية أن تلد له ابنا أقوى منه. فشق ~~هيفايستوس (أو تبعا لرواية أخرى بروميثيوس) رأس زوس ~~بفأس فقفزت منه أثينا بكامل عدتها الحربية، وهي الربة ~~العذراء إلى الأبد. # منذ البدء، تحتل مكانة سامية في الديانة الشعبية ~~لدى الإغريق. وتصورها التراتيل الهومرية محبوبة والدها ~~الذي لم يرفض لها طلبا. إذا أراد الإغريق أن يحلفوا ~~يمينا مغلظة، قرنوا اسم أثينا مع اسمي زوس وأبولو ~~بطريقة تدل على أن هؤلاء الأرباب الثلاثة يمثلون ~~كامل السلطة الإلهية. # كانت ms031 أثينا في ~~الأصل، ابنة رب السماء العذراء، الأثير الرائق الشفاف، ~~التي يبدو صفاؤها في تألق غير مقنع خلال السحب ~~المحيطة بها. وكربة للجو، هي سيدة الرعد والبرق مع ~~زوس. وتحمل، مثل زوس، ترس البروق المسمى «أيجيس» ~~وبوسطه رأس الجورجونة رمزا للعاصفة وأهوالها. وعلى ~~ذلك صورت في كثير من التماثيل وهي تقذف ~~الصاعقة. # اعتبرت أثينا أيضا ربة الحرب. وبهذا المعنى تظهر في ~~القصص كصديقة لجميع المحاربين الجريئين، مثل بيرسيوس ~~وبلليروفون وجاسون وهرقل وديوميديس وأوديسيوس. # أريس # Ares # أو ~~مارس # Mars ~~: # ابن زوس وهيرا، الذي اعتقد هوميروس أنه ورث حب ~~المشاغبة من والدته، واشتد ولعه بالعراك حتى إنه لم ~~يعد يسره شيء ما غير القتال وسفك الدماء. ويجعله تعطشه ~~للدماء مكروها من والده وسائر الآلهة الآخرين وخصوصا ~~أثينا. ومأواه المفضل هو أرض التراقيين المحبين للحرب. ~~كان المثل الأعلى للأبطال المحاربين في الصورة ~~والمعدات. وتبعا لهوميروس، يتقدم أريس، تارة سائرا ~~على قدميه، وتارة أخرى راكبا عربة حربية تجرها الجياد ~~الجميلة وتصحبه شقيقته المتعطشة للدماء مثله ~~إريس # Eris ~~(النزاع) ~~وأبناؤه ديموس # Deimos # وفوبوس Phobos ~~(الخوف ~~والفزع) وأنيو # Enyo ~~(ربة المعارك ومخربة المدن)، مندفعا في غضب أعمى ~~فيقتل بغير تمييز. ورغم أنه كان يقاتل إلى جانب ~~الطرواديين، فإن سفك الدماء محبب إلى قلبه. غير أن ~~قوته الجامحة وشجاعته العمياء تنقلب ضد صالحه وتجلب ~~عليه الهزيمة دائما في حضرة أثينا ربة الكتائب ~~المنظمة، كما أنه يغلب أيضا على يد الأبطال الذين ~~تحت قيادتها، مثال ذلك عندما هزمه هرقل في المباراة مع ~~كوكنوس # Cycnus ~~، ~~وديوميديس أمام طروادة. # أفروديت # Aphrodite # أو ~~«فينوس # Venus ~~» عند ~~الرومان: # ربة الحب الإغريقية. وتضم اختصاصاتها، مع الفكرة ~~الهيلينية، كثيرا جدا من المظاهر الشرقية، ولا سيما ~~الفينيقية الأصل التي لا بد أن يكون الإغريق قد خلطوها ~~مع آرائهم القومية في غابر العصور المتغلغلة في القدم. ~~تظهر منذ عصر قديم جدا باسم # Aphro-geneia # أي ~~«المولودة من الزبد»، و«أناديوميني» أي «التي صعدت» من ~~البحر. وخطت إلى شاطئ قبرص التي كان الفينيقيون قد ~~استعمروها في زمن لا يعلمه ms032 إلا الله. # تبدي أفروديت قوتها في حياة الآلهة والبشر بصفتها ~~الربة الذهبية ذات الابتسامة الحلوة، للجمال والحب ~~اللذين تعرف كيف تحتفظ بهما أو تطردهما. تتألف حاشيتها ~~من أيروس (كيوبيد) والساعات والجراكيات وبيثو Peitho ~~(الإغراء)، ~~وبوثوس Pothos # وهيميروس # Hemeros ~~(تمثيل للشوق والحنين). وإذ ربطت بين الأجيال برباط ~~الحب، صارت ربة الزواج والحياة العائلية، ونتيجة لهذا ~~كانت ربة قرابة المجتمع كله. # بوسايدون Poseidon ~~: # ابن كرونوس وريا، ورب البحر له سلطان على العواصف ~~والرياح، ويرسل الخراب أو يهب السلامة للملاحين، ~~ويشرف على جميع العمليات البحرية كالصيد والتجارة ~~البحرية. كان له قصر ذهبي بجوار أيجاي في يوبويا # Euboea # في أعماق البحر ~~وعلى سطح المياه حيث كان يسود الهدوء عند قدومه. وكان ~~يركب عربة عسجدية تجرها جياد سريعة العدو ذات حوافر ~~برنزية وعروف ذهبية يخبط بها الأرض فتتزلزل أركانها ~~والصخور فتنشق رواسيها. # ثيتيس # Thetis ~~: # ابنة نيريوس ودوريس، ربة البحر، قامت هيرا بتربيتها ~~وتزوجت بيليوس الذي كان بشرا، وصارت والدة أخيل ~~العتيد. وإذ كان أخيل فانيا أرادت أمه أن تجعله غير ~~قابل للجراح فحملته من عقبيه وغطسته في نهر الستوكي ~~فصار الفتى غير قابل للجراح بالحراب ما عدا ~~عقبيه. # زوس # Zeus # أو ~~جوبيتر # Jupiter # عند ~~الرومان: # حاكم العالم ورئيس سائر الآلهة والبشر. كان ابن ~~كرونوس وريا، وشقيق بوسايدون وهيستيا وديميتير وبلوتو ~~وهيرا التي صارت زوجته وأنجبت له أريس وهيفا يستوس ~~وهيبي. # رأس زوس. # اختص زوس بأن يشرف على مجالس آلهة أوليمبوس العظام ~~وهو يتأثر أحيانا بآرائهم وبنصائح ومطالب الأفراد، ~~ولكنه كان في الوقت نفسه يستطيع أن يصرف الأمور دون ~~الاستعانة بهم إذ كان يفوقهم جميعا قوة، وكانت إيماءة ~~واحدة من رأسه تكفي لتحقيق رغبته وتزلزل جوانب ~~أوليمبوس، وكانت سائر الأشياء كذلك تحت سلطانه، حتى ~~الحظ نفسه؛ فقد كان يظن أنه يخضع لإمرته ولو أنه كان ~~يبدو في بعض الأحايين مستقلا عنه. # وقد صور زوس في هيئة ذات رهبة وجلال، له خصلات ~~مناسبة ولحية كثة، وكانت هيبي من خدمه وكذلك جانوميديس ~~وكانا حاملي الكئوس، وهيرميس رسوله الأمين ms033 ينقل أحكامه ~~وأوامره في لمح البصر إلى أقاصي الأرض. وكان النسر من ~~الأشياء الملتصقة به، وهو طائر زوس الذي يصور دائما ~~ممسكا بالصاعقة. # كرونوس # Cronus ~~: # في الميثولوجيا الإغريقية، أصغر أبناء أورانوس وجيا، ~~الذي تغلب على والده ومثل به، ثم جعل نفسه ملكا على ~~العالم، وبمساعدة أقاربه تغلب على التيتان. تزوج من ~~أخته ريا، فأنجبت منه هستيا وديميتير وهيرا وهاديس ~~وبوسايدون وزوس الذي أنقذته ريا بالخداع. عندما كبر ~~زوس، حصل على مساعدة حورية المحيط ثيتيس في إجبار ~~كرونوس على أن يتقيأ أولاده، ثم تغلب على كرونوس ~~والتيتان بمساعدة أقاربه. # ليتو # Leto ~~: # ابنة التيتان كويوس # Coeus # وفويبي Phoebe ~~، وتبعا لهسيود، كانت ليتو هذه ~~زوجة زوس ذات «الثوب الداكن» والدائمة الرقة، قبل أن ~~يزف إلى هيرا، وهي والدة أبولو وأرتيميس. # هاديس # Hades ~~: # ابن كرونوس وريا # Rhea ~~، الذي تسلم مملكة العالم السفلي عند ~~تقسيم الكون بعد سقوط كرونوس، بينما صار شقيقاه زوس ~~وبوسايدون سيدي السماء والبحر على التوالي. كان يحكم ~~مع ملكته برسيفوني Persephone # على قوى مناطق الجحيم الأخرى ~~وعلى أشباح الموتى. وكان رمز إمبراطوريته غير المرئية ~~خوذة تجعله غير مرئي أعطاه إياها الكوكلوبس # Cyclopes # لتساعده في ~~معركة الآلهة والعمالقة. كان المعتقد أولا أنه يحمل ~~الموتى بنفسه في عربته إلى العالم السفلي، أو يسوقهم ~~بعصاه، ولكن المعتقد في الأزمنة اللاحقة هو أن هذه ~~المهمة وكلت إلى هيرميس. وهاديس عدو كل حياة، وكان ~~قاسي القلب لا يرحم؛ ولذلك كان ممقوتا من الآلهة ~~والبشر. # هيرا # Hera ~~: # هي ملكة السماء وكبرى بنات كرونوس وريا، وشقيقة زوس ~~وزوجته الشرعية. وتبعا لهوميروس، رباها في شبابها ~~أوقيانوس وثيتيس. بيد أن كل مكان تعبد فيه يؤكد أنها ~~ولدت به وربتها حوريات منطقته. ويقال إنها عاشت مدة ~~طويلة في علاقة سرية مع زوس قبل أن يعلن أنها رفيقته ~~الشرعية. وكان عبادها يحتفلون بعيد زواجها في ~~الربيع. # كانت هيرا تمثل أصلا المظاهر الأنثوية للقوى ~~الطبيعية التي يمثل زوس مظاهرها الذكرية أي أنها كانت ~~تمثل الأمومة. وتقاسم زوس سلطته وأمجاده. # | هوميروس # هوميروس كاتب نظم ms034 شعر الأبطال، نظم ملحمة بالغة الطول، تناولت ~~مغامرات أبطال فجر التاريخ. وكثيرا ما نرى شعر البطولة كأول صور الأدب ~~التي تظهر في أية لغة. وللغة الفرنسية شعر أبطالها # Chansons de geste # كما أن للأيرلنديين ~~منظومتي «القصة # Saga ~~» و«الفردوس المفقود # paradisi Lost ~~». وهما من شعر ~~البطولة نظمهما ملتون # Milton ~~، ولكنهما ~~ليستا من النوع الذي نعنيه هنا؛ إذ حدثتا في وقت متأخر. كذلك في بلاد ~~الإغريق، نجد أول شاعر ذي شعر خالد، وهو هوميروس # Homer ~~. ومن الجلي أن عدة شعراء آخرين سبقوا هوميروس. ~~وقد كانت أشعار الأخير بالغة الروعة والعظمة لدرجة جعلتها لا يمكن أن ~~تنشأ من لا شيء. ولذلك، كان من المؤكد قطعا أنه لا بد أن تقدم هوميروس ~~عدة شعراء بالغي القدم ( # Saga # أي القصص ~~التاريخية الخيالية). # لا تتناول منظومة هوميروس تاريخ حرب طروادة # Troy ~~، كما قد نظن، ولكنها تتناول السنة الأخيرة من تلك ~~الحرب، وتتضمن قضية وهدف غضب أخيل # Achiles # جزءا كبيرا من هذه القصيدة البطولية الخالدة، ~~وكان الغرض من الحرب ضد طروادة التي استمرت عشر سنوات تقريبا، كما ~~قد نظن، هو تحرير بلاد الإغريق من طروادة، التي اعتادت أن تفرض الضرائب ~~على السفن التي كانت تمخر عباب اليم هناك قرب الساحل الشمالي لآسيا ~~الصغرى. ~~••• # كان هوميروس هو الشاعر الإغريقي الذي تحمل اسمه ملحمتان من أقدم ~~الملاحم وأضخمها في تاريخ الأدب الإغريقي، وهما الإلياذة والأوديسة. ~~أما فيما يختص بهذا الشاعر من حيث شخصيته وبلده، فليس لدينا معلومات ~~موثوق بها. وحتى وجوده الشخصي محل نزاع. وكثيرا ما حاول المختصون ~~البرهنة، من معاني اسمه، على أنه لم يكن فردا، بل نموذجا، فاستقر ~~الرأي على أن معنى اسمه، إما «المنظم» وإما «الرفيق». وفي الحالة ~~الأولى يدل الاسم على أنه الممثل النموذجي لشعر البطولة والملحمة في ~~صورتها الموحدة والمتكاملة فنيا، بينما يوحي المعنى الثاني على أنه ~~سلف نموذجي وإمام طائفة فذة من الشعراء المنشدين. غير أنه لما كان ~~هوميروس علما، ويعني ببساطة «وديعة» بغير ما صلة بالشعر. فلا شيء في ~~الاسم نفسه يوجب ms035 الشك في وجود هوميروس كشخصية تاريخية. وقد تنازعت سبعة ~~أماكن، في العصر القديم، لتكون مسقط رأسه: أزمير، ورودس، وتولوفون، ~~وسالاميس (في قبرص)، وخيوس، وأرجوس، وأثينا، ولكن ليس هناك أي شك في أن ~~الملاحم الهومرية نشأت على الساحل الغربي لآسيا الصغرى. والتقاليد ~~القديمة صحيحة في تحديد مسقط رأسه بمدينة أزمير الأيولية، وتحديد ~~المكان الذي نظم فيه الشعر بمدينة خيوس. ومما يتفق مع هذا، اختلاط ~~اللهجة الأيونية بشيء من الأيولية فيتكون منهما صورة هي أساس ~~الأشعار الهومرية، وكذلك أنه كان في خيوس أسرة تسمى الهوميريداي ظلت ~~عدة قرون تدعي نسبها إليه، وشغل أفرادها أنفسهم بتلاوة ~~أشعاره. # أما عن الوقت الذي عاش فيه هذا الشاعر، فإن جميع آراء التحقيقات التي ~~تمت على أساس الاعتبارات التاريخية تختلف فيما بينها اختلافا كبيرا. ~~ومع ذلك فيبدو من المؤكد أن المدة التي بلغ فيها شعر البطولة الهوميري ~~درجة الكمال لا تقع قبل سنة 950ق.م. ولا بعد سنة 900 ومن جميع التقاليد ~~الخاصة بهوميروس، نستخلص أن اسم والده هو ميليس # Meles # وأصيب هوميروس بالعمى في شيخوخته ومات في جزيرة ~~أيوس # Ios # الصغيرة حيث كان قبره ~~ظاهرا، وتذبح فوقه سنويا عنزة في الشهر المسمى باسم ذلك الشاعر ~~هوميريون # Homereon ~~، وعبد هوميروس ~~لفترة ما في تلك الجزيرة كبطل. وربما نشأت قصة إصابته بالعمى من تخيل ~~أن المغني الأعمى منشد الأوديسة ديمودوكوس # Demodocus # كان النموذج الأصلي لهوميروس، ومن الأمور ~~الموثوق بها التي تدعم هذا الاعتقاد، أن مؤلف تراتيل أبولوديلوس # Apollodelus # الذي وصفه صوت العصور ~~القديمة لهوميروس، صور هوميروس أعمى وقال إنه كان يعيش في جزيرة خيوس. ~~وتعتمد أهمية هوميروس على أنه بينما يستخدم الصور الثابتة للوزن الشعري ~~الذي وضعه سابقوه، استطاع أن يرفع أناشيد البطولة إلى مستوى شعر ~~الملاحم البطولية في نظام رتيب وعرض فني. # تتناول الملحمتان اللتان تحملان اسمه، وهما الإلياذة والأوديسة، ~~واللتان قسمت كل منهما في عصر لاحق إلى أربعة وعشرين كتابا، ~~تتناولان أساطير طروادة. استغرقت الإلياذة مدة واحد وخمسين يوما من ~~السنة العاشرة للحرب الطروادية تبعا لخطة بسيطة ms036 مع سرد لأحداث ذلك ~~العصر. فتبدأ بغضب أخيل الذي أخذت منه أسيرته الفتاة العذراء ~~بريسايس # Briseis # بأمر أجاممنون فتروي ~~المحن التي جلبها انسحاب ذلك البطل الغاضب من المعركة، على الإغريق في ~~قتالهم في السهل الطروادي حول الأسوار وبقرب المعسكر البحري. فيعطي هذا ~~فرصة مناسبة لوصف الأبطال الآخرين إلى أن يسقط باتروكلوس صريعا، ~~الحادث الذي يعتبر نقطة التحول في هذه الملحمة. ويأتي بعد ذلك استرضاء ~~أخيل وانتقامه لمقتل صديقه فصرع هكتور، والألعاب الجنائزية تكريما ~~لباتروكلوس. وتنتهي هذه الملحمة بنهاية محزنة من تسليم جثة هكتور ~~ودفنه. وكذلك الأوديسة، تتناول عددا كبيرا من الأحداث الخاصة بعودة ~~أوديسيوس إلى وطنه، تستغرق كلها المدة البسيطة لأربعين يوما، ولكنها ~~تتم تبعا لخطة فنية معقدة. وعلى نقيض الجزأين الرئيسيين للإلياذة، ~~تتكون الأوديسة من أربعة أجزاء. يصف الجزء الأول منها مغامرات ~~تيليماخوس # Telemachus # الذي ظلمه عشاق ~~والدته بنيلوبي Penelope ~~، فيخرج ~~مرتحلا إلى نستور # Nestor # في ~~«بولوس» Pylos # ومينيلاوس # Menelaus # في أسبرطة، بحثا عن والده. ~~وهكذا يجد هذا الشاعر فرصة ليروي شتى الأحداث التي أصابت الأبطال ~~الأغارقة أثناء عودتهم إلى وطنهم. ويصف الجزء الثاني مغامرات أوديسيوس ~~في رحلته إلى أوجيجيا # Ogygia # جزيرة ~~كاليبسو # Calypso # وبقاءه مع ~~الفياكيين Phaeacians ~~(وتتصل بها ~~رواية ذلك البطل لتجوالاته في رحلته من طروادة إلى أوجيجيا) وأخيرا ~~وصوله إلى إيثاكا # Ithaca # ويصف الجزء ~~الثالث زيارة أوديسيوس لكوخ راعي الخنازير إيومايوس # Eumaeus ~~، وتعرف تيليماخوس عليه (بعد أن عاد إلى وطنه) ~~كما تعرفت عليه خادمته الوفية، ووضع خطة الانتقام من العشاق. # ويشمل الجزء الرابع تنفيذ الانتقام، ويتم كل شيء في سلام بعودة البطل ~~إلى زوجته بنيلوبي ووالده العجوز لايرتيس # Laertes ~~. # وبواسطة الرواة المحترفين، الذين كانوا ينتقلون من مدينة إلى مدينة ~~وأطلق عليهم «المنشدون الجائلون» وجدت أشعار هوميروس تداولا سريعا، ~~ليس في وطنها الأسيوي فحسب، بل وكذلك في بلاد الإغريق وفي مستعمراتها ~~الغربية، ودخلت أسبرطة بواسطة ليكورجوس # Lycurgus # الذي علم بوجودها من رحلاته إلى ساموس. ومن بين ~~ذرية كريوفولوس # Creophylus ~~، ظهر شاعر ~~ذائع الصيت اشتهر بأنه صديق هوميروس ms037 ومن أقاربه. وقد صارت هذه الأشعار، ~~في سنة 753ق.م. أي بعد بدء الأوليمبياد بثلاث وعشرين سنة، ملكا ~~عاما لجميع الأغارقة. # لما كان المنشدون الجائلون ينشدون أشعار هاتين الملحمتين في الحفلات ~~والأعياد، فإن الجزء الأكبر منهما اقتضى تقسيما منتظما منذ بدايتهما، ~~إلى أقسام مناسبة تسمح بفترات راحة، ليس للمنشدين وحدهم، بل ~~وللمستمعين أيضا، ومن هنا نشأ تقسيم هاتين الملحمتين إلى أقسام ~~منفصلة تسمى بالأناشيد، ووضعت لها عناوين ملائمة، وظلت مستعملة بهذه ~~الصورة إلى تاريخ متأخر؛ إذ قسمت الملحمتان إلى أربعة وعشرين كتابا. ~~وسرعان ما جرت العادة بتلاوة الأناشيد الفردية، بعضها محبوب بنوع خاص ~~واعتبر أكثر ملاءمة من غيره لإظهار مواهب بعض المنشدين. وهكذا حدث أن ~~بعض الأجزاء ألقي في حيز النسيان ، ونشأت فجوات بين الرواية الشفوية ~~لتلك الأشعار. ومن ناحية أخرى، لم يسع المنشدين إلا أن يضيفوا إلى ~~أنشوداتهم المحببة، خاتمات مناسبة وتكملات تتفق وأذواقهم، ولم يتورعوا، ~~بطبيعة الحال، عن التغيير والتبديل والإضافة حيثما رأوا هذا مناسبا. ~~ويرجع إلى مدينة أثينا شرف إيقاف مثل هذه الفوضى المتزايدة الناجمة عن ~~تلك الأعمال. وكان صولون # Solon # أول من ~~أمر بالتزام المنشدين بالنص الأصلي. وقام بيزيستراتوس Pisistratus ~~(في حوالي سنة 535ق.م.) ~~بتكوين لجنة من عدة شعراء يرأسهم أونوماكريتوس # Onomacritus # لجمع الأقسام والأناشيد المتناثرة هنا ~~وهناك، ومراجعة نصوصها على أساس النسخ الأصلية الموجودة وقتذاك وعلى ~~التلاوة الشفوية للمنشدين والرواة. # أما أن يكون بيزيستراتوس أو ابنه هيبارخوس # Hipparchus # هو الذي أصدر قرارا يكرم الشعراء المنشدين ~~الجائلين عندما يتسابقون في الإنشاد في عيد البان أثينايا بأن ينشدوا ~~أشعار هوميروس بترتيبها الصحيح وكاملة حسبما جمعت في صورتها الأصلية. ~~أفادت هذه المراجعة لتقف في طريق التشويه المتزايد لنصوص ذلك التراث ~~القيم. وبوسعنا أن نتتبع نسخا من ملحمتي هوميروس موجودة في شتى ~~أنحاء بلاد الإغريق. وبمرور الزمن، تعرضت هذه النسخ أيضا للتغييرات ~~العرفية ولا سيما على أيدي العلماء الذين أرادوا تحسين النص. وأول من ~~فعل ذلك هم العلماء السكندريون الذين وجدوا في هوميروس محورا ~~لدراساتهم اللغوية، وتناولوها بالنقد المنظم لنصوصها. ms038 وقد واتتهم فرصة ~~العثور على المخطوطات القديمة لذلك الشاعر في مكتبة الإسكندرية. وكان ~~أول من بدأ هذا العمل هو زينودوتوس # Zenodotus # الإفسوسي، الذى خلفه أريستوفانيس # Aristophanes # البيزنطي، الذى بلغ ~~تلميذه أريستارخوس # Aristarchos # أسمى ~~درجة وصل إليها الأقدمون في النقد اللغوي، وذلك بدراسة أشعار هوميروس. ~~بنيت النسخ التي أخرجها أولئك النقاد السكندريون على الترتيب الذي قام ~~به بيزيستراتوس، وهي نفسها النسخ الأصلية لما لدينا الآن من نصوص أشعار ~~هوميروس. # ومنذ ذلك الوقت حتى آخر العصور الإغريقية القديمة، لم يكف العلماء عن ~~جعل هوميروس نموذجهم في الأعمال التي ما زالت باقية لنا. وحتى في ~~العصور القديمة شغل العلماء أنفسهم بالسؤال عما إذا كانت الإلياذة ~~والأوديسة من إنتاج شاعر واحد. أجيب على هذا السؤال إجابة كاملة بأن ~~اسم هوميروس ظل مدة طويلة يدل على «اسم جمع» ويضم سلسلة طويلة من قصائد ~~البطولة منظومة على نهج نموذجه، اكتشف حقيقتها تدريجيا فيما بعد. ولم ~~يخف على الملاحظة أن الأوديسة في صورتها الفنية العالمية وعلاقتها ~~بالحياة الاجتماعية والأخلاقية والدينية تتبع مرحلة أكثر تقدما مما ~~تتبعها الإلياذة. وهكذا حدث في العصور القديمة أن قررت الطائفة ~~المعروفة باسم الخورنزونتيس # Chorizontes ~~(أو العلماء المصنفين) وعلى رأسهم العالمان ~~بقواعد اللغة إكسينون # Xenon # وهيلانيكوس # Hellanicus ~~، الذين يحتمل ~~أن كانوا من بداية الحقبة السكندرية، قررت أن الأوديسة من نظم شاعر ~~لاحق، وحتى العلماء المحدثون شاركوهم في هذا الرأي، بينما قرر آخرون، ~~معتمدين على المطابقة الأساسية للنغمة واللغة والوزن، وغير ملقين أهمية ~~كبيرة إلى مواضع الاختلاف مفسرين إياها بأنها نتجت عن اختلاف الهدف في ~~الملحمتين وإلى مرحلة نظمها من حياة ذلك الشاعر، فقرروا أنها من نظم ~~الشاعر نفسه. ومع كل إعجابنا بفن وجمال الملحمتين الهومريتين، لا ننكر ~~أنهما لا تتصفان بنفس مستوى الكمال في جميع أجزائهما. فإلى جانب ~~الفقرات البالغة الروعة توجد فقرات أخرى ركيكة وغير جذابة، ونقط توقف ~~في السرد، كما توجد بهما بعض المتناقضات. لم تفت هذه العيوب ملاحظة ~~العلماء السكندريين، الذين نسبوا أية اعتراضات من هذا النوع إلى ~~التذييلات الكثيرة، ms039 ليس في سطور فردية فحسب، بل وفي فقرات بأكملها. ~~فمثلا، قرروا أن النصف الثاني من الكتاب قبل الأخير، وجميع الكتاب ~~الأخير من الأوديسة، زائف. # قدمت عدة تفسيرات لهذه العيوب في العصور الحديثة؛ فأولا لاحظ ف. أ. ~~ولف # Wolf ~~(1795م) أن فن الكتابة في ~~عصر هوميروس لم يمارس على نطاق واسع يسمح باستعماله في الأغراض ~~الأدبية، وأنه يستحيل، حتى على أعظم نابغة أن يخرج كل هذه الكمية ~~الضخمة باستخدام الذاكرة وحدها، وينقلها إلى غيره. وعلى هذا الأساس ~~قرر أن الإلياذة والأوديسة اتخذتا صورتيهما الحاليتين لأول مرة، في ~~عصر بيزيستراتوس، عندما حددت الأناشيد القديمة، المحفوظة بالتقاليد ~~الشفوية وحدها، حددت بالكتابة وجمعت وأدمجت في منظومتين ضخمتين. تبع ~~ولف آخرون، حاولوا تقسيم الإلياذة بنوع خاص إلى أناشيد منفصلة ومستقلة، ~~وقرر آخرون أن ملحمتي هوميروس تتكونان من إنشادات متوسطة الطول هي: ~~غضب أخيل، وعودة أوديسيوس، تناولهما التطويل والتحسين والتغيير حتى نتج ~~منها الأوديسة والإلياذة الحاليتان. وتقدم آخرون ففرضوا أنهما تكونتا ~~من عدد من القصائد البطولية الصغيرة، بدلا من عدد ضخم من الأناشيد ~~الفردية. وهكذا أدمجت قصيدة أخيلية وإلياذة فنتج عنهما الإلياذة ~~الحالية. وكذلك الأوديسة الحالية نتجت عن إدماج قصيدة تيليماخية وقصيدة ~~عن عودة أوديسيوس. ومن ناحية أخرى تقرر هيئات موثوق بها أنه، مع ~~التسليم جدلا بإمكان الانتفاع بالأناشيد التي كانت موجودة من قبل، فإن ~~الأوديسة والإلياذة، كونتا منذ بدايتيهما منظومة موحدة، ولكن سرعان ما ~~تناولهما عدد كبير من المراجعات والتطويل حتى أخذتا، قبل بداية ~~الأوليمبياد، الصورة الأساسية التي تحتفظان بها. ومن المؤكد أنه بعد ~~أول أوليمبياد، نظمت قصائد بطولية على غرار الإلياذة والأوديسة، وأطول ~~منهما، وإكمالا لهما. ولا يمكن إنكار أنه قبل هذه الحقبة بفترة ~~طويلة، انتشر استخدام فن الكتابة على نطاق واسع في بلاد الإغريق. ~~ومما لا يقبل الاعتراض، أنه علاوة على التشويهات الحادثة من ~~التغييرات التي أصابت هاتين الملحمتين في عصور لاحقة، فقد يجوز حدوث ~~بعض التعديلات غير المتشابهة في مختلف الأجزاء، وكذلك الكثير من عدم ~~التطابق في هاتين القصيدتين، وحتى في صورتهما ms040 البدائية. ورغم عيوب ~~التفاصيل هذه، فقد بقيت القصيدتان الهومريتان فذتين كأعمال فنية لم ~~يتفوق عليهما أي عمل آخر، بما لهما من تأثير عظيم ليس فقط على ~~تقدم الأدب والفن، بل وعلى الحياة الإغريقية كلها، حياة الأغارقة الذين ~~اعتبروهما ملكية عامة للأمة واستخدموهما كأساس لجميع التعاليم ~~والثقافة. وحتى الآن، بعد ما يقرب من 3000 سنة، ظل تأثيرهما باقي ~~المفعول لم ينل منه القدم. # وعلاوة على الإلياذة والأوديسة، لدينا باسم هوميروس: (أ) مجموعة ~~أناشيد، خمس طوال، عن أبولو البوثي والدلفاوي، وهيرميس، وأفروديت، ~~وديميتير، وتسع وعشرون قصيدة قصيرة عن آلهة شتى. وهذه، في الحقيقة، ~~مقدمات يستهل بها المنشدون الجائلون أية أنشودة من أناشيدهم. وموضوع كل ~~قصيدة منها مدح للإله الذي تنشد الأناشيد في عيده، أو في البلد الذي ~~يكرم فيه بنوع خاص. وربما كان اختيار القصيدة الاستهلالية خاضعا ~~لمضمون القصيدة التالية، وإذا لم يكن هوميروس هو ناظم هذه القصائد، ~~فإنها من نظم المنشدين التابعين للمدرسة الهومرية. وهكذا اعتبر المنشد ~~كونايثوس # Cynaethus # ناظم أنشودة أبولو ~~الدلفاوي. ويبدو أن هذه المجموعة قد أعدت لاستعمال المنشدين الجائلين ~~في أتيكا، على أساس إمكان الاختيار منها تبعا لرغبة المنشد. (ب) ست ~~عشرة قصيدة قصيرة أطلق عليها # Epigrammata ~~، من الشعر الأقدم. اثنتان ~~منها أناشيد بالأسلوب العامي، والكامينوس # Kaminos # أو «أتون الفخاري» (تطلب منها البركة من أثينا ~~عند وضع «طريحة» من الأواني الفخارية في الأتون)، ونوع من أناشيد ~~التسول تسمى # Eirestone ~~(حرفيا: إكليل ~~حصاد ملفوف بالصوف). (ج) قصيدة: # Batrachomyomachia # أو معركة الضفادع ~~والفئران وهي قصيدة تهكمية على الإلياذة، وتنسب عموما إلى بجريس Pigres # شقيق أرتيمسيا # Artimesia # ملكة كاريا # Caria # المعروف جيدا فيما يختص بالحروف الفارسية. ~~والقصيدة البطولية القديمة المسماة «الحمقاء» وهي مفقودة. # | القصائد الهومرية # الإلياذة # الإلياذة # Iliad # والأوديسة # Odyssey # أقدم الآثار الأدبية. ليس في ~~الأدب اللاتيني فحسب، بل وفي أدب أوروبا كله. يجب أن ننظر إليها ~~كمفتاح يوصلنا إلى الشعر الذي هما باكورته ونخبته. وقبل أن نبدأ في ~~ذكر تقدير العالم كله للإلياذة، علينا أن نقول: إن الآلهة في علم ms041 ~~الأساطير الإغريقية لا تعتبر مختلفة كثيرا عن بقية الناس. فلهم ~~مراكزهم وغضبهم وأفراحهم. وأهم مميزاتهم هي أنهم أقوى من البشر ~~العاديين. ومع ذلك يمكن أن يهزمهم أنصاف الآلهة أو أحد الأبطال من ~~البشر. # لكي نثق في قوة هوميروس الخلاقة، وبلاغته الفائقة، ونعجب به ~~كأحسن قصاص، يمكننا أن نصور النضال بين شخصين كل منهما على حق. ~~فنجد أجاممنون # Agamemnon ~~، في ~~الأنشودة الأولى، مخطئا بسبب عجرفته وصلفه؛ إذ انتزع هيبوداميا # Hippodameia # من بين يدي أخيل # Achilles ~~، فقد اضطر إلى ~~إعادة ابنة خروسيس # Chrysis # إلى خروسيس نفسه. وفي الأنشودة ~~التاسعة نجد أنه بناء على نصيحة نستور # Nestor ~~، أرسل أجاممنون كلا من أولوسيس # Ulysses # وفوينكس Phoenix # وأجاكس # Ajax ~~، إلى فسطاط أخيل سعيا وراء مصالحته. ورغم ~~توسلات فونيكس الجادة، لم يكلل مسعاهم بالنجاح، أي أن يعتذر ~~أجاممنون لأخيل المزهو المغرور والمعتد بجرأته وبسالته. فقد رفض ~~هذا الأخير أن ينضم إلى المعركة دفاعا عن الوطن، ثم تواجهنا في ~~الأنشودة الثانية والعشرين فاجعة عاطفة بالغة الشدة، عندما يصر ~~هكتور # Hector # على البقاء خارج ~~الأسوار رغم توسلات أبيه. فيطوف عدوا حول طروادة ثلاث مرات، ~~ويحارب، فيقتله أخيل ويجر جثته إلى الأسطول مربوطة إلى عجلات عربته ~~الحربية متبوعا بعويل ونحيب زوجة هكتور ووالديه. # وهكذا نرى أن بعض الأحداث يسبب التردد، بينما يسبب البعض الآخر ~~نتائج غير متوقعة. لا يتناول شعر البطولة الحرب، وإنما يتناول، ~~بنوع خاص، مغامرات أخيل وكبرياءه وغضبه وانتقامه وجرأته، ونتائج كل ~~هذه. # وهناك أحداث أخرى لا تنتمي إلى الفكرة الأصلية، ويمكننا أن نصفها ~~بأنها تفسيرية، بينما تساعد أحداث أخرى في إلقاء الضوء على ~~الشخصيات. # الأوديسة # الأوديسة ثاني منظومة ~~بطولية لهوميروس الخالد وتتلخص فيما يلي: ساعد بوسايدن Poseidon ~~، إله البحر، بناء على نفوذ ~~جونو # Juno ~~، ساعد الطرواديين في ~~حرب طروادة. وهكذا كان على أوديسيوس # Odysseus # أن يضل طريقه في البحر وهو عائد إلى وطنه، ~~يبدأ أول أعماله في إيثاكا # Ithaca ~~، مملكة أوديسيوس. فقد اجتمع الآلهة وعقدوا ~~مجلسا قرروا فيه ضرورة إرسال أولوسيس إلى إيثاكا، من جزيرة ~~كالوبسو ms042 # Calypso ~~. وعندئذ ذهبت ~~مينرفا # Minerva # إلى إيثاكا حيث ~~ظهرت أمام تيليماخوس # Telemachus ~~، ~~ابن أوديسيوس، متخذة صورة منتيس # Mentes # ملك التافيين # Taphians ~~، الذي كان صديقا لأوديسيوس. فدخلت في حوار ~~مع تيليماخوس وأوعزت إليه بأن يذهب إلى «بولوس» Pylos # حيث يقابل نستور # Nestor ~~، كما يذهب إلى مينيلاوس # Menelaus # في أسبرطة # Sparta ~~، ليتنسم الأخبار عن والده، وما إذا كان لا ~~يزال على قيد الحياة. ثم انصرفت بعد أن برهنت على ألوهيتها. فوبخ ~~تيليماخوس والدته بنيلوبي Penelope # وأمرها بأن تصعد إلى الطابق العلوي. وفي ~~أثناء الوليمة هدد تيليماخوس العشاق بأنه سوف ينتقم منهم جزاء ~~مسلكهم الشائن، فنسمع في الأنشودة الخامسة أولوسيس يصف مغامراته ~~البحرية طوال مدة سنة كاملة، ثم يستعد للذهاب إلى منطقة الجحيم. ~~ويمكننا أن نقرأ في هذه الأنشودة أول قصيدة نظمت في العالم ~~كله. # لغة الإلياذة # لغة هوميروس خليط من عدة لهجات تسودها اللهجتان الأيونية # Ionic # والأيولية # Aeolic ~~. وقد نظمت هذه الأشعار بمهارة فنية بالغة ~~السمو. كما أن الموضوع سامي الصياغة. وهنا استطرادات كثيرة طوال ~~القصة برمتها، ولكنها، في الحقيقة ، لا تتعلق بالخطة الرئيسية. ~~ومن عادة جميع كتاب القصص أن يدخلوا فيها شيئا غير ضروري ~~جدا؛ ولذا يعتبر هوميروس كاتبا فائقا للأدب ذا خيال لا يخطئ ~~إطلاقا، كان كتاب هوميروس هو الذي عانقه الناس في الحرب الأخيرة ~~عندما كانوا على وشك أن يصيروا آلات بسبب القسوة والقتال ~~والنفعية. # لم كان هوميروس أعظم فنان؟ # أولا: # لجمال لغته وحداثة أسلوبه وسلاسة عباراته. فإذا ما ~~قرأت لهوميروس، وقعت على ما يخلبك ويوقعك تحت تأثيره، ~~ومن السهل أن نلاحظ ضوءا غريبا في أسلوب شاعر ~~البطولة الخالد هذا. # ثانيا: # هوميروس قصاص رائع ممتاز. وقصته ممتعة جدا ~~وإنسانية؛ فهي تحظى بإعجابك إلى النهاية. ونحن نقرؤه ~~لأننا نريد أن نعرف ماذا يحدث، كل شيء ممتع، ونريد أن ~~نصل إلى نهاية القصة، ونتلهف إلى أن نعرف ماذا ستكون ~~النتيجة. # ثالثا: # خصائصه صادقة كأي شيء كتب؛ فهي في أساسها إنسانية. ~~ولهذا السبب فإنك تجد نفسك، وأنت تقرأ الإلياذة، ~~تتساءل عن سبب ms043 حدوث هذه الحادثة أو تلك بالأمس. إنها ~~نفس ما يحدث في هذه الأيام. مثال ذلك: توديع هكتور ~~لزوجته وأولاده؛ إذ ينحني ليقبل ابنه ولكن الابن يخجل ~~ويذعر لمنظر الخوذة. فتريك هذه اللمسات البسيطة: ~~المشاعر الإنسانية والخصائص الإنسانية والانفعالات ~~الإنسانية. وهناك مثل آخر في حالة نستور، فقد صور ~~مطابقا للحياة تمام المطابقة، حقيقة، نحن عندما نقرأ ~~خصائص هوميروس، نقرأ عن أناس يعملون ويتكلمون كما يحدث ~~عندنا في كل يوم. فنستور، صورة جميلة للشخص الثرثار، ~~لا يفعل شيئا غير الكلام: «عندما كنا صغارا، كنا ~~نفعل كذا كذا وكذا ...» وأخيل مثل ثالث واضح جلي. صوره ~~هوميروس بعدة صور كل صورة منها تختلف عن الأخرى. فصوره ~~وفيا، وجريئا ومرحا عندما لا يكون غاضبا. ~~وبالاختصار، كل أشخاص هوميروس بشر أولا وقبل كل شيء، ~~يمكنك أن تصدق بسهولة أن كل ما يفعلونه هو نتيجة ~~لمشاعرهم ولما يختلج في نفوسها. فأبطاله، وحتى آلهته ~~ورباته، يعملون ما يعمل البشر، صور هوميروس كل إحساس ~~حتى غير المنظور، ووضحه كما لو كان حقيقيا في ~~الحياة. ومما لا جدال فيه، أن مؤلفات هوميروس تتصف ~~بصفة الخلود. ستقرأ الأجيال الحاضرة والقادمة هذه ~~المؤلفات الرائعة إلى الأبد. وهذا ناشئ عن تصويره ~~الرقيق لأشخاصه، كما يمكنك تقدير قيمة وروعة هذه ~~المؤلفات، حتى عندما تقرأ الإلياذة المترجمة إلى لغات ~~أخرى غير الإغريقية، ولو أن إعجابك لن يصل إلى الذروة ~~التي يصل إليها عندما تقرؤها بالإغريقية. وما نخشاه هو ~~أن تضيع خفتها وسرعتها في الإنجليزية (لاحظ المجازات ~~والكنايات والاستعارات والتوريات والجرس السمعي، ~~ومختلف صور المحسنات البديعية). # يمكننا أن نضيف إلى ما سبق أن هوميروس لم يخلق شعر البطولة من لا ~~شيء، وأن مؤلفاته كانت ذروة تراث قديم طويل من الشعر الغنائي ~~للشعراء المتجولين، وأنه يدين إلى ذلك التراث بقصصه ولغته ~~وأوزانه. # ربما تضمن شعر هوميروس، ~~أيضا، كسرا من أشعار العصور السابقة، مع احتمال أن يكون غيرها في ~~عملية اقتباسها. والواقع أن هوميروس وضع أساس الاقتباس الأدبي، ~~وكان الأغارقة يرجعون إليه دائما في الاستلهام والاقتداء. كان أبا ms044 ~~الكوميديا والتراجيديا. ورغم عدم إمكان محاكاة طريقته بنجاح، في ~~شعر البطولة، فإن غيره من الشعراء تعلموا منه كيف يشكلون مادتهم، ~~وكيف يصوغون لغتهم. كما تعلموا منه أيضا أن الاقتصاد في عرض ~~الخبرة التي تجعلنا نعجب من أنه أمكن التعبير عن كل تلك المعاني ~~الكثيرة بألفاظ قليلة. وما يكاد يختص به هو وحده. وما حققه من نجاح ~~باهر في شعر البطولة هو المدى الواسع في الابتكار. وقد انحصر عالمه ~~بمعارف عصره. ولكنه ملأه بالأحياء من الرجال والنساء، وصاغ من ~~القصص القديمة (الساجا # Saga ~~) ~~شخصيات القصص الشعبي والأحداث، ما جعلها حية عندما أظهرها إلى حيز ~~الوجود. ومن بين جميع كتب الحكمة البشرية، نجد كتب هوميروس هي ~~الوحيدة التي لها الصدارة في الفن والجودة. # تكلمنا عن حداثة لغة هوميروس وخفة جوها العجيب وجمالها وسرعتها. ~~وهي كذلك ذات معنى صناعي. لم يتكلم بها قط في الحياة العادية، ~~واتخذت الحرية في القواعد. إنها كلام شعري قصد به موضوعات أكثر ~~عظمة من الحياة العامة، مليء بالمترادفات والصور المتبادلة الزاخرة ~~بألفاظ المغامرة والمأخوذة من عدة مصادر . # ولما كان هوميروس رجلا ذا موهبة قصصية فائقة، فإنه يعرف كيف ~~يحتفظ بالقارئ - رغم وصفه الطويل للقتال - بصورة حية وعلى وتيرة ~~واحدة، فإنه سيعوض عن وصفه الطويل للقتال بتلك الابتسامات التي هي ~~سلف كل الابتسامات والصور القصيرة المرسومة بتألق عظيم من عالم ذلك ~~الشاعر نفسه، ويشبه أجاكس العظيم في لزومه داره العنيد، حمارا ~~استقر في حقل ورفض الخروج منه غير عابئ بما ينهال عليه من ضرب ~~مبرح. ويشبه جريان باريس Paris # إلى المعركة، حصانا غذي بالشعير فيجري إلى مرعى الأفراس. ويحطم ~~أبولو # Apollo # سور المعسكر ~~الآخي # Achean ~~، كما يحطم الطفل ~~قصرا بناه من الرمل. ويسطع الضوء فوق رأس أخيل كالنار الموقدة ~~داخل مدينة محاصرة ليراها الجيران فيسرعوا إليها بالنجدة. هذا، وإن ~~المنظر يتغير باستمرار. # وعلى الرغم من أن شعر هوميروس هو أقدم الأشعار، فإنه ليس ~~بدائيا؛ لأن هوميروس لم يسع وراء تفوق بعيد الشأو من حيث الوزن ~~والأفكار واللغة كما أن ms045 الموضوع تجارب، وإنما هو سيطرة كاملة على ~~وزن من أصعب الأوزان، ومن أصعب قواعد علم الصرف المعقدة، ومن أضخم ~~مجموعة ألفاظ استعملها أي شاعر إغريقي. # مقدمة الموضوعات الهومرية # هوميروس هو الممثل الأدبي ~~الوحيد لعصر البطولة الذي خلد شعره بينما لم يخلد أي شعر لأي شاعر ~~سابق أو معاصر. وقد انضمت مصائر أسماء أولئك الشعراء إلى مصير ~~أشعارهم. وهناك قليل من الشك في أن أناشيد كل من موزايوس # Musaeus # ولينوس # Linus # وأورفيوس # Orpheus # لم تنشد إطلاقا، وأن هذه ~~الأسماء لا تمثل شيئا أكثر من أن أصحابها شعراء شعبيون. من ~~الحقائق العجيبة أن الإلياذة والأوديسة، ويبلغ مجموع طوليهما حوالي ~~28000 بيت شعري قد خلدتا خلال القرون المظلمة الواقعة بين هوميروس ~~والسيادة الأثينية. وقلما تكون هذه أعجب من الحقيقة الثانية وهي أن ~~الشعر الهوميري هو الشعر الوحيد الذي بقي سليما طوال تلك القرون ~~المظلمة الواقعة بين أريسطو # Aristotle # وإحياء العلوم الحديث. وقلما تكون الأسماء ~~الشهيرة، أمثال: أرخيلوخوس # Archilochus # وصافو # Sappho # وألكايوس # Alcaeus # وسيمونيدس # Simonides # أكثر من أسماء لأنها لم تعرف إلا بمحض ~~الصدفة السعيدة أو حسن الحظ لذكرها، أو للعثور على أوراق البردي ~~الممزقة التي اعتبرها كثير من شعراء الدراما الناجحين، في الأيام ~~التي ازدهر فيها المسرح، مجرد أسماء ولا أكثر من ذلك، وحتى ~~سوفوكليس # Sophocles # الذي كان ~~محبوبا في ذلك العصر، على الرغم من أنه كتب أكثر من مائة مسرحية، ~~لم يبق منها سوى سبع مسرحيات، وفقد الباقي أو بقيت منه بضع كسر. ~~وإن هوميروس الذي كان معروفا تماما لكل من أفلاطون Plato # وأريسطو ومشاهير علماء ~~الإسكندرية، هو من الناحية العملية، نفس هوميروس المعروف لنا. وليس ~~هذا صحيحا مع أي شاعر آخر في اليونان القديمة أو ~~الكلاسيكية. # يوصف هوميروس أحيانا بأنه شاعر قصائد البطولة المبكرة الثانية. ~~كما يوصف بأنه شاعر الإلياذة والأوديسة. بيد أن كتاب خير العصور لا ~~يذكرونه بهذه الصفات. فدائما ما عمل أريسطو وعلماء الإسكندرية ~~تفرقة بين شعر هوميروس والأشعار الأخرى لدورة شعر البطولة المبكر. ~~وقد أقام شعب كولوفون # Colophon ms046 # تمثالا لهوميروس ونقشوا عليه هذه العبارة: «لم يلد هؤلاء مع روحك ~~المقدسة ابنتين، بل قصيدتين تكريما للأبطال. إحداهما تحكي عودة ~~أوديسيوس والأخرى تروي قصة حرب إيليوم # Ilium ~~». وهكذا تكون الإشارة إلى هوميروس كمؤلف ~~قصائد البطولة غير الإلياذة والأوديسة، وهي غامضة وتعتمد على ~~تفسيرات صعبة لفقرات يحوطها الشك. وبذا تختلف عن الإثباتات ~~الواضحة للمصادر القديمة الموثوق بها. حتى قلما يمكن لاسم ~~هوميروس أن يتصل بأشعار البطولة هذه إلا بعد العصور المتأخرة ~~نسبيا، وقد نسبت إلى هوميروس العظيم قصيدة اسمها «المارجيتيس # Margites ~~»، وهي قصيدة هزلية أو ~~انتقادية، نظمت في أوائل ربيع حياته، وكذلك قصيدته «معركة الضفادع ~~والفئران # Batrachomyomachia ~~». كما ~~تنسب إليه الأناشيد الهوميرية المكتوبة بلهجة هوميروس وأوزانه ~~الشعرية. ويذكر ثوكيديدس # Thucydides # أنشودة من هذه الأناشيد الأربع والثلاثين ~~كما لو كانت من نظم هوميروس. غير أن لغتها تبدو بوضوح أنها من عصر ~~متأخر كثيرا عن عصر كل من الإلياذة والأوديسة. # السؤال الهومري # ومع ذلك، ففي يوم ما، قدم سؤال يطلب ردا مقنعا عما إذا كان كل ~~من الإلياذة والأوديسة وحدة واحدة، وأن كلتيهما من تأليف العبقرية ~~ذاتها، أو هل هي من إنتاج عدة شعراء خرجوا من عدة أجيال؟ # ما زال موضوع الجدل بغير حل. وأن من يؤمنون بأنهما من نظم ~~هوميروس وحده. ومن يؤمنون بأنهما من نظم كثير من الشعراء، على حد ~~سواء، مضطرون إلى الاعتماد على أمور متشابهة: هل من المعقول أكثر ~~من غيره، افتراض وجود عبقرية سامية واحدة، أبدعت مثل هذين ~~المؤلفين الفنيين العجيبين والمتشابهين، أم أن هناك شعراء كثيرين ~~من أمثال هوميروس، كل واحد منهم أستاذ في نفس ذلك الأسلوب العظيم، ~~ولكل منهم نفس الأهداف الشاعرية، وكل واحد منهم مسيطر على فنه ~~بنفس القوة الشاعرية؟ # لم يشك اليونانيون إطلاقا في أن هاتين القصيدتين من نظم رجل ~~واحد، ويبدو من الأفضل جدا لنا، مع كل ذلك التراث القديم، أن ~~نعتقد أنه كان لهيلاس # Hellas # القديمة شاعر واحد قادر على نظم هاتين القصيدتين بدلا من أن يعتقد ~~بأنه كان لها عدة رجال ms047 موهوبين بأمثال تلك القوات، ثم ~~ننساهم. # وما يزيد الموضوع تعقيدا، هو أننا لا نعرف سوى القليل عن هذا ~~الشاعر نفسه، لم يكن هناك نقد أدبي حتى ذلك الوقت، ورغم بقاء ~~قصيدتي هوميروس، فقد نسي الناس شخصيته والمعلومات التي ذكرها ~~المؤرخون أمثال بلوطارخ Plutarch # وثوكيديديس، من وقت متأخر، وعديمة الفائدة. فإن أقدم تاريخ هو ~~منتصف القرن الحادي عشر ق.م. ولم يعرف الأغارقة أنفسهم شيئا عن ~~الوقت الذي نظم فيه هوميروس قصيدتيه هاتين، ولا المكان الذي ولد ~~فيه هذا الشاعر بالضبط. فقد ذكرت سبعة أماكن على أنها مسقط رأسه، ~~فيقال إن منها: أزمير # Smyrna ~~، ~~وخيوس # Chios ~~، ورودس # Rhodes # وأرجوس # Argos ~~، وكولوفون # Colophon ~~، وأثينا # Athen ~~. ولا تستند هذه المعلومات على أي شيء سوى ~~الرغبة في الاتصال بذلك الرجل الشهير. ولسوء الحظ، لم يوجد اسمه في ~~أية مخطوطات قديمة، ولا على أية نقوش مبكرة، وأول ذكر له على أنه ~~هوميروس جاء فيما كتبه اكسينوفون # Xenophones # الكولوفوني. وكان هذا قرب نهاية القرن ~~السادس ق.م.، بينما ظهرت الأسماء: الإلياذة والأوديسة، لأول مرة في ~~تاريخ هيرودوت # Herodotus ~~، أي في ~~النصف الثاني من القرن التالي (486ق.م.). ورغم مجيء اسم هوميروس ~~متأخرا في الأدب الباقي، فلم يبد أي كاتب إغريقي قديم أي شك في ~~وجود شاعر حقيقي، أو في أن ذلك الشاعر هو مؤلف الإلياذة والأوديسة. ~~لقد آمن بوجود هوميروس جميع الأغارقة القدماء كقضية مسلمة، مثل ~~وجود جبالهم ومجاري مياههم، حتى ليبدو أنهم لم يشعروا بأي غموض ~~فيما يختص به. ومن النادر جدا، أن خامرهم أي شك أو تخمين حول ~~عصره وموطنه وعبقريته. كما أن هوميروس نفسه لم يذكر اسمه ولا ~~المكان الذي ولد فيه، ولا أية معلومات حول نفسه أو عن مؤلفاته، ~~وقد أدى عدم وجود أوصاف محلية أكيدة ومحددة عن مسقط رأسه، والشهرة ~~العظيمة التي تحظى بها أشعاره، إلى أن ادعت مدن كثيرة أنه من ~~أبنائها. ومن بين شتى المدن التي ادعت لنفسها هذا الشرف، أزمير ~~التي اعترف لها به كثير من البلاد؛ إذ يبدو أن أول ms048 معرفة لقصائده ~~تمركزت في تلك المدينة، وقد أطلق على هوميروس اسم آخر هو ~~ميليسجينيس # Melesigeness ~~. ومن ~~الجلي أنه اسم مشتق من اسم نهر ميليس # Meles # الذي يجري في أزمير حيث يقال إن مولده كان على ~~ضفتي النهر. ومما يؤسف له أنه سمي بالاسم ماكونيديس # Maconides # المشتق من ماكونيا # Maconia # وهو الاسم القديم للوديا # Lydia ~~. وهناك نزاع حول تاريخ ميلاده، ~~ولكن تبعا لهيرودوت، هو سنة 830ق.م. ورغم كل هذا، يشك العلماء ~~المحدثون في وجود هوميروس وأنكروه تماما. كما يقولون: إن الإلياذة ~~والأوديسة من نظم عدة شعراء، وكذلك يقولون إن اسمه مكون من # O m e r o s ~~، أي الرجل الذي يضم ~~بعض القصص إلى بعض آخر. ويقول آخرون إنه # Omeros # ومعناه «أعمى» أو «رهينة» ~~مستندين في ذلك إلى أن الشعر الذي قاله المنشدون القصصيون ضم معا ~~وكون منه ما يسمى الآن بالإلياذة والأوديسة. وعلى أية حال، هذا محض ~~اقتراح، وهناك آخرون، أكثر فضولا، يقولون إن مؤلفات هوميروس ذات ~~أصل بابلي # Babylonian ~~، وإن معنى ~~كلمة # Omeros # هو «شخص منشد». # ولندرس الآن النقد الحديث ~~القائل بأن هوميروس لم يكن موجودا. وقد بدأ هذا القول العالم ~~الألماني وولف # Wolf ~~، في القرن ~~الثامن عشر في مؤلفه Prolegomena # ويتحدث هذا الكتاب عن الهوميوريداي # Homeoridae ~~، # 1 # فقال: إن تلك المنظومة جمعت في عصر لم يعرف الإغريق ~~فيه ماذا يكتبون. وقال : إنهم لم يهتموا بهوميروس كما يعتقد ~~أفلاطون، ولكنهم قد يكونون أمناء في تفسير # Omeros # بأبناء الرهائن. وقد نشر ~~وولف كتابه الشهير Prolegomena ~~، ~~يعرض فيه نظرياته القائلة بأن الإلياذة عبارة عن مجموعة من الكسر ~~تدين بشكلها الخاص إلى بيزيستراتوس Peisistratus ~~، ويعزز قوله بحقيقة أن الكتابة الأدبية ~~لم تكن معروفة في الوقت الذي نظمت فيه الإلياذة. ولذلك لم يكن هناك ~~جمهور قارئ، ولكن إلياذتنا لا بد أن وضعت لجمهور مولع بالقراءة، ~~رأى وولف هذه النقطة حيوية فقام بتجاربه بدون الاستعانة بعلم ~~النقوش ولا بعلم الآثار. وقد فقدت نظرياته كثيرا من قوتها لدى ~~العلماء المحدثين الذين ناقشوا هذه المسألة ms049 في ضوء عصر (قرن) ~~الحفائر، حقيقة، ليس لدينا نقوش تدل على تاريخ قبل النصف الأول من ~~القرن السابع ق.م.، والأمارات التي يرسلها لنا برويتوس Proetus # كحكم بالإعدام على ~~بيليروفون # Bellerophon ~~، لا تعني ~~شيئا أكثر تقدما من بعض صور قائمة مقاطع الحروف مثل القائمة ~~الكريتية، لم يكن هناك ذكر لأية كتابة في الأدب الإغريقي قبل ~~أرخيلوخوس # Archilochus ~~، ولكن ~~الأغارقة أخذوا حروف الهجاء عن الشرقيين، وربما أخذوها من مصادر ~~فينيقية Phoenician ~~. وليس هذا بعد ~~القرن العاشر ق.م. # لا بد أن هوميروس كان يعرف الكتابة، ولكنه لم يستخدمها في عصر ~~كانت فيه اختراعا حديثا لا يفوق استخدام الذاكرة. # وتبعا لاعتراض وولف، فإن التركيب الأصلي للإلياذة يختلف عما ~~لدينا اليوم، وهذا بسبب: ~~(1) # بما أن الأغارقة لم يعرفوا الكتابة، فمن المستحيل تماما ~~لرجل واحد أن ينظم مثل هذه الملحمة الطويلة دون أن يكتبها، ~~إلا إذا كانت ذاكرته فوق مستوى ذاكرة البشر. ~~(2) # من الصعب الوصول إلى نتيجة فيما يختص بأغراض هذا الشاعر ~~من مؤلفاته - إذا كان هو صاحبها - إذ ليس هناك ما يغريه أو ~~يحثه على تأليفها، أو يكون له دافع يجعله ينظم مثل ~~هاتين القصيدتين الطويلتين (حوالي 28000 سطر) إلا إذا ~~كان هناك قراء يقرءون الكتب أو يشترونها. ~~(3) # لم تكن هناك إلياذة قبل عصر بيزيستراتوس، وما حدث هو أن ~~ذلك الطاغية أمر رواة الشعر بأن ينظموا ملحمة مطولة، من ~~الشعر الكثير المخزون في الذاكرة. ~~(4) # بما أن هذه الأشعار لم تكتب في عصر واحد بواسطة مؤلف ~~واحد، فهناك آثار وتذييلات كثيرة أدخلت في الملحمة. ونتيجة ~~لذلك نلاحظ وجود كثير من المتناقضات والعبارات غير ~~المترابطة. وهذا يعني أن كلا من الإلياذة والأوديسة، ~~كانت تتكون من قصائد قصيرة نظمت في أجيال متعاقبة ~~بواسطة عدة شعراء وأن هذه القصائد أو القصص، وجدت قبل عصر ~~هوميروس، وانتقلت شفويا إلى الخلف. ثم جاء هوميروس، أو ~~جامع الأشعار، كما يمكننا أن نسميه، وضمها معا. ثم أمر ~~بيزيستراتوس بأن يراجع النقاد هذه المنظومات القصيرة ~~ويضمها معا. في ملحمة طويلة. وفي سنة 160ق.م.: رتب ms050 ~~أريستارخوس # Aristarchus # المنظومات في الصورتين اللتين بقيتا عليهما حتى عصرنا ~~هذا. ~~(5) # هناك اعتراض آخر لوجود 18 نوعا من الشعر في الإلياذة، ~~فعندما ينشدها الرواة يطيلونها. وهكذا لا يكون الشعر سوى ~~إطالات نمت. ويقال إن بيزيستراتوس وضع هذه المطولات في ~~شكلها النهائي. # ويتقدم معارضو هذه النظرية بأوجه اعتراضاتهم مدافعين عن هوميروس: ~~(1) # لا بد أن كانت الكتابة موجودة. وإذا لم تكن موجودة، ~~فإننا نعرف أن كثيرا من الناس كانت لهم أشعار تتناقل ~~شفويا (مثال ذلك القبائل الروسية) بالذاكرة القوية رغم ~~أن الحفاظ أو الرواة كانوا أميين. فإن الجهل يساعد الذاكرة ~~أو يجبرها على أن تتذكر. ~~(2) # هناك عدة نصوص ~~كتبها مختلف المؤلفين الأغارقة قبل بيزيستراتوس الذي كان ~~يحفظ أشعار هوميروس. وعلى هذا، فمن المؤكد أن ذلك الطاغية ~~وحده هو الذي أعاد ترتيب النصوص والفقرات غير المؤتلفة، ~~فغالبا ما توجد في كل المؤلفات، حتى مؤلفات عظام الكتاب، ~~فنجد نفس هذه العيوب، مثلا، في مؤلفات شكسبير # Shakespeare ~~، ودانتي # Dante ~~. والحقيقة أن جميع ~~الأشعار الهوميرية ليست بنفس درجة الجودة، ومن السهل ~~استخراج بعض المناظر تتضمن قليلا من الحماس والإيحاء، ~~ولكن لا توجد ثلاثة أجزاء من هذه القصائد يوجد بها هذا ~~التنوع كما يوجد في منظومة «سيدان من فيرونا # Two Gentlemen of Verona ~~» ~~أو هامليت # Hamlet ~~» أو ~~«حلم ليلة ~~صيف # Midsummer Nights’s Dream ~~». وأخيرا، وكما قلنا، تسلم الأغارقة ~~الإلياذة والأوديسة لقصيدة واحدة، وإن هناك وحدة فنية ~~معينة لا تبدي طابع جمع الأشعار البطولية، أما فيما يختص ~~بوطنية هوميروس، فنقول إن الاحتمال الأكبر هو أن هوميروس ~~كان من مواطني أيونيا # Ionia ~~؛ فلغته خليط من لهجات شتى تغلب بينها ~~الأيونية والأيولية. والأماكن السبعة المحتمل أن يكون ~~أحدها مسقط رأسه، هي في أساسها أيولية ثم استوطنها شعب ~~أيوني. وتحظى كل من أزمير وخيوس بالأفضلية على المدن ~~الخمس الأخرى في أن تكون مسقط رأس ذلك الشاعر. # أما عن مراجعة بيزيستراتوس لمؤلفات هوميروس، فيقال إنه جمع ~~الأشعار وأدخل فيها مقطوعة لصالح الأثينيين. «كل ما هو بطولي فهو ~~هوميري.» هكذا يقول الأثينيون. غير ms051 أن أرستارخوس # Aristarchus # وحده هو الذي قبل ~~القصيدتين؛ أي الإلياذة والأوديسة على أنهما من تأليف هوميروس. ~~لماذا كان بيزيستراتوس، دون سواه، هو المهتم بهوميروس؟ هذا سؤال ~~الإجابة عليه في منتهى السهولة؛ فقد ألقيت في عيد البان أثينايا Panathenaia # تلاوات من شعر ~~هوميروس البطولي وتليت هذه بطريقة منظمة. وهذا يدل على أن ~~الإلياذة والأوديسة وحدهما هما القصيدتان اللتان سمح بتلاوتهما في ~~الاحتفال بذلك العيد. والسبب في ذلك هو أنهما كانتا تفوقان على ما ~~عداهما في الجودة ورقة الصياغة والترابط، وفي روحهما الدرامية، ~~فضلا عن تفوقهما في الصور البلاغية وشتى المحسنات البديعية التي ~~تجعلهما جذابتين أكثر من غيرهما، كما أنهما تتفوقان في جودة ~~الإكمال والجمال الفني والناحية الإنسانية، أكثر من غيرهما من ~~أشعار البطولة. كانتا من إنتاج عبقرية ممتازة خاصة. «فالإلياذة ~~والأوديسة، ببساطة، زاخرتان بالخيال والإثارة والابتكارات الشعرية، ~~ولا تتقيدان بأية أغراض متطرفة، سواء كانت تلك الأغراض أخلاقية ~~أو تاريخية أو فلسفية.» أما القصائد الأخرى فلم تعادل هاتين ~~الملحمتين في القيمة، وبالطبع، لم يسمح بتلاوة أشعار طيبة # Thebes # في أثينا بسبب العداوة بين هاتين ~~المدينتين. # ومن الجلي أيضا أن اسم هوميروس كان مستقرا وراسخا في العصور ~~الكلاسيكية، وأن الإلياذة والأوديسة قد نسبتا إليه. # ويقول الأغارقة أنفسهم إنه كانت هناك أربع لهجات هي: الدورية # Doric # والأيولية # Aiolic # والأيونية # Ionic # والإبيكية # Epic ~~. وتختلف طريقة اللهجة التي كتبت بها قصائد ~~البطولة عن طريقة اللهجات الأخرى. فكان هناك فرق واضح بطريقة ما ~~بين تلك اللهجات. كما أن هناك اختلاطا بينها. # هذه القصائد الهوميرية خليط عجيب من عدة صور تجعلها لغة خاصة ~~بنفسها. إنها ليست دورية ولا أيولية أو أيونية أو أتيكية # Attic ~~، ولكنها خليط من هذه ~~جميعا. # نجد صورا أتيكية في اللهجة الإبيكية # ews # قصيرة وطويلة. والصورة الأيونية # eos # طويلة وقصيرة. ومن الممكن أن هذه ~~جاءت إلى هاتين القصيدتين على أرض أتيكية. ومن النادر أنها كانت ~~قبل سنة 500ق.م. بزمن كبير. أما عن الأغراض، فيجب أن نميز بينها. ~~فهناك أولا الطريقة الأتيكية المقابلة للنزع. ولن تفهم ms052 عدة سطور ~~تبدأ ب # ews # حتى نعيد إليها الصورة ~~الأيونية الوقع # eos ~~. أي إنها سطور ~~أيونية جيدة، وليست الصورة الأتيكية سوى خطأ من الناسخ الأتيكي. ~~ولكن هناك أيضا سطور أتيكية ثابتة تفهم حيث هي، ويتعذر فهمها إذا ~~حولت إلى الأيونية. وهذه، بالمعنى الحرفي، سطور متأخرة نظمت على ~~أرض أتيكية بعد أن استولت أثينا على شعر الملاحم. # | الملخص # إذا حاولنا أن نعرف بالضبط أي الأشعار يعتبر من تأليف هوميروس بصفة ~~قاطعة عند بداية أول تراثنا الأدبي، فإن الجواب لا بد أن يكون - كل ما ~~هو «هوميري وبطولي». وبمعنى آخر: كل ما يعبر، في شعر بطولي، عن ~~المجموعتين الرئيسيتين للأسطورة التي تدور حول طروادة وطيبة على ~~التوالي. وكان أول ذكر لهوميروس بواسطة الشاعر كالينياس # Callineas ~~(حوالي سنة 660ق.م.) الذي يشير ~~إلى المنظومة الطيبية # Thebais # على ~~أنها من تأليف هوميروس. ويحتمل أن يكون ثاني من ذكر هوميروس هو ~~سيمونيديس ~~الأمورجوسي # Semonides of Amorgos ~~(حوالي سنة 660ق.م.) ذلك الذي يتلو مثلا على ~~أنه من قول «رجل من خيوس». وذلك المثل موجود في إلياذتنا: «ينقضي ~~الإنسان بنفس الطريقة التي تنقضي بها أوراق الأشجار.» ومن الممكن أنه ~~يشير إلى رجل معين من مواطني خيوس، وأن السطر الموجود في إلياذتنا مجرد ~~مثل شائع تتضمنه الملحمة، ولكن الملفت للانتباه هو أنه يتلو نفس ذلك ~~المثل، ويتكلم سيمونيديس ~~الخيوسي # Simonides of Xeos ~~(من 556-488ق.م.)، بعد ذلك بقرن، يتكلم عن ~~هوميروس وستيزيخوروس # Stesichorus ~~، ~~ذاكرا كيف أن ميل-أرجوس # Mele-Argos # قد هزمت كل الشباب حاملي الرماح، المارين خلال أناوروس # Anauros # البرية، ليس هذا في إلياذتنا ولا ~~في أوديستنا. ولا نستطيع بإصرار شديد، اقتفاء أثر المنظومة التي جاء ~~منها ذلك المثل، ويذكر بندار Pindar # اسم هوميروس عدة مرات، ويلومه على تبجيله أوديسيوس، وفي هذا إشارة إلى ~~الأوديسة - ثم يعود فيعفو عنه لأنه روى «بالتفصيل كل ما يبرهن على ~~شجاعة أياس # Aias ~~». وخصوصا منظر ~~إنقاذه جثة أخيل الذي وصف في ملحمتين مفقودتين؛ هما الإلياذة الصغرى ~~وأيثيوبيس # Aethiopis ~~، ويأمرنا بأن ~~نتذكر قول هوميروس: «الرسول الطيب ms053 يجلب الشرف لأية معاملة». وهذه ~~عبارة لا يقولها هوميروس إطلاقا. ويذكر الهوميريداي، أو منشدي ~~الأشعار. # إذا أطلق أيسخولوس # Aeschylus # على ~~مسرحياته: «شرائح من ولائم هوميروس العظيمة»، فلا بد أن الولائم التي ~~أشار إليها، كانت أعظم بكثير من تلك الولائم التي ندعى إليها. ومن بين ~~جميع مسرحيات أيسخولوس التسعين، قلما نجد أكثر من سبع مسرحيات أخذ ~~موضوعها من شاعرنا هوميروس. ومن بين هذه المسرحيات: أجاممنون # Agamemnon # وخويفوروي # Choephoroi ~~. ومن الصعب أن نطلب من أحد ~~النقاد أن يصف هاتين المسرحيتين على أنهما شرائح من الأوديسة. وما ~~كان يعنيه أيسخولوس بقوله إن هوميروس، في مجموعه، هو قصة البطولة. هو ~~نفس ما قاله سوفوكليس # Sophocles # الذي ~~يسمى: «أكثر هوميرية»، وما يقوله الأثينيون ليبتهجوا في دورة الشعر ~~البطولي، ويصنعوا منه دراميات كاملة. وهذا يعني أنه عالج تلك الأساطير ~~البطولية التي عرفها أثينايوس # Athenaeus # فقط في دوائر النثر أو الكتب الصغيرة التي ~~ألفها ديونيايوس # Dionyaius # في القرن ~~الثاني ق.م. وأبولودوروس # Apollodorus # في القرن الأول. ويعتبر كسينوفانيس # Xenophanes ~~(القرن السادس) «هوميروس وهسيود # Hesiod ~~» كل قصص التراث البطولي والآلام على ~~حد سواء، كما يعتبرهما هيرودوت تماما عندما يقول إنهما كليهما «صنعا ~~الديانة الإغريقية، ووزعا على الآلهة ألقابهم ودرجاتهم الشرفية ~~وصناعاتهم، ووصفا ما كان يشبه الآلهة». # وفي هذا يستعمل هيرودوت اللغة العرفية، ولكنه كان قد اتخذ مستوى ~~للنقد الذي يناقض قوله؛ لأنه يدرك تماما أن هوميروس هو مؤلف ~~الإلياذة والأوديسة. وإنه ليرتاب في أن يكون نظام ذلك الشعر المتأخر ~~شعره. وهو على يقين من أن المنظومة القبرصية # Cypria # لا يمكن أن تكون له لأنها تناقض الإلياذة، ~~هذا هو الأثر الأدل للميل الذي ساد أخيرا. ويعترف ثوميديديس في صراحة ~~تامة، بأن الإلياذة والأوديسة وأنشودة أبولو، من نظم هوميروس. ولا ~~ينسب إليه أريسطو شيئا غير الإلياذة والأوديسة والشعر البطولي الدعابي # Margîtes ~~. أما الفقرات التي ذكرها ~~أفلاطون، فلا تذهب إلى أكثر من الإلياذة والأوديسة. وهاتان المنظومتان ~~وحدهما هما اللتان اعترف بهما لهوميروس العالم السكندري العظيم ~~أريستارخوس # Aristarchus ~~(160ق.م.) ~~فبقيتا هوميريتين منذ ذلك ms054 الوقت. # كيف حدث أن اختيرت هاتان المنظومتان أصلا، على أنهما من تأليف ~~هوميروس بدرجة خاصة؟ وكيف حدث، على الرغم من الاختلافات الأساسية ~~بينهما، أنهما حظيتا معا بأنهما القصيدتان الحقيقيتان اللتان من تأليف ~~هوميروس، بينما هناك أشعار مطولة كثيرة، سحبت منه تدريجيا؟ ومن ~~المدهش جدا عندما نتأمل الفرق وعدم التشابه بينهما اللذين أوضحا في ~~العصور السكندرية بواسطة الفاصلين أكسينون # Xenon # وهيلينيوس # Hellenieus ~~. # | التلاوات البان أثيناوية # رأينا فيما سبق أن آثار تلك التلاوات قد ثبتت الإلياذة والأوديسة على ~~أنهما من تأليف هوميروس دون ما شك، ولتثبت فيها نوعا من الحوادث، ~~وبالطبع لتجعلها ملكا مقدسا لأثينا. ولنحاول الآن أن ننظر في هذا ~~الأمر أكثر من ذلك. متى ثبتت؟ هل كان هناك قانون حقيقة، أو كانت هناك ~~عملية تدريجية صنعتها التقاليد، كعادتها، فأنشأت قانونا واحدا ~~محددا؟ أما عن التاريخ، فمن المؤكد أنه لم يكن قبل آخر شخص ينسب إليه ~~تثبيت العادات، أي أنه ليس قبل حكم هيبرخوس # Hipperchus ~~. ومن المحتمل أن يكون بعده. والآن لكي نجعل ~~مؤلفات هذا الشاعر الأيوني جزءا متكاملا من أعظم احتفال ديني في ~~أثينا، وهذا شيء لم يسبق حدوثه إلا في عصر النشاط الأخوي مع أيونيا، ~~تبدأ هذه الحركة بالنسبة لأثينا منذ عهد التمرد الأيوني قبل عام ~~500ق.م. الذي كان يخجل من رجالها المفترضين. فحتى كلايسثينيس # Cleisthenes ~~، نبذ أسماء القبائل ~~الأيونية. ويفتتح العام 499ق.م. العصر الأيوني البان أثيناوي العظيم ~~للسياسة الأثينية، الذي تقبل فيه أثينا مركز العاصمة الرئيسية # metropolis ~~، وحامية أيونيا، وتنتهج ~~الثقافة الأيونية، وتسمو إلى مركز المدينة ذات السيادة والمسيطرة على ~~بلاد الإغريق. # لا بد أن العلوم والآداب قد انتقلت من ميليتوس # Miletus # عند انقلاب القرن السادس ق.م. كما انتقلت ~~القسطنطينية # Constantinople # في القرن ~~الخامس عشر الميلادي، وكانت أثينا ملجأهما الطبيعي. وسنرى فيما بعد ~~كثيرا من مختلف الرجال والحركات العظمى التي انتقلت في ذلك العصر من ~~آسيا إلى أثينا. ومن الحقائق المثالية، اتخاذ أثينا حروف الهجاء ~~الأيونية للاستعمال الشخصي والأدبي، كانت حروف الهجاء الأثينية الوطنية ~~بائدة ومبتذلة ليس فيها ms055 حروف ساكنة مزدوجة ولا تمييز كاف بين ~~حروف المد. أما حروف الهجاء الأيونية، فهي التي نستعملها اليوم، ولم ~~تستعمل رسميا في أثينا حتى عام 404. فقد أرادت المستندات العامة ~~أن تحتفظ بعظمتها البائدة، ولكنها كانت مستعملة هناك في الشئون الخاصة ~~إبان الحروب الفارسية، أي أنها جاءت في العصر الذي قبلت فيه أثينا ~~وأكدت جدارتها لمركزها كعاصمة أيونيا، واعتنقت الشعر الأيوني كجزء من ~~ممتلكاتها المقدسة، ولكن جاءت صعوبة غريبة أظهرت نفسها؛ فقد كتبت أشعار ~~هوميروس في أيونيا، من قبل، باللهجة الأيونية، ما في هذا شك. ومع ذلك، ~~فإن تراثنا يؤكد، وتؤيده في هذا كثير من الحقائق الواضحة التي ~~أبانها السكندريون، واعتبارات نقد النصوص، تؤكد أن نصوص أشعار ~~هوميروس القديمة كانت مكتوبة بحروف الهجاء الأتيكية. فإذا كان هوميروس ~~قد جاء إلى البان أثينايا في نفس الوقت الذي جاءت فيه حروف الهجاء ~~الأيونية الجديدة، إلى أثينا، فكيف أعاد الناس كتابة هذه الأشعار من ~~الحروف الأحسن إلى الأردأ؟ ليس الجواب على هذا السؤال صعبا، وهو نفس ~~الجواب على سؤال آخر لم نستطع حله من قبل. كتبت نسخ من شعر هوميروس ~~باللهجة الأتيكية الرسمية؛ لأن إلقاء هذه الأشعار في البان أثينايا، ~~كان احتفالا رسميا فرضه أمر قانوني. # | النصوص الهومرية # لم يعرف الأغارقة، كما سبق أن قلنا، من هو هوميروس. وبالتدريج، قرر ~~الناس أن القصيدتين وحدهما من تأليفه. أما بقية الأشعار فليست كذلك. ~~ورغم هذه الحقيقة، فإن النص الفعلي لكل من الإلياذة والأوديسة، لم ~~يكن شيئا مسلما به. كانت الإلياذة والأوديسة إنجيل ~~الأغارقة. # حفظ وتلا، قدامى المؤلفين والكتاب نصوصا من هوميروس وصار كلا ~~الكتابين، كتابا واحدا بالغ التقديس. ورغم هذا، فبعض هذه النصوص ~~المقتبسة، لا يوجد في الكتب التي لدينا. وبعضها مختلف بعض الشيء. ~~وبالاختصار، ليس هناك نص رسمي معترف به. وحتى أريستارخوس لم يتفق على ~~النصوص إلى عصره. وهذا راجع إلى الشعراء المنشدين، نعلم أن شعر ~~الملاحم في أيونيا، كان في حوزة الهوميريداي، أو الشعراء المنشدين. ~~ويحق لنا أن نفترض أن هؤلاء الشعراء المنشدين قد انتظموا ms056 في نقابات ~~أو مدارس. ونعرف إجمالا كيف يعمل الشاعر المنشد؛ فهو يختار نصه ~~الأدبي. من أية أسطورة يمكنه الحصول عليها، كما يفعل الشعراء ~~المتجولون، في الأوديسة. فإنه ينتقي بعض السطور كمقدمة، كما يخبرنا ~~بندار، وتدلنا الأناشيد الهوميرية، أو المقدمة، عما يعنيه ذلك ~~المنشد. وربما بعض سطور من الخاتمة. فإن أنشد أنشودة عادية، فإنه يتلو ~~بعض فقرات قوية (وأية قطعة لإصلاح لهجة ما)، وحلقة (قصة يضعها في ~~السرد أو في القصيدة ليضفي عليها بعض التنوع) ليجعل أنشودته جذابة ~~قدر المستطاع كغيرها. وهو يعترض على النص الثابت، ويمقت إضافة الأجزاء ~~الفرعية إلى الكل. والآن نجد قصائد مليئة بآثار من نظم الشعراء ~~المنشدين. وهي تطور للقصة التاريخية المتلوة أو المحفوظة، وحيث ~~لا تتفق وحدتها أو انسجامها، عندئذ يقع معظم الذنب على القصة ~~التاريخية المحفوظة، وقد فعل الشاعر المنشد الكثير، كما فعل القصاص، ~~فيبدأ بمخاطبة المستمع، ثم ينشد ويتلو أو يحكي الأنشودة القصيرة، ثم ~~يختمها بكلمة وداع. ومن المحتمل أن يتلو المقدمة والخاتمة من نص ~~أدبي مختار، وخصوصا من هوميروس. أما الأحداث فيتلوها من شيء يتعلق ~~بالشخص المكرم. ومع ذلك فإن الحقيقة الواقعية لقصائدنا الهوميرية ليست ~~دلالتها على أمارات من تنميق الشعراء المنشدين، ولكن لأنها لا تدل على ~~شيء أكثر، إنها، كما هي، لا تلائم الشاعر المنشد؛ فهي طويلة جدا لا ~~يمكنه تلاوتها كلها إلا في حفل عظيم فريد، كالحفل الذي فكر القانون ~~في إقامته بنظام سامي التنسيق. عندئذ يقسمها إلى أجزاء مفككة. ومن ~~غير المعقول أن يكون القانون هو الذي اختصرها إلى شكلها الحالي بضربة ~~واحدة. فكل ما أصر عليه هو الحصول على التاريخ الحقيقي بنتائجه ~~الصحيحة. فإذا سمح للشعراء المنشدين بشيء ما، فإنه لم يسمح لهم إلا ~~بحرية معينة في اختيارهم للزخارف. ولم يصر على أن يقيدهم بألفاظ ~~محددة. # ويدل كل تاريخ النصر في القرن الرابع على هذا الجدل. والحقيقة في ~~أساسها، هي أن القصائد كما هي لدينا، أساسية وغير قابلة للتقسيم، ~~وملائمة لما يطلبه الجمهور القارئ. وفي سنة 470، لم يكن هناك ms057 جمهور ~~قارئ، سواء في أثينا أو في أيونيا. وقد كتب أناكسيماندر # Anaximander ~~، عبارات حكمته لبعض ~~الطلبة المجتهدين ليحفظوها عن ظهر قلب، بحيث يسر جرسها السمعي ~~الأذن، وظل الأمر هكذا حتى جاء هيرودوت بعد ذلك بأربعين سنة، في عام ~~630ق.م.، فحول ما كان يحفظه وجعله على صورة كتاب للمتعلمين من الناس ~~ليقرءوه لأنفسهم، وبدأ يوريبيديس # Euripides # بجمع مكتبة، وهذا يساعدنا على تكوين فكرة عن ~~أشعار الملاحم الأيونية كما كانت موجودة وكيف نمت قبل نقلها، كانت هذه ~~الملاحم تحفظ وتقرأ، وكانت الإلياذة والأوديسة، في معظم الأحوال، في ~~شكلهما الحالي. ومما لا ريب فيه هو أنهما كانتا في حجمهما الحالي، قد ~~يكون من المؤكد أنهما كانتا إلياذة بدون # K # وأوديسة بدون خاتمة، بينما أنهى ~~أريستارخوس قصيدته بالحرف Psi ψ # بعد أن حذف الأنشودة والنصف الأخيرين. # من الأمور الأكثر أهمية أن الإلياذة لم يكن من الضروري أن تتوقف ~~عند مجرد جنازة هكتور؛ إذ نعرف ترجمة استمرت بعد آخر سطر لدينا، ~~«وبذا تناولت دفن هكتور. ثم جاءت الأمازونة ابنة أريس # Ares ~~، قاتلة الرجال العظمى.» كما روت عن حب ~~أخيل لأميرة الأمازونيات، وعن قتله إياها. ومن المحتمل أيضا أن تكون ~~روت موته، وموت أخيل، كما أحس به جوته # Goethe # هو الخاتمة الحقيقية التي تفتقر إليها ~~إلياذتنا. # استمر هذا النوع من التلاوة الذي تكلمنا عنه، استمر في بلاد ~~الإغريق لزمن طويل. وعندما يريد الشاعر المنشد تكريم بطل ما، أو ~~رجل كريم المحتد، فإنه يحاول أن يغير قليلا في نص الأشعار ~~الأصلية طمعا في زيادة المكافأة، ويقدم مثلا واضحا للأعمال ~~الخارقة التي قام بها ديوميديس # Diomedes ~~، ويرمي أخيل في الظل ويقلب خطة الإلياذة، ربما ~~حدث هذا الانحراف لأن الشاعر المنشد تصادف أن أنشد أمام شخص عظيم من ~~سلالة ديوميديس نفسه. وفي مقدورنا أن نتصور بسهولة ظاهرة أخرى في ~~التكرار. فمثلا، إذا أشرنا إلى بداية اليوم ووصف الفجر، نجده يقول: ~~«وهكذا استيقظ الفجر من الفراش» و«هكذا صلوا عندئذ.» قام الشاعر ~~المنشد بهذا التكرار المستمر لينتقل من أحد أجزاء القصيدة ms058 إلى جزء ~~آخر، في محاولة نقل سطر جيد من مكان إلى مكان آخر. # | لغة شعر البطولة # هناك قسم قديم من اللهجات الإغريقية، سخر منه كثيرا، تحدث عن ~~اللهجات الأيونية والأيولية والدورية والبطولية، وتدل اللهجات الثلاث ~~الأولى، أو تقصد أن تدل، على اختلافات وطنية حقيقية. والأخيرة منها ~~اسم صناعي، ولكن الشيء الذي تدل عليه صناعي أيضا - هو لغة لم ~~يتكلمها أي شخص أيوني أو أيولي أو دورياني. إنه لغة ضخمة ذات ~~إيقاع وعاطفية تشبه آلة معقدة للتعبير عن القصص البطولية ~~التاريخية، كما سبق أن أوضحنا، إنها لهجة معدلة عند كل مقطع بالوزن ~~البطولي، تجري ألقابها الثابتة وتراكيب عباراتها وحلقات اتصالها، إلى ~~الوزن السداسي من تلقاء نفسها. ولما كانت صناعية، بأحد المعاني، فإنها ~~تعطي طابع الطبيعة نفسها تتكلم. نجد بها العبارات العادية، ~~والعبارات التي تخرج كيفما اتفق، مثل: «يأتي السيل الوابل نازلا على ~~رءوسهم من الجبال» و«تصبح الريح الغربية العالية، فوق بحر ذي وجه شبيه ~~بالخمر» و«الجزيرة الشرقية حيث يقيم إيوس # EOS ~~، الفجر الطفل، وسط أماكنها وأراضيها الراقصة، ~~وأماكن الشمس المرتفعة.» تبدو هذه الألفاظ في اللغة الإغريقية لشعر ~~البطولة حية. إنها تنادي، ليس تماما بالمنظر أو الصوت، ولكن بالطابع ~~العاطفي المضبوط للصباح وللريح وللبحر. أما التعبير عن المشاعر البشرية ~~فغالبا ما تكون سحرية: «غضب ماذا، ولو أن يديه تكونان كالنار، وروحه ~~كالحديد المحمي.» وهكذا لا يوجد عدم تنسيق في اللهجة البطولية في ~~القول بأنها كما هي؛ فهي ليست لغة وإنما هي خليط من أشعار غير ~~منسجمة لغويا، متأخرة ومبكرة ووسطى. # هناك أولا الصور الأتيكية مثل # EWS # و # VLKWVTES # التي لم يمكن أن تأتي إلى ~~القصائد إلا فوق أرض أتيكية. ثم هناك الصور الزائفة بالمئات - وقد جرت ~~محاولات من جانب المنشد أو الكاتب الأثيني للتوفيق بين صورة أيونية ~~غريبة وصورته الأتيكية الطبيعية عندما لا تلائم الأخيرة الوزن. ~~فالأيونية ترى # OPEOVTES # بينما ترى ~~الأتيكية # OPWVTES # المقاطع بدلا من ~~أربعة. وتعطي نصوصا # OPOWVTES # الزائفة، ~~أي أنها حورت الصورة الأتيكية إلى أربعة مقاطع بالتشديد على ال ms059 # W ~~، ولكن لكي نتخلص من الصور الأتيكية ~~لا بد لنا من أن نذهب شوطا بعيدا. وهناك تحريف غير أيوني في اللغة ~~الهوميرية ظل معروفا باستمرار، ولكنه قدر بطرق شتى منذ العصور ~~القديمة وما بعدها، ويبدو أنه خاص بمجموعة اللهجات التي يتكلمون ~~بها في تساليا # Thessaly # ولسبوس # Lesbos # والشاطئ الأيولي لآسيا بما فيه ~~طروادة # Troad ~~. فالصور، أمثال الصورة ~~الأيولية # Kev # بدلا من # A U # و # pisures # بدلا من # tessares # وهذا يعني أن بعضا من ~~الأشعار الهوميرية قد كتب في عصر متأخر عن العصر الذي كتبت فيه بعض ~~الأشعار الأخرى. # وهناك صور أيولية زائفة أخرى (استعملت عندما كانت الأيولية هي اللغة) ~~مثل # Keklegwtes ~~. ليست هذه صورة، ~~وصورتها الأيونية هي # Keklegetes ~~، ~~وصورتها الأيولية هي # Keklegoutes ~~. أما ~~النص الهوميري ففيه الصورة # Keklegwtes ~~. ~~ونعتقد أن هذه الصورة الأخيرة قد أدخلها شخص ما لأجل الوزن. وهذه صورة ~~أيولية زائفة. وبالمثل نرى في بعض السطور بعض كلمات تفتقر إلى # F # حتى يمكننا إدراك معنى السطر. وفي ~~بعض السطور كتبت بعض الكلمات بدون # F # و # idein # كتبت في بعض اللهجات # Fidein ~~. وسمي في العصور القديمة ~~بالحرف الأيولي. ويوجد في القصائد 3354 موضعا تصر على إعادة هذا ~~الحرف # F ~~، أو # uau ~~، كما قد ننطقه. أي إن السطور لا ~~يمكن فهمها فهما صحيحا إلا إذا وجد فيها الحرف # F ~~. وهذا يدل على أن هذه إلى 3354 ~~موضعا التي كتبت سطورها أصلا بالحرف # F ~~، كانت نفس ألفاظها مناسبة للوزن ~~بغير الحرف # F ~~. أي إن هذه الحروف كتبت ~~حيث اختفى الحرف # F ~~، وهذا يعني أن بعض ~~الحروف كتبت في زمن مبكر قبل سطور أخرى، كتبت بعض السطور ~~بالأيولية وبعض آخر فيما بعد (وهو الغالبية العظمى) بالأيونية، وبعض ~~ثالث به الأتيكية. أي إن الأشعار الهوميرية جرت بثلاثة عصور مختلفة. ~~ومن ناحية أخرى، هناك 617 موضعا كان يجب أن تكون بالأيولية القديمة، ~~ولكن الوزن لم يسمح بذلك. أي إنه طوال الكمية الضخمة لهذه الأشعار ~~تحتفظ الألفاظ بعادة وتقاليد النطق الأيولي. وفي جزء صغير تظهر ms060 ~~الأيونية نفسها (مثال ذلك: # On ~~eidon-onfidon ~~). # وهذا يعني أن السطر الذي كان مكتوبا في عصر كان الحرف # F # مستعملا فيه. وبمعنى آخر، كان بعض ~~الأجزاء مكتوبا بالأيولية (وهذا أقدم من العنصر الأيوني والأتيكي)، ~~وبعض في تاريخ لاحق أيوني، وبعض أتيكي (متأخر عن الآخرين). # لم يتفق على نظم السطور، ولا على النص، ليس هذا فحسب، بل وهناك ~~سطور كثيرة كتبت في تواريخ متعددة. وهذا يدل على أنه ناشئ عن ~~اعتبار الموضوع. فدليل اللغة غير كامل بدون اعتبار ما لموضوع ~~القصيدتين. فمثلا، ما هي المواطن التي يمكن أن تهتم، أكثر من غيرها، ~~بالإلياذة؟ والمنظر في طروادة على أرض أيولية والبطل أخيل من تساليا ~~الأيولية، والملك الرئيسي وهو أجاممنون سليل ملوك كومي # Kymé # الأيولية. أما الأبطال الآخرون فقد أتوا ~~من شمال بلاد الإغريق ووسطها، ومن كريت # Crete ~~، ومن لوريك # Lyric ~~. ~~ولا يمثل الأيونيين غير نستور فقط، وهو بطل من الدرجة الثانية، وليس ~~وجوده ضروريا للخطة. # يحط هذا الدليل من قدر الأصل الأيوني للخيط الرئيسي للإلياذة، ~~ولكنه لا يفعل نفس الشيء بالجدل. وإذا استمرت مناقشته دل على شيء أكثر ~~غرابة. أي يدل على الأصل البيلوبونيزي Peloponnesian ~~. وأجاممون ملك أرجوس وموكيناي # Mycenae ~~، ومينيلاوس # Menelaus # ملك أسبرطة # Sparta ~~، وديوميديس، مع قليل من الشك، ملك أرجوس أيضا. ~~ونستور ملك «بولوس» Pylos # في ~~مسينيا # Myssenia ~~. تلقي الإجابة على ~~هذه الصعوبات ضوءا بالغ القوة على تاريخ القصيدتين، جيء بكل أولئك ~~الأبطال إلى البيلوبونيز من أوطانهم في شمال بلاد الإغريق. وأولا، ليس ~~لديوميديس مكان في أرجوس. هذا بغض النظر عن الصعوبة الخاصة ~~بأجاممنون، فهو ليس في العموميات، وعليه أن يرث عن طريق أمه. وتدل ~~دراسة بسيطة للعادات المحلية على أنه كريتي # Cretolian # أضيفت عليه المثالية. فهو مؤسس مدن في ~~إيطاليا، والرفيق الدائم لأوديسيوس الذي يمثل الجزر الشمالية ~~الغربية. وهو ابن توديوس # Tydeus # الذي ~~أكل رأس عدوه، وقريب أجريوس # Agrios ~~(المتوحش) وأبناء أجريوس، والأسد الوحيد، وبطل القبائل المتوحشة ~~للشمال الغربي. ~~(1) # يأتي أجاممنون نفسه من سهول تساليا وهو ملك أرجوس. وفي قليل ms061 ~~من الفقرات فحسب ملك موكيناي. وقد أشار أريستاخورس منذ زمن ~~بعيد إلى أن أرجوس البيلاسجيه Pelasgian ~~، في هوميروس ، تعني سهل تساليا. ولكن ~~أرجوس الشهيرة بتربية الخيول لا بد أن كانت نفس الشيء؛ لأن ~~أرجوس البيلوبونيزية كانت بدون فرسان، حتى في الصور التاريخية. ~~وإذا درسنا بعناية كلمة «أرجوس»، دلت على توسعها التدريجي ~~في الأشعار، ومن سهل تساليا إلى بلاد الإغريق عموما. ومن ثم ~~موضعها الثاني في البيلوبونيز. # أجاممنون هو الملك الغني لسهل تساليا، وهذا هو سبب اتصاله ~~منذ البداية بأخيل، الرئيس الفقير والشجاع الآتي من الجبال ~~القائمة في ناحية البحر. وهذا هو سبب اختياره أوليس # Aulis # لتكون مكان احتشاد أسطوله. ~~وإلى هنا نأخذ فكرة عن مرحلة أصيلة للقصة التي كان فيها كل ~~الرؤساء من شمال بلاد الإغريق. ويتغير موضوع القصيدة في ~~أرجوس هذه نفسها، التي نعرفها بالإغريقية. إنها مدينة على ~~شاطئ البيبلوبونيز، ويتغير معنى أرجوس في القصيدتين. ويقال ~~إن أجاممنون أتى من أرجوس وموكيناي، ولكن توجد دلالات على أن ~~هناك أرجوس أخرى جاء منها أجاممنون، ليست في البيلوبونيز. ~~وأما السلوك العام للقصائد الهوميرية فهو تربية الخيول. أي أن ~~أرجوس اشتهرت في زمن سباق الخيول، كما اشتهرت تساليا بالخيول. ~~وقيل إن أرجوس كانت في وسط جبل بعيد. هذا يدل على أن أرجوس ~~كانت في تساليا. وهناك إشارة أخرى في هذه الناحية، وهي أن ~~الأسطول الإغريقي لم يحتشد في البيلوبونيز في المكان الذي يعيش ~~فيه القائد (أجاممنون)، وهناك اقتراح عن تغيير معنى أرجوس. أي ~~أرجوس الواقعة في تساليا. وأرجوس الواقعة على ساحل ~~البيلوبونيز. ~~(2) # كان اللفظ هيلاس # Hellas # اسم ~~منطقة صغيرة في تساليا جاء منها أخيل. وفي الإلياذة # Achaeoi = Grecks ~~. وفي ~~الأوديسة، # Hellenes = Greeks # أيضا. فيدل هذا التغيير في المعنى على تغيير في التواريخ. أي ~~أن هيلاس كانت لا تزال منطقة صغيرة في الأوديسة، ولكن اتسع ~~معناها في بعض مواضع القصيدة، فتطلق على جميع الأغارقة. ~~(3) # بوسعنا أن نرى دلالات أخرى في القصائد الهوميرية. صنعت ~~الأسلحة البرنزية في زمن مبكر، قبل الأسلحة الحديدية. والكلمة ~~الدالة ms062 على السيف هي تلميحات؛ فقد كتبت في أجزاء شتى من ~~القصيدة حيث صنعت من الحديد أسلحة وفي أجزاء أخرى يذكر صنع ~~الأسلحة من البرنز . ومما لا يقبل الجدل أن هذه الأشعار التي ~~ذكرت فيها الأسلحة البرونزية لا بد أن كتبت قبل الأشعار التي ~~ذكر فيها الحديد. غير أننا نجد التلميح إلى كليهما في ~~الأشعار الهوميرية. ~~(4) # هناك عادتان متبعتان في تقاليد الزواج؛ إحداهما يدفع فيها ~~الرجل صداقا للمرأة، وفي الأخرى يدفع والد العروس بائنة ~~للرجل. وكما نرى، فإن هاتين العادتين متناقضتان ولا يمكن أن ~~تحدثا في نفس الزمن ولا في نفس المكان. كذلك يدل هذا على أن ~~بعض الأشعار الهوميرية كتبت في أزمان مبكرة عن بعضها ~~الآخر. ~~(5) # تمثل الآلهة أحيانا على أنها مقدسة حقيقية، أو على ~~مستوى فوق مستوى البشر. وفي أحيان أخرى الآلهة ممثلة ~~بشخصيات أخرى في القصيدة. ففي إحدى الحالات تجرح فينوس # Venus # بيد مخلوق بشري، هو الرجل ~~الذي كتب أن تلك الربة لا تختلف كثيرا عن شخصية بشرية، جاء ~~ذكر الشخصية البشرية في القصيدة في زمن متأخر جدا. كما يدل ~~هذا على أن بعض أجزاء القصيدة نظم في وقت مبكر قبل ~~غيره. # هل هذا يعني أن تلك القصائد نظمت في تاريخ سابق للتاريخ الذي نظم ~~فيه غيرها؟ وهل يعني هذا أن الذي كتب هذه القصائد شعراء عديدون؟ هذه ~~فكرة وولف؛ لأنه يؤكد وجود عدم انسجام بين موضع وآخر. ويقول: إن ~~بعض هذه الأشعار كتب قبل البعض الآخر، بعضها كتب حيث كانت العادة أن ~~يدفع الرجل الصداق للعروس، بينما كتب بعضها الآخر حيث كان والد العروس ~~هو الذي يدفع البائنة، حسب العادة المتبعة. # والإجابة على السؤال السابق هي أنه يتجلى في معظم الأشعار، تباين ~~لغوي، إن لم يكن في الأشعار كلها. ليس هذا في شعر البطولة فحسب، بل ~~ونرى اختلافا في اللغة في جميع الشعر المبكر. فمثلا: يوجد سطر ~~تحدث فيه كلمة # devenant # قافية بمحض ~~الصدفة مع كلمة # chance ~~(لأن ضغط النطق ~~في كلمة # devenant ~~، في الفرنسية القديمة ~~هو ms063 # devenants ~~“a” ~~) فتنطق مثل # Ce # لتتفق مع آخر كلمة # chance ~~. وهذا يدل على أن استخدام اللغة ~~الفرنسية كان قائما في اللغة الإنجليزية. # كذلك نجد اختلافا في مادة الموضوع. فنرى الشاعر يذكر أحداثا ~~وقعت في تواريخ مختلفة. وهذا هو ما حدث فعلا مع هوميروس العظيم، لا ~~بد أن أحدثت الحرب الطروادية انطباعا لدى جميع الأغارقة فكتبت أشعار ~~كثيرة باللهجة الأيولية تتناول الحرب الطروادية. ثم صارت من التقاليد ~~المحضة؛ لذا نجد هوميروس، عندما كتب عن هذه الحرب، لم يستطع أن يتغاضى ~~عما كتب غيره قبله. كان للشعر المبكر مشاعر دينية وتاريخية أكثر مما ~~كان في عصره الذي يختلف عن العصور المبكرة لأنه ابتكر أصلا. وكما سبق ~~أن قلنا، كان شعر هوميروس إنجيلا في عصور الأغارقة. وبنفس الطريقة، ~~عندما كان هوميروس على وشك أن يكتب الإلياذة والأوديسة، لم يسعه، بحال ~~ما، إلا أن يتعاون مع التقاليد الدينية التي كتبت قبله. فأخذ هوميروس ~~هذه الأشعار السابقة كمادة موضوعة، بالضبط مثلما أخذ شكسبير أقوال ~~بلوطارخ Plutarch # وأقوال المؤرخين ~~وما دونته المصادر الأخرى، ولكن ليس أي واحد من هذين الاثنين ~~مقلدا ولا سارقا شعريا. وقد نظم شكسبير بعبقريته ما درسه عن غيره، ~~ولكنه نمقه بطريقته الخاصة، وكذلك فعل هوميروس. فأخذ هذه الأشعار ~~المبكرة كمادة موضوع لأشعاره، ولكن للأسف، لم يحاول هوميروس أن يصنف ~~أشعاره. لم يحاول أن يخبرنا أين توجد أرجوس. هل هي في تساليا، أم في ~~البيلوبونيز؟ وهذا ما يحير أفكارنا. لم يكن هوميروس خبيرا بعلم ~~الآثار ولا عالما لغويا ولكنه كان فنانا، وعندما نتناول الفن، ~~فأي شيء يرضينا إذا كان ذا متعة فنية، ولا يهمنا ما إذا كان تاريخيا ~~أو علميا. # ورغم هذا، فإن هذه التناقضات التي يشير إليها وولف لا تثبت أن ~~القصيدتين قد كتبهما عدة شعراء. وموضوع الجدل هو أن القصيدة تحتوي على ~~شيء قيم لا يمكن شرحه شرحا وافيا. بها شيء نسميه الوحدة. كل ~~شيء خططه فنان بارع ليكون وحدة كاملة. # أما وجود هوميروس فلم يتنازع عليه سوى أدعياء العلم الذين ms064 لا ~~يتناولون القضايا من ناحية علم الآثار. # كل هذه التناقضات لا تعني أن القصيدتين من تأليف عدة أشخاص. ~~والبرهان الوحيد على أن الذي كتبهما شخص واحد (هوميروس) هو أن المعنى ~~كتابة فنية. فعندما تقرأ القصيدة وأنت تنظر إليها من وجهة نظر فنية، ~~تبدو القصيدة كلها قصة متحدة متصلة الحلقات. وبهذا البرهان نقرر أن ~~الذي كتب الإلياذة شخص واحد، وكذلك الحال في الأوديسة. كان تاريخ ~~هوميروس هو عام 850ق.م.؛ إذ قال هيرودوت، أبو التاريخ: «عاش هوميروس ~~وهسيود قبلي بأربعمائة سنة.» كان هوميروس في القرن التاسع ق.م.، ونظم ~~قصيدتين بعد ذلك، عرفهما الشعراء المنشدون الذين جعلوهما ~~شعبيتين، والذين نظموا بعض سطور معينة، وربما سببوا فيها بعض ~~الأخطاء. # وإبان هجرة المسابقات، نظمت شتى القصائد عن الحروب الطروادية. ~~فاستعمل هوميروس هذه القصائد مادة لموضوعه. فانتشرت القصيدتان ~~اللتان كتبهما هوميروس، نقول انتشرتا في الخارج بواسطة الشعراء ~~المنشدين أو الحفاظ المحترفين. فأطال هؤلاء في الأحداث بسبب نشرهم ~~إياها شفويا. وفي عصر بيزيستراتوس، حدث التباس ما، جعل من الضروري ~~العمل على استقرار النص الحقيقي. عمل هذا التنقيح من أجل أثينا وحدها. ~~أما المدن الأخرى فكانت لها قصائدها الخاصة. وحتى بعض الأفراد كانت ~~لهم نصوصهم الخاصة التي تختلف عن النصوص الأصلية الحقيقية. ولا بد أنهم ~~ابتكروا بعض الأحداث ودسوها بين السطور. وقد أنهى أريستاخوس ذلك العصر، ~~وثبت النص كما هو عندنا الآن؛ فقد جمع كل ما أمكنه أن يجمعه من ~~الأشعار، ونخلها جميعها إلى أقصى ما يستطاع، وما اعتقد أنه مناسب ~~وصحيح. # هل كتب الإلياذة والأوديسة رجل واحد؟ هذا سؤال أثاره الأغارقة ~~أنفسهم في سنة 100ق.م. وقد قرر اثنان من علماء الإسكندرية هما كسينوفون ~~كسينون، وهيلانيكوس # Hellanicus ~~، أن ~~القصيدتين مختلفتان تماما، من حيث النغمة. وأنهما من نظم عدة ~~أشخاص. # | المقارنة بين الإلياذة والأوديسة # يذكر بعض العلماء الاختلافات الآتية بين هاتين القصيدتين: ~~(1) # في الإلياذة، أعطيت زوجة هيفايستوس # Hephaestus # إلى خاريس # Chares ~~. # بينما نرى في الأوديسة أن زوجة هيفايستوس أعطيت إلى شخص ~~آخر. ~~(2) # أوليمبوس # Olympus # هو المقر ~~الرئيسي للآلهة، بينما ms065 نجد في الأوديسة أن المقر الرئيسي ~~للآلهة هو أورانوس # Auranus ~~. ~~(3) # نجد في الإلياذة نظام الإقطاع، بينما نجد في الأوديسة ما ~~يبدو نظاما ديمقراطيا محددا ومتقدما. ~~(4) # خطوة نحو الديمقراطية؛ صار الرؤساء تجارا في الإلياذة، أما ~~في الأوديسة فهم أمراء. # في الإلياذة، الأبطال الوحيدون هم الرؤساء، وفي الإلياذة ~~تتناول الأشعار حقدهم وغضبهم وحبهم وعداوتهم ومغامراتهم، ولا ~~نحصل على أي شيء يخص عامة الشعب. وفي الإلياذة، عندما قام ~~ثيسيتيس # Thessites # في ~~∝yopd # يعارض ~~الأريستوقراطيين، فيسكت ويحنق. غير أن هذا التركيز على الرؤساء ~~لا يوجد في الأوديسة. وقد يقوم رجل عادي من عامة الشعب بدور ~~هام، يدل تغير الشخصيات هذا في كل من الإلياذة والأوديسة ~~على تغييرات كثيرة في المشاعر. ~~(5) # هناك فرق واضح في أن الإلياذة محترمة في معارفها الجغرافية؛ ~~فتنحصر في بحر ~~إيجه # Aigean Sea # والأراضي المتاخمة له في العصور الماضية. في ~~حين أنه من الواضح جدا في الأوديسة أنها تذهب إلى أبعد من ~~البحر الأبيض المتوسط؛ فنجد فيها معارف جغرافية أوسع، هي في ~~الواقع خريطة جغرافية للبحر الأبيض المتوسط كله. # يقول بعض العلماء: إن الأوديسة لم تكتب إلا لتكون خريطة ~~سرية لا يعرفها سوى الأغارقة وحدهم. ومع ذلك، فقد يدحض هذا ~~التخمين بسبب سخافته. وعلى العكس، تحتوي الإلياذة على معلومات ~~جغرافية. إذن، فقد تسير الأوديسة إلى بداية السيادة البحرية ~~الإغريقية. ولدى شاعر الأوديسة مجال أوسع في الجغرافيا. ومن ~~الأمور الملحوظة معرفته الخاصة بمصر، وبالمعادن والأشجار ~~والأودية. إنه مدرك لكل ما يحدث في مصر وفي جزيرة صقلية ~~وإيطاليا، ويعرف الشاطئ الشمالي لأفريقيا. والشاعر الذي كتب ~~الأوديسة سمع عن جبل طارق. وتبدي الأوديسة معرفة جغرافية أوسع ~~بكثير مما في الإلياذة، كما تبدي اهتماما أقل بالوحوش الضارية ~~التي تزخر بها الإلياذة البدائية التي هي مصدر رعب وفزع ~~دائمين في الحياة الرعوية. نجد الناس في الأوديسة تستشير ~~الوحي، فيذهب أوديسيوس إلى دودونا # Dodona ~~، ويذهب أجاممنون إلى بوثو Pytho ~~. وهذه نقطة من خصائص الأناشيد ~~الهوميرية، ولا توجد في الإلياذة أية إشارة إلى ملكية الأراضي ~~كما هو واضح ms066 في الأوديسة. ومن حيث قواعد اللغة، فهي في ~~الأوديسة نفس ما يدور في لغة الأغارقة في وقت متأخر من عصرها؛ ~~فطريقة نظم أشعارها أقرب إلى لغة هسيود منها إلى لغة ~~الإلياذة. ويشعر العلماء الأكثر تحفظا بعدم وضوح الخطة وبأن ~~الصور مضطربة. وتنحصر الوحدة الأساسية للأوديسة في إعجاب ~~أريسطو بها. وحتى وولف تأثر بالكامل الذي رفعها إلى درجة أعلى ~~إنشاء من الإلياذة. والحقيقة أن تحليلها أكثر تعقيدا. ~~(6) # وضع أريستاخوس وأريستوفانيس # Aristophanes # السكندريان، القدوة لمن بعدهما من ~~النقاد، بأن رفضا أكثر من جزء كامل في آخر القصيدة. ولكنهما ~~أنهيا الأوديسة 23-29 عندما تتعرف بنيلوبي على زوجها، ~~ليتخلصا من الخاتمة المضادة للذروة التي لا تتضمن أي خطأ ~~موضعي، ولكن ليس من السهل حذف أجزاء كاملة ومعزولة من الأوديسة ~~دون الإخلال بتناسبها، كذلك يمكنك أن تحذف الدولونيا # Doloneia # أو السفارة # Embassy # من الإلياذة. ~~(7) # وزيادة على ذلك، ففي الإلياذة، عندما كانت الحياة لا تزال ~~بدائية وبسيطة يمكنك أن تحصل على أسماء للأشياء. وهذا فرق آخر، ~~أن تستخدم الأوديسة مزيدا من الألفاظ المعنوية. # مؤلف الأوديسة مستعد لأن يبحث عن عاهة الشعب، بينما يبحث مؤلف ~~الإلياذة عن الأمراء. وفي الإلياذة يبرهن الأمراء على أنهم رجال قتال؛ ~~فإن # aretè # الأمراء هي # aretè # الرجال المقاتلون، أي الأجرأ ~~والأمهر في القتال من بقية الناس. ولا تسمع إلا عن واحد فقط لم يكن ~~أميرا وليس من الأريستوقراطية العسكرية، ذلك ثيسياتيس # Thessiates ~~، الذي دخل مجلسا عاما، ~~وعارض في إسناد مقاليد الحكم إلى أجاممنون. ومن الجلي أن هوميروس لم ~~يكن بحاجة إلى أن يستخدم ثيسياتيس الديمقراطي هذا. وقد حطم أوديسيوس ~~ثيسياتيس. ويقول هوميروس: إن الحكم أفضل. وعلى هذا، فالإلياذة قصيدة ~~للأريستوقراطية العسكرية تهتم بالرؤساء والشخصيات العظمى. أما ~~الأوديسة، فتختلف عنها تماما؛ فبدلا من أن تتناول الأريستوقراطية ~~العسكرية والرجال المقاتلين، نراها تتناول الناس العاديين. ومن الجلي ~~أنها تهتم بأمراء التجارة والرجال المشتغلين بالتجارة وال # areté # الذين تتناولهم الأوديسة ليسوا ~~هم ال # areté # الشجعان، بل المتصفون ~~بالمكر والدهاء. # | أبطال القصيدتين # بطل الإلياذة هو أخيل (وهو ms067 رجل مقاتل) وبطل الأوديسة هو أوديسيوس ~~الواسع الدهاء الذي لا يحقق أغراضه بالقتال وإنما يحققها بالمكر ~~والدهاء. كما أن بعض الشخصيات الهامة في الأوديسة ليسوا من ~~الأريستوقراطيين. # | كتبت الأوديسة في تاريخ لاحق # يقول أحد العلماء المحدثين: لا يمكن تصديق وجود فرصة للعثور على ~~رجلين متساويين تماما في الكفاءة وبنفس العبقرية البارزة. وهذا موضوع ~~يمكن تركه جانبا؛ إذ لم يبت فيه أحد، أو يجد له حلا. ويقرر علماء ~~آخرون أن الفرق في الجو عظيم، حتى لا يمكن أن تكون كل من الإلياذة ~~والأوديسة من تأليف رجل واحد. # والتاريخ الحقيقي لهوميروس موضع نزاع، وكما نعرف، كتبت القصيدتان ~~باللهجة الأيونية، وكتب بعضها من قبل باللهجة الأيولية، وهذا يعني ~~أنهما كتبتا عندما تغلبت القبيلة الأيونية على الشعب الأيولي. ~~ويقول هيرودوت: «إن هوميروس وجد قبله بأربعمائة سنة.» وهذا يعني سنة ~~850ق.م. # إذا لاحظت جميع الفروق بين الإلياذة والأوديسة، بدا أن الأوديسة ~~كتبت في وقت لاحق للوقت الذي كتبت فيه الإلياذة؛ إذ نجد أنه ~~استعملت فيها ألفاظ معنوية في وقت متأخر، كما أن المعلومات ~~الجغرافية لم تعرف إلا بعد الوقت الذي كتبت فيه الإلياذة. وكانت ~~ديمقراطية الأوديسة في وقت لاحق لأريستوقراطية الإلياذة. وإذا تعرضت ~~للسؤال الذي يطلب أن يعرف كم سنة بعد الإلياذة، وجدت من العسير تحديد ~~هذه الفترة. ويقول روز # Rose # إن ~~الأوديسة كتبت في وقت لاحق، ولكن لا يمكنك أن تعثر على عبقريتين ~~عظيمتين على قيد الحياة في وقت واحد؛ فالذي كتب القصيدتين رجل ~~واحد. ولكن الإلياذة كتبت في فترة مبكرة من حياته، بينما كتبت ~~الأوديسة في فترة شيخوخته. وكل ما نستطيع قوله هو أن الأوديسة كتبت في ~~وقت لاحق للوقت الذي كتبت فيه الإلياذة؛ ولذا أحس الناس منذ ألفي ~~سنة بأن هاتين القصيدتين من تأليف رجلين مختلفين. # | هل كان هوميروس في إيثاكا؟ # كان موضوع الإلياذة كله على المستوى البشري، ويتناسب مع طبيعة البشر. ~~كان الآلهة أنفسهم يسلكون مسلك البشر، وكذلك فعل الأبطال. وقبل ~~هوميروس، كان الآلهة وأولاد الآلهة والملوك أنصاف الآلهة، يكونون كتلة ms068 ~~وحشية لا إنسانية من الكائنات العليا. وكان هدف الإلياذة إظهارهم ~~كمخلوقات بشرية عادية. أما في الأوديسة، فيتخذ هذا الهدف اتجاها ~~مضادا تبدو فيه جزيرة إيثاكا # Ithaca # المتواضعة نفسها من أمثلته. ويؤكد الشاعر تواضعها، ولو أنه يمكن أن ~~يقال هذا فقط عند مقارنتها بكيفالونيا # Cephalonia # أوليوكاس # Leucas ~~. ولا تشبه الأوديسة أولوسيس # Ulysses # إطلاقا بأبطال الإلياذة، ولا الطريقة التي كان ~~عليها أولوسيس في الإلياذة. لقد وصف منذ الإلياذة بأنه «الرجل العظيم ~~القلب # Megalator ~~» والرجل المملوء فخرا ~~وجرأة، ولكن أول شيء قيل عنه في الأوديسة، هو أنه كان يتوق كثيرا إلى ~~أن يرى دخان وطنه، ويتمنى لو كان ميتا. ومن خصائصه اليأس والقنوط، ~~حتى بلغ به الأمر أنه لم يصدق الربة عندما أخبرته بأنه في وطنه. لم ~~يصدقها إلا عندما أبصر إيثاكا على حقيقتها. رآها حقيقة واقعة، ورمزا ~~زاخرا بالمعاني. كان هذا هو الهدف الذي يرمي إليه هوميروس في الاتجاه ~~العالي المضاد. # عندما نظم هوميروس الأوديسة، ~~جاء إلى العالم نوع من الأدب لم يكن موجودا فيه من قبل. ويمكن السؤال ~~عما إذا كانت تلك الجزيرة الأسطورية الموصوفة هنا، هي في الحقيقة ~~إيثاكا نفسها التي زارها كل من جيل # Gell # ودودويل # Dodwell ~~. ~~كما زارها شليمان # Schliemann # في سنة ~~1868 قبل زيارته لطروادة، فقام هناك بعدة حفائر مثلما فعل كثيرون ~~بعد. وأظهرت أعمال علماء الآثار البريطانيين، فيما يبن سنتي 1931 ~~و1953 كثيرا من آثار الحياة بتلك الجزيرة في عصور ما قبل التاريخ وفي ~~العصور التاريخية مما يمكن معه الآن الإجابة على ذلك السؤال. وجدت ~~آثار خاصة بإيثاكا في عهد الأوديسة أكثر عددا ونوعية مما كان ~~يتوقع، ولو أنها لم تكن ثمينة كالتي وجدت في «بولوس» Pylos ~~، من أجل «بولوس» هوميروس. فأظهرت ~~الحفائر أسوار الأساسات وبقايا من العصور الموكينائية # Mycenean # حوالي سنة 1300-1200ق.م.، كثيرة تكفي لتحديد ~~«قصر أولوسيس» المتواضع بشمال الجزيرة. واكتشف في خليج بوليس Polis # ثلاثة عشر مرجلا من البرونز، في كهف ~~مكرس للحوريات ولكن من الجلي أنه كان مكرسا لأولوسيس أيضا. # أكد ستانلي كاسون ms069 # Stanley Casson # الذي مات وهو يقاتل من أجل بلاد الإغريق، والعالم الذي كان يعرف جيدا ~~الحياة في منطقة البحر الأبيض المتوسط كما لم تتغير منذ آلاف السنين. ~~وقد أكد بجرأة أن هوميروس لا بد أن زار إيثاكا بنفسه في وقت ما، وبذا ~~أمكنه أن يقول: إن الفياكيين Phaeacians # خلفوا نفس العدد بالضبط من هذه الهدايا نفسها ~~لدى أولوسيس. وقد وصف هوميروس في الجزء الثالث عشر، كهف الحوريات، بأن ~~له مدخلا واحدا للآلهة، وآخر للبشر، ليضم مظاهر كهفين بتلك ~~الجزيرة، أدمجهما الشاعر في كهف واحد. عرف أساطير الأماكن في كل موضع. ~~كان مكانه هو أسطورته، فأخذ الأسطورة القديمة، وجعلها بشرية وشاملة، ~~لتضم ليس الآلهة وحدهم بل وأيضا رجلا يبدو أن الآلهة هجرته وتخلت ~~عنه، وحول الرجل والجزيرة الصغيرة التي تاق إلى رؤيتها، حولهما إلى ~~شيء بالغ التألق. # | أهو هوميروس أخيرا؟ # إذا، فهل يصح لنا أن نقول أخيرا، إنه هوميروس؟ هل نعتبر من المؤكد ~~تاريخيا أن لدينا في الأوديسة عملا من يد ذلك الشاعر الفذ، الذي ~~لا يمكن أن يذكر معه بنفس الدرجة غير دانتي # Dante # وشكسبير # Shakespeare ~~؟ وهل لنا أن نقيس عمله بقصيدتيه كلتيهما؛ ~~الإلياذة والأوديسة؟ يظهر أن الجواب قد يبدو عديم الأهمية، ولكنه في ~~الحقيقة مهم جدا، وأفاد منذ أن حدث الشك لأول مرة، ونشأ ما يسمى ~~ب «السؤال الهوميري»، ودار في كل مكان، وهناك عالم ناقد إنجليزي غير ~~معروف الاسم، قام بالبحث في موضوع هوميروس فقال إن أبحاثه لم تكن ذات ~~نتائج كبيرة أكثر من «جنونيات عظيمة»، ولكن عمله أيضا عمل أقل عظمة، ~~هو العلمية غير المشوبة بالجنون. إنه عمل مضن وشاق ذلك الذي كرس ~~لدراسة خصائص الشعر الهوميري. وبغض النظر عن كونه فريدا في نوعه، فإنه ~~قد خلق جوا أهملت فيه مؤلفات هوميروس، وبخست بطريقة ما، ولم ~~تقدر التقدير السامي اللائق بها. # ما كان هوميروس ليقدر ذلك الجدل الكثير لو كان عمله الوحيد هو وضع ~~خطة ملحمة عظيمة ثم تنفيذ تلك الخطة. وإن العلماء الكلاسيكيين الذين ~~يقررون أن ms070 رجلا واحدا كتب الإلياذة أو الأوديسة أو كلتيهما، ~~يقصرون، عموما، براهينهم على وحدة الخطة والتنفيذ، تلك الوحدة التي ~~شك فيها كثير منهم. ولا ريب في أن التنفيذ كان عملا عظيما حقا. ~~ولو كان هذا عمل منشد واحد، فلا بد أنه كان منشدا موهوبا، ولكن لا ~~يمكن قصر عمل هوميروس على الخطة وعلى تنفيذها. لقد حدث إلهام في ~~داخل ذلك الشاعر تغير به عالم الآلهة والبشر: كيف تغير هذا العالم ~~تغيرا جذريا من قبل الإلياذة إلى ما بعدها؟ لا يمكننا أن نحس بذلك ~~التغير إلا إحساسا غامضا. كانت هي الربة الموزية # Muse ~~، التي جاءته بذلك «الإلهام الداخلي» الذي يظهر ~~نفسه في العمل المتواصل الفعال طوال كلتا الملحمتين. # يظهر النجاح الذي حققه هوميروس أولا في مؤلفاته، ثم عن طريق ~~مؤلفاته، يظهر مجهوده. فإذا حاولنا أن نرى مجهود هوميروس، كمجهود ~~عادي لكثير من الشعراء، كان علينا أيضا أن نؤمن بحدوث إلهام داخلي ~~عام لكل واحد منهم، وأن نؤمن بوجود ربة واحدة لجميعهم، هي نفس ~~الموزية الملهمة لهم جميعا، بدلا من عدة ربات وعدة موزيات تناسب كل ~~منهن كل شاعر من هؤلاء. فإذا ووجهنا بأعمال شاعر، كان علينا أن ~~نتبصر في الإلهام المسمى «موزية»، بصفة جدية، كعنصر من عناصر ~~الحياة البشرية. ولن نستطيع أن نذهب إلى أكثر من هذا، ولكن الإلهام ~~الداخلي، مهما يكن مصدره عميقا، لا يمكن تجزئته، لا يمكننا أن نفكر ~~فيه مقسما وموزعا على عدة شعراء. ففكرة وجود موزية عامة لجميعهم ~~تتضارب مع طريقة نظرتنا إلى الإنسان تبعا للفردية الأصيلة للشعراء. لم ~~يكن لدى الأغارقة، في الحقيقة، مثل هذه الصعوبة. فإنهم فكروا في ~~الموزية كربة عامة لجميع الشعراء. وإذا كانت لجميعهم، فلماذا لا ~~تكون لعدة شعراء متفرقين، في وقت واحد؟ بوسع تلك الربة أن تظهر نفسها ~~في عدة صور، وعدة فنون، وعدة كفاءات روحية. ومع ذلك، فلم يعتبر ~~الأغارقة إطلاقا، الإلياذة والأوديسة من تأليف عدة شعراء. # يؤكد لنا الأغارقة أننا لا نتحرك في دائرة مفرغة عندما نقول: ~~«هوميروس، نعم هوميروس حقيقة!» ms071 ولكننا، في الواقع، لا بد أن نكون نتحرك ~~في دائرة مفرغة إذا ما أخذنا المجهود المزدوج لهوميروس في ملحمتيه، ~~فنضفي صفة البشرية على الآلهة، ونضفي صفة الألوهية على البشر في ~~الأوديسة، ونعتمد فقط على هذا في تأليفه لكلتا القصيدتين. لم يكن لدى ~~الأغارقة شك حول هوميروس، أكثر مما كان لدى الإيطاليين حول دانتي. ~~كان هوميروس مؤلف القصيدتين. وإذا كان الأغارقة مخطئين، فإنما كان ~~خطؤهم في كونهم نسبوا مؤلفات شعراء آخرين إلى هوميروس، في وقت ~~طمست فيه كفاءات النقد. صار اسم هوميروس توصية عندما سادت مؤلفاته. ~~وإن كل الأدب الحديث، تقريبا، المهتم بالمسألة الهوميرية، يغفل النقطة ~~الفاصلة، وهي أن اسم هوميروس يعني ذهبا: ذهب الإلياذة والأوديسة. فإن ~~لهاتين المنظومتين صفة الحسم. هذا وإن علماء العصور اللاحقة الذين ~~لم يستطيعوا رؤية الذهب، كان يجب عليهم، على الأقل، أن يصغوا إلى ~~الإغريق، إذ لديهم الدليل عليه. # يعرف العصر الذي نسب فيه كل شعراء البطولة، المعروف ب «الدائرة ~~البطولية»، نسب إلى هوميروس، تلاه عصر قوة فنية أعظم جاء معه بمقدرة ~~انتقادية أكثر دقة. ومن المحتمل أنه كان في القرن السادس ق.م.، ومن ~~المؤكد أنه كان في القرن الخامس ق.م.، أن نسب بقية شعر هوميروس إلى ~~مؤلفين آخرين غير هوميروس - ولكن هذا لم يكن كل الإلياذة والأوديسة. ~~وعلى العموم، ما من شاعر، في كل التراث القديم، قد ذكر اسمه كمؤلف ~~لهاتين القصيدتين، فيما عدا هوميروس؛ وهذا جدل قوي في حد ذاته، وصحيح، ~~خصوصا في حالة الأوديسة الحديثة، إذا ما قورنت بالإلياذة، كما يقارن ~~يوريبيديس # Euripides # بأيسخولوس # Aeschylus # وسوفوكليس # Sophocles ~~. فإن شاعر الأوديسة يبدي ~~وعيا فائقا في عمله. يأتي بمنشدين في المنظر: فيميوس Phemius # في إيثاكا، وديمودوكوس # Demodocus # بين الفياكيين، وهو نفسه ~~المنشد الثالث - هوميروس، وقد رغب جميع الأقدمين في الاعتراف بهوميروس ~~نفسه، في ديمودوكوس. لم يطرأ على بال أي فرد أن يفكر في شاعر ~~آخر. # | النقد الإغريقي لهوميروس # جاء النقد العظيم لهوميروس من لدن الفلاسفة، لم يتناول ذلك النقد صفة ~~الإلياذة ولا الأوديسة ولم ير ms072 أي فرق في التأليف أو في الصفة بينهما. ~~وإلى هذا الحد يبدي دعما إيجابيا ومباشرا لوحدة التأليف. وكان ~~حكمه، بالاختصار، في صالح الحقيقة ولخير الدولة. وحتى ذهب شعر هوميروس ~~يجب أن ينكر. والمشاكل التي يثيرها أفلاطون Plato # ضد هوميروس في رسالته التي عنوانها «الجمهورية # Republic ~~» حيث يصف أساس الدولة ~~السقراطية # Socratic ~~. تلك المشاكل ~~مأخوذة من كلتا الملحمتين البطوليتين. والنتائج التي يصل إليها، رغم ~~كونها تنتقد هوميروس، فإنها صفة حميدة، وتقريظ للموهبة الشعرية لشاعر ~~من درجة هوميروس. فنقرأ، في الباب الثالث من الجمهورية، أنه إذا جاء ~~مثل ذلك الشاعر إلى المدينة المؤسسة حديثا، «فلا شك في أنه لا بد لنا ~~من أن نعيده كمخلوق مقدس مثير للإعجاب ومبهج، ولكن يجب أن نخبره ~~بأنه ليس لدينا رجال على شاكلته في مدينتنا، وإنما لمما يخالف القانون ~~أن نسمح بدخول شاعر، يجب أن نعطر رأسه بالزيوت الغالية ونتوجه بإكليل ~~من الصوف، ثم نقوده إلى مدينة أخرى ...» ومن وجهات النظر عندما نعتبر ~~مسلك ذلك الفيلسوف نحو منافسة الشاعر، الذي يريد أن يلغي أعماله، نجد ~~لدينا وصف أفلاطون لهوميروس أكثر قيمة من الصور العادية المقفرة ل ~~«الشاعر المنشد المتجول». وهذا الأخير، تبعا لكتاب قصص شهير صدر في ~~حوالي القرن الأول الميلادي، جمعت فيه عدة قصص عن هوميروس، بعضها غير ~~مقرظ له. # يتكلم أريسطو عن محامد هوميروس في رسالته «الأشعار Poetics ~~»، ويفحصها بعناية وبدقة، فنجدها ~~من أعمال فحل من فحول الشعراء الأفذاذ «إنه شاعر عظيم في عدة نواح، ~~وخصوصا أنه كان الشاعر الوحيد الذي يعرف متى يجب عليه أن يتكلم ~~بشخصه وبشعره. وهذا الشاعر، نفسه، يجب أن يتكلم أقل ما يمكن لأن ~~الكاتب المسرحي ليس هناك ليقاطع أشخاصه، يتقدم معظم الشعراء إلى ~~الأمام باستمرار، ومن النادر أن يسمحوا بالكلام لأشخاص آخرين. وإن حدث ~~وسمحوا لهم، فإن ذلك لفترة قصيرة فحسب، يقدم هوميروس رجلا أو امرأة، ~~أو شخصا آخر، وكل ما يقولونه مناسب جدا لهم، وليس غير ملائم ~~للمتكلم». وحكم أريسطو الفاصل على هوميروس، الذي يجب كذلك أن ms073 يكون ~~حقيقيا ومناسبا لكل من دانتي وشكسبير، ينطبق على كل من الإلياذة ~~والأوديسة. ومن النادر جدا أن يقال إنه معادل لغيره من الشعراء ~~والمنشدين الآخرين، فإن هوميروس أريسطو هو شاعر الإلياذة والأوديسة ~~الذي يراه متصلا حقا بخصائصهما البالغة العمق. فيقول إن أية واحدة ~~منهما يمكن أن تمدنا بمأساة واحدة، أو على الأكثر بمأساتين. بينما ~~بوسع القصائد الأخرى كالقبرصية # Cypris # أو الإلياذة الصغرى أن تمدنا بعدة مآس. ومما ~~لا يمكن إنكاره أن ملاحظات أريسطو هذه من بين الملاحظات الأكثر ~~تعمقا، التي قيلت عن هوميروس. # ليست هذه الملاحظات آخر ما قيل عن هوميروس في العصور القديمة، ولا ~~يختلف مسلك العلماء السكندريين في أساسه عن تلك عندما فحصوا نصوص ~~هوميروس سطرا سطرا، لتخليصها من الزوائد الدخيلة فيؤيدونها دائما ~~بقولهم إنها صادرة عن مؤلف عظيم، رغم أنه كان هناك بعض منهم راغبون في ~~«فصل» الإلياذة عن الأوديسة. # ومنذ عصور الإمبراطورية الرومانية المبكرة، لدينا كتيب جيد عن مظاهر ~~الجمال الفني ينسب إلى لونجينوس # Longinus # أو إلى ديونيسيوس # Dionysius # وهي رسالة عن الذروات التي حققت في الأدب ~~( # Hypsos # هي الكلمة الإغريقية التي ~~بمعنى «الذروات»، المستعملة في الأدب الحديث ولكنها قلما تفيه حقه)، ~~وتتضمن هذه الرسالة ملاحظة عن تاريخ حياة هوميروس، وهي على الأقل ~~موثوق بها كأي شيء آخر ذكر في الكتيب الذي تكلمنا عنه، والذي قد يحتمل ~~أنه كان معاصرا للونجينوس، وليس لونجينوس، مؤلفه هذا، ناقدا ~~لهوميروس. إنه ذو عين فاحصة للسمات البائدة التي تضمنها مؤلفه هذا. ~~وقد مكنته روحيته من العثور على أمثال الذروات الأدبية البحتة، حتى ~~في «صانع قانون اليهود»، وفي سفر التكوين # Genesis # الذي قرأه في الترجمة الإغريقية، فماذا قال؟ ~~قال: «ليكن النور، فكان النور، ولتكن هناك أرض، فكانت الأرض.» فيجد هذا ~~التعبير ذروة # hypsos ~~. # كذلك كان لونجينوس هو الذي أكد ما هو أساسي في أعمال هوميروس، وليس ~~مجرد ناحية من نواحي الجمال الفني فيها، وذلك في سرده لأحداث الحرب ~~الطروادية، فعل هوميروس كل ما أمكنه فعله ليحول الرجال إلى آلهة، ويحول ~~الآلهة ms074 إلى بشر. وسرعان ما نراه يصف، بعد ذلك، الملحمة الثانية هكذا: ~~«ولكن هوميروس يبين في الأوديسة (كما يجب أن يراعى، لعدة أسباب) أنه ~~عندما يكون عقل عظيم في طور تضاؤله، فإنه يجد متعة في رواية القصص ~~إبان شيخوخته. وهناك عدة أسباب تجعلنا نؤمن بأن الأوديسة هي العمل ~~الثاني لهوميروس. ومن أهم هذه الأسباب، أنه ذكر في الأوديسة إشارات إلى ~~المتاعب التي كوبدت في طروادة. تبدو هذه، في الأوديسة، كصدى للحرب ~~الطروادية. والحقيقة أنه يروي، مع الشكوى والأنين، ما يعتقد أن أبطاله ~~قد ذاقوه وعرفوه: ~~«مات أشجعنا # أياس # Aias ~~، سيد المعركة، يرقد هناك: # وأخيل # Achilles # نفسه، وباتروكلوس Patroclus # الذي كانت حكمته في المجلس كأنها من عند الآلهة. # وهناك أيضا مات ابني الجميل.» ~~(الأوديسة 3: 108-110) # والحقيقة أن الأوديسة ليست سوى خاتمة للإلياذة.» # وبعد هذا التعليق على خطبة نستور # Nestor # في الأوديسة بالباب الثالث. يستطرد لونجينوس، ~~فيقول «ولنفس السبب، لا شك في أن الإلياذة مليئة بالعمل والنضال طوال ~~القصيدة كلها. وهكذا كتبت فعلا في دورات الإلهام، بينما معظم الأوديسة ~~مكون من السرد. وهذا هو أسلوب الشيوخ من الرجال، وهكذا يمكن تشبيه ~~هوميروس في الأوديسة، بالشمس الغاربة التي فقدت حرارتها اللافحة ~~واحتفظت بحجمها، لم يعد يحتفظ بالقوة الشهيرة لهاتين القصيدتين ~~اللتين نظمهما عن طروادة. ولم يعد يحتفظ بذلك الأسلوب السامي غير ~~المتأرجح. ولا يوجد نفس ارتباك العواطف المتنازعة ونفتقد التنوع السريع ~~والفصاحة وبلاغة المجازات المأخوذة من الحياة الواقعية، ولكنه كالمحيط ~~المتراجع على نفسه يترك شواطئه فلا يرى منه سوى التيارات المنحسرة لتلك ~~العبقرية العظيمة التي تتمدد على قصص خرافية لا يصدقها العقل. # عندما أقول هذا، فإني لا أنسى عواطف الأوديسة، ولا قصة الكوكلوبس # Cyclops # وبعض أشياء معينة أخرى، ولكني ~~أتكلم طبعا عن شيخوخة هوميروس. # | نشأة السؤال الهوميري # وهكذا تأكد لنا أن هوميروس كتب الأوديسة وأنه هو الذي كتبها. لم ~~يتزعزع أبدا اعتقاد العصور القديمة في حقيقة التأليف التاريخية. ومن ~~هذه النقطة لا بد أن جميع المجادلات حول المسألة الهوميرية، قد نشأت. ~~والحكم هو أنه ms075 لم تكن هناك مؤلفات مكتوبة في بلاد الإغريق، يعرف ~~أنها أقدم من منظومتي هوميروس. كما ثبت أيضا أنه لم يترك الشعر خلفه ~~مكتوبا، وإنما تركه في صورة ملائمة للحفظ عن ظهر قلب. وقد ضمت أجزاء ~~الأوديسة بعضها إلى بعض، فيما بعد، عندما جمع مختلف الأناشيد؛ ومن ثم ~~نشأ بها عدة تناقضات، تأثرت بها. # هذا هو رأي المؤرخ اليهودي جوزيفوس # Josephus ~~، الذي كتب في العصر الأول الميلادي، ولكن هذا ~~كان قد ثبت من قبل في القرن الأول ق.م. حيث قال شيشيرون # Cicero ~~: إن الأناشيد ضمت معا في عهد ~~الطاغية الإغريقي بيزيستراتوس Pisistratus ~~، تتفق مع الملاحظات التي أخذت من لونجينوس، ~~مع وجهة النظر هذه، وهي: أن الشيخوخة أو الانتقال شفويا، يمكن أن ~~تحدث تلك التناقضات. وليست هذه فكرة كاهن فرنسي من القرن السابع عشر - ~~«لم يوجد هوميروس أبدا» - هي النتيجة المنطقية التي يمكن استخلاصها من ~~تلك التناقضات طالما كان للناس عيون لما ذهب الشعر الهوميري ذاك. ~~وماذا تهم الاختلافات البسيطة التي لاحظها علماء الإسكندرية من قبل، ثم ~~زالت إلى حد ما؟ صاغ هوراس # Horaçe # هذه هكذا: «وحتى «هوميروس» الطيب، يطأطئ رأسه أحيانا. ما أغرب تلك ~~الفكرة، أن تشك في وجوده لأنه كان يتنفس أحيانا!» # قد يسجل المرء، ويذكر السبب في وجود تلك الاختلافات في النص، ولكن ~~العلماء ذهبوا إلى أبعد من هذا، وإما أنهم خدعوا هوميروس، أو نسبوا ~~الإلياذة والأوديسة إلى مؤلفين آخرين، أو أنهم وجدوا عدة مؤلفين ~~وناشرين وجامعيين يعملون على شتى أجزاء القصيدتين، ولكن ما من أحد من ~~هذه الحلول الجانبية، كان هو نتيجة الاكتشافات التاريخية الحديثة. كان ~~العصر التاريخي الجديد الوحيد نوعا من الخسوف. هل كانت صفة هوميروس ~~ضعيفة لدرجة أن يصيبه الخسوف، أم هي الاستجابة لصفات هوميروس السامية ~~التي أخفقت؟ هل فقدت أعمال الفن الهندسي الأثيني قيمتها لمجرد أن أول ~~شخص حفر وجدها متناقضة فحكم خطأ؟ أم أن الأذواق فقط هي التي تغيرت، ~~مثلما حدث في بلاد الإغريق نفسها في القرن التالي بالنسبة إلى الفن ~~الهندسي - وليس بالنسبة ms076 إلى هوميروس، حتى بعد ثمانية قرون لاحقة؟ يتميز ~~القرن السابع عشر، وهو العصر الكلاسيكي الفرنسي، بتغير مماثل في الذوق ~~جعله أقرب إلى فرجيل # Virgil # منه إلى ~~هوميروس، اشتهر فرجيل بأنه أشهر شعراء البطولة. وبالطبع، لو اعتقد أن ~~فرجيل نال بريق الذهب، فإن هوميروس يبدو من معدن أدنى. # يؤكدون لنا في ألمانيا أن هوميروس كان في القرن الثامن عشر «إله ~~الأدب الكلاسيكي»، وأن إنكار وجوده الذي ذاع بصورة خطيرة، كما ظهر في ~~طبعة علمية من الإلياذة، وكما كان فيما بعد موضع نقد الأناجيل، لا بد ~~أن إنكاره ذاك كان أشبه بالتجديف على المقدسات. غير أن ما نبذ أخيرا ~~هو إله نمق بدقة ليتخذ صورته ويصور تبعا للنماذج الكلاسيكية ~~الكاذبة. كانت الصورة عرفية ولذا أثارت إحساسا من الشك ونوعا من ~~الوعي المذنب لا سيما وأن العقول لم تستقر بعد بالمناظر الجديدة ~~وبمؤلفات جوهان جوتفريد ~~هيردر # Johann Gottfried Herder ~~، وبموجة الميل إلى «أصوات الشعب». وقد انفتحت ~~الاتصالات بالشرق الأدنى وبآراء الممكنات إن لم تكن بآراء حقيقة أناشيد ~~شعر البطولة الأصيل. انفتحت هذه بواسطة كتاب روبرت وود # Robert Wood # عن «العبقرية الأصلية» ~~لهوميروس، الذي كان نفوذه في ألمانيا أقوى منه في إنجلترا. ومن ناحية ~~أخرى، أصدر جون فلاكسمان # John Flaxman # كتابا صور فيه الإلياذة والأوديسة، كان ذا نفوذ على الشعب المتعلم ~~في إنجلترا وفي كل مكان. كان تصوير فلاكسمان هذا شيئا أشبه بتصوير ~~جوتيه # Goethe # في مؤلفه «إيفيجينيا # Iphigenia ~~» وقد حاكى جوتيه فجعل ~~الأغارقة مثلا عاليا. هذا، ويجب أن يتذكر المرء أن آخر تاريخ ممكن ~~لهوميروس هو عصر الفن الهندسي في القرن التاسع إلى القرن الثامن ق.م. ~~ولكن العلماء الكلاسيكيين عقدوا اجتماعا لمناقشة موضوع وجود تعليم ~~أدبي في عصري جوتيه وفلاكسمان. # ليس أسلوب هوميروس هندسيا ولكن عمله أضاف اتساعا لعالم بسطه الفن ~~الهندسي. وأضاف إلى عالم الحرب اللاإنساني، إمكان الشفقة الإنسانية، ~~كما أضاف إلى عالم الآلهة المتعجرف والمتكبر، رحمة الآلهة، ونصيبا في ~~معاناة الإنسان. وقدم إلى حقيقة وجود الإنسان إمكان أن تأخذ الآلهة ~~نصيبا ms077 منه. لقد أزيحت الحواجز وحركت الأشياء غير المتحركة، ~~ويمكن قياس مدى أعماله ونفوذها المحرر، بمقارنتها التناقضية بالفن ~~الهندسي، وليس بمقدور فن فلاكسمان أن يتخذ كمعيار للحكم عليها، وإذ ~~تأثر جوتيه بالتأكيد الصحيح لعالم كلاسيكي ذي شهرة علمية، لم يخالجه أي ~~شك في كل هذا. وإذ خلص نفسه من شبح «هوميروس المقدس»، بقراءة ذلك ~~الكلام العلني رغم كونه غير أصلي، فإنه، وهو الخبير، قنع بأن يكون آخر ~~أتباع «هوميروس # Homerids ~~»، بمؤلفه ~~«هيرمان ~~ودوروثيا # Hermann und Dorothea ~~» ومن المحتمل أن يكون قد عرف أخيرا، عن طريق ~~مؤلف عن أخيلياته # Achilleis ~~، عرف مؤلف ~~الإلياذة بصورة أحسن، واقتنع، أكثر مما كان في أي وقت مضى، بوحدة تلك ~~القصيدة وعدم قابليتها للتجزئة. لم يحاول أن يصدر حكما موضوعيا على ~~المسألة الهومرية؛ إذ سيطرت عليه بقوة انفعالاته الموضوعية. وذات مرة، ~~ذهب إلى ما هو أبعد من المسرح. تذكر «الشعور بالألم» الذي عم كل ~~أصدقاء الشعر وأفسد بهجته. وعندما دعيت شخصية هوميروس، ووحدة مؤلف ~~أشعاره البطولية ذي الشهرة العالمية، فبرهنت على الجرأة والكفاءة، حدث ~~هذا في سنة 1821م، واستمر الجدل أكثر من عشرين سنة. اعتقد أنه من ~~الضروري حدوث انقلاب تام في «الرأي العالمي» - وإنه ليقصد، دون أقل شك، ~~ميول القارئ المثقف، أن تؤمن بهوميروس - ليسمح للمدافعين عن وجهة النظر ~~القديمة بفسحة من الحرية مرة أخرى. # | دارت العجلة في دائرة كاملة # منذ ذلك الوقت، مضى حوالي 150 سنة في هذه المناقشات السطحية، فيما ~~عدا أنها تساعد المرء على فهم نصوص هوميروس بصورة أفضل. كان هذا نقطة ~~البداية الخاصة بهم التي حددت من قبل في العصور القديمة، وهي أن شعر ~~هوميروس نظم أولا في صورة أناشيد للتلاوة الشفوية، اشتملت على بعض ~~التناقضات، ولكن هذا لم يكن ليذهب إلى الإجراءات المتطرفة التي تقرر أن ~~هوميروس لم يوجد إطلاقا؛ فقد تأكد بصفة قوية، بالتقاليد الموروثة، أنه ~~كان موجودا، وأنه كان شاعرا عظيما. وفي مجال آخر من العلمية ~~الكلاسيكية، كان السبب الوحيد اعتبار فيدياس Pheidias ~~، لمدة طويلة، نحاتا عظيما، هو التقاليد ms078 ~~الموروثة. ومن العسير القيام بأبحاث علمية عن فيدياس إذا لم تأخذ في ~~الاعتبار صفة فنه السامية، وحتى إذا لم تؤيدها الاكتشافات. وقد بنيت ~~مناقشات الاكتشافات على حكم العصور القديمة. كان من الخطأ تجربة صفة ~~شعر هوميروس وتركها جانبا، ولو للحظة واحدة، وعدم اعتبارها جزءا من ~~الحقيقة عن هوميروس منذ البداية الأولى، مثلما حدث في الحقيقة عن ~~فيدياس عندما تتضمن كمال فنه. وفي علم الآثار، منذ عهد جوهان ج ونكلمان # Johann J. Wincklemann ~~، درب ~~الطلبة أنفسهم على تقدير الفن، بيد أن الأمر كان مخالفا في حالة ~~دراسة الأدب القديم، عندما نظر إلى هذه الهيئة نظرة بسيطة. كما أنه من ~~غير المنطقي أن يتبع العلماء الكلاسيكيون أذواقهم الخاصة في النقد ~~الهوميري، يوجد معنى أكثر في البحث عن النقد، يدل على الحقيقة دون حكم ~~على صفة المؤلفات، ولكن مثل هذه الحقيقة التي ما زالت جديرة بالبحث، ~~غير موجودة في حالات الفن والشعر، والفنانين والشعراء، وفوق كل شيء، ~~في حالة فحول الشعراء. # والحقيقة عن شعر هوميروس، هي أن شاعرا بهذه الصفة يمكن أن يكون قد ~~نظم شعره في صورة أناشيد، وأنه، كشعر شفوي، لا بد أن اشتمل على بعض ~~المتناقضات. عادت الأبحاث الهوميرية الآن، إلى هذا الفرض الابتدائي بعد ~~أن احتفظت بالجماعية باستمرار، أو على الأقل بازدواج التأليف، وكذلك ~~الوحدة. لقد دارت العجلة دورة كاملة. والجديد في هذا الأمر هو ~~الاهتمام الحديث بالظروف التي نشأت فيها هاتان القصيدتان اللتان لم ~~تغيبا عن الأنظار إطلاقا، ولكنهما تدرسان الآن بعناية ودقة أكثر ~~مما حدث في أي وقت آخر. ومن المعترف به أن لمنشدي شعر البطولة ~~ذاكرة قوية قلما يمكن إغفالها وتقديرها، ولكنها ما زالت غير طيبة حتى ~~يمكن حذف جميع أخطاء التفاصيل. وكان بعض العبارات الشعرية المتفق عليها ~~وغيرها من الصيغ المتكررة اللازمة لتكوين الأشعار، كان غير ملائم عند ~~تطبيقه على مادة الموضوع الجديدة. وقد حقق العالم الأمريكي ميلمان باري # Milman Parry # هذا أولا في نصوص ~~هوميروس، ثم في نصوص أناشيد البطولة السلافية الجنوبية # South Slavonic ms079 ~~، التي ما زالت تتلى من الذاكرة حتى ~~الآن، والتي سجلها على الفور بالوسائل التكنولوجية الحديثة. # كانت القيود المفروضة على التعبير الهوميري بواسطة تكرار الصيغ ~~الثابتة، كانت بالطبع معروفة من قبل كما كان وجود أناشيد البطولة في ~~دالماشيا # Dalmatia # ونوفيباسار # Novipasar ~~. وهناك عالم ~~كلاسيكي ألماني لم يلق نجاحا في بلده، وعمل في بلاد الأراضي ~~المنخفضة # Netherlands ~~، وهو من المؤمنين ~~بوحدة هوميروس، صمم كتابا خاصا بعنوان: «أشعار هوميروس» تناول ~~فيه غرائب مؤلف الإلياذة والأوديسة، كما وضع كتابا عنوانه: «الدراسة ~~المقارنة لشعر البطولة»، تناول فيه شعر البطولة لشعوب فنلندة # Finns # وإستونيا # Esthonians # والسلاف الجنوبيين والروس # Russians # والكيركاسيين # Circassians # والتارتاريين # Tartars # والمالايين # Malayans ~~. وكان هناك اثنان من المتحمسين لوحدة التأليف ~~في الولايات المتحدة الأمريكية، بنيا مركزهما على التناول العرفي ~~القديم لنصوص هوميروس وهما: جون أ. ~~سكوت # John A. Scott # وصامويل ~~إليوت باسيت # Samuel Eliot Basset # وقارن هذا الأخير انتقال هوميروس من الإلياذة ~~إلى الأوديسة، بانتقال أفلاطون من الجمهورية إلى القوانين # Laws # كمثل نموذجي. # ولكن باري كان أول «عامل حقل» يكد في إدارة «المسألة الهوميرية»، ~~واعترف به كمبدع أسباب جديدة لا يمكن تحديه في الأساسيات. وقد نشرت ~~نظرياته ونتائج أبحاثه بعد موته المبكر (في سنة 1935م)، نشرت في كتاب ~~عنوانه «منشد القصص» يمتاز بأنه النوع الأول لمنشد أشعار البطولة، وهي ~~صورة يمكن استعمالها الآن لتصوير هوميروس، وهوميروس هو أعظم ناظم لهذا ~~النوع من الشعر، ويضفي على مؤلفه أكمل تعبير للأفكار البطولية التي ~~وجدت قبله، في صورة أشعار ونماذج بطولية. جاءت نتائج أبحاث باري إلى ~~دنيا العلم كنسمة جديدة من الهواء المنعش اكتسحت كل ما قبلها. وعندما ~~يتكلم مؤلف علمي في سنة 1962م عن «الأناشيد الهوميرية»، ويقصد ~~الإلياذة والأوديسة، فإنه لا يحاول إحياء نظرة رومانتيكية، وإنما ~~ليذكر الحقائق بالضبط. وقد اعتقدت العصور القديمة، من قبل، أن هوميروس ~~قدم نفسه كمنشد. وماذا يعتقد في تصوير هوميروس لنفسه؟ # | تصوير هوميروس لنفسه # كلما كان القصاص ماهرا عظم الخطر الذي يتعرض له؛ إذ يفهمه الناس ~~بصورة أكثر حرفية مما قصد ms080 أن يتصورها قراؤه، وقد قرأت سيدة بريئة ~~مذكرات النصاب الأعظم كرول # Krull # فظنت ~~أن أمامها تاريخ حياة توماس ~~مان # Thomas Mann # يتكلم عن نفسه، يأتي هوميروس بمنشدين في الأوديسة، ~~واختارت العصور القديمة العلمية لكليهما. فهذا ديمودوكوس، الذي صور ~~الشاعر نفسه فيه. ووضعت القيثارة في يد فيميوس Phemius ~~، المغني في قصر أولوسيس، كما وضعت في يد ~~ديمودوكوس؛ لأنه لن يغني للعشاق بطريقة غير هذه. إنه مغن يرتدي حلته ~~الرسمية، ولكن ديمودوكوس يعطي القيثارة بواسطة المنادي في قصر ~~ألكينوس # Alcinous # لسبب آخر. كذلك ~~أحضره المنادي إلى هناك. ويخبرنا الجزء الثامن من الأوديسة، أن ~~«الموزية أحبت ديمودوكوس لدرجة الجنون حتى إنها ضربته، فمنحته موهبة ~~الغناء، ولكنها في الوقت ذاته أفقدته بصره»، كان الفياكيون قريبين ~~جدا من الآلهة، حتى إن حب الموزية لذلك المغني، قلما يمكن فهمه، إلا ~~على أنه شبيه بحب أفروديت # Aphrodite # لأنخيسيس. فعندما أحبت تلك الربة ذلك الراعي، فربما كلف هذا الحب ~~فقد بصره . # كذلك أنجبت الموزيات أولادا، ولكنه كان من الخطر على الرجل أن يرى ~~إلها أو ربة وجها لوجه، كما يخبرنا هوميروس نفسه. لم يقدم قرابته ~~إلى الموزية بهذه الصورة. ومع ذلك، فقد صور دائما كمغن أعمى، ولكن ~~عندما جيء بصورته في القرن الخامس، أثارت مسألة لعلماء الآثار. جعل رأس ~~هوميروس، الذي هو أجمل رأس، جعله بعينيه المغمضتين، وليس بعيني رجل ~~أعمى. واقترح أنه من الممكن أن تلك كانت صورة العراف تايريسياس # Teiresias ~~. وتقول إحدى القصص: إن الربة ~~أثينا # Athene # ضربته بالعمى لأنه ~~أبصرها وهي عارية الجسم. ولو أنها أعطته موهبة التنبؤ في الوقت نفسه. ~~والحقيقة أن عمى ديمودوكوس معشوق الموزية، كان من الممكن تصويره بهذه ~~الطريقة، ثم ينقل إلى هوميروس، ذلك النحات، الذي صنع الرأس، أعطى الفن ~~الكلاسيكي ذلك الشاعر الإغريقي الأعظم، ملامح الرؤية الداخلية لحكيم ~~يشتهر باتصاله بالآلهة. ويعبر عنه بواسطة ذلك، بنفس التقدير السامي ~~الخاص به كما سمعنا من أريسطو ولونجينوس. # عندما يتكلم هوميروس في الأوديسة عن أغاني البطولة، ويقدم ~~المغنين، فليس هذا تصويرا للنفس، ولكن ms081 ليؤكد الفرق بينه وبين المغنين ~~من شاكلة ديمودوكوس وفيبيوس. فهما يختلفان عنه في طريقة الإلقاء التي ~~كانت إنشادا بمصاحبة قيثارة ضخمة وليست بنوع من الإلهام ولكن بالدرجة ~~والأهمية اللتين كان هوميروس يشعر بهما بتفوقه على غيره. أما في ~~الإلياذة، فلا يظهر أي # aoidos # ولا أي ~~مغن محترف، رغم أنه كان من السهل على الشاعر تعيين مغن للمحاربين ~~مثلما كان أورفيوس يصحب أجاممنون. وقد اتجه أخيل نفسه إلى الأغاني ~~عندما ترك المعركة في مدة غضبه؛ ولذا كان أعظم بطل في الإلياذة هو الذي ~~يتغنى «بمحامد الرجال»، وهذا بالاختصار هو خطة الأغاني البطولية. فيصغي ~~باتروكلوس إلى أخيل دون أن يجرؤ على مقاطعته. وبهذه الطريقة يستمر أخيل ~~يفعل ما بدأه في ساحة القتال. لم يكن كل المقاتلين في طروادة قادرين ~~على أن يحاكموه فيما يفعله، يغني أخيل، فيلائم هوميروس وجهة نظره في ~~الإلياذة. فعل هذا مع تيليماخوس ومع أولوسيس في الأوديسة. فيدل هذا ~~التركيب المكون من المغني والبطل، على سمو تقدير هوميروس للإلياذة ~~كقصيدة. كان هذا من أجله، وليس لمجرد أن يقدم للعالم صورة جديدة من ~~الحرب الطروادية، ولكن كان هذا وسيلة جعلت الأغنية تحل محل العمل وتخلد ~~ذكراه. ويقال نفس الشيء في قصة قيثارة جراسير # Grassire # وهي أنشودة بطولية عرفت عن طريق ليو فروبينيوس # Leo Frobinius ~~، قيثارة المغني ~~الأفريقي الذي كان محاربا هو نفسه، وأنشد لأول مرة عندما دمرت مدينة ~~واجادو # Wagadu # القوية وغذيت القيثارة ~~بما يكفي من الدم والمعاناة. وقبل ذلك كانت صامتة لا يسمع لها ~~صوت. # بالاختصار، يمكننا أن نقول: إن هوميروس استعمل الحرب الطروادية، في ~~الإلياذة، ليبين معاناة الآلهة والبشر، وخصوصا معاناة نصف إله مثل ~~أخيل، واستعمل رحلة العودة إلى الوطن، في الأوديسة، ليوضح متاعب رجل ~~بالغ الحزم مثل أولوسيس. كان يطمح إلى أن يضفي عليها رنينا قلما كان ~~لها من قبل. وإذ كان يعيش في عصور متأخرة، فلم يكن بوسعه أن يطالب ~~بالطرافة. خذ تلك المرافعة التي دافع بها تيليماخوس عن فيميوس، في ~~الجزء الأول من الأوديسة، كان ms082 فيميوس ينشد متغنيا بأحداث رحلة العودة ~~إلى الوطن، تلك الرحلة الشاقة المليئة بالعذاب والآلام، رحلة ~~الأغارقة وبنيلوبي التي وجدوها مؤلمة ومؤثرة، فقاطعوه طالبين منه أن ~~يكف عن الاسترسال في ذكر تلك الآلام، وأن ينشد أغنية أخرى تختلف ~~عما يردده. فتدخل تيليماخوس، وأمر فيميوس بأن يستمر في الغناء الذي كان ~~ينشده؛ لأن الناس يرغبون دائما في أن يسمعوا أحدث الأغاني، لدينا هنا ~~ما لاقاه مغن عجوز، سجله ببساطة ذلك الشاعر، كما هو، دون تنميق أو ~~تزويق لذكر فضائله. إنه دفاع عن فيميوس، وليس عن هوميروس. نجده يميز ~~نفسه بوضوح عن المنشدين المحترفين السابقين، الذين يأتي بهم على مسرح ~~القصيدة. كما أن فيميوس يزود هوميروس بفرصة إخبارنا بشيء يختص به هو ~~نفسه، دون أي شك. # | الإيحاء الهوميري # ليس هوميروس عاطفيا عندما يتوسل إلى الموزية فلا يتناول سوى كسرة ~~واحدة من بيت شعري في السطر الذي يستهل به كل مقطوعة بطولية، ويضع ~~بدلها «أنا أنشد» أو «سأروي أخبار ذلك الرجل» بواسطة «ربة الغناء » أو ~~«أيتها الموزية، حافظي لي على هذه الأغنية التي أنشدها عن ذلك الرجل ذي ~~العقل الزاخر بالتنوع.» ما من شيء آخر يمكن أن يكون أكثر طبيعية في ~~اللغة الإغريقية رغم كونه يبدو مبتذلا في الترجمة إلى لغة أخرى. إنه ~~يستدعي إلى ذاكرته شيئا حدث من قبل الوقت الذي يستدعيه فيه. إنه شيء ~~بسيط على مستوى شبح مقدس، كما يجب أن يفكر فيه في حالة ديمودوكوس. ومع ~~ذلك، فإن كلمة Pneuma ~~، ومعناها «روح»، ~~استعملت فيما بعد، في هذه العلاقة. # هذه العبارة التي اقتبسناها من لونجينوس، عندما تتحدث عن «ذروة ~~الإلهام»، في هوميروس، فإن النص الإغريقي يشتمل على ذروة الروح. هذا هو ~~الإلهام الذي حدث في داخل ذلك الشاعر، والذي يفسر جهده لنا، ويبدو كما ~~لو كان له أصل فوق مستوى البشر. ويتوقع أن نلحظه حيث يوجد في شعرائنا ~~الملهمين، في التعبير الخاص في شعرهم. قد يتحدث المرء عن «الألفاظ ~~الموحى بها» ويتوقع أن يكون مفهوما. غير أن التعبير لا يكون في ms083 موضعه ~~عندما نتحدث عن هوميروس. # لا بد أن نخفق إن حاولنا أن نبحث عن «الألفاظ الموحى بها» في ~~هوميروس، بنفس المعنى الذي نجدها به في فرجيل، أو في دانتي، اللذين كان ~~بحثهما العظيم عن إمكانيات الموسيقى وترتيب الألفاظ، معادلا ~~للاكتشافات والغزوات الجديدة. لم يكن تأثير ذلك الإلهام الداخلي في ~~هوميروس هو إعادة خلق اللغة من جديد. كان عليه أن يعتمد على المنشدين ~~السابقين بطريقة لم يتخذها أحد غيره من قبله، ولم يفعلها شاعر مجيد ~~بعده. بيد أن هذا جعل مجهوده ممكنا. وليست عظمته ناتجة عن طول ~~الإلياذة والأوديسة، بل لاتساع نطاق روحه التي كشف عنها وسيطر عليها. ~~كان التعبير الشاعري الذي يمكن صياغته بسهولة وتحويله إلى أناشيد، ~~وتراث الشعراء، وليس لغة الكلام الدارج اليومي، كانت كل هذه موجودة قبل ~~هوميروس، كان، تحت تصرف الشاعر، تحوير الجمل وصياغتها لتلائم شعر ~~البطولة، وتشكل تبعا لذوق الشاعر، وجاءت هذه الجمل بينه وبين اللغة ~~نفسها. كان هذا، بالطبع، ربحا له، ولكن من الممكن أيضا أن تكون عقبة ~~أمام تقدمه. كانت العناصر الجاهزة مثل درجات السلم بالنسبة لذلك ~~الشاعر، تساعده على أن يرتقي ويشيد صرح بنائه، فبواسطتها يمكنه ~~الاستمرار في أغنيته، ولكن لا يمكنه أن يستمر بواسطتها وحدها. # نرى، في الجزء الثاني والعشرين، من الأوديسة، نرى فيه فيميوس يتوسل ~~بكل ما لديه من حول وطول، لكي ينقذ حياته، قائلا إنه علم نفسه ~~بنفسه # autodidaktos ~~، وإنه مدين لله ~~بموهبته الغنائية المتعددة الاتجاهات، وليس التأكيدان متناقضين، مهما ~~تكن الظروف التي أعدت لها. يعتبر فيميوس أن تعليم نفسه ذلك الفن، ~~بنفسه، من الأفضال البالغة المنسوبة إليه. وهنا يتقدم الشعراء، لأول ~~مرة في الأدب العالمي، طالبين نسبة حق المطالبة بالطرافة لأنفسهم. ~~والكلمة الإغريقية التي بمعنى أغنية هي «طرق»، فيصنعها المغني ~~ويستعملها، ولكنه لا يزال بحاجة إلى الإرشاد ليسير فيها، وذلك بسبب ~~المطالبة بالطرافة. كما أنه يتقدم بنفس الطلب إلى الإرشاد الإلهي، يمكن ~~تعلم كل شيء في أناشيد البطولة، ويجب تعلمه: النغمة والألفاظ، وفي ~~عصر هوميروس، المواضيع أيضا، ووصف المواقف ms084 المشهورة. وإذا كان هذا ~~المجهود واجب العمل، فلا بد أن يكون طريفا، ولكن الطرافة لم تكن في ~~اللغة أو الخطط أو الفكرة أو المواقف المعروفة جيدا، وإنما كانت ~~الطرافة في خلق موحى بها لعالم الآلهة والبشر. وفي الأوديسة، في جدة ~~أولوسيس وعالمه، قبل كل شيء. # جاء الإيحاء الهوميري مع المادة الموضوعية من جميع أناشيد البطولة ~~وموضوعاتها. وكانت تلك الموضوعات موجودة فعلا. ومن المحتمل أنها كانت ~~شائعة منذ عهد القصور الكريتية # Cretan # حيث كانوا يتكلمون الإغريقية أيضا فيما مضى، وفي عهد مقار آلهة ~~موكيناي وكان هذا لمدة خمسمائة أو ستمائة عام؛ ولذا كان من الضروري ~~وضعه في حوالي سنة 800ق.م. وهذا تاريخ يشير إليه كل شيء. وربما زود ~~هوميروس بمادة الموضوع اللازمة للأوديسية، بواسطة السرد النثري، ~~والمغامرات التي يرويها الملاحون، والقصص التي يحكيها القصاصون ~~المحترفون الذين لم يكن إنتاجهم، بحال ما، عديم الفن. وجو الموانئ ~~الإغريقية الشرقية في الجزر الشرقية لبحر إيجه وسواحل آسيا الصغرى، هو ~~الشيء الوحيد الذي يمكننا التأكد منه لمعرفة تاريخ حياة هوميروس. ~~كانت فكرة رائعة من جانب العالم الكلاسيكي الألماني كارل راينهاردت # Kal Reinhardt ~~، الذي ندين له بأدق ~~تحليل لتكنية السرد في الأوديسة نقرؤه في آن واحد مع مغامرات ~~سندباد # Sinbad ~~. وتقع جميع الفروق التي ~~وجدها في اتجاه الكتابة الروائية العظمى، ولكنه أوضح وحدة شعر البطولة ~~بالمقارنة. ومع ذلك، فقد كان لدى إيحاء هوميروس مادة أخرى يعمل عليها، ~~أكثر أساسية لها لأنها أكثر قرابة لها؛ ألا وهي الأسطورة نفسها التي ~~ليست ألفاظا وسردا فحسب ولكنها بعد ورؤية. وكذلك عالم البحر الأبيض ~~المتوسط المتماسك، وسواحله الحقيقية وجزره. وقعت هذه، فيما مضى، أمام ~~بصر هوميروس، وأمام عينيه الفاحصتين. وإذا كانت العيون موحى إليها، ~~فإنها تبصر الرؤيا. # | الأنشودة الأولى # «... فجلست أمامه، وأمسكت بيدها اليسرى ركبتيه، بينما أمسكته ~~بيمناها من أسفل ذقنه ... وخاطبت «زوس» في توسل قائلة ...» # كيف اشتبك «أجاممنون» و«أخيل» في شجار أثناء حصار «طروادة»، ~~فانسحب «أخيل» من القتال، وظفر من كبير الآلهة «زوس» بوعد ~~بالاقتصاص له من «أجاممنون» وجيش ms085 «الآخيين» ... إلخ. # دعاء # تغني أيتها الربة بغضب «أخيل # Achilles ~~» بن «بيليوس Peleus ~~» ذلك الغضب المدمر الذي نكب الآخيين # Achaeans # 1 # بآلام لا تحصى، وبعث إلى «هاديس # Hades ~~» # 2 # بكثير من أرواح المحاربين الباسلة، وجعلها غنيمة ~~للكلاب وشتى أنواع الطير، وبذا تحققت مشيئة زوس # Zeus ~~، # 3 # ولتبدئي الغناء بقصة الشجار الذي اشتبك فيه ابن ~~أتريوس # Atreus # 4 # ملك البشر مع أخيل الطيب. # الحرب والوباء، انتقاما للأسيرة # من أذن من الآلهة دفع هذين إلى العراك؟ إنه ابن ليتو # Leto # 5 # وزوس، فبسبب غضبه على الملك نشر في الجيش وباء ~~وبيلا، وكان القوم يهلكون؛ لأن ابن أتريوس جلب العار على كاهنه ~~«خروسيس # Chryses ~~» # 6 # الذي جاء إلى سفن الآخيين السريعة ليحرر ابنته. وكان ~~يحمل معه فدية تفوق الحصر، ويمسك في يديه قوس أبولو # Apollo # الذي يصيب عن بعد، فوق عصا ~~ذهبية، وتضرع إلى جميع الآخيين، وبخاصة إلى ابني أتريوس # 7 # قائدي الجيش، قائلا: «أي ولدي أتريوس ويا أيها ~~الآخيون الآخرون، المدرعون جيدا، لعل الآلهة الساكنة في بيوت فوق ~~أوليمبوس # Olympus # 8 # تمنحكم أن تغزوا مدينة الملك «بريام»، # 9 # وتعودوا سالمين إلى بيوتكم، إن أطلقتم سراح ابنتي ~~العزيزة ، وقبلتم الفدية، احتراما ومهابة لابن زوس، أبولو، الذي ~~يضرب من بعيد ...» # رسم خيالي يمثل مقر الآلهة فوق ~~قمة جبل «أوليمبوس» حيث كان يقطن «زوس» كبير الآلهة وبقية ~~آلهة الإغريق ورباتهم. # عندئذ صاح جميع الآخيين الباقين بالموافقة، آمرين باحترام ~~الكاهن وقبول الفدية الماجدة. غير أن الأمر لم يسر قلب ~~أجاممنون # Agamemnon # ابن أتريوس ~~فطرده شر طردة، وأصدر إليه أمرا صارما: «دعني لا أجدك، أيها ~~العجوز، تتلكأ الآن بجانب السفن الخاوية، أو تعود بعد ذلك، وإلا ~~فلن تحميك عصاك ولا قوس الرب. أما ابنتك فلن أطلق سراحها قبل أن ~~توافيها الشيخوخة في بيتنا، في «أرجوس # Arges ~~»، # 10 # بعيدا عن وطنها، وهي تمارس عملها أمام «النول»، ~~وتشاطرني مخدعي، كلا، إليك عني، لا تغضبني، حتى تستطيع الذهاب ~~آمنا.» # وإذ قال هذا، استولى الذعر على الرجل العجوز، فأطاع قوله، وانصرف ~~صامتا ms086 يسير على شاطئ البحر الصاخب، وما إن ابتعد، حتى راح يصلي ~~ويبتهل ضارعا إلى الأمير أبولو، الذي أنجبته ليتو ذات الشعر ~~الجميل، قائلا: «استمع إلي، يا ذا القوس الفضية، يا من تقف فوق ~~«خروسي # Chryse ~~» # 11 # و«كيلا» # 12 # المقدسة # Cilla ~~، ~~وتحكم «تينيدوس # Tenedos ~~» # 13 # بسطوة. أيها السمينثي # Sminthian ~~، # 14 # إذا كنت قد انحنيت فوق محراب لإرضائك، أو إذا كنت قد ~~أحرقت لك قطعا دسمة من أفخاذ الثيران أو الماعز، فحقق لي هذا ~~الرجاء. دع الدانيين # Danaans # 15 # يدفعون ثمن دموعي بسهامك.» # هكذا قال في صلاته، وسمعه الإله «أبولو» # 16 # فهبط بخطى واسعة من فوق قمم «أوليمبوس» بقلب حانق ~~يحمل فوق كتفيه قوسه وجعبته المغطاة. وكانت السهام تصلصل فوق كتفي ~~الرب الغاضب، وهو يتحرك متسللا في مجيئه كالليل، ثم جلس بعيدا عن ~~السفن وأطلق سهما، وكان دوي القوس الفضية فظيعا. هاجم أولا ~~البغال والكلاب السريعة، ولكنه بعد ذلك أطلق سهامه الحادة على ~~الرجال أنفسهم، وأعمل فيهم الضرب، فإذا بأكوام حطب حرق الموتى ~~تشتعل فيها النيران كثيفة. # ظلت قذائف الرب تنطلق في كل مكان وسط الجيش، ولكن أخيل وجه نداءه ~~إلى القوم، في اليوم العاشر، أن يجتمعوا في السوق العامة، كما أوحت ~~إلى قلبه بذلك الربة «هيرا» # 17 # البيضاء الذراعين ؛ حيث إنها أشفقت على «الدانيين» ~~لأنها أبصرتهم يموتون؛ ومن ثم فلما اجتمعوا والتقوا سويا، قام من ~~بينهم أخيل السريع القدمين، وقال: «يا ابن أتريوس، # 18 # الآن أعتقد أننا سنتقهقر، ونعود بخيبة الأمل - إذا ~~استطعنا أن نفر من الموت! - ما دامت الحرب والطاعون قد تحالفا معا ~~ضد الآخيين. كلا، تعال، دعنا نسأل عرافا أو كاهنا ما، نعم، أو ~~بعض مفسري الأحلام - لأن الحلم كذلك قد يكون رسالة من عند زوس - ~~فقد يستطيع أن يخبرنا عن السبب الذي أثار حنق الإله أبولو: هل ذلك ~~بسبب نذر يعنفنا عليه، أو من أجل ذبيحة مائة ثور مجتمعة؟ وهل يرغب ~~- كي يبعد الطاعون عنا - في أن يحظى بمذاق الحملان والماعز ~~الطاهرة؟» # رسم رمزي يمثل ابتهال الإغريق ~~لآلهتهم ms087 الذين كانوا يتصورونهم يقطنون فوق جبل ~~«أوليمبوس». # وما إن قال هذا حتى جلس، وقام في وسطهم «كالخاس # Calchas ~~»، # 19 # ابن «تيستور # Thestor ~~»، الذي يفوق أبرع العرافين، ويعرف كل الأشياء ~~الموجودة، والتي ستكون، والتي كانت من قبل ... وهو الذي قاد سفن ~~الآخيين إلى «إليوس # Ilios ~~» # 20 # بقوة العرافة التي منحه إياها الإله «أبولو» وبنية ~~حسنة خاطب حشدهم، وقال في وسطهم: «أي أخيل، يا حبيب زوس، إنك ~~تأمرني بأن أعلن سبب غضب أبولو، الذي يضرب من بعيد. وعلى ذلك ~~سأتكلم، ولكن هل لك أن تفكر، وتقسم بأنك مستعد بقلبك أن تحميني ~~بالكلام وبقوة اليد؛ لأنني أعتقد أنني سوف أغضب رجلا يحكم ببأس ~~على جميع سكان «أرجوس»، ويطيعه الآخيون؛ لأن الملك يصبح أشد بطشا ~~عندما يغضب من رجل أشد ضعة. ولو حدث أنه عن غضبه يوما واحدا، ~~فإنه سيكتم غله في قلبه حتى ينفذ كل شيء. إذن فكر، إذا كنت ~~ستحميني.» # رأس تمثال مشهور للإله ~~«أبولو»، من صنع الفنان الإيطالي «برنيني». # فأجابه أخيل، السريع القدمين، قائلا: تشجع، وأفصح بما تعرفه ~~من نبوءة مهما كانت، لأنه - وعمر أبولو، حبيب زوس، الذي تصلي إليه ~~يا «كالخاس»، وتعلن النبوءات للدانيين - لا أحد، طيلة حياتي وتمتعي ~~بالبصر على الأرض، سوف يمسك بسوء بجانب السفن الخاوية. لا أحد ~~من جميع جيش الدانيين ، حتى ولو كنت تعني أجاممنون، الذي يعلن الآن ~~أنه يفوق أفضل الآخيين. # عندئذ تشجع العراف البريء وتكلم قائلا: «إذن، فليس الأمر من ~~جراء نذر يوبخنا عليه، ولا ذبيحة مائة ثور، ولكن بسبب الكاهن الذي ~~أهانه أجاممنون، والذي لم يطلق سراح ابنته ولم يقبل الفدية. لهذا ~~السبب، فإن الرب الذي يضرب من بعيد، قد صب عليكم ويلاته. وسيظل ~~يصبها، ولن يوقف الطاعون المقيت عن الدانيين إلا إذا رددنا الفتاة ~~البراقة العينين إلى أبيها، دون ثمن، ولا فدية، وقدنا ذبيحة مقدسة ~~من مائة ثور إلى «خروسي»، عندئذ يمكننا أن نهدئ من غضبه ~~ونرضيه!» # وجلس العراف بعد أن قال ~~هذا، فنهض في وسطهم المحارب ابن أتريوس، أجاممنون الواسع السلطان، ms088 ~~يتميز غيظا، ويفيض قلبه الأسود حنقا، وتتقد عيناه كالنار ~~المتأججة، وبادر فوجه كلامه إلى «كالخاس»، وكانت ملامحه تنذر ~~بالخطر، فقال: «يا عراف السوء، لم يحدث قط أن أخبرتني بشيء حسن؛ ~~فالتنبؤ بالشر دائما حبيب إلى قلبك. ولم يسبق أبدا أن نطقت بكلمة ~~طيبة، ولا قمت بتنفيذها. والآن وسط حشد الدانيين تنطق بنبوءاتك، ~~وتعلن مؤكدا أنه لهذا السبب يصب الرب الذي يضرب من بعيد ويلاته ~~عليهم؛ ولهذا فلن أقبل الفدية العظيمة من أجل الفتاة، ابنة خروسيس، ~~أنا أشد إصرارا على الاحتفاظ بها في بيتي؛ لأنني، كما تعلم، ~~أفضلها على «كلوتمنسترا # Clytemnestra ~~»، زوجتي الشرعية، حيث إنها لا تقل عنها ~~في شيء، لا في الشكل ولا في القوام، ولا في العقل، ولا بأية حال في ~~الأعمال اليدوية، ولكنني، بالرغم من ذلك، سأعيدها، إذا كان الخير ~~في ذلك، فإني أوثر سلامة القوم على هلاكهم، ولكن هل لك أن تعد لي ~~فورا غنيمة أخرى بدلا منها، حتى لا أكون الوحيد بين أهل أرجوس ~~بدون غنيمة، حيث إنه لا يليق، وأنتم جميعا ترون هذا، أن تؤخذ ~~غنيمتي مني!» # وردا على ذلك، قال أخيل العظيم السريع القدمين: «يا ابن أتريوس ~~الأمجد، يا من تفوق جميع الناس جشعا، كيف يعطيك الآخيون الطيبو ~~الروح غنيمة؟ ليست هذه ثروة موجودة في الخزانة العامة، ولكن كل ما ~~أخذناه بالسلب من المدن قد قسم إلى أنصبة، ولا يليق استردادها ~~ثانية من القوم إطلاقا. فهل لك أن تعيد الفتاة بأمر الرب، ولسوف ~~نعوضك عنها، نحن الآخيين، ثلاثة أضعاف وأربعة، إذا منحنا زوس أن ~~نظفر بأسلاب مدينة طروادة المتينة الأسوار»؟ ~~«كلوتمنسترا» زوجة أجاممنون، ~~كما صورها الفنان «جون كوليير» في هذه اللوحة المعروضة ~~بمتحف «جيلدهول». # عندئذ تكلم السيد ~~أجاممنون للرد عليه، قال: «ليس بهذه الطريقة. رغم شجاعتك، يا أخيل ~~يا شبيه الإله، تسعى إلى خداعي بفطنتك؛ لأنك لن تضطرني ولن تحثني. ~~ألأنك تريد أن تحتفظ بغنيمتك، وتود أن أظل محتاجا، تأمرني بردها؟ ~~كلا، إلا إذا أعطاني الآخيون ذوو النفوس الطيبة غنيمة يقنع بها ~~ضميري، ويعدها ms089 عقلي معادلة! أما إذا لم يعطوني إياها، فسأحضر بنفسي ~~وآخذ غنيمتك أو غنيمة «أياس # Aias ~~»، # 21 # أو غنيمة «أوديسيوس # Odysseus ~~»، # 22 # وأحملها بعيدا. وسوف يحل الغضب على من أذهب إليه. ~~وعلى أية حال، فلنفكر في هذه الأشياء فيما بعد، ودعونا الآن نسير ~~سفينة سوداء في البحر اللامع، ونجمع فيها العدد اللازم من ~~المجدفين، ونضع على ظهرها ذبيحة من مائة ثور، ونشيع فيها ابنة ~~خروسيس الجميلة الخدين نفسها، وليتول القيادة رجل ذو مشورة، ~~مثل «أياس» أو «أدومينيوس # Idomeneus ~~» أو «أوديسيوس» العظيم، أو أنت، يا ابن ~~بيليوس Peleus # 23 # أشد الرجال فزعا، حتى يمكنك أن تقدم الذبيحة وتسترضي ~~ذلك الذي يرمي بالسهام من بعيد.» # عندئذ حدجه أخيل بنظرة غاضبة من تحت حاجبيه، وخاطبه قائلا: «يا ~~لي منك أيها المتدثر بعدم الحياء، يا ذا العقل الداهية، كيف يمكن ~~لأي رجل من الآخيين أن يطيع أمرك بصدر رحب، سواء في القيام بالرحلة ~~أو في مقاتلة الأعداء بحمية؟ أنا مثلا لم آت إلى هنا بدافع البغض ~~للطرواديين؛ فإنهم لم يخطئوا معي قط. لم يسبق لهم بأية حال من ~~الأحوال أن سلبوني أبقاري أو جيادي، كما لم يسبق لهم في ~~«فثيا Phthia ~~» # 24 # العميقة التربة، مهد الرجال، أن بددوا المحصول؛ إذ ~~تفصل بيننا حوائل كثيرة - جبال ذات ظلال، وبحر صاخب - أما أنت، يا ~~من لا تستحي، فقد تبعناك إلى هنا لكي تكون مسرورا، وتسعى إلى كسب ~~النصر لمينيلاوس # Menelaus # 25 # ولنفسك، يا وجه الكلب، والثأر من الطرواديين، لكنك لا ~~تعمل لهذا حسابا، ولا تفكر فيه إطلاقا، ومع ذلك فإنك تهدد بأن ~~تأخذ بنفسك الغنيمة التي تعبت أنا من أجلها كثيرا، والتي أعطانيها ~~أبناء الآخيين! إني لم أحصل قط على غنيمة كغنيمتك، عندما كان ~~الآخيون ينهبون حصنا طرواديا مزدحما بالسكان. كلا، وإن يدي ~~قد حملتا عبء الحرب الطاحنة، حتى إذا ما جاء وقت تقسيم الغنائم ~~كانت غنيمتك أعظم بكثير، بينما أعود أنا إلى سفني بشيء يسير ولكنه ~~يصبح ملكا لي بحق، عندما أمل القتال. والآن سأرجع إلى ms090 «فثيا»؛ ~~إذ أرى من الخير أن أعود بسفني المدببة إلى الوطن، فأنا لم أقصد ~~المجيء إلى هنا لينالني العار، بأن أشبع جشعك بالبضائع ~~والأموال!» # وعندئذ أجاب ملك البشر، أجاممنون: «إذن، فاهرب، إن كان قلبك ~~يأمرك، فلست أنا الذي يناشدك البقاء إكراما لخاطري. فإن معي ~~آخرين سيشرفونني، وفوق كل شيء «زوس» سيد المشورة. إنك في نظري ~~أبغض الملوك جميعا يا من نشأ على منوال زوس؛ لأنك دائما ميال ~~إلى المشاحنات والحروب والقتال. ومهما بلغت قوتك وشجاعتك، فإني ~~أعتقد أن الآلهة هي التي منحتك هذه الصفات، فاذهب إلى وطنك مع سفنك ~~ورجالك، وسيطر على جماعتك من «المورميدون # Myrmidons ~~» # 26 # فلست أهتم بك، ولن أكترث لغضبك، وليكن هذا وعيدي لك: ~~ما دام الإله «أبولو» يأخذ مني ابنة خروسيس، فإني سأعيدها في ~~سفينة من سفني ومع رجال من رجالي، بيد أنني سأحضر بنفسي إلى كوخك ~~وآخذ «بريسيس # Briseis ~~» الفاتنة ~~الوجنتين، غنيمتك، حتى تعرف تماما أنني أشد منك بأسا، ويحجم غيرك ~~فلا يعلن أنه ند لي ويشبه نفسه بي في مواجهتي!» # هكذا تكلم أجاممنون، فاستولى الحزن على ابن بيليوس - أخيل - ~~وفي قرارة صدره الأشعث انقسم فؤاده إلى رأيين: أيستل حسامه ~~البتار من غمده، ويقتحم الجمع ويقتل بنفسه ابن أتريوس، أم يملك ~~زمام غضبه، ويكبح جماح نفسه؟ وبينما هو يفكر في ذلك بعقله وقلبه، ~~ويستل سيفه العظيم من غمده، هبطت الربة «أثينا» # 27 # من السماء، موفدة من لدن الربة «هيرا» البيضاء ~~الذراعين، التي كانت في قلبها تحب كلا من أخيل وأجاممنون على ~~السواء وترعاهما بعنايتها. فاتخذت موقفها وراء ابن بيليوس وأمسكته ~~من شعره الذهبي، وتجلت له وحده، فلم يرها أحد من الباقين. ~~فامتلأ أخيل بالزهو، وما إن استدار حتى عرف أثينا على الفور، وكانت ~~عيناها تتألقان بشكل مخيف. عندئذ تحدث إليها بكلمات مجنحة ~~فقال: «لم أتيت الآن ثانية، يا ابنة زوس، يا حاملة الدرع؟ ألكي ~~تري وقاحة أجاممنون بن أتريوس؟ دعيني أخبرك ما أعتقد أنه سيحدث ~~فعلا: فبسبب كبريائه المتعاظمة، سيفقد حياته الآن!» # عندئذ أجابت الربة ms091 أثينا ذات العينين البراقتين: «جئت من السماء ~~كي أهدئ من غضبك، لو أصغيت إلي، وقد أرسلتني الربة «هيرا» ~~البيضاء الذراعين؛ لأن حبكما في قلبها سواء، وهي تهتم بأمركما. ~~هيا، تعال، وكف عن نزاعك، ولا تدع يدك تستل السيف. فلك أن تعنفه ~~بالألفاظ، وتواجهه بالواقع؛ لأنني هكذا سأتكلم، وهذا الشيء سيتم ~~حقا: ستأتيك الهدايا الرائعة، فيما بعد، ثلاثة وأربعة أضعاف، من ~~جراء هذا النزاع. فاضبط زمام نفسك إذن واستمع إلينا.» # الربة «أثينا»، ربة الحكمة كما ~~بدت من خلال السحب لاثنين من رعاياها. # بعد ذلك تكلم أخيل، السريع القدمين، ردا على كلامها: «على ~~المرء، أيتها الربة، أن يتأمل في كلامك مرتين مهما كان في قلبه من ~~غضب، فهذا أفضل. وكل من يطيع الآلهة يحظى منهم بآذان صاغية عن طيب ~~خاطر.» # تكلم وخلى يده الثقيلة من المقبض الفضي، وأعاد الحسام العظيم ~~ثانية إلى غمده ولم يعص كلمة أثينا، التي كانت قد صعدت في الحال ~~إلى «أوليمبوس»، إلى قصر «زوس» الذي يحمل الدرع، لتنضم إلى ~~الآلهة الآخرين. # ولكن «أخيل» عاد يخاطب «أجاممنون» بلهجة شديدة، ولم يكف بأية ~~حال عن غضبه فقال: أيها المثقل بالخمر، يا من له وجه الكلب وقلب ~~الغزال، لم يسبق أن واتتك الشجاعة قط لتسلح نفسك للقتال مع قومك، ~~أو الذهاب إلى كمين مع رؤساء الآخيين. كنت تخشى ذلك خشية الموت. ~~وإن أردت الحق، فمن الأفضل أن تمر بجميع أرجاء معسكر الآخيين ~~الفسيح، وتستولي على غنيمة من يتكلم ضدك. أيها الملك الملتهم حقوق ~~قومه، أرى أنه لا يطيعك غير رجال من سقط المتاع، وإلا فما استخدمت ~~سفاهتك الآن، للمرة الأخيرة. بيد أنني سأعلن إليك كلمتي، وسوف أقسم ~~عليها قسما لا حنث فيه. بحق هذا الصولجان الذي لن يورق أو ينبت ~~براعم بعد ذلك؛ لأنه انفصل عن جذعه في الغابة منذ مدة، كما أنه لن ~~يعاود خضرته بأية حال؛ لأن النصل البرونزي قد جرده من أوراقه ~~ولحائه، والآن يحمله أبناء الآخيين في أيديهم، أولئك الذين يصدرون ~~الأحكام ويسهرون على الحقوق والتقاليد بأمر ms092 زوس. # بحق ذلك كله سيشتاق أبناء الآخيين، واحدا واحدا، ذات يوم، إلى ~~أخيل، وعندئذ لن تستطيع بأية حال من الأحوال أن تساعدهم، وسوف ~~تحزن أعمق الحزن، عندما يخر الكثيرون موتى أمام هكتور # Hector # 28 # قاتل البشر، ولكنك سوف تقضم قلبك في داخلك، حزنا على ~~عدم تقديرك لأقدر محارب بين الآخيين على الإطلاق!» # هكذا تكلم «أخيل»، وألقى بالصولجان المرصع بالمسامير الذهبية إلى ~~الأرض، ثم استوى جالسا، بينما راح «أجاممنون» يصب عليه جام غضبه. ~~ثم قام وسط الجمع نسطور # Nostor # 29 # العذب الحديث، الخطيب الواضح النبرات بين رجال ~~««بولوس» Pylos ~~»، الذي يتدفق ~~الكلام من لسانه أحلى من الشهد. الذي شهد جيلين من البشر يندثران، ~~وقد ولد من زمن بعيد وترعرع في «بولوس» المقدسة، وكان ملك الجيل ~~الثالث. فخاطب جمعهم بنية سليمة وقال في وسطهم: «ويحكم! الحق أن ~~الحزن العظيم قد حل بأرض آخيا # Achaea ~~، # 30 # ما من شك في أن بريام # 31 # سوف يغتبط وكذلك سوف تمتلئ قلوب أبناء بريام وبقية ~~الطرواديين بالفرح لو سمعوا كل هذه القصة عن النزاع القائم بينكما، ~~يا رئيسي جميع الدانيين وأرجحهم رأيا، وأعظمهم في القتال، لا ~~يصح هذا، أصغيا إلي؛ فكلاكما أصغر مني. لقد اشتركت قبل الآن مع ~~محاربين كانوا أفضل منكما، ولم يحدث قط أن احتقروني. ولم أر حتى ~~الآن أمثال هؤلاء المحاربين، ولن أرى أمثال «بايريثوس» و«درواس» ~~راعي الجيش، و«كاينيوس» و«أكساديوس» وشبيه الآلهة «بولوفيموس» ~~و«ثيسيوس بن أيجيوس»، نظير الخالدين. كان هؤلاء أعتى جميع الرجال ~~الذين نشئوا على وجه البسيطة، كانوا الأعتى وتقاتلوا مع الأعتى، ~~حتى مع متوحشي القنطور # Centaurs # 32 # الذين جعلوا عرائنهم وسط الجبال، وأبادوهم بطريقة ~~رائعة. كنت زميلا لهؤلاء الرجال، يوم أن جئت من «بولوس»، من بلاد ~~نائية قصية؛ لأنهم استدعوني من تلقاء أنفسهم. فقمت بدوري في القتال ~~كمحارب مستقل، وما كان في مقدور أحد من جميع البشر الموجودين على ~~الأرض حاليا أن يتقاتل معهم. ومع ذلك، كانوا يستمعون إلى مشورتي ~~ويعيرون كلامي آذانا صاغية. وكذلك أنتما يجب أن تصغيا. ومن الخير ms093 ~~أن تصغيا: يجب عليك يا ابن أتريوس، رغم قوتك، ألا تسعى لتأخذ منه ~~الفتاة، ولكن اتركها له غنيمة، كما أعطاه إياها أبناء الآخيين. ~~وإياك، يا ابن بيليوس، أن تبيت العزم على النزاع مع ملك، قوة ضد ~~قوة؛ لأن المجد الذي يهبه زوس الملك ذا صولجان ليس مجدا عاديا. ~~فبالرغم من شجاعتك، وأن أما من الربات قد ولدتك، فإنه هو ~~الأقوى، حيث إنه يملك على عدد أكبر. وأنت يا ابن أتريوس، اكبح جماح ~~غضبك. لا يصح هذا، إنني أتوسل إليك أن تصرف عنك غضبك على أخيل، ~~الذي هو لجميع الآخيين ملاذ قوي من الحرب الشريرة.» # عندئذ نهض للرد عليه أجاممنون فقال: نعم، حقا، أيها السيد ~~العجوز، إن كل ما قلته ليتفق مع الصواب، ولكن هذا الرجل يعقد النية ~~على أن يكون فوق جميع الآخرين. إنه يعتزم أن يتولى قيادة الجميع ~~ويصبح ملكا على الجميع ويصدر أوامره للجميع، في حين أن هناك ~~واحدا، على ما اعتقد، لن يطيعه، فإذا كانت الآلهة هي التي جعلته ~~محاربا إلى الأبد، فهل تدفعه إلى التفوه بالسباب؟ ...» # عند ذلك قاطعه أخيل العظيم قائلا: «نعم لأنني سوف أحمل لقب ~~الجبان، غير النافع، لو كنت أرضخ لك في كل أمر تأمرني به. أصدر ~~أوامرك هذه لغيري، ولكن لا توجه إلي أي أمر، لأنني أعتقد أنني لن ~~أطيعك بعد الآن. وسأخبرك بشيء آخر، وعليك أن تحتفظ به في قلبك: لن ~~أتعارك بقوة الأيدي من أجل الفتاة ، معك أو مع أي شخص آخر، فإني لا ~~أراك إلا آخذا ما سبق أن أعطيت، ولكنك لن تأخذ شيئا آخر مما ~~أملك في سفينتي السريعة السوداء، ولن تحمله بعيدا بالرغم مني. ~~حقا، تعال وجرب، حتى يعرف هؤلاء أيضا أن دمك القاتم سوف يسيل في ~~الحال حول رمحي!» # ولما انتهى الخصمان من تشاحنهما بالألفاظ العنيفة، نهضا وفضا ~~الحشد المجتمع بجوار سفن الآخيين. فذهب ابن بيليوس - أخيل - في ~~طريقه إلى خيامه وإلى سفنه الجميلة يصحبه ابن «مينويتيوس»، # 33 # كما يصحبه رجاله، أما ابن أتريوس - أجاممنون - فأنزل ms094 ~~إلى البحر سفينة سريعة واختار لها عشرين مجذفا، وساق إلى ظهورها ~~ذبيحة للإله من مائة ثور، وأحضر ابنة خروسيس الفاتنة الخدين ووضعها ~~في السفينة، وصعد على ظهرها «أوديسيوس» الكثير الحيل ليتولى ~~قيادتها. # وهكذا اعتلى هؤلاء ظهر السفينة وأبحروا عبر المسالك المائية، ~~ولكن ابن أتريوس أمر القوم بتطهير أنفسهم. فطهروا أنفسهم، وألقوا ~~بالرجس في البحر، وقدموا لأبولو ذبائح مقبولة من مئات الثيران ~~والماعز، بجوار شاطئ البحر المضطرب، فارتفعت نكهتها صاعدة خلال ~~الدخان. # اختطاف الحسناء «بريسيس» # وهكذا انهمك الجميع في سائر أنحاء المعسكر، ومع ذلك فلم يكف ~~أجاممنون عن المشاحنة التي هدد بها أخيل في بادئ الأمر، بل استدعى ~~إليه رسوليه وخادميه المطيعين «تالثوبيوس» و«يوروباتيس»، وقال ~~لهما: «اذهبا إلى خيمة أخيل، ابن بيليوس، واختطفا «بريسيس» الجميلة ~~الخدين، وأحضراها إلى هنا، وإذا لم يعطكما إياها، فسأذهب بنفسي ~~بصحبة عدد أكبر من الرجال وآخذها، ويكون هذا شرا له.» # قال هذا، وأرسلهما لتوه، وشدد عليهما الأمر، فذهبا على كره ~~منهما يسيران بمحاذاة شاطئ البحر القاحل، ووصلا إلى مخيمات ~~«المورميدون» وسفنهم. فوجدوا أخيل جالسا بجوار خيمته وسفينته ~~السوداء، ولم يظهر ابتهاجا برؤيتهما. وإذ سيطر عليهما الخوف ~~والفزع من الملك، وقفا لا ينبسان ببنت شفة أو يطلبان شيئا، غير ~~أنه أدرك الأمر، فتكلم قائلا: «مرحبا، أيها الرسولان، يا رسولي ~~زوس والبشر، اقتربا. لستما الآثمين في نظري، ولكنه أجاممنون الذي ~~بعث بكما من أجل الفتاة «بريسيس»، ومع كل فهيا، يا باتروكلوس، ~~يا سليل زوس ، أحضر الفتاة، وسلمها إليهما ليذهبا بها. وعلى ذلك ~~فليكن هذان نفساهما شاهدين أمام الآلهة المباركة والبشر المعرضين ~~للموت، نعم، وأمام ذلك الملك المتهور، لو احتاج الأمر إلي بعد ~~ذلك لأدفع الهلاك المزري عن الجيش. الحق أنه ليثور بعقل مخرب، ولا ~~يعرف إطلاقا أن يستشف المستقبل على ضوء الماضي، حتى يمكن ~~لأتباعه الآخيين أن يشنوا الحرب في أمان بجوار سفنهم.» # المحارب الباسل «أوديسيوس» ~~يباهي بقوته أمام الحسناء «كيركي». وأوديسيوس من أبرز ~~أبطال «الإلياذة» والبطل الرئيسي «للأوديسة» - التي سميت ~~باسمه - ويطلق عليه في بعض اللغات «أوليس» ms095 و«عولس». # وإذ قال هذا، أطاع باتروكلوس قول زميله العزيز، فأخذ «بريسيس» ~~الفاتنة الخدين، وسلمها إليهما ليذهبا بها. وهكذا عاد الرسولان ~~أدراجهما يسيران بجوار سفن الآخيين، ومعهما، على مضض منهما، سارت ~~المرأة. بيد أن أخيل استسلم من فوره إلى البكاء وانتحى بعيدا عن ~~رفاقه، وجلس على شاطئ البحر الرمادي اللون، واتجه ببصره نحو اليم ~~ذي اللون النبيذي القاتم، وبشوق جارف راح يتضرع إلى أمه العزيزة ~~باسطا يديه: «أماه، بما أنك قد ولدتني - ولو أن ذلك لفترة قصيرة ~~من الحياة - فمن المؤكد أنه كان يجب على الأوليمبي، زوس الذي يرعد ~~في علاه، أن يضع المجد في يدي، ولكنه الآن لم يخصني بشيء ما من ~~المجد. هذا حق، فإن ابن أتريوس، أجاممنون الواسع الملك، قد نال من ~~كرامتي؛ لأنه اغتصب غنيمتي بواسطة عمله المتغطرس.» # قال هذا وهو يبكي، وسمعته أمه الملكة وهي جالسة في أعماق البحر ~~بجانب الشيخ المسن، أبيها. وسرعان ما خرجت من البحر الرمادي ~~كسحابة من الضباب، وجلست أمام وجهه وهو يبكي، وضربته بيدها، ~~وكلمته ونادته باسمه قائلة: «أي بني، لم تبكي؟ أي حزن استولى على ~~فؤادك أفصح، لا تخف الأمر في بالك، كي يعرفه كلانا.» # عندئذ تحدث إليها أخيل وهو يتأوه تأوها ثقيلا فقال: «إنك ~~لتعرفينه. لماذا، في الحقيقة، يجب علي أن أخبرك بالقصة يا من ~~تعرفين كل شيء؟ لقد ذهبنا إلى «طيبة # Thebe ~~»، مدينة «إيتيون # Eetion ~~» # 34 # المقدسة، وخربناها، ثم أحضرنا إلى هنا جميع الأسلاب. ~~وهذه قسمها أبناء الآخيين فيما بينهم بالعدل، ولكنهم اختاروا ابنة ~~خروسيس الجميلة الخدين لابن أتريوس. غير أن خروسيس، كاهن أبولو ~~الذي يضرب من بعيد، جاء إلى السفن السريعة التي للآخيين ذوي الحلل ~~البرونزية، ليحظى بالحرية لابنته، وأحضر فدية تفوق الحصر، حاملا ~~في يديه سهام أبولو، الذي يضرب من بعيد، فوق صولجان من الذهب، ~~وتضرع إلى جميع الآخيين، وبصفة خاصة لولدي أتريوس، قائد الجيش، ~~وعندئذ صاح سائر الآخيين الباقين بالموافقة، آمرين باحترام الكاهن ~~وقبول الفدية العظيمة. بيد أن الأمر لم يسر قلب أجاممنون، ابن ~~أتريوس، ms096 فطرده بغلظة وأصدر إليه أمرا صارما؛ ومن ثم عاد الرجل ~~العجوز غاضبا، وسمع أبولو صلاته، لأنه كان عزيزا جدا عليه، ~~فأرسل سهما شريرا صوب أهل أرجوس. وعندئذ بدأ الناس يموتون ~~جماعات وبسرعة، وراحت سهام الرب تزمجر في كل مكان خلال معسكر ~~الآخيين الواسع. فأعلن لنا العراف جازما نبوءات الرب الذي يضرب ~~من بعيد، وعلى ذلك، كنت أنا أول من أمر على الفور بمهادنة الرب، ~~غير أن الغضب تملك ابن أتريوس من جراء ذلك، فنهض في الحال ونطق ~~بكلمة تهديد، كان لها أن تنفذ الآن. لأن الآخيين ذوي العيون ~~المتألقة يأخذون الفتاة في سفينة سريعة إلى خروسي # Chryse ~~، حاملين الهدايا للرب، بينما ~~الأخرى أخذها الرسل الآن من خيمتي. وذهبوا بها، ب «بريسيس» التي ~~أعطانيها أبناء الآخيين. فلو كان لك قدرة، حقا. فصوني ابنك، ~~أسرعي إلى أوليمبوس وتوسلي إلى زوس، إذا كنت قد أدخلت السرور إلى ~~قلبه بالقول أو بالفعل. فكثيرا جدا ما سمعتك تتباهين في ساحات ~~أبي، معلنة أنك وحدك من دون الخالدين التي ذدت الخراب المشين عن ~~«ابن كرونوس»، # 35 # سيد السحب الدكناء، في اليوم الذي عزم فيه الأوليمبيون ~~الآخرون أن يكبلوه بالأصفاد، وكانت من بينهم «هيرا» و«بوسايدون» # 36 # و«أثينا»، ولكنك أتيت، أيتها الربة، وخلصته من قيوده، ~~عندما استدعيت بسرعة إلى جبل أوليمبوس الشامخ ذلك الذي له مائة يد، ~~الذي يسميه الآلهة برياروس # Briareus ~~، # 37 # ويسميه سائر البشر «أيجايون # Aegaeon ~~» # 38 # لأنه كان أقوى من أبيه «بوسايدون»، فجلس إلى جانب ~~«زوس»، تحيط به هالة مجده، فذعر منه الآلهة المباركون ولم يكبلوا ~~زوس. عليك أن تذكريه بهذا وتجلسي إلى جانبه، وتمسكي بركبتيه عسى ~~أن يقرر نجدة الطرواديين، وحبس أولئك الآخرين، الآخيين، بين ~~مؤخرات سفنهم وحول البحر وهم قتلى، لعلهم يفيدون جميعا من مليكهم، ~~وحتى يعرف ابن أتريوس، أجاممنون الواسع السلطان، أن العمى قد غشيه ~~يوم لم يحترم بأية حال صالح الآخيين.» # عندئذ أجابت «ثيتيس # Thetis ~~» # 39 # على تضرعه وهو ما زال يذرف الدموع: «ويحي، يا بني، ~~لماذا نشأتك، واللعنة تلحقني إبان ms097 حملي؟ ليت حظك كان أن تمكث بجوار ~~سفنك بلا دموع وبلا حزن، حيث إن حياتك قصيرة المدى ولن تتحمل ~~مزيدا من الطول، ولكنك الآن مهدد بميتة سريعة، فوق أنك محوط ~~بالحزن أكثر من سائر البشر، إذن فقد أنجبتك في ساحاتنا لتلقى ~~مصيرا مؤلما. ومع كل فلكي أروي هذا الذي تقول لزوس الذي يقذف ~~الصاعقة، سأذهب لأضرع إليه فوق قمة أوليمبوس الجليدي، أملا في أن ~~يصغي إلي، ولكن هل لك أن تتلكأ بجوار سفنك السريعة، ماخرة ~~البحار، وتمضي في غضبك على الآخيين وتحجم بتاتا عن القتال؛ لأن ~~زوس توجه بالأمس إلى أوقيانوس # Oceanus ~~، # 40 # إلى الأثيوبيين النبلاء، من أجل وليمة، فتبعته جميع ~~الآلهة، لكنه سيعود إلى أوليمبوس في اليوم الثاني عشر، وعندئذ ~~أذهب إلى بيته ذي العتبة البرونزية وأمسك بركبتيه متوسلة، إنني ~~لأعتقد أنني سوف أحظى برضاه.» # وما إن قالت هذا، حتى انصرفت وتركته حيث كان، يملأ الغضب قلبه من ~~أجل الفتاة الجميلة الإزار التي أخذوها منه عنوة بالرغم ~~منه! # استرداد الحسناء «بريسيس» # في تلك الأثناء كان «أوديسيوس» وجماعته وابنة الكاهن قد بلغوا ~~«خروسي» ومعهم الذبيحة المقدسة من مائة ثور. فلما صاروا الآن داخل ~~المرفأ العميق، طووا الشراع، وحفظوه في السفينة السوداء، وخفضوا ~~الصاري إلى قاع المركب وجعلوه بسرعة في مستوى الدعامة، وجذفوا ~~بالسفينة بواسطة المجاذيف إلى مكان الرسو. وبعد ذلك ألقوا أحجار ~~المرساة وثبتوا حبال كوثلها، وذهبوا هم أنفسهم إلى شاطئ البحر. ~~وفي الحال أحضروا ذبيحة المائة ثور لأبولو، الذي يضرب من بعيد، كما ~~أسرعوا بإنزال ابنة خروسيس من السفينة ماخرة البحار. ثم قادها ~~أوديسيوس الكثير الحيل إلى المذبح، ووضعها بين ذراعي أبيها ~~العزيز، وقال له: «أي خروسيس، إن أجاممنون، ملك البشر، قد أوفدني ~~إليك لأحضر لك ابنتك، أقدم لأبولو ذبيحة مقدسة من مائة ثور ~~بالنيابة عن «الدانيين»، حتى يمكننا بواسطتها أن نسترضي الرب الذي ~~جلب على أهل «أرجوس» الويلات والأحزان.» # قال هذا ووضعها بين ذراعيه، فأمسك الكاهن بابنته العزيزة فرحا، ~~ولكنهم أسرعوا ليقدموا الذبيحة المقدسة من مائة ثور حول ms098 المذبح ~~الراسخ البنيان، من أجل الرب، وبعد ذلك غسلوا أيديهم، والتقطوا ~~حبات الشعير. عندئذ رفع خروسيس يديه وصلى بصوت مرتفع من أجلهم ~~قائلا: «استمع لي، يا صاحب القوس الفضية، يا من تشرف على «خروسي» ~~و«كيلا المقدسة»، ومن تحكم جزيرة «تينيدوس». كما سبق أن أصغيت ~~إلي عندما صليت، وشرفتني، وأنزلت ضرباتك شديدة على جيش الآخيين، ~~الآن أيضا حقق لي رغبتي هذه: أبعد الوباء البغيض عن ~~الدانيين.» # تكلم هكذا في صلاته فسمعه الإله أبولو. وبعد أن صلى القوم ~~ونثروا حبات الشعير، شدوا أولا رءوس الذبائح إلى الوراء، وذبحوها ~~وسلخوها، ثم قطعوا الأفخاذ وغطوها بطبقتين من الدهن، ووضعوا عليها ~~لحما نيئا. فأحرقها الرجل العجوز فوق أعواد من الخشب، وسكب عليها ~~سكيبة من الخمر الملتهبة، وإلى جواره كان الشبان يمسكون في أيديهم ~~المذاري ذات الشعب الخمس. غير أنه عندما احترقت قطع الأفخاذ عن ~~آخرها، وتذوقوا الأجزاء الداخلية، قطعوا الباقي وشووه في السفود ~~بعناية ثم أخرجوه كله من السفود. ولما انتهوا من عملهم وأعدوا ~~الوليمة، أكلوا كفايتهم من المائدة الحافلة، ولكن عندما ولت عنهم ~~الرغبة في الطعام والشراب، ملأ الشبان الكئوس حتى حافتها بالشراب ~~وداروا بها على الجميع، ساكبين أولا قطرات في كئوسهم كسكيبة. ~~وهكذا سعوا اليوم كله إلى إرضاء الرب بالغناء، منشدين أغنية النصر ~~الجميلة، ورتل الآخيون مديح الرب الذي يضرب من بعيد، فابتهج قلبه ~~وهو يستمع إليهم. # بيد أنه عندما غربت الشمس وساد الظلام، رقدوا ليستريحوا إلى جوار ~~حبال كوثل السفينة، وما كاد الفجر الباكر ذو الأنامل الوردية ~~يظهر ، حتى أقلعوا صوب معسكر الآخيين الواسع. فأرسل إليهم أبولو، ~~الذي يضرب من بعيد، ريحا مواتية، فأقاموا الصاري ونشروا الشراع ~~الأبيض؛ ومن ثم ملأت الريح بطن الشراع، وراحت الموجة الدكناء تغني ~~عاليا حول جؤجؤ السفينة، وهي تشق طريقها بسرعة فوق الموج. ولما ~~بلغوا معسكر الآخيين الفسيح، سحبوا السفينة السوداء فوق الشاطئ، ~~إلى علو فوق الرمال، ووضعوا تحتها صفا من الدعامات الطويلة، ~~وتفرقوا هم وسط الأكواخ والسفن. # ولكن ابن بيليوس المنحدر من السماء، أخيل، السريع القدمين، ms099 ظل ~~يجتر غضبه بجوار سفنه السريعة، ولم يتقدم على الإطلاق إلى مكان ~~الحشد، حيث يفوز الرجال بالمجد، ولا إلى الحرب قط، بل اعتزم في ~~نفسه أن يظل عاطلا، يتلكأ حيث هو، رغم أنه كان يتوق إلى صيحة ~~الحرب وإلى القتال. # فوق جبل أوليمبوس # ولما أقبل الصباح الثاني عشر، سار الآلهة الخالدون، جميعهم في ~~زمرة واحدة، إلى أوليمبوس، يتقدمهم زوس. ولم تنس «ثيتيس» رجاء ~~ابنها، فخرجت من موجة البحر، في الصباح الباكر، وصعدت إلى السماء ~~العظيمة وإلى أوليمبوس. وهناك وجدت ابن كرونوس، ذا الصوت الجهوري، ~~جالسا في عزلة عن الباقين فوق أعلى قمة «الأوليمبوس» الكثير ~~المرتفعات. فجلست أمامه، وأمسكت بيدها اليسرى ركبتيه، بينما ~~أمسكته بيمناها من أسفل ذقنه، وخاطبت في توسل رب الأرباب زوس، ابن ~~كرونوس، قائلة: «أبي زوس، إذا كنت قد ساعدتك وسط الخالدين، بالقول ~~أو بالفعل، فلتحقق لي هذا الرجاء: اخلع المجد على ابني المحكوم ~~عليه بالموت السريع من دون سائر الرجال الآخرين، والذي ألحق به ~~أجاممنون، ملك البشر، العار، فأخذ غنيمته واحتفظ بها لنفسه بقوة ~~وغطرسة، ولكن هل لك أن تريه المجد، يا زوس الأوليمبي، يا سيد ~~المشورة، فتهب القوة للطرواديين، لأطول مدة ممكنة، حتى يبجل ~~الآخيون ابني، ويكافئوه بقدر ما يستحق؟» # هكذا قالت، لكن زوس، جامع السحب، لم يفه لها بكلمة واحدة، بل ~~جلس صامتا مدة طويلة، ولكن ثيتيس تعلقت به، وهي ما زالت تمسك ~~بركبتيه، واقتربت منه، سألته من جديد مرة أخرى، قائلة: «عدني الآن ~~بهذا الأمر، وأحن رأسك علامة الموافقة، وإلا فابخل به علي - لأنه ~~لا شيء يخيفك - وعندئذ أعرف أي احتقار قدر لي بين الآلهة!» # عندئذ تحدث إليها زوس، حاشد الغمام، وهو مهموم أعظم هم، فقال: ~~«سيكون هذا عملا مؤسفا حقا، فإنك سوف تدفعينني إلى الاشتباك في ~~صراع مع «هيرا»، وعندئذ ستغضبني بألفاظ جارحة، فإنها حتى الآن ~~تتحرق شوقا باستمرار إلى إثارتي أمام الآلهة الخالدين، بإعلانها ~~أنني أقدم المعونة للطرواديين في القتال، ولكن هل لك أن ترحلي ~~ثانية، من أجل هذا، حتى لا تلحظ ms100 هيرا شيئا، ولسوف أفكر أنا في هذا ~~الأمر وأخرجه إلى حيز التنفيذ. نعم، تعالي، وسأحني لك رأسي، حتى ~~تكوني على يقين؛ لأن هذا مني يعتبر أكثر الأدلة توكيدا لنفوذي بين ~~الخالدين، فما من كلمة من كلماتي يمكن أن تكون باطلة، أو كاذبة، ~~أو غير نافذة!» # تكلم ابن كرونوس، وأحنى جبينه القائم موافقا، وتموجت خصلات ~~الشعر الإلهية على رأس الملك الخالد، فتزلزل جبل أوليمبوس ~~العظيم. # وبعد أن تشاور الاثنان معا في هذا الأمر، افترقا، فقفزت هي إلى ~~البحر العميق من أوليمبوس المتألق، وذهب زوس إلى قصره. ثم نهض ~~جميع الآلهة دفعة واحدة من مقاعدهم أمام طلعة أبيهم، ولم يجرؤ أحد ~~أن ينتظر اقترابه، بل وقفوا جميعا مقدما. فلما وصل استوى هناك ~~فوق عرشه. ولم تكن زوجته غبية، فلم يفتها أن تلاحظ كيف تشاورت معه ~~«ثيتيس» الفضية القدمين، ابنة عجوز البحر؛ ومن ثم تحدثت إلى زوس، ~~ابن كرونوس، بكلمات تهكمية قائلة: «من من الآلهة، أيها الماكر، ~~قد تبادل معك الرأي الآن ثانية؟ إن سرورك الأعظم هو أن تنأى عني ~~دائما وأنت تفكر وتدبر في سرية وتكتم. ولم يحدث قط أن جئتني بقلب ~~خالص لتطلعني على مشروعاتك!» # عندئذ أجابها أبو البشر والآلهة بقوله: «أي هيرا، لا يتطرق إلى ~~ذهنك أنك سوف تقفين على كل نواياي، فلسوف ترين أنها ثقيلة عليك، ~~بالرغم من كونك زوجتي. نعم، إن ما يحق لك أن تسمعيه لن يعرفه ~~قبلك أي فرد آخر، سواء من الآلهة أو من البشر، أما ما أعتزم عمله ~~بعيدا عن الآلهة، فليس لك، بأية حال من الأحوال، أن تسألي أو ~~تتحري عنه.» # عند ذلك ردت عليه هيرا الجليلة، ذات عيون المها، قائلة: «يا ~~ابن كرونوس المرهوب، أي كلام هذا الذي تحدثت به؟ نعم، حقيقة، فيما ~~مضى، لم تكن لي رغبة في سؤالك أو الاستفهام منك عن شيء، بل كنت ~~تدبر كل الأمور التي تريدها في سهولة. أما الآن، فإن قلبي ~~ليشعر بخوف عجيب خشية أن تكون «ثيتيس» الفضية القدمين، ابنة ~~عجوز البحر، قد خدعتك؛ ms101 لأنها في الفجر الباكر قد جلست إلى جوارك ~~وأمسكت ركبتيك. ولها، كما أعتقد أحنيت رأسك كدليل أكيد على أنك سوف ~~تبجل أخيل، وتجلب الموت على كثيرين بجانب سفن الآخيين.» # عندئذ رد عليها زوس جامع السحب فقال: «أيتها الملكة المسكينة ~~إنك دائما تتوهمين، ولست بجاهل ما يدور بخلدك ومع ذلك فلن ~~تستطيعي عمل شيء، بأية حال، ولكنك ستصبحين أبعد عن قلبي، كما أن ~~هذا سيكون وبالا عليك. ولو كان الأمر كما تقولين، فإنه لا بد أن ~~يكون سلوتي المفضلة. والآن، اجلسي في صمت، وأصغي إلى كلمتي فلن ~~ينقذك جميع آلهة أوليمبوس من ضرباتي، عندما أقترب لأضع عليك ~~يدي اللتين لا تقاومان!» # وإذ قال ذلك، استولى الخوف ~~على هيرا الجليلة ذات عيني المها، فجلست ساكنة، تكبح جماح قلبها. ~~وعندئذ اضطربت جميع أرجاء قصر زوس، وكان «هيفايستوس» # 41 ~~- الصانع المشهور - أول من تكلم منهم، فقال محاولا ~~التسرية عن أمه العزيزة؛ هيرا البيضاء الذراعين: «حقا أنه يكون ~~أمرا يؤسف له، ولا يمكن احتماله، إذا تشاجرتما هكذا من أجل أمور ~~البشر، وأشعتما الفوضى بين الآلهة، ولن يكون للوليمة العظيمة أية ~~متعة، طالما تجري هناك أمور أسوأ. وإنني لأقدم النصح لأمي، رغم ما ~~هي عليه من حكمة، لتدخل السرور على نفس أبينا العزيز زوس، حتى لا ~~يفسد وليمتنا بالمشاجرات. ولنحذر من أن يكون الأوليمبي، سيد البرق، ~~قد عقد النية على إزاحتنا من مقاعدنا! لأنه يفوقنا في القوة. إذن، ~~فليكن حديثك معه رقيقا، كي يصبح الأوليمبي في الحال رحيما ~~بنا.» # لوحة للفنان «ج. ف . واتس»، ~~تمثل كبير الآلهة «زوس» في طفولته. # قال ذلك، ثم قفز واقفا، ووضع الكأس المزدوجة في يد أمه العزيزة، ~~وقال لها: «انشرحي صدرا يا أماه، وتحملي حزنك بصبر، لئلا تبصرك ~~عيناي مضروبة، وأنت العزيزة على نفسي، وعندئذ لن أستطيع بحال ما ~~أن أمد لك يد المساعدة، رغم حزني العميق، فإن الأوليمبي خصم قوي ~~في العراك. حقا، فإني أذكر أنني عندما أردت إنقاذك مرة قبل ~~الآن، أمسك بي من قدمي، وقذف بي من العتبة ms102 السماوية، فبقيت طول ~~اليوم معلقا! وعند غروب الشمس وقعت في «ليمنوس» # 42 # وليس بي سوى رمق ضئيل من الحياة. وهناك أسرع قوم من «السنتيس» # 43 # للعناية بي في سقطتي.» # وإذ قال ذلك، ابتسمت الربة هيرا، الناصعة الذراعين وتناولت بيدها ~~الكأس من ابنها وهي تبتسم. ثم صب الابن الخمر لجميع الآلهة الآخرين ~~من اليسار إلى اليمين، وسكب شراب الآلهة العذب من الطاس. وفجأة ~~علا الضحك الجارف بين صفوف الآلهة «المباركين»، عندما أبصروا ~~«هيفايستوس» يلهث في أرجاء القصر. # وهكذا ظلوا في وليمتهم طوال اليوم كله حتى غروب الشمس، لم ~~ينقصهم شيء من عناصر الوليمة الفاخرة، ولا القيثارة الجميلة التي ~~كان يمسك بها أبولو، ولا حتى ربات الشعر اللواتي أخذن ينشدن، ~~مجيبات الواحدة على الأخرى بأنغام رخيمة. # بيد أنه عندما غاب ضوء الشمس المتألق، انصرف كل منهم إلى بيته ~~طلبا للراحة، وكان «هيفايستوس» الشهير، الرب ذو الذراعين ~~القويتين، قد شيد لكل منهم قصرا بمهارة فائقة. وذهب «زوس» ~~الأوليمبي، سيد البرق، إلى مخدعه؛ إذ كان يتوق منذ أمد إلى ~~الراحة، بعد أن داعب النوم الحلو جفونه. فصعد إلى هناك ونام، وإلى ~~جواره رقدت «هيرا» ذات العرش الذهبي. # | الأنشودة الثانية # «... وتكلم الحلم السماوي قائلا: أصغ إلي يا ابن أتريوس، إنني ~~موفد إليك من قبل «زوس» وهو يأمرك بأن تسلح الآخيين ذوي الشعر ~~المسترسل بأقصى سرعة؛ لأنه يمكنك الآن أن تستولي على مدينة ~~الطرواديين الفسيحة الطرقات!» # كيف خدع «زوس» أجاممنون في الحلم! ... وما تلا ذلك من احتشاد ~~«الآخيين» ومضيهم إلى المعركة، وأسماء قادتهم وقادة الطرواديين ~~وتعداد كلا الجيشين، إلخ. # الحلم! # نام جميع الآلهة الآخرين والمحاربين قادة العربات، طوال الليل ~~كله، ولكن زوس لم يحظ بالنوم الهنيء؛ لأنه كان مشغولا بالتفكير ~~في كيفية الانتصار لأخيل وإنزال الهلاك بالكثيرين من الآخيين ~~بجوار سفنهم، وأخيرا هداه تفكيره إلى أن خير طريقة هي أن يرسل ~~حلما خبيثا إلى أجاممنون بن أتريوس؛ ومن ثم نادى الحلم وخاطبه ~~بكلمات مجنحة قائلا: «قم أيها الحلم الخبيث، وتوجه إلى سفن ~~الآخيين السريعة، وعندما تبلغ ms103 خيمة أجاممنون بن أتريوس، أخبره بكل ~~كلمة من كلماتي بحق، وكما آمرك. مره بأن يسلح الآخيين ذوي الشعر ~~المسترسل بمنتهى السرعة، حيث إنه قد حانت فرصته لأن يستولي الآن ~~على مدينة الطرواديين الفسيحة الطرقات؛ لأن الآلهة الخالدين، الذين ~~يقطنون فوق أليمبوس، ما عادوا منقسمين في الرأي بعد الآن؛ حيث إن ~~هيرا قد حولت آراء الجميع بتوسلها، وستحل الكوارث فوق رءوس ~~الطرواديين.» # وإذ قال ذلك، انطلق الحلم في طريقه بمجرد سماعه هذا الكلام، ووصل ~~من فوره إلى سفن الآخيين السريعة، وهناك شق طريقه إلى أجاممنون ~~بن أتريوس، فوجده نائما في خيمته، مستغرقا في النعاس الإلهي. ~~فوقف فوق رأسه في صورة ابن «نيليوس # Neleus ~~» # 1 # نسطور، الذي كان يحترمه أجاممنون احتراما بالغا، دون ~~سائر الكهول. وبعد أن تقمص هيئته، تكلم الحلم السماوي قائلا: ~~«إنك تنام يا ابن أتريوس الحكيم القلب، ومروض الخيول، يبدو أن ~~النوم طوال الليل ليس عمل رجل مثلك يشغل منصب المستشار، وفي عهدته ~~جيش، وعليه تتوقف مصالح عديدة. أصغ إلي، الآن، بسرعة، فإنني ~~موفد إليك من قبل زوس، الذي رغم بعده، يوليك اهتماما بالغا. ~~إنه يأمرك بأن تسلح الآخيين ذوي الشعر المسترسل بأقصى سرعة ممكنة؛ ~~لأنه يمكنك الآن أن تستولي على مدينة الطرواديين الفسيحة الطرقات، ~~حيث إن الآلهة الخالدين الساكنين فوق أوليمبوس، ما عادوا منقسمين ~~في الرأي بعد الآن؛ لأن هيرا قد حولت آراء الجميع بتوسلها، وفوق ~~الطرواديين ستحل الكوارث بإرادة زوس. احتفظ بهذا الأمر في قلبك، ~~ولا تدع النسيان يتملكك عندما يطلق النوم العذب سراحك!» # هكذا تكلم الحلم وانصرف ، وتركه هناك، منشغلا بالتفكير في أمور ~~ليس لها أن تخرج إلى حيز الوجود؛ لأنه ظن حقيقة أنه سيستولي على ~~مدينة «بريام» في نفس ذلك اليوم، فما أحمقه! إنه لم يعلم ما ~~يدبره زوس من أعمال كفيلة بأن تجلب الكوارث والأنين على كل ~~من الطرواديين والدانيين على السواء، في قتالهم العنيد. ثم استيقظ ~~من نومه، وكان الصوت السماوي لا يزال يرن في أذنيه. فاعتدل جالسا، ~~وارتدى عباءته الناعمة الجميلة الجديدة، ms104 وألقى حول جسمه معطفه ~~الكبير، وربط صندله الجميل تحت قدميه البراقتين، وعلى كتفيه علق ~~سيفه المطعم بالفضة، وأمسك صولجان آبائه، الذي لا يتحطم أبدا، ثم ~~شق طريقه بمحاذاة سفن الآخيين البرونزية الطلاء. # وصعدت ربة الفجر إلى جبل أوليمبوس الشاهق لتعلن مشرق النهار لزوس ~~والخالدين الآخرين، غير أن أجاممنون أمر المنادين ذوي الصوت ~~الجهوري بأن يدعوا الآخيين ذوي الشعر المسترسل إلى مكان الاجتماع. ~~فقاموا بالدعوة، وسرعان ما تجمع سائر الرجال. # المحنة! # والتأم شمل الشيوخ ذوي النفوس الكبيرة بجانب سفينة «نسطور»، ~~الملك المولود في «بولوس»، وبعد أن اكتمل جمعهم دبر أجاممنون ~~خطة حكيمة، فقال: «أصغوا إلي يا أصدقائي، لقد جاءني من السماء ~~في نومي إبان الليلة القدسية، وكان الرسول شبيها جدا بنسطور ~~العظيم، في الشكل والقوام والبنية، وقد اتخذ وقفته فوق رأسي، وتكلم ~~إلي قائلا: «إنك تنام، يا ابن أتريوس، الحكيم القلب، ومروض ~~الخيول، لكن النوم طوال الليل ليس عمل رجل يشغل منصب المستشار، وفي ~~عهدته جيش، وعليه تتوقف مصالح خطيرة، فأصغ إلي الآن بسرعة؛ ~~لأنني موفد إليك من لدن زوس، الذي رغم بعده، يوليك اهتماما ~~بالغا، وشفقة زائدة. إنه يأمرك بأن تسلح الآخيين ذوي الشعر ~~المسترسل بمنتهى السرعة، حيث إنه يمكنك الآن أن تستولي على مدينة ~~الطرواديين الفسيحة الطرقات؛ لأن الخالدين الساكنين فوق أليمبوس ما ~~عادوا منقسمين في الرأي؛ فقد حولت «هيرا» آراء الجميع بتوسلها، ~~وستحل الكوارث فوق الطرواديين بإرادة زوس. فاحتفظ جيدا بهذا الأمر ~~في قلبك. قال هذا ثم ابتعد طائرا واختفى، وإذا بالنوم العذب ~~يهجرني. والآن هيا بنا، فلعلنا نستطيع تسليح أبناء الآخيين، ولكن ~~هل لي أولا أن أحاول التحدث إليهم - كي أجربهم! - فآمرهم ~~بالهروب في سفنهم ذات المجاذيف المتعددة، وهل لكم أن تتحدثوا ~~إليهم بعد ذلك من هذا الجانب وذاك حتى تردوهم على ~~أعقابهم»؟» # لوحة رائعة للفنان «جيدو ~~ريني»، تمثل الإله «أبولو» يقود عربته التي تجرها الخيول ~~الإلهية تتقدمه «أورورا» ربة الفجر، وحوله سبع حسان يمثلن ~~الساعات التي انصرمت من الليل قبل شروق الفجر! # وبعد أن قال هذا ms105 استوى جالسا، ثم نهض في وسطهم «نسطور»، الذي ~~كان ملكا على «بولوس» الرملية، وبحسن طوية خاطب حشدهم قائلا: ~~«أصدقائي، قادة وحكام «أرجوس»، لو قص علينا هذا الحلم شخص آخر من ~~الآخيين، لحق لنا أن نرتاب في صدقه، ولازددنا ابتعادا عنه، أما ~~وقد رآه من يعلن عن نفسه أنه يفوق الآخيين بأسا، فالأمر يختلف، ~~والآن، هيا بنا نسلح أبناء الآخيين!» # قال هذا وشق طريقه منصرفا من المجلس فورا، ونهض الملوك الآخرون ~~ذوو الصولجانات، في نفس اللحظة، فأطاعوا راعي القوم، وعندئذ ~~هرعت الجماهير نحوهم. وكما تتدفق أسراب النحل من بعض الصخور ~~الجوفاء، مجددة تدفقها باستمرار، وتحط جماعات منها فوق أزهار ~~الربيع، البعض هنا والبعض هناك هكذا سارت جحافلهم، متدفقة في ~~زرافات عديدة من السفن والأكواخ، أمام ساحل البحر المنخفض، إلى ~~الاجتماع. وكانت تتألق في وسطهم كالشعلة «رومور # Rumour ~~»، رسولة زوس، تحثهم على الذهاب. ~~وإذا اجتمعوا، سادت الفوضى مكان الاجتماع، واهتزت الأرض تحت ~~أقدام المحاربين حين جلسوا، وعلا صخبهم. وقام تسعة منادين يصيحون، ~~محاولين إسكاتهم، بقدر المستطاع، حتى يصغوا بآذانهم إلى الملوك ~~الذين أقامهم زوس. وفي النهاية، وبصعوبة، جلس الناس ولبثوا في ~~أماكنهم هادئين، وعندئذ قام أجاممنون في وسطهم، يحمل في يديه ~~الصولجان الذي أتقن «هيفايستوس» صنعه، والذي كان قد أعطاه لابن ~~كرونوس، فأعطاه زوس للرسول «أرجايفونتيس» وأعطاه السيد «هيرميس»، # 2 # للفارس بيلوبس # 3 # فأعطاه بيلوبس بدوره إلى أتريوس، راعي القوم، وتركه ~~أتريوس بعد موته إلى «ثويستيس # Thyestes ~~»، # 4 # الغني بقطعانه ثم تركه ثويستيس لأجاممنون ليحمله، حتى ~~يمكنه بذلك أن يصير سيدا على جزر كثيرة وعلى جميع أرجوس، فاتكأ ~~هذا عليه، وقال كلمته في أهل أرجوس: «يا أصدقائي، يا أيها ~~المحاربون الدانيون، يا خدم «أريس»، # 5 # إن زوس العظيم ابن كرونوس، قد أوقعني في شرك أسى ~~محزن، فما أقساه من رب! فقد وعدني منذ زمن طويل - وأحنى رأسه علامة ~~الموافقة على ذلك - بأنني لن أعود إلى وطني قبل أن أنهب طروادة ~~المحكمة التحصين، بيد أنه قد حاك خدعة قاسية؛ إذ يأمرني الآن ~~بالهجوم ms106 دون تدبر؛ كي أعود إلى أرجوس محتقرا ذليلا، بعد أن ~~أكون قد فقدت كثيرا من رجالي. هذه، حسب اعتقادي، هي الخطة التي ~~تدخل السرور على قلب زوس الجبار، ذي البأس، الذي أذل كثيرا من ~~البلدان. نعم، ولا تزال بلدان أخرى تنتظر نفس المصير لأن قوته تفوق ~~الجميع. إن هذا لعار، حتى على سمع من سيأتي بعدنا من الأقوام؛ كيف ~~أن جيشا عظيما هكذا، وضخما بهذه الدرجة، يحارب عبثا، في حرب لا ~~طائل منها، ضد أعداء يقلون عنه عددا، ومع ذلك فلا تبدو لهذه الحرب ~~نهاية! نعم، فلو عقدنا النية، آخيين وطرواديين، وأقسمنا قسما لا ~~حنث فيه، على أن نحصي أنفسنا، وجعلنا نحن الآخيين أنفسنا صفوفا من ~~عشرات، واختارت كل جماعة منا رجلا من الطرواديين ليسكب خمرها، ~~إذن لاحتاجت عشرات كثيرة منا إلى حامل كأس! وهكذا، أعتقد أن أبناء ~~الآخيين يفوقون الطرواديين الذين يقطنون في المدينة، عددا. غير أن ~~حلفاء كثيرين خفوا إليهم من عدة بلدان ورماحهم في أيديهم، وهم ~~يعوقونني بشدة عن تحقيق هدفي، ولا يدعونني أبلغ غايتي من تحطيم ~~أسوار قلعة طروادة الآهلة بالسكان. لقد انصرمت تسع سنوات على وعد ~~زوس العظيم، وإنا لنرى أخشاب سفننا يصيبها السوس، وحبالها قد ~~تآكلت، وزوجاتنا وأطفالنا، على ما أظن، يجلسون في بيوتنا ~~ينتظروننا، ومع ذلك فلم ننجز المهمة التي من أجلها قدمنا إلى هنا! ~~ولكن هيا نذعن جميعا للنصيحة التي سأنصحكم بها: هلم بنا نهرب ~~بسفننا إلى وطننا العزيز، لأنه لم يبق هناك أمل في استيلائنا على ~~طروادة الفسيحة الطرقات!» ~~«هيرميس» رسول الآلهة، كما ~~صوره فنان مجهول في تمثال رائع من البرونز، معروض ~~الآن في المتحف الأهلي بمدينة «نابولي» بإيطاليا. # وإذ قال هذا أثار الحمية في صدور جميع الحشد، الكبير العدد، وكان ~~الكثيرون منهم لم يحضروا المجلس. وأثير الجمع، كما تثير الريح ~~الشرقية أو الجنوبية أمواج البحر الإيكاري # 6 # العالية وهي تهب عليها من سحب الأب زوس، أو كما تثير ~~الريح الغربية، في هبوبها، حقل قمح غزير بقوتها العنيفة، فتحني ~~السنابل تحتها، ms107 هكذا أيضا أثير جميع حشدهم، فهجموا على السفن وهم ~~يصيحون صياحا عاليا، وارتفع الغبار من تحت أقدامهم إلى أعلى، ~~وراح كل واحد ينادي زميله كي يمسك بالسفن ويجرها إلى البحر ~~المتألق، وأخذوا يفسحون طرق إنزال السفن إلى البحر، وقد ارتفع ~~صياحهم إلى عنان السماء، وكانوا شديدي الرغبة في العودة إلى وطنهم، ~~وشرعوا ينزعون الدعامات من أسفل السفن. # إذن فقد كاد أهل أرجوس ينفذون عودتهم إلى وطنهم، رغم إرادة ~~الأقدار، لولا أن هيرا قالت لأثينا: «عليك بهذا، يا ابنة زوس حامل ~~الترس، يا من لا تتعبين! أحقا أن أهل أرجوس يعتزمون الفرار إلى ~~وطنهم العزيز فوق سطح البحر العريض، وأنهم بذلك سيتركون فخرهم ~~لبريام والطرواديين يتركون هيلينا الأرجوسية، التي من أجلها هلك ~~كثير من الآخيين في طروادة، بعيدا عن وطنهم المحبوب؟ اذهبي الآن ~~وسط جيش الآخيين ذوي الحلل البرونزية، وبكلماتك الرقيقة حاولي أن ~~توقفي كل رجل، ولا تحمليهم عناء جر سفنهم المقوسة إلى ~~البحر.» # قالت ذلك، بينما لم تكف الربة «أثينا»، ذات العينين ~~النجلاوين، عن الإصغاء، ثم هبطت مندفعة من قمم أوليمبوس، وسرعان ~~ما بلغت سفن الآخيين السريعة. وهناك وجدت «أوديسيوس»، نظير زوس في ~~رجاحة الرأي، واقفا. ولم يكن قد وضع يده بعد على سفينته السوداء؛ ~~إذ قد عصف ذلك الحزن بقلبه وروحه، فوقفت أثينا البراقة العينين ~~بالقرب منه، وقالت: «أي ابن «لايرتيس # Laertes ~~»، # 7 # سليل زوس، أي «أوديسيوس» يا كثير الحيل، أحقا أنكم ~~سوف تعتلون ظهور سفنكم ذات المجاذيف الكثيرة لتهربوا إلى وطنكم ~~العزيز؟ وأنكم ستتركون لبريام والطرواديين «هيلينا» الأرجوسية، ~~موضع فخرهم، التي هلك من أجلها كثير من الآخيين في طروادة، بعيدا ~~عن وطنهم المحبوب؟ ألا اذهب الآن وسط جيش الآخيين، ولا تكبح جماح ~~نفسك أكثر من هذا، وبكلماتك العذبة حاول أن تمنع كل رجل، ولا ~~تحملهم عناء جر سفنهم المقوسة إلى البحر.» # تمثال للربة «أثينا» ربة ~~الحكمة، معروض بالمتحف الأهلي بمدينة «أثينا» وهو منقول ~~منذ زمن بعيد عن تمثال «الربة أثينا» للمثال الخالد ~~«فيدياس». # وإذ قالت هذا، عرف هو ms108 صوت الربة وهي تكلمه فانطلق يجري، وخلع عنه ~~عباءته فالتقطها سائقه «يوروباتيس الإيثاكي»، الذي كان يقوم ~~بخدمته. وذهب هو بنفسه مباشرة إلى أجاممنون بن أتريوس، فتسلم من ~~يده صولجان آبائه، الذي لا يبلى قط، وشق به طريقه بمحاذاة سفن ~~الآخيين ذوي الحلل البرونزية. وكان كلما قابل أحدا - سواء أكان ~~رئيسا، أم صاحب مكانة - يذهب إلى جانبه ويحاول إيقافه بألفاظ ~~رقيقة، قائلا: «سيدي، يبدو أنه لا داعي لفزعك كما لو كنت جبانا، ~~فهل لك أن تجلس أنت نفسك وتدع باقي شعبك يجلس. فإنك لست تعرف ~~بوضوح ماذا يدور في عقل ابن أتريوس. إنه الآن يجرب فقط، وسرعان ~~ما سيضرب أبناء الآخيين. ألم نسمع جميعا ما قاله في المجلس؟ حذار، ~~خشية أن يدبر في غضبه شرا لأبناء الآخيين، فإن قلب الملوك ~~يزهو؛ لأن لهم حظوة عند السماء، ومجدهم من لدن زوس. وزوس، رب ~~المشورة، يحبهم!» # بيد أنه كان لا يرى أحدا من الناس يزمجر، إلا ويضربه بصولجانه، ~~ويعنفه بقوله: «اجلس هادئا، أيها الزميل، وأصغ إلى كلام من هو ~~أفضل منك إذ إنك جبان وضعيف، لا يعتمد عليك في حرب أو مشورة، ~~إننا لا نستطيع جميعا أن نصبح ملوكا هنا، بأية حال من الأحوال. ~~فما كثرة السادة بالشيء الحسن، ولم يمنح ابن كرونوس، ذو المشورة ~~الملتوية، الصولجان والأحكام إلا لملك واحد، كي يستطيع أن يسدي ~~النصح لقومه.» # هكذا طاف في أرجاء الجيش مسيطرا، وأسرعوا هم عائدين من سفنهم ~~وأكواخهم إلى مكان الاجتماع، محدثين جلبة كدوي موجة البحر ~~الصاخب عندما ترتطم بالساحل الطويل، والبحر يزمجر. وكان الآخرون ~~قد جلسوا الآن واستقروا في أماكنهم، ولم يمض في ثرثرته غير ~~«ثيريستيس # Theristes ~~» # 8 # الذي لا ينتهي له كلام، والذي ملئ عقله بذخيرة ~~كبيرة من الكلمات السقيمة الترتيب؛ ولذا كان ينطق دائما بالسباب ~~ضد الملوك في إهمال، وبلا ترتيب، بل بما يعتقد أنه يثير الضحك بين ~~أهل أرجوس، وكان أقبح خلقة من جميع الرجال الذين قدموا إلى ~~طروادة: كان معوج الساق، يعرج بإحدى قدميه، وكانت كتفاه مقوستين، ms109 ~~تنحدران معا فوق صدره، ومن فوقهما يميل رأسه، وعليه ينمو قدر ضئيل ~~من الشعر. كان أمقت الجميع لدى أخيل وأوديسيوس؛ لأنه كان دائم ~~السباب لكليهما، ولكنه الآن كان يصيح بالشتائم ضد أجاممنون العظيم! ~~... كان الآخيون غاضبين عليه أشد الغضب، ويكنون له الاحتقار في ~~قلوبهم. ومع ذلك فقد صاح بصوت مرتفع، ينحي باللائمة على أجاممنون: ~~«يا ابن أتريوس، ماذا يغضبك الآن، وماذا ينقصك؟ خيامك عامرة ~~بالبرونز، وفي أكواخك نساء كثيرات، غنائم منتقاة نقدمها نحن ~~الآخيين إليك - قبل أي شيء آخر - كلما استولينا على قلعة. أما زلت ~~بعد ذلك تريد مزيدا من الذهب الذي سوف يحضره لك أحد الطرواديين ~~مروضي الجياد من طروادة، فدية عن ابنه الذي ربما أكون قد كبلته ~~وأسرته، أنا أو أي شخص آخر من الآخيين؟ أم تريد أن يجلبوا إليك ~~أسيرة حسناء كي تنعم بحبها، وتستأثر بها وحدك؟ ولكن كلا؛ إذ لا ~~يعقل أن يكون قائد الآخيين هو الذي يجلب على أبنائهم الشر والكوارث ~~بنفسه! أيها الحمقى! أيها الأنذال، يا مجلبة العار، يا نساء ~~«آخيا»، يا من لم تعودوا رجالا. هيا نعود إلى الوطن بسفننا ونترك ~~هذا الزميل هنا في أرض طروادة ليجتر غنائمه ويكلل جبينه بأكاليل ~~الغار؛ كي يعرف هل كنا نبغي مساعدته أم لا، إنه لم يحترم أخيل، ذلك ~~الرجل الذي يفوقه بكثير؛ فقد أخذ منه غنيمته واستأثر بها، ~~مقترفا بنفسه هذا العمل المتعجرف. ومن المؤكد أنه لا توجد في قلب ~~أخيل ذرة من الغضب، نعم، إنه لم يكترث قط، والآن يا ابن أتريوس، ~~أتريد أن تقوم بوقاحة أخرى لآخر مرة؟» # هكذا تكلم «ثيريستيس» ~~زاجرا أجاممنون، راعي الجيش . بيد أن «أوديسيوس» العظيم أسرع إلى ~~أولهما، وإذ نظر إليه بغضب من تحت حاجبيه، زجره بقوله: «أي ~~ثيريستيس، يا طائش الحديث - رغم أنك متكلم فصيح - صه ولا تحاول ~~النضال وحدك ضد الملوك. لأنني أعتقد أنه لا يوجد شر منك بين سائر ~~من جاءوا من أبناء أتريوس إلى طروادة؛ لذا أجد من الخير أن تمسك ~~لسانك عن الملوك، ولا ms110 تنحي عليهم باللائمة أو تراقب الرحيل إلى ~~الوطن. فلسنا نعلم بعد كيف ستكون هذه الأوضاع: أمن صالحنا أمن ~~ضررنا أن نعود نحن أبناء الآخيين. إنك دائم التلفظ بالسباب ضد ~~ابن أتريوس، أجاممنون، راعي الجيش؛ لأن المحاربين الدانيين يقدمون ~~إليه كثيرا من الهدايا، بينما تصب أنت عليه الشتائم باستمرار. غير ~~أنني أنذرك، وسأنفذ كلامي: لو وجدتك هنا ثانية تتظاهر بالبلاهة، ~~كما تفعل الآن، لحق لرأس أوديسيوس ألا يبقى بعد اليوم فوق كتفيه، ~~ولما استحققت بعدئذ أن أدعى والدا لتيليماخوس، إن لم أقبض عليك ~~وأجردك من ثوبك وعباءتك، وردائك الذي يستر جسدك، ثم أرسلك إلى ~~السفن السريعة، بعد أن أضربك في مكان الاجتماع ضربا ~~مخزيا!» # قال أوديسيوس هذا، وضربه بعصاه على ظهره وكتفيه، فخر ثيريستيس، ~~وانحدرت منه دمعة كبيرة، وبان أثر الدم على ظهره تحت العصا ~~الذهبية. ثم جلس وقد تملكه الذعر، ومسح دمعته والألم يخزه وخزا ~~شديدا والعجز يبدو في ملامحه، ولكن الآخيين، رغم حنقهم عليه في ~~قلوبهم، انفجروا ضاحكين منه، وقال أحدهم وهو ينظر إلى جاره: «ويحي! ~~حقا قام أوديسيوس قبل الآن بأعمال جليلة لا تحصى، كقائد للرأي ~~السديد وكمثير للهيجاء، غير أن هذا هو خير ما أتاه بين أهل أرجوس؛ ~~إذ جعل هذا الثرثار السفيه يكف عن شتائمه. وإني لأعتقد أن روحه ~~المتغطرسة لن تغريه بعد الآن على سب الملوك»! # سرت هذه العبارات بين الحشد، بيد أن أوديسيوس، فاتح المدن. قام ~~والصولجان في يده، وإلى جانبه أثينا ذات العينين المتألقتين، في ~~هيئة مناد، وأمر الجيش بأن يلزم الصمت، حتى يستطيع أبناء الآخيين، ~~الداني منهم والقاصي، أن يسمعوا كلامه، ويحفظوا في قلوبهم مشورته. ~~وبقصد حسن خاطب جمعهم قائلا: «يا ابن أتريوس، الآن حقا ينوي ~~الآخيون أن يجعلوك، أيها الملك، أبغض البشر طرا وأجدرهم ~~بالازدراء، ولن يبروا بالوعد الذي عاهدوك عليه - عند سيرهم إلى هنا ~~من أرجوس، مرعى الخيول - بألا تعود إلى الوطن قبل أن تقتحم ~~طروادة المنيعة التحصين؛ لأنهم كالأطفال الصغار أو كالأرامل يولول ~~بعضهم إلى بعض تواقين للعودة إلى ms111 الوطن. وإنها الخيبة المريرة ~~والإرهاق الشديد، اللذان يدفعاننا إلى العودة؛ لأن من يمكث بعيدا ~~عن زوجته شهرا واحدا في سفينته ذات المجاذيف، يثور الغيظ في قلبه ~~حين يرى نفسه سجينا وسط البحر الصاخب بفعل عواصف الشتاء وأعاصيره، ~~فما بالك وهذه هي السنة التاسعة، تحل بنا، ونحن هنا! ومن ثم فلا ~~أعتبر من العار أن يحقد الآخيون في قلوبهم وهم بجانب سفنهم ~~المدببة، ومع ذلك فإنه لمن المخجل أن نظل هنا طويلا ونعود بخفي ~~حنين. إذن فلتتحملوا، أيها الأصدقاء، ولتمكثوا بعض الوقت، حتى نعلم ~~ما إذا كانت نبوءات كالخاس # Calchas # 9 # صادقة، أم كاذبة؛ لأن هناك حقيقة نعرفها جيدا في ~~قلوبنا، وأنتم جميعا شهود عليها، أنتم الذين لم تفتك بكم شياطين ~~الموت: لقد كان بالأمس فقط، أو أول أمس، أن احتشدت سفن الآخيين في ~~أوليس # Aulis ~~، # 10 # كي تحمل الدمار لبريام والطرواديين، وكنا نحن مجتمعين ~~حول نبع، نقدم الذبائح المئوية للآلهة فوق المذابح المقدسة، تحت ~~شجرة دلب جميلة، والماء الصافي يتدفق رقراقا من النبع، وإذا ~~بعلامة عظيمة تتجلى؛ فقد زحف من تحت المذبح أفعوان، ظهره في ~~حمرة الدم، مفزع، أرسله إله جبل أوليمبوس نفسه - زوس - إلى ضوء ~~النهار. وقد اتجه صوب شجرة الدلب. وكانت على تلك الشجرة عندئذ ~~أفراخ عصفور دوري، زغب الحواصل، فوق أعلى غصن، قابعة تحت الأوراق، ~~عددها ثمانية، والأم التي أنجبتها هي التاسعة. فابتلعها الأفعوان ~~وهي تزقزق بصوت يثير الشفقة، ومن حولها كانت الأم ترفرف وهي تبكي ~~صغارها الأعزاء! ثم استدار وأمسك بها من جناحها وهي تصيح مولولة، ~~ولكنه بعد أن التهم الأفراخ والأم، إذا الرب الذي أخرجه إلى النور، ~~يحوله إلى رمز، غير منظور، فإن ابن كرنوس - ذا المشورة الملتوية - ~~قد مسخه حجرا! فوقفنا هناك نتعجب مما حدث، من هذه الظاهرة ~~الخارقة المثيرة للفزع، التي تخللت تقديم ذبائح الآلهة المئوية، ~~وعندئذ أطلق «كالخاس» نبوءته في الحال؛ إذ خاطب جمعنا قائلا: «لم ~~هذا السكوت، أيها الآخيون ذوو الشعر المسترسل! لقد أبان لنا زوس ~~المستشار هذه العلامة العظيمة، فجاءت ms112 متأخرة، وتأخر تحقيقها، ولكن ~~لن يندثر صيتها بأية حال. فكما التهم هذا الثعبان أفراخ العصفور - ~~وأمها كذلك - وكانت ثمانية والأم التاسعة، هكذا أيضا سنحارب نحن ~~هناك سنين عديدة، ولكننا في السنة العاشرة سنستولي على المدينة ~~الفسيحة الطرقات! بهذا قالت النبوءة، فهيا تعالوا، امكثوا كلكم حيث ~~أنتم، أيها الآخيون المدرعون جيدا، إلى أن نستولي على مدينة ~~بريام العظمى!» # وإذ قال هذا، صاح أهل أرجوس عاليا، ومن حولهم رددت السفن ~~الأصداء بصورة عجيبة من وراء صيحات الآخيين، وهم يمتدحون كلمات ~~أوديسيوس شبيه الإله. ثم تكلم في حشدهم الفارس «نسطور» الجيريني # Gerenian # 11 # قائلا: «والآن انظروا إنكم في الحقيقة تعقدون ~~اجتماعا على طريقة الصبيان الحمقى، الذين لا يعيرون أعمال الحرب ~~أقل اهتمام، ماذا ستكون نهاية عهودنا وأيماننا؟ إذن، هيا بنا نقذف ~~إلى النار بجميع نصائح وخطط المحاربين، وتقدمات الشراب من الخمر ~~الصافية، والمواثيق التي سجلناها بمصافحات الأيدي ووضعنا فيها ~~ثقتنا؛ لأننا عبثا نتقاذف بالألفاظ، ما دمنا عاجزين عن إيجاد ~~أية حيلة للفراغ من مهمتنا هنا. يا ابن أتريوس، هل لك كسابق ~~عهدك أن تحتفظ بهدفك الذي لا انثناء عنه، وتصبح قائدا لأهل أرجوس ~~إبان المعارك الطاحنة؟ ولتدع الآخرين يهلكون، أولئك الواحد أو ~~الاثنين من الآخيين الذين يتشاورون سرا فيما بينهم - تشاورا ~~عقيما - للعودة إلى أرجوس، قبل أن نعرف هل يصدق أم يخيب وعد زوس، ~~حامل الترس! ذلك أن ابن كرونوس، الفائق القوة، قد بذل لنا وعدا، ~~بإيماءة من رأسه، في ذلك اليوم الذي اعتلى فيه أهل أرجوس ظهور ~~سفنهم السريعة، كي يجلبوا على الطرواديين الموت والهلاك - فلقد ~~أضاء يومئذ البرق عن يميننا مبديا لنا بذلك علامات الخير - لذلك، ~~ينبغي ألا يسرع أحد منكم في الرحيل إلى الوطن إلا بعد أن يضطجع كل ~~واحد منا مع زوجة رجل من الطرواديين، فننتقم بذلك لأنفسنا مما ~~أذاقوه لنا من مذلة وأنين من أجل هيلينا! ومع ذلك، فإن كان هناك من ~~برح به الشوق للرحيل إلى الوطن، فليضع يده على سفينته السوداء، حتى ~~يلقى الموت والهلاك قبل ms113 سواه! ولكن، هل لك، أيها الملك، أن تقبل ~~المشورة الحسنة، وتصغي إلى ما يقوله الآخرون، فمهما كانت كلماتي، ~~فلا تطرحها جانبا: فلتقسم رجالك، يا أجاممنون، إلى قبائل، وإلى ~~عشائر، كي تساعد العشيرة زميلتها، والقبيلة جارتها. وسوف تريك مثل ~~هذه التنسيقات، إذا تمسكت بها القوات، كم من الجبناء يوجد بين ~~الضباط أو في صفوف الجنود، وكم من الأخيار؛ لأن كل رجل سيقاتل ~~بجانب أخيه، وسرعان ما ستعلم إذا كانت إرادة الرب هي التي تقف ~~حائلا بينك وبين اجتياح طروادة، أم هو جبن جنودك وعدم كفاءتهم في ~~الحرب!» # وردا عليه تكلم الملك أجاممنون، قائلا: «حقيقة، مرة أخرى، ~~أيها السيد العجوز، إنك لتفوق أبناء الآخيين وتبزهم في الخطابة. أي ~~أبي زوس، ويا أثينا، ويا أبولو، ليت عندي عشرة من أمثال هذا ~~المستشار، آنئذ كانت مدينة الملك «بريام» تحني رأسها على الفور، ~~وكنا نستولي عليها ونخربها بأيدينا، ولكن ابن كرونوس، حتى زوس حامل ~~الترس، قد جلب علي الأحزان، بأن ألقى بي في خضم من المخاصمات ~~والمشاحنات غير المجدية؛ لأنني، والحق يقال، تقابلت و«أخيل» بقارس ~~الألفاظ من أجل فتاة، وكنت أنا البادئ بإثارة الغضب، ولكن إذا قيض ~~لنا أن نتحد في المشورة، فلن يؤجل مرة أخرى ما سيحيق بالطرواديين ~~من شر، كلا، ولا لحظة واحدة! أما الآن، فهيا انصرفوا إلى طعامكم، ~~حتى يمكننا أن نمضي إلى المعركة. ليشحذ كل رجل رمحه جيدا، ويصلح ~~درعه، ويعلف بسخاء خيوله السريعة الأقدام، ويفحص عربته من كل جانب ~~فحصا دقيقا، ويستعد للقتال؛ فقد نشغل طوال اليوم كله في حرب ~~مقيتة. لن يكون هناك تسويف، أي تسويف البتة، إلى أن يفصل بيننا ~~مجيء الليل ونحن في حمى القتال. ولسوف تتبلل سيور الدروع فوق ~~صدوركم بالعرق، وتتعب أيديكم من القبض على الرماح، كما سوف تتبلل ~~بالعرق الخيول المثبتة إلى عرباتكم اللامعة، ولكني إن رأيت أحدكم ~~مبيتا النية على التخلف عن القتال إلى جوار السفن المدببة، فلن ~~يكون له أمل بعد ذلك في اجتناب نهش الكلاب والطيور!» # الاستعداد للمعركة! # هكذا تكلم القائد، ms114 فصاح أهل أرجوس عاليا، كما لو كانوا موجة ~~ترتطم بشاطئ مرتفع عندما تهب الريح الجنوبية وتقذف بالأمواج على ~~ربوة صخرية لا تني المياه تلاطمها من كل جانب، مدفوعة بكل ريح. ثم ~~قاموا مسرعين ينتشرون بين السفن، وأشعلوا النيران في الخيام، ~~وتناولوا طعامهم. وقدموا الذبائح للآلهة واحدا واحدا، وسألوهم ~~النجاة من الموت ومن ويلات الحرب. أما أجاممنون قائد الجيش، فقد ~~نحر ثورا سمينا في الخامسة من عمره لابن كرونوس الفائق القوة، ثم ~~استدعى الكهول، رؤساء الجيش الآخي، وعلى رأسهم «نسطور» والملك «أيدومينيوس». # 12 # ثم أياس، # 13 # وسيمه، وابن توديوس # Tydeus ~~، # 14 # وسادسهم أوديسيوس، نظير زوس في الرأي والمشورة، ولم ~~يكن في حاجة إلى استدعاء أخيه «مينيلاوس»، صاحب صيحة الحرب ~~المدوية، الذي كان يعلم كم كان الحمل ثقيلا على أجاممنون فجاء من ~~تلقاء نفسه! ولما التفوا حول الذبيحة، والتقطوا حبات الشعير، قام ~~الملك أجاممنون يصلي وسطهم قائلا: «أي زوس، أيها الأمجد، أيها ~~الأعظم، يا ملك السحب القاتمة، يا ساكن السماء، فلتمن علينا ~~بألا تغيب الشمس، ولا يخيم الظلام علينا، قبل أن أهدم قصر بريام ~~- الذي صبغه الدخان باللون الأسود - وأضرم النيران في أبوابه، وأشق ~~عباءة هكتور من فوق صدره برمحي البرونزي، ويتجندل حوله زملاؤه ~~جماعات فيسقطون صرعى في التراب ويعضون الأرض بأسنانهم.» # هذا ما قاله، ولكن ابن كرونوس لم يكن راغبا بعد في أن يمنحه ما ~~تمناه. حقا، لقد قبل ذبيحته، ولكنه في نظير ذلك بعث إليه ~~بالكوارث مضاعفة؟ وبعد أن صلوا ونثروا حبات الشعير، سحبوا رءوس ~~الضحايا إلى الوراء أولا، ثم قطعوا رقابها، وسلخوها، ثم قطعوا ~~أجزاء الأفخاذ وكسوها بطبقة مضاعفة من الدهن، ووضعوا فوقها لحما ~~نيئا. ثم أحرقوا هذه فوق قطع من أغصان الكروم نزعت أوراقها، أما ~~الأجزاء الداخلية فقد وضعوها في السفافيد وحملوها فوق لهب ~~هيفايستوس. وعندما تم احتراق قطع الأفخاذ وتذوقوا من الأجزاء ~~الداخلية، قطعوا الباقي وسفدوه، وشووه بعناية، ثم نزعوا الجميع من ~~السفافيد. وعندما كفوا عن العمل وانتهوا من إعداد الطعام، أكلوا. ~~ولم يشك أحد من نصيبه ms115 من الوليمة العادلة. وعندما أطفئوا رغبتهم ~~في الطعام والشراب، وقف في وسطهم الفارس «نسطور» الجيريني، وكان ~~أول المتكلمين فقال: «يا ابن أتريوس الأمجد، يا أجاممنون، يا ملك ~~البشر، هيا، فلا نظل محتشدين هنا بعد ذلك، ولا نسوف أكثر من ذلك ~~في العمل الذي وهبنا الله إياه بحق. هيا، ودع منادي الآخيين ذوي ~~الحلل البرونزية يعلنون على الملأ، ويجمعون الجيش داخل السفن. وهيا ~~بنا ننقض هكذا في حشد واحد عبر معسكر الآخيين الفسيح، حتى يمكننا ~~بسرعة أكثر أن نشن معركة طاحنة!» # هكذا تكلم، ولم يفت ملك البشر، أجاممنون، أن يصغي. ومن فوره أمر ~~المنادين ذوي الأصوات الواضحة أن يستدعوا الآخيين ذوي الشعر ~~المسترسل إلى المعركة. فأخذوا ينادون، وسرعان ما احتشد الجيش كله. ~~وأسرع الملوك المنحدرون من زوس، الذين كانوا حول ابن أتريوس، ~~يقودون الجيش، وفي وسطهم «أثينا» البراقة العينين، حاملة الترس ~~الذي لا يقدر بثمن، والذي لا يعرف القدم ولا الموت، والذي يتدلى من ~~مائة هدب من الذهب الخالص، منسوجة كلها بمهارة، وكل هدب منها قيمته ~~مائة ثور. بهذه الصورة كانت الربة تعدو متأنقة وسط جيش الآخيين، ~~تحثهم على المضي قدما إلى الأمام، وتثير الحمية في قلب كل رجل ~~إلى الحرب وإلى القتال دون هوادة، حتى أضحت الحرب بالنسبة إليهم ~~خيرا من العودة في سفنهم الجوفاء إلى وطنهم المحبوب! # وكما تشتعل النار الآكلة اللهب في غابة مترامية الأطراف على ~~قمة جبل، فيرى وهجها من بعيد، هكذا أيضا تألق البريق الذي ~~يبهر الأنظار من أسلحتهم البرونزية التي لا حصر لها، وهم يسيرون ~~إلى الأمام، حتى بلغ عنان السماء، مخترقا الفضاء. # وكما تطير فصائل الطير المجنحة: الأوز البري، أو الكراكي، أو ~~البجعات الطويلة الأعناق ، فوق المروج الآسيوية بالقرب من مجاري ~~كاوستريوس المائية، تارة هنا وطورا هناك، مزهوة بقوة أجنحتها، ~~تستقر على الأرض ولا يزال بعضها يتقدم إلى الأمام، وهي تصيح ~~عاليا، بينما المرح يدوي بالأصداء. هكذا أيضا راحت قبائلهم ~~العديدة تتدفق من السفن والأكواخ إلى سهل سكاماندر # Scamander ~~، فدوت الأرض دويا عجيبا ~~تحت ms116 أقدام الرجال والخيل. واتخذوا أماكنهم في مرج سكاماندر المزهر، ~~في أعداد لا تحصى، بقدر عدد أوراق الأشجار وأزهارها في ~~موسمها! # وكما تطن أسراب الذباب الكثيرة المتجمعة هنا وهناك خلال حظيرة ~~الراعي في فصل الربيع، عندما يبلل اللبن الدلاء، هكذا وقف الآخيون ~~ذوو الشعر المسترسل، في أعداد غفيرة، فوق السهل في مواجهة رجال ~~طروادة، يتحفزون إلى تمزيقهم إربا! # وكما يفرق رعاة الماعز، في سهولة، قطعان الماعز المنتشرة في ~~مساحات واسعة، عندما تنزل إلى المرعى، هكذا وزعهم قادتهم في هذا ~~الجانب أو ذاك ليدخلوا إلى المعركة، ومن بينهم الملك أجاممنون، ~~الذي يشبه زوس قاذف الصواعق، في عينيه ورأسه، أما خصره فشبيه بخصر ~~أريس، وصدره كصدر بوسايدون. وكما يقف الثور وسط القطيع كرئيس أكبر ~~للجميع، لأنه أبرز ما في القطيع، كذلك جعل زوس أجاممنون في ذلك ~~اليوم، أبرز الجميع، وأكبر زعيم بين المحاربين! # قائمة قواد الآخيين # أي ربات الشعر، أخبرنني الآن، يا من لكن مساكن فوق جبل ~~أوليمبوس - لأنكن ربات وحاضرات وتعرفن كل شيء، بينما لا نسمع ~~نحن غير الشائعات ولا نعرف شيئا! - من هم قادة الدانيين وسادتهم؟ ~~أما القوم العاديون فلست قادرا على إحصائهم أو تسميتهم، حتى ولو ~~كانت لي عشرة ألسن وعشرة أفواه وصوت لا يكل، ولو كان القلب الذي في ~~صدري من البرونز، إلا إذا أعادت ربات الشعر الأوليمبيات، بنات زوس ~~حامل الترس، إلى ذاكرتي كل من قدموا إلى طروادة، والآن، اسمحن لي ~~بذكر ربابنة السفن حسب ترتيبهم، وكذلك السفن: فمن البيوتيين كان ~~«بينيلوس» و«لايتوس» ربانين. وكذا «أركيسيلاوس» و«وبروثونيور» ~~و«كلونيوس»، وكان هؤلاء يعيشون في هوريا، وأوليس الصخرية، وسخوينوس ~~وسكولوس وأيتيونوس بأخاديدها الكثيرة، وثيسبيا وجريا وموكاليسوس ~~الفسيحة. وكان معهم من يعيشون حول هارما وهولي وبيتيون وأوكاليا ~~وثيسبي موطن اليمام. وكان معهم من يقطنون في كورونيا وهاليارتوس ~~المعشوشبة، ومن احتلوا بلاتيا وعاشوا في جليساس، ومن احتلوا ~~طيبة المنخفضة، القلعة الحصينة البناء، وأونخيستوس المقدسة، غيضة ~~«بوسايدون» اللامعة، ومن احتلوا أرنى، الغنية بالكروم، وميديا ~~ونيسا المقدسة وأنثيدون على شاطئ البحر، جاء كل هؤلاء في ms117 خمسين ~~سفينة، وعلى ظهر كل منها صعد شبان يافعون من البيوتيين يبلغون ~~مائة وعشرين. # والذين كانوا يعيشون في أسبيليدون وأورخومينوس المينيوية، قادهم ~~«أسكالافوس» و«أيالمينوس» ابنا «أريس»، اللذان أعدا ثلاثين ~~سفينة جوفاء مع «استيوخي» العذراء المبجلة، في قصر «أكتور»، ابن ~~«أزيوس»، التي حملت من «أريس» العتيد، عندما دخلت حجرتها. # ومن بين «الفوكيين» كان القائدان «سخيديوس» و«أبيستروفوس» وهما ~~ابنا «إيفاتوس» العظيم النفس، ابن «ناوبولوس» وهما اللذان احتلا ~~كوباريسوس وأبوتو الصخرية، وكريسا المقدسة، وداوليس ويانوبيوس. ~~وعاشا حول أنيموريا وهوامبوليس؛ واللذان سكنا بجانب نهر كيفيسوس ~~العظيم، واللذان احتلا كذلك ليلايا القريبة من ينابيع كيفيسوس. ~~وكان يتبع هؤلاء أربعون سفينة سوداء. وقد شغل قادتها بالسيطرة على ~~صفوف الفوكيين، والاستعداد للقتال المرير بالقرب من البيوتين على ~~الميسرة. # وكان «أياس» الصغير ابن «أويليوس» قائدا للوكريين # Locrians # ولم يكن بأية حال في عظمة ~~«أياس التيلاموني»، بل يقل عنه كثيرا. لقد كان ضئيل الحجم، ذا ~~درع من الكتان، ولكنه، في استخدام الرمح، كان يفوق بمراحل جيش ~~الهيلينيين والآخيين، وكان يعيش هؤلاء في كونوس وأوبوس وكالياروس ~~وبيسا وسكارفي وأوجايا الجميلة وتارفي وثرونيوم حول مجاري بواجريوس ~~المائية. وتبع أياس أربعون سفينة سوداء من سفن اللوكريين الذين ~~يعيشون في مواجهة يوبويا المقدسة. # أما «الأبانتيس» الذين يبثون الذعر في القلوب، والذين احتلوا ~~يوبويا وخالكيس وأريتريا وهيستيايا، ذات الكروم الوفيرة، وكيرينثوس ~~الساحلية وقلعة ديوس الشامخة، والذين كانوا يحتلون كاروستوس ~~ويعيشون في ستيرا - فكان قائدهم «إيليفينور»، سليل «أريس»، ~~وابن «خالكودون»، أي قائد الأبانتيس ذوي الهمم العالية. وقد تبعه ~~الأبانتيس السريعو الحركة. بشعرهم الطويل المرسل على ظهورهم، ~~وكانوا رماحين ماهرين يتوقون إلى تمزيق الدروع حول صدور أعدائهم ~~برماحهم العالية ذات القناة البلوطية. وكانت مع هذا القائد أربعون ~~سفينة سوداء. # أما الذين احتلوا أثينا، القلعة المكينة التحصين، أرض «اليخثيوس» ~~الجسور، الذي أرضعته أثينا، ابنة زوس، في غابر الأزمنة، يوم ~~أنجبته الأرض مانحة الحب، ثم جعلته يعيش في أثينا، في محرابها ~~الفاخر، وكلما مضت السنون في انصرامها، كان شباب أثينا يسعون ~~لكسب رضاه بذبائح من الثيران والكباش، أما ms118 هؤلاء الذين احتلوا ~~أثينا، فكان قائدهم «مينيسثيوس»، ابن «بيتيوس». وكان معدوم النظير ~~في قيادة العربات، ولن يستطيع مواجهته أي محارب من حاملي الدروع، ~~على وجه الأرض أبدا! ولكن «نسطور» وحده هو الذي كان ندا له ~~ويستطيع أن يتحداه؛ إذ يكبره سنا، وكانت تتبع هذا القائد خمسون ~~سفينة سواء. # وقاد «أياس» اثنتي عشرة سفينة من سالاميس وأرساها حيث كانت تقف ~~كتائب الأثينيين. # وأما الذين كانوا يحتلون أرجوس وتيرونس ذات الأسوار المشهورة، ~~وهيرميوني وأسيني، التي تحتضن الخليج العميق، وطرويزن وأيوناي ~~وأبيداوروس المكسوة بالكروم، وشباب الآخيين الذين احتلوا أيجينا ~~وماسيس، فكان قادتهم «ديوميديس»، البارع في صيحة الحرب، ~~و«سثينيلوس» الابن العزيز لكابانيوس المجيد. وجاء قائد ثالث مع ~~هذين، هو «يوروالوس»، المحارب الشبيه بالإله، ابن الملك ~~«ميكيستيوس»، ابن «تالاوس». بيد أن «ديوميديس»، البارع في صيحة ~~الحرب، كان قائد هؤلاء جميعا. وتبعت هؤلاء ثمانون سفينة ~~سوداء. # وأولئك الذين يحتلون موكيناي، القلعة المنيعة، وكورنثة الغنية، ~~وكليوناي المتينة التحصين، وكانوا يعيشون في أورناياي وأرايثوريا ~~الجميلة وسيكيون التي كان ملكها «أدراستوس»، ومن احتلوا هوبيريسيا ~~وجونويسا المنخفضة وبيليني، وعاشوا حول أيجيوم وفي جميع أنحاء ~~أيجيالوس وحول هيليكي الفسيحة - فكان أجاممنون بن أتريوس قائدهم ~~وتحت إمرته مائة سفينة. وتبعه معظم الأخيار من الناس وأكثرهم ~~عددا. فوقف وسط جموعهم في حلته البرونزية المتألقة ملكا كامل ~~المجد، بارزا من بين جميع المحاربين؛ لأنه كان أكثر نبلا، ويقود ~~شعبا غفيرا. # كذلك من احتلوا أرض لاكيدايمون الجوفاء بوهادها العديدة، وفاريس ~~وأسبرطة وميسي، موطن اليمام، ومن عاشوا في بروساياي وأوجاياي ~~الجميلة، والذين يحتلون أموكلاي وهيلوس، الحصن المشرف على البحر، ~~والذين كانوا يحتلون لاس، ويعيشون حول أويثولوس، وكان يقود هؤلاء ~~شقيق أجاممنون، «مينيلاوس» البارع في صيحة الحرب، ومعه ستون سفينة، ~~وكان يقودهم بعيدا ويتنقل وسطهم بنفسه، واثقا من كفاءته. يحث ~~رجاله على القتال، وكان قلبه - دون الجميع - تواقا إلى نيل الجزاء ~~لقاء نضاله وأناته من أجل زوجته المخطوفة هيلينا! # وأولئك الذين كانوا يعيشون في «بولوس» وأريني الجميلة وثريوم، ~~مخاضة «ألفايوس»، وأيبي الجميلة المنبت، ومن كانت مساكنهم في ms119 ~~كوباريساس وأمفيجينيا وبتيليوس وهيلوس ودوريوم. وفي الأخيرة قابلت ~~ربات الشعر «ثاموريس» التراقي ووضعن خاتمة لغنائه، وهو في رحلته من ~~أويخاليا، من بيت «يوروتوس» الأويخالي وكان قد تباهى مزهوا بأنه ~~سيفوز حتى لو غنت أمامه ربات الشعر أنفسهن، بنات زوس حامل ~~الترس، وفي فورة غضبهن شوهن خلقته، وسلبنه غناءه العجيب وجعلنه ~~ينسى صناعة الغناء - كل هؤلاء كان يقودهم الفارس «نسطور» الجيريني، ~~واصطفت معه تسعون سفينة سوداء. # وكذلك من احتلوا أركارديا تحت جبل كوليني المنحدر، بجانب قبر ~~«أيبوتوس» حيث يوجد محاربون ماهرون في القتال بالأيدي. ومن كانوا ~~يعيشون في فينيوس وأورخومينوس الغنية بقطعان الأغنام وريبي ~~وستراتيا وأنيسبي التي تكتسحها الرياح، وأولئك الذين يحتلون نيجيا ~~ومانتينيا الجميلة، ومن يحتلون ستومفالوس ويعيشون في باراسيا - كل ~~هؤلاء كان يقودهم ابن «أنكايوس» السيد «أجاممنون» ومعه ستون سفينة، ~~على ظهر كل منها عدد كبير من المحاربين الأركاديين الماهرين في ~~القتال؛ إذ أعطاهم ملك البشر، من تلقاء نفسه، سفنا ذات مجاديف ~~ليعبروا بها البحر القاتم بلون الخمر. فعل ذلك ابن أتريوس، لأنهم ~~لم يكونوا على دراية بشئون البحر. # ومن كانوا يعيشون في بوبراسيوم وأليس العظيمة، وكل القطاع الذي ~~تضمه هورميني ومورسينوس على ساحل البحر، صخرة أولين وأليسيوم. وكان ~~لهؤلاء أربعة قواد، لكل منهم عشر سفن على ظهر كل منها كثير من ~~الأيبيين: فكان يقود بعضهم «أمفيماخوس» و«ثالبيوس»، وقد ولدا من دم ~~«أكتور»، أحدهما ابن «كتياتوس» والآخر ابن «يوروتوس». وكان يقود ~~بعضا آخر، «ديوريس» العتيد، ابن «أمارونكيوس». أما الفريق الرابع ~~فكان يقوده «بولوكسانيوس» شبيه الإله، ابن الملك «أجاشينيس»، ابن ~~«أوجياس». # ومن قدم من دوليخيوم وأخيناي، الجزيرتين المقدستين اللتين تقعان ~~في عرض البحر، تجاه أليس، وكان يقود هؤلاء «فيجيس»، نظير «أريس»، ~~وابن «فوليوس» الذي أنجبه الفارس «فيليوس»، حبيب زوس - وهو الذي ~~غضب من أبيه قديما ورحل ليقيم في دوليخيوم - ومع «ميجيس» جاءت ~~أربعون سفينة سوداء. # أما «أوديسيوس»، فقاد الكيفالينيين ذوي الهمم العالية، الذين ~~كانوا يحتلون إيثاكا ونيريتوم التي تكسوها الغابات المائجة، ومن ~~كانوا يسكنون في كروكولايا وإيجيليبس الوعرة والذين كانوا ms120 يحتلون ~~زاكونثوس، ومن كانوا يقيمون حول ساموس، ويحتلون الأرض الرئيسية، ~~ويعيشون فوق الشواطئ المواجهة للجزر. وكان قائد هؤلاء «أوديسيوس» ~~نظير زوس في الرأي. وقدمت معه اثنتا عشرة سفينة ذات حيزوم قرمزي ~~اللون. # وكان «ثواس» بن «أندرايمون» يقود الأيتوليين، ومن يقطنون في ~~بليورون وأولينوس وبوليني وخاليكس، المشرفة على البحر، وكالودون ~~الصخرية؛ لأن أبناء «أوينيوس» القوي القلب كانوا في عداد الأموات، ~~ولم يكن هو على قيد الحياة كذلك، كما كان «ميلياجر» الجميل الشعر ~~ميتا، وهو الذي صدرت إليه الأوامر بأن يتولى قيادة الأيتوليين، ~~وكانت تتبع «ثواس» أربعون سفينة سوداء. # أما الكريتيون فكان قائدهم «أيدومينيوس» الشهير برمحه، كما كان ~~قائد الذين يحتلون كنوسوس وجورتوس، ذات الحوائط الشهيرة، ولوكتوس ~~وميليتوس ولوكاستوس، البيضاء بأرضها الطباشيرية، وفايستوس وروتيوم ~~تلك المدن الآهلة بالسكان، بالإضافة إلى جزيرة كريت ذات المائة ~~مدينة، كان يقود هؤلاء جميعا «أيدومينيوس» الشهير برمحه، ~~و«ميريونيس»، نظير «أنيواليوس»، قاتل الرجال، وجاءت مع هؤلاء ~~ثمانون سفينة سوداء. # رسم لعملاق جبار، يرمز لقوة ~~«هرقل» إله القوة، ابن «زوس». # أما «تيليبوليموس»، ابن «هرقل»، وهو بطل شجاع فارع الطول، فقاد ~~من رودس تسع سفن من الرودسيين الأمجاد الذين عاشوا في رودس، وكانت ~~منقسمة إلى ثلاثة أقسام: لندوس وأيالوسوس وكامايروس البيضاء ~~بأديمها الطباشيري. وكان قائد هؤلاء - «تيليبوليموس»، الشهير برمحه ~~- قد ولد لهرقل العتيد من «أستيوخيا» التي سباها من أيفوري ~~الواقعة على نهر سيليس بينما كان يخرب مدنا كثيرة كان يدافع عنها ~~محاربون يحتضنهم زوس. وعندما شب «تليبوليموس» وبلغ مبلغ الرجال ~~في القصر المنيع التحصين، قتل عمه «ليكومنيوس»، سليل «أريس»، وكان ~~عندئذ شيخا هرما؛ ومن ثم بنى له في الحال عدة سفن، وبعد أن جمع ~~كثيرا من الأتباع، هرب عبر البحر؛ لأن أبناء وأحفاد هرقل الآخرين ~~هددوه. غير أنه وصل إلى رودس بعد رحلات عدة تكبد في أثنائها المشاق ~~والمحن، وهناك أقام شعبه واستقروا في ثلاثة أقسام على هيئة قبائل، ~~فأحبهم زوس ملك الآلهة والبشر، وأغدق عليهم ابن كرونوس ثروات ~~طائلة. ~~«هرقل» يحمل الوحش ليلقي به ~~من حالق. # وفضلا عن ذلك ms121 فقد تولى «نيريوس» قيادة ثلاث سفن كبيرة من ~~سومي. وكان «نيريوس» ابن «أجلايا» والملك «خاروبس» وقد امتاز ~~باللباقة أكثر من جميع الدانيين القادمين إلى طروادة بعد ابن ~~بيليوس المنقطع النظير. ومع ذلك فقد كان ضعيفا؛ ولذا لم يتبعه سوى ~~عدد قليل من الرجال. # أما الذين كانوا يحتلون نيسوروس وكراباتوس وكاسوس وكوس مدينة ~~«يوروبولوس»، والجزر الكالودنية، فكان يقودهم «فايديبوس» ~~و«أنتيفس»، ابنا الملك «ثيسالوس»، ابن هرقل. واصطفت مع هؤلاء ~~ثلاثون سفينة واسعة. # كذلك جميع من كانوا يسكنون أرجوس البيلاسجية وألوس وألوبي ~~وتراخيس، ومن كانوا يحتلون فثيا وهيلاس - أرض الغيد الفاتنات ~~اللواتي أطلق عليهن اسم «المورميدون» و«الهيلينيس» و«الآخيين» - ~~كان «أخيل» ربان الخمسين سفينة التي يمتلكها هؤلاء. وبالرغم من ذلك ~~فقد كانوا يشعرون بعدم ميل إلى القتال المرير، حيث لم يكن هناك من ~~يقودهم إلى صفوف المحاربين. لأن أخيل العظيم، السريع القدمين، كان ~~يقبع في تراخ وسط السفن، غاضبا بسبب «بريسيس»، الفتاة ذات الشعر ~~الجميل، التي سباها من لورنيسوس بعد عناء شاق، عندما خرب لورنيسوس ~~وحوائط طيبة، وألحق العار ب «مونيس» و«أبيستروفوس» المحاربين ~~اللذين كانا يثوران بالرماح، ابني الملك «أيفينوس» بن «سيليبوس». ~~ومن فرط حزن أخيل عليها، بقي فاتر الهمة، بيد أنه سرعان ما كان ~~عليه أن ينهض من جديد. # والذين كانوا يحتلون فولاكي ~~وبوراسوس المزهرة، محراب «ديميتير»، وأيتون، الكثيرة القطعان، ~~وأنترون، المشرفة على البحر، وبتيليوس، المكسوة بالحشائش، كان ~~قائدهم «بروتيسيلاوس» الشجاع، أيام أن كان في عداد الأحياء، غير أن ~~التربة السوداء طوته بين أحضانها. وتركت زوجته، في فولاكي، وقد ~~مزقت خديها بنحيبها، بينما كان بيته لم يتم غير نصف مراحل تأسيسه. ~~وكان قد قتله رجل دارداني وهو يقفز من سفينته قبل جميع الآخيين. ~~ومع ذلك فلم يبق رجاله بدون قائد، رغم أنهم كانوا يتوقون إلى ~~قائدهم؛ لأن «بوداركيس» من نسل «أريس» صار يقودهم، وكان حفيد ~~«فولاكوس» من ابنة «أفيكلوس»، الثري بأغنامه، شقيق «بروتيسيلاوس» ~~العظيم النفس، والأصغر مولدا. ولكن الآخر كان أكبر سنا وأكثر ~~رجولة؛ لذلك لم يفتقر الجيش بحال ما إلى قائد، رغم ms122 أنه كان يتوق ~~إلى الرجل النبيل الذي فقده. وجاءت معه أربعون سفينة ~~سوداء. # ومن كانوا يقطنون في فيراي بالقرب من بحيرة بويبيس، وفي بويبي ~~وجلافوراي وأبولكوس المتينة البناء، كان يقودهم الابن العزيز ~~لأدمينوس، وهو يوميلوس الذي أنجبته له «ألكيستيس»، الملكة بين ~~النساء، وكانت أرق بنات بيلياس. وكانت مع «يوميلوس» إحدى عشرة ~~سفينة. # ومن كانوا يسكنون ميثوني وثاوماكيا، ومن كانوا يحتلون ميليبويا ~~وأوليزون الوعرة، كان يقودهم، وسفنهم السبع، «فيلوكتيتيس» البارع ~~في فن الرماية. وقد اعتلى كل سفينة خمسون مجذفا محنكون جدا في ~~القتال بالقوس. بيد أن «فيلوكتيتيس» كان يرقد بإحدى الجزر يعاني ~~آلاما مبرحة، في ليمونس المقدسة، حيث قد تركه أبناء الآخيين ~~مصابا بجرح خبيث من ثعبان مائي قاتل، بقي هناك يعاني آلامه، ~~بينما أسرع أهل أرجوس إلى جانب سفنهم يفكرون في الملك ~~«فيلوكتيتيس». ومع ذلك فلم يكن أولئك القوم بلا قائد رغم أنهم ~~كانوا يتوقون إلى قائدهم، فقادهم «ميدون» الابن السفاح لأويليوس، ~~سلاب المدن، الذي أنجبته له «ريني». # ومن كانوا يحتلون تريكا وأيثومي ذات المرتفعات وأويخاليا، مدينة ~~«يوروتوس» الأويخالي، كان يقودهم ابنا «إسكليبيوس»، الطبيبان ~~النطاسيان، «بودالايروس» و«ماخاون» ومع هؤلاء انتظمت ثلاثون سفينة ~~واسعة. # أما الذين كانوا يحتلون أورمينيوس والنافورة هوبيرايا، ومن ~~يحتلون إستيرديوم ومرتفعات تيتانوس البيضاء، فكان يقودهم ~~«يوروبولوس»، ابن «يوايمون» المجيد، وجاءت تتبعه أربعون سفينة ~~سوداء. # ومن كانوا يحتلون أرجيسا، ويعيشون في جورتوني وأورثي، وأيلوني ~~ومدينة أولوسون البيضاء، كان يقودهم «بولوبويتيس»، الماهر في ~~القتال، ابن «بابريثوس» الذي أنجبه زوس الخالد - وهو الذي حملت فيه ~~«هيبوراميا» «بابريثوس» في اليوم الذي انتقم فيه من جماعة القنطور ~~وطردهم من بيليوم، وساقهم إلى الإيثيكيس. ولم يكن وحده، بل كان معه ~~«ليونتيوس»، من نسل «أريس»، حفيد «كانيوس»، من ابنه «كورونوس»، ذي ~~الهمة العالية، وكانت تتبع هؤلاء أربعون سفينة سوداء. # وقاد «جونيوس» من كوفوس اثنتين وعشرين سفينة، فتبعه «الأينينيس» ~~و«البيرايبي»، البارعون في القتال، والذين أقاموا مساكنهم حول ~~دودونا الشتوية، وعاشوا في الأراضي الزراعية حول نهر تيتاريسوس ~~الجميل، الذي تصب مجاريه الهادئة الجريان في بينايوس، ومع ms123 ذلك فلا ~~تختلط بدوامات بينايوس الفضية، ولكنها تطفو فوق مياهه كأنها زيت ~~الزيتون؛ لأنه أحد فروع مياه ستوكس، نهر القسم المخيف. # وكان «بروتوس» بن «تينثريدون»، قائد «الماجينيتيس» الذين يقطنون ~~حول بينايوس وبيليون المكسوة بالغابات المتموجة. وجاءت تتبعه ~~أربعون سفينة سوداء. # كان هؤلاء هم قادة الدانيين وسادتهم، ولكن خبريني، يا ربة ~~الشعر، من كان يبز هؤلاء جميعا؟ خبريني عن المحاربين والجياد التي ~~جاءت تتبع أبناء أتريوس؟ # أما الجياد، فكانت خيرها جياد ابن «فيريس»، تلك الجياد التي كان ~~يسوقها «يوميلوس»، سريعة كالطير، متشابهة في اللون والسن، وظهورها ~~مستوية كالخط المستقيم. وكان أبولو ذو القوس الفضية قد ربى هذه ~~الجياد في بيرايا، ومن بينها فرسان تحملتا هول الحرب. أما من بين ~~المحاربين، فقد كان «أياس التيلاموني» هو خيرهم، أثناء اغتصاب ~~«أخيل» وانطوائه على غضبه؛ لأن أخيل يفوقه بمراحل في القوة، هو ~~والجياد التي كانت تحمل ابن بيليوس المنقطع النظير. ومع ذلك فقد ~~كان أخيل يمكث وسط سفنه العديدة المدببة، في غضب شديد من ~~أجاممنون بن أتريوس، راعي الجيش، بينما يرتع شعبه ويلهو على طول ~~شاطئ البحر، يقذفون الجلة والحراب والسهام، وتقف جيادهم، كل بجانب ~~عربته، تأكل «البشنين» ومقدونس المستنقع، في كسل. وقد وضعت ~~العربات، بعد أن أحكمت تغطيتها، في أكواخ أصحابها. أما الرجال، ~~التواقون إلى قائدهم، حبيب «أريس»، فراحوا يجولون هنا وهناك خلال ~~المعسكر، دون أن يقاتلوا. # وهكذا تقدم الجيش، كما تستشري النيران في رقعة الأرض كلها. ~~وأنت الأرض تحت أقدام الجنود، كما تئن تحت زوس الذي يقذف ~~بالصاعقة في ثورة غضبه، يوم ألهب الأرض بالسياط حول الوحش ~~«توفويوس» في بلاد الأريمي ، حيث يقول الناس إن عربة توفويوس توجد ~~هناك. هكذا أنت الأرض أنينا عاليا، تحت وطأة أقدامهم وهم ~~يسيرون بسرعة خلال السهل. # قائمة قواد طروادة # وذهبت «أيريس» الربة ذات القدمين السريعتين كالريح، إلى ~~الطرواديين، موفدة من لدن زوس، حامل الترس، تحمل رسالة محزنة. وكان ~~هؤلاء يعقدون اجتماعا عند باب قصر ملكهم «بريام» وقد احتشد الجميع ~~في كتلة واحدة، شيوخا وشبانا على حد ms124 سواء. فوقفت أيريس السريعة ~~القدمين بقربهم، وتحدثت إليهم، محاكية صوت «بوليتيس»، ابن بريام، ~~الذي اعتاد الجلوس كحارس للطرواديين، مطمئنا إلى سرعة قدميه، فوق ~~أعلى جزء من «أيسوبيتيس» العجوز ينتظر هجوم الآخرين من سفنهم، وقفت ~~أيريس السريعة القدمين في صورته، وخاطبت بريام بقولها: «سيدي ~~العجوز، إنك ما زلت شغوفا بالكلام الكثير، كما كنت في زمن السلم، ~~لكننا أمام حرب محتدمة لا هوادة فيها. ولقد خضت قبل الآن غمار ~~معارك مع المحاربين، بيد أنه لم يسبق لي أن رأيت جيشا عظيما ~~كهذا، حتى ليبدو في عداد أوراق الشجر، وحبات الرمال، وهو يسير خلال ~~السهل ليقاتل ضد المدينة. إليك يا «هكتور»، دون غيرك أصدر أمري، ~~لتفعل حسب أقوالي. فبقدر ما هنالك من حلفاء عديدين في شتى أنحاء ~~مدينة «بريام» العظيمة، من بلاد مختلفة، ولغات مختلفة، ينبغي على ~~كل قائد أن يعطي الأمر لمن هم تحت إمرته، ويقودهم إلى الأمام، ~~فيكون بذلك قد قاد رجال مدينته.» # هكذا قالت. ولم يخف قط على أن يعرف صوت الربة. ففض الحشد في ~~الحال، فانطلقوا إلى الأسلحة. وفتحت جميع الأبواب على مصاريعها. ~~فأسرعت الجموع قدما، المشاة وسائقو العربات، فارتفع ضجيج عظيم. ~~وكانت هناك أمام المدينة أكمة عالية، على مسافة بعيدة في السهل، ~~حولها رقعة من الخلاء على هذا الجانب وذاك، وهذه يسميها الناس ~~باتيبا بينما تسميها الآلهة مثوى «ميريني» الخفيفة الخطى. فوزع ~~الطرواديون وحلفاؤهم رجالهم هناك في ذلك اليوم. # وكان يقود الطرواديين «هكتور» العظيم ذو الخوذة البراقة، ابن ~~بريام، وكان يسير معه خير جيش بين الجيوش وأعظمها مهارة في أساليب ~~القتال. # أما الدردانيون فكان يقودهم «أينياس» الشجاع ، ابن «أنخسيس» وقد ~~أنجبته له «أفروديت» الفاتنة، وسط منحدرات أيدا، وهي ربة اضطجع ~~معها إنسان من البشر. ولم يكن «أينياس» بمفرده، بل كان ابنا ~~«أنتينور»: «أرخيليوخوس» و«أكاماس»، البارعان في أفانين ~~القتال. # أما من كانوا يعيشون في زيليا وراء السفح الأدنى لأيدا، أولئك ~~الأثرياء الذين يشربون مياه أيسيبوس القاتمة، والترويس، فكان ~~يقودهم «أنداروس» ابن «لوكادون» المجيد، وهو الذي حباه أبولو نفسه ~~بالقوس. ms125 # ومن كانوا يحتلون أدراستيا وبلاد البايسوس، ومن احتلوا بيوتويا ~~وأكمة تيريا الشاهقة، فكان يقودهم «أدراستوس» و«أمفيوس» ذو الدرع ~~الكتانية، ابنا «ميرويس البيركوتي»، الذي كان يفضل الرجال جميعا ~~في العرافة، ولم يكن راغبا في أن يحمل ولديه مشقة الذهاب إلى ~~الحرب، جالبة الخراب للبشر، ولكن الوالدين لم يصغيا قط إلى نصحه؛ ~~لأن الموت الأسود كان يدفعهما إلى حتفهما دفعا. # ومن كانوا يقطنون حول بيركوتي وبراكتيوس، ومن كانوا يحتلون ~~سيستوس وأبودوس وأريسبي العظيمة، كان يقودهم ابن «هورتاكوس»؛ ~~«أسيوس»، قائد البشر - «أسيوس» بن «هورتاكوس» الذي حملته جياده ~~الأصيلة العالية من أريسبي، من نهر سيليس. # وقاد «هيبوثوس» قبائل «البيلاسجي» التي تقاتل برماحها، وأيضا ~~أولئك الذين كانوا يقيمون في لاريسا العميقة التربة. هؤلاء كان ~~يقودهم «هيبوثوس» و«بيلايوس»، من نسل «أريس»، ابنا «ليثوس» ~~البيلاسجي، ابن «تيوتاموس». # أما التراقيون فقادهم «أكاماس» و«بايروس»، المحارب، وكذلك جميع ~~الذين يحتضنهم مجرى الهيليسبونت العتيد. # وكان «يوفيموس» قائدا للرماحين الكيكونيين. وهو ابن الملك ~~«ترويزينوس» بن «كياس»، وربيب زوس. # أما «بورايخميس»، فقاد البيونيين ذوي الأقواس المقوسة، من بعيد، ~~خارج أمودون، من نهر أكسيوس المتدفق باتساع، أكسيوس الذي تتدفق فيه ~~مياهه كأجمل ما يكون على وجه الأرض. # و«البافلاجونيون»، قادهم «بولايمينيس» الجريء القلب من بلاد ~~الأينينتي التي هي موطن سلالة إناث البغال الوحشية. وكان هؤلاء ~~يحتلون كوتوروس ويقيمون حول سيسامون، وكانت مساكنهم الذائعة الصيت ~~حول نهر بارثينيوس وكرومنا وأليجيالوس وأروثيني السامقة. # ومن بين «الموسيين»، كان «خروميس» و«أنوموس» العراف، قائدين، ~~ورغم عرافة هذا فإنها لم تدفع عنه القدر المشئوم؛ إذ قتل بيد ابن ~~«أياكوس»، السريع القدمين، بقرب النهر حيث كان أخيل ينزل الخراب ~~بالطرواديين وحلفائهم. # وقاد «ناستيس»، «الكاريين»، الغلاظ الألفاظ، الذين كانوا يحتلون ~~ميليتوس وجبل فثيريس، الغزير الأوراق، ومجاري مياندر المائية، ~~ومرتفعات موكالي الشاهقة. وكان يقود هؤلاء القائدان «أميفماخوس» ~~و«ناستيس»، ابنا «نوميون» المجيدان. وجاء «ناستيس» إلى الحرب يتحلى ~~كله بالذهب، كما لو كان فتاة، فيا له من أحمق! بيد أن ذهبه لم يغنه ~~شيئا، ولم يدفع عنه الحتف الأليم. فقد قتل في النهر بيد ابن ~~أياكوس، ms126 السريع الأقدام، وقام أخيل الحكيم القلب بتجريده من ~~الذهب! # وكان «ساربيدون»، و«جلاوكوس» عديم النظير، قائدين على «اللوكيين» ~~- من الجهات النائية من لوكيا - ومن كسانثوس الزاخرة ~~بالدوامات. # | الأنشودة الثالثة # «... تعالي، هيا نأخذ حظنا من المتعة، فنضطجع معا ونرتوي من ~~لذات الحب، فلم يسبق لي أن اجتاحتني مثل هذه الرغبة، ولا حين ~~قاسمتك فراش الحب في جزيرة «كراناي».» # كيف اشتبك «مينيلاوس» و«باريس» في مبارزة فردية، وكيف أنقذت ~~«أفروديت» باريس، وكيف أطلت «هيلينا» والملك «بريام» من فوق أسوار ~~طروادة على جيوش الآخيين ... إلخ. ~~«باريس» يتحدى الإغريق! # وعندما اصطفت جموعهم، كل فرقة مع قائدها، تقدم الطرواديون ~~بصخبهم يصيحون كالطيور، كما تعلو صيحات الكراكي - حتى تبلغ عنان ~~السماء - وهي تفر أمام زوابع الشتاء والأمطار الغزيرة، ثم تطير ~~صارخة صوب مجاري الأوقيانوس، حاملة الفتك والموت لرجال ~~«البيجيميس»، وعند مطلع الفجر الباكر تقوم بمعركة رهيبة. # أما الآخيون - من الجهة الأخرى - فقد أقبلوا في صمت، يتنفسون ~~البسالة، وقد عقدوا العزم في قلوبهم على التعاون ومساعدة كل رجل ~~لزميله. وكما تنشر الريح الجنوبية الضباب فوق قمم الجبال، ذلك ~~الضباب الذي لا يحبه الراعي، ويعده اللص خيرا من الليل؛ إذ لا ~~يستطيع المرء أن يرى فيه إلا بالقدر الذي يمسك به حجرا، هكذا ~~كانت كثافة سحب الغبار التي أثارتها أقدامهم وهم يسيرون، وقد ~~انطلقوا يعبرون السهل بأقصى سرعة. # وعندما اقتربوا، وتقدم كل جيش في مواجهة الآخر، نهض من بين ~~الطرواديين بطل يشبه الإله، هو «ألكساندر»، يحمل فوق كتفيه جلد ~~نمر أرقط، وقوسه المعقوفة وحسامه، ولوح برمحين لهما سنان من ~~البرونز ، وتحدى خيرة الآخيين أن يقاتلوه وجها لوجه في عراك دموي! # 1 # بيد أنه عندما رآه «مينيلاوس»، العزيز لدى «أريس»، وهو يتقدم ~~أمام الجميع بخطوات واسعة، انتابته فرحة الضرغام الذي عثر على ~~جثة ضخمة، أو ظفر بقطامي ذي قرون، أو عنزة وحشية، وكان الجوع قد ~~قضم أحشاءه، فانقض يلتهمها في نهم، مهما انبرت له الكلاب السريعة ~~والشباب الجامح. هكذا كان سرور «مينيلاوس» حين وقعت عيناه على ~~«ألكساندر» شبيه الإله؛ إذ اعتقد ms127 أن ستتاح له فرصة الانتقام من ~~غريمه. وفي الحال، وثب من عربته إلى الأرض وهو في حلته ~~الحربية. # وما إن أبصر به «ألكساندر» المجيد، عندما برز وسط الأبطال حتى ~~أصيب في قلبه، وعاد أدراجه وسط حشد زملائه، اجتنابا للموت! وكما ~~يجفل المرء متراجعا مذعورا حين يرى ثعبانا بين أخاديد جبل، ~~وترتعد فرائصه وأعضاؤه فيعود من حيث أتى، ويمتقع لون خديه، هكذا ~~تراجع ألكساندر المجيد خوفا من ابن أتريوس، وعاد أدراجه إلى جموع ~~الطرواديين الأمجاد. # ولكن «هكتور» شاهده، فزجره بعبارات الخزي قائلا: أيها الشرير ~~«باريس» يا أجمل من تقع عليه العيون، أيها السادر في مطادرة ~~النساء، أيها المخادع، ليتك لم تولد قط، ومت دون زواج. نعم كنت ~~أتمنى ذلك؛ فهذا خير بكثير من أن تكون هكذا مجلبة للعار، ينظر ~~إليك الرجال بازدراء! حقيقة، أعتقد أن الآخيين ذوي الشعر المسترسل ~~سوف يقهقهون عاليا، وهم يظنون أن بطلنا أمير، اخترناه بسبب جمال ~~خلقته، بينما لا توجد ذرة من القوة أو الشجاعة في قلبه! أبمثل هذه ~~القوة سافرت عبر البحر في سفنك الماخرة، يوم أن جمعت الثقات من ~~زملائك، حتى إذا ما بلغت قوما غرباء، عدت حاملا غادة فاتنة من ~~بلاد نائية، هي ابنة محاربين يجيدون استخدام الرمح، لتكون لأبيك ~~ولمدينتك ولكل الشعب مجلبة للدمار المحزن، ومسرة لأعدائك، ومشنقة ~~لرأسك أنت نفسك؟ أحقا لن تواجه «مينيلاوس»، العزيز لدى «أريس»، ~~على الأقل كي تعلم أي نوع من المحاربين ذاك الذي اقتنيت زوجته ~~الحسناء؟ إن قيثارتك لن تنفعك، ولا حتى هدايا أفروديت، ولا جدائل ~~شعرك، ولا جمالك ، عندما تفترش الثرى صريعا. حقيقة، إن الطرواديين ~~لجبناء أي جبناء، وإلا لألبسوك منذ زمن بعيد ثوبا من الأحجار # 2 # بسبب ما جنيته من آثام!» # فرد عليه ألكساندر المجيد قائلا: «أي هكتور، ما أراك إلا تؤنبني ~~بما أستحق، ولم تقل شيئا أكثر مما أستحق. إن قلبك لا تلين قناته ~~أبدا، كالفأس التي غرست في جذع شجرة بيد رجل ماهر في تشكيل ~~الأخشاب لصنع السفن، تزداد قوة ضربته باضطراد. هكذا أيضا ms128 حال ~~القلب الذي في صدرك القوي. فلا تقذف في وجهي بالهدايا الجميلة التي ~~منحتها أفروديت الذهبية. حذار، فإن هدايا الآلهة الرائعة ليست مما ~~يلقى جانبا، وخاصة ما تهبه من تلقاء نفسها، حتى ولو لم يكن في ~~مقدور أحد أن يحصل عليها مختارا. أما الآن، فإن كنت تصر على أن ~~أحارب وأقاتل، فدع الطرواديين الآخرين يجلسون هم وجميع الآخيين، ~~واجعلني في الوسط مع مينيلاوس، العزيز لدى «أريس»، لنتعارك من أجل ~~«هيلينا» وكل ممتلكاتها. وأينا يغلب، ويبرهن على تفوقه، فإنه ~~يستولي على المرأة والثروة جميعا، ويحملهما إلى منزله. أما أنتم، ~~فلتقسموا على الصداقة وفروض الإخلاص بذبيحة، وهكذا تستطيعون ~~الإقامة في بلاد طروادة العميقة التربة. ودعهم هم يعودون إلى ~~أرجوس، مرعى الخيول، وإلى آخيا أرض الحسان الفاتنات.» # وإذ قال هذا، سر هكتور سرورا بالغا حين سمع قوله، فتقدم إلى ~~الوسط، وأمسك رمحه من منتصفه، وأرجع به فريق الطرواديين إلى ~~الوراء، فجلس الجميع. غير أن الآخيين ذوي الشعر المسترسل حاولوا ~~عندئذ أن يصوبوا إليه سهامهم، ويضربوه، ويقذفوه بالأحجار، ولكن ~~أجاممنون، ملك البشر، صاح عاليا: «كفوا يا أهل «أرجوس»، ولا ~~تقذفوا السهام يا شباب الآخيين؛ لأنه يبدو أن لدى هكتور، ذي الخوذة ~~البراقة، شيئا ما يريد أن يقوله.» # وإذ قال ذلك، أمسكوا عن القتال، ولزموا الصمت في الحال. ثم ~~تكلم هكتور بين الجيشين، فقال: «اسمعوا مني أيها الطرواديون ~~والآخيون المدرعون جيدا، ما قاله «ألكساندر» الذي من أجله قام ~~النزاع على قدم وساق. لقد أمر غيره من الطرواديين وجميع الآخيين، ~~بأن يخلعوا عنهم عدتهم الحربية ويضعوها فوق الأرض الفسيحة، وسيقف ~~هو نفسه في الوسط مع «مينيلاوس»، العزيز لدى «أريس»، ليشتبكا في ~~عراك من أجل «هيلينا» وما تملك. وأيهما ينتصر ويثبت تفوقه، سيأخذ ~~المرأة والثروة جميعا، ويحملهما إلى منزله. أما نحن الآخرون، فهيا ~~نقسم على الصداقة وفروض الإخلاص بذبيحة.» # وخيم السكوت عليهم أجمعين، ومن وسطهم نهض مينيلاوس، الماهر في ~~صيحة الحرب، وقال: «أصغوا الآن إلي أنا أيضا، فقد تملك الحزن ~~قلبي من دونكم جميعا، وإني لأرى أنه ms129 لم يعد مفر من أن يفترق أهل ~~أرجوس والطرواديون، بعدما رأيته من تكبدكم للمحن الكثيرة بسبب ~~النزاع القائم بيني وبين باريس الذي بدأه. يجب أن يموت أحدنا - لقد ~~كتب القضاء له الموت فعلا - وبعد ذلك سرعان ما سيعم السلام بينكم. ~~فلتحضروا كبشين: كبشا أبيض للشمس، ونعجة سوداء للأرض، وسوف نحضر ~~واحدا لزوس، وليحضر إلى هنا الملك بريام القوي، حتى يبرم العهود ~~بنفسه، لا بواسطة أبنائه المتعجرفين المستهترين؛ فنحن لا نريد أن ~~نرى معاهدة مقدسة لزوس تنفصم بالخيانة. إن الشباب غالبا ما يكون ~~متسرعا، ولكن عندما يتولى شيخ أمثال هذه الأمور، فإنه يعمل حسابا ~~للمستقبل والماضي حتى يكون قراره في صالح الطرفين.» # وإذ قال ذلك، شعر الآخيون والطرواديون بالغبطة؛ لاعتقادهم أنه قد ~~كفاهم شر القتال المقيت، وعلى ذلك تركوا عرباتهم في الصفوف، وهبطوا ~~منها، ثم خلعوا عنهم عددهم الحربية فوضعوها على الأرض، كلا منها ~~بجانب الأخرى، لا تفصلها عنها سوى مسافة بسيطة، ثم أرسل هكتور ~~رسولين إلى المدينة، يجدان في السير لإحضار الحملين واستدعاء ~~بريام، كما أرسل أجاممنون «تالثوبيوس» إلى السفن العميقة القاع، ~~لإحضار حمل، فلم يتردد في إطاعة أجاممنون العظيم. ~~«هيلينا» عند سور الحصن # بيد أن «أيريس» ذهبت إلى «هيلينا» البيضاء الذراعين، كرسول، ~~متخذة هيئة شقيقة زوجها، تلك التي اتخذها الملك «هيليكاون» ابن ~~أنتينور، زوجة له، وكانت تدعى «لاوديكي» وتعتبر أجمل بنات «بريام»، ~~فوجدت هيلينا في البهو تنسج نسجا أرجوانيا كبيرا ذا عرضين، وقد ~~وشته بصور معارك كثيرة للطرواديين، مستأنسي الجياد، والآخيين ذوي ~~الحلل البرونزية، أولئك الذين قاسوا الأهوال من أجلها على أيدي ~~«أيريس». عندئذ اقتربت منها أيريس، السريعة القدمين، وتحدثت إليها ~~قائلة: «تعالي هنا، يا سيدتي العزيزة، لتري روائع أعمال الطرواديين ~~مستأنسي الخيول، والآخيين ذوي الحلل البرونزية. فمنذ زمن وجيز، كان ~~يهدد بعضهم البعض بحرب طاحنة في السهل، كأنما يعتزمون القتال ~~حتى الموت. أما الآن، فقد كفوا عن القتال، وهم يجلسون في هدوء، ~~متكئين على تروسهم، ورماحهم الطويلة مغروسة من أطرافها إلى جوارهم، ~~ولكن باريس ومينيلاوس الجبار، العزيز لدى ms130 «أريس»، يجب أن يتقاتلا ~~من أجلك برماحهما الطويلة، ومن ينتصر منهما تكوني زوجة له!» # هكذا تكلمت الربة، فأحيت في قلب محدثتها الشوق العذب نحو زوجها ~~السابق، ووطنها وأبويها، وفي الحال حجبت هيلينا نفسها بكتان أبيض ~~براق، وخرجت من غرفتها، والدموع تنهمر من مآقيها. ولم تكن وحدها، ~~بل معها وصيفتان؛ «أثيرا» ابنة «بيتثيوس»، و«كلوميني» ذات عيون ~~المها. وسرعان ما بلغن مكان أبواب سكاي. # ومن كانوا يجلسون حول «بريام» و«بانثوس» و«ثومريتيس» و«لامبوس» ~~و«كلوتيوس» و«هيكيتاون»، نسل أريس، و«أوكاليجون» و«أنتينور»، ~~الحازمين، جلسوا عند أبواب سكاي، ككبار القوم. وبسبب شيخوختهم لم ~~يشتركوا في القتال، بيد أنهم كانوا يتحدثون بفصاحة وطلاقة. ومثل ~~«حشرات النطاط» الجالسة في الغابة فوق شجرة، ترسل صوتها المقبول، ~~هكذا جلس قادة الطرواديين على الحائط. فلما أبصروا بهيلينا مقبلة ~~بمحاذاة الحائط، راحوا يتهامسون بكلمات مجنحة قائلين: «لا لوم على ~~الطرواديين والآخيين المدرعين تماما، أن يعانوا الآلام مدة طويلة ~~من أجل مثل هذه المرأة! من العجب أنها تبدو للناظرين وكأنها إحدى ~~الربات الخالدات! ومع ذلك، فبالرغم من كل ما هي عليه من فتنة، ~~دعوها ترحل على ظهر السفن، ولا تترك ها هنا لتكون عارا علينا ~~وعلى أطفالنا من بعدنا!» # هكذا قالوا، غير أن بريام استدعى هيلينا إليه، قائلا: «تعالي ~~إلى هنا، يا طفلتي العزيزة، واجلسي أمامي، لكي تري بعلك السابق ~~وأقاربك وشعبك. فإني أرى أن لا لوم عليك بأية حال من الأحوال، ~~ولكني أرى أن الملوم هم الآلهة، الذين أشعلوا حرب الآخيين المفجعة ~~ضدي. تعالي، لعلك تستطيعين أن تخبريني من يكون هذا المقاتل الضخم، ~~ذلك الآخي البطل الصنديد، الفارع الطول؟! حقيقة، هناك آخرون أطول ~~منه بقدر الرأس، ولكن عيني لم تريا بعد رجلا في مثل هذا الجمال، ~~ولا بمثل هذه المهابة. إنه أشبه ما يكون بملك!» # فأجابته هيلينا، الفاتنة بين النساء قائلة: «مبجل أنت في عيني، ~~يا والد زوجي العزيز، ومهيب. ليت الموت الشرير كان نصيبي يوم تبعت ~~ابنك إلى هنا، وتركت حجرة عرسي وأقاربي وابنتي العزيزة، ورفيقات ~~صباي الجميلات. غير أنه قدر لهذا ms131 ألا يكون؛ ولذلك تجدني أذوي من ~~البكاء. ومع ذلك، فسأخبرك عمن تسألني: ذلك الرجل هو ابن أتريوس، ~~أجاممنون الحاكم المطلق، وهو ملك نبيل، ورماح مقدام. وكان في يوم ~~ما شقيق زوجي، أنا التي طرحت عنها الحياء، إذا كان كل هذا قد حدث ~~حقا. إني لأرتاب في ذلك!» # قالت ذلك، فتملك العجب الرجل العجوز، وقال: «يا لك من سعيد يا ~~ابن أتريوس، محظوظ من الآلهة والأقدار! أرى الكثير من شبان ~~الآخيين قد خضعوا لك الآن. أقول هذا لأني سافرت إلى بلاد فروجيا، ~~الكثيرة الكروم، وأبصرت المقاتلين الفروجيين هناك في جموع غفيرة، ~~أولئك الفرسان البواسل أتباع «أوتريوس» وشبيه الإله «موجدون»، ~~الذين كانوا يعسكرون بمحاذاة شواطئ سنجاريوس. ولما كنت أنا حليفهم، ~~فقد حاربت في صفوفهم يوم هجمت المحاربات «الآمازونيس»، # 3 # نظيرات الرجال. ومع ذلك فإن «الفيروجيين» أنفسهم لم ~~يكونوا في كثرة الآخيين ذوي العيون البراقة!» # وبعد ذلك أبصر الرجل العجوز «أوديسيوس»، فسألها: «والآن أخبريني ~~كذلك عن هذا الرجل، يا طفلتي العزيزة، من هو؟ إنه أقصر من أجاممنون ~~بقدر رأس، ولكنه أعرض منه أكتافا وصدرا. إن عدته الحربية موضوعة ~~على الأرض الواسعة، ولكنه يصول ويجول، ككبش القطيع، في صفوف ~~المحاربين. إنه ليبدو أشبه بالكبش الكث الفراء، يجول خلال قطيع ~~ضخم من النعاج البيضاوات!» # فردت عليه هيلينا، المنحدرة من زوس، قائلة: «هذا أيضا ابن ~~«لايرتيس»؛ «أوديسيوس» الكثير الحيل، الذي شب وترعرع في أرض إيثاكا ~~رغم وعورتها، وهو يعرف كل شيء عن الدهاء والخطط الماكرة!» # فقال «أنتينور» العاقل، يسألها: «سيدتي، لقد تكلمت بالصدق؛ إذ ~~حدث فيما مضى أن جاء «أوديسيوس» العظيم إلى هنا، موفدا بشأنك، ~~يرافقه مينيلاوس، العزيز لدى «أريس»، وكنت أنا الذي استقبلتهما ~~ورحبت بهما في بيتي، فاستطعت أن أعرف شكل وحجم كل منهما وأساليبهما ~~الماكرة. والآن عندما اختلطا بالطرواديين، وهم مجتمعون سويا، ما ~~إن وقف الرجال حتى علا عليهم مينيلاوس بمنكبيه العريضين. # ومع ذلك، فلما جلس كلاهما كان أوديسيوس أكثر جلالا، بيد أنهما ~~عندما شرعا يحيكان نسيج الكلام والمشورة في حضرة الجميع، راح ~~مينيلاوس، ms132 والحق يقال، يتكلم بطلاقة، بألفاظ قليلة، ولكنها تامة ~~الوضوح؛ لأنه لم يكن بالرجل المحب للحديث المطول ولا المراوغة، ولو ~~أنه كان في الحقيقة، الأصغر سنا، ولكن عندما نهض أوديسيوس، ~~الكثير الحيل، كان خافضا بصره إلى الأرض، لا يحرك عصاه إلى الخلف ~~أو الأمام، بل يمسك بها بشدة، كما لو كان رجلا لا إدراك له، فكنت ~~تظنه رجلا من سقط المتاع، بل وأحمق. بيد أنه إذا ما انطلقت ~~الكلمات من شفتيه، وخرج صوته العظيم من صدره، كانت الألفاظ تتساقط ~~كالزوابع الثلجية فلا يستطيع أحد من البشر أن يباري أوديسيوس، ~~وعندئذ لم نتعجب من رؤية طلعة أوديسيوس». # ثم رأى الملك العجوز «أياس»، فسأل قائلا: «ومن، إذن، هذا ~~المحارب الآخي، الشجاع الفارع الطول، الذي يعلو أهل أرجوس برأسه ~~وكتفيه العريضتين»؟ # فردت عليه هيلينا ذات الثوب الطويل، الفاتنة بين النساء: «هذا، ~~«أياس» الضخم، حصن الآخيين. وهناك يقف أمامه «أيدومينيوس» في وسط ~~أهل كريت، أشبه بإله. ويجتمع حوله قادة الكريتيين. وكثيرا ما كان ~~يتوق مينيلاوس، العزيز لدى «أريس»، إلى تكريمه في بيتنا كلما جاء ~~من كريت. والآن أرى باقي الآخيين المتألقي العيون، الذين أستطيع أن ~~أميزهم بوضوح، وأذكر أسماءهم، ولكن هناك اثنين من قواد الجيش لا ~~يمكنني أن أتبينهما؛ «كاستور» مستأنس الخيول، والملاكم العظيم، ~~«بولوديوكيس»، وهما أخواي اللذان أنجبتهما نفس الأم. فإما أنهما لم ~~يتبعا الجيش من لاكيدايمون الجميلة، وإما أنهما قدما إلى هنا في ~~سفنهما ماخرة البحار، ولكنهما لم يجسرا على خوض غمار معركة ~~المحاربين، خوفا من الألفاظ المخزية ، وكلمات العار التي يرميني ~~الشعب بها.» # هكذا قالت، لكن الرجلين اللذين تعنيهما كانت الأرض واهبة الحياة ~~قد احتضنتهما - قبل ذلك - في لاكيدايمون، في وطنهما العزيز. # ذبائح النذور # وفي ذلك الوقت، كان الرسل يحملون الذبائح خلال المدينة لأجل نذور ~~الآلهة المقدسة، وهي حملان، وزق من جلد الماعز، مملوء خمرا من ~~ثمرة الأرض، تدخل السرور على القلب. وكان الرسول «أيدايوس» يحمل ~~طاسا لامعا وكئوسا ذهبية، فجاء إلى جوار الملك وأيقظه قائلا: ~~«انهض، يا ابن لاوميدون، فإن رؤساء ms133 الطرواديين، مستأنسي الخيول، ~~والآخيين المدثرين بالبرونز، يستدعونك لتنزل إلى السهل كي تقسم ~~بأيمان الثقة بالذبائح؛ لأن ألكساندر ومينيلاوس، العزيز لدى ~~«أريس»، سيتبارزان بالرماح الطويلة، من أجل تلك السيدة ومن ينتصر ~~منهما، تتبعه المرأة وكنوزها! أما نحن، فنقسم على الصداقة وأيمان ~~الثقة بالذبائح، ونعيش في طروادة العميقة الخصب. أما هما فسيرحلان ~~إلى أرجوس، مرعى الخيول، وآخيا، أرض النساء الفاتنات.» # وإذ قال هذا، ارتعد الرجل العجوز، ورغم ذلك فقد أمر رفقاءه أن ~~يضعوا النير فوق الجياد، فأطاعوا لتوهم. صعد بريام، وسحب الأعنة ~~إلى الخلف، كما صعد «أنتينور» إلى جانبه في العربة الفاخرة، وساق ~~كلاهما الخيول عبر أبواب سكاي إلى السهل. # بيد أنهما وصلا إلى الطرواديين والآخيين، حتى نزلا من العربة إلى ~~الأرض الفسيحة، وذهبا إلى وسط الطرواديين والآخيين. عندئذ قام ~~أجاممنون، ملك البشر، وأوديسيوس الكثير الحيل، وجمع الرسل الملكيون ~~الذبائح للأيمان المقدسة للآلهة، ومزجوا الخمر في الطاس، وسكبوا ~~الماء على أيدي الملوك، واستل ابن أتريوس السكين المعلقة باستمرار ~~إلى جانب غمد حسامه العظيم، ونزع الشعر من رأس الحملين؛ فوزعه ~~الرسل على رؤساء الطرواديين والآخيين. ثم قام أجاممنون في وسطهم، ~~ورفع يديه يصلي بصوت مرتفع، قائلا: «أبانا زوس، يا من تحكم من أيدا، # 4 # أيها الأمجد، أيها الأعظم، ويا أيتها الشمس ويا أيتها ~~الأرض، وأنت يا من تنتقم في العالم السفلي من البشر الذين انتهوا ~~من الحياة، وكل من أقسم حانثا، كونوا شاهدين، وراقبوا أيمان ~~الثقة. فلو قتل ألكساندر مينيلاوس، فدعوه يأخذ هيلينا وكل أموالها، ~~أما نحن فسنرحل في سفننا الماخرة. وإذا قتل مينيلاوس، الجميل ~~الشعر، ألكساندر، فدعوا الطرواديين يردون هيلينا وسائر أموالها، ~~ويدفعون تعويضا مناسبا لأهل أرجوس، حتى تستطيع الأجيال القادمة ~~أن تتذكره. أما إذا لم يعتزم «بريام» وأبناؤه دفع التعويض لي، ~~عندما يخفق ألكساندر، فإنني سأمضي في القتال حتى أحصل على التعويض، ~~وأظل هنا إلى أن أضع حدا للحرب.» # وبعد أن قال هذا، ذبح الحملين بسكينه البرونزية العديمة الرحمة، ~~ثم تركهما فوق الأرض يلهثان ويتنفسان بصعوبة، لأن السكين سلبتهما ~~القوة، ثم ms134 صب القوم الخمر من الطاس في الكئوس، وسكبوها على الأرض، ~~وصلوا للآلهة الخالدة. فأخذ كل من الآخيين والطرواديين يردد: «أي ~~زوس، أيها الأمجد، أيها الأعظم، ويا أيتها الآلهة الأخرى الخالدة. ~~أي الجيشين يبدأ بالعدوان حانثا في الأيمان، فلتسكب أمخاخ جنوده - ~~هم وأطفالهم - فوق الأرض انسكاب هذه الخمر، ولتصبح زوجاتهم جواري ~~وإماء للآخرين.» # هكذا قالوا - ولكن الوقت لم يكن قد حان بعد لابن نرونوس كي يحقق ~~لهم دعاءهم - ثم قام بريام وسط الجموع، بريام ابن «دار دانوس»، # 5 # وقال: «أصغوا إلي أيها الطرواديون والآخيون المدرعون ~~جيدا. الحق أنني سأعود ثانية إلى طروادة الكثيرة الزوابع؛ إذ لا ~~يمكنني بأية حال أن أحتمل أن تشهد عيناي ابني العزيز يتقاتل مع ~~مينيلاوس، العزيز لدى «أريس»، ولكن هذا، على ما أعتقد، يعرفه زوس ~~والآلهة الآخرون الخالدون، ويعرفون أيهما كتب له الموت.» # هكذا تكلم الرجل الشبيه بالإله، ثم وضع الحملين في عربته، وصعد ~~هو نفسه وجذب أعنة الخيل، وركب «أنتينور» # 6 # العربة الفاخرة إلى جواره، وانصرف كلاهما عائدين إلى ~~طروادة. # مبارزة «باريس» و«مينيلاوس»! # وحين وصلا، لم يلبث هكتور بن بريام، وأوديسيوس العظيم، أن قاسا ~~مسافة أولا، ثم تناولا الأزلام وأخذا يهزانها في خوذة من البرونز، ~~ليعرفا أي المتبارزين يبدأ بقذف رمحه البرونزي. وصلى الناس ورفعوا ~~أيديهم إلى الآلهة، فارتفعت أصوات الآخيين والطرواديين ضارعين: ~~«أبانا زوس، يا من تحكم من أيدا، أيها الأمجد، أيها الأعظم، من ~~كان من هذين سببا في جلب المتاعب لكلا الشعبين، فاحكم عليه بالموت ~~والدخول إلى بيت هاديس، بينما دعنا نحن نرتع في الصداقة ومواثيق ~~الإخلاص.» # وجعل هكتور العظيم، ذو الخوذة البراقة، يهز الخوذة، وهو ينظر ~~خلفه لفترة من الوقت، وسرعان ما وثب «باريس» خارجا. عندئذ اصطف ~~القوم جلوسا، كل واحد حيث يوجد حصانه الواسع الخطى، وحيث توجد ~~درعه المطعمة، وارتدى ألكساندر العظيم، زوج هيلينا ذات الشعر ~~الجميل، دروعه الفاخرة حول منكبيه، ثم غطى ساقيه بدرعيهما ~~الجميلين المطعمين بقطع من الفضة عند الركبتين. وبعد ذلك ارتدى درع ~~شقيقه «لوكاون» حول صدره، وثبتها جيدا، ms135 وألقى حسامه البرونزي ~~المطعم بالفضة على كتفه، ثم درعه الكبيرة المتينة ووضع فوق رأسه ~~خوذة قوية الصنع ذات خصلة من ذيل حصان - فكانت الخصلة تطل من ~~الأمام بشكل مخيف - ثم تناول رمحا صلبا ملائما لقبضته. وبنفس ~~هذه الطريقة لبس «مينيلاوس» الجسور عدة الحرب. # وبعد أن سلحا نفسيهما، على جانبي الحشد، سارا نحو الشقة الحرام ~~الفاصلة بين الطرواديين والآخيين، والشرر يتطاير من أعينهما، ~~فاستولت الدهشة على الناظرين من الطرواديين مستأنسي الخيول، ~~والآخيين المدرعين جيدا، ثم اتخذ كل منهما وقفته متقاربين في ~~المسافة، يلوحان برمحيهما كل إلى الآخر في غضب. فقفز ألكساندر ~~برمحه أولا، مصوبا ضربة إلى درع ابن أتريوس، تلك الدرع المستديرة ~~المتزنة من كل جانب، فلم يخترقها الرمح الطويل، ولكن طرفه انثنى ~~فوق الترس القوي. وإذ ذاك هجم ابن أتريوس، مينيلاوس، برمحه، وهو ~~يصلي لأبيه زوس قائلا: «أي زوس، مليكنا، هب لي أن أنتقم منه جزاء ~~ما اقترفت يداه في حقي، أنتقم من ألكساندر العظيم، وأن تخضعه تحت ~~قبضة يدي، كي ترتجف الأجيال القادمة لمجرد التفكير في الإساءة إلى ~~المضيف الذي أظهر للضيف صداقته!» # وما إن تكلم، وأصلح من اتزان رمحه الطويل الظل، حتى قذف به ~~مصوبا الضربة إلى ترس ابن بريام المتزن جيدا من كل جانب. فنفذ ~~الرمح من الترس اللامع، ثم خلال درع صدره المرصعة بالأحجار ~~الثمينة، ومرق إلى عباءته المدرعة عند جانبه، ولكنه انتحى مسرعا ~~إلى جنب، فنجا من المصير الأسود! عندئذ شهر ابن أتريوس سيفه ~~المرصع بالفضة، ورفع نفسه إلى فوق، كي يضرب حافة خوذته، غير أن ~~السيف تحطم فوقها إلى ثلاث قطع، لا، بل إلى أربع، ثم سقط من يده. ~~وإذ ذاك، صاح ابن أتريوس صيحة مريرة، ناظرا إلى السماء المنبسطة ~~إلى بعيد، قائلا: «أبي زوس! ليس هناك إله آخر أشد منك إيذاء. ~~حقا لقد خيل إلي أنني انتقمت لنفسي من ألكساندر بسبب فجوره، ~~ولكن ها هو سيفي يتحطم الآن في يدي، وقد طار من قبضتي دون جدوى، ~~دون أن أجهز عليه!» # وما إن قال ms136 هذا، حتى وثب عليه وأمسك به من خوذته ذات خصلة شعر ~~الخيل الغليظة، وألقى به إلى الأرض وشرع يجره صوب الآخيين المدرعين ~~جيدا، فاختنق باريس بواسطة سير الخوذة الفاخر التطريز. المربوط ~~بإحكام أسفل ذقنه الناعمة، والملتف حول عنقه البض. وكان مينيلاوس ~~يسحبه بعيدا، ويحظى بانتصار لا يوصف، لولا أن أفروديت ابنة زوس، ~~أبصرت به في الحال، ولكي تنقذ «باريس»، قطعت السير المصنوع من جلد ~~الثور إلى نصفين، فبقيت الخوذة خاوية في يد «مينيلاوس» القوية، ~~وعندئذ طوح بها إلى جموع الآخيين المدرعين جيدا، فالتقطها زملاؤه ~~المخلصون. أما هو نفسه فقفز إلى الوراء من جديد، تواقا إلى قتل ~~عدوه بالرمح البرونزي. ولكن أفروديت اختطفته بسرعة بقدرة الربة، ~~وأخفته في غمامة كثيفة من الضباب، ثم وضعته في غرفته المعطرة، ذات ~~القبو. # هيلينا وباريس! # وذهبت أفروديت بنفسها لتستدعي هيلينا. فألفتها فوق الحائط ~~المرتفع، ومن حولها نساء طروادة جماعات. فأمسكت الربة بثوبها ~~العبق، وجذبته، وتكلمت إليها متخذة صورة امرأة عجوز ممن يغزلن ~~الصوف كانت تهيئ لها الصوف الناعم إبان وجودها في لاكيدايمون، ~~وكانت تحبها حبا جما. وفي صورتها تكلمت أفروديت الفاتنة، ~~فقالت: «تعالي إلى هنا إن ألكساندر يدعوك لتذهبي إلى بيتك. إنه ~~هناك في غرفته، مستلقيا فوق سريره المطعم، يتألق جمالا وبهاء. لم ~~تكوني لتصدقي أنه سيعود بحال ما من قتال عدوه، ولكنك سوف تجدينه ~~كما لو كان ذاهبا إلى المرقص، أو عائدا لتوه بعد أن كف عن ~~الرقص». # وإذ قالت هذا، حركت قلب هيلينا في صدرها، فلما أبصرت جيد الربة ~~الأتلع ، وصدرها الجميل، وعينيها البراقتين، استولى عليها الذعر ~~فخاطبتها بقولها: «أيتها الربة الغريبة الأطوار، لماذا عولت على ~~خداعي بهذه الكيفية؟ - بعد أن رأيت كيف هزم مينيلاوس ألكساندر ~~العظيم، واعتزم أن يصحبني، أنا البغيضة، إلى بيته - لن تتردي في أن ~~تقوديني إلى مكان ناء بإحدى المدن المكتظة بالسكان، في فروجيا أو ~~مايونيا الجميلة، لو وجدت لي هناك عاشقا عزيزا عليك من البشر! ... ~~لهذا جئت الآن بنية سيئة! فاذهبي إذن اجلسي إلى جوار «باريس» ~~واتركي طريق ms137 الآلهة، ولا تجعلي قدميك تحملانك بعد الآن إلى ~~أوليمبوس بل احملي الهموم من أجل «باريس»، واحرسيه إلى أن يتخذك ~~زوجته، أو ربما جاريته، ولكني لن أذهب إلى هناك، فقد كان من العار ~~أن أرتب فراش ذلك الرجل، ولسوف تنحي نساء طروادة جميعا علي ~~باللائمة، فضلا عن أن آلام قلبي لا حد لها.» # ثارت ثائرة أفروديت، فقالت: «لا تستفزيني، أيتها المرأة الطائشة، ~~لئلا يتملكني الغضب فأهجرك، وأبغضك بقدر فرط حبي لك الآن، أو أدبر ~~الكراهية المحزنة بين الطرواديين والدانيين على السواء، وعندئذ ~~تلاقين شر ميتة تعسة.» # وإذ قالت هذا، استبد الخوف بهيلينا المنحدرة من زوس، فمضت صامتة ~~وراء الربة، وقد التفت بعباءتها اللامعة المتألقة، فلم تبصرها ~~النساء الطرواديات والربة تقودها إلى الطريق. # وعندما بلغتا الآن قصر ألكساندر الجميل، انهمكت الخادمات فورا ~~في أعمالهن. أما هي، الغادة الحسناء، فصعدت إلى الحجرة ذات السقف ~~المرتفع، حيث أحضرت لها الربة، أفروديت المحبة للضحك، مقعدا ~~ووضعته تجاه ألكساندر. فجلست هيلينا، ابنة زوس حامل الترس، ونظرت ~~إلى ألكساندر شزرا بعينيها، وأنبت زوجها قائلة: «لقد عدت من ~~الحرب! ليتك هلكت هناك. وصرعك الرجل الشجاع، الذي كان سيدي السابق، ~~إنك كنت تزهو فيما مضى بأنك أفضل من مينيلاوس، العزيز لدى «أريس»، ~~بقوة يديك، وبرمحك، ولكن أتجرؤ الآن على الذهاب، لتتحدى من جديد ~~«مينيلاوس» العزيز لدى «أريس»، كي يشتبك معك في قتال، رجل لرجل؟ ~~لا، إنني، من تلقاء نفسي، آمرك بالإحجام، وألا تتعجل بمحاربة ~~مينيلاوس الجميل الشعر، ولا تتقاتل معه بحماقتك، خشية أن تلقى حتفك ~~سريعا برمحه!» # عندئذ تحدث إليها باريس، قائلا: «سيدتي، رفقا بقلبي، من ~~التأنيب بكلمات التعبير القاسية، فلقد هزمني مينيلاوس، بمساعدة ~~أثينا، ولكني سوف أقضي عليه في فرصة أخرى؛ لأن هناك آلهة تقف إلى ~~جانبي. تعالي، هيا نأخذ حظنا من المتعة، فنضطجع معا ونرتوي من ~~لذات الحب، فلم يسبق لي أن اجتاحتني مثل هذه الرغبة، كلا، ولا حتى ~~عندما خطفتك أولا من «لاكيدايمون» الجميلة، في سفني ماخرة البحار، ~~وفي جزيرة «كراناي» نعمت بمقاسمتك فراش الحب، والآن، ms138 تتملكني نفس ~~الرغبة الجامحة والغرام الجارف.» # وإذ قال ذلك، سار أمامها إلى الفراش فتبعته. # إنذار «أجاممنون» لطروادة! # وهكذا اضطجع كلاهما فوق الفراش المصنوع من الحبال، بينما كان ابن ~~أتريوس يجوس خلال الجموع كوحش ضار، يود أن يقع بصره على ألكساندر ~~الجميل في أي مكان! ولكن ما من أحد من الطرواديين أو حلفائهم ~~المشهورين استطاع أن يدل مينيلاوس، العزيز لدى «أريس»، على مكان ~~ألكساندر - والحق أنهم لم يرغبوا في إخفائه لو استطاع أحدهم أن ~~يراه؛ لأن الجميع كانوا يمقتونه مقتهم للموت الأسود! - وعندئذ ~~تكلم أجاممنون، ملك البشر، وسط حشدهم، قائلا: «اسمعوا ما أقول ~~أيها الطرواديون، والدردانيون، ويا أيها الحلفاء، إنما النصر الآن ~~من نصيب مينيلاوس، دون شك. فهل لكم إذن أن تسلموا هيلينا ~~الأرجوسية، وما معها من أموال، وتدفعوا التعويض المناسب، بالقدر ~~الذي لن تنساه الأجيال المقبلة؟!» # تمثال رائع بمتحف «الفاتيكان» ~~من صنع الفنان الإيطالي «كونوفا» وهو يمثل برسيوس، أحد ~~أبناء كبير الآلهة زوس. # هكذا تكلم ابن أتريوس، فصاح جميع الآخيين مؤمنين على ~~قوله. # | الأنشودة الرابعة # «بهذه الكيفية اندفعت «أثينا» إلى الأرض، وقفزت هابطة بين ~~الجيشين فتملكت الدهشة جميع من رأوها من الطرواديين والآخيين ~~...» # كيف جرح «بانداروس» الملك «مينيلاوس» بالغدر والخديعة! وكيف ~~استحث «أجاممنون» كبار ضباط جيشه على القتال ... إلخ. # اجتماع الآلهة # جلس الآلهة الآن بجانب زوس، يعقدون اجتماعا فوق أرض قصرهم ~~الذهبية، وكانت «هيبي» # 1 # الجليلة في وسطهم تصب لهم النكتار، وهم يشربون في ~~أقداحهم الذهبية. كل واحد نخب الآخر، وينظرون إلى مدينة ~~الطرواديين. وسرعان ما تكلم ابن كورنوس ليثير غضب «هيرا» بعبارات ~~التهكم، فقال بخبث: هناك اثنتان من الربات يحظى «مينيلاوس» ~~بمساعدتهما: «هيرا» الأرجوسية، «وأثينا» الألالكومينية. # 2 # ومع ذلك فإنهما بمنأى عن المعمعة، وتتمتعان بمشاهدة ~~ما يجري. بينما تقف أفروديت، محبة الضحك دائما، لتبعد عن باريس ~~حتفه؛ فقد أنقذته عندما اعتقد أنه لا بد هالك. # وهكذا، في كل مرة، كان النصر حليف مينيلاوس، العزيز لدى «أريس». ~~وإذن فعلينا أن نقرر كيف ينبغي أن تسير الأمور: «هل نثير من جديد ms139 ~~الحرب الشريرة وصخر القتال المفزع، أم نقيم الصداقة بين الجيشين؟ ~~فإذا راق هذا الحل الأخير في عين الجميع، واغتبطوا به، تعين أن ~~تبقى مدينة الملك بريام قائمة كموطن، وأن يسترد مينيلاوس هيلينا ~~الأرجوسية.» # وإذ قال هذا، تهامست «أثينا» و«هيرا» اللتان كانتا تجلسان ~~متجاورتين، وكانتا تحيكان السوء للطرواديين. والحقيقة أن أثينا ~~لاذت بالصمت فلم تنبس ببنت شفة، رغم غضبها من الأب زوس غضبا ~~شديدا سرى بين حناياها. ومع أنه لم يكن بصدر هيرا ما يعادل غضبها، ~~إلا أنها تحدثت إليه قائلة: «يا ابن كرونوس، المهيب للغاية، ما هذا ~~الذي تقول؟ كيف تعتزم أن تتسبب في ضياع تعبي هباء منثورا فلا يكون ~~له أدنى أثر، هو والعرق الذي أفرزته في كدي؟ نعم، بل وتعب جوادي ~~اللذين وهنت قوتهما حين أخذت على عاتقي مهمة حشد الجيش لجلب الهلاك ~~على «بريام» وأبنائه؟ إن لك أن تفعل ما تشاء، ولكن لتثق بأننا، نحن ~~الآلهة الآخرين، لا نوافقك على هذا ألبتة!» # عند ذلك استشاط زوس غضبا، فخاطبها قائلا: «أيتها الملكة ~~الغريبة الأطوار، ماذا جلب عليك بريام وأبناء بريام من أضرار حتى ~~تثوري وتضطربي، وتوطدي العزم على تخريب قلعة طروادة المتينة ~~البناء؟ لو قدر لك أن تدخلي من الأبواب والحوائط العالية، ~~وتأكلي بريام نيئا، وأبناء بريام، وجميع الطرواديين إلى جانب ~~هؤلاء، إذن لأمكنك أن تشفي غليلك وتطفئي من غضبك. فافعلي ما يحلو ~~لك ولا تجعلي هذا النزاع يصبح على مر الزمن سببا للعراك بيننا. ~~كما أنني أود أن أقول لك شيئا، وأرجو أن تحفظيه دائما في قلبك: ~~فلو اجتاحني شوق جارف إلى تخريب إحدى المدن، واخترت مدينة يسكنها ~~أناس أعزاء لديك، فحذار أن تقفي في طريق غضبي قط، بل لتتحملي هذا ~~الغضب؛ لأنني بدوري قد رضخت لرغبتك بمحض إرادتي، ولكن بنفس غير ~~راضية. ذلك أن طروادة، هي من دون جميع المدن الواقعة تحت الشمس أو ~~تحت السماء الزاخرة بالنجوم، والتي يقطنها البشر على ظهر الأرض، ~~أقول إن طروادة المقدسة هي أكثر هذه المدن حظوة بالتبجيل في قلبي، ms140 ~~وكذا بريام، وقوم بريام، ذوو السهام الجيدة المصنوعة من خشب ~~الدردار؛ لأن مذبحي لم يفتقر قط إلى وليمة فاخرة من التقدمات ~~والشراب، ونكهة الذبائح المحترقة، ولا حتى إلى طقوس العبادة ~~المفروضة لي.» # عندئذ تحدثت هيرا الجليلة، ذات عيون المها، فأجابته بقولها: ~~«الحق أن لي ثلاث مدن أعزها أكثر من غيرها، وهي أرجوس وأسبرطة ~~وموكيناي الفسيحة الطرقات، فلك أن تخرب هذه المدن إن أصبحت بغيضة ~~إلى نفسك ولن أقف للدفاع عنها أو أحسب لها حسابا كبيرا؛ فرغم ~~أنني عندئذ سوف أحقد عليك، وأهم بالاعتراض على تخريبها، إلا أن ~~حقدي لن يجديني نفعا، فإنك أنت الأقوى بمراحل. كما أنه يبدو لي ~~أنه لا يجب أن يذهب تعبي هباء فلا تكون له نتيجة؛ لأنني بدوري ربة، ~~ومولدي من نسبك؛ إذ أنجبني كرونوس ذو المشورة الملتوية كأمجد بناته ~~في الحكمة المزدوجة، لأنني كبراهن سنا، كما أنني زوجتك أنت يا ~~ملك جميع الخالدين. إذن هيا نعقد هدنة فيما بيننا بشأن هذا الأمر: ~~أنا أذعن لك وأنت تذعن لي، ومن ثم يحذو حذونا غيرنا من سائر الآلهة ~~الخالدين. فلتأمر الآن «أثينا» بأن تشق طريقها وسط الصخب المفزع ~~للمعركة الدائرة بين الطرواديين والآخيين، وتدبر وسيلة ليكون ~~الطرواديون هم البادئين بنكث عهودهم وإيذاء الآخيين الفرحين ~~بظفرهم!» # هكذا قالت، ولم يفت أبا البشر والآلهة أن يصغي إليها، وفي الحال ~~خاطب أثينا بكلمات مجنحة قائلا: «اذهبي، بكل ما أوتيت من سرعة، ~~إلى الجيش - بين الطرواديين والآخيين - ودبري وسيلة كي يبدأ ~~الطرواديون بنكث عهودهم وإنزال الأذى بالآخيين المنغمسين في نشوة ~~ظفرهم.» # نقض الهدنة! # وما إن قال هذا حتى حث أثينا التي كانت تتوق إلى القيام بهذه ~~المهمة، فانطلقت هابطة من قمم أوليمبوس، بالسرعة التي يرسل بها ابن ~~كرونوس ذو المشورة الملتوية، نجما منذرا للبحارة أو لجيش جرار من ~~المقاتلين، نجما متلألئا ينبعث منه الشرر غزيرا، فبهذه الكيفية ~~اندفعت «أثينا» إلى الأرض، وقفزت هابطة بين الجيشين، فتملكت الدهشة ~~جميع من رأوها من الطرواديين مستأنسي الخيول والآخيين المدرعين ~~جيدا، فنظر كل واحد إلى ms141 جاره وكأنه يقول: «أحقا سنشتبك معا من ~~جديد في حرب فظيعة وقتال مروع، أم أن الصداقة ستقوم بين الجيشين ~~وزوس، الذي يعتبره البشر مدبر القتال؟» # هكذا راح الكثيرون من الآخيين والطرواديين يتحدثون. بيد أن أثينا ~~دخلت بين جموع الطرواديين في صورة «لاودكوس»، ابن «أنتينور»، حامل ~~الرمح الصنديد، تطلب «بانداروس»، شبيه الآلهة، ولكنها وجدت ابن ~~«لوكاون» الشجاع المنقطع النظير، واقفا، ومن حوله الصفوف المتراصة ~~من المقاتلين حاملي التروس، الذين تبعوه من مجاري نلر «إيسييوس» ~~المائية؛ فاقتربت منه ووجهت إليه هذه الكلمات المجنحة: «أيمكن أن ~~تصغي إلي الآن يا ابن «لوكاون» الحكيم القلب؟ وهل تجرؤ على ~~إطلاق سهم سريع على «مينيلاوس»، فتحظى بالتقدير والشهرة في عيون ~~سائر الطرواديين، ولا سيما في عيون الملك «ألكساندر»، الذي ستنال ~~منه، بل تأكيد، هدايا رائعة أمام جميع الآخرين، إذا أبصر مينيلاوس ~~بن أتريوس المحب للقتال، مجندلا بسهمك، وموضوعا فوق كومة الحطب ~~الجنائزية؟ نعم، هيا، وصوب سهمك نحو مينيلاوس المجيد، وتعهد ~~لأبولو، المولود في «لوكيا»، والمشهور بقوسه، بأنك سوف تقدم ذبيحة ~~مئوية عظيمة من الحملان الصغيرة عندما تعود إلى وطنك، مدينة ~~«زيلايا المقدسة».» # هكذا تكلمت أثينا، فأثارت قلب «ابن لوكاون» في حماقته، وفي الحال ~~نزع الغطاء عن قوسه اللامعة المصنوعة من قرن وعل بري، كان قد ضربه ~~تحت صدره وهو مقبل من وراء صخرة، بعد أن كمن له حتى ظهر، فصوب ~~الضربة إلى صدره، وإذ ذاك سقط إلى الوراء داخل شق في الصخرة، وقد ~~ظهرت من رأسه قرون طولها ست عشرة راحة. فتناول القرون رجل ماهر ~~في صناعة الأقواس، وثبتها معا وصقلها وكسا أطرافها بالذهب، ~~وأمسك ابن لوكاون بالقوس، ولواها وهو متكئ على الأرض وأمسك رفاقه ~~الشجعان بتروسهم ووقفوا أمامه، حتى لا يثب أبناء الآخيين المحاربون ~~على أقدامهم لنجدة مينيلاوس كي لا يصاب ابن أتريوس المقاتل. ~~وبعدئذ فتح غطاء جعبته وأخرج سهما، سهما مجنحا لم يسبق إطلاقة ~~قط، سهما مشحونا بالآلام القاتمة، وفي الحال ثبت السهم القاسي ~~إلى الوتر، ونذر نذرا لأبولو، الرب الذئبي المولد، الشهير بقوسه؛ ms142 ~~أنه سوف يقدم ذبيحة مئوية عظيمة من الحملان الصغار، عندما يعود ~~إلى وطنه، مدينة زيلايا المقدسة. ثم جذب القوس، ممسكا في الوقت ~~نفسه بالسهم المشحوذ، وبالوتر المصنوع من عروق الثور. جذب الوتر ~~حتى بلغ صدره، ووضع رأس السهم الحديدي في القوس. بيد أنه ما إن لوى ~~القوس العظيمة في شكل دائرة، حتى رنت القوس، وترنم الوتر عاليا، ~~وقفز السهم الحاد، تواقا إلى أن يشق طريقه وسط الحشد! # عندئذ، وا مينيلاوساه! لم يكن الآلهة المباركون، الخالدون، ~~لينسوك. وأمام الجميع هبت ابنة زوس، التي تسوق الغنيمة، والتي كانت ~~تقف أمامك، وأبعدت السهم النافذ. لقد أبعدته عن اللحم، كما تطرد ~~الأم ذبابة عن عيني طفلها الغارق في نوم عذب. وساقته بنفسها إلى ~~حيث كانت خطاطيف الحزام الذهبية مثبتة، والدرع الصدرية تغطي طرف ~~الدرع السفلي، فتلألأ السهم المميت فوق الحزام المثبت بإحكام، ~~وانغرس داخل الحزام الفاخر الترصيع، ثم شق طريقه بقوة إلى الدرع ~~العجيبة الصنع، ثم إلى الدرقة التي كان يلبسها وقاية لجسمه، ~~وحاجزا ضد الرماح، لتكون أهم وسائل دفاعه. ورغم ذلك، فقد نفذ ~~السهم داخل تلك الدرقة واخترق لحم المحارب الخارجي، فتدفق الدم ~~القاتم في الحال من الجرح. # وكما تصبغ السيدة العاج باللون الأحمر القاني، أي سيدة من ~~مايونيا أو كاريا، لتصنع وقاية لأصداغ الخيل، تترك بمخزن المهمات، ~~بينما يتوسل كثير من الفرسان لارتدائها، ولكنها تترك هناك ~~لتكون حلية لجواد ملك، وزهوا لسائقه، هكذا كانت فخذاك، يا ~~مينيلاوس، ملطختين بالدماء، فخذاك المفتولتان وساقاك وعقباك في ~~أسفلهما! # عندئذ ارتجف ملك البشر، أجاممنون ؛ إذ رأى الدم القاتم يتدفق من ~~الجرح، وكذلك اضطرب مينيلاوس نفسه، العزيز لدى «أريس». غير أنه ~~عندما أبصر طرف السهم بلا لحم، عادت روحه ثانية إلى صدره. فأمسك ~~أجاممنون مينيلاوس بيده وتكلم وسط الجموع، وصوته يتهدج ثقيلا، ~~كما كان رفقاؤه يئنون، فقال: «أخي العزيز، يبدو لي أنني نذرت تلك ~~الذبيحة من أجل موتك، وعرضتك وحدك في مقدمة الآخيين لتقاتل ~~الطرواديين، الذين أصابوك بهذه الطريقة، وداسوا بأقدامهم عهود ~~الإخلاص. ومع ذلك فلا يوجد ms143 نذر قط بغير أثر، وكذلك دماء الحملان ~~وسكائب الشراب من الخمر الصافية، ومصافحة الأكف التي بمقتضاها ضمنا ~~ثقتنا فيهم؛ فإنه حتى إذا كان الأوليمبي لم يحقق الرجاء حتى ~~الآن، إلا أنه سوف يحققه فيما بعد، وسيكفر الناس غاليا، إما ~~برءوسهم أو بزوجاتهم أو بأطفالهم! لأنني متأكد من هذا في قلبي ~~وروحي، سيأتي اليوم الذي تسقط فيه طروادة، وكذا بريام وشعب بريام، ~~ذوو الرماح الجيدة المصنوعة من خشب الدردار. وسوف يقوم زوس بن ~~كرونوس، الجالس فوق عرشه عاليا، والساكن في السموات، وينثر بنفسه ~~فوقهم كل مصائبه القائمة، غاضبا من هذه الخديعة. حقا، لا بد أن ~~تتحقق هذه الأمور. ومع ذلك، فإذا قدر لك أن تموت وينقضي أجلك من ~~الحياة، فإن حزنك العميق سيكون حزني، يا مينيلاوس، وأعود كأحقر ~~إنسان إلى أرجوس الظامئة؛ لأن الآخيين سرعان ما سوف يتذكرون ~~وطنهم، وعندئذ يجب علينا أن نترك لبريام والطرواديين فخرهم، وكذا ~~هيلينا الأرجوسية. أما عظامك فسوف تبليها التربة وأنت راقد في أرض ~~طروادة دون أن تتم رسالتك، وعلى ذلك سوف يقول كثير من الطرواديين ~~المتغطرسين وهم يقفزون فوق قبر مينيلاوس المجيد: «ليت الأمر يكون ~~هكذا في كل شأن حتى يتحقق لأجاممنون غضبه، كما حدث أن قاد إلى هنا ~~جيشا من الآخيين لغير ما هدف، وا حسرتاه! لقد رحل إلى وطنه العزيز ~~بسفن خاوية، تاركا هنا مينيلاوس النبيل.» هكذا سيتقول بعض الناس ~~فيما بعد، عندئذ أتمنى أن تنشق الأرض الفسيحة وتبتلعني.» # ولكن مينيلاوس الجميل الشعر تكلم وشجعه قائلا: «ليكن فرحك ~~عظيما، ولا تفرغ جيش الآخيين بأية حال، فإن السهم لم ينفذ في موضع ~~قاتل؛ إذ أوقفه حزامي المتألق، وكذا طرف الدرقة تحته، والدرع التي ~~صنعها النحاسون.» # عندئذ رد عليه الملك أجاممنون بقوله: «ليت الأمر كذلك يا عزيزي ~~مينيلاوس، ولكن الطبيب سوف يفحص الجرح ويضع فوقه الحشائش الطبية ~~التي تشفيه، فتكف بذلك آلامك الممضة.» # ثم تحدث إلى «تالثوبيوس»، الرسول الشبيه بالآلهة، قائلا: «أي ~~تالثوبيوس، عجل باستدعاء «ماخاون»، ابن إسكليبيوس، ذلك الطبيب ~~العظيم، ليرى المحارب مينيلاوس بن ms144 أتريوس، الذي أصابه سهم شخص ~~متمرن على الرماية، طروادي أو لوكي، فنال المجد لنفسه، وجر علينا ~~الأحزان.» # هكذا قال أجاممنون، ولم يحجم الرسول عن الإصغاء وهو يستمع، ~~فانطلق في طريقه عبر جيش الآخيين ذوي الحلل البرونزية، يطل هنا ~~وهناك، باحثا عن المحارب ماخاون، فأبصر به واقفا، ومن حوله ~~الصفوف المتراصة من الجيوش حاملة التروس التي تبعته من تريكا، ~~مرعى الخيول، فتقدم إليه وخاطبه بكلمات سريعة قائلا: «انهض ~~يا ابن إسكليبيوس، إن الملك أجاممنون يستدعيك لترى مينيلاوس ~~المحارب، قائد الآخيين، الذي أصابه بسهم رجل ما، بارع في ~~الرماية، طروادي أو لوكي، فنال بذلك المجد، وجر علينا ~~الآلام.» # وإذ قال ذلك، حرك قلبه في صدره، ثم انطلقا في طريقهما بين الجموع ~~وسط جيش الآخيين، العريض، فلما بلغا مكان مينيلاوس الجميل الشعر، ~~الجريح، وقد احتشد حوله جميع القادة في دائرة، أقبل البطل شبيه ~~الإله ووقف في وسطهم، وفي الحال جذب السهم من الحزام المربوط، ~~وبينما كان السهم يجذب، تحطمت الأشواك الحادة الخلفية لسن الرمح. ~~ثم فك الحزام اللامع والدرقة التي تحته والدرع الواقي الذي صنعه ~~النحاسون. وما إن رأى الجرح الذي كان به السهم الحاد، حتى مص الدم، ~~وبخبرة أكيدة نثر عليه العقاقير الملطفة، التي كان «خايرون» قد ~~أعطاها لوالده، بنية طيبة منذ زمن بعيد. # وبينما هم مشغولون هكذا مع مينيلاوس، البارع في صيحة الحرب، إذ ~~أقبلت صفوف الطرواديين حاملي الدروع فأسرع الآخيون يرتدون عدتهم ~~الحربية ثانية، ووطدوا العزم على الحرب. # أجاممنون يستعرض جيوشه! # عندئذ، ما كنت ترى الملك أجاممنون نائما ، أو مستلقيا، أو عديم ~~الاهتمام بالقتال، بل كان متقد الحماس للقتال الذي ينال به الرجال ~~أكاليل الغار. لقد خلى عنه جياده وعربته المزخرفة بالبرونز، وتركها ~~في عهدة خادمه «يوروميرون»، ابن بطليموس بن بيرايوس، الذي فصل ~~كلا من الجوادين المزمجرين عن الآخر، وأمره أجاممنون بأن يحتفظ ~~بهما قريبا منه، حتى يلجأ إليهما إن تعبت قدماه وهو يصدر أوامره ~~في جميع جهات الجيش، ويطوف على قدميه خلال صوف المحاربين. وكلما ~~رأى أحدا من الدانيين ms145 مع جياده السريعة تواقا إلى القتال. كان ~~يقترب منه، ويشجعه بحماس قائلا: «أي أهل أرجوس، حذار أن تفتر ~~عزيمتكم المتوقدة قيد شعرة، فلن يكون أبوكم زوس معينا للمنافقين، ~~كلا فإن من يبدءون باقتراف العنف إنما ينكثون عهودهم، ولسوف تنهش ~~جوارح الطير لحمهم الغض، بكل تأكيد، كما أننا سوف نحمل زوجاتهم ~~العزيزات وأطفالهم، في سفننا، بعد أن نستولي على حصنهم.» # وكل من كان يراه محجما عن الحرب الكريهة، كان يوبخه بعبارات ~~غاضبة قائلا: «يا أهل أرجوس، يا من تحاربون بالقوس يا رجال الخزي ~~والعار، ألا تخجلون؟ ما وقوفكم هكذا، زائغي الأبصار، كالظباء التي ~~عندما ينهكها العدو فوق السهل الفسيح تقف في مكانها، مجردة من ~~الشجاعة؟ هكذا تقفون زائغي الأبصار لا تقاتلون. أتنتظرون ~~الطرواديين حتى يقتربوا إلى حيث توجد سفنكم الراسية فوق الشاطئ ~~بمؤخراتها العظيمة، فوق شاطئ البحر السنجابي، كي تعرفوا ما إذا كان ~~ابن كرونوس سيمد لكم يد ~~العون؟» # هكذا كان يطوف، ويصدر أوامره بين صفوف المحاربين، حتى بلغ مكان ~~الكريتيين وهو يجول خلال جموع الرجال. وكان هؤلاء مسلحين أنفسهم ~~للحرب حول «أيدومينيوس» الحكيم القلب، وكان أيدومينيوس يقف وسط ~~أوائل المحاربين، كالخنزير البري في شجاعته، بينما كان «ميريونيس» ~~يتولى قيادة فرق المؤخرة. فلما رآهم أجاممنون، ملك البشر، زاد ~~سروره، وعندئذ تحدث إلى أيدومينيوس بعبارات رقيقة فقال: «أي ~~أيدومينيوس، يا من تفوق جميع الدانيين ذوي الجياد السريعة، إنني ~~أبدي لك إجلالي وتقديري، في الحرب، وفي الأعمال الأخرى، وفي ~~الولائم، عندما يخلط زعماء الأرجوسيين الخمر المتألقة في الطاس. ~~فبينما أرى غيرك من الآخيين ذوي الشعر المسترسل، يشرب قدرا ~~محدودا، فإن كأسك تظل دائما ممتلئة تماما، مثل كأسي أنا، فتشرب ~~كلما تاق قلبك إلى الشراب. هيا، انهض من أجل المعركة، لتكون ذلك ~~الرجل الذي طالما كنت تفخر بأنك هو.» # فرد عليه أيدومينيوس، قائد الكريتيين، قائلا: «يا ابن أتريوس، ~~ما من شك في أنني سأكون لك رفيقا مخلصا، كما وعدتك تماما في أول ~~الأمر، وقدمت لك عهدي، ولكن هل لك أن تحث غيرنا من الآخيين ms146 ~~الطويلي الشعر، كي نقاتل بسرعة، طالما لم يحفظ الطرواديون عهودنا؟ ~~لسوف يكون الموت والمحن نصيبهم بعد الآن؛ لأنهم كانوا البادئين ~~بنكث العهود!» # وإذ قال هذا، تركه ابن أتريوس مسرور القلب، وذهب إلى «الأيانتيس» # 3 # إبان تجواله خلال حشد المقاتلين. وكان هذان يسلحان ~~نفسيهما للمعركة، ويتبعهما جمع كثيف من المشاة. وكما يحدث عندما ~~يبصر راعي المعيز من مكان المراقبة، سحابة آتية فوق وجه البحر ~~العميق قبل هبوب الريح الغربية، فتبدو له، لبعدها، أشد سوادا من ~~القار وهي تعبر وجه اليم جالبة في أثرها ريحا عاتية؛ ومن ثم ~~ترتعد فرائصه لمرآها، فيسوق قطيعه إلى داخل كهف، كذلك حدث الشيء ~~نفسه مع «الأيانتيس». كانت الفرق الضخمة من الشباب الذين نشأهم ~~«زوس» وتألقت حللهم بالتروس والرماح، تتحرك متأهبة للحرب ~~الثائرة. فلما أبصرهم الملك أجاممنون، زادت غبطته، وخاطبهم ~~بعبارات مجنحة، قائلا: «أيها المحاربون، يا قائدي الأرجوسيين ذوي ~~الدروع البرونزية، لن أصدر إلى كليكما أي أمر؛ لأنه يبدو لي ~~أنكما لستما بحاجة إلى الحث فقد أمرتما من تلقاء نفسيكما جميع ~~شعبيكما بالقتال في الحال. أي أبي زوس، ويا أثينا، ويا أبولو، كم ~~كنت أتمنى أن تكون مثل هذه الروح في صدور الجميع، فعندئذ كانت ~~مدينة الملك بريام تطأطئ رأسها، فنستولي عليها ونخربها ~~بأيدينا.» # وما إن قال هذا، حتى تركهما هناك، وذهب إلى غيرهما. فوجد «نسطور» ~~خطيب «البوليين» ذا الصوت الجلي، ينظم رفاقه ويحثهم على القتال، ~~حول «بيلاجون» القوي و«ألاسطور» و«خروميوس» و«هايمون» السيد ~~و«بياس»، راعي الجيش. فنظم سائقي العربات أولا مع جيادهم ~~وعرباتهم، ومن ورائهم المشاة في جموع غفيرة قوية؛ ليكونوا جسم ~~الجيش الذي يصد الأعداء. أما الجبناء فقد وضعهم في الوسط، حتى يضطر ~~كل واحد منهم لأن يقاتل مجبرا. وهكذا كانت المهام الأولى تقع على ~~كاهل سائقي العربات، فأمرهم بأن يحتفظوا بخيولهم بالقرب منهم، ~~وألا يحدثوا ضجيجا وهم يسوقونها وسط الجموع، وقال: «لا تدعوا ~~أحدا ينفرد بالقتال مع الطرواديين، معتمدا على فروسيته وشجاعته، ~~كما لا تدعوه يتقهقر، وإلا ضعفت قوتكم، ولكن من استطاع منكم، وهو ~~في ms147 عربته، أن يقترب من عربة للعدو، فله أن يطعن برمحه في الحال؛ ~~لأن هذا في الحقيقة أفضل بكثير؛ فبهذه الطريقة خرب رجال الزمن ~~الغابر المدن والأسوار؛ إذ كانت لهم عقول وأرواح كهذه في ~~صدورهم». # هكذا كان الرجل العجوز يحثهم، وكان على علم بأفانين القتال منذ ~~زمن بعيد. فلما أبصره الملك أجاممنون، اغتبط وخاطبه بعبارات رقيقة ~~قائلا: «سيدي العجوز، أتمنى أن تطيع ساقاك القلب الذي يضمه صدرك، ~~وتبقى لك قوتك، بيد أن الشيخوخة الشريرة تضغط عليك ضغطا شديدا. ~~يا حبذا لو كانت سنو حياتك لأحد غيرك من المحاربين، وكنت أنت في ~~عداد الشبان!» # عندئذ رد عليه الفارس «نسطور» الجيريني قائلا: «يا ابن أتريوس، ~~حقا أنني أنا نفسي كنت أتمنى أن أكون ذلك الرجل الذي كنته يوم ~~قتلت «إيريوثاليون» العظيم، ولكن الآلهة لا تمنح البشر كل شيء في ~~وقت واحد، بأية حال من الأحوال. فيومئذ كنت فتيا، أما الآن فقد ~~أدركتني الشيخوخة. ومع ذلك فسأبقى وسط سائقي العربات، وأحثهم ~~بالنصائح والألفاظ؛ لأن هذه هي مهمة الشيوخ. أما الرماح فسيحملها ~~الشبان الذين هم أغض مني إهابا ويثقون بقوتهم!» # وإذ قال ذلك مضى ابن أتريوس مسرور القلب، ووجد «مينيسثيوس» سائق ~~الجياد، ابن بيتيوس واقفا، وحوله الأثينيون، سادة صرخة الحرب. ~~وقريبا جدا منه وقف أوديسيوس الكثير الحيل، ومعه صفوف ~~«الكيفالينيين»، الأقوام غير الضعفاء، وقد وقفوا مكتوفي الأيدي؛ ~~لأنه لم يسبق لجيشهم أن سمع صيحة الحرب، ورأوا كتائب الطرواديين ~~مستأنسي الخيول، والآخيين، قد بدءوا يتحركون منذ فترة وجيزة، فوقف ~~أولئك، وانتظروا ريثما تتقدم بعض فرق الآخيين الكثيفة الأخرى، ~~فتهجم على الطرواديين، ثم يشرعون في القتال. فلما رآهم أجاممنون، ~~ملك البشر، أنبهم وخاطبهم بعبارات قوية، فقال: «يا ابن بيتيوس، ~~الملك المنحدر من زوس، وأنت يا من تفوق الجميع في الحيل الشريرة، ~~يا ذا العقل الماكر، لم تقفان هكذا في تراخ، وتنتظران الآخرين؟ ~~كان الأجدر بكما أن تتخذا موقفكما بين الصفوف الأولى، وتواجها ~~المعركة المستعرة الأوار؛ لأنكما أول من يلبي دعوتي إلى الوليمة ~~كلما أعددنا، نحن معشر الآخيين، ms148 وليمة للشيوخ. عندئذ يلذ لكما أن ~~تأكلا لحما مشويا، وتعبا أقداحا من الخمر الحلوة كيفما طاب ~~لكما أن تنهلا، ولكن هل يطيب لكما الآن أن تقنعا بموقف المتفرج، ~~إذا قاتلت أمامكما عشر فرق كثيفة من الآخيين، بالبرونز الذي لا ~~يرحم؟» # عندئذ خاطبه «أوديسيوس»، وقد حدجه بنظرة غضب من تحت حاجبيه، ~~فقال: «أيا ابن أتريوس، ما هذه الكلمة التي أفلتت من بين شفتيك؟ ~~كيف تقول إننا متراخون في القتال، بينما نحن الآخيين نثيرها حربا ~~ضروسا ضد الطرواديين، مستأنسي الخيول؟ لسوف ترى والد «تيليماخوس» ~~لو طاب لك واهتممت بذلك، وهو مندمج مع أوائل المحاربين الطرواديين، ~~مستأنسي الخيول. إن ما تقوله لأشبه بالرمح الخاوية.» # فلما أدرك الملك أجاممنون أنه غاضب، تحدث إليه معتذرا عن كلامه ~~قائلا: «يا ابن لايرتيس، المولود من زوس، أيا أوديسيوس الكثير ~~الحيل، لست بمعنف لك أكثر مما يجب، ولن أحثك بعد الآن؛ لأنني أعلم ~~أن بين جنبيك قلبا يعي أفكارا طيبة، لأنك تفكر دائما فيما ~~أفكر فيه. هيا، تعال، حتى نصلح فيما بيننا هذه الأمور، فلو أن كلمة ~~صارمة قد قيلت الآن، فإن الآلهة تستطيع أن تمحو أثرها فلا تسفر عن ~~شيء.» # وما إن قال هذا حتى تركهما ~~هناك وذهب إلى آخرين. فوجد ابن توديوس، «ديوميديس» الجريء القلب، ~~واقفا بجوار جياده وعربته المربوطة إليها، وكان يقف إلى جانبه ~~«ستينيلوس»، ابن «كابانيوس». فما إن رآه الملك أجاممنون حتى أنبه ~~بكلمات مجنحة قائلا: «وا حسرتاه، يا بن توديوس الحكيم القلب، ~~مستأنس الجياد، لم تجلس هكذا متراخيا ولا تلقي بنظرة إلى طرقات ~~المعركة؟ إنه لمن المؤكد أن توديوس لم يكن يرغب في أن تظل هكذا ~~متلكئا، بل تهرع في مقدمة الرفاق لمقاتلة العدو، كما يقول من ~~شاهدوه وسط هول الحرب. فإنني لم أتقابل وإياه قط ولم أره، ولكن ~~الناس يقولون إنه كان يبز الجميع. وقد أتى ذات يوم إلى موكيناي، لا ~~كعدو بل كضيف، يصحبه «بولونايكيس» العظيم، ليجمعا جيشا؛ إذ كانا ~~وقتذاك يشنان حربا على أسوار طيبة المقدسة، وكانا يصليان ~~بحرقة عسى ms149 أن يمنحا حلفاء أمجادا. وقد بيت رجال «موكيناي» العزم ~~على منحهما ما أرادا، وكانوا يأتمرون بأمرهما، غير أن زوس غير ~~عقولهم بأن أظهر لهم طلائع النحس؛ ومن ثم فلما غادرا البلاد، ~~وانطلقا في طريقهما. وبلغا أسوبوس حيث الغاب العميق الراقد بين ~~الحشائش، أرسل الآخيون «تيديوس» في بعثة. فذهب في طريقه، ووجد ~~أبناء «كادموس» العديدين يقيمون وليمة في بيت إيثيوكليس القوي. ~~وبالرغم من أنه كان غريبا تماما بينهم، فإنه لم يخف، ومع كونه ~~وحيدا وسط جمع الكادموسيين فإنه تحداهم جميعا في أعمال القوة، ~~وبمنتهى السهولة هزم كل واحد منهم، وكانت أثينا تعينه في ذلك. بيد ~~أن الكادموسيين، مستأنسي الخيول، غضبوا. وما إن سافر عائدا، حتى ~~أعدوا له كمينا قويا، من خمسين شابا، ونصبوا عليهم قائدين: ~~«مايون» ابن هايمون، نظير الخالدين. وابن أتوفونوس، «بولوفونتيس» ~~الباسل في القتال، ولكن توديوس أنزل، حتى بهذين، مصيرا مخجلا، ~~وقتل الجميع، باستثناء واحد فقط سمح له بالعودة إلى وطنه، وهو ~~المدعو «مايون» وذلك إرضاء للآلهة. ذلك كان صنيع «توديوس» القادم ~~من أيتوليا. أما الابن الذي أنجبه فهو أقل منه مرتبة في القتال، ~~وإن كان يتفوق عليه في أمور أخرى.» # أصغى «ديوميديس» إلى هذه «الخطبة» من أجاممنون، فلم يعلق بكلمة، ~~بل تقبل تأنيب الملك الوقور، باحترام، ولكن ابن كابانيوس المجيد ~~رد عليه بقوله: «يا ابن أتريوس، لا تنطق بالكذب، حينما تعرف كيف ~~تقول الصدق، إننا نعلن أننا رجال أفضل من آبائنا بكثير؛ فقد ~~استولينا على مدينة طيبة ذات الأبواب السبعة، رغم أن جيشنا كان أقل ~~عددا، وأسوار العدو كانت أقوى وأمنع، وما ذاك إلا لأننا أطعنا ~~رغبات الآلهة، ووثقنا أن زوس سينجدنا، في حين أنهم هلكوا من ~~جراء حماقتهم العمياء؛ لذا آمرك ألا تشبه آباءنا بنا أو تضعنا ~~وإياهم في نفس المستوى.» # فقطب «ديوميديس» حاجبيه غاضبا، ونظر إليه وقال: «أيها الصديق ~~الطيب، الزم الصمت، واستمع إلى كلامي. فلست أعده عارا أن يحث ~~أجاممنون، راعي الجيش، الآخيين المدرعين جيدا، على القتال، فإنه ~~سينال مجدا عظيما إذا قتل الآخيون الطرواديين ms150 واستولوا على ~~طروادة المقدسة، كما أن حزنا عظيما سيحل به إذا قتل الآخيون. ~~والآن، هيا نفكر كلانا في قيمتنا وحيويتنا الملتهبة.» # قال هذا ثم قفز من عربته إلى الأرض، في درعه، فأحدث البرونز ~~صليلا مخيفا فوق صدر الأمير وهو يتحرك، صليلا من شأنه أن ~~يثير الرعب في قلب كل جسور! # بدء المعركة # وكما يضرب البحر الثائر الشاطئ الصاخب، موجة بعد موجة. مسوقا ~~بالريح الغربية. فترفع الأمواج رأسها على سطح اليم أولا كالصخرة ~~العالية، ثم تتكسر بعد ذلك على الشاطئ مدوية بصوت كقصف الرعد، ~~ناثرة زبدها من الماء الملح، هكذا تحركت فرق الدانيين في ذلك ~~اليوم، صفا بعد صف، دون توقف، إلى القتال. وأصدر كل قائد ~~أمره إلى رجاله، بينما تقدم الباقون في صمت، وما كان يخيل ~~إليك أن لتلك الجموع المتحركة أي صوت، بل كانوا جميعا صامتين، ~~كأنهم يخافون قادتهم. وكانت الدروع المرصعة تتلألأ على جسم كل رجل، ~~وهم يسيرون. أما الطرواديون، فكما تقف النعاج في جماعات لا ~~تحصى، في ساحة أحد الأثرياء ليحلب لبنها الأبيض، وتثغو دون هوادة ~~كلما سمعت أصوات حملانها. هكذا أيضا ارتفع صياح الطرواديين في ~~جميع صفوف الجيش الفسيح؛ لأنهم لم يكونوا كلهم يتكلمون لغة ~~واحدة، بل خليطا من اللغات، وقد جمعوا من بلاد كثيرة، يدفعهم ~~«أريس»، كما كانت الربة «أثينا» المتألقة العينين تدفع الآخيين ~~الأغارقة، وتدفعهم معها آلهة «الهلع» و«الشغب» و«الشقاق». وكانت ~~الأخيرة - التي لا تهدأ ثائرتها - هي شقيقة ورفيقة «أريس» قاتل ~~البشر. وكانت تبدو قصيرة القامة في أول الأمر، حتى إذا اعتدلت في ~~وقفتها، طاولت رأسها السماء، ووطئت قدماها الأرض في وقت معا! ~~وإنها لتشعل الآن روح البغضاء الشريرة، وهي تطوف بين الجموع؛ لتزيد ~~في أنات الرجال! # فلما التقى الجيشان الآن وأصبحا في مكان واحد، التحما معا ~~بالتروس والرماح، وكان المحاربون جميعا يرتدون دروعا من البرونز، ~~فاصطكت التروس المطعمة بعضها مع بعض، وارتفع رنينها الصاخب. وبعد ~~ذلك سمع صوت الأنين وصيحات النصر، في وقت واحد، من القاتلين ~~والمقتولين وفاضت على الأرض الدماء. # وكما يحدث ms151 عندما تتدفق سيول الشتاء هابطة من الجبال من ~~ينابيعها العظيمة إلى مكان يلتقي فيه واديان، فيجتمع فيضها ~~القوي ليصب في مضيق عميق، ويسمع الراعي صخبها من بعيد وسط الجبال، ~~هكذا أيضا ارتفع الصياح والصخب من التحام أولئك وأولئك في ~~القتال. # وكان «أنتيلوخوس» # 4 # أول من قتل محاربا طرواديا في كامل عدته الحربية، ~~رجلا عظيما من مقاتلي الصفوف الأولى، هو «أنجيبولوس»، ابن ~~ثالوسيوس. وقد ضربه الأول على قرن خوذته المزينة بخصلة من شعر ~~الخيل، فانطلق الرمح إلى داخل جبهته، ونفذت السن البرونزية داخل ~~العظم، فخيم الظلام على عينيه وسقط في الصراع العنيف محطما ~~كالجدار. وإذ ذاك أمسك «إليفينور» بالقتيل من قدميه - وكان هذا ابن ~~«خالكودون»، وقائد «الأيانتيس» # 5 # ذوي النفوس العالية - وحاول جذبه من تحت السهام، ~~جاعلا همه أن يجرده من درعه بمنتهى السرعة، ولكن لم تلبث ~~محاولته هذه غير فترة وجيزة؛ إذ بينما كان يسحب الجثة أبصر به «أجينور» # 6 # العظيم النفس، ولما كان جنبه بدون وقاية، وهو منحن، ~~هوى عليه هذا برمحه ذي الطرف البرونزي فقطع أوصال أطرافه. وفي ~~الحال فاضت روحه، وانهال على جثته سيل مرير من الطرواديين ~~والآخيين، وشرعوا كالذئاب يقفزون الواحد فوق الآخر، وراح الرجل ~~منهم يدحرج الرجل على الأرض! # عندئذ ضرب «أياس التيلاموني» - ابن أنثيميون - الشاب المتهور ~~«سيمويسيوس» الذي أنجبته أمه بجوار شواطئ سيمويس إبان رحلتها من ~~جبل أيدا، حيث كانت تتبع أبويها لترى قطعانها؛ لذا سموه ~~«سيمويسيوس»، ومع ذلك فإنه لم يرد لأبويه العزيزين ما أنفقاه على ~~تنشئته؛ لأن عمره كان قصيرا، إذ سقط صريعا برمح «أياس» ذي النفس ~~العالية. # ففيما هو يسير وسط رجال المقدمة، ضرب في صدره الأيمن بجوار حلمة ~~ثديه، فمرق الرمح البرونزي داخل كتفه، فهوى على الأرض في الثرى ~~كأنه شجرة حور كانت نامية في قاع مستنقع عظيم، ملساء الجذع، تتفرع ~~الأغصان من قمتها، ثم قطعها صانع العربات بفأسه اللامعة، كي يصنع ~~لنفسه عجلة لعربة جميلة. فظلت راقدة لتجف في مكانها على شاطئ ~~النهر. # هكذا قتل «أياس» سليل الآلهة «سيمويسيوس»، ms152 ابن أنثيميون، وإليه ~~قذف «أنتيفوس»، ابن بريام، ذو الدروع البراقة، رمحه الحاد وسط ~~الجمع، فأخطأه، ولكنه أصاب «ليوكوس» زميل «أوديسيوس» العظيم، في ~~فخذه عندما كان يسحب الجثة إلى الجانب الآخر، فانكفأ عليها، وأفلتت ~~الجثة من قبضته. وقد أثار مقتله حفيظة أوديسيوس في صدره، فسار وسط ~~المحاربين في المقدمة، لابسا حلة برونزية براقة، وتقدم بالقرب ~~من العدو، ثم توقف، وبعد أن ألقى نظرة على كل ما حواليه في حذر، ~~قذف برمحه اللامع، فتقهقر الطرواديون وهو يقذف برمحه، لكن الرمح لم ~~يخب، بل أصاب «ديموكون» السفاح، ابن بريام، الذي قدم من أبودوس، من ~~حظيرته ذات الخيول السريعة، تلبية لندائه، لقد ضربه «أوديسيوس» ~~الغاضب لمصرع زميله، برمحه في صدغه، فنفذ طرفه البرونزي من الصدغ ~~الآخر، وغشيت الظلمة عينيه، فسقط محدثا في سقوطه جلبة، وصلصلت ~~حلته المدرعة من فوقه. عندئذ تقهقر المحاربون الواقفون في ~~المقدمة، وفر «هكتور» المجيد وصاح الأرجوسيون بصوت مرتفع، وهم ~~يسحبون الجثث، وهربوا إلى مسافة بعيدة. # بيد أن «أبولو» الذي كان يطل من بيرجاموس، # 7 # أحس بالعار، فنادى الطرواديين صائحا بقوله: «هيا، ~~تحمسوا أيها الطرواديون مستأنسو الخيول، لا تطلقوا العنان لأقدامكم ~~فرارا أمام الأرجوسيين. فما لحمهم من الحجر أو الحديد حتى يقاوم ~~البرونز الذي يخترق اللحم حين يصيبهم. سيما وأن «أخيل» - ابن ثيتيس ~~الجميلة الشعر - قد امتنع عن القتال، وظل وسط السفن يرعى غضبه ~~المرير.» # هكذا تكلم الإله المهيب من المدينة، ولكن الآخيين كانت تحثهم ~~ابنة زوس، «تريتوجينيا» المجيدة، التي كانت تطوف بين صفوف الجيش ~~حيث كان الجنود يهربون. # والآن سقط «ديوريس» بن «أمارونكيوس» في شبكة القدر؛ إذ أصيب في ~~ساقه اليمنى عند العقب بحجر مسنن، وكان قائد «التراكيين» - ~~«بايروس»، ابن أمبراسوس الذي قدم من إينوس - هو الذي رماه، فحطم ~~الحجر القاسي اللحم والعظم تحطيما تاما، وترنح هو إلى الوراء، ~~ثم سقط فوق الثرى باسطا كلتا يديه إلى رفقائه الأعزاء، وهو يلفظ ~~أنفاسه. ثم لحق به قاتله «بايروس»، فأحدث به جرحا بطعنة من رمحه ~~اخترقت البطن بجوار السرة، فخرجت جميع أحشائه ms153 وسقطت على الأرض، ~~وغشيت الظلمة عينيه. # غير أنه ما إن قفز الآخر إلى الخلف حتى أصابه «ثواس الأيتولي» # 8 # بطعنة من رمحه في صدره فوق حلمة الثدي، فالتصق ~~البرونز برئته، وعندئذ اقترب منه «ثواس» وأخرج الرمح القوي من ~~صدره، واستل حسامه البتار وضربه به في بطنه فسلب حياته. ومع ذلك ~~فإنه لم يجرده من درعه؛ إذ التف حوله رفقاؤه، رجال تراقيا الذين ~~تغطي رءوسهم شعور طويلة، شاهرين رماحهم، وبالرغم من عظمته وقوته ~~وسؤدده، فقد دفعوه إلى الوراء بعيدا عنهم، فترنح وسقط. وهكذا ~~رقد الاثنان منبطحين في الثرى، كل بجانب الآخر، أحدهما قائد ~~«التراقيين» والآخر قائد «الأيبيين» المتدثرين بالبرونز، ومن ~~حولهما كثير من القتلى الآخرين. # وبعد ذلك لم يستطع أي رجل آخر أن يخوض غمار المعركة ويستهين ~~بها، فكل من لم يجرح بالسهام أو يطعن بالبرونز الحاد، أخذ ~~يتحرك نحو الوسط، تقوده الربة «أثينا» من يده، فتحميه من الإصابة ~~بالسهام، وهكذا رقدت في ذلك اليوم جموع غفيرة من الطرواديين ~~والآخيين، كل بجانب الآخر، وقد دفنت وجوههم في الثرى. # | الأنشودة الخامسة # «... فبسطت ذراعيها البيضاوين حول ابنها العزيز، ونشرت أمامه طية ~~من ردائها اللامع لتكون وقاية ضد القذائف، حتى لا يقذفه أحد ~~الدانيين ذوي الجياد السريعة برمح البرونز، فيخترق صدره ويزهق روحه ~~...» # كيف ألحق «ديوميديس»، بشجاعته الخارقة، أفدح الخسائر ~~بالطرواديين، حتى لقد جرح «أفروديت» و«أريس»، بمساعدة الربة ~~«أثينا» ... إلخ. # مفاخر «ديوميديس»! # ومنحت الربة «أثينا» القوة والشجاعة لابن توديوس. حتى يبرهن على ~~تفوقه أمام جميع الأرجوسيين ويظفر بالصيت والمجد. لقد أشعلت من ~~خوذته وترسه لهبا لا يخبو، أشبه بنجم الحصاد الذي يشرق أشد تألقا ~~من جميع النجوم الأخرى، حين يستحم في مجرى «أوقيانوس». أشعلت بذلك ~~اللهب من رأسه وكتفيه، ثم أرسلته وسط جموع الرجال الكثيفة. وكان ~~بين الطرواديين كاهن هيفايستوس المدعو «داريس». وهو رجل ثري، لا ~~غبار على سلوكه، وكان له ولدان: «فيجيوس» و«أيدايوس»، الماهران في ~~جميع أساليب القتال. وقد فصل هذان الرجلان نفسيهما عن الجيش ~~واندفعا نحو «ديوميديس»، وهما في عربتيهما بينما كان ms154 هو يهجم وهو ~~واقف على قدميه فوق الأرض. ولما تقدم ثلاثتهم، واقترب الواحد من ~~الآخر، بدأ «فيجيوس» بقذف رمحه الطويل، فمرق من فوق كتف ابن توديوس ~~الأيسر دون أن يصيبه! فهجم هذا برمحه البرونزي الذي لم ينطلق عبثا ~~من يده. بل أصاب عدوه في صدره بين ثدييه، وطوح به على العربة! فقفز ~~أيدايوس إلى الوراء، تاركا العربة الجميلة، ولم تكن لديه الشجاعة ~~ليخطو فوق جثة أخيه. كما أنه لم يكن لينجو من القدر الأسود، لولا ~~أن هيفايستوس كان يحرسه فأنقذه، ولفه في ظلمة حتى لا يموت كاهنه ~~العجوز - والد الفتى - كمدا! ومع ذلك فقد دفع ابن توديوس المقدام ~~الخيول إلى الأمام، وسلمها إلى زملائه ليأخذوها إلى السفن الخاوية. ~~بيد أن الطرواديين ذوي النفوس العالية، ما إن أبصروا ولدي داريس، ~~يفر أحدهما ويخر الآخر صريعا بجانب العربة، حتى امتلأت قلوبهم ~~جميعا باليأس. فأمسكت أثينا البراقة العينين بأريس الثائر من يده ~~وقالت له: «أي أريس، يا أريس، يا جالب الشقاء على البشر، يا ناسف ~~الحوائط الملطخ بالدماء، أما آن لنا أن نترك الآن الطرواديين ~~والآخيين يتقاتلون، حتى يمنح الأب زوس المجد لمن يشاء منهما؟ هيا ~~بنا نتنحى ونتحاشى غضب زوس!» # قالت ذلك وقادت أريس الهائج بعيدا عن المعركة. ثم جعلته يجلس ~~فوق الشواطئ الرملية لسكاماندر، ففر الطرواديون أمام الدانيين، ~~وقتل كل قائد رجلا من الأعداء، فانقض «أجاممنون» ملك البشر على ~~أوديوس العظيم، قائد «الهاليزونيس»، فرماه بعيدا عن عربته، وكان ~~قد استدار بادئ ذي بدء ليفر، فغرس القائد رمحه في ظهره بين كتفيه ~~ودفعه إلى داخل صدره، فسقط محدثا صوتا، وصلصلت من فوقه عدته ~~الحربية. # وقتل أيدومينيوس «فايستوس»، ابن بوروس، الميوني، الذي قدم من ~~تارني العميقة التربة، بينما كان يعتلي عربته؛ إذ طعنه برمحه ~~الطويل طعنة اخترقت كتفه اليمنى، فسقط من عربته تغشاه ظلمة رهيبة. ~~وبعد ذلك شرع خدم أيدومينيوس يجردونه من حلته الحربية. # وقتل مينيلاوس بن أتريوس - برمحه الحاد - «سكاماندريوس»، ابن ~~ستروفيوس، الماكر في القنص، وكان مشهورا بكونه صيادا عظيما؛ لأن ~~ربة ms155 الصيد «أرتيميس» نفسها قد علمته كيف يضرب كل متوحش مما تغذيه ~~الغابة الجبلية. ومع ذلك فلم تنفعه «أرتيميس»، ولا كل تلك ~~المهارة في الرماية التي تفوق فيها منذ القدم، فضربه مينيلاوس بن ~~أتريوس، وهو يطلق العنان لقدميه أمامه، بطعنة من رمحه في ظهره، ما ~~بين كتفيه، انغرس الرمح على أثرها في صدره غرسا، فانكفأ على وجهه ~~وصلصلت فوقه حلته الحربية. # وقتل ميريونيس # 1 ~~«فيريكلوس»، ابن تيكتون، ابن هارمون الماهر اليدين في ~~صناعة كل نوع من الأعمال الغريبة؛ لأن الربة أثينا أحبته أكثر من ~~جميع البشر. وكان هو الذي شيد السفن الجميلة لباريس، مصدر الشرور، ~~وجالب الدمار على جميع الطرواديين، وعلى نفسه؛ إذ لم يعلم قط وحي ~~الآلهة. وقد راح ميريونيس يطارده، حتى أدركه، فضربه في عجزه ~~الأيمن، فنفذ طرف الرمح مارقا حتى وصل إلى المثانة تحت العظم، ~~فجثا على ركبتيه صارخا، وهو يتردى. # وقتل «ميجيس» بيدايوس، ابن «أنتينور». وكان، حقا، ابن سفاح، ~~ومع ذلك فقد نشأته «ثيانو» # 2 # بعناية كأحد أطفالها تماما، كي تبهج زوجها، فاقترب ~~منه ابن فوليوس الشهير برمحه، وعاجله بضربة من الرمح الحاد على ~~قفاه، فنفذ الرمح بين الأسنان وجز اللسان من جذره. وهكذا سقط ~~يتخبط في الثرى، وعض بأسنانه على الرمح البرونزي البارد. # وقتل «يوروبلوس»، # 3 # ابن يوايمون، «هوبسينور» العظيم، ابن «دولوييون» ~~الجريء القلب، الذي عين كاهنا لسكاماندر، وكان القوم يبجلونه ~~كإله، فانقض عليه يوروبلوس، وهو يفر أمامه، وفي منتصف الطريق هوى ~~على كتفه بسيفه فبتر ذراعه الثقيلة؛ ومن ثم سقطت الذراع الدامية ~~على الأرض ، وخيم الموت القاتم والفضاء العاتي على عينيه. # هكذا كانوا يشقون في الصراع العنيف، أما ابن توديوس، فما كان في ~~مقدورك أن تقول إلى أي الجيشين انضم: هل تبع الطرواديين أم ~~الآخيين! إذ انقض عبر السهل كأنه سيل الشتاء في أقصى قوته، يكتسح ~~بفيضانه السريع الجسور، ولا تستطيع الجسور المتينة أن تقف في ~~طريقه، ولا حتى أسوار بساتين الكروم المثمرة يمكنها أن تصد قدومه ~~المفاجئ عندما تدفعه أمطار زوس دفعا، فتنهار أمامه ms156 أعمال البشر ~~الرائعة. محطمة! هكذا اكتسح ابن توديوس أمامه كتائب الطرواديين ~~الكثيفة، في فوضى، وما كان في وسعهم أن يقاوموه رغم كثرة ~~عددهم! # بيد أنه عندما انتبه له ابن لوكاون # 4 # المجيد، وهو يسير عبر السهل يدفع أمامه الكتائب في ~~فوضى، أسرع في الحال يسدد قوسه المقوسة نحو ابن توديوس، فأحكم ~~التصويب ورماه وهو يهجم إلى الأمام في كتفه اليمنى، على صفحة ~~درقته، فانطلق السهم المرير خلالها لا يحيد عن طريقه حتى تلطخت ~~الدرقة بالدماء. عندئذ صاح ابن لوكاون المجيد قائلا: «فلتنهضوا، ~~أيها الطرواديون ذوو النفوس العالية، يا من تحثون خيولكم. لقد أصيب ~~خير رجل بين الآخيين، وإني لأعتقد أنه لن يقوى طويلا على احتمال ~~ذلك السهم القوي.» # هكذا تكلم مزهوا، ومع ذلك فإن «ديوميديس» لم يصرعه السهم ~~السريع، ولكنه انسحب إلى الوراء، ووقف أمام خيوله وعربته، وقال ~~لسينيلوس، ابن كابانيوس: «هيا، يا ابن كابانيوس الطيب، انزل من ~~العربة، كي يمكنك أن تخرج من كتفي هذا السهم الفظيع.» # وإذ ذاك وثب سثينيلوس من عربته إلى الأرض، ووقف إلى جواره، وجذب ~~السهم المغروس في كتفه فتدفق الدم على الحلة المثناة. وعندئذ تضرع ~~ديوميديس، البارع في صيحة الحرب، قائلا: «استمعي إلي، يا ابنة ~~زوس حامل الترس، # 5 # يا دائمة اليقظة دون كلل ولا ملل! لو حدث أنك وقفت، ~~بنية حسنة، إلى جانب أبي وسط معمعة القتال، فاشفقي علي أيضا يا ~~«أثينا». قدري لي أن أقتل هذا الرجل، واجعليه يأتي في مدى مرمى ~~رمحي، ذلك الرجل الذي ضربني ولم أكن منتبها له وهو يفخر علي، ~~ويعلن أنني لن أرى ضوء الشمس الساطع مدة طويلة.» # هكذا قال في تضرعه، وسمعته الربة «أثينا» فجعلت أطرافه خفيفة، ~~ورفعت قدميه ويديه، ثم اقتربت منه وتحدثت إليه بكلمات مجنحة قائلة: ~~«كن شجاعا الآن يا ديوميديس، كي تقاتل الطرواديين؛ لأنني وضعت في ~~صدرك قوة أبيك، تلك القوة التي لا تقهر، كتلك القوة التي كان ~~يتمناها الفارس «توديوس»، حامل الترس. وفضلا عن هذا، فقد رفعت ~~الغمامة من على عينيك، تلك ms157 التي كانت عليهما من قبل، حتى يصبح في ~~مقدورك أن تبصر جيدا، على السواء، الآلهة والبشر، وعلى ذلك فإذا ~~جاء إلى هنا أي إله ليجربك، فحذار، بأية حال من الأحوال، أن تقاتل ~~أي إله من الآلهة الخالدين، وجها لوجه، إلا إذا دخلت المعركة ~~الربة «أفروديت»، ابنة زوس، فعندئذ اضربها بطعنة من رمحك ~~البرونزي الحاد.» # وما إن نطقت الربة أثينا البراقة العينين بهذا القول، حتى ~~انصرفت. فعاد ابن توديوس، واختلط من جديد بمحاربي الصفوف الأولى. ~~وبالرغم من أن قلبه كان يتوق من قبل إلى مقاتلة الطرواديين، فقد ~~استولى عليه الآن حماس يوازي ثلاثة أضعاف ما كان يتولاه من قبل. ~~حماس كالذي يعتري أسدا جرحه راع يحرس خرافه الكثة الفراء، وهو ~~يقفز فوق سور حظيرة الخراف، ولكنه لم ينهزم، بل استثيرت قوته، فهو ~~لا يقوم بأي دفاع، وإنما يتسلل وسط مباني المزرعة، فيدب الهرج ~~والمرج بين القطيع غير المحروس، وتجتمع الخراف جماعات، كل قطيع ~~بجانب الآخر، ولكن الأسد الثائر يقفز من فوق الحظيرة العالية. ~~وهكذا، بمثل هذه الثورة هجم ديوميديس القوي على الطرواديين، ثم قتل ~~بعد ذلك كلا من «إستونوس» و«هوبايرون»، راعيي الجيش؛ إذ ضرب ~~أحدهما فوق ثديه بطعنة من رمحه المطعم بالبرونز، بينما هوى على ~~الآخر بحسامه العظيم فوق عظم الترقوة من جانب الكتف ففصل الكتف عن ~~العنق وعن الظهر. ثم ترك هذين ومضى في طريقه يقتفي أثر «أباس» ~~و«بولودوس»، ابني العجوز «يوروداماس» مفسر الأحلام، فلم يعودا بعد ~~ذلك ليفسر لهما أبوهما العجوز الأحلام، بل قتلهما ديوميديس ~~المغوار، ثم استمر يتعقب «كسانثوس» و«ثوون»، ابني «فاينويس» ~~المحبوبين، وقد هدت الشيخوخة المؤلمة قوى أبيهما، فلم ينجب ولدا ~~آخر يتولى رعاية ممتلكاته. قتلهما ديوميديس هناك وسلبهما الحياة ~~الغالية، وخلف لأبيهما البكاء والحزن الممض؛ إذ لم يعيشا له ليرحب ~~بعودتهما، فاقتسم أقرب أقربائه الممتلكات فيما بينهم! # وبعد ذلك انبرى «ديوميديس لولدي بريام بن داردانوس»: «أيخيمون» ~~و«خروميوس»، وكانا في عربة واحدة. وكما يثب الهزبر وسط الأبقار ~~ويكسر عنق عجل أو بقرة وهي ترعى في مرج الغابة، ms158 هكذا أيضا طعن ابن ~~توديوس هذين بوحشية، فأوقعهما من عربتهما على الرغم منهما، ثم ~~جردهما من حلتيهما الحربيتين، وأعطى الخيول لرفقائه ليسوقوها إلى ~~السفن. # مصرع «بانداروس» وإصابة أفروديت! # وإذ رأى «أينياس» # 6 # كيف أشاع ديوميديس الفوضى بين صفوف المحاربين، مضى ~~خلال أرض المعركة بين قذف الرماح يبحث عن «بانداروس» # 7 # بن لوكاون شبيه الإله، عسى أن يجده في مكان ما. فلما ~~التقى بهذا المحارب المقدام، وقف أمامه وتحدث إليه قائلا: «أي ~~بانداروس، أين قوسك الآن، وسهامك المجنحة، وصيتك؟ ما من أحد في ~~هذه البلاد يستطيع الوقوف أمامك، ولا يسع أي فرد في لوكيا أن يعلن ~~تفوقه عليك، فتعال الآن، وارفع يديك بالصلاة لزوس. ثم أطلق رمحا ~~على ذلك الرجل - مهما كانت له الغلبة بهذا الشكل - فإنه قد سبب ~~للطرواديين كثيرا من الآلام؛ إذ كم من رجل عظيم فكك له ركبتيه، ~~إلا إذا كان هو في الحقيقة أحد الآلهة الغاضبين من الطرواديين. ~~الغاضبين بسبب الذبائح، فإن غضب الآلهة ينزل ثقيلا على ~~العالمين!» # فرد عليه ابن لوكاون بقوله: «يا أينياس، يا مستشار الطرواديين ~~ذوي الحلل البرونزية، إنني أعرفه من ترسه وخوذته ذات الخصلة، كما ~~أعرفه عندما أرى جياده، ومع ذلك فلست أعلم على وجه التحقيق ما إذا ~~كان إلها. وأعتقد أنه لا يستطيع الظفر بهذه المفاخر بدون مساعدة ~~أحد الآلهة، ولا بد أن أحد الخالدين يحميه ويقف بالقرب منه، ~~متخفيا في طيات سحابة؛ ومن ثم فقد نحى عنه رمحي السريع بمجرد أن ~~ومض! فلقد أطلقت رمحي بالفعل نحوه، وهويت بضربة على كتفه اليمنى ~~فوق صفحة درقته، وظننت أنني قد أرسلته إلى العالم السفلي، بيد أنني ~~لم أصرعه! حقا أنه ولا بد أحد الآلهة الغاضبين! وأنا لا أملك هنا ~~عربة ولا خيولا أركبها، ومع ذلك فإن لي، في قصر أبي «لوكاون»، ~~إحدى عشرة عربة جميلة، جديدة الصنع والأثاث، نشرت فوقها الأغطية، ~~وإلى جانب كل منها جوادان مكتنزان من أكل الشعير الأبيض ~~والجويدار. وقد حدث قبيل رحيلي من هناك أن ألح علي الرماح العجوز ms159 ~~لوكاون في قصره المتين البناء أن أعتلي عربة وجوادا، وأقود ~~الطرواديين إلى معارك طاحنة. غير أنني لم أطعه - وليتني أصغيت ~~إليه! - وإن كنت أبيت استخدام الجياد خشية أن ينقصها العلف في ~~المدينة المحاصرة، وهي التي اعتادت الغذاء الكافي؛ ولذا تركتها ~~وذهبت سائرا على قدمي إلى طروادة، معتمدا على قوسي، لكن القوس، ~~كما بدا لي، لم تنفعني بشيء. فلقد أطلقت بها سهمين صوب القائدين ~~«ابن توديوس»، و«ابن أرثيوس» أصابا كليهما بطعنة نجلاء، وانبثق ~~الدم منهما يقينا، ولكني مع ذلك لم أفعل سوى زيادة إثارتهما؛ ولذا ~~كان أخذي قوسي المعقوفة من على المشجب، مصحوبا بسوء الحظ في ذلك ~~اليوم الذي قدت فيه رجالي من الطرواديين دفاعا عن مدينتنا ~~الجميلة، كي أبهج هكتور. ولكن لو كان لي أن أعود وترى عيناي وطني ~~وزوجتي والقصر المنيف المرتفع السقف، فهل لأحد الأجانب أن يقطع ~~رأسي في الحال إن لم أحطم هذه القوس بيدي وألقها في النار ~~المتأججة، إذ كانت كالريح عديمة النفع لي؟!» # عندئذ تحدث أينياس مجيبا قائد الطرواديين بقوله: «كلا. لا ~~تتكلم هكذا، فلن تستقيم الأمور بحال ما قبل أن نذهب معا بالجياد ~~والعربة لمواجهة هذا الرجل، ونعجم عودة السلاح، هيا، تعال معي، هيا ~~إلى ظهر عربتي حتى ترى من أي نوع هي جياد «تروس»، البارعة في ~~العدو السريع جيئة وذهابا في السهل، وهي تكر وتفر. ولسوف تصل بنا ~~سالمين إلى المدينة وتنقذنا، حتى لو كتب زوس النصر مرة أخرى ~~لديوميديس بن توديوس. تعال إذن وخذ السوط والأعنة اللامعة، بينما ~~أنزل أنا إلى حومة القتال، أو فلتستعد أنت لهجمته، وأعني أنا ~~بالجياد!» # فأجابه ابن لوكاون العظيم قائلا: «احتفظ بالأعنة يا أينياس، ~~وقد جيادك بنفسك، فإنها عندئذ ستتفانى في العدو بالعربة ~~المقوسة تحت قيادة سائقها المعتاد، لو اضطررنا إلى الفرار أمام ابن ~~توديوس. وإلا فقد يتملكهما الذعر وتحرن إذا لم تسمع صوتك فلا تسرع ~~بالابتعاد بنا عن المعركة، وعندئذ يهجم علينا ابن توديوس العظيم ~~النفس، ويصرع كلينا، ويستولي على جيادنا الوحيدة. هيا، قد بنفسك ~~عربتك ms160 وجيادك، أما أنا فسأستعد لهجمة هذا الرجل برمحي ~~الحاد.» # وما إن قال هذا حتى اعتليا ظهر العربة المطعمة، وقادا الجياد ~~السريعة بحماس صوب ابن توديوس، فأبصر بهما «سثينيلوس»، الابن ~~المجيد لكابانيوس فأسرع يحذر ابن توديوس بكلمات خاطفة قائلا: «أي ~~ديوميديس، يا ابن توديوس، أيها المحبب إلى نفسي، أرى اثنين من ~~المحاربين المغاوير يتوقان إلى قتالك، وقد زودا بقوة لا حد لها. ~~أحدهما بارع في استخدام القوس. هو بانداروس، الذي يجهر بأنه ابن ~~لوكاون، بينما يدعي أينياس أنه ابن أنخيسيس المنقطع النظير، وأمه ~~أفروديت. هيا، تعال معي نتحصن في العربة، وأرجوك ألا تتهور ~~بالاندفاع وسط مقاتلي الصفوف الأولى، خشية أن تفقد حياتك!» # عندئذ حدجه ديوميديس بنظرة غضب من تحت حاجبيه وقال: «لا ~~تحدثني عن الفرار قط، فلن يجول بخاطري أن تحثني عليه، وما جبلت على ~~القتال الخفي أو الهرب، فما زالت قوتي ثابتة. وليس في نيتي أن أركب ~~عربة، بل سأذهب لمواجهتها كما أنا، وأعتقد أن الربة أثينا لن تحتمل ~~جبني. أما هذان، فلن ترجع بهما جيادهما السريعة من عندنا. حتى ولو ~~قبضت النجاة لأحدهما أو للآخر! وسأقول لك شيئا آخر، فاحفظه عني في ~~قلبك: لو منحتني أثينا، التي تفيض حكمة، شرف قتل كليهما، فهل لك أن ~~تحتفظ هنا بهذه الجياد السريعة، وتربط الأعنة بقوة إلى جانب ~~العربة. ولا تنس أن تهجم على جياد أينياس، وتنطلق بها من عند ~~الطرواديين إلى جيش الآخيين المدرعين جيدا. فإنها من نفس القطيع ~~الذي أعطى منه زوس، الذي يدوي صوته إلى بعيد، بعض الجياد إلى ~~«تروس» تعويضا له عن ابنه «جانوميديس»، # 8 # لأنها أكرم جميع الجياد التي يضيء فوقها الفجر وتشرق ~~عليها الشمس. ومن هذا القطيع سرق «أنخيسيس»، ملك البشر، السلالة، ~~بأن وضع أفراسه وسطها دون علم «لاوميدون»، فولد له من هذه في قصره ~~ستة جياد، احتفظ لنفسه بأربعة منها، رباها في حظيرته. أما الجوادان ~~الآخران فقد أعطاهما لأينياس، فكانا مثيري الشغب، فلو استطعنا ~~القبض على هذين الرجلين، نلنا شهرة فائقة.» # هكذا كانا يتكلمان في ms161 هذا الأمر، أحدهما إلى الآخر، وسرعان ما ~~اقترب منهما الآخران يقودان الجوادين السريعين. فتحدث إليه ابن ~~لوكاون المجيد أولا بقوله: «أيا ابن توديوس الجليل، أيها المقدام ~~الحكيم القلب، حقيقة أن سهمي السريع لم يخضعك، ذلك السهم المرير، ~~لكني سأختبرك الآن برمحي، لعلي أن أصيبك!» # قال هذا، ثم اعتدل وقذف بالرمح الطويل الظل، فأصاب ترس ابن ~~توديوس، وفي الحال اخترق طرف الرمح البرونزي الترس ووصل إلى درقته. ~~فصاح عندئذ ابن لوكاون المجيد قائلا: «لقد أصبتك في صميم أحشائك ~~وأظن أنك لن تتحمل طويلا، ولكنك منحتني مجدا عظيما.» # فرد عليه ديوميديس القوي، غير هباب ولا وجل، قائلا: «لقد أخطأت ~~يا هذا ولم تصب، وأعتقد أن كليكما لن يكف عن القتال حتى يسقط ~~أحدكما أو الآخر، ويعب من دمه «أريس» # 9 # ذو الترس الصلب المصنوع من الجلد.» # قال هذا ثم قذف، فوجهت أثينا الرمح صوب أنف خصمه بجانب العين، ~~فمرق من بين أسنانه البيضاء. وهكذا اجتث البرونز العنيد لسانه من ~~أصله، ونفذ طرف الرمح بجانب قاعدة الذقن. فسقط ابن لوكاون خارج ~~العربة وصلصلت من فوقه حلته البراقة المتألقة، فانتحت الجياد ~~السريعة الأقدام، جانبا، وانتهت بذلك حياته وصعدت روحه. # وإذ ذاك قفز أينياس من العربة إلى الأرض بالترس والرمح الطويل، ~~وقد اعتراه الخوف من أن يأخذ منه الآخيون القتيل. فوقف فوقه ~~مباعدا ما بين ساقيه كأسد واثق من قوته، وجعل رمحه وترسه المتزن ~~من كل جانب أمام وجهه، تواقا إلى قتل كل من تسول له نفسه أن يمسك ~~بالجثة، وكان يصرخ صرخات مفزعة. غير أن ابن تيديوس أمسك حجرا في ~~يده - وكانت مهمة شاقة - حجرا ينوء بحمله رجلان من رجال اليوم، ~~ومع ذلك فقد شرع يلوح به وحده بخفة، ثم ضرب به أينياس عند الحقو ~~حيث يتصل الفخذ بمفصل الحقو، فحطم الحجر المسنن عظم الحوض، ومزق ~~الجلد، وعندئذ سقط المحارب جاثيا على ركبتيه، وظل هكذا، يرتكز ~~بيديه القويتين على الأرض، ثم خيم الليل المظلم فوق عينيه! # وعندئذ كان لملك البشر، أينياس، أن يموت، لولا ms162 أن ابنة زوس، ~~أفروديت، كانت سريعة الملاحظة - ولا عجب فهي أمه التي أنجبته من ~~أنخيسيس حينما كان يرعى قطيعه - فبسطت ذراعيها البيضاوين حول ابنها ~~العزيز، ونشرت أمامه طية من ردائها اللامع لتكون وقاية ضد القذائف، ~~حتى لا يقذفه أحد الدانيين ذوي الجياد السريعة برمح من البرونز، ~~فيخترق صدره ويزهق روحه. # غير أن ابن كابانيوس # 10 # لم ينس الأوامر التي أصدرها إليه ديوميديس البارع في ~~صيحة الحرب، فأخذ جياده التي غدت وحيدة وأبعدها عن الضوضاء، وشد ~~الأعنة إلى حافة العربة، ثم هجم على جوادي أينياس الجميلي العرف، ~~وقادهما من عند الطرواديين إلى جيش الآخيين المدرعين جيدا، ~~وسلمهما إلى «دايبولوس»، زميله العزيز، الذي كان يبجله أكثر من ~~جميع رفقاء صباه؛ لأنه كان يعدله في العقلية، وأمره بأن يقودهما ~~إلى السفن الخاوية. ثم ركب المحارب عربته وأمسك بالأعنة اللامعة، ~~وفي الحال قاد جواديه القويي الأظلاف، متلهفا للبحث عن ابن ~~توديوس. وكان هذا - في تلك الأثناء - قد ذهب في أعقاب الربة ~~«كوبريس» يحمل رمحه البرونزي القديم الذي لا يرحم، مدركا أنها ~~ربة ضعيفة، وليست واحدة ممن يسيطرون على قتال المحاربين - فإنها ~~لم تكن أثينا، ولا أينيو، # 11 # مخربة المدن - وما إن لحق بها بعد أن طاردها خلال ~~الحشد العظيم، حتى قذفها ابن توديوس العظيم النفس برمحه الحاد، ~~ووثب عليها فجرح سطح يدها الرقيقة، وفي الحال نفذ السهم خلال الثوب ~~العطري الذي صنعته لها ربات الفتنة أنفسهن، واخترق اللحم عند ~~الرسغ، في أعلى راحة اليد، فتدفق دم الربة الخالد، مثل المصل ~~الذي يجري في عروق الآلهة المباركين ؛ لأنهم لا يأكلون الخبز ولا ~~يشربون الخمر الصهباء، ولذلك فإنهم بلا دماء ويدعون ~~الخالدين. # فصاحت صيحة عالية، سقط في أثرها ابنها، فالتقطه الإله أبولو بين ~~ذراعيه، وأنقذه ولفه في سحابة دكناء خشية أن يقذف أحد الدانيين ذوي ~~الجياد السريعة رمحا من البرونز إلى صدره ويزهق روحه. وعندئذ صاح ~~ديوميديس البارع في صيحة الحرب، بأعلى صوته، قائلا: «ابتعدي، يا ~~ابنة زوس، عن الحرب والقتال. ألا يكفيك أنك تخدعين النساء ms163 ~~الضعيفات؟ إنك إذا دخلت المعركة فسوف ترتعدين لمجرد سماع اسمها من ~~مسافة بعيدة!» # وإذ قال هذا، انصرفت هي مذهولة وقد أمضها الحزن البالغ، فأخذتها ~~أيريس السريعة القدمين بعيدا عن الحشد، معذبة بالألم، وقد اسود ~~لحمها البض. وسرعان ما وجدت «أريس» الثائر واقفا عن يسار المعركة، ~~يتكئ برمحه على سحابة، وبقربه جواداه السريعان. عندئذ جثت على ~~ركبتيها. وتوسلت في الحال إلى أخيها العزيز أن يعطيها جواديه ذوي ~~الغرة الذهبية، قائلة: «شقيقي العزيز، أغثني، وأعطني جواديك، حتى ~~أتمكن من الوصول إلى أوليمبوس مسكن الخالدين؛ فقد أصابني رجل من ~~البشر بجرح يؤلمني أشد الألم، إنه ابن تيديوس، الذي يستطيع أن ~~يقاتل الآن حتى مع الأب زوس!» # هكذا قالت، فأعطاها أريس جياده ذات الغرة الذهبية، فاعتلت ظهر ~~العربة، بقلب شارد، وإلى جوارها صعدت أيريس وأمسكت الأعنة بيديها، ~~ثم لمست الجياد بالسوط لتبدأ بالتحرك، وعندئذ لم يمنع أي شيء ~~الجوادين من العدو قدما، وبسرعة وصلت الربتان إلى مسكن الآلهة، ~~إلى أوليمبوس المنحدر، حيث أوقفت أيريس، التي تحاكي قدماها سرعة ~~الريح، الجوادين، ثم فكتهما من العربة، ووضعت أمامهما طعاما ~~إلهيا، ولكن أفروديت الحسناء ألقت بنفسها على ركبتي أمها ~~«ديوني»، فضمت الأم ابنتها بين ذراعيها، وربتت عليها بيدها ثم ~~تحدثت إليها قائلة: «والآن، من من أبناء السماء، يا طفلتي العزيزة، ~~قد عاملك هكذا بطيش، كما لو كنت قد أتيت نكرا أمام ~~الجميع؟» # فردت عليها أفروديت المولعة بالضحك قائلة: «جرحني ابن توديوس، ~~«ديوميديس» الجريء القلب؛ وذلك لأنني كنت أحمل ابني العزيز أينياس، ~~بعيدا عن القتال، ذلك الذي هو أعز في عيني من سائر البشر؛ لأن ~~الحرب الشعواء لم تعد حربا بين الطرواديين والآخيين فحسب؛ إذ أن ~~الدانيين يتقاتلون الآن، حتى مع الخالدين.» # فأجابتها ديوني، الربة ~~الفاتنة، بقولها: «تشجعي، يا طفلتي، واحتملي آلامك؛ لأن كثيرين منا ~~نحن الساكنين فوق أوليمبوس، قد نالهم الأذى على يد البشر، بأن جلب ~~بعضهم المصائب المحزنة على البعض الآخر. وهكذا عانى «أريس» عندما ~~كبله «أوتوس» و«إيفيالتيس» القوي - أبناء ألويوس - بالأصفاد ~~القاسية، فرقد مغلولا في ms164 زنزانة من البرونز ثلاثة عشر شهرا، ~~وعندئذ كان لا بد أن يهلك أريس، الذي لا يمل القتال، لولا أن ~~«أيريبويا» الفاتنة، زوجة أبي ولدي ألويوس، أخبرت هيرميس - رسول ~~الآلهة - فسرق أريس، الذي كان وقتئذ مكروبا غاية الكرب؛ إذ كانت ~~تؤلمه قيوده المحزنة. وهكذا تألمت هيرا عندما أصابها ابن أمفتريون ~~القوي بسهم ذي ثلاثة أسنة فوق ثديها الأيمن، فألم بها ألم لا ~~يمكن تخفيفه بأية حال من الأحوال. وهكذا أيضا عانى «هاديس» ~~المتوحش، كما عانى غيره، من سهم مرير، يوم أن ضربه نفس هذا الرجل - ~~ابن زوس حامل الترس - في «بولوس»، وسط الأموات، وتركه نهبا ~~للآلام. بيد أنه ذهب إلى منزل زوس وإلى أوليمبوس الشاهق بقلب ~~مثقل بالحزن، مفعم بالآلام؛ لأن السهم اخترق كتفه القوية، وأزعج ~~روحه، ولكن «بايون» نثر على الجرح عقاقير تقتل الألم، أدت إلى ~~شفائه؛ لأنه لم يكن في الحقيقة من الجنس البشري، بل كان إلها ~~متهورا، يقوم بأعمال العنف، ولا يكف عن الشرور، حتى لقد أثار ~~بسهامه حفيظة الآلهة التي تقطن في أوليمبوس. ذلك هو الشرير الذي ~~سلطته عليك الربة أثينا، ذات العينين النجلاوين. وإنها لحماقة من ~~ابن توديوس ألا يعرف أن من يقاتل الخالدين لا يعمر طويلا، ولا ~~يلتف أطفاله حوله عندما يعود من الحرب والمعارك الطاحنة المفزعة. ~~والآن دعي ابن توديوس، رغم ما هو عليه من قوة، أن يكون على حذر ~~خشية أن يقاتله من هو أقوى منك. وقد لا يمضي وقت طويل حتى توقظ ~~«إيجاليا» ابنة أدراستوس الحكيمة، أهل بيتها من نومهم، بنواحها ~~المتواصل وهي تبكي زوجها الذي اقترنت به، والذي هو خير رجل بين ~~الآخيين، إنه «ديوميديس» مستأنس الخيول.» # قالت هذا، وأخرجت المصل بكلتا يديها من الذراع، فشفيت الذراع، ~~وزالت الآلام المبرحة، ولكن ما إن أبصرتها أثينا وهيرا، حتى ~~انطلقتا تغضبان زوس، ابن كرونوس، بألفاظ السخرية. وكانت الربة ذات ~~العينين البراقتين هي أول من قالت: «أبي زوس، هل تغضب مما سأقوله ~~لك؟ من المؤكد الآن أن «كوبريس» كانت تحث إحدى الآخيات على تعقب ms165 ~~الطرواديين الذين تحبهم الآن حبا عجيبا، وبينما هي تعانق إحدى ~~نساء آخيا الجميلات الملبس، خدشت يدها الرقيقة في دبوسها ~~الذهبي.» # وإذ قالت ذلك، ابتسم أبو البشر والآلهة، واستدعى أفروديت الذهبية ~~وقال لها: «لم تجعل أعمال الحرب لك يا طفلتي، كلا، بل عليك أن ~~تسعي وراء شئون الزواج المحبوبة، أما شئون القتال كلها فستكون مهمة ~~أريس السريع وأثينا.» # هجوم مضاد من «طروادة»! # وبينما كانوا يتحدثون هكذا، الواحد إلى الآخر، هجم «ديدميديس»، ~~الماهر في صيحة الحرب، على أينياس، ولما كان يعلم أن أبولو نفسه ~~كان يحميه ويبسط ذراعيه فوقه، كأنه لم يشعر بأي خوف من الإله ~~العظيم، بل كان لا يزال مصمما على قتل أينياس وتجريده من عدته ~~الحربية المجيدة. فهجم عليه ثلاث مرات، يريد في حماس أن يقتله، ~~ولكن في كل مرة، كان أبولو يدفع ترسه اللامع إلى الوراء، غير أنه ~~عندما هجم عليه للمرة الرابعة، صاح فيه أبولو الذي يضرب من بعيد ~~صيحة مفزعة، قائلا: «فكر، يا ابن توديوس، واهرب، لا تضع نصب عينيك ~~أن تكون روحك كروح الآلهة، ما دام عنصر الآلهة لا يشبه بأية حال ~~عنصر البشر الذين يسيرون فوق الأرض!» # فلما قال هذا، تراجع ابن توديوس إلى الوراء قليلا، اجتنابا ~~لغضب أبولو الذي يضرب من بعيد، وبعدئذ أخذ أبولو أينياس بعيدا عن ~~الحشد إلى بيرجاموس المقدسة حيث أقيم معبده، فعالجته هناك الربتان ~~«ليتو» و«أرتيميس» حاملة القوس، في المحراب الكبير، ومجدتاه، غير ~~أن أبولو ذا القوس الفضية صنع شبحا في صورة أينياس، يرتدي حلة ~~مدرعة كحلة أينياس، فراح الطرواديون والآخيون الأماجد يتقاتلون حول ~~الشبح، ويضربون الدرقات المصنوعة من جلود الثيران، والتي تغطي صدر ~~كل منهم. والتروس المستديرة، وخصلات الشعر المدلاة على أكتافهم. ثم ~~تحدث أبولو إلى «أريس» الثائر قائلا: «أي أريس، يا أريس يا جالب ~~الهلاك للبشر، ويا مدمر الأسوار، الملطخ بالدماء، ألا تدخل ~~المعركة الآن وتقصي عنها هذا الرجل، ابن توديوس هذا الذي يستطيع ~~الآن أن يقاتل حتى ضد الأب زوس؟ فقد أصاب كوبرس # 12 # أولا، وهو ms166 يقاتلها وجها لوجه، بجرح في يدها عند ~~الرسغ، ثم هجم علي أنا نفسي كما يهجم على إله.» # قال هذا ثم جلس فوق قمة بيرجاموس، ودخل أريس المخرب وسط صفوف ~~الطرواديين، في صورة «أكاماس» # 13 # السريع، قائد التراقيين. يحثهم، ويخاطب أبناء بريام، ~~المنحدرين من زوس، قائلا: «أيا أبناء بريام، الملك المنحدر من ~~زوس، إلى متى تتركون جيشكم يعبث فيه الآخيون تقتيلا؟ هل سيظل ~~الأمر هكذا حتى يقاتلوا حول أبوابنا المتينة البناء؟ فها هو ~~أينياس، ابن أنخيسيس، ذلك الرجل الذي كنا نبجله كما نبجل هكتور ~~العظيم، ها هو يرقد صريعا. فهيا، تعالوا ننقذ زميلنا النبيل من ~~أتون المعركة.» # وبقوله هذا أثار حمية وروح كل فرد، وفضلا عن ذلك فقد عنف ساربيدون # 14 # هكتور الأمجد، بقوله: «أي هكتور، أين ذهبت الآن قوتك ~~القديمة؟ كنت تقول قول الواثق إنك ستحافظ وحدك على المدينة بمساعدة ~~إخوتك وأزواج شقيقاتك، دون حاجة إلى الجيوش أو الحلفاء، ولكني لا ~~أرى الآن أو أتبين واحدا من هؤلاء، وإنما هم يقبعون كالكلاب حول ~~أسد، ولا يقاتل أحد سوانا، نحن الذين لسنا بينكم غير حلفاء؛ لأنني، ~~أنا الذي لست سوى حليف، قد جئت من مسافة نائية، من لوكيا القريبة ~~من كسانثوس البعيدة الغور، حيث تركت زوجتي العزيزة، وطفلي الرضيع، ~~وثروتي العظيمة، التي يطمع فيها كل محتاج. ورغم ذلك فإنني أحث ~~اللوكيين، كما أتوق أنا نفسي إلى مقاتلة أي رجل، ولو أنه ليس لي أي ~~شيء هنا يستطيع الآخيون أخذه مني، بينما تقف أنت بلا حراك، ولا ~~تحث جنودك حتى على الصمود والدفاع عن زوجاتهم . فخذ حذرك حتى لا تقع ~~أنت وإياهم فريسة وغنيمة لأعدائكم، فتصبحوا كمن وقع في شباك الصيد ~~الكتانية، وسرعان ما سيخربون مدينتكم الآهلة بالسكان. على عاتقك ~~تقع كل هذه المهام ليل نهار، فيجب عليك أن تتوسل إلى قواد الحلفاء ~~الذائعي الصيت، أن يصمدوا دون ذعر، وبذلك تتحاشى اللوم ~~العنيف.» # هكذا خاطبه «ساربيدون»، فوخزت كلماته قلب هكتور، فوثب لتوه من ~~عربته إلى الأرض، في حلته المدرعة، يلوح برمحيه الحادين ms167 في كل مكان ~~وسط الجيش، حاثا الرجال على القتال، ومثيرا وطيس القتال ~~المفزع. # ومن ثم جمعوا جموعهم، واتخذوا موقفهم في مواجهة الآخيين، وثبت ~~الأرجوسيون في أماكنهم في جموع مكثفة أمام هجماتهم، دون أن يركنوا ~~إلى الفرار. وكما تحمل الريح التبن من الأجران المقدسة عندما يذري ~~الرجال الحصاد، وتفصل «ديميتير» # 15 # الجميلة الشعر، الغلة عن التبن، وسط عواصف الريح ~~المندفعة، وتصير أكوام التبن بيضاء، هكذا أيضا صار الآخيون الآن ~~بيض الرءوس والأكتاف من سحب العثير التي أثارتها حوافر جيادهم ~~وسط المحاربين فارتفعت إلى عنان السماء البرونزية، عندما اشتبكوا ~~ثانية في القتال، وراح السائقون يدورون بعرباتهم ذات العجلات. ~~كانوا يندفعون قدما بقوة أيديهم، وأنزل «أريس» الثائر ستارا من ~~الظلمة حول المعركة ليساعد الطرواديين، وهو يطوف في كل مكان. وهكذا ~~نفذ أمر أبولو، ذي السيف الذهبي، الذي أمره بأن يوقظ روح ~~الطرواديين بمجرد رؤيته رحيل أثينا؛ إذ كانت هي التي تشد أزر ~~الدانيين. وأرسل أبولو نفسه أينياس بعيدا عن المحراب العظيم، وبث ~~الشجاعة في قلب راعي الجيش. فاحتل أينياس مكانه وسط رفاقه، وابتهج ~~هؤلاء عندما أبصروه ينضم إليهم حيا سليما يفيض جرأة باسلة. ومع ~~ذلك فلم يوجهوا إليه أي سؤال قط، إذ منعهم من ذلك انشغالهم بمتاعب ~~من نوع آخر، تلك المتاعب التي كان يدفعهم إليها ذو القوس الفضية ~~نفسه، وكذا أريس ملك البشر، وآلهة الشقاق الثائرة بغير ~~انقطاع. # أما في الجانب الآخر فقد راح البطلان «أياس» و«أوديسيوس»، ~~«ديوميديس»، يحمسون الدانيين على القتال، ولو أن أولئك، من تلقاء ~~أنفسهم، لم تخر عزيمتهم أمام انقضاض الطرواديين العنيف وهجماتهم، ~~بل ثبتوا في أماكنهم كالضباب الذي ينشره ابن كرونوس في الطقس ~~الراكد فوق قمم الجبال، لا يتحرك، عندما تهبط قوة الريح الشمالية ~~والرياح الثائرة الأخرى التي تهب عنيفة فتبعثر السحب الظليلة هنا ~~وهناك. هكذا أيضا قاوم الطرواديون الدانيين صامدين دون فرار. وطاف ~~ابن أريوس خلال الجيش يصدر أوامر كثيرة قائلا: «أيها الأصدقاء، ~~كونوا رجالا، وامتلئوا جرأة وإقداما، وليخجل كل منكم من زميله ~~في العراك الطاحن؛ فالناجون ms168 ممن يخجلون أكثر من القتلى، أما من ~~أطلق العنان لقدميه فلن ينالها منه أي مجد أو نفع!» # وبعد أن تكلم ابن أتريوس، أسرع يقذف رمحه، فأصاب محاربا من ~~الصفوف الأولى كان زميلا لأينياس العظيم النفس، هو «دايكوون»، ابن ~~«بيرجاسوس»، الذي كان يبجله الطرواديون تبجيلهم لأبناء بريام، ~~لسرعة تلبيته للقتال في الصفوف الأولى. لقد ضربه الملك أجاممنون ~~برمحه فوق ترسه، فلم يحجز الترس الرمح، بل انطلق الرمح وسطه، ودفعه ~~خلال الحزام إلى أسفل بطنه، فسقط يتردى محدثا صوتا مكتوما، ~~ومن فوقه صلصلت حلته المدرعة. # بعد ذلك قتل أينياس اثنين من أبطال الدانيين، هما ابنا ~~«ديوكليس»: «كريثون» و«أورسليوخوس»، اللذان كان يعيش والدهما في ~~فيراي المتينة البناء، وهو رجل واسع الثراء من حيث المادة، أما من ~~جهة النسب فإنه ينحدر من نهر الفيوس المتدفق وسط مجرى فسيح خلال ~~بلاد البوليين، وقد أنجب «أورسيلوخوس» ليصير ملكا على كثير من ~~الأقوام، ثم أنجب هذا «ديوكليس» العظيم النفس، فولد للأخير ذكران ~~توأمان هما: كريثون، وأورسيلوخوس، البالغ المهارة في شتى ضروب ~~القتال. فلما بلغ التوءمان مبالغ الرجال، ذهبا مع الأرجوسيين في ~~السفن السوداء إلى طروادة الذائعة الصيت بجيادها؛ كي ينالا تعويضا ~~عن ولدي أتريوس، أجاممنون ومينيلاوس. بيد أن الموت اختطفهما في تلك ~~البلاد. فكانا كأسدين نشأتهما أمهما في أحراش غابة كثيفة فوق قمم ~~الجبال، فكانا يفترسان الماشية والخراف السمينة، ويعيثان فسادا ~~بين جموع البشر، فقتلهما البشر بواسطة الرماح البرونزية الحادة. ~~وهكذا مات هذان التوءمان بيد أينياس، وسقطا كما تسقط أشجار الحور ~~الباسقة. # بيد أنه ما إن سقطا حتى أشفق عليهما مينيلاوس العزيز لدى أريس، ~~فأخذ يجول بين محاربي المقدمة، مرتديا البرونز اللامع، يلوح ~~برمحه، وقد أثار أريس حميته حتى يلقى حتفه على يدي أينياس. ولكن ~~«أنتيلوخوس»، ابن نسطور العظيم النفس، أبصر به، فسار وسط محاربي ~~الصفوف الأمامية؛ لأنه كان يخاف على راعي الجيش خوفا شديدا من أن ~~يلحقه أذى، فراح يعوق جهودهم إعاقة شاملة. وقد رقد أينياس ~~ومينيلاوس يرفعان أيديهما ورمحيهما الواحد في مواجهة الآخر متلهفين ~~على ms169 القتال، بينما اقترب «أنتيلوخوس» من راعي الجيش. وعندئذ لم ~~يثبت أينياس، رغم كونه محاربا شديد المراس، لما رأى بطلين ~~يواجهانه جنبا إلى جنب، فانسحب من القتال. أما هما فبعد أن جرا ~~جثتي التعسين نحو جيش الآخيين وضعاهما بين أيدي زملائهما، ثم عادا ~~ليقاتلا بين الصفوف الأمامية. # بعد ذلك قتل الاثنان «بولايمينيس»، غريم أريس، وقائد حاملي ~~التروس العظيمي النفوس البافلاجونيين، ففيما كان يقف ساكنا، إذا ~~بمينيلاوس بن أتريوس، الشهير باستخدام الرمح، يطعنه برمحه فوق عظم ~~الترقوة، بينما صوب أنتيلوخوس ضربة إلى خادمه وسائق عربته ~~«مودون»، أعظم أبناء «أتومنيوس»، بينما كان يدور بخيوله ذات ~~الحوافر الفردية، فأصابه بحجر فوق المرفق تماما، فسقطت الأعنة، ~~التي في بياض العاج، من يديه إلى ثرى الأرض. عندئذ وثب أنتيلوخوس ~~فوقه، وغيب سيفه في صدغه، فسقط من فوق العربة على أم رأسه وكتفيه ~~طريحا في الثرى. وظل على هذا الوضع هناك فترة طويلة - إذ وقع ~~فوق رمل عميق - حتى وطئته خيوله، وألقته على الأرض فوق الثرى، ~~فضربها أنتيلوخوس بالسوط، وساقها إلى جيش الآخيين. # ولكن هكتور أبصر بها بين الصفوف، فهجم عليها وهو يصيح عاليا. ~~وقد تبعته فرق الطرواديين القوية، يقودها «أريس» والملكة أينيو، ~~التي كان يسير في ركابها إله «ضجيج الحرب» العديم الرحمة، بينما ~~راح أريس يلوح برمح عظيم في يديه، ويسير تارة أمام هكتور وتارة ~~أخرى وراءه. # فلما رآه ديوميديس، البارع في صيحة الحرب، ارتعدت فرائصه ~~وأعضاؤه، وكما يقف من يجتاز سهلا فسيحا، هيابا، أمام نهر سريع ~~الجريان تتدفق مياهه إلى البحر، وقد أبصر الزبد يعلو مياهه ~~الثائرة ، هكذا تراجع ابن تيديوس، وخاطب الجيش بقوله: «أيها ~~الأصدقاء، أرأيتم كيف كنا نعجب دائما بهكتور العظيم، ونعده رجل ~~الرمح والمقاتل المقدام؛ إذ كان إلى جانبه أحد الآلهة يدرأ عنه ~~السوء - كما يقف أريس الآن إلى جانبه في صورة إنسان؟ - هيا إذن ~~تراجعوا إلى الخلف، ووجوهكم شطر الطرواديين، وحذار أن يأخذكم ~~الحماس لتقاتلوا ضد الآلهة.» # وإذ خاطبهم على هذا النحو، واقترب منهم الطرواديون حتى صاروا على ~~قيد خطوات، قتل ms170 هكتور اثنين من أبرع المقاتلين والمحاربين الأفذاذ، ~~هما «مينيستيس» و«أنخيالوس»، اللذان كانا في عربة واحدة. وما إن ~~سقطا حتى رثى لهما أياس التيلاموني، فاقترب منهما، وبضربة من رمحه ~~اللامع أصاب «أمفيوس»، ابن «سيلاجوس»، الذي كان يقيم في بايسوس، ~~وكان غنيا في المادة، غنيا في حقول القمح، ولكن القدر ساقه ~~ليمد يد المساعدة لبريام وأولاده. فضرب أياس التيلاموني فوق حزامه ~~في الجزء الأسفل من البطن، فسقط يتخبط. عندئذ اندفع أياس نحوه ~~ليجرده من حلته الحربية، فأمطره الطرواديون وابلا من رماحهم ~~الحادة اللامعة، فتلقى ترسه كثيرا منها، لكنه ثبت عقبه فوق الجثة، ~~وجذب الرمح البرونزي، غير أنه لم يستطع أن ينزع عن الكتفين باقي ~~العدة الحربية الجميلة؛ إذ كان مثخنا بالقذائف. وفضلا عن ذلك، ~~فقد كان يخاف حراب الطرواديين الأمجاد. الذين التفوا حوله في جموع ~~غفيرة وبشجاعة فذة، شاهرين الرماح، ورغم طوله الفارع، وقوته ~~وجلاله، فإنهم دفعوه بعيدا عنهم، فتراجع وهو يترنح. # هكذا أبلي هؤلاء في الصراع العنيف، غير أن «تليبوليموس»، ابن ~~هرقل، الطويل المقدام، ساقه القدر المحتوم ضد «ساربيدون» الشبيه ~~بالآلهة. وبينما كان يتقدم كل منهما نحو الآخر - ابن زوس، جامع ~~السحب، وحفيده - بدأ «تليبوليموس» يتكلم أولا قائلا: ~~«أيا ساربيدون، يا مستشار اللوكيين، ماذا يضطرك إلى الاختفاء هنا، ~~كرجل غير كفء للقتال؟ يكذب من يقول إنك منحدر من زوس حامل الترس، ~~فإني أراك تقل كثيرا عن المحاربين المنحدرين من زوس في عصور قدامى ~~الرجال. يقول الناس إن أبي هرقل القوي، البارع في القتال، كان من ~~نوع آخر، كان ذا قلب أسد، وقدم إلى هنا ذات مرة ليسلب جياد الملك ~~«لايميدون» ولم تكن معه غير ست سفن فقط، وعدد قليل من المحاربين، ~~ومع ذلك فقد خرب مدينة طروادة، وجعل طرقاتها يبابا. إنك لجبان ~~القلب، ورجالك يرتجفون ذعرا. وإني لأعتقد أن مجيئك من لوكيا لن ~~يجدي في الدفاع عن رجال طروادة شيئا، وأنك لست بالقوي أبدا، وأن ~~يدي ستقهرانك، فتجتاز أبواب هاديس.» # فأجابه «ساربيدون»، قائد اللوكيين بقوله: «أي تليبوليموس، لا ~~مراء في أن ms171 والدك قد دمر طروادة المقدسة بسبب حمق الرجل العظيم ~~«لايميدون». الذي عنفه بعبارات لاذعة، كانت ذات أثر حميد، لكنه لم ~~يحظ بالجياد التي قدم من أجلها مجتازا الفيافي النائية. أما أنت ~~فسوف تنال الموت والمصير الأسود على يدي، وبعد أن يصرعك رمحي ~~تنيلني المجد، وتذهب روحك إلى هاديس ذات الجياد الكريمة!» # وإذا قال ساربيدون ذلك، رفع تليبوليموس رمحه الدرداري، فانطلقت ~~الرماح الطويلة من أيديهما في لحظة واحدة، فأصابه ساربيدون فوق ~~عنقه تماما، ونفذت السن البغيضة في الحال، وخيمت ظلمة الليل ~~فطوته. أما تليبوليموس فقد أصاب ساربيدون برمحه الطويل، فوق فخذه ~~اليسرى، ونفذت السن بسرعة حتى وصلت إلى العظم، ولكن أباه أنقذه من ~~الهلاك. # بعدئذ جاء الزملاء الأجلاء وحملوا زميلهم ساربيدون شبيه الإله ~~بعيدا عن ميدان القتال، وكان الرمح الطويل يؤلمه غاية الألم وهم ~~يسحبونه، ولكن أحدا منهم لم يلحظ ذلك أو يفكر في أن ينزع الرمح من ~~فخذه، لفرط عجلتهم، كي يستطيع الوقوف على قدميه، إذ كان كل همهم ~~إسعافه. # أما في الجانب الآخر فقد حمل الآخيون، المدرعون جيدا تليبوليموس ~~إلى خارج ساحة الوغى، وأبصر ذلك أوديسيوس العظيم، فغلى مرجل غضبه ~~بين أحنائه، وأخذ يسائل نفسه: هل يطارد بعد ذلك ابن زوس الذي يرعد ~~عاليا، أم الأفضل أن يزهق روح عدد آخر من اللوكيين؟ بيد أنه لم ~~يكن مقدرا لأوديسيوس العظيم القلب أن يقتل بالبرونز الحاد ابن زوس ~~الشجاع؛ ولذلك حولت أثينا فكره نحو جيش اللوكيين. فقتل «كوبرانوس» ~~و«الاستور» وخروميوس والكاندروس وهاليوس ونويمون وبروتانيس، ومع ~~ذلك فقد كان في إمكان أوديسيوس العظيم أن يقتل عددا أكثر من ~~اللوكيين لولا أن لمحه هكتور العظيم ذو الخوذة البراقة، فانطلق ~~خلال مقاتلي الصفوف الأمامية، مرتديا البرونز الملتهب، ومسببا ~~فزع الدانيين. فسر لمجيئه ساربيدون، ابن زوس، وتوسل إليه بعبارات ~~الاستعطاف قائلا: «يا ابن بريام، لا تحملني مشقة الرقود هنا ~~فريسة للدانيين، بل مد إلي يد المعونة، وبعد ذلك، إن لزم الأمر، ~~دع روحي تفارق جسدي في مدينتك، إذا كان غير مقدر لي أن أعود ms172 إلى ~~بيتي في وطني لأدخل السرور على نفس زوجتي العزيزة وابني ~~الرضيع.» # هكذا قال، ولكن هكتور ذا الخوذة البراقة لم يفتح فاه بكلمة يرد ~~بها عليه، بل سارع، تواقا بمنتهى النشاط، إلى دفع الأرجوسيين إلى ~~الوراء، وإلى إزهاق أرواح كثيرين منهم. وجاء زملاء ساربيدون شبيه ~~الإله، الأجلاء، وأجلسوه تحت شجرة بلوط جميلة، من أشجار زوس حامل ~~الترس، وتقدم بيلاجون الشجاع، وانتزع الرمح الدرداري من فخذه، ~~فخارت قواه، وهبطت على عينيه غمامة، ولكنه لم يلبث أن أفاق، وهبت ~~عليه الريح الشمالية بنسيمها، فأعادت إليه الحياة بعد أن كاد يلفظ ~~روحه بصورة محزنة. # أما الأرجوسيون، فأمام هجوم أريس وهكتور المتدثر بالبرونز، لم ~~يحاولوا الهروب إلى سفنهم السوداء، كما أنهم لم يستطيعوا الصمود في ~~القتال، بل ظلوا يتقهقرون عندما بلغهم أن أريس موجود وسط ~~الطرواديين. # ترى، من كان أول المقتولين، ومن كان آخرهم، على يد هكتور بن ~~بريام، وأريس البرونزي؟ كانوا: تيوثراس، شبيه الآلهة، ثم أوريستيس، ~~سائق الجياد، وتريخوس، رماح أيتوليا، أوينوماوس، وهيلينوس، ابن ~~أينوبيس، وأوريسبيوس ذو الحزام المتألق الذي كان يسكن في هولي على ~~حدود البحيرة الكيفيسية، يرعى ثروته رعاية عظيمة، وكان يقيم بقربه ~~آخرون من البيوتيين ذوي الضياع البالغة الثراء. # إصابة إله الحرب! # غير أنه لما تنبهت الربة «هيرا» ذات الذراعين البيضاوين إليهما ~~وهما يعيثان فسادا بين صفوف الأرجوسيين في الصراع المرير، أسرعت ~~في الحال تقول لأثينا: «ويحي، يا ابنة زوس حامل الترس، الحق أننا ~~وعدنا مينيلاوس دون جدوى، فلن يستطيع العودة إلى وطنه إلا بعد أن ~~يكون قد اجتاح طروادة المتينة الأسوار، إذا تركنا أريس المخرب يعيث ~~بهياجه هكذا. هيا تعالي، كي نفكر سويا في ذلك القتال ~~الطاحن.» # وإذ قالت ذلك، لم تحجم الربة أثينا ذات العينين النجلاوين عن أن ~~تستمع إليها. وعندئذ أخذت هيرا، الربة الجليلة ابنة كرونوس ~~العظيم، تسير جيئة وذهابا، تسرج الجياد ذات القلائد الذهبية، ~~وبسرعة ثبتت «هيبي» العجلات المستديرة البرونزية إلى جانبي العربة، ~~تلك العجلات ذات البرامق الثمانية المتصلة بالسرة الحديدية. وكانت ~~«أباسيط» تلك العجلات من ms173 الذهب غير القابل للفناء، ومن فوقها إطار ~~من البرونز، يبهج الناظرين، كما كانت محاور العربة الفضية تدور ~~حول هذا الجانب وذاك. أما هيكل العربة فكان مجدولا بإحكام بشرائط ~~من الذهب والفضة، وينتهي بحافتين تحيطان به. كما كان يخرج من مقدم ~~الهيكل قضيب من الفضة، ربط إلى طرفه النير الذهبي الجميل، وألقت ~~فوقه سيور الصدر الجميلة الذهبية، ثم أمسكت هيرا بالنير، وقادت ~~الجياد السريعة الأقدام، أشد ما تكون اشتياقا إلى النضال وصيحة ~~الحرب. # غير أن أثينا، ابنة زوس حامل الترس، تركت ثوبها الناعم يسقط في ~~حجرة أبيها، ذلك الثوب الفاخر الوشي، الذي نمقته بيديها، وخاطته ~~بنفسها. وارتدت عباءة زوس، حاشد السحب، وتسربلت في حلة مدرعة ~~للحرب، وعلقت حول كتفيها الترس ذا الأهداب، الذي يبعث الرعب ~~والفزع، وقد توج بتاج دائري يتألف من آلهة الشغب، والكفاح، ~~والشجاعة، والمطاردة التي تجمد الدم في العروق، ورأس الوحش المفزع ~~- «الجورجون» - المثير للرعب والذعر، والذي يستخدم بمثابة «طيرة» ~~لزوس حامل الترس. ووضعت فوق رأسها الخوذة ذات القرنين والحليات ~~الأربع، المصنوعة من الذهب الخالص، والمزينة بصور محاربي مائة ~~مدينة. # ثم ركبت العربة الملتهبة، وأمسكت برمحها الثقيل، الضخم، المتين، ~~الذي أبادت به صفوف الرجال - من المحاربين الذين غضبت عليهم، هي ~~نفسها، ابنة الملك القوي - وبسرعة لمست هيرا الجياد بالسوط، وإذ ~~ذاك اصطفت على مفصلاتها - من تلقاء نفسها - أبواب السماء التي ~~كانت تقوم ربات الساعات بحراستها، أولئك الربات اللواتي تعهد ~~إليهن السماء العظيمة وأوليمبوس، بأن يفتحن الأبواب للسحب الكثيفة ~~أو يغلقنها. # وخلال تلك الأبواب ساقت الربتان جيادهما التي تحتمل المناخس ~~بصبر، فوجدتا «زوس» جالسا بعيدا عن الآلهة الآخرين فوق أعلى قمة ~~من ذؤابات أوليمبوس العديد القمم. عندئذ أوقفت الربة هيرا، ~~البيضاء الذراعين، الجياد، وتوجهت بالسؤال إلى زوس الأعلى، ~~ابن كرونوس، قائلة: «أبتاه زوس، ألست حاقدا على أريس بسبب تلك ~~الأعمال العنيفة، ولأنه أباد مثل ذلك الجيش اللجب العظيم من ~~الآخيين، بطيش وبغير سبب معقول، الأمر الذي يحزنني، بينما تطرب ~~«كوبريس» و«أبولو» ذو القوس الفضية، لأنهما أطلقا هذا الرجل ~~المأفون ms174 الذي لا يراعي أي قانون؟ أبي زوس، ألا تغضب مني لو أنني ~~ضربت أريس بطريقة محزنة وطردته خارج ميدان القتال؟» # فرد عليها زوس، حاشد السحب: «كلا، هيا الآن، وسلطي عليه أثينا، ~~التي تمنح الغنيمة، والتي طالما تاقت أكثر من غيرها أن تجلب عليه ~~الآلام المريرة!» # وإذ قال ذلك، لم تحجم الربة هيرا الناصعة الذراعين عن الإصغاء. ~~ثم لمست جيادها بالسوط، فانطلقت لا يقف في طريقها شيء، تطير بين ~~الأرض والسماء ذات النجوم. وكانت القفزة الواحدة من جياد الأرباب، ~~العالية الصهيل، تقطع من المسافة بقدر ما يبلغ مرمى بصر المرء ~~الجالس فوق قمة شاهقة يذرع بعينيه أجواز الفضاء القصي، ويجول ~~بناظره عبر أعماق البحر القاتمة كالخمر. # ولما أشرفت الربة على طروادة، والنهرين المتدفقين، حيث يتحد ~~مجريا نهر «سيمويس» ونهر «سكاماندر»، أوقفت هيرا الغراء الساعدين ~~جيادها، وخلتها عن العربة، وسكبت حولها غماما كثيفا، كما أنبت ~~لها نهر سيمويس مرعى إلهيا كي ترعى فيه. # وبعد ذلك انطلقت الربتان في طريقهما معا، تسيران بخطوات اليمام ~~الخجول، تواقتين إلى تقديم المساعدة لمحاربي أرجوس. فوصلتا إلى حيث ~~تقف الأغلبية وأعظم الشجعان مجتمعين حول ديوميديس القوي، مستأنس ~~الخيول، كأنهم الأسود الضارية أو الخنازير البرية التي تفتر قوتها، ~~وقفت هناك الربة هيرا الناصعة الذراعين، في صورة «ستينتور» # 16 # العظيم القلب، ذي الصوت البرونزي، الشبيه بصوت خمسين ~~رجلا، وصاحت قائلة: «ويحكم أيها الأرجوسيون. يا للخزي والعار، ~~أيها الأخساء، ليس فيكم من شيء جميل سوى المظهر فحسب! لطالما ~~اشتهى أخيل العظيم أن يسير إلى القتال، فما كان الطرواديون ~~يستطيعون التقدم إطلاقا حتى أمام الأبواب الدردانية، من فرط ما ~~كانوا يرهبون رمحه المكين، أما الآن فإنهم يقاتلون بعيدا عن ~~المدينة بالقرب من السفن الخاوية.» # وما إن قالت هذا حتى حفزت قوة وروح كل رجل، ثم قفزت الربة أثينا ~~البراقة العينين إلى جوار ابن توديوس، فوجدت ذلك الباسل إلى جوار ~~خيوله وعربته، يبرد الجرح الذي أنزله به «بانداروس» # 17 # بسهمه؛ إذ كان يثيره العرق الذي يسيل تحت الحامل ~~العريض لترسه المستدير، وكانت ms175 ذراعه متعبة، فكان يرفع الحامل ويمسح ~~الدم القاتم. # ثم أمسكت الربة بأعنة خيوله وقالت: «ما أقل شبه ابن توديوس ~~بالأب الذي أنجبه! كان توديوس صغير الجسم، ولكنه كان محاربا. ~~فحتى عندما كنت لا أكلفه عناء القتال أو إظهار قوته، كنت في أي ~~وقت يأتي فيه في سفارة إلى طيبة، بين كثير من «الكادموسيين»، ~~وليس معه أي آخي، آمره بتناول الطعام في ساحاتهم في سلام، ومع ذلك ~~كان كسابق عهده، يتحدى بروحه الباسلة شباب الكادموسيين ويهزمهم ~~في كل ميدان، بسهولة ويسر. فلقد طالما كنت له حامية. أما أنت، ~~فبرغم أني أقف إلى جوارك وأحرسك، وآمرك بأن تقاتل الطرواديين، بقلب ~~متأهب، فإنك إما قد دب في أوصالك التعب الناجم عن الهجمات الكثيرة، ~~أو أن الفزع الرعديد يستولي على جنانك. وإذن فما أنت من ذرية ~~توديوس، الابن الحكيم القلب لأوينيوس.» # 18 # فأجابها ديوميديس القوي بقوله: «إنني أعرفك، يا ابنة زوس حامل ~~الترس؛ ولذا سأصرح لك بمكنونات قلبي ولن أخفي عنك شيئا. لا ذعر ~~أو جبن يستولي على جناني، ولا أي تراخ ولكني ما زلت ذاكرا الأمر ~~الذي أصدرته لي. إنك لن تحمليني عناء القتال وجها لوجه مع الآلهة ~~المباركين الآخرين، أما إذا دخلت أفروديت، ابنة زوس، إلى المعركة، ~~فقد أمرتني بأن أضربها بالبرونز الحاد. وعلى ذلك فهذا سبب كوني ~~أتقهقر، وسبب إصداري الأمر لجميع الأرجوسيين الباقين بأن يحتشدوا ~~هنا معي؛ لأنني أرى «أريس» يسيطر على ساحة الوغى.» # فردت عليه أثينا، ذات العينين النجلاوين، بقولها: «أيا ابن ~~توديوس، أيا ديوميديس، العزيز على قلبي، لا تخش أريس ، أو غيره من ~~الخالدين؛ إذ سأكون معينة لك في كل وقت. هيا، تعال، قد جيادك ~~الفردية الحوافر، واضربه أولا وجها لوجه، ولا تخش أريس الثائر، ~~الذي يعيث هنا فسادا وتخريبا، ذلك الخائن الذي كان يتحدث الآن ~~معي ومع هيرا، متظاهرا بأنه سيقاتل ضد الطرواديين، بينما قدم ~~المساعدة للأرجوسيين، ومع ذلك فهو ينحاز الآن إلى الطرواديين، ~~ناسيا هؤلاء!» # وما إن قالت هذا حتى جذبت «ستينيلوس» بيدها، من العربة إلى ms176 الأرض ~~فأسرع يقفز من العربة، فركبتها إلى جوار ديوميديس العظيم؛ إذ كانت ~~الربة متلهفة إلى القتال. وبصوت عال طقطق محور العربة البلوطي تحت ~~حمله الثقيل؛ لأنه كان يحمل ربة موهوبة الجانب ومقاتلا منقطع ~~النظير. فأمسكت «أثينا» بالسوط والأعنة، وقادت الجياد الفردية ~~الحوافر بسرعة ضد أريس. وكان عندئذ يجرد «بيريفاس» الضخم من عدته ~~الحربية، ذلك الذي كان يفضل جميع الأيتوليين، الابن العظيم ~~لأوخيسيوس. كان أريس الملطخ بالدماء يجرده من حلته، ولكن أثينا ~~لبست خوذة «هاديس»، حتى لا يبصرها أريس القوي! # والآن عندما تنبه أريس، مدوخ البشر، إلى ديوميديس العظيم، ترك ~~بيريفاس الضخم راقدا حيث هو، حيث كان قد قتله وسلبه حياته، وتقدم ~~مباشرة نحو ديوميديس، مستأنس الجياد. وبينما كانا يقتربان أحدهما ~~من الآخر، قذف أريس رمحه البرونزي، أولا نحو النير وأعنة الجياد، ~~متلهفا إلى إزهاق روح غريمه، غير أن أثينا النجلاء العينين أمسكت ~~بالرمح، وألقت به على العربة، حتى لا يصل إلى الهدف. وبعد ذلك أطلق ~~ديوميديس، البارع في صيحة الحرب، رمحه البرونزي صوب أريس، فأسرعت ~~أثينا ووجهته بقوة نحو بطنه، حيث كان متمنطقا بدرقاته، فأصابه ~~وجرحه وهو يخترق ويمزق بشرته الرقيقة. ثم سحب الرمح ثانية. وعندئذ ~~زأر أريس بقوة كما يصرخ وسط المعركة تسعة أو عشرة آلاف مقاتل، ~~عندما ينضمون إلى معركة إله الحرب. فاستولت الرجفة على الآخيين ~~والطرواديين على السواء، وشاع بينهم الذعر؛ فقد زأر أريس الذي لا ~~يمل القتال بمثل تلك ~~الشدة! # وكما تبدو الظلمة القاتمة من خلال السحب، عندما تهب ريح لافحة ~~بعد موجة من الحر، هكذا أيضا برز زوس البرونزي لديوميديس، ابن ~~توديوس، وهو يرحل خلال السحب إلى السماء الفسيحة. ووصل بسرعة إلى ~~موطن الآلهة، إلى أوليمبوس الشاهق، وجلس إلى جانب زوس بن كرونوس ~~حزين القلب، وأظهر له دمه الخالد ينبثق من الجرح، وانتحب وهو يقول ~~له: «أبي زوس، ألست ساخطا وأنت ترى هذه الأعمال العنيفة؟ أيجب ~~علينا نحن الآلهة أن نعاني باستمرار خطط القسوة التي يدبرها بعضنا ~~ضد البعض الآخر كلما أراد إظهار وده للبشر؟ ms177 هل نحن جميعا في صراع ~~معك؛ لأنك والد تلك الفتاة المجنونة المؤذية، التي يتركز عقلها ~~دائما في الأعمال غير المشروعة؟ إن جميع الآلهة المقيمين في ~~أوليمبوس يطيعونك ويخضعون لك، كل واحد منا، نحن رعاياك، ما عداها ~~هي، فإنها لا تطيعك، لا بالقول ولا بالفعل، بل تطلقها وتترك لها ~~الحبل على الغارب، لا لشيء إلا لأن هذه الفتاة العابثة ~~ابنتك! # والآن قد شجعت ابن توديوس، ديوميديس، المتعجرف، ليصب جام غضبه ~~على الآلهة الخالدين؛ فقد أصاب «كوبريس» بادئ ذي بدء بطعنة، وجرحها ~~في يدها عند الرسغ في قتال دار بينهما وجها لوجه. وبعد ذلك هجم ~~علي أنا نفسي، كما لو كان إلها! ولو لم تحملني قدماي السريعتان ~~بعيدا، لقاسيت الآلام طويلا وسط كومات الموتى البشعة، أو لعشت ~~مجردا من القوة بسبب ضربات الرمح.» # عندئذ أجابه زوس حاشد السحب، وقد قطب حاجبيه، بقوله: «لا تجلس ~~إلى جواري قط، أيها الخائن. ما أبغضك إلى نفسي - من دون جميع ~~الآلهة الذين يقطنون في أوليمبوس - لأن القتال محبب إلى نفسك ~~دائما، وكذا الحروب والمعارك. إن لك نفس الروح التي لا تطاق، ~~والتي لا تعرف الاستسلام، روح أمك هيرا، التي لا أستطيع مطلقا أن ~~أسيطر عليها بكلامي. وإنك لتعاني الآن على ما أظن، من جراء تشجيعها ~~لك. وعلى أية حال فلن أحتمل بعد الآن أن أراك تتألم؛ لأنك من ~~ذريتي، وقد أنجبتك أمك لي، أما لو كنت من نسل أي إله آخر، وكنت ~~عابثا بهذا الشكل، فإنك كنت قمينا بأن تجد نفسك، منذ أمد طويل، ~~أقل في المرتبة من أبناء السماء!» # وبعد أن قال هذا، أمر «بايون» # 19 # بأن يشفي جرحه، فنثر بايون على الجرح بعض العقاقير ~~التي تبدد الألم، فشفاه - إذ لم يكن في الحقيقة من الجنس البشري ~~بأية حال - وكما يعجل عصير التين بزيادة كثافة اللبن الأبيض ~~السائل، فيتخثر بمجرد أن يحركه المرء، كذلك بمثل هذه السرعة ضمد ~~بايون جراح «أريس» الثائر # 20 # ثم أعانته هيبي على الاغتسال، وألبسته رداء جميلا، ~~وأجلسته إلى جانب زوس ms178 بن كرونوس، متهللا في مجده. # عندئذ رجعت هيرا الأرجوسية، وأثينا الألالكومينية، عائدتين إلى ~~قصر زوس العظيم، بعد أن جعلتا أريس، جالب الشقاء على البشر، يكف ~~عن سفك دماء البشر! # | الأنشودة السادسة # «... ولكن هكتور ذا الخوذة البراقة لم يرد عليه ببنت شفة، وإنما ~~تحدثت إليه هيلينا بألفاظ رقيقة، قائلة: «أي أخي، يا أخا الكلبة، ~~المدبرة للأذى والممقوتة من الجميع، كم كنت أتمنى يوم ولدتني ~~أمي، بادئ ذي بدء، لو قد حملتني ريح عاتية شريرة وذهبت بي ~~بعيدا إلى جبل ما، أو إلى لجج البحر الشاهقة الصاخبة».» # كيف تعارف «ديوميديس» و«جلاوكوس» أحدهما على الآخر، بعد إذ أوشكا ~~على التقاتل، فافترقا في ود، وكيف عاد هكتور إلى المدينة فودع ~~زوجته «أندروماك» ... إلخ. # مفاخر أخرى لديوميديس # هكذا استمر الصراع الطاحن بين الطرواديين والآخيين يسير على ~~رسله، وكثيرا ما كان القتال يشتد في هذا الجانب أو ذاك، فوق ~~أديم السهل، وكل فريق يقذف الآخر برماحه ذات الأسنة البرونزية، ~~بين نهر «سيمويس» وروافد نهر «كسانتوس». # وكان إلياس بن تيلامون، حصن الآخيين، أول من أحدث ثغرة في صفوف ~~كتيبة من الطرواديين، وحصل على بصيص من نور الخلاص لزملائه؛ لأنه ~~أصاب رئيس التراقيين، «أكاماس»، ابن يوسوروس، وكان شجاعا فارع ~~الطول؛ فقد ضربه أولا على قمة خوذته ذات الخصلة الغليظة من شعر ~~الخيل، ثم غرس الرمح في جبهته حتى نفذت سنه خلال العظم، فغشت ~~الظلمة على عينيه. # وقتل ديوميديس، البارع في صيحة الحرب، «أكسولوس»، ابن ثيوثراس # 1 # الذي كان يقيم في أريسبي المتينة البناء، وكان رجلا ~~واسع الثراء موفور المادة، محبوبا من الجميع ؛ لأن داره كانت على ~~قارعة الطريق مفتوحة لجميع الضيوف. ومع ذلك فلم يخف أحد أولئك ~~الضيوف الآن ليتصدى للعدو، ويدرأ عنه الهلاك المفجع! وقد أزهق ~~ديوميديس روحه وروح خادمه «كاليسيوس» الذي كان يقود عربته في تلك ~~الأثناء، فتردى كلاهما في الثرى. # ثم قتل «يوروالوس» كلا من «دريسوس» و«أوفيلتيوس»، وتعقب ~~«أيسيبوس» و«بيداسوس» الذي حملت به الحورية «أبارباريا» من ~~«بوكوليون» المنقطع النظير. وكان بوكوليون أكبر أولاد الملك ~~«لاوميدون»، ms179 لكنه لم يتزوج الأم التي أنجبت بيداسوس، فبينما كان ~~يرعى قطعانه، اضطجع مع الحورية في نوبة غرام، فحملت منه وولدت ~~صبيين توءمين، كانا هما هذان اللذان سلبهما ابن ميكيستوس ~~قوتهما، وعرى أكتافهما من الدروع أما «بولوبويتيس» # 2 # البارع في القتال، فقد صرع أستوالوس، كما قذف أوديسيوس ~~رمحه البرونزي فقتل بيدوتيس القادم من بيركوتي، كما قتل تيوكير، ~~أريتاون العظيم. وقتل أنتيلوخوس، ابن نسطور، أبليروس برمحه اللامع. ~~وقتل أجاممنون، ملك البشر، أيلاتوس الذي كان يقطن في بيداسوس ~~الوعرة، بالقرب من شواطئ نهر ساتنيويس الهادئ الجريان. وقتل ~~المحارب «لايتوس» فولاكوس، وهو يفر أمامه، كما صرع «يوروبولوس» ~~ميلانتيوس. # وقبض مينيلاوس، البارع في صيحة الحرب، على «أدراستوس» حيا؛ إذ ~~تعثر جواداه وهما يعدوان في السهل، في غصن من الأغصان. ولما ~~تحطمت العربة المقوسة عند طرف العريش، استمر الجوادان في عدوهما ~~صوب المدينة؛ حيث كان الباقون يفرون في هرج ومرج، وتدحرج سيدهما ~~من العربة إلى جانب العجلة، وسقط في الحال فوق الثرى منكفئا على ~~وجهه. فأقبل إليه مينيلاوس، ابن أتريوس، حاملا رمحه الطويل الظل. ~~وعندئذ أمسك أوراستوس بركبتيه وتوسل إليه بقوله: «خذني حيا، ~~يا ابن أتريوس، واقبل فدية عظيمة، فإن في قصر والدي الواسع الثراء ~~كنوزا عظيمة، من برونز، وذهب، وحديد مصنوع بالكد والتعب، ولو سمع ~~والدي أنني حي في سفن الآخيين، لأعطاك فدية تفوق ~~الحصر!» # هكذا قال، محاولا إثارة شفقة الآخر في قلبه، ولكن - للأسف - ~~بينما كان مينيلاوس على وشك أن يسلمه لخادمه كي يقوده إلى سفن ~~الآخيين السريعة، إذ بأجاممنون يهرع لمقابلته، ويعاتبه بقوله: «هيا ~~يا مينيلاوس ، يا طيب القلب، لم تهتم هكذا بالناس؟ هل أحسن ~~الطرواديون معاملتك في بيتك؟ إذن فلا تتركن أحدهم يفر من الهلاك ~~التام على أيدينا، ومن جبروتنا وقتالنا. حتى الطفل الذكر الذي ~~تحمله أمه في أحشائها جنينا، لا تدعه يهرب! أهلك الجميع معا خارج ~~طروادة، دون أن يجدوا من يبكيهم أو يهتم بهم!» # هكذا قال ذلك المحارب، فحول فكر أخيه، إذ كان سديد الرأي؛ ومن ~~ثم دفع مينيلاوس بيده ms180 المحارب «أدراستوس» بعيدا عنه، فضربه الملك ~~أجاممنون في جنبه، فترنح إلى الوراء، وداس ابن أتريوس بقدمه على ~~صدره، وجذب الرمح الدرداري. # وعلى أثر ذلك صاح نسطور بأعلى صوته، مخاطبا الأرجوسيين بقوله: ~~«أيها الأصدقاء، أيها المحاربون الدانيون، يا خدم أريس، لا تدعوا ~~الآن أي رجل يتخلف وراءنا طمعا في الغنيمة، كي يعود إلى السفن ~~حاملا أعظم مئونة، كلا، دعونا نصرع الرجال، ثم بعد ذلك تجردون ~~أجسادهم الملقاة على السهل دون حراك، من دروعهم.» # أثار بقوله هذا حمية وقوة كل رجل، وعندئذ كان على الطرواديين أن ~~يتقهقروا ثانية أمام الآخيين، أحباء أريس، إلى طروادة، ويبادوا ~~بسبب ضعفهم، لولا أن ابن بريام، «هيلينوس»، خير جميع العرافين، جاء ~~إلى أينياس وهكتور، وقال لهما: «أي أينياس وهكتور، بما أن مهمة حرب ~~الطرواديين واللوكيين تقع على عاتقكما قبل غيركما؛ لأنكما أفضل ~~الجميع في الحرب والمشورة، بل وفي كل مهمة، فاصمدا، واذهبا في هذا ~~الطريق وذلك وسط الجيش، وأوقفوا الرجال أمام الأبواب، خشية أن ~~يعمدوا في فرارهم إلى إلقاء أنفسهم بين أحضان نسائهم فيصبحوا بذلك ~~أضحوكة أعدائهم. غير أننا، بعد أن تشجعا جميع رجالنا، سنبقى ~~ونقاتل بحق ضد الدانيين، رغم ما نحن عليه من تعب شديد، فإن ~~للضرورة عندنا وزنها الثقيل، ولكن ألا تشق يا هكتور طريقك إلى ~~المدينة، وتتكلم مع أمي، التي هي أمك كذلك، كي تجمع الزوجات ~~المسنات في معبد أثينا البراقة العينين، فوق الأكروبول، وعندما ~~تفتح أبواب البيت المقدس بالمفتاح، خلها تنتقي أجمل وأبهى ثوب ~~في ساحتها، الثوب المحبب إلى نفسها أكثر من غيره، وتضعه فوق ركبتي ~~أثينا ذات الشعر الجميل، وتنذر لها أن تذبح في معبدها اثنتي عشرة ~~بقرة حولية لم تعرف المنخس بعد، إن تولت المدينة برحمتها، ~~ورحمت كذلك زوجات الطرواديين وأطفالهم الصغار، أملا في أن تدرأ عن ~~طروادة المقدسة هجوم ابن توديوس، ذلك الرماح المتوحش، المدبر ~~القوي للمنازعات، الذي أثبت - كما أعتقد - أنه بحق أقوى الآخيين. ~~إننا لم نخش إلى هذه الدرجة حتى أخيل نفسه، قائد الرجال الذي ~~يقولون عنه إنه ms181 مولود من ربة. فإن ذلك البطل «ديوميديس» عنيف في ~~غضبه، ولا يمكن لأحد أن يتحداه في قوته.» # ولم يعص هكتور بأية حال كلام أخيه. فقفز في الحال من عربته إلى ~~الأرض، وهو في عدته الحربية، يلوح برمحيه الحادين، وأخذ يجوس في كل ~~مكان خلال الجيش، يحث الجنود على القتال، فأثار وطيس المعركة، ~~فاستجمع الرجال قواهم، واتخذوا مواقفهم في مواجهة الآخيين فتقهقر ~~الأرجوسيون وكفوا عن التقتيل، ظانين أن أحد الخالدين قد نزل من ~~السماء ذات النجوم ليقدم المعونة للطرواديين، بدليل أنهم ~~استجمعوا قواهم هكذا. ثم صاح هكتور مخاطبا الطرواديين بقوله: ~~«أيها الطرواديون، أيها الشجعان، أيها الحلفاء الذائعو الصيت، ~~كونوا رجالا يا أصدقائي، وتذكروا حميتكم الثائرة، بينما أذهب أنا ~~إلى طروادة وآمر الشيوخ الناصحين، وكذا زوجاتنا، بتقديم الصلاة ~~للآلهة، وبذل الوعد لهم بذبائح من مائة ثور.» # وما إن قال هكتور، ذو الخوذة البراقة، هذا القول، حتى انطلق ~~مبتعدا عن أرض المعركة، وقد راحت الحافة الجلدية السوداء لترسه ~~المقوس تضرب عنقه وعقبيه. ~~«ديوميديس» و«جلاوكوس» # وفي تلك اللحظة، التقى في ~~منتصف الشقة بين الجيشين كل من جلاوكوس، # 3 # ابن هيبولوخوس، وابن توديوس، وقد اتقدت حميتها ~~للقتال. وعندما اقترب كلاهما، وتقدم الواحد في مواجهة الآخر، كان ~~ديوميديس، البارع في صيحة الحرب، هو أول من تكلم، قائلا: «من أنت، ~~أيها الرجل القوي من دون البشر؟ لم يسبق لي - قبل اليوم - أن ~~أبصرتك في المعارك حيث ينال الرجال المجد، ولكن ها أنت اليوم تبز ~~الجميع في عودك الصلب، باجترائك على أن تتصدى لرمحي الطويل الظل! ~~فيا لهم من تعساء أولئك الذين يفكر أبناؤهم في إقامة العراقيل في ~~وجه سطوتي. أما إذا كنت أنت إلها من الخالدين قد هبطت من السماء، ~~فلن أقاتلك؛ لأني لن أقاتل ضد الآلهة السماوية. كلا، لأن «لوكورجوس» # 4 # ابن درواس نفسه لم يعش طويلا بعد أن اشتبك في ~~مشاجرات مع الآلهة السماوية. ~~وهو الذي طارد - فيما مضى - الأمهات مرضعات «ديونيسوس» المعتوه، ~~فوق جبل «نوسا» المقدس، وأسقط عصيهن على الأرض، وهو يضربهن ~~بمنخس الثيران! ms182 ... أما ديونيسوس فأطلق العنان لقدميه، وغطس تحت ~~أمواج البحر، فاستقبلته «ثيتيس» - أم أخيل - في حضنها، وهو يرتعد ~~هلعا؛ لأن ذعرا قويا قد استولى عليه جراء تهديدات ذلك الرجل. ~~وإذ ذاك ثارت ثائرة الآلهة الذين يعيشون في سعادة، وامتلئوا غضبا ~~ضد «ليكورجوس»، فأصابه ابن كرونوس بالعمى، ولم يعش بعد ذلك ~~طويلا، عندما ألفى أنه مكروه من جميع الآلهة الخالدين! ... لذلك لا ~~أنصح بالقتال ضد الآلهة المباركين. أما إذا كنت من البشر، آكلي ~~ثمار الحقول، فاقترب، حتى تذوق بسرعة كأس الردى!» فأجابه ابن ~~هيبولوخوس، القوي، قائلا: «أيا ابن توديوس الهمام، لماذا تتحرى ~~عن سلسلة نسبي؟ إن نسل البشر لكثيرون كثرة نسل أوراق الأشجار. وإن ~~الرياح لتنثر بعض أوراق الأشجار فوق الأرض، فتنبت الشجرة غيرها ~~عندما تزدهر، في فصل الربيع. هكذا الحال أيضا مع البشر؛ إذ ينشأ ~~جيل، بينما يندثر جيل آخر. ومع ذلك، فلو شئت فاسمع هذا أيضا كي ~~تعرف سلسلة نسبي جيدا، وإن الذين يعرفونها لكثيرون: هناك مدينة ~~تسمى أيفوري في قلب أرجوس، مرعى الخيول، حيث كان يعيش «سيسوفوس» ~~ابن أيولوس، الذي كان أدهى البشر. سيسوفوس الذي أنجب جلاوكوس، ثم ~~أنجب جلاوكوس «بيليروفون» المنقطع النظير، الذي منحته الآلهة ~~جمالا ورجولة فائقة، غير أن «برويتوس» أضمر له الشر، فطرده؛ لأنه ~~كان يبزه قوة في بلاد الأرجوسيين الذين جعلهم زوس يخضعون ~~لصولجانه. والآن اجتاحت «أنتيا» الفاتنة، زوجة برويتوس، رغبة ملحة ~~في الاضطجاع مع «بيليروفون»، في حب محرم، ولكنها لم توفق قط في ~~التغلب على بيليروفون العاقل؛ لأنه كان قويم الخلق والطوية. ~~فاختلقت قصة كاذبة، وقالت لزوجها الملك برويتوس: «أي برويتوس، إما ~~أن تموت أنت نفسك، وإما أن تقتل بيليروفون؛ لأنه أراد أن يغتصبني ~~قسرا!» فلما قالت هذا، حنق الملك لسماع حكايتها، ولكنه تأنى في ~~قتله؛ إذ كانت روحه لا تجرؤ على فعل ذلك، فبعث به إلى لوكيا يحمل ~~ألواحا مشئومة، نحت الملك في لوح مطوي منها علامات كثيرة تتضمن ~~الموت، وأمره بأن يطلع عليها حماه؛ لكي يقوم هذا بقتله! فذهب في ~~طريقه إلى ms183 لوكيا برفقة الآلهة البريئة. وعندما بلغ لوكيا ومجرى نهر ~~كسانثوس. استقبله ملكها بصدر رحب وأكرم وفادته مدة تسعة أيام، ذبح ~~له تسعة ثيران، بيد أنه عندما لمع فجر اليوم العاشر في جنبات ~~السماء، طالبه الملك بأن يقدم الدليل على مجيئه من لدن زوج ~~ابنته، برويتوس. فلما أطلع الملك على الدليل الذي أحضره له من عند ~~زوج ابنته، أمره، بادئ ذي بدء، بأن يقتل «الخيمايرا» # 5 # الثائرة. ولم تكن هذه من البشر، بل من نسل مقدس، وكان ~~نصفها الأمامي جسم أسد، والخلفي لأفعوان، ووسطها وسط عنزة. وكانت ~~أنفاسها تنفث اللهب المستمر في نفثات مفزعة. فقتلها بيليروفون، ~~لثقته بعلامات الآلهة، وبعد ذلك قاتل «سولومي» الماجدة، وكانت هذه ~~على حد قوله أعنف معركة دخلها مع المقاتلين. أما المرة الثالثة ~~فقتل فيها «الأمازونيس» أولئك السيدات المتشبهات بالرجال. وعندما ~~انصرف عائدا - بعد أن نجا من المؤامرات الثلاث - دبر له الملك ~~كمينا آخر. فاختار أشجع أبطال لوكيا الفسيحة، وبثهم في طريقه ~~ليفتكوا به، ولكن لهؤلاء لم يعودوا قط إلى وطنهم، فقد نكل بهم ~~بيليروفون، المنقطع النظير، وأبادهم عن بكرة أبيهم. ولما علم الملك ~~بأنه نسل جريء للآلهة، احتفظ به هناك، وقدم له ابنته، ووهبه نصف ~~مملكته، وفضلا عن ذلك فقد منحه اللوكيون ضيعة تفوق جميع الضياع، ~~ضيعة جميلة من البساتين والحقول. فولدت السيدة لبيليروفون، الحكيم ~~القلب ثلاثة أطفال: «أيساندر» و«هيبولوخوس» و«لاوداميا». فرقد زوس ~~مع لاوداميا، فولدت «ساربيدون»، شبيه الإله، ذلك المحارب المدرع ~~بالبرونز. غير أنه عندما غدا بيليروفون ممقوتا من سائر الآلهة، ~~راح يجوس بمفرده خلال السهل الألياني، منطويا على نفسه متحاشيا ~~طرقات البشر، وقتل ابن «أيساندر» بيد الإله «أريس» المتعطش للقتال. ~~قتله وهو يقاتل ضد السولومي الأمجاد، كما قتلت الربة «أرتيميس»، ~~ذات الأعنة الذهبية، في سورة غضب، ابنته «لاوداميا». أما ابنه ~~الثالث «هيبولوخوس» فقد أنجبني، أنا جلاوكوس؛ ولذا فإني أعلن أنني ~~انحدرت منه، وأرسلني إلى طروادة وكلفني بأن أكون أعظم الجميع شجاعة ~~وأكثرهم تفوقا، وألا أجلب العار على نسل أجداده، الذين كانوا ~~سادة النبلاء في ms184 أيفوري وفي لوكيا الواسعة الأرجاء. وهذه هي سلسلة ~~نسبي، والدم الذي أفخر بأنني انحدرت منه.» # وإذ فرغ جلاوكوس من حديثه، اغتبط ديوميديس، البارع في صيحة ~~الحرب، وغرس رمحه في الأرض الفسيحة، وبعبارات رقيقة تحدث إلي ~~راعي الجيش قائلا: «إذن فأنت حقا صديق بيت أبي منذ القدم؛ إذ ~~أكرم «أوينيوس» العظيم، ذات مرة، وفادة بيليروفون المنقطع النظير، ~~واستبقاه في أبهائه، عشرين يوما. وعلاوة على ذلك فقد أعطى كل ~~منهما الآخر هدايا جميلة، تذكارا للصداقة. فقدم أوينيوس حزاما ~~براقا بلون القرمز، وقدم بيليروفون كأسين ذهبيتين خلفتها ورائي ~~في قصري عندما حضرت إلى هنا. أما توديوس فلا يمكنني أن أتذكره؛ إذ ~~لم أكن سوى طفل صغير أيام أن سافر، في الوقت الذي هلك فيه جيش ~~الآخيين في طيبة. ومن ثم، فأنا الآن ضيفك في أرجوس، وأنت ستكون ~~ضيفي في لوكيا عندما أسافر إليها يوما ما. إذن، هيا نتجنب ~~رماح بعضنا، حتى وسط الجموع، فهناك كثيرون أستطيع أن أصرعهم، من ~~الطرواديين والحلفاء الذائعي الصيت، من سيمنحهم لي الرب، ومن ~~تلحق بهم قدماي. وكذلك الحال بالنسبة لك، فهناك كثيرون من الآخيين ~~لتقتلهم، كل من تقوى على قتلهم. ودعنا نتبادل حللنا الحربية، كل ~~مع الآخر؛ كي يعرف هؤلاء أيضا أننا نعلن عن صداقتنا منذ أيام ~~آبائنا.» # عندما دار هذا الحديث بينهما، قفزا من عربتيهما إلى الأرض، وأمسك ~~كل منهما بيد الآخر وأقسما على الوفاء. فلما رأى زوس، ابن ~~كرونوس، أن جلاوكوس قد استبدل حلته الذهبية بأخرى من البرونز، سلبه ~~عقله؛ إذ أعطى لديوميديس، ابن توديوس، ذهبا قيمته مائة ثور ، مقابل ~~برونز قيمته تسعة ثيران. # هكتور في طروادة # في تلك الأثناء بلغ «هكتور» الأبواب السكايية وشجرة البلوط، ~~فأقبلت زوجات وبنات الطرواديين، يجرين من حوله، ويسألنه عن أبنائهن ~~وإخوتهن وأصدقائهن وأزواجهن. فأمرهن بالصلاة للآلهة، كل إله ~~بدوره، ومع ذلك فقد خيم الحزن على كثيرين منهم. # ثم مضى هكتور إلى قصر أبيه «بريام» الجميل، المزين بالأعمدة ~~المصقولة، وكانت به خمسون حجرة من الحجر المصقول، تشد كل منها ~~الأخرى ببنائها ms185 المتين، وفي داخلها كان يتوق أبناء بريام إلى ~~الرقاد بجوار زوجاتهم اللواتي يتوددون إليهن. كما كانت هناك في ~~مواجهتها اثنتا عشرة حجرة من الحجر المصقول، لبناته، كل حجرة مبنية ~~إلى جوار الأخرى، وبداخلها كان ينام أزواج بنات بريام، إلى جوار ~~زوجاتهم، وجاءت والدته الكريمة «هيكوبي» لاستقباله، تصحب معها ~~«لاوديكي»، أجمل بناتها فتنة وإغراء، وأمسكت بيده وقالت: «أي بني، ~~لم تركت القتال العنيف وقدمت إلى هنا؟ لا شك في أن أبناء الآخيين، ~~المشهورين بالشرور، يضغطون عليك ضغطا شديدا، بينما يقاتلون حول ~~مدينتنا، وقد دلك قلبك على المجيء إلى هنا، لترفع يديك متضرعا ~~إلى زوس من القلعة. فلتبق هنا حتى أحضر لك خمرا في حلاوة العسل، ~~لتقديمها سكيبة لزوس والآلهة الخالدين الآخرين أولا، فتنال من هذا ~~نفعا عظيما، لو قدر لك أن تشرب منها. فعندما يشعر المرء بتعب ~~العمل، فإن الخمر تزيد من قوته، وإنك الآن لمتعب من الدفاع عن ~~زملائك.» # فرد عليها هكتور العظيم، ذو الخوذة البراقة، قائلا: «أي ~~والدتي المبجلة، لا تحضري لي أية خمر عسلية، لئلا تعوقيني، فأنسى ~~قوتي وشجاعتي. وعلاوة على ذلك فإنني أخاف أن أصب سكيبة من الخمر ~~المستعرة لزوس، بيدي غير المغسولتين. كما أنه لا يجوز، بأية حال، ~~أن يصلي المرء لابن كرونوس، سيد السحب الدكناء، وهو ملطخ بالدم ~~والأقذار، ولكن اذهبي إلى معبد أثينا، سائقة الغنائم أمامك، ومعك ~~ذبائح محترقة، وبصحبتك الزوجات المسنات، وأجمل ثوب وأوسعه في قصرك، ~~الثوب العزيز لديك أكثر من بقية الثياب، وضعيه فوق ركبتي أثينا ذات ~~الشعر الفاتن، ثم تعهدي لها بأن تذبحي في معبدها اثنتي عشرة بقرة ~~صغيرة لم تتجاوز العام ولم تعرف المنخس بعد، إن أشفقت أثينا على ~~طروادة وزوجات الطرواديين، وأطفالهم الصغار؛ أملا في أن تصد عن ~~مدينتنا المقدسة ذلك الرماح المتوحش، المدبر القوي للشغب، ابن ~~توديوس. إذن فاذهبي إلى معبد أثينا، سائقة أمامك الغنائم، وسأذهب ~~أنا إلى «باريس» كي أستدعيه، إن شاءت الأقدار وأجاب طلبي. ألا ليت ~~الأرض تخسف به! فما رباه الأوليمبي إلا لغرض مفجع، كمصدر ms186 أذى ~~للطرواديين وبريام العظيم القلب وأبناء بريام، ولو قيض إلي أن ~~أراه يهبط إلى هاديس لنسي قلبي جميع آلامه.» # هكذا قال هكتور، فذهبت أمه إلى القصر ونادت خادماتها فجمعن ~~الزوجات المسنات من جميع أرجاء المدينة، أما الملكة نفسها، فنزلت ~~إلى الخزانة ذات القبو؛ حيث توجد ملابسها الفاخرة الوشي، التي ~~طرزتها أيدي النساء الستدونيات، اللواتي كان ألكساندر - باريس - ~~شبيه الإله، قد جلبهن من سيدون، عندما أبحر على صفحة اليم الفسيح ~~في تلك الرحلة التي جاء فيها بهيلينا العريقة المنبت. فتناولت «هيكوبي» # 6 # رداء كان أجمل الثياب وشيا، وفضفاضا أكثر من ~~الجميع، يتلألأ كالنجم الساطع، وكان موضوعا أسفل كل الثياب، ~~وحملته كتقدمة لأثينا. ثم سارعت بعد ذلك في طريقها، يتبعها حشد من ~~الزوجات المسنات، يسرعن خلفها. # فلما وصلن إلى معبد أثينا في القلعة، فتحت لهن «ثيانو» # 7 # الجميلة الخدين، الأبواب، وكانت ابنة «كيسيوس»، ~~وزوجة «أنتينور» مستأنس الخيول؛ إذ كان الطرواديون قد جعلوها كاهنة ~~أثينا. ثم رفع الجميع أيديهن لأثينا، صارخات صرخات مقدسة، وأخذت ~~«ثيانو» الفاتنة الوجنتين الرداء ووضعته فوق ركبتي أثينا ذات ~~الشعر الجميل، وبالنذور صلت لابنة زوس العظيم، قائلة: «أيتها ~~السيدة أثينا، يا حارسة مدينتنا، وأعظم الربات فتنة وإغراء، نتضرع ~~إليك أن تحطمي الآن رمح ديوميديس، وتجعليه يسقط هو نفسه حالا ~~أمام الأبواب السكابية، وعندئذ نذبح لك فورا، في معبدك، اثنتي ~~عشرة بقرة بكرا، لم تعرف المنخس بعد، لو أنك رحمت طروادة وزوجات ~~الطرواديين وأطفالهم الصغار.» هكذا قالت في صلاتها، غير أن أثينا ~~لم تقبل الصلاة! # ومضى هكتور في طريقه إلى قصر ألكساندر، ذلك القصر الجميل الذي ~~شيده ألكساندر نفسه بواسطة أبرع من كان في طروادة حينذاك من ~~البنائين. فبنى له هؤلاء حجرة وبهوا وفناء بالقرب من قصور بريام ~~وهكتور في القلعة. فدخل هكتور، العزيز على زوس، يمسك في يده رمحا ~~طوله أحد عشر ذراعا، تتألق أمامه سن الرمح البرونزية المحوطة ~~بحلقة من الذهب. فوجد باريس في حجرته مشغولا بأسلحته الرائعة، ~~ترسه ودرقته، وممسكا بقوسه المعقوفة، بينما كانت هيلينا الأرجوسية ~~جالسة ms187 وسط خادماتها تحدد لهن أعمالهن اليدوية، فلما رآه هكتور ~~وبخه بعبارات الخزي، قائلا: «أيها الرجل الغريب الأطوار إنك لا ~~تحسن صنعا بتنمية هذا الغضب في قلبك. إن قومك يهلكون في المعارك ~~حول المدينة والسور المرتفع، وبسببك تشتد صيحة القتال وتستعر نار ~~الحرب حول هذه المدينة، فلا يحق لك أن تغضب على أي شخص آخر، تراه ~~بمحض المصادفة محجما عن الحرب البغيضة. كلا، انهض إذن، حتى لا ~~تشتعل المدينة بسرعة بالنيران المحرقة.» # فرد عليه ألكساندر، شبيه الإله، بقوله: «أي هكتور، إنك توبخني ~~بحق، وليس بدون حق؛ لذلك سأوضح الأمر لك، وأرجو أن تفكر وتعيرني ~~أذنا صاغية، إني لم ألزم غرفتي بسبب غضبي أو حنقي على الطرواديين، ~~ولكني كنت قد عزمت على الاستسلام للكمد. وحتى زوجتي كانت الآن تسعى ~~إلى تهدئة روعي برقيق الألفاظ، وراحت تحثني على الحرب، وأعتقد أنا ~~شخصيا أن هذا سيكون أفضل أن ينتقل النصر من رجل إلى رجل. تعال ~~الآن. وانتظر قليلا، دعني ألبس عدة القتال، أو انصرف إلى حال ~~سبيلك، وسوف أتبعك، وأعتقد أنني سألحق بك.» # هكذا قال، ولكن هكتور ذا الخوذة البراقة لم يرد عليه ببنت شفة، ~~وإنما تحدثت إليه هيلينا بألفاظ رقيقة، قائلة: «أي أخي، يا أخا ~~الكلبة، المدبرة للأذى والممقوتة من الجميع. كم كنت أتمنى يوم ~~ولدتني أمي، بادئ ذي بدء، لو قد حملتني ريح عاتية شريرة وذهبت بي ~~بعيدا إلى جبل ما، أو إلى لجج البحر الشاهقة الصاخبة إذ كان في ~~مكنة الأمواج أن تجرفني بعيدا، وألا تكون هذه الأمور قد ~~حدثت. وبما أن الآلهة قد رتبت هذه الشرور بتلك الكيفية، فليتني كنت ~~زوجة رجل أفضل، يستطيع أن يشعر بسخط أتباعه وسبابهم الكثير، ولكن ~~إدراك هذا الرجل ليس بثابت الآن، ولن يصير ثابتا أبدا فيما بعد. ~~وإنني لأعتقد أنه سوف يلقى جزاء رخاوته. تعال الآن، وادخل، واجلس ~~فوق هذا المقعد، يا أخي، ما دام القلق قد استولى على جنانك أكثر من ~~أي فرد آخر، بسببي أنا السيدة العديمة الخجل، وبسبب حماقة ~~ألكساندر، الذي ms188 جلب عليه زوس مصيرا شريرا، حتى إن من سيأتون ~~بعدنا من البشر سوف يتغنون بذكرنا في المستقبل.» # فرد عليها هكتور العظيم ذو الخوذة البراقة قائلا: «لا تأمريني ~~بالجلوس يا هيلينا، فبرغم كل حبك لي لا يمكن أن تؤثري علي. وإن ~~قلبي لتواق إلى إسداء المعونة للطرواديين الذين يتلهفون على ~~وجودي بينهم، أنا البعيد عنهم، هيا، وحثي هذا الرجل، ودعيه يسرع ~~بالنهوض، حتى يلحق بي وأنا لا أزال داخل المدينة؛ لأنني سأذهب إلى ~~داري لأرى أهل بيتي، زوجتي العزيزة، وولدي الرضيع، فلا أدري ما إذا ~~كنت سأعود مرة أخرى إليهم، أم أن الآلهة ستقتلني على أيدي ~~الآخيين.» # حديث هكتور وأندروماخي # ما إن قال هكتور، ذو الخوذة البراقة، هذا، حتى انصرف، ولم يلبث ~~أن بلغ منزله المتين البناء، ولكنه لم يجد «أندروماخي» - ~~أندروماك - الناصعة الذراعين في أبهاء داره، إذ كانت تقف مع طفلها ~~تبكي وتنتحب بجوار الحائط، ومعها أمة جميلة الهندام. # فلما لم يجد هكتور زوجته الفريدة في البيت، خرج إلى عتبة الدار ~~وخاطب خادماته بقوله: «هيا، أيتها الإماء، ولتقلن الحق: إلى أين ~~غادرت القصر أندروماخي البيضاء الساعدين؟ هل ذهبت إلى منزل إحدى ~~شقيقاتي أو زوجات إخوتي الجميلات الثياب. أم تراها انطلقت إلى معبد ~~أثينا حيث تهرع سيدات طروادة الأخريات، ذوات الغدائر الجميلة، ~~لاسترضاء الربة المرهوبة؟» # فأجابته خادمة نشطة، على الفور: «بما أنك تلح علينا يا هكتور ~~في أن نصدقك الخبر، فإن زوجتك لم تذهب إلى أي من شقيقاتك، ولا ~~إلى زوجات إخوتك ذوات الملابس الفاخرة، ولا حتى إلى معبد أثينا ~~الذي تسعى إليه السيدات الطرواديات الأخريات ، الجميلات الغدائر، ~~ليسترضين الربة المرهوبة، وإنما ذهبت إلى سور طروادة العظيم؛ لأنها ~~علمت أن الطرواديين قد ضيق عليهم الخناق، وأن الآخيين على وشك ~~الحصول على نصر عظيم؛ لهذا أسرعت هي إلى الحائط كمن فقدت وعيها، ~~ومعها المربية تحمل لها طفلها.» # هكذا قالت الخادمة، فأسرع هكتور منصرفا من البيت، عائدا من حيث ~~أتى، عبر الشوارع الجميلة. فما إن بلغ البوابة التي اعتزم أن يمر ~~منها إلى ms189 السهل - بوابة «سكاي» - مارا خلال المدينة العظيمة، حتى ~~هرعت إلى لقائه زوجته الكريمة، أندروماخي، ابنة أيتيون الكبير ~~القلب. الذي كان يعيش في سفح جبل بلاكوس الكثيف الغابات في طيبة، ~~وكان ملكا على كيليكيا، فلقد كان هكتور ذو الدرع البرونزي متزوجا ~~من ابنته. وها هي ذي الزوجة تقابله الآن ومعها مربية تحمل إلى ~~صدرها الولد الغض الإهاب، الذي لا يعدو أن يكون طفلا رضيعا، ابن ~~هكتور الحبيب. وكأنه نجم ساطع. ولقد اعتاد هكتور أن يسميه ~~«سكاماندريوس». بينما كان الآخرون يسمونه «أستواناكس»؛ لأن هكتور ~~وحده كان يحرس طروادة. عندئذ ابتسم هكتور وهو ينظر إلى ولده في ~~صمت، ولكن أندروماخي اقتربت منه وهي تبكي، وأمسكت بيده، قائلة: ~~«أواه يا زوجي، لسوف توردك جرأتك هذه حتفك. إنك لا تشعر بأي شفقة ~~نحو طفلك الرضيع، ولا نحوي، أنا المسكينة التي أوشك أن أغدو ~~أرملتك؛ إذ لن يلبث الآخيون أن يتكاثروا عليك ويصرعوك. أما أنا، ~~فخير لي أن أحمل إلى القبر إذا فقدتك؛ إذ لن تكون لي - إذا لقيت ~~حتفك - راحة، بل ويلات. أنا التي فقدت أبي وأمي. أما أبي فقد قتله ~~أخيل العظيم؛ لأنه خرب مدينة الكيليكيين الآهلة بالسكان طيبة ~~الشاهقة الأبواب. غير أنه إذا كان قد قتل أيتينون، فإنه لم يجرده ~~من حلته - لأن روحه فزعت من ذلك - بل أحرقه في كامل عدته الحربية، ~~الفاخرة الزينة، وأهال عليه تراب القبر، وزرعت حول القبر أشجار ~~الدردار، زرعتها حوريات الجبل بنات زوس حامل الترس، وفي نفس اليوم ~~دخل إخوتي السبعة الذين كانوا تحت سقفنا إلى دار «هاديس» - الجحيم ~~- لأن أخيل العظيم السريع القدمين، قتلهم جميعا وسط أبقارهم ~~السمينة وأغنامهم الناصعة الفراء. أما والدتي، ملكة سفح جبل بلاكوس ~~المكسو بالغابات، فقد أحضرها إلى هنا مع بقية الغنيمة، ولكنه أطلق ~~سراحها فيما بعد، عندما تسلم عوضا عنها فدية لا تحصى. غير أن ~~«أرتيميس»، حاملة القوس، قتلتها في دار والدها! وها أنت لي الآن يا ~~هكتور، أبي، وأمي، وأخي، وزوجي المقدام. فتعال الآن وارأف بحالي، ~~وابق بجوار الحائط، لئلا ms190 تيتم ابنك، وترمل زوجتك. أما جيشك، ~~فأوقفه بجوار شجرة التين البرية، وهو خير مركز تغلق منه المدينة، ~~فالحائط عرضة للهجوم. لقد أقبل إلى هذه البقعة أعظم الشجعان، ثلاث ~~مرات، في صحبة البطلين «أياس»، وأيدومينيوس المجيد، وأبناء أتريوس، ~~وابن توديوس المقدام، وقاموا بمحاولة للدخول: فإما أن يكون أحد ~~مهرة العرافين قد دلهم عليها، وإما أن تكون أرواحهم قد أرشدتهم إلى ~~الهجوم من هناك.» # وإذ ذاك قال هكتور العظيم ذو الخوذة البراقة: «أيتها المرأة، ~~إنني أفكر في كل ذلك أيضا، ولكني أخجل خجلا بالغا من ~~الطرواديين، ومن زوجاتهم ذوات الثياب الجرارة، إن تنحيت بعيدا عن ~~المعركة كالجبناء. كما أن قلبي لا يستطيع احتمال ذلك. فقد تعلمت أن ~~أكون شجاعا دائما، وأن أقاتل بين الطرواديين في الصفوف الأولى، ~~مناضلا للفوز بمجد أبي العظيم، ومجدي أنا. وإنني لأعلم في قرارة ~~نفسي، علم اليقين، وفي روحي كذلك، أن سيأتي اليوم الذي تخضع فيه ~~طروادة المقدسة، وبريام وشعب بريام ذو الرمح العظيم، المصنوعة ~~قناته من خشب الدردار. ومع ذلك، فلست أهتم كثيرا بأحزان ~~الطرواديين المقبلة، وحزن هيكوبي، ولا بحزن الملك بريام، أو حزن ~~إخوتي العديدين الشجعان الذين سوف يتردون في الثرى على أيدي ~~أعدائهم، بقدر ما يؤلمني حزنك يوم يقودك بعيدا أحد الآخيين ذوي ~~الدروع البرونزية، ويسلبك حريتك، وأنت تبكين. وقد يحملك على ~~الانكباب على المغزل في أرجوس أو حمل الماء من ميسيس أو هوبيريا ~~على غير رغبة منك، تحت عبء الحاجة القصوى. وقد يراك امرؤ ما، وأنت ~~تبكين، فيقول: «هاكم زوجة هكتور، الذي فاق جميع الطرواديين مستأنسي ~~الخيول، في جميع فنون القتال، يوم حمي صراع الرجال حول طروادة.» ~~هذا ما سوف يقال، وسيتجدد حزنك عندما تفتقدين رجلا مثلي يدرأ عنك ~~يوم العبودية، فلأمت، وليهل الثرى علي، قبل أن أسمع صراخك ~~وهم يسوقونك إلى الأسر!» # ما إن قال هكتور هذا حتى مد ذراعيه لابنه، ولكن هذا ارتد صارخا ~~إلى صدر مربيته، الجميلة الزنار، وقد أخافه منظر والده العزيز، ~~واستولى عليه الرعب من البرونز وخصلة شعر الخيل، ms191 عندما أبصر بها ~~تهتز فوق الخوذة. فقهقه أبوه المحبوب وأمه الجليلة. وفي الحال خلع ~~هكتور المجيد الخوذة من على رأسه، ووضعها تتألق فوق الأرض. ثم ~~قبل ابنه العزيز، وهدهده بين ذراعيه، واتجه بالدعاء إلى زوس ~~وبقية الآلهة، قائلا: «أي زوس، أيها الآلهة الآخرون، هل لولدي هذا ~~أن يشب مثلي، ويبرهن كما برهنت أنا، على أنه قد أصبح مبرزا بين ~~جميع الطرواديين، ومقداما في سطوته، وأن يحكم على طروادة بيد من ~~حديد؟ وهل للناس أن يقولوا عنه ذات يوم عند أوبته من الحرب: «إنه ~~قد بز أباه ...» وهل له أن يحمل الغنائم الملطخة بالدماء، التي ~~ينالها من قتلاه الأعداء، وهل لقلب أمه أن يفرح جذلا؟» # هكتور وباريس يعودان للقتال! # قال هذا، ثم وضع طفله بين ذراعي زوجته العزيزة، فضمته إلى ~~صدرها العطر، مبتسمة ودموعها تتساقط، فتحركت عاطفة زوجها إشفاقا ~~عليها، وربت عليها بيده، قائلا لها: «أي زوجتي العزيزة، أتوسل ~~إليك ألا تتركي نفسك نهبا لأحزان قلبك، فلن يستطيع رجل أن ~~يرسلني إلى حتفي، قبل ساعتي! وليس غير الموت عندي أمرا لا مهرب ~~منه لامرئ، جبانا كان أم شجاعا، ما جاء إلى الدنيا! ... فهيا أسرعي ~~إلى الدار واشغلي نفسك بأعمالك، النول والمغزل، وأصدري أمرك إلى ~~خادماتك بالمثابرة على أعمالهن، أما الحرب فللرجال، للجميع، ولي ~~أنا خاصة، دون كافة رجال طروادة!» # هكذا تكلم هكتور المجيد، وتناول خوذته التي تعلوها خصلة من شعر ~~الحصان، وانطلقت زوجته العزيزة إلى منزلها في الحال، وهي تنظر ~~خلفها بين الحين والآخر، وتذرف دموعها غزيرة. وسرعان ما وصلت إلى ~~القصر المنيف لهكتور قاتل الرجال ، حيث وجدت خادماتها الكثيرات، ~~فأثارت بينهن موجة من البكاء والعويل. وهكذا ندب هكتور في بيته وهو ~~ما زال على قيد الحياة، إذ جال بمخيلتهن أنه لن يعود من المعركة ~~أبدا، ولن يفر من أيدي الآخيين سليما! # وكذلك لم يتلكأ «باريس» طويلا في بيته السامق، بل ارتدى عدته ~~الحربية المجيدة، المصفحة بالبرونز، وأسرع خلال المدينة معتمدا ~~على خفة قدميه. وكجواد كان مربوطا إلى مذوده فأكل كفايته، ms192 ونزع ~~الوتد وانطلق يعدو فوق السهل - متلهفا إلى الاستحمام في النهر ~~الرقيق الجريان - مبتهجا شامخا برأسه عاليا، ومن حول كتفيه ~~ينسدل عرفه متموجا، يزهو بعظمته، إذ تحمله قوائمه بسرعة إلى حظائر ~~ومراعي الأفراس، هكذا أيضا كان باريس بن بريام، فهبط من جبل ~~بيرجاموس الشامخ، يتلألأ في حلته كأنه الشمس الساطعة، ضاحكا من ~~فرط سروره، وقد حملته قدماه السريعتان. وعلى ذلك سرعان ما لحق ~~بأخيه هكتور العظيم، وهو يوشك أن يئوب من المكان الذي داعب فيه ~~زوجته. فابتدره ألكساندر شبيه الإله، بقوله: «أخي، ما من شك في ~~أني أعوقك عن إسراعك بتلكئي الطويل؛ إذ لم أحضر إليك في الوقت ~~المناسب كما أمرتني.» # فرد عليه هكتور، ذو الخوذة البراقة، قائلا: «أيها الرجل الغريب ~~الأطوار، ما من رجل سليم العقل يستطيع أن يحط من قدر بلائك الحسن ~~في القتال، فإنك مقدام، ولكنك بمحض إرادتك متراخ لا تعبأ بشيء؛ ~~ولذلك فإن الحزن يحز في قلبي بين جنبي، عندما أسمع عبارات الاحتقار ~~من شفاه الطرواديين الذين يعانون بسببك نصبا مؤلما. هيا ننطلق ~~إلى حال سبيلنا، وسنصلح فيما بعد هذه الأمور لو قيض لنا زوس أن ~~نقيم في قصورنا للآلهة الخالدين ولائم الخلاص، عندما نطرد الآخيين ~~المدرعين جيدا، من أرض طروادة!» # | الأنشودة السابعة # وأوشك المتحاربان أن يلتحما بالسيوف. لولا قدوم رسولي «زوس» ~~والبشر؛ أحدهما موفد من الطرواديين، والآخر موفد من الآخيين ~~... # عن المعركة الفردية بين «أياس» و«هكتور»، وعن دفن الموتى، وبناء ~~سور حول سفن الآخيين. # نزال بين هكتور وأياس! # ما إن قال هكتور المجيد هذا، حتى أسرع بعيدا عن الأبواب ، وذهب ~~معه أخوه «باريس». وكانا يتحرقان شوقا في قرارة نفسيهما إلى الحرب ~~والقتال. وكما يرسل الرب ريحا مواتية للبحارة الطموحين - بعد أن ~~ينتابهم الكلل من مناضلة البحر بمجاديف الصفصاف المصقولة، وبعد ~~أن تتعب أطرافهم غاية التعب - هكذا أيضا ظهر هذان المحاربان ~~للطرواديين الطموحين. # وما لبث أحدهما أن قتل ابن الملك «أرايثوس»: المدعو «مينيسثيوس» ~~الذي كان يقطن في أرنى، والذي أنجبه أرايثوس رجل الصولجان من ~~الحسناء «فولوميدوسا» ms193 ذات عيون المها. ثم ضرب «هكتور» برمحه الحاد ~~عنق «أيونيوس»، تحت الخوذة البرونزية المتينة الصنع، فبتر أطرافه. ~~وصوب «جلاوكوس» ابن «هيبولوخوس» - قائد اللوكيين - رمحه، في الصراع ~~العنيف، نحو «أفينوس» ابن «ديكسيوس»، وهو يقفز إلى عربته خلف جياده ~~السريعة، فأصابه في كتفه، فسقط من عربته مترديا فوق الأرض وارتخت ~~أطرافه. # بيد أن الربة «أثينا» - ذات العينين النجلاوين - لم تكد تفطن ~~إليهما، وهما يقتلان الأرجوسيين في الصراع الطاحن، حتى هبطت ~~مندفعة من قمم أوليمبوس إلى طروادة المقدسة. فأسرع «أبولو» ~~لمقابلتها، إذ رآها وهو يطل من بيرجاموس. وكان يتوق إلى جعل النصر ~~في جانب الطرواديين. فالتقيا بجوار شجرة البلوط، وبدأها الملك ~~أبولو بقوله: «لم أتيت بمثل هذه اللهفة من أوليمبوس، يا ابنة زوس ~~العظيم، ولم بعثت بك روحك المتكبرة؟ ألكي تمنحي النصر للدانيين ~~فتحولي نتيجة المعركة؛ لأنك لا تشعرين بأي عطف نحو الطرواديين، ~~الذين يهلكون؟ ولكن، لنوقف المعركة والقتال اليوم، إذا كان لك أن ~~تصغي إلي، فلعل هذا أفضل كثيرا. ولسوف يعود الدانيون إلى القتال ~~- فيما بعد إلى أن يقهروا طروادة، ما دام يبدو لقلوبكن - أيتها ~~الربات الخالدات - أن من الخير تدمير هذه المدينة!» # فردت عليه «أثينا» - البراقة العينين - بقولها: «ليكن ذلك، ~~أيها الإله البعيد المرمى، فلقد أتيت أنا نفسي بهذا القصد، من ~~أوليمبوس إلى وسط الطرواديين والآخيين. ولكن قل لي: «كيف تعتزم وقف ~~القتال بين المحاربين؟» # فرد عليها الملك أبولو - ابن زوس - قائلا: «هيا بنا نستفز حمية ~~هكتور، مستأنس الخيول الجريء، حتى يتحدى واحدا من الدانيين في ~~قتال فردي، فيقاتله رجلا لرجل، في نزال مميت، فإن هذا يثير غيرة ~~الآخيين المدرعين جيدا، ويحملهم على أن يحثوا أحدهم على مقاتلة ~~هكتور العظيم في معركة فردية!» # هكذا قال، فاغتبط هكتور كثيرا حين سمع كلامه، وانطلق إلى الوسط، ~~عن الإصغاء. وأدرك «هيلينوس»، ابن بريام العزيز، هذه الخطة التي ~~اجتمع عليها رأي الإلهين، فوقف إلى جانب هكتور وتحدث إليه قائلا: ~~«أي هكتور، يا ابن بريام، ويا نظير زوس في المشورة، هل لك أن ~~تصغي إلي بأية ms194 حال؛ لأنني أخوك؟ ادع الطرواديين وجميع الآخيين ~~إلى الجلوس، وتحد خير الآخيين لينازلك في معركة مروعة، فإن أجلك ~~لم يحن بعد لتموت وتلقى مصيرك، فبهذا سمعت الآلهة يتكلمون، ~~الآلهة الخالدين إلى الأبد!» # هكذا قال، فاغتبط هكتور كثيرا حين سمع كلامه، وانطلق إلى الوسط، ~~فدفع فرق الطرواديين إلى الوراء برمحه، الذي كان يمسك به من ~~منتصفه، فجلسوا جميعا. كما جعل أجاممنون الآخيين - المدرعين جيدا ~~- يجلسون. وجلست أثينا وأبولو - ذو القوس الفضية - في صورة ~~نسرين، فوق بلوطة الأب زوس حامل الترس، الشامخة، وقد سرا من ~~المحاربين. وجلست صفوف المحاربين متقاربة، تلمع بالتروس والخوذات ~~والرماح. وكما تنتشر موجات الريح الغربية فوق سطح البحر - في أول ~~هبوبها - فيكفهر اليم تحتها، هكذا جلست صفوف الآخيين والطرواديين ~~وسط السهل. فخاطب هكتور الجيش قائلا: «اسمعوا، أيها الطرواديون ~~والآخيون المدرعون جيدا، فسأحدثكم بما يأمرني به قلبي الكائن في ~~صدري. إن ابن كرونوس ذا العرش العالي الرفيع، لم يشأ أن يحقق ~~نذورنا، ولكنه يرتب الفرص لكلا الجيشين معا - بسوء نية - بحيث يتم ~~لكم الاستيلاء على طروادة ذات الأسوار المنيعة، أو تهلكوا أنتم ~~أنفسكم بجانب سفنكم ماخرة البحار. وإن معكم الآن رؤساء جيش الآخيين ~~جميعا، فليبرز من هؤلاء من يحدثه قلبه بأن ينازلني، وليتقدم من ~~بينكم جميعا، ليكون بطلكم ضد هكتور العظيم، هكذا أعلن كلمتي، ~~وليكن زوس شهيدا على ذلك: فإن قدر له أن يقتلني بالرمح البرونزي ~~الطويل الطرف، فليجردني من عدتي الحربية ويحملها إلى السفن ~~الخاوية، وليسلم جثتي إلى وطني حتى يستطيع الطرواديون والزوجات ~~الطرواديات أن يشعلوا لي من النار ما أنا جدير به في موتي. أما ~~إذا وهبني أبولو مجد قتله، فسأجرده من عدته الحربية وأحملها إلى ~~طروادة المقدسة، وأعلقها على مذبح أبولو، ذلك الرب الذي يضرب من ~~بعيد، وأما جثته فسأعيدها إلى السفن المتينة المقاعد، ليتسنى ~~للآخيين ذوي الشعور المسترسلة أن يدفنوه، ويرفعوا فوقه كوما ~~بالقرب من الهيليسبونت الفسيح. حتى إذا مر به أحد في سفينته ~~الكثيرة المقاعد - في البحر القاتم قتمة الخمر - قال: «هذا كوم رجل ms195 ~~مات في سابق العصور؛ إذ قتله - في وقت ما - وهو في عنفوان شجاعته، ~~هكتور المجيد.» هكذا سيقول شخص ما، فيبقى مجدي قائما، لا يموت ~~أبدا!» # وإذ قال هذا، خيم السكوت على القوم جميعا؛ إذ أحسوا بالعار الذي ~~سوف يصيبهم إذا هم رفضوا تحديه، ولو أنهم كانوا يخشون لقاءه. ~~وأخيرا قام «مينيلاوس» بينهم يقذفهم بعبارات السباب، وكانت أناته ~~تخرج من أعماق قلبه، وهو يقول: «ويحي، أيها الرعاديد، يا نساء، ~~آخيا، يا من هجرتكم رجولتكم! حقا، لسوف يكون عارا مروعا ~~ذريعا، إذ لم يتقدم الآن واحد من الدانيين لمنازلة هكتور. ألا ~~فلتتحولوا إلى تراب وماء، يا من تجلسون هنا، وقد فقد كل رجل منكم ~~قلبه، فغدا مجللا بالخزي. ولسوف أسلح نفسي ضد هذا الرجل، وإن ~~النصر ليأتي من عل، من لدن الآلهة الخالدين!» # وما إن قال هذا، حتى لبس عدته الحربية الجميلة. والآن، هل تحين ~~خاتمة حياتك يا مينيلاوس، على يدي هكتور - نظرا لأنه يفوقك قوة ~~بمراحل - إذ لم يتقدم ملوك الآخيين فيمسكوا بك؟ لقد أمسك أجاممنون، ~~الواسع الملك، باليد اليمنى لأخيه ابن أتريوس، قائلا له: «إنك ~~لمجنون، يا مينيلاوس، يا من انحدرت من زوس، ولا يليق بك هذا ~~الجنون، تراجع إلى الوراء، مهما يكن حزنك، ولا تصمم في حمية ~~المنافسة على أن تنازل من يفضلك - وأقصد هكتور بن بريام، الذي ~~يرهبه غيرك! - إن أخيل نفسه ليرتجف من لقاء هذا الرجل في حرب يفوز ~~فيها الرجال بالمجد، رغم أنه يفضلك كثيرا. هيا، الآن، واجلس في ~~زمرة أترابك، وسيقدم الآخيون بطلا آخر ضد هذا الرجل. ومهما يكن ~~هكتور بعيدا عن الخوف، متعطشا إلى القتال، فإنني أعتقد أنه ~~سيغتبط بأن يثني ركبتيه للراحة، ولو فعل لنجا من وطيس الحرب ~~والقتال المفزع.» # هكذا تكلم ذلك المحارب، فثنى عزم أخيه؛ إذ كان سديد النصح. وحين ~~أطاعه مينيلاوس، ابتهج خدمه بأن ينزعوا عن كتفيه عدته الحربية، ~~ونهض «نسطور» يتحدث وسط الأرجوسيين، فقال: «ويحكم! فما أعظم الحزن ~~الذي يجثم بحق على أرض آخيا. ولكم سيعلو أنين الشيخ «بيليوس»، ms196 سائق ~~العربات هذا، والمستشار العظيم، وخطيب المورميدون، الذي استجوبني ~~ذات مرة في بيته، وسر كثيرا إذ علم بسلسلة نسب الأجوسيين جميعا ~~ومولدهم. إنه لو سمع بأن هؤلاء قد جبنوا اليوم جميعا أمام هكتور، ~~لرفع يديه في ضراعة عاجلة إلى الخالدين، لتفارق روحه جسده وتذهب ~~إلى بيت هاديس. أي أبتاه زوس، ويا أثينا، ويا أبولو، ليتني كنت ~~صغيرا عندما اجتمع «البوليون» و«الأركاديون» - الذين يثورون ~~بالرماح - بجوار كيلادون، وقاتلوا تحت أسوار فيا وحول روافد نهر ~~أياردانوس. فلقد وقف إلى جانبهم «أريوثاليون» كبطل، وكان رجلا ~~يشبه الآلهة، يحمل على كتفيه عدة الملك «أرايثوس» الحربية، أرايثوس ~~العظيم الذي كان الرجال والنساء ذوات الزنانير الجميلة، يتوقون إلى ~~تسميته برجل الصولجان؛ لأنه لم يكن يقاتل بالقوس أو الرمح الطويل ~~وإنما بصولجان من الحديد كان يفرق الكتائب. وهذا الرجل قتله ~~«لوكورجوس» بالمكر - وليس بالقوة إطلاقا - في ممر ضيق، حيث لم ~~ينقذه صولجانه من الهلاك؛ إذ انقض عليه «لوكورجوس»، وهو غير منتبه، ~~وطعنه برمحه في وسطه، فارتد إلى الوراء وسقط على الأرض ثم جرده من ~~عدته الحربية - التي كان «أريس» البرونزي قد أعطاه إياها - وارتدى ~~هو تلك العدة، حتى إذا أدرك الكبر لوكورجوس - في عقر قصره - خلعها ~~على خادمه العزيز «أريوثاليون» كي يرتديها. فلما ارتداها ~~«أريوثاليون»، تحدى خيرة الشجعان جميعا، غير أنهم ارتجفوا وذعروا، ~~ولم يجد أي رجل منهم الشجاعة التي تمكنه من الصمود أمامه، ولكن ~~قلبي الجسور عزم على قتاله بكل بسالتي، رغم أنني كنت أصغر الجميع ~~سنا. وهكذا قاتلته، ومنحتني أثينا المجد. وكان أطول وأقوى رجل ~~صرعته طول حياتي ، فارتمى على الأرض ككتلة ضخمة، وتمدد في هذا ~~الاتجاه وذاك. ليتني كنت الآن في ذلك الشباب، وليت قوتي كانت في ~~شدتها الأولى، إذن لوجد هكتور - ذو الخوذة البراقة - من يواجهه، في ~~حين أنكم يا رؤساء جيش الآخيين جميعا، لم تبدوا أية نية على لقاء ~~هكتور وجها لوجه!» # هكذا وبخهم الرجل الكهل «نسطور»، فإذا كل من نهض منهم تسعة؛ ~~أولهم ملك البشر «أجاممنون»، ثم ابن توديوس «ديوميديس» القوي، ms197 ~~وبعدهما الأيانتيس - المتسربلان بالحماسة الجياشة - ثم ~~«إيدمينيوس»، ورفيقه «ميريونيس»، نظير «إينوليوس» قاتل البشر ومن ~~بعدهم «يوروبولوس»، ابن يوايمون المجيد، كما نهض ثواس بن ~~أندرايمون، و«أوديسيوس» العظيم. كل هؤلاء عقدوا العزم على مقاتلة ~~هكتور العظيم. عندئذ وقف في وسطهم ثانية الفارس «نسطور» الجيريني ~~وقال: «ألقوا الأزلام الآن - بالقرعة - لمعرفة من الذي يقع عليه ~~الاختيار؛ لأنه حقا سيفيد الآخيين المدرعين جيدا، كما أنه سوف ~~ينتفع هو شخصيا، إن قيض له أن ينجو من صراع القتال والنزال ~~المخيف!» # وإذ قال هذا، عينوا لكل واحد زلمه، وألقوا الأزلام في خوذة ~~أجاممنون ابن أتريوس، وصلى كل الجيش، رافعين أكفهم للآلهة. وهكذا ~~اتجه كل فرد ببصره نحو السماء الفسيحة الأجواء، وراح يردد: ~~«أبتاه زوس، ليخرج زلم أياس أو ابن تيديوس أو ملك موكيني الغنية ~~بذهبها.» # هكذا قالوا، وهز الفارس «نسطور الجيريني» الخوذة، فظهر زلم الشخص ~~الذي كانوا يريدونه هم أنفسهم: «أياس». ثم حمل المنادي الزلم وجاس ~~به خلال الجيش - من اليسار إلى اليمين - وأراه لجميع رؤساء ~~الآخيين، ولكنهم لم يعرفوه، وأنكره كل واحد منهم. حتى إذا بلغ ~~المنادي - في طوافه بالجيش - الرجل الذي كان قد علم الزلم وألقاه ~~في الخوذة، «أياس» المجيد، مد «أياس» يده، فاقترب المنادي ووضع ~~فيها الزلم، فتعرف عليه «أياس» لأول وهلة من العلامة التي عليه. ~~فاغتبط في قرارة نفسه. ثم ألقى بالزلم على الأرض بجانب قدمه، ~~قائلا: «أيها الأصدقاء، ما من شك في أن هذا زلمي، وإن قلبي ~~ليبتهج؛ لأنني أوقن بأنني سأقتل هكتور العظيم، ولكن هيا الآن، ~~وبينما أرتدي عدتي الحربية، صلوا في صمت - وفي سرائركم - للملك زوس ~~بن كرونوس، كي لا يعرف الطرواديون شيئا من هذا. أو صلوا جهرا - ~~إن شئتم - إذ إننا لا نخشى أحدا على أية حال، فلن يقسرني أي فرد ~~على الفرار بإرادته، رغم إرادتي بل ولا بمهارته، فلست أعتقد أن أية ~~مهارة تعدل أنني ولدت ونشأت في سالاميس!» # هكذا قال، فصلى القوم للملك زوس بن كرونوس، وهم يرفعون أبصارهم ~~نحو السماء الواسعة، قائلين: «أبانا زوس، يا ms198 من تحكم من «أيدا»، ~~أيها الأمجد، وأيها الأعظم، امنح «أياس» النصر حتى يفوز بالصيت ~~الأمجد. أما إذا كنت تحب هكتور أيضا، وتهتم به، فامنح كليهما ~~بأسا ومجدا متساويين.» # وإذ قالوا هذا، تهيأ أياس في حلته البرونزية البراقة. وبعد أن ~~ارتدى كامل عدته الحربية، أسرع على هذه الصورة وكأنه «أريس» الضخم ~~يتقدم إلى المعركة وسط المحاربين الذين جمعهم ابن كرونوس ليتقاتلوا ~~في معمعة القتال «ملتهم النفوس». # وعلى هذه الصورة قفز أياس الضخم - حصن الآخيين - تعلو وجهه ~~الصارم ابتسامة عريضة، وخطا بقدميه خطوات واسعة، ملوحا برمحه ~~الطويل الظل. فما إن رآه الأرجوسيون حتى عم السرور أفرادهم، بينما ~~زحفت على الطرواديين رجفة سرت في أعضاء كل رجل، وأسرعت دقات قلب ~~هكتور في صدره. ومع ذلك فإنه لم يستطع - بأية حال - أن يفر أو ~~يتقهقر عائدا إلى حشد الجيش؛ نظرا لأنه هو الذي دعا للنزال. ~~فاقترب «أياس» يحمل ترسه الشبيه بسور مدينة، ترسا من البرونز ~~تكسوه سبع طبقات من جلد الثور، جهد في صنعه «توخيوس» أمهر ~~المشتغلين بصناعة الجلود، وكان يقيم في هولي. ولقد صنع له الترس ~~اللامع ذا الطبقات السبع من جلود الثيران القوية، ثم كساها بطبقة ~~ثامنة من البرونز. وحمل «أياس التيلاموني» ذلك الترس أمام صدره ~~وأقبل يقف دانيا من هكتور، وهدده بقوله: «أي هكتور، ستعرف الآن ~~قطعا أي نوع من الرؤساء يوجد بين الدانيين، حتى بعد اعتزال ~~«أخيل»، مشتت صفوف الرجال، وذي قلب الأسد. إنه يقبع الآن وسط سفنه ~~ماخرة البحار - ذات الأطراف المدببة - وقد طوى نفسه على غضب شديد ~~من أجاممنون بن أتريوس - راعي الجيش - ومع ذلك فإننا لقادرون على ~~مواجهتك. نعم، ما أكثر القادرين منا، والآن فلتبدأ الحرب ~~والقتال!» # فأجابه هكتور العظيم، ذو الخوذة البراقة قائلا: «يا أياس، يا ~~سليل زوس، يا ابن تيلامون، قائد الجيش، ليس لك أن تستدرجني، كما لو ~~كنت غلاما ضعيفا أو امرأة لا تعرف أعمال الحرب. بلى، إني لأعرف ~~تمام المعرفة شئون المعارك ومذابح الرجال. وأعرف تمام المعرفة كيف ~~أميل يمينا، وكيف أميل يسارا ms199 بترسي المصنوع من الجلد المجفف، ~~الذي أعتقد أنه خير ما يستعمل في القتال، كما أعرف كيف أهجم في وسط ~~العربات التي تجرها الأفراس السريعة، وأعرف كيف أسلك في الالتحامات ~~مسلك أريس المهتاج. ومع ذلك فلست مزمعا أن أنزل بك ضربتي في غفلة ~~منك - وأنت من أنت بين الرجال - وإنما سأنزل بك ضربتي جهارا، عسى ~~أن أطيح بك.» # وإذ تكلم هكتور هكذا، رفع رمحه الطويل الظل، وقذف به، فأصاب ترس ~~«أياس» الهائل ذا الطبقات السبع من جلد الثور التي يعلوها البرونز ~~الخارجي مكونا الطبقة الثامنة، فمرق البرونز من خلال ست طبقات، ~~وتوقف عند الطبقة السابعة للجلد. وإذ ذاك أطلق «أياس» - سليل الإله ~~- رمحه الطويل الظل، فأصاب ترس ابن بريام، المتزن جيدا من كل ~~جانب. فمرق الرمح القوي خلال الدرقة المرصعة بسخاء، وشق طريقه ~~مباشرة بجوار جنبه، ونفذ من عباءته، ولكن هكتور انحرف جانبا، فنجا ~~من الموت الأسود. # وفي لحظة واحدة سحب كل منهما بيديه رمحه الطويل، وهجما، ~~كأسدين ضاريين، أو كخنزيرين بريين متوحشين، لا تني قواهما. وانقض ~~ابن بريام بكل قواه على أياس برمية من رمحه، بيد أن الرمح ~~البرونزي لم يشق طريقه، إذ التوى طرفه، ولكن «أياس» انقض على غريمه ~~وطعن درقته، فنفذ الرمح خلالها، وجعله يترنح تحت هجمته. ثم بلغ ~~عنقه، وجرحه، فتدفق منه الدم القاتم. # وبالرغم مما حدث فإن هكتور - ذا الخوذة البراقة - لم يكف عن ~~القتال، بل تراجع إلى الخلف، وبيد قوية أمسك بحجر أسود ذي نتوءات ~~- كان ملقى في السهل - وقذف به نحو ترس «أياس» الهائل ذي الطبقات ~~السبع من جلد الثور، التي يحيط بها البرونز. وهنا رفع أياس - بدوره ~~- يده عاليا، ممسكا بحجر أضخم، وقذفه بقوة عظيمة، فشق الحجر - ~~الشبيه بحجر الطاحون - الدرقة من الداخل، وهوى على ركبتي هكتور، ~~فإذا هكتور يستلقي على ظهره مكوما تحت ترسه. بيد أن «أبولو» رفعه ~~في الحال. وأوشك المتحاربان أن يلتحما بالسيوف، لولا قدوم رسولي ~~زوس والبشر - أحدهما موفد من الطرواديين والآخر من الآخيين ذوي ~~المدرعات البرونزية - وهما «تالثوبيوس» ms200 و«أيدايوس». وكلاهما من ~~الحكماء. فأقبلا وفرقا بين الطرواديين بصولجانيهما. وخاطبهما ~~الرسول «أيدايوس» ذو الرأي الرشيد، قائلا: «كفا عن القتال يا ~~ولدي العزيزين، ولا تتعاركا؛ لأن كليكما حبيب إلى زوس، جامع ~~السحب، كما أن كلا منكما رماح، وكلنا يعلم ذلك يقينا. وعلاوة ~~على ذلك، فإن الليل مقبل علينا الآن، ومن الخير أن تخضعا لحكم ~~الليل.» # فرد عليه أياس التيلاموني بقوله: «أيا أيدايوس، مر هكتور بأن ~~ينطق هو بهذه الألفاظ؛ إذ إنه هو الذي تحدى خيرنا ودعاه للنزال. ~~فليكن هو البادئ وعندئذ أستمع أنا بدوري لما يقول.» # عندئذ تحدث إليه هكتور العظيم، ذو الخوذة البراقة، فقال: «أياس، ~~أما وقد حباك الرب بالقوة والقامة، والحكمة أيضا، وبرمحك اشتهرت ~~بالتفوق على جميع الآخيين، فلنكف عن القتال والصراع اليوم، على ~~أن نعود إليه فيما بعد، إلى أن يحكم الرب بيننا، ويهب أحد الفريقين ~~النصر. وعلى أية حال، فالليل قد أقبل علينا، ومن الخير أن ننصاع ~~لحكم الليل، حتى تدخل الفرح والسرور على جميع الآخيين بجانب ~~سفنهم، لا سيما الأنساب والأصحاب المنتمين إليك، كما أنني في جميع ~~أرجاء مدينة الملك بريام العظيمة، سأدخل السرور على جميع رجال ~~طروادة ونسائها ذوات الثياب الفضفاضة، اللواتي سيدخلن على جميع ~~الآلهة لتقديم صلاة الشكر من أجلي. والآن تعال، وليقدم كل منا ~~للآخر هدايا عظيمة، حتى يقول الكثيرون من الآخيين والطرواديين، على ~~حد سواء: «لقد تقاتل الاثنان بحق، وتباريا في صراع يلتهم الأنفس، ~~ولكنهما اتفقا فيما بعد وافترقا صديقين»!» # وما إن قال هذا حتى أحضر سيفه المرصع بالفضة، بغمده وحمائله ~~البديعة الصنع ، وقدمه له. فأعطاه «أياس» حزامه اللامع القرمزي. ~~وهكذا افترقا؛ أحدهما في طريقه إلى جيش الآخيين، والآخر ساعيا إلى ~~جموع الطرواديين. فتهلل هؤلاء طربا إذ أبصروا هكتور مقبلا ~~إليهم سليما معافى، على قيد الحياة، وقد نجا من بطش «أياس» ويديه ~~القويتين، فذهبوا به إلى المدينة غير مصدقين أنه قد نجا! ... أما ~~أياس فقاده الآخيون المدرعون جيدا إلى «أجاممنون» العظيم، والفرح ~~يملأ نفوسهم لانتصاره. # فلما بلغوا أكواخ ابن أتريوس، ذبح لهم ms201 ملك البشر «أجاممنون» ~~ثورا ذكرا في الخامسة من عمره، من أجل زوس بن كرونوس، المتفوق في ~~القوة. فسلخوه وأعدوه، وبتروا جميع أطرافه. ثم قطعوا لحمه بمهارة ~~إلى شرائح، وضعوها في السفود وشووها بعناية، ثم أخرجوها من ~~السفافيد. وما إن انتهوا من عملهم وأعدوا الطعام، حتى مدوا السماط، ~~وأكلوا كفايتهم من الوليمة الحقة. وتكريما لأياس، أعطاه ~~«أجاممنون» - الواسع الحكم، والابن المحارب لأتريوس - سلسلة الظهر ~~الطويلة. # الهدنة # وبعد أن شبع الجميع، وفترت رغبتهم في الطعام والشراب، أخذ ~~«نسطور» الشيخ يلقي عليهم النصائح، وهو الذي اشتهر بالحكمة منذ ~~القدم، فخاطب جموعهم وتحدث وسطهم قائلا: «يا ابن أتريوس، وأيها ~~الأمراء رؤساء جيوش آخيا، إن الأسف ليحز في نفسي لموت كثير من ~~الآخيين ذوي الشعر المسترسل. وقد سفك «أريس» - الممعن في القتل - ~~دماءهم القاتمة حول نهر سكاماندر المعتدل الجريان، وهبطت أرواحهم ~~إلى بيت هاديس؛ لذا أرى من الأفضل أن توقفوا معركة الآخيين عند ~~بزوغ الفجر. ولسوف نجتمع هنا لننقل الجثث بالعربات التي تجرها ~~الثيران والبغال، ونحرقها على مسافة بسيطة من السفن، حتى يستطيع ~~كل رجل أن يحمل عظامها إلى أطفال الضحايا عندما نعود ثانية إلى ~~وطننا. ولنقم حول كومة الحريق مدفنا واحدا للجميع، ونرفع حوله ~~سورا عاليا. حصنا لنا ولسفننا، ولنجعل فيه أبوابا تغلق بإحكام، ~~كي تكون مسالك نقود خلالها العربات، ولنحفر خندقا عميقا في ~~الخارج ملاصقا للسور، يدرأ عنا العربات والمشاة إذا ما حمي وطيس ~~هجوم الطرواديين ذوي البأس علينا.» # هكذا تكلم، فوافق جميع الملوك على قوله. وكذلك عقد الطرواديون ~~اجتماعا مماثلا في قلعة طروادة ، ضم حشدا صاخبا هاج وماج بجوار ~~أبواب بريام، فقام أنتينور الحكيم خطيبا فيهم، وكان أول من تكلم، ~~فقال: «أيها الطرواديون والداردانيون والحلفاء، استمعوا إلي إذ ~~أحدثكم بما يوحى به إلى قلبي الكائن في صدري. تعالوا الآن، ~~فلنسلم هيلينا الأرجوسية وما معها من كنز، إلى أبناء أتريوس كي ~~يذهبوا بها. إننا نقاتل الآن بعد أن ثبت حنثنا بمواثيق الإخلاص، ~~فإذا لم نفعل ما أشرت به، فلا أمل في أن يتم ms202 شيء لصالحنا!» # وما إن قال هذا حتى جلس، فقام في وسطهم «باريس» العظيم، زوج ~~هيلينا ذات الشعر الفاتن، ورد على قوله بألفاظ مجنحة. فقال: «أي ~~أنتينور، إن ما قلته لا يسرني على الإطلاق، فأنت تعرف كيف تدلني ~~بعبارات خير من هذه. أما إذا كنت جادا فعلا فيما تقول، فلا بد ~~إذن من أن تكون الآلهة نفسها قد أتلفت عقلك. وعلى أية حال، فإني ~~سأتكلم وسط حشد الطرواديين مستأنسي الخيول، وأعلن في الحال أنني لن ~~أعيد زوجتي. أما الأموال التي أحضرتها من أرجوس إلى وطننا، فإنني ~~عازم على ردها كلها، بل سأضيف إليها من خزائني.» # وما إن قال هذا حتى جلس، فنهض وسطهم بريام بن داردانوس نظير ~~الآلهة في الرأي، وخاطبهم بنية طيبة، قائلا: «أصغوا إلي أيها ~~الطرواديون والداردانيون والحلفاء، كي أقول لكم ما يأمرني به ~~قلبي الكائن في صدري. تناولوا الآن عشاءكم في المدينة كسابق عهدكم، ~~ولا تغفلوا المراقبة، بل ليكن كل رجل منكم متيقظا. وليذهب ~~«أيدايوس» - عند مطلع الفجر - إلى السفن الخاوية ليعلن لابني ~~أتريوس - «أجاممنون» و«مينيلاوس» - ما قاله «باريس»، الذي من أجله ~~نشب الصراع وحمي وطيس القتال. ثم ليعلن إليهما هذه الكلمة الحكيمة، ~~ويسألهما عما إذا كانا يزمعان الكف عن الحرب التي تفيض بالآلام، ~~حتى ننتهي من دفن موتانا، على أن نستأنف القتال - بعد ذلك - إلى أن ~~يحكم بيننا زوس، ويهب النصر لأحد الجانبين أو للآخر.» # هكذا تكلم، فأصغى الجميع إلى قوله باهتمام، وأطاعوه، فتناولوا ~~عشاءهم في جماعات في سائر أنحاء الجيش. حتى إذا طلع الفجر، ذهب ~~أيدايوس في طريقه إلى السفن الجوفاء، حيث وجد في مكان الاحتشاد ~~«الدانيين» - خدم أريس - بجانب دفة سفينة «أجاممنون». فاتخذ الرسول ~~الجهوري الصوت وقفته في الوسط، وخاطبهم بقوله: «أيا ابن أتريوس، ~~وأيها الأمراء رؤساء جيش آخيا: إن بريام والطرواديين الآخرين ~~الأجلاء قد أمروني بأن أعلن لكم - إذا راق لكم ذلك وسررتم به - قول ~~«باريس»، الذي من أجله نشب الصراع وقام على قدم وساق. إن المال ~~الذي حمله «باريس» إلى طروادة في سفنه ms203 الجوفاء - وليته هلك من قبل! ~~- يعتزم أن يرده جميعه، بل وأن يضيف إليه بعضا آخر من خزائنه. أما ~~زوجة «مينيلاوس» المجيد، فإنه يعلن أنه لن يعيدها، رغم أن ~~الطرواديين أنفسهم يأمروننا بإعادتها، كما أمروني بأن أعلن لكم هذه ~~الكلمة أيضا: هل لكم في الكف عن الحرب التي تفيض بالآلام، إلى أن ~~ندفن الموتى، ثم نستأنف القتال من جديد، إلى أن يحكم الرب بيننا ~~ويهب النصر لأحد الجانبين أو للآخر؟» # هكذا كلمهم، فلزموا جميعا الصمت. وأخيرا قام من بينهم ~~«ديوميديس» - البارع في صيحة الحرب - وتكلم وسطهم قائلا: «لا ~~يقبلن أحد منكم المال من «باريس»، كلا، ولا هيلينا! فقد صار ~~معروفا - حتى لمن خلا ذهنه من الإدراك بالمرة - أن شباك الهلاك قد ~~أحكمت خيوطها بسرعة حول الطرواديين!» # وإذ قال هذا، صاح جميع أبناء الآخيين بصوت مرتفع، يهللون لما ~~قاله ديوميديس، مستأنس الخيول. ثم التفت الملك «أجاممنون» إلى ~~«أيدايوس»، وقال له: «أي أيدايوس، لقد سمعت بأذني رأسك كلام ~~الآخيين، وكيف كان جوابهم على ما قلته لهم، وإن ما يسرهم يسرني. ~~أما فيما يتعلق بالقتلى، فلا يسوءني قط أن تدفنوهم؛ إذ ليس لأحد ~~أن يبخل على القتلى - بعد موتهم - بالعزاء السريع بالنار، ولكن ~~فليشهد على عهودنا «زوس»، زوج هيرا هذا الذي يرعد عاليا.» # وما إن قال هذا حتى رفع صولجانه في وجه جميع الآلهة، وعاد ~~أيدايوس قافلا إلى طروادة المقدسة. وكان الطرواديون والداردانيون ~~جميعا يجلسون وقتئذ في حشد واحد، وقد اجتمعوا معا ينتظرون عودة ~~أيدايوس. فأقبل ووقف في وسطهم، وأعلن ما سمعه. عندئذ نشط القوم ~~وأعدوا أنفسهم بمنتهى السرعة لكل من المهتمين؛ بعضهم ليحضر ~~القتلى، والبعض الآخر ليجمع الحطب. بينما أسرع الأرجوسيون في ~~الجانب المقابل إلى السفن ذات المقاعد؛ البعض ليأتي بالموتى، ~~والآخرون، ليبحثوا عن الخشب. # وحين التقى الجيشان، كانت الشمس قد بدأت تسطع بأشعتها فوق ~~الحقول، وقد خرجت أوقيانوس - السلس الجريان، العميق المتدفق - ~~وتسلقت إلى السموات. وكان من العسير إذ ذاك أن تتعرف على أي رجل من ~~القتلى، ومع ذلك فقد غسلوا الدم ms204 المتجمد بالماء، وحملوا الجثث فوق ~~العربات، وهم يذرفون في أثناء ذلك دموعا سخينة. بيد أن بريام ~~العظيم لم يكن يحتمل أن يجهش قومه عاليا بالنحيب؛ ومن ثم فقد ~~أخذوا يكومون الجثث في صمت، فوق كومة الحطب، وقد أثقل الحزن ~~قلوبهم. ولما انتهوا من إحراقها بالنار، ذهبوا في طريقهم إلى ~~طروادة المقدسة. # وحذا حذوهم الآخيون المدرعون جيدا، فكوموا الجثث في المقابلة، ~~فوق كومة الحطب، بقلوب يحز فيها الكمد. حتى إذا ما انتهوا من ~~إحراق الجثث بالنيران، اتخذوا طريقهم إلى السفن الخاوية. # إنشاء سور الآخيين # وقبيل أن يبزغ الفجر في جنبات السماء، والليل لا يزال مزيجا ~~من النور والظلمة، احتشدت النخبة المختارة من جيش الآخيين حول ~~كومة الحطب، وحفروا حولها قبرا واحدا في السهل - لجميع الجثث على ~~حد سواء - ثم أقاموا سورا عاليا، للدفع عن سفنهم وعن أنفسهم. ~~وجعلوا فيه أبوابا محكمة الأقفال، لتكون مسالك تقاد خلالها ~~العربات. وحفروا خندقا في الخارج، عميقا وفسيحا وعظيما، ~~ملاصقا للسور، وغرسوا فيه أوتادا. # هكذا كان الآخيون ذوو الشعر المسترسل يعملون جادين، بينما جلست ~~الآلهة إلى جوار زوس - ملك البرق - تعجب للعمل الجبار الذي يقوم به ~~الآخيون ذوو المدرعات البرونزية. # فقال في وسطهم «بوسايدون» - مزلزل الأرض - وتكلم أولا، فقال: ~~«أبتاه زوس، هل يحق بعد ذلك لأي فرد من البشر على وجه الأرض ~~الواسعة الفلا، أن يعلن فكره ورأيه على الخالدين؟ ألا ترى أن ~~الآخيين ذوي الشعر المسترسل قد عادوا إلى بناء سور لأنفسهم، ~~دفاعا عن سفنهم، ومن حوله حفروا خندقا، ولم يقدموا للآلهة ذبائح ~~مئوية عظيمة ؟ ما من شك في أن صيتهم سيطير إلى حيث ينتشر الفجر، ~~وسوف ينسى الناس السور الذي أقمته أنا وأبولو بالكدح من أجل ~~المحارب لاوميدون.» # فقال له «زوس» - جامع السحب - وقد غضب لذلك كثيرا: «ويحي، يا ~~مزلزل الأرض، وواسع السلطان. أي قول هذا الذي قلت! من حق أي رب ~~آخر، أضعف منك بكثير في القوة، أن يخشى هذا الأمر، في حين أن صيتك ~~بالغ ولا بد إلى حيث ينتشر الفجر. فاذهب ms205 - إذا ما رحل الآخيون ذوو ~~الشعر المسترسل بسفنهم إلى وطنهم العزيز - واشطر السور شطران، ~~واجرفه كله إلى البحر، وأعد تغطية الساحل العظيم بالرمال، حتى لا ~~يبقى لسور الآخيين العظيم أي أثر يدل على فعلك.» # بذلك تكلم كل منهما إلى الآخر، حتى غابت الشمس وتم عمل ~~الآخيين، وذبحوا الثيران في جميع الأكواخ، ثم تناولوا طعام العشاء ~~وكانت سفن كثيرة قد وصلت من ليمنوس محملة بالنبيذ، أرسلها ابن ~~جاسون المدعو «يونيوس» - الذي أنجبته «هوبسيبولي» لجاسون، راعي ~~الجيش - وكان يونيوس قد أحضر ألف كيل من ذلك النبيذ خصيصى لولدي ~~أتريوس - أجاممنون ومينيلاوس - فاشترى الآخيون ذوو الشعر المسترسل، ~~النبيذ لأنفسهم من تلك السفن؛ بعضهم مقابل برونز، وبعض آخر مقابل ~~حديد براق، وآخرون مقابل جلود، وغيرهم مقابل ماشية حية، وغير هؤلاء ~~لقاء عبيد. ثم أعدوا لأنفسهم وليمة فاخرة. فقضى الآخيون - ذوو ~~الشعر المسترسل - الليل بطوله يولمون. كما فعل الطرواديون وحلفاؤهم ~~في المدينة مثل ذلك. أما زوس، المستشار، فقد بات الليل بطوله يدبر ~~لهم الشر، مرسلا الرعد بصورة مخيفة. فألم بهم فزع شاحب، وتركوا ~~الخمر تراق من كئوسهم فوق الأرض. ولم يجرؤ أحد منهم على أن يشرب ~~إلا بعد أن يقدم لابن كرونوس تقدمة من الشراب. ثم استقلوا، وحظوا ~~بنعمة النوم. # | الأنشودة الثامنة # ... رفع الأب كفتي ميزانه الذهبيتين، ووضع فيهما مصيرين من الموت ~~المفجع: واحدا للطرواديين، وآخر للآخيين، ثم أمسك قب الميزان من ~~منتصفه ورفعه. # كيف تذكر «زوس» عهده بأن يقتص من «أجاممنون» لما حاق بأخيل من ~~ظلم؛ ومن ثم دعا الآلهة إلى أن تكف عن الحرب، و... و... للطرواديين ~~النصر. # اجتماع فوق جبل أوليمبوس # أخذ الفجر، ذو الثوب الزعفراني ينتشر على وجه الأرض، فعقد «زوس» ~~- الذي يقذف الصواعق - اجتماعا للآلهة فوق أعلى ذؤابات جبل ~~أوليمبوس الكثير القمم، وأخذ يخطب فيهم - بينما جميع الآلهة يصغون ~~- فقال: «أصغوا إلي أيها الآلهة والربات جميعا، كي أفضي إليكم بما ~~يأمرني به قلبي الكائن في صدري، ولا يعارضن أحدكم قولي - ربة كانت ~~أم إلها - أو يرفضن كلمتي، بل عليكم جميعا ms206 بلا استثناء - أن ~~توافقوا على كلامي، حتى يتسنى لي التعجيل بتنفيذ هذه الأمور، إن كل ~~من يقع عليه بصري فأراه مبتعدا عن الآلهة، معتزما السعي لنجدة ~~الطرواديين أو الدانيين - على السواء - سيرجع إلى أوليمبوس مضروبا ~~بلا شفقة، أو فسأقذف به إلى تارتاروس الرازحة تحت الضباب، بعيدا ~~جدا، إلى أعمق هوة تحت الأرض: أبوابها من الحديد، وعتبتها من ~~البرونز، وتبعد عن هاديس - في العمق - بعد السماء عن الأرض في ~~الارتفاع! وعندئذ ستعلمون أنني أقوى الآلهة طرا، هيا تعالوا، ~~جربوا أيها الآلهة، كي تعرفوا جميعا! ... أدلوا من السماء بحبل ~~من ذهب، وأمسكوا جميعا بطرفه - أيها الآلهة والربات - وعندئذ لن ~~تستطيعوا أن تجذبوا «زوس» - المستشار الأعلى - من السماء إلى ~~الأرض، ولو بذلتم أقصى جهد. أما أنا، فمتى عقدت العزم، ففي وسعي أن ~~أجذبكم بسهولة - مع الأرض ذاتها والبحر كذلك - ثم أربط الحبل بعد ~~ذلك حول إحدى ذؤابات أوليمبوس، فتظل كل هذه الأشياء معلقة في ~~الفضاء، بهذه الدرجة أتفوق أنا على جميع الآلهة والبشر!» # هكذا تكلم «زوس»، فخيم الصمت على الجميع؛ إذ أدهشتهم كلماته، ~~لأنه كان يخاطبهم بسيطرة تامة. وأخيرا قامت الربة «أثينا» - ذات ~~العينين النجلاوين - وقالت: «أبانا كلنا، يا ابن كرونوس، يا سيد ~~جميع السادة، إننا أنفسنا نعلم يقينا أن قوتك لا تقهر، غير أننا ~~نشفق على الرماحين «الدانيين» الذين سيفنون الآن ويسوء مصيرهم. ~~ومع ذلك فنحن سنمتنع عن القتال - كما تأمر - غير أننا سنقدم النصح ~~للأرجوسيين بما فيه صالحهم، حتى لا يهلكوا جميعا بسبب ~~غضبك.» # عندئذ ابتسم «زوس»، جامع السحب، وتحدث إليها فقال: «لا تخافي، ~~يا «تريتوجينيا»، # 1 # يا طفلتي العزيزة، فلست - بأية حال - شديد الإصرار على ~~ما قلت، وإنما أعتزم أن أكون رفيقا بك.» # وما إن قال هذا حتى ربط جياده البرونزية الحوافر، السريعة العدو ~~- ذوات المعرفات الذهبية المتموجة - إلى عربته، ثم لف بالعسجد ~~جسمه، وأمسك بالسوط الذهبي المتين الصنع، واعتلى مركبته، ومس ~~الجياد بالسوط ليحثها على الانطلاق. فعدت - لا تلوي على شيء - ~~بين الأرض والسماء ذات الكواكب. وانطلق بها إلى ms207 أيدا - الكثيرة ~~النافورات، أم الحيوانات المفترسة - وإلى جارجاروس حيث يوجد معبده ~~ومذبحة العطر الأريج. وهناك أوقف أبو الآلهة والبشر جياده، وخلاها ~~عن العربة، وسكب عليها غماما كثيفا، ثم جلس هو فوق أعالي قمم ~~الجبل يتلألأ في مجده، ويطل على مدينة الطرواديين وسفن ~~الآخيين. # المعركة في يومها الثاني # تناول الآخيون - ذوو الشعر المسترسل - طعامهم بسرعة في أكواخهم، ~~حتى إذا انتهوا منه، قاموا فارتدوا حللهم الحربية. وحذا الطرواديون ~~حذوهم - من ناحيتهم - فسلحوا أنفسهم في جميع أنحاء المدينة، وكانوا ~~أقل نفرا، ولكنهم كانوا تواقين إلى خوض القتال، تدفعهم الحاجة ~~الماسة، من أجل أطفالهم وزوجاتهم. وكانت جميع الأبواب مفتوحة، ~~فتدفق الجيش بسرعة، مشاة وركبانا، وارتفع الصخب والضجيج. # وما إن التقى الجمعان في صعيد واحد، حتى قرعوا تروسهم ورماحهم، ~~في حماس المقاتلين المدرعين بالبرونز، واصطكت التروس المرصعة بعضها ~~ببعض، وانبعث لها ضجيج مرتفع، وما لبثت الإناث أن سمعت مع صيحات ~~النصر، وأصوات القاتلين والمقتولين معا، وتخضبت الأرض ~~بالدماء. # وطوال الصباح، والنهار المقدس يزداد وضوحا، ظلت القذائف تنطلق ~~من كلا الجانبين نحو أهدافها، وراح الرجال يسقطون. حتى إذا تجاوزت ~~الشمس كبد السماء، رفع الأب كفتي ميزانه الذهبيتين، ووضع فيهما ~~مصيرين من الموت المفجع؛ واحدا للطرواديين مستأنسي الخيول، وآخر ~~للآخيين المتدثرين بالبرونز. ثم أمسك قب الميزان من منتصفه ورفعه ~~فهبطت على الفور الكفة التي حملت يوم موت الآخيين. # وهكذا هوت أقدار الآخيين إلى الأرض الحنون، وارتفعت أقدار ~~الطرواديين عاليا إلى السماء الفسيحة. ثم أرعد الإله عاليا من ~~«أيدا» وأرسل وميضه المستعر وسط جيش الآخيين، فلما رأوه استولى ~~عليهم الذهول وتملكهم الذعر المخيف أجمعين! # ومن ثم لم يجرؤ «أيدومينيوس» على الصمود، ولا أجاممنون، بل ولا ~~البطلان «أياس» - خادما أريس - ولكن نسطور الجيريني، حامي الآخيين ~~ثبت في وقفته، لا عن قصد وإنما لأن جواده كان قد أصيب بجرح بالغ، ~~أحدثه «باريس» العظيم - زوج هيلينا ذات الشعر الفاتن - بسهم فوق ~~الجمجمة - ففي هذه البقعة أهم مقتل للجياد - ومن ثم وثب الجواد ~~عاليا في ألم، فنفذ السهم إلى مخه، وأشاع الفوضى ms208 بين جياد العربة ~~وهو يتلوى جامحا. # وبينما قفز الرجل المسن بعيدا، وأخذ يقطع الأعنة بسيفه، أقبلت ~~جياد «هكتور» السريعة وسط الهرج، يقودها سائق جريء، هو «هكتور» ~~نفسه. وكان لا بد للكهل من أن يفقد حياته، لولا أن «ديوميديس» - ~~البارع في صيحة الحرب - بادر إلى الانتباه فأرسل صيحة مفزعة، وحث ~~«أوديسيوس» بقوله: «هيا يا ابن لايرتيس المولود من زوس، يا ~~أوديسيوس، يا كثير الحيل، إلى أين تهرب موليا ظهرك - وسط الحشد - ~~كالجبناء؟ حذار أن يغرس شخص رمحه بين كتفيك أثناء فرارك. كلا، بل ~~قف في مكانك حتى تصد عن الكهل عدوه المهتاج!» # هكذا قال، ولكن «أوديسيوس» العظيم - الشديد الجلد - لم يصغ ~~إليه، بل أسرع إلى سفن الآخيين الخاوية. غير أن ابن «توديوس» اختلط ~~بالمقاتلين في الصفوف الأمامية - رغم أنه كان وحده - واتخذ موقفه ~~أمام جياد الرجل المسن، ابن «نيليوس»، وخاطبه بكلمات مجنحة، ~~قائلا: «يا سيدي الكهل، الحق أن المحاربين الشبان يضيقون عليك ~~الخناق، في حين أن قوتك قد خمدت، وقست عليك الشيخوخة، وخادمك ضعيف، ~~وجيادك بطيئة. فتعال إذن، وامتط عربتي، حتى ترى من أي نوع هي ~~جياد تروس، الماهرة في العدو بسرعة هنا وهناك فوق السهل، سواء في ~~الكر أو في الفرار، فلقد أخذتها من «أينياس» الذي يبث الخوف في ~~النفوس، فدع جيادك لخادمينا يتوليان أمرها، ولنقد نحن هذين ~~الجوادين على الفور ضد الطرواديين مستأنسي الخيول؛ كي يعرف هكتور ~~كذلك أن رمحي يثور في يدي.» # هكذا قال، فلم يصم الفارس «نسطور الجيريني» أذنيه عن قوله. وقام ~~الخادمان - «ستينيلوس» الشجاع، و«يوروميدون» الطيب ، بالعناية ~~بأفراس نسطور، وامتطى الآخران معا عربة «ديوميديس». فأمسك «نسطور» ~~بالأعنة اللامعة في يديه، وألهب الجياد بالسوط، فاقتربت مسرعة من ~~هكتور. وإذ ذاك صوب إليه ابن «توديوس» ضربة - وهما يطبقان عليه - ~~ولكنه أخطأه. بيد أن خادمه وسائق عربته، «أينيوبيوس» ابن ~~«ثيبايوس»، الجريء القلب، أصيب في صدره، بجانب ثديه، وهو ممسك ~~بالأعنة، فسقط خارج العربة، وانحرفت جياده السريعة الأقدام جانبا، ~~ففاضت روحه ونضبت قوته. # إذ ذاك غشي نفس هكتور حزن أليم ms209 على سائق عربته، ولكنه تركه ~~مسجى، وإن أسف على زمالته، وشرع يبحث له عن سائق عربة جسور. ولم ~~تطل حاجة الجياد إلى مسيطر؛ إذ سرعان ما عثر على ابن «إيفيتوس» - ~~«أرخيميتوليموس» المقدام - فأمره بالصعود خلف جياده السريعة ~~الأقدام وأسلمه الأعنة. # عندئذ حل الخراب، ووقعت أحداث لا سبيل إلى علاجها، وهكذا حبسوا ~~في طروادة كالحملان، لولا أن أبا الآلهة والبشر فطن إليهم بسرعة، ~~فأطلق رعودا مروعة، وأرسل صاعقته الناصعة الإبراق، فألقى بها على ~~الأرض أمام جياد ديوميديس، فارتفعت ألسنة لهب الكبريت الحارق، ~~وأجفلت الجياد متراجعة تحت العربة وقد استولى عليها الفزع. فأفلتت ~~الأعنة البراقة من يدي نسطور، وامتلأ قلبه بالخوف، وخاطب ديوميديس ~~قائلا: «أيا ابن توديوس، هيا، استدر بجيادك القوية الحوافر طلبا ~~للفرار. ألا ترى أن النصر لا ينتظرك من لدن زوس؟ ها هو ذا ابن ~~كرونوس، يمنح المجد لذلك الرجل «هكتور» في يومنا هذا، ثم يهبنا ~~إياه فيما بعد، إذا شاء، ولا يملك امرؤ قط أن يصد إرادة زوس، مهما ~~يكن مقداما؛ لأنه أقوى بمراحل، والحق يقال!» # فرد عليه ديوميديس، البارع في صيحة الحرب، قائلا: «إنك على حق، ~~أيها الشيخ، فبالصواب نطقت، ولكن الحزن الشديد يتسلل إلى قلبي ~~وروحي؛ لأن هكتور سيقول يوما ما، وهو يخطب في جموع الطرواديين: ~~«لقد أجبرت ابن توديوس على الفرار أمامي، موليا الأدبار إلى ~~السفن.» بهذا سيزدهي ويختال، فلتنشق الأرض وتبتلعني في ذلك ~~اليوم!» # فأجابه الفارس «نسطور الجيريني» بقوله: «ويحي، يا ابن توديوس ~~الحكيم القلب، ماذا تقول؟ مهما يرمك هكتور بالجبن والضعف، فإن ~~الطرواديين والداردانيين لن يصغوا إليه، وكذلك زوجات كبار القلوب ~~من أهل طروادة، حاملات التروس، الزوجات اللائي جندلت أزواجهن ~~الأشداء في الثرى!» # هكذا قال، واستدار للفرار بجياده القوية الحوافر - خلال الهرج ~~السائد - فأخذ الطرواديون وهكتور يصبون عليه وابلا من السهام ~~الموجعة، في صخب عجيب. وصاح هكتور العظيم ذو الخوذة البراقة، ~~قائلا بصوت عال: «أيا ابن توديوس، لقد كان الدانيون ذوو الجياد ~~السريعة تواقين إلى تكريمك وإيثارك - دون الآخرين - بأرفع مكان، ~~وباللحوم والكئوس المترعة، ms210 ولكنهم الآن سيحتقرونك؛ إذ إنك - رغم كل ~~شيء - لست خيرا من المرأة. اذهب أيها الدمية الجبانة، فلن يكون ~~مني إحجام وتقاعس يمكنانك من تسلق أسوارنا، كما أنك لن تقدر على ~~حمل نسائنا في سفنك، فلسوف أسقيك كأس الحمام قبل هذا!» # هكذا قال هكتور، فتردد ابن «توديوس» فيما يفعل: أيفر بجياده أم ~~يقاتله وجها لوجه؟! ثلاث مرات تردد في قرارة نفسه وروحه، ~~وثلاث مرات أرعد «زوس» الناصع - من جبال «أيدا» - معطيا ~~الطرواديين علامة ونصرا، كي يحول نتيجة المعركة. وصاح هكتور بصوت ~~مرتفع يخاطب الطرواديين بقوله: «أيها الطرواديون واللوكيون ~~والداردانيون، يا من تقاتلون في عراك ملتحم، كونوا رجالا يا ~~أصدقائي، وفكروا في البطولة المستبسلة. أرى أن ابن كرونوس قد ~~أعطاني النصر والمجد العظيم - بنية صادقة - وجعل للدانيين المحن ~~والكروب. يا لهم من حمقى؛ إذ أقاموا هذه الخنادق الضعيفة غير ~~النافعة، فهي لن تقاوم أو تصمد أمام قوتنا، وسوف تقفز خيولنا ~~بسهولة فوقها. وعندما أصبح في النهاية وسط السفن الخاوية، فلا ~~تنسوا تلك النار المهلكة، فربما أضطر إلى أن أحرق السفن بالنار، ثم ~~أقتل الرجال. أما الأرجوسيون فسيظلون تحت الدخان، مذهولين بجانب ~~سفنهم. # وما إن قال هذا، حتى صاح يستحث جياده: «هيا يا كسانثوس، وأنت يا ~~بودارجوس، ويا أيثون، ويا لامبوس العظيم، الآن ردوا لي ما عليكم من ~~دين، فإن «أندروماخي» - ابنة أيتيون الجريء القلب - قد قدمت لكم ~~كميات وفيرة من القمح اللذيذ الطعم، وخلطت لكم الخمر لتشربوا منها ~~ما طاب لكم أن تشربوا، فكان هذا دينا لي عليكم؛ إذ إنني زوجها ~~الصنديد . هيا يا جيادي، أسرعي في المطاردة، كي يمكننا أن نأخذ ترس ~~نسطور، الذي بلغ صيته عنان السماء، ذلك الترس المصنوع من الذهب ~~الخالص كله، حتى قضبانه، وكي نخلع عن كتفي ديوميدس مستأنس الخيول ~~درع صدره الغنية بالزخارف والتي تعب هيفايستوس في صنعها له. فلو ~~أننا استطعنا الحصول على هذين، لكان لي الأمل في أن أجبر الآخيين ~~هذه الليلة على الفرار!» # الآخيون يشنون هجوما مضادا # هكذا قال مزهوا، فحنقت هيرا الجليلة، ms211 وهزت نفسها فوق عرشها، ~~فاهتز أوليمبوس الشامخ. وخاطبت الرب بوسايدون القوي، قائلة: «ويحي، ~~يا مزلزل الأرض، يا واسع السلطان، ألم يحس قلبك في صدرك بأي عطف ~~حتى الآن على الدانيين الذين يهلكون؟ ومع ذلك فإنهم يحضرون لك ~~الكثير من القرابين الجميلة في هيلينا وإيجة، تبجيلا لك، ولكنك ~~للآن لم ترد لهم النصر! ... ولو أننا عزمنا جميعا - نحن الذين ~~نساعد الدانيين - على دفع الطرواديين إلى الوراء، وعلى إيقاف ~~زوس ذي الصوت البعيد المدى، إذن لجلس وحده مغيظا فوق ~~أيدا.» # فلما اضطرب قلب السيد، مزلزل الأرض، قال لها: «أي هيرا، أيتها ~~الطائشة الحديث، ما هذه الألفاظ التي تفوهت بها؟ لم يحدث قط أن ~~اشتقت إلى رؤيتنا جميعا في صراع مع زوس، ابن كرونوس، فإنه بحق ~~أقوى منا بمراحل.» # هكذا تكلم كل منهما إلى الآخر، وكان جميع الفضاء الذي يفصله ~~الخندق عن السفن زاخرا بالعربات، حتى الأسوار، كما كان حاملو ~~التروس يتزاحمون، وقد احتشدوا بجانب هكتور بن بريام، نظير «أريس» ~~السريع الذي منحه زوس الآن مجدا، وكاد يحرق السفن الجميلة ~~بالنيران الملتهبة، لولا أن هيرا الجليلة حضت أجاممنون على أن ينهض ~~ويحث الآخيين بسرعة، وعلى ذلك شق طريقه بمحاذاة أكواخ الآخيين ~~وسفنهم، حاملا عباءة أرجوانية كبيرة في يده القوية، واتخذ موقفه ~~بجوار سفينة أوديسيوس السوداء، الضخمة البنيان، والتي كانت في ~~الوسط حتى يتسنى لأية صيحة أن تصل إلى الطرفين؛ إلى أكواخ أياس بن ~~تيلامون، وإلى أكواخ أخيل؛ إذ كان هذان قد سحبا سفنهما الجميلة إلى ~~الطرفين القصيين، معتمدين على شجاعتهما وقوة أيديهما. فوقف هناك ~~وأطلق صيحة مدوية، ينادي بها الدانيين بأعلى صوته قائلا: «سحقا ~~لكم، أيها الأرجوسيون، يا أحقر من أنجب العار، ويا من لم تؤتوا من ~~الشجاعة سوى مظهرها! أين ذهب فخرنا وزهونا يوم أن أعلنا ملء ~~أشداقنا أننا أشجع الناس؟ ذلك الزهو الذي تباهيتم به يوم أن كنتم ~~في ليمنوس، وأنتم تأكلون ملء بطونكم من لحم البقر المستقيم القرون، ~~وتشربون الطاسات المترعة بالخمر حتى حافاتها، قائلين: إن كل امرئ ~~منكم يستطيع ms212 أن يواجه مائة مقاتل، بل مائتين من الطرواديين، في حين ~~أننا لا نستطيع الآن أن نواجه فردا واحدا، ولا «هكتور» هذا، ~~الذي لن يلبث حتى يشعل النيران المتأججة في سفننا؟! أبتاه زوس، هل ~~أعميت - من قبل - قلب أي من الملوك العتاة بمثل هذا العمى، وجردته ~~من المجد العظيم؟ ومع ذلك فإنني على يقين من أنني لم أمر قط - في ~~سفينتي ذات المقاعد - بمذبح جميل من مذابحك، خلال طريقي المشئوم ~~إلى هنا، إلا وأحرقت دهن الثيران وأفخاذها، وأنا أتوق إلى تخريب ~~طروادة المحكمة الأسوار. أي زوس، حقق لي هذه الرغبة: اسمح ~~لأرواحنا - على الأقل - بالهروب والنجاة، ولا تسمح للآخيين بأن ~~يبيدوا هكذا على أيدي الطرواديين.» # هكذا تكلم، فأشفق عليه زوس وهو يبكي، ووعده بأن ينقذ شعبه من ~~الهلاك. وفي الحال أرسل نسرا - وهو العلامة الأكيدة بين الطيور ~~المجنحة - يحمل في مخالبه ظبيا، ابن ظبية سريعة. وطار حتى مذبح ~~زوس الجميل، وأسقط الظبي بجواره، في المكان الذي اعتاد الآخيون أن ~~يقدموا فيه الذبائح لزوس الباعث جميع العلامات. فلما أبصروا الطائر ~~مقبلا من لدن زوس، ضاعفوا هجومهم على الطرواديين واهتموا ~~بالمعركة. # عندئذ لم يكن لأي رجل من الدانيين، رغم كثرة عددهم، أن يفخر ~~بأنه سبق ابن توديوس في دفع جياده السريعة عبر الخندق، حيث نازل ~~الأعداء فرادى، فلقد كان ابن توديوس أول من قتل محاربا، وهو ~~«أجيلاوس» ابن «فرادمون»، إذ إنه حول جياده ليفر، غير أنه لم يكد ~~يستدير حتى غيب ديوميديس رمحه في ظهره - بين الكتفين - ودفعه عبر ~~صدره، فسقط من عربته يتردى، ومن فوقه صلصلت عدته الحربية. # وجاء بعده ابنا «أتريوس» أجاممنون ومينيلاوس - ثم البطلان «أياس» ~~متدثرين بالشجاعة الثائرة، وأعقبهم «أيدومينيوس»، ورفيقه ~~«ميريونيس»، نظير «أينواليوس» قاتل البشر. وجاء بعدهم «يوروبولوس»، ~~ابن «يوايمون» «المجيد»، وجاء «تيوكير» تاسعهم، ناشرا قوسه ~~المعقوفة الظهر، فاتخذ موقفه تحت ترس أياس بن تيلامون. فكان على ~~«أياس» إذن أن يحرك ترسه خلسة ليمكن المحارب من أن يترقب فرصته، ~~حتى إذا ما أطلق هذا سهما وأصاب واحدا من الجمع، ms213 يسقط ذلك الواحد ~~ويلفظ روحه، وعندئذ يتراجع «ثيوكير» ويلجأ إلى «أياس» كطفل في كنف ~~أمه، فيخفيه هذا بترسه المتألق! # فمن كان أول من قتلهم «ثيوكير» العظيم من الطرواديين؟ كان ~~«أورسيلوخوس» الأول، ثم «أورمينوس»، فأوفيليستيس، فدايتور، ~~فخروميوس، فلوكوفونتيس شبيه الإله، فأموباون بن بولوايمون، ~~فميلانيبوس، كل هؤلاء صرعهم ثيوكير، واحدا بعد آخر، فسقطوا على ~~الأرض الفسيحة. فلما رآه أجاممنون - ملك البشر - سر لإحداثه الفوضى ~~في صفوف الطرواديين بقوسه القوية، فوقف إلى جواره وخاطبه بقوله: ~~«أي ثيوكير المحبوب، يا ابن تيلامون، قائد الجيوش، أطلق سهامك على ~~هذا النحو، حتى توجد بصيصا من الأمل في الإخلاص للدانيين، ومجدا ~~لأبيك تيلامون، الذي رباك مذ كنت طفلا، وآواك في داره رغم أنك كنت ~~لقيطا، فاجلب له الشرف، رغم كونه بعيدا جدا. وعلاوة على ذلك ~~فإنني أعلن لك ما سوف يتحقق فعلا: إذا أتاح لي زوس - حامل الترس - ~~وأثينا، أن أخرب مدينة طروادة المتينة البناء، فسوف تكون يداك أول ~~يدين أضع فيهما - بعد يدي - جائزة الشرف؛ سواء كانت هذه الجائزة ~~ثلاثة جياد أو اثنين مع عربتهما، أو كانت سيدة ترقد معك في ~~فراشك.» # فرد عليه ثيوكير المنقطع النظير بقوله: يا ابن أتريوس العظيم ~~المجد، لم تحضني على ما أنا متحمس له؟ الحق أنني لن أنكص طالما ~~كانت في قوة، فمنذ أن دفعناهم صوب طروادة وأنا قابع في انتظار ~~الرجال بقوسي، لأعمل فيهم التقتيل. ولقد أطلقت حتى الآن ثمانية ~~سهام طويلة الأشواك، استقرت كلها في أجساد الشبان السريعي الحركة ~~في القتال، إلا هذا الكلب المسعور فلست أملك إصابته .» # وبعد أن تكلم أطلق سهما آخر من وتر قوسه نحو هكتور مباشرة، ~~وقلبه يهفو إلى إصابته، ولكنه مع ذلك أخطأه، فأصاب السهم صدر ~~«جورجوثيون» ابن بريام الشجاع، الذي أنجبته «كاستيانايرا» الفاتنة ~~الأيسومية، الشبيهة بالربة، وكما يحدث في الحديقة إذ تنحني ~~الخشخاشة المحملة بالثمار، تحت أمطار الربيع، كذلك أحنى هو رأسه ~~المثقل بالخوذة! # وأطلق ثيوكير سهما آخر من وتر قوسه صوب هكتور مباشرة، وقلبه ~~تواق إلى إصابته، ولكنه أخطأه للمرة الثانية. ms214 إذ جعل أبولو السهم ~~ينحرف، فأصاب صدر «أرخيبتوليموس» - سائق عربة هكتور الجسور - بجانب ~~ثديه، وهو يسرع وسط معمعة القتال، فسقط من العربة، فانحرفت الجياد ~~السريعة الأرجل، وهنا خارت قواه وفاضت روحه. فحزن هكتور على سائق ~~عربته حزنا بالغا، ومع ذلك تركه يرقد حيث هو، وأمر «كيبريونيس» ~~شقيقه - الذي كان يقف قريبا منه - بأن يقبض على أعنة الخيول، ~~فأطاع الأمر دون إحجام. ثم قفز هكتور نفسه من عربته المتألقة إلى ~~الأرض وهو يصيح صيحة مروعة، وأمسك بيده صخرة وانقض على ثيوكير يريد ~~أن يهوي بها عليه. وكان ثيوكير في تلك الآونة قد التقط من جعبته ~~سهما مريرا، وثبته في وتر قوسه، وفيما كان يجذبه إلى الخلف، ضربه ~~«هكتور» - ذو الخوذة البراقة - بالحجر المدبب بجانب كتفه، حيث تفصل ~~عظمة الترقوة العنق عن الصدر - وهي البقعة الأشد مقتلا - فقطع وتر ~~القوس، وشل إحساس يده من عند الرسغ، فسقط على ركبتيه. وهكذا رقد، ~~ووقعت القوس من يده. غير أن «أياس» لم يكن غافلا عن سقطة أخيه، ~~فأسرع يجري نحوه، ووقاه بترسه. وعندئذ انحنى اثنان من أخلص رفاقه ~~- هما: «ميكيستيوس» ابن «أخيوس»، و«ألاسطور» العظيم - فحملاه، وهو ~~يئن أنينا مؤلما، إلى السفن الخاوية. # ومرة أخرى، أذكى الأوليمبي في قلوب الطرواديين، فدفعوا الآخيين ~~في الحال إلى الخندق العميق. وانطلق هكتور وسط الصفوف الأولى يزهو ~~بقوته. وكما يطارد كلب سريع الأقدام خنزيرا بريا أو أسدا - ~~فيمسك به من الخاصرة أو من العجز، ويتشبث به في حذر وهو يدور حول ~~نفسه - راح هكتور يطارد الآخيين ذوي الشعر المسترسل ، ذابحا من ~~كانوا في المؤخرة. حتى دبت بينهم الفوضى. ومروا أثناء فرارهم بين ~~الأوتاد والخنادق، وقتل الطرواديون كثيرين منهم، ثم وقفوا إلى جانب ~~سفنهم، ينادون بعضهم بعضا، ورفعوا أيديهم إلى جميع الآلهة، وأخذ ~~كل فرد منهم يصلي بحرارة. بيد أن هكتور شرع يدفع جياده الجميلة ~~المعرفة في هذا الطريق أو تلك. وعيناه أشبه بعيون الجورجون أو ~~عيون أريس، جلاب الهلاك للبشر. ~~«هيرا» و«أثينا» تقرران التدخل # وإذ أبصرت بهم الربة «هيرا» - الناصعة ms215 الذراعين - أشفقت عليهم، ~~وخاطبت في الحال «أثينا» بعبارات مجنحة قائلة: «ويحي، يا ابنة زوس ~~- حامل الترس - هل نظل كلتانا بلا تفكير مطلقا في الدانيين الذين ~~يتساقطون صرعى، ولو في هذه المرة الأخيرة فحسب؟ لسوف يملئون كأس ~~القدر الشرير، فيهلكون أمام هجوم رجل واحد، هو هكتور بن بريام، ~~الذي يثور الآن ثورة جامحة ما لها مثيل، والذي ارتكب كثيرا من ~~الآثام حقا!» # فقالت لها الربة أثينا ذات العينين النجلاوين: «حقا، لكم كنت ~~أتوق إلى أن يفقد هذا الرجل قوته وحياته، مقتولا في وطنه بأيدي ~~الأرجوسيين، غير أن أبي مهتاج، لا يضمر خيرا، وهو عنيد، بل إنه ~~آثم يخيب آمالي، ولا يتذكر قط أنني كثيرا ما أنقذت ابنه عندما ~~كاد يهلك أثناء أدائه مهام «يوروسثيوس»، فقد كان يبكي ويتضرع إلى ~~السماء، ومن السماء كان يرسلني «زوس» لمساعدته. ولو أنني أدركت هذا ~~بما في قلبي من حكمة - عندما أرسله «يوروسثيوس» إلى بيت هاديس ~~الديدبان، كي يخرج كلب هاديس المقيت من داخل أيريبوس - لما كان قد ~~نجا من مياه نهر ستكوس التي تتدفق رأسيا. وبالرغم من هذا فإن ~~زوس يكرهني الآن، ويستجيب لأغراض «ثيتيس» التي قبلت ركبتيه وأمسكت ~~ذقنه بيدها، متوسلة إليه أن يخلع المجد على أخيل، مخرب المدن، ~~ولكن من المحقق أن سيأتي اليوم الذي يعود فيه فيناديني بعزيزته ~~البراقة العينين. أما الآن فأعدي لنا جيادنا القوية الحافر، ريثما ~~أدخل قصر «زوس» حامل الترس، وأرتدي حلتي الحربية استعدادا للقتال، ~~كي أرى ما إذا كان ابن بريام - هكتور ذو الخوذة البراقة - سيسر ~~عندما نظهر معا في الأفق على طول خنادق المعركة. نعم، من المؤكد ~~أن كثيرا من الطرواديين سيتخمون الكلاب والطيور بشحومهم ولحومهم، ~~عندما يتردون بجانب سفن الآخيين.» # هكذا تكلمت، ولم تمتنع الربة «هيرا» - البيضاء الساعدين - عن ~~الإصغاء إليها. ثم مضت هيرا - الربة الجليلة، ابنة كرونوس العظيم - ~~تسرج الجياد الذهبية الغرة. ولكن أثينا - ابنة زوس حامل الترس - ~~أسقطت رداءها الرقيق، الفاخر الوشي، الذي طرزته بنفسها، فوق أرض ~~أبيها، ولبست عباءة «زوس» جامع السحب، وتأهبت ms216 في عدتها الحربية، ~~لأجل الحرب المحزنة. ثم اعتلت العربة المتوهجة وأمسكت برمحها ~~الثقيل، الكبير القوي، الذي تفنى به صفوف الرجال من المحاربين ~~الذين تغضب عليهم، وهي ابنة الرب العظيم. ولمست «هيرا» الجياد ~~بالسوط، فانفتحت أبواب السماء من تلقاء نفسها وهي تصر على ~~مفصلاتها، تلك الأبواب التي تقوم آلهة الساعات على حراستها، والتي ~~عهد إليها بالسماء العظيمة وأوليمبوس، بحيث إن لها أن تبدد السحب ~~الكثيفة أو تحشدها. وخلال هذه الأبواب، ساقت الربتان جيادهما التي ~~تحتمل المنخس بصبر. # بيد أن الأب زوس أبصر بهما من أيدا، فاستشاط غضبا، وأرسل لفوره ~~«أريس» الذهبية الجناحين برسالة، وقال لهما: «اذهبي يا أريس ~~السريعة، ورديهما على أعقابهما، ولا تحمليهما مشقة مقابلتي وجها ~~لوجه، فلن تكون لالتقائنا في عراك عاقبة سعيدة. إن ما أقوله الآن ~~هو ما سيحدث فعلا فلسوف أمسح جيادهما السريعة في العربة وأقذف ~~بهما منهما، وأحطم العربة إربا، ولن يبرئهما انقضاء عشر سنوات ~~متتابعة، من الجراح التي تسببها لهما الصاعقة؛ كي تعرف ذات ~~العينين البراقتين العاقبة، إذا ما ناضلت ضد أبيها. أما هيرا فلست ~~أحمل لها مزيدا من ضغينة أو غضب؛ إذ إنها اعتادت أن تعارضني ~~دائما فيما أتخذ من قرارات!» # هكذا قال، فانطلقت «إيريس» السريعة القدمين لتبلغ الرسالة، وذهبت ~~لتوها من جبل أيدا إلى أوليمبوس الشاهق. فالتقت عند مدخل أوليمبوس ~~العديد الذؤابات، واستوقفتهما، وأبلغتهما ما قاله زوس، قائلة: «إلى ~~أين تسعيان؟ لم جن قلباكما في صدريكما؟ إن كرونوس يحرم عليكما أن ~~تقدما المعونة للأرجوسيين، بل إنه توعد وسينفذ وعيده: فسوف يمسخ ~~جيادكما السريعة في عربتكما، ويقذف بكما خارجها، ويحطم العربة ~~ذاتها إربا، ولن تبرأ جراحكما التي ستسببها لكما الصاعقة، في مدى ~~عشر سنوات متتاليات، كي تعلمي يا ذات العينين النجلاوين، معنى ~~صراعك ضد أبيك، أما هيرا فإنه لا يحمل لها مزيدا من ضغينة ولا ~~حقد؛ إذ إنها متعودة على أن تعارضه باستمرار في كل قرار يتخذه. ~~ولسوف تكونين متهورة، وغاية في الجرأة والجسارة، إذا تجاسرت على ~~رفع رمحك القوي ضد زوس!» # فلما أتمت ms217 أيريس السريعة القدمين ما قالته، خاطبت هيرا أثينا ~~بقولها: «ويحي، يا ابنة زوس حامل الترس! حقا أنني لن أحتمل الآن ~~أن يشن كلانا الحرب ضد زوس من أجل بني الإنسان. فليهلك هذا، وليعش ~~ذلك، كل لما قدر له من مصير، أما زوس، فليتخذ قراره في فؤاده، ~~وليقض على الطرواديين وعلى الدانيين بما يحلو له!» # وإذ قالت هذا، رجعت أدراجها بخيولها القوية الحافر. وعندئذ قامت ~~الساعات عنهما برفع النير عن جيادهما الجميلة المعرفة، وعقلتها ~~عند مذودها الحافل بالغذاء الإلهي الشهي، وأسندت العربة على سور ~~المدخل اللامع. ثم جلست الربتان فوق عرشين من الذهب وسط الآلهة ~~الآخرين، وبقلبيهما حزن مكين. # ولكن الأب زوس قاد عربته - المتينة العجلات - وجياده من أيدا إلى ~~أوليمبوس، وتوجه إلى مجلس الآلهة. فقام عنه مزلزل الأرض الذائع ~~الصيت برفع النير عن جياده، ووضع العربة في مربطها، ونشر فوقها ~~الغطاء، ثم جلس زوس، البعيد النظر، فوق عرشه الذهبي، فاهتز ~~أوليمبوس العظيم تحت قدميه. وكانت «أثينا» و«هيرا» هما الوحيدتان ~~اللتان جلستا بمنأى عن زوس، ولم تخاطباه بكلمة واحدة، أو تسألاه ~~شيئا. غير أنه كان منتبها - في قرارة قوله - إلى ذلك، فخاطبهما ~~بقوله: «ماذا يحزنكما، يا أثينا وهيرا؟ من المؤكد أنكما لم تتعبا ~~من إثارة الفوضى في معركة الطرواديين المجيدة؛ إذ إنكما تكنان لهم ~~كراهية بالغة فليحدث ما يحدث، فطالما أملك قوة لا تقاوم، فإن جميع ~~من في أوليمبوس من الآلهة لن يستطيعوا أن يثنوني عن عزمي. أما ~~أنتما الاثنتان فقد حلت الرجفة بأطرافكما اللامعة، حتى قبل أن ~~تشاهدا الحرب وأعمال الحرب الفظيعة. فهكذا أقول وهو ما كان خليقا ~~بأن يتحقق فعلا، ولو أنكما رزئتما بالصاعقة، لما أمكنكما العودة ~~بعربتكما إلى أوليمبوس، حيث مسكن الخالدين.» # هكذا تكلم، فتمتمت أثينا وهيرا، اللتان كانتا تدبران المصائب ~~للطرواديين، وهما تجلسان بالقرب منه. وتمالكت أثينا نفسها، فلم ~~تقل شيئا، إذ كان الغضب الجامح والسخط يتملكانها نحو أبيها ~~«زوس»؛ ولكن صدر «هيرا» كان خلوا من مثل غضبها، فتحدثت إليه ~~قائلة: «يا ابن كرونوس المهيب إلى أقصى ms218 حد، ما هذا القول الذي نطقت ~~به؟ إننا نعلم علم اليقين - من تلقاء أنفسنا - أن قدرتك ليست ~~بالضعيفة، ولكننا مع ذلك نشفق على الرماحين الدانيين الذين سيفنون ~~الآن ويلقون مصيرا سيئا. ومع ذلك فلسوف نكف أيدينا عن المعركة ~~إذا أنت أمرت بذلك غير أننا سنقدم للأرجوسيين النصح الذي فيه ~~نفعهم، حتى لا يهلكوا جميعا بسبب غضبك». # فرد عليها زوس، جامع السحب، قائلا: «أي هيرا الجليلة، يا ذات ~~عيون المها، ستشاهدين عند الفجر - إذا طاب لك - الابن الأقوى ~~لكرونوس، وهو يحدث شغبا أقسى إيلاما، بين جيش الرماحين ~~الأرجوسيين الكبير؛ لأن «هكتور» المرهوب الجانب لن يكف عن القتال ~~إلا بعد أن ينهض «ابن بيليوس» - السريع القدمين - بجانب السفن، يوم ~~يتقاتلون بين مؤخرات السفن، قتالا لا هوادة فيه، حول «باتروكلوس» ~~الصريع، فهكذا قدرت السماء. أما أنت، فلن أكترث لغضبك، كلا، ولو ~~ذهبت حتى إلى آخر حدود الأرض والبحر حيث يقيم «أيابيتوس» و«كرونوس» ~~لا ينعمان بأشعة «هيليوس هوبيريون» أو بأي نسيم، بل تحيط بهما ~~تارتاروس العميقة، من كل جانب. ومع أنك قد تذهبين إلى هناك في ~~إحدى جولاتك، إلا أنني لن أحفل بغضبك أبدا؛ إذ لا يوجد من هو أكثر ~~خزيا منك!» # هكذا تكلم، ولكن «هيرا» - البيضاء الساعدين - لم تنطق ببنت شفة ~~لترد عليه. وبعد ذلك سقط ضوء الشمس اللامع في «أوقيانوس»، جاذبا ~~الليل الداجي فوق وجه الأرض، واهبة الحب. فانصرف ضوء النهار على ~~غير رغبة من الطرواديين، ولكنه صادف سرورا من الآخيين الذين ~~صلوا ثلاث مرات لمجيء ظلمة الليل . # بعد ذلك عقد «هكتور» المجيد اجتماعا للطرواديين، وقادهم بعيدا ~~عن السفن بجانب النهر - في العراء - حيث كانت الأرض خلوا من ~~الموتى. # اجتماع في معسكر الطرواديين # وفي الحال ترجلوا من عرباتهم إلى الأرض، ليستمعوا إلى الكلمة ~~التي يلقيها «هكتور» - حبيب ~~زوس - في جمعهم، وكان يمسك في يده رمحا طوله أحد عشر ذراعا، وقد ~~تألق أمام وجهه رأس الرمح البرونزي الذي كانت تحيط به حلقة من ~~الذهب. وما لبث أن اتكأ على الرمح، وألقى كلمته وسط ms219 الطرواديين، ~~فقال: «أيها الطرواديون، والدانيون والحلفاء، اسمعوا وعوا. كنت آمل ~~أن ننزل الدمار الآن بالسفن وبجميع الآخيين، ثم نعود ثانية إلى ~~طروادة ذات الرياح، بيد أن الظلام تعجل إرخاء سدوله، فكان هذا ~~منقذا للأرجوسيين وسفنهم التي على شاطئ البحر. إذن فلنستسلم لليل ~~البهيم، ونعد عشاءنا، خلوا الجياد ذوات المعارف الجميلة عن العربات ~~وضعوا أمامها العلف، وأحضروا الثيران والأغنام الطيبة بسرعة من ~~المدينة واجلبوا النبيذ العسلي المذاق والخبز من بيوتكم، وعلاوة ~~على ذلك اجمعوا كثيرا من الحطب حتى نشعل كثيرا من النيران، فيصل ~~وهجها إلى عنان السماء حتى مطلع الفجر، لئلا يسرع الآخيون - ذوو ~~الشعر المسترسل - بالفرار فوق ظهر البحر الفسيح، تحت الظلام. كلا، ~~يجب ألا يعتلوا ظهور سفنهم دون معركة، ولكن ضعوا نصب أعينكم أن ~~يحمل كثيرون منهم جراحا يعالجونها في وطنهم، بأن يصاب كل منهم ~~بسهم أو رمح حاد الطرف وهو يقفز إلى سفينته، حتى يرهب الآخرون ~~إثارة الحرب المبكية ضد الطرواديين مستأنسي الخيول. وليعلن ~~المنادون - أحباء زوس - في سائر أنحاء المدينة أن على الصبايا ~~والرجال المسنين - الذين وخط الشيب جباههم - أن يجتمعوا حول ~~المدينة، فوق الشرفات التي بناها الآلهة، ولتشعل كل امرأة نارا ~~عظيمة في ساحتها، ولتكن هناك حراسة يقظة، خشية أن يتسلل كمين إلى ~~المدينة في غيبة الجيش. ليكن الأمر - أيها الطرواديون العظيمو ~~القلوب - كما أعلنه لكم، وليقم بيننا الرأي السليم. ولسوف أزيدكم ~~نصحا عند الفجر، وسط الطرواديين مستأنسي الخيول. وإنني لأواصل ~~الصلاة بأمل عظيم لزوس والآلهة الآخرين؛ كي يطردوا من هنا أولئك ~~الكلاب الذين حملتهم الأقدار، فوق سفنهم السوداء. ومع كل فلسوف ~~نواصل الحراسة أثناء الليل، ثم نثيرها - في الصباح، مع مطلع ~~الفجر - حربا شعواء، ونحن في عدتنا الحربية، عند السفن الخاوية، ~~وسوف أعلم ما إذا كان «ديوميديس» القوي - ابن «توديوس» - سيدفعني ~~بعيدا عن السفن حتى الأسوار، أو أنني سأقتله بالرمح البرونزي، ~~وأحمل غنائمه الملطخة بالدماء. غدا سيعرف مبلغ شجاعته، وهل يستطيع ~~الصمود أمام هجمة رمحي. لسوف يتردى. وسط الصفوف الأولى، بضربة من ~~رمحي - على ما ms220 أعتقد - وحوله عدد كبير جدا من زملائه، صرعى كذلك ~~عند مشرق الشمس في الغد. آه، ليتني أطمئن إلى الخلود وعدم الشيخوخة ~~طول حياتي، وأن أبجل مثل «أثينا» و«أبولو»، بكل الثقة التي ~~أطمئن بها إلى أن هذا اليوم سيجلب الشر على الأرجوسيين.» ~~«كلوتمنسترا» - زوجة أجاممنون ~~- تستقبل ابنها «أوريستوس». # هكذا خاطب «هكتور» جمعهم، فصاح الطرواديون بصوت عال ردا ~~على كلامه، وفكوا خيولهم المبللة بالعرق - من تحت النير - وقيدوها ~~بسيور من الجلد، وكان كل رجل بجانب عربته. وسرعان ما أحضروا ~~الثيران والأغنام الكبيرة من المدينة، كما أحضروا لأنفسهم - من ~~بيوتهم - نبيذا حلوا كالشهد وخبزا، وجمعوا مقدارا عظيما من ~~الحطب، وقدموا للخالدين ذبائح مئوية تحقق الرجاء. وعبر السهل، حملت ~~الرياح رائحة الشواء إلى عنان السماء، رائحة حلوة، ولكن الآلهة ~~المقدسة لم تنل نصيبها منها، ولم يكن في نيتها ذلك؛ إذ إنها كانت ~~تمقت طروادة المقدسة - وكذلك بريام وشعبه ذا الرماح الدردارية ~~الطويلة - مقتا عظيما. # ولكن هؤلاء جلسوا طوال الليل - بآمال عالية - على طول خنادق ~~القتال، وكانت نيرانهم تتأجج في مجموعات. وكما يحدث في السماء حول ~~القمر المنير؛ إذ تتألق النجوم بسناها - عندما يكون النسيم ~~هادئا في الفضاء الواسع - فتظهر سائر قمم الجبال والمرتفعات ~~الأرضية والممرات العالية أمام عيني الناظر، وينساب الهواء ~~اللانهائي من السماء، وتتجلى كل النجوم، فيتهلل قلب الراعي، ~~هكذا كانت حال هذا الجمع بين السفن ومجاري كسانثوس المائية؛ إذ ~~تألقت النيران التي أشعلها الطرواديون أمام طروادة. فكنت تشاهد ~~آلاف النيران مستعرة في السهل، وإلى جوار كل منها جلس خمسون ~~رجلا في وهج اللهب المتأجج. وإلى جوار عرباتهم كانت خيولهم تأكل ~~الشعير الأبيض والجويدار، في انتظار بزوغ الفجر ذي العرش ~~الجميل. # | الأنشودة التاسعة # «مرحبا بكم، إنكم ولا بد أصدقاء، إذ جئتم ... ولا ريب أن حاجة ~~ماسة أتت بكم، يا من أعتبرهم - حتى في غضبي - أعز الآخيين.» # كيف أوفد «أجاممنون» رسولا إلى «أخيل» يسأله أن يهدئ من نقمته، ~~وكيف رفض أخيل طلبه! # الآخيون يدبرون خطة # هكذا ظل الطرواديون في الحراسة، بينما استولى على الآخيين ms221 فزع ~~منزل من السماء، هو خادم الخوف الذي يشل الحراك، فمني كبارهم ~~جميعا بحزن لا يمكن احتماله، تغلغل في قلوبهم. وكما أن ريحين - ~~هما ريح الشمال وريح الغرب اللتان تهبان من تراقيا - تثيران اليم، ~~موطن الأسماك، فما إن تهبان فجأة، حتى ترفع الموجة القاتمة رأسها ~~عاليا، وتقذف حامول البحر إلى الخارج على طول الساحل، هكذا أيضا ~~كانت قلوب الآخيين مضطربة داخل صدورهم. # ولكن ابن «أتريوس» - الذي بخع الحزن الشديد قلبه - ظل يسير في ~~هذا الطريق وذاك، آمرا المنادين ذوي الأصوات الجهورية بأن ينادوا ~~كل رجل باسمه إلى مكان الجمع، على ألا يصيحوا عاليا. كما راح هو ~~شخصيا يكد وسط الصفوف الأولى. ومن ثم جلسوا في مكان الاجتماع ~~محسورين، ونهض «أجاممنون» يبكي، كأنه نافورة من الماء القاتم تسكب ~~تيارها المظلم. ورغم هذه الحال فقد تكلم بأنين عميق وسط ~~الأرجوسيين، قائلا: «أصدقائي، يا قادة وحكام الأرجوسيين، إن «زوس» ~~العظيم ابن كرونوس - قد أوقعني في عمى قلبي السقيم، فما أقسام من ~~رب. لقد وعدني فيما مضى، وأخذ على نفسه العهد، بأن لن أعود إلى ~~وطني إلا بعد أن أكتسح طروادة المتينة الأسوار - ولكنه حاك خدعة ~~قاسية، وهو الآن يأمرني بالعودة إلى أرجوس بلا مجد، بعد أن فقدت ~~كثيرا من الرجال. هذا - فيما يبدو لي - ما يروق لزوس الفائق ~~القوة، الذي أذل - وسوف يذل - رءوس مدن كثيرة؛ لأن قوته فوق كل ~~قوة. هيا، تعالوا، وأطيعوا جميعا ما آمركم به: لنهرب بسفننا إلى ~~وطننا العزيز، فمن المستحيل الآن أن نستولي على طروادة الفسيحة ~~الطرق!» # وإذ قال هذا، خيم الصمت عليهم جميعا، فظل أبناء الآخيين صامتين ~~في حزنهم. بيد أن «ديوميديس» - صاحب صيحة الحرب المدوية - تكلم ~~أخيرا، في وسطهم، قائلا: «يا ابن أتريوس، أما وأنت البادئ بهذه ~~الحماقة، فسوف أناضلك - أيها الملك - حيثما يحق النضال، ولو وسط ~~الجمع، فلا يغضبك هذا. لقد أهنت بسالتي في بادئ الأمر وسط ~~الدانيين، وقلت إنني لست رجل حرب بل إنني جبان، وهذا كله يعرفه ~~الآخيون صغارا وكبارا. أما أنت، فإن ms222 ابن كرونوس ذا المشورة ~~الملتوية، قد أنعم عليك ولكن بأنصاف الأشياء: فمنحك الصولجان وكرمك ~~على الجميع، أما البسالة فلم يعطك إياها، وفيها القوة العظمى. أتظن ~~حقا، أيها الملك، أن أبناء الآخيين جبناء وضعاف كما تقول؟ إذا ~~كان قلبك يحدثك بالعودة إلى الوطن، فاذهب، فالطريق ممتدة أمامك. ~~وسفنك قائمة هناك بجانب البحر، بل وجميع الحشد الذي تبعك من ~~موكيناي. أما الآخيون الآخرون - ذوو الشعر المسترسل - فسيمكثون هنا ~~إلى أن نتمكن من تخريب طروادة، بل دعهم يفرون أيضا في سفنهم إلى ~~وطنهم العزيز - إذا شاءوا - إلا أنا و«سثينيلوس» فإننا سنمضي في ~~القتال، إلى أن نربح جولة طروادة؛ لأننا قد أتينا بمعونة ~~السماء.» # وما إن قال هذا، حتى صاح جميع أبناء الآخيين عاليا، هاتفين ~~لكلمة ديوميديس، مستأنس الخيول، وبعدئذ، نهض الفارس نسطور فتكلم ~~في جمعهم قائلا: «يا ابن توديوس، إنك أقوى أقرانك في الوغى، ~~وأصوبهم في الرأي. ولن يستخف أحد من الآخيين جميعا بما تقول، ولن ~~يناقضه، وإن لم تكن قد بلغت بعد نهاية كلماتك، فضلا عن أنك لا ~~تزال صغير السن - بحيث يجوز أن تكون ابني، بل أصغر أبنائي - ولكنك ~~رغم هذا تشير بالحكمة على أمراء الأرجوسيين إذ إنك تنطق بالصواب، ~~ولكن حسبك، فأنا الذي أعتبر نفسي أكبر منك سأتكلم وأعلن كل شيء، ~~ولن يسخر أحد من كلماتي، ولا الملك أجاممنون. إنه رجل بلا عشيرة، ~~وبلا قانون، وبلا موقد، يميل إلى الشقاق المرير بين قومه. ومع ذلك ~~فدعونا الآن نستسلم لليل البهيم ونعد عشاءنا، ودعوا العسس يشددوا ~~الحراسة بطول الخندق المحفور حول الأسوار، فإلى الشباب أعهد بهذه ~~المهمة. أما أنت يا ابن أتريوس، فتقدمنا لأنك أعظمنا جلالا. أولم ~~وليمة لأصحاب الرأي، فهذا من حقك، وأنت به خليق، إن أكواخك زاخرة ~~بالخمر التي تحضرها لك سفن الآخيين من تراقيا في كل يوم عبر البحر ~~الفسيح. إن جميع أسباب الضيافة ميسورة لديك؛ إذ إنك ملك على ~~الكثيرين. وعندما يحتشد الكثيرون، فأصغ إلى من يقدم أحكم مشورة. ~~إن سائر الآخيين لفي حاجة ماسة إلى النصح ms223 - الطيب منه والرشيد - ~~لأن الأعداء يشعلون الكثير من نيران الحراسة بجوار السفن، فأي رجل ~~يرضى عن ذلك؟ إما أن تجلب هذه الليلة الخراب لجيشنا أو ~~النجاة.» # هكذا تكلم، وأصغى الجميع جيدا إليه وأطاعوه. وهرع الحراس في ~~عدتهم الحربية حول ابن نسطور: «ثراسوميديس» - راعي الجيش - ~~و«أسكالافوس» و«أيالمينوس» - ولدا أريس - و«ميريونيس» و«أفاريوس» ~~و«دايبوروس»، وابن كريون «لوكوميديس» العظيم. سبعة كانوا قادة ~~الحراس، وقد انضم إلى كل منهم مائة شاب يحملون الرماح الطويلة في ~~أيديهم. ثم ساروا وجلسوا فيما بين الخندق والأسوار؛ حيث أشعلوا ~~نارا، وراح كل واحد منهم يعد طعامه لنفسه. # وأما ابن أتريوس فقد جمع مستشاري الآخيين وقادهم إلى كوخه، فمد ~~أمامهم مائدة حافلة ليشبعوا رغباتهم في الطعام. ومن ثم فإنهم مدوا ~~أيديهم للخيرات التي بسطت أمامهم. وما إن فرغوا من الرغبة في ~~الطعام والشراب، حتى بدأ الرجل المسن يشرح لهم الخطة قبل كل شيء، ~~ذلك هو نسطور الذي ظهر من قديم الزمان أن رأيه أفضل الآراء. وبنية ~~خالصة، خاطب الجميع وتكلم في وسطهم قائلا: «يا ابن أتريوس الأمجد، ~~أي أجاممنون، ملك البشر، باسمك أبدأ، وباسمك أختتم؛ لأنك ملك جيوش ~~عديدة، وقد عهد إليك زوس بالصولجان والأحكام، كي تقرر ما تراه ~~لشعبك؛ لذلك فأنت الذي يحق له الكلام والإصغاء، قبل الجميع، وأنت ~~الذي يحق له أن ينصت لما يقوله سواك إذا دعاه قلبه إلى أن يتكلم ~~بما فيه النفع. فعليك يتوقف كل ما قد يبدأ به أي رجل منا. ومن ثم ~~فهل لي أن أقول ما يبدو لي أنه أفضل القول. فما من أحد غيري سوف ~~يدلي برأي أفضل من هذا الرأي الذي اغتصبت فيه أنت - أيها الملك ~~المنحدر من زوس - العذراء «بريسيس»، من كوخ أخيل الغاضب، وذهبت بها ~~وشأنك، على غير رضا منه قط. ولقد سعيت أنا شخصيا - ملحا جهد ~~طاقتي - كي أردك، ولكنك استسلمت لروحك المتعجرفة، وتغطرست على رجل ~~غاية في القوة، بجلته الآلهة أنفسها، فخلعت أنت عليه العار؛ لأنك ~~أخذت منه جزاء بسالته، واحتفظت بها. ومع ذلك، فلا يزال ms224 أمامنا الآن ~~أن نفكر في إصلاح الأمور ونسترضيه بالهدايا الجميلة، وبالكلمات ~~الرقيقة.» # فأجابه «أجاممنون» ملك البشر بقوله: «سيدي المسن، إنك لم تخطئ ~~في رواية قصة طيشي. ولست أنكر أنني كنت أحمق. إنه ليعدل جيوشا ~~عدة، ذلك الذي يحبه زوس في قرارة قلبه، حتى إنه ليكرم الآن هذا ~~الرجل، ويحطم جيش الآخيين. أما وقد رأيت أنني كنت أعمى، إذ استسلمت ~~لعاطفتي التعسة، فإنني عازم على إصلاح الأمور، وتقديم تعويض يفوق ~~الوصف. فدعوني الآن - في وسطكم أجمعين - أحدد الهدايا الرائعة ~~التي سأعطيها لأخيل؛ سبع ركيزات لم تمسها النيران بعد، وعشرة ~~تالنتات من الذهب، وعشرون قدرا براقة، واثنا عشر جوادا قويا من ~~الخيل المظفرة في السباق، التي ربحت لي الجوائز بسرعتها. فما من ~~رجل أعوزته الثروة، أو حرم من الذهب الثمين، إذا بلغت موارده مبلغ ~~الهدايا التي ربحتها لي خيولي القوية الحوافر. ولسوف أعطيه سبع ~~نساء ماهرات في الأعمال اليدوية الرائعة، نساء من ليسبوس، أولئك ~~اللواتي اخترتهن من بين الغنائم في اليوم الذي استوليت فيه بنفسي ~~على ليسبوس المتينة البناء؛ لأنهن يفقن في جمالهن سائر النساء، ~~سأمنحه هؤلاء، وستكون في وسطهن تلك التي أخذتها منه في ذلك الوقت، ~~ابنة بريسيس. وفضلا عن ذلك، فإني أقسم قسما عظيما، بأنني لم ~~أعتل معها فراشا قط، ولم أحظ بمضاجعتها، كما اعتاد البشر أن ~~يفعلوا، رجالا ونساء! وكل هذه الأشياء ستكون جاهزة ليتسلمها ~~فورا، وإذا شاء الرب بعد ذلك أن يمنحنا القدرة على تخريب مدينة ~~بريام العظيمة، فدعوه إذن يدخلها، عندما نكون - نحن الآخيين - ~~منهمكين في تقسيم الغنيمة ودعوه يملأ سفينته بأكداس من الذهب ~~والبرونز، أو لينتق لنفسه عشرين امرأة طروادية من أجمل النساء ~~بعد «هيلينا» الأرجوسية. وإذا عدنا إلى أرجوس الآخية - أغنى ~~البلاد - فسيكون هو ابني، وسأكرمه تماما كما أكرم «أوريستيس»، ~~ابني اليافع الذي يترعرع في الرخاء، وفي قصري الجميل البناء ثلاث ~~بنات؛ هن «خروسوثيميس»، و«لاوديكي»، و«إيفياناسا». فمن هؤلاء دعوه ~~يقود إلى بيت بيليوس أيهن يشاء، دون أن يقدم لها هدايا الخطبة، ~~ولسوف أعطيه - فوق ذلك ms225 - صداقا بالغ القيمة، لم يسبق لرجل قط أن ~~أعطاه لابنته. كما أهبه سبع مدن مزدحمة بالناس، هي: كاردامولي، ~~وأينوبي، وهيري - ذات الأعشاب الناضرة - وفيراي المقدسة، وأنثايا - ~~ذات المروج الواسعة - وأيبايا الجميلة، وبيداسوس المكسوة ~~بالكروم، وكلها قريبة من البحر، عند أقصى حدود «بولوس» الرملية، ~~تلك التي يقيم فيها رجال أثرياء في الماشية وأغنياء في الأبقار، ~~رجال سوف يكرمونه بالهدايا كما لو كان إلها، ويخضعون تحت صولجانه، ~~وينفذون أوامره خير تنفيذ، كل هذه سأحققها له، إذا هو كف عن ~~غضبه، فلتلن قناته! إن هاديس - كما أعتقد - لا يمكن أن يلين، ولا ~~أن يقهر؛ ومن ثم فهو أبغض الآلهة أجمعين لدى البشر، من دون ~~الآلهة أجمعين. ودعه يخضع نفسه لي، ولينض تحت حكمي ما دمت أنا ~~أكثر سلطانا، كما أعترف بأنني أكبر منه سنا.» # عندئذ أجاب الفارس نسطور الجيريني قائلا: «يا ابن أتريوس ~~الأمجد، يا أجاممنون، ملك البشر، ليس لإنسان أن يستخف قط بقدر هذه ~~الهدايا التي تقدمها للأمير أخيل. هيا إذن، فلنوفد - في الحال - ~~نخبة منتقاة من الرجال، ليذهبوا إلى كوخ أخيل بن بيليوس. أو ~~بالحرى، فليوافق من سوف اختاره، وليتقدم - أولا «فونيكس» - ~~العزيز لدى زوس - ومن ورائه «أياس» العظيم و«أوديسيوس» الجليل، ومن ~~المنادين فليرافقهم «أوديوس» و«يوروباتيس»، والآن، أحضر ماء ~~لأيدينا، ومر بالتزام الصمت المقدس، كي نقيم الصلاة لزوس، ابن ~~كرونوس، عسى أن يرحمنا.» # هكذا قال، فأعجب الجميع بكلماته، ثم سكب المنادون الماء على ~~أيديهم، وأترع الشبان الطاسات بالشراب، وقدموا لكل نصيبه، بعد أن ~~صبوا بعض النقاط في الكئوس كسكيبة ولكنهم بعد أن فرغوا من عمل ~~السكيبة، وشربوا ما يشفي غليل قلوبهم، خرجوا من كوخ أجاممنون بن ~~أتريوس. فأصدر الفارس نسطور الجيريني أوامره الكاملة - وهو يرمق ~~كلا منهم بنظرات عديدة، لا سيما «أوديسيوس» - كي يبذلوا أقصى ~~جهودهم لحث ابن بيليوس العظيم. # مبعوثا الآخيين إلى أخيل # وانطلق الفريقان - بعد ذلك - بمحاذاة شاطئ البحر الصاخب، وهم ~~يقيمون صلوات عاجلة للإله الذي يمسك بالأرض ويزلزلها؛ كي ~~يستطيعوا استمالة قلب ابن «أياكوس» بسهولة. ووصلوا إلى أكواخ ms226 ~~المورميدون وسفنهم، فوجدوا ملكهم يرفه عن نفسه بقيثارة شجية ~~النغمات، جميلة الشكل، فاخرة الصنع - عليها حلقة من الفضة - كان قد ~~أخذها ضمن الغنائم عندما خرب مدينة أيتيون، وهكذا كان يطرب نفسه، ~~ويتغنى بأمجاد الأبطال. وفي قبالته، كان «باتروكلوس» يجلس بمفرده ~~صامتا، منتظرا حتى يكف ابن أياكوس عن الغناء، ولكن الاثنين # 1 # اقتربا - يتقدمهما «أوديسيوس» العظيم - فاتخذوا موقفهم ~~أمام وجهه. فقفز «أخيل» مندهشا، والقيثارة في يده، وترك المقعد ~~الذي كان يجلس عليه، وبالمثل نهض «باتروكلوس» عندما أبصر الرجال، ~~عندئذ حيى «أخيل» - السريع القدمين - الرجال، وخاطبهم بقوله: ~~«مرحبا بكم، إنكم ولا بد أصدقاء - إذ جئتم - ولا ريب أن حاجة ~~ماسة أتت بكم يا من أعتبرهم - حتى في غضبي - أعز ~~الآخيين.» # هكذا تكلم أخيل العظيم، ثم قادهم فأجلسهم على وسائد وطنافس من ~~الأرجوان. وفي الحال خاطب «باتروكلوس» - الذي كان قريبا منه - ~~بقوله: «هيئ طاسا كبيرا، يا ~~ابن «مينويتيوس»، وامزج أقوى شراب، وأعد لكل رجل كأسا؛ لأن هؤلاء ~~الرجال الذين تحت سقفي الآن أعزاء جدا.» # وما إن قال هذا حتى لبى باتروكلوس طلب زميله العزيز. ثم وضع ~~قطعة كبيرة من اللحم في النار، ووضع عليها ظهر خروف ودهن ماعز ~~وصلب خنزير ضخم مليء بالدهن كذلك. وأمسكها له «أوتوميدون»، بينما ~~تولى «أخيل» العظيم تقطيعها بعناية إلى شرائح، ثم سفدها، في حين ~~أضرم ابن «مينويتيوس» - شبيه الإله - النار مستعرة. وعندما هدأت ~~النار وصفا اللهب، نثر الجمرات ووضع عليها السفود، وتبل قطع اللحم ~~بالملح المقدس، بعد أن وضعها فوق سيقان الحديد على النار. فلما تم ~~شواء اللحم ووضعه في الصحاف الكبيرة، تناول «باتروكلوس» الخبز ~~ورتبه فورا على المائدة - في أسفاط جميلة - بينما وضع «أخيل» ~~اللحم، وجلس هو نفسه في مقابل «أوديسيوس» - شبيه الإله - بجانب ~~الحائط الآخر. وأمر رفيقه «باتروكلوس» بأن يقدم ذبيحة للآلهة، ~~فرمى «باتروكلوس» ذبيحة تحترق في النار. وهكذا مدوا أيديهم إلى ~~الوليمة الفاخرة المعدة أمامهم، وعندما أشبعوا رغبتهم من الطعام ~~والشراب، هز «أياس» رأسه لفونيكس، فتنبه لذلك أوديسيوس العظيم. ~~وما إن ملأ كأسا من الخمر، ms227 حتى هتف بأخيل: «السلام عليك، يا أخيل. ~~إن المائدة العامرة لا تعوزنا، سواء في كوخ أجاممنون بن أتريوس، أو ~~في كوخك الآن، فإن الطعام موفور ولا يزال هناك ما يكفي لشبع نهم ~~القلب من الطعام الذي نشتهي، ولكن عقولنا لا تشغل بالوليمة الشهية، ~~كلا، يا سليل زوس، فنحن خراب يباب، وإننا لمذعورون وجلون؛ لأن ~~الشك يتطرق إلى نفوسنا، حول ما إذا كنا سنستطيع إنقاذ السفن ذات ~~المقاعد، أم أنها ستتحطم، ما لم تتسربل أنت في قوتك. فبالقرب من ~~السفن والأسوار أقام الطرواديون ذوو الهمم العالية، وكذا حلفاؤهم ~~الذائعو الصيت، معسكرا، وأشعلوا نيرانا كثيرة في سائر أنحاء ~~الجيش، وهم يعتقدون أنهم لن يمكثوا بعد ذلك، بل سينقضون على سفننا ~~السوداء. وإن زوس بن كرونوس، ليظهر لهم علامات - على الجانب الأيمن ~~- ببروقه، وإن هكتور ليتهلل طربا في قوته ويفور مهتاجا، معتمدا ~~على زوس دون أن يحفل بأي إله أو إنسان، إذ تملكه جنون عات. إن ~~صلاته تقتصر على الدعاء بأن تظهر الفجر المقدس بمنتهى السرعة؛ لأنه ~~يعلم أنه سوف يحطم الرموز التي في مقدمات السفن، وسوف يحرق هياكل ~~هذه السفن بالنيران الفتاكة، وبهذا يوقع أشد الفوضى بين الآخيين، ~~الفاقدي الإحساس من جراء الدخان، هذا إذن هو ما يملأ قلبي خوفا، ~~خشية أن تحقق الآلهة ما يزهو به، فيكون مصيرنا الهلاك هنا في ~~طروادة، بعيدا عن أرجوس مرعى الخيول. فانهض إذن إذا كنت عازما - ~~ولو في المرحلة الأخيرة - على أن تنقذ أبناء الآخيين الذين غلبوا ~~على أمرهم، من وطيس حرب الطرواديين. ولسوف تحزن أنت نفسك فيما بعد، ~~إذ لن يكون هناك علاج لشر تم وانقضى. فهيا وفكر - قبل أن يفوت ~~الأوان - في دفع البلاء عن الدانيين. ومن المؤكد يا صديقي الكريم ~~أن أباك «بيليوس» قد أوصاك يوم بعثك إلى «أجاممنون» بعيدا عن فثيا ~~قائلا: «أي بني، ستمنحك أثينا وهيرا القوة، إذا توفرت لك العزيمة، ~~ولكن هل لك أن تكبح جماح روحك المتكبرة في صدرك؛ لأن الميول ~~المعتدلة خير الميول. ابتعد عن التكبر، جلاب ms228 الشقاء، حتى يبجلك ~~الأرجوسيون صغارا وكبارا.» # لهذا السبب أوفدك الشيخ، ~~ولكنك تنسى. ومع ذلك فهل لك الآن أن تكف وتخلع عنك غضبك المرير. إن ~~«أجاممنون» يقدم لك هدايا قيمة، كي تتخلى عن غضبك. هيا، تعال، ~~وأصغ إلي، فسأحدثك عن جميع الهدايا التي في كوخ «أجاممنون»، ~~والتي يعد بتقديمها لك؛ سبع ركيزات لم تمسها النيران بعد، وعشرة ~~تالنتات من الذهب، وعشرون قدرا براقة، واثنا عشر جوادا قويا من ~~الجياد التي أحرزت الفوز في السباق، وربحت الجوائز لسرعتها. ما من ~~رجل أعوزته الثروة، أو حرم من الذهب الثمين، إذا كان متاعه يعدل ~~الجوائز التي فازت بها خيول أجاممنون القوية الحوافر. وسيعطيك سبع ~~نساء ماهرات في الأعمال اليدوية الرائعة، نساء من ليسبوس اختارهن ~~لنفسه من بين الغنائم - في اليوم الذي استوليت فيه بنفسك على ~~ليسبوس المتينة البناء - لتفوقهن على جميع النساء فتنة وجمالا، ~~هؤلاء سيعطيك إياهن، وبينهن تلك التي أخذها منك من قبل، ابنة ~~بريسيس. وفضلا عن ذلك فإنه سيقسم قسما عظيما بأنه لم يعتل ~~فراشها قط، ولم يحظ بمضاجعتها حسب الطريقة المعهودة للبشر، رجالا ~~ونساء. كل هذه الأشياء ستكون معدة لتتسلمها فورا. وإذا شاءت ~~الآلهة بعد ذلك أن تمنحنا القدرة على تخريب مدينة «بريام» العظيمة، ~~فادخلها أنت، في الوقت الذي نشغل فيه - نحن الآخيين - باقتسام ~~الغنيمة، ولك أن تملأ سفينتك بما تحب من الذهب والبرونز، وتختار ~~بنفسك عشرين امرأة طروادية لا تبزهن سوى هيلينا الأرجوسية في ~~الجمال. وإذا عدنا إلى أرجوس الآخية أغنى البلاد - فستكون أنت ~~ابنه، وسوف يكرمك تماما كما يكرم «أوريستيس» ابنه اليافع الذي ~~يتربى في كل عز ورخاء. وإن له ثلاث بنات في قصره الجميل البناء هن: ~~«خروسوثيميس» و«لاوديكي» و«إيفياناسا»، فلك أن تقود أيهن تشاء إلى ~~بيت «بيليوس»، دون أن تقدم لها هدايا الخطبة، ولسوف يعطيك بالإضافة ~~إلى هذا صداقا بالغا، لم يسبق لرجل قط أن وهبه لابنته. وسيمنحك ~~سبع مدن مزدحمة بالناس، هي: كاردامولي، وأينوبي، وهيري المعشوشبة، ~~وفيراي المقدسة، وأنثايا ذات المروج الفسيحة، وأيبايا الجميلة، ~~وبيداسوس المغطاة بالكروم، ms229 وكلها قريبة من البحر، عند أقصى حدود ~~بولوس الرملية، وإن سكانها لأثرياء في الماشية وأغنياء في الأبقار، ~~رجال سوف يكرمونك بالهدايا كما لو كنت إلها، وتحت لواء صولجانك ~~سوف ينفذون أوامرك خير تنفيذ، كل هذا سيتم من أجلك، لو أنك فقط ~~كففت عن غضبك فحسب. أما إذا كان حقدك على ابن أتريوس متغلغلا في ~~قلبك، بحيث تمقته، هو وهداياه، إذن فاشفق - على الأقل - على بقية ~~الآخيين، فلقد دب الخور في كافة أرجاء الجيش. ولسوف يبجلك هؤلاء ~~كما لو كنت إلها؛ لأنك ستفوز - في عيونهم - بمجد عظيم حقا. ~~والآن، هلا قتلت «هكتور»، حين يقترب منك في جنونه المدمر، اعتقادا ~~منه بأن ليس له شبيه بين الدانيين الذين حملتهم السفن إلى ~~هنا؟!» # عندئذ أجابه «أخيل» - ~~السريع القدمين - بقوله: «يا ابن لايرتيس نسل زوس، أيا «أوديسيوس» ~~الكثير الحيل، الحق أنه لا بد لي من أن أخبرك في الحال بما أنتوي ~~فعله، وبما ستجري به الأمور، كي لا تجلس أمامي وتتملقني على هذا ~~الوجه وذاك؛ لأني أمقت من يخفي شيئا في نفسه ويقول شيئا آخر، كما ~~أمقت أبواب هاديس. والآن سأقول ما يبدو لي أنه خير ما يقال. فلست ~~أنا - على ما أعتقد - ذلك الشخص الذي يغريه أجاممنون بن أتريوس، ~~ولا غيره من الدانيين، ما دمنا لا ننال حمدا على القتال ضد ~~الأعداء بدون هوادة. فإن نصيب من يقبع في بيته يكون عندئذ كنصيب ~~من يقاتل خير قتال ، فيحظى كل من الجبان والشجاع بعين الاحترام، ~~ويستوي في الموت الخامل ومن كدح طويلا. وبرغم ما تكبدته من ~~محن في قلبي فليس لي نفع يرتجى من تعريض نفسي دائما للقتال، وكما ~~يحضر الطائر في منقاره إلى صغاره - الزغب الحواصل - كل ما يعثر ~~عليه، وهو يقسو على نفسه، فهكذا كنت أنا؛ إذ اعتدت أن أسهر ليالي ~~كثيرة دون أن أنال نصيبا من النوم، وأن أخوض كثيرا من أيام ~~القتال الدامية، أحارب مع الناس من أجل نسائهم، اثنتي عشرة مدينة ~~قد خربتها بسفني في البحر، وإحدى عشرة في ms230 البر - أشهدكم عليها - ~~خلال أرض طروادة الخصبة، ومن كل هذه غنمت غنائم كثيرة وعظيمة، ~~وكنت دائما أحضرها جميعا فأعطيها لأجاممنون بن أتريوس هذا، الذي ~~كان يتخلف وراء سفنه السريعة. فكان يعطيني منها حصة صغيرة عندما ~~يتسلمها، ويحتفظ لنفسه بالنصيب الأكبر. وبعضها كان يقدمه جوائز ~~تكريم للرؤساء والملوك، بينما كانت غنائم تبقى دون أن تمس، ومني ~~أنا وحدي - دون سائر الآخيين - أخذ زوجتي، حبيبة قلبي. فدعه يرقد ~~إلى جوارها، وينل متعته. ثم، لماذا على الأرجوسيين أن يشنوا الحرب ~~على الطرواديين؟ لماذا حشد ابن أتريوس هذا جيشه، وقاده إلى هنا؟ ~~ألم يكن من أجل «هيلينا» الجميلة الشعر؟ أهما، إذن، وحدهما - دون ~~سائر البشر - اللذان يحبان زوجتيهما، ابنا أتريوس هذان؟ كلا، فإن ~~كل رجل عاقل سليم الفكر، يحب زوجته ويدللها، تماما كما أحب أنا ~~الآخر زوجتي من كل قلبي، رغم أنها لم تكن سوى أسيرة رمحي. أما وهو ~~قد أخذها من بين ذراعي وخدعني، فلا تدعه يغرني؛ إذ إنني أعرفه تمام ~~المعرفة. إنه لن يفلح. لا، يا أوديسيوس، دعه يشاورك والأمراء ~~الآخرين، لدفع النيران المدمرة عن السفن. حقا لقد فعل الكثير ~~جدا بدون معونتي؛ إذ شيد سورا، وحفر حوله خندقا واسعا ~~وعميقا، وغرس فيه أوتادا، ومع ذلك فإنه لم يفلح في صد قوة ~~«هكتور» الفتاك، في حين أن هكتور لم يجسر - طيلة أن كنت أقاتل وسط ~~الآخيين - على أن يثير القتال بعيدا عن السور. ونادرا ما كان ~~يأتي إلى أبواب «سكاي» وشجرة البلوط، ولقد انتظرني هناك ذات مرة، ~~وحيدا، وبشق النفس استطاع أن ينجو من هجومي. أما الآن، فنظرا ~~لأنني لا أعتزم أن أحارب «هكتور» العظيم، فسأقدم الذبيحة غدا لزوس ~~وجميع الآلهة، وأكدس الغنائم في سفني بعد أن أكون قد أنزلتها إلى ~~البحر، وإذ ذاك سترى سفني - إذا شئت، وعنيت بالأمر، تمخر عباب ~~اليم، عند مطلع النهار، عبر الهيليسبونت الزاخر، وعلى ظهرها رجال ~~تواقون جدا إلى استعمال المجداف. ولو شاء مزلزل الأرض العظيم أن ~~يتيح لي رحلة جميلة، ففي اليوم الثالث أبلغ فثيا ms231 العميقة التربة. ~~وهناك ممتلكاتي الشاسعة التي تركتها في طريقي المشئوم إلى هنا، ومع ~~ذلك فسأعود إليها بمزيد من الذهب والبرونز الأحمر، والنساء ~~الجميلات الهندام، والحديد الرمادي، وكل ما كان من نصيبي، لا ~~تنقصها سوى جائزتي التي استردها مني ذلك الذي أعطانيها، في غمرة ~~غروره، وأعني الملك أجاممنون بن أتريوس. قل له كل شيء - كما أقوله ~~أنا بصراحة - كي يغضب الآخيون الآخرون جميعا، إذا رغب في أن يخدع ~~فريقا آخر من الدانيين، حيث إنه متدثر دائما بقلة الحياء. ومع ~~ذلك فإنه لا يجرؤ على أن ينظر إلى وجهي، رغم أن له وجه كلب. إنني ~~لن أرسم معه أية خطة أو مشورة؛ لأنه قد خدعني ومكر بي، ولكنه لن ~~يغرر بي بحديثه المعسول بعد ذلك أبدا؛ لأن لي عبرة كافية في ~~الماضي. والآن، دعه يمضي إلى خرابه في سلام، فإن زوس الصاحب ~~المشورة قد جرده تماما من مداركه. وإن هداياه لمقيتة في عيني، ~~ولست أقيم لها من الوزن مقدار شعرة، ولو أنه أعطاني قدر كل ما في ~~قبضته الآن عشر مرات، بل عشرين مرة، وكل ما قد يئول إليه فيما بعد، ~~بل وكل دخل أورخومينوس أو طيبة المصرية - حيث تتخم بيوت المال عن ~~آخرها - طيبة ذات الأبواب المائة، التي يهجم من كل باب منها مائتا ~~محارب بالجياد والعربات، كلا لو أنه أعطاني هدايا في عداد الرمل ~~والثرى، فلن يستطيع أجاممنون - بذلك - أن يستميل نفسي، حتى يكفر عن ~~الكيد الذي يحز قلبي. ولن أتزوج ابنة أجاممنون بن أتريوس، ولو كانت ~~تزاحم أفروديت الذهبية في الجمال، وتضارع أثينا البراقة العينين ~~في التطريز، لن أتزوجها ولو كانت كذلك. فليختر لها شخصا آخر من ~~بين الآخيين، يبزني مركزا وإجلالا؛ لأنه إذ صانتني الآلهة، ووصلت ~~إلى وطني، فإن «بيليوس» - كما أعتقد - سيبحث لي فيما بعد عن زوجة ~~من تلقاء نفسه. فما أكثر العذارى الآخيات في أنحاء هيلاس وفثيا، من ~~بنات الرؤساء الذين يحرسون مدنهم، فمن أرغب فيها من أولئك سأتخذها ~~زوجتي العزيزة. ولكم كانت نفسي المتسامية تواقة ms232 إلى أن تتخذ لي ~~زوجة، رفيقة مناسبة، من هناك، وأن أستمتع بالممتلكات التي يقتنيها ~~الشيخ بيليوس. فإن الحياة لا تعدلها كل تلك الثروة التي يقول الناس ~~إن طروادة - تلك المدينة الغاصة بالناس - كانت تمتلكها في أيام ~~السلم الخوالي، قبل أن يأتي أبناء الآخيين. كلا، بل ولا كل الكنز ~~الذي تحتويه عتبة القواس «أبولو» المرمرية في بوثو الصخرية؛ إذ إن ~~الماشية والأغنام السمينة تمتلك بالغزو، والركيزات والجياد الصهباء ~~تقتنى بالشراء. بيد أنه لا الغزو ولا الكسب يملكان أن يردا روح ~~المرء إذا هي تجاوزت مرة نطاق شفتيه. فهكذا تنبئني أمي الربة ~~«ثيتيس» الفضية القدمين، إذ تقول لي إن قضاءين يفضيان بي إلى ~~الموت؛ فإذا أنا مكثت هنا وحاصرت مدينة الطرواديين، فسأحرم من ~~عودتي إلى الوطن، ولكن صيتي لن يفنى أبدا، أما إذا عدت إلى وطني ~~العزيز، فإنني أفقد صيتي المجيد، ولكن حياتي تطول، فلا يواتيني ~~الموت عاجلا، وفوق هذا، فإنني أوثر أن أنصح البقية الباقية منكم ~~بالإبحار عودا إلى الوطن؛ إذ أرى أن لا أمل لكم في الفوز بمآربكم ~~من طروادة الفسيحة؛ لأن زوس - البعيد النظر - يبسط يده فوقها بشدة، ~~وشعبها مملوء بالشجاعة. والآن، اذهبوا في طريقكم وأعلنوا رسالتي ~~إلى رؤساء الآخيين - لأن تلك مهمة الكبار - حتى يفكروا في خطة ~~أخرى أفضل من هذه، خطة يستطيعون بها أن ينقذوا سفنهم، وكذا جيش ~~الآخيين بجوار السفن الخاوية؛ إذ إن هذا الذي رسموه الآن لن يتحقق ~~لهم بسبب نقمتي الجائحة. ومع كل، فدعوا «فونيكس» يمكث هنا معنا، ~~ويقضي ليلته نائما عندنا، كي يتبعني فوق سفني إلى وطني العزيز ~~غدا، إذا هو شاء، فلن أحتجزه عنوة.» # هكذا قال، فخيم عليهم جميعا الصمت، مفكرين في كلماته؛ فقد رفض ~~عرضهم رفضا باتا. غير أن الفارس الشيخ «فونيكس»، قام أخيرا ~~فتكلم في جمعهم وهو يجهش بالبكاء؛ لأنه كان يخاف كثيرا على سفن ~~الآخيين، فقال: «إن كنت تفكر حقا في الرحيل، يا أخيل المجيد، ولا ~~تعتزم بأية حال أن تدفع النار الضارية عن السفن السريعة، بسبب ذلك ~~الغضب ms233 الذي يجيش به قلبك، فكيف يمكن إذن - يا طفلي العزيز - أن ~~أبقى هنا بدونك؟ لقد بعثني إليك الفارس الشيخ «بيليوس» في اليوم ~~الذي أرسلك فيه من فثيا إلى «أجاممنون»، ولم تكن إلا غلاما حدثا، ~~لا يعرف شيئا عن الحرب الشريرة، ولا عن الاجتماعات التي يتبارى ~~فيها الرجال في إبراز تفوقهم. لهذا السبب بعثني لأدربك على كل هذه ~~الأمور، كي تجيد التحدث وتتقن الأعمال. ومن ثم، يا ولدي العزيز، ~~فلست أرتضي - بعد ذلك - أن أبقى وحدي بدونك. كلا، ولو تعهد أحد ~~الآلهة بأن يجردني من شيخوختي، وأن يرد قوتي وشبابي إلي، فأصير كما ~~كنت في ذلك اليوم الذي تركت فيه - بادئ ذي بدء - هيلاس، موطن ~~النساء الفاتنات هربا من الكفاح مع أبي «أمونطور»، ابن ~~«أورمينوس»؛ لأنه كان غاضبا مني أشد الغضب إكراما لمحظيته ~~الجميلة الشعر، التي كان يدللها دائما بنفسه، ويؤنب من أجلها ~~زوجته، أمي؛ ولذا راحت أمي تتوسل إلي وتمسكني من ركبتي دائما، ~~أن أضجع أولا من المحظية بنفسي، كي يصبح الرجل العجوز كريها في ~~عينيها. فأطعت أمرها، وقمت بالمهمة، ولكن أبي تنبه فورا إلى هذا ~~الأمر، فعنفني على ذلك أشد التعنيف، وتضرع إلى الأيرينويس الرائعات ~~ألا يجلسن أبدا فوق ركبتي طفلا عزيزا من صلبي. وحققت الآلهة ~~لعنته، بواسطة زوس العالم السفلي، وبيرسيفوني المفزعة. ولقد ارتأيت ~~- بعدئذ - قتله بالسيف الحاد، ولكن أحد الخالدين هدأ من غضبي ~~مذكرا إياي بصوت الناس، وكل ما لدى البشر من لوم، حتى لا أسمى ~~قاتل أب، بين الآخيين، ولكن روحي كانت خليقة بألا تبقى في صدري، ~~إذا أنا بقيت في قصر أبي الناقم، حقا لقد تكاثر علي زملائي ~~وأقاربي بالتوسلات العديدة، وسعوا إلى إبقائي هناك في القصر، ~~وذبحوا خرافا كثيرة سمينة، وكذا أبقار ملساء متثاقلة المشية، ~~وخنازير عديدة مملوءة بالدهن، بسطت لتشوى فوق لهب «هيفايستوس» ~~وانصبت الخمر في الأفواه بكميات وفيرة من كئوس ذلك الرجل ~~المسن. ومكثوا حوالي تسع ليال يراقبونني طوال الليل، وهم يتناوبون ~~السهر، ولم تخمد النيران، بل بقيت نار تحت شرفة البهو ms234 المنيع، ~~وأخرى في الطنف أمام باب حجرتي، ولكن ما إن حلت علي الليلة ~~العاشرة - وكانت داجية الظلمة - حتى فتحت أبواب غرفتي الموصدة ~~بإحكام ومهارة، وقفزت فوق سور الفناء بمنتهى السهولة، دون أن يراني ~~الحراس أو الإماء. وهربت - بعد ذلك - خلال هيلاس الفسيحة، حتى بلغت ~~فثيا العميقة التربة، ذات القطعان. وقصدت إلى الملك «بيليوس» ~~فاستقبلني هاشا باشا، ودللني كما يدلل الأب ابنه الوحيد ~~العزيز، وارث ممتلكاته العظيمة. ولقد أغناني، وأعطاني أناسا ~~كثيرين، فعشت في أقصى حدود فثيا، حاكما على الدولوبيين. ولقد ~~ربيتك لتكون على ما أنت عليه، يا «أخيل» - شبيه الإله - وأحببتك من ~~كل قلبي؛ لأنك ما كنت ترضى أن تذهب إلى المائدة مع أي فرد غيري، ~~ولا أن تتناول اللحم في القصر، إلا بعد أن أجلسك فوق ركبتي وأعطيك ~~كفايتك من الشرائح الطيبة النكهة التي كنت أقطعها لك مقدما، وأضع ~~كأس الخمر بين شفتيك. وكثيرا ما بللت العباءة التي على صدري، ~~ساكبا الخمر في حالات ضعفك المؤسفة، هكذا قاسيت الكثير من أجلك، ~~وتعبت كل التعب، متذكرا دائما أن الآلهة لن تمنحني بحال ما ابنا ~~مولودا من صلبي. حقا، لقد كنت أنت هو الذي سعيت إلى جعله ابني، ~~يا أخيل - شبيه الإله - بغية أن تنقذني فيما بعد من الخراب المشين. ~~وعلى ذلك، فهل لك يا «أخيل»، أن تسيطر على غضبك الجامح، فليس يليق ~~بك أن تكون ذا قلب مجرد من الرحمة، بل إن الآلهة أنفسها قد تلين، ~~رغم أن غضبها أعتى، ورغم أنها أجل مهابة ومجدا وسلطانا. فإن ~~قلوبها - بالبخور والعهود الموقرة، والسكائب ورائحة الذبائح - ~~تستجيب للصلوات بقدر ما يتجاوز البشر حدودهم ويقترفون الذنوب؛ لأن ~~صلوات التوبة هن بنات زوس العظيم. إنهن عرجاوات، مجعدات البشرة، ~~ذوات عيون متطلعة يقتفين دائما خطوات الإثم؛ إذ إن الإثم قوي ~~وسريع الإقدام، فهو يسبق الصلوات جميعا بمراحل، ويطوف قبلها ~~بالأرض كلها، جاعلا الناس يسقطون في وهدة الخطيئة، والصلوات، ~~تتبعه لعلاج الضرر. فالذي يحترم بنات زوس عندما يقتربن منه - فإنهن ~~يباركنه كثيرا، ويستمعن إلى صلاته. وأما ms235 إذا أنكرهن المرء ورفضن ~~بعناد، فإنهن ينصرفن عنه ويبتهلن إلى زوس كرونوس، كي تتبع الخطيئة ~~مثل هذا الشخص حتى يتردى ويدفع تكفيرا كاملا. فهيا يا «أخيل»، ~~ضع نصب عينيك - أنت الآخر - أن تقدم لبنات زوس من التبجيل ما يملأ ~~قلوب الصالحين من البشر. فلولا أن ابن أتريوس يقدم إليك الهدايا ~~ويعدك بغيرها فيما بعد، أي لو أنه كان سادرا في حقد أهوج، لما كنت ~~أنا الذي يناشدك أن تبعد عنك الغضب وتحمل المعونة إلى الأرجوسيين ~~وهم في حاجة ماسة إليها، ولكنه الآن يقدم إليك كثيرا من الهدايا، ~~ويعدك بالمزيد منها فيما بعد، وقد أوفد إليك أبطالا ليتوسلوا ~~إليك، وهم النخبة المختارة من جيش الآخيين بأسره، وهم أعز ~~الأرجوسيين إلى نفسك، فلا تستهن برجائهم ولا بمجيئهم إلى هنا، رغم ~~أنك لست ظالما ولا مخطئا - حتى الآن - في غضبك. فهكذا سمعنا عن ~~شهرة قدامى المحاربين، إذ كلما تملك الغضب الشديد أي واحد منهم، ~~كان من الممكن استرضاؤه بالهدايا، وكسبه بالقول. وهذه قصة أذكرها ~~بحذافيرها عن الأزمان الغابرة - وليس عن الأمس - وسأرويها في جمعكم ~~لأنكم جميعا أصدقاء. فذات مرة، كان - «الكوريتيس» # 2 # يقاتلون الأيتوليين، وكان الأيتوليون أقوياء في ~~المعركة دفاعا عن مدينة كالودون الجميلة، بينما كان الكوريتيس ~~يسعون إلى تخريبها تخريبا تاما؛ لأن «أرتيميس» - ربة الصيد ذات ~~العرش الذهبي - كانت قد أرسلت عليهم طاعونا، نقمة منها، إذ إن ~~«أوينيوس» لم يقدم إليها باكورة الحصاد من أرضه الغنية بالكروم ، في ~~حين أنه قدم للآلهة الآخرين وليمة من الذبائح المئوية، وكانت ابنة ~~«زوس» العظيم هي وحدها التي لم يقدم لها ... وسواء كان قد نسي هذا ~~مصادفة، أو أنه لم يفطن إليه، فإنه أثم في قرارة نفسه إثما ~~بالغا؛ ومن ثم فإن الربة القواسة - ابنة زوس - استشاطت غضبا، ~~وأرسلت إليه خنزيرا بريا متوحشا قويا، أبيض الناب، عاث ~~فسادا وقام بشر مستطير، فخرب كروم «أوينيوس»، واقتلع كثيرا من ~~الأشجار الباسقة من جذورها وألقى بها على الأرض، أجل، بجذورها ~~ونوارها، ولكن «ميلياجير»، ابن «أوينيوس»، قتل الخنزير، بعد أن ms236 جمع ~~الصيادين وكلاب الصيد من مدن كثيرة. إذ لم يكن في وسع نفر قليل أن ~~يقتلوا الخنزير؛ فقد كان غاية في الضخامة حتى إنه دفع برجال ~~كثيرين إلى المحارق الأليمة، ولكن الربة أثارت صخبا من أجله، ~~وضجيجا من أجل رأسه وجلده الأشعث، بين «الكوريتيس» و«الأيتوليين» ~~البواسل، وكانت الأمور تسير على ما لا يشتهي الكوريتيس، طالما ظل ~~«ميلياجير» - حبيب أريس - يحارب، فلم يكن في مقدورهم أن يظهروا ~~خارج أسوارهم رغم أنهم كانوا كثيري العدد. حتى إذا اشتد الغضب ~~بميلياجير - ذلك الغضب الذي يملأ القلوب التي في صدور غيره كذلك، ~~ولو كانوا راجحي العقل - فإنه لفرط حنق فؤاده على أمه # 3 # العزيزة الثايا، قبع بجوار زوجته «كليوباترا» الفاتنة، ~~ابنة «ماربيسا» ذات الكعبين الجميلين، وحفيدة «أيفينوس» و«أيداس»، ~~أعتى من كان على وجه الأرض من الرجال في ذلك الوقت، وهو الذي حمل ~~قوسه ليواجه الملك «أبولو» من أجل العذراء # 4 # الجميلة العقبين. وكان أبوها وأمها المبجلة يسميانها - ~~في قصرهما - «هاليكوني»؛ لأن الأم نفسها كانت قد بكت في محنة أشبه ~~بمحنة طائر الهالكيون الكثير الأحزان، وكان ذلك عندما اختطفها ~~«أبولو» الذي يضرب من بعيد، وإلى جوار «كليوباترا» رقد «ميلياجير» ~~يرعى همه المرير؛ إذ كان مغضوبا عليه بسبب لعنات أمه. فإنها توسلت ~~في الحال إلى الآلهة، من جراء حزنها على مقتل إخوتها، كما ضربت في ~~التو بيديها على الأرض الخصبة، وهي تدعو «هاديس» أو «بيرسيفوني» ~~البغيضة - وقد جثت على ركبتيها وبللت صدرها بالدموع - أن يجلبا ~~الموت على ابنها. فإذا بارينوس - التي تسير في الظلام والتي لا ~~يعرف قلبها رحمة - تسمعها من أيريبوس. وسرعان ما كان صخب الأعداء ~~قد ارتفع حول أبوابهم، يصحبه صوت تحطيم الأسوار، فتوسل شيوخ ~~الأيتوليين إلى «ميلياجير»، وبعثوا إليه بخير كهنة الآلهة، كي يهب ~~لمساعدتهم، ووعدوه بهدية عظيمة، وأن يختار لنفسه ضيعة من خمسين ~~فدانا - نصفها بساتين كروم، ونصفها الآخر أرض صالحة للزراعة - في ~~أخصب بقعة من سهل كالودون البديع. وفي إلحاح، راح الفارس الشيخ ~~«أوينيوس» يتوسل إليه. ووقف على عتبة حجرته المرتفعة ms237 السقف، يهز ~~الأبواب المفصلية ليستحث ابنه. وفي إلحاح أيضا، أخذت شقيقاته وأمه ~~المبجلة يتوسلن إليه، ولكنه رفض مسعاهم، وأمعن في عناده، ورجاه ~~كذلك بإلحاح زملاؤه الذين كانوا أخلص الجميع له وأعزهم لديه، ~~ولكنهم بالرغم من ذلك كله لم يستطيعوا التأثير على قلبه الكائن في ~~صدره، إلى أن بدأ يشتد الدق على غرفته لتحطيمها، وأخذ الكوريتيس ~~يتسلقون الأسوار ويحرقون المدينة العظيمة. عندئذ توسلت الزوجة ~~الجميلة الهندام إلى «ميلياجير» وهي تنتحب، وأنبأته بكل المحن التي ~~تحيق بمن يستولي الأعداء على مدينتهم؛ فالرجال يقتلون، والمدينة ~~تأكلها النيران، ويأسر الغرباء أطفالهم ونساءهم المنخفضات الزنار، ~~عندئذ خفقت روحه لسماع القصة المؤلمة، وانطلق في طريقه فارتدى ~~عدته الحربية اللامعة. # وهكذا أنقذ الأيتوليين من اليوم المنحوس، بمحض إرادته. ومع أنهم ~~لم يؤدوا إليه الهدايا العديدة الجميلة، فإنه دفع عنهم البلاء. ~~والآن - يا بني العزيز - لا تدعني أرى فؤادك مصرا على عناده، ولا ~~تدع السماء تحيد بك إلى تلك الطريق، فإنها لمهمة شاقة أن تنقذ ~~سفنا اشتعلت فيها النيران فعلا، فهيا تعال، ما دام في الإمكان ~~الحصول على الهدايا فإن الآخيين سوف يبجلونك كما لو كنت إلها. ~~ولكنك إذا خضت المعركة - آفة البشر - بلا هدايا، # 5 # فلن تحظى بمثل هذا التبجيل، ولو درأت عن القوم شرور ~~القتال.» # أخيل يستبقي «فونيكس» معه! # وهنا رد عليه «أخيل» - السريع القدمين - قائلا: «أي أبي ~~فونيكس، يا سيدي الشيخ، سليل زوس، لست بأية حال في حاجة إلى هذا ~~التبجيل ؛ فلقد كنت مبجلا - كما أعتقد - بموافقة زوس، وسيظل هذا ~~التبجيل مفروضا لي وسط سفني المدببة، طالما ظلت هناك أنفاس في ~~صدري، وظلت أطرافي قوية. وسأقول لك شيئا آخر، يجب أن تضعه في ~~قلبك: لا تحاول أن تضني روحي بالبكاء والحزن؛ إرضاء للمحارب ابن ~~أتريوس، ولا يخطرن لك أن تدلله، وإلا كرهتك أنا الذي أحبك. فمن ~~الخير لي أن تغيظ من يغيظني. كن ملكا كما أنا ملك، واقتسم معي ~~مجدي، ولكن هؤلاء سيحملون رسالتي، أما أنت فامكث هنا وارقد على ~~فراش وثير، حتى إذا طلع ms238 النهار تشاورنا فيما إذا كنا نرحل إلى ~~وطننا، أو تبقى هنا.» # وبعد أن تكلم، أشار لباتروكلوس بعينه في صمت، أن يعد لفونيكس ~~فراشا سميكا، كي يعلم الآخرون فورا أنهم راحلون من الكوخ، ولكن ~~«أياس بن تيلامون» - شبيه الإله - تكلم في جمعهم قائلا: «يا ابن ~~لايرتيس نسل الإله، أي «أوديسيسوس» الكثير الحيل، هيا بنا نتصرف ~~فلست أظن أن الغاية التي قدمنا من أجلها ستتحقق، ومن صالحنا أن ~~نبلغ الرسالة بسرعة، رغم أنها ليست سارة للدانيين، الذين يجلسون ~~الآن - على ما أعتقد - في انتظارنا. فإن «أخيل» قد أسلم قلبه ~~المتكبر إلى السخط، فما أقساه من رجل! إنه لا يحفل بحب رفاقه، رغم ~~أننا مجدناه فوق كل الرجال، بين السفن، فيا له من جاحد! إن الرجل ~~قد يقبل فدية من قاتل أخيه، أو من أجل ابنه المقتول، ويمكث القاتل ~~في أرضه نظير فدية كبيرة؛ إذ يهدأ قلب القريب، وروحه المتغطرسة، ~~إذا ما أخذ الفدية. أما أنت، فقد وضعت الآلهة في صدرك شرا وقلبا ~~متحجرا؛ بسبب فتاة واحدة فقط، في حين أننا نعرض عليك الآن سبعا، ~~هن خير الجميع، فضلا عن هدايا أخرى عديدة. ألا كن كريم النفس، ~~وارع حرمة دارك، لأننا ضيوف تحت سقفك، من قبل الدانيين قاطبة. ~~ولأننا نحظى بأن نكون أقرب الآخيين جميعا إليك - على كثرتهم - ~~وأعزهم.» # عندئذ أجابه «أخيل» - السريع القدمين - بقوله: «أي أياس، أيها ~~المنحدر من زوس، يا ابن تيلامون، وقائد الجيش، يبدو أنك في كل هذا ~~إنما تقول ما في ذهني، ولكن قلبي يغلي حقدا كلما تذكرت كيف أهانني ~~ابن أتريوس وسط الأرجوسيين كما لو كنت غريبا لا قدر له. ومع ذلك، ~~فاذهب وأبلغ رسالتي؛ لأنني لن أفكر في الحرب الدموية إلا بعد أن ~~يجيء هكتور العظيم، ابن بريام الحكيم القلب، إلى أكواخ وسفن ~~المورميدون، ويعمل التقتيل في الأرجوسيين ويشعل النار في السفن، ~~ولكنه - حسب ما أعتقد - سيبتعد عن كوخي وسفينتي السوداء، رغم ما هو ~~عليه من شوق إلى القتال.» # هكذا قال، ثم أخذ كل رجل كأسا ذات ms239 يدين، فقدم الجميع السكيبة، ~~وانطلقوا بمحاذاة صفوف السفن، و«أوديسيوس» يتقدمهم. عندئذ أمر ~~«باتروكلوس» رفاقه والإماء بإعداد فراش سميك لفونيكس، فأطاعوا قوله ~~وهيئوا فراشا - كما أمر - من فراء الغنم والأبسطة، قماش ناعم من ~~الكتان. وهناك رقد الشيخ وانتظر مطلع الفجر اللامع، بينما نام ~~«أخيل» في أقصى جوف الكوخ المتين البناء، وإلى جانبه رقدت امرأة ~~كان قد أحضرها من ليسبوس، هي ابنة «فورباس» «ديوميدي» الجميلة ~~الوجنتين. ورقد «باتروكلوس» في الجانب المقابل، وإلى جواره كذلك ~~رقدت «أيفيس» الجميلة الخصر، التي كان «أخيل» قد وهبه إياها عندما ~~استولى على سكوروس المترامية الأطراف، مدينة «أينويوس». # عودة المندوبين إلى الآخيين # وعندما وصل الرسل إلى أكواخ ابن أتريوس، هرع أبناء الآخيين على ~~هذا الجانب وذاك، ممسكين في أيديهم كئوسا من الذهب، وراحوا ~~يسألونهم الخبر. وكان ملك البشر «أجاممنون»، هو أول السائلين، ~~قائلا: «تعال وأنبئني يا أوديسيوس، يا من تستحق أعظم الثناء، ويا ~~مجد الآخيين العظيم، هل يعتزم أخيل إنقاذ السفن من النار الضارية، ~~أو أنه رفض ذلك، وما زال الغضب يتملك روحه المتغطرسة؟» # فأجابه أوديسيوس العظيم الجلد بقوله: «يا ابن أتريوس الأمجد، يا ~~أجاممنون، ملك البشر، إنه حقا لا يعتزم إطفاء غضبه، بل إنه الآن ~~أكثر هياجا وثورة، وإنه ليزدريك وهداياك وينصحك بأن تتشاور مع ~~الأرجوسيين في كيفية إنقاذ السفن وجيش الآخيين. أما عن نفسه، فإنه ~~ينذر بأنه - عند الفجر - سيدفع إلى عرض البحر سفنه المقدسة المتينة ~~المقاعد. ويقول - فوق هذا - إنه سوف ينصح الآخرين بأن يبحروا ~~عائدين إلى وطنهم؛ لأنك لن تبلغ أبدا مأربك من طروادة الفسيحة؛ ~~لأن زوس - البعيد النظر - يبسط يده فوقها بإحكام، وسكانها يفيضون ~~شجاعة وإقداما. هكذا قال أخيل، ويؤيد قولي هذا أولئك الذين ~~تبعوني، أياس والمناديان، وكلاهما عاقل حصيف. أما «فونيكس» الشيخ ~~فقد رقد هناك ليستريح؛ إذ أمره «أخيل» بذلك كي يتبعه في سفنه إلى ~~وطنه العزيز غدا، لو أراد؛ فهو لن يأخذه غصبا.» # وإذ قال هذا، خيم عليهم جميعا الصمت، مأخوذين بكلماته؛ لأنه كان ~~يخاطب حشدهم بانفعال بالغ. ولمدة طويلة لزم ms240 أبناء الآخيين الصمت ~~مكروبين، ولكن ديوميديس - صاحب صيحة الحرب المدوية - نهض في وسطهم ~~أخيرا، وتكلم قائلا: «يا ابن أتريوس الأمجد، يا أجاممنون، ملك ~~البشر، ليتك لم تتوسل قط إلى ابن بيليوس المنقطع النظير، ولم تقدم ~~إليه الهدايا التي لا حصر لها، إنه لمزهو بنفسه، وأنت الآن قد ~~دفعته إلى مزيد من الخيلاء. وعلى كل حال، فسوف ندعه وشأنه، وله أن ~~يرحل أو يبقى، وسيقاتل - فيما بعد - عندما يأمره قلبه الكامن في ~~صدره، ويثيره إلى ذلك أحد الآلهة. ولكن تعالوا، ولنصدع بما طلب. ~~اذهبوا الآن واحصلوا على شيء من الراحة، وتناولوا من اللحم والخمر ~~ما شاءت لكم قلوبكم؛ لأن فيها الشجاعة والقوة. وبمجرد ظهور الفجر ~~الجميل ذي الأنامل الوردية، أعدوا فرسانكم ورجالكم - في الحال - ~~أمام السفن، وكذا عرباتكم وخيولها، وقاتلوا بأنفسكم في المقدمة، ~~وسط المحاربين.» # هكذا قال، ووافق جميع الملوك على قوله، معجبين بكلمات «ديوميديس» ~~مستأنس الخيول. ثم قدموا سكيبة، وذهب كل واحد إلى كوخه، حيث رقدوا ~~وتمتعوا بنعمة النوم. # | الأنشودة العاشرة # ووقف «دولون» ساكنا، وقد استبد به الذعر، وامتقع لونه من جراء ~~الهلع، واصطكت أسنانه في فمه، حتى وصل إليه الاثنان وهما مبهورا ~~الأنفاس، فأمسكا بيديه، فراح يبكي ويتوسل. # كيف قتل «ديوميديس» و«أوديسيوس» جاسوس الطرواديين «دولون» وتجسسا ~~على الطرواديين، وتسللا إلى معسكرهم ذاته فاستوليا على جياد ~~«ريسيوس» ملك التراقيين ... إلخ. # اجتماع آخر بين الآخيين # ما لبث جميع رؤساء جيش الآخيين أن ناموا بجوار سفنهم طوال الليل ~~- إذ غلبهم النعاس الناعم - ما عدا أجاممنون بن أتريوس، راعي ~~الجيش، فلم يسيطر عليه النوم اللذيذ؛ إذ كانت تتطاحن في ذهنه عدة ~~أمور. وكما يحدث عندما يرسل زوس، بعل «هيرا» الجميلة الشعر، بروقه ~~ورعوده، كلما أراد أن يعد مطرا غزيرا أو إعصارا أو جليدا، أو ~~عندما تكسو الحقول قطع الجليد، أو عندما يفتح فم الحرب المرير ~~الواسع. هكذا أخذ أجاممنون يكثر من تصعيد التأوهات من أعماق صدره، ~~وقد راح قلبه يرتجف في باطنه. وكان كلما تطلع إلى السهل الطروادي، ~~عجب للنيران الكثيرة التي كانت ms241 تشتعل أمام طروادة، ولصوت المزامير ~~واليراع المثقب وصخب الرجال. أما إذا نظر إلى السفن وإلى جيش ~~الآخيين، فإنه كان يشد شعر رأسه من جذوره، متوسلا إلى «زوس» - ~~الكائن في العلا - وهو يئن بشدة في دخيلة قلبه النبيل. وأخذ ~~يفكر في خطة بدت له خير خطة، وهي أن يذهب أولا إلى «نسطور ~~بن نيليوس»، لعله يستطيع أن يرسم معه خطة حكيمة لدفع الأذى عن ~~الجيش الداني؛ ومن ثم استوى في جلسته، وشد عباءته فوق صدره، وثبت ~~نعليه الجميلين في قدميه البراقتين، ثم تسربل بجلد أسد ضخم، ناري ~~عظيم، جلد كان يصل إلى قدميه، وأمسك رمحه في يده. # كذلك تملك «مينيلاوس» خوف رعديد، فلم يستو النوم فوق جفنيه؛ ~~خشية أن يقع شيء للأرجوسيين الذين من أجل خاطره قدموا إلى طروادة ~~عبر مياه البحر الفسيحة، منتوين في قلوبهم حربا شعواء. وغطى كتفيه ~~العريضتين بجلد نمر أرقط، ووضع فوق رأسه خوذة من البرونز، وأمسك ~~رمحا في يده القوية ثم سعى ليوقظ أخاه، الحاكم المسيطر على جميع ~~الأرجوسيين، والذي كان الشعب يبجله كما لو كان إلها، فوجده ~~مؤتزرا بعدته الحربية البديعة حول كتفيه، وواقفا عند مقدم ~~سفينته. ورحب به أخوه وهو مقبل غاية الترحيب، فخاطبه «مينيلاوس»، ~~الموفق في صيحة الحرب، قائلا: «لماذا أنت متسلح هكذا، يا أخي؟ ~~أمزمع أنت حض أحد من رفقائك على التجسس على الطرواديين؟ كلا، فشد ~~ما أخشى ألا يقبل أحد أن يذهب بمفرده ليؤدي هذه المهمة لك، ~~ويتجسس على العدو، أثناء الليل الخالي. لا يمكن أن ينجز هذا الأمر ~~إلا رجل قوي القلب!» # عندئذ أجابه الملك أجاممنون بقوله: «إننا لفي حاجة إلى مثل هذا ~~الرجل، أنا وأنت، يا مينيلاوس، يا سليل زوس، يا صاحب المشورة ~~السديدة التي سوف تنفذ وتخلص الأرجوسيين وسفنهم. إذ يبدو أن فؤاد ~~زوس قد مال إلى قرابين هكتور أكثر مما مال إلى قرابيننا. فما رأيت ~~من قبل قط، ولا سمعت على لسان أحد، أن رجلا واحدا قام في يوم ~~واحد بأعمال رهيبة عديدة، كتلك التي قام بها ms242 هكتور - حبيب زوس - ضد ~~أبناء الآخيين، وحده دون سواه، مع أنه ليس ابنا عزيزا لأية ربة ~~أو أي إله. لقد قام بأعمال أعتقد أنها ستجلب الحزن على الأرجوسيين ~~إلى الأبد. نعم، فما أكثر الشرور التي قام بها ضد الآخيين! والآن، ~~اذهب، واهرع بسرعة - بمحاذاة صفوف السفن - وادع إلى هنا «أياس» ~~و«أيدومينيوس». وسأذهب أنا إلى «نسطور» العظيم فآمره بأن ينهض، عسى ~~أن يكون في نيته الذهاب إلى حشد الحراس المقدس، فيصدر إليهم ~~الأمر؛ لأنهم يصغون إليه ويأتمرون بأمره دون سواه؛ لأن ابنه قائد ~~على الحراس، هو و«ميريونيس» زميل أيدومينيوس، فقد عهدنا إليهما ~~بهذه المهمة دون سواهما.» # فرد عليه مينيلاوس، البارع في صيحة الحرب، بقوله: «بأي قصد ~~تأمرني هكذا وتحثني؟ هل أبقى هناك معهم وأنتظر مجيئك، أو أغدو ~~راجعا إليك ثانية، بعد أن أصدر إليهم أمرك كما ينبغي؟» # فأجابه ملك البشر «أجاممنون» قائلا: «ابق هناك، خشية أن يضل ~~أحدنا عن الآخر في ذهابنا، فما أكثر الطرق خلال المعسكر، وارفع ~~صوتك في أي مكان تذهب إليه، ومر الناس بأن يستيقظوا، مناديا كل ~~رجل بسلسلة نسبه واسم أبيه، معطيا كل واحد حقه من الاحترام ولا ~~تكن مختالا مغرورا، بل لننصرف نحن أنفسنا إلى العمل، فإن زوس - ~~كما أعتقد - قد وضع على عاتقنا وزر المحن منذ ميلادنا.» # وما إن قال هذا، حتى أوفد شقيقه بعد أن أصدر إليه الأمر اللازم، ~~وذهب في طريقه سعيا إلى «نسطور» - راعي الجيش - فوجده بجانب كوخه ~~وسفينته السوداء، فوق فراشه الوثير، وإلى جانبه عدته الحربية - ~~المرصعة ترصيعا فاخرا - وترسه ورمحاه وخوذته اللامعة. كما كان ~~إلى جواره حزامه البراق، الذي اعتاد هذا الشيخ أن يشد به وسطه، ~~كلما تأهب للقتال - جالب الدمار على البشر - وقيادة قومه؛ لأنه كان ~~يأبى أن يستسلم للشيخوخة المحزنة. فنهض معتمدا على مرفقه، رافعا ~~رأسه، وتحدث إلى ابن أتريوس، وسأله قائلا: «من أنت يا من تسير ~~وحدك بجوار السفن خلال المعسكر في ظلمة الليل الداجية، بينما غيرك ~~من البشر نيام؟ أتبحث عن أحد البغال، أم تبحث عن ms243 أحد رفاقك؟ تكلم ~~ولا تقبل نحوي صامتا، ماذا تريد؟» # عندئذ أجاب «أجاممنون» - ملك البشر - قائلا: «أي نسطور، يا ~~ابن نيليوس، ويا فخر الآخيين ومجدهم العظيم، إنك لتعرف أجاممنون بن ~~أتريوس، الذي زج به زوس - دون سواه - وسط المشاق باستمرار، فطالما ~~ظلت الأنفاس تتردد في صدري، وظلت ركبتاي سريعتين، فإنني أتجول ~~هكذا؛ ذلك لأن النوم اللذيذ لا يحط فوق جفوني، ولكن الحرب هي شغلي ~~الشاغل، وكذلك محن الآخيين؛ إذ إنني أخاف على الدانيين، ولو أن ~~عقلي لا يتجه إلى أمر معين، وإنما أنا أتخبط بين هذا الأمر وذاك، ~~وقلبي يقفز من صدري، وأطرافي المجيدة ترتعد تحتي. فإذا شئت أن تفعل ~~شيئا، ما دام النوم لا يزورك كذلك، فهيا بنا نذهب إلى الحراس، كي ~~تلقي عليهم نظرة، لئلا يكونوا نائمين متعبين من الكد والنعاس، أو ~~يكونوا نسوا حراستهم كل النسيان. إن العدو يستريح في العراء قريبا ~~منا، ولسنا نعرف إطلاقا ما إذا كان ينتوي إثارة القتال في الليل ~~أيضا.» # وهنا رد عليه الفارس نسطور الجيريني بقوله: «يا ابن أتريوس ~~الأمجد، يا أجاممنون، ملك البشر، ما من شك في أن زوس المستثار لن ~~يحقق لهكتور جميع أهدافه، ولا كل ما يفكر فيه الآن. كلا، إنني ~~أعتقد أنه سيقاسي متاعب تفوق متاعبنا، إذا طرح «أخيل» عن قلبه ~~الغضب الناقم. ومع ذلك فإنه يسرني أن أسير معك، ولكن تعال نوقظ ~~غيرنا كذلك، لنوقظ كلا من ابن توديوس - الشهير برمحه - ~~و«أوديسيوس»، «وأياس» السريع، وابن فوليوس الشجاع. وأتمنى لو ذهب ~~أحد واستدعى كذلك «أياس» - شبيه الإله - و«أيدومينيوس» الجليل؛ ~~لأن سفينتيهما أبعد السفن، فهما غير قريبتين. ولسوف أنحي باللائمة ~~على «مينيلاوس»، رغم كونه عزيزا ومبجلا. أجل، لا يغضبك هذا مني، ~~ولن أخفي رأيي، سألومه لأنه نائم الآن، بينما تعاني أنت التعب ~~وحدك. وكان الأليق به الآن أن يعمل وسط جميع الرؤساء، متوسلا ~~إليهم؛ فقد آن أوان الحاجة إلى سائر الموجودين على قيد ~~الحياة.» # فأجاب ملك البشر أجاممنون قائلا: «سيدي الشيخ، دع عنك لومه إلى ~~وقت آخر، وأنا الذي ms244 سأطلب ذلك منك؛ إذ إنه متقاعس دائما، لا يميل ~~إلى العمل، لا عن استسلام للكسل، ولا عن قصر إدراك، وإنما لأنه ~~دائم الاتكال علي، ومحتاج إلى قيادتي، ولكنه الآن قد استيقظ ~~- قبلي - وجاءني، فأوفدته ليستدعي من ذكرتهما. والآن هلم بنا، ~~فسنجدهما أمام الأبواب، وسط الحراس، لأنني أمرت بالاجتماع ~~هناك.» # عندئذ رد عليه الفارس «نسطور الجيريني» بقوله: «بهذا لن يغضب ~~منه أحد من الأرجوسيين جميعا أو يعصاه، إذا ما حث أي رجل أو أصدر ~~الأوامر.» # وفيما كان يتكلم، أحكم وضع صديريه حول صدره، وثبت نعليه الجميلين ~~في قدميه اللامعتين، والتف بعباءة أرجوانية مزدوجة، واسعة، ذات وبر ~~كثيف. وأمسك في يده رمحا مكينا ينتهي طرفه بالبرونز الحاد، ثم ~~ذهب في طريقه وسط سفن الآخيين المتدثرين بالبرونز. وسرعان ما كان ~~أوديسيوس - نظير زوس في المشورة - أول من أيقظه الفارس «نسطور ~~الجيريني» من النوم بصوته، إذ لم يكد النداء يتردد في أذنيه، حتى ~~أقبل فورا من كوخه، وقال: «كيف يحدث أنك تسير هكذا وحدك بجانب ~~السفن خلال المعسكر في الليل الخالد؟ أي حاجة ماسة ألمت ~~بك؟» # فأجاب الفارس «نسطور الجيريني» قائلا: «لا تغضب يا ابن لايرتيس ~~سليل زوس، أي أوديسيوس الكثير الحيل، فإن كربا عظيما قد سيطر على ~~الآخيين. هيا، اتبعني، كي توقظ غيرك أيضا، ممن يجب أن نتشاور ~~معهم، فيما إذا كنا نهرب أو نقاتل!» # هكذا قال، فذهب «أوديسيوس» الكثير الحيل إلى الكوخ ، ولف حول ~~كتفيه درعا فاخرة الترصيع، ثم تبعهما. ولما وصلوا إلى ديوميديس بن ~~توديوس، وجدوه خارج كوخه مع سلاحه، ورفاقه من حوله نائمين بدروعهم ~~تحت رءوسهم، ولكن رماحهم كانت مغروسة في الأرض مستقيمة الأسنة؛ ~~ولذا كان البرونز يتألق من بعيد كأنه برق من لدن الأب زوس، ولكن ~~المحارب «ديوميديس» كان نائما على جلد ثور من ثيران الحقول، وتحت ~~رأسه بساط لامع، فأقبل إلى جانبه الفارس نسطور الجيريني، وهزه ~~بلمسة من عقبه ليوقظه. فلما صحا من النوم، عيره في وجهه قائلا: ~~«استيقظ، يا ابن توديوس، لماذا تغط في سبات طوال الليل؟ ms245 ألا ~~تعرف أن الطرواديين في أرض السهل العالية يعسكرون قريبا من السفن، ~~على مسافة قصيرة منا؟» # جاسوسان إلى معسكر الطرواديين # وما إن قال هذا، حتى نهض الآخر بسرعة من النوم، ورد عليه بكلمات ~~مجنحة قائلا: «يا لك من شيخ شديد المراس، لا تكل إطلاقا من التعب ~~ولا تمل. أليس هناك أبناء آخرون من الآخيين، يصغرونك سنا، ~~وبوسعهم أن يحثوا جميع الملوك وأن يصلوا إلى مكان خلال الجيش؟ أما ~~أنت يا سيدي الشيخ، فقد لا يباريك رجل آخر!» # فأجابه الفارس «نسطور الجيريني» بقوله: «حقا يا صديقي إنك قد ~~نطقت بالصواب في كل هذا، فعندي أبناء لا ضريب لهم، وهناك قوم وفيرو ~~العدد يستطيع أي واحد منهم أن يذهب ويستدعي الآخرين، ولكن الحقيقة ~~أنه قد ألمت بالآخيين حاجة ماسة؛ لأن الوضع الآن بالنسبة للجميع ~~وضع قاهر، فإما خراب محزن للآخيين، وإما حياة. فاذهب الآن وأيقظ ~~«أياس» السريع، وابن بيليوس؛ لأنك أصغر مني، إذا كنت تشفق ~~علي.» # وإذ قال هذا، لف «ديوميدس» حول كتفيه جلد أسد متوحش وضخم، جلدا ~~يصل إلى قدميه، وأمسك برمحه، وسار في طريقه فأيقظ ذينك المحاربين ~~من مضجعيهما وعاد بهما. فلما انضموا إلى حشد الحراس وقد اجتمعوا ~~معا، لم يجدوا قادة الحراس نائمين، وإنما كانوا جميعا جالسين ~~متيقظين ومدججين بالسلاح. وكما تتولى الكلاب حراسة الأغنام في ~~الحظيرة، عندما تسمع صوت الوحش المفترس الكاسر، الذي يأتي خلال ~~الغابة بين التلال ، فتعلو حوله عاصفة من ضجيج البشر والكلاب، وقد ~~طار النوم من عيونهم، هكذا أيضا ذهب النوم اللذيذ عن جفون الحراس؛ ~~لأنهم كانوا يلتفتون دائما صوب السهل، ليتبينوا ما إذا كان ~~الطرواديون مقبلين. فلما أبصر بهم الشيخ، تهلل بشرا وشجعهم، ~~مخاطبا إياهم بكلمات مجنحة فقال: «هكذا قوموا بالحراسة يا أطفالي ~~الأعزاء، ولا تدعوا النوم يسيطر على أي رجل منكم، لئلا نكون مبعث ~~غبطة أعدائنا.» # وبينما كان يقول ذلك، أسرع عبر الخندق. وهناك تبعه ملوك ~~الأرجوسيين، كل أولئك الذين استدعوا للمجلس. وذهب معهم ~~«الميريونيس»، وابن نسطور المجيد، إذ دعوهم للاشتراك في المشاورة. ms246 ~~وهكذا تسللوا وخرجوا من الخندق المحفور، وجلسوا في مكان فسيح كانت ~~الأرض فيه خالية من الموتى الذين سقطوا في المكان الذي عاد منه ~~«هكتور» القوي بعد أن أعمل التقتيل في الأرجوسيين، عندما خيم عليهم ~~الظلام، وهناك استووا جالسين يتحدث بعضهم إلى بعض، وفي وسطهم قام ~~أولا نسطور وخاطبهم بقوله: «أي أصدقائي، ألا يوجد بينكم رجل ~~يستطيع أن يضحي بروحه المغامرة، فيذهب وسط الطرواديين العظيمي ~~الهمة، ويقتل أي محارب من الأعداء، أو يسمع أية شائعة بين ~~الطرواديين أو أية خطة يرسمونها فيما بينهم، فيعرف إن كانوا سيبقون ~~في مكانهم - بجانب السفن بعيدا - أم سيقهقرون ثانية إلى المدينة، ~~بعد أن هزموا الآخيين؟ كل هذا بوسعه أن يعرفه، ثم يعود إلينا ~~سالما. وإذ ذاك يطير صيته تحت السماء بين سائر البشر، ويمنح جائزة ~~طيبة؛ إذ إن كل الأمراء ذوي السلطة فوق السفن، كل واحد من هؤلاء ~~جميعا سيهبه نعجة سوداء وحملا في دور الرضاع - وما من مكافأة ~~تقارن بهذه - كما أنه سيكون حاضرا معنا دائما في الولائم وموائد ~~الشراب.» # وما إن تكلم، حتى شملهم السكون جميعا. ثم قام في وسطهم ~~«ديوميديس»، البارع في صيحة الحرب، فقال: «أي نسطور، إن قلبي ~~ليحثني - وكذلك روحي المتكبرة - على دخول معسكر العدو القريب، ~~معسكر الطرواديين. ومع كل، فلو أن رجلا آخر يتبعني لازداد ~~الارتياح والثقة، وإذا ذهب اثنان معا، فإن كلا منهما يستبق ~~الآخر في تدبر الحصول على النفع. أما إذا ذهب واحد، فإنه لا ~~يهتدي إلى شيء، بل إن ذكاءه يقصر، وحيلته تهن.» # هكذا قال، فرغب كثيرون في أن يتبعوا «ديوميديس». كان البطلان ~~«أياس» - خادما أريس - تواقين إلى ذلك. وكان ميريونيس يميل إلى ~~الذهاب معه، وكذلك كان ابن نسطور، وابن أتريوس، «مينيلاوس» الشهير ~~برمحه، كما كان أوديسيوس الحازم راغبا في أن يتسلل إلى حشد ~~الطرواديين؛ لأن الروح الكامنة في صدره كانت جريئة على الدوام. ~~وعندئذ قام في وسطهم «أجاممنون» - ملك البشر - فتكلم قائلا: «يا ~~ديوميديس، يا ابن توديوس العزيز على قلبي، لك أن تختار أي رجل ms247 تشاء ~~من خير أولئك الذين يتطوعون بتقديم أنفسهم، ليكون رفيقا لك. ~~فكثيرون ميالون إلى مصاحبتك، ولكن لا تدع قلبك - بدافع من الإعزاز ~~- يتحول من الأفضل من الرجال فتأخذ لنفسك أسوأ رفيق، متأثرا بقدره ~~أو بمولده. كلا، ولو كان ذلك الشخص أرقى محتدا!» # قال هذا؛ لأنه كان يخاف على «مينيلاوس» الجميل الشعر، ولكن ~~«ديوميديس» البارع في صيحة الحرب، قام في وسطهم من جديد، وقال: «لو ~~كنت حقا تأمرني أن أنتقي بنفسي رفيقا، فكيف يتأتى لي أن أنسى ~~أوديسيوس شبيه الإله. إن قلبه وروحه الشامخة يفوقان جميع الآخرين ~~شوقا إلى كل ضروب المشقة، كما أن الربة «أثينا» تحبه، فلو تبعني ~~لأمكنني - ولو وسط النيران المستعرة - أن أعود معه بسلام؛ لأنه ~~يفوق الجميع حكمة في الإدراك.» # عندئذ تحدث إليه «أوديسيوس» العظيم، القدير على احتمال ~~المشاق، فقال: «يا ابن توديوس، لا تسرف كثيرا في امتداحي ولا في ~~لومي. إن الأرجوسيين كلهم يعرفون هذا الذي نقوله وسطهم. هلم بنا ~~ولنذهب؛ لأن الليل ينحسر حقا، والفجر يقترب. وا أسفاه، لقد تحركت ~~النجوم بسرعة، وانقضى من الليل أكثر من ثلثيه. ولم يبق غير ثلث ~~واحد.» # وما إن قال هذا، حتى ~~ألبسوهما عدتيهما الحربيتين العظيمتين، وأعطى «ثراسوميديس» الجريء ~~في القتال لابن توديوس سيفا ذا حدين - لأنه كان قد ترك سيفه ~~بجانب سفينته - وترسا، ووضع على رأسه خوذة من جلد الثور، بدون ~~قرون وبغير خصلة، أي عبارة عن قلنسوة تصون الرأس من تهور الشباب. ~~كما أعطى «ميريونيس» لأوديسيوس قوسا وكنانة وسيفا، ووضع حول ~~رأسه خوذة من الجلد، مبطنة بسيور عديدة أحكم شدها، بينما قويت من ~~الخارج بأسنان بيضاء لخنزير ذي أنياب لامعة - وضعت بكثرة على هذا ~~الجانب وذاك، بمتانة ومهارة - كما ثبتت داخلها بطانة من اللباد. ~~وكان «أوتولوكوس» قد سرق هذه القلنسوة من «اليون»، عندما اقتحم بيت ~~«أمونتور بن أورمينوس»، ذلك البيت المتين البناء، ثم أعطاها ~~لأمفيداماس «الكيثيري»، ليسلمها إلى «سكاندايا» فأعطاها أمفيداماس ~~بدوره إلى «مولوس» كهدية ضيف، ولكن هذا أعطاها لابنه ميريونيس ~~ليرتديها. وها هي ذي قد استقرت ms248 على رأس «أوديسيوس»، فحمته! # وبعد أن تدثر الاثنان بحلتيهما الحربيتين العظيمتين، انطلقا في ~~طريقهما، تاركين جميع الرؤساء هناك. ومن أجلهما أرسلت الربة ~~«أثينا» طائر البلشون ليحلق على اليمين، بالقرب من طريقهما. ~~وبالرغم من أنهما لم يرياه في الظلام إلا أنهما سمعا صراخه. فسر ~~أوديسيوس لهذا الفأل، وصلى لأثينا قائلا: «أصغي إلي يا ابنة زوس ~~حامل الترس، يا من تقفين دائما إلى جانبي في سائر أعمالي، ويا من ~~لا أخفى عليك في أي مكان أتحرك فيه، عودي الآن إلى صداقتي ثانية، ~~بعد أن كنت قد تركتني، واجعلينا نحرز سمعة طيبة ونعود ثانية إلى ~~السفن، بعد أن نكون قد قمنا بعمل جليل يجلب الحزن على ~~الطرواديين.» # وبعده صلى ديوميديس أيضا، ذلك البارع في صيحة الحرب، قائلا: ~~«استمعي إلي الآن كذلك، يا ابنة زوس، يا من لا تنامين، اتبعيني ~~الآن كما سبق أن تبعت أبي - توديوس العظيم - إلى طيبة، عندما أوفده ~~الآخيون المجللون بالبرونز رسولا، فتركهم بجوار الأسوبوس، وحمل ~~كلمة رقيقة إلى «الكادموسيين»، ولكنه ما إن سافر عائدا حتى قام ~~بأعمال جد رهيبة، # 1 # بمعونتك أيتها الربة الفاتنة؛ لأنك وقفت إلى جانبه ~~بقلب جسور. كذلك قفي الآن من تلقاء نفسك إلى جانبي واحرسيني. وفي ~~مقابل ذلك أذبح لك عجلة بكرا، عريضة الجبين، سليمة، لم يسبق لأحد ~~أن وضعها تحت النير. ولسوف أذبحها لك، وأحلي قرونها ~~بالذهب!» # هكذا قالا في صلاتيهما، فأصغت إليهما الربة «أثينا » وما إن فرغا ~~من الصلاة لابنة زوس العظيم، حتى انطلقا في طريقهما كأسدين يدلجان ~~تحت جنح الليل البهيم، وسط المذبحة، بين الجثث، خلال الأسلحة والدم ~~الأسود. # مشاورات بين الطرواديين # ولم يطق هكتور أن يدع الطرواديين الأمجاد للنوم، بل جمع سائر ~~النبلاء، بقدر ما كان هناك من قادة وحكام طرواديين. وبعد أن جمعهم، ~~دبر خطة كلها مكر وخداع فقال: «من منكم يعدني الآن بهذا العمل ~~وينفذه مقابل مكافأة كبرى؟ حقا. إن مكافأته ستكون محققة، فلسوف ~~أعطيه عربة وجوادين طويلي العنق مقوسيه، هما خير جوادين في سفن ~~الآخيين السريعة، سأهديهما إلى ms249 الرجل الذي يجرؤ - ويكسب لنفسه ~~المجد كذلك - فيذهب إلى قرب السفن السريعة الانطلاق في البحر، ~~ويتجسس لنعرف هل هذه السفن السريعة محروسة كالعهد بها من قبل، أو ~~هل أعداؤنا - وقد باتوا تحت أيدينا - يزمعون، فيما بينهم، الفرار، ~~وأنهم لا يلقون بالا إلى الرقابة طوال الليل، من جراء الكد والتعب ~~العظيم؟!» # هكذا قال، فلزم جميعهم الصمت، وكان بين الطرواديين «دولون بن ~~يوميديس - المنادي، شبيه الإله، وهو رجل غني بالذهب، وثري في ~~البرونز. وكان سيئ الحظ في مظهره، ولكنه كان سريع القدمين، وهو ~~الشقيق الوحيد بين خمس شقيقات. فما لبث أن قام وخاطب الطرواديين ~~و«هكتور» بقوله: «أي هكتور، إن قلبي وروحي الشامخة ليحضانني على ~~الذهاب بالقرب من السفن السريعة الانطلاق في البحر، والتجسس على ~~كل شيء، ولكن هيا - بربك - وارفع صولجانك، وأقسم لي بأنك ستعطيني ~~الجوادين والعربة الفاخرة التطعيم بالبرونز، تلك التي تحمل ابن ~~بيليوس المنقطع النظير. وإذ ذاك سأبرهن لك على أنني لست بالكشاف ~~العديم الجدوى، ولست بالشخص الذي يخيب آمالك؛ لأنني سأذهب فورا ~~إلى المعسكر، حتى أصل إلى سفينة أجاممنون، حيث يعقد الرؤساء ~~اجتماعا - كما أعتقد - ليقرروا ما إذا كانوا يهربون أو ~~يقاتلون.» # وإذ قال هذا، أمسك هكتور الصولجان بين يديه، وأقسم قائلا: «أي ~~زوس، كن شاهدا علي الآن بنفسك، يا بعل «هيرا» يا ذا الرعود ~~المدوية، ما من رجل آخر من الطرواديين سيمتطي صهوتي هذين ~~الجوادين سواك يا دولون ، وها أنا ذا أعلن أنك ستزهو بهما على ~~الدوام.» # هكذا قال، وأقسم على ذلك قسما لا حنث فيه، فتحرك قلب «دولون» ~~وفي الحال ألقى على كتفيه قوسه المعقوفة، وتدثر بجلد ذئب رمادي، ~~ووضع على رأسه قبعة من جلد السنور، وأمسك في يده رمحا حادا، ~~ومضى في طريقه صوب السفن. على أنه لم يقدر له أن يعود ثانية من لدن ~~السفن، ويحمل الأنباء إلى هكتور. فما إن ترك حشد الخيول والرجال، ~~حتى تقدم بحمية في الطريق. وكان أوديسيوس - المنحدر من زوس - ~~منتبها له وهو يقترب، فقال لديوميديس: «انظر يا ديوميديس، ها ms250 هو ~~ذا شخص يأتي من المعسكر. ولست أدري أهو يريد التجسس على سفننا، أم ~~ينتوي أن يجرد إحدى جثث الموتى من الملابس، فلنتركه يمر أمامنا ~~أولا - في السهل - إلى مسافة قصيرة، ثم لنهجم عليه ونمسكه بسرعة ~~فإذا قدر له أن يسبقنا معا بسرعة قدميه، فلتجعله يتجه دائما نحو ~~السفن، بعيدا عن الجيش، قاذفا عليه رمحك، حتى لا يهرب بأية حال ~~من الأحوال صوب المدينة!» # وما إن قال هذا، حتى هبط كلاهما وسط الموتى، بعيدا عن الطريق. ~~أما «دولون» فقد جرى مسرعا، مارا أمامهما - لغبائه - فلما صار ~~بعيدا عنهما بقدر بعد البغال في الحرث (لأنها أفضل من الثيران في ~~جر المحراث المفصلي في الأرض البور العميقة) جرى الاثنان خلفه، ~~فوقف ساكنا عندما سمع الصوت؛ إذ ظن في نفسه أنهما صديقان قادمان ~~من عند الطرواديين ليعودا به، وأن هكتور شاء أن يرجع القهقرى ~~بالجيش. حتى إذا صار قاب رمح أو أقل، عرف أنهما عدوان، فأطلق ~~العنان لساقيه كي يفر بسرعة، وبسرعة شرعا يطاردانه. وكما يحدث ~~عندما يطارد كلبان - حادا الأنياب، ماهران في الصيد - ظبية أو ~~أرنبا بريا، في مكان مملوء بالأحراش، مطاردة عنيفة، والفريسة ~~تظل تجري وتصرخ أمامهما، كذلك حال ابن توديوس وأوديسيوس - مخرب ~~المدن - بين دولون والجيش، واستمرا يجدان في مطاردته، فلما أوشك أن ~~يصل إلى وسط الحراس - وهو يعدو صوب السفن - بثت «أثينا» القوة في ~~ابن توديوس، حتى لا يستطيع أحد من الآخيين المتدثرين بالبرونز أن ~~يزهو بأنه قد سبقه في تسديد الضربة، وأنه قد جاء متأخرا جدا. ~~فهجم عليه ديوميديس القوي برمحه وصاح قائلا: «قف وإلا أصبتك ~~برمحي، ولا أحسبك ستنجو طويلا من الموت المحتم على يدي!» # قال ديوميديس هذا، وقذف رمحه، ولكنه أخطأه عمدا، فمر طرف الرمح ~~الصقيل من فوق كتفه اليمنى، وانغرس في الأرض. فوقف دولون ساكنا، ~~وقد استبد به الذعر، وأخذ يتمتم. وامتقع لونه من جراء الهلع الذي ~~ألم به، واصطكت أسنانه في فمه، حتى وصل إليه الاثنان وهما مبهورا ~~الأنفاس يلهثان، فأمسكا بيديه فراح يبكي، ms251 وتوسل إليهما قائلا: ~~«خذاني حيا؛ حتى أستطيع أن أفدي نفسي، ففي بيتي كميات عظيمة من ~~البرونز والذهب والحديد المشغول بعناية وجهد، وسيمنحكما منه أبي ~~فدية تفوق الحصر، إذا ما سمع أنني لا أزال حيا عند سفن ~~الآخيين.» # فرد عليه «أوديسيوس» الكثير الحيل، بقوله: «هون عليك، ولا تجعل ~~الموت يسيطر على أفكارك. تعال، فأخبرني بالحقيقة: لماذا كنت تسير ~~صوب السفن وحدك هكذا، بعيدا عن الجيش في دجى الليل، بينما ينام ~~غيرك من بني الإنسان؟ أكنت تريد تجريد هذه الجثة أو تلك من ~~الملابس؟ أم هل أرسلك هكتور إلى السفن الخاوية بقصد التجسس على كل ~~شيء؟ أو أن قلبك هو الذي أوحى إليك بذلك؟» # فأجابه دولون، وهو يرتعد فرائص وأعضاء: «لقد أغراني بالآمال ~~الخلابة هكتور؛ إذ وعد بأن يعطيني جوادي ابن بيليوس القويي ~~الحوافر، وعربته المرصعة بالبرونز ترصيعا فاخرا، وأمرني بالذهاب ~~وسط الليل السريع الداجي، قريبا من العدو، لأتجسس ما إذا كانت ~~السفن السريعة تحت حراسة العدو، كسابق عهدها، أم أن أعداءنا - وقد ~~باتوا الآن تحت أيدينا يدبرون أمر الفرار فيما بينهم، وليس في ~~نيتهم الرقابة أثناء الليل بسبب تعبهم من الجهد الشديد؟!» # فابتسم أوديسيوس الكثير الحيل، ورد عليه بقوله: «الحق أن قلبك ~~كان يتوق الآن إلى الهدايا العظيمة، إلى جوادي ابن أياكوس الحكيم. ~~غير أنه من العسير على أحد من البشر - ما عدا «أخيل» الذي أنجبته ~~أم خالدة - أن يسيطر على هذين الجوادين أو يقودهما، هيا، أخبرني ~~بالحقيقة: أين تركت هكتور - راعي الجيش - وأنت في طريقك إلى هنا؟ ~~وأين توجد عدته الحربية، وأين تقف خيوله؟ وما هي مواقع الحراس، ~~وأماكن نوم الطرواديين الآخرين؟ وأي الخطط يدبرون فيما بينهم: ~~أيزمعون البقاء حيث هم بجانب السفن البعيدة، أم أنهم يريدون ~~الانسحاب من جديد إلى المدينة، بعد أن تغلبوا على ~~الآخيين؟» # عندئذ رد عليه «دولون بن يوميديس» قائلا: «سأقول الحقيقة، ~~وسأخبرك في صراحة بكل شيء: إن هكتور، الآن، يعقد مجلسا للشورى مع ~~جميع ذوي الرأي السديد، بجانب قبر «ألوس» شبيه الإله، بعيدا عن ~~الضجيج ms252 والشغب. أما الحراس الذين تسألني عنهم - أيها المحارب - فلا ~~حارس معينا يراقب أو يقوم بحراسة الجيش. فإن جميع من تضطرهم ~~الضرورة يرقدون إلى جانب جميع نيران الحراسة - التي يشعلها ~~الطرواديون - يقظين، ويأمرون بعضهم بعضا بالقيام بالحراسة، ولكن ~~الحلفاء، الذين اجتلبوا من بلاد عديدة، ينامون؛ لأنهم يتركون أمر ~~الحراسة للطرواديين، طالما أن أطفالهم وزوجاتهم ليسوا قريبين ~~منهم!» # فرد عليه أوديسيوس الكثير الحيل بقوله: «كيف يكون ذلك الآن؟ هل ~~ينامون مع الطرواديين - مستأنسي الخيول - في مكان واحد، أم هم ~~ينامون على حدة؟ خبرني بالضبط حتى أعرف.» # فأجاب «دولون بن يوميديس»، قائلا: «إذن سأخبرك بالحقيقة، وفي ~~صراحة كذلك، عن هذا الأمر: إن الكاريونيين - يرقدون صوب البحر، ~~و«البايونيين» بأقواسهم المعقوفة، وكذا «الليليجيس» و«الكاوكونيس» ~~و«البيلاسجيون» العظماء، وصوب ثومبري ينام «اللوكيون»، و«الموسيون» ~~الأمجاد، و«الفروجيون» الذين يقاتلون من العربات، و«المايونيون» ~~سادة العربات، ولكن لماذا تلح في السؤال عن كل هذه الأشياء؟ إذا ~~كنت تريد الوصول إلى حشد الطرواديين، فهناك - على حدة - يوجد ~~«التراقيون» الذين قدموا حديثا، وهم أبعد الجميع، وفي وسطهم ملكهم ~~«ريسوس بن أيونيوس». وإن جياده لأجمل جياد وقعت عليها عيناي طول ~~حياتي، وأضخمها! إنها أنصع بياضا من الجليد، وتعادل الريح في ~~سرعتها. وإن عربته قد رصعتها بالذهب والفضة يد ماهرة كما أنه ~~أحضر معه عدة حربية من الذهب، ضخمة الحجم، تروق للناظرين. فليس ~~لبشر أن يرتدوا مثل هذه العدة الحربية إطلاقا، بل إنها للآلهة ~~الخالدين فقط. هيا، خذني الآن إلى السفن السريعة الانطلاق في ~~البحر، أو قيدني بالأصفاد المتينة واتركني هنا، حتى تستطيع أن تذهب ~~بنفسك وتتثبت من أقوالي، أهي حقيقية، أم أنني لم أخبرك ~~بالصدق؟!» # عندئذ حدجه ديوميديس القوي بنظرة غضب من تحت حاجبيه، وقال له: ~~«كلا، إنني آمرك يا دولون، بألا تضمر في فؤادك الهروب، رغم أنك ~~جئتنا بأنباء طيبة، بوقوعك في أيدينا. فلو أننا أطلقنا سراحك الآن. ~~أو تركناك تذهب، فإنك ستعود فيما بعد إلى سفن الآخيين السريعة، إما ~~للتجسس علينا، أو للقتال في معركة مفتوحة. أما إذا فقدت حياتك بعد ~~أن ms253 وقعت في قبضة أيدينا، فلن تكون بعد الآن مبعث خراب ~~للأرجوسيين.» # مصرع «دولون» # وقال هذا، والآخر على وشك أن يلمس ذقنه بيده القوية ليستعطفه، ~~ولكن ديوميديس وثب عليه، وهوى بسيفه على عنقه بكل قوته، فمزق عضلتي ~~رقبته، وراح رأسه يتخبط بالثرى، بينما كان لا يزال على قيد الحياة ~~يتكلم. ثم أخذ قلنسوته المصنوعة من جلد السنور من على رأسه، وكذا ~~جلد الذئب، والقوس المعقوفة السوداء، والرمح الطويل، فأمسك ~~أوديسيوس بهذه الأشياء ورفعها في يده عاليا إلى «أثينا» - سائقة ~~الغنائم - وصلى قائلا: «اطربي أيتها الربة بهذه الأشياء؛ لأننا ~~سندعوك أولا قبل سائر الخالدين في أوليمبوس. والآن، اهدينا إلى ~~الجياد وأماكن نوم المحاربين التراقيين.» # هكذا قال، ورفع الغنائم عاليا، فوضعها فوق شجرة طرفاء، وأقام ~~هناك علامة واضحة، إذ جمع حزما من الغاب وأغصان الطرفاء الناضرة، ~~حتى لا يضلا الطريق إلى المكان وهما عائدان خلال الليل السريع ~~الداجي. ثم انطلق الاثنان في طريقهما وسط الأسلحة والدم القاتم، ~~وبسرعة وصلا إلى حشد المحاربين التراقيين. وكان هؤلاء نائمين الآن، ~~منهوكي القوى من التعب، وإلى جوارهم عددهم الحربية العظيمة فوق ~~الأرض، منسقة في ثلاثة صفوف. وقريبا جدا من كل رجل، كان نير ~~جياده. وكان «ريسوس» ينام في الوسط، وإلى جانبه جياده السريعة، ~~مثبتة من أعنتها إلى الحافة العليا للعربة. وكان أول من وقع بصر ~~أوديسيوس عليه، فأراه لديوميديس، قائلا: «ها هنا يا ديوميديس، ~~يوجد الرجل. وهذه هي الجياد التي حدثنا عنها «دولون» الذي قتلناه. ~~هيا الآن، فتذرع بالشجاعة القوية ولا تقف خاملا بأسلحتك، بل فك ~~الجياد، أو اقتل الرجال، بينما أتولى أنا ~~أمر الجياد.» # هكذا قال، ونفثت «أثينا» البراقة العينين القوة في قلب الآخر، ~~فأخذ يطيح بالرقاب في هذا الجانب وذاك. وراح أنين الضحايا يرتفع ~~مفزعا وهم يضربون بالحسام. وتخضبت الأرض بالدماء. وكما ينقض ~~الأسد على قطعان لا راعي لها، أو على الماعز، أو الأغنام، فيهجم ~~عليها في قسوة ووحشية، هكذا كان الأمر هنا وهناك بين المحاربين ~~التراقيين. وظل ابن توديوس يقتل إلى أن أجهز على ms254 اثني عشر رجلا. ~~وكان أوديسيوس الكثير الحيل، يمسك كل من يقترب منه ابن توديوس ~~ويضربه بالسيف، فيجره من قدميه إلى جانب، إذ هداه إلى ذلك تفكيره ~~الثاقب، حتى يمكن للجياد الجميلة المعارف أن تمر بسهولة، ولا تجفل ~~قلوبها وهي تطأ الموتى بسنابكها؛ لأنها لم تكن حتى ذلك الوقت قد ~~اعتادت ذلك. وعندما جاء ابن توديوس إلى الملك - وكان هو الثالث عشر ~~- سلبه الحياة التي في حلاوة العسل، وهو يتنفس بصعوبة، فقد وقف ابن ~~ابن أوينوس # 2 # فوق رأسه في تلك الليلة كالكابوس الخبيث، تبعا لخطة ~~أثينا. وفي الوقت نفسه، حل أوديسيوس - الثابت الجنان - الجياد ~~القوية الحوافر، وربط جميع أعنتها معا، ثم ساقها بعيدا عن الحشد، ~~وهو يضربها بقوسه إذ لم يفكر من قبل في أن يأخذ في يديه السوط ~~البراق من العربة المرصعة ترصيعا فاخرا، ثم صفر لينبه ديوميديس ~~العظيم. # غير أنه تلكأ، وراح يفكر في عمل مسرف في التهور: هل يأخذ ~~العربة، حيث توجد العدة الحربية الفاخرة الوشي، ويجرها - من ~~ذراعيها - إلى الخارج، أو يرفعها ليستطيع حملها بعيدا، أم أن ~~الأصوب أن يسلب أكبر عدد من التراقيين حياتهم؟ وفيما كان يفكر في ~~كل هذا - في سريرته - اقتربت منه أثينا، وخاطبت ديوميديس العظيم ~~بقولها: «فكر الآن في العودة يا ابن توديوس العظيم الهمة، إلى ~~السفن الخاوية، وإلا اضطررت إلى العودة إلى هناك في فرار، وأي ~~فرار! إذ ربما يأتي إله آخر فيوقظ الطرواديين!» # هكذا قالت، وعرف هو صوت الربة وهي تتكلم، فامتطى صهوة الجياد - ~~في الحال - وضربها أوديسيوس بقوسه، فانطلقت تعدو صوب سفن الآخيين ~~السريعة. # بيد أن «أبولو» - ذا القوس الفضية - لم يكن أعمى في مراقبته. ~~فلما أبصر أثينا تشد أزر ابن توديوس، انطلق وسط حشد الطرواديين ~~العظيم - في غضب ضد هذه الربة - وأيقظ مستشار التراقيين «هيبوكوون» ~~- وهو نبيل من أقرباء «ريسوس» - فهب هذا من نومه، وما إن رأى ~~المكان الذي كانت فيه الجياد السريعة خاليا، والرجال يلفظون آخر ~~أنفاسهم وسط بحار مخيفة من الدماء، حتى تأوه وأخذ يئن ذاكرا ms255 اسم ~~زميله العزيز. فسرعان ما انبعث ضجيج واضطراب لا مثيل لهما بين ~~الطرواديين. وأقبلوا جميعا مسرعين، وأخذوا ينظرون مبهوتين إلى ~~الأعمال المروعة التي اقترفها المحاربان، ثم ذهبا بعد ذلك إلى ~~السفن الخاوية. # عودة جاسوسي الآخيين # أما هذان، فعندما بلغا المكان الذي قتلا فيه جاسوس «هكتور»، أوقف ~~«أوديسيوس» - حبيب زوس - الجياد السريعة، وقفز ابن توديوس إلى ~~الأرض، فوضع الغنائم الملطخة بالدماء في أيدي أوديسيوس، ثم صعد ~~ثانية إلى ظهور الجياد، ولمسها بالسوط، فلم يمنعها شيء من أن تعدو ~~إلى السفن الخاوية، إذ كانت متلهفة إلى الوصول إلى هناك. وكان ~~نسطور أول من سمع الصوت، فتكلم قائلا: «أصدقائي قادة وحكام ~~الأرجوسيين، أأنا مخطئ أم أنني أقول الحق؟ إن قلبي يأمرني بالكلام، ~~إن صوت جياد سريعة العدو يطن في آذاني. أرجو أن يكون أوديسيوس ~~وديوميديس الجريء قد ساقا - بمثل هذه السرعة - جيادا قوية ~~الحوافر، من عند الطرواديين، ولكن أخوف ما أخافه أن يكون هذان ~~الأرجوسيان الباسلان قد أصيبا بشيء من الأذى إبان معركة الطرواديين ~~الطاحنة!» # وما كاد نسطور ينتهي من كلمته هذه حتى أقبل الفارسان بنفسيهما، ~~فوثبا إلى الأرض، وشمل الفرح الآخرين، فاستقبلوهما بالتصفيق ~~وعبارات الترحيب الرقيقة. وكان الفارس نسطور الجيريني هو أول من ~~سألهما بقوله: «خبرني الآن يا أوديسيوس، الجدير بالثناء البالغ، يا ~~مجد الآخيين العظيم، كيف أخذتما معا هذه الجياد؟ أكان هذا ~~بدخولكما إلى حشد الطرواديين ، أم التقى بكما أحد الآلهة ~~وأعطاكما إياها؟ إنها تتلألأ كأشعة الشمس. ولطالما كنت ألتحم مع ~~الطرواديين في المعارك، دون أن يخطر ببالي قط أن أحوم على مقربة ~~من السفن - رغم كوني محاربا مكتهلا - ولكني لم أر في حياتي كلها ~~جيادا كهذه، ولم أفكر في مثلها. إنني أعتقد أن إلها ما قد ~~قابلكما وأعطاكما إياها، فإن زوس جامع السحب، وكذا ابنة زوس حامل ~~الترس؛ أثينا البراقة العينين، يحبان كليكما.» # فرد عليه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «أي نسطور، يا ابن ~~نيليوس، يا مجد الآخيين العظيم، يستطيع أي إله أن يهب بسهولة مثل ~~هذه الجياد، إن أراد ذلك، ms256 لأن الآلهة أقوى بكثير، ولكن هذه الجياد ~~التي تسألني عنها يا سيدي الشيخ، قد جاءت حديثا من تراقيا، وقتل ~~ديوميديس المغوار صاحبها، كما قتل اثنا عشر من زملائه، وكلهم ~~نخبة. أما الثالث عشر فكان جاسوسا قتلناه بالقرب من السفن، إذ ~~أرسله هكتور والطرواديون الآخرون الأمجاد، ليتجسس على ~~معسكرنا!» # وإذ قال هذا، قاد الجياد القوية الحوافر عبر الخندق جذلا، وصحبه ~~بقية الآخيين فرحين. وما إن بلغوا كوخ ابن توديوس المتين البناء، ~~حتى ربطوا الجياد بسيور جميلة عند المذود الذي كانت تقف عنده ~~خيول ديوميديس السريعة الأقدام، تأكل القمح الحلو كالعسل. ثم وضع ~~أوديسيوس غنائم «دولون» الملطخة بالدماء عند مقدم سفينته، ريثما ~~يعدون قربانا مقدسا لأثينا. ونزل الاثنان إلى البحر ليغسلا العرق ~~الغزير عن ركبهما ورقبتيهما وأفخاذهما. ولما أزال موج البحر العرق ~~الكثير عن جلديهما، وانتعش قلباهما، دخلا إلى حمامات لامعة ~~واغتسلا، وبعد الاستحمام دهن كلاهما نفسه بالزيت، ثم جلسا إلى ~~العشاء. ومن وعاء مترع بالخمر الممزوجة، صبا خمرا في حلاوة ~~العسل. وقدما سكيبة لأثينا. # | الأنشودة الحادية عشرة # «... وأخيرا وجدا ~~«أوديسيوس» - حبيب زوس - وقد التف حوله الطرواديون يهاجمونه كما ~~تهاجم بنات آوى، النحاسية اللون، ظبيا مقرنا كان قد جرح ~~لتوه ...» # بالرغم من أعمال «أجاممنون» المجيد، فإن الطرواديين شددوا الهجوم ~~على الآخيين. ثم بدأ الشر يحيق بباتروكلوس ... إلخ. # اليوم الثالث للقتال # وفي هذه الأثناء، بزغ الفجر من عربته بجوار «تيثونوس» المجيد. ~~لينشر النور على الخالدين والبشر فأرسل «زوس» إلى سفن الآخيين ~~السريعة «أيريس» المروعة، تحمل في يديها علامة الحرب. فاتخذت ~~وقفتها إلى جانب سفينة «أوديسيوس» السوداء، الضخمة الهيكل - إذ ذاك ~~في الوسط - حتى تبلغ صيحتها كلا من الطرفين، وتترامى إلى أكواخ ~~أياس بن تيلامون، وأكواخ «أخيل»؛ لأن هذين كانا قد سحبا سفنهما ~~الجميلة إلى أقصى الطرفين، معتمدين على شجاعتهما وقوة سواعدهما. ~~فوقفت الربة هناك وأطلقت صرخة مدوية مفزعة، وبثت في قلب كل رجل من ~~الآخيين قوة عظيمة للحرب والقتال المستمرين. فتحمسوا للحرب ~~وامتلئوا حمية، وفضلوا القتال على العودة في سفنهم الخاوية إلى ~~بلادهم ms257 العزيزة! # وصاح ابن أتريوس عاليا، وأمر الأرجوسيين بتنظيم أنفسهم للمعركة ~~ولبس البرونز البراق وهو في وسطهم. فوضع الدروع أولا حول ساقيه - ~~وكانت جميلة، ومثبتة بقطع فضية عند العقبين - ثم لبس حول صدره ~~الدرقة التي كان «كونيراس» قد أهداه إياها عندما نزل ضيفا عليه، ~~فهناك في قبرص - رغم بعدها - سمع «كونيراس» تلك الشائعة القوية على ~~أن الآخيين كانوا على وشك الإبحار في سفنهم إلى طروادة؛ ولذا قدم ~~الدرقة الصدرية إلى الملك لتدخل السرور إلى نفسه. وكانت مزينة ~~بعشرة خطوط من «الميناء» القاتمة، واثني عشر خطا من الذهب، ~~وعشرين من القصدير، وثعابين من الميناء ملتوية الأعناق، ثلاثة في ~~كل جانب، أشبه بقوس قزح الذي أقامه ابن كرونوس في السحب، إشارة ~~للبشر. وعلق على كتفه سيفه، الذي كانت تزينه أزرار من الذهب، وكان ~~غمده المصنوع من الفضة مثبتا بسلاسل ذهبية. وحمل ترسه المكين، ~~المرصع ترصيعا فاخرا، ليصونه من الجانبين. وكان ترسا جميلا، ~~تحيط به عشر دوائر من البرونز، ومن فوقها عشرون قوسا من القصدير ~~الأبيض اللامع، وتتوسطه دائرة من الميناء الدكناء. وكانت الجورجون، ~~القبيحة المنظر، مثبتة كتاج، تحملق بفظاعة وقد أحاطت بها ربات ~~الفزع والشغب. وكانت تتدلى من الترس حمائل من الفضة زينت بثعبان من ~~الميناء ذي ثلاثة رءوس - ملتوية في هذا الاتجاه وذاك - وقد انبثقت ~~من عنق واحد، ثم ارتدى خوذته التي يعلوها قرنان وأربع خطوط محدودبة ~~وخصلة من شعر الخيل وكانت الريشة تهتز فوقها بشدة. وأخذ رمحين ~~عتيدين، مدببين بالبرونز، وكانا حادين. وأخذ البرونز يومض إلى ~~بعد شاسع، نحو السماء. وعند ذلك أرعدت «أثينا» و«هيرا»، تبجيلا ~~لملك موكيناي، الكثير الذهب. # وأقبل كل رجل - بعد ذلك - يلقي أمره على سائقه، بأن يمسك جواديه ~~بعناية ونظام عند الخندق، وأن يكون مترجلا، مجهزا بعدته الحربية، ~~يسير متقدما بسرعة. وما إن أقبل الفجر، حتى انبعثت صيحة مدوية لا ~~تخمد. وكانوا متأهبين عند الخندق، يتبعهم سائقوهم على مسافة قصيرة، ~~وقد أثار ابن كرونوس بينهما ضجيجا شريرا، وأرسل قطرات الندى ~~المشبعة بالدماء، من أعلى إلى أسفل، إذ ms258 كان على وشك إرسال كثير من ~~الرؤساء الجسورين إلى هاديس! # أما الطرواديون فقد اجتمعوا في أرض السهل المرتفعة - في الجانب ~~المقابل لهم - واحتشدوا حول «هكتور» العظيم و«بولوداماس» المنقطع ~~النظير، و«أينياس» الذي كان الطرواديون يبجلونه كإله، وأبناء ~~«أنتينور» الثلاثة: «بولوبوس» و«أجينور» العظيم، و«أكاماس» الصغير ~~الشبيه بالخالدين. وكان «هكتور» بين المحاربين - في المقدمة - يحمل ~~ترسه المتزن تماما من كل جانب. وكما يلمع النجم الضار خلال السحب ~~- في سناء خلاب - ثم يختفي ثانية وراء الغيوم القاتمة، هكذا كان ~~«هكتور» يبدو تارة وسط محاربي المقدمة، وطورا بين مقاتلي ~~المؤخرة، يصدر إليهم أوامره، وهو يتألق - وقد اكتسى كله ~~بالبرونز اللامع - كأنه برق الأب زوس حامل الترس! # مغامرات «أجاممنون» # وكالحصادين في حقل قمح أو شعير لرجل ثري، إذ يدفعون الحزم بسرعة، ~~كل نحو الآخر، فتتراكم الحزم وتزداد علوا ومتانة، هكذا أيضا قفز ~~كل من الطرواديين والآخيين، بعضهم على بعض، محدثين دمارا. وما ~~كان ليخطر ببال أي من الطرفين أن يركن إلى الفرار المهلك، فخاضوا ~~المعركة رءوسا متعادلة، وهاجوا كالذئاب. وكانت «أيريس» - الممتلئة ~~بالأنين البالغ - مغتبطة وهي تشاهد ما يدور؛ لأنها وحدها، دون ~~الآلهة، كانت بين المحاربين وسط المعركة، بينما كان الآلهة الآخرون ~~في قصورهم سالمين؛ إذ شيد لكل منهم قصر جميل بين أطواء أوليمبوس. ~~وراح الجميع يعتبون على ابن كرونوس - سيد الغيوم الدكناء - عزمه ~~على أن يمنح المجد للطرواديين. ومع ذلك فإن الأب لم يلتفت إليهم، ~~بل جلس في عزلة عن الآخرين، ينعم في مجده بعيدا، وهو ينظر إلى ~~مدينة طروادة وسفن الآخيين - على وميض البرونز - وإلى القتلة ~~والمقتولين! # وكلما ازداد الصبح انبلاجا، وتقدم النهار المقدس، كانت الرماح ~~تزداد سدادا نحو أهدافها، فراح الناس يتساقطون، حتى إذا حانت ~~الساعة التي يعد فيها الحطاب طعامه في ممرات أحد الجبال - وقد كل ~~ساعداه من قطع الأشجار العالية، وحل التعب بروحه، واستبدت بقلبه ~~الرغبة في الطعام الشهي - حطم الدانيون بشجاعتهم كتائب الأعداء، ~~وهم ينادون زملاءهم وسط الصفوف. فهجم «أجاممنون» إلى قلب الأعداء ~~بعيدا عن المقدمة، وقتل المحارب «بينور» - راعي ms259 الجيش - ومن بعده ~~زميله «أوليوس»، سائق الخيول، فلقد وثب «أوليوس» من عربته ووقف ~~أمامه، فهجم عليه الملك بغتة وضربه على جنبه برمحه الحاد، ولم ~~ينثن الرمح من جراء خوذته البرونزية الثقيلة، بل إنه نفذ خلالها ~~وخلال العظام، فتناثر مخه كله داخلها. وهكذا صرعه في عنفوانه. وما ~~لبث «أجاممنون» - ملك البشر - أن ترك هذين هناك يلمعان وقد تعرى ~~صدراهما - بعد أن خلع عنهما عباءتيهما - وذهب ليقتل «أسوس» ~~و«أنتيفوس» ولدي بريام - وكان أحدهما ابن سفاح، والآخر وليد زواج ~~شرعي - إذ كانا في عربة واحدة. وكان ابن السفاح يمسك بأعنة الخيل، ~~بينما كان «أنتيفوس» المجيد يقف إلى جواره ليقاتل. وكان «أخيل» ذات ~~مرة قد كبلهما بأغصان الصفصاف اللدنة، وسط مروج أيدا، إذ قبض ~~عليهما وهما يرعيان الأغنام، ثم أطلق سراحهما مقابل فدية. أما ~~الآن، فقد انقض ابن أتريوس، «أجاممنون» الواسع السلطان، فضرب أسوس ~~في صدره - فوق الثدي - برمية من رمحه. كما أصاب «أنتيفوس» بضربة ~~قوية من سيفه بجانب أذنه، وألقى به من العربة. ثم أسرع ليجرد ~~كليهما من عدته الحربية الفاخرة، وكان يعرفهما معرفة جيدة؛ لأنه ~~رآهما قبل ذلك بجانب السفن السريعة، عندما جاء بهما «أخيل» السريع ~~القدمين من أيدا. وكما يفتك الليث في سهولة بصغار الغزالة السريعة ~~العدو، عندما يقبض على الصغار بأنيابه القوية، بعد الانقضاض عليها ~~في وكرها، فيسلبها حياتها الوادعة، والأم لا تملك أن تذود عنها، ~~مهما تكن قريبة جدا منها؛ لأنها تخاف أن تحل بها نفس الرجفة ~~المفزعة، فتطلق العنان لأقدامها خلال الشجيرات الكثيفة إلى الغابة، ~~فيتساقط عرقها أمام هجمة ذلك الحيوان المتوحش، هكذا أيضا لم يكن ~~في وسع أي من الطرواديين أن يبعد الهلاك عن هذين الأخوين، بل ~~اضطروا جميعا إلى الفرار أمام الأرجوسيين. # وبعد ذلك هجم «أجاممنون» على «بايساندر»، وعلى «هيبولوخوس» ~~الجريء في القتال، ابني «أنتيماخوس» الحكيم القلب، الذي أبى - أكثر ~~من سواه - أن ترد هيلينا الجميلة الشعر ثانية إلى «مينيلاوس»، ~~أملا في أن يتلقى ذهبا من «باريس»، وهدايا قيمة. ولقد هاجم الملك ~~«أجاممنون» ولديه، وكانا في ms260 عربة واحدة يحاولان قيادة الجياد ~~المسرعة، لأن الأعنة البراقة أفلتت من أيديهما، وراح الجوادان ~~السريعان يجريان جامحين. فهجم ابن أتريوس على المحاربين، كأنه ~~الليث الهصور، فتوسل إليه كلاهما. قائلين: «خذنا أحياء يا ~~ابن أتريوس، واقبل فدية ثمينة، فإن قصر أبينا «أنتيماخوس» زاخر ~~بكنوز كبيرة من البرونز والذهب والحديد، المشغولة بالكد والتعب، ~~وإن أبانا ليمنحك منها فدية تفوق الحصر، إذا ما سمع أننا لا نزال ~~على قيد الحياة، عند سفن الآخيين.» # هكذا راح الأخوان يستعطفان الملك برقيق الألفاظ والبكاء. غير أن ~~الصوت الذي سمعاه كان بالغ الفظاظة، إذ قال: «إذا كنتما بحق ولدي ~~أنتيماخوس الحكيم القلب، فقد أمر أبوكما يوما بقتل «مينيلاوس»، في ~~حشد الطرواديين، عندما قدم إليه في سفارة مع «أدوديسيوس» العظيم ~~ولم يسمح له بالعودة إلى الآخيين، فعليكما الآن أن تدفعا بحق ثمن ~~إساءة أبيكما الحمقاء.» # قال هذا، ودفع «بايساندر» عن عربته إلى الأرض، وطعنه برمحه في ~~صدره، فسقط إلى الوراء على الأرض، ولكن «هيبولوخوس» قفز إلى أسفل، ~~فقتله ابن أتريوس، على الأرض. وما إن بتر ساعديه بالسيف، وأطاح ~~بعنقه، حتى تركه يتدحرج كجلمود صخر وسط الجمع. فترك «أجاممنون» ~~هذين. ولما كانت الكتائب في هرج ومرج بالغين، فإنه وثب إلى وسطها، ~~بصحبة نفر من الآخيين الآخرين المدرعين جيدا. وكان المشاة لا ~~ينفكون يقتلون المشاة الذين كانوا يولون الأدبار تحت الضغط، ~~والفرسان يصرعون الفرسان، وقد أثارت حوافر الخيل الغبار من السهل ~~فتصاعد من تحت أرجلهم إلى فوق، وأعملوا الهلاك فيهم بالبرونز. وكان ~~الملك أجاممنون يتبعهم، دون أن يكف عن القتل، وهو يستحث ~~الأرجوسيين. وكما يحدث عندما تضطرم النيران النهمة في غابة كثيفة، ~~فتحملها الريح السريعة الدوران في سائر الأرجاء، هنا وهناك، ~~فتتهاوى الدوح بمجرد أن يهاجمها اللهب المتدافع، هكذا أيضا كانت ~~رءوس الطرواديين تسقط - تحت «أجاممنون بن أتريوس» - وأصحابها ~~ينشدون الفرار. وكم من جياد ذات أعناق متلعة، راحت تقعقع بالعربات ~~الخالية من أصحابها، على طول خنادق المعركة، وقد فقدت سائقيها ~~المنقطعي النظير، الذين رقدوا فوق الأرض طعمة لجوارح الطير، أعز ms261 ~~عليها من أليفاتها وزوجاتها! # وأقصى زوس «هكتور» عن طريق الرماح والغبار، في مذبحة البشر وغمرة ~~الدماء والطنين، ولكن ابن أتريوس ظل يتابع سيره، مناديا بعنف على ~~الدانيين، الذين انطلقوا مسرعين عبر قبر «ألوس» القديم - «ألوس بن ~~داردانوس» - حتى بعد منتصف السهل، وعبر شجرة التين البرية، محاولين ~~الوصول إلى المدينة جهد طاقتهم. وكان ابن أتريوس يتبعهم باستمرار ~~صائحا، وقد تلطخت بالدماء يداه المنيعتان. وما إن بلغوا أبواب ~~«سكاي» وشجرة البلوط، حتى وقف الجيشان وأخذ كل منهما ينتظر ~~الآخر. ومع ذلك فقد كان بعضهم لا يزال يفر في فوضى وسط السهل، ~~كقطيع من الأبقار شتتها ليث غضنفر في دجى الليل، فتفرقت على غير ~~هدى، ولكن واحدة منها هي التي قدر لها أن ترى الهلاك التام؛ إذ ~~أمسك الليث بعنقها - أولا - بين أنيابه القوية وهشمه، ثم راح يلعق ~~الدم وينهش جميع الأجزاء الداخلية، هكذا - وعلى هذه الصورة - راح ~~الملك أجاممنون بن أتريوس، يتبع الطرواديين عن كثب، وهو يعمل القتل ~~باستمرار في المؤخرة، فركن الآخرون إلى الفرار بغير نظام. وسقط ~~كثيرون من عرباتهم منكفئين على وجوههم أو منطرحين على ظهورهم تحت ~~يدي ابن أتريوس، إذ كان ينقض برمحه على من حوله ومن أمامه! غير ~~أنه عندما أوشك على الوصول إلى المدينة والسور المرتفع، هبط أبو ~~البشر والآلهة من السماء، وجلس فوق ذؤابات أيدا - الجبل الكثير ~~الينابيع - وقد حمل في يديه صاعقة. فأرسل في الحال «أيريس» ~~الذهبية الجناحين، لتحمل رسالته، قائلا لها: «اذهبي، يا أيريس ~~- أيتها السريعة - وأعلني هذه الكلمة لهكتور: إن عليه أن يتقهقر ~~- ما دام يرى أجاممنون، راعي الجيش، ثائرا وسط محاربي الصفوف ~~الأولى، ناشرا الهلاك في صفوف الرجال - وأن يأمر بقية الجيش ~~بمقاتلة العدو في عراك عنيف. أما إذا جرح أجاممنون بطعنة من رمح ~~أو أصيب بسهم، وقفز فوق عربته، فإنني سأمنح هكتور القوة التي ~~تخوله أن يقتل ويمضي في القتل، إلى أن يصل إلى السفن ذات المقاعد ~~المتينة. ثم تغرب الشمس وتخيم الظلمة المقدسة.» # هكذا قال، فانطلقت «أيريس» بأقدام تسابق الريح ms262 لتنفيذ أمره، ~~وهبطت من تلال أيدا إلى طروادة المقدسة. وعندئذ وجدت «هكتور» ~~العظيم - ابن «بريام» الحكيم القلب - واقفا إلى جانب جياده وعربته ~~ذات المفاصل، فاقتربت منه أيريس السريعة القدمين وتحدثت إليه ~~قائلة: «أي هكتور، يا ابن بريام، يا نظير زوس في سداد الرأي، إن ~~الأب زوس قد بعثني إليك لأعلنك برسالته هذه: إذا رأيت أجاممنون - ~~راعي الجيش - هائجا وسط محاربي الصفوف الأولى، ناشرا الهلاك في ~~صفوف الرجال، فعليك أن تتقهقر وأن تأمر بقية الجيش بأن يقاتل العدو ~~في عراك عنيف. أما إذا جرح أجاممنون بطعنة رمح، أو أصيب بسهم، ~~فإنه سيقفز فوق عربته، وعندئذ سيمنحك زوس القوة التي تخولك أن ~~تقتل وتمضي في القتل إلى أن تصل إلى السفن ذات المقاعد المتينة، ثم ~~تغرب الشمس وتسود الظلمة ~~المقدسة.» # وما إن قالت «أيريس» السريعة القدمين هذا، حتى انصرفت، فقفز ~~هكتور في عدته الحربية من عربته إلى الأرض، يلوح برمحيه الحادين، ~~منطلقا إلى كل مكان وسط الجيش، يحث الرجال على القتال. وأثار وطيس ~~المعركة الطاحنة. وهكذا استجمع الطرواديون قواهم، واتخذوا وقفتهم ~~صوب الآخيين، وعزز الأرجوسيون في الجهة المقابلة فرقهم، ونظمت ~~المعركة، فوقفوا بعضهم في مواجهة بعض، وفي وسطهم هجم أجاممنون ~~موغلا في المقدمة، تواقا إلى أن يسبق الجميع. ~~«أجاممنون» يصاب بجرح # والآن، خبريني، يا عرائس الشعر، يا من تسكن فوق أوليمبوس ، من ~~الذي جاء أولا لمواجهة أجاممنون: أكان من الطرواديين أنفسهم أم من ~~حلفائهم الذائعي الصيت؟ إنه كان «أفيداماس بن أنتينور»، البطل ~~الصنديد الفارع الطول، الذي ترعرع في تراقيا العميقة التربة، ذات ~~القطعان الكثيرة، والذي رباه «كيسيوس» في بيته، يوم أن كان طفلا ~~صغيرا. وكان «كيسيوس» هذا جده لأمه، الذي أنجب «ثيانو» الجميلة ~~الخدين، وعندما بلغ «أفيداماس» مبالغ الشباب المجيد، سعى جده كي ~~يبقيه هناك، وعرض عليه ابنته. غير أنه رحل، وهو بعد «عريس» حديث ~~الزواج، وهجر مخدع زواجه - إذ سمع شائعة مجيء الآخيين - وتبعته ~~اثنتا عشرة سفينة مدببة. فترك تلك السفن الجميلة الشكل عند ~~بيركوتي، وسار هو شخصيا حتى وصل إلى ms263 طروادة بطريق البر، فكان هو ~~الذي تقدم الآن ليواجه أجاممنون بن أتريوس. فلما اقتربا - وهما ~~يتقدمان كل في مواجهة الآخر - أخطأ ابن أتريوس الرماية، فمال ~~رمحه جانبا، ولكن «أفيداماس» طعنه في خاصرته أسفل الدرقة، وبث ~~كل قوته في ضربته، معتمدا على يده الثقيلة، ولكن الرمح لم يخترق ~~الحزام البراق، وإنما أصاب طرف الرمح الجزء الفضي، فانثنى وكأنه من ~~قصدير. فأمسك «أجاممنون»، الواسع الملك، الرمح من يد غريمه وجذبه ~~إليه في غضب، وكأنه أسد، منتزعا إياه من يد «أفيداماس»، ثم هوى ~~بسيفه على عنقه فأرخى أطرافه؛ ومن ثم سقط هناك يتردى، ونام نومة البرونز، # 1 # ذلك الشاب التعس، بعيدا عن زوجته التي تزوجها، بعيدا ~~عن العروس التي لم يحظ بالهناءة معها، ومع ذلك فقد تكبد الكثير ~~من أجلها؛ إذ قدم لها أولا مائة بقرة، ووعد بأن يقدم لها فيما بعد ~~ألفا من الماعز والأغنام التي يملكها في قطعان لا حصر لها. # وبعد ذلك جرده أجاممنون بن أتريوس من عدته، ثم سار وسط حشد ~~الآخيين حاملا العدة الحربية المتينة. على أن «كئون» - المبرز وسط ~~المحاربين، وأكبر أبناء أنتينور - لم يكد يراه، حتى أعشى عينيه حزن ~~شديد، من أجل مقتل أخيه، فانتحى برمحه جانبا، دون أن يراه الملك ~~«أجاممنون»، ثم عاجله بطعنة نجلاء، أصابت ساعده أسفل المرفق، ونفذ ~~طرف الرمح البراق بسرعة. وإذ ذاك ارتجف أجاممنون ملك البشر - ولكنه ~~لم يكف عن القتال والحرب، وإنما قفز على كئون، والرمح المقسي بالريح # 2 # في يده. وكان كئون يجر - في لهفة - أفيداماس من قدميه، ~~كان يسحب شقيقه ابن أبيه، وهو ينادي جميع الشجعان من قومه. وبينما ~~هو يجره خلال الحشد، طعنه «أجاممنون» برمية من رمحه المطلي ~~بالبرونز، تحت درعه المزخرف، فأرخى أطرافه. ثم اقترب منه وحز رأسه، ~~فرقد «أفيداماس» رقدته الأخيرة، وهكذا لقي ابنا أنتينور حتفهما على ~~يدي الملك، ابن أتريوس وذهبا إلى بيت هاديس. # سار «أجاممنون» بمحاذاة صفوف المحاربين الآخرين، يحمل الرمح ~~والسيف والأحجار الضخمة. وكان الدم ما زال يتدفق ساخنا من جرحه. ~~وما ms264 إن جف الجرح، وامتنع تدفق الدم، حتى انتابت ابن أتريوس العتيد ~~آلام مبرحة. وكما يحدث عندما يصيب السهم الحاد امرأة في المخاض، ~~سهم «الإيليثواي»، # 3 # ربات ميلاد الأطفال، وبنات «هيرا»، اللائي يحتفظن ~~بالأوجاع المريرة، هكذا حلت الآلام المبرحة على ابن أتريوس العتيد. ~~فقفز إلى عربته وأمر سائقه بالتوجه صوب السفن الخاوية. إذ كان ~~متألم الفؤاد. وأطلق صيحة مدوية، مناديا الدانيين بقوله: ~~«أصدقائي، قادة وحكام الأرجوسيين، هل لكم أن تبعدوا الآن عن السفن ~~- ماخرة العباب - وطيس المعركة الفظيع، لأن زوس المستشار لا يطيق ~~مني مواصلة القتال طوال اليوم ضد الطرواديين.» # هكذا قال، فألهب السائق الجوادين الجميلي المعارف بالسوط، متجها ~~نحو السفن الخاوية، ولم يمنع الجوادين شيء من الإسراع، وقد لطخ ~~صدراهما بالزبد، كما كان بطناهما معفرين بالغبار الثائر تحتهما ~~وهما يحملان الملك المجروح بعيدا عن ميدان المعركة. ~~«ديوميديس» و«أديسيوس» يجرحان # وإذ رأى «هكتور» أن «أجاممنون» ينصرف، صاح في الطرواديين ~~والليكيين صيحة مدوية قائلا: «أيها الطرواديون واللوكيون ~~والداردانيون الذين يخوضون معركة حامية. كونوا رجالا يا أصدقائي ~~وفكروا في الشجاعة الهوجاء، لقد مات خير الرجال ومنحني زوس بن ~~كرونوس مجدا عظيما. فهيا، سوقوا جيادكم القوية الحوافر صوب ~~الدانيين البواسل مباشرة، كي تفوزوا بمجد النصر!» # وما إن قال هذا، حتى أيقظ حماس وروح كل رجل. وكما يحدث عندما ~~يطلق الصياد كلابه البيض الأنياب على خنزير بري أو ليث، فقد أطلق ~~هكتور بن بريام - نظير أريس، مهلك البشر - الطرواديين العظيمي ~~الهمم على الآخيين. وسار هو نفسه بقلب جريء وسط صفوف المقدمة، ~~واقتحم المعركة كأنه الإعصار الجائح الذي ينقض فيهيج البحر ~~البنفسجي اللون. # فمن تراه كان أول القتلى إذ ذاك، ومن آخر من قتل على يدي هكتور ~~بن بريام، عندما منحه زوس المجد؟ لقد قتل - أولا «أسايوس»، ~~و«أوتونوس» و«أوبيتيس»، و«دولوبس بن كلوتيوس»، و«أوفيلتيوس» ~~و«أجيلاوس» و«أيسومنوس» و«أوروس» ~~و«هيبونوس» الجريء في القتال. ~~هؤلاء القادة الدانيون قتلهم هكتور، ثم هجم على الحشد. وكما يحدث ~~عندما تدفع الريح الغربية سحب الريح الجنوبية البيضاء، وهي تصفعها ~~بعاصفة هوجاء، وأمواج كثيرة شاهقة ms265 تتدحرج إلى الأمام، فيتناثر ~~الرشاش عاليا أمام هبة الريح الهائمة، هكذا خرت رءوس كثيرة من ~~الجيش على يد هكتور. # وإذ حل الخراب، وتمت أعمال لا سبيل إلى إصلاحها، كاد الآخيون ~~يقذفون بأنفسهم فوق سفنهم وهم يفرون، لولا أن «أوديسيوس» صاح في ~~ديوميديس بن توديوس، قائلا: «ما هذا، يا ابن توديوس، ماذا حدث لنا ~~حتى ننسى شجاعتنا الفياضة؟ ألا تعال أيها الصديق الكريم، فقف إلى ~~جانبي، فمن العار أن يستولي هكتور ذو الخوذة البراقة على ~~السفن.» # عندئذ رد عليه «ديوميديس» العتيد بقوله: «ولا شك في أنني سأصمد ~~وأتحمل، غير أن ربحنا لن يكون إلا لفترة قصيرة؛ لأن زوس - جامع ~~السحب - يعتزم بجلاء أن يعطي النصر للطرواديين، بدلا من أن يهبنا ~~إياه!» # قال هذا ودفع «ثومبرايوس» من عربته إلى الأرض، بطعنة من رمحه ~~فوق ثديه الأيسر، فانقض «أوديسيوس» على «موليون» الشبيه بالإله، ~~خادم هذا الأمير. ثم تركا هذين بمجرد أن كفا أيديهما عن القتال، ~~وسارا خلال الجمع، مشيعين الهرج في أرجائه. وكما يحدث عندما يهجم ~~خنزيران بريان قويا القلب على كلاب الصيد، كذلك استدارا ثانية ~~وانقضا على الطرواديين فقتلاهم. وإذ ذاك تحول الآخيون طواعية عن ~~الفرار أمام هكتور العظيم! # وأخذا - بعد ذلك - عربة ورجلين، من خيرة القوم، هما ولدا ~~«ميروبس» البيركوني الذي كان أمهر العرافين جميعا، والذي لم يشأ ~~أن يذهب ابناه إلى الحرب - قاتلة البشر - ولكنهما لم يصغيا إليه ~~بأية حال، إذ كان قضاء الموت الأسود يدفعهما إلى حتفهما دفعا. ~~هذان هما اللذان سلبهما الروح والحياة، ديوميديس بن توديوس، الشهير ~~برمحه، وأخذ منهما عدتيهما الحربيتين الرائعتين. كما أن «أوديسيوس» ~~قتل «هيبوداموس» و«هوبايروخوس». # وإذ ذاك بسط ابن كرونوس خط القتال للفريقين على السواء، وهو يطل ~~عليهم من أيدا، فظل المحاربون يقتل بعضهم بعضا. وجرح ابن توديوس ~~المحارب «أجاستروفوس بن بايون» بطعنة من رمحه في عجزه. ولم تكن ~~جياده قريبة منه ليهرب، ولكنه كان غاية في عمى القلب؛ لأن خادمه ~~كان يمسك بجياده بعيدا، بينما راح هو يسير على قدميه وسط محاربي ~~الصفوف ms266 الأولى، إلى أن فقد حياته! ولكن «هكتور» لمحهما سريعا عبر ~~الصفوف، فهجم عليهما، صائحا، وقد تبعته كتائب الطرواديين. فلما ~~أبصر به «ديوميديس» - البارع في صيحة الحرب - ارتعد. وفي الحال ~~تحدث إلى أوديسيوس الواقف بقربه، قائلا: «إن الهلاك يسعى نحونا ~~معا، وأعني هكتور القوي. فتعال نقف. ونصد هجمته ونحن في ~~مكاننا.» # قال هذا، وأمسك رمحه الطويل الظل وقذفه، فلم يخطئ الهدف الذي ~~سدد إليه، إذ أصاب «هكتور» في رأسه، فوق قمة الخوذة، ولكن الطرف ~~البرونزي التوى جانبا فوق البرونز، ولم يصل إلى لحمه البض، فقد ~~أوقفته الخوذة ذات الخصلة المكونة من ثلاث طبقات، تلك التي منحه ~~إياها الإله «أبولو». على أن هكتور وثب إلى الوراء وثبة عجيبة، ~~واختلط بالجمع، ثم سقط فوق ركبتيه. وهكذا بقي، وقد استند بيده ~~القوية على الأرض، وغيمت الظلمة على عينيه، بينما كان ابن توديوس ~~يتابع مرمى رمحه، موغلا خلال محاربي المقدمة، إلى حيث كان يرى ~~الرمح ينغرس في الأرض. وفي تلك الأثناء أفاق «هكتور» ثانية، فقفز ~~إلى عربته وقادها إلى وسط الجمع، فنجا من المصير الأسود. واندفع ~~وراءه ديوميديس شاهرا رمحه، وهو يقول: «ها أنت ذا أيها الكلب، ~~تهرب ثانية من الموت، رغم أن نهايتك كادت توافيك. لقد أنقذك - مرة ~~أخرى - الإله «أبولو»، الذي يجب أن تقدم له الصلاة عندما تذهب بين ~~قومك بعيدا عن مرمى الرماح. حقا أنه ما زال علي أن أضع خاتمة ~~لحياتك عندما نلتقي بعد ذلك، إذا ما ساعدني إله آخر كما ساعدك هذا. ~~أما الآن فسأتعقب الآخرين، وأجهز على من أعثر عليه!» # وما إن قال هذا، حتى ذهب ليجر «ابن بايون» المشهور برمحه من عدته ~~الحربية، ولكن «باريس»، بعل «هيلينا» الجميلة الشعر، صوب سهما نحو ~~ابن توديوس، راعي الجيش، وقد استند لفترة إلى عمود فوق الأكمة التي ~~أقامتها أيدي الرجال لألوس بن داردانوس، أحد كبار شيوخ القوم في ~~الزمان الخالي. وكان «ديوميديس» ينزع درقة «أجا ستروفوس» الجسور ~~البراقة من حول صدره والترس من على كتفه، وخوذته الثقيلة، عندما ~~جذب «باريس» الجزء ms267 الأوسط من قوسه وسدد سهمه. ولم ينطلق السهم ~~عبثا من يده، بل أصاب سطح قدمه اليمنى، ونفذ مخترقا اللحم، ~~وانغرس في الأرض. فقفز «باريس» من مربضه يضحك ملء شدقيه، وأخذ يزهو ~~قائلا: «لقد ضربت فأصبت، ولم يعد سهمي عبثا، ليتني سددت صوب أسفل ~~بطنك فسلبتك الحياة، إذن لارتاح الطرواديون الآن من آلامهم، وهم ~~الذين يرتعدون أمامك كما ترتعد الماعز الثاغية أمام الأسد!» # على أنه لم تبدر من «ديوميديس» القوي أية بادرة من خوف، بل تحدث ~~إليه قائلا: «أيها القواس السفيه، المعجب بغدائر شعره الملتوية، ~~المغرم بالفتيات، ليتك تبارزني بالسلاح رجلا لرجل. عندئذ لن ~~تساعدك قوسك ولا سهامك السريعة الهبوط. إنك تزهو الآن بغير حق؛ ~~لأنك خدشت سطح قدمي، ولكني لا أعير ذلك اهتماما أكثر مما لو كان ~~الذي جرحني امرأة أو طفل شقي! فإن السهم الذي يطلقه رجل واهن أو ~~مخنث سهم مثلوم. أما السهم الذي تطلقه يدي، فإنه يكون في حدة ~~الرمح، ولو لمس فقط، فهو يقتل في الحال من يصيبه، وعندئذ يتمزق ~~بالبكاء خدا زوجته، ويتيتم أطفاله، بينما يتردى هو على الأرض ~~مضرجا بالدم القاني، حيث تتعفن جثته، ويجتمع حوله من الطيور ما ~~يفوق عدد النساء!» # هكذا قال، فاقترب منه «أوديسيوس» - المشهور برمحه - ووقف أمامه. ~~فجلس «ديوميديس» خلفه، وأخرج السهم الحاد من قدمه، فسرى في جلده ~~ألم حاد. ثم قفز فوق عربته وأمر سائقه بالتوجه إلى السفن الخاوية؛ ~~لأنه كان يشعر في قلبه بألم شديد. # وبقي الآن «أوديسيوس» - الشهير برمحه - وحيدا، وليس معه أي فرد ~~من الأرجوسيين؛ لأن الخوف استولى عليهم أجمعين. فتحرك بعنف وراح ~~يتحدث إلى نفسه العظيمة الهمة قائلا: «ويحي، ما الذي سيحيق بي؟ ~~إنه لخطب جسيم لو أنني فررت خوفا من الحشد. ومع ذلك، فإن الأمر ~~يكون أسوأ لو قبض علي وحدي؛ لأن ابن كرونوس قد شتت بقية ~~الدانيين، فلاذوا بالفرار، ولكن لماذا يحدثني قلبي هكذا لأنني أعلم ~~أن من يهربون من المعركة ليسوا سوى جبناء رعاديد، في حين أن الماهر ~~الحق في القتال، هو ms268 الذي يصمد بثبات، سواء أصيب أو ضرب ~~غيره!» # وبينما كان يفكر هكذا - في عقله وقلبه - أقبلت صفوف الطرواديين ~~حاملة التروس، وحاصرته في وسطها، جالبة الهلاك على نفسها. وكما ~~تهجم الكلاب والشباب المتهور على خنزير بري من هذا الجانب ومن ذاك، ~~فيخرج الخنزير من الأحراش الكثيفة مشرعا أنيابه البيضاء من فكيه ~~المقوستين، وعندئذ يهجم الجميع عليه من كلا الجانبين، فيعلو صرير ~~أنيابه، ولكنهم يصدون هجمته في الحال، مهما كان مروعا، هكذا أيضا ~~هجم الطرواديون على «أوديسيوس» حبيب زوس، لكنه بادئ ذي بدء ضرب ~~«دايوبيتيس» المنعدم النظير فوق كتفه، واثبا عليه برمح حاد، ثم ~~قتل بعده «ثئون» و«يونوموس»، ثم «خيرسيداماس»، بمجرد أن قفز من ~~عربته، إذ طعنه برمحه فوق سرته، تحت الدرع المرصعة، فسقط يتردى في ~~الثرى وراح يتشبث بالأرض بكفه، وبعد ذلك ترك هؤلاء وضرب «خاروبس بن ~~هيباسوس» بطعنة من رمحه. وكان هذا شقيق «سوكوس» الثري. فأقبل ~~«سوكوس»، الشبيه بالإله، لنجدة أخيه، ودنا من «أوديسيوس»، ووقف ~~يقول له: «يا أوديسيوس، يا عظيم النصيب من الثناء، ويا من لا يشبع ~~من الخداع والكد: إما أن تزهو اليوم على ولدي هيباسوس، فتفخر بأنك ~~قتلت محاربين مثليهما وجردتهما من عدتيهما الحربيتين، وإما أن تفقد ~~حياتك بضربة من رأس رمحي!» # وبينما هو يقول هذا، ضربه فوق ترسه المتزن من كل جانب. فنفذ ~~الرمح العتيد خلال الترس اللامع، وخلال الدرقة المرصعة ترصيعا ~~فاخرا، فشق طريقه إلى اللحم ومزقه من جانبه، ولكن الربة «أثينا» ~~لم تدعه يخترق أحشاء المحارب. وأدرك «أوديسيوس» أن الرمح لم يرتكز ~~بأية حال من الأحوال في بقعة قاتلة، فتقهقر وخاطب سوكوس قائلا: ~~«يا لك من وغد! لا شك أن الهلاك المروع قد وافاك، والحق أنك ~~ألجأتني إلى الكف عن محاربة الطرواديين، ولكني أعتقد أنك ستلقى ~~حتفك ومصيرك الأسود اليوم، فلسوف أقتلك برمحي الذي يجلب لي المجد، ~~ويسلم روحك لهاديس، ذي الجياد العظيمة.» # هكذا قال أوديسيوس، فاستدار الآخر، وشرع في الفرار، بيد أنه لم ~~يكد يدير ظهره، حتى ثبت أوديسيوس الرمح في ظهره ما ms269 بين كتفيه، ~~ودفعه إلى داخل صدره. فسقط محدثا في ارتطامه بالأرض صوتا. واغتبط ~~«أوديسيوس» العظيم بقتله قائلا: «ويلك يا سوكوس، يا ابن هيباسوس ~~الحكيم القلب، ومستأنس الخيول! لقد حاقت بك خاتمة الموت سريعا، ~~ولم تنج منها، ويلك أيها الوغد المسكين، إن أباك وأمك الجليلة لم ~~يغلقا عينيك عند وفاتك، ولكن الطيور التي تأكل اللحم النيء ستنهش ~~هاتين العينين، ضاربة أجنحتها حولك بعنف وسرعة، في حين أن الآخيين ~~الأمجاد سيحتفلون بدفني عندما أموت!» # وبينما هو يقول ذلك، جذب الرمح المكين - رمح سوكوس الحكيم القلب ~~- من جلده ومن درعه المرصعة. فلما انتزع تدفق الدم فعكر صفو روحه. ~~غير أن الطرواديين العظيمي الهمم لم يكادوا يشاهدون دم أوديسيوس ~~حتى نادوا بعضهم بعضا وسط الجمع، واندفعوا نحوه كلهم معا، ولكنه ~~كان قد ترك المكان وصاح مناديا زملاءه. صاح ثلاث مرات بأعلى صوت ~~يصدر عن رأس إنسان. # 4 # وثلاث مرات سمع «مينيلاوس» - حبيب أريس - نداءه، فخاطب ~~لفوره «أياس»، الذي كان قريبا منه، قائلا: «يا أياس، أيها ~~المنحدر من زوس، يا ابن تيلامون، قائد الجيش، إن صيحة أوديسيوس، ذي ~~القلب الراسخ لترن في أذني، كما لو كان الطرواديون قد مزقوه في ~~العراك الطاحن وتغلبوا عليه وهو بمفرده. هيا، تعال، لنشق طريقنا ~~خلال الحشد، فمن الخير أن نوافيه بالمعونة . وأخشى أن يكون قد أصابه ~~سوء وهو وحيد وسط الطرواديين، رغم ما هو عليه من شجاعة، فعندئذ ~~يحزن الدانيون على فقده ويجتاحهم شوق عظيم نحوه.» # وبينما كان يقول هذا، اندفع فتبعه أياس، الشبيه بالإله، وأخيرا ~~وجدا «أوديسيوس» حبيب زوس، وقد التف حوله الطرواديون يهاجمونه، كما ~~تهاجم بنات آوى النحاسية اللون ظبيا مقرنا كان قد جرح لتوه بعد ~~أن ضربه رجل بسهم من قوسه، فانطلق هذا الظبي ينشد الفرار فزعا، ~~والدم يتدفق منه ساخنا، وقد أطلق العنان لركبتيه السريعتين، ~~حتى إذا أوهنه الرمح السريع أخيرا، أخذت بنات آوى المفترسة تمزقه ~~وسط الجبال في كهف ظليل، ولكن الرب ساق إليها - لسوء حظها - ليثا ~~كاسرا، شتت شملها فانطلقت هاربة، ليمزق الليث ms270 بنفسه الفريسة! ... ~~هكذا راح الطرواديون الكثيرون الشجعان يهاجمون، من كل حدب وصوب ~~أوديسيوس العاقل الماكر، ولكن المحارب كان يدفع عنه يوم المصير ~~المشئوم بالطعن برمحه. وعندئذ اقترب «أياس» حاملا ترسه الشبيه ~~بسور مدينة، ووقف لتوه إلى جانبه، فتشتت الطرواديون هاربين، ~~واحدا هنا، وواحدا هناك، وأخذ مينيلاوس، المحب للقتال، أوديسيوس ~~بعيدا عن الجمع، ممسكا بيده، إلى أن أحضر إليهم الخادم الجياد ~~والعربة. # عندئذ انقض «أياس» على الطرواديين وقتل «دوروكلوس بن بريام» ~~السفاح، وبعده ضرب «باندوكوس» طعنا بالقنا، وكذلك فعل مع ~~«لوساندر» و«يوراسوس» و«بولارتيس». # إصابة «ماخاوون» و«يوروبولس» # وكما يحدث عندما يغمر السهل نهر في حالة فيضان، أو إعصار شتوي ~~من الجبال مشحون بأمطار زوس، فيجرف تياره كثيرا من أشجار البلوط ~~الجافة وكثيرا من أشجار الصنوبر، ويلقي في البحر بكميات كبيرة من ~~الطمي، هكذا هجم «أياس» المجيد ثائرا على السهل في ذلك اليوم، ~~يطيح برءوس الجياد والرجال. ولم يكن «هكتور» قد عرف بعد شيئا من ~~هذا؛ لأنه كان يقاتل في أقصى شمال الميدان بالقرب من شواطئ نهر ~~سكاماندر، حيث كانت رءوس المحاربين تتساقط غزيرة، وحيث انبعثت صيحة ~~لا تخمد حول «نسطور» العظيم، و«أيدومينيوس» الصنديد، فأثارت ثائرة ~~هكتور، وطفق يقوم بأعمال فظيعة بالرمح والفروسية، فشتت فرق ~~الشباب. ومع ذلك فإن الآخيين العظماء أبوا أن يستسلموا له بحال ~~ما، لولا أن «باريس» - زوج هيلينا الجميلة الشعر - أوقف «ماخاوون»، ~~راعي الجيش، في معمعة أعماله الجريئة، إذ أصاب كتفه اليمنى بسهم ذي ~~ثلاثة أسنة. عندئذ امتلأ الآخيون - الذين كانوا يقاتلون بثبات ~~جزعا على رئيسهم؛ خشية أن يقتله الرجال في تأرجح كفة القتال. وفي ~~الحال وجه «أيدومينيوس» الخطاب إلى «نسطور» العظيم، قائلا: «أي ~~نسطور، يا ابن نيليوس، يا مجد الآخيين العظيم. هيا، اصعد إلى ~~عربتك، ودع «ماخاوون» يركب إلى جانبك، وانطلق بجيادك القوية ~~الحوافر نحو السفن؛ إذ إن الحاجة الماسة إلى موافاة كثير من ~~الرجال بالعلق وبالعقاقير المسكنة، لعلاج الجراح التي خلفتها ~~السهام.» # هكذا تكلم، فلم يحجم الفارس «نسطور» الجيريني عن الإصغاء. وفي ~~الحال - صعد إلى عربته، وصعد ms271 إلى جانبه ماخاوون بن إسكليبيوس، ~~الطبيب الذي لا مثيل له، ولم يكد يلمس الجوادين بالسوط، حتى انطلقا ~~لا يعوقهما شيء عن الجري صوب السفن الخاوية، لأنهما كانا متلهفين ~~على الوصول إلى هناك.» # بيد أن «كيبريونيس» أبصر الطرواديين وهم يولون الأدبار في فوضى، ~~بينما كان واقفا إلى جوار «هكتور» في عربته، فقال له: «أي هكتور، ~~لقد انبرى كلانا للدانيين هنا، في حدود الحرب المفجعة، بينما يفر ~~الطرواديون الآخرون في حدود الحرب المفجعة، بينما يفر الطرواديون ~~الآخرون في فوضى ما بعدها فوضى، رجالا وخيولا. إن أياس بن ~~تيلامون هو الذي يكتسحهم أمامه، وإنني لأعرفه جيدا بالدروع ~~العريضة التي يضعها حول كتفيه. فهلم بنا ننطلق إلى هناك بجيادنا ~~وعربتنا، حيث يعمل الفرسان والمشاة التقتيل، بعضهم في بعض، متبارين ~~في سباق شرير، وصيحة الحرب لا يفتر لها انبعاث.» # وبينما كان يقول ذلك ضرب الجياد الجميلة الأعراف، بالسوط ~~المقعقع، فلما أحست بالضربة، انطلقت بالعربة السريعة وسط ~~الطرواديين والآخيين، تطأ القتلى والدروع، فلطخ الدم محور العربة. ~~كما تضرجت حوافها بقطرات الدماء التي تناثرت من حوافر الخيل ~~والعجلات. وكان هكتور متلهفا إلى الدخول في حشد الرجال، وإلى أن ~~يقفز وسطهم فيشتتهم، فأحدث في وسط الدانيين طنين حرب شريرة، ولم ~~يجد رمحه أقل راحة. نعم، لقد انطلق في صفوف المحاربين، مدججا ~~بالرمح والسيف والصخور الضخمة، فلم يتجنب سوى منازلة أياس بن ~~تيلامون. # وهنا أخذ الأب «زوس»، المتربع على عرشه عاليا، يستحث أياس على ~~الفرار، فوقف هذا مشدوها، وقد ألقى ترسه ذا الطبقات السبع من جلد ~~الثور، فوق ظهره. وألقى نظرة حسيرة على الجمع ثم ولى الأدبار، ~~كحيوان مفترس لا يكف عن التلفت خلفه، وهو يتقهقر ببطء خطوة فخطوة، ~~وكما تسوق الكلاب والفلاحون الأسد الهزيل من حظيرة الأبقار، فلا ~~يمكنونه من نيل أسمن ما في القطيع الذي تولوا حراسته الليل بطوله، ~~ولكنه من فرط حاجته إلى اللحم يقتحم الحظيرة، فلا يحظى بشيء؛ لأن ~~الأيدي القوية تمطره وابلا من السهام، ومعها جذوات النار ~~المستعرة، فتخور أمامها عزيمته، مهما تكن لهفته ms272 إلى الطعام، وينصرف ~~عند الفجر خائبا حزين القلب، هكذا أيضا تقهقر «أياس» هاربا أمام ~~الطرواديين بقلب مكمود، على غير هوى منه؛ إذ كان شديد الخوف على ~~سفن الآخيين. وكما يحدث عندما يمر حمار على حقل قمح فينال من ~~الأولاد العديدين ما يكره، حمار خامل تكسرت على ضلوعه هراوات ~~كثيرة، ولكنه يمضي يعيث فسادا في الحبوب الوفيرة، فيضربه الأولاد ~~بالهراوات رغم ضآلة قوتهم، ثم يتمكنون بصعوبة من طرده بعد أن يكون ~~قد تناول كفايته من العلف، هكذا أيضا راح الطرواديون ذوو القلوب ~~الجسورة وحلفاؤهم الذين جمعوا من عدة أراض، يضربون «أياس» العظيم ~~ابن «تيلامون»، بالرماح فوق ترسه مباشرة، ويضيقون عليه الخناق ~~باستمرار، ولكن «أياس» كان لا يلبث أن يتذكر شجاعته الثائرة، ~~فيستدير نحوهم ويوقف فرق الطرواديين مستأنسي الخيول، وكان في بعض ~~الأحيان يدور على أعقابه هاربا. بيد أنه أوقفهم جميعا ومنعهم ~~من بلوغ السفن السريعة، ثم وقف هو نفسه بين الطرواديين والآخيين، ~~يقاتل بحماس. وكانت الرماح التي قذفتها الأيدي القوية قد تركز ~~بعضها في ترسه الضخم وهي تشق طريقها إليه: بينما انغرس كثير منها ~~في الأرض قبل أن تصل إلى جسمه الأبيض، ودون أن تشبع غليلها من ~~اللحم. # حتى إذا رآه «يوروبولوس» المجيد - ابن «يوايمون» - يكافح تحت ~~وابل من السهام، أقبل يقف إلى جانبه، وقذف رمحه المتألق، فأصاب ~~«أبيساون بن فاوسيوس» - راعي الجيش - في كبده أسفل عضلة الحجاب ~~الحاجز، وفي الحال خارت ركبتاه، فانقض «يوروبولوس» عليه، وتأهب ~~لتجريد كتفيه من السلاح. فما إن شاهده «باريس» الشبيه بالإله، وهو ~~ينزع سلاح «أبيساون» حتى جذب قوسه في الحال ضد «يوروبولوس»، وقذفه ~~بسهم في فخذه اليمنى، فانكسرت قصبة السهم، ومع ذلك فقد ثقلت فخذه. ~~وإذ ذاك تحول راجعا إلى حشد زملائه، مجتنبا مصيره. ثم أطلق صيحة ~~مدوية، ونادى على الدانيين بقوله: «أصدقائي، قادة وحكام ~~الأروجسيين، هلموا، قفوا، وأبعدوا يوم الموت المشئوم عن أياس الذي ~~تكاثرت عليه السهام، ولست أظن أنه سينجو من الحرب الأليمة. هيا، ~~هلموا، قفوا وواجهوا العدو حول أياس العظيم، ابن تيلامون.» ms273 # هكذا قال «يوروبولوس» الجريح، فهبوا إليه يقفون بالقرب منه. وقد ~~أسندوا تروسهم إلى أكتافهم، وشهروا رماحهم، فأقبل «أياس» نحوهم، ~~ولما وصل إلى حشد زملائه، استدار ووقف بينهم. ~~«أخيل» يوفد باتروكلوس إلى «نسطور» # هكذا قاتلوا كالنار المتأججة، ولكن جياد «نيليوس»، المبللة كلها ~~بالعرق، حملت «نسطور» بعيدا عن المعركة، كما حملت «ماخاوون»، راعي ~~الجيش. فأبصر به «أخيل» السريع القدمين ولاحظه؛ إذ كان واقفا ~~بجانب مقدم سفينته الكبيرة الحجم، يتأمل الكفاح الدائر في المعركة، ~~والصخب المبكي. وفي الحال تحدث إلى زميله «باتروكلوس»، وناداه من ~~جانب السفينة، فسمعه هذا وأقبل لتوه من الكوخ وكأنه «أريس»، وكان ~~هذا بالنسبة له بداية الشر. وبادر ابن مينويتيوس قائلا: «لم ~~تستدعيني يا أخيل؟ ماذا تريد مني؟» # فأجابه أخيل، السريع القدمين، بقوله: «أيا ابن مينويتيوس العظيم، ~~أيها العزيز على قلبي هذا، الآن أعتقد أن الآخيين سيكونون جاثين ~~على ركبهم يصلون، إذ ألحت بهم الحاجة، وأصبحت الحال لا تطاق لأكثر ~~من ذلك؛ لذا انطلق الآن يا باتروكلوس، يا حبيب زوس، واستفهم من ~~نسطور عن هذا الذي يحضره جريحا من المعركة. وإذا شئت الحق فإنه ~~يبدو من الخلف شبيها في كل شيء بماخاوون بن إسكليبيوس، ولكني لم ~~أر عينيه، إذ أسرعت بي الجياد تعدو في لهفة إلى الأمام.» # هكذا قال، فأصغى «باتروكلوس» إلى زميله العزيز، وانطلق يعدو ~~بجوار الأكواخ محاذيا سفن الآخيين. على أن الآخرين لم يكادا ~~يبلغان كوخ ابن نيليوس حتى سارا في الحال على الأرض الفسيحة، وحل ~~الخادم «يوريميدون» جياد «نسطور» الشيخ من العربة. وراح الاثنان ~~يجففان العرق عن عباءتيهما وهما واقفان في النسيم على شاطئ البحر، ~~ثم دخلا إلى الكوخ وجلسا فوق المقاعد. ومن أجلهما مزجت «هيكاميدي» ~~- الجميلة الغدائر - شرابا، وهي التي كان نسطور العجوز قد سباها ~~من «تينيدوس» عندما نهبها «أخيل». إنها ابنة «أرسينوس» العظيم ~~القلب، وقد اختارها الآخيون لأنها كانت أعظم الجميع سدادا في ~~الرأي. # ومدت الحسناء أمامها - بادئ ذي بدء - مائدة فاخرة، ذات سيقان من ~~الميناء المتألقة، ووضعت عليها سفطا من البرونز، وبصلة لتكون ~~«مزة» ms274 لشرابهما، وعسلا مصفى، ودقيقا من الشعير المقدس. وإلى ~~جانبهما وضعت قدحا واسعة، كان الشيخ قد أحضرها من موطنه، مرصعة ~~بزخارف ذهبية، ولها أربع أيد، حول كل منها زوج من اليمام يلتقط ~~الحب، بينما كان في أسفلها دعامتان. وكان من الصعب على أي رجل غير ~~«نسطور» أن يرفع هذه القدح عن المائدة، عندما تكون مملوءة. أما ~~«نسطور» الشيخ فكان يرفعها فورا بسهولة. وفيها مزجت لهما المرأة، ~~الشبيهة بالربات، شرابا من خمر «برامنية»، وبشرت عليها جبنا من ~~لبن الماعز بمبشرة برونزية، ونثرت عليها من دقيق الشعير الأبيض، ~~وطلبت إليهما أن يشربا، بعد أن انتهت من إعداد الشراب. فلما شربا ~~وأطفآ ظمأهما المتأجج، لذت لهما الحكايات فأخذ كل منهما يتحدث ~~إلى الآخر، ولكن «باتروكلوس» وقفت عند الأبواب، أشبه بالإله، فقفز ~~الشيخ عند رؤيته عن مقعده اللامع، وقاده من يده إلى الداخل، وطلب ~~إليه أن يجلس، ولكن «باتروكلوس» رفض الجلوس وهو واقف قبالته من ~~بعيد، قائلا: «ليس لي أن أجلس، أيها السيد الشيخ، سليل زوس، وليس ~~لك أن تحثني على ذلك. إنما المبجل والذي يجب أن يهاب هو الذي ~~أرسلني ليعلم من ذا الذي جئت به إلى الوطن جريحا. أما أنا فإني ~~أعرفه، فهو «ماخاوون»، راعي الجيش. والآن، اسمح لي بالعودة ثانية ~~كرسول، أحمل النبأ إلى «أخيل». إنك تعرفه معرفة حقة، يا سيدي ~~الشيخ، يا سليل زوس، وتعرف من أي نوع هو. إنه رجل صارم، أسهل شيء ~~عنده أن يلوم حتى من لا لوم عليه!» # فأجاب الفارس نسطور الجيريني، قائلا: «لماذا يشفق أخيل هكذا على ~~أبناء الآخيين الآن، بينما أصيب كثير منهم بالسهام؟ إنه لا يعلم ما ~~ألم بجميع أرجاء المعسكر من حزن، فإن خيرة الرجال يرقدون وسط ~~السفن، مضروبين بالسهام أو مصابين بجروح من طعنات الرماح. فقد أصيب ~~ابن توديوس العتيد، وجرح أوديسيوس - ذلك البطل المشهور برمحه - ~~بطعنة رمح. وكذا أجاممنون. كما أصيب «يوروبولوس» بدوره بسهم في ~~فخذه. أما هذا الرجل الراقد إلى جانبي الآن، فقد حملته بعيدا عن ~~ميدان القتال مصابا بسهم ms275 من وتر قوس. ومع ذلك فإن «أخيل» - رغم ~~شجاعته البالغة لا يكترث للدانيين، ولا يحنو عليهم. أينتظر أن تحرق ~~النار النهمة سفننا السريعة الواقفة عند البحر، رغما عن أنف ~~الآخيين، وأن نقتل نحن رجلا بعد رجل؟ ذلك لأن قوتي ليست كما كانت ~~من قبل في أطرافي الرخصة، ليتني كنت شابا وفي سابق قوتي عندما ~~نشب القتال على أشده بين الأيليين وشعبنا، بسبب سرقة بعض الماشية. ~~فلقد قتلت - إذ ذاك - أتومونيوس الشجاع، ابن هوبايروخوس - الذي كان ~~يقيم في اليس يوم أن كنت أسوق ما غنمناه أخذا بالثأر - إذ بينما ~~كان يقاتل من أجل الماشية، قذفته برمحي فأصاب وسط جبهته، فسقط ~~يتردى، وفر الذين حوله من قومه فزعين مذعورين، فغنمنا منهم ما يفوق ~~الحصر، وسقناه كلنا إلى خارج السهل: خمسين رأسا من البقر، ~~وقطعانا من الأغنام لا تقع تحت حصر، وأسرابا عديدة من الخنازير، ~~وقطعانا من الماعز كثيرة العدد متناثرة، ومائة وخمسين من الجياد ~~العسجدية، كلها أفراس، وراء كثير منها صغار ترضع، سقنا كل ذلك إلى ~~«بولوس» النيليوسية تحت جنح الظلام، وقدناها إلى داخل القلعة. ~~فاغتبط نيليوس لأن كل هذه الغنيمة قد وقعت في يدي، أنا الذي ذهبت ~~إلى الحرب وأنا بعد فتى يافع. وعند ذاك أعلن المنادون بصوت جهوري - ~~عندما لمع الفجر في أفق السماء - أن يحضر إلى أليس العظيمة كل ~~دائن. ثم اجتمع سائر قادة «البوليين» # 5 # وقاموا بتقسيم الغنائم لأن «الأيبيين» كانوا مدينين ~~للكثيرين، إذ كنا قلة في «بولوس» ومضطهدين، نظرا لأن هرقل العتيد ~~كان قد جاء وضيق الخناق علينا في السنوات السابقة، وقتل منا جميع ~~من كانوا أشجعنا. وكنا نحن - أبناء نيليوس المنقطع النظير - اثني ~~عشر، فلم يبق سواي، ومات الباقون جميعا؛ ومن ثم فإن الأيبيين ~~المتسربلين بالبرونز - والمفعمي القلوب زهوا من جراء ذلك - ~~راحوا ينسجون لنا الشر ظلما وطغيانا. فاختار الشيخ نيليوس لنفسه ~~من الغنيمة قطيعا من الأبقار، وقطيعا كبيرا من الأغنام، منتقيا ~~ثلاثمائة رأس، برعاتها، إذ كان دائنا لهم بدين بالغ في أليس ~~العظيمة، هو عبارة ms276 عن أربعة جياد من الفائزة في السباق، وعربتها، ~~كانت قد ذهبت إلى أليس لتشترك في سباق على ركيزة، ولكن «أوجياس» ~~ملك البشر احتفظ بها هناك، وأعاد سائقها، حزينا على جياده. فحنق ~~الشيخ من جراء هذه الأمور، سواء الأفعال أو الأقوال، وانتقى لنفسه ~~تعويضا يفوق الوصف. أما الباقي فأعطاه للشعب ليقسموه فيما بينهم ~~بالتساوي؛ ومن ثم فقد رحنا نوزع كل ما كان هناك. وكانت توجد حول ~~المدينة ذبائح لتقدم إلى الآلهة. وفي اليوم الثالث احتشد، بسرعة ~~فائقة، جميع الأيبيين معا. رجال كثيرون وجياد قوية الحوافر، وفي ~~وسطها راح «الموليونيس» الشقيقان يرتديان عدتيهما الحربيتين، ~~بالرغم من أنهما كانا لا يزالان يافعين، لم يحنكا بعد في الأمور ~~التي تتطلب شجاعة هوجاء. فأقام الجميع معسكرهم عند مدينة ثريويسا، ~~والتل المنحدر - المشرفين على ألفايوس - في أقرب منطقة من «بولوس» ~~الرميلة. وعقدوا العزم على تخريب ذلك المكان عن آخره. غير أنهم لم ~~يكادوا ينتشرون في جميع نواحي السهل، حتى أقبلت علينا «أثينا» ~~مسرعة من «أوليمبوس» ليلا، تحمل رسالة مؤداها أننا يجب أن نتأهب ~~للمعركة، فلم يرفض الشعب الذي جمعته في «بولوس» أن يقاتل، بل كان ~~تواقا إلى أن يخوض غمار المعركة في الحال، ولكن «نيليوس» لم يوافق ~~على أن أسلح نفسي، فأخفى جوادي بعيدا، لأنه كان يظن أنني ما زلت ~~غضا حتى ذلك الوقت، لا أدري شيئا من أمور القتال. ومع كل فقد ~~استطعت - بالرغم من ذلك - أن أكون مبرزا بين فرساننا، مع أنني كنت ~~أحارب راجلا؛ إذ هكذا نظمت أثينا القتال. وكنا نحن، فرسان ~~البوليين، ننتظر الفجر اللامع على نهر مينيوس الذي يصب في البحر ~~بالقرب من أريني. وكانت جموع المشاة تتبعنا باستمرار. ومن هناك ~~وصلنا عند منتصف النهار، ونحن متدثرون بعدتنا الحربية، إلى مجرى ~~ألفايوس المقدس، حيث نحرنا ذبائح عظيمة لزوس الأكبر في قوته، ~~وثورا لألفايوس، وثورا لبوسايدون. أما «أثينا» ذات العينين ~~النجلاوين فقد ذبحنا لها عجلة من القطيع. وبعد ذلك تناول الجيش ~~بأسره العشاء في جماعات، واستلقينا لننام، كل رجل في عدته ~~الحربية، ms277 حول مجاري النهر المائية. غير أن الأيبيين العظيمي الهمم ~~كانوا يسيرون حول المدينة، تواقين إلى تخريبها عن بكرة أبيها. إلا ~~أنه لاح لهم أن دون ذلك جهدا حربيا جبارا. فلما طلعت الشمس ~~الساطعة على الأرض، صلينا لزوس وأثينا، ثم اشتبكنا في القتال. فلما ~~بدأ صراع البوليين والأيبيين، كنت أول من فاز بقتل غريمه، وأول من ~~استولى لنفسه على جوادي هذا الغريم القويي الحوافر. وكان غريمي ~~هو الرماح «موليوس»، الابن الشرعي لأوجياس، وكان قد تزوج ابنته ~~الكبرى، «أجاميدي» الجميلة الشعر، تلك التي كانت عالمة بجميع ~~الأعشاب التي تنبتها الأرض الفسيحة. فبينما كان مقبلا نحوي، طعنته ~~برمحي البرونزي الطرف، فسقط يتخبط في الثرى. وقفزت فوق عربته، ~~واتخذت وقفتي بين محاربي المقدمة. فاضطر الأيبيون العظيمو الهمم - ~~حين أبصروا الرجل يتردى - إلى الفرار، واحدا إلى هنا، وآخر إلى ~~هناك، حتى قائد الفرسان المبرز في القتال، ولكني هجمت عليهم ~~كالإعصار القاتم، وغنمت خمسين عربة، وتركت حول كل عربة محاربين ~~يعضان الأرض، صريعي رمحي. وكان في مقدوري عندئذ أن أقتل الأخوين ~~«موليونيس» معا، وهما اللذان كانا من دم «أكتور»، لولا أن أباهما، ~~مزلزل الأرض الواسع السلطان، أنقذهما من القتال، وأخفاهما في ضباب ~~كثيف. وما لبث زوس أن بث قوة عظيمة في رجال «بولوس»، لأننا ~~طاردناهم بعد ذلك خلال السهل الفسيح، وشرعنا نقتل الرجال، ونستولي ~~على عدتهم الحربية الرائعة، إلى أن ذهبنا بجيادنا إلى بويراسيوم، ~~الغنية بالقمح، وإلى صخرة أولين، والمنطقة التي يوجد فيها التل ~~المسمى تل أليسيوم، الذي عادت «أثينا» عنده لترد الجيش عن القتال. ~~وإذ ذاك قتلت آخر رجل وتركته ولكن الآخيين عادوا بجيادهم السريعة ~~من بويراسيوم إلى بولوس، وراحوا جميعا يمجدون زوس بين الآلهة، ~~ونسطور بين البشر. # هكذا كانت حالي بين المحاربين، وهكذا كنت على الدوام، ولكن ~~«أخيل» وحده هو الذي كان بوسعه أن يفيد من شجاعته. نعم، إنني أعتقد ~~حقا أنه سيبكي بكاء مرا بعد ذلك، عندما يبيد الشعب. آه يا ~~صديقي، أتذكر ما أمرك به «مينويتيوس»، يوم أن أرسلك من فثيا إلى ms278 ~~«أجاممنون»، وكنت أنا و«أوديسيوس» العظيم في الداخل، فسمعنا في ~~الأبهاء كل شيء، وهو يصدر إليك الأمر. إذ جئنا إلى بيت بيليوس ~~المتين البناء، وقد جمعنا الجيش من سائر ربوع أرض أخايا الفسيحة. ~~فوجدنا في المنزل هناك المحارب «مينويتيوس»، كما وجدناك أنت، ~~وبصحبتكما «أخيل». وكان الشيخ بيليوس سائق العربات يحرق فخذي ثور ~~سمين في حظيرة القصر، لزوس الذي يقذف بالصاعقة، وقد حمل في يده ~~كأسا ذهبية، يصب منها الخمر المتألقة، كي تلازم القرابين ~~المحروقة. وكنتما مشغولين حول لحم الثور، فوقفنا ذليلين عند الباب. ~~واستولت الدهشة على «أخيل» فوثب إلينا من مكانه، وأمسك بأيدينا، ~~وقادنا إلى الداخل حيث أمرنا بالجلوس. كما قدم لنا طعاما وافرا. ~~طعاما يليق بالأضياف، فلما تناولنا كفايتنا من الطعام والشراب، ~~كنت أول من تكلم. طلبت إليكما أن تنضما إلينا، فإذا بكما تتحمسان ~~معا لذلك. فأصدر هذان الاثنان إليكما كثيرا من الأوامر. أمر ~~الشيخ بيليوس ابنه «أخيل» بأن يكون أشجع القوم على الدوام، وأن ~~يكون مبرزا على الجميع. وأصدر إليك مينويتيوس بن أكتور، أمره ~~قائلا: «يا طفلي بالمولد، إن أخيل يرجحك نبلا، ولكنك تكبره ~~سنا. وإنه ليفوقك قوة وبطشا بمراحل، ومع ذلك، فهل لك أن تتحدث ~~إليه بالحسنى وبالحكمة وتقدم له النصح، وترشده، ولسوف يكون لك ~~مطيعا من أجل مصلحته.» هكذا أمرك الرجل المسن، ولكنك تنسى! ومع ~~كل، فهل لك الآن أن تتحدث هكذا إلى «أخيل»، الحكيم القلب، عسى أن ~~يستمع لنصحك؟ ومن يدري، فقد تستطيع، بمعونة السماء، أن تثير نفسه ~~بحديثك، فإن إثارة حماس الصديق أمر محمود. أما إذا كان يتحاشى، في ~~سريرته، نبوءة ما، أو إذا كانت أمه الجليلة قد أعلنته بشيء من لدن ~~زوس، فدعه مع ذلك يرسلك إلى الأمام، ودع بقية جيش «المورميدون» ~~تتبعك، لعلك تستطيع أن تحقق بعض الخلاص للدانيين. ودعه يعطك عدته ~~الحربية الرائعة، كي ترتديها في القتال، حتى يظنك الطرواديون ~~«أخيل» نفسه، وبذلك ينأون عن المعركة، فيتمكن أبناء الآخيين ~~الجسورين من أن يتنفسوا الصعداء، رغم ما هم عليه من تعب، نظرا لأن ms279 ~~وقت الراحة قليل في المعركة. وعلى ذلك تستطيعون أنتم، يا غير ~~المتعبين، أن تدفعوا - بسهولة - الرجال المتعبين من ميدان القتال ~~إلى الوراء، إلى المدينة، بعيدا عن السفن والأكواخ.» # هكذا قال، فأثار الحمية في قلب «باتروكلوس»، فطفق يجري بمحاذاة ~~صف السفن حتى بلغ أخيل بن أياكوس. بيد أنه لما وصل باتروكلوس في ~~جريه إلى سفن «أوديسيوس»، الشبيه بالإله، حيث كان مكان اجتماعهم ~~ومكان توزيع الأقدار والمصائر، وحيث كانوا قد شيدوا مذابح للآلهة، ~~هناك التقى مع يوروبولوس، سليل زوس وابن يوايمون، مصابا في فخذه ~~بسهم، وهو يعرج خارجا من المعركة. وكان العرق يتصبب من رأسه ~~وكتفيه كأنه الأنهار المتدفقة، بينما كان الدم القاتم ينبثق من ~~جرحه الخطير. على أن نفسه لم تكن قد اهتزت. فلما أبصره ابن ~~مينويتيوس على تلك الحال، رثى لحاله وأشفق عليه، وأخذته العبرات ~~وهو يقول له بكلمات مجنحة: «أسفي عليكم أيها المساكين، يا قادة ~~وسادة الدانيين. إذن فهكذا قدر لكم، أن تشبعوا كلاب طروادة ~~السريعة بلحومكم البيضاء، بعيدا عن أصدقائكم ووطنكم. ولكن، خبرني ~~يا يوروبولوس، أيها المقاتل المنحدر من زوس، هل ما زال في استطاعة ~~الآخيين أن يصدوا «هكتور» القوي، أم أنهم سوف يبيدون مقتولين ~~برمحه؟» # فأجابه «يوروبولوس» الجريح، بقوله: «لن يكون هناك بعد الآن يا ~~«باتروكلوس»، يا سليل زوس، أي دفاع للآخيين، فإنهم سوف يلقون ~~بأنفسهم فوق السفن القاتمة؛ لأن جميع من كانوا في الماضي شجعانا ~~صناديد، يرقدون الآن بين السفن مصابين بالسهام أو مجروحين بطعنات ~~رماح الطرواديين، الذين تزداد قوتهم باطراد، ولكن هل لك أن ~~تساعدني، فتقودني إلى سفينتي السوداء، وتخرج السهم من فخذي، وتغسل ~~عن جرحي الدم القاتم بالماء الدافئ، وتضع عليه العقاقير الطبية ~~الشافية، التي يقول الناس إنك قد تعلمت خصائصها من «أخيل»، الذي ~~تعلمها بدوره من «خايرون»، # 6 # أعظم وحش «قنطور» في البر؟ فإن الطبيبين ~~«بودالايريوس» و«ماخاوون» - على ما أعتقد - يرقد أحدهما جريحا وسط ~~الأكواخ، في مسيس الحاجة إلى طبيب نطاسي، بينما يسهر الآخر وهو ~~يقاوم في معركة الطرواديين الحامية.» # فقال ابن مينويتيوس ms280 الجسور: «كيف يمكن لهذه الأمور أن تحدث؟ ~~وماذا ترانا فاعلين أيها المحارب «يوروبولوس»؟ إنني ذاهب الآن ~~لأخبر أخيل، الحكيم القلب، بما كلفني به نسطور الجيريني، الحامي ~~حمى الآخيين. ومع ذلك فإنني لن أتركك على هذه الحال ~~الخطيرة.» # قال هذا، وأمسك راعي الجيش من تحت صدره، وأسنده حتى أوصله إلى ~~كوخه، فلما رآهما خادمه، فرش على الأرض جلود الثيران، ونزع السهم ~~الحاد الطرف من فخذه بسكين، وغسل الدم الأدكن عن الجرح بالماء ~~الدافئ، ووضع فوقه جذورا مرة بعد أن فركها بين يديه. جذورا تقتل ~~الألم. وبذا أزال جميع أوجاعه، وجف الجرح، وامتنع نزف الدم. # | الأنشودة الثانية عشرة # «... وكانوا كثرة في العدد، ووفرة في الشجاعة، وكلهم مشوق إلى ~~اقتحام السور، وإحراق السفن، ولكنهم ظلوا مترددين؛ لأن طائرا حلق ~~فوقهم، وفي مخالبه ثعبان ضخم ...» # كيف اقتحم الطرواديون وحلفاؤهم سور الآخيين ... إلخ؟ # مهاجمة سور الآخيين! # وهكذا كان ابن مينويتيوس الجسور يمرض «يوروبولوس» الجريح، وسط ~~الأكواخ، بينما كان غيره من الأرجوسيين والطرواديين يتقاتلون في ~~جماعات، ولم يعد خندق الدانيين - ومن فوقه سورهم العريض - يحميانهم ~~طويلا. ذلك السور الذي بنوه للدفاع عن سفنهم، وحفروا من حوله ~~خندقا - وإن لم يقدموا الذبائح المئوية للآلهة - كي يضعوا في ~~حدوده سفنهم السريعة وغنائمهم الوفيرة، ويصونوا كل شيء . على أن ~~بناءه كان ضد إرادة الآلهة الخالدة؛ لذلك فإنه لم يمكث طويلا دون ~~تحطيم. فطالما كان «هكتور» حيا، و«أخيل» سادرا في غضبه، ومدينة ~~الملك «بريام» قائمة دون أن تخرب، فإن سور الآخيين العظيم ظل كذلك ~~سليما غير محطم، أما حين مات جميع الطرواديين الفائقي الشجاعة، ~~وكثير من الأرجوسيين - الذين قتل بعضهم وبقي البعض الآخر - ونهبت ~~مدينة «بريام» في السنة العاشرة وعاد الأرجوسيون ثانية في سفنهم ~~إلى وطنهم العزيز، إذ ذاك تشاور «بوسايدون» مع «أبولو» في إزالة ~~ذلك السور، بأن تسلط عليه قوة جميع الأنهار التي تنبع من جبال أيدا ~~وتصب في البحر: ريسوس، وهيبتابوروس، وكاريسوس وروديوس، وجرانيوكس، ~~وأيسيبوس، وسكاماندر العظيم، وسيمويس، التي سقطت على شطآنها تروس ~~كثيرة من جلد الثور هوت ms281 فوق الثرى، وخوذات عديدة، وكذا صنف من ~~الرجال أنصاف الآلهة. فحول الإله «أبولو» مصبات هذه الأنهار ~~معا، ولمدة تسعة أيام راح يسلط فيضانها ضد السور، كما ظل «زوس» ~~يرسل المطر سيولا بغير انقطاع، لكي يتم اكتساح السور بمزيد من ~~السرعة نحو البحر المالح. وكان مزلزل الأرض نفسه يحمل في يديه ~~شوكته ذات الشعب الثلاث، ويقود العمل بنفسه، فيجرف جميع الدعامات ~~الخشبية والحجرية التي تعب الآخيون في إرسائها، قاذفا بها وسط ~~الأمواج، حتى جعل كل شيء ممهدا طريق مجرى الهيليسبونت القوي، ومن ~~جديد غطى الشاطئ العظيم بالرمال، بعد أن اكتسح السور بعيدا، ~~وأعاد الأنهار ثانية لتجري في المجاري التي اعتادت من قبل أن تصب ~~فيها مياهها العذبة. # هذا ما صمم بوسايدون وأبولو أن يفعلاه فيما بعد. # 1 # وأما إذ ذاك، فقد ظلت نار الحرب متأججة، وحمي وطيسها ~~وطنينها حول السور المتين البناء، وراحت دعامات القلاع تدوي، كلما ~~أصيبت. وظل الأرجوسيون - وقد غلبتهم نقمة «زوس» على أمرهم - ~~محاصرين بجوار سفنهم الخاوية، وشلت حركتهم ذعرا من «هكتور»، مدبر ~~الشغب القوي، الذي راح يقاتل كسابق عهده، في قوة بالغة، كأنه ~~الإعصار الهائج. وكما يحدث عندما يدور خنزير بري أو ليث وسط الكلاب ~~والصيادين هنا وهناك، مزهوا بقوته، فيصطف هؤلاء في صفوف على شكل ~~جدار ويقفون في مواجهته، يمطرونه بوابل من الرماح السريعة من ~~أيديهم، دون أن يهن أو يغشى الخوف قلبه الجريء، رغم أن جرأته قد ~~تجر عليه هلاكه، فيظل دائم الدوران هنا وهناك، يعجم أعواد صفوف ~~الرجال، فيتقهقر هؤلاء في المكان الذي يهجم فيه. هكذا ظل «هكتور» ~~يجوس خلال الحشد ويهيب برجاله ويحثهم على عبور الخندق. ومع كل ~~فإن جياده السريعة الأقدام لم تجرؤ، بل راحت تصهل بصوت مرتفع، وهي ~~واقفة على الجرف العمودي، مذعورة من الخندق؛ إذ كان عظيم الاتساع، ~~ولم يكن من السهل اجتيازه وثبا، كما أنه لم يكن من اليسير القيادة ~~عبره؛ لأن حافتيه الشاهقتين كانتا تقومان على جانبي هوة سحيقة - ~~على هذا الجانب وذاك - كما كانت تحيط بقمته أوتاد ms282 مدببة غرسها ~~أبناء الآخيين متقاربة بعضها مع بعض، وضخمة الحجم، كدفاع ضد العدو. ~~وهكذا لم يكن من اليسير على جواد يجر عربة ذات عجلات أن يدخل ~~إلى ذلك الممر، ولكن المشاة كانوا يتمنون أن يحققوا ذلك. عندئذ ~~اقترب «بولوداماس» من «هكتور»، وتحدث قائلا: «أي هكتور، ويا قادة ~~الطرواديين وحلفاءهم الآخرين، إنه لمن الحماقة البحتة أن نحاول ~~قيادة جيادنا السريعة عبر الخندق، فإن اجتيازه من العسير حقا، ~~لأن على جانبيه أوتادا مدببة، وبالقرب منه سور الآخيين. كما أنه ~~ليس في وسع رجال العربات أن يترجلوا هناك ويقاتلوا، لأن المسافة ~~ضيقة؛ لذا أعتقد أننا سنلقى الأذى. فإذا كان «زوس»، الذي يرعد ~~عاليا، مصمما على هلاك أعدائنا هلاكا تاما - في سورة غضبه ~~وينتوي مساعدة الطرواديين - فإنني أتمنى كذلك أن يتحقق هذا سريعا، ~~فيهلك الآخيون هنا بعيدا عن أرجوس، ولا يكون لهم اسم. أما إذا ~~انقلبوا علينا وصدونا عن السفن، ووقعنا في شرك ذلك الخندق المحفور، ~~عندئذ أعتقد أنه لن يقدر لرجل واحد منا أن يعود إلى المدينة من ~~أمام الآخيين إذا ما استجمعوا قواهم، ليحمل الأنباء إليها، والآن، ~~هيا ولنصدع جميعا بما آمر به. أما الجياد فليبتعد بها الخدم عن ~~الخندق، وهلم نمشي على أقدامنا، متسربلين في عدتنا الحربية. ~~ولنسر جميعا في حشد واحد وراء هكتور، وعندئذ لن يقاومنا ~~الآخيون إذا ما أحكمنا عليهم ~~قيود الهلاك!» # هكذا قال «بوليداماس»، فسر هكتور من مشورته السديدة أيما سرور، ~~وقفز في الحال من عربته إلى الأرض في عدته الحربية. ولم يبق ~~الطرواديون الآخرون محتشدين معا فوق عرباتهم، ولكنهم قفزوا جميعا ~~كذلك بمجرد أن أبصروا هكتور العظيم على قدميه. وأخذ كل رجل يأمر ~~سائقه أن يكبح جماح جياده جيدا، ويقف عند الخندق بنظام. ثم قسم ~~الرجال أنفسهم واصطفوا، وساروا في خمس فرق وراءه القادة. # وذهب فريق مع «هكتور» و«بوليداماس» المنقطع النظير. وكان أولئك ~~من أشجع الرجال وأكثرهم تحفزا إلى اقتحام السور والقتال بجانب ~~السفن الخاوية. وتبعهم «كيبريونيس» كقائد ثالث، ترك هكتور رجلا ~~آخر بجانب عربته، أضعف من ms283 «كيبريونيس». وكانت الجماعة الثانية ~~بقيادة «باريس» و«الكاثوس»، و«أجينور» والثالثة بقيادة «هيلينوس» ~~و«دايفوبوس» الشبيه بالإله - وكلاهما ابن بريام - ومعها مقاتل ~~ثالث، هو المحارب «أسيوس بن هورتاكوس»، الذي كانت جياده السمراء ~~الضخمة قد حملته من أريسبي، من نهر سيليس. أما الجماعة الرابعة ~~فكان يقودها «أينياس» الشجاع، ابن «أنخيسيس»، وكان معه ولدا ~~«أنتينور»؛ «أرخيلوخوس» و«أكاماس» الفائقان في سائر ضروب القتال. ~~وقاد «ساربيدون» الحلفاء الأمجاد، واختار رفيقين له: «جلاوكوس» ~~و«أستيروبايوس» الباسل، فقد بدا له أن هذين أشجع الباقين طرا، ~~بعده هو. وما إن تذرع هؤلاء بتروسهم المتينة المصنوعة من جلد ~~الثور، حتى ساروا فورا صوب الدانيين، في شوق جارف إلى القتال. ولم ~~يكن في الحسبان أن شيئا ما قد يعرقل مسعاهم بعد ذلك، بل كانوا ~~يعتزمون الانقضاض على السفن السوداء. # وهكذا أطاع بقية الطرواديين وحلفائهم الذائعي الصيت مشورة ~~«بوليداماس» المبرأ من اللوم، ولكن «أسيوس بن هورتاكوس» قائد ~~الرجال، لم يرغب في أن يترك جياده وخادمه السائق هناك، بل ساق ~~العربة والجميع قريبا من السفن السريعة - فما أحمقه! - إذ إنه لم ~~يكن مقدرا له أن ينجو من المهالك، ويعود مزهوا بجياده وعربته، ~~من السفن إلى طروادة ذات الرياح. أجل، ولعل القدر - المنحوس الأصم ~~- كتب له من قبل أن يطويه رمح أيدومينيوس المجيد، ابن ديوكاليون، ~~فقد يمم شطر الجناح الأيسر للسفن، حيث كان الآخيون متلهفين إلى ~~العودة من السهل بالجياد والعربات، فساق جياده وعربته إلى هناك، ~~حتى بلغ الأبواب فلم يجدها مغلقة ولا المزلاج الطويل مثبتا في ~~مكانه، بل كان الرجال قد فتحوها على مصاريعها، لعلهم يستطيعون أن ~~ينقذوا من يمكنهم إنقاذه من رفاقهم الهاربين من المعركة إلى ~~السفن. # هجوم «أسيوس» # وقاد جياده في طريق مستقيم إلى هناك، ومن خلفه رجاله يرسلون ~~الصرخات الحادة؛ إذ ظنوا أنه لن يعود في وسع الآخيين صدهم، لأنهم ~~سيخرون صرعى على سفنهم السوداء، فما كان أحمقهم! ذلك أنهم وجدوا ~~عند الباب اثنين من المحاربين الرماحين اللابيثيين # 2 # ذوي الشجاعة الفائقة والجرأة البالغة. وكان أحدهما ~~«بولوبويتيس» الصنديد، ابن «بايريثوس»، والآخر «ليونتيوس»، ms284 نظير ~~أريس مصدر هلاك البشر. فوقف كل منهما ثابتا، أمام الباب المرتفع ~~أشبه بشجرة البلوط الشامخة بقمتها العالية وسط الجبال، تلك التي ~~تقاوم باستمرار الرياح والأمطار يوما بعد يوم، وقد تغلغلت جذورها ~~الطويلة القوية في التربة فثبتتها، هكذا قاوم هذان البطلان هجوم ~~«أسيوس»، معتمدين على قوة سواعدهما، ولم يهربا، ولكن أعداءهما ~~أقبلوا مباشرة صوب السور القوي البناء، رافعين تروسهم المصنوعة من ~~جلد الثور المتين، وهم يصيحون عاليا، والتفوا حول الملك «أسيوس» ~~و«أيامينوس» و«أوريستيس»، و«أداماس بن أسيوس»، و«ثوءون»، ~~و«أوينوماوس». فظل اللابيثيان وقتا يدفعان الآخيين المدرعين جيدا ~~- من وراء السور - مقاتلين دفاعا عن السفن، ولكنهما حين رأيا ~~الطرواديين يهجمون على السور، بينما أطلق الدانيون الصيحات المدوية ~~وقد ولوا الأدبار، هجما في الحال، وحاربا أمام الباب كما تقاوم ~~الخنازير البرية حشد الرجال والكلاب المنقضة عليها وسط الجبال، ~~محدثة صخبا، إذ تندفع الخنازير من الجانبين محطمة الأشجار حولها، ~~وتجتثها من جذورها، فتعلو قعقعة الأنياب، إلى أن يضربها أحد الرجال ~~فيصرعها، هكذا قعقع البرونز اللامع حول صدريهما وهما يواجهان ~~العدو ويستقبلان الطعنات. وراحا يقاتلان في عناء، معتمدين على ~~الجيش وراءهما وعلى قوتهما الشخصية. # وراح الرجال وراءهما يقذفون الأحجار من القلاع المتينة البناء. ~~دفاعا عن حياتهم وعن الأكواخ والسفن السريعة الإبحار. فأخذت ~~الأحجار تتساقط على الأرض دون انقطاع، ككرات من الثلج تقذفها ~~الرياح العاصفة، وهي تدفع أمامها السحب الدكناء في غزارة وسرعة ~~فوق الأرض الفسيحة. هكذا انهمرت الرماح من أيدي الآخيين ~~والطرواديين معا، وكانت الخوذات - وكذا التروس المطعمة - تقعقع ~~في عنف كلما أصابتها الأحجار الكبيرة. عند ذلك تأوه «أسيوس بن ~~هورتاكوس»، وضرب كلتا فخذيه، وصرخ بسخط شديد قائلا: «أبي زوس، ما ~~من شك في أنك محب للأكاذيب! فما كنت أحسب أن مقاتلي الآخيين ~~سيقاومون قوتنا وسواعدنا التي لا تقهر، ولكنهم أشبه بالزنابير ~~الرشيقة الخواصر، أو أسراب النحل التي عششت في ممر وعر، فلا تترك ~~بيتها الأجوف بل تبقى فيه لتدافع عن صغارها وتبعد عنها الصيادين، ~~هكذا حال هذين الرجلين، فبالرغم من أنهما اثنان فحسب، إلا أنهما ms285 ~~مصران على ألا يتزحزحا عن الباب إلا إذا قتلا أو قتلا!» # هكذا قال، ولكن كلماته لم تزحزح عقل زوس مصمما على ألا يعطي ~~المجد إلا لهكتور! # وكان هناك رجال آخرون يقاتلون حول الأبواب الأخرى، إلا أنه من ~~العسير على رغم أنني إله، أن أروي قصة كل هذه الأمور. فقد كانت ~~ألسنة النار المتأججة، ذات السعير العجيب، ترتفع في كل مكان حول ~~السور؛ لأن الأرجوسيين، رغم المحنة القاسية، راحوا يدافعون عن ~~سفنهم ببأس. واغتنم جميع الآلهة الذين كانوا يساعدون الدانيين في ~~القتال. واستبسل «اللابيثيون» في الحرب والصراع. # وما لبث «بولوبويتيس» القوي، ابن بايريثوس، أن قذف رمحه فأصاب ~~«داماسوس» في خوذته ذات الحزام البرونزي. ولم توقف الخوذة ~~البرونزية الرمح، بل اخترق طرفه البرونزي العظام فتناثر جميع المخ ~~داخلها. وهكذا أوقفه في حماسه. ثم قتل «بولون» و«أورمينوس» بعد ~~ذلك، وضرب ليونتيوس - نسل أريس - «هيبوماخوس بن أنتيماخوس» بطعنة ~~من رمح، أصابته فوق حزامه. ثم استل «ليونتيوس» سيفه الحاد من غمده، ~~وهجم وسط الحشد، فضرب «أنتيفاتيس» أولا في نزال محتدم إلى درجة ~~أنه تقهقر إلى الوراء وسقط فوق الأرض. ولحق به «مينون» و«أيامينوس» ~~و«أوريستيس»، إذ قتل كل هؤلاء واحدا بعد آخر، فتردوا فوق الأرض ~~الفسيحة! # هجوم «هكتور» # وبينما كانوا يجردون هؤلاء من أسلحتهم البراقة، كان الشبان الذين ~~تبعوا «بوليداماس» و«هكتور» - وكانوا كثرة في العدد ووفرة في ~~الشجاعة، وكلهم مشوق إلى اقتحام السور وإحراق السفن بالنار - هؤلاء ~~ظلوا مترددين، وهم واقفون بجانب الخندق؛ لأن طائرا حلق فوقهم، وهم ~~متحمسون لعبور الخندق، وكان نسرا عالي التحليق، أقبل محاذيا ~~للجيش من جهة اليسار، وفي مخالبه ثعبان ضخم في حمرة الدم، لا يزال ~~حيا يصارع النسر، دون أن يكف عن القتال، بل كان ينحني إلى ~~الوراء، ويضرب النسر - القابض عليه - في صدره وبجانب عنقه، حتى قذف ~~به النسر إلى الأرض، وقد آلمه الوجع، وتركه يسقط وسط الجمع، وطار ~~النسر نفسه وهو يطلق صرخات مدوية مع هبات الريح. فارتعد الطرواديون ~~عندما أبصروا الثعبان يتلوى في وسطهم، علامة من زوس حامل ms286 الترس. ~~واقترب «بوليداماس» من «هكتور» وخاطبه بقوله: «أي هكتور، لماذا ~~تزجرني دائما في اجتماعات القوم، رغم أنني أسدي إليك النصح ~~مخلصا؟ ومع أنه لا يليق بأي رجل من الشعب أن يجهر بما يخالف رأيك، ~~سواء في المجلس أو في الحرب، وإنما عليه أن يؤيدك في كل شيء ويزيد ~~من قوتك، إنني سأقول الآن ما أراه خيرا، لنكف عن قتال الدانيين من ~~أجل السفن؛ لأنني أعتقد أن النتيجة ستكون على هذا النحو؛ فقد أقبل ~~هذا الطائر فوق رءوس الطرواديين وهم يتلهفون إلى عبور الخندق، وكان ~~نسرا عالي التحليق، مر فوق الجيش من الجانب الأيسر، وهو يحمل في ~~مخالبه ثعبانا ضخما أحمر كالدم، ما زال حيا. ثم تركه يسقط قبل ~~أن يصل إلى عشه، ولم يكن قد انتهى بعد من رحلته بالثعبان إلى ~~أفراخه، هكذا نحن أيضا، فبالرغم من أننا نحطم الأبواب وسور ~~الآخيين بقوتنا الهائلة، وإن الآخيين لا بد أن يتقهقروا، إلا أننا ~~سنعود من السفن في نفس الطريق، بغير نظام؛ لأننا سنترك وراءنا ~~كثيرا من الطرواديين، يقتلهم الآخيون بالبرونز دفاعا عن السفن. ~~هكذا يفسر الأمر أي عراف أوتي معرفة واضحة بالطيرة، ممن اعتاد ~~القوم أن يصغوا إليهم.» # فقطب هكتور ذو الخوذة البراقة حاجبيه وحدجه بنظرة غاضبة، وقال ~~له: «يا بوليداماس، لا يسرني قولك هذا إطلاقا، فإنك لتعرف كيف ~~تصوغ من العبارات ما هو أفضل. أما إذا كنت جادا فيما تقول، فما ~~من شك في أن الآلهة قد عبثت بعقلك؛ لأنني أرى أنك تأمرني بنسيان ~~نصائح «زوس»، الذي يرعد عاليا، والذي وعدني بنفسه وأومأ برأسه ~~تأييدا لوعده. فأنت الآن تأمرنا بأن نطيع الطيور الطويلة الجناح، ~~التي لا أكترث بها ولا أفكر فيها، سواء أكانت تحلق إلى اليمين نحو ~~الفجر والشمس، أو إلى اليسار نحو الظلمة الداجية. كلا، إن علينا أن ~~نتمسك بمشورة زوس العظيم، ملك جميع البشر والخالدين ونطيعها. وليس ~~هناك سوى فأل واحد، هو الأفضل، ذلك هو أن يقاتل المرء من أجل ~~وطنه. ومن ثم، ففيم تخاف الحرب والقتال؟ لئن ms287 قتلت بقيتنا عن آخرها ~~عند سفن الأرجوسيين، فلا خوف هناك من أن تهلك أنت؛ إذ إن قلبك ليس ~~جريئا في القتال والحرب. ومع كل، فإذا كنت ستحجم عن القتال، أو ~~تخدع بكلامك أي فرد آخر، وترده عن الحرب، فلسوف تفقد حياتك فورا ~~برمحي!» # وما إن قال هذا حتى تقدم، فتبعه الجمع بطنين عجيب. وعند ذلك أثار ~~زوس الذي يقذف بالصواعق ريحا من جبال أيدا، حملت التراب مباشرة ~~نحو السفن، كما أنه حير عقول الآخيين، ومنح المجد للطرواديين ~~و«هكتور». ومن ثم فإنهم سعوا - مطمئنين إلى آياته المبشرة، وإلى ~~قوتهم - إلى تحطيم سور الآخيين العظيم. فجذبوا الأوتاد إلى أسفل ~~وحطموا الاستحكامات، ونزعوا الدعامات الخشبية التي كان الآخيون قد ~~دكوها أولا في الأرض، كدعامات للسور، وجهدوا في هدم كل ذلك أملا ~~في تدمير سور الآخيين، ولكن الدانيين لم يتخلوا - رغم ذلك - عن ~~الممر، بل بمقدمهم، فليأت أياس الجسور، ابن تيلامون، بمفرده على ~~الأقل، وليتبعه تيوكر البارع في استخدام القوس. # وراح البطلان «أياس» يجوسان في كل مكان، على طول الجدران، يحثان ~~الرجال ويرفعان من قوة الآخيين. وكانا يحمسان الرجال بعبارات ~~رقيقة، ويوبخان - بألفاظ لاذعة - كل من أبصراه يتخاذل تماما عن ~~القتال، قائلين: «أصدقاءنا، إن في الحرب لعملا للجميع، لكل مبرز ~~وسط الدانيين، وكل من يحتل مكانا وسطا، أو درجة تقل عن هذين، فإن ~~جميع الرجال في الحرب سواسية. وإني لأوقن من أنكم أنفسكم تعرفون ~~ذلك، فلا تسمحوا لرجل بأن يدير ظهره للسفن بعد أن سمع الآن من يحضه ~~ويحمسه. هيا، احملوا على العدو وليشجع بعضكم بعضا، أملا في أني ~~يمنحنا زوس الأوليمبي - سيد البرق - القدرة على صد الهجوم وطرد ~~عدونا إلى داخل المدينة!» # هكذا صاح الاثنان، فأذكيا معركة الآخيين. وكما تتساقط كرات الثلج ~~كثيفة في أحد أيام الشتاء، عندما يبدأ زوس المستشار في إرسال ~~الجليد - مظهرا للبشر من لدنه هذه السهام - ويطلق الرياح من ~~عقالها، ويقذف كرات الثلج باستمرار، إلى أن يغطي ذؤابات الجبال ~~الشامخة والأراضي المرتفعة، والسهول المعشوشبة، وحقول البشر ~~الخصبة، ثم تنتشر ms288 الثلوج فوق الموانئ وشواطئ البحر السنجابي، ومع ~~كل، فإن اللجة كلما اصطدمت بها أقصتها بعيدا، وتكتسي جميع الأشياء ~~المحيطة بالثلوج التي تدفعها عاصفة زوس، هكذا راحت الأحجار، من ~~الجانبين، تطير كثيفة في الهواء، بعضها على الطرواديين، والبعض ~~الآخر من الطرواديين صوب الآخيين، وهم يتراشقون بعضهم ضد بعض، ~~فتصاعد الهرج حول السور كله! # ومع ذلك، فما كان للطرواديين وهكتور المجيد أن يحطموا أبواب ~~السور أو المزلاج الحديد الطويل - حتى ذاك الحين - لولا أن أرسل ~~زوس المستشار ابنه «ساربيدون» ضد الأرجوسيين، كما لو كان هزبرا ضد ~~أبقار ناعمة. وفي الحال حمل أمامه ترسه المتزن تماما من كل جانب، ~~ترسا جميلا من البرونز المطروق صنعه الحداد وثبت داخله جلود ~~ثيران عديدة بمسامير من الذهب كانت تحيط بحافته. هذا ما حمله ~~أمامه، وأمسك بيده رمحين صار يلوح بهما، ثم شق طريقه كأنه ليث ~~ترعرع في الجبال وطال به الشوق إلى اللحم، فسولت له نفسه الطامحة ~~أن يذهب إلى الحظيرة المحكمة البناء ليقوم بهجوم على القطعان. ~~وبالرغم من أنه قد يجد الرعاة هناك متفرغين لحراسة الأغنام بالكلاب ~~والرماح، فإنه لا يرضى أن ينصرف من الحظيرة قبل أن يقوم بمحاولة؛ ~~فإما أن يقفز وسط القطيع ويمسك بأحد خرافه، وإما أصابته طعنة من ~~رمح في يد سريعة الحركة، وكأنه بطل من أبطال المقدمة. هكذا طفقت ~~روح «ساربيدون» - شبيه الإله - تحثه على أن يهجم على السور ويحطم ~~الاستحكامات. # هجوم «ساربيدون» # وفي الحال، توجه بالخطاب إلى «جلاوكوس بن هيبولوخوس»، بقوله: «أي ~~جلاوكوس، لماذا يحظى كلانا بالتكريم في لوكيا دون الجميع: بالمقاعد ~~والطعام، والكئوس المترعة، وينظر الناس جميعا إلينا كما لو كنا ~~آلهة؟ أجل، وإننا لنمتلك فوق هذا ضيعة واسعة بالقرب من شواطئ ~~كسانثوس، قطعة جميلة من البساتين والأرض المفلوحة المزروعة قمحا، ~~ومن ثم يجب علينا الآن أن نقف وسط اللوكيين الذين في المقدمة، ~~ونواجه المعركة المستعرة، حتى يقول أي من اللوكيين المتدثرين ~~بالحديد: «حقا أن الذين يحكمون لوكيا ليسوا غير أمجاد، أعني ~~ملوكنا الذين يأكلون الخراف السمينة ويشربون الخمر ms289 المنتقاة، ~~الشهية كالعسل، أجل، وأن قوتهم كذلك لعظيمة؛ إذ يقاتلون وسط لوكيي ~~الصفوف الأولى. آه يا صديقي، لو أننا نجونا من هذه المعركة لبقينا ~~أبدا خالدين لا يحسب لنا عمر، وعندئذ فلن أحتاج بعد ذلك إلى أن ~~أقاتل وسط الصفوف الأولى، ولن أضطر إلى إرسالك إلى المعركة حيث ~~يفوز الرجال بالمجد. أما الآن - وأقدار الموت تطاردنا على أية حال، ~~أقدار لا حصر لها، وليس لإنسان أن يفلت منها أو يتحاشاها، الآن، ~~هلم بنا نذهب، سواء أتحنا المجد لغيرنا، أو أتاح لنا الغير ~~مجدا».» # هكذا قال، فلم يزور عنه «جلاوكوس»، ولم يعص أمره، بل ذهبا ~~لتوهما إلى الأمام، يقودان جيش اللوكيين العظيم. فارتعدت فرائص ~~«مينيسثيوس بن بيتيوس» عند رؤيتهما؛ لأن بقعته من السور كانت هي ~~البقعة التي أقبلا عليها يحملان معها الخراب. فتطلع مذعورا، على ~~طول سور الآخيين، عسى أن يرى أحد القادة الذين قد يمنعون الهلاك عن ~~زملائه. فرأى البطلين «أياس» اللذين لا يشبعان من القتال واقفين ~~هناك، و«تيوكر» الذي أقبل حديثا من كوخه، بالقرب منهما. على أنه ~~لم يكن من المستطاع بأية حال أن يصيح حتى يسمعوه، إذ امتلأ الجو ~~بضجيج بالغ، وارتفع الصوت إلى عنان السماء، صوت التروس المصطكة ~~والخوذات ذات الخصلات المصنوعة من شعر ذيل الخيل، وضجيج الأبواب ~~وهي مغلقة جميعا والعدو أمامها، يحاول تحطيمها بالقوة، والدخول ~~منها. وفي الحال أوفد الرسول «ثوءوتيس» إلى أيباس قائلا له: «اذهب ~~يا ثوءوتيس العظيم، أسرع فاستدع أياس، أو بالحرى خير اثنين من ~~المقاتلين؛ لأن الخراب الشامل لن يلبث أن يحل بنا قريبا، فإن قادة ~~اللوكيين يضيقون الخناق علينا هنا، وقد اشتهروا من قديم الزمان ~~بالعنف في المعارك الحامية. وإذا كانت حمية الحرب والنضال تستعر ~~سدوا المتاريس بجلود الثيران. وراحوا يمطرون العدو منها بقذائفهم ~~كلما هجم على السور!» # هكذا قال، فلم يتردد الرسول في إطاعة أمره، وانطلق يجري بجوار ~~سور الآخيين المتدثرين بالبرونز، حتى جاء فوقف إلى جانب البطلين ~~«أياس»، وقال في الحال: «أيا قائدي الآخيين المتدثرين بالبرونز، إن ~~ابن بيتيوس ms290 - سليل زوس - يأمركما بالذهاب إلى هناك، كي يمكنكما ~~مواجهة سورة الحرب - ولو لمدة قصيرة - كلاكما، إذا أمكن؛ لأنكما ~~خير الجميع، حيث إن الخراب الشامل سيحل هناك حالا. فإن قادة ~~اللوكيين يضغطون عليهم ضغطا عنيفا، وإنهم لمشهورون من قديم ~~الزمان بالفظاعة في المعارك الطاحنة. وإذا ما قامت هنا أيضا الحرب ~~والصراع، فليذهب أياس الجريء ابن تيلامون، بمفرده - على الأقل - ~~وليتبعه تيوكر البارع في استخدام القوس.» # هكذا قال، فلم يتردد «أياس» التيلاموني العظيم في سماع قوله. ~~وفي الحال خاطب ابن «أويليوس» بكلمات مجنحة، قائلا: «هيا أياس، ~~هل لك أنت ولوكوميديس القوي، أن تثبتا هنا وتحثا الدانيين على ~~القتال بعنف، فإنني ذاهب إلى هناك، لأواجه الحرب، وسأعود ثانية ~~بسرعة، بعد أن أقدم لهم أقصى مساعدة.» # ما إن قال هذا، حتى انطلق «أياس» التيلاموني، يصحبه شقيقه ~~«تيوكر» - المولود وإياه من أب واحد - يتبعهما «بانديون» يحمل قوس ~~تيوكر المعقوفة. وما إن بلغوا - وهم يسيرون بمحاذاة السور من ~~الداخل - مكان مينيسثيوس العظيم الهمة، ووصلوا إلى الرجال الذين ~~ضيق عليهم الخناق، حتى كان العدو يعتلي الاستحكامات وكأنه ~~الإعصار القاتم، يتقدمه قادة وحكام اللوكيين الأشداء، فاصطدموا ~~معا في قتال عنيف وارتفعت صيحة الحرب. # عندئذ، كان «أياس بن تيلامون» أول من صرع غريمه - وهو «أبيكليس» ~~العظيم الهمة، رفيق «ساربيدون» - إذ قذفه بصخرة ضخمة مسننة، ~~كانت أعلى الصخور المجاورة للمتاريس، في داخل السور. ولم يكن من ~~اليسير على أي رجل من البشر أن يمسك بكلتا يديه، ما لم يكن شابا ~~وقويا، ولكن «أياس» رفعها إلى فوق، وطوح بها، فحطم الخوذة ذات ~~القرون الأربعة، وحطم معها جميع عظام رأس «أبيكليس»، فهوى هذا من ~~فوق السور المرتفع كأنه غواص، وفارقت روحه عظامه. أما تيوكر فضرب ~~جلاوكوس الباسل، ابن هيبولوخوس، بسهم فوق السور المرتفع بمجرد أن ~~هجم عليهما - إذ أبصر ساعده عارية بلا غطاء - وبذا كفه عن القتال. ~~فقفز جلاوكوس سرا من فوق السور، حتى لا يلحظ أحد من الآخيين أنه ~~أصيب، ويتيه عليه فخرا، بيد أن الحزن تملك «ساربيدون» لفراق ~~جلاوكوس، بمجرد ms291 أن تنبه إلى ذلك، ولكنه رغم ذلك لم يكف عن ~~القتال، بل ضرب بطعنة من رمحه «الكماوون بن ثيسطور»، فأحكم ~~التصويب، ثم سحب الرمح ثانية فجر معه الكماوون، الذي سقط لتوه، ~~ورنت من حوله عدته الحربية، المزدانة بالبرونز، ولكن «ساربيدون» ~~أمسك بالدعامة الحصينة بيدين قويتين، وجذبها بعنف، فإذا بها تنهار ~~بطول الجدار، فأحدث بذلك ثغرة في السور من أعلاه إلى أسفله، سمحت ~~للكثيرين بالمرور خلالها! # بيد أن أياس وتيوكر أقبلا ضده في وقت واحد: فقذفه تيوكر بسهم ~~أصاب حامل ذراعه الواقية حول صدره، ولكن زوس هب لمنع الأقدار عن ~~ابنه حتى لا يسقط عند مقدمات السفن. وقفز فوقه أياس وضرب فوق درعه، ~~غير أن طرف الرمح لم ينفذ فيها، وإن جعله يترنح أمام هجمته. وهكذا ~~تزحزح قليلا عن برج المراقبة، وإن لم يكن قد انسحب من مكانه ~~تماما، إذ كانت روحه تصبو إلى نيل المجد. فأخذ يدور هنا وهناك، ~~مناديا اللوكيين الأمجاد بقوله: «أيها اللوكيون، لماذا تتوانون في ~~شجاعتكم الثائرة؟ من العسير علي وحدي - مهما تكن قوتي - أن أخرق ~~السور وأهيئ طريقا إلى السفن. هيا، اهجموا معي، فكلما كثر الرجال ~~حسن العمل .» # الطرواديون يهدمون السور! # هكذا قال، فتملكهم الخوف من تأنيب مليكهم، وازدادوا هجوما حول ~~الملك صاحب المشورة، وعزز الأرجوسيون الاستحكامات وراء السور، في ~~الجهة المقابلة لهم. وكان العمل أمامهم شاقا. وهكذا لم يكن في ~~استطاعة اللوكيين الأشداء أن يهدموا سور الدانيين، ويحدثوا به ~~ثغرات يصلون منها إلى السفن، ولا كان في مقدور الرماحين الدانيين ~~أن يدفعوا اللوكيين بعيدا عن السور، إذا هم اقتربوا منه، وكما ~~يتشاجر رجلان والقصبات في أيديهما، حول العلامات الحجرية في حقل ~~مشترك، فيناضل كل منهما من أجل نصيبه الحق - في بقعة ضيقة - هكذا ~~أيضا بقيت الاستحكامات تفصل بين هذين الفريقين، وراحوا من فوقها ~~يضربون الدروع المصنوعة من جلد الثور والتي يرتدونها حول صدورهم، ~~والتروس المستديرة، والدرقات الخفيفة. فجرح كثيرون في أجسامهم ~~بطعنات البرونز العديم الرحمة، كلما استدار أحدهم وترك ظهره ~~مكشوفا وهم يقاتلون، كما نفذت ms292 الرماح خلال الدروع نفسها وجرحت ~~كثيرين. نعم، لقد كانت الاستحكامات والجدران ملطخة في كل مكان ~~بدم البشر، من كلا الطرفين، طرواديين وآخيين على حد سواء. ومع كل، ~~فإنهم رغم ذلك لم يتمكنوا من إحداث الفوضى بين الآخيين، لأنهم ~~ثبتوا. وكما تمسك المرأة المشتغلة بالغزل، الميزان في يديها، وتضع ~~الصنجة في كفة والصوف في كفة أخرى، حتى تتعادلا، لتكسب أجرا ~~زهيدا لأطفالها. هكذا كانت حربهم ومعركتهم متعادلة سجالا، إلى أن ~~منح زوس مجد النصر لهكتور بن بريام - الذي كان أول من وثب إلى داخل ~~سور الآخيين - فأطلق صيحة حادة مناديا الطرواديين بصوت عال: ~~«هبوا أيها الطرواديون، يا مروضي الجياد، حطموا سور الأرجوسيين، ~~وأضرموا النار المتأججة اللهب وسط السفن!» # هكذا صاح، ملهبا حماستهم، فأصغوا إليه جميعا بآذانهم، وهجموا ~~من فورهم على السور في كتلة واحدة، وصعدوا فوق الدعامات، والرماح ~~الحادة في أيديهم. وتقدم هكتور فأمسك بصخرة - ملقاة أمام الباب - ~~وحملها. وكانت عريضة القاعدة، مدببة الطرف، ينوء بحملها رجلان من ~~الأشداء أولي القوة - ولو كانا أشد القوم - ولا يستطيعان أن ~~يرفعاها من الأرض لتوضع فوق مركبة، إذا كانا من أمثال رجال اليوم. ~~ومع ذلك فقد استخدمها وحده في سهولة ويسر؛ إذ جعل ابن كرونوس - ذو ~~المشورة الملتوية - أمرها سهلا عليه. وكما يحدث عندما يجد الراعي ~~سهولة في حمل جزة كبش، فيرفعها بيد واحدة ولا يكون عبئها ~~ثقيلا عليه إلا قليلا، هكذا أيضا رفع هكتور الصخرة، وحملها من ~~فوره ضد الأبواب الخارجية التي كانت تقي الأبواب الداخلية المغلقة ~~والمتينة القوائم. لقد كانت أبوابا مزدوجة مرتفعة، مثبتة من ~~الداخل بمزلاجين وقفل واحد. فأقبل ووقف عن كثب منها، وثبت نفسه في ~~وقفته، ثم هوى على وسطها بكل قوته، وقد باعد ما بين قدميه، كي لا ~~تفتقر رميته إلى أدنى قوة. فحطم المفصلين، ونفذت الصخرة إلى الداخل ~~من جراء ثقلها، وصرت الأبواب صريرا عاليا من كلا الجانبين، ولم ~~تتحمل المزاليج، فانفتحت الأبواب على مصاريعها هنا وهناك تحت صدمة ~~الصخرة. وعندئذ وثب هكتور المجيد إلى الداخل، بوجه أشبه ms293 بالليل ~~الداهم، وقد تلألأ في البرونز البراق الذي تدثر به حول جسده، وحمل ~~في يديه رمحين، فما كان لأحد من التقوا به أن يصده - ما لم يكن من ~~الآلهة - بمجرد أن وثب إلى ما وراء الأبواب. وكانت عيناه تقدحان ~~بالشرر. ثم التفت إلى الجمع، وطلب من الطرواديين أن يصعدوا فوق ~~السور، فاستجابوا لندائه. وفي الحال تسلق بعضهم السور، واندفع ~~البعض الآخر نحو الأبواب المحكمة البناء. وسبق الدانيون في فوضى ~~إلى وسط السفن الجوفاء وانبعث ضجيج غير منقطع. # | الأنشودة الثالثة عشرة # «... عندئذ خرجت وحوش البحر تقفز من كل جانب، وانشق البحر أمامه ~~في سرور، فانطلق الجوادان يسابقان الريح، صوب سفن الآخيين.» ~~«بوسايدون» يستحث الآخيين على الذود على سفنهم، و«أيدومينيوس» ~~يبدي بسالة ... إلخ. ~~«بوسايدون» يتدخل في القتال! # أما وقد أحضر «زوس» كلا من «هكتور» والطرواديين إلى السفن، ~~فإنه ترك المتقاتلين لنضالهم وللعناء الذي لا ينتهي. وما لبثت ~~عيناه البراقتان - اللتان حولهما عنهم - أن تطلعتا إلى بلاد ~~الفرسان التراقيين، وبلاد الموسيين - المبرزين في النزال، فردا ~~لفرد - وبلاد «الهيبومولوجي» الأمجاد الذين يشربون لبن الأفراس، ~~وبلاد «الآبيين»، أعظم الناس عدالة. ولم يعد يلتفت نحو طروادة ~~بعينيه المتألقتين، إذ وقر في نفسه أن أحدا من الخالدين لن يقدم ~~على مساعدة الطرواديين أو الدانيين. # بيد أن مزلزل الأرض «بوسايدون» لم يكن غافلا عن مراقبة الحرب ~~والقتال، وقد جلس عاليا فوق أعلى ذؤابة ساموتراقيا الكثيرة ~~الأجمات، إذ كان بوسعه أن يرى من هناك - بوضوح تام - سائر سفوح ~~أيدا، ومدينة «بريام» وسفن الآخيين. فجلس هناك، بعد أن خرج، وهو ~~مشفق على الآخيين الذين هزمهم الطرواديون، وكان غضبه من زوس ~~بالغا. # وفي الحال هبط «بوسايدون» من الجبل الوعر، وتقدم بخطوات سريعة ~~فاهتزت الجبال الشامخة والغابات تحت خطواته الخالدة وهو يسعى، ثلاث ~~خطوات اتخذها في طريقه، وفي الخطوة الرابعة بلغ هدفه: أيجاي، حيث ~~شيد قصره الذائع الصيت في أعماق البحر، ذهبيا براقا، لا يزول ~~أبدا. فوصل إلى هناك، وربط إلى عربته جواديه النحاسيي الحوافر، ~~السريعي الجري، ذوي المعرفتين العسجديتين المرسلتين. وتدثر ms294 ~~هو بالذهب حول جسده، وأمسك في يده سوطا من الذهب الجميل الصنع، ~~واعتلى ظهر عربته، وأنشأ يقودها فوق الأمواج. وعندئذ أخذت وحوش ~~البحر تقفز تحته من كل جانب، خارجة من قرار الأعماق، لأنها كانت ~~تعرف سيدها تمام المعرفة. كما انشق البحر أمامه في سرور، فانطلق ~~الجوادان يسابقان الريح، ولم يبتل محور العربة البرونزي أسفلها، ~~وهكذا حمل الجوادان المزهوان سيدهما، صوب سفن الآخيين. # وفي منتصف المسافة بين تينيدوس وأمبروس الوعرة، يوجد كهف فسيح في ~~قرار البحر العميق. وهناك أوقف «بوسايدون» مزلزل الأرض جواديه ~~عنده، وسرحهما من العربة، ووضع أمامهما طعاما إلهيا ليأكلاه، ~~وكبل أقدامهما بقيود من الذهب لا تكسر ولا تحل، حتى يظلا في ~~الانتظار باستمرار، إلى أن يعود سيدهما. ثم انطلق هو إلى جيش ~~الآخيين. # وكان الطرواديون قد اجتمعوا في حشد واحد - أشبه باللهب أو هبة ~~الريح - وراحوا يتبعون هكتور بن بريام في حماس، وهم يطلقون الصرخات ~~المدوية، ظانين أنهم سيستولون على سفن الآخيين ويقتلون جميع ~~البواسل الشجعان بالقرب منها. غير أن بوسايدون - مطوق الأرض ~~ومزلزلها - اندفع يحث الأرجوسيين بمجرد أن خرج من البحر العميق، في ~~صورة العراف «كالخاس»، وبهيئته وصوته الذي لا يكل. فذهب إلى ~~البطلين «أياس» - وكانا من تلقاء نفسيهما في غاية التلهف على إنقاذ ~~الآخيين - وبادرهما بقوله: «أيها البطلان، إنكما ستنقذان جيش ~~الآخيين إذا احتفظتما بقوتيكما، ولم تسمحا لقشعريرة الخوف أن تسري ~~إلى أفكاركما. فلست أخشى - في أي مكان آخر - أيدي الطرواديين التي ~~لا تقهر، وهم الذين تسلقوا بجمعهم السور العظيم؛ لأن الآخيين ~~المدرعين جيدا سيصدون الجميع. أما هنا فيتملكني خوف عجيب من أن ~~يحل بنا شر ما. هنا حيث يهجم هذا الرجل المجنون كأنه شعلة من ~~اللهب، أعني هكتور الذي يزهو بأنه ابن زوس القوي. ولكن، هل لأحد من ~~الآلهة أن يبث الجرأة في قلبيكما، كي تقفا بشخصيكما وقفة ثابتة، ~~ويأمر الآخرين بأن يحذو حذوكما، عسى أن تستطيعا طرد هكتور بعيدا ~~عن السفن السريعة الإبحار، رغم تحمسه وعزيمته؟ أجل، حتى ولو كان ~~الأوليمبي نفسه هو الذي ms295 يحمسه ويحثه على القتال.» # وبعد ذلك، ضرب مطوق الأرض ومزلزلها البطلين بصولجانه، فملأهما ~~قوة وجرأة، وبث النشاط في أطرافهما - الأقدام والأيدي معا - ثم ~~انطلق يطير بعيدا، كما لو كان صقرا سريع الطيران يتحفز عاليا ~~فوق صخرة عمودية شاهقة، ثم ينقض إلى السهل ليقتنص طائرا آخر! هكذا ~~أيضا طار عنهما «بوسايدون»، مزلزل الأرض. وكان «أياس» السريع، ابن ~~أويليوس، هو أول من لاحظ الإله، فتكلم من فوره إلى أياس بن ~~تيلامون، وقال له: «أي أياس، بما أن أحد الآلهة الساكني أوليمبوس ~~قد أتى إلينا في صورة العراف، ليأمرنا بأن نقاتل بجانب السفن - وهو ~~ليس «كالخاس»، العراف الملهم، فقد عرفت علامات قدميه ورسمته ~~بسهولة، وهو يستدير منصرفا من هنا، إذ من اليسير معرفة الآلهة - ~~فيا للعجب! إن قلبي كذلك ليتلهف الآن إلى القتال والحرب، أكثر من ~~ذي قبل وإن قدمي تحتي، ويدي - من فوق - لمشوقة إلى العراك!» # فرد عليه أياس التيلاموني بقوله: «كذلك يداي، اللتان لا تقهران، ~~تتلهفان الآن إلى إمساك الرمح، وإني لأشعر بأن قوتي قد زادت عن ذي ~~قبل، وقدمي، من تحتي، تسرعان في نشاط، وإني لأتوق إلى ملاقاة هكتور ~~بن بريام - المهتاج بلا انقطاع - في نزال منفرد!» # هكذا تحدث كل منهما إلى الآخر، مغتبطين بحمية القتال التي بثها ~~الرب في قلبيهما. وفي الوقت نفسه أثار مطوق الأرض ومزلزلها، حماس ~~الآخيين الذين كانوا في المؤخرة، يجددون نشاطهم بجوار السفن ~~السريعة. فإن أطرافهم كانت قد تراخت من جراء التعب البالغ، ومن ثم ~~امتلأت قلوبهم بالأسى وهم ينظرون إلى الطرواديين الذين تسلقوا ~~السور العظيم بجمعهم، بل إن الدموع انهمرت من تحت حواجبهم وهم ~~ينظرون إلى أولئك الطرواديين ويحسبون أنهم لن ينجوا من الهلاك، ~~ولكن مزلزل الأرض انطلق وسطهم بسرعة، وحمس كتائبهم القوية، فجاء ~~إلى تيوكر أولا ودعاه، ثم إلى «ليئيتوس»، والبطل «بينيليوس»، ~~و«تواس»، و«ديئيبوروس»، و«ميريونيس» و«أنيلوخوس» سادة صيحة ~~الحرب. # تحدث إلى هؤلاء محفزا إياهم بكلمات مجنحة قائلا: «يا للعار ~~أيها الأرجوسيون، أيها الفتية المراهقون! كنت قد عولت على قتالكم ~~لإنقاذ سفننا، ولكنكم أحجمتم ms296 عن الحرب الطاحنة، إذن فما من شك في ~~أن اليوم الذي يشهد هزيمتنا على أيدي الطرواديين قد بزغ، ويحكم، ~~حقا عيناي لتبصران أعجوبة عظيمة، فما كنت لأتصور قط أن هذا الأمر ~~الفظيع قد يحدث أبدا: إن الطرواديين يشقون طريقهم صوب سفننا، ~~أولئك الذين كانوا فيما مضى أشبه بالظباء المذعورة التي في الغابة ~~فريسة لابن آوى والنمور والذئاب، وتهيم حائرة، مستضعفة، لا قدرة ~~لها على القتال، إن الطرواديين لم يكونوا من قبل يجرءون على الصمود ~~ومواجهة نقمة الآخيين وأيديهم، ولو للحظة واحدة، ولكنهم الآن ~~يقاتلون بعيدا عن المدينة، بل عند السفن الجوفاء، كل هذا بسبب خسة ~~قائدنا، وتقاعس القوم الذين لا تميل نفوسهم - من جراء نزاعهم معه - ~~إلى الدفاع عن السفن السريعة الإبحار، بل هم يذبحون في وسطها! بيد ~~أنه إذا كان البطل «أجاممنون» الواسع الملك - ابن أتريوس - هو سبب ~~كل شيء حقا، لأنه أهان ابن بيليوس السريع القدمين، فليس لنا نحن ~~أن ننكص عن الحرب بأية حال من الأحوال. كلا، فلنبادر إلى إصلاح ~~العيب، فليس أسهل من علاج قلوب الشجعان! وليس مما يليق بكم أن ~~تنسوا شجاعتكم الجامحة، وأنتم جميعا خير رجال الجيش. إنني شخصيا ~~لا أقبل أن أقاتل شخصا يقعد عن القتال لأنه خائر الهمة، أما أنتم ~~فإنني غاضب منكم أشد الغضب في قلبي، أيها المتخاذلون، فإنكم لن ~~تلبثوا أن تضاعفوا الشر بهذا التكاسل! فليتمثل كل منكم - في ~~سريرته - العار والمهانة. فما أعظم الصراع القائم، حقا، إن هكتور ~~الجبار - صاحب صيحة الحرب المدوية - يقاتل عند السفن، قويا في ~~صلابته. وقد حطم الأبواب والحاجز الطويل!» # هكذا أثار مطوق الأرض حماس الآخيين بكلمته الآمرة، فاتخذت ~~كتائبهم وقفتها حول البطلين «أياس» في حلقات قوية لم يستطع «أريس» ~~نفسه أن ينفذ خلالها ويستخف بها، لا، ولا حتى «أثينا» منظمة ~~الجيوش. أجل، لقد كانت الصفوة المختارة هي التي استقرت أمام جيش ~~الطرواديين العظيم، وأقامت سياجا محكما، وقد تعانق الرمح بالرمح، ~~والترس بالترس المدعم، # 1 # وضغطت الدرقة على الدرقة، والتصقت الخوذة بالخوذة، ~~والرجل بالرجل. وتلامست ms297 خصلات شعر الخيل التي تعلو حافات الخوذات ~~اللامعة؛ إذ مالت الرءوس، وهكذا وقفوا، كل لصق الآخر، وقد تعانقت ~~الرماح المشهرة في الأيدي القوية، وثبتت قلوبهم واشتد شوقها إلى ~~القتال! # معركة وسط السفن! # وبعدئذ سار الطرواديون إلى الأمام في حشد متكتل، يقودهم «هكتور» ~~زاحفا إلى الأمام مباشرة، كصخرة تتدحرج على سفح، وقد دفعها ماء ~~الشتاء الدافق من رأس تل، بعد أن هشم أسسها الصخرية العنيدة ~~بفيضانه العجيب، فراحت تتطاير عاليا، فتردد الغابة ضجيجها، وهي ~~تجري في طريقها، لا يعوقها شيء، حتى تصل إلى السهل المستوي، فلا ~~تمضي في التدحرج رغم كل اندفاعها، هكذا ظل هكتور حينا، يهدد في ~~استخفاف بأن يشق طريقه إلى البحر خلال أكواخ الآخيين وسفنهم، ~~ذابحا من يتصدى له، ولكنه حين واجه الكتائب المتراصة، توقف ~~عندما ازداد منها اقترابا! أما أولئك الذين كانوا في الجانب الآخر ~~- أبناء الآخيين - فقد شهروا السيوف والرماح ذات الحدين إلى ~~الأمام، فردوه بعيدا عنهم. حتى تقهقر واضطر إلى النكوص على عقبيه، ~~فأطلق صيحة مدوية، مناديا الطرواديين: «أيها الطرواديون ~~واللوكيون والدردانيون المبرزون في الالتحام، اثبتوا في موقفكم، ~~فإن الآخيين لن يدفعوني إلى الوراء طويلا، بالرغم من أنهم قد ~~نظموا أنفسهم على شكل حصن. كلا بل إنني لا أعتقد أنهم سيتراجعون ~~أمام رمحي، إذا صح أن الذي حثني على القتال هو كبير الآلهة، زوج ~~«هيرا» الذي يرعد عاليا.» # قال هذا، فألهب قوة كل رجل وروحه. وأقبل في وسطهم عندئذ ~~«دايفوبوس بن بريام». يسرع الخطى بقلب جسور، رافعا أمامه ترسه ~~المتزن تماما من كل جانب، فكان يخطو إلى الأمام خفيفا على قدميه، ~~تحت ستار ترسه. فصوب «ميريونيس» رمحه البراق نحوه، وقذفه فلم يخطئ ~~الهدف، ولكنه أصاب الترس المصنوع من جلد الثور، المتزن تماما من ~~كل جانب. غير أن الرمح لم ينفذ خلاله، كلا، فقبل أن يحدث ذلك، ~~تحطم نصل الرمح الطويل على وسط الترس. وإذ ذاك أمسك «دايفوبوس» ~~بالترس بعيدا عنه، وقد استبد بقلبه الخوف من رمح «ميريونيس» ~~الحكيم القلب، ولكن البطل تراجع وسط حشد رفاقه، ms298 وقد اشتد به السخط ~~لضياع النصر والرمح منه، حتى إنه راح يرتجف. وانطلق يسعى إلى أكواخ ~~وسفن الآخيين ليحضر رمحا طويلا كان قد تركه في كوخه. # ولكن الباقين ظلوا يقاتلون، ودوت في الفضاء صيحة لا تخبو. وكان ~~«تيوكر بن تيلامون» أول من قتل غريمه، وهو الرماح «أمبريوس مينتور» ~~صاحب الخيول الكثيرة، والذي كان يقيم في بيدايوم قبل أن يجيء أبناء ~~الآخيين، وتزوج من «ميديسيكاستي» ابنة بريام، فلما أقبلت سفن ~~الدانيين المقوسة عاد ثانية إلى طروادة، وكان مبرزا بين ~~الطرواديين وعاش في منزل بريام، الذي عامله كما لو كان من أولاده، ~~وكان هو الذي أنفذ ابن تيلامون رمحه الطويل أسفل أذنه، ثم سحبه ~~ثانية، فسقط الرجل كأنه شجرة دردار ضربت بفأس برونزية فهوت من فوق ~~قمة تل يرى على البعد، وصافحت أوراقها الغضة سطح الأرض، هكذا سقط ~~هو، ومن حوله جلجلت عدته الحربية المرصعة بالبرونز. وانقض «تيوكر» ~~تواقا إلى أن ينزع عنه عدته الحربية، ولكن «هكتور» دفع نحوه رمحه ~~اللامع، وهو مقبل. بيد أن تيوكر نظر إليه في ثبات، وتحاشى الرمح ~~البرونزي بمسافة بسيطة، فأصاب «هكتور» برمحه «أمفيماخوس بن كتياتوس ~~بن أكتور»، في صدره وهو مقبل إلى المعركة، فسمع لوقوعه صوت مكتوم، ~~ومن فوقه صلصلت عدته الحربية. # وإذ ذاك أسرع «هكتور» لينزع عن رأس «أمفيماخوس» العظيم القلب ~~خوذته المربوطة إلى صدغيه، غير أن «أياس» صوب طعنة برمحه اللامع ~~إلى «هكتور» وهو مقبل، فلم يقدر للرمح أن يصل بحال ما إلى جسمه - ~~لأنه كان متدثرا كله بالبرونز المخيف - وإنما أصاب حلية ترسه، ~~ودفعه إلى الوراء بقوة عنيفة، حتى إنه تقهقر إلى الخلف وابتعد عن ~~الجثتين، فسحبهما الآخيون بعيدا. ثم نقل «ستيخيوس» و«مينيسثيوس» - ~~قائدا الأثينيين - أمفيماخوس إلى مؤخرة جيش الآخيين، أما «أمبريوس» ~~فقد حمله البطلان «أياس» معا، بقلبين مفعمين بجرأة طائشة. وكما ~~يحدث عندما يحمل أسدان عنزة اختطفاها من الكلاب الحادة الأنياب، ~~إلى داخل الدغل الكثيف، ممسكين بها بين أنيابهما عاليا عن الأرض، ~~فهكذا حمل المحاربان «أياس» المحارب «أمبريوس» عاليا، وخلعا عنه ~~عدته ms299 الحربية. وفصل ابن أوليوس الرأس عن العنق الرقيق - وهو ناقم ~~لمقتل «أمفيماخوس» - وأرسله يتدحرج كالكرة خلال الحشد، فسقط على ~~الثرى أمام قدمي «هكتور». # مغامرات أيدومينيوس! # وهنا غلى مرجل غضب «بوسايدون»، إذ أبصر ابن ابنه يسقط في الصراع ~~الرهيب. فانطلق بمحاذاة أكواخ وسفن الآخيين ليثير حمية الدانيين، ~~وقد أضمر الأحزان للطرواديين. فقابله هناك «أيدومينيوس» - المشهور ~~برمحه - وهو منصرف من عند زميل له كان قد عاد إليه لساعته مقبلا ~~من ميدان القتال، مصابا في ركبته بالبرونز الحاد، وقد حمله رفاقه ~~إلى هناك، وعهد به «أيدومينيوس» إلى الحجامين، # 2 # ثم سعى إلى كوخه؛ إذ كان لا يزال متلهفا إلى خوض غمار ~~القتال. فخاطبه السيد، مزلزل الأرض، محاكيا صوت «ثواس بن ~~أندرايمون»، الذي كان سيدا على الأيتوليين في كل من بليورون، ~~وكالودون الجبلية. وكان القوم يبجلونه كما لو كان إلها، فقال له ~~بوسايدون: «أي أيدومينيوس، يا مستشار الكريتيين، أين بربك ذهبت ~~التهديدات التي هدد بها أبناء الآخيين الطرواديين؟» # فأجابه «أيدومينيوس»، قائد الكريتيين قائلا: «أيا ثواس، أعتقد ~~أن ليس بين الرجال ملوم، لأننا جميعا بارعون في الحرب. وما من رجل ~~يتملكه الخوف الرعديد ، ولا أحد يتقهقر من الحرب الشريرة ذعرا ~~وهلعا، ولكن هذه - في اعتقادي - هي إرادة ابن كرونوس القدير، ~~ومسرته القصوى، فإنه يرغب في أن يهلك الآخيون هنا بعيدا عن أرجوس، ~~ولا يشتهر اسمهم. أما وقد كنت يا ثواس في سابق عهدك جريئا في ~~القتال، وكنت كذلك تحث الآخرين كلما رأيت أحدهم يحجم عن القتال، ~~فلا تكف الآن عن ذلك، واصرخ عاليا في كل رجل!» # فأجابه «بوسايدون» - مزلزل الأرض - قائلا: «أي أيدومينيوس، إن ~~كل من يحجم اليوم عن القتال عامدا جدير بألا يعود إطلاقا من ~~أرض طروادة إلى وطنه، بل يصبح هنا نهبا للكلاب. إذن، فانهض الآن، ~~واحمل سلاحك واتبعني، فخليق بنا أن نقوم بذلك معا، عسى أن نتمكن ~~من تقديم أية معونة، رغم أننا لسنا سوى اثنين. فإن الشجاعة تدب ~~- حتى بين الجبناء - من الزمالة، وحين نكون معا نعرف جيدا كيف ~~نقاتل مع ms300 الشجعان!» # وبهذا عاد الإله إلى حيث كان الرجال يتطاحنون. فما إن بلغ ~~«أيدومينيوس» كوخه المتين البناء حتى ارتدى عدته الحربية الجميلة ~~حول جسده، وأمسك برمحين، وانطلق في طريقه كالبرق الذي يمسكه ابن ~~كرونوس في يده ويلوح به من أوليمبوس المتألق - مظهرا علامة للبشر ~~- فيرى وهجه على البعد، هكذا تلألأ البرونز حول صدره وهو يعدو، ~~فقابله خادمه الجسور «ميريونيس» وهو لا يزال قريبا من الكوخ - إذ ~~كان في طريقه ليحضر لنفسه رمحا من البرونز - فتحدث إليه ~~«أيدومينيوس» القوي قائلا: «أي ميريونيس بن مولوس، السريع ~~القدمين، يا أعز زملائي، لم أتيت وتركت الحرب والقتال؟ أأنت جريح ~~يكدر صفوك طرف الرمح، أم جئت ورائي في رسالة ما؟ أما أنا نفسي فلست ~~راغبا في البقاء في الأكواخ، وإنما تتجه رغبتي إلى ~~القتال.» # فأجابه ميريونيس الحكيم ثانية بقوله: «أي أيدومينيوس، يا مستشار ~~الكريتيين المتدثرين بالبرونز، إنني في طريقي لإحضار رمح، إن كان ~~قد تبقى في أكواخك رمح، لأن الرمح الذي كنت أحمله من قبل قد تحطم ~~عندما قذفته نحو ترس دايفوبوس المتغطرس.» # فرد عليه أيدومينيوس، قائد الكريتيين، قائلا: «إذا أردت الرماح ~~- سواء شئت واحدا أو عشرين - وجدتها قائمة في الكوخ، مسندة إلى ~~حائط المدخل البراق. إنها رماح الطرواديين التي غنمتها من قتلاهم؛ ~~ذلك لأنه ليس من عادتي أن أقاتل الأعداء وأنا واقف على بعد؛ ومن ثم ~~فإن عندي رماحا وتروسا مرصعة، وخوذات، ودرقات متألقة ~~اللمعان.» # فأجابه ميريونيس الحكيم، قائلا: «نعم، وإن في كوخي - أنا الآخر ~~- وفي سفينتي السوداء، غنائم كثيرة من الطرواديين، ولكنها ليست في ~~متناول يدي لآخذ منها، أجل، فلست أعتقد أنني الآخر غافل عن ~~الشجاعة، بل إنني أتخذ موقفي وسط محاربي المقدمة في ميدان القتال، ~~حيث يفوز الرجال بالمجد، كلما شب أوار المعركة. وقد يجوز لغيرك ~~من الآخيين المتدثرين بالبرونز أن ينسى جرأتي سريعا - فيما أرى - ~~أما أنت فإنك خير من يعرفها!» # فأجابه أيدومينيوس، قائد الكريتيين بقوله: «أعرف جيدا من أي ~~معدن من الرجال أنت في الجرأة، فما حاجتك إلى إخباري بها؟ أجل، ms301 فلو ~~أن خير رجالنا الموجودين الآن بجانب السفن اختيروا لعمل كمين، ~~تتجلى فيه شجاعة الرجال على خير وجه، فعندئذ ينكشف أمر الجبان ~~الرعديد، ويبرز الرجل الجسور، لأن لون الجبان يتغير غالبا، ولا ~~تستطيع روحه أن تضمد راسخة في صدره، ولكنه يركع آنا على إحدى ~~ركبتيه وآنا على الركبة الأخرى، وينتقل من قدم إلى أخرى في وقفته، ~~ويدق قلبه عاليا في صدره، ويفكر في الموت فتصطك أسنانه في فمه. ~~أما الشجاع فلا يتغير لونه ولا يشتد خوفه، منذ اللحظة التي يحتل ~~فيها مكانه في كمين المحاربين، بل يتمنى أن يختار لمثل هذا الكمين، ~~أقول، حتى في هذه الحال، لا يستخف أي رجل بشجاعتك أو قوتك. أجل، ~~ولو أنك رميت بسهم في معمعان القتال، أو طعنت في التحام، فلن يصيبك ~~الرمح من الخلف في قفاك، ولا في ظهرك ولكنه يمرق في صدرك أو بطنك، ~~وأنت تهجم قدما لملاقاة محاربي المقدمة. والآن، تعال فما ينبغي أن ~~تتلكأ بعد ذلك هنا ونتحدث هكذا كالأطفال، خشية أن تستعر جذوة ~~الغضب، فاذهب إلى الكوخ واحصل لنفسك على رمح قوي.» # وما إن قال هذا حتى أسرع ميريونيس - نظير أريس السريع - فأخذ ~~رمحا برونزيا من الكوخ، وتبع أيدومينيوس بهمة عالية نحو ~~المعركة. وكما يذهب أريس - جالب الهلاك على البشر - من فوره إلى ~~الحرب، يتبعه ابنه «الذعر» جسورا غير هياب، يبث الفزع حتى في أصلب ~~المحاربين، وكما ينطلق هذان من تراقيا لينضما إلى «الأفوري» # 3 # أو «الفليجويس» # 4 # الجريئي القلوب، ثم لا يصغيان مع ذلك إلى كل من ~~الطرفين، بل يعطيان المجد لواحد منهما دون الآخر، هكذا أيضا ذهب ~~ميريونيس وأيدومينيوس - قائدا الرجال - من فورهما إلى ميدان ~~القتال، مسلحين بالبرونز المتألق. وبدا ميريونيس يتحدث أولا إلى ~~أيدومينيوس، فقال: «يا ابن ديوكاليون، من أي مكان تبغي الانقضاض ~~على الجمع: أمن الميمنة، أم القلب، أم الميسرة؟ فإنني أعتقد حقا ~~أن الآخيين ذوي الشعر المسترسل لا يعجزون عن القتال في أي ~~مكان.» # فرد عليه أيدومينيوس - قائد الكريتيين - بقوله: «هناك غيرنا ~~يدافعون وسط ms302 سفن القلب: المحاربان «أياس»، وتيوكر - خير الآخيين ~~جميعا في استخدام القوس، فضلا عن مهارته في الالتحام - هذان ~~وغيرهما سوف يجشمون «هكتور بن بريام» عناء، مهما يكن تحمسه للقتال، ~~وبالرغم من تفوقه في القوة. ولسوف يجد مشقة - مهما يكن شوقه إلى ~~الحرب - في أن يتغلب على قوتهم وأيديهم التي لا تقهر، وأن يحرق ~~السفن، ما لم يقذف ابن كرونوس شعلة ملتهبة فوق السفن السريعة، ~~ولكن أياس التيلاموني العظيم لن يستسلم لأي رجل من البشر، يأكل ~~حبوب ديميتر، # 5 # ويمكن شطره بالبرونز أو سحقه بالأحجار الضخمة. كلا، ~~إنه لن يستسلم لأحد - ولو كان «أخيل» نفسه، محطم صفوف البشر - إذا ~~ما التحم معه في نزال. بل إن «أخيل» - إذ ذاك - يبزه في سرعة ~~القدم، ولكن ... لننطلق معا إلى ميسرة الجيش - كما تقول - كي نعرف ~~في الحال ما إذا كنا سننتزع المجد من غيرنا، أم أن غيرنا هم الذين ~~سينتزعونه منا!» # هكذا قال، فتقدمه «ميريونيس» - نظير أريس السريع - حتى بلغا مكان ~~الجيش، عند النقطة التي أمره «أيدومينيوس» أن يذهب إليها. فلما ~~أبصر الطرواديون «أيدومينيوس»، قويا كاللهب، يرافقه خادمه، في ~~عدتهما الحربية الفاخرة، نادوا بعضهم بعضا وسط الحشد، وتوجهوا ~~كلهم صوبه، فنشبت معركتهم بجانب مقدمات السفن. وكما تقبل هبات ~~الريح عاصفة قوية، عندما تثور الرياح مزمجرة، في يوم يكسو فيه ~~الغبار الطرقات بطبقة كثيفة، فتثيره الرياح إلى عنان السماء كأنه ~~غمامة كبيرة، كذلك دارت معركتهم، وكانوا متلهفين - وهم في الحشد - ~~إلى أن يقتل بعضهم بعضا بالبرونز الحاد. فحميت المعركة جالبة ~~الدمار على البشر، وحمى وطيسها بالرماح الطويلة الممتدة من أيديهم ~~لتمزيق اللحم، وخطف وهج الخوذات البراقة الأبصار، وكذا بريق ~~الدرقات الحديثة الصقل، والتروس اللامعة، عندما انقض الرجال بغير ~~نظام. وما كان لأحد أن يطرب لرؤية هذا العراك الطاحن، أو يقاوم ~~الحزن، إلا إذا كان قلبه صلبا جامدا! # هكذا كان ابنا كرونوس العتيدان يوقعان - عمدا - بالأبطال الأسى ~~واللوعة. وكان «زوس» راغبا في أن يهب النصر للطرواديين وهكتور، ~~فيمنح بذلك أخيل - السريع القدم - عزة، ذلك لأنه لم ms303 يشأ أن يفنى ~~الجيش الآخي كله أمام طروادة، بل كان راغبا في أن يعطي نصيبا من ~~المجد إلى «ثيتيس» وابنها الجريء القلب «أخيل»، ولكن «بوسايدون» ~~ذهب وسط الأرجوسيين وحثهم، متسللا سرا من البحر السنجابي؛ إذ ~~غاظه أن يهزموا على أيدي الطرواديين، فقد كان غضبه من زوس بالغا. ~~لقد كان كلاهما من سلالة واحدة ومن مولد واحد حقا، ولكن زوس كان ~~أكبر سنا وأرجح عقلا؛ ومن ثم تحاشى «بوسايدون» أن يقدم معونته ~~علنا، بل راح يسعى في الخفاء - بين صفوف الجيش، وفي صورة إنسان - ~~لإذكاء حماس الأرجوسيين. وهكذا راح هذان الاثنان يشدان أطراف حبال # 6 # الصراع الرهيب والحرب المتعادلة الكفتين، وقد بسطاها ~~فوق رءوس كل من الجيشين، في عقدة لا قبل لأحد بأن يحطمها أو ~~يحلها، ولكنها حلت فرائص الكثيرين! # وما لبث أيدومينيوس أن صاح بالدانيين - رغم أن الشيب كان قد وخط ~~شعره - وقفز وسط الطرواديين فأجبرهم على الفرار، بعد أن قتل ~~«أوثريونيوس» الكابيسوسي. وكان هذا غريبا عن «طروادة» قدم إليها ~~حديثا عندما سمع بالحرب، وطلب الزواج من كاساندرا، أجمل بنات ~~الملك بريام، ولم يقدم لها أية هدية للخطبة، ولكنه وعد بالقيام ~~بعمل من أعمال القوة، كأن يدفع أبناء الآخيين بالقوة بعيدا عن ~~طروادة. فوعده بريام الشيخ بأن يزوجه إياها، وأقسم على ذلك، فقاتل ~~«أوثريونيوس» معتمدا على وعد أبيها، ولكن «أيدومينيوس» سدد إليه ~~رمحه البراق، ورماه فأصابه وهو يسرع الخطى مزهوا، ولم تنفعه ~~الدرقة البرونزية التي كان يرتديها، بل نفذ الرمح في بطنه تماما، ~~وسقط على الأرض مرتطما بها، فتهلل أيدومينيوس بصوته، وهتف صائحا: ~~«أي أوثريونيوس، إني لأمجدك فوق سائر البشر، لو أنك أنجزت جميع ما ~~وعدت به بريام الدارداني، الذي مناك بابنته. على أن بوسعنا نحن ~~أيضا أن نعدك بمثل ذلك ونفي بالوعد، فنمنحك أجمل بنات ابن أتريوس، ~~ونحضرها من أرجوس ونزفها إليك، لو أنك اشتركت معنا وخربت مدينة ~~طروادة الآهلة بالسكان. هيا، اتبعنا لنتفق على الزواج في السفن ~~الكثيرة الإبحار، حتى تتأكد من أننا لا نتعنت في تحديد هدايا ms304 ~~الزواج!» # وما إن قال المحارب ~~أيدومينيوس ذلك، حتى سحبه من قدمه عبر ميدان القتال العنيف، ولكن ~~«أسيوس» أقبل ليثأر لصديقه «أوثريونيوس»، وكان يسير على قدميه أمام ~~جواديه اللذين كان خادمه يسوقهما خلفه، حتى إن أنفاسهما كانت تمس ~~كتفي أسيوس. وكانت أمنية فؤاد «أسيوس» هي أن يسدد ضربة نحو ~~«أيدومينيوس»، بيد أن هذا كان أسرع منه، فضربه برمية من رمحه ~~في حلقة أسفل ذقنه. فأخرقه البرونز في الحال، وسقط كما تسقط شجرة ~~البلوط أو الحور أو الصنوبر الباسقة، التي يقطعها صانعو السفن من ~~فوق الجبال - بفئوس مشحوذة - ليعدوا منها أخشابا للسفن. هكذا ~~سقط «أسيوس» منبطحا على الأرض أمام جواديه وعربته، وهو يتأوه ~~بصوت مرتفع، ويعض الثرى الدامي. فذعر السائق ولم يستطع الاحتفاظ ~~برزانته وثباته السابقين، ولم يجرؤ على العودة بالجياد لينجو من ~~أيدي العدو، بل عاجله أنتيلوخوس - الجريء في القتال - بطعنة من ~~رمحه في وسط صدره، فلم تنفعه الدرقة البرونزية التي كان يلبسها، إذ ~~استقر الرمح في جوفه، وسقط من عربته المتينة الصنع وهو يلهث. أما ~~الخيول فقد ساقها أنتيلوخوس بن نسطور - العظيم الهمة - بعيدا عن ~~الطرواديين، إلى جيش الآخيين المدرعين جيدا. # وإذ ذاك، اقترب «دايفوبوس» من «أيدومينيوس» - وهو في أشد الحزن ~~على مقتل أسيوس - وقذفه برمحه البراق، غير أن أيدومينيوس كان ~~يراقبه بنظرات ثابتة، فاجتنب الرمح البرونزي، إذ اختفى تحت ترسه ~~الذي كان متزنا تماما من كل جانب. وكان ترسا مكسوا بجلد الثور ~~والبرونز اللامع، اعتاد أن يحمله دائما، مثبتا إلى ذراعه بوتدين، ~~فتكور تحت هذا الترس، ومرق السهم البرونزي من فوقه، فصلصل الترس ~~بعنف بمجرد أن احتك به الرمح. ومع ذلك فإن الرمح لم ينطلق عبثا ~~من يد «دايفوبوس» الثقيلة، بل إنه أصاب «هوبسينور بن هيباسوس» - ~~راعي الشعب - في كبده تحت عضلة الحجاب الحاجز، وفي الحال ارتخت ~~ركبتاه، فاغتبط «دايفوبوس» لذلك أعظم اغتباط، وأخذ يصيح عاليا: ~~«واعجباه! إن أسيوس لم يسقط دون ثأر، بل إنني لأعتقد أنه سيكون ~~سعيد القلب وهو يسير إلى هاديس، حارس الأبواب القوي؛ لأنني أرسلت ms305 ~~من يصحبه في تلك الطريق!» # هكذا قال، فغشي الحزن الأرجوسيين من جراء خيلائه، وأثار حمية ~~«أنتيلوخوس» الحكيم القلب أكثر من سواه. وبرغم ذلك الحزن فإنه لم ~~ينس زميله العزيز، بل جرى وسوى مرقده وغطاه بترسه. وبعد ذلك انحنى ~~اثنان من الزملاء الصادقين، هما «ميكيستيوس بن أخيوس»، و«ألاسطور» ~~العظيم، وحملا «هوبسينور» - وهو يئن أنينا عاليا - إلى السفن ~~الجوفاء. ~~«أينياس» ينشد الثأر! # ولم تفتر قوة «أيدومينيوس» الجبارة، بل ظل متلهفا دائما إلى أن ~~يلف أحد الطرواديين في ظلمة الليل، أو يسقط هو شخصيا وهو يدفع ~~الخراب عن الآخيين. وما لبث أن صرع «الكاثوس» المحارب، ابن ~~أيسويتيس، الذي تبناه زوس، وكان زوجا لابنه «أنخيسيس» الكبرى ~~«هيبوداميا»، التي كان أبوها وأمها الجليلة يحبانها من كل قلبيهما ~~وهي في قصرهما، إذ كانت تفوق أترابها من الفتيات فتنة وجمالا، ~~وحكمة وبراعة الأعمال اليدوية كذلك. لذلك تزوجها خير رجل في طروادة ~~الفسيحة. وقد أخضع بوسايدون «الكاثوس» هذا لأيدومينيوس، بأن ألقى ~~تعويذة على عينيه اللامعتين وعرقل أطرافه المجيدة، فلم يستطع أن ~~يتراجع أو يتحاشى الرمح - بأية حال - بل تسمر في وقفته كأنه العمود ~~أو الشجرة العالية، فطعنه المقاتل «أيدومينيوس » برمحه فوق صدره ~~مباشرة، فاخترق مدرعته البرونزية التي كانت تحيط بصدره، والتي تمنع ~~الموت من قبل عن جسمه، فصلصلت عاليا حين شقها الرمح. وسقط صاحبها ~~على الأرض في جلبة، وقد استقر الرمح في قلبه - الذي ظل ينبض - ~~جاعلا أطرافه ترتجف. ثم أراحه «أريس» القوي من هياجه أخيرا. ~~وعندئذ وقف أيدومينيوس مبتهجا بمصرعه في غير تورع، وأخذ يصيح ~~عاليا: «يا دايفوبوس، لنعتبر الآن أنك قد نلت جزاء وفاقا، فلقد ~~قتلنا ثلاثة رجال في مقابل رجل واحد، فليس لك أن تزهو! كلا، يا ~~سيدي الكريم، قف الآن وواجهني بنفسك، حتى تعرف أي صنف من أبناء زوس ~~أنا، أنا الذي جئتك إلى هنا. فقد أنجب زوس في بادئ الأمر «مينوس» ~~ليكون رقيبا على كريت، وهذا أنجب بدوره «ديوكاليون» المنقطع ~~النظري، ثم أنجبني ديوكاليون، سيدا على رجال عديدين في كريت ~~الفسيحة. وها قد ms306 جاءت بي السفن وبالا عليك وعلى أبيك وغيركما من ~~الطرواديين!» # هكذا قال، فحار «دايفوبوس»: أي رأي يتخذ، أيتقهقر ويتخذ له ~~رفيقا من الطرواديين العظيمي الهمة، أم يقوم بالمحاولة وحده فقط؟ ~~وبينما هو يفكر في ذلك، بدا له رأي أفضل: ذلك هو أن يذهب وراء ~~«أينياس»، فلما بلغه وجده واقفا وسط الجمع في المؤخرة، إذ كان ~~«أينياس» حاقدا دائما على بريام العظيم، لعدم تبجيل بريام له رغم ~~شجاعته بين المقاتلين. فاقترب منه دايفوبوس، وتحدث إليه بكلمات ~~مجنحة قائلا: «يا أينياس، يا مستشار الطرواديين، عليك الآن بحق أن ~~تقوم بمساعدة زوج أختك، إذا حدث وشعرت بالحزن على قريبك، هيا، تعال ~~معي. كي ننقذ جثمان الكاثوس زوج شقيقتك. الذي أعزك في قصره في ~~الماضي وأنت بعد صغير السن، والذي قتله أيدومينيوس - المشهور ~~برمحه - وجرده من أسلحته!» # هكذا قال، فأثار قلب أينياس في صدره، وذهب ليبحث عن أيدومينيوس، ~~متحمسا للحرب. بيد أن الهلع لم يتملك أيدومينيوس، فمع أنه كان ~~فتى رقيقا، بعض الشيء، إلا أنه وقف متجلدا كخنزير بري يعتمد على ~~قوته في الجبل، فيصمد أمام حشد الرجال الذين يهاجمونه في مكان ~~منعزل، ويتوتر شعر ظهره، وتقدح عيناه بالشرر، ويشحذ أنيابه، مصمما ~~على إبعاد الرجال والكلاب، هكذا أيضا تحمل أيدومينيوس - المشهور ~~برمحه - هجوم «أينياس» الذي جاء للنجدة، فلم يتقهقر، ولكنه استغاث ~~بزملائه، متطلعا إلى «أسكالافوس» و«أفاريوس»، و«دايبوروس»، ~~و«ميريونيس»، و«أنتيلوخوس» - سادة صرخة الحرب - إذ خاطب هؤلاء ~~بكلمات مجنحة وحفزهم قائلا: «إلي، يا أصدقائي، أغيثوني فإني هنا ~~وحيد، وأخشى بأس أينياس - السريع القدمين - الذي يهاجمني. إنه قوي ~~جدا في قتل الرجال في المعركة، كما أنه يتمتع بزهرة الشباب، التي ~~تكمن فيها منتهى القوة. ولو أنه وإياي كنا في سن واحدة، وكنا بنفس ~~الحمية التي نحن فيها الآن، لنال أحدنا النصر العظيم ~~عاجلا!» # هكذا قال، وهب جميعهم بروح واحدة، فاتخذوا مواقفهم - الواحد ~~بجانب الآخر - واضعين التروس متلاصقة على أكتافهم. كما استغاث ~~«أينياس» في الجهة المقابلة له برفاقه، ناظرا إلى «دايفوبوس»، ~~و«باريس»، و«أجينور» العظيم، قادة الطرواديين. وعندئذ سار ms307 وراءهم ~~الجيش. وكما تتبع الأغنام الكبش من مرعاها إلى مورد الماء، فيبتهج ~~قلب الراعي، هكذا أيضا كان قلب أينياس مبتهجا في صدره، عندما ~~أبصر حشد الجيش الذي يسير خلفه. # وما لبثوا أن التحموا في قتال حول «الكاثوس»، برماحهم الطويلة. ~~وراح البرونز يصلصل عاليا حول صدورهم، وهم يضربون الرماح بعضهم ~~نحو بعض وسط الحشد. بينما بقي خلف الجميع رجلان مبرزان في الحرب - ~~هما «أينياس»، و«أيدومينيوس» نظيرا «أريس» - يكافح كل منهما في ~~سبيل تمزيق جسد الآخر بالبرونز العديم الرحمة. وفي البدء صوب ~~«أينياس» رمحه نحو «أيدومينيوس»، ولكن هذا نظر إليه بثبات وتحاشى ~~الرمح البرونزي، فاندفع سن رمح أينياس نحو الأرض مهتزا؛ إذ طاش ~~انطلاقه من يده القوية. بيد أن «أيدومينيوس» سدد رمية، فأصاب ~~«أوينوماوس» - فوق بطنه تماما - وحطم لوح درقته، فأخرج البرونز ~~الأحشاء من جوفه، فهوى إلى التراب، وأمسك الثرى في راحته. وجذب ~~«أيدومينيوس» الرمح الطويل الظل من الجثة، بيد أنه لم يتمكن من ~~انتزاع بقية العدة الحربية البديعة عن منكبيه، إذ كانت السهام ~~تنهال عليه، ولم تعد قدماه ثابتتين في الهجوم، ولا عاد في وسعه أن ~~يندفع وراء رمحه، أو يتحاشى رمية غيره، وبينما ظل يدفع عنه يوم ~~الأجل - الذي لا يعرف إشفاقا - في النزال، فإن قدميه لم تعودا ~~تسرعان به في المعركة. وفيما كان ينسحب في بطء، قذفه دايفوبوس ~~برمحه البراق؛ لأنه كان دائما يحمل له ضغينة دفينة. ومع ذلك فقد ~~أخطأه هذه المرة أيضا، وضرب برمحه «أسكالافوس بن أنواليوس»، فشق ~~الرمح القوي طريقه خلال الكتف، وسقط في التراب وأمسك الثرى براحته. ~~ومع ذلك، فإن «أريس» المهيب العالي الصوت لم يكن قد فطن بعد إلى أن ~~ابنه سقط في معركة عنيفة، بل كان يجلس فوق قمة أوليمبوس، تحت السحب ~~الذهبية، إذ احتجز بإرادة من زوس، حيث كان الآلهة الآخرون مبعدين ~~كذلك عن الحرب. # واشتبكوا بعد ذلك في قتال ملتحم حول «أسكالافوس». ونزع ~~«دايفوبوس» خوذة «أسكالافوس» البراقة عن رأسه، غير أن ميريونيس - ~~نظير أريس - وثب على «دايفوبوس» وضرب ساعده برمحه. فسقطت ms308 الخوذة ~~ذات الخصلة من يده إلى الأرض مجلجلة. وفي الحال، قفز «ميريونيس» ~~ثانية كأنه نسر، وجذب الرمح القوي من كتف «دايفوبوس»، وانبرى ~~عائدا إلى حشد رفاقه، ولكن «بوليتيس» - شقيق دايفوبوس - لف ذراعه ~~حول وسطه، وقاده بعيدا عن رحى الحرب الشريرة، حتى بلغ الجياد ~~السريعة التي كانت تنتظره عند المؤخرة مع سائقها، والعربة المرصعة ~~ترصيعا فاخرا. فحملته تلك الجياد إلى المدينة وهو يئن ويتوجع من ~~الألم المرير، وقد أخذ الدم ينثال من ذراعه المجروحة ~~حديثا. # مغامرات «أنتيلوخوس» و«مينيلاوس» # ومضت بقية المحاربين تقاتل، وقد ارتفع صراخ لا يخبو. وبعد ذلك ~~وثب «أينياس» على «أفاريوس بن كاليتور» - الذي كان قد استدار نحوه ~~- وضربه على حلقه برمحه الحاد، فمال رأسه إلى جانب، وسقط ترسه ~~فوقه، وكذلك خوذته، وأحاط به الموت قاتل الروح. عند ذلك انتهز ~~«أنتيلوخوس» الفرصة، وقفز على «ثوءون» - بمجرد أن أدار ظهره - ~~وأصابه بطعنة مزقت العرق الممتد بطول الظهر حتى العنق تمزيقا ~~تاما، فانكفأ «ثوءون» في التراب، باسطا يديه معا إلى زملائه ~~الأعزاء. غير أن أنتيلوخوس قفز فوقه وتأهب لنزع العدة الحربية عن ~~كتفيه، متلفتا حوله بحذر، إذ أحاط به الطرواديون وشرعوا يقذفون ~~ترسه العريض البراق، من هذا الجانب وذاك، دون أن يفلحوا في خرقه ~~وتمزيق جسد «أنتيلوخوس» الرخص بالبرونز العديم الرحمة؛ لأن ~~«بوسايدون» - مزلزل الأرض - كان متيقظا في حراسة ابن نسطور، حتى ~~وهو وسط الرماح الكثيرة، فإن «أنتيلوخوس» لم يبتعد قط عن العدو، بل ~~كان يسير بين صفوفه، ولم يسترح رمحه إطلاقا، وإنما كان دائما ~~مشرعا، يلوح به. وكل همه دائما أن يصيب عدوا عن بعد، أو ينقض ~~عليه عن قرب. # وفيما كان يصوب رمحه وسط الجمع، لم يقدر له أن يفلت من «أداماس ~~بن أسيوس»، الذي أصابه فوق الترس تماما برمية من البرونز الحاد، ~~وهو يهجم عليه من كثب، ولكن «بوسايدون» ذا الشعر الأسود جعل رميته ~~بغير جدوى، إذ بخل عليه بروح أنتيلوخوس. واستقر جزء من الرمح في ~~ترس أنتيلوخوس - كأنه الوتد الذي أكسبت النار سنه قوة ومتانة - ~~بينما تدلت ms309 بقيته في الهواء على مسافة من الأرض، وقفل «أداماس» ~~راجعا إلى حشد رفاقه، مجتنبا الموت. بيد أن «ميريونيس» تبعه وهو ~~راجع، وقذفه برمحه، فأصابه في منتصف المنطقة التي تحت سرته - حيث ~~يعاني التعساء من بني الإنسان وطأة «أريس» - وثبت رمحه هناك، ~~فتداعى الآخر فوق النصل الذي أصابه، وهوى كثور قيده الرعاة بغصون ~~الصفصاف المجدولة وأخذوا يجرونه إليهم بالقوة، هكذا أيضا كانت ~~حاله عندما أصيب، فقد تلوى فترة غير طويلة، إلى أن أقبل المحارب ~~«ميريونيس» وجذب الرمح بعيدا عن جسمه، فخيمت الظلمة على ~~عينيه. # بعد ذلك التحم «هيلينوس» مع «دايبيروس»، فهوى على صدغه بسيف ~~تراقي ضخم، وحطم خوذته، فطارت عن رأسه، وسقطت على الأرض، فالتقطها ~~أحد الآخيين وهي تتدحرج بين أقدام المحاربين، وغشيت ظلمة الليل ~~عيني دايبيروس. # بيد أن «مينيلاوس» - الرائع في صيحة الحرب - تملكه الحزن من جراء ~~ذلك، فخطا إلى الأمام بسرعة وهو يلوح برمحه الحاد، تهديدا للأمير ~~المحارب هيلينوس بينما جذب الآخر قلب قوسه. وهكذا أطلق كلاهما في ~~لحظة واحدة، أحدهما رمحه الحاد، والآخر سهما من الوتر. فأصاب ابن ~~بريام برمحه «مينيلاوس بن أتريوس»، فوق ثديه، فوق صفحة درقته، ~~فارتد السهم العنيف بعيدا. وكما يطير الفول ذو القشرة السوداء أو ~~الحمص، من المذراة العريضة - في الجرن الواسع - أمام الريح ~~الشديدة، وقوة حامل المذراة، فهكذا ارتد السهم المارق من درقة ~~«مينيلاوس» المجيد، وطار بعيدا، ولكن مينيلاوس بن أتريوس - الرائع ~~في صيحة الحرب - رمى فأصاب «هيلينوس» في يده الممسكة بالقوس ~~المصقولة، واخترق الرمح البرونزي اليد خلال القوس. فانسحب عائدا ~~على حشد رفاقه، متحاشيا الموت، تاركا يده مدلاة إلى جانبه، ~~مجرجرا الرمح الدرداري خلفه. على أن أجينور العظيم الهمة جذب ~~الرمح من يده وضمد اليد برباط من صوف الأغنام المجدول، كان قد حمله ~~له خادمه، إذ كان راعي الجيش. # وإذ ذاك شق «بايساندر» طريقه نحو «مينيلاوس» المجيد، ولكن حتفه ~~المشئوم كان يقوده إلى خاتمة الموت، كي تقتله يا مينيلاوس، في ~~التطاحن الفظيع. فلما اقتربا، وتقدم أحدهما تجاه الآخر، أخطأ ابن ~~أتريوس، فحاد ms310 رمحه عن هدفه، ولكن بايساندر أصاب ترس مينيلاوس ~~المجيد، بيد أنه لم ينجح في رفع البرونز إلى الداخل، إذ صده الترس ~~العريض، فتحطم الرمح في تقعير الترس. ومع ذلك فإن «بايساندر» اغتبط ~~في قرارة نفسه، وداخله الأمل في النصر. # ولكن ابن أتريوس استل سيفه المطعم بالفضة ووثب على بايساندر، ~~بينما أمسك هذا فأسا متينة من البرونز المجيد، أخرجها من خلف ~~ترسه، وكانت مثبتة في يد طويلة من خشب الزيتون شديدة الصقل. وفي ~~لحظة واحدة، انقض كل منهما على الآخر. والحق أن بايساندر أصاب ~~قرن خوذة مينيلاوس - ذات الخصلة المصنوعة من شعر الخيل - في أعلى ~~جزء منها، أسفل الريشة تماما. أما مينيلاوس فرماه وهو مقبل نحوه، ~~وأصابه في جبينه فوق جذر الأنف، فتهشمت العظام، وسقطت المقلتان في ~~الثرى أمام قدميه، وكلهما دماء، ومال هو ثم هوى. فداس مينيلاوس ~~بقدمه على صدره، وجرده من أسلحته، وتهلل قائلا: «هكذا حقا، ~~ستتخلون عن سفن الدانيين، أيها الطرواديون المتغطرسون، يا من لا ~~تشبعون من طنين القتال الرهيب. أجل، لن يعوزكم الأذى والعار، ~~اللذان عيرتموني بهما، أيها الكلاب # 7 # الأشرار ، فليس في قلوبكم أي خوف من نقمة زوس، الذي ~~يرعد عاليا، ورب الضيف والمضيف. ذلك الذي سوف يدمر مدينتكم ~~العظيمة يوما من الأيام، واها لكم، يا من خطفتم زوجتي الشرعية ~~بالقوة - عبر البحر - ومعها أموال كثيرة، يوم حظيتم بكرم الضيافة ~~في رحابها، ثم ها أنتم تعودون متلهفين إلى إلقاء النار المدمرة على ~~السفن ماخرة البحار، وإلى قتل المحاربين الآخيين. كلا، لن تنالوا ~~مآربكم، وستوقفون عن قتالكم، مهما كان شوقكم، أبتاه زوس، يقول ~~الناس بالحق إنك تفوق جميع الآلهة والبشر في الحكمة، ومع ذلك فقد ~~حدثت منك كل هذه الأمور. ما أعجب عطفك على أهل العنف الطرواديين، ~~ذوي القوة الضاربة أبدا، الذين لا يكفون عن طنين الحرب الشريرة! ~~إن لديهم ما يكفي من كل شيء؛ من النوم، والحب، والغناء العذب، ~~والرقص البديع، التي يؤثر المرء أن ينغمس فيها من أن ينغمس في ~~الحرب، ولكن الطرواديين مدمنو قتال.» ms311 # وما إن قال مينيلاوس - المنقطع النظير - هذا، حتى جرد الجثة من ~~العدة الحربية الدموية وسلمها إلى رفاقه، ثم عاد هو نفسه ثانية ~~فانضم إلى مقاتلي المقدمة. وإذ ذاك انقض عليه «هارباليون» ابن ~~الملك بولايمينيس - الذي تبع أباه العزيز إلى الحرب في طروادة، غير ~~أنه لم يرجع ثانية إلى وطنه المحبوب - فسدد رمحه مباشرة، وأطلقه ~~نحو ترس ابن أتريوس من كثب، ولكنه لم يفلح في دفع البرونز إلى ~~الداخل، وقفل راجعا إلى حشد زملائه، متحاشيا الموت، وهو يتلفت ~~حوله في كل ناحية، خشية أن يجرح رجل ما جسمه بالبرونز. بيد أنه لم ~~يكد ينسحب، حتى صوب «ميريونيس» نحوه سهما برونزي الطرف، فأصاب ~~ردفه اليمنى، ونفذ السهم حتى وصل إلى المثانة أسفل عظم العانة، ~~فجلس بين سواعد رفاقه الأعزاء، ولفظ روحه، مرتميا كأنه دودة على ~~الثرى، وتدفق الدم الأسود فبلل الأرض. فهب لرعايته «البافلاجونيون» ~~الجريئو القلوب، وبعد أن وضعوه في عربة، حملوه إلى طروادة المقدسة ~~في أسى، وذهب معهم والده، # 8 # يذرف العبرات، إذ لم تكن لابنه الميت فدية! # وغضب باريس أشد الغضب لمقتله. إذ كان «هارباليون » بمثابة «جيشه» ~~بين البافلاجونيين الكثيري العدد. ولحنقه من أجله، أطلق في الفضاء ~~سهما برونزي الطرف. وصادف أن كان هناك شخص يدعى «يوخينور»، هو ~~ابن بولويدوس العراف. وكان ثريا جريء القلب، يقيم في كورنثة وقد ~~ركب سفينته وهو يعلم علم اليقين ما ينتظره من مصير مهلك؛ إذ كثيرا ~~ما أخبره الشيخ بوليدوس الطيب بأنه إما أن يهلك في قصره بمرض قاس، ~~أو يقتله الطرواديون وسط سفن الآخيين؛ ومن ثم فإنه تحاشى ضريبة ~~الآخيين الثقيلة، # 9 # والمرض البغيض معا، حتى يتفادى الآلام، وكان هو الذي ~~أصابه سهم باريس تحت الفك، أسفل أذنه، ففارقت روحه أعضاءه في ~~الحال، وغشيته الظلمة المقيتة. # خطة جديدة لهكتور! # هكذا كانوا يقاتلون كأنهم النار المتأججة. غير أن هكتور - حبيب ~~زوس - لم يكن قد سمع أو علم قط بأن جيشه يلقى مصرعه في شمال السفن ~~على يد الأرجوسيين. وسرعان ما صار الآخيون على وشك ms312 كسب المجد ~~لأنفسهم، إذ كانت قوة مطوق الأرض ومزلزلها، ذلك الذي أخذ يحض ~~الأرجوسيين ويساعدهم، قوة عارمة، ولكن هكتور شدد هجومه على ~~المكان الذي قفز منه، في بادئ الأمر، إلى الأبواب والسور، واقتحم ~~الصفوف المتراصة للدانيين ذوي التروس، في المكان الذي كانت سفن ~~أياس وبروتيسيلاوس قد سحبت عنده إلى البر، بطول شاطئ البحر ~~السنجابي. وكان السور خلفها قد بني أقل ما يكون ارتفاعا. # 10 # وهناك بالذات، كان الرجال وجيادهم مشتبكين في القتال ~~بحماس. # وكان على البيوتيين والأيونيين - ذوي الثياب الفضفاضة - ~~واللوكريين والفثيين، والأيبيين الأمجاد، أن يبذلوا مجهودا شاقا ~~ليوقفوا هجوم هكتور العظيم على السفن، ولكنهم لم يفلحوا في إقصائه ~~بعيدا عنهم - إذ كان أشبه بلهيب النار - رغم أنهم كانوا صفوة ~~الأثينيين. وكان يتقدمهم «مينيسثيوس بن بيتيوس»، يتبعه «فايداس» ~~و«ستيخيوس» و«بياس» الجريء. بينما تولى قيادة الأيبيين «ميجيس بن ~~فوليوس»، و«أمفيون»، و«دراكيوس». وتقدم الفثيين «ميدون» ~~و«بوداركيس» الجريء في القتال. وكان ميدون ابن سفاح لأويليوس ~~الشبيه بالإله، وشقيقا لأياس، وكان يعيش في فولاكي، بعيدا عن ~~وطنه؛ لأنه كان قد قتل رجلا من أقرباء زوجة أبيه «أريوبيس» التي ~~اتخذها أوبليوس زوجة له. أما بوداركيس فكان ابن أيفيكلوس بن ~~فولاكوس. فوقف هذان متدثرين بعدتهما الحربية، يقاتلان دفاعا عن ~~السفن مع البيوتيين. ولم يبرح أياس السريع - ابن أويليوس - جانب ~~أياس بن تيلامون، ولو للحظة واحدة. وكما يكد الثوران الخمريا اللون ~~معا، في الأرض ذات الأخاديد، ليجرا المحراث المفصلي، فيتدفق العرق ~~سيولا حول جذور قرونهما، ويفصل بينهما النير المصقول - وهما ~~يجاهدان عبر الأخدود - إلى أن يبلغ المحراث نهاية الحقل، هكذا وقف ~~كلا المحاربين «أياس»، وظلا متجاورين. ولقد سارت جموع غفيرة باسلة ~~خلف ابن تيلامون، وكانت من رفاقه المستعدين باستمرار لحمل ترسه عنه ~~إذا ما حل بأطرافه الجهد والعرق. أما اللوكريون فلم يتبعوا ابن ~~أويليوس الجريء القلب؛ لأن قلوبهم لم تكن ثابتة في التحامات ~~المعركة، لا ولا كانت لديهم خوذات برونزية ذات رياش كثيفة من شعر ~~الخيل، ولا تروس مستديرة، ولا أية رماح من الدردار. وإنما كان جل ms313 ~~اعتمادهم على الأقواس والأوتار المفتولة جيدا من صوف الأغنام. ~~وكانوا قد تبعوه إلى طروادة، فأخذوا فيما بعد يصوبون بهذه الأدوات ~~في شدة وعنف، ساعين إلى تحطيم كتائب الطرواديين. وراح من كانوا في ~~المقدمة منهم - وهم في عددهم الحربية المرصعة أفخر ترصيع - ~~يقاتلون الطرواديين وهكتور في حلته البرونزية، بينما ظل الآخرون ~~في الخلف يصوبون من مخبئهم. ولم يفكر الطرواديون في مواصلة ~~القتال بعد ذلك، إذ بثت السهام الجبن في نفوسهم. # وكاد الطرواديون - بعد ذلك - أن يتخلوا عن السفن والأكواخ إلى ~~طروادة ذات الرياح، لولا أن «بولوداماس» اقترب من هكتور الجسور، ~~وقال له: «أي هكتور، ما أصعب التفاهم معك، فإنك لا تصغي إلى نصح ~~الناصح. فبقدر ما حباك الله به من تفوق في أعمال الحرب، فإنك في ~~الرأي كذلك معروف بالتفوق على الجميع. ومع ذلك فليس في مكنتك ~~الإلمام بكل شيء من تلقاء نفسك، إذ إن الرب يحبو رجلا بأعمال ~~الحرب، ويحبو آخر بالرقص، وثالثا بالقيثارة والغناء، وفي شخص ~~آخر، يودع زوس - البعيد النظر - عقلا راجحا، يستمد كثير من ~~البشر النفع منه، كما أنه ينقذ كثيرين، وهو ذاته خير من يعرف ذلك ~~عن نفسه؛ ولهذا فإنني سأقول ما أراه الأصلح: انظر، إن حلقة الحرب ~~تشتعل، وها هم الطرواديون ذوو الهمم العالية يهجمون على السور ~~بعنف، وبعضهم يقف بأسلحته بعيدا، بينما يقاتل آخرون، وهم قلة ضد ~~عدد أكبر، وقد تفرقوا بين السفن. هيا، عد إلى الوراء، واستدع إلى ~~هنا جميع الشجعان البواسل، ثم لنتدبر كل رأي بعناية لنرى ما إذا ~~كان الأصلح لنا أن نهجم على السفن الكثيرة المقاعد - إذا كانت ~~إرادة الرب أن يمنحنا النصر - أو نعود بسلام من عند السفن. أما ~~أنا، فإنني أخشى أن يرد الآخيون دين أمس، فإن بجانب السفن رجلا لا ~~يشبع من الحرب، وهو - على ما أعتقد - لن يكبح جماح نفسه بعد ذلك، ~~ولن يبقى بعيدا عن المعركة إطلاقا!» # هكذا قال «بولوداماس» فسر هكتور من مشورته الحصيفة أيما سرور، ~~وقفز لفوره من عربته إلى الأرض - وهو في ms314 عدته الحربية - وخاطب ~~بولوداماس بقوله: «أي بولوداماس، هل لك أن تحتفظ هنا بسائر الشجعان ~~البواسل، بينما أذهب أنا إلى هناك لمواجهة القتال، وسأعود بسرعة ~~بعد أن أنزل بهم خطبي كاملا؟» # وما إن قال هذا، حتى انطلق كأنه جبل جليد، يصيح عاليا وسط ~~الطرواديين والحلفاء، فأسرعوا جميعا صوب بولوداماس الشفيق، ابن ~~يانثوس، بمجرد أن سمعوا صوت هكتور. أما هذا، فقد سار بين مقاتلي ~~الصفوف الأولى، بحثا عن دايفوبوس، والأمير الباسل هيلينوس، ~~وأداماس بن أسيوس، وأسيوس بن هورتاكوس، وكأنما كان يتوقع أن يعثر ~~عليهم. غير أنه لم يجدهم قط سالمين، بل كان بعضهم ممددا عند مؤخرة ~~سفن الآخيين - إذ قتلهم الأرجوسيون - والبعض الآخر وراء السور، ~~مصابين بالرماح أو جرحى بطعنات القنا، ولكنه وجد في الحال أحد ~~زملائه - في شمال المعركة المبكية - ذلك هو «باريس» العظيم، زوج ~~هيلينا المصففة الشعر. وكان يحث رفاقه على القتال ويشجعهم، فاقترب ~~منه وخاطبه بعبارات التعبير قائلا: «أي باريس، أيها الشرير، يا ~~أجمل من تقع عليه الأبصار، يا زير النساء المجنون بغرامهن، أيها ~~الغشاش، أين، بربك، دايفوبوس، والأمير الجريء هيلينوس ، وأداماس بن ~~أسيوس، وأسيوس بن هورتاكوس؟ خبرني بالحق، وأين أوثريونيوس؟ ها قد ~~دمرت طروادة الوعرة تماما، وإنك لترى الآن خرابا شاملا ~~محققا!» # وإذ ذاك تحدث إليه «باريس» الشبيه بالإله، قائلا: «أي هكتور، ~~إذا كنت عازما على أن تلوم امرأ لا لوم عليه، ففي غير هذا اليوم ~~كان من المحتمل أن أنسحب من الحرب، أما الآن، فلا؛ لأن أمي لم ~~تلدني ضعيفا قط. فمنذ أن أثرت معركة رفاقك بجانب السفن، ونحن ~~نقاتل الدانيين هنا دون توقف. أما الزملاء الذين تسألني عنهم فقد ~~ماتوا، ما عدا دايفوبوس والأمير الجسور هيلينوس، فإنهما قد رحلا، ~~وكلاهما مصاب في ذراعه بالرماح الطويلة. ومع ذلك فإن ابن كرونوس قد ~~أبعد الموت عنهما. والآن سر قدما إلى الأمام حيثما يأمرك قلبك ~~وروحك، وسنتبعك بحمية، فما أرانا مفتقرين - بحال ما - إلى الجرأة، ~~طالما كانت لنا الشجاعة. بيد أن المرء - مهما يكن متلهفا إلى ~~القتال - لا يستطيع ms315 أن يقاتل أكثر مما تحتمل طاقته.» # هكذا قال هذا المحارب، فغير فكر شقيقه، وانطلقا معا إلى حيث ~~كان القتال والصخب على أشده، حول «كيبريونيس»، وبولوداماس المنقطع ~~النظير، وفالكيس وأورثايوس، وبولوفيتيس، شبيه الإله، وبالموس، ~~وسكانيوس، وموروس بن هيبوتيون، الذين قدموا من «أسكانيا» العميقة ~~التربة - في الصباح السابق - ليخلصوا رفاقهم. وأثار زوس هؤلاء ~~وحمسهم إلى القتال، فأقبلوا أشبه بهبة الرياح العاتية التي تندفع ~~نحو الأرض تحت رعد الأب زوس، فتختلط بالبحر في هدير عجيب، وتقابل ~~لجج البحر الصاخبة بدويها المرتفع، وهي تتحرك مقوسة ظهورها إلى فوق ~~وقد علاها الزبد الأبيض، بعضها يتحرك إلى الأمام بينما تتحرك ~~البقية خلفها. # هكذا أيضا سار الطرواديون - في نظام متراص - بعضهم في المقدمة ~~ويتبعهم الآخرون يتألقون بالبرونز، خلف قادتهم. فقادهم هكتور بن ~~بريام - نظير أريس مهلك البشر - وقد أمسك أمامه ترسه المتزن من كل ~~جانب، ذلك الترس المغطى بطبقات سميكة من الجلود، ثبتت فوقها كمية ~~كبيرة من البرونز. وكانت خوذته البراقة تتأرجح فوق فوديه، وهو يجوس ~~خلال الجمع في كل مكان - على هذا الجانب وذاك - يسبر غور الكتائب، ~~لعلها تتقهقر أمامه إذ يتقدم نحوها تحت ستار ترسه، ولكنه رغم ذلك ~~لم يستطع أن يقهر قلوب الآخيين الكامنة في صدورهم. وعندئذ أقبل ~~«أياس» بخطى واسعة، فكان أول من تحداه بقوله: «اقترب، أيها السيد ~~الكريم. لماذا تحاول عبثا أن تلقي الرعب في قلوب الأرجوسيين؟ ~~فلتعلم أننا غير جاهلين بأمور الحرب، ولكننا - معشر الآخيين - بسوط ~~زوس الشرير نهزم. وأظن أن قلبك يتوق إلى تخريب سفننا، ولكن لنا - ~~نحن أيضا - سواعد ندافع بها عنها. ولسوف نستولي على مدينتك الآهلة ~~بالسكان، ونخربها بأيدينا، قبل أن تخرب سفننا. وإني لأخبرك أن ~~اليوم قد اقترب، اليوم الذي ستبتهل فيه إلى زوس وغيره من الآلهة ~~الخالدين، وأنت تهرب، أن تصبح جيادك الجميلة المعارف أسرع من ~~الصقور، تلك الجياد التي تأمل في أن تحملك إلى المدينة، فوق الثرى ~~عبر السهل.» # وبينما هو يتكلم هكذا، إذا بطائر يحلق عاليا، فوق الناحية ~~اليمنى، وكان نسرا عالي الطيران، فلما ms316 أبصره الآخيون، صاحوا، وقد ~~شجعهم الفأل، بيد أن هكتور المجيد أجاب قائلا: «ما هذا الذي تقول ~~يا أياس، أيها الكذاب المتهور؟ إنني لواثق من أمر واحد، ثقتي ~~بأنني أود أن أمضي أيامي ابنا لزوس حامل الترس، والسيدة هيرا، ~~ممجدا بأمجاد أثينا وأبولو، ذلك الأمر هو أن هذا اليوم ينبغي أن ~~يحمل في طياته الشر للأرجوسيين أجمعين. ولسوف تقتل أنت الآخر ~~بينهم، إن كان لديك من رباطة القلب ما يمكنك من أن تنتظر رمحي ~~الطويل، الذي سوف يمزق جلدك الشبيه بالزئبق، ولسوف يغدو شحمك ولحمك ~~طعمة تشبع كلاب وطيور الطرواديين، عندما تتردى وتسقط وسط سفن ~~الآخيين!» # وإذ قال هذا، تقدم فتبعه الجمع، يسير خلفه بصخب بالغ، وصاح ~~الجيش وراءه، فصاح الأرجوسيون في الجهة المقابلة يردون على صياحهم، ~~دون أن ينسوا شجاعتهم، بل إنهم صمدوا لهجوم خيرة الطرواديين، ~~فارتفع صخب الجيش عاليا حتى بلغ الأثير ووصل إلى عظمة زوس. # | الأنشودة الرابعة عشرة # «... ونزعت عن صدرها الزنار المطرز، العجيب الصنع، الذي رسمت عليه ~~صور جميع ألوان الإغراء؛ فكان عليه الحب، وعليه الشهوة، وعليه ~~الجماع، مما يسلب عقل أحكم الناس!» ~~«هيرا» وإله «النوم» يستدرجان الرب «زوس» إلى النعاس، بينما حرض ~~«بوسايدون» الآخيين على مقاومة هكتور، وكيف جرح «هكتور» في المعركة ~~... إلخ. # قادة الآخيين يتشاورون! # لم تخف صيحة القتال على «نسطور»، رغم انصرافه إلى احتساء الخمر، # 1 # فخاطب «إسكليبيوس» بكلمات مجنحة، قائلا: «تأمل يا ~~ماخاوون العظيم، كيف تجري الأمور. حقا إن صيحة الشباب المتهور ~~لتزداد ارتفاعا بجانب السفن. ومع ذلك فيمكنك الآن أن تبقى جالسا ~~حيث أنت، وتعب الخمر اللهبية اللون، إلى أن تهيئ لك «هيكاميدي» - ~~ذات الجدائل الجميلة - حماما دافئا، ثم اغسل الدم المتجلط عن ~~جرحك. أما أنا، فسأذهب من فوري إلى مكان يطل على ميدان القتال، ~~فأرى ماذا يحدث هناك.» # وإذ قال هذا، أخذ ترس ابنه «تراسوميديس» مستأنس الجياد - الذي ~~كان راقدا في الكوخ - ذلك الترس المتين الصنع الذي يلمع كله ~~بالبرونز، إذ كان الابن قد أخذ ترس أبيه، وأمسك «نسطور» في يده ms317 ~~رمحا قويا، ذا سن من البرونز الحاد، واتخذ وقفته خارج الكوخ. ~~وفي الحال أبصر عملا مشينا، إذ رأى الآخيين في فوضى، والطرواديين ~~يطاردونهم بهمة ونشاط، وسور الآخيين منهارا. وكما يحدث حين يستحيل ~~البحر العظيم إلى موجة صماء، وصمد متحفزا عابسا في انتظار انقضاض ~~الرياح الصاخبة، ولكنه يمكث جامدا فلا تتحرك اللجج إلى الأمام، ~~ولا إلى هذا الجانب أو ذاك، إلى أن تهبط من لدن «زوس» الريح التي ~~يبتغيها، هكذا أيضا، شرع الرجل المسن يفكر، وعقله موزع حائر بين ~~هذا الرأي وذاك: أيسرع إلى حشد الدانيين أصحاب الخيول السريعة، أم ~~يذهب خلف «أجاممنون بن أتريوس» راعي الجيش؟ وبينما هو يفكر، اهتدى ~~إلى الرأي الأفضل؛ أن يذهب وراء ابن أتريوس، ولكن الآخرين كانوا في ~~الوقت نفسه يقاتلون دون هوادة، ويقتلون بعضهم بعضا، والبرونز ~~الصلب يصلصل حول أجسامهم، وهم يدفعون بعضهم البعض الآخر بالسيوف ~~والرماح ذات الحدين. # والتقى نسطور بالملوك الذين تبناهم «زوس»، والذين كانوا قد ~~جرحوا بالبرونز، وهم يعودون من السفن. وكانوا: ابن توديوس، ~~وأوديسيوس، وأجاممنون بن أتريوس، وكانت سفنهم قد سحبت فوق شاطئ ~~البحر السنجابي، بعيدا عن ميدان القتال، ولكن السفن الأولى كانت ~~قد سحبت إلى مسافة أبعد، في السهل، ثم أقيم السور عند مؤخراتها # 2 # لأنه لم يكن بوسع الشاطئ - بالرغم من اتساعه - أن ~~يستقبل جميع السفن، وكان الجيش محصورا في منطقة ضيقة؛ ولهذا سحبوا ~~سفنهم فوضعوها صفا وراء صف، وملئوا الشاطئ الرحب المحصور بين ~~مرتفعين. وعلى ذلك سار الملوك جميعا في كتلة واحدة - وقد اتكأ ~~كل منهم على رمحه - ليشاهدوا الحرب والمعركة، وهم محزونو ~~الأفئدة. فالتقى بهم نسطور الشيخ، وثبط من عزيمة الآخيين، وجعل ~~الروح تخور في صدورهم. وعندئذ رفع الملك «أجاممنون» صوته، وتحدث ~~إليه بقوله: «أي نسطور، يا ابن نيليوس، يا مجد الآخيين العظيم، ~~لماذا تركت الحرب، آفة البشر، وقدمت إلى هنا؟ أخشى أن ينفذ هكتور ~~العنيد كلامه ووعيده الذي هددنا به ذات يوم، عندما قال وسط ~~الطرواديين، إنه لن يعود إلى طروادة - من السفن - إلا بعد أن ms318 ~~يحرقها بالنار ويقتل الرجال أيضا. هذا ما قاله، وأرى الآن أن كل ~~هذا يتحقق فعلا. ويحي! لا بد أن الآخيين الآخرين - المدرعين جيدا ~~- يكنون لي في قلوبهم سخطا، كما هو الحال مع أخيل، فليست بهم رغبة ~~في أن يقاتلوا بجانب مؤخر سفنهم.» # عندئذ رد عليه الفارس نسطور الجيريني بقوله: «نعم، إن هذه ~~الأمور تتحقق الآن بالفعل، بشكل ما كان زوس نفسه - الذي يرعد في ~~عليائه - يرجوه! فيا للعجب! لقد تحطم السور الذي كنا نضع فيه ثقتنا ~~ليكون خطا دفاعيا منيعا لسفننا ولأنفسنا. وإن الأعداء يشنون ~~عند السفن السريعة معركة حامية مستمرة، ولم يعد بوسعك أن تدري ~~- مهما راقبت عن كثب - من أي جانب يتقهقر الآخيون في فوضى لا حد ~~لها، وهم يتهاوون صرعى، وصيحة الحرب تعلو إلى عنان السماء. وليس ~~بوسعنا سوى أن نفكر في هذه الأمور وكيف يمكن أن تجري، لو كان يجدي ~~شيئا، ولكنني لا أنصح بأن نخوض غمار الحرب، فليس للرجل الجريح أن ~~يقاتل، بأية حال.» # فرد «أجاممنون»، ملك البشر، بقوله: «أي نسطور، أما وهم يقاتلون ~~عند مؤخر السفن، ولم ينفع السور المكين ولا الخندق اللذان تكبد ~~الدانيون من أجلهما جهدا مضنيا، آملين في قلوبهم أن يكونا خطا ~~دفاعيا منيعا لسفنهم ولأنفسهم، فهذه ولا بد - فيما أعتقد - ~~إرادة زوس الأعظم؛ أن يهلك الآخيون هنا بعيدا عن أرجوس، ولا ~~ينالوا صيتا. لقد تبينت ذلك عندما كان زوس يساعد الدانيين بقلب ~~صادق، وإني لأعرف ذلك الآن وهو يعطي المجد لأعدائنا، كما يعطيه ~~للآلهة المباركين تماما، وقد كبل أيدينا وقوتنا، ولكن تعالوا ~~فاتبعوا جميعا ما أشير به. هلموا بنا ننزل سفننا - التي كانت قد ~~سحبت إلى فوق، في الصف الأول - فنقربها من البحر، ثم لندفعها إلى ~~البحر المقدس، ونستبقها في عرضه بمرساة من الحجر، حتى يقبل الليل ~~المبارك، الذي قد ينقاد الطرواديون لأمره ويكفون عن القتال، وبعد ~~ذلك يصير في مقدورنا أن نسحب جميع السفن إلى البحر. فما من عار في ~~الفرار من الهلاك، كلا، ولو تحت جنح الظلام، فلخير ms319 للمرء أن يهرب ~~من الدمار وينجو، بدلا من أن يقع فيه.» # عندئذ قطب أوديسيوس حاجبيه، وحدجه بنظرة غاضبة وقال: «يا ابن ~~أتريوس، أية كلمة تلك التي أفلتت من بين أسنانك! يا لك من رجل ~~هالك! ليتك كنت قائدا على جيش آخر، يجلله الخزي والعار، ولست ~~ملكا علينا، نحن الذين قدر علينا زوس أن نصطلي بنار الحرب ~~المؤلمة، من الصغر حتى الكبر، إلى أن يهلك كل فرد منا! أحقا أنت ~~تواق هكذا إلى أن تترك خلفك مدينة الطرواديين الفسيحة الطرقات، ~~التي نتحمل من أجلها آلاما كثيرة مبرحة؟ ألا اسكت يا هذا، خشية أن ~~يسمع بعض الآخيين الآخرين هذه الكلمة - التي لا يجدر برجل قط أن ~~يجشم نفسه مشقة التفوه بها - إذا كان يعرف في قرارته كيف ينطلق ~~بالرأي اللائق، فما بالك إذا كان ملكا ذا صولجان، ولديه من الجيوش ~~المطيعة بقدر الأرجوسيين، الذين تحكمهم. إنني أسفه الآن آراءك ~~التي صدرت منك، إذ تأمرنا - والحرب والمعركة قائمتان على قدم وساق ~~- بأن نسحب سفننا ذات المقاعد المكينة إلى البحر، كي يتمكن ~~الطرواديون، أكثر من أي وقت مضى ، من تحقيق بغيتهم - سيما وأنهم ~~المنتصرون الآن - فينزلوا بنا أقصى ما يمكن من الهلاك. إن الآخيين ~~لن يستمروا في القتال إذا أنزلت السفن إلى عرض البحر، ولكنهم ~~سيتطلعون إلى الفرار، وينسحبون من المعركة. وإذ ذاك توقع بنا ~~مشورتك الدمار، يا قائد الجيوش.» # فأجاب أجاممنون، ملك البشر، قائلا: «أي أوديسيوس، حقا لقد ~~وخزت قلبي بتأنيبك اللاذع، ومع ذلك فلست أقسر أبناء الآخيين على أن ~~ينزلوا سفنهم المكينة المقاعد إلى البحر برغم إرادتهم، ولو أن هناك ~~من يستطيع إسداء رأي أحكم من رأيي - شابا كان أم كهلا - لرحبت ~~بمشورته.» # وإذ ذاك قام «ديوميديس» - الرائع في صيحة الحرب - في وسطهم، ~~وتكلم قائلا: «قريب هو ذلك الرجل، ولن نبحث عنه طويلا، إذا كنتم ~~على استعداد لأن تعيروني آذانا صاغية، دون أن يساور أحدكم ~~الاستهجان؛ نظرا لأنني أصغركم سنا. فإني - مع ذلك - أزهو بأنني ~~أنحدر من سيد جليل، هو «توديوس» الذي ms320 طواه الثرى في طيبة، ذلك أن ~~«يورثيوس» أنجب ثلاثة أبناء لا نظير لهم، عاشوا في بليورون ~~وكالودون الوعرة، وأجريوس وميلاس. وكان ثالثهم الفارس «أوينيوس» ~~والد أبي، وهو أعظمهم جرأة وإقداما. ولقد بقي «أوينيوس» في بلاده ~~دائما، أما أبي فقد هام على وجهه، حتى استقر يوما في أرجوس، ~~فهكذا كانت ولا بد إرادة زوس والآلهة الآخرين. وقد تزوج إحدى بنات ~~«أدراستوس»، وعاش في منزل غني بأسباب العيش، وامتلك حقولا وفيرة ~~القمح، وبساتين عديدة تحيط بها الأشجار، وكانت أغنامه كثيرة، ~~وبرمحه تفوق على جميع الأرجوسيين، ولا بد أن تكونوا قد سمعتم بكل ~~هذا، فلست أقول سوى الحق. ومن ثم فليس بوسعكم أن تقولوا إنني بحكم ~~أصلي جبان أو ضعيف، فتحتقروا مشورتي، هلم بنا ننزل إلى المعركة، ~~رغم ما بنا من جراح، طالما كانت الحاجة تتطلب منا هذا. وهناك، ~~فلننأ بأنفسنا عن مرمى الرماح، خشية أن يصاب أحدنا بجرح فوق جرحه. ~~أما الآخرون فيجب علينا أن نحثهم ونرسلهم إلى المعركة، أولئك الذين ~~تركوا العنان لسخطهم، فوقفوا على حدة، دون قتال.» # هكذا قال، وفي الحال أصغوا إليه وأطاعوه ؛ ومن ثم انطلقوا، يقودهم ~~«أجاممنون» ملك البشر. # ولم يكن مزلزل الأرض يقوم بالرقابة عبثا، فذهب معهم في صورة رجل ~~كهل، وأمسك بيد أجاممنون بن أتريوس، وخاطبه بكلمات مجنحة فقال: «يا ~~ابن أتريوس، الآن أعتقد حقا أن قلب أخيل الحقود يغتبط في صدره، ~~وهو يرى مذبحة الآخيين وفرارهم؛ إذ إنه تجرد من الفهم، فلم يعد ~~لديه ذرة منه. ليته يهلك، وينكل به أحد الآلهة! أما أنت فليست ~~الآلهة المباركة بغاضبة منك بأي حال، كلا، كلا، ومع ذلك فإنني ~~أعتقد أن قادة وحكام الطرواديين سيثيرون غبار السهل الفسيح، ~~وستراهم بعيني رأسك وهم يفرون إلى المدينة من السفن ~~والأكواخ.» # وما إن قال هذا حتى صرخ عاليا، وهو يسرع عبر السهل. وكان صياحه ~~عاليا جدا، فكأنما هناك تسعة آلاف يصرخون في المعركة، وهم ~~مقبلون على صراع محتدم. هكذا كانت قوة هائلة في صدر كل رجل من ~~الآخيين، ليحاربوا ويقاتلوا بغير ms321 انقطاع. # إغواء زوس! # وكانت هيرا - ذات العرش الذهبي - واقفة إذ ذاك فوق قمة أوليمبوس ~~فوقع بصرها عليه من هناك، وعرفته لتوها وهو ينطلق منهمكا هنا ~~وهناك وسط القتال، حيث يحظى الرجال بالمجد، رأت أخاها، الذي هو ~~صهرها في الوقت ذاته، فاغتبطت في قرارة نفسها. ولاحظت «زوس» جالسا ~~فوق قمة جبل أيدا الكثير النافورات، وكان بغيضا إلى قلبها. ~~وما لبثت «هيرا» الجليلة - ذات عيون المها - أن فكرت في طريقة تموه ~~بها على عقل زوس حامل الترس، فبدت لعقلها هذه الخطة أفضل الخطط: ~~أن تذهب إلى أيدا، بعد أن تتزين في أبهى زينة، لعله يشتهي أن يضطجع ~~معها، ويحتضن جسمها في هيام، وعندئذ تستطيع هي أن تسكب على جفنيه ~~وعقله الماكر نوما دافئا رقيقا! # وبالفعل، ذهبت إلى حجرتها التي صنعها لها ابنها العزيز ~~«هيفايستوس»، وكان قد ثبت في القوائم أبوابا مكينة بمزلاج سري، ~~حتى لا يتمكن من فتحها أي إله آخر. هناك دخلت، وأغلقت الأبواب ~~اللامعة. وبدأت أولا بإزالة البقع من جسمها بدهان الآلهة، وتعطرت ~~جيدا بزيت «أمبروسي» لطيب عبق الرائحة، ما إن ينثر في قصر «زوس» ~~البرونزي الأديم، حتى يشيع عطره في الأرض والسماء. بهذا الزيت دهنت ~~جسمها البض الجميل، وصففت شعرها، وجدلت بيديها غدائرها البراقة، ~~الجميلة الأمبروسية، التي كانت تنساب من رأسها الخالد! وبعد ذلك ~~ارتدت ثوبا معطرا كانت «أثينا» قد صنعته لها بمهارة فائقة، ونثرت ~~فوقه الكثير من الوشي، وثبتته على صدرها بمشابك ذهبية، ثم أحاطت ~~خاصرتها بحزام تزينه مائة من الأهداب، وحلت كلا من أذنيها ~~المثقوبتين بقرط ذي ثلاث لآلئ مدلاة، براقة، تشع بجمال رائع. وسترت ~~الربة نفسها بخمار يغطي كل شيء، خمار جميل يتلألأ ناصعا في ضياء ~~الشمس. وثبتت في قدميها اللامعتين نعليها البديعين. وبعد أن تبرجت ~~وزينت جسمها بكل صنوف الزينة، خرجت من حجرتها، واستدعت إليها ~~«أفروديت» فتحدثت إليها - بعيدا عن الآلهة الآخرين - قائلة: «أي ~~طفلتي العزيزة، أتراك تنفذين بغيتي، أو أنك سترفضينها، وفي قلبك ~~موجدة؛ لأنني أساعد الدانيين، بينما تساعدين أنت ~~الطرواديين؟» # وإذ ذاك ردت ms322 عليها أفروديت بنت زوس، قائلة: «أي هيرا، أيتها ~~الربة الجليلة، ابنة كرونوس العظيم، أعربي عما في نفسك، فإن قلبي ~~ليأمرني بتحقيقه إذا استطعت، وإذا كان مما يمكن تحقيقه!» # عندئذ تحدثت إليها هيرا الجليلة، بفكر أريب، فقالت: «أعطيني ~~الآن الحب والشهوة، اللذين اعتدت أن تخضعي بهما سائر الخالدين ~~والبشر؛ لأنني عازمة على زيارة حدود الأرض المثمرة، و«أوفيانوس» - ~~جد الآلهة طرا - والأم «ثيتيس»، اللذين ربياني في حنان ورعياني ~~في قصرهما عندما أخذاني من «ريا» - (الأرض) - وقت أن طرد زوس - ~~الذي يجلجل صوته بعيدا - كرونوس، ليعيش تحت الأرض والبحر غير ~~الثابت. إنني ذاهبة لأزورهما عسى أن أضع حدا لخصامهما اللانهائي، ~~فها قد مضى زمن طويل، وكل منهما منعزل عن الآخر، بعيدا عن الهوى ~~وفراش الزوجية، منذ استقر الغضب في قلبيهما. فلو استطعت بالكلام أن ~~ألين قلبيهما وأعيدهما ثانية إلى الفراش ووحدة الغرام، فسأظل عزيزة ~~لديهما دائما، وأكون جديرة بالاحترام.» # فردت عليها أفروديت المحبة للضحك، بقولها: «لا يجوز أن أرفض ~~طلبك، كما أن هذا لا يليق؛ لأنك ترقدين في أحضان زوس ~~الأعلى.» # قالت هذا، ونزعت عن صدرها الزنار المطرز، العجيب الصنع، الذي ~~رسمت عليه صور جميع ألوان الإغراء؛ فكان عليه الحب، وعليه الشهوة ~~وعليه الجماع، مما يسلب عقل أحكم الناس، ووضعت الزنار في يديها، ~~وخاطبتها قائلة: «خذي الآن هذا الزنار العجيب الصنع، الذي صور عليه ~~كل شيء، فضعيه حول خصرك، وإني لأؤكد لك أنك لن تعودي إلا وقد تحقق ~~كل ما تشتهين في قلبك.» # هكذا قالت، فابتسمت هيرا الجليلة - ذات عيون المها - وبينما هي ~~تبتسم، وضعت الزنار حول خصرها. وما لبثت أفروديت بنت زوس أن عادت ~~إلى منزلها. أما هيرا فقد هرعت إلى أسفل وتركت قمة أوليمبوس، ~~وانطلقت فوق بييريا وإيماثيا الجميلة، وأسرعت فوق جبال الفرسان ~~التراقيين الجليدية، متنسمة أعلى قممها، دون أن تحتك قدماها ~~بالأرض. ومن أثوس خطت فوق البحر المائج، حتى وصلت إلى ليمنوس، ~~مدينة «ثواس» الشبيه بالآلهة، حيث قابلت النوم، شقيق الموت، وقبضت ~~على يده بيدها، وخاطبته بقولها: «أيها النوم، يا ms323 سيد جميع الآلهة ~~والبشر، إذا كنت قد استمعت يوما إلى كلامي، فأصغ إلي الآن مرة ~~أخرى، وسأدين لك بالشكر طوال أيامي: أسبل لي عيني زوس البراقتين ~~تحت حاجبيه، بمجرد أن يضمنا العشق في اضطجاع. وسأقدم لك في نظير ~~ذلك هدية، عبارة عن عرش جميل لا يبلى، مصنوع من الذهب الخالص، ~~يصوغه لك بمهارة ابني «هيفايستوس» - الرب القوي الساعدين - ويضع لك ~~أسفله تكأة للقدم تستطيع أن تريح فوقها قدميك البراقتين وأنت تحتسي ~~الصهباء!» # فرد عليها النوم اللذيذ بقوله: «أي هيرا، أيتها الربة الجليلة، ~~ابنة كرونوس العظيم، إن بوسعي أن أسبغ النعاس على أي رب آخر من ~~الآلهة الخالدين، ولو كان من جداول أوقيانوس ذاته وهو أبوهم ~~جميعا. أما زوس بن كرونوس، فلن أجرؤ على الاقتراب منه، ولن أغمض ~~لك عينيه لينام، إلا إذا طلب هو ذلك مني. إذ تعلمت من أمرك درسا ~~فيما مضى، يوم أن أبحر ابن زوس، الجريء القلب، بعيدا عن طروادة، ~~حين خرب مدينة الطرواديين. لقد خدرت يومئذ عقل زوس - حامل الترس - ~~إذ سكبت حوله نفوذي العذب. وكنت تضمرين شرا في قلبك ضد ابنه، ~~فأهجت الرياح القاسية فوق سطح اليم، ثم حملته بعيدا إلى كوس ~~الآهلة بالسكان، بعيدا عن جميع أقربائه. فلما أفاق من النوم، غضب ~~وشتت الآلهة هنا وهناك حول قصره، وراح يبحث عني قبل غيري، وكاد ~~يلقيني من السماء إلى الفضاء السحيق، حتى أهلك، لولا أن الليل ~~أنقذني، الليل الذي يطوي تحت حكمه كلا من الآلهة والبشر، فقد لذت ~~به ضارعا، وإذ ذاك ارتد زوس - رغم غضبه - لأنه كان يخشى أن يقدم ~~الليل السريع على شيء! وها أنت ذي تأمرينني بأن أحقق لك هذه المهمة ~~الجديدة، التي لا أملك القيام بها!» # عندئذ تحدثت إليه من جديد هيرا الجليلة، ذات عيون المها، ~~قائلة: «أيها النوم، لم تهجس في نفسك بهذه الأمور؟ أتعتقد أن زوس - ~~الذي يذهب صوته إلى بعيد - سيساعد الطرواديين، مهما يكن في سورة ~~غضبه من أجل هرقل، ولده؟ كلا. فهيا، وسأعطيك إحدى ربات الجمال ~~الفاتنات ms324 لتتزوجها، وتدعوها زوجة لك، سأعطيك «باسيثيا»، التي طالما ~~هفت إليها نفسك طوال أيامك!» # هكذا قالت، فاغتبط النوم، وأجابها قائلا: «تعالي الآن، فأقسمي ~~لي بمياه نهر ستوكس المقدس، وأمسكي الأرض الفسيحة بإحدى يديك، ~~وبالأخرى البحر المتألق، لكي يكون كلاهما شاهدا علينا نحن ~~الاثنين، وكذلك الآلهة الموجودون في أسفل مع كرونوس، أقسمي بأنك ~~ستعطينني حقا إحدى ربات الجمال الفاتنات، بل «باسيثيا» بالذات ~~التي طالما اشتاقت إليها نفسي طوال أيامي!» # قال هذا، فلم تتردد الربة هيرا، البيضاء الساعدين، في سماع قوله، ~~وأقسمت له كما طلب، وتوسلت بالاسم إلى جميع الآلهة أسفل ~~تارتاروس، الذين يسمون «العمالقة». # وبعد أن حلفت وانتهت من قسمها، ترك كلاهما مدن ليمنوس وأمبروس، ~~وتدثرا بالضباب، وذهبا بعيدا، مسرعين في طريقهما، حتى بلغا أيدا ~~العديدة النافورات - أم المخلوقات المتوحشة - وليكتوم، حيث تركا ~~البحر أولا، ثم سارا فوق الأرض اليابسة، فارتعدت ذؤابات الغابة ~~تحت أقدامهما. وهناك وقف النوم، حتى لا تبصره عينا زوس، فتسلق ~~شجرة صفصاف فارعة الطول، كانت أطول شجرة تنمو في أيدا حينذاك، ~~وكانت تشمخ برأسها مخترقة الضباب حتى السماء. فجثم فوقها، واختفى ~~تماما وسط أغصانها، في صورة طائر جبلي واضح الصوت، يسميه الآلهة ~~«كالخيس»، ويسميه البشر «صقر الليل». # فاقتربت «هيرا» بسرعة من قمة جارجاروس - ذؤابة جبل أيدا الشاهق ~~- فرآها زوس - جامع السحب - وما إن وقعت عليها عيناه - في زينتها ~~تلك - حتى تملك الحب قلبه الحكيم، تماما كما حدث حين تضاجعا معا ~~- لأول مرة - واستمتعا بالهوى، دون أن يعلم أبواهما العزيزان ~~بالأمر! ووقف أمامها، وخاطبها بقوله: «يا هيرا، بأية رغبة جئت إلى ~~هنا من أوليمبوس؟ إن جيادك ليست قريبة، ولا عربتك حيث تستطيعين ~~الركوب!» # فأجابته هيرا الجليلة، في خبث ودهاء، قائلة: «إنني ذاهبة لزيارة ~~حدود الأرض المثمرة، وأوقيانوس - جد الآلهة جميعا - والأم ~~«ثيتيس»، اللذين ربياني بحنان ورعياني في ساحاتهما. إنني أبغي ~~زيارتهما، لأضع حدا لخصامهما غير المنتهي. فقد مضى عليهما الآن ~~زمن طويل وهما مفترقان - كل عن الآخر - بعيدان عن الحب وفراش ~~الزوجية، منذ استقر الغضب في قلبيهما. أما جيادي ms325 فواقفة عند سفح ~~أيدا الكثير النافورات، متأهبة لتحملني فوق كل من التربة الصلبة ~~ومياه البحر. وقد جئت الآن إلى هنا، من أجلك، هابطة من أوليمبوس ~~خشية أن تستشيط غضبا مني فيما بعد، إذا رحلت إلى منزل أوقيانوس ~~العميق الجريان دون علمك!» # عندئذ تحدث إليها زوس، جامع السحب قائلا: «أي هيرا، يمكنك أن ~~تذهبي إلى هناك فيما بعد، أما الآن فتعالي نستمتع معا في فراش ~~الحب. فما تملكني يوما - نحو ربة أو امرأة - مثل هذا الحب الذي ~~يتدفق على قلبي داخل صدري، ولا حين أحببت زوجة «أكسيون»، التي ~~أنجبت «بابرثيوس» نظير الآلهة في المشورة، أو «داناي» ذات العقبين ~~الجميلين، ابنة «أكريسيوس»، التي أنجبت «بيرسيوس»، المبرز بين جميع ~~المحاربين، أو ابنة «فونيكس» الذائعة الصيت، التي أنجبت لي «مينوس» ~~و«رادامانثوس» شبيه الإله، أو «سيميلي»، أو «الكميني» في طيبة، إذ ~~أنجبت الكميني «هرقل» الجريء القلب، كما أنجبت «سيميلي» ديونيسوس، ~~بهجة البشر، أو «ديميتير» الملكة الفاتنة ذات الجدائل الجميلة، أو ~~«ليتو» المجيدة، بل ما تملكني الحب يوما نحوك أنت، كما يتملكني ~~الآن، إذ تجتاحني الساعة رغبة عذبة نحوك!» # عندئذ تحدثت إليه هيرا الجليلة، في دهاء، فقالت: «يا أفظع ابن ~~لكرونوس، ما هذا الذي تقول؟ كنت تتوق الآن لاضطجاعة الهوى فوق ~~ذؤابات «أيدا» - حيث يكون كل شيء واضحا للأنظار - فماذا يكون ~~الأمر لو أن أحد الآلهة الخالدين رآنا معا نائمين، فذهب وقص الأمر ~~على جميع الآلهة؟ إنني لن أستطيع - إذ ذاك - أن أنهض من المضجع، ~~ولا أن أذهب ثانية إلى منزلك؛ إذ تثور حول الأمر فضيحة. أما إذا ~~كنت راغبا، وكان في ذلك مسرة لقلبك، فهناك غرفة صنعها لك ابنك ~~العزيز هيفايستوس، وقد ثبت إلى قوائمها أبوابا قوية، فهيا بنا إلى ~~هناك حيث نرقد، ما دمت راغبا في الاضطجاع إلى هذا الحد!» # فرد عليها زوس، جامع السحب، بقوله: «لا تخافي يا هيرا أن يرى ~~الأمر أي إله أو إنسان، فلسوف ألفك في غمامة هائلة من الذهب، لا ~~يستطيع خلالها «هيليوس» نفسه أن يشاهدنا، رغم أنه أقوى ms326 الآلهة ~~بصرا!» # وهكذا احتوى ابن كرونوس زوجته بين ذراعيه، ومن تحتهما أخرجت ~~الأرض المقدسة الحشائش الناضرة، وكذا اللوتس المندي، والزعفران ~~وشقائق النعمان، غزيرة ملساء، فحملتهما عاليا عن الأرض. هناك رقدا ~~تلفهما غمامة، جميلة ذهبية، تتساقط منها قطرات الندى اللامعة. ~~وهكذا نام الأب في هدوء فوق ذؤابة جارجاروس، وقد سيطر عليه النوم ~~والهيام، يحتضن زوجته بين ذراعيه. # الآخيون يشنون هجوما مظفرا! # أما النوم اللذيذ فانطلق يعدو إلى سفن الأرجوسيين، ليحمل النبأ ~~إلى مطوق الأرض ومزلزلها. فتقدم نحوه وخاطبه بكلمات مجنحة قائلا: ~~«هل لك الآن يا بوسايدون أن تحمل المعونة إلى الدانيين بقلب رضي، ~~وتمنحهم المجد - ولو لفترة وجيزة - بينما ينام زوس، إذ سكبت عليه ~~النعاس الرقيق، وخدعته هيرا ليضطجع معها في عشق!» # هكذا قال، ثم رحل إلى قبائل البشر المجيدة، وبذا كانت أمام ~~بوسايدون مدة أطول ليقدم فيها المساعدة إلى الدانيين، فقفز لتوه ~~بين صفوف المقدمة وصاح عاليا يقول: «أيها الأرجوسيون، أحقا أننا ~~من جديد سنسلم النصر لهكتور بن بريام، حتى يستولي على السفن ويحرز ~~المجد لنفسه؟ كلا، هذا ما يقوله هو، ويزهو بأنه سيحققه؛ لأن أخيل ~~يمكث إلى جانب السفن الجوفاء وقلبه مترع بالغضب، على أننا لا نأسف ~~من أجله كثيرا لو أننا تكاتفنا وتحمسنا لمساعدة بعضنا بعضا. ~~فتعالوا، ولنطع ما آمركم به. هلموا نتدثر بخير دروع الجيش وأكبرها، ~~ولنغط رءوسنا بخوذات براقة كلها، ونمسك في أيدينا أطول الرماح، ~~ثم نسعى هكذا إلى الأمام. ولسوف أتقدمكم. وأعدكم بأن هكتور بن ~~بريام لن يصمد طويلا، مهما يكن تلهفه. وعلى كل رجل جسور في ~~القتال، ويملك درعا صغيرة فوق كتفه، أن يقدمها إلى من هو أقل منه ~~جرأة، ويزود نفسه بدرع أكبر.» # وإذ قال هذا، أنصتوا إليه بآذان صاغية، وأطاعه الملوك أنفسهم - ~~برغم جراحهم - فانتظموا في صفوف، وكانوا، ابن أتريوس، وأوديسيوس، ~~وأجاممنون بن أتريوس. وجاسوا خلال الجيش كله، وقاموا باستبدال ~~العدد الحربية، فزود المحارب القوي نفسه بحلة حربية قوية، أما أقل ~~المحاربين فقد نال أردأ العدد. وبعد أن وضعوا البرونز البراق على ms327 ~~أجسامهم، قادهم «بوسايدون» - مزلزل الأرض - وهو يحمل في يده القوية ~~سيفا مرعبا، طويل الحد، أشبه بالبرق لا يجرؤ أحد على أن يتعرض له ~~في قتال، بل إن الهلع يستبقي الرجال بعيدا عنه! أما الطرواديون - ~~في الجهة المقابلة - فقد نظمهم هكتور المجيد في صفوف ثم أذكى ~~بوسايدون - الأدكن الشعر - وهكتور المجيد، جذوة الحرب: أحدهما يقدم ~~المعونة للطرواديين، والآخر للأرجوسيين، فالتحم الطرفان، وفاض ~~البحر عاليا إلى أكواخ الأرجوسيين وسفنهم، وارتفع طنين الصراع ~~قويا، دونه صخب أمواج البحر على الشاطئ، تدفعها من اليم هبات ~~الرياح الشمالية الفظيعة، ولا يفوقه ارتفاعا زئير النار المستعرة ~~في ممرات أحد الجبال عندما تثب عاليا لتحرق الغابة، ولا تزمجر في ~~مثل دويه، وسط قمم أشجار البلوط الباسقة، تلك الريح التي تزأر ~~غاضبة بأعلى صوتها العاصف، هكذا كانت صيحة الطرواديين والآخيين ~~وقتذاك، وهم يصيحون بصورة مفزعة، وقد انقض بعضهم على بعض. # وبادر هكتور المجيد فقذف ~~رمحه نحو أياس - بمجرد أن استدار ليواجهه - ولم يخطئه، بل أصابه في ~~موضعي حمائل ترسه وسيفه المرصع بالفضة، وكانت ممتدة عبر صدره، ~~فصانت جسمه الرقيق. واستشاط هكتور غضبا لأن الرمح السريع قد طار ~~عبثا من يده، فانبرى عائدا وسط حشد رفاقه، متحاشيا الموت. بيد ~~أن «أياس» التيلاموني ضربه بحجر - بمجرد أن ارتد إلى الوراء - فلقد ~~كانت هناك أحجار كثيرة تستخدم كدعامات للسفن السريعة، وكانت ~~تتدحرج بين أقدامهم وهم يتقاتلون - فرفع واحدا منها إلى فوق، وضرب ~~به هكتور على صدره فوق حافة الترس، بقرب عنقه، فأخذ هذا يدور - من ~~عنف الضربة - كما تدور الدوامة، يدور ويدور، وكما يحدث عندما تسقط ~~شجرة بلوط - وقد اجتثت جذورها - بفعل صاعقة من صواعق الأب زوس، ~~فيصعد منها دخان الكبريت المخيف، وتغيض جرأة كل من يقف على مقربة، ~~فزعا من صاعقة زوس العظيم، هكذا سقط هكتور القوي إلى الأرض في ~~الحال، يتخبط في الثرى، وسقط الرمح من يده. غير أن الترس وقع فوقه، ~~وكذا الخوذة، ومن حوله صلصلت حلته الحربية المرصعة ~~بالبرونز. # عندئذ جرى أبناء الآخيين ~~بصرخات مدوية، أملا في ms328 أن يجروه بعيدا. وهم يقذفون رماحهم كثيفة ~~وسريعة. بيد أن أحدا لم يفلح في أن يجرح راعي الجيش بطعنة أو ~~رمية، إذ تجمع حوله - قبل أن يقدر لشيء من هذا أن يحدث - أشجع ~~القوم من أمثال «بولوداماس»، و«أينياس»، و«أجينور» العظيم، ~~و«ساربيدون» - قائد اللوكيين - و«جلاوكوس» المعدوم النظير. ولم يكن ~~بين الباقين من لم يفطن إليه، فاندفعوا جميعا أمامه يحملون تروسهم ~~المستديرة، ورفعه رفقاؤه على سواعدهم، وحملوه بعيدا عن معمعة ~~القتال، حتى بلغوا الجياد السريعة، التي كانت تقف في انتظاره عند ~~مؤخرة ميدان المعركة والصراع، مع سائقها وعربتها المرصعة ترصيعا ~~فاخرا. فحملته هذه الجياد إلى المدينة، وهو يئن أنينا عنيفا. ~~فلما بلغوا مخاضة النهر السلس الجريان كسانثوس ذي الدوامات - الذي ~~أنجبه زوس الخالد - حملوا هكتور من العربة إلى الأرض، ورشوا الماء ~~فوقه، فانتعش، وتطلع بعينيه إلى فوق، ثم جلس على ركبتيه راكعا، ~~وتقيأ دما قاتما. ثم انهار من جديد على الأرض، وغشي عينيه ليل ~~أسود، وكانت الضربة لا تزال تؤلم روحه. # وعندما شاهد الأرجوسيون هكتور محمولا، راحوا ينقضون على ~~الطرواديين انقضاضا أكثر شدة من ذي قبل، وهم يحدثون أنفسهم ~~بالقتال. وعندئذ كان «أياس» السريع - ابن أويليوس - أول من انقض ~~على «ساتنيوس» وجرحه بطعنة من رمحه الحاد، وهو ابن «أينوبس» الذي ~~أنجبته له الحورية النيادية العديمة النظير، بينما كان يرعى قطعانه ~~بالقرب من شواطئ ساتنيويس. فاقترب منه ابن أويليوس - المشهور ~~برمحه - وضربه فوق جنبه، فسقط إلى الوراء، ومن حوله اشتبك ~~الطرواديون والدانيون في صراع مرير. فهب لمعونته عندئذ الرماح ~~«بولوداماس بن بانثوس»، ورمى فأصاب «بروثونيور بن أرايلوكوس» فوق ~~كتفه اليمنى. وشق الرمح القوي طريقه خلال الكتف، فسقط «بروثوينور» ~~في الثرى، وأمسك الأرض براحته. وعندئذ اختال «يولوداماس» بزهو ~~بشع، وصاح عاليا: «إني لأرى أن الرمح لم ينطلق عبثا - مرة أخرى - ~~من اليد القوية التي أوتيها ابن بانثوس العظيم الهمة. بل لقد ~~تلقاه أحد الأرجوسيين في جسمه، وأعتقد أنه سيتكئ عليه - كأنه ~~العصا - وهو يهبط إلى بيت هاديس. # هكذا قال، فران على الأرجوسيين الحزن من ms329 جراء تهلله ولا سيما ~~«أياس» الحكيم القلب، ابن تيلامون، الذي ثار غيظه لأن الرجل سقط ~~قريبا جدا منه. وبسرعة قذف رمحه البراق صوب الآخر، وهو ينسحب ~~إلى الوراء. ونجا «بولودامان» نفسه من الموت، بأن وثب جانبا، ولكن ~~أرخيلوخوس بن أنتينور تلقى الرمح، إذ أرادت الآلهة له الموت. ~~فأصابه الرمح في موضع اتصال الرأس بالعنق، فوق أعلى فقرة من العمود ~~الفقري، ومزقت الطنبين. # 3 # وعندما سقط، كان رأسه وفمه وأنفه أسرع وصولا إلى ~~الأرض من ساقيه وركبتيه. في تلك الآونة، صاح أياس بدوره صياحا ~~عاليا، وصرخ في بولوداماس - عديم المثال - بقوله: «أي بولوداماس، ~~فكر مليا، وخبرني بصراحة، ألا ترى أن هذا الرجل كفء لأن يقتل ~~تعويضا عن بروثوينور؟ إنه لا يبدو لي وضيعا، ولا خسيس المولد، بل ~~إنه شقيق أنتينور، مستأنس الجياد، ولربما كان ابنه، لأنه يشبهه في ~~التركيب شبها عظيما.» # هكذا قال، وهو يعرف الحق كله، فاستبد الحزن بقلوب الطرواديين. ~~وما لبث «أكاماس» أن جرح بطعنة من رمحه، وهو يقف إلى جوار أخيه، إذ ~~كان بروخاموس يجر الجثة من قدميها. وأخذ أكاماس يزهو فوقه في ~~اختيال بشع، وهو يصيح عاليا: «أيها الأرجوسيون، يا من تجيدون ~~الرماية بالقوس، ولا تكفون عن التهديد، إن الويلات والمحن لن ~~تصيبنا وحدنا، بل إنكم ستقتلون مثلنا أيضا. انظروا كيف يرقد ~~بروخاموسكم هذا، الذي صرعته برمحي، حتى لا يطول بدماء أخي انتظار ~~الثأر، إن المرء ليتمنى - لهذا السبب - أن يكون معه في الوغى أحد ~~أقربائه، كي يثأر له إذا ما تردى!» # وإذ قال هذا، حزن الأرجوسيون لتهلله، وكان بينيليوس الحكيم القلب ~~هو أكثرهم غيظا، فهجم على أكاماس. ولم يصمد أكاماس أمام هجمة ~~الأمير بينيليوس، ولكن بينيليوس جرح اليونتوس بن فورباس، الغني ~~بقطعانه، ذلك الذي أحبه هرميس أكثر مما أحب الطرواديين جميعا، ~~فحباه بالثراء، وله أنجبت الأم اليونيوس الطفل الوحيد. ولقد أصابه ~~بينيليوس تحت حاجبه - عند محجر عينه - فاقتلع مقلته، ونفذ الرمح ~~خلال العين وخرج من قفاه، فانهار باسطا يديه، ولكن بينيليوس سحب ~~سيفه البتار، وهوى به ms330 على عنقه، فأطاح برأسه والخوذة على الأرض ~~بعيدا. وظل الرمح القوي ساكنا في داخل عينه، فرفعه بينيليوس ~~عاليا كأنه ثمرة الخشخاش، وأراه للطرواديين وهو يزهو قائلا: ~~«أيها الطرواديون، أستحلفكم أن تطلبوا إلى والد ووالدة اليونيوس ~~الفخور، أن يقيما مأتما في ساحاتهما، فإن تبتهج زوجة بروماخوس بن ~~اليجينور بمجيء زوجها المحبوب، عندما نعود نحن شباب الآخيين بسفننا ~~من أرض طروادة!» # هكذا قال، فتملكت الرعدة أطرافهم جميعا، وراح كل رجل يتلفت ~~حوله ليبحث عن مهرب من الهلاك الشامل. # خبرنني الآن، يا ربات الشعر، يا من لكن مساكن فوق أوليمبوس: ~~من كان أول الآخيين، الذي حمل بعيدا غنائم المحاربين الملوثة ~~بالدماء، عندما بدل مزلزل الأرض المعروف سير المعركة؟ لقد كان أياس ~~بن تيلامون هو الأول حقا؛ إذ أصاب «هوريتوس بن جوريتوس»، قائد ~~الموسينيين الجريئي القلوب، واستولى أنتيلوخوس على الأسلاب من ~~«فالكيس» و«ميرميروس»، كما أن ميريونيس قتل «موروس» و«هيبوثيون»، ~~وجندل تيوكر «بروتئون» و«بيريفيتيس» وأحدث ابن أتريوس بخاصرة ~~«هوربيرينور» - راعي الجيش - جرحا، فأخرج البرونز أحشاءه بمجرد أن ~~مزقها الرمح وهو ينفذ في جوفه، فأسرعت روحه تفيض خلال الجرح، وخيمت ~~الظلمة على عينيه. بيد أن أياس السريع - ابن أويليوس - قتل معظم ~~الرجال؛ إذ كان يفوقهم جميعا في المطاردة، لسرعة قدميه وسط صخب ~~الرجال، عندما كانوا يفرون، وقد أوقع زوس الذعر في قلوبهم! # | الأنشودة الخامسة عشرة # «... وكان قد استرد قوته منذ برهة، وبدأ يعرف زملاءه من حوله، وقد ~~كف عن اللهث والعرق، إذ ردت إليه الحياة، بمشيئة زوس حامل الترس ~~...» # كيف استيقظ «زوس» فأمر «أبولو» بأن يرد إلى «هكتور» وعيه وقوته، ~~وأن يسخر الحظ في جانب الطرواديين، وكيف ألقيت النار على سفينة ~~«بروتسيلاوس» ... إلخ. # يقظة زوس! # عندما انطلق الطرواديون في فرارهم فوق الممر والخندق، وفني ~~الكثيرون منهم على أيدي الدانيين، وقف الباقون بجانب عرباتهم شاحبي ~~الوجوه ذعرا وهلعا. وما لبث «زوس» أن استيقظ فوق ذؤابات أيدا - ~~بجانب «هيرا» ذات العرش الذهبي - فهب واقفا على قدميه، وإذا به ~~يرى الطرواديين، كما رأى الآخيين، أولئك ينشدون الفرار، وهؤلاء ~~يطاردونهم ms331 من الخلف، وقد توسطهم الملك «بوسايدون». وأبصر «هكتور» ~~راقدا في السهل، ورفاقه يجلسون حوله. وكان يلهث ملتقطا أنفاسه في ~~عناء، وقد شرد فكره، وأخذ يتقيأ دما، لأن الذي ضربه لم يكن أضعف ~~الآخيين. فلما رآه أبو البشر والآلهة، أشفق عليه، وبنظرة رهيبة - ~~من تحت حاجبيه - تحدث إلى «هيرا» قائلا: «أي هيرا، أيتها الربة ~~التي يصعب التعامل معها، إنها لمهارة أحابيلك الشريرة التي أوقفت ~~هكتور العظيم عن القتال، ودفعت الجيش إلى الصخب، ولست أدري - في ~~الحق - إذا كان مقدرا لك أن تكوني أول من يجني ثمار غدرك القاسي، ~~حين ألهب جسمك بالسياط؟! ألا تذكرين عندما كنت مدلاة من أعلى، وقد ~~علقت في قدميك سندانين، وأحطت معصميك بأصفاد من الذهب يتعذر ~~تحطيمها؟ لقد كنت مدلاة في الهواء وسط السحب، وقد هاج الآلهة ~~الآخرون في أوليمبوس الشامخ، ولكنهم لم يفلحوا في الاقتراب منك أو ~~تخليصك، أجل، لقد كنت أقبض على كل من يقترب منك، وأقذف به من عتبتي ~~ليهبط إلى الأرض مجردا من كل قوته. ورغم كل هذا، فإن الأسى الدائب ~~لم يبرح قلبي من أجل هرقل الشبيه بالإله، الذي دفعت به عبر البحر ~~الصاخب، بمعونة الريح الشمالية، بفضل تدبيرك الخبيث. ثم حملته ~~بعيدا إلى كوس الآهلة بالسكان. وهناك أنقذته أنا، ورددته إلى ~~أرجوس، مرعى الجياد، ولو أن ذلك كان بعد أن كابد المشقات. إنما ~~أذكرك بهذه الأشياء من جديد، حتى تكفي عن خداعك، وحتى تعرفي ما إذا ~~كان ينفعك ذلك الجماع والهوى، إذ رقدت معي - عندما جئتني - بمنأى ~~عن الآلهة، وخدعتني!» # وإذ قال هذا، ارتعدت هيرا الجليلة - ذات عيون المها - وخاطبته ~~بكلمات مجنحة قائلة: «فلتشهد علي الأرض الآن، وكذا السماء ~~الواسعة في العلا، ومياه الستوكس الجارية إلى أسفل # 1 ~~- وهذا أعظم الأيمان وأرهبها لدى الآلهة المباركين - ~~وكذا رأسك المقدس، وفراش حبنا الزوجي، الذي لا يمكنني حقا أن ~~أحنث في القسم به مهما تكن الأمور، أن «بوسايدون» مزلزل الأرض لا ~~ينزل - برغبة مني - الأذى بالطرواديين وهكتور، ويقدم المعونة ~~لأعدائهم. كلا، بل إن نفسه ms332 هي التي تحثه على ذلك وتأمره به، فلقد ~~أبصر الآخيين مهزومين شر هزيمة بجانب سفنهم، فأشفق عليهم. أما أنا، ~~فكم أود أن أشير عليه بأن يسير حيثما توجهه أنت، يا سيد السحب ~~القاتمة!» # هكذا قالت، فابتسم أبو البشر والآلهة، وأجابها بكلمات مجنحة ~~قائلا: «أي هيرا الجليلة، يا ذات عيون المها، لو أنك نسقت منذ ~~الآن تفكيرك مع تفكيري - وأنت تجلسين وسط الخالدين - لأسرع ~~«بوسايدون» إلى تحويل تفكيره هو الآخر، مهما تكن رغبته مناقضة، ~~فيتبع ما يبتغيه قلبك وقلبي. فإذا كنت تتكلمين صدقا وصراحة، ~~فاذهبي الآن بين عشائر الآلهة واستدعي «أيريس» إلى هنا، و«أبولو» ~~المشهور بقوسه، وذلك كي تذهب «أيريس» إلى جيش الآخيين المتدثرين ~~بالبرونز، فتأمر السيد «بوسايدون» بأن يكف عن القتال، وتصرفه إلى ~~منزله. أما الإله «أبولو»، فليحفز هكتور إلى القتال، وينفث فيه ~~القوة من جديد، ويجعله ينسى الآلام التي تعكر صفو فؤاده، حتى يدفع ~~الآخيين القهقرى من جديد، بعد أن يبث فيهم الهلع الرعديد. وبذلك ~~يفرون ويسقطون بين سفن أخيل بن بيليوس، الكثيرة المقاعد، فيوفد هذا ~~رفيقه «باتروكلوس»، فيقتله هكتور العظيم، بالرمح - أمام طروادة - ~~بعد أن يكون هو قد قتل كثيرا من الشبان الآخرين، بينهم ابني ~~«ساربيدون» العظيم. وفي سورة الغضب لموت باتروكلوس، سيقتل أخيل ~~العظيم «هكتور». ومنذ تلك اللحظة، سأدبر مطاردة من ناحية السفن، ~~تظل بلا هوادة، إلى أن يستولي الآخيون على طروادة الوعرة بفضل ~~نصائح «أثينا»، ولكني حتى تلك الساعة لن أكف عن غضبي على الدانيين، ~~ولن أدع أي إله آخر من الخالدين يساعدهم، ما لم تتحقق رغبة ابن ~~بيبليوس، كما وعدته في البداية، وأحنيت رأسي تأكيدا لذلك، يوم أن ~~أمسكت الربة «ثيتيس» ركبتي متوسلة إلى أن أخلع المجد على أخيل، ~~مخرب المدن.» # هكذا قال، فلم تتردد الربة «هيرا» - الناصعة الذراعين - في ~~الإصغاء إليه، ثم ذهبت في طريقها من جبال أيدا إلى أوليمبوس ~~الشامخ. وكما يحلق عقل الإنسان - الذي ارتاد بلادا نائية - فيفكر ~~في حكمة وتبصر، قائلا: «ليتني كنت هنا، أو هناك.» وتنساب الأماني ~~بسرعة إلى مخيلته. ms333 # هكذا انطلقت «هيرا» الجليلة متلهفة، حتى وصلت إلى أوليمبوس ~~الشديد الانحدار، فوجدت الآلهة الخالدين مجتمعين معا في منزل زوس، ~~وما إن رأوها حتى هبوا جميعا واقفين، وحيوها بكئوس الترحيب. أما ~~هي فتركت كئوس الآخرين، وأخذت الكأس من «ثيميس» الجميلة الخدين، ~~لأنها كانت أول من جرى للقائها، مخاطبة إياها بكلمات مجنحة قائلة: ~~«لم جئت إلى هنا، يا هيرا؟ يبدو أنك شاردة الفكر، ولا بد أن زوس ~~بن كرونوس - زوجك - قد أرهبك!» # عندئذ ردت عليها الربة «هيرا» - ذات الساعدين الناصعين - ~~بقولها: «لا تسأليني كثيرا عن هذا الأمر أيتها الربة ثيميس، فإنك ~~تعلمين من تلقاء نفسك طبيعة مزاجه، وكيف أنه شديد الغطرسة لا يلين، ~~ولكن لنبدأ الوليمة التي تضم الآلهة على قدم المساواة، وستسمعين مع ~~الخالدين جميعا أي شر يدبره زوس. ولست أعتقد أنه مما يسر قلوب ~~الجميع - من آلهة أو بشر - أن توجد قلوب تجلس إلى الوليمة ~~مستبشرة!» # وما إن قالت هيرا هذا، حتى استوت جالسة، بينما رجفت قلوب الآلهة ~~في جميع أرجاء بهو «زوس». وابتسمت هيرا بشفتيها ، ولكن جبينها لم ~~ينبسط فوق حاجبيها القاتمين. ثم راحت تقول لهم جميعا في حنق: «يا ~~لنا من حمقى إذ نذهب في رعونتنا إلى درجة إغضاب زوس! وفي الحق أننا ~~لا نزال تواقين إلى الاقتراب منه، وزحزحته عن مشيئته، سواء بالقول ~~أو بالعمل، في حين أنه يجلس بعيدا غير مكترث أو مهتم؛ لأنه يعتقد ~~أنه أعظم الآلهة الخالدين، وأشدهم بأسا وقوة؛ ومن ثم فلتقنعوا ~~جميعا بأي أسى ينزله بكل منكم. وأحسب أنه قد نسج الأسى لأريس ~~بالفعل، إذ إن «أسكالافوس»، ابن أريس وأعز البشر إليه، قد هلك في ~~المعركة!» # وإذ قالت هذا، ضرب «أريس» فخذيه القويتين براحتي يديه، وبكى ~~قائلا: «لا ينحين علي باللائمة أحد منكم يا من تسكنون فوق ~~أوليمبوس، إذا ما ذهبت إلى سفن الآخيين وانتقمت لمقتل ابني، ولو ~~كان نصيبي أن أضرب بصاعقة زوس، وأن أرقد بين الموتى، في الدم ~~والتراب!» # وما إن قال هذا، حتى أمر «الفزع» و«الشغب» بأن يشدا خيوله ms334 إلى ~~النير، وارتدى عدته الحربية البراقة. وكان من المحتمل أن يشتد ~~الحنق والغضب ويستفحلا، بين «زوس» والخالدين، لولا أن أسرعت ~~«أثينا» - وقد تملكها الخوف على جميع الآلهة - فوثبت خلال الباب، ~~مغادرة العرش الذي كانت تجلس عليه، ثم نزعت الخوذة عن رأس «أريس» ~~والدرع عن كتفيه، كما أخذت الرمح البرونزي من يده القوية، وألقت به ~~جانبا. وراحت تؤنب أريس المارق، قائلة: «أيها الرجل المأفون، ~~المجرد من الحصافة، إنك هالك لا محالة! إن لك أذنين حقا، ولكنهما ~~لا تسمعان، وقد تلاشى فهمك وإدراكك للصواب. ألا تسمع ما قالته ~~الربة «هيرا» البيضاء الساعدين، تلك التي لم تأت من لدن زوس ~~الأوليمبي إلا منذ لحظات؟ أم تراك تود أن تملأ كأس الآلام ~~والويلات، ثم تعود مكروها - بحكم الضرورة - إلى أوليمبوس وتزرع ~~بذور الويل المرير لجميع الباقين؟ ذلك لأنه سيبادر إلى التحول عن ~~الطرواديين والآخيين - ذوي القلوب الجسورة - ويهرع إلى أوليمبوس ~~لينزل النقمة بنا، فيقبض علينا تباعا، البريء منا والمذنب على ~~السواء؛ ومن ثم فإني آمرك بأن تتخلى عن غضبك من أجل ابنك. لقد هلك ~~من قبل - وسيهلك فيما بعد - كثيرون يفوقونه قوة وبأس يد، ومن ~~العسير أن تنقذ أنساب البشر جميعا وسلالاتهم!» # هكذا قالت، وحملت أريس الثائر على أن يجلس فوق عرشه. أما «هيرا» ~~فقد استدعت «أبولو» وأيريس - رسولة الآلهة الخالدين - إلى خارج ~~البهو، وخاطبتهما بكلمات مجنحة قائلة: «إن زوس يأمركما بأن تذهبا ~~إلى «أيدا» بأقصى ما في وسعكما من سرعة. فإذا ما وصلتما إلى هناك، ~~ومثلتما أمام وجه زوس، فأنجزا كل ما يأمر به أو يطلبه!» # وما إن قالت هيرا الجليلة هذا حتى عادت ثانية واستوت جالسة فوق ~~عرشها، فانطلقا لفورهما إلى أيدا ذات النافورات العديدة، وأم ~~الوحوش، فوجدا زوس - الذي ينطلق صوته إلى بعيد - جالسا فوق ناصية ~~جارجاروس، تحيط به سحابة عبقة الرائحة. عندئذ مثل الاثنان أمام ~~وجه زوس، جامع السحب، فلم يستأ في قلبه إذ رآهما، لأنهما أطاعا ~~كلام زوجته العزيزة بسرعة. وما لبث أن خاطب أيريس أولا بكلمات ~~مجنحة قائلا: ms335 «اذهبي في عجلة، يا أيريس السريعة، واحملي كل هذه ~~الأنباء إلى السيد بوسايدون، متوخية الصدق في نقلها إليه؛ مريه بأن ~~يكف عن الحرب والقتال، ويذهب فينضم إلى قبائل الآلهة، أو يرحل إلى ~~البحر المتألق. وإذا لم يطع كلماتي، ولم يحفل بي، فدعيه يفكر إذن ~~في عقله وقلبه، خشية ألا يجد - مهما تكن قوته - شجاعة تمكنه من ~~مقاومة هجومي؛ لأنني أعلن على الملأ بأنني أفضله قوة بمراحل، كما ~~أنني أكبر منه سنا، ولكن قلبه لا يرهب أن يعتبر نفسه نظيري، أنا ~~الذي يهابني جميع الآلهة الآخرين!» # وإذ قال هذا، لم تتلكأ أيريس - ذات القدمين السريعتين - في ~~استيعاب كلامه وتنفيذه بسرعة الريح. فهبطت في الحال من تلال أيدا ~~إلى طروادة المقدسة. وكما يطير البرد أو الثلج من السحب - مدفوعا ~~بهبة الريح الشمالية المتحركة وسط السماء المتألقة - كذلك أيضا ~~انطلقت أيريس السريعة متلهفة، واقتربت من مزلزل الأرض المجيد، ~~وخاطبته بقولها: «يا مطوق الأرض، أيها الرب القاتم الشعر، إنني ~~قادمة إليك برسالة من زوس، حامل الترس. إنه يأمرك بأن تكف عن الحرب ~~والقتال، وتذهب للانضمام إلى قبائل الآلهة، أو تعود إلى البحر ~~اللامع. أما إذا لم تسمع قوله، واستهنت بأمره، فسيحضر هو بنفسه إلى ~~هنا، ليركز قوته حيال قوتك في العراك. وإنه ليأمرك بأن تتجنب يديه؛ ~~لأنه يجاهر بأنه يفوقك قوة. ويكبرك سنا، ومع ذلك فإن قلبك لا ~~يرهب أن تعتبر نفسك نظيرا لمن يهابه غيرك من الآلهة ~~جميعا!» # فاتقد مزلزل الأرض غيظا، وأجابها بقوله: «حقا، ما أفظعه! لقد ~~أسرف في الصلف - برغم قوته - وكأنه يستطيع حقا أن يخضعني عنوة، ~~ودون رغبتي، وأنا قرينه في المجد. فنحن إخوة ثلاثة أنجبنا كرونوس، ~~وريا: زوس، وأنا، وثالثنا هاديس ملك الموتى في العالم السفلي. ولقد ~~قسمت جميع الأشياء إلى ثلاثة أجزاء متساوية، فلما هزت الأزلام، ~~وعينت لكل منا مملكته، كان نصيبي البحر ذو الزبد الأبيض، ليكون ~~موطني إلى الأبد، وكان الظلام الدامس من نصيب هاديس. بينما فاز زوس ~~بالسماء الفسيحة وسط الفضاء والسحب. أما الأرض وأوليمبوس الشامخ ms336 ~~فقد بقيت حتى الآن مشاعا بيننا جميعا. وعلى ذلك فلن أخضع لمشيئة ~~زوس بحال من الأحوال، كلا، لن أخضع له، مهما تكن قوته، فليمكث في ~~الثلث الذي آل إليه، ولا يحاول تخويفي بقوة يديه، كما لو أنني كنت ~~جبانا رعديدا. فخير له أن يهدد بالكلمات الرهيبة بناته وأبناءه، ~~أولئك الذين أنجبهم من صلبه، والذين يخضعون لكل ما يلقيه إليهم من ~~أوامر!» # فردت عليه أيريس، ذات القدمين اللتين في سرعة الريح، قائلة: «أي ~~مطوق الأرض، أيها الإله القاتم الشعر، أتريدني حقا أن أحمل ~~رسالتك هذه إلى زوس، بالعصيان وعدم الرضوخ، أم أن قلبك لن يلبث أن ~~يتحول؟ إنك لتعلم أن «الأيرينويس» # 2 # ينحزن دائما إلى الأكبر سنا!» # فأجابها «بوسايدون» من جديد، قائلا: «أيتها الربة أيريس، ما ~~أصدق ما تحدثت به. وما أبدعه من أمر أن يكون للرسول عقل مدرك! ولكن ~~غما فظيعا يملأ قلبي وروحي، عندما يحاول أي فرد أن يطغى على ~~ند له - حباه القدر بحظ مساو لحظه - بكلمات غاضبة. على أنني ~~سأنصاع الآن - برغم سخطي - وإن كان ثمة شيء آخر سأقوله لك، وسأضمره ~~في قلبي كوعيد: ذلك هو أنه إذا كان زوس يعتزم - بالرغم مني، ومن ~~أثينا، سائقة الغنائم، وهيرا، وهيرميس، والملك هيفايستوس - أن يبقي ~~على طروادة الوعرة، فلا يخربها، ولا يعطي الأرجوسيين بأسا عظيما، ~~فليعلم هذا، ليعلم أن سخطنا لن ينضب له معين!» # قال مزلزل الأرض هذا، ثم ترك جيش الآخيين، وسار إلى البحر ووثب ~~إليه، فافتقده المحاربون الآخيون أيما افتقاد! # ثم تحدث زوس - جامع السحب - إلى أبولو، بقوله: «اذهب الآن يا ~~أبولو - أيها العزيز - إلى هكتور المتدثر بالبرونز، فقد رحل الآن ~~مطوق الأرض ومزلزلها إلى البحر المتألق، متحاشيا غضبنا المطلق، ~~وإلا لسمع الآخرون عن صراعنا، حتى الآلهة الذين في العالم السفلي ~~مع كرونوس. بيد أن هذا أفضل للطرفين معا - لي وله هو الآخر - إذ ~~خليق به أن يكون طوع يدي، بالرغم من غضبه، وإلا لما انتهى الخلاف ~~بدون كفاح. احمل في يديك الترس ذا الأهداب، وهزه بعنف ms337 فوق ~~المحاربين الآخيين لتلقي به الذعر في نفوسهم. أما أنت، أيها الرب ~~الذي تضرب من بعيد، فأجعل هكتور المجيد موضع رعايتك، وخلال هذه ~~الفترة، بث فيه بطشا عظيما، إلى أن يهرب الآخيون إلى سفنهم ~~والهيليسبونت، ومنذ تلك اللحظة، سأصطنع من القول والفعل ما يمكن ~~الآخيين من أن يستعيدوا أنفاسهم بعد تعبهم!» # هكذا قال، فلم يعص أبولو أمر أبيه، بل انطلق هابطا من تلال ~~أيدا، كأنه البازي قاتل اليمام، الذي هو بحق أسرع المجنحات. فوجد ~~هكتور العظيم - ابن بريام الحكيم القلب - ساهرا، غير راقد. وكان ~~قد استرد قوته منذ برهة، وبدأ يعرف زملاءه من حوله، وقد كف عن ~~اللهث والعرق، إذ ردت إليه الحياة - بمشيئة زوس حامل الترس - ~~فاقترب منه أبولو البعيد المرمى، وقال له: «أي هكتور، يا ابن ~~بريام، لماذا أنت هنا بمنأى عن الآخرين؟ هل أصابك مكروه ~~ما؟» # فأجابه هكتور - ذو الخوذة البراقة - بصوت واهن: «أي إله أنت، ~~أيها النبيل الذي يسألني وجها لوجه؟ ألا تعلم أن أياس - الرائع ~~في صيحة الحرب - قد ضربني بصخرة فوق صدري، عند مؤخر سفن الآخيين ~~بينما كنت أوقع الدمار بزملائه، فجعلني أكف عن بطشي الجامح؟ أجل، ~~لقد حسبت أنني - في يومي هذا - سأرى الموتى، ومنزل هاديس، إذ كدت ~~ألفظ نفسي الأخير!» # عندئذ تحدث إليه ثانية الإله أبولو - البعيد الرماية - ~~قائلا: «تشجع الآن، فإن الذي أرسله ابن كرونوس من أيدا ليقف إلى ~~جانبك ويدافع عنك، مساعدا قوي البأس، هو أنا: أبولو، ذو السيف ~~الذهبي، الذي اعتاد من قديم الزمان أن يحميك، أنت نفسك، ويحمي ~~القلعة الشاهقة كذلك. هيا، مر سائقيك الكثيرين أن يقودوا جيادهم ~~السريعة نحو السفن الجوفاء، وسأذهب أنا قبلهم وأمهد الطريق كله ~~للعربات، ولسوف أجبر المحاربين الآخيين على الفرار!» # وإذ قال هذا، نفث قوة عظيمة في راعي الجيش. # عودة الطرواديين إلى الهجوم! # وكما يحدث عندما يحطم الجواد المعلوف - الذي نال كفايته من ~~المذود - قيده، ويجري راكضا عبر السهل، تواقا إلى أن يغتسل في ~~النهر الهادئ الجريان، وهو يرفع رأسه عاليا، وقد انساب ms338 عرفه ~~متموجا حول كتفيه، ثم يثمله الزهو، فتحمله ركبه سريعا إلى مساكن ~~الأفراس ومراعيها، هكذا أيضا، بمثل هذه السرعة، أعمل هكتور قدميه ~~وركبتيه، وراح يحث سائقيه، بعد أن سمع صوت الرب! وكما يحدث عندما ~~يطارد الكلاب والقرويون ظبية ذات قرون أو عنزة برية، فتنقذها منهم ~~صخرة عمودية أو دغل ظليل، فلا يقدر لهم أن يعثروا عليها، بل يأتي - ~~على صوت صراخهم - أسد ذو لبد، فيتبدى لهم في الطريق، ويضطرهم ~~جميعا إلى المبادرة بالفرار عائدين، برغم حماسهم، هكذا كان أمر ~~الدانيين، فقد قضوا فترة من الزمن يزحفون قدما متكتلين، ضاربين ~~بالسيوف، أو طاعنين بالرماح، ذات الحدين. حتى إذا أبصروا هكتور ~~يصول ويجول بين صفوف الرجال، ألم بهم الخوف، وهبطت أرواح الرجال ~~جميعا في أقدامهم! # عندئذ قام في وسطهم «ثواس بن أندرايمون»، خير الأيتوليين. وكان ~~بارعا في قذف الرمح، وماهرا في الالتحام والمبارزة. أما في ~~الاجتماع، فلم يكن يملك التفوق عليه - إذا ما تقارع الشباب بالحجج ~~- سوى قلة من الآخيين. وباعتداد قام في الحشد، وتكلم قائلا: «هيا ~~استمعوا إلي الآن، إن ما تراه عيناي لمعجزة كبرى حقا، إذ كيف ~~نهض هكتور هذا ثانية ونجا من المصير المقدر؟ الحق أن كل رجل منا ~~كان يعتقد - في فؤاده - أنه قد مات بين يدي أياس بن تيلامون، ولكن ~~العجيب أن أحد الآلهة قد خلص هكتور ثانية وأنقذه، هذا الذي أرخى ~~ركب كثير من الدانيين، وهو ما سوف يحدث الآن أيضا، كما أعتقد. فما ~~كان ليقف في الصفوف الأولى، تواقا هكذا للصراع، دون مشيئة من زوس ~~المرعد عاليا. فتعالوا وأطيعوني جميعا، فيما آمركم به، لنأمر ~~الجمع بالعودة إلى السفن، أما نحن أنفسنا - معشر الذين يعلنون أنهم ~~خير من في الجيش طرا - فلنصمد في أماكننا، إذا كان لنا أولا أن ~~نواجهه، ونرده على أعقابه إلى الخلف برماحنا المشهرة. فإني لأعتقد ~~أنه - برغم كل ما هو عليه من حماس - سيشعر بالخوف من التوغل وسط ~~حشد الدانيين!» # هكذا قال، فأصغى إليه الجميع عن طيب خاطر، وأطاعوا أمره. وعمد ~~الذين ms339 كانوا مع أياس، والأمير أيدومينيوس، وتيوكر، وميريونيس، ~~وميجيس - نظير أريس - إلى دعوة خير المحاربين، وواصلوا القتال ضد ~~هكتور والطرواديين، بينما عاد الجمع من خلفهم إلى سفن ~~الآخيين. # وما لبث الطرواديون أن تقدموا في حشد متراص، وهكتور على ~~رأسهم، يتقدمهم بخطى واسعة، بينما سار أمامه «أبولو»، وقد حفت ~~بكتفي الإله سحابة وحمل في يده الترس القوي الذي تحيط به أهداب ~~عديدة، ذلك الترس المخيف الشديد اللمعان، الذي أعطاه «هيفايستوس» ~~الحداد لزوس ليحمله، كي يبث الرعب بين المحاربين، فقد حمل أبولو ~~ذلك الترس في يديه وهو يقود الجيش إلى الأمام. # وكان الأرجوسيون في حشد ~~متكاتف ينتظرون مجيئهم. وارتفعت صيحة الحرب مدوية من كلا ~~الجانبين، وانطلقت السهام من أوتار القسي، والرماح العديدة تقذف ~~بها الأيدي المكينة، فغاب بعضها في أجسام الشباب الصريع في ~~المعركة، بينما هوى كثير منها في منتصف الطريق، وانغرست في الأرض، ~~دون أن تبلغ اللحم الأبيض الذي كانت تتوق إليه! # وظلت سهام الجانبين تصيب مآربها وتردي القوم، طالما ظل أبولو ~~ممسكا بالترس في يديه، لا يحركه . أما حين تجلى بكامل هيئته ~~للدانيين - ذوي الخيول السريعة - وهز الترس، وصاح بصوت مجلجل جبار، ~~فإن قلوبهم غاصت في صدورهم، ونسوا بأسهم الجامح. وكما يحدث عندما ~~يثير وحشان الهلع في قطيع من الأبقار، أو قطيع ضخم من الأغنام - في ~~ظلمة الليل البهيم - إذ يهجمان عليها فجأة، في غياب الراعي، هكذا ~~دب الذعر والخور في نفوس الآخيين، إذ أرسل أبولو عليهم الفزع، ~~بينما منح الطرواديين - وهكتور - المجد! # وإذ ذاك انقض كل رجل على آخر، وتشتت القوم في ميدان القتال. وقتل ~~هكتور كلا من «ستيخيوس» و«أركيسيلاوس» - وكان أولهما قائد ~~البيوتيين، والثاني رفيق حميم لمينيسثيوس العظيم النفس - بينما قتل ~~أينياس كلا من «ميدون» و«أياسوس». وكان «ميدون» ابن سفاح ~~لأويليوس الشبيه بالإله - شقيق أياس - وكان يقيم في فولاكي بعيدا ~~عن وطنه، لأنه قتل رجلا من أقرباء زوجة أبيه «أريوبيس»، التي ~~تزوجها أويليوس. أما «أياسوس» فكان قائد الأثينيين، وابن «سفيلوس ~~بن بوكولوس». # أما «بولوداماس» فقتل «ميكيستيوس»، كما أن «بوليتيس» ms340 قتل «أخيوس» ~~في مقدمة المعركة. وقتل كلونيوس بيد أجينور العظيم، وكذلك دايوخوس ~~رماه باريس من الخلف، بينما كان يهرب بين محاربي المقدمة، فأصابه ~~فوق قاعدة كتفه، ثم دفع الرمح إلى جوفه! # وفي نفس الوقت الذي كانوا ينزعون فيه العدد الحربية عن هؤلاء، ~~كان الآخيون يلقون بأنفسهم داخل الخندق الذي حفروه، وعلى حاجز ~~الأوتاد المدببة، فارين في هذه الطريق وتلك، وقد اضطروا إلى ~~الاحتماء وراء سورهم. فصاح هكتور بأعلى صوته، ونادى الطرواديين ~~قائلا: «إلى السفن، واتركوا الغنائم الملطخة بالدماء. لن تقع ~~عيناي على رجل بعيد عن السفن - في الجانب الأقصى - إلا سأضرب عنقه ~~في نفس مكانه، ولن يتسنى لأقاربه وقريباته أن يقدموا له حقه من ~~النار في موته، بل ستنهشه الكلاب أمام مدينتنا!» # قال هذا، وألهب جياده ~~بالسوط، ونادى بأعلى صوته على الطرواديين بطول الصفوف، فصاحوا ~~جميعا بصوت مرتفع، وانطلقوا معه يسوقون الجياد التي كانت تجر ~~عرباتهم في ضجيج مثير. وكان «أبولو» يتقدمهم وهو يحطم بقدميه ضفتي ~~الخندق العميق، ويرمي بهما في وسطه مقيما بذلك ممرا طويلا ~~للرجال، كان عرضه بقدر رمية رمح يقذفه امرؤ يختبر قوته. فتدفقوا ~~فوقه إلى الأمام، صفا خلف صف، وفي مقدمتهم أبولو يحمل الترس ~~الرائع. وفي سهولة بالغة انهار سور الآخيين، كما يبعثر الصبي الرمل ~~بجانب البحر، إذ يشيد أولا من الرمال صروحا مما يروق للطفولة ثم ~~يحطمها بيديه ورجليه! بمثل هذه السهولة حطمت، أيها القواس «أبولو»، ~~كفاح الآخيين ومجهودهم الطويل، وبعثت الفوضى بينهم! # وأخيرا، وقف الدانيون إلى جانب سفنهم، وراحوا يتنادون، ثم رفعوا ~~أكفهم إلى الآلهة، وراح كل منهم يصلي بحرارة، لا سيما نسطور ~~الجيريني، متراس الآخيين، الذي صلى وهو يبسط يديه نحو السماء ذات ~~النجوم، قائلا: «أبتاه زوس، إذا كان أي رجل منا - في أرجوس الغنية ~~بالقمح - قد أحرق لك قطعا دسمة من فخذ ثور أو كبش، وهو يصلي من ~~أجل عودته، ثم وعدته وأحنيت رأسك على ذلك، فلتتذكر الآن هذه ~~الأشياء، وامنع عنا - أيها الرب الأوليمبي - اليوم المشئوم، ولا ~~تدع الطرواديين يسحقون الآخيين». ms341 # هكذا قال في صلاته، فأرعد زوس المستشار رعدا مدويا، وقد سمع ~~صلاة الشيخ ابن نيليوس. ولكن الطرواديين لم يكادوا يسمعون رعد زوس، ~~حامل الترس، حتى اشتدوا في انقضاضهم على الأرجوسيين، وأمعنوا في ~~القتال. وكما يحدث عندما تندفع اللجة العاتية في البحر الفسيح ~~المسالك، منقضة على قلاع إحدى السفن. مدفوعة بقوة الريح التي تجعل ~~الأمواج تعلو فوق كل شيء، هكذا أيضا انقض الطرواديون بصيحة عظيمة ~~على السور، وهم يسوقون عرباتهم إلى الداخل. وقاتلوا في عراك ~~والتحام عند مؤخرة السفن، برماح ذات حدين: هم في عرباتهم، والآخيون ~~عاليا فوق ظهور سفنهم السوداء التي تسلقوها، وراحوا يقاتلون برماح ~~طويلة كانوا قد أعدوها فوق السفن للقتال البحري، رماح ذات عقد، ~~يغطي طرفها البرونز. # باتروكلوس يفارق يوروبولوس! # وبينما كان الآخيون ~~والطرواديون يتقاتلون حول السور بعيدا عن السفن السريعة، كان ~~«باتروكلوس» يجلس في كوخ «يوروبولوس» الوفي، يسري عنه بالحديث، ~~ويضع الأعشاب الطبية فوق جرحه المؤلم ليخفف من ألمه الحاد القاتم. ~~بيد أنه لم يكد يبصر الطرواديين يهجمون على السور، بينما أخذ ~~الدانيون يصيحون عاليا وهم يولون الأدبار، حتى تأوه عميقا، وضرب ~~فخذيه براحتي يديه، وبكى وهو يقول: «لم أعد أقوى البتة على ~~البقاء معك ها هنا يا «يوروبولوس»، بالرغم من أنك في مسيس الحاجة ~~إلى المساعدة، فهناك قتال عنيف حقا. دع خادمك يعنى بك، بينما ~~أسرع أنا إلى أخيل كي أحثه على القتال. فمن يدري؟ لعلي مستطيع - ~~بمعونة الآلهة - أن أثير حميته بقولي، فما أفضل النصائح التي تصدر ~~عن صديق!» # وما إن قال هذا، حتى انطلق تحمله قدماه إلى الأمام، وكان الآخيون ~~ينتظرون بثبات هجوم الطرواديين، وإن كانوا لم يفلحوا في دفعهم عن ~~السفن، رغم أنهم كانوا فئة قليلة، كما أن الطرواديين لم يستطيعوا - ~~بحال ما - أن يحطموا كتائب الدانيين أو يشقوا لهم طريقا إلى وسط ~~الأكواخ والسفن. وكما يجعل حبل النجار أخشاب السفينة مستقيمة، في ~~يدي الصانع الأريب، الماهر جدا في جميع ضروب الصناعة بإرشادات ~~«أثينا»، فكذلك استقامت الحرب واشتد القتال على قدم المساواة، وراح ms342 ~~كثير من المحاربين يقاتلون حول السفن العديدة. أما هكتور فقد اتجه ~~مباشرة نحو أياس المجيد، إذ كانا يناضلان حول سفينة واحدة، ولم ~~يستطع أحدهما أن يدفع الآخر للوراء ويحرق السفينة بالنار، ولا ~~الآخر أن يدفعه إلى الخلف، وقد اقترب الرب منه الآن. وما لبث أياس ~~المجيد أن قذف رمحه فأصاب «كالينور بن كلوتيوس»، فوق صدره، بينما ~~كان يحمل النار إلى السفينة، فسقط متخبطا في عنف، وسقطت الشعلة من ~~يده. بيد أن هكتور، لم يكد يبصر بعينيه ابن عمه يسقط في التراب ~~أمام السفينة السوداء، حتى نادى الطرواديين واللوكيين بصرخة ~~عالية، قائلا: «أيها الطرواديون واللوكيون والداردانيون الذين ~~تلتحمون في القتال: إياكم والتقهقر - بأية حال - من ميدان القتال، ~~في هذا المضيق ما عدا ابن كلوتيوس، خشية أن يجرده الآخيون من حلته ~~الحربية، وقد سقط الآن وسط حشد السفن.» # قال هذا وقذف رمحه البراق نحو أياس، فأخطأه، ولكنه أصاب ~~«لوكوفرون بن ماستور»، خادم أياس، القادم من كوثيرا، والذي كان ~~يقطن معه، بعد أن قتل رجلا في كوثيرا المقدسة. فلقد ضربه هكتور ~~بالبرونز الحاد فوق رأسه - أعلى الأذن - وهو واقف بالقرب من أياس، ~~فسقط من مؤخر السفينة إلى الوراء على الأرض، يتردى في الثرى، ~~وانحلت أطرافه. فارتعد أياس وتحدث إلى أخيه قائلا: «يا تيوكر ~~العزيز، لقد سقط زميل مخلص لكلينا حقا، فإن ابن ماستور - الذي ~~كرمناه في بيوتنا كما نكرم آباءنا، حين أقبل من كوثيرا - قد صرعه ~~هكتور العظيم النفس. أين سهامك الآن، تلك التي تجلب الموت السريع، ~~والقوس التي أعطاك إياها أبولو؟» # هكذا قال، فسمع الآخر كلامه، وجرى في الحال، فاتخذ موقفه إلى ~~جواره، حاملا في يده قوسه المعقوفة الظهر، وجعبة السهام. وبمنتهى ~~السرعة أطلق سهامه نحو الطرواديين، فأصاب «كلايتوس» المجيد، ابن ~~«بانثوس» - بينما كان منصرفا إلى جياده وممسكا بالأعنة في يده، ~~إذ كان يسوقها إلى حيث كانت معظم الفيالق تتشتت في فوضى، مبتغيا ~~بذلك إرضاء هكتور والطرواديين. بيد أن الشر حل عليه، ولم يستطع أحد ~~منهم أن يدرأه عنه، بالرغم من أنهم ms343 كانوا يتوقون إلى ذلك. فانغرس ~~السهم المشحون بالأنات في قفاه، وسقط من العربة المكينة، وعند ذلك ~~انحرفت الجياد جانبا، وقرقعت العربة الخاوية. وسرعان ما أبصر بها ~~الأمير «يولوداماس» فكان أول من خطا بسرعة صوب الخيول، وسلمها ~~إلى «أستونوس بن بروتيان»، وشدد ~~عليه الأمر بأن يحتفظ بها قريبا من متناول يده. وظل يراقبه فترة ~~من الوقت، ثم عاد هو شخصيا فانضم إلى محاربي الصفوف ~~الأولى. # ثم تناول «تيوكر» سهما آخر ليسدده نحو هكتور، المسلح بالبرونز، ~~فكان كفيلا بأن يكفه عن القتال بجانب سفن الآخيين، ويسلبه حياته، ~~لو أنه أصابه وهو يبدي بسالته، ولكن عقل زوس الحكيم لم يغفل عنه، ~~إذ كان يرعى هكتور، فأخذ المجد تيوكر بن تيلامون. وذلك بأن حطم زوس ~~الوتر المجدول جيدا - والمثبت في القوس العظيمة - بمجرد أن جذبه ~~ضد هكتور، فطاش سهمه المثقل بالبرونز، وسقط القوس من يده. عندئذ ~~ارتعد تيوكر، وخاطب أخاه قائلا: «حسبك، فالواقع أن ثمة ربا يحبط ~~خططنا في القتال ويجعلها تسفر عن لا شيء، فقد أسقط القوس من يدي، ~~وهشم الوتر المفتول حديثا، والذي ثبته بإحكام هذا الصباح لكي ~~يساعدني على تسديد السهام، حتى تنطلق بكثرة وشدة.» # عندئذ رد عليه أياس التيلاموني العظيم بقوله: «نعم، يا صديقي، ~~ما عليك الآن إلا أن تترك قوسك وسهامك الكثيرة باقية حيث هي - ما ~~دام أحد الآلهة قد أنزل عليها اللعنة، رغبة في الإساءة إلى ~~الدانيين - وأن تتناول في يدك رمحا طويلا وترسا فوق كتفك، ~~لتقاتل الطرواديين، ثم عليك أن تحصن بقية القوم، إذ يجب ألا ~~يستولي الأعداء على سفننا المكينة المقاعد بدون قتال، مهما يتفوقون ~~علينا. هيا بنا نوطد العزم على القتال.» # صراع بالقرب من السفن! # هكذا تكلم تيوكر، وأعاد القوس ثانية إلى داخل الكوخ، وحمل على ~~كتفيه ترسا ذا أربع طبقات، وفوق رأسه العتيد وضع خوذة متينة الصنع ~~ذات خصلة من شعر الخيل، وكانت الريشة تهتز فوقها بعنف، وتناول ~~رمحا متينا، مدبب الطرف بالبرونز الحاد، وانطلق مسرعا إلى حيث ~~وقف إلى جانب أياس. # غير أن ms344 هكتور - عندما أبصر أن سهام تيوكر قد أسفرت عن لا شيء - ~~صاح في الطرواديين واللوكيين صيحة عالية، قائلا: «أيها الطرواديون ~~واللوكيون والداردانيون الذين يقاتلون في التحام. كونوا رجالا يا ~~أصدقائي وشدوا عزائمكم على الجرأة وسط السفن الجوفاء، لأن عيني قد ~~رأتا بحق كيف أحبط «زوس»، مفعول سهام أحد الأبطال. فما أسهل الوقوف ~~على مدى مساعدة زوس للبشر، سواء لدى من يحابيهم بمجد النصر، أو من ~~يخزيهم ولا يبغي لهم عونا - كما يفعل الآن، إذ يوهن من قوة ~~الأرجوسيين، في حين أنه يساعدنا - فقاتلوا بكتلكم المتراصة عند ~~السفن. وإذا قدر لواحد منكم أن يصاب بسهم أو طعنة رمح، وصار عليه ~~أن يلقى القضاء والموت، فليرقد في مماته. فليس من العار أن يموت ~~المرء وهو يقاتل من أجل وطنه، بل إن زوجته ستكون آمنة - من بعده - ~~وكذا أطفاله، وستغدو أرضه وداره بعيدة عن الأذى، إذا رحل الآخيون ~~بسفنهم إلى أرض وطنهم العزيز.» # وما إن قال هذا، حتى أثار ~~قوة الرجال جميعا وروحهم. أما أياس - في الجانب المقابل - فقد صاح ~~في رجاله ثانية، قائلا: «يا للعار، أيها الأرجوسيون! من المؤكد ~~الآن أنه لا بد لنا من أن نهلك عن بكرة أبينا، أو نلتمس الخلاص ~~بدفع الخطر عن السفن. أم تراكم تظنون أنه إذا استولى هكتور ذو ~~الخوذة البراقة على السفن، فسيتسنى لكم أن تعودوا إلى أرض الوطن، ~~كل واحد منكم، على قدميه؟! ألا تسمعون هكتور وهو يثير حمية كل فرد ~~في جيشه ليحرق السفن؟ إنه لا يأمرهم بالحضور إلى الرقص، بل إلى ~~القتال. وليس لنا من خطة أو نصح خير من أن نستخدم أيدينا وقوتنا ~~ضدهم في القتال الملتحم. إن من الخير أن نجازف مرة، فإما أن نموت، ~~وإما أن نحيا، بدلا من أن نظل طويلا في عناء لا جدوى منه، كهذا ~~العناء، وفي صراع رهيب وسط السفن، تحت ضربات رجال لا نقيم لهم ~~وزنا!» # وما إن قال هذا، حتى أثار قوة وروح كل رجل. وما لبث هكتور أن قتل ~~«سخيديوس بن بيريميدس» ms345 - قائد الفوكيين - في حين أن أياس قتل ~~«ليوداماس»، قائد المشاة المجيد، ابن أنتينور. أما «بولوداماس» فقد ~~قتل «أوتوس» الكيليني، رفيق ابن فوليوس، قائد الأيبيين العظيم ~~النفس. ورآه «ميجيس» فانقض عليه، ولكن بولوداماس أفلت من تحته، ~~فأخطأه ميجيس، لأن أبولو لم يكن ليرتضي لابن بانثوس أن يقتل وسط ~~محاربي المقدمة، ولكنه أصاب كرويسموس برمحه في وسط صدره، فسقط في ~~دوي، واستعد الآخر لينزع عدته الحربية عن كتفيه، فانبرى له ~~«دولوبس»، وهو محارب بارع، وابن للاوميدون، # 3 # بل أشجع ابن له، وكان ماهرا جدا في القتال العنيف. ~~وما لبث أن قذف رمحه نحو درع ابن فوليوس، هاجما عليه من كثب. بيد ~~أن درقة ابن فولويس - المصنوعة بمهارة - أنقذته. تلك الدرقة التي ~~كان يشدها حول جسده بقطع من الزرد، والتي أحضرها «فوليوس» من ~~أفوري، من نهر سيليس، إذ أهداه إياها ضيف من أصدقائه - هو يوفيتيس، ~~ملك البشر - ليلبسها في الحرب، وقاية لنفسه من العدو. وها هي ذي قد ~~صدت الموت عن جسد ابنه! # وقذف «ميجيس» - بدوره - رمحه الحاد ، فأصاب قمة خوذة «دولوبس» ~~البرونزية ذات الخصلة المصنوعة من شعر الخيل، فأطار الخصلة عنها، ~~وسقطت في التراب، بعد أن كانت تتألق بلونها القرمزي الزاهي. وبينما ~~كان «ميجيس» يصمد ويقاتل «دولوبس» - وهو لا يزال يأمل في النصر - ~~أقبل «مينيلاوس» الجريء ليعاونه، فوقف جانبا - غير ملحوظ - وهو ~~شاهر رمحه. وما لبث أن سدده إلى كتف «دولوبس» من الخلف، فمرق الرمح ~~الحاد خلال صدره موغلا، وانكفأ دولوبس على وجهه. واتجه الاثنان ~~صوبه لينزعا عن كتفيه حلته الحربية المصنوعة من البرونز، ولكن ~~«هكتور» نادى جميع أقاربه، وفي البداية راح يلوم ابن هيكيتاون - ~~«ميلانيبوس» القوي # 4 ~~- لأنه كان، حتى ذلك الحين، معنيا بتربية أبقاره ~~السمينة في بيركوتي، بعيدا عن الأعداء، ولكنه - حين أقبلت سفن ~~الآخيين المعقوفة - عاد ثانية إلى طروادة، وصار مبرزا وسط ~~الطرواديين، وعاش في بيت بريام، الذي أنزله من نفسه منزلة أبنائه. ~~ولقد عيره هكتور ولامه قائلا: «أيجدر بنا يا ميلانيبوس أن نكون ~~هكذا كسالى؟ أليس في قلبك ms346 أي اعتبار لقريبك المقتول؟ ألا ترى كيف ~~يهتم قاتلا «دولوبوس» بحلته الحربية؟ هيا، فلم يعد لنا إلا أن ~~نقاتل الأرجوسيين حتى نقتلهم، أو يستولوا على «طروادة» الوعرة ~~بأسرها ويقتلوا شعبها!» # وإذ قال هذا، تقدم فتبعه الآخرون، وهو أشبه بالإله. أما ~~الأرجوسيون فقد حثهم أياس التيلاموني العظيم بقوله: «أيها ~~الأصدقاء، كونوا رجالا، واستحيوا من أنفسكم، وليخجل كل من ~~ازدراء الآخر له في العراك المرير. فإن الذين يستحيون، يناضلون في ~~بلاء حتى لا يسقطوا، ولن يقوم مجد أو نفع لمن يفرون!» # هكذا قال، وكان الرجال من تلقاء أنفسهم تواقين إلى صد العدو، ~~فوعوا كلمته في قلوبهم، وتحصنوا في السفن بسياج من البرونز، وراح ~~«زوس» يحث الطرواديين ضدهم. فما لبث مينيلاوس - الرائع في صيحة ~~الحرب - أن أهاب بأنتيلوخوس قائلا: «أي أنتيلوخوس، لا أحد من ~~الآخيين يصغرك سنا، يبزك في سرعة القدمين، أو الشجاعة في ~~القتال، فليتك تنقض فورا، وتصيب أي رجل من الطرواديين!» # وانصرف عقب هذه العبارات، ~~ولكنه كان قد أثار الآخر، فسرعان ما وثب أنتيلوخوس من بين محاربي ~~المقدمة، وبعد أن تلفت حوله بحذر، قذف رمحه البراق، فتراجع ~~الطرواديون أمام هذا المحارب بمجرد أن رمى! ولم ينطلق رمحه عبثا، ~~بل إنه أصاب ميلانيبوس الجريء القلب - ابن هيكيتاون - في صدره ~~بجوار ثديه، وهو مقبل نحو المعركة. فسقط متخبطا وخيمت الظلمة على ~~عينيه. وعندئذ وثب أنتيلوخوس فوقه، كما يثب الكلب على ظبي جريح ~~أصابه الصياد بعد أن أحكم التصويب إليه وهو يقفز من جحره، فأرخى ~~أطرافه، هكذا أيضا هجم عليك أنتيلوخوس، الجريء في القتال، يا ~~ميلانيبوس، لينزع عنك حلتك الحربية، ولكن هكتور العظيم لمحه. فأقبل ~~يجري ليلقي به وسط المعركة، فلم يصمد أنتيلوخوس في مكانه - رغم أنه ~~محارب ماهر - وإنما هرب كوحش ارتكب شرا، كان قتل كلبا أو راعيا ~~بجانب أبقاره، فهو ينشد الهرب قبل أن يتجمع الناس! بمثل هذه الصورة ~~هرب ابن نسطور، فأمطره الطرواديون وهكتور في الحال وابلا من ~~سهامهم المؤلمة، وهم يصيحون صياحا عجيبا، ولكنه استدار ووقف، ~~عندما وصل إلى جيش ms347 زملائه. # صراع بين «هكتور» و«أياس» # بيد أن الطرواديين كانوا أشبه بالأسود النهمة، فهجموا على السفن، ~~تنفيذا لأوامر «زوس» الذي ظل يبث فيهم القوة البالغة، والذي ألان ~~قلوب الأرجوسيين، وسلبهم مجدهم، بينما كان يحرض الآخرين. فإن قلبه ~~بيت النية على منح هكتور بن بريام المجد، حتى يتمكن من أن يرمي ~~على السفن المدببة الأطراف نارا حامية لا يهن لها أوار. وبذلك ~~يحقق صلاة «ثيتيس» المتهورة بأكملها. ومن ثم راح زوس المستشار ~~ينتظر أن ترى عيناه وهج سفينة مشتعلة، إذ كان عليه - منذ تلك ~~الآونة - أن ينظم انسحاب الطرواديين عن السفن وفرارهم، ليمنح ~~الدانيين المجد. بهذه النية راح يثير هكتور بن بريام ضد السفن ~~الجوفاء. وكان هكتور نفسه متلهفا، مفعما بالشوق إلى ذلك. وكان ~~مهتاجا، مثل أريس الرماح، أو كما يحدث عندما تستشري النار المدمرة ~~في أحراش غابة كثيفة وسط الجبال، فتصاعد الزبد حول فمه، وقدحت ~~عيناه بالشرر - تحت حاجبيه المخيفين - وتأرجحت خوذته بعنف حول ~~صدغيه وهو يقاتل، لأن زوس كان يحميه وهو في السماء، وقد آثره ~~بالشرف والمجد وهو يقاتل وحده ضد محاربين عديدين، إذ كان أجله ~~قصيرا، وكانت الربة «أثينا» تتعجل منيته على يد ابن ~~بيليوس. # وراح هكتور يعجم أعواد الرجال، ويحاول اقتحام صفوفهم حيثما رآها ~~كثيفة زاخرة بأفضلهم تسلحا. بيد أنه لم يفلح قط في خرقها، رغم ~~تحمسه البالغ، لأنهم صمدوا راسخين كما لو كانوا جدارا، أو كأنهم ~~كانوا صخرة راسية، ضخمة، جد قريبة من البحر الرمادي، رابضة في مهب ~~الرياح العاتية، والأمواج الصاخبة التي تندفع نحوها بقوة، هكذا ~~قاوم الدانيون الطرواديين بثبات، دون أن يولوا الأدبار، ولكن ~~هكتور قفز وسط الجمع متوهجا من كل جانب، وكأنه شعلة من النار، ~~وهبط عليهم كما تهبط - تحت سحب العاصفة - موجة عاتية تطاردها ~~الرياح، على سفينة خفيفة، فتختفي هذه بأسرها وسط الزبد، وتزمجر هبة ~~الريح حول الشراع، فترتعد قلوب الملاحين هلعا، إذ لا يكادون ~~ينأون عن الموت إلا بشق الأنفس، هكذا كانت قلوب الآخيين ~~تضطرب داخل صدورهم، إذ هجم عليهم هكتور كأسد ms348 ضار ينقض على أبقار ~~لا عداد لها، ترعى في أرض حمأة، منخفضة، وبينها راع لم يتدرب ~~بعد على مقاتلة حيوان مفترس عقد عزمه على أن يفتك ببقرة ملتوية ~~القرن، فترى الراعي يجد السير بجانب أكثر الأبقار تقدما - تارة - ~~وبجانب أكثرها تأخرا - تارة أخرى - ولكن الليث يهجم في الوسط ~~ويفتك ببقرة منها. وإذ ذاك تفر جميع الأبقار مذعورة، على هذا النحو ~~استولى الخوف الرهيب على الآخيين جميعا، بفضل هكتور والأب زوس. ~~وبالرغم من أن هكتور لم يقتل سوى رجل واحد، هو «بيريفيتيس» العزيز ~~- القادم من موكيناي - ابن «كوبريوس» الذي اعتاد الملك «يورسثيوس» # 5 # أن يوفده إلى هرقل العتيد. فبالرغم من أن الأب كان ~~خسيسا وضيعا، إلا أنه أنجب ابنا فاق سواه في كل ضرب من ضروب ~~سرعة القدم والقتال، وفي رجاحة العقل كان هو الأول بين شعب ~~موكيناي. هذا هو الذي حقق لهكتور مجد النصر، إذ إنه تعثر - وهو ~~يستدير - في حافة ترسه الذي كان يحمله بنفسه، وكان ترسا يصل إلى ~~قدميه، وقاية ضد الرماح، فسقط إلى الخلف، ومن حول صدغيه جلجلت ~~خوذته بشدة. وسرعان ما لمحه هكتور فعدا إليه، ووقف بجانبه، وثبت ~~رمحه في صدره، وقتله بالقرب من رفاقه الأعزاء، الذين لم يفلحوا في ~~مساعدته - رغم حزنهم على زميلهم - إذ إنهم كانوا في هلع من هكتور ~~العظيم! # ووصلوا إلى وسط السفن، فاحتموا بمقدماتها، مقدمات السفن التي ~~كانت قد سحبت إلى الصف الأول، ولكن الطرواديين هجموا، فتقهقر ~~الأرجوسيون رغم أنفهم عن السفن الخارجية، ولكنهم صمدوا محتشدين إلى ~~جانب أكواخهم، ولم ينتشروا في أرجاء المعسكر، إذ كبحهم العار ~~والخوف، فأخذوا يتنادون بغير انقطاع وبأعلى الأصوات، ولكن صوت ~~نسطور الجيريني - حصن الآخيين - ارتفع على ما عداه، وهو يناشد كل ~~رجل، مستحلفا إياه بمن أنجبوه قائلا: «أصدقائي، كونوا رجالا، ~~واخجلوا من أولئك الأقوام. وليتذكر كل واحد منكم أطفاله وزوجته، ~~وأملاكه وأبويه، أحياء كانوا أم أمواتا، من أجل من هم ليسوا معنا ~~هنا، أتوسل إليكم الآن أن تقفوا بثبات، وألا تركنوا إلى ~~الفرار!» # وما إن ms349 قال هذا حتى أثار قوة وروح كل رجل، وأزالت «أثينا» الضباب ~~عن عيونهم، فوصل إليهم الضوء من كلا الجانبين ساطعا؛ من جانب ~~السفن، ومن جانب الحرب التي لا تبقي على أحد. فشاهدوا، جميعا ~~هكتور - الرائع في صيحة الحرب - ورفاقه، أولئك الذين كانوا في ~~المؤخرة ولم يشتركوا في القتال، وكل من قاتل بجانب السفن ~~السريعة. # إذ ذاك لم يعد قلب أياس - العظيم الجرأة - يقنع بالوقوف بعيدا ~~عن مكان وقوف بقية أبناء الآخيين، فأخذ يسير بخطى واسعة، صاعدا ~~وهابطا من ظهور السفن، وفي يديه رمح طويل يلوح به، رمح للقتال ~~البحري، معقود بحلقات، طوله اثنتان وعشرون ذراعا. وكما يسرج الرجل ~~الخبير بشئون الجياد أربعة خيول منتقاة من بين عدة خيول، فيشد كل ~~منها إلى الأخريات ويسوقها مسرعة من السهل إلى المدينة العظيمة، ~~عبر طريق عامة، بين إعجاب الكثيرين - رجالا ونساء - وهو يمضي ~~قدما، بل إنه ليقفز، وينتقل من جواد إلى آخر، وهي تعدو إلى ~~الأمام، هكذا ظل «أياس» يسير بخطى واسعة فوق ظهور السفن العديدة، ~~وقد ارتفع صوته إلى السماء وهو دائب على مناداة الدانيين بصيحات ~~هائلة، كي يدافعوا عن سفنهم وأكواخهم. ولم يبق هكتور في وسط حشد ~~الطرواديين المدرعين بالدرقات، وإنما انقض كصقر كاسر يهاجم ~~قطيعا من الطيور المجنحة كان يأكل بجانب شاطئ نهر، قطيع من الأوز ~~البري، أو الكراكي، أو البجع الطويل الأعناق. # هكذا انقض هكتور - هو الآخر - على سفينة دكناء الحيزوم هاجما ~~عليها مباشرة، وقد دفعه زوس من خلفه بيد خارقة القوة، مثيرا ~~الجيش كله معه. # وهكذا نشب القتال المرير - ~~من جديد - بجانب السفن. ولست بحاجة إلى أن أذكر لك أنهم أقبلوا على ~~الحرب في حمية، دون ما كلل ولا هوادة. وكانوا يفكرون في نضالهم على ~~هذا النحو: كان الآخيون يعتقدون أنهم ينبغي ألا يهربوا من الخطر ~~قط، بل عليهم أن يفنوا هناك. بينما كان كل طروادي يأمل في فؤاده أن ~~يشعل النيران في السفن ويقتل المحاربين الآخيين، وبهذه الأفكار، ~~وقف كل من الفريقين في مواجهة الآخر، ولكن هكتور ms350 أمسك بمؤخر ~~سفينة مبحرة، سفينة بديعة، سريعة، فوق البحر، كانت قد حملت ~~«بروتيسيلاوس» إلى طروادة، ولكنها لم تعد به ثانية إلى وطنه. # 6 # فحول سفينته راح الآخيون والطرواديون يقتلون بعضهم ~~بعضا في عراك متشابك، ولم يعد أحد منهم ينأى لكي يرسل السهام ~~والرماح في الهواء، بل وقف كل منهم جد قريب من الآخر، وراحوا - ~~بحمية واحدة - يقاتلون بالفئوس الحربية الحادة وبالبلطات، وبالسيوف ~~الكبيرة والرماح ذات الحدين! وكم من أسلحة هائلة، محبوكة بسيور ~~قاتمة عند المقبض، سقطت فوق الأرض، بعضها من الأيدي والبعض الآخر ~~من أكتاف المحاربين وهم يقاتلون، حتى تخضبت الأرض السوداء ~~بالدماء! # بيد أن هكتور لم يفلت السفينة، حين أمسك بمؤخرها، بل احتفظ ~~بطرفها في يديه، وصاح في الطرواديين بقوله: «أحضروا النار، وصيحوا ~~صيحة الحرب جميعا في صوت واحد؛ فقد وهبنا زوس الآن يوما يفوق كل ~~ما عداه، لسوف ندمر اليوم السفن التي جاءت إلى هنا بالرغم من ~~الآلهة، جالبة إلينا آلاما عديدة، بفضل جبن الشيوخ الذين منعوني - ~~عندما كنت متلهفا إلى القتال عند مؤخر السفن - كما منعوا الجيش، ~~ولكن إذا كان زوس - الذي يجلجل صوته إلى بعيد - قد أثقل عقولنا، ~~فإنه الآن من تلقاء نفسه يدفعنا ويرشدنا.» # هكذا قال، وشدد انقضاضه على الأرجوسيين، ولكن أياس لم يمكث في ~~مكانه طويلا؛ إذ كانت الرماح تحاصره بشدة. ولما كان دائم الحذر من ~~الموت، فإنه تقهقر قليلا بجانب منصة طولها سبع أقدام، # 7 # تاركا ظهر السفينة البديعة، فوقف هناك حذرا، يذود ~~برمحه عن السفينة كل من سعى من الطرواديين إلى أن يجلب إليها ~~النار التي لا تكل، وهو لا يكف عن إطلاق الصيحات المرعبة في ~~الدانيين، قائلا: «أيها الأصدقاء، أيها المحاربون الدانيون، يا ~~خدام أريس، كونوا رجالا، يا أصدقائي، وشدوا عزائمكم على الجرأة ~~الجامحة. أفنحسب أن ثمة حلفاء يحمون ظهورنا، أو سياجا أقوى من هذا ~~يذود الموت عن الرجال؟ الحق أن ليس ثمة مدينة محصنة بالأبراج، على ~~مقربة منا لنحتمي بها، ونجد فيها جيشا يستطيع أن يسيطر على كفة ~~المعركة، كلا، ms351 ليس هناك شيء من هذا، وإننا لنقف في سهل الطرواديين ~~المتدثرين بالدرقات، والبحر في ظهورنا، ونحن بمنأى عن وطننا؛ ومن ~~ثم فالسلامة في المعركة وليست في التراخي عن القتال.» # هكذا قال، وشرع يكيل الطعنات للعدو، ثائرا برمحه الحاد، فما من ~~طروادي كان يهجم على السفن الجوفاء، بنيران مستعرة - ليدخل السرور ~~على نفس هكتور - إلا وكان «أياس» يكمن له برمحه الطويل. ولقد جرح ~~اثني عشر رجلا في قتال متشابك أمام السفن. # | الأنشودة السادسة عشرة # «... ولم يلحظه باتروكلوس وهو يمر خلال الشغب؛ لأنه كان ملتفا ~~بضباب كثيف. فوقف أبولو خلفه، وضرب ظهره وكتفيه العريضتين براحة ~~يده، وإذا بعينيه تدوران. وأطاح أبولو بالخوذة عن رأسه ...» # كيف حارب باتروكلوس - مرتديا حلة أخيل الحربية - فأقصى ~~الطرواديين عن السفن، ولكنه قتل - في النهاية - على يد ~~هكتور؟ # بين «أخيل» و«باتروكلوس» # هكذا كانوا يحاربون حول السفينة المكينة المقاعد # 1 # ولكن «باتروكلوس» اقترب من أخيل - راعي الجيش - وهو ~~يذرف دموعا سخينة، أشبه بنافورة من الماء القاتم تسكب تيارها ~~المظلم على صخرة ناتئة. فلما أبصر به «أخيل» العظيم السريع ~~القدمين، أشفق عليه، وخاطبه بكلمات مجنحة قائلا: «لماذا تسبح في ~~الدموع يا باتروكلوس، كما لو كنت صبية غضة الإهاب، تجري إلى جانب ~~أمها، وتطلب منها أن تحملها، وتتعلق بثوبها فتعوقها عن السير، ~~وتتطلع إليها بعينين دامعتين، إلى أن تحملها الأم؟ إنك لتذرف الدمع ~~مثلها يا باتروكلوس، ألديك ما تريد أن تبوح به للمورميدون أو لي ~~أنا شخصيا، أم هناك نبأ من فثيا لم يسمعه أحد غيرك؟ إنهم ليقولون ~~إن مينويتيوس بن أكتور # 2 # لا يزال حيا، وإن بيليوس بن أياكوس يعيش وسط ~~المورميدون، فلو مات هذان لحزنا أشد الحزن وأمضه. أم تراك حزينا ~~على الأرجوسيين، وكيف يقتلون بجانب السفن الجوفاء بسبب تصرفهم ~~الجائر؟ أفصح، ولا تكتم الأمر في نفسك، حتى نستطيع أن نعرفه نحن ~~الاثنان.» # عندئذ أجبت أيها الفارس «باتروكلوس» - وأنت ترسل زفرة حرى - ~~فقلت: «أي أخيل، يا ابن بيليوس، يا من تبز جميع الآخيين عتوا، لا ~~تغضب، فإن نكبة بالغة ms352 قد حلت بالآخيين حقا، وإن جميع من كانوا ~~فيما مضى أشجع الشجعان، يرقدون الآن وسط السفن مصابين بالرماح أو ~~مجروحين بطعناتها؛ فقد أصيب ديوميديس العتيد، ابن توديوس، وجرح ~~أوديسيوس - المشهور برمحه - بطعنة من رمح، وكذلك أجاممنون، كما ~~أصيب «يوروبولوس» بسهم في فخذه. وإن الأطباء الماهرين في شتى ~~الأعشاب الطبية لمنهمكون حول هؤلاء، يحاولون معالجة جراحهم، بيد ~~أنه لا يمكن لأي رجل أن يعجم عودك، يا أخيل، فلا تدع مثل هذا الغضب ~~يستبد بك ضدي أبدا، ذلك الذي تحتفظ به، أنت يا من أوتي جسارة على ~~إيذاء الغير! بم يمكن للأجيال القادمة أن تفيد منك، إذا كنت لا ~~تمنع الدمار المشين عن الأرجوسيين؟ يا عديم الرحمة، إن أباك - كما ~~يبدو لي - لم يكن الفارس بيليوس، لا ولا كانت «ثيتيس» أمك، ولكن ~~البحر الرمادي هو الذي حملك، والصخور الناتئة، إذ إن قلبك لا يلين. ~~أما إذا كنت تتحاشى نبوءة ما في نفسك، أو أخبرتك أمك الجليلة بشيء ~~ما من لدن زوس، فيمكنك على الأقل أن ترسلني بسرعة، ودع بقية جيش ~~«المورميدون » يتبعوني، لعلي أستطيع أن أبرهن على أنني ضوء الخلاص ~~للدانيين. وامنحني الحق في أن أشد إلى كتفي حلتك الحربية، أملا في ~~أن يحسبني الطرواديون إياك، وبذلك يكفون عن الحرب، فيمكن لأبناء ~~الآخيين الجسورين أن يتنفسوا الصعداء، وهم متعبون؛ لأن أمد التنفس ~~في الحرب ضئيل، وإذ ذاك نستطيع نحن غير المتعبين أن نطرد - بسهولة ~~- الرجال المتعبين، فنردهم بالقتال إلى المدينة، بعيدا عن السفن ~~والأكواخ.» # هكذا تكلم متوسلا، فيا له ~~من أحمق! لأنه في الحقيقة إنما كان يتوسل لموته ومصيره المشئوم. ~~عندئذ تحدث إليه «أخيل» - السريع القدمين - وقد تأثر في نفسه ~~تأثرا عميقا، فقال: «الويل لي، يا باتروكلوس، سليل زوس، ما هذا ~~الذي قلت؟ إنني لا أكترث لأية نبوءة أنبئت بها، كما أن أمي الجليلة ~~لم تخبرني بشيء من عند زوس، ولكن حزنا بغيضا يهبط على قلبي ~~ونفسي، عندما يعتزم أن يسلب آخر من أنداده ويغتصب منه جائزته، لأنه ~~يفوقه قوة. إن هذا ms353 ليسبب لي غما ما بعده غم؛ إذ إنني قد عانيت ~~الآلام في قلبي. إن الفتاة التي انتقاها لي أبناء الآخيين جائزة، ~~تلك التي ربحتها برمحي - عندما خربت مدينة مكينة الأسوار - أخذها ~~من بين ذراعي الملك أجاممنون بن أتريوس الجبار، وكأنني غريب متطفل، ~~ومع كل فلندع الماضي لأنه فات وانقضى. وليس لإنسان أن يضمر ~~الغضب إلى الأبد. وإن كنت قد قلت إنني لن أطرح عني الغضب، حتى تحين ~~الساعة التي تأتي فيها إلى سفني صيحة الحرب والقتال. فتعال إذن، ~~وضع حلتي الحربية الرائعة فوق كتفيك، وتول قيادة المورميدون ~~المشغوفين بالقتال، إذا كانت غمامة الطرواديين السوداء قد طوقت ~~السفن حقا، ودفعت الأرجوسيين إلى ساحل البحر، ولم يبق لهم سوى ~~رقعة ضيقة من الأرض، وقد خرجت مدينة طروادة على بكرة أبيها ضدهم ~~غير هيابة؛ لأنها لا ترى مقدم خوذتي الشديدة التألق قريبا! ولو ~~أن الملك أجاممنون كان قد أحسن معاملتي، لجعلت الطرواديين يفرون ~~خفافا، ولامتلأت مجاري المياه بموتاهم، ولكنهم الآن يحاربون حول ~~المعسكر؛ لأن الرمح لا يثور في يدي «ديوميديس بن توديوس »، ليدفع ~~الخراب عن الدانيين، كما أنني حتى الآن لم أسمع صوت ابن أتريوس، ~~صارخا من فمه البغيض! كلا، فما يجلجل حولي سوى صوت هكتور قاتل ~~البشر، مناديا الطرواديين، وهم يملئون السهل كله بصيحاتهم، ويفنون ~~الآخيين في القتال. ومع كل فاهجم في جبروت يا باتروكلوس، كي تدفع ~~الخراب عن السفن، خشية أن يحرقوها فعلا بالنار المستعرة ويحرموا ~~الإغريق من عودتهم المشتهاة. أصغ إلي حتى أقر في ذهنك آخر ~~نصائحي، وبذلك يتسنى لك - على ما أرى - أن تكسب لي مجدا عظيما ~~وشهرة على جميع الدانيين، عسى أن يردوا لي تلك الفتاة الفاتنة، ~~ويضيفوا إليها جوائز نفيسة. وبعد أن تطردهم من السفن، عد ثانية، ~~وإذا أنعم بعل هيرا # 3 ~~- المرعد عاليا - بكسب المجد، فلا تتلهف إلى محاربة ~~الطرواديين - المحببين للقتال - بعيدا عني، فإنك بذلك تقلل من ~~مجدي. وإياك أن تسير إلى «طروادة» - في نشوة الحرب والقتال وتذبيح ~~الطرواديين - لئلا يهبط أحد الآلهة الخالدين من ms354 أوليمبوس وينضم إلى ~~القتال. فإن أبولو - الذي يعمل من بعيد - يحبهم حبا جما. كلا، ~~بل عد أدراجك بمجرد أن تحصل على بارقة خلاص وسط السفن، ودع للباقين ~~مشقة القتال في السهل؛ لأنني أتمنى - يا أبتاه زوس، ويا أثينا، ويا ~~أبولو - ألا يتمكن طروادي واحد من الموت، ولا أي فرد من ~~الأرجوسيين، بل لننجو نحن الاثنان من الهلاك، كي نحظى وحدنا بتاج ~~طروادة المقدس.» # هكتور يشعل النار في السفن! # هكذا تكلم كل منهما إلى الآخر، ولكن أياس # 4 # لم يصمد أكثر من ذلك، لأن الرماح كانت تحاصره بشدة، ~~كانت مشيئة زوس متفوقة عليه، وكذلك الطرواديون الظافرون بحرابهم، ~~فأخذت الخوذة البراقة تجلجل حول صدغيه بعنف - بغير انقطاع - ~~والرماح تصيبها، إذ كانت تضرب باستمرار فوق قطع الخدين المتينة ~~الصنع. ودب التعب بكتفه اليسرى، إذ كان ممسكا بترسه البراق ~~بإحكام، يلوح به دون هوادة. ولم يكن في مقدورهم أن يدفعوه إليه ~~محطما، رغم ضغطهم الشديد عليه بالرماح، وزاده تعبا أن ضاقت ~~أنفاسه، وأخذ العرق يتصبب من أطرافه غزيرا من كل جانب، دون أن ~~تتاح له لحظة يسترد فيها أنفاسه، فكان الأذى يتراكم على الأذى، من ~~كل جانب! # والآن، خبرنني يا ربات الشعر، يا من لكن مساكن فوق أوليمبوس: كيف ~~اندلعت النار لأول مرة في سفن الآخيين؟ # إنه هكتور الذي اقترب من «أياس» وضرب رمحه الدرداري بسيفه الكبير ~~بالقرب من طرفه - عند قاعدة السن - فحطمه شر تحطيم، وبذا كان أياس ~~يلوح عبثا برمح عديم السن، إذ سقطت رأس الرمح البرونزية بعيدا ~~عنه، تجلجل على الأرض. وعندئذ ارتجف أياس إذ هالته أعمال الآلهة؛ ~~فقد أدرك - في قرارة قلبه - كيف أن زوس الذي يرعد في عليائه، قد ~~أفسد عليه خططه الحربية كلية، ليمنح الظفر للطرواديين. فتقهقر ~~بعيدا عن مرمى الرماح. وإذ ذاك قذف الطرواديون على السفينة ~~السريعة نارا ضارية، فاندلعت فيها نيران لا سبيل إلى ~~إخمادها. # وهكذا طوقت النيران مؤخر السفينة، ولكن «أخيل» ضرب كلتا فخذيه ~~وتحدث إلى باتروكلوس قائلا: «انهض يا باتروكلوس، يا سليل زوس، ~~وسيد ms355 الفرسان. فوا عجبا إني لأرى هجمة النار المدمرة بجانب السفن. ~~ليتهم لا يستولون على السفن، ولا يكون هناك فرار بعد ذلك! البس ~~حلتك الحربية بمنتهى السرعة، ريثما أجمع أنا الجيش.» # المورميدون يستعدون! # وما إن قال هذا، حتى أعد باتروكلوس نفسه في البرونز البراق، فلبس ~~أولا درعي السيقان حول ساقيه، وكانتا بديعتين، ومثبتتين بقطع من ~~الفضة في عقبيه. ثم ارتدى حول صدره درقة ابن أياكوس السريع القدمين ~~المصنوعة صنعا فاخرا، والمزركشة بالنجوم. ورفع السيف البرونزي ~~المرصع بالفضة على كتفيه، وأتبع ذلك بالدرع الكبيرة المكينة، ثم ~~وضع الخوذة المتينة الصنع - ذات الخصلة من شعر الخيل - فوق رأسه ~~العتيد، فأخذت الخصلة تهتز بشدة. وتناول رمحين قويين يليقان ~~بقبضتيه، ولكنه لم يأخذ رمح ابن أياكوس المنعدم النظير، ذلك الرمح ~~الثقيل، الضخم، المتين، الذي لم يكن في مقدور غيره من الآخيين أن ~~يستخدمه، اللهم إلا أخيل وحده الذي برع في استخدامه. إنه ذلك الرمح ~~البيلي، المصنوع من الدردار، الذي أعطاه خايرون لأبيه العزيز، ~~وصاغه ذؤابة بيليون ليكون أداة لقتل المحاربين. وأمر «أوتوميدون» # 5 # أن يضع النير بسرعة على أعناق الجياد، وكان يبجله أعظم ~~تبجيل - بعد «أخيل» محطم صفوف البشر - ويعتبره أعظم الجميع إخلاصا ~~لندائه في المعركة. وعند أمره، قاد «أوتوميدون» الجوادين السريعين ~~تحت النير، وهما: كسانثوس، وباليوس اللذان كانا يطيران في سرعة ~~الريح، واللذان أنجبتهما الهاربيوبودارجي للريح الغربية، بينما ~~كانت ترعى في المرج بجوار مجرى أوقيانوس. وفي جرارات العربة ~~الجانبية، أسرج بيداسوس العظيم الذي أحضره أخيل، ذات مرة، عندما ~~استولى على مدينة أيثيون. ومع أنه كان من جياد الدنيا الفانية، إلا ~~أنه جارى الجوادين الخالدين! # أما «أخيل»، فقد راح يسير خلال الأكواخ، ويحمل جميع المورميدون ~~على ارتداء حللهم الحربية، ثم تدفقوا إلى الأمام كالذئاب النهمة، ~~وفي قلوبها قوة تفوق الوصف، ذئاب قتلت في التلال غزالا عظيم ~~القرون، ومزقته فتخضبت أفواهها جميعا بالدم. ثم أقبلت بجمعها تلعق ~~بألسنتها الرفيعة سطح الماء الأسود في نبع قاتم، متجشئة الدم في ~~نفس الوقت، وقلوبها رابضة في صدورها، وبطونها منتفخة، ms356 هكذا هرع ~~القادة وحكام المورميدون فورا، فألقوا حول الخادم الشجاع لابن ~~أياكوس السريع القدمين. وفي وسطهم جميعا وقف «أخيل» الباسل، يحمس ~~كلا من الجياد والرجال الذين يحملون التروس. # خمسون كانت السفن السريعة التي قادها «أخيل» - حبيب زوس - إلى ~~طروادة. وفي كل سفينة خمسون رجلا من رفاقه يجلسون بجانب فتحات ~~المجاذيف. وكان قد عين خمسة من القواد الموثوق بهم لإصدار أوامره، ~~بينما تزعم بنفسه الجميع، بفضل قوته العظيمة. وكانت الفرقة الأولى ~~بقيادة مينيسثيوس ذي الدرقة اللامعة، ابن سبيرخايوس، النهر المنحدر ~~من السماء، وقد أنجبته ابنة بيليوس - بولودورا الفاتنة # 6 ~~- لسبيرخايوس الذي لا يكل، امرأة اضطجعت مع إله، ولكنه ~~كان - بالاسم - ابنا لبوروس بن بيريريس، الذي تزوجها علنا، عندما ~~قدم لها هدايا عرس لا تعد ولا تحصى! أما قائد الفرقة الثانية فكان ~~يودوروس الصنديد، ابن فتاة لم تتزوج! فقد أنجبته بولوميلي ابنة ~~فولاس المبدعة في الرقص. إذا افتتن بها صياد أرجوس القوي # 7 # عندما وقع بصره عليها وسط العذارى المغنيات، في قاعة ~~رقص أرتيميس، الصيادة السريعة الجري، ذات السهام الذهبية. فصعد ~~هيرميس البار إلى غرفتها العليا في الحال، واضطجع معها سرا، ~~فأنجبت له ابنا عظيما، هو «يودوروس»، وكان مبرزا في سرعة القدم ~~والقتال. وما إن رأى النور، بمعونة «أيليثويا» - ربة المخاض - ورأى ~~أشعة الشمس، قاد أخيكليس بن أكتور المغوار «بولوميلي» إلى بيته، ~~بعد أن قدم لها هدايا زواج تفوق الحصر. وراح فولاس العجوز يربي ~~«يودوروس» ويرعاه بحنان، ويحبه ويعزه كما لو كان ابنه الحق، أما ~~الفرقة الثالثة فكان قائدها «بايساندر» الباسل، ابن مايمالوس ~~المبرز وسط جميع المورميدون في القتال بالرمح، من بعد رفيق ابن ~~بيليوس، وقاد الفرقة الرابعة الفارس المسن فوينكس، # 8 # والخامسة الكيميدون # 9 # المنقطع النظير، ابن لايركيس. وإذ أعدهم «أخيل» أخيرا ~~في صفوف مع قادتهم - وقد فصل كل فرقة عن الأخرى - أصدر إليهم أمره ~~صارما، إذ قال: «أيها المورميدون، إنني آمركم بألا ينسى أحدكم ~~التهديدات التي هددتم بها الطرواديين بجوار السفن السريعة طوال مدة ~~غضبي، وقد عنفني كل واحد منكم، ms357 قائلا: «أيها الابن القاسي ~~لبيليوس، لا بد أن أمك قد نشأتك على غل، يا عديم الرحمة؛ لأنك ~~تحتجز رفاقك بجانب السفن ضد إرادتهم. فلنعد ثانية إلى الوطن بسفننا ~~البحرية، طالما أن غضبا شريرا كهذا قد تملك قلبك!» بمثل هذه ~~العبارات كثيرا ما اجتمعتم ورميتموني. وها هو ذا الآن عمل حربي ~~عظيم أمامكم، طالما استهواكم فيما مضى. فليقاتل كل واحد منكم ~~الطرواديين بقلب جسور.» # وما إن قال هذا حتى أثار قوة جميع الرجال وشجاعتهم، فازدادت ~~الصفوف تقاربا عندما سمعوا مليكهم. # وكما يحدث عندما يبني الرجل حائط منزل عال بأحجار متراصة، ~~ليتحاشى قوة الرياح، هكذا أيضا كانت خوذاتهم وتروسهم - ذات ~~الحدبات - متراصة في تقارب شديد، فكان الترس يحتك بالترس، والخوذة ~~بالخوذة، والرجل بالرجل. وكانت الخصلات المتخذة من شعر الخيل ~~تتلامس فوق حافات الخوذات البراقة، كلما حرك الرجال رءوسهم. في مثل ~~هذا الترتيب المتراص، وقفوا واحدا بجانب الآخر. وفي مقدمتهم ~~جميعا، تأهب اثنان للقتال؛ باتروكلوس وأوتوميدون. وقد وطد كلاهما ~~العزم على أن يقاتل في مقدمة المورميدون. أما أخيل فذهب إلى كوخه، ~~وفتح غطاء صندوق بديع فاخر الترصيع، كانت «ثيتيس » - الفضية ~~القدمين - قد وضعته في سفينته كي يحمله معه، بعد أن ملأته تماما ~~بالعباءات والمعاطف الواقية من الريح، وبأبسطة من الصوف. وكانت ~~بداخله كأس بديعة الصنع، ما كان لإنسان يطمع في أن يشرب منها الخمر ~~النارية التألق، وما كان هو ليتوق إلى أن يسكب الشراب لأي إله سوى ~~أبيه زوس، فتناول هذه الكأس من الصندوق، ونظفها أولا بالكبريت، ثم ~~غسلها في مجاري الماء الهادئة - كما غسل يديه - وملأها خمرا ~~صهباء. ثم صلى، وهو واقف وسط الساحة، وسكب الخمر متطلعا إلى ~~السماء! ولم يكن ليخفى - إذ ذاك - على عيني زوس، الذي يقذف ~~بالصاعقة. ثم قال: «أي زوس، أيها الملك الدودوني # 10 # البيلاسجي، # 11 # يا من تسكن نائبا، حاكما على دودونا الشتوية، ويقطن ~~حولك «السيلي» مفسرو علاماتك - ذوو الأقدام غير المغسولة - الذين ~~ينامون فوق الأرض. لقد كنت في سابق الأزمان تستمع إلى كلامي حين ~~كنت أدعوك، ms358 ولقد أكرمتني، فضربت جيش الآخيين بقوة. فحقق لي - الآن ~~كذلك - رغبتي هذه، ولسوف أبقى أنا نفسي في حشد السفن، بينما أرسل ~~زميلي مع جيش «المورميدون» ليحارب، فلترسلن المجد معه، يا زوس ~~- يا من يحمل صوته نائيا - واجعل القلب القائم في صدره جسورا، كي ~~يعلم هكتور ما إذا كان خادمي ماهرا وحده في القتال، أم أن يديه لا ~~تهيجان دون تردد إلا كلما خضت أنا في ساحة قتال أريس. وبعد أن ~~يقصي الحرب وطنينها بعيدا عن السفن، ويغدو كل شيء سالما من ~~العطب، فأعده إلى السفن السريعة بكل أسلحته، ورفاقه الذين يقاتلون ~~في عراك متشابك.» # هكذا تكلم متوسلا، وسمعه زوس، المستشار، فمنحه جزءا مما طلب ~~وأبى عليه الجزء الآخر؛ وافق على أن يدفع باتروكلوس الحرب والقتال ~~بعيدا عن السفن، أما عودته سالما من المعركة فقد أباها. # وبعد أن سكب «أخيل» السكيبة وصلى للأب زوس، ذهب ثانية إلى خيمته، ~~وأعاد الكأس ثانية إلى الصندوق، وأقبل فورا يقف أمام الكوخ؛ لأن ~~قلبه كان لا يزال تواقا إلى مشاهدة الصراع الفتاك بين الطرواديين ~~والآخيين. # أما أولئك الذين اصطفوا مع باتروكلوس العظيم النفس ، فظلوا يسيرون ~~حتى انقضوا على الطرواديين بأرواح عالية. وفي الحال تدفقوا كأنهم ~~زنابير الطريق التي يتوق الصبيان إلى إثارة غضبها، وتعذيبها في ~~عشاشها بجانب الطريق، فيا لهم من حمقى، وكم من شر عام يسببونه ~~للكثيرين! ذلك أن الزنابير - إذا تصادف أن مر عليها راحل ما، ~~فأثارها عن غير قصد - تنطلق كلها طائرة بكل ما في قلبها من جرأة ~~وتقاتل كل منها دفاعا عن صغارها، هكذا تدفق «المورميدون» من السفن ~~بجرأة وشجاعة، فارتفعت صيحة لا تخمد، ولكن باتروكلوس نادى على ~~رفاقه بصرخة عالية، قائلا: «أيها المورميدون، زملاء أخيل ~~بن بيليوس، كونوا رجالا يا أصدقائي وتذكروا جرأتكم الثائرة، ~~نستطيع أن نكسب المجد لابن بيليوس - خير الأرجوسيين - الذي يقوم ~~بجانب السفن، ومعه أعوانه الخبيرون بالنزال، وكي يدرك أجاممنون ~~الواسع الملك - ابن أتريوس - عمى قلبه، إذ إنه لم يحترم قط خير ~~الآخيين.» # وما إن قال هذا ms359 حتى أثار قوة الرجال جميعا وحميتهم فانقضوا على ~~الطرواديين في حشد واحد، فرددت السفن حولهم صيحة الآخيين بدرجة ~~عجيبة. على أن الطرواديين لم يكادوا يبصرون ابن مينويتيوس الجسور ~~نفسه، وخادمه، يتألقان في حلتيهما الحربيتين، حتى اضطرب قلب كل ~~رجل، وارتجفت كتائبهم إذ حسبت أن ابن بيليوس السريع القدمين قد نزل ~~عن غضبه - وهو بجانب السفن - وعاد إلى الوئام. وراح كل رجل يتلفت ~~حوله ينشد سبيلا يمكنه من أن يهرب من الهلاك المحقق. # مغامرات باتروكلوس! # وإذ ذاك كان باتروكلوس هو أول من رمى برمحه البراق في الوسط ~~مباشرة، حيث كان الرجال متكتلين بشدة بالقرب من مؤخرة سفينة ~~بروتسيلاوس العظيم الهمة، فأصاب بورايخميس، الذي كان يقود ~~البايونيين - سادة العربات - خارج أمودون، قادما بهم من أكسيوس ~~الواسع الجريان. ولقد أصابه فوق كتفه اليمنى، فسقط إلى الوراء في ~~التراب وهو يئن، ومن حوله دبت الفوضى بين رفاقه البايونيين، فقد بث ~~باتروكلوس الفزع فيهم، بقتله قائدهم المبرز في القتال. وطردهم من ~~داخل السفن، وأطفأ النار المشتعلة. وبقيت السفينة هناك نصف محترقة، ~~وقد جلا عنها الطرواديون في فوضى، محدثين طنينا عجيبا. وتدفق ~~الدانيون وسط السفن الجوفاء، فتصاعد صخب لا يكف. وكما يحدث عندما ~~يسوق زوس - الذي يجمع البروق من الذؤابة العالية لجبل شامخ - سحابة ~~كثيفة، بعيدا، فتتجلى للعيان - في الحال - جميع قمم الجبال ~~والربى العالية والوهاد، ومن السماء ينطلق الهواء اللانهائي، هكذا ~~أيضا تمتع الدانيون، عندما أبعدوا النار النهمة عن السفن، وحظوا ~~براحة وجيزة. ومع ذلك، فلم يكن هناك أي توقف عن القتال؛ إذ لم ~~يكن الطرواديون قد أجلوا نهائيا، عن السفن السوداء، على أيدي ~~الآخيين أحباء زوس. بل إنهم ظلوا يحاولون مقاومتهم، ويتقهقرون عن ~~السفن بالقوة. # وأخذ الرؤساء - بعد ذلك - يقتلون بعضهم بعضا، بمجرد أن انتشر ~~المحاربون في ساحة الوغى. فأولا: أصاب ابن مينويتيوس الجسور فخذ ~~أرايلوكوس برمية من رمحه الحاد، في الوقت الذي استدار فيه ليهرب. ~~وانغرس البرونز عميقا، فحطم الرمح العظم، وانكفأ على وجهه فوق ~~الأرض، وطعن مينيلاوس الباسل فأصاب ثواس # 12 # في ms360 صدره - الذي كان عاريا عند حافة الدرع - وأرخى ~~أطرافه. وبينما كان ابن فوليوس يراقب أمفيكلوس - وهو ينقض عليه - ~~أثبت أنه أسرع من غريمه، فضربه فوق قاعدة ساقه، حيث تبلغ العضلة ~~أقصى سمكها، وتمزقت الأوتار العضلية حول طرف الرمح، وخيمت الظلمة ~~على عينيه. ثم جاء أنتيلوخوس - أحد أولاد نسطور - وطعن أتومنيوس ~~برمحه الحاد، دافعا الرمح البرونزي خلال جنبه، فسقط إلى الأمام. ~~لكن ماريس - الذي كان قريبا - هجم برمحه على أنتيلوخوس، غضبا ~~لمقتل شقيقه. واتخذ وقفته أمام الميت، بيد أن ثراسوميديس - شبيه ~~الإله - كان أسرع منه كثيرا. وفي الحال ضربه فوق كتفه - قبل أن ~~يتمكن من الطعن - فلم يخطئه، ومزق طرف الرمح قاعدة الذراع، بعيدا ~~عن العضلات، وفصل العظم وحطمه، فسقط مرتطما بالأرض، وخيمت الظلمة ~~على عينيه. ولما هزم هذان الاثنان - بأيدي شقيقين - انطلقا في ~~طريقهما إلى أيريبوس، # 13 # وهما الرفيقان العظيمان لساربيدون، # 14 # والرماحان ابنا أميسوداروس، الذي ربى الخيمايرا ~~الجبارة، جالبة الهلاك لكثير من البشر. وقفز أياس بن أويليوس، على ~~كليوبولوس، وأمسك به حيا، مرتبكا وسط الحشد. وهناك أيضا جرده ~~من قوته، إذ ضرب عنقه بسيفه البتار، فسرت السخونة إلى جميع النصل ~~من دمه، وأغمض الموت المظلم عينيه، فلقي مصيره الرهيب. عند ذلك ~~انقض كل من بينيليوس ولوكون على الآخر - في وقت واحد - برمحيها، ~~فأخطأ كل منهما الثاني، ورمى كلاهما رمحه عبثا، ولكنهما عادا من ~~جديد، فهجما بسيفيهما - في آن واحد - وضرب لوكون غريمه فوق قرن ~~الخوذة - ذات الخصلة المتخذة من شعر الخيل - فتحطم السيف عند ~~مقبضه، ولكن بينيليوس ضرب عنقه أسفل أذنه، فانغرس النصل كله، ولم ~~يبق غير الجلد وتدلى الرأس جانبا، وارتخت الأطراف. أما ~~ميريونيس فقد باغت أكاماس بخطى واسعة سريعة - بينما كان يعتلي ~~عربته - وأصابه فوق كتفه اليمنى، فهوى من عربته، وخيمت غمامة فوق ~~عينيه. ثم ضرب أيدومينيوس «أروماس» فوق فمه بطعنة من البرونز الذي ~~لا يرحم، فمرق الرمح البرونزي إلى الداخل - أسفل المخ - وشق العظام ~~البيضاء، وتساقطت أسنان أروماس، وامتلأت عيناه بالدم. وكذلك أخذ ~~الدم يتدفق من ms361 فمه ومنخريه كلما فغر فاه، وغشيت عينيه سحابة سوداء ~~من الموت. # وهكذا قتل كل قائد من قادة الدانيين غريما، وكما تهجم الذئاب ~~الفاتكة على الحملان أو الجداء، منتقية إياها من بين القطعان إذ ~~تتناثر وسط الجبال في غفلة من الراعي، فتبصر بها الذئاب، وفي الحال ~~تخطف صغارها الضعيفة القلوب، هكذا أيضا هجم الدانيون على ~~الطرواديين، فإذا بهؤلاء يوطدون العزم على الفرار المزري، وينسون ~~شجاعتهم الثائرة. # وكان أياس العظيم دائم التلهف على قذف رمحه صوب خوذة هكتور ~~البرونزية، ولكن هذا غطى كتفيه العريضتين بدرع من جلد الثور، وراح ~~- بدهائه في الحرب - يراقب دوران السهام السريعة، وقذف الرماح. ~~فعرف أن تيار النصر كان ينحرف حقا، ولكنه رغم ذلك صمد، وحاول ~~جهده أن ينقذ زملاءه المخلصين. # وكما يحدث عندما تتجه سحابة من أوليمبوس مغادرة الهواء المقدس، ~~نحو السماء، حين ينشر زوس العاصفة، هكذا أيضا انبعث صراخ ~~الطرواديين وشغبهم وهم ينأون عن السفن، ولم يخطوا بنظام وهم ~~يعبرون الخندق من جديد. أما هكتور فقد حملته جياده السريعة الأقدام ~~بعيدا بعدته الحربية، وترك جيوش طروادة، التي حجزها الخندق ~~العميق، على غير رغبتها. وفي الخندق قام كثير من الجياد التي كانت ~~تجر العربات، بتحطيم مقدمات أذرع العربات، لتنطلق متحررة منها، ~~ولكن باتروكلوس تعقبها، وهو ينادي بشدة على الدانيين، وقد أضمر ~~الشر للطرواديين، بينما ملأ هؤلاء جميع الطرقات صياحا، إذ تحطمت ~~صفوفهم، وارتفع مثار النقع عاليا حتى بلغ السحب. وجاهدت الخيول ~~القوية الحوافر عائدة إلى المدينة من السفن والأكواخ، ولكن ~~باتروكلوس أخذ يقود عربته إلى أكثر البقاع ازدحاما بالهاربين، وهو ~~يصيح. وطفق الرجال يتساقطون بسرعة من عرباتهم تحت عجلاته، وقد ~~انقلبت عرباتهم، ولكن الجياد السريعة - الجياد الخالدة التي أعطتها ~~الآلهة لبيليوس هدية مجيدة - قفزت قدما عبر الخندق، وراح قلب ~~باتروكلوس يحثه ضد هكتور؛ لأنه كان تواقا إلى إصابته، ولكن جياد ~~هكتور السريعة ظلت تحمله بعيدا. وكما يحدث أن يشتد الضغط على ~~الأرض السوداء كلها تحت وطأة العاصفة - في أحد أيام الحصاد - عندما ~~يسقط زوس الأمطار بمنتهى العنف، ms362 كلما اشتد غيظه من البشر الذين ~~يصدرون بالقوة أحكاما عوجاء في مكان الحشد، ويطردون العدالة ~~خارجا، غير مكترثين لانتقام الآلهة، فتفيض جميع أنهارهم، وتشق ~~السيول طريقها عميقا خلال تلال كثيرة، وتتدفق من الجبال بسرعة ~~إلى البحر القائم بهدير عنيف، فتخرب الحقول التي فلحها البشر، مثل ~~هذا العنف كان صهيل أفراس الطرواديين وهي تسرع إلى الأمام! # وبعد أن فرق باتروكلوس الكتائب الأولى، دفعها ثانية صوب السفن، ~~دون أن يمكنهم من وضع أقدامهم في المدينة، رغم شوقهم، إذ هجم وسطهم ~~بين السفن والنهر والجدار المرتفع، وقتلهم، فثأر للقتلى الكثيرين ~~من زملائه. وضرب هناك أولا «برونوس» برمية من رمحه البراق، فوق ~~صدره، في مكان كان عاريا بجانب حافة الدرع، وأرخى أطرافه، فسقط ~~مرتطما بالأرض. ثم هجم على ثيستور بن أينوبس، وكان يجلس القرفصاء ~~في عربته المصقولة. فقد كان باله مشتتا من الذعر، فأفلتت الأعنة ~~من يديه، وعندئذ اقترب منه باتروكلوس، وضربه فوق صدغه الأيمن ~~برمحه، ودفعه خلال أسنانه، ثم جذب باتروكلوس الرمح فوق حافة ~~العربة، كما يحدث تماما عندما يجذب رجل جالس على صخرة ناتئة سمكة مقدسة # 15 # من البحر إلى البر، بخيط وشص لامع من البرونز. هكذا ~~أيضا جذب الرمح البراق ومعه ثيستور الذي كان فاغر الفم في العربة، ~~وألقى به فوق الأرض منكفئا على وجهه، ففارقته روحه بمجرد أن ~~سقط. # وما إن هجم عليه «أرولاوس» - بعد ذلك - حتى ضربه بصخرة على ~~رأسه، بكل ما أوتي من قوة، فانشق رأسه نصفين داخل الخوذة الثقيلة، ~~وسرعان ما وقع على الأرض، وقد هبط عليه الموت، قاتل الروح. ثم جندل ~~«أروماس»، وأمفوتيروس، وأيبالتيس، وتليبوليموس - وهما ابنا ~~داماستور، وأخيوس، وبوريس، وأيفيوس، وأيبوس، وبولوميلوس بن أرجياس، ~~كل هؤلاء أسقطهم واحدا بعد آخر على الأرض الفسيحة. # مصرع ساربيدون! # غير أن ساربيدون لم يكد يرى رفاقه - الذين يرتدون العباءة بغير ~~زنار - يتهاوون بين يدي باتروكلوس بن مينويتيوس، حتى صاح عاليا، ~~يعير اللوكيين، أشباه الآلهة، قائلا: «يا للعار، أيها اللوكيون، ~~إلى أين أنتم هاربون؟ أسرعوا الآن إلى القتال، ودعوني أنازل ms363 هذا ~~الرجل، كي أستطيع معرفة من يكون هذا البطل الذي له الغلبة هنا، ~~والذي أنزل بالطرواديين كثيرا من الأسى، حيث أرخى ركب كثير من ~~الرجال الأخيار!» # وما إن تكلم، حتى وثب في حلته الحربية من عربته إلى الأرض. فلما ~~أبصر به باتروكلوس - في الجهة المقابلة - انقض من عربته. وكما ~~تتقاتل النسور ذات البراثن المعقوفة والمناقير المقوسة، وهي تصرخ ~~عاليا فوق صخرة شاهقة، هكذا أيضا بالصرخات هجم كل منهما على ~~الآخر. وأشفق ابن كرونوس، ذو المشورة الملتوية، عندما شاهدهما. ~~فتحدث إلى «هيرا» - شقيقته وزوجته - قائلا: «ويحي، الويل لي؛ ~~لأنه مكتوب أن ساربيدون - أعز الناس علي - سيلقى حتفه على يدي ~~باتروكلوس بن مينويتيوس! وإن قلبي لمنقسم في صدري إلى قسمين، إذ ~~يتنازعني رأيان: هل أخطفه وهو لا يزال حيا وأبعده عن الحرب ~~المبكية في أرض لوكيا الغنية، أم أتركه الآن يقتل على يدي ~~ابن مينويتيوس؟» # فأجابته «هيرا» الجليلة، بقولها: «يا أفظع ابن لكرنوس، ما هذا ~~الذي تفوهت به! ما هو إلا رجل من البشر، ذو أجل محدد، أفي نيتك أن ~~تخلصه ثانية من الموت المؤلم؟ افعل ما يحلو لك، ولكنا جميعا نحن ~~الآلهة الآخرين - لا نقر ذلك. وسأقول لك شيئا آخر، فضعه نصب ~~عينيك: إذا أرسلت ساربيدون حيا إلى داره، فتذكر أنه ربما كان ~~ثمة إله آخر يرغب كذلك في أن يقصي ابنه العزيز عن الصراع العنيف. ~~فإن كثيرا من أبناء الخالدين يحاربون حول مدينة بريام العظيمة، ~~ولسوف تثير الغضب الرهيب لدى كثير من الآلهة. أما إذا كان هذا ~~عزيزا عليك، وقلبك يئس من أجله، فدعه يقتل فعلا - في الصراع ~~الطاحن - على يدي باتروكلوس بن مينويتيوس، حتى إذا غادرته روحه ~~وحياته، فأرسل الموت والنوم اللذيذ ليحملاه إلى أرض لوكيا الفسيحة، ~~وهناك سوف يتولى أشقاؤه وأقاربه دفنه في أكمة، ويقيمون له نصبا، ~~فهذا حتى للموتى!» # هكذا تكلمت، فلم يتردد أبو البشر والآلهة في الإصغاء إليها. ومع ~~ذلك فإنه أراق على الأرض وابلا من الدماء، تكريما لابنه العزيز، ~~الذي كان باتروكلوس على وشك أن ms364 يقتله في أرض طروادة العميقة ~~التربة، بعيدا عن وطنه. # فلما اقتربا، وهما يسعيان - كل نحو الآخر - إذا بباتروكلوس ~~يضرب تراسوميلوس المجيد، الخادم الجسور للأمير ساربيدون، فأصابه ~~في أسفل أحشائه، وأرخى أطرافه. وعندما انقض عليه ساربيدون بدوره، ~~أخطأه برمحه البراق، وأصاب الرمح الجواد بيراسوس في كتفه اليمنى، ~~فحمحم الحصان عاليا وهو يلفظ روحه، وهوى فوق الثرى وهو يئن. وطارت ~~روحه من جسمه، ولكن الاثنين الآخرين تقهقرا هنا وهناك، وأز النير، ~~وتخبطت من فوقهما الأعنة عندما وقعت فوق التراب جرارة الخيول. ومع ~~كل فقد وجد أوتوميدون - المشهور برمحه - علاجا لهذا، بأن استل ~~سيفه الطويل من جانب فخذه المكينة، وقفز فورا ليقطع جرارة الجياد، ~~غير مضطرب. وعندئذ نهض الجوادان الآخران، وشدا إلى الأعنة من ~~جديد، وعاد المحاربان يلتقيان في قتال مهلك للأرواح. # ومن جديد أخطأ ساربيدون تسديد رمحه البراق نحو كتف باتروكلوس ~~اليسرى، فمرق طرف الرمح ولم يصبه، ولكن باتروكلوس انقض عليه - ~~بدوره - بالبرونز، ولم يطر الرمح من يده بغير طائل، بل أصاب عدوه ~~في موضع التصاق عضلة الحجاب الحاجز حول القلب النابض. فسقط كما ~~تسقط شجرة البلوط أو الصفصاف أو شجرة الصنوبر الباسقة، التي ~~يقتطعها صناع السفن وسط الجبال بالفئوس المشحوذة، لتكون أخشابا ~~للسفن. هكذا أيضا رقد ممددا أمام جياده وعربته، يئن أنينا ~~عاليا، ويتشبث بالتراب الدامي. وكما يتسلل أسد وسط قطيع فيقتل ~~ثورا عاتيا شجاع القلب، بين الأبقار ذات المشية المتثاقلة، هكذا ~~أيضا راح قائد رجال الدروع اللوكيين يصارع الموت تحت باتروكلوس، ~~ونادى زميله العزيز قائلا: «يا جلاوكوس العزيز، أيها المقاتل بين ~~رجال الحرب، عليك الآن حقا أن تبرهن على أنك رماح ومقاتل صنديد، ~~ولتكن الحرب البغيضة الآن مشتهى قلبك، إذا كنت رجلا قويا. سر ~~أولا هنا وهناك في كل مكان، وحض قادة اللوكيين على القتال من أجل ~~ساربيدون، ثم قاتل أنت نفسك بالبرونز، دفاعا عني. لأنني سأكون في ~~المستقبل مبعث توبيخ وعار يجللان هامتك، طوال عمرك، إذا جردني ~~الآخيون من عدتي الحربية، وأنا راقد الآن بين حشد السفن. هيا، اصمد ms365 ~~بشجاعة، وأثر حماس الجيش كله!» # وما إن تم كلامه هذا، حتى خيم الموت عليه، على عينيه ~~ومنخريه. وبعد أن داس باتروكلوس على صدره بقدمه، جذب الرمح من ~~جسده، فخرجت معه عضلة الحجاب الحاجز، وأخرج طرف الرمح وروح ~~ساربيدون في آن واحد. وهناك أوقف المورميدون الجياد ذات الصهيل، ~~التي كانت تتوق إلى الفرار وقد تركت عربات أصحابها. # فلما سمع جلاوكوس صوت ساربيدون، اكتأب واعتراه هم بالغ، وخفق ~~قلبه لأنه لم يفلح في مساعدته. فأمسك ذراعه بيده وضغط عليها، لأن ~~الجرح كان يؤلمه، ذلك الجرح الذي أنزله به تيوكر - وهو يدفع الهلاك ~~عن رفاقه - بسهمه وهو يهجم على الحائط المرتفع. ثم توسل إلى أبولو ~~- الذي يضرب من بعيد - قائلا: «استمع إلي، أيها الملك الذي قد ~~يكون في أرض لوكيا الخصيبة - أو ربما في طروادة - ولكن له في كل ~~مكان قوة على الإصغاء إلى المكروب، وإنني لمكروب الآن؛ إذ إنني ~~مصاب بهذا الجرح الخطير، فالألم يضني ساعدي من هذا الجانب وذاك، ~~ولا سبيل إلى إيقاف النزف، لقد تثاقلت ساعدي من جراء الجرح، ولست ~~أملك أن أقبض على رمحي بشدة، ولا أن أسعى إلى مقاتلة الأعداء . ~~وفضلا عن ذلك، فقد هلك رجل من أنبل الرجال، هو ساربيدون بن زوس، ~~الذي لم ينقذ ولده. لذلك أدعوك - أيها الملك - أن تشفيني من هذا ~~الجرح الخطير، فتسكن آلامي، وتهبني القوة، حتى أستطيع دعوة زملائي ~~اللوكيين، وأحضهم على القتال، بل وأقاتل - أنا نفسي - حول ~~جثته.» # هكذا تكلم متوسلا، فسمعه أبولو. وفي الحال أوقف آلامه، كما أوقف ~~نزف الدم القاتم من جرحه الخطير، وبث القوة في قلبه. فأدرك جلاوكوس ~~ذلك في قرارة نفسه، وسره أن الرب العظيم قد استجاب دعاءه بسرعة. ~~فسار هنا وهناك في كل مكان، وحث قادة اللوكيين على أن يقاتلوا من ~~أجل ساربيدون ثم شرع يمشي بخطى واسعة - بين الطرواديين - إلى ~~بولوداماس بن بانتوس، وإلى أجينور العظيم. كما سار خلف أينياس، ~~وراء هكتور ذي الخوذة البرونزية. حتى إذا لحق به، خاطبه بكلمات ~~مجنحة قائلا: «أي هكتور، ms366 لقد نسيت الآن تماما الحلفاء، الذين ~~يضحون بحياتهم بعيدا عن أصدقائهم ووطنهم من أجلك، فإذا أنت لا ~~تعبأ بمد يد العون لهم. إن ساربيدون - قائد رجال الدروع اللوكيين - ~~يرقد ميتا، ذلك الذي كان يذود عن لوكيا بأحكامه وقوته. لقد صرعه ~~أريس النحاسي برمح باتروكلوس. هيا، أيها الأصدقاء، قفوا إلى جانبه، ~~واملئوا قلوبكم سخطا، حتى لا يجرده المورميدون من حلته الحربية، ~~ويمثلوا بجثته، انتقاما لجميع الدانيين الذين ماتوا، أولئك الذين ~~قتلناهم برماحنا بجوار السفن السريعة.» # هكذا تكلم، فاستولى على جميع الطرواديين غم ساحق، لا سبيل إلى ~~احتماله. إذ كان ساربيدون دائما دعامة مدينتهم، بالرغم من أنه كان ~~غريبا قدم إليهم من بعيد، وتبعه أقوام كثيرون، كان مبرزا في ~~القتال بينهم، فاتجهوا مباشرة صوب الدانيين وكلهم حماس. وقادهم ~~هكتور - غاضبا من أجل ساربيدون - ولكن باتروكلوس الأشعث القلب، ~~ابن مينويتيوس كان قد حض الآخيين. فتحدث أولا إلى الأيانتيس - ~~كليهما - وكانا متلهفين إلى القتال، فقال: «أيها الأيانتيس، ليكن ~~صد العدو بغيتكما، بمثل تلك الشجاعة التي كانت لكما قديما بين ~~المحاربين، إن لم يكن بأكثر منها. فإن أول رجل وثب إلى ما وراء سور ~~الآخيين، يرقد الآن صريعا، وهو ساربيدون. هلموا نحاول أخذه، ونلحق ~~العار بجثته، فننزع عن كتفيه حلته الحربية، ونقتل بالبرونز العديم ~~الرحمة رفاقه الكثيرين الذين يسعون للدفاع عن جسده.» # هكذا تكلم. وكان كلاهما تواقا من تلقاء نفسه إلى دفع العدو. ~~وبعد أن عزز الطرواديون واللوكيون والمورميدون والآخيون كتائبهم ~~على الجانبين، اشتبكوا في عراك دفاعا عن جثة الرجل الذي خر ~~صريعا، فارتفع صليل أسلحة الرجال بدرجة مخيفة. ونشر «زوس» الليل ~~الزاخر بالويلات فوق الصراع الطاحن، حتى يدور حول جسد ابنه الحبيب، ~~عناء الحرب الجالب للكوارث. # واستطاع الطرواديون - في البداية - أن يدفعوا الآخيين، ذوي ~~العيون المتألقة، إلى الخلف. فأصيب من بينهم رجل من خيرة ~~المورميدون، هو ابن أجاكليس الكبير النفس. «أبايجيوس» العظيم الذي ~~كان ملكا على بودايون القديمة الآهلة بالسكان، ولما كان قد قتل ~~رجلا عظيما من أقاربه، فإنه جاءه متضرعا إلى بيليوس، وإلى ms367 ثيتيس ~~الفضية القدمين، فأرسلاه ليتبع أخيل - محطم صفوف البشر - إلى ~~طروادة الشهيرة بجيادها، حتى يقاتل الطرواديين. وفيما كان ممسكا ~~بالجسد، ضربه هكتور المجيد بصخرة على رأسه، فشطره نصفين داخل ~~خوذته الثقيلة، وارتمى لتوه فوق الجثة # 16 # وإذا بالموت - قاتل الروح - يفيض حواليه. فبخع الحزن ~~باتروكلوس، أسفا على زميله المقتول. وانقض على مقاتلي المقدمة ~~أشبه بنسر سريع، يضطر العقاعق والزرازير إلى الفرار أمامه، هكذا ~~انقضضت يا باتروكلوس - يا سيد الفرسان - على اللوكيين والطرواديين، ~~وقد امتلأ قلبك بالغضب من أجل زميلك. فضرب سثينيلاوس الحبيب، ابن ~~أيثايمينيس، على عنقه بحجر، فمزق أوتار عنقه. وتراجع محاربو ~~المقدمة وهكتور المجيد، متقهقرين بعيدا عن مدى مرمى الحراب، التي ~~يقذف بها المرء مختبرا قوته في مباراة، أو في الحرب تحت ضغط عدو ~~قاتل، هكذا تقهقر الطرواديون بعيدا، وظل الآخيون يدفعونهم. وكان ~~جلاوكوس - قائد حاملي التروس اللوكيين - أول من استدار فقتل ~~باثوكليس العظيم النفس، الابن العزيز لخالكون، الذي كان يقيم في ~~هيلاس، وكان يفوق المورميدون ثروة ومادة. فلقد ضربه جلاوكوس في ~~صدره بطعنة من رمحه، إذ استدار إليه فجأة، عندما كان الآخر على وشك ~~أن يلحق به في المطاردة. فسقط بشدة ، واستبد بالآخيين حزن بالغ، لأن ~~رجلا من خيرة المحاربين قد سقط، بينما ارتفع هتاف الطرواديين. ~~وأقبلوا زرافات والتفوا حوله، وعندئذ لم ينس الآخيون شجاعتهم، بل ~~حملوا على العدو بكل قواهم. بعد ذلك قتل ميريونيس محاربا ~~طرواديا في كامل عدته الحربية، هو لاوجونوس القوي، ابن أونيتور. ~~وكان كاهن زوس الأبدي، كما كان قومه يبجلونه وكأنه إله. ولقد ضربه ~~أسفل فكه تحت أذنه، وفي الحال غادرت روحه أطرافه، وسيطرت عليه ظلمة ~~بغيضة. وقذف أينياس رمحه البرونزي نحو ميريونيس، آملا في إصابته ~~وهو يتقدم تحت ستار ترسه. بيد أن ميريونيس، كان يركز بصره عليه، ~~فتحاشى الرمح البرونزي، إذ مال إلى الأمام، وانغرس الرمح الطويل في ~~الأرض خلفه، وقد أخذ طرفه يهتز. ومع ذلك فقد أوقف أريس العتيد ~~ثورته هناك أخيرا. وانغرس رمح أينياس مهتزا داخل الأرض، إذ ~~انطلق عبثا من ms368 يده القوية. وإذ ذاك استشاط أينياس غضبا في قلبه، ~~وخاطبه بقوله: «أي ميريونيس، بالرغم من كونك راقصا خفيف الحركة، ~~فإن رمحي كان يوشك أن يوقفك سريعا عن الرقص إلى الأبد، لو أن ~~ضربتي قد أصابتك.» # فأجاب ميريونيس - الشهير برمحه - قائلا: «هيا يا أينياس، من ~~العسير عليك - رغم شجاعتك - أن تطفئ قوة كل رجل يأتي ضدك مدافعا. ~~وإنني لأعتقد، أنك من البشر. فلو حدث أنني رميت وأصبتك سريعا ~~برمحي الحاد، لسلمت المجد لي - رغم قوتك واعتمادك على يديك - كما ~~تسلم روحك لهاديس ذي الجياد العظيمة.» # هكذا قال، فعيره ابن مينويتيوس الجريء قائلا: «يا ميريونيس، لم ~~تتحدث بهذه الطريقة، وأنت رجل الجرأة؟ أيها الصديق الحميم، لن ~~يتراجع الطرواديون عن الجسد لمجرد كلمات السباب، بل لا بد من أن ~~تضم الأرض الكثيرين قبل أن يتم ذلك؛ لأن نتيجة الحرب في أيدينا، ~~أما الكلام فمكانه المجلس؛ لذا لا يليق بنا الاسترسال في الكلام، ~~بل يجب علينا أن نركن إلى القتال.» # وما إن قال هذا، حتى تقدم، فتبعه الآخرون، وكان شبيها بإله، ~~وكما يتصاعد صخب الحطابين في ممرات جبل، فتسمع أصواتهم على بعد، ~~ارتفع صخب المحاربين في الأرض الفسيحة الطرقات، وصليل البرونز ودوي ~~الجلد والتروس المتينة الصنع، وهم يطعنون بعضهم البعض بالسيوف ~~والرماح الحادة الطرفين. ولم يستطع أحد قط أن يتبين ساربيدون ~~العظيم - رغم علمهم بمكانه - إذ كان محوطا تماما بالرماح والدم ~~والغبار، من قمة رأسه حتى أخمص قدميه. وكانوا دائمي الاحتشاد حول ~~جثته. وكما يحدث عندما يطن الذباب في فصل الربيع حول الدلاء ~~المملوءة باللبن - في إحدى المزارع - وقد بلل الحليب حواف الأوعية، ~~هكذا أيضا تجمع هؤلاء حول الجثة. أما زوس فلم يحول عينيه ~~البراقتين - بأية حال - عن القتال المرير، بل ظل يراقبهم باستمرار، ~~متحيرا في قلبه، كثير التفكير في مقتل باتروكلوس: أيقتله هكتور ~~المجيد بالسيف، في الصراع الطاحن الذي كان هناك حول ساربيدون - ~~الشبيه بالإله - ويجرد كتفيه من حلته الحربية؟ أم يدعه يكبد عددا ~~أكبر من الرجال مزيدا من الكفاح الحربي الشامل؟ # وبينما ms369 هو في تدبيره، هداه فكره إلى الرأي الأصوب، وهو أن يدفع ~~ذلك الخادم الجريء لأخيل بن بيليوس، إلى مدينة الطرواديين، مطاردا ~~هكتور - ذا الخوذة البرونزية - مزهقا أرواح الكثيرين. فبدأ بأن ~~أيقظ الجبن في هكتور، فوثب هذا إلى عربته واستدار ليفر، مناديا ~~بقية الطرواديين كي يحذوا حذوه في الفرار؛ إذ أدرك تحول ميول زوس ~~المقدسة. كذلك لم يصمد اللوكيون الشجعان، بل دبت الفوضى بين ~~سائرهم، عندما شاهدوا مليكهم مصابا في قلبه، وراقدا بين جموع ~~القتلى، إذ مات كثيرون فوقه، عندما شد ابن كرونوس حبال الصراع ~~الطاحن. وسلب المورميدون ساربيدون عدته البرونزية المتألقة من فوق ~~كتفيه. فأعطاها ابن مينويتيوس الجسور لرفاقه ليحملوها إلى السفن ~~الجوفاء. وإذ ذاك تحدث زوس، جامع السحب، إلى أبولو قائلا: «انهض ~~الآن، يا فويبوس العزيز، اذهب فامسح عن ساربيدون الدم القاتم، ~~بمجرد أن تبتعد به عن منطقة الرماح. ثم احمله بعيدا، واغسله في ~~مجاري النهر المائية، وادهنه بالأمبروسيا، ودثره بلباس خالد، وأعطه ~~لحملين سريعين، ليأخذوه إلى الشقيقين التوءمين - النوم والموت - ~~ليضعاه بسرعة في بلاد لوكيا الفسيحة الخصيبة، حيث يقوم أشقاؤه ~~وأقاربه بدفنه فوق رابية، ويقيمون له نصبا، لأن هذا هو حق ~~الموتى!» # هكذا تكلم، فلم يعص أبولو أمر أبيه، بل هبط من تلال أيدا إلى ~~وطيس المعركة المفزع. وفي الحال رفع ساربيدون العظيم بعيدا عن ~~منطقة الرماح. ولما انتهى من حمله بعيدا، غسله في مجاري النهر ~~المائية، ودهنه بالأمبروسيا، ولفه بعباءة خالدة، وسلمه لحملين ذوي ~~سرعة بالغة، ليحملوه إلى الشقيقين التوءمين - النوم والموت - ~~اللذين وضعاه بسرعة في أرض لوكيا الفسيحة الخصيبة. # بين باتروكلوس وهكتور! # راح باتروكلوس ينادي على جياده، وأتوميدون يطارد الطرواديين ~~واللوكيين، وقد استولت عليه غفلة عمياء، فما أحمقه! فلو وعى كلمة ~~ابن بيليوس، لنجا حقا من مصير الموت الأسود الشرير، غير أن نية ~~زوس أقوى دائما من نية البشر، فهو يدفع الرجل الشجاع، لكي يسلبه ~~النصر بسهولة، ثم يعود من تلقاء نفسه فيثير البشر إلى القتال. ~~وهكذا أثار روح باتروكلوس في صدره! # فمن تراه كان أول، ms370 ومن كان آخر من قتلتهم يا باتروكلوس، عندما ~~استدعتك الآلهة إلى الموت؟ كان أولهم أدراستوس، وأوتونوس، ~~وأيخيلوس، وبيريموس بن ميجاس، وأبيستور وميلانيبوس، وبعد ذلك ~~ألاسوس، وموليوس، وبولاريتس، هؤلاء قتلهم، أما الآخرون فقد ركن كل ~~منهم إلى الفرار! # وعندئذ كاد أبناء الآخيين يستولون على طروادة - العالية الأبواب ~~- على يدي باتروكلوس؛ لأنه كان ثائرا برمحه، حوله وأمامه، لولا ~~أن «أبولو» اتخذ وقفته فوق السور المتين البناء، وهو يفكر في ~~هلاكه، ويحمل المعونة للطرواديين. ثلاث مرات وضع باتروكلوس قدمه ~~فوق ركن من السور الشامخ، وثلاث مرات دفعه أبولو إلى الوراء، ~~مبعدا الدرع البراق بيديه الخالدتين. بيد أنه لما هجم للمرة ~~الرابعة وكأنه إله، صاح فيه أبولو صيحة مفزعة، وتحدث إليه بكلمات ~~مجنحة قائلا: «ارجع يا باتروكلوس، يا سليل زوس. إنني أخبرك أنه ~~ليس مكتوبا أن تسلب مدينة الطرواديين الأمجاد برمحك، ولا برمح ~~أخيل، الذي يفضلك بمراحل!» # هكذا تكلم، فتقهقر باتروكلوس إلى الخلف مسافة كبيرة، متحاشيا ~~غضب أبولو، الذي يضرب من بعيد. # وكان هكتور يقف بجياده القوية الحوافر، عند الأبواب السكابية، إذ ~~كان مشتت الفكر: أيذهب من جديد إلى الشغب ويقاتل، أم ينادي الجيش ~~ويحشده وراء السور ؟ وبينما هو في تفكيره هذا، اقترب منه «أبولو» في ~~صورة شاب قوي هو أسيوس خال هكتور مستأنس الجياد - وشقيق هيكابي، ~~وابن دوماس - الذي كان يسكن فروجيا بالقرب من مجاري سانجاريوس ~~المائية. فتكلم أبولو بن زوس، في صورته هذه إلى هكتور قائلا: «أي ~~هكتور، لماذا تكف عن القتال؟ هذا لا يليق بك. ليتني كنت أقوى منك ~~بقدر ضعفي عنك، إذن لآلمك في الحال أن تنسحب من الحرب، ولكن تعال، ~~وقد جيادك القوية الحوافر صوب باتروكلوس، فربما استطعت أن تقتله، ~~فيهبك أبولو المجد!» # هكذا تكلم وعاد ثانية - ~~كإله - وسط صراع الرجال. فأصدر هكتور المجيد أمره إلى كيبريونيس ~~العاقل، بأن يسوق الجياد إلى المعركة. أما أبولو فذهب في طريقه، ~~ودخل إلى وسط الحشد، وأرسل رعبا شريرا على الأرجوسيين، ومنح ~~المجد للطرواديين ولهكتور. فغض هكتور النظر عن بقية الدانيين ولم ~~يحاول ms371 قتلهم، وإنما ساق جياده القوية الحوافر ضد باتروكلوس. وإذ ~~ذاك قفز باتروكلوس من عربته إلى الأرض، في الجانب الآخر، وقد حمل ~~في يده اليسرى رمحا، وأمسك بالأخرى حجرا براقا حاد السنان، وقد ~~شد عليه قبضته. ثم ثبت نفسه في الأرض وقذف بالحجر، وبدون خوف من ~~غريمه، لم يجعل رمحه يطير بغير طائل، وإنما أصاب جبهة سائق هكتور - ~~كيبريونيس، الذي كان ابن سفاح لبريام المجيد - بالحجر الحاد، وهو ~~ممسك بأعنة الخيل. فحطم الحاجبين معا، ولم يتحمل العظم، فسقطت ~~مقلتاه إلى الأرض في الثرى، أمام قدميه. فهو من العربة المكينة ~~الصنع كما لو كان غواصا، وفارقت روحه عظامه، ولقد سخرت منه أيها ~~الفارس باتروكلوس، إذ قلت «يا للعجب! انظروا هذا الرجل الخفيف ~~الحركة حقا، ما أنشطه عندما يغوص! ولو كان في اليوم العميق، ~~لأرضى نهم الكثيرين بحثا عن الأصداف، فإني أراه يغطس في السهل ~~بخفة من فوق عربته. حقا لا بد أن بين الطرواديين رجالا ~~يغطسون!» # مصرع باتروكلوس! # وما إن قال باتروكلوس هذا حتى اتجه صوب المحارب كيبريونيس بهجمة ~~الليث الذي يصاب في صدره - وهو يعيث في مزرعة - فإذا بشجاعته تجلب ~~الهلاك عليه، هكذا وثبت يا باتروكلوس متحمسا على كيبريونيس، بينما ~~وثب هكتور في الجهة المقابلة من عربته إلى الأرض. وهكذا اشتبك ~~الاثنان في صراع حول كيبريونيس وكأنهما أسدان فوق ذؤابة جبل، ~~يتقاتلان على ظبي مقتول، وقد عض الجوع كلا منهما، بينما امتلأ ~~فؤاده جرأة، هكذا أيضا، ومن أجل كيبريونيس، كان سيدا صيحة الحرب - ~~باتروكلوس بن مينويتيوس، وهكتور المجيد - يتلهفان إلى أن يمزق كل ~~منهما جسد الآخر بالبرونز العديم الرحمة. وأمسك هكتور الجسد من ~~رأسه، لا يخلي قبضته عنه، وفي مواجهته أمسك باتروكلوس بالقدم بشدة، ~~واشتبك الآخرون حولهما - طرواديون ودانيون - في صراع طاحن. وكما ~~تتنافس الريح الشرقية والريح الغربية على هز غابة كثيفة في ممرات ~~جبل - غابة من الزان والدردار والأثل الأملس اللحاء - فتتلاطم فروع ~~هذه الأشجار، وتهتز أغصانها الطويلة في صخب عجيب، متكسرة ومتحطمة، ~~هكذا أيضا انقض الطرواديون والآخيون، موقعين الهلاك ms372 بعضهم ببعض، ~~دون أن يفكر أي الطرفين في الفرار المدمر. فتركزت عدة رماح حادة ~~حول كيبريونيس، وانطلقت السهام المجنحة الغزيرة من أوتار القسي، ~~وارتطم كثير من الأحجار الضخمة بالدروع، بينما كان الرجال ~~يتقاتلون من حوله، ولكنه كان مفترشا دوامة الثرى، عتيدا في قوته، ~~وقد نسي فروسيته. # وظلت الرماح - من كلا الطرفين - تصل إلى أهدافها ما دامت الشمس ~~عالية في كبد السماء، واستمر القوم يتردون. فلما حان موعد رفع ~~النير من فوق أعناق الثيران # 17 # أثبت الآخيون تفوقهم بما يزيد على نصيبهم، ونجحوا في ~~سحب المحارب كيبريونيس بعيدا عن وطيس معركة الطرواديين، وبعيدا ~~عن مدى الرماح. ونزعوا الحلة الحربية عن كتفيه، وهجم باتروكلوس على ~~الطرواديين بعزيمة قاسية. ثلاث مرات انقض عليهم، كأنه أريس ~~السريع، وهو يصيح صيحة مخيفة، وثلاث مرات قتل تسعة رجال. بيد أنه ~~عندما انقض للمرة الرابعة - كإله - عندئذ ظهرت لك يا باتروكلوس، ~~خاتمة الحياة، إذ تصدى لك أبولو في الصراع العنيف، وإنه لإله بغيض، ~~ولم يلحظه باتروكلوس وهو يمر خلال الشغب؛ لأنه كان ملتفا بضباب ~~كثيف. فوقف أبولو خلفه، وضرب ظهره وكتفيه العريضتين براحة يده، ~~وإذا بعينيه تدوران. وأطاح أبولو بالخوذة عن رأسه، فسقطت تصلصل ~~وهي تتدحرج تحت أقدام الجياد، تلك الخوذة ذات الخصلة المتخذة من ~~شعر الخيل، فتلطخ الشعر بالدماء والتراب، ولكن الآلهة أبت - إذ ذاك ~~- أن تتلوث الخوذة ذاتها؛ فقد كانت دائمة الحرص على صيانة رأس ~~الرجل الشبيه بالإله - «أخيل» - وجبينه الجميل. على أن زوس منحها ~~لهكتور كي يلبسها على رأسه. ومع ذلك فقد كان الهلاك قريبا منه. ~~وتحطم الرمح تماما في يدي باتروكلوس، ذلك الرمح الطويل الظل، ~~الثقيل، الضخم، القوي، ذو الطرف البرونزي المدبب. وسقط الترس - ذو ~~الأهداب - بحمائله إلى الأرض من على كتفيه. أما درقته فقد فكها ~~أبولو، الأمير ابن زوس. وما لبث العمى أن سيطر على قلب باتروكلوس ~~وارتخت أطرافه المجيدة تحته، وغامت الدنيا أمام عينيه. ووقف خلفه ~~درداني من كثب، وضربه في ظهره ما بين كتفيه برمحه الحاد، ذلك هو ~~يوفوربوس بن ms373 بانثوس، الذي كان يفوق جميع أترابه في قذف الرمح ~~والفروسية، وفي سرعة القدمين. وللعجب أنه عندما ركب عربته لأول ~~مرة، ألقى بعشرين محاربا من فوق عرباتهم، وهو يتعلم أول درس له ~~في القتال! لقد كان أول من رماك برمحه، أيها الفارس باتروكلوس، ومع ~~ذلك فإنه لم يخضعك، وإنما تقهقر مسرعا واختلط بالحشد، بعد أن سحب ~~الرمح الدرداري من جسدك، ولم يصمد أمام باتروكلوس، رغم أن هذا لم ~~يكن مسلحا في العراك، ولكن باتروكلوس إذ قهرته ضربة الرب والرمح، ~~تقهقر إلى حشد زملائه، متحاشيا الموت. # فلما رأى هكتور أن باتروكلوس العظيم الهمة كان يتقهقر مصابا ~~بالبرونز الحاد، اقترب منه خلال الصفوف، ورماه بطعنة من رمحه أسفل ~~بطنه، وغرس البرونز عميقا فسقط باتروكلوس بشدة، وحزن جيش الآخيين ~~حزنا بالغا. وكما يتغلب الليث على خنزير بري لا يتعب، عندما ~~يتقاتل الاثنان بقلبين جسورين فوق ذؤابة أحد الجبال، من أجل ينبوع ~~صغير - كل يريد أن يشرب منه - فيلهث الخنزير البري بصعوبة، ولكن ~~الليث يقهره بقوته، هكذا أيضا، كانت حال الابن الجسور لمينويتيوس! ~~فبعد أن قتل الكثيرين، سلبه هكتور بن بريام الحياة، ضاربا إياه ~~برمحه من كثب. ووقف فوقه يزهو بكلمات مجنحة، فقال: «أي باتروكلوس، ~~لقد كنت تحسب - كما أعتقد - أنك ستتمكن من تخريب مدينتنا، وأنك ~~ستسلب نساء طروادة حريتهن، وتحملهن في السفن إلى وطنك العزيز، فيا ~~لك من غر! إن جياد هكتور السريعة تمشي أمامهن مسرعة إلى القتال، ~~وبالرمح أنا مبرز بين الطرواديين المحبين للقتال، أنا الذي أدفع ~~عنهن يوم القضاء أما أنت فسوف تنهشك النسور هنا. ويحك، أيها الشقي! ~~حتى أخيل لم يجدك نفعا - بكل جسارته - ذلك الذي أعتقد أنه - رغم ~~تخلفه - قد أصدر إليك أمره مشددا، عندما انصرفت من عنده، فقال لك: ~~«إني آمرك يا باتروكلوس، يا سيد الفرسان، ألا تعود ثانية إلى السفن ~~الجوفاء، إلا بعد أن تكون قد مزقت من حول صدر هكتور، قاتل البشر، ~~عباءته مخضبة بالدماء!» هذا ما أعتقد أنه قاله لك، وحمس به تهورك ~~الطائش.» # خريطة للمنطقة ms374 في عصر حصار ~~طروادة خريطة توضح مكان مدينة «طروادة» القديمة في آسيا ~~الصغرى - التي يفصلها «بحر إيجه» عن شواطئ عدوتها ~~اللدودة بلاد اليونان. وترى في الخريطة مواقع: جبل ~~الأوليمب - أو «أوليمبوس» - مقر الآلهة عند الإغريق، ثم ~~مدينة «أسبرطة» المشهورة ببسالة نسائها ورجالها على ~~السواء، ومدينة أثينا (عاصمة اليونان الآن)، ثم مدينة ~~«طيبة» - الإغريقية لا المصرية - وأخيرا جزيرة رودس، حيث ~~كان يوجد تمثال ضخم للإله «أبولو» هدمه زلزال مروع، وقد ~~كان التمثال يعتبر من «عجائب الدنيا السبع» ~~القديمة. # وأجبته، أيها الفارس باتروكلوس، وقد تسربت منك كل قوتك: «لك أن ~~تتباهى بحق - في هذه المرة - يا هكتور؛ لأن زوس بن كرونوس، وأبولو، ~~قد وهباك النصر، وهما اللذان أخضعاني بمنتهى السهولة، فهما أنفسهما ~~اللذان نزعا العدة الحربية عن كتفي. ولو أن عشرين من أمثالك ~~نازلوني لهلكوا كلهم، مقتولين برمحي. فقد كان القدر المميت، وابن ليتو، # 18 # هما اللذان قتلاني من الآلهة، وكان يوفوربوس هو الذي ~~ضربني من البشر. أما أنت فكنت قاتلي الثالث. وإني لأقول لك شيئا ~~آخر، يجب أن تحتفظ به في قلبك: «إنك لن تعيش طويلا، فإن الموت يقف ~~قريبا منك، وكذلك القضاء العتيد، وسيقتلك أخيل ، المنقطع النظير، ~~ابن أياكوس»!» # وما إن قال هذا، حتى خيم الموت عليه، وأسرعت روحه بمغادرة ~~أطرافه، ذاهبة إلى هاديس، منتحبة مصيرها تاركة الرجولة والشباب. ~~وكذلك في موته، خاطبه هكتور المجيد بقوله: «لم يا باتروكلوس، تتنبأ ~~لي بالهلاك الأكيد؟ من يدري، لعله مصير أخيل ابن ثيتيس الجميلة ~~الجدائل، فقد أكون الضارب أولا برمحي، فيفقد حياته؟» # قال هذا وسحب الرمح البرونزي من الجرح، واضعا قدمه فوق الميت ~~ليدفعه إلى الوراء مخلصا الرمح. وفي الحال طارد برمحه أوتوميدون، ~~شبيه الإله، خادم ابن أياكوس السريع القدمين؛ لأنه كان تواقا إلى ~~ضربه، ولكن جياده السريعة حملته بعيدا، تلك الجياد الخالدة التي ~~أعطتها الآلهة لبيليوس كهدايا مجيدة. # | الأنشودة السابعة عشرة # فوقف هكتور بعيدا عن المعركة، وخلع حلته الحربية فأسلمها إلى ~~الطرواديين، وارتدى حلة أخيل بن بيليوس، فلما أبصره زوس، هز رأسه، ms375 ~~وقال في نفسه: «واها لك أيها المسكين!» # كيف دارت رحى الحرب حول جثة باتروكلوس؟ # مغامرات مينيلاوس! # لم يفت مينيلاوس بن أتريوس - حبيب أريس - مصرع باتروكلوس في ~~المعركة بأيدي الطرواديين، فاندفع وسط محاربي المقدمة - متدثرا ~~بالبرونز الوهاج - وفتح ساقية حول الميت، كما تقف أم العجلة ~~البكرية فوق وليدتها تجأر بحزنها وهي التي لا دراية سابقة لها ~~بالأمومة، هكذا وقف «مينيلاوس» - ذو الشعر الجميل - فاتحا ساقيه، ~~وقد أمسك أمامه رمحه وترسه المتزن جيدا من كل جانب، تواقا إلى ~~قتل من تحدثه نفسه بأن يقدم على أخذ الجثة. كذلك لم يكن ابن ~~بانثوس - ذو الرمح الدرداري المتين - غافلا عن سقوط باتروكلوس ~~العديم النظير، فوقف بالقرب منه، وتحدث إلى مينيلاوس - حبيب أريس - ~~قائلا: «أي مينيلاوس بن أتريوس، يا سليل زوس، ويا قائد الجيوش، ~~تراجع، واترك الجثة، وخل عنك الغنائم الدموية، فلم يسبق لأحد ~~قبلي من الطرواديين أو حلفائهم المشهورين، أن ضرب باتروكلوس برمحه ~~في الصراع العنيف؛ لهذا دعني أحصل على الصيت الحسن بين الطرواديين، ~~وإلا رميت وأصبتك، فسلبتك حياتك الحلوة حلاوة العسل.» # عندئذ قال مينيلاوس، ذو الشعر الجميل، وقد ثارت العاطفة في ~~قلبه: «أبتاه زوس، إن الإفراط في التفاخر بصلف ليس بلائق. فما ~~شجاعة النمر أو الأسد أو الخنزير البري، ولا العقل الثائر الجياش ~~في الصدور، بأعظم من شجاعة وروح أبناء بانثوس، ذوي الرماح ~~الدردارية القوية. وحتى هوبرينور العتيد نفسه، لم يفد حقا من ~~شبابه، عندما استخف بي، وانتظر قدومي إليه، ظانا أنني أتفه محارب ~~بين الدانيين، فلم يرجع - في اعتقادي - ماشيا على قدميه إلى وطنه ~~ليدخل السرور على قلب زوجته العزيزة وأبويه العظيمين، هكذا أيضا، ~~يبدو لي، أنني سوف أحرمك قوتك، # 1 # إذا ما وقفت لتواجهني، ولكني آمرك بالتراجع إلى الحشد، ~~وبألا تقف في مواجهتي، حتى لا يصيبك شر ما، إنه لمنتهى الحمق أن ~~تكون عاقلا بعد فوات الأوان!» # هكذا تكلم، فلم يعر كلامه غريمه، بل أجابه هذا قائلا: «حقا يا ~~مينيلاوس، يا سليل زوس، ستدفع الآن ثمن أخي الذي قتلته، والذي ~~تتكلم ms376 فوقه بخيلاء، وقد جعلت زوجته أرملة في غرفة زواجهما الحديثة ~~البناء، وجلبت على والديه غما لا يوصف وحزنا بالغا. لسوف أعمل ~~- من أجل هؤلاء المنكوبين - على أن أخفف آلامهم، إذا قدر لي أن ~~أحمل رأسك وحلتك الحربية فأضعهما بين سيدي بانثوس وفرونتيس ~~الجليلة. ومع كل فلن يبقى العراك طويلا دون أن أحاوله أو أخوضه، ~~سواء إلى نصر أو إلى فرار!» # ما إن قال هذا حتى ضرب ترس مينيلاوس المتزن جيدا من كل جانب، ~~بيد أن البرونز لم يخترقه، بل التوى طرفه فوق الترس القوي. وعندئذ ~~هجم مينيلاوس بن أتريوس عليه برمحه، وتوسل إلى أبيه زوس. وما إن ~~تراجع حتى طعنه في قاعدة حلقه، وضغط بثقله في الطعنة، معتمدا على ~~يده الثقيلة، فمرق سن الرمح خلال عنقه الرقيق في الحال، وسقط بشدة، ~~فصلصلت حلته الحربية فوقه، وبالدم تبلل شعره الذي كان أشبه بشعر ~~ربات الحسن، وكذا جدائله المزدانة بالذهب والفضة. وكما يزرع المرء ~~شجيرة زيتون قوية في مكان منعزل تتدفق المياه غزيرة فيه، شجيرة ~~طيبة جميلة النمو، تهزها هبوب جميع الرياح، ومع ذلك فإنها تزخر ~~بالأزهار البيضاء. بيد أن الرياح تأتي فجأة بعاصفة هوجاء، فتقتلعها ~~من أخدودها وتلقي بها على الأرض. هكذا كانت الحال أيضا مع ~~مينيلاوس بن أتريوس، إذ قتل ابن بانثوس، «يوفوربوس» ذا الرمح ~~الدرداري المكين، وجرده من حلته الحربية. وكما يحدث عندما يقبض ~~الليث الجبلي - المعتمد على قوته - على خير عجلة بين قطيع يرعى: ~~فيمسك عنقها أولا بين فكيه القويتين ويكسره، ثم يزدرد الدم وجميع ~~الأجزاء الداخلية وهو هائج، فيصيح من حوله الرعاة والكلاب بأصوات ~~عالية من بعيد، ولكنهم لا يجرءون على الهجوم، إذ يتملكهم الذعر ~~الشاحب، هكذا أيضا لم يجرؤ قلب أي طروادي في صدره، على أن يذهب ~~لمواجهة مينيلاوس المجيد، وهكذا صار في مقدور ابن أتريوس - بمنتهى ~~السهولة - أن يحمل بعيدا حلة ابن بانثوس الحربية المجيدة، فحسده ~~«أبولو» على ذلك. وفي صورة مينتيس، قائد الكيكونيس، # 2 # أثار عليه هكتور - نظير أريس السريع - فخاطبه ابن ~~أتريوس بكلمات ms377 مجنحة، قائلا: «أي هكتور، إنك تسرع الآن عبثا وراء ~~شيء قد لا تحققه، وراء جياد ابن أياكوس الحكيم. إنها عسيرة، فليس ~~لبشر أن يسوسها أو يسوقها اللهم إلا أخيل الذي أنجبته أم خالدة. ~~وفي الوقت نفسه يدافع مينيلاوس الباسل - ابن أتريوس - عند ~~باتروكلوس. وقد قتل يوفوربوس بن بانثوس، خير الطرواديين وجعله يكف ~~عن الشجاعة المتهورة.» # هكذا تكلم، وعاد ثانية كإله وسط كدح الرجال. ولكن روح هكتور كانت ~~تخيم عليها سحب قاتمة من الحزن المؤلم، فراح يفتش بين الصفوف. وفي ~~الحال أبصر الرجل الذي كان يسلب الأسلحة المجيدة، والآخر الراقد ~~فوق الأرض والدم يتدفق من الجرح المفتوح. عندئذ خطا مسرعا وسط ~~محاربي المقدمة، متدثرا بالبرونز الوهاج، مرسلا صرخة حادة، في ~~صورة أشبه بنار هيفايستوس التي لا يستطيع أحد إخمادها. وسمع ابن ~~أتريوس صيحته الحادة، فاضطرب اضطرابا شديدا، وقال لنفسه العالية ~~الهمة: «ويحي! لو أنني تركت ورائي هذه الأسلحة العظيمة، وباتروكلوس ~~الذي يرقد هنا ميتا من جراء الدفاع عن كرامتي، لخشيت أن ينقم ~~علي الكثير من الدانيين ذلك. أما إذا رأيت - في سبيل الكرامة - ~~أن أقاتل - وحدي - هكتور والطرواديين، فإني أخاف أن يحاصروني من كل ~~صوب، وهم كثيرون ضد واحد؛ لأن هكتور - ذا الخوذة البراقة - يقود ~~جميع الطرواديين إلى هنا. ومع كل، فلماذا يعارضني قلبي؟ إن المحارب ~~إذا انتوى أن يتحدى إرادة السماء، بأن يقاتل محاربا آخر ممن يكرمه ~~أحد الآلهة، فإن كربا عظيما يحيق به. ومن ثم فلن يغضب مني أحد ~~الطرواديين، إذا ما أبصرني أتقهقر أمام هكتور، إذ إنه يقاتل ~~بمساعدة السماء. أما إذا استطعت أن أجد أياس - الرائع في صيحة ~~الحرب - في أي مكان، فسيكون بوسعنا أن نعود ثانية، وننصرف إلى ~~القتال - ولو كان هذا ضد إرادة السماء - أملا في إنقاذ الميت من ~~أجل أخيل بن بيليوس. فهذا أهون الشرور!» # وبينما هو يفكر هكذا - في باله وقلبه - أقبلت صفوف الطرواديين، ~~يقودها هكتور. فتراجع مينيلاوس إلى الوراء، وترك الجثة، وهو يتلفت ~~حوله كأسد ذي لبدة تطارده الكلاب والرجال - من حظيرة ms378 - بالصراخ ~~والرماح، فيتراخى قلبه الجسور في صدره، ويترك المزرعة مرغما، هكذا ~~أيضا، ابتعد مينيلاوس الجميل الشعر عن باتروكلوس. فاستدار ووصل ~~إلى حشد زملائه، وهو يتلفت هنا وهناك بحثا عن أياس العظيم، ابن ~~تيلامون. وسرعان ما أبصر به في الناحية اليسرى من المعركة، يشجع ~~رفاقه، ويحثهم على القتال، إذ حط عليهم «أبولو» خوفا عجيبا. وفي ~~الحال جرى نحوه، وخاطبه بقوله: «تعال يا أياس، أيها الصديق الحميم، ~~لنسرع للدفاع عن باتروكلوس الميت، عسى أن نتمكن من حمل جثته إلى ~~أخيل - ولو جسده العاري، على الأقل - أما حلته الحربية فقد أخذها ~~هكتور، ذو الخوذة البراقة.» # هكذا تكلم، مثيرا روح أياس الحكيم القلب، فخطا هذا وسط محاربي ~~المقدمة، بصحبة مينيلاوس الجميل الشعر. وكان هكتور - وقد سلب الجثة ~~حلتها الحربية المجيدة - يحاول أن يسحب الجثة بعيدا، كي يستطيع أن ~~يفصل الرأس عن الكتفين بالبرونز الحاد، ويجر بقية الجسد بعيدا ~~فيلقيه لكلاب طروادة. غير أن أياس اقترب حاملا ترسه - الذي كان ~~أشبه بسور المدينة - فتراجع هكتور عائدا إلى حشد رفاقه، وقفز فوق ~~عربته، وأعطى الحلة الحربية العظيمة للطرواديين كي يحملوها إلى ~~المدينة عنوان مجد عظيم له، ولكن أياس غطى ابن مينويتيوس من كل جهة ~~بترسه العريض، ووقف وقفة الليث أمام أشباله، وقد التقى به الصيادون ~~في الغابة يقود صغاره، فيزهو بقوته، ويقطب حاجبيه حتى يغطيا عينيه. ~~هكذا أيضا دافع أياس عن المحارب باتروكلوس، ووقف مينيلاوس بن ~~أتريوس بالقرب منه، وقد تضاعف حزنه العظيم في صدره. # وما لبث جلاوكوس هيبولوخوس - قائد اللوكيين - أن رمق هكتور ~~عابسا، وعير هكتور بكلمات قاسية، قائلا: «أي هكتور، ما أروع ~~مظهرك، وإن كانت الروعة تعوزك في المعركة، عبثا تنال ذلك الصيت ~~الحسن، وأنت جبان رعديد! ألا فكر في طريقة تنقذ بها مدينتك - وكذلك ~~وطنك - بنفسك، دون أن يساعدك في ذلك غير من ولدوا في طروادة، فلن ~~يذهب من اللوكيين - على الأقل - شخص ما يقاتل الدانيين من أجل ~~المدينة، فليس ثمة جدوى - فيما يبدو - من النضال المستمر ضد أهل ~~الحرب. كيف تعتزم إنقاذ ms379 من هو أقل من ساربيدون مكانة - من معمعان ~~القتال - يا عديم الرحمة، وأنت الذي تركت ساربيدون، ضيفك ورفيقك، ~~فريسة وغنيمة للأرجوسيين! تركت ذلك الذي كثيرا ما برهن في حياته ~~على أنه نعمة عليك وعلى مدينتك، ولم تجد شجاعة لتقصي عنه الكلاب! ~~ومن ثم فلو أن أحدا من رجال لوكيا أصغى إلي، لذهبنا الآن إلى ~~الوطن، ولن يحيق بطروادة سوى الهلاك الشامل الجلي. ذلك لأنه لو ~~كانت لدى الطرواديين روح باسلة حقا، روح لا تعرف الخوف - كتلك ~~التي تتملك الذين يجاهدون من أجل وطنهم ويصارعون الأعداء، لوجب ~~علينا في الحال أن نجر باتروكلوس إلى طروادة. ولو قدر لهذا الرجل - ~~الذي أصبح مجرد جثة - أن يأتي إلى مدينة الملك بريام العظيمة، ~~واستطعنا أن نبعده عن المعركة، فإن الأرجوسيين سيعيدون في الحال ~~عدة ساربيدون الحربية العظيمة. وخليق بنا أن نحضر جسده إلى طروادة. ~~فإن الرجل الذي اغتيل خادمه عظيم حقا، بل هو خير الأرجوسيين ~~القائمين بجانب السفن، هو وأتباعه الذين يجيدون في عراك متشابك. في ~~حين أنك لم تؤت الشجاعة الكافية لتقف أمام أياس العظيم الهمة، ~~وتواجهه عينا بعين، وسط صراخ المحاربين، ولا أن تقاتله؛ لأنه ~~يفوقك بمراحل!» # فقطب هكتور حاجبيه غاضبا، وقال: «أي جلاوكوس: لماذا - وأنت ذلك ~~الشخص العظيم - تتكلم بهذا الصلف؟ دع الغرور، فلقد كنت أظن بحق أنك ~~تفوق - في الحكمة - غيرك من ساكني لوكيا العميقة التربة، أما الآن ~~فكم أزدري حصافتك، إذ تتكلم هكذا، وتقول إنني لم أجسر على نزال ~~أياس العتيد، ما من خوف يساورني من المعركة، ولا من طنين العربات. ~~بل إن نية زوس - حامل الترس - هي الأقوى دائما، فهو يدفع الرجل ~~الجسور إلى الغرور ليسلبه النصر بمنتهى السهولة، ومن جديد يثير هو ~~نفسه الرجال إلى القتال. فتعال أيها الصديق، وقف إلى جانبي، وشاهد ~~عمل يدي، لترى ما إذا كنت طوال هذا اليوم قد جبنت - كما تقول - أم ~~أنني سأوقف الكثير من الدانيين - مهما يكن بأسهم وضراوة جرأتهم - ~~عن الكفاح دفاعا عن باتروكلوس المقتول.» # وما إن قال هذا ms380 حتى صاح عاليا، مستدعيا الطرواديين قائلا: ~~«أيها الطرواديون واللوكيون والدردانيون، يا من تقاتلون في عراك ~~متشابك، كونوا رجالا يا أصدقائي، وفكروا مليا في الشجاعة ~~الثائرة، حتى أرتدي عدة أخيل المنقطع النظير، هذه الحلة الحربية ~~العظيمة التي نزعتها عن باتروكلوس العتيد، عندما قتلته.» # وما إن قال هكتور - ذو الخوذة البراقة - هذا، حتى انطلق بعيدا ~~عن معمعة القتال، وجرى حتى وصل إلى رفاقه - ولم يكونوا على بعد منه ~~- وأسرع بخطوات واسعة، وراء من كانوا يحملون حلة ابن بيليوس المجيد ~~الحربية إلى المدينة. فوقف بعيدا عن المعركة الزاخرة بالدموع، ~~فخلع حلته الحربية وأسلمها إلى الطرواديين - المحبي القتال - ~~ليحملوها إلى «طروادة» المقدسة، وارتدى حلة أخيل بن بيليوس، الحلة ~~الحربية التي كانت الآلهة السماوية قد وهبتها لأبيه، ثم منحها هذا ~~- بدوره - لابنه، عندما بلغ الشيخوخة، يبد أن الابن، رغم ارتدائه ~~تلك الحلة الحربية نفسها، لم يصل إلى سن الشيخوخة! # فعندما أبصره زوس- جامع السحب - من بعيد، وهو يرتدي عدة ابن ~~بيليوس، الشبيه بالإله، هز رأسه، وقال في نفسه: «واها لك أيها ~~الرجل المسكين! إنك لا تفكر حقا في الموت الذي ما برح يقترب منك، ~~فترتدي هذه الحلة الحربية الخالدة، التي كانت لأمير كان يرهبه ~~الآخرون. لقد قتلت زميله الشهم، الشجاع، وبطريقة غير لائقة نزعت ~~الحلة المدرعة عن رأسه وكتفيه. ومع كل فسأمنحك قوة عظيمة لفترة ~~من الوقت، في مقابل أن لن تعود أبدا من المعركة إلى «أندروماخي» ~~لتتلقى منك عدة ابن بيليوس الحربية المجيدة.» # هكذا قال ابن كرونوس، وقطب حاجبيه القاتمين. واستوت العدة ~~الحربية على جسم هكتور، ثم تقمصه أريس - إله الصراع الفظيع # 3 ~~- فامتلأت أطرافه من الداخل قوة وجرأة. ومن ثم انطلق في ~~طريقه إلى جماعة الحلفاء المشهورين، صائحا صيحة عظيمة، وتجلى ~~لعيون الجميع، متلألئا في الحلة الحربية التي كانت لابن بيليوس ~~البالغ الشجاعة. وسار إلى كل رجل، وراح يكلمه مشجعا: ميسثليس، ~~وجلاوكوس، وميدون، وثيرسيلوخوس، ولسيروبايوس، ودايسينور، وهيبوثوس، ~~وفوركوس، وخروميوس، وأنوموس العراف. فشجع هؤلاء بكلمات مجنحة ~~قائلا: «أصغوا إلي، أيها القبائل العديدة من الحلفاء القاطنين ms381 ~~فيما حولنا من بلدان. لم أجمع كل رجل منكم لافتقاري إلى أعداد ~~غفيرة، أو لأن بي حاجة إلى ذلك، وإنما لتنقذوا - بقلوب متحفزة - ~~زوجات الطرواديين وأطفالهم الصغار، من الآخيين المحبي القتال. بهذه ~~النية أضيع أنا أموال قومي، حتى يمكنكم الحصول على الهدايا ~~والطعام، وبذلك أزيد كلا منكم شجاعة. وعلى ذلك فليعد كل منكم ~~فورا ويواجه العدو، سواء مات أو عاش، فهذه لذة الحرب. ومن يسحب ~~باتروكلوس - في موته - إلى وسط الطرواديين مستأنسي الخيول، ويحمل ~~أياس على الاستسلام، أعطه نصف الغنائم وأحتفظ لنفسي بالنصف الآخر، ~~كما أن مجده سيتساوى مع مجدي!» # هكذا تكلم، فانقضوا فورا ~~على الدانيين بكل قوتهم، حاملين رماحهم عاليا، آملين - في قلوبهم ~~- أن يسحبوا الجثة من تحت أياس بن تيلامون، فما أحمقهم! وما أكثر ~~من حرموا الحياة فوق تلك الجثة! وإذ ذاك تكلم أياس إلى مينيلاوس - ~~الرائع في صيحة الحرب - قائلا: «أي مينيلاوس الحميم، يا ربيب زوس، ~~إنني لم أعد أتوقع أن نعود - نحن الاثنين - إلى وطننا العزيز ~~سالمين من الحرب. وإذا كان يساورني خوف، فليس ذلك من أجل جثة ~~باتروكلوس - التي لن تلبث أن تشبع نهم كلاب وطيور طروادة - وإنما ~~عليك أنت وعلى نفسي ؛ لأن سحابة من الحرب تطوق كل شيء حولنا، وحول ~~هكتور كذلك، وإن الدمار ليحملق فينا. ومع كل، فهيا، استدع رؤساء ~~الدانيين، إذا كان في مقدور أحد أن يسمع!» # هكذا تكلم، فلم يتردد ~~مينيلاوس - الرائع في صيحة الحرب - عن إطاعة قوله، وأطلق صرخة ~~حادة، ونادى على الدانيين قائلا: «أيها الأصدقاء، قادة وحكام ~~الأرجوسيين، يا من على مائدة أجاممنون ومينيلاوس - ابني أتريوس - ~~تشربون ما شئتم أن تشربوا ويعطى كل منكم الأمان إلى قومه، أنتم ~~يا من يسير في ركابكم الشرف والمجد من لدن زوس، من العسير علي أن ~~آمر كل رجل من الرؤساء، وصراع الحرب مستعر بهذه الدرجة، هيا، ليذهب ~~كل رجل دون أن يؤمر، وليربأ بنفسه عن أن يدع باتروكلوس ألعوبة ~~لكلاب طروادة.» # وإذ قال ذلك، سمعه أياس السريع، ابن أوليوس، فكان أول من ms382 أسرع ~~يعدو لمقابلته وسط المعركة، ومن ورائه أيدومينيوس ورفيقه ميريونيس، ~~نظير أنوالسيوس، قاتل البشر. ومن الذي يستطيع أن يعد - من ذاكرته - ~~أسماء الآخرين الذين جاءوا وراء هؤلاء وأثاروا معركة ~~الآخيين؟! # صراع صاخب عنيف! # اندفع الطرواديون - بعد ذلك - إلى الأمام في حشد متراص، بقيادة ~~هكتور. وكما يحدث عندما تزأر الموجة العتيدة عند مصب أي نهر مقدس - ~~ضد التيار - فتردد كثبان الشاطئ دويها على كل من الجانبين، عندما ~~يجأر البحر الملح من الخارج، بمثل هذا الطنين من الصياح أقبل ~~الطرواديون. ولكن الآخيين وقفوا ثابتين حول ابن مينويتيوس، متحدة ~~قلوبهم، يحيطونه بدروع من البرونز. وأنزل ابن كرونوس ظلمة كثيفة ~~على خوذاتهم اللامعة، لأنه لم يكن يمقت ابن مينويتيوس من قبل، ~~عندما كان حيا، وتابعا لابن أياكوس، فكان زوس الآن يأنف من أن ~~يدعه ألعوبة كلاب أعدائه - أهل طروادة - ومن ثم فقد أثار زوس ~~رفقاءه لكي يذودوا عنه! # ودفع الطرواديون الآخيين ذوي العيون البراقة إلى الوراء - أولا ~~- فتركوا الجثة وتقهقروا أمامهم، دون أن يقتل الطرواديون الشجعان ~~القلوب أحدا برماحهم، رغم تلهفهم، ولكنهم تأهبوا لسحب الجثة. على ~~أن الآخيين ما كانوا ليظلوا متراجعين إلا لفترة وجيزة فسرعان ما ~~انقض عليهم أياس الذي كان يفوق جميع غيره من الدانيين في رقته ~~وأعماله الحربية. ما عدا ابن بيليوس قريع دهره. وفي الحال خطا ~~مسرعا بين محاربي المقدمة، في قوة أشبه بقوة الخنزير البري، الذي ~~يعيث بين الجبال، يشتت الكلاب والشباب القوي بسرعة، عندما يكر ~~عليهم في الممرات. على هذا النحو، لم يكد أياس المجيد، ابن الملك ~~تيلامون يصل إلى كتائب الطرواديين، حتى شتتهم بسرعة، بعد أن كانوا ~~يقفون حول باتروكلوس، متلهفين إلى سحبه إلى مدينتهم كي يحرزوا ~~المجد لأنفسهم. # كان هيبوثوس المجيد، ابن ليثوس البيلاسجي يجر الجثة من قدميها - ~~إبان الصراع الطاحن - وقد ربط حمالته حول أوتار كل من العقبين، ~~كي يسر بذلك هكتور والطرواديين. غير أنه - بمنتهى السرعة - وافاه ~~شر لم يستطع أي واحد منهم أن يدفعه، رغم ما كانوا عليه من لهفة. ~~لأن ابن تيلامون ms383 انقض عليه وسط الحشد، وضربه من قرب فوق خوذته ذات ~~القطع البرونزية الجانبية، فانشطرت الخوذة ذات الخصلة المتخذة من ~~شعر الخيل عند طرف الرمح، تحت قوة الرمح العظيم واليد القوية. ~~وتناثر مخه خارج الجرح بطول وصلة الرمح، وقد اختلط كله بالدم. ~~وعندئذ خارت قواه، فخلى قبضته عن أقدام باتروكلوس الشجاع القلب، ~~وتركه فوق الأرض، وسقط هو نفسه بالقرب منه، بل فوق الجثة مباشرة، ~~بعيدا عن لاريسا العميقة التربة. ولم يعوض والديه العزيزين عن ~~تربيته، إذ كان أجله قصيرا، فقتله أياس البالغ الشجاعة برمحه. ~~وانبرى هكتور بدوره، فسدد نحو أياس رمحه اللامع، ولكن أياس ركز ~~بصره نحوه بثبات، وتحاشى الرمح البرونزي بمسافة بسيطة، فأصاب هكتور ~~برمحه سخيديوس بن أفينوس العظيم الجرأة، أفضل الفوكيين، الذي كان ~~يقيم في بانوبيوس الشهيرة، ملكا على شعب كثير العدد. لقد ضربه ~~هكتور أسفل منتصف عظمة الترقوة، فنفذ طرف البرونز إلى الداخل، وخرج ~~من أسفل قاعدة الكتف. وسقط في عنف، وصلصلت حلته الحربية من فوقه ~~وضرب أياس بدوره فأصاب فوركوس الحكيم القلب، ابن باينوبس، في بطنه ~~تماما - بينما كان يتخطى هيبوثوس - وحطم لوح درقته، فأخرج البرونز ~~الأحشاء. وسقط يتردى في الثرى، وأمسك الأرض براحته . عندئذ تقهقر ~~محاربو المقدمة وهكتور المجيد، وصاح الأرجوسيون عاليا، وسحبوا ~~القتيلين - فوربوس وهيبوثوس - وتأهبوا لينزعوا الحلة الحربية عن ~~أكتافهما. # وكان مقدورا على الطرواديين أن ينسحبوا ثانية - أمام الآخيين، ~~أحباء أريس - إلى طروادة، مقهورين بسبب جبنهم، وكاد الأرجوسيون ~~يفوزون بالمجد - ولو بالرغم من زوس - جزاء قوتهم وبأسهم لولا أن ~~أبولو نفسه أثار أينياس متنكرا في صورة المنادي بيريفاس بن ~~أبوتوس، الذي شاخ في مهنة المناداة مع أبيه العجوز وكان فضلا عن ~~ذلك طيب القلب نحوه، وفي هذه الصورة، خاطبه أبولو بن زوس بقوله: ~~«يا أينياس، كيف استطعت قبل ذلك أن تصون طروادة العميقة، متحديا ~~أحد الآلهة؟ الحق أنني رأيت رجالا آخرين، كانت لهم ثقة في قوتهم ~~وشدتهم، وفي شجاعتهم وجيشهم. واحتفظوا بمملكتهم رغم تحديهم زوس. ~~بيد أن زوس يرغب في أن يكون النصر لنا ms384 أكثر من أن يكون للدانيين. ~~ومع ذلك فثمة ذعر لا حد له يتملككم، فلستم تقاتلون!» # هكذا تكلم، غير أن أينياس عرف أبولو - الذي يضرب من بعيد - عندما ~~تطلع إلى وجهه، وصرخ بصوت مرتفع ينادي هكتور قائلا له: «أي هكتور، ~~ويا أيها القادة الآخرون، قادة الطرواديين والحلفاء، من العار ~~حقا، أن نتقهقر أمام الآخيين - أحباء أريس - إلى طروادة، مغلوبين ~~على أمرنا بسبب جبننا. لقد أعلن لي أحد الآلهة - وهو واقف إلى ~~جانبي - أن زوس، المستشار الأعلى، لا يزال معيننا في القتال. وعلى ~~ذلك، هيا نتجه فورا نحو الدانيين، ولا تمكنوهم من نقل باتروكلوس ~~المقتول، إلى السفن بسهولة!» # هكذا تكلم، ثم قفز بعيدا إلى مقدمة محاربي الصفوف الأولى، حيث ~~وقف. وانتظم الرجال واتخذوا مواقفهم في مواجهة الآخيين. بعد ذلك ~~طعن أينياس برمحه ليوكريثوس بن أريسباس ورفيق لوكوميديس الجسور، ~~فجرحه. وما إن سقط حتى أشفق عليه لوكوميديس، حبيب أريس، فأقبل إلى ~~جانبه، وبرمية من رمحه البراق أصاب أبيساون، ابن هيباسوس - راعي ~~الجيش - في كبده أسفل سرته. وفي الحال أرخى ركبتيه أبيساون الذي ~~قدم من باونيا العميقة التربة، وكان مبرزا على الجميع في القتال، ~~ما عدا أستيروبايوس. وما إن تردى حتى أشفق عليه أستيروبايوس ~~الصنديد، وانطلق إلى الأمام، وكله عزيمة على مقاتلة الدانيين. بيد ~~أنه لم ينجح في ذلك، وكان قد سبق السيف العذل، فلم يستطع عمل شيء، ~~إذ كانوا محاطين بالتروس من كل جانب، وهم يقفون حول باتروكلوس، ~~يحملون الرماح أمامهم، لأن أياس كان يسير وسطهم جيئة ورواحا، ~~يهاجم كل رجل في شدة وبطش. وأصدر إليهم أمره بألا يتقهقر أي رجل ~~منهم عن الجثة، وألا يقاتل أمام بقية الآخيين كما لو كان مبرزا ~~عليهم أجمعين. بل يجب أن يثبتوا في أمكنتهم متراصين حول الجثة، ~~ويقاتلوا يدا ليد. # هكذا أمر أياس القوي، وارتوت الأرض بالدماء القاتمة، وطفق القتلى ~~يتساقطون بكثرة وبسرعة - سواء أكانوا من الطرواديين وحلفائهم ~~الأشداء، أو من الدانيين - لأن هؤلاء أيضا خاضوا معركة لم تخل من ~~دماء، وإن كان عدد من قتلوا ms385 منهم أقل بكثير ممن قتلوا من أعدائهم. ~~فقد كانوا يوطدون العزم باستمرار على دفع الهلاك الأكيد عن بعضهم ~~وسط الحشد. # هكذا قاتلوا كالنار المستعرة، تخيم الظلمة فوقهم جميعا، فما كنت ~~تستطيع تبين الشمس أو القمر. وكان جميع الرؤساء واقفين حول ابن ~~مينويتيوس المقتول، بينما قاتل الطرواديون والآخيون - المدرعون ~~جيدا - براحة في الهواء الطلق، تسطع الشمس فوقهم بنورها الحاد. ~~وكانت السماء خالية من السحب فوق الأرض كلها والجبال، فكانوا ~~يقاتلون مع فترات من الراحة بين آن وآخر، متحاشين رماح بعضهم ~~الآخر، تلك الرماح المليئة بالأنين، وقد وقفوا متباعدين. أما أولئك ~~الذين كانوا في الوسط فقد قاسوا الويلات من الظلام والحرب، على ~~حد سواء. وكان البرونز العديم الرحمة يشدد خناقه عليهم، وكلهم من ~~الرؤساء. ومع كل ذلك فإن اثنين من مشاهير المقاتلين - هما ~~ثراسوميديس وأنتيلوخوس - لم يكونا يعلمان حتى تلك الآونة أن ~~باتروكلوس المنقطع المثيل قد مات، بل ظنا أنه ما زال حيا، يقاتل ~~الطرواديين في مقدمة الجمع. وكانا يقاتلان في مكان بعيد، وهما ~~يصدان الموت عن زملائهما، إذ كان نسطور قد أمرهما بذلك، عندما ~~حثهما بالذهاب إلى المعركة من السفن السوداء. # إذن فطوال اليوم كله، كان الصراع الشديد لقتالهم الطاحن يسير على ~~قدم وساق، وكانت ركب الرجال وسيقانهم وأقدامهم قد ابتلت بعرق ~~الكد، وكذا سواعدهم وعيونهم. بينما قاتل الجيشان حول الرجل العظيم، ~~خادم أخيل السريع القدمين. وكما يحدث عندما يعطي المرء قومه جلد ~~ثور ضخم رطب كي ينشروه، وقد ابتل جميعه بالدهن، فبعد أن يأخذوه، ~~يقفون في دائرة ويشدونه وفي الحال تتلاشى منه الرطوبة، ويتسرب منه ~~الدهن من جراء شد الأيدي الكثيرة، ويتمدد الجلد كله إلى أقصى درجة. # 4 # هكذا كانت حالهم وهم يشدون الجثة - من هنا وهناك، وإلى ~~هنا وهناك - في مسافة قصيرة، وقلوبهم داخل صدورهم تحدوها الآمال. ~~فيرجو الطرواديون أن يتمكنوا من سحبها إلى طروادة، بينما يرجو ~~الآخيون أن يسحبوها إلى السفن الجوفاء. وازدادت المعركة حول الجثة ~~وحشية، ولم يستطع أريس المثير الجيوش، ولا أثينا - عند رؤيتهما ذلك ~~الصراع ms386 - أن يخففا من حدته، رغم أن غضبهما كان بالغ الشدة! # فرض زوس مثل هذا النضال الشرير - في ذلك اليوم - على الرجال ~~والجياد حول باتروكلوس. وحتى تلك الساعة لم يكن أخيل العظيم يعلم ~~شيئا عن مقتل باتروكلوس؛ لأنهم كانوا يقاتلون بعيدا عن السفن ~~السريعة، تحت حائط الطرواديين. ومن ثم لم يدر بخلد أخيل أبدا ~~أنه مات، بل كان يعتقد أنه سيعود حيا بعد أن يصل إلى الأبواب. ~~ولم يكن يتصور قط، أن باتروكلوس سيجتاح المدينة بدونه - بل ولا في ~~صحبته - لأنه كثيرا ما سمع هذا من أمه، وهو يصغي إليها سرا، ~~كلما جاءته بخبر عن نوايا زوس العظيم. ومع ذلك فإنها لم تنبئه ~~بالشر العظيم الذي حدث؛ بأن رفيقه - الذي يعزه فوق كل شيء - قد ~~قتل! # أحزان جوادي أخيل! # ولكن الآخرين ظلوا يناضلون حول الجثة - بسهام حادة في أيديهم - ~~نضال المستميت. وطفقوا يقتلون بعضهم بعضا. وهكذا كان الآخيون ~~المتدثرون بالبرونز يقولون لبعضهم: «أيها الأصدقاء، لا يشرفنا قط ~~أن نعود ثانية إلى السفن الجوفاء بل فلتنشق الأرض السوداء هنا ~~وتبتلعنا كلنا، فهذا أفضل لنا إذا اضطررنا إلى تسليم هذا الرجل ~~للطرواديين - مستأنسي الخيول - ليسحبوه إلى مدينتهم ويفوزوا ~~لأنفسهم بالمجد!» # وكذلك قال أحد الطرواديين العظيمي الشجاعة، في الجانب الآخر: ~~«أيها الأصحاب، ليس لأحدكم أن يتراجع عن القتال، ولو قدر علينا أن ~~نموت بجوار هذا الرجل!» # هكذا كان الكلام يدور في الجانبين، فيثير قوة الجميع. ومن ثم ~~فإنهم مضوا يقاتلون، وقد تصاعد صليل الحديد - خلال الفضاء المضطرب ~~- حتى بلغ السماء البرونزية، ولكن جوادي ابن أياكوس كانا يبكيان ~~عزلتهما عن القتال، إذ علما - منذ البداية - أن سائقهما قد تردى في ~~الثرى بيد هكتور قاتل البشر. # وكثيرا ما كان «أتوميدون» الجريء - ابن ديوريس - يقسو عليهما ~~بضربات من السوط السريع. وكثيرا جدا ما كان يكلمهما بعبارات ~~رقيقة - وغالبا بالتهديدات - ومع ذلك فلم يكن في نية الجوادين ~~كليهما أن يعودا إلى السفن، إلى الهيليسبونت العريض، ولا حتى إلى ~~المعركة وسط الآخيين، وكما يظل العمود ثابتا فوق قبر الرجل ms387 أو ~~السيدة بعد موتها، هكذا وقفا دون حراك بجانب العربة الفاخرة، ~~يطأطئان رأسيهما، وظلت الدموع تنهمر سخينة من مآقيهما، فتتساقط على ~~الأرض، وهما يبكيان شوقا إلى سائقهما. وكانت أعرافهما الرائعة قد ~~تلوثت وهما يتململان - تحت وسادة النير - على هذا الجانب وذاك. ~~وبينما هما في حزنهما، إذ وقع بصر كرونوس عليهما، فأحس بالعطف ~~عليهما، وحرك رأسه، قائلا في نفسه: «ويحكما أيها الزوج التعيس من ~~الجياد، لماذا أعطيناكما للملك بيليوس، وهو من البشر، في حين أنكما ~~معمران وخالدان؟ أكان عليكما وسط البشر التعساء أن تشاركاهم ~~الأحزان؟ ذلك لأنني أعتقد أن ليس أتعس من الإنسان بين كل الكائنات ~~التي تتنفس وتتحرك فوق الأرض. ومع كل هذا، فلن يصعد هكتور بن ~~بريام، فوق عربتكما الفاخرة الزينة، إذ لن أحمل نفسي مشقة حدوث ~~هذا. ألا يكفيه أنه استولى على الحلة الحربية، التي يزهو بها ~~عبثا؟ كلا، لن يكون له هذا، وسأضع القوة في قوائمكما وقلبيكما، ~~حتى تستطيعا حمل أوتوميدون سالما - خارج ميدان الوغى - إلى السفن ~~الجوفاء؛ إذ إنني ما زلت مصرا على منح المجد للطرواديين، وأن ~~يقتلوا ويقتلوا إلى أن يبلغوا السفن المتينة المقاعد، وتغرب الشمس ~~ويقبل الظلام المقدس.» # وما إن قال هذا حتى نفث في الجوادين قوة بالغة. فنفض الجوادان ~~الغبار عن عرفيهما إلى الأرض، وبسرعة انطلقا بالعربة السريعة وسط ~~الطرواديين والآخيين. وناضل أوتوميدون خلفهما - بالرغم من حزنه على ~~رفيقه - منقضا بعربته كالنسر على قطيع من الأوز؛ لأنه طار بخفة ~~من وسط طنين معركة الطرواديين، وانطلق بخفة مندفعا خلال الحشد ~~الغفير، ومع كل هذا، فما استطاع أن يقتل أحدا وهو يجد في ~~مطاردتهم، لأنه لم يكن في مقدوره هذا بأية حال من الأحوال، إذ كان ~~بمفرده في العربة المقدسة # 5 # فلم يكن بوسعه أن يهاجمهم بالرمح وهو ممسك بأعنة ~~الجوادين السريعين. وأخيرا أبصر به رفيقه، الكينيدون بن لايركيس ~~بن هايمون، فوقف خلف العربة، وتحدث إليه بقوله: «أيا أوتوميدون، أي ~~رب بث في صدرك نصيحة باطلة، وسلب فؤادك الفهم والإدراك، حتى ~~إنك تقاتل الطرواديين هكذا ms388 وحدك، في حشد المقدمة؟ فقد قتل زميلك، ~~وارتدى هكتور حلته الحربية على كتفيه - حلة ابن أياكوس - ويزهو ~~بها.» # فأجابه أوتوميدون بن ديوريس، قائلا: «الكيميدون، أي رجل آخر من ~~الآخيين له جدارتك في قيادة وترويض الجوادين الخالدين، عدا ~~باتروكلوس وحده، نظير الآلهة في المشورة، إذ كان حيا؟ أما الآن ~~فقد حط عليه الموت والقضاء. والآن، هيا، خذ السوط والأعنة ~~البراقة، حتى يمكنني أن أصعد لأقاتل.» # هكذا تكلم، وقفز «الكيميدون» فوق العربة السريعة في القتال، ~~وبسرعة قبض على الأعنة والسوط في يديه، وهبط أوتوميدون من العربة، ~~فلمحه هكتور المجيد. وفي الحال تحدث أينياس - الذي كان قريبا ~~منه - فقال: «يا أينياس، يا مستشار الطرواديين المتدثرين بالبرونز، ~~إنني لأبصر جوادي ابن أياكوس السريع القدمين، مقبلين صوب ميدان ~~القتال، بسائقين ضعيفين وإني آمل في الاستيلاء على هذين ~~الجوادين، إذا اعتزمت ذلك في قرارة نفسك، فإن الرجلين لن يصمدا ~~ضد هجومنا نحن الاثنين، ولن يتوقفا للاشتباك معنا في ~~القتال.» # هكذا قال، فلم يتردد ابن أنخيسيس في إطاعة قوله. وانطلق ~~الاثنان من توهما إلى الأمام، وقد دثرا أكتافهما بدروع من جلد ~~الثيران، جافة صلبة قد ثبت فوقها البرونز الجم. وذهب معهما ~~خروميوس، وأريتوس، وكلاهما شبيه بالآلهة ، وقلباهما يفيضان لهفة إلى ~~قتل الرجلين ودفعهما بعيدا عن الجوادين اللذين تقوس عنقاهما ~~إلى أعلى. فيا لهما من أحمقين! إذ لن يكون من المستطاع الحصول ~~عليهما بدون إراقة دماء. وأخذهما من أتوميدون، فصلى أوتوميدون للأب ~~زوس، وقد امتلأ قلبه الأسود قوة وشجاعة. وخاطب في الحال الكيميدون ~~- رفيقه الموثوق به - فقال: «أي الكيميدون، لا تمسك الجوادين ~~بعيدا عني بل دع أنفاسهما تضرب فوق ظهري تماما؛ لأنني لا أظن أن ~~هكتور بن بريام سوف يكف عن حميته إلا بعد أن يركب خلف جوادي أخيل ~~الجميلي العرف، ويقتلنا - نحن الاثنين - ويبث الفوضى بين صفوف ~~المحاربين الأرجوسيين، أو يقتل هو نفسه وسط محاربي ~~المقدمة!» # هكذا تكلم، ونادى الأيانتيس كليهما، ومينيلاوس، قائلا: «أيها ~~الأيانتيس - قائد الأرجوسيين - ويا مينيلاوس، الآن أرى عجبا! ~~اتركا الجثة في عهدة خيرة ms389 الشجعان، ليقفوا راسخين حولها ويذودوا ~~عنها صفوف الرجال. أما نحن - الذين ما زلنا على قيد الحياة - ~~فلندفع يوم الموت العديم الرحمة؛ لأن هكتور وأينياس - خير ~~الطرواديين - ينقضان في القتال بعنف. وإن أردتم الحق، فإن هذه ~~الأمور فوق ركب الآلهة؛ ومن ثم فسأقذف أنا أيضا برمحي، ولأدع ~~النتيجة لزوس.» # قال هذا، ووزن رمحه الطويل الظل، ثم قذف به، فأصاب ترس أريتوس ~~الجيد الاتزان من كل جانب. ولم يقو الترس على صد الرمح، بل نفذ ~~البرونز خلاله، وانغرس داخل البطن الأسفل خلال الحزام. وكما يحدث ~~عندما يمسك رجل قوي فأسا حادة في يده ويضرب بها قرون ثور من ~~الخلف، فيقطع أوتارها في الحال، ويندفع الثور إلى الأمام ويسقط. ~~هكذا أيضا اندفع أريتوس إلى الأمام، ثم سقط على ظهره، وأرخى ~~أطرافه الرمح البالغ الحدة، الذي انغرس في أحشائه. بيد أن هكتور، ~~صوب رمحه اللامع نحو أوتوميدون، الذي كان يثبت بصره عليه. فاستطاع ~~أن يتحاشى الرمح البرونزي - بانحناءة إلى الأمام - فانغرس الرمح ~~الطويل في الأرض خلفه، واهتزت قناته، وأخيرا أوقف أريس القوي ~~ثورانه. وكادا يلتحمان - بعد ذلك - بالسيوف في قتال متشابك، لولا ~~أن الأيانتيس فصلا بينهما - وهما هائجان - إذ أقبلا إلى الجمع ~~تلبية لنداء زميليهما. فتقهقر ثانية هكتور وأينياس وخروميوس، ~~الشبيه بالإله، تاركين أريتوس ملقى على الأرض يلفظ أنفاسه. ~~وعندئذ هرع أوتوميدون - نظير أريس السريع - ونزع عنه حلته الحربية ~~وتهلل قائلا: «حقا، لقد سريت قليلا عن قلبي حزنه لموت ابن ~~مينويتيوس، إذ قتلت هذا الرجل، رغم ضآلة شأنه!» # وما إن قال هذا، حتى وضع الغنائم الدموية في العربة، ثم اعتلاها، ~~ويداه مضرجتان بالدماء، أشبه بأسد افترس ثورا! # نجاح الطرواديين! # اشتد القتال الطاحن من جديد فوق باتروكلوس، قتال مفزع يفيض ~~بالعبرات. وأثارت أثينا الصراع، بعد أن هبطت من السماء؛ لأن زوس - ~~الذي يحمل صوته بعيدا - أرسلها لتحمس الدانيين، فإن عقله - للعجب ~~- كان قد تحول! وبينما كان يبسط زوس للبشر قوس قزح قاتما، # 6 # من وسط السماء - علامة على الحرب أو على عاصفة شديدة ~~البرودة تضطر ms390 البشر إلى الكف عن أعمالهم فوق سطح الأرض، ويزعج ~~القطعان - هكذا أيضا كانت أثينا، ولقد التفت بسحابة دكناء، ودخلت ~~إلى حشد الدانيين، وأخذت تحمس كل رجل. فبدأت تشجع مينيلاوس الجريء، ~~ابن أتريوس - لأنه كان قريبا منها - وقد تقمصت هيئة فوينكس، ~~واتخذت شكله وصوته الذي لا يكل، فقالت: «أي مينيلاوس، لسوف يحل بك ~~اللوم والعار، إذا مزقت جسد الرفيق الموثوق به، رفيق أخيل الموهوب، ~~تحت سور الطرواديين. فلتصمدن بجرأة، ولتحثن الجيش كله!» # فأجابها مينيلاوس، الرائع في صيحة الحرب قائلا: «أي فوينكس، ~~أيها السيد العجوز، وصديقي منذ الأيام الخوالي، ليت أثينا تهبني ~~القوة وتنحي عني الرماح. إذن لتلهفت إلى الوقوف إلى جوار باتروكلوس ~~ومساعدته، إذ بخع قلبي موته. ومع كل، فإن هكتور ليتقد حماسا ~~كالنار، ولا يني عن إحداث الشغب بالبرونز، فقد منحه زوس ~~المجد.» # هكذا تكلم، فاغتبطت الربة أثينا - النجلاء العينين - إذ صلى لها ~~قبل جميع الآلهة. فوضعت القوة في كتفيه وركبتيه، وبثت في صدره ~~وقاحة الذبابة، التي تطرد بعيدا دائما، ولكنها تعاود الحط على ~~بشرة المرء وتمعن في اللدغ، ويحلو لها دائما دم الإنسان، بمثل تلك ~~الجرأة الملحاحة ملأت أثينا قلبه الأسود داخل صدره، فوقف عند ~~باتروكلوس وقذف رمحه البراق . وكان بين الطرواديين رجل ثري جسور ~~اسمه بوديس بن أيتيون وكان هكتور يبجله أكثر من الجميع؛ إذ كان ~~زميله الذي يرحب به دائما على مائدته. ولقد ضربه مينيلاوس ~~- الجميل الشعر - فوق حزامه، برمح قذف به عندما هم بالفرار، ودفع ~~البرونز إلى الداخل، فسقط بعنف. وسحب مينيلاوس بن أتريوس، جثة ~~القتيل من وسط الطرواديين إلى حشد رفاقه. # عندئذ اقترب أبولو من هكتور، في صورة أسيوس بن فاينوبس، الذي ~~كان أعز أصدقائه الأضياف، وكان يقيم في أبودوس. فشجعه في تلك ~~الصورة - أبولو، الذي يصيب من بعيد - وخاطبه بقوله: «أي هكتور، ~~من من الآخيين يمكن أن يهابك بعد الآن، وقد ضعفت أمام مينيلاوس، ~~الذي كان من قبل محاربا ضعيفا؟ لقد سحب القتيل من بين صفوف ~~الطرواديين، وانطلق دون مساعدة أحد، لقد صرع رفيقك ms391 المخلص، بوديس ~~بن أيتيون، خير محاربي المقدمة.» # قال هذا، فغشيت هكتور سحابة سوداء من الحزن، فخطا وسط محاربي ~~المقدمة، متدثرا بالبرونز الوهاج، وبعدئذ تناول ابن كرونوس ترسه ~~ذا الأهداب، المتلألئ كله سناء، ولف أيدا بالسحب، وأرعد بعنف ~~وأبرق، وهز الترس مانحا النصر للطرواديين، أما الآخيون فقد ~~دفعهم إلى الفوضى. # وكان أول من بدأ الشغب هو بينيلوس البيوتي. فبينما كان ينتظر ~~دائما في مواجهة العدو، إذا به يصاب في سطح كتفه برمح، بضربة ~~ساحجة. وغاص طرف رمح بولوداماس حتى العظم، # 7 # إذ كان هو الذي سدد إليه الضربة من كثب. كما أن ~~هكتور أصاب لايتوس أليكترون - البالغ الشجاعة - بجرح في ساعده ~~ورسغه، في التحام، فاضطره إلى الكف عن القتال: وبعد أن تلفت حوله ~~بقلق، تقهقر إلى الخلف، وقد فارقه الأمل في أن يستطيع حمل الرمح في ~~يده - بعد ذلك - ليقاتل الطرواديين. وبينما كان هكتور يطارد ~~لايتوس، ضربه أيدومينيوس فوق درقته، على صدره بجانب ثديه، غير أن ~~سن الرمح الطويل تحطم في مركز الدرقة، فصاح الطرواديون بصوت عال. ~~وصوب هكتور نحو أيدومينيوس بن ديوكاليون - وهو يقف فوق عربته - ~~فأخطأه بمسافة ضئيلة، ولكنه - مع ذلك - أصاب كويرانوس رفيق وسائق ~~ميريونيس، الذي كان يتبعه من داخل لوكتوس المتينة البناء. فقد أقبل ~~أيدومينيوس من السفن المقببة، سائرا على قدميه، وكاد يسلم ~~للطرواديين نصرا مبينا، لولا أن كويرانوس قاد الجياد بسرعة - تلك ~~الجياد السريعة الأقدام - فكان مقدمها بارقة الخلاص لأيدومينيوس، ~~إذ أبعدت عنه يوم الموت العديم الرحمة. # زوس يشفق على مينيلاوس! # ولكن كويرانوس فقد حياته على يد هكتور قاتل البشر، إذ ضربه أسفل ~~فكه - تحت أذنه - فحطم الرمح أسنانه من جذورها، وشطر لسانه من ~~وسطه، وسقط من العربة، تاركا الأعنة تقع فوق الأرض. فانحنى ~~ميريونيس والتقطها بيديه من الأرض، وخاطب أيدومينيوس قائلا: ~~«استخدم السوط الآن حتى تبلغ السفن السريعة. وعندئذ ستعلم من ~~تلقاء نفسك أن النصر بعد ذلك ليس في جانب الآخيين!» # هكذا تكلم، فأمسك أيدومينيوس السوط وألهب به الجياد ذات الأعراف ~~الجميلة، عائدا إلى السفن ms392 الجوفاء، وقد استولى الذعر على ~~روحه. # ولم يكن أياس الجريء القلب، ولا مينيلاوس، بغافلين عن أن زوس كان ~~يعطي النصر للطرواديين، لكي يحول تيار المعركة. فتكلم أياس ~~التيلاموني أولا، وقال: «سحقا للقوم! الآن يستطيع أي فرد، مهما ~~كان أحمق، أن يعرف أن زوس نفسه يساعد الطرواديين. إذ إن جميع ~~سهامهم تصيب أهدافها - سواء أكان قاذفها بارعا أم رعديدا - إذ إن ~~زوس يرسلها إلى أهدافها. أما رماحنا فإنها تسقط جميعا على الأرض ~~متخاذلة. فتعالوا هيا ندبر لأنفسنا خير خطة يمكننا أن نسحب الجسد ~~بعيدا، ثم نعود إلى الوطن لندخل السرور على نفوس زملائنا الأعزاء، ~~الذين أحسبهم مكتئبين وهم يتطلعون إلى هناك، ويظنون أن حمية هكتور ~~قاتل البشر، ويديه المنيعتين لن تتوقف عند حد، بل إنه سيهجم على ~~السفن السوداء. أما من رفيق يحمل كلمة بمنتهى السرعة إلى ابن ~~بيليوس، فما أعتقد إلا أنه لم يعلم قط بالقصة المؤلمة؛ قصة مقتل ~~رفيقه العزيز. ومع كل فإنني لا أرى أحدا وسط الآخيين في أي مكان ~~لأن الظلمة تغشاهم جميعا، هم وخيولهم أيضا. أبتاه زوس، خلص أبناء ~~الآخيين من الظلمة، واجعل السماء صافية، ومكنا من أن نرى ~~بعيوننا. وفي النور فلتقتلنا إن كان في هذا غبطتك المفضلة!» # هكذا تكلم، فأشفق الأب عليه وهو يبكي، وفي الحال بدد الظلمة ~~وأبعد الغمام، وسرعان ما سطعت الشمس فوقهم. # وتجلت المعركة كلها للعيان. عندئذ تحدث أياس إلى مينيلاوس، ~~الرائع في صيحة الحرب، قائلا: «تطلع الآن، يا مينيلاوس، يا سليل ~~زوس، لعلك ترى أنتيلوخوس بن نسطور - البالغ الشجاعة - على قيد ~~الحياة، وعندئذ حثه على أن يذهب بسرعة إلى أخيل الحكيم القلب، ~~ليخبره بمقتل صديقه الأعز.» # وإذ قال هذا، لم يتردد ~~مينيلاوس - الرائع في صحية الحرب - عن إطاعته، فانطلق في طريقه ~~كليث عائد من فناء مزرعة، بعد أن برح به التعب من الكلاب والرجال ~~الذين لم يمكنوه من القبض على أسمن ما في القطيع - وقد باتوا الليل ~~كله ساهرين في الحراسة - غير أنه لاشتهائه اللحم، انقض إلى الأمام، ~~ولكنه لم ms393 يصب شيئا، إذ انهالت عليه السهام بغزارة وقد قذفتها أيد ~~قوية، مصحوبة بجذوات نار مشتعلة، فيخور أمامها مهما كانت لهفته، ~~وينصرف عند الفجر بقلب حزين، هكذا أيضا رحل مينيلاوس - الرائع في ~~صيحة الحرب - من جانب باتروكلوس، على غير رغبته؛ لأنه كان يخشى ~~كثيرا أن يتركه الآخيون فريسة للعدو، وقد أحاط بهم شغب مؤلم. ~~فأصدر كثيرا من الأوامر لميريونيس والأيانتيس، قائلا: «أيها ~~الأيانتيس، قائد الأرجوسيين، وأنت يا ميريونيس، ليتذكر كل رقة ~~باتروكلوس التعيس، فقد كان رقيقا مع الجميع إبان حياته. أما الآن ~~فقد حل به الموت والقدر!» # رسول ينعى باتروكلوس إلى أخيل! # وما إن قال مينيلاوس هذا - وهو يتلفت بحذر في كل جانب، كالنسر ~~الذي يعتقد الناس أنه أقوى المخلوقات التي تحت السماء، لا سيما ~~المجنحات - بصرا، فلا تخفى عنه الأرانب البرية، السريعة الأقدام، ~~مهما يكن عاليا، بل ينقض النسر عليها لفوره، ويمسك بها فيسلبها ~~الحياة. هكذا أيضا، يا مينيلاوس - يا سليل زوس - أخذت عيناك ~~البراقتان تجولان هنا وهناك خلال حشد رفاقك العديدين، عسى أن يقع ~~بصرك على ابن نسطور حيا. # وسرعان ما لمحه في الجانب الأيسر للمعركة، يشجع رفقاءه ويحثهم ~~على القتال. فاقترب منه مينيلاوس الجميل الشعور، وخاطبه بقوله: «أي ~~أنتيلوخوس ، تعال يا ربيب زوس، كي تعلم النبأ الممض الذي أتمنى ألا ~~يكون أبدا، أعتقد أنك تعرف - لأن عينيك تريان الأمر - كيف أن ~~ربا يدفع الخراب نحو الدانيين، والنصر نحو الطرواديين. والمقتول ~~هو خير الآخيين، إنه باتروكلوس، فما أشد الحزن الذي ألم ~~بالدانيين. فهل لك أن تنطلق بسرعة إلى سفن الآخيين، فتحمل النبأ ~~إلى أخيل، أملا في أنه قد ينقل - إلى السفينة فورا - الجثة ~~العارية، فقد استولى هكتور - ذو الخوذة البراقة - على حلته ~~الحربية!» # هكذا تكلم، فلما سمع أنتيلوخوس هذا الكلام، استولى عليه الذعر، ~~وظل صامتا مدة طويلة، وقد اغرورقت عيناه بالدموع، وانحبس صوته. ~~ومع ذلك فإنه لم يهمل أمر مينيلاوس، بل انطلق يجري، وأعطى حلته ~~الحربية لزميله لاودوكوس المنقطع النظير، وكان يقود جياده القوية ~~الحوافر بالقرب منه. # وأخذ يجري ms394 وهو يبكي، فحملته قدماه بعيدا عن المعركة، لينقل إلى ~~أخيل نبأ سيئا. ولم يكن قلبك يا مينيلاوس، يا سليل زوس، معتزما ~~مساعدة الرفاق الذين ضيق عليهم الخناق بشدة، وقد انصرف عنهم ~~أنتيلوخوس، فداخل رجال بيليوس هم عظيم. على أنه لم يلبث أن أرسل ~~ثراسوميديس العظيم لمعونتهم، وذهب هو شخصيا إلى المحارب ~~باتروكلوس، وجرى يقف إلى جانب الأيانتيس، وتحدث إليهما قائلا: ~~«لقد بعثت ذلك الرجل إلى السفن السريعة، ليذهب إلى أخيل، السريع ~~القدمين. ومع ذلك، فلست أظن أن أخيل سيأتي فورا، مهما تكن نقمته ~~على هكتور العظيم؛ لأنه لا يستطيع بحال ما أن يقاتل الطرواديين وهو ~~غير مسلح. هيا نتدبر خير خطة نسحب بها الجثة، وننجو نحن أنفسنا من ~~الموت والقدر، وسط طنين معركة الطرواديين.» # فأجابه أياس التيلاموني العظيم بقوله: «كل ما قلت صواب يا ~~مينيلاوس الأمجد، فارفع أنت وميريونيس الجثة بسرعة، وانقلاها ~~بعيدا عن المعمعة، بينما نقاتل من خلفكما الطرواديين وهكتور ~~العظيم، نحن معا بقلب واحد، كما نحمل اسما واحدا، فمنذ زمن بعيد ~~ونحن نتوق إلى الصمود في المعركة الطاحنة جنبا إلى جنب.» # الآخيون يظفرون بجثة باتروكلوس! # وإذ قال هذا، رفع الآخران القتيل عن الأرض بسواعدهما وقوتهما ~~العظيمة. فلما أبصر الطرواديون الآخيين يرفعان الجثة، صاحوا ~~وراءهما بصوت مدو، وانقضوا عليهما كالكلاب تنقض على خنزير بري ~~جريح، أمام الصيادين الفتيان، حتى يهجم عليه هؤلاء ويمزقوه إربا، ~~وما إن يدور حولهم معتمدا على قوته، حتى ينكصوا على أعقابهم ~~مذعورين، مشتتين، واحدا هنا وواحدا هناك، هكذا أيضا ظل ~~الطرواديون يقتفون أثرهما زرافات - إلى حين - وهم يطعنون بالسيوف ~~والرماح ذات الحدين، فما إن كان الأيانتيس يستديران إليهم ~~ويواجهانهم، حتى كان لونهم يتبدل، فلا يجرؤ أي فرد منهم على أن ~~يهجم أو يقاتل من أجل الميت! # هكذا أسرع الاثنان بحمل الجثة بعيدا عن المعركة - إلى السفن ~~الجوفاء - فاشتد ضدهما وطيس القتال، كالنار التي تندفع فجأة نحو ~~مدينة للبشر، فتندلع فيها ألسنة اللهب، وتتداعى المنازل وتسقط وسط ~~الوهج الشديد، بينما تزيدها الرياح اضطراما وزمجرة، هكذا أيضا ms395 ~~كان طنين العربات والرماحين يقبل نحوهما بغير انقطاع، وهما ذاهبان ~~بالجثة. وكما تركز البغال قوتها في كل جانب - تلك القوة الهائلة - ~~لتجر كتلة من الخشب، أو قطعة ضخمة من سفينة، من جبل وعر المسالك، ~~فتعاني قلوبها في جوفها لفرط التعب والعرق، هكذا أيضا أسرع هذان ~~ليحملا الجثة، وكان الأيانتيس يحجزان العدو عنهما، كما تحجز ~~الفيضان حافة من الخشب يتصادف وجودها في سهل، وتوقف التيارات ~~المائية العظيمة للأنهار القوية، وفي الحال تحول اتجاهها لتتدفق ~~فوق السهل، ولا تجدي قوة فيضانها في المرور خلالها. # هكذا أيضا حجز الأيانتيس معا معركة الطرواديين، ولكن هؤلاء ~~يطاردونهما باستمرار، لا سيما اثنان كانا أشد تحمسا من الجميع، ~~هما أينياس بن أنخيسيس، وهكتور المجيد. # وكما تطير سحابة من الزرازير والعقاعق، وتصيح صيحات مفزعة، ~~عندما ترى بازيا يقبل نحوها، يحمل الموت لصغار الطيور، هكذا ~~أيضا، طار شباب الآخيين أمام أينياس وهكتور، يصيحون مفزعين ~~مذعورين، وقد نسوا جميع أفانين القتال. وتساقط كثير من الأسلحة ~~البديعة، هنا وهناك حول الخندق أثناء هروب الدانيين، غير أنه لم ~~يكن هناك أي توقف عن الحرب! # | الأنشودة الثامنة عشرة # «... وألقى في النار ببرونز صلب، وقصدير، وذهب ثمين، وفضة، وأقام ~~سندانه، وأمسك بإحدى يديه مطرقته المتينة ، كما أمسك باليد الأخرى ~~الملاقط ...» # كيف حزن أخيل على باتروكلوس، وكيف طلبت ثيتيس حلة حربية جديدة له ~~من هيفايستوس، وكيف صيغت هذه الحلة؟ # أخيل يعلم مصرع باتروكلوس! # هكذا قاتلوا كأنهم النار المستعرة، وذهب أنتيلوخوس - السريع ~~القدمين - ليحمل النبأ إلى أخيل. فوجده أمام سفنه ذات القرون المستقيمة، # 1 # يتنبأ في قلبه بما حدث الآن، وقد انزعج غاية الانزعاج، ~~فتحدث إلى روحه العظيمة الباسلة قائلا: «آه! ما أتعسني! كيف تقهقر ~~الآخيون الطويلو الشعر ثانية صوب السفن، خلال السهل، في فوضى؟ لعل ~~الآلهة لم تحدث محنا أليمة لنفسي، كما أخبرتني أمي ذات مرة فقالت ~~لي: «إن خير رجل من الميرميدون سيغادر ضوء الشمس على أيدي ~~الطرواديين، إبان حياتي!» حقا، لا بد أن ذلك الابن الجسور ~~لمينويتيوس قد مات الآن. يا له من ms396 طائش! لا شك في أنني أمرته ~~بالعودة ثانية إلى السفن، بعد أن ينتهي من النار النهمة، وألا ~~يقاتل هكتور هكذا سريعا!» # وفيما كان يفكر هكذا - في عقله وقلبه - اقترب منه ابن الملك ~~نسطور، وهو يبكي بدموع حارة، وأفضى إليه بالنبأ المحزن قائلا: «وا ~~حسرتاه يا ابن بيليوس الحكيم القلب، مؤلم جدا ذلك الخبر الذي يجب ~~أن تسمعه. ألا ليته لم يكن! فإن باتروكلوس يرقد ميتا، والقوم ~~يتقاتلون حول جثته العارية، أما حلته الحربية فقد استولى عليها ~~هكتور ذو الخوذة البراقة.» # هكذا تكلم، فغشيت سحابة من الكآبة نفس أخيل، فأخذ التراب القاتم ~~بكلتا يديه، ونثره فوق رأسه، فلوث وجهه الجميل. وسقط الرماد الأسود ~~فوق عباءته المعطرة، وانبطح على الثرى بشدة، بقدر قوته، وأخذ يشد ~~شعره وينزعه بكلتا يديه. فصرخت ~~الإماء - اللواتي كان أخيل ~~وباتروكلوس قد استوليا عليهن سبايا - والألم يحز في أفئدتهن، وجرين ~~من فورهن حول أخيل الحكيم القلب، وطفقن جميعا يلطمن صدورهن ~~بأيديهن، وقد ارتخت ركبتا كل واحدة منهن تحتها. أما أنتيلوخوس، فقد ~~راح يولول ويسكب الدموع، ممسكا بيدي أخيل، وهو يتأوه من قلبه، ~~إذ خشي أن يقطع رقبته بالسيف رهيبا. # بين ثيتيس وأخيل! # وما لبث أخيل أن أرسل صرخة مدوية، سمعتها أمه الجليلة وهي تجلس ~~في قاع البحر بجانب أبيها العتيق. فصرخت صرخة حادة، واحتشدت الربات ~~حولها، جميع بنات نيريوس - اللائي كن في قاع البحر. وكانت هناك ~~جلاوكي، وثاليا، وكومودوكي، ونيسايا، وسبايو، وثوي، وهاليي ذات ~~عيون المها، وكوموثوي، وأكتايا، وليمنوريا وميليتي، وأيارا، ~~وأمفيثوي، وأجافي، ودوتو، وبروتو، وفيروسا، ودوناميني، ودوريس، ~~وبانوبي، وجالاتيا المجيدة، ونيميرتيس، وأبسيوديس، وكالياناسا، كما ~~كانت هناك كلوميني، وأيانيرا، وأياناسا، ومايرا، وأوريثوا، وأماثيا ~~الجميلة الغدائر. كما كانت هناك نيرياديات أخريات في أعماق البحر. ~~فامتلأ الكهف البراق بأولئك، وأخذن جميعا يلطمن صدورهن، وكانت ~~ثيتيس تقودهن في النواح قائلة: «أنصتن أيتها النيرياديات الأخوات، ~~لتسمعن وتعرفن كل ما في قلبي من الأحزان. ويحي، أنا التعيسة، وا ~~حسرتاه لأنني أنجبت لآلامي خير الرجال. فبعد أن أنجبت ولدا عديم ~~النظير، باسلا صنديدا، مبرزا ms397 بين المحاربين، وقد نما شبيها ~~بالغصن، وبعد أن ربيته ونشأته كنبات في حقل، غزير الإنتاج، بعثت به ~~إلى «طروادة» في السفن المدببة، ليحارب الطرواديين. بيد أنني لن ~~أرحب به ثانية بعد الآن وهو عائد إلى وطنه، إلى بيت بيليوس. ولقد ~~كان حزينا - عندما كان حيا، يبصر ضوء الشمس - ولم أستطع مساعدته ~~بحال ما، رغم أنني كنت أذهب إليه. ومع ذلك فسأذهب لأرى ولدي ~~العزيز، وأعرف أي حزن ألم به، وهو بعيد عن القتال.» # وما إن قالت هذا حتى غادرت الكهف، وذهبت الحوريات معها باكيات، ~~تنشق من حولهن أمواج البحر شطرين. فلما بلغن أرض طروادة العميقة ~~التربة، وطئن الشاطئ - واحدة ~~إثر الأخرى - حيث سحبت سفن الميرميدون إلى أعلى في صفوف متراصة حول ~~أخيل السريع. فاقتربت منه أمه الجليلة، وهو يئن أنينا عاليا، ~~وصاحت صيحة حادة، وأمسكت رأس ولدها، وخاطبته بكلمات مجنحة وهي تبكي ~~قائلة: «أي بني، لم هذا البكاء؟ أي حزن استبد بقلبك؟! أفصح، ولا ~~تخش شيئا. فقد حقق زوس رغبتك التي طلبتها عندما رفعت يديك ~~مصليا، وتمنيت أن يحضر جميع أبناء الآخيين عند مؤخر السفن، في ~~مسيس الحاجة إليك، وأن يقاسوا أهوالا مريرة!» # فأجابها أخيل، السريع القدمين، وهو يئن أنينا شديدا، فقال : ~~«أماه، حقا، لقد أجاب الأوليمبي وحقق صلواتي، ولكن ماذا يبهجني ~~فيها وقد مات صديقي العزيز باتروكلوس، الذي كنت أبجله أكثر من جميع ~~أصدقائي، قتله هكتور وسلب منه حلته الحربية، البديعة الضخمة، مثار ~~إعجاب الناظرين، تلك التي قدمتها الآلهة هدية مجيدة لبيليوس، يوم ~~أن وضعوك في فراش رجل من البشر. ليتك بقيت عذراء حيث كنت بين ~~عذارى البحر الخالدات، وليت بيليوس أخذ إلى بيته زوجة من البشر. ~~أما الآن، فهكذا قدر عليك أن تحزني وتقاسي غما لا حد له في قلبك ~~من أجل ولدك الميت، الذي لن ترحبي به ثانية في وطنه؛ إذ يحدثني ~~قلبي ألا أمكث وأعيش بين البشر، إلا بعد أن أضرب برمحي هكتور، ~~وأفقده حياته، وبذا يدفع الثمن غاليا على قتله باتروكلوس بن ~~مينويتيوس.» # عندئذ تحدثت ms398 إليه ثيتيس ثانية، والدموع تنهمر من مآقيها، فقالت: ~~«محكموم عليك يا بني، أن تموت عاجلا، ما دمت تتكلم هكذا، فبعد ~~هكتور مباشرة، يكون موتك قريبا جدا.» # حينئذ قال لها أخيل السريع ~~القدمين، وقد تأثر تأثرا بالغا: «إني لأتمنى موتي فورا؛ لأنني ~~لم أستطع مساعدة صديقي عند مقتله! لقد تردى بعيدا جدا عن وطنه، ~~وكان مفتقرا إلى أن أكون حصنه ضد الفناء. وبما أنني لن أعود إلى ~~وطني العزيز، ولم أبرهن - بأية حال من الأحوال - على أنني منقذ ~~لباتروكلوس أو لأصدقائي الآخرين الكثيرين الذين قتلهم هكتور ~~العظيم، بل بقيت هنا بجانب السفن كمتاع لا نفع له على الأرض - أنا ~~الذي لا يوجد لي مثيل، في الحرب، بين الآخيين المتدثرين بالبرونز، ~~رغم أن هناك من يفضلني في المشورة - بما أنني كنت كذلك، فهل للصراع ~~أن يختفي بين الآلهة والبشر، وكذلك الغضب الذي يفضي بالمرء إلى ~~الضغينة، مهما يكن حكيما، ذلك الغضب الذي يفوق في حلاوته العسل ~~المصفى، وينمو كالدخان في قلوب البشر، كذلك كان الحال عندما دفعني ~~أجاممنون - ملك البشر - إلى الغضب. ومع كل، يجب أن نغض الطرف عن ~~هذه الأمور. بسبب آلامنا الجمة، ونكبح جماح قلوبنا في صدورنا، ~~والآن هل لي أن أنصرف في الحال، لأنقض على قاتل من أحببته، على ~~هكتور. لسوف أتقبل الموت بنفس راضية، عندما يرغب زوس في تنفيذه، ~~وكذلك الآلهة الآخرون الخالدون. فإن هرقل القوي نفسه لم ينج من ~~الموت، وكذا غضب هيرا الفظيع. وهكذا أنا أيضا، سأفترش الغبراء عند ~~موتي، إذا قدر لي مصير مماثل. أما الآن فدعيني أحرز الصيت ~~المجيد، وأجعل الكثيرات من الطرواديات أو الدردانيات الممتلئات ~~الصدور، يمسحن العبرات بكلتا أيديهن من فوق وجناتهن الرقيقة، وسط ~~عويل لا ينقطع، وليعلمن أنني كنت بعيدا عن الحرب زمنا طويلا. ~~إذن لا تحاولي أن تمنعيني عن القتال؛ لأنك لن تستطيعي ذلك رغم جميع ~~ما قدر لي!» # عند ذلك أجابته الربة، ثيتيس الفضية القدمية، قائلة: «نعم، إن ~~الأمر كما تقول يا بني، فليس من القبيح أن تدفع الهلاك ms399 الشامل عن ~~أصدقائك، الذين ضيق عليهم الخناق بشدة. بيد أن حلتك الحربية ~~العظيمة قد استولى عليها الطرواديون، حلتك الحربية البرونزية، التي ~~تتلألأ كلها سناء. إن هكتور - ذا الخوذة المتألقة - يرتديها فوق ~~كتفيه مزهوا بها. ومع ذلك، فإني أعتقد أنه لن ينال بها المجد ~~طويلا، حيث إن موته قريب، ولكن لا تتدخل في شغب أريس إلا بعد أن ~~تبصرني عيناك قادمة إلى هنا ثانية. فلسوف أعود في الصباح عندما ~~تخرج الشمس من خدر أمها، أحمل إليك حلة حربية رائعة من عند السيد ~~هيفايستوس.» # قالت ذلك واستدارت لتعود من عند ابنها، وما إن استدارت حتى خاطبت ~~شقيقاتها في البحر، بقولها: «غصن الآن تحت سطح البحر العميق، ~~لزيارة شيخ البحر الكهل، وساحات أبينا، وأخبرته بكل شيء. فإنني ~~صاعدة إلى أوليمبوس الشاهق إلى بيت هيفايستوس، الحداد الذائع ~~الصيت، عسى أن أحصل منه لابني على حلة حربية متألقة مجيدة.» # صيحة أخيل! # هكذا قالت، وفي الحال غصن تحت أمواج البحر، بينما انطلقت الربة ~~ثيتيس - اللجينية القدمين - في طريقها إلى أوليمبوس، كي تحضر حلة ~~حربية مجيدة لابنها العزيز؛ ومن ثم فقد حملتها قدماها إلى ~~أوليمبوس، بينما كان الآخيون يطلقون العنان لأقدامهم أمام هكتور ~~قاتل البشر، وهم يصرخون صرخات مروعة ، حتى بلغوا السفن ~~والهيليسبونت. ومع ذلك فلم يقدر للآخيين المدرعين جيدا، أن يسحبوا ~~باتروكلوس - خادم أخيل - من وسط الرماح، فقد استرده جيش وعربات ~~الطرواديين؛ إذ تقدم هكتور بن بريام - الذي يحكي اللهب في قوته - ~~وأمسك بقدميه من الخلف، ثلاث مرات متلهفا إلى سحبه بعيدا، وهو ~~يصيح عاليا على الطرواديين، وثلاث مرات دفعه الأيانتيس، ~~المتسربلان بالشجاعة الجامحة، بعيدا عن الجثة، ولكنه كان يعتمد ~~دائما على قوته، وصار يهجم عليهما مقاتلا، ويقف ويصيح عاليا، ~~غير أنه لم يتراجع إلى الخلف قيد أنملة. وكما يفشل رعاة المزرعة في ~~إقصاء ليث غضنفر عن جثة، عندما يعضه الجوع، هكذا أيضا لم يفلح ~~الأيانتيس المحاربان، في إرهاب هكتور بن بريام وإبعاده عن الجثة. ~~وقد كاد الآن ينجح في سحب الجثة، فيفوز بمجد عظيم، لولا ms400 أن أيريس ~~السريعة، هرعت من أوليمبوس تحمل رسالة إلى ابن بيليوس، بأن ~~يتأهب للقتال، دون علم زوس والآلهة الآخرين؛ إذ أوفدتهما هيرا، ~~فاقتربت منه وتحدثت إليه بكلمات مجنحة، قائلة: انهض يا ابن بيليوس، ~~يا أعظم الرجال بأسا! قدم المعونة إلى باتروكلوس، الذي يدور حوله ~~صراع مرير أمام السفن. والرجال يقتلون بعضهم بعضا، هؤلاء يسعون ~~إلى الدفاع عن جثة الميت، بينما يهجم الطرواديون ليسحبوه إلى ~~طروادة ذات الرياح، ولا سيما هكتور المجيد، الذي يتوق إلى سحبه ~~بعيدا، ويتحرق قلبه شوقا إلى أن يحز رأسه من عنقه الرقيق، ويضعه ~~فوق أوتاد سور المدينة. فانهض، ولا تقبع هنا أكثر من ذلك! وليستبدن ~~الفزع بروحك، من أن باتروكلوس سوف يغدو ألعوبة كلاب طروادة. فعار ~~عليك أن تأتي إليك جثته محتقرة مدنسة.» # فأجابها أخيل السريع القدمين بقوله: «أيتها الربة أيريس، من من ~~الآلهة بعث بك إلي؟» # فتحدثت إليه أيريس، السريعة القدمين، قائلة من جديد: «بعثتني ~~هيرا، زوجة زوس المجيد، ابن كرونوس، الجالس فوق عرشه السامي، لا ~~يعلم شيئا عن هذا، كما لا يعلم به أي أحد آخر من الخالدين ~~القاطنين فوق أوليمبوس الجليدي.» # فرد عليها أخيل، السريع القدمين، بقوله: «ولكن كيف أدخل المعركة؟ ~~لقد استولوا هناك على عدتي الحربية، وقد منعتني أمي العزيزة من ~~التأهب للقتال إلا بعد أن تراها عيناي مقبلة إلى هنا، إذ وعدتني ~~بأن تحضر لي حلة حربية عظيمة من عند هيفايستوس. فلست أعرف رجلا ~~يمكنني أن أرتدي حلته الحربية المجيدة، إلا إذا كان درع أياس ~~بن تيلامون، ولكن هذا يحتل مكانه بين محاربي المقدمة، محدثا الشغب ~~برمحه ذودا عن باتروكلوس القتيل.» # فأجابته ثانية أيريس السريعة، التي تحكي قدماها الرياح، فقالت: ~~«إننا أنفسنا نعلم أنهم استولوا على حلتك الحربية، ولكننا نريدك أن ~~تذهب - بحالتك هذه - إلى الخندق، وتظهر نفسك لرجال طروادة، فقد ~~يتملكهم الخوف من مرآك، ويكفون عن القتال، وعندئذ قد يسترد أبناء ~~الآخيين البواسل أنفاسهم، إذ أنهكهم التعب، لأن فترة الراحة في ~~القتال ضئيلة.» # وما إن قالت أيريس - السريعة القدمين - هذا، ms401 حتى انصرفت، ونهض ~~أخيل حبيب زوس، فألقت أثينا ترسها ذا الأهداب حول كتفيه القويتين، ~~وأقامت الربة الفاتنة سحابة ذهبية كثيفة حول رأسه، وأشعلت بعيدا ~~عنه نارا متأججة. وكما يحدث عندما يتصاعد الدخان فيتطاول إلى عنان ~~السماء، من جزيرة يحاصرها العدو، بينما يقاتل رجالها طوال اليوم ~~كله - في حرب بغيضة من فوق أسوار مدينتهم - حتى إذا غربت الشمس، ~~تألقت في الحال نيران المنائر - واحدة بعد أخرى - وارتفع وهجها ~~عاليا ليراه السكان المجاورون، إذا ما أقبلوا في سفنهم، لتكون ~~نذيرا لهم من الدمار، هكذا أيضا تصاعد الضوء من رأس أخيل نحو ~~السماء. ثم خطا مسرعا من الحائط إلى الخندق، حيث اتخذ وقفته، ومع ~~ذلك فإنه لم ينضم إلى جماعة الآخيين؛ احتراما لأمر أمه الحكيم. ~~فوقف هناك وصاح، ومن بعيد صاحت بالاس أثينا، فدب ارتباك - وأي ~~ارتباك! - بين الطرواديين. وكان صوت ابن أكايوس واضحا وضوح صوت ~~البوق ينفخ عاليا تحت ضغط الأعداء الفتاكين المحاصرين لمدينة ما. ~~فلما سمعوا صوته البرونزي، دب اليأس في قلوب الجميع، ومالت الجياد ~~الجميلة الأعراف بعرباتها إلى الخلف، إذ تنبأت أرواحها بالدمار. ~~وألم الفزع بسائقيها عندما أبصروا النار - التي لا تخبو - متأججة ~~بصور مخيفة فوق رأس ابن بيليوس البالغ الشجاعة، لأن الربة أثينا - ~~البراقة العينين - أذكت سعيرها. وصاح أخيل العظيم بقوة ثلاث مرات ~~فوق الخندق، وثلاث مرات ارتبك الطرواديون وحلفاؤهم المشهورون، إذ ~~ذاك هلك اثنا عشر من أخيارهم وسط عرباتهم ورماحهم، بينما ابتهج ~~الآخيون وسحبوا باتروكلوس بعيدا عن وقع الرماح، ووضعوه فوق ~~محفة. # فاجتمع حوله أصدقاؤه الأعزاء ينوحون، وتبعهم أخيل السريع ~~القدمين، يذرف الدمع السخين؛ لأنه أبصر أخلص أصحابه مسجى فوق ~~المحفة، ممزقا بالبرونز الحاد. حقا، لقد أرسله بالجياد والعربة ~~إلى الحرب، ولكنه لن يرحب بعودته مرة أخرى! # وما لبثت «هيرا» - الملكة ذات عيون المها - أن أرسلت الشمس التي ~~لا تكل، إلى مجرى المحيط. فغابت الشمس - على غير إرادة منها - ~~وتوقف الآخيون الأمجاد عن الصراع العنيف والحرب الشريرة. # اجتماع الطرواديين! # أما الطرواديون فعندما رجعوا من الصراع العنيف، حشدوا أنفسهم ms402 في ~~اجتماع، دون أن يفكروا في تناول طعام العشاء. وظلوا واقفين على ~~أقدامهم طيلة انعقاد الاجتماع، دون أن يجرؤ أحد منهم على الجلوس، ~~إذ كانوا جميعا مذعورين منذ رأوا أخيل مقبلا، رغم أنه كان بعيدا ~~عن المعركة المؤلمة. فقام بولوداماس الحكيم، وكان أول المتكلمين؛ ~~إذ كان ابن بانثوس هذا - دون غيره - يظهر في وقت واحد أمامه وخلفه. ~~لقد كان صديقا لهكتور، ولدا معا في ليلة واحدة، وكان أحدهما ~~يتفوق على الآخر في فصاحة اللسان، بينما يتفوق الآخر في قذف الرمح. ~~وبنية سليمة خاطب حشدهم، وتحدث في وسطهم قائلا: «أيها الأصدقاء، ~~زنوا موقف الفريقين. فأنا - من جهتي - أنصحكم بأن تعودوا الآن إلى ~~المدينة، ولا تنتظروا مجيء الفجر اللامع فوق السهل بجانب السفن؛ ~~لأننا بعيدون عن السور. لقد كان صراع الآخيين سهلا، طالما كان هذا ~~الرجل مستمرا في الغضب من أجاممنون العظيم. ولقد كنت سعيدا ~~عندما قضيت الليل بجانب سفنهم السريعة، أملا في أن نستولي على ~~المراكب المنبعجة. أما الآن، فإني أخاف ابن بيليوس السريع القدمين؛ ~~لأن قلبه مفرط الضراوة، ولن نستطيع البقاء في السهل، بينما يلتحم ~~الطرواديون والآخيون - في الوسط - في عراك أريس. إنه سيقاتل من أجل ~~مدينتنا، ومن أجل زوجاتنا. فهلموا بنا نذهب إلى المدينة! أصغوا ~~إلي، فإن هذا هو ما سوف يحدث: لقد أوقف الليل الخالد ابن بيليوس ~~السريع القدمين، ولكنه إذا أقبل غدا - في عدته الحربية - وانقض ~~علينا ونحن ما زلنا هنا، فسوف يعرف كل منا بأسه، وسيبتهج كل من ~~بلغ طروادة فرارا منه، ولسوف تلتهم الكلاب والنسور كثيرا من ~~الطرواديين، فليت قصتهم لا تبلغ أذني! أما إذا سمعتم كلامي، رغم ~~بغضنا له، فلنحتفظ بقواتنا هذه الليلة في مكان الحشد، ولنحرس ~~المدينة بأسوارها والأبواب العالية والمنافذ المصقولة جيدا، والتي ~~يحكم إيصادها بالمزاليج. وفي الصباح - عندما يلمع الفجر في أفق ~~السماء - لنحتل مراكزنا فوق السور، ونحن متدثرون بحللنا الحربية. ~~وإذ ذاك ستكون في ارتقابه أسوأ العواقب إذا هو وفد من السفن ~~لمقاتلتنا والاستيلاء على سورنا. ولسوف يسرع عائدا إلى ms403 السفن بعد ~~أن يكون قد أرهق جياده - ذات الأعناق المقوسة إلى أعلى - من كثرة ~~العدو جيئة وذهابا، وهو يهجم عبثا أسفل المدينة. ولن يجد الجرأة ~~على أن ينفذ إلى داخلها، أو أن يدمرها، فلسوف تلتهمه الكلام ~~السريعة، قبل أن يتمكن من ذلك!» # عندئذ قطب هكتور - ذو الخوذة البراقة - حاجبيه غاضبا، وخاطبه ~~قائلا: «أي بولوداماس، إن حديثك لم يعد يسرني؛ إذ أراك تأمرنا ~~بالعودة لنحبس داخل المدينة. ألم تكتفوا بعد من الحبس وراء ~~الأسوار؟ لقد اعتاد البشر منذ قديم الزمان، أن يتحدثوا عن مدينة ~~بريام، معجبين بثروتها من الذهب البراق، ومن البرونز. أما الآن فقد ~~انعدمت كنوزها النفسية من بيوتها، وبيعت ممتلكاتها الكثيرة في ~~فروجيا، ومابونيا الجميلة، منذ أن قسا علينا زوس الجبار. أما وقد ~~آثرني ابن كرونوس - ذو المشورة المعوجة - بالفوز بالمجد عند السفن، ~~وحصار الآخيين بجانب البحر، فليس لك بعد الآن - أيها الأحمق - أن ~~تدلي بمثل هذه المشورة أمام القوم. ولن يصغي إليك أحد من ~~الطرواديين، كما أنني لن أكلف نفسي ذلك. فتعالوا نعمل بما سوف ~~أقول: تناولوا عشاءكم الآن في الجيش جماعات، ولتهتموا بالحراسة، ~~وليكن كل رجل متيقظا. وعلى كل من يشتد به الكرب من أجل ممتلكاته، ~~أن يجمعها ويقدمها للجيش، فنقتسم قيمتها مشاعا بيننا، فنحن أولى ~~بالإفادة منها من الآخيين! وفي الصباح، عند مطلع الفجر، ننتظم في ~~حللنا الحربية، ونثير معركة حامية الوطيس عند السفن الجوفاء. فإذا ~~كان أخيل قد نهض فعلا بجوار السفن، فلسوف ينال أسوأ العواقب. إذ ~~إنني - عند ذلك - لن أفر منه بعيدا عن الحرب المؤلمة، بل سأقف ~~أمامه وجها لوجه، سواء كان النصر العظيم من نصيبه أو من نصيبي. ~~فرب الحرب واحد للجميع، يقتل من قدر له أن يقتل!» # هكذا خاطب هكتور الجموع، فصاح الطرواديون عاليا. فما أحمقهم! ~~لأن بالاس أثينا سلبتهم رشدهم، فإذا بهم جميعا يثنون على هكتور ~~لمشورته السقيمة. أما بولوداماس فلم يمتدحه أحد، رغم كونه قد أحسن ~~النصح. ومن ثم تناولوا العشاء في سائر أنحاء المعسكر. # أخيل يتحدى! # أما الآخيون ms404 فباتوا طوال ~~الليل يئنون منتحبين على باتروكلوس. وفي وسطهم بدأ ابن بيليوس ~~النحيب الشديد، واضعا يديه - قاتلتي البشر - فوق صدر صديقه، وهو ~~يئن أنينا بالغا، أشبه بأسد ذي لبدة، خطف صياد غزلان أشباله ~~وحملها بعيدا عن الغابة الكثيفة، فلما عاد الأسد، اكتأب لذلك ~~اكتئابا شديدا، وشرع يقتفي آثار أقدام الصياد خلال الممرات ~~الكثيرة أملا في العثور عليه في أي مكان، إذ تملكه غضب فظيع. هكذا ~~أيضا تكلم أخيل وسط المورميدون وهو يتأوه، فقال: «سحقا! لقد ضاع ~~قولي عبثا، عندما حاولت في ذلك اليوم أن أشجع المحارب مينويتيوس ~~في قصرنا، فقلت له إنني بعد أن أغير على طروادة، سأعود إلى أوبويس ~~بابنه المجيد مع نصيبه من الغنيمة التي يحظى بها، ولكن زوس لا يحقق ~~للبشر جميع أغراضهم، فإنه مكتوب لكلينا أن نخضب نفس الثرى ~~بدمائنا - هنا، على أرض طروادة - ~~إذ إنني لن أعود ثانية ليرحب بي الفارس الشيخ بيليوس في قصره، ولا ~~أمي ثيتيس، بل ستحتفظ بي الأرض هنا. والآن، يا باتروكلوس، بما أن ~~مثواي سيكون تحت الأرض من بعدك، فلن أقوم بدفنك إلا بعد أن أحضر ~~الحلة الحربية، ورأس هكتور - قاتلك العظيم الشجاعة - إلى هنا، كما ~~أقطع رقاب اثني عشر ابنا مجيدا من الطرواديين، أمام كومة حطبك ~~الجنائزية، وأنا في سورة غضبي لمقتلك. لترقد بجانب السفن المدببة - ~~كما أنت - إلى أن يتم ذلك، وسوف تنتحب حولك - ليل نهار - ~~الطرواديات والدردانيات السمينات الصدور بدموع منهمرة، أولئك ~~اللواتي حصل كلانا عليهن بالكدح، بقوتنا ورماحنا الطويلة، عندما ~~خربنا كثيرا من مدن البشر.» # وما إن قال أخيل العظيم هذا حتى أمر رفاقه بأن يضعوا قدرا كبيرة ~~فوق النار، ليزيلوا الدم المتجمد عن جثة باتروكلوس بسرعة. فوضعوا ~~القدر فوق النار المستعرة، وملئوها بالماء، وأشعلوا تحتها قطعا من ~~الخشب، فالتفت النيران بالقدر، وسخن الماء، حتى إذا غلى الماء في ~~البرونز البراق، غسلوا الجثة ودهنوها بالزيت الوفير، غامرين جروحها ~~بدهان معتق منذ تسع سنوات. وأرقدوا باتروكلوس على فراشه، وغطوه من ~~رأسه حتى قدمه، بغلالة كتانية ناعمة، ومن ms405 فوقها رداء أبيض. وهكذا، ~~راح المورميدون الليل كله يبكون وينتحبون على باتروكلوس، ولكن زوس ~~تحدث إلى هيرا، أخته وزوجته، قائلا: «لقد حققت رغبتك يا ذات عيون ~~المها، يا هيرا الجليلة، واستفززت أخيل السريع القدمين. حقا، لا ~~بد وأن الآخيين الطويلي الشعر هم أطفال رحمك.» # فردت عليه هيرا الجليلة - ذات عيون المها - قائلة: «يا ابن ~~كرونوس المرهوب، أية كلمة هذه التي نطقت بها! واعجباه! فحتى ~~الإنسان - كما أعتقد - تواق إلى بذل ما في مقدوره، من أجل أخيه ~~الإنسان، رغم أنه بشر لم يؤت كل ما لي من الحكمة. فكيف كان في ~~مقدوري إذن - أنا التي أدعي بأني أعظم الربات في شيئين: فأنا ~~أكبرهن سنا، وأنا زوجتك، أنت الملك على جميع الخالدين - كيف كان ~~في مقدوري، وأنا غاضبة على الطرواديين، ألا أحيك ضدهم ~~شرا؟» # بين ثيتيس وهيفايستوس! # هكذا تكلم كل منهما إلى الآخر، أما ثيتيس اللجينية القدمين، ~~فقد انطلقت إلى منزل هيفايستوس الخالد، المزدان بالنجوم، والسرمدي ~~بين بيوتات الخالدين، والمصنوع كله من البرونز، إذ بناه الرب ~~الأعرج لنفسه. # ووجدته يتصبب عرقا من التعب، وهو يروح ويجيء حول الكير في سرعة ~~بالغة، إذ كان يصنع عشرين ركيزة لتوضع حول حوائط البهو المتين ~~البناء، وقد ثبت أسفل قاعدة كل منها عجلات من الذهب، حتى يمكن أن ~~تدخل إلى حشد الآلهة من تلقاء نفسها - حسب رغبته - ثم تعود ثانية ~~إلى منزله، وبذا تكون أعجوبة للناظرين. ولم يكن قد فرغ من صنعها ~~بعد. بل بقي عليه أن يثبت فيها المقابض المصنوعة بمهارة، وكان يقوم ~~بإعدادها، ويطرق المسامير. وبينما هو منهمك في عمله هذا بمهارة ~~فائقة، إذ اقتربت منه الربة، ثيتيس الفضية القدمين. وجاءت خاريس ~~الفاتنة، ذات المفرق الوضاء - التي تزوجها الرب المشهور ذو ~~الساعدين القويين - فرأتها وصافحتها، وخاطبتها قائلة: «لم أتيت ~~إلى بيتنا، يا ثيتيس، يا طويلة الثوب، ضيفة معززة، مرحبا بها؟ إنك ~~لا تترددين علينا كثيرا، فتعالي كي أحتفي بك وأكرمك.» # قالت هذا ثم قادتها الربة البراقة. وأجلستها على عرش مرصع ~~بالفضة، بديع الشكل، فاخر ms406 الصنع، ومن تحته مقعد للقدمين. ونادت ~~هيفايستوس، الحداد المشهور، وخاطبته بقولها: «تعال يا هيفايستوس، ~~فإن ثيتيس في حاجة إليك.» فأجابها الرب المشهور ذو الساعدين ~~القويين: «حقا، إن في داري لربة مهيبة مبجلة، تلك التي أنقذتني ~~عندما أصابني الألم بعد أن سقطت في هوة سحيقة بإرادة أمي القليلة ~~الحياء، إذ كانت تود إخفائي في مكان قصي بسبب عرجي. وكان علي أن ~~أقاسي الأهوال في قلبي، لولا أن يورونومي - ابنة أوقيانوس الذي لا ~~يكف عن التدفق فياضا على نفسه - وثيتيس استقبلتاني في حضنيهما، # 2 # فبقيت معهما مدة تسع سنوات أنجزت فيها - داخل كهفهما ~~الرحب - أعمالا يدوية رائعة كثيرة: من مشابك صدر، وأسورة لولبية، ~~وأزرار، وقلائد، وكان يتدفق حولي مجرى أوقيانوس، مزبدا، محدثا ~~طوفانا يفوق الوصف. ولم يعرف بذلك أحد من الآلهة أو البشر، اللهم ~~إلا ثيتيس ويورونومي، فهما اللتان أنقذتاني. وها هي ذي ثيتيس تأتي ~~إلى منزلي، فواجب علي حقا أن أقدم إلى ثيتيس - الجميلة الجدائل ~~- ثمن إنقاذ حياتي كاملا، كما ينبغي أن تقدمي لها وليمة طيبة، ~~بينما أترك أنا كيري وأدواتي ~~كلها.» # قال هذا، ورفع من السندان كتلة ضخمة لاهثة، # 3 # وهو يعرج قليلا. غير أن ساقيه الهزيلتين تحركتا بخفة ~~تحته، فأزاح الكور عن النار ، وجمع كل الأدوات التي كان يستعملها في ~~صنع صندوق من الفضة، وتناول إسفنجة مسح بها وجهه ويديه وعنقه القوي ~~وصدره الأشعث، وارتدى إسفنجة مسح بها وجهه ويديه وعنقه القوي وصدره ~~الأشعث، وارتدى عباءة، وأمسك عصا مكينة. ثم تحول وهو يعرج، فتحركت ~~إماء مصنوعات من الذهب في صور عذارى أحياء، تحف به وتسانده، وكان ~~في قلوبهن إدراك، وفيهن كلام وقوة، كما كن يعرفن أعمالا يدوية ~~بارعة نعمة من الآلهة الخالدين، تحركت أولئك العذراوات بنشاط ~~لمعاونة سيدهن في مشيته، وهو يقفز قريبا من مكان ثيتيس، ثم استوى ~~جالسا على مقعد براق، وأمسك بيدها، وخاطبها بقوله: «أي ثيتيس ~~الطويلة الرداء، ماذا أتى بك ضيفة مبجلة، أثيرة بترحيبنا؟ لم تكن ~~عادتك من قبل أن تكثري التردد علينا، فأفصحي عما بنفسك. ms407 فإن قلبي ~~ليأمرني بتحقيقه ما استطعت، إذا كان مما يمكن تحقيقه!» # فأجابته ثيتيس وقد انهمرت ~~دموعها في الحال قائلة: «يا هيفايستوس، هل توجد بين ربات أوليمبوس ~~جميعا، ربة قاست من المحن المحزنة الجمة في قلبها، كتلك التي ~~رزأني بها زوس بن كرونوس، دون الأخريات؟ فقد زوجني - أنا وحدي، دون ~~جميع أخواتي بنات البحر - لرجل من البشر هو «بيليوس بن أياكوس»، ~~فتحملت مضاجعة إنسان رغم إرادتي. وإنه ليرقد الآن في قصره، وقد ~~أنهكت الشيخوخة الأليمة قواه. وزيادة على ذلك فقد كان من نصيبي ~~أحزان أخرى، فقد أنجبني ولدا لأحمله وأربيه. مبرزا بين ~~المحاربين، فشب وترعرع أشبه بالغصن النامي. وبعد أن قمت بتنشئته ~~كنبات في حقل غزير الإنتاج، أرسلته في سفن مدببة إلى طروادة ليحارب ~~الطرواديين، غير أنني لن أستقبله عائدا إلى وطنه، وإلى بيت ~~بيليوس. وبينما هو حي، يرى ضوء الشمس، فإن له ما يحزنه، ولا أستطيع ~~مساعدته بحال من الأحوال، رغم ذهابي إليه. إن الفتاة التي اختارها ~~له أبناء الآخيين جائزة، قد انتزعها الملك أجاممنون من بين ساعديه، ~~ففتت قلبه حزنا عليها. وكان الطرواديون يحاصرون الآخيين عند مؤخر ~~السفن، ولم يمكنوهم من الخروج. فتوسل إليه شيوخ الأرجوسيين، ووعدوه ~~بكثير من الهدايا المجيدة. وبالرغم من أنه رفض أن يدفع عنهم البلاء ~~شخصيا، إلا أنه ألبس باتروكلوس حلته الحربية الشخصية وأرسله إلى ~~الحرب، وبعث معه قوما كثيرين. فراحوا يقاتلون اليوم كله حول ~~الأبواب السكايية. فخربوا المدينة في نفس ذلك اليوم، وأوقع ابن ~~مينويتيوس الجريء ضررا بالغا بأهلها، فقتله أبولو وسط محاربي ~~المقدمة مانحا المجد لهكتور؛ لذلك أتيت الآن إلى ركبتيك، عسى أن ~~تهب ولدي - الذي كتب عليه ميتة سريعة - ترسا وخوذة، ودرعا عظيمة ~~للساقين مدعمة بقطع للعقبين، ودرقة؛ فقد خسر صديقه كل ما كان له ~~من قبل، عندما قتله الطرواديون؛ ومن ثم فإن ابني ينبطح على الأرض ~~معذب القلب من الألم!» # عندئذ أجابها الرب العظيم، ذو الساعدين القويين، قائلا: ~~«هوني عليك، ولا تجعلي هذه الأمور تعكر صفو قلبك. ليتني أستطيع ~~أن أوفق ms408 في إخفائه عن الموت المؤلم، عندما يحل عليه المصير القاتل. ~~ومن الأكيد أن ستكون له حلة حربية عظيمة تستأثر - في الأيام ~~المقبلة - بإعجاب الكثيرين من جموع البشر، الذين يرونها.» # هيفايستوس يصنع عدة حربية! # وما إن قال هذا حتى تركها هناك، وانطلق إلى منافيخه يصوبها على ~~النار، ويأمرها بالعمل، وكانت عشرين في العدد، فأطلقت لهيبها على ~~بواتق الصهر، بألسنة متباينة القوى، كي تسعفه وهو يشتعل بجد ونشاط. ~~فوضع البرونز الصلب والقصدير والذهب الثمين والفضة على النار، ثم ~~أقام سندانا ضخما فوق قاعدة، وأمسك مطرقة هائلة بإحدى يديه، ~~وأمسك بالأخرى الملاقط. # وصنع - أولا - ترسا عظيما متينا، زينه بمهارة من جميع ~~النواحي. وثبت حوله إطارا براقا - من ثلاث طبقات - ووصله بحمائل ~~من الفضة، فكانت طيات الترس خمسا، نقش عليها رسوما غريبة، بمهارة ~~فائقة؛ نقش عليها الأرض، والسماء، والبحر، والشمس التي لا تكل، ~~والقمر كاملا في استدارته، وجميع الكواكب التي تتوج السماء، ~~البلياديس، والهياديس، وأوريون العتيد، والدب الذي يسميه البشر ~~«المركبة» والذي يدور باستمرار في مكانه متطلعا إلى أوريون، ~~والوحيد الذي ليس له مكان وسط حمامات المحيط. # ثم نقش عليه مدينتين للبشر غاية في الجمال؛ في إحداهما أعراس ~~وولائم، والعرائس تزف - تحت أضواء المشاعل - من مخادعهن، خلال ~~طرقات المدينة، بينما ترتفع أناشيد الزواج، ويرقص الشباب اليافع، ~~على نغمات المزامير والقيثارات، وقد وقفت كل سيدة أمام بابها مجبة. ~~واجتمع الناس في مكان الاحتشاد، إذ نشب هناك صراع، فقد اشتبك رجلان ~~للأخذ بثأر رجل مقتول؛ الأول يعلن أنه دفع كل شيء، ويعرض الأمر على ~~الجمع، بينما يرفض الثاني قبول أي شيء. وكل منهما يتلهف إلى أن ~~يفوز بالنتيجة من فم الحكم، والناس يحيون كليهما - مؤيدي هذا الطرف ~~أو ذاك - والمنادون يبعدون الشعب، بينما يجلس الشيوخ على أحجار ~~مصقولة في حلقة مقدسة، يحملون في أيديهم صولجانات مندوبي الشعب ذوي ~~الأصوات العالية، وكانوا يقفون ويدلون بالحكم بواسطتها، كل ~~بدوره، وقد وضع في الوسط ثقلان من الذهب، جائزة لمن يصيب الحق في ~~حكمه! # أما في المدينة الأخرى فقد وقف ms409 جيشان من المقاتلين في حللهم ~~الحربية المتألقة، مخيرين بين أمرين؛ إما أن يخربا المدينة، أو ~~يقاسما أهلها كل ما بها من نعم، ولكن المحاصرين لا يقبلون هذا، بل ~~يتأهبون بالسلاح لملاقاة العدو في كمين. وكانت زوجاتهم العزيزات ~~وأطفالهم الصغار يحرسون السور، وهم واقفون فوقه، ومعهم الرجال ~~الذين تملكت منهم الشيخوخة. أما الباقون فكانوا يسيرون بقيادة أريس ~~وبالاس أثينا، وقد تدثر هذان بالذهب، فوق ثياب من العسجد البراق، ~~فلاحا متأنقين في ملابسهما الحربية، كما يليق بالآلهة، والقوم ~~عند أقدامهما أصغر حجما. فلما بلغوا خير بقعة يقيمون فيها كمينهم ~~- في مجرى نهر تستطيع جميع القطعان أن تشرب منه كفايتها - جلسوا ~~هناك، متدثرين بالبرونز الوهاج. ثم أرسلوا اثنين للاستطلاع بعيدا ~~عن الجيش، ينتظران قدوم الأغنام والماشية الناعمة. وسرعان ما ظهرت ~~هذه يتبعها اثنان من الرعاة يعزفان على المزامير، دون أن يفطنا قط ~~إلى الخديعة. فلما رآهما الرجال المتربصون، مقبلين، انقضوا عليهما ~~في الحال، وأعملوا الذبح في قطعان الماشية وجماعات الأغنام البديعة ~~ذات الجزة البيضاء، وقتلوا كذلك الراعيين. وفي تلك الآونة كان ~~المحاصرون يجلسون أمام أمكنة الاجتماع، فلما سمعوا الصخب العظيم ~~وسط الأبقار، أسرعوا بامتطاء صهوات خيولهم الواسعة الخطوات، ~~وانطلقوا إلى هناك، فوصلوا مسرعين. وإذ ذاك تأهبوا للقتال في نظام، ~~وحاربوا بجانب شواطئ النهر، يضربون بعضهم بعضا برماح ذات أسنة من ~~البرونز وتبعهم الصراع والشغب في قتالهم، وكانت ربة القضاء المميت ~~تقبض على رجل حي، حديث الجراح، وآخر غير مجروح، وثالث تجره ميتا ~~من قدميه وسط المعركة، وقد تضرج ثوبها على كتفها بدماء البشر. ~~فحارب الآلهة كالبشر الأحياء تماما، وكانوا يسحبون إلى مسافة ~~بعيدة، جميع جثث القتلى، من الجانب الآخر. # كذلك نقش هيفايستوس على الترس حقلا ناضرا، خصبا، فسيحا، حرث ~~ثلاث مرات. وكان هناك حراثون كثيرون يسوقون فيه ماشيتهم في هذا ~~الاتجاه وذاك. وكلما وصلوا إلى رأس الحقل بعد كل انحناء، تقدم ~~إليهم رجل وناول كلا منهم كأسا من الخمر في حلاوة العسل. وكان ~~الحراثون يجدون في الأخاديد تلهفا إلى بلوغ رأس الأرض العميقة ms410 ~~الحرث. وأسود الحقل خلفهم، وبدا كما لو كان قد حرث بالفعل، وكان كل ~~ذلك مصنوعا من العسجد البراق، وهنا أعجوبة الصنعة الكبرى! # كما نقش عليه ضيعة كبيرة لملك، شغل العمال فيها بالحصاد، يحملون ~~المناجل بأيديهم. وكانت بعض حفنات من القمح تسقط على الأرض في صفوف ~~بطول الأخدود، بينما كان الحزامون، يربطون الحزم بحبال من القش ~~المجدول. فكان هناك ثلاثة من الحزامين، يقفون متجاورين، والصبية ~~وراءهم يجمعون حفنات من المحصول يحملونها في أيديهم ليقدموها ~~للحزامين المنهمكين في العمل. والملك واقف وسطهم، يحمل الصولجان في ~~يده - عند الأخدود - في صمت، وهو منشرح النفس. أما المنادون فكانوا ~~وحدهم، يعدون وليمة تحت شجرة بلوط، وينضجون ثورا ضخما ذبحوه، ~~وأخذت النسوة ينثرن كميات من الشعير الأبيض على اللحم، ليكون ~~وجبة غذاء للعمال. # ونقش عليه أيضا كرمة مثقلة بالعناقيد الكثيرة، كرمة جميلة ~~مصنوعة من الذهب، وكان العنب أسود، والعرائش مقامة فوق أعمدة من ~~الفضة. وجعل حولها خندقا من الميناء الزرقاء، يحيط بكل هذا سور من ~~القصدير، يؤدي إلى طريق واحد، يذهب فيه ويعود منه قاطفو الكروم، ~~كلما جمعوا قطاف الكروم. وفي مرح صبياني، كانت العذارى والشباب ~~يحملون فاكهة في حلاوة العسل - في أقفاص من أعواد الصفصاف - ~~يتوسطهم غلام يعزف أنغاما شجية على قيثارة واضحة الصوت. ويغني ~~بصوت عذب أنشودة لينوس، # 4 # بينما يدق أتباعه الأرض مع الوحدة، وهم يتبعونه ~~بأقدامهم الوثابة وسط الرقص ~~والصياح. # كذلك رسم عليه قطيعا من الأبقار المستقيمة القرون، وكانت ~~الأبقار مصنوعة من الذهب والقصدير، تنطلق خارج الحظيرة - وهي تخور ~~- لترعى إلى جانب النهر الصاخب، بجوار الغاب المتموج. وكان الرعاة ~~المرافقون للأبقار من الذهب، وهم أربعة، يتبعهم ثمانية كلاب سريعة ~~الأقدام. وكان هناك أسدان غضنفران، وسط أبقار المقدمة، يمسكان بثور ~~يرسل خوارا مدويا، يجرانه وخواره يشتد، بينما كانت الكلاب ~~والشبان يتبعونه. فمزق الأسدان جلد الثور الضخم، وراحا يلتهمان ~~أحشاءه والدم الأسود، بينما كان الرعاة يحاولون عبثا أن يرهبوهما، ~~وأن يحرضوا عليهما كلابهم السريعة، ولكن هذه كانت تتراجع خوفا من ~~مهاجمة الليثين، فوقفت قريبة ms411 وأخذت تنبح وتثب إلى الجوانب! # كذلك صنع الرب المشهور، ذو الساعدين المفتولين، مرعى في واد ~~بديع، مرعى فسيحا للأغنام البيضاء، وحظائر وأكواخا مسقوفة، كما ~~أن الرب المشهور، ذا الساعدين المفتولين، نقش - فوق ذلك - بهوا ~~للرقص أشبه بالبهو القائم في كنوسوس الفسيحة، الذي شيده ديدالوس ~~منذ القدم تكريما لأريادني الجميلة الغدائر. وزينه بشبان وعذارى ~~أثمن من قطيع ضخم من الماشية، # 5 # وهم يرقصون، وقد تخاصروا، وكانت العذراوات يلبسن ~~الكتان الثمين، بينما ارتدى الشبان معاطف رائعة النسيج تتألق ~~قليلا بالزيت. وازدانت رءوس العذارى بأكاليل بديعة من الأزهار، ~~بينما تدلى إلى جوانب الشبان خناجر من الذهب، معلقة في خمائل من ~~الفضة، وكانوا يجرون تارة في دائرة - بأقدام في غاية الخفة ~~والمهارة - كما يجلس صانع الخزف أمام عجلته المثبتة بين يديه ~~يديرها ليختبر سرعة دورانها، وتارة أخرى يجرون في صفوف يواجه بعضها ~~بعضا، بينما تقف جماعة كبيرة حول الرقص الرشيق مغتبطة بمرآه. وكان ~~هناك بهلوانان يدوران جيئة وذهابا في وسطهم ليشرفا على ~~الرقص. # كذلك نقش هيفايستوس جبروت أوقياس، حول أقصى حافة الترس المتين ~~الصنع. # وعندما انتهى من صنع الترس المتين الصلب، صنع له درقة أشد ~~لمعانا من وهج النار، كما صنع له خوذة ثقيلة تليق بصدغيه، خوذة ~~رائعة، مزينة أجمل زينة، ووضع عليها خصلة من الذهب. وصنع له أيضا ~~دروعا للساقين من القصدير اللين. حتى إذا انتهى الرب المجيد - ذو ~~الساعدين القويين - من صنع الحلة الحربية كلها، حملها ووضعها أمام ~~والدة أخيل. فانطلقت كالبازي هابطة من أوليمبوس الجليدي، تحمل ~~الحلة الحربية المتألقة التي صنعها هيفايستوس. # | الأنشودة التاسعة عشرة # ووصلت ثيتيس تحمل الهدايا من عند الرب، فقالت لأخيل: «أي بني، ~~لندع الراقد هنا؛ فقد قضي الأمر ومات ... فالبس هذه الحلة الحربية ~~المجيدة، التي صنعها لك هيفايستوس.» # كيف تم الصلح بين أخيل وأجاممنون، في اجتماع الآخيين، وكيف ذهب ~~أخيل معهم إلى المعركة؟ # أخيل يتسلم عدته الحربية الجديدة! # استيقظ الفجر الزعفراني الثوب من مجاري أوقيانوس يحمل الضوء ~~للخالدين والبشر. ووصلت ثيتيس إلى السفن تحمل الهدايا من عند ms412 الرب. ~~فوجدت ابنها العزيز راقدا، محتضنا باتروكلوس، وهو يجهش ببكاء ~~مرير. وكان أصدقاؤه حوله زرافات ينتحبون. فهبطت الربة المتألقة ~~وسطهم، ووقفت إلى جوار ابنها، وأمسكت يده، وقالت له: «أي بني، لندع ~~الراقد هنا، بالرغم من كل أحزاننا فقد قضي الأمر ومات بإرادة ~~الآلهة، والبس هذه الحلة الحربية المجيدة التي صنعها هيفايستوس، ~~فهي رائعة الجمال، ولم يسبق لأي رجل أن وضع مثلها على ~~كتفيه.» # هكذا قالت الربة، ووضعت الدروع أمام أخيل، فصلصلت كلها برنين ~~رائع. ورانت الرهبة على المورميدون، ولم يجرؤ أي رجل على النظر ~~إليها، بل انكمشوا مذعورين. أما أخيل فقد ازداد غضبه عندما أبصر ~~الدروع، وتطاير الشرر من عينيه - من تحت جفنيه - بصورة رهيبة، كما ~~لو كان نيرانا. وأحس بالسعادة وهو يمسك هدايا الرب المجيدة في ~~يديه. وبينما كان يتأمل روعة الهدايا مغتبطا، تكلم إلى أمه بكلمات ~~مجنحة، فقال: «أماه، إن الدروع التي أعطانيها الرب جديرة بما يجب ~~أن تكون عليه أشغال الخالدين مما لا يستطيع أي بشر أن يصنعه. ومن ~~ثم فجدير بي الآن أن أعد نفسي للقتال، ولكني جد خائف من أن يدخل ~~الذباب في الجروح التي أحدثها البرونز في جسد الابن الجسور ~~لمينويتيوس، فتتسلل الديدان إلى هناك، وتتلف جثته - لأن الحياة قد ~~نزعت منه - ومن ثم يتعفن كل لحمه.» # عندئذ ردت عليه الربة ثيتيس - الفضية القدمين - قائلة: «أي بني ~~لا تشغلن بالك بهذا الأمر، فسأتولى أنا طرد هذه الجحافل المتوحشة ~~من الذباب - الذي يتغذى بقتلى المعركة - فيبقى لحمه سليما ~~باستمرار، بل أفضل مما هو الآن، ولو مكث عاما كاملا، فاذهب إلى ~~مكان اجتماع المحاربين الآخيين، واطرح عنك غضبك من أجاممنون - راعي ~~الجيش - وتأهب للقتال بأقصى سرعة، وتسربل بقوتك.» # وما إن قالت هذا حتى بثت فيه إقداما جبارا، وسكبت الأمبروسيا ~~فوق باتروكلوس، والنكتار الأحمر في منخريه، لكي يبقى لحمه سليما ~~على الدوام. # الصلح بين أخيل وأجاممنون! # أما أخيل العظيم فقد انطلق مسرعا بحذاء شاطئ البحر، صائحا ~~صيحات مرعبة، فأثار المحاربين الآخيين، واحتشدوا كلهم - حتى من ~~اعتادوا منهم ms413 البقاء عند السفن، فيما مضى، من ملاحي السفن الذين ~~يحسنون استخدام المجاذيف، والندل الذين يوزعون الطعام - كل أولئك ~~أسرعوا إلى مكان الاجتماع؛ لأن أخيل ظهر هناك، رغم ابتعاده عن ~~الحرب المفجعة مدة طويلة، وأقبل اثنان - من أتباع أريس - يعرجان، ~~هما ابن توديوس الباسل في القتال، وأوديسيوس العظيم، كل يستند ~~إلى رمحه لأن جراحهما لم تزل موجعة. فذهبا، وجلسا في صدر الحشد. ~~وأخيرا أقبل أجاممنون، ملك البشر - بعد الجميع - مثخنا بجرحه، إذ ~~أصابه كئون بن أنثينور، بطعنة من رمحه المكسو بالبرونز. فلما احتشد ~~الجميع معا، نهض أخيل - السريع القدمين - وتكلم في وسطهم قائلا: ~~«يا ابن أتريوس، أكان خيرا لك ولي، أن استبد الحقد بقلبينا في ~~شقاق يفتك بالأرواح، من أجل فتاة؟ ليت أرتيميس كانت قد قتلتها ~~بسهم، وسط السفن، في نفس اليوم الذي أخذتها فيه بين الغنائم، بعد ~~أن خربت لورنيسيوس! إذ ذاك ما كان لكثير من الآخيين أن يضطروا إلى ~~أن يعضوا الأرض بأسنانهم تحت أيدي الأعداء، بسبب شدة غضبي، لقد كان ~~هذا أفضل لهكتور والطرواديين، أما الآخيون فيستذكرون - فيما أعتقد ~~- الشقاق بيني وبينك، لأمد طويل. ومع كل، فلنغض النظر الآن عن كل ~~هذه الأمور؛ لأنها مضت وانتهت، رغم كل ما بنا من آلام. ولنكبح جماح ~~قلبينا في صدرينا. إن من واجبي أن أكف عن غضبي فليس من الصواب أن ~~أظل غضبان إلى الأبد دون أن ألين. والآن، أسرعوا فاستفزوا الآخيين ~~- الطويلي الشعر - إلى المعركة، حتى أستطيع الذهاب فورا لمواجهة ~~الطرواديين، فأعجم عودهم من جديد، وأرى ما إذا كانوا لا يزالون ~~متلهفين إلى قضاء الليل بالقرب من السفن. إني لأعتقد، أن كثيرين ~~منهم سيسره أن يحني ركبتيه طلبا للراحة، وأولئك هم الناجون منهم ~~من احتدام الحرب ومن رمحي!» # هكذا تكلم، فزادت غبطة الآخيين المدرعين جيدا، إذ طرح ابن ~~بيليوس - العظيم الشجاعة - غضبه عنه. فقام بعده أجاممنون، ملك ~~البشر، وتكلم من المكان الذي كان يجلس فيه، دون أن يقف وسطهم فقال: ~~«أي أصدقائي، أيها المحاربون الدانيون، أتباع أريس، من اللائق أن ms414 ~~نصغي لمن يقف للكلام، ولا يليق أن نقاطعه، فإن هذا شديد الوقع، ~~مهما يكن الرجل ماهرا. وكيف يستطيع المرء أن يسمع أو يتكلم وسط ~~ضجيج الكثيرين؟ إن هذا يعرقل أي حديث مهما يكن صوت صاحبه جهوريا. ~~ولسوف أكشف ما بنفسي لابن بيليوس، ولكني أرجوكم أن تصغوا جيدا إلى ~~كلامي! لقد أنحى على كل واحد من الآخيين باللائمة، وكانوا تواقين ~~دائما إلى تعنيفي، ولكني لم أكن المذنب، وإنما كان السبب زوس ~~والقدر وأيرينوس - الذي يسعى في الظلام - فهم الذين بثوا في نفسي ~~الجنون الضاري، في ذلك اليوم، عندما أخذت من أخيل جائزته - في ~~الاجتماع - بغروري وغطرستي، ولكن ماذا كان عساي أن أفعل؟ إن الرب ~~هو الذي يسير بكل الأمور إلى عواقبها. إن كبرى بنات زوس - آتي - هي ~~التي تعمي الجميع؛ فهي قوة مشحونة بالدمار قدماها رقيقتان، لأنها ~~لا تمشي فوق الأرض، بل تسير فوق رءوس البشر، وتدفع بهم إلى الأذى، ~~كما توقع هذا أو ذاك في حبائلها. بل إنها - في وقت ما - أعمت زوس ~~نفسه، رغم أن البشر يقولون إنه الأعظم بين البشر والآلهة، بل إن ~~«هيرا» كذلك - وهي ليست سوى أنثى - خدعته بمهارة، يوم أن كان على ~~الكميني الطيبية، البديعة التتويج، أن تلد هرقل الجبار، في المدينة ~~ذات الأسوار الجميلة، مدينة طيبة، فقال زوس بكبرياء وسط جميع ~~الآلهة: «أصغوا إلي، يا جميع الآلهة والآلهات، كي أخاطبكم بما يجول ~~في صدري. في هذا اليوم، ستجلب أيليثويا - ربة الميلاد - إلى النور، ~~إنسانا سيكون سيدا على جميع من يسكنون حوله، إنه أحد نسل الرجال ~~الذين هم من دمي»، فتحدثت إليه هيرا الجليلة في خبث ودهاء، قائلة: ~~«إنك تغشني ولن تحقق رغبتي. هيا أيها الأوليمبي، أقسم لي الآن ~~يمينا قوية بأن ذلك الرجل سيكون سيدا على جميع من يقطنون حوله، ~~وأنه سيهبط - في هذا اليوم - بين ساقي امرأة، ولو كان واحدا من ~~الرجال الذين هم من دم فصيلتك!» # هكذا قالت، فلم يفطن زوس إلى دهائها بحال من الأحوال، بل أقسم ~~قسما عظيما، في غفلة ms415 تامة. وعندئذ اندفعت هيرا، هابطة على ذؤابة ~~أوليمبوس، فبلغت أرجوس الآخية بسرعة، حيث كانت تعلم أن زوجة ~~سثينيلوس بن بيرسيوس الجليلة، حبلى، وقد بلغت شهرها السابع. وقد ~~أنزلت هيرا هذا الطفل إلى النور، قبل تمام شهور الحمل كلها، وأوقفت ~~حمل الكميني وكبحت الإيليثوباي. وتحدثت هي نفسها إلى زوس بن ~~كرونوس، قائلة: «أبتاه زوس، سيد البرق اللامع، سأنبهك بكلمة، لقد ~~ولد الآن رجل جسور، سيكون سيدا على الأرجوسيين، هو يورسثيوس بن ~~سثينيلوس بن بيرسيوس من سلسلة نسبك، وجدير به أن يكون سيدا على ~~الأرجوسيين. فلما أفضت إليه بذلك القول، أصابه ألم حاد في أعماق ~~قلبه، وفي الحال قبض على «آتي» من رأسها البراق الجدائل، غاضبا من ~~نفسه، وحلف يمينا قوية بأن آتي لن تخطو ثانية إلى أوليمبوس السماء ~~ذات النجوم؛ لأنها تعمي الجميع. هكذا أقسم. وأدارها في يده، ثم قذف ~~بها من السماء ذات الكواكب، فوصلت بسرعة إلى حقول البشر المفلحة. ~~ومع ذلك فقد ظل يتوجع من أجلها كلما شاهد ابنه العزيز يعاني تحت ~~ربقة يوريسثيوس غير اللائقة. هكذا أنا أيضا، فعندما كان هكتور ~~العظيم - ذو الخوذة البراقة - يثير شغب الأرجوسيين عند مؤخر السفن، ~~لم أستطع نسيان «آتي» التي أعمت بصيرتي من قبل. وعلى أية حال، فبما ~~أنني خدعت وسلبني زوس رشدي، فإنني مصمم على إصلاح الأمور، وتقديم ~~التعويض بما لا يعد ولا يحصى. هيا، انهض للقتال، وسأحرض معك بقية ~~القوم. وإني هنا مستعد لأقدم إليك جميع الهدايا، التي وعدك بها ~~أوديسيوس المجيد في تلك الليلة، عندما ذهب إلى كوخك. أو فانتظر ~~لحظة - إذا شئت - رغم تلهفك إلى القتال، فسوف يحضر الخدم الهدايا ~~من سفينتي، حتى ترى أنني سأعطيك ما يرضي قلبك.» # عندئذ أجابه أخيل السريع القدمين قائلا: «يا ابن أتريوس ~~الأمجد، يا أجاممنون، ملك البشر، أما الهدايا فلك الخيار في أن ~~تعطيها أو تحتفظ بها، فهذا موكول إليك، ولكن المهم أن نوطد العزم ~~الآن على القتال بكل سرعة، فليس لنا أن نتلكأ هنا في الحديث، ولا ~~أن نبطئ طالما هناك ms416 عمل عظيم لم يتم بعد عسى أن يرى الكثيرون - من ~~جديد - أخيل وسط محاربي المقدمة، يبيد برمحه البرونزي كتائب ~~الطرواديين، وعلى هذا النسق فليفكر كل منكم وهو يقتل ~~رجله!» # فرد عليه أوديسيوس الكثير الحيل بقوله: «كلا، يا أخيل الشبيه ~~بالإله فما ينبغي - رغم شجاعتك - ~~أن تحرض أبناء الآخيين، بهذه الطريقة، على أن يذهبوا إلى طروادة ~~على الطوى، ويقاتلوا الطرواديين. فليس القتال لفترة وجيزة، ولا هو ~~ينتهي بمجرد أن تلتقي صفوف الرجال، وينفث الرب القوة في كل من ~~الجيشين، وإنما مر الآخيين - في سفنهم السريعة - بأن يتناولوا ~~طعاما وخمرا، ففيهما تكمن الشجاعة والقوة. وما من امرئ يستطيع أن ~~يقاتل طوال اليوم كله - حتى تغرب الشمس - وهو صائم. إذ إن أطرافه ~~خليقة بأن تتثاقل في غفلة منه - مهما يكن شوقه للقتال - ويهجم عليه ~~الظمأ والجوع، ويزيد وهن ركبتيه وهو ذاهب. أما من تناول كفايته من ~~الخمر والطعام، فيقاتل العدو اليوم كله، وقلبه منشرح في صدره، ولا ~~تحس أطرافه بالوهن، إلى أن ينسحب الجميع من المعركة. فهيا اصرف ~~الجيش. ومر المحاربين بأن يعدوا طعامهم. أما الهدايا فليحضرها ~~أجاممنون - ملك البشر - إلى مكان الحشد، ليراها جميع الآخيين بعيون ~~رءوسهم، ولينشرح قلبك. ولينهض وسط الأرجوسيين ويقسم لك يمينا بأنه ~~لم يعتل مطلقا فراش تلك السيدة ولم يجامعها، كما هي الطريقة ~~المتبعة - أيها الملك - بين الرجال والنساء، وعليك أن تروض قلبك ~~على الهدوء في صدرك! وبعد ذلك ليصالحك في كوخه ويسترضك بوليمة ~~فخمة للغاية، حتى لا يكون ثمة شيء ناقص من حقك. يا ابن أتريوس، سوف ~~تكون بعد هذا أكثر عدلا مع الآخرين؛ لأنه ليس من العار في شيء أن ~~يقدم الملك الصلح لغيره، عندما يكون قد أمعن في إغضابه بلا ~~سبب.» # عندئذ تحدث إليه أجاممنون - ملك البشر - ثانية بقوله: «يا ابن ~~لايرتيس، إنني لسعيد بأن أسمع كلماتك؛ إذ أحسنت عرض الأمر، ورويت ~~الحكاية. أما هذه اليمين فإني على استعداد لأن أؤديها، ويأمرني ~~قلبي بذلك، ولن أحنث في قسمي أمام الرب. وليبق أخيل هنا الآن - رغم ms417 ~~تلهفه إلى القتال - ولتمكثوا أنتم جميعا سويا، إلى أن تحضر ~~الهدايا من كوخي، ونقسم على الوفاء بالذبائح. وإنني لأوكل إليك ~~أمر القيادة: فاختر بعض الشبان من أمراء جيش الآخيين، وأحضروا ~~الهدايا من سفينتي، جميع ما وعدنا به أمس، لأعطيه لأخيل، وأحضروا ~~النساء أيضا. ودعوا تالثوبيوس يعد في الحال خنزيرا بريا في ~~معسكر الآخيين الفسيح، لنقدمه ذبيحة لزوس والشمس.» # فأجاب أخيل السريع القدمين قائلا: «يا ابن أتريوس الأمجد، أي ~~أجاممنون، ملك البشر: يحسن إرجاء الاهتمام بهذا الأمر إلى وقت آخر، ~~إلى فترة راحة إبان القتال - مثلا - عندما لا يكون حماس صدري هكذا ~~عظيما. إن من قتلهم هكتور بن بريام - عندما منحه زوس المجد - ~~يرقدون الآن مشوهين، وأنتما تدعواننا إلى الطعام! أما أنا فسآمر ~~أبناء الآخيين بالقتال وهم صائمون، وهم على الطوى، حتى إذا غربت ~~الشمس، أعدوا وليمة عظمى، بعد أن نكون قد انتقمنا لما لحقنا من ~~عار. ولن يمر من بلعومي أي طعام أو شراب حتى يتم ذلك، حيث إن صديقي ~~ميت. ذلك الذي يرقد في كوخي مشوها بالبرونز الحاد، وساقاه متجهتان ~~نحو الباب، وقد أحاط به أصدقاؤنا باكين؛ لذا لا تجد قلبي مشغولا ~~بهذه الأشياء، بل بالقتال والدم، وبأنين الرجال المفجع!» # فرد عليه أوديسيوس الكثير الحيل ، بقوله: «أي أخيل بن بيليوس، يا ~~من تبذ جميع الآخيين قوة. إنك أفضل مني، وليس بقليل أن تفوقني في ~~قوة استخدام الرمح، غير أنني ربما أتفوق عليك في المشورة بمراحل؛ ~~إذ إنني أكبرك سنا، وأعرف أكثر منك؛ لذلك يجب أن يحتمل قلبك ~~الإصغاء إلى قولي. فسرعان ما يتخم الرجال من القتال، حيث ينثر ~~البرونز معظم القش على الأرض. برغم قلة الحصاد، عندما يميل بميزانه ~~زوس الذي يدبر قتال البشر، ولكن البطن لا يمكن أن ينتظر حتى يبكي ~~الآخيون جثة، إذ يسقط كثير منهم باستمرار، واحدا بعد آخر، يوما ~~إثر يوم، فمتى إذن يستطيع المرء أن يجد راحة من العناء؟ # 1 # إنما يجب أن ندفن المقتول ونجعل قلوبنا صلبة، فلا نبكي ~~إلا ليوم واحد. أما ms418 الأحياء الذين لم يصرعهم الحرب الكريهة، فيجب ~~أن يفكروا في الشراب والطعام، حتى يمكننا أن نقاتل العدو بمزيد من ~~القوة دائما، متسربلين بحلل البرونز الصلب. ولا تدع أحدا من ~~الجيش أجمع يتخلف عن العمل في انتظار نداءات أخرى، فهذه هي ~~النداءات: ويل لمن يبقى عند سفن الآخيين! فهيا، نهب في حشد واحد، ~~ونثير معركة طاحنة مع الطرواديين.» # قال هذا، وانتخب أبناء نسطور المجيد، وثواس، وميريونيس، ~~ولوكوميديس بن كريون، وميلانيبوس: فساروا في طريقهم إلى كوخ ~~أجاممنون بن أتريوس. وفي الحال صدر الأمر، وفي نفس اللحظة أنجز ~~العمل. فحملوا من الكوخ سبع ركيزات - كما وعد تماما - وعشرين ~~قدرا لامعة، واثني عشر جوادا. وبسرعة صحبوا إلى الخارج نساء ~~ماهرات في الأعمال اليدوية الرائعة، عددهن سبع، والثامنة «بريسايس» ~~الجميلة الوجنتين. وبعد ذلك وزن أوديسيوس عشر وزنات من الذهب، ~~وتقدم الجمع، يتبعه الشبان الآخيون يحملون الهدايا. فوضعوها وسط ~~مكان الاجتماع. ونهض أجاممنون، ووقف بجانبه تالثوبيوس - الذي يشبه ~~صوته صوت الرب - حاملا في يديه خنزيرا بريا. واستل ابن أتريوس ~~السكين التي كانت تتدلى دائما بجانب غمد سيفه العظيم، وقطع ~~الشعرات الأولى للخنزير البري، ثم رفع يديه وصلى إلى زوس، وجلس ~~جميع الأرجوسيين صامتين، يصغون لهذه الصلاة، كما هو جدير بالملك. ~~فقال متوسلا، وهو يرفع بصره نحو السماء الفسيحة: «كن أول شاهد ~~يا زوس، يا أسمى وأفضل الآلهة، ثم الأرض والشمس، والأيرينويس ~~الموجودات تحت الأرض ينتقمن من البشر الذين يقسمون أيمانا باطلة، ~~لتشهد على أنني لم أضع يدي قط على الفتاة بريسايس، لا بعناق ~~العاشق، ولا بأي طريق آخر، ولكنها ظلت في أكواخي دون أن يمسها أحد. ~~وإذا كان ثمة زيف في هذا القسم، فلتعطني الآلهة آلاما لا تحصى، ~~كل الآلام التي اعتادوا صبها على من يأثم في يمينه!» # قال هذا، وقطع رقبة الخنزير البري بالبرونز العديم الرحمة. أما ~~الجسد فطوحه تالثوبيوس إلى الخليج العظيم في البحر الرمادي، ليكون ~~طعاما للأسماك. ثم قام أخيل، وتحدث وسط الأرجوسيين المحبين ~~للقتال، قائلا: «أبتاه زوس، إن العمى الذي تبتلي به ms419 البشر لعظيم ~~حقا. فما كان في مقدور ابن أتريوس أن يثير الغضب بصدري أبدا، ~~ولا أن يأخذ الفتاة بالقوة رغما مني، لو لم يشأ زوس أن يحل الموت ~~بكثير من الآخيين. والآن، فلتذهبوا إلى طعامكم، حتى نستطيع ~~الالتحام في القتال!» # في معسكر أخيل! # هكذا تكلم، وبسرعة فض الاجتماع. فانصرف الآخرون، كل إلى ~~سفينته، بينما شغل المورميدون - البالغو الشجاعة - بالهدايا، ~~فحملوها بسرعة إلى سفينة أخيل، الشبيه بالإله، ووضعوها في الأكواخ، ~~كما وضعوا النساء هناك. أما الجياد فقد ساقها الخدم المزهوون إلى ~~القطيع. # وما إن وقع بصر بريسايس - الشبيهة بأفروديت الذهبية - على ~~باتروكلوس مشوها بالبرونز الحاد، حتى ارتمت بجانبه تصرخ عاليا، ~~ومزقت صدرها وعنقها الرخص ووجهها الفاتن بيديها. وبينما هي تبكي، ~~تلك المرأة الشبيهة بالربة، قالت: «أي باتروكلوس، أيها العزيز إلى ~~قلبي البائس، لقد تركتك حيا عندما رحلت عن الكوخ، وها أنا ذي ~~أجدك جثة هامدة - يا قائد الجيوش - عند عودتي إلى هنا، هكذا نصيبي ~~أن تتوالى علي المصائب تباعا. لقد رأيت زوجي الذي زوجنيه أبي ~~وأمي الجليلة، مقتولا بالبرونز الحاد أمام مدينتنا، وإخوتي ~~الثلاثة الذين أنجبتهم أمي - إخوتي الأحباء - قابلوا كلهم يوم ~~الموت. أما أنت، فإنك لم تشأ - عندما قتل أخيل السريع زوجي، وخرب ~~مدينة مونيس، الشبيه بالإله - أن تحملني مشقة البكاء، بل قلت إنك ~~ستجعلني زوجة أخيل المعقود عليها، وإنه سيحملني في سفنه إلى فثيا، ~~ويقيم لي وليمة عرس وسط المورميدون؛ لذا حق علي أن أبكيك ميتا ~~دون هوادة؛ لأنك كنت دائما رحيما بي.» # هكذا قالت وهي تبكي، واشتركت معها النساء في العويل، كن يبكين ~~باتروكلوس، بينما كان لكل منهن أحزانها. أما شيوخ الآخيين، فقد ~~اجتمعوا حول أخيل، متوسلين إليه أن يأكل، ولكنه أبى أن يذوق شيئا، ~~منتحبا طول الوقت، وهو يقول: «إذا كان لأحد من أصدقائي أن يأخذ ~~بقولي، فإني أرجو ألا يلح علي بطعام وشراب، فإن غما بالغا ~~يحيق بي. وسأظل على الطوى، متحملا الجوع كما أنا، حتى غروب ~~الشمس.» # وإذ قال هذا، صرف عنه الرؤساء الآخرين، ما ms420 عدا ابني أتريوس ~~وأوديسيوس العظيم، ونسطور، وأيدومينيوس، وفوينكس العجوز - سائق ~~العربات - فبقوا إلى جانبه يحاولون أن يسروا عنه حزنه المفرط. بيد ~~أن قلبه لم يكن ليتعزى قط إلا بعد أن يدخل في فم الحرب الدامية. ~~وبينما هو يفكر في ذلك، أطلق أنينا شديدا، ثم قال: «لقد كنت فيما ~~مضى، أيها المسكين، يا أعز أصدقائي، تخف إلى إعداد أفخم الولائم، ~~بسرعتك الرشيقة - كلما هب الآخيون إلى شن الحرب المبكية على ~~الطرواديين مستأنسي الخيول، ولكنك ترقد الآن مشوها، وقد زهدت نفسي ~~الطعام والشراب - رغم قربهما - لفرط حزني عليك. فليس يفجعني أكثر ~~من هذا، ولو بلغني موت أبي، الذي أحسبه يذرف الدمع الآن في فثيا، ~~لحاجته إلى ابن مثلي، بينما أنا في أرض غريبة، أحارب طروادة من أجل ~~هيلينا المقيتة، بل ولو بلغني موت ابني الحبيب نيوبتوليموس الذي ~~يربى من أجلي في سكوروس، ذلك الابن الشبيه بالإله، إن كان لا يزال ~~حيا. فإن قلبي الكائن في صدري يحدثني بأنني - سأهلك وحيدا هنا - ~~في أرض طروادة - بعيدا عن أرجوس، مرعى الخيول. وكان جديرا بك أن ~~تعود إلى فثيا كي تحمل ولدي في سفينتك السوداء السريعة - من سكوروس ~~- وتطلعه على جميع الأشياء: على ممتلكاتي، وعبيدي، ومنزلي الكبير ~~المرتفع السقف. فإنني أعتقد الآن ، أن بيليوس إما أن يكون قد مات ~~ومضى، أو أن يكون ضعيفا - إذا كان لا يزال على قيد الحياة - يقاسي ~~آلام الشيخوخة البغيضة، كما يقاسي لوعة انتظار أخباري المحزنة، إلى ~~أن يبلغه نبأ موتي!» # هكذا قال وهو يبكي، فبكى معه الشيوخ، كل يفكر فيمن تركهم في ~~الوطن. ولمحهم ابن كرونوس وهم في أحزانهم فأحس بالشفقة نحوهم. وفي ~~الحال خاطب أثينا بكلمات مجنحة، قائلا: «أي طفلتي، من العجب أن ~~تهجري محاربك هجرا تاما. أليس لأخيل - بعد الآن - موضع في فكرك؟ ~~إنه يجلس هناك أمام سفنه ذات القرون المستقيمة، يبكي صديقه العزيز، ~~وقد انصرف الآخرون إلى طعامهم، بينما أصر هو على الصيام، فلن ~~يتناول طعاما. انطلقي الآن، واسكبي في صدره شراب الآلهة ~~والأمبروسيا السارة، حتى ms421 لا يكون نهبا لآلام الجوع!» # بهذا حث أثينا، وكانت كلها شوقا، فانقضت - كالبازي العريض ~~الجناحين، الحاد الصوت - تهبط فوقه من السماء، خلال الفضاء. وبينما ~~كان الآخيون يعدون أنفسهم للقتال في سائر أنحاء المعسكر، سكبت في ~~صدر أخيل شراب الآلهة والأمبروسيا المفرحة، لكيلا تغزو آلام الجوع ~~أطرافه. ثم انصرفت إلى بيت سيدها العتيد، المتين البناء، بينما ~~تدفق الآخيون من السفن السريعة، وكما يسقط هباء الثلج من لدن زوس، ~~غزيرا سريعا باردا من جراء الريح الشمالية السابحة في السماء ~~المتألقة، هكذا أيضا حملت الخوذات المتلألئة - من السفن - بسرعة ~~وغزارة، وكذلك التروس المرصعة، والدرقات ذات الصفائح السميكة، ~~والرماح الدردارية. وقد تصاعد بريقها إلى السماء، وتهللت الأرض ~~حولهم للبرونز اللامع، وارتفع الطنين من تحت أقدام الرجال، وأعد ~~أخيل العظيم نفسه للقتال بينهم. وكان لأسنانه صرير، وقد توهجت كلتا ~~عينيه كما لو كانتا جذوتي نار، وطفح قلبه بحزن لا يمكن احتماله. ~~وفي غضبه الشديد هذا - ضد الطرواديين - تسربل في الهدايا الربانية ~~التي تعب هيفايستوس في صنعها له. فبدأ يلبس الدروع حول ساقيه - ~~وكانت دروعا جميلة، تزينها قطع فضية للعقبين - ثم ارتدى الدرقة ~~حول صدره. وعلق السيف البرونزي المرصع بالفضة على كتفيه، وبعد ذلك ~~أمسك بالترس العظيم المكين، الذي كان يسطع بريقه إلى مسافات ~~بعيدة، كأنه بريق القمر. وكما يحدث إذ يظهر للبحارة - من فوق البحر ~~- بريق النار المستعرة، وهي تتأجج عاليا فوق الجبال في مزرعة ~~منعزلة، بينما تحملهم العاصفة، ضد رغبتهم، بعيدا عن أصدقائهم، ~~هكذا أيضا تصاعد من ترس أخيل - الترس الجميل الفاخر الترصيع - ~~بريق تطاول إلى عنان السماء. ورفع الخوذة القوية، ووضعها على رأسه، ~~فتلألأت كما لو كانت نجما - خوذة ذات خصلة من شعر الخيل، تتموج ~~حولها رياش من الذهب، أكثر هيفايستوس من وضعها حولها وبهذا الحلة ~~الحربية برهن أخيل العظيم على وجوده، إذ انطبقت على جسمه تماما، ~~وتحركت فيها أطرافه المجيدة بطلاقة، وأضحت بمثابة أجنحة له، ~~فرفعت راعي الشعب عاليا. وفي الحال سحب رمح أبيه من غمده، ثقيلا ~~ضخما قويا، لا يستطيع أي ms422 آخي - عدا أخيل وحده - أن يلوح به ~~بمهارة، كذلك كان الرمح البيلي الدرداري الذي أعطاه خايرون لأبيه ~~العزيز من ذؤابة بيليون، ليقتل به المحاربين. وانهمك أوتوميدون ~~والكيموس في وضع النير فوق الجياد، كما وضعا حول أجسامها شرائط ~~الصدر الجميلة، ووضعا اللجم في أفواهها، وشدا الأعنة للخلف إلى ~~العربة المكينة. وأمسك أوتوميدون في يده السوط اللامع الذي ناسبها ~~تماما، وقفز فوق العربة، ثم خطا أخيل مسلحا في عدته للقتال، ~~متلألئا في حلته الحربية أشبه بهوبيريون المتألق، فصاح عاليا على ~~جوادي أبيه قائلا: «أي كسانثوس وباليوس، يا ابني بودارجي ~~الذائعي الصيت، ضعا نصب أعينكما أن تحضرا سائقكما - بطريقة ما - ~~سالما إلى جيش الدانيين، بعد أن نأخذ كفايتنا من الحرب، ولا ~~تتركاه هناك ميتا، كما فعلتما مع باتروكلوس!» # فأجابه الجواد كسانثوس - ذو القدم السريعة البريق - وهو تحت ~~النير، وقد أحنى رأسه فجأة، وتدلت معرفته كلها من تحت وسادة ~~النير إلى جانبه، حتى لمست الأرض، وقد منحته الربة هيرا - الناصعة ~~الذراعين - قدرة على الكلام: «أما هذه المرة فسننقذك، يا أخيل ~~الجبار، رغم أن يوم الموت قريب منك، إننا لن نكون سببا فيه، فإنما ~~سببه رب عتيد وقدر قاهر. فما كان من جراء كسلنا أو تراخينا أن أفلح ~~الطرواديون في سلب العدة الحربية عن كتفي باتروكلوس، ولكن الذي ~~قتله وسط محاربي المقدمة، وأعطى المجد لهكتور، هو خير الآلهة ~~بمراحل، الذي أنجبته ليتو الجميلة الشعر. أما نحن، فقد كان في ~~استطاعتنا أن نعدو بسرعة الريح الغربية التي هي - كما يقول البشر ~~- أسرع الرياح طرا، وإنه مكتوب لك أن تقتل في المعركة بواسطة رب ~~وإنسان!» # وما إن تكلم هكذا، حتى حبست الأيرينويس صوته. وعندئذ، تحرك قلبه ~~بشدة، فتحدث إليه أخيل السريع القدمين بقوله: «كسانثوس، لم تتنبأ ~~بموتي؟ لا حاجة بك إلى هذا إطلاقا. فأنا نفسي، أعلم علم اليقين ~~أنه مقدر علي أن أموت هنا، بعيدا عن أبي العزيز وأمي. ومع ~~هذا، فإنني لن أكف عن القتال، إلا بعد أن أشبع الطرواديين ~~بالحرب.» # قال هذا، وصاح صيحة الحرب، ms423 وقاد جياده القوية الحوافر وسط محاربي ~~المقدمة. # | الأنشودة العشرون # «... ووزن رمحه وقذفه، ولكن أثينا أرسلت ريحا أبعدته عن أخيل ~~المجيد، فارتد عائدا إلى هكتور العظيم، وسقط أمام قدميه ...» # كيف أشاع أخيل الذعر والفوضى بين الطرواديين؟ # رابع أيام المعركة # اجتماع الآلهة فوق أوليمبوس! # نظم الآخيون أنفسهم للقتال حولك - بجانب السفن المدببة - يا ~~ابن بيليوس، أيها المتعطش إلى الحرب، وكذلك فعل الطرواديون في ~~الجهة المقابلة لهم، في أرض السهل المرتفعة، ولكن «زوس» أمر ~~«ثيميس» باستدعاء الآلهة إلى الاجتماع، فانطلقت في أرجاء ~~أوليمبوس تدعوهم في شعابه العديدة إلى منزل زوس. فما من نهر ~~- إلا أوقيانوس وحده - ولا من حورية من جميع ساكنات الأكمات ~~الجميلة والينابيع التي تغذي الأنهار والمروج الخضراء، إلا ~~حضر. وما إن بلغوا بيت زوس، حتى أخذوا مقاعدهم داخل الأروقة ~~المصقولة - التي شيدها هيفايستوس بمهارة فائقة - من أجل ~~الأب زوس. # هكذا اجتمعوا داخل بيت زوس. ولم يغفل مزلزل الأرض نداء الربة ~~بل خرج من البحر لينضم إلى حشدهم، وجلس بينهم يسأل عن غرض زوس ~~قائلا: «لم استدعيت الآلهة يا ملك البرق اللامع، إلى مكان ~~الاجتماع؟ هل خطر ببالك أمر يتعلق بالطرواديين والآخيين ~~وقتالهم؟ إن كلا من الفريقين يضرم شعلة المعركة والقتال ~~الآن.» # فأجابه زوس - جامع السحب - قائلا: «أنت تعلم يا مزلزل ~~الأرض، الغرض الذي من أجله جمعتكم هنا، إن أمرهم ليهمني، ولو ~~ماتوا. ومع ذلك فسأظل جالسا هنا في أحد أودية أوليمبوس، حيث ~~يمكنني أن أطل على ما يجري هناك وأمتع قلبي. أما أنتم، فاذهبوا ~~فورا وسط الطرواديين والآخيين، وقدموا المعونة لهذا الجانب أو ~~ذاك، كما يتراءى لكل واحد منكم. فلو أن أخيل قاتل بمفرده # 1 # الطرواديين - ولو لفترة وجيزة - لما قدر لهم أن ~~يقاوموا ابن بيليوس السريع القدمين. فقد اعتادوا - فيما مضى - ~~أن يرتعدوا لمجرد رؤياه، فما بالكم الآن وقلبه في أشد حالات ~~الغضب من أجل صديقه. إنني لأخشى أن يجاوز حدود القدر ويجتاح ~~الأسوار.» # وبهذا القول أثار ابن كرونوس حربا لا هوادة فيها؛ فقد انطلق ~~الآلهة في طريقهم إلى ms424 المعركة، منقسمين في الرأي: فاتجهت هيرا ~~إلى حشد السفن، ومعها بالاس أثينا، وبوسايدون مزلزل الأرض، ~~والمساعد هيرميس - الذي كان يفوق الجميع دهاء، كما ذهب معها ~~هيفايستوس، يعرج متهللا في قوته، ومن تحته تتحرك ساقاه ~~المتقلصتان بخفة! أما أريس ذو الخوذة البراقة، فقد ذهب إلى حشد ~~الطرواديين ومعه فويبوس - ذو الجدائل المرسلة - والقواسة ~~أرثيميس، وليتو، وكسانثوس، وأفروديت المحبة للضحك. # ولقد كان الآخيون منتصرين كل الانتصار - ليلة أن كان الآلهة ~~بعيدين عن البشر - إذ أقبل أخيل بعد احتجابه طويلا عن المعركة ~~المفجعة، فأصابت الطرواديين رعدة رهيبة، سرت في أطراف كل رجل، ~~عندما أبصروا ابن بيليوس السريع القدمين، يتلألأ في عدته ~~الحربية، وهو يضارع أريس، مصدر الهلاك للبشر، وما إن حل ~~الأوليمبيون وسط حشد الرجال، حتى هاج النضال الوحشي الذي يستفز ~~الجيوش. وصاحت أثينا عاليا، وكانت تقف تارة بجانب الخندق ~~المحفور، خارج السور، وطورا فوق الشواطئ المرتفعة الصخب، ترسل ~~صيحتها المدوية. وفي الجانب المقابل لها، راح أريس، مضرعا يرد ~~صياحها بصياح رهيب أشبه بالدوامة المظلمة، وهو ينادي على ~~الطرواديين من أعلى ذؤابة القلعة، أو من جانب شاطئ سيمويس، ~~بصيحات جهورية، وقد أخذ يعدو مسرعا بطول منحدرات ~~كاليكلوني. # نزال بين أخيل وأينياس! # هكذا راحت الآلهة المباركة تحت الجيشين على الالتحام في ~~القتال ، ثم اندفعت هي نفسها في حرب هوجاء. وعندئذ أرسل أبو ~~الآلهة والبشر رعوده - من عليائه - فظيعة مدوية، ومن تحت، زلزل ~~بوسايدون الأرض الفسيحة، وقمم الجبال المائلة. فاهتز جميع جذور ~~أيدا ذات الفوارات، وجميع ذؤاباتها، كما ارتجت مدينة ~~الطرواديين، وسفن الآخيين، وتملك الخوف - في العالم السفلي - ~~أيدونيوس ملك الأشباح، فوثب مذعورا عن عرشه وصرخ بصوت مدو، ~~خشية أن تنشق الأرض من فوقه بفعل بوسايدون - مزلزل الأرض - ~~فيتجلى موطنه للبشر والخالدين - ذلك الموطن المفزع الرطب الذي ~~يمقته الآلهة أنفسهم - وما أعظم الضجيج الذي ارتفع عندما اشتبك ~~الآلهة في الصراع؛ فقد وقف «أبولو» بسهامه المجنحة ضد الملك ~~«بوسايدون»، ووقفت الربة «أثينا» البراقة العينين ضد ~~«أنواليوس»، ووقفت الصيادة ذات السهام الذهبية والقنص المدوي - ~~القواسة «أرتيميس»، شقيقة ms425 الرب الذي يضرب من بعيد - ضد «هيرا». ~~كما وقف «هيرميس» المساعد القوي، ضد «ليتو». أما النهر العميق ~~الدوامات - الذي يسميه الآلهة كسانثوس، والبشر سكاماندر - فوقف ~~ضد هيفايستوس العظيم. # هكذا هبت الآلهة تنازل الآلهة. أما أخيل فقد كان متلهفا ~~- فوق كل شيء - إلى منازلة هكتور بن بريام، وكانت روحه تأمره ~~بأن يروي ظمأ أريس - المحارب ذي الترس الجلدي الصلب - بدم ~~هكتور، لا بدم أي فرد آخر. وراح أبولو المثير الجيوش، يحث ~~أينياس على مواجهة ابن بيليوس، ونفث فيه قوة بالغة، وغير صوته ~~بصوت لوكاوون بن بريام، واتخذ صورته، وخاطب أينياس بقوله: «يا ~~أينياس، يا مستشار الطرواديين، أين الآن تهديداتك التي كنت ~~تزهو بها على أمراء الطرواديين، وأنت تحتسي الخمر؟ ألم تقل إنك ~~ستقاتل أخيل بن بيليوس، وجها لوجه؟» # فأجابه أينياس قائلا: «يا ابن بريام، لم تحرضني بهذه ~~اللهجة على أن أواجه ابن بيليوس - الجريء القلب - في القتال، ~~مع أنني لا أنتوي ذلك؟ ليست هذه هي أول مرة أقف فيها ضد أخيل ~~السريع القدمين، فقد حدث ذات مرة أن طاردني برمحه من أيدا ~~- عندما تصدى لأبقارنا، وخرب لورنيسوس وبيداسوس - لولا أن ~~أنقذني زوس، إذ أثار شجاعتي وبث سرعة في ساقي، وإلا لقتلني ~~أخيل وأثينا، التي كانت تسير أمامه دائما، وتضع له بارقة أمل ~~وخلاص، وكانت تأمره بقتل ليليجيس والطرواديين بالرمح البرونزي. ~~ومن ثم فليته لا يتحتم على أي رجل مواجهة أخيل في القتال، إذ ~~دائما ما يكون إلى جواره رب ما، يدفع عنه الهلاك، فينطلق رمحه ~~مستقيما، ولا يكف إلا إذا اخترق جسم إنسان. ومع ذلك، فليس ~~بوسعه أن يقهرني بسهولة - إذا أدار الرب المعركة بيننا ~~بالعدل - ولو كان يزهو بأنه مصنوع كله من البرونز.» # فرد عليه الأمير أبولو، ابن زوس، قائلا: «كلا، أيها ~~المحارب، تعال، وصل أنت أيضا للآلهة الخالدين، فأنت الآخر - ~~كما يقول الناس - قد ولدت لأفروديت، ابنة زوس، فأم أخيل أقل من ~~أمك درجة بين الآلهة؛ ذلك لأن أمك ابنة زوس، وأمه من عجائز ~~البحر. هيا، احمل عليه فورا ms426 بالبرونز الذي لا يلين، ولا تدعه ~~يثبط عن عزيمتك بالتقريع أو بالتهديد.» # قال هذا، ونفث قوة عظيمة في راعي الجيش، فشق طريقه وسط ~~محاربي المقدمة، متدثرا بالبرونز البراق. ولم يكن ابن أنخيسيس ~~بعيدا عن عيني هيرا البيضاء الساعدين، وهو ينطلق مسرعا ~~لمواجهة ابن بيليوس وسط حشد الرجال. فجمعت الآلهة معا، ~~وخاطبتهم بقولها: «أي بوسايدون وأثينا، فكرا - في قلبيكما - ما ~~قد يتأتى عن هذه الأمور التي تجري، ها هو ذا أينياس قد ذهب - ~~متدثرا بالبرونز الوهاج - ليواجه ابن بيليوس، وقد حرضه أبولو. ~~هيا، إذن، وليكن واجبنا أن نرده في الحال. وفيما بعد، فليقف ~~أحدنا إلى جوار أخيل، ويمده بالقوة العظيمة، حتى لا تثبط ~~عزيمته بأية حال، ليعرف أن من يحبونه هم خير الخالدين، وأن ~~أولئك الذين دفعوا الحرب والقتال عن الطرواديين، هباء كالريح. ~~لقد هبطنا من أوليمبوس جميعا لنشترك في هذه المعركة، حتى لا ~~يلحق أخيل ضرر ما وسط الطرواديين طوال هذا اليوم، ولكنه فيما ~~بعد سيعاني ما نسجته ربة القدر بخيطها المتين منذ البداية، حين ~~أنجبته أمه. وإذا لم يعلم هذا أخيل من فم أحد الآلهة، فإنه ~~سيفزع فيما بعد عندما يواجهه إله في القتال، إذ من الصعب النظر ~~إلى الآلهة عندما يظهرون عيانا!» # عندئذ أجابها بوسايدون - مزلزل الأرض - قائلا: «أي هيرا، ~~لا يتجاوزن بك الغضب حدود الحكمة، فليس هذا مما يليق بك. ~~إنني لم أكن تواقا إلى أن تنازل الآلهة بعضها بعضا في ~~الصراع. وخير لنا أن نتنحى جانبا، ونجلس في مكان نراقب منه ما ~~يدور، ونترك الحرب للبشر، اللهم إلا إذا نزل أريس وأبولو إلى ~~القتال، أو منعا أخيل من النضال، فإذ ذاك يحق لنا أن نخوض ~~الحرب كذلك. وأعتقد أنهما سيبادران - في الحال - إلى الابتعاد ~~عن المعركة أو يعودان إلى أوليمبوس بين حشد الآلهة الآخرين، ~~مدحورين بقوة أيدينا.» # هكذا قال الرب القاتم الشعر، وتقدم نحو جدار هرقل الشبيه ~~بالإله، ذلك الحائط العالي الذي شيده له الطرواديون وأثينا، ~~ليلوذ به وينجو من تنين البحر، إذا طارده التنين من ms427 شاطئ البحر ~~إلى السهل. # 2 # هناك جلس بوسايدون والآلهة الآخرون، وغطوا أكتافهم ~~من جانب بسحابة كثيفة، بينما جلس الآلهة - المنحازون للجانب ~~الآخر - قبالتهم على مرتفعات كاليكولوني، من حولك أيها القواس ~~أبولو، ويا مخرب المدن أريس. # وهكذا جلسوا - في الجانبين - يشاورون، ولكنهم عافوا خوض ~~الحرب المفجعة، وأشرف عليهم زوس من عليائه. # وفي تلك الأثناء، كان السهل قد امتلأ عن آخره بالرجال ~~والجياد، وقد تلألأ بالبرونز، وارتجت الأرض تحت أقدامهم وهم ~~يتدفقون سويا. وأقبل محاربان يفوقان الجميع بمراحل، فتقدم ~~كل منهما صوب الآخر، في الشقة الفاصلة بين الجيشين، متلهفين ~~إلى القتال، ذانك هما أينياس بن أنخيسيس، وأخيل العظيم. فتقدم ~~أينياس - أولا - متوعدا، وهو يهز خوذته الثقيلة فوق رأسه، ~~ويحمل ترسه القوي أمام صدره، ويلوح برمح من البرونز في يده. ~~فانقض عليه ابن بيليوس - من الجانب الآخر - كأسد هصور، أسد ~~ضار، يتوق الناس إلى قتله، فتجتمع قبيلة بأسرها لمواجهته. ~~ويمضي في طريقه - في البداية - غير حافل، حتى إذا قذفه أحد ~~الشبان برمية سريعة من رمحه، تأهب متحفزا، فاغرا فاه، والزبد ~~ينبعث خارجا حول أسنانه، وروحه القوية تزمجر في قلبه، وذيله ~~يضرب جنبيه وضلوعه وردفيه، ثم يحفز نفسه على القتال، وبعينين ~~متأججتين، يهجم من فوره مندفعا في حميته، محاولا أن يقتل ~~شخصا أو أن يهلك في مقدمة الحشد، هكذا انقض أخيل بحميته، ~~تتوثب روحه المسيطرة لتواجه أينياس العظيم الشجاعة. فلما اقترب ~~كل منهما من الآخر، بدأ أخيل العظيم السريع القدمين يقول ~~لأينياس: «أي أينياس، لماذا انفصلت هكذا بعيدا عن الحشد لتقف ~~في مواجهتي؟ أيأمرك قلبك بمقاتلتي، أملا في أن تستحوذ على ~~مكانة بريام وسيادته بين الطرواديين مستأنسي الخيول؟ كلا، لن ~~يضع بريام مملكته بين يديك، ولو قتلتني. لأن له أبناء، كما أنه ~~عاقل، وليس سقيم التفكير. أم هل أقطعك الطرواديون ضيعة تمتاز ~~على ما عداها؛ أرضا خصبة من حقول وبساتين، تستطيع أن تقيم ~~فيها، إذا ما قتلتني؟ ولكني أحسبك ستجد قتلي عسيرا، إذ أذكر ~~أنني قد طاردتك من قبل - يوما - برمحي. أنسيت يوم كنت ms428 وحدك مع ~~الأبقار. فجعلتك تجري بخطى واسعة من تلال أيدا بسرعة فائقة؟ ~~في ذلك اليوم لم تجسر على أن تلتفت إلى الوراء مرة واحدة إبان ~~فرارك. ومن هناك هربت إلى لورنيسوس، ولكني خربتها، إذ هاجمتها ~~بمعونة أثينا والأب زوس، وسبيت النساء وسلبتهن حريتهن. غير أن ~~زوس والآلهة الآخرين أنقذوك، ولكني لا أحسبهم سيحمونك في هذه ~~المرة، كما تتصور في قرارة نفسك، كلا، ولذلك آمرك بأن تعود ~~أدراجك إلى رفاقك، وألا تتقدم ضدي، وإلا حل بك الشر، فإن ~~الأحمق خليق بأن يكتسب من الأحداث حكمة.» # عندئذ أجابه أينياس بقوله: «يا ابن بيليوس، هيهات أن تخيفني ~~بالكلام، وكأنني طفل، فإنني أعرف مثلك كيف أذم وكيف أهدد. إن ~~كلا منا يعرف نسب الآخر، فيما سمعناه من قصص ذائعة رواها ~~البشر. ولكنك لم تر والدي قط بعيني رأسك، ولا أنا رأيت ~~والديك. إن الناس يقولون إنك ابن بيليوس المنقطع النظير، وإن ~~أمك هي ثيتيس الجميلة الجدائل، إحدى بنات البحر. أما أنا فأعلن ~~أنني ابن أنخيسيس الفائق الشجاعة، وأمي أفروديت، ولسوف يبكي ~~أحد الفريقين اليوم ابنا عزيزا فما أعتقد أننا سنشبع حميتنا ~~بالكلمات الفارغة، دون النزال. ومع كل، فإذا أردت معرفة ~~نسبي، فاسمع هذا وما أكثر من يعرفونه: لقد بدأ زوس - جامع ~~السحب - بأن أنجب داردانوس وأسس داردانيا، إذ لم تكن طروادة ~~المقدسة قد شيدت بعد في السهل، لتكون مدينة للبشر الذين كانوا ~~لا يزالون يقطنون فوق منحدرات أيدا الكثيرة النافورات. ثم أنجب ~~داردانوس ابنا، هو الملك أريخثونيوس الذي أصبح أغنى رجل بين ~~البشر؛ فقد كان لديه ثلاثة آلاف جواد ترعى في أرض المستنقعات، ~~وكان قرير العين بأولادها الرقيقة. فافتتنت الريح الشمالية ~~بهذه الجياد وهي ترعى، واعتلتها في صورة جواد أسود العرف، ~~فحملت وأنجبت اثنتي عشرة مهرة. إذا قفزت فوق الأرض - واهبة ~~الحبوب - جرت فوق أعلى أطراف سنابل القمح الناضجة دون أن ~~تكسرها، وإذا وثبت فوق سطح البحر الفسيح، جرت فوق أعلى قمم ~~أمواج البحر الأشيب. وما لبث أريخثونيوس أن أنجب طروس ليكون ~~ملكا على ms429 الطرواديين، وأنجب طروس ثلاثة أبناء لا نظير لهم: ~~أيلوس وأساراكوس وجانوميديس الشبيه بالإله، الذي يفوق سائر ~~البشر في الجمال؛ ولذا أخذته الآلهة إلى فوق ليكون حامل كأس ~~زوس لجماله، وليعيش مع الخالدين. أما أيلوس فقد أنجب لاوميدون ~~المنقطع النظير. وأنجب لاوميدون بدوره ثيثونوس وبريام وكلوثيوس ~~وهيكيثايون، سليل أريس، وأما أساراكوس فأنجب كابوس وكاينيس ~~أنخيسيس. ثم أنجبني أنخيسيس، في حين أن بريام أنجب هكتور ~~العظيم، إذن فهذا نسبي، والدم الذي أعلن أنني انحدرت منه. أما ~~الشجاعة، فإن زوس هو الذي يزيدها أو يقلل منها في البشر كيفما ~~يشاء، إذ إنه أقوى الجميع. فهيا، ودعنا من الكلام هكذا ~~كالأطفال، بينما يقف كلانا وسط مجال المعركة. فما أكثر ما هناك ~~من سباب نستطيع أن نقوله، سباب لا تستطيع السفينة ذات المائة ~~مقعد أن تتسع له. إذ ما أعظم سفاهة لسان البشر، وكم من كلمات ~~متباينة الأنواع لديه، وما أوسع مجال حديثه هنا وهناك! وما من ~~كلمة تقولها إلا وتسمع ردها، ولكن أي حاجة لكلينا بتبادل ~~المشاحنات والمنازعات، كما تفعل النساء، اللاتي يخرجن إلى ~~الطريق - عندما يتميزن غضبا في النزاع المهلك للنفوس - ~~وتتشاحن الواحدة منهن مع الأخرى بألفاظ حقيقية وأخرى كاذبة، ~~فحتى أولئك يدفعهن الغضب إلى الكلام. أما القتال، فبما أنني ~~متلهف إليه ، فلن تزحزحني عنه بالألفاظ إلا بعد أن نتنازل ~~بالبرونز وجها لوجه. هيا، وليعجم كل منا عود زميله بالرماح ~~البرونزية الأطراف!» # قال هذا وقذف رمحه القوي صوب ترس أخيل المروع العجيب. فصلصل ~~الترس بصوت عال حول طرف الرمح. وأمسك ابن بيليوس الترس منه ~~بيده القوية، وقد تملكه الهلع؛ لأنه ظن أنه رمح أينياس - ~~البعيد الظل - سرعان ما سيخترق الترس في سهولة ويسر. فما ~~أحمقه! إذ لم يخطر بباله وقلبه أن الهدايا المجيدة التي تهبها ~~الآلهة لا تتداعى بسهولة لقوة البشر. فلم يخترق رمح أينياس - ~~الحكيم القلب - الترس؛ لأن الذهب أوقفه عند سطحه، ذلك الذهب ~~هدية الرب. ومع أنه نفذ خلال طبقتين، إلا أن ثلاث طبقات ظلت ~~باقية؛ لأن الرب الأعرج القدم كان ms430 قد لحم خمس طبقات؛ اثنتين من ~~البرونز، واثنين تحتهما من القصدير، وطبقة من العسجد. ومن ثم ~~توقف الرمح الدرداري. # عندئذ قذف أخيل رمحه العتيد بدوره، فأصاب ترس أينياس المتزن ~~من كل جانب - تحت الحافة الخارجية - حيث كان البرونز رقيقا ~~للغاية كما كان جلد الثور في أرق سمك له. وفي الحال مرق الرمح ~~الدرداري البيلي، وجلجل الترس من شدة الضربة. فترنح أينياس ~~وأبعد عنه الترس، وقد تملكه الخوف، فمرق الرمح فوق ظهره وانغرس ~~في الأرض بكل قوته، رغم أنه شطر طبقتين واقيتين في الترس. وإذ ~~نجا من الرمح الطويل، نهض وقد ران على عينيه أسى بالغ، وارتجف ~~ذعرا من أن يكون الرمح قد انغرس قريبا جدا، ولكن أخيل استل ~~حسامه البتار وانقض عليه في حمية، مطلقا صيحة رهيبة، وأمسك ~~أينياس حجرا في يده، فيا له من عمل جبار! حجر لا يستطيع ~~رجلان، من أمثال رجال اليوم، أن يحملاه. ومع ذلك فإنه لوح به ~~وحده في يسر. وكاد أينياس في أثناء هجومه أن يهوي على أخيل ~~بالحجر، فوق خوذته أو ترسه الذي دفع عنه الهلاك المفجع. وكاد ~~ابن بيليوس أن يزهق روح أينياس بسيفه في عراك متشابك، لولا أن ~~بوسايدون مزلزل الأرض، السريع الرؤية، قام في الحال، وتكلم وسط ~~الآلهة الخالدين قائلا: «أيها الآلهة، أصغوا إلي، إنني جد ~~حزين على أينياس العظيم الشجاعة، الذي سيذهب وحده إلى بيت ~~هاديس، مقتولا بيد ابن بيليوس؛ لأنه أطاع كلام أبولو الذي ~~يضرب من بعيد، فما أحمقه! إذ إن الرب لن يصد عنه الهلاك بأية ~~حال، ولكن لماذا يجب عليه، وهو رجل بريء، أن يقاسي آلاما بسبب ~~أخطاء ليست من صنع يده، وهو الذي يقدم دائما هدايا مقبولة ~~للآلهة الساكنين السماء الفسيحة. هلموا بنا نقده بعيدا عن ~~الموت، لئلا يغضب ابن كرونوس بطريقة ما، إذا ما قتله أخيل؛ ~~لأنه مكتوب له أن ينجو، حتى لا يفنى نسل داردانوس، وتنقرض ~~سلالته، داردانوس الذي أحبه ابن كرونوس أكثر من جميع أولاده ~~الذين أنجبتهم له نساء البشر. فقد مقت ms431 ابن كرونوس أخيرا نسل ~~بريام، وسيصبح أينياس القوي ملكا على الطرواديين، وكذا أحفاده ~~الذين سيولدون في الأيام المقبلة.» # عندئذ ردت عليه هيرا الجليلة، ذات عيون المها قائلة: «يا ~~مزلزل الأرض، فكر وحدك في قرارة نفسك في أمر أينياس، إذا كنت ~~تريد إنقاذه أو تركه ليقتل بيد أخيل، رغم كل بسالته. فقد أقسمت ~~- أنا وأثينا - كثيرا من الأيمان وسط جميع الخالدين، ألا ~~ندفع عن الطرواديين يوم الشر، كلا، ولو احترقت طروادة كلها ~~بالنار المدمرة، على يد أبناء الآخيين البواسل.» # فلما سمع بوسايدون - مزلزل الأرض - هذا، ذهب في طريقه إلى ~~ميدان المعركة وقذف الرماح، وبلغ مكان أينياس وأخيل المجيد، ~~وفي الحال أنزل غمامه على عيني أخيل بن بيليوس، وجذب الرمح ~~الدرداري. المكسو بالبرونز من ترس أينياس البالغ الشجاعة ووضعه ~~أمام قدمي أخيل. ثم حمل أينياس وطوح به بعيدا عن الأرض، فقفز ~~أينياس فوق صفوف كثيرة من المحاربين، وعدة عربات - وقد رفعه ~~الرب - حتى بلغ أقصى طرف للمعركة الطاحنة، حيث كان الكاوكونيس ~~يعدون أنفسهم للقتال. عندئذ اقترب منه بوسايدون - مزلزل الأرض ~~- وخاطبه بكلمات مجنحة قائلا: «يا أينياس، أي رب هذا الذي ~~أمرك دون تبصر، بأن تقاتل ابن بيليوس العظيم الشجاعة، وجها ~~لوجه؟ إنه أفضل منك وأعز لدى الخالدين. كلا، يجب أن تتقهقر ، ~~كلما التقيت به، لئلا تدخل منزل هاديس قبل أجلك. فإذا ما تقرر ~~لأخيل أن يلقى أجله وحتفه جاز لك أن تتشجع وتقاتل وسط محاربي ~~المقدمة، فليس هناك غيره من الآخيين يستطيع قتلك!» # وما إن قال هذا، حتى تركه هناك بعد أن قص عليه كل شيء. ثم ~~أسرع بإزالة الغمام العجيب عن عيني أخيل. وعندئذ أخذ أخيل ~~يتطلع حواليه بعناء، وخاطب نفسه البالغة الشجاعة قائلا: ~~«ويحي، إن ما تراه عيناي لأعجوبة كبرى حقا! إن رمحي ملقى ~~هنا على الأرض، ولكني لا أستطيع رؤية الرجل الذي صوبته نحوه، ~~قاصدا قتله. ويبدو أن أينياس - كذلك - عزيز على الآلهة ~~الخالدين فعلا، رغم أنني ظننت أنه كان يزهو عبثا. فليمض في ~~طريقه، فلن يجد الشجاعة ليعاود ms432 اختبار قوتي مرة ثانية، بعد أن ~~نجا من الموت، لحسن حظه. ولكن، لأستدع الدانيين المحبين ~~للحرب، وأمض بسرعة ضد الطرواديين الآخرين لأعجم ~~عودهم.» # مغامرات أخيل! # قال هذا، وانقض بطول الصفوف يصيح في كل رجل بقوله: «لا تقفوا ~~- بعد الآن - بعيدا عن الطرواديين، أيها الآخيون العظماء، بل ~~ليواجه كل رجل منكم رجلا منهم، بقلب يفيض تحمسا للقتال. فمن ~~العسير علي - رغم ما أنا عليه من قوة - أن أقابل فوجا ~~كبيرا كهؤلاء، وأقاتلهم أجمعين، بل إن أريس نفسه - رغم كونه ~~إلها خالدا - وأثينا لا يستطيعان أن يتحكما في مثل هذا ~~الصراع الطاحن، ولكني لا أظن أنني سأكون خاملا في استخدام يدي ~~وقدمي وقوتي. كلا، لن أكون خاملا لحظة واحدة، بل سأخترق ~~صفوفهم في الحال، ولست أعتقد أن من يحاول الاقتراب من رمحي من ~~الطرواديين سيكون سعيدا!» # هكذا قال ليحثهم، فصاح هكتور المجيد في الطرواديين معلنا ~~أنه سيذهب لتوه لمواجهة أخيل، فقال: «أيها الطرواديون، الشجعان ~~القلوب. لا تخافوا ابن بيليوس، فقد استطعت بالألفاظ أن أناضل ~~الخالدين أنفسهم، وإن تعذر هذا بالرمح لأنهم أقوى بكثير، إن ~~أخيل لن يحقق كل قوله، ولكنه سيحقق جزءا منه، وسيبقى جزء آخر ~~لا يتحقق. سأذهب لمواجهته فورا، رغم أن يديه شبيهتان بالنار، ~~وحميته أشبه بالفولاذ اللامع!» # هكذا قال حاثا إياهم، فشهر الطرواديون رماحهم عالية، وهم ~~يواجهون العدو. والتحم الفريقان متحمسين في فوضى، وعلت صيحة ~~الحرب. وعندئذ اقترب أبولو من هكتور، وقال له: «أي هكتور، لا ~~تقف بعد الآن بعيدا، كبطل ضد أخيل، بل انتظره وسط الحشد في ~~صخب المعركة، خشية أن يصيبك برمية من رمحه، أو بسيفه في عراك ~~متشابك.» # هكذا تكلم، وتقهقر هكتور ثانية إلى حشد الرجال، وقد تملكه ~~الخوف عندما سمع صوت الرب يكلمه، أما أخيل، فقد انقض وسط ~~الطرواديين، وقلبه متذرع بالقوة، مطلقا صيحة رهيبة. فقتل ~~أولا أقيثيون المقدام، ابن أوترونتيوس - قائد الجيش العظيم - ~~الذي أنجبته حورية نيارية لأوترونتيس - المخرب المدن - تحت ~~تومولوس الجليدية، في أرض هودي الخصيبة. فقد أصابه أخيل العظيم ~~- وهو يهجم عليه ms433 مباشرة - برمية من رمحه في رأسه، فشطره شطرين. ~~وسقط بعنف، فتهلل أخيل العظيم قائلا: «ميتا ~~ترقد يا ابن أوتونثيوس، يا ~~أعظم الرجال هولا. ها هي ذي ميتتك، رغم أن مولدك كان بالقرب ~~من البحيرة الجيجية، حيث ضيعة آبائك، بالقرب من هولوس الزاخرة ~~بالأسماك، وهيرموس ذي الدوامات.» # هكذا قال مزهوا، بينما خيم الظلام على عيني الآخر. ومزقته ~~عربات الآخيين إربا بعجلاتها في مقدمة المعركة، وسقط فوقه ~~ديموليون بن أنتينور - حصن القتال الجريء - إذ طعنه أخيل في ~~جبينه، خلال الخوذة ذات قطع الخدين البرونزية. ولم توقف الخوذة ~~البرونزية الرمح، بل إن طرفه نفذ خلالها فشق العظم، نصفين، ~~فتناثر المخ كله بداخلها، وظل أخيل في حميته، فما لبث أن طعن ~~هيبوداماس في ظهره، وهو يقفز هابطا من عربته ليهرب أمامه. ~~وبينما كان يلفظ آخر أنفاسه، أصدر صيحة مدوية، أشبه بالثور إذ ~~يخور بينما يجره الشاب اليافع حول مذبح رب هيليكي، # 3 # إرضاء لمزلزل الأرض، هكذا أيضا جأر هيبوداماس، ~~بمجرد أن بارحت روحه الجليلة عظامه. أما أخيل فانقض برمحه وراء ~~بولودوروس الشبيه بالإله، ابن بريام. وكان أبوه لا ينفك يمنعه ~~عن القتال؛ لأنه كان أصغر أولاده وأعزهم لديه، وكان يبز الجميع ~~في سرعة القدمين. وكان في تلك اللحظة، يعرض سرعة قدميه - في ~~رعونة صبيانية - وقد اندفع خلال المقدمة إلى أن فقد حياته. إذ ~~طعنه أخيل العظيم السريع القدمين في ظهره برمية من رمحه، وهو ~~ينقض مارا به، حيث كانت مشابك حزامه الذهبية قد التحمت ~~بأطراف الدرقة، فنفذ طرف الرمح خلال هذه بجانب السرة. وجثا على ~~ركبتيه يئن. وخيمت سحابة من الظلام عليه، وأمسك أحشاءه بيديه ~~وهو يسقط. # وما إن رأى هكتور أخاه بولودوروس، ممسكا أحشاءه بيده وهو ~~يتهالك على الأرض، حتى غشيت بصره غمامة، ولم يستطع السير بعد ~~ذلك بعيدا بل خطا مسرعا نحو أخيل، ملوحا برمحه الحاد، في ~~صورة أشبه باللهب، ولكن أخيل لم يكد يبصره، حتى قفز عاليا ~~وقال بكبرياء: «عجبا، قريب هو الرجل الذي أوجع قلبي، دون ~~الجميع؛ لأنه قتل صديقي ms434 الذي كنت أجله. لن يحجم أحدنا عن ~~الآخر طويلا بعد الآن، بطول حواجز الحرب!» # قال هذا، وقطب حاجبيه غاضبا، وخاطب هكتور العظيم بقوله: ~~«هيا، اقترب، حتى تصل سريعا إلى موارد الهلاك.» # فرد عليه هكتور - ذو الخوذة البراقة - غير هياب: «يا ابن ~~بيليوس، لا تفكر في أن تخيفني بمحض الألفاظ كما لو كنت طفلا؛ ~~إذ إنني أعرف مثلك كيف أوجه السباب والتعيير. وإني لأدرك أنك ~~جسور، وأنك أفضل مني بكثير، ولكن علم هذه الأمور لدى الآلهة، ~~ولعلي - رغم ضعفي - أسلبك الحياة برمية من رمحي؛ لأن رمحي قد ~~أثبت - حتى الآن - أنه هو الآخر حاد.» # قال هذا، ووزن رمحه وقذفه، ولكن أثينا أرسلت ريحا أبعدته عن ~~أخيل المجيد، فارتد عائدا إلى هكتور العظيم، وسقط أمام قدميه، ~~ولكن أخيل انقض عليه هائجا يبغي قتله، وهو يصيح صيحة رهيبة. ~~بيد أن أبولو خطف هكتور إلى فوق بسهولة بالغة - شأن الأرباب - ~~وأخفاه في غمامة كثيفة. وانقض أخيل العظيم السريع القدمين - ~~ثلاث مرات - برمحه البرونزي، وثلاث مرات راح يضرب الغمامة ~~الكثيفة. ولما هجم عليه للمرة الرابعة وكأنه إله، صاح صيحة ~~مدوية، وخاطبه بكلمات مجنحة قائلا: «الآن تنجو من الموت ثانية ~~- أيها الكلب - رغم أن حتفك قد اقترب منك حقا، ولكن أبولو ~~أنقذك مرة أخرى. فعليك أن تصلي له، كلما ذهبت إلى مكان قذف ~~الرماح. ولسوف أضع خاتمتك، عندما ألتقي بك بعد ذلك، إذا قدر لي ~~أن يساعدني أي رب كما ساعدك. أما الآن فسوف أطارد كل من يعترض ~~طريقي من الآخرين.» # وما إن انتهى من قوله ذاك حتى طعن دروبس فوق عنقه برمحه، ~~فسقط أمام قدميه، ولكنه تركه مكانه، وأوقف عن القتال ديموخوس ~~بن فيليتور - وهو رجل مقدام فارع الطول - بأن قذفه برمحه فوق ~~ركبته، ثم أجهز عليه بسيفه الضخم. وبعد ذلك انقض على ~~لاوجونوس وداردانوس - ابني بياس - وقذف بهما من العربة إلى ~~الأرض، ضاربا أحدهما برمحه، والآخر بالسيف في قتال متشابك. ~~وبعدها جاء طروس بن ألاسطور، فخر جانبا يمسك بركبتي أخيل، ~~عسى أن يبقي على ms435 حياته ويأخذه أسيرا - دون أن يقتله - مشفقا ~~على رجل في سنه. فما أحمقه! إذ لم يكن يدري بأن أخيل لا يصغي ~~إلى توسلات أحد، ولم يكن بحال ما رحيم القلب أو عطوف النفس، بل ~~كان غاية في القسوة، لقد حاول أن يمسك ركبتي أخيل بيديه، ~~ويتوسل إليه، ولكن هذا ضربه بالسيف على كبده، فبرز الكبد ~~خارجا، وتدفق الدم القاتم منه يملأ حجره، وخيمت الظلمة على ~~عينيه، وهو مغشي عليه. ثم اقترب أخيل من موليوس، وضربه بالرمح ~~فوق أذنه، وفي الحال نفذ طرف الرمح البرونزي خلال الأذن ~~الأخرى. ثم أطاح - بسيفه ذي المقبض - برأس أيخيلوس بن أجينور، ~~فتضرج النصل كله بالدم، وهبط القدر العتيد والموت الأسود على ~~بصره. بعد ذلك طعن ديوكاليون - في موضع اتصال أعصاب المرفق - ~~فنفذ طرف رمحه البرونزي خلال الساعد، وصمد ديوكاليون أمام ~~هجمته بساعد مثقل إلى أسفل، فأطاح رأسه بعيدا بخوذته، وتناثر ~~النخاع من السلسلة الفقرية، وظل جسمه ممددا فوق الأرض. ثم ~~طارد ابن بيريس - المنقطع المثال - ريجموس القادم من تراقيا ~~العميقة التربة، طعنه برمحه في وسطه، فاستقر البرونز في بطنه، ~~وسقط في الحال من فوق عربته، كما طعن خادمه أرايثوس، بينما كان ~~يدير الجياد، فأصابه في ظهره بالرمح الحاد، وأوقعه من العربة، ~~فانطلقت الجياد جامحة. # وكما تثور النار المتأججة خلال الوهاد العميقة، في جبل ~~يحترق، وتشتعل الغابة الكثيفة، بينما تدفع الريح اللهب في كل ~~مكان، هكذا أيضا هاج أخيل برمحه في كل موضع، أشبه برب من ~~الأرباب، دائم الانقضاض على من يقتلهم. وتخضبت الأرض السوداء ~~بالدماء. وكما يضع المرء النير فوق الثيران العريضة الجبين، ~~لتطأ الشعير الأبيض في جرن منظم، وبسرعة ينفصل الحب تحت أقدام ~~الثيران العالية الخوار، هكذا أيضا راحت جياد أخيل العظيم، ~~القوية الحوافر، تطأ الموتى والدروع، وتلطخ محور العربة كله ~~بالدم، وكذا إطارها، إذ تناثر رشاش الدم من بين أرجل الجياد، ~~وعلى العجلات. # وهكذا شدد ابن بيليوس هجومه، ليفوز لنفسه بالمجد، وقد ~~تخضبت بالدماء يداه اللتان لا تقهران. # | الأنشودة الحادية والعشرون # وقف بريام ms436 الكهل فوق السور المقدس، فأبصر أخيل الضاري، ~~والطرواديين يهزمون أمامه ... فهبط عن السور وهو يئن، صائحا في ~~الحراس: «افتحوا الأبواب على مصاريعها!» # كيف كافح أخيل ضد النهر، وطارد الطرواديين إلى أبوابهم؟ # أخيل بجانب النهر! # وعندما بلغوا مخاضة كسانثوس الكثير الدوامات - النهر الهادئ ~~الجريان، الذي أنجبه زوس الخالد - قسمهم أخيل قسمين، فقاد أحدهما ~~إلى السهل صوب المدينة - حيث كان الآخيون بالأمس يفرون في فوضى، ~~وقت أن ثار هكتور المجيد - وإذ ذاك تدفق بعضهم إلى هناك في شغب، ~~ونشرت «هيرا» أمامهم غمامة كثيفة لتعرقل سيرهم، فحبس نصفهم في ~~النهر العميق الجريان بدواماته الذهبية وراحوا يرمون أنفسهم بصخب ~~بالغ، ودوت مجاري المياه الراسية الانحدار، كما رددت الشواطئ ~~المحيطة ضوضاء صياحهم وهم يسبحون في هذا الطريق وذاك، دائرين ~~بسرعة في الدوامات، وكما يحدث عندما يطير الجراد أمام هجوم النار ~~ليهرب إلى النهر، فتحرقه النار الهوجاء بهجومها المفاجئ ويفر ~~الجراد هابطا إلى الماء، هكذا كانت الحال أيضا أمام أخيل، فقد ~~غدا مجرى كسانثوس الصاخب، العميق الدوامات، زاخرا بالعربات ~~والرجال، في فوضى واضطراب. # وترك الأمير رمحه فوق الشاطئ، مسندا إلى شجيرات الأثل الطرفاء، ~~وقفز - في صورة الإله - غير ممسك إلا بسيفه، يهدف في قرارة نفسه ~~إلى عمل بشع. فكان دائم الضرب وهو يدور في هذا الاتجاه وذاك، ~~فيتصاعد من ضحاياه أنين فظيع، وهم يضربون بالسيف، وتخضب لون ~~الماء بالدم. وكما تفر الأسماك أمام الدلفين الضخم فزعة، تملأ ~~جوانب الميناء ذي المرساة البديعة - لأنه نهم في ابتلاع كل ما يقع ~~في قبضته - هكذا أيضا ربض الطرواديون في مجاري النهر الهائل أسفل ~~الشواطئ المنحدرة. ولما كلت يدا أخيل من القتل، اختار اثني عشر ~~شابا حيا من داخل النهر، كضريبة دم من أجل صديقه المقتول - ~~باتروكلوس بن مينويتيوس - فقادهم بعيدا، فاقدي الوعي، وكأنهم ~~الظباء. وقيد أيديهم من خلف بسيور جميلة، كانوا يتمنطقون بها حول ~~عباءاتهم المغضنة، وعهد بهم إلى أصدقائه ليقودهم إلى السفن ~~الجوفاء، ثم قفز مرتدا من جديد وهو متلهف إلى القتل. # مصرع ليكاوون! # وإذ ذاك، قابل ليكاوون ms437 بن بريام الدرداني، يفر بعيدا عن النهر، ~~وكان قد أسره ذات مرة، وأحضره رغم أنفه، إذ كان يقتطع أغصانا من ~~شجرة تين، بالبرونز الحاد - في بستان كروم لأبيه - ليلا، ليصنع ~~منها حواجز للعربة، ولكن أخيل العظيم انقض عليه، وكأنه هلاك غير ~~مرتقب، وقبض عليه وأخذه في سفينته إلى ليمنوس المكينة البناء، حيث ~~باعه، فتقدم ابن جاسون لشرائه. غير أن أيثيون الأمبروسي - وكان ~~صديقا ضيفا - حرره بفدية ضخمة، وأرسله إلى أريسبي المقدسة. ومن ~~هناك هرب خفية - في الحال - وذهب إلى منزل أبيه، حيث تمتع ~~بالبهجة أحد عشر يوما وسط أصدقائه، بعد أن قدم من ليمنوس، ولكن ~~أحد الآلهة قذف به في اليوم الثاني عشر إلى يدي أخيل ثانية. وكان ~~مقدورا لهذا أن يرسله إلى منزل هاديس، رغم أنه كان يمقت الذهاب ~~إليه. # وكان - حين فطن إليه أخيل العظيم، السريع القدمين - بغير سلاح ~~قط؛ فلا خوذة ولا درع، ولا رمح، إذ كان قد خلع عنه كل هذه ورماها ~~إلى الأرض؛ لأن العرق ضايقه وهو يحاول الهروب من النهر، كما أنهك ~~التعب ركبتيه. عندئذ، تأثر أخيل أبلغ تأثر، وخاطب روحه العظيمة ~~الشجاعة قائلا: «الآن تسكت، حقا. إن هذه لمعجزة كبرى تلك التي ~~تراها عيناي! كأني بمن قتلتهم من الطرواديين البالغي الجرأة، ~~سيصعدون ثانية من تحت الظلمة الرطبة، ما دام هذا الرجل يعود هكذا ~~ثانية، وقد نجا من يوم الموت القاسي، رغم أنه بيع في ليمنوس ~~المقدسة، ولم يوقفه عمق البحر الرمادي الذي يكبح جماح الكثيرين ~~ضد إرادتهم. هيا، فليذق طرف رمحي، كي أرى وأدرك - في قلبي - ما ~~إذا كان سيعود أيضا من تحت، أو أن الأرض المانحة الحياة - تلك ~~التي تمسك حتى القوي - ستحتفظ به إلى الأبد!» # هكذا فكر في نفسه وانتظر، ولكن الآخر اقترب منه، يرجو لمس ~~ركبتيه، وقد استبدت بقلبه رغبة جامحة في النجاة من الموت الشرير ~~والقضاء الأسود. وإذ ذاك رفع أخيل العظيم رمحه الطويل عاليا، ~~قاصدا ضربه، ولكن ليكاوون انحنى وجرى من تحت وأمسك ركبتيه بإحدى ~~يديه، بينما أمسك ms438 الرمح الحاد بالأخرى فلم يسمح له قط بالانطلاق. ~~وخاطبه بكلمات مجنحة قائلا: «أناشدك الرحمة يا أخيل، زن موقفي ~~واشفق علي، يا سليل زوس، فإني في موقف اللائذ بك، إذ سبق أن أكلت ~~على مائدتك من غلال ديميتير، يوم أن أخذتني أسيرا في بستان الكروم ~~الجيد التنسيق، وسقتني بعيدا عن أبي وأصدقائي، وبعتني في ليمنوس ~~المقدسة، وجئتك بثمن قدره مائة ثور. أما الآن فإنني أشتري حريتي ~~بثلاثة أضعاف ذلك المقدار، وهذا هو الصباح الثاني عشر منذ أن قدمت ~~إلى طروادة المقدسة، بعد أن قاسيت عدة أهوال. وها هو ذا القدر ~~المميت يسلمني ثانية إلى يديك. لا شك أن أبي زوس يمقتني؛ إذ ~~أسلمني إليك ثانية، ولأجل قصير أنجبتني أمي ابنة ألتيس الشيخ، ملك ~~الليجيس محبي القتال، الذين يحتلون بيداسوس العالية، فوق شواطئ ~~الساتنيوس. فلقد تزوج بريام ابنته - ومعها كثيرات غيرها - ومنها ~~أنجب ولدين، قدر لك أن تذبحهما معا؛ إذ إنك قتلت بولودوروس - ~~الشبيه بالإله، وسط مشاة المقدمة - عندما ضربته برمحك الحاد، وها ~~أنا ذا سألقى حتفي، فلا أظن أنني سأنجو من يديك، بعد أن ساقني ~~إليك أحد الآلهة. ومع ذلك فسأخبرك بأمر لتحفظه في قلبك: لا ~~تقتلني، حيث إنني لم أنحدر من نفس الرحم الذي انحدر منه هكتور، ~~قاتل صديقك الرحيم الصنديد!» # هكذا توسل إليه ابن بريام المجيد، بعبارات الاستعطاف، غير أنه لم ~~يتلق منه إلا صوتا فظا يقول: «صه، أيها الأحمق! لا تحدثني عن ~~الفدية، ولا تلق علي خطبة. لقد كنت - حتى يوم مقتل باتروكلوس - ~~أسر بأن أعتق الطرواديين، فقد أسرت كثيرا منهم وبعتهم أحياء عبر ~~البحر. أما الآن، فلن ينجو من يدي كل من يسلمه الرب إلى يدي أمام ~~أسوار طروادة، كلا، لن أرحم أحدا من الطرواديين. كلا، أيها ~~الصديق، لتمت أنت أيضا! ولم تنتحب هكذا؟ لقد مات باتروكلوس، ~~الذي هو أفضل منك بمراحل. ألا ترى أي نوع من الرجال أنا؟ ألست ~~لطيفا وفارع الطول؟ أليس أبي سيدا خيرا، وأمي ربة؟ ومع ذلك ~~فالموت والقدر القاسي معلقان فوقي. ولسوف ms439 يسلبني حياتي رجل ما في ~~القتال، ذات فجر أو مساء أو ظهر، سواء برمية من الرمح، أو بسهم من ~~القوس!» # هكذا تكلم، فارتخت ركبتا الآخر، وذاب قلبه. وأفلت رمح أخيل، وجلس ~~وكلتا يديه مبسوطتان. فاستل أخيل حسامه البتار، وهوى به فوق عظمة ~~الترقوة - بجانب عنقه - فغاب السيف ذو الحدين كله، وتمدد ابن ~~بريام فوق الأرض، وقد تدفق الدم القاني منه فخضب الثرى. وإذ ذاك ~~أمسكه أخيل من قدمه، وقذف به إلى النهر ليذهب، وقال متباهيا، ~~بكلمات مجنحة: «ارقد هناك وسط الأسماك التي ستلعق الدم المتدفق من ~~جرحك، دون أن تكترث بك، ولن يقدر لأمك أن تسجيك في تابوت وتبكيك، ~~بل إن سكاماندر الزاخر بالدوامات، سيحملك إلى الخليج الفسيح. ~~وسيقفز كثير من السمك - من بين الأمواج - ليأكل من لحم ليكاوون ~~الأبيض. فلتهلكوا جميعا في فراركم، حتى نبلغ مدينة طروادة ~~المقدسة، وأنا أعمل فيكم التقتيل من خلف. ولن يجديكم نفعا ذلك ~~النهر الهادئ الجريان بدواماته الفضية، رغم أنكم - على ما أعتقد - ~~قدمتم له كثيرا من الثيران، وقذفتم فيه بجياد حية، قوية الحوافر. ~~فلسوف تهلكون - مع ذلك - بالقدر الشرير، حتى تدفعوا جميعا ثمن ~~مقتل باتروكلوس، ونكبة الآخيين الذين قتلتموهم بجانب السفن ~~السريعة، عندما كنت بعيدا عن ميدان القتال.» # هكذا قال، فازداد النهر غيظا في قلبه، وراح يفكر - في نفسه - ~~كيف يمكنه أن يوقف أخيل العظيم، ويمنعه من أداء مهمته، ويبعد ~~الهلاك عن الطرواديين. وفي الوقت نفسه، قفز ابن بيليوس حاملا رمحه ~~الطويل الظل، وانقض على أستيروبايوس بن بيليجون، المولود من أكسيوس ~~- الفسيح الجريان - وبيريبويا، كبرى بنات أكيسامينوس، إذ اضطجع ~~معها النهر العميق الدوران. فهجم عليه أخيل، ووقف أستيروبايوس خارج ~~النهر ليواجهه، حاملا رمحين، وقد بث كسانثوس الشجاعة في قلبه، ~~نقمة منه من أجل الشبان الذين قتلوا في المعركة، والذين كان أخيل ~~يعمل فيهم التقتيل بحذاء مجرى الماء، دون رحمة ولا شفقة. فلما ~~اقترب كل منهما من الآخر، تحدث أخيل العظيم السريع القدمين، إلى ~~أستيروبايوس، قائلا: «من من القوم أنت، يا هذا؟ ومن أين ms440 قدمت، ~~حتى تجرؤ على مواجهتي؟ ما أتعس أولئك الذين يواجه أطفالهم ~~قوتي!» # فأجابه ابن بيليجون المجيد: «لم تتحرى عن نسبي يا ابن بيليوس، ~~البالغ الشجاعة؟ لقد جئت من باونيا - العميقة التربة، النائية - ~~أقود الباونيين برماحهم الطويلة. وهذا هو الصباح الحادي عشر منذ أن ~~قدمت إلى طروادة. أما نسبي فهو من أكسيوس، الفسيح الجريان، الذي ~~تجري مياهه كأجمل مياه على ظهر البسيطة، والذي أنجب بيليجون ~~المشهور برمحه. فهو أبي، على حد قول الناس، والآن هيا إلى القتال ~~يا أخيل المجيد.» # هكذا تكلم مهددا، فرفع أخيل العظيم الرمح الدرداري البيلي. وإذ ~~ذاك قذف المحارب أستيروبايوس رمحيه دفعة واحدة؛ لأنه كان ممن ~~يستطيعون استخدام اليدين معا. فأصاب أحد الرمحين ترس أخيل، ~~ولكنه لم يخترقه - إذ أوقفه الذهب، هدية الرب - وأصاب الرمح الآخر ~~ساعد أخيل الأيمن بضربة قاطعة، فتدفق الدم الأسود خارجا. بيد أن ~~طرف الرمح مرق وانغرس في الأرض، تواقا إلى إشباع نهمه باللحم. أما ~~أخيل فرمى رمحه الدرداري المستقيم الطيران، صوب أستيروبايوس - يروم ~~قتله - ولكنه أخطأ، وأصاب الساحل المرتفع، فانغرس الرمح هناك حتى ~~منتصفه. وعندئذ استل ابن بيليوس، سيفه الحاد من جانب فخذه، ~~وانقض عليه ثائرا. ولم يفلح الآخر في أن ينزع بيده القوية رمح ~~أخيل الدرداري من الساحل. فلقد هز الرمح ثلاث مرات، وهو يتلهف إلى ~~انتزاعه، وثلاث مرات فشل في محاولته. وفي المرة الرابعة اعتزم ثني ~~الرمح الدرداري - رمح ابن أياكوس - ليكسره، ولكن أخيل سلبه الحياة ~~بحسامه، قبل أن يتم ذلك. إذ ضربه في بطنه بجانب سرته، فخرجت جميع ~~أحشائه إلى الأرض، وغشيت الظلمة عينيه، وهو يلهث ممددا. فوثب أخيل ~~فوق صدره وجرده من أسلحته، وتهلل قائلا: «ارقد كما أنت، فمن ~~العسير أن تتصارع مع أنسال ابن كرونوس العتيد، ولو كنت ابن نهر! ~~إنك تجاهر بمولدك من نهر واسع الجريان، بينما أجاهر أنا بأنني من ~~نسب زوس العظيم. إن الأب الذي أنجبني، ملك بين المورميدون ~~العديدين، إنه بيليوس بن أياكوس، وأياكوس من نسل زوس. وكما أن زوس ~~أقوى من الأنهار ms441 التي تهدر نحو البحر، فكذلك نسل زوس أقوى من نسل ~~أي نهر. وها هو ذا نهر عظيم، جد قريب منك، ولكنه لن ينفعك. فليس ~~لأحد أن يقاتل زوس بن كرونوس، أو يتحداه، ولو كان الملك أخيلوس، ~~بل ولا أوقيانوس - العميق الجريان بقوته وجبروته - فإن هذا الذي ~~تخرج منه سائر الأنهار وجميع البحار، وكل الينابيع والآبار ~~العميقة، يخاف - هو الآخر - برق زوس العظيم، ورعده الرهيب عندما ~~يدوي من السماء!» # قال هذا، وجذب رمحه البرونزي من الساحل، وترك أستيروبايوس حيث ~~كان عندما أزهق روحه، مسجى على الرمال، وقد بللته المياه ~~القاتمة. فأخذت الأسماك وثعابين الماء تنهش جسمه وتمزق اللحم حول ~~كليتيه. أما أخيل فمضى في طريقه وراء ~~البايونيين - سادة العربات - ~~الذين كانوا لا يزالون يحتشدون في فوضى على طول النهر الدوام، مذ ~~أبصروا خير رجل فيهم يتردى في قتاله مع ابن بيليوس، بيديه وسيفه. ~~وما لبث أن قتل منهم ثيرسيلوخوس، ومودون وأستوبولوس، ونيسوس، ~~وثراسيوس وأينيوس وأوفيلستيس، ومع ذلك فقد كان في مقدور أخيل ~~السريع، أن يقتل عددا أكبر من البايونيين، لولا أن النهر العميق ~~الدوامات غضب غضبا شديدا، وناداه في صورة رجل، مصدرا صوتا من ~~جوف إحدى الدوامات العميقة، قائلا: «أي أخيل، إنك لتفوق البشر قوة ~~وشرا، إذ تمدك الآلهة بالمساعدة على الدوام. وإذا كان ابن كرونوس ~~قد منحك الحق في أن تقتل جميع الطرواديين، فلا تقذف بهم في مجراي - ~~على الأقل - بل أنجز عملك الفظيع فوق السهل. فلقد امتلأ حوضي ~~الجميل بجثث القتلى، فلم أعد أستطيع أن أوفق في صب مياهي في البحر ~~اللامع، إذ أصبحت مخنوقا بالموتى، بينما تمضي أنت في القتل دون ~~رحمة ولا هوادة. كلا. كف عن ذلك، فإن العجب يتملكني، يا قائد ~~الجيوش!» # فأجابه أخيل السريع القدمين، قائلا: «ليكن ما تقول يا سكاماندر، ~~يا سليل زوس! ولكني لن أكف عن قتل الطرواديين المتغطرسين إلا بعد ~~أن أحبسهم في مدينتهم، وبعد أن أجرب حظي مع هكتور وجها لوجه، فإما ~~قتلني أو قتلته!» # صراع بين أخيل وسكامندر! # وما إن ms442 قال هذا حتى قفز على الطرواديين كأنه إله. وعندئذ تحدث ~~النهر العميق الدوامات إلى أبولو قائلا: «ويحك يا رب القوس ~~الفضية، يا ابن زوس، إنك لم تطع كلام ابن كرونوس، الذي أمرك ~~بالوقوف فورا إلى جانب الطرواديين ومساعدتهم، حتى ساعة متأخرة من ~~المساء، عندما تنتشر الظلمة على الأرض العميقة التربة.» # هكذا تكلم، فنهض أخيل - المشهور برمحه - من الشاطئ وقفز إلى ~~وسطه. ولكن النهر هجم عليه بفيضان صاخب، وأثار جميع مجاريه المائية ~~في صورة عجاجة، واكتسح أمامه الموتى الكثيرين الذين قتلهم أخيل، ~~وكانوا يرقدون في قاعه، فقذف بهم إلى البر، وهو يخور أحيانا كأنه ~~ثور، أما الأحياء فقد أنقذهم تحت المجاري المائية الهادئة، بأن ~~أخفاهم في الدوامات العميقة الواسعة. وشرعت اللجج الصاخبة ترتفع ~~عاليا حول أخيل بصورة فظيعة، ودفعه التيار إلى الخلف وهو يتلاطم ~~فوق ترسه، فلم يفلح أخيل في الوقوف ثابتا على قدميه، وتعلق بشجرة ~~دردار سامقة، جميلة الشكل، فانخلعت من جذورها وسقطت، فمزقت الضفة ~~كلها، وامتدت عبر المجاري الهادئة بأغصانها الغليظة، وسدت النهر ~~نفسه، وقد سقطت بطولها في داخله. أما أخيل فوثب خارج الدوامة وأسرع ~~يهرب بقدم سريعة عبر السهل، إذ تملكه الخوف. ومع ذلك فلم يكف الرب ~~العظيم عنه، بل لاحقه بموجة دكناء القمة، ليوقفه عن غايته، ويمنع ~~الهلاك عن الطرواديين. ولكن ابن بيليوس ارتد إلى الوراء - قاب رمح ~~- بسرعة النسر الأسود، ذلك الصياد العتيد، أقوى وأسرع الكائنات ~~المجنحة. فانقض مثله، والبرونز يجلجل عاليا فوق صدره، وهو يفلت من ~~تحت الفيضان ويفر إلى الأمام باستمرار، فيجد النهر مقتفيا أثره ~~ومتدفقا بخرير قوي. وكما يحدث عندما يحفر الرجل - الذي يتحكم في ~~مجرى الماء المتدفق من ينبوع رطب - قناة بين نباتاته وأقسام ~~حدائقه، فيمسك الفأس في يديه، ويزيل العوائق من القناة، ليتدفق ~~الماء فيكتسح معه جميع الحصى الموجود في قاعها، وينساب بسرعة إلى ~~الأمام، بهدير إلى أسفل موضع منحدر، مستبقا كل ما يصادفه، حتى ذلك ~~الذي تحكم فيه، هكذا أيضا، لحق طوفان النهر بأخيل - رغم ما كان ~~عليه من سرعة ms443 القدم - لأن الآلهة أقوى من البشر. وكلما صارع أخيل ~~العظيم السريع القدمين، كي يقف ضده، ويعلم ما إذا كان جميع ~~الخالدين - الذين يحتلون السماء الفسيحة - يتعقبونه، ضربه الطوفان ~~العظيم لهذا النهر المقدس فوق كتفيه. فكان يثب عاليا ما استطاعت ~~قدماه بينما كان النهر يلاحق ركبتيه بتدفقه العنيف تحته، ويزيل ~~الأرض تحت قدميه. عندئذ صرخ ابن بيليوس صرخة مريرة، واتجه ببصره ~~نحو السماء الفسيحة وقال: «أبتاه زوس، أما من إله يتكفل بإنقاذي ~~من النهر في محنتي القاسية هذه؟ ليحدث لي بعد ذلك ما يحدث، فلست ~~ألوم كثيرا أيا من آلهة السماء، عدا أمي العزيزة التي خدعتني ~~بمعسول الألفاظ، قائلة بأنني سوف أهلك بواسطة سهام أبولو السريعة، ~~تحت سور الطرواديين المدرعين. ليت هكتور قتلني؛ فهو خير الرجال ~~الذين تربوا هنا، عندئذ يكون قاتلي رجلا شجاعا، وقد قتل رجلا ~~شجاعا مثله. أما الآن فهل كتبت لي هذه الميتة التعيسة، حبيسا في ~~هذا النهر العظيم، أشبه براعي الخنازير يجرفه التيار بعيدا وهو ~~يحاول عبوره في الشتاء؟!» # وما إن قال هذا، حتى اقترب بوسايدون وبالاس أثينا فوقفا إلى ~~جانبه، متنكرين في صورة البشر، وأمسكا يديه بأيديهما، ووعداه ~~بالألفاظ. وكان بوسايدون - مزلزل الأرض - هو أول من تكلم قائلا: ~~«لا ترتعدن - يا ابن بيليوس - أكثر مما يجب ، ولا تخافن ~~إطلاقا، فكل منا - أنا وبالاس أثينا - مساعد لك من لدن الآلهة، ~~إذ وافق زوس على هذا. إذ إنه غير مقدر لك أن تموت بوساطة نهر. بل ~~إن النهر لن يلبث أن يتراجع، وستشعر بذلك من تلقاء نفسك، ولكننا ~~سنمنحك النصح إذا ما قبلته. فلا تكف يديك عن القتال الشرير إلا ~~بعد أن تحصر الجيش الطروادي، وكل هارب، داخل أسوار طروادة الشهيرة. ~~أما أنت فعد إلى السفن بعد أن تزهق روح هكتور، وحينئذ نمنحك ~~المجد.» # وما إن قالا هذا، حتى انصرفا إلى الخالدين، بينما اتجه أخيل صوب ~~السهل، إذ أثاره كلام الإلهين. وكان السهل كله يفيض بطوفان من ~~الماء، يطفو فوقه الكثير من الأسلحة العظيمة وجثث الشبان الذين ~~تردوا ms444 في القتال. وأخذت ركبتا أخيل تقفزان عاليا، وهو يناضل ضد ~~الطوفان، فلم يستطع النهر الواسع الجريان أن يوقفه؛ لأن أثينا وضعت ~~فيه قوة عظيمة. ومع ذلك، فلم يكن لسكاماندر أن يهدئ من ثورته، بل ~~إنه ازداد غيظا ضد ابن بيليوس، فرفع نفسه عاليا، وجعل أمواج ~~طوفانه تعلو شاهقة. وصاح على سيمويس قائلا: «أخي العزيز، هلم بنا ~~نكبح قوة هذا الرجل؛ إذ إنها تحتاج إلى كلينا معا، وإلا فإنه لن ~~يلبث أن يخرب مدينة الملك بريام العظيمة، ولن يصمد الطرواديون ~~أمامه في المعركة. هيا، قدم لي يد العون بسرعة، واملأ مجاريك ~~بالماء من الينابيع، وأثر جميع تياراتك، وأرسل موجة ضخمة، وأطح ~~بالأشجار والأحجار في صخب هائل، حتى نكبح جماح هذا الرجل العنيف، ~~الذي له الغلبة الآن، وفي نيته أن يتحدى حتى الآلهة، إني لأعتقد أن ~~قوته لن تجديه نفعا، ولا رقته، بل تلك الحلة المدرعة التي أحسبها ~~ستستقر في أعماق البحر، تغطيها الأوحال، أما هو نفسه فسوف أطويه في ~~الثرى، وأصب فوقه كمية ضخمة من الحصباء، لا حد لها ولا حصر، فلا ~~يعرف له الآخيون مقرا حتى لا يجمعوا عظامه. في مثل هذا العمق من ~~الطمي سوف أخفيه. وسيكون قبره هنا، ولن تكون به حاجة إلى أكمة ~~متراكمة، عندما يشيع الآخيون جنازته!» # قال هذا، وهجم على أخيل في عنف، هائجا مائجا، يغلي بالزبد ~~والدم والموتى من الرجال، وارتفع الطوفان القاتم للنهر المقدس يحلق ~~فوقه، وكان على وشك أن يتغلب على ابن بيليوس، لولا أن «هيرا» صاحت ~~عاليا، وقد تملكها الخوف على أخيل، خشية أن يجرفه النهر البالغ ~~العمق الكثير الدوامات. فتحدثت في الحال إلى ابنها العزيز ~~هيفايستوس قائلة: «انهض يا بني، أيها الأعرج القدم! إن كسانثوس يقف ~~على الدوام ضدك في القتال. هيا احمل المعونة بسرعة، وأشعل نيرانك ~~العديدة، بينما أسرع أنا فأثير من البحر هبة عنيفة للريح الغربية ~~والجنوبية البيضاء، تبتلع جميع الطرواديين بين الأموات وعددهم ~~الحربية؛ إذ تدفعهم باستمرار إلى النيران الشريرة. كذلك فلتحرق ~~الأشجار بطول شاطئ كسانثوس، وتضرم ms445 فيها النيران، ولا تدعه بحال ما ~~يردك على عقبيك برقيق الألفاظ أو بالتهديدات. ولا تكف عن هيجانك ~~إلا عندما أصيح عليك، فعندئذ فقط يكون لك أن توقف نيرانك ~~المتأججة.» # صراع بين الآلهة! # هكذا تكلمت، فأعد هيفايستوس نارا شديدة اللهب. وشبت النار ~~أولا فوق السهل، فأحرقت الموتى العديدين هناك، وقد صرعهم أخيل ~~وجف السهل كله، وتوقفت المياه المتلألئة. وكما يحدث في موسم ~~الحصاد - عندما تجفف الريح الشمالية بسرعة بستانا حديث الري، ~~فيسعد حارثه - كذلك صار السهل كله جافا، وباد الموتى عن آخرهم. ~~ثم حول هيفايستوس نيرانه المتوهجة ضد النهر، فاحترقت أشجار الدردار ~~والصفصاف والطرفاء، كما احترقت نباتات اللوتس والحلفاء والجلنجان ~~البري، النامية بكثرة حول مجاري النهر الهادئة. ولاقت ثعابين ~~الماء والأسماك الأهوال في الدوامات وفي المجاري الهادئة، فراحت ~~تقفز في هذا الاتجاه وذاك، شديدة الاضطراب من جراء هبة هيفايستوس ~~الكثير الحيل، كما احترق النهر العتيد كذلك، فتكلم وخاطب الرب ~~بقوله: «أي هيفايستوس، لا أحد من الآلهة يستطيع أن يتحداك، ولن ~~أقاتلك مشعلا بالنار كما أنت الآن. كف عن الصراع! أما الطرواديون، ~~فدع أخيل العظيم يطردهم في الحال من مدينتهم، فأي شأن لي في الصراع ~~أو في تقديم المعونة؟!» # هكذا قال، وهو في الوقت نفسه يحترق بالنار، إذ كانت مجاريه ~~الصافية تغلي ، كما تغلي القدر من الداخل، عندما تتسلط عليها النار ~~المستعرة وهي تصهر شحم خنزير مسمن، فتغلي في جميع أجزائها، والنار ~~من تحتها تتلقى غذاء من الأحطاب الجافة، هكذا أيضا احترقت ~~مجاريه الصافية، وأخذت المياه تغلي. ولم يعتزم المضي في التدفق إلى ~~الأمام أكثر من ذلك، بل توقفت لأن لفحة قوة هيفايستوس الحكيم القلب ~~أزعجته. عندئذ صلى على عجل إلى «هيرا» بكلمات مجنحة، قائلا: ~~«أي هيرا، لم هاجم ابنك مجراي ليكون أشد تنكيلا به من سواه! لست ~~أرى أني أخطأت كغيري ممن يساعدون الطرواديين. ومع كل فسأكبح جماح ~~نفسي، إذ أمرتني بهذا، كما تأمرينه بأن يكف عن ثورته. وفوق ذلك، ~~سأقسم بألا أمنع الشر عن الطرواديين، ولو احترقت طروادة بالنار ~~الفتاكة، ms446 على يد أبناء الآخيين البواسل.» # فلما سمعت الربة هيرا البيضاء الساعدين هذا التوسل، خاطبت في ~~الحال ابنها العزيز هيفايستوس، قائلة: «أي هيفايستوس، كف عن ~~الإيذاء يا ولدي المجيد، فلا يليق أبدا أن تضرب ربا خالدا ~~هكذا، من أجل خاطر البشر!» فما إن قالت هذا، حتى أخمد هيفايستوس ~~نيرانه المتأججة فعاد الطوفان يتدفق من جديد في قاع نهر ~~هادئ. # وإذ خمدت ثورة كسانثوس. هدأ الاثنان، لأن هيرا أوقفتهما، رغم ~~غضبها. بيد أن الصراع نشب ثقيلا مفجعا بين الآلهة الآخرين. فهبت ~~أرواحهم الكامنة في صدورهم، في اتجاهات شتى، والتحموا بطنين قوي، ~~فجلجلت الأرض الفسيحة، ودوت السماء العظيمة من كل صوب كما لو كانت ~~تنفخ في بوق، وسمع زوس صخبهم - وهو جالس فوق أوليمبوس - فضحك قلبه ~~في صدره طربا؛ إذ شاهد الآلهة يشتبكون في القتال، ولم يقف واحد ~~منهم بعيدا عن الصراع إذ ذاك. فقد بدأ أريس - الذين يطعن التروس - ~~الصراع، فانقض أولا على أثينا - شاهرا رمحه البرونزي، ونطق ~~بعبارات السباب قائلا: «يا ذبابة الكلب، لم جعلت الآلهة تشتبك في ~~القتال، بجرأتك التي تدفعك إليها روحك المتعجرفة؟ ألا تذكرين يوم ~~حملت ديوميديس بن توديوس على أن يجرحني، وأمسكت بنفسك الرمح على ~~مرأى من الجميع، وصوبته نحوي فمزقت لحمي الرقيق؟ أعتقد الآن أنك ~~ستدفعين ثمن ما فعلت فادحا!» # قال هذا، وضرب ترسها ذا الأهداب، الترس الجبار الذي لا يستطيع ~~برق زوس ذاته أن يقهره. فقد أطلق عليه أريس - الملطخ بالدماء - ~~رمحه الطويل، فتراجعت إلى الوراء والتقطت بيدها القوية حجرا ملقى ~~فوق السهل، أسود ضخما مسننا، كان قدامى البشر قد وضعوه حدا ~~فاصلا لحقل. وضربت به أريس الثائر فوق عنقه، فأرخت أطرافه. ~~فتمدد على مساحة سبعة قراريط في سقطته، وتغبر شعره بالثرى، ~~وصلصلت حلته الحربية من حوله. وعندئذ انفجرت بالاس ضاحكة ملء ~~شدقيها، وازدهت بكلمات مجنحة، قائلة: «يا لك من أحمق! ألا تعرف ~~حتى الآن أنني أقوى منك، فتقارن قوتك بقوتي. بهذه الطريقة تسر ربات ~~الانتقام اللواتي تبتهل إليهن أمك الغاضبة، وهي تحيك الشر ضدك، ms447 ~~لأنك تخليت عن الآخيين وقدمت المعونة للطرواديين ~~المتعجرفين.» # قالت هذا، وأدارت عينيها النجلاوين عن أريس. فأمسكت «أفروديت ~~ابنة زوس» يده، وحاولت أن تقوده بعيدا، وهو يئن ويتوجع، وقد عجز، ~~عن أن يستجمع شجاعته من جديد. فلما فطنت الربة هيرا البيضاء ~~الذراعين إلى ما حدث، تحدثت إلى أثينا بكلمات مجنحة قائلة: «ويحك، ~~يا ابنة زوس - حامل الترس الذي لا يكل - ما أعجب أن تقود ذبابة ~~الكلب هذه، أريس - جالب الهلاك للبشر - بعيدا عن ساحة الوغى، وسط ~~الجموع. هيا، وراءها!» # وما إن قالت هذا، حتى أسرعت أثينا تطاردها، مسرورة القلب. وانقضت ~~على أفروديت فضربتها بيدها القوية على صدرها، فارتعدت ركبتاها، ~~وغاص قلبها، فرقد الاثنان على الأرض الفسيحة، وأخذت أثينا تزهو ~~بكلمات مجنحة قائلة: «سيكون على هذه الحال كل من يساعد ~~الطرواديين، عندما يقاتلون ضد الأرجوسيين المدرعين، بمثل هذه ~~الشجاعة التي عمدت بها أفروديت إلى مساعدة أريس، مجترئة على قوتي. ~~فلولا أولئك لكففنا عن الحرب قبل الآن بمدة طويلة، ولاجتحنا ~~طروادة، المدينة العامرة بالسكان!» # هكذا تكلمت، فابتسمت لذلك الربة هيرا، الناصعة الذراعين، ولكن ~~الملك بوسايدون - مزلزل الأرض - تحدث إلى أبولو قائلا: «أي فويبوس ~~لماذا يقف كلانا بعيدا عن الآخر، لا ينازله؟ هذا لا يليق، بعد أن ~~بدأ الآخرون. فيا له من عار أن نعود دون قتال إلى أوليمبوس، إلى ~~منزل زوس ذي العتبة البرونزية! فلتبدأ - ما دمت أنت الأصغر - إذ ~~ليس لي أن أبدأ لكبر سني، ولأنني أكثر منك معرفة. ما أحمقك، وما ~~أجمل قلبك! ألا تذكر جميع الآلام التي قاساها كلانا في طروادة، من ~~دون جميع الآلهة عندما ذهبنا بناء على أمر زوس، وخدمنا الملك ~~لاوميدون مدة عام، لقاء أجر معين، وكان هو سيد أعمالنا الذي نأتمر ~~بأمره. لقد بنيت للطرواديين سورا عريضا جميلا حول مدينتهم، يمنع ~~عنها الدمار، وأنت يا فويبوس، قد رعيت الأبقار النحيلة، ذات المشية ~~المتثاقلة وسط ممرات أيدا المعشوشبة، الكثيرة الأخاديد. فلما جاء ~~عهد الرخاء، أنهى مدة عملنا، وسلبنا لاوميدون الفظيع كل أجرنا، ~~وطردنا مهددا متوعدا، بأن يقيد ms448 أرجلنا وأيدينا، ويبيعنا في جزر ~~نائية، وتظاهر بأنه سيقطع آذاننا بالبرونز، فرجعنا غاضبين، متحسرين ~~على الأجر الموعود الذي لم يعطنا إياه! أفتبدي الآن العطف على ~~قومه، ولا تؤمن معنا بأن أولئك الطرواديين المتغطرسين، لا بد أن ~~يهلكوا هلاكا شاملا، مع أطفالهم وزوجاتهم المبجلات؟» # فأجابه أبولو، الذي يضرب من بعيد: «يا مزلزل الأرض، يحق لك أن ~~تعتبرني سقيم العقل إذا حاربتك من أجل البشر، أولئك المخلوقات ~~التعيسة الشبيهة بأوراق الأشجار، تفيض حياة جياشة، تأكل ثمار الحقل ~~تارة، وتذوي وتهلك تارة أخرى. هلم بنا، نعرض عن الصراع، ولنتركهم ~~في قتالهم!» # وإذ قال هذا، استدار ليعود أدراجه، وقد خجل من أن يقاتل شقيق ~~أبيه. بيد أن شقيقته أرتيميس - ذات الغابة الوحشية، ملكة الحيوانات ~~المفترسة - أخذت تعنفه بشدة، وترميه بعبارات السباب قائلة: «يا ~~للعار أيها الرب الذي يصيب من بعيد! أتهرب من المعركة تاركا النصر ~~كلية لبوسايدون، مانحا إياه المجد لقاء لا شيء؟! ما أحمقك! لم ~~تحمل إذن قوسا لا فائدة منها كالريح؟ لا تفخر أمامي - بعد الآن - ~~في قصر أبي، كما سبق لك وسط الآلهة الخالدين، بأنك لن تلاقي ~~بوسايدون في عراك علني.» # هكذا قالت، ولكن أبولو - الذي يصيب من بعيد - لم يحر جوابا. ~~فاستشاطت زوجة زوس المبجلة حنقا، وعيرت الملكة القواسة، بكلمات ~~السماء، فقالت: «أيتها الوقحة، لم تتلهفين الآن على الوقوف ضدي؟ ~~إنني لست بالعدو السهل، الذي تستطيعين تحديه في القوة، بالرغم من ~~القوس التي تحملينها، ومن أن زوس جعلك كالأسد ضد النساء، ومنحك ~~القوة لتقتلي من تشائين منهن. وإنه لخير لك أن تمارسي هذا الحق في ~~الجبال، فتقتلي الحيوانات المفترسة والغزال البري، بدلا من مقاتلة ~~من هم يبزونك قوة. وإن راقك، فلتتعلمي من الحرب، حتى تعرفي ~~تماما أنني أقوى منك، وأن ليس لك أن تقارني قوتك بقوتي!» # قالت هذا، وأمسكت يدي غريمتها من الرسغين، بيدها اليسرى، ~~وتناولت القوس من فوق كتفها، وأعدتها بيمناها، وضربتها - وهي تبتسم ~~- بجانب أذنها، فاستدارت في هذا الاتجاه وذاك، وسقطت السهام ~~السريعة خارج الجعبة، وولت الربة هاربة ms449 تبكي، كما تطير اليمامة من ~~أمام البازي إلى صخرة جوفاء - إلى كهف - حتى لا تقع في الأسر، هكذا ~~أطلقت أرتيميس العنان لقدميها، باكية، وتركت قوسها وسهامها حيث ~~كانت. فتحدث الرسول - قاتل الأرجوسيين - إلى ليتو، قائلا: «لست ~~أنا الذي سيقاتلك بأية حال، فما أشق تبادل الضربات بين زوجات ~~زوس، جامع السحب، إنك تباهين في جرأة - وسط الآلهة الخالدين - بأنك ~~هزمتني بقوتك الفائقة.» # وبعد أن قال هذا، جمعت ليتو القوس والسهام التي سقطت في الثرى ~~هنا وهناك. ثم ابتعدت حاملة قوس ابنتها وسهامها، بينما انطلقت ~~العذراء إلى أوليمبوس، إلى منزل زوس ذي العتبة البرونزية، وجلست ~~تنتحب فوق ركبتي أبيها، وقد اهتز ثوبها المعطر من حولها. فجذبها ~~والدها - ابن كرونوس - إليه، وسألها وهو يبتسم في رفق، فقال: ~~«بنيتي العزيزة، من من أبناء السماء أساء معاملتك الآن، وكأنك ~~اقترفت إثما أمام الجميع؟» فأجابته الصيادة - ذات التاج الجميل ~~المدوي - بقولها: «ضربتني زوجتك يا أبتاه، هيرا البيضاء الساعدين، ~~التي نشب الصراع والنزاع بين الخالدين بسببها!» # أخيل يقاتل أمام طروادة! # هكذا تحدث كل منهما إلى الآخر، ولكن «أبولو» دخل طروادة ~~المقدسة إذ خشي على سور المدينة القوية البناء، أن يعجل الدانيون ~~بيوم القضاء، فيهدموه في ذلك اليوم. وذهب الآلهة الآخرون إلى ~~أوليمبوس، بعضهم غاضب حانق، والبعض الآخر متهلل. وجلسوا بجانب ~~أبيهم، ملك السحب القاتمة. أما أخيل فكان لا يزال يعمل التقتيل في ~~الطرواديين وجيادهم القوية الحوافر. وكما تحترق مدينة، ويتصاعد ~~دخانها إلى عنان السماء الفسيحة. وقد غضب الآلهة فعملوا على زيادة ~~اشتعالها، وتكبيد الكثيرين التعب والأحزان، كذلك هكذا سبب أخيل ~~التعب والآلام للطرواديين! # ووقف بريام الكهل فوق السور المقدس، فأبصر أخيل الضاري، ~~والطرواديين يهزمون أمامه في فوضى ثائرة. ولم تكن هناك أية معونة، ~~فهبط عن السور إلى الأرض وهو يئن، صائحا في حراس الأبواب الأمجاد، ~~المصطفين بطول السور: «افتحوا الأبواب بأيديكم، على مصاريعها، حتى ~~يدخل القوم في شغبهم إلى المدينة. فيا للخزي! إن أخيل قريب، يدفعهم ~~أمامه. وإني لأرى أنه سيفتك بهم. أما إذا احتشدوا وراء السور، ms450 ~~وتمالكوا أنفاسهم فأغلقوا الأبواب المزدوجة خلفهم بإحكام، إذ أخاف ~~أن يقفز هذا المخرب إلى داخل السور!» # هكذا قال، ففتحوا الأبواب ونزعوا عنها المزاليج، فلما فتحت على ~~مصاريعها كتبت لهم النجاة. وانقض أبولو فورا أمام أخيل، ليدفع ~~الهلاك عن الطرواديين، وهم يفرون إلى المدينة، وراء السور الشاهق، ~~وأجوافهم تحترق من شدة الظمأ، وقد اغبرت رءوسهم من أتربة السهل، ~~وأخيل يضيق عليهم الخناق برمحه، في ثورة هائجة، إذ كان يتوق بعنف ~~إلى الفوز بالمجد. # عندئذ كاد أبناء الآخيين أن يستولوا على طروادة الشاهقة ~~الأبواب، لولا أن «أبولو» حرض أجينور العظيم، ابن أنتينور - ذلك ~~المحارب الباسل قريع دهره - وبثت الشجاعة في قلبه، كما وقف هو ~~نفسه إلى جانبه، ليدفع عنه أيدي الموت الثقيلة، فاستند إلى شجرة ~~بلوط، مطوقا بغمامة كثيفة. فلما فطن أجينور إلى أفعال أخيل - ~~المخرب المدن - وقف، وأخذ يفكر في قلبه، في عدة أمور شريرة، وهو ~~ينتظره. وإذ كان مبلبل الخاطر، راح يتحدث إلى روحه العظيمة الشجاعة ~~قائلا: «الويل لي، لو هربت أمام أخيل العتيد، إلى حيث يهرب ~~الآخرون في شغب، فإنه سيلحق بي ويقتلني في جبني! ولكن، ماذا لو ~~تركت هؤلاء يفرون أمام أخيل بن بيليوس، ثم أفر أنا من السور إلى ~~مكان آخر، صوب السهل الأيلي، حتى أصل إلى وهاد ممرات أيدا، فأختفي ~~في الأدغال؟ وعند المساء، بعد أن أغتسل في النهر، وأرطب نفسي من ~~العرق، أعود ثانية إلى طروادة، ولكن لماذا يحدثني قلبي هكذا؟ إنه ~~قد يراني، وأنا أستدير بعيدا عن المدينة صوب السهل، فينطلق ورائي، ~~ويلحق بي لسرعة قدميه. وحينئذ لن أستطيع النجاة من الموت وسوء ~~المصير؛ لأنه أقوى من سائر البشر. وماذا لو قابلته أمام المدينة؟ ~~فمن الممكن، على ما أعتقد، اختراق جسمه بالبرونز الحاد، إذ ليس فيه ~~إلا حياة واحدة، وما هو غير إنسان، ولكن زوس بن كرونوس، يهبه ~~المجد!» # وما إن قال هذا، حتى استجمع نفسه لمواجهة هجوم أخيل، وتلهف قلبه ~~الجريء إلى خوض غمار الحرب والقتال، وكما تخرج أنثى النمر من الدغل ~~الكثيف ms451 لتواجه صيادا، جريئة غير خائفة، لا تهرب عند سماع نباح ~~الكلاب، ورغم أن الصياد قد يسبقها فيضربها بطعنة أو برمية، إلا ~~أنها وهي مطعونة بالرمح لا تكف عن هيجانها إلى أن تقبض عليه أو ~~تقتل هي، هكذا كان أجينور العظيم، ابن أنتينور المجيد، إذ رفض ~~الهجوم حتى يعجم عود أخيل، حاملا ترسه المتزن جيدا من كل جانب ~~أمامه، وسدد رمحه نحو أخيل، وهو يصيح قائلا: «لعلك - كما أعتقد ~~حقا - تأمل في قرارة نفسك، يا أخيل المجيد، أن تخرب مدينة ~~الطرواديين الأمجاد في هذا اليوم. ويا لك من أحمق! فما زالت هناك ~~آلام جمة دونها. فنحن بداخلها جمع غفير من الرجال الشجعان، نقف ~~أمام آبائنا وزوجاتنا وأبنائنا، لنحمي طروادة، أما أنت فستلقى ~~حتفك هنا، رغم فروسيتك وجرأتك البالغتين.» # قال هذا، وأطلق الرمح الحاد من يده الثقيلة، فأصابه فوق قصبة ~~رجله أسفل الركبة، ولم يخطئه، فجلجلت عاليا، الدرقة المصنوعة ~~حديثا من القصدير ولكن البرونز ارتد عنه، ولم ينفذ إلى جسمه؛ لأن ~~هدية الرب أوقفته. وإذ ذاك انقض ابن بيليوس - بدوره - على أجينور ~~الشبيه بالإله. بيد أن أبولو لم يمكنه من كسب المجد، بل اختطف ~~أجينور بعيدا، وأخفاه في غمامة كثيفة، وبعث به بعيدا عن الحرب ~~ليذهب في طريقه سالما. على أن أبولو - بالدهاء والخداع - احتفظ ~~بابن بيليوس بعيدا عن القوم، إذ صور نفسه في صورة أجينور - في كل ~~شيء - ووقف الرب الذي يصيب من بعيد، فهجم أخيل عليه بسرعة ~~ليطارده. وبينما هو يطارده عبر السهل الزاخر بالقمح، انحرف به صوب ~~نهر سكاماندر العميق الدوامات، وهو لا يسبقه بغير مسافة قصيرة - ~~فقد خدعه أبولو بأن أثار أمله في أن يلحق به في الجري - بينما كانت ~~بقية الطرواديين تتدفق مهرعة على المدينة - في تلك الأثناء - في ~~جموع تزاحمت في سرور، حتى امتلأت بهم المدينة، ولم يجرؤ أحد منهم ~~على البقاء خارج الأسوار، ليعرف من قد نجا في القتال. ومن الذي ~~لقي مصرعه، وإنما تدفقوا إلى داخل المدينة بأسرع ما استطاعت أن ~~تحملهم أقدامهم. # | الأنشودة ms452 الثانية والعشرون # «... وابتكر معاملة مزرية لهكتور العظيم، فشق طنب كلتا قدميه من ~~الخلف - من العقب إلى مفصل الكعب - وربط فيها سيورا، ووصلها ~~بعربته، تاركا الرأس على الأرض، ثم انطلق بالعربة ...» # كيف حارب أخيل ضد هكتور، وقتله، وحمل جثته إلى السفن؟ # هكتور أمام أسوار طروادة! # تزاحم الطرواديون داخل المدينة في شغب - كأنهم الغزلان - وراحوا ~~يجففون عرقهم، ويشربون ليطفئوا ظمأهم، وهم يستريحون فوق الشرفات ~~الجميلة، بينما يقترب الآخيون من السور حاملين التروس على أكتافهم، ~~ولكن القدر المميت أوقع هكتور في حبائله، فبقي في مكانه أمام ~~طروادة والأبواب السكايية. وتحدث أبولو إلى ابن بيليوس، قائلا: ~~«لم تطاردني يا ابن بيليوس، بأقدام سريعة، وما أنت سوى بشر، بينما ~~أنا إله خالد؟ أفلم تعرف بعد أنني إله، فأنت تعنف في نضالك؟ أفلست ~~ترعى حدود جهادك ضد الطرواديين الذين أرهبتهم فاعتصموا الآن داخل ~~المدينة، فجئت إلى هنا؟ إنك لن تقتلني بحال ما، لأنني لست ممن كتب ~~عليهم الموت!» # فخاطبه أخيل السريع القدمين، غاضبا، بقوله: «لقد غررت بي، أيها ~~الرب الذي يضرب من بعيد، يا أقسى جميع الآلهة، إذ استدرجتني إلى ~~هذا المكان بعيدا عن السور، وإلا لتخبط رجال كثيرون على الأرض، ~~ولما وصلوا إلى طروادة قط. ولقد سلبتني الآن المجد العظيم، ~~وأنقذتهم بسهولة بالغة؛ لأنك لا تخشى الانتقام فيما بعد. ولو كانت ~~لي القوة لانتقمت لنفسي منك!» # قال هذا وانطلق إلى المدينة بقلب متغطرس، يسرع كما يسرع بالعربة ~~جواد مظفر، يجتاز السهل بخفة بالغة، بمثل هذه السرعة أعمل قدميه ~~وركبتيه. وكان الشيخ بريام هو أول من رآه بعينيه، وهو يهرع عبر ~~السهل متألقا كأنه النجم الذي يشرق وقت الحصاد، ساطعا بأشعته وسط ~~جيش النجوم في دجى الليل، ذلك النجم الذي يسميه البشر «كلب ~~أوريون». فهو أشد النجوم تألقا، ولكنه مع ذلك نذير الشر؛ إذ يجلب ~~الحمى الشديدة على بني الإنسان البائسين. بمثل هذه الصورة تألق ~~البرونز فوق صدر أخيل وهو يعدو، فانبعث من الشيخ أنين، ولطم رأسه ~~بيديه، ورفعهما إلى فوق، وهو يصيح متوسلا إلى ابنه ms453 العزيز الذي ~~كان واقفا أمام الأبواب تواقا في حماس إلى مقاتلة أخيل. فخاطبه ~~بصوت يفيض حزنا، قائلا: «أي هكتور، يا ولدي المحبوب، أرجو ألا ~~تقف وحدك أمام هذا الرجل، دون معونة من أحد، وإلا لقيت في الحال ~~نهايتك على ابن بيليوس، إذ إنه أقوى منك بمراحل. ما أقساه! لو أن ~~الآلهة تحبه بقدر حبي له، لالتهمه الكلاب والنسور وهو ملقى على ~~الأرض دون أن يوارى الثرى! فلقد حل الغم البالغ بروحي، مذ أفقدني ~~أبنائي الكثيرين الشجعان، فقتل بعضهم، وباع البعض الآخر في جزر ~~نائية. وها أنا ذا الآن لا أرى اثنين من أبنائي - هما ليكاوون ~~وبولودوروس - بين الطرواديين المحتشدين داخل المدينة، وهما اللذان ~~أنجبتهما «لاوثوي» أميرة النساء، فإذا كانا لا يزالان على قيد ~~الحياة في معسكر العدو، افتديتهما بالبرونز والذهب، المتوفرين في ~~خزائن بيتي، فإن أعطى «ألتيس» الشيخ، ذو الاسم المجيد منح ابنته ~~الكثير من الهدايا، عندما تزوجتها. أما إذا كانا في عداد الأموات ~~بمنزل هاديس، فلسوف يملأ الكمد قلبي، وقلب أمهما، وقلوب من ~~أنجبناهم، أما على الباقين، فلسوف يكون حزننا أقل، إذا لم يقدر لك ~~- أنت الآخر - أن تموت مقتولا بيد أخيل. هيا، ادخل وراء الأسوار ~~يا ولدي، حتى يمكنك إنقاذ الطرواديين والطرواديات، ولا تمنح المجد ~~العظيم لابن بيليوس ، وتحرم نفسك من الحياة الغالية، كذلك يجب أن ~~تشفق علي، أنا المتعوس، الذي لا سند له، فإنني ما زلت أشعر وأحس! ~~أنا المسكين الذي سيقتله الأب، ابن كرونوس، بمصير مفجع على عتبة ~~الشيخوخة، بعد أن أكون قد شاهدت محنا عديدة، ورأيت أبنائي يهلكون ~~وبناتي يؤخذون سبايا، ومخادعي تقتحم وتنهب، وأطفالي تلقى على ~~الأرض وزوجات أبنائي يجرهن الآخيون. ثم يحين دوري في النهاية، ~~فتنهش الكلاب جسدي على أعتاب بيتي، بعد أن أكون قد فقدت حياتي ~~بطعنة أو رمية من البرونز الحاد، الكلاب التي غذيتها على مائدتي ~~في قصري لتحرس بابي، والتي ستعود إلى رقادها - أمام الباب - بعد أن ~~تلعق دمائي في جنونها! لا غبار على الشاب - إذا قتل في المعركة - ~~أن ms454 يرقد ممزقا بالبرونز الحاد، وكل شيء فيه يبدو نبيلا رغم موته. ~~بيد أن أقسى ما يحل بالبشر، أن تعبث الكلاب بالرأس الأشيب واللحية ~~البيضاء، وأن يتعرى الشيخ المسن وهو قتيل!» # هكذا تكلم الرجل المسن، وجذب بيديه شعره الأبيض فنزعه عن رأسه، ~~ولكنه لم يستطع أن يثني هكتور عن عزمه، وبكت أمه بدورها، وذرفت ~~الدموع، وفكت ثنايا ثوبها بإحدى يديها، وأخرجت ثديها بيدها الأخرى، ~~وخاطبته بكلمات مجنحة، والدموع تنحدر من مقلتيها: «أي هكتور، ولدي، ~~ارع حرمة ثديي هذا، وأشفق علي، إذا كان هذا الثدي قد خفف عنك ~~يوما آلامك. فكر في هذا، يا ولدي العزيز، وقاتل عدوك من وراء ~~الأسوار، ولا تخرج لمواجهته. إنه قاس! ولو أنه قتلك، فلن يقدر لي ~~أن أسجيك على فراش، لأبكيك مع زوجتك الكريمة، يا بني الحبيب، ولكن ~~ستنهشك الكلاب السريعة، بعيدا عنا، بجانب سفن الآخيين.» # هكذا تكلم الاثنان باكيين، وتوسلا إلى ابنهما العزيز، ولكنهما ~~لم يستطيعا التأثير على قلبه. بل إنه انتظر «أخيل» وهو يقترب في ~~جبروته. وكما ينتظر ثعبان الجبل رجلا عند جحره، وقد اغتذى ~~بالأعشاب الشريرة، وتملكه الغضب العنيف فينظر إليه بشراسة، وقد ~~التف حول نفسه داخل جحره، هكذا أيضا، كان هكتور في شجاعته ~~الجامحة، فلم يتقهقر، وقد أسند ترسه المتألق إلى الجدار البارز. ~~وإذ كان تأثره بالغا، فقد خاطب نفسه المتعالية بقوله: «واها لي! ~~لو أنني دخلت وراء الأبواب والأسوار لكان بولوداماس أول من ينحي ~~علي باللائمة؛ إذ إنه نصحني بأن أقود الطرواديين إلى المدينة ~~إبان هذه الليلة القاتلة - بمجرد أن ينهض أخيل العظيم - فلم أطع ~~قوله، وكانت طاعته أجدى. في الحق. وها أنا ذا - وقد دفعت الجيش إلى ~~الهلاك بحماقتي العمياء - أستحيي من الطرواديين ونسائهم ذوات ~~الثياب الجرارة، خشية أن يقول رجل خسيس: «لقد جلب هكتور الخراب على ~~الجيش، اعتدادا بقوته!» هذا ما سوف يقولونه. أما أنا شخصيا، ~~فالأفضل لي أن ألاقي أخيل وجها لوجه وأقاتله، وبذلك أعود إلى ~~الوطن أو أموت كريما أمام المدينة، ثم، ماذا تكون العاقبة لو أنني ms455 ~~تركت ترسي المرصع، وخوذتي الثقيلة، وأسندت رمحي إلى الحائط، ثم ~~ذهبت بنفسي إلى أخيل - وحيد عصره - ووعدته برد هيلينا وجميع الكنوز ~~التي أحضرها ألكساندر إلى طروادة في السفن الجوفاء، والتي كانت سبب ~~الحرب، فنسلمها إلى أبناء أثريوس ليعودوا بها، وفوق ذلك فلنقتسم مع ~~الآخيين مناصفة، ما تحويه المدينة، وآخذ العهد على شيوخ الطرواديين ~~بألا يخفوا شيئا، وأن يقسموا كل شيء - من كنوز المدينة الجميلة ~~- إلى نصفين؟! ولكن، لم يحدثني قلبي بهذا؟ فأبتعدن عنه ولا أذهب ~~إليه، وإلا فإنه لن يرحمني، ولن يحترمني بأية حال، بل إنه سيقتلني ~~وأنا أعزل تماما من السلاح - كما لو كنت امرأة - إذ خلعت عني عدتي ~~الحربية. لن أستطيع الآن أن أتقرب إليه بجانب شجرة بلوط أو صخرة، ~~كما يتقرب الشاب إلى عذراء! ومن الخير أن نسرع بالالتحام في ~~الصراع، حتى نعرف لمن منا سيمنح الأوليمبي المجد!» # أخيل يطارد هكتور! # هكذا كان هكتور يفكر وهو ينتظر. غير أن أخيل - نظير أينواليوس، ~~المحارب ذو الخوذة المتموجة - اقترب منه، ملوحا من فوق كتفه ~~اليمنى برمحه الدرداري البيلي الفظيع والبرونز يبرق حوله كأنه لهب ~~النار المستعرة، أو وهج الشمس عند الشروق. فارتعد هكتور لمرآه، ولم ~~يجرؤ بعد ذلك على البقاء في مكانه، فترك الأبواب وراح يجري ~~مذعورا، ولكن ابن بيليوس انطلق خلفه، معتمدا على سرعة قدميه. ~~وكما ينقض البازي - أسرع الكائنات المجنحة - في الجبال بخفة وراء ~~يمامة مضطربة، فتفر أمامه وهو يجد في مطاردتها بصيحة حادة ~~مقتربا منها، ممنيا قلبه بالقبض عليها، هكذا كان شأن أخيل، إذ ~~انطلق مسرعا وراء هكتور، أسفل سور الطرواديين. وأخذا يعدوان بعد ~~مكان المراقبة، وشجرة التين البرية التي تهزها الرياح. واستمرا في ~~عدوهما بطول طريق العربات، حتى بلغا النبعين المنسابين بهدوء، حيث ~~ينبع الجدولان اللذان يغذيان سكاماندر الكثير الدوامات. وتجري في ~~أحدهما مياه دافئة، يتصاعد منها البخار كأنه دخان من نار مشتعلة، ~~بينما تجري في الآخر - صيفا - مياه باردة كالبرد أو الثلج أو ~~الجليد المتكون من المياه. وبالقرب من هذين الجدولين، أحواض فسيحة ~~للغسيل، ms456 جميلة الصنع من الحجر، اعتادت زوجات وبنات الطرواديين ~~الفاتنات أن تغسلن ملابسهن المتألقة فيها، وقت السلام، قبل مجيء ~~أبناء الآخيين. # راح الاثنان يعدوان - أحدهما خلف الآخر - هذا يفر، وذاك يطارده، ~~في المقدمة رجل باسل ينشد الفرار، وفي المؤخرة رجل يفوقه بسالة، ~~يلاحقه بسرعة فائقة، وما كانا يتصارعان من أجل حيوان للذبيحة، ولا ~~من أجل جلد ثور - من النعم التي يفوز بها البشر لقاء سرعة أقدامهم ~~- وإنما كانا يعدوان من أجل حياة هكتور - مستأنس الخيل - كما تجري ~~الجياد القوية الحوافر، في سباق في طريق كثيرة المنعرجات، متطلعة ~~إلى جائزة قيمة - سواء كانت ركيزة أو امرأة - تخليدا لذكرى محارب ~~مات، ثلاث مرات دارا بسرعة حول مدينة بريام، وجميع الآلهة تنظر ~~إليهما. وكان أبو البشر والآلهة هو أول من تكلم وسط هؤلاء فقال: ~~«انظروا الآن. إن عيني تبصران رجلا جد حبيب، مطاردا حول ~~الأسوار، وإن قلبي لحزين على هكتور، الذي أحرق لي العديد من أفخاذ ~~الثيران، فوق ذؤابات أيدا الكثيرة الممرات، وأحيانا فوق ذؤابة ~~القلعة، إن أخيل العظيم يطارده الآن بقدمين سريعتين حول مدينة ~~بريام. فكروا مليا أيها الآلهة، وتشاوروا فيما بينكم: أننقذه من ~~الموت، أم نترك أخيل بن بيليوس يقتله، رغم كونه باسلا ~~شهما؟» # فأجابته الربة أثينا البراقة العينين: «أبتاه، يا سيد البرق ~~اللامع والسحب القاتمة، ما هذا الذي نطقت به؟ أتعتزم أن تخلص رجلا ~~من البشر - كتب له الموت من زمن طويل - من براثن الموت المؤلم؟ ~~افعل ما يحلو لك ولكن ثق بأننا، نحن الآلهة الآخرين جميعا، ~~لا نوافق على هذا!» فرد عليها زوس - جامع السحب - بقوله: «انشرحي ~~صدرا يا بنيتي العزيزة، يا تريتوجينيا، فلست أتكلم بنية صادقة من ~~قلبي، ولكني أريد أن أكون رحيما به. افعلي ما يروقك، ولا تكبحي ~~جماح نفسك بعد ذلك.» وبهذا القول حث أثينا التي كانت لا تزال ~~متحمسة، فهبطت منقضة من فوق ذؤابات أوليمبوس. # راح أخيل السريع يضيق الخناق بشدة على هكتور، في مطاردة لا تكف. ~~وكما يحدث عندما يثير كلب في الجبال ظبيا من ms457 مخبئه، ويطارده بين ~~الوهاد والممرات، ثم يمضي مقتفيا أثره - رغم أن الظبي قد ينجو إلى ~~حين، مختفيا تحت دغل - حتى يعثر عليه، هكذا أيضا لم ينج هكتور ~~من ابن بيليوس السريع القدمين. فكلما حاول الوصول إلى الأبواب ~~الدردانية ليحتمي بالأسوار المكينة البناء، رغم أن أصدقاءه كانوا ~~يساعدونه من فوق الأسوار المكينة البناء، بمزازيقهم، كلما سبقه ~~أخيل وأعاده ثانية إلى السهل. فظل يعدو بجوار أسوار المدينة. وكما ~~يحدث في الحلم، إذ يفشل المرء في مطاردة شخص يجري أمامه، فلا ~~يتمكن الأول من الهرب، ولا يفلح الثاني في المطاردة، هكذا أيضا لم ~~ينجح أخيل في اللحاق بهكتور في سرعته، ولا هكتور في الهرب! وكيف ~~كان في وسع هكتور أن ينجو من أقدار الموت؟ لقد اقترب منه أبولو - ~~ليثير شجاعته، ويزيد من سرعة ساقيه - فأشار أخيل العظيم إلى قومه ~~بإيماءة من رأسه، ولكنه لم يرض أن يضربوا هكتور بالرماح الحادة، ~~خشية أن يصيبه أحدهم فيفوز دونه بالمجد، ويصل هو بعد فوات الأوان. ~~فلما بلغا الجدولين للمرة الرابعة، رفع الأب كفتي الميزان ~~الذهبيتين عاليا، ووضع فيهما مصيرين للموت المفجع؛ أحدهما لأخيل ~~والثاني لهكتور مستأنس الجياد، ثم أمسك الميزان من وسطه ورفعه، ~~فهبط يوم موت هكتور ورحل إلى هاديس. # وتركه أبولو، فذهبت الربة أثينا - ذات العينين النجلاوين - إلى ~~ابن بيليوس، واقتربت منه، وخاطبته بكلمات مجنحة قائلة: «أي أخيل ~~العظيم يا حبيب زوس، إن الأمل ليحدوني في أن كلينا سيحمل إلى ~~الآخيين مجدا عظيما - إلى السفن - بعد أن نقتل هكتور، الذي لا ~~يني عن الحرب، فلم يعد في إمكانه الآن أن يفلت منا، بل ولم يعد ~~في وسع أبولو - الذي يضرب من بعيد - إنقاذه مهما كد أو تذلل للأب ~~زوس، حامل الترس. قف الآن، واسترد أنفاسك، ريثما أذهب بنفسي وأحضر ~~لك المحارب لينازلك وجها لوجه!» # هكذا قالت أثينا، فأطاع أخيل، وقد اغتبط في نفسه. ووقف متكئا ~~على رمحه الدرداري ذي السن البرونزية. فتركته، وانطلقت إلى هكتور ~~العظيم، متخذة هيئة دايفوبوس، شكلا وصوتا. ولما اقتربت منه ~~خاطبته ms458 بكلمات مجنحة قائلة: «أخي العزيز، إن أخيل السريع ليسيء ~~إليك بغير شك، وهو يطاردك بخطى سريعة حول مدينة بريام، ولكن هيا ~~بنا نقف هنا، وننتظره كي نصد هجومه.» فقال لها هكتور العظيم، ذو ~~الخوذة البراقة: «أي دايفوبوس، لقد كنت - فيما مضى - أعز إخوتي ~~الذين أنجبهم بريام وهيكابي. أما الآن فأعتقد أنني سأمجدك أكثر في ~~قلبي، إذ خاطرت بنفسك من أجلي، وخرجت من وراء السور، بينما ينتظر ~~الآخرون داخله.» # فقالت الربة أثينا، البراقة العينين: «أخي العزيز، إن أبي، وأمي ~~الجليلة، وأصدقائي، توسلوا إلي كثيرا، وسألوني - كل بدوره - ~~أن أبقى هناك، إذ كانوا يرتجفون جميعا من أخيل، ولكن قلبي كان ~~مثقلا في صدري بالغم المرير، والآن هيا ننقض عليه فورا ونقاتله، ~~ولا تدخر الرماح بحال ما، لنعلم ما إذا كان سيقتل كلينا ويحمل ~~غنائمنا الدموية إلى السفن الجوفاء. أم سيهلك هو برماحنا.» # مصرع هكتور! # دفعت أثينا هكتور إلى الأمام بمثل هذه الألفاظ وبالخداع. فلما ~~اقتربا، خاطب هكتور العظيم - ذو الخوذة البراقة - أخيل بقوله: «لن ~~أفر منك بعد الآن يا ابن بيليوس، كما هربت منك ثلاث مرات حول مدينة ~~بريام العظيمة. فإنني لم أجرؤ من قبل على مواجهة هجمتك، أما الآن ~~فإن روحي تأمرني بالوقوف لأواجهك سواء قتلتني أم قتلتك لنستدع ~~الآلهة ليكونوا خير شهود وحراس، ولنتعاهد: ألا أمثل بجسمك أو ~~أفعل بك ما يشين، لو منحني زوس القوة لأبقى بعدك، وأسلبك حياتك، ~~وإنما أرد جسدك الفاني إلى الآخيين بعد أن أنزع عنك حلتك الحربية، ~~يا أخيل، وكذلك تفعل أنت الآخر!» # عندئذ قطب أخيل - السريع القدمين - حاجبيه غاضبا وقال: «أي ~~هكتور، لا تحدثني أيها الأحمق عن المواثيق، فكما لا توجد عهود ~~إخلاص بين الأسود والبشر، وكما لا يوجد سلام بين الذئاب والحملان، ~~وإنما يكن كل منهما الشر للآخر، هكذا أيضا يستحيل أن نكون - ~~أنا وأنت - صديقين، ولن نرتبط بعهود حتى يسقط أحدنا، ويشبع بدمه ~~نهم أريس، ذلك المحارب القوي ذو الترس المصنوع من جلد الحيوان. ~~فكر مليا في كل لون من الشجاعة، فقد ms459 بات عليك أن تبرهن على أنك ~~رماح ومحارب جسور. وليس أمامك بعد الآن مجال للهرب، بل ستجند لك - ~~في الحال - بالاس أثينا برمحي. عليك الآن أن تدفع الثمن كاملا، ~~ثمن أحزاني على أصدقائي الذين قتلتهم وأنت هائج برمحك!» # قال هذا، ووزن رمحه البعيد الظل، ورماه. غير أن هكتور المجيد، ~~تتبعه بنظرة فتحاشاه، فمرق الرمح البرونزي من فوقه، وانغرس في ~~الأرض، ولكن بالاس أثينا رفعته وأعطته ثانية لأخيل، دون أن يراها ~~هكتور، راعي الجيش. وتحدث هكتور إلى ابن بيليوس - أوحد زمانه - ~~قائلا: «لقد أخطأتني، ويبدو لي، يا أخيل - الشبيه بالآلهة - أنك ~~لم تعرف مصيري من زوس حتى الآن، ولا فكرت فيه. فما أنت إلا ثرثار ~~ومكار خبيث، تريد أن تخوفني منك حتى أنسى قوتي وشجاعتي. كلا لن أفر ~~منك فتغرس رمحك في ظهري، بل عليك أن تغرسه في صدري وأنا أهجم عليك، ~~إذا منحك ذلك إله ما. والآن تجنب - بدورك - رمحي البرونزي، وليتك ~~تتلقاه كله في جسمك! فبموتك تصبح الحرب أخف وطأة على الطرواديين إذ ~~إنك أكبر مجلبة لهلاكهم.» # قال هذا، ووزن رمحه البعيد الظل وقذفه، فاصطدم بترس ابن بيليوس، ~~دون أن يخطئه، ولكن الرمح ارتد بعيدا عن الترس. واغتاظ هكتور من ~~انطلاق الرمح السريع من يده عبثا، فوقف حائرا؛ إذ لم يكن معه رمح ~~درداري آخر، ثم صاح عاليا، ينادي دايفوبوس ذا الترس الأبيض، ويطلب ~~منه رمحا طويلا، ولكن هذا لم يكن قريبا منه! وعرف هكتور كل شيء ~~في قرارة نفسه. فقال: «سحقا، لقد نادتني الآلهة حقا إلى حتفي، ~~إذ ظننت المحارب دايفوبوس بقربي، ولكنه - للأسف - خلف السور، وقد ~~خدعتني أثينا. لا شك أن الموت الشرير قريب مني، ولم يعد بعيدا، ~~فلا مفر منه. هكذا أعتقد أن هذه - من قديم الزمان - مسرة زوس وابنه ~~القواس - الذي يضرب من بعيد - وأولئك الذين ساعدوني من قبل بنفوس ~~راضية. الآن قد حل حتفي، ولكنني لن أموت بغير صراع، ولا مجد، ولا ~~دون نضال جليل تتناقله الأجيال القادمة.» # وما إن قال هذا، حتى استل ms460 سيفه البتار، الذي كان معلقا إلى ~~جنبه. سيفا قويا عظيما. وبعد أن استجمع قواه، انقض كالصقر ~~العالي التحليق؛ إذ يهبط خلال السحب القائمة إلى السهل ليقبض على ~~حمل غض، أو أرنب برية قابعة، هكذا أيضا انقض هكتور، شاهرا سيفه ~~الحاد، فهجم عليه أخيل، بقلب يفيض حنقا وشراسة، واضعا أمام صدره ~~ترسه الجميل الفاخر الترصيع. ورمى بخوذته ذات القرون الأربعة، ~~فتموجت حولها الرياش الذهبية التي وضعها هيفايستوس، بغزارة حول ~~الخصلة. وكما يتقدم - وسط الكواكب في ظلمة الليل - نجم المساء، ~~المشرق في كبد السماء، كأجمل النجوم طرا، كذلك أومض بريق الرمح ~~القاطع، الذي وزنه أخيل في يمناه وهو يضمر الشر لهكتور العظيم، ~~ويمعن النظر إلى لحمه الجميل، ليبحث عن أكثر المواضع عريا فيسدد ~~إليه ضربته. كان كل جسمه مغطى بالحلة الحربية البرونزية، تلك ~~الحلة الحربية العظيمة التي استولى عليها عندما قتل باتروكلوس ~~العتيد. غير أنه كانت هناك فتحة، حيث تفصل عظمة الترقوة بين العنق ~~والكتفين، موضع البلعوم، الذي يتسرب الموت منه إلى الجسم بأقصى ~~سرعة. هناك غيب أخيل العظيم رمحه، وهو يهجم عليه. فنفذ طرف الرمح ~~خلال العنق الرقيق، ولكن الرمح الدرداري الثقيل لم يخترق القصبة ~~الهوائية، فاستطاع هكتور الرد على عدوه، قبل أن يتردى في الثرى. إذ ~~تهلل فوقه أخيل العظيم قائلا: «أي هكتور، أظنك حسبت - وأنت تقتل ~~باتروكلوس - أنك ستكون بمأمن. ولم تفكر في، أيها الأحمق، إذ كنت ~~بعيدا عنه، ولكن ثمة منتقما، بالغ البأس، كان قد تخلف عند السفن ~~الجوفاء، ذلك هو أنا، الذي أرخيت ساقيك. ولسوف تمزقك الكلاب ~~والطيور بصورة بشعة. أما هو فسيدفنه الآخيون!» # عندئذ تحدث إليه هكتور ذو الخوذة البراقة، وقد خارت قواه: ~~«أتوسل إليك بحياتك وساقيك ووالديك، ألا تجعل الكلاب تنهشني ~~بجانب سفن الآخيين. خذ هدايا البرونز والذهب التي سيعطيكها أبي ~~وأمي الجليلة، لقاء أن ترد جسدي ثانية إلى وطني، حتى يعطيني ~~الطرواديون وزوجاتهم جزائي المناسب من النار في موتي.» فنظر إليه ~~أخيل السريع القدمين نظرة حقد - من تحت حاجبيه - وقال: «لا تتوسل ~~إلي أيها ms461 الكلب، بالساقين والوالدين. ليت الغضب والثورة يسولان ~~لي أن أقطع لحمك وآكله نيئا، جزاء ما اقترفت يداك. لن يوجد من بين ~~الأحياء من يمكنه أن يدفع الكلاب عن رأسك، كلا، ولو افتدوك بعشرة ~~أضعاف، أو عشرين ضعفا، ووعدوا بالمزيد، كلا، ولو طلب بريام بن ~~داردانوس، أن يدفع قدر وزنك ذهبا، فلن تسجيك أمك الجليلة على سرير ~~وتبكيك، أنت ابنها الذي أنجبته بنفسها، وإنما ستنهشك الكلاب ~~والطيور عن آخرك!» # فتحدث إليه هكتور - ذو الخوذة البراقة - وهو يسلم الروح ~~قائلا: «حقا أنني لم أعرفك جيدا، وإلا لتنبأت بما سيكون. ما ~~كان لي أن أحمل عليك، فما القلب في صدرك إلا من الحديد. فكر الآن ~~مليا، خشية أن أجلب عليك نقمة غضب الآلهة، يوم يقتلك باريس ~~وأبولو - عند الأبواب السكايية - رغم كل شجاعتك.» # وبينما كان يقول هذا، غشيته نهاية الموت، وأسرعت روحه بالخروج من ~~أطرافه، ورحلت إلى هاديس تبكي حظها، تاركة الرجولة والشباب. وفي ~~موته خاطبه أخيل العظيم قائلا: «ارقد ميتا، أما حتفي فسوف أرضى ~~به، عندما ينتوي زوس وغيره من الآلهة الخالدين أن ينفذوه.» # قال هذا، وجذب من الجثة رمحه البرونزي، فألقى به جانبا، وشرع ~~يجرد الكتفين من الحلة الحربية الملطخة بالدماء. وهرع أبناء ~~الآخيين الآخرون حوله، يتطلعون إلى حجم هكتور وجماله الرائع. ولم ~~يقترب منه إلا وأحدث به جرحا. وهكذا كان الواحد يقول، وهو ينظر ~~إلى جاره: «انظر يا هذا، إن هكتور أيسر شيئا الآن، مما كان حين ~~أحرق السفن بالنار المستعرة.» هكذا كان المرء منهم يقول، وهو يقترب ~~من الجثة ويحدث بها جرحا. وما إن فرغ أخيل العظيم - السريع ~~القدمين - من سلبه، حتى انتصب واقفا بين الآخيين يخاطبهم بكلمات ~~مجنحة قائلا: «أي أصدقائي، قادة وحكام الأرجوسيين، الآن وقد ~~منحتنا الآلهة أن نقتل هذا الرجل، الذي ألحق بنا من الشر أكثر مما ~~أحدثه بقية الجيش كله، هلموا بنا إلى محاولة بالأسلحة حول المدينة ~~لنستطلع الأغراض التي ينتويها الطرواديون؛ هل سيتركون المدينة ~~الشامخة، بعد أن سقط هذا الرجل، أو أنهم يزعمون الصمود، ms462 بالرغم من ~~أن هكتور لم يعد له وجود، ولكن لماذا يحدثني قلبي هكذا؟ إن بجانب ~~السفن ميتا، لم يبكه أحد، ولم يدفن بعد، ألا وهو باتروكلوس، الذي ~~لن أنساه ما حييت، وما ظلت ساقاي سريعتين. كلا، ولو نسي الموتى - ~~في بيت هاديس - موتاهم، فلسوف أظل أذكر صديقي العزيز، حتى هناك! ~~هيا بنا، نرتل أنشودة الظفر، عائدين إلى السفن الجوفاء، ولنأخذ ~~معنا عدونا، لقد كسبنا لأنفسنا مجدا عظيما، بقتل هكتور المجيد، ~~الذي كان الطرواديون يصلون له في جميع أنحاء مدينتهم، كما لو كانوا ~~يصلون إلى إله!» # قال هذا، وابتكر معاملة مزرية لهكتور العظيم، فشق طنب كلتا ~~قدميه من الخلف - من العقب إلى مفصل الكعب - وربط فيها سيورا من ~~جلود الثيران، ووصلها بعربته، تاركا الرأس متدليا على الأرض. ثم ~~صعد إلى عربته، ووضع فيها الحلة الحربية المجيدة، ولمس الجوادين ~~بالسوط، إيذانا ببدء المسير - لم يقف في طريق الجوادين شيء، وقد ~~انطلقا يعدوان قدما. فثار الغبار حول هكتور والعربة تجره فوق ~~الثرى، وقد تناثر شعره القاتم حوله من كل جانب، وتمرغ رأسه الجميل ~~في التراب والأقذار، إذ سلمه زوس إلى أعدائه، ليهينوا وطنه في ~~شخصه. # أحزان طروادة! # هكذا تلوث رأسه بالثرى، فمزقت أمه شعرها، وقذفت بخمارها ~~البراق، وأطلقت صيحة بالغة الشدة، إذ أبصرت ابنها على تلك الحال. ~~وأخذ أبوه يئن حزينا، ومن حولهما انخرط القوم في البكاء ~~والأنين، في جميع أنحاء المدينة، كما لو كانت طروادة بأسرها تحترق ~~بالنار. وهرع القوم إلى الشيخ بريام يمنعونه وهو يحاول ثائرا أن ~~يخرج من الأبواب الدردانية. وتوسل إلى الجميع، وهو يحبو وسط ~~الأقذار، وينادي كل رجل باسمه، ويقول: «يا أصدقائي، أمسكوني، ولا ~~تدعوني أخرج من المدينة بمفردي. وأسرعوا إلى سفن الآخيين، حتى ~~أتوسل إلى ذلك الرجل العديم الرحمة - ذلك المؤذي - عسى أن يخجل ~~أمام أقرانه، ويشفق على شيخوختي. فإن له أبا مثلي، وهو بيليوس ~~الذي أنجبه ورباه ليكون مصدر هلاك للطرواديين، ولكنه آثرني دون ~~جميع الآخرين بأكبر قسط من الخراب؛ إذ قتل عددا من أبنائي في ms463 ~~ريعان شبابهم، فلم أبك أحدهم بكثرة كما بكيت هذا الابن - هكتور - ~~الذي سوف ينزلني الحزن الممض عليه إلى بيت هاديس! ليته مات بين ~~ساعدي، إذن لبكيت أنا وأمه التي أنجبته، ما شاء لنا أن ~~نبكي!» # قال هذا وهو ينتحب، فبكى معه الآخرون. وقامت «هيكابي» بين نساء ~~طروادة، ترأس العويل المفجع قائلة: «أي بني، وا فجعتاه! كيف أحيا ~~في هذا العذاب الأليم، بعد موتك؟ يا من كنت أفخر بك ليل نهار في ~~المدينة، وكنت ذخرا لجميع أهل طروادة جميعا - رجالا ونساء - ~~فكانوا يحيونك دائما كإله؛ إذ كنت لهم مجدا بالغ العظمة أثناء ~~حياتك، أما الآن فقد أصابك الموت والقدر!» # قالت هذا وهي تبكي، في حين أن زوجة هكتور لم تعلم شيئا مما جرى؛ ~~لأنه ما من رسول صادق ذهب ليخبرها بأن زوجها بقي خارج ~~الأبواب. # وكانت تنسج قماشا في أقصى موضع من البيت الشامخ، نسيجا ~~أرجوانيا من طبقتين، طرزت عليه أزهارا مختلفة الألوان. ونادت ~~خادماتها الجميلات الغدائر، ليضعن فوق النار ركيزة ضخمة، كي تعد ~~حماما ساخنا لهكتور متى عاد من المعركة. ولم تكن لتتصور أن أخيل ~~وأثينا قد قتلاه. غير أنها سمعت الصراخ والأنين عبر الحائط، فارتخت ~~أطرافها، وسقط المغزل من يدها إلى الأرض. فعادت تقول لخادماتها ~~الجميلات الجدائل: «لتأت منكن اثنتان وتتبعاني، لأرى ماذا تم من ~~أمور. فقد سمعت صوت زوج أمي المبجلة، فخفق قلبي في صدري نذيرا ~~بنكبتي، وإن ساقي لتخزاني. حقا أن ثمة شرا قريبا جدا من ~~أبناء بريام. لتكن الكلمة بعيدة عن أذني، فشد ما أخشى أن يكون أخيل ~~المجيد قد عزل هكتور الشجاع وحده عن المدينة، وساقه إلى السهل، ~~فجعله يكف الآن عن الشجاعة المخربة التي كانت تتملكه؛ إذ إنه لم ~~يكن يبقى بين جموع الرجال، وإنما كان يهجم دائما إلى الأمام ~~بعيدا، غير مستسلم لأحد في قوته!» # وما إن قالت هذا، حتى هرعت كالمخبولة عبر القاعة بقلب خافق، ~~فتبعتها خادمتاها. حتى إذا بلغن السور وحشد الرجال، توقفت وأطلت ~~من فوق السور، فأبصرته والعربة تجره أمام ms464 المدينة. وكان الجوادان ~~السريعان يجرانه - بلا رحمة - ضعف سفن الآخيين الجوفاء. فهبطت على ~~عينيها ظلمة الليل وطوقتها، فسقطت مغشيا عليها إلى الخلف وهي ~~تشهق، ودفعت عن رأسها غطاءه البراق، عصابة الجبين والقلنسوة، ~~والمنديل والشريط المطرز، والخمار الذي أهدتها إياه أفروديت ~~الذهبية يوم زفافها إلى هكتور - ذي الخوذة المتألقة - تاركة منزل ~~أبيها أيتيون، بعد أن جهزها بهدايا عرس لا عداد لها. فاجتمعت حولها ~~شقيقات زوجها وزوجات إخوته وحملنها بينهن، وكأنما استولت عليها ~~غشية الموت. فلما أفاقت، وعادت روحها إلى صدرها، رفعت صوتها ~~بالعويل، وتكلمت وسط نساء طروادة قائلة: «أي هكتور، وا فجيعتاه! ~~أعتقد أن كلا منا قد ولد لمصير واحد، أنت في طروادة - في بيت ~~بريام - وأنا في طيبة، أسفل بلاكوس ذات الأحراش، في بيت أيتيون، ~~الذي رباني منذ طفولتي. إنه أب منحوس لطفلة منكودة الحظ، ليت أبي ~~لم ينجبني قط! ها أنت ذا ترحل إلى منزل هاديس - تحت أعماق الأرض - ~~وتتركني في غم مرير، أرملة في ساحاتك، وما زال ولدي مجرد طفل - ~~ابنا لوالدين تعيسين، أنا وأنت! - ولن تكون ذا نفع له يا هكتور، ~~بعد أن مت، ولا هو بنافع لك. فرغم نجاته من حرب الآخيين المؤلمة، ~~إلا أن نصيبه سيكون الشقاء والحزن فيما بعد، إذ سيسلبه الآخرون ~~أراضيه. إن يوم اليتم يقطع الطفل عن أصدقاء شبابه، ويجعله دائما ~~مطأطئ الرأس، مبلل الخدين بالدموع. وإذا ما احتاج التجأ إلى أصدقاء ~~أبيه، يجذب هذا من معطفه، وذاك من عباءته، فإذا ما تحركت الشفقة في ~~نفس أحدهم نحوه، رفع كأسه مكتفيا بأن يرطب شفتيه، دون أن يبلل ~~حلقه! وقد يطرده طفل لم يتيتم من الوليمة بصفعة من يده، ويعيره ~~قائلا: «اغرب عن وجهي! فلا أب لك يجلس معنا في مأدبتنا!» وعندئذ ~~يعود ثانية إلى أمه الأرملة دامع العين، بالاستواناكس الذي كان ~~فيما مضى لا يأكل فوق ركبتي أبيه غير النخاع ودهن الضأن الفاخر، ~~فإذا غلبه النعاس، وكف عن لعب طفولته، نام بين ساعدي مربيته في ~~فراشه الوثير، وقد شبع من أطايب الأشياء. ms465 أما الآن، فكم من محن ~~سيقاسيها، إذ فقد أباه! بالاستواناكس، الذي أطلق عليه الطرواديون ~~هذا الاسم لأنك وحدك - يا هكتور - قد أنقذت أسوارهم الشامخة. أما ~~الآن فستنهشك الديدان الجائعة بجانب السفن المدببة، بعيدا عن ~~والديك، بعد أن تنال منك الكلاب كفايتها، جثة عارية. وتبقى في قصرك ~~ثيابك الجميلة النسج، التي أبدعت صنعها أيدي السيدات، ولكني سأحرق ~~جميع هذه بالنار المتأججة، النار التي لن تكون نافعة لك، لأنك لن ~~تحترق فيها، ولكنها ستكون تمجيدا لك من رجال ونساء ~~طروادة.» # هكذا كانت تبكي، فشاركتها النساء نحيبها. # | الأنشودة الثالثة والعشرون # «... وكان أخيل السريع القدمين ممسكا - طيلة الليل - بكأس ذهبية ~~ذات مقبضين، يغترف بها الخمر من طاس من الذهب ويسكبها فوق الأرض ~~حتى بللها، وهو ينادي روح باتروكلوس المسكين ...» # كيف شيعت جنازة باتروكلوس؟ وطقوس الجنازة. # أحزان أخيل! # هكذا راح القوم ينتحبون في سائر أنحاء المدينة. أما الآخيون، فما ~~إن بلغوا السفن والهيليسبونت، حتى تفرقوا كل رجل إلى سفينته، ولكن ~~أخيل لم يأمر المورميدون بالتفرق، بل تكلم وسط رفاقه هؤلاء - ~~المحبين للقتال - قائلا: «أيها المورميدون ذوو الجياد السريعة، يا ~~أصدقائي المخلصين، لا تسرحوا الجياد القوية الحوافر من عرباتها، بل ~~لنقترب بالجياد والعربات لنبكي باتركلوس؛ فهذا واجب الموتى. وبعد ~~أن ننتهي من البكاء المبرح، نرفع النير عن جيادنا ونتناول العشاء ~~هنا سويا.» # وما إن قال هذا، حتى رفعوا أصواتهم بالعويل جميعا، في آن واحد، ~~وأخيل في مقدمتهم. وداروا بالجياد الجميلة الأعراف ثلاث مرات حول ~~الجثة وهم يبكون. وأثارت ثيتيس رغبتهم في العويل. فابتلت الرمال ~~وحلل المقاتلين الحربية بالدموع؛ إذ كان السيد الذي حزنوا من أجله ~~عظيما مرهوبا. وفي وسطهم وقف ابن بيليوس يتزعمهم في النحيب ~~الشديد، واضعا يديه - قاتلتي الرجال - فوق صدر صديقه، وهو يقول: ~~«وداعا يا باتروكلوس، إلى بيت هاديس! إنني لأحقق الآن جميع ما سبق ~~أن وعدتك به، فها أنا ذا أسحب هكتور إلى هنا، وأقدمه نيئا للكلاب ~~لتنهشه، وأقطع رقاب اثني عشر فتى من الطرواديين أمام كومة حطبك، ~~انتقاما لمقتلك.» # قال هذا، ودبر ms466 معاملة مزرية لهكتور العظيم، فسجاه منكفئا. فوق ~~الثرى، أمام منصة ابن مينوينيوس. ثم خلع كل رجل منهم عدته ~~البرونزية البراقة، وسرحوا جيادهم العالية الصهيل. ثم جلسوا بجانب ~~سفينة ابن أياكوس السريع القدمين، جيشا لا حصر له، وأقام لهم ابن ~~أياس وليمة جنائزية، ليشبع نهم قلوبهم. فذبح ثيرانا كثيرة غضة، ~~كانت تخور أمام السكين، وخرافا كثيرة وماعزا تثغو، وخنازير بيضاء ~~الأنياب، كثيرة الدهن، قدمت كلها لتشوى فوق لهيب نار هيفايستوس، ~~فسال الدم دافقا في كل جهة حول الجثة. # أما الأمير ابن بيليوس السريع القدمين، فقد قاده إلى أجاممنون ~~العظيم. زعماء الآخيين الذين عانوا الكثير كي يحملوه على ذلك، إذ ~~كان حزن قلبه على صديقه شديدا. فلما بلغوا كوخ أجاممنون، أمروا ~~المنادين الجهوري الأصوات بأن يضعوا على النار قدرا ضخمة، حتى ~~يزيل ابن بيليوس عنه الدم المتجمد، ولكنه رفض طلبهم رفضا باتا، ~~وأقسم على ذلك بقوله: «كلا، بحق زوس، أعظم الآلهة وأفضلها. لن تقرب ~~الماء رأسي، حتى أضع باتروكلوس فوق النار، وأنشئ له رابية، وأحلق ~~شعري أيضا؛ إذ لن ينقذ قلبي - ما حييت - حزن كهذا. ومع كل، فهلم ~~الآن إلى الوليمة التي لا يجب أن تعافها نفوسنا، وفي الصباح أيقظ ~~القوم يا أجاممنون - يا ملك البشر - ليجمعوا الحطب، ويجهزوا كل ما ~~يجب أن يعد للميت حين يذهب إلى أسفل، في الظلمة الظلماء، حتى تحرقه ~~النار المتأججة بسرعة وتحجبه عن الأنظار، وعندئذ ينصرف الجيش إلى ~~أعماله!» # هكذا تكلم، فأطاعوا قوله بنفس راضية. وأسرع كل رجل يعد طعامه، ~~وتناولوا عشاءهم، وأكلوا كفايتهم من الوليمة العادلة. وبعد أن ~~انتهوا من الطعام والشراب، ذهب كل رجل إلى كوخه ليستريح، ورقد ابن ~~بيليوس فوق شاطئ البحر العالي الصخب، يئن أنينا شديدا وسط جيش ~~المورميدون، في مكان مكشوف، حيث كانت الأمواج ترتطم بالساحل. فلما ~~استولى عليه النعاس، أراحه من هموم قلبه، فغاب في لذات النوم - ~~التي أطاحت به من كل جانب - إذ كانت أطرافه المجيدة في غاية التعب ~~من الجري وراء هكتور إلى طروادة ذات الرياح. عندئذ وافته ms467 روح ~~باتروكلوس التعيس، تشبه شكله في الحياة تمام الشبه، في كل شيء؛ في ~~القوام وجمال العينين والصوت. وكانت متدثرة - كذلك - بنفس الثوب. ~~فوقفت فوق رأس أخيل، وتحدثت إليه قائلة: «أي أخيل، إنك لتنام وقد ~~نسيتني، إنك لم تكن تنساني في حياتي، أما الآن فتنساني في موتي! ~~أسرع بدفني، كي أمضي خلال أبواب هاديس. فإن الأرواح تقصيني بعيدا ~~عنها، أشباح البشر الهالكين، فلا تجشمني الاختلاط بهم وراء النهر. ~~ولا تتركني أحوم عبثا عند أبواب هاديس الفسيحة. أتوسل إليك في ~~إلحاح أن تمد إلي يدك؛ لأنني لن أعود ثانية بعد الآن من هاديس، ~~بمجرد أن تقدم لي حقي من النار، لن نجلس معا بعد الآن، منعزلين عن ~~أصدقائنا الأعزاء، لنتشاور سويا، فقد فتح لي القدر الممقوت بطنه. ~~القدر الذي كتب لي منذ ميلادي. وأنت نفسك، يا أخيل الشبيه ~~بالآلهة، مكتوب لك أن تموت تحت أسوار الطرواديين الأثرياء. وسأخبرك ~~بشيء آخر، أطالبك بأن تعيه. لا تضع عظامي بعيدا عن عظامك، يا ~~أخيل، بل ضعها كلها معا، كما نشأنا معا في بيتك، عندما أحضرني ~~مينويتيوس صبيا صغيرا، من أوبويس إلى بلدك، من جراء اغتيال ~~مفجع، يوم أن قتلت ابن أمفيداموس على غير قصد، في حنق صبياني بشأن ~~لعبة زهر النرد. فاستقبلني الفارس بيليوس في بيته واعتنى بتربيتي ~~وجعلني خادمه، هكذا أيضا دع تابوتا واحدا يضم عظامنا، التابوت ~~الذهبي ذو المقبضين الذي أعطتك إياه أمك الجليلة.» # فرد عليها أخيل السريع القدمين بقوله: «لماذا تأتي إلى هنا، أيها ~~الرأس الحبيب، وتصدر إلي تعليمات في كل شيء؟ سأحقق لك كل ما ~~تريد، وأطيع سائر ما تأمر به، ولكني أرجوك أن تقترب أكثر - ولو ~~لفترة وجيزة - ليعانق كل منا الآخر، ونأخذ كفايتنا من البكاء ~~المرير!» # وما إن قال هذا، حتى مد يديه، ولكنه لم يمسكه، إذ كانت الروح قد ~~ذهبت تحت الأرض كأنها بخار، وهي تتمتم بصوت خافت. ولما شمل العجب ~~أخيل، نهض يضرب كفيه، ويقول باكيا: «ما هذا! إذن فالمرء يظل على ~~قيد الوجود، في بيت هاديس، ms468 روحا - أو بالأحرى شبحا - وإن فارقته ~~القوة. فلقد كانت روح باتروكلوس التعيس ماثلة أمامي طوال الليل، ~~تبكي وتنتحب وقد أصدرت إلي تعليماتها عن كل شيء، وكانت تشبهه ~~بدرجة عجيبة!» # هكذا قال، فأهاج فيهم الرغبة إلى النحيب. # جنازة باتروكلوس! # وأطل الفجر الوردي الأنامل فوقهم، وهم لا يزالون يبكون حول الجسد ~~المسكين. فأمر الملك أجاممنون بأن تخرج البغال والرجال من المعسكر ~~بأسره، لتحضر الأحطاب، وأشرف على ذلك ميريونيس الجسور، خادم ~~أيدومينيوس الرحيم. فانطلقوا لتوهم يحملون الفئوس والحبال المتينة ~~في أيديهم، ليحتطبوا. وسارت البغال أمام الرجال بعضها صاعد، وبعضها ~~هابط، وبعضها يسعى إلى الجانبين، أو في اتجاه منحرف. فلما بلغوا ~~ممرات أيدا الزاخرة بالنافورات أسرعوا في الحال إلى قطع أشجار ~~البلوط الباسقة، بالبرونز الطويل النصل. وراحت الأشجار تتساقط في ~~ضجيج. ثم شق الآخيون الجذوع نصفين. وربطوها وراء البغال، فهدت هذه ~~الأرض بأقدامها وهي تسرع نحو السهل خلال الأدغال الكثيفة. وحمل ~~الحطابون الكتل الخشبية، كما أمرهم ميريونيس - خادم أيدومينيوس ~~الرحيم - وألقوها فوق الشاطئ، رجلا بعد رجل، حيث اعتزم أخيل أن ~~يقيم رابية عظيمة لباتروكلوس ولنفسه. وبعد أن فرغوا من إلقاء ~~الحطب الكثير في جميع الجهات، جلسوا هناك جميعا، وانتظروا في حشد ~~واحد. وفي الحال أمر أخيل المورميدون المحبين للقتال، أن يلبسوا ~~البرونز، ويشد كل واحد منهم جياده إلى نير عربته، فنهضوا وارتدوا ~~حللهم الحربية وركبوا عرباتهم، محاربين وسائقي عربات. وانطلق ~~الرجال بالعربات في المقدمة، تتبعهم سحابة من المشاة، جيش يفوق ~~الحصر، وكان أصدقاء باتروكلوس في الوسط يحملونه، وقد غطوا الجسد ~~كله بشعورهم التي قصوها ونثروها فوقه حتى صارت كالثوب. وسار أخيل ~~العظيم وراءهم ممسكا برأس صديقه، حزينا؛ إذ لم يكن هناك مثيل ~~لهذا الصديق الذي كان يسرع به إلى بيت هاديس. # فلما وصلوا إلى المكان الذي حدده أخيل من قبل، أنزلوا الجثة، ~~وكوموا مقدارا ضخما من الحطب بسرعة، وعندئذ غير أخيل العظيم ~~السريع القدمين رأيه، فوقف بعيدا عن كومة الحطب، وقطع خصلة من ~~شعره الذهبي، أعز خصلة كانت برأسه، وكان قد أنماها من أجل ms469 النهر ~~سبيرخيوس. وإذ كان شديد التأثر، نظر إلى البحر القاتم كالخمر وقال: ~~«أي سبيرخيوس، بغير هذا وعدك أبي بيليوس، وعدك بأن أقص لك شعري - ~~عندما أصل إلى بيتي في وطني العزيز - وأقدم ذبيحة مقدسة من مائة ~~ثور، وفي البقعة التي تقوم فيها أراضيك ومذبحك المعطر، أضحي في ~~مياهك بخمسين كبشا، وبغالا فتية، هذا ما تعهد به ذلك الشيخ، ~~ولكنك لم تحقق له رغبته، وما دمت لن أذهب إلى بيتي في وطني العزيز، ~~فإني أرغب في منح المحارب باتروكلوس هذه الخصلة من الشعر لتمضي ~~معه!» # وإذ قال هذا، وضع الخصلة في يد صديقه الحميم، فانخرط الجميع في ~~البكاء. وكاد ضوء الشمس أن يغيب، وهم يبكون، فاقترب أخيل من ~~أجاممنون وقال له: «يا ابن أتريوس، لا يطيع جيش الآخيين أمر أي رجل ~~كما يطيع أمرك. وها قد نالوا كفايتهم من البكاء، فاصرفهم الآن عن ~~كومة الحطب، ومرهم بأن يعدوا طعامهم، بينما نهتم نحن - أكثر ~~المقربين إلى الميت، وأعزهم لديه - بما يجب له، وليبق الرؤساء ~~معنا كذلك!» # فلما سمع أجاممنون - ملك البشر - هذا الكلام، صرف القوم في الحال ~~إلى السفن البديعة. أما أقرب المقربين والأعزاء للميت، فمكثوا ~~هناك، وكوموا الحطب، وأقاموا أكمة تمتد مسافة مائة قدم في هذا ~~الاتجاه وذاك، ثم وضعوا الرجل الميت أعلاها، وقلوبهم مفعمة بالأسى. ~~وذبحوا الكثير من الكباش الكبيرة، والأبقار العديدة السمينة، ذات ~~المشية المتثاقلة وسلخوها وأعدوها أمام كومة الحطب. وجمع أخيل ~~العظيم دهنها، فغطى به الميت ~~- من الرأس إلى القدم - وكدس حوله الحيوانات المذبوحة. ثم وضع فوق ~~الجميع جرتين بمقبضين. مملوءتين بالعسل والزيت، وأسندهما فوق ~~المحفة، وألقى بسرعة فوق كومة الحطب أربعة جياد ذات أعناق مقوسة ~~إلى الخلف، وهي تزمجر وتهل عاليا. وكان للأمير تسعة كلاب، تتغذى ~~بفضلات مائدته، فقطع أخيل عنقي اثنين منها، ورماهما فوق كومة ~~الحطب. وقتل بالبرونز اثني عشر فتى من الطرواديين البواسل؛ إذ كان ~~قد أضمر الشر لهم في قرارة نفسه. ثم أشعل نارا جبارة عاتية، ~~لتتغذى على كل هؤلاء، وأرسل أنينه عاليا، ونادى ms470 صديقه العزيز ~~باسمه قائلا: «يا باتروكلوس، إنني الآن أنفذ كل شيء سبق أن وعدتك ~~به، رغم أنك في بيت هاديس، اثنا عشر فتى مغوارا من الطرواديين ~~الصناديد، هؤلاء جميعا تلتهمهم وإياك النيران. أما هكتور بن ~~بريام، فلن يكون طعمة للنار، وإنما للكلاب!» # هكذا قال متوعدا. غير أنه لم يقدر للكلاب أن تمس هكتور، إذ إن ~~أفروديت ابنة زوس، منعت الكلاب نهارا وليلا، وكانت تدهنه بزيت من ~~رحيق الأزهار، أمبروسي، كي لا يمزقه أخيل وهو يجره، وأنزل أبولو ~~سحابة قاتمة فوقه - من السماء إلى السهل - خيمت على المكان كله، ~~فوق الميت، خشية أن تغضن قوة الشمس - قبل الأوان - لحمه المحيط ~~بطنبه وأطرافه! # بيد أن كومة حطب باتروكلوس لم تشتعل. ففكر أخيل السريع القدمين ~~تفكيرا آخر، ووقف بعيدا عن كومة الحطب، وصلى للريحين الشمالية ~~والغربية، ووعد بتقدمات جميلة. وبينما هو يصب السكائب متحمسا، من ~~كأس ذهبية، توسل إليهما أن تحضرا لتشتعل الجثث بسرعة بالنار، ~~وليشتعل الحطب. وفي الحال سمعت أيريس صلاته، وعجلت بالرسالة إلى ~~الريحين - وكانتا في بيت الريح الغربية الهوجاء تتناولان الطعام ~~على مائدتها - فوقفت أيريس على العتبة الصخرية. وما إن أبصرتها ~~عيونهما، حتى هبتا واقفتين تدعوانها إليهما، ولكنها رفضت الجلوس، ~~وخاطبتهما بقولها: لا أستطيع الجلوس، لأن علي أن أعود إلى مجاري ~~أوقيانوس المائية، إلى أرض الأثيوبيين، حيث يقدمون ذبيحة للخالدين ~~من مائة ثور، لأشترك في الوليمة المقدسة. إن أخيل يتوسل إلى الريح ~~الشمالية والريح الغربية المزعجة أن تذهبا إليه، ويعدهما بتقدمات ~~بالغة، لتجعلا النار تستعر في كومة الحطب الذي يرقد فوقها ~~باتروكلوس، الذي ينتحب من أجله الآخيون عاليا.» # وما إن أفضت بهذه الكلمات، حتى انصرفت. فنهضت الريحان بقصف مدو، ~~تدفعان السحب أمامهما في صخب. وسرعان ما وصلتا إلى البحر لتهبا ~~فوقه. فهاجمت الأمواج تحت هبوبهما الشديد. وبلغتا أرض طروادة ~~العميقة التربة، وانقضتا على كومة الحطب، فزمجرت النار وهي تتأجج ~~بعنف عجيب. وبقيتا كذلك طوال الليل تهبان بقوة واحدة على نار ~~كومة الحطب. وكان أخيل السريع القدمين ممسكا - طيلة الليل كذلك ms471 - ~~بكأس ذهبية ذات مقبضين، يغترف بها الخمر من طاس من الذهب، ويسكبها ~~فوق الأرض حتى بللها، وهو ينادي روح باتروكلوس المسكين. وكما يبكي ~~أب وهو يحرق عظام ابن حديث الزواج، جلب موته فجيعة والديه ~~البائسين، هكذا أيضا بكى أخيل صديقه وهو يحرق عظامه، ويدور حول ~~كومة الحطب بأنين لا ينقطع. # ولما أشرق نجم الصباح، مبشرا بالضوء وجه الأرض - النجم الذي ~~يتبعه الفجر الزعفراني الثوب - زاحفا فوق سطح البحر - خمدت ~~النيران ومات لهيبها. فقفلت الريحان عائدتين إلى دارهما فوق البحر ~~التراقي، الذي دمدم بصخب بالغ. عندئذ انسحب ابن بيليوس بعيدا عن ~~الكومة المشتعلة، ورقد منهوك القوى، فانقض عليه النوم اللذيذ. أما ~~من كانوا مع ابن أثريوس فقد اجتمعوا معا، فأيقظت جلبتهم وصخبهم ~~أخيل، فهب من نومه وجلس وتحدث إليهم قائلا: «يا ابن أثريوس، ويا ~~أمراء جيوش آخيا، أطفئوا، أولا، الكومة المستعرة وكل ما وصلت إليه ~~النيران، بالخمر. ثم لنجمع عظام باتروكلوس بن مينويتيوس، بعد أن ~~نعزلها عن العظام الأخرى، ومن السهل تمييزها، لأنه كان يرقد فوق ~~كومة الحطب، بينما احترق الآخرون - من رجال وجياد - على حافتها. ~~ولنضع تلك العظام في قارورة نلفها بطبقتين من الدهن، إلى أن يحين ~~الوقت الذي أرحل فيه - أنا الآخر - إلى هاديس. ومع كل، فلن أكلفكم ~~أن تقيموا لي سوى أكمة تليق بي فحسب، ثم لكم أيها الآخيون أن ~~تزيدوها اتساعا فيما بعد وليتول ذلك من يبقون بعدي وسط السفن ~~ذات المقاعد.» # موكب العربات تكريما للميت! # هكذا قال ابن بيليوس السريع القدمين، فأطاعه الجميع، وبدءوا ~~يخمدون كومة الحطب بالخمر، وكوموا الرماد عاليا. وبينما هم يبكون، ~~جمعوا عظام صديقهم الكريم البيضاء، في قارورة من الذهب، ولفوها ~~بطبقتين من الدهن. وبعد أن وضعوها في الكوخ، غطوها بقطعة من منسوج ~~الكتان الأملس. ثم خططوا محيط الرابية، ووضعوا أساسها حول كومة ~~الحطب، وكوموا التربة عالية، وما انتهوا من تكويم الرابية، حتى ~~قفلوا راجعين، ولكن أخيل أبقاهم حيث كانوا، وأجلسهم في حشد واسع، ~~وأحضروا الجوائز من سفنهم؛ قدورا وركائز وجيادا وبغالا ونيرانا ms472 ~~قوية ونساء فاتنات وحديدا رماديا. فبدأ أن خص سائقي العربات - ~~المتفوقين في السرعة - بجوائز عظيمة؛ فللفائز الأول امرأة ماهرة في ~~الأعمال اليدوية الرائعة، وركيزة ذات مقابض تتسع لاثنين وعشرين ~~مكيالا، وللثاني فرس سنها ستة أعوام، لم تحمل في رحمها مهرا، ~~وللثالث قدر لم تمسها النار، قدر بديعة بيضاء تسع أربعة مكاييل، ~~وللرابع وزنتان من الذهب، وللخامس قارورة ذات مقبضين لم تمسها ~~النيران بعد. ثم نهض وتكلم وسط الأرجوسيين قائلا: «يا ابن أثريوس، ~~وأيها الآخيون المدرعون جيدا، هذه الجوائز لسائقي العربات. ولو ~~كنا نقيم هذه المباريات تبجيلا لشخص آخر، لكنت الفائز بالجائزة ~~الأولى، ولحملتها إلى كوخي؛ لأنكم تعرفون إلى أي حد يتفوق جواداي ~~في العدو؛ لأنهما خالدان أعطاهما بوسايدون لابن بيليوس، فأعطانيهما ~~هذا بدوره، ولكني سأبقى في مكاني مع جوادي القويي الحوافر؛ إذ ~~إنهما فقدا سائقا بالغ الشجاعة والمجد، كثير الرحمة، كثيرا ما ~~كان يسكب الزيت الأملس فوق معرفتيهما بعد أن يغسلهما بالماء ~~الصافي؛ لذلك فإنهما يبكيانه الآن، وقد تدلت معرفتاهما على ~~الأرض، وهما يقفان هناك. والألم يحز في قلبيهما. أما أنتم أيها ~~الآخيون، فمن منكم له ثقة في جياده ومتانة عربته، فليتأهب!» # هكذا قال ابن بيليوس، وحث سائقو العربات أنفسهم. فنهض أول ~~الجميع، يوميلوس - ملك البشر وابن أدميتوس - وهو رجل ماهر جدا في ~~الفروسية. وتبعه ديوميديس القوي، ابن توديوس، فوضع تحت النير جياد ~~طروس، التي أخذها يوما من أينياس، عندما اختطف أبولو روح هذا. ثم ~~نهض مينيلاوس الجميل الشعر - ابن أثريوس، المنحدر من زوس - وقاد ~~تحت النير جوادين سريعين هما: «أيثي» فرس أجاممنون، و«بودارجوس» ~~جواده هو. وكانت الفرس قد أعطاها أخيبولوس بن أنخيسيس إلى أجاممنون ~~دون مقابل، حتى لا يتبعه إلى طروادة ذات الرياح، بل يبقى في وطنه ~~مستمتعا بما وهبه زوس من ثروة طائلة، فعاش في سيكوون الفسيحة. ~~وقاد مينيلاوس هذين تحت النير، وكانا شديدي التلهف إلى السباق. ثم ~~أعد أنتيلوخوس جياده الجميلة الأعراف، وكان ابنا - لا مثيل له - ~~لنسطور، الملك العظيم القلب، ابن نيليوس. وكانت الجياد السريعة ~~الأطراف ms473 التي تجر عربته قد نشأت في «بولوس»، وقد أوصاه أبوه العاقل ~~بقوله: «أي أنتيلوخوس لقد أحبك زوس وبوسايدون - رغم صغر سنك - ~~وعلماك جميع ضروب الفروسية؛ ومن ثم فلا حاجة إلى تعليمك مزيدا؛ ~~لأنك تعرف كيف تدور حول الوتد، ومع ذلك فإن جيادك هي أبطأ جياد في ~~السباق؛ ولذا أرى أن الخجل سيكون نصيبك. فجياد الآخرين أسرع ولكن ~~الفرسان لا يستطيعون أن يدوروا بمهارة تفوق مهارتك. هيا، يا ولدي ~~العزيز، فكر في سائر صنوف الدهاء. واعلم أن الحطاب إنما يفضل غيره ~~بالقوة، أما مدير الدفة، فبالدهاء يقود السفينة السريعة، آمنة على ~~صفحة اليم القاتم كالخمر، بينما تعبث بها الرياح، وبالدهاء يبرهن ~~سائق العربة على أنه أفضل من غيره، أفضل من شخص آخر يعتمد على ~~جياده وعربته، يدور بغير حذر في هذا الجانب وذاك، وتهيم جياده في ~~الطريق. ولا يحتفظ بها قريبة من الوتد، أما السائق الرشيد، فمهما ~~كانت جياده أسوأ من غيرها، فإنه يركز عينيه دائما على محور ~~السباق، ويدور بقربه، ولا ينسى أن واجبه الأول أن يسيطر على جياده ~~بالأعنة المصنوعة من جلد الثور، محتفظا بها دائما في يده، ويراقب ~~الرجل الذي يتقدمه في السباق. وسأنبهك إلى أمر قد يخفى عليك: هناك ~~بقية جذع شجرة، بارتفاع قامة فوق الأرض ، لعلها كانت لشجرة بلوط أو ~~لشجرة صنوبر لا تفسد بالأمطار، وعلى جانبها حجران أبيضان مثبتان في ~~الأرض متقابلان، عند ملتقى الطريق، وحولها أرض ملساء لقيادة ~~العربات. ربما كانت أثرا لشخص مات من غابر الأزمان، أو جعلت ~~محورا للسباق منذ قدامى الشعوب، وقد جعلها أخيل العظيم السريع ~~القدمين محورا لهذا السباق، مضيقا الطريق على المتسابقين. قد ~~جيادك وعربتك بالقرب منها، ولاحظ أن تميل قليلا - في عربتك ~~المجدولة جيدا - إلى يسار الجوادين، واهمز الجواد البعيد صائحا، ~~وأرخ له العنان من يدك، وليتقرب الجواد القريب من المحور بحيث ~~إن دولاب العجلة المتينة الصنع، يبدو وكأنه يحتك بها. وحذار ~~أن تمس الصخرة، خشية أن تجرح جيادك وتحطم عربتك، فعندئذ يفرح ~~الآخرون، ويقع عليك اللوم. كن ms474 عاقلا، حذرا، يا ولدي العزيز، فإن ~~سبقت غيرك عند المحور، فلن يلحق بك أحد منهم - مهما تكن سرعته ~~خاطفة - ولن يسبقك، ولو كان يقود أريون العظيم جواد أدراستوس ~~السريع، الذي كان من نسل السماء، أو من جياد لاوميدون، نسل هذه ~~البلاد العظيم.» # وما إن قال نسطور بن نيليوس هذا، حتى عاد إلى مجلسه، بعد أن أخبر ~~ابنه بخفايا كل أمر! # أعد ميريونيس - خامس المتسابقين - جياده الجميلة الأعراف، ثم ~~أعلى المتسابقون عرباتهم، وقذفوا بالأزلام، فهزها أخيل، وأخرج زلم ~~أنتيلوخوس بن نسطور، وبعده الملك يوميلوس، فمينيلاوس بن أثريوس، ~~المشهور برمحه، فميريونيس، وآخرهم جميعا ابن توديوس، رغم أنه ~~يفضلهم جميعا. فأوجد مكانا لعربته، ثم اصطفوا بعرباتهم، وعين لهم ~~أخيل غاية السباق بعيدا في السهل الأملس. وجلس فونيكس الشبيه ~~بالإله - خادم أبيه - حكما يراقب المباراة ويحكم بالعدل. ثم رفعوا ~~جميعا السياط في وقت واحد، كل فوق نير الجياد، وضربوها بالأعنة، ~~وصاحوا عليها بلهفة، فانطلقت في الحال، تعدو مسرعة خلال السهل ~~بعيدا عن السفن. وثار الغبار تحت صدورها، كما لو كانت سحابة أو ~~زوبعة، وتطايرت أعرافها في مهب الرياح. كانت العربات تستبق تارة ~~فوق الأرض الفسيحة، وطورا تثب عاليا، وكل فارس يقف في عربته، ~~وقلبه يخفق بعنف، لفرط التلهف على الظفر. وكان كل رجل يصيح في ~~جياده وهي تطير فوق الثرى خلال السهل. # وعندما أوشكت الجياد السريعة أن تفرغ من آخر مرحلة للسباق - ~~بعيدا صوب البحر الرمادي - تجلى الانفعال على محيا كل سائق، ~~وأجبرت الجياد على أن تعدو بأقصى خطوها. وفي الحال قفز جوادا ابن ~~فيريس # 1 ~~- السريعا الأقدام - إلى الأمام، ووراءهما بمسافة ~~قليلة جوادا ديوميديس، اللذان انحدرا من نسل طروس. وكان يبدو أن ~~الجوادين سيعتليان عربة يوميلوس، وأنفاسهما تمس ظهره وكتفيه ~~العريضتين، فتزيدها سخونة، إذ كانا يحنيان رأسيهما فوقه تماما ~~وهما ينطلقان. وكاد ابن توديوس أن يسبقه أو يحاذيه فتبقى النتيجة ~~معلقة، لولا أن «أبولو» غضب منه، فأسقط السوط اللامع من يده، ~~وتساقطت الدموع من عيني ابن توديوس غيظا؛ إذ رأى بقية الأفراس ~~تعدو ms475 بسرعة أكثر من ذي قبل، بينما حارت جياده، إذ صارت تجري بلا ~~منخس. بيد أن أثينا لم تكن غافلة عما فعله أبولو بابن ثوديوس، ~~فأسرعت وراء راعي الجيش، وقدمت إليه السوط ثانية، ونفثت القوة في ~~جياده. ثم انطلقت الربة غاضبة خلف ابن أمينوس، وحطمت نير جياده، ~~فراحت الأفراس تحيد في السباق إلى هذا الجانب وذاك، وتدلى محور ~~العربة إلى الأرض، وقذف يوميلوس بنفسه خارج العربة - بجانب العجلة ~~- فتعرى مرفقاه وفمه وأنفه من الجلد، ورض جبينه فوق حاجبيه، ~~وامتلأت كلتا عينيه بالدموع، وانحبس صوته. عندئذ أثار ابن توديوس ~~جياده القوية الحوافر جانبا، وقادها منطلقا بعيدا يتقدم ~~الباقين، إذ أودعت أثينا القوة في جياده، ووهبته المجد. ومن بعده ~~جاء مينيلاوس، الجميل الشعر، ابن أتريوس، ولكن أنتيلوخوس صاح في ~~جوادي أبيه قائلا: «هيا أسرعا، واجتهدا بأقصى سرعتكما. لن ~~أطالبكما بأن تباريا جوادي ابن ثوديوس الحكيم القلب - اللذين بثت ~~فيهما أثينا السرعة ومنحت قائدهما المجد - بل ألحقا بجوادي ابن ~~ثوديوس، ولا تسبقاهما خشية أن تنزل أيثي العار بكما. لماذا تدعان ~~غيركما يسبقكما، أيها الجوادان الطيبان؟ إنني أقول لكما إن هذا ما ~~سوف يحدث فعلا، ولن يعطف عليكما نسطور - راعي الجيش - بل إنه ~~سيقتلكما في الحال بالبرونز الحاد، لو أنكما تقاعستما ولم تفوزا ~~إلا بأقل جائزة، أسرعا وراءهما ما وسعتكما سرعتكما، وسأضع خطتي لكي ~~نمرق من بينهما في الطريق الضيق، فلن يفوتني هذا!» # هكذا قال، فخاف الجوادان تقريع سيدهما، وانطلقا لفترة قصيرة ~~يعدوان بسرعة أكثر من ذي قبل. وبسرعة لمح أنتيلوخوس الصنديد، ~~مكانا ضيقا في الطريق الخالي. كان هناك شق في الأرض، إذ أزالت ~~مياه الأمطار جزءا من الطريق وجعلت مكانه مجوفا، هناك، قاد ~~مينيلاوس عربته أملا في ألا يستطيع أي فارس آخر أن يزاحمه ~~بعربته ولكن أنتيلوخوس أدار جياده القوية الحوافر إلى خارج الطريق ~~واقتفى أثره، جامحا إلى أحد الجانبين قليلا. فذعر ابن أتريوس ~~وصاح في أنتيلوخوس بقوله: «أكبح جماح جواديك يا أنتيلوخوس، فإنك ~~تنطلق برعونة، إن الطريق هنا ضيق، ولكنه سرعان ما سيتسع ms476 للمرور، ~~وأخاف أن تصدم عربتي فيصيبنا الأذى معا!» بهذا تكلم، ولكن ~~أنتيلوخوس مضى يقود بعنف أكثر، وأعمل المنخس، كأنه لم يسمع قوله. ~~وانطلقا بعيدا، إلى مدى مرمى الجلة يطوح بها شاب من كتفه، وهو ~~يختبر قوته، ولكن جوادي ابن أتريوس تراجعا، إذ رفض - من تلقاء ~~نفسه - أن يحثهما، لئلا تصطدم الجياد - القوية الحوافر - معا في ~~الطريق، فتنقلب العربتان المصنوعتان بإحكام، ويرتمي الفارسان فوق ~~الثرى في تسرعهما الأهوج للنصر. عندئذ عير مينيلاوس الجميل الشعر ~~أنتيلوخوس قائلا: «أي أنتيلوخوس، ليس أخبث منك بين البشر. انطلق ~~في جنونك، فكم أخطأنا - نحن الآخيين - إذ كنا نعتبرك حكيما، ولكنك ~~رغم ذلك، لن تحمل الجائزة بعيدا، بغير يمين!» # 2 # هكذا قال، وصاح في جواديه قائلا: «إني آمركما ألا تحجما، أو ~~تقفا ساكنين وقلباكما يفيضان حزنا. إن أقدامهما وسيقانهما ستتعبان ~~قبلكما إذ يفتقر كل منهما إلى الشباب.» # وإذ قال هذا، خشي الجوادان تعنيف سيدهما، فراحا يعدوان بمزيد من ~~السرعة، فسرعان ما اقتربا من الآخرين. وكان الأرجوسيون يجلسون في ~~مكان الاجتماع، يشاهدون الجياد الطائرة في السهل وسط الغبار. وكان ~~أيدومينيوس، قائد الكريتيين هو أول من رآها، إذ كان يجلس خارج ~~الجمع، في أعلى نقطة بمكان المراقبة. فلما سمع صوتا يصيح، عرفه ~~رغم أنه كان نائيا جدا. وفطن إلى جواد ظهر في المقدمة، كل جسمه ~~كستنائي اللون، وفوق جبينه غرة مستديرة كأنها القمر. فوقف وتكلم ~~وسط الأرجوسيين قائلا: «أصدقائي، قادة وحكام الأرجوسيين، هل أنا ~~وحدي الذي أرى الجياد، أو أنكم ترونها كذلك؟ إن ثمة زوجا من الخيل ~~يلوحان في المقدمة، غير الزوج اللذين كانا من قبل، كما يظهر سائق ~~جديد. أما الجوادان الأولان، فقد حادا عن الطريق فلا بد قد أصابهما ~~أذى؛ فقد رأيتهما يمرقان أولا حول نقطة الدوران، أما الآن فإنني ~~لا أستطيع رؤيتهما في أي مكان، رغم أن عيني تبصران كل مكان وأنا ~~أحدق ببصري خلال السهل الطروادي. ترى هل أفلت الزمام من يد السائق ~~فلم يستطع القيادة حول نهاية الطريق، وفشل في الدوران؟ لا بد أنه ms477 ~~وقع على الأرض - كما أعتقد - وتحطمت عربته، ولا بد أن الفرسين قد ~~انحرفا عن الطريق في هلع شديد. ومع كل، قفوا أنتم أيضا، وانظروا، ~~فلا بد أنني لا أرى بجلاء، ويبدو أن الرجل أيثولي الجنس، وملك بين ~~الأرجوسيين، إنه ديوميديس القوي، ابن توديوس مستأنس ~~الخيول.» # عندئذ عيره أياس السريع - ابن أوليوس - متهكما بقوله: «يا ~~أيدومينيوس، لماذا أنت مهذار منذ القدم؟ كلا، فما زالت الأفراس ~~تعدو بعيدا فوق السهل الفسيح بخطى واسعة. وما أنت بأصغر ~~الأرجوسيين، فليس بصرك أكثر حدة من غيرك، لذلك فأنت تهذي، وجدير بك ~~ألا ترفع صوتك، فهنا من هو أفضل منك، ولا يزال الجوادان اللذان ~~احتلا المقدمة من قبل، يتقدمان، وهما جوادا يوميلوس، كما أنه يقف ~~بنفسه ثابتا في عربته، ممسكا بالأعنة.» وهنا استشاط قائد ~~الكريتيين غيظا، وأجابه بقوله: «أياس، يا سيد اللائمين، يا ذا ~~المشورة غير الصائبة، إنك متأخر في كل شيء عن بقية الأرجوسيين، ~~لعناد عقلك. تعال الآن، هيا نتراهن على ركيزة أو قدر، ونختار ~~أجاممون بن أتريوس حكما بيننا، على أي الجياد في المقدمة، كي تدفع ~~فتتعلم!» # وما إن قال هذا، حتى نهض أياس السريع - ابن أوليوس - حانقا، ~~ليرد عليه بعبارات الغضب. وكاد النزاع بينهما يمتد إلى أكثر من ~~ذلك، لولا أن أخيل نفسه، نهض وخاطبهما بقوله: «لا يردن أحدكما على ~~الآخر بكلمات الغضب، أو عبارات الشر، بعد الآن يا أياس ويا ~~أيدومينيوس، فهذا لا يليق قط. وليسخط كل منكما على من يتصرف مثل ~~هذا التصرف. اجلسا في مكان الاجتماع، وراقبا الجياد، فسرعان ما ~~ستأتي إلى هنا، في تسرعها الجائع إلى الظفر، وعندئذ يعرف كلاكما ~~أي جياد الأرجوسيين في المؤخرة، وأيها في المقدمة!» # وإذ قال هذا، كان ابن توديوس قد اقترب وضرب بسوطه أكتاف ~~الجوادين، فقفزا عاليا وهما يعدوان مسرعين في طريقهما. وباستمرار ~~كانت سحب الغبار تصفع سائق العربة، وكانت عربته - المثقلة بالذهب ~~والقصدير - تسرع خلف الجوادين السريعي الأقدام، ولم تترك إطارات ~~العجلات إلا أثرا بسيطا في الثرى الخفيف، إذ كان الجوادان يكادان ~~يطيران. ms478 وقفز ديوميديس إلى الأرض من عربته البراقة، وسط مكان ~~الحشد، وأسند المنخس على النير، والعرق يتدفق مدرارا من عنقي ~~وصدري الجوادين، متساقطا على الأرض. ولم يتلكأ سثينيليوس العتيد، ~~بل أخذ الجائزة بسرعة، وسلم أصدقاءه الشجعان المرأة والركيزة ذات ~~المقابض ليحملوهما بعيدا، ورفع بنفسه النير عن الجياد! # ومن بعده قاد أنتيلوخوس سليل نيليوس جواديه؛ لأنه بالخديعة - ~~وليس بالسرعة قط - كان قد سبق مينيلاوس. ومع كل فإن مينيلاوس قاد ~~جواديه السريعين خلفه مباشرة، وبقدر ما يبعد جواد عن العجلة، وهو ~~يجر سيده عبر السهل، ويبذل الجهد عند العربة التي تلمس آخر شعرات ~~ذيله إطارها؛ لأنها تجري وراءه مباشرة، وليس بينهما عدا فرجة ~~بسيطة، وهو يعدو خلال السهل الفسيح، بمثل هذا القدر كان مينيلاوس ~~وراء أنتيلوخوس - وحيد عصره - برغم أنه كان - في البداية - متأخرا ~~عنه بمرمى الجلة. غير أن أنتيلوخوس لحق به بسرعة؛ إذ كان الحماس ~~العظيم لفرس أجاممنون «أيثي» الجميلة العرف، دائما في اطراد. ولو ~~طال الطريق بعد ذلك لسبقه، ولما ترك النتيجة معلقة، ولكن ميريونيس ~~- خادم أيدومينيوس الشجاع - كان قاب رمح وراء مينيلاوس المجيد، إذ ~~كانت جياده الجميلة الأعراف أبطأ الجياد كلها، وكان هو نفسه أقلهم ~~مهارة في قيادة العربات في السباق. وأخيرا جاء أرميثوس، خلف ~~الجميع، ساحبا عربته الجميلة، وقائدا جياده أمامه. وعند رؤيته ~~أشفق عليه أخيل العظيم السريع القدمين، ونهض وسط الأرجوسيين وخاطبه ~~بكلمات مجنحة قائلا: «يا للعار، إن خير الفوارس يقود جياده القوية ~~الحافر في آخر الجميع. ولكن، هلم بنا، نمنحه جائزة تليق به، جائزة ~~المرتبة الثانية، أما الأولى، فليأخذها ابن توديوس!» # هكذا قال، فوافق الجميع على رأيه. وكاد يعطيه الفرس - لأن ~~الآخيين وافقوا على ذلك - لولا أن أنتيلوخوس بن نسطور الصنديد، قام ~~يرد على أخيل بن بيليوس، ليطلب حقه قائلا: «يا أخيل، سوف يكون ~~غضبي منك شديدا لو حققت هذا القول وسلبتني جائزتي، فكر مليا في ~~هذا، وكيف أن عربته وجواديه السريعين قد لاقت الضرر وهو معها، رغم ~~فروسيته. كلا، كان يجب أن يصلي للخالدين، عندما رأى ms479 أنه سيكون آخر ~~الجميع في المباراة. أما إذا كنت تشفق عليه، ففي خيمتك كمية كبيرة ~~من الذهب، وهناك البرونز والأغنام، والجواري كذلك، والجياد القوية ~~الحوافر، وبوسعك أن تعطيه منها جائزة أعظم، وليكن الآن - إن شئت - ~~ليصفق لك الآخيون. أما الفرس فلن أتنازل عنها، وأصارع أي رجل يقدم ~~على مصارعتي من أجلها بقوة اليد!» # وإذ قال هذا، ابتسم أخيل العظيم السريع القدمين، مسرورا من ~~أنتيلوخوس؛ إذ كان صديقه الحميم. فرد عليه بكلمات مجنحة قائلا: ~~«أي أنتيلوخوس، إن كنت تريدني أن أعطي يوميلوس شيئا آخر من منزلي ~~كجائزة إضافية، فسأفعل. سأعطيه الدرقة التي أخذتها من أستيروبايوس، ~~وهي من البرونز، وعليها حلقات من القصدير اللامع، ولسوف تكون عظيمة ~~القيمة له.» وما إن تم حديثه حتى أمر صديقه الحميم أوتوميدون بأن ~~يحضرها من كوخه، فلبى هذا أمره، وجاء بها، وسلمها إلى يوميلوس، ~~فتقبلها مسرورا. # بعد ذلك قام بينهم مينيلاوس، محنقا في قلبه، مغيظا في ~~أنتيلوخوس، فوضع أحد الحجاب الصولجان في يده، ونادى على الأرجوسيين ~~بالصمت، ثم تكلم الشبيه بالإله فقال: «أي أنتيلوخوس، لقد كنت فيما ~~مضى حكيما، فماذا فعلت؟ لقد ألحقت العار بمهارتي وعطلت جوادي، بأن ~~دفعت جواديك إلى الأمام، وهما اللذان يقلان سرعة عن جوادي بمراحل. ~~هيا الآن، يا قادة وحكام الأرجوسيين، فاحكموا بين كلينا بالعدل، ~~ولا تتحيزوا لأي منا، لئلا يقول أحد الآخيين المتدثرين بالبرونز ~~فيما بعد: «لقد تفوق مينيلاوس على أنتيلوخوس بالزيف، واستولى على ~~الفرس، إذ كان جواداه متأخرين بعيدا، بينما كان هو الأكثر جدارة ~~وقوة.» كلا، سأعلن بنفسي الحقيقة، وأعتقد أنه ما أحد من الدانيين ~~سوف يلومني؛ لأن حكمي سيكون عادلا. هيا يا أنتيلوخوس، المنحدر من ~~زوس، تعال إلى هنا، وقف أمام جواديك وعربتك كما هي الطريقة ~~المتبعة، وأمسك بيدك السوط الرفيع الذي كنت تسوق به، وضع يديك على ~~جواديك، وأقسم بذلك الذي يمسك الأرض ويزلزلها أنك لم تعرقل عربتي ~~بالخداع متعمدا.» # فرد عليه أنتيلوخوس العاقل، قائلا: «أيها الملك مينيلاوس، كفى ~~الآن، لأنني أصغر منك سنا، وأنت أكبر وأفضل، إنك ms480 تعرف كيف تصدر ~~الهفوات من الشاب، إذ يتلهف إلى الهدف، مع ضآلة حصافته. فليكن قلبك ~~حليما، إن الفرس التي ربحتها، سأعطيكها من تلقاء نفسي. نعم، وإذا ~~طلبت ما هو أعظم منها - من بيتي - فسأعطيكه في الحال بيدي، فهذا ~~خير من أن يصغر قدري في قلبك، يا سليل زوس، وأكون مذنبا في عيون ~~الآلهة.» # هكذا تكلم ابن نسطور البالغ الشجاعة، وقاد الفرس فقدمها إلى ~~مينيلاوس وابتهج قلب هذا كما يبتهج القمح عندما ينزل الندى على ~~سنابله وينضجه، هكذا أيضا، كان قلبك الكائن في صدرك، سعيدا يا ~~مينيلاوس، فخاطب أنتيلوخوس بكلمات مجنحة قائلا: «عجبا يا ~~أنتيلوخوس، إنني لأكف الآن عن غضبي منك مختارا، إذ إنك لم تكن ~~بحال ما طائشا أو غير متزن العقل، رغم أن شبابك قد بلغ الآن ~~مبالغ الإدراك، فلا تحاول مرة أخرى أن تتفوق على من هم أفضل منك. ~~الحقيقة أنه لم يكن في مكنة أي فرد آخر من الآخيين أن يثنيني عن ~~عزمي بسهولة. إنك قد عانيت وكافحت كثيرا من أجلي - أنت ووالدك ~~الصنديد وأخوك - لذلك سأجيب رجاءك، وأعطيك الفرس، رغم أنها حقي، ~~ليعرف القوم أنني لست حقود القلب ولا صلب الرأي.» # قال هذا، وأعطى الفرس لنويمون - صديق أنتيلوخوس - ليذهب بها، ثم ~~أخذ هو القدر البراقة، وأخذ ميريونيس وزنتي الذهب في المرتبة ~~الرابعة، أما الجائزة الخامسة - القارورة ذات المقبضين - فلم يطالب ~~بها أحد. فقدمها أخيل إلى نسطور، حاملا إياها وسط الجمع، مقتربا ~~بها منه، وقال له: «خذ هذه الآن، أيها السيد الشيخ، ولتكن كنزا لك ~~وذكرى لدفن باتروكلوس؛ لأنك لن تراه بعد الآن بين الأرجوسيين! إنني ~~أعطيك هذه الجائزة، التي لم يربحها أحد؛ لأنك لن تناضل في ملاكمة ~~ولا في مصارعة، ولن تشترك في مباريات قاذفي الرماح، ولا العدائين، ~~لأن الشيخوخة المفجعة تلقي أحمالها ~~ثقيلة عليك!» # ما إن قال هذا حتى وضع القارورة في يديه، فتلقاها نسطور مسرورا، ~~وخاطبه بألفاظ مجنحة قائلا: «حقا، يا ولدي، صواب كل ما قلت! إن ~~كل أطرافي - حتى قدماي - لم تعد قوية ms481 كما كانت ولا عاد ساعداي ~~ينطلقان من كتفي بسهولة كما كانا، ليت شبابي يعود إلي، وتصبح ~~قوتي مكينة كما كنت يوم دفن الأيبيون ملكهم أمارونكيوس في ~~بويراسيوم، وخصص أبناؤه الجوائز تخليدا للملك. في ذلك اليوم تفوقت ~~على الجميع، حتى الأيبيين والبيليين والأيتوليين الصناديد. فتغلبت ~~في الملاكمة على كلاثوميديس بن أينويس وفي المصارعة على أنكايوس ~~القادم من بليورون، وفي السباق على أفيكلوس - رغم مهارته في ~~العدو - وفي قذف الرمح على فوليوس وبولودوروس. أما في سباق ~~العربات فقد سبقني ولدا أكتور، فصارت جيادهما في المقدمة، إذ كانا ~~متلهفين على الفوز؛ ولذلك فإن خير الجوائز كانت باقية في القوائم. # 3 # وكانا شقيقين توءمين؛ أحدهما تولى قيادة الخيل بيد ~~ثابتة، بينما باشر الآخر المنخس. هكذا كنت أنا ذات حين، أما الآن ~~فليضطلع من هم أصغر مني بأمثال هذه المهام، بينما يجدر بي أن ~~أستسلم للشيخوخة المفجعة، فقد كنت مبرزا وقتذاك بين المحاربين. ~~وها أنت ذا تقيم لزميلك الطقوس الجنائزية بالمباريات؛ ولذلك ~~أتقبل منك هذه الهدية مسرورا، كما أن قلبي يغتبط لأن تذكرني ~~دائما يا صديقي، ولا تنساني ومجدي بين الآخيين، أسأل الآلهة أن ~~تكافئك عن هذا بما يرضي قلبك!» # مباريات أخرى! # وبعد أن قال نسطور هذا ارتد ابن بيليوس وسط جمع الآخيين العظيم، ~~بعد أن سمع ثناء ابن نيليوس. ثم خصص جوائز للملاكمة العنيفة. فأتى ~~ببغل قوي وعقله في مكان الاجتماع. وكان بغلا في السادسة من عمره، ~~صحيح الجسم، يصعب التغلب عليه. وجعل للخاسر كأسا ذات يدين، ثم ~~تكلم وسط الأرجوسيين قائلا: «يا ابن أثريوس، وأنتم أيها الآخيون ~~المدرعون جيدا، إنني أدعو اثنين من المحاربين - من خيرة الموجودين ~~- لهاتين الجائزتين فليرفعا أيديهما ويتلاكما. ومن يمنحه أبولو ~~القوة على الصمود في الملاكمة - أمام جميع الآخيين - فليأخذ البغل ~~إلى كوخه. أما الخاسر فستكون جائزته هذه الكأس ذات اليدين.» وما إن ~~أتم قوله حتى نهض رجل مديد القامة شجاع بارع في الملاكمة، هو ~~أيبيوس بن بانونبيوس، وقال: «فليقترب من يريد الكأس ذات اليدين ~~كجائزة. أما البغل فلا ms482 أظن بين الآخيين من يمكنه الحصول عليه - ~~بقوة قبضته - سواي. فها أنا ذا أعلن أنني أحسن رجل هنا، ألا يكفي ~~أنني غير مبرز في القتال؟ فليس في مقدور المرء - كما يبدو لي - أن ~~يكون ماهرا في كل شيء. أقول هذا، وسوف أحققه. سأحدث رضوضا بجسم ~~غريمي، وسأحطم عظامه. ولينتظر هنا أقرباؤه كي يحملوه عندما تنكل به ~~يداي!» # قال هذا، وخيم الصمت على الجميع. غير أن يوروالوس، الشبيه بالإله ~~- ابن الملك ميكيستيوس بن تالاوس - كان الوحيد الذي نهض لمواجهته. ~~وكان قد جاء إلى طيبة ذات يوم، لحضور دفن أوديبوس - عندما سقط - ~~وهناك هزم جميع أبناء كادموس. فقام ابن توديوس - المشهور برمحه - ~~وشجع يوروالوس بالكلام، وتمنى له النصر. فشد وسطه بحزام، ثم أعطاه ~~حمالات مصنوعة بإتقان من جلد الثور. وبعد أن شد كل منهما وسطه ~~بحزامه، تقدما إلى مكان النزال، ورفعا أيديهما القوية عاليا. ثم ~~هجم كل منهما على الآخر، يكيل له الضربات الثقيلة. وكان صرير ~~أسنانهما قويا. وسال العرق غزيرا من جوانب أطرافهما. وما لبث ~~أيبيوس العظيم أن هجم وهو يتطلع إلى ثغرة، وضرب منافسه على خده، ~~فترنح هذا، وخارت أطرافه المجيدة تحته. وكما يحدث عندما تقفز ~~السمكة تحت هبة الريح الشمالية، فوق الرمال المغطاة بالأعشاب ~~فتتدفق الموجة السوداء فوقها من جديد، كذلك قفز يوروالوس عاليا ~~عندما تلقى الضربة، ولكن أيبيوس - الجم الشجاعة - أمسك به في ~~يديه، وقذف به على قدميه، فأسرع أصدقاؤه المقربون، والتفوا حوله، ~~وسحبوه خلال مكان الاجتماع، وأقدامه تتدلى فوق الأرض، وهو يبصق ~~كتلا دموية، ورأسه يتدلى إلى أحد جنبيه. فأحضروه شارد الفكر، ~~وأرقدوه وسطهم، وذهبوا مختارين وجاءوا بالكأس ذات اليدين. # بعد ذلك، أعد ابن بيليوس جوائز أخرى لمباراة ثالثة للدانيين، في ~~المصارعة الخشنة. فجعل للفائز ركيزة بديعة توضع فوق النار، ركيزة ~~قدرها الآخيون باثني عشر ثورا. أما الخاسر، فجعل له امرأة ماهرة ~~في الأعمال اليدوية قوموها بأربعة ثيران ونهض يتكلم وسط الأرجوسيين ~~قائلا: «قفا الآن، يا من ستشتركان في هذه المباراة!» # وما إن قال هذا، حتى نهض ms483 أياس التيلاموني العظيم، كما نهض ~~أدويسيوس، الكثير الحيل، ذو البديهة الخداعة. وبعد أن تمنطق ~~كلاهما، تقدما إلى وسط مكان النزال، وأمسك كل منهما زميله بقبضة ~~من حديد، كما يوصل الصانع الماهر أخشاب السقف الهرمي، ليقاوم قوة ~~الرياح. وطقطق ظهراهما من الشد العنيف بأيديهما القوية، وتدفقت ~~سيول العرق في عدة مجار مخضبة بالدماء، من جروح كثيرة، راحت تظهر ~~هنا وهناك بين ضلوعهما وأكتافهما. وهكذا أخذا يتصارعان بعنف من أجل ~~النصر، ليفوزا بالركيزة الرائعة. ولم يتمكن أوديسيوس من الإخلال ~~بتوازن أياس، وإلقائه على الأرض كما لم يستطع أياس ذلك؛ لأن قوة ~~أوديسيوس الفذة كانت راسخة. وفي النهاية، كاد الملل يتملك من ~~الآخيين المدرعين جيدا، فتحدث أياس التيلاموني العظيم إلى ~~أوديسيوس، قائلا: «يا نسل زوس، يا ابن لايرتيس، يا أوديسيوس ~~الكثير الحيل، ارفعني من الأرض، أو دعني أرفعك، والنتيجة بعد ذلك ~~في يد زوس.» # قال هذا، ورفعه، ولكن أوديسيوس لم ينس خداعه. فضربه في تجويف ~~ركبته من الخلف ضربة قاضية، وأرخى أطرافه، حتى إنه ارتمى إلى ~~الوراء، وسقط أوديسيوس فوق صدره. وحملق فيهما وتملكهم العجب. ثم ~~حاول أوديسيوس العظيم الاحتمال، بدوره، أن يرفعه، وحركه قليلا من ~~الأرض، ولكنه لم يتمكن من رفعه، بل أدخل ركبته في ركبة أياس، فسقط ~~الاثنان فوق الأرض، واحدا بجانب الآخر ، وتغبرا في التراب، وكادا ~~ينهضان للمرة الثالثة ويتصارعان، لولا أن قام أخيل وأمسك بهما، ~~قائلا: «لا تتصارعا بعد الآن، ولا تنهكا نفسيكما بالألم. فالنصر ~~لكليكما، ولتأخذا إذن جائزتين متساويتين، واذهبا إلى حال سبيلكما، ~~كي يتصارع غيركما من الآخيين!» وإذ قال هذا، أطاعاه راضيين، ~~فأزالا عن جسديهما التراب، وارتديا عباءتيهما. # وقدم ابن بيليوس - في الحال - جوائز أخرى لسرعة القدمين؛ طاسا ~~من الفضة، فاخر الصنع، يسع ستة مكاييل، يفوق في جماله سائر الطاسات ~~على ظهر الأرض؛ إذ صنعه السيدونيون - البارعون في الأعمال اليدوية ~~الدقيقة - وأحضره الفينيقيون عبر البحر المظلم، وأنزلوه في ~~الميناء، وقدموه هدية لثواس، ثم أهداه يونيوس بن جاسون، # 4 # للمحارب باتروكلوس، فدية عن لوكاون بن بريام. هذا ~~الطاس ms484 قدمه أخيل جائزة في ذكرى صديقه، لمن يتفوق في سرعة العدو. ~~قدم للفائز الثاني ثورا ضخما سمينا كله دهن، وخص للأخير نصف ~~تالنت من الذهب. ثم نهض يتحدث إلى الأرجوسيين، قائلا: «هيا، يا من ~~ستتبارون في هذه المسابقة». # هكذا تكلم، فهب في الحال أياس السريع، ابن أويليوس، وأوديسيوس ~~الكثير الحيل، ثم أنتيلوخوس بن نسطور، إذ كان يفوق جميع الشبان في ~~سرعة القدمين. واحتلوا أماكنهم في صف واحد، وعين لهم أخيل الهدف، ~~وحدد لهم خط السير من نقطة الدوران. فانطلق أياس بسرعة في المقدمة، ~~يتبعه أوديسيوس العظيم من كثب، بمسافة قدر بعد قصبة المنسج عن صدر ~~المرأة الجميلة الزنار، عندما تجذبها في يديها بمهارة، وهي تمر ~~بالمسلفة عبر السداة، ممسكة القصبة قريبا من صدرها، هكذا كان قرب ~~أوديسيوس وهو يعدو خلفه، ويخطو فوق آثار أقدام أياس، أو وسط الغبار ~~الثائر. وكانت أنفاس أوديسيوس العظيم ترتطم برأس أياس وهو يعدو ~~بسرعة مستمرة. وصاح جميع الآخيين يحثونه على الإسراع ليتقدم، وهو ~~يناضل من أجل النصر. ونادوه وهو يبذل قصارى جهده. فلما صارا يجريان ~~في الجزء الأخير من السباق، صلى أوديسيوس في قلبه إلى أثينا ذات ~~العينين البراقتين، بقوله: «اسمعي لي أيتها الربة، وكوني معينة ~~عظيمة لأقدامي!» هكذا توسل إليها، فأنصتت إليه بالاس أثينا، ~~وجعلت أطرافه خفيفة - قدميه ويديه من فوق - فما كاد المتسابقان ~~يبلغان الهدف ليربحا الجائزة، حتى زلت قدم أياس وهو يجري فانزلق، ~~لأن أثينا عرقلته - حيث كانت الأرض ملوثة بروث الثيران العالية ~~الخوار، التي ذبحها أخيل السريع القدمين تخليدا لذكرى باتروكلوس - ~~فامتلأ فمه ومنخراه بروث الثيران. وهكذا نال أوديسيوس العظيم - ~~الكثير الاحتمال - الطاس، إذ وصل أولا. وفاز أياس المجيد بالثور. ~~فوقف ممسكا قرن ثور الحقل في يده، وهو يتقيأ الروث. وخاطب ~~الأرجوسيين بقوله: «سحقا، لقد عرقلتني الربة في عدوي، تلك التي ~~تقف دائما إلى جانب أوديسيوس، كأنها الأم، وتساعده!» # هكذا قال، فضحك الجميع مرحين. وجاء أنتيلوخوس، فتسلم الجائزة ~~الأخيرة باسما، وخاطب الأرجوسيين قائلا: «ألا اشهدوا يا أصدقائي، ~~على أن الخالدين يمنحون ms485 المجد لكبار السن، حتى هنا؛ فإن أياس ~~يكبرني سنا بقليل، بينما أوديسيوس من جيل سابق ومن قوم سابقين، ~~فله الشيخوخة الخضراء كما يقول الناس. ومع ذلك فمن العسير على أي ~~فرد آخر من الآخيين أن يتبارى معه في العدو اللهم إلا أخيل!» قال ~~هذا، وقدم المجد لابن بيليوس، السريع القدمين. فرد عليه أخيل ~~بقوله: «يا أنتيلوخوس، لن تمضي كلمة المديح التي قلتها عبثا، ~~فسأضيف إلى جائزتك نصف تالنت من الذهب!» وما إن قال ذلك، حتى وضعها ~~في يديه، فتلقاها أنتيلوخوس بسرور. # ثم أحضر ابن بيليوس رمحا بعيد الظل إلى مكان الاجتماع، ومعه ترس ~~وخوذة - هي عدة ساربيدون الحربية التي جرده منها باتروكلوس - ونهض ~~يقول للأرجوسيين: «للفوز بهذه الجوائز، ندعو اثنين من خيرة ~~المحاربين الموجودين هنا، ليتدثرا بحلتيهما الحربيتين، ويتناولا ~~البرونز الممزق للحم، ويعجم كل منهما عود الآخر أمام الجيش. ~~ومن منهما يصل أولا إلى لحم خصمه الجميل، ويلمس جسمه داخل الحلة ~~الحربية والدم القاني، سينال هذا السيف المرصع بالفضة، وإنه لسيف ~~تراقي عظيم أخذته من أستيروبايوس. أما هذه الأسلحة فليقتسماها ~~معا، وسنولم لهما وليمة عظيمة في أكواخنا.» # وإذ قال هذا، نهض أياس التيلاموني العظيم، وديوميديس الصنديد ابن ~~توديوس، وبعد أن تسلحا على جانبي الحشد، تقدما إلى الوسط متلهفين ~~للعراك، وهما يحملقان بفظاعة. فتملكت الرهبة سائر الآخيين. حتى إذا ~~اقترب كل منهما من الآخر، هجم عليه، ثلاث مرات انقض كل منهما ~~على الآخر، وثلاث مرات التحما سويا. ثم قذف أياس رمحه صوب الترس ~~المتزن جيدا من كل جانب، ولكن الرمح لم يصل إلى اللحم؛ إذ منعته ~~الدرقة الداخلية. وظل ابن توديوس يحاول الوصول إلى عنقه - بطرف ~~الرمح البراق - عبر الدرع العظيمة، فتملك الخوف الآخيين إشفاقا ~~على أياس، وأمروهما بالكف عن الصراع، على أن ينال كل منهما ~~جائزة تعادل جائزة زميله، ولكن البطل أعطى الحسام ~~الضخم لابن توديوس، بغمده ~~وحمائله الدقيقة الصنع. # بعد ذلك وضع ابن بيليوس كتلة من الحديد الخام، اعتاد أيثيون ~~فيما مضى أن يقذفها كجلة بقوته الجمة، ولكن أخيل ms486 - السريع القدمين ~~- قتله، واستولى على هذه الكتلة ونقلها إلى سفنه مع أمتعته الأخرى. ~~فقام وتكلم وسط الأرجوسيين قائلا: «فلتنهضا الآن، يا من ستقومان ~~بالمحاولة في هذه المباراة، وإن الفائز بهذه الكتلة الحديدية سيكون ~~عنده ما يكفيه من الحديد لخمس سنوات متتابعة، ولن يضطر إلى الذهاب ~~إلى المدينة؛ ليحضر حديدا لراعيه أو حارث أرضه، إذ ستزوده به هذه ~~الكتلة.» # ما إن أتم قوله هذا حتى نهض بولوبويتيس - الباسل في القتال - ~~وليونثيوس القوي - الشبيه بالإله - وأياس بن ثيلامون، وأيبيوس ~~العظيم، واحتلوا أماكنهم بنظام. فحمل أيبيوس الكتلة، وحركها في ~~يده، ثم قذفها فضحك من ذلك جميع الآخيين. وأخذها ليونثيوس - نسل ~~أريس - بدوره، ورماها. ثم قذف بها تيلامون العظيم بيده ~~القوية - وكان ثالثهم - فطارت ~~إلى ما بعد علامات سابقيه. وإذ ذاك التقطها بولوبويتيس المقدام، ~~وطوح بها، كما يطوح الراعي عصاه، فتدور في الهواء فوق قطعان البقر، ~~هكذا بعيدا طارت الكتلة خلف جميع المحتشدين، فصاحوا مهللين ~~عاليا. ونهض أصدقاء بولوبويتيس وحملوا جائزة الملك إلى السفن ~~الجوفاء. # ومن أجل القواسين وضع جائزة من الحديد القاتم - عشر فئوس مزدوجة ~~الرءوس، وعشرا أخرى فردية الرأس. وغرس شراع سفينته السوداء ~~الحيزوم، بعيدا في الرمال، وثبت أسفله يمامة خائفة، بحبل رفيع، ~~وأمرهم برمايتها، قائلا: «من أصاب اليمامة المرتجفة، حمل إلى وطنه ~~جميع الفئوس المزدوجة الرءوس. أما من أصاب الحبل، وإن أخطأ الطائر، ~~فسيحمل جائزة الخاسر. وهي الفئوس الفردية الرءوس.» وبعد أن قال ~~هذا، نهض الأمير ثيوكير القوي، وميريونيس الجريء - خادم أيدومينيوس ~~- فتناولا الأزلام، وهزاها في خوذة من البرونز، فخرج زلم ثيوكير ~~أولا. فأطلق في الحال سهما، دون أن ينذر للملك ذبيحة مئوية من ~~الحملان البكر؛ لذلك أخطأ الطائر، إذ حقد عليه أبولو بسبب ذلك. ~~ولكنه أصاب الحبل عند قاعدة الشراع، حيث كان الطائر مربوطا. وفي ~~الحال مزق السهم الحبل. فطارت اليمامة إلى السماء، وتدلى الحبل على ~~الأرض، وعندئذ ارتفع صياح الآخيين عاليا، ولكن ميريونيس خطف ~~القوس بسرعة من يد ثيوكر - وبه سهم يحمله، كان ثيوكر قد أعده - ~~ونذر في الحال ms487 أن يقدم إلى أبولو - الذي يضرب من بعيد - ذبيحة ~~مئوية مجيدة من الحملان البكر. وعاليا تحت السحب، رأى ميريونيس ~~اليمامة المذعورة، فسدد إليها السهم، بينما كانت تحوم هناك، ~~فأصابها في وسطها، أسفل الجناح، وفي الحال مرق السهم خلال جسمها، ~~ثم ارتد هاويا إلى الأرض من جديد، وانغرس أمام قدم ميريونيس، ولكن ~~اليمامة استقرت فوق سارية السفينة الدكناء الحيزوم، معلقة من ~~رأسها، بينما تدلى ريشها الغزير. وبسرعة فارقت روحها أطرافها، ~~فسقطت بعيدا عن الصاري. وأخذ القوم يحدقون فيها ببصرهم، وقد ~~تملكهم العجب. وعندئذ أخذ ميريونيس جميع الفئوس العشر - المزدوجة ~~الرءوس - بينما حمل ثيوكير الفئوس الفردية الرءوس إلى السفن ~~الجوفاء. # بعد ذلك أحضر ابن بيليوس - إلى مكان الاجتماع - رمحا بعيد الظل، ~~وقدرا لم توضع على النار قط، تعادل قيمتها ثورا، ومزينة بصور ~~الأزهار. فنهض من قاذفي الرماح، أجاممنون الواسع السلطان - ابن ~~أتريوس - وميريونيس الشجاع، خادم أيدومينيوس. فقام أخيل يخاطبهما ~~بقوله: «أيا ابن أتريوس، إننا نعلم يقينا أنك تبذ الجميع، وأنك ~~خيرهم في القوة وقذف الرمح، خذ هذه الجائزة واذهب إلى السفن ~~الجوفاء. أما الرمح فسيأخذه المحارب ميريونيس، إن وافق قلبك على ~~ذلك، فهذا رأيي، على الأقل!» وإذ قال هذا، لم يتردد أجاممنون - ملك ~~البشر - في الإصغاء إليه. فأعطى الرمح البرونزي إلى ميريونيس، ~~فأعطاه هذا بدوره إلى الحاجب ثالثوبيوس. # | الأنشودة الرابعة والعشرون # «... وأرقدوا هكتور على فراش موشى، وإلى جانبه وقفت خير النائحات ~~اللائي ينشدن المراثي ... وكانت زوجته وأمه هما البادئتان بالعويل ~~...» # كيف افتديت جثة هكتور، وكيف شيعت جنازته؟ # الآلهة تتشاور بشأن هكتور! # انفض الجمع - بعد ذلك - فتفرق القوم، ليذهب كل رجل إلى سفينته. ~~وفكر الباقون في تناول طعام العشاء والنوم اللذيذ، وأن يحصلوا على ~~كفايتهم منهما، ولكن أخيل انخرط في البكاء، متذكرا صديقه الحميم، ~~فلم يتمكن النوم - الذي يسيطر على الجميع - من التغلب عليه، بل ~~بقي يتقلب على هذا الجانب وذاك، متحسرا على رجولة باتروكلوس ~~وقوته وجرأته، وكل كرب احتمله معه، بما في ذلك حروب الرجال، ~~والأمواج المفجعة، وكان كلما فكر في ذلك ms488 ذرف الدموع الغزيرة، ~~راقدا تارة على جنبه، وطورا على ظهره، وحينا على وجهه، وكثيرا ~~ما كان ينتصب واقفا على قدميه، ويهيم - شارد الفكر - على طول ~~ساحل البحر. ولم يكن يغفل الفجر، حين كان يشرق فوق ماء البحر ~~وشواطئه، كل يوم. فكان يشد جواديه السريعين - تحت النير - إلى ~~العربة، ويربط هكتور وراء هذه، ثم يمضي يجره. حتى إذا دار به ثلاث ~~دورات، حول أكمة ابن مينويتيوس الميت، لجأ إلى كوخه يستريح، تاركا ~~هكتور منكفئا على وجهه في الثرى. غير أن أبولو أبعد كل تشويه عن ~~لحمه - مشفقا على البطل حتى في موته - وغطاه كله بالترس الذهبي، ~~حتى لا يمزق أخيل جسده وهو يجره. # هكذا، كان أخيل في غضبه يصب جام غيظه المستحكم على هكتور العظيم، ~~ولكن الآلهة المباركة أشفقت عليه إذ أبصرت به على تلك الحال، ~~فأوعزت إلى أرجايفونتيس # 1 # الحاد البصر، أن يسرق الجثة. فسر الباقون لذلك، ما عدا ~~«هيرا» وبوسايدون والعذراء المتألقة العينين. فاستمرت الربتان على ~~ما كانتا عليه مذ بدأتا تمقتان طروادة المقدسة، وبريام وقومه، بسبب ~~جزيرة ألكساندر، الذي وجه اللوم إلى هاتين الربتين حين حضرتا إلى ~~كوخه، فأعطى الأولوية لتلك التي شجعت شهوته القاتلة. # فلما كان اليوم الثاني عشر - بعد ذلك - تكلم أبولو وسط الخالدين، ~~قائلا: «ما أقساكم أيها الآلهة، مدبرو الخراب. ألم يحرق هكتور لكم ~~أفخاذ الثيران والماعز بغير تردد؟ ألا يعطف عليه قلب أحدكم فينقذه ~~- رغم كونه جثة هامدة - من أجل زوجته لتراه، وكذا أمه وولده وأبوه ~~بريام وشعبه الذين سيدفنونه في النار ويؤدون له الطقوس الجنائزية؟ ~~أم أنكم تؤثرون أخيل القاسي - أيها الآلهة - فتبادرون إلى مساعدته؟ ~~مع أن عقله ليس سليما بحال ما، ولا هو ينثني عما في صدره، وإنما ~~هو يعقد قلبه على القسوة، كالأسد الذي يغتر بقوته البالغة وروحه ~~الملكية، فيهجم على قطعان البشر ليفوز لنفسه بوليمة، هكذا أيضا، ~~فقد أخيل كل رحمة، فلا حياء لمن يؤذي الناس ويجني النفع من ورائهم. ~~وكم من رجل فقد من هو أعز من هذا الذي ms489 فقده أخيل - أخا أنجبته ~~أمه، أو ولدا - ومع ذلك فإنه لا يلبث أن يكف عن أن يبكيه؛ إذ إن ~~ربات القدر منحت الإنسان روحا صابرة، ولكن هذا الرجل دأب - منذ أن ~~سلب هكتور العظيم روحه - على ربطه وراء عربته، وجره حول أكمة ~~صديقه العزيز. والحق أنه لن يجني من وراء ذلك شرفا ولا نفعا. ~~فليحذر أن ننقم عليه، رغم أنه رجل عظيم، لأنه في ثورته يصب جام ~~غيظه القذر على طين لا يحس!» # فاستشاطت «هيرا» - البيضاء الساعدين - غيظا، وخاطبته بقولها: ~~«قد يكون الأمر كما تقول، يا سيد القوى الفضية، إذا كنتم - أيها ~~الآلهة - تعتزمون أن تمنحوا مجدا لكل من أخيل وهكتور على ~~السواء. على أن هكتور بشر رضع ثدي امرأة، أما أخيل فابن ربة، ~~غذيتها أنا نفسي وربيتها وزوجتها للمحارب بيليوس، الذي كان ~~عزيزا جدا على الخالدين. قد حضرتم كلكم حفل زواجهما، وجلست أنت ~~شخصيا بينهما إلى مائدة الوليمة، والقيثارة في يدك، يا صديق ~~الأشرار، الدائم الغدر!» وإذ ذاك، أجابها زوس - جامع السحب - ~~قائلا: «لا يكن غضبك على الآلهة كاملا يا هيرا، فلن يكون مجد ~~هذين متماثلا. لقد كان هكتور - هو الآخر - أعز البشر الموجودين في ~~طروادة، لدى الآلهة. وهكذا كان هو عندي على الأقل، فإنه لم يؤخر ~~عني الهدايا المقبولة، بأية حال من الأحوال. ولم يحدث قط أن افتقر ~~مذبحي إلى وليمة لائقة، من تقدمات الشراب، ورائحة القرابين ~~المحترقة، والعبادة التي هي من حقنا. أما سرقة هكتور الجسور، فيجب ~~أن نتخلى عنها؛ إذ لا يليق أن يتم ذلك دون علم أخيل، لأن أمه ~~دائما ما تقف إلى جانبه كالليل والنهار. وإني لأود أن يذهب أحد ~~الآلهة فيستدعي ثيتيس، كي أقول لها كلمة حكيمة، عسى أن يتقبل أخيل ~~الهدايا من بريام ويعيد هكتور إليه.» # هكذا تكلم، فأسرعت أيريس - العاصفة القدمين - تحمل رسالته. وفي ~~منتصف الطريق بين ساموس وأمبروس الوعرة، قفزت إلى البحر القاتم، ~~فأحاطت بها المياه صاخبة فوقها. وغاصت مسرعة إلى الأعماق، كخيط ~~المطمار - المثبت إلى قرن ثور من ثيران ms490 الحقل - يهبط إلى أسفل ~~حاملا الموت للأسماك الجارحة. # 2 # فوجدت ثيتيس في الكهف الأجوف، ومن حولها ربات البحر ~~الأخريات، جالسات في حشد، وكانت تبكي - وسطهن - مصير ابنها المنقطع ~~النظير، الذي سيموت في طروادة العميقة التربة، بعيدا عن وطنه. ~~فاقتربت منها أيريس السريعة القدمين، وتحدثت إليها بقولها: «انهضي، ~~يا ثيتيس، فإن زوس - ذا المشورات الخالدة - يستدعيك إليه!» فردت ~~عليها الربة ثيتيس - الفضية القدمين - قائلة: «ولماذا يستدعيني ذلك ~~الرب العتيد؟ إنني أحجم عن مخالطة حشد الخالدين؛ إذ إن قلبي مثقل ~~بهموم لا حصر لها. ومع ذلك فسأذهب، ولن تكون كلمته بغير طائل، ~~مهما يكن حديثه!» # قالت الربة الفاتنة هذا، وأخذت خمارا أسود اللون، لم يكن هناك ~~أشد منه سوادا، وانطلقت في طريقها، تتقدمها أيريس السريعة، بقدمين ~~كالريح. وأخذت أمواج البحر تنشق حولهما، حتى إذا خرجتا إلى ~~الشاطئ، ودخلتا إلى السماء، وجدتا ابن كرونوس - الذي يدوي صوته ~~بعيدا - جالسا وحوله حشد جميع الآلهة المباركين الخالدين. فجلست ~~إلى جانب الأب زوس، وأفسحت لها أثينا مكانها، وقدمت إليها هيرا ~~كأسا ذهبية بديعة، وحيتها بعبارات الترحيب. فشربت ثيتيس، وأعادت ~~الكأس ثانية. ثم تكلم - أولا - أبو الآلهة والبشر أولا، فقال: ~~«أيتها الربة ثيتيس، لقد جئت إلى أوليمبوس رغم كل همومك، ورغم أن ~~قلبك مثقل بأحزان لا عزاء لها، فإنني أعلم ذلك من تلقاء نفسي. ~~على أنني سأخبرك بالسبب الذي استدعيتك من أجله إلى هنا. لقد نشب ~~صراع بين الآلهة الخالدين، لتسعة أيام، من جراء جثة هكتور، وأفعال ~~أخيل سلاب المدن. إنهم يريدون الإيعاز إلى أرجايفونتيس الحاد ~~البصر، بأن يسرق الجثة، ولكن اسمعي أي مجد أهب أخيل؛ لأنني أود - ~~في الوقت ذاته - أن أصون كرامتك وودك، انطلقي بأقصى سرعتك إلى ~~الجيش، وأعلني أمري لابنك. أنبئيه بأن الآلهة غاضبة عليه؛ لأنه في ~~ثورة غضبه يستبقي هكتور عند السفن المدببة ولا يرده إلى قومه، عله ~~يخافني ويعيد هكتور. وسأرسل في الحال أيريس إلى بريام العظيم ~~القلب، لتأمره بالذهاب إلى سفن الآخيين، ليفدي ابنه العزيز، ويحمل ~~إلى أخيل هدايا تدخل السرور ms491 إلى نفسه!» # هكذا قال، ولم تتردد الربة، ثيتيس اللجينية القدمين، في إطاعة ~~أمره، فانطلقت هابطة من ذؤابات أوليمبوس، وبلغت كوخ ابنها. فوجدته ~~هناك يبكي ويئن، ومن حوله أصدقاؤه الأعزاء، يعدون في عجلة طعام ~~الصباح وفي الكوخ كبش، ضخم أشعث، قد ذبح لهم. فجلست أمه الجليلة ~~بقربه، وربتت كتفه بيدها، ونادته باسمه قائلة: «أي بني، إلى متى ~~تمزق قلبك بالبكاء والحزن، دون أن تفكر في الطعام أو الفراش؟ كان ~~خليقا بك أن تضطجع في حضن امرأة؛ لأنني أخبرك أنك لن تبقى طويلا ~~على قيد الحياة، وإنما يقف الموت قريبا منك، وكذا القدر العتيد، ~~والآن أصغ إلي، فإنني موفدة إليك من لدن زوس. إنه يخبرك بأن ~~الآلهة غاضبون عليه، وأنه نفسه - فوق جميع الخالدين - مليء بالسخط؛ ~~لأنك في ثورة غضبك، تحتفظ بهكتور عند السفن المدببة، ولا ترده ~~ثانية، هيا، سلمه وخذ فدية في مقابله!» فرد عليها أخيل - السريع ~~القدمين - بقوله: «ليكن كذلك، إن كان الأوليمبي نفسه يأمر به، ~~ويصمم قلبه على تحقيقه. فمن يحضر الفدية، يحمل الميت!» # هكذا تكلمت الأم وابنها وسط حشد السفن بكلمات كثيرة مجنحة. وأرسل ~~ابن كرونوس أيريس - في الحال - إلى طروادة المقدسة، قائلا لها: ~~«هيا يا أيريس، اتركي موطن أوليمبوس، واحملي النبأ إلى داخل ~~طروادة، إلى بريام العظيم الشجاعة، أن يذهب إلى سفن الآخيين ويفدي ~~ابنه العزيز، حاملا إلى أخيل الهدايا التي تدخل السرور إلى قلبه. ~~وليذهب وحده، دون أن يرافقه أي رجل آخر من الطرواديين. ويجوز أن ~~يكون برفقته شيخ مسن، ليقود البغال والعربة السريعة الجري، ويعود ~~ثانية إلى المدينة بجثة الميت الذي قتله أخيل. لا تجعليه يفكر في ~~الموت أو في أي خوف، فسنعطيه مرشدا ~~كهلا - هو أرجايفونتيس - ليصحبه ~~إلى مقربة من أخيل. فإذا ما دخل الكوخ، فلن يقتله أخيل، ولن يكلف ~~أحدا آخر بقتله، لأنه ليس مجردا من الحكمة، وليس قصير النظر أو ~~شريرا. بل إنه سيعامل الرجل المتضرع بكل ضروب الرأفة.» # هكذا قال، وأسرعت أيريس العاصفة القدمين تحمل رسالته. # بريام يستعد لافتداء الجثة! # وإذ ms492 بلغت منزل بريام، وجدت فيه صراخا وعويلا. وكان أولاده ~~يجلسون حوله - داخل القاعة - يبللون ثيابهم بالدموع، والملك المسن ~~وسطهم ملتفا بعباءته، وقد جللت رأسه وعنقه أوساخ كثيرة مما جمعه ~~في يديه وهو يتمرغ في الثرى. وكانت بناته وزوجات أبنائه يبكين في ~~جميع أنحاء البيت، من أجل المحاربين العديدين الشجعان الذين قتلهم ~~الأرجوسيون. فاقتربت رسولة زوس من بريام، وتحدثت إليه بصوت رقيق، ~~ولكن الرعشة تملكت من أطرافه، فقالت: «تشجع، يا بريام، يا ابن ~~داردانوس، ولا تخف قط. إنني لم آت إلى هنا لأصيبك بأذى، ولكني ~~موفدة إليك من لدن زوس. الذي يوليك عناية وشفقة بالغتين رغم بعده ~~عنك. إن الأوليمبي يأمرك بأن تفتدي هكتور العظيم، فتحمل إلى أخيل ~~الهدايا التي تدخل السرور إلى قلبه، ولتذهبن وحدك ولا يصحبنك أي ~~رجل آخر من الطرواديين، اللهم إلا تابع مسن، ليقود البغال والعربة ~~الخفيفة الجري، ثم يعود إلى المدينة بالميت، الذي قتله أخيل. ولا ~~تفكر في الموت ولا تهابن شيئا، فسيصحبك مرشد - هو أرجايفونتيس ~~- الذي سيقودك، حتى يصل بك قريبا من أخيل. وعندما تبلغ داخل ~~الكوخ، فلن يقتلك أخيل نفسه، ولن يكلف أحدا آخر بقتلك، فما هو ~~بعديم الحكمة، ولا قصير النظر، ولا شرير، بل إنه بكل شهامة يبقي ~~على من يلوذ به!» # وما إن أتمت أيريس السريعة القدمين كلامها، حتى انصرفت. فأمر ~~الملك أولاده بإعداد العربة والبغال السريعة الجري، وأن يثبتوا ~~عليها الصندوق المصنوع من خشب الصفصاف. ثم هبط إلى خزانة كنوزه ذات ~~السقف المقبب، والمعطرة بخشب الصندل، وكان بها ما لا يحصى من ~~النفائس. واستدعى إليه زوجته هيكابي، وقال لها: «يا سيدتي، لقد بعث ~~إلي زوس برسول أوليمبي، يأمرني بالذهاب إلى سفن الآخيين لأفتدي ~~ابني العزيز، وأحمل إلى أخيل الهدايا التي تسر قلبه. هلمي، وخبريني ~~بما ترينه في هذا. أما أنا، فإن رغبة قلبي تلح في الذهاب إلى هناك، ~~إلى السفن، وإلى داخل معسكر الآخيين الفسيح.» هكذا قال، ولكن زوجته ~~أطلقت صيحة حادة، وأجابته قائلة: «وا حسرتاه! أين ذهبت حكمتك التي ~~اشتهرت ms493 بها منذ القدم، بين الأغراب وبين من هم تحت حكمك؟ كيف تود ~~الذهاب بمفردك إلى سفن الآخيين لتقابل الرجل الذي قتل أبناءك ~~العديدين الشجعان؟ إن قلبك لمن حديد حقا، فلو أنك وقعت في منطقة ~~نفوذه، وأبصرتك عيناه - وهو المفترس العديم الوفاء - لما رحمك، ~~ولما احترمك بحال ما. كلا، لنبك الآن بعيدا عمن نبكيه، ماكثين ~~هنا في قصرنا. فهذا ما نسجته ربة القدر العتيدة بخيطها عند مولده، ~~عندما أنجبته أنا نفسي! لقد كتب عليه أن يشبع نهم الكلاب السريعة ~~الأقدام بعيدا عن والديه، في موطن رجل طاغية، أتمنى أن أنشب ~~أسناني في أعماق قلبه وأنهشه، عندما آخذ بثأر ابني، فإن ابني لم ~~يمت جبانا قط، وإنما قتل وهو يواجهه مدافعا عن رجال ونساء ~~طروادة العريضات الصدور، دون أن يفكر في الاختفاء أو ~~الفرار.» # فرد عليها العجوز بريام الشبيه بالإله قائلا: «لا تحاولي ~~إبقائي هنا طالما أنا تواق إلى الذهاب، ولا تحاولي التأثير علي. ~~فلو أن من يأمرني بهذا من البشر القاطنين على وجه الأرض - سواء ~~أكان من العرافين الذين يتنبئون عن طريق الذبيحة أو من الكهنة - ~~لجاز لنا أن نرى الأمر باطلا، ولرغبنا عنه، ولكنني سمعت الربة ~~بأذني رأسي، ونظرت إلى وجهها، سأنطلق فورا، ولن يضيع كلامها ~~سدى، ولو كان مقدرا لي أن أموت بجوار سفن الآخيين المدرعين ~~بالبرونز، فليكن هذا! فليقتلني أخيل في الحال، بعد أن أمسك ولدي ~~بساعدي، وأشبع رغبتي في البكاء!» وإذ قال هذا، رفع أغطية الصناديق ~~الضخمة، وأخرج منها اثني عشر ثوبا جميلا، واثنتي عشرة عباءة ذات ~~ثنية واحدة، وعددا لا يحصى من الأغطية، وأكبر عدد ممكن من ~~العباءات البيضاء ومثلها من المعاطف. ووزن عشرة تالنتات من الذهب، ~~وركيزتين لامعتين، وأربع قدور، وكأسا في غاية الإبداع، قدمها إليه ~~رجال تراقيا عندما كان مبعوثا إلى هناك، فكانت تحفة بالغة القيمة، ~~ومع ذلك فلم يتركها الشيخ في قصره؛ لأنه كان شديد الرغبة في افتداء ~~ابنه العزيز. ثم طرد جميع الطرواديين من الرواق، وعيرهم بعبارات ~~السباب قائلا: «اخرجوا من هنا، ms494 أيها التعساء، يا من جلبتم العار ~~علي! أما لديكم أحزان في بيوتكم، حتى تجيئوا لي هنا فتغيظوني؟ ~~ألا يكفي أن زوس بن كرونوس جلب علي هذا الحزن، ففقدت ابني خير ~~الرجال؟ أنتم أنفسكم ستعانون بسبب موته، فلسوف يسهل على الآخيين أن ~~يقتلوكم. أما أنا فليتني أذهب إلى بيت هاديس قبل أن ترى عيناي ~~المدينة منهوبة ومخربة!» # قال هذا، وأعمل صولجانه في الرجال، فانصرفوا من أمامه مسرعين. ثم ~~نادى أبناءه هيلينوس، وباريس، وأجاثون العظيم، وبامون، وأنتيفونوس، ~~وبوليتيس الرائع في صيحة الحرب، ودايفوبوس، وهيبوثوس، وديوس ~~المجيد. نادى هؤلاء التسعة بصوت مرتفع، وأصدر إليهم أمره قائلا: ~~«أسرعوا أيها الأولاد الأخساء، يا من جلبتم علي الخزي والعار، ~~ليتكم قتلتم جميعا بدلا من هكتور، بالقرب من السفن السريعة! ~~ويحي، لقد اكتمل نحسي، إذ أنجبت - في طروادة الفسيحة - أبناء ~~شجعانا، ولكن أحدا من هؤلاء لم يبق لي! لا ميستور الشبيه ~~بالإله، ولا ترويلوس المحارب سائق العربات، ولا هكتور الذي كان ~~إلها وسط البشر، ولم يكن يبدو ابن إنسان فان، وإنما إله، كل ~~هؤلاء قتلهم أريس، ولم يترك لي سوى أبناء يتصفون بكل شائنة. فمنهم ~~كاذب اللسان، وأعرج القدم، ومن لا مثيل له في ضرب الأرض عند الرقص، ~~وسارق الحملان والجداء من قطعانكم. أعدوا لي عربة بسرعة، وضعوا ~~بداخلها كل هذه الأشياء ، حتى ننطلق في طريقنا!» # هكذا تكلم، فجزعوا لصياح أبيهم، وأحضروا - لفورهم - العربة ~~السريعة الجري التي تجرها البغال. وكانت جميلة وحديثة الصنع. ~~وثبتوا فيها الصندوق الصفصافي، وأنزلوا عن مشجبها نير البغال، ~~نيرا من خشب البقس به مقبض أحكم تثبيته بحلقات للتوجيه ~~والقيادة. ثم ثبتوا رباط النير - البالغ طوله تسع أذرع - في النير، ~~وثبتوا النير فوق المحور المصقول الطرف، والمقوس إلى أعلى، وأدخلوا ~~الحلقة في الوتد، وربطوها جيدا بالمقبض بثلاث ثنيات - يمينا ~~ويسارا - ثم ثبتوها في القضيب الرأسي، وأنزلوا الخطاف من تحتها. ~~ولما انتهوا من ذلك، حملوا الكنوز من المخزن وكوموها داخل العربة ~~المصقولة، فدية تفوق الحصر في مقابل رأس هكتور ثم ربطوا - إلى ~~النير - البغال القوية ms495 الأظلاف، التي أعطاها الموسيون لبريام ~~يوما، كهدية قيمة. ثم أسرجوا للملك الشيخ جيادا كان يحتفظ بها ~~لنفسه، ورباها في حظيرته اللامعة. # هكذا كان كلاهما يعدان عربتهما في القصر الشاهق - التابع وبريام ~~- وكلاهما يحسن الظن في قلبه. وعندئذ أقبلت هيكابي مهمومة القلب، ~~تحمل في يمناها خمرا عسلية داخل كأس من العسجد، ليستطيعا تقديم ~~سكيبة قبل رحيلهما. ثم وقفت أمام الجياد وقالت لبريام: «خذ هذه، ~~وقدم الآن سكيبة للأب زوس، وصل له كي تعود ثانية إلى بيتك من عند ~~العدو، ما دام قلبك يبعث بك نائيا إلى السفن، رغم عدم رغبتي في ~~رحيلك. ثم صل لابن كرونوس - سيد السحب القاتمة - رب أيدا، المطل ~~على أرض طروادة، واطلب منه طائر البشرى، ذلك الرسول السريع الذي ~~يعتبره أعز الطيور وأشدها قوة. فليظهر فوق يمناك، حتى إذا شاهدت ~~العلامة بنفسك، اطمأننت إليها، ومضيت في طريقك إلى سفن الدانيين ~~ذوي الجياد السريعة، أما إذا لم يمنحك هذا زوس الذي يحمل صوته ~~نائيا، فلن أشجعك إطلاقا على الذهاب إلى سفن الأرجوسيين، مهما ~~يكن شوقك إلى الرحيل.» # فأجابها بريام - الشبيه بالإله - قائلا: «زوجتي، لن أهمل نصيحتك ~~هذه. فمن الخير التضرع إلى زوس، عله يرحم!» # هكذا قال الرجل العجوز، وأمر مدبرة البيت - القائمة بالخدمة - أن ~~تصب على يديه ماء نظيفا. فاقتربت الأمة تحمل في يديها حوضا ~~وأبريقا. وبعد أن غسل يديه، تناول الكأس من زوجته، وصلى واقفا ~~وسط الساحة، وسكب الخمر متطلعا إلى السماء، قائلا بصوت مرتفع: ~~«أبتاه زوس، يا من تحكم من أيدا، أيها الأمجد، أيها الأعظم، اكتب ~~لي أن أجد ترحيبا وإشفاقا في كوخ أخيل، وأرسل طائر البشرى - أسرع ~~رسول وأعز الطيور لديك، وأشدها قوة - ليظهر فوق يمناي، حتى إذا ما ~~رأيت العلامة بعيني رأسي، وثقت بأمرك، وانطلقت في طريقي إلى سفن ~~الدانيين ذوي الجياد السريعة.» وإذ صلى هكذا، سمعه زوس المستشار، ~~فأرسل في الحال نسرا - هو أعظم العلامات تأكيدا بين الطيور ~~المجنحة، النسر الأشعث الصياد، الذي يسميه البشر النسر الأسود - ~~وبقدر امتداد باب الخزانة العالية السقف، ms496 خزانة الرجل الغني ذات ~~الأبواب المحكمة الإغلاق بالمزاليج، كذلك كان جناحا الطائر يمتدان ~~إلى هذا الجانب وذاك، فظهر - إلى اليمين - فوق المدينة. فلما رأوه ~~طفحت قلوبهم غبطة وسرورا. # رحيل بريام! # وفي الحال أسرع الشيخ يعتلي عربته، وقادها بعيدا عن الأبواب ~~والرواق الفسيح. ومن الأمام جرت البغال العربة ذات العجلات ~~الأربع، يسوقها أيدايوس الحكيم القلب، ومن الخلف أقبلت الجياد، ~~يسوقها الرجل الهرم بسرعة خلال المدينة، وقد تبعه جميع أقربائه ~~يبكون عاليا، وكأنهم يبكون شخصا يسعى إلى حتفه. فلما ابتعد بريام ~~وتابعه عن المدينة وبلغا السهل، قفل أبناء بريام وأزواج بناته ~~راجعين إلى طروادة. ولم يكن زوس قد فطن إلى بريام وزميله وهما ~~يتقدمان فوق السهل. بيد أنه لم يكد يبصره، حتى أشفق عليه، وخاطب ~~ابنه العزيز هيرميس قائلا: «أي هيرميس، بما أنك تفوق غيرك رغبة في ~~مرافقة البشر، وتعير من تحب أذنا صاغية، فاصحب بريام إلى سفن ~~الآخيين الجوفاء، ولا تجعل أحدا يراه من الدانيين أو يفطن إليه، ~~حتى يصل إلى ابن بيليوس!» # هكذا قال، فلم يتردد الرسول «أرجايفونتيس» في الإصغاء إليه، ~~وانتعل لفوره نعليه الذهبيين الجميلين الخالدين، اللذين كانا ~~يحملانه فوق مياه البحر، وعلى أديم الأرض الفسيحة، بسرعة الريح. ~~وتناول الصولجان الذي ينيم به عيون من يشاء، ويوقظ به عيون آخرين. ~~وطار «أرجايفونتيس» القوي - والصولجان في يده - فبلغ أرض طروادة ~~بسرعة، وكذلك الهيليسبونت. وانطلق في صورة أمير شاب، يتدلى شاربه ~~الرقيق فوق شفته، ويتجلى في محياه سحر الشباب. فلما شاهده الآخران ~~خلف ربوة طروادة العظيمة، أوقفا البغال والجياد عند النهر لتستقي؛ ~~إذ كان الظلام يخيم على الأرض. عندئذ أطل التابع، ففطن إلى ~~وجود هيرميس قريبا جدا، فقال لبريام: «تنبه يا ابن داردانوس، ~~فها هو ذا أمر يتطلب منك التفكير السديد. إني أرى رجلا مقبلا، ~~وأعتقد أننا سرعان ما سنمزق إربا. هلم لنهرب بالعربة، أو على ~~الأقل نمسك ركبتيه ونتوسل إليه أن يرحمنا!» # وإذ قال هذا، اضطرب عقل الرجل العجوز، وتفاقم أساه، وتصلب الشعر ~~فوق أطرافه الغضة، ووقف حائرا مبهوتا، ولكن ms497 المعين أقبل من تلقاء ~~نفسه، وأمسك بيد الشيخ الهرم، وسأله بقوله: «أبتاه، إلى أين تسرع ~~بجيادك وبغالك هكذا في دجى الليل الخالد، بينما ينام غيرك من ~~البشر؟ ألا ترهب الآخيين الذين يلقون الرعب في النفوس، أولئك ~~الأعداء العديمي الرحمة القريبين جدا منك؟ لو أن أحدهم رآك تحمل ~~مثل هذه النفائس في بهيم الليل الداجي، فماذا تراك فاعلا؟ وأنت ~~لست فتيا، وزميلك رجل وهن عظمه، فلن يستطيع الدفاع عنك، أو ~~حمايتك من رجل يبادرك بالعدوان. أما أنا، فلن أمسك بسوء، بل ~~سأذود عنك ضر الآخرين؛ إذ أراك شبيها بأبي العزيز.» # فرد عليه بريام الشيخ - الشبيه بالإله - قائلا: «إن الأمور ~~لتجري كما قلت يا ولداه. ولا بد أن يكون هناك إله ما يشرف علي، ~~إذ أرسل لي مرشدا مثلك يصحبني، ذا بركة، جميل المحيا، لطيف ~~الحديث، وفضلا عن كونك حكيم القلب، فلا بد أنك تنحدر من أبوين ~~مباركين.» # فعاد الرسول «أرجايفونتيس» يتحدث إليه قائلا: «صواب جميع ما ~~قلت، ولكن أخبرني - وصارحني القول - أتحمل هذه الكنوز العديدة ~~والنفائس الفريدة إلى شعب غريب، لتحفظها وديعة هناك، أم آن لكما ~~الأوان أن تهجرا طروادة المقدسة في هلع، بعد أن هلك بطل بالغ ~~العظمة، هو أشرف الجميع، ابنك الذي لم ينثن عن محاربة الآخيين؟» ~~فأجابه بريام الشيخ - الشبيه بالإله - قائلا: «من أنت أيها الشاب ~~النبيل، ومن أي أبوين تنحدر؟ فإني أراك تتحدث هكذا بمنتهى الكياسة ~~عن مصير ابني التعيس.» وإذ ذاك، قال له الرسول أرجايفونتيس: «إنك ~~لا تختبرني - أيها السيد الشيخ - بسؤالك إياي عن هكتور العظيم، ~~فكثيرا ما رأته عيناي في القتال، حيث يفوز الرجال بالمجد. وكان ~~يسوق الأرجوسيين إلى السفن، حيث يقتلهم بالبرونز الحاد، فكنا نقف ~~هناك ونعجب من أخيل إذ لا يأمرنا بالقتال، قد امتلأ سخطا على ابن ~~أتريوس. إنني تابعه، وقد حملتنا إلى هنا نفس السفينة المتينة ~~الصنع. إنني أحد المورميدون، ابن بولوكتور الغني بالمادة، والمسن ~~مثلك، وله ستة أبناء أنا سابعهم. فلما تقاسمنا بالأزلام، وقع علي ~~الاختيار أن أدلج إلى هنا. فها ms498 أنا ذا أجيء الآن إلى السهل من ~~السفن؛ لأن الآخيين سيدبرون - في الفجر - معركة حول المدينة، وقد ~~سئموا الجلوس هناك خاملين. ولا يستطيع ملوك الآخيين أن يكبحوا جماح ~~تلهفهم إلى الحرب!» # وهنا قال الشيخ بريام، الشبيه بالإله: «إذا كنت تابع أخيل بن ~~بيليوس حقا، فتعال وخبرني بالحق. هل ما زال ولدي حتى الآن بجانب ~~السفن، أم أنه مزقه إربا، ورمى به إلى الكلاب؟» فأجابه الرسول ~~أرجايفونتيس، قائلا: «كلا يا سيدي الشيخ، لم تنهشه الكلاب أو ~~الطيور بعد، فهو ما زال موجودا هناك بجانب سفن الآخيين - وسط ~~الأكواخ - كما كان أولا. وهذا هو اليوم الثاني عشر لوجوده هناك، ~~ولكن لحمه - مع ذلك - لم يفسد قط، ولم تأكله الديدان، كما تأكل من ~~يتردون في ميدان القتال. حقا أن أخيل يجره بلا رحمة حول رابية ~~صديقه الحميم. كلما بزغ الفجر المقدس، ولكن جسمه لم يشوه رغم ~~ذلك. وإنك لتعجب إذا ذهبت ورأيت كيف يرقد ناضرا مبللا بالندى، ~~ونظيفا من الدم، لم يتسخ جسمه في أي موضع، وجميع جراحه - التي ~~أصيب بها - ملتئمة، رغم كثرة من غيبوا البرونز في جسده، فلا بد أن ~~الآلهة المباركين يهتمون بابنك، رغم كونه جثة هامدة، إذ كان عزيزا ~~على قلوبهم!» # وإذ علم الشيخ بهذا، اغتبط وقال: «أي بني، ما أجمل أن تقدم ~~للخالدين ما يستحقون من قرابين وهدايا! فما حدث قط أن نسي ابني في ~~ساحاتنا - طوال حياته - الآلهة المقيمين في أوليمبوس؛ ولذلك حفظوا ~~له هذا الصنيع بالرغم من موته! هلم، يا بني، خذ مني هذه الكأس ~~البديعة، واحرسني حتى تصل بي - بسرعة الآلهة - إلى كوخ ابن ~~بيليوس.» فخاطبه الرسول أرجايفونتيس قائلا: «إنك تمتحنني أيها ~~السيد الشيخ، لأنني أصغر منك سنا، ولكنك لن تغلبني. كأني بك ~~تحرضني على أن آخذ منك هدايا لا يعلم أخيل عنها شيئا! إنني أخاف ~~وأستحي في قلبي أن أغشه، حتى لا يصيبني شر فيما بعد. ومع كل، ~~فسأصحبك كمرشد حتى تبلغ أرجوس المجيدة، وأخدمك بإخلاص، سواء في ~~سفينة سريعة أو سيرا على الأقدام، ms499 ولن يستخف أحد بقيادتي ويهجم ~~عليك.» # قال المساعد هذا، ثم وثب يعتلي العربة خلف الجياد، وأمسك السوط ~~والأعنة، ونفث في الجياد والبغال قوة عظيمة. فلما وصلت إلى الأسوار ~~والخندق الذي يحرس السفن، كان المراقبون منهمكين في إعداد عشائهم، ~~فسكب الرسول أرجايفونتيس النوم فوق كل هؤلاء، وفتح الأبواب في ~~الحال، ودفع المزاليج إلى الخلف، وأدخل بريام والهدايا الرائعة ~~الموجودة بالعربة. وسارا حتى بلغا كوخ ابن بيليوس، ذلك الكوخ ~~الشاهق الذي بناه المورميدون لمليكهم، وقطعوا له أخشابا من شجر ~~الصفصاف، وجمعوا الأعشاب من المروج فصنعوا له منها سقفا، وجعلوا ~~لمليكهم حوله ساحة كبرى ذات أعمدة عظيمة، يغلق بابها بمزلاج واحد ~~من خشب الصفصاف. وكان الباب يتطلب عادة ثلاثة من الآخيين، حتى ~~يدفعوه إلى الوراء، وثلاثة آخرين لجذب المزلاج الضخم. أما أخيل ~~فكان يدفعه إلى الداخل وحده. كذلك فتح هيرميس المعين الباب للشيخ، ~~وأدخل الهدايا المجيدة لابن بيليوس السريع القدمين، وهبط إلى ~~الأرض، وقال: «سيدي العجوز، إنني - أنا الذي جئت إليك - إله خالد، ~~إنني هيرميس، وقد أوفدني إليك الأب لأرشدك في طريقك. والآن. سأعود ~~أدراجي، حتى لا يراني أخيل. فمن دواعي النقمة أن يبدي إله خالد ~~إكراما للبشر الفانين. ادخل وأمسك ركبتي ابن بيليوس وتوسل إليه ~~بأبيه وأمه الجميلة الشعور وولده، كي تحرك في نفسه عاطفة ~~الشفقة.» # بين بريام وأخيل! # وإذ قال هيرميس هذا، رحل إلى أوليمبوس الشامخ. وقفز بريام من ~~عربته إلى الأرض، فترك أيدايوس ممسكا بالجياد والبغال، وانطلق ~~فورا صوب المنزل الذي اعتاد أخيل - حبيب زوس - أن يجلس فيه. ووجده ~~جالسا هناك، ولم يكن معه سوى المحاربين أوتوميدون والكيموس - نسل ~~أريس - منهمكين في خدمته. وكان قد انتهى منذ فترة وجيزة من الطعام ~~والشراب، ولكن المائدة كانت لا تزال قائمة إلى جانبه. فدخل بريام ~~دون أن يراه هؤلاء. وما إن اقترب من أخيل، حتى أمسك ركبتيه ~~بيديه، وقبل يديه البشعتين - قاتلتي البشر - اللتين قتلتا ~~أبناءه العديدين. وكما يحدث عندما يحل عمى القلب على من يقتل ~~إنسانا في وطنه، ثم يهرب إلى أرض ms500 الغرباء، ويلجأ إلى بيت أحد ~~الأثرياء، فيتملك العجب من يبصرونه، هكذا تملك العجب أخيل عند ~~رؤيته بريام - الشبيه بالإله - كما تملك الآخرين أيضا، فراح كل ~~منهم ينظر إلى الآخر! ولكن بريام استمر في توسله قائلا: «تذكر ~~أباك يا أخيل الشبيه بالآلهة، أباك الذي في عمري، على عتبة ~~الشيخوخة المفجعة. إنه مثلي تماما، يقصر من حوله من الناس في ~~معاملته، وليس هناك من يدفع عنه الخراب والهلاك، ولكنه مع ذلك يسر ~~عندما يبلغه أنك لا تزال حيا، ويأمل - يوما بعد يوم - أن يرى ~~ابنه العزيز عائدا من أرض طروادة. أما أنا، فإنني غير مبارك قط؛ ~~إذ إنني أنجبت أبناء كانوا خير من في أرض طروادة الفسيحة، ولكن ~~أحدا منهم لم يبق لي، كان لي خمسون ابنا عندما قدم أبناء ~~الآخيين: تسعة عشر ولدوا لي من رحم واحد، والآخرون أنجبتهم نساء ~~القصر الأخريات. فأرخى أريس سيقان كثير من هؤلاء. والذي بقي لي ~~ليحرس وحده المدينة والبشر بنفسه، قتلته أنت أخيرا وهو يدافع عن ~~وطنه، وأعني هكتور! لهذا جئت إلى سفن الآخيين لأسترده منك، وقد ~~حملت لك معي فدية تفوق الحصر. اتق الآلهة يا أخيل وارحمني، وتذكر ~~أباك. إنني منكوب أكثر مما هو بمراحل، كما أني تحملت ما لم يتحمله ~~إنسان آخر على وجه الأرض. فإنني أمد يدي إلى قاتل أبنائي!» # هكذا قال، فأثار في أخيل الرغبة في البكاء من أجل أبيه، وأمسك ~~بيد الشيخ فأبعده عنه برفق. ثم أخذا يتذكران في موتاهما، وبكيا، ~~بكى هذا بكاء حارا - من أجل هكتور قاتل البشر - وهو يحبو عند ~~قدمي أخيل، بينما بكى أخيل أباه مرة، بكى باتروكلوس مرة أخرى. ~~وارتفع نحيبهما في جميع أرجاء المنزل. وبعد أن بكى أخيل كفايته، ~~وسرى الحنين عن قلبه وأطرافه، انتصب واقفا من مقعده، وأقام الرجل ~~المسن من يده، مشفقا على رأسه الأشيب ولحيته البيضاء، وتحدث إليه ~~بكلمات مجنحة قائلا: «آه، أيها الرجل التعيس، الحق أنك تحملت ~~نكبات كثيرة. كيف واتتك الشجاعة لتحضر بمفردك إلى سفن الآخيين، ~~وتلتقي بي، أنا ms501 الذي قتلت أبناءك العديدين؟ حقا، إن قلبك لمن ~~حديد! هيا، استرح واجلس على مقعد، ولنهدئ من أحزان قلبينا، رغم ~~ما بنا من آلام، فلا فائدة من البكاء الحاد. فهكذا نسج الآلهة ~~الخيط للبشر المنكودين، الذين يتحتم عليهم أن يقاسوا الآلام، بينما ~~لا يعرف الآلهة الحزن! ذلك أن على أرض زوس قارورتين مملوءتين ~~بالهدايا التي يمنحها، إحداهما للسيئات والأخرى للحسنات. فمن أعطاه ~~زوس - الذي يقذف الصاعقة - حظا مختلطا، لقي الشر حينا، والخير ~~حينا آخر. أما الذي لا يمنحه إلا من قارورة السيئات، فإنه يغدو ~~محتقرا من البشر، ويتولاه الجنون الفظيع فوق سطح الأرض المقدسة، ~~فيهيم على وجهه غير مبجل من الآلهة أو البشر! هكذا منحت الآلهة ~~بيليوس الهدايا المجيدة منذ ميلاده؛ إذ كان يفوق جميع الناس ملكا ~~وثروة، وكان ملكا على المورميدون. وبالرغم من كونه بشرا، فقد ~~زوجته الآلهة ربة، ومع ذلك فإن الآلهة جلبت عليه الشر؛ إذ لم تدع ~~أحدا من نسله الأمراء ينشأ في قصره. وإنما أنجب ابنا واحدا، ~~كتب له الموت في غير أوان؛ إذ إنني لا أرعاه في شيخوخته، بل أقيم ~~بعيدا عن وطني - في أرض طروادة - جالبا الكدر عليك وعلى أولادك ~~وقد سمعنا عنك، أيها السيد الشيخ. إنك مبارك منذ القدم. وكنت سيدا ~~- بسبب ثروتك وأبنائك - على جميع البلاد الممتدة إلى البحر، وتضم ~~لسبوس - حيث عرش ماكار - وفروجيا، في المرتفعات، والهيليسبونت ~~الفسيح، ولكن آلهة السماء جلبت عليك هذا البلاء، وجعلت المعارك ~~وسفك دماء البشر حول مدينتك بغير انقطاع. تحمل يا سيدي، ولا ~~تستسلم للبكاء، فلن يجديك الحزن على ولدك شيئا، ولن يعيده إلى ~~الحياة، وإلا مسك - قبل ذلك - شر آخر!» # فأجابه العجوز، بريام الشبيه بالإله، بقوله: «لا تجلسني على كرسي ~~يا سليل زوس، طالما أن هكتور ملقى وسط الأكواخ. كلا، رده إلي ~~بسرعة، كي تراه عيناي. وتفضل بقبول الفدية الكبيرة - التي أحضرتها ~~- عسى أن تسر بها، وتعود إلى وطنك، ما دمت قد أبقيت علي من ~~البداية.» فقطب أخيل حاجبيه غاضبا وقال: «لا تستفزني بعد ذلك، ~~أيها ms502 السيد الشيخ، فإني عازم - من تلقاء نفسي - على أن أرد إليك ~~هكتور، إذ جاءني رسول من عند زوس والأم التي أنجبتني، ابنة عجوز ~~البحر. أما أنت يا بريام، فإنني أحس في قلبي - ولا يخف علي قط - ~~أن إلها ما قد رافقك إلى سفن الآخيين السريعة. فما من إنسان يجرؤ ~~على المجيء وسط الجيش، ما لم يكن فتيا وقويا، وإلا لما نجا من ~~الرقابة، ولما سهل عليه أن يجذب إلى الخلف مزلاج أبوابنا؛ ومن ثم ~~فلا تثر شجون قلبي بعد ذلك - أيها الشيخ - خشية ألا أفلتك أنت ~~أيضا داخل أكواخي، رغم قدومك إلي متضرعا، وبذلك أقترف إثما في ~~حق زوس.» # هكذا تكلم، فاستولى الخوف على الشيخ، ورضخ لقوله. وقفز ابن ~~بيليوس كالأسد بعيدا عن المنزل، ولم يكن وحده، بل ذهب معه تابعان، ~~هما المحاربان أوثوميدون والكيموس، اللذان كان أخيل يبجلهما أكثر ~~من جميع أصدقائه، بعد موت باتروكلوس. فخلى هؤلاء الجياد والبغال من ~~تحت النير، وقادا تابع الملك الشيخ إلى الداخل، وأجلساه على مقعد، ~~وحملاه الفدية التي لا حصر لها من العربة ذات العجلات العظيمة، ~~مقابل رأس هكتور، تاركين فيها رداءين وعباءة بديعة النسج، كي يلف ~~فيها أخيل الميت لينقل إلى وطنه. ثم استدعى أخيل الإماء وأمرهن ~~بغسل جسد الميت وتعطيره. فحملنه إلى مكان منعزل كي لا يراه بريام، ~~خشية ألا يستطيع السيطرة على حقده إبان حزن قلبه - عندما يرى ~~ابنه - فيهيج غضب أخيل ويقتله، وبذلك يأثم في حق زوس. فلما فرغت ~~الإماء من غسل الجثة ودهنها بالزيت، ألبستها معطفا جميلا وعباءة. ~~ثم رفعها أخيل ووضعها فوق المنصة، وساعده أصدقاؤه في وضعها على ~~العربة المصقولة. ثم أطلق أخيل أنينا، ونطق باسم صديقه العزيز ~~قائلا: «لا تغضب مني يا باتروكلوس، فقد سمعتك في بيت هاديس تلومني ~~على تسليمي هكتور العظيم إلى أبيه العزيز، إن الفدية التي أعطانيها ~~جديرة بك، وسأجعل لك منها ما يليق بك!» # وإذ قال أخيل العظيم ذلك، عاد ثانية إلى داخل الكوخ، وجلس على ~~المقعد الفاخر الصنع، الذي كان قد ms503 نهض عنه، وتحدث إلى بريام ~~قائلا: «ها قد رددت إليك ابنك، أيها السيد الشيخ، حسب رغبتك. إنه ~~فوق محفة، وعند الفجر ستراه بنفسك، وتحمله من هنا. أما الآن ~~فلننصرف إلى العشاء. فإن نيوبي الجميلة الشعر لم تنصرف عن الطعام، ~~رغم موت اثني عشر طفلا في قصرها؛ ست بنات وستة بنين أشداء. أما ~~البنون، فإن أبولو كان قد قتلهم بسهام من قوسه الفضية، إذ كان ~~غاضبا من نيوبي، وأما البنات، فقد قتلتهن القواسة أرتيميس؛ لأن ~~نيوبي كانت تحدث ليتو الجميلة الخدين بقولها إن الربة لم تنجب ~~سوى اثنين، بينما هي أم منجبة، وهكذا فتك الربان بأبناء نيوبي ~~جميعا، فظلوا راقدين في دمائهم تسعة أيام، ولم يكن هناك من ~~يدفنهم، لأن ابن كرونوس أحال القوم أحجارا. حتى إذا كان اليوم ~~العاشر، تولت الآلهة دفنهم، وفكرت نيوبي في الطعام؛ لأنها كانت ~~متعبة من كثرة البكاء والدموع التي ذرفتها بغزارة. ورغم أنها الآن ~~في مكان ما وسط الصخور، فوق الجبال المنعزلة، في سيبولوس - التي ~~يقول الناس إن فيها مخادع الربات، الحوريات اللائي يرقصن بسرعة حول ~~أخيلوس - ورغم أنها حجر، إلا أنها لا تزال تفكر في المحن التي ~~جاءتها من لدن الآلهة. فلننصرف نحن أيضا إلى الطعام، أيها الشيخ ~~النبيل، وفيما بعد تنتحب على ولدك العزيز عندما تحمله إلى طروادة . ~~فلسوف تبكيه بدموع سخينة!» # وما إن قال أخيل السريع ذلك، حتى هب واقفا، وذبح خروفا أبيض ~~الجزة، وقام أصدقاؤه بسلخه وإعداده جيدا كما يجب، وقطعوه شرائح ~~بمهارة، وسفدوا الشرائح، وشووها بعناية، ثم أخرجوها كلها من ~~السفود. وجاء أوتوميدون بالخبز، فوضعه على المائدة في أسقاط بديعة، ~~بينما تولى أخيل أمر اللحم؛ ومن ثم مدوا أيديهم إلى الطعام الفاخر ~~المعد أمامهم. وبعد أن أشبعوا رغبتهم في الطعام والشراب، أعجب ~~بريام بن داردانوس بأخيل؛ فما كان أجمله، وما كان أعظمه! كان المرء ~~يخال أنه يرى إلها في شخصه! كذلك أعجب أخيل ببريام بن داردانوس؛ ~~إذ كان مهيب الطلعة وهو يتطلع إليه ويصغي إلى حديثه. وبعد أن فرغا ~~من ms504 النظر - كل منهما إلى الآخر - كان بريام الهرم، الشبيه ~~بالإله، أول من تكلم، قائلا: «أرني فراشي بسرعة، يا سليل زوس، ~~حتى يمكننا - وقد داعب النوم أجفاننا - أن نستريح ونحظى بمتعة ~~النعاس، فإن عيني لم تذوقا النوم منذ أن فقد ابني حياته على ~~يديك، بل كنت دائم البكاء والتفكير العميق في أحزاني العديدة، ~~وأنا أحبو وسط الأقدار في الأماكن القريبة من القصر. أما الآن فقد ~~ذقت طعم اللحم، وشربت الخمر، بعد أن كنت على الطوى!» # وأمر أخيل أصدقاءه وإماءه بإعداد الأسرة تحت الدهليز، وفرشها ~~بالملاءات الأرجوانية الجميلة، وتزويدها بالأغطية، وإعداد العباءات ~~الصوفية فوقها ليلبسوها في نومهم. وفي الحال خرجت الإماء من القاعة ~~يحملن المشاعل في أيديهن، وبسطن فراشين بهمة سريعة. وإذ ذاك، قال ~~أخيل - السريع القدمين - لبريام، في تهكم: «ارقد في الخارج، أيها ~~الشيخ العزيز - لئلا يأتي إلى هنا أحد مستشاري الآخيين - الذين ~~اعتادوا المجيء إلى جانبي لتبادل المشورة - فلو أن أحدهم لمحك في ~~دجى الليل، فقد يبلغ الأمر إلى ~~أجاممنون - راعي الجيش - فيعرقل ~~تسليم الجثة. والآن خبرني، اصدقني القول: كم يوما تعتزم إقامة ~~الواجبات الجنائزية نحو هكتور العظيم، حتى أكبح جماح الجيش طيلة ~~هذه المدة؟» فأجاب بريام العجوز - الشبيه بالإله - قائلا: «إذا ~~كنت تريدني حقا على أن أقيم فروض الدفن لهكتور العظيم، إذن فاعمل ~~حسب رغبتي يا أخيل، حتى أستطيع أداءها. إنك تعرف أننا محبوسون داخل ~~المدينة، بعيدا عن الجبل الذي نقتطع منه الأخشاب. وإن الطرواديين ~~لفي ذعر بالغ، سنبكيه في بيوتنا تسعة أيام، وسندفنه في اليوم ~~العاشر، ونولم الولائم للقوم، ونقيم فوق فقيدنا رابية، في اليوم ~~الحادي عشر، ثم سنقاتل في الثاني عشر، إذا اقتضى الأمر.» # فرد عليه أخيل العظيم، السريع القدمين، بقوله: «فليكن ما تريد، ~~يا بريام الشيخ، وسأرجئ القتال إلى الأجل الذي تطلبه!» قال هذا، ~~وأمسك يمنى الرجل العجوز من رسغها، حتى لا يتطرق الخوف إلى قلبه. ~~ثم استلقيا ليناما في الساحة الخارجية للقصر - بريام وتابعه - ~~بقلبين زاخرين بالطمأنينة بينما رقد أخيل بداخل الكوخ المتين ~~البناء ونامت ms505 إلى جواره بريسايس الجميلة الخدين. # ونام جميع الآلهة والبشر - سادة العربات - طوال الليل، وقد غلبهم ~~النعاس الرقيق، ما عدا هيرميس المعين، فإن الكرى لم يقترب منه، بل ~~راح يفكر في كيفية العودة بالملك بريام بعيدا عن السفن، دون أن ~~يراه حراس الأبواب الأقوياء. فوقف عند رأسه وتحدث إليه قائلا: ~~«سيدي الشيخ، إنك لا تفكر الآن في أي شر، وأنت تنام هكذا وسط ~~العدو؛ لأن أخيل أبقى عليك، وصحيح أنك افتديت ابنك بثمن باهظ، ولكن ~~حياتك أنت قد تكبد أولادك - الذين خلفتهم وراءك - ثلاثة أضعاف هذه ~~الفدية، إذا علم بأمرك أجاممنون بن أتريوس، أو جيش ~~الآخيين!» # فما إن سمع الشيخ هذا حتى ذعر، فأيقظ التابع، ووضع هيرميس لهما ~~الجياد والبغال تحت النير، وساقها بنفسه بخفة عبر المعسكر دون أن ~~يفطن إليهم أي رجل. حتى إذا بلغوا مخاضة النهر الصافي الجريان - ~~كسانثوس الدوام، الذي أنجبه زوس الخالد - رحل هيرميس إلى أوليمبوس ~~القريب، بينما انتشر الفجر الزعفراني الثوب، على سطح الأرض كله. ~~فقادا الجياد باكيين إلى المدينة، وقد حملت البغال الميت. ولم ~~ينتبه إليهما أي فرد - سواء أكان رجلا أو امرأة جميلة الزنار - ~~ولكن كاساندرا، نظيرة أفروديت الذهبية، صعدت فوق بيرجاموس، فرأت ~~أباها العزيز واقفا داخل العربة مع التابع - منادي المدينة - كما ~~رأت ذلك الراقد فوق المحفة داخل العربة التي تجرها البغال. فأطلقت ~~صرخة حادة، وراحت تصيح في جميع أرجاء المدينة قائلة: «هلموا يا ~~رجال طروادة ونساءها، هيا إلى مشاهدة هكتور، الذي كان يسركم أن ~~تروه عائدا - من المعركة - حيا، فقد كان مصدر فرح عظيم للمدينة ~~وسائر الشعب!» # ما إن قالت هذا، حتى لم يبق داخل المدينة رجل واحد ولا امرأة، ~~فقد ألم بالجميع حزن لا سبيل إلى احتماله، فهرعوا إلى الأبواب ~~يستقبلون بريام، وهو يحمل الميت إلى وطنه. فجاءت أولا زوجة هكتور ~~العزيزة وأمه الجليلة، وارتمتا على العربة السريعة الجري، وأمسكتا ~~رأسه في وقت واحد، وهما تبكيان وتمزقان شعورهما. وانقض القوم ~~حولهما ينتحبون. وظلوا اليوم بطوله يبكون هكتور حتى مغيب الشمس، ~~ذارفين ms506 الدموع السواجم خارج الأبواب. وأخيرا تكلم الشيخ من ~~العربة، قائلا: «أفسحوا طريقا لمرور البغال، ثم ابكوا - بعد ذلك ~~- ما شاء لكم أن تبكوا - بعد أن نقله إلى المنزل.» فلما قال هذا، ~~انتحى القوم جانبا وأفسحوا طريقا للعربة، أما الآخرون، فبعد أن ~~حملوه إلى المنزل المجيد، وأرقدوه فوق فراش موشى، وإلى جانبه وقف ~~خير النائحات اللواتي ينشدن المراثي أثناء النحيب، ورحن ينشدن، ~~فاستغرقت النساء حولهن في العويل. وفي وسط أولئك، بدأت «أندروماخي» ~~- البيضاء الساعدين - النحيب، حاملة طوال الوقت رأس هكتور قاتل ~~البشر بين ذراعيها، وهي تقول: «وا زوجاه، يا من تركت الحياة وأنت ~~في ريعان شبابك، وتركتني في قصرك أرملة، وما زال ابنك طفلا! ذلك ~~الابن، الذي ولد لأبوين منكودين - أنا وأنت - وما أظنه سيبلغ سن ~~الرجولة؛ إذ ستكون هذه المدينة قد خربت عن بكرة أبيها، قبل ذلك؛ ~~لأنك مت يا من كنت تحرسها، وتصون زوجاتها النبيلات وأطفالها ~~الصغار. هؤلاء - كما أعتقد - سرعان ما سيؤخذون في السفن الجوفاء، ~~وأنا بينهم، وأنت يا ولدي، ستتبعني إلى مكان تقوم فيه بأعمال لا ~~تليق بك، كادحا تحت رحمة سيد خلا من الشفقة، أو قد يلقي القبض ~~عليك أحد الآخيين، ويقذف بك من أعلى السور - فيا لها من ميتة بشعة! ~~- في نقمته على هكتور الذي ربما كان قد قتل أخاه أو أباه أو ابنه؛ ~~إذ إن كثيرا من الآخيين قد عضوا الأرض الفسيحة بأسنانهم على يد ~~هكتور؛ لأن أباك لم يكن قط رحيما في الحرب البغيضة؛ ولذا يبكيه ~~القوم في كل مكان بالمدينة! أي هكتور، لقد جلبت على والديك هما ~~وحزنا لا يوصفان، وتركت لي محنا مفجعة أكثر مما أصاب جميع ~~الأخريات. فما عدت تمد لي يديك من فراشك بعد موتك. ولا تحدثني بأية ~~كلمة حكيمة أفكر فيها ليلا ونهارا، وأنا أسكب الدموع!» # هكذا قالت وهي تبكي، فبكت معها السيدات. وقامت «هيكابي» بدورها ~~وسطهن، تقود النحيب الشديد قائلة: «هكتور، يا أعز جميع أولادي إلى ~~قلبي، لقد كنت عزيزا على الآلهة في حياتك؛ لذا كانوا يهتمون ms507 بك ~~رغم تعرضك للموت! فكل من استولى عليهم أخيل - السريع القدمين - من ~~أبنائي، كان يبيعهم عبر البحر الصاخب، في ساموس وأمبروس، وليمنوس ~~المغطاة بالدخان. # 3 # أما أنت، فعندما سلبك الحياة - بالبرونز الطويل ~~النصل - راح يجرك كثيرا حول رابية صديقه باتروكلوس الذي قتلته، ~~ولكنه لم يستطع أن يرد إليه الحياة بذلك، والآن، ها أنت ترقد في ~~قصري ناضر الجسم رطبه، كما لو كنت حديث القتل، أو كواحد ممن ~~يهاجمهم أبولو - ذو القوس الفضية بسهامه الرقيقة - فيرديهم!» هكذا ~~تكلمت وهي تبكي، وأثارت بكاء لا يفتر. ثم جاءت هيلينا - وكانت ~~ثالثة من تزعمن العويل - فقالت: «أي هكتور، يا أعز سائر إخوة زوجي ~~إلى قلبي! لقد أحضرني زوجي ألكساندر الشبيه بالإله إلى أرض طروادة، ~~فليتني مت قبل هذا! هذه هي السنة العشرون منذ أن رحلت من وطني، ومع ~~ذلك فإنني لم أسمع منك - طيلة هذه المدة - كلمة شريرة ولا خبيثة ~~قط. كلا، إذا كان هناك من لامني في القصر، فإنه أخ لي أو أخت، أو ~~شقيقة زوج - جميلة الثياب - أو أمك. ولقد كان أبوك لطيفا معي ~~دائما، كما لو كان أبي! وكنت تدافع عني بالكلام وتردعهم برقة روحك ~~وألفاظك الوديعة؛ لذا أبكيك كما أبكي نفسي التعيسة - والغم يملأ ~~قلبي - فلم يعد لي بعد الآن في «طروادة» الفسيحة، من يكون رقيقا ~~معي أو رحيما بي، بل سيجفوني الرجال جميعا ويعرضون عني!» هكذا ~~قالت وهي تبكي، وعندئذ انخرط الجمع في العويل. # ثم نهض الشيخ بريام يتحدث وسطهم، قائلا: «هيا، يا رجال طروادة، ~~أحضروا الحطب الآن، وانطلقوا إلى المدينة دون خوف ولا وجل، فلن ~~ينصب لكم الأرجوسيون كمينا؛ إذ وعدني أخيل - عندما شيعني من السفن ~~السوداء - أنه لن يقوم حيالنا بأي عمل عدائي، إلا عندما يحل فجر ~~اليوم الثاني عشر!» فما إن قال هذا، حتى وضعوا النير فوق أعناق ~~الثيران والبغال، وشدوها إلى العربات، واحتشدوا معا بسرعة أمام ~~المدينة. واستمروا يجلبون كميات هائلة من الحطب لمدة تسعة أيام. ~~حتى بزغ فجر اليوم العاشر، ينشر الضوء على البشر، ms508 فحملوا هكتور ~~الجريء، وهم يذرفون الدموع، ووضعوه فوق كومة الحطب، وأشعلوا ~~النار! # وما إن عاد الفجر المبكر - ذو الأنامل الوردية - ثانية، حتى ~~احتشد القوم حول كومة حطب هكتور المجيد، ثم أخذوا يخمدون لهيب كومة ~~الحطب بالخمر، بقدر ما كانت النيران قد بلغت قمتها. وبعد ذلك شرع ~~إخوته وأصدقاؤه يجمعون العظام البيضاء، وهم ينتحبون، والدموع تجري ~~غزيرة على خدودهم. ثم وضعوا العظام في قارورة ذهبية، ولفوها ~~بأثواب أرجوانية ناعمة، وأسرعوا بوضع القارورة في كهف عميق، غطوه ~~بأحجار ضخمة، رصوها حجرا بجانب آخر. وهكذا ارتفعوا بالرابية في ~~سرعة ووضعوا حولها المراقبين من كل جانب، خشية أن ينقض عليهم ~~الآخيون المدرعون جيدا، قبل الميعاد. ولما انتهوا من إقامة ~~الرابية، اجتمعوا سويا، وأولموا وليمة مجيدة في قصر بريام، الملك ~~المنحدر من زوس. # وهكذا أقاموا الطقوس الجنائزية لهكتور مستأنس الجياد. ms509