######OpenITI# #META# URI: 1418AminSalama.Udisa.Hindawi53174061 #META# Tags: history :: literature #META# ID: 53174061 #META# Title: الأوديسة #META# AuthorID: 19291904 #META# Author: هوميروس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 16952470 #META# Translator: أمين سلامة #META# Related_books: 0001Homeros.Odysseia (TRANSL) #META#Header#End# # كلمة لا بد منها‏ # مولد هوميروس‏ # القيمة الأدبية للملاحم الهومرية‏ # أدب ما قبل العصر الهومري‏ # تحليل الإلياذة‏ # الأوديسة‏ # تحليل الأوديسة‏ # الأنشودة الأولى‏ # الأنشودة الثانية‏ # الأنشودة الثالثة‏ # الأنشودة الرابعة‏ # الأنشودة الخامسة‏ # الأنشودة السادسة‏ # الأنشودة السابعة‏ # الأنشودة الثامنة‏ # الأنشودة التاسعة‏ # الأنشودة العاشرة‏ # الأنشودة الحادية عشرة‏ # الأنشودة الثانية عشرة‏ # الأنشودة الثالثة عشرة‏ # الأنشودة الرابعة عشرة‏ # الأنشودة الخامسة عشرة‏ # الأنشودة السادسة عشرة‏ # الأنشودة السابعة عشرة‏ # الأنشودة الثامنة عشرة‏ # الأنشودة التاسعة عشرة‏ # الأنشودة العشرون‏ # الأنشودة الحادية والعشرون‏ # الأنشودة الثانية والعشرون‏ # الأنشودة الثالثة والعشرون‏ # الأنشودة الرابعة والعشرون‏ # كلمة لا بد منها‏ # مولد هوميروس‏ # القيمة الأدبية للملاحم الهومرية‏ # أدب ما قبل العصر الهومري‏ # تحليل الإلياذة‏ # الأوديسة‏ # تحليل الأوديسة‏ # الأنشودة الأولى‏ # الأنشودة الثانية‏ # الأنشودة الثالثة‏ # الأنشودة الرابعة‏ # الأنشودة الخامسة‏ # الأنشودة السادسة‏ # الأنشودة السابعة‏ # الأنشودة الثامنة‏ # الأنشودة التاسعة‏ # الأنشودة العاشرة‏ # الأنشودة الحادية عشرة‏ # الأنشودة الثانية عشرة‏ # الأنشودة الثالثة عشرة‏ # الأنشودة الرابعة عشرة‏ # الأنشودة الخامسة عشرة‏ # الأنشودة السادسة عشرة‏ # الأنشودة السابعة عشرة‏ # الأنشودة الثامنة عشرة‏ # الأنشودة التاسعة عشرة‏ # الأنشودة العشرون‏ # الأنشودة الحادية والعشرون‏ # الأنشودة الثانية والعشرون‏ # الأنشودة الثالثة والعشرون‏ # الأنشودة الرابعة والعشرون‏ # | الأوديسة # | الأوديسة # تأليف # هوميروس # ترجمة # أمين سلامة # شمس «أبولو» تشرق بأشعتها على ~~أناشيد الأوديسة. # | كلمة لا بد منها # لأول مرة أحس بأنني أقدم شيئا نفيسا للقارئ العربي. # ولأول مرة أجدني فخورا بتقديم هذا السفر الثمين الرائع. # ولعل القارئ يدرك لأول وهلة مقدار الجهد الذي بذلته في نقل هذا ~~التراث الخالد من لغته الأصلية نقلا لا يرقى إليه الشك، في ثوب لا ~~يقل عن ثوبه الأصيل جمالا وروعة. # ولكم يسعدني أن أكون أول مصري، بل أول عربي، قد أوفى هوميروس، ~~ذلك الشاعر الفريد، حقه علينا، بأن ترجمت له ملحمتيه الأزليتين ~~السرمديتين! # ومما لا شك فيه أن كل من سبق له أن قرأ «الإلياذة» مترجمة عن ~~النص اليوناني ضمن «مطبوعات كتابي» المشهورة، ليتحرق شوقا إلى ~~قراءة «الأوديسة» أيضا مترجمة عن مصادرها الأصلية وعن اللغة التي ~~كتبها بها هوميروس، فلتة زمانه وكل زمان حتى هذا الأوان. # ولست مكبرا أو معظما هذا ms001 المجهود بدون وجه حق أو استحقاق، ~~ولكنني أدرك ما أقول، وأستبين خطورة ما أجاهر به من أن ترجمتي ~~لإلياذة هوميروس فيما مضى، ثم ترجمتي اليوم للأوديسة لنفس هذا الشاعر ~~الجبار لتعد في حد ذاتها ووحدها، في تاريخ المكتبة العربية ~~والنهضة الفكرية الشرقية، حدثا جللا خطيرا لا يمكن لأحد أن يغض ~~الطرف عنه أو أن يدعه يمر عليه مر الكرام. # وليس هوميروس الشاعر، كسائر الشعراء، ولا هو كأي من الأدباء أو ~~القصصيين، بل يفوقهم الكثير، ويفوقهم بما هو أكثر من الكثير. # ولئن كان هوميروس يحتل بين الشعراء المكانة الأولى منذ الأزل حتى ~~اليوم، فإن ملحمتيه «الإلياذة» و«الأوديسة» لتحتلان كذلك الصدارة من ~~دون ما وصلنا حتى عصرنا من ملاحم وقصص رائعة. # هذه إذن «أوديسة» هوميروس، ملحمة هذا الشاعر الفطحل، وهي قصة شعرية ~~بل ملحمة قصصية راسخة متينة البنيان، مكينة الأركان، تصور لنا ~~أمورا لها العجب العجاب، وترسم لنا أحداثا يشيب لهولها الولدان، ~~وتحمل إلينا أجواء مفعمة بالعجائب والغرائب تبهرنا بروعتها، فتزهق ~~أرواحنا حينا، وتبعث الأنفاس فينا طورا. # البطل أوديسيوس # أوديسيوس. # طوفان من الوقائع والروائع في خضم من ~~الأحداث الممتعة الشيقة يقوم بها بطل من أمجد أبطال الإغريق، ومن ~~أكثرهم براعة في الأعمال وجسارة في القتال ومهارة في الخداع ~~والاحتيال. # هذا هو «أوديسيوس» # Odysseus # أو ~~«أولوسيس» # Ulysseus # أو ~~«أوليكسيس» # Ulyxes # أو «أوليكسيس» # Ulixes ~~، ابن لايرتيس # Laertes # ملك «إيثاكا» # Ithaka # و«أنتيكليا» # Anticlea # الذي تزوج بينيلوبي Penelope # وأنجب منها ابنا اسمه تيليماخوس # Telemachus ~~. # نعم، هذا هو أوديسيوس - كما كان يحب الأغارقة أن يسموه - ~~أشهر أبطال الإغريق الصناديد؛ لأنه كان يفوقهم في الصيت وبعد ~~الشهرة. # إصابة أوديسيوس # ولأوديسيوس هذا - في شبابه - حكاية؛ فقد حدث أن التقى بخنزير ~~بري أثناء الصيد الذي اشترك فيه ذات يوم عند زيارة جديه في ~~بارناسوس Parnassus # فجرحه الخنزير ~~في ركبته أثناء صراعه معه، فترك هذا أثرا في جسمه. # قوس أوديسيوس # أوديسيوس يحمل قوسه ~~المشهور. # واشتهر أوديسيوس أيضا بقوس له قصة، كان أبوه قد أرسله إلى ~~لاكيدايمون # Lecedaemon # في سفارة، ~~فأهداه صديقه ms002 المضيف «إيفيتوس» # Iphitus # قوس «يوروتوس» # Eurytus # المشهور الذي ساعده في مناسبات طيبة. ~~وبعد مضي عدة سنوات قام أوديسيوس برحلة ثانية ليحصل من ورائها ~~على سم لسهامه، طاف فيها حتى وصل «بافوس» Paphos # لأن صديقا له يدعى «إلوس» # Ilus # كان يسكن عن قرب، رفض الظعن ~~خوفا من الآلهة. # دور أوديسيوس في زواج هيلينا # وكان أدويسيوس في ذلك الحين، أو قبيل ذلك، قد انضم إلى جماعة ~~خطاب «هيلينا» # Helen # الذين ~~وافقوا جميعا على فكرة أوديسيوس بأن يتركوا لهيلينا، أفتن نساء ~~عصرها، حرية اختيار زوجها، وأن يحموها في المستقبل وقت ~~الحاجة. # ولكم تمنى أوديسيوس أن يتزوج هيلينا هذه؛ فقد كانت في عيونه ~~حلوة كالشهد، بيد أنه لم يوفق كما لم يوفق غيره من ~~المتقدمين للزواج منها، ولكنه عزى نفسه بزواجه السابق من ~~بينيلوبي اللبيبة الغنية. وإلى هذا كان عليه أن يجنح إلى حياة ~~سهلة خالية من الهموم، فكان سعيدا وملكا قادرا شهيرا معروفا ~~بكرمه واحترامه للآلهة وخاصة زوس، كبير الآلهة، وأثينا، ربة ~~الحكمة. # زوجة أوديسوس # كانت بينيلوبي، إذن زوجة أوديسيوس بطل الأبطال، فمن هي بينيلوبي ~~هذه؟! # كانت بينيلوبي ابنة «إيكاريوس» # Icarius # والحورية «بيريبويا» Periboea ~~، أنجبت بعد زواجها من أوديسيوس ولدا ~~اسمه «تيليماخوس». # كان قد تقدم الكثيرون إلى بينيلوبي وهي عذراء يطلبون يدها، ~~ولكن والدها رفض أن يزوجها إلا لمن يفوز في سباق على الأقدام، ~~ففاز أوديسيوس إلا أن إيكاريوس أراد أن يحنث في وعده، فاقترح ~~أوديسيوس أن يترك الأمر لبينيلوبي تفصل فيه، فأبدت رغبتها في أن ~~تذهب معه بعد أن أخفت حمرة الخجل تحت النصيف. # وعندما سافر أوديسيوس إلى الحرب الطروادية كانت بينيلوبي لا تزال ~~فتاة في ريعان الصبا، كما كان تيليماخوس طفلا، فانتظرته عشرين ~~عاما استغرقت الحرب منها عشر سنين، وكان يتجول أوديسيوس في ~~العشر سنين الأخرى. # العشاق ينهبون وبينيلوبي تخدعهم # وليس غريبا أن يكون قد ~~التف حول منزل بينيلوبي، إبان غياب بعلها، كثير من طالبي يدها ~~وراغبي الزواج منها، ثم راحوا يجردونها من أملاكها، وينغصون ~~عليها عيشتها، قائمين في منزلها ليل ms003 نهار آكلين وشاربين، ينتظرون ~~كلمتها ورضوخها للزواج من أحدهم. # تيليماخوس مع أمه بينيلوبي ~~بجوار المنسج. # وقد أفلحت بينيلوبي، المخلصة في مراوغتهم ثلاث سنوات بأن احتجت ~~بأنها لا بد وأن تنسج كفنا للايرتيس والد أوديسيوس العجوز، ثم ~~تفصل في الأمر بعد أن يتم، ولكنها كانت تحل بالليل ما تنسجه ~~بالنهار. وأخيرا وشى بها خدامها وأطلعوا راغبي الزواج على حيلتها، ~~وتحرجت الحال لآخر درجة، حتى عاد أوديسيوس في ثوب سائل، ~~فتعرفت عليه زوجته مستعينة بعدة علامات، وابتهجت بعودة ~~أوديسيوس ورجوع سعادتها وهنائها. # كيف صور الشاعر زوجة البطل؟ # كانت بينيلوبي إذن تعتبر مثال الزوجة المخلصة التقية، الصالحة ~~الوفية التي صورها هوميروس في الأوديسة كامرأة رائعة الجمال ~~حميدة الخصال، كريمة ذكية فطنة وفية، محبة لزوجها وابنها محترمة ~~في بيتها، ماهرة في الفنون التربيبية، تتحمل المصائب بجلد وروية، ~~رقيقة الإحساس موقرة بين الناس. # أوديسيوس يتظاهر بالجنون # هيلينا وباريس. # نعود الآن إلى المغوار أوديسيوس لنذكر لك شيئا عن مغامراته ~~وأحاييله. # لما خطف «باريس» Paris ~~«هيلينا» من زوجها «مينيلاوس» # Menelaus ~~، قامت الحرب الطروادية. وبالرغم من ~~محاولات أوديسيوس السابقة لحماية مصالح هيلينا وزوجها، كان غير ~~راغب في الذهاب إلى الحرب، فتظاهر بالجنون وصار يحرث مع ~~الحيوانات التي لا يمكن وضع النير فوق أعناقها، وأخذ يبذر الملح ~~كأنه يبذر بذورا، ولكن «بالاميديس» Palamedes # أحد أبطال الإغريق، أدرك هذه الحيلة ~~واتهم أوديسيوس بادعاء الجنون، وبرهن على صحة قوله بأن وضع ~~تيليماخوس - ابنه الوحيد - في طريق المحراث ليرى هل سيتفادى ~~أوديسيوس ابنه. وترتب على ذلك أن ذهب أوديسيوس إلى الحرب تطن في ~~آذانه النبوءة المحزنة القائلة بأنه سوف لا يرجع إلى بلده إلا بعد ~~عشرين عاما، ويكون وحيدا معوزا مجهول الشخصية فاقدا جميع ~~سفنه ورفاقه. # حرب طروادة # والآن، ما الدور الذي لعبه أوديسيوس في تلك الحرب الضروس التي ~~قامت في «طروادة» # Troy # واستمرت ~~عشر سنوات من أجل الملعونة هيلينا؟! # عندما احتشدت السفن بالقرب من طروادة كانت سفن أوديسيوس ~~الاثنتا عشرة في وسط الصف عند الشاطئ حيث كان مركز القيادة العامة. ~~وكان ms004 أوديسيوس أحد الرؤساء العظام في هذه الحرب الذين اتصفوا ~~بالقوة والإقدام وسرعة العدو. وكان أشهر رجل في استخدام القوس ~~بعد «فيلوكتيتيس» Philoetetes ~~، ~~وكان هو المسئول عن النصر والدفاع العنيف ساعة اليأس، وبالأخص في ~~المشورة؛ إذ كان أحكم الجميع في وضع الخطط، وأكثرهم فصاحة وقوة ~~إقناع؛ ولذا كان سفيرا جديرا ورجلا عظيما يقضي على الخلافات ~~ويسوي الأمور التي تنشب بين الإغريق بدهائه وقوة تفكيره؛ فهو ~~الذي أعاد خروسايس # Chryseis # ثانية إلى أبيها بناء على رغبة «أجاممنون» # Agammemnon # أكبر قادة الإغريق. # أوديسيوس يتدثر في ملابس النساء # وقبل أن ينضم «أخيل» # Achilles # إلى قوات طروادة كان من مهام أوديسيوس البحث عن أخيل وحثه على ~~المجيء بعد أن كان مختفيا في قصر «اللوكوميديس» # Lycomedes # متنكرا في ملابس النساء تبعا للخطة ~~التي دبرتها أمه كي تحول بينه وبين الموت الذي ينتظره في ~~طروادة، فاخترق أوديسيوس باب القصر في زي بائع وعرض على السيدات ~~أسلحة بين السلع الأخرى التي تجذب رغبة النساء، فأعجب أخيل ~~بالأسلحة، وبذا كشف عن شخصه، واضطر إلى مصاحبة أوديسيوس مع ~~«أجاكس ~~التيلاموني» # Ajax the Telamonian # للحصول على درع أخيل ففاز به. # البطل هرقل. # كما أحضر «نيوبتوليموس» # Neoptolemus # بن أخيل إلى الحرب ليعمل محل أبيه، ~~وأقنع «فيلوكتيتيس» أن يدخل الحرب بعد أن صار معلوما أنه لا يمكن ~~الاستيلاء على طروادة إلا بسهام هرقل # Hercules # التي في حوزته، فتنكر أوديسيوس في ثوب بال ~~لأحد العبيد، ودخل طروادة مع ديوميديس # Diomedes # كجاسوس، ونجح في حمل البالاديوم Palladium ~~، وكان تمثالا ~~لأثينا. # حصان طروادة # حصان طروادة. # وإلى أوديسيوس يرجع الفضل في بقاء المدينة ~~يخيم عليها السلام طول مدة إقامته فيها. كما يرجع إليه الفضل ~~أيضا في سقوط المدينة أخيرا؛ إذ هو الذي وضع خطة الحصان الخشبي، ~~وقاد بنفسه جماعة المحاربين المختبئين داخله، وساعد في الاستيلاء ~~على هيلينا وأفلح في إرجاعها دون أن يلحقها أدنى ضرر، إلى ~~مينيلاوس. # عودة أوديسيوس من حرب طروادة # بولوفيموس العملاق وحيد ~~العين. # أوديسيوس أسفل الكبش. # وهكذا انقضت عشر سنين على غياب أوديسيوس عن ms005 ~~وطنه، وبعد ذلك ابتدأت العودة إلى إيثاكا # Ithaka # التي اتخذها هوميروس موضوعا لأوديسته # Odyssey ~~، فكانت أعظم وأول الأشعار ~~الحماسية مكانة. # رسا أسطول أوديسيوس في أول الأمر تكتنفه الرياح والأعاصير عند ~~«إسماروس» # Ismarus # مدينة ~~«الكيكونيين» # Ciconians # الذين ~~قتلوا عددا من رجاله دفاعا عن أنفسهم من النهب والسلب. وبعد ذلك ~~هبت ريح شمالية عاتية استمرت عدة أيام، فدفعت الأسطول ~~بعيدا إلى بلاد قوم يأكلون اللوتس، وبمجرد رسوهم أرسل ~~أوديسيوس إلى السكان ثلاثة سفراء من رجاله. فاستقبلوهم بكل ~~حفاوة وقدموا إليهم طعاما من اللوتس كان تأثيره عليهم أن ~~أفقدهم كل حنين إلى الأهل والوطن، فلما لاحظ أوديسيوس الخطر ~~المحدق به وبرجاله أمرهم أن يتعلقوا بالسفن ثانية، فأبحروا حيث ~~وصلوا إلى بلاد «الكوكلوبيس» # Cyclopes ~~، وهم عمالقة ليس لهم إلا عين واحدة، ~~يقطنون المغارات ويرعون الأغنام، فرسا على شاطئهم وخرج هو واثنا ~~عشر رجلا من زملائه الأشداء يجوسون خلال البلاد، فوجدوا كهفا ~~لأحد الكوكلوبيس يدعى بولوفيموس Polyphemus # الذي عندما رآهم في كهفه أمسك باثنين ~~منهم، وطرحهما أرضا وابتلعهما، وحبس البقية في الكهف، ووضع ~~حجرا ضخما على مدخله ليمنع خروجهم، ولكن أوديسيوس تغلب عليه ~~بدهائه، فأعطاه جرعات كبيرة من خمر شديدة التأثير كان قد أحضرها ~~معه. ولما نام من فعل الخمر وضع أوديسيوس قضيبا هائلا في النار ~~حتى استعر، وفقأ به عين بولوفيموس الذي هام على وجهه يصرخ داخل ~~الكهف وهو في سكرة الموت مناديا زملاءه لنجدته، فلما لبوا نداءه ~~وسألوه عما أصابه أجابهم أن نومان # Noman # يقتله (ومعنى نومان «لا أحد») إذ كان أوديسيوس ~~أخبره بأن اسمه «نومان» فتركوه وانصرفوا قائلين إذا كان لا أحد ~~يقتلك فلا بد وأن يكون ذلك فعل الآلهة، وهذه هي النهاية آتية من ~~عند زوس. # ولما قاد بولوفيموس الأعمى أغنامه في الصباح، ربط أوديسيوس ~~زملاءه تحت بطونها وهرب هو شخصيا بأن اختبأ تحت جسم كبش كبير، ~~وبذلك أفلت هو وزملاؤه من العملاق الذي كان يتحسس ظهور جميع ~~الأغنام وهي خارجة من باب الكهف. # ولما ركبوا سفنهم أخذوا يجدفون بسرعة، ولكن ms006 أوديسيوس لم ~~يطق كتمان شخصيته عن العملاق فنادى بأعلى صوته وأعلن اسمه ~~الحقيقي للعملاق، فتميز الكوكلوب من شدة الغيظ، وألقى بصخرة ~~هائلة نحو السفينة فأخطأها. # لعنة الكوكلوب تنزل على أوديسيوس # بوسايدون (إله البحر). # الساحرة كيركي ~~والخنازير. # هيرميس (رسول الآلهة ). # السيرينيس. # فصلى الكوكلوب الأعمى إلى أبيه بوسايدون Poseidon ~~، رب البحر، أن يعاقب ~~أوديسيوس فلا يعيده إلى وطنه، وإن سمح له بالرجوع إلى وطنه، ~~فليصل وحده وبعد كل مشقة وعناء، وتلاقيه صعاب هناك. # اقترب أوديسيوس بأسطوله من جزيرة أيولوس # Aeolus ~~، ملك الرياح، الذي أكرمهم عنده شهرا. وعند ~~رحيلهم سلط عليهم ريحا مواتية لتشق طريقهم إلى الوطن، بينما حجز ~~جميع الرياح والزوابع المضادة في حقيبة من الجلد، وأعطاها ~~لأوديسيوس ليحتفظ بها حتى يصل إلى وطنه. ولما صاروا قاب قوسين ~~أو أدنى من أرض الوطن فتح البحارة الحقيبة في أثناء نوم ~~أوديسيوس، فجرفتهم الأعاصير إلى أيولوس ثانية، فلم يستقبلهم هذه ~~المرة. # فأبحروا بصعوبة حتى وصلوا إلى بلاد اللايستروجونيين # Laestrygonians # التي جذب ~~ميناؤها إحدى عشرة سفينة فولجته. أما أوديسيوس فقد ظل خارج ~~الميناء، وكان حرصه هذا سببا في نجاته؛ لأن السكان المتوحشين آكلي ~~لحوم البشر أغرقوا جميع السفن الأخرى، وقتلوا رجالها، فنجا ~~أوديسيوس بسفينته. # فلما وصل إلى جزيرة إيايا # Aeaea # حيث كانت تحكم الساحرة كيركي # Circe # أرسل أوديسيوس رجاله لاستكشاف الجزيرة، ~~فحولتهم كيركي إلى خنازير، ولكن قائدهم يورولوخوس # Eurolochus # شك في أمرها فلم يذق ~~طعامها السحري، وبذا نجا وأخبر أوديسيوس بالأمر، فخف في الحال ~~لنجدة رفقائه، فقابله هيرميس # Hermes ~~، رسول الآلهة، في الطريق وأعطاه نباتا ~~واقيا من السحر، فتحصن به وذهب لمقابلة كيركي شاهرا سيفه ~~وهددها بالموت إن لم تطلق سراح رجاله، ففعلت ذلك وما هو أكثر ~~من ذلك؛ إذ استقبلتهم جميعا. وبهذا استمالت أوديسيوس فظل ~~بجوارها عاما. # وأخيرا حضه زملاؤه على الرحيل أولا لزيارة بلاد الكيمبريين # Cimbri # وهي جزء من مملكة ~~بلوتو Pluto ~~، رب الجحيم، لاستشارة ~~النبي تيريسياس # Teirisias # عن ~~مستقبله. وكان عليه أن يركب البحر كي يقوم بهذا، وأن يترك سفينته ~~تحت رحمة ms007 الرياح تسوقها أينما شاءت. # فعل ذلك وحط رحاله، وحفر خندقا يجري فيه دم الحيوانات التي ~~نحرها ذبيحة للآلهة، فتجمعت أرواح الموتى لتشرب من الماء، ~~فسمح أوديسيوس لتيريسياس أن يشرب فاسترجع قدرته على الحديث ~~وتفوه بالنصائح والمعلومات المطلوبة، ثم شربت والدة أوديسيوس ~~حتى صارت قادرة على إطلاعه على حالة الوطن السيئة، كما تكلم معه ~~كثير من أولئك القواد الأبطال الذين ماتوا في حرب طروادة؛ ومن ~~ثم عاد أوديسيوس إلى كيركي، وأقلع إلى وطنه هو وجميع رفاقه، ~~فسار بمركبه حذاء الساحل حيث غنت السيرينيس # Serines # تغوي الرجال إلى هلاكهم، فأراد أن يستمع ~~إلى أغنياتهن رغم تحذير كيركي جميع رجاله، إلا أن أوديسيوس أغلق ~~آذانهم بالشمع وأمرهم أن يجدفوا عبر السيرينيس، ورغم أنها ~~جذبته كثيرا كما جذبت الرجال الآخرين إلا أنه نجا. # أوديسيوس وسط وحوش البحر # أوديسيوس وسكولا. # هيليوس (إله الشمس). # بلوتو (رب الجحيم). # أما المغامرة التالية فقد أودت به خلال مضيق ~~يقوم على أحد جانبيه حيوان مخيف يسمى خاروبديس # Charybdes ~~، غاطسا في البحر ثلاثة ~~أيام بالقرب منه وفوق ظهره جميع السفن. كما تقوم على الجانب الآخر ~~سكولا # Scylla # التي لا تقل ~~بشاعة عن الوحش، وكانت تبتلع كل من يصل إليها برءوسها الكثيرة، ~~فتتبع أوديسيوس تعليمات كيركي، وبذلك صان مركبته من خاروبديس، ~~ولكنه أبحر بالقرب من سكولا كثيرا، ففقد ستة من رجاله استطاع ~~الوحش أن يمسك بهم أمام عيني رأسه. ووصلوا بعد ذلك إلى ~~ثريناكيا # Thrinacia # حيث كانت ~~تحجز ماشية هيليوس # Helius # الشمس. وكان أوديسيوس على وشك الرحيل لو لم تحذره كيركي ~~وتيريسياس بأنه إذا قتل هذه الحيوانات المقدسة يجلب على نفسه ~~عقابا قاسيا، ولكن رجاله طلبوا أن يستريحوا فترة؛ إذ كانوا في ~~حالة يرثى لها من شدة الإعياء والتعب، ووعدوه ألا يمسوا شيئا ~~منها، فوافق أوديسيوس. غير أن الرياح المضادة حالت بينهم وبين ~~الإبحار مدة طويلة حتى نفدت مئونتهم، فانتهزوا فرصة نوم أوديسيوس ~~ذات يوم وذبحوا بعضا من الماشية وأقاموا وليمة، فتألم هيليوس ~~من هذا التصرف واشتكى إلى زوس أمام الآلهة وطلب ms008 إنزال العقوبة ~~بهم، فلما ظعن أوديسيوس في النهاية، أرسل زوس عليهم ريحا صرصرا ~~عاتية حطمت المركب، وأغرقت جميع الرجال ما خلا أوديسيوس ~~لبراءته، فأمسك بحطام السفينة وحملته الأمواج إلى خاروبديس مرة ~~ثانية، غير أنه استطاع النجاة من شره بصعوبة بأن تعلق بشجرة عند ~~حافة الماء ثم جدف بيديه مستندا إلى كتلة خشبية، وبعد أيام ~~قذفته الأمواج إلى ساحل أوجوجيا # Ogygia # جزيرة كالوبسو # Calypso ~~، فاستقبلته الحورية بكل ترحاب، ثم هامت ~~بحبه وأبقته معها مدة تزيد على سبع سنوات، ثم اشتاق إلى وطنه ~~وكانت تنقصه السفينة والملاحون، فحاولت هي أن تثنيه عن عزمه بأن ~~وعدته الخلود والشباب الأبدي إن بقي معها، ولكن لم يجد ذلك ~~فتيلا. وأخيرا تشفعت له أثينا عند زوس فأرسل هيرميس يأمر ~~كالوبسو بمساعدته في الرحيل، فاشتركت معه في بناء زورق سطحي، ~~وأمدته بالمؤن اللازمة للرحلة، فظل يبحر عدة أيام حتى لمحه ~~بوسايدون من بعيد وأحدث زوبعة هشمت زورقه. وفي هذه المحنة ~~قدمت إليه ليوكوثيا # Leocothea # حورية البحر، وشاحا لفه حول وسطه فساعده كثيرا؛ إذ استطاع أن ~~يسبح به ثلاثة أيام تقريبا حتى وصل أخيرا إلى شواطئ سخوريا # Schyria ~~، أرض الفياكيس Phaeaces ~~. وكان هذا الشعب المسالم ~~القريب الوصول إلى الآلهة، شعبا مهنته الإبحار وديدنه فنون البحر، ~~وكانت لسفنه سرعة الطيور ولا تحتاج إلى مرشد يقودها؛ إذ إن السفن ~~نفسها لم تنقصها الفطنة. # ناوسيكا تنقذ أوديسيوس # استلقى أوديسيوس منهوك القوى من جراء كفاحه العنيف مع الأمواج، ~~فوق كومة من أوراق الأشجار بين الأعشاب، فجاءت في ذلك الوقت ~~ناوسيكا # Nausica # ابنة الملك إلى ~~الشاطئ تصحبها خادمتها كي تغسل ملابسها، وكانت أثينا قد أمرتها في ~~حلم أن تذهب هناك؛ لأنها أرادت منها مساعدة أوديسيوس، فأقلق ~~حديثهن أوديسيوس وتقدم إليهن يطلب المساعدة، فأزعجهن منظره، ~~ولكن توسلاته حركت ناوسيكا فوعدته بحماية والدها، وأعطته ملابس ~~جديدة استقبله بها الملك ألكينوس # Alcinous ~~، وبعد أن عرض أمام الملك شجاعته الرياضية ~~في المباريات، عاد إلى القصر ثانية واستمع إلى أنشودة ديمودوكوس # Demodocus # المغني الأعمى الذي ظل ~~يتغنى بحصان ms009 طروادة الخشبي، فحركت الأغنية مشاعر أوديسيوس، فبكى ~~أوديسيوس وأطلعهم على اسمه الذي كان معروفا لهم منذ زمن طويل، ~~وبناء على رغبة الملك أعاد أوديسيوس على مسامعه ذكريات مغامراته، ~~وتحقيقا لتوسلاته الملحة أرسل إلى وطنه على ظهر سفينة وقفت به ~~عند إيثاكا ثم أبحرت، ولكن بوسايدون في ثورة غضبه حولها إلى ~~حجر وثبتها في البحر كجزيرة صخرية. # عودة أوديسيوس إلى وطنه # يوروكليا تغسل قدمي ~~أوديسيوس. # وهكذا بعد مرور عشرين عاما عاد أوديسيوس ثانية إلى وطنه الأصلي، ~~بيد أن مخاطراته لم تكن قد انتهت بعد، فلما استيقظ جاءت إليه ~~أثينا وحذرته بأن كثيرا من شبان الوطن المتقدمين للزواج من ~~بينيلوبي، يقومون بإدارة الوطن في بيته بدلا من بينيلوبي نفسها ~~وابنها تيليماخوس، ثم حولت الربة شكله إلى شحاذ يلبس ~~أسمالا بالية لكي تحميه، فذهب في زيه هذا إلى كوخ يومايوس # Eumaeus # راعي خنازيره الأمين، ~~فاستقبله ولو أنه لم يتعرف عليه. وعند ذلك جاء تيليماخوس عائدا من ~~رحلته الطويلة التي كان يبحث فيها عن معلومات عن والده، فكشف ~~أوديسيوس القناع عن حقيقة شخصه، ووضعا معا الخطة التي يمكن بها ~~استرجاع الحكم. وفي اليوم التالي ذهب في حلته البالية إلى بيته ~~حيث لم يتعرف عليه أحد غير كلبه العجوز «أرجوس» # Argos # الذي مات من الفرح عند مقابلة سيده. أما ~~المتقدمون للزواج من بينيلوبي فسخروا منه، ولكن بينيلوبي أحسنت ~~استقباله، وأمرت خادمتها المسنة يوروكليا # Euryclia # أن تغسل قدمي الغريب. وفي أثناء قيامها ~~بغسل قدميه اكتشفت العلامة القديمة التي كان الخنزير الوحشي قد ~~تركها فيه منذ عدة سنوات، وبذلك تعرفت عليه. # مباراة تنقلب إلى مذبحة # يوروكليا تتعرف على ~~أوديسيوس. # وبأمر من أثينا اقترحت بينيلوبي إقامة مباراة بين طالبي الزواج ~~منها، وجعلت من حق الفائز أن يتزوجها؛ لأنها ظنت كما ظن الناس ~~جميعا أن أوديسيوس قد لقي حتفه؛ لأنها حتى هذه الآونة كانت ~~تنحيهم بنسيجها؛ إذ اتفقت أن تتزوج بعد أن تنتهي من ذلك النسيج. ~~وكانت تنسج بالنهار قليلا ثم تعود بالليل فتحل ما نسجته. وفي ~~النهاية اكتشف ms010 المتقدمون للزواج منها حيلتها، فاقترحت عليهم أخيرا ~~أن يحاول كل واحد منهم شد وتر قوس أوديسيوس الشهيرة ثم يطلق به ~~سهما خلال اثنتي عشرة حلقة متراصة في صف واحد، فوافق الجميع ~~إلا أنه لم يتمكن أحد من تركيب الوتر للقوس، فأعطى تيليماخوس ~~الشحاذ فرصة كي يجرب حظه وسط ضحك وسخرية المتقدمين للزواج، ~~فإذا بأوديسيوس يركب الوتر بمنتهى السهولة إلى قوسه ويقذف ~~بالسهم خلال الحلقات، ثم انتقى سريعا هدفا آخر وسدد سهما إلى ~~أكثر المتقدمين للزواج سفاهة فأرداه قتيلا، فأسرع الجميع يبحثون ~~عن أقواسهم وعدتهم التي سبق أن أخفاها تيليماخوس، ثم حاولوا ~~الهروب، بيد أن الأبواب كانت مغلقة. وبذلك تمكن أوديسيوس ~~وتيليماخوس وراعي الخنازير بمساعدة أثينا من قتل جميع المتقدمين ~~للزواج، ولكن بينيلوبي حتى هذه اللحظة لم تكن تثق بأنه هو أوديسيوس ~~حتى تبينت شخصيته تماما عندما قص عليها أسرارا كانت تعرفها ~~هي وحدها. وواجه أوديسيوس حربا أخرى عندما جاء أقارب المتقدمين ~~للزواج كي ينتقموا منه فهزمهم وأقام صرح السلام. ولو كان لنا أن ~~نؤمن بقول تيريسياس فإن أوديسيوس عمر طويلا، ومات أخيرا في ~~وطنه في هدوء وسلام. ~~••• # هذه كلمة جامعة لهذا العمل الذي بين يديك، وعجالة تكشف لك ~~دعامات القصة التي أنت بصدد قراءتها، مع تصوير لأبرز ~~أحداثها. ~~••• # بيد أنه لا تثريب علي لو وجدتني أنتقل من هذه العجالة إلى ~~موضوع آخر، إلى هوميروس نفسه، إلى الشاعر الذي ترجمنا لك أشعاره ~~في لذة تفوق الوصف؛ فمما لا شك فيه أنه جدير بعنايتنا وبالغ ~~اهتمامنا. # | مولد هوميروس # تواجهنا صعوبة في تحديد التاريخ والعصر اللذين عاش فيهما هوميروس. ~~وفي الواقع ليست هناك أية تواريخ محددة لمولده أو لمماته. والسبب ~~في ذلك يرجع إلى افتقارنا الشديد إلى تاريخ ثابت حقيقي جاء ذكره في ~~أي من ملحمتيه أو في أي مؤلف من مؤلفات معاصريه، ولأن باحثي ~~الآثار كذلك لم يتركوا لنا ما يشير إلى هذه التواريخ؛ إذ أغفلوا ذكر ~~البيانات الزمنية التي يمكننا أن نستند إليها؛ ولذا فأية محاولة منا ~~لتحديد العصر الذي عاش ms011 فيه هوميروس لا بد وأن تكون محاولة قائمة على ~~عنصر التخمين والحدس لا تعطي القارئ نتيجة حتمية بل نتيجة ~~تقريبية. # هوميروس. # ومع ذلك فهناك حقيقة سافرة وهي أن تاريخ هوميروس يمكننا أن نربطه ~~بتاريخ شاعر آخر يدعى هسيود # Hesiod # يقول البعض إنه عاش قبل هوميروس، كما يقول فريق آخر مثل هيرودتس # Herodotus # المؤرخ اليوناني الشهير إنه ~~وهوميروس عاشا في عصر واحد؛ أي إنهما متعاصران. بيد أن هناك من يقول ~~إن هسيود عاش في عصر يلي عصر هوميروس. وأصحاب هذا الرأي الأخير من ~~أمثال فيلوخوروس Philochorus # وإكسينيفون # Xenephon # وبوسيدونيوس Posidonius # يؤيدون رأي النقاد ~~الإسكندريين، فأيهم يحق لنا أن نصدق؟ # أما الذين يعتقدون بأن هسيود عاش في عصر سابق لعصر هوميروس فيؤيدون ~~وجهة نظرهم قائلين إن هسيود عاش في بداية حكم الملك أركسيبوس # Arxippos # في حين أن هوميروس عاش في نهاية ~~حكم هذا الملك، وبذا يضعون هسيود قبل هوميروس بثلاثين عاما تقريبا، ~~ولكن هناك دليلا قاطعا يثبت خطأ رأي هذا الفريق؛ إذ كيف ~~يحدثنا هسيود في منظومته «الأعمال والأيام» # Works and Days # عن عصر الأبطال، ~~ذلك العصر الذي جاء ذكره فقط في ~~منظومتي هوميروس؟ كيف تأتى له أن يذكر لنا ذلك العصر بالتفصيل ~~فيشوه بذلك حلقة العصور كما حاول أن يصورها هو لنا، فيحدثنا ~~عن عصر الأبطال الذي أبدع هوميروس في الحديث عنه؟ # أما الذين يميلون إلى الاعتقاد بأن هوميروس عاش في عصر سبق عصر ~~هسيود فمنهم من يرى أنه عاش قبله بقرن واحد من الزمان، وبذا يحدد ~~له عام 850 إلى 835ق.م.، ويؤيد هذا الرأي العالم كروازيه # Croiset # بقوله: إنه من المستحيل أن يكون ~~هوميروس قد عاش بعد عام 850ق.م. ويدعم رأيه قائلا: إن أثر الأشعار ~~الهومرية كان واسعا شاسعا، وشهرتها كانت قد وصلت الآفاق البعيدة في ~~الوقت الذي كانت فيه المنظومات الهسيودية لا تزال في دور الوضع أو قد ~~شارفت النهاية؛ ولذا لا يمكن إزاء هذا أن يكون هسيود قد عاش بأية حال ~~قبل نهاية العصر الهومري. # ولئن أخذنا برأي ms012 الذين يخبرون بمعاصرة هسيود لهوميروس، لاستطعنا أن ~~نحدد لكليهما تاريخا معينا، فهيرودتس أحد الذين يدينون بهذا الرأي ~~يقول: إن هوميروس وهسيود عاشا في عصر يسبق عصره بأربعمائة سنة تماما. ~~ولما كان هيرودتس قد ولد عام 484ق.م.، ومات عام 430ق.م.، إذن فلا بد ~~وأن شاعرينا قد عاشا في الفترة بين 884 و830ق.م.؛ أي ما يمكن لنا أن ~~نحدده بعام 850ق.م. تقريبا. وهذا تاريخ ينسب عادة إلى هوميروس ~~ويعضده الأديبان الإنجليزيان ألن # Allen # وبيرن # Burn ~~. # موقف هوميروس الأدبي # لعب هوميروس دورا عظيما في تسجيل أحداث زمانه، والترنم ~~بشجاعة رجاله وأبطاله، والإشادة بجسارة المحاربين الذين تفانوا في ~~الدفاع عن سمعة وطنهم وشرف نسائهم. # وكان هوميروس يعتبر معلما ولكنه - بخلاف هسيود، وريث عرش ~~الشعر من بعده - معلم غير مباشر؛ إذ كان دائما خياليا في فنه ~~وتصويره، حتى لنصدق إن قلنا إنه علم الشعراء الآخرين كيف ~~يتقنون فن الأكاذيب كما يجب، فضلا عن أنه راح يعلم بني جنسه ~~الشئون الحربية. # إذن كان الإغريق القدماء يعتبرون هوميروس شاعرهم التربوي، ~~وملقنهم الأوحد، ورائدهم الأعظم؛ ولذلك انتشرت أشعاره في نطاق ~~واسع. # ورغم اعتبار كل من هوميروس وهسيود معلمي العصور القديمة، ~~ورغم استعمالهما لهجة واحدة وأسلوبا واحدا، إلا أن هوميروس غير ~~هسيود، ومعلومات الأول غير معلومات الثاني، فالفرق بينهما شاسع بلا ~~شك؛ إذ لا يخاطب هوميروس غير الأشراف وطبقة الأرستقراطيين، ولا ~~يكترث بطبقات العوام ولا يلتفت إليها، بينما لم يهتم هسيود لغير ~~طبقة العوام، فالأخير بلا شك لسان حال هذه الطبقة. # الصخرة التي لم تستطع أمواج ~~الزمان أن تحطمها. # فلا تكرم إلياذة هوميروس وأوديسته غير طبقة الأشراف ولم ~~يوجه صاحبهما نظره قط إلى طبقة العامة؛ إذ يرى المرء أن هذه ~~الطبقة لا تتطلب من المرء أي اهتمام لما يصدر منها من نشاط، فلم ~~يحفل بها ولم يعبأ بشئونها، فليس من شئون الفلاح أو الجندي العادي ~~الذي حارب أمام أسوار طروادة أن يتدخل في العلاقة بين الآلهة ~~والبشر. # كان هوميروس فوق ذلك أشبه بالخيال أو الطيف، يكتنفه الغموض ~~وتتضارب حول ms013 شخصه الأقوال، لا يحاول قط أن يحدثك عن أية ~~شخصية، ولا حتى عن شخصيته هو، فلم يذكر اسمه إطلاقا في أي سطر من ~~سطور منظومتيه الشهيرتين. # ويتناول هوميروس في أشعاره الروايات التاريخية والمغامرات ~~والمواضيع المسلية، كما أنه يتغلغل في نفوس النساء فيحاول أن ~~يصور ما ينتابهن من مشاعر وإحساسات، فبدت أشعاره صورة رائعة ~~تعج فيها الجاذبية ويسبح بين سطورها الغرام. # كان هوميروس مغرما بالأبطال، فأمراؤه أبطال وكذا زعماؤه ~~وقواده وإلا لما ابتكر عصر الأبطال الذي تشبه أبطاله أنصاف ~~الآلهة . # ونلمس في هوميروس إحساسات مملوءة بالعاطفة واختلاجات مفعمة ~~بالمشاعر، هي سندنا في حكمنا عليه بأنه شاعر متفائل. # وتتجلى عظمة هوميروس فيما بلغ إليه من صيت عريض، لدرجة أن سبع ~~مدن كانت تتنازع عليه كل تريد أن تستأثر به لنفسها دون غيرها. ~~ومن أشهر المدن التي تنافست على شخصية هوميروس هما مدينتا ~~خيوس # Chios # وسمورنا # Smyrna ~~؛ إذ دأبت كلتاهما على الادعاء ~~بأن هوميروس هذا ملكها، وقد ولد في ربوعها ونشأ في أحضانها ~~وتربى على خيراتها. # أما المدن الأخرى التي ادعت بانتماء هوميروس إليها فهي ~~رودوس # Rhodus # وكولوفون # Colophon # وسلاميس # Salamis # وأرجوس # Argos # وأثينا # Athenae ~~. # ومما لا يرقى إليه الشك أن أشعار هوميروس كانت الأساس المكين ~~الذي نهضت عليه الآداب والتعاليم الإغريقية. # ويرجع الفضل أيضا إلى المنشدين في المحافظة على أشعار هذا ~~الشاعر الفطحل؛ فمن المعروف أن هوميروس عاش في عصر لم تكن الكتابة ~~تزاول فيه إلا قليلا جدا إن لم يكن نادرا. # وصولون # Solon # هو أول من لفت ~~نظر مواطنيه إلى ما في ملحمتي هوميروس من وحدة وترابط، أما ~~بيزستراتوس Peisistratus # فأول ~~من جمع أشعار هوميروس المشتتة وأمر بتدوينها كتابة. # هذا وينسب الأقدمون إلى هوميروس أشعارا أخرى - عدا الإلياذة ~~والأوديسة. # ولعل أشهر هذه المنظومات الهومرية المنظومة المسماة ~~«معركة ~~الضفادع والفيران» # Batrachom ~~yomachia # وهي موجودة، وكذلك «المارجيتيس» # Margites # وهذه مفقودة، وتسخر من ~~رجل قيل إنه يعرف أشياء كثيرة ولكن بطريقة سيئة لا تدل على أنه ~~يعرف شيئا. # وكما حاول الكثيرون الطعن في هوميروس ms014 كمؤلف لملحمتي الإلياذة ~~والأوديسة، طعنوا فيه أيضا كمؤلف لأي منظومات شعرية ~~أخرى. # فقد بدت هذه الأعمال الأدبية في نظرهم فوق مقدور رجل واحد وعقل ~~واحد، ولكن مما لا شك فيه أن هوميروس بن ~~مايون # Maeon ~~، الشاعر الضرير هو ذلك العملاق الذي كتب ~~بملحمتيه صفحات الخلود بحروف من نار ونور، فكان الشاعر الخالد ~~والصخرة التي لم تستطع أمواج الزمان أن تحطمها ولا معاول ~~القدر أن تفتتها، ولا حتى عقول البشر أن تسمو إليها، أو إلى ~~سماكها الأعلى. # | القيمة الأدبية للملاحم الهومرية # نفوذ الإلياذة والأوديسة # يبدأ الأدب اليوناني بالإلياذة والأوديسة للشاعر هوميروس الذي ~~كان له تأثير بالغ في التربية والتعليم عند اليونانيين جميعا، ~~والذي استمر أثره حتى العصر البيزنطي، فكان الأغارقة المثقفون ~~يحفظون أجزاء كثيرة من الإلياذة والأوديسة، ثم انتقل الميل إلى ~~الرومان ومنهم إلى بلاد الغرب في أوروبا. وبذلك لا تزال المسألة ~~الهومرية باقية على حالها حتى الوقت الحاضر، ونعني بها أصل هذه ~~القصائد الهومرية وتكوينها بحيث تعد من أعقد المسائل التي يهتم ~~المثقفون بحلها والإحاطة بها، والصوت الذي انبعث ليؤدي رسالة ~~حضارة البحر الأبيض المتوسط هو صوت الشاعر هوميروس؛ لأن الشعوب ~~التي تسكن وادي النيل وما بين النهرين لم تكن شعوبا بحرية، أما ~~كريت فلدينا عنها نصوص كثيرة لم تحل طلاسمها بعد، وكذلك لم ~~يترك لنا أي أثر يدل على رحلات الإغريق التي قاموا بها في البحر ~~الأبيض أو في خارجه، إلا إذا اعتقدنا أنه كان للأوديسة أساس يرتكز ~~على قصة روت وقائع رحلة فينيقية، كما يفترض هذا الفرض العالم ~~الفرنسي فكتور ~~بيرار # Victor Berard ~~. بيد أن هذا الفرض بعيد الاحتمال، وحتى في هذه ~~الحالة تكون أخبار هذه الرحلة قد وصلتنا عن الشعر القصصي عند ~~الأغارقة. # تعتبر القصائد الهومرية قصائد قومية لها الصبغة القومية عند ~~اليونان؛ القدماء منهم والمحدثون، ولكنها لا تذكر لفظ «الإغريق» ~~ولا نعثر على كلمة تدل عليها، وبصفة خاصة لا نجد كلمة # Hellas # التي تسمى بها اليونان ~~إلا في القصائد التي يعتبرها النقاد المحدثون مضافة إلى الإلياذة ms015 ~~والأوديسة. أما هوميروس فلا يتحدث إلا عن أجداد اليونان وأسلافهم ~~وهم الآخيون، فهي بذلك تغوص بأصولها في الماضي البعيد؛ لذلك يجب أن ~~ننظر إليها كأنها بداية للأدب اليوناني، كما يجب اعتبارها نهاية ~~لتقاليد مجيدة وخاتمة لمجهود عظيم يرمي إلى التغيير والتحوير ~~والتنظيم. # أسلوب الإلياذة والأوديسة # واللغة هي التي توقفنا على ما تتميز به هذه القصائد. إن أهم ~~صفة لهذه القصائد هي كونها على جانب كبير من الروعة في الفن ~~والجمال والأسلوب؛ فهي ليست قصائد بدائية أو أولية وإنما اللغة ~~فيها لغة الأدباء والمثقفين أو من أخذوا بجانب كبير من الأدب ~~والثقافة، هذا فضلا عن أنه لا يمكن لأحد أن يكتب بهذه اللغة إلا ~~العلماء أو الأدباء أو الشعراء؛ فهي لغة الخاصة لا لغة العامة. ~~إنها مزيج من لهجات مختلفة تغلب عليها اللهجة الأيونية التي ~~ترتكز على أساس من اللهجة الأيولية. كما أن الوزن فيها هو المسمى ~~بالوزن ~~السداسي # Hexameter Dactylic ~~، وهو الذي يحتوي فيه بيت الشعر على ستة ~~أقدام بكل قدم حركة طويلة وحركتان قصيرتان. وليس هذا الوزن من ~~مستلزمات اللغة اليونانية كما برهن على ذلك العلامة اللغوي الفرنسي ~~المشهور ميلي # Meillee # في كتابه عن ~~تاريخ اللغة اليونانية. وليس هذا الوزن أيضا من مستلزمات اللغة ~~اللاتينية؛ فقد استعاره الرومان أنفسهم من اليونان، وذلك في القرن ~~الثالث قبل الميلاد. ومن المحتمل أن يكون اليونان أنفسهم قد أخذوه ~~عن لغة تسمى اللغة الإيجية التي كانت سائدة في بحر ~~إيجة. # لهذا السبب احتفظت اللهجة الأيونية التي استعملها هوميروس في ~~قصائده بالحرف «ديجاما # Y ~~» الذي زال ~~من اللغة اليونانية فيما بعد، ولكن بقي لهذا الحرف تأثيره على ~~بقية بيت الشعر الذي كان يستعمل فيه من حيث الوزن، فوجدوه مثلا ~~يؤدي إلى حذف أحرف أخرى أو إدغام حروف أخرى غيرها. # ولقد احتفظت هذه القصائد أيضا بأشكال عتيقة وكلمات قديمة ~~افتقدنا معناها الأصلي، وكذلك احتفظت بهذا الأسلوب الذي يغلب ~~عليه ميله إلى استعمال الألفاظ الفخمة والرنانة. وكان هناك ميل في ~~القرن التاسع عشر في أوروبا؛ أي ms016 في الوقت الذي ساد فيه المذهب ~~الرومانتيكي في الأدب الأوروبي إلى إيجاد نوع من المقارنة بين هذه ~~القصائد وبين القصائد الشعبية الجرمانية أو الاسكندنافية. وقد ظهر ~~هذا الرأي على الأخص عند علماء اللغة من الألمان. وتبع الألمان ~~بعض العلماء من الفرنسيين، وعلى الأخص العالم الفرنسي فكتور ~~بيرار. ونلاحظ نفس الملاحظة عندما نقبل على دراسة الوقائع ~~والحوادث التي تشتمل عليها هذه القصائد وعلى الأخص الإلياذة ~~كالأدوات التي يستعملها الإنسان أو المساكن التي يقطن فيها، ~~وبالجملة مظاهر الحياة أو الحياة نفسها. وإذا كان علماء اليونان ~~الذين قاموا بحفائر في موكيناي وكورينث وطروادة قد كشفوا عن آثار ~~دلت على أنه كانت هناك حضارة ميسينية # Missenian Civilization # قبل ~~الغزوات التي قامت بها القبائل الدورية # Dorians ~~؛ من أجل ذلك مال الناس في ذلك الوقت؛ أي في ~~الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، وهو الوقت الذي عملت فيه هذه ~~الحفائر، إلى الأخذ بالرأي القائل بأن هذه القصائد احتوت على وصف ~~شامل لمظاهر تلك الحضارة الميسينية الباهرة. ويبدو هذا الرأي ~~واضحا جدا فيما كتبه العالمان الألمانيان هلبنج # Helbing # وولف # Wolf ~~. وفي كتب هذين المؤلفين ملاحظات هامة ~~دقيقة. أما في الوقت الحاضر فقد قل أتباع هذا الرأي، وأصبح ~~المؤرخون لا يميلون إليه كلية، كما يدل على ذلك ما كتبه المؤرخ ~~الألماني شميدت. وبالرغم من هذا الرأي الذي ينكر كل أثر من آثار ~~الحضارة الميسينية في قصائد هوميروس، فما زال هناك نفر من ~~المؤرخين يقول بأنه في الإمكان العثور على آثار كثيرة تدل على ~~هذه الحضارة في قصائد هوميروس. وهي تلك الحضارة التي كانت مزدهرة ~~قبلها بوقت طويل أو قصير. # أما المؤرخ الألماني إدوارد ~~ماير # Edward Meyer # فيقول في كتابه «عن تاريخ العالم ~~القديم» # Histoire de l Antiquié # إن هوميروس حينما يتكلم في قصائده عن مدينة ~~طيبة # Thebes # إنما يعني بها تلك ~~المدينة التي كانت مزدهرة في عهد الأسرتين التاسعة عشرة ~~والعشرين، ولا يقصد بها في رأيه تلك المدينة التي كانت في عهد ~~الملك شيشونج # Scheshong # وهي التي ~~كانت ms017 تعاصر هوميروس، والتي قال عنها هوميروس في الإلياذة في ~~الأنشودة التاسعة في الأبيات 381-382 ما يأتي: # طيبة ذات الأبواب المائة التي يهجم من كل باب منها مائتا ~~محارب بالجياد والعربات. # وهذا الوصف في رأي ماير وصف لمدينة طيبة في عهد الأسرتين ~~التاسعة عشرة والعشرين، وهي التي عرفها أحد اليونان وهم الآخيون. ~~وكان بين هؤلاء الآخيين وبين ملوك هاتين الأسرتين صلات ~~وعلاقات وثيقة جدا، كما دلت على ذلك الهدايا المختلفة التي ~~تبودلت بين ملوك مصر وملوك الميسينيين أو الآخيين. وحقيقة الأمر ~~أن أحدا لم يذكر شيئا عن حفر السور العظيم المحيط بمدينة طيبة ~~الذي به مائة باب؛ لذلك فإن الأبيات التي أوردها هوميروس عن طيبة ~~لا تدل على شيء، ولا تدل على أنه يقصد بها طيبة في الأسرتين ~~التاسعة عشرة والعشرين أو في عهد شيشونج، وإنما هي من نوع أدب ~~اليونان، فيقال طيبة ذات الأبواب المائة، دون تحديد على وجه ~~الدقة. # | أدب ما قبل العصر الهومري # ولا تشتمل القصائد الهومرية على الناحية المادية فقط، وإنما تتحدث ~~عما ورثته من الحضارة الإنسانية عن الآخيين؛ فهي تحدثنا مثلا عن ~~العادات والأخلاق التي كانت سائدة بين أجداد اليونان، كالعادات ~~المتبعة في حفلات عقد الزواج. ومن كل هذا نستنتج أن هذا الشعر ~~الهومري قد سبقه شعر آخر؛ لذلك يجب أن نفترض وجود أدب سابق على الأدب ~~الهومري، ولكن ما هو هذا الأدب؟ من العسير علينا معرفة ماهية هذا الأدب ~~من الناحية الإيجابية، ولكن من السهل معرفته من الناحية السلبية؛ فقد ~~تصور العالم القديم وجود أدب قبل العصر الهومري. وليس هذا التصور ~~من التاريخ في شيء وإنما يدخل في باب الخرافات؛ فمثلا الخرافة التي ~~حيكت حول الشاعر أورفيوس # Orpheus # إنما نبتت في عهد متأخر وظهرت في أثينا في القرن السادس قبل ~~الميلاد في عهد بيزستراتوس، وهي تمثل رد الفعل الذي حدث في ذلك ~~العهد ضد شعر هوميروس الذي كان يرى الأثينيون في ذلك الوقت أنه شعر ~~مخالف للأخلاق لسبب بسيط جدا، وهو أن الآلهة التي ورد ms018 ذكرها في ~~الإلياذة والأوديسة لم تهتم كثيرا بالأخلاق؛ لذلك تصوروا هذه ~~الخرافة التي ترتكز على أساس كبير من الأخلاق. وكان أول من بدأ ذلك ~~الميل الأخلاقي هو الشاعر الإغريقي هسيود الذي عاش في ذلك الوقت ~~تقريبا أو بعده بقليل. وقد كان حول الطاغية بيزستراتوس طائفة كبيرة ~~من الشعراء والأدباء منهم الشاعر المشهور أونوما كريت # Onomacrite # الذي قام بدور يشبه الدور ~~الذي يقوم به وزير الثقافة أو وزير التربية والتعليم في عصرنا الحاضر، ~~في الإشراف على الأدب والثقافة العامة وكل ما يمت إلى الأدب بصلة ~~قريبة أو بعيدة. إذن فقد انتشرت الخرافة التي حيكت حول أورفيوس، وكثر ~~أتباع هذا المذهب الأخلاقي. وكان هذا الانتشار عظيما جدا في القرن ~~السادس في جنوب إيطاليا وبلاد اليونان، وكان له تأثير عظيم جدا في ~~شعراء القرن الخامس قبل الميلاد. ~~••• # نعود فنتساءل عن ماهية الأدب الذي كان يسبق أدب هوميروس. # يحدثنا هوميروس عن الشعراء «المنشدين» الذين ينشدون الأشعار في ~~قصور الملوك وهم يقطنون فيها، ويغنون على الموائد التي تقيمها تلك ~~الشخصيات الكبيرة، منشدين لهم الكثير من أعمال البطولة التي قام بها ~~أبطال اليونان السابقون، وذلك على نغمات القيثارة. ومن هؤلاء الشعراء ~~المنشدين الذين اتخذوا قصور الملوك مسكنا لهم الشاعر الذي تركه وراءه ~~الملك أجاممنون كي يرفه عن زوجته كلومينيسترا # Clymenestra ~~، ويوحي إليها بالعواطف السامية إبان غياب ~~زوجها، وكذلك الشاعر الذي كان في جزيرة إيثاكا ويدعى فيميوس Phemius ~~، والذي كان ينشد أشعارا جميلة ~~يطيب بها خاطر الشخص الذي كان يطالب بعرش هذه الجزيرة، والذي عفا ~~عنه أوديسيوس عند عودته من رحلته التي ضل فيها. ومن هؤلاء الشعراء ~~من كان يهيم على وجهه متنقلا من قصر إلى آخر ينشد في المناسبات ~~والفرص والأعياد. ومنهم من جمع بين هذا وذاك كالشاعر ديمودوكوس # Demodocus # الذي كان يغني في قصر ~~الملك ألكينوس، ولكن هذا الشاعر لم يقطن في هذا القصر دائما، بل كان ~~يخرج من قصر ألكينوس ليتنقل من مكان إلى مكان؛ ومن ثم فهو وسط بين ~~الشاعر المقيم والشاعر الرحال. ms019 # الشعر الغنائي # ما الذي كان يغنيه هؤلاء الشعراء؟ كانوا يغنون شعرا ~~غنائيا شعبيا. ولا شك في هذا لأن جميع الآداب القديمة ابتدأت ~~أولا بهذا الشعر الغنائي الذي يغنى للشعب ويفهمه الشعب. كانوا ~~يغنون بصفة خاصة أشعارا تمجد أعمال الفروسية التي قام بها ~~أبطال اليونان، فالشاعر ديمودوكوس كان يبدأ إنشاده عادة بالأشعار ~~التي تقص الحب الذي كان بين أريس # Ares # وأفروديتي # Aphrodite # وتفاصيل هذا الحب، من تدخل الإله ~~هيفايستوس # Hephaestus # بينهما ~~وإخضاعه لهما وحبسه إياهما وتقييدهما بالأغلال. وكان تغلب على هذه ~~الأشعار روح السخرية والتهكم كما كان ذلك غالبا على جميع القصص ~~الواردة في الأدب الأيوني، كما ورد ذلك في كلام هيرودتس في القرن ~~الخامس. # ومن المحقق أيضا أن هذه الأشعار لم تكن طويلة كالإلياذة ~~والأوديسة؛ لأنها لو كانت طويلة لما اتسعت لها تلك المآدب التي ~~كانت تنشد فيها. وهنا يخطر على بالنا السؤال: «هل كانت القصائد ~~مستقلة، أو تكون وحدة خاصة بذاتها، أو تكون جزءا من كل يقتطع ~~ويغنى وينشد في الفرص والمناسبات المختلفة، كما كان يفعل ~~أولئك المغنون المسمون # Rhapsodes # والذين كانوا يغنون ~~أجزاء من الإلياذة والأوديسة؟» # أدب بلاد ما بين النهرين # وللإجابة على هذا السؤال، يجب أولا أن نلقي نظرة على الآداب ~~القديمة الأخرى التي أنتجت هي الأخرى أشعارا قصصية طويلة ~~كالقصائد التي وصلتنا مما أنتجته بلاد ما بين النهرين. ومن ~~بين هذه قصيدة تشبه الإلياذة تسمى الجلجانيش # Gilganesch # ويرجع عهد هذه الخرافة ~~إلى الألف الثالث قبل الميلاد، ولكنها تضخمت بمرور الزمن بإضافة ~~قصص جديدة عليها تقص حوادث جديدة؛ لذلك كانت هناك ثلاثة أنواع؛ ~~النوع الأول وينتمي إلى الألف الثالث قبل الميلاد. والنوع الثاني ~~وينتمي إلى العهد السومري. والنوع الثالث وينتمي إلى عهد آشور ~~بانيبال وهو ملك آشور من 667-626ق.م. وهذا النوع الثالث أحدثها، ~~وكان في مكتبة هذا الملك منقوشا على اثنتي عشرة لوحة، فهل حدث ~~شيء يقارب ذلك فيما يتعلق بالعهد الذي سبق عصر الإلياذة ~~والأوديسة. # وللإجابة على هذا السؤال يجب تحقيق مسألتين هامتين؛ أولاهما، ~~ما هذا ms020 الذي نسميه الإلياذة والأوديسة، أو ما هي ماهية هذه القصائد ~~وما طبيعتها، ومن أي شيء تتكون؟ فإذا أوضحنا هذه النقطة وحددنا ~~طبيعتها وعرفنا ما هي، تعرضنا للمسألة الثانية وهي كيف نقلت ~~إلينا هذه القصائد. # وللإجابة على هاتين المسألتين أيضا يجب الرجوع إلى الإلياذة ~~والأوديسة كما نقلتا إلينا كي نحللهما ونفهم أولا ~~مضمونهما. # | تحليل الإلياذة # الأنشودة الأولى # تدور الأشعار فيها حول فكرة معينة وثيقة الاتصال بغضب أخيل، ~~وهذه الفكرة هي التي تكون وحدة هذه الأنشودة وتربط بين أجزائها؛ ~~ذلك أنه كان قد عرض أجاممنون أن يعطي ابنته خروسايس إلى كاهن ~~أبولو # Apolo # ويدعى خروسيس # Chryses # غير أنه في مقابل ذلك يطالب ~~أجاممنون بأن يعطي بريسايس # Briseis # إحدى أسيرات أخيل، إلا أن أخيل يعتبر هذا ~~الطلب مسبة وعارا له فيغضب ويرفض الاشتراك في القتال، ثم يذهب ~~إلى خيمته ويقبع فيها، يؤيده في ذلك الرب زوس الذي كان يشجعه ~~على هذا المسلك. # الأنشودة الثانية # وفيها يأتي زوس إلى أجاممنون في نومه، ويخبره بأن هناك أحداثا ~~جساما ستقع؛ ومن ثم يعقد أجاممنون العزم على القتال ويجمع ~~الملوك والرؤساء للتشاور في هذا الأمر. وبعد هذا المجلس الصغير ~~يعقد المجلس الكبير الذي هو مجلس الشعب المكون من جميع ~~المحاربين البالغين سنا معينة لا تقل عن العشرين. # يتظاهر أجاممنون بادئ ذي بدء برغبته في الرحيل، ويؤيده الجميع ~~في هذه الرغبة ويبدون استعدادهم لذلك ويعدون العدة للرحيل. ~~وبينما هم على هذا العزم إذ يجيئهم أوديسيوس فيشد من عزائمهم ~~ويشجعهم ويقدم لهم النصائح، ويحثهم على القتال فيغير من ~~رأيهم ويحملهم على مواصلة القتال. وفي هذه الأنشودة يسرد الشاعر ~~أسماء الزعماء والملوك والرؤساء من اليونان، وكذلك الشعوب ~~اليونانية المختلفة. كما أنه يسرد أسماء ملوك الطرف الثاني الذي ~~مع طروادة. # الأنشودة الثالثة # وفيها يستفز باريس الآخيين ويحملهم على القتال، ولكنه يفر أمام ~~مينيلاوس ملك إسبرطة فيؤنبه هكتور # Hector # ويوجه إليه اللوم على هروبه، فيتفقان على ~~أن تكون هيلينا من نصيب المنتصر، وتتقدم هيلينا على حصون طروادة، ~~وهوميروس في وصفه لها وهي ms021 تتقدم فوق الحصون قد وصفها وصفا بليغا ~~بلغ في ذلك آية كبيرة من الفن، وتشرع هيلينا في عد أسماء الملوك ~~والزعماء والرؤساء اليونانيين لبريام Priam # والد باريس وهكتور. ويبدأ القتال، ولكن ربة ~~الجمال أفروديتي تأتي وتخطف باريس من بين براثن الموت مؤنبة ~~امرأته هيلينا على ذلك. غير أنها من فرط حبها له تنسى هذا التوبيخ ~~وترضى عنه، وتعود إلى الوفاق معه. أما أجاممنون فيطالب بتنفيذ ~~المعاهدة. # الأنشودة الرابعة # وفيها يذكر الشاعر أن الربة هيرا # Hera # تحصل على موافقة زوجها زوس برجوع حالة الحرب ~~بين اليونان وطروادة، وتقترح الربة أثينا على بنداروس Pendarus # أن يصوب سهما نحو ~~ديوميديس # Diomedes # ملك إسبرطة، ~~فيصيبه السهم ويجرحه ولكنه لا يموت من آثار الجرح. أما أجاممنون ~~فيحض جنوده على القتال الذي يعود إلى ما كان عليه. # الأنشودة الخامسة # يقص الشاعر فيها أعمال البطولة التي قام بها ديوميديس بن توديوس # Tydeus ~~، وبالرغم من جراحه ~~التي أصيب بها فإنه يواصل القتال في حماس عظيم بفضل مساعدة ~~أثينا، ويتمكن من قتل بنداروس ويجرح إنيوس # Eneus # فتأتي أفروديتي وتنقذ ابنها إنيوس، بيد أنها ~~تجرح هي الأخرى فتصعد إلى جبل أوليمبوس، وعندئذ يظهر أبولو ~~وينقذ إنيوس ويشفيه من جراحه. # أما ديوميديس فإن أثينا تحثه على القتال حتى يتمكن من جرح ~~أريس. # الأنشودة السادسة # فيها يأخذ أهل طروادة في التقهقر والتراجع، ويترك هكتور ميدان ~~القتال بعد أن ينصحه بذلك هيلينوس # Hellenus ~~، ثم يذهب هيكتور لينصح أمه هيكوبي # Hecupe # ويتوسل إليها أن تذهب إلى ~~الربة أثينا للحصول على مساعدتها، ثم يحرض هيكتور باريس ويدفعه ~~إلى ميدان القتال ليحارب هناك، ثم يودع هكتور زوجته أندروماخي # Andromache # الوداع الأخير. وفي هذه ~~الأنشودة فضلا عن ذلك قطع جميلة جدا منها وصف المحادثات التي ~~دارت بين هكتور وأمه هيكوبي، وكذلك بين هكتور وباريس، ثم بينه وبين ~~زوجته أندروماخي. # الأنشودة السابعة # فيها يستفز هكتور أشجع شجعان اليونان ويدعى أجاكس # Ajax # فتنشأ بينهما معركة لا تنتهي إلى ~~النتيجة، ولكن على أثرها يعقد الطرفان هدنة لدفن الموتى، ثم يأخذ ms022 ~~اليونان في تحصين معسكرهم فيحصنونه بسور وخندق، ثم يأتي الليل ~~مصطحبا معه حوادث جساما. # الأنشودة الثامنة # فيها يهزم الآخيون؛ ذلك أن زوس أكبر آلهة اليونان يحرض ~~الآلهة جميعا على عدم التدخل بين الطرفين المتعاركين، ويدعوهم ~~إلى التزام الحياد في هذا القتال. أو هو يعود إلى مكانه فوق جبل ~~إيدا # Ida # ويصعد إليه ليرى من فوقه ~~الجيشين المتحاربين. وكان القتال بينهما سجالا في بادئ الأمر، ~~ثم انتهى بنتيجة إيجابية وهي انتصار جيش طروادة، فاضطر اليونان ~~بعد هزيمتهم إلى التراجع نحو تحصيناتهم، كما حاول أجاممنون إلى أن ~~يشد من أزر جنوده وتقوية روحهم المعنوية، بيد أن هكتور ظل ~~منتصرا؛ ومن ثم حاولت الربة هيرا والربة أثينا التدخل في ~~القتال فمنعهما زوس، ولما أقبل الليل فصل بين المتحاربين ~~وعسكر الطرواديون في السهل. # الأنشودة التاسعة # يجمع أجاممنون الزعماء ويعقد مجلسا ليأخذ رأيهم، ثم يقترح عليهم ~~الرحيل ومغادرة أرض طروادة، ولكن يعارضه في هذا الرأي كل من ~~ديوميديس وأوديسيوس، ثم يقترح نسطور # Nestor # أن تبذل الجهود لعقد الصلح مع أخيل، فيقبل ~~أجاممنون هذا الاقتراح ويعلن استعداده إلى رد بريسايس التي كان قد ~~أخذها من أخيل على أن يعطيه بعض التعويضات لإرضائه. ويقرر ~~المجلس إرسال سفراء إلى أخيل فأحسن مقابلتهم، ولكنه رفض ~~الاشتراك في القتال في جانب الأغارقة. # الأنشودة العاشرة # تعتبر هذه الأنشودة عند معظم النقاد من الأناشيد المضافة إلى ~~الإلياذة، وهناك بعض المؤرخين القدامى يأخذون بهذا الرأي ~~أيضا. # يظهر الخوف بصورة واضحة من جانب زعماء اليونان ورؤسائهم في هذه ~~الأنشودة؛ لذلك يعقدون مجلسا جديدا ويقترح البطلان ديوميديس ~~وأوديسيوس في هذا المجلس أن يأخذا على عاتقهما مهمة الذهاب إلى ~~معسكر جيش الطرواديين للتجسس على ما يقوم به ذلك الجيش من ~~استعدادات حربية، ولكن هذين البطلين يقابلان رجلا من جيش ~~طروادة اسمه دولون # Dolon # أرسله ~~هكتور للتجسس على جيش اليونان ونقل أخباره إلى الطرواديين، فيخاف ~~هذا الجاسوس على حياته عند مقابلته للبطلين اليونانيين؛ ومن ثم ~~يكشف عن أسرار جيش طروادة أملا في النجاة بحياته من الخطر ~~المحدق ms023 به، ومع ذلك يقتله ديوميديس ثم يعود البطلان إلى معسكر ~~اليونان. # الأنشودة الحادية عشرة # وهي عبارة عن سرد لمخاطرات أجاممنون. وتدور كلها حول الفكرة ~~الرئيسية المسيطرة على الإلياذة؛ لذلك فإن مكانها الحقيقي بعد ~~الغناء الأول؛ لأن نقادا كثيرين يقولون بأن الأناشيد الواقعة ما ~~بين الأنشودة الأولى والحادية عشرة كلها مضافة إلى الإلياذة. كما ~~أن موضوع هذه الأنشودة متصل جد الاتصال بموضوع الأنشودة ~~الأولى، ولكن لا يجب علينا أن نأخذ بهذه النظرية القائلة بأن ~~الأناشيد السابقة مضافة إلى الإلياذة. # يحاول هوميروس في هذه الأنشودة أن يعطينا صورة واضحة عن ~~الهزيمة التي مني بها الآخيون. ولهذا نراه يسرد الهزائم المتتابعة ~~التي لحقت بالبطل اليوناني مينيلاوس، وكذلك أجاكس وديوميديس، كما ~~يسرد لنا الهزيمة التي لحقت حاليا بالزعيم الأكبر ~~أجاممنون. # وتدور المعركة من جديد بين الجيشين. وفي هذه المعركة يظهر ~~أجاممنون كثيرا من الشجاعة حتى يضطر أهل طروادة إلى التراجع ~~إلى تحصيناتهم، ولكن أجاممنون يجرح ويصبح غير قادر على مواصلة ~~القتال؛ لذلك ينتصر أهل طروادة من جديد ويجرح أوديسيوس ~~وديوميديس. وأخيرا يرسل الملك نسطور بتروكلوس Patroclus # أعز أصدقاء أخيل إلى هذا الأخير ليوقفه ~~على الهزائم التي نزلت باليونانيين، آملا من وراء ذلك أن تأخذه ~~الشفقة باليونانيين، فيعطف عليهم ويعود إليهم ليناصرهم ويساعدهم ~~في هذا القتال العنيف. # الأنشودة الثانية عشرة # وكلها عن الموقعة الحربية التي وقعت بجوار أسوار المدينة. يقترب ~~الجيش الطروادي من تحصينات الجيش اليوناني، ويستعد لعبور الخندق، ~~ولكنه يفشل في أول الأمر، ثم يتمكن أخيرا من فتح ثغرة في ~~الأسوار، بالرغم من دفاع اليونانيين المستميت، وخصوصا دفاع ~~البطلين أجاكس وأوديسيوس. وكان يقود الطرواديين ساربيدون # Sarpedon # وجلاوكوس # Glaucus # ثم يتمكن البطل العظيم ~~هكتور من اختراق معكسر اليونانيين، ويتبعه الطرواديون حتى يصلوا ~~إلى داخل معسكر الأغارقة نفسه. # الأنشودة الثالثة عشرة # كلها سرد للمعركة التي نشبت بجانب الأسطول، وفي هذه الأنشودة ~~ينصرف الرب زوس انصرافا مؤقتا عن الحرب؛ لذلك ينتهز الرب ~~بوسايدون هذه الفرصة، ويهبط من أعلى قمم جبال أوليمبوس لمساعدة ~~اليونانيين في محنتهم هذه. وبعدئذ ms024 تدور معركة بحرية كان فيها ~~الجناح الأيسر للأسطول اليوناني تحت قيادة إيدومينيوس # Idomeneus # والقلب بقيادة أجاكس. ~~وتدور رحى موقعة بحرية عنيفة تسيل فيها دماء الطرفين. وأخيرا ~~يتقهقر الجيش الطروادي قليلا، ولكن هكتور يجمع الرؤساء والزعماء ~~ويستشيرهم في هذا الموقف العصيب، ويقرر بعد أخذ رأيهم مواصلة ~~القتال ثم يتحدى أجاكس هكتور، وتبدأ المعركة من جديد أشد هولا ~~مما كانت عليه. # الأنشودة الرابعة عشرة # تدور حوادثها الرئيسية حول الحب الذي بين كبير الآلهة وهيرا، ومن ~~الجائز حذف هذا الغناء من الإلياذة دون أن يصيب وحدة الموضوع أدنى ~~ضرر. وعلى كل حال فإن وجوده لا يضر مطلقا. في هذه الأنشودة أيضا ~~يوافق اليونانيون على رأي ديوميديس القاضي بمتابعة القتال، ولكن ~~هيرا تأخذ في تجميل نفسها؛ لأنها تريد أن تفتن كبير الآلهة ~~فتستعير من أفروديتي ربة الجمال الزنار الذي تربط به خصرها ~~وتستدعي إله النوم من جزيرة ليمنوس # Lemnos ~~، وتقترح عليه تنويم كبير الآلهة، فينام زوس ~~ويغفل عن الحرب ، فينتهز بوسايدون هذه الفرصة ويساعد اليونانيين ~~مساعدة جدية حتى ينقلب الموقف في صالحهم، ويتمكن أجاكس من جرح ~~هكتور. أما الطرواديون فيتقهقرون ويدفعهم اليونانيون بعيدا عن ~~الأسطول بقيادة البطل أجاكس. # الأنشودة الخامسة عشرة # فيها يستيقظ زوس من نومه، ويحتد على هيرا، ويرسل أيريس # Iris # وأبولو لمساعدة جيش طروادة؛ عندئذ ~~يترك الإله بوسايدون ميدان القتال فيخلو الجو أمام أبولو ~~ويتمكن من شفاء هكتور وبث روح الثقة بين الطرواديين، وإدخال ~~الرعب والفزع في قلوب اليونان، وتشجيع جيش طروادة حتى يتمكن من ~~الوصول إلى داخل المعسكر اليوناني، ثم يذهب بتروكلوس لمقابلة أخيل ~~كي يرجوه أن يساعد إخوانه في الجنس واللغة والدين، ثم يدافع ~~اليونانيون عن معسكرهم دفاع المستميت، وفي هذه الأثناء يستعد ~~هكتور لإيقاد النيران في سفينة بروتيسيلاوس Protisilaus ~~. # الأنشودة السادسة عشرة # فيها يعطي أخيل بتروكلوس حلته الحربية لإدخال الرعب والفزع في ~~قلب جيش طروادة بشرط ألا يستخدمها في المعركة، بل يكتفي بالظهور ~~بها لبث الرعب والخوف، ولكن بتروكلوس ينسى وعده في أثناء ~~المعمعة، ويقدم على مهاجمة الطرواديين هجوما ms025 بالغ العنف، ~~فيتقهقر جيش طروادة على أثره، وينجح بتروكلوس في قتل ساربيدون، ثم ~~يغريه هذا النجاح على التقدم في الهجوم آملا في أن يستولي على ~~طروادة، ولكن أبولو ينتزع منه السلاح الذي كان قد أعطاه إياه ~~أخيل، فيتمكن يوفوربوس # Euphorbus # من جرح بتروكلوس، ثم يتقدم هكتور ويجهز ~~عليه تماما. # الأنشودة السابعة عشرة # يرغب يوفوربوس في الاستيلاء على أسلحة بتروكلوس، ولكن مينيلاوس ~~يدافع عن جثة بتروكلوس ويستدعي أجاكس ليساعده في هذه المهمة. ~~يتراجع هكتور في بادئ الأمر ثم يعود بعد ذلك، وتستمر المعركة ~~سجالا بين الطرفين، ثم تفزع خيول أخيل، ولكن زوس يهدئ من ~~روعها ويعود بها إلى ميدان القتال. وعندئذ يحاول هكتور ومعه ~~إنيوس الاستيلاء على هذه الخيول، وتستمر الحرب في صالح جيش طروادة، ~~ثم يضطر مينيلاوس إلى أن يبعث رسولا إلى أخيل ليبلغه نبأ موت ~~صديقه بتروكلوس والهزيمة التي لحقت باليونانيين، ثم يتمكن ~~مينيلاوس وميريونيس # Meriones # من ~~حمل الجثة، ويتراجعان في حماية البطل أجاكس. # الأنشودة الثامنة عشرة # ييأس أخيل عندما يعلم بخبر موت بتروكلوس، ولكن أمه ثيتيس # Thetis # تعزيه في مصابه وتعده أن ~~تحضر له أسلحة جديدة تعوضه بها عن الأسلحة التي سبق أن ~~أعطاها لبتروكلوس، كما تعده بأنها ستساعده على خصمه العنيد ~~هكتور على أن يتم ذلك بعد يوم، ثم تذهب إلى جبل أوليمبوس وترجو ~~هيفايستوس أن يصنع لها هذه الأسلحة، ثم يخرج أخيل من خيمته وهو ~~يصيح عاليا ومنظره غاية في الرعب حتى خاف أهل طروادة على أنفسهم ~~فولوا الأدبار، ثم يقضي اليونانيون تلك الليلة في معسكرهم باكين ~~نائحين حول جثة بتروكلوس. ويلي ذلك وصف الشاعر لدرع أخيل التي ~~بلغت درجة عظيمة جدا من الإتقان الفني، ثم تنتهي هذه الأنشودة ~~بوصول ثيتيس من جبل أوليمبوس ومعها الأسلحة التي وعدت بها ابنها ~~أخيل. # الأنشودة التاسعة عشرة # تدول حول صلح أخيل مع اليونانيين، فيعقدون مجلس الشعب وهو عبارة ~~عن جميع رجال الجيش في ذلك الوقت، ثم يقف أمامه أخيل ويعلن على ~~أسماع جميع أعضاء هذا المجلس نياته الطيبة وحسن ms026 استعداده لخدمة ~~إخوانه الآخيين، ثم يخلفه في دور الخطابة أجاممنون الزعيم الأكبر، ~~ويعترف الأخير علانية بالأخطاء والذنوب التي سبق أن ارتكبها في ~~بادئ هذه الحملة، ثم يتقدم نحو أخيل ويربت على كتفيه، ويعرض ~~عليه هدايا ثمينة جدا، ولكن أخيل يرفضها رفضا باتا في إباء ~~وشمم. وعندئذ يتقدم إليه أوديسيوس ويلح عليه بشدة في أن ~~يقبلها، فيضطر أخيل إلى أن يقبلها، ثم نرى بريسايس تعود إلى سفينة ~~أخيل باكية، ويشاركها في هذا البكاء صديقها أخيل، وكلاهما يبكي على ~~هذا المصاب الفادح بفقدهما العزيز بتروكلوس، ثم تعلن إلى أخيل ~~نبوءة بأنه سيموت قريبا غير أنه لا يهتم بهذه النبوءة؛ لأنه كان ~~قد صمم على الانتقام لصديقه بتروكلوس ويريد إشباع نهم هذه الرغبة ~~وهي تحتم عليه أن يقتل أشد خصومه البطل هكتور، مع علمه بأنه ~~سيموت يقينيا في القريب العاجل. # الأنشودة العشرون # وفيها يسمح زوس للآلهة بالاشتراك في هذه الحرب فتنقسم الآلهة ~~قسمين؛ فريق مع اليونانيين وفريق مع الطرواديين. كان مع الآخيين ~~هيرا وأثينا وهيرميس، وكان مع الطرواديين أريس وأرتيميس # Artemes # وأبولو وأفروديتي. # يتقدم أبولو بالنصيحة إلى أهل طروادة ويشجع إنيوس على ~~مبارزة أخيل، كما أنه ينصح هكتور بعدم مبارزة أخيل أو مقاتلته، ~~فيركن هكتور إلى نوع ما من الهدوء، ولكن أخيل يقتل أصغر إخوته ~~واسمه بولودوروس Polydorus # أصغر ~~أبناء بريام ملك طروادة، فيتحمس هكتور من جديد ويريد أن يثأر ~~لأخيه، وبينما هو يستعد يسرع إليه أبولو أملا في إنقاذه من ~~الخطر الذي يكاد يتعرض له هكتور، ثم يمعن أخيل في قتل عدد كبير ~~جدا من جيش طروادة. # الأنشودة الحادية والعشرون # تتجلى فيها هزيمة الطرواديين، وتأخذ الربة أثينا في تشجيع ~~البطل أخيل غير أن الخطر يحدق به، فتتقدم هيرا وترسل ~~هيفايستوس لإنقاذه من براثن الموت، ثم تأخذ الآلهة في محاربة بعضها ~~البعض الآخر، وبعد ذلك تعود جميعها إلى جبل أوليمبوس، وتترك ~~أبولو وحده، فيتمكن الأخير بمكره وخداعه من مساعدة أهل طروادة ~~وإنقاذهم من الخطر الذي أشرفوا عليه. والظاهر أن هذه الأنشودة قد ~~أضيفت ms027 إلى الإلياذة؛ ومن ثم فمن المستطاع حذفها دون أن يؤدي ~~ذلك إلى الإخلال بوحدة الإلياذة أو توازنها أو إنقاص أي شيء مهم ~~عن الشخصيات البارزة المختلفة. # الأنشودة الثانية والعشرون # وهي عن موت البطل هكتور. فيها يعود أخيل ويقترب من أسوار مدينة ~~طروادة، ويتقابل مع البطل هكتور الذي يعتمل في دخيلة نفسه حب ~~منافسة البطل أخيل، ثم يقترب أخيل من هكتور ويظل يقترب رويدا ~~رويدا، إلا أن منظر أخيل كان غاية في الهول والرعب، فيخاف هكتور ~~على نفسه عندما يرى غريمه ويهرب مسرعا، ولكن أخيل يعود وراءه، ~~ويستمر الاثنان في هذا العدو حول أسوار المدينة ثلاث مرات. ~~وأخيرا يزن الإله زوس مصير البطل هكتور في كفة من كفتي ~~الميزان ومصير أخيل في الكفة الأخرى ويوازن بين الكفتين. ~~وأخيرا يصمم زوس على التخلي عن هكتور، ويلقي به إلى الربة ~~أثينا؛ لذلك يفلح أخيل بعد تخلي زوس عن هكتور من قتل هذا الأخير، ~~ونزع الملابس التي كان يرتديها، ويبدأ في جر الجثة حتى يصل بها ~~إلى الأسطول. أما أهل طروادة وخصوصا أسرة هكتور وهم أبوه بريام ~~وأمه هيكوبا وزوجته أندروماخي فإنهم يبكون عليه بكاء ~~مرا. # الأنشودة الثالثة والعشرون # فيها يحتفل الآخيون بجنازة بتروكلوس، فيشعلون النيران، ويضعون ~~فوقها جثة بتروكلوس، ثم يذبحون الذبائح ويقدمونها للآلهة. وفي هذه ~~الساعة المحزنة الرهيبة يتقدم أخيل ويودع جثة صديقه العزيز ~~الوداع الأخير، وينتظر برهة حتى تنطفئ النار، فيستخرج منها بعد ~~ذلك البقية الباقية لصديقه العزيز، ثم يقيم الشعب الذي ينتمي إليه ~~بتروكلوس وهم جماعة المورميدون # Myrmidones # مقبرة لبتروكلوس مكان النيران المشتعلة، ~~وبعد ذلك تقام المباريات الرياضية وتعين الجوائز الكثيرة ~~للفائزين في هذه الألعاب؛ كسباق العربات، والملاكمة، والمصارعة، ~~والعدو على الأقدام، والنزال بين الجنود المسلحين وبين رماة ~~السهام والأقواس والأقراص. # الأنشودة الرابعة والعشرون # يخيم اليأس على أخيل من فرط حزنه على فقد صديقه العزيز الذي ~~كان يحبه حبا جما؛ لذلك كان يريد أن يشبع غريزة الانتقام ~~المتولدة فيه، فلا يكتفي بقتل هكتور بل يريد أن يمثل بجثته ~~تمثيلا شنيعا؛ ms028 لذلك نراه يجر جثة هكتور ويطوف بها مرارا حول ~~مقبرة بتروكلوس، ولكن كبير الآلهة زوس يتدخل من جديد في صالح أهل ~~طروادة، ويأمر أخيل بإعادة جثة هكتور إلى أهله وأبناء عشيرته ~~وإرجاعها إلى أبيه بريام، ثم يبعث الرسل إلى بريام ليبلغه الخبر ~~ويطلب الرسل منه أن يذهب لشراء ما بقي من جثة ابنه، فيذهب بريام ~~متنكرا إلى أخيل دون أن يعلم أهله وعشيرته شيئا عن هذا السعي؛ إذ ~~يذهب بريام بإرشاد هيرميس فيتقابل مع أخيل الذي يوافق أخيرا على ~~أن يسلم الأب جثة ابنه هكتور ويعود بها إلى طروادة. يلي هذا ذلك ~~المنظر المحزن الذي تبكي فيه أسرة هكتور عليه بكاء مرا، فإذا ~~بالنساء وزوجته المخلصة وأمه هيلينا يبكينه بكاء يفتت الأكباد، ~~ثم وصف جنازة هكتور والاحتفال بدفنه احتفالا رهيبا جدا. # إلى هنا تنتهي الإلياذة وينتهي تحليل الإلياذة؛ ولذلك يحسن أن ~~نقف قليلا لنسترجع ما علق بأذهاننا من قراءة الإلياذة. # جلي أن الإلياذة تغلب عليها الوحدة، وأنها كتبت حسب خطة ~~موضوعة سبق للشاعر أن درسها وفكر فيها تفكيرا عميقا جدا، ~~ولكن هذا لا يمنع من القول بأن هناك بعض الأغاني يشعر المرء حين ~~قراءتها بأنها أضيفت إلى الإلياذة؛ مثل القائمة التي سردت ~~أسماء السفن المحاربة، ومثل الغناء الذي وصف فيه الشاعر نزاع ~~الآلهة، بحيث يمكننا أن نتصور هذه القصائد كأنها أدراج الصوان إذا ~~أخرج درج فهذا لا يؤثر عليه في قليل أو كثير؛ ذلك أن فكرة ~~الإلياذة نبتت حين جال بخاطر الشاعر أن يجمع كل هذه القصص حول ~~فكرة أساسية هي غضب البطل أخيل، ولكن من ذا الذي جال بخاطره هذه ~~الفكرة؟ هل هو شاعر كتب في هذا الموضوع قصيدة طويلة، ثم أضيفت ~~إليها قصص أخرى فيما بعد عن أحداث جديدة أم هو رجل من الأجيال ~~المتأخرة بعد جيل الإلياذة، له موهبة التنظيم والترتيب عمل على ~~أن يجمع قصائد منفصلة حول فكرة واحدة؟ أم هو شاعر استعار هذه ~~الحوادث من خرافات قديمة أخرى؟ هذه كلها فروض تجول بخاطر الناقد، ~~ولكن ms029 لا يجد لها جوابا شافيا. ~~••• # يجدر بنا الآن الاتجاه إلى الأوديسة لنأخذ فكرة عنها: # عندما نبدأ في قراءة الأوديسة في أولى أشعارها يتبادر إلى ذهننا ~~أن هذه الأشعار والقصائد لا تختلف كثيرا عن أشعار الإلياذة من حيث ~~الأسلوب والفن الشعري؛ فكلها من مرتبة شعرية واحدة، الفن الشعري ~~فيها واحد، وكذا الأسلوب واحد؛ أي إن كل ما يتصل بالشعر في ~~الأوديسة لا يختلف في أصله عن شعر الإلياذة، ولا أدل على ذلك من ~~أن القصيدة في الأوديسة تبتدئ بالتوسل إلى ربة الشعر كالإلياذة ~~تماما، ولكن بالرغم من هذه الوحدة الفنية الأدبية تلاحظ بعد ~~مواصلة القراءة في الأوديسة أننا نجد أنفسنا في عالم جديد يختلف ~~كل الاختلاف عن عالم الإلياذة، وذلك لأن موضوع الأوديسة يختلف تمام ~~الاختلاف عن موضوع الإلياذة. # كانت فكرة الإلياذة الأساسية هي غضب البطل أخيل وخلافه مع كبير ~~ملوك اليونان أجاممنون. أما الأوديسة فتدور فكرتها حول عودة البطل ~~أوديسيوس من حرب طروادة، فهي تسرد مخاطراته التي قابلته أثناء ~~رحلته في عودته إلى بلاده، فالأوديسة عبارة عن قصيدة طويلة ~~أنشدت حول البحر، وما أعظم القصائد التي أنشدت عن البحر! ~~ولربما كانت أهم فضائل العالم الفرنسي فكتور إبرازه لنا هذه الفكرة ~~وتوضيحه إياها وكشفه عنها. وحقيقة الأمر أن فكتور لم يكشفها لأن أي ~~قارئ عادي مجرد من الثقافة الكلاسيكية يستطيع أن يلاحظ منذ ~~البداية أن القصة تدور كلها حول البحر، ولكن فكتور بيرار ترجم ~~الأوديسة ترجمة شائقة وعلق عليها تعليقات مهمة واضحة كل ~~الوضوح. وكل ذلك بأسلوب فني رائع جعلنا نشعر معه بأن البحر هو ~~الموضوع الأساسي الذي دارت حوله الأوديسة، والبحر المقصود هنا هو ~~البحر الأبيض المتوسط؛ إذ لا يمكن فصل البحر الأبيض المتوسط عن ~~الأوديسة ولا فصل الأوديسة عنه، كما فعل بعض العلماء والنقاد الذين ~~ذهب بعضهم إلى القول بأن المقصود بالبحر هنا هو الخليج الفارسي، ~~وبعضهم الآخر بأنه البحر الأسود. وهذا كله غير صحيح لأننا نشتم ~~رائحة البحر الأبيض في ثنايا هذه الأشعار من أولها إلى آخرها ولا ms030 ~~نستنشق غير عبيره منذ بداية الأوديسة؛ لذلك حاول بعض العلماء البحث ~~عن الأماكن والبلاد التي تكلمت عنها الأوديسة وتحقيق مواضعها في ~~الوقت الحاضر. وقد سار النقاد في هذا السبيل أثر فكتور بيرار ~~الذي طاف حول البحر الأبيض المتوسط وأخذ يجوب أطرافه المختلفة ~~باحثا ومنقبا عن الطريق الذي سلكه البطل أوديسيوس في قديم ~~الزمان. ولقد تهكم عليه الناس وسخروا منه كل السخرية، ولكنهم ~~كانوا مخطئين في هذا كل الخطأ؛ إذ من الجائز أن يكون فكتور قد بالغ ~~في تحقيقاته الجغرافية؛ فهناك من المؤرخين الألمان مثل شميدت الذي ~~يقول بأن جغرافية الأوديسة ترتكز في كثير من الأحيان على جزء ~~عظيم من الخرافات والأباطيل والخيالات والأوهام. ومن الجائز أن ~~يكون في قولهم هذا شيء من الصحة؛ لأننا نرى فكتور بيرار يخطئ عندما ~~يقول إن بلاد الكوكلوبيس (أي أصحاب العيون المستديرة) هي البلاد ~~الواقعة عند خليج نابولي، وإن بلاد اللايستروجونيين توجد في جزيرة ~~سردينيا أو على ساحل شبه جزيرة سيبيريا، ولكن فكتور بيرار لم يخطئ ~~دائما إذ نجد في كلامه وتحقيقاته الجغرافية كثيرا من الصحة؛ إذ ~~ليس هناك شك في أن الشاعر كان يتكلم عن علم ودراية، وفي أن خيال ~~الشاعر هوميروس كان يدور حول بلاد حقيقية ومراكز تاريخية صحيحة. ~~وليس هناك شك في أن الكثير من معلوماته الجغرافية كانت دقيقة كل ~~الدقة بحيث تدعو إلى الإعجاب. وهذا لا يناقض القول القائل بأن في ~~شعره كثيرا من الخرافات التي لا تقوم على أساس صحيح. وليست هذه ~~المناظر وحدها أو الوصف البديع لهذه المناظر الطبيعية هي التي تجعل ~~الأوديسة تختلف كل الاختلاف عن الإلياذة في الموضوع. وليست أيضا ~~هذه المناظر فحسب هي التي تجعلنا نقول بأن البحر الأبيض المتوسط هو ~~المقصود في الأوديسة. أما الخرافات ~~الشعبية # folk-lore # الموجودة في الأوديسة فإنما هي خرافات ~~لشعوب بحرية تسكن حول البحر الأبيض المتوسط. والأوديسة مملوءة ~~بهذه الخرافات، كخرافة الكوكلوبيس وكالوبسو وكيركي وسكولا. كل هذه ~~تنتمي إلى خرافات شعبية أقدم بكثير من حرب طروادة؛ إذ تجد لها ~~آثارا فيما ms031 تبقى من آثار الحضارة المينوية. # وتختلف الأوديسة عن الإلياذة في العادات التي توصف فيها؛ ذلك أن ~~الآراء قد تهذبت وأصبحت تتعلق بالجنس البشري بحيث لم نعد ~~نرى أبطالا يتصفون بالقوة والوحشية وحب إراقة الدماء. نرى هذه ~~التغيرات في أفكار الناس عن الآلهة؛ فالآلهة في الأوديسة تعتبر ~~كالبشر لها عواطف ونوازع، كما أن الناس ابتدءوا ينظرون إليهم ~~كحماة يدافعون عن هذه القوانين السائدة في المجتمع، كما يدل ~~على هذا الكثير من الفقرات المتعلقة بهذا الموضوع. # | الأوديسة # من تحليل الأوديسة نجد أنها تتشابه مع الإلياذة في الوحدة إذا ~~استثنينا آخر الأنشودة الثالة والعشرين والأنشودة الرابعة والعشرين ~~كلها. غير أن هذا لا يمنعنا من أن نقول إن هناك قطعا كبيرة قد ~~أضيفت إلى الأوديسة؛ لأنها في الواقع تختلف عن باقي الأوديسة. وهذه ~~نقطة الاختلاف؛ ذلك أن القطع المضافة إلى الأوديسة أكثر منها في ~~الإلياذة، ومن الثابت أنها أضيفت إلى الأوديسة في زمن متأخر، ~~وبتأليف من بعض الشعراء المتوسطين الذين لا يملكون موهبة الشاعر ~~الأصلي. وهكذا اختلط الأدب المتوسط بالأدب الرفيع الذي بالأوديسة في ~~عدة مواضع مختلفة. # تبدأ الأوديسة بأربعة أناشيد تعود النقاد تسميتها بالأناشيد ~~التيليماخية؛ لأن البطل الذي يرد اسمه في معظمها هو تيليماخوس بن ~~أوديسيوس. وهذا موضوع أساسي في القصة لا يمكن للشاعر أن يغفله أو ~~يهمله؛ لأن موضوع القصة مكون من فكرتين مرتبطتين سويا هما فكرة ~~عودة أوديسيوس إلى وطنه وتعرف أفراد أسرته عليه، والثانية هي فكرة ~~الانتقام من مختلف الأمراء الذين حالوا في أثناء غيابه أن يفصلوا زوجته ~~بينيلوبي عنه؛ إذ إن كلا من هؤلاء الأمراء قد حاول الزواج من ~~بينيلوبي، بينما كانت الأخيرة تخدع كل واحد منهم. وقد نجحت في هذا ~~إلى حد كبير؛ لأنها كانت لا تزال على إخلاصها الشديد لزوجها الذي غاب ~~عنها سنين طويلة، ولأنه كان هناك في فؤادها شيء يقول لها إن زوجها لا ~~شك عائد إليها بعد غيابه الطويل عنها. وهذا لون من القصص المعروف باسم ~~عودة الأبطال. والأوديسة تسرد لنا الخطوات التي خطاها ms032 البطل أوديسيوس ~~في طريق عودته إلى بلاده؛ ومن ثم فإنها ترتبط ارتباطا وثيقا ~~بسلسلة الشعر القصصي أو القصص الشعري الذي يدور حول طروادة؛ ذلك لأن ~~هناك سلاسل أخرى من أهمها سلسلة القصص الذي يدور حول مدينة طيبة ~~عاصمة مقاطعة بيوشيا # Beotia # بجوار ~~مقاطعة أتيكا. وهذا القصص يدور حول أسرة حكمت في طيبة تسمى ~~«اللبداكيون» # Les Labdacedes ~~. ولقد ~~تناول الشعراء الدراماتيكيون الأثينيون حكام هذه الأسرة بالنقد ~~والتحليل في مختلف المسرحيات التي ألفوها، ومن أهمهم الملك ~~أوديبوس # Oedipus # وذلك في القرن الخامس ~~ق.م.، قبل عصر بركليس Pericles # وإبان عصره وبعد عصره بقليل. # إن وجود شخصية تيليماخوس في الأوديسة ضروري جدا؛ لأن في الأوديسة ~~أفكارا رئيسية ثلاثا هي: # أولا: # عودة أوديسيوس. # ثانيا: # تعرف أفراد أسرته عليه. # ثالثا: # انتقام أوديسيوس من الأمراء الذين تجرءوا على الاقتراب ~~من زوجته إبان غيابه. # ولقد حاول الشاعر أن يربط بين هذه الأفكار الرئيسية ربطا مكينا حتى ~~خرجت الأوديسة محكمة إحكاما رائعا لا يمكن لشاعر آخر أن يجاريه ~~في هذا المضمار. # يمكن تلخيص هذه الأفكار الثلاث مرة أخرى هكذا: # الفكرة الأولى: # بحث تيليماخوس عن أبيه ورحلته إلى بلاد مختلفة لهذا ~~الغرض. # الفكرة الثانية: # مخاطرات أوديسيوس في أثناء رحلته في طريقه إلى بلاده ~~عائدا بعد انتهاء حرب طروادة، ثم عودته إلى وطنه وتعرف ~~أفراد أسرته عليه. # الفكرة الثالثة: # هي انتقام هذا البطل من أعدائه الذين نهبوا منزله، وأراد ~~كل واحد منهم أن يتزوج من زوجته في أثناء غيابه. # | تحليل الأوديسة # الأنشودة الأولى # حول مجلس الآلهة، فيها يجتمع الآلهة ويعقدون مجلسا فيما بينهم ~~يقررون فيه ضرورة عودة أوديسيوس إلى أهل عشيرته. وكان أوديسيوس ~~في ذلك الوقت عند كالوبسو ربة البحر محجوزا في جزيرتها ترغمه ~~على عدم مبارحة البلاد؛ لأنها كلفت به وأحبته حبا جما؛ ~~وبناء على هذا القرار ترسل الآلهة الربة أثينا إلى تيليماخوس غير ~~أنها تخاف لو ذهبت كما هي أن يتعرف عليها تيليماخوس؛ ومن ثم ~~تتنكر وتذهب في صورة مينتيس # Mentes # حاكم جزيرة تافوس وتقابله في الجزيرة التي ~~كان ms033 أبوه ملكا عليها وهي إيثاكا، وتتحدث معه حديثا وديا ~~للغاية يظهر خلاله تيليماخوس ما اتصف به من أدب جم ولطف كثير. ~~كانت هذه المحادثة تصطبغ بحسن الأدب والذوق والتربية العالية من ~~الطرفين. # استقبل تليماخوس الربة أثينا استقبالا وديا. وأشارت عليه بأن ~~يذهب للبحث عن أبيه، ووضع حد لعبث هؤلاء الأمراء والزعماء ~~الذين أسرفوا في النهب والسلب والذين تمادوا في جسارتهم حتى ~~تقدموا بطلب يد أمه بينيلوبي، وبعدئذ تطير أثينا كأحد طيور ~~البحر وتختفي. # يستريح تيليماخوس لهذه النصيحة ويتشجع ويذهب إلى مجلس الأمراء ~~وكانوا يمدون أمامهم سماطا عظيما عليه كل ما لذ وطاب من مأكل ~~ومشرب ويتمتعون بغناء شاعر منشد اسمه فيميوس Phemius ~~؛ عندئذ يوجه إليهم تيليماخوس كلاما ~~شديدا بلهجة الآمر الناهي صاحب السلطة والسيادة في الجزيرة ~~والقصر؛ لأنه ابن البطل أوديسيوس، فيتهجم عليه شخص اسمه ~~أنتينوس # Antinous ~~، ويتعرض له ~~وينكر عليه الحق في أن يكون ~~ملكا على جزيرة إيثاكا، كما ينكر عليه أية مقدرة في الاضطلاع ~~بمهام الملك؛ لأنه طفل صغير، ولكن تيليماخوس لا يهتم بهذا الكلام ~~الذي كله قحة وخروج عن الأدب والذوق السليم، ثم ينذرهم إنذارا ~~فيه سلطة شخص يريد أن يظهر شخصيته، ومضمون هذا الإنذار ذلك أنه ~~سيواجههم في اليوم التالي، وسيطلب منهم مطلبا عادلا في نظره ~~وذلك أمام المجلس الذي سيعقده الشعب، سيطلب منهم مغادرة قصر ~~أبيه. # إن ذكرى أوديسيوس تملأ هذه الأنشودة من أولها إلى آخرها. # إن الشاعر هنا يتحدث عن أوديسيوس وذكراه ورحلاته، ولكنه لا يذكر ~~اسمه. إن تركيب هذا الغناء بسيط، عبارة عن مجموعة من الصور الفنية ~~الرائعة التي قدم الشاعر لنا عنها وصفا جميلا للغاية. ولقد ~~أخذت هذه الصور في قصر من قصور أحد الملوك الميسينيين الذي قد ~~خيم عليه الحزن بسبب غياب الملك عنه. # الأنشودة الثانية # عن مجلس الشعب في جزيرة إيثاكا؛ حيث يجتمع فيتقدم إليه ~~تيليماخوس بشكوى ضد هؤلاء الذين يطالبون بالزواج من أمه، فيجيبه ~~أنتينوس إجابة فيها شيء كبير من الإهانة، ثم يسرد على الحاضرين ~~قصة بينيلوبي وقصة الثوب ms034 الذي تحيكه، وفي ذلك الوقت تدور حول ~~المجلس نسور ظهرت فجأة. وإذ كان بالمجلس عراف فقد فسر هذه ~~الأعجوبة بقوله بأنها تنم عن فأل حسن، وذلك أن أوديسيوس سيعود إلى ~~وطنه قريبا، ثم ينفض المجلس دون الوصول إلى نتيجة معينة، ~~ويخرج تيليماخوس من المجلس متجها صوب ساحر البحر، وهو يبكي بكاء ~~مرا؛ لأن هؤلاء الأمراء قد أهانوه وأذلوه دون أن يمكنه ~~الرد عليهم أو يصدهم كما يجب. وبينما هو حزين بهذا الشكل تنزل ~~إليه الربة أثينا من عليائها، وتتنكر هذه المرة في زي ~~مينتور # Mentor # صديق أوديسيوس ~~الحميم. وكان تيليماخوس يعرف عنه أنه من خير أصدقاء أبيه الأوفياء، ~~ومرشد من خير المرشدين، فتحاول أثينا في هذه المرة أن تعزيه ~~في حزنه وتعده وعدا أكيدا بأنها ستصحبه إلى مدينة بولوس Pylos # كما تعده أيضا بأنها ستعيده ~~إلى إسبرطة. ويعد تيليماخوس كل ما سيحتاج إليه من طعام ومؤن لهذه ~~الرحلة الطويلة المضنية دون أن يطلع أمه على شيء من هذا. وما إن ~~يتم إعداد السفينة بالقرب من الشاطئ حتى يعتليها تيليماخوس، ~~وأقبلت الربة أثينا في زي مينتور تساعده في كل هذا. # الأنشودة الثالثة # لقد نظمت هذه الأنشودة لتمجيد ذكرى أسرة حكمت في مدينة ~~بآسيا الصغرى هي أسرة نيلياديس # Neleiades ~~؛ لذلك تغلب على هذه الأنشودة الصبغة ~~الخاصة بهذه المدينة. يصل تيليماخوس إلى جزيرة بولوس فيستقبله ~~ملكها نسطور استقبالا حسنا. # ولنسطور هذا ابن يسمى بيزستراتوس Peisistratus # على اسم طاغية أثينا في القرن السادس. ~~ويرى بعض النقاد في ذكر هذا تحريفا مقصودا، كما يقولون إن هذه ~~الأنشودة قد أضيفت إلى الأوديسة للتودد إلى بيزستراتوس الذي ~~كان مشهورا في القرن السادس. # في هذه الأنشودة يولم نسطور مأدبة لضيوفه. وبعد ذلك يسأل ~~تيليماخوس نسطور عما حدث له في أثناء عودته، فيحكي له أخبارا أخرى ~~كثيرة، ويصور له كيف ساءت العلاقة أخيرا بين أجاممنون ومينيلاوس ~~كما يخبره بموت أجاممنون. وهنا يشير نسطور إلى ابن أجاممنون ~~المسمى أوريستيس # Orestes # ويمدحه ~~مدحا عظيما جدا لأنه انتقم لأبيه، ثم يسرد على ms035 تيليماخوس ~~رحلات مينيلاوس ومنها رحلته إلى مصر، وهو بذلك يشير على ~~تيليماخوس بالذهاب إلى إسبرطة حيث يمكنه مقابلة مينيلاوس هذا ~~وسؤاله عن أبيه، ثم يقضي تيليماخوس الليلة في القصر وعند الصباح ~~يرحل إلى إسبرطة وفي صحبته بيزستراتوس. # الأنشودة الرابعة # يذهب تيليماخوس إلى إسبرطة وهناك يجد مينيلاوس وقد أقام مأدبة ~~هائلة لزواج أبنائه. كانت المأدبة غاية في الفخامة وكذا القصر؛ ~~لذلك ينصرف تيليماخوس عن المأدبة ليشبع إعجابه بالتطلع إلى ~~القصر ويشاركه الشاعر إعجابه هذا؛ ومن ثم ترد أبيات كثيرة ~~في وصف القصر الذي كان يملكه أحد ملوك ذلك الوقت، ثم يشترك الضيفان ~~في المأدبة ويبدآن في تناول الطعام. وبعد أن يأكلا ملء بطنيهما ~~يبدأ تيليماخوس بسؤال مينيلاوس عن أبيه، فيرد عليه مينيلاوس ~~ردا غامضا يذكر فيه اسم أوديسيوس عرضا، فيبكي تيليماخوس ~~بكاء مرا ظنا منه أن أباه قد مات، وعندئذ تدخل هيلينا زوجة ~~مينيلاوس فتحزن لحزن تيليماخوس، وتود لو تسري عن هذا الطفل ~~الذي يبكي على أبيه فكيف السبيل إلى ذلك؟ تصنع هيلينا الكأس التي ~~كان يشرب منها تيليماخوس مخدرا كانت قد أحضرته معها من مصر من ~~سيدة مصرية اسمها بولودامي. وكان الغرض من هذا المخدر هو أن ينسي ~~تيليماخوس الحزن الذي يكتنف حياته، ثم تأخذ في تلاوة مغامرات ~~أوديسيوس وتقص عليه الشجاعة الفائقة والجسارة الممتازة التي ~~أظهرها هذا البطل عندما أرسل في مهمة استكشافية في حرب طروادة ~~للتجسس على الأعداء، ثم يحكي مينيلاوس بدوره قصة حصار طروادة، ~~ويصف ليتليماخوس كل ما يعرفه عن مقدرة أبيه الحربية وقدرته على ~~تحمل النكبات والمصائب. وفي اليوم التالي يخبره بنبوءة تنبأ ~~بها عجوز البحر برويتوس Proetus # بالقرب من جزيرة فاروس # pharus # عند ~~الإسكندرية؛ إذ تنبأ بأن أوديسيوس موجود عند كالوبسو التي ~~أحبته ومنعته من مبارحة المدينة. # وفي هذه الأنشودة أيضا يعرف الأمراء في أتيكا خبر رحيل ~~تيليماخوس للبحث عن أبيه، فتثور ثائرتهم ويفكرون في مؤامرة لقتل ~~تيليماخوس يتزعمهم في ذلك أنتينوس فيبحث عن سفينة لكي يذهب إلى ~~مكمن يختبئ فيه في البحر حيث ينتظر ms036 عودة تيليماخوس لينقض عليه ~~ويقتله، ثم يصل نبأ هذه المؤامرة إلى بينيلوبي فتجزع ويتعذر ~~عليها النوم الهانئ، فتأتيها الربة أثينا في المنام وتواسيها كي ~~تتحمل وتصبر. # هذه هي الأناشيد الأربعة الأولى الخاصة بتيليماخوس، والتي أطلق ~~عليها الأناشيد التيليماخية. # ينقلنا الشاعر بعد ذلك إلى الجزيرة التي تعيش فيها كالوبسو. وهنا ~~تبدأ الأنشودة الخامسة. # الأنشودة الخامسة # يعتقد البعض أنها أضيفت لتذكير القارئ بالأنشودة الأولى، ويقول ~~هذا البعض بأن الأناشيد الأربعة التيليماخية أضيفت فيما بعد ~~للأوديسة حيث إن أوائل القرن الخامس ق.م. يجعل هذا الغرض محتملا ~~جدا. # في هذه الأناشيد يأمر زوس، كبير الآلهة، هيرميس بالذهاب إلى ~~كالوبسو ليطلعها على رغبته في أن يعود أوديسيوس إلى وطنه. ولقد ~~كشف زوس لهيرميس عن وجود أوديسيوس هناك عند كالوبسو، وأنه لا يزال ~~أمامه عشرون يوما يقاسي فيها الشيء الكثير قبل أن يصل إلى شعب ~~الفياكيين Phaeacians # في ألبانيا، ~~فتستقبل كالوبسو هيرميس في احتفال عظيم، ثم يبلغها الأخير رسالة ~~كبير الآلهة، ويرجوها أن تطلق سراح أوديسيوس، فتغضب كالوبسو ~~وتثور ضد ظلم الآلهة الذين يريدون أن ينتزعوا من بين أحضانها ~~أوديسيوس حبيبها، وتدعي بأن الآلهة تحقد عليها. غير أنها بالرغم من ~~هذه الثورة تخضع لأمر كبير الآلهة، وتذهب بعد ذلك إلى شاطئ البحر ~~حيث يوجد أوديسيوس وتخبره بأنها لم تعد تعارض في رحيله. وهنا ~~تحدثه كالوبسو حديثا كله رقة ودعة، حديث الحبيبة إلى حبيبها؛ ~~ولذلك يجدر أن نلاحظ ما يتصف به سيدات البحر من أدب جم، ومن هؤلاء ~~السيدات كالوبسو وكيركي، ثم تعود كالوبسو إلى كهفها ومعها ~~أوديسيوس، وهناك يتبادلان من جديد عواطف الحب. وهنا يهتم الشاعر ~~بوصف هذا المنظر فيرينا كيف يتبادلان القبلات، ثم كيف يحتضن كل ~~منهما الآخر. بعد ذلك يبرح أوديسيوس الجزيرة فوق رمث أعده لهذا ~~الغرض. بيد أن بوسايدون - عدوه - يثير عاصفة شديدة تهدد ~~أوديسيوس بالغرق فتنقذه الآلهة من الغرق، ويصل بعد هذا إلى البر ~~بعد جهود عنيفة ثم يلجأ إلى مخبأ قريب. # الأنشودة السادسة # حول جزيرة الفياكيين وهم ~~شعب بحارة وأغلبهم ملاحون، ms037 وكان ملكهم يسمى ألكينوس، وكانت له ~~ابنة اسمها ناوسيكا حضرت إليها الربة أثينا في صورة ابنة تاجر ~~أسلحة يسمى دوماس # Dumas # وأوحت ~~إليها في نومها بأن تذهب لتغسل ملابسها عند شاطئ النهر استعدادا ~~للاحتفال بزواجها القريب. وفي الصباح تستيقظ الفتاة وتذهب إلى ~~النهر وهناك تجد البنات مجتمعات يغسلن ملابسهن فتشرف ناوسيكا ~~عليهن. وبينما هن كذلك إذ ترمي الربة أثينا بحجر في النهر فتصيح ~~البنات، ويكون هذا داعيا لإيقاظ أوديسيوس من نومه، وكان نائما ~~بين الأعشاب بالقرب من النهر، فلما يرى هؤلاء الفتيات يتردد ~~أولا ولا يعرف ما هو مقدم عليه، فيخرج من وسط الأعشاب وينزع عنه ~~ملابسه وينزل إلى النهر ليستحم، فتراه البنات بهذه الصورة فيستولي ~~عليهن الحياء، ثم ينتهي هذا المنظر الذي كله روعة وجمال، ويتبعه ~~منظر آخر فيه يتقدم أوديسيوس إلى البنت ناوسيكا متضرعا متوسلا ~~لتستمع إليه وترأف بحاله وتعطف عليه عطفا كبيرا، وتقول إنها ~~اشتمت فيه رائحة الملوك. وتشير عليه بما يجب عمله فيتبعها ~~مترجلا حتى أبواب المدينة. وهناك ينتظر حتى تعود إليه، وعندئذ ~~يدخل أوديسيوس المدينة ويسأل عن الطريق، وتأمر ناوسيكا خادماتها ~~بمعاملته معاملة الضيف ، ثم يعرج أوديسيوس إلى معبد الربة أثينا ~~ويقوم بفروض العبادة لها. # الأنشودة السابعة # تتقدم الربة أثينا من أوديسيوس متنكرة في زي إحدى بنات شعب ~~الفياكيين، وتأخذ بيد أوديسيوس وتقوده إلى قصر الملك الحاكم على ~~الجزيرة، ويطلب إليه أن يستضيفه فيجيبه إلى طلبه. وبعد ذلك يقص ~~أوديسيوس على مسامع الملك مخاطراته إبان رحلاته، فيعده ألكينوس ~~بالعمل على عوده إلى وطنه. # الأنشودة الثامنة # يجتمع مجلس الشعب ويعرض الملك ألكينوس عليه موضوع أوديسيوس، ~~ويوافق المجلس على عودته إلى جزيرة إيثاكا، ثم تقام مأدبة عند ~~الملك ألكينوس يغني فيها الشاعر ديمودوكوس قصة النزاع الذي وقع ~~بين أوديسيوس وأخيل، فلما سمع أوديسيوس هذا الغناء راح يبكي، ~~فلاحظه ألكينوس ولكنه لم يقل شيئا، ثم يأمر الناس بالانتقال إلى ~~سوق المدينة لإقامة الألعاب والمباريات والمسابقات الرياضية ~~المختلفة. وهنا يسأل الملك أوديسيوس عن نوع المباريات التي يميل ~~إليها، وعندئذ ms038 يتقدم شخص ويتهكم على أوديسيوس ويسخر منه ويقول ~~إنه يشك في قدرة أوديسيوس على القيام بأية لعبة. غير أن أوديسيوس ~~يجيب في سكون أنه يفضل لعبة القرص، ويتقدم إلى الميدان ~~ويحرز قصب السبق. يتلو ذلك الرقص، وبعد هذا ينشد ديمودوكوس قصة ~~الحب بين أريس وأفروديتي. ويتبع هذا تقديم الهدايا لأوديسيوس ~~بمناسبة رحيله، وتتقدم ناوسيكا إليه بهداياها العظيمة. # هذه الأنشودة مفككة وضعيفة ينتقل فيها المرء من قصة إلى قصة؛ ~~ولذا فمن المحتمل جدا أنها أضيفت إلى الأوديسة. # الأنشودة التاسعة # فيما تمد مأدبة يحدث فيها ما حدث في المأدبة السابقة. وفي ~~هذه الأنشودة يرمي أوديسيوس قطعة من اللحم إلى الشاعر المغني ~~ديمودوكوس، ويطلب منه أن يغني قصة حصار طروادة فيجيبه المنشد إلى ~~مطلبه، وعندما يسمع أوديسيوس الغناء يأخذ في البكاء، ثم يسرد بعد ~~ذلك قصة مخاطراته، قصة رحيله من طروادة أولا، ثم وصولا إلى جماعة ~~الكوكونيس؛ حيث دارت بينه وبينهم رحى معركة فقد فيها أوديسيوس ستة ~~أشخاص من رفاقه، ثم تهب زوبعة تجعلهم يرسون في أرض مجهولة ~~ويبقون فيها يومين، ثم يذهبون بعد ذلك إلى شبه جزيرة البلوبونيز، ~~وهناك تهب عاصفة أخرى شديدة تجعل من المستحيل عليهم أن يطوقوا ~~شبه الجزيرة، فتذهب بهم الرياح إلى بلد يحب أهلها أكل اللوتس. ~~ويرحل أوديسيوس بعد ذلك من هذه البلاد إلى بلاد الكوكلوبيس. وهناك ~~يستولي أوديسيوس وأصدقاؤه على عدد من الماعز يأخذ أوديسيوس لنفسه ~~منها عشرة ويعطي كلا من أصدقائه تسعة ثم يقيمون مأدبة وينامون ~~حتى الصباح. وفي الصباح يركب هو وأصحابه سفينة صغيرة لاكتشاف بلاد ~~الكوكلوبيس. ويهتم في هذه الرحلة بأخذ النبيذ الذي أعطاه له ~~مارون # Maron # قسيس الإله أبولو، ~~ثم يدخل بعد ذلك كهف بولوفيموس، وبعد ذلك يتمكن من الهرب من هذا ~~الكهف هو وأصدقاؤه، ويعود إلى جزيرة قبرص حيث يقيمون مأدبة ~~عظيمة. # الأنشودة العاشرة # يذهب أوديسيوس إلى جزيرة تابعة لإيون # Ion ~~، ويعطي إيون أوديسيوس قربة تحتوي على رياح ~~مختلفة ولكن أصدقاءه يفتحون القربة لظنهم أنها تحتوي على ثروة ~~عظيمة، فإذا بها تجر ms039 عليهم عاصفة هوجاء، ويغضب إيون لفتح القربة ~~غضبا شديدا ويطردهم جميعا، فيذهبون بعد ذلك إلى بلاد ~~اللايستروجونيين عند ساحل جزيرة سردينيا، ويعرف أنهم يأكلون لحم ~~البشر. ويأخذ هؤلاء في قتل عدد كبير من أصدقاء أوديسيوس، ومن تبقى ~~منهم يذهبون إلى جزيرة كيركي. وهناك تتمكن هذه الساحرة من تغيير ~~أصدقاء أوديسيوس وتحويلهم إلى خنازير صغيرة ما عدا أوديسيوس الذي ~~ينجو من هذا المصير، وينجح في إقناع هذه الساحرة بإرجاع أصدقائه ~~إلى شكلهم الأول فتجيبه إلى طلبه، وبعد ذلك تنصح أوديسيوس وأصدقاءه ~~بالذهاب إلى عالم الأموات. # الأنشودة الحادية عشرة # يذهب أوديسيوس إلى بلاد الأموات عند الكيميريين # Cimmerians # في شمال البحر الأسود، ~~وهناك يقوم أوديسيوس بالمراسيم التي نصحته كيركي بأن يقوم بها ~~فتظهر له أشباح مختلفة منها أشباح إلبينور # Elpinor # وتيريسياس، ويخبره الأخير بالحوادث التي ~~ستحدث له في مستقل حياته. ويظهر له أيضا شبح أمه أنتيكليا # Anticlea # فيوقفه على ما حدث في ~~جزيرة إيثاكا بعد رحيله منها، كما تظهر له أيضا أشباح أصدقائه ~~أجاممنون وأخيل وبتروكلوس وأنتيلوخوس وأجاكس، ثم يرى أوديسيوس ~~القاضي مينوس والصياد أوريون # Orion # ويعود بعد ذلك إلى سفينته، ويغادر بلاد ~~الأموات. # الأنشودة الثانية عشرة # تقدم كيركي بعض النصائح والتوصيات لأوديسيوس، وبفضلها يفلح ~~أوديسيوس في التخلص من السيرينيس، وكذا المرور بين خاروبديس ~~وسكولا في سلام. يصل أوديسيوس بعد ذلك إلى جزيرة ثريناكيا # Thrainacia # حيث يهجم أصدقاؤه على ~~أغنام الشمس فيعاقبهم الإله زوس على أعمالهم هذه. وفوق قطعة باقية ~~من سفينته يحمل أوديسيوس إلى جزيرة أوجوجيا، ثم يعود إلى خاروبديس ~~ويصل منها إلى كالوبسو بعد تسعة أيام، وهو المكان المعروف بجبل ~~طارق. # الأنشودة الثالثة عشرة # بعد ذلك يصل أوديسيوس إلى جزيرة إيثاكا بمساعدة الفياكيين الذين ~~سيعاقبهم الرب بوسايدون لأن الأخير عدو أوديسيوس. ويضعونه على ~~الساحل وهو نائم، وعندما يستيقظ يستولي عليه اليأس؛ لأنه لا يعرف ~~في أي مكان هو، وتأتي إليه الربة أثينا وتخبره وهي متنكرة بأنه ~~موجود الآن في جزيرة إثياكا، وأن الهدايا التي معه هي ما تبقى له ~~من الأسلاب ms040 والمغانم التي اكتسبها في حرب طروادة. يلي ذلك منظر ~~بديع يظهر فيه الإنسان في منظر كله ثقة وود وصداقة، ثم يتفقان ~~على أن يتنكر هو أيضا في صورة شحاذ حتى لا يعرفه أصدقاؤه ~~أنفسهم، ثم يذهب إلى راعي خنازير يدعى يومايوس # Eumaeus # وفي الوقت نفسه تذهب أثينا لمقابلة ابنه ~~تيليماخوس. # الأنشودة الرابعة عشرة # يستقبل راعي الخنازير أوديسيوس ويعد له الطعام ويذبح له ~~خنزيرا رغم أنه لا يعرفه. ويسأله الراعي عن شخصه فيسرد عليه ~~أوديسيوس قصة كلها أكاذيب وخرافات، فيقول له إنه من جزيرة كريت ~~وقد أخذه ملك الجزيرة إلى طروادة ليشترك في الحرب ويعينه ~~أميرالا للأسطول، ثم يعود إلى وطنه بعد انتهاء الحرب، وبينما هو ~~كذلك يذهب على رأس حملة للنهب والسلب متجها إلى مصر في صحبة رجل ~~فينيقى. ويذهب الاثنان بعد ذلك إلى ليبيا حيث يستولي عليه الفينيقي ~~ويبيعه كعبد، وبعدئذ تهب عاصفة هوجاء يغرق فيها البعض. وبعد ~~هذه الحادثة يجد أوديسيوس نفسه في مكان لا يعرفه، وهناك يتحدث مع ~~ابن الملك فيطرده الملك بعد ذلك، ويعهد به إلى بحارة يأتون به إلى ~~جزيرة إيثاكا، فيهرب منهم ويجيء إلى راعي الخنازير. # ولكن يومايوس لا يصدق شيئا من هذا الذي قاله الغريب. ومع ذلك ~~يأمر بذبح خنزير ليأكلوه، كما يعد لأوديسيوس المتنكر فراشا ~~للنوم، ويخرج بعد ذلك مسلحا لحراسة الخنازير. # الأنشودة الخامسة عشرة # تصل أثينا إلى إسبرطة وتظهر لتيليماخوس في منامه، وتأمره بأن ~~يرجع إلى أثينا والذهاب رأسا إلى يومايوس، فما إن يستيقظ حتى يترك ~~قصر الملك مينيلاوس محملا بالهدايا الكثيرة التي جاد بها عليه ~~وزوجته هيلينا. ويعود تيليماخوس إلى بولوس، ومن هناك يبحر على ~~سفينته مصطحبا معه رجلا اسمه ثيوكلومينوس # Theoclymenus # كان قد نفي من أرجوس؛ لأنه قتل رجلا، ~~ثم يعود إلى إيثاكا في سرعة عجيبة وقد بيت العزم على تجنب ~~رؤية المتآمرين عليه فيتحاشاهم ويسلك طريقا آخر حتى يصل إلى ~~إيثاكا، في الوقت الذي كادت تنتهي فيه الوليمة التي أقامها يومايوس ~~لأوديسيوس. # الأنشودة السادسة عشرة # يرسل تيليماخوس يومايوس ms041 كي ~~يخبر أمه بأنه قد عاد إلى الوطن، فيبقى بمفرده مع أوديسيوس حيث ~~يتمكن من التعرف عليه، وعندئذ يتفق الأب والابن على الخطة ~~التي يجب عليهما اتباعها، فيتفقان على ألا يذكر تيليماخوس ~~شيئا عن أبيه. وفي هذا الوقت يصل إلى المتآمرين نبأ عودة ~~تيليماخوس إلى إسبرطة فيغضبون غضبا شديدا، ويظهر أنتينوس رغبته ~~في قتل تيليماخوس وفي إعداد مؤامرة لقتله، فيعارضه في ذلك بعض ~~الأشخاص. ويصل خبر كل هذا إلى بينيلوبي فتنزل إلى المتآمرين، ~~وتوجه اللوم إلى أنتينوس لرغبته في قتل ابنها. # أما عند يومايوس فتنتهي الوليمة وينام الجميع. # الأنشودة السابعة عشرة # فيها يخرج تيليماخوس في صحبة الراعي، ويذهب أوديسيوس متنكرا في ~~هيئة شحاذ. وهناك يحدث نزاع بينه وبين أنتينوس يظهر فيه ~~الأخير كثيرا من القسوة والعنف، ولكن بينيلوبي تهبط من مقصورتها ~~وتهتم بهذا الرجل الشحاذ، وتبدي رغبتها في التحدث إليه حديثا ~~خاصا. # الأنشودة الثامنة عشرة # فيها يحدث شجار بين أوديسيوس المتنكر في صورة شحاذ وبين ~~شحاذ آخر يدعى إيروس # Irus ~~، ~~فيسر المتآمرون كل السرور لهذا المنظر، ولكن الشحاذ أوديسيوس ~~يتغلب على الشحاذ الآخر بضربة قاضية ويلقي به في الخارج. بعد ذلك ~~ترغب بينيلوبي في النزول إلى ساحة القصر بحجة التحدث إلى ~~تيليماخوس، ولكن أثينا تجعلها تنام وتخلع عليها ثوبا من الجمال، ~~ثم تنزل أخيرا وتوجه اللوم إلى تيليماخوس للمعاملة القاسية ~~التي عومل بها الضيف، وتقصد بذلك أوديسيوس. # ثم تصعد بينيلوبي إلى جناحها الخاص، ثم ينشب شجار في الدور ~~الأول من القصر بين أوديسيوس وبين الخادمة ميلانثو # Melantho # تسب فيه الأخيرة أوديسيوس، ~~وتوجه إليه قارع القول، فيتدخل يورونومي # Eurynome # حبيب ميلانثو، ويؤيد الخادمة ضد أوديسيوس ~~ويلوح له بيده. # يحدث عقب ذلك هرج ومرج ثم منظر آخر فيه يأمر أوديسيوس ابنه ~~تيليماخوس بإدخال الأسلحة وحبس الخادم، ثم ينتهي اليوم بسلام ~~بالرغم من الحوادث السابقة. # الأنشودة التاسعة عشرة # يبقى أوديسيوس في الساحة ومعه تيليماخوس، ثم يخفي أوديسيوس ~~الأسلحة في القصر. وتنزل بينيلوبي من جناحها للتحدث مع هذا ~~الضيف، وتسأله عن شخصه فيجيبها إجابة ms042 كاذبة؛ إذ يقول لها إنه شقيق ~~الملك إيدومينيوس الذي يحكم في جزيرة كريت، والذي استقبله في ~~كريت وكان قد ذهب إلى هذه الجزيرة لرؤية إيدومينيوس، وكان الأخير ~~على وشك السفر إلى حرب طروادة. وتبكي بينيلوبي بكاء مرا وتسأله ~~عن أوديسيوس، ثم تأمر بإعداد حمام ساخن لغسل قدمي هذا ~~الشحاذ. وبينما خادمتها يوروكليا تقوم بغسل قدمي أوديسيوس، ~~تعثر على آثار جروح كان يعرف بها أوديسيوس، فتتعرف الخادمة ~~عليه بواسطة هذه الجروح، وتخبر سيدتها بأن هذا الشخص الجالس ~~أمامها هو أوديسيوس بعينه، فتفرح بينيلوبي فرحا جما، ثم يقترح ~~أوديسيوس على زوجته الخطة الواجب اتباعها، ويعدان العدة في ~~اليوم التالي، ويتفقان على إقامة مسابقة بين المتآمرين. # الأنشودة العشرون # فيها تمد مأدبة عظيمة، ويعلن العراف ثيوكلومينوس نبوءة ~~تقول بأنه يرى أشباحا تدور حول المطالبين بالزواج من بينيلوبي، ~~فيضحك هؤلاء ويسخرون من النبوءة ويطردونه شر طردة. # الأنشودة الحادية والعشرون # تظهر بينيلوبي وتعد بأنها ستتزوج من الشخص الذي يستطيع إحراز ~~قصب السبق في المسابقة التي تود إقامتها، وهي رمي السهام ~~بالقوس، وتشترط كذلك استخدام قوس أوديسيوس نفسه، ولكن لا أحد ينجح ~~في هذه المسابقة، ولا يتمكن أحد من استخدام هذا القوس، فيتقدم ~~أوديسيوس ويطلب الاشتراك في المسابقة فيسخر منه المتآمرون، ولكن ~~تيليماخوس يعطيه القوس وينجح أوديسيوس في استخدامها نجاحا ~~عظيما. # الأنشودة الثانية والعشرون # عندئذ يعلن أوديسيوس عن نفسه، ويقتل جميع المتآمرين، ولا يستثني ~~منهم غير الشاعر فيميوس والبطل ميدون. # الأنشودة الثالثة والعشرون # تقف بينيلوبي على جميع هذه الحوادث، ويتخذ أوديسيوس جميع ~~التدابير اللازمة. # الأنشودة الرابعة والعشرون # هي ختام الأوديسة وهي أنشودة ضعيفة، وأغلب الظن أنها أضيفت ~~إلى الأوديسة، وبذا تتم الأناشيد ويصبح عددها معادلا لأناشيد ~~الإلياذة تماما. ~~••• # من هذا يتبين أن الأوديسة عبارة عن التأليف والتنسيق المحكم ~~بين ثلاث أفكار تتلخص في التليماخية، وفيها لا يظهر البطل ~~أوديسيوس ولا يتحدث ولا يتكلم، وإنما يذكر عرضا بحيث تكون ذكراه ~~هي السائدة في الأغاني الأربعة الأولى، وفي مخاطرات أوديسيوس، ثم ~~في انتقام الأخير من مغازلي زوجته. # وكل ما ms043 يمكننا استنتاجه من تحليل كل من الإلياذة والأوديسة هو: # أولا: # وحدة الموضوع واحدة في المنظومتين. # ثانيا: # وجود قطع طويلة شيقة ممتعة أحيانا، وغير ذلك في ~~حين آخر، ويمكن حذفها دون أن يؤثر هذا الحذف على ~~وحدة الموضوع في الكثير أو القليل. بل ربما كان هذا ~~الحذف مفيدا جدا، ومما لا شك فيه أن عددا من هذه ~~القطع قد أضيف إلى الأوديسة بصورة أكثر منها في ~~الإلياذة. # ومن ثم فإن هذه القطع غير ضرورية في الإلياذة ~~والأوديسة. # ثالثا: # نستطيع أن نميز في الإلياذة والأوديسة وخصوصا في ~~الأولى بين العصور المختلفة. وهذا التمييز يظهر جليا ~~في اللغة ووصف الشخصيات والحقائق التاريخية. # إذن كيف يمكن تفسير جميع هذه الحوادث المختلفة حول الفكرة ~~الأساسية للإلياذة، وهي فكرة غضب أخيل، وحول الفكرة الأساسية ~~للأوديسة، وهي فكرة عودة أوديسيوس وانتقامه لنفسه؟ # يفترض العلماء المحققون فرضين أساسيين؛ أحدهما يقول بوجود ~~نواة أولية، وهذا الفرض يسمى # Monyan Primitif ~~، ومعنى ذلك أن شاعرا عبقريا ألف ~~نوعا من الإلياذة والأوديسة، ثم حدثت بعض التغييرات، وأضيفت ~~إليهما بعض الإضافات إبان العصور التالية. ولقد ظهر هذا الفرض على ~~الأخص منذ عام 1824م. وممن أخذ بهذا الفرض من العلماء هيرمون # Hermonn # عام 1831م، وكايسر # Kayser # عام 1835-1845م، وجروت # Grote # عام 1849م. والأخير يقول بوجود ~~قصة أصلية تدور حول أخيل تسمى # L’Achilléide # ثم أخذ الشاعر نفسه ~~الذي ألف القصة البسيطة في بادئ الأمر يضيف إليها حتى أصبحت ~~طويلة جدا. # ومما يؤيد هذا الفرض في زعم هؤلاء العلماء ما حدث في ~~القصائد التي ظهرت فيما بين النهرين، ولكن الإضافات والتغييرات ~~التي حدثت بالإلياذة والأوديسة أقل بكثير من التي حدثت في قصائد # Gilganesch # ومن المستحيل أن تكون ~~هذه النواة الأصلية قد وجدت قبل هجرات الآخيين، ومن المستحيل أن ~~تكون الإلياذة قد ألفت هي والأوديسة قبل حرب طروادة. # والآن من هم أبطال حرب طروادة؟ هناك النظرية الألمانية، وهي تقول ~~إن هؤلاء الأبطال كانوا آلهة في أول الأمر، ثم أصبحوا بشرا بمرور ~~الزمن. وقد عارض هذه النظرية العالم ms044 الفرنسي بول فوكار Paul Foucart # في رسالة ألفها عن ~~عبادة الأبطال عند اليونان. # إذن كان أجاممنون وأخيل ومينيلاوس آلهة تعبد في بلاد اليونان، ~~ثم مر زمن طويل حتى أصبحوا بشرا جمعتهم الخرافات حول حصار ~~طروادة. والذي يجب أن نتذكره أن أهمية طروادة القصصية لم تزد إلا ~~في أوساط آسيا الصغرى حتى جاءت إليها سلالة أولئك الأبطال يقيمون ~~بها. # أما النظرية العكسية فهي نظرية بول فوكار التي تقول إن هؤلاء ~~الأبطال كانوا بشرا في أول الأمر ثم ارتفعوا بعد ذلك إلى درجة ~~الآلهة؛ فإن أجاممنون وأخيل ومينيلاوس كانوا رجالا وربما كانوا من ~~رجال الخرافات الذين ابتدعتهم الخرافات، وربما كانوا أيضا ~~شخصيات تاريخية لها وجود تاريخي صحيح. # وهذا الاعتبار الأخير أميل إلى الصحة؛ لأن مكتشفات الحفائر في ~~البلاد الشرقية تدعونا إلى أن نأخذ بالرأي القائل بأن هذه الشخصيات ~~وجدت حقا وعاشت حقا، وكان لها ما كان من الأثر في حرب ~~طروادة، وهم أبطال آخيون ما عدا البطل أوديسيوس الذي اسمه يوناني. ~~كان هذا الاسم هو أوليكسيس # Olixces # أو # Ulixces # وقد وصل هذا الاسم إلى إيطاليا بهذه الصورة قبل أن يكون هناك ~~أوديسة ثم أصبح أوديسيوس # Odysseus # ومعناه «الرجل الذي يتحمل غضب الآلهة» وهو مشتق من الفعل ~~اليوناني # Odussomai ~~. وكان ذلك ~~جاريا في التقاليد بين شعوب البحر الأبيض المتوسط، ثم نقل بعد ~~ذلك إلى القصائد الهومرية. ومن المحتمل جدا أن تكون هناك قصائد ~~إيجية مينوية تابعة للحضارة الكريتية اعتمد عليها الشعراء من ~~الآخيين، واقتبسوا منها الشيء الكثير، ولكننا لا نستطيع أن نعرف ~~هذه القصائد الإيجية بأية حال فهي مجهولة لنا تماما؛ لأنه لم ~~يبق منها آثار تدل عليها بالنسبة إلى أن اللهجات الآخية ~~انعدمت، ولم يبق منها إلا بعض الكلمات البسيطة. # هذا ما عندنا عن الفرض الأول. # أما الفرض الثاني فهو القائل بوجود أغان بسيطة في أول الأمر ~~منفصلة الواحدة عن الأخرى وتسمى بالألمانية «ليدر # Lieder ~~». # وتقول هذه النظرية الألمانية بأن هذه الأغاني المنفصلة تتحدث ~~كل منها عن حوادث خاصة من حوادث الخرافات ms045 وينشدها الشعراء ~~المغنون. ومن المحتمل جدا أن يكون هناك شاعر عبقري قد حاول أن ~~يختار من هذه الأغاني، وأن يجمع منها كل ما يتصل بفكرة واحدة، ~~كالفكرة التي تدور حول غضب أخيل أو عودة أوديسيوس وانتقامه. هذا ما ~~أخذ به القس الفرنسي # D’Aubignac # في ~~القرن السابع عشر. وجاء بعده بمدة العالم الألماني وولف # Wolf # الذي أخذ بهذه النظرية أيضا في ~~مؤلفه المشهور المسمى Prolegomene ~~. وقد انتهى وولف إلى ~~مثل ما انتهى إليه العالم الفرنسي بعد دراساته الطويلة بالحوادث ~~التي كانت في مخطوط يسمى # Veenetus # ونشرها عالم فرنسي اسمه # De Villoisin # عام 1788م. وقد أيد ~~هذه النظرية مع بعض الاختلاف البسيط لأخمان # Lachmann # وهين # Heyne # وكيرشوف # Kirchhoff # الذي يقول إن ~~الإلياذة والأوديسة ليستا عبارة عن أغان صغيرة بسيطة، إنما قصائد ~~طويلة من الشعر القصصي. وقد أيد كيرشوف فيما يخص بالإلياذة عالم ~~آخر مشهور جدا اسمه فيلاموفتس # Wilamowtz ~~. # هذه بيداء من الآراء المختلفة، من الجائز أن يضل الإنسان فيها؛ ~~لذلك نكتفي ببعض الملاحظات لتحديد أوجه هذه المشكلة، ولكن قبل أن ~~نبدأ في ذكره هذه الملاحظات يجب علينا أولا أن نذكر كيف نشرت ~~هذه الأشعار الهومرية، ونتكلم أولا عن كيفية انتقال هذه القصائد ~~إلى أيونيا في آسيا الصغرى. # نستطيع ان نقول إن الشعر كانت له مكانة عظيمة في المجتمع الآخي ~~والأيوني والأيولي؛ إذ كان الشعراء والمغنون ينشدون في المآدب ~~التي يقيمها كبار القوم مثل فيميوس وديمودوكوس وألكينوس. كانت ~~الأغاني التي يختارها هؤلاء الشعراء المغنون تدور حول حوادث خاصة ~~بحياة الأبطال. يظهر لنا من أول وهلة أن هذه الأغاني كانت أغاني ~~قصيرة؛ لأنه من المستحيل على الشاعر أن يغني أغاني طويلة ~~كالإلياذة والأوديسة، خصوصا إذا أخذنا أن الكتابة لم تكن قد ظهرت ~~بعد. بناء على هذه النظرية يمكن استنتاج أن هذه القصائد لم تكن ~~طويلة، وأنها نقلت عن طريق الحفظ والسماع إلى أيونيا، ولكننا ~~نشك في هذا الكلام لوجود فكرة في هوميروس تثبت وجود كتابة في ~~هذه الفترة. كان من الجائز أن نأخذ بهذه ms046 الفكرة لو لم توجد ~~الحفائر. أما الآن فإننا نعرف عن طريق الحفائر أن اليونان لم ~~يأخذوا الحروف الهجائية عن الفينيقيين في القرن الثامن أو التاسع؛ ~~لأن الكتابة كانت معروفة منذ زمن طويل في قرن أقدم من القرنين ~~الثامن والتاسع، وكانت الكتابة معروفة في العالم الذي وصل إليه ~~الآخيون؛ لذلك يمكننا أن نأخذ بالرأي القائل بأنه كان هناك نوع من ~~الإلياذة والأوديسة موجود ومكتوب باللغة اليونانية وفي هذا العصر ~~القديم بالذات؛ لأن علم اللغات قد أثبت لنا بطريقة قاطعة أن هناك ~~فاصلا بين القصائد الهومرية وبين الأدب الآخي الذي سبق هذه ~~القصائد والحروب. # ليس هناك من شك في أن هذا مهم من الناحية التاريخية ~~والأدبية؛ لأنه يثبت لنا الأهمية العظمى للشعوب المتكلمة باللغة ~~اليونانية مثل الأيونيون والأيوليون وهم متصلون بالآخيين بصلة ~~القرابة، وبالذين جاءوا إلى بلاد اليونان بعد هجرات الآخيين وقبل ~~هجرات الدوريين. # ثم صارت لهم السيادة بعد أن استتبوا ببلاد اليونان أو بعد ~~هجراتهم إلى آسيا الصغرى، وكانت هذه الهجرات نتيجة للغزوات ~~الدورية. # ولقد سارت القصائد الهومرية في نفس الطريق الذي سارت فيه القصائد ~~الأيونية ثم انتقلت إلى أيونيا بواسطة الكتابة. أما الآخيون فلم ~~يقبلوا أن يكون لهم آداب، فقلدوا الأدب الفريجي المينوي، ثم كان ~~هناك فن ميسيني قلدوه من الأسلحة والأواني الفخارية. # فالقصائد الهومرية إذن قصائد هومرية بحتة لا نجد فيها كلمات ~~إيجية إلا عددا قليلا جدا يكاد لا يذكر، وهي قصائد تسير على ~~نهج القصائد الأيولية، ولكنها اتخذت الشكل الأيوني. # والآن نتحدث عن الكيفية التي نقلت بها هذه القصائد إلى بلاد ~~اليونان. لقد انتقلت بإحدى هاتين الطريقتين أو بالاثنين ~~معا. # أولا: # بالطريقة الشفوية، وذلك بواسطة المنشدين المغنين ~~الذين كان من عادتهم الانتقال من مدينة إلى أخرى، ~~والتقدم إلى المسابقات العامة لنيل الجوائز الكبرى ~~كتاج من الذهب مكافأة على إنشادهم أشعار هوميروس. ~~وكان من عادتهم أن يصعدوا فوق منبر عال ويأخذوا في ~~إلقاء هذه القصائد بصوت جهوري واضح النبرات. وكانوا ~~يعقدون جلسات طويلة على أيام متتالية كي تكفي هذه ms047 ~~الجلسات الطويلة لإنشاد الإلياذة والأوديسة كلها. وكان ~~هؤلاء المنشدون يلبسون ملابس فاخرة ذات ألوان زاهية ~~باهرة حمراء عندما ينشدون الإلياذة وأخرى أرجوانية ~~متى ينشدون الأوديسة، وذلك حسب ما قال به كل من ~~الخطيبين سقراط وأفلاطون؛ فقد قال كلاهما إن هؤلاء ~~المنشدين كانوا يذهبون إلى الأعياد التي تقام فيها ~~المسابقات العامة كالأعياد البانأثينية ~~الكبرى # Grandes Panathéneés # ويحدثنا الشاعر بندار Pindar # أيضا عن وجود ~~جماعة تسمى # Les ~~Homérides # وهؤلاء الهومريون ينشدون ~~هذه القصائد. والمرجح أنهم كانوا في بادئ الأمر ~~عبارة عن جمعية تضم جميع مغني الإلياذة والأوديسة. ~~كانوا يدعون لأنفسهم حق الانتساب إلى هوميروس ~~ويقولون إنهم من سلالة هوميروس. وكان من بين الهومريين ~~كثيرون في جزيرة خيوس # Chios # نسب إليهم فكتور بيرار جمع الأغاني ~~المختلفة التي تتكون منها الأوديسة، وذلك في بداية ~~القرن السابع قبل الميلاد. وهذه الأغاني مجتمعة قد ~~وصلت إلينا اليوم كما كانت عليه في ذلك القرن. وهذا ~~ما يأخذ به أصحاب الأغاني المستقلة المسماة «ليدر» ~~الذين يقولون بوجود شعراء عباقرة جمعوا هذه ~~الأناشيد في إلياذة عامة أو أوديسة عامة. # ثانيا: # بالطريقة الكتابية؛ لأنه كان بين أيدي المنشدين ~~نسخ مكتوبة. ولقد قال المؤرخ إيفور # Ephore # في القرن الرابع قبل ~~الميلاد في إحدى رواياته إن المشرع الإسبرطي ~~لوكورجوس # Lycurgus # قد ~~عمل على استحضار نسخة من جزيرة ساموس أو خيوس أو من ~~كريت إلى إسبرطة، ولكن حقيقة الأمر أن هذا المشرع ~~خرافي ولا وجود له في التاريخ. # ولكن هناك رواية أخرى ~~تقول إن الطاغية بيزستراتوس الذي حكم في أثينا إبان القرن السادس ~~قبل الميلاد قد عمل على جمع هذه الأناشيد الهومرية، وكانت حتى عصره ~~مشتتة مبعثرة، كما أنه يجب ألا يغيب عنا أنه في عصر بيزستراتوس ~~هذا تقرر إنشاد القصائد الهومرية في الأعياد البانأثينية الكبرى ~~في أثينا. وقد استغل هذه الرواية أصحاب نظرية الأغاني المستقلة ~~ابتداء من وولف؛ ففي رأي القائلين بهذه النظرية أن أثينا لعبت ~~دورا مهما في تكوين الإلياذة والأوديسة. ومن رأيهم أيضا أن ~~الشعراء العباقرة الذين عملوا على وضع ms048 الإلياذة والأوديسة في ~~صورتها الأخيرة هم أعضاء اللجنة التي ألفها بيزستراتوس للإشراف ~~على أمور التعليم والثقافة والعلوم المختلفة في أثينا في القرن ~~السادس قبل الميلاد. وتتألف هذه اللجنة من الأشخاص الثلاثة ~~الآتية أسماؤهم # Zopyres d’Héraclée, Onomaci ~~d’Athènes, Orphée de Grotone ~~، ولكن الرواية ~~الأخيرة بعيدة عن الصحة؛ إذ إنها لا تتعدى القرن الأول قبل ~~الميلاد، والذي رواها هو أسكليبياديس؛ # Asclépiades # ومن ثم فهي ليست قديمة. # والمؤرخون الذين ظهروا في نيجارا هم أول من نسب إلى ~~بيزستراتوس إدخال بيتين من الشعر لإثبات حقوق أثينا على جزيرة ~~سلاميس؛ ومن هنا نشأت الخرافة القائلة بوجود اللجنة التي عينها ~~بيزستراتوس والتي تكلمنا عنها. وهي الخرافة التي وصلت النحوي ~~أسكاليبياديس ومنه إلى شيشترون # Cicero # وعن الأخير عرفها المحدثون. وواقع الأمر ~~أنه كانت هناك نسخ لهوميروس تسمى «نسخ المدن» وهي النسخ ~~الحكومية التي تضعها الدولة للمدارس والأعياد العامة. وقد وجد ~~كثير من هذه النسخ في أثينا وغيرها. ومن المحتمل أن تكون هذه ~~النسخ الحكومية هي كل ما يمكن نسبته إلى صولون وبيزستراتوس. وقد ~~تحدث البعض فقال إن أشعار هوميروس كتبت في أثينا بلهجة ~~أتيكية. واستندوا في ذلك على الإضافات التي زجت في النسخة ~~الأصلية كالبيتين المتعلقين بجزيرة سلاميس وكالأشعار المتعلقة ~~بالأبطال الأثينيين كالبطل مينيسثيوس # Menestheus # وأريخثيوس # Erectheus # وهم في هذا غير محقين؛ لأنه لا يوجد ما ~~يدعو إلى افتراض وجود هذه الفروض ونسبتها إلى الساسة الأثينيين ~~لشرح الدور الذي قام به الأبطال الإثينيون في الإلياذة؛ لأن علم ~~الآثار أثبت لنا بطريقة قاطعة أنه كانت هناك أثينا وأتيكا أيام ~~الحضارة الميسينية. # بيد أن هناك آخرين يقولون إن النص الأصلي كان باللهجة الأيونية ~~ثم نقل إلى الأتيكية القديمة وذلك بعد عام 405ق.م. وهذا الرأي ~~بعيد عن الصحة؛ لأن الإلياذة والأوديسة وصلتا إلى أثينا باللهجة ~~الأيونية، ومن غير المعقول أن تستبعد هذه اللهجة الحسنة وتفضل ~~عليها اللهجة الأتيكية. # إذن فلا يحتمل العقل هذه الفروض بل ما يصدقه هو أن بلاد ~~اليونان في القرن الخامس والرابع (أي في العصر الكلاسيكي) كانت ms049 ~~تقرأ هوميروس كما نقرؤه اليوم. ويكاد النص يكون هو النص الذي بين ~~أيدينا. وطبيعي أن تكون الطبقات المختلفة في هوميروس متباينة فيما ~~بينها؛ ومن ثم لا يجب أن نعنى بالإضافات والتغييرات إلا لمجرد حب ~~التغير والإضافة، أو بقصد الكسب والمنفعة. # والواقع أن الإلياذة والأوديسة اللتين وصلتا إلى علماء فقه ~~اللغة من السكندريين لا تختلفان عن الإلياذة والأوديسة اللتين بين ~~أيدينا، صحيح أن بين هؤلاء العلماء من غير فيهما مثل ~~زينودوت # Zenodote # الذي بلغت به ~~الجرأة فحذف الكثير من الأشعار التي لا تتفق مع الإلياذة ~~والأوديسة. # الواقع إذن أن جميع هذه الاعتبارات لا تحل هذه المشكلة حلا ~~مقنعا؛ لأننا نتردد بين الفرض الأول القائل بوجود نواة أولية، ~~والفرض الثاني القائل بوجود أغان بسيطة تسمى «ليدر»، ولا ندري ~~أيهما نفضل على الآخر. وربما كان أفضل شيء هو أن نبدي رأينا ~~الشخصي بهذا الصدد. # إن الإلياذة تتناسب مع ~~الفرض الأول؛ إذ يمكن شرح الإلياذة بهذه النظرية؛ فالإلياذة لا ~~تخلو من قطع كثيرة أضيفت إليها، ويمكن حذفها دون أن يؤدي هذا ~~الحذف إلى أدنى تغيير في الهيكل الأساسي الذي تتركب منه؛ مثل تعداد ~~السفن، أو القائمة التي أتت بتعداد السفن # Catalegue ~~des Vaisseaux # في الأنشودة الثانية؛ إذ واضح جدا ~~أن هذه القائمة بأسماء السفن قد أضيفت إلى الإلياذة رغم أن هذه ~~القائمة تناسب العصر؛ إذ تعطينا فكرة عن جغرافية البلاد إبان ~~الحضارة الميسينية. ولقد أخذ النقاد بهذا الرأي وأجمعوا عليه. كما ~~أن الإلياذة لا تخلو من قطع مكررة حتى تكاد تكون متشابهة، ~~ولكن رغم هذه الإضافة وهذا التشابه لا تزال توجد سلسلة من الحوادث ~~الأساسية هي التي تكون الهيكل الأساسي للإلياذة كغضب أخيل، ~~وكالمعركة التي خسرها اليونانيون، والوفد الذي ذهب إلى أخيل ليعود ~~به إلى القتال، والمعركة التي دارت رحاها بجوار الأسطول، ~~وكالأناشيد التي تدور حول باتروكلوس وتسمى Patroclice ~~، ومثل عودة أخيل إلى ~~الحرب، وموت البطل هكتور في نهاية القصة. # أما إذا أخذنا بالفرض الثاني المسمى «ليدر» فثابت أنه يمكن ~~الاعتراض عليه بعدة اعتراضات، ms050 منها الاعتراض الخاص بالتساؤل عن ~~الزمن الذي حدث فيه الجمع والتصنيف بين هذه الأغاني؛ إذ لا يمكن أن ~~يكون قد تم الجمع والتصنيف في عهد الشعراء المنشدين؛ لأن طبيعة ~~مهنتهم لا تساعدهم على ذلك. كما أنه لا يمكن أن يكون هذا العمل قد ~~تم في عهد الطاغية بيزستراتوس؛ لأن العمل المنسوب إليه يفترض وجود ~~إلياذة؛ ومن ثم فإن هذه النظرية بعيدة الاحتمال والصواب. # الراجح إذن أنه كانت توجد ~~قبل إلياذة هوميروس إلياذة أيولية أخرى ولكنها أقل رقيا وتقدما ~~من إلياذة هوميروس؛ إذ يغلب عليها نوع من التأخر والوحشية في ~~العادات تتناسب مع العصور البدائية التي كانت في ذلك الوقت، ثم ~~تغيرت اللهجة الأيولية إلى الأيونية، وفي الوقت نفسه تلطفت ~~وتهذبت وتحسنت وأضيفت إليها بعض حوادث جديدة. والأوديسة ~~هي الأخرى تقبل مثل هذا التفسير كما تقبل النظرية الأولى التي ~~نفضلها؛ فهيكلها الأساسي واضح كل الوضوح؛ لأنها تتألف من ثلاثة ~~أقسام واضحة متميزة بعضها عن بعض، ولكنها مرتبطة فيما بينها ~~برباط متين وثيق. ومع هذا فإن الأناشيد التي أضيفت إلى الأوديسة ~~أكثر بكثير من الأناشيد التي أضيفت إلى الإلياذة. وليس هناك ~~سبيل إلى القول بوجود أوديسة أيولية كالإلياذة الأيولية؛ ذلك لأن ~~البطل أوديسيوس ليس أيوليا بل من أبطال شعوب البحر الأبيض ~~المتوسط. # وبالرغم من هذه الوحدة الغالبة على كل من القصيدتين ~~الكبيرتين لا نستطيع أن نقول إن لهما تاريخا محددا؛ لأن هذه ~~القصائد تصور لنا سلسلة طويلة متصلة من القرون والعصور. كما ~~يجب أن يغيب عن بالنا أنهما ليستا من الآداب الشعبية بل هما مثل ~~الشعر الراقي الرفيع الذي ألفه شاعر مثقف على جانب كبير من ~~العلم والثقافة أراد أن يصور لنا عصر الأبطال القديم. ونستطيع ~~أن نقول أيضا إن في كل من الإلياذة والأوديسة أجزاء قديمة ~~وأخرى أحدث منها. ونقول أيضا إنهما انتهتا جميعا في القرن ~~الثامن أو السابع قبل الميلاد في عصر انتقال بدأ فيه المجتمع ~~ينتقل من الحكم الملكي إلى الحكم الأرستقراطي الذي كانت مظاهره ~~آخذة في النمو والازدهار ms051 بسرعة. # | الأنشودة الأولى # قاد أثينا نفسها، وأجلسها فوق ~~مقعد، وعند أسفله كرسي صغير للأقدام ... # دعاء إلى ابنة زوس # حدثيني، أيتها الربة، عن الرجل الكثير الحيل الذي أخذ يجول ~~في كثير من مناكب الأرض بعد أن دمر قلعة طروادة المقدسة؛ فقد ~~شاهد بلاد رجال كثيرين وتعلم آراءهم. نعم، وكثيرة هي الويلات التي ~~عاناها في قلبه وسط البحار، ساعيا إلى النجاة بحياته وعودة ~~رفقائه. بيد أنه مع هذا لم ينقذ أولئك الرفاق، رغم شدة لهفته إلى ~~ذلك؛ إذ هلكوا بسبب حماقتهم العمياء - فما أحمق من أكلوا أبقار! ~~هيليوس هوبيريون # Helios Hyperion ~~؛ # 1 # إذ حرمهم سلامة عودتهم. تحدثي إلينا، أيتها الربة، ~~يا ابنة زوس، # 2 # عن هذه الأمور، وابدئي من حيث يحلو لك أن ~~تبدئي. # بوسايدون ثائر ضد أوديسيوس # والآن، أصبح في أوطانهم ~~جميع الآخرين، الذين نجوا من الهلاك المحقق، سالمين من أذى ~~الحرب والبحر، ولكن أوديسيوس # 3 # وحده، الشديد اللهفة إلى الرجوع لوطنه، وإلى زوجته، قد ~~احتجزته الحورية الجليلة والربة البراقة كالوبسو # Calypso ~~، # 4 # في كهوفها الواسعة، أملا في أن تتخذه زوجا. غير أنه، ~~ما إن أهل - بمرور الفصول - ذلك العام الذي ~~حددته الآلهة لكي يعود فيه ~~وأوديسيوس إلى وطنه إيثاكا # Ithaca ~~، حتى كان هناك، ولكنه لم يكن خاليا من ~~المهام، حتى بين قومه. وقد أشفقت عليه جميع الآلهة خلا ~~بوسايدون Poseidon ~~، # 5 # الذي مضى في ثورته المستمرة ضد أوديسيوس، شبيه الإله، ~~حتى وصل أخيرا إلى أرضه. # بيد أن بوسايدون انطلق إلى الإثيوبيين # Ethiopians # البعيدين؛ الإثيوبيين، الذين يقطنون ~~بمنأى عن البشر، في شطرين منفصلين، بعضهم حيث يغرب هوبيريون، ~~والبعض الآخر حيث يشرق ليتلقى ذبيحة مئوية من الثيران والكباش. ~~وكان يتمتع هناك بملذاته، جالسا أمام الوليمة، بينما كان ~~الآلهة الآخرون مجتمعين في ساحات زوس الأوليمبي # Olympian Zous ~~، وقد كان أبو الآلهة والبشر هو أول من ~~تكلم بينهم؛ إذ كان يفكر في قرارة قلبه في أيجيسثوس # Aegisthus # 6 # النبيل، الذي قتله أوريستيس # Orestes ~~، # 7 # الذائع الصيت، ابن أجاممنون # Agamemnon # 8 # فتكلم وسط الخالدين وهو ms052 يفكر فيه، فقال: ~~«اسمعوا يا هؤلاء، الآن سأبين لكم كيف أن البشر مستعدون ~~لينحوا على الآلهة باللوم. إنهم ليقولون: إن الشرور تأتي منا. ~~غير أنهم ينالون أحزانا تفوق ما قدر لهم، بسبب حماقتهم ~~العمياء؛ فقد تخطى أيجيسثوس ما قدر له، فاغتصب لنفسه زوجة ابن ~~أتريوس # Atreus ~~، # 9 # وقتله عند عودته، رغم أنه كان على يقين من الهلاك ~~المحقق؛ إذ سبق أن تحدثنا إليه، وأرسلنا هيرميس # Hermes ~~، # 10 # أرجايفونتيس # Argeiphontes # 11 # الثاقب البصر، ينهاه عن قتل الرجل وعن مغازلة زوجته؛ ~~لأن الانتقام لابن أتريوس، سوف يأتي من أوريستيس يوم يبلغ هذا ~~مبالغ الرجال، ويتوق إلى وطنه، فأخبره هيرميس بهذا، ولكنه رغم حسن ~~نيته، لم يوفق في التغلب على قلب أيجيسثوس، والآن ها هو قد ~~دفع ثمن كل شيء.» # عندئذ ردت عليه الربة، البراقة العينين، # 12 # قائلة: ~~«أبانا كلنا، يا ابن كرونوس، # 13 # يا أسمى جميع السادة. حقا، إن ذلك الرجل ليعيش ~~ذليلا في تهلكة يستحقها، كما نرجو أن يلقى مثل هذا المصير، كل ~~شخص آخر يفعل مثل تلك الفعال، ولكن قلبي يتمزق من أجل أوديسيوس ~~الحكيم، ذلك الرجل التعيس، الذي ظل بعيدا عن أصدقائه، يقاسي ~~الأهوال طويلا، في جزيرة وسط البحر تحوطها المياه من كل صوب. إنها ~~لجزيرة كثيرة الغابات، حيث تعيش ربة هي ابنة أطلس # Atlas ~~، # 14 # ذي العقل الفتاك، الذي يعرف أعماق كل بحر، ويحمل هو ~~نفسه، العمد الطويلة التي تفصل ~~السماء عن الأرض. إن ابنته هذه هي التي تحتفظ بذلك الرجل التعيس، ~~الحزين، وتدأب في خداعه بمعسول الألفاظ كي ينسى إيثاكا، ولكن ~~أوديسيوس، من فرط شوقه إلى رؤية، ولو الدخان المتصاعد من بلاده، ~~يتوق إلى الموت. ومع ذلك، فإن قلبك لا يهتم بهذا، أيها الأوليمبي. # 15 # ألم يقدم لك أوديسيوس ذبيحة لا حصر لها، بجوار سفن ~~الأرجوسيين # Argives ~~، في أرض ~~طروادة الفسيحة؟ لماذا تكن إذن، مثل هذا الغضب ضده، يا ~~زوس؟» # زوس يحرض الآلهة ضد بوسايدون # فأجاب زوس، جامع السحب، بقوله: «طفلتي، ما هذه الكلمة التي فلتت ~~من ms053 بين شفتيك؟ كيف أستطيع، إذن نسيان أوديسيوس، شبيه الإله، الذي ~~يفوق سائر البشر حكمة، والذي قدم للآلهة الخالدين الذين يحتلون ~~السماء الفسيحة، ذبيحة أعظم مما قدمه الجميع؟ كلا، فإن ~~بوسايدون، مطوق الأرض، هو الذي يتملكه على الدوام غضب عنيد ~~ضده، بسبب بولوفيموس Polyphemus # 16 # الذي أعمى أوديسيوس عينه، ~~ذلك الكوكلوب # Cyclops ~~، شبيه الإله، أعظم جميع الكوكلوبيس # Cyclopes # قوة، والذي أنجبته ~~ثئوسا # Thoosa ~~، ابنة فوركوس Phorcys ~~، المسيطر على البحر الدائم ~~الحركة؛ إذ اضطجعت هذه مع بوسايدون في الكهوف الفسيحة، فمنذ تلك ~~اللحظة بالضبط، عول بوسايدون، مزلزل الأرض، على ألا يقتل ~~أوديسيوس، بل يشرده عن وطنه. والآن هلم بنا جميعا، نحن ~~الحاضرين هنا، نفكر في أمر عودته إلى وطنه، وعندئذ يضطر ~~بوسايدون إلى أن يصرف غضبه؛ لأنه لن يستطيع المضي في الصراع وحده، ~~بأية حال من الأحوال، رغم معارضة جميع الآلهة الخالدين.» # وأحضرت ربة البيت الخبز ~~وكميات وافرة من الأطعمة اللذيذة ... # أثينا تذهب إلى إيثاكا # فردت عليه الربة، أثينا البراقة العينين، بقولها: «أبانا ~~جميعا، يا ابن كرونوس، يا أسمى جميع السادة، إن كان مما يسر ~~الآلهة المباركين الآن، أن يعود أوديسيوس الحكيم إلى وطنه، فهيا ~~نبعث هيرميس، الرسول، أرجايفونتيس، إلى جزيرة أوجوجيا، حتى يمكنه ~~الانطلاق بأقصى سرعة، ويعلن الحورية ذات الغدائر الفاتنة، ~~بأننا قررنا نهائيا، أن يعود أوديسيوس، الثابت القلب، إلى ~~وطنه. أما أنا، فسأذهب إلى إيثاكا، عسى أن أتمكن من إثارة حماس ~~ابنه، وأبث الشجاعة في قلبه، كي يدعو الآخيين # Achaeans # الآخيين الطويلي الشعور إلى ~~اجتماع، ويعلن كلمته إلى جميع العشاق، الذين ينحرون باستمرار، ~~خرافه المجتمعة، وأبقاره الملساء # 17 # ذات المشية المتثاقلة. ولسوف أقوده إلى إسبرطة # Sparta ~~، وإلى بولوس Pylos # الرملية ليتسمع أنباء عودة أبيه العزيز؛ ~~فلو ساعده الحظ في أن يحظى بها، ربما كانت هناك أنباء طيبة بين ~~الرجال.» # أثينا تتنكر في صورة قائد # هكذا تكلمت، ثم ربطت في قدميها صندليها الجميلين، ~~الخالدين الذهبيين، اللذين اعتادا أن يحملاها فوق مياه البحر، ~~وفوق الأرض الشاسعة، في سرعة الريح. وتناولت رمحها القوي ms054 المدبب ~~بالبرونز الحاد، الثقيل، الضخم، المتين، الذي تفني به صفوف ~~المحاربين من الرجال، الجديرة بهم، بصفتها ابنة السيد الأعظم. ~~وبعد ذلك، انقضت هابطة من مرتفعات أوليمبوس # Olympus # واتخذت وقفتها في أرض إيثاكا عند باب ~~أوديسيوس الخارجي، عند عتبة الساحة، ممسكة في يديها رمحها ~~البرونزي، متخذة صورة أحد الغرباء، مينتيس # Mentes # 18 # قائد التافيين # Taphians ~~، فوجدت هناك العشاق المتغطرسين ~~يتسلون بلعبة الضامة، وقد جلسوا أمام الأبواب فوق جلود الثيران ~~التي ذبحوها هم أنفسهم. أما الرسل، # 19 # والأتباع المشغولون، فكان بعضهم يمزج لهم الخمر ~~بالماء في الطاسات، والبعض الآخر يغسل من جديد الأخونة بالإسفنج ~~الكثير المسام، ويعدونها، بينما يقسم آخرون اللحم في كميات ~~وافرة. # تيليماخوس يرحب بأثينا # كان تيليماخوس # Telemachus ~~، # 20 # الشبيه بالإله، هو أول من رآها؛ فقد كان جالسا وسط ~~العشاق، حزين القلب، يفكر مليا في أبيه النبيل، عسى أن ~~يعود من مكان ما، بمحض الصدفة، فيغرق أولئك العشاق الرابضين ~~في القصر، فيفوز هو نفسه بالمجد، ويسوس بيته؛ فبينما كان يفكر ~~في تلك الأمور، وهو جالس بين العشاق؛ إذ وقع بصره على ~~أثينا # Athene ~~، فانطلق من توه ~~إلى الباب الخارجي؛ إذ كان في قرارة نفسه يعتبر من العار أن يترك ~~الغريب ينتظر طويلا عند الأبواب فلما اقترب منها أمسك يدها ~~اليمنى، وتناول منه الرمح البرونزي، وخاطبها بكلمات مجنحة # 21 # قائلا: ~~«مرحبا بك، أيها الغريب، سوف تحظى في بيتنا بكرم الضيافة. وبعد ~~ذلك، عندما تذوق طعامنا، تخبرنا بما أنت في حاجة إليه.» # ما إن قال هذا حتى قاد الطريق، وتبعته بالاس أثينا Pailas Athene ~~، # 22 # فلما صار داخل القصر المنيف، حمل الرمح وأسنده إلى ~~عمود مرتفع في حامل الرماح مصقول، حيث أسندت عدة رماح حتى تلك ~~الخاصة بأوديسيوس الجريء القلب. قاد أثينا نفسها، وأجلسها فوق ~~مقعد، بعد أن فرش لها قطعة من منسوج الكتان. لقد كان مقعدا ~~جميلا، فاخر الصنعة، وعند أسفله كرسي صغير للأقدام. وإلى جواره ~~وضع مقعدا لنفسه، مطعما، بعيدا عن الآخرين، العشاق، خشية ~~أن يستاء الغريب من ضوضائهم، فيعاف ms055 الطعام عندما يرى نفسه بين قوم ~~متعجرفين، وكذلك لكي يستطيع أن يسأله عن أبيه الغائب، ثم جاءت أمه ~~بماء لغسيل الأيدي، في جرة جميلة من الذهب، وسكبته لهما فوق ~~طست من الفضة، لكي يغتسلا، وسحبت إلى جوارهما خوانا لامعا، ~~وأحضرت ربة البيت الموقرة الخبز، فوضعته أمامها، ومعه كميات ~~وفيرة من الأطعمة اللذيذة، وكانت سخية في إخراجها من مخزنها. وكان نادل # 23 # يرفع الصحاف ويضع غيرها مليئة بسائر أنواع اللحوم، ~~ووضع إلى جوارهما كئوسا ذهبية، بينما كان الساقي يذرع المكان ~~جيئة وذهابا، يسكب لهما الخمر. # بعد ذلك، دخل العشاق المتغطرسون، وجلسوا صفوفا فوق الكراسي ~~والمقاعد العالية. وراحوا الخدم يصبون الماء فوق أيديهم، وأخذت ~~الإماء يكومن الخبز أمامهم في أسفاط، والشبان يملئون الطاسات ~~بالشراب حتى الثمالة، فمدوا أيديهم إلى المباهج الطيبة الموضوعة ~~أمامهم. والآن بعد أن أشبع العشاق رغبتهم من الطعام والشراب، ~~تحولت قلوبهم إلى أمور أخرى، إلى الغناء وإلى الرقص؛ إذ إن هذه ~~الأشياء هي ما يتوج الوليمة. وجاء خادم فوضع القيثارة الجميلة ~~في يدي فيميوس Phemius ~~، # 24 # الذي راح يغني على كره منه وسط العشاق، وأخذ يضرب ~~الأوتار بما يتفق ونغمة أناشيده وصوته العذب. # تيليماخوس والغريب ... في حديث # أما تيليماخوس، فتحدث إلى أثينا، ذات العينين اللامعتين، وقد ~~اقترب منها برأسه، حتى لا يسمعه الآخرون، فقال: «أيها الغريب ~~العزيز، هل تغضب مني بسبب ما سأقوله لك؟ يهتم هؤلاء الرجال بمثل ~~هذه الأشياء، القيثارة والغناء، اهتماما بالغا، طالما أنهم ~~يلتهمون طعام غيرهم سحتا، طعام رجل، ربما كانت عظامه البيضاء ~~متعفنة في الأمطار، وهي ملقاة فوق اليابسة، أو تدحرجها الأمواج ~~في البحر. ولو أبصروا به عائدا إلى إيثاكا، لتمنى كل واحد منهم ~~أن يكون أكثر سرعة في الهرب، منه في الثراء بالذهب واللباس. بيد ~~أنه ها قد هلك الآن بقدر مشئوم، ولا سبيل لنا إلى أية راحة. كلا، ~~حتى ولو قال رجل ما، على ظهر الأرض، إنه سيحضر، لقد فات يوم ~~عودته. أما الآن، فتعال، أخبرني، وصارحني الصدق في القول، من من ~~الناس ms056 أنت، ومن أين قدمت؟ أين بلدك، وأين أبوك؟ على أية سفينة ~~حضرت، وكيف جاء بك الملاحون إلى إيثاكا؟ ماذا أخبروك عن أنفسهم؟ ~~فما أظنك، قد أتيت إلى هنا ماشيا على قدميك بحال ما. وأخبرني ~~بالصدق عن هذا أيضا، كي أعلم يقينا، هل هذا هو أول مجيء لك إلى ~~هنا، أم أنك، بحق، صديق قديم لبيت أبي؟ فإن أغرابا كثيرين قد ~~جاءوا إلى بيتنا؛ لأن أبي كذلك كان قد ذهب إلى هنا وإلى هناك بين ~~الناس.» # عندئذ ردت عليه الربة، أثينا ذات العينين النجلاوين، ~~بقولها: «إذن بالحق سأخبرك صراحة بكل شيء. إنني مينتيس بن أنخيالوس # Anchialus # الحكيم، وإنني ~~سيد على التافيين # Taphians # محبي ~~المجاذيف. ها أنا ذا قد جئت الآن إلى هنا، كما ترى، بسفينة ~~وملاحين، وإبان سفري عبر البحر القاتم كالخمر، مررت بقوم ~~غريبي اللغة، وأنا في طريقي إلى تيميسي # Temese # بحثا عن النحاس، وها أنا ذا أحمل معي بعض ~~الحديد البراق. إن سفينتي راسية هناك بجانب الحقول بعيدا عن ~~المدينة، في ميناء رايثرون # Rheithron ~~، أسفل نايون # Neion # الكثيقة الغابات. إننا لنعتبر أنفسنا صديقين، ~~كما كان آباؤنا أصدقاء منذ القدم. نعم، ولو أردت، فاذهب واسأل ~~المحارب العجوز، لايرتيس # Laertes ~~، # 25 # الذي يقولون إنه لن يأتي بعد الآن إلى المدينة، بل يظل ~~بعيدا في الحقول يقاسي الآلام، وتخدمه كأمة عجوز شمطاء، تقدم ~~له الطعام والشراب، بعد أن يتملك التعب من أطرافه، وهو يحبو ~~خلال أرض كرومه. والآن، ها أنا ذا قد جئت؛ إذ يقول الناس بصدق إن ~~أباك كان بين قومه، ولكن للأسف، إن الآلهة هي التي تقف في طريق ~~عودته؛ لأن أوديسيوس العظيم لم يهلك بعد على سطح الأرض، ولكنه، ~~كما أعتقد، لا يزال حيا محجوزا فوق البحر الفسيح في جزيرة ~~يحوطها البحر، ويحتجزه قوم قساة، متوحشون، ويمنعونه من المجيء، ~~ربما ضد رغبته الشديدة. بيد أنني أتنبأ لك الآن، حيث قد وضع ~~الخالدون النبوءة في قلبي، وكما أعتقد أنه سيحدث، رغم كوني لست ~~قطعا بعراف ولست خبيرا في التطير، أن ms057 أباك لن يغيب طويلا عن ~~وطنه العزيز، حتى لو قيد بأصفاد من الحديد. إنه سيدبر طريق ~~عودته؛ إذ إنه كثير الحيل، ولكن تعال، أخبرني بما سأسألك عنه، ~~وكن صادقا في قولك، كما أنت طويل هذا الطول الفارع. هل أنت ~~حقيقة ابن أوديسيوس نفسه؟ إن هناك شبها عجيبا بين رأسك وعينيك ~~الجميلتين، وبين والدك؛ فقد كنا نلتقي سويا، كثيرا، قبل رحيله ~~إلى بلاد طروادة، التي ذهب إليها أيضا، أشجع الأرجوسيين في سفنهم ~~الواسعة. غير أنني لم أر أوديسيوس منذ ذلك اليوم، كما أنه لم يرني ~~أيضا.» # فأجابها تيليماخوس الحكيم، بقوله: «إذن، بالحق سأصارحك القول بكل ~~شيء، أيها الغريب. تقول أمي إنني ابنه، ولكني لست أعرف هذا، فما ~~من إنسان، حتى الآن، قد عرف سلسلة نسبه من تلقاء نفسه. آه، يا ~~سيدي، ليتني كنت ابن رجل ما مبارك، قد وافته الشيخوخة ضمن ~~ممتلكاته الخاصة، ولكن حيث إنك تسألني الآن عن نسبي، فإنني تبعا ~~لما يقول الناس، قد انحدرت من أتعس رجل بين البشر.» # فقالت الربة، أثينا ذات العينين المتألقتين: «إذن، فمن ~~المؤكد أن الآلهة قد عينت لك نسبا غير خامل لتنحدر منه؛ إذ أرى ~~أن بينيلوبي # penelope # 26 # قد ولدتك بهذه ~~الصورة التي أنت عليها، ولكن تعال، أخبرني عن هذا، وكن صادقا في ~~قولك، أي وليمة هذه؟ وأي حشد هؤلاء؟ ما حاجتك إلى هذا كله، أهو ~~حفل شراب، أم وليمة عرس؟ لأنه من الجلي أن هذه ليست وليمة قد ~~اشترك فيها كل فرد بنصيب، يبدو لي أنهم يولمون في ساحاتك ~~بعربدة وعجرفة بالغتين. لا بد أن المرء يغضب إذ يرى كل هذه ~~الأعمال المخجلة، وكذلك كل رجل ذي شعور يجد نفسه وسط ~~هؤلاء.» # فأجابها تيليماخوس العاقل، قائلا: «أيها الغريب، بما أنك ~~تسألني حقيقة عن هذا الأمر، فاعلم أن منزلنا كان يوما ما واسع ~~الثراء والمجد، طيلة مدة وجود ذلك الرجل بين أهله. أما الآن فإن ~~الآلهة قد أرادت شيئا آخر بتدبيرها الشرير؛ حيث قد أرغمته على ~~الاختفاء عن الأنظار، وحده من دون ms058 الرجال أجمعين؛ فما كنت أحزن ~~لموته، لو أنه قتل وسط رفاقه في بلاد الطرواديين، أو لو أنه مات ~~بين أيدي أصدقائه، عندما أشعل نار الحرب؛ عندئذ، كان جميع جيش ~~الآخيين قد أقام له قبرا، وكان أيضا قد كسب مجدا لابنه يشرفه ~~في الأيام المقبلة، ولكن الواقع، أن أرواح العاصفة # 27 # قد اكتسحته بعيدا ولم تترك أية أخبار. لقد اختفى عن ~~البصر، وعن السمع، تاركا لي العذاب والبكاء، ولكني لست، بحال ~~ما، أبكيه وحده؛ إذ جلبت علي الآلهة متاعب أليمة أخرى؛ فإن ~~جميع الأمراء الذي يتولون مقاليد الحكم في الجزر - ودوليخيوم # Dulichium # وسامي # Same # وزاكونثوس # Zacynthus # الكثيرة الغابات - والذين يحكمون إيثاكا ~~الصخرية، كل هؤلاء يغازلون أمي ويعيثون فسادا في بيتي، وإنها لا ~~تستطيع رفض الزواج البغيض، ولا تقدر أن تضع حدا لهذا. أما ~~هؤلاء فإنهم بالولائم يستهلكون مواردي، ولن يمضي وقت طويل حتى ~~يجروا الخراب علي أيضا.» # فثارت ثائرة بالاس أثينا، وتحدثت إليه بقولها: «ويحهم! ما ~~أحوجك، حقا، إلى أوديسيوس الذي رحل، كي يقبض بيديه على ~~العشاق الصفقاء! ليته يأتي الآن، ويقف عند الباب الخارجي ~~للمنزل، بخوذة وترس ورمحين، بصورته التي كان عليها عندما رأيته ~~لأول مرة في منزلنا يشرب ويمرح، عند عودته من إفوري # Ephyre ~~، من بيت إيلوس # Ilus ~~، ابن ميرميروس # Mermerus ~~؛ فقد ذهب أوديسيوس إلى هناك أيضا في ~~سفينته السريعة، بحثا عن عقار مميت، كي يدهن به سهامه ~~البرونزية الأطراف، بيد أن إيلوس لم يعطه ذلك العقار؛ إذ كان ~~يخاف الآلهة الخالدين، ولكن أبي أعطاه؛ إذ كان عزيزا لديه بصورة ~~عجيبة. وإنني أقول، ليت أوديسيوس يحضر في مثل تلك القوة، ويقف بين ~~هؤلاء المغازلين، وعندئذ يجدون جميعا في مغازلتهم هلاكا سريعا، ~~ومرارة. وعلى أية حال، فإن هذه الأمور تقع حقا على عاتق الآلهة، ~~سواء أكان سيعود ويصب جام نقمته في ساحاته، أو أنه لن يعود. أما ~~أنت يا بني، فإني آمرك أن تفكر في طريقة تطرد بها أولئك ~~العشاق من الساحة. هيا الآن، هبني أذنك، واستمع إلى كلماتي. ادع ms059 ~~سادة الآخيين، إلى الاجتماع غدا، وأعلن كلمتك للجميع، ودع الآلهة ~~تكون شهودك. أما العشاق، فمرهم أن يتفرقوا، كل واحد إلى بيته. ~~وأما والدتك، فإن كان قلبها يأمرها بالزواج، فدعها تعود ثانية إلى ~~ساحة قصر أبيها العتيد؛ حيث يمكنهم هناك إعداد وليمة العرس، ~~ويجهزون الهدايا العديدة # 28 ~~- كما يفعل كل من يجري وراء ابنة يهيم بها غاية ~~الهيام. إنني أقدم لك نصيحتي الحكيمة، لو أصغيت إلي، جهز ~~خير سفينة لديك بعشرين مجدفا، واذهب وابحث عن أنباء أبيك، الذي ~~رحل منذ أمد بعيد؛ فقد تشاء الصدف أن يستطيع إنسان ما أن ~~يخبرك عنه شيئا، أو تسمع صوتا من زوس، الذي كثيرا ما يجلب ~~الأنباء إلى البشر. ابدأ أولا بالذهاب إلى بولوس Pylos # زوس، واستجوب نسطور # Nestor # 29 # العظيم، ثم اذهب من هناك إلى إسبرطة، إلى مينيلاوس # 30 # الجميل الشعر؛ لأنه كان آخر من وصل إلى وطن الآخيين ~~المتدثرين بالبرونز، فلو قيض لك أن تسمع أن أباك لا يزال حيا، ~~وأنه في طريقه إلى الوطن، فعندئذ حقا، رغم كدرك الشديد، لن ~~تستطيع احتمال عام آخر. أما إذا سمعت أنه مات ومضى، فعد إلى ~~وطنك العزيز، واصنع له كومة، وأقم فوقها المراسيم الجنائزية، ~~الكثيرة كما يجب، ثم هب أمك لزوج، وبعد أن تنجز كل هذا وتنتهي ~~منه، فكر مليا في عقلك وقلبك في كيفية قتل أولئك المغازلين في ~~ساحاتك، سواء بالخديعة أو علنا؛ لأنه لا يليق بك الالتجاء إلى ~~الأعمال الصبيانية، ما دمت لست في سن الطفولة. ألم تسمع عن ~~الصيت الذي ناله أوريستيس العظيم بين سائر البشر عندما أخذ بالثأر ~~من قاتل أبيه، أيجيسثوس الغادر، الذي قتل أباه المجيد؟ هكذا أنت ~~أيضا، يا صديقي؛ لأنني أراك لطيفا وفارع الطول. كن شجاعا، كي ~~يتغنى بالثناء عليك كل واحد من الجيل القادم. أما الآن، فإنني ~~ذاهب إلى سفينتي السريعة وإلى زملائي، الذين - على ما أعتقد - هم ~~غاضبون أشد الغضب من انتظارهم إياي. وأما أنت، فاهتم بما قلته ~~لك، وأصغ إليه جيدا.» # عندئذ رد عليها تيليماخوس ms060 الحكيم، قائلا: «أيها الغريب، ~~حقا إنك تسدي إلي هذا النصح بنفس طيبة، كوالد لابنه، ولن ~~أنساه قط، ولكن تعال الآن، تمهل، رغم لهفتك إلى الانصراف حتى ~~إذا ما استحممت وأشبعت قلبك حتى نهاية رغبته، تستطيع أن تذهب إلى ~~سفينتك مسرور الفؤاد، وحاملا هدية ثمينة في غاية الروعة، ستكون ~~لك مني متاعا موروثا، أشبه بهدية صديق عزيز إلى صديق ~~عزيز.» # فأجابته الربة أثينا البراقة الناظرين، قائلة: «لا ~~تبقيني الآن أكثر من هذا، عندما أكون تواقا إلى الرحيل، وأية ~~هدية يأمرك قلبك بأن تعطيني إياها، فأعطنيها عندما أعود، كي ~~أحملها إلى بيتي، متخيرا الهدية اللائقة الجميلة، وإنها لسوف ~~تعود عليك بما تستحقه قيمتها.» # انصراف أثينا # هكذا قالت الربة أثينا ذات العينين النجلاوين، وانصرفت ~~طائرة إلى أعلى كما لو كانت طائرا، وقد بثت في قلبه القوة ~~والجرأة، وجعلته يفكر في أبيه أكثر من أي وقت مضى، فلاحظها ~~تيليماخوس في عقله، وتعجب إذ خالها إلها، وفي الحال انطلق بين ~~المغازلين، رجلا شبيها بالآلهة. # أنشودة طروادة لا تروق بينيلوبي # كان المغني المشهور يغني لهم، وهم جالسون صامتين يصغون ~~إليه، وكان يغني أنشودة عودة الآخيين - العودة المؤلمة من طروادة، ~~التي فرضتها عليهم بالاس أثينا. سمعت بينيلوبي العاقلة، ابنة ~~إيكاريوس # Icarius ~~، الأغنية ~~الرائعة من غرفتها العليا، فهبطت من مقصورتها، نازلة من الدرجات ~~المرتفعة، ولم تكن وحدها، بل كان معها أمتان، تخدمانها، فلما ~~وصلت السيدة الفاتنة إلى العشاق، وقفت بجانب مدخل الساحة ~~المتينة البناء، وقد أسدلت خمارها اللامع على وجهها، ووقفت أمة ~~مخلصة على كل جانب من جانبيها، ثم انخرطت في البكاء، وخاطبت ~~المغني المقدس قائلة: ~~«أي فيميوس، إنك تعرف ~~أغاني أخرى كثيرة تسحر بها أفئدة البشر، عن أعمال الآلهة والبشر ~~التي يتغنى بذكرها المغنون، أنشدهم إحداها وأنت جالس هنا، ودعهم ~~يشربون خمرهم في صمت. أما هذه الأغنية المحزنة، التي تذيب قلبي في ~~صدري، فكف عنها؛ إذ حل بي دون سائر النساء حزن لا يمكن نسيانه. ~~إنه لرأس عزيز جدا ذلك الذي أتذكره بشوق، إنه زوجي، الذي ~~طبقت ms061 شهرته الواسعة أرجاء هيلاس # Hellas ~~، # 31 # وخلال أرجوس # Argos ~~.» # 32 # تيليماخوس ينهر أمه # فرد عليها تيليماخوس الحكيم بقوله: «أماه، لم تنهرين المغني ~~الطيب على تقديمه البهجة بالطريقة التي يتأثر بها قلبه؟ لا يقع ~~اللوم على المغنين، ولكني أعتقد أن زوس هو الملوم؛ إذ هو الذي ~~يعطي كل فرد من البشر الذين يعيشون بعرق جبينهم، ما يشاء. ليس في ~~مقدور أحد أن يغضب من هذا الرجل إذا تغنى بما لاقاه الدانيون # Danaans ~~، # 33 # من مصير مشئوم؛ فإن البشر يتلذذون أكثر لسماع ~~الأغاني الجديدة على آذانهم كل الجدة. أما أنت، فدعي قلبك ~~وروحك تتحملان الإصغاء، فليس أوديسيوس وحده هو الذي فقد في ~~طروادة يوم عودته، وإنما هلك كثيرون غيره مثله. هيا، اذهبي إلى ~~مقصورتك، وأشغلي نفسك بأعمالك، المنوال والمغزل. وأصدري أمرك إلى ~~خادمتيك بالمثابرة على أعمالهما. أما الكلام فهو من شأن الرجال، ~~لهم جميعا، وبصفة خاصة لي أنا، طالما لي السلطة في ~~البيت.» # بينيلوبي تبكي وابنها يخاطب العشاق # أما وقد تملكها العجب، فقد عادت إلى مقصورتها؛ إذ أدركت في ~~قرارة نفسها القول الحكيم الذي تفوه به ابنها، فصعدت إلى ~~مقصورتها العليا مع أمتيها، ثم أخذت تبكي أوديسيوس، زوجها ~~العزيز، إلى أن ألقت أثينا، المتألقة العينين، النوم اللذيذ فوق ~~جفنيها. # بيد أن المغازلين انفجروا في صخب خلال الساحات الظليلة، وصلى ~~كل واحد منهم، جميعا، أنه يرقد إلى جوار تلك السيدة، ولكن ~~تيليماخوس العاقل كان هو البادئ بالكلام فقال: ~~«أيا عشاق أمي، أيها المنغمسون في وقاحتكم، دعونا نتمتع الآن ~~بلذة الوليمة، ولا حاجة إلى النزاع؛ فإن سماع مغن كهذا الرجل ~~الشبيه بالآلهة في صوته لشيء عظيم، فإذا ما انبلج الصبح، هيا بنا ~~إلى الاجتماع حيث نتبوأ مقاعدنا، كل فرد منا، كي أعلن لكم كلمتي، ~~لترحلوا فورا من هذه الساحات. أعدوا لأنفسكم ولائم أخرى وكلوا ~~من أطعمتكم، وانتقلوا من بيت إلى بيت. أما إذا راق عيونكم، ~~ووجدتكم من الأفضل والأعظم ربحا لكم أن تبددوا موارد رجل آخر ~~دون رادع، فأسرفوا في تبديدها، ولكني سأستنجد بالآلهة ms062 الخالدين، ~~عسى أن يتفضل زوس بالانتقام لهذه الأفعال، وعندئذ تهلكون داخل ~~ساحاتي دون كفارة.» # هكذا تكلم، وعض الجميع على شفاههم، ودهشوا لجرأة ~~تيليماخوس في قوله ذاك. # معركة كلامية بين تيليماخوس وعشاق أمه # فرد عليه أنتينوس # Antinous ~~، ~~ابن يوبايثيس # Eupeithes # قائلا: ~~«أي تيليماخوس، حقا، إن الآلهة أنفسهم يعلمونك كيف تكون رجلا ~~سليط اللسان، وأن تتكلم بجرأة. ليت ابن كرونوس لا يسمح قط بأن ~~يجعلك ملكا على إيثاكا المحاطة بالبحر، الأمر الذي ترثه بحق ~~مولدك.» # فقال تيليماخوس العاقل ردا على قوله: «أي أنتينوس، أيمكن أن ~~تغضب مني لهذه الكلمة التي سأقولها؟ فإني أقبل، حتى هذا بنفس ~~راضية، من يد زوس. أتعتقد حقا أن هذا أسوأ مصير بين البشر؟ كلا. ~~ليس بسيئ، أن تكون ملكا؛ فما أسرع ما يثري بيت المرء، ويحظى بمجد ~~أعظم! وعلى أية حال، هناك كثير جدا من الملوك الآخرين الآخيين، ~~في إيثاكا المحاطة بالبحر، شبان وشيوخ؛ فربما نال هذا المكان أحد ~~هؤلاء، طالما قد مات أوديسيوس العظيم. أما أنا فسأكون سيدا على ~~بيتي وعلى العبيد الذين ربحهم لي أوديسيوس العظيم.» # عندئذ أجابه يوروماخوس # Eurymachus ~~، ابن بولوبوس Polybus ~~، بقوله: «هيا تيليماخوس، حقا، إن هذا ~~الأمر ليقع على كاهل الآلهة؛ فهم الذين سيقررون من من الآخيين ~~سوف يصبح ملكا على إيثاكا التي يطوقها البحر. أما ممتلكاتك، ~~فلك أن تحتفظ بها لنفسك، ولك أن تكون سيدا في بيتك. ليته لا يأتي ~~ذلك الرجل، الذي يغتصب منك ~~ممتلكاتك بالقوة ورغما منك، بينما لا يزال هناك رجال يعيشون في ~~إيثاكا، ولكني، يا سيدي العزيز، أتوق إلى سؤالك عن ذلك الغريب، ~~ومتى أتى، وما هو البلد الذي قال إنه ينتمي إليه؟ أين يوجد أقاربه ~~وحقول وطنه؟ هل آتي بنبأ عن مجيء أبيك، أم حضر إلى هنا لقاء أمر ~~خاص به؟ كيف نهض، وانصرف فورا؟! إنه لم ينتظر حتى يعرفه أحد، ومع ~~ذلك فلا يبدو عليه أنه كان رجلا زري المنظر.» # فقال تيليماخوس العاقل: «أيا يوروماخوس، لا شك أن الأمل في مجيء ~~أبي إلى الوطن قد ms063 ضاع وانقضى. لن أصدق بعد الآن أية أخبار، مهما ~~كان مصدرها، ولن أكترث لأية نبوءة قد تعلمها أمي مصادفة من عراف ~~عندما تستدعيه إلى الساحة. أما هذا الغريب، فصديق لبيت أبي من ~~تافوس # Taphos ~~؛ فهو يقول إنه ~~مينتيس، ابن أنخيالوس # Anchialus # الحكيم، وهو سيد على التافيين المغرمين بالتجذيف.» # هكذا تكلم تيليماخوس، ولكنه في قرارة نفسه، كان يعرف الربة ~~الخالدة. # العشاق يرقصون وتيليماخوس ينام # انبرى العشاق الآن إلى الرقص وإلى الغناء المرح، وانغمسوا في ~~سرورهم منتظرين مجيء المساء، وبينما هم في مرحهم، إذ حل عليهم ~~المساء الداجي، وعندئذ انصرف كل رجل إلى بيته، ليستريح. أما ~~تيليماخوس، فلما كان مخدعه مشيدا في الساحة الجميلة، في مكان ~~مرتفع يطل على موضع فسيح، فقد ذهب إلى هناك، إلى فراشه، يفكر ~~في جملة أمور شغل بها عقله، وذهبت معه يوروكليا # Eurycleia # 34 # المخلصة، ابنة أوبس # Ops ~~، ابن بايسينور Peisenor ~~، تحمل مشعلا مضيئا. وكان ~~لايرتيس قد اشتراها بأمواله منذ أمد بعيد، وكانت وقتذاك في ~~مقتبل شبابها، فدفع فيها ما يعادل عشرين ثورا، ويجلها تماما ~~في الساحات كما يبجل زوجته المخلصة، ولكنه لم يضطجع معها قط في ~~حب؛ إذ كان يتحاشى غضب زوجته. كانت هذه هي التي تحمل المشاعل ~~المضيئة لتيليماخوس؛ إذ كانت من دون سائر الإماء، تحبه حبا ~~جما، وكانت تخدمه منذ أن كان طفلا. فتح أبواب مخدعه المتين ~~البناء، وجلس على سريره، وخلع عنه عبايته الناعمة، ووضعها في يدي ~~السيدة العجوز الحكيمة، فطوت ~~هذه العباءة، ومرت عليها بيديها، وعلقتها على مشجب بجانب ~~السرير المثبت بالحبال، # 35 # ثم خرجت من الحجرة، وأغلقت الباب وراءها بأن جذبته ~~من مقبضه الفضي، ودفعت المزلاج إلى موضعه بالسير، فبات الليل ~~بطوله هناك، وهو ملتف بجرة من الصوف، يفكر في عقله، في ~~الرحلة التي رسمتها له أثينا. # | الأنشودة الثانية # تيليماخوس يحتل مقعد أبيه # ما إن لاح الفجر الوردي الأنامل مبكرا، حتى نهض ابن أوديسيوس ~~العزيز من فراشه، وارتدى ملابسه، فعلق حسامه البتار حول كتفه، ~~وربط صندليه الجميلين في قدميه البراقتين، وخرج ms064 من مقصورته ~~أشبه بالإله للناظرين. وفي الحال أمر الرسل الجهوريي الأصوات ~~بأن يدعوا الآخيين الطويلي الشعور إلى الاجتماع. وقام الرسل ~~بالنداءات، وسرعان ما احتشد الآخيون، فلما اجتمعوا معا، سار ~~تيليماخوس في طريقه إلى مكان الاجتماع، ممسكا في يده رمحا من ~~البرونز. ولم يكن بمفرده؛ إذ كان يتبعه كلبان سريعان، وكان الجمال ~~الذي أضفته أثينا عليه رائعا، فلما حضر تعجب سائر الحاضرين ~~منه. أما هو فجلس في مقعد أبيه، وأفسح له الشيوخ مكانا. # فاقتربت منه أثينا في صورة ~~مينتور، هيئة وصوتا. # أيجوبتيوس الحزين يتكلم # وعندئذ كان أول من تكلم بينهم هو السيد أيجوبتيوس # Aegyptius ~~، ذلك الرجل الذي قوست ~~الشيخوخة ظهره وكان على مبلغ من الحكمة لا يمكن وصفها. قام يتكلم ~~الآن؛ لأن ابنه العزيز، المحارب أنتيفوس # Antiphus ~~، كان قد ذهب إلى إليوس، # 1 # المشهورة بجيادها، في السفن الواسعة مع أوديسيوس ~~الشبيه بالإله، ولكن الكوكلوب ~~المتوحش قتله في كهفه الفسيح، جاعلا منه وجبته الأخيرة. وكان له ~~ثلاثة أولاد آخرون، أحدهم يورنوموس # Eurynomus ~~، تحالف مع المغازلين، والاثنان الآخران ~~ظلا يرعيان حقل أبيهما. بيد أنه بالرغم من هؤلاء، لم يستطع نسيان ~~ذلك الابن، فأخذ يخاطب الجمع، وهو يبكيه وقد بخع الحزن نفسه، ~~فقال وسطهم: ~~«أصغوا إلي الآن، يا رجال إيثاكا، واسمعوا الكلمة التي سأقولها ~~منذ اليوم الذي رحل فيه أوديسيوس العظيم، في سفنه الواسعة، لم نعقد ~~اجتماعا قط. والآن من ذا الذي جمعنا معا، من هذا الذي اضطرته ~~الحاجة إلى جمعنا، أهو من الشبان أم من الأكبر سنا؟ هل بلغه خبر ~~ما عن عودة # 2 # الجيش، فربما سيذيعه علينا جهارا؛ إذ كان أول من علم ~~به؟ أم أن هناك موضوعا عاما آخر يريد أن يتكلم عنه ويخاطبنا ~~فيه؟ إنه يبدو لعيني رجلا طيبا، رجلا مباركا، ليت زوس يحقق ~~له بعض الخير، كل ما يبتغيه في قلبه.» # تيليماخوس يبث المجتمعين شكواه # هكذا تكلم، فسر أوديسيوس العزيز من كلمة الفأل الحسن، ولم ~~يطق الجلوس بعد ذلك، بل تاق إلى الحديث، فاتخذ وقفته بين الجمع، ~~ووضع الرسول ms065 بايسينور Peisenor ~~، ~~ذو المشورة الحكيمة، الصولجان في يديه، ثم تكلم، مخاطبا الرجل ~~العجوز أولا فقال: ~~«أيها السيد العجوز، ليس ذلك الرجل الذي دعا الجميع سويا ~~ببعيد، كما ستعلم حالا بنفسك. إنه أنا؛ إذ قد خصني الحزن البالغ ~~دون سائر الآخرين، فما سمعت خبرا ما عن عودة الجيش حتى أذيعه ~~جهارا، بصفتي أول من علم به شخصيا، وليس ثمة أي موضوع ~~عام أريد أن أتحدث فيه وأكلمكم عنه. كلا، ليس هناك سوى حاجتي ~~أنا؛ فقد حل الشر بمنزلي بصورة مضاعفة؛ إذ فقدت أولا سيدي # 3 # الشريف الذي كان ملكا وسطكم يوما ما هنا، وكان لطيف ~~كوالد. والآن يحيق بي شر أعظم بكثير، شر سيخرب بيتي تماما، ~~في الوقت الحاضر، ويحطم حياتي. إن هناك عشاقا يغازلون أمي ضد ~~رغبتها. إنهم أبناء هؤلاء الرجال الذي هم هنا أشرف الناس. إنهم ~~يمتنعون عن الذهاب إلى بيت أبيها إيكاريوس، # 4 # حتى يمكنه أن يأخذ منهم هدايا الزواج لابنته، ~~ويعطيها لمن يشاء منهم، لمن ينال الحظوة لديه، بل يزحمون منزلنا ~~يوما بعد يوم، ويذبحون ثيراننا وخرافنا وعنزاتنا السمينة. ~~ويعربدون، ويحتسون الخمر الصهباء بطيش، فيحل الخراب بكل هذه ~~الثروة؛ لأنه لا يوجد هنا رجل، يعادل أوديسيوس، ليدرأ الخراب عن ~~المنزل. أما أنا شخصيا فلست مثله كي أدرأه. كلا، قط، فلو حاولت ~~منع الخراب لألفيتموني ضعيفا، وشخصا لا يعرف الشجاعة إطلاقا. ~~ومع كل، فسأدافع عن نفسي حقا، إن كانت لي القوة، فما عادت هذه ~~الأعمال سهلة الاحتمال بحال، وحطم منزلي فوق ما يطيق المرء. ~~ألا تخجلون من أنفسكم، وتراعون جيرانكم الذين يقطنون حولكم، ~~وتخافون غضب الآلهة، لئلا ينقلبوا عليكم، غاضبين من شروركم؟ # 5 # إنني أستحلفكم بزوس الأوليمبي، وبثيميس # Themis ~~، # 6 # التي تفض جموع البشر وتجمعهم، احتملوا، يا أصدقائي، # 7 # واتركوني وشأني، أعاني أحزاني المريرة. إلا إذا كان ~~أبي، أوديسيوس العظيم، قد اقترف الأذى حقدا على الآخيين ~~المدرعين جيدا؛ ولذا أنتم تنتقمون مني، حقدا علي، بإغراء ~~من هؤلاء الرجال. أما أنا فكنت أفضل أن تأكلوا، أنتم أنفسكم، ~~قطعاني وأموالي، ms066 فلو كنتم أنتم الذين أكلتموها، لطمعت في التعويض ~~عنها يوما ما، ولطفت بالمدينة هنا وهناك، مطالبا، وملحا في ~~الطب برد ممتلكاتي، حتى أستعيد كل شيء. أما الآن، فلا سبيل إلى ~~علاج الكوارث التي تثقلون بها قلبي.» # أنتينوس يواجه تيليماخوس بخديعة أمه # هكذا تكلم في غضب، ثم ألقى عصاه على الأرض، وانخرط في البكاء، ~~فتحركت الشفقة في قلوب جميع الناس. ولزم سائر الآخرين الصمت، ~~ولم يكن لدى أيهم الجرأة ليرد على تيليماخوس بكلمات حانقة. بيد أن ~~أنتينوس # Antinous # وحده قام يرد ~~عليه، فقال: ~~«أي تيليماخوس، أيها المتبجح، أيها المغالي في جرأته، أي شيء هذا ~~الذي تحدثت به، جالبا العار علينا، ومنتحيا علينا باللائمة؟! ~~كلا، دعني أقول لك، إن العشاق الآخيين ليسوا مخطئين بأية حال من ~~الأحوال. إنما المخطئ أمك العزيزة؛ إذ تفوق سائر النسوة دهاء؛ فهذه ~~هي السنة الثالثة، وسرعان ما ستنقضي الرابعة، منذ أن بدأت تخدع ~~قلوب الآخيين في صدورهم. إنها تمني الجميع بالآمال، وتمد كل ~~رجل بالوعود وترسل لهم الرسل، بينما يهتم عقلها بأشياء أخرى. ~~وقد حاكت تلك الخديعة أيضا بقلبها؛ فقد أقامت في ساحاتها نسيجا ~~كبيرا وانهمكت في النسج، كان النسيج من الخيط الرفيع، وكان غاية ~~في الاتساع، وعندئذ تحدثت إلينا قائلة: ~~«أيها الشبان، يا من تهيمون بي حبا، بما أن أوديسيوس العظيم قد ~~مات، فاصبروا، رغم لهفتكم على الزواج بي حتى أنتهي من نسج هذا ~~الثوب - فلست أريد أن يسفر نسجي عن لا شيء - إنه كفن للسيد ~~لايرتيس، استعدادا لليوم الذي يوافيه فيه أجله المفجع لئلا تغضب ~~مني في البلاد إحدى السيدات الآخيات، لو أنه رقد رقدته الأخيرة ~~بدون كفن، وهو الذي كسب الممتلكات العظيمة.» # هكذا قالت، فوافقت قلوبنا المزهوة. وبعد ذلك، كانت تدأب كل يوم ~~على نسج الرداء العظيم، حتى إذا ما أرخى الليل سدوله، انبرت تفك ~~ما نسجته بالنهار، بعد أن تضع المشاعل إلى جوارها. وهكذا ظلت ~~الحال ثلاث سنوات، استطاعت خلالها، بدهائها، أن تحرم الآخيين معرفة ~~جلية الأمر، وخدعتهم. بيد أنه ما إن تعاقبت ms067 الفصول وحلت السنة ~~الرابعة، حتى أخبرتنا إحدى نسائها، وكانت على علم بكل شيء، ~~فقبضنا عليها وهي متلبسة بفك النسيج الرائع؛ ومن ثم أتمته ~~على كره منها، بالقوة؛ لذلك يجيب عليك العشاق هكذا، كي تستطيع ~~إدراك الأمر في نفسك، ويعلمه سائر الآخيين. اطرد أمك، ومرها ~~بالزواج ممن ينشده لها والدها، ومن ترتاح نفسها إليه. أما إذا ظلت ~~لمدة طويلة، تثير حفيظة أبناء الآخيين، وتعلم بهذا في قلبها، حيث ~~إن أثينا قد حبتها وحدها دون سائر النسوة الأخريات، بمعرفة ~~الأشغال اليدوية البديعة، وبالذكاء المفرط، وبالحيل، مما لم يسبق ~~أن عرفنا أن أية امرأة في الزمان الخالي قد علمته، من أولئك ~~الآخيات الجميلات الغدائر، منذ وقت بعيد، أمثال - تورو # Tyro ~~، وألكميني # Alcmene ~~، وموكيني # Mycene ~~، ذات التاج البديع - أولئك اللواتي لم تبلغ ~~إحداهن ما بلغته بينيلوبي من الخديعة والدهاء. ومع كل فإنها لم ~~تحكم تدبير هذا على الأقل؛ إذ سيظل الرجال يلتهمون زادك ~~وممتلكاتك، ما ظلت هي في احتفاظها بالمشورة التي وضعتها الآلهة ~~الآن في قلبها. إنها تجلب لنفسها صيتا عظيما، أما أنت فوا أسفا ~~على ثروتك الطائلة! وأما نحن، فإننا لن ننصرف إلى أراضينا، ولا إلى ~~أي مكان آخر، إلا بعد أن تتزوج من الآخيين ذلك الرجل الذي سترضى ~~به.» # ولاء تيليماخوس لأمه # فأجابه تيليماخوس العاقل بقوله: «أي أنتينوس، لا يمكنني بأية ~~حال من الأحول أن أطرد من أنجبتني وربتني، من البيت. أما ~~أبي، فهو في بلد آخر، سواء أكان حيا أو ميتا. إنه ليشق على ~~نفسي أن أدفع ذلك الثمن العظيم لإيكاريوس، كما يتحتم علي، لو ~~أنني طردت أمي، بمحض إرادتي؛ عندئذ يلحقني شر بالغ على يد ~~أبيها، وتصب علي السماء لعنات أخر؛ لأن أمي وهي تغادر ~~البيت ستتضرع إلى ربات الانتقام المفزعات، كما أن البشر سوف ~~ينحون علي باللائمة؛ وعلى ذلك فلن تخرج من شفتي مثل هذه ~~الألفاظ. أما أنتم فإن أغضبكم هذا، فلتخرجوا من ساحاتي، وتعدوا ~~لأنفسكم ولائم أخرى، آكلين أطعمتكم، ومنتقلين من بيت إلى بيت. ~~وإذا بدا لناظركم أنه ms068 من الأفضل والأجدى أن تحطموا حياة شخص ~~دون رادع، فدونكم وما أنت فاعلون، ولكني سأستنجد بالآلهة الخالدين، ~~عسى أن يوافق زوس على الأخذ بالثأر ومجازاتكم بما فعلتم. وعندئذ ~~فلا بد أنكم هالكون داخل ساحاتي بلا كفارة.» # زوس يعضد تيليماخوس بطريقته الخاصة # هذا ما قاله تيليماخوس ، وكرد على قوله، أرسل زوس، الذي يحمل ~~صوته بعيدا، # 8 # صقرين يطيران من ارتفاع شاهق، من فوق قمة جبل، ~~فانطلقا بسرعة الريح يطيران جنبا إلى جنب، لفترة من الوقت، ~~باسطين أجنحتهما، غير أنهما ما إن صارا فوق قلب الحشد الصاخب، ~~حتى أخذا يدوران هنا وهناك، يرفرفان بأجنحتهما بعنف وسرعة، وراحا ~~يحدجان رءوس الحشد بنظرات يتجلى فيها الموت. وبعد ذلك شرع كل ~~منهما يمزق وجنات وعنق الآخر بمخالبه، ثم انطلقا بعيدا جهة ~~اليمين وسط البيوت ومدينة الرجال، فدهش القوم من ذينك الطائرين ~~بمجرد أن أبصروهما، وأخذوا يفكرون في قلوبهم فيما يتوقعون ~~حدوثه، ثم نهض السيد العجوز هاليثيرسيس # Halitherses ~~، ابن ماستور # Mastor ~~، وتكلم وسطهم؛ لأنه كان يفوق رجال عصره ~~أجمعين في معرفة الطيور، وتفسير معاني الحظ، فقام بنية حسنة ~~وخاطب حشدهم قائلا: ~~«يا رجال إيثاكا، أصغوا الآن إلي، واسمعوا ما سوف أقوله لكم، ~~ولا سيما إلى العشاق، أعلن وأذيع هذه العبارات؛ إذ ستقبل عليهم ~~نائبة عظمى؛ لأن أوديسيوس لن يغيب طويلا عن أصدقائه، وعلى ما ~~أعتقد إنه الآن قريب، وسوف يبذر الموت والقدر لهؤلاء الرجال ~~أجمعين. نعم، وأيضا لكثيرين منا غيرهم، ممن يقطنون في إيثاكا ~~الواضحة المعالم، سيكون وبالا بالغا، ولكن قبل أن يحدث هذا بوقت ~~طويل، دعونا نفكر في الكيفية التي نضع بها حدا لهذه الأمور، أو ~~على الأصح، ندعهم هم أنفسهم، يضعون حدا لها؛ إذ هذا هو أفضل طريق ~~لهم الآن. إنني لا أتنبأ كرجل غير مجرب، وإنما بمعرفة أكيدة؛ فإن ~~جميع ما أعلنته لأوديسيوس سيتحقق تماما كما أخبرته عندما أبحر ~~الأرجوسيون إلى إليوس يصحبهم أوديسيوس الكثير الحيل. لقد أعلنت ~~أنه بعد أن يتحمل أوديسيوس متاعب جمة، ويفقد جميع رفقائه، سيعود ~~إلى الوطن في العام ms069 العشرين، مجهولا لكل فرد، وللعجب، هذا كله ~~يتحقق الآن.» # يوروماخوس يتحدى ويتنبأ # وعندئذ أجابه يوروماخوس بن بولوبوس، قائلا: «أيها العجوز، قم ~~الآن، وانصرف إلى بيتك وتنبأ لأولادك، حتى لا يعانوا المتاعب في ~~المستقبل. إنني في هذا المضمار أفوقك في التنبؤ. هناك طيور كثيرة، ~~تطير تحت أشعة الشمس جيئة وذهابا، وليست كلها علامة نحس. أما ~~أوديسيوس، فقد هلك في مكان قصي، كما أتمنى لو أنك مثله هلكت ~~معه، فهل لك ألا تثرثر هكذا كثيرا عند إنشادك الأغاني، أو تحث ~~تيليماخوس وهو غاضب، عله يعطيك هدية ما لبيتك. بيد أنني سأصارحك ~~القول، وسأنفذ ما أقول حقيقة. إذا كنت حكيما في حكمة الشيوخ، ~~وخدعت بقولك رجلا أصغر منك سنا، ودفعته إلى الغضب، فإن ~~الأمر بالنسبة له سيكون جد مفجع. ولن يستطيع بحال ما، أن يفعل ~~شيئا بسبب وجود هؤلاء الرجال هنا. أما أنت، أيها العجوز، فسنفرض ~~عليك غرامة يؤلمك أن تدفعها، وعندئذ سيكون حزنك مريرا. وإني ~~لأتقدم بنفسي بهذه النصيحة إلى تيليماخوس، أمام سائر الجمع. عليه ~~أن يأمر والدته بالعودة إلى منزل أبيها، حيث سوف يعدون وليمة ~~زواج، ويجهزون الهدايا العديدة. نعم، كل هذا يجب أن يحدث من ~~أجل ابنة يهيم بها الناس غاية الهيام. وفي اعتقادي أن أبناء ~~الآخيين، قبل هذا، لن يكفوا عن مغازلهم المؤلمة، طالما أننا لا ~~نخاف أي رجل مهما كانت الظروف - كلا، ولا تيليماخوس رغم كل ما ~~قاله - كما أننا لن نلقي بالا إلى أي تنبؤ تعلنه أيها الرجل ~~العجوز، فلن يتحقق منه شيء. وسوف تغدو مكروها أكثر من ذي قبل. ~~نعم، وسوف تلتهم ممتلكات هذا الشاب بطريقة شريرة، ولن يكون لها ~~تعويض قط، حيث إنها تقف حائلا أما الآخيين في موضوع الزواج من ~~تلك السيدة. أما نحن، المنتظرين هنا، يوما بعد يوم فنتنافس بدورنا ~~من جراء ما هي عليه من تفوق، ولا نجري وراء سيدات أخريات، من ~~اللواتي يلقن للزواج بنا.» # تيليماخوس يطالب بالبحث عن أبيه # عندئذ رد عليه تيليماخوس العاقل بقوله: «أيا يوروماخوس، ويا ~~هؤلاء المغازلون ms070 الآخرون الأماجد، لن أتوسل إليكم بعد ذلك بخصوص ~~هذا الأمر، ولن أحدثكم عنه بعد الآن؛ لأن الآلهة تعلمه الآن، ~~وكذا جميع الآخيين. وإنما أريد منكم أن تعطوني سفينة سريعة ~~وعشرين رفيقا يقومون بالرحلة من أجلي، ذهابا وإيابا؛ لأنني ~~سأذهب إلى إسبرطة وإلى بولوس Pylos # الرملية، لكي أتنسم الأخبار عن عودة أبي الذي ~~رحل منذ أمد بعيد؛ فقد يكون هناك شخص ما يستطيع أن يخبرني عنه ~~شيئا، أو قد أسمع صوتا من زوس، الذي كثيرا جدا ما يجلب ~~الأخبار للبشر، فإذا سمعت أن أبي لا يزال حيا، وأنه في طريقه ~~إلى الوطن، حق لي إذن، رغم عذابي الشديد، أن أتحمل سنة أخرى. ~~أما إذا بلغني أنه لقي حتفه ومضى، عدت إلى وطني العزيز، وأقمت ~~له كومة، وأديت فوقها الطقوس الجنائزية الكثيرة التي تليق به، ~~ثم أعطيت والدتي لزوج.» # مينتور يهاجم العشاق والمجلس # ما إن أتم حديثه هذا حتى جلس، ونهض في وسطهم مينتور # Mentor # الذي كان زميلا لأوديسيوس ~~النبيل، وعندما رحل بسفنه، عهد إليه بمنزله كله، لكي يطيع الجميع ~~هذا الرجل العجوز، وأن يحافظ على كل شيء سليما، فخاطب حشدهم ~~بحسن نية، وتكلم وسطهم قائلا: ~~«اسمعوا الآن، يا رجال إيثاكا، وأصغوا إلي وإلى كلمتي التي ~~سأتحدث إليكم بها. من الآن فصاعدا، إياكم أن تجعلوا أي ملك ذي ~~صولجان، أن يكون رحيما ورقيقا بقلب مستعد، ولا تجعلوه يهتم ~~بالعدالة في قلبه، بل دعوه يكون صارما باستمرار، وينشر الظلم ~~والجور، طالما لا يوجد بينكم من يتذكر أوديسيوس، الذي كانت ~~تقدسه رعيته كسيدها؛ إذ كان لهم كأب رحيم. وإنني والحق يقال، ~~لا أحقد على العشاق المتغطرسين، لقيامهم بالأعمال العنيفة التي ~~توحي بها عقولهم المملوءة بالشرور، فإنهم يعرضون أرواحهم ~~للخطر؛ إذ يلتهمون بنهم موارد بيت أوديسيوس، الذي كما يقولون، ~~لن يعود بعد الآن. نعم إن ما أغضب له أكثر من أي شيء آخر هو ~~بقية القوم الذي يلزمون الصمت وهم جالسون هكذا، ولا ينطقون بكلمة ~~لوم واحدة تجعل العشاق يكفون، رغم كثرتهم، وقلة عدد هؤلاء.» ms071 # ليوكريتوس يفض المجلس # فأجاب ليوكريتوس # Leocritus ~~، ابن ~~يوينور # Euenor ~~، يقول: «هيا ~~مينتور، أيها المغموس في شروره، يا من تجول بأفكارك إلى مدى ~~بعيد، هذا الذي قلت؛ لتأمر القوم بأن يوقفونا؟ نعم، صعب عليك أن ~~تخوض معركة حول وليمة مع أناس أكثر منك عددا، فلو جاء ~~أوديسيوس الإيثاكي # 9 # نفسه، وتاقت روحه أن يطرد السادة العشاق من ساحته، ~~هؤلاء الذين يولمون في بيته، لما أحست زوجته بالسرور ~~لمقدمه، رغم لهفتها الشديدة إليه، ولكنه سيلاقي هنا ميتة بشعة، ~~لو حدثته نفسه بمقاتلة رجال يفوقونه عددا. ما قلت صوابا يا ~~هذا. والآن هيا، أيها الرجال، فليتفرق كل واحد منكم إلى أرضه. أما ~~هذا الشاب فإن مينتور وهاليثيرسيس سيعجلان برحلته؛ لأنهما صديقا ~~منزل أبيه من قديم الزمان. غير أنني أعتقد أنه لن يقوم بهذه ~~الرحلة، بل سيبقى هنا مدة طويلة، ويتلقى الأنباء في ~~إيثاكا.» # هكذا تكلم، وفض الاجتماع بسرعة، فتفرق الجمع، كل واحد إلى ~~بيته، وذهب العشاق إلى منزل أوديسيوس المبجل. # أثينا تسجيب لصلاة تيليماخوس # أما تيليماخوس، فذهب بمفرده إلى شاطئ البحر، وما إن غسل يديه في ~~مياه البحر السنجابية، حتى صلى لأثينا قائلا: «أصغي إلي، يا من ~~جئت أمس إلى منزلنا كإله، وأمرتني بالإبحار في سفينة عبر اليم ~~الكثير الضباب بحثا عن أخبار عودة أبي، الذي رحل منذ زمن بعيد. ~~إن الآخيين يحولون دون كل هذا، ولا سيما المغازلون منهم في وقاحة ~~شريرة.» # إنني من أوفى أصدقاء بيت أبيك، ~~وسأجهز لك بنفسي سفينة سريعة، كما سأذهب معك أنا ~~بنفسي. # قال هذا متوسلا، فاقتربت منه أثينا، في صورة مينتور، هيئة ~~وصوتا، وخاطبته بألفاظ مجنحة، فقالت: ~~«أي تيليماخوس، لن تغدو بعد الآن رجلا وضيعا أو خامل الذهن، لو ~~أن شيئا من روح أبيك المجيدة قد غرس في دمك؛ إذ كان رجل قول ~~وعمل؛ وعلى ذلك، لن تكون رحلتك هذه دون جدوى، ولا دون أن تتحقق. ~~أما إذا لم تكن ابنه، ولا ابن ~~بينيلوبي، فلا آمل قط في أنك ستحقق رغبتك. حقا، إن القليل من ~~الأبناء ms072 يشبهون آباءهم. كثيرون هم الأسوأ من آبائهم، أما الأفضل ~~فقليلون، ولكن بما أنك، من الآن فصاعدا، لن تكون رجلا وضيعا أو ~~خامل الذهن، كما أنه لن تنقصك حكمة أوديسيوس كلية، فلا بد أن ~~يكون هناك أمل في إنجازك هذا العمل. والآن، فلتكن إرادة ومشورة ~~العشاق، أولئك الحمقى؛ لأنهم ليسوا، بحال ما، حكماء أو عادلين، ~~كما أنهم لا يعرفون شيئا عن الموت أو الحتف القاتم، القريب منهم ~~حقا، ولا عن أنهم سيهلكون جميعا في يوم واحد. أما أنت، فإن ~~الرحلة التي تنوي القيام بها، لن تتأخر طويلا. إنني من أوفى ~~أصدقاء بيت أبيك، وسأجهز لك بنفسي سفينة سريعة، كما سأذهب معك ~~أنا نفسي. أما الآن فانطلق إلى بيتك، وانضم ~~إلى زمرة المغازلين، وجهز ~~الخزين، وضع كل شيء في أوعية - الخمر في قدور، ودقيق الشعير، الذي ~~هو أهم شيء للبشر في أكياس متينة من الجلد - أما أنا، فسأجوس ~~خلال المدينة، وأجمع بسرعة الرفاق الذين يصحبونك بمحض إرادتهم. ~~وأما السفن فهي كثيرة جدا في إيثاكا المحاطة بالبحر، جديدة ~~وعتيقة، وسأنتقي لك أحسنها، ولسوف نعدها بسرعة، وننزلها إلى ~~الخضم الفسيح.» # أنتينوس يسخر من تيليماخوس # ما إن أتمت أثينا، ابنة ~~زوس، حديثها، حتى هرع تيليماخوس، بعد أن سمع صوت الربة، وسار في ~~طريقه إلى البيت وقد أثقلت الهموم قلبه في صدره، فألفى المغازلين ~~المتعجرفين هناك، يملئون الساحات، يسلخون الماعز ويشوون ~~الخنازير في القاعة. وما هي إلا هنيهة حتى أقبل أنتينوس، يضحك إلى ~~تيليماخوس، وأمسك بيده، وتحدث إليه مخاطبا إياه قائلا: ~~«هيا تيليماخوس، أيها المتبجح، أيها المنطلق في جسارته، اصرف ~~من قلبك كل عمل أو كلام شرير، وإني لآمرك أن تأكل وتشرب كما ~~كنت قبلا تماما. إن الآخيين سوف يمدونك، حقا، بكل هذه ~~الأشياء - السفينة، والمجدفين المنتقين - كي تستطيع الإبحار إلى ~~بولوس المقدسة، لتستطلع أخبار والدك النبيل.» # تيليماخوس يتوعد العشاق # عندئذ أجابه تيليماخوس العاقل بقوله: «أي أنتينوس، لا تظنن ~~أنني سأجلس بحال إلى المائدة وسط زمرتك السكعاء، كي أتناول ~~الطعام بهدوء، وأبتهج مرتاح البال. ألا يكفيكم، ms073 أيها المغازلون، ~~أنكم بددتم فيما مضى ممتلكاتي الكثيرة العظيمة، وقت أن كنت ~~صبيا؟ أما الآن، وقد بلغت مبالغ الرجال، واكتسبت المعرفة من ~~وصايا ونصائح غيري، ونمت روحي في داخل جسدي، فإنني سأحاول أن ~~ألقي عليكم حتوفا شريرة، سواء ذهبت إلى بولوس، أو بقيت هنا ~~في هذه الأراضي، فها أنا ذا راحل، ولن تكون الرحلة التي أتحدث ~~عنها عبثا، رغم إبحاري في سفينة رجل آخر، فلا يمكنني أن أكون ~~صاحب سفينة أو مجدفين. وهكذا، أعتقد أنه بدا لك أن الأمر قد ~~أصبح في صالحك أكثر.» # العشاق يولمون ويتهكمون # قال تيليماخوس هذا، وجذب يده من يد أنتينوس دون كبير عناء، ~~بينما كان العشاق مشغولين بالوليمة في شتى أنحاء القاعة، كانوا ~~يسخرون منه ويتهكمون عليه في حديثهم، فقد كان أحد الشبان ~~المتغطرسين يقول: ~~«حقا، إن تيليماخوس ليضع الخطط لقتلنا. إنه سيحضر رجالا ~~من بولوس الرملية، أو حتى من إسبرطة، لمساعدته. إنه يصر على ذلك ~~إصرارا، أو لعله يزمع الذهاب إلى إفوري # Ephyre ~~، تلك الأرض الغنية، ليحضر العقاقير القاتلة ~~من هناك؛ ليضعها في طاس الخمر، فيقضي علينا جميعا.» # ثم انبرى شاب غر آخر يقول: «لا يدري أحد سواه، أنه ربما وهو ~~في سفينته الواسعة، يمخر عباب اليم، يهلك في تجواله بعيدا عن ~~أصدقائه، كما فعل أوديسيوس تماما؛ ومن ثم يسبب لنا متاعب ~~أكثر؛ إذ سيكون علينا القيام بتقسيم جميع ممتلكاته، فنعطي بيته ~~لأمه ليصبح ملكا لها ولمن سيتزوجها.» # تيليماخوس يتفقد خزائن أبيه # هكذا كانوا يقولون، أما تيليماخوس فهبط إلى خزانة أبيه العالية ~~السقف، وهي حجرة فسيحة بها أكوام من الذهب والبرونز، وصناديق ~~مملوءة بالثياب، وخزين من الزيت ذي النكهة العطرة. كما كانت بها ~~قدور ضخمة من الخمر، المعتقة الحلوة، بها شراب مقدس غير ممزوج، ~~ومرتبة في نظام بطول الحائط، معدة لمقدم أوديسيوس؛ إذ ~~قيض له أن يعود إلى بيته بعد إنجاز مهامه العديدة المحزنة. ~~وقد كانت الأبواب المزدوجة، مقفلة بإحكام، وكانت تقيم هناك، ليل ~~نهار، خادمة تحرس كل شيء بحكمة عقلها، هي يوروكليا # Eurycleia ms074 ~~، ابنة أوبس بن بايسينور Peisenor ~~، فاستدعاها تيليماخوس في ~~الحال إلى الخزانة، وكلمها قائلا: ~~«يا مربيتي، أخرجي لي خمرا في قدور، خمرا حلوة منتقاة، من ~~أفضل صنف يلي ما تحفظينه، وأنت دائمة التفكير، لمقدم ذلك الرجل ~~المنكود الحظ، عسى أن يأتي أوديسيوس، سليل زوس، ولست أدري متى، ~~ناجيا من الموت والأقدار. املئي اثنتي عشرة قدرا، وأحكمي ~~سدها ، جميعا، بالأغطية وعبئي لي دقيق الشعير، في أكياس من ~~الجلد مخيطة جيدا، ولتكن عشرين مكيالا من طحين الشعير، وليكن ~~علم ذلك لك وحدك. وأعدي هذه الأشياء كلها سويا؛ لأنني سآتي ~~لآخذها عندما يقبل المساء، عندما تذهب أمي إلى مقصورتها العليا، ~~وتفكر في الراحة، فإنني ذاهب إلى إسبرطة وإلى بولوس الرملية؛ ~~لأبحث عن أخبار عودة والدي العزيز، عسى أن أتمكن من سماع أي ~~نبأ.» # محاولة يوروكليا إثناء سيدها عن الرحيل # هكذا تكلم، وأرسلت المربية العزيزة يوروكليا، صرخة حادة، ~~وتحدثت إليه بكلمات مجنحة، والدموع تنحدر من مقلتيها، ~~فقالت: «آه يا طفلي العزيز، كيف خطرت هذه الفكرة إلى بالك؟ إلى أين ~~تزمع الذهاب عبر الأرض الفسيحة، يا من لست غير ابن وحيد ~~محبوب غاية الحب؟ لقد هلك أوديسيوس، سليل زوس بعيدا عن وطنه في ~~أرض غريبة، وبمجرد أن ترحل، سيحيك هؤلاء الرجال الشر لك، كي ~~تهلك بالخديعة، ويقسمون كل هذه الممتلكات فيما بينهم. كلا، لا ~~تذهب. ابق هنا وارع ما هو لك؛ لا حاجة بك إلى احتمال المشاق ~~بالتجول عبر البحر المضطرب.» # والدة تيليماخوس لن تعلم # فرد عليها تيليماخوس الحكيم بقوله: «تشجعي يا مربيتي؛ ~~فليست خطتي هذه بغير إذن إله. والآن أقسمي ألا تتفوهي بشيء ~~من هذا إلى والدتي العزيزة، حتى يأتي اليوم الحادي عشر أو الثاني ~~عشر، أو بعد أن تفتقدني هي شخصيا وتعلم أنني رحلت؛ لئلا تشوه ~~بشرتها الجميلة بالبكاء.» # قال هذا، فأقسمت السيدة العجوز بالآلهة، قسما لا حنث فيه، ألا ~~تقول شيئا. وبعد أن أقسمت وانتهت من القسم أخرجت له في الحال ~~خمرا في جرار، وعبأت دقيق الشعير في أكياس من الجلد محكمة ~~الخياطة، ms075 وبعد ذلك، ذهب تيليماخوس إلى الساحة وانضم إلى جماعة ~~المغازلين. # أثينا تنمسخ تيليماخوس # بعد ذلك، قامت الربة، أثينا ذات العينين النجلاوين، بعمل آخر، ~~فذهبت في صورة تيليماخوس، إلى كل مكان بالمدينة، وأخذت تقترب من ~~كل رجل وتقول كلمتها، فتأمره بالاجتماع مع غيره في هدوء بجانب ~~السفينة السريعة. وزيادة على ذلك فقد طلبت من نويمون # Noemon # ابن فرونيوس Phronius # المجيد، سفينة سريعة، ~~فوعدها بها بنفس راضية. # والآن غربت الشمس، وخيم الظلام على جميع الطرقات، فسحبت ~~السفينة السريعة إلى البحر، ووضعت فيها سائر المعدات التي ~~تحملها السفن المؤثثة جيدا بالمقاعد، وربطتها عند مدخل ~~الميناء، فاحتشد حولها الجمع العظيم، وراحت الربة تشجع كل ~~رجل. # ثم مينتور أيضا # بعد ذلك قامت الربة، أثينا اللامعة العينين، بعمل آخر، ~~انطلقت في طريقها إلى بيت أوديسيوس المقدس حيث بدأت تسكب النوم ~~اللذيذ على عيون المغازلين، وجعلتهم يتعثرون في سكرهم، ثم راحت ~~تسقط الكئوس من أيديهم، فلم يسعهم إلا أن ينهضوا وينصرفوا إلى ~~مضاجعهم في أنحاء المدينة، ولم يستطيعوا البقاء هناك مدة طويلة؛ ~~إذ كان النعاس يداعب جفونهم. وعندئذ تكلمت أثينا اللامة ~~العينين إلى تيليماخوس، واستدعته إلى القاعة الملكية، بعد أن ~~اتخذت صورة مينتور، هيئة وصوتا، فقالت له: ~~«أي تيليماخوس، إن زملاءك المدرعين جيدا، ليجلسون بجانب ~~المجاذيف، انتظارا لإقلاعك. هلم بنا نذهب إليهم، حتى لا نؤخر ~~رحلتهم كثيرا.» # ما إن قالت بالاس أثينا هذا حتى قادت الطريق بسرعة، وتبعها ~~تيليماخوس خطوة خطوة، فلما هبطا إلى السفينة وإلى البحر، وجدا ~~الرفاق الطويلي الشعور، عند الشاطئ، فتحدث إليهم تيليماخوس القوي # 10 # العتيد قائلا: ~~«هيا بنا، أيها الأصدقاء، نحضر المؤن؛ إذ كلها معدة الآن في ~~الساحة. وإن والدتي لا تعلم عنها شيئا، ولا حتى الخادمات، ما عدا ~~واحدة فقط هي التي سمعت كلامي.» # تيليماخوس يركب البحر في رحلته الغامضة # ما إن قال هذا، حتى قاد الطريق، وذهب الجميع معه، فأحضروا المؤن، ~~وخزنوا كل شيء في السفينة المكينة المقاعد، كما أمرهم ابن ~~أوديسيوس العزيز، ثم اعتلى تيليماخوس ظهر السفينة، وذهبت أثينا ~~أمامه ms076 وجلست في كوثل المركب. وجلس تيليماخوس إلى جانبها، بينما ~~انبرى الرجال يحلون الحبال عن كوثل السفينة، ثم ذهبوا إلى ظهرها، ~~وجلسوا فوق مقاعدها. وعندئذ أرسلت لهم أثينا البراقة ~~العينين، ريحا مواتية، أرسلت ريحا غربية شديدة الهبوب، راحت ~~تزمجر فوق البحر القاتم كالخمر. ونادى تيليماخوس رجاله، وأمرهم بأن ~~يمسكوا حبال السفينة، فلبوا أمره، فرفعوا الصاري المصنوع من ~~خشب الصفصاف، وثبتوه في الفتحة الواسعة، بدعامات أمامية، ~~وعلقوا الشراع الأبيض بحبال مجدولة من جلود الثيران، فملأت ~~الرياح بطن الشراع، وزمجرت اللجة القائمة عاليا حول جؤجؤ ~~السفينة وهي تمضي، فأسرعت السفينة تشق طريقها. وبعد أن انتهوا ~~من تثبيت الحبال في السفينة السوداء السريعة، وضعوا الطاسات ~~مملوءة حتى حافاتها بالصهباء، وسكبوا السكائب للآلهة الخالدين ~~السرمديين، وفي مقدمتهم ابنة زوس النجلاء العينين؛ ومن ثم ~~أخذت السفينة تسير في طريقها الليل بطوله، وطول الفجر. # | الأنشودة الثالثة # تيليماخوس يصل إلى بولوس # ما إن تركت الشمس الأفق البديع، حتى ارتفعت في السماء ~~البرونزية، لتهب الضوء للخالدين والبشر على سطح الأرض، مانحة ~~الحب، فوصلوا إلى بولوس، قلعة نيليوس # Neleus # المتينة البناء. وهنا كان القوم فوق شاطئ ~~البحر يقدمون ذبيحة من الثيران السوداء إلى مزلزل الأرض # 1 # الأدكن الشعور. كان هناك تسع جماعات، يجلس في كل ~~جماعة خمسمائة رجل، وتمسك كل منها بتسعة ثيران معدة للذبح. ~~وعندما فرغوا من تذوق الأجزاء الداخلية، وكانوا يحرقون قطع ~~الأفخاذ للإله، نزل الآخرون فورا إلى البر، ورفعوا شراع السفينة ~~الجميلة وطووه، وأرسوها، ثم غادروها. كذلك خرج تيليماخوس من ~~السفينة، وقادت أثينا الطريق، وتكلمت إليه الربة، أثينا ذات ~~العينين البراقتين، أولا، فقالت: ~~«أي تيليماخوس، لا داعي بعد الآن إلى الخجل قط؛ فقد أقلعت ~~عبر البحر بقصد البحث عن أخبار أبيك، أين طوته الأرض، وأي مصير ~~لاقى. هلم الآن، وانطلق فورا إلى نسطور مستأنس الجياد. دعنا ~~نسأله عن الأخبار التي يحتفظ بها في مكنون صدره. عليك أن تتوسل ~~إليه بنفسك كي يخبرك عن الحقيقة كلها. إنه لا يقول كذبا على ~~الإطلاق؛ لأنه رجل عاقل حقا.» # وألبسته بولوكاستي ms077 عباءة ~~جميلة ومعطفا. # فأجابها تيليماخوس بقوله: «أي مينتور، كيف أذهب إليه، وكيف أذهب ~~إليه، وكيف أبدؤه بالتحية؟ إنني ما زلت حتى الآن غير فصيح في عذب ~~الألفاظ. وفضلا عن هذا، فإن الشاب اليافع ليخجل من سؤال من ~~يكبره.» # عندئذ ردت عليه الربة أثينا ذات العينين المتألقتين، قائلة: ~~«يا تيليماخوس، إن بعض الكلام ستتدبره أنت بنفسك، والبعض الآخر ~~ستلقنك إياه السماء؛ لأنك ، كما أعتقد لم تولد وتنشأ بغير ~~مساعدة الآلهة.» # ابن نسطور يرحب بالغريبين # هكذا تكلمت بالاس أثينا، وقادت الطريق بسرعة، ومشى تيليماخوس ~~في أعقاب الربة، حتى بلغا حشد رجال بولوس، وكان نسطور جالسا هناك ~~مع أبنائه، وشعبه حوله يعدون الوليمة، فيشوون بعض قطع اللحم، ~~بينما يضعون قطعا أخرى في السفود. بيد أنهم ما إن أبصروا ~~الغريبين، حتى التفوا جميعا حولهما وأمسكوا أيديهما ~~يحيونهما، وطلبوا إليهما أن يجلسا، فقد اقترب أولا بيزستراتوس Pelsistratus ~~، ابن نسطور، ~~وأخذ كلا منهما من يديه، ~~وأجلسهما إلى المائدة، فوق الفراء الناعمة على رمال البحر، بجانب ~~شقيقه ثراسوميديس # Thrasymedes # وأبيه، وقدم لهما قطعا من اللحم الداخلي، وسكب خمرا في كأس ~~ذهبية، وبعد أن شرب نخب بالاس أثينا ابنة زوس، حاملة الترس، تكلم ~~بقوله: ~~«والآن، هيا، صل أيها الغريب، للسيد بوسايدون؛ فهذا عيده الذي ~~تصادف وقدمت فيه إلى هنا. وبعد أن تسكب السكائب، وتصلي، كما ~~يجب، أعط صديقك أيضا كأس الخمر التي في حلاوة الشهد، حتى يستطيع ~~أن يقدم سكيبة للخالدين؛ إذ إنه كما أعتقد، يصلي لهم أيضا؛ ~~لأن جميع البشر محتاجون إلى الآلهة. ومع كل فهو أصغر منك سنا، ~~نظيري في العمر، وعلى ذلك سأقدم لك الكأس الذهبية ~~أولا.» # أثينا تصلي لبوسايدون # هكذا تكلم، ثم وضع في يدها كأس الخمر العذبة، أما بالاس أثينا، ~~فقد سرت من حكمة الرجل وحسن حكمته، وفي الحال قدم لها الكأس ~~الذهبية أولا، فقامت من فورها وصلت بحماس للسيد بوسايدون، ~~قائلة: ~~«أصغ إلي، يا بوسايدون، يا مطوق الأرض، ولا تتذمر من أن ~~تجيب على صلاتنا بأن تخرج هذه الأعمال إلى حيز التنفيذ. ms078 امنح ~~الشهرة لنسطور أولا، ولأبنائه، ~~ثم امنح الباقين جزاء حسنا من أجل هذه الذبيحة المئوية المجيدة، ~~لسائر رجال بولوس، ولتتفضل أيضا فتسمح بعودتي مع تيليماخوس، ~~بعد أن تنجز جميع الأمور التي جئنا إلى هنا من أجلها بسفينتنا ~~السوداء السريعة.» # وتيليماخوس أيضا يصلي # هكذا صلت أثينا، وكانت تحقق كل شيء بنفسها، ثم قدمت ~~الكأس الجميلة ذات المقبضين، إلى تيليماخوس، فقام ابن أوديسيوس ~~العزيز هذا وصلى مثلها. وبعد أن انتهى الرجال من شواء اللحم ~~الخارجي، وأخرجوه من السفود، قسموا الأنصبة، ثم أدبوا مأدبة ~~فاخرة. وما إن فرغوا من تناول الطعام والشراب، حتى نهض الفارس، ~~نسطور الجيريني # Nestor of Gerenia ~~، # 2 # وتكلم وسطهم أولا، فقال: ~~«الآن ولا شك أنسب وقت يحق لنا فيه أن نسأل الغريبين عمن ~~يكونان، طالما أنهما الآن قد نالا كفايتهما من الطعام، فمن أنتما ~~إذن، أيهما الغريبان؟ ومن أين قدمتما عبر ذلك الخضم الواسع؟ ~~أجئتما بمهمة معينة، أم أنكما تهيمان عبر البحر كيفما اتفق؟ ~~أكقرصانين تتجولان مغامرين بحياتيكما، ومحدثين الأذى لأقوام ~~البلاد الأخرى؟» # تيليماخوس يرد على أسئلة نسطور # عندئذ تشجع تيليماخوس ~~العاقل، وأجاب على أسئلة نسطور؛ لأن أثينا نفثت الشجاعة في قلبه ~~بنفسها، كي يسأل عن أبيه، الذي رحل، عسى أن يجد خبرا سارا لدى ~~أولئك القوم، فقال: ~~«أي نسطور، يا ابن نيليوس، يا مجد الآخيين العظيم، إنك تسألنا ~~من أين قدمنا، ولا شك في أننا مخبروك. لقد جئنا من إيثاكا ~~الواقعة خلف نايون # Neion ~~، ولكن ~~الأمر الذي سأتكلم عنه، يعنيني دون سواي ولا علاقة للناس به. لقد ~~أتيت أتتبع صيت أبي الواسع الانتشار، علني أسمع شيئا عن ~~أوديسيوس العظيم الثابت القلب، الذي كما يقول القوم، قاتل إلى ~~جانبك يوما ما، ونهب مدينة الطرواديين # Trojans ~~؛ لأننا نعلم أين مات كل رجل ممن حاربوا ~~الطرواديين، ميتته التعيسة، كلهم، ما عدا أوديسيوس، الذي جعل ابن ~~كرونوس ميتته وراء العلم؛ إذ ما من شخص يستطيع أن يحدد ~~بالتأكيد أين مات، هل قهره الأعداء فوق اليابسة، أم في البحر وسط ~~أمواج أمفيتريتي # Amphitrite ms079 ~~؟ # 3 # ومن ثم أجيء أنا الآن، عند ركبتيك، عسى أن تتفضل ~~بإخباري عن ميتته التعيسة، سواء كنت قد شاهدتها عيانا، أو ~~سمعت من شخص آخر عن قصة تجوالاته؛ فإنه دون سائر الرجال قد ~~أنجبته أمه للأحزان. كما أرجو ألا تأخذنك الشفقة بي، بحال ما، ~~فتطمئنني ببعض الألفاظ، بل أريد أن تخبرني بالحقيقة، كيف تصادف ~~لك أن شاهدته. إنني أتوسل إليك، لو أن أبي أوديسيوس النبيل، ~~كان قد عهد إليك ببعض الكلام أو العمل وحققته في أرض ~~الطرواديين، حيث قد قاسيتم الآلام، أيها الآخيون، فلتتذكره بربك ~~الآن. وقل لي الحقيقة بعينها.» # نسطور يستعيد ذكرى ويلات حرب طروادة # عندئذ أجابه الفارس، نسطور الجيريني، قائلا: # تقدمت بولوكاستي الفاتنة، ~~وغسلت تيليماخوس ودهنت جسمه بزيت الزيتون. ~~«أي صديقي، لقد أعدت إلى ذهني الهموم والآلام التي كابدناها، ~~نحن أبناء الآخيين، في تلك البلاد، مع فرط جرأتنا - كل ذلك ~~قاسيناه على ظهر السفينة ونحن نسعى وراء الغنائم عبر اليم الكثيف ~~الضباب، حيث كان يقودنا أخيل، وجميع معاركنا حول مدينة الملك بريام # 4 # العظيمة - إن الاسف ليملأ الفؤاد؛ فهناك قتل أفضلنا ~~كلنا. هناك يرقد أياس # Aias # 5 # المحارب، وهناك أخيل # 6 # وباتروكلوس Patroclus # 7 # نظير الآلهة في المشورة، وهناك ابني العزيز، الذي ~~يعادله في القوة، والمنقطع النظير، أنتيلوخوس # Antilochus ~~، # 8 # المبرز في سرعة القدم وكمقاتل، كما قاسينا شرورا ~~أخرى علاوة على هذه، من من البشر الفانين يستطيع أن يرويها ~~كلها؟ لا أحد؛ فلو بقيت هنا خمس سنوات أو ستا، وسألت عن جميع ~~الآلام التي عاناها الآخيون الأمجاد هناك، لسئمت قبل أن ننتهي من ~~سردها، ورجعت ثانية إلى وطنك. ظللنا مدة تسع سنوات مشغولين في ~~تدبير خطط خرابهم بشتى ألوان الحيل، ولكن ابن كرونوس لم يكتب لها ~~التوفيق. ولم يجرؤ أي رجل على أن يتحداه في الرأي؛ إذ كان ~~أوديسيوس العظيم يبذ الجميع في شتى صنوف الحيل - إنه أبوك، لو ~~كنت ابنه حقا. إن الدهشة لتتملكني وأنا أنظر إليك؛ لأن حديثك، ~~والحق يقال، يشبه حديثه، وما كان أحد يتصور ms080 أن شابا قد يتكلم ~~أمام المجلس هكذا مثله. وإن طيلة المدة التي كنا فيها هناك، لم ~~يتكلم أوديسيوس العظيم بكلام يخالف ما تكلمت به، كما أنه لم ~~يختلف عني في الرأي أو في المشورة؛ إذ كنا ذوي عقل واحد، وكنا ~~ننصح الأرجوسيين # Argives # بالحكمة ~~والمشورة الحازمة، في الكيفية التي يتم بها كل شيء على خير وجه. ~~بيد أنه بعد أن خربنا مدينة بريام الشامخة، ورحلنا في سفننا ~~بعيدا، وجاء إله وشتت شمل الآخيين؛ عندئذ، وعندئذ فقط، دبر ~~زوس في قلبه عودة مؤلمة للأرجوسيين؛ لأن الجميع لم يكونوا كلهم ~~حازمين ولا عادلين؛ ولذلك لقي كثيرون منهم مصيرا مشئوما من ~~جراء غضب الربة، ذات العينين البراقتين، ابنة السيد # 9 # القوي؛ لأنها تسببت في الشجار بين ولدي ~~أتريوس # Atreus ~~. وعندئذ طلب هذان ~~الاثنان اجتماع سائر الآخيين، دون روية ولا نظام، وقت غروب ~~الشمس - فجاء أبناء الآخيين ~~مثقلين بالخمر - وقالوا كلمتهم، وقالوا لماذا جمعوا الجيش سويا. ~~بعد ذلك أمر مينيلاوس جميع الآخيين أن يفكروا في عودتهم عبر ~~ظهر البحر الفسيح، بيد أنه لم يسر أجاممنون بأيه حال من الأحوال؛ ~~لأنه كان يتوق إلى تأخير الجيش كي يقدم الذبائح المئوية ~~المقدسة، حتى يهدئ من غضب أثينا البالغ، فما أحمقه! إذ لم يكن ~~يعلم أنها لن تتنازل عن غضبها؛ فليس من السهل تحويل عقل الآلهة ~~الخالدين بسرعة؛ ومن ثم وقف هذان يتراشقان بالألفاظ الجافة. غير ~~أن الآخيين المدرعين جيدا قفزوا بصخب عجيب، وراقهما خطط ~~مزدوجة الفعل، فخلدنا تلك الليلة إلى الراحة، وأخذ كل فريق يفكر ~~بدهاء في أذى الفريق الآخر؛ لأن زوس كان يجلب علينا مصيرا ~~مشئوما. ولما أصبح الصباح، أنزل بعضنا سفننا إلى البحر المتألق، ~~ووضعوا فوق ظهورها الأمتعة والنساء ذوات الحزام المنخفض. والحقيقة ~~أن نصف الجيش امتنع وبقي هناك مع أجاممنون بن أتريوس، راعي الجيش، ~~بينما ركب النصف الآخر السفن وجدف مبتعدا، فسرعان ما أبحرت ~~السفن؛ لأن إلها ما هدأ البحر المضطرب. وعندما بلغنا ~~تينيدوس # Tenedos # قدمنا ذبيحة ~~للآلهة، متلهفين إلى بلوغ منازلنا، ولكن ms081 مع ذلك، لم يزمع زوس ~~عودتنا، فيا له من رب عنيد، ذلك الذي أثار الصراع الشرير للمرة ~~الثانية. بعد ذلك استدار بعضهم بسفنهم المقوسة ورحلوا، وكذلك ~~السيد أوديسيوس الراجح العقل، الحكيم، مع جماعته، أظهروا تأييدهم ~~لأجاممنون بن أتريوس مرة أخرى، غير أنني هربت مع سائر حشد السفن ~~التي تبعتني؛ إذ كنت أعلم أن الرب يدبر شرا. كذلك هرب ابن ~~توديوس # Tydeus # 10 # المحب للقتال وحث ~~رجاله. وبعد فترة جاء مينيلاوس، الجميل الشعور، متأخرا، يقتفي ~~أثرنا، فلحق بنا في ليسبوس # Lesbos ~~، بينما كنا نتناقش في الرحلة الطويلة ، هل ~~نرحل صوب بحر خيوس # Chios # الوعرة ~~إلى جزيرة بسوريا Psyria ~~، جاعلين ~~خيوس نفسها # 11 # على يسارنا، أو صوب أرض خيوس عبر ميماس # Mimas # الكثيرة الرياح؛ ومن ثم طلبنا ~~من الرب أن يرينا علامة، فأرانا إياها، وأمرنا أن نشق طريقنا وسط ~~البحر إلى يوبويا # Euboea ~~، حتى ~~يمكننا النجاة بأقصى سرعة من البلاء. وبدأت ريح عاتية تهب، فجرت ~~السفن بسرعة فوق الطرق المزدحمة، وعندما أقبل الليل، وصلت إلى ~~جيرايستوس # Geraestus ~~. وهناك وضعنا ~~كثيرا من أفخاذ الثيران فوق مذبح بوسايدون، تعبيرا عن شكرنا ~~لسلامة اجتيازنا البحر العظيم. ولم يكن إلا في اليوم الرابع، أن ~~أوقف في أرجوس، جمع ديوميديس # Diomedes # 12 # ابن توديوس، مستأنس الجياد، سفنهم الجميلة، ولكني ~~مضيت في طريقي صوب بولوس، ولم تكف الريح لحظة واحدة منذ أن ~~بعث بها الرب أولا.» # هكذا جئت يا ولدي العزيز، بدون أنباء، ودون أن أعرف شيئا عن ~~الآخرين؛ أي الآخيين نجا، وأيهم مات. غير أن هناك أنباء سمعتها ~~وأنا في ساحاتنا، سوف تسمعها مني، كما يقتضي الواجب، ولن أخفيها ~~عنك؛ إذ يقال إن المورميدون # Myrmidons ~~، # 13 # الذين يثورون بالرماح، جاءوا بسلام، أولئك الذين كان ~~يقودهم البطل الشهير ابن أخيل العظيم الشجاعة، وسالما أيضا جاء ~~فيلوكتيتيس المجيد Philoctetes # ابن ~~بوياس Poias ~~. كما أحضر ~~إيدومينوس # Idomeneus # 14 # جميع رفاقه إلى كريت، جميع الذين نجوا من الحرب، ~~ولم يسلبه البحر أحدا منهم. أما ابن أتريوس، فقد سمعت بنفسك، ~~رغم أنك ms082 بعيد جدا، كيف جاء وكيف دبر له أيجيسثوس # Aegisthus # مصيرا مؤلما، ولكنه ولا ~~ريب دفع الثمن فظيعا. إنه لجميل أن يترك الرجل ابنا عند وفاته، ~~إذا كان ذلك الابن ينتقم لموت ~~أبيه العظيم من قاتله الغادر، أيجيسثوس. هكذا أنت أيضا، يا صديقي ~~فإنني أراك رجلا بمعنى الكلمة، فارع الطول، فكن شجاعا حتى يمتدحك ~~كل من يولد من الرجال.» # رغبة تيليماخوس في الانتقام من العشاق # فأجاب تيليماخوس الحكيم بقوله: «أي نسطور، يا ابن نيليوس، يا مجد ~~الآخيين العظيم، نعم لقد انتقم ذلك الابن حقا، ولسوف يطير ~~الآخيون بشهرته بعيدا، كي يعلم بها من سيأتي من البشر، ليت الآلهة ~~تسربلني بمثل هذه القوة ، كي أستطيع الانتقام من أولئك العشاق ~~جزاء إثمهم المشين، أولئك الذين بسبب طيشهم يدبرون لي شرا، غير ~~أن الآلهة، والأسف ملء الفؤاد، لم تخلع علي مثل هذه السعادة، ولا ~~حتى على أبي؛ وعلى ذلك ينبغي لي أن أحتمل مهما كانت ~~الظروف.» # نسطور يشد أزر تيليماخوس # فقال الفارس، نسطور الجيريني: «يا صديقي، طالما أنك تعيد هذا ~~إلى ذاكرتي، وتتكلم عنه، فإنهم يقولون إن هناك مغازلين عديدين ~~يطلبون يد والدتك، وهؤلاء يحيكون الشرور في ساحاتك رغم إرادتك. ~~أخبرني، هل تستباح ممتلكاتك بمحض إرادتك، أم أن القوم يكرهونك في ~~كل مكان إطاعة لرغبة إله؟ من يدري، إذا كان أوديسيوس سيأتي ذات ~~يوم وينتقم منهم على إهانتهم القاسية إما وحده، أو من الجائز مع ~~سائر جموع الآخيين؟ ليت أثينا، الربة المتألقة العينين تختار أن ~~توليك محبتها، كما اهتمت كثيرا، في ذلك الحين بأوديسيوس المجيد ~~في بلاد الطرواديين، حيث قاسينا الآلام، نحن معشر الآخيين؛ لأنه لم ~~يسبق لي أن رأيت الآلهة تبدي حبها سافرا بتلك الصورة، كما فعلت ~~بالاس أثينا معه؛ إذ وقفت إلى جانبه علنا، فلو سرها أن تحبك ~~بنفس الطريقة، واهتمت بك من كل قلبها، إذن لنسي كل فرد منهم ~~الزواج كلية.» # إعجاب تيليماخوس بكلمات مضيفه # عندئذ قال تيليماخوس العاقل: «أيها السيد العجوز، لا أعتقد بأية ~~حال أن كلمتك هذه ستتحقق. إن ms083 ما تقوله لشيء بالغ العظمة؛ لذا ~~تتملكني الدهشة، ولا أمل عندي في أنه سيتحقق، حتى ولو أزمعت ~~الآلهة ذلك.» # أثينا تذكر تيليماخوس بقدرة الآلهة على كل شيء # فتكلمت الربة، أثينا ذات العينين النجلاوين وقالت: «أي ~~تيليماخوس، ما هذه العبارة التي أفلتت من بين شفتيك؟ من السهل ~~على الإله الذي انتوى ذلك أن يعيد شخصا إلى وطنه سالما، مهما ~~كانت بعيدا. أما أنا، فإنني أفضل شخصيا، أن أتحمل مشاق ~~جمة عسيرة قبل أن أبلغ وطني وأتمتع بيوم عودتي، على أن أقتل إثر ~~عودتي عند الوطيس، كما قتل أجاممنون بتدبير أيجيسثوس وزوجته. ~~والحقيقة أن الآلهة أنفسهم، لا يستطيعون درء الموت، المقدر لكل ~~فرد ، عن شخص يحبونه، متى حان للمنية المفجعة أن ~~تصرعه.» # تيليماخوس يستجوب مضيفه عن مقتل أجاممنون # فرد عليها تيليماخوس العاقل بقوله: «أيا مينتور، فلتكف عن ~~الحديث في هذه الأشياء رغم ما نحن عليه من حزن، فلا يمكن أن تتم له ~~أي عودة على الإطلاق، كلا؛ فقبل هذا دبر له الخالدون ميتة ~~ومصيرا أسودين. والآن يجب أن أتحرى فأستخير نسطور عن أمر آخر، ~~طالما أنه يعرف الحكمة وكيف يحكم على الشيء، أكثر من جميع الآخرين؛ ~~لأنه كما يقول الناس كان ملكا، ثلاث مرات، على جيل من البشر، وإنه ~~ليتراءى لناظري أشبه بخالد. أي نسطور، يا ابن نيليوس، هل تتفضل ~~بإخباري بالصدق: كيف قتل أجاممنون الواسع السلطان ابن أتريوس؟ أين ~~كان مينيلاوس؟ وأي ميتة دبرها أيجيسثوس المخادع للملك، حيث إنه ~~قتل رجلا يفوقه قوة بمراحل؟ ألم يكن مينيلاوس في أرجوس الآخية، ~~أم أنه كان يتجول في مكان آخر وسط القوم، حتى إن أيجيسثوس ~~تشجع ونفذ جريمة القتل؟» # نسطور يرد على ضيفه ردا شافيا # فأجاب الفارس، نسطور الجيريني قائلا: «إذن فسأخبرك بالحقيقة، يا ~~طفلي. ها أنت ذا من تلقاء نفسك تخمن كيف حدث ذلك الأمر، فإذا ~~كان ابن أتريوس مينيلاوس الجميل الشعور، قد وجد، عند عودته من ~~طروادة، أيجيسثوس حيا في ساحاته، إذن لما كوموا له رابية، ~~حتى لو كان قد مات، بل ms084 كانت الكلاب والطيور قد مزقته وهو راقد ~~فوق السهل بعيدا عن المدينة، ولما بكته سيدة ما من الآخيات؛ إذ ~~ما أبشع العمل الذي حاك خيوطه! أما نحن من جهتنا، فقد بقينا هناك ~~في طروادة ننجز مهامنا العديدة، ولكنه دأب على خداع زوجة أجاممنون ~~بمعسول الألفاظ، في مكان منعزل في أرجوس، مرعى الخيول؛ ففي أول ~~الأمر تخلصت كلوتيمنيسترا # Clytemnestra # 15 # الفاتنة، من العمل غير اللائق؛ إذ كان لها قلب مدرك؛ ~~وعلاوة على ذلك، فقد كان معها أحد المغنين، أحسن ابن أتريوس ~~اختياره لحراسة زوجته، عندما أقلع إلى أرض طروادة. بيد أنه عندما ~~جاء أخيرا قضاء الآلهة، أن تغلب على أمرها، صحب أيجيسثوس ~~المغني إلى جزيرة مهجورة حيث تركه ليكون فريسة للطيور. أما هي، ~~فكما كان قد بيت النية، أخذها إلى بيته. وأحرق كثيرا من قطع ~~لحم الأفخاذ على مذابح الآلهة المقدسة، كما علق لهم كثيرا من ~~التقدمات، من مصنوعات النسيج والأشياء الذهبية، لقيامه بعمل جريء ~~يفوق كل ما كان يرجوه قلبه. # كنا نبحر سويا في ~~طريقنا من طروادة، وكنت أنا وابن أتريوس صديقين حميمين، وعندما ~~بلغنا سونيوم # Sunium # المقدسة، رأس ~~مدينة أثينا، هاجمنا هناك فويبوس أبولو # 16 # بسهام الرقيقة، # 17 # وقتل حارس دفة مينيلاوس، وهو ممسك في يديه المجذاف ~~الذي يوجه السفينة المسرعة، ذلك الحارس هو فرونتيس Phrontis ~~، ابن أونيتور # Onetor ~~، الذي كان يبذ سائر قبائل ~~البشر في قيادة السفن عندما يشتد هبوب الرياح العاصفة؛ وعلى ذلك ~~بقي مينيلاوس هناك، رغم أنه كان متلهفا للرحيل؛ لكي يستطيع أن ~~يدفن زميله ويقوم نحوه بالطقوس الجنائزية. بيد أنه عندما وصل ~~بدوره، وهو يخترق البحر القاتم كالخمر، في السفن الواسعة، في ~~مجرى سريع، إلى قمة ماليا # Malea # المنحدرة، حاك له زوس الذي يحمل صوته بعيدا، طريقا مقيتا، وأرسل ~~عليه هبات عنيفات من الرياح العاتيات، فارتفعت اللجج ~~كالطود الشامخ. وعندئذ قسم سفنه إلى قسمين، وأحضر بعضها إلى ~~كريت حيث كان الكودونيون # Cydonians # يعيشون حول مجاري الإياردانوس # Iardanus ~~، وحيث يوجد الآن جرف ~~أملس ينحدر رأسا نحو ms085 البحر، على حدود جورتون # Gortyn # في اليم الكثيف الضباب، حيث تدفع الريح ~~الجنوبية الغربية الأمواج العاتية على الرأس البارز في البحر، على ~~اليسار صوب فايستوس Phaestus ~~، ~~فتردها صخرة صغيرة على أعقابها، فإلى ذلك المكان وصلت بعض ~~سفنه، وبعد عناء كبير، نجا الرجال من الهلاك. ومع كل فقد حطمت ~~الرياح السفن على سلسلة الصخور، وتركتها أشلاء. أما الخمس سفن ~~الأخرى القاتمة الحيزوم، فقد حملتها الرياح، وجاءت بها الأمواج إلى ~~مصر؛ ومن ثم كان يهيم هناك بسفنه وسط قوم غرباء اللسان، ~~وجمع رزقا عظيما وذهبا، غير أن أيجيسثوس دبر ذلك العمل المؤسف ~~في نفس هذا الوقت، في وطنه. لقد حكم سبع سنوات على موكيناي # Mycenae # الغنية بالذهب بعد أن قتل ابن ~~أتريوس، فخضع الناس لسلطانه. بيد أنه في السنة الثامنة، عاد ~~أوريستيس # Orestes # العظيم من ~~أثينا، وقتل قاتل أبيه، أيجيسثوس المخادع، الذي قتل أباه المجيد. ~~وبعد أن قتله أقام وليمة جنائزية للأرجوسيين، على أمه المقيتة ~~وأيجيسثوس الرعديد. وفي نفس اليوم قدم إليه مينيلاوس، الماهر في ~~صيحة الحرب، جالبا مع كنوزا كثيرة، بقدر ما استطاعت جميع سفنه ~~أن تحمل. # لذلك يا صديقي، لا تطوف طويلا بعيدا عن وطنك، تاركا ثروتك ~~خلفك، وفي بيتك رجالا آنذاك بتلك الصورة؛ لئلا يقسموا ثروتك ~~جميعها فيما بينهم، ويلتهموها، فتغدو رحلتك غير ذات جدوى، بيد أني ~~أشير عليك بالتوجه إلى مينيلاوس؛ لأنه جاء أخيرا من بلد غريب، من ~~لدن قوم لا يمكن لأحد أن يأمل في قلبه أن يعود من عندهم، أولئك ~~الذين شردتهم الأعاصير ذات يوم في بحر عظيم الاتساع، لا ~~تجتازه الطيور في مدة سنة، ذلك الخضم الواسع المروع، فاذهب ~~الآن في طريقك، بسفينتك ورفقائك. ~~أما إذا رغبت في الذهاب بطريق ~~البر، فها هي عربات وجياد تحت أمرك، وهاك أبنائي في خدمتك، ~~يرشدونك إلى لاكيدايمون # Lacedaemon # 18 # العظيمة، حيث يقطن مينيلاوس الجميل الشعور. وأنصحك أن ~~تتوسل إليه بنفسك كي يروي لك الحقيقة بعينها. إنه لا يقول الكذب؛ ~~لأنه عاقل حقا.» # أثينا تطالب بتقديم الذبائح # هكذا قال، ms086 وغربت الشمس، وأقبلت جحافل الظلام، فتحدثت وسطهم ~~الربة، أثينا ذات العينين المتألقتين، فقالت: «أيها الرجل ~~العجوز، ما أصدقك في رواية هذه القصة تماما! هلم اقطع ألسنة ~~الذبائح، واخلط الخمر، حتى بعد أن تنتهي من سكب السكائب لبوسايدون ~~والخالدين الآخرين، يمكننا أن نفكر في النوم؛ إذ قد حان وقته؛ فها ~~هو النور اختفى الآن وراء الظلمة، وليس من اللائق أن نجلس طويلا ~~في وليمة الآلهة، بل ننطلق في طريقنا.» # نسطور يمنع ضيفيه من الانصراف # ما إن أتمت ابنة زوس حديثها، وأصغى الجميع إلى صوتها، حتى سكب ~~الخدم الماء فوق أيديهم، وراح الفتيان يملئون الطاسات بالشراب إلى ~~حافاتها، وقدموا لسائر الموجودين ساكبين أولا بعض قطرات في ~~الكئوس كسكيبة، ثم وضعوا الألسنة فوق النار، وقاموا يسكبون ~~السكيبات فوقها، وبعد أن سكبوا السكائب، واحتسوا كفايتهم من ~~الخمر، تاقت نفس كل من أثينا وتيليماخوس، الشبيه بالإله، إلى أن ~~يعودا إلى السفينة الواسعة، بيد أن نسطور حاول أن يبقيهما، ~~وتحدث إليهما قائلا: ~~«هل لزوس أن يمنع هذا، وكذا غيره من الآلهة الخالدين، أن تنصرفا ~~إلى سفينتكما السريعة كأنما تنصرفان من لدن شخص بلا أمتعة ~~ومعدم غاية العدم، شخص ليس لديه كميات وافرة من العبايات ~~والأغطية في منزله، حيث يستطيع أن ينام هو وضيوفه عليها بغاية ~~الراحة؟ كلا، إن في بيتي لعباءات وأغطية كثيرة جميلة، يستحيل أن ~~ينام ابن أوديسيوس العزيز هذا فوق سطح سفينة وأنا لا أزال على قيد ~~الحياة، وهناك أطفال من بعدي يرحبون في ساحاتي بمن يأتي من ~~الأغراب إلى منزلي.» # تيليماخوس ينام في ساحة نسطور # عندئذ ردت عليه الربة، أثينا البراقة العينين بقولها: ~~«حسنا تحدثت في هذا، أيها الصديق العجوز، وكان يجدر بتيليماخوس ~~أن يصغي إليك، طالما أن هذا أفضل شيء. غير أنه بينما يتبعك هو ~~لينام في ساحاتك، سأذهب أنا إلى السفينة السوداء، كي أشجع رفاقي ~~وأقص عليهم كل شيء؛ إذ أقر بأنني العجوز حقا بينهم، ومن يتبعون ~~في الصداقة أصغر مني، جميعهم في سن تشبه سن تيليماخوس العظيم ~~القلب. سأرقد هناك ms087 بجوار السفينة السوداء الواسعة، هذه الليلة، حتى ~~إذا ما أصبح الصباح ذهبت إلى الكاوكونيين # Cauconians ~~، العظيمي الهمة، حيث يوجد لي دين ~~مستحق، ليس بالجديد ولا بالقليل. وهل لك أن ترسل هذا الرجل إلى ~~بغيته مع ابنك في عربة؛ حيث إنه قصد منزلك، وتعطيه جيادا، من أسرع ~~جيادك في العدو، وأفضلها في القوة؟» # نسطور يتعرف على الربة أثينا # هكذا قالت الربة، أثينا ذات العينين اللامعتين، وانصرفت من ~~الحضرة في صورة نسر بحري، فذهل الجميع، ودهشوا لهذا المنظر، ~~وتعجب الرجل المسن عندما أبصرت عيناه ما حدث، فأمسك بيد ~~تيليماخوس، وخاطبه بقوله: ~~«هيا صديقي، لا أظن أنك ستبرهن على أنك رجل وضيع أو جبان؛ إذ ~~وأنت لا تزال في صغر سنك تتبعك الآلهة كمرشد لك. الحق يقال، ليست ~~هذه الربة، من سائر أولئك الذين يحتلون مواطنهم فوق أوليمبوس، غير ~~ابنة زوس، تريتوجينيا # Tritogeneia ~~، # 19 # العذراء السامية الأمجاد، تلك التي بجلت كذلك أباك ~~النبيل وسط الأرجوسيين. كلا أيتها الملكة، كوني رحيمة، وامنحيني ~~الصيت الحسن، وامنحيه أيضا لأولادي، وزوجتي المبجلة، وفي مقابل ~~ذلك سأذبح عجلة ملساء، عريضة الجبهة، سليمة، لم يسبق لرجل أن وضع ~~على رقبتها النير حتى الآن. سأنحرها لك هنا، وأزين قرونها ~~بالذهب.» # نسطور وأبناؤه يصلون للربة أثينا # هكذا تكلم نسطور الجيريني، في صلاته، وسمعته بالاس أثينا، ثم ~~قام الفارس وقادهم إلى قصره الجميل، قاد أبناءه وأزواج بناته، إلى ~~قصره الجميل، فلما بلغوا قصر الملك المنيف، اصطفوا فوق الكراسي ~~والمقاعد العالية، وعند حضورهم خلط لهم الرجل المسن طاسا من ~~الخمر الحلوة، المعتقة لمدة إحدى عشرة سنة بمعرفة ربة الدار، ~~ففتحتها بأن فكت الرباط المثبت للغطاء، فأمر السيد العجوز بأن ~~يملأ طاس من هذه الخمر، وصلى بحرارة، وهو يصب السكيبة لأثينا ~~ابنة زوس، حامل الترس. # الضيف والمضيف ينامان # غير أنهم بعد أن صبوا السكائب، وشربوا قدر كفايتهم، انصرف كل ~~واحد منهم إلى بيته، ليستريح. أما الفارس، نسطور الجيريني، فطلب ~~من تيليماخوس العزيز، ابن أوديسيوس المقدس، أن ينام هناك على سرير ~~من الحبال المجدولة أسفل ms088 البهو الفسيح، وإلى جواره بايسيستراتوس، ~~ذو الرمح الدرداري المتين، وقائد البشر، وكان هو الوحيد في القصر ~~أعزب دون سائر أبنائه. ونام نسطور نفسه في الغرفة الداخلية من ~~القصر السامق، بجواره السيدة زوجته، التي كانت قد أعدت له ~~الفراش. # نسطور يدلي بأوامره في الصباح # وعندما لمع الفجر، الوردي الأنامل، في أفق السماء، مبكرا، نهض ~~الفارس، نسطور الجيريني، من فراشه، وخرج فجلس فوق الأحجار المصقولة ~~أمام أبواب قصره الشامخ، تلك الأحجار الناصعة البياض، والشديدة ~~اللمعان كأنما قد طليت بالزيت. # 20 # لقد اعتاد نيليوس، نظير الآلهة في المشورة، أن يجلس في ~~قديم الزمان فوق هذه الأحجار، ولكنه قبل الآن أصابه حتفه، فذهب ~~إلى بيت هاديس # Hades ~~، # 21 # فأصبح نسطور الجيريني، حامي حمى الآخيين، يجلس الآن ~~فوقها بدلا منه، ممسكا الصولجان في يده، وقد احتشد أبناؤه حوله ~~في جماعة عندما خرجوا من حجراتهم؛ إخيفرون # Echephron ~~، وستراتيوس # Stratius ~~، وبيرسيوس Perseus ~~، وأريتوس # Aretus ~~، وثراسوميديس # Thrasymedes # شبيه الإله، ثم انضم إلى هؤلاء بعد ذلك ~~السيد بايسيستراتوس، ليكون سادسهم. وصحبوا تيليماخوس الشبيه ~~بالإله، وأجلسوه إلى جوارهم، وكان الفارس، نسطور الجيريني، هو أول ~~من تكلم وسطهم، فقال: ~~«يا أطفالي الأعزاء، هيا أسرعوا، وحققوا رغبتي، حتى يمكنني أن ~~أسترضي أثينا قبل جميع الآلهة، هذه التي جاءت بنفسها واضحة جلية، ~~وجلست إلى وليمة الإله الفاخرة. هلموا الآن، ليذهب أحدكم إلى ~~السهل، ويبحث عن عجلة، كي يحضرها بسرعة، ويسوقها الراعي. وليذهب ~~أحدنا إلى سفينة تيليماخوس الجريء القلب، هذه السفينة السوداء، ~~ويدع سائر رفقائه، تاركا رجلين فقط. كما يذهب آخر إلى الصائغ ~~لايركيس # Laerces ~~، ويأمره بالحضور ~~إلى هنا، ليكسو قرون العجلة بالذهب. أما الآخرون فليبقوا هنا معنا، ~~ومروا الإماء، داخل القصر بأن يعددن وليمة في ساحتنا المجيدة، ~~ويحضرن المقاعد، وأخشابا لتوضع إلى جانبي المذبح، كما يحضرن ~~ماء صافيا.» # نسطور يعد عجلة ذبيحة لأثينا # ما إن أتم نسطور الجيريني كلامه، حتى أذعن الجميع، كل واحد في ~~العمل الذي وكل إليه، فأحضرت العجلة من السهل، وجاء زملاء ~~تيليماخوس الجريء القلب من السفينة السريعة الجميلة، وأقبل ms089 الصائغ، ~~يحمل في يديه عدته البرونزية، أدوات مهنته، وهي عبارة عن ~~سندان ومطرقة وكتيفة متينة الصنع، وراح يصوغ بها الذهب. وأتت أثينا ~~لتتقبل الذبيحة. وبعد ذلك جاء نسطور العجوز، سائق العربات، ~~وأعطاه الذهب، فجهزه الصائغ وكسا به قرون العجلة، كي تبتهج الربة ~~وهي ترى الذبيحة. وساق ستراتيوس وإخيفرون العظيم العجلة من ~~قرونها، وأقبل أريتوس من الحجرة، وأحضر لهم الماء كي يغسلوا ~~أيديهم، في حوض مزين بالأزهار، وكان يحمل في يده الأخرى سلة ~~بها حبوب الشعير، ووقف ثراسوميديس، الثابت في القتال، قريبا منهم ~~ممسكا في يديه فأسا حادة، لينحر العجلة، وحمل بيرسيوس الطاس ~~لأجل الدم. بعد ذلك، بدأ الرجل العجوز، نسطور، سائق العربات، ~~المراسيم الافتتاحية لغسل الأيدي ونثر حبات الشعير، وصلى ~~لأثينا بحرارة، وقص الشعر من الرأس، كتقدمة أولى، وألقاه في ~~النار. # ابن نسطور ينحر العجلة # وبعد أن فرغوا من الصلاة، ونثر حبوب الشعير، قام في الحال ابن ~~نسطور، ثراسوميديس، الجريء القلب، وذبح العجلة، بضربة من الفأس ~~قطعت عروق العنق، وأرخت قوى العجلة ثم صرخت السيدات الصرخة ~~المقدسة، بنات نسطور، وزوجات أبنائه وزوجته المبجلة يوروديكي # Eurydice ~~، كبرى بنات كلومينوس # Clymenus ~~، ورفع الرجال رأس العجلة ~~من فوق الأرض الفسيحة الطرقات، وحملوها، وقطع بايسيستراتوس، قائد ~~الرجال، حلقها. وبعد أن تدفق منها الدم الأسود، وغادرت الروح ~~العظام، أسرع الرجال بتقطيع جسمها، ففصلوا قطع الأفخاذ كلها في ~~ترتيب بديع، وغطوها بطبقتين من الدهن، ووضعوا فوقها لحما ~~نيئا، ثم تقدم الرجل العجوز وأحرقها فوق قطع من الخشب، وسكب ~~فوقها خمرا صهباء، وأمسك الفتيان حوله بشوكات خماسية الشعاب. ~~وعندما نضجت الأفخاذ تماما، وتذوقوا الأجزاء الداخلية قطعوا ~~بقية الأجزاء، ووضعوها في السفافيد وشووها، وهم يمسكون السفافيد ~~المدببة الأطراف بأيديهم. # ابنة نسطور تغسل تيليماخوس وتدهنه بالزيوت # وفي نفس الوقت، تقدمت بولوكاستي Polycaste # الفاتنة، صغرى بنات نسطور بن نيليوس، ~~وغسلت تيليماخوس ودهنت جسمه بزيت الزيتون، وألبسته عباءة ~~جميلة ومعطفا، وفي الحال خرج من الحمام في صورة أشبه بالخالدين، ~~وذهب وجلس إلى جوار نسطور، راعي الشعب. # وبعد أن انتهوا من شواء ms090 اللحم الخارجي، وأخرجوه من السفافيد ~~جلسوا وأولموا، فشرع رجال ذوو مكانة عالية يخدمونهم، ويصبون لهم ~~الخمر في كئوس من الذهب. وعندما أكلوا كفايتهم من الطعام والشراب، ~~قام الفارس، نسطور الجيريني، وتكلم أولا، فقال: ~~«أبنائي، انهضوا الآن، وشدوا إلى العربة جيادا جميلة ~~الأعراف، من أجل تيليماخوس، كي يستطيع القيام برحلته.» # نسطور يمنح ضيفه عربة وجيادا ومؤنا # عندئذ أذعن الأبناء لأمر أبيهم، وفي الحال أحضروا الجياد ~~السريعة، وشدوها إلى نير العربة. وجاءت ربة البيت فوضعت في ~~العربة خبزا وخمرا وطعاما طيبا، مما يأكله الملوك المنحدرون من ~~زوس، ثم اعتلى تيليماخوس العربة الجميلة، وركب إلى جواره ~~بايسيستراتوس بن نسطور، قائد الرجال، وأمسك الأعنة في يديه، وضرب ~~الجوادين بالسوط، ليبدآ السير، فانطلقا يسرعان الجري إلى السهل، ~~تاركين قلعة بولوس الشديدة الانحدار. وهكذا ظلا اليوم كله ~~يجران العربة ويهزان النير الموضوع فوق رقبتيهما. # تيليماخوس يرحل بصحبة بايسيستراتوس # ولما آذنت الشمس بالمغيب، وبدأ الليل ينسكب في جميع الطرقات، ~~وصل الركب إلى فيراي Pherae ~~. وبلغ ~~بيت ديوكليس # Diocles # ابن ~~أروتيلوخوس # Ortilochus ~~، المنحدر ~~من ألفيوس # Alpheus ~~، حيث أمضيا ~~الليل، وجلسا إلى وليمة تليق بالضيوف. # وما كاد الفجر يلمع في أفق السماء، حتى وضع النير فوق عنقي ~~الجوادين، وركب الفتيان العربة المزخرفة، وانطلقا بها من الأبواب ~~والرواق الفسيح. وأخذ بايسيستراتوس السوط ولمس به ظهري ~~الجوادين ليحثهما على بدء السير، فأسرعا في طريقهما. وهكذا ~~وصلا إلى السهل الزاخر بالقمح، وبعد ذلك بلغا خاتمة الرحلة وقد ~~حملتهم جيادهم السريعة قدما على أتم وجه، ثم آذنت الشمس ~~بالمغيب، وبدأ الليل ينسكب في جميع الطرقات. # | الأنشودة الرابعة # وصول تيليماخوس إلى بيت مينيلاوس # وصل الفتيان إلى بلاد لاكيدايمون # Lacedaemon # الفسيحة، ذات الوديان العديدة الضيقة، ~~وساقا جواديهما إلى قصر مينيلاوس المجيد فوجداه يقيم وليمة عرس ~~لأقربائه الكثيرين من أجل ابنه النبيل وابنته، داخل قصره. أما ~~ابنته فكان سيرسلها إلى ابن أخيل، محطم صفوف الرجال؛ إذ وعد وأقسم ~~في أرض طروادة، أن يعطيها له، والآن كان الآلهة ينفذون زواجهما. ~~وهكذا كان يرسلها بالجياد والعربات، في طريقها ms091 إلى مدينة ~~المورميدون العظيمة، التي كان سيدها ملكا عليها. وأما ابنه فكان ~~سيزوجه من ابنة أليكتور # Alector ~~، فكان يحضرها إلى بيته من إسبرطة؛ لأجل ~~ابنه ميجابينثيس # Megapenthes # الجريء، وفلذة كبده الحبيب الذي أنجبته أمه؛ إذ لم تمنح الآلهة ~~هيلينا، ذرية أكثر من هيرميوني # Hermione ~~، وليدتها الأولى الحسناء الفاتنة، التي ~~كانت في جمال أفروديتي # 1 # الذهبية. وهكذا كانوا يولمون في البهو ذي السقف ~~المرتفع، جيران مينيلاوس المجيد، وأقاربه، وكانوا يمرحون، ويغني ~~وسطهم منشد مقدس، على قيثارة. بينما راح «بهلوانان» يتشقلبان وسط ~~الحشد بمجرد أن بدأ المغني أناشيده. # ثم قامت فاغتسلت، وصعدت إلى ~~غرفتها تصلي إلى أثينا. # خادم مينيلاوس يرى الضيفين # عندئذ تقدم الأمير تيليماخوس وابن نسطور المجيد، ووقفا كلاهما ~~عند باب القصر، ومعهما جواداهما، فأقبل السيد إيتيونيوس # Eteoneus ~~، الخادم النشيط لمينيلاوس ~~المجيد، ونظر إليهما، ثم دخل إلى القاعة يحمل الأنباء إلى راعي ~~الشعب، فاقترب منه، وتحدث إليه بعبارات مجنحة، # 2 # قائلا: ~~«أي مينيلاوس، يا ربيب زوس، بالباب رجلان غريبان، يشبهان نسل زوس ~~العظيم، ولكن قل لي هل تسمح بأن نخلي عن جواديهما السريعين، ~~أم نردهما ليذهبا إلى مضيف آخر، يستطيع إكرامهما؟» # مينيلاوس يرحب بالغريبين # استشاط مينيلاوس الجميل الشعر، غضبا، وثار في خادمه، قائلا: ~~«ماذا دهاك يا إيتيونيوس؟ لم تكن فيما مضى بهذا الحمق، يا ابن ~~بويثوس # Boethous ~~. إنك لتتكلم الآن ~~كما لو كنت طفلا ينطق حمقا. حقا، لقد أكلنا معا حتى الشبع، في ~~ضيافة غيرنا، قبل أن نجيء إلى هنا، أملا في أن يهبنا زوس بعد ~~ذلك راحة من أحزاننا. نعم، فك النير عن جوادي الغريبين، ~~وأحضرهما بسرعة إلى القصر كي ينالا كفايتهما من الوليمة.» # مينيلاوس يبالغ في تكريم الغريبين # هكذا تكلم مينيلاوس، فأسرع خادمه عبر القاعة، وأمر غيره من ~~الخدم، الذين كانوا مشغولين بأعمالهم، أن يتبعوه، فخلوا عن ~~الجوادين المتفصدين عرقا، من تحت النير وربطوهما في حظيرة ~~الجياد، ووضعوا أمامهما القرطم مخلوطا بالشعير الأبيض، ثم أسندوا ~~العربة إلى حائط المدخل المتألق، وصحبوا الرجلين إلى القصر ~~المقدس. وبينما كان الضيفان يمران ms092 وسط قصر الملك، ربيب زوس، ذهلا ~~ودهشا؛ إذ كان هناك ضوء كضوء الشمس أو نور القمر، فوق منزل ~~مينيلاوس المجيد، المرتفع السقف، فأخذا ينظران في عجب ويمتعان ~~أنظارهما بذلك القصر البديع، ثم دخلا إلى الحمامات اللامعة، ~~واغتسلا، وبعد أن غسلتهما الإماء، ودهن جسميهما بالزيت، ~~وألبسنهما عبايتين ورداءين من الصوف، جلسا على مقعدين بجانب ~~مينيلاوس بن أتريوس. بعد ذلك جاءت أمة بماء في جرة جميلة من ~~الذهب ليغسلا أيديهما، وصبته في طست من الفضة، وأتت بخوان ~~وضعته بجوارهما. وأحضرت ربة البيت الموفرة الخبز ووضعته ~~أمامهما، ومعه الكثير من أطايب الأطعمة التي أحضرتها بسخاء من ~~خزينتها. وجاء الخادم بصحاف عديدة مملوءة بشتى ألوان اللحوم ~~وحطها أمامهما، كما وضع جوارهما كئوسا ذهبية، ثم حيا مينيلاوس ~~ذو الشعر الجميل، ضيفيه، بقوله: ~~«تناولا الطعام، وانشرحا صدرا. وبعد أن تنتهيا من العشاء، ~~سنسألكما عن شخصيتكما، من من البشر أنتما؛ فلم يضع فيكما نسل ~~آبائكما، بل أنتم نسل قوم، ملوك ذوي صوالجة، منحدرين من زوس؛ إذ ~~لا يمكن للصعاليك أن ينجبوا أبناء مثلكما.» # قال هذا، وأمسك بيديه قطعا من الشواء، ووضعها أمامهما، حتى ~~قطع سلسلة الظهر الدسمة التي كانوا قد وضعوها أمامه تبجيلا له، ~~قدمها لهما. وهكذا أكل الضيفان من الطعام الشهي الموضوع أمامهما. ~~وبعد أن أكلا وشربا كفايتهما، تكلم تيليماخوس، مخاطبا ابن ~~نسطور، بعد أن قرب رأسه إليه حتى لا يسمع الآخرون حديثهما، ~~فقال: ~~«أيا ابن نسطور، يا أيها العزيز على قلبي، انظر إلى البرونز ~~المتألق في سائر أنحاء هذه القاعات الفسيحة، وإلى لألاء الذهب، والإليكتروم، # 3 # واللجين، والعاج، لا أظن أن داخل ساحة زوس الأوليمبي ~~إلا من هذه المواد. إني لأرى ثراء عريضا ليس في الإمكان وصفه. إن ~~الدهشة والعجب ليسيطران على نفسي وأنا أقلب ناظري في هذا البذخ.» # 4 # مينيلاوس يستعرض مصادر ثرائه # بيد أن مينيلاوس، ذا الشعر الجميل، سمع ذلك الحديث، فخاطبهما ~~بكلمات مجنحة قائلا: ~~«أي أطفالي الأعزاء، حقا لا يستطيع أي مخلوق بشري أن ينحدر من ~~زوس؛ إذ إن ساحاته وممتلكاته خالدة. ms093 أما البشر، فليس في مقدور أحد ~~منهم أن يتحداني في الثروة أو قد يقدر؛ فإنني وايم الحق، ما ~~حصلت على ثروتي هذه، إلا بعد رحلات وتجوالات طويلة، وآلام ~~كثيرة، ثم أحضرتها في سفني عائدا إلى وطني في العام الثامن، ~~عبر قبرص # Cyprus # وفينيقيا Phoenicia ~~، كما وتجولت خلال مصر، ~~وذهبت إلى بلاد الإثيوبيين ~~السيدونيين # Sidonians # والإيرمبيين # Erembi ~~، وإلى ليبيا # Libya # حيث الحملان تولد ولها قرون ~~منذ أول يوم ترى فيه الدنيا؛ # 5 # إذ تلد النعاج هناك ثلاث مرات كل عام؛ وعلى ذلك فما ~~من سيد ولا راع هناك يشعر بأية حاجة إلى الجبن أو إلى اللحم، أو ~~إلى اللبن الحلو؛ لأن القطعان تعطي ألبانها باستمرار، عندما ~~يحلبونها خلال سائر أيام السنة. وبينما كنت أتجول في تلك ~~البلاد، جامعا الكثير من الرزق، قتل رجل أخي غدرا، وعلى حين ~~غرة، بتدبير من زوجته اللعينة. وهكذا يمكنكما أن تريا عدم بهجتي ~~بكوني سيدا على جميع هذه الثروة، وربما تكونان قد سمعتما هذا من ~~آبائكما، مهما كانوا ؛ فقد قاسيت كثيرا جدا، وأنزلت الدمار ~~بمنزل فسيح كان مملوءا بكنوز كثيرة بالغة. كم كنت أتمنى أن ~~أعيش في ساحاتي بثلث هذه الثروة، ولم يهلك أولئك الرجال الذين ~~ماتوا في ذلك الوقت في أرض طروادة الواسعة الفلا، والنائية كثيرا ~~عن أرجوس، مرعى الجياد. الحق أنني كثيرا ما جلست في ساحاتي هذه ~~وبكيتهم وحزنت عليهم جميعا - وفي بعض الأحايين، حقا كنت ~~أهدئ من روعي بالبكاء، ثم أعود فأكف عنه؛ لأن البشر سرعان ما ~~سينالون نصيبهم من النحيب المثبت للعزائم - ومع ذلك فإن حزني ~~عليهم جميعا لم يبلغ مبلغ كمدي على أحدهم؛ إذ يقض مضجعي ~~ويجعلني أمقت الطعام والنوم وأنا أفكر فيه؛ إذ ما من أحد من ~~الآخيين قد عانى ما عاناه أوديسيوس، ذلك البطل الذي لم يكن نصيبه، ~~كما يبدو غير الهم والنصب، وإن حزني عليه لا يمكن نسيانه؛ حيث قد ~~رحل منذ أمد بعيد، ولسنا نعرف عنه شيئا، هل هو لا يزال على قيد ~~الحياة، أم هو في ms094 عداد الأموات. وإني لأعتقد أن هناك من يبكيه، ~~العجوز لايرتيس، وبينيلوبي الوفية، وتيليماخوس الذي تركه طفلا ~~حديث المولد في قصره.» # تيليماخوس يبكي ... ومينيلاوس يرمقه # ما أن قال هذا، حتى أثار ~~رغبة تيليماخوس في البكاء حزنا على أبيه، فترك العبرات تتساقط من ~~مآقيه إلى الأرض، عندما سمع اسم أبيه، فرفع طرف عبايته الأرجوانية ~~بكلتا يديه ووضعه على عينيه، فلاحظ مينيلاوس ذلك، وفكر في عقله ~~وقلبه، ما إذا كان يجب عليه أن يتركه يتكلم بنفسه عن أبيه، أو ~~يبادره بالسؤال عنه. وفي كلتا الحالين لا بد له أن يعرف ~~الحقيقة. # زوجة مينيلاوس تتعرف على تيليماخوس # وبينما هو يفكر في الأمر في عقله وقلبه، خرجت هيلينا من ~~حجرتها العبجة العالية السقف، كأنها أرتيميس # Artemis # 6 # ذات السهام الذهبية وكان بصحبتها أدراستي # Adraste ~~، فوضعت لها مقعدا جميل ~~الصنع، وأحضرت ألكيبي # Alcippe # طنفسة من الصوف الناعم، وجاءت فولو # phylo # بسفط من الفضة كانت ألكاندري # Alcandre # قد أعطته لها، وتلك هي زوجة ~~بولوبوس Polybus ~~، الذي كان يعيش ~~في طيبة بمصر حيث يوجد في منازل البشر كنوز لا حصر لها، مكدسة ~~هناك تكديسا. لقد أهداها مينيلاوس حمامين من اللجين، وركيزتين ~~وعشرة تالنتات من الذهب. وفوق كل ذلك قدمت لها زوجته هدايا ~~ثمينة جميلة؛ قضيبا مذهبا للغزل، وسلة ذات عجلات من تحتها، ~~وسلة من الفضة ذات حافات مطلية بالذهب، فأحضرتها الخادمة فولو، ~~ووضعتها إلى جانبها، مملوءة بالصوف الناعم المغزول، وكان بها ~~القضيب الذهبي، ملفوف عليه الصوف البنفسجي القاتم، فجلست هيلينا ~~فوق المقعد، تضع قدميها على مسند للأقدام، وفي الحال سألت زوجها ~~عن كل موضوع، ثم قالت: ~~«هل تعرف، يا مينيلاوس، يا ربيب زوس، من يكون هذان الرجلان، هذان ~~الضيفان اللذان شرفا منزلنا؟ هل أخفي ما يجول بخاطري أم أقول ~~الحق؟ كلا، لن أسكت؛ فإن قلبي ليأمرني بالتكلم. لم يحدث قط أن ~~رأيت شخصا شديد الشبه بآخر، سواء أكان رجلا أو امرأة - إن العجب ~~ليتملكني، وأنا أمعن النظر - ما أعظم شبه هذا الرجل بابن أوديسيوس ~~العظيم القلب! إنه دون ms095 شك تيليماخوس، الذي تركه ذلك المحارب ~~طفلا حديث الولادة في بيته، عندما قدمتم، معشر الآخيين، من ~~أجلي أنا السيد غير الحيية، أسفل حوائط طروادة، وقد انتويتم في ~~قلوبكم إشعال نار الحرب الضروس.» # مينيلاوس يؤيد كلام زوجته # عندئذ أجابها مينيلاوس الجميل الشعر، قائلا: «وأنا نفسي أيضا، ~~ألاحظ هذا الأمر الآن، يا زوجتي. ألاحظ الشبه الذي لاحظته أنت؛ ~~فهكذا كانت قدماه، وهكذا كانت يداه، ونظرات عينيه، ورأسه بشعره ~~ذاك. وزيادة على ذلك، فما إن ذكرت الآن أوديسيوس، وقصصت جميع ~~المحن والمتاعب التي قاساها من أجلي، حتى ذرف هذا الشاب دموع ~~الحزن من تحت حاجبيه، رافعا عباءته الأرجوانية أمام ~~عينيه.» # بايسيستراتوس يكشف عن شخصية أوديسيوس # فقال بايسيستراتوس بن نسطور: «أي مينيلاوس، يا ابن أتريوس، وربيب ~~زوس، يا قائد الجيوش، حقا إن هذا الشاب لهو ابنه حقا كما تقول. ~~غير أنه شاب حصيف، ويخجله أن يبدأ الكلام عن نفسه في حضرتك ولا ~~سيما في أول مقابلة. وإننا لنسر من صوته كما لو كان صوت إله. ~~وقد أرسلني معه، الفارس، نسطور الجيريني، لأرشده في المجيء إلى ~~هنا؛ لأنه كان مشتاقا لأن يراك، عسى أن تطمئنه بكلمة أو بعمل؛ فما ~~أعظم أحزان الابن في ساحاته عندما يرحل والده، وعندما لا يجد له ~~مساعدا آخر، كما هو الحال الآن مع تيليماخوس؛ فقد ذهب والده ولم ~~يرجع، وليس هناك بين الناس من يمكنه أن يدفع عنه الخراب.» # مينيلاوس يظهر حبه لأوديسيوس # فرد عليه مينيلاوس، الجميل الشعر، بقوله: «يا لغرابة الصدف! ~~فها قد شرف منزلي ابن أخ حبيب كل الحب، من تحمل من أجلي مشاق ~~بالغة. وكنت أظن أنه لو عاد لأكرمته أكثر من سائر الأرجوسيين ~~الآخرين، إن كان زوس الأوليمبي، الذي يحمل صوته نائيا، قد منحنا ~~نحن الاثنين في سفننا السريعة، عبر البحر، ولأعطيته مدينة في ~~أرجوس يقطن فيها، ولشيدت له قصرا، عندما أنقله من إيثاكا، هو ~~وممتلكاته وابنه وجميع شعبه، طاردا سكان إحدى المدن القريبة التي ~~تخضع لسلطاني هنا، ولالتقينا سويا، وعشنا معا هنا، لا يمكن لأي ms096 ~~شيء أن يفرق بيننا، وكل منا يبدي محبته للآخر، ومتعته ~~المتبادلة، إلى أن تطوينا سحابة الموت القاتمة. ومع ذلك، فلا بد ~~حسب اعتقادي، أن يكون ذلك الإله، الذي أبى أن يمنح هذا الرجل ~~المسكين دون سواه سلامة العودة، قد ألهبت الغيرة فؤاده، وتأجج ~~الحقد في نفسه.» # 7 # ليس البكاء على الأموات عارا # ما إن قال هذا حتى تحركت الرغبة في سائر الحاضرين إلى البكاء، ~~فبكت هيلينا الأرجوسية، ابنة زوس، وبكى تيليماخوس، ومينيلاوس بن ~~أتريوس، ولم يستطع ابن نسطور أن يحبس دمعة ترقرقت في عينه؛ إذ ~~كان يفكر في قلبه في أنتيلوخوس # Antilochus ~~، المنقطع النظير، الذي كان قد قتله ابن الفجر # 8 # اللامع، المجيد، وبينما هو يفكر فيه، تكلم ~~بعبارات مجنحة، فقال: ~~«يا ابن أتريوس، إن نسطور العجوز يقول دائما إنك تسمو على سائر ~~البشر بحكمتك، ويكرر هذا كلما ورد ذكرك بيننا في ساحاته ونحن ~~نتحدث، كل واحد إلى الآخر، ولكن مهما كان الأمر فأصغ إلي الآن؛ ~~إذ لا يروقني البكاء في وقت العشاء، # 9 # وزيادة على هذا فإن الفجر الباكر سرعان ما سيكون هنا. # 10 # ولئن أردت الحق، فإني لا أعتبر البكاء على من مات من ~~الأحياء ولقي حتفه عارا؛ لأن هذا هو الدين الوحيد الذي يجب أن ~~ندفعه لأولئك البشر المساكين، فنقطع الشعر، وندع العبرات تتساقط من ~~فوق الخدود؛ فقد مات أخ لي أيضا، فبكيته رغم أنه أحقر ~~الأرجوسيين، ولربما كنت تعرفه حق المعرفة. أما أنا فلم أقابله ~~قط، ولم أره، غير أن الناس يقولون إن أنتيلوخوس كان يفوق كل من ~~سواه في سرعة القدم، وفي القتال.» # مينيلاوس يرجو الكف عن البكاء # فأجاب مينيلاوس، الجميل الشعر، بقوله: «حقا يا صديقي، لقد ~~نطقت بكل ما يمكن الرجل العاقل أن يقول أو يفعل، وتكلمت بكلام ~~من يكبرك سنا؛ لأنك نشأت من مثل ذلك الأب؛ ولذلك أراك تتكلم ~~بحكمة، فما أسهل علينا أن نعرف نسل ذلك الرجل الذي يغزل له ابن ~~كرونوس خيط الحظ السعيد عند الزواج وعند الميلاد! فهكذا قدر على ms097 ~~نسطور في سائر أيام حياته وإلى الأبد، أن يصل هو نفسه إلى شيخوخة ~~موفورة الصحة في ساحاته، وأن يصبح أبناؤه، حكماء وذوي جرأة في ~~استخدام الرمح. والآن، هلم بنا نكف عن البكاء الذي لم يبدأ سوى ~~الآن، وهيا بنا نعود ثانية فنفكر في عشائنا، وندعهم يصبون ~~الماء على أيدينا، حتى إذا ما أصبح الصباح، أخذت أقص على ~~تيليماخوس كثيرا من القصص، كما أنه سيروي لي ما فيه ~~الكفاية.» # ما إن انتهى مينيلاوس من حديثه هذا، حتى تقدم أسفاليون # Asphalion ~~، وصب الماء على أيديهم، ~~وهو خادم نشيط من خدم مينيلاوس المجيد. وبعد ذلك مدوا أيديهم ~~يتناولون الطعام الشهي الموضوع أمامهم. # هيلينا تعدد مناقب أوديسيوس # عقب هذا، عمدت هيلينا ابنة زوس، إلى وسيلة أخرى؛ فقد قامت في ~~الحال ووضعت عقارا في الخمر التي كانوا يشربونها، ليهدئ ~~أعصابهم من كل ألم وتعب، ويجعلهم ينسون جميع أحزانهم. وبعد أن يمزج ~~هذا في الطاس، فإن كل من يشربه إلى جوفه، لن يذرف دمعة قط على ~~خديه طول ذلك اليوم. كلا لن يبكي حتى ولو مات أبوه وأمه، أو حتى ~~إذا قتل الناس شقيقه أو ابنه العزيز بالسيف البتار أمام عينيه؛ ~~فمثل هذه العقاقير الخادعة، كانت في حوزة ابنة زوس، العقاقير ~~الشافية التي أعطتها إياها بولودامنا Polydamna ~~، زوجة ~~ثون # Thon ~~، وهي سيدة مصرية؛ إذ إن أرض مصر، واهبة الحب، ~~تنبت أعظم كمية من العقاقير، إذا مزج الكثير منها كان شافيا، ~~كما أن الكثير منها ضار، وكل رجل في مصر طبيب، حكيم يفوق سائر ~~الجنس البشري؛ لأنهم من جنس بايون Paeeon ~~. والآن، بعد أن وضعت العقار أصدرت أمرها ~~بصب الخمر في الأقداح، وتكلمت ثانية، فقالت: ~~«أي مينيلاوس يا ابن ~~أتريوس، يا سليل زوس، وأنتم أيها الحاضرون هنا، يا أبناء النبلاء ~~إن زوس يهب الخير والشر، تارة لهذا وطورا لذاك؛ لأنه يستطيع أن ~~يفعل كل شيء. اجلسوا الآن في هذه الساحات، وأولموا، وتمتعوا ~~برواية القصص؛ فإنني سأقص على مسامعكم ما يناسب المقام. ليس في ~~مقدوري أن أحكي أو ms098 أروي كل شيء، جميع أعمال أوديسيوس، ذي القلب ~~الجريء الراسخ، ولكن ما فعله ذلك الرجل العتيد وقاساه في أرض ~~الطرواديين، حيث عانيتم، أنتم أيها الآخيون، الأهوال! فشوه جسمه ~~بكدمات وحشية، وألقى حول كتفيه عباءة بالية، وعلى هذه الصورة ~~دخل مدينة الأعداء الفسيحة الطرقات في هيئة عبد، ثم تنكر في صورة ~~شخص آخر، شحاذ، ولم يكن هو بمثل تلك الصورة في سفن الآخيين. في ~~مثل هذه الهيئة دخل مدينة الطرواديين، ولم يكونوا جميعا سوى ~~أطفال. وكنت أنا الوحيدة، التي عرفته في ذلك التنكر، وسألته ~~الخبر، بيد أنه حاول أن يتحاشاني بدهائه. ومع ذلك كنت أغسل جسمه ~~وأدهنه بالزيت، وبعد أن ألبسته الرداء، وأقسمت يمينا لا حنث ~~فيها ألا أكشف أمره بين الطرواديين على أنه أوديسيوس، قبل أن يصل ~~إلى السفن السريعة والأكواخ، وعندئذ أخبرني أخيرا بغرض الآخيين ~~كله. وبعد أن قتل كثيرا من الطرواديين بسيفه الطويل، عاد إلى حشد ~~الأرجوسيين يحمل إليهم أنباء كثيرة. وبعد ذلك شرعت السيدات ~~الطرواديات الأخريات ينتحبن ويولولن عاليا، غير أن روحي كانت ~~سعيدة؛ إذ كان قلبي يتلهف إلى العودة إلى وطني، وتأوهت نادمة ~~على العمى الذي أعطتنيه أفروديتي عندما قادتني من وطني العزيز ~~إلى طروادة، تاركة طفلي، وهاجرة حجرة عرسي، وزوجي الذي لم ينقصه ~~شيء، سواء في الحكمة أو في الجمال.» # مينيلاوس يدلي بمزيد من الأقوال الطيبة # عندئذ رد عليها مينيلاوس، ذو الشعر الجميل، بقوله: «حقا، إن ~~كل ما قلته صحيح يا زوجتي؛ فمنذ حين حضرت لاستشارة كثير من ~~المحاربين ومعرفة أفكارهم، ثم سافرت خلال تلك الأرض الواسعة ~~الفلا، ورأيت الكثير من الرجال، إلا أنني لم يقع بصري على رجل ~~قط مثل أوديسيوس، الراسخ القلب، ماذا فعل، وماذا قاسى، ذلك الرجل ~~العتيد، في داخل الحصان المنحوت، # 11 # الذي كنا نجلس فيه، نحن جميع رؤساء الأرجوسيين، حاملين ~~الموت وسوء المصير للطرواديين! وبعد ذلك جئت إلينا، ولا بد أن ~~يكون ذلك بأمر إله ما، ممن أرادوا أن يمنحوا المجد للطرواديين، ~~وكان دايفوبوس # Deiphobus ~~، # 12 # الشبيه بالإله، يتبعك في ms099 طريقك، فدرت ثلاث مرات ~~حول الكمين الأجوف، وأخذت تعجمين عوده بلمستك، ورحت تنادين ~~بصوت جهوري رؤساء الدانيين بأسمائهم، محاكية صوت زوجات جميع ~~الأرجوسيين. وكنت جالسا أنا وابن توديوس وأوديسيوس العظيم في ~~الوسط، وسمعنا نداءك، وكنا، نحن الاثنين، تواقين للنهوض ~~والتقدم، أو بالأحرى لأن نجيب عليك فورا من الداخل، غير أن ~~أوديسيوس منعنا وأوقفنا بالرغم من لهفتنا إلى ذلك؛ عندئذ لزم ~~جميع الآخيين الآخرين الصمت، ما عدا أنتيكلوس # Anticlus # وحده؛ إذ كان يتوق إلى الكلام والرد عليك، ~~ولكن أوديسيوس، أغلق فمه بشدة بيديه القويتين، وبذا أنقذ جميع ~~الآخيين، وظل ممسكا به هكذا، إلى أن جاءت بالاس أثينا وأخذتك ~~بعيدا.» # تيليماخوس يبدي رغبته في النوم # فقال تيليماخوس الحكيم: «أي مينيلاوس يا ابن أتريوس، ويا سليل ~~زوس، وقائد الجيوش، إنه لأشد إيلاما، أن شيئا من هذا كله لم يمنع ~~عنه الهلاك المحزن، بحال من الأحوال، رغم أن قلبه في داخل جسمه ~~كان من حديد. والآن، هلم، ابعث بنا إلى الفراش، حتى إذا ما داعب ~~النوم اللذيذ عيوننا، استطعنا أن نستريح ونأخذ متعتنا.» # هكذا تكلم، فأمرت هيلينا الأرجوسية خادماتها بأن يضعن ~~أسرة تحت الشرفة، ويفرشنها بالملاءات الأرجوانية، ويبسطن ~~فوقها الألحفة، ثم يضعن فوق هذه عبايات من الصوف كي يلبسها ~~الضيفان، فانصرفت الإماء من القاعة، يحملن المشاعل في أيديهن، ~~وأعددن الفراش، ثم قاد خادم الضيفين إلى مكان الفراش، # 13 # حيث ناما هناك في ساحة القصر الأمامية، الأمير ~~تيليماخوس وابن نسطور المجيد. أما ابن أتريوس فقد رقد في الحجرة ~~الداخلية من قصره المنيف، وإلى جواره رقدت هيلينا، ذات الرداء ~~الطويل، والمنقطعة النظير بين النساء. # مينيلاوس يسأل تيليماخوس عما يطلب # ما إن لمع الفجر، الوردي الأنامل، مبكرا في أفق السماء، حتى ~~استيقظ مينيلاوس، الماهر في صيحة الحرب، ونهض من فراشه، فارتدى ~~ملابسه، وعلق حسامه البتار على كتفه، ولبس صندليه الجميلين في ~~قدميه البراقتين، وخرج من حجرته يتلألأ أشبه بإله للناظرين، ثم ~~أخذ مجلسه بجانب تيليماخوس، وبدأ الحديث، مخاطبا إياه ~~بقوله: ~~«أيها الأمير تيليماخوس، أي حاجة جاءت بك ms100 إلى هنا، إلى ~~لاكيدايمون العظيمة، عبر ظهر البحر الفسيح؟ ألموضوع عام ~~قدمت، أم لأمر خاص بك؟ صارحني القول وأخبرني بالحقيقة.» # تيليماخوس يسأل عن أبيه # عندئذ رد عليه تيليماخوس العاقل، قائلا: «أي مينيلاوس؛ يا ~~ابن أتريوس، ويا سليل زوس، وقائد الجيوش، اعلم أنني قدمت إلى ~~هنا، عسى أن تستطيع إخباري بما تعلمه من أنباء والدي. إن بيتي ~~ليسلب، وضياعي الغنية لتخرب، وإن منزلي ليعج بجمع من ~~الرجال الأعداء لا يكفون أبدا عن ذبح أغنامي الكثيرة، ونحر ~~أبقاري السمينة، ذات المشية المتثاقلة. إنهم يغازلون والدتي بغطرسة ~~وعجرفة وصفاقة؛ ومن ثم جئت الآن إليك، متوسلا إلى ركبتيك، ~~علك تكون على استعداد لأن تنبئني عن مصيره المحزن، والميتة ~~المشئومة التي لاقاها، سواء رأيتها مصادفة بعيني رأسك، أو تكون قد ~~سمعت بها من شخص آخر، يعرف قصة تجوالاته؛ فقد حزنت عليه أمه ~~حزنا لم تحزنه أم على ابنها من قبل. ولا تأخذنك شفقة ولا عطف ~~فتلجأ إلى العبارات المطمئنة المهدئة، بل قل الحقيقة كيف ~~استطعت أن تراه. إنني أتوسل إليك وأستحلفك بأبي أوديسيوس النبيل، ~~عسى أن يكون قد وعدك بشيء، سواء كان قولا أو عملا، وبر بوعده ~~لك في أرض الطرواديين حيث لقيتم الأحزان، أيها الآخيون، إلا ما ~~قلت لي الحقيقة، متذكرا ذلك الشيء الذي حققه لك.» # مينيلاوس يدلي بمعلوماته # عندئذ تحدث إليه مينيلاوس، الجميل الشعر، وقد انتابته حالة من ~~السخط الشديد، فقال: «تبا لهم؛ لأنهم يتوقون إلى الرقاد في فراش ~~رجل جريء القلب حقا، وإنهم لجبناء رعاديد، شأنهم في ذلك شأن ~~الظبية، تذهب إلى عرين الأسد في الغابة، لكي تتخذ منه فراشا لنوم ~~صغارها الحديثي المولد، وتنطلق ترتفع فوق المنحدرات الجبلية ~~الوديان المعشوشبة بحثا عن المرعى، فيعود الهزبر إلى عرينه ~~ويفتك بصغيريها # 14 # شر فتك. هكذا أيضا سوف يفتك أوديسيوس بأولئك ~~الرجال فتكا ذريعا. أتمنى، أيها الأب زوس، ويا أثينا، ويا ~~أبولو، أن يأتي أوديسيوس بمثل القوة التي كان عليها ذات مرة في ~~ليسبوس البديعة التأسيس، عندما قام وصارع فيلوميلايديس Philomeleides # في مباراة، فطرحه ms101 ~~أرضا في عنف بالغ فسر لذلك جميع الآخيين، فيقف وسط أولئك ~~العشاق المغازلين، وعندئذ سوف يجدون هلاكا سريعا ومرارة في ~~مغازلتهم. أما فيما يختص بالأمر الذي سألتني عنه وتوسلت إلي ~~فيه، فلن أقول سوى الحق، ولن أحيد عنه، ولن أتحدث بغير الواقع، كما ~~أنني لن أخدعك، بل سأخبرك بكل ما أخبرني به عجوز البحر، لا أخفي ~~أو أخبئ عنك منه شيئا واحدا. # في مصر، # 15 # تلك البلاد التي أشتاق إلى الرحلة فيها، ولكن الآلهة ~~منعتني الذهاب إليها؛ لأنني لم أقدم لها ذبائح مئوية تحقق ~~الغرض، بينما ترغب الآلهة في أن يتذكر البشر مطالبهم دائما. ~~هناك جزيرة في البحر الصاخب، تجاه مصر، يطلق عليها الناس اسم ~~فاروس Pharos ~~، تبعد بقدر ما ~~تسيره السفينة السريعة في يوم كامل، عندما تهب من خلفها ريح ~~قوية. هناك في الداخل ميناء ذو مرسى بديع، منه ينزل الرجال ~~السفن الرائعة الصنع إلى البحر، بعد أن يكونوا قد أخذوا مئونتهم من ~~الماء الأسود. # 16 # هناك احتجزتني الآلهة مدة عشرين يوما، ولم تتحرك، ~~بحال ما، الرياح التي تهب فوق ظهر البحر العريض. والآن كان لا بد ~~من انتهاء جميع مؤنتي، وكذا قوة رجالي، لولا أن أحد الآلهة أشفق ~~علي وأنقذني، ذلك الإله هو أيدوثيا # Eidothea ~~، ابنة عجوز البحر العتيد بروتيوس Proteus ~~؛ # 17 # إذ تحركت الشفقة في قلبها نحوي، أكثر من أي إله ~~آخر، فالتقت بي وأنا أتجول وحدي بعيدا عن رفاقي، الذين كانوا ~~يهيمون على وجوههم باستمرار في الجزيرة يصطادون السمك بالصنانير ~~المعقوفة؛ إذ برح الجوع ببطونهم، فاقتربت مني، وتحدثت إلي ~~قائلة: ~~«ألست، أيها الغريب غاية في الحمق، وخمول الفهم، أم أنك ~~تتلكأ قصدا، بمحض إرادتك، وتجد لذة في مقاساة الآلام؟ إن لك ~~مدة طويلة جدا، وأنت محجوز في هذه الجزيرة لا تستطيع أن تجد أي ~~مخرج للخلاص، # 18 # بينما تزداد قلوب أصحابك وهنا على وهن.» # هكذا تكلمت، فأجبتها قائلا: سوف أفصح وأخبرك مهما كانت ~~درجتك بين الربات؛ فإنني لست محبوسا هنا، بمحض رغبتي قط، بيد ~~أنني لا ms102 بد أن أكون قد أخطأت في حق الخالدين، الذين يحتلون ~~السماء الفسيحة الأجواز، ولكن هل يمكنك أن تخبريني؛ لأن الآلهة ~~تعرف كل شيء من الآلهة يقيدني هنا، وقد منعني المضي في طريقي؟ ~~وحدثيني عن عودتي، وكيف يمكنني أن أعبر ذلك الخضم الزاخر. # هكذا، قلت لها، وفي الحال أجابت الربة الفاتنة، بقولها: إذا كان ~~الأمر كذلك، فحقا، سأخبرك، أيها الغريب، في صراحة، بكل شيء. ~~هناك رغبة في أن يأتي إلى هنا عجوز البحر المعصوم من الخطأ، الخالد ~~بروتيوس المصري، الذي يعرف قرار كل بحر، وخادم بوسايدون. إنه كما ~~يقولون، أبي الذي أنجبني، فإذا أمكنك، بطريقة ما، أن تكمن له ~~وتقبض عليه، فإنه سوف يخبرك عن طريقك، وعن طول المسافة التي ~~ستقطعها في رحلتك، وعن عودتك، وكيف تستطيع الإبحار عبر الخضم ~~الزاخر، كما أنه سوف يخبرك، يا سليل زوس، لو شئت، عما حدث في ~~ساحاتك من خير أو شر، وأنت غائب في طريقك الطويل المفجع. # هكذا تكلمت الربة، فأجبتها بقولي: وهل تتفضلين الآن، بأن ~~تضعي لي خطة أكمن بها في انتظار ذلك العجوز المقدس، خشية أن ~~يراني قبل أن أمسك به، أو ينتبه لغرضي فيتحاشاني؛ إذ من الصعب على ~~إنسان أن يسيطر على إله . # ما إن قلت هذا، حتى قالت الربة الجميلة: إذن، حقا، أيها ~~الغريب، أقول لك كل شيء في صراحة. عندما تصل الشمس إلى كبد السماء، ~~يتلهف عجوز البحر، المعصوم من الخطأ، إلى الخروج من البحر عندما ~~تهب الريح الغربية، مختفيا وسط الأمواج القائمة، وعندما يظهر، ~~يستلقي في الكهوف الخاوية لينام، ومن حوله تنام عجول البحر، سلالة ~~ابنة البحر الحسناء، في جموع كثيرة بعد أن تخرج من المياه ~~السنجابية. وما أمر الرائحة التي تتنفسها هذه من أعماق البحر! ~~فعندما يبزغ الفجر، سآتي وأقودكم إلى هنا، وأجعلكم ترقدون جميعا ~~في صف؛ لأنه يجب عليك أن تختار ثلاثة من رفاقك، وتنتقيهم بعناية، ~~من خيرة من تختارهم في سفنك المتينة المقاعد. وسوف أخبرك بجميع حيل ~~ذلك العجوز السحرية. في أول نزوله إلى الجزيرة، ms103 سوف يعد العجول، ~~ويحصيها، وعندما يأمرها بالانصراف جميعا، خمسة خمسة، ثم ينظر ~~إليها وهي تأخذ أماكنها، يذهب وسطها ويرقد، كأنه راع وسط قطعان ~~الأغنام، فما إن تبصرونه قد رقد ليستريح حتى تتشجعوا وتملئوا ~~قلوبكم بالقوة والجرأة، فتنقضوا عليه، وتمسكوا به هناك، رغم ~~مقاومته وما يبذله من جهد جهيد للفرار؛ لأنه سوف يحاول الإفلات ~~منكم، وسوف يتشكل بهيئة جميع الأشياء التي تتحرك على ظهر البسيطة، ~~وفي الماء، وبهيئة النار المستعرة العجيبة، ولكن بالرغم من كل ذلك، ~~يجب عليكم أن تمسكوا به دون أي تراخ، وتضاعفوا من قبضتكم عليه ~~أكثر فأكثر. وأخيرا، عندما يبدأ الكلام من تلقاء نفسه، وهو في ~~الصورة التي رأيته عليها وهو راقد ليستريح، ويسألك ماذا تريد، ~~عندئذ، أيها البطل، كف عن القبض عليه، وأطلق سراحه، واسأله ~~عمن من الآلهة غاضب منك، وكذا عن طريق عودتك، وكيف يمكنك أن تبحر ~~عبر اليم الفسيح. # ما أن انتهت الربة من حديثها ذاك حتى قفزت تحت أمواج البحر ~~الصاخب، أما أنا فذهبت إلى حيث كانت تقف سفني فوق الرمال، وأخذ ~~عقلي يفكر في أمور كثيرة غامضة، في أثناء ذهابي إلى هناك. غير ~~أنه بعد أن هبطت إلى السفينة، وإلى البحر، وأعددنا عشاءنا، ~~ولفنا الليل السرمدي، استلقينا لنستريح فوق شاطئ البحر، وما كاد ~~الفجر المبكر الوردي الأنامل يهتك حجاب الظلام، # 19 # حتى انطلقت أسير بطول شاطئ البحر، الفسيح الطرقات، ~~وأنا أصلي إلى الآلهة في حماس، وقد صحبت ثلاثة من رفاقي، كنت ~~أثق بهم غاية الثقة في كل مغامرة. # في ذلك الوقت قفزت الربة الفاتنة من تحت البحر الفسيح، وأحضرت ~~من الأعماق جلود أربعة عجول، وجميعها كانت حديثة السلخ، وأحكمت ~~خطة ضد أبيها، وحفرت مكامن في رمل البحر، ثم جلست في الانتظار، ~~فذهبنا بالقرب جدا منها، فجعلتنا نرقد في صف، وألقت فوق كل ~~واحد منا أحد الجلود، وعندئذ ثبت لنا أن كميننا بالغ الروعة؛ لأن ~~الرائحة الفظيعة، رائحة عجول البحر التي ربيت في الماء الملح، ~~راحت تضايقنا أشد مضايقة - فمن يمكنه أن يرقد بجانب ms104 وحش بحري؟ - ~~ولكنها أنقذتنا من تلك المضايقة، من تلقاء نفسها، ومنحتنا ~~منحة عظيمة، فقد أحضرت أمبروسيا # 20 # ذات رائحة جميلة جدا، ووضعت جزءا منها تحت أنف ~~كل رجل، وبذلك قضت على رائحة الوحش البحري؛ ومن ثم ظللنا طوال ~~الصباح ننتظر بقلب مكين، حتى أقبلت العجول من البحر في جماعات، ~~ثم رقدت في صفوف بحذاء ساحل البحر، وعند الظهيرة خرج الرجل ~~العجوز من البحر، ووجد العجول السمينة ومر عليها جميعا وأحصى ~~عددها. وأحصى عددنا أولا بين العجول، غير مدرك أن هناك خديعة ~~ما، وبعد ذلك استلقى هو أيضا. وعندئذ هجمنا عليه صائحين، ~~وطوقناه بسواعدنا القوية، ولم ينس ذلك العجوز حيلة الماكرة، ~~فتحول أولا إلى صورة أسد ذي لبدة، ثم إلى هيئة ثعبان، وإلى نمر ~~أرقط، ودب ضخم الجثة، ثم تحول إلى ماء متدفق، وإلى شجرة ~~باسقة مورقة، ولكننا ظللنا ممسكين به بقوة دون تراخ. وأخيرا، ~~عندما حل التعب بذلك الرجل العجوز، الماهر في أفانين السحر، سألني ~~قائلا: ~~«وأيا ابن أتريوس، من من الآلهة أشار عليك بأن تكمن في انتظاري، ~~وتقبض علي ضد إرادتي؟ وما هي حاجتك؟» # هكذا قال عجوز البحر، فأجبته بقولي: إنك تعرف أيها العجوز - ~~لماذا تحاول مماطلتي بهذا السؤال؟ - كم من مدة طويلة بقيت أنا ~~محبوسا في هذه الجزيرة، ولا أجد دليلا قط على الخلاص، وظل قلبي ~~يزداد ضعفا في جوفي، فهل لك أن تخبرني - لأن الآلهة تعرف كل شيء - ~~من من الآلهة يقيدني هنا، وقد حال بيني وبين طريقي؟ كذا أريد ~~أن تحدثني عن عودتي، وكيف أستطيع أن أجتاز ذلك الخضم المترامي ~~الأطراف. # قلت هذا، وفي الحال رد علي قائلا: وكان يجب عليك حقا أن ~~تقدم الذبائح الطيبة لزوس والآلهة الآخرين قبل الإقلاع بسفنك، ~~فلو فعلت لكان في مقدورك أن تصل إلى بلدك بمنتهى السرعة، متخذا ~~طريقك عبر البحر القاتم كالخمر؛ لأنه مكتوب لك ألا ترى أصدقاءك، ~~أو تصل إلى منزلك المحكم البناء، أو إلى وطنك، إلا بعد أن تكون قد ~~ذهبت مرة أخرى إلى مياه أيجوبتوس، ذلك ms105 النهر السماوي الغذاء، ~~وتكون قد نحرت ذبائح مئوية مقدسة إلى الآلهة الخالدين، الذين ~~يحتلون السماء الفسيحة؛ فبعدئذ فقط، سوف تمنحك الآلهة الرحلة التي ~~تشتهيها. # هذا ما قاله، وعندئذ تحطمت روحي في داخل جسمي؛ لأنه أمرني ~~بالذهاب مرة أخرى عبر اليم المظلم إلى أيجوبتوس، في طريق طويل ~~شاق. ومع كل، فرغم ذلك أجبته قائلا: # سمعا وطاعة، أيها العجوز، سأقوم بكل هذا، كما تأمر، تماما. ~~والآن هل لك أن تخبرني، وتصارحني القول بصدق، هل عاد الآخيون في ~~سفنهم، دون أن يصيبهم أذى، جميع أولئك الذين تركتهم أنا ونسطور، ~~عندما أقلعنا من طروادة؟ أم هل لاقى أحد منهم ميتة قاسية فوق ظهر ~~سفينته، أو بين سواعد أصدقائه، بعد أن وضعت الحرب أوزارها؟ # هكذا قلت له، فأجاب من فوره بقوله: يا ابن أتريوس، لم تسألني ~~عن هذا؟ فما ينبغي بحال من الأحوال أن تعرف، أو تعلم مكنون صدري، ~~وإني لأعتقد، أن الأحزان والبكاء سيحلان بك لفترة طويلة، إذا ~~أخبرتك بكل شيء على حقيقته؛ إذ قتل كثير منهم وبقي الكثير أيضا، ~~ولكن اثنين من رؤساء الآخيين المتدثرين بالبرونز هلكا وهما في ~~طريقهما إلى الوطن، أما عن القتال، فقد كنت هناك أنت نفسك، وأظن أن ~~هناك واحدا، لا يزال حيا ، ومحجوزا فوق سطح البحر البعيد ~~الأجواز. # لقد هلك أياس # Aias ~~، حقا، وسط ~~سفنه ذات المجاذيف الطويلة، على صخور جوراي # Gyrae # الضخمة؛ إذ دفعه بوسايدون، في بادئ الأمر، ~~ولكنه أنقذه من البحر، وكاد أن ينجو من حتفه، رغم كراهية أثينا له، ~~لو أنه لم ينطق بكلمة متغطرسة، لعمى قلبه البالغ. لقد أعلن أنه ~~قد نجا من هوة البحر السحيقة، رغم أنف الآلهة، فسمع بوسايدون زهوه ~~وعجرفته، وفي الحال، أمسك رمحه ذا الشعاب الثلاث، في يديه ~~القويتين، وضرب به صخرة جواري، فشقها نصفين، فبقي جزء منها في ~~مكانه، أما الجزء المفصول فسقط في البحر، وكان هذا هو الجزء الذي ~~جلس عليه أياس في بادئ الأمر عندما أصيب قلبه بالعمى الشديد، ~~فغاصت به الصخرة إلى اليم الصاخب، حيث هلك؛ ms106 إذ شرب الماء ~~الملح. # أما أخوك فقد نجا من ~~الهلاك حقا واجتنبه بسفنه الواسعة؛ إذ أنقذته هيرا الجليلة. بيد ~~أنه عندما صار وشيك بلوغ قمة ماليا # Malea # الشديدة الانحدار، أمسكت به الريح العاصفة، ~~وطوحت به فوق الخضم الزاخر وهو يئن بشدة، وحملته إلى حافة البلاد، # 21 # التي كان يقيم فيها من قبل ثويستيس # Thyestes ~~، والتي يقطن فيها الآن ~~أيجيسثوس بن ثويستيس. غير أنه لما بدا له بريق أمل في العودة ~~بسلام، وحولت الآلهة مجرى الريح، فأخذت تهب في رفق، حتى بلغ ~~الوطن. والحق يقال، إن أجاممنون، وضع قدمه الآن فوق أرض وطنه، ~~مسرورا، واحتضن التربة وقبلها، فانهمرت الدموع الحارة غزيرة ~~من مقلتيه؛ إذ كان يتوق شغفا إلى رؤية بلاده؛ عندئذ من موضع ~~المراقبة، أبصر به الحارس الذي كان أيجيسثوس الماكر قد وضعه هناك، ~~ووعده بأن يمنحه تالنتين من الذهب جائزة له، فظل هذا الحارس في ~~مكان المراقبة عاما كاملا، خشية أن يمر به أجاممنون دون أن يراه، ~~ويتذكر قسوته البالغة. وعلى ذلك أسرع إلى القصر كي يحمل النبأ ~~إلى راعي الشعب، وفي الحال وضع أيجيسثوس خطة غادرة، فاختار عشرين ~~رجلا من خيرة رجالات البلاد، وأمرهم بأن يكمنوا في انتظاره، ~~بينما أمر بإعداد وليمة كبيرة في أقصى جوانب الساحة، ثم انطلق في ~~عربة تجرها الجياد، لكي يدعو أجاممنون، راعي الشعب، بينما يفكر ~~عقله في العمل الخسيس. وهكذا استدرجه وهو غافل تماما عما يحيط به ~~من خطر، وبعد أن تناول الطعام في تلك الوليمة، ذبحه كما يذبح المرء ~~ثورا في الخطيرة. ولم يترك أحدا من رفاق ابن أتريوس، من جميع ~~أولئك الذين تبعوه، ولا واحدا قط من رجال أيجيسثوس، بل قتلهم ~~جميعا في الساحات. # ما إن قال ذلك القول، حتى تحطمت روحي في داخلي، وطفقت أبكي ~~وأنا جالس فوق الرمال، ولم تعد لقلبي رغبة في البقاء على ظهر ~~الدنيا ورؤية ضوء الشمس. وبعد أن بكيت كفايتي، وشبعت نحيبا، قال ~~لي عجوز البحر المعصوم من الخطأ: ~~«يا ابن أتريوس، لا تسترسلن في البكاء ms107 هكذا طويلا بغير ~~انقطاع؛ إذ هذا لا يجدي بحال ما. كلا لا فائدة منه قط، بل الأجدر ~~بك أن تكافح بكل ما يمكنك من سرعة، إلى أن تصل إلى وطنك؛ لأنك ~~إما أن تجد أيجيسثوس على قيد الحياة، وإما أن يكون أوريستيس، قد ~~سبقك إليه وقتله، وربما أدركت وليمة جنازته.» # هكذا تحدث العجوز، وإذا بقلبي وروحي ينشطان من جديد في صدري ~~رغم جميع أحزاني، فتكلمت وخاطبته بكلمات مجنحة، # 22 # فقلت: # إنني أعرف هذين الرجلين، ولكن ألا يمكنك أن تسمى الثالث، ذلك ~~الذي لا يزال حيا، والذي هو محجوز وراء البحر العريض؟ أم أنه ~~مات؟ إنني لأتلهف إلى سماع خبره رغم أحزاني. # ما إن خاطبته هكذا، حتى أجاب من فوره قائلا: إنه ابن لايرتيس، ~~الذي موطنه إيثاكا. لقد شاهدته في جزيرة يسكب الدموع السخينة ~~الغزيرة، في ساحات الحورية كالوبسو، تلك التي تحتجزه عندها رغم ~~كرهه البقاء هناك. # 23 # إنه لا يستطيع الذهاب إلى وطنه؛ إذ لا يملك سفنا ذات ~~مجاذيف، ولا أي رفيق يبعث به عبر ظهر البحر الفسيح. أما أنت ~~نفسك، يا مينيلاوس، يا سليل زوس، فليس مرسوما لك أن تموت وتلقى ~~حتفك في أرجوس، مرعى الجياد، بل سوف يحملك الخالدون إلى السهل ~~الإلوسي # Elysian plain # وإلى بطاح ~~الأرض، حيث يقيم رادامانثوس # Rhadamanthus ~~، # 24 # ذو الشعر الجميل، وحيث الحياة هناك أسهل ما تكون ~~للبشر، حيث لا جليد، ولا عواصف عاتية، ولا أي مطر، ولكن المحيط ~~يرسل دائما لفحات عالية من هبات الريح الغربية العاتية، حتى تحمل ~~البرد إلى البشر؛ لأنك تتخذ من هيلينا زوجة لك، وأنت في أعينهم زوج ~~ابنة زوس. # ما إن قال هذا، حتى قفز ~~وسط اللجج الصاخبة، أما أنا فذهبت إلى سفني مع رفقائي شبيهي ~~الآلهة، بينما راح قلبي يفكر في أمور كثيرة، ولكن عندما نزلنا ~~إلى السفينة وإلى البحر، وأعددنا طعام العشاء وتناولناه، وأقبل ~~الليل السرمدي بدياجيره، رقدنا لنستريح فوق شاطئ البحر. وما إن لمع ~~الفجر الوردي الأنامل مبكرا في دجى الظلام، حتى بدأنا ننزل ~~سفننا ms108 إلى البحر اللامع، وأقمنا الصواري والأشرعة في السفن ~~الجميلة، وذهب الرجال أيضا، فوق ظهور المراكب وجلسوا على ~~المقاعد، واعتدلوا في أماكنهم استعدادا لأن يضربوا البحر ~~السنجابي بمجاذيفهم، فأقلعوا عائدين من جديد إلى مياه أيجوبتوس، ~~ذلك النهر الذي تغذيه السماء، وهناك ألقينا مراسي السفن، ~~وقدمت الذبائح المئوية التي كنت أرجو ثمارها. وبعد أن أرضيت ~~الآلهة الخالدين، واجتنبت غضبهم، صنعت كومة لأجاممنون تخلد ~~شهرته خلودا لا تخمد جذوته. وعندما انتهيت من هذا، وهبني ~~الخالدون ريحا مواتية، حملتني بسرعة إلى وطني العزيز. والآن، ~~امكث عندنا في ساحاتي، إلى أن يأتي اليوم الحادي عشر أو الثاني ~~عشر، وعندئذ أرسلك موقرا، وأعطيك هدايا رائعة؛ ثلاثة جياد، ~~وعربة بديعة الطلاء، فضلا عن كأس جميلة تستطيع أن تسكب منها ~~السكائب للآلهة الخالدين، وتذكرني جميع أيام حياتك.» # تيليماخوس يقبل هدايا مينيلاوس ويسأله الرحيل # عندئذ رد عليه تيليماخوس الحكيم قائلا: ~~«يا ابن أتريوس، لا تحجزني هنا مدة طويلة؛ فإنني، والحق يقال، ~~أسر للبقاء في قصرك عاما دون أن أتوق إلى رؤية بيتي ووالدي؛ إذ ~~أجد لذة عجيبة في سماع حكاياتك وحديثك، ولكن رفاقي ينتظرونني في ~~بولوس المقدسة، بينما أنت تحجزني هنا مدة طويلة. أما الهدايا التي ~~تزمع تقديمها لي، فلتكن كنوزا، وأما الجياد فلن آخذها إلى ~~إيثاكا، بل سأتركها لك هنا لتتمتع بها؛ فأنت سيد هذا السهل الفسيح، ~~الزاخر باللوتس، والخلنجان والقمح والشوفان، والشعير الأبيض العريض ~~السنابل، أما في إيثاكا، فليس هناك ممرات ولا طرق فسيحة تتسع لها، ~~ولا أية مروج؛ فهي مرعى المعيز أكثر منها مرعى للجياد؛ فما من ~~جزيرة وسط البحر تصلح لتربية الخيول، ولا يمكن أن تكون غنية ~~بالمروج، ولا سيما إيثاكا التي هي أقلها جميعا.» # هكذا تكلم، فابتسم مينيلاوس، الماهر في صيحة الحرب، وربت ~~عليه بيده، وخاطبه قائلا: ~~«حقا إنك لمن دم نبيل، أيها الطفل العزيز؛ إذ أراك تتكلم بهذه ~~الطريقة؛ وعلى ذلك سأغير هذه الهدايا التي سأعطيكها؛ فهذا في ~~مقدوري؛ فمن بين سائر الهدايا المخزونة في بيتي ككنوز، سأعطيك ~~أجملها وأغلاها، أعطيك طاسا لمزج ms109 الخمر، رائع الصنع. إنه من الفضة ~~الخالصة، وحافاته مطلية بالذهب، صنعة هيفايستوس # Hepheastus ~~، # 25 # وأعطانيه المحارب فايديموس Phaedimus ~~، ... # Sidoniar # عندما آواني بمنزله لما ~~جئت إلى هنا، والآن عقدت ...» # هكذا طفقا يتبادلان الحديث، وفي ذلك الوقت أقبل المدعوون إلى ~~قصر الملك المبجل، يسوقون أمامهم خرافا، ويحضرون معهم خمرا ~~مقوية، وأرسلت لهم زوجاتهم ذوات الخمار الجميلة، خبزا؛ وعلى ~~ذلك كانوا ينعمون بالوليمة في ساحات القصر. # العشاق ينزعجون لرحيل تيليماخوس # أما العشاق المغازلون، فكانوا يمرحون أمام قصر أوديسيوس، ~~يقذفون الجلة والرمح في مكان مستو، كما اعتادوا أن يفعلوا في ~~سماجة وعجرفة نابعين من القلب. وكان بينهم أنتينوس ويوروماخوس، ~~شبيها الآلهة، وزعيما أولئك العشاق، اللذان يفوقانهم شجاعة ~~وإقداما، فاقترب منهما نويمون # Noemon ~~، ابن فرونيوس Phronius ~~، وسأل أنتينوس بقوله: ~~«أيا أنتينوس، هل تعلم عن يقين أم تراك لا تعلم أبدا متى يعود ~~تيليماخوس من بولوس الرملية؟ لقد رحل، في إحدى سفني، وأنا أحتاج ~~إليها الآن لأعبر بها البحر إلى إليس # Elis # الفسيحة؛ حيث لي اثنتا عشر فرسا ولودا، ~~ترضع أثداءها بغال قوية لم تستخدم بعد، فأريد أن أحضر ~~واحدا منها إلى هنا وأستخدمه.» # ما إن قال هذا، حتى دهش الزعيمان في فؤاديهما؛ إذ لم يدر ~~بخلدهما قط، أن تيليماخوس قد ذهب إلى بولوس النيلية # Neleian Pylos ~~، بل ظنا أنه ~~بمكان ما في ضياعه، وسط القطعان، أو مع راعي الخنازير . # فقال أنتينوس بن يوبايثيس: «قل الحق يا هذا، متى رحل، وأي شبان ~~ذهبوا معه؟ أهم من شباب إيثاكا المختارين، أم مأجورون، أم من ~~عبيده؟ وهل استطاع أن يقوم حتى بهذا؟ وصارحني القول بصدق، كي أعرف ~~كل شيء تماما، هل استطاع أن يأخذ سفينتك بالقوة وعلى غير ~~إرادتك، تلك السفينة السوداء، أم أعطيتها له طائعا مختارا بمحض ~~إرادتك عندما توسل إليك؟» # فأجاب نويمون بن فرونيوس، قائلا: «لقد أعطيتها له، بنفسي، ~~طائعا مختارا، فهل يستطيع أحد أن يفعل غير ما فعلته عندما ~~يرجوه رجل مثله، قد أثقلت الهموم قلبه؟ كان من العسير رفض ~~الهدية. وإن الشبان الذين صحبوه ms110 في الرحلة لأنبل من في البلاد ~~بعدنا، وقد لاحظت بينهم واحدا على ظهر السفينة، كقائد لهم، يشبه ~~مينتور، أو كأنه إله يشبه مينتور تمام الشبه. وما أعجب له، هو ~~أنني رأيت مينتور العظيم هنا في فجر أمس الباكر، ولكنه في ذلك ~~الوقت ركب سفينته قاصدا بولوس.» # ما إن أتم حديثه ذاك، حتى انصرف إلى بيت أبيه. أما قلبا هذين ~~الشامخين فقد استشاطا غضبا، وأمرا العشاق المغازلين في الحال، ~~بأن يكفوا عن مبارياتهم ~~ويجلسوا، وقام أنتينوس بن يوبايثيس، مستاء يتحدث وسطهم، وقد ~~تملك الحنق من قلبه الأسود حتى الثمالة، والشرر يتطاير من ~~عينيه، فقال: ~~«ويل له، الحق أن تيليماخوس يزمع القيام بعمل من أعمال ~~الوقاحة، في رحلته تلك، التي ما كنا نحسب أنه سيستطيع إتمامها؛ ~~فرغم كوننا هنا جميعا، رحل ذلك الصبي في هدوء، منزلا السفينة ~~إلى الماء، ومنتقيا خير ما في البلاد من رجال. لقد بدأ شيئا ~~فشيئا، يكون مجلبة للشر، وإنني لأتمنى أن يحطم زوس قوته ~~قبل أن يبلغ مبالغ الرجال. والآن هيا، أعطوني سفينة سريعة ~~وعشرين رجلا، حتى يمكنني أن أكمن له وهو يمر في المضيق الواقع ~~بين إيثاكا وساموس الوعرة، وبهذا تنتهي الرحلة التي قام بها ~~بحثا عن أبيه شر نهاية.» # هكذا تكلم، فنالت كلماته تقريظ الجميع، الذين طلبوا منه أن ~~ينجز فورا ما انتواه. وفي الحال نهضوا جميعا وذهبوا إلى منزل ~~أوديسيوس. # بينيلوبي تعلم بخطة العشاق ضد ابنها # لم تمض مدة طويلة حتى علمت بينيلوبي بالخطط التي كان ~~يحكيها العشاق في قرارة قلوبهم؛ فإن الرسول ميدون # Medon ~~، الذي كان يسمع مؤامراتهم وهو يقف ~~خارج الساحة، وهم في داخلها يدبرون خطتهم، كان يسر إليها بكل ~~شيء؛ ومن ثم ولج الساحة كي يحمل الأنباء إلى بينيلوبي، فما إن ~~خطا عتبة الباب، حتى تحدثت إليه بقولها: ~~«أيها الرسول، لم بعث بك ~~المغازلون الأمجاد؟ هل لتأمر خادمات أوديسيوس الجليل بالكف عن ~~أشغالهن، ويبدأن لهؤلاء بإعداد وليمة؟ لا مغازلة بعد ذلك، ولا أي ~~زواج في مكان آخر، فهل لهم الآن أن ms111 يأدبوا هنا مأدبتهم الأخيرة، ~~وحتى أنتم يا من تحتشدون هنا وتبددون أموالا طائلة، من ثروة ~~تيليماخوس العاقل. لا شك أنكم لم تسمعوا أبدا، في سالف الأزمان، ~~عندما كنتم أطفالا، وعندما كان يحكي آباؤكم أي لون من الرجال كان ~~أوديسيوس بين أولئك الذين أنجبوكم، وأنه لم يقترف إثما أو خطأ ~~قط في حق أي فرد من مواطني البلاد، سواء بالقول أو بالفعل، كما ~~كانت عادة الملوك الأجلاء، يكرهون رجلا، ويحبون آخر، ولكنه لم ~~يظلم أي رجل على الإطلاق، وإنما عقولكم وأفعالكم غير المشروعة، هي ~~الواضحة كل الوضوح للعيان، ولن يقدم أي فرد ثناء على أية ~~أعمال حسنة لكم.» # هدف الخطة قتل تيليماخوس # فأجابها ميدون، ذو القلب الحكيم، بقوله: «أرجو، أيتها الملكة، أن ~~يكون هذا هو أقصى ما ابتليت به من شر؛ لأن هناك أمورا أخرى أمر ~~وأدهى وأكثر إيلاما من هذه، يحيكها العشاق المغازلون، أمورا ~~أتمنى ألا يكللها ابن كرونوس بالنجاح. لقد بيتوا النية على ~~قتل تيليماخوس بحد السيف البتار وهو في طريق عودته إلى الوطن؛ لأنه ~~ذهب يستقي الأخبار عن أبيه، إلى بولوس المقدسة، وإلى لاكيدايمون ~~العظيمة.» # ما إن قال هذا، حتى وهنت ركبتاها وهي جالسة، وغاص قلبها، وصمتت ~~مدة طويلة، وترقرقت الدموع في مقلتيها واحتبس صوتها، ثم ~~تكلمت أخيرا قائلة: ~~«أيها الرسول، لم ذهب ابني؟ لم تكن به حاجة للسفر فوق ظهور ~~السفن العريضة السريعة، التي يستخدمها البشر مطية البحر، وتعبر ~~اليم المترامي الأطراف. ألم يكن لاسمه أن يظل باقيا وسط ~~الرجال؟» # فأجابها ميدون، الحكيم القلب، يقول: «لست أعلم، يا سيدتي، ما ~~إذا كان قد اضطره إلى ذلك إله ما، أم أنه ذهب من تلقاء نفسه إلى ~~بولوس، ليستطلع الأنباء عن عودة أبيه، أو عن المصير الذي ~~لاقاه.» # بينيلوبي تلوم خادماتها # هكذا تكلم وانصرف من منزل أوديسيوس، فغمرها الحزن بلواعجه، ذلك ~~الحزن الذي يفتك بالروح، ولم تستطع الجلوس بعد ذلك على أي من ~~المقاعد الكثيرة بالحجرة، بل ارتمت خائرة القوى فوق عتبة حجرتها ~~الجميلة البناء، وهي تتأوه كمدا، فراحت ms112 خادماتها ينتحبن حولها، ~~كل من في البيت، من فتيات وعجائز، فقالت بينيلوبي وهي ~~تبكي: ~~«أي صديقاتي، اسمعن ما أقول؛ فقد قدر لي الأوليمبي أن أقاسي ~~الأحزان أكثر من جميع لداتي، اللواتي ربين وولدن معي. منذ زمن ~~بعيد فقدت زوجي النبيل، ذا قلب الأسد، المتفوق في كل ما يرفع من ~~قيمة المرء بين الدانيين، زوجي النبيل، الذي طبقت شهرته أنحاء ~~هيلاس، وخلال أرجوس. وها هي ذي الرياح العاتية تجرف ولدي الحبيب ~~بعيدا عن قصرنا دون أن نعلم عنه شيئا أو عن رحيله. ما أقساكن! ~~ألم تفكر واحدة منكن في أن توقظني من فراشي؛ حيث إنكن تعلمن حق ~~العلم، متى رحل فوق ظهر السفينة السوداء الوسيعة؟ فلو علمت ~~بإزماعه الرحيل، لما غادر هذا البيت مهما كان تلهفه إلى السفر، ~~وإلا لتركني فاقدة الحياة في هذا القصر. والآن، لتسرع إحداكن ~~فتستدعي إلي دوليوس # Dolius ~~، ~~خادمي العجوز، الذي أعطانيه أبي يوم جئت إلى هنا، والذي يقوم ~~بحراسة حديقتي الوافرة الأشجار، كي ينطلق من فوره إلى لايرتيس ~~ويخبره بجميع هذه الأحداث؛ فربما استطاع لايرتيس أن يدبر في ~~قلبه أمرا، ويتوسل باكيا إلى الشعب الذي ينتوي أن يقضي على جنسه، ~~وعلى جنس أوديسيوس شبيه الإله.» # اعتراف يوروكليا بذنبها # عندئذ أجابتها المربية الجليلة يوروكليا بقولها: «سيدتي ~~العزيزة، يحق لك أن تقتليني بالسيف، عديم الرحمة، أو تدعيني أبقى ~~بالمنزل؛ فلن أخفي عنك شيئا. كنت أعرف كل هذا، وأعطيته كل ما ~~أمرني به، من خبز وخمر حلوة، ولكنه أخذ علي عهودا ومواثيق ~~شديدة، ألا أخبرك حتى يحل اليوم الثاني عشر على الأقل، أو إذا ~~افتقدته أنت من تلقاء نفسك، أو سمعت برحيله، وذلك كيلا تشوهي ~~بشرتك الناعمة بالبكاء. والآن، هيا استحمي والبسي رداء نظيفا، ثم ~~اصعدي إلى غرفتك العليا مع خادماتك وصلي لأثينا، ابنة زوس، حامل ~~الترس، لتنقذه من الموت. ولا تزعجي عجوزا مثقلا بالهموم؛ فعلى ~~ما أظن، ليس معشر ابن أركايسيوس # Arceisius # ممقوتا لدى الآلهة المباركة، بل سيظل ~~هناك واحد، يقبض على زمام القصور ذات السقوف المرتفعة، والحقول ms113 ~~الغنية النائية.» # بينيلوبي تصلي والعشاق يصخبون # ما إن قالت هذا، حتى هدأت ثائرة بينيلوبي، وكفكفت دموعها، ثم ~~قامت فاغتسلت، وتسربلت برداء نظيف، وصعدت إلى حجرتها العليا ~~مع خادماتها، وبعد أن وضعت بعض حبات من الشعير في سفط، راحت ~~تصلي إلى أثينا بقولها: ~~«يا ابنة زوس، حامل الترس، أصغي إلى صلاتي، يا من لا يتطرق التعب ~~إلى جسمك، بحق ما أحرقه لك أوديسيوس الكثير الحيل، في ساحاته، ~~من قطع أفخاذ عجلة أو نعجة سمينة، أتوسل إليك أن تتذكري ~~هذه الأشياء الآن، وتهبي لنجدة ولدي العزيز، وجنبيه شر ~~مؤامرة المغازلين.» # هكذا تكلمت، وأرسلت الصيحة المقدسة، فسمعت الربة صلاتها. ~~بيد أن العشاق انفجروا صاخبين في سائر أنحاء القاعات الظليلة، ~~فقال أحد الشبان المتغطرسين: ~~«حقا إن الملكة التي يغازلها الكثيرون، تتأهب لزواجنا، ولا ~~تعرف على الإطلاق أن الموت في انتظار ولدها.» # وهكذا كان أحدهم يتكلم، غير أنهم لم يعرفوا كيف ستسير تلك ~~الأمور، فخاطب أنتينوس جمعهم قائلا: ~~«أيها السادة الأمجاد، كفوا عن عبارات الزهو، أيا كان ~~نوعها، خشية أن ينقل شخص ما حديثكم إلى داخل البيت. هلموا ننطلق ~~في صمت، ونقوم بتنفيذ خطتنا، التي أدخلت السرور إلى قلوبنا ~~جميعا.» # العشاق يعدون سفينة وبينيلوبي في حجرتها حزينة # هكذا تكلم، واختار عشرين رجلا، من خيرة الجمع، وانطلقوا في ~~طريقهم إلى شاطئ البحر حيث السفينة السريعة؛ فأول عمل قاموا به، ~~هو أن سحبوا السفينة إلى اليم العميق، ورفعوا الصاري، وثبتوا ~~الشراع في السفينة السوداء، وربطوا المجاذيف فيها بسيور من الجلد، ~~في نظام بديع، ونشروا الشراع الأبيض. وأحضر لهم السادة المتغطرسون ~~أسلحتهم، وأنزلوا السفينة وربطوها في المرسى ثم تركوها هم أنفسهم، ~~وذهبوا يتناولون طعام العشاء، وانتظروا حتى أقبل المساء. # أما بينيلوبي الحكيمة، فرقدت في حجرتها العليا دون أن تذوق أي ~~طعام، سواء أكان لحما أو شرابا، وكان جل فكرها منحصرا في ولدها، ~~هل سينجو من الموت، أم سيقتله العشاق الوقحون، فكانت كأسد وقع في ~~وسط جمع من الرجال فظل نهبا للخوف، وهم يضيقون عليه الخناق. ~~هكذا كانت مبلبلة ms114 الأفكار عندما داعب النوم اللذيذ عينيها، ~~فارتمت إلى الوراء ونامت، وارتخت جميع أطرافها. # أثينا تزور بينيلوبي في صورة طيف # بعد ذلك، انتقلت الربة، أثينا ذات العينين المتألقتين، إلى ~~خطة أخرى، فصنعت طيفا في صورة امرأة كأنه إفثيمي # Iphthime ~~، ابنة إيكاريوس العظيم القلب، ~~زوجة يوميلوس # Eumelus # الذي كان ~~يسكن في فيراي، ثم أرسلت ذلك الطيف إلى قصر أوديسيوس، إلى بييلوبي ~~وسط بكائها ونحيبها، ليأمرها بالكف عن البكاء وذرف الدموع، ~~فدخل إلى الحجرة من ثقب المفتاح، ووقف إلى جانب رأسها، وتحدث ~~إليها بقوله: ~~«يا بينيلوبي، أتنامين حزينة القلب؟ كلا، إن الآلهة التي تعيش في ~~رخاء، لن تحملك مشقة البكاء، ولن تجعلك تعيسة؛ لأن ابنك سيعود ~~إليك؛ إذ هو بريء أمام الآلهة من كل إثم.» # بييلوبي تبدي مخاوفها للطيف # ثم أرسلت ذلك الطيف إلى قصر ~~أوديسيوس، إلى بينيلوبي وسط بكائها ونحييها. # عندئذ ردت عليه بينيلوبي الحكيمة، وهي تنعم ~~بنوم لذيذ جدا، على أبواب الأحلام، فقالت: ~~«لم أتيت إلى هنا، يا أختاه؟ لم يسبق أن قدمت قبل الآن إلى ~~منزلنا؛ لأنك تسكنين بعيدا عنا، وإنك لتأمرينني بأن أكف عن ~~البكاء والأحزان وكل ما يكدر صفو عقلي وقلبي. لقد مضت مدة طويلة ~~منذ أن فقدت زوجي النبيل، ذا قلب الأسد، المبرز في كل عمل يزين ~~المرء وسط الدانيين، زوجي النبيل الذي بلغ صيته هيلاس، وأنحاء ~~أرجوس. وها هو ذا ابني الحبيب، يرحل في سفينة واسعة، وهو لا يعدو ~~أن يكون طفلا، لا يعرف شيئا عن مشاق السفر ولا ما يقاسيه ~~الرجال؛ لذا تجدينني حزينة، أكثر من حزني على زوجي، # 26 # وإن قلبي لينفظر من أجله، وأخاف أن يصيبه مكروه، سواء ~~في بلاد القوم الذين ذهب إليهم أو في عرض البحر؛ لأن هناك أعداء ~~كثيرين يحيكون المؤامرات لاغتياله، ويتحرقون شوقا إلى قتله قبل ~~أن يعود إلى وطنه.» # والطيف يشجعها ثم ينصرف # فأجاب الطيف القاتم، قائلا: «تشجعي ولا تفكري في أي خوف، ~~طالما أن مرشدة كبالاس أثينا، تقف إلى جانبه، تلك التي كثيرا ما ~~توسل الرجال إليها ms115 لكي تقف إلى جانبهم، وإنها لتشفق عليك من ~~ذلك الحزن، فأرسلتني لأخبرك بهذا.» # فقالت بينيلوبي الحكيمة: «إن كنت حقا إلهة، وأصغيت إلى صوت ~~إله، تعالي، خبريني، كذلك عن ذلك التعيس، ألا يزال حيا يرى ضوء ~~الشمس، أم قد مات وذهب إلى بيت هاديس؟» # فأجابها الطيف القاتم، بقوله: «كلا، لن أحدثك عن هذا بكلمة ~~واحدة، سواء أكان حيا أم في عداد الأموات. إنه لإثم أن أقول ~~كلاما لا جدوى منه، كالريح.» # قال الطيف هذا وانسحب خارجا من ثقب الباب إلى مهب الرياح، ~~فاستيقظت ابنة إيكاريوس من نومها، وقد هدأ قلبها مطمئنا؛ إذ رأت ~~تلك الرؤيا الواضحة، وهي في ظلمة الليل. # 27 # العشاق يتربصون ليتليماخوس # أما العشاق فنزلوا إلى السفن، وأقلعوا فوق البحر، وهم يضمرون ~~في قلبهم اغتيال تيليماخوس، فكمنوا له فوق جزيرة صخرية وسط البحر، ~~في منتصف الطريق ما بين إيثاكا وساموس الوعرة المسالك، هي جزيرة ~~أستيريس # Asteris ~~، الصغيرة الرقعة، ~~حيث يوجد ميناء صالح لرسو السفن، له مدخل على كلتا ناحيتيه. في ~~ذلك الميناء تلكأ الآخيون وكمنوا في انتظار تيليماخوس. # | الأنشودة الخامسة # زوس والآلهة يتشاورون # لمع الفجر من مرقده بجوار تيثونوس # Tithonus # 1 # النبيل، لكي يحمل الضوء إلى الخالدين والبشر. وكان ~~الآلهة جالسين يتشاورون فيما بينهم، وفي وسطهم زوس الذي يرعد ~~عاليا، ذو القوة الفائقة. وكانت أثينا تحصي لهم محن أوديسيوس ~~العديدة، وهي تستعيدها في ذاكرتها؛ لأنه كان مما أزعجها، أنه يقيم ~~في مسكن الحورية ، فقالت: # وكانت تنمو حول الكهف غابة ~~جميلة، غنية بأشجار الحور والسرو الذكي الرائحة ... ~~«أبي زوس، ويا أيها الآلهة ~~الآخرون المباركون الخالدون، حذار، من الآن فصاعدا، أن تبثوا ~~الشفقة والرحمة في قلب ملك ذي صولجان، إياكم أن تجعلوه يلزم جانب ~~العدل في فؤاده، بل اجعلوه قاسي القلب، ظالما على الدوام؛ فما من ~~رجل يتذكر أوديسيوس الجليل، من بين الشعب الذي كان سيدا عليه، رغم ~~أنه كان لهم كوالد يعطف عليهم. إنه الآن يقيم في جزيرة، يقاسي ~~آلاما مبرحة، في قصر الحورية كالوبسو، التي تحتجزه كرها، وهو ~~لا ms116 يستطيع العودة إلى وطنه؛ لأنه لا يملك سفنا ذات مجاذيف، ولا ~~زملاء يرافقونه في سفره فوق ظهر البحر الفسيح. والآن قد دبروا ~~أمرهم على قتل ابنه الحبيب، وهو في طريقه إلى الوطن؛ لأنه ذهب إلى ~~بولوس المقدسة، وإلى لاكيدايمون العظيمة، يستطلع الأخبار عن ~~والده.» # فأجابها زوس، جامع السحب، قائلا: «طفلتي، ما هذه الكلمة التي ~~أفلتت من بين شفتيك! ألم تتدبري، أنت نفسك، هذه الخطة، حتى ~~يستطيع أوديسيوس أن ينتقم من أولئك الرجال عند عودته؟ أما ~~تيليماخوس، فيمكنك إرشاده بحكمتك كي يصل سالما إلى وطنه، ويعود ~~المغازلون في سفنهم مدحورين.» # هكذا تكلم ثم قال لهيرميس، ابنه العزيز: «أي هيرميس، بما أنك ~~كنت رسولنا من قبل، فلتذهب الآن وتعلن قرارنا للحورية الجميلة ~~الجدائل، ألا وهو عودة أوديسيوس ذي القلب الثابت، ليس بمعونة ~~الآلهة أو البشر، بل على ظهر طوف متين، مقاسيا الأهوال، فيصل في ~~اليوم العشرين إلى سخيريا # Scheria # الخصبة، # 2 # أرض الفياكيين Phaeacians ~~، أقرباء الآلهة. وسيبدي هؤلاء له كل ~~تبجيل كما لو كان إلها. وسوف يبعثون به في سفينة إلى وطنه العزيز، ~~بعد أن يعطوه كثيرا من البرونز والذهب والملابس، يفوق ما كان ~~يغنمه أوديسيوس لنفسه من طروادة لو عاد سالما واحتفظ بنصيبه من ~~الغنائم؛ فهكذا قدر له، أن يرى أصدقاءه، ويصل إلى بيته ذي السقف ~~المرتفع، وإلى وطنه.» # هيرميس يطير إلى كالوبسو # ما إن قال هذا حتى لبى ~~الرسول، أرجايفونتيس، # 3 # أمره، فلبس في الحال في قدميه صندليه الجميلين، ~~الخالدين الذهبيين، اللذين طالما حملاه عبر مياه البحر، ~~وخلال البلاد المترامية الأطراف، في سرعة دونها هبات الرياح. ~~وتناول العصا التي ينيم بها عيون من يشاء، كما يوقظ بها آخرين ~~من النوم أيضا، فطار أرجايفونتيس القوي، وهذه في يده، فوق ~~بييريا Pieria ~~، هابطا من الفضاء ~~العلوي، وانحدر هاويا إلى البحر، مسرعا فوق اللجج الصاخبة ~~أشبه بغراب البحر، الذي يبلل ريشه السميك بالماء والملح وهو ~~يبحث عن السمك فوق الدوامات الهائلة لليم الزاخر، فركب هيرميس ~~الأمواج العديدة، في صورته هذه. ولما بلغ الجزيرة ms117 النائية، خرج ~~لتوه من البحر البنفسجي إلى البر، وانطلق في سبيله حتى وصل ~~إلى كهف كبير، كانت تقيم فيه الحورية الجميلة الغدائر، فوجدها في ~~داخله تشعل نارا تتأجج في المدفأة، وكان يفوح من بعيد أريج نبات ~~السدر والعرعر، المقطوعين وهما يحترقان. أما الحورية فكانت في ~~داخل الكهف تغني بصوت رخيم، وهي تذرع المكان جيئة وذهابا ~~أمام المنول، تنسج بمكوك ذهبي. وكانت تنمو حول الكهف غابة جميلة، ~~غنية بأشجار الحور والسرو الذكي الرائحة، حيث اعتادت جوارح # 4 # الطير أن تبني عشاشها، من بوم وصقور، وغربان البحر ذات ~~الألسنة الثرثارة، التي لا تنفك تعمل فوق البحر. وحول الكهف كرم ~~كثيف محمل بالعناقيد الكثيرة في ريعان كبريائه. وكانت هناك أربع ~~نافورات في صف واحد، واحدة بقرب الأخرى، ينبثق منها الماء ~~صافيا. كما كانت هناك مروج ناضرة من النرجس والعرعر فوق ذلك ~~الخالد، الذي تصادف مجيئه في تلك الآونة، مشدوها مدهوشا ~~مبتهجا. هناك وقف الرسول أرجايفونتيس، يتعجب، وبعد أن أبدى ~~تعجبه من كل شيء في قرارة نفسه خطا في الحال داخل الكهف الفسيح، ~~ولم تعجز الربة الجميلة، كالوبسو عن معرفته عندما أبصرته وجها ~~لوجه؛ لأن الآلهة تعرف بعضها البعض الآخر، مهما كان مسكن أحدهما ~~قصيا، ولكنه لم يجد أوديسيوس، العظيم القلب بالداخل؛ لأنه كان ~~جالسا يبكي فوق الشاطئ، كما كانت عادته، معذبا روحه بالدموع ~~والأنين والأحزان، وكان يتطلع إلى البحر الصاخب وهو يذرف الدموع ~~السواجم. وبعد أن أجلست كالوبسو، الربة الفاتنة، هيرميس فوق ~~كرسي لامع براق، سألته قائلة: ~~«أي هيرميس، يا ذا ~~الصولجان الذهبي، ما سبب مجيئك، أيها الضيف النبيل الذي نرحب ~~بمقدمه؟ فلم يسبق أن جئتنا من قبل، هات ما عندك؛ فإنني على ~~استعداد لتنفيذه، إن كان في حدود مقدوري، وإذا كان أمرا ممكن ~~التنفيذ. والآن هيا معي، حتى أقدم لك وليمة.» # كالوبسو تستضيف هيرميس # وصل أوديسيوس إلى كهف كبير ~~كانت تقيم فيه الحورية الجميلة الغدائر. # قالت الربة هذا، ثم وضعت أمامه مائدة حافلة بالأمبروسيا، ~~ومزجت النكتار # 5 # الوردي. وهكذا شرب الرسول أرجايفونتيس، ms118 وأكل. وبعد أن ~~تناول كفايته من الطعام، رد عليها وخاطبها بقوله: ~~«إنك أيتها الربة ~~تسألينني، أنا الإله، عن سبب مجيئي إليك، وعلى ذلك سأقضي إليك ~~بالحقيقة، وأكون صريحا معك، طالما قد طلبت مني ذلك. إنه زوس ~~الذي أمرني بالمجيء إلى هنا ضد رغبتي؛ فمن ذا الذي يستطيع بمحض ~~إرادته أن يسرع عبر هذا الخضم الفسيح من ماء البحر الملح، الذي ~~يفوق الوصف؟ كما أنه ليست هناك مدينة قريبة للبشر، يقدمون فيها ~~للآلهة الذبائح والنذور المئوية المنتقاة. غير أنه ليس لأي إله ~~آخر أن يعصي أوامر زوس أو يخيب رجاءه، فيقول زوس، حامل الترس، ~~إن لديك هنا رجلا بائسا أشد البؤس وأمضه، أكثر من أي محارب ~~ممن قاتلوا لمدة تسع سنين حول مدينة بريام، وفي السنة العاشرة ~~نهبوا المدينة ورحلوا عائدين إلى الوطن. بيد أنهم في أثناء الطريق، ~~اقترفوا إثما ضد أثينا، فأرسلت ضدهم ريحا صرصرا عاتية، وأمواجا صاخبة، # 6 # فهلك بقية رفقائه العظام، أما هو فقد حملته الريح ~~والأمواج وقذفت به إلى هنا. إن زوس يأمرك الآن بأن تخلي سبيله، ~~وترسليه في طريقه بمنتهى السرعة؛ فليس مكتوبا له أن يهلك هنا ~~بعيدا عن أصدقائه، ولكن ما زال من نصيبه أن يرى أصدقاءه، ويبلغ ~~منزله ذا السقف المرتفع ويصل إلى وطنه.» # كالوبسو تعدد مثالب الآلهة # ما إن أفضى إليها بهذا الكلام، حتى ارتعدت، تلك الربة الفاتنة ~~كالوبسو، وخاطبته بعبارات مجنحة، قائلة: «ما أقساكم، أيها ~~الآلهة، وما أسرع حسدكم أكثر من غيركم! حيث إنكم تحقدون على ~~الربات عندما يرغبن في الزواج من البشر علانية، وعندما تتخذ ~~إحداهن رجلا كرفيق لها في فراشها العزيز، فلما اتخذت ربة ~~الفجر، الوردية الأنامل، أوريون # 7 # زوجا لها، حقدتم عليها، أنتم معشر الآلهة الذين ~~تحيون في كامل الهناءة، فهاجمته أرتيميس في أروتوجيا # Ortygia ~~، تلك الربة ذات العرش ~~الذهبي، بساهمها الرقيقة # 8 # وقتلته. كذلك عندما استسلمت ديميتير # Demeter ~~، # 9 # ذات الغدائر الفاتنة، لعواطفها، واضطجعت مع ~~أياسيون # Iasion ~~، # 10 # في الأرض المحروثة ثلاث مرات، لم يمض وقت طويل حتى ms119 ~~علم زوس بذلك، فضربه بصاعقته اللامعة وقتله. وهنا أنتم الآن، أيها ~~الآلهة، من جديد تحقدون علي؛ لبقاء رجل من البشر في جزيرتي. ~~لقد أنقذته عندما جرف من السفينة؛ إذ ضرب زوس سفينته السريعة ~~بصاعقته المتألقة، فحطمها وسط ظلمة البحر القاتم كالخمر. هناك ~~باد جميع زملائه العظام، أما هو فقد حملته الرياح والأمواج وجاءت ~~به إلى هنا، فرحبت بمقدمه، وقدمت له الطعام، وقلت له إنني ~~سأجعله خالدا، لا يعرف الشيخوخة طوال جميع أيامه. غير أنه طالما ~~لا يستطيع قط أي إله أن يعصي أوامر زوس، الذي يحمل الترس، أو ~~يخيب رجاءه، فلينصرف هذا الرجل في سبيله عبر البحر الصاخب، ~~إذا كان زوس قد أمر بذلك، ولكني لست أنا، التي تقوم بحراسته؛ إذ لا ~~أملك سفنا ذات مجاذيف، ولا رجالا يرسلونه في طريقه عبر ظهر ~~البحر الفسيح. بيد أنني بنية خالصة، سأقدم له المشورة، ولن ~~أخفي عنه شيئا، حتى يمكنه أن يعود إلى وطنه بسلام.» # عندئذ رد عليها الرسول، أرجايفونتيس، من جديد، بقوله: «إذن، ~~فلترسليه الآن فورا، ولتحذري غضب زوس، لئلا يستشيط غيظا، وينفذ ~~غضبه فيك فيما بعد.» # إفراج كالوبسو عن أوديسيوس # ما إن قال أجايفونتيس القوي هذا الكلام، حتى انصرف، فانطلقت ~~الحورية الجليلة إلى أوديسيوس العظيم القلب، بعد أن علمت برسالة ~~زوس، فوجدت أوديسيوس # 11 # جالسا على الشاطئ، يذرف الدموع من عينيه بلا ~~انقطاع، وقد أخذت حياته الحلوة تذوي؛ إذ كان يتحرق شوقا للرجوع ~~إلى وطنه؛ لأن الحورية، لم تكن بأية حال موضع غبطة ناظريه. وكان ~~عليه أن ينام بالليل إلى جوار الحورية الراغبة في الكهوف الفسيحة، ~~رغما منه وضد إرادته، أما بالنهار فكان يجلس فوق الصخور والرمال، ~~معذبا نفسه بالعبرات والأنين والهموم، وكان يتطلع إلى البحر ~~الصاخب، ويتحسر # 12 # ذارفا الدموع؛ عندئذ اقتربت منه الربة الفاتنة، ~~وقالت له: ~~«يا هذا الرجل الشقي، ما عاد لك أن تغتم بعد الآن، بربك وما عاد ~~لحياتك أن تذوي ههنا؛ لأنني سأبعث بك الآن، بقلب راض في سبيلك. ~~تعال الآن، واقطع بالفأس كتلا خشبية ms120 طويلة، واصنع لك طوفا ~~عريضا، وثبت عليه ألواحا خشبية بعرضه، كي تكون مطية قوية ~~تحملك عبر البحر الداجي. # 13 # ولسوف أضع لك عليه خبزا وماء وخمرا صهباء تشبع ~~قلبك، وتدرأ عنك غائلة الجوع. كما أنني سأمدك بالكساء، وأرسل ~~لك ريحا هادئة تدفع الطوف # 14 # من خلف، ليمكنك العودة إلى وطنك سالما، كما هي ~~إرادة الآلهة الذين يحتلون السماء المترامية الأجواز؛ لأنهم أقوى ~~مني في كل من الغاية وتحقيقها.» # أوديسيوس ... في شك # هكذا قالت، فارتجف ~~أوديسيوس العظيم، الذي يتحمل كثيرا، وخاطبها بألفاظ مجنحة، ~~قائلا: «لا بد أن يكون هناك شيء آخر تدبرينه، أيتها الربة، وليس ~~رحيلي؛ إذ أراك تأمرينني بعبور هوة البحر السحيق فوق طوف، ذلك ~~الخضم الزاخر الصاخب، الذي لا تستطيع حتى السفن الجميلة، السريعة ~~السير، أن تعبره بسرور في رياح زوس، ولكني لن أضع قدمي فوق طوف ~~رغما منك، إلا إذا أقسمت أيتها الربة بأنك لن تدبري ضدي أية ~~محن جديدة.» # وكالوبسو تطمئنه # بعد أن قال هذا، ابتسمت الربة الحسناء، كالوبسو، وربتت عليه ~~بيدها، وقالت: «حقا، إنك لخبيث، ولست بحال ما عاجزا عن الفهم ~~والإدراك؛ لأنني أراك قد فكرت في النطق بهذه العبارة. إذن فلتكن ~~الأرض، والسماء الفسيحة في العلا، ومياه الستوكس # Styx # 15 # المتدفقة إلى أسفل، شهيدة على قولي، هذه التي هي ~~أعظم وأرهب قسم للآلهة المباركين، بأنني لن أحيك ضدك أي سوء ~~جديد فيه إيذاء لك. كلا؛ فليس في نيتي مثل هذه الأفكار، بل على ~~عكس، سأمدك بالنصائح كما لو كانت لنفسي، إذا ما حاقت بي مثل ~~هذه المصائب؛ إذ إنني ذات عقل راجح، وقلبي الكامن في صدري زاخر ~~بالرحمة والشفقة، ولم يقد من حديد.» # عبارات الوداع بين الحبيبين # ما إن قالت الربة ~~الحسناء هذا، حتى انطلقت في الطريق بسرعة وراح هو يتبع خطواتها، ~~حتى وصلا إلى الكهف الفسيح، الربة والرجل، وجلسا فوق المقعد الذي ~~غادره هيرميس، ثم وضعت الحورية أمامه جميع ألوان الطعام ليأكل ~~ويشرب، من صنوف الأطعمة التي يأكل منها البشر. أما كالوبسو نفسها، ~~فجلست ms121 قبالة أوديسيوس الجليل، وقدمت لها الإماء الأمبروسيا ~~والنكتار. وهكذا مدا أيديهما إلى الطعام الشهي الموضوع أمامهما، ~~وبعد أن تناولا كفايتهما من الطعام والشراب، كانت كالوبسو، الربة ~~الفاتنة، هي البادئة بالحديث فقالت: ~~«يا ابن لايرتيس، المنحدر من زوس، يا أوديسيوس الكثير الحيل، ~~الآن قد آن لك أن تبحر فورا إلى بيتك، وإلى وطنك العزيز. وستبحر ~~إلى هناك سالما. بيد أنه لو عرف قلبك ما ينتظرك من عذاب، ~~مقدر لك أن تقاسيه قبل بلوغ وطنك، لآثرت البقاء هنا، ولزمت ~~كهفي هذا معي، وأصبحت من الخالدين إلا أن رغبة جامحة ملحة ~~تتملكك، لرؤيتك زوجتك التي تتوق إليها يوما بعد يوم. وإنني لأعلن ~~عن نفسي، أنني لست بحال ما، دونها جمالا ولا قواما؛ إذ لا يليق ~~قط أن تتحدى نساء البشر الخالدات في الهيئة والفتنة.» # عندئذ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «أيتها الربة ~~القوية، أرجو ألا تغضبي مني لأجل هذا؛ فإنني أنا نفسي أعرف تماما ~~أن بينيلوبي الحكيمة أقل منك فتنة وقواما؛ لأنها من البشر وأنت ~~خالدة لا تصيبك الشيخوخة، ولكني بالرغم من هذا، أتوق إلى بلوغ ~~بيتي، ويوم عودتي، لحظة بعد لحظة. وإذا حدث أن إلها ما، ضربني ~~وأنا في طريقي وسط البحر القاتم كالخمر، احتملت الضربة راضيا، ~~طالما كان في صدري قلب يتحمل الآلام؛ فقد سبق أن قاسيت الكثير، ~~وجاهدت وسط اللجج وفي ساحة القتال، # 16 # فلنضف ما سيحدث إلى ما سبق حدوثه.» # بعد أن قال هذا، غربت الشمس وخيمت الظلمة، فذهب كلاهما إلى ~~أقصى مخبأ في الكهف الفسيح، وتمتعا بكئوس الحب مترعة، فرقد كل ~~منهما بجانب الآخر . # خطة رحيل أوديسيوس # ما إن هتك الفجر المبكر ~~الوردي الأنامل حجب الظلام، حتى أسرع أوديسيوس فارتدى قميصا ~~وعباءة، وتسربلت الحورية في ثوب فضفاض أبيض أنيق قد أحكم ~~نسجه، وشدت خصرها النحيل بحزام جميل من الذهب الإبريز، ووضعت ~~على وجهها خمارا. بعد ذلك شرعت في وضع خطة رحيل أوديسيوس، ~~العظيم القلب، فأعطته فأسا ~~كبيرة تناسب يديه كل المناسبة، فأسا من البرونز، حادة ~~الطرفين، ذات مقبض ms122 جميل من خشب الزيتون، قد ثبت إليها وثيقا، ~~ثم أعطته كذلك معزقة مشحوذة لامعة. وبعدها، سارت في طريقها إلى ~~تخوم الجزيرة، حيث تقوم الأشجار الباسقة، أشجار الحور والشربين، ~~شامخة برءوسها نحو السماء، طويلة جافة، ومجففة من عصيرها ~~الخلوي، وبذا يمكنها أن تطفو بخفة على سطح الماء، # 17 # من أجله. وما إن دلته كالوبسو، الربة الجميلة على ~~موضع الأشجار السامقة، حتى عادت أدراجها إلى بيتها، بينما أخذ ~~أوديسيوس يقطع الأخشاب، حتى تقدم في عمله هذا بسرعة، فقطع عشرين ~~شجرة كاملة، وشذبها وسواها بالفأس. بعد ذلك راح يصقلها ~~بمهارة، ويسويها حتى غدت مستقيمة تماما. وفي تلك الأثناء، ~~أحضرت إليه الربة كالوبسو الحسناء أزاميل، شرع يحفر بها قطع ~~الأخشاب ويثبت كل واحدة منها بالأخرى. كما راح يصلها ببعضها ~~بواسطة الأسافين والتعشيق، وبالطرق كان يضمها سويا. وكالرجل ~~الماهر في فن النجارة، الذي يحدد انحناء هيكل سفينة نقل، ذات ~~اتساع عريض، أخذ أوديسيوس يصنع طوفه عريضا، ثم ثبت قوائم ظهر ~~الطوف، معشقا إياها في الدعامات المتراصة المتقاربة. وهكذا ~~طفق يشتغل بجد، حتى انتهى من الطوف الطويل الحافات. بعد ذلك ~~ثبت في الطوف صاريا ودعامة مستعرضة تمسك الصاري، وزيادة ~~على ذلك صنع لنفسه مجذافا موجها يستطيع بواسطته أن يقود الطوف. ~~وبعد هذا أحاط الجميع من الجؤجؤ إلى المؤخرة، بحاجز من أغصان ~~الصفصاف لتدرأ عنه الأمواج، وفرشه بكمية كبيرة من أوراق الأشجار. # 18 # كما أحضرت له كالوبسو، الربة الجميلة، منسوجا ليصنع ~~لنفسه منه شراعا، فصنع هذا بمهارة أيضا، وثبت الطوف ~~بالأربطة والحبال والألواح، ثم أنزله إلى البحر اللامع بواسطة الروافع. # 19 # أوديسيوس في البحر ثانية # أقبل اليوم الرابع، وقد أتم أوديسيوس عمله. وفي اليوم الخامس ~~أرسلته كالوبسو الفاتنة في طريقه من الجزيرة، بعد أن غسلته ~~وألبسته ثوبا عبق الرائحة، ~~ووضعت الربة فوق الطوف قربة من الخمر الصهباء القاتمة، وقربة ~~أخرى كبيرة من الماء القراح، وكيسا مملوءا بالزاد، به كمية ~~وافرة من الأطعمة الشهية حتى لا يجوع، كما أرسلت خلفه ريحا رقيقة ~~دافئة. وهكذا بسط أوديسيوس العظيم شراعه ms123 للنسيم مغتطبا، فجلس ~~يقود طوفه بمهارة بمجذاف القيادة، ولم يداعب النوم جفنيه وهو ~~يراقب البلاياديس Pleiads ~~، # 20 # وبوتيس # Bootes ~~، التي ~~تأفل متأخرا، والدب # Bear # الذي ~~يطلق عليه الناس اسم الوين # Wain ~~، الدائم الدوران في مكانه وهو يراقب أوريون، ~~والذي هو الوحيد، عديم النصيب في حمامات المحيط؛ فقد أخفت ~~كالوبسو، الربة الحسناء، هذا النجم، ليلزم الجانب الأيسر، ~~وأوديسيوس يشق طريقه وسط العباب، فظل سبعة عشر يوما يبحر ~~فوق سطح اليم، حتى إذا كان اليوم الثامن عشر ظهرت أمامه ~~الجبال الظليلة لبلاد الفياكيين؛ إذ كانت أقرب ما تكون منه، فبدت ~~وسط البحر الكثيف الضباب، كأنها ترس. # بوسايدون يثير الأمواج ضده # بيد أن مزلزل الأرض المجيد، كان عائدا من لدن الإثيوبيين، ~~فأبصره من بعيد، من جبال سولومي # Solymi ~~؛ إذ شاهد أوديسيوس وسط البحر، # 21 # فغلا مرجل غيظه في روحه أكثر وأكثر، وهز رأسه، ~~وقال في قلبه: ~~«تبا لهم، لا بد أن ~~الآلهة قد غيرت رأيها بخصوص أوديسيوس، بينما كنت أنا عند ~~الإثيوبيين، ويا للعجب! إنه قريب من جزيرة الفياكيين، حيث كتب له ~~أن ينجو من القيود الضخمة للعنة التي نزلت به. كلا، فإنني على ~~ما أظن سوف أقوده إلى طوفان من الشر.» # قال هذا وجمع السحب، وأمسك شوكته ذات الشعاب الثلاث في يديه، ~~وعكر بها صفو البحر، وأثار جميع هبات مختلف الرياح جميعا، ~~وبالسحب أخفى البر والبحر على السواء، فهجمت جحافل الليل ~~هابطة من السماء، فانقضت الريح الشرقية والريح الجنوبية، والريح ~~الغربية العاصفة الهبوب والريح ~~الشمالية، المولودة في السماء اللامعة، وأخذت جميعها ترسل أمامه ~~لجة عاتية؛ عندئذ ارتخت ركبتا أوديسيوس وذاب قلبه، وإذ أثير ~~حنقه إثارة بالغة، خاطب روحه القوية، فقال: ~~«ويحي، أنا التعيس! ماذا عساه يقع لي أخيرا؟ إن أخوف ما أخافه ~~حقا أن يكون جميع ما قالته الربة صحيحا؛ إذ أعلنت لي أنني ~~سألاقي ذؤابة الأهوال في البحر قبل أن أصل إلى وطني، وللعجب، ~~يتحقق كل ذلك الآن. بمثل هذه الطريقة، ملأ زوس السماء الفسيحة ~~بالسحب، وأثار هياج البحر، # 22 # وهبات ms124 جميع أنواع الرياح ضدي، والآن لا مفر لي من ~~هلاك شامل. لقد بورك الدانيون ثلاثة مرات، نعم بوركوا أربع ~~مرات. أولئك الذين هلكوا من قبل في أرض طروادة الفسيحة، من أجل ~~مسرة أبناء أتريوس. ليتني هلكت كذلك، ولقيت حتفي في ذلك اليوم ~~الذي أمطرتني فيه حشود الطرواديين وابلا من الرماح البرونزية ~~السنان، وهم يقاتلون حول جثة ابن بيليوس Peleus ~~؛ # 23 # عندئذ كنت قد حظيت بالمراسم الجنائزية، وكان ~~الآخيون قد طيروا صيتي في جميع الآفاق، أما الآن فقد كتب علي ~~أن تكون نهايتي هذه الميتة البائسة.» # طوف أوديسيوس يتحطم # وبينما كان يقول لنفسه هذا، ضربته الموجة الضخمة من فوق، ~~وانقضت عليه بعنف بالغ، فدار به الطوف، وارتمى من فوقه، وأسقط ~~مجذاف القيادة من يده، ومن شدة هبات الرياح العاصفة العديدة، ~~تحطم الصاري نصفين، وسقط الشراع والدعامة بعيدا في البحر. ~~أما أوديسيوس نفسه، # 24 # فقد أبقته اللجة في الأعماق طويلا. ولم يستطع أن ~~ينهض من فوره من تحت هجمة الموجة القوية؛ إذ كانت الملابس التي ~~زودته بها كالوبس الفاتنة، ثقيلة تحمله إلى أسفل. وأخيرا ظهر ~~إلى سطح البحر، وأخرج من فمه المياه الملحة المرة التي كانت ~~تتدفق من رأسه في سيول، ولكنه مع ذلك لم ينس طوفه، رغم ما كان ~~فيه من الأهوال، بل أسرع خلفه وسط الأمواج، وأمسك به، ووثب عليه ~~وجلس في وسطه، محاولا النجاة من مصير الموت، بينما كانت لجة ~~عاتية تحمل الطوف هنا وهناك، وكما تحمل الريح الشمالية، في الخريف، ~~عناقيد الحسك وسط السهل، فيتعلق بعضها بالبعض الآخر، هكذا ~~أيضا طفقت الرياح تحمل الطوف وتقذف به إلى هذا الجانب وذاك ~~فوق رقعة البحر، # 25 # فتارة كانت الريح الجنوبية تطوح به إلى الريح ~~الشمالية، قاذفة إياه إلى الأمام، وطورا تسلمه الريح الشرقية ~~من جديد إلى الريح الغربية لتقذف به، وهكذا دواليك. # 26 # أوديسيوس ينجو بخمار # ولكن إينو # Ino ~~. # 27 # ابنة كادموس # Cadmus ~~، # 28 # الجميلة العقبين، شاهدته، إنها ليوكوثيا # Leucothea ~~، # 29 # التي كانت فيما مضى من البشر وتنطق بكلامهم، أما ms125 الآن ~~فقد ذهبت إلى أعماق البحر، وفازت من الآلهة بنصيب من المجد، ~~فأحست بالشفقة نحو أوديسيوس وهو يناضل وسط اللجج بجهد جهيد، ~~فخرجت من اليم في صورة طائر النورس البحري باسطا جناحيه، ~~وجلست فوق الطوف المشدود القطع بإحكام، وخاطبته بقولها: ~~«أيها الرجل التعيس، كيف أضمر بوسايدون، مزلزل الأرض، لك مثل هذا ~~الحقد الدفين؛ إذ يبذر لك بذور شرور عديدة؟ ولكنه، وايم الحق، ~~بالرغم من ذلك الحقد، لن يستطيع إهلاكك. كلا، اعمل ما سأخبرك به، ~~وإنك على ما أظن لا ينقصك الفهم، اخلع عنك هذه الملابس، واترك ~~طوفك تدفعه الأمواج، ثم اسبح بيديك مكافحا وسط الأمواج حتى تبلغ ~~أرض الفياكيين، حيث كتبت لك النجاة. هاك هذا الخمار، خذه ثم ~~ابسطه تحت صدرك. إنه خالد، ولا خوف عليك من المصائب أو الهلاك وهو ~~معك. ومتى لمست البر بيديك، اخلعه عنك واقذف به في البحر ~~القاتم كالخمر، بعيدا عن اليابسة، موليا ظهرك نحو المكان ~~الذي تقذفه فيه.» # 30 # قالت الربة هذا، وأعطته الخمار، ثم وثبت هي نفسها إلى البحر ~~الصاخب في هيئة النورس البحري، فلفتها الأمواج الدكناء بين طياتها، # 31 # فحار أوديسيوس العظيم كثير الاحتمال في أمره؛ إذ ~~أثيرت روحه العتيدة بعنف، فتحدث إلى نفسه يقول: ~~«ويحي! لم لا يكون أحد الخالدين يدبر لي من جديد مكيدة ~~جديدة؟ فهي تأمرني بمغادرة الطوف. كلا لن أطيع قولها على الفور؛ ~~فالبر الذي تأمرني بالسباحة إليه بعيد عن عيوني، قصي. وإني لأرى ~~أنه من الأفضل التشبث بالطوف طالما كانت أجزاؤه متماسكة، حيث ~~سأقاسي الآلام والعذاب، حتى إذا ما هشمته الموجة إربا، ~~سبحت، طالما لا تكون ثمة طريقة أفضل.» # بوسايدون يمضي في المطاردة # وبينما هو في حيرته عقلا وقلبا، سلط عليه بوسايدون مزلزل ~~الأرض، موجة عاتية، فارتفعت إلى أعلى، ثم هوت منقضة عليه. ~~وكما تهب الريح العاتية على كومة القش الجاف فيتناثر بعضه ~~هنا، والبعض الآخر هناك، هكذا أيضا، فرقت الموجة شمل ألواح ~~الطوف الطويلة. بيد أن أوديسيوس اعتلى ظهر أحد الألواح كما لو كان ~~يمتطي صهوة ms126 جواد، ونزع عن جسده الملابس التي كانت أعطته إياها ~~كالوبسو الفاتنة، وفي الحال بسط الخمار تحت صدره، وقذف بنفسه ~~وسط اللجج، ناشرا ذراعيه تأهبا للعوم، فأبصر به السيد مزلزل ~~الأرض، وهز رأسه وخاطب نفسه قائلا: ~~«طالما قد قاسيت الكثير من المتاعب، فلتذهب الآن هائما وسط هذا ~~الخصم، حتى تصل إلى قوم يبجلهم زوس. ومع ذلك فلست أعتقد أنك ~~ستسخر من آلامك بأية حال.» # ما إن قال هذا حتى ضرب بالسوط جياده ذات الأعراف الجميلة، فبلغ ~~إيجاي # Aegae # حيث يوجد قصره ~~الباذخ. # ظهور أثينا فجأة # أما أثينا ابنة زوس، فقد دبرت خطة أخرى، فعرقلت مسير الرياح ~~الأخرى، وأمرتها جميعا بالكف عن الهبوب، وبالنوم لتستريح، ما ~~عدا الريح الشمالية السريعة فقد أثارتها، فحطمت هذه الأمواج ~~أمام أوديسيوس، سليل زوس كي يستطيع أن يصل إلى الفياكيين، # 32 # المغرمين بالتجذيف، وقد نجا من الموت ومن صروف ~~المقادير. # ظل أوديسيوس يومين وليلتين مندفعا فوق سطح الأمواج العالية العاتية # 33 # وطالما توقع الهلاك في قرارة نفسه. غير أنه ما إن ~~بزغ الفجر الجميل الجدائل منبئا بمولد اليوم الثالث، حتى هدأت ~~الريح. وشمل البحر سكون رقيق، فوقع بصر أوديسيوس على الشاطئ ~~قريبا، وهو يلقي نظرة عاجلة أمامه. وقد ارتفعت به موجة عالية ~~إلى فوق. وكما يرحب الأطفال بنجاة أبيهم، الراقد في فراش المرض # 34 # يقاسي أشد الآلام، وقد أنهك المرض جسمه لمدة طويلة ~~بسبب مهاجمة أحد الآلهة القساة له، غير أنه إكراما لخاطرهم ~~تنقذه الآلهة من محنته. هكذا أيضا كانت اليابسة موضع ترحيب ~~أوديسيوس وغبطته، فأخذ يجد في السباحة متلهفا إلى أن يطأ البر ~~بقدمه. غير أنه ما إن صار على مدى الصوت من الشاطئ، عندما يصيح ~~المرء، وسمع دوي البحر وهو يرتطم بالصخور - إذ كانت الموجة العظيمة ~~تزأر فوق اليابسة ، منقضة فوقها بصورة فظيعة مروعة، ولف ~~زبد البحر كل شيء؛ إذ لم تكن هناك موانئ يمكن للسفن أن تلجها ~~ولا طرق، بل مرتفعات ناتئة داخل البحر، وصخور وجروف - عندئذ ~~وهنت ركبتا أوديسيوس وذاب قلبه، وإذ بلغت ms127 روحه التراقي، تكلم ~~مخاطبا نفسه العتيدة بقوله: ~~«ويل لي، ما أتعسني! أعندما يمن علي زوس أخيرا، بأن أرى ~~اليابسة، بعد أن فقدت كل أمل، وتغلبت على جميع الصعاب، فشققت ~~طريقي خارجا من تلك الهوة، لا ~~يبدو لي في أي مكان، سبيل إلى الخروج من هذا البحر السنجابي؟ فمن ~~الخارج الصخور حادة صلبة، ومن حولها تزأر اللجة وتزبد، وتقف ~~الصخرة عمودية شامخة والمياه قريبة جدا من الشاطئ. حتى إنه ~~ليتعذر عليك أن تقف ثابتا بكلتا قدميك ناجيا من الهلاك، فلو ~~سعيت قاصدا البر، لأمسكت بي موجة عاتية وهشمتني فوق الصخور ~~الحادة، فيضيع كفاحي هكذا أدراج الرياح، ولكني إذا سبحت إلى ~~مسافة أبعد، أملا في العثور على شواطئ منحدرة، # 35 # وموانئ بحرية، خشيت أن تلحق بي الريح العاصفة ثانية، ~~وتحملني وأنا أئن فوق اليم الزاخر أنينا شديدا، أو أن إلها ما ~~قد يسلط علي وحشا ضخما من جوف البحر - وإن أمفيتريتي # Amphitrite # 36 # المجيدة لتلد كثيرا من أمثال هذه الوحوش - لأنني ~~أعلم يقينا أن مزلزل الأرض المجيد، يحقد علي حقدا ~~بالغا.» # أوديسيوس يتعلق بصخرة # وبينما هو متحير هكذا، في عقله وقلبه، حملته موجة هائلة ~~نحو الشاطئ الوعر. هناك كاد جلده يتسلخ، وعظامه تتحطم، لولا ~~أن الربة، أثينا ذات العينين النجلاوين، وجهت عقله وأملت ~~عليه خطة، فأسرع إلى الأمام يمسك بالصخرة بكلتا يديه، متعلقا ~~بها وهو يئن، إلى أن مرت الموجة العظيمة. وهكذا نجا من تلك ~~اللجة، ولكنها وهي عائدة انقضت عليه مرة أخرى، وجرفته ~~بعيدا إلى البحر. وكما يحدث إلى سمك السبيط عندما يجرف من جحره، ~~يتعلق بممصاته كثير من الحصباء، هكذا أيضا تسلخت من يديه ~~قطع من الجلد على الصخور، وغطته الموجة الهائلة. وعندئذ حقا ~~كاد أوديسيوس يقضي نحبه قبل أوانه، لو لم تعطه أثينا المتألقة ~~الناظرين سواء البصيرة، فشق طريقه بعيدا عن الموجة حيث ~~تدفقت بقوة على الشاطئ، سابحا إلى الخارج، متجها ببصره نحو ~~البحر أملا في أن يجد شواطئ منحدرة، وموانئ بحرية، فوصل إلى ~~مصب نهر معتدل الجريان؛ إذ ms128 ~~بدا له أنه خير مكان يناسبه؛ لأنه كان أملس الصخور، وبمنأى عن ~~مهب الرياح، فعرف أوديسيوس النهر وهو يجري متدفقا، وصلى له في ~~قلبه قائلا: ~~«استمع إلي، أيها الملك، كائنا من كنت، فها أنا ذا أقصدك كمن ~~أتلهف إلى لقائه، # 37 # ساعيا إلى النجاة من جوف البحر، من وعيد بوسايدون. ~~وإن الرجل الذي يأتيك ضالا، لمحترم أيضا في عيون الآلهة ~~الخالدين، كما أجيء إليك الآن، إلى مجراك وإلى ركبتيك، بعد أهوال ~~عديدة ومشاق كثيرة. هيا، اعطف علي، أيها الملك، فها أنا ذا ~~أعلن أنني أتضرع إليك.» # البحر يهدأ ... بالصلاة # هكذا قال أوديسيوس، وفي ~~الحال أوقف ذلك الرب مجراه، وأمواجه، وجعل أمامه هدوءا، وبعث به ~~إلى مصب النهر في سلام. كما جعل ركبتيه تنثنيان، ويديه القويتين ~~ترتخيان؛ إذ كان البحر قد حطم روحه. وتورم جميع لحمه، ~~وتدفقت مياه البحر غزيرة من فمه وفتحتي أنفه. وهكذا رقد ~~أوديسيوس مبهور الأنفاس غير قادر على الكلام، لا يكاد يجد القوة ~~على التحرك؛ إذ قد حل به تعب رهيب. بيد أنه عندما أحس بانتعاش ~~روحه، وعادت أنفاسه إلى صدره، من جديد، خلع عن صدره خمار الربة، ~~وتركه يسقط في النهر الذي كان يزمجر صوب البحر، فحملته الموجة ~~العظيمة عائدة به إلى البحر. وفي الحال، تلقفته إينو بيديها. ~~أما أوديسيوس، فبعد أن عاد من النهر، خرج واستلقى بين عيدان الغاب، ~~وقبل التربة مانحة الغلال، وإذ اعتملت في نفسه العاطفة ~~الشديدة، خاطب نفسه العتيدة بقوله: ~~«ويحي! ويلي! ماذا سيحل بي بعد ذلك؟ ماذا عساه أن يصيبني في ~~آخر الأمر؟ فإذا كان لي أن أبقى هنا، في مجرى النهر، متيقظا طوال ~~الليل المتعب، فإنني أخشى أن يقهرني الصقيع القارس والندى ~~الحديث، في نفس الوقت الذي استرددت فيه روحي من بين ذلك الضعف، ~~والنسيم يهب باردا من النهر، في الصباح الباكر. أما إذا ~~تسلقت المنحدر إلى الغابة الظليلة، واستلقيت لأستريح وسط ~~الأحراش الكثيفة، عسى أن أنفض عني البرد والتعب، وحط علي النوم ~~اللذيذ، فإنني أخاف أن أصبح فريسة ولقمة ms129 سائغة للوحوش ~~الضارية.» # أوديسيوس يرقد ليستريح # وبينما هو في تفكيره، رأى من الأفق أن يشق طريقه إلى الغابة، ~~فوجدها قريبة من الماء في الخلاء الفسيح، فأخذ يزحف تحت شجيرتين ~~كانتا ناميتين في بقعة واحدة؛ إحداهما شجيرة حسك، والأخرى ~~شجيرة زيتون. وخلال هاتين لم يكن في مقدور الرياح البليلة أن ~~تهب، ولا أشعة الشمس أن تنفذ بينهما، ولا الأمطار أن تتسلل ~~خلالهما؛ إذ كانتا متلاصقتين تماما، متشابكتي الأغصان، فزحف ~~أوديسيوس تحت هاتين، وجمع بيديه في الحال فراشا عريضا؛ لأن ~~الأوراق الساقطة كانت وفيرة هناك، تكفي لإيواء رجلين أو ثلاثة، ~~في فصل الشتاء، مهما كان الطقس قاسيا، فأبصر بهما أوديسيوس، ~~الكثير الاحتمال، واغتبط ورقد في الوسط، وغطى نفسه بالأوراق ~~الساقطة. وكما يغطي المرء جذوة نار بالرماد القاتم في حقل ~~منعزل، حيث لا يوجد حواليه جيران، فيدخر تلك الجذوة حتى لا ~~يضطر إلى الحصول على النار من مصدر آخر، هكذا أيضا غطى ~~أوديسيوس نفسه بالأوراق. وسكبت أثينا النوم فوق جفنيه لكي ~~يستطيع إقفالهما، فيتخلص من تعبه المضني. # | الأنشودة السادسة # بيد أن ابنة ألكينوس، هي وحدها ~~التي بقيت ثابتة في مكانها لم تهرب. # أثينا تزور ناوسيكا في مخدعها # ومن ثم رقد أوديسيوس العظيم الكثير الاحتمال، وقد أنهكه ~~التعب وغلبه النوم. أما أثينا فذهبت إلى أرض الفياكيين # 1 # ومدينتهم. وكان هؤلاء قد استوطنوا منذ القدم في ~~هوبيريا # Hypereia # الفسيحة، بالقرب ~~من الكوكلوبيس، أولئك القوم الذي بلغت بهم الغطرسة نهايتها، ~~فكانوا يغيرون باستمرار على الفياكيين، ويسلبونهم أموالهم، وكانوا ~~أعتى منهم، فقد نقلهم ناوسيثوس # Nausithous # 2 # شبيه الإله، وظل يقودهم حتى استقر بهم في سخيريا # Scheria # النائية عمن يعيشون بعرق ~~جبينهم، فأقام حائطا حول المدينة، وشيد بيوتا ومعابد للآلهة، ~~وقسم الحقول، غير أنه لقي حتفه، قبل الآن، ورحل إلى بيت هاديس، ~~فخلفه الملك ألكينوس # Alcinous ~~، ~~وجعلته الآلهة حكيما سديد النصح والمشورة ، فذهبت الربة أثينا ~~ذات العينين النجلاوين إلى بيته، لتدبر أمر عودة أوديسيوس الجريء ~~القلب، فدخلت إلى حجرة بديعة البناء، حيث كانت ترقد العذراء ~~ناوسيكا # Nausicaa # 3 ms130 # ذات الجمال البارع الفتان، ابنة ألكينوس الباسل، أشبه ~~ما تكون بالربات الخالدات، هيئة وحسنا وروعة، وكانت تنام بالقرب ~~منها خادمتان فاتنتان، وهبتهما الجمال ربات الحسن # Graces ~~؛ كل واحدة منهما إلى أحد جانبي ~~قائم باب مخدع الأميرة، وكانت الأبواب المصقولة مغلقة. # بيد أن الربة نفذت إلى مخدع الأميرة العذراء، كهبة من ~~الهواء، ووقفت إلى جانب رأسها من فوق، وتحدثت إليها في صورة ~~ابنة دوماس # Dymas ~~، # 4 # الذائع الصيت بسفنه، وكانت ابنته فتاة في نفس سن ~~ناوسيكا، ومن المقربات إلى قلبها. وبعد أن اتخذت الربة صورتها، ~~تحدثت أثينا البراقة العينين، إليها بقولها: ~~«يا ناوسيكا، كيف أنجبتك أمك فتاة مستهترة، عديمة الاكتراث ~~بشيء؟ إن ثوبك البراق ملقى بإهمال، مع أنك على أبواب الزواج، ~~وستجدين نفسك مضطرة إلى ارتداء أجمل ثيابك، كما يجب أن تلبسي ~~تابعاتك ثيابا جميلة أيضا. إن مثل هذه الأمور، كما تعلمين، مصدر ~~ذيوع الصيت الجميل بين الناس، كما تشرح صدر الأب والأم المبجلة. ~~هيا يا فتاتي، تعالي، هلم بنا عند مطلع الفجر ننطلق لنغسل ~~الملابس، وسأكون في صحبتك لأساعدك، حتى تستطيعي تجهيز نفسك ~~بسرعة؛ فإنك لن تظلي عذراء طويلا. وها هم مغازلوك كثيرون في طول ~~البلاد وعرضها، من أشرف سائر الفياكيين الذين تنحدر منهم سلسلة ~~نسبك. هيا، أيقظي أباك النبيل مبكرا هذا الصباح، كي يعد لك ~~العربة والبغال، لتحمل الأحزمة والأثواب والأغطية الزاهية. كما أنه ~~لا يليق بك أن تذهبي ماشية على قدميك؛ لأن أحواض الغسيل نائية ~~جدا عن المدينة.» # ما إن قالت الربة، أثينا البراقة العينين، ذلك الكلام، حتى ~~انطلقت عائدة إلى أوليمبوس موطن الآلهة، الذي يقولون إنه راسخ ~~في موضعه إلى الأبد، فلا تهزه الرياح، ولا تبلله الأمطار، ولا ~~يسقط الثلج فوقه، بل يحيط به الهواء صافيا، خاليا من الغيوم ~~والسحب، ويلفه سناء لآلاء، يمرح فيه الآلهة المباركون طيلة ~~أيامهم، فإلى هناك ذهبت الربة المتألقة العينين بعد أن أفضت ~~إلى الفتاة بكامل أقوالها. # ناوسيكا تعمل بمشورة أثينا # سرعان ما انبثق الفجر الجميل العرش، وأيقظ ناوسيكا الجميلة ~~الهندام، فتذكرت ms131 حلمها في الحال، وعجبت منه فانطلقت وسط ~~القصر لتخبر أبويها؛ والدها العزيز وأمها، فوجدتهما هناك داخل ~~البيت. كانت أمها جالسة أمام الوطيس مع خادماتها، تغزل صوفا ~~أرجواني اللون. أما أبوها فقد التقت به وهو في طريقه إلى المجلس ~~ليجتمع بالملوك الأمجاد، حيث قد استدعاه الفياكيون، فاقتربت من ~~أبيها العزيز وابتدرته بقولها: ~~«أبتاه العزيز، ألا يمكن أن تعد لي عربة، متينة، عالية ~~العجلات، لأذهب إلى النهر كي أغسل ثوبي الملقى هنا قذرا؟ وإنه ~~لأليق بك أيضا وأنت بين الأمراء في المجلس أن تكون ملابسك ~~نظيفة، كما أن لك خمسة أبناء يعيشون في ساحاتك - منهما اثنان ~~متزوجان، وثلاثة عزب أقوياء - فهؤلاء يرغبون دائما في ارتداء ~~أنظف الثياب المغسولة حديثا، عندما يذهبون إلى المراقص. إذن وجب ~~علي أن أفكر في إعداد كل ذلك.» # هكذا قالت الفتاة الحسناء؛ # 5 # إذ خجلت من ذكر موضوع الزواج المفرح # 6 # لأبيها، بيد أنه فهم كل شيء، ورد عليها بقوله: «ليست ~~البغال بعزيزة عليك، يا طفلتي، ولا أي شيء آخر. دونك وما أزمعت ~~القيام به، فسيعد لك الخدم عربة، متينة العجلات عاليتها، ~~مزودة بصندوق فوقها.» # ناوسيكا تغسل الملابس مع الوصيفات # ما إن قال الملك هذا، # 7 # حتى نادى الخدم، فلبوا النداء، وهرعوا إلى خارج ~~القصر يعدون عربة تجرها بغال سريعة الجري، وجاءوا بالبغال ~~فربطوها إلى العربة، وأحضرت الفتاة ثوبها المتألق من حجرتها، ~~فوضعته فوق عربتها اللامعة، بينما أعدت أمها صندوقا ملأته ~~بجميع صنوف الطعام حتى لا تشعر ابنتها بالجوع. لقد وضعت به أشهى ~~وألذ الأطعمة، وملأت قربة من جلد الماعز بالخمر، وعندئذ ~~صعدت العذراء إلى ظهر العربة. كما أعطتها أمها قارورة من ~~الذهب مليئة بزيت الزيتون الخالص، كي تستعمله ابنتها وخادماتها ~~في الاستحمام، فأمسكت ناوسيكا بالأعنة البراقة، وبالسوط، ~~وألهبت به ظهور البغال، فانطلقت بالعربة، تعدو بأقصى سرعتها، ~~محدثة صليلا في أثناء عدوها، وهي تجر العربة التي تحمل الثوب ~~والعذراء. ولم تكن الفتاة وحدها، بل كانت بصحبة خادماتها. # ظل الركب في طريقه حتى بلغ تيارات النهر الجميلة، حيث كانت ms132 ~~أحواض الغسيل التي لم ينضب معينها قط - إذ كانت المياه الصافية ~~الرقراقة تتدفق غزيرة، مندفعة إلى أعلى، فتعمل على نظافة الثياب، ~~مهما كانت قذرة - هناك خلت الخادمات عن البغال، وسرن بحذاء النهر ~~ذي الدوامات، حيث تركنها ترعى الحشائش المائية التي كانت كالعسل ~~حلاوة، وأخذن الثوب من العربة في أيديهن، وحملنه إلى الماء ~~القاتم، فغمسنه في الأخاديد، وقد انهمكت كل منهن تنافس ~~الأخرى. وبعد أن فرغن من غسل الأثواب، ونظفنها من جميع الأوساخ، ~~بسطنها في صفوف على شاطئ البحر، حيث كانت الأمواج ترتطم باليابسة ~~فتجعل الحصى نظيفا غاية النظافة، ثم اغتسلن وتعطرن جيدا ~~بالزيت، وبعد ذلك تناولن الطعام على ضفة النهار، وانتظرن حتى تجف ~~الملابس في أشعة الشمس الساطعة. وبعد أن نلن قسطا وافرا من ~~الطعام، الأميرة وخادماتها، خلعن عذارهن، وشرعن يلعبن بالكرة. ~~وكانت ناوسيكا الناصعة الذراعيين، رائدتهن في الغناء. # 8 # وكانت أرتيميس القواسة تجوس خلال الجبال، بحذاء حافات ~~تاوجيتوس # Taygetus # الشاهقة، أو ~~إرومانثوس # Erymanthus ~~، مسرورة ~~بمطاردة الخنازير البرية والظباء السريعة، وكان يصحبها في رياضتها ~~هذه حوريات الغابة، بنات زوس، حامل الترس، وليتو # 9 # مسرورة القلب - وكانت هامة أرتيميس وجبينها يعلوان ~~فوقهن جميعا؛ ولذا كان يمكن التعرف عليها في سهولة، رغم فرط ~~جمالهن كلهن - ومن ثم وقفت العذراء، غير المتزوجة، تتلألأ ~~بهاء وسط خادماتها. # أوديسيوس يستيقظ على صرخات الوصيفات # ما إن همت الفتاة تربط البغال إلى العربة، وتطوي الثوب الرائع، ~~لتعود إلى قصرها، حتى فكرت الربة، أثينا ذات العينين ~~الساطعتين، في خطة أخرى، وهي أن توقظ أوديسيوس، فيرى العذراء ~~الفاتنة المحيا، التي ستقوده إلى مدينة الفياكيين. وعندئذ ~~قذفت الأميرة الكرة إلى إحدى وصيفاتها، فإذا بها تخطئ طريقها، ~~فلا تصل إلى الوصيفة، بل إلى الدوامة العميقة، فصرخت الفتيات ~~جميعا بصوت مرتفع، فاستيفظ أوديسيوس العظيم، واعتدل جالسا، وحار ~~في فكره وقلبه قائلا لنفسه: ~~«ويحي! إلى بلاد من من البشر قد ساقتني المقادير؟ أهم قساة، ~~متوحشون ظالمون؟ أم أنهم يحبون الأغراب ويخافون الآلهة في ~~قرارة أنفسهم؟ لقد رنت في أذني صيحة، يخيل إلي أنها ms133 ~~لعذارى، أو لحوريات من اللواتي يسكن قمم الجبال الشامخة، ~~والينابيع التي تغذي الأنهار بمائها، والمروج المعشوشبة! أمن ~~المعقول أنني في مكان قريب من قوم يتحدثون كما يتحدث البشر؟ ~~كلا، فلأقومن بنفسي، وأحاول استطلاع الأمر.» # أول حديث لأوديسيوس مع ناوسيكا # خرج أوديسيوس من تحت ~~الشجيرتين ثم خطا إلى الأمام أشبه بأسد. # ما إن قال أوديسيوس العظيم ~~هذا لنفسه، حتى خرج من تحت الشجيرتين، وكسر بيده القوية غصنا ~~من أغصان الغابة الكثيفة، غصنا كثير الأوراق، ليضعه حول وسطه ~~ويستر به عورته، ثم خطا إلى الأمام أشبه بأسد جبلي المنبت، ~~معتمد على قوته، يتقدم وسط هطول الأمطار وهبوب العواصف، غير ~~عابئ بها، بل تقدح عيناه بالشرر، فيهجم على قطيع الأبقار أو ~~الأغنام، أو على الغزال البري، ملبيا نداء بطنه، مقتحما حتى ~~الحظيرة المتينة البناء ليغير على القطعان. هكذا كانت حال ~~أوديسيوس، وهو يوشك على الدخول وسط جماعة العذارى ذوات الغدائر ~~الجميلة، رغم عريه؛ إذ كان مدفوعا بباعث الحاجة. وكان منظره ~~أمامهن مروعا، ملطخا بالماء الملح، فانكمشن مذعورات، ~~واحدة هنا، وواحدة هناك، بجوار أكوام الرمال الناتئة. بيد أن ابنة ~~ألكينوس، هي وحدها التي بقيت ثابتة في مكانها لم تهرب؛ لأن ~~أثينا بثت الشجاعة في قلبها، ونزعت الخوف من أطرافها، فلم ~~تطلق العنان لقدميها كغيرها # 10 # بل وقفت في مواجهته، فحار أدويسيوس ماذا يفعل! أيمسك ~~بركبتي الفتاة الحسناء، ويتوسل إليها، أم يتوسل برقيق الألفاظ ~~وهو واقف مكانه، عسى أن تدله على المدينة وتعطيه ثوبا. وبينما ~~هو في تفكيره، رأى من الأفضل أن يقف بعيدا، ويتضرع إليها بعبارات ~~لطيفة، لئلا يغضب عليه قلب الفتاة إذا أمسك بركبتيها، ولتوه ~~خاطبها بعبارات رقيقة خداعة، فقال: ~~«عفوا، سيدتي الملكة، ~~أأنت ربة، أم أمن البشر؟ فإن كنت ربة من اللواتي مسكنهن ~~السماء الفسيحة، فإني أشبهك بأرتيميس، ابنة زوس العظيم، فإنك ~~تشبهينها تمام الشبه، جمالا وقدا واعتدالا. أما إذا كنت من ~~البشر الذين يسكنون الأرض المترامية الأطراف، فمبارك أبوك ثلاث ~~مرات، وكذا أمك الوقورة، ومبارك ثلاث مرات إخوتك؛ فإني لأعتقد ~~أن ms134 هناك على الدوام قلوبا زاخرة بالسرور من أجلك، مغتبطة برؤيتك ~~تدخلين حلقة الرقص، زهرة يانعة باهرة. غير أن المبارك أكثر من ~~هؤلاء، هو ذلك الذي سيغلب بهداياه من الوصول إلى قلبك ويأخذك إلى ~~بيته؛ فلم يسبق لعيني أن رأتا إنسانا مثلك رجلا كان أم امرأة، إن ~~الدهشة لتتملكني وأنا أنظر إلى طلعتك البهية. ولئن أردت الحق، ~~فإنني رأيت ذات مرة، في ديلوس # Delos ~~، شيئا كهذا، غصنا في نخلة، ينمو بجوار مذبح ~~أبولو - فقد ذهبت إلى هناك، أيضا، وتبعني قوم كثير، في تلك ~~الرحلة التي كتب لي فيها الشقاء الجم والمحن العصيبة - هكذا ~~عندما رأيت ذلك الفنن، عجبت في قلبي فترة طويلة؛ إذ لم يسبق لي ~~أن رأيت مثل ذلك النبت يخرج من الأرض. كذا يتملكني العجب من ~~مرآك، يا سيدتي، وأخاف غاية الخوف أن ألمس ركبتيك. لقد انتابتني ~~الأحزان والهموم البالغة؛ فأمس، في اليوم العشرين، هربت من البحر ~~القاتم بلون الخمر، وحملتني الأمواج والرياح السريعة من جزيرة ~~أوجوجيا # Ogygia ~~، فقذف بي القدر ~~الآن إلى هذا الشاطئ، كي أقاسي الآلام هنا أيضا؛ فإنني أعتقد أن ~~متاعبي لن تكف بعد، بل ستذيقني الآلهة مزيدا منها. أشفقي ~~علي، أيتها المليكة، فقد جئت إليك الآن بعد متاعب جمة ~~مرهقة؛ إذ لست أعرف أحدا ممن يملكون هذه المدينة والحقول. أريني ~~المدينة، وأعطيني ثوبا ما، أستر به جسدي، إذا كان لديك ما ~~يتدثر به المرء عندما جئت إلى هذا المكان. وإني لأتوسل إلى ~~الآلهة أن تمنحك زوجا وبيتا، ووحدة في القلب - هدية عظيمة - فما ~~من شيء أعظم من أن يعيش الرجل وزوجته في منزل متحدين ~~متحابين، فيكون هذا كمدا لأعدائهما، وفرحا لأصدقائها، أما هما ~~فيعرف كل منها صاحبه حق المعرفة.» # ناوسيكا تعطف على أوديسيوس # عندئذ ردت عليه ناوسيكا الناصعة الذراعين بقولها: «أيها ~~الغريب، ما دمت لا تبدو رجلا شريرا، ولا جاهلا، وزوس ~~الأوليمبي نفسه هو الذي يمنح السعادة للبشر، لكل من الأخيار ~~والأشرار، فيمنح كل امرئ ما يشاء، وهكذا قد منحك أيضا هذا الحظ، ~~إذن فلتتحمل ms135 ما قدر لك. أما الآن، فحيث إنك قد جئت إلى ~~مدينتنا وإلى بلادنا، فلن تفتقر إلى اللباس أو إلى أي شيء مما ~~يحتاجه المتضرع الذي لاقى المحن والتجارب في طريقه إلينا؛ فسأقودك ~~إلى المدينة، وأخبرك باسم الشعب؛ فهذه المدينة يملكها الفياكيون، ~~وكذا هذه البلاد. وإنني ابنة ألكينوس، العظيم القلب، الذي يتوقف ~~عليه عضد وقوة الفياكيين.» # قالت ناوسيكا هذا، ونادت خادماتها الجميلات الغدائر، وأمرتهن ~~بقولها: «قفن يا وصيفاتي، إلى أين فراركن عند رؤية رجل؟ لا شك ~~أنكن خائفات من أن يكون عدوا! كلا، فلا يوجد ولن يعيش، من ~~يأتي بلاد الفياكيين كعدو؛ لأننا أعزاء جدا على الخالدين، ~~بمنأى عن سائر الدنيا، نقطن في البحر الصاخب، في أقصى بقعة عن ~~البشر، ولا علاقة قط لأي فرد آخر بنا. أما هذا الرجل فضال ~~مسكين، ساقته الأقدار إلى هذا المكان. علينا الآن أن نرعاه؛ لأن ~~جميع أبناء السبيل والشحاذين، يرسلهم زوس، ويجب الترحيب بأية ~~هدية مهما صغرت. هيا، إذن يا وصيفاتي، قدمن لهذا الغريب ~~طعاما وشرابا، واغسلنه في النهر، في بقعة بها مأوى من ~~الريح.» # أوديسيوس يغتسل بأمر ناوسيكا # ما إن قالت هذا، حتى وقفت الخادمات، ونادت كل منهن الأخرى، ~~وصحبن أوديسيوس إلى مكان بعيد عن مهب الريح، # 11 # كما أمرتهن ناوسيكا ابنة ألكينوس العظيم القلب، ~~ووضعن إلى جواره عباءة ورداء ليتدثر بهما، وأعطينه قارورة ~~ذهبية بها زيت زيتون صاف، وأمرنه أن يستحم في مجرى النهر، فقال ~~أوديسيوس العظيم وقد التفت حوله الخادمات: ~~«أيتها الوصيفات، قفن هنا بعيدا عني، حتى أستطيع أن أزيل ~~بنفسي، ما علق بمنكبي من الماء المالح، وأدهن نفسي بزيت الزيتون؛ ~~لأنه بحق لم يمس الزيت جلدي منذ أمد بعيد. لا يمكنني أن أستحم ~~في حضرتكن؛ إذ يخجلني أن أتعرى أمام العذراوات الجميلات ~~الجدائل.» # هكذا قال، فانصرفت الخادمات، وأخبرن الأميرة، وعندئذ أزال ~~أوديسيوس العظيم من فوق الجلد بماء النهر ما علق بظهره وكتفيه ~~العريضتين من آثار الماء المالح، وغسل عن رأسه زبد البحر الصاخب. ~~وبعد أن غسل سائر جسمه، ودهن جسده ms136 بالزيت، وارتدى الملابس التي ~~جادت بها العذراء الفاتنة، جعلته أثينا، ابنة زوس، أطول في ناظر ~~من يتطلع إليه، وأشد قوة، وجعلت خصل الشعر المتدلية من ~~رأسه، أشبه بزهرة الأقحوان. وكما يجيد تلاميذ # 12 # هيفايستوس الماهرون، ومن علمتهم أثينا جميع أفانين ~~المهن، تطعيم الفضة بالذهب، فيبدو عملهم رائعا جميلا. هكذا أيضا ~~سكبت الربة حسنا وبهاء على رأسه وكتفيه بعد ذلك، ذهب ~~أوديسيوس وجلس بعيدا على شاطئ البحر، يتألق حسنا وجمالا، ~~فدهشت العذراء المرآة، وتحدثت إلى وصيفاتها ذوات الشعور ~~الجميلة، بقولها: ~~«أصغين، أيتها العذراوات، الناصعات الأذرع، كي أقول لكن شيئا. ~~لم يأت هذا الرجل، إلى الفياكيين الشبيهي الآلهة، دون إرادة ~~الأرباب الساكنين أوليمبوس؛ فقد كان يبدو لي أول ما رأيته، ~~صعلوكا، أما الآن فإنه يشبه الآلهة، الذين يحتلون السماء ~~الفسيحة. ليت رجلا مثله يتزوجني، ويسكن هنا، ويسره البقاء في ~~بلادنا. هيا يا وصيفاتي، قدمن لهذا الغريب الطعام ~~والشراب.» # هكذا قالت، فلبت الخادمات أمرها في الحال، وقدمن إلى ~~أوديسيوس طعاما وشرابا. وعندئذ شرب أوديسيوس العظيم التحمل، ~~ما طاب له أن يشرب، وأكل ملء بطنه؛ إذ كان قد مضى عليه وقت طويل، ~~لم يذق فيه طعاما. # ناوسيكا ترشد أوديسيوس # أما ناوسيكا الناصعة ~~الساعدين، فاهتمت بعمل آخر؛ إذ طوت الملابس، ووضعتها في ~~العربة الجميلة، وشدت البغال القوية الحوافر إلى النير، ~~واعتلت بنفسها العربة. وبعدئذ التفتت إلى أوديسيوس، وحيته، ~~وخاطبته بقولها: «انهض الآن، أيها الغريب، كي تذهب إلى المدينة، ~~وأدلك على بيت أبي الحكيم، حيث أطمئنك بأنك ستعرف جميع أشراف ~~الفياكيين. اعمل حسب إرشادي، ولا أخالك مفتقرا إلى الإدراك. طيلة ~~مرورنا خلال الريف وحقول القوم المفلوحة، سر أنت بسرعة، مع ~~الوصيفات خلف العربة والبغال، بينما أقود أنا الطريق، حتى إذا ما ~~أوشكنا على بلوغ المدينة، التي يحيط بها سور شاهق، تخلف عنا. ~~هناك ميناء جميل يقع إلى جانب المدينة، به مدخل ضيق، والسفن ~~المعقوفة قد سحبت بحذاء الطريق؛ لأن هناك مواقف لسفن الجميع. كل ~~رجل له موقف خاص بسفنه، كما أن هناك أيضا مكانا يحتشدون فيه ms137 ~~حول معبد بوسايدون الجميل، الراسخ عميقا بصخور وضعت في الأرض ~~إلى عمق كبير. هناك تجد الرجال منهمكين في حبال سفنهم السوداء، ~~وفي المراسي والقلاع، كما أنهم يصنعون هناك صفحات المجاذيف ~~الرقيقة؛ إذ لا يهتم الفياكيون بالقوس، ولا بجعبة السهام، بل ~~بالصواري ومجاذيف السفن، وبالسفن الجميلة، التي يجدون فيها ~~لذتهم، ويعبرون بها البحر الرمادي. إنني أتحاشى انتقادهم، لئلا ~~يعيرني شخص ما، فيما بعد؛ إذ يوجد بالبلاد قوم صلفون حقا، ~~فلو التقى بنا رجل من السفلة لقال: «من هذا الذي يتبع ناوسيكا، إنه ~~لرجل فارع الطول، لطيف المنظر، وإنه لغريب؟ أين عثرت عليه؟ إنه ~~سيصبح زوجها دون شك. ربما كان هذا أحد من يجوسون بسفنهم خلال ~~البحر، من قوم يسكنون بلادا نائية - فما من أحد قريب منا - وما ~~من إله، طال التوسل إليه، قد هبط من السماء استجابة ~~لتوسلاتها، ولسوف تتخذه زوجا لها طوال حياتها. كان من الأفضل لو ~~أنها ذهبت بنفسها إلى بلاد بعيدة، واختارت زوجا من شعب آخر؛ ~~فإنها، والحق يقال، تحتقر الفياكيين هنا في هذه البلاد؛ إذ هام ~~بها عشاق وأشراف كثيرون!» هكذا سوف يقولون، ويكون هذا معيرة ~~لي. إنني أنا نفسي، ألوم أية عذراء أخرى، تفعل مثل هذا الأمر، ~~رغم وجود أبيها وأمها العزيزين على قيد الحياة، أن تتصل برجل آخر ~~قبل يوم زواجها العلني. كلا أيها الغريب، أصغ بسرعة إلى حديثي، ~~حتى يمكنك أن تحصل من أبي على رفيق يوصلك إلى وطنك. ستجد بالقرب ~~من الطريق كهفا كبيرا للربة أثينا، كهفا من أشجار الصفصاف، ~~ينبثق بداخله ينبوع، وحوله مرج. هناك حديقة والدي، وكرمته ~~المثمرة، وتبعدان عن المدينة مسافة مدى صوت الإنسان عندما يصيح. ~~اجلس هناك، وانتظر قليلا ريثما نصل نحن إلى المدينة ونبلغ قصر ~~أبي، فإذا ما اعتقدت أننا نكون قد بلغنا المنزل، انهض وتوجه إلى ~~مدينة الفياكيين، واسأل عن قصر والدي، ألكينوس، العظيم القلب. إن ~~الاهتداء إليه لمن السهولة بمكان؛ إذ يستطيع صبي حتى ولو كان محض ~~طفل، أن يرشدك عنه؛ فهو مشيد بطريقة تختلف تماما ms138 عن بقية منازل ~~الفياكيين، فإذا ما صرت بداخل القصر، والجناح الملكي، سر قدما ~~عبر القائمة الكبرى، إلى أن تصل عند أمي، التي تجلس في ضوء النار ~~بالقرب من المدفأة، تحيك منسوجا أرجوانيا، أعجوبة للناظرين، ~~متكئة على عمود، وتجلس وصيفاتها خلفها، ويتكئ على نفس العمود، عرش ~~أبي، حيث يجلس ويعب الخمر، كأنه أحد الخالدين. تجاوز أبي، واتجه ~~بسرعة نحو أمي، وضع يديك حول ركبتيها، لكي تستطيع أن ترى بسرعة ~~يوم عودتك، رغم أنك لم تقدم من مكان بعيد؛ فلو أمكنك أن تحوز ~~رضاها، لكان لك أمل في أن ترى أصدقاءك وتعود إلى وطنك وإلى بيتك ~~الراسخ البناء.» # أوديسيوس يصل لأثينا # ما إن قالت ناوسيكا # 13 # هذا، حتى ألهبت متون البغال بالسوط اللامع، وأسرعت ~~تاركة وراءها مجرى النهر، فأخذت البغال تتبختر بمهارة، وبمهارة ~~راحت تعمل أقدامها السريعة، وراحت الأميرة تسوق العربة بطريقة لا ~~ترهق الوصيفات وأوديسيوس، وهم يتبعونها سيرا على الأقدام، ~~وكانت تستخدم السوط بحكمة. ولما غابت الشمس، وصلوا إلى الكهف ~~المجيد، المقدس لأثينا، فجلس أوديسيوس هناك، وراح من فوره ~~يتوسل إلى ابنة زوس العظيم قائلا: «أصغي إلي يا ابنة زوس، ~~حامل الترس، ذلك الذي لا يكل. أصغي إلى صلاتي، ما دمت لم تصغي ~~إلي من قبل، يوم أن ضربت، عندما ضربني مزلزل الأرض المجيد. ~~سهلي علي الوصول إلى أرض الفياكيين، كي أقابل بالترحيب، ~~وألقى عطف القوم وشفقتهم.» # هكذا صلى أوديسيوس، فاستمعت إليه بالاس أثينا، ولكنها لم تظهر ~~أمامه وجها لوجه؛ إذ كانت تخشى غضب شقيق أبيها، الذي ثار بحمية ~~ضد أوديسيوس، الشبيه بالإله، إلى أن وصل أخيرا إلى وطنه. # | الأنشودة السابعة # ناوسيكا في عقر دارها # هكذا صلى هناك أوديسيوس العظيم، البالغ المعاناة، بينما كان ~~البغلان القويان يجران العذارى إلى المدينة، فلما بلغت ناوسيكا ~~قصر أبيها الباذخ، أوقفت البغال أمام الباب الخارجي، واحتشد ~~أشقاؤها حولها، رجال أشبه بالخالدين، فخلوا عن البغال، من ~~العربة، وحملوا الملابس إلى الداخل، فانطلقت هي إلى حجرتها، ~~فأوقدت النار لها وصيفتها يوروميدوسا # Eurymedusa ~~، السيدة العجوزة الأبايرية # Aperié ~~، تلك ms139 التي جلبتها السفن ~~المعقوفة من أبايري، واختارها القوم من بين الغنائم، جائزة شرف ~~للملك ألكينوس، الذي كان عاهل سائر الفياكيين، وكان القوم يأتمرون ~~بأمره كما لو كانوا يأتمرون بأمر إله. وهي التي قامت بتربية ~~ناوسيكا الناصعة الذراعين، واضطلعت بتنشئتها في القصر، فأوقدت ~~لها النار. وأعدت لها عشاءها في مقصورتها. # أي طفلتي، ألا يمكنك أن ~~تدليني على منزل من يسمونه ألكينوس؟ # أوديسيوس وسط الغمام # في ذلك الحين، نهض أوديسيوس ليذهب إلى المدينة، وألقت أثينا، ~~حوله غمامة كثيفة، بنية خالصة، كي لا يتحدث إليه أحد من ~~الفياكيين، العظيمي القلوب، إذا ما التفوا به، أو يسخروا منه، ~~ويسألوه من يكون، فلما أوشك على دخول المدينة العظيمة ~~الجميلة، قابلته الربة أثينا، ~~ذات العينين النجلاوين، متنكرة في زي فتاة يافعة تحمل جرة، ~~ووقفت أمامه فسألها أوديسيوس العظيم بقوله: # سأريك القصر، كما تريد أيها ~~الغريب. ~~«أي طفلتي، ألا يمكنك أن تدليني على منزل من يسمونه ~~ألكينوس، ذلك الذي يحكم هنا كملك على هذا القوم؟ # 1 # لأنني قدمت إلى هنا، غريبا، من بلاد قصية، ~~ومنهكا غاية الإنهاك؛ ولذا لست أعلم أي قوم يملكون هذه ~~المدينة، وهذه البلاد.» # عندئذ أجابته الربة، ~~أثينا المتألقة الناظرين، قائلة: «إذن فسأريك القصر، كما تريد، ~~أيها الغريب. إنه قريب من بيت أبي الشريف. كل ما عليك هو أن تمشي ~~معي في هدوء بينما أرشدك إلى الطريق. بيد أنه يجب ألا تلتفت ~~بعيونك نحو أي رجل، وألا تسأل أحدا؛ ~~لأن القوم هنا لا يحتملون رؤية ~~الأغراب، ولا يرحبون بمن يأتي من بلد آخر. إنهم والحق يقال ~~يثقون في سرعة سفنهم الماخرة، ويعبرون بها هوة البحر العظيمة؛ لأن ~~هذا هو ما وهبهم إياه مزلزل الأرض، وسفنهم تسير بسرعة بالغة ~~كأنها طائر يبسط جناحيه، أو فكرة تمر في سرعة.» # 2 # قالت بالاس أثينا هذا، وشقت الطريق بسرعة، بينما سار أوديسيوس # 3 # في أعقاب الربة. وبينما كان أوديسيوس يسير بين ~~الفياكيين خلال المدينة، لم يعره القوم المشهورون بسفنهم أي ~~التفات؛ لأن أثينا الربة المهوبة ، ذات الغدائر الفاتنة، ms140 لم تكن ~~لتحتمل هذا، وعلى ذلك أحاطته بغمامة عجيبة؛ إذ كان قلبها يعطف ~~عليه. ودهش أوديسيوس لفخامة الموانئ، والسفن الرائعة الواقفة عند ~~مكان الاجتماع، حيث كان الأبطال أنفسهم محتشدين. كما أعجب ~~بالحوائط الطويلة الشاهقة التي تعلوها الطرق البديعة نزهة ~~للرائين، فلما بلغا قصر الملك المنيف، بادرته أثينا، اللامعة ~~الطرف، بقولها: ~~«هنا، يا سيدي الغريب، البيت الذي طلبت مني أن أدلك عليه، ~~ستجد الملوك، نسل زوس، جالسين إلى المائدة يولمون، ادخل # 4 # بقلب جريء، ولا تخش شيئا؛ لأن الرجل المقدام ~~مفضل في كل شيء، حتى ولو كان غريبا من بلد آخر. اقترب أولا ~~من الملكة أريتي # Arete ~~، # 5 # في القصر؛ فهذا اسمها الذي تدعى به، وإنها لتنحدر من ~~نفس سلسلة نسب الملك ألكينوس. كانت ناوسيثوس # Nausithous ~~، في البدء ابنة لبوسايدون، مزلزل الأرض ~~وبيريبويا Periboea ~~، عظمى النساء ~~فتنة وجمالا، وصغرى بنات يوروميدون # Eurymedon # العظيم القلب، الذي كان فيما مضى ملكا ~~على العمالقة المتغطرسين، ولكنه جر الخراب على قومه، وتحطم هو ~~نفسه، فاضطجع بوسايدون مع بيرويبويا، وأنجب ابنة ناوسيثوس ~~المقدام، الذي حكم الفياكيين، وأنجب ناوسيثوس، بدوره، ريكسينور # Rhexenor ~~، وألكينوس. ولما لم ينجب ~~ريكسينور، حتى الآن أية أولاد، ضربه أبولو ذو القوس الفضية في ~~ساحته، رغم أنه كان حديث الزواج، وخلف ابنة واحدة فقط، هي ~~أريتي، فتزوجها ألكينوس، وأمعن في إكرامها بما لم تكرم به ~~امرأة قط على وجه الأرض، من سائر أولئك اللواتي كن يهيمن، في ~~تلك الأيام، على شئون بيوتهن ويرضخن لأزواجهن، فأكرمت غاية ~~الإكرام، وظلت دائما مكرمة، من أولادها، ومن ألكينوس نفسه، ~~ومن الشعب الذي كان يعتبرها كربة، # 6 # ويحييها كلما مشت خلال المدينة؛ إذ كانت بالذات ~~وبلا شك ذات فطنة وحكمة وإدراك سليم، وكانت تفصل بحكمة بين ~~النساء المتنازعات، فتضع حدا لمنازعاتهن حتى ولو كانت المنازعات ~~مع أزواجهن، فلو نلت الرضى في عينيها، لكان هناك أمل، أي أمل في ~~أن ترى أصدقاءك، وتعود إلى منزلك العالي السقف، وإلى ~~وطنك.» # أوديسيوس أمام قصر الملك المنيف # قالت أثينا المتألقة الطرف هذا، وانصرفت ms141 عبر البحر الصاخب، ~~تاركة سخيريا # Scheria # الجميلة. ~~ذهبت إلى ماراثون # Marathon # وأثينا # 7 # الفسيحة الطرقات، ودخلت بيت إريخثيوس # Erechtheus # 8 # المتين البناء، أما أوديسيوس فاتجه نحو قصر ألكينوس ~~الباذخ. وقف هناك يفكر في نفسه، وأطال التفكير قبل أن يبلغ ~~العتبة البرونزية؛ إذ كان يتألق هناك شعاع كأنه من أشعة الشمس أو ~~القمر، فوق منزل ألكينوس الباسل، ذي السقف الشامخ. أما الحوائط ~~فكانت من البرونز، وتمتد على كلا جانبي العتبة حتى المقصورة ~~الداخلية، بإطار سفلي من الميناء الزرقاء. # 9 # وكانت الأبواب التي تحكم إقفال ذلك المنزل المتين ~~البناء، من الذهب الإبريز، ومثبتة في قوائم من اللجين فوق ~~عتبة برونزية. كما كانت القواعد العليا للنوافذ من اللجين ~~كذلك. أما مقابض النوافذ والأبواب فكانت من العسجد. وتقف على ~~جانبي الباب كلاب من الذهب والفضة، صاغها هيفايستوس بمهارة فنية، ~~لتحرس قصر ألكينوس المقدام. لقد كانت تلك الكلاب خالدة لا تعرف ~~الشيخوخة طوال حياتها. # 10 # أما في الداخل فكانت المقاعد بطول جانبي الحائط، ~~ابتداء من العتبة حتى أقصى القاعة الداخلية، وقد ألقيت فوقها ~~أثواب من المنسوج الناعم، قد حاكته النساء بأيديها بمهارة. # 11 # واعتاد قادة الفياكيين أن يجلسوا على هذه المقاعد ~~ليشربوا ويأكلوا؛ إذ كانوا يمتلكون خزينا لا ينضب. كما كانت تقف ~~هناك تماثيل ذهبية لغلمان تحمل المشاعل المضيئة، في أيديها ~~لتنير المكان ليلا للمدعوين في القاعة، وتقف على قواعد ~~راسخة. وبالقصر خمسون أمة؛ بعضهن يطحن الحب الأصفر بالرحى، ~~أخريات ينسجن الأقمشة، أو يلففن خيوط الغزل وهن جالسات، كأنهم أوراق # 12 # شجرة صفصاف باسقة، ويتساقط من الكتان الضيق النسج، ~~زيت الزيتون الصافي؛ # 13 # فكما كان الرجال الفياكيون ماهرين في قيادة السفن ~~السريعة فوق صفحة البحر، كذلك كانت السيدات عاملات ماهرات على ~~المنول؛ إذ وهبتهن أثينا، دون غيرهن، حذق الأشغال اليدوية، ~~والقلب المدرك. وخارج البهو، بقرب باب القصر مزرعة كروم هائلة ~~تبلغ مساحتها أربع مقطوعيات # 14 # ويحيط بها مرتفع تنمو فيه أشجار فاخرة باسقة، أشجار ~~الكمثرى والرمان والتفاح، قطوفها دانية تتلألأ، وأشجار التين ~~الحلو، والزيتون الجيد. ms142 ولم تكن ثمار هذه الأشجار لتنقطع أبدا، ~~سواء في الشتاء أو في الصيف، بل كانت دائمة الإثمار طوال العام. ~~وتساعد الريح الغربية بهبوبها الدائم على سرعة نضج الثمار، فتنضج ~~الكمثرى واحدة بعد الأخرى، والتفاحة إثر التفاحة، وعنقود العنب ~~بعد العنقود، والتينة وراء الأخرى. أما مزرعة الكروم للثمرة فكان ~~بها منطقة دافئة، بأحد أجزائها تمتد على أرض منبسطة، حيث يجفف ~~العنب في الشمس، بينما يجمع الرجال العنب الطازج، ويعصرونه. كان في ~~أول الكرمة أعناب فجة تظلل النوار، بينما البعض الآخر قد ~~تحول لونه إلى الأرجواني. وهناك أيضا بجانب آخر صف للكروم، ~~أحواض لنباتات الأزهار المختلفة، من شتى الأنواع، تنمو وتزهر طول ~~العام. وبداخل الحديقة ينبوعان، يتدفق ماء أحدهما خلال الروض ~~فيرويه بأكمله، بينما تتدفق مياه الآخر أسفل عتبة البهو صوب ~~القصر المنيف. من هذا الينبوع يستقي أهل المدينة. تلك كانت هدايا ~~الآلهة المجيدة في ألكينوس. # وقف أوديسيوس العظيم، الكثير الاحتمال، مدهوشا أمام هذه ~~العجائب، وبعد أن نال كل شيء إعجاب قلبه، مر مسرعا من العتبة ~~إلى داخل القصر، فوجد قادة الفياكيين ومستشاريهم يسكبون السكائب من ~~كئوسهم، لأرجايفونتيس الحاد البصر، الذي اعتادوا أن يسكبوا له ~~الخمر، بعد الانتهاء من أعمالهم، واعتزامهم الذهاب لينعموا ~~بالراحة. # أوديسيوس يتضرع إلى زوجة ألكينوس # دخل أوديسيوس العظيم، البالغ المقاساة، إلى القاعة تلفه ~~الغمامة الكثيفة التي أرسلتها أثينا حوله، حتى بلغ مكان أريتي ~~والملك ألكينوس، فألقى يديه حول ركبتي أريتي، وفي التو انقشعت ~~الغمامة العجيبة من حوله، وشاع السكون على سائر من كانوا بالقاعة ~~عندما أبصروا ذلك الرجل، وامتلأت نفوسهم عجبا وهم يتجهون بأبصارهم ~~نحوه، ولكن أوديسيوس شرع يتوسل قائلا: ~~«هيا أريتي، يا ابنة ريكسينور الشبيه بالإله، إنني أجيء إلى زوجك ~~وإلى ركبتيك بعد مشاق عديدة. نعم، وإلى هؤلاء الضيوف، الذين ~~أرجو أن تهبهم الآلهة السعادة في الحياة، وكل منهم يخلف ~~لأطفاله، ثروته الموجودة بساحاته، وفروض المجد التي منحه إياها ~~الشعب. إنني أتوسل إليك أن تعجلي بإرسالي إلى وطني، بسرعة؛ إذ ~~ظللت مدة طويلة أقاسي المحن بعيدا عن ms143 أصدقائي.» # إخينيوس يكرم أوديسيوس # ما إن قال أوديسيوس هذا، حتى جلس فوق المدفأة، على الرماد بجانب ~~النار، بينما خيم الصمت على الجميع. وأخيرا تكلم في وسطهم السيد ~~العجوز إخينيوس # Echeneus ~~، وكان ~~يكبر الفياكيين سنا، ذا لسان لافظ، ويعرف سائر حكم القدماء، ~~فقال بضمير خالص، مخاطبا المجلس: «أي ألكينوس، للعجب أن هذه ليست ~~طريقة مثلى؛ فلا يليق أن يجلس غريب فوق الأرض على المدفأة وسط ~~الرماد، بينما يقف أتباعك أولاء ينتظرون كلمتك. مر الغريب أن ~~ينهض، ودعه يجلس فوق مقعد مطعم باللجين، ومر الخدم أن ~~يمزجوا الخمر، حتى يمكننا أن نسكب السكائب لزوس أيضا، ذلك الذي ~~يقذف بالصاعقة؛ لأنه يشرف دائما على المتضرعين الموقرين، وعلى ربة ~~البيت أن تقدم لهذا الغريب # 15 # عشاء من خزين دارها.» # مظاهر الترحيب بأودويسيوس # عندما سمع ألكينوس القوي العتيد هذا، أمسك بيد أوديسيوس، العاقل ~~والداهية، وأنهضه من فوق المدفأة وأجلسه على كرسي يتلألأ، أمر ~~ابنه لاوداماس # Laodamas # الجسور # 16 # أن ينهض من فوقه ويخليه # 17 # له؛ إذ كان يجلس إلى جانبه، وكان خير أحبائه. بعد ذلك ~~أحضرت إحدى الإماء جرة بها ماء ليغسل يديه، جرة من الذهب، ~~وأفرغت الماء في طست من الفضة، ثم أحضرت أمامه منضدة مصقولة. ~~وعندئذ جاءت ربة البيت الحكيمة، ووضعت أمامه الخبز، ومعه كثير ~~من طيبات الطعام، لا حصر لها، وجادت بسخاء من خزينها. وهكذا شرب ~~أوديسيوس العظيم، البالغ التحمل، وأكل، ثم خاطب ألكينوس العتيد ~~الخادم، قائلا: ~~«امزج الطاس، يا بونتونوس Pontonous ~~، وقدم الخمر لجميع من بالقاعة، حتى ~~يمكننا أن نسكب السكائب أيضا لزوس، الذي يقذف بالصاعقة؛ لأن يهيمن ~~دائما على المتوسلين الوقورين.» # قال هذا، ومزج بونتونوس الخمر العسلية المذاق، وسقى الجميع، ~~ساكبا أولا بعض نقط في الكئوس للسكيبة. وبعد أن سكبوا السكائب، ~~واحتسوا الخمر حتى الثمالة، نهض ألكينوس وسط الحشد، وتكلم مخاطبا ~~إياهم قائلا: ~~«أصغوا إلي، يا قادة ومستشاري الفياكيين، كي أتحدث إليكم بما ~~يجول في قلبي وصدري. أما وقد انتهيتم الآن من وليمتكم، فليذهب كل ~~منكم إلى بيته ليستريح، وعندما ms144 يطلع الصباح سندعو مزيدا من ~~القادة إلى الاجتماع، كما ندعو الغريب في ساحاتنا، ونقدم ذبائح ~~عظيمة للآلهة. وبعد ذلك نفكر في إرساله إلى وطنه، كي يستطيع ~~بمعونتنا أن يصل إلى بلاده دون جهد ولا مشقة، ويبلغها بسرعة وغبطة، ~~رغم أنه لا يأتينا من مكان قصي على الإطلاق، ولن يتكبد في نفس ~~الوقت أي أذى أو ضرر، حتى يطأ أرض وطنه بقدميه، ولو أنه بعد ذلك ~~سيعاني ما حاكه له القدر # Fate # والغزالات # Spinners # 18 # المفزعات بخيطهن عند مولده، يوم أن حملت فيه أمه. أما ~~إذا كان هذا الغريب، واحدا من الخالدين الهابطين من السماء، فإنه ~~شيء جديد كل الجدة، تحيكه لنا الآلهة؛ إذ كانت عادتهم فيما مضى ~~أن يظهروا لنا في صورة واضحة، عندما كنا نقدم لهم ذبائح مجيدة ~~من مائة ثور، فيولموا بيننا، ويجلسوا حيث نجلس. نعم، وحتى إذا ~~التقى بهم أحدنا مصادفة، ما كانوا يختفون؛ لأننا مقربون جدا ~~منهم، قرب الكوكلوبيس # Cyclopes ~~، # 19 # وقبائل العمالقة # Giants # المتوحشين.» # أوديسيوس يروي قصة متاعبه # عندئذ رد عليه أوديسيوس الكثير الحيل بقوله: «لتبعد عنك هذه ~~الفكرة، يا ألكينوس؛ فلست شبيها بالخالدين، الذين يحتلون ~~السماء الفسيحة، لا شكلا، ولا قواما ولكني أشبه البشر؛ فأي فرد ~~من البشر تعرف أنه قاسى أهوالا جمة، فإنني أشبه نفسي به في ~~أحزاني. نعم ويمكنني أن أسرد لك أطول قصة، عن جميع الويلات التي ~~لاقيتها بمحض إرادة الآلهة. إنك تعذبني الآن بأن آكل رغم حزني، ~~في من شيء أشد عارا من البطن المقيت، الذي يجبر المرء على ~~التفكير فيه مرغما. ليتك لا تغتم أو تحمل ما أحمله في قلبي من غم ~~وأحزان، ومع ذلك فإن أحشائي تأمرني دائما بأن آكل وأشرب، وتجعلني ~~بذلك أنسى كل ما لاقيته، كما تأمرني بأن آكل كفايتي، فهل لك أن ~~تسرع عند الفجر، بأن تضعني أنا الشقي، فوق تربة وطني، بعد سائر ~~ما عانيت من ويلات جسام، فلتهجر الحياة جسمي بعد أن أكون قد ~~رأيت، مرة أخرى، ممتلكاتي، وعبيدي، وبيتي الشاهق السقف.» # الملكة ms145 تطارح أوديسيوس الأحاديث # هكذا تكلم، فاستحسن الجميع قوله، ووافقوا على إرسال ذلك الغريب ~~في طريقه، ما دام قد راعى اللياقة في حديثه، وبعد أن سكبوا ~~السكائب، وشربوا كفايتهم ، انصرف كل رجل لبيته ليخلد إلى الراحة، ~~تاركين أوديسيوس العظيم في ساحة ألكينوس، وإلى جواره جلست أريتي ~~وألكينوس الشبيه بالإله، بينما أخذت الجواري يحملن الصحاف من على ~~مائدة الوليمة. وبعد ذلك كانت أريتي الناصعة الساعدين أول من ~~تكلم؛ لأنها ما إن أبصرته، حتى عرفت لتوها الرداء الجميل، ~~العباءة والمعطف، اللذين صنعتهما بيديها مع وصيفاتها، فوجهت ~~إليه حديثها في عبارات رزينة، # 20 # قائلة: ~~«أيها الغريب، سأوجه إليك سؤالا شخصيا؛ أولا: من تكون بين ~~البشر، ومن أي مكان أنت؟ ومن أعطاك هذا اللباس؟ ألا تقول إنك جئت ~~إلى هنا جائلا فوق صفحة البحر؟» # فأجابها أوديسيوس الكثير ~~الدهاء، بقوله: «كان من الصعب، يا مليكتي، أروي خاتمة محنتي؛ إذ ~~كثيرة هي المحن التي أعطتنيها آلهة السماء، ومع ذلك فأخبرك ~~بما تسألينني عنه وتستجوبينني من أجله. توجد في منطقة نائية من ~~البحر جزيرة أوجوجيا، التي تسكنها ابنة أطلس # Atlas ~~، الجميلة الغدائر، كالوبسو الماكرة، تلك ~~الربة المخوفة، التي لا شأن لأحد من الآلهة أو البشر معها، ولكن ~~أبى القدر إلا يزيد في تعاستي، فبعث بي، بمفردي إلى مدفأتها؛ إذ ~~ضرب زوس سفينتي السريعة، بصاعقته البراقة فحطمها وسط البحر ~~القاتم قتمة الخمر. هناك هلك سائر بقية من كنت أثق بهم من رفاقي، ~~أما أنا فأمسكت بقاع سفينتي المعقوفة وتعلقت به، وهكذا بقيت ~~طافيا على سطح البحر تسعة أيام، وفي الليلة العاشرة الداجية، ~~قذفت بي الآلهة إلى جزيرة أوجوجيا، حيث تقطن كالوبسو الفاتنة ~~الشعر، الربة المهوبة، فصحبتني إلى منزلها، وأكرمت وفادتي، ~~وقدمت لي طعاما، وقالت إنها ستجعلني خالدا، لا تتطرق الشيخوخة ~~إلى جسمي قط، بيد إنها لم تستطع إغراء قلبي وسط صدري. بقيت معها ~~هناك سبع سنوات، أبلل ثوبي كل يوم بدموعي، ذلك الثوب الخالد ~~الذي أعطتنيه كالوبسو. حتى إذا ما هلت السنة الثامنة، وأخذت ~~تسير في مجراها الزمني، أمرتني ms146 بالعودة إلى وطني، إما بسبب ~~رسالة من زوس، وإما لأن عقلها قد تغير من تلقاء نفسه، فأرسلتني ~~في طريقي، فوق رمث من أخشاب الأشجار المربوطة إلى بعضها بإحكام، ~~وزودتني بكميات وفيرة من الخبز والخمر الحلوة، وألبستني ~~ثوبا خالدا، وبعثت إلي بريح رقيقة دافئة؛ ومن ثم بقيت ~~سبعة عشر يوما أبحر فوق الخضم، وفي اليوم الثامن عشر، لاحت لي من ~~بعد جبال بلادك الظليلة فسر لمرآها قلبي، وكنت سيئ الحظ؛ ~~لأنني بحق كنت لا أزال رفيق محنة هائلة، أرسلها ضدي بوسايدون، ~~مزلزل الأرض؛ فقد أثار الرياح ضدي لتعوق طريقي، وأهاج البحر الصاخب ~~بصورة عجيبة، فقذفتني الموجة بعيدا عن طوفي، وأنا أئن دون ~~انقطاع. لقد حطمت العاصفة الطوف أي تحطيم، فركنت إلى السباحة ~~وشققت طريقي وسط أخطار # 21 # البحر، حتى جاءت بي الريح والأمواج، وهي تحملني إلى ~~شواطئك، ولو أني أسرعت إلى البر هناك، لقذفت بي اللجج على ~~الشاطئ، فوق الصخور الضخمة في مكان شديد الخطر، ولكنني عدت ~~أدراجي وسبحت حتى بلغت نهرا، بدا لي أنه خير مكان ألجأ إليه؛ إذ ~~كانت صخوره ملساء، وعلاوة على ذلك فقد كان بعيدا عن مهب الريح؛ ~~عندئذ ظللت أتعثر سابحا إلى الأمام، وغطست وأنا أشهق ولا ~~أكاد أتنفس إلا بصعوبة، حتى خيم علي الليل الخالد، وبعد ذلك ~~خرجت من النهر الذي تغذيه السماء، واستلقيت على الأرض لأنام ~~بين الأدغال، جامعا حولي أوراق الشجر، وسكب علي أحد الآلهة ~~نوما بالغا، # 22 # فنمت هناك وسط الأوراق وقلبي متعب غاية التعب، ~~طوال الليل كله، وإلى الصباح، وإلى الظهر، حتى استدارت الشمس ~~مؤذنة بالمغيب، والنوم اللذيذ لم يزل قابعا فوق جفني، ثم ~~استيقظت فإذا بي أرى خادمات ابنتك، يلعبن على الشاطئ وفي وسطهن الأميرة # 23 # الحسناء، أشبه بالربة، فتضرعت إليها، وإذا بها، ~~بإدراكها السليم، لا تتوانى قط في أن تفعل ما لا يدور بخلدك أن ~~فتاة في مثل سنها الصغيرة قد تفعله عند لقائك؛ لأن الشباب الصغير ~~عديم التفكير دائما. لقد أعطتني مقدارا وافرا من الخبز، وخمرا ~~صهباء، وجعلتني ms147 أستحم في النهر، وأعطتني هذا الثوب. وهكذا، ~~أخبرك بالحقيقة، رغم جميع أحزاني.» # اشتراك ألكينوس في الحديث # فرد عليه ألكينوس بدوره يقول: «أيها الغريب، حقا، إن ابنتي ~~لم تصب تماما، في كونها لم تصحبك إلى بيتنا مع وصيفاتها؛ لأنك ~~توسلت إليها أولا.» # فأجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «أيها الأمير، بربك، لا ~~تلم ابنتك في هذا الأمر، لقد أمرتني فعلا أن أتبعها مع ~~وصيفاتها، ولكني لم أفعل، بسبب الخوف والخجل، لئلا يستشيط قلبك ~~غضبا عندما ترى الأمر؛ فإنا نحن قبائل البشر، القاطنين الأرض، ~~سريعو الغضب.» # فرد عليه ألكينوس ثانية، وقال: «يا هذا الغريب، ليس على ~~النحو، قلبي الكائن في داخل صدري، أن يملأه الغضب بدون داع، وإن ~~الواجب اللائق لأفضل في كل شيء. وبحق أبينا زوس، وأثينا، وأبولو، ~~إنني لأتمنى أن مثلك، أيها الرجل العظيم، الذي يعدلني عقلا، ~~يتخذ ابنتي زوجة، وتسمى ابني، وتبقى هنا، ولو طاب لك البقاء ~~هنا، لأعطيتك بيتا وممتلكات، ولكن لن يحتفظ بك أحد من الفياكيين ~~ضد رغبتك، ولن يسمح بهذا، الأب زوس. أما عن موضوع إرسالك إلى وطنك، ~~فلكي يطمئن قلبك وتتأكد منه، فإنني سأحدد له موعدا، وليكن غدا؛ ~~عندئذ تنام ملء جفنيك، بينما يجدف الرجال من أجلك، عبر ~~البحر الهادئ، حتى تبلغ بلدك وبيتك، أو إلى أي مكان تريده، مهما ~~كان نائيا، حتى ولو كان وراء يوبويا # Euboea ~~، حتى يقول من شاهدها من قومنا، عندما حملوا ~~رادامانثوس # Rhadamanthus ~~، # 24 # الجميل الشعور، لزيارة تيتيوس # Tityus # ابن جيا # Gaea ~~، # 25 # إنها أقصى بلد. لقد ذهبوا إلى هناك، وأتموا رحلتهم ~~بغير مشقة ولا نصب، ثم عادوا إلى الوطن في نفس اليوم. ولسوف تعرف ~~أنت أيضا، في قرارة نفسك، أن سفني هي خير سفن، ورجالي خيرة ~~الشباب في شق البحر بنصل المجذاف.» # قال هذا، فسر أوديسيوس العظيم، البالغ التحمل وتوسل إليه ~~قائلا: «أبتاه زوس، فلتحقق كل ما قاله ألكينوس. وعلى ذلك لا ~~تخمد صيته فوق الأرض، مانحة الغلال، ولتجعلني أصل إلى ~~وطني.» # الجميع ينامون وكذا أوديسيوس # هكذا تكلم كل منهما ms148 إلى الآخر، وأمرت أريتي ~~البيضاء الساعدين، وصيفاتها بإعداد فراش تحت سقف الرواق، وبأن ~~يضعن فوقه ملاءات جميلة من الأرجوان، وفوقها أغطية، ومن فوق هذه ~~عباءات من الصوف يلبسنها. وهكذا خرجن من الساحة، يحملن المشاعل في ~~أيديهن. ولما أعددن الفراش الفاخر، استدعين أوديسيوس وقلن له: ~~«انهض الآن، أيها الغريب، كي تذهب إلى راحتك؛ فقد أعد ~~فراشك.» # ما إن سمع أوديسيوس كلامهن، حتى رحب بالنوم؛ ومن ثم رقد ~~أوديسيوس العظيم، الكثير المعاناة، فوق الفراش المكون من الحبال ~~المشدودة تحت الرواق المدوي. بينما رقد ألكينوس في مخدعه ~~الداخلي بالقصر الباذخ، ورقدت إلى جواره السيدة زوجه، التي أعدت ~~الفراش. # | الأنشودة الثامنة # ألكينوس يخطب في حشد الفياكيين # ما إن بزغ الفجر الوردي الأنامل مبكرا في أفق السماء، حتى نهض ~~ألكينوس القوي العتيد من مخدعه، كما استيقظ أيضا أوديسيوس سليل ~~زوس، ومخرب المدن. وتقدم ألكينوس، القوي العتيد، يقود ضيفه ~~إلى مكان اجتماع الفياكيين، الذي كان قد بني لهم بالقرب من سفنهم، ~~فبلغا المكان، وجلسا فوق الأحجار المصقولة، كل منهما بقرب الآخر، ~~بينما انطلقت بالاس أثينا، تسير خلال المدينة، في صورة رسول ~~ألكينوس الحكيم، تدبر أمر عودة أوديسيوس الجسور، فكانت تقترب من ~~كل رجل وتقول له: ~~«هيا الآن، يا قادة ومستشاري الفياكيين، هلموا إلى مكان ~~الاجتماع، حتى تعرفوا خبر الغريب الذي جاء حديثا إلى قصر ألكينوس ~~الحكيم، بعد تجواله عبر البحر، وفي صورة أشبه ~~بالخالدين.» # وأمسك بجلة أكبر وأغلظ من ~~سائر الجلل. # هكذا كانت تقول، فأثارت روح وقلب كل رجل، وما هي إلا فترة قصيرة ~~حتى عج مكان الحشد، وامتلأت المقاعد بالرجال الذين اجتمعوا هناك. ~~وقد عجب كثيرون من منظر ابن لايرتيس الحكيم؛ إذ سكبت أثينا على ~~رأسه ومنكبيه جمالا رائعا عجيبا، كما جعلته يبدو أطول وأقوى ~~أمام ناظر الرائين، كي يرحب برؤيته سائر الفياكيين، ويحظى ~~باحترامهم وتوقيرهم، وكي يستطيع إنجاز الأعمال الجسيمة العديدة ~~التي اختبره بها الفياكيون. وبعد أن احتشدوا، واجتمعوا معا، قام ~~ألكينوس في وسطهم، وخاطب جمعهم بقوله: ~~«أصغوا إلي، يا قادة ومستشاري الفياكيين، حتى ms149 ألقي على ~~مسامعكم ما يأمرني به قلبي من وسط صدري. قدم إلى قصري هذا الغريب ~~- ولست أدري من هو - ضمن تجوالاته، سواء أكان من أقوام الشرق، أو ~~من سكان الغرب. إنه يرجوني في أن أبعث به إلى وطنه، ويلح في ~~التوسل. هيا من جانبنا، كما هي عادتنا منذ غابر الأزمان، أن نسرع ~~في إرساله؛ فما من رجل، أيا كان، ممن يأتون إلى قصري، يبقى هنا ~~حزينا لمدة طويلة، من جراء عدم إجابة طلبه في العودة إلى بلده. ~~هلموا بنا، ننزل سفينة سوداء إلى البحر اللامع؛ لتقوم بأول ~~رحلاتها، ولينتخب الرجال من بينهم اثنين وخمسين شابا، من خيرة ~~القوم نشاطا وقوة. وبعد أن تعدوا المجاذيف كما يجب في فتحاتها، # 1 # اذهبوا إلى الشاطئ، ثم خذوا طريقكم إلى قصري، ~~وأعدوا وليمة بسرعة، ولسوف أقدم لكم الوليمة بسخاء للجميع. ~~هذا هو ما آمر به الشبان، كما أرجو سائر الآخرين، من الملوك ذوي ~~الصولجان، أن يتفضلوا بتشريف قصري الجميل، حتى نستطيع دعوة هذا ~~الغريب في ساحاتنا، لنحتفل بمقدمه، ولست أقبل من أي أحد رفض دعوتي ~~هذه، واستدعوا إلينا المنشد المقدس، ديمودوكوس # Demedocus ~~؛ إذ حباه الرب، دون سائر غيره، بالمهارة ~~في الغناء، كي يطرب الناس بالفن الذي تجود به روحه، وتدفع به إلى ~~الغناء.» # هكذا تكلم، وتقدم الجمع في الطريق، يتبعه الملوك ذوو ~~الصولجان، بينما انطلق أحد الرسل لاستدعاء المنشد المبجل. وذهب ~~اثنان وخمسون من الشباب المختار إلى شاطئ البحر الصاخب كما أمر ألكينوس # 2 # فأنزلوا السفينة السوداء، إلى المياه العميقة، وبعد أن ~~ركبوها، والبحر، ثبتوا الصاري في السفينة السوداء، ووضعوا ~~الشراع في مكانه بالسارية، وربطوا المجاذيف إلى فتحاتها بالسيور ~~الجلدية، كلها في تنسيق بديع، ونشروا الشراع الأبيض. وهكذا ~~بمهارة بالغة في أفانين البحر، أنزلوا السفينة إلى اليم، ثم ~~انطلقوا يشقون طريقهم إلى قصر ألكينوس الحكيم، المنيف. لقد ~~كانت الأروقة والساحات والقاعات زاخرة كلها بالرجال المحتشدين؛ إذ ~~كانوا كثيري العدد، شيوخا وشبانا. لقد نحر لهم ألكينوس، اثني ~~عشر خروفا، وثمانية خنازير برية، بيض الأنياب، وثورين ms150 سمينين ~~متثاقلي المشية، فسلخوا هذه وأعدوها، وصنعوا منها وليمة فاخرة. # المنشد يغني والقوم يولمون # بعد ذلك اقترب الرسول بصحبة المنشد المجيد، الذي كانت تحبه ~~ربات الشعر أعظم حب دون سائر الرجال، ووهبنه الخير والشر ~~معا؛ إذ جردنه من بصره، ومنحنه موهبة الغناء الشجي، فوضع ~~بونتونوس Pontonous ~~، الرسول له ~~كرسيا مطعما باللجين، وسط المدعوين، وأسنده إلى عمود طويل، ~~وعلق قيثارته الواضحة النغمات على مشجب قريب فوق رأسه، وأراه ~~كيف يصل إليها بيديه. كما وضع إلى جواره منضدة جميلة، وسفطا، ~~وكأسا مليئة بالصهباء، كي يتناولها متى طاب له الشرب. وهكذا ~~مدوا أيديهم إلى الطعام الشهي الموضوع أمامهم. حتى إذا ما ~~انتهوا من الطعام والشراب، دفعت ربة الشعر المنشد إلى الغناء، ~~فتغنى بأعمال المحاربين المجيدة، تلك الأنشودة التي بلغ صيتها ~~وقتذاك إلى عنان السماء الفسيحة، العراك بين أوديسيوس ~~وأخيل # Achilles # ابن بيليوس Pejeus ~~، وكيف تنازعا ذات يوم بألفاظ ~~ثائرة في وليمة فاخرة للآلهة، فسر أجاممنون، ملك البشر، في قرارة ~~نفسه، من شجار خيرة الآخيين؛ فهكذا أخبره فويبوس أبولو، أن هذا ~~لا بد أن يحدث في بوثو Pytho # المقدسة، عندما مر فوق العتبة الصخرية ليستفتي الوحي؛ لأن بداية ~~المحن كانت تنصب حينئذ نحو الطرواديين، والدانيين، تبعا لإرادة ~~زوس العظيم. # أناشيد المغني تبكي أوديسيوس # تلك كانت الأغنية التي أنشدها المغني الذائع الصيت، وعندئذ أمسك ~~أوديسيوس بعباءته الفاخرة، الأرجوانية، بيديه القويتين، وجذبها ~~إلى أسفل فوق رأسه، مخفيا وجهه الجميل؛ لأنه أحس بالخجل أن تتساقط ~~دموعه من تحت حاجبيه أمام للفياكيين، وكلما كان المنشد المبجل ~~يكف عن الغناء، كان أوديسيوس يزيح العباءة من فوق رأسه، ويمسح ~~دموعه، ثم يتناول الكأس ذات اليدين، ويصب السكائب للآلهة. وعندما ~~يأمر نبلاء الفياكيين المغني بالإنشاد، كان أوديسيوس يعود فيغطي ~~رأسه وينتحب، مخفيا دموعه عن سائر غيره من الحاضرين، بيد أن ~~ألكينوس وحده، هو الذي لاحظ ذلك وتنبه إليه؛ لأنه كان يجلس إلى ~~جواره، وسمعه يئن بشدة، وفي الحال نهض وسط الفياكيين، محبي ~~المجاذيف، وتحدث إليهم قائلا: ~~«أصغوا إلي، يا قادة ومستشاري ms151 الفياكيين، محبي المجاذيف، لقد ~~أشبعنا قلوبنا بالوليمة الطيبة وبالقيثارة، رفيقة الوليمة الممتعة. ~~دعونا الآن نخرج إلى الخلاء لنقوم بجميع صنوف المباريات، حتى إذا ~~ما عاد هذا الغريب إلى وطنه، روى لأصدقائه، إلى أي حد نبذ نحن ~~غيرنا في الملاكمة والمصارعة، وفي القفز وسرعة الجري.» # 3 # دعوة الأبطال إلى المباريات # قال هذا ونهض يقودهم إلى الخارج، وتبعه الحاضرون، وتناول ~~الرسول القيثارة العذبة الأنغام من على المشجب، وأمسك بيد ~~ديمودوكوس، وقاده خارج الساحة، سائرا معه في نفس الطريق التي سار ~~فيها الآخرون، من أشراف الفياكيين، لمشاهدة المباريات. لقد انطلقوا ~~إلى مكان الاجتماع، يتبعهم حشد عظيم لا يحصيه عد، وقام كثير من ~~شباب النبلاء؛ أكرونيوس # Acroneüs ~~، ~~وأوكوالوس # Ocyalus ~~، وإلاتريوس # Elatreus ~~، وناوتيوس # Nauteus ~~، وبرومنيوس Prymneus ~~، وأنخيالوس # Anchialus ~~، وإريتميوس # Eretmeus ~~، وبونتيوس Ponteus ~~، وبروربوس Proreus ~~، وثوون # Thoon ~~، وأنابيسينيوس # Anabesineüs ~~، وأمفيالوس # Amphialus ~~، ابن بولونيوس Polyneüs ~~، ابن تيكتون # Tecton ~~، كما نهض أيضا يوروالوس # Euryalus ~~، نظير أريس # Ares # قاهر البشر، ابن ناوبولوس # Naubolus ~~، الذي كان يفوق سائر الفياكيين جمالا ~~وقواما بعد لاوداماس # Laodamas # المنقطع النظير، ونهض أبناء النبيل ألكينوس الثلاثة، لاوداماس ~~وهاليوس # Halius ~~، وكلوتونيوس # Clytoneüs ~~، الشبيه بالإله، فكان ~~هؤلاء أول من اشترك في سباق الجري بالأقدام، فحدد لهم طريق من ~~نقطة الدوران، فانطلقوا جميعا في سرعة بالغة مثيرين غبار السهل، ~~وكان النبيل كلوتونيوس أفضلهم في سرعة العدو، فسبقهم جميعا ~~بمسافة تبلغ طول صف من مائة بغل، واحدا وراء الآخر، فتقدمهم ~~بهذه المسافة ووصل قبلهم إلى الحشد، تاركا زملاءه خلفه. بعد ذلك ~~قاموا بمبارة المصارعة المتعبة، وفي هذه فاز يوروالوس على جميع ~~الأمراء. وفي القفز كان أمفيالوس خير المتبارين جميعا. أما في قذف ~~الجلة فتفوق إلاتريوس على الجميع، وفي الملاكمة لاوادماس الكريم، ~~ابن ألكينوس، وبعد أن متع الحاضرون أنفسهم بمشاهدة المباريات، ~~قام لاوداماس بن ألكينوس، وتكلم وسطهم، قائلا: ~~«أيها الأصدقاء، لنسأل هذا الغريب، عما يعرفه من المباريات؛ فلا ~~شك في أنه ليس ضعيف البنية، وإنه لقوي الفخذين وبطن الساق، ~~والساعدين، وإن عنقه لغليظ، وقوته هائلة، فلا يفتقر بأية حال إلى ms152 ~~شيء من قوة الشباب، ولكن أضنته المتاعب الجمة؛ فلا شيء في رأيي ~~أسوأ من أن يربك البحر المرء، ولا سيما إذا لم يكن جم ~~القوة.» # فقام يوروالوس بدوره يرد عليه بقوله: «لقد نطقت بمنتهى ~~الصواب، يا لاوداماس، فلتذهب إليه بنفسك وتتحداه، مجاهرا بقولك ~~أمام الجميع.» # فلما سمع ابن ألكينوس الكريم هذا، تقدم ووقف في الوسط وتحدث ~~إلى أوديسيوس قائلا: «وأنت سيدي الغريب، ألا تجرب حظك في ~~المباريات ، إن كنت تجيد شيئا منها؟ لا بد أنك تعرف المباريات؛ ~~فلا شيء يزيد المرء مجدا في حياته أكثر من ربحه بيديه وقدميه. ~~تعال يا سيدي، جرب واطرد الهم عن قلبك، فلن تتأخر رحلتك بعد الآن ~~طويلا. كلا؛ فقد أنزلت سفينتك إلى اليم، والبحارة ~~مستعدون.» # عندئذ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «لم تسخر مني، يا ~~لاوداماس بهذا التحدي؟ إن الحزن ليملأ قلبي أكثر من المباريات؛ حيث ~~إنني، فيما مضى عانيت الأهوال، وقاسيت الكثير، والآن أجلس في وسط ~~هذا الملأ، متلهفا إلى عودتي لوطني، متوسلا إلى الملك، وإلى جميع ~~الشعب.» # فما كان من يوروالوس، الآن، إلا أن عيره في وجهه، قائلا: ~~«أيها الغريب، إنني لا أشبهك، حقا، بالرجل الماهر في ~~المباريات، كمن يشتهرون بين الرجال، ولكن بمن يسير جيئة وذهابا ~~بسفينته ذات المقاعد، ونعتبره ربانا على البحارة التجار، ذلك ~~الذي يفكر في بضائعه، ولا يهتم إلا بالسلع التي يحملها إلى وطنه، ~~وبأرباح جشعة، لا يبدو عليك أي شبه بالرجل الرياضي.» # أوديسيوس يشترك في المباريات # قطب أوديسيوس كثير الحيل ما بين حاجبيه وحدجه بنظرة غاضبة، ~~قائلا: «أيها الغريب، إنك لم تحسن القول، وأشبه ما تكون بالأعمى ~~في حماقته. لا شك أن الآلهة لا تقسم المواهب بالعدل بين الناس، لا ~~في الهيئة، ولا العقل، ولا الفصاحة؛ فقد يكون الرجل أقل من غيره ~~جمالا، فيضع الرب على نطقه تاجا # 4 # من الجمال، فيروق في نظر الناس، ويعلو قدره وهو ~~يتكلم بينهم بلا خطأ، وبتواضع مقبول، فتشرئب إليه أعناق الملأ ~~الحاضر، وكلما سار خلال المدينة تطلع إليه القوم كما ms153 يتطلعون ~~إلى إله. كما أن هناك رجلا يشبه الخالدين جمالا، ولا تتحلى ~~ألفاظه بتاج من الجمال. هذا حالك؛ فإنك رائع الحسن، بحيث لا ~~يستطيع أي إله أن يصلح فيه شيئا، ولكنك خامل العقل. لقد أفزعت ~~روحي في صدري، بعدم لياقتك في الحديث. إنه لا تعوزني المهارة في ~~المباريات كما تقول. وأعتقد أنني كنت من الأوائل في أيام شبابي ~~وقوة يدي. بيد أن الأهوال والآلام قيدتني الآن؛ إذ عانيت ~~كثيرا بالاشتراك طويلا في حروب الرجال، وبمقاومة اللجج ~~العتيدة. بيد أنه رغم أنني قد تكبدت الكثير، فسأجرب حظي في ~~المباريات؛ لأن كلمتك هذه قد وخزتني في قلبي، وأثارني ~~حديثك.» # فوز أوديسيوس في رمي الجلة # ما إن قال أوديسيوس هذا، حتى وثب من مكانه، وهو ملتف بعباءته ~~كما كان، وأمسك بجلة أكبر وأغلظ من سائر الجلل، ولا تقل بحال ~~ما، عن أعظم ثقل اعتاد الفياكيون أن يتنافسوا بقذفه، فيما بينهم. ~~أمسك تلك الجلة، وبرمية أرسل بها بعيدا، من يده القوية، ~~فأحدثت الصخرة دويا وهي تطير فوق رءوس الجمع، حتى إنهم انبطحوا ~~أرضا؛ انبطح الفياكيون ذوو المجاذيف الطويلة، أولئك الرجال ~~المشهورون بسفنهم، تحت هجمة الصخرة. وإلى أبعد من مدى الجميع، طارت ~~مسرعة بخفة من يده، وجاءت أثينا في صورة رجل، ووضعت علامة المدى ~~بيدها، وخاطبته بقولها: ~~«حتى الأعمى، أيها الغريب يستطيع أن يميز هذه العلامة، وهو ~~يبحث عنها، متحسسا إياها بيديه؛ لأنها ليست بأية حال قريبة من ~~علامات الآخرين، بل هي أبعد منها جميعا، بمراحل. إذن فلا أقل من ~~أن تطيب خاطرا بهذا الفوز؛ إذ لن يصل أي فرد من الفياكيين إلى هذا ~~المدى، أو يقذف إلى أبعد منه.» # وأمسك بجلة أكبر وأغلظ من ~~سائل الجلل. # هكذا تكلمت، فسر أوديسيوس العظيم، الكثير التحمل، واغتبط إذ ~~رأى لديه صديقا صدوقا، وعلى ذلك تكلم وسط الفياكيين بقلب ~~أخف عبئا: ~~«أيها الشبان، من استطاع منكم أن يقذف إلى هذا المدى فليفعل، ~~وعندئذ أعتقد أنني سأرسل غيرها إلى نفس البعد أو أبعد. إن كان ~~هناك من بين الباقين ms154 من يحدثه قلبه بمباراتي، فليتقدم ويجرب - ~~لأنكم أغضبتموني غاية الغضب - وليكن في الملاكمة أو في المصارعة، ~~أو في الجري؛ فأنا لا أبالي؛ ليتقدم أي واحد من الفياكيين أجمعين، ~~ما عدا لاوداماس فقط؛ لأنه مضيفي، ومن ذا الذي يتعارك مع من أكرمه؟ ~~إذن لكان أحمق ومن سقط المتاع، من تحدى في مباراة مضيفه الذي ~~رحب بمقدمه في أرض غريبة. إنه لا يضر إلا بحظوظه، أما سائر ~~الباقين، فلن أرفض تحدي أحد، ولا أستخف بأحد، ولكني أرحب ~~بمعرفتهم، وأجرب حظي معهم، رجلا في مواجهة رجل؛ فلست ضعيفا ~~في أي شيء، من شتى ألوان المباريات التي يمارسها الأقوام؛ فبمهارة ~~أستطيع استخدام القوس المصقولة، وأنا الأول دائما في ضرب وإصابة ~~رجلي بين جموع الأعداء، رغم أن زملائي يقفون إلى جانبي ويصوبون ~~نحو الرجال، ولم يبذني أحد قط سوى فيلوكتيتيس Philoctetes ~~، في القوس بأرض ~~الطرواديين، يوم أن حاربنا نحن معشر الآخيين، وها أنا ذا أعلن أنني ~~المبرز على سائر الباقين، من جميع البشر الذين يعيشون الآن على ~~ظهر البسيطة، ويأكلون الخبز، ولكني لن أسعى إلى منافسة رجالات ~~الأيام الغابرة، لا مع ~~هرقل # Heracles ~~، ولا مع ~~يوروتوس # Eurytus ~~، أو مع ~~أويخاليا # Oechalia ~~، الذي ناضل حتى ~~مع الخالدين في الرماية بالقوس. وقد مات يوروتوس العظيم بسرعة، دون ~~أن تبلغه الشيخوخة في ساحاته؛ لأن أبولو استشاط غيظا، فقتله؛ ~~إذ تحداه في مباراة بالقوس. وفي مقدوري أن أقذف الرمح أبعد من ~~أي رجل يمكنه أن يصيب بالسهم، أما في سباق الجري بالأقدام. فأخشى ~~فقط، أن يتفوق علي فيه أحد من الفياكيين؛ إذ أصبت بوحشية وسط ~~الأمواج الصاخبة العديدة، حيث لم يكن بسفينتي أية مئونة. وعلى ذلك ~~تجدون أطرافي مرتخية.» # ألكينوس يدعو الراقصين إلى الرقص # هكذا تكلم أوديسيوس، فلزم الجميع الصمت، ولكن ألكينوس وحده ~~قال: «أيها الغريب، ما دمت لم تنطق بقبح وسطنا، ولكنك تعتزم ~~إظهار بسالتك التي تتمتع بها، غاضبا من أن ذلك قد ذهب إليك ~~وعيرك بطريقة غير لائقة، وإن من يعرف كيف يزن أقواله لا يمكن أن ms155 ~~يستخف ببطولتك، هيا الآن، وأصغ إلى ما أقول، حتى تستطيع أن تقص ~~لبطل آخر، عندما تكون في ساحاتك تولم مع زوجك وأولادك، وتتذكر ~~مهارتنا، أي ولائم قد حبانا بها زوس منذ أيام آبائنا إلى يومنا ~~هذا؛ لأننا لسنا معصومين من الخطأ في الملاكمة أو المصارعة، ولكننا ~~في سباق العدو نجري بسرعة، كما أننا خير بحارة في العالم، ~~ونغرم دائما بالمائدة والقيثارة والرقص، وتغيير الملابس، ~~والحمامات الدافئة، والمخادع. هيا الآن يا خيرة الراقصين ~~الفياكيين، استعرضوا رقصاتكم حتى يمكن لهذا الغريب أن يحكي ~~لأصدقائه عندما يبلغ وطنه، كيف نفوق سائر غيرنا في أفانين البحر، ~~وفي سرعة القدم، وفي الرقص والغناء. وليذهب أحدكم فورا فيحضر ~~لديمودوكوس، القيثارة العذبة الألحان، المعلقة بأحد الأمكنة في ~~ساحاتنا.» # الرقص على أنغام القيثارة # هكذا تكلم ألكينوس، الشبيه بالإله، ونهض الرسول ليحضر ~~القيثارة الجوفاء من قصر الملك، بعد ذلك نهض أبطال الرقص، وكانوا ~~تسعة رجال مختارين من بين الشعب، اعتادوا على تنظيم كل شيء وسط ~~الجموع، على أكمل وجه، فسووا مكانا للرقص، وحددوا حلقة ~~مناسبة الاتساع واقترب الرسول، يحمل إلى ديمودوكوس، قيثارته الشجية ~~الأنغام. وبعد ذلك انتقل إلى وسط الحلبة، والتف حوله صبيان في ~~ميعة الصبا، يجيدون الرقص بمهارة أي مهارة، وراحوا يضربون أرض ~~الرقص العظيمة بأقدامهم، فبهت أوديسيوس وهو يحملق في ومضات ~~أقدامهم، ودهش في قرارة نفسه. # أما المغني فأخذ يوقع ~~الأنغام على أوتار القيثارة بما يتمشى مع أنشودته العذبة، فتغنى ~~بحب أريس # 5 # وأفروديتي ذات التاج الجميل، وكيف في البدء، رقدا ~~سويا، في بيت هيفايستوس، سرا، وأعطاها أريس هدايا عديدة، ~~ودنس بالعار فراش السيد هيفايستوس. غير أن هيليوس طير إليه ~~النبأ في الحال؛ إذ كان قد أبصر بهما وهما يرقدان معا في عشق، ~~فلما بلغت الغصة المؤلمة مسامع هيفايستوس، ذهب، وهو في طريقه ~~إلى مكان حدادته، يدبر شرا في نفسه، وصنع قيودا على السندان ~~الهائل، قيودا لا يمكن تحطيمها أو فكها، حتى يستطيع بها تكبيل ~~العاشقين حيث كانا. وبعد أن صنع، وهو في غضبه من أريس، ذلك ms156 الفخ، ~~ذهب إلى مقصورته حيث يوجد الفراش، ونثر القيود في كل مكان حول ~~قوائم الفراش، كما علق فوقه قيودا كثيرة، تتدلى من قوائم ~~السقف الخشبية، وكانت دقيقة جدا، أشبه بخيوط العنكبوت، كي لا ~~يمكن لأحد، حتى من الآمة المباركين، أن يراها؛ إذ كانت مصنوعة ~~بمهارة تفوق الحد، وبعد أن نثر فخاخه كلها حول المخدع، تظاهر ~~بالرحيل إلى ~~ليمنوس # Lemnos ~~، القلعة المتينة ~~البناء، التي كانت عزيزة على نفسه أكثر من جميع البلاد. ولم يكن ~~أريس ، ذو العنان العسجدي، أعمى في ملاحظته هيفايستوس؛ فعندما رأى ~~هيفايستوس الذائع الصيت بمهارة يديه، يرحل، انطلق في طريقه إلى ~~منزل هيفايستوس الشهير، مشتاقا إلى غرام كوثيريا # Cytherea ~~، # 6 # الجميلة التاج، وكانت قد حضرت لتوها من بيت ~~أبيها، ابن كرونوس، العتيد، واستوت جالسة، فدخل أريس المنزل، وأمسك ~~بيدها، وتحدث إليها بقوله: ~~«تعالي يا حبيبتي، هيا إلى الفراش لنأخذ متعتنا، مضطجعين معا؛ ~~لأن هيفايستوس لا يوجد الآن بهذه البلاد، بل رحل منذ برهة، كما ~~أعتقد، إلى ليمنوس، لزيارة السنتيين # Sintians ~~، المتعجرفي الحديث.» # هكذا قال، فبدا لها أن الاضطجاع معه أمر لذيذ مرغوب فيه؛ ومن ~~ثم انطلقا إلى الفراش، واستلقيا ليناما، فأطبقت عليهما قيود ~~هيفايستوس الحكيم الخادعة، ولم يستطيعا، بأية حال من الأحوال أن ~~يحركا أطرافهما، ليفلتا منها. وعندئذ عرفا يقينا أن لا منجاة ~~منها، فاقترب منهما الرب الذائع الصيت، ذو الساعدين المفتولين، # 7 # عائدا قبل أن يصل إلى بلاد ليمنوس؛ إذ كان هيليوس ~~يقوم بالحراسة من أجله، وأخطره في الحال بالأمر؛ ومن ثم انطلق ~~إلى بيته، بقلب مثقل بالأحزان، ووقف عند الباب وقد استشاط غضبا ~~وحنقا، وبقوة صاح ينادي جميع الآلهة بقوله: ~~«أبتاه زوس، وأنتم أيها الآلهة الآخرون المباركون الخالدون، ~~تعالوا إلى هنا كي تشاهدوا أمرا مضحكا مزريا، كيف تسخر مني ~~أفروديتي، ابنة زوس، بسبب عرجي، وتغرم بهوى أريس المخرب، بسبب ~~جماله وقوة أطرافه، بينما قد ولدت أنا مشوها. ومع كل، فلن ~~يلام على هذا سوى أبوي - ليتهما لم ينجباني أبدا! إنكم سترون ~~بأنفسكم كيف صعد هذان الاثنان ms157 إلى فراشي، واضطجعا معا في عشق، ~~وإن هذا المنظر ليزعجني. ومع كل، فإنهما لا يشتهيان، كما أعتقد ~~أن يضطجعا هكذا مدة أطول من ذلك، كلا، ولا حتى لحظة واحدة، ما ~~أجملهما هكذا! سرعان ما سيفقد كلاهما الرغبة في النوم، وقد أمسكت ~~القيود والفخاخ بتلابيبهما، إلى أن يرد لي أبوها، جميع هدايا ~~الغزل التي أعطيته إياها، من أجل ابنته عديمة الحياء؛ فإن ابنته ~~جميلة، ولكنها لا تستطيع أن تمسك زمام شهوتها.» # 8 # هكذا تكلم وتجمعت الآلهة في البيت ذي العتبة البرونزية. جاء ~~بوسايدون مطوق الأرض، وجاء المساعد هيرميس، والسيد أبولو، ~~الرب القواس. # 9 # أما الربات فقد منعهن الحياء من المجيء، بل بقيت ~~كل منهن في بيتها. وأما الآلهة، مانحو الخيرات، فوقفوا عند ~~الباب، وثارت عاصفة لا تخمد من الضحك، وسط الآلهة المباركين، ~~عندما أبصروا مهارة هيفايستوس الحكيم، فنظر أحدهم إلى جاره وتحدث ~~إليه بقوله: ~~«لن تزدهر الأعمال الشريرة؛ فالبطيء يمسك السريع، كما تفوق ~~هيفايستوس الآن، رغم بطئه، على أريس، بالرغم من كونه أسرع الآلهة ~~الذين يحتلون أوليمبوس؛ فمع كونه أعرج، أمسكه بمهارته، وعلى ~~ذلك، فإن أريس يستحق غرامة الزاني.» # هكذا راح الآلهة يتكلمون فيما بينهم، أما السيد أبولو بن ~~زوس، فقال لهيرميس: ~~«أي هيرميس بن زوس، أيها الرسول، يا مانح الخيرات، ألست بربك ~~مستعدا، حتى ولو كنت مقيدا بالأصفاد المكينة، أن ترقد فوق ~~فراشي، إلى جانب أفروديتي الذهبية؟» # عندئذ أجابه الرسول، أرجايفونتيس، بقوله: «ليت هذا يحدث، يا ~~سيدي أبولو، أيها الرب القواس. ليتني أطوق بثلاثة أمثال ~~هذه الأصفاد المكينة، بينما أنتم الآلهة، وجميع الإلاهات أيضا ~~تبصرونني، لقاء أن أرقد إلى جانب أفروديتي الذهبية.» # ما إن قال هذا، حتى انفجر الآلهة الخالدون ضاحكين، ولكن رغم ذلك ~~لم يضحك بوسايدون، بل طفق يتوسل إلى هيفايستوس، الصانع الذائع ~~الصيت، أن يطلق سراح أريس، قائلا بعبارات مجنحة: # 10 ~~«أطلق سراحه، وأعدك، كما تطلب مني، بأنه سوف يدفع لك كل ما يجب، ~~في حضرة الآلهة الخالدين.» # عندئذ أجابه الرب الذائع الصيت، ذو السواعد المفتولة، بقوله: ~~«أما ms158 هذا، فلا تطلب مني، يا بوسايدون، يا مطوق الأرض، يجب ~~التأكد أولا، من أن ذلك الوغد نادم حقا. وكيف أضعك في القيود ~~وسط الآلهة الخالدين، لو أن أريس رفض سداد الدين أو العودة إلى ~~القيود، وانصرف؟» # فرد عليه بوسايدون، مزلزل الأرض، بقوله: «أيا هيفايستوس، حتى ~~إذا امتنع أريس عن الدين وهرب، فأنا على استعداد لأدفعه ~~لك.» # فقال الرب، الذائع الصيت القوي الساعدين: «لا يصح، بعدئذ أن ~~أرفض مطلبك، كما أن هذا لا يليق.» # قال هيفايستوس القوي هذا وفك القيود، وما أطلق سراح الاثنين، ~~حتى قفزا في الحال، وانطلقا، فرحل أريس إلى تراقيا # Thrace ~~، أما أفروديتي، محبة المرح، ~~فانطلقت إلى قبرص # Cyprus # إلى ~~بافوس Paphos ~~، حيث يوجد مذبحها ~~الجميل العبق. وهرعت ربات ~~الحسن # Graces ~~، # 11 # يغسلنها ويدهن جسمها بالزيت الخالد، كذلك الزيت الذي ~~يتلألأ على الآلهة الخالدين، ودثرنها بملابس جميلة، أعجوبة ~~للرائين. # أنشد المغني الذائع الصيت هذه الأنشودة، فسر أوديسيوس في قلبه ~~وهو يصغي. كما ابتهج أيضا الفياكيون ذوو المجاذيف الطويلة، أولئك ~~الرجال المشهورون بسفنهم. # انفراد راقصين برقصة الكرة # بعد ذلك، أمر ألكينوس، هاليوس # Halius ~~، ولاوداماس أن يرقصا وحدهما؛ إذ لم يكن في ~~استطاعة أي فرد أن يتحداهما، فتناولا في أيديهما كأس الأرجوان، ~~تلك الكرة الرائعة الجميلة التي كان بولوبوس Polybos # العظيم قد صنعها لهما، وشرع أحدهما ينحني ~~إلى الوراء، ويقذف بها نحو السحب الظاهرة، وعندئذ ينبري الآخر، ~~فيقفز عاليا، من فوق الأرض، ويلقفها بمهارة قبل أن تلمس أقدامه ~~الأرض ثانية. وبعد أن عرضا مهارتهما في قذف الكرة عاليا، أخذا # 12 # يرقصان فوق الأرض الفسيحة، بينما يقذفان بالكرة ~~غدوا ورواحا، ووقف الشبان الآخرون يصفقون لهما على الوحدة ~~فينبعث لذلك ضجيج أي ضجيج. # بعد ذلك تحدث أوديسيوس العظيم إلى ألكينوس، قائلا: «سيدي ~~ألكينوس، أيها المشهور أكثر من سائر الرجالات، # 13 # لقد زهوت بأن راقصيك أفضل راقصين، وحق لك ذلك؛ إذ ~~تتملكني الدهشة وأنا أنظر إلى روعة رقصهما.» # 14 # ألكينوس يشيد بأوديسيوس # سر ألكينوس القوي العتيد، لذلك القول، فنهض وسط الفياكيين، ~~محبي المجذاف، ms159 وخاطبهم بقوله: ~~«أصغوا إلي، يا قادة ومستشاري الفياكيين، يبدو لي، بحق، أن هذا ~~الغريب رجل سامي الإدراك، هيا إذن نقدم له هدايا صداقة، تليق ~~به. إن في بلادنا اثني عشر ملكا عظيما يقبضون على زمام الملك، ~~وأنا الثالث عشر، فهل لكم أيها الاثنا عشر ملكا، هل لكل واحد ~~منكم أن يحضر عباءة ومعطفا حديثي الغسل، وتالنتا من الذهب ~~البراق، ولنحضر هذا، كلنا معا، حتى يمكن للغريب، بعد أن يتناول ~~هدايانا بيديه، أن يذهب إلى عشائه مسرورا، في قرارة نفسه. أما ~~يوروالوس، فليصلح ذات البين مع هذا الغريب، بالقول وبالهدية؛ إذ ~~انفلتت من بين شفتيه كلمة، لم تكن بأية حال لائقة.» # هكذا تكلم، وأثنى الجميع على رأيه، وقرروا أن ذلك عين ~~الصواب، وبعث كل منهم رسولا ليحضر الهدايا وقام يوروالوس، ~~وقال: ~~«سيدي ألكينوس، يا من يفوق صيتك، شهرة سائر الناس، إنني على أتم ~~استعداد لإصلاح ذات البين مع هذا الغريب، كما أمرت؛ فسأعطيه هذا ~~السيف، المصنوع كله من البرونز الخالص، ومقبضه من اللجين، وغمده ~~المحيط به، من العاج المنحوت حديثا، وعندئذ سيكون له شيئا عظيم ~~القيمة.» # أوديسيوس يتلقى هدايا كثيرة # قال هذا، وقدم السيف المرصع بالفضة، بين يدي أوديسيوس ~~العظيم، وتحدث إليه بعبارات مجنحة، # 15 # فقال: «مرحبا بك، أيها السيد الغريب، أرجو، إذا كان ~~لكلماتي وقع عنيف، أن تذهب بها الرياح الهوج في الحال، فتطير بها ~~سريعا وتحملها بعيدا، أما أنت فهل للآلهة أن تمنحك رؤية زوجك، ~~وبلوغ وطنك؛ إذ قد عانيت الأهوال مدة طويلة بعيدا عن ~~أصدقائك؟» # فأجابه أوديسيوس، الكثير الحيل، بقوله: «لك السلام، كل السلام ~~أيضا، أيها الصديق، وإني لأطلب من الآلهة أن تهبك السعادة. وهل ~~لك، من الآن فصاعدا، ألا تنسى هذه العبارة الرقيقة التي أصلحت ~~بها الأمور بيني وبينك؟» # ما إن انتهى من حديثه هذا، حتى علق السيف المرصع بالفضة، ~~فوق كتفيه، وعندئذ غربت الشمس، وأحضرت إليه الهدايا المجيدة، ~~وهذه حملها الرسل المبجلون إلى قصر ألكينوس، فأخذ أبناء ألكينوس ~~المنقطع النظير الهدايا الجميلة، ووضعوها أمام والدتهم الموقرة. ms160 ~~وتقدم ألكينوس القوي العتيد، الجمع إلى داره، فدخلوا واستووا ~~فوق المقاعد العالية. وبعد ذلك تحدث ألكينوس العتيد إلى أريتي ~~بقوله: ~~«أي زوجتي، أحضري إلى هنا، صندوقا ضخما، أفضل صندوق لديك، ~~وضعي فيه بنفسك عباءة ومعطفا حديثي الغسل، وهل تتفضلي بأن ~~تضعي للغريب، قدرا مملوءة بالماء فوق النار، حتى يكون لديه ~~ماء ساخن يستحم به، فيرى، وهو متزي بأجمل الثياب، جميع الهدايا ~~التي جاء بها إلى هنا الفياكيون النبلاء، وعندئذ يتمتع بالوليمة، ~~وبسماع شدو الأغاني العذبة. وسأقدم له هذه الكأس الجميلة ~~المصنوعة من الذهب الإبريز، كي يتذكر طوال أيام حياته، وهو يسكب ~~السكائب في ساحاته، لزوس وللآلهة الآخرين.» # أوديسيوس يحفظ الهدايا في صندوق مكين # ما إن أتم ألكينوس كلامه، حتى أمرت أريتي خادماتها بأن يضعن ~~قدرا ضخمة فوق النار، بسرعة، فأذعنت الإماء، ووضعن القدر ~~فوق النار المشتعلة، لملء الحمام، وصببن الماء في القدر، ووضعن ~~كتلا من الخشب في النار تحتها؛ عندئذ اندلعت ألسنة اللهب تلعب ~~حول بطن القدر، وسخن الماء، وفي نفس الوقت أحضرت أريتي ~~للغريب صندوقا جميلا، من حجرة النفائس ووضعت فيه الهدايا ~~العظيمة، من ثياب وذهب، التي قدمها إله الفياكيون، كما وضعت ~~داخله، بنفسها، عباءة ومعطفا جميلين، ثم خاطبت أوديسيوس بكلمات ~~مجنحة، قائلة: ~~«تول بنفسك الآن إحكام غطاء الصندوق، وبسرعة اربط حوله حبلا ~~متينا لئلا يسلبك أحد هداياك في أثناء الطريق، وأنت مستغرق، ~~فيما بعد، في النوم اللذيذ، وسط السفينة السوداء.» # عندما سمع أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، هذه الكلمات، قام في ~~الحال وأحكم تثبيت الغطاء، وبسرعة لف حبلا حوله، بعقدة خفية، ~~كانت كيركي # 16 # الجليلة قد علمته إياها ذات يوم. وبعد ذلك أمرته ~~ربة البيت، أن يسرع بالذهاب إلى الحمام ليغتسل، سر قلبه عندما ~~أبصر الحمام الدافئ؛ إذ لم يعتد مثل هذه العناية منذ أن ترك ~~منزل كالوبسو، ذات الشعر الفتان؛ لأنه حتى ذلك الحين، كان يلقى ~~الرعاية باستمرار، كما لو كان إلها. # ناوسيكا تودع أوديسيوس # وبعد أن غسلته الإماء، ودعكن جسمه بالزيت، ودثرنه بعباءة ~~ومعطف جميلين، خرج من ms161 الحمام، وذهب لينضم إلى جميع الرجال في ~~خمرهم. ووقفت ناوسيكا، التي حبتها الآلهة بفتنة وجمال رائعين ~~بجانب قائم باب القاعة المكينة البناء، وأعجبت بأوديسيوس، وهي ~~ترمقه بنظراتها، وخاطبته بعبارات مجنحة، قائلة: ~~«وداعا أيها الغريب، وأرجو أن تتذكرني، وأنت في وطنك؛ لأنك ~~تدين لي، أولا، بثمن حياتك.» # فأجابها أوديسوس الكثير الحيل بقوله: «هيا ناوسيكا، يا ابنة ~~ألكينوس العظيم القلب، ليت زوس، زوج هيرا، العالي الرعد، يهبني ~~بلوغ وطني، والتمتع بيوم عودتي؛ عندئذ سأظل هناك أصلي لك، كما ~~أصلي لإله، طوال أيامي؛ فإنك، أنت يا سيدتي التي أعطيتني ~~الحياة.» # أوديسيوس يغمر المنشد بعطفه # قال أوديسيوس هذا وجلس فوق مقعد بجانب الملك ألكينوس. وكان ~~المجتمعون آنئذ يوزعون قطع اللحم ويخلطون الخمر، فاقترب ~~الرسول، يقود المنشد الكريم، ديمودوكوس الذي يجله الشعب، ~~وأجلسه وسط المدعوين، مسندا مقعده إلى عمود مرتفع. وعندئذ ~~قطع أوديسيوس الكثير الحيل، قطعة من سلسلة ظهر خنزير بري أبيض ~~الناب، من بين كثير من القطع وكانت غزيرة الدهن من كلا جانبيها، ~~وأعطاها الرسول، قائلا: ~~«أيها الرسول، خذ هذا الجزء وقدمه لديمودوكوس، ليأكله، وسوف ~~أقوم بتحيته رغم أحزاني؛ فإن المنشدين يحظون بالمجد والاحترام بين ~~سائر الناس الذين يسكنون الغبراء؛ لأن ربة الشعر علمتهم طرق ~~الغناء، وتحب معشر المنشدين.» # ما إن قال هذا حتى تناول الرسول القطعة ووضعها في يدي السيد ~~ديمودوكوس، فتناولها هذا مسرور القلب. وهكذا شرع القوم يأكلون من ~~أطايب الطعام الشهي الموضوع أمامهم. وبعد أن نالوا كفايتهم من ~~الطعام والشراب، خاطب أوديسيوس، الكثير الحيل، ديمودوكوس ~~بقوله: ~~«أيا ديمودوكوس، إنني والحق يقال؛ لأثني عليك أكثر من سائر ~~البشر، سواء أكان الذي علمك الغناء هي ربة الشعر ابنة زوس، أو ~~أبولو؛ لأنك تتغنى صادقا وحيدا، بمصير الآخيين، كل ما صنعوه ~~ولاقوه، وجميع المشاق التي قاسوها، كما لو كانت حاضرا معهم ~~بنفسك، بمحض الصدفة، أو سمعت القصة من شخص آخر. والآن هيا غير ~~أغنيتك، وأنشدنا عن الجواد الخشبي، الذي صنعه إيبيوس # Epeius ~~، بمساعدة أثينا، الجواد الذي ~~ساقه أوديسيوس، ذات مرة إلى داخل القلعة، كضرب ms162 من الخداع، بعد أن ~~ملأه بالرجال الذين خربوا إليوس، فلو تغنيت بحق عن هذه ~~القصة؛ لأعلنت على الملأ أن الرب قد منحك، بقلب رضي، موهبة ~~الغناء المقدس.» # أوديسيوس يطلب سماع قصة الحصان الخشبي # ما إن انتهى أوديسيوس من حديثه هذا، حتى شرع المغني، يدفعه الرب، ~~يرسل أنشودته لتصل إلى الأسماع، متناولا القصة حيث كان ~~الأرجوسيون، قد ركبوا سفنهم ذات المقاعد، وأبحروا بعيدا، بعد ~~إلقاء النار على أكواخهم، بينما كان الذين يقودهم أوديسيوس المجيد ~~يجلسون في مكان اجتماع الطرواديين، مختبئين داخل الحصان، الذي ~~سحبه الطرواديون أنفسهم إلى القلعة، فبقي واقفا هناك، بينما جلس ~~القوم حوله ، وشرعوا يتكلمون طويلا، ولم يستطيعوا الوصول إلى ~~قرار. لقد حظيت ثلاثة آراء باستحسانهم؛ إما أن يشقوا الخشب ~~الأجوف بالبرونز القاسي، أو يرفعوا الحصان إلى علو شاهق، ~~ويلقوا به من فوق الصخور، أو يتركوه حيث هو كتقدمة عظيمة تليق ~~بمقام الآلهة. كما قر قرارهم في النهاية؛ إذ كان مصيرهم أن ~~يهلكوا بعد أن تحتوي مدينتهم الحصان الخشبي الهائل، الذي كان ~~يجلس بداخله أفاضل الأرجوسيين، يحملون الموت والقدر للطرواديين. ~~كما أنشد كيف تدفق أبناء الآخيين من الحصان، تاركين كمينهم ~~الأجوف، وخربوا المدينة. أما الآخرون فقد أنشد كيف انطلقوا في ~~مختلف الطرق يخربون المدينة الشامخة. وأما عن أوديسيوس فذكر كيف ~~أنه مثل أريس، ذهب إلى بيت دايفوبوس # Deiphobus # بصحبة مينيلاوس، الشبيه بالإله. هناك كما ~~قال، تعرض أوديسيوس لأقسى ضروب القتال، ولكنه تغلب في النهاية ~~بمعونة أثينا العظيمة القلب. # بكاء أوديسيوس يثير فضول ألكينوس # أنشد المغني الذي طبقت شهرته الآفاق، هذه الأغنية، بينما ~~ذاب قلب أوديسيوس، وبللت الدموع وجنتيه من تحت حاجبيه، وكما ~~تنتحب المرأة، وتمزق نفسها حول زوجها العزيز، المجنون أمام ~~مدينته وشعبه، ساعيا إلى أن يصد عن مدينته وأطفاله يوم الكريهة ~~القاسي، وعندما تراه يحتضر ويلفظ أنفاسه، تتعلق به ويعلو ~~صراخها، بينما الأعداء من خلفها، يضربون ظهرها وكتفيها برماحهم، ~~ويقودونها بعيدا في الأسر، لتقاسي الآلام والمشاق، فتذوي ~~وجنتاها تحت وطأة الحزن الممض. هكذا أيضا ترك أوديسيوس دموعه ~~السواجم ms163 تنهمر من تحت حاجبيه، وأخفى تلك العبارات التي ذرفها، عن ~~الجميع. بيد أن ألكينوس وحده لاحظه والتفت إليه؛ إذ كان يجلس ~~بجواره، وسمع أنينه العنيف، فنهض في الحال، يتكلم وسط الفياكيين، ~~محبي المجاذيف، قائلا: ~~«أصغوا إلي، يا قادة ومستشاري الفياكيين، دعوا ديمودوكوس ~~يوقف الآن قيثارته الصافية اللحن، فإنه لا يقسم السرور بهذه ~~الأغنية على الجميع سواسية؛ فمنذ أن بدأنا نتعشى، وانساب المغني ~~في الإنشاد، لم يكف هذا الغريب عن البكاء قط. إنني لأعتقد ~~بحق، أن الحزن لا بد قد بخع قلبه، فليكف المغني الآن، كي نمرح ~~جميعا ضيوفا ومضيفين على حد سواء، طالما أن هذا أفضل بكثير، ~~فمن العجيب أننا أعددنا كل هذه الأشياء من أجل الغريب المبجل، ~~إرساله، وهدايا الصداقة التي نقدمها بمحض حبنا؛ فهذا الغريب ~~المتضرع، قد أعززناه كأخ، وإنه لذو إدراك ليس بالقليل. لا تخف ~~بعد الآن في نفسك ما سأسألك عنه؛ فالصراحة أجدى بكثير. خبرني عن ~~الاسم الذي اعتاد القوم أن ينادوك به في وطنك، أمك وأبوك وجيرانك، ~~وأهل بلدتك، والسكان المحيطون بها؛ إذ لا أحد من البشر بغير اسم، ~~سواء أكان وضيعا أم نبيلا؛ حيث إنه قد ولد في يوم من الأيام؛ ~~لأن الآباء يهبون الأسماء للجميع عندما ينجبونهم. كذلك خبرني ~~عن بلادك وشعبك ومدينتك، حتى تستطيع سفننا أن تحملك إلى هناك، ~~تشق طريقها بمهارة؛ إذ ليس للفياكيين بحارة، ولا دفات كما ~~للسفن الأخرى، ولكن سفنهم تفهم آراء وعقول البشر، من تلقاء نفسها، ~~وتعرف مدن سائر الأقوام وحقولهم الخصبة، وبمنتهى السرعة تشق عباب ~~اليم، مختفية وسط الضباب والسحب، لا تخشى الأذى أو التحطيم ~~إطلاقا. ومع كل فقد سمعت، ذات مرة قصة يرويها أبي ناوسيثوس # Nausithous ~~؛ إذ اعتاد أن يقول إن ~~بوسايدون كان غاضبا منا، لأننا نهيئ لجميع الناس سفرا ~~آمنا. لقد ذكر أنه سيأتي يوم، بينما تكون إحدى سفن الفياكيين ~~المتينة البناء عائدة من رحلة عبر الخضم المظلم، سيضربها ~~بوسايدون، ويشق جبلا شاهقا حول مدينتنا. # 17 # هذا ما قاله ذلك الرجل العجوز، ولكن الرب إما ms164 أن ~~يحقق ذلك الأمر، وإما أن يتركه دون أن يتحقق، تبعا لمشيئته ~~الكريمة. هيا الآن، وخبرني عن هذا صراحة إلى أين رحلت، وإلى أي ~~بلدان البشر ذهبت، وارو لي ما تعرفه عن أولئك الأقوام، وعن مدنهم ~~المتينة البناء، من منهم قساة ظالمون متوحشون، ومن منهم يحبون ~~الغرباء ويخشون الآلهة في قلوبهم؟ وأفصح لي عن سبب بكائك ونحيبك، ~~عند سماع مصير الدانيين الأرجوسيين وإليوس، هذا صنع الآلهة الذين ~~حاكوا خيوط الدمار للبشر كي يمكن أن تكون هناك أغنية لمن هم على ~~وشك الولادة. هل سقط أحد ذوي قرباك أمام إليوس، رجل طيب القلب ~~صادق القول، أو زوج ابنتك ، أو حموك، فهؤلاء هم أقرب الأقرباء للمرء ~~من أبناء جلدته ودمه؟ أو هل هو صديق عزيز على قلبك، كريم صادق؟ ~~فلا أسوأ من أن يفقد المرء أخا رفيقا، ذا قلب فطين.» # | الأنشودة التاسعة # أوديسيوس يحكي مغامراته # عندئذ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، وقال: «سيدي ألكينوس، يا من ~~طار صيته أسرع من صيت الناس، ما أجمل الإصغاء إلى منشد كهذا ~~الرجل، الذي يشبه الآلهة صوتا! أما عن نفسي، فإنني أعلن أن أعظم ~~مسرة لي هي ما تنتظم سائر الشعب، والمدعوون يجلسون في الساحات ~~يستمعون إلى المنشد، وقد انتظموا في ترتيب مناسب، وإلى جوارهم ~~موائد زاخرة بالخبز واللحم، والساقي يملأ كئوس الخمر من الطاس ~~ويدور بها هنا وهناك. هذا أجمل شيء في الوجود يروق لناظري. بيد أن ~~قلبك يميل إلى السؤال عن محني المفجعة، كي يزداد بكائي وأنيني. ~~ولست أدري بأي المحن أبدأ، ولا بأيها أنتهي؛ فكثيرة هي المصائب ~~التي حبتني بها آلهة السماء. وسأبدأ الآن بإخبارك عن اسمي، حتى ~~تعرفه أنت أيضا، وكي أصبح فيما بعد، عندما أنجو من يوم القدر ~~المشئوم، مضيفك، رغم أنني أقطن في بلاد نائية. إنني أوديسيوس بن ~~لايرتيس، المشهور بين البشر بجميع طرق الحيل، وتبلغ شهرتي السماء، ~~وموطني إيثاكا، الواضحة للعين؛ حيث يوجد جبل نيريتون # Neriton ~~، المكسو بالغابات المائجة؛ إذ ~~ينظر إليه من بعد، ومن حوله جزر عدة متقاربة، الواحدة ms165 بجانب ~~الأخرى، دوليخيوم # Dulichium ~~، ~~وسامي # Same ~~، وزاكونثوس # Zacyunthus # الكثيرة الغابات. أما ~~إيثاكا نفسها فبقرب الأرض الرئيسية # 1 # في أقصى الظلام، # 2 # وأما الجزر الأخرى ~~فتقع منفصلة صوب الفجر والشمس. إنها جزيرة وعرة، ولكنها مربية ~~كريمة للشباب، أما بالنسبة لي، فليس هناك ما يمكن أن أراه أحلى من ~~وطني. حقيقة، حاولت الربة الفاتنة كالوبسو، أن تحجزني إلى ~~جوارها في كهوفها الواسعة، تواقة إلى أن أغدو زوجها، وكذلك كانت ~~تتلهف كيركي إلى الاحتفاظ بي في ساحاتها، كيركي سيدة أيايا # Aeaea # المحتالة، وكانت تتوق أيضا إلى ~~الزواج بي، ولكنهما لم تستطيعا إغراء قلبي بين ضلوعي. حقا، إنه ~~ما من شيء ألذ من وطن المرء ووالديه، حتى ولو كان في بيت الثراء، ~~بعيدا قصيا، في بلد غريب، نائيا عن والديه. دعني أخبرك ~~أيضا بخبر عودتي المؤلمة إلى الوطن، التي أنزلها بي زوس، وأنا ~~عائد من طروادة. # وتحدثت إليه، وأنا أمسك ~~في يدي طاسا من الخشب، مملوءا بالخمر. # مغامرة أوديسيوس مع الكيكونيس # حملتني الرياح من إليوس، وساقتني إلى الكيكونيس # Cicones ~~، # 3 # إلى إسماروس # Ismarus ~~. ~~هناك نهبت المدينة، وقتلت رجالها، ومن المدينة أخذنا زوجاتهم، ~~وغنمنا كميات كبيرة من الكنوز، قسمناها فيما بيننا، واضعا نصب ~~عيني ألا يظلم أحد، بل تكون الأنصبة عادلة بينهم على السواء. ~~بعد ذلك أمرت الرجال، بأن نطلق العنان لأقدامنا هاربين، ولكنهم ~~لفرط غبائهم لم يسمعوا أمري، فأخذوا يحتسون الكثير من الخمر، ~~وذبحوا خرافا جمة بجوار الشاطئ، وأبقارا ملساء سمينة، متثاقلة ~~المشية. وفي تلك الأثناء، انطلق الكيكونيس واستنجدوا بكيكونيس ~~آخرين من جيرانهم، فتجمع عدد أكبر وأشجع منهم، من الرجال ~~القاطنين بعيدا عن البحر، وكانوا ماهرين في القتال من عرباتهم، ضد ~~الأعداء، حتى إذا ما لزم الأمر، هبطوا منها وقاتلوا على الأقدام، ~~فما أصبح الصباح حتى هجم علينا جمع منهم # 4 # في عداد أوراق الأشجار أو الأزهار النابتة في موسمها، ~~وعندئذ نزل بنا مصير مشئوم من لدن زوس، فأصابنا نحن التعساء، كي ~~نكابد المحن العديدة. لقد قاتلوا في نظام، وحاربونا بالسفن ~~السريعة. وراح كل ms166 جانب يقذف الآخر بالرماح البرونزية الأسنة. ~~ولما كان الوقت لم يزل إذ ذاك صباحا، وكان النهار المقدس ~~يتضاءل، ونحن نصد هجماتهم، ونطردهم بعيدا، رغم تفوقهم علينا في ~~العدد. غير أنه عندما أخذت الشمس تؤذن بحل النير عن الثيران، ~~تفوق علينا الكيكونيس، وهزموا الآخيين، وهلك ستة من رفاقي، ~~المدرعين جيدا، من كل سفينة، أما بقيتنا، فقد نجونا من الموت ~~والقدر. # معركة أوديسيوس مع الأمواج والأعاصير # أسرعنا بالإبحار من هناك، محزوني القلوب، ومسرورين بنجاتنا من ~~الموت، رغم فقدنا زملاءنا الأعزاء، ولم أسمح لسفني بأن تبتعد ~~مسافة كبيرة، حتى نادينا ثلاث مرات على كل واحد من الرفاق ~~التعساء، الذين جندلهم الكيكونيس فوق أرض السهل. وعندئذ أثار ~~زوس، جامع السحب، الريح الشمالية ، ضد سفننا، فهاجت بعاصفة ~~عجيبة، وأخفى البر والبحر معا بالغمام، ثم هجم الليل الداجي ~~هابطا من السماء، فأخذت السفن تجري بسرعة، وتمزقت أوصال ~~أشرعتها إربا من جراء عنف الريح؛ وعلى ذلك أنزلنا الأشرعة ~~وخزناها بعيدا خشية الموت، ورحنا نجذف بالسف في سرعة بالغة ~~صوب البر. هناك استغرقنا في الرقاد طيلة ليلتين ويومين، وقد ~~ذابت قلوبنا تعبا وأسى، غير أنه ما إن أعلن الجميل الغدائر مولد ~~اليوم الثالث، حتى رفعنا الصواري ونشرنا الأشرعة البيضاء، واتخذنا ~~مقاعدنا، وطفق البحارة والرياح يسيرون السفن. وحينئذ كدت ~~أبلغ وطني سليما، لولا أن الأمواج والتيار والريح الشمالية، عادت ~~تكيل لي الضربات، وأنا أدور حول ماليا # Malea ~~، ودفعتني خارج طريقي، بعيدا عن كوثيرا # Cythera ~~. # أوديسيوس في بلاد آكلة اللوتس # بقينا مدة تسعة أيام، منذ ذلك الحين، تحملنا الرياح الهوج عبر ~~الخضم الزاخر، حتى إذا ما أقبل اليوم العاشر، وطئت أقدامنا أرض ~~بلاد آكلي اللوتس # Lotus-eaters ~~، ~~الذين غذاؤهم الأزهار، فنزلنا إلى البر، واستقينا الماء، وفي الحال ~~تناول رفاقي طعامهم بجانب السفن السريعة. وبعد أن أكلنا وشربنا ~~أرسلت بعضا من رفقائي ليستطلعوا ماهية أولئك القوم الذين أكلوا ~~خبزا فوق تلك اليابسة، فاخترت اثنين من رفاقي، وأرسلت معهم ~~رجلا ثالثا كرسول ... وعلى ذلك انطلقوا في الحال واختلطوا بآكلي ~~اللوتس، ولم يسع آكلوا ms167 اللوتس إلى قتل زملائي، بل قدموا لهم ~~شيئا من اللوتس ليتذوقوه، وما من واحد منهم أكل ثمرة اللوتس، ~~التي تعدل الشهد حلاوة، إلا وفقد الرغبة في العودة أو إحضار نبأ ~~عن رفيقه، بل طاب لهم البقاء هناك بين آكلي اللوتس، متخذين اللوتس ~~غذاء لهم وناسين طريقهم إلى الوطن، ولكني أرجعت هؤلاء الرجال ~~بالقوة إلى السفن، وهم يبكون، وحملتهم إلى أسفل المقاعد، وأحكمت ~~قيدهم إلى السفن الواسعة، آمرا بقية ملائي الأوفياء، أن يسرعوا ~~بركوب السفن السريعة، لئلا يأكل أي فرد منهم اللوتس خطأ، فينسى ~~رحلته إلى الوطن، فأذعن الرجال للأمر، واعتلوا السفن من فورهم، ~~وجلسوا فوق المقاعد، وما إن استووا في أماكنهم، حتى شرعوا يضربون ~~البحر السنجابي بالمجاذيف. # أوديسيوس في بلاد العمالقة # وهكذا أبحرنا من هناك، والحزن يملأ قلوبنا، وبلغنا بلاد ~~الكوكلوبيس، أولئك القوم المتغطرسين الذين لا يخضعون لأي قانون، بل ~~جل اعتمادهم على الآلهة الخالدين، لا يغرسون بأيديهم نبتا، ولا ~~يحرثون أرضا، بل تنمو كل مزروعاتهم دون بذر ولا حرث، القمح ~~والشعير والكروم الحاملة لعناقيد الخمر الغنية، كما يهبهم زوس ~~المزيد بأمطاره. إنهم لا يعقدون اجتماعات للتشاور، ولا يتبعون ~~قوانين محدودة، بل يعيشون فوق ذؤابات الجبال الشامخة، في كهوف ~~واسعة، وكل منهم يسن القوانين لأطفاله وزوجاته، ولا يسلب أحدهم ~~الآخر شيئا. # والجزيرة هناك مستوية # 5 # تمتد خارج الميناء بانحراف، وليست قريبة من أرض ~~الكوكلوبيس، كما أنها ليست بعيدة عنها. إنها جزيرة كثيرة ~~الغابات، تكثر فيها المعيز ~~المتوحشة التي لا حصر لها؛ إذ لا يخيفها سير الناس ولا يبعدها ~~عنهم، كما أن الصيادين لا يذهبون إلى هناك، أولئك الرجال الذين ~~يتجشمون المتاعب خلال الغابات، وهم يشقون طريقهم فوق قمم ~~الجبال، وإنها غير محتلة بقطعان الماشية، وليست مفلوحة، بل تظل غير ~~مزروعة ولا مفلوحة طوال الأيام، لا تعرف شيئا عن البشر، ولكنها ~~تطعم المعيز الناغية؛ لأن الكوكلوبيس لا يملكون أية سفن قرمزية الخدود. # 6 # كما أن بلادهم خالية تماما من صانعي السفن الذين ~~يبنون السفن المكينة المقاعد، التي تنجز لهم سائر مطالبهم، ms168 وهم ~~ينتقلون إلى مدن أقوام آخرين، كما يحدث عندما يعبر الناس البحر ~~على متون السفن للتزاور - الصناع القادرون أن يجعلوا من تلك ~~الجزيرة موطنا جميلا - فإن ~~الجزيرة ليست بأي حال فقيرة، ولكنها تؤتي كل شيء في أوانه؛ فبها ~~مروج بجانب شواطئ البحر السنجابي، مروج جيدة الري ناعمة، حيث لا ~~تكف الكروم عن النمو، وبها أرض حرث مستوية، يستطيعون منها أن ~~يحصدوا الغلات الوفيرة من موسم إلى موسم؛ إذ إن التربة أسفل ~~السطح خصبة كل الخصب، وكذلك بها ميناء يسهل إرساء السفن بها ~~في أمان، دون حاجة إلى المراسي، إما بإلقاء مرساة من البحر، أو ~~بتثبيت الكوثل بالحبال، فيمكن للمرء إرسال سفينته على الشاطئ ~~وينتظر حتى ينتوي البحارة الإقلاع، وتهب الريح المعتدلة. وينبثق ~~من الأرض عند رأس الميناء عين ماء نمير، من تحت كهف، وتنمو حوله ~~أشجار الحور، فأبحرنا إلى هناك. وقد أرشدنا أحد الآلهة خلال الليل ~~الداجي؛ إذ لم يكن يرى هناك أي ضوء، بل كانت تحط على السفن ~~غمامة كثيفة، ولم يرسل القمر أي نور من السماء، بل بقي محتجبا ~~خلف السحب؛ ولذلك لم تبصر عين أي رجل تلك الجزيرة، ولم نشاهد ~~اللجج الطويلة وهي ترتطم بالشاطئ إلا بعد أن سحبنا سفننا القوية ~~المقاعد فوق الساحل. وبعد أن أخذناها فوق الشاطئ، خفضنا سائر ~~الأشرعة، ونزلنا بأنفسنا فوق شاطئ البحر، حيث استسلمنا إلى النوم ~~وانتظرنا مقدم الفجر اللامع. # ما إن هتك الفجر المبكر الوردي الأنامل حجب الظلام، حتى شرعنا ~~نجوس خلال الجزيرة وقد عجبنا منها، وقامت الحوريات بنات زوس، حامل ~~الترس، بإثارة معيز الجبل، كي يستطيع زملائي أن يأخذوا منها ما ~~يعدون به طعامهم. وفي الحال تناولنا قسينا المعقوفة، ~~وسهامنا الطويلة من السفن، وبعد أن انتظمنا في ثلاث فرق، أنشأنا ~~نضرب، وسرعان منا وهبنا الرب فرائس تشبع جوعنا. كانت السفن التي ~~تتبعني اثنتي عشرة سفينة، فسقط لكل منها تسع عنزات، قسمناها ~~بالاقتراع، أما أنا فكان نصيبي عشر عنزات انتقوها لي. # وهكذا مكثنا اليوم بطوله حتى غربت الشمس، جالسين هناك نولم ms169 على ~~لحم وفير وخمر لذيذة؛ إذ لم تكن الخمر الصهباء قد نفدت من سفننا ~~بعد، بل كان لا يزال منها لدينا بقية؛ لأننا كنا قد وضعنا منها ~~خزينا وافرا في قدور، لكل فريق من الملاحين، يوم أن استولينا ~~على قلعة الكيكونيس المقدسة، ثم اتجهنا بأبصارنا إلى بلاد ~~الكوكلوبيس، القاطنين بقربنا، ولاحظنا الدخان، وصوت الرجال ~~والخراف، والماعز. ولما اختفت الشمس وراء الأفق، وخيم الظلام ~~على الكون، استلقينا فوق شاطئ البحر طلبا ~~للراحة. وما كاد الفجر الباكر ~~الوردي الأنامل يلوح في أفق السماء، حتى ناديت رجالي، وجمعتهم ~~سويا، وتحدثت في وسطهم جميعا، فقلت: ~~«انتظروا هنا الآن، يا جميع الباقين، يا زملائي الأوفياء، بينما ~~أنطلق بسفينتي وبحارتي، إلى أولئك القوم، لأستطلع من يكونون، وهل ~~هم من الأفظاظ، المتوحشين الظالمين، أم ممن يحبون الغرباء، ~~ويتقون الآلهة في قرارة نفوسهم.» # وبعد أن أتممت حديثي ذاك، ~~صعدت إلى ظهر السفينة، وأمرت رفاقي بالصعود كذلك، وبحل حبال ~~الكوثل، فأذعنوا للأمر، وامتطوا صهوتها فورا، واستووا في ~~مقاعدهم. وبعد أن اعتدلوا في مجالسهم بنظام، وأخذوا يضربون البحر ~~السنجابي بالمجاذيف، فلما بلغنا المكان، وكان قريبا جدا من ~~البحر، أبصرنا كهفا شاهقا، مسقوفا بفروع أشجار الغار. ورأينا ~~هناك كثيرا من قطعان الأغنام، والماعز، كانت نائمة معا في حظيرة ~~واحدة. ومن حول الكهف ساحة عالية، مشيدة في الصخور المغروسة ~~عميقا في الأرض، والمدعمة بأشجار الصنوبر الباسقة، وأشجار ~~البلوط ذوات القمم الشاهقة. وكان هناك رجل ضخم عملاق، ينام في ~~ذلك الكهف، وكان يرعى قطعانه بمفرده في مكان قصي، ولم يكن يختلط ~~بغيره، بل يعيش في عزلة، يؤمن في قلبه بعصيان القانون؛ لأنه كان قد ~~خلق وحشا غريبا، ولم يشبه الإنسان آكل الخبز، بل كان أشبه بقمة ~~شامخة لجبل ضخم، كثيرة الغابات، تعلو بارزة وحدها أمام الناظرين، ~~ومنفصلة عن غيرها من الذؤابات الشامخات. # عندئذ أمرت بقية رفاقي الأوفياء، أن يبقوا بجانب السفينة ~~لحراستها، واخترت اثني عشر رجلا من خير رفاقي وانطلقت في ~~طريقي، وملأت قربة من جلد الماعز بالخمر الصهباء الحلوة المذاق، ~~كان قد ms170 أعطانيها مارو # Maro ~~، ابن ~~يوانثيس # Euanthes ~~، كاهن أبولو، ~~الرب المكلف بحراسة إسماروس # Ismarus ~~، أعطانيه لأننا قمنا بحمايته، هو وزوجه ~~وطفله، من قبيل التبجيل؛ إذ كان يعيش في كهف خشبي لفويبوس أبولو Phoebus Apollo ~~. كذلك أهداني ~~هدايا رائعة؛ فمن الذهب المصنوع بمهارة، قدم لي سبع تالنتات، ~~وأعطاني طاسا من اللجين، وعلاوة على ذلك أعطاني خمرا، ملء ~~اثنتي عشرة قدرا، خمرا حلوة نقية، غير مخلوطة، شرابا مقدسا، ~~دون علم أي فرد من عبيده أو خادماته، بل كان يعلم به هو نفسه ~~وزوجه العزيزة، وإحدى خادمات المنزل، ليس غير. وكانوا كلما شربوا ~~من تلك الخمر التي في حلاوة العسل، ملئوا كأسا واحدة، وسكبوها في ~~عشرين كأسا من الماء، فتنبعث ~~من الطاس رائحة طيبة ذكية، وعندئذ كان يحق للمرء ألا يكف عن ~~الاحتساء، فملأت قربة من جلد الماعز بهذه الخمر، وكانت قربة ~~كبيرة الحجم، وكذلك ملأت كيسا بالمئونة؛ إذ كان يتملكني إحساس، ~~في داخل نفسي، بأنه سرعان ما سيأتي إلي رجل عتيد القوة، ~~متوحش لا يعرف شيئا عن العدالة أو القانون. # 7 # أوديسيوس في كهف العملاق بولوفيموس # سرعان ما بلغنا الكهف، فلم نجد العملاق بداخله؛ إذ كان يرعى ~~قطعانه السمينة في الحقول؛ ومن ثم دخلنا الكهف وطفنا نتعجب ~~من كل شيء وقع عليه بصرنا هناك. كانت السلال مملوءة بالجبن، ~~والحظائر تعج بالحملان والجداء. كل نوع بمفرده داخل سياج؛ ~~الحملان غير البالغة وحدها، وكذلك الحملان البالغة في مكان آخر ~~وحدها، وأيضا الحديثة المولد. وكانت الجرار الحديثة الصنع مملوءة ~~بالشرش، وكذلك الدلاء والطسوت التي يحلب فيها اللبن، فلما رأى ~~رفاقي ذلك، أشاروا علي بأخذ بعض من الجبن، والانصراف، ثم أسرع ~~في قيادة الجداء والحملان داخل الحظائر إلى السفينة السريعة؛ ومن ~~ثم نبحر عبر الماء الملح. بيد أنني لم أستمع لنصحهم - ويا ~~ليتني فعلت؛ إذ كان هذا خيرا لنا، أي خير - رغبة في رؤية الرجل ~~نفسه، وطمعا فيما عسى أن يعطينيه من هدايا التكريم. غير أن ~~ظهوره، كما حدث، لم يكن منه أي غبطة لزملائي. # بعد ذلك ms171 أشعلنا نارا، وقدمنا ذبيحة، وتناولنا، نحن أنفسنا من ~~الجبن، فأكلنا، ثم جلسنا ننتظر العملاق داخل الكهف، حتى عاد يسوق ~~قطعانه. وكان يحمل مقدارا ضخما من الخشب الجاف؛ ليستخدمه في ~~إعداد عشائه، وقذف به من فوق ظهره، إلى داخل الكهف، محدثا ~~صوتا مدويا، فاستبد بنا الفزع، وانكمشنا في إحدى زوايا الكهف، ~~بينما كان يدفع قطعانه السمينة إلى داخل المغارة الواسعة؛ سائر ~~الإناث التي كان يحلبها. أما الذكور - الكباش والماعز - فقد تركها ~~خارج صحن الكهف المترامي الأطراف. وبعد ذلك رفع صخرة الباب الضخمة، ~~ووضعها في مكانها، ويا لها من صخرة بالغة الكبر، تنوء برفعها عن ~~الأرض اثنتان وعشرون عربة ذات أربع عجلات، من العربات المتينة! ~~إنها كتلة هائلة من الصخر، تلك التي وضعها أمام المدخل. وبعد ذلك ~~جلس يحلب النعاج والماعز الثاغية، كلا بدوره، ووضع تحت كل أنثى ~~صغيرها. وفي الحال خثر نصف اللبن الناصع البياض، ووضعه في سلال ~~من غصون الصفصاف، وحملها بعيدا. أما النصف الآخر فوضعه في أوعية ~~ليتمتع بأن يعب منه في عشائه. وهكذا شغل بإنجاز مهامه ثم عاد ~~يشعل النار، فوقع بصره علينا، فسألنا قائلا: # المعركة الكلامية بين العملاق وأوديسيوس ~~«من أنتم أيها الغرباء؟ ومن أين قدمتم بحرا عبر المسلك ~~المائية؟ ألغرض بعينه جئتم، أم مجرد تجوال تقومون به فوق صفحة ~~اليم كما يجوس القراصنة، مغامرين بحياتهم لجلب الأذى على أقوام ~~البلاد الأخرى؟» # قال هذا، فبلغت أرواحنا التراقي، من داخل صدورنا، فزعا وهلعا ~~من صوته المنكر وحجمه المهول، ولكن رغم ذلك، أجبته ~~بقولي: ~~«يجب أن تعلم أننا من طروادة، وأننا من القوم الآخيين، ساقتنا ~~جميع صنوف الرياح عبر هوة البحر العظيمة، ونحن نجد في العودة ~~إلى وطننا، فسلكنا طريقا غير طريقنا، وأبحرنا عبر ممرات غير ~~ممراتنا، وفي اعتقادي، أن زوس كان مسرورا من خطته تلك. كما أعلن ~~أننا رجال أجاممنون بن أتريوس # Atreus ~~، الذي طبقت شهرته الآفاق، وغدت أقوى شهرة ~~تحت السماء، ويا لها من مدينة عظيمة تلك التي خربها، وجندل ~~قوما كثيرين! أما نحن، فإذ نزورك هكذا، ms172 قد جئنا كمتضرعين إلى ~~ركبتيك، أملا في أن نحظى بكرمك، أو بالأحرى، أن تقدم لنا ~~هدية ما عملا بواجب ضيافة الغرباء. هيا، أيها البالغ القوة، بجل ~~الآلهة؛ فنحن طالبو عطفك، وإن زوس هو المنتقم للمتضرعين والأغراب - ~~زوس، إله الغرباء - الذي يتولى على الدوام خدمة الأغراب ~~المبجلين.» # ما إن قلت هذا، حتى أجابني ~~بفظاظة وغلظة قلب، فقال: «أأنت أحمق أيها الغريب، أم أنك قدمت من ~~بلد قصي؛ إذ أراك تأمرني، إما بالخوف وإما باجتناب غضب الآلهة؟ إن ~~الكوكلوبيس لا يهابون زوس، حامل الترس، ولا الآلهة الخالدين؛ إذ ~~إننا أفضل منهم بكثير؛ وعلى ذلك فلن تفلت مني، أنت ولا أي من ~~رفاقك، لكي أتحاشى غضب زوس، إلا إذا أمرني قلبي، ولكن خبرني: أين ~~أرسيت سفينتك المتينة الصنع عندما قدمت إلى هنا؟ أكان ذلك ~~مصادفة عند مكان قصي من البلاد، أم في موضع قريب؟ إن لي رغبة في ~~معرفة ذلك.» # هكذا تكلم، قاصدا إغرائي، بيد أنه لم يوقع بي، بسبب دهائي ~~العظيم، فأجبته ثانية، بألفاظ ماكرة، قائلا: ~~«إن سفينتي، قد حطمها بوسايدون، مزلزل الأرض، إلى أشلاء، ~~قاذفا بها إلى فوق الصخور عند تخوم بلادك؛ إذ دفع بها قريبا من ~~اليابسة، وجرفتها الريح من البحر إلى الداخل، غير أنني نجوت، مع ~~هؤلاء الرجال، من الهلاك الشامل.» # العملاق يتعشى باثنين من رجال أوديسيوس # قلت هذا، ولكنه لم يجب، ~~من قسوة قلبه، وإنما وثب، وانقض على رفاقي، وأمسك في الحال ~~اثنين منهم، وقذف بهما إلى الأرض كالدمى، فتدفق المخ خارج ~~رأسيهما على الأرض فبللها، ثم قطعهما جزءا جزءا، وأعد ~~منهما عشاءه. وهكذا التهمهما كما لو كان أسدا يسكن الجبال، غير ~~تارك منهما شيئا - فقد التهم الأحشاء، واللحم، والعظام ذات النخاع ~~- فلما رأينا عمله البشع ذاك، بكينا ورفعنا أيدينا إلى زوس، ~~واستولى الفزع # 8 # على نفوسنا. وبعد أن ملأ الكوكلوب معدته الضخمة، ~~بالتهام لحوم البشر، وعب اللبن الصافي، استلقى داخل الكهف، ~~ممددا وسط الخراف. وعندئذ فكرت في قرارة نفسي، أن أتسلل ~~إلى جواره وأستل سيفي البتار من ms173 جانب فخذي، وأهوي به على صدره، حيث ~~يقع الكبد داخل عضلة الحجاب الحاجز، متحسسا الموضع بيدي، غير أن ~~فكرة ثانية منعتني من تنفيذ هذه الخطة؛ إذ لا بد بعد ذلك أن ~~نهلك نحن أيضا؛ فليس في مقدورنا أن نزيح الصخرة الضخمة بأيدينا ~~من أمام الباب، تلك الصخرة التي وضعها هناك؛ وعلى ذلك بقينا ننتحب ~~منتظرين الفجر اللامع. # العملاق يفطر برجلين آخرين # ما كاد الفجر الباكر، ذو الأنامل الوردية، يلوح حتى نهض العملاق، ~~وأشعل النار، وحلب قطعانه العظيمة، كلا بدوره، ووضع صغير كل ~~أنثى تحتها. وبعد أن انتهى من إنجاز أعماله تلك، انبرى، وأمسك من ~~جديد برجلين، وأعد منهما وجبته في الحال. وبعد أن فرغ من ~~طعامه، ساق قطعانه السمينة إلى خارج المغارة، وأزاح صخرة الباب ~~الضخمة في يسر، ثم أعادها مكانها ثانية، كما يضع المرء الغطاء فوق ~~الجعبة. وبصفير مدو، ذهب الكوكلوب بقطعانه السمينة صوب الجبل، ~~بينما بقيت أنا هنا في الكهف، أدبر الشر في قرارة نفسي، حتى ~~أنتقم منه بأية وسيلة، وقد منحتني أثينا المجد. # خطة أوديسيوس للقضاء على العملاق # والآن خطرت لي فكرة، بدت لي أفضل مما عداها. كان بجانب إحدى ~~حظائر الخراف، هراوة ضخمة لذلك الكوكلوب، عبارة عن عصا غليظة من ~~خشب الزيتون الأخضر، كان قد قطعها وحملها معه لتجف هناك، فلما ~~وقع بصرنا عليها؛ خلناها سارية سفينة سوداء ذات عشرين مجذافا، ~~سفينة تجارية عريضة القوائم، من السفن عابرات الهوة السحيقة. ~~لقد كانت قضيبا بالغ الطول والسمك، فأمسكتها، وقطعت منها جزءا ~~في طول القامة، # 9 # وأعطيته زملائي، وأمرتهم بتسويته، وصقله. ورحت وأنا ~~واقف إلى جوارهم، أدبب الطرف، ثم حملته بسرعة، وجعلته صلبا ~~في النار المستعرة، ثم أخفيته بعناية بعيدا، تحت روث الأغنام ~~الموجودة بكثرة في أكوام هائلة في نواحي الكهف. وطلبت من رفاقي ~~أن يقترعوا فيما بينهم، عمن يرفع معي ذلك الوتد، ويديره داخل عين ~~العملاق عندما يأخذ الكرى اللذيذ بمعاقد أجفانه، فوقعت القرعة على ~~من كنت أتوق، أنا نفسي، إلى اختيارهم، وكانوا أربعة، وأنا ~~خامسهم، فلما ms174 أقبل المساء عاد يسوق قطعانه العظيمة الجزات، وأسرع ~~بإدخال قطعانه السمينة إلى الكهف الفسيح، ولم يترك واحدا منها ~~خارج صحن المغارة المترامي الأطراف؛ إما من باب الحيطة، وإما أن ~~يكون أحد الأرباب قد أمره بذلك، ثم رفع الصخرة عاليا، ووضعها في ~~مكانه، صخرة الباب الضخمة. وما كاد يجلس حتى حلب نعاجه ومعيزه ~~الثاغية، كلا بدوره، ووضع تحت كل أنثى صغيرها. وبعد أن انتهى من ~~عمله، تناول رجلين آخرين، وأعد منهما عشاءه. بعدئذ اقتربت ~~من الكوكلوب، وتحدثت إليه، وأنا أمسك في يدي طاسا من خشب ~~الإتل، مملوءا بالخمر القاتمة، وقلت: # أوديسيوس يثمل العملاق # أيها الكوكلوب، خذ هذه ~~الخمر. ~~«أيها الكوكلوب، خذ هذه الخمر، واشربها بعد وجبتك من لحم البشر، ~~لتعرف أي لون من الشراب، هذا الذي احتوته سفينتنا. لقد أحضرت هذا ~~الشراب، خصيصا لك، كشراب تقدمة، عسى أن تأخذك الشفقة بي، وترسلني ~~في طريقي إلى الوطن، بيد أنك تثور بطريقة تفوق كل ما يمكن احتماله. ~~أيها الرجل الفظ، كيف يستطيع أي رجل، من سائر جموع الناس، أن يأتيك ~~بعد الآن؟ لأنني أراك قد صنعت ما يخالف القوانين.» # هكذا قلت، فأمسك الكأس، وأفرغها في جوفه، وابتهج كثيرا؛ إذ ~~تناول الشراب الحلو، وسألني المزيد منه مرة أخرى، قائلا: ~~«زدني من هذا، ثانية، بقلب رضي، وأخبرني في الحال عن اسمك، حتى ~~يمكنني أن أعطيك هدية ضيف؛ ليبتهج بها قلبك؛ لأن أرض الكوكلوبيس، ~~واهبة الغلال، تحمل عناقيد العنب الغنية بالعصير، وأمطار زوس ~~تمنحها المزيد، غير أن هذه ليست سوى جرعة من الأمبروسيا والنكتار.» # ما إن قال هذا حتى ناولته الخمر المستعرة. ثلاث مرات أصبها له ~~وأعطيه، وثلاث مرات يفرغ الشراب بحمق في جوفه. وبعد أن سلبت ~~الخمر لب الكوكلوب، خاطبته بعبارات رقيقة، قائلا: ~~«تسألني عن اسمي المجيد، أيها الكوكلوب، وعلى ذلك سأذكره لك، حتى ~~تعطيني هدية الضيف، كما وعدتني، إن اسمي هو «لا أحد» فهكذا ~~يسميني أبي وأمي، وجميع رفقائي أيضا.» # هكذا قلت له، فأجابني في الحال بقلب لا يعرف الرحمة، ~~قائلا: ~~«سوف آكل «لا ms175 أحد» بعد سائر رفقائه، وآكلهم جميعا قبله، وهذه ~~ستكون هديتي.» # الخمر تلعب بعقل العملاق # ما إن قال هذا، حتى سقط مستلقيا على قفاه، وانحنى عنقه الغليظ ~~مائلا، وقد تملك منه النوم، الذي يقهر الجميع، ومن حلقه ~~تدفقت الخمر وقطع من الحم البشر؛ إذ تقيأ في نومه الثمل. ~~عندئذ وضعت الوتد تحت الرماد العميق، حتى حمي الوتد وغدا شديد ~~السخونة، وشجعت جميع رفاقي بألفاظ مفرحة، حتى لا يرتجف أحدهم ~~ذعرا وهلعا. وما كاد وتد خشب الزيتون يشتعل؛ لأنه كان أخضر، ~~وبدأ يتوهج بعنف، حتى اقتربت وأخرجته من النار، ووقف زملائي ~~إلى جانبي، وبث فينا أحد الأرباب شجاعة بالغة. لقد أمسكوا بوتد ~~الزيتون المدبب الطرف، ودفعوه في عينه، بينما ارتميت أنا بثقلي ~~عند طرفه، وأخذت أديره، وكما يثقب المرء أخشاب السفينة ~~بالمثقاب، بينما يحافظ من يمسكون بالمثقاب من أسفل بواسطة السير، ~~على استمرار دورانه، ويظل المثقب يدور دون توقف. هكذا أمسكنا ~~بالوتد الناري الطرف، وأدرناه في عينه، وتدفق الدم حول القضيب ~~المحمي، وألهبت النيران جفنيه وحاجبيه من حول المقلة المحترقة، ~~التي طقطقت جذورها في النار. وكما يغمس الحداد فأسا ضخمة أو ~~بلطة في الماء البارد، وسط الفحيح العالي، ليقسيها - إذ بهذه ~~الطريقة يستمد الحديد قوته - هكذا أيضا راحت عينه تفح حول ~~وتد خشب الزيتون، فأخذ العملاق يطلق الصراخ عاليا مدويا بفظاعة، ~~وطن الصخر من كل جانب، وإذ استولى علينا الفزع والذعر، وانكمشنا ~~في ناحية، بينما أخرج هو الوتد من عينه، وكان ملطخا كله بالدم، ~~وقذف به بعيدا وصار يلوح بذراعيه بوحشية. وبعد ذلك أخذ ينادي ~~الكوكلوبيس القاطنين حوله في ~~الكهوف وسط المرتفعات الشديدة الرياح، فسمعوا صياحه وهبوا لنجدته ~~من كل حدب وصوب، ووقفوا حول كهفه يسألونه ماذا يؤلمه ~~بقولهم: ~~«ماذا يؤلمك يا ~~بولوفيموس Polyphemus ~~، حتى تصرخ هكذا عاليا في بهيم الليل ~~الخالد، وتقض مضاجعنا؟ أتجاسر إنسان ما على أن يسرق قطعانك، ~~ويأخذها بعيدا ضد إرادتك، أم يقتلك بالحيلة، أو بالقوة؟» # فأجابهم بولوفيموس العتيد، من داخل المغارة، بقوله: «يا أصدقائي ~~لا أحد يقتلني ms176 بالحيلة ولا بالقوة.» # فردوا عليه جميعا، بعبارات قاسية، # 10 # فقالوا: «طالما لا أحد يستعمل معك القوة في وحدتك، فإن ~~المرض الآتي من لدن زوس العظيم، لا سبيل لك إلى الفرار منه. إذن ~~يجب أن تصلي إلى أبينا، السيد بوسايدون.» # قالوا ذلك القول وانصرفوا إلى حال سبيلهم، بينما ضحك قلبي في ~~داخلي؛ إذ خدعهم اسمي وخطتي الموضوعة بمكر ودهاء، إلى ذلك ~~الحد. بعد ذلك صار الكوكلوب يتلمس حوائط الكهف بيديه، وهو يتأوه ~~ويتوجع حتى بلغ الباب، فأزاح الصخرة، وجلس بنفسه عند الباب ~~باسطا ذراعيه، أملا في أن أي واحد منا قد يحاول الخروج مع ~~الخراف - بمنتهى الغباء - لأنه في الحقيقة، كان يأمل في قرارة ~~نفسه أن يعثر علي، ولكني دبرت خطة لإنجاز كل شيء على أتم ~~وجه، راجيا أن أوفق إلى خطة ما للهرب من الموت، أنا وزملائي، ~~فأخذت أقدح الفكر سعيا وراء كل سبل الحيلة والرأي السديد، كما ~~يفعل المرء إزاء مسألة حياة أو موت؛ لأن الشر المحدق بنا كان ~~عظيما، فوفقت إلى خطة، بدت لي خير فكرة. كانت هناك كباش ~~سمينة غليظة الجزة، حيوانات رائعة وكبيرة، ذات صوف أدكن ~~كالبنفسج، فربطت هذه مع بعضها، في سكون، بأغصان الصفصاف المجدولة، ~~التي كان ينام عليها الكوكلوب، ذلك الوحش ذو القلب المؤمن ~~بالتمرد والعصيان، فكنت أربط كل ثلاثة كباش سويا، يحمل ~~أوسطها رجلا، بينما يسير الكبشان الجانبيان، كل واحد منها إلى ~~جانب، منقذين رفقائي. وهكذا حمل كل ثلاثة خراف رجلا، أما فيما ~~يختص بنفسي، فقد كان هناك كبش ضخم، هو خير ما في القطيع كله، ~~فأمسكته من ظهره، وبسطت نفسي أسفل بطنه الأشعث، جاعلا وجهي إلى ~~فوق، وبقلب ثابت جريء، تعلقت بشدة بيدي في جزته العجيبة، ~~وهكذا بقينا، بالنحيب ننتظر قدوم الفجر اللامع. # هروب أوديسيوس بخديعة الكباش # ما إن لاح الفكر الباكر، ذو الأنامل الوردية، حتى أسرعت ذكور ~~القطيع خارجة لترعى، بينما شرعت الإناث تثغو حول الحظائر دون أن ~~يحلبها أحد؛ إذ كانت ضروعها منتفخة، وسيدها يتلظى حزنا بآلامه ~~المبرحة، فراح يتحسس ms177 ظهور جميع الخراف وهي تمر أمامه، ولكن ~~لحماقته، لم ينتبه إلى أن رجالي كانوا مربوطين أسفل صدور كباشه ~~الغزيرة الصوف. وآخر جميع القطيع، خرج الكبش المحمل بثقل جزته، ~~وبشخصي الماكر، فلما تحسس بولوفيموس ظهره تحدث إليه ~~قائلا: ~~«يا هذا الكبش الكريم، لماذا بربك تخرج هكذا من الكهف آخر ~~القطيع؟ ما كان من عادتك أن تبطئ في الخروج وراء سائر الخراف، بل ~~كنت دائما أول من يرعى النبت الغض من الحشائش، سائرا بخطى ~~واسعة، وكنت أول من يصل إلى مجرى النهر المائي، وأسبق من كان ~~يتوقد لهفة إلى العودة إلى الحظيرة في المساء. أما الآن فإنك آخر ~~الجميع. لا شك أنك حزين على عين سيدك، التي أعماها رجل شرير، هو ~~وأعوانه الأشقياء، بعد أن تغلب على حصافتي بالخمر، إنه لا أحد، ~~الذي أؤكد لك أنه لم ينج بعد من الهلاك. آه! لو كنت فقط، ~~تستطيع أن تحس كما أحس، أو لك القدرة على الكلام لتخبرني أين ~~يتوارى هو من غضبي، إذن لحطمت مخه، وجعلته يتدفق على الأرض ~~في كل مكان هنا وهناك، في شتى أنحاء الكهف بعد أن أشبعه ضربا. ~~وعندئذ كانت تزول المحن التي أنزلها بي هذا اللاأحد، العديم ~~النفع، وتخف عن قلبي.» # بعد أن انتهى الكوكلوب من كلامه ذاك، نحى عنه الكبش. وما إن ~~ابتعدنا قليلا عن الكهف وصحنه، حتى خليت نفسي أولا عن الكبش، ~~ثم فككت زملائي وأطلقت سراحهم، وبسرعة سقنا تلك الأغنام ~~الطويلة السيقان والممتلئة بالدهن، ونحن نتلفت كثيرا حولنا، حتى ~~وصلنا إلى السفينة. كانت رؤيتنا موضع ترحيب من زملائنا الأعزاء ~~الذين سرهم أن يرونا وقد نجونا من الموت، ولكنهم بكوا على ~~فقد الآخرين. غير أنني لم أدعهم طويلا في البكاء، بل أمرت كل ~~رجل، وأنا مقطب الأسارير أن يسرع بوضع الأغنام على ظهر ~~السفينة، تلك الخراف الكثيرة العدد، ذات الجزات العظيمة، حتى ~~نسرع بالإبحار عبر الماء الملح؛ وعلى ذلك صعدوا بسرعة، وبعد ~~أن أخذوا مجالسهم في نظام، ~~شرعوا يضربون البحر السنجابي بمجاذيفهم. وما إن صرت على ms178 مدى سماع ~~صوت المرء وهو يصرخ، صحت إلى الكوكلوب بألفاظ ساخرة أقول: ~~«أيها الكوكلوب، يبدو أن ذلك الرجل لم يكن ضعيفا، هذا الذي كان ~~في نيتك أن تلتهم رفقاءه بالقوة الغاشمة في كهفك الفسيح. ما من ~~شك في أن أعمالك الشريرة قد حاقت بك ونزلت فوق رأسك أيها الشقي ~~الفظ، الذي لم تتورع في أن تأكل ضيوفك داخل بيتك؛ ولذلك فقد ~~انتقم منك زوس والآلهة الآخرون.» # العملاق يهاجم أوديسيوس بصخرة هائلة # هكذا قلت، فزاد حنقا في قلبه، وكسر قمة جبل شامخ، وطوح به ~~نجونا، فسقطت أمام السفينة القاتمة الحيزوم. وماج البحر من جراء ~~سقوط تلك الصخرة، وكان ارتداد الماء المزاح أشبه بفيضان من ~~الأعماق، فحمل السفينة بسرعة وجرفها نحو البر فوق الشاطئ. بيد ~~أنني أمسكت بقضيب طويل، ودفعت السفينة بعيدا عن الشاطئ ~~وبحذائه، ثم أومأت برأسي إلى رفقائي، وأمرتهم أن يعملوا ~~التجذيف كي نستطيع النجاة من تلك المحنة الماحقة الشريرة، ~~فانحنوا على مجاذيفهم وجذفوا بعنف. وما إن صرنا فوق صفحة ~~البحر، وابتعدنا عن البر بمسافة ضعف الأولى، تاقت نفسي إلى أن ~~أصرخ إلى الكوكلوب، رغم أن زملائي، حولي قد حاولوا منعي، الواحد ~~بعد الآخر، ناصحين إياي بكلمات رقيقة، قائلين: ~~«أيها الطائش، لماذا تثير حنق رجل متوحش؟ لقد رمى حجرا إلى ~~البحر العميق فدفع سفينتنا إلى الوراء نحو البر، حتى خلنا، أننا ~~حقا قد هلكنا. ولو سمع واحدا منا يخرج صوتا أو يتكلم؛ لأمسك ~~بصخرة مسننة الأطراف، ولرمى بها محطما رءوسنا وأخشاب سفينتنا؛ ~~إذ إنه يقذف بقوة هائلة.» # هكذا تكلموا، ولكنهم لم يستطيعوا التأثير على نفسي الجريئة، ~~فقلت ثانية بقلب غاضب: ~~«أيها الكوكلوب، إن سألك سائل من البشر عمن سبب عمى ~~عينيك المخجل، فقل إنه أوديسيوس، مخرب المدن، هو الذي أعماها. ~~إنه لابن لايرتيس، الذي موطنه إيثاكا.» # ما إن قلت هذا حتى تأوه وأجابني بقوله: «يا لها من حسرة ~~بالغة! حقا، إن نبوءة قيلت منذ زمن بعيد، قد حاقت بي؛ إذ كان ~~يعيش هنا عراف، رجل كريم فارع الطول وهو تيليموس ms179 # Telemus # ابن يوروموس # Euruymus ~~، ذلك الذي تفرق في ~~العرافة على سائر البشر، وبلغ من الكبر عتيا كعراف بين قوم ~~الكوكلوبيس. لقد أخبرني أن سائر هذه الأمور سوف تحدث في الأيام ~~القادمة، وقال إنني سأفقد بصري على يدي أوديسيوس. بيد أنني كنت ~~أتوقع على الدوام أن أرى رجلا طويلا مليح الوجه، يأتي إلى هنا، ~~متسربلا في قوة بالغة. أما الآن، فإنه شخص تافه، رجل لا حول له ~~ولا طول، ذلك الذي أعمى عيني، بعد أن سيطر علي بالخمر. ومع ذلك ~~فتعال إلى هنا يا أوديسيوس، حتى أمنحك هدايا التكريم، وكي أعجل ~~بإرسالك من هنا، ليهبك العودة مزلزل الأرض المجيد؛ فإنني ابنه، ~~وهو يعترف بأنه أبي، ولسوف يشفيني هو نفسه، لو راق له هذا، ولكن ~~لن يفعل ذلك أحد سواه، من الآلهة المباركين، أو من البشر.» # هكذا قال الكوكلوب، فأجبته بقولي: «ليتني كنت قادرا على أن ~~أسلبك روحك وحياتك، وأن أرسلك إلى بيت هاديس # Hades ~~، حيث من المحقق، أن مزلزل الأرض لن يستطيع ~~شفاء عينك إطلاقا.» # العملاق يطالب بوسايدون الانتقام من أوديسيوس # قلت هذا، فصلى الكوكلوب لبوسايدون، باسطا ذراعيه كلتيهما، ~~إلى السماء ذات النجوم، يقول: «استمع إلي يا بوسايدون، يا ~~مطوق الأرض، أيها الرب ذو الشعر الأدكن، فلو أنني كنت ابنك ~~حقا، وأعلنت أنت نفسك أنك أبي، لا تجعل أوديسيوس مخرب ~~المدن يصل أبدا إلى وطنه، أوديسيوس بن لايرتيس، الذي موطنه ~~إيثاكا، أما إذا كان مقدرا له أن يرى أهله، ويصل إلى منزله المتين ~~البناء، ووطنه، فليكن وصوله متأخرا، وفي حالة يرثى لها، بعد ~~أن يفقد سائر رفقائه ويعود في سفينة لرجل آخر، وليعان المحن في ~~بيته.» # هكذا قال في صلاته، وسمعه الرب الأدكن الشعر. أما الكوكلوب، فقد ~~رفع إلى فوق، من جديد، صخرة أخرى، أضخم بكثير من السابقة، ولوح ~~بها في الهواء، ثم قذفها، واضعا في رميته قوة لا حد لها. لقد ~~رمى بها خلف السفينة الدكناء الجؤجؤ، فسقطت بقربها، وأخطأ الدفة ~~بمسافة بسيطة أو ما كادت، فهاج البحر تحت قوة ms180 سقوط الصخرة، وحملت ~~اللجة السفينة إلى الأمام، وجرفتها إلى الشاطئ. # وصلنا عندئذ إلى الجزيرة حيث كانت ترسو جميع سفننا الأخرى، ذات ~~المقاعد المكينة، وقد جلس حولها رفقاؤنا، ينتظرون عودتنا، وهم ~~يبكون. وعندما وصلنا إلى هناك، أرسينا سفينتنا فوق الرمال، ونزلنا، ~~نحن أنفسنا إلى شاطئ البحر. بعد ذلك أنزلنا من السفينة الواسعة ~~قطعان الكوكلوب، وقسمناها، بقدر ما كان في مقدوري أن أقسم، حتى ~~لا يحرم أي رجل من نصيبه العادل. أما الكبش الكبير، فقد تركه لي ~~زملائي، فأعطوه لي وحدي، كجائزة منفصلة، عندما قسمت القطعان، ~~فنحرته فوق الشاطئ ذبيحة لزوس بن كرونوس، رب السحب القاتمة، وسيد ~~الجميع، وأحرقت قطع الأفخاذ، ولكنه مع ذلك لم يكن ليهتم ~~بذبيحتي، بل كان يدبر كيف تتحطم جميع سفني المتينة المقاعد، ~~وكذا زملائي الأعزاء الأوفياء. # ومن ثم، طفقنا طوال اليوم كله، إلى أن أغربت الشمس، جالسين ~~نولم على لحم وفير وخمر لذيذة. ولما احتجبت الشمس وراء ~~الأفق، وخيم الظلام على الكون، رقدنا لنستريح فوق شاطئ البحر، ~~وما كاد الفجر الباكر، ذو الأنامل الوردية، يظهر في السماء، حتى ~~أيقظت رفاقي، وأمرتهم بالصعود إلى السفن، وحل حبال الكوثل، ~~فصعدوا في الحال، وجلسوا فوق المقاعد، وبعد أن استووا في ~~مقاعدهم بنظام، أخذوا يضربون البحر السنجابي بمجاذيفهم. # من هناك أبحرنا بقلوب مثقلة بالأحزان، ولكننا كنا مسرورين ~~لنجاتنا من الموت، بالرغم من أننا فقدنا زملاءنا الأعزاء. # | الأنشودة العاشرة # أوديسيوس في ضيافة حارس الرياح # فصاحت كيركي صيحة بالغة، ~~وارتمت على الأرض تبكي. # بعد ذلك وصلنا إلى الجزيرة الأيولية # Aeolian ~~، حيث كان يقيم أيولوس # Aeolus ~~، # 1 # ابن هيبوتاس # Hippotas ~~، الذي تعزه الآلهة الخالدة، في جزيرة ~~طافية، يحيط بها كلها سور من البرونز لا يمكن اختراقه، ويتصاعد ~~منها الجبل شامخا شديد الانحدار. وكان له من الذرية اثنا عشر، ~~يقيمون هناك في ساحاته، ست بنات وستة أبناء أشداء، وقد زوج ~~بناته لأولاده. إذن كان هؤلاء يولمون دائما إلى جانب أبيهم ~~العزيز وأمهم الكريمة، ويوضع أمامهم أشهى ألوان الأطعمة وأغزرها. ~~وكان القصر وهو مملوء برائحة الطعام، ms181 يدوي من كل جانب حتى ~~الفناء الخارجي، في أثناء النهار، # 2 # أما بالليل فكانوا ينامون بجانب زوجاتهم الفاتنات فوق ~~بطاطين وأسرة من الحبال. إذن فقد ذهبنا إلى مدينتهم، وتوجهنا ~~إلى قصرهم الجميل، فأكرم وفادتي وضافني مدة شهر كامل، وسألني عن ~~كل شيء؛ عن إليوس، وسفن الأرجوسيين، وعودة الآخيين، فأخبرته ~~بالقصة كلها، بالترتيب اللازم. وعندما أزمعت الرحيل، طلبت منه أن ~~يسمح لي بالعودة، وأن يبعث بي في طريقي، فلم ينكر حقي في شيء، بل ~~حبذ رحيلي، وأعطاني كيسا مصنوعا من جلد ثور عمره تسع سنوات ~~كان قد سلخه. وقيد ممرات الرياح الهوج، ووضعها داخل الكيس؛ لأن ~~ابن كرونوس عينه حارسا على الرياح، له أن يثير منها ما يشاء، ~~ويوقف منها ما يريد. وفي سفينتي الواسعة ربط الكيس بإحكام، بحبل ~~من الفضة اللامعة، حتى لا تستطيع نسمة واحدة أن تهرب، مهما كانت ~~بالغة الصغر ، ولكي يساعدني في سفري، أرسل نسيم الرياح الغربية ~~لتهب على البحر، كي تستطيع أن تحمل السفن والركاب في طريقها. ومع ~~كل فلم يكن هذا ليتم؛ إذ أصابنا الضلال من جراء ~~حماقتنا. # أوديسيوس يقترب من وطنه # بقينا نبحر مدة تسعة أيام، ليلا ونهارا، دون انقطاع حتى إذا ~~كان اليوم العاشر، لاح لنا الوطن أمام أبصارنا، والعجيب أننا كنا ~~قريبين منه جدا لدرجة أننا شاهدنا رجالا يحرسون نيران المنارة. # 3 # وعندئذ كان التعب قد بلغ مني مبلغا عظيما، فحل ~~علي النوم اللذيذ؛ إذ لم أترك حبل السفينة من يدي منذ خروجنا من ~~هناك، ولم أسلمه لأي فرد من زملائي، حتى نستطيع بلوغ وطننا ~~بسرعة أكثر. بيد أن رفقائي أخذوا يتحدثون فيما بينهم، قائلين إنني ~~أحضر معي إلى وطني كميات كبيرة من الذهب والفضة، هدية من أيولوس ~~بن هيبوتاس، العظيم القلب، فقال أحدهم وهو ينظر إلى جاره: # بحارة أوديسيوس يفتحون الكيس ~~«ويحه! ما أعظم حب وتكريم الناس لهذا الرجل أينما ذهب! إنه يحمل ~~معه كنزا ضخما من أرض طروادة، أخذه من الغنائم، بينما نحن، الذين ~~قمنا بنفس الرحلة معه، قد عدنا ms182 بأيد خالية. وها هو ذا أيولوس قد ~~أعطاه هذه الهدايا، بمحض المودة والمحبة، هيا أيها الرفاق، أسرعوا ~~بنا لنرى ما بهذا الكيس، ماذا يحوي من الذهب والفضة.» # هكذا قال الرفاق فيما بينهم، وتم لهم ما دبروا من خطة ~~شريرة، فما إن حلوا رباط الكيس، حتى انطلقت سائر الرياح من ~~عقالها، واكتسحتهم ثانية إلى البحر بعيدا عن الوطن. أما أنا ~~فاستيقظت من نومي، وفكرت في قلبي العظيم هل ألقي بنفسي من ~~السفينة وأهلك في البحر، أم أقاسي الويلات في صمت، وأظل باقيا ~~على قيد الحياة. وعلى أية حال، فقد كظمت غيظي وبقيت، ثم غطيت ~~رأسي وظللت راقدا في السفينة. بيد أنه هبت على السفن ريح ~~عاتية هوجاء، حملتها جميعا وعادت بها إلى الجزيرة الأيولية، فراح ~~رفقائي يعضون بنان الندم ويئنون. # أيولوس لا يرحب بأوديسيوس ثانية # سرنا بحذاء الشاطئ هناك، وأخذنا كفايتنا من الماء، وفي الحال ~~تناول زملائي طعامهم بجانب السفن السريعة. وبعد أن تناولنا الطعام ~~والشراب، صحبت معي رسولا ورفيقا واحدا، وذهبنا إلى قصر أيولوس ~~المجيد، فوجدناه يولم بجانب زوجته وأولاده، فدخلنا القصر، وجلسنا ~~بجانب قوائم الباب، فوق العتبة، فعجبوا لرجوعنا، وبهتوا في ~~قرارة نفوسهم، وسألونا قائلين: ~~«كيف جئت إلى هنا يا أوديسيوس؟ أي رب شرير هاجمك؟ لا شك أننا ~~قد بعثنا بك معززا مكرما، لكي تصل إلى وطنك ومنزلك أو إلى أي ~~مكان تريد.» # قالوا هذا فأجبتهم بقلب ملؤه الحزن والكمد، فقلت: «خطأ شرير ~~اقترفه زملائي الأشرار في حقي، وكذلك النوم اللعين، وأرجو أن ~~تصلحوا أيها الأصدقاء، ما أفسد هؤلاء؛ لأن القوة معكم.» # وصول أوديسيوس إلى بلاد اللايستروجونيين # قلت هذا، وتحدثت إليهم في عبارات رقيقة، غير أنهم لزموا ~~الصمت، ثم أجاب أبوهم قائلا: ~~«ارحلوا عن جزيرتنا بسرعة، يا أشر من على ظهر البسيطة. لا ~~أستطيع بأي حال أن أمد يد المساعدة لرجل تمقته الآلهة ~~المباركة، أو أرسله في طريقه. إليكم عنا؛ فإنما قد حضرتم إلى ~~هنا، قوما يكرههم الخالدون.» # قال ذلك القول، وطردني من ~~البيت، وأنا أكاد أنفجر من شدة ms183 الغيظ، فأبحرنا من هناك بقلوب ~~مثقلة بالأحزان، وقد أنهكت أرواح الرجال تعبا من التجذيف ~~الفظيع، بسبب حماقتنا؛ لأنه لم تهب على السفن أية نسمة قط، ~~لتحملها في طريقها. وهكذا بقينا نبحر ستة أيام، ليل نهار، حتى إذا ~~كان اليوم السابع، بلغنا قلعة لاموس # Lamus # الشاهقة، إلى تيليبولوس # Telepylus # أرض اللايستروجونيين # Laestrygonians ~~، حيث ينادي الراعي على الراعي، وهو ~~يسوق قطيعه، ويرد عليه الآخر وهو يدفع قطيعه إلى الأمام. يستطيع ~~من لا ينام أبدا، أن يربح هناك أجرا مضاعفا، من رعي الماشية، ~~والأغنام البيضاء؛ لأن رحيل الليل والنهار متقاربان، # 4 # فلما جئنا إلى هذا المكان، إلى داخل الميناء العظيم، ~~القائم على كل جانب من جانبيه طود شامخ، ورأس من الأرض يبرز في ~~اتجاهين متضادين ممتدا عند المصب، جاعلا المدخل ضيقا، قاد ~~جميع رجالي سفنهم المعقوفة إلى الداخل، فأرسينا السفن داخل الميناء ~~الفسيح، واحدة بجانب الأخرى؛ إذ لم تكن الأمواج لتتضخم داخل ~~الميناء، سواء أكانت اللجة كبيرة أم صغيرة، بل كان كل شيء يحيط ~~بنا هناك، هادئا لامعا. أما أنا، فأرسيت بنفسي، سفينتي السوداء ~~خارج الثغر، بجانب حدود الشاطئ، وربطتها بالحبال إلى الصخر، ثم ~~تسلقت إلى علو شاهق وعر المسالك، واتخذت وقفتي في نقطة ~~الاستكشاف هذه، وأخذت أسرح الطرف هنا وهناك، فلم تبصر عيناي ~~أي عمل للثيران أو للبشر، ولكن الدخان فقط، كان يتصاعد من الأرض ~~هناك؛ عندئذ أرسلت بعض رفاقي، ليذهبوا ويستطلعوا من هم أولئك ~~القوم الذين يحيون # 5 # فوق تلك الأرض - منتخبا رجلين، وأرسلت معهما ثالثا ~~كرسول - فلما انطلقوا في طريقهم بمحاذاة الساحل، ساروا في طريق ~~ممهدة، اعتادت العربات أن تسير فيها، حاملة الأخشاب من الجبال ~~الشاهقة إلى المدينة. وقبل بلوغهم المدينة التقوا بفتاة تستقي ~~الماء، هي ابنة أنتيفاتيس # Antiphates # اللايستروجوني الطيبة، # 6 # وكانت قد ذهبت إلى نبع أرتاكيا # Artacia # الجميل التدفق، الذي اعتادت الفتيات أن ~~يستقين منه الماء ويحملنه إلى المدينة، فلما التقوا بها، ~~تحدثوا إليها يسألونها عن ملك ذلك الشعب، ومن هم رعيته، فأشارت ~~لهم في الحال إلى بيت ms184 أبيها المرتفع السقف، فلما دخلوا البيت ~~المجيد، ألفوا هناك زوجة بدينة، كأنها قمة جبل، فبهتوا لمرآها، ~~فاستدعت من توها زوجها أنتيفاتيس المجيد، وكان بمكان الاجتماع، ~~فدبر لهم هلاكا فظيعا فأسرع ممسكا بأحد الرجال وأعد منه ~~طعامه، وعندئذ أطلق الرجلان الآخران العنان لأقدامهما، وعادا ~~هاربين إلى السفن. بعد ذلك أطلق الملك صيحة مدوية خلال ~~المدينة، فلما سمعها اللايستروجونيون الأشداء، جاءوا في جموع ~~غفيرة من كل حدب وصوب، وكانوا جمعا لا عداد له، ليسوا أشبه ~~بالرجال، بل بالعمالقة، فأخذوا يقذفوننا بقطع ضخمة من الصخور، من ~~الجبال، بقدر ما يستطيع الإنسان أن يحمل، فارتفع في الحال، من ~~السفن في كل مكان، طنين مخيف، كأنه صادر من رجال يموتون ومن سفن ~~تتحطم. وأخذوا يطعنون الرجال بالرماح ويصيدونهم كما تصاد الأسماك، ~~وحملوهم إلى مدينتهم، طعاما تعافه النفس. وبينما كان هؤلاء القوم ~~يعملون التقتيل في أولئك الذين كانوا داخل الميناء العميق، ~~سللت سيفي البتار من جوار فخذي ، وقطعت به حبال سفينتي ذات ~~الحيزوم القاتم، وعجلت باستدعاء رجالي، وأمرتهم بأن يسرعوا ~~إلى مجاذيفهم؛ كي نستطيع النجاة من الكارثة الشريرة التي حاقت بنا، ~~فراح جميعهم يضربون البحر السنجابي بمجاذيفهم، خشية الموت، وبسرور ~~انطلقنا نحو البحر، بعيدا عن الصخور الناتئة، فأسرعت السفينة ~~تمخر العباب، بينما فقدت جميع السفن التي كانت بداخل الميناء ~~هناك. # وقوع أوديسيوس في قبضة كيركي # أبحرنا من هناك بقلوب ~~مهمومة، وإنما كنا مسرورين لنجاتنا من الموت، رغم أننا كنا قد ~~فقدنا زملاءنا الأعزاء، ووصلنا إلى جزيرة أيايا # Aeaea ~~، حيث كانت تعيش كيركي # Circe # ذات الجدائل الفاتنة، وهي ربة مفزعة، تتكلم ~~كلام البشر، هي شقيقة أييتيس # Aeetes ~~، ذي العقل المؤذي، وكلاهما أنجبه هيليوس # Helius ~~، الذي يعطي الضوء للبشر، ~~وبيرسي Perse ~~، أمهما، ابنة ~~أوقيانوس # Oceanus ~~، فأرسينا ~~سفينتنا على الشاطئ هناك في صمت، داخل الميناء، حيث يمكن للسفن أن ~~ترسو، وقادنا أحد الآلهة، فهبطنا، ورقدنا هناك يومين وليلتين؛ ~~إذ كان التعب قد أخذ منا كل مأخذ، وبخع الحزن نفوسنا. غير أنه ~~عندما أنجب الفجر الجميل الغدائر، اليوم الثالث، امتشقت ms185 حسامي ~~البتار ورمحي، وانطلقت بسرعة إلى مكان ناء من السفينة، على ~~مدى البصر، أملا في استطلاع أعمال البشر هناك، وسماع أصواتهم، ~~فتسلقت مرتفعا شديد الانحدار، وعر المسلك، ووقفت هناك أرى ~~من بعد، وأستشرف ما حولي، فرأيت دخانا يتصاعد من الأرض الفسيحة ~~الطرقات، في ساحات كيركي، خلال الأدغال الكثيفة والغابة، وأخذت ~~أعمل تفكيري، هل أذهب وأبحث بعد أن رأيت الدخان المتأجج. وبينما ~~أنا في حيرة التفكير، طرأ على بالي رأي، ~~بدا لي أفضل الآراء، أن أعود ~~أولا إلى السفينة على شاطئ البحر، وأعطي رفاقي طعامهم، ثم أرسلهم ~~إلى هناك ليقوموا هم بالبحث. وبينما أنا أشق طريقي إليهم، وكنت ~~على مسافة قريبة من السفينة المعقوفة، أشفق علي أحد الآلهة، ~~وأنا في وحدتي، فأرسل إلي ظبيا ضخما طويل القرون، جاء في طريقي ~~بالذات. لقد كان آتيا من مرعاه في الغابة، وهابطا إلى النهر ~~ليشرب؛ إذ برحت به حرارة الشمس، وبينما هو خارج هويت برمحي على ~~منتصف سلسلة ظهره، فنفذ الرمح البرونزي في جسمه، وسقط يتخبط في ~~الثرى وهو يئن، وغادرت روحه الجسد. بعدئذ وضعت قدمي فوقه، ~~وجذبت الرمح البرونزي من الجرح، وتركته هناك راقدا فوق الأرض، ~~ثم قطفت أغصانا وعيدان نباتات متسلقة، وصنعت منها حبلا طوله ~~ست أقدام، وفتلته جيدا حتى طرفيه وربطت قدمي الحيوان الضخم ~~معا، وسرت في طريقي إلى السفينة السوداء، حاملا الظبي فوق ظهري ~~ومتكئا على رمحي؛ إذ لم يكن في مقدوري، بأية حال، أن أحمله على ~~كتفي بيد واحدة؛ لأنه كان حيوانا بالغ القوة، ثم ألقيت به عن ~~ظهري أمام السفينة، وطفقت أشجع رفقائي بعبارات رقيقة، ذاهبا ~~إلى كل رجل، بدوره، فقلت لهم: ~~«أيها الأصدقاء، لم يحن موعد هبوطنا إلى بيت هاديس بعد، رغم ~~ما نحن عليه من آلام؛ إذ لم يحل علينا يوم القضاء. هلموا بنا، ~~طالما لا يزال هناك طعام وشراب في سفينتنا السريعة، نفكر في ~~طعامنا، حتى لا نذوي من الجوع.» # هكذا قلت لهم، فأصغوا بانتباه إلى كلامي، وأزاحوا العباءات عن وجوههم، # 7 # وتعجبوا من الظبي ms186 الملقى فوق شاطئ البحر الصاخب؛ ~~لأنه كان حيوانا ضخما جدا. وبعد أن أشبعوا عيونهم من النظر ~~إليه، غسلوا أيديهم، وأعدوا منه وليمة مجيدة. وهكذا ظللنا ~~جالسين طول اليوم كله، حتى غروب الشمس، نأكل من لحم وفير، ونحتسي ~~خمرا لذيذة. بيد أنه ما إن غربت الشمس وشملت الظلمة الكون، حتى ~~رقدنا فوق ساحل البحر لنستريح. ولما لاح الفجر الباكر، ذو ~~الأنامل الوردية، ناديت رجالي سويا، وتحدثت في وسطهم جميعا ~~قائلا: ~~«هيا اسمعوا، أيها الرفاق، وأصغوا إلى كلامي، لنتدبر كارثتنا ~~الشريرة. الشمس، مانحة الضوء للبشر، نحت الأرض، ولا أين تشرق، ~~فهيا نفكر الآن مليا، إذا كان لا يزال لدينا أفكار باقية، ~~ونجد منفذا للخلاص. # 8 # أما أنا فلست أظن ~~أن هناك شيئا من هذا، فقد صعدت إلى مكان مرتفع للاستطلاع، ~~فرأيت الجزيرة أشبه بتاج يحيط بها الخضم اللانهائي. وتقع ~~الجزيرة نفسها منخفضة، وأبصرت عيناي في وسطها، الدخان يتصاعد وسط ~~الغابة والأعشاب الكثيفة.» # هكذا تكلمت، فتحطمت أرواحهم في داخل أجسادهم، وقد استعادوا ~~في مخيلتهم ما فعله أنتيفاتيس اللايستروجوني، وقسوة الكوكلوب ~~المتحجر القلب، من أكل لحوم البشر، فأخذوا يبكون عاليا، وذرفوا ~~الدموع السواجم، ولكن ذلك لم يجدهم نفعا. # رجال أوديسيوس ينمسخون خنازير # عندئذ، قسمت رجالي المدرعين جيدا، إلى فرقتين، وعينت ~~منهم قائدا لكل فريق، فتوليت أنا رئاسة فريق منهما، بينما رأس ~~الفريق الآخر يورولوخوس # Eurylochus # شبيه الإله، ثم اقتسمنا بسرعة بالأزلام، ~~في خوذة برونزية، فخرج زلم يورولوخوس الباسل؛ وعلى ذلك انطلق ~~يصحبه اثنان وعشرون رفيقا، وكلهم يبكون، وتركونا وراءهم، وهم ~~ينتحبون، فعثروا على منزل كيركي، وسط وديان الغابة، مصنوعا من ~~الصخر المصقول، في مكان فسيح مكشوف، وكان حول البيت كثير من ~~الذئاب الجبلية والأسود، كانت كيركي نفسها قد مسختها، بأن أعطت ~~الرجال عقاقير ضارة. غير أن تلك الحيوانات لم تهاجم رجالي، ~~ولكنها زمجرت نحوهم مكشرة، وهي تهز ذيولها الطويلة. وكما ~~يحدث عندما تنبح كلاب الصيد حول صاحبها وهو آت من مأدبة، إذا لم ~~يحضر لها أي شيء من قطع اللحم ليهدئ من غضبها، هكذا ms187 أيضا عوت ~~الذئاب القوية المخالب، والأسود، حولهم، فتملكهم الفزع لرؤية ~~تلك الوحوش الكاسرة؛ ولذلك وقفوا عند باب الربة ذات الغدائر ~~الجميلة، فسمعوا في الداخل صوت كيركي تغني بصوت شجي، وهي ~~تذرع أرض ساحتها جيئة وذهابا، أمام نسيج عظيم لا يفنى، نسيج ~~أشبه ما يكون بعمل الربات، منسوج ببراعة فائقة، فغدا باهرا ~~جميلا مجيدا؛ عندئذ تحدث إليهم قائد الرجال بوليتيس Polites ~~، أعز رفقائي على نفسي، ~~وأخلصهم لي، فقال: ~~«أيها الأصدقاء، إن بالداخل شخصا يروح ويجيء أمام نسيج فخم، ~~يشدو بصوت رخيم، لدرجة أن الأرض كلها تدوي بصدى غنائه، لا بد ~~أن يكون هذا الشخص ربة ما، أو سيدة من السيدات، هلموا بنا، ~~نسرع بالنداء عليها.» # ما إن أتم كلامه ذاك، حتى صاح الرفاق، منادين الربة، وفي الحال ~~فتحت الأبواب المتألقة، وخرجت الربة إليهم، وأمرتهم بالدخول، ~~ولحماقتهم جميعا ذهبوا معها، ما خلا يورولوخوس؛ إذ ارتاب في أن ~~يكون في الأمر كمين. أدخلتهم، وأجلستهم فوق مقاعد وأرائك، وأعدت ~~لهم جرعة من الجبن ودقيق الشعير والعسل الذهبي، والنبيذ ~~البرامني Pramnian ~~، ولكنها مزجت ~~الطعام بعقاقير ضارة، كي ينسوا وطنهم النسيان كله، فلما ~~قدمت لهم الجرعة، وشربوها، أسرعت فضربتهم بصولجانها، ~~وحبستهم في حظائر الخنازير. وكان لهم رءوس وصوت وشعر وهيئة ~~الخنازير البرية، أما عقولهم فقد ظلت كما كانت من قبل دون أن ~~يطرأ عليها أي تغير. وهكذا حبسوا هناك وهم يبكون، وألقت كيركي ~~أمامهم ثمار البلوط، وثمار العوسج، ليأكلوها، ومثل هذه الأشياء ~~تتغذى بها الخنازير الصارخة. # أوديسيوس يستمع إلى محنة رفقائه # أسرع يورولوخوس، من فوره، بالعودة إلى السفينة السوداء ~~السريعة، لينقل إلينا خبر رفقائه، ومصيرهم المخزي. لقد ألجم الحزن ~~لسانه فلم يستطع أن ينطق بكلمة واحدة، رغم تلهفه إلى الإفضاء ~~بما وراءه من الأخبار. وقد اغرورقت عيناه بالدموع، وانصبت روحه ~~على النحيب، فلما سألناه مدهوشين، قص علينا ما نال الآخرين من ~~أصدقائه من مصير، قائلا: ~~«انطلقنا خلال الأدغال، كما أمرتنا أيها النبيل أوديسيوس، ~~فوجدنا في ممرات الغابة مكانا جميلا، مشيدا من الصخور ~~المصقولة، في مكان رحب. ms188 وكان هناك شخص يغدو ويروح أمام نسيج ~~هائل، يغني بصوت واضح، ربة ما، أو امرأة، فصاحوا عاليا ~~ونادوها، فخرجت من فورها وفتحت الأبواب اللامعة، وأمرتهم ~~بالدخول، فدخلوا معها جميعا بحماقتهم. أما أنا فتخلفت وبقيت ~~في الخارج؛ لأنني شككت في أن يكون هناك كمين. بعد ذلك اختفوا ~~كلهم، ولم يظهر منهم أحد ثانية، رغم أنني انتظرت جالسا في ~~الخارج مدة طويلة، وظللت أراقب.» # أوديسيوس يهم لنجدة رفقائه # عندما سمعت كلامه هذا، وضعت سيفي المرصع بالفضة حول كتفي، ~~وكان سيفا ضخما من البرونز، وعلقت قوسي حول جسمي، وأمرت ~~يورولوخوس بأن يقودني، عائدا ~~من نفس الطريق. بيد أنه أمسكني بكلتا يديه، وأخذ يتوسل إلي ~~واضعا يديه على ركبتي، وكلمني وهو يبكي بكلمات حماسية، ~~فقال: ~~«لا تقدني إلى هناك، بالرغم مني، يا سليل زوس، ولكن اتركني هنا ~~فإنني أعلم يقينا، إما أنك لن تعود ثانية، أنت نفسك، وإما أنك لن ~~تحضر أي واحد من الزملاء، دعنا نهرب بمن معنا هنا. بأقصى سرعة، ~~طالما يمكننا أن ننجو من اليوم الشرير.» # هكذا تكلم، ولكني أجبته بقولي: «يا يورولوخوس، يمكنك أن تبقى ~~هنا في هذا المكان، تأكل وتشرب بجانب السفينة الواسعة السوداء، أما ~~أنا فإني ذاهب؛ إذ تقع ضرورة ملحة على عاتقي.» # هيرميس يخف لمساعدة أوديسيوس # ما إن قلت هذا، حتى انطلقت من السفينة، والبحر. بيد أنني، وأنا ~~أجتاز الممرات المقدسة، وأوشكت على بلوغ منزل الساحرة كيركي، ~~المنيف، قابلني هيرميس، ذو الصولجان الذهبي، التقى بي وأنا ذاهب ~~إلى المنزل، في صورة شاب يافع يتألق وجهه كأنه الفجر الباكر، ~~ويتجلى في محياه سحر الشباب بأجمل مظاهره، فأمسك بيدي، وخاطبني ~~بقوله: ~~«إلى أين أنت ذاهب ثانية، أيها الرجل التعيس؟ أهكذا تسير وحدك ~~وسط التلال، دون أن تعرف عن البلاد شيئا؟ يؤسفني أن رفقاءك، هناك ~~في كيركي، محبوسون في الحظائر المتقاربة القضبان، في هيئة خنازير، ~~فهل أتيت لتخلصهم؟ إنني أخبرك، بأنك لن تعود ثانية، أنت ~~نفسك، ولكنك ستبقى هناك مع الآخرين، ولكن تعال؛ فإني سأنقذك من ~~الأذى وأنجيك. دونك هذا ms189 العشب القوي، وانطلق إلى بيت كيركي، ~~فإنه سوف يجنب رأسك لليوم المشئوم. هيا، استمع إلي، فسأخبرك ~~بجميع حيل كيركي المؤذية. إنها ستخلط لك شرابا، وتضع في الطعام ~~عقاقير، ولكنها بالرغم من ذلك لن تستطيع أن تسحرك؛ لأن العشب ~~القوي الذي سأعطيكه، لن يتأثر بتلك العقاقير. وسوف أخبرك بكل ~~شيء، فعندما تضربك كيركي بصولجانها الطويل، استل سيفك الحاد من ~~جانب فخذك، واهجم عليها، كما لو كنت ستقتلها؛ عندئذ سيتملكها ~~الخوف منك، وتأمرك بالرقاد معها. بعد ذلك إياك أن ترفض الرقاد ~~في مخدع الربة، لكي تطلق سراح زملائك، وتقدم لك الضيافة، ولكن ~~مرها بأن تقسم يمينا عظيمة بالآلهة المباركين، أنها لن تدبر ~~لك أي أذى من جديد، أو تحيك ضدك ما يؤذيك، خشية أنها - وقد ~~جعلتك عريان - قد صيرتك ضعيفا عديم الرجولة.» # قال أرجايفونتيس، ذلك القول، وأعطاني العشب، وقد نزعه من ~~الأرض، مبينا لي خصائصه. كان أسود من جهة الجذر، ولكن زهرته ~~كانت ناصعة كاللبن. إنه النبات الواقي من السحر؛ فهكذا يسميه ~~الآلهة، ومن العسير على البشر أن ينزعوه من الأرض، غير أن كل شيء ~~مستطاع لدى الآلهة. بعد ذلك انصرف هيرميس إلى أوليمبوس الشامخ، ~~خلال الجزيرة ذات الغابات، فانطلقت في طريقي إلى قصر كيركي، بينما ~~راح قلبي يفكر في أمور كثيرة، متشائما وأنا ذاهب؛ ومن ثم ~~وقفت عند أبواب الربة الجميلة الجدائل، وقفت هناك وناديت، ~~فسمعت الربة صوتي وفي الحال أقبلت، وفتحت الأبواب اللامعة، ~~وأمرتني بالدخول، فذهبت معها، وقلبي مضطرب غاية الاضطراب. ~~أدخلتني وأجلستني فوق كرسي مرصع بالفضة، كرسي جميل، بديع ~~الصنع، ومن أسفله كرسي صغير للقدمين. وأعدت لي الجرعة في كأس ~~ذهبية، كي أشربها، ووضعت فيها عقارا، وهي تضمر السوء في قلبها، ~~غير أنه عندما تناولتها منها، وشربتها، لم أسحر، فضربتني ~~بصولجانها، وهي تقولي: «انطلق الآن إلى الحظيرة، وارقد مع بقية ~~زملائك.» # أوديسيوس يقهر كيركي # قالت هذا، ولكني سللت حسامي البتار من جوار فخذي، وهجمت على ~~كيركي، كما لو كنت سأقتلها. بيد أنها صاحت صيحة بالغة، وارتمت ~~على الأرض، ممسكة ms190 بركبتي، وأخذت تتحدث إلي بعبارات حماسية، ~~وهي تبكي، فقالت: ~~«من تكون يا هذا بين البشر، ومن أين قدمت؟ أين تقع مدينتك، ~~وأين أبواك! إنني لأعجب من أنك تجرعت تلك الكأس المسحورة، ولم ~~تؤثر فيك بحال ما؛ فما من رجل كائنا من كان، استطاع مقاومة هذه ~~الرقية بمجرد أن يشربها وتمر من بين شفتيه. كلا، إن قلبك، ~~الكائن في صدرك، ليس من النوع الذي يخدع. لا ريب أنك أوديسيوس، ~~الحاضر الحيلة، الذي كثيرا ما أخبرني أرجايفونتيس، ذو الصولجان ~~الذهبي، أنه سيأتي إلى هنا، وهو في طريقه إلى الوطن، قادما من ~~طروادة، في سفينته السريعة السوداء. خل عنك، وضع سيفك في غمده، ~~وهيا بنا نصعد إلى فراشي، حتى إذا ما ضمنا الفراش معا في عشق، ~~استطاع كل منا أن يثق بالآخر.» # وسللت حسامي البتار، ~~وهجمت على كيركي. # هكذا تكلمت الربة، ولكني أجبتها بقولي: «أي كيركي، كيف ~~تأمرينني بأن أكون رقيقا معك، أنت يا من حولت رفاقي إلى ~~خنازير في ساحاتك، والآن تحتفظين بي هنا ، وبنية خداعة تأمرينني ~~بالذهاب إلى حجرتك، والصعود معك إلى فراشك، حتى إذا تجردت من ~~سلاحي وملابسي، أمكنك أن تجعليني ضعيفا مخنثا؟ كلا أيتها ~~الربة؛ فما أنا بالشخص الذي يتوق بحق إلى الصعود إلى فراشك، ~~إلا إذا وافقت أيتها الربة، على أن تقسمي يمينا لا حنث فيها، ~~أنك لن تحيكي ضدي أي أذى جديد ضار بي.» # كيركي تعد أوديسيوس بالأمان # هكذا قلت لها، فأقسمت في الحال أنها لن تنزل بي أي ضرر، كما ~~أمرتها، وبعد أن حلفت اليمين، وانتهت منها، صعدت إلى فراشها ~~الجميل، فراش الربة كيركي. # كانت وصيفاتها، في تلك الأثناء، مشغولات في الساحات. إنهن ~~خادماتها الأربع، اللواتي كن يعشن معها في ذلك البيت. إنهن بنات ~~الينابيع والكهوف والأنهار المقدسة التي تتدفق وتصب في البحر، ~~فشرعت إحداهن تضع فوق الكراسي طنافس جميلة من الأرجوان، وفرشت ~~من تحتها قماشا من الكتان، وجاءت أخرى بمناضد من الفضة ~~وضعتها أمام المقاعد، ووضعت فوقها أسفاطا من الذهب، بينما راحت ~~ثالثة تخلط الخمر ms191 الحلوة العسلية في طاس من اللجين، وأخذت ~~تقدم كئوسا من العسجد، بينما أحضرت الرابعة ماء، وأوقدت ~~نارا عظيمة تحت قدر كبيرة، فصار الماء يسخن. ولما غلى الماء ~~في البرونز اللامع أدخلتني إلى الحمام، وغسلتني بالماء من ~~القدر الكبيرة، وكانت تمزجه بالماء البارد ليصير مناسبا ~~لاحتمالي، فطفقت تسكبه فوق رأسي وكتفي، حتى أزالت التعب ~~المهلك للروح، من أطرافي. وبعد أن انتهى الاستحمام، ودعكت جسمي ~~جيدا بالزيت، ودثرتني في عباءة جميلة ومعطف، قادتني إلى ~~البهو، وأجلستني فوق كرسي مرصع بالفضة - كرسي جميل بديع ~~الصنع عند أسفله كرسي صغير للقدمين. بعد ذلك جاءت إحدى الإماء ~~بماء لغسيل الأيدي، في إبريق بديع من الذهب، وسكبته في طست من ~~اللجين، كي أغسل يدي، ودفعت إلى جانبي منضدة لامعة، ثم جاءت ~~ربة البيت القاسية، ووضعت أمامي خبزا، ولحما كثيرا، واهبة ~~ذلك بكرم، من خزينها. وبعدئذ أمرتني بتناول الطعام، غير أن قلبي ~~لم يكن ميالا إلى ذلك؛ فبالحري، جلست وقد انتابتني الأفكار، ~~وأنذرتني روحي بشر. # لاحظت كيركي ما يخالج نفسي وأنا جالس هكذا، لا أمد يدي إلى ~~الطعام، بل يبدو على وجهي أنني مثقل بالأحزان والغم الشديد، ~~فاقتربت مني، وتحدثت إلي بكلمات سريعة، # 9 # قائلة: ~~«لم تجلس هكذا، يا أوديسيوس، أشبه بشخص أبكم، تذيب قلبك هما ~~وحزنا، دون أن تمس أي طعام أو شراب؟ هل تقدح ذهنك تفكيرا في ~~حيلة أخرى؟ كلا، لست بحاجة لأن تخاف شيئا ما، بأية حال من ~~الأحوال، طالما أنني قد أقسمت لك تلك اليمين، التي لا حنث فيها ~~قط، بألا أوذيك.» # هكذا قالت، ولكني أجبت بقولي: «أيا كيركي، أي رجل سليم العقل، ~~يمكنه إجبار نفسه على تذوق الطعام أو الشراب، قبل أن يطلق سراح ~~زملائه، ويبصر بهم أمام وجهه؟ فإذا كنت بنية خالصة، تأمرينني ~~بتناول الطعام، والشراب، فهيا أطلقي سراحهم كي تشاهد عيناي ~~رفقائي الأوفياء.» # الخنازير تنمسخ رجالا كما كانوا # كان هذا حديثي إليها، فانطلقت كيركي عبر البهو، تحمل في يدها ~~صولجانها، وفتحت أبواب الحظيرة، وأخرجتهم في صورة خنازير سنها ~~تسع سنوات، ms192 فوقفوا أمامها هناك على تلك الهيئة، وذهبت هي في ~~وسطهم، وأخذت تدهن كل رجل بجرعة سحرية أخرى، فطفق الشعر ~~يتساقط من أطرافهم، ذلك الشعر الذي نما عليها بتأثير العقار ~~الضار، الذي كانت أعطتهم إياه كيركي الجليلة. وهكذا صاروا رجالا ~~من جديد، أقرب إلى الشباب مما كانوا من قبل، وأبهى منظرا وأطول ~~قامة، للرائين. لقد عرفوني، فتعلق كل رجل منهم بيدي، وتشنجت ~~أطرافهم من فرط فرحهم، ودوى المنزل من حولهم بالأعاجيب، حتى إن ~~الربة نفسها، ثارت فيها عاطفة الشفقة. # بعد ذلك اقتربت الربة الفاتنة مني، وقالت: «يا ابن لايرتيس، يا ~~سليل زوس، أي أوديسيوس، الواسع الحيلة، انطلق الآن إلى سفينتك ~~السريعة، وإلى ساحل البحر، وابدأ أولا، وقبل كل شيء، بسحب السفينة ~~فوق البر، واخزن أمتعتك وسائر حاجياتك وحبال سفينتك في الكهوف، ~~ثم ارجع إلى هنا، أنت نفسك، وأحضر معك زملاءك ~~المخلصين.» # أوديسيوس ورفاقه يقيمون لدى كيركي # ما إن قالت هذا حتى وافق قلبي العظيم، فانطلقت من فوري، أشق ~~طريقي إلى السفينة السريعة، وشاطئ البحر ، فألفيت رفقائي المخلصين ~~هناك، بجوار السفينة السريعة، يبكون أمض البكاء وآلمه، ذارفين ~~الدموع الغزار. وكما يحدث عندما تلعب العجول في القرية حول قطعان ~~البقر العائدة إلى الفناء، بعد أن رعت ما شاء الله أن ترعى - ~~فتذهب كلها سويا، وتمرح أمامها، فلا تعود الحظائر تحتويها، ~~ولكنها تخور خوارا مستمرا وتجري حول أمهاتها - هكذا فعل أولئك ~~الرجال، بمجرد أن أبصرتني عيونهم؛ إذ التفوا حولي يبكون، ~~وفرحت قلوبهم، كما لو كانوا قد بلغوا أرض وطنهم، وقلب مدينة ~~إيثاكا الوعرة، حيث نشئوا وترعرعوا، وبالنحيب خاطبوني بكلمات مجنحة، # 10 # قائلين: ~~«ما أعظم سرورنا لعودتك، أيها المنحدر من زوس، كما لو كنا قد ~~عدنا إلى وطننا، إيثاكا! هيا، قص علينا ما حدث لبقية ~~الرفاق.» # هكذا قالوا، فأجبتهم برقيق الألفاظ، قائلا: «هيا بنا، أولا ~~وقبل كل شيء نسحب السفينة فوق اليابسة، ونخزن أشياءنا وجميع الحبال ~~في الكهوف، ثم ننطلق جميعا، لكي تروا زملاءكم في ساحات كيركي ~~المقدسة يشربون ويأكلون، وأمامهم خزين لا ينضب معينه.» ms193 # ما إن قلت لهم هذا، حتى صدعوا بالأمر. وكان يورولوخوس وحده هو ~~الذي حاول أن يمنع جميع الزملاء من تلبية أمري؛ إذ خاطبهم بعبارات ~~حماسية، فقال: ~~«ويحكم أيها الرجال ~~الأشقياء! إلى أين نحن ذاهبون؟ لماذا أنتم مغرمون بهذه المحن ~~هكذا؟ كأن تذهبوا إلى منزل كيركي، التي سوف تحولنا جميعا إلى ~~خنازير، أو إلى ذئاب أو أسود، لترغمنا على حراسة بيتها بالقوة! ~~هكذا فعل الكوكلوب أيضا. عندما ذهب زملاؤنا إلى كهفه، بصحبة هذا ~~الطائش أوديسيوس؛ لأنه من جراء تهور هذا الرجل هلكوا هم ~~أيضا.» # كان هذا قوله، فاحتار قلبي، ما أفعل، هل أستل سيفي الطويل من ~~جانب فخذي المسكين، فأحز به رأسه، ليتدحرج على الأرض، بالرغم من ~~أنه يمت إلي بصلة النسب من ~~ناحية الزواج؟! غير أن رفقائي، حاولوا، واحدا بعد آخر، أن ~~يمنعوني، برقيق الألفاظ، قائلين: ~~«أيها المنحدر من زوس، إننا طوع أمرك، فلو أمرتنا لتركنا هذا ~~الرجل هنا بجانب السفينة، لكي يحرسها، أما نحن فلك أن تقودنا إلى ~~بيت كيركي المقدس.» # قالوا هذا ، وخرجوا من السفينة والبحر. ولم نترك يورولوخوس بجانب ~~السفينة الواسعة، بل ذهب معنا؛ إذ خشي لومي اللاذع. # عندما بلغنا ساحات كيركي، غسلت باقي زملائي في اهتمام ~~بالغ، ودهنتهم جيدا بالزيت، ودثرتهم في عبايات من الصوف ~~ومعاطف، ووجدنا رفاقنا جميعا يولمون في الساحات، ملء بطونهم، ~~فلما رأوا الآخرين، وتعرف كل منهم على الآخر، وجها لوجه، ~~بكوا وانتحبوا ودوى البيت من حولهم بالبكاء، فاقتربت مني ~~الربة الحسناء، وقالت: ~~«كفوا بعد الآن عن هذا النحيب المرير؛ فإنني، أنا نفسي على ~~علم بجميع المحن التي تكبدتموها وسط الخضم الزاخر، وكل ~~المصائب التي أنزلها بكم أولئك الأقوام الأفظاظ فوق سطح الأرض. ~~هلموا، إلى تناول الطعام والشراب والخمر، إلى أن تستردوا من ~~جديد أرواحكم إلى داخل صدوركم، كما كنتم في البدء عند رحيلكم من ~~وطنكم إيثاكا الوعرة؛ فإنكم الآن قد ذويتم، وخارت قواكم، من ~~جراء تفكيركم في الرحلات الشاقة، ولم تدخل السعادة قلوبكم قط؛ ~~إذ في الحقيقة، قد تكبدتم الكثير.» # كيركي توافق ms194 على رحيل أوديسيوس # هكذا قالت كيركي، فوافقت قلوبنا العالية؛ ومن ثم بقينا ~~هناك، يوما بعد يوم، لمدة عام كامل، نولم على لحم وفير، ~~وخمر لذيذة، فلما انقضت السنة ومرت الفصول، بتعاقب الشهور، ~~ومرور الأيام الطويلة في مجراها، استدعاني زملائي الأوفياء، وقالوا ~~لي: ~~«أيها الرجل الغريب، أما آن لك أن تفكر الآن، أخيرا في وطنك ~~إذا كان مكتوبا لك أن تنجو، وأن تصل إلى بيتك السامق ~~السطح؟» # هكذا تكلموا فوافق قلبي السامي، وبقينا اليوم بطوله، حتى غروب ~~الشمس، جالسين إلى موائد زاخرة باللحم الكثير والخمر اللذيذة، ~~فلما اختفت الشمس وراء الأفق، وجاءت الظلمة، رقدوا في الساحات ~~الظليلة لينعموا بالنوم، بينما صعدت أنا ~~إلى فراش كيركي الوثير، ~~وتوسلت إليها، جاثيا عند ركبتيها، فسمعت الربة تضرعي، ~~وتكلمت مخاطبا إياها بعبارات سريعة، فقلت: ~~«هيا كيركي، حققي لي الوعد الذي قطعته على نفسك، بأن تبعثي ~~بي إلى الوطن؛ فإن روحي تتوق الآن إلى الرحيل، وكذلك أرواح زملائي، ~~الذين يذيبون قلبي. وهم يجلسون من حولي يبكون، كلما تصادف أن ~~تكوني بمنأى عنهم.» # أوديسيوس يذهب إلى هاديس # ما إن قلت لها ذلك القول، حتى أجابتني الربة الفاتنة في ~~الحال، بقولها: «يا ابن لايرتيس، أيها المنحدر من زوس، أي أوديسيوس ~~الكثير الحيل، لن تبقى بعد الآن مدة أطول من تلك في بيتي ضد ~~رغبتك، بيد أنه لك أولا، أن تتم رحلة أخرى، وتذهب إلى بيت ~~هاديس، وبيرسيفوني # 11 # الرهيبة، بحثا عن عرافة روح تايريسياس # Teiresias # الطيبي، ذلك العراف ~~الضرير، الثابت الجنان؛ فقد منحته بيرسيفوني سداد الرأي، حتى ~~بعد موته، لكي يكون هو وحده صاحب الإدراك، بينما يتخبط الآخرون ~~هنا وهناك كالأشباح.» # هكذا قالت الربة، فتداعت روحي داخل صدري، وشرعت أبكي وأنا اجلس ~~فوق الفراش، ولم يعد لقلبي أية رغبة في الحياة ورؤية ضوء الشمس، ~~وبعد أن بكيت ما شئت أن أبكي وأولول، أجبت كيركي، متحدثا ~~إليها بقولي: ~~«أي كيركي، من ذلك الذي سيقودنا في هذه الرحلة؟ فلم يسبق لبشر ~~أن ذهب قط إلى هاديس في سفينة سوداء.» # ما ms195 إن قلت هذا، حتى أجابتني الربة الجميلة، في الحال، بقولها: ~~«يا ابن لايرتيس، يا أيها المنحدر من زوس، أي أوديسيوس البالغ ~~الحيلة، لا تفكرن في نفسك، بمن سيكون الدليل ليقود سفينتك، ~~وإنما ارفع الصاري، وانشر الشراع الأبيض، واجلس، وعندئذ ستدفعها ~~نسمة الريح الشمالية في طريقها، وبعد أن تكون قد قطعت بسفينتك، ~~مجرى الأوقيانوس، حيث يوجد ساحل مستو، وحيث توجد مغارات ~~بيرسيفوني - تحيط بها أشجار حور باسقة، وصفصاف دانية القطوف - ~~ارس بسفينتك هناك، بجانب أوقيانوس العميق الدوامات، ثم انطلق ~~بنفسك إلى بيت هاديس الرطب. هناك، ~~إلى داخل أخيرون # Acheron # 12 # يتدفق بيريفليجيثون Periphleglethon # وكوكوتوس # Cocytus ~~، المتفرع من مياه ستوكس # Styx ~~، وهناك صخرة، ومكان اجتماع النهرين ~~الصاخبين. اقترب من هناك، أيها الأمير، كما آمرك، واحفر حفرة ~~طولها ذراع من هنا إلى هناك، واسكب سكيبة حولها لجميع الموتى، ~~أولا من اللبن والعسل، ثم من الخمر الحلوة، وثالث مرة من الماء، ~~وانثر فوقها حفنة من الشعير الأبيض. ويجب عليك أن تستعطف بشدة ~~رءوس الموتى، عديمة القوة، وانذر أنك عندما تبلغ إيثاكا، تنحر في ~~ساحاتك عجلة عاقرا، تكون خير ما عندك من العجول، وأن تملأ ~~المذبح بالهدايا القيمة، وأن تذبح لتايريسياس وحده كبشا، أسود ~~كله، أعظم كبش في قطيعك. وبعد أن تتوسل متضرعا إلى قبائل ~~الموتى المجيدة، اذبح كبشا ونعجة سوداء، مديرا رأسيهما صوب ~~إيريبوس # Erebus ~~، بينما تتجه أنت ~~نفسك إلى الخلف، ووجهك إلى مجاري النهر؛ عندئذ ستأتي إليك أشباح ~~كثير من الموتى، فناد بعد ذلك رفقاءك، ومرهم بأن يسلخوا ~~ويحرقوا الخراف الملقاة هنا وهناك، مذبوحة بالبرونز القاسي، ~~وصلوا إلى هاديس العتيد، وإلى بيرسيفوني المهوبة. أما أنت ~~فاستل حسامك البتار من جانب فخذك، واجلس هناك، لتبعد رءوس ~~الموتى، المجردة من القوة، عن الدم إلى أن تنتهي من استجواب ~~تايريسياس. سيأتيك العراف، قائد البشر، فورا، ويخبرك بالطريق ~~التي تسلكها وأطوالها، وعن كيفية عودتك، وكيف تستطيع الإبحار وسط ~~اليم الصاخب.» # هكذا قالت، وفي الحال، لاح الفجر الذهبي العرش، فألقت حولي عباءة ~~ومعطفا، وتدثرت الحورية في ثوب طويل ms196 أبيض، دقيق النسيج جميل، ~~وشدت وسطها بزنار بديع من الذهب، وألقت فوق رأسها خمارا، ~~فسرت عبر الساحات، وأيقظت رجالي برقيق الألفاظ، متجها نحو كل ~~رجل بدوره أقول لهم: ~~«لا تناموا بعد الآن، ولا تستغرقوا في الكرى اللذيذ، بل هلموا ~~بنا ننطلق؛ فللعجب، أن كيركي الجليلة قد أفضت إلي بكل ~~شيء!» # إلبينور يبقى مع كيركي # لما قلت لهم هذا، وافقت قلوبهم الشامخة. بيد أنه لم يكن في ~~مقدوري، أن أقود رجالي سالمين، حتى من هنا؛ فقد كان هناك ~~إلبينور # Elpenor ~~، أصغر الجميع ولم ~~يكن شجاعا في الحرب، ولا سليم الإدراك، إنه آثر أن يتخلف عن ~~رفقائه في بيت كيركي المقدس، طلبا للهواء الرطب؛ إذ كان مثقلا ~~بالخمر، فسمع الضوضاء التي أحدثها زملاؤه وهم يتحركون هنا وهناك، ~~فوثب فجأة ناسيا أن يتجه نحو السلم الطويل ليهبط، وعندئذ سقط من ~~السطح، فانكسر عنقه منفصلا عن سلسلة ظهره، فهبطت روحه إلى بيت ~~هاديس. # وبينما كان رجالي في طريقهم خاطبتهم بقولي: «إنكم تظنون أنكم ~~ذاهبون بحق إلى وطنكم العزيز، ولكن كيركي قد عينت لنا رحلة ~~أخرى، إلى بيت هاديس وبيرسيفوني المهوبة، لنستشير روح تايريسياس ~~الطيبى.» # ما إن أخبرتهم بهذا حتى جزعت أرواحهم في داخلهم، ولما ~~اعتلوا في مجلسهم حيث كانوا، أخذوا يبكون، وشدوا شعورهم، بيد أن ~~بكاءهم لم يجدهم نفعا. # وبينما نحن في طريقنا إلى السفينة السريعة، وإلى شاطئ البحر، ~~محزوني الفؤاد، نذرف الدموع السواجم، كانت كيركي، في نفس الوقت، ~~قد سبقتنا إلى هناك، ووضعت إلى جانب السفينة السوداء كبشا ~~ونعجة سوداء؛ إذ كان من اليسير عليها أن تذهب قبلنا إلى هناك. ~~ومن ذا الذي يستطيع بعيونه رؤية رب، ضد رغبته، سواء أكان غاديا ~~أم رائحا؟ # | الأنشودة الحادية عشرة # وصول أوديسيوس إلى أوقيانوس # نزلنا إلى البحر وامتطينا ظهر السفينة، بعد أن سحبناها أولا ~~إلى البحر اللامع، وثبتنا الصاري والشراع في السفينة السوداء، ~~وحملنا الخراف إلى سطح السفينة، ثم صعدنا نحن أنفسنا محزوني ~~الأفئدة، نذرف الدموع الغزار. وقد أرسلت ريح معتدلة؛ لتساعدنا ~~في أن تمخر سفينتنا ms197 الدكناء الحيزوم عباب اليم، فملأت الشراع، ~~وكانت لنا رفيقا عظيما، وأرسلتها لنا كيركي الجميلة الجدائل، ~~تلك الربة المرهوبة الجانب، التي تتكلم لغة البشر. وهكذا بعد أن ~~ثبتنا سائر الحبال في مختلف أجزاء السفينة، جلسنا، وتولت ~~الريح، وقائد الدفة، تسييرها لتشق طريقها قدما؛ فطوال اليوم ~~كله، كان الشراع منبسطا، وهي تجري على صفحة الماء، ثم غابت الشمس، ~~وغدت جميع السبل مظلمة. # وأخذت أستعطف بحرارة رءوس ~~الموتى المجردة من القوة. # وصلت السفينة إلى أوقيانوس العميق المجرى، والذي يحد الأرض، ~~حيث بلاد ومدينة الكيميريين # Cimmirians ~~، # 1 # الملتفة بالضباب والغيوم، لا تشرق عليها الشمس ~~بأشعتها، لا عندما ترتفع في كبد السماء ذات النجوم، ولا عندما ~~تعود ثانية إلى الأرض من السماء، وإنما ينتشر الليل الضار، بظلامه ~~الدامس فوق رءوس البشر التعساء، فوصلنا إلى هناك، وأرسينا ~~سفينتنا، وأنزلنا الخراف، وذهبنا نحن أنفسنا إلى جوار مجرى ~~أوقيانوس حتى بلغنا المكان الذي حدثتنا عنه كيركي. # أوديسيوس ينحر الذبائح للموتى # بينما سحبت أنا سيفي الحاد ~~وحفرت حفرة طولها ذراع. # في ذلك المكان أمسك بيريميديس Perimedes # ويورولوخوس الذبائح، بينما سحبت أنا سيفي ~~من جوار فخذي ، وحفرت حفرة طولها ذراع من هنا وذراع من هنا، ~~وسكبت حولها سكيبة لجميع الموتى، بادئا باللبن والعسل، ثم ~~بالخمر اللذيذة، وفي المرة الثالثة بالماء، ثم نثرت فوقها مطحون ~~الشعير الأبيض، وأخذت أستعطف بحرارة رءوس الموتى المجردة من ~~القوة، ونذرت أنني عندما أبلغ إيثاكا، أذبح في ساحاتي عجلة ~~بكرا، تكون خير ما عندي من العجول، وأكدس الهدايا العظيمة فوق ~~مذبحي، وأنحر لتايريسياس وحده كبشا، أسود كله، يكون أعظم كبش في ~~قطعاني. وبعد أن تضرعت إلى قبائل الموتى بالنذور والتوسل، ~~وأمسكت الخراف، ونحرت حلوقها فوق الحفرة، فتدفق منها الدم ~~القاتم. بعد ذلك، احتشدت هناك، من داخل إيريبوس # Erebus # 2 # أرواح من ماتوا، من عرسان وشباب أعزب، وشيوخ ~~أنهكتهم المتاعب، وعذارى رقيقات ذوات قلوب حديثة العهد ~~بالأحزان، وكذلك أرواح كثيرين ممن أصابتهم الرماح البرونزية ~~الأطراف بالجراح، أولئك الرجال الذي خروا صرعى في القتال، وهم ~~مرتدون عددهم الحربية ms198 الملطخة بالدماء. أسرع هؤلاء يتهافتون ~~في جموع غفيرة حول الحفرة من كل صوب، يصيحون صيحات عجيبة، ~~فتملكني الرعب المسبب شحوب اللون. بعدئذ ناديت زملائي ~~وأمرتهم بأن يسلخوا أو يحرقوا الخراف الملقاة هناك بعد أن ~~ذبحت بالبرونز القاسي، وبأن يقوموا بالصلاة إلى الآلهة، إلى ~~هاديس العتيد، وإلى بيرسيفوني المرهوبة. أما أنا نفسي، فقد سللت ~~حسامي البتار من جوار فخذي، وجلست هناك، ولم أسمح لرءوس الموتى ~~المجردة من القوة بأن تقترب من الدم إلا بعد أن استجوبت ~~تايريسياس. # أوديسيوس يلتقي بروح إلبينور # كان روح رفيقي إلبينور هو أول من جاء؛ فلم يكن قد دفن بعد ~~تحت الأرض الفسيحة الطرقات؛ لأننا كنا قد تركنا جثته وراءنا في ~~ساحة كيركي، دون أن يبكيها أحد، ودون أن تدفن؛ حيث قد شغلنا ~~في ذلك الوقت بمهمة أخرى كانت تدفعنا إلى الإسراع في طريقنا، # 3 # فما إن أبصرته حتى بكيت، وتحرك قلبي بالعطف ~~عليه، فتحدثت إليه وخاطبته بكلمات مجنحة، # 4 # قائلا: ~~«كيف جئت تحت جنح الظلام الدامس، يا إلبينور؟ إن مجيئك على ~~القدمين، قد سبقني وأنا قادم في سفينتي السوداء.» # هكذا قلت له، فأجابني بقوله: «يا ابن لايرتيس، أيها المنحدر من ~~زوس، أي أوديسيوس الكثير الحيل، إن مصيرا شريرا، من أحد الآلهة، ~~كان فيه هلاكي، إنها الخمر الغزيرة؛ فعندما استلقيت لأنام في بيت ~~كيركي لم أفكر في اتخاذ السلم الطويل لكي أهبط من جديد، ولكني ~~قفزت من السطح، فدقت رقبتي وانفصلت عن سلسلة ظهري، فهبطت ~~روحي إلى بيت هاديس. والآن أتوسل إليك بحق أولئك الذين خلفناهم ~~وراءنا، الذين ليسوا معنا هنا، وبزوجتك وبأبيك الذي رباك منذ عهد ~~الطفولة، وبابنك تيليماخوس الذي تركته صبيا وحيدا في ساحاتك؛ ~~لأنني أعلم أنك عندما تنصرف من هنا، من بيت هاديس، ستمر بسفينتك ~~المتينة البناء، على الجزيرة الإيايية، أطلب منك، أيها الأمير، أن ~~تتذكرني هناك. لا تتركني وراءك دون أن تبكيني، ودون أن ~~تدفنني، وأنت راحل من هناك، ولا تولني ظهرك، خائفا أن أجلب ~~عليك غضب الآلهة، بل أحرقني في حلتي الحربية ms199 وهي كل ما أملك، ~~وكوم لي رابية فوق ساحل البحر السنجابي، تخليدا لذكرى رجل ~~شقي، كي يعلم من سوف يولدون بعد، شيئا عني. حقق لي هذا ~~الرجاء، وأقم فوق الرابية، مجذافي الذي كنت أجذف به في حياتي، ~~عندما كنت بين زملائي.» # قال هذا، فرددت عليه بقولي: «سوف أفعل لك كل هذا، أيها الرجل ~~البائس.» # هكذا جلسنا، كلانا، وتحدث كل منا إلى الآخر أحاديث الحزن، ~~أنا على جانب، وسيفي قائم بيدي فوق الدم، بينما هو على الجانب ~~الآخر، وكان طيف رفيقي هذا يتكلم بإسهاب. # أوديسيوس يبكي على روح أمه # بعد ذلك أقبلت روح أمي الميتة، أنتيكليا # Anticleia ~~، ابنة أوتولوكوس # Autolycus # المقدام، الذي خلفته ورائي حيا عندما ~~رحلت إلى إليوس المقدسة، فعندما رأيتها بكيت، وأحس قلبي ~~بالشفقة نحوها، ولكني رغم ذلك لم أدعها تقترب من الدم، مع كل ما ~~في قلبي من حزن بالغ، إلا بعد أن استجوبت تايريسياس. # أوديسيوس يلتقي بروح العراف # بعدئذ جاءت روح تايريسياس # 5 # الطيبي، وهو يحمل صولجانه الذهبي في يديه، فعرفني ~~وخاطبني بقوله: «يا ابن لايرتيس، أيها المنحدر من زوس، أي ~~أوديسيوس الكثير الحيل، ما خطبك الآن، أيها الرجل التعيس ؟ لماذا ~~تركت ضوء الشمس وقدمت إلى هنا، لترى الموتى، ومنطقة لا مرح ~~فيها؟ لا تقف هكذا، ابتعد عن الدم، وأدر سيفك الحاد إلى ~~الوراء، حتى أشرب من الدم وأخبرك بالحقيقة.» # هكذا تكلم، فابتعدت وأغمدت سيفي المرصع بالفضة في غمده، ~~وبعد أن عب من الدم القاني، تكلم العراف العديم اللوم، ~~وخاطبني بقوله: # تايريسياس يدلي بعرافته لأوديسيوس # إنك تستفهم عن عودتك ~~الحلوة كالعسل، يا أوديسيوس الرائع، ولكن أحد الآلهة سيجعل هذا ~~الأمر شيئا ثقيلا على نفسك، فإنني أعتقد أنك ستفلت من حبائل ~~مزلزل الأرض، الذي يزخر بالغضب منك؛ إذ يتقد غضبا من أنك ~~أعميت ابنه العزيز، ولكن بالرغم من كل هذا، قد تصل إلى وطنك، ولو ~~كان وصولك في محنة شريرة، إذا ما كبحت جماح نفسك، وجماح ~~رفقائك، بمجرد أن تصل بسفينتك المكينة البناء إلى ~~جزيرة ثريناكيا # Thrinacia ~~، هاربا ms200 من البحر ~~البنفسجي، فتجد هناك أبقار وقطعان هيليوس العظيمة، ترعى الكلأ، ~~هيليوس الذي يرى ويسمع كل شيء، فلو تركت هذه القطعان دون أن ~~تمسها بأذى، واهتممت برحلتك إلى وطنك، فلا شك في أنك بالغ ~~إيثاكا، ولو في محنة شريرة. أما إذا تعرضت لها بالأذى، فإني ~~أتنبأ بالخراب لسفينتك ولرفقائك، وحتى إذا نجوت أنت نفسك، ~~فإنك سوف تصل متأخرا إلى وطنك، وفي حالة مزرية، بعد أن تفقد ~~سائر زملائك، وتبلغه في سفينة لرجل آخر، وسوف تقابل محنات في ~~بيتك؛ فإن في بيتك رجالا متغطرسين، يلتهمون زادك، ويغازلون زوجتك ~~شبيهة الآلهة، ويقدمون هدايا المغازلة، ولكنك مع ذلك، ستنتقم ~~حقا، من أعمالهم التعسفية عند وصولك، وبعد أن تقتل المغازلين ~~في ساحاتك، سواء بالحيلة، أو علانية بالسيف البتار، ستنطلق ~~بمجذاف جميل، حتى تصل إلى قوم لا يعرفون شيئا عن البحر، ولا ~~يأكلون أي طعام به ملح، # 6 # إنهم لا يعرفون شيئا عن السفن القرمزية الوجنات، ولا ~~عن المجاذيف المصقولة، التي هي بمثابة الأجنحة للسفن، وسأخبرك ~~بعلامة واضحة كل الوضوح، لن يفوتك إدراكها، فإذا التقى بك عابر ~~سبيل آخر وسألك عما إذا كان لديك مذراة فوق كتفك القوية، ~~فاغرس في الأرض مجذافك الجميل، وقدم الذبائح العظيمة للسيد ~~بوسايدون - كبشا، وثورا وخنزيرا بريا يكون قد لقح إناث ~~الخنازير - وارحل إلى وطنك حيث تقوم بتقديم الذبائح المئوية ~~المقدسة للآلهة الخالدين الذين يحتلون السماء الفسيحة، لكل واحد ~~بدوره ما يليق به. أما الموت فلن يأتيك أنت نفسك، إلا بعيدا عن ~~البحر؛ إذ تلقى ميتة في غاية الرقة، تتغلب عليك إذ تقهرك ~~الشيخوخة الناعمة، # 7 # وسوف يعيش قومك حولك في بحبوحة من العز، بهذا ~~أخبرتك العرافة. # هكذا قال العراف، فأجبته قائلا: «أي تايريسياس، أعتقد أن ~~الآلهة أنفسها قد نسجت خيط مصيري من كل هذا، ولكن خبرني بهذا ~~الذي سأطلبه منك، وأعلن الحقيقة لي. إنني أرى هنا روح أمي ~~الميتة، إنها تجلس في صمت بالقرب من الدم، ولا تتناول بالنظر إلى ~~وجه ابنها أو التحدث إليه. خبرني، أيها الأمير، كيف ms201 يمكنها أن ~~تلاحظ أنني ابنها. # ما إن قلت له هذا، حتى أجاب في الحال، بقوله: «ما أيسر ~~الكلام الذي سأفضي إليك به، ولتضعه نصب عينيك. أي فرد من ~~أولئك الذين ماتوا ورحلوا، سمحت له بالاقتراب من الدم، أخبرك ~~بنبوءة وكل من منعته عاد من غير شك.» # أوديسيوس يتكلم مع روح أمه # ما إن أفضى الأمير تايريسياس، إلي بذلك الحديث، حتى عادت روحه ~~إلى بيت هاديس، بعد أن أخبرني بتنبؤاته، بيد أنني بقيت هناك، ~~ثابتا في مكاني، حتى أقبلت أمي، وشربت من الدم القاني، وفي ~~الحال عرفتني، وبالنحيب كلمتني بعبارات حماسية، ~~قائلة: ~~«أي بني، كيف جئت إلى هناك تحت جنح الظلام الدامس، وأنت ما زلت ~~حيا؟ إذ من الصعب على الأحياء أن يروا هذه الممالك، فبينهم ~~وبينها أنهار عظيمة ومجاري مياه مفزعة، فهناك أولا أوقيانوس، ~~الذي لا يستطيع أي فرد أن يعبره على قدميه بأية حال من ~~الأحوال، بل إذا كان يملك سفينة مكينة البناء، أجئت الآن فقط ~~إلى هنا من طروادة بعد تجوالات طويلة بسفينتك ورفقائك؟ أولم تصل ~~إلى إيثاكا، ولم تر زوجتك في ساحاتك؟» # هكذا قالت، فأجبتها بقولي: «أماه، إنها الضرورة التي أنزلتني ~~إلى بيت هاديس، بحثا عن تنبؤات روح تايريسياس الطيبي؛ لأنني لم ~~أصل بعد إلى ساحل آخايا # Achaea ~~، ~~ولم تطأ قدمي أرض وطني، بل بقيت هائما على وجهي، أكابد المحن، ~~منذ أول يوم رحلت فيه مع أجاممنون العظيم إلى إليوس الشهيرة ~~بجيادها، لأقاتل الطرواديين، هيا خبريني، واصدقيني القول، فيما ~~سأسألك عنه. أي قدر من الموت المؤسف قد تغلب عليك؟ أكان مرضا ~~طويل الأمد، أم هي القواسة أرتيميس، # 8 # قد أصابتك بسهامها الرقيقة، فقتلتك؟ كذلك أعلميني عن ~~أبي، وعن ابني، اللذين خلفتهما ورائي. أما زالا في الشرف الذي ~~كان لي، أم يحظى به الآن رجل آخر، وهل يعتقدون أنني لن أعود إليهم ~~ثانية؟ كما أرجو أن تخبريني عن زوجتي التي اقترنت بها، عن هدفها ~~وعن تفكيرها. ألا تزال باقية مع ابنها، وتحافظ على سلامة كل شيء؟ ~~أم هل ms202 تزوجها رجل ما، يكون أفضل الآخيين؟» # قلت هذا، فأجابتني ~~والدتي الموقرة، في الحال بقولها: «الحقيقة، إنها تمكث في ساحاتك ~~بإيمان ثابت، وتقضي الليالي والأيام في حزن دائم، لا تنقطع عن ~~البكاء. أما الشرف السامي الذي كان لك فلم يستحوذ عليه أحد بعد، ~~بل يحتل تيليماخوس أراضيك دون منازع، ويولم على موائد مناسبة، ~~كما يليق بالرجل الذي يتوخى العدالة، وكل الناس يدعونه إلى ~~الموائد. أما أبوك فإنه يعيش في الأرض المفلوحة، لا يذهب إلى ~~المدينة، وليس عنده للنوم، فراش ولا عباءات أو أغطية لامعة، بل ~~يقضي الشتاء ينام في المنزل، حيث ينام العبيد، في الرماد بجانب ~~النار، ويلبس على جسمه ثوبا حقيرا. حتى إذا ما أقبل الصيف ~~والخريف الغني، امتدت أسرته المنخفضة، حول منحدر مزرعة كرومه، ~~وقد تكونت من أوراق الشجر المتساقطة. هناك يرقد كئيبا، ~~منطويا على أحزان قلبه البالغة، وهو يتلهف شوقا إلى عودتك، وقد ~~حطت عليه الشيخوخة الثقيلة. هكذا هلكت أنا أيضا، ولقيت حتفي. ~~ولم تهاجمني الربة القواسة الثاقبة النظر، ولم يصبني أي مرض، ~~كما يحدث عادة، أن يسلب التعب الشديد الروح من الأطراف؛ كلا، ~~لم يصبني شيء من ذاك، بل هو الشوق إليك، وإلى مشوراتك، يا أوديسيوس ~~العظيم، والحنين إلى رقة قلبك، هو الذي سلبني حياتي الحلوة ~~كالشهد.» # أوديسيوس يفشل في احتضان أمه # هكذا قالت، فتحيرت في قلبي، وتاقت نفسي إلى أن تمسك بروح ~~أمي الميتة، فوثبت نحوها ثلاث مرات، وأمرني قلبي بأن أمسكها، ~~وثلاث مرات أفلتت من ذراعي أشبه بالشبح أو الحلم، فزاد الألم ~~حدة في قلبي، وتحدثت إليها، مخاطبا إياها في عبارات حماسية، ~~قائلا: ~~«أماه، لم لا تمكثين من أجلي، أنا الذي أتلهف إلى الإمساك ~~بك كي نستطيع، حتى في بيت هاديس، أن يلقي كل منا ذراعه حول ~~الآخر، ونستسلم إلى البكاء العنيف. أهذا الذي أرسلته إلى ~~بيرسيفوني الجليلة، محض طيف، كي تزيد في بكائي وأنيني؟» # ما إن قلت هذا، حتى أسرعت أمي المبجلة، تجيبني بقولها: «ويل ~~لي، يا بني، يا أكثر البشر تعاسة وسوء حظ! ms203 إن بيرسيفوني # 9 # ابنة زوس، لا تخدعك بحال ما، ولكن هذه هي الطريقة ~~المتبعة مع البشر عندما يموتون؛ فما عادت الأعصاب تربط اللحم ~~بالعظام، ولكن قوة النار المتأججة القوية، تحطم هذه، بمجرد أن ~~تترك الحياة العظام البيضاء، وتنطلق الروح، أشبه بحلم، فتحوم هنا ~~وهناك، ولكن أسرع الآن إلى النور بكل ما أوتيت من سرعة، واحفظ ~~كل هذا في عقلك، كي تستطيع فيما بعد، أن تخبر به زوجتك.» # أوديسيوس يلتقي بأرواح أخرى # هكذا تحدث كل منا إلى الآخر، وجاءت النسوة؛ إذ أرسلتهن ~~بيرسيفوني المهوبة، جميع من كن زوجات وبنات للرؤساء. احتشد ~~هؤلاء جميعا، زرافات حول الدم القاني، وأخذت أفكر كيف يمكنني ~~أن أسأل كل واحدة منهن، فوفقت إلى ما بدا لي خير طريقة، ~~سللت سيفي الطويل من جوار فخذي القوي، ولم أسمح لهن بأن يشربن ~~كلهن، من الدم القاني مرة واحدة، بل اقتربن منه، واحدة بعد أخرى، ~~وكل واحدة منهن أخبرتني بنسبها، وهكذا أمكنني أن أستجوبهن ~~جميعا. # روح تورو تتحدث إلى أوديسيوس # كانت تورو # Tyro ~~، النبيلة ~~المحتد، هي أول من رأيت منهن، فقالت إنها كانت ابنة سالمونيوس # Salmoneus # الشريف، وإنها كانت زوجة ~~كريثيوس # Cretheus ~~، ابن أيولوس. ~~وقد هام بها النهر، إنيبيوس # Enipeus # المقدس، الذي هو أجمل الأنهار طرا، التي ~~تنساب مجاريها فوق الأرض، وكانت تتردد على مياه إنيبيوس الجميلة. ~~غير أن مطوق الأرض ومزلزها، اتخذ شكله واضطجع معها عند ~~مصبات النهر ذي الدوامات، وانتصبت اللجة الدكناء حولهما ~~كالطود الشامخ، وانحنت فوقهما، تستر الرب والمرأة البشرية، فحل ~~زنارها العذري وسكب النوم فوق جفنيها. وبعد أن أنجز ذلك الرب ~~مهمة الحب، أمسك بيدها، وتحدث إليها، مخاطبا إياها ~~بقوله: ~~«فلتسعدي، أيتها المرأة، بحبنا هذا، وبمرور السنة في دورانها، ~~ستنجبين أطفالا أمجادا؛ فما أحضان الرب بضعيفة ولا واهنة، وقومي ~~برعاية هؤلاء وتربيتهم. أما الآن فانطلقي إلى منزلك، وحافظي على ~~سلامك، وحذار أن تخبري أحدا بما حدث واعلمي أنني أنا بوسايدون، ~~مزلزل الأرض.» # ما إن أتمت حديثها ذاك، حتى قفزت تحت البحر الصاخب. أما هي ~~فقد ms204 حبلت وأنجبت بيلياس Pelias ~~، ~~ونيليوس # Neleus ~~، اللذين صارا، ~~كلاهما، خادمين عتيدين لزوس ~~العظيم، وعاش بيلياس في إيولكوس # Iolcus # الفسيحة، وكان غنيا بقطعانه، أما الآخر ~~فعاش في بولوس Pylos # الرملية. ~~وأما أطفالها الآخرون، فقد ولدتهم تلك الملكة بين النساء، ~~لكريثيوس، وهم أيسون # Aason ~~، ~~وفيريس Pheres ~~، وأموثاون # Amythaon ~~، الذي كان شغوفا بالقتال من العربات. # 10 # لقاء أوديسيوس بأنتيوبي # بعد ذلك رأيت أنتيوبي # Antiope ~~، ~~ابنة أسوبوس # Asopus ~~، التي كانت ~~تزهو بنومها في أحضان # 11 # زوس، فأنجبت ولدين؛ هما أمفيون # Amphion ~~، وزيثوس # Zethus ~~، الذي كان أول من شيد مقعد طيبة، ذات الأبواب ~~السبعة، وأقام حولها سورا؛ إذ لم يستطيعوا أن يعيشوا في طيبة ~~الفسيحة بدون سور، مهما كانوا أقوياء. # ثم بألكميني وميجارا وأخريات # وبعدها رأيت ألكميني # Alcmene ~~، ~~زوجة أمفيتروون # Amphitryon ~~، التي ~~رقدت بين ساعدي زوس العظيم، وأنجبت هرقل # Heracles ~~، العتيد في القتال، قلب الأسد. وميجارا # Megara ~~، شاهدتها أيضا، وهي ابنة ~~كريون # Creon ~~، السامي النفس، التي ~~اتخذها زوجة له، ابن أمفيتروون، الدائم العناد في العنف. # وأبصرت أم أوديبوديس # Oedipodes ~~، ~~إبيكاستي # Epicaste # الفاتنة، التي ~~قامت بعمل وحشي في جهالة من التفكير؛ إذ قد تزوجت ابنها، بعد ~~أن قتل أباه، فتزوجها، ولكن الآلهة كشفت هذه الأمور للبشر في ~~الحال، ولكنه مع ذلك ظل سيدا على الكادميين # Cadmeans # في طيبة الجميلة، يعاني المحن بسبب خطط ~~الآلهة الضارة. أما هي، فقد هبطت إلى بيت هاديس، الحارس القوى. ~~لقد علقت أنشوطة في قضيب عال، وقد استبد بها الحزن، وشنقت ~~نفسها، وخلفت وراءها محنا لا حصر لها. كل ذلك تقوم به ربات ~~الانتقام # Erinues # من أجل ~~أم. # كذلك رأيت خلوريس # Chloris # الحسناء، التي تزوجها نيليوس من أجل جمالها، بعد أن قدم لها ~~هدايا عرس لا عداد لها. وكانت صغرى بنات أمفيون # Amphion ~~، وابن إياسوس # Iasus ~~، الذي قبض على زمام الحكم في ~~أورخومينوس ~~بمينواي # Orchomenus of Minyae ~~، بيد من حديد. وكانت هي ملكة على يوبوس، ~~وأنجبت لزوجها من الأطفال الأمجاد، ~~نسطور # Nestor # وخروميوس # Chromius ~~، وبيريكلومينوس Periclymenus # المجيد، كما أنجبت ~~زيادة على هؤلاء، ms205 النبيل بيرو Pero ~~، الذي كان أعجوبة للناس. وكان جميع الساكنين ~~حولها يسعون إلى الزواج منها، بيد أن نيليوس لم يكن ليزوجها ~~لأي رجل، إلا إذا استطاع أن يسوق من فولاكي Phylace # أبقار إفيكليس # Iphicles # العتيد الملساء، ذات الجباه العريضة، وكان ~~من العسير أن تساق. هذه الأبقار، تعهد العراف، دون سواء بأن ~~يسوقها، بيد أن قضاء محزنا من لدن الآلهة، أوقعه في الشرك، ~~في قيود مكينة، مع رعاة الحقول. ومع ذلك فلما توالت الأيام، ~~وتعاقبت الشهور بمرور العام، وجاءت الفصول، أطلق سراحه إفيكليس ~~العتيد، بعد أن تنبأ له بكل شيء، وبذلك تحققت إرادة ~~زوس. # ورأيت ليدي # Lede # زوجة ~~تونداريوس # Tyndareus ~~، التي أنجبت ~~له ولدين، جريئي القلب، هما كاستور # Castor # مروض الجياد، وبولوديوكيس Polydeuces # الملاكم. وإن الأرض ~~مانحة الحياة، لتغطي هذين كليهما، بالرغم من كونهما على قيد ~~الحياة، وحتى في العالم السفلي؛ فإنهما يحظيان بتبجيل زوس؛ ففي ~~يوم يعيشان بالتناوب، وفي يوم آخر ماتا، فنالا مجدا أشبه بمجد ~~الآلهة. # وبعدها شاهدت إفيميديا # Iphimedeia ~~، زوجة ألويوس # Aloeus ~~، التي اعترفت باضطجاعها مع بوسايدون، ~~فأنجبت ولدين، ولكنهما كانا قصيري الأجل، هما أوتوس # Otus ~~، الشبيه بالإله، وإفيالتيس # Epbiates # الذائع الصيت، وهما الرجلان ~~اللذان قامت الأرض بتربيتهما، هذه التي تمنح الغلال، فجعلتهما ~~يفوقان الجميع طولا، وجمالا، بعد أوريون # Orion # الشهير؛ لأنهما، وهما في التاسعة من عمرهما، ~~قد بلغا تسع أذرع عرضا وتسع قامات ارتفاعا، وهددا بإشعال نار ~~الحرب الطاحنة ضد الخالدين في أوليمبوس. وقد كانا متلهفين إلى ~~تكويم أوسا # Ossa # فوق أوليمبوس، ~~وكذلك بيليون Pelion ~~، بغاباتها ~~المائجة، فوق أوسا، حتى يستطيعا أن يرقيا أسباب السماء، وكانا ~~سيفعلان هذا، لو أنهما بلغا مبالغ الرجال، ولكن ابن زوس، الذي ~~أنجبته ليتو # Leto # الجميلة الشعور، ~~قتلتهما، قبل أن ينبت الزغب تحت جبهتيهما ويغطي ذقنيهما ~~بلحية كاملة النمو. # ورأيت فايدرا Phaedra # وبروكرس Procris # 12 # وأريادني # Ariadne # الفاتنة، ابنة مينوس # Minos ~~، ذي ~~العقل الشرير، تلك التي تحرق ثيسيوس # Theseus ~~، شوقا إلى أن يأخذها ذات مرة من كريت إلى تل ~~أثينا المقدس، بيد ms206 أنه لم يتمتع بها؛ إذ قبل أن يتم ذلك قتلتها ~~أرتيميس في ديا # Dia # المحاطة ~~بالبحر، بسبب شهادة ديونيسيوس. # 13 # وشاهدت مايرا # Maera # وكلوميني # Clymene ~~، # 14 # وإريفولي # Eriphyle # الممقوتة، التي قبلت الذهب النفيس ثمنا لحياة زوجها. وإنه ~~ليتعذر علي أن أسرد أو أسمي جميع زوجات وبنات الأبطال ~~اللواتي رأيتهن؛ فقبل أن أنتهي من ذلك سيدركنا الليل الخالد. لقد ~~حان الآن موعد النوم، سواء ذهبت إلى السفينة السريعة والبحارة، أو ~~بقيت هنا. إن أمر إرسالي سيبقى مع الآلهة، ومعكم.» # أريتي تتمشدق بأوديسيوس # هذا ما قاله، فلزموا الصمت جميعا، وانعقدت ألسنتهم في الساحات ~~الظليلة، ولكن أريتي # Arete ~~، ~~البيضاء الساعدين، تحدثت أولا في وسطهم، فقالت: ~~«أيها الفياكيون، كيف يبدو هذا الرجل أمامكم من حيث الجمال ~~والقوام، ومن حيث روحه الداخلية المتزنة؟ وزيادة على ذلك، فهو ~~ضيفي، رغم أن كل واحد منكم له نصيب في هذا الشرف؛ ومن ثم لا ~~تتعجلوا بإرساله في طريقه، ولا تجعلوا هداياكم لرجل في مثل هذه ~~الحاجة؛ إذ كثيرة هي الكنوز المخزونة في ساحاتكم بفضل ~~الآلهة.» # بعد ذلك قام وسطهم السيد العجوز إخينيوس # Echeneus ~~، أكبر الفياكيين سنا، وتحدث وسطهم ~~بقوله: «أيها الأصدقاء، حقيقة إن كلمات ملكتنا الحكيمة لجديرة ~~بالاهتمام والتفكير، فهل لكم أن تولوها عنايتكم؟ ومع ذلك فإن ~~القول والتنفيذ ليتوقفان هنا على ألكينوس.» # ألكينوس وأوديسيوس يتطارحان أحاديث الود # فأجاب ألكينوس # 15 # قائلا: «حقا، إن كلمتها هذه، ستنفذ، طالما أنا ~~حي وسيد على الفياكيين، محبي المجاذيف، ولكن دعوا ضيفنا، رغم عظيم ~~تلهفه إلى العودة، يتحمل البقاء معنا إلى غد، حتى أتحقق من أن ~~جميع هدايانا كاملة. إن أمر إرساله إلى وطنه سيتولاه سائر الرجال، ~~ولا سيما أنا نفسي، أكثر من الجميع؛ إذ لي السيادة في ~~البلاد.» # عندئذ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «سيدي ألكينوس، يا ~~من يعلو صيتك فوق سائر البشر، إنني طوع أمرك، حتى ولو أمرتني ~~بالبقاء هنا لمدة عام وأجلت إرسالي إلى بلدي، وأعطيتني هدايا ~~مجيدة، وأكون راضيا به، وأعتبر وصولي إلى وطني العزيز بيد أكثر ~~امتلاء، ms207 أفضل بكثير، لكي أحظى باحترام أكثر، وحب بالغ من ~~جميع الذين يرونني عندما أعود إلى إيثاكا.» # فعاد ألكينوس يجيب بقوله: «أي أوديسيوس، إننا ونحن ننظر إليك، ~~لا نقدر، بأية حال، أنك غشاش أو مخادع، كالكثيرين الذين ترعاهم ~~الأرض المظلمة، وينتشرون هنا وهناك، أولئك الذين يختلقون الأكاذيب، ~~مما لا يمكن لأحد أن يراه؛ فإن لك عذب الألفاظ، وبداخلك قلب ~~حكيم، وقد رويت قصتك بمهارة، كما ينشد المغني أناشيده، حتى ~~المحن المؤلمة التي أصابت الأرجوسيين، وأصابتك أنت نفسك. والآن ~~هيا أخبرني بالحقيقة، هل رأيت أيا من رفاقك أشباه الآلهة، الذين ~~رحلوا معك إلى إليوس، ولقوا حتفهم هناك؟ ما زال الليل أمامنا ~~طويلا، وطويلا جدا، ولم يحن موعد النوم في الساحة بعد. ~~استمر، بربك، في سرد قصة تلك الأعمال العجيبة. الحق أن في استطاعتي ~~أن أبقى حتى يلوح الفجر المتألق، فعسى أن تقص علينا في الساحة، ~~ما لاقيته من المحن.» # فأجاب أوديسيوس الكثير الحيل، قائلا: «سيدي ألكينوس، يا من طار ~~صيتك أكثر من سائر البشر، هناك وقت للكلام الكثير، كما أن هناك ~~وقتا للنوم كذلك. أما إذا كنت لا تزال تواقا لسماع قصتي، فلن ~~أحرمك من أن أروي لك أشياء أخرى، أشد إيلاما للنفس من تلك، ~~محن زملائي، الذين ماتوا فيما بعد، والذين نجوا من صيحة ~~الطرواديين في الحرب المفزعة، وإنما هلكوا عند عودتهم بإرادة ~~امرأة شريرة. # أوديسيوس يلتقي بروح أجاممنون # عندما نثرت بيرسيفوني المقدسة، أرواح النساء، هنا وهناك، ~~أقبلت روح أجاممنون بن أتريوس، كئيبة، ومن حوله احتشدت أرواح ~~الذين قتلوا معه في بيت أيجيسثوس # Aegisthus ~~، # 16 # ولقوا حتفهم. لقد عرفني لتوه، بعد أن شرب الدم ~~القاني، وبكى بصوت مرتفع، ساكبا الدموع الغزار فمد يده نحوي ~~يريد الوصول إلي، بيد أنه لم تكن لديه القوة أو الشدة التي كانت ~~قديما بأطرافه الرخصة. # ما إن رأيته حتى غلبتني العبرات، وتحرك قلبي بالشفقة ~~عليه، فخاطبته بكلمات مجنحة، # 17 # وقلت: «هيا ابن أتريوس المجيد، أي ملك البشر، يا ~~أجاممنون، أي مصير للموت المحزن حاق بك؟ أضربك ms208 بوسايدون فوق ظهر ~~سفنك، بعد أن أثار حولك عاصفة هوجاء من الرياح العاتية؟ أم هل ~~آذاك الأعداء فوق الأرض، بينما كنت تذبح ماشيتهم وقطعان أغنامهم ~~الرائعة، أم كنت تقاتل طمعا في الفوز بمدينتهم وبنسائهم؟» # قلت هذا، فأجابني في الحال بقوله: «يا ابن لايرتيس، أيها ~~المنحدر من زوس، يا أوديسيوس الكثير الحيل، إن بوسايدون لم يضربني ~~فوق ظهر سفينتي، بعد أن أثار زوبعة عنيفة من الرياح الصرصر، كما ~~أن يد أعدائي لم تمتد نحوي بالأذى فوق اليابسة، ولكن أيجيسثوس ~~هو الذي دبر لي الموت والقدر، وقتلني بمساعدة زوجتي اللعينة، ~~وبعد أن دعاني إلى الحضور في بيته، وأقام لي وليمة أشبه بمن ~~يقتل ثورا في الحظيرة، هكذا كانت ميتتي في غاية الفظاعة، ومن ~~حولي قتل بقية زملائي، بغير انقطاع، كما تقتل الخنازير البيض ~~الأنياب، التي تذبح في بيت رجل ثري عظيم القوة، في حفل زواج، ~~أو في وليمة عامة، أو حفل سكر فخم. لقد حضرت قبل ذلك مقتل ~~رجال عديدين، في معارك فردية، أو في صخب الحرب، ولكنك لو رأيت ~~ذلك المنظر، لشعرت بمنتهى الحزن في قلبك، كيف كنا نرقد في الساحة ~~بين طاسات مزج الخمر والموائد الحافلة بالأطعمة، حتى ~~سبحت الأرض كلها في الدماء. ~~وكانت أكثر الصيحات إيلاما للنفس، هي صيحة كاساندرا # Cassandra # ابنة بريام Priam ~~، التي قتلتها كلوتمنيسترا # Clytemnestra # الغادرة، إلى جواري، # 18 # وحاولت أن أرفع يدي وأضرب القاتلة رغم أنني كنت في ~~عداد الأموات، مطعونا بالسيف، ولكن عديمة الحياء تلك أشاحت ~~بظهرها نحوي، وبالرغم من أنني كنت في طريقي إلى بيت هاديس، فإنها ~~لم تبد أي عطف نحوي بأن تسبل جفني بأناملها، أو بأن تغلق ~~فمي. لا شك إطلاقا في أنه ما من شيء أكثر فظاعة، وأشد تجردا ~~من الحياء، من تلك المرأة التي تفكر في قلبها بمثل هاته ~~الأعمال، هذا إذا كانت هي أيضا قد حاكت أمرا مفزعا، بأن دبرت ~~الموت لبعلها الذي تزوجته. كنت أحسب حقا، أنني سأعود إلى ~~بيتي فيرحب بي أولادي وعبيدي، ولكنها، تلك التي ms209 طبع قلبها على ~~النذالة التامة، قد لطخت نفسها بالعار، كما وصمت بالعار سيدات ~~المستقبل، ومن تقيم العدالة.» # هكذا تحدث إلي فأجبته بقولي: «تبا لها! إن زوس الذي يحمل ~~صوته بعيدا، قد حاك كراهية عجيبة ضد شعب أتريوس، منذ البدء، بسبب ~~خطط النساء؛ فقد هلك الكثيرون من أجل هيلينا، ودبرت ~~كلوتايمنيسترا مكيدة ضدك وأنت بعيد عنها.» # ما إن قلت هذا، حتى أجابني في الحال قائلا: «وعلى ذلك فإني ~~أنصحك بألا تكون رقيقا مع زوجتك، لا تبح لها بكل ما يجول ~~بخاطرك، بل قل لها شيئا ما، واكتم عنها شيئا آخر. ومع كل فلن ~~يأتيك الموت يا أوديسيوس من فعل زوجتك؛ لأنها بالغة الحكمة، ذات ~~قلب مدرك، بينيلوبي العاقلة، ابنة إيكاريوس # Icarius ~~. لقد تركناها بحق عروسا حديثة الزواج، ~~عندما ذهبنا إلى الحرب، وكان على صدرها صبي، طفل، أعتقد أنه الآن ~~قد بلغ مبالغ الرجال، وسعيد بأنه سيرى أباه عندما يجيء، وعندئذ ~~يقوم بالتحية اللائقة بأبيه. أما زوجتي أنا فقد حرمت عيوني رؤية ~~ابني، وقبل ذلك قتلتني أنا، زوجها. كذلك سأخبرك بأمر آخر، عسى ~~أن تحفظه في قلبك. عليك أن تذهب بسفينتك سرا إلى ساحل وطنك ~~العزيز، وليس علنا؛ لأنه لم تعد هناك ثقة بعد الآن في النساء، ~~ولكن خبرني عن هذا بالحقيقة واصدقني القول، ألم تسمع مصادفة عن ~~ابني الذي ربما يكون لا يزال على قيد الحياة في أورخومينوس، أو في ~~بولوس الرملية، أو حتى مع مينيلاوس في إسبرطة الفسيحة؟ لأن ~~أوريستيس # Orsetes # العظيم لم ~~يهلك بعد فوق الأرض.» # هكذا تكلم، فأجبته بقولي: «يا ابن أتريوس، لم تسألني عن ~~هذا؟ لست أعرف، إطلاقا، ما إذا كان حيا أو ميتا. وإنه لقبيح ~~بي أن أتحدث إليك بعبارات لا فائدة منها؛ إذ تكون باطلة ~~كالريح.» # أخيل يتحدث إلى أوديسيوس # هكذا وقفنا كلانا، وتبادلنا الأحاديث المحزنة، مكتئبين نذرف ~~الدموع السواجم، وعندئذ أقبلت روح أخيل # Achilles # ابن بيليوس، وأرواح باتروكلوس Patroclus ~~، وأنتيلوخوس # Antilochus # المنقطع النظير، ~~وأياس # Aias ~~، الذي كان يفوق سائر ~~الدانيين جمالا وشكلا، بعد ابن ms210 بيليوس، الذي لا يدانيه أحد. كذلك ~~تعرفت على روح أياكوس # Aeacus # السريع القدمين، وتحدث إلي، باكيا، بعبارات مجنحة، ~~فقال: ~~«يا ابن لايرتيس، أيها المنحدر من زوس، أيا أوديسيوس، الكثير ~~الحيل، أيها المتهور، أي عمل أعظم من هذا سوف تدبره في قلبك؟ ~~كيف بلغت بك الجرأة أن تهبط إلى هاديس حيث يسكن الموتى، غير ~~عابئ بأشباح الناس الرثة؟» # 19 # هكذا تكلم فأجبت قائلا: «أي أخيل، ابن بيليوس، يا من تفوق في ~~عتوك سائر الآخيين، لقد جئت بسبب الحاجة إلى تايريسياس، عسى أن ~~يخبرني عن خطة ما أستطيع بها الوصول إلى إيثاكا الوعرة؛ ~~لأنني لم أقترب بعد من أرض أخايا، ولم تطأ قدمي، حتى الآن، أرض ~~وطني، بل ما أزال أقاسي الأهوال على الدوام، وإنه لم يكن هناك في ~~سابق الأيام من هو أكثر بركة منك، يا أخيل، ولن يأتي فيما بعد ~~أبدا؛ فعندما كنت حيا فيما مضى، بجلناك، نحن معشر ~~الأرجوسيين، كالآلهة تماما، والآن وأنت هنا، تحكم بشدة بين ~~الموتى؛ وعلى ذلك لا تحزن بحال ما، على موتك، يا أخيل.» # قلت هذا، فأجابني في الحال بقوله: «كلا، يا أوديسيوس المجيد، لا ~~تحاول أن تحبذ لي الموت، كنت أفضل أن أعيش فوق الأرض، وأن ~~أشتغل أجيرا في خدمة رجل آخر، مهما كان حقيرا، ضئيل الرزق، على ~~أن أكون الآن سيدا على جميع الموتى الذين هلكوا، ولكن خبرني ~~عن ابني ذلك الشاب المجيد، هل سار إلى الحرب ليكون قائدا، أم لم ~~ينخرط في الجيش؟ كذلك خبرني عن بيليوس النبيل، إذا كنت قد سمعت ~~شيئا، أما زال ذا مجد وسط قوم المورميدون # Myrmidons ~~، أم انقطع تبجيل الناس له في سائر أنحاء ~~هيلاس # Hellas # وفثيا Phthia ~~، بسبب الشيخوخة التي شلت يديه ~~وقدميه؟ لأنني لست هناك لأقدم له المعونة، تحت أشعة الشمس، ~~بمثل القوة التي كانت لي ذات يوم في طروادة الفسيحة، عندما قتلت ~~خير ما في الجيش دفاعا عن الأرجوسيين؛ فلو كان بإمكاني، أن أذهب ~~فقط إلى بيت أبي ولو لمدة ساعة، وأنا بمثل تلك ms211 القوة، لأعطيت ~~الكثيرين، ممن يؤذونه ويبعدونه عن مجده درسا يجعلهم يرهبون ~~قوتي، ويدي اللتين لا تقهران.» # هكذا قال، فأجبته بقولي: «الحقيقة، أنني لم أسمع شيئا عن ~~بيليوس النبيل، أما فيما يتعلق بابنك العزيز، نيوبتوليموس # Neoptolemus # فسأخبرك عنه بكل ~~صدق كما طلبت مني. إنني أنا نفسي الذي أحضرته من سكورس # Scyros ~~، في سفينتي الجميلة الواسعة، ~~ليلحق بجيش الآخيين المدرعين جيدا. والحقيقة، أنه كلما طاب ~~لنا أن نتشاور في أمر مدينة طروادة، كان هو دائما أول من يبدي ~~برأيه، ولم يخطئ في الرأي أو الحديث. إنه نسطور الشبيه بالإله، ولم ~~يكن هناك من يبذه غيري أنا وحدي. وعندما كنا نتقاتل بالبرونز ~~الحاد فوق السهل الطروادي، لم يتخلف هو قط عن حشود أو ضغط ~~الرجال، بل كان يسرع دائما إلى المقدمة، وفي قوته لم يكن ليستسلم ~~لأحد، وقد جندل كثيرا من الرجال في قتال مرير، ولست بحال ما ~~قادرا على ذكر أو تسمية جميع أولئك الذين صرعهم في دفاعه عن ~~الأرجوسيين، وكم كان شجاعا ذلك المحارب، الأمير يوروبولوس # Eurypylus # بن تيليفوس # Telephus ~~، الذي قتله بسيفه! نعم كما ~~جندل كثيرا من رفاقه الكريتيين، من حوله بسبب هدايا اشتهتها # 20 # امرأة. لقد كان بحق أجمل رجل وقعت عليه عيناي، ~~بعد ميمنون # Memnon # 21 # العظيم. وفي مرة أخرى عندما كنا نحن، خيرة ~~الأرجوسيين، على وشك الدخول في الحصان الذي صنعه إيبيوس # Epeus ~~، وعهدوا إلي برئاسة كل شيء، أن ~~أفتح وأغلق باب مكمننا المتين الصنع، وكان القادة والمستشارون ~~الآخرون، يمسحون الدموع وقتئذ من عيونهم، وكان كل رجل يرتجف ~~فرائص وأعضاء، ولكن لم تبصر عيناي وجهه يمتقع إطلاقا، ولا أن ~~رأته يمسح دمعة من فوق خديه، بل كان متلهفا في حماس، وتوسل ~~إلي أن أسمح له بالذهاب مع الحصان، وظل ممسكا بقائم سيفه ورمحه ~~المثقل بالبرونز؛ إذ كان تواقا إلى إنزال الضر بالطرواديين. وبعد ~~أن اقتحمنا مدينة بريام الشامخة، ركب ظهر سفينته ومعه نصيبه من ~~الغنائم وجائزته العظيمة، سالما تماما، لم يصبه رمح حاد، ولم ~~يجرح في قتال ms212 متشابك، كما يحدث كثيرا في الحرب؛ لأن أريس يثور ~~محدثا فوضى.» # ما إن قلت هذا، حتى رحلت روح ابن أياكوس عبر حقل البروق # Asphodel ~~، مغتبطا بأن سمع مني أن ~~ابنه كان مبرزا. # الأرواح تسأل أوديسيوس عن أحبائها # وأرواح كثيرة أخرى، لمن ماتوا ومضوا، وقفت مكتئبة، تسألني ~~كل منها عن أعزائها، ومن بينهم جميعا، وقفت روح أياس بن ~~تيلامون # Telamon ~~، # 22 # بعيدا، وهي لا تزال حانقة بسبب النصر الذي أحرزته ~~عندما تفوقت عليه في المسابقة بالسفن على أسلحة أخيل، التي ~~قدمتها أمه المبجلة، كجائزة للفائز، وكان الحكام في ذلك أبناء ~~الطرواديين، وبالاس أثينا، ليتني لم أنزل في المباراة بمثل تلك ~~الجائزة؛ فقد أطبقت الأرض على مثل ذلك الرأس النبيل، بسبب تلك ~~الأسلحة، أطبقت على رأس أياس، الذي بذ سائر غيره من الدانيين في ~~الجمال وفي ضروب القتال، بعد ابن بيليوس المنقطع النظير، فتحدثت ~~إليه بعبارات ملطفة، قائلا: ~~«أي أياس بن تيلامون، المنقطع النظير. أما حان لك أن تنسى غضبك ~~مني بسبب تلك الأسلحة اللعينة، حتى بعد وفاتك؟ الحقيقة، إن الآلهة ~~قدمتها لنجلب الأذى على الأرجوسيين. لقد فقدوا بفقدك، مثل هذا ~~الحصن من القوة، وإنا نحن الآخيين، لا نكف قط عن الحزن من أجلك، ~~بعد موتك، كما كنا نحزن تماما على حياة أخيل بن بيليوس. ومع ذلك ~~فليس الملوم في ذلك غير زوس، الذي حمل الكراهية الفظيعة ضد جيش ~~الرماحين الدانيين، وعاجلك بمصيرك. وهلم إلي هنا أيها الأمير، ~~حتى تستطيع الإصغاء إلى حديثي، وتخضع غضبك وروحك ~~الشامخة.» # هكذا قلت، بيد أنه لم يجبني ببنت شفة، بل انصرف في طريقه ~~إلى إيريبوس لينضم إلى بقية الأرواح الأخرى، أرواح من ماتوا ~~ومضوا. ويا ليته، رغم ذلك، قد تحدث إلي، مع كل غضبه، أو ~~تحدثت أنا إليه! وكان قلبي الكائن في صدري تواقا لرؤية أرواح ~~أولئك الآخرين الذين ماتوا. # أوديسيوس يرى أرواحا تتعذب # ورأيت هناك مينوس # Minos # المجيد، ابن زوس، ممسكا بالصولجان الذهبي في يده، يحكم بين ~~الموتى وهو جالس في مقعده، بينما هم قيام ms213 حول الملك وقعود، في بيت ~~هاديس المتسع الباب يطلبون منه الحكم. # ومن بعده شاهدت أوريون الهائل، يسوق الوحوش الكاسرة، عبر حقل ~~البروق، تلك الوحوش التي قتلها، هو نفسه، فوق التلال الموحشة، وهو ~~يمسك في يديه هراوة كلها من البرونز، غير قابلة للكسر. # كذلك أبصرت تيتيوس # Tityos # 23 # ابن جيا # Gaea ~~، ~~المجيد، مستلقيا على الأرض، ممددا فوق تسع نتوءات صخرية، بينما ~~يقبع نسران؛ واحد عن كل جانب، ينهشان كبده ويمدان منقاريهما ~~في أحشائه، وهو لا يملك من نفسه دفعا لهما بيديه، وذلك بسبب ~~استخدامه العنف مع ليتو، زوجة زوس المجيدة، بينما كانت ذاهبة صوب ~~بوثو Pytho # خلال بانوبيوس Panopeus ~~، ذات المروج ~~الخلابة. # كما رأيت تانتالوس # Tantalus ~~، # 24 # يعاني أمر العذاب وأمضه، واقفا في مستنقع ~~والمياه تبلغ الزبى. وكان بالرغم من ذلك يشكو، ولا يستطيع أن ~~يتناول من الماء القريب من فمه ويشرب؛ فكلما انحنى ذلك الرجل ~~العجوز، متلهفا إلى إطفاء ظمئته، انحسر الماء واختفى، وظهرت الأرض ~~السوداء عند قدميه؛ إذ كان أحد الآلهة يجعل كل شيء جافا، كما ~~كانت الأشجار الباسقة المونقة دانية القطوف فوق رأسه، أشجار ~~الكمثرى والرمان والتفاح، بثمارها اليانعة اللامعة، وتينها ~~الحلو، وزيتونها الغزير، ولكن ذلك الكهل المسن، كلما هم بالوصول ~~إليها ليمسكها بيديه، هبت عليها الرياح ودفعتها إلى السحب ~~الظليلة. # ورأيت سيسوفوس # Sisyphus ~~، # 25 # في عذاب مرير، يحاول أن يرفع صخرة مائلة بكلتا ~~يديه، ملقيا بها فوق قمة تل، بيد أنه كلما أوشك أن يقذف بها ~~فوق القمة، ردها الثقل إلى الوراء، ثم إلى أسفل من جديد، فتسقط ~~تلك الصخرة العاتية متدحرجة فوق السهل، فيعاود المحاولة من جديد، ~~ويقذف بها ثانية، والعرق يتصبب من أطرافه، والغبار يتصاعد من ~~رأسه. # أوديسيوس يرى هرقل ويحادثه # ومن بعده أبصرت هرقل العتيد - شبحه - إذ كان هو نفسه وسط الآلهة ~~الخالدين يحظى بالتمتع بالوليمة، وكانت زوجته هيبي # Hebe # 26 # الفاتنة العقبين، ابنة زوس العظيم وهيرى # Here # 27 # ذات النعال الذهبية. وكان يتصاعد من حوله ضجيج الموتى، ~~أشبه بصخب الطيور التي تحلق مذعورة ms214 في كل مكان، وهو أشبه بالليل ~~الداجي، مثبتا سهمه العاري فوق الوتر، وأخذ يتطلع حواليه ~~بفظاعة، كما لو كان مزمعا التسديد. وما كان أعظم الحزام الذي ~~تمنطق به حول وسطه، درقة من العسجد، نقشت عليها تصاوير ~~عجيبة، دببة وخنازير برية ضارية، وأسود براقة العيون، ~~ومشاجرات ومعارك، وقتل ونحر للرجال! ليت الذي جادت قريحته ~~بتصميم رسوم ذلك الحزام، لم يصممه قط، كما نرجو ألا يصمم ~~غيره مثله. أما هو فقد عرفني بدوره بمجرد أن أبصرتني عيناه، ~~فتكلم إلي بعبارات حماسية # 28 # وهو يبكي فقال: ~~«يا ابن لايرتيس، يا سليل زوس، أي أوديسيوس الكثير الحيل، آه لك! ~~أيها الرجل الشقي، أكذلك أنت منحوس الطالع سيئ الحظ، تعاني آلاما ~~كالتي كابدتها أنا تحت أشعة الشمس؟ إنني ابن زوس بن كرونوس، ~~وقاسيت محنا يخطئها الحصر؛ إذ كنت عبدا لرجل يفوقني سوءا ~~فرض علي أعمالا شاقة؛ فذات مرة أرسلني من هنا لأحضر كلب ~~هاديس؛ لأنه لم يستطع أن يدبر لي عمرا آخر أشد وعورة من ذاك، ~~فحملت الكلب، وقدته بعيدا عن بيت هاديس، وكان هيرميس هو قائدي ~~وكذلك أثينا ذات العينين النجلاوين.» # ما إن قال هذا، حتى انبرى عائدا في طريقه إلى بيت هاديس. أما ~~أنا فبقيت هناك ثابتا في مكاني، أملا في أن تجيء قوة أخرى من ~~الأبطال المحاربين الذين ماتوا في غابر الأزمنة. كما أنني استطعت ~~أن أرى آخرين من رجالات الأزمان الماضية، الذين كنت أتوق إلى ~~مشاهدتهم، ثيسيوس # Theseus # وبايريثوس Peirithous ~~، وهما ابنا ~~الآلهة المجيدين، وقبل ذلك كانت ملايين من قبائل الموتى قد أقبلت ~~متدفقة في صراخ عجيب، فألم بي الخوف الشاحب، خشية أن ترسل ~~إلي بيرسيفوني الجليلة، من داخل بيت هاديس، رأس الجورجون # Gorgon ~~، # 29 # ذلك الوحش المرهوب. # أوديسيوس يبارح العالم السفلي # بعد ذلك انطلقت في الحال إلى السفينة، وأمرت رجالي بأن يعتلوا ~~ظهرها، هم أنفسهم، ويسرعوا بحل الحبال المتينة؛ ومن ثم ~~صعدوا إلى ظهر السفينة في سرعة، واستووا فوق المقاعد، فحمل ~~الفيضان الضخم السفينة إلى مجرى أوقيانوس، أول الأمر بواسطة ms215 ~~تجذيفنا، ثم فيما بعد بواسطة ريح معتدلة. # | الأنشودة الثانية عشرة # ثم ربطوني في السفينة، يدا وقدما ~~عند أسفل السارية. # أوديسيوس يدفن جثة إلبينور # بعد أن خرجت سفينتنا من مجرى نهر أوقيانوس، ووصلت إلى أمواج ~~البحر الشاسع، والجزيرة الأيابية، حيث يسكن الفجر الباكر ومروجه ~~الراقصة، وإشراقات الشمس، فلما بلغناها أرسينا سفينتنا فوق ~~الرمال، ونزلنا نحن أنفسنا إلى شاطئ البحر، حيث استغرقنا في النوم، ~~وانتظرنا مطلع الفجر اللامع. # ما إن لاح الفجر، الوردي الأنامل، حتى أرسلت رفاقي إلى بيت ~~كيركي، ليحضروا جثة إلبينور الميت، وفي الحال احتطبنا قطعا من ~~الخشب، ودفناه في أقصى نقطة للرأس داخل البحر، وقد استولى علينا ~~الحزن، وذرفنا دموعا غزارا. وبعد أن أحرقنا جثة الميت، وكذلك ~~حلته الحربية، صنعنا رابية وأقمنا فوقها عمودا، وغرسنا ~~مجذافه الجميل على قمة الرابية. # شغلنا بهذه المهام العديدة، ولم تكن كيركي غير عالمة بعودتنا من ~~بيت هاديس، فأعدت نفسها في الحال، وجاءت إلينا، ومعها وصيفاتها ~~يحملن كميات كافية من الخبز واللحم، وخمرا صهباء بلون اللهب، ~~ووقفت الربة الفاتنة وسطنا، وتحدثت إلينا قائلة: ~~«أيها الرجال المتهورون، الذين هبطتم أحياء إلى بيت هاديس ~~لمقابلة الموت مرتين، بينما لا يموت غيركم من الرجال إلا مرة ~~واحدة، هيا كلوا طعاما واشربوا خمرا هنا طوال هذا اليوم كله، حتى ~~إذا ما أقبل الفجر، أبحرتم، بعد أن أحدد ~~لكم الطرق، وأخبركم بكل شيء، ~~حتى لا تعانوا ألما ولا محنا من جراء سوء التدبير المؤسف، ~~سواء أكان في البحر أو على اليابسة.» # أوديسيوس يروي قصته لكيركي # هكذا تكلمت الربة، ووافقت قلوبنا المزهوة؛ ومن ثم ظللنا ~~اليوم بطوله حتى غروب الشمس، جالسين نولم على لحم وفير وخمر ~~حلوة. وما إن غربت الشمس وخيم الظلام، رقد الرجال ليستريحوا ~~بجانب حبال السفينة المكينة، أما كيركي فقد أخذتني من يدي، ~~وقادتني بعيدا عن رفاقي الأعزاء، وجعلتني أجلس، ورقدت هي ~~نفسها بقربي، وطلبت مني أن أخبرها بالقصة كاملة، فرويت لها كل ~~شيء في ترتيبه اللائق، بعد ذلك حدثتني كيركي الجليلة، ~~قائلة: # المخاطر التي ستواجه أوديسيوس ms216 ~~«هكذا انتهى كل شيء، ~~والآن، أصغ إلى ما سأخبرك به، وسيجعلك إله تستوعبه في فكرك، ~~ستذهب أولا إلى السيرينيس # Sirenes ~~، # 1 # اللائي يخدعن كل من يذهب إليهن من الرجال؛ فكل رجل ~~أعماه الجهل، واقترب منهن وسمع صوت أولئك السيرينيس، فلن يعود قط، ~~لتقف زوجته وأطفاله الصغار إلى جانبه والغبطة تملؤهم؛ لأن ~~السيرينيس يخدعنه بأناشيدهن العذبة النغمات، وهن جالسات في ~~المرج، يحيط بهن كوم كبير من عظام الرجال البالية، التي يرتجف ~~الجلد من حولها. أما أنت فيجب أن تجد في التجذيف مارا بهن، وتسد ~~آذان زملائك بالشمع الحلو، التي تكون قد أعددته أنت بنفسك، خشية ~~أن يسمع أحد هؤلاء الرجال صوتهن. أما إذا رغبت أنت نفسك في أن ~~تسمع أغنياتهن، فدع رفاقك يربطوك إلى سارية السفينة السريعة، يدا ~~وقدما، ودعهم يربطوا قيود الأطراف في الشراع نفسه، حتى يمكنك ~~أن تصغي بسرور إلى صوت السيرينيتين كلتيهما، ومر رجالك، بأنه ~~إذا توسلت إليهم عندئذ أو أمرتهم بأن يحلوا قيودك، أن ~~يزيدوا قيودك إحكاما. ومتى جذف رفقاؤك واجتازوهما، فلن أقول لك ~~في صراحة، على أي جانب يقع طريقك بعد ذلك، بلى يجب عليك أن ~~تفكر في عقلك أنت نفسك، وسأخبرك بالطريقين؛ فهناك على أحد ~~الجانبين شقوق ناتئة، تهدر عليها أمواج عاتية لأمفيتريتي # Amphitrite # ذات العينين ~~السوداوين، وهذه يطلق عليها الآلهة المباركون اسم البلانكتاي Planctae ~~. # 2 # من هناك لا يمكن لأي شيء، ولا حتى الكائنات المجنحة ~~أن تمر، كلا ولا اليمام المرهوب الذي يحمل الأمبروسيا إلى الأب ~~زوس، فإن الصخرة الملساء تخطف دائما واحدة، حتى من هذه، فيرسل ~~الأب واحدة أخرى ليتمم العدد. من هناك، لم يسبق أن نجت سفينة ~~لأي من البشر، تكون قد ذهبت إلى هناك، بل تدور ألواح السفن وجثث ~~الرجال، بغير نظام، بواسطة أمواج البحر ولفحات النار المؤذية. لم ~~تمر من هناك سوى سفينة واحدة كانت مسافرة، تلك هي الأرجو # Argo ~~، # 3 # أشهر السفن قاطبة، وكانت في رحلتها من أييتيس # Aeetes ~~، وحتى هذه كادت اللجة أن ~~تقذفها بسرعة على الصخرة الهائلة ms217 ، لولا أن هيرا # 4 # أبعدتها لكي تمرق؛ إذ كان جاسون # Jason # 5 # عزيزا عليها. # أما الطريق الآخر فعلى جانبيه طودان شاهقان، يصل أحدهما ~~بقمته المدببة إلى السماء الفسيحة، وتحيط به غمامة دكناء، ~~هذه السحابة لا تنقشع قط، ولا يمكن للسماء الصافية أن تحيط أبدا ~~بتلك الغمامة صيفا أو في موسم الحصاد. لم يسبق لأي إنسان أن ~~يعبرها أو يطأ القمة برجله، حتى ولو كان له عشرون يدا وقدما؛ ~~لأن الصخرة ملساء، كما لو كانت قد صقلت، وفي وسط الطود كهف ~~مظلم ينتحي ناحية الغرب، في اتجاه إيريبوس. هناك سوف تبحر ~~بسفينتك الواسعة، أيها المجيد أوديسيوس وليس في مكنة أي رجل بالغ ~~القوة أن يسدد سهما من السفينة الواسعة، فيصيب ذلك الكهف ~~المقبي. هناك تقطن سكولا # Scylla ~~، التي تصيح صياحا مفزعا حقا، إن صوتها ~~ليشبه صوت الجرو الحديث المولد، أما هي نفسها، فوحش شرير، لا ~~يسر منظرها العين، حتى ولو كان المتطلع إليها إلها؛ فهي ذات ~~اثنتي عشرة قدما، مشوهة الشكل كلها، وستة أعناق، بالغة الطول، ~~وعلى كل عنق رأس مهول، بداخله ثلاثة صفوف من الأسنان الغليظة ~~المتراصة، السوداء. تظل سكولا هذه مختفية حتى منتصفها داخل ~~الكهف الفسيح، وتطل برأسها فيما وراء الأخدود المروع، حيث ~~تصطاد باحثة في شوق، حول الصخرة، عن الدلافنة وكلاب البحر أو أي ~~حيوان آخر أكبر منها تستطيع أن تقبض عليه أمثال المخلوقات التي ~~تربيها أمفيتريتي العميقة الحزن في أعداد غفيرة لا يمكن أن ~~تحصى. ولا يستطيع أي بحار أن يتباهى بأنه مر من جانبها ~~سالما بسفينته؛ لأنها تمد رءوسها وتخطف بكل رأس رجلا، تقبض ~~عليه به من السفينة السوداء الحيزوم. # وأما إذا رغبت في أن تسمع ~~أغنياتهم، فدع رفاقك يربطونك إلى سارية السفينة. # أما الطود الآخر، يا أوديسيوس، فسوف تتبين أنه أكثر انخفاضا ~~من الأول - إنهما متقاربان، الواحد من الآخر، بدرجة أنك تستطيع أن ~~ترمي عبرهما سهما - وبأعلاه شجرة تين باسقة، كثيفة الأوراق، ~~بيد أن تحت هذه، خاروبديس # 6 # المقدسة # Charybdis ~~، ~~تمتص الماء الأسود. ثلاث مرات ms218 تقذفه من جوفها، وثلاث مرات تبتلعه ~~في بطنها. وإنه ليسعدك الحظ إذا لم تكن هناك وهي تبتلعه؛ لأنه ~~عندئذ لن يكون في مكنة أحد أن ينقذك من الدمار، كلا، ولا حتى ~~مزلزل الأرض. اقترب قدر طاقتك من طود سكولا، # 7 # مسرعا أمامها بسفينتك؛ لأنه من الأفضل بكثير أن تبكي ~~ستة من الرفاق بسفينتك، من أن تبكيهم جميعا في وقت ~~واحد.» # نصائح كيركي لأوديسيوس # هكذا قالت الربة، فأجبتها بقولي: «تعالي، بربك، أيتها الربة، ~~واصدقيني الخبر عن حقيقة كل شيء، وهل سأنجو، بأية حال من ~~الأحوال، من قبضة خاروبديس، وأفلت من تلك الأخرى، عندما تنزل ~~الأذى برفاقي.» # قلت هذا، فأجابتني الربة الحسناء بقولها: «عجبا لك! أيها ~~المتهور، ها هو ذا قلبك ينتحي من جديد ناحية أعمال الحرب والنصب. ~~ألا يمكنك أن تستسلم أبدا للآلهة الخالدين. إنها ليست البشر، بل ~~أذى خالد، مرعبة، وفظيعة، وعنيفة، وليس بالإمكان مقاتلتها؛ فما ~~هناك سبيل للدفاع. إن أشجع عمل يقوم به المرء هو الفرار منها؛ ~~لأنك إذا توانيت في تسليح نفسك بجانب الطود، أخشى أنها قد ~~تعيد الكرة، وتهاجمك بأكبر عدد من الرءوس، وتقبض على أكبر ~~عدد مستطاع من الرجال، كما فعلت من قبل. جذف قبالتها بكل ما ~~لديك من قوة عنف، وناد على كراتايس # Crataiis ~~، أم سكولا، التي أنجبتها لتكون مجلبة ~~للشقاء على البشر؛ فعندئذ تمنعها أمها من معاودة الانطلاق نحوكم ~~من جديد. # تحذير أوديسيوس من أغنام هيليوس # ولسوف تذهب إلى جزيرة ثريناكيا # Thrinacia ~~؛ حيث ترعى أبقار هيليوس وقطعانه العظيمة، ~~في أعداد غفيرة، سبعة قطعان من الأبقار، وأكبر عدد ممكن من ~~قطعان الخراف الجميلة، يضم كل قطيع خمسين رأسا. هذه لا تنجب أي ~~صغار، ولا تموت أبدا، وتقوم الربات أنفسهن برعيها، أولئك الحوريات ~~الحسناوات الغدائر، فايثوسا Phaethusa # ولامبيتي # Lampetie ~~، التي أنجبتها نيايرا # Neaera # الفاتنة، لهيليوس هوبيريون، فلما أنجبت ~~هذين أمهما المبجلة وربتهما، أرسلتهما إلى جزيرة ~~ثريناكيا ليعيشا هناك بعيدا، ويرعيا قطعان أبيهما وأبقاره ~~الملساء، فإذا تركت هذين، ولم تمسهما بالأذى، موليا اهتمامك ~~بطريقك إلى الوطن، فإنك ms219 ولا شك بالغ إيثاكا، رغم أنك تصلها في ~~محنة شريرة. أما إذا امتدت أيديكم إليهما بالأذى، فإني أتنبأ ~~بالدمار لسفينتك ولرفاقك، وحتى إذا ما نجوت أنت نفسك، فإنك سوف ~~تصل إلى الوطن فيما بعد، في حالة مزرية، بعد أن تفقد جميع ~~زملائك.» # أوديسيوس يبحر عند الفجر # هكذا قالت الربة، وفي الحال أقبل الفجر ذو العرش العسجدي، ~~فانصرفت الربة الحسناء من الجزيرة. أما أنا فذهبت إلى السفينة ~~وأيقظت رفاقي أنفسهم كي يركبوا السفينة ويفكوا الحبال المتينة. ~~وهكذا صعدوا إلى ظهر السفينة فورا، واستووا فوق المقاعد، وبعد ~~أن انتظموا في أماكنهم، شرعوا يضربون البحر السنجابي بمجاذيفهم. ~~ولمعاونتنا في أن تمخر سفينتنا الدكناء الحيزوم عباب اليم، ~~أرسلت ريح معتدلة ملأت الشراع، فكانت رفيقا كريما، بواسطة ~~كيركي الفاتنة الجدائل، تلك الربة المرهوبة التي تنطق بكلام البشر. ~~وبعد أن ثبتنا بسرعة جميع حبال السفينة في شتى أنحائها، جلسنا، ~~وقد أخذت الريح ورجال المرساة يقودون السفينة. # أوديسيوس يصارح رجاله بالمخاطر المقبلة # بعدئذ تحدثت إلى رفقائي، وأنا حزين القلب، فقلت: «أيها ~~الرفاق، بما أنه لا يجوز أن يعرف أحدنا أو اثنان منا فقط النبوءات ~~التي أخبرتني بها كيركي، الربة الجميلة، فإنني سأفضي إليكم بها، ~~حتى إذا ما وعيتموها، كان لنا إما أن نموت، أو بتحاشينا الموت ~~والقدر، ننجو؛ فأولا أمرتني أن أتجنب صوت السيرينيس ~~العجيبات، ومرحهن الزاهر. وقد أمرتني أنا وحدي أن أصغي إلى ~~صوتهن، على شرط أن تقيدوني بقيود ثقيلة، حتى أظل مثبتا حيث ~~أنا، إلى أسفل السارية، واربطوا أطراف الحبال بإحكام في الصاري ~~نفسه، ولو توسلت إليكم وطلبت منكم أن تفكوا قيودي، فما ~~عليكم إلا أن تربطوني عندئذ بإحكام، بمزيد من القيود ~~أيضا.» # أوديسيوس يصل إلى جزيرة السيرينيس # هكذا أعدت كل تلك الأمور على مسامع زملائي وأخبرتهم بها. وفي ~~الوقت عينه، كانت السفينة المكينة البناء، قد وصلت بسرعة إلى ~~جزيرة السيرينيتين الاثنتين؛ إذ ساقتها إلى الأمام في طريقها ~~ريح معتدلة رقيقة. بعد ذلك كفت الريح في الحال وخيم سكون لا ~~ريح فيه، وأنام أحد الآلهة ms220 الأمواج، فنهض رفاقي ونشروا الشراع، ~~وبسطوه في السفينة الواسعة، ثم اتخذوا أماكنهم عند المجاذيف ~~وأثاروا الزبد على وجه الماء بمجاذيفهم المصقولة، المصنوعة من خشب ~~الشربين. أما أنا نفسي، فنهضت وأمسكت سيفي الحاد، وقطعت به ~~قرصا من الشمع إلى قطع صغيرة، وعجنت القطع بيدي ~~القويتين، فلان الشمع في الحال من الحرارة والضغط الشديد وأشعة ~~السيد هيليوس هوبيريون. وبعد ذلك سددت آذان رفقائي بهذا الشمع، ~~كل واحد بدوره، ثم ربطوني في السفينة يدا وقدما، منتصبا عند ~~أسفل السارية، وربطوا أطراف الحبال في الصاري نفسه، ثم جلسوا، بعد ~~ذلك، هم أنفسهم، يضربون البحر السنجابي بمجاذيفهم. ولما صرنا ~~على مدى سماع صياح المرء إذ يصيح، نشق طريقنا بسرعة وسط الماء، لم ~~يفت السيرينيتين رؤية السفينة السريعة وهي تقترب، فأخذتا تغنيان ~~أغنيتهما الواضحة النغمات، قائلتين: ~~«تعال إلى هنا، وأنت تبحر، يا أوديسيوس الذائع الصيت، يا مجد ~~الآخيين العظيم. أوقف سفينتك كي تصغي إلى صوتنا، نحن الاثنتين؛ ~~لأنه لم يسبق لأي رجل قط، أن جذف مارا بهذه الجزيرة في ~~سفينته السوداء، إلا إذا سمع الصوت الرخيم من شفاهنا. إنه ليجد فيه ~~لذة، ويمضي في طريقه وقد اكتسب حكمة؛ لأننا نعرف جميع المشاق ~~التي حدثت في طروادة الفسيحة، والتي قاساها الأرجوسيون ~~والطرواديون بإرادة الآلهة، كما أننا سنعرف كل الأمور التي سوف ~~تحدث فوق الأرض المثمرة.» # هكذا أنشدتا، مرسلتين صوتيهما الرخيمين، وتاق قلبي إلى ~~الإصغاء، فأمرت زملائي بأن يفكوا قيودي، مشيرا إليهم بحاجبي، ~~ولكنهم انهمكوا في مجاذيفهم وراحوا يجذفون بجد. وفي الحال نهض ~~بيريميدس Perimedes # ويورولوخوس # Eurylochus ~~، وقيداني بمزيد من ~~القيود، وأحكما ربطها. وبعد أن جد الرجال في التجذيف، واجتزنا ~~جزيرة السيرينيس، ولم يكن في مقدورنا بعد ذلك أن نسمع صوتيهما أو ~~غناءهما، قام زملائي الأوفياء، وفي الحال أزالوا الشمع الذي كنت ~~قد سددت به آذانهم، وفكوا قيودي. # سكولا تهاجم أوديسيوس ورجاله # وبعد أن تركنا الجزيرة، أبصرت في الحال دخانا وموجة هائلة، ~~وسمعت صخبا؛ عندئذ فزع الرجال، وسقطت المجاذيف من أيديهم، وهم ~~يرتجفون ذعرا، وأحدثت رشاشا في الدوامة، ms221 وتوقفت السفينة وثبتت ~~في مكانها، عندما كفوا وقتئذ عن استخدام المجاذيف الرقيقة ~~بأيديهم، ولكني جست خلال سائر أنحاء السفينة وأخذت أشجع ~~رجالي بعبارات رقيقة، متجها إلى كل رجل بدوره، فأقول له: ~~«أيها الأصدقاء، إلي هنا، لسنا بحال ما جاهلين بالحزن؛ فإن ~~هذا الشر الذي سنواجهه الآن ليس بأعظم من الشر الذي واجهناه عندما ~~حبسنا الكوكلوب في كهفه الفسيح بقوة وحشية، ومع ذلك فقد نجونا ولا ~~نزال ننجو بواسطة شجاعتي ومشورتي وسعة حيلتي، كذلك هذا الخطر ~~المحدق بنا سيمر أيضا، وسوف نتذكره ذات يوم. والآن هيا بنا ~~نفعل كما آمر، هلم بنا جميعا نصلي. بعد ذلك يجب أن تلزموا ~~أماكنكم فوق المقاعد، وتضربوا أمواج البحر الهائلة بمجاذيفكم آملين ~~أن يتحنن علينا زوس، فيمنحنا النجاة وتحاشي هذه الميتة، وأنت يا ~~ماسك الدفة إليك هذا الأمر، افهمه جيدا وضعه في قلبك؛ حيث ~~إنك قابض على زمام دفة السفينة الواسعة. ضع نصب عينيك أن ~~تبتعد بالسفينة تماما عن هذا الدخان والرشاش الكثيف، والزم جانب ~~الصخرة، لئلا تنجرف السفينة قبل أن تعرفها، وتسحب إلى الجانب ~~الآخر، فترمي بنا إلى التهلكة.» # هكذا تكلمت، وسرعان ما أصغوا إلى كلماتي. أما عن سكولا، فلم ~~أحدثهم شيئا، ذلك الخطر الداهم الذي لا علاج له، خشية أن ~~يستبد الذعر برفاقي، فيكفوا عن التجذيف وينكمشوا في قاع السفينة. ~~الحقيقة أنني عندئذ نسيت أمر كيركي الصارم؛ إذ أمرتني ألا ~~أسلح نفسي بأية حال، ولكني بعد أن ارتديت حلتي الحربية ~~المجيدة، وأمسكت في يدي رمحين طويلين ذهبت إلى جؤجؤ السفينة ~~حيث اعتقدت أن بالإمكان رؤية سكولا أولا من الصخرة، تلك التي لا ~~بد أن تجلب الخراب لزملائي. بيد أنني لم أتمكن بحال ما، من ~~اكتشافها في أي مكان، وقد تعبت عيناي من إمعان النظر في كل ~~مكان، وأنا أحملق صوب الصخرة المظلمة. # بعد ذلك شققنا طريقنا عبر المضيق الضيق، وقد انفطرت قلوبنا ~~نحيبا؛ إذ كانت سكولا قابعة على أحد الجانبين، وعلى الآخر ~~خاروبديس المقدسة، غاطسة بشكل فظيع تحت ماء البحر الملح. ~~والحق أنها ms222 كلما قذفت بالماء أشبه بقدر تغلي فوق نار هائلة، ~~فتعلو الفقاقيع في اضطراب شامل ، وفوق الرءوس كان يسقط الرشاش على ~~قمتي الصخرتين. وكلما غطست تحت ماء البحر الملح، كان بالإمكان ~~رؤيتها في الداخل كلها، وهي تحدث اضطرابا شاملا، والصخرة ~~تدوي من حولها في فظاعة بالغة، بينما كانت الأرض تظهر تحتها ~~سوداء بالرمال، فامتقعت وجوه رجالي خوفا وهلعا، فتطلعنا ~~إليها وخفنا الهلاك، عند ذلك تماما، التقطت سكولا، من داخل ~~السفينة ستة من رجالي، وكانوا أعظمهم قوة وبأسا. وعندما اتجهت ~~عيناي إلى السفينة السريعة وإلى جماعة رجالي، أبصرت في الهواء ~~أقدامهم وأيديهم، وقد رفعوا إلى فوق، وكانوا يصيحون بأعلى صوتهم، ~~ينادونني باسمي لآخر مرة والعذاب في قلوبهم. وأشبه بصائد السمك ~~الجالس فوق صخرة بارزة، عندما يلقي طعمه ليصيد الأسماء الصغيرة، ~~فيلقي في البحر قرن ثور صلبا أجوف، يتدلى من قصبته الطويلة. ~~وبعد ذلك عندما يمسك بسمكة يجذبها فتتلوى فوق الشاطئ، هكذا ~~أيضا سحب الرجال وهم يتلوون عاليا صوب الصخرتين. بعد ذلك ~~ابتلعتهم وهم يصرخون ويشيرون إلي بأيديهم في صراعهم المرير مع ~~الموت. كانت عيناي تشاهدان ذلك الأمر، الذي تحملته بمشقة أعظم ~~من أي شيء آخر كابدته أثناء رحيلي خلال طرق البحار. # وصول أوديسيوس إلى جزيرة الأغنام المحرمة # والآن وقد نجونا من الصخرتين، وكذا من خاروبديس المفزعة ومن ~~سكولا، بلغنا في الحال جزيرة الرب الجميلة، حيث ترعى الأبقار ~~الرائعة، ذات الجباه العريضة، وقطعان هيليوس هوبيريون العظيمة ~~العديدة. وبينما نحن لا نزال في البحر، في سفينتي السوداء سمعت ~~خوار الماشية التي كانت داخل الحظائر، وثغاء الأغنام، فاستعدت ~~في مخيلتي أقوال العراف الأعمى، تايريسياس الطيبي، وكيركي ~~الإيايية؛ إذ أمراني صراحة بأن أتحاشى جزيرة هيليوس، جالب الغبطة ~~للبشر. الحقيقة أنني عندئذ نهضت وسط رجالي، وخاطبتهم والحزن ~~يحز في قلبي، فقلت: ~~«أيها الرفاق أصغوا إلى ما سأقوله لكم، رغم كل محنتكم الشريرة، ~~حتى أخبركم بنبوءات تايريسياس وكيركي الإيايية، اللذين أمراني في ~~صراحة أن أتجنب جزيرة هيليوس، مانح الغبطة للبشر، قائلين إن ~~هناك يكمن أعظم الأضرار هولا لنا. ms223 كلا، لا تذهبوا إليها، بل ~~جذفوا وأبحروا بالسفينة السوداء، مجتازين هذه الجزيرة.» # هكذا قلت لهم، ولكن أرواحهم تذمرت في داخلهم، فنهض في الحال ~~يورولوخوس، وخاطبني بعبارات بغيضة قائلا: ~~«ما أشد قسوتك يا أوديسيوس! إنك لذو قوة تفوق سائر غيرك من ~~الرجال، وأطرافك لا تعرف التعب قط. حقا، إنك مصنوع كلك من ~~الحديد، حيث إنك لا تسمح لرفاقك الذين أنهكهم الإعياء والإغماء، ~~بأن تطأ أقدامهم الشاطئ، حيث يمكننا مرة ثانية أن نعد عشاء ~~شهيا فوق أرض هذه الجزيرة التي يحيط بها البحر، بل تأمرنا بأن ~~نواصل السير دون انقطاع هذه الجزيرة التي يحيط بها البحر، بل ~~تأمرنا بأن نواصل السير دون انقطاع وسط البحر، في بهيم الليل، ~~وأن نبتعد عن الجزيرة إلى الخضم الداجي. إنه لمن الليل تولد ~~الرياح الهوج العاتية محطمة السفن. كيف يستطيع المرء أن يهرب من ~~الهلاك الشامل، لو حدث أن هبت الريح الجنوبية، فجأة، أو الريح ~~الغربية الصاخبة، التي طالما حطمت السفن بالرغم من الآلهة ~~الحاكمة؟ كلا، الحق أنه يجب عليك أن تدعنا هذه المرة نستسلم ~~لليل البهيم، ونعد عشاءنا، جالسين بالقرب من السفينة السريعة، ~~حتى إذا ما أصبح الصباح ركبنا ظهر السفينة، وأبحرنا وسط اليم ~~الفسيح.» # هكذا قال يورولوخوس، وأيده بقية الرفاق؛ عندئذ أيقنت أن أحد ~~الآلهة لا بد يحيك ضدنا شرا، فخاطبته بعبارات مجنحة، ~~قائلا: ~~«الحق أنك تضيق علي يا يورولوخوس، علي أنا الذي أقف ~~بمفردي. هلموا الآن جميعا، وأقسموا لي قسما لا حنث فيه، أنه ~~إذا تصادف ووجدنا قطيعا من الأبقار أو قطيعا كبيرا من الأغنام، ~~ألا يذبح أحد بقرة أو خروفا في حماقة عقله الأعمى، بل يكتفي ~~بتناول الطعام الذي أعطتنا إياه كيركي الخالدة.» # رفاق أوديسيوس يقسمون بعدم ذبح الأبقار # ما إن قلت هذا، حتى أقسموا بأنهم لن يمسوا شيئا تماما كما ~~أمرتهم. وبعد أن أقسموا، وانتهوا من اليمين، أرسينا سفينتنا ~~المتينة البناء في الميناء الفسيح بالقرب من عين ماء عذبة، وخرج ~~رفاقنا من السفينة، وأعدوا عشاءهم بمهارة. وبعد أن تناولوا ~~كفايتهم من ms224 الطعام والشراب انخرطوا في البكاء، عندما تذكروا ~~رفقاءهم الذين خطفتهم سكولا من داخل السفينة الواسعة ~~وابتلعتهم، فحط عليهم النوم اللذيذ وهم يبكون. بيد أنه عندما ~~أقبلت حراسة الليل الثالثة، وحولت النجوم مجراها، أثار زوس ~~جامع السحب ضدنا ريحا عاتية في عاصفة عجيبة، وأخفى البر والبحر ~~معا وراء السحب، فهجم الليل من السماء. وما كاد يظهر الفجر ~~الباكر ذو الأنامل الوردية، حتى سحبنا سفينتنا، وربطناها في كهف ~~فسيح، حيث كانت الأرضيات الجميلة الراقصة، ومقاعد الحوريات؛ عندئذ ~~ناديت رجالي وتحدثت وسطهم قائلا: ~~«أصدقائي، إن في سفينتنا السريعة لحما وشرابا؛ ولذا يجب أن ~~نمسك أيدينا عن تلك الأبقار لئلا يصيبنا الضر. إنها أبقار ~~جسيمة وخراف عظيمة يملكها إله فظيع، هو هيليوس، الذي يرى كل شيء، ~~ويسترق السمع إلى كل شيء.» # هكذا قلت لهم، فوافقت قلوبهم الشماء، وظلت الريح الجنوبية ~~تهب بلا انقطاع، ولم تهب أية ريح أخرى سوى الريح الشرقية والريح ~~الجنوبية. # وطالما كان لدى رجالي غلال وخمر صهباء، فإنهم ظلوا ممسكين ~~أيديهم عن الأبقار؛ إذ كانوا راغبين في النجاة بحياتهم. بيد أنه ~~عندما كان مدخرا في السفينة، واضطروا إلى أن يجوسوا هنا وهناك ~~بحثا عن الفرائس، والأسماك والطيور، وكل ما يمكن أن يقع في أيديهم ~~- وكان يصيدون بالصنانير المعقوفة؛ لأن الجوع كان قد برح ببطونهم ~~- عندئذ سرت وحدي خلال الجزيرة كي أتوسل إلى الآلهة عسى أن ~~يرشدني أحدهم إلى سبيل أسلكه. وبينما أنا سائر خلال الجزيرة، ~~مبتعدا عن رفاقي غسلت يدي في مكان بمأوى من الرياح، وشرعت ~~أصلي إلى جميع الآلهة الذين يحتلون أوليمبوس، بيد أنهم سكبوا ~~النوم اللذيذ على جفني، وفي الوقت نفسه بدأ يورولوخوس يبث في ~~رفاقي مشورته الشريرة، فقال لهم: # رفاق أوديسيوس يحنثون بوعدهم ~~«أصغوا إلى حديثي أيها الزملاء، رغم كل محنتكم القاسية. يمقت ~~البشر المساكين جميع صور الموت، غير أن الموت جوعا، حيث يلقى ~~المرء حتفه جائعا، أكثرها ألما. هيا بنا نسوق بعيدا خير أبقار ~~هيليوس ونقدم ذبيحة للخالدين الذين يحتلون السماء الفسيحة. ~~وإذا قدر لنا أن نبلغ ms225 وطننا، إيثاكا، شيدنا في الحال معبدا ~~فاخرا لهيليوس هوبيريون، ووضعنا فيه كثيرا من التقدمات ~~الهائلة. ولو حدث أن هيليوس غضب بأية صورة بسبب أبقاره ذات ~~القرون المستقيمة، وصمم على أن يحطم سفينتنا، ووافق الآلهة ~~الآخرون على ذلك، فإني أوثر أن أفقد حياتي دفعة واحدة بالوثب في ~~لجة البحر، على أن أذوي ببطء في جزيرة موحشة.» # هكذا قال يورولوخوس، فوافقه على رأيه بقية الرفاق. وفي الحال ~~ساقوا بعيدا خير أبقار هيليوس التي كانت قريبة وفي متناول ~~أيديهم؛ لأن تلك الأبقار الجميلة الملساء، ذات الجباه العريضة، لم ~~تكن ترعى بعيدا عن السفينة القاتمة الحيزوم، فوقفوا حول هذه ~~وصلوا للآلهة، وقطفوا الأوراق الرقيقة من شجرة بلوط باسقة # 8 # القمة؛ إذ لم يكن لديهم شعير أبيض على ظهر السفينة ~~المكينة المقاعد، وبعد أن انتهوا من الصلاة وقطع أعناق الأبقار ~~وسلخها، قطعوا قطع الأفخاذ وغطوها بطبقتين من الدهن ووضعوا ~~فوقها لحما نيئا. لم يكن لديهم خمر ليسكبوها فوق الذبيحة ~~المتأججة، فعملوا السكائب بالماء، وشووا جميع الأمعاء على ~~النار، فلما احترقت سائر الفخاذ وتذوقوا الأجزاء الداخلية، ~~قطعوا الباقي وسفدوه. بعد ذلك تصادف هروب النوم اللذيذ من فوق ~~جفني، فانطلقت في طريقي إلى السفينة السريعة وإلى شاطئ البحر. ~~غير أنني ما إن اقتربت وأنا ذاهب، من السفينة المقبية، حتى كانت ~~رائحة الدهن الساخن تحوم حولي، فتأوهت وصرخت عاليا للآلهة ~~الخالدين قائلا: ~~«أبتاه زوس، وأنتم أيها الآلهة الآخرون المباركون الخالدون، إنه ~~لمن أجل تحطيمي حقا أنكم أنعستموني في نوم عديم الرحمة، بينما ~~قام رفقائي الذين تخلفوا عني بعمل وحشي.» # إله الشمس يصب جام غضبه على أوديسيوس # عندئذ انطلقت لامبيتي ذات الأثواب الطويلة، في سرعة إلى ~~هيليوس هوبيريون، تحمل إليه نبأ ذبحنا أبقاره، فتكلم من فوره ~~وسط الخالدين، والحنق يملأ قلبه، فقال: ~~«أبي زوس، وأنتم أيها الآلهة الآخرون المباركون الخالدون، ~~لتنتقموا الآن من زملاء أوديسيوس بن لايرتيس، الذين اعتدوا بالذبح ~~على أبقاري في صفاقة، تلك الأبقار التي أجد فيها لذتي باستمرار، ~~حين أذهب إلى السماء ذات النجوم وعندما أعود ms226 من السماء ثانية إلى ~~الأرض. وإذا لم يدفعوا لي كفارة لائقة عن تلك الأبقار، فإنني سوف ~~أهبط إلى هاديس وأشرق هناك بين الموتى.» # زوس يهدد بنسف سفينة أوديسيوس # عندئذ أجابه زوس، جامع السحب، بقوله: «أي هيليوس، هل لك أن ~~تشرق حقا وسط الخالدين، والبشر فوق الأرض، واهبة الغلال. أما ~~أولئك الرجال فسرعان ما سأضرب سفينتهم السريعة بصاعقتي اللامعة، ~~فأمزقها إربا وسط البحر القاتم كالخمر.» # سمعت هذا من كالوبسو ذات الشعور الفاتنة؛ إذ قالت إنها سمعته ~~بنفسها من الرسول هيرميس. # وعندما نزلت إلى السفينة وإلى البحر، أنحيت على رجالي ~~بالتوبيخ، متجها إلى كل رجل بدوره، بيد أننا لم نستطع أن نجد لذلك ~~الأمر علاجا - فإن الأبقار كانت قد ذبحت. وفي الحال أظهرت ~~الآلهة علامات النحس لرجالي؛ فقد زحفت الجلود، وأما اللحم، المشوي ~~منه والنيئ، فطفق يئن فوق السفافيد، وصار هناك خوار أشبه ~~بخوار الأبقار. # إذن فقد ظل رفقائي المخلصون ستة أيام يولمون على خير أبقار ~~هيليوس التي كانوا قد ساقوها بعيدا. غير أنه عندما جلب علينا زوس ~~بن كرونوس، اليوم السابع، كفت الريح عن أن تهب في إعصار، وفي ~~الحال صعدنا إلى ظهر السفينة، وشققنا طريقنا عبر البحر ~~الفسيح بعد أن رفعنا الصاري ونشرنا الشراع الأبيض. # الرياح تعصف بسفينة أوديسيوس # ولكن عندما غادرنا تلك الجزيرة لم تبد لنا أي أرض أخرى، بل ما ~~كنا نرى إلا السماء والبحر ليس غير، وعندئذ حقا نشر ابن كرونوس ~~غمامة دكناء فوق السفينة الواسعة، فعمت الظلمة البحر من تحتها، ~~ولم تجر السفينة بعد ذلك لمدة طويلة؛ لأنه في الحال جاءت الريح ~~الغربية العاتية، تهب في إعصار هائج، وإذا بهبة الريح تطيح ~~بدعامات الصاري الأمامية، حتى إن السارية سقطت إلى الوراء ~~وتناثرت جميع حبالها في جوف السفينة. وفوق كوثل السفينة سقط ~~الصاري على رأس الربان فحطم سائر عظام جمجمته في الحال، فسقط ~~من فوق ظهر السفينة كما لو كان غواصا وفارقت روحه الشامخة ~~عظامه؛ عندئذ أرعد زوس وقذف صاعقته فوق السفينة، فأخذت تضطرب ~~من الجؤجؤ إلى ms227 الكوثل، وقد أصابتها صاعقة زوس، وامتلأت بدخان ~~كبريتي، وانجرف زملائي من السفينة. وأشبه بغربان البحر حملوا فوق ~~اللجج حول السفينة السوداء، وسلبهم الرب عودتهم. أما أنا فقد ~~ظللت أسير فوق السفينة هنا وهناك إلى أن فصلت الموجة جانبي ~~السفينة عن قاعها، وحملتها اللجة مجردة من كل شيء ومفككة ~~الأوصال وقذفت بالصاري بعيدا عن القاعدة، وفوق السارية طارت ~~الدعامة الخلفية المصنوعة من جلد الثور، فربطت الاثنين معا ~~بهذه، القاع والسارية معا، وإذا جلست فوق هذين حملتني الرياح ~~العاتية. # أوديسيوس يقفز طلبا للنجاة # بعد ذلك كفت الريح الغربية حقا عن الهبوب في عاصفة، وسرعان ~~ما أقبلت الريح الجنوبية، جالبة الحزن على قلبي؛ ذلك أنه يجب ~~علي أن أجتاز من جديد الطريق إلى خاروبديس المؤذية. بقيت ~~الليل بطوله محمولا، وعند شروق الشمس بلغت صخرة سكولا وإلى ~~خاروبديس المروعة. لقد ابتلعت حقا مياه البحر الملحة، ولكني ~~قفزت إلى فوق وتعلقت بشجرة التين العالية، ممسكا بها، وبقيت ~~متشبثا بها أشبه بالخفاش، ومع ذلك لم أستطع بحال ما، أن أثبت ~~قدمي أو أتسلق الشجرة؛ لأن جذورها كانت متشعبة عميقا إلى ~~أسفل وأغصانها بعيدة عن متناول يدي من فوق، طويلة وعظيمة، وكانت ~~تظلل خاروبديس. بقيت متشبثا بالشجرة هناك حتى تقذف خاروبديس ~~بالصاري والقاع من جديد، وكم كان سروري عندما أقبلا أخيرا! وعند ~~الساعة التي ينهض فيها المرء من اجتماع لكي يتناول عشاءه، ذلك ~~المرء الذي يفصل في المنازعات العديدة بين من يحتكم إليه من ~~الشبان، في تلك الساعة نفسها ظهر الصاري والقاع من داخل جوف ~~خاروبديس، فأطلقت يدي وقدمي وهبطت من فوق وغطست في المياه ~~بعيدا إلى أبعد من موضع السارية والقاع الطويلين، وبعد أن جلست ~~فوق هذين رحت أجذف إلى الأمام بيدي. أما سكولا، فلم يسمح ~~لها أبو الآلهة والبشر بأن تراني وإلا ما نجوت قط من الهلاك ~~الشامل. # عودة أوديسيوس إلى كالوبسو ~~«ومن ذلك الحين بقيت محمولا تسعة أيام. وفي الليلة العاشرة ~~جاءت بي الآلهة إلى أوجوجيا # Ogygia ~~، حيث تقيم كالوبسو الجميلة الجدائل، تلك ~~الربة ms228 المهولة التي تتكلم بلغة البشر، التي رحبت بي وقدمت لي ~~المعونة والرعاية، ولكن لماذا أروي لك هذه القصة؟ فقد سردتها في ~~ساحتك بالأمس فقط، لك أنت نفسك ولزوجتك النبيلة. وإنه لمتعب ~~حقا، كما يبدو، أن أعود فأقص حكاية سبق أن رويتها.» # | الأنشودة الثالثة عشرة # فاقتربت منه أثينا في صورة شاب ~~يافع راعي أغنام، وكانت ترتدي عباءة وصندلا في قدميها ~~اللامعتين. # ألكينوس يكرم أوديسيوس ورفاقه # هكذا تكلم أوديسيوس وخيم الصمت عليهم جميعا، وانعقدت ~~ألسنتهم في شتى أنحاء الساحات الظليلة، ومن جديد رد عليه ~~ألكينوس بقوله: ~~«أي أدويسيوس، ما دمت قد جئت إلى بيتي العالي السقف ذي الأرضية ~~البرونزية، فإن في اعتقادي، أنك لن تعود أدراجك، وترجع دون أن ~~تنال مأربك، رغم كثرة المحن التي عانيتها. وإلى كل رجل منكم ~~أيها الحاضرون في ساحاتي تواقين دائما إلى شرب خمر الشيوخ ~~الصهباء، وإلى سماع أناشيد المغني، أتكلم وأدلي بهذه الوصية. ~~إن في الصندوق البراق المصنوع من الذهب بطريقة عجيبة، ملابس ~~للغريب، وهدايا أخرى عديدة أحضرها إلى هنا مستشارو الفياكيين. ~~والآن، هيا بنا، نقدم له ركيزة عظيمة، وقدرا كبيرا كل رجل ~~منا، ونحن بدورنا سوف نجمع الثمن من الناس، ونوفي بذلك أنفسنا؛ ~~فإنه لمن العسير على رجل واحد أن يعطي بسخاء، دون تعويض.» # هكذا قال ألكينوس، فأدخلت كلماته السرور على نفوسهم، انصرف بعد ~~ذلك كل رجل إلى منزله، كي يستريح، حتى إذا ما لاح الفجر الباكر، ~~ذو الأنامل الوردية، أسرعوا إلى السفينة، وأحضروا البرونز الذي ~~يمد الرجال بالقوة. وذهب ألكينوس القوي العتيد إلى السفينة، ~~فاعتلاها، ووزع الهدايا بعناية تحت المقاعد، حتى لا تعوق حركة ~~أي واحد من البحارة أثناء التجذيف، عندما ينهمكون في استخدام ~~المجاذيف. وبعد ذلك انطلقوا إلى منزل ألكينوس، وأعدوا ~~وليمة. # أوديسيوس يودع ألكينوس شاكرا # ذبح ألكينوس القوي العتيد من أجلهم ثورا لزوس بن كرونوس، رب ~~السحب القائمة، وسيد الجميع، فلما انتهوا، بعد ذلك، من إحراق ~~قطع الفخاذ أدبوا مأدبة رائعة، وطربوا، وفي وسطهم أنشد ~~المنشد المقدس ديمودوكوس # Demodocus ~~، الذي يجله الشعب، ms229 بالتوقيع على ~~القيثارة. أما أوديسيوس فكان يتجه دائما برأسه نحو الشمس الساطعة، ~~متلهفا إلى أن يراها تغيب ؛ إذ كان يتوق بحق إلى العودة إلى ~~وطنه. وكما يتوق المرء إلى ~~العشاء، ذلك الذي من أجله يظل زوج من الثيران القاتمة كالخمر، ~~طوال اليوم كله، يجران المحراث ذا المفاصل خلال الأرض البور، ~~ولأجل من يغيب ضوء الشمس، كي يتمتع بعشائه، وتشعر ركبتاه ~~بالتعب وهو ذاهب إلى بيته، هكذا أيضا، لأجل غبطة أوديسيوس احتجب ~~ضوء الشمس، فنهض عندئذ في الحال، وتكلم وسط الفياكيين، محبي ~~المجذاف، وأعلن كلمته إلى ألكينوس بصفة خاصة، قائلا: ~~«أيها السيد ألكينوس، يا أشهر الخلق طرا، صب السكائب الآن، ~~وأرسلني في طريقي بسلام، وأنتم أيضا. وداعا! فقد تحقق الآن كل ~~ما كان يتوق إليه قلبي؛ حراسة وهدايا صداقة، فهل لآلهة السماء أن ~~تباركها لي، وعند عودتي أجد زوجتي المنقطعة النظير مع سائر من ~~أحبهم في بيتي سالمين؟ وهل لكم من جديد، وأنتم باقون هنا، أن ~~تدخلوا السرور على زوجاتكم اللواتي عقد لكم عليهن وأطفالكم؟ وهل ~~للآلهة أن تمنحكم جميع ألوان الرخاء، ولا يتعرض شعبكم لأي أذى؟» # ألكينوس يناشد الشعب الصلاة من أجل أوديسيوس # قال هذا أوديسيوس، فأثنى الجميع على قوله، وأمروا بإرسال الغريب ~~في طريقه، طالما أنه قد تكلم بلياقة؛ عندئذ تحدث ألكينوس ~~العتيد إلى الرسول، بقوله: «أي بونتونوس Pontonous ~~، امزج الطاس، وقدم الخمر في الساحة ~~للجميع، حتى إذا ما صلينا للأب زوس، استطعنا أن نرسل الغريب إلى ~~وطنه.» # ما إن قال هذا حتى مزج بونتونوس الخمر العسلية وسقى منها ~~الجميع، متجها إلى كل واحد بدوره، وسكبوا السكائب للآلهة ~~الخالدين، الذين يحتلون السماء الفسيحة من حيث كانوا يجلسون. بيد ~~أن أوديسيوس العظيم نهض، ووضع الكأس ذا المقبضين في يد ~~أريتي # Aerte ~~، # 1 # وتكلم مخاطبا إياها بكلمات حماسية، قائلا: ~~«وداعا أيتها الملكة، طوال جميع الأعوام، إلى أن توافيك ~~الشيخوخة والموت اللذان من حظ البشر. أما عن نفسي، فإنني سأنطلق في ~~طريقي. وهل لك أن تتمتعي في هذا المنزل بأولادك وبشعبك ~~وبالملك ms230 ألكينوس؟» # أوديسيوس يبحر في ظروف ملائمة # هكذا تكلم أوديسيوس العظيم وخطا عبر العتبة، فأرسل ألكينوس ~~العتيد، معه رسولا ليرشده إلى السفينة السريعة وشاطئ البحر. ~~وأرسلت معه أريتي، نساء إماء، تحمل إحداهن عباءة مغسولة حديثا ~~وجلبابا، كما أمرت أمة أخرى أيضا بأن تتبعها لتحمل الصندوق ~~المتين، وكذلك حملت أمة ثالثة خبزا وخمرا صهباء. # فلما هبط الجميع إلى السفينة وإلى البحر، أسرع الشباب ~~المبجل الذين سيرافقونه فحملوا من فورهم تلك الأشياء، ~~وخزنوها في السفينة الواسعة، حتى الطعام والشراب كله، ثم فرشوا ~~بعد ذلك من أجل أوديسيوس بساطا وملاءة من الكتان فوق ظهر ~~السفينة الواسعة جهة الكوثل كي يستطيع أن ينام ملء جفنيه، أما هو ~~فذهب إلى ظهر السفينة ورقد في صمت. بعد ذلك جلس الشبان فوق ~~المقاعد، كل في ترتيبه، وحلوا الحبل من الصخرة المثقوبة. وما ~~إن انحنوا بظهورهم إلى الوراء، وضربوا الماء الملح بنصال ~~مجاذيفهم حتى سقط النوم الهني على جفنيه، نوم لا يستيقظ منه، ~~غاية في الحلاوة، أشبه ما يكون ~~بالموت. وكما تقفز إلى الإمام فوق السهل أربعة جياد مربوطة ~~جميعا معا تحت ضربات السوط، وبقفزها عاليا تشق طريقها في سرعة ~~بالغة، هكذا أيضا راح كوثل تلك السفينة يثب إلى فوق، وفي ~~تقدمه أزبدت موجة البحر الصاخب القاتمة أي إزباد، فأسرعت ~~السفينة تشق طريقها في سلام وثبات، لدرجة أن الصقر الطواف، الذي ~~هو أسرع ذوات الأجنحة، لم يستطع أن يباريها في سرعتها. وهكذا ~~طفقت تشق طريقها إلى الأمام بسرعة وتمخر عباب البحر، تحمل ~~فوق ظهرها رجلا هو نظير الآلهة في المشورة، ذلك الذي قاسى كثيرا ~~من الأهوال فيما مضى في القلب يخوض غمار حروب الرجال واللجج ~~العاتية، غير أنه الآن قد نام في سلام، ناسيا كل ذلك الذي ~~قاساه. # والآن عندما ظهرت أكثر النجوم تألقا، تلك التي تأتي دائما ~~لتعلن نور الفجر الباكر، اقتربت السفينة ماخرة البحر، الآن فقط من ~~الجزيرة. # وصول أوديسيوس إلى إيثاكا وغضب بوسايدون # يوجد في بلاد إيثاكا ميناء خاص لفوركوس Phorcys ~~، عجوز البحر، وعند مدخل الميناء ms231 يبرز ~~عموديا من اليابسة لسانان ناتئان صوب الميناء. هذان اللسانان ~~يصدان الأمواج العاتية التي تثيرها الرياح الهوج من الخارج. ~~أما في داخل الميناء فتقف السفن ذوات المقاعد دون أن تربط متى ~~بلغت المرسى. وتوجد على رأس الميناء شجرة زيتون طويلة ~~الأوراق، وبالقرب منها كهف جميل مقدس وارف الظلال، مكرس ~~للحوريات اللائي يسمين النياديس # Naiads ~~. # 2 # وتوجد في داخل الكهف طاسات مزج الخمر وجرار من ~~الحجر، وهناك أيضا يدخر النحل عسله. وفي الكهف أنوال طويلة ~~من الصخر تنسج عليها الحوريات منسوجات أرجوانية اللون، أعجوبة ~~للناظرين، كما أن بداخله أيضا ينابيع دائمة التدفق. وللكهف ~~بابان؛ واحد تجاه الريح الشمالية يدخل منه البشر، أما الآخر فتجاه ~~الريح الجنوبية وهو مقدس، فلا يدخل منه الناس، إنه طريق ~~الخالدين. # في ذلك المكان جذف الشباب إلى الداخل، وكانوا يعرفون الموضع من ~~قبل، وجرت السفينة مندفعة في مجراها السريع فوق الشاطئ إلى نصف ~~طولها؛ إذ دفعتها إلى تلك ~~المسافة سواعد المجذفين. بعد ذلك قفزوا من السفينة ذات المقاعد ~~إلى البر، وبدءوا برفع أوديسيوس خارج السفينة الواسعة فوق الملاءة ~~الكتانية والبساط اللامع كما كان، وأرقدوه فوق الرمل، ولا يزال ~~النوم يغلبه على أمره. وأخرجوا الهدايا التي كان الفياكيون الأمجاد ~~قد أعطوه إياها، وهو راحل إلى وطنه، بفضل أثينا عظيمة القلب، ~~فوضعوا هذه كلها سويا بالقرب من جذع شجرة الزيتون، بعيدا عن ~~الطريق خشية أن يعثر عليها عابر سبيل ما، قبل أن يسقط أوديسيوس، ~~فيعبث بها. بعد ذلك رجعوا أدراجهم هم أنفسهم إلى الوطن ثانية. بيد ~~أن مزلزل الأرض لم ينس التهديدات التي كان قد توعد بها من ~~قبل أوديسيوس شبيه الإله، وهكذا استعلم عن مأرب زوس، ~~قائلا: ~~«أبتاه زوس، لن أكون أنا نفسي مبجلا بعد الآن، وسط الآلهة ~~الخالدين، ما دام البشر لا يبجلونني قط - فحتى الفياكيون، الذين ~~هم، كما تعرف، من سلسلة نسبي - لأنني أعلنت قبل الآن أنه لا بد ~~لأوديسيوس أن يقاسي أهوالا عديدة قبل أن يصل إلى وطنه، رغم أنني ~~لم أحرم عليه العودة كلية؛ ms232 إذ إنك وعدته بذلك يوما ما ~~وأكدت الأمر بانحناءة من رأسك، ولكن رغم ذلك قد حمله أولئك ~~الرجال نائما في سفينة سريعة عبر البحر وأنزلوه في إيثاكا، ~~وأعطوه هدايا تفوق الحصر، خزينا من البرونز والعسجد والثياب ~~المنسوجة، أكثر مما كان يستطيع أوديسيوس أن يحصل لنفسه من طروادة، ~~لو كان قد عاد سالما بنصيبه القانوني من الغنيمة.» # فأجابه زوس، جامع السحب، بقوله: «آه لي! يا مزلزل الأرض يا واسع ~~الملك، ما هذا الذي نطقت به؟! إن الآلهة لا تحط من تبجيلك، ومن ~~الصعب حقا أن نهاجم بدون تبجيل أكبرنا سنا وأحسننا. أما البشر، ~~فلو قصر أي واحد منهم، معتمدا على قوته وجبروته، في أن يوفيك ~~حقك من التبجيل في أي شيء، لحق لك أن تنتقم دائما، حتى فيما ~~بعد. إذن فافعل ما يحلو لك، وكما تجد فيه مسرتك ~~العظمى.» # عندئذ أجابه بوسايدون، مزلزل الأرض، بقوله: «كان من الواجب أن ~~أفعل في الحال كما تقول، يا رب السحب الدكناء، ولكنني أخشى غضبك ~~دائما وأتحاشاه. أما الآن فإنني مزمع أن أضرب سفينة الفياكيين ~~الجميلة، وهي عائدة من مهمتها عبر اليم الكثير الضباب، حتى ~~يكفوا من الآن فصاعدا ويمتنعوا عن حراسة الناس، وعلى ذلك ~~سأقيم جبلا ضخما حول مدينتهم.» # فرد عليه زوس، جامع السحب، قائلا: «أيها الخامل، أصغ إلى ما ~~أعتبره في نظري خير الأمور. عندما يتطلع الناس جميعا إليها من ~~المدينة، وهي مسرعة في طريقها، حولها إلى صخرة بالقرب من الشاطئ ~~- صخرة في صورة سفينة سريعة - كي يملأ العجب سائر الناس، وهل لك ~~أن تطوق مدينتهم بجبل ضخم؟» # انتقام بوسايدون # والآن عندما سمع بوسايدون مزلزل الأرض، هذا، شق طريقه إلى ~~سخيريا # Scheria ~~، حيث كان يقطن ~~الفياكيون، وانتظر هناك، فلما اقتربت السفينة ماخرة البحار، من ~~الشاطئ، تجري مسرعة في طريقها؛ عندئذ اقترب منها مزلزل الأرض ~~وحولها إلى صخر، وثبتها بإحكام من تحت بضربة من راحة يده، ~~ثم انصرف. # عندئذ شرع الفياكيون ذوو المجاذيف الطويلة، أولئك الرجال ~~المشهورون بسفنهم، يتحدث بعضهم إلى البعض الآخر بكلمات ms233 مجنحة، ~~وهكذا كان الواحد منهم يقول، وهو ينظر إلى جاره: ~~«ويحنا الآن، من ذا الذي قيد سفينتنا السريعة الآن في البحر ~~وهي في طريقها إلى الوطن؟ العجيب أنها كانت في مدى الرؤية ~~الواضحة!» # هكذا كان الواحد منهم يتكلم، ولكنهم لم يعرفوا كيف تمت تلك ~~الأمور؛ عندئذ تكلم ألكينوس مخاطبا جماعتهم بقوله: ~~«انظروا الآن. حقا إن ~~النبوءات، التي نطق بها أبي منذ أمد بعيد، قد حاقت بي الآن. كان ~~يقول دائما إن بوسايدون غاضب علينا لأننا نعطي الحراسة الآمنة ~~لجميع الناس. قال إنه سيأتي يوم، بينما تعود إحدى سفن الفياكيين ~~الجميلة من رحلة حراسة عبر اليم الكثير الضباب؛ إذ يضربها ~~بوسايدون، كما أنه سوف يقيم طودا أشم حول مدينتنا. هكذا قال ~~ذلك الرجل العجوز، والغريب أن كل ما قاله قد تحقق الآن. هلموا ~~بنا الآن، نفعل جميعا ما أمرنا به ونطعه. كفوا عن حراسة ~~البشر، عندما يجيء أحد إلى مدينتنا، ولنقدم ذبيحة إلى ~~بوسايدون من اثني عشر ثورا منتقى، عسى أن يعطف علينا ولا يقيم ~~جبلا شامخا حول مدينتنا.» # أوديسيوس غريب في وطنه # قال هذا فتملكهم الخوف وأعدوا الثيران، ثم شرع قادة ~~الفياكيين ومستشاروهم، يصلون إلى السيد بوسايدون، وهم واقفون ~~حول المذبح. أما أوديسيوس فقد استيقظ من نومه في وطنه، ولكنه لم ~~يكن يدري ذلك بعد غيابه الطويل؛ لأن الربة، بالاس أثينا، نشرت ~~حوله سحابة، أثينا ابنة زوس، حتى لا يتعرف عليه أحد، وتخبره ~~بكل شيء، فلا تعرفه زوجته، ولا أهل بلده، ولا أصدقاؤه، إلا بعد أن ~~يدفع المغازلون ثمن ما قدمت أيديهم من اعتداءات؛ ومن ثم ~~بدت سائر الأمور غريبة على سيدهم، الممرات الطويلة، والخلجان ~~التي تستعمل كمراس آمنة، والصخور الحادة الناتئة والأشجار ~~المورقة، فانتصب واقفا يطل على وطنه، ثم تأوه وضرب فخذيه ~~براحتي يديه، وقال وهو ينتحب: ~~«ويحيى! إلى أي بلد من بلاد البشر قد وصلت الآن؟ أأهلها قساة، ~~وشرسون، وظالمون؟ أم أنهم يحبون الغرباء ويخشون الآلهة في ~~قلوبهم؟ وإلى أين أحمل كل هذه الثروة، بل إلى أين أذهب ms234 أنا نفسي ~~هائما على وجهي؟ ليتني بقيت هناك وسط الفياكيين، ثم ذهبت إلى ~~ملك آخر من الملوك الأشداء، الذين كانوا يرحبون بي ويرسلونني ~~إلى وطني. أما الآن فلست أدري على من أجود بهذه الثروة، ومع ذلك ~~فلن أتركها هنا، لئلا تصبح غنيمة سائغة للغير على حسابي. لعنة ~~الله عليهم، ما كان قادة الفياكيين ومستشاروهم الذين جاءوا بي إلى ~~بلد غريب، كما يبدو، بحكماء أو منصفين. حقا إنهم وعدوا بأن ~~يذهبوا بي إلى إيثاكا الواضحة المعالم، ولكنهم لم يوفوا بوعدهم، ~~فهل لزوس، رب المتضرعين، الذي يرى ما يفعل جميع البشر، ويعاقب ~~المذنب، أن يجازيهم؟ ومع ذلك فسأحصي بضاعتي وأعدها، خشية أن ~~يكون أولئك الرجال قد عادوا بشيء معهم على حسابي في سفينتهم ~~الواسعة.» # أوديسيوس يلتقي أثينا في هيئة راعي أغنام # بعد أن أتم أوديسيوس حديثه ذاك، شرع يعد الركائز الجميلة، ~~والقدور، والذهب والثياب البديعة الصنع، فلم يجد شيئا ناقصا من ~~كل هذا. بعد ذلك وقد برح به الحنين إلى وطنه، راح يسير، حزينا، ~~بحذاء الشاطئ البحر الصاخب، يبكي بكاء مرا، فاقتربت منه ~~أثينا في صورة شاب يافع، راعي أغنام، في غاية الرقة، أشبه ما ~~يكون بأبناء الأمراء. وكانت ترتدي عباءة جميلة الصنع، أسدلتها ~~على كتفيها مثنية في طيتين، وصندلا في قدميها اللامعتين، ~~وأمسكت في يدها رمحا، فما أن وقعت عين أوديسيوس عليها حتى انشرح ~~صدرا، وتقدم لمقابلتها، وخاطبها بكلمات مجنحة # 3 # قائلا: ~~«أيها الصديق، مرحبا بك، يا أول من قابلت في هذه البلاد، أرجو ~~أن تقابلني بقلب لا يضمر أي سوء. أنقذ هذا الكنز، وأنقذني؛ فإني ~~أتوسل إليك، توسلي إلى أحد الآلهة، وهذا وها أنا ذا أتقدم إلى ~~ركبتيك العزيزتين. أخبرني بما أريد معرفته بالصدق، كي أعرف حق ~~المعرفة، أي بلد هذا، وأي شعب هؤلاء؟ أي الأقوام يقطنون هنا؟ أهي ~~جزيرة تبدو للعين، أم شاطئ أرض عميقة التربة ممتد إلى جانب ~~البحر؟» # أوديسيوس يعلم من أثينا أنه في إيثاكا # عندئذ أجابته الربة، أثينا ذات العينين النجلاوين، بقولها: ~~«أيها الغريب، إما أن ms235 تكون أحمق، أو قد أتيت من بلد قصي، إن كنت ~~تسأل حقا عن هذه البلاد، لا ريب في أنها ليست بأية حال من ~~الأحوال، عديمة الاسم، ولكن الكثيرين يعرفونها، كل أولئك الذي ~~يقطنون تجاه الفجر والشمس، وأولئك الذين من ورائهم يواجهون الظلام ~~الدامس. وإنها جزيرة وعرة، وليست صالحة لقيادة الجياد، ولكنها ~~مع ذلك ليست في فقر مدقع رغم أنها رقعة صغيرة فحسب؛ فالقمح ينمو ~~فيها مزدهرا، وكذلك أعناب الخمور، ولا ينقطع الغيث عنها ولا ~~الندى الغزير. إنها بلد صالح لرعي الماعز والأبقار، هناك أشجار ~~من كل نوع، كما أن بها غدرانا للري لا ينضب معينها طول العام. ~~ومع كل، أيها الغريب، فإن اسم إيثاكا قد وصل حتى إلى بلاد ~~طروادة، التي كما يقال، تبعد كثيرا عن بلاد آخايا # Achaea # 4 # هذه.» # أوديسيوس يخدع الراعي بالأكاذيب # هكذا قالت، فسر أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، واغتبط في ~~بلده، بلد آبائه، عندما سمع قول بالاس أثينا، ابنة زوس، حامل ~~الترس، فتحدث إليها، يخاطبها بكلمات مجنحة، ولكنه مع ذلك لم ~~يقل الحق، بل كان يزن اللفظ قبل النطق به، مرددا في صدره ~~أفكارا بالغة الدهاء، فقال: ~~«لقد سمعت عن إيثاكا، حتى وأنا في كريت الفسيحة، النائية عبر ~~البحر، وها أنا ذا الآن قد جئت بنفسي إلى هنا مع بضائعي هذه. ولقد ~~تركت ورائي ما يفوقها عددا مع أطفالي، هاربا من البلاد، بعد أن ~~قتلت ابن إيدومينيوس # Idomeneus # 5 # العزيز، أورسيلوخوس # Orsilochus # السريع القدمين، الذي تفوق في السرعة ~~بكريت على سائر الرجال الذين يعيشون بعرق جبينهم. وكان سيسلبني من ~~كل غنائم طروادة تلك، التي من أجلها قاسيت الحزن في قلبي، مناضلا ~~في الحروب مع البشر والأمواج العاتية؛ ذلك لأنني لم أحاب أباه، ~~ولم أخدمه في بلاد الطرواديين كأحد أتباعه، بل كان تحت إمرتي رجال ~~آخرون؛ وعلى ذلك ضربته برمحي البرونزي الطرف وهو عائد من الحقل ~~إلى داره، بعد أن كمنت له في الطريق مع أحد رجالي. وكان الليل ~~الداجي يحجب السماء، فلم يفطن أحد إلينا، بل ms236 سلبته حياته دون ~~أن يراني أحد. وبعد أن أجهزت عليه برمحي ~~الحاد، انطلقت في الحال إلى ~~سفينة، وتوسلت إلى الفينيقيين Phoenicians # الأمجاد، واهبا إياهم شيئا من الغنائم ~~لأشبع قلوبهم. وطلبت منهم أن ينقلوني بعيدا، ويضعوني فوق ~~اليابسة في بولوس Pylos ~~، # 6 # أو في إليس # Elis # العظيمة، حيث يحكم الإيبيون # Epaens ~~، ولكن قوة الريح جرفتهم بعيدا من هناك، في ~~عنف بالغ ضد رغبتهم، ولم يكونوا يقصدون الغدر بي، فوصلنا إلى هنا ~~ليلا بعد أن طفقنا هائمين من هناك تدفعنا الريح. وبسرعة أخذنا ~~نجذف بهمة حتى بلغنا داخل الميناء، لا نفكر في تناول عشائنا، ~~رغم حاجتنا الشديدة إليه، بل خرجنا على الطوى من السفينة ورقدنا، ~~كلنا. وقد حط علي نوم لذيذ فنمت ملء جفني وأنا منهوك ~~القوى، فحملوا بضائعي من السفينة الواسعة ووضعوها حيث كنت أرقد ~~أنا نفسي فوق الرمال. أما هم فصعدوا إلى ظهر السفينة، ورحلوا إلى ~~بلاد سيدون # Sidon # 7 # بلاد خيرة الأقوام، وتركوني هنا، بقلب منزعج غاية ~~الانزعاج.» # أثينا تكشف لأوديسيوس عن شخصيتها # هكذا تكلم أوديسيوس فابتسمت الربة، أثينا المتألقة العينين، ~~وربتت عليه بيدها، وحولت نفسها إلى صورة امرأة، حسناء فارعة ~~الطول، ماهرة في الأشغال اليدوية المجيدة، وخاطبته بكلمات مجنحة، # 8 # قائلة: ~~«لا يستطيع أن يتفوق عليك في كل ضروب الخداع، إلا من يكون ~~ماكرا أو خبيثا، رغم أن الذي التقى بك إله، أيها الرجل الجريء، ~~ذو المشورة الماكرة، والكثير الخداع، فلن تكف عن الخداع، حتى في ~~وطنك، كما يبدو، بل تحيك القصص الخداعة، التي تميل إليها من ~~أعماق قلبك. والآن، لا تتكلم عن هذا بعد ذلك، ما دمنا كلانا ~~ماهرين في نفس المهنة، وما دمت أنت تبذ سائر الناس في ~~المشورة وفي الحديث، وأنا مشهورة بالحكمة والمهارة بين جميع ~~الآلهة. ورغم ذلك فإنك لم تعرفني أنا بالاس أثينا، ابنة زوس، التي ~~أقف دائما إلى جوارك، وأحرسك في جميع # 9 # متاعبك. نعم وقد جعلتك محبوبا لدى سائر الفياكيين. ~~والآن ها أنا ذا قد جئت إلى هنا، لأدبر معك خطة، ms237 ولأخفي كل ~~كنزك، الذي أعطاكه الفياكيون الأمجاد بمشورتي وإرادتي، عندما رحلت ~~إلى الوطن، ولكي أخبرك بسائر المحن التي يجب أن تقاسيها في بيتك ~~المكين البناء، ولكن هل لك أن تكون قويا؟ لأنه يجب عليك أن تتحمل ~~تلك الأمور، ولا تخبرن أي رجل منهم جميعا ولا أية امرأة بأنك قد ~~عدت من تجوالاتك، بل تحمل أحزانك العديدة في صمت، وارضخ لعنف ~~البشر.» # أوديسيوس يشيد بأفضال أثينا عليه # بعدئذ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «إنه ليتعذر على ~~المرء، أن يعرفك، أيتها الربة، عندما يلتقي بك، مهما بلغ من ~~الحكمة؛ لأنك تتخذين أي شكل تريدين. إنني أعلم هذا حق العلم؛ فإنك ~~تعطفين علي منذ قديم الزمان، طوال المدة التي كنا نحارب فيها، ~~نحن معشر الآخيين، في أرض طروادة. حتى إذا ما سلبنا مدينة بريام ~~الشاهقة، ثم رحلنا عنها في سفننا، وبدد إله شمل الآخيين، لم ~~أعد أراك أبدا منذ ذلك الحين، يا ابنة زوس، ولم ألاحظك آتية على ~~ظهر سفينتي كي تبعدي الأحزان عني. كلا، لقد ظللت أتجول دائما، ~~حاملا في صدري قلبا مصابا، إلى أن خلصتني الآلهة من الشر، ~~حتى أدخلت السرور إلى قلبي في بلاد الفياكيين الخصيبة بكلماتك، ~~وأرشدتني بنفسك إلى مدينتهم. أما الآن، فإنني أتوسل إليك بأبيك ~~- لأنني لا أصدق أنني قد جئت إلى إيثاكا الواضحة للعيان، كلا، لا ~~بد أن هذا البلد الذي أجوس فوق أرضه، بلد آخر، وأعتقد، أنك إنما ~~تتكلمين هكذا ساخرة مني لتخدعي قلبي - خبريني هل بلغت حقيقة ~~وطني العزيز؟» # أثينا المحبة تطمئن أوديسيوس بأنه في وطنه # عندما أجابته الربة، أثينا البراقة العينين، فقالت: «هذه ~~الفكرة دائما في صدري، وعلى ذلك فلا أستطيع أن أتركك إلى أحزانك؛ ~~لأنك رقيق الحديث، حاد الفطنة وحصيف. كان ما يعمله أي رجل آخر ~~عند عودته من رحلاته أن يسرع في شوق ليرى زوجته وأولاده في ~~داره، ولكنك لم ترغب في أن تعرف أو تعلم أي شيء، إلا بعد أن ~~تتأكد من زوجتك، وما إذا كانت لا تزال محافظة على سابق ms238 عهدها ~~في ساحاتك، وما إذا كانت تقضي الليالي والأيام حزينة باكية، أما ~~أنا، فلم أشك قط في عودتك، بل كنت أعلم تماما في قلبي، أنك ~~ستعود إلى وطنك بعد أن تفقد سائر رفقائك، ومع ذلك، فيجب أن ~~تعرف، أنه لم يكن في نيتي الوقوف في وجه بوسايدون، شقيق أبي، ~~الذي غرس الغضب ضدك في قلبه، حانقا عليك لأنك أعميت ابنه ~~العزيز، والآن، هيا، لأريك أرض إيثاكا، كي تتأكد. هذا هو ثغر ~~فوركوس، عجوز البحر، وهنا عند رأس الميناء توجد شجرة الزيتون ~~الطويلة الأوراق، وبالقرب منها الكهف المبهج الظليل، المقدس ~~للحوريات اللوائي يعرفن باسم النياديس. يجب أن تعرف، أن هذا هو ~~الكهف المقبي الذي اعتدت أن تقدم فيه للحوريات ذبائح مئوية ~~عديدة تحقق مأربك، وها هو ذا هناك جبل نيريتون # Neriton ~~، الذي تكسوه ~~الغابات.» # أوديسيوس يتوسل إلى النياديس # قالت الربة هذا، وبددت السحابة، فطهرت الأرض. إذن سر ~~أوديسيوس العظيم، البالغ التحمل، سرورا أي سرور إذ غدا في وطنه، ~~وقبل التربة، مانحة الغلال. وفي الحال بسط ذراعيه يتضرع ~~إلى الحوريات، بقوله: ~~«أيتها الحوريات النياديس، يا بنات زوس، لم يخطر ببالي قط أنني ~~سوف أراكن ثانية، أما الآن فإنني أحييكن بتوسلات جميلة. نعم ~~سوف أقدم لكن الهدايا أيضا، كسابق عهدي، لو أن ابنة زوس، ~~تلك التي تقود الغنيمة، سوف تمنحني، متحننة، أن أعيش، حتى ~~أربي ابني العزيز إلى أن يبلغ سن الرجولة.» # أثينا تساعد أوديسيوس بالخطط النافعة # فردت عليه ثانية الربة، أثينا ذات العينين المتألقتين، ~~بقولها: «فلتقر عينا ولا تدع هذه الأمور تحزن قلبك. هلم بنا، ~~الآن، نضع بضائعك في الحال، في أقصى أركان الكهف العجيب، حيث يمكن ~~أن تبقى لك في أمان، ولنفكر نحن أنفسنا في الكيفية التي يتم بها ~~كل شيء على خير وجه.» # ما إن قالت الربة هذا حتى دخلت إلى الكهف الظليل تبحث مخابئه. ~~وحمل أوديسيوس الكنز جميعه إلى هناك، الذهب والبرونز العنيد ~~والثياب الجميلة الصنع، التي كان الفياكيون قد أعطوه إياها، فأخفى ~~كل هذه الأشياء بعناية، ووضعت بالاس ms239 أثينا، ابنة زوس، حامل الترس، ~~صخرة عند الباب. بعد ذلك جلس كلاهما بجوار جذع شجرة الزيتون ~~المقدسة، وأخذا يحيكان الموت للمغازلين الوقحين. وكانت الربة، ~~أثينا النجلاء العينين، هي أول من تكلم، فقالت: ~~«يا ابن لايرتيس، أيها المنحدر من زوس، هيا أوديسيوس الكثير ~~الحيل، فكر جيدا في الطريقة التي تستطيع بها أن تضع يدك على ~~المغازلين الرقعاء، الذين لهم الآن ثلاث سنوات يتسكعون في ~~ساحاتك، ويغازلون زوجتك الشبيهة بالآلهة، ويعرضون عليها هدايا ~~المغازلين. وهي إذ تنتظر مجيئك باكية، تعلل الجميع بالآمال، ~~وتمني كل رجل بالوعود، فترسل إليهم الرسل بينما عقلها ~~مركز في أمور أخر.» # عندئذ أجابها أوديسيوس، الكثير الحيل، قائلا: «ويحي! لا شك أنه ~~كان من المحتمل أن أهلك في ساحاتي بسبب سوء حظ أجاممنون بن ~~أتريوس لو لم تفضي إلي، أيتها الربة بكل شيء. هيا الآن، ~~ودبري خطة ما أتمكن بها من مجازاتهم، وقفي أنت نفسك إلى ~~جانبي، وامنحيني شجاعة جريئة كتلك التي كانت لي عندما فككنا تاج ~~طروادة اللامع، فلو وقفت فقط إلى جواري، أيتها البراقة ~~العينين، بقدر ما كنت متحمسة في ذلك الحين، لقاتلت حتى في ~~مواجهة ثلاثمائة رجل، معك، أيتها الربة العتيدة، لو أنك بقلب ~~مستعد وهبتني المساعدة.» # أوديسيوس يوافق أثينا على مسخه # فأجابته عندئذ الربة، أثينا اللامعة العينين، بقولها: «نعم، ~~سأكون معك حقا ولن أنساك عندما تكون منهمكا في ذلك العمل، وإنني ~~لأعتقد أن الكثيرين من أولئك المغازلين الذين يبددون أموالك، ~~سوف يلطخون التربة الفسيحة بدمائهم وأمخاخهم. والآن، هيا ~~لأغير هيئتك كيلا يعرفك سائر البشر، فسأجعد الجلد الأملس ~~فوق أطرافك اللدنة، وأقضي على الشعر الكتاني فوق رأسك، وألبسك ~~ثوبا مهلهلا، حتى ليشمئز المرء من النظر إلى أي رجل يلبسه، ~~وسوف أعتم عينيك اللتين كانتا من قبل في غاية الجمال، كي تبدو ~~حقيرا في نظر جميع المغازلين، ونظر زوجتك، وابنك، الذي تركته ~~في ساحاتك. أما أنت نفسك، فلتذهب أولا، وبادئ ذي بدء، إلى راعي ~~الخنازير الذي يحرس خنازيرك، ويكن لك كل عطف وحنان في قرارة ~~قلبه، ويحب ms240 ولدك وبينيلوبي الثابتة. ستجده قابعا بجوار ~~الخنازير وهي ترعى بجانب صخرة كوراكس # Corax # وينبوع أريثوسا # Arethwsa ~~، # 10 # تأكل ثمار البلوط ملء بطونها وتشرب المياه السوداء، ~~وهي الأشياء التي تسمن لحم الخنازير الدسم. انتظر هناك، وبعد أن ~~تجلس إلى جواره سله عن كل شيء ، بينما أنطلق أنا إلى إسبرطة، أرض ~~النساء الفاتنات، لأستدعي من هناك تيليماخوس، ابنك العزيز، يا ~~أوديسيوس، الذي سافر إلى لاكيدايمون الفسيحة إلى بيت مينيلاوس ~~ليستطلع أخبارك، ويعلم ما إذا كنت على قيد الحياة في أي ~~مكان.» # أثينا تطمئن أوديسيوس على مصير ولده # فأجابها أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «لماذا لم تخبريني، إذن، ~~بربك، يا من يعرف عقلك كل شيء؟ كلا، أكان مقدرا له كذلك أن ~~يقاسي أهوالا، وهو يجوس خلال البحر الصاخب، وأن يأكل الآخرون ~~أمواله؟» # عندئذ أجابته الربة، أثينا المتألقة العينين، وقالت: «كلا، ~~فلن ينزعج قلبك عليه كثيرا. إنني أنا التي أرشدته، إلى السفر إلى ~~هناك، كي يحظى بأخبار حسنة، دون أن يعاني أي تعب، بل يجلس آمنا ~~في قصر ابن أتريوس، مسرورا بما يفوق الوصف. حقيقة، هناك شبان ~~يكمنون في انتظاره، في سفينة سوداء، متلهفين إلى الفتك به قبل ~~أن يبلغ وطنه، ولكني أعتقد أنهم لن ينالوا بغيتهم. قبل ذلك ~~ستضم الأرض كثيرا من المغازلين الذين يأكلون أموالك.» # ثم تمسخه بصولجانها وترحل # ما إن أتمت أثينا حديثها ذاك حتى لمسته بصولجانها، فأذوت ~~جلده الناعم فوق أطرافه اللدنة، وأتت على الشعر الكتاني فوق ~~رأسه، ووضعت جلد رجل عجوز حول جميع أطرافه، وعتمت عينيه ~~اللتين كانتا رائعتي الجمال من قبل، وألبسته عباية وجلبابا ~~مهلهلين قذرين، أسمالا بالية وسخة، يجللها الدخان ~~القذر. وألقت حوله جلدا هائلا لغزالة سريعة، منزوعة الشعر، ~~وأعطته عكازا وكيسا حقيرا، كله ثقوب، معلقا بحبل ~~مفتول. # وبعد أن استقر كلاهما على ذلك الرأي، انفصلا، وفي الحال ~~انطلقت الربة إلى لاكيدايمون العظيمة لإحضار ابن ~~أوديسيوس. # | الأنشودة الرابعة عشرة # أوديسيوس يعثر على راعي خنازيره # ذهب أوديسيوس من الميناء خلال الممر الوعر صاعدا عبر الغابة ~~ووسط المرتفعات إلى المكان ms241 الذي أوجبت عليه أثينا أن يبحث فيه عن ~~راعي الخنازير العظيم، والذي كان يرعى أمواله دون سائر العبيد ~~الذين كان يمتلكهم أوديسيوس العظيم. # وجده جالسا في ردهة منزله الأمامية، حيث قد أقيم هناك السور ~~مرتفعا في مكان يطل على منظر متسع، ساحة عظيمة رائعة، تحيط ~~بها بقعة خلاء. وكان راعي الخنازير قد شيد هذا السور بنفسه ~~لخنازير سيده، الذي رحل دون علم سيدته والعجوز لايرتيس، فبناه ~~بالحجارة الضخمة وغطاه من فوق بالأشواك. وبطوله كله، من الخارج، ~~دفع أوتادا، هناك وهناك، أوتادا ضخمة، متراصة أحدها بجانب ~~الآخر، صنعها بأن شق شجرة بلوط حتى قلبها الأسود، # 1 # وشيد خلف السور اثنتي عشرة حظيرة، كل منها بجانب ~~الأخرى، كفراش للخنازير، وقد حجز في كل حظيرة خمسين خنزيرة ~~تتمرغ على أرضها، أنثى للنسل، أما ذكور الخنازير فكانت تنام خارج ~~الحظائر. وكانت هذه أقل عددا من الإناث بكثير؛ إذ كان المغازلون ~~شبيهو الآلهة يولمون عليها، فقللوا من عددها؛ لأن راعي ~~الخنازير كان يقدم دائما أحسن جميع الخنازير المسمنة، التي ~~كانت تربو على الثلاثمائة ~~والستين. وكانت تنام بجانب هذه باستمرار، أربعة كلاب متوحشة ~~كالحيوانات الضارية، كان قد رباها راعي الخنازير، قائد البشر. ~~أما هو نفسه فكان يلبس حول قدميه حذاء طويلا، يصنعه بقطع جلد ~~ثور جميل اللون، بينما يرحل الآخرون ثلاثتهم؛ واحد هنا، والآخر ~~هناك، والثالث مع قطعان الخنازير. أما الرابع فيرسله إلى المدينة ~~يسوق خنزيرا ذكرا بالقوة، إلى المغازلين الوقحين، ليذبحوه، ~~ويملئوا بطونهم باللحم. # وبينما أوديسيوس يسير إذ ~~أبصرته الكلاب النابحة فجأة، فهجمت عليه ... وأسقط ~~أوديسيوس العكاز من يده. # راعي الخنازير يدفع عن أوديسيوس الكلاب النابحة # وبينما أوديسيوس يسير إذ أبصرته الكلاب النابحة فجأة، فهجمت ~~عليه وهي تنبح نباحا عاليا، غير أن أوديسيوس جلس بدهائه وأسقط ~~العكاز من يده. وعندئذ حتى في مزرعته، كان عليه أن يقاسي جرحا ~~بالغا، ولكن راعي الخنازير جرى خلفها بسرعة، وهرع خلال الباب، ~~فسقط الجلد من يده. وصاح في الكلاب عاليا، وطردها بعيدا بسيل ~~من الأحجار، وخاطب سيده بقوله: ~~«أيها ms242 العجوز لقد كادت الكلاب، حقا، أن تمزقك إربا على ~~حين غرة، وعندئذ كنت تنحي علي باللائمة. نعم، وكانت الآلهة ~~تبتليني بأحزان وهموم أخرى. إنني لأحزن وأبكي من أجل سيد شبيه ~~بالإلهة، طول إقامتي هنا، أرعى خنازيره السمينة ليأكلها رجال ~~آخرون، بينما ربما كان هو في حاجة إلى الطعام وهو يطوف خلال أرض ~~ومدينة قوم غريبي اللسان، لو ~~كان حقا على قيد الحياة ويرى ضوء الشمس. هيا معي، دعنا نذهب ~~إلى الكوخ، أيها العجوز، حتى إذا ما ملأت بطنك بالطعام والخمر، ~~أخبرتني من أين قدمت وجميع الأهوال التي قاسيتها.» # راعي الخنازير يستقبل أوديسيوس في كوخه # ما إن قال راعي الخنازير الطيب هذا الكلام حتى قاده إلى الكوخ، ~~وأدخله، وأجلسه، وفرش له أغصانا غليظة كانت مقطوعة، وبسط ~~فوقها جلد ماعز بري أشعث، كبير كث الشعر، كان من عادته أن ~~ينام فوقه، فسر أوديسيوس من الترحيب بهذه الطريقة، ~~وتكلم قائلا: ~~«أيها الغريب، إني لأطلب من زوس والآلهة الآخرين الخالدين أن ~~يمنحوك أقصى ما تشتهي؛ حيث إنك قد رحبت بي بقلب رضي.» # فأجابه يومايوس # Eumaeus # راعي ~~الخنازير بقوله: «أيها الغريب، لا يحق لي أن أستهين بغريب، مهما ~~كان، حتى ولو كان شخصا أكثر منك وضاعة؛ لأن جميع الغرباء ~~والسائلين من زوس، والهدية، مهما صغرت، يرحب بها أمثالنا؛ ~~حيث إنها نصيب العبيد، الذين يعيشون في خوف دائم متى تسلط ~~عليهم سادتهم أشباه الملوك - سادة صغار كسادتنا - لأن الآلهة، ~~بحق قد منعت عودة ذلك الذي كان يحبني ويعطف علي العطف كله، ~~ويهبني أنا نفسي ممتلكات، منزلا وقطعة أرض، وزوجة، تقدم ~~إليها كثير من المغازلين، ومثل تلك الأشياء التي يمنحها السيد ~~الرحيم عبده الذي يتعب كثيرا من أجله، والذي يكلل الرب سائر ~~أعماله بالفلاح، كما ينجح هذا العمل، الذي أعيره كل اهتمامي؛ وعلى ~~ذلك ليت سيدي قد طعن هنا في السن، في منزله، وعندئذ كان يكافئني ~~بسخاء، ولكنه هلك - كما أظن أن جميع أقارب هيلينا # Helen # 2 # قد هلكوا في خراب شامل؛ إذ إنها أرخت ركب ~~محاربين ms243 عديدين. ولقد رحل هو أيضا إلى إليوس لكسب التعويض ~~لأجاممنون، ليقاتل الطرواديين في إليوس الشهيرة بجيادها.» # يومايوس يكرم أوديسيوس ويحدثه عن سيده الغائب # ما إن قال هذا حتى شد مدرعته بحزامه في سرعة، وذهب إلى ~~الحظائر، حيث كانت قطعان الخنازير محبوسة. وبعد أن انتقى منها ~~خنزيرين، أحضرهما إلى الداخل ونحرهما كليهما، وهو يغني، وقطع ~~أجزاءهما، ووضعها في السفود وبعد أن نضج الشواء، حمله كله ~~ووضعه أمام أوديسيوس ساخنا فوق السفافيد، ونثر فوقها مطحون ~~الشعير الأبيض. وبعد ذلك خلط في طاس من خشب العليق خمرا في حلاوة ~~العسل، وجلس هو نفسه قبالة أوديسيوس، يأمره بتناول الطعام، ~~قائلا: ~~«تفضل الآن، أيها الغريب بتناول هذا الطعام الذي يقدمه ~~الخدم، لحم الخنانيص؛ إذ إن الخنازير المسمنة يأكلها المغازلون ~~الذي لا يتقون غضب الآلهة في قرارة نفوسهم، وليس في قلوبهم أي ~~عطف. حقا إن الآلهة المباركة لا تحب أعمال الرعونة، بل تبجل ~~العدالة وأعمال البشر العادلة. أما الأعداء القساة الذين يطئون ~~بأقدامهم أرض غيرهم، ويعطيهم زوس الغنيمة، فيملئون سفنهم ويرحلون ~~إلى أوطانهم - ولكن على قلوب هؤلاء ينزل خوف عظيم من غضب الآلهة - ~~ولكن هؤلاء الرجال هنا، يشاهدونك ويعرفون شيئا ما، وقد سمعوا ~~صوت بعض الآلهة فيما يختص بميتة سيدي المؤسفة، حيث إنهم لا ~~يغازلون بأي حق، ولن يعودوا إلى بيوتهم بل يطلقون لأنفسهم ~~الحبل على الغارب فيبددون أموالنا بطريقة وقحة، فلا يبقى هناك ~~أي فائض. وكل يوم وليلة يأتيان من لدن زوس، لا يقدمون فيهما ~~ذبيحة واحدة ولا اثنتين فقط، بل يأخذون الخمر، ويسرفون في ~~شربها بصفة وقحة. لقد كانت أموال سيدي بحق تفوق الحصر، وما كان ~~لديه لم يكن لدى سيد آخر، لا فوق اليابسة المظلمة، ولا في إيثاكا ~~نفسها، كلا، فلم يملك، حتى عشرون رجلا معا ثروة عظيمة كتلك. ~~وللعجب، أنني سوف أروي لك القصة، فكان له اثنا عشر قطيعا من ~~الأبقار فوق اليابسة، وقطعان كثيرة من الأغنام، وقطعان عديدة من ~~الخنازير، وكثير من قطعان الماعز بقدر ما يستطيع الرعاة أن ~~يرعوا، سواء ms244 أكانوا من الأجانب أو من أبناء شعبه. وهنا أيضا ترعى ~~قطعان هائمة من الماعز فوق حدود الجزيرة، تعدادها أحد عشر قطيعا، ~~يقوم بحراستها رجال ثقات. وكل رجل من هؤلاء يأخذ باستمرار، يوما ~~بعد يوم عنزا من قطيعه إلى المغازلين، خير ما عنده من المعيز ~~المسمنة. أما أنا ، فأحرس وأرعى هذه الخنازير، وأنتقي بعناية خير ~~الخنازير الذكور فأرسله إليهم.» # أوديسيوس يسأل الراعي مزيدا من المعلومات عن سيده # هكذا قال، بينما كان أوديسيوس يلتهم اللحم في شغف # 3 # ويشرب الخمر، بنهم وهو صامت، يدبر الشر للمغازلين، # 4 # فلما فرغ من الطعام، وملأ بطنه، # 5 # أخذ راعي الخنازير الكأس التي كان من عادته أن يشرب ~~فيها، وملأها خمرا، وقدمها لأوديسيوس مملوءة بالخمر حتى ~~نهايتها، فتناولها، وسر في قلبه، وتكلم، يخاطبه بعبارات مجنحة، # 6 # قائلا: ~~«أي صديقي، من ذا الذي اشتراك بأمواله، أهو رجل في غاية الثراء ~~والقوة، كما تصف؟ قلت إنه مات ليكسب التعويض لأجاممنون، أخبرني ~~باسمه، فربما عرفته، إذا كان هو بذلك الوصف؛ لأنه في اعتقادي، أن ~~زوس والآلهة الخالدين الآخرين يعلمون ما إذا كنت قد رأيته، ~~وأستطيع أن أخبرك عنه شيئا؛ لأنني تجولت في بلاد ~~بعيدة.» # يومايوس يشيد بسيده وبشوقه إلى رؤيته # فرد عليه بعد ذلك راعي الخنازير، قائد البشر، فقال: «أيها ~~العجوز، ما من جائل قد جاء بنبأ عنه واستطاع أن يجعل زوجته وابنه ~~العزيز يصدقانه، كلا، إن أخبارهم كلام عابر كيفما اتفق، فإذا ~~ما احتاج أبناء السبيل إلى من يدعوهم إلى داره، ويكرمهم، جلسوا ~~وليس في نيتهم أن يقولوا الحقيقة. وكل من أتى في رحلاته إلى بلاد ~~إيثاكا، ذهب إلى سيدتي وقص على مسامعها حكاية خداعة. وإذ ~~تستقبله بكرم، تقدم له وليمة وتسأله عن كل شيء، فتذرف العبرات ~~من مقلتيها، وهي تبكي كما هو سبيل المرأة، عندما يموت زوجها ~~بعيدا، وما أسرعك أنت أيضا، أيها العجوز، أن تحيك قصة، لو أن ~~أحدا أعطاك عباءة وجلبابا ترتديها! أما عن سيدي، فمن المحتمل أن ~~تكون الكلاب والطيور السريعة قد مزقت اللحم ms245 من عظامه وفارقته ~~روحه، أو أن الأسماك قد أكلته في البحر، وعظامه ملقاة على أحد ~~الشواطئ، يغطيها الرمل العميق. هكذا باد هو هناك، وقدر ~~الحزن لأهله في الأيام المقبلة، للجميع، بل لي أنا بصفة خاصة؛ ~~لأنني لن أجد قط سيدا بتلك الطيبة، مهما بعد المكان الذي أذهب ~~إليه، ولا حتى إذا عدت ثانية إلى بيت أبي وأمي، حيث ولدت منذ ~~البدء، وقاما أنفسهما بتنشئتي. ومع ذلك فلن أبكيهما هكذا كثيرا ~~منذ الآن، رغم اشتياقي إلى أن تراهما عيناي وإلى أن أكون في وطني، ~~كلا، فلا يتملكني الشوق إلا إلى أوديسيوس، الراحل. إنني أذكر ~~اسمه بالاحترام، أيها الغريب، بالرغم من غيابه؛ لأنه كان يحبني ~~حبا جما، وكان يهتم بي في قلبه غاية الاهتمام، وإنني لأدعوه ~~مولاي المحبوب، رغم عدم وجوده هنا.» # أوديسيوس يقسم للراعي بأن سيده سيعود # عندئذ أجابه أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، قائلا: «أيها ~~الصديق، ما دمت تنكر نكرانا باتا، وتعلن أن أوديسيوس لن ~~يعود ثانية، وقلبك دائما عديم الإيمان، إذن فسأخبرك ليس مجرد ~~إخبار كيفما اتفق ولكن بالقسم، أن أوديسيوس سيعود. ودعني أنل ~~جائزة على أنني قد حملت لك نبأ مفرحا؛ فبمجرد مجيئه، ووصوله ~~إلى البيت، عليك أن تلبسني عباءة وجلبابا، من الملابس ~~الأنيقة، ولكني لن أقبل شيئا قبل ذلك، مهما كانت حاجتي شديدة؛ ~~لأنني أمقت ذلك الرجل، الذي، وقد استسلم لضغط الفقر، فأخذ يقص ~~حكايات خداعة، بقدر مقتي لأبواب هاديس. والآن، كن شاهدي يا ~~زوس، يا من تعلو على جميع الآلهة، وأنت أيتها المائدة المضيافة، ~~ويا مدفأة أوديسيوس النبيل التي قد جئت إليها، بأنه ستتحقق كل ~~هذه الأشياء التي سأخبرك بها. في خلال نفس هذا اليوم، # 7 # سيأتي أوديسيوس إلى هنا، بمجرد أن يأفل القمر القديم ~~ويظهر القمر الجديد. إنه سيعود وينتقم من جميع أولئك الذين هنا لا ~~يبجلون زوجته ولا ابنه المجيد.» # يومايوس لا يصدق كلام أوديسيوس # فرددت عليه إذن، يا يومايوس راعي الخنازير فقلت: «أيها العجوز، ~~يبدو أنني لن أمنحك هذه الجائزة على الإتيان بالبشرى المفرحة، ms246 كما ~~أن أوديسيوس لن يعود قط إلى بيته، كلا يا سيدي اشرب في سلام، ~~ودعنا نفكر في أشياء أخرى، ولا تعد إلى ذهني هذه ~~الذكرى؛ إذ يتملك الحزن قلبي ~~الكائن في صدري كلما ذكر أحد شيئا عن سيدي الطيب. أما قسمك، ~~فلنتركه كما هو، ومع ذلك فإنني أتمنى أن يجيء أوديسيوس، كما أشتهي ~~أنا وبينيلوبي، والعجوز لايريتس، وتيليماخوس الشبيه بالإله. وها ~~أنا ذا الآن لا أكف عن الحزن، من أجل تيليماخوس الذي أنجبه ~~أوديسيوس؛ فعندما جعلته الآلهة بنمو فارع الطول أشبه بعود ~~الزان، ظننت أنه لن يكون بين البشر، بأية حال، أقل من أبيه ~~العزيز، رائع المنظر والقوام، ولكن أحد الخالدين شوه روحه ~~الحكيمة في داخله، أو ربما كان شخصا ما، فذهب إلى بولوس المقدسة ~~يستقي الأخبار عن والده، فإن المغازلين الأمجاد ليكمنون له وهو ~~عائد من رحلته إلى الوطن، كي يهلك نسل أركايسيوس # Arceisius # الشبيه بالإله ويبيدوا من ~~إيثاكا، فلا يبقى له اسم. بيد أننا ولا ريب سنبقيه؛ فقد يؤسر، ~~أو قد يهرب، وعندئذ يمد ابن كرونوس يده ليحميه، ولكن، هيا الآن، ~~أيها الرجل العجوز، أخبرني عن همومك، وأعلنها لي في صراحة، كي أكون ~~على علم تام بكل شيء، من أنت بين البشر، ومن أين قدمت؟ أين ~~مدينتك، وأين والداك؟ على أي نوع من السفن أتيت، وكيف جاء بك ~~البحارة إلى إيثاكا؟ وما جنسيتهم التي أخبروك بها؟ لأنه، حسب ~~اعتقادي، لم تأت، بأية حال من الأحوال، ماشيا على قدميك إلى ~~هنا.» # أوديسيوس يصارح الراعي بكل شيء عن نفسه # عندئذ أجابه أوديسيوس، الكثير الحيل، بقوله: «إذن فلأروين لك ~~حقا كل شيء في صراحة. ليتنا الآن نحن الاثنين نتناول الطعام ~~والخمر العذبة في الحال، كي نولم هنا في كوخك في هدوء بينما ~~ينصرف الآخرون هنا وهناك إلى أعمالهم؛ فعندئذ يكون من السهل أن ~~أقص عليك حكايتي وأستمر في سردها سنة كاملة، ومع ذلك فلن أنتهي ~~من قصة المحن التي كابدتها روحي؛ جميع المهام التي تحملتها ~~بإرادة الآلهة. # لقد أتيت من كريت ms247 الفسيحة، وإنني بالنسب، ابن رجل ثري. وقد ~~ولد ونشأ له أبناء كثيرون غيري في ساحاته، أبناء حقيقيون من ~~زوجة شرعية، ولكن الأم التي أنجبتني اشتريت، لقد كانت خليلة. ~~ومع ذلك فإن كاستور # Castor ~~، ابن ~~هولاكوس # Hylax # الذي أعلن أنني ~~أنحدر منه، قد بجلني تماما كأبنائه الحقيقيي المولد. وكان هو ~~في ذلك الوقت مبجلا كإله وسط الكريتيين في البلاد من أجل ~~ضيعته العظيمة وثروته، وأبنائه الأمجاد. غير أن مقادير الموت ~~حملته بعيدا إلى بيت هاديس، واقتسم أبناؤه المتغطرسون ثروته ~~فيما بينهم، مقترعين عليها. أما أنا فأعطوني حصة ضئيلة وخصوني ~~بمسكن، فاتخذت لي زوجة من بيت ثري واسع الممتلكات؛ إذ حظيت بها ~~بشجاعتي؛ لأنني لم أكن آنئذ ضعيفا، ولا رعديدا في القتال. والآن ~~قد غادرتني كل تلك القوة، ومع ذلك فبالرغم من هذا، تستطيع إذا ما ~~نظرت إلى حطامي الباقي، أن تحكم، حسب اعتقادي، بما كان لي من ~~قوة؛ فالمصائب تحيط بي، حقا، بأقصى درجة. غير أن أريس وأثينا، ~~منحاني الشجاعة وقتئذ والقوة التي تحطم صفوف الرجال، وكلما ~~نصبت كمينا لمن أختاره من خيرة المحاربين، باذرا لعدوي بذور ~~الشر، ما كانت روحي الشامخة ترهب الردى، بل كنت البادئ بالانقضاض ~~على العدو، وقتله برمحي، وهو يطلق العنان لقدميه فرارا من أمامي. # 8 # هكذا كنت أنا في الحرب، أما العمل في الحقل فلم يكن ~~حبيبا إلى نفسي إطلاقا، ولا الاهتمام بشئون البيت، التي تنشئ ~~خير الأطفال، بل كنت أميل دائما إلى السفن ذات المجاذيف، شغوفا ~~بالحروب، والرماح المصقولة، والسهام، أدوات الجد، التي كان من عادة ~~غيري أن يرتعد منها، ولكن تلك الأشياء، كما أعتقد، كانت عزيزة ~~عندي؛ إذ وضعها الرب في قلبي؛ لأن مختلف الرجال يجدون متعة في ~~شتى الأعمال؛ فقبل أن تطأ أقدام أبناء الآخيين أرض طروادة، كنت ~~تسع مرات قد اضطلعت بقيادة محاربين وسفن سريعة الإبحار ضد ~~أقوام أجانب، وسقطت في يدي الغنائم الهائلة في كل مرة، فكنت ~~أختار منها ما يروقني، كما كنت أنال كثيرا منها بالاقتراع. بهذه ~~الطريقة أثري منزلي ms248 بسرعة، وصرت فيما بعد رجلا يخشى بأسه ~~ومبجلا وسط الكريتيين. # بيد أنه عندما دبر زوس، ~~الذي يحمل صوته نائيا تلك الرحلة الممقوتة التي أرخت ركب كثير ~~من المحاربين؛ عندئذ أمروني، أنا وإيدومينوس المجيد بأن نتولى ~~قيادة السفن إلى إليوس، ولم يكن هناك سبيل لأن نرفض؛ إذ أخذ صوت ~~الشعب يضغط علينا بشدة، فحاربنا هناك، نحن أبناء الآخيين، لمدة ~~تسع سنوات، وفي السنة العاشرة سلبنا مدينة بريام، ورحلنا في ~~السفن إلى وطننا، وبدد أحد الآلهة شمل الآخيين. أما أنا الرجل ~~الشقي، فقد دبر لي الشر، زوس، المستشار. بقيت في سرور مع ~~أولادي، لمدة شهر واحد، ومع زوجتي الشرعية، وسط ثروتي، غير أن ~~روحي أمرتني بعد ذلك بالسفر إلى مصر مع رفقائي الشبيهي بالآلهة، ~~بعد أن زودت سفني جيدا بالمعدات، تسع سفن أعددتها، وتجمع ~~الجيش في سرعة. راح زملائي الأوفياء، بعد ذلك، يولمون لمدة ستة ~~أيام، وأعطيتهم كثيرا من الذبائح، كي يقدموها للآلهة، ~~ويعدوا وليمة لأنفسهم، وفي اليوم السابع ركبنا السفن وأقلعنا ~~من كريت الفسيحة، بينما تهب الريح الشمالية رقيقة ومعتدلة، ~~وأخذنا نشق طريقنا في سرعة وسهولة كأننا مع التيار. ولم تصب ~~أية سفينة من سفني بضرر ما، بل كنا نجلس في منحنى من الشر ~~والمرض، وطفقت الريح ومدير الدفة يقودان السفن. # وصلنا في اليوم الخامس إلى أيجوبتوس # Aegyptus # الهادئ الجريان، فأرسيت سفني المقبية في ~~نهر أيجوبتوس؛ عندئذ أمرت زملائي المخلصين بالبقاء هناك بجوار ~~السفن، وبحراستها، وأرسلت العيون إلى أماكن الاستطلاع. غير أن ~~رفقائي، وقد خلعوا عذارهم للشهوة، مدفوعين بما لديهم من قوة، راحوا ~~من فورهم يخربون حقول رجال مصر الجميلة، وخطفوا النساء وصغار ~~الأطفال، وقتلوا الرجال، فبلغ الصراخ بسرعة المدينة، فلما سمع ~~أهلها الصياح، هرع الناس مع الفجر، وامتلأ السهل كله بالمشاة، ~~وبالعربات وببريق البرونز، ولكن زوس، الذي يقذف بالصاعقة، ألقى ~~ذعرا رهيبا على رفاقي، ولم تعد لدى أي واحد منهم الشجاعة ~~للثبات ومواجهة العدو؛ إذ أحاط بنا الأذى ~~من كل ناحية؛ وعلى ذلك قتلوا ~~منا بالبرونز الحاد نفرا كثيرا، وأسروا ms249 آخرين إلى مدينتهم، ~~ليسخروهم بالقوة في أعمالهم، أما أنا فقد ألهمني زوس هذه ~~الفكرة - وليتني مت ولقيت حتفي هناك في مصر؛ إذ كان الحزن يرحب ~~بي وقتئذ، - فأسرعت بخلع خوذتي الجيدة الصنع عن رأسي، وألقيت ~~بالترس عن كتفي، وتركت الرمح يسقط من يدي، وانطلقت نحو جياد ~~عربة الملك، وعندئذ أمسكت ركبتيه، وقبلتها فأعتقني وأشفق ~~علي، فأركبني في عربته وأخذني، وأنا أبكي إلى منزله. والحق أن ~~كثيرين منهم هجموا علي برماحهم الدردارية، قاصدين قتلي؛ إذ كانوا ~~يتميزون حنقا، ولكنه أبعدهم، محترما غضب زوس، رب الغرباء، ~~الذي يحتقر الأعمال الشريرة أكثر من جميع الآخرين. # بقيت هناك سبع سنوات، جمعت في خلالها ثروة طائلة من ~~المصريين؛ إذ قدم لي الجميع الهدايا. بيد أنه عندما وافت السنة ~~الثانية الدوارة، أقبل رجل من فينيقيا Phoenicia ~~، # 9 # على شيء كثير من البراعة في الخداع، خبيث وطماع، فحاك ~~لي الشر العظيم وسط الناس. لقد بذني في دهائه، وصحبني معه حتى ~~بلغنا فينيقيا، حيث يوجد بيته وممتلكاته، ومكثت معه في هذا المكان ~~سنة كاملة. وما إن اكتملت الشهور والأيام أخيرا، بمرور العام، ~~وأقبلت الفصول، حتى وضعني على ظهر سفينة عابرة للبحار متجهة نحو ليبيا، # 10 # بعد أن ادعى كاذبا أنني سأحمل له شحنة إلى هناك، ~~ولكنه كان يقصد أن يبيعني بثمن مرتفع؛ وعلى ذلك ركبت معه ~~السفينة، وأنا أشك في نيته وخداعه، ولكن لم تكن لي حيلة، فأخذت ~~السفينة تمخر عباب اليم أمام الريح الشمالية التي كانت تهب ~~عليلة هادئة، متخذة طريقها وسط البحر نحو ريح كريت، ودبر زوس ~~الهلاك للرجال. وعندما غادرنا كريت، وابتعدنا عن اليابسة فلم نعد ~~نراها، بل ما كنا نبصر غير السماء والبحر، أرسل ابن كرونوس غمامة ~~سوداء فوق السفينة الواسعة، فشمل الظلام البحر أسفلها، وعندئذ ~~أرعد زوس، وقذف صاعقته على السفينة، فترنحت من حيزومها إلى ~~كوثلها، وقد أصابتها صاعقة زوس، فامتلأت بدخان الكبريت، ووقع جميع ~~البحارة خارج السفينة، فحملتهم الأمواج حول السفينة السوداء، ~~كأنهم غربان، وسلبهم الرب عودتهم. أما أنا فقد تحنن علي ms250 زوس ~~عندما فاض قلبي بالمحن، فوضع ~~في يدي صاري السفينة الدكناء المقدمة المتموج # 11 # كي أستطيع النجاة مرة أخرى من الهلاك، فتشبثت به، ~~وحملتني الرياح العاتية. وهكذا بقيت محمولا تسعة أيام حتى كانت ~~الليلة العاشرة الظلماء حملتني اللجة المتدحرجة إلى بلاد ~~الثيسبروتيس # Thesprotians ~~، ~~فأخذني السيد فايدون Pheidon # ملك ~~الثيسبروتيس، ولم يطلب مني فدية؛ إذ وجدني ابنه العزيز، وقد ~~برح بي القر والتعب، فرفعني من يدي، وقادني حتى بلغت قصر ~~أبيه، وألبسني معطفا وعباءة يستران جسدي. # 12 # هناك سمعت عن أوديسيوس؛ لأن الملك قال إنه أكرم وفادته، ورحب ~~به وهو في طريقه إلى وطنه، وأراني جميع الكنوز التي جمعها ~~أوديسيوس، من البرونز والذهب والحديد، مصنوعة بمهارة، والحق يقال ~~إنها لتكفي إطعام أطفاله حتى الجيل العاشر من بعده؛ فلقد كانت ~~الثروة الموضوعة في ساحات الملك محفوظة له، عظيمة بالغة، ولكنه ~~قال، إن أوديسيوس قد رحل إلى دودونا # Dodona ~~، # 13 # ليعرف مشيئة زوس من شجرة بلوط الرب الشامخة، وكيف ~~يستطيع العودة إلى أرض إيثاكا الخصبة بعد مثل ذلك الغياب الطويل، ~~سواء عرف ذلك جهرا أو سرا. وزيادة على ذلك فقد أقسم في حضوري، ~~وهو يصب السكائب في بيته، أن السفينة قد أنزلت إلى الماء واستعد ~~الرجال الذين كان عليهم أن يحملوه إلى وطنه العزيز غير أنه أرسلني ~~أنا أولا؛ إذ تصادف أن كانت إحدى سفن الثيسبروتيس راحلة إلى ~~دوليخيوم # Dulichium ~~، محملة ~~قمحا، فأمرهم أن ينقلوني إلى هناك في عناية كريمة، إلى الملك ~~أكاستوس # Acastus ~~، # 14 # بيد أن رأيا شريرا لقي الحظوة في قلوبهم، لكي ~~ينالني أنا أيضا شقاء شامل؛ فما إن ابتعدت السفينة ماخرة ~~البحار عن اليابسة، حتى سعوا إلى أن يدفعوني من فورهم إلى يوم ~~العبودية، فجردوني من ملابسي، معطفي وعباءتي، وألبسوني ملابس ~~أخرى، معطفا وعباءة حقيرين مهلهلين، هي هذه الأسمال البالية ~~التي تراها أمام عينيك، ولما أقبل المساء بلغوا حقول إيثاكا ~~المفلوحة البادية للناظرين. # فقيدوني بعد ذلك بحبل مفتول، وربطوني في السفينة ذات المقاعد، ~~ونزلوا هم أنفسهم إلى الشاطئ، وأسرعوا يتناولون ms251 عشاءهم بجوار شاطئ ~~البحر. أما أنا فقد حلت الآلهة أنفسها قيودي في سهولة تامة، ~~وبعد أن لففت العباءة المهلهلة حول رأسي، انزلقت أسفل الدفة # 15 # الملساء، متجها بصدري نحو البحر، ثم أخذت أضرب ~~الماء بكلتا يدي، وسبحت، وبغاية السرعة كنت خارج اليم، بعيدا ~~عنهم. بعد ذلك صعدت إلى مكان دغل من الأشجار الكثيفة الأوراق، ~~حيث بقيت مختبئا. # فأخذوا يبحثون عني هنا وهناك وهم يرسلون الصيحات عالية، ولكن ~~لما بدا لهم عدم جدوى التوغل في البحث، عادوا أدراجهم إلى ظهر ~~سفينتهم الواسعة. وكانت الآلهة أنفسها قد أخفتني في سهولة، ~~وأحضرتني بقيادتها إلى صنيعة رجل حكيم؛ لأنه كان لا يزال من حظي ~~أن أعيش.» # يومايوس لا يصدق رواية أوديسيوس # فأجبته إذن يا راعي الخنازير يومايوس، وقلت: «يا لك من رجل ~~غريب تعيس! لقد أثرت حقا في قلبي، تأثيرا عميقا، بسردك كل ~~قصة متاعبك وتجوالاتك، ولكنك في هذا، حسب اعتقادي، لم تذكر ~~الحقيقة، كما أنك لن تجعلني بها أصدق ما رويته عن أوديسيوس، ~~لماذا تبقى أنت، يا من عانيت مثل هذه الأهوال، بدون قصد؟ كلا، ~~فإنني من تلقاء نفسي أعرف جيدا ما يتعلق بعودة سيدي، إنه كان ~~ممقوتا أشد المقت لدى جميع الآلهة؛ ولذلك لم يقتلوه وسط ~~الطرواديين، أو بين سواعد أصدقائه، عندما انتهى من معمعان القتال؛ ~~عندئذ كان سائر جيش الآخيين قد أقاموا له قبرا، وكان ينال ابنه ~~كذلك بالغ المجد في الأيام المقبلة، ولكن الذي حدث أن أرواح ~~العاصفة جرفته بعيدا، ولم تترك ~~عنه أي خبر. وأنا من ناحيتي، ~~أعيش هنا منعزلا مع خنازيري، لا أذهب إلى المدينة، إلا إذا ~~تصادف أن أمرتني بينيلوبي العاقلة بالتوجه إليها، عندما ~~يصلها نبأ من أي مكان؛ عندئذ يجلس الناس حول من أتى بالأخبار، ~~ويسألونه عن قرب، أولئك الذين يحزنون من أجل سيدهم، الذي رحل منذ ~~مدة طويلة، ومن يغتبطون وهم يأكلون أمواله بدون كفارة. أما أنا ~~فلا أهتم بالسؤال أو الاستفسار، منذ أن خدعني رجل إيتولي بقصة، ~~رجل كان قد قتل شخصا آخر، وبعد ms252 أن هام على وجهه عبر الأرض ~~الفسيحة جاء إلى منزلي، فأحسنت استقباله والترحيب به، قال إنه رأى ~~أوديسيوس وسط الكريتيين في قصر إيدومينيوس، يرمم سفنه التي ~~حطمتها الأعاصير، وأخبرنا أن أوديسيوس سيجيء إما صيفا وإما في ~~فصل الحصاد، يحمل معه كنزا عظيما مع رفقائه الشبيهي الآلهة. كذلك ~~أنت، أيها الرجل العجوز، يا من قاسيت كثيرا من الأحزان، فطالما ~~أن أحد الآلهة قد أحضرك إلي، فلا تحاول أن تكسب رضاي ~~بالأكاذيب ، ولا أن تتملقني بأية حال من الأحوال، فلن أبدي ~~احترامي لك أو العطف نحوك بسبب تلك المختلقات، وإنما خوفا من ~~أوديسيوس، إله الغريب، وشفقة بك.» # أوديسيوس والراعي يعقدان ميثاق اتفاق # عندئذ أجابه أوديسيوس ذو الحيل العديدة، قائلا: «حقا يا لك ~~من رجل في صدره قلب بطيء الإيمان! إذ إنني، وقد أقسمت لك هكذا، ~~لم أقنعك ولم أحرك فيك ساكنا، ولكن هلم بنا الآن، دعنا نعقد ~~ميثاقا فيما بيننا، ولسوف تكون الآلهة التي تحتل أوليمبوس شهيدة ~~على كلينا مستقبلا. إذا عاد سيدك إلى هذا المنزل، أن تلبسني ~~معطفا وعباءة، وترسلني في طريقي إلى دوليخيوم، حيث يطيب لي ~~المقام. أما إذا لم يأت سيدك كما أقول، فأطلق العبيد علي، ~~واقذف بي من فوق صخرة ضخمة، حتى أكون عبرة لشحاذ آخر فلا يلجأ ~~إلى الخداع.» # فرد عليه راعي الخنازير العظيم، وقال: «ليكن هذا، أيها الغريب، ~~وعندئذ حقا أستطيع الفوز بالصيت الجميل بين البشر الآن وفيما ~~بعد؛ إذ إنني أنا الذي آويتك في كوخي، وقدمت لك القرى، ~~قتلتك، وسلبتك، حياتك الغالية. إذن يحق لي أن أصلي بقلب مستعد ~~إلى زوس بن كرونوس. والآن، ها قد حان موعد العشاء، وسيأتي زملائي ~~إلى هنا سريعا، فيمكننا إذن أن نعد في الكوخ عشاء ~~شهيا.» # يومايوس يقيم وليمة لأوديسيوس # هكذا قال كل منهما للآخر، ثم اقتربت الخنازير ورعاتها، ~~فأقفلوا على الخنازير حظائرها المعتادة لكي تنام، فأخذت تطلق ~~صيحات عجيبة، وهي تحبس في الحظائر، ثم نادى راعي الخنازير الطيب ~~رفاقه، قائلا: ~~«إيتوني بخير ما لديكم من ذكور الخنازير كي ms253 أذبحه لهذا الضيف ~~الغريب القادم من بلاد نائية، كما أننا أيضا سوف ننال منه شيئا، ~~نحن الذين طالما تحملنا العناء والتعب من أجل هذه الخنازير ذات ~~الأنياب البيض بينما يأكل آخرون ثمرة جهودنا بدون وجه ~~حق.» # ما إن قال هذا حتى أخذ يشق بعض الأخشاب بالبرونز القاسي، وجاء ~~الآخرون بخنزير مسمن ذي خمس سنوات، ووضعوه بجانب الوطيس. ولم ~~ينس راعي الخنازير الخالدين؛ إذ كان ذا قلب مدرك، فرمى في النار ~~شعرا خشنا من رأس الخنزير الأبيض النابين كتقدمة أولى، ~~وصلى لجميع الآلهة طالبا عودة أوديسيوس العاقل إلى منزله ثم ~~نهض، وهوى على الخنزير بقطعة من شخب البلوط، كان قد تركها وهو ~~يشق الأخشاب، فغادرت روح الخنزير جسده، فقطع الآخرون رقبة ~~الخنزير، وفصلوها وبسرعة قطعوه إلى أجزاء، وكتقدمة أولى أخذ ~~راعي الخنازير قطعا من اللحم النيئ من جميع أطرافه، ولفها ~~بشيء كثير من الدهن. وهذه ألقاها في النار بعد أن نثر فوقها طحين ~~الشعير، أما ما بقي من الخنزير فقطعوه وسفدوه، وبعد أن أتقنوا ~~شواءه، أخرجوه جميعه من النار، وجعلوه أكواما في قصعات. بعد ~~ذلك وقف راعي الخنازير ليقطع؛ إذ كان ماهرا في التوزيع بالعدل، ~~فأخذ الجذع وقطعه وقسمه إلى سبعة أنصبة، وضع أحدها جانبا وهو ~~يصلي من أجل الحوريات وهيرميس بن ميا # Maia ~~، # 16 # ثم وزع الباقي على كل فرد. وقد أكرم أوديسيوس فخصه ~~بالسلسلة الطويلة لظهر الخنزير ذي النابين الناصعي البياض، فأدخل ~~بذلك السرور إلى نفس سيده، فخاطبه أوديسيوس، ذو الحيل الكثيرة، ~~قائلا: ~~«أيا يومايوس، أرجو أن تكون عزيزا لدى الأب زوس بقدر ما أنت ~~عزيز لدي، حيث إنك قد خصصتني بنصيب طيب، رغم كوني في مثل ~~هذه المسغبة.» # إذن أجبته يا يومايوس، يا راعي الخنازير، فقلت: «تفضل، # 17 # أيها الضيف الشقي، وتمتع بما هنا من طعام. إنه الرب ~~الذي يعطي رجلا شيئا ويمنعه آخر. كما يبدو حسنا لفؤاده؛ إذ هو ~~قادر على كل شيء.» # هكذا قال ثم قدم الأطراف كتقدمة للآلهة الخالدين، وبعد أن صب ~~السكائب من الخمر ms254 الصهباء، وضع الكأس في يدي أوديسيوس، مخرب ~~المدن، ثم استوى في مجلسه بجانب نصيبه. وقدم ميساوليوس # Mesaulius ~~، الذي حصل عليه راعي ~~الخنازير لنفسه وحده، الخبز، وقد اشترى الراعي ذلك العبد من ~~التافيين بأمواله دون علم سيدته أو العجوز لايرتيس. وهكذا مدوا ~~أيديهم إلى الخير الشهي الموضوع أمامهم. وبعد أن تناولوا من ~~الطعام والشراب ملء بطونهم، رفع ميساوليوس الطعام، وعندئذ رغبوا ~~في الذهاب إلى راحتهم، بعد أن شبعوا من الخبز واللحم. # أوديسيوس يعجم عود راعي الخنازير # عندئذ أقبل الليل، دامسا بدون قمر، وأمطر زوس طوال الليل كله. ~~وهبت الريح الغربية، الدائمة الأمطار، في عنف بالغ، فتحدث ~~أوديسيوس في وسطهم، عاجما عود راعي الخنازير، ليرى ما إذا كان ~~يمكنه أن يخلع عباءته ويعطيه إياها، أو إذا كان سيأمر شخصا آخر ~~من رفاقه بأن يفعل ذلك، حيث إنه كان يحتفي به احتفاء بالغا ~~فقال: ~~«استمع إلي الآن، يا يومايوس، وأنتم يا سائر رجاله جميعا، ~~فسأقص عليكم حكاية من تلقاء نفسي؛ إذ تأمرني بذلك الخمر الدنسة، ~~التي تدفع المرء، مهما كان حكيما، إلى الاسترسال في الغناء ~~والضحك، وتزين له أن ينهض فيرقص، نعم وتخرج من بين شفتيه ~~ألفاظا، من الحكمة الإمساك بها. ومع ذلك، فبما أنني قد صارحتكم ~~القول من قبل، فلن أخفي الآن شيئا. ليتني كنت شابا في قوتي ~~المكينة التي كانت لي عندما أعددنا الكمين، وأحكمنا إعداده تحت ~~أسوار طروادة. كان قادة ذلك هم أوديسيوس ومينيلاوس بن أتريوس، وأنا ~~ثالثهم؛ لأنهما هكذا دبرا الأمر بأنفسهما. وعندئذ لما بلغنا ~~المدينة وحائطها الشديد الانحدار، الذي يطوق المدينة، فرقدنا ~~في الغابة الكثيفة بين القصب ~~والأرض الموحلة، محتجبين بسواعدنا، ثم أقبل الليل، داجيا عندما ~~هبت الريح الشمالية، وكانت شديدة البرودة، وهطل الثلج علينا من ~~فوقنا، فغطانا كأنه الصقيع، البالغ البرودة، وتراكم الثلج فوق ~~دروعنا. كان لدى الجميع معاطف وعباءات، فناموا في سلام، واضعين ~~دروعهم فوق أكتافهم، ولكنني، عندما ظعنت، كنت قد تركت عباءتي ~~ورائي، مع رفاقي في حماقتي؛ لأنني لم أكن أتصور أن سيبلغ بي ~~القر ms255 تلك الدرجة، وجئت بدرعي فقط وبخوذتي اللامعة. بيد أنه عندما ~~كان الهزيع الثالث من الليل، وقد دارت النجوم في فلكها، تحدثت ~~إلى أوديسيوس الذي كان قريبا مني، واكزا إياه بمرفقي، فأصغى ~~إلي من فوره، وقلت له: ~~«يا ابن لايرتيس، يا سليل زوس، يا أوديسيوس الكثير الحيل، ~~العجيب، إنني لن أكون الآن بين الأحياء. كلا، فإن الزمهرير ~~ليقتلني، لعدم وجود عباءة معي؛ فإن أحد الآلهة قد خدعني فارتديت ~~عباءتي ليس غير، والآن ليس هناك أي مجال للنجاة.» # هكذا قلت، وبعد ذلك دبر الخطة التالية في فؤاده؛ إذ كان داهية ~~في وضع الخطط وفي القتال، فتكلم بصوت منخفض، وقال لي: «صه الآن، ~~خشية أن يسمعك شخص آخر من الآخيين.» # بهذا رفع رأسه فوق مرفقه، وتحدث، قائلا: «أصغوا إلي، يا ~~أصدقائي، لقد جاءني حلم، من لدن الآلهة، في نومي. وا عجباه! لقد ~~وصلنا بعيدا جدا عن السفن، وكنت أتمنى أن يكون هناك من يحمل ~~كلمة إلى أجاممنون بن أتريوس، قائد الجيش، عسى أن يأمر عددا أكبر ~~من الرجال بأن يحضر من السفن.» # هكذا قال، فقفز ثواس # Thoas # 18 # ابن أندرايمون # Andraemon ~~، ناهضا في سرعة وخلع عنه عباءته ~~الأرجوانية وشرع يجري إلى السفن، فأخذت رداءه، ورقدت فيه ~~مسرورا بعد ذلك، ثم لاح الفجر الذهبي العرش. كم أتمنى أن أكون ~~شابا يافعا كما كنت في ذلك الوقت، في قوتي البالغة؛ عندئذ كان ~~أحد رعاة الخنازير في هذه الضيعة يعطيني عباءته بدافع الشفقة ~~وبدافع تبجيل محارب مقدام، ولكنهم يحتقرونني، كما هو الحال؛ لأنني ~~أرتدي أسمالا بالية.» # يومايوس يفوز بثقة أوديسيوس # إذن رددت عليه يا يومايوس، يا راعي الخنازير، فقلت: «ما أجمل ~~القصة التي رويتها، أيها الرجل العجوز! وحتى الآن لم تنطق بشيء ~~خارج أو عديم الجدوى؛ ومن ثم فلن يفتقر متضرع في شدة التعب، ~~إلى ملبس أو إلى أي شيء آخر، عندما يقابل امرأ - لهذه الليلة ~~على الأقل. أما في الصباح فسوف تخلع عنك هذه الملابس الرثة؛ إذ ليس ~~هنا عباءات كثيرة أو معاطف يمكنك أن ms256 ترتديها، ولكن لكل رجل ~~عباءة واحدة فقط. وعندما يجيء ابن أوديسيوس العزيز، سيعطيك أنت ~~نفسك معطفا وعباءة تلبسهما، وسيرسلك إلى أي مكان يريد قلبه ~~وروحه أن يرسلاك إليه.» # ما إن قال هذا، حتى نهض وأعد فراشا لأوديسيوس، بالقرب من ~~الوطيس، ووضع فوقه جلود الأغنام والماعز، فرقد أوديسيوس هناك، ~~وغطاه راعي الخنازير بعباءة عظيمة سميكة، كان يحتفظ بها كرداء ~~له إذا ما هبت ريح عاتية. # وهكذا نام أوديسيوس هناك، ونام إلى جانبه الرجال الشبان. أما ~~راعي الخنازير فلم يكن يروقه فراش في ذلك المكان؛ إذ لا يود ~~أن يرقد بعيدا عن الخنازير وعلى ذلك تأهب للخروج، فسر أوديسيوس ~~أنه كان يعتني كثيرا بأموال سيده في أثناء غيابه، فبدأ يومايوس ~~بأن علق سيفه الحاد فوق كتفيه القويتين، ثم التف بعباءة ~~كثيفة، تدرأ عنه الريح، والتقط جزة ماعز كبيرة مسمنة جيدا، ~~وتناول رمحا حادا ليدفع به الكلاب والرجال، ثم ذهب ليرقد حيث ~~كانت الخنازير ذات الأنياب البيض ترقد أسفل صخرة ضخمة، في مكان ~~لا تصل إليه الريح الشمالية. # | الأنشودة الخامسة عشرة # أثينا تنصح تيليماخوس بالعودة إلى الوطن # أما بالاس أثينا فتوجهت إلى لاكيدايموس الفسيحة لتذكر ~~الابن المجيد لأوديسيوس العظيم القلب بأمر عودته، وتعجل قدومه، ~~فوجدت تيليماخوس وابن نسطور المجيد راقدين في البهو الأمامي بقصر ~~مينيلاوس المجيد. وكان النوم الرقيق يسيطر على ابن نسطور، بينما ~~الكرى اللذيذ لم يتمكن من تيليماخوس، بل نفت الأفكار القلقة ~~المتعلقة بأبيه النوم عن عينيه طوال الليل الخالد كله، ~~فوقفت أثينا ذات العينين النجلاوين بالقرب منه، وقالت: # كذلك أنا أقدم لك هذه ~~الهدية، يا ولدي العزيز، ذكرى من يدي هيلينا. ~~«أي تيليماخوس، إنك لا تحسن صنعا بالتجول بعيدا عن بيتك ~~أكثر من ذلك، تاركا وراءك في دارك ثروتك ورجالا على أقصى ما ~~يكون من الصفاقة؛ فقد يخشى أن يقتسموا جمع ممتلكاتك ويبتلعوها؛ ~~وعندئذ تكون رحلتك عبثا. هيا، أنهض مينيلاوس الماهر في صيحة ~~الحرب، بغاية السرعة ليبعث بك في طريقك، حتى تستطيع أن تجد أن أمك ~~النبيلة ما زالت في ms257 بيتها؛ لأن أباها الآن وإخوتها يأمرونها ~~بالزواج من يوروماخوس # Eurymachus ~~، # 1 # الذي تفوق على سائر المغازلين في هداياه، وقد زاد في ~~هداياه الغزلية، فكن حذرا لئلا تحمل بعيدا عن ساحاتك كنزا ما ضد ~~إرادتك؛ فأنت تعرف أي نوع من الروح يوجد في صدر المرأة. إنها تضع ~~نصب عينيها أن تزيد في منزل الرجل الذي يتزوجها، ولكنها لا تفكر ~~في أطفالها السابقين وفي سيد شبابها، إذا حدث ومات ذات يوم، ولا ~~تهتم فيها بعد ذلك. هيا انطلق وضع بنفسك جميع ممتلكاتك في عهدة ~~أي خادم تراه خيرهم جميعا، وإلى أن توفقك الآلهة إلى عروس ~~نبيلة. وسأقول لك شيئا آخر، يجب أن تضعه في قلبك. إن خير الرجال ~~المغازلين يكمن لك مع سبق الإصرار في المضيق الواقع بين إيثاكا وساموس # 2 # الوعرة، متلهفا إلى اغتيالك قبل أن تصل إلى وطنك، ~~ولكني أعتقد أن هذا لن يحدث؛ إذ قبل ذلك سوف تغطي الأرض ~~الكثيرين من المغازلين الذين يبددون أموالك، فابتعد دائما ~~بسفينتك المكينة البناء عن الجزر، مبحرا ليلا ونهارا، وهل لذلك ~~الخالد الذي يرعاك ويحرسك، أن يرسل نسيما معتدلا عقب إبحار ~~سفينتك؟ ومتى بلغت أقرب شواطئ إيثاكا، ~~أرسل سفينتك وجميع رفقائك إلى ~~المدينة، وأسرع أنت نفسك بالذهاب إلى راعي الخنازير الذي يحرس ~~الخنازير، ويكن لك في صدره كل عطف. اقض الليل هناك، ومره ~~بالذهاب إلى المدينة ليحمل كلمة إلى بينيلوبي الحكيمة أن تحافظ ~~على سلامتك، وأنك قد عدت من بولوس.» # بايسيستراتوس ينصح يتليماخوس بالتريث # ما إن أفضت إليه بذلك القول حتى انصرفت إلى أوليمبوس الشامخ. ~~أما تيليماخوس فأيقظ ابن نسطور من النوم اللذيذ، ونبهه بأن أمسك ~~بعقبه، وتحدث إليه قائلا: ~~«استيقظ، يا بايسيستراتوس Peisisratus ~~، # 3 # يا ابن نسطور، وأحضر جيادك المتلهبة الحوافر، # 4 # واربطها إلى النير بالعربة، كي يمكننا أن نسرع في ~~طريقنا.» # فأجابه بايسيستراتوس بن نسطور، بعد ذلك بقوله: «أي تيليماخوس، لا ~~نستطيع بأية حال من الأحوال أن نركب خلال الليل الدامس، مهما كان ~~تلهفنا إلى الرحيل، وسرعان ما سيأتي الفجر. إذن ms258 انتظر، إلى أن ~~يحضر مينيلاوس، المشهور برمحه، ابن أتريوس، الهدايا ونضعها في ~~العربة، ويرسل بنا في طريقنا بعبارات الوداع الرقيقة؛ فإن الضيف ~~ليذكر في جميع أيامه، ذلك المضيف الذي يبدي له العطف.» # مينيلاوس يبدي استعداده لمساعدة تيليماخوس # هكذا قال، وفي الحال أقبل الفجر الذهبي العرش؛ وعندئذ أقبل ~~إليهما مينيلاوس، الرائع في صيحة الحرب، ناهضا من عربته من جانب ~~هيلينا الجميلة الغدائر، فما إن أبصر به الأمير العزيز ابن ~~أوديسيوس، حتى أسرع يرتدي مدرعته البراقة، ويضع فوق كتفيه ~~القويتين عباءته العظيمة، وذهب قدما، ثم تقدم تيليماخوس ~~العزيز، ابن أوديسيوس المقدس، من مينيلاوس وخاطبه بقوله: ~~«أي مينيلاوس، يا ابن أتريوس، يا ربيب زوس، يا قائد الجيوشن هيا ~~ابعث بي الآن ثانية إلى وطني العزيز؛ فإن قلبي يتوق الآن للعودة ~~إلى الوطن.» # عندئذ أجابه مينيلاوس، الرائع في صيحة الحرب، بقوله: «هيا ~~تيليماخوس، الحق أنني لن أحتفظ بك هنا مدة طويلة، ما دمت تواقا ~~إلى العودة. كلا، فلا بد أن ألوم غيري، من المضيفين، الذين ~~يتفانون في الحب والكراهية أكثر من القدر اللازم؛ فخير الأمور ~~أواسطها في كل شيء. كما أنه من الخطأ كذلك أن يعمل المرء برحيل ~~ضيف غير راغب في الانصراف، أو أن يمنع ذهاب ضيف يتوق إلى الرحيل. ~~على المرء أن يرحب بالضيف الحاضر، ويبعث بمن يريد أن يرحل، ولكن ~~تمهل الآن حتى أجيء بالهدايا الجميلة وأضعها في عربتك، وتراها ~~عيناك، وحتى آمر النساء بإعداد وليمة في البهو من الخزين المتوفر ~~بالداخل. إنها لنعمة مزدوجة - مجلبة للشرف والمجد، والربح كذلك - ~~فيجب إطعام المسافر قبل إبحاره عبر اليم الفسيح المترامي ~~الأطراف. وإذا كنت تواقا إلى السفر عبر هيلاس وخلال أرجوس، ~~فليكن كما تريد، على شرط أن أتمكن أنا نفسي من الذهاب في مصاحبتك، ~~ولسوف أضع النير فوق الجياد من أجلك، وأقودك إلى مدن البشر؛ فلن ~~يتركنا أحد نذهب من عنده خاليي الأيدي، بل يعطينا بعضهم شيئا على ~~الأقل لنحمله معنا، ركيزة برونزية بديعة أو قدرا، أو زوجا من ~~البغال، أو كأسا ذهبية.» ms259 # بعد ذلك رد عليه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «مينيلاوس بن ~~أتريوس، يا ربيب زوس، ويا قائد الجيوش، إنني لأوثر أن أرحل الآن ~~إلى بيتي؛ لأنني عندما انصرفت من هنالك، لم أترك ورائي أحدا يرعى ~~ممتلكاتي. إنني أتمنى وأنا أبحث عن أبي شبيه الإله ألا أهلك أنا ~~نفسي، أو أن بعضا من كنزي العظيم يضيع من ساحاتي.» # مينيلاوس وهيلينا يعطيان تيليماخوس هدايا ثمينة # والآن إذ سمع مينيلاوس، الماهر في القتال، هذا الكلام، أمر في ~~الحال زوجته وخادماته بأن يعددن في الساحة وليمة من الخزين ~~الوفير الموجود بالدار، # 5 # وعندئذ جاء إتيونيوس # Eteoneus # ابن بويثوس # Boethous ~~، وقد نهض لفوره من فراشه؛ إذ لم يكن يقطن ~~بعيدا عنه، فأمره مينيلاوس الرائع في صيحة الحرب، بأن يوقد نارا ~~ويشوي لحما، فأطاع وأذعن بالأمر. ونزل مينيلاوس نفسه إلى حجرة ~~الخزائن المقبية. # 6 # ولم يذهب إليها وحده، بل كانت معه هيلينا وميجابينثيس # Megapenthes ~~، # 7 # فلما بلغوا المكان الذي كانت تحفظ فيه الكنوز، تناول ~~ابن أتريوس كأسا ذات يدين، وأمر ابنه ميجابينثيس بأن يحمل طاس ~~مزج من الفضة. وتقدمت هيلينا من الصناديق التي كانت بها الثياب ~~البديعة الوشي، التي كانت صنعتها هي نفسها، فأمسكت السيدة ~~الجميلة هيلينا، أحد تلك الأثواب، وحملته بعيدا، ثوبا كان أجمل ~~الأثواب وشيا وأوسعها. كان كالنجم بريقا، وموضوعا أسفل سائر ~~الثياب جميعا، ثم خرجوا بعد ذلك، وساروا عبر المنزل إلى أن ~~وصلوا إلى تيليماخوس، فقال له مينيلاوس، الجميل الشعور: ~~«أيا تيليماخوس، ليت زوس، زوج هيري # Here # 8 # العالي الرعد، أن يحقق لك عودتك بحق، كما يشتهي ~~قلبك ويتوق. ومن بين الهدايا التي أحتفظ بها في قصري، أقدم لك ~~هذه الهدية، التي هي أجمل كنوزي وأغلاها. سأعطيك طاس مزج بديع ~~الصنعة، كله من الفضة، وحافاته مكسوة بالذهب، من صنع هيفايستوس، # 9 # كان قد أعطانيها المحارب فايمدموس Phaedimus ~~، ملك السيدونيين، عندما آواني منزله وأنا ~~قادم إلى هنا، وإنني لأعتزم الآن أن أمنحك إياها.» # ما إن قال المحارب، ابن أتريوس، هذا، حتى وضع الكأس ذات ~~المقبضين في ms260 يديه، وأحضر ميجابينثيس العتيد طاس المزج الفضي ~~ووضعه أمامه، وأقبلت هيلينا الفاتنة الوجنتين بالثوب في يديها، ~~وخاطبته بقولها: ~~«كذلك أنا أقدم لك هذه الهدية، يا ولدي العزيز، ذكرى من يدي ~~هيلينا، كي ترتديه زوجتك، في يوم زواجك المشتهى، ولكن يجب أن تعهد ~~به إلى والدتك العزيزة لتحفظه لك حتى ذلك اليوم. وإنني لأتمنى لك، ~~أنت نفسك، أن تصل مغتبطا إلى منزلك المكين البناء وإلى ~~وطنك.» # مينيلاوس يقيم وليمة فاخرة قبل رحلة الوداع # ما إن أتمت حديثها ذاك حتى وضعت الثوب بين يديه، فتناوله ~~منها في سرور. وأخذ الأمير بايسيستراتوس الهدايا، ووضعها في صندوق ~~العربة، وأخذ ينظر إليها نظرات الإعجاب من قلبه. بعد ذاك قادهما ~~مينيلاوس الجميل الشعور إلى المنزل، وجلس كلاهما على الكراسي ~~والمقاعد المرتفعة. وجاءت إحدى الإمام بماء للأيدي في إبريق من ~~الذهب بديع الشكل، وصبته لهما في طست ليغتسلا، وسحبت إلى ~~جوارهما نضدا مصقولا وأحضرت ربة البيت الرزينة الخبز ووضعته ~~أمامهما، ومعه كمية وافرة من اللحوم، مانحة من خزينها بغير حساب. ~~واقترب ابن بويثوس، وأخذ يقطع اللحم، ويقسم الأنصبة، وصب ابن ~~مينيلاوس المجيد الخمر. وهكذا أخذوا يتناولون من الطعام الفاخر ~~الذي أعد ووضع أمامهم. وبعد أن ملئوا بطونهم من الطعام ~~والشراب، وضع تيليماخوس وابن نسطور المجيد النير على أعناق الجياد ~~وركبا العربة المطعمة، وانطلقا خارج البوابة والرواق الفسيح، ~~فذهب وراءهما مينيلاوس الجميل الشعر، ابن أتريوس، يحمل في يده ~~اليمنى الخمر العذبة في كأس من الذهب، كي يستطيعا أن يسكبا ~~السكائب قبل رحيلهما، فوقف أمام الجياد وتحدث إلى الشابين، ~~قائلا: ~~«وداعا أيها الشابان، واحملا السلام إلى نسطور، راعي الجيوش؛ ~~فالحق أنه كان يعطف علي كوالد، بينما كنا نحارب، نحن الآخيين في ~~أرض طروادة.» # عندئذ أجابه تيليماخوس بقوله: «إي وعمر الحق، أيها الملك، يا ~~ربيب زوس، سنخبره بكل هذا عند وصلنا، كما تأمر. وإني لأتمنى، ~~عندما أعود إلى إيثاكا، أن أجد أوديسيوس يقينا، في منزله، لأخبره ~~كيف استقبلتني بالحفاوة والإكرام، قبل رحيلي، وأنني أحضر معي ~~كنوزا عديدة ورائعة.» # هيلينا تدلي ms261 بنبوءة سارة عن أوديسيوس # ما إن قال هذا حتى حلق طائر على اليمين، صقر، يحمل بين مخالبه ~~إوزة كبيرة ناصعة البياض، وهي طائر مستأنس خطفه من الفناء، ~~بينما يتبعه الرجال والنساء بالصياح، فاقترب الصقر منهم، وطار ~~بعيدا جهة اليمين أمام الجياد، فانشرحت صدورهم لرؤيته، واغتبطت ~~قلوب الجميع داخل الصدور. وعندئذ تكلم من بينهم بايسيستراتوس بن ~~نسطور، أولا، فقال: ~~«تأمل يا مينيلاوس، يا ربيب زوس، وقائد الجيوش، ألنا أظهر الرب ~~هذا الفأل، أم لك أنت نفسك؟» # قال هذا، فحار مينيلاوس العزيز لدى أريس كيف يستطيع بحكمته تفسير ~~تلك العلامة تفسيرا صحيحا، بيد أن هيلينا ذات الثوب الفضفاض، ~~سبقته إلى الكلام، فقالت: ~~«أصغوا إلي، فسأفسر هذا الفأل كما يلهمني الخالدون في ~~قلبي، كما أعتقد أنه عين ما سيحدث. بما أن هذا الصقر قد جاء من ~~الجبل، حيث توجد عشيرته وحيث ولد، وخطف الإوزة التي نشأت في ~~المنزل، فهكذا سيعود أوديسيوس إلى بيته بعد متاعب جمة وتجولات ~~عديدة، وسوف ينتقم، وربما كان الآن في داره، يبذر بذور الشر ~~لجميع المغازلين.» # تيليماخوس ينطلق بجواده مسرورا # فتكلم تيليماخوس الحكيم ثانية بعد ذلك وقال: «لو أن زوس زوج ~~هيري الذي يرعد عاليا يمنح هذا، لصليت لك هناك باستمرار كما ~~أصلي لإله.» # قال هذا وألهب الجوادين بالسوط، فانطلقا بسرعة صوب السهل، ~~ينهبان الطريق بلهفة بالغة عبر المدينة. وهكذا ظلا طوال ~~اليوم كله يهزان النير الموضوع فوق عنقيهما، ثم غابت الشمس ~~وخيم الظلام على جميع الطرقات، فلما بلغ فيراي Pherae ~~، ذهبا إلى بيت ديوكليس # Diocles ~~، ابن أورتيلوخوس # Ortilochus ~~، الذي أنجبه ~~ألفيوس # Alpheus ~~، # 10 # حيث قضيا الليل وقدم لهما ما يليق بالغرباء من ~~قرى. # وصول تيليماخوس إلى قلعة بولوس # ما إن ظهر الفجر الباكر ذو الأنامل الوردية، حتى وضعوا النير ~~فوق عنقي الجوادين، واعتلى الشابان العربة المطعمة، وانطلقا ~~من البوابة والرواق الفسيح. وعندئذ ألهب بايسيستراتوس الجياد ~~بالسوط ليحثهما على الإسراع، فانطلقا لا يقف في طريقهما شيء ~~وسرعان ما بلغا قلعة بولوس الرأسية الانحدار، فتحدث تيليماخوس ~~إلى ابن نسطور، قائلا: ms262 ~~«يا ابن نسطور، هل لك أن تعاهدني الآن، وتوفي بالعهد، كما ~~أطلب منك؟ أننا نسمي أنفسنا أصدقاء قدماء بسبب صداقة أبوينا، ~~هذا فضلا عن أننا من نفس السن، ولسوف توطد هذه الرحلة الصداقة ~~بيننا وتربط بين قلبينا. لا تصحبني بعد أن أركب سفينتي، يا ربيب ~~زوس، بل اتركني هنا، خشية أن يبقيني هذا الرجل العجوز هنا ضد ~~إرادتي في منزله، بدافع إظهار الشفقة نحوي، بينما أنا في أشد ~~الحاجة إلى الذهاب إلى الوطن.» # قال هذا فأخذ ابن نسطور يشاور قلبه، كيف يمكنه أن يرتبط بالعهد ~~ويحققه كما يجب، وبينما هو يفكر هداه التفكير إلى طريقة بدت ~~له خير الطرق، فأدار جواديه ناحية السفينة السريعة وشاطئ البحر، ~~ومكان المراقبة، ووضع الهدايا الجميلة في حيزوم السفينة، الثوب ~~والذهب، الذي قدمه له مينيلاوس، وحث تيليماخوس على الإسراع، ~~مخاطبا إياه بكلمات حماسية، فقال: ~~«أسرع الآن بركوب متن سفينتك، ومر جميع رفاقك بأن يحذوا ~~حذوك، قبل أن أصل إلى الوطن وأحضر كلمة إلى الرجل العجوز؛ ~~لأنني أعلم حق العلم في قرارة نفسي وعقلي، أن روحه لتتغلب على كل ~~فرد ولن يدعك ترحل، بل سيأتي إلى هنا بنفسه ليأمرك بالذهاب إلى ~~منزله، وإني لأؤكد لك أنه لن يعود بدونك؛ إذ سيكون غاضبا أشد ~~الغضب، رغم كل شيء.» # ما إن قال هذا حتى قاد جياده الجميلة الأعراف عائدا إلى مدينة ~~البوليين Pylians ~~، فسرعان ما بلغ ~~القصر. أما تيليماخوس فنادى على رجاله وأصدر إليهم الأمر، ~~قائلا: ~~«ضعوا جميع الحبال بنظام، في السفينة السوداء، وهلموا بنا نحن ~~أنفسنا نعتلي ظهرها، كي يمكننا الإسراع في طريقنا.» # ما إن قال هذا، حتى أذعنوا له وصدعوا في الحال بالأمر، فركبوا ~~السفينة من فورهم، واستووا فوق المقاعد. # تيليماخوس يصلي ويقدم الذبائح لأثينا # هكذا كان تيليماخوس ~~مشغولا حقا، وكان يصلي ويقدم الذبائح لأثينا عند حيزوم ~~السفينة، وعندئذ اقترب منه رجل من بلاد نائية، شخص جاء هاربا ~~من أرجوس لأنه قتل رجلا آخر، وكان عرافا، وتبعا لسلسلة نسبه ~~كان ينحدر من ميلامبوس # Melampus ~~، # 11 # الذي ms263 كان فيما مضى يقيم في بولوس، أم القطعان. وكان ~~واسع الشراء يملك منزلا كثير الخيرات بين البوليين، بيد أنه لجأ ~~بعد ذلك إلى بلاد أجنبية هاربا من بلده ومن نيليوس # Neleus # العظيم القلب، أكبر سادة البشر ~~الأحياء، الذي ظل مغتصبا ثروته البالغة لمدة عام كامل بالقوة. # 12 # وفي ذلك الوقت كان ميلامبوس يرسف في أغلال قاسية في ~~ساحات فولاكوس Phylacus ~~، # 13 # يعاني آلاما مبرحة من أجل ابنة نيليوس، وعمى القلب ~~المفزع الذي أنزلته به ~~الربة، إرينوس # Erinys ~~، # 14 # جالبة الخراب على البيوت. # 15 # ولكنه رغم ذلك نجا من مصيره وساق الأبقار العميقة ~~الخوار من فولاكي إلى بولوس، وانتقم لذلك العمل القاسي من نيليوس ~~الشبيه بالإله، وأحضر الفتاة إلى وطنه لتكون زوجة أخيه. أما هو ~~فانطلق إلى بلاد قوم آخرين، إلى أرجوس # Argos # مرعى الخيول؛ إذ كان محددا له أن يقيم ~~هناك، ويتولى زمام الحكم على كثير من الأرجوسيين، فاتخذ له زوجة ~~فيها وشيد لنفسه قصرا سامق البنيان، وأنجب أنتيفاتيس # Antiphates ~~، # 16 # ومانتيوس # Mantius ~~، ~~وكانا صبيين بالغي القوة، ثم أنجب أنتيفاتيس أويكليس # Oicles # الشجاع، وأنجب أويكليس ~~أمفياراوس # Amphiaraus ~~، مفزع ~~الجيش، الذي أحبه زوس حامل الترس، وأبولو، حبا أي حب من ~~قلبيهما. ومع ذلك فلم يقترب من عتبة الشيخوخة، بل وافته المنية ~~في طيبة، بسبب هدايا سيدة، فولد له الابنان ألكمايون # Alcmaeon # وأمفيلوخوس # Amphilchus ~~، أما مانتيوس فقد أنجب ~~بولوفايديس Polypheides ~~، ~~وكلايتوس # Cleitus ~~، بيد أن الفجر ~~ذا العرش الذهبي خطف كلايتوس لفتنته وجماله، وحمله بعيدا كي ~~يستطيع الحياة مع الخالدين، وأما بولوفايديس، ذو الهمة العالية، ~~فقد جعله أبولو عرافا، يفوق بكثير سائر البشر، ثم مات ~~أمفياراوس بعد ذلك، انتقل إلى هوبيريسيا # Hyperesia ~~، وهو بالغ الغضب مع أبيه، فاستوطن هناك ~~وراح يتنبأ لجميع الناس. # ثيوكلومينوس يسأل وتيليماخوس يرد # كان ابنه، المسمى ثيوكلومينوس # Theoclymenus ~~، هو الذي جاء الآن ووقف بجوار ~~تيليماخوس، وهو يصب السكائب ويصلي بجانب سفينته السريعة السوداء، ~~فتحدث إليه وخاطبه بكلمات مجنحة، # 17 # قائلا: ~~«أيها الصديق، طالما أنت تقدم الذبائح المحترقة في هذا ms264 ~~المكان، فإني أتوسل إليك بتقدماتك وبالإله، نعم وبحياتك أنت نفسك، ~~وحياة رفقائك الذين يتبعونك، إلا ما أخبرتني بحقيقة ما أسألك عنه ~~ولا تخف عني شيئا، من أنت بين البشر، ومن أي مكان قدمت؟ أين ~~بلدك، وأين أبواك؟» # فأجابه تيليماخوس الحكيم بقوله: «إذن فسأخبرك حقا، أيها ~~الغريب، بكل شيء في صراحة. إن مسقط رأسي هو إيثاكا، وأبي أوديسيوس، ~~وإني لأؤكد لك تمام التأكيد أنه كان هناك مثل هذا الرجل، إلا أنه ~~الآن لقي حتفه بمصير مؤسف؛ ولذلك صحبت رفاقي هؤلاء، وركبنا ~~سفينة سوداء، وجئت إلى هنا لأستطلع الأخبار عن والدي، الذي رحل ~~منذ أمد بعيد.» # عندئذ أجابه ثيوكلومينوس شبيه الإله، قائلا: «كذلك أنا، أيضا، ~~جئت هاربا من بلدي؛ لأنني قتلت رجلا من أقربائي، ويوجد له ~~إخوة وأقارب عديدون هناك في أرجوس مرعى الجياد، ويقبضون على زمان ~~الحكم بقوة على الآخيين. بيد أنني لأتقي الموت والمصير المظلم على ~~أيديهم، هربت لأنه حسب اعتقادي من نصيبي أن أهيم على وجهي بين ~~البشر، فهل لك أن تأخذني في سفينتك؛ إذ إنني أتضرع إليك وأنا هارب، ~~حتى لا يقتلوني؛ لأنني أعتقد أنهم يقتفون أثري.» # فرد عليه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «ما دام الأمر كذلك، فلن ~~أنزلك من سفينتي الجميلة بأية حال من الأحوال، طالما تتوق إلى ~~المجيء معنا. هيا اتبعنا، وستلقى من التكريم في منزلنا مثل الذي ~~لقيناه.» # ثيوكلومينوس يبحر مع تيليماخوس في سفينة واحدة # ما إن قال هذا حتى تناول منه رمحه البرونزي، ووضعه أخيرا فوق ~~ظهر السفينة المقبية، ثم ركب هو نفسه ظهر السفينة ماخرة البحار. ~~وبعد ذلك جلس في كوثلها وأجلس ثيوكلومينوس إلى جواره، فحل رجاله ~~حبال مؤخرة السفينة. ونادى تيليماخوس على رجاله وأمرهم بأن يمسكوا ~~بالحبال، فصدعوا بالأمر في الحال. ورفعوا الصاري المصنوع من خشب ~~الشربين وأقاموه في حفرته الواسعة، وثبتوه من الأمام بدعامات، ثم ~~رفعوا الشراع الأبيض بسيور مجدولة من جلود الثيران. وأرسلت إليهم ~~أثينا ذات العينين النجلاوين ريحا مواتية، تهب بشدة وسط ~~السماء، حتى تستطيع السفينة، وهي تسرع فوق صفحة ms265 الماء، أن تمخر ~~طريقها وسط ماء البحر الملح. وهكذا ساروا عبر كروني # Crouni # وخالكيس # Chalcis ~~، ذات الجداول الرائعة. # والآن غابت الشمس وراء الأفق وخيمت الظلمة فوق جميع الطرق، ~~واقتربت السفينة من فياي Pheae ~~، ~~تعجل بها ريح زوس، ومرت على إليس # Elis # العظيمة حيث يحكم الإيبيون # Epeans ~~، ثم سار بسفينته ثانية إلى الجزر الحادة، # 18 # وقد غلبت عليه الشكوك، هل سينجو من الموت أم يقبض ~~عليه. # أوديسيوس ينتوي زيارة المغازلين في بيته # كان أوديسيوس وراعى الخنازير الطيب، يتناولون معا، طعام العشاء ~~في الكوخ، وكان يتعشى معهما بقية الرجال الآخرين، فلما أصابوا من ~~الطعام والشراب ملء بطونهم، تكلم أوديسيوس في وسطهم، يجس نبض ~~راعي الخنازير ليرى ما إذا كان سيلقى منه كرم الضيافة بعد ذلك ~~فيأمره بالبقاء هناك عند الحظيرة، أم سيرسله إلى المدينة بعيدا، ~~فقال: ~~«أصغ إلي الآن يا يومايوس، وأنتم يا جميع الرجال الآخرين، إنني ~~عازم على الذهاب في الصباح إلى المدينة كي أستجدي القوم، حتى لا ~~أكون سببا في خرابك أنت ورجالك. إذن فلتسد إلي الآن بنصيحتك ~~الطيبة، وأرسل معي شخصا موثوقا به يرشدني إلى هناك. أما عبر ~~المدينة، فسأتجول أنا حسب قوتي، أملا في أن يجود علي أحدهم ~~بكوب من الماء ورغيف. كما أنني سوف أذهب إلى بيت أوديسيوس الشبيه ~~بالإله وأحمل الأنباء إلى بينيلوبي الحكيمة، وأنضم إلى جماعة ~~المغازلين البالغي الصفاقة، عسى أن يقدموا لي وليمة، ما دام ~~عندهم خير وفير. وفي الحال أقوم بينهم بخدمة كريمة ملبيا ~~طلباتهم في كل ما يريدون؛ لأنني سأخبرك، فأصغ إلي جيدا؛ فبفضل ~~هيرميس، الرسول، الذي يمنح الجمال والمجد لأعمال جميع البشر، إنني ~~أجيد القيام بالخدمات فيما لا يستطيع امرؤ سواي أن يتحداني في ~~تكويم النار جيدا، وفي قطع الأحطاب الجافة بما يناسب النار، وفي ~~إعداد اللحم وشوائه، وفي صب الخمر؛ في جميع الأمور التي يقوم وضعاء ~~القوم بها لخدمة الأشراف.» # يومايوس يحذر أوديسيوس من مغبة هذه الزيارة # فلما أثرت فيك هذا الألفاظ تأثيرا بالغا، يا يومايوس، يا ~~راعي الخنازير أجبته ms266 بقولك: «ويحي! أيها الغريب، لم تطرأ مثل ~~هذه الأفكار على مخيلتك؟ حقا إنك لتريد الهلاك هناك تماما، ~~إذا دخلت حشد المغازلين، الذين تصل شهوتهم وعنفهم إلى عنان السماء ~~الحديدية. إن خدمهم لا يشبهونك في شيء، كلا بل إنهم شبان يلتفون ~~جيدا بالعباءات والجلابيب، ويحتفظون برءوسهم ووجوههم لامعة ~~باستمرار، ويراعون دائما أن تكون الموائد المصقولة محملة بالخبز، ~~وباللحم وبالخمر. امكث معنا هنا؛ فإن وجودك لا يضايق أحدا منا، لا ~~أنا ولا أي فرد آخر من الرجال الذين معي. وعندما يأتي السيد ~~العزيز ابن أوديسيوس، فإنه سيمنحك هو نفسه، عباءة وجلبابا تستر ~~بهما جسمك، وسوف يبعث بك إلى أي مكان يتوق قلبك وروحك إلى الذهاب ~~إليه.» # عندئذ أجابه أوديسيوس العظيم البالغ التحمل، قائلا: «هيا ~~يومايوس، أسأل الأب زوس أن تكون عزيزا لديه كما أنت عزيز لدي؛ ~~لأنك أغنيتني عن التجول وتكبد المشاق المفجعة، فلا شيء ~~أكثر شرا للبشر من التجول، ولكن الناس يتحملون المحن الشريرة ~~من أجل بطونهم، عندما يضطرون إلى التطواف والحزن والألم. أما ~~الآن فما دمت مصمما على الاحتفاظ بي هنا، وتأمرني بانتظار ~~سيدك. تعال، خبرني عن والدة أوديسيوس الشبيه بالإله، وعن أبيه، ~~الذي تركه على حافة الشيخوخة، عندما رحل. ألا يزالون على قيد ~~الحياة يعيشان تحت أشعة الشمس؟ أم وافتهما المنية ورحلا إلى بيت ~~هاديس؟» # يومايوس يقص على أوديسيوس شيئا عن أيام الطفولة # فأجابه راعي الخنازير قائد البشر، بقوله: «إذن، فلأخبرنك ~~بالصراحة والحقيقة، أيها الغريب. إن لايرتيس لا يزال حيا، ولكنه ~~يصلي دائما لزوس أن تغادر روحه أطرافه داخل ساحاته؛ لأنه حزين ~~أشد الحزن على ابنه الذي رحل، وعلى السيدة الحكيمة، زوجته الشرعية، ~~التي آلمه موتها أكثر من كل شيء والتي زجت به إلى الشيخوخة قبل ~~الأوان. لقد ماتت كمدا على ابنها المجيد، ميتة تعيسة، لا أتمنى ~~أن يموتها أي إنسان ممن يقطنون هنا، ويكون صديقا لي وأحسن ~~معاملتي. كان يسرني دائما أن أسأل وأستعلم عنها، طيلة أن كانت ~~على قيد الحياة، ولو أن حياتها كانت مليئة بالأحزان؛ لأنها ms267 هي ~~نفسها، كانت قد ربتني مع كتيميني # Ctimene # ذات الثوب الفضفاض، ابنتها الشريفة وصغرى ~~أطفالها. لقد نشأت معها وترعرعت، وبجلتني تلك السيدة كتبجيلها ~~أولادها، أو أقل منهم بقدر ضئيل، فلما بلغنا كلانا مبالغ ~~الشباب المنتظرة، أرسلوها إلى سامي # Same # لتتزوج، وحصلوا لأنفسهم على هدايا زواج لا حصر ~~لها. أما أنا فقد ألبستني سيدتي عباءة وجلبابا، ملابس في غاية ~~الروعة وأعطتني نعالا لقدمي، وأرسلتني إلى الحقل، وكانت تكن ~~لي في قلبها حبا جما. أما الآن فإنني أفتقر إلى كل هذا، رغم أن ~~الآلهة المباركة تتولى بالتوفيق ما أقوم به من عمل. كنت آكل ~~وأشرب من ذلك، وأعطي الأغراب المحترمين ولكني لا أسمع أي شيء ~~سار من سيدتي، سواء أكان ذلك الشيء كلمة أو عملا؛ إذ حلت ~~بالمنزل كارثة أي كارثة، عبارة عن رجال متغطرسين. ومع ذلك فكثيرا ~~ما يرغب الخدم في التحدث أمام سيدتهم، والوقوف على كل شيء، ~~وتناول الطعام والشراب، ثم يحملون بعد ذلك معهم شيئا إلى الحقول، ~~من الأشياء التي تجعل قلب الخادم يفيض بالدفء دائما.» # عندئذ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، قائلا: «يا للعجب! لا شك ~~أنك عندما كنت محض طفل، يا يومايوس، يا راعي الخنازير، لم تتجول ~~بعيدا عن بلدك ووالديك، ولكن خبرني، الآن، وأعلن لي قولك في ~~صراحة. ألم تسلب مدينة قوم فسيحة الطرقات، كان يعيش فيها أبوك ~~وأمك المبجلة؟ أم أنه عندما كنت صبيا ووحيدا مع أغنامك أو ~~ماشيتك خطفك الأعداء وحملوك في سفنهم ليبيعوك إلى بيت سيدك هذا، ~~الذي دفع فيك سعرا طيبا؟» # فأجابه راعي الخنازير قائد الرجال، بقوله: «أيها الغريب، ما دمت ~~تسألني وتستفهم مني عن هذا، فأصغ إلي الآن في صمت وتمتع ~~بالغبطة، واحتس الخمر، وأنت جالس هنا. إن هذه الليالي لعجيبة ~~الطول؛ فهناك وقت للنوم، كما أن هناك وقتا للتمتع بسماع القصص، ~~ولا حاجة بي إلى الرقاد حتى يحين الوقت، وهناك تعب حتى في النوم ~~الزائد على الحد. أما الباقون، فإذا رغب قلب وروح أي واحد منهم ~~في الذهاب إلى النوم، فدعه ms268 يذهب لينام، حتى إذا ما لاح الفجر، ~~فدعه يأكل، ثم يرعى خنازير سيدنا. أما نحن فنولم ونشرب كلانا في ~~الكوخ، ويتمتع كل منا بسماع قصة محن الآخر الشديدة، ونحن ~~نستعيدها إلى الأذهان؛ فإن من قاسى الكثير من الأهوال، يجد لذة في ~~الوقوف على محن غيره. وها أنا ذا سأروي لك ما كنت تسألني ~~عنه. # هناك جزيرة اسمها سوريا # Syria ~~، ~~لو تصادف أنك سمعت عنها فوق أورتوجيا # Ortygia ~~، حيث توجد أمكنة تحول الشمس، ليست تلك ~~الجزيرة مزدحمة كثيرا بالسكان، ولكنها بلاد طيبة، حافلة ~~بالقطعان، غنية بالماشية، زاخرة بالخمر، مليئة بالقمح. لا تعرف ~~المجاعة طريقها إلى البلاد إطلاقا، ولا يصيب البشر التعساء أي ~~مرض بغيض، بيد أنه عندما تشيخ قبائل البشر في شتى أنحاء المدينة، ~~يأتي أبولو ذو القوس الفضية، مع أرتيميس، فيهاجمهم بسهامه ~~الرقيقة ويقتلهم. وجميع أرض الجزيرة مقسمة إلى مدينتين، ويحكم ~~أبي كلتا المدينتين كملك، إنه كتيسيوس # Ctesius # ابن أرومينوس # Ormenus # الشبيه بالخالدين. # جاء الفينيقيون إلى تلك الجزيرة، وهم قوم يشتهرون بسفنهم ~~وبأنهم أوغاد جشعون، فأحضروا معهم تحفا لا عداد لها في سفينتهم ~~السوداء. وكانت في بيت أبي وقتئذ سيدة فينيقية، فارعة الطول على ~~قدر كبير من الجمال، وماهرة في الأشغال اليدوية الرائعة، فخدعها ~~الفينيقيون الماكرون؛ فعندما رأوها أولا وهي تغسل الملابس، ~~اضطجع معها أحدهم في عشق بجوار السفينة الواسعة؛ لأن هذا الأمر ~~يلعب بعقول النساء، مهما كانت السيدة مستقيمة، ثم سألها من تكون ~~ومن أين جاءت، فأرشدته من توها إلى بيت أبي العالي السقف، ~~قائلة: ~~«إنني قدمت من سيدون # Sidon ~~، ~~الغنية بالبرونز، وأنا ابنة أروباس # Arybas # الواسع الثراء الذي كانت تتدفق الأموال ~~عليه مدرارا. بيد أنني، وأنا قادمة من الحقول، قبض علي ~~قراصنة من تافيا # Taphia ~~، ~~وأحضروني إلى هنا، وباعوني إلى بيت ذلك الرجل، الذي دفع من أجلي ~~ثمنا بالغا.» # عندئذ قال لها الرجل الذي كان قد اضطجع معها سرا: «أترغبين في ~~العودة معنا ثانية إلى وطنك، وفي رؤية منزل والديك العالي السقف، ~~وفي رؤيتها أيضا؟ لأنهما يعيشان حقيقة، ms269 ويعتبران بحق ~~ثريين.» # فأجابته السيدة، بقولها: «بكل سرور، إذا أخذتم أيها البحارة ~~العهد على أنفسكم، وأقسمتم بأن تذهبوا بي سالمة إلى وطني.» # قالت هذا فأقسم البحارة جميعا كما أمرتهم. وبعد أن انتهوا ~~من القسم، تحدثت المرأة إليهم ثانية فقالت: ~~«اصمتوا الآن، ولا يتحدث ~~إلي أي من رفاقك، إذا قابلني في الطريق أو عند البئر، خشية أن ~~يرانا أحد فيذهب إلى القصر ويخبر الملك العجوز، فيثير شكوكه ~~وعندئذ يقيدني بقيود قاسية، ويدبر أمر موتكم، فضعوا كلماتي ~~هذه نصب عيونكم، # 19 # وعجلوا بالمقايضة على سلعكم، حتى إذا ما شحنت ~~سفينتكم بالبضائع، ابعثوا إلي برسول يجيئني بسرعة في القصر؛ ~~لأنني سأحمل معي أيضا أي ذهب يقع تحت يدي. وسأعطي بسرور شيئا ~~آخر في نظير نقلي. هناك طفل لسيدي النبيل، أعتبر أنا مربيته ~~في القصر، وهو طفل على قدر ~~عظيم من الدهاء، يصحبني دائما إلى خارج القصر. سأحضره معي على ظهر ~~السفينة، فيمكنكم أن تأخذوا عنه ثمنا باهظا، في أي مكان تبيعونه ~~فيه إلى قوم يتحدثون لغة أجنبية.» # ما إن أفضت إليهم بذلك ~~الكلام حتى انصرفت إلى القصر الجميل، وبقوا هناك في بلادنا سنة ~~كاملة، وحصلوا من التجارة على مال وفير في سفينتهم الواسعة ~~لعودتهم، وعندئذ بعثوا برسول إلى القصر ليحمل الأخبار إلى السيدة، ~~فجاء إلى منزل أبي رجل ماهر جدا في الخداع، يحمل معه قلادة من ~~الذهب تتوسطها خرزات من الكهرمان. تناولت الفتيات القلادة في ~~أيديهن، وأخذتها أمي المبجلة، وصرن يتطلعن إليها بإعجاب، ~~ويعرضن الأثمان على الرجل، بيد أنه هز رأسه للمرأة في صمت. وبعد ~~أن هز رأسه لها، انصرف في طريقه إلى السفينة الواسعة، ~~فأخذتني من يدي، وقادتني خارج المنزل. وعندما بلغنا ساحة القصر ~~الأمامية وجدت الكئوس، وموائد المدعوين، الذين كانوا يقومون بخدمة ~~أبي؛ إذ كانوا قد ذهبوا إلى المجلس، ومكان المناقشة، فأسرعت ~~وأخفت في صدرها ثلاث كئوس، وخرجت بها، فتبعتها وأنا خالي ~~الذهن من كل شيء. بعد ذلك غابت الشمس، وخيمت الظلمة على جميع ~~الطرقات، فأسرعنا حتى بلغنا الميناء العظيم، حيث ms270 كانت سفينة ~~الفينيقيين السريعة. وعندئذ اعتلوا ظهرها، وحملوا كلينا على ~~ظهرها أيضا، وأقلعوا مبحرين عبر الطرق المائية، وأرسل لهم زوس ~~ريحا مواتية. سارت بنا السفينة ستة أيام، ليل نهار، فلما جلب ~~علينا زوس بن كرونوس، اليوم السابع، ضربت أرتيميس، القواسة ~~المرأة، فسقطت في جوف السفينة محدثة صوتا، كما يغطس أي طائر ~~بحري، فألقوا بها في اليم لتكون فريسة لكلاب البحر والأسماك، أما ~~أنا فتركت هناك، كسير القلب، وعندئذ ذهبت بهم الريح، تحملهم ~~على صفحة الماء، وكذا الموجة، إلى إيثاكا، حيث اشتراني لايرتيس ~~بأمواله. وهكذا حدث أن رأت عيناي هذه البلاد.» # فأجابه أوديسيوس، نسل زوس، بقوله: «أيا يومايوس، لقد أثرت بحق ~~القلب الكائن في صدري بذكر قصة حزنك الذي كابدته في قلبك. وفي ~~حالتك هذه، إن أردت الحق فإن زوس أعطى الخير والشر جنبا إلى جنب ~~ما دمت بعد كل جهادك قد جئت إلى منزل رجل كريم، يعطيك طعاما ~~وشرابا، في عطف وحنان، وأنت تحيا حياة طيبة. أما في حالتي، فإنني ~~بعد تجوالي خلال مدن البشر العديدة، قد أتيت إلى هنا.» # تيليماخوس يصل إلى وطنه # بهذا تحدث كل منهما إلى الآخر، ثم رقدا ليناما، ليس لوقت ~~طويل، بل لفترة وجيزة؛ إذ سرعان ما أقبل الفجر الجميل العرش. أما ~~رفقاء تيليماخوس، فما إن اقتربوا من الشاطئ حتى طووا الشراع، ~~وأسرعوا بإنزال الصاري، وأخذوا يجذفون بالسفينة حتى أرسوها ~~بمجاذيفهم إلى مرساها، ثم رموا أحجار المراسي وربطوا حبال ~~الكوثل، ونزلوا هم أنفسهم إلى شاطئ البحر، وأعدوا طعامهم وخلطوا ~~الخمر الصهباء، وما إن أشبعوا جوعهم من الطعام والشراب، حتى نهض ~~تيليماخوس الحكيم يتحدث في وسطهم أولا، فقال: ~~«هل لكم الآن أن تبحروا بالسفينة السوداء، وتجذفوا حتى ~~المدينة، أما أنا فأعتزم زيارة الحقول والرعاة، وفي المساء سأذهب ~~إلى المدينة بعد أن أكون قد أشرفت على أراضي. وعندما يصبح ~~الصباح سأقدم لكم وليمة طيبة من اللحم والخمر العذبة، جزاء ~~تعبكم.» # عندئذ تحدث إليه ثيوكلومينوس شبيه الإله، بقوله: «إلى أين ~~أذهب أنا، يا طفلي العزيز؟ إلى بيت من ms271 ممن يحكمون في إيثاكا ~~الصخرية، سألتجئ؟ أم هل أذهب مباشرة إلى منزل والدتك ~~ومنزلك؟» # فأجابه تيليماخوس العاقل، ~~وقال: «لو أن الأمور كانت على غير ذلك، لأمرتك بالذهاب حتى إلى ~~منزلنا، حيث لا ينقص شيء لتكريم الغرباء، ولكن الأمر بالنسبة لك ~~أنت شخصيا قد يكون جد سيئ، حيث إنني سأكون بعيدا، ولن تقابلك ~~والدتي؛ لأنها لا تظهر كثيرا أمام المغازلين في البيت، بل تمكث ~~بمنأى عنهم تنسج على منوالها في حجرة عليا، ولكني سأخبرك عن ~~رجل آخر تستطيع أن تذهب إليه، إنه يوروماخوس المجيد ابن ~~بولوبوس Polybus # الحكيم، الذي ~~ينظر إليه رجال إيثاكا الآن كأنه إله؛ إذ هو خير رجل في المدينة ~~يفوق غيره بمراحل، ويتلهف غاية التلهف إلى الزواج بوالدتي ~~والفوز بمجد أوديسيوس. ومع ذلك فإن زوس الأوليمبي، الذي يقطن في ~~السماء يعرف، هل سيحقق لهم اليوم الشرير قبل الزواج، أو لا ~~يحققه.» # ثيوكلومينوس يطمئن قلب تيليماخوس # وبينما هو يتكلم حلق طائر على اليمين، وكان صقرا، رسول ~~أبولو السريع، يمسك في مخالبه يمامة، وكان ينزع ريشها، ويلقي ~~بالريش فوق الأرض وسط الطريق بين السفينة وتيليماخوس نفسه؛ عندئذ ~~ناداه ثيوكلومينوس بعيدا عن زملائه، وأمسك يده، وتحدث إليه، ~~بقوله: ~~«أي تيليماخوس، لا شك أن هذا الطائر لم يحلق على يميننا بدون ~~إذن أحد الآلهة؛ لأنني بمجرد أن نظرت إليه عرفت أنه طائر فأل، ~~لا بيت في أرض إيثاكا غير بيتك، هو أكثر مجدا وأعظم سيادة، إنك ~~دائما أبدا متفوق.» # فرد عليه تيليماخوس الحكيم ثانية، فقال: «آه! أيها الغريب، كم ~~أتمنى أن تتحقق كلمتك هذه؛ عندئذ تنال مني في الحال شفقة ~~وهدايا كثيرة، كي يصفك كل من يقابلك بأنك مبارك.» # تيليماخوس يوصي بتكريم ثيوكلومينوس # ثم تحدث تيليماخوس إلى بايرايوس Peiraeus # رفيقه الموثوق به، فقال: «أيا بايرايوس، ~~يا ابن كلوتيوس # Clytius ~~، إنك أنت ~~الذي اعتدت أن تصغي إلى حديثي دون سائر الرفقاء، الذين رافقوني ~~إلى بولوس؛ ومن ثم فإنني، أتوسل إليك الآن، أن تأخذ هذا ~~الغريب، وتكرم وفادته في منزلك، وتبدي له التمجيد، إلى ms272 أن ~~أجيء.» # فأجابه بايرايوس الرماح الشهير، قائلا: «أي تيليماخوس، بالرغم ~~من أنه لا ينبغي لك أن تبقى هنا طويلا، فإنني سأكرمه، ولن يفتقر ~~قط إلى ما هو واجب للغرباء.» # تيليماخوس يسرع إلى حظيرة الخنازير # ما إن قال هذا حتى صعد إلى ظهر السفينة، وأمر زملاءه أنفسهم ~~بالصعود وحل حبال الكوثل. وهكذا ركبوا السفينة في الحال، واستووا ~~فوق المقاعد. أما تيليماخوس فربط في قدميه صندله الجميل، وأخذ ~~رمحه المتين، المدبب بالبرونز الحاد، من فوق ظهر السفينة. بعد ~~ذلك حل الرجال حبال الكوثل، وبعد أن ثبتوا السارية، أبحروا إلى ~~المدينة، كما أمرهم تيليماخوس العزيز ابن أوديسيوس المقدس. أما ~~تيليماخوس نفسه فقد حملته قدماه بسرعة، وهو يخطو إلى الأمام، إلى ~~أن وصل إلى الحظيرة التي كان له بها ما لا يحصى من الخنازير، ~~والتي نام في وسطها راعي الخنازير النبيل ذو القلب الحافل بالوفاء ~~لأسياده. # | الأنشودة السادسة عشرة # بهذا، لمسته أثينا بصولجانها ~~الذهبي . وألقت حول صدره، أولا، عباءة، وجلبابا مغسولين ~~حديثا. # يومايوس يرحب بعودة تيليماخوس # في نفس ذلك الوقت أشعل أوديسيوس وراعي الخنازير العظيم، نارا في ~~وسط الكوخ، وراحا عند مطلع الفجر يعدان طعام الإفطار، وكان قد ~~بعثا بالرعاة مع قطعان الخنازير، ولكن الكلاب النابحة كانت تحوم ~~حول تيليماخوس، دون أن تهر وهو يقترب منها. ولاحظ أوديسيوس ~~العظيم حومان الكلاب، وسمع وقع الأقدام يطن في أذنيه، فقال في ~~الحال ليومايوس بعبارات حماسية: # 1 ~~«أيا يومايوس، لا شك أن رفيقا من رفاقك قادم إليك، أو على الأقل ~~هو رجل تعرفه؛ لأن الكلاب لا تهر، بل تحوم حوله، وإنني لأسمع ~~كذلك وقع أقدام.» # ما كاد أوديسيوس ينطق بآخر لفظ من كلامه، حتى كان ابنه العزيز ~~واقفا عند الباب، فهب راعي الخنازير واقفا مبهوتا، وسقطت ~~من يديه الآنية التي كان مشغولا بخلط الخمر الصهباء فيها. وهرع ~~إلى لقاء سيده، فقبل رأسه وكلتا عينيه الجميلتين، ويديه ~~وانحدرت من عينه عبرة كبيرة. وكما يرحب الأب المحب ابنه ~~العزيز، الذي يأتي إليه من بلد قصي في السنة العاشرة - ابنه ms273 ~~الوحيد والمحبوب غاية الحب، الذي قاسى من أجله الحزن البالغ - هكذا ~~أيضا أمسك راعي الخنازير العظيم تيليماخوس الشبيه بالإله بين ~~ساعديه، وأخذ يوسعه تقبيلا ~~في كل جزء من جسمه كما لو كان قد نجا من هلاك، ثم تحدث إليه ~~بكلمات حماسية # 2 # وهو يبكي، فقال: ~~«ها أنت ذا قد جئت يا تيليماخوس يا نور عيني الحلو. لقد خيل ~~إلي أنني لن أراك إطلاقا بعد أن رحلت إلى بولوس في سفينتك. ~~هيا، ادخل يا طفلي العزيز، حتى أمتع قلبي بالنظر إليك هنا في ~~منزلي، يا من جئت حديثا من بلاد غريبة؛ لأنك لا تزور دائما ~~الحقل ولا الرعاة، بل تظل باستمرار في المدينة، فأعتقد أنه هكذا ~~تراءى لك أنه من الخير لقلبك أن تلقي نظرة على حشد المغازلين ~~المخربين.» # يومايوس يطمئن تيليماخوس على أمه # عندئذ أجابه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «هكذا سيتم الأمر، يا ~~أبتاه. لقد جئت إلى هنا من أجلك؛ لأراك بعيني رأسي ، ولكي أستعلم ~~منك عما إذا كانت أمي لم تزل باقية في القصر، أم قد تزوجت الآن ~~رجلا آخر، بينما يبقى فراش أوديسيوس متلهفا إلى من يرقد فيه، ~~مغطى بنسيج العنكبوت الفاسد.» # فأجابه راعي الخنازير قائد البشر، يقول: «كلا، فإنها ما زالت ~~باقية في القصر بقلب ثابت، وفي حزن لازب تقضي الليالي والأيام في ~~بكاء مستمر.» # ما إن أتم حديثه هذا حتى تناول منه الرمح البرونزي، ودخل ~~تيليماخوس مارا فوق العتبة الصخرية. وما إن اقترب، حتى نهض أبوه، ~~أوديسيوس، من مقعده وأعطاه مكانه، بيد أن تيليماخوس من جانبه منعه ~~من ذلك، قائلا: ~~«اجلس أيها الغريب، وسنجد مقعدا في مكان آخر في حظيرتنا؛ فها ~~هنا رجل سوف يعد لنا مقعدا.» # يومايوس يقدم الطعام لأوديسيوس وتيليماخوس # هكذا تكلم فعاد أوديسيوس يجلس ثانية في مكانه، وبسط راعي ~~الخنازير من أجل تيليماخوس حشيشا أخضر من تحت وفوقه جزة من ~~الصوف، فجلس عليها ابن أوديسيوس العزيز؛ بعدئذ وضع راعي الخنازير ~~أمامها قصعات من اللحم المشوي، كانا قد تركاها من وجبة اليوم ~~السابق، وبسرعة وضع ms274 الخبز في الأسفاط، وخلط في طاس من خشب العليق ~~خمرا في حلاوة العسل، ثم اتخذ هو نفسه مجلسه قبالة أوديسيوس ~~المقدس؛ ومن ثم مدوا أيديهم إلى الطعام الشهي الموضوع أمامهم ~~معدا، فما إن تناولوا ملء بطونهم من الطعام والشراب، حتى تحدث ~~تيليماخوس إلى راعي الخنازير العظيم، بقوله: ~~«أبتاه، من أين جاءك هذا الغريب؟ كيف جاء به البحارة إلى ~~إيثاكا؟ ومن أعلنوا أنهم يكونون؟ إذ في اعتقادي، أنه يستحيل أن هذا ~~الغريب قد جاء سائرا على قدميه.» # إذن أجبته يا يوماس يا راعي الخنازير، فقلت: «إذن، يا ولدي، ~~فلأخبرنك بالحقيقة كلها، إنه يعلن أنه من مواليد كريت الفسيحة، ~~ويقول إنه جاس متجولا خلال الكثير من مدائن البشر، وهكذا دبر ~~أحد الآلهة هذا النصيب. أما الآن، فقد هرب من سفينة للثيسبروتيين # Thesprotians # ولجأ إلى حظيرتي، ~~وسأضعه بين يديك، فافعل به ما تشاء. إنه يعلن أنه مستجير ~~بك.» # تيليماخوس يطوق الغريب بعطفه # عندئذ من جديد رد عليه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «أيا ~~يومايوس، حقا لقد حز قولك هذا في نفسي ووخزني في قلبي؛ إذ كيف ~~يتأتى لي أن أقوم بتكريم هذا الغريب في منزلي؛ فإنني شخصيا لم ~~أزل صغيرا وليست لي ثقة بعد في قوتي للدفاع عن نفسي لحماية رجل، ~~عندما يثير المرء المتاعب من غير ما سبب. أما والدتي، فإن قلبها ~~الكائن في صدرها ليخفق إلى هذا الجانب وذاك، حائرة هل تبقى معي ~~هنا وتحافظ على المنزل، محترمة فراش زوجها وصوت الشعب، أم مع ~~خير رجل بين الآخيين الآن الذي يغازلها في القصر، ويقدم لها ~~أكبر عدد من هدايا الإعجاب. أما فيما يتعلق بهذا الغريب حقا، ~~فحيث إنه قد جاء إلى منزلك فسأكسوه عباءة وجلبابا، يكونان لباسا ~~جميلا له، وأعطيه سيفا ذا حدين، وصندلا لقدميه، وأرسله إلى ~~حيث يريد قلبه وروحه. أو لو طاب لك، أن تبقيه هنا في الحظيرة، ~~وتعتني بأمره، فسوف أرسل الثياب إلى هنا، وما يلزم من الطعام ~~لمأكله، حتى لا يكون سببا في خرابك وخراب رجالك، ولكني لن ~~أحمله ms275 مشقة الذهاب إلى هناك، لينضم إلى حشد المغازلين؛ إذ ~~يفيضون صفاقة وضيعة، خشية أن يسخروا منه، فيحل علي حزن أي حزن. ~~ومن الصعب على رجل واحد أن يبلغ شيئا بين قوم عديدين، مهما كان ~~قويا؛ لأنهم يتفوقون عليه حقا، أي تفوق.» # الغريب يبدي استعداده لمقاتلة المغازلين # عندئذ أجابه أوديسيوس العظيم البالغ التحمل، فقال: «أيها ~~الصديق، طالما يقضي الواجب علي حقا أن أرد - فالحق أن قلبي ~~ليتمزق وأنا أسمع حديثك؛ إذ تقول إن أولئك المغازلين يقترفون مثل ~~هذه العربدة في القصر بالرغم منك، أيها الرجل الطيب - خبرني، ~~أتقاسي أنت ذلك الظلم برغبتك؟ أم أن القوم في البلد يكرهونك، ~~طاعة لصوت الرب؟ أم هل لديك ~~سبب لتنحي باللائمة على إخوتك، الذين يعتمد عليهم المرء في القتال ~~إذا ما جد الجد. ليتني كنت صغيرا مثلك، وأنا في خلقي الحاضر، ~~وكنت ابن أوديسيوس عديم اللوم، أو أوديسيوس نفسه. إذن فليقطع ~~غريب ما رأسي ويفصله عن عنقي في الحال، إذا لم أبرهن على أنني ~~صعب المراس عليهم جميعا إذا ما وصلت إلى قصر أوديسيوس بن ~~لايرتيس. أما إذا هزموني بسبب كثرة عددهم، وأنا وحدي كما أنا، ~~فخليق بي أن أموت قتيلا في ساحاتي، ولا أرى بعيني استمرار هذه ~~الأعمال المخزية من أغراب تساء معاملتهم، ورجال يسوقون الإماء ~~بطريقة مخجلة عبر الساحات الجميلة، والخمر تبدد، والرجال ~~يلتهمون خبزي في غير ما اكتراث، وبغير حساب، وبدون أن تكون للأمر ~~نهاية.» # تيليماخوس يستغيث بيومايوس # فرد عليه تيليماخوس الحكيم بقوله: «إذن أيها الغريب، ~~لأخبرنك بكل شيء في صراحة، فلا يحمل الناس لي حقا أية ضغينة ~~أو كراهية، وليس لدي أي مبرر لكي ألوم إخوتي، الذين يعتمد ~~عليهم المرء في القتال، إذا ما نشب صراع مرير؛ لأن ابن كرونوس ~~قد جعل منزلنا يسير على هذه الطريقة في خط منفرد. لقد أنجب ~~أركايسيوس # Arceisius # لايرتيس، ~~كابن وحيد له، وكذلك أنجب لايرتيس ابنا وحيدا هو أوديسيوس، كما ~~أنجبني أوديسيوس ابنا وحيدا له أيضا، وتركني في قصره، ولم ~~تقر بي عيناه. وفي قصرنا ms276 الآن أعداء يفوقون الحصر؛ لأن جميع ~~الأمراء الذين يحكمون في الجزر - دوليخيوم وسامي وزاكونثوس ذات ~~الأحراش - وأولئك الذين يتولون الحكم على إيثاكا الصخرية، ~~يغازلون جميعا والدتي ويعيثون فسادا بمنزلي. وإنها غير قادرة ~~على رفض الزواج المقيت، وليس في إمكانها وضع حد لذلك الأمر، بل هم ~~يبددون أموالي بالولائم، وعما قريب سيجرونني أيضا إلى ~~الخراب. ومع ذلك فإن هذه الأمور تقع حقا عند ركب الآلهة، ولكن ~~هل لك يا أبتاه أن تذهب بسرعة وتخبر بينيلوبي الثابتة الجنان بأنني ~~في أمان، وأنني قد رجعت من بولوس؟ أما أنا فسأبقى هنا، وهل لك أن ~~تعود إلى هنا ثانية، بعد أن تفضي إليها وحدها بقصتي، ولا تدع ~~أحدا آخر من بقية الآخيين يعلم بهذا الأمر؛ لأن من يدبرون لي ~~الشر كثيرون هناك.» # إذن أجبته، يا يومايوس يا راعي الخنازير، بقولك: «فهمت، ~~وأصغيت، إنك لتأمر بهذا رجلا ذا فهم. والآن هيا خبرني بهذا، ~~وأعلنه لي بالصدق، هل أفضي ~~بذلك الأمر أيضا إلى لايرتيس، ذلك الرجل البائس، الذي لحين من ~~الدهر، رغم حزنه الشديد على أوديسيوس، ظل يأمل في إلقاء نظرة على ~~الحقول، ويأكل ويشرب مع العبيد في المنزل، كما كان يأمره قلبه ~~الكائن في صدره؟ أما الآن فمنذ ذلك اليوم الذي رحلت فيه إلى بولوس ~~في سفينتك يقولون إنه لم يعد يأكل ويشرب كسابق عهده، ولم تبصر ~~عيناه الحقول، بل يقضي وقته جالسا يبكي ويقول، واللحم يذوي فوق ~~عظامه.» # فأجابه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «إن هذا لأدعى إلى مزيد من ~~الحزن، ومع ذلك فلندعه وشأنه، رغم أحزاننا؛ لأنه إذا كان في ~~مقدور البشر، بأية حال من الأحوال أن يحصلوا على أمنياتهم لاخترنا ~~أولا وقبل كل شيء يوم عودة أبي. هيا انطلق ثم ارجع بعد أن تقوم ~~برسالتك، ولا تتجول عبر الحقول بحثا عن لايرتيس، واطلب من ~~والدتي أن ترسل بسرعة خادمتها، مدبرة شئون البيت سرا، ~~فتحمل كلمة إلى الرجل العجوز.» # أثينا تظهر لأوديسيوس وتأمره بوضع خطة مع ابنه # بهذا نهض راعي الخنازير وتناول نعليه في يديه، ms277 وربطهما إلى ~~قدميه ثم انطلق ذاهبا إلى المدينة. ولم تكن أثينا غير عالمة بأن ~~يومايوس راعي الخنازير قد غادر الحظيرة، فاقتربت في صورة سيدة، ~~حسناء فارعة الطول، وماهرة في الأشغال اليدوية الرائعة. ووقفت ~~أمام باب الكوخ، وأظهرت نفسها لأوديسيوس، بينما لم يبصرها ~~تيليماخوس وهي أمامه، ولم يلاحظها، لأن الآلهة لا تبدو بأية حال من ~~الأحوال في صورة يراها الجميع، ولكن أوديسيوس شاهدها، ولم تنبح ~~الكلاب، بل وهي تهر تسللت في خوف إلى أقصى بقعة في الضيعة. بعد ~~ذلك أشارت له بحاجبيها، فلاحظ أوديسيوس الإشارة وخرج من الساحة، ~~مارا بسور الفناء العظيم، ووقف أمامها، فتحدثت إليه أثينا، ~~بقولها: ~~«يا ابن لايرتيس، أيها المنحدر من زوس، يا أوديسيوس الكثير ~~الحيل، أفصح الآن لابنك بالكلام، ولا تخف الأمر عنه، حتى إذا ما ~~وضعتما خطة الموت والمصير المشئوم للمغازلين، استطعت أن تذهب إلى ~~المدينة الشهيرة. ولن أكون أنا نفسي بعيدة عنك؛ لأنني تواقة إلى ~~خوض غمار المعركة.» # بهذا لمسته أثينا بصولجانها الذهبي، وألقت حول صدره، أولا ~~عباءة وجلبابا مغسولين حديثا، زادت في حجمه وفي نضرة شبابه، ~~ومن جديد اسمر لونه، وامتلأت أوداجه، ونمت اللحية السوداء حول ~~ذقنه. وبعد أن قامت بهذا العمل، انصرفت فدخل ~~أوديسيوس الكوخ، فذهل ابنه ~~العزيز وإذ استولى عليه الذعر، أدار عينيه جانبا، خشية أن يكون ~~ذلك إلها، ثم تحدث إليه، وخاطبه بكلمات حماسية، # 3 # قائلا: ~~«أيها الغريب، إنك لتبدو لي الآن من لون آخر، غير الذي كنت عليه ~~منذ لحظة، وكذلك الملابس التي عليك غير الأولى، وما عاد لونك كما ~~كان من قبل. حقا إنك إله، أحد أولئك الذين يحتلون السماء ~~الفسيحة. إذن رحماك، حتى نقدم لك ذبائح مقبولة وهدايا ذهبية، ~~بديعة الصنع، حتى يتسنى لك أن تعفو عنا.» # أوديسيوس يميط اللثام عن نفسه لابنه # عندئذ أجابه أوديسيوس العظيم الكثير التحمل بقوله: «ثق بأنني ~~لست إلها، لماذا تشبهني بالخالدين؟ إنني أبوك الذي من أجله ~~تحملت الكثير من الأحزان باكيا، وخضعت لأعمال البشر ~~العنيفة.» # قال هذا وقبل ابنه، فسقطت من وجنتيه ms278 دمعة فوق الأرض، ولكنه ~~قبل أن يتمكن من كفكفتها بحزم، تحدث إليه تيليماخوس ثانية - ~~إذ لم يعتقد بعد أنه أبوه - فخاطبه بقوله: ~~«الحق أنك لست أبي أوديسيوس، ولكنك أحد الآلهة يخدعني، كي ~~أبكي وأنتحب أكثر من ذي قبل؛ لأنه ليس في مكنة أي رجل، بحال ما، ~~أن يفعل هذا بذكائه الشخصي إلا إذا جاءه إله بنفسه، فيجعله شابا ~~أو كهلا بسهولة حسب إرادته. لقد كنت حقا منذ لحظة رجلا عجوزا ~~رث الثياب، ولكنك الآن أشبه بالآلهة الذين يحتلون السماء ~~الفسيحة.» # أوديسيوس يؤكد لابنه أنه أبوه # فرد عليه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «أي تيليماخوس، يجدر ~~بك ألا تعجب هكذا كثيرا، ولا يدهشنك ذلك، أن أباك قد عاد إلى ~~المنزل؛ لأنه يمكنك أن تثق من أنه لن يجيء إلى هنا أي أوديسيوس ~~آخر، ولكني أنا هنا، أنا كما تراني، قد جئت إلى وطني بعد عشرين ~~سنة، كلها تجولات عديدة ومتاعب جمة. ويجب أن تعرف أن هذا من ~~عمل أثينا التي تسوق الغنائم، والتي تمنحني كما تشتهي - لأن لها ~~القدرة - فتجعلني الآن شحاذا، ومرة أخرى شابا يافعا، وشخصا ~~جميل الهندام؛ إذ من اليسير على الآلهة، التي تحتل السماء ~~المترامية الأجواز، أن تمجد إنسانا وأن تحقره.» # أوديسيوس وتيليماخوس يتعانقان ويبكيان مدرارا # ما إن قال هذا حتى جلس، فطوق تيليماخوس أباه النبيل بذراعيه ~~وأخذ يبكي ويذرف الدموع، فتحرك الشوق في قلبيهما للبكاء، ~~فأعولا بصوت مرتفع وبقوة دونها قوة الطيور، وصقور البحور أو ~~النسور ذات المخالب المعقوفة، عندما يسلبها امرؤ صغارها زغب ~~الحواصل من عشاشها، بمثل هذه الكيفية المؤثرة ذرفا الدموع ~~السواجم من تحت حواجبهما. وكاد ضوء الشمس يغيب وهما لا يزالان ~~يبكيان، لو لم يتكلم تيليماخوس إلى أبيه فجأة، ويقول: ~~«أبي العزيز، في أي نوع من السفن أحضرك البحارة إلى هنا في ~~إيثاكا؟ ومن أعلنوا أنهم يكونون؟ إذ أعتقد أنه من المستحيل أن ~~تكون قد جئت إلى هنا ماشيا على قدميك.» # أوديسيوس يسأل ابنه عن المغازلين وعددهم # فأجابه أوديسيوس العظيم كثير التحمل قائلا: «إذن يا ms279 ولدي، ~~فلأخبرنك حقا بجلية الأمر. لقد جاء بي إلى هنا الفياكيون، أولئك ~~القوم المشهورون بسفنهم، والذين يوصلون غيرهم من الأقوام إلى حيث ~~يريدون، كل من يجيء إليهم. لقد أحضروني نائما في سفينة سريعة عبر ~~البحر، وأنزلوني في إيثاكا، وأعطوني هدايا رائعة، خزينا من ~~البرونز والذهب والثياب المنسوجة. إن هذه الكنوز موضوعة في الكهف ~~بفضل الآلهة. وها أنا ذا قد جئت الآن بأمر أثينا، كي نتشاور في ~~موضوع مقتل أعدائنا. هيا الآن، وأخبرني عن عدد المغازلين، وقص ~~علي قصتهم، كي أعرف عددهم وأي نوع من الرجال هم، حتى أفكر في ~~قلبي النبيل، وأقرر ما إذا كنا نستطيع السيطرة على ناصية ~~الأمور، وتكون لنا الغلبة عليهم وحدنا دون مساعدة آخرين، أم يقتضي ~~الأمر أن نبحث عن آخرين.» # تيليماخوس يبدي مخاوفه من قوة المغازلين وكثرتهم # عندئذ أجابه تيليماخوس العاقل، بقوله: «أبتاه، لئن أردت الحق، ~~إنني كثيرا ما سمعت عن شهرتك العظيمة، لقد كنت ذائع الصيت ~~كمحارب في قوة اليد وفي سداد الرأي، ولكن هذا الذي تقول عظيم ~~للغاية، وإن العجب ليتملكني؛ إذ كيف يتسنى لرجلين أن يقاتلا ~~ضد رجال عديدين أشداء؛ فليس هناك من أولئك المغازلين عشرة فحسب، ~~وليسوا عشرين، بل أكثر من ذلك بمراحل، وستعلم في الحال عددهم الآن ~~ونحن هنا. هناك اثنان وخمسون شابا مختارا من دوليخيوم، وستة خدم ~~لخدمتهم، وجاء من سامي أربعة وعشرون رجلا، وهناك من زاكونثوس ~~عشرون شابا من الآخيين واثنا عشر رجلا من إيثاكا نفسها، جميعهم ~~من الأشراف، ومعهم ميدون، الرسول، والمنشد المقدس، وخادمان ~~ماهران في قطع اللحوم، فلو واجهنا كل هؤلاء داخل الساحات، فإن ~~مجيئك، كما أخشى، سيكون مريرا ضارا حتى تنتقم بالعنف. كلا، هل ~~لك أن تفكر - إذا كنت تستطيع التفكير في أي مساعد - في شخص ~~يمكنه أن يساعدنا كلينا عن طيب خاطر.» # فأجابه أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، قائلا: «حسنا، إذن، ~~فسأخبرك، فأصغ تماما إلى كلماتي، وفكر هل يكفي أن يكون معنا ~~نحن الاثنين، أثينا والأب زوس، أم هل لي أن أفكر في مساعد ما ms280 ~~آخر.» # عندئذ أجابه تيليماخوس الحكيم، فقال: «حسنا، إن كنت واثقا من ~~اشتراك هذين المساعدين اللذين تذكرهما، رغم أنهما يقطنان ~~عاليا في السحب ويسيطران على جميع البشر وكذا الآلهة الخالدين على ~~حد سواء.» # أوديسيوس يرسم لابنه خطة العمل # فقال أوديسيوس العظيم الكثير الحيل: «من المؤكد أن هذين لن ~~يكونا بعيدين عن ميدان المعركة الطاحنة مدة طويلة، عندما توضع ~~قوة أريس في موضع الاختبار بيننا وبين المغازلين في ساحاتي. أما ~~الآن، فانصرف عند مطلع الفجر إلى منزلك، وانضم إلى جماعة ~~المغازلين الرقعاء. وأما أنا فسيأخذني راعي الخنازير بعد ذلك إلى ~~المدينة في هيئة شحاذ بائس وكبير السن. ومهما سخروا مني في ~~المنزل أو احتقروني، فلا تدع قلبك يثور في داخل صدرك وأنا أسام ~~أسوأ معاملة، حتى ولو سحبوني من قدمي خلال المنزل إلى الباب، ~~أو قذفوا بي في الخارج أو ضربوني، بل يجب أن تتحمل رؤية ذلك. ~~حقا، إنك سوف تأمرهم بالكف عن حماقتهم، محاولا منعهم برقيق ~~الألفاظ، ومع ذلك فلن يكترثوا لقولك بأية حال؛ إذ اقترب يوم ~~حتفهم. كذلك سأخبرك بشيء آخر، ويجب أن تضعه في قلبك. عندما تضع ~~أثينا العظيمة النصح مشورتها في ذهني، سأهز لك رأسي، فيجب أن ~~تلاحظ ذلك في الحال، فتقوم بجمع سائر أسلحة القتال الموجودة في ~~ساحاتك، وتخفيها كلها في مخبأ بعيد في المخزن الواسع. وإذا ما ~~افتقد المغازلون الأسلحة وسألوك عنها، فلتراوغهم بعبارات رقيقة ~~خداعة، فتقول لهم: ~~«لقد وضعتها بعيدا عن الدخان، # 4 # حيث إنها لم تعد كما تركها أوديسيوس في القدم عندما ~~ذهب إلى طروادة، بل تراكمت عليها الأقذار بقدر ما علق بها من ~~أنفاس النار. وزيادة على ذلك فقد وضع ابن كرونوس في قلبي هذا ~~الخوف الأعظم؛ إذ أخشى أنه متى لعبت الخمر برءوسكم، أقمتم ~~الشجار فيما بينكم، وجرح بعضكم البعض الآخر، وبذا تفسدون وليمتكم ~~ومغازلتكم؛ لأن الحديد من تلقاء نفسه يجذب إليه الإنسان.» # أما لكلينا وحدنا فلتترك سيفين ورمحين، وترسين من جلد الثور ~~لنحملها، حتى نستطيع الانقضاض بينهم وإلقاء القبض عليهم، بينما ms281 ~~تخدع بالاس أثينا وزوس، المستشار، أولئك المغازلين. وسأخبرك بأمر ~~آخر، يجب أن تضعه في قلبك. إن كنت حقا ابني ومن دمي، فلا تجعلن ~~أحدا يسمع بأن أوديسيوس في المنزل، ولا تدعن لايرتيس يعلم ذلك ~~ولا راعي الخنازير، ولا أي فرد من خدم المنزل، ولا بينيلوبي ~~نفسها؛ فإننا نعرف تماما طبيعة السيدات. نعم، وكذلك سوف نبتلي ~~الكثير من الخدم، فنعرف من منهم يكن لنا الاحترام ويخشانا في ~~قلبه، ومن منهم لا يكترث بنا ويحتقرك، وأنت ذلك الرجل ~~العظيم».» # فأجابه ابنه الرائع يقول: «أبتاه، ستعرف، كما أعتقد، روحي من ~~الآن فصاعدا؛ فما من تراجع عما أعتزم عليه يسيطر على نفسي، ~~ولكني لا أعتقد أن هذه الخطة ستكون ذات نفع لكلينا؛ ومن ثم ~~فإني أطلب منك أن تفكر في الأمر. ستظل مدة طويلة تذهب هنا وهناك ~~دون جدوى، تختبر كل رجل وأنت تزور الحقول، بينما ينفق أولئك ~~الآخرون أموالك حسب أهوائهم بصفاقة، فما تبقى هناك أي مدخر. ~~ومع ذلك ففيما يتعلق بالسيدات، فإني أقترح عليك أن تعرف أيهن لا ~~تبجلك، ومن منهن البريئة. وأما أولئك الرجال في الضياع، فلست ~~أرى أن تعجم عودهم، بل نترك معالجة ذلك إلى ما بعد، إذا كنت ~~حقيقة تعرف علامة ما من زوس، الذي يحمل الترس.» # بينيلوبي تعلم بوصول تيليماخوس # هكذا تكلم كل واحد منهما إلى الآخر، وفي ذلك الوقت كانت ~~السفينة المكينة البناء التي أقلت تيليماخوس وجميع رفاقه من ~~بولوس، قد رست داخل إيثاكا، فعندما جاءوا إلى الميناء العميق، ~~ورسوا سحبوا السفينة السوداء فوق الشاطئ، بينما حمل الخدم ~~حللهم الحربية مزهوين، وفي الحال نقلوا الهدايا الجميلة إلى ~~منزل كلوتيوس، فأرسلوا رسولا إلى منزل أوديسيوس ليخبر بينيلوبي ~~الحكيمة بأن تيليماخوس في الحقل، وقد أمر السفينة بمواصلة الإبحار ~~إلى المدينة، خشية أن يساور القلق الملكة النبيلة فتطلق ~~العنان لدموعها المستديرة فتتساقط؛ وعلى ذلك التقى الاثنان، ~~الرسول وراعي الخنازير العظيم، لنفس المهمة، مهمة حمل النبأ إلى ~~السيدة، فلما بلغا قصر الملك الشبيه بالإله، أعلن الرسول في وسط ~~الخادمات، قائلا: «الآن ms282 فقط، يا مليكتي قد عاد ابنك من ~~بولوس.» # اقترب راعي الخنازير من بينيلوبي وأفضى إليها بكل ما طلب منه ~~ابنها العزيز أن يقوله. وبعد أن أخبرها بكل ما أمر به، قفل راجعا ~~إلى الخنازير وترك الفناء والساحة. # المغازلون يتناقشون فيما بينهم # بيد أن المغازلين قنطوا وتخاذلت أرواحهم، وخرجوا من الساحة ~~عبر سور الفناء العظيم، وجلسوا أمام الأبواب، ثم قام بعد ذلك ~~يوروماخوس بن يولوبوس، في وسطهم وتكلم أولهم، فقال: ~~«أيها الأصدقاء، الحق أن عملا عظيما قد تم بوقاحة على يد ~~تيليماخوس، ذلك هو الرحلة، التي كنا نظن أنه لن يحققها. إذن ~~هلموا بنا، ننزل إلى البحر سفينة سوداء، خير ما عندنا من ~~السفن، ودعونا نجمع بحارة مجذفين حتى يستطيعوا في الحال أن ~~يحملوا الأخبار إلى أولئك الآخرين بسرعة لكي يرجعوا إلى ~~الوطن.» # ما كاد ينتهي هذا من كلماته، حتى استدار أمفينوموس # Amphinomus # في مكانه، فرأى سفينة في ~~الميناء العميق، ورجالا يطوون الشراع، وفي أيديهم المجاذيف، ~~فضحك ملء شدقيه، وقال وسط رفقائه: ~~«إذن فلا تبعثوا برسالة بعد الآن؛ فها هم في الوطن. إما أن أحد ~~الآلهة قد أخبرهم بهذا، وإما أنهم رأوا بأنفسهم مركب تيليماخوس ~~وهو مار بهم، ولكنهم لم يستطيعوا اللحاق به.» # ما إن قال هذا، حتى نهضوا وذهبوا إلى ساحل البحر، وبسرعة سحب ~~الرجال السفينة السوداء فوق الشاطئ، وحمل الخدم المزهوون ~~أسلحتهم. أما هم فذهبوا في الوقت نفسه جميعا إلى مكان الاجتماع، ~~ولم يسمحوا لأحد بالجلوس معهم، سواء أكان شابا يافعا أو عجوزا ~~كهلا، فقام في وسطهم بعد ذلك أنتينوس # Antinous ~~، ابن يوبايثيس # Eupeithes ~~، وخاطبهم بقوله: ~~«ويحكم! انظروا الآن كيف خلصت الآلهة هذا الرجل من الهلاك. ~~لقد ظل المراقبون يجلسون فوق المرتفعات ذات الرياح يوما بعد يوم، ~~الحارس يتلوه الحارس باستمرار، ولم نذهب إلى الشاطئ قط عند غروب ~~الشمس، بل كنا دائمي الإبحار بسفينتنا السريعة عبر الخضم ~~الواسع حتى مطلع الفجر اللامع، منتظرين تيليماخوس، حتى يمكننا أن ~~نقبض عليه ونقتله، ولكن في الوقت نفسه جاء به أحد الآلهة إلى ms283 ~~الوطن، فلا يسعنا إذن، إلا أن ندبر له ميتة شنيعة، ولا ندعه ~~يفلت من أيدينا؛ إذ حسب اعتقادي لن ننجح في عملنا هذا طالما هو ~~على قيد الحياة؛ لأن هو نفسه سديد الرأي في المشورة والحكمة، ولن ~~يبدي القوم لنا أي رضى بعد الآن، فهيا، تعالوا قبل أن يجمع ~~الآخيين في مكان الاجتماع؛ إذ أعتقد أنه لن يبطئ في العمل بأية ~~حال من الأحوال، ولكنه وقلبه يفيض غضبا، سيقف وسطهم ويعلن لهم ~~كيف أننا دبرنا له الهلاك الشامل، بيد أننا لم نتمكن من القبض ~~عليه، فإذا ما أحيطوا علما بأعمالنا الشريرة ساءت سمعتنا ~~لديهم، خذوا حذركم إذن، لئلا يدبروا لنا ضررا ما ويطردونا من ~~مدينتنا، فنلجأ إلى بلاد الأغراب. هلموا بنا، إلى العمل أولا، ~~لنقبض عليه في الحقول بعيدا عن المدينة، أو في الطريق. ولنحتفظ ~~نحن أنفسنا بأمواله، وكذا ثروته، ونقتسمها بالعدل فيما بيننا، ولو ~~أننا سنعطي البيت لوالدته ملكا لها، ولمن يتزوجها. ومع ذلك فإن ~~كانت لا تروقكم هذه الخطة، بل تفضلون أن يظل حيا ويحتفظ بكل ~~ثروة آبائه، فلنستمر في ازدراد خزينة من أطايب الأشياء ونحن ~~نجتمع سويا هنا، وليغازلها كل رجل من ساحته بهداياه ويحاول ~~الفوز بها، ولها بعد ذلك أن تتزوج من يقدم أحسن شيء، ومن كان من ~~حظه أن يصبح سيدها المقدر.» # أمفينوموس يعارض خطة قتل تيليماخوس # هكذا تكلم. وخيم الصمت عليهم أجمعين، ثم قام أمفينوموس وسطهم، ~~وخاطب حشدهم. لقد كان هو الابن المجيد للأمير نيسوس # Nisus ~~، ابن أريتياس # Aretias ~~، وقاد المغازلين الذين قدموا من دوليخيوم، ~~الغنية بالقمح والحشائش، ودون سائر الجميع قد أدخل السرور بكلامه ~~على نفس بينيلوبي؛ إذ كان ذا قلب مدرك، فقام بنية سليمة، وخاطب ~~حشدهم، وتحدث في وسطهم، قائلا: ~~«أيها الأصدقاء، لا ريب في أنني لا أرى أن نقتل تيليماخوس؛ فما ~~أفظع أن نقتل شخصا من أصل ملكي. كلا هلموا بنا أولا نحاول ~~معرفة إرادة الآلهة؛ فلو وافق على ذلك وحي زوس العظيم، لقتلته أنا ~~نفسي، ولأمرت سائر الآخرين بعمل ذلك، ms284 أما إذا جعلتنا الآهلة ~~نعدل عن هذا العمل، فإني آمركم بالعدول عنه.» # هكذا تكلم أمفينوموس، فسر الجميع من كلامه؛ وعلى ذلك نهضوا من ~~فورهم وذهبوا إلى بيت أوديسيوس، ما إن دخلوا، حتى جلسوا على ~~المقاعد المصقولة. # بينيلوبي تظهر أمام العاشقين # بعدئذ اتخذت بينيلوبي الحكيمة رأيا آخر، أن تظهر نفسها ~~للعاشقين، السكعاء اللكعاء؛ إذ كانت قد علمت بما يهدد ~~ابنها في ساحاتها من ميتة؛ فقد أخبرها بذلك الرسول ميدون، الذي كان ~~قد سمع تآمرهم؛ ومن ثم ذهبت في طريقها إلى الساحة مع ~~وصيفاتها. وما إن وصلت السيدة الفاتنة إلى مكان المغازلين حتى ~~وقفت بجانب باب الساحة المكينة الميناء وأمسكت خمارها البراق ~~أمام وجهها، وأنحت باللوم على أنتينوس، وخاطبته ~~بقولها: ~~«أيا أنتينوس، أيها المملوء بالوقاحة، ويا مدبر الشر! يقول ~~الناس عنك إنك تفوق سائر أترابك في بلاد إيثاكا مشورة وحديثا، ~~ولكن يبدو أنك لست ذلك الرجل، أيها المأفون! لماذا تدبر الموت ~~والقضاء ليتليماخوس، ولا تكترث بالمتضرعين، الذين يعتبر زوس ~~شاهدهم. ليس من التقوى أن يدبر أحدكم الشر للآخر. ألا تذكر ~~الوقت الذي جاء فيه أبوك إلى هذا المنزل مستجيرا وفي هلع من ~~الشعب؟ الحق أن الشعب كان غاضبا عليه أشد الغضب؛ إذ انضم إلى ~~قراصنة تافيين ونهبوا الثيسبروتيين، حلفاءنا. لقد كانوا يريدون ~~قتله وقتئذ، وسلب حياته بالقوة، وابتلاع حياته العظيمة السارة ~~ابتلاعا شاملا، ولكن أوديسيوس منعهم، وأوقفهم رغم ثورتهم. إن ~~بيته هو هذا الذي تستهلكون ما فيه الآن بدون وجه حق، وتغازلون ~~زوجته، وتحاولون قتل ابنه، فتجلبون على قلبي حزنا بالغا. كلا ~~تريثوا، إنني آمركم، وآمر غيركم بالتريث.» # يوروماخوس يهدئ من روع بينيلوبي # عندئذ أجابها يوروماخوس بن بولوبوس، بقوله: «يا ابنة إيكاريوس، ~~يا بينيلوبي الحكيمة، انشرحي صدرا ولا تدعي هذه الأمور تعكر ~~صفو قلبك. لا يعيش، ولن يعيش ولن يولد قط، من يضع يديه على ابنك ~~تيليماخوس طالما أنا حي وأرى النور فوق الأرض. هكذا أقول لك، وهذا ~~ما سوف يحدث حقا؛ فلسوف تجري بسرعة دماء ذلك الرجل السوداء حول ~~رمحي؛ لأنك ms285 إن أردت الحق، فكثيرا أيضا، ما جثا أوديسيوس مخرب ~~المدن على ركبتيه، ووضع لحما مشويا في يدي، وحمل إلى شفتي ~~خمرا صهباء؛ لذلك كان تيليماخوس أعز جميع الناس عندي، وإني ~~لآمره ألا يهاب الموت، على الأقل بيد المغازلين، أما إن كان من لدن ~~الآلهة فلن يستطيع أحد أن يتحاشاه.» # تكلم هكذا ليرضيها، ولكنه في الحقيقة كان يدبر قتل ذلك ~~الابن، ومن ثم صعدت إلى حجرتها العليا المتألقة، وطفقت ~~تبكي أوديسيوس، زوجها العزيز، إلى أن ألقت أثينا، ذات العينين ~~النجلاوين، النوم اللذيذ على جفنيها. # أثينا تحول أوديسيوس إلى شحاذ عجوز # عندما أقبل المساء عاد راعي الخنازير الطيب إلى أوديسيوس وابنه ~~وكانا منهمكين في إعداد عشائهما؛ إذ نحرا خنزيرا حوليا. وبعد ~~ذلك اقتربت أثينا من أوديسيوس بن لايرتيس، فضربته بصولجانها فغدا ~~من جديد رجلا عجوزا، ووضعت حول جسمه أسمالا رثة، لئلا ~~يحدق فيه راعي الخنازير ببصره فيعرفه. وقد ينطلق لينقل البشرى ~~إلى بينيلوبي الثابتة الجنان، ولا يكتم السر في قلبه. # بادر تيليماخوس راعي الخنازير بقوله: «ها أنت قد جئت يا ~~يومايوس الطيب، ما أخبار المدينة؟ أوصل المغازلون المتغطرسون الآن ~~إلى المنزل من كمينهم، أم لم يزالوا في انتظاري حيث هم؛ ليغتالوني ~~وأنا في طريقي إلى الوطن؟» # إذن رددت عليه، يا راعي الخنازير يومايوس، فقلت: «لم أكن أزمع ~~التجول في المدينة، لأسأل وأستعلم عن هذا، فقد أمرني قلبي بأن ~~أرجع إلى هنا بغاية السرعة بعد أن أبلغ رسالتي. بيد أن رسولا، ~~سبقني ونمى الخبر إلى والدتك، رسولا سريعا من رفقائك. إنني لعلى ~~يقين من هذا الأمر؛ لأنني أبصرته بعيني رأسي. وكنت في ذلك الوقت ~~فوق مرتفع يطل على المدينة، حيث يوجد تل هيرميس، وأنا ذاهب في ~~طريقي، فإذا بي أرى سفينة سريعة تدخل ميناءنا، وكان بداخلها رجال ~~عديدون، كما كانت أيضا محملة بالدروع والرماح ذات الأسنة ~~المدببة المزدوجة، فخيل إلي أنهم أولئك الرجال، ولكن لم أكن ~~ذا علم أكيد.» # هكذا قال يومايوس، وابتسم تيليماخوس القوي العتيد، وحدج أباه ~~بنظره ولكنه تحاشى عيني راعي ms286 الخنازير. # وبعد أن انتهوا من عملهم وأعدوا الطعام، انكبوا يأكلون، ولم ~~تفتقر قلوبهم إلى شيء من الوليمة الفاخرة. حتى إذا ما ملئوا بطونهم ~~وشبعوا من الطعام والشراب، فكروا في الراحة، فناموا ملء جفونهم. # 5 # | الأنشودة السابعة عشرة # اقتربا من المدينة، ووصلا إلى ~~نافورة بديعة الصنعة، رائعة التدفق. # تيليماخوس يوصي الراعي بالغريب # ما كاد يلوح الفجر الباكر، ذوا الأنامل الوردية، حتى لبس ~~تيليماخوس العزيز، ابن أوديسيوس المقدس، صندله البديع في قدميه ~~وتناول رمحه القوي، الذي كان يتفق وقبضة يده، وأسرع إلى المدينة، ~~وخاطب راعي الخنازير بقوله: ~~«أبتاه، إنني ذاهب حقا إلى المدينة، حتى تستطيع والدتي أن ~~تشاهدني؛ إذ أعتقد أنها لن تكف عن البكاء المحزن والنحيب الدامع ~~إلا بعد أن تراني شخصيا. وإنني لأعهد إليك بهذه المهمة. أرشد هذا ~~الغريب البائس إلى المدينة، ليمكنه أن يستجدي طعامه هناك، فيجد ~~من يجود عليه برغيف وقدح من الماء. أما أنا شخصيا فلا يمكنني ~~بأية حال أن أثقل على نفسي، بمراعاة مصالح جميع الناس؛ إذ بقلبي ~~ما يكفي من الحزن. ولو أغضب الغريب هذا، فإنه سيكون وبالا عليه ~~أي وبال. فالحقيقة أنني أحب أن أقول الصدق». # بعد ذلك أجاب أوديسيوس الكثير الحيل، قائلا: «أي صديقي، كن ~~واثقا بأنني أنا نفسي غير تواق إلى أن أترك هنا؛ إذ من الخير ~~للسائل أن يستجدي الناس طعامه في المدينة، أكثر مما يستجديه في ~~الحقول، فمن كان لديه شيء أعطانيه؛ فما عدت في السن التي تسمح لي ~~بالبقاء في الضياع لأطيع في كل شيء أوامر المتكهنين. كلا انطلق ~~في طريقك، فإن هذا الرجل الذي تأمره سيقودني إلى المدينة بمجرد أن ~~أصطلي النار فأدفئ نفسي، وتضحي الشمس حامية لأن الملابس التي ~~تسترني في غاية البؤس، وأخشى أن يقهرني صقيع الصباح، وإنك لتقول ~~إن المسافة إلى المدينة بعيدة.» # تيليماخوس يبلغ قصر أمه # هكذا تكلم، وانطلق تيليماخوس يشق طريقه عبر الضيعة بخطى ~~واسعة، وكان يبذر بذور الشر للمغازلين، فما إن بلغ القصر الفسيح ~~الأرجاء، حتى وضع رمحه في مكانه، وأسنده إلى ms287 قائم مرتفع، ثم دخل ~~هو نفسه مجتازا العتبة الحجرية. # كانت المربية يوروكليا # Eurycleia ~~، أول من أبصره وهو يفرش الفراء الصوفية ~~فوق المقاعد الفاخرة الصنع، فهرعت إليه وهي تجهش بالبكاء، ~~واجتمعت سائر الإماء الباقيات حولهما، إماء أوديسيوس الراسخ ~~القلب، وأخذن يوسعنه تقبيلا في رأسه وكتفيه مرحبات به ~~ترحيب المحبة. # بينيلوبي تستقبل ابنها بالبكاء والقبلات # عندئذ خرجت بينيلوبي الحكيمة من مقصورتها، أشبه ما تكون ~~بأرتيميس أو بأفروديتي الذهبية، وانخرطت في البكاء وطوقت ابنها ~~العزيز بذراعيها، وقبلت رأسه وكلتا عينيه الجميلتين، ~~وتحدثت إليه بكلمات مجنحة، وهي تبكي فقالت: ~~«ها أنت ذا قد جئت، يا تيليماخوس، يا نور عيني الحلو، لقد ظننت ~~أنني لن أراك إطلاقا بعد أن رحلت في سفينتك إلى بولوس - سرا ~~ورغما مني - لتستقي الأخبار عن أبيك العزيز. هيا إذن خبرني عن ~~الحال التي شاهدته عليها.» # فأجابها تيليماخوس الحكيم، قائلا: «لا تثيريني إلى البكاء، يا ~~أماه، أتوسل إليك، ولا تهيجي قلبي في داخل صدري، ما دمت قد ~~نجوت من الهلاك الشامل. هيا، استحمي وارتدي ثوبا نظيفا فوق ~~جسمك، ثم اصعدي إلى مقصورتك العليا مع إمائك، وأقسمي لجميع ~~الآلهة بأنك سوف تقدمين ذبيحة من مائة ثور تحقق الرجاء، ~~أملا في أن زوس يحقق أعمال الأخذ بالثأر العادل يوما ما. أما ~~أنا فسأذهب إلى مكان الاجتماع كي أدعو إلى منزلنا غريبا حضر معي ~~من بولوس وأنا في طريقي إلى هنا. لقد جعلته يسبقني مع رفقائي ~~الشبيهين بالآلهة، وطلبت من بايرايوس أن يصحبه إلى منزله ويقدم ~~له القرى اللائق، ويظهر له الاحترام إلى أن أجيء.» # هكذا تكلم، ولكن كلمتها بقيت بغير جناح، # 1 # وبعد ذلك اغتسلت، وأخذت لباسا نظيفا لجسمها، ~~وأقسمت لجميع الآلهة بأن تقدم ذبيحة من مائة ثور تحقق ~~الرجاء، على أمل أن زوس في يوم من الأيام يحقق أعمال الانتقام ~~العادل. # تيليماخوس يلتقي بالمغازلين # أما تيليماخوس فانطلق بعد ذلك مخترقا الساحة وهو يحمل رمحه في ~~يده، وتبعه كلبان سريعان. وما أعظم الجمال الذي سكبته أثينا ~~عليه! حتى إنه أثار عجب الناس جميعا ms288 عندما أقبل، فاجتمع حوله ~~المغازلون الرقعاء، وأخذوا يتحدثون إليه بمعسول الألفاظ، بينما ~~هم يفكرون بالشر في أعماق قلوبهم. ومع ذلك فإنه تحاشى جمع الرجال ~~الكبير، وقصد إلى المكان الذي كان يجلس فيه مينتور # Mentor ~~، وأنتيفوس # Antiphus ~~، وهاليثيرسيس # Halitherses ~~، الذين كانوا أصدقاء بيت أبيه منذ ~~القدم، حيث اتخذ مجلسه، فسألوه عن كل شيء. وبعد ذلك اقترب ~~الرماح الشهير بايرايوس، يقود الغريب خلال المدينة إلى مكان ~~الاجتماع، ولم ينأ تيليماخوس مدة طويلة عن ضيفه، بل تقدم نحوه، ~~وعندئذ بدأه بايرايوس بالحديث، قائلا: ~~«يا تيليماخوس، أسرع بإرسال نساء إلى بيتي، كي أبعث إليك ~~بالهدايا التي قدمها لك مينيلاوس.» # عندئذ أجابه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «أي بايرايوس، لسنا نعرف ~~كيف ستتطور الأمور بعد، فلو قتلني المغازلون المتغطرسون سرا في ~~ساحتي لاقتسموا جميع ممتلكات آبائي فيما بينهم، فأرجو أن تحتفظ ~~بهذه الأشياء؛ إذ أفضل أن تتمتع بها أنت نفسك من أن يتمتع بها ~~واحد من هؤلاء. أما إذا استطعت أن أبذر لهم بذور الموت والقدر، ~~فأحضر عندئذ كل شيء إلى منزلي بسرور، وعندئذ سأكون ~~مغتبطا.» # تيليماخوس يقص على أمه أخبار رحلته # ما إن قال هذا، حتى قاد الغريب الذي بلغ به التعب غايته، إلى ~~المنزل، فلما وصلا إلى البيت الفسيح، وضعا عباءتيهما فوق الكراسي ~~والمقاعد العالية، ودخلا الحمامات اللامعة واغتسلا. وبعد أن ~~غسلتهما الخادمات ودهن جسميهما بالزيت، وألقين فوقهما ~~جلبابين وعباءتين من الصوف، خرجا من الحمامات وجلسا فوق الكراسي. ~~بعد ذلك أحضرت خادمة ماء للأيدي في إبريق بديع من الذهب، ~~وسكبته في طست من اللجين حتى يستطيعا أن يغسلا أيديهما، وجاءت ~~إلى جوارهما بخوان مصقول، فأحضرت ربة البيت الصارمة خبزا ~~وضعته أمامهما، ومعه لحم بكمية وفيرة، مانحة من خزينها بسخاء. ~~وجلست والدة تيليماخوس قبالته بجوار قائم باب الساحة، متكئة ~~على كرسي تغزل خيوطا رفيعة من الكتان. وهكذا مدا أيديهما ~~إلى الطعام الشهي الذي أعد ووضع أمامها، فلما ملآ بطنيهما من ~~الطعام والشراب، بدأتهما بينيلوبي الحكيمة بالحديث، فقالت: ~~«أي تيليماخوس، الحق أنني سأصعد إلى مقصورتي العليا وأستلقي ms289 ~~فوق فراشي، الذي غدا بالنسبة لي فراش البكاء، أبلله بدموعي ~~دائما، منذ ذلك اليوم الذي رحل فيه أوديسيوس إلى إليوس مع أبناء ~~أتريوس، ولكنك لا تهتم، قبل أن يدخل المغازلون السكعاء إلى هذا ~~المنزل، أن تخبرني بصراحة عن عودة أبيك، إذا كنت قد سمعت ~~شيئا.» # فأجابها تيليماخوس الحكيم، قائلا: «إذن حقا يا أماه، سأخبرك ~~بالحقيقة كلها. لقد ذهبنا إلى بولوس عند نسطور، راعي الشعب، فأحسن ~~استقبالي في منزله الشاهق وقدم لي الضيافة الطيبة، مرحبا بي ~~ترحيب الأب بابنه الذي جاءه من توه بعد غياب طويل في مكان ~~قصي. لقد أكرم وفادتي مع أبنائه الأمجاد بمثل هذه الطيبة، ومع ذلك، ~~فقد قال إنه لم يسمع شيئا عن أوديسيوس الراسخ القلب، سواء أكان ~~على قيد الحياة أم في عداد الأموات، من أي إنسان على وجه الأرض، ~~ولكنه بعث بي في عربة ذات مفاصل تجرها الخيول إلى مينيلاوس بن ~~أتروبوس الرماح المشهور. وهناك شاهدت هيلينا الأرجوسية، التي ~~قاسى الأرجوسيون والطرواديون كثيرا من المشاق من أجلها بإرادة ~~الآلهة. وفي الحال سألني مينيلاوس الرائع في صيحة الحرب، مستعلما ~~عن السبب الذي من أجله جئت إلى لاكيدايمون العظيمة، فأخبرته ~~بالحقيقة كلها. بعد ذلك أجابني، وقال: ~~«سحقا لهم! لأنهم حقا كانوا يتوقون إلى الاضطجاع في فراش ~~رجل جريء القلب، أولئك الجبناء الرعاديد. كما يحدث تماما أن ~~غزالة ترقد في عرين الليث لتنيم صغارها الرضع الحديثة المولد، ~~ثم تخرج فتجوس فوق منحدرات الجبال وفي الوديان الخضراء بحثا عن ~~المراعي، وبعدئذ يأتي الليث إلى عرينه فينزل بالصغار مصيرا ~~قاسيا. هكذا سوف ينزل أوديسيوس مصيرا قاسيا بأولئك الرجال. ~~وإنني لأطلب منك يا أبتاه زوس، وأنت يا أثينا، ويا أبولو، أنه ~~بمثل تلك القوة كما حدث مرة في ليسبوس # Lesbos # البديعة الإنشاء عندما نهض وتصارع في جولة ~~مع فيلوميلايديس Philomeleides # 2 # فألقاه بعنف، وابتهج جميع الآخيين، بمثل تلك القوة ~~أتمنى أن يهجم أوديسيوس وسط المغازلين، وليتهم جميعا يلاقون ~~هلاكا سريعا ومرارة في مغازلتهم. أما عن هذا الأمر الذي تتوسل ~~إلي وتسألني ms290 عنه، فالحق أنني سأخبرك به ولن أخرج عنه بحرف واحد ~~لأتكلم في أمور أخرى، كما أنني لن أغشك، ولكنني لن أخفي شيئا ~~واحدا، أو أكتمه، مما أخبرني به عجوز البحر الذي لا يخطئ قط. ~~قال إنه رأى أوديسيوس في جزيرة حزينا أشد الحزن وأمضه، في ~~ساحات الحورية كالوبسو، التي تحجزه عندها بالقوة. وإنه غير مستطيع ~~العودة إلى وطنه؛ إذ ليس عنده سفن ذات مجاذيف ولا رفاق ليأخذوه في ~~طريقه عبر ظهر البحر الفسيح.» # هذا ما قاله مينيلاوس بن أتريوس، الرماح الذائع الصيت. ولما ~~انتهيت من كل هذا أقلعت إلى وطني، ووهبني الخالدون ريحا معتدلة ~~وأحضروني بسرعة إلى وطني العزيز.» # ثيوكلومينوس يتنبأ بأن أوديسيوس موجود في وطنه # هكذا تكلم تيليماخوس وأثار القلب في صدر أمه، ثم نهض وسطهما ثيوكلومينوس # 3 # الشبيه بالإله وتحدث إليهما قائلا: ~~«يا زوجة أوديسيوس بن لايريتس، المبجلة، الحق أنه ليس واضح ~~الإدراك، ولكن هل لك أن تصغي إلى كلماتي؛ لأنني سأتنبأ لك ~~بمعرفة أكيدة، ولن أخفي عنك شيئا، فكن شاهدي يا زوس فوق جميع ~~الآلهة، ولتشهد علي هذه المائدة المضيافة ومدفأة أوديسيوس النبيل ~~الذي إليه جئت. إن أوديسيوس موجود الآن حقا في وطنه، مستريحا، ~~أو متحركا على علم تام بهذه الأعمال الشريرة، وإنه ليبذر بذور ~~الشر للمغازلين؛ ففي غاية الوضوح أبصرت طائر فأل وأنا جالس فوق ~~السفينة ذات المقاعد، وأعلنت الأمر لتيليماخوس.» # فأجابته بينيلوبي الحكيمة، قائلة: «آه! أيها الغريب، ليت كلمتك ~~هذه تتحقق، إذن لعرفت العطف مني بسرعة ونلت هدايا كثيرة، حتى ~~إذا ما قابلك شخص سماك المحظوظ.» # ميدون يدعو المغازلين إلى تناول الطعام # هكذا تحدث كل واحد إلى الآخر. أما المغازلون ففي الوقت نفسه ~~كانوا يطربون أمام قصر أوديسيوس، يقذفون الجلة والرمح في مكان ~~مستو، بصفاقة قلب، كما كانت عادتهم. بيد أنه عندما أقبل المساء ~~وحان موعد العشاء، وعادت القطعان من سائر أنحاء الحقول، وجاء بها ~~الرجال الذين كانوا يقودونها دائما، تحدث إليهم ميدون، الذي ~~دون جميع الرعاة، كان محببا إلى قلوبهم غاية الحب، وكان دائم ms291 ~~الحضور إلى ولائمهم، فقال: ~~«أيها الشباب، أما وقد أدخلتم الآن السرور إلى قلوبكم جميعا ~~بالرياضة، فهلموا بنا إلى المنزل لكي نعد مأدبة؛ فليس من ~~المرذول أن يتناول المرء طعامه في موعده». # ما إن قال هذا حتى نهضوا منصرفين، وأطاعوا قوله، فلما بلغوا ~~البيت الفسيح الأرجاء وضعوا عباءاتهم فوق الكراسي والمقاعد ~~العالية، وشرع الرجال يذبحون الكباش الضخمة والمعيز السمينة، ~~نعم والخنازير المسمنة، وعجلة من القطيع، حتى أعدوا الوليمة. ~~وفي تلك الأثناء كان أوديسيوس وراعي الخنازير الطيب يسرعان ~~ليذهبا من الحقل إلى المدينة، وبدأ راعي الخنازير قائد الرجال، ~~يتحدث أولا، فقال: ~~«أيها الغريب، طالما أنك تتوق إلى الذهاب إلى المدينة اليوم، ~~كما أمر سيدي - رغم أنني شخصيا أوثر أن أتركك هنا لتحرس ~~الضيعة، غير أنني أحترمه وأخشاه، لئلا يلومني فيما بعد، وأن ~~تعنيف السادة لبالغ القسوة - فهيا الآن، هلم بنا نذهب حيث إن ~~اليوم قد مضى منه أكثره، وسرعان ما سيكون أشد بردا عندما يقبل ~~المساء.» # يومايوس يقود أوديسيوس إلى قصر أمه # عندئذ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، قائلا: «أرى ذلك، وأعمل ~~حسابه، وإنك لتأمر بهذا شخصا ذا إدراك. تعال، دعنا نذهب، وكن ~~مرشدي طوال الطريق، ولكن أعرني عكازة أتوكأ عليها، لو كان لديك ~~عصا مقطوعة في أي مكان، فإنك قلت إن الطريق حقا مملوءة ~~بالغدر.» # قال هذا، وألقى حول كتفيه جرابه المهلهل، الكثير الثقوب، ~~معلقا بحبل مجدول، وأعطاه يومايوس عصا كما أراد. وهكذا ~~انصرفا يسيران قدما في طريقهما، بينما بقيت الكلاب والرعاة ~~وراءهما هناك لحراسة الضيعة، فقاد راعي الخنازير سيده إلى ~~المدينة في هيئة شحاذ عجوز بائس، يتكئ عكازته، ويرتدي أسمالا ~~بالية فوق بدنه. # بعد أن مشى الاثنان بحذاء الطريق الوعر، اقتربا من المدينة، ~~ووصلا إلى نافورة بديعة الصنعة، رائعة التدفق، كان القوم يستقون ~~الماء منها كان قد صنعها إيثاكوس # Ithacus # ونيريتوس # Neritus # وبولوكتور Polyctor ~~، وكان هناك حولها غابة من أشجار الصفصاف، ~~التي كانت تنمو بجانب المياه، تحيط بها من كل جانب، وكانت المياه ~~الباردة تتدفق من الصخرة أعلاها منحدرة إلى أسفل، ms292 وقد شيد في ~~القمة مذبح للحوريات حيث يقدم التقدمات كل مار - فقابلهما ~~هناك ميلانثوس # Melanthus ~~، ابن ~~دوليوس # Dolius ~~، بينما كان يسوق ~~نعاجه، خير نعاج كانت في سائر القطعان، ليعد منها المغازلون ~~ولائمهم، ويتبعه راعيان، فلما أبصرهما تحدث إليهما وخاطبهما، ~~بكلمات التحدي غير اللائقة الفظيعة، مثيرا بذلك قلب أوديسيوس إذ ~~قال: ~~«يا للعجب! ها هو ذا الآن، الشر يقود الشر حقا، كما هي العادة ~~دائما، أن يجمع الله الشبيهين معا. إلى أين، بربك، تقود هذا ~~البائس القذر، # 4 # يا راعي الخنازير التعيس، هذا الشحاذ المقلق ~~لتكدر علينا صفو ولائمنا؟ إنه لرجل جدير بأن يقف ويحك ~~كتفيه في كثير من الأبواب، يستجدي الناس الفتات، وليس جديرا ~~بالسيوف والقدور، # 5 # ولو أعطيتني هذا الرفيق ليحرس ضيعتي، فينظف ~~الحظائر ويحمل الأغصان اللدنة إلى الجداء، وعندئذ بشربه مصل ~~اللبن (الشرش) يقوى فخذه، ولكن بما أنه لم يتعلم سوى أعمال ~~الشر، فلن يهتم بأن يشغل نفسه بالعمل، بل يؤثر التسكع عبر ~~البلدان، كي يستطيع بالاستجداء أن يملأ بطنه الذي لا يشبع. غير ~~أنني سأصارحك القول، وسوف يتحقق ما أقول بالفعل، لو ذهب إلى ~~قصر أوديسيوس المقدس، لانهالت حول رأسه مقاعد كثيرة، بيد أولئك ~~الذين هم بالحق رجال، وتتحطم فوق ضلوعه، # 6 # وهو يسلخ في وسط المنزل.» # قال هذا، وبينما هو يسير ركل أوديسيوس في حقويه، فما أحمقه! ~~ومع ذلك فإنه لم يستطع أن يدفعه بعيدا عن الطريق، بل ثبت في ~~مكانه. وحار أوديسيوس ماذا يفعل، أينقض عليه بعصاه فيسلبه ~~حياته، أم يقبض عليه ويطوقه بذراعيه ثم يرفعه إلى فوق ويهوي به ~~على الأرض فيحطم رأسه. بيد أنه كظم غيظه، وأمسك نفسه عن ~~مأربه. وحدج راعي الخنازير الرجل بنظرة في وجهه، ووبخه، ثم رفع ~~يديه وصلى بصوت مرتفع قائلا: ~~«أيا حوريات النافورة، يا بنات زوس، لو كان أوديسيوس قد أحرق ~~فوق مذابحك قطعا من فخاذ الحملان أو الجداء، ملفوفة بالدهن ~~الكثير، فحققن لي هذا الرجاء، قيضن لسيدي أن يعود، وأن ~~يرشده أحد الآلهة. وعندئذ يزيل عنك كل ms293 هذه المظاهر التي تزهو ~~بها وترتديها الآن بصفاقة، هائما أبدا حول المدينة، بينما ~~يحطم الرعاة الأشرار القطيع.» # عندئذ أجابه ميلانثيوس، راعي المعيز، بقوله: «تبا لك الآن، ~~كيف يتكلم هذا القذر وعقله زاخر بالشرور، فلآخذنه ذات يوم ~~في سفينة سوداء ذات مقاعد بعيدا عن إيثاكا، لأنال عنه ثروة ~~طائلة. ليت أبولو، ذا القوس الفضية، يضرب تيليماخوس اليوم في ~~الساحات، أو أن يقتله المغازلون. إنه من المؤكد أن يوم العودة قد ~~ضاع على أوديسيوس في بلد قصي.» # أوديسيوس ويومايوس يتبادلان الرأي # قال هذا، وتركهما هناك يسيران وئيدا بينما هو نفسه خطا إلى ~~الأمام فبلغ قصر الملك بسرعة. ودخل من فوره وجلس وسط المغازلين في ~~قبالة يوروماخوس؛ إذ كان يميل إليه أكثر من سائر الباقين. وإلى ~~جواره وضع أولئك الذين كانوا يخدمون قطعة من اللحم، وأحضرت ربة ~~البيت الصارمة خبزا وضعته أمامه لكي يأكل. أما أوديسيوس وراعي ~~الخنازير الطيب فلما اقتربا، وقفا ومن حولهما كان صوت القيثارة ~~الجوفاء يملأ الجو؛ لأن فيميوس Phemius # كان يضرب الأوتار ليغني أمام المغازلين؛ ~~بعدئذ أمسك أوديسيوس بيد راعي الخنازير وقال له: ~~«يومايوس، حقا إن هذا لمنزل أوديسيوس الجميل، من السهل معرفته، ~~رغم وجوده وسط بيوت كثيرة. هناك بناء فوق بناء، والفناء ذو سور ~~ودعامات، والبوابتان المزدوجتان مسورتان بإحكام بحيث لا يجد ~~المرء فيهما عيبا. وإني لألاحظ أن بالمنزل نفسه رجالا كثيرين ~~يولمون؛ إذ تتصاعد منه رائحة الشواء، ويدوي معها صوت ~~القيثارة، التي جعلتها الآلهة رقيقة المآدب.» # عندئذ أجبته، يا راعي الخنازير يومايوس، وقلت: «لقد عرفته ~~بسهولة؛ لأنك سريع البديهة في كل شيء، ولكن هيا بنا نفكر فيما ~~سنفعله، وكيف ندبر أمورنا فإما أن تدخل أنت أولا إلى القصر ~~المنيف، وتدخل على جماعة المغازلين وأبقى أنا هنا، أو تبقى أنت ~~هنا، إذا شئت بينما أذهب أنا قبلك، بحيث ألا تتأخر مدة طويلة، ~~لئلا يراك شخص ما في الخارج ويسلخ جلدك أو يضربك. إنني آمرك بأن ~~تحذر هذا الأمر.» # فأجابه أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، قائلا: «أرى هذا ~~وأعيره اهتماما. ms294 إنك تأمر بهذا أمرا ذا إدراك، فاذهب أنت قبلي، ~~بينما أتخلف أنا هنا؛ لأنني لست بحال ما غير متعود الشتم ~~والسلخ. وإن قلبي لجسور؛ إذ قاسيت كثيرا من الشرور العظيمة وسط ~~اللجج وفي ميدان الوغى، فدع هذا أيضا يضف إلى ما سبق أن مضى، ~~ولكن البطن الجائع لا يمكن للمرء أن يخفيه، ذلك الطاعون اللعين ~~يجلب شرورا بالغة على بني الإنسان! بسببه أعدت السفن ذات ~~المقاعد، التي تحمل الويلات للأعداء عبر البحر الصاخب.» # أوديسيوس يبكي كلبه والكلب يراه فيموت # هكذا تكلم كل منهما إلى الآخر، وكان هناك كلب راقد، فرفع ~~رأسه ومد أذنيه، ذلك هو أرجوس # Argos ~~، كلب أوديسيوس، الثابت الجنان، الذي كان قد ~~رباه قديما هو نفسه، ولكنه لم يتمتع به؛ إذ قبل أن تبتهج به ~~نفسه سافر إلى إليوس المقدسة؛ ففيما مضى من الزمان كان من عادة ~~الشبان أن يصحبوا الكلاب معهم لصيد المعيز الوحشية، والغزلان، ~~والأرانب البرية، غير أنه الآن يقبع مهملا، بعد أن رحل سيده ~~غارقا في روث البغال والماشية العميق، المتراكم في أكوام أمام ~~الأبواب، إلى أن يأتي عبيد أوديسيوس فينقلوه ليسمدوا به حقوله ~~الواسعة. هناك رقد الكلب أرجوس، ملوثا كله بالأقذار، بيد أنه ~~ما إن أبصر أوديسيوس واقفا الآن بالقرب منه، حتى حرك ذيله وأرخى ~~أذنيه، ولكن أنى له بالقوة التي تمكنه من الحركة ليقترب أكثر ~~من سيده. وعندئذ أدار أوديسيوس وجهه جانبا ومسح عبرة، مخفيا ~~عن يومايوس ما فعله في سهولة، وفي الحال سأله، بقوله: ~~«يا يومايوس، من الغريب حقا أن يرقد هذا الكلب هنا في الروث. ~~إنه جميل المنظر، ولكني لست أعرف تماما ما إذا كان لديه سرعة في ~~الإقدام تتناسب وهذا الجمال أم إنه ليس سوى كلب كبقية كلاب ~~الموائد، التي يحتفظ بها سادتها من أجل منظرها.» # فرددت عليه إذن، يا راعي ~~الخنازير يومايوس، فقلت: «كلا في الحقيقة إن هذا كلب رجل مات في ~~بلد قصي، ولو كان على ما كان عليه من النشاط والمنظر الذي تركه ~~عليهما أوديسيوس عندما رحل ms295 إلى طروادة، لذهلت لتوك عندما ترى ~~سرعته وقوته؛ فما من مخلوق ~~طارده في أعماق الغابة استطاع أن ينجو منه، كما أنه كان حاد ~~الشم في اقتفاء الأثر. أما الآن فإنه يعاني محنة شريرة؛ إذ مات ~~سيده بعيدا عن وطنه، ولم تعره السيدات المهملات أي اهتمام؛ ~~فمتى فقد السادة قوتهم، ما عادت للخدم رغبة في القيام بالخدمة ~~بإخلاص؛ لأن زوس، الذي يحمل صوته نائيا يسلب الرجل نصف قيمته، إذا ~~ما حل يوم استعباده.» # يومايوس ينضم إلى حشد المغازلين # ما إن قال هذا حتى دخل المنزل الفسيح وانطلق من فوره إلى الساحة ~~لينضم إلى حشد المغازلين الأمجاد. أما أرجوس، فقد حل به مصير الموت ~~الأسود بمجرد أن رأى أوديسيوس بعد عشرين سنة. # وبينما كان راعي الخنازير يسير الآن خلال الساحة كان تيليماخوس ~~شبيه الإله أول من رآه، فأسرع يستدعيه إلى جانبه بإيماءة من ~~رأسه، فتطلع يومايوس حواليه وتناول مقعد أقدام بقربه، كان من ~~عادة نادل قطع اللحوم أن يجلس فوقه عندما يقطع شرائح اللحم ~~الوافرة للمغازلين، وهم يولمون في الساحة، فأخذ ذلك المقعد ~~ووضعه عند مائدة تيليماخوس، قبالته، ثم جلس هو نفسه، فتناول أحد ~~الخدم شريحة لحم ووضعها أمامه، وكذلك خبزا من السفط. # أوديسيوس يدخل قصر أمه في هيئة شحاذ # بعد هذا بقليل دخل أوديسيوس القصر في هيئة شحاذ بائس فتت ~~في عضده السنون، يتوكأ على عصا، ومرتديا أسمالا مهلهلة فوق ~~جسده، فجلس على العتبة الحافلة بالرماد من داخل الباب، مسندا ~~ظهره إلى قائم الباب الخشبي، الذي صقله فيما مضى بالمسحج نجار ~~ماهر، وسواه كالخط المستقيم. بعد ذلك استدعى راعي الخنازير ~~تيليماخوس إلى جانبه، وتناول رغيفا كاملا من السفط الجميل، وكل ~~ما تستطيع يداه أن تأخذاه بقبضتيهما من اللحم، ثم تحدث إليه ~~قائلا: ~~«خذ هذا الطعام وأعطه ذلك الشحاذ، ومره بأن يدور بنفسه على ~~المغازلين ويستجديهم فردا فردا؛ فليس من الخجل بالصاحب الملائم ~~لمن كان ذا مسغبة.» # تيليماخوس يطعم أوديسيوس والأخير يستجدي المغازلين # هكذا قال فذهب راعي الخنازير، عندما سمع ذلك الكلام، ms296 وما إن ~~تقدم نحو أوديسيوس، حتى خاطبه بعبارات مجنحة، # 7 # قائلا: ~~«أيها الغريب، إن تيليماخوس يعطيك هذا، ويأمرك بأن تدور على ~~المغازلين وتستجديهم فردا فردا؛ فالخجل كما يقول غير جدير بابن ~~السبيل.» # عندئذ أجابه أوديسيوس المتعدد الحيل، فقال: «أيها الملك زوس، ~~هب، أتوسل إليك أن يصبح تيليماخوس مباركا بين الناس، وينال كل ~~ما يشتهيه قلبه.» # قال هذا وتناول الطعام في كلتا يديه ووضعه أمام قدميه فوق ~~جرابه المهلهل، ثم طفق يأكل طوال أن كان المنشد يغني في ~~الساحات. وبعد أن تعشى، وكف المغني المقدس عن الإنشاد، انفجر ~~المغازلون في ضجيج في شتى أنحاء الساحات، وعندئذ اقتربت أثينا ~~من أوديسيوس بن لايرتيس، وحثته على أن يذهب وسط المغازلين ويجمع ~~قطع الخبز، ويعرف من منهم المخلص وأيهم المتمرد. ومع ذلك فإنها لم ~~تكن تبغي إنقاذ أي واحد منهم من الهلاك؛ ومن ثم شرع أوديسيوس ~~يستجدي كل رجل، بادئا من اليمين، وباسطا يده في كل جانب، كما لو ~~كان شحاذا عريقا في التسول، فأشفقوا عليه وأعطوه، ~~وتعجبوا منه، متسائلين فيما بينهم عمن يكون هذا ومن أين ~~جاء. # المغازلون يتذمرون من وجود الشحاذ بينهم # فنهض عندئذ ميلانثيوس، راعي المعيز وسطهم، وقال: «استمعوا ~~إلي، يا مغازلي الملكة المجيدة، فيما يختص بهذا الشحاذ؛ لأنني ~~رأيته حقا من قبل. إن راعي الخنازير هو الذي قاده حقا إلى ~~هنا، أما الرجل نفسه فلست أعلم على وجه التحقيق من أي مكان يعلن ~~مولده.» # هكذا تكلم، وعير أنتينوس راعي الخنازير، قائلا: «يا راعي ~~الخنازير يا سيئ السمعة، لماذا بربك أحضرت هذا الرجل إلى المدينة؟ ~~أليس لدينا ما يكفي من المتسكعين غيره، ومضايقات من الشحاذين ~~لتعكر صفو ولائمنا؟ ألا تعتقد أنه يكفي أنهم يحتشدون هنا ~~ويلتهمون أموال سيدك، حتى تجيء إلينا بهذا الرفيق أيضا؟» # إذن رددت عليه يا يومايوس يا راعي الخنازير، فقلت: «أيا ~~أنتينوس، ما هذه الكلمات التي تفوهت بها بالعبارات الجميلة، رغم ~~أنك نبيل؟ من ذا بربك يحاول من تلقاء نفسه ألا يرحب بغريب قادم ~~من بلد آخر، إلا ms297 إذا كان الغريب من السادة ذوي المهن العامة، كأن ~~يكون نبيا، أو طبيبا يداوي الأمراض، أو بناء، نعم أو منشدا ~~مقدسا، يدخل السرور على النفوس بغنائه؟ لأن مثل هؤلاء الرجال ~~يرحب بهم في جميع أنحاء الأرض الفسيحة. ومع ذلك فما من أحد ~~يعتبر الشحاذ عبئا عليه، بيد أنك قاس دائما من دون سائر ~~المغازلين على خدم أوديسيوس، ولا سيما علي، ولكني لن أكترث ~~لذلك، طالما تعيش سيدتي بينيلوبي الحازمة، في الساحة، وكذلك ~~تيليماخوس شبيه الإله.» # عندئذ رد عليه تليماخوس الحكيم، بقوله: «صه، فإني آمرك بأن ~~تلزم الصمت، ولا ترد على هذا الرجل بكلام كثير؛ لأن أنتينوس ~~متعود دائما أن يثير الغضب بخبث، بالألفاظ الخشنة، نعم، ويحث ~~غيره أيضا على ذلك.» # تيليماخوس يناشد المغازلين مساعدة الشحاذ الغريب # ثم خاطب أنتينوس بكلمات ~~حادة، قائلا: «أنتينوس حقا إنك لتهتم تماما، كما يهتم الوالد ~~بولده؛ إذ تأمرني بطرد هذا الغريب من الساحة بكلمات محتمة. ليت ~~الرب لا يحقق مثل هذا الشيء قط، كلا خذ وأعطه شيئا ما. إنني ~~لا أحمل لك أية ضغينة، بل بالحري آمرك شخصيا بأن تقدم له ~~شيئا، ولا تعمل حساب والدتي في هذا الشأن، ولا أي واحد من العبيد ~~الموجودين بمنزل أوديسيوس المقدس، ولكن ما أقصده حقا في دخيلة ~~نفسي يختلف تمام الاختلاف؛ لأنك تتلهف كثيرا إلى أن تأكل، دون ~~أن تعطي شيئا ما لشخص آخر.» # فأجابه أنتينوس، يقول: «يا تيليماخوس، أيها المقوال، الذي لا حد ~~لجرأته، ما هذا الذي قلت؟! لو أعطاه سائر المغازلين بقدر ما ~~أعطيته، لضاق هذا البيت بعد ثلاثة أشهر عما يجمعه.» # أوديسيوس يستجدي أنتينوس # هكذا تكلم، وأمسك بمقعد الأقدام الذي كان من عادته أن يريح ~~قدميه عليه وهو جالس إلى المائدة يولم، وأخرجه من تحت الخوان، حيث ~~كان موضوعا. أما جميع الباقين فقدموا له هدايا، فملئوا الجراب ~~بالخبز وقطع اللحم. وعندئذ كان أوديسيوس يميل الآن إلى أن يعود ~~إلى موضعه عند مدخل الباب، وعجم عود الآخيين بدون ثمن، # 8 # فوقف إلى جوار أنتينوس، وتحدث إليه، ms298 قائلا: ~~«أيها الصديق، أعطني هدية ~~ما؛ فإنك لا تبدو في ناظري أحط الآخيين، بل بالأحرى أعرقهم نبلا؛ ~~إذ أنت أشبه بملك؛ ومن ثم فإنه لجدير بك أن تعطيني ~~على الأقل كسرة من الخبز أكثر ~~مما يعطيه الباقون، وبذا تجعل صيتك ذائعا في جميع أرجاء الأرض ~~الفسيحة؛ لأنني أنا أيضا كنت أسكن ذات مرة في مسكن ملكي وسط ~~رجال، فكنت امرأ واسع الثراء في منزل ثري، وكثيرا ما أعطيت ~~هدايا لأبناء السبيل، مهما كانوا هم ومهما كانت الحاجة التي أتوا ~~من أجلها. كما كان عندي من العبيد ما يفوق الحصر، وكذلك من جميع ~~الأشياء الأخرى كميات وفيرة، من الأشياء التي يعيش بها الرجال ~~عيشة البذخ ويشتهرون بها بأنهم أثرياء، ولكن زوس بن كرونوس، أنهى ~~كل شيء إلى لا شيءl - فهكذا على ما أعتقد كانت مسرته الكبرى - ~~فقد بعث بي بعيدا إلى مصر مع بعض القراصنة الجوابين، في رحلة ~~نائية؛ كي أقابل هلاكي، فأرست سفني المعقوفة في نهر أيجوبتوس، ثم ~~أمرت زملائي الأوفياء أن يبقوا هناك لحراسة السفن، وبجوارها، ~~وأرسلت العيون إلى أماكن الاستطلاع هناك. بيد أن رفقائي استسلموا ~~لشهواتهم بمحض قوتهم، فشرعوا في الحال يخربون حقول شعب مصر ~~الجميلة، وخطفوا النساء والأطفال الصغار، وقتلوا الرجال، وسرعان ~~ما طار الصياح إلى المدينة، فلما سمع أهلها الصراخ هرع الناس عند ~~الفجر، وعج السهل كله بالمشاة والعربات والبرونز البراق. ~~وعندئذ أنزل زوس، الذي يقذف بالصاعقة، ذعرا شريرا على رفاقي، ~~فلم تكن لدى أي واحد منهم الشجاعة ليثبت في مكانه ويواجه العدو؛ ~~إذ أحاطت بنا المصائب من كل جانب. وبعد ذلك قتلوا كثيرا منا ~~بالبرونز الحاد، وأسروا آخرين أحياء وقادوهم إلى مدينتهم ~~ليسخروهم في أعمالهم بالقوة. أما أنا فعهدوا بي إلى صديق ~~قابلهم ليأخذني إلى قبرص إلى دميتور # Dmetor # ابن إياسوس # Iasus # 9 # الذي كان يحكم بقسوة على قبرص، ومن هناك جئت إلى ~~هنا، كاسف البال.» # أنتينوس يعتدي على الشحاذ بالضرب # فأجابه أنتينوس، بقوله: «أي رب جلب هذا الشر إلى هنا ليكدر ~~علينا صفو وليمتنا؟ ms299 ابتعد هناك إلى الوسط، وقف بعيدا عن مائدتي، ~~لئلا تكون قد جئت إلى مصر أكثر مرارة وإلى قبرص أشد إيلاما؛ ~~فإنني أرى أنك شحاذ جريء عديم الحياء، لقد طفت ~~بكل رجل بدوره، وأعطوك بطيش؛ ~~فما من رادع يكبح المرء عندما يجود بأموال غيره، طالما كان بجوار ~~كل رجل ما يكفيه.» # عندئذ تراجع أوديسيوس الكثير الحيل إلى الخلف، ورد عليه ~~بقوله: «عجبا! الآن يبدو أنه ليست لديك على الأقل تلك الحصافة ~~التي تناسب جمالك. حقا، ما كنت لتعطيني شيئا من مالك الخاص، ~~ولا حتى ذرة من الملح تجود بها على من يتضرع إليك، أنت يا ~~من الآن، وقد جلست إلى مائدة غيرك، لا تجد القلب لأن تعطيني ~~شيئا من الخبز، مع أنه يوجد هنا في متناول يدك كميات وفيرة ~~منه.» # ما إن قال هذا، حتى استشاط أنتينوس غيظا في قلبه، وحدجه بنظرة ~~غضب مقطبا حاجبيه، ثم تحدث إليه بكلمات حماسية، # 10 # قائلا: ~~«الآن، حقا، أعتقد، أنك لن تنصرف بعد الآن من الساحة في صورة ~~لائقة، ما دمت قد اجترأت على النطق أيضا بعبارات ~~التحدي.» # قال هذا وتناول مقعد القدمين فقذف به أوديسيوس فأصابه أسفل كتفه ~~اليمنى، في موضع اتصالها بالظهر، غير أنه وقف ثابتا في مكانه ~~كالصخرة، ولم تزحزحه قذيفة أنتينوس، بل هز رأسه في صمت، مدبرا ~~الشر في أعماق قلبه. بعد ذلك عاد أدراجه إلى مدخل الباب حيث اتخذ ~~جلسته، ووضع جرابه المملوء لحافته بجانبه على الأرض، وتحدث وسط ~~المغازلين فقال: ~~«أصغوا إلي، يا مغازلي الملكة المجيدة، كي أقول ما يأمرني به ~~القلب الكائن في صدري. الحق، أن المرء ما ضرب وهو يقاتل من أجل ~~ممتلكاته، سواء أكان من أجل ماشيته أو من أجل أغنامه البيضاء، فإن ~~ذلك الضرب لا يولد أية ضغينة في قلبه ولا حزنا في نفسه، ولكن ~~أنتينوس قد ضربني من أجل بطني التعيس، ذلك الطاعون المقيت الذي ~~يجلب شرورا جمة على بني الإنسان، آه! لو كان الشحاذون آلهة ~~ومنتقمين، لتمنيت أن ينزل بأنتينوس قضاء الموت قبل ms300 ~~زواجه.» # عندئذ أجابه أنتينوس بن يوبايثيس # Eupeithes ~~، بقوله: «اجلس في صمت وتناول طعامك، أيها ~~الغريب أو انطلق إلى مكان آخر، لئلا يجرك الرجل الفتي من يدك أو ~~من قدمك عبر المنزل من أجل عبارات كهذه، ويجردك من كل ~~جلدك.» # مغازل يلوم أنتينوس على تصرفه الأحمق # هكذا تكلم، فامتعضوا جميعا غاية الامتعاض، فقام واحد من ~~الشبان المتغطرسين وخاطبه، قائلا: ~~«لم تحسن صنعا بضربك ابن السبيل البائس، يا أنتينوس. ملعون ~~أنت بين الرجال، ماذا لو تصادف أن كان هذا ربا ما، هبط من ~~السماء! نعم، فالآلهة يتخذون صورا شتى، في زي الأغراب، ويزورون ~~المدن ليطلعوا على قسوة البشر وعدلهم.» # هكذا كان يتحدث المغازلون، بيد أن أنتينوس لم يكترث لحديثهم. أما ~~تيليماخوس فحزن في قرارة قلبه أشد الحزن وأمضه بسبب تلك ~~الضربة، رغم أنه لم يدع عبرة واحدة تسقط من جفنيه إلى الأرض، ~~ولكنه هز رأسه في صمت مدبرا شرا في أعماق قلبه. # بينيلوبي تخاطب وصيفاتها # ولما سمعت بينيلوبي أن الرجل قد ضرب في الساحة، تكلمت وسط ~~وصيفاتها، وقالت: «هكذا أيضا، ليت أبولو، القواس الشهير، يضرب ~~روحك نفسها.» # فقالت لها يورونومي # Eurynome ~~، ~~مدبرة المنزل: «ليت صلواتنا تتحقق، وبذلك لا يبلغ واحد من ~~هؤلاء الرجال الفجر ذا العرش الجميل.» # فتحدثت إليها بينيلوبي الحكيمة وقالت: «يا مربيتي، إنهم ~~جميعا أعداء؛ لأنهم يحيكون الشر، ولكن أنتينوس يشبه القضاء ~~الأسود أكثر من الجميع. هذا غريب مسكين كان يسير خلال المنزل يطلب ~~صدقة من الرجال؛ إذ تجبره الحاجة على ذلك، وقد أعطاه سائر الآخرين ~~هدايا، وملئوا جرابه، ولكن أنتينوس أخذ مقعد قدمين، وقذفه به ~~فأصابه أسفل كتفه اليمنى.» # بينيلوبي تبدي رغبتها في الترحيب بالشحاذ الغريب # هكذا تكلمت وسط وصيفاتها، وهي جالسة في مقصورتها، بينما كان ~~أوديسيوس العظيم يأكل اللحم، ثم استدعت إليها راعي الخنازير الطيب، ~~وقالت له: ~~«اذهب يا يومايوس الطيب، ومر الغريب بالمجيء إلى هنا لأرحب ~~به، واسأله عما إذا كان قد سمع شيئا عن أوديسيوس الراسخ القلب، أو ~~قد رآه بعينيه؛ إذ يبدو أنه كمن جاب ms301 بلادا بعيدة.» # إذن، أجبتها، يا راعي الخنازير يومايوس، فقلت: «أتمنى، أيتها ~~الملكة أن الآخيين يلزمون الصمت؛ لأنه ينطق بعبارات تبهج نفسك. ~~لقد حظيت به إلى جواري ثلاث ليال، واحتفظت به في كوخي ثلاثة ~~أيام؛ إذ قدم إلي أولا عندما جاء هاربا من سفينة، ولكنه حتى ~~هذه الساعة لم يختم قصة متاعبه؛ فكما يحملق المرء في منشد ~~يغني للبشر أغاني مشوقة قد علمته الآلهة إياها، وبكل ~~جوارحهم يصغون إليه بشوق لا نهاية له، كلما غنى، بمثل هذه ~~الصورة سحرني وهو جالس في بهوي. أخبرني أنه صديق قديم ~~لأوديسيوس، وأنه يسكن في كريت، حيث يقيم شعب مينوس # Minos ~~. # 11 # وقد جاء من هناك الآن في هذه الرحلة إلى هنا، بعد أن ~~قاسى كثيرا من المحن وهو يجول هنا وهناك. إنه يؤكد أنه سمع ~~نبأ عن أوديسيوس وأنه قريب في أرض الثيسبروتيين الغنية، وأنه لا ~~يزال على قيد الحياة، وسيحضر معه كثيرا من الكنوز إلى ~~وطنه.» # عندئذ ردت عليه بينيلوبي الحكيمة، بقولها: «اذهبن، ~~واستدعينه إلى هنا، كي يخبرني أنا شخصيا. أما بخصوص أولئك ~~الرجال، فدعهم يتباروا وهم جلوس عند المدخل أو هنا في المنزل، ~~طالما أن قلوبهم مرحة، فإن أموالهم الشخصية باقية في بيوتهم لا ~~تمس، الخبز والخمر الحلوة، ويتغذى منها خدمهم. أما هم أنفسهم ~~فيملئون منزلنا يوما بعد يوم، ويذبحون ثيراننا وأغنامنا، ومعيزنا ~~السمينة، ويطربون ويشربون الخمر الصهباء في نزق، وتحل الفوضى ~~بجميع ثروتنا؛ إذ لا يوجد هنا رجل مثل أوديسيوس ليدفع الخراب عن ~~المنزل. أما إذا أتى أوديسيوس وعاد إلى وطنه فسرعان ما سينتقم هو ~~وابنه من أولئك الرجال بسبب أعمالهم العنيفة.» # هكذا قالت، وعطس ~~تيليماخوس عطاسا عاليا، ودوت الحجرة من جميع أركانها بطريقة ~~عجيبة، وضحكت بينيلوبي، وفي الحال كلمت يومايوس بعبارات حماسية، # 12 # قائلة: ~~«اذهب بربك واستدع الغريب إلى هنا أمامي. ألم تلاحظ أن ابني قد ~~عطس عندما أفضيت بكل كلامي؛ وعلى ذلك أتمنى أن يحيق الموت ~~الشامل بجميع المغازلين فردا فردا، ولا ينجو منهم أي فرد، من ~~الموت والقدر. ms302 وسأخبرك بشيء آخر، فاحفظه في قلبك. إذا وجدته ~~يقول الصدق في كل شيء ألبسته عباية وجلبابا من الثياب ~~الجميلة.» # أوديسيوس يلبي دعوة بينيلوبي مع الحذر # قالت هذا، فانصرف راعي الخنازير عندما سمع قولها ذاك، فلما بلغ ~~مكان أوديسيوس، تحدث إليه بكلمات حماسية، قائلا: ~~«سيدي الغريب، إن بينيلوبي الحكيمة، والدة تيليماخوس، تستدعيك، ~~ويأمرها قلبها بأن تتحرى عن زوجها، بالرغم من أنها قد عانت محنا ~~جمة. حتى إذا ما رأت أنك تقول الصدق في كل شيء، ألبستك عباءة ~~وجلبابا، وهذا ما أنت في مسيس الحاجة إليه. أما طعامك فسوف ~~تستجديه من أنحاء البلاد، لتطعم بطنك وممن قد يعطيك ~~إياه.» # فأجابه أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، وقال: «يا يومايوس، سرعان ~~من سأقول الحقيقة لابنة إيكاريوس، بينيلوبي الحكيمة؛ لأنني أعرف ~~أوديسيوس حق المعرفة، وكلانا قد قاسى الأهوال. بيد أنني أخشى هذا ~~الجمع من المغازلين القساة، الذين تصل شهوتهم وعنفهم إلى ~~السماء الحديدية؛ فحتى الآن، ولم أقترف أي ذنب وأنا أدور خلال ~~الساحة، ضربني ذلك الرجل وأصابني، ولم يحرك تيليماخوس ولا أي ~~فرد آخر ساكنا ليمنعا عني الضربة. والآن أخبر بينيلوبي أن ~~تنتظرني في الساحات، إلى أن تغيب الشمس، رغم تلهفها، وبعدئذ ~~فلتسألني عن زوجها ويوم عودته، ولتعطني مقعدا أكثر قربا من ~~النار؛ إذ إن ثيابي للأسف حقيرة، وإنك لتعرف ذلك أنت نفسك، فإليك ~~توسلت أولا.» # هذا ما قاله، فانطلق راعي الخنازير بعد أن سمع منه هذه الكلام. ~~وبينما هو يخطو فوق العتبة، قالت له بينيلوبي: «إنك لم تأت به يا ~~يومايوس. ماذا يعني الشحاذ بهذا؟ أيخاف شخصا ما خوفا لا حد له، ~~أم يشعر بالخجل في المنزل؟ لا يليق بالسائل أن يشعر ~~بالخجل.» # وإليها إذن يا راعي الخنازير يومايوس، أجبت، وقلت: «إن بيده ~~الحق فيما قال، كما قد يفعل أي رجل آخر، ساعيا وراء اجتناب وقاحة ~~الرجال المتعجرفين، ولكنه يطلب منك أن تنتظري حتى مغيب الشمس. أما ~~عنك أنت نفسك، أيضا، فإنه لأكثر لياقة بك، أيتها الملكة، أن ~~تتحدثي إلى الغريب وحده، وتنصتي إلى كلماته.» ms303 # عندئذ أجابته بينيلوبي الحكيمة، بقولها: «لا يخلو هذا الغريب من ~~الحكمة؛ إنه يعمل للشيء حسابه؛ فليس هناك رجال، كما أعتقد، أكثر ~~حماقة في شهواتهم من هؤلاء.» # يومايوس ينصرف والمغازلون يمرحون ويرقصون # هكذا تكلمت، وذهب راعي الخنازير الطيب إلى حشد المغازلين بعد ~~أن أخبرها بكل شيء. وفي الحال تحدث إلى تيليماخوس بكلمات ~~حماسية، مقتربا منه حتى لا يسمعه الآخرون، فقال: ~~«أي صديقي، إنني ذاهب لأحرس الخنازير وجميع الأشياء التي هناك، ~~ومنها معاشك ومعاشي، فلتتول مراقبة كل شيء هنا، مراعيا سلامة ~~نفسك قبل كل شيء، وخذ حذرك خشية أن يصيبك مكروه؛ لأن آخيين ~~كثيرين يدبرون لك الشر، أولئك الذين أتمنى أن يهلكهم زوس ~~هلاكا تاما قبل أن ينزل بنا أي أذى.» # فرد عليه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «سيكون هذا، يا أبتاه، ~~اذهب في طريقك بعد أن تتناول عشاءك. حتى إذا ما أصبح الصباح ~~أحضر معك ضحايا طيبة. أما سائر الأمور هنا فستكون موضع اهتمامي ~~واهتمام الخالدين.» # قال هذا، وجلس راعي الخنازير ثانية فوق المقعد المصقول، وبعد أن ~~تناول ملء بطنه من اللحم والشراب، انطلق في طريقه إلى الخنازير، ~~تاركا القصر والساحة يعجان بالمدعوين، وكانوا يمرحون رقصا ~~وغناء؛ إذ كان المساء قد خيم على الكون وقتذاك. # | الأنشودة الثامنة عشرة # أما أوديسيوس فضربه على عنقه أسفل ~~أذنه، وحطم العظام، وفي الحال تدفق الدم القاني من ~~فيه. # معركة كلامية بين أوديسيوس وأرنايوس الشحاذ # والآن جاء شحاذ معروف اعتاد الاستجداء في نواحي مدينة إيثاكا، ~~وكان مشهورا بالبطن الجشع، يلتهم الطعام والشراب بغير حد. ولم ~~يكن على شيء من القوة أو العافية، أما في ضخامة الجسم فكان طريرا ~~للناظرين. ذلك هو أرنايوس # Arnaeus ~~، فهذا هو الاسم الذي منحته إياه أمه المبجلة ~~عند مولده؛ بيد أن جميع الشبان كانوا يطلقون عليه اسم ~~إيروس # Irus ~~، إذ كان من عادته أن ~~يقوم ببعض المهام، # 1 # التي يكلفه بها غيره. جاء الآن، وكاد يطرد أوديسيوس ~~من منزله، وبدأ يتحداه، خاطبه بكلمات حماسية، # 2 # قائلا: ~~«ابتعد، أيها الرجل العجوز، عن المدخل، لئلا أجرجرك ms304 في الحال ~~من قدمك. ألا ترى جميع الرجال يشيرون إلي، ويأمرونني بأن ~~أخرجك، ولكنني، أنا شخصيا، أجد من العار أن أفعل ذلك، فهيا ~~انهض، خشية أن يتطور نزاعنا إلى اللكمات.» # قطب أوديسيوس الكثير الحيل ما بين حاجبيه غضبا، وقال له: ~~«أيها الرفيق الطيب، إنني لم أتعرض لك بالأذى، سواء بالفعل أو ~~بالقول، ولست أحقد عليك إن أعطاك أي رجل، أيه قطعة مهما كانت ~~كبيرة. وإن هذا المدخل ليتسع لكلينا، ولا حاجة بك لأن تغار من ~~حاجيات غيرك. يبدو لي أنك متشرد، مثلي تماما. أما الحظ السعيد، ~~فإن الآلهة هي التي يحلو لها أن تعطينا إياه. # 3 # ولكن لا تستفزني بقبضتي يديك أكثر من اللازم، لئلا ~~تثير غضبي، فألطخ صدرك وشفتيك بالدم؛ بالرغم من أنني قد ~~بلغت من الكبر عتيا؛ وعلى ذلك أؤمل في أن أحظى بالسلام الأعظم ~~غدا؛ إذ أعتقد أنك لن تعود مرة أخرى إلى ساحة أوديسيوس بن ~~لايرتيس.» # عندئذ، استشاط المتشرد إيروس حنقا، وقال: «انظروا الآن إلى ~~فصاحة اللسان التي يتكلم بها هذا التعيس القذر، كما لو كان ~~طاهية عجوز، ولكني سأدبر له الشر، فأضربه ذات الشمال وذات ~~اليمين، وأنثر أسنانه جميعا من فكيه فوق الأرض، كما لو كان ~~خنزيرا بريا يخرب القمح. شمر عن ساعديك الآن، كي يشهد جميع ~~هؤلاء الرجال قتالنا أيضا، ولكن كيف تستطيع مقاتلة رجل أصغر ~~منك؟» # المغازلون يستمتعون بمشاهدة الشحاذين يتعاركان # وهكذا طفق كلاهما، فوق العتبة المصقولة أمام الأبواب الشاهقة، ~~يثيران حنق بعضهما البعض الآخر بمنتهى العنف، ثم سمعا أنتينوس ~~القوي العتيد، يقهقه ضاحكا ملء شدقيه طربا، وتحدث وسط ~~المغازلين، يقول: ~~«أيها الأصدقاء، لم يسبق قط أن رأينا أمرا مثل هذا يحدث؛ أن ~~قد جلب أحد الآلهة مباراة مثل هذه إلى هذا المنزل. إن كلا من ~~هذا الغريب وإيروس يستفز الآخر إلى تبادل الضربات. هيا بنا نعجل ~~بهما إلى ذلك.» # هكذا تكلم، فنهضوا جميعهم وهم يضحكون واحتشدوا حول ~~الشحاذين الثرثارين. وتحدث أنتينوس بن يوبايثيس، في وسطهم؛ ~~قائلا: ~~«استمعوا إلي أيها المغازلون المزهوون، فسأقول ms305 لكم شيئا ~~ما. لقد وضعنا كروش الماعز بجانب الوطيس، لنعدها لعشائنا، بعد ~~أن ملأناها بالدهن والدم، فأي هذين يتفوق على الآخر ويبرهن ~~على أنه أفضل، دعوه ينهض ويختر لنفسه ما يروقه منها. وزيادة ~~على ذلك فلنسمح له بأن يولم معنا دائما، ولن نسمح لأي سائل آخر ~~بأن ينضم إلى جماعتنا ويستجدينا.» # هذا ما قاله أنتينوس، فسر الجميع من كلامه. وعندئذ قام وسطهم ~~أوديسيوس الكثير الحيل، وتكلم بخبث، قائلا: ~~«أصدقائي، إنه لمن المستحيل على رجل عجوز بخعته النوائب أن ~~يقاتل رجلا أصغر منه. ومع ذلك فإن بطني، الآمر بالسوء، يحثني، ~~على أن أهزم بلكماته. هلموا الآن، وأقسموا جميعا أمامي قسما ~~لا حنث فيه، ألا تمتد يد أحدكم علي بلكمة غادرة بيد ثقيلة، ~~محابيا إيروس، لئلا يخضعني بالقوة لهذا الزميل.» # ما إن قال هذا، حتى أقسموا جميعا ألا يضربوه، كما أمرهم ~~تماما، ولكن بعد أن حلفوا اليمين وانتهوا من القسم، قام ~~تيليماخوس القوي العتيد، وتحدث في وسطهم ثانية، فقال: ~~«أيها الغريب، إذا كان قلبك وروحك الشامخة يأمرانك بضرب هذا ~~الرجل، إذن فلا تخش أي رجل من الآخيين؛ لأن من يضربك عليه أن ~~يقاتل من هو أكثر منك. إنني مضيفك، والأميران أنتينوس ~~ويوروماخوس، يوافقان على هذا، وكل منهما رجل حصيف.» # قال هذا، فامتدح الجميع قوله. وعندئذ ربط أوديسيوس أسماله حول ~~عورته مظهرا فخذيه، جميلين وعظيمين، وبانت كتفاه العريضتان، ~~وكذا صدره وساعداه القويان. واقتربت أثينا فجعلت أعضاء راعي ~~الشعب أعظم مما كانت. وعندئذ عجب سائر المغازلين غاية العجب، فقال ~~أحدهم وهو ينظر إلى جاره: ~~«سرعان ما سيجني إيروس، عديم التبصر، على نفسه؛ فمثل هذا الفخذ ~~يظهره ذلك الرجل العجوز من تحت أسماله.» # أنتينوس يعير الشحاذ إيروس ويهدده # هكذا كانوا يتكلمون، وذعر عقل إيروس بصورة فظيعة؛ ومع ذلك ~~فقد منطقه الخدم، وساقوه بالقوة وهو مملوء كله بالهلع، وارتعد ~~فرائص وأعضاء. وعندئذ عيره أنتينوس، فخاطبه، بقوله: ~~«خير لك الآن، أيها الثرثار، ألا تكون حيا، أو أنك لم تولد ~~بعد، إذا كنت ترتعد إلى هذا الحد، وتخاف ms306 رجلا عجوزا كهذا - ~~قهرته المحن التي حاقت به - ولكني سأكلمك بكل صراحة، ~~وسينفذ كلامي حقا. إذا غلبك هذا الرجل وبرهن على تفوقه ~~عليك، فلسوف أقذف بك في سفينة سوداء وأبعث بك إلى مملكة الملك ~~إخيتوس # Echetus # مشوه جميع ~~الرجال، الذي سوف يجدع أنفك وأذنيك بالبرونز القاسي، ويخرج ~~أعضاءك الحيوية ويلقي بها نيئة للكلاب، لتمزقها.» # أوديسيوس يقهر إيروس ويلقي به خارج القصر # هكذا قال، وارتعدت أطراف الآخر فرقا، وساقوه إلى الحلبة فرفع ~~كل من الرجلين يده. وعندئذ حار أوديسيوس في عقله، هل يضربه حتى ~~تهجره الحياة وهو يسقط هناك، أو يكيل له ضربة خفيفة فيطرحه ~~أرضا. وبينما هو متحير، رأى أن من الأفضل أن ينزل به ضربة ~~خفيفة فيلقيه على الأرض، كيلا يجذب أفكار الآخيين إليه. وعندئذ، ~~لما رفعا أيديهما، هوى إيروس بقبضته على كتفه اليمنى، أما أوديسيوس ~~فضربه على عنقه أسفل أذنه وحطم العظام. وفي الحال تدفق الدم ~~القاني من فيه، وسقط يتخبط في التراب ويئن، واصطكت أسنانه، ~~وركل الأرض بقدميه. وعندئذ رفع السادة المغازلون أيديهم، وكادوا ~~يموتون من كثرة الضحك. بعد ذلك أمسكه أوديسيوس من قدمه، وجره ~~بعيدا خارج الباب إلى أن وصل به إلى الفناء وبوابات الرواق، ثم ~~وضعه هناك وأسنده إلى حائط الفناء، وألقى عصاه في يده وتحدث ~~إليه وخاطبه بكلمات حماسية، قائلا: ~~«ارقد هناك الآن، وخوف الخنازير والكلاب، ولا تكن سيد الأغراب ~~والشحاذين، وأنت مسكين إلى هذا الحد، لئلا تلتقي بمن هو أسوأ ~~فتجني شرا من هذا أيضا.» # المغازلون يشكرون أوديسيوس ويحيونه # قال هذا وألقى جرابه الرث المملوء بالثقوب، حول كتفيه، وعلقه ~~بحبل مجدول. وبعد ذلك رجع إلى عتبة الباب فجلس، ودخل المغازلون، ~~يضحكون مبتهجين، وحيوه، بقولهم: ~~«نتمنى، أيها الغريب، أن يمنحك زوس، وكذا سائر الآلهة الخالدة ما ~~تصبو إليه وتفضله على كل شيء، وأغلى أمنية يتطلع إليها قلبك؛ ~~حيث إنك كفيت البلاد استجداء ذلك الرجل الذي لا يشبع؛ لأننا ~~سنحمله بسرعة بعد ذلك إلى مملكة الملك إخيتوس، مشوه جميع ~~البشر.» # هكذا كانوا يقولون، وسر أوديسيوس ms307 العظيم من ذلك الفأل ووضع ~~أنتينوس أمامه الكرش الضخم، مملوءا بالدهن والدم، وتناول ~~أمفينوموس # Amphinomus # رغيفين من ~~السفط ووضعهما أمامه، ووعده بكأس من الذهب، وقال: ~~«مرحبا، يا سيدي الغريب، أتمنى أن يكون الحظ السعيد حليفك في ~~الأيام المقبلة، رغم أنك الآن نهب لأحزان عديدة.» # أوديسيوس يحذر أمفينوموس من زوج بينيلوبي # عندئذ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «أي أمفينوموس، ~~حقا إنك لتبدو لي رجلا حازما، وكذلك أيضا، كان أبوك؛ فكثيرا ~~ما سمعت عن صيته الحسن؛ إذ كان نيسوس القاطن بدوليخيوم رجلا ~~مقداما ذا يسار. ويقولون، إنك انحدرت منه، ويبدو أنك رجل رقيق ~~الألفاظ؛ وعلى ذلك سأخبرك بأمر، يجب أن تعيره اهتمامك وتصغي ~~إليه. لا شيء تغذيه الأرض أضعف من الإنسان، دون سائر المخلوقات ~~التي تتنفس وتتحرك فوق الأرض؛ لأنه يعتقد أنه لن يعاني الشر قط ~~في أيامه القادمة، طالما تهبه الآلهة الرخاء وركبتاه سريعتان. ~~حتى إذا ما عاد الخالدون وكتبوا له الحزن، احتمله أيضا بامتعاض ~~بالغ وهو راسخ القلب؛ لأن روح البشر وهم فوق الأرض هي تماما مثلها ~~في اليوم الذي يجلبه عليها أبو الآلهة والبشر؛ فإنني، أيضا، كنت ~~في ذات يوم، ممن كتب لهم الرخاء وسط الناس، غير أنني استرسلت ~~كثيرا في أعمال الشهوة، معتمدا على قوتي وعنفي، وعلى أبي ~~وإخوتي؛ ومن ثم لا تدع أي رجل مهما كان يخرج على القانون في ~~أي وقت، بل يجب أن يرعى صامتا أي نعمة تهبه الآلهة إياها. هذا ~~حق؛ فإنني أرى المغازلين يخلعون عذارهم للشهوة، مبذرين الثروة ~~ومحتقرين زوج ذلك الرجل الذي، دعني أخبرك، بأنه لن يظل بعيدا عن ~~أصدقائه ووطنه مدة طويلة، كلا؛ فإنه قريب جدا، ولكني أتمنى أن ~~يقودك أحد الآلهة بعيدا عن هنا إلى منزلك. وليتك لا تلتقي به وهو ~~قادم إلى بيته وإلى وطنه العزيز؛ لأنه، حسب اعتقادي، لن ينفصل ذلك ~~الرجل عن المغازلين بدون سفك دماء إذا ما عاد يوما تحت سقف ~~داره.» # هكذا تكلم، ثم سكب سكيبة، وشرب من الخمر العسلية المذاق، وأعاد ~~الكأس إلى يدي ms308 قائد الشعب. بيد أن أمفينوموس ذهب خلال الساحة ~~بقلب مثقل، مطأطئا رأسه؛ إذ تنبأت روحه بالشر، ولكنه بالرغم من ~~هذا لم يهرب من مصيره، ولكنه هو، أيضا، قيدته أثينا بالأغلال كي ~~يقتل في الحال على يدي تليماخوس وبرمحه؛ ولذلك جلس من جديد فوق ~~الكرسي الذي كان قد نهض من فوقه. # بينيلوبي تبدي رغبتها في الظهور أمام المغازلين # بعد ذلك حثت الربة، أثينا المتألقة العينين، قلب ابنة ~~إيكاريوس، بينيلوبي الحكيمة، أن تظهر نفسها للمغازلين، كي تدفع ~~قلوبهم إلى الخفقان وتكسب تمجيدا من زوجها وابنها أكثر من ذي ~~قبل، فضحكت ضحكة لا معنى لها، وتكلمت، مخاطبة المربية ~~بقولها: ~~«إن قلبي ليتلهف، يا يورونومي، ولو أنه لم يتلهف قط من ~~قبل، إلى إظهار نفسي للمغازلين، بالرغم من شدة مقتي لهم. وكذلك ~~أريد أن أقول كلمة لابني ذات نفع له، أعني، أنه لا يجب عليه أن ~~يختلط بالمغازلين المتعجرفين، الذين يكلمونه برقيق الألفاظ ~~بينما يضمرون له الشر فيما بعد.» # فقالت لها المربية، يورونومي: «نعم، الحق معك، يا طفلتي؛ فإني ~~أرى، أن كل ما قلته صحيح. اذهبي، إذن، وقولي كلمتك لابنك ولا ~~تخفيها؛ ولكن اغسلي جسدك أولا وادهني وجهك بالزيت، ولا تذهبي ~~كما أنت بوجنتين مبللتين بالدموع. اذهبي؛ فلا يليق أن تسترسلي ~~في الحزن دون انقطاع، فتأملي، الآن، ها هو ذا ابنك قد بلغ مبالغ ~~الرجال، وكان جل صلاتك للخالدين أن تريه رجلا قد طرت ~~لحيته.» # عندئذ أجابتها بينيلوبي الحكيمة من جديد، بقولها: «أي يورونومي، ~~لا تخدعيني هكذا من أجل رغبتك في أن تغسلي جسمي وتدهنيني بالزيت. ~~لقد دمرت الآلهة جمالي كله، أولئك الذين يحتلون أوليمبوس، منذ ~~ذلك اليوم الذي رحل فيه زوجي في السفن الواسعة. أخبري أوتونوي # Eutonoe # وهيبوداميا # Hippodameia ~~، بالمجيء إلي كي تقفا ~~إلى جانبي في الساحة؛ فلن أذهب وحدي وسط الرجال؛ إذ يتملكني ~~الخجل.» # هكذا تكلمت، وانطلقت السيدة العجوز عبر الحجرة لتحمل ~~النبأ إلى المرأتين وتأمرهما بالمجيء. # أثينا تضفي على بينيلوبي مزيدا من الفتنة والجمال # بعد ذلك اتخذت الربة، أثينا البراقة العينين، ms309 رأيا آخر من ~~جديد، فسكبت نوما لذيذا على ابنة إيكاريوس؛ فانحنت هذه إلى ~~الوراء واستلقت على سريرها، وقد ارتخت جميع مفاصلها. وفي الوقت ~~نفسه كانت الربة الفاتنة تمنحها هبات خالدات، كي يدهش لمرآها ~~الآخيون، فجملت وجهها أولا ببلسم. # 4 # بلسم أمبروسي. # 5 # كالذي تدهن به كوثيريا # Cytherea # ذات التاج البديع، نفسها عندما تدخل إلى ~~الرقص المحبب لدى ربات الحسن، وجعلتها أطول قامة، وكذلك، ~~أضخم جسما أمام الرائين، وصيرتها أنصع بياضا من العاج المقطوع ~~حديثا. وبعد أن أنجزت الربة الحسناء هذه الأمور. انصرفت، وجاءت ~~الوصيفات الناصعات السواعد من المقصورة واقتربن يتحدثن بصوت ~~مسموع. وعندئذ ترك النوم اللذيذ بينيلوبي، فدعكت وجنتيها ~~بيديها، وقالت: ~~«ويحي، لقد اجتاحني النوم الرقيق في تعاستي الشاملة. كم أتمنى ~~الآن أن تعطيني أرتيميس الطاهرة ميتة رقيقة بتلك الصورة، حتى لا ~~أبدد حياتي بعد الآن والحزن يملأ قلبي، مشوقة إلى براعة زوجي ~~العزيز المزدوجة؛ إذ كان مبرزا وسط الآخيين.» # بينيلوبي تلوم تيليماخوس على ما حدث للشحاذ الغريب # قالت هذا وهبطت من المقصورة العليا المتلألئة، ولم تكن وحدها؛ ~~إذ كانت تتبعها وصيفتان، فلما وصلت السيدة الفاتنة الآن إلى ~~المغازلين وقفت بجوار قائم باب الساحة المكينة البناء، وقد وضعت ~~النصيف المتألق أمام وجهها، ووقفت إلى كل جانب من جانبيها وصيفة ~~مخلصة، فما إن أبصرها المغازلون حتى ارتخت ركبهم وابتهجت قلوبهم ~~بالحب، وراحوا جميعا يتوسلون إليها، وكل واحد يتوق إلى البقاء ~~إلى جوارها، ولكنها تحدثت إلى تيليماخوس، ابنها العزيز، ~~قائلة: ~~«أي تيليماخوس، لم يعد عقلك وأفكارك رزينة كما كانت من قبل؛ ~~فعندما كنت مجرد طفل كنت تدبر في عقلك أفكارا أكثر دهاء. أما ~~الآن وقد كبرت وبلغت مبالغ الرجال، وإن من ينظر إلى قوامك ~~وجمالك ليقول إنك ابن رجل ثري؛ حيث إنه هو نفسه غريب أتى من بلد ~~قصي، فإن عقلك وأفكارك لم تعد صائبة كما كانت من قبل. ماذا فعلت ~~في هذه الساحة، حتى تسمح بإساءة معاملة هذا الغريب! وماذا الآن، ~~لو تعرض الغريب، وهو جالس هكذا في منزلنا، لبعض الأذى ms310 من جراء ~~المعاملة المحزنة؟ إذن، لوقع عليك اللوم وجللك العار بين ~~الناس.» # فأجابها تيليماخوس الحكيم، قائلا: «أماه، بخصوص ذلك الأمر لا ~~أسيء فهم سبب غضبك الجم. ومع ذلك فإنني أعرف في قلبي وأدرك كل ~~شيء، الخير والشر، في حين أنني لم أكن من قبل إلا محض طفل. بيد ~~أنني لست قادرا على تدبير كل شيء بحكمة؛ لأن هؤلاء الرجال هنا ~~يثبطون عزيمتي، ويلازمونني، الواحد من هذا الجانب والآخر من ~~الجانب الآخر، بنية سيئة، ولا أجد لي مساعدا. ومع ذلك، فإن في ~~استطاعتي أن أخبرك بأن هذه المعركة التي نشبت بين الغريب ~~وإيروس لم تغب عن بال المغازلين، وقد أثبت الغريب تفوقه عليه. ~~أتمنى؛ يا أبي زوس، ويا أثينا، ويا أبولو، أن يهدأ المغازلون كما ~~فعلوا الآن في ساحاتنا، يطلون برءوسهم، البعض في الفناء ~~والبعض الآخر في البهو، وأن ترتخي أطراف كل رجل، تماما كما يجلس ~~الآن إيروس هناك بجانب باب الفناء، مطأطئا رأسه أشبه برجل ~~سكير، ولا يستطيع أن ينتصب فوق قدميه، أو أن يذهب إلى أي مكان ~~يرغب في الذهاب إليه؛ إذ ارتخت أطرافه.» # بينيلوبي تستعيد ذكرى كلمات أوديسيوس يوم رحيله من ~~الوطن # هكذا كان يتحدث كل منهما إلى الآخر، ولكن يوروماخوس خاطب ~~بينيلوبي، بقوله: ~~«يا ابنة إيكاريوس، أي بينيلوبي الحكيمة، لو رآك جميع الآخيين ~~في شتى أنحاء أرجوس ~~الإياسيونية # Iasian Argos ~~، لأصبح هنا مغازلون أكثر يولمون في ~~ساحاتك من الغد فصاعدا؛ لأنك تبذين سائر النساء، فتنة ~~وقواما، وفي حكمة القلب الكائن بصدرك.» # عندئذ أجابته بينيلوبي الحكيمة، قائلة: «أيا يوروماخوس، لقد ~~حطم الخالدون روعتي كلها، سواء في الجمال أو في القد، في اليوم ~~الذي رحل فيه الأرجوسيون إلى إليوس، وذهب معهم زوجي أوديسيوس؛ فلو ~~أتى وأشرف على حياتي هذه فقط، لصارت شهرتي أعظم وأجمل. ولكنني ~~الآن في حزن، وكثيرة هي الهموم التي حطها على أحد الآلهة. ~~حقا، إنه عندما رحل وغادر وطنه، أمسك بيدي اليمنى من الرسغ، ~~وقال: ~~«يا زوجتي، لست أعتقد أن الآخيين المدرعين تماما سيعودون ~~جميعا من ms311 طروادة سالمين آمنين؛ لأن الطرواديين، كما يقول الناس، ~~قوم حرب، ماهرون في قذف الرمح، وجذب القوس، وقيادة الجياد ~~السريعة، التي تقرر بسرعة نتيجة صراع الحرب المتعادلة؛ وعلى ~~ذلك لست أدري ما إذا كان الرب سيعيدني، أم سوف أعزل هناك في أرض ~~طروادة. ومن ثم أشرفي على كل شيء هنا. وتذكري أبي وأمي في ~~الساحات بنفس الطريقة التي ترعينهما بها الآن، أو ربما أكثر، في ~~أثناء غيابي، حتى إذا ما رأيت ابني رجلا قد طرت لحيته، ~~تزوجي من تشائين واتركي منزلك.» # هكذا تكلم زوجي، والآن قد ~~حدث كل ذلك. سيأتي الليل عندما يكون الزواج المقيت من حظي أنا ~~الملعونة، التي سلبها زوس سعادتها. وحل الحزن المرير في داخلي في ~~قلبي وروحي؛ إذ إنكم تسلكون طريقا لم يسلكه أي واحد من المغازلين ~~قبلكم، أولئك الذين يتوقون إلى مغازلة سيدة كريمة، وابنة رجل ~~ثري، فيتنافسون فيما بينهم من أجلها، وهؤلاء يحضرون من تلقاء ~~أنفسهم ماشية وأغناما كثيرة، ليولم عليها أصدقاء العروس، ~~ويقدمون إليها هدايا مجيدة، ولكنهم لا يأكلون أموال شخص آخر ~~فيما بينهم بالباطل.» # هكذا تكلمت، وسر أوديسيوس العظيم البالغ التحمل؛ لأنها ~~سحبت منهم هدايا، وخدعت أرواحهم بمعسول الألفاظ، بينما كانت ~~تضمر في نفسها أمورا أخرى. # المغازلون يحضرون الهدايا لبينيلوبي # ثم تحدث إليها أنتينوس بن يوبايثيس، ثانية، فقال: ~~«يا ابنة إيكاريوس، يا بينيلوبي الحكيمة، أما الهدايا، فلو أزمع ~~أي رجل من الآخيين أن يحضرها إلى هنا، فيجب أن تقبليها؛ لأنه لا ~~يليق أن ترفضي هدية. أما نحن فلن نذهب إلى بلادنا ولا إلى مكان ~~آخر، إلا بعد أن تتزوجي من الرجل الذي تعتبرينه خير ~~الآخيين.» # قال هذا أنتينوس، فسروا من كلمته، وبعث كل رجل رسولا ~~ليحضر هداياه، فأحضر أنتينوس ثوبا فضفاضا جميلا، مطرزا ~~كثير الوشي، ذا مشابك من الذهب، تبلغ في مجموعها اثني عشر ~~مشبكا، مثبتة بخطاطيف معقوفة. وأحضر آخر في الحال إلى ~~يوروماخوس سلسلة من الذهب، مصنوعة بمهارة، مرصعة بفصوص من ~~الكهرمان، تتألق كأنها الشمس. كما أحضر خدم يوروداماس، إليه ~~زوجا من ms312 الأقراط، بثلاثة فصوص على شكل عنقود، # 6 # وينعكس منها بريق لألاء. وأحضر خادم السيد بايساندر Peisander ~~، ابن بولوكتور Polyctor ~~، إلى داخل المنزل، قلادة، ~~بها درة فائقة الروعة. وهكذا أحضر كل واحد من الآخيين هدية ~~جميلة، وأحضر غيره أخرى. أما السيدة الجميلة، فصعدت إلى ~~مقصورتها العليا. وحملت لها الوصيفتان الهدايا الرائعة. # وأما المغازلون فشرعوا في الرقص والغناء والمرح، وطربوا، ~~وانتظروا مجيء المساء. وبينما هم في مرحهم خيم فوقهم المساء ~~الدامس. وفي الحال أوقدوا ثلاثة مواقد في الساحة لتضيء لهم، ~~ووضعوا حولها حطبا جافا، مضت عليه مدة طويلة منذ أن قطع ~~وتصلب، وشق بالفئوس حديثا، ووضعت المشاعل في مواضع ~~الشقوق؛ وأخذت وصيفات أوديسيوس، الثابت القلب، يتناوبن إشعال ~~النار. بعد ذلك تكلم أوديسيوس، المنحدر من زوس والكثير الحيل، من ~~تلقاء نفسه وسط العذارى، فقال: ~~«يا خادمات أوديسيوس، الذي رحل منذ زمان بعيد، انصرفن إلى ~~الحجرات حيث تمكث مليكتكن المبجلة، واغزلن القطن بجوارها، ~~وأدخلن السرور على قلبها، وأنتن جالسات في مقصورتها، أو مشطن ~~الصوف بأيديكن، وأنا أتولى إشعال النار لجميع هؤلاء الرجال؛ ~~لأنهم إذا أرادوا الانتظار حتى مطلع الفجر الجميل العرش، فلن ~~يباروني بأية حال من الأحوال. إني امرؤ أستطيع أن أتحمل ~~كثيرا.» # ميلانثو الخادمة تسب الشحاذ أوديسيوس # ما إن قال هذا، حتى انفجرت الخادمات يضحكن، وراحت كل واحدة ~~منهن تنظر إلى الأخرى، وأنحت عليه ميلانثو # Melantho # الجميلة الوجنتين، بعبارات التحقير، ~~ميلانثو، التي أنجبها دوليوس # Dolius ~~، # 7 # وربتها بينيلوبي واعتنت برعايتها كما لو كانت ~~ابنتها، وأعطتها كثيرا من الدمى لتسر قلبها. غير أنها بالرغم ~~من ذلك لم تكن تشعر في قلبها بأي رثاء لحال بينيلوبي، بل كانت تهيم ~~بحب يوروماخوس، وتتحرق شوقا إلى الاضطجاع معه، فوجهت بعد ~~ذلك إلى أوديسيوس عبارات السب، فقالت: ~~«أيها الغريب الحقير، ما أنت سوى رجل مأفون، لا تريد أن تذهب ~~إلى حداد لتبيت عنده، أو إلى مسكن عام لتنام فيه، بل تتسكع ~~هنا باستمرار، ولا تخجل من وجودك بين حشد السادة العديدين، غير ~~هياب في قلبك ولا خائف. حقا، ms313 إن الخمر قد سيطرت على ذهنك، ~~وإلا فإن عقلك هكذا دائما، حتى إنك تهذي بهذا الهراء. أخرجت ~~عن طورك لأنك غلبت ذلك المتسول إيروس؟ حذار، خشية أن يأتيك ~~الآن من هو أفضل من إيروس فيضربك بقبضته الثقيلة على أم رأسك، ~~فيضرجك بالدماء، ويطردك من المنزل.» # عندئذ نظر إليها أوديسيوس بغضب مقطبا حاجبيه، وقال لها ~~«سرعان ما سأذهب إلى هناك، أيتها العديمة الحياء، وأخبر ~~تيليماخوس؛ حيث إنك تتكلمين بهذه الوقاحة، كي يمزق في الحال ~~جسدك إربا إربا.» # ما إن قال هذا حتى تفرقت النساء، وهربن خلال البهو، وارتخت ~~أطراف كل واحدة منهن تحتها ذعرا؛ لأنهن اعتقدن أنه جاد في ~~قوله. أما أوديسيوس فوقف بجوار المواقد المشتعلة ليمدهم ~~بالضوء، ويلقي نظرة على جميع الرجال، ولكن قلبه في داخله كان ~~يفكر في أمور أخرى؛ أمور لم تكن لتذهب دون إتمام أو ~~تنفيذ. # يوروماخوس يسخر من الشحاذ أوديسيوس # ولكن أثينا ما كانت لتسمح للمغازلين بالإحجام عن الاعتداء المرير ~~بحال ما، كي يحز الألم في قلب أوديسيوس بن لايرتيس، إلى ما هو ~~أعمق؛ ومن ثم بدأ يوروماخوس بن بولوبوس، يتكلم ساخرا من ~~أوديسيوس، ليضحك زملاءه، فقال: ~~«أصغوا إلي، يا مغازلي الملكة المجيدة، حتى أخبركم بما ~~يحدثني به قلبي الكائن في صدري. لم يأت هذا الرجل إلى قصر ~~أوديسيوس بدون إرادة الآلهة؛ فعلى أية حال إن وميض المشاعل ~~لينبعث منه - من رأسه - إذ ليس به أي شعر، ولا أثر لشعره.» # 8 # ما إن أدلى بهذه العبارة حتى استدعى أوديسيوس، سالب المدن، وقال ~~له: «أيها الغريب، أتشاور عقلك في أن تشتغل مقابل أجر، لو ~~ألحقتك بخدمتي في حقل بعيد - إن أجرك سيكون حتما لك - جمع ~~الأحجار للحوائط، وغرس الأشجار الباسقة؟ ولسوف أمدك هناك ~~بالطعام طوال العام كله، وأكسوك لباسا ونعالا لقدميك، ولكن ما ~~دمت قد تعلمت أعمال الشر فقط، فلن تهتم بأن تشغل نفسك بالعمل، ~~بل بالحري قد عولت على التسكع خلال البلدان، كي تستطيع ~~الحصول على ما يسد نهم بطنك الشره.» # أوديسيوس يتهم يوروماخوس بالوقاحة والضعف ms314 # عندئذ أجابه أوديسيوس العديد الحيل، قائلا: «أي يوروماخوس، ~~أتمنى لو تباريت معك في العمل في فصل الربيع، عندما يطول النهار، ~~وقت حصد الأعشاب، فأمسك أنا في يدي بمنجل معقوف وأنت بمثله، ~~وتكون الأعشاب كثيرة حتى يمكننا أن نختبر مقدرتينا على العمل، ~~صائمين إلى ساعة متأخرة من المساء. أو أتمنى أيضا أن يكون هناك ~~ثوران لنقودهما - خير ما هنالك من الثيران، ضخمان قد لفحتهما ~~الشمس، وقد علف كلاهما جيدا بالأعشاب، من نفس السن ونفس القوة ~~ليحملا النير، لا يتعبان من بذل الجهد - وأن يكون هناك حقل ~~مساحته أربعة أفدنة، ونعمل على شق التربة أمام المحراث؛ عندئذ ~~كنت ترى، ما إذا كنت أستطيع أن أشق أخدودا مستقيما إلى نهاية ~~الحقل أو لا أستطيع. أو أتمنى من جديد أن ابن كرونوس يجلب علينا ~~الحرب من حيث يستطيع في يومنا هذا، ويكون لي ترس ورمحان وخوذة ~~كلها من البرونز، تناسب تماما صدغي، إذن لرأيتني بين محاربي ~~المقدمة، وما كنت، لتعيرني ببطني هذا. أما أنت فوقح غاية ~~الوقاحة، وقلبك قاس، ولا شك في أنك تعتقد في قرارة نفسك أنك امرؤ ~~على شيء من العظمة والقوة؛ لأنك تختلط بحفنة من الرجال الضعفاء. ~~ولو رجع أوديسيوس فقط، وعاد إلى وطنه، لأثبتت هذه الأبواب في ~~الحال، رغم أنها مفتوحة على مصاريعها، أنها ضيقة جدا أمامك ~~لتهرب خارج المدخل.» # يوروماخوس يقذف أوديسيوس بمقعد صغير فيخطئه # عندما قال هذا، زاد غيظ يوروماخوس في قلبه، ونظر إليه شزرا من ~~تحت حاجبيه، وخاطبه بكلمات مجنحة. # 9 # قائلا: ~~«أيها النذل، لأصيبنك بالشر في الحال، طالما أنت تثرثر بهذه ~~الطريقة، غير خائف في قلبك. لا شك أن الخمر قد لعبت بلبك، أو ~~أن عقلك هكذا دائما، تهذي بتلك الخرافات. هل خرجت عن طورك ~~وركبت رأسك لأنك غلبت ذلك المتسول إيروس؟» # قال هذا وأمسك مقعد قدمين وقذفه نحوه، ولكن أوديسيوس جلس على ~~الأرض عند ركبتي أمفينوموس الآتي من دوليخيوم، خوفا من ~~يوروماخوس، فأصاب المقعد ساقيا في يده اليمنى، فسقط منه إبريق ~~الخمر على الأرض محدثا ms315 رنينا. وتأوه الساقي، وسقط إلى الخلف ~~فوق الثرى؛ عندئذ سادت الضوضاء بين المغازلين في شتى أنحاء الساحة ~~الظليلة، وهكذا كان أحدهم ينظر إلى جاره، ويقول له: ~~«ليت هذا الغريب هلك في مكان آخر أثناء تجولاته أو أنه لم يأت ~~إلى هنا قط، إذن لما جلب علينا كل هذه الضوضاء. أما الآن فنحن ~~نتشاجر من أجل أبناء السبيل، ولن تكون هناك بهجة لوليمتنا ~~الفاخرة، ما دامت تسود أمور أسوأ.» # تيليماخوس يناشد المغازلين الانصراف إلى بيوتهم للراحة # عند ذلك تحدث تيليماخوس القوي العتيد وسطهم، فقال: «أيها ~~السادة الغريبو الأطوار، إنكم لمعتوهون، ولا تنكرون بعد الآن ~~أنكم قد أكلتم وشربتم، لا شك أن أحد الآلهة يثيركم إلى هذا؛ فما ~~دمتم قد أولمتم جيدا، فاذهبوا إلى بيوتكم واستريحوا، إذا ما ~~طاب لأرواحكم أن تستريح. ومع ذلك فإنني لا أطرد أحدا إلى ~~الخارج.» # هكذا تكلم، فعضوا على شفاههم جميعا، وتعجبوا من أن ~~تيليماخوس، يتحدث بهذه الجرأة. غير أن أمفينوموس تكلم، وخاطبهم ~~- وهو ابن الأمير النبيل نيسوس بن أريتياس # Aretias ~~- فقال: ~~«أصدقائي، لا يجدر بأي رجل إذا ما أراد أن يجيب بحكمة على ما ~~قيل، أن يتهور ويرد بعبارات عدائية. لا تسبوا هذا الغريب ~~بعد الآن، ولا أي خادم ممن في بيت أوديسيوس المقدس. كلا، هيا، ~~دعوا الساقي يصب نقطا كسكيبة في الكئوس، حتى نتمكن من صب ~~السكيبات، ثم ننصرف إلى بيوتنا لنأخذ راحتنا. أما هذا الغريب، ~~فلنتركه في ساحات أوديسيوس ليهتم بأموره تيليماخوس؛ لأنه قد جاء ~~إلى داره.» # هكذا قال، فسر الجميع من قوله. بعد ذلك خلط السيد موليوس # Mulius ~~، الآتي من دوليخيوم، رسول وخادم ~~أمفينوموس، طاسا من الخمر، ووزع على الجميع، ذاهبا إلى كل واحد ~~بدوره، وقدموا سكيبات للآلهة المباركة، فشربوا من الخمر التي ~~كالعسل حلاوة. وبعد أن انتهوا من السكيبات وشربوا حتى شبعوا، ~~انصرف كل رجل منهم إلى منزله، ليستريح. # | الأنشودة التاسعة عشرة # أوديسيوس يرسم لتيليماخوس خطة مقتل المغازلين # وهكذا ترك أوديسيوس العظيم في الساحة وحده، يدبر مقتل ~~المغازلين بمساعدة أثينا، وفي الحال ms316 تكلم بعبارات حماسية، # 1 # فقال لتيليماخوس: # عرفت السيدة العجوز هذه ~~العلامة، عندما أمسكت ساقه في راحتي يديها، ~~باللمس. ~~«أي تيليماخوس، يجب أن تنقل جميع أسلحة الحرب إلى الداخل بعيدا، ~~وعندما يفتقدها المغازلون ويسألونك عنها، يجب أن تخدعهم بكلمات ~~رقيقة، فتقول: لقد وضعتها بعيدا عن الدخان، طالما أنها لم تعد ~~كما تركها أوديسيوس العجوز عندما رحل إلى طروادة، بل غدت ملطخة ~~كلها؛ إذ قد وصل إليها لهيب النار. وزيادة على ذلك فإن خوفا ~~عظيما قد وضعه أحد الآلهة في قلبي؛ لأنني أخشى، عندما تلهبكم ~~الخمر، أن تقيموا شجارا فيما بينكم، فيجرح بعضكم البعض الآخر، ~~فتعكروا صفو وليمتكم وصفو مغازلتكم. # 2 # لأن الحديد يجذب المرء إليه من تلقاء نفسه.» # يوروكليا تستجيب لنداء تيليماخوس # هكذا تكلم، فأنصت تيليماخوس إلى قول أبيه العزيز، ثم نادى ~~المربية يوروكليا، وقال لها: ~~«أيتها المربية: إنني آمرك بأن تجيئي الآن، احبسي النساء في ~~حجراتهن، ريثما أضع أسلحة أبي في حجرة الخزين، الأسلحة العظيمة ~~التي بإهمالها جميعا قد علاها الدخان في الساحة منذ أن رحل أبي، ~~وأنا طفل عند ذاك. وإنني أعتزم الآن أن أضعها بعيدا، في مكان لا ~~يصل إليها لهب النار.» # بعد ذلك أجابته المربية العزيزة يوروكليا، قائلة: «نعم، يا ولدي، ~~أتمنى أن تفكر دائما في الاهتمام بأمر المنزل وحراسة كل ثروته. ~~ولكن تعال، من ذا الذي يذهب ويحضر سراجا ويحمله لك، ما دمت لم ~~تسمح للفتيات، اللواتي كان في استطاعتهن إعطاء النور، بالذهاب ~~أمامك؟» # فأجابها تيليماخوس الحكيم، بقوله: «هذا الغريب هنا؛ لأنني لن ~~أسمح لأحد بالكسل، كل من يلمس مكيالا من الدقيق، # 3 # حتى ولو كان قادما من بعيد.» # أوديسيوس وتيليماخوس يخفيان أسلحة الحرب المعلقة # قال هذا، بيد أنها لم ترد على قوله، # 4 # وإنما أغلقت أبواب الساحة الرحبة. بعدئذ نهض كلاهما، ~~أوديسيوس وابنه المجيد، وشرعا ينقلان إلى الداخل الخوذات والتروس ~~والدروع المرصعة والرماح المدببة الأسنة، وأمامهما بالاس ~~أثينا، تحمل مشعلا عسجديا، ينبثق منه ضوء ساطع في غاية الروعة. ~~بعد ذلك تحدث تيليماخوس فجأة إلى أبيه، ms317 وقال: ~~«أبتاه، حقا إن هذه لأعجوبة عظيمة، تلك التي تراها عيناي؛ لا ~~شك أن جدران البيت وأخشابه الرائعة # 5 # والكتل التي من خشب الحور، والأعمدة البالغة الارتفاع، ~~ترسل سناء يتألق في عيني كما لو كانت تتوهج بلهب النار ~~المتأججة. لا ريب أن هنا أحد الآلهة، أحد أولئك الذين يحتلون ~~السماء الفسيحة.» # فرد عليه أوديسيوس الكثير الحيل، بعد ذلك، بقوله: «صه، أبعد ~~عنك هذه الفكرة. ولا تسأل أي سؤال. هذا، كما أقول لك، هو طريق ~~الآلهة التي تحتل أوليمبوس. ~~ولكن يجب أن تذهب الآن وتستريح وسأبقى أنا هنا، كي أثير عقول ~~الفتيات وأمك، التي بالبكاء سوف تسألني عن كل شيء على ~~حدة.» # تيليماخوس يذهب لينام وبينيلوبي تخرج من مقصورتها # ما إن قال هذا، حتى انصرف تيليماخوس عبر الساحة على ضوء ~~المشاعل المستعرة لكي يذهب إلى حجرته لينام؛ حيث كان من عادته ~~السابقة أن ينام، متى يداعبه النوم اللذيذ، فرقد هناك منتظرا ضوء ~~الفجر. أما أوديسيوس العظيم فبقي في البهو، يدبر بمعونة أثينا ~~مقتل المغازلين. # بعد ذلك خرجت بينيلوبي الحكيمة من مقصورتها كأنها أرتيميس أو ~~أفروديتي الذهبية، ومن أجلها وضعوا بجانب النار، في المكان الذي ~~اعتادت الجلوس فيه، كرسيا مرصعا بزخارف العاج والفضة، كان قد ~~صنعه قديما إكماليوس # Icmalius # الصانع، ووضعوا أسفله كرسيا للقدمين، كان جزءا من الكرسي، وفوقه ~~فروة من الصوف واعتادوا وضعها عليه، فجلست بينيلوبي الحكيمة ~~فوق هذا، وخرجت العذراوات الناصعات السواعد من بهو السيدات، فأنشأ ~~هؤلاء في رفع الطعام الوفير، والمناضد والكئوس التي كان يشرب منها ~~السادة، وألقين رماد المواقد فوق الأرض، ووضعن في المواقد ~~أخشابا جديدة بكمية وفيرة، كي تعطي النور والدفء. # أوديسيوس يحذر ميلانثو من المستقبل # بيد أن ميلانثو بدأت مرة ثانية تسخر من أوديسيوس، فقالت: «أيها ~~الغريب، أسوف تظل وباء علينا طوال الليل، تتجول خلال المنزل، ~~وتتجسس على النساء؟ كلا، اخرج، أيها الوضيع، واكتف بعشائك، ~~وإلا ضربت في الحال بمشعل، وعندئذ تخرج.» # قطب أوديسيوس الكثير الحيل ما بين حاجبيه، ونظر إليها بغضب، ~~وقال: «أيتها السيدة الطيبة، ms318 لم، بربك، تهاجمينني هكذا بقلب ~~حانق؟ لأنني قذر وأرتدي ملابس مهلهلة على جسمي، وأستجدي في ~~طرقات المدينة؟ هذا لأن الحاجة تضطرني إلى ذلك، فهكذا هم ~~الشحاذون وأبناء السبيل. لقد مرت بي أيام كنت أحيا في قصر ~~ملكي وسط الرجال، فكنت رجلا ثريا في منزل ثري، وكثيرا ما ~~أخرجت الصدقات لأبناء السبيل، مهما كانوا، ومهما كانت الحاجات ~~التي جاءوا من أجلها. وكان لي عبيد يفوقون الحصر، وبوفرة كانت ~~عندي جميع الأشياء الأخرى التي يعيش بها الرجال عيشة الترف ~~ويشتهرون بالثراء. غير أن زوس بن كرونوس، أنهى كل شيء إلى لا شيء؛ ~~فهكذا، كما أعتقد، كانت مسرته العظمى؛ ومن ثم، حذارك، ~~أيتها المرأة، خشية أن تفقدي في يوم من الأيام كل المجد الذي ~~تحظين به الآن رائعة وسط الوصيفات؛ وخشية أن تحقد عليك سيدتك ~~مصادفة وتغضب عليك، أو أن يعود أوديسيوس إلى البيت؛ لأنه لا يزال ~~هناك مجال للأمل. وحتى، لو كان، كما يبدو، قد مات ولن يعود أبدا، ~~فإن هناك الآن ابنه، تليماخوس، الذي بفضل أبولو، لا يغفل عنه لو ~~أن أي واحدة من النساء تفعل بالساحة ما يحلو لها؛ لأنه لم يعد ~~بعد ذلك الطفل الذي كانه.» # بينيلوبي تنهر خادمتها # قال هذا، وسمعته بينيلوبي الحكيمة، فنهرت الخادمة، ~~وخاطبتها، بقولها: ~~«ثقي أيتها الجريئة العديمة الحياء، أن عملك الطائش ذاك ليس ~~خافيا عني بأية حال من الأحوال، وسوف تزيلين برأسك بقعته نفسها. ~~إنك تعرفين حق العلم؛ إذ سمعت من شفتي، أنني معتزمة سؤال ذلك ~~الغريب في ساحاتي عن زوجي؛ لأنني في غاية الكمد.» # بهذا تكلمت أيضا إلى المربية يورونومي # Eurynome ~~، وقالت: «أحضري، يا يورونومي، هنا كرسيا ~~وفروة من الصوف فوقه، كي يجلس الغريب ويحكي قصته ويصغي إلي؛ ~~لأنني متلهفة إلى سؤاله عن كل شيء.» # بينيلوبي وأوديسيوس ينخرطان في حوار ممتع # ما إن قالت هذا، حتى أسرعت يورونومي فأحضرت كرسيا مصقولا ~~ووضعته في مكانه، ووضعت فوقه فروة من الصوف. بعد ذلك جلس عليه ~~أوديسيوس العظيم البالغ التحمل، وبدأته بينيلوبي الحكيمة ~~بالكلام، فقالت: ~~«سألقي ms319 عليك هذا السؤال أولا، أيها الغريب، من أنت من بين ~~البشر، ومن أين، وأين مدينتك، وأين والداك؟» # عندئذ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، قائلا: «سيدتي، لا يستطيع ~~أي فرد من البشر على ظهر الأرض الواسعة الفلا أن يتمسك عليك ~~بخطأ؛ إذ بلغت شهرتك عنان السماء الواسعة الأجواز، كما تنتشر ~~شهرة ملك لا غبار على تصرفاته، يخشى الآلهة في قلبه، ويكون ~~سيدا على رجال عديدين ذوي قوة، ويراعي جانب العدالة، فتنتج ~~التربة السوداء القمح والشعير، وتغدو الأشجار مثقلة بالثمار، وتظل ~~الأغنام تلد الحملان بغير انقطاع، ويخرج البحر أسماكا، كل ذلك من ~~قيادته الرشيدة، ويلمس الناس الرخاء في عصره، ومن ثم سليني ~~الآن في منزلك عن أي شيء تريدين، إلا عن جنسي ووطني، لئلا تزيدي ~~قلبي آلاما على آلام، وأنا أفكر في ذلك؛ لأنني رجل قاسى كثيرا ~~من الأحزان. وزيادة على ذلك فلا يليق بي أن أجلس وأبكي وأنتحب في ~~بيت رجل آخر؛ إذ لا يجدر أن أظل في الغم دون انقطاع. لا يعجبني ~~أن تغضب مني إحدى خادماتك أو أنت نفسك، وتقول إنني أسبح في ~~الدموع لأن عقلي مثقل بالخمر.» # فردت عليه بينيلوبي الحكيمة بقولها: «أيها الغريب، إن بهائي ~~كله، سواء في الجمال أو في القد، قد حطمه الخالدون في اليوم الذي ~~أبحر فيه الأرجوسيون إلى إليوس، وصحبهم زوجي، أوديسيوس؛ فلو أنه ~~أتى فقط، وأشرف على حياتي هذه، لغدا صيتي أعظم وأعطر، ولكنني ~~الآن مهمومة الفؤاد ، خصني أحد الآلهة بأرزاء عديدة؛ لأن جميع ~~الأمراء الذين يسوسون الجزر - دليخيوم وسامي وزاكونثوس الكثيرة ~~الغابات - وأولئك الذين يقيمون حول إيثاكا الواضحة للعين نفسها، ~~كل هؤلاء يغازلونني على كره مني ومضض، ويخربون بيتي؛ ولذلك ~~فإنني لا أعير أي اهتمام لأي غريب أو متضرع أو رسول، ذلك الذي ~~مهنته عامة، بل أذيب قلبي دون جدوى من فرط شوقي إلى أوديسيوس؛ ~~ومن ثم فإن أولئك الرجال يلحون في طلب الزواج مني، وإنني ~~أراوغهم وأدبر لهم شتى الحيل؛ فأولا أوحى إلي أحد الآلهة ~~بفكرة وضعها في قلبي وهي أن ms320 أقيم نسيجا كبيرا في ساحاتي ~~وأنهمك في نسيج ثوب - وكان النسيج من الخيط الرائع ومتسعا جدا - ~~وفي الحال تكلمت وسطهم، قائلة: ~~«أيها الشبان، الذين تغازلونني، ما دام أوديسيوس العظيم قد مات، ~~فاصبروا، رغم اشتياقي إلى الزواج، حتى أنتهي من نسج هذا الثوب - ~~ولا أود أن يسفر نسجي عن لا شيء - بل أصنع كفنا للسيد لايرتيس ~~للوقت الذي يسقط عليه فيه مصير الموت المحزن فيصرعه؛ لئلا تغضب ~~مني أية واحدة من السيدات الآخيات، لو أنه رقد بدون كفن، ذلك ~~الذي اقتنى ممتلكات هائلة.» # هكذا قلت، ووافقت قلوبهم المتغطرسة، وبعد ذلك بقيت أنسج في ~~المنسوج الهائل يوما بعد يوم، غير أنني كنت أحل بالليل ما ~~نسجته، بعد أن أضع المشاعل إلى جواري. وهكذا بقيت على تلك الحال ~~ثلاث سنوات دون أن يعرف الآخيون جلية الأمر؛ إذ خدعتهم. بيد أنه ~~لما جاءت السنة الرابعة، بمرور الفصول، وذبلت الشهور، وتوالت ~~الأيام العديدة، جاءوا بمساعدة خادماتي، أولئك المخلوقات العديمات ~~الحياء والطائشات، وأمسكوني وأنا أحله وعيروني بصوت مرتفع؛ ~~وعلى ذلك أنهيت النسيج ضد رغبتي بالقوة. أما الآن فلست بمستطيعة ~~الهروب من الزواج ولا يمكنني أن أدبر خطة بعد ذلك، ويضغط ~~علي والداي في أن أتزوج، وأما ابني فإنه يستشيط غيظا، بينما ~~يلتهم أولئك الرجال أمواله، وهو يراقب الأمر كله؛ إذ قد غدا الآن ~~رجلا، وصار في مقدوره الاضطلاع تماما بشئون المنزل الذي يمنحه ~~المجد زوس. ولكن خبرني عن نسبك ومن أين أنت؛ لأنك لست منحدرا ~~من شجرة بلوط عتيقة، ولا من حجر.» # 6 # أوديسيوس يروي الأكاذيب عن نسبه # عندئذ أجابها أوديسيوس ~~الكثير الحيل، قائلا: «يا زوجة أوديسيوس المبجلة، ابن لايرتيس، ~~ألا تكفي قط عن أن تسأليني عن سلسلة نسبي؟ حسنا، فلأخبرنك؛ ~~رغم أنك ستسلمينني حقا لآلام أكثر من تلك التي أقاسيها الآن ~~وتستولي علي؛ لأن الأمر هكذا دائما عندما يكون المرء بعيدا عن ~~وطنه كما هو الحال معي الآن، أتجول خلال بلاد الناس العديدة في ~~حزن عميق. ومع ذلك فسأخبرك عما تسألين وتستعلمين عنه. هناك بلد ms321 ~~اسمه كريت، في وسط البحر القاتم كالخمر، وهو أرض جميلة خصيبة، ~~يحيط بها الماء، وسكانها عديدون، لا يقعون تحت حصر، وبها تسعون ~~مدينة. ولا يتكلمون جميعا نفس اللغة، بل خليطا من اللغات. هناك ~~يقطن الآخيون، وهناك الكريتيون الشجعان، وهناك الكودونيون # Cydonians ~~. والدوريون # Dorians # ذوو الرياض المتموجة، ~~والبيلاسجيون Pelasgians # العظام. ~~وهناك وسط بلدانهم مدينة كنوسوس # Cnosus # العظيمة، التي حكم فيها مينوس عندما كنت سنه ~~تسع سنوات، # 7 # وهو الذي تحدث مع زوس العظيم، وكان والد أبي، ~~ديوكاليون # Deucalion # العظيم ~~القلب. وقد أنجبني ديوكاليون، وكذلك أنجب الأمير إيدومينيوس # Idomeneus ~~. وقد رحل إيدومينيوس في ~~سفنه ذوات الحيازيم إلى إليوس مع أبناء أتريوس. وأما اسمي الذي ~~أشتهر به فهو أيثون # Aethon ~~؛ ~~وكنت أنا أصغر منه مولدا بينما كان هو الأكبر والأفضل. هناك ~~رأيت أوديسيوس وأعطيته هدايا ضيافة؛ إذ كانت قوة الريح قد جرفته ~~كذلك إلى كريت، وكان يسعى إلى أرض طروادة، فدفعته بعيدا عن ~~طريقه عبر ماليا # Malea ~~؛ ومن ~~ثم أرسى سفنه عند أمنيسوس # Amnisus ~~، حيث يوجد كهف إيليثويا # Eilithyia ~~، في ميناء وعر، ولم ينج من العاصفة إلا ~~بشق الأنفس. وبعد ذلك قصد المدينة في الحال وسأل عن إيدومينيوس؛ ~~لأنه أذاع أنه صديقه، المحبوب والمبجل، ولكن ها قد مضى الآن ~~الفجر العاشر أو الحادي عشر منذ أن أبحر إيدومينيوس في سفنه ذوات ~~الحيازيم إلى إليوس، فصحبته إلى المنزل، وقدمت له القرى ~~بترحيب كريم من الخزين الغزير الذي كان بالمنزل، وإلى بقية رفقائه ~~وأتباعه الذي صحبوه جمعت وقدمت، من الخزين العام ، وجبة من ~~الشعير والخمر المستعرة وثيرانا كذبائح، كي تشبع قلوبهم. هناك ~~تلكأ الآخيون العظماء اثني عشر يوما؛ لأن الريح الشمالية ~~العاتية حجزتهم هناك، ولم تسمح لهم بالوقوف على أقدامهم فوق ~~اليابسة؛ إذ قد أثارها أحد الآلهة الغاضبين. حتى إذا ما أقبل ~~اليوم الثالث عشر هدأت الريح فأقلعوا عبر البحر.» # بينيلوبي تبكي وتنتحب من شدة الحزن # هكذا تكلم، وجعل ~~الأكاذيب الكثيرة من روايته تبدو أشبه بالحقيقة، وبينما هي تصغي ~~إليه انهمرت دموعها وذاب وجهها كما ms322 يذوب الثلج فوق شوامخ الجبال، ~~الثلج الذي تذيبه الريح الشرقية عندما تنشره الريح الغربية، ~~وبمجرد أن يذوب تمتلئ به مجاري الأنهار حتى حافاتها. هكذا ذابت ~~خدودها الناعمة وهي تبكي وتنتحب حزنا على زوجها، الذي كان في تلك ~~اللحظة جالسا إلى جوارها. وتحرك قلب أوديسيوس بالشفقة على زوجته ~~الباكية، بيد أن عينيه ظلتا جامدتين بين أجفانه كما لو كانتا من ~~مادة القرون أو الحديد، وبالخداع أخفى دموعه، فلما انتهت من البكاء ~~ونالت منه قسطا وافرا دامعا، تحدثت إليه من جديد، ~~فقالت: ~~«الآن حقا، أيها الغريب، قد اعتزمت أن أختبرك، لأعرف ما إذا ~~كنت حقيقة قد أكرمت في ساحاتك زوجي مع رفقائه أشباه الآلهة، كما ~~كنت تقول، أم لم تكرمهم. خبرني عن نوع الملبس الذي كان يرتديه ~~فوق جسمه، وأي لون من الرجال كان هو نفسه؛ وأخبرني عن الرفاق ~~الذين تبعوه.» # أوديسيوس يعطي بينيلوبي علامات أكيدة عن زوجها # عندئذ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، قائلا: «سيدتي، من العسير ~~على المرء أن يخبرك عن هذا بعد أن مضى عليه مثل هذه المدة ~~الطويلة السحيقة؛ إذ قد انقضى الآن العام العشرون منذ أن رحل من ~~هناك، وغادر من بلدي. ومع ذلك فسأخبرك بقدر ما يصوره لي ~~عقلي. كان أوديسيوس العظيم يرتدي عباءة أرجوانية من الصوف، عباءة ~~مزدوجة الثنايا، بها دبوس مصنوع من الذهب ذو مشبك مزدوج، بعيد ~~الصنعة عجيبها من الأمام، مرسوم عليه كلب صيد يمسك بمخالبه ~~الأمامية غزالا أرقط، وأنشب فيه أنيابه وهو يتلوى. وقد دهش ~~جميع الناس، كيف، والصورة من الذهب، كان الكلب ينشب أنيابه في ~~الغزال ويخنقه، والغزال يناضل بأقدامه ويحاول الفرار. كلك ~~لاحظت أن المدرعة كانت تتألق كلها حول جسمه، كما تتألق قشرة ~~البصلة الجافة، وكانت ناعمة جدا، وتشع بريقا كبريق الشمس. ~~الحق أن نسوة كثيرات كن يحملقن فيه متعجبات. وسأخبرك بشيء آخر. ~~أرجو أن تحفظيه في قلبك. لست أعرف ما إذا كان هذا لباس أوديسيوس في ~~بيته، أم أن أحد زملائه أعطاه إياه عندما ركب ظهر السفينة السريعة، ~~أو ربما ms323 أخذه من أحد الأغراب؛ إذ كان أوديسيوس عزيزا على رجال ~~كثيرين؛ فقلما كان له نظير بين الآخيين. وأنا، نفسي، # 8 # أعطيته سيفا من البرونز، وعباءة جميلة أرجوانية ~~مزدوجة الطيات، ومدرعة موشاة الحافة، وشيعته مكرما فوق ظهر ~~سفينته ذات المقاعد. وزيادة على ذلك، فقد كان يقوم على خدمته ~~خادم أكبر منه سنا، سأخبرك عنه أيضا، ومن أي نوع من الرجال ~~كان. لقد كان مستدير الكتفين، أسمر البشرة. أجعد الشعر، يدعى ~~يوروباتيس # Eurybates ~~، وكان ~~أوديسيوس يجله أكثر من سائر الرفاق الآخرين؛ لأنه كان يشبهه ~~حكمة.» # أوديسيوس يناشد بينيلوبي الكف عن البكاء # هكذا قال، فتحركت في قلبها الرغبة في البكاء أكثر من ذي قبل، ~~عندما لاحظت العلامات الأكيدة التي ذكرها لها أوديسيوس. وبعد أن ~~بكت، ما شاءت أن تبكي، ردت عليه بقولها: ~~«الآن، حقا، أيها الغريب، بالرغم من أنك من قبل موضع عطف، ~~فستكون معززا ومبجلا في ساحاتي، لأنني أنا التي أعطيته ~~ذلك الرداء، الذي تصفه هكذا، وقد طويته، وأحضرته من حجرة الخزين، ~~ووضعت به الدبوس البراق ليكون مبعث غبطة له. أما زوجي فلن ~~أرحب به ثانية، وهو عائد إلى وطنه العزيز وإلى قصره؛ وعلى ذلك ~~لقد كان بمصير شرير أن ذهب أوديسيوس في السفينة الواسعة ليرى ~~إليوس الشريرة، التي لا يجب أن يذكر الإنسان اسمهما ~~إطلاقا.» # فأجابها أوديسيوس الكثير الحيل بقوله: «يا زوجة أوديسيوس بن ~~لايرتيس، المبجلة، لا تشوهي وجهك الفتان أكثر من ذلك، ولا ~~تذيبي قلبك كلية بالبكاء على زوجك. إنني حقا لا ألومك على ~~هذا؛ فهذا طريق كل امرأة أن تبكي عندما تفقد زوجها الشرعي، الذي ~~أنجبت له أطفالا في حبها، مهما كان شخصا آخر غير أوديسيوس، الذي ~~كما يقولون، أشبه بالآلهة. ومع ذلك، يجب أن تكفي عن البكاء، ~~وتصغي إلى كلامي؛ لأنني سأصارحك بالحقيقة الأكيدة، ولن أخفي ~~شيئا، كيف أنني من وقت قريب جدا سمعت عن عودة أوديسيوس. إنه ~~قريب من هنا في أرض الثيسبروتيين الخصبة، حي يرزق، ويحضر معه ~~كنوزا عديدة نفيسة، بينما كان يستجدي في البلاد، ولكنه ms324 فقد رفقاءه ~~المخلصين وسفينته الواسعة فوق صفحة البحر القاتم كالخمر، وهو مسافر ~~من جزيرة ثريناكيا لأن زوس وهيليوس # Helius # غضبا منه لأن رفقاءه قتلوا أبقار هيليوس؛ ~~وعلى ذلك هلكوا جميعا في البحر الصاخب، أما هو فتعلق بقاع ~~سفينته إلى أن قذفت به الأمواج على الشاطئ، فوق أرض الفياكيين، ~~الذين هم أقرباء الآلهة. وبحماس أبدى له هؤلاء كل إجلال، كما لو ~~كان إلها، وقدموا له هدايا عديدة، وكانوا يتوقون هم أنفسهم إلى ~~أن يوصلوه إلى بيته سالما. نعم، وكان يجب أن يكون أوديسيوس هنا ~~منذ مدة طويلة، إلا أنه وجد بحكمته أن من الخير له أن يجمع ثروة ~~بالتجول عبر الأرض الفسيحة؛ فهكذا حقا كان أوديسيوس يعرف طرقا ~~كثيرة مريحة أكثر من سائر البشر، ولم يكن في مقدور أي إنسان أن ~~يتحداه. هكذا أخبرني فايدون Pheidon ~~، ملك الثيسبروتيين، بالقصة. كذلك، أقسم ~~أمامي، وهو يصب السكيبات في ساحاته، أن السفينة أنزلت إلى ~~البحر، وأن الرجال الذين كان عليهم أن يوصلوه إلى وطنه، كانوا على ~~أهبة الإبحار. أما أنا، فقد أرسلني أولا؛ إذ تصادف أن إحدى سفن ~~الثيسبروتيين كانت ذاهبة إلى دوليخيوم، الغنية بالقمح. وأراني جميع ~~الكنوز التي جمعها أوديسيوس، والحق يقال إنها تكفي لإطعام ذريته ~~من بعده إلى الجيل العاشر؛ إذ كانت الثروة المدخرة له في ساحات ~~الملك غاية في العظمة. ولكن أوديسيوس، هكذا قال الملك، ذهب إلى ~~دودونا ليستمع إلى إرادة زوس من شجرة البلوط الشامخة التي للرب ~~هناك، فيعرف كيف يمكنه أن يعود إلى وطنه بعد ذلك الغياب الطويل، ~~وهل يعود سرا أو جهرا. # وعلى ذلك، إنه، كما أخبرك، سالم، وسيأتي حالا؛ إنه قريب ~~جدا، ولن يمضي وقت طويل وهو بعيد عن أهله وعن وطنه. وزيادة على ~~ذلك، فسأقسم لك قسما. ليكن زوس شاهدي الأول، ذلك الرب الذي هو ~~أرفع وأحسن الآلهة، وموقد أوديسيوس النبيل الذي أجيء إليه، أن هذه ~~الأمور التي سأخبرك بها سوف، وايم الحق، تتم كما أخبرك. في خلال ~~هذا الشهر بالذات سيكون أوديسيوس هنا، بمجرد أن ms325 يأفل القمر القديم ~~ويظهر القمر الجديد.» # بينيلوبي تأمر بتكريم الشحاذ الغريب # عندئذ أجابته بينيلوبي الحكيمة، فقالت: «آه، أيها الغريب، ليت ~~كلمتك هذه تتحقق؛ عندئذ ستلقى مني عطفا بالغا وهدايا كثيرة، ~~حتى إن من يلقاك ليقول إنك محظوظ، ولكن قلبي يحدثني بأن هذا ~~سيكون؛ أن أوديسيوس لن يعود بعد الآن إلى بيته، ولن تحصل أنت على ~~من يوصلك من هنا إلى بلدك؛ حيث إنه لا يوجد بمنزله الآن رجال ~~سادة مثلما كان أوديسيوس وسط الرجال - فمما لا ريب فيه أنه كان ~~هناك مثل هذا الرجل - ليبعثوا بالغرباء الأمجاد إلى أوطانهم، ~~وليرحبوا بهم، ولكن بالرغم من ذلك، ستغسل وصيفاتي، أقدام ~~الغريب، ويعددن له فراشه - السرير والعبايات والأغطية اللامعة - ~~لكي يبلغ الفجر الذهبي العرش في دفء وراحة. وفي الصباح الباكر ~~يغسلنه ويدهنه، حتى يستطيع وهو في بيتنا إلى جوار تيليماخوس أن ~~يتناول الطعام وهو جالس في البهو. وسيكون وبالا على أي رجل منهم ~~أن يغيظ روح هذا الرجل ويسبب لها الألم؛ فلن يقوم بأي شيء هنا ~~بعد ذلك، مهما كان مبلغ غضبه عنيفا؛ لأنك سوف تعرف عني، أيها ~~الغريب، ما إذا كنت أتفوق على سائر السيدات الأخريات في الحصافة ~~وسداد الرأي، إذا ما جلست إلى مائدة الطعام في ساحاتي، غير ممشوط ~~الشعر ومرتديا ملابس حقيرة. إنما الرجال أعمارهم قصيرة، فإذا ما ~~كان أحدهم صارما هو نفسه، وكان ذا قلب صارم، إذن لأنزل عليه ~~جميع البشر المحن في المستقبل، وهو لا يزال على قيد الحياة، وعندما ~~يموت يسخر منه سائر الناس، أما إذا كان المرء خاليا من اللوم وذا ~~قلب لا غبار عليه، حمل الأغراب صيته بعيدا بين جميع الناس، ~~وقال عنه الكثيرون إنه رجل حقيقي.» # أوديسيوس يرفض ثم يقبل بشروط # عندئذ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، قائلا: «يا زوجة أوديسيوس ~~بن لايرتيس، المبجلة، الحق أن العباءات والأغطية اللامعة صارت ~~مقيتة إلى عيني، منذ اليوم الذي تركت ورائي فيه جبال كريت ~~الجليدية، عندما أبحرت على ظهر سفينتي ذات المجاذيف الطويلة. كلا، ~~إنني سأرقد كما تعودت ms326 أن أنام في الماضي خلال الليالي ~~المؤرقة؛ فكم من ليال قضيتها مسهدا على فراش قذر أنتظر ~~الفجر المتألق العرش. نعم، وكذلك حمامات الأقدام لا تدخل السرور ~~إلى قلبي، ولن تلمس أي فتاة قدمي من جميع خادماتك اللواتي في ~~ساحتك، إلا إذا كان هناك سيدة عجوز، مخلصة قاست في قلبها محنا ~~كثيرة كالتي قاسيتها؛ إذن فلن أمنع مثل هذه السيدة من أن تمس ~~قدمي.» # بينيلوبي تأمر يوروكليا بغسل قدمي الغريب # فأجابته ثانية بينيلوبي الحكيمة، وقالت: «أيها الغريب العزيز، ~~لم يحدث قط أن رجلا حازما مثلك، من أولئك الغرباء القادمين من ~~بلاد نائية، قد جاء إلى منزلي كضيف مرحب به أكثر من غيره، ~~وكانت كلماته جميعها حكيمة وحصيفة ككلماتك. عندي سيدة عجوز ذات ~~قلب مدرك في صدرها، قامت بتربية زوجي المسكين بكل محبة، وحملته ~~في ذراعيها يوم ولدته أمه. هذه ستغسل قدميك، رغم أن السن قد ~~أضعفها. تعالي الآن، يا يوروكليا الحكيمة، انهضي واغسلي قدمي رجل ~~من نفس عمر سيدك. وللمصادفة، أقدامه تشبه أقدام أوديسيوس، وكذا ~~يداه؛ إذ سرعان ما يشيخ الرجال من جراء الحظ الشرير.» # يوروكليا تستجيب لأمر سيدتها # قالت هذا، فأخفت السيدة العجوز وجهها في يديها وتركت الدموع ~~السواجم تتساقط، وهي تتحدث وسط النحيب، قائلة: ~~«ويحي! الويل لي، يا ولدي، لأنني لا أستطيع أن أعمل شيئا من ~~أجلك. حقا إن زوس ليمقتك أكثر من سائر البشر، رغم أن لك قلبا ~~يخاف الرب؛ إذ لم يسبق قط أن أحرق أي إنسان، لزوس، الذي يقذف ~~الصاعقة، قطعا من الفخاذ الدسمة العديدة أو كثيرا من الذبائح ~~المئوية المنتقاة كما فعلت أنت له، مع توسلاتك بأن تبلغ ~~الشيخوخة الناعمة وتربي ابنك المجيد، ولكن للعجب، وقد منع ~~عنك أنت وحدك يوم عودتك كلية. هكذا، كما أعتقد، طفقت النسوة ~~يسخرن منه أيضا، # 9 # في بلد غريب بعيد، عندما جاء إلى منزل رجل مجيد، كما ~~يسخر منك هنا جميع هؤلاء المخلوقات العديمي الحياء؛ فإنك لتتحاشى ~~الإهانة منهن الآن، وتجتنب تعنيفاتهن الكثيرة، لم تسمح لهن بأن ~~يغسلن لك ms327 قدميك، أما أنا، التي ليست شيئا متذمرا، فقد ~~أمرتني، بينيلوبي الحكيمة، ابنة إيكاريوس، بأن أغسل لك قدميك؛ ~~وعلى ذلك سأغسلهما، إكراما لخاطر بينيلوبي وخاطرك؛ لأن الأحزان ~~تثير قلبي في داخلي. والآن، هيا استمع إلى ما سأقوله لك. إن غرباء ~~كثيرين مثقلين بالمحن قد جاءوا إلى هنا، ولكني أعلن أنني لم أر ~~قط رجلا من قبل يشبه غيره مثلما تشبه أنت أوديسيوس، شكلا ~~وصوتا، وأقداما.» # فأجابها أوديسيوس الكثير الحيل، قائلا: «يا سيدتي العجوز، هكذا ~~قال سائر من وقعت عيونهم علينا؛ إذ قرروا أنني وأوديسيوس ~~يشبه أحدنا الآخر، تمام الشبه، كما لاحظت أنت وقلت.» # يوروكليا تحكي طرفا عن طفولة أوديسيوس # هكذا تكلم، فتناولت السيدة العجوز القدر اللامعة المملوءة ~~بالماء الذي ستغسل منه قدميه، فسكبت كمية وافرة من الماء ~~البارد، وأضافت إليه ماء دافئا، ولكن أوديسيوس جلس بعيدا عن ~~الموقد وأسرع فاستدار نحو الظلام؛ لأنه أحس في قلبه في الحال ~~إحساسا ينبئ بما سيحدث، أنها، وهي تلمسه، قد تلاحظ علامة، ~~وتنجلي الحقيقة. وعندئذ اقتربت منه وبدأت تغسل قدمي سيدها، ~~ولكنها في الحال عرفت الجرح الذي من زمن بعيد أصابه به خنزير ~~بري بنابه الأبيض، عندما ذهب أوديسيوس إلى بارناسوس Parnassus # 10 # لزيارة أوتولوكوس # Autolycus # 11 # وأبناء أوتولوكوس، أبي أمه النبيل، الذي كان يفوق سائر ~~الرجال في السرقة وفي حلف اليمين. إنه الإله هيرميس الذي أعطاه ~~بنفسه هذه المهارة، إذ كان من عادته أن يحرق له ذبائح مقبولة من ~~فخاذ الحملان والجداء؛ ومن ثم صادقه هيرميس بقلب خالص. وذات ~~مرة عندما جاء أوتولوكوس، إلى أرض إيثاكا الخصبة، وجد ابن ابنته ~~طفلا حديث المولد، وبينما كان يتناول عشاءه؛ وضعت يوروكليا ~~الطفل فوق ركبتيه، وتكلمت، وخاطبته، بقولها: ~~«أيا أوتولوكوس، أوجد بنفسك الآن اسما لتطلقه على ابنك الذي ~~أنجبته من صلبك؛ وثق بأنه قد صلى من أجله طويلا.» # عندئذ أجابها أوتولوكوس، وقال: «إن زوج ابنتي وابنتي، سيعطيانه ~~أي اسم أقوله. وبما أنني قد جئت إلى هنا كشخص غاضب من كثيرين، ~~من الرجال والنساء، الذين يعيشون فوق ظهر ms328 الأرض المثمرة؛ وعلى ذلك ~~فليكن الاسم الذي نطلقه على الطفل هو أوديسيوس. # 12 # أما أنا، فعندما يترعرع الطفل ويبلغ مبالغ الرجال ~~ويصل إلى البيت العظيم لقريب أمه في بارناسوس، حيث توجد ممتلكاتي ~~فسوف أمنحه منها وأرسله في طريقه مغتبطا.» # لذلك جاء أوديسيوس، كي يعطيه أوتولوكوس الهدايا الرائعة، فرحب ~~به أوتولوكوس وأبناء أوتولوكوس وأمسكوا يديه وحيوه بكلمات ~~رقيقة، وأخذت أمفيثيا # Amphithea ~~، ~~والدة أمه، أوديسيوس في ساعديها وقبلت رأسه وكلتا عينيه ~~الجميلتين. أما أوتولوكوس فأمر أبناءه الأمجاد بإعداد الطعام، ~~فلبوا أمره. وفي الحال أحضروا ثورا، عمره خمس سنوات، وسلخوه ~~ونظفوه وقطعوا جميع أطرافه. وبعد ذلك قطعوا تلك الأجزاء ~~بمهارة إلى شرائح، وغرسوا فيها السفافيد، وشووها ببراعة ووزعوا ~~القطع؛ ومن ثم، ظلوا يولمون، طوال اليوم كله حتى مغرب ~~الشمس، ولم ينقص قلوبهم شيء من الوليمة العادلة. وعندما غربت ~~الشمس وخيم الظلام رقدوا ليستريحوا وأخذوا نعمة النوم. # وما كاد يلوح الفجر الباكر، ~~ذو الأنامل الوردية، حتى خرجوا للصيد، الكلاب وأبناء أوتولوكوس ~~أيضا، وذهب معهم أوديسيوس العظيم، فتسلقوا جبل بارناسوس الشاهق، ~~الذي تكسوه الغابات، وسرعان ما بلغوا مغاراته ذات الرياح. كانت ~~الشمس وقتئذ ترسل أشعتها على الحقول، وهي تبزغ من أوقيانوس # Oceanus # 13 # الرقيق الجريان العميق التدفق، عندما وصل الصيادون ~~إلى أحد الممرات. وكانت الكلاب في المقدمة، تشم الأثر، ومن خلفها ~~أبناء أوتولوكس يتوسطهم أوديسيوس العظيم، مقتربا في أعقاب ~~الكلاب مباشرة، يلوح برمحه الطويل، وكان هناك يرقبه خنزير بري ~~يرقد في مكمن كثيف الأحراش لدرجة أن قوة الرياح البليلة لا تستطيع ~~أن تهب خلاله ولا يمكن لأشعة الشمس المتألقة أن تنفذ داخله، ~~وليس في مقدور المطر أن يشق طريقه إليه؛ إذ كان كثيفا جدا، ~~وكان هناك كثير من أوراق الشجر المتساقطة بكمية كبيرة. ارتفع ~~ضجيج أقدام الرجال والكلاب حول الخنزير وهي تهجم في المطاردة، ~~فاندفع هو من مكمنه خارجا نحوهم بظهر كث الشعر وعينين تقدحان ~~نارا، ثم وقف أمامهم هناك عن كثب؛ عندئذ كان أوديسيوس أول من ~~هجم عليه، شاهرا رمحه الطويل في يده القوية، ms329 قاصدا إصابته، بيد ~~أن الخنزير كان أسرع منه، إذ عاجله بضربة فوق ركبته، منقضا عليه ~~من الجنب، فأحدث بنابه جرحا طويلا في لحمه، ولكنه لم يصل إلى عظم ~~الرجل، ولكن أوديسيوس أصابه بضربة محكمة فوق كتفه اليمنى، فمزق ~~طرف الرمح اللامع إلى الداخل تماما، وسقط الخنزير في التراب يصرخ، ~~وهربت منه روحه. بعد ذلك انهمك أبناء أوتولوكوس الأعزاء بجثة ~~الخنزير، وأما جرح أوديسيوس النبيل الشبيه بالإله فقد ضمدوه ~~ببراعة، وأوقفوا الدم الأسود بتعويذة، ثم أسرعوا في الحال عائدين ~~إلى منزل أبيهم العزيز. ولما عالجه أوتولوكوس وأبناء أوتولوكوس ~~حتى شفي تماما، وأعطوه هدايا رائعة، أرسلوه بسرعة عائدا إلى ~~وطنه مسرورا، إلى إيثاكا؛ عندئذ اغتبط أبوه وأمه المبجلة ~~لعودته، واستعلما منه عن القصة كلها، كيف أصيب بذلك الجرح؛ ~~فأخبرهما بالحقيقة كاملة، كيف، وهو يصطاد، ضربه خنزير بري بنابه ~~الأبيض عندما ذهب إلى بارناسوس مع أبناء أوتولوكوس. # يوروكليا تتعرف على أوديسيوس من جرح بساقه # عرفت السيدة العجوز هذه العلامة، عندما أمسكت ساقه في راحتي ~~يديها، باللمس، فتركت قدمه تسقط. وقعت الساق في الطست، فرن ~~الوعاء البرونزي، ومال على الأرض، وانسكب الماء فوق الأرض. وبعد ~~ذلك شمل روحها السرور والحزن في لحظة واحدة، واغرورقت عيناها ~~بالدموع وانحبس صوتها. ولكنها أمسكت ذقن أوديسيوس، وقالت: ~~«حقا إنك أوديسيوس، أيها الطفل العزيز، ولم أعرفك، إلا بعد أن ~~تحسست بدن سيدي كله.» # أوديسيوس يأمر يوروكليا بالسكوت # قالت هذا، وتطلعت إلى بينيلوبي بعينيها، تريد أن تظهر لها ~~أن زوجها العزيز بالبيت. غير أن عين بينيلوبي لم تستطع أن تلتقي ~~بنظرتها ولم تفهمها؛ لأن أثينا حولت تفكيرها إلى ناحية أخرى. ~~أما أوديسيوس، فتحسس حلق المرأة، وأمسكه بيده اليمنى، وباليد ~~الأخرى سحبها قريبا منه، وقال: ~~«أماه، لماذا ترغبين في تحطيمي؟ لقد ربيتني بنفسك على صدرك هذا، ~~والآن بعد أن كابدت متاعب محزنة جمة. قد جئت في السنة العشرين ~~إلى وطني. وطالما أنك قد عثرت علي، ووضع إله هذا في قلبك، ~~فسكات لئلا يعلم بذلك أي شخص آخر في الساحات؛ لأن ما ms330 سأقوله لك، ~~هو ما سيحدث فعلا. إذا أخضع أحد الآلهة المغازلين السادة إلى ~~سيطرتي، فلن أعتقك، بالرغم من أنك مربيتي، عندما أقتل الخادمات ~~الأخريات في ساحاتي.» # يوروكليا تعد أوديسيوس بكتمان السر # ما إن قال هذا، حتى أجابته يوروكليا الحكيمة، بقولها: «أي بني، ~~ما هذه العبارة التي فلتت من بين حاجز أسنانك! إنك تعرف مدى ثبات ~~روحي وعدم استسلامي. سأكتم الأمر أشبه بالصخر الجلمود أو الحديد. ~~وسأخبرك بأمر آخر يجب أن تضعه في قلبك. إذا أخضع لك أحد الآلهة ~~السادة المغازلين، فهل لي عندئذ أن أذكر لك أسماء النساء اللواتي ~~في ساحاتك، وأخبرك بأيهن لا يخلصن لك، وأيهن البريئات؟» # فأجابها أوديسيوس الكثير الحيل، قائلا: «يا أماه، لماذا، بربك، ~~تخبرينني بهن؟ لا حاجة بك إلى ذلك إطلاقا. سوف أتبينهن من ~~تلقاء نفسي جيدا، وسأعرف كل واحدة منهن. كلا، احتفظي بالأمر ~~لنفسك، واتركي النتيجة للآلهة.» # هكذا تكلم، وخرجت السيدة العجوز عبر البهو لتحضر الماء ~~لقدميه؛ إذ انسكب الماء الأول كله. وبعد أن غسلته، ودهنته ~~جيدا بالزيت، سحب أوديسيوس كرسيه من جديد واقترب أكثر من النار ~~ليدفئ نفسه، وأخفى أثر الجرح بأسماله. # بينيلوبي تطلب من الغريب تفسيرا لحلم رأته # كانت بينيلوبي الحكيمة أول ~~من تكلم، فقالت: «أيها الغريب، سأسألك هذا السؤال البسيط بالإضافة ~~إلى ما سبق؛ لأنه سرعان ما ستحين ساعة الراحة اللذيذة، على الأقل ~~لمن يحط عليه النوم اللذيذ رغم يقظته. أما أنا فقد أعطاني رب ~~حزنا يفوق الحد؛ إذ أجد مسرتي يوما بعد يوم في الحزن ~~والبكاء، بينما أشرف على أعمالي المنزلية وأعمال نسائي في المنزل، ~~حتى إذا ما أقبل الليل وسيطر النوم على الجميع، استلقيت على ~~فراشي، فتتزاحم الهموم الحادة حول قلبي الخافق، وتقلق راحتي، ~~بينما أبكي. وكما تغني بصوتها الرخيم ابنة بانداريوس Pandareus ~~، # 14 # عندليب الغابة الخضراء، # 15 # عندما يهل الربيع حديثا، فتحط جالسة على أفنان الشجر ~~الكثيف الأوراق، وبأنغام كثيرة متذبذبة تطلق صوتها العذب ~~منتحبة على صغيرها إيتولوس # Itylus # 16 # العزيز، الذي قتلته ذات يوم بالسيف عن غير قصد، ms331 ~~إيتوليوس، ابن الملك زيثوس # Zethus ~~؛ # 17 # هكذا يتأرجح قلبي إلى هذا الجانب وذاك في ارتياب، لست ~~أدري هل أبقى مع ابني واحتفظ بكل شيء سالما، ممتلكاتي، وعبيدي، ~~ومنزلي الرائع، المرتفع السقف، محترمة فراش زوجي وصوت الشعب، أم ~~أذهب الآن مع من يكون خير الآخيين، ممن يغازلونني في الساحة، ~~ويقدم لي هدايا زواج تفوق الحصر. هذا فضلا عن أن ابني، عندما ~~كان طفلا ضعيف الإدراك، لم يسمح لي بالزواج وترك منزل زوجي، أما ~~الآن فقد كبر وبلغ مبالغ الرجال، والعجيب، إنه أيضا يرجوني في أن ~~أغادر هذه الساحات، وقد غاظه أن الآخيين يلتهمون أمواله على حسابه، ~~ولكن، هيا، اسمع الآن هذا الحلم الذي رأيته، وفسره لي. لدي ~~بمنزلي عشرون إوزة تعود من الماء وتأكل القمح، فيمتلئ قلبي ~~سرورا وأنا أراقبها. بيد أنه خرج من الجبل نسر ضخم معقوف ~~المنقار وكسر جميع أعناقها وقتلها، فتناثرت ملقاة على أرض ~~الساحة في كومة، بينما صعد هو مرتفعا إلى السماء اللامعة. أما ~~أنا فبكيت وأعولت، بالرغم من كونه حلما، فاجتمعت النسوة ~~الآخيات الجميلات الغدائر حولي، وأنا مكتئبة حزنا على إوزاتي ~~التي قتلها النسر، ثم عاد من جديد وحط على إحدى كتل السقف ~~البارزة، وتكلم بصوت البشر ومنعني من البكاء، قائلا: ~~«ابتهجي، يا ابنة إيكاريوس الذائع الصيت؛ ما هذا بحلم، بل رؤيا ~~صادقة لخير سوف يتحقق أكيدا. إن الإوزات هي المغازلون، وأنا ~~الذي كنت فيما مضى نسرا، قد عدت الآن ثانية كزوجك، الذي سوف ~~يطلق مصيرا قاسيا على جميع المغازلين.» # هكذا تكلم، وحررني النوم اللذيذ، ولما تطلعت حولي أبصرت ~~الإوز في ساحاتي، يلتقط القمح بجوار الحوض، الذي تعود أن يأكل ~~منه من قبل.» # بعدئذ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، قائلا: «سيدتي، يستحيل أن ~~يكون في الإمكان إهمال هذا الحلم وتأويله بمعنى آخر، ما دام ~~أوديسيوس نفسه قد أوضح لك حقيقة كيف سيحققه؛ لأن هلاك المغازلين ~~أمر جلي، للجميع؛ فلن ينجو واحد منهم من الموت والأقدار.» # بينيلوبي تكشف للغريب بعض نواياها # فأجابته ثانية بينيلوبي الحكيمة، وقالت: «أيها الغريب، ms332 الحق أن ~~الأحلام غامضة محيرة وغير واضحة المعنى، ولا تتحقق في جميع ~~الأمور للبشر بأية حال من الأحوال؛ لأن أبواب الأحلام الخيالية ~~اثنان، أحدهما مصنوع من مادة القرون والآخر من العاج، فالأحلام ~~التي تمر خلال الباب المصنوع من العاج المقطوع بالمنشار تخدع ~~الناس، وتتضمن ألفاظا لا سبيل إلى تحقيقها. أما تلك التي تنطلق ~~عبر البوابة المصنوعة من مادة القرون المصقولة فتأتي بنتائج ~~صحيحة تتحقق، متى رآها أي فرد من البشر. أما في حالتي هذه، فحسب ~~اعتقادي، لم يأت حلمي الغريب من هناك. وإلا كان عندئذ موضع ~~ترحيبي وترحيب ابني، ولكن هناك شيئا آخر سأخبرك به. وهل لك أن ~~تحتفظ به في قلبك؟ الآن أيضا سيأتي هذا الصباح ذو الاسم الشرير ~~الذي يفصلني عن منزل أوديسيوس؛ لأنني عندئذ سأعين للمباراة تلك ~~الفئوس التي اعتاد أن يضعها في خط مستقيم في ساحاته، كما لو كانت ~~عوارض سفينة في سبيل البناء، اثنتي عشرة فأسا في مجموعها، وكان ~~يقف بعيدا ويطلق سهما خلالها. # 18 # إذن سأقيم هذه المباراة اليوم أمام المغازلين: ومن ~~يستطيع أن يضع الوتر بسهولة في القوس بيديه، ويطلق سهما خلال ~~الفئوس الاثنتي عشرة، فسأذهب معه وأهجر هذا المنزل، منزل حياتي ~~الزوجية، وإنه لبيت في غاية الروعة والجمال وحافل بالرزق، الذي، ~~كما أعتقد، سوف أتذكره باستمرار حتى في أحلامي.» # بعدئذ أجابها أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «يا زوجة أوديسيوس ~~بن لايرتيس، المبجلة، اليوم سوف تقيمين هذه المباراة في ساحاتك؛ ~~لأنه، كما أخبرك، سيكون أوديسيوس الكثير الحيل هنا، قبل أن ~~يتمكن هؤلاء الرجال، من وضع الوتر في هذه القوس المصقولة، ~~وإطلاق سهم خلال الحديد.» # بينيلوبي تنصرف مع وصيفاتها بغية النوم # فردت عليه بينيلوبي الحكيمة بعد ذلك، قائلة: «إذا رغبت، أيها ~~الغريب، في أن تجلس ها هنا في ساحاتي، وتدخل السرور إلى نفسي، فإن ~~النوم لن ينسكب إطلاقا فوق جفني. بيد أنه ليس من المستطاع أبدا ~~أن يستغني البشر عن النوم باستمرار؛ إذ عين الخالدون وقتا ~~مناسبا لكل شيء على الأرض، مانحة الغلال. أما أنا ms333 فسأذهب حقا ~~إلى مقصورتي العليا وأرقد فوق سريري، الذي غدا لي فراش النحيب، ~~أبلله دائما بدموعي، منذ اليوم الذي رحل فيه أوديسيوس ليرى ~~إليوس اللعينة، التي لا يجب على المرء أن يذكر اسمها على الإطلاق. ~~سأرقد هناك، أما أنت فهل لك أن ترقد هنا في الساحة، ما دمت قد ~~أعددت فراشا فوق الأرض؟ أو دع الإماء يقمن لك فراشا.» # ما إن قالت هذا، حتى صعدت إلى مقصورتها العليا المتألقة. ولم ~~تذهب بمفردها؛ لأن الخادمات ذهبن معها أيضا. وبعد أن صعدت إلى ~~مقصورتها العليا مع خادماتها، شرعت تبكي حزنا على أوديسيوس، ~~زوجها العزيز إلى أن ألقت أثينا، ذات العينين النجلاوين، النوم ~~اللذيذ على جفنيها. # | الأنشودة العشرون # وخرج تيليماخوس عبر الساحة ~~يمسك رمحه في يده، ويتبعه كلبا صيد سريعان. # أوديسيوس يستعصي عليه النوم # أما أوديسيوس العظيم فرقد في ساحة البيت الأمامية لينام، فبسط ~~فوق الأرض جلد ثور غير مدبوغ وفوقه كثير من فراء الأغنام، التي ~~كان من عادة الآخيين أن يذبحوها، وألقت يورونومي فوقه عباءة، بعد ~~أن رقد. استلقى أوديسيوس هناك ولكن النوم لم يقترب من جفنيه، بل ~~بقي يفكر شرا في قلبه للمغازلين. وخرجت النساء من الساحة، ~~أولئك اللواتي اعتدن من قبل أن يجلسن مع المغازلين، يرفهن عنهم ~~بالضحك والمرح، فتحركت الحمية في قلبه داخل صدره، وكثيرا ما ~~تنازع في عقله وقلبه أمران، هل يهجم عليهن ويكيل الموت لكل واحدة، ~~أم يسمح لهن بالبقاء مع المغازلين الوقحين للمرة الأخيرة، وأخذ ~~قلبه يهر في داخله. وكما تقف الكلبة على جرائها الغضة، ~~وتهر عندما ترى إنسانا لا تعرفه، وتتحرق إلى القتال، هكذا أيضا ~~هر قلبه في باطنه غاضبا من أعمالهن الشريرة؛ ولكنه ضرب صدره، ~~ونهر قلبه، قائلا: ~~«تحمل، يا قلبي، لقد تحملت شيئا أسوأ من هذا في ذلك اليوم ~~الذي التهم فيه الكوكلوبس الذي لا حد لجرأته، زملائي الأشداء، وقد ~~تحملت إلى أن أخرجتك الحيلة من الكهف الذي ظننت أنك ستلقى ~~فيه حتفك.» # أوديسيوس يشكو لأثينا همومه # هكذا تكلم، مؤنبا قلبه الكائن في ms334 صدره، وبقي قلبه مكبولا في ~~باطنه ليتحمل بثبات، أما هو نفسه فقد رقد يتقلب على هذا الجانب ~~وذاك. وكما يحرك المرء كتلة من الدهن والدم أمام نار كبيرة ~~تلتهب في سرعة، إلى هذا الجانب وذاك، وهو يتوق إلى أن يشويها ~~بسرعة، هكذا أيضا راح أوديسيوس يتحرك من جنب إلى جنب، يفكر في ~~عقله كيف يستطيع أن يضع يديه على المغازلين المتبجحين، رجل واحد ~~بمفرده ضد جمع غفير كهذا. بعد ذلك هبطت أثينا من السماء واقتربت ~~منه في صورة امرأة، ووقفت بجانب رأسه، وتحدثت إليه، ~~قائلة: ~~«لم أنت متيقظ الآن ثانية، أيها الرجل المنكود الحظ أكثر من ~~سائر النساء؟ ويحك! ها بيتك، وهنا في داخله زوجتك وابنك، وإنه ~~لرجل، كما أعتقد، كذلك الابن الذي يصلي كل رجل ليكون له ابن ~~مثله.» # فأجابها أوديسيوس الكثير الحيل، وقال: «نعم، أيتها الربة، إن كل ~~ما قلته لهو عين الصدق، ولكن قلبي في صدري يفكر في الكيفية، التي ~~أستطيع بها أن أضع يدي على المغازلين الذين لا يخشون العار، أنا ~~وحدي كما ترين، بينما هم عصبة في المنزل دائما. وفضلا عن هذا، ~~فهناك أمر أشد عناء يشغل بالي؛ فحتى لو تمكنت من قتلهم ~~بإرادة زوس وإرادتك، فكيف أنجو بعدئذ من الأذى؟ إنني أطلب منك أن ~~تلاحظي هذا.» # أثينا تجلب النوم اللذيذ على أوديسيوس # بعد ذلك أجابته الربة، أثينا المتألقة العينين، بقولها: «أيها ~~العنيد، كثير من الرجال يضعون ثقتهم حتى في صديق أضعف مني، في ~~رجل من البشر، ليس له من الحكمة مثل حكمتي، أما أنا فربة، ~~أحرسك في جميع أعمالك حتى النهاية. وإنني لأخبرك بصراحة، فحتى لو ~~اجتمع حولنا خمسون عصبة من الرجال، يريدون قتالنا في معركة، وحتى ~~لو كانت معهم ماشيتهم وكباشهم الضخمة، لأمكنك أن تدفعهم جميعا ~~وتقهرهم. كلا، دع النوم يحل عليك الآن. كما أن هناك تعبا في ~~بقائك مستيقظا طوال الليل كله، ومع ذلك فحتى الآن سوف تخرج من ~~مخاطرك.» # هكذا تكلمت، وسكبت النوم فوق جفنيه، أما الربة الفاتنة ~~نفسها، فعادت إلى ms335 أوليمبوس. # وصيفة بينيلوبي تصلي لأرتيميس # وبينما هو نائم ملء جفنيه، يخفف النوم هموم قلبه، ذلك النوم ~~الذي يرخي أطراف البشر، استيقظت زوجته الصادقة القلب، فبكت، وهي ~~جالسة على فراشها الوثير، فلما بكت ما شاء أن تبكي، صلت أجمل سائر ~~السيدات، أولا لأرتيميس، فقالت: ~~«أي أرتيميس، أيتها الربة الشديدة البأس، يا ابنة زوس، ليتك ~~الآن تثبتين سهمك في صدري وتسلبينني حياتي في هذه الساعة؛ أو أن ~~ريحا عاتية تأتي وتحملني من هنا فوق الطرق الداجية، وتقذف بي ~~هناك بعيدا عند مصب أوقيانوس المتدفق الجريان إلى الحلف، كما ~~حدث تماما في وقت ما إن حملت الرياح القوية بنات بانداريوس Pandareus ~~. # 1 # فقد قتلت الآلهة أبوهن، وتركن يتيمات في الساحات، ~~فأمدتهن أفروديتي الجميلة بالجبن، والعسل الحلو، والخمر ~~اللذيذة. وأعطتهن هيري الجمال والحكمة أكثر من سائر النساء، ~~ومنحتهن أرتيميس الطاهرة قواما، وعلمتهن أثينا المهارة في ~~الأشغال اليدوية. غير أنه بينما كانت أفروديتي الجميلة صاعدة إلى ~~أوليمبوس الشاهق لتطلب إتمام زواج العذارى السعيد - ذاهبة إلى زوس ~~الذي يقذف الصاعقة، لأنه يعرف كل شيء حق المعرفة، مما فيه سعادة ~~وشقاء البشر - كانت أرواح العاصفة الهوجاء قد خطفت الفتيات ~~وسلمتهن إلى الإرينويس # Erinyes # 2 # المقيتات ليكن خادمات لهن. ليت أولئك الذين لهم ~~مساكن فوق أوليمبوس يطمسونني كذلك من أمام الأنظار، أو أن أرتيميس ~~ذات الأثواب الجميلة تضربني، حتى أمر تحت الأرض البغيضة ~~وأوديسيوس في مخيلتي، بدلا من أن أبهج قلب رجل وضيع، بأية ~~حال من الأحوال. ومع ذلك فإذا ما بكى المرء نهارا بقلب مفعم ~~بالقنوط، ثم حط عليه النوم ليلا، جلب هذا معه شرا يستطيع ~~احتماله تماما - لأن النوم ينسي المرء كل شيء، الخير والشر، ~~بمجرد أن يرخي الأجفان - بيد أن أحد الأرباب يرسل إلي أحلاما ~~شريرة أيضا. كما أن هذه الليلة رقد إلى جانبي شخص يشبهه، تمام ~~الشبه، عندما رحل مع الجيش، فسر قلبي، لأنني ظننت أني لم أكن ~~حالمة، غير أن الحقيقة تجلت في النهاية.» # أوديسيوس يستيقظ ثم يصلي لزوس # هكذا تكلمت، وبسرعة أقبل ms336 الفجر ذو العرش الذهبي وما إن بكت ~~حتى سمع أوديسيوس العظيم صوتها، وتناوبته الأفكار في الحال، وبدا ~~لقلبه أنها تعرفه وأنها كانت تقف إلى جانب رأسه. وبعد ذلك حمل ~~العباءة والفراء التي كان يرقد عليها ووضعها في الساحة فوق ~~كرسي، أما جلد الثور فوضعه خارج الأبواب؛ ثم رفع يديه وصلى ~~لزوس، قائلا: ~~«أبتاه زوس، إذا كنتم، أيها الآلهة، قد أحضرتموني إلى وطني ~~عبر البر والبحر عن طيب خاطر، بعد أن أذقتموني العذاب الشديد، ~~فلتجعلوا أحدا في الداخل يحدثني بفأل، وليظهر زوس علامة في ~~الخارج أيضا.» # زوس يرعد وامرأة تتنبأ # هكذا قال في صلاته، وسمعه زوس المستشار. وفي الحال أرعد من ~~أوليمبوس البراق، من العلا من داخل السحب، فسر أوديسيوس ~~العظيم. كما أن امرأة كانت تطحن في طاحونة، داخل المنزل القريب، ~~فنطقت بكلمة نبوءة في المنزل الذي فيه طواحين راعي الشعب. وكان من ~~عادة اثنتي عشرة امرأة أن يقمن بأعمالهن عند هذه الطواحين، يصنعن ~~دقيقا من الشعير والقمح، الذي هو نخاع البشر. وكانت الأخريات ~~نائمات في ذلك الوقت؛ إذ كن قد طحن قمحهن، أما هي فلم تكن قد ~~انتهت من الطحين لأنها كانت أضعفهن جميعا. لقد أوقفت طاحونتها ~~الآن، وتنبأت بكلمة، فأل لسيدها، فقالت: ~~«أبي زوس، أيها السيد على الآلهة والبشر، حقا لقد أرعدت ~~عاليا من السماء ذات النجوم، ومع ذلك فلا يوجد في أي مكان سحب ~~ما؛ حقا إن هذه العلامة تبديها لامرئ ما. إذن فلتحقق لي الآن ~~أيضا، أنا التعيسة ما سأطلبه. ليت المغازلين يقيمون اليوم لآخر ~~مرة ولائمهم السارة في ساحات أوديسيوس، أولئك الذين أنهكوا أطرافي ~~بالعمل الشاق، وأنا أطحن لهم دقيق الشعير، وليت عشاء اليوم يكون ~~عشاءهم الأخير .» # هكذا تكلمت، وسر أوديسيوس العظيم من ذلك الفأل ومن رعد زوس؛ ~~لأنه اعتقد أنه قد نال الانتقام من المذنبين. # تيليماخوس يسأل يوروكليا عن الغريب # في تلك الآونة اجتمعت النساء الأخريات في قصر أوديسيوس الجميل، ~~وكن يشعلن نارا لا تكف فوق الموقد. وينهض تيليماخوس من فراشه، ~~أشبه بالإله، وارتدى ملابسه. ms337 وعلق سيفه على كتفه، ولبس صندله ~~البديع في قدميه البراقتين؛ وتناول رمحه القوي المدبب ~~بالبرونز الحاد، وذهب ووقف عند العتبة، وتحدث إلى يوروكليا، ~~قائلا: ~~«أي مربيتي العزيزة، هل أكرمت الغريب في منزلنا بفراش وطعام، ~~أم هل رقد دون أن يهتم به أحد قط؟ لأن هذه هي عادة أمي، بالرغم ~~من كونها حكيمة؛ تكرم واحدا من البشر بطريقة عجيبة، وإن كان ~~أردأهم، بينما تترك أفضلهم بعيدا دون تكريم.» # عندئذ أجابته يوروكليا الحكيمة، بقولها: «لا يجب عليك أن تلومها ~~في هذا الشأن، يا ولدي؛ فلا لوم عليها. لقد جلس هنا وشرب خمرا ما ~~شاء له أن يشرب. وأما من حيث الطعام فقد قال إنه لا يحس بالجوع؛ ~~إذ سألته، ولكنه أراد أن يرتاح وينام؛ ولذلك أمرت الخادمات بأن ~~يعددن له فراشة. بيد أنه، كشخص بالغ البؤس واليأس، ما كان ~~لينام على فراش وتحت أغطية، بل نام على جلد ثور غير مدبوغ ~~وفراء أغنام في الساحة الأمامية، فوضعنا فوقه عباءة.» # تيليماخوس ينطلق إلى مكان الاجتماع # قالت هذا، وخرج تيليماخوس عبر الساحة يمسك رمحه في يده، ويتبعه ~~كلبا صيد سريعان، فانطلق في طريقه إلى مكان الاجتماع لينضم إلى ~~حشد الآخيين المدرعين جيدا، أما السيدة العظيمة، يوروكليا ابنة ~~أوبس # Ops ~~، # 3 # ابن بايسينور # peisenor ~~، فنادت وصيفاتها، وقالت لهن: ~~«هيا، ليكنس بعضكن الساحة باعتناء ويرشها بالماء، ولتضعن ~~أغطية من الأرجوان فوق المقاعد الفاخرة، ولتمسح أخريات جميع ~~الأخونة بالإسفنج وتنظفن طاسات المزج والأقداح المزدوجة الجيدة ~~الصنع، ولتذهب أخريات إلى النبع لإحضار الماء بسرعة إلى هنا؛ فلن ~~يغيب المغازلون طويلا عن الساحة، بل سيعودون مبكرا جدا؛ لأن ~~هذا يوم عيد لجميع البشر.» # ما إن قالت هذا، حتى صدعن بالأمر في الحال وأطعن . وذهبت عشرون ~~خادمة منهن إلى نبع الماء المظلم، بينما انهمكت أخريات هناك في ~~المنزل بمهارة. # أوديسيوس ويومايوس يتبادلان الحديث # بعد ذلك دخل خدم الآخيين، الذين شقوا فيما بعد كتلا من ~~الخشب ببراعة، وعادت النسوة من النبع، ثم جاء راعي الخنازير، يسوق ~~ثلاثة خنازير كانت خير ما ms338 في قطيعه كله، فتركها تأكل في الأفنية ~~الجميلة، أما هو فتحدث إلى أوديسيوس بكلمات رقيقة، فقال: ~~«أيها الغريب، هل أبدى لك الآخيون إجلالا أعظم، أم أنهم لم ~~يحترموك في الساحات كما فعلوا من قبل؟» # فأجابه أوديسيوس الكثير الحيل، وقال: «آه، يا يومايوس، أتمنى أن ~~تنتقم الآلهة لانتهاك الحرمات، الذي يقوم به أولئك الرجال في ~~فجورهم بحماقة شريرة، في منزل رجل آخر، غير مرتدعين.» # ميلانثيوس يخاطب أوديسيوس بكلمات التحقير # هكذا أخذ يتحدث كل منهما إلى الآخر، فاقترب منهما ميلانثيوس ~~راعي المعيز، يقود نعجات هي خير ما في القطعان، ليقيم وليمة ~~للمغازلين، يتبعه راعيان، فساق المعيز وربطها تحت الرواق الفسيح، ~~وخاطب هو نفسه أوديسيوس بكلمات التحقير، قائلا: ~~«أيها الغريب، هل ستبقى حتى الآن وباء علينا في هذه الساحة، ~~تستجدي أكف الرجال، ولا تنصرف؟ من الجلي، على ما أعتقد، أننا نحن ~~الاثنين لن نفترق إلا بعد أن يكيل كل واحد منا اللكمات للآخر؛ ~~فليس تسولك متزنا قط. كما أن ولائم الآخيين ليست في هذا ~~المكان.» # قال هذا، غير أن أوديسيوس الكثير الحيل لم يرد عليه، بل هز ~~رأسه في صمت، منتويا للشر في أعماق قلبه. # فيلويتيوس يتحدث إلى كل من يومايوس وأوديسوس # وإلى هذين انضم رجل ثالث، هو فيلويتيوس Philoetius # قائد البشر، يقود للمغازلين عجلة بكرا ~~ونعاجا سمينة. أحضر هذه من البلاد، البحارة، الذين ينقلون ~~الرجال الآخرين، أيضا، كل من جاء إليهم، إلى حيث يريدون، فساق ~~الحيوانات وربطها بعناية تحت الرواق الفسيح، أما هو نفسه فاقترب ~~من راعي الخنازير وسأله، قائلا: ~~«من هذا الغريب، يا راعي الخنازير، الذي قدم حديثا إلى ~~منزلنا؟ من أي الأقوام يعلن أنه انحدر؟ أين يوجد أهله وحقول ~~وطنه؟ يا له من بائس! ورغم هذا فحقا إنه ليشبه في هيئته أميرا ~~ملكيا. ومع ذلك فإن الآلهة تدفع إلى الشقاء رجالا يتجولون إلى ~~جهات نائية، كلما حاكوا لهم خيوط الإزعاج، حتى ولو كانوا ~~ملوكا.» # بهذا اقترب من أوديسيوس، ومد إليه يده اليمنى مصافحا، وتحدث ~~إليه بكلمات مجنحة، قائلا: ~~«مرحبا بك، ms339 أيها السيد ~~الغريب، أتمنى لك حظا سعيدا في المستقبل، رغم كونك الآن غرضا ~~لكثير من السهام! أبتاه زوس، ما من إله آخر أكثر منك أذى، إنك لا ~~تكن للبشر أية رحمة عندما أعطيتهم الميلاد بنفسك، بل تدفعهم إلى ~~البؤس والآلام المبرحة. لقد تصببت عرقا عندما أبصرت هذا ~~الرجل، واغرورقت عيناي بالدموع إذ تذكرت أوديسيوس؛ لأنه أيضا، ~~على ما أعتقد، يلبس مثل هذه الأسمال جائلا وسط الأقوام، لو أنه ~~حقا لا يزال على قيد الحياة ويرى ضوء الشمس. أما إذا كان قد مات ~~وفي بيت هاديس، # 4 # فالويل لي إذن من أجل أوديسيوس الخالي من اللؤم، الذي ~~أقامني راعيا على ماشيته، وأنا في ميعة الصبا، في بلاد ~~الكيفالينيين # Cephallenians ~~. # 5 # وقد نمت لك الماشية وكبرت الآن بصورة تفوق الوصف، ~~ولم يكن في مقدور نسل الماشية العريضة الجباه أن تعطي زيادة أكثر # 6 # للبشر غير الخالدين، ولكن الأغراب يأمرونني بأن ~~أقودها لهم الآن ليأكلوها، غير مكترثين بشيء للابن الموجود في ~~هذا المنزل، كما أنهم لا يخشون غضب الآلهة، لأنهم يريدون تقسيم ~~ممتلكات سيدنا، الذي طال غيابه، فيما بينهم. أما عني شخصيا، فإن ~~قلبي الكائن في صدري يظل يفكر في هذا الأمر. إنه شيء شرير ~~جدا، بينما الابن على قيد الحياة، أن أنصرف بماشيتي وأذهب بها ~~إلى أرض الأغراب، إلى قوم غرباء، بينما هو أكثر سوءا كذلك، أن ~~أبقى هنا وأقاسي المحن في رعي الماشية التي تعطي لآخرين. ~~حقا، لقد كان يليق بي أن أهرب من هنا من مدة طويلة، وأذهب إلى ~~شخص آخر من الملوك الفخورين؛ إذ أصبحت الأمور الآن فوق ما يحتمل ~~المرء، ولكني بالرغم من ذلك أفكر في ذلك البائس، لو قيض له ~~أن يعود ثانية، ولست أدري متى يكون هذا، ويشتت المغازلين ~~القابعين في منزله.» # الغريب يدلي بنبوءة عن أوديسيوس # عندئذ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، وقال: «أيها الراعي، ما ~~دمت لا تبدو كرجل شرير ولا عديم التفكير، فإنني أرى بنفسي أن ~~لك قلبا مدركا؛ ومن ثم فسأعلن جهرا وأقسم ms340 قسما عظيما ~~لأبرهن على صدق قولي. والآن كن شاهدي يا زوس فوق جميع الآلهة، ~~وهذه المائدة المضيافة، ومدفأة أوديسيوس النبيل التي جئت إليها، ~~إنه حقا، مذبحة العشاق، الذين يحكمون هنا.» # فأجابه راعي الماشية بقوله: «آه، أيها الغريب، أتمنى أن ~~يحقق ابن كرونوس كلمتك هذه! إذن لعرفت أي نوع من القوة عندي، ~~وكيف تطيعني يداي.» # وكذلك صلى يومايوس بالطريقة عينها لجميع الآلهة أن يعود ~~أوديسيوس الحكيم إلى بيته. # المغازلون يدبرون الموت لتيليماخوس # هكذا أخذ كل منهم يتحدث إلى الآخر، أما العشاق فكانوا في ~~الوقت نفسه يدبرون الموت والحتف لتيليماخوس، ولكن طائرا ~~جاءهم من على يسارهم، نسر عالي الطيران، يقبض بمخالبه على ~~يمامة مرتجفة. وعندئذ تكلم أمفينوموس وسط حشدهم، ~~قائلا: ~~«أصدقائي، لن تسير خطتنا هذه حسب ما نبغي، حتى مقتل تيليماخوس. ~~كلا، دعونا نفكر في الوليمة.» # ما إن قال أمفينوموس، ذلك، ~~حتى سروا من كلامه وانشرحت صدورهم. بعد ذلك، وقد دخلوا بيت ~~أوديسيوس الشبيه بالإله، وضعوا عباياتهم فوق الكراسي والمقاعد ~~العالية، وشرع الرجال في ذبح الخراف الكبيرة والمعيز السمينة، ~~نعم، والخنازير المسمنة، ~~وعجلة القطيع. وبعد ذلك شووا الأمعاء وقدموها، وخلطوا الخمر ~~في الطاسات، ووزع راعي الخنازير الأقداح. وقدم لهم فيلويتيوس، ~~قائد البشر، الخبز في سفط جميل، وصب لهم ميلانثيوس الخمر. ~~وهكذا مدوا أيديهم إلى الطعام الشهي الموضوع معدا ~~أمامهم. # تيليماخوس ينتوي الدفاع عن الغريب # أما تيليماخوس، فبفكر صائب، جعل أوديسيوس يجلس داخل البهو ~~المكين البناء بجوار العتبة الصخرية. ووضع له كرسي قدم متواضعا ~~ونضدا صغيرا. ووضع إلى جواره قطعا من الأمعاء المشوية، وصب له ~~خمرا في كأس ذهبية، وقال له: ~~«تفضل واجلس ههنا وسط السادة واشرب خمرك، أما سخرية ولطمات ~~المغازلين فسأرفعها عنك، أنا نفسي؛ فليس هذا ملجأ عاما، بل ~~هو بيت أوديسيوس، كسبه من أجلي. ~~وأما أنتم، أيها المغازلون، فامنعوا عقولكم من السخرية والضربات، ~~لئلا ينشب صراع أو عراك.» # المغازلون يعجبون من جرأة تيليماخوس # هكذا تكلم، فعضوا على شفاههم جميعا وعجبوا من تليمياخوس إذ ~~كان يتكلم بجرأة، فتحدث أنتينوسن بن يوبايثوس، ms341 في وسطهم، ~~قائلا: ~~«رغم أنه يشق علينا هذا الأمر، أيها الآخيون، فلنقبل كلمة ~~تيليماخوس، ولو أنه يهددنا بجرأة بكلامه؛ لأن زوس بن كرونوس، لم ~~يسمح له، وإلا لأخرسناه قبل الآن في الساحات، مهما كان متحدثا ~~واضح النبرات.» # هكذا قال أنتينوس، بيد أن تيليماخوس لم يعر كلماته التفاتا، ~~وفي الوقت نفسه كان الخدم يسوقون خلال المدينة الذبيحة المقدسة ~~المكونة من مائة ثور للآلهة، واحتشد الآخيون الطويلو الشعور معا ~~تحت كهف ظليل لأبولو، الرب القواس. # وما إن شووا اللحم الخارجي وسحبوه من السفافيد، حتى قسموا ~~الأجزاء وأدبوا مأدبة مجيدة. وإلى جوار أوديسيوس وضع الذين كانوا ~~يخدمون قطعة مساوية القطع التي أخذوها هم أنفسهم؛ إذ أمر بهذا ~~تيليماخوس، الابن العزيز لأوديسيوس المقدس. # كتيسيبوس يحاول الاعتداء على الغريب # بيد أن أثينا لم تكن لتسمح للمغازلين المتغطرسين بأية حال من ~~الأحوال أن يكفوا عن الشغب المرير، حتى يكون الألم عميقا أكثر ~~وأكثر في قلب أوديسيوس بن لايرتيس، فكان من بين العشاق رجل ذو ~~قلب جبل على التمرد اسمه كتيسيبوس # Ctesippus ~~، يسكن في سامي # Same # ذلك الذي من فرط ثقته بثرائه الواسع، غازل ~~زوجة أوديسيوس، الذي رحل من زمن بعيد، فقام يتحدث الآن وسط ~~المغازلين المتغطرسين، فقال: ~~«استمعوا إلي أيها العشاق المزهوون، فسأقول لكم شيئا ما. ~~منذ مدة طويلة تناول الغريب قطعة مناسبة، كما يتفق؛ لأنه ليس ~~حسنا ولا من العدل أن نسلب ضيوف تيليماخوس حقهم، مهما كانت ~~شخصية الذي جاء إلى هذا المنزل. هيا، تعالوا، فأنا أيضا سأمنحه ~~هدية غريب، لكي يقدم هو بدوره هدية لخادمة الحمام أو لأي فرد ~~آخر من العبيد الموجودين في منزل أوديسيوس الشبيه بالإله.» # ما إن قال هذا، حتى طوح بيده القوية ظلف ثور، أخذه من السفط ~~الذي كان موضوعا فيه ، ولكن أوديسيوس تحاشاه بانحناءة سريعة من ~~رأسه، وابتسم في قرارة نفسه ابتسامة في غاية الصرامة والمرارة، ~~فأصاب ظلف الثور الحائط المكين البناء. بعد ذلك أنب تيليماخوس ~~كتيسيبوس، بقوله: ~~«يا كتيسيبوس. حقا لقد سقط هذا الشيء من صالح نفسك أكثر ms342 من ~~غيرك. إنك لم تصب الغريب؛ لأنه هو نفسه قد اجتنب قذيفتك، وإلا ~~لكنت قد ضربتك حقا برمحي الحاد في وسط جسمك، وبدلا من وليمة ~~الزواج كان أبوك قد انشغل بوليمة جنائزية في هذه البلاد؛ ومن ~~ثم، حذار أن تدع أحدا، فهكذا أحذرك، أن يظهر شجاعته في ~~منزلي؛ فها أنا ذا الآن أراقب وأفهم كل شيء، الخير والشر، رغم أنني ~~لم أكن فيما مضى إلا صبيا. ومع ذلك، فما زلنا نحتمل رؤية هذه ~~الأعمال بيننا، فالخراف تذبح، والخمر تشرب، والخبز يستهلك؛ ~~لأنه من العسير على المرء أن يكبح جماح الكثيرين. ومع كل، فاسمع ~~مني، إياك أن تؤذيني بعد الآن بإضمارك الشر. أما إذا كان في نيتك ~~حتى الآن أن تقتلني أنا نفسي بالسيف، فإنني أرحب بهذا أيضا؛ ~~فخير لي أن أموت من أن أرى باستمرار هذه الأعمال المخزية؛ فهؤلاء ~~أغراب تساء معاملتهم، وأولئك رجال يجرون الخادمات بطريقة ~~مخجلة، عبر الساحات الجميلة.» # أجيلاوس يناشد تيليماخوس حث أمه على الزواج # هكذا تكلم، وشملهم جميعا الصمت، وأخيرا تكلم أجيلاوس # Agelaus ~~، ابن داماستور # Damastor ~~، في وسطهم، فقال: ~~«أيها الأصدقاء، لا يستطيع أحد أن يجيب على ما قيل بحق وعدل ~~ويغضب أو يرد بكلمات جافة. لا تسيئوا القول للغريب أو لأي فرد ~~من عبيد منزل أوديسيوس المقدس. أما أنا فسأقول كلمة رقيقة ~~لتيليماخوس ووالدته، لعلها تحظى بالرضى من عقليهما كليهما. طالما ~~أن قلبيكما الكائنين في صدريكما يأملان في عودة أوديسيوس ~~الحكيم إلى بيته، ولا تثريب عليكما في كونكما انتظرتما، وأبقيتما ~~المغازلين في ساحاتكما؛ إذ كان هذا أفضل إجراء، لو أن أوديسيوس ~~عاد ورجع إلى منزله، ولكن من الجلي الآن أنه لن يعود بعد ذلك. ~~هلم، إذن، واجلس بجوار أمك وأخبرها بأنه يجب عليها أن تتزوج من ~~كان خير رجل، ومن يقدم لها أكبر عدد من الهدايا؛ حتى يمكنك أن ~~تتمتع بكل ميراث آبائك في سلام، آكلا وشاربا، وحتى يمكنها هي ~~أن تدير منزل رجل آخر.» # تيليماخوس لا يعارض زواج بينيلوبي ممن تحبه # عندئذ أجابه تيليماخوس ms343 ~~الحكيم، بقوله: «كلا، يا أجيلاوس، بحق زوس، وبحق محن أبي، الذي مات ~~أو يتجول فيمكان ما بمنأى من إيثاكا، إنني لا أقف في طريق زواج ~~أمي، بل آمرها بأن تتزوج أي رجل تحبه، وأقدم إلى جانب هذا ~~هدايا تفوق الحصر، ولكني أخجل أن أطردها من الساحة ضد رغبتها وأضغط ~~عليها بالقول. لا سمح الله أن يحدث مثل هذا الأمر.» # أثينا تضفي على المغازلين موجة من الضحك الشديد # هكذا تكلم تيليماخوس، وأثارت بالاس أثينا الضحك وسط المغازلين، ~~وغشت على عقولهم، فراحوا يضحكون ملء أشداقهم بشفاه متباعدة، ~~وتلطخ جميع اللحم الذي أكلوه بالدم، # 7 # واغرورقت عيونهم بالدموع وشرعت أرواحهم تولول. ~~وعندئذ تكلم وسطهم ثيوكلومينوس # Theoclymenus # الشبيه بالإله، يقول: ~~«تبا لكم، أيها الرجال التعساء، ما هذا الشر الذي تعانونه؟ ~~فقد كفن الليل الداجي رءوسكم ووجوهكم وأرجلكم من تحتكم. ~~وقد أشعل صوت النحيب، وسبحت خدودكم في الدموع، وتضرجت الحوائط ~~وكتل السقف البديعة بالدماء. وملأت الأشباح المدخل، وعج القصر ~~بالأشباح المسرعة بالهبوط إلى إيريبوس # Erebus # 8 # تحت جنح الظلام، واختفت الشمس من السماء وخيم الضباب ~~الشرير فوق كل شيء.» # هكذا قال، غير أنهم جميعا سخروا منه مرحين، وتحدث وسطهم ~~يوروماخوس بن بولوبوس، أولا، فقال: ~~«ما أعظم جنون ذلك الغريب الذي جاء حديثا من بعيد! أسرعوا، ~~أيها الفتيان، بحمله خارج الأبواب ليذهب في طريقه إلى مكان ~~الاجتماع، طالما أنه لم يجد الأمر هنا أشبه بالليل.» # ثيوكلومينوس يتوجس شرا مقبلا # عندئذ أجابه ثيوكلومينوس الشبيه بالإله: «يا يوروماخوس لست ~~آمرك بحال ما أن تعطيني من يهديني إلى الطريق؛ فليست عيناي ~~وأذناي وقدماي وعقلي الكائن في صدري سقيمة التكوين بأية حال من ~~الأحوال. سأنطلق بهذه خارج الأبواب؛ لأنني أرى شرا مقبلا عليكم ~~لا يمكن لأي فرد من العشاق أن ينجو منه أو يتحاشاه، أي واحد ~~منكم جميعا أيها الموجودون في منزل أوديسيوس الشبيه بالإله ~~وتهينون الرجال، وتدبرون حماقة شريرة.» # العشاق يسخرون من تيليماخوس وهو لا يبالي # ما إن قال هذا حتى خرج من الساحات الفسيحة وقصد إلى بيرايوس Piraeus ms344 ~~، استقبله بقلب رضي. أما سائر ~~العشاق، فنظر بعضهم إلى البعض الآخر، وشرعوا يثيرون تيليماخوس ~~بالسخرية من ضيوفه. فقال أحد الشبان المتبجحين: ~~«أي تيليماخوس، ما من أحد أسوأ حظا في ضيوفه منك؛ إذ أراك ~~تحتفظ بصعلوك قذر كهذا الرجل الموجود هنا، المتعطش باستمرار إلى ~~الخبز والخمر، مع كونه لا يجيد أعمال السلم ولا أمور الحرب، بل هو ~~عبء ثقيل على الأرض. ومثل ذلك الشخص الآخر الذي وقف يتنبأ ~~أيضا. كلا، فلو أصغيت لي، لكان خيرا لك بكثير. دعنا نقذف بأولئك ~~الغرباء على ظهر سفينة ذات مقاعد، ونرسل بهم إلى الصقليين، حيث ~~تنال عنهم ثمنا مناسبا.» # هكذا تكلم المغازلون، غير أنه لم يأبه لكلامهم، بل أخذ يراقب ~~أباه في صمت، في انتظار دائم إلى أن يمد يديه إلى العشاق ~~العديمي الحياء. # بينيلوبي تنصت إلى العشاق وهم يولمون # أما بينيلوبي الحكيمة، ابنة إيكاريوس، فوضعت مقعدها الجميل ~~قبالتهم، وأنصتت إلى كلام كل رجل في الساحة؛ إذ كانوا يولمون ~~وسط المرح والضحك، وليمة لذيذة، تشبع شهوة القلب؛ لأنهم كانوا قد ~~ذبحوا كثيرا من الحيوانات، بيد أنه لم تكن هناك وليمة أفخر من ~~تلك التي سرعان ما ستقدمها أمامهم ربة ورجل قوي؛ إذ كانوا ~~يقترفون أعمالا مخزية دون أن يثيرهم أحد. # | الأنشودة الحادية والعشرون # بينيلوبي تحضر قوس أوديسيوس وتعلن شرط الزواج منها # هكذا أيضا ثبت أوديسيوس ~~الوتر بدون عناء في القوس العظيمة. # وضعت الربة أثينا ذات العينين البراقتين، في قلب بينيلوبي ~~الحكيمة، ابنة إيكاريوس، أن تأتي أمام العشاق في ساحات أوديسيوس ~~بالقوس والحديد الرمادي، لتكون بمثابة مباراة وبداية للموت، ~~فصعدت السلم العالي إلى مقصورتها، وأمسكت المفتاح المقوس ~~بيدها القوية؛ المفتاح البرونزي القوي، وكانت له يد من العاج. ~~وذهبت في طريقها مع خادماتها إلى حجرة الخزين، البعيدة جدا، حيث ~~توجد كنوز سيدها، من البرونز والذهب والحديد، المشغولة بتعب، ~~فوجدت هناك القوس المعقوفة الظهر وكنانة السهام. وكان بها سهام ~~كثيرة، محملة بالآلام، وكانت هدايا من صديق قدمها لأوديسيوس ~~عندما التقى به ذات يوم في لاكيدايمون، هو إيفيتوس # Iphitus ms345 ~~، # 1 # ابن يوروتوس # Eurytus ~~، # 2 # ذلك الرجل الشبيه بالخالدين. وكان كلاهما قد التقيا، ~~كل منهما بالآخر في ~~ميسيني # Messene # 3 # في منزل أورتيلوخوس # Ortilochus # الحكيم. وكان أوديسييوس قد ذهب حقيقة ~~إلى هناك ليحصل دينا له عند كافة القوم؛ لأن أهل ميسيني كانوا ~~قد حملوا من إيثاكا في سفنهم ذات المقاعد ثلثمائة خروف ومعها ~~رعاتها، فرحل أوديسيوس في هذه الرحلة البعيدة ذات يوم طلبا لذلك ~~الدين، ولم يكن وقتئذ إلا شابا فتيا، أرسله أبوه والشيوخ ~~الآخرون إلى ذلك المكان القصي. أما إيفيتوس، فقد ذهب يبحث عن ~~أفراسه الاثنتي عشرة الأصيلة التي فقدها، ومعها بغال قوية ترضع، ~~ولكنها جلبت عليه الموت والهلاك بعد ذلك. عندما ذهب إلى ابن زوس ~~القوي القلب، الرجل هرقل، # 4 # الذي كان ملما تمام الإلمام بأعمال الجرأة؛ # 5 # لأن هرقل قتله، رغم أنه كان ضيفه، في بيته، بتهور، ~~ولم يكترث لغضب الآلهة أو للمائدة التي بسطها أمامه، بل قتل الرجل ~~بعد ذلك، واحتفظ لنفسه بالأفراس المتينة الحوافر في ساحاته. وكان ~~في أثناء مطالبته بهذه أن التقى إيفيتوس بأوديسيوس، وأعطاه القوس ~~التي اعتاد يوروتوس العظيم فيما مضى أن يحملها، ثم تركها عند موته ~~لابنه في بيته الشاهق. أما أوديسيوس فأعطى إيفيتوس سيفا بتارا ~~ورمحا قويا، كعربون للصداقة الحبيبة، ومع ذلك فلم يعرف أحدهما ~~الآخر قط عند المائدة؛ فربما كان ابن زوس قد قتل إيفيتوس بن ~~يوروتوس، قبل ذلك، وهو رجل أشبه بالخالدين، أعطى أوديسيوس القوس. ~~وما كان أوديسيوس العظيم ليصحب معه تلك القوس إذا ما ذهب إلى ~~الحرب، فوق السفن السوداء، بل يتركها في ساحاته بالمنزل كتذكار من ~~صديق عزيز، وحملها إلى وطنه نفسه. # والآن عندما بلغت السيدة الحسناء حجرة الخزين، واجتازت العتبة ~~البلوطية، التي سواها النجار قديما بمهارة وجعلها مستوية ~~كالخط المستقيم - والتي ثبتت فوقها أيضا قوائم الباب، ~~وركبت فيها أبواب مصقولة - أسرعت في الحال فأرخت سير المزلاج # 6 # بعد أن حلته من المقبض وأدخلت المفتاح، ودفعت ~~المزاليج إلى الوراء بإحكام. وكما يخور الثور وهو يرعى في المرج، ms346 ~~هكذا أيضا جأرت الأبواب البديعة، عندما ضربت بالمفتاح، وانفتحت ~~أمامها بسرعة. بعد ذلك خطت السيدة فوق المصطبة، التي كانت فوقها ~~الصناديق التي خزنت فيها الملابس الفضفاضة، ومدت يدها وتناولت ~~القوس من هناك من فوق المشجب ومعها جرابها اللامع الذي كان ~~يحيط بها. ثم جلست هناك ووضعت الجراب فوق ركبتيها وانتحبت ~~عاليا، وهي تخرج قوس زوجها. وبعد أن نالت كفايتها من البكاء ~~الدامع، عادت أدراجها إلى الساحة، إلى جماعة المغازلين الأمجاد، ~~تحمل في يديها القوس المعقوفة الظهر والكنانة التي كانت تحفظ ~~السهام، وكان بها سهام عديدة، محملة بالآلام. وإلى جوارها حملت ~~الوصيفات صندوقا، كانت فيه كمية كبيرة من الحديد والبرونز، ~~عدة سيدها الحربية. ولما وصلت الغادة الفاتنة الآن إلى ~~المغازلين، وقفت بجوار قائم الباب بجانب الحائط القوي البنيان، ~~تضع أمام وجهها خمارها البراق؛ ووقفت إلى كل جانب من جانبيها ~~أمة وفية. وبعد ذلك تحدثت وسط المغازلين، قائلة: ~~«أصغوا إلي، أيها المغازلون المتغطرسون، يا من استغللتم هذا ~~المنزل لتأكلوا وتشربوا إلى الأبد بغير نهاية، منذ أن رحل عنه سيده ~~من زمن بعيد، ولم تستطيعوا أن تجدوا ذريعة تحتجون بها، سوى ~~رغبتكم في الزواج مني واتخاذي زوجة. هيا، تعالوا الآن، أيها ~~المغازلون؛ إذ إن هذه ستكون جائزتكم. # 7 # سأضع أمامكم أكبر قوس لأوديسيوس المقدس، ومن أمكنه ~~أن يشد وتر القوس بيديه بمنتهى السهولة، ويطلق سهما خلال ~~اثنتي عشرة فأسا، ذهبت معه، وهجرت منزل حياتي الزوجية هذا، ~~المنزل البالغ الجمال والحافل بالرزق، الذي، أعتقد، أنني سوف أذكره ~~دائما ولو في أحلامي.» # أنتينوس يوبخ يومايوس ويشيد بالقوس # ما إن قالت هذا، حتى أمرت يومايوس، راعي الخنازير العظيم، بأن ~~يضع أمام المغازلين القوس والحديد الرمادي. ولما انخرط في ~~البكاء، أخذ يومايوس القوس والحديد ووضعها، وفي مكان آخر بكى ~~الراعي، عندما أبصر قوس سيده، وعندئذ وبخهما أنتينوس، ~~وخاطبهما، قائلا: ~~«يا هذان الغبيان الأحمقان، ~~اللذان لا تفكران إلا في أمور اليوم! أيها التعيسان، لم تذرفان ~~الدموع الآن، وتزعجان روح السيدة الكائنة في صدرها، تلك التي ~~يثقل الهم قلبها؛ ms347 إذ ترى أنها فقدت زوجها العزيز؟ كلا، اجلسا ~~وأولما في صمت، أو اذهبا بعيدا وانتحبا هناك، واتركا القوس ~~خلفكما هنا كمباراة حاسمة # 8 # للمغازلين؛ لأنه ليس بالأمر الهين، كما أعتقد، ~~إمكان جذب وتر هذه القوس المصقولة؛ فما من رجل هنا بين كافة ~~هؤلاء يشبه أوديسيوس، ولقد أبصرته بعيني رأسي؛ لأنني أتذكره، ~~رغم أنني لم أكن وقتذاك إلا طفلا.» # هكذا تكلم، ولكن قلبه في صدره كان يأمل في أن يستطيع شد وتر ~~القوس ويطلق سهما خلال الحديد، غير أنه مع ذلك كان أول من ذاق ~~طعم سهم من يدي أوديسيوس المجيد، الذي كان وهو جالس وقتئذ في ~~البهو لا يبجله، ويحمس سائر زملائه. # تيليماخوس يحاول جذب القوس ثم يتراجع # بعدئذ تكلم وسطهم ~~تيليماخوس القوي العتيد، فقال: «ويحي الآن! لقد جعلني زوس ~~بن كرونوس، عديم الذكاء حقيقة؛ فها هي ذي أمي العزيزة، بكل ما هي ~~عليه من الحكمة، تعلن أنها ستتبع سيدا آخر، وتهجر هذا المنزل، ~~ولكن بالرغم من ذلك أضحك، وأبتهج لغباوتي. هلموا، إذن، أيها ~~المغازلون، طالما يبدو أن في هذا جائزتكم، سيدة، لا شبيه لها الآن ~~في بلاد الآخيين، لا في بولوس Pylos # المقدسة، ولا في أرجوس # Argos ~~، ولا في موكيني # Mycene ~~، # 9 # ولا حتى في إيثاكا نفسها، ولا على ظهر اليابسة ~~القاتمة. كلا، وإنكم أنفسكم تعرفون هذا - فما حاجة بي إذن لإطراء ~~محاسن والدتي! هيا، تعالوا الآن، لا تحجموا عن هذا الأمر ~~منتحلين الأعذار، ولا تحيدوا طويلا بعد الآن عن جذب القوس، لكي ~~نرى النتيجة. نعم، وسأحاول أنا شخصيا شد تلك القوس. فلو جذبت ~~وترها وأطلقت سهما خلال الحديد، فلن يغيظني إذن أن تهجر أمي ~~المبجلة هذا المنزل وتذهب مع رجل آخر، طالما ستتركني هنا قادرا ~~على استعمال عدة أبي الحربية العظيمة.» # بهذا ألقى العباية الأرجوانية عن ظهره، ووثب منتصبا، كما خلع ~~سيفه الحاد عن كتفية، ثم بدأ بإقامة الفئوس، بعد أن حفر خندقا، ~~خندقا واحدا طويلا لجميعها، وجعله في خط مستقيم، وشرع يدوس فوق ~~التربة حولها. وتملكت الدهشة ms348 من سائر الذين شاهدوه؛ إذ وضعها في ~~ترتيب رائع، رغم أنه لم يسبق أن رآها من قبل إطلاقا. بعد ذلك ~~ابتعد ووقف عند العتبة، وبدأ يعجم عود القوس. ثلاث مرات جعلها ~~ترتجف في شوقه إلى جذبها، وثلاث مرات يتخلى عن مجهوده، رغم أن ~~قلبه كان يتحرق لهفة إلى جذب وتر القوس وإطلاق سهم خلال الحديد. ~~وأخيرا كاد يشد الوتر بقوته؛ إذ إنه في المرة الرابعة اعتزم على ~~أن يجذب الوتر. لولا أن أوديسيوس هز رأسه علامة على عدم ~~الموافقة وإثنائه عما تحمس له. وبعد ذلك تحدث إليهم تيليماخوس ~~القوي العتيد من جديد، فقال: ~~«ويحي، ما أجبنني وأضعفني، حتى في أيامي المقبلة! أم ذلك لأنني ~~لا بد صغير جدا، ولا ثقة لي في قوتي للدفاع عن نفسي ضد رجل، ~~عندما يثير أحدهم الغضب بدون داع. هلموا، تعالوا الآن، يا من ~~أنتم أقوى مني، حاولوا استعمال القوس، حتى ننهي ~~المباراة.» # ما إن قال هذا حتى تخلى عن القوس ووضعها فوق الأرض، وأسندها ~~إلى الباب المصقول، ذي المفصلات، وبالقرب منها أسند السهم ~~السريع على طرف القوس الجميلة، ثم عاد فجلس على المقعد الذي كان ~~قد نهض منه. # بعد ذلك تكلم أنتينوس بن يوبايثيس وسطهم. فقال: «فلننهض ~~جميعا، واحدا واحدا، بالترتيب من اليسار إلى اليمين، بادئين من ~~المكان الذي يصب فيه الخمر حامل الكأس.» # لايوديس يعجز عن شد القوس # هكذا قال أنتينوس، فسر الجميع من كلامه، فنهض أولا لايوديس # Leiodes ~~، ابن أوينوبس # Oenops ~~، الذي كان عرافهم، وكان ~~يجلس دائما بجوار طاس مزج الخمر الجميل في أقصى مكان من الساحة، ~~وكان هو وحده الذي يمقت أعمال الحماقة الطائشة، وكان يحتقر سائر ~~المغازلين. لقد كان هذا أول من تناول القوس والسهم السريع وقتذاك، ~~وذهب ووقف فوق العتبة، وأخذ يحاول بالقوس، بيد أنه لم يستطع تثبيت ~~الوتر فيها؛ فربما أنهك التعب يديه قبل أن يشد الوتر، فتعبت ~~تلك اليدان الرقيقتان اللتان لم تتعبا قط، وعندئذ تكلم وسط ~~المغازلين قائلا: ~~«أيها الأصدقاء، لست أنا بالشخص الذي يستطيع تثبيت ms349 الوتر؛ ~~فليتناول القوس رجل آخر، فستسلب هذه القوس أمراء كثيرين أرواحهم ~~وحياتهم؛ إذ من الأفضل حقا أن يموت المرء، بدلا من أن يحيا ~~ويفشل في ذلك الذي من أجله نحتشد نحن هنا، منتظرين تحدونا ~~الآمال يوما بعد يوم. والآن، يأمل كثير من الرجال في قلوبهم ~~ويتحرقون شوقا إلى الزواج من بينيلوبي، زوجة أوديسيوس، غير أنه ~~ما إن يحاول عجم عود هذه القوس، ويرى النتيجة، حتى يفضل أن ~~يغازل سيدة أخرى من نساء الآخيين ذوات الثياب الجميلة، باعثا ~~إليها بهداياه لكي يفوز بها. وبعد ذلك تتزوج بينيلوبي من ذلك الرجل ~~الذي يقدم لها هدايا أكثر من غيره، ذلك الذي سيحدده القدر ~~سيدا لها.» # أنتينوس يسخر من لايوديس # هكذا تكلم، وتخلى عن القوس، وأسندها إلى الباب اللامع ذي ~~المفصلات، وإلى جوارها أسند السهم السريع على طرف القوس الجميلة، ~~ثم ذهب بعد ذلك وجلس على المقعد الذي نهض منه. غير أن أنتينوس ~~أنبه، وخاطبه بقوله: «أي لايوديس، ما هذه العبارة التي أفلتت من ~~بين صفي أسنانك، عبارة مفزعة ومحزنة. لقد أثارت الغضب في نفسي ~~إذ سمعتها، إذا كانت هذه القوس سوف تسلب الأمراء أرواحهم وحياتهم ~~حقا؛ لأنك لم تستطع تثبيت الوتر فيها؛ وعلى ذلك، اسمح لي أن ~~أقول لك إن أمك المبجلة لم تنجبك بالقوة التي تؤهلك لجذب ~~القوس وإطلاق السهام، أما غيرك من المغازلين الأمجاد فسرعان ما ~~سيثبتون الوتر فيها.» # ميلانثيوس يعالج القوس بالنار والدهن # هكذا تكلم، واستدعى إليه ميلانثيوس، راعي الخنازير، وقال له: ~~«هيا، أشعل الآن نارا في الساحة يا ميلانثيوس، وضع بجوارها مقعدا ~~ضخما فوقه فروة من الصوف، وأحضر بسرعة كتلة كبيرة من الدهن ~~حتى يمكننا نحن الشبان أن ندفئ القوس، ونطليها بالدهن، وبذلك ~~نجرب عجم عودها؛ وننهي المباراة.» # ما إن قال هذا، حتى أسرع ميلانثيوس في الحال فأشعل النار التي لا ~~تكل ولا تمل، وأحضرها ووضع بجانبها مقعدا كبيرا فوقه فروة من ~~الصوف، كما أحضر كتلة كبيرة من الدهن كانت بالداخل. فأدفأ بها ~~الشبان القوس وجربوها، بيد أنهم لم ms350 يستطيعوا أن يثبتوا فيها ~~الوتر؛ إذ كانت تعوزهم القوة أيما إعواز. # الغريب يطلب من الراعيين تحديد موقفهما من أوديسيوس # كان أنتينوس لا يزال مصرا وكذلك يوروماخوس الشبيه بالإله، ~~اللذان كانا زعيمي المغازلين، وكانا أعظمهم جميعا في الجرأة؛ ~~وعند ذلك خرج كل من الراعي وراعي خنازير أوديسيوس المقدس من ~~الساحة؛ خرجا فخرج وراءهما أوديسيوس نفسه من المنزل، فلما صاروا ~~بعيدا عن الأبواب والساحة، تحدث إليهما، وخاطبهما بكلمات ~~رقيقة، قائلا: ~~«أيها الراعي، وكذلك أنت يا راعي الخنازير، أتسمحان لي بأن أقول ~~لكما شيئا أم أحتفظ به في قرارة نفسي؟ كلا، إن روحي تأمرني بأن ~~أفضي به «أي نوع من الرجال ستكونان في الدفاع عن أوديسيوس، إذا ~~جاء فجأة من مكان ما، وأعاده أحد الآلهة؟ هل تقدمان المعونة ~~للمغازلين أم تهبان لنصرة أوديسيوس؟ تكلما صراحة كما يأمركما ~~قلباكما وروحاكما».» # عندئذ أجابه راعي الماشية، وقال: «أبتاه زوس، ليتك تحقق هذه ~~الأمنية! لتكن مشيئتك أن يعود ذلك الرجل، وأن يرشده إلى طريقه ~~رب ما؛ عندئذ ستعرف أي لون من القوة أمتلكها، وكيف تطيعني ~~يداي.» # وكذلك تضرع يومايوس إلى جميع الآلهة أن يعود أوديسيوس الحكيم ~~إلى بيته. # الغريب يكشف للراعيين حقيقة شخصيته # فلما وثق تماما وتأكد من وفاء هذين، أجابهما وتكلم ~~إليهما ثانية، بقوله: ~~«ها أنا ذا الآن أمامكما حقا في بيتي، أنا بنفسي. بعد مشاق ~~عديدة محزنة قد جئت في العام العشرين إلى وطني. وإني لعلى يقين ~~من أنكما وحدكما، دون سائر عبيدي، مشتاقان إلى عودتي، أما الآخرون، ~~فلم أسمع من أي واحد منهم صلاة بأن أعود ثانية إلى منزلي؛ وعلى ~~ذلك سأقول لكما الحقيقة كما ستكون. إذا أخضع الرب لي المغازلين ~~الأمجاد، أحضرت لكل واحد منكما زوجة وأعطيتكما ممتلكات ومنزلا ~~مبنيا بالقرب من منزلي، وبعد ذلك ستكونان كلاكما في عيني صديقي ~~وأخوي تيليماخوس. ولزيادة التأكد من صدق قولي، سأريكما أيضا ~~علامة لا تخطئ كي تعرفاني جيدا وتتأكدا في قلبيكما، أثر الجرح ~~الذي أصابني به منذ زمن بعيد خنزير بري بنابه الأبيض، عندما ~~صعدت إلى ms351 بارناسوس مع أبناء أوتولوكوس.» # الراعيان يرحبان بأوديسيوس بالأحضان والقبلات # ما إن قال هذا حتى أزاح الأسمال البالية عن أثر الجرح الكبير، ~~فلما رآه كلاهما، وأبصرا كل شيء تماما، طوقا أوديسيوس الحكيم ~~بسواعدهما، وبكيا، وقبلا رأسه وكتفيه في ترحيب محبب. وكذلك ~~قبل أوديسيوس رأسيهما وأيديهما. والآن كاد ضوء الشمس يغيب ~~وهما لا يزالان يبكيان، لولا أن أوديسيوس نفسه، نهرهما ~~بقوله: ~~«كفا الآن عن البكاء والعويل، خشية أن يخرج أحد ما من الساحة ~~ويرانا، فيطلع على جلية الأمر أيضا، فادخلا إلى المنزل واحدا بعد ~~آخر، ولا تدخلا معا، أنا أولا، ثم أنتما من بعدي، ولتكن هذه ~~علامة بيننا. أما جميع الباقين، بقدر ما هنالك من المغازلين ~~الأمجاد، فلن يتحملوا عبء القوس ورعدتها إذا ما أعطيت لي، ولكن ~~هل لك، يا يومايوس العظيم، أن تحمل القوس عبر الساحات، وتضعها في ~~يدي، وتأمر النساء بأن يغلقن أبواب ساحتهن المحكمة الإغلاق. وإذا ~~سمعت أية واحدة منهن أنين الرجال أو صخبهم داخل حوائطنا، فلا ~~تخرج أية واحدة إلى الخارج، بل يبقين حيث هن في صمت منكبات ~~على أعمالهن. أما أنت يا فيلويتيوس، فأضع على كاهلك أن تغلق باب ~~الساحة بمزلاج، وتسرع بربطه بحبل.» # ما إن قال هذا حتى دخل البيت المنيف، وذهب وجلس فوق المقعد الذي ~~كان قد نهض من فوقه، ثم دخل بعد ذلك عبدا أوديسيوس المقدس ~~أيضا. # يوروماخوس يفشل أيضا في شد القوس # كان يوروماخوس وقتئذ ممسكا بالقوس في يده، ويسخنها فوق لهب ~~النار على هذا الجانب وذاك، بيد أنه بالرغم من ذلك لم يستطع تثبيت ~~الوتر فيها، فتأوه في قلبه النبيل، وفي سورة غضبه، خاطبهم ~~قائلا: ~~«تبا لي! الحق أنني حزين على نفسي وعليكم جميعا. لا أبكي ~~هكذا بشدة من أجل الزواج بأية حال من الأحوال، رغم اكتئابي؛ لأن ~~هناك سيدات أخريات عديدات من الآخيات، بعضهن في إيثاكا نفسها ~~التي يحيط بها البحر، وبعضهن الآخر في مدن أخرى، وإنما يبكيني ~~أننا حقا أقل قوة من أوديسيوس الشبيه بالإله؛ إذ أرى أنه لن يكون ms352 ~~بمقدورنا أن نثبت الوتر في القوس. هذا تعنيف لأولئك الرجال ~~الذين ما زلنا سنسمع عنهم.» # أنتينوس يهون الامر على يوروماخوس ويرجئ شد القوس إلى ~~الغد # بعدئذ أجابه أنتينوس بن يوبايثيس، قائلا: «لن يكون الأمر هكذا، ~~يا يوروماخوس، وإنك لتعرف هذا من تلقاء نفسك أيضا؛ فاليوم عيد الرب # 10 # في شتى أنحاء ~~البلاد، وهو عيد مقدس. إذن فمن يستطيع أن يحني قوسا؟ كلا، ضعها ~~جانبا في هدوء؛ أما الفئوس، فماذا لو تركناها جميعا في مكانها ~~كما هي؟ فما من أحد، كما أعتقد، سيأتي إلى ساحة أوديسيوس بن ~~لايرتيس، ويحملها من مكانها. كلا، تعال، دع حامل الطاس يصب ~~نقطا كسكيبة في الكئوس، حتى يكون في مقدورنا أن نصب السكائب، أما ~~القوس المعقوفة فضعها جانبا. وإذا ما أصبح الصباح فمر ملانثيوس، ~~راعي المعيز، أن يحضر من العنزات، خير ما في جميع القطعان، كي ~~نستطيع أن نضع قطع الفخاذ فوق مذبح أبولو، القواس المشهور، ~~ثم بعد ذلك نعجم عود تلك القوس، وننهي المباراة ...» # هكذا قال أنتينوس، وأدخلت كلمته السرور عليهم. وبعد ذلك صب ~~الخدم الماء على أيديهم، وملأ الشبان الطاسات حتى حافاتها، ~~وقدموا الشراب للجميع، فصبوا أولا بعض نقط في الكئوس لأجل ~~السكيبة. وبعد أن سكبوا السكائب، وشربوا ما شاء لقلوبهم أن تشرب، ~~تكلم أوديسيوس الواسع الحيلة، وسطهم بضمير خبيث، فقال: ~~«أصغوا إلي، يا مغازلي ~~الملكة المجيدة، كي أقول ما يوحيه إلى القلب الكائن في صدري. إنني ~~أتوسل إلى يوروماخوس أكثر من الجميع، وإلى أنتينوس الشبيه ~~بالإله؛ إذ إن تلك الكلمة التي التي قالها لهي عين الصواب، أعني ~~أنكم تكفون الآن عن محاولة عجم عود القوس، ونترك النتيجة مع ~~الآلهة، وفي الصباح يعطي الرب النصر لمن يشاء، ولكن هيا، أعطوني ~~القوس المصقولة، كي أستطيع اختيار يدي وقوتي وسطكم، لأعرف ما ~~إذا كانت قوتي السابقة لم تزل في أطرافي الغضة، أم قد حطمها ~~الآن، تجوالي وافتقاري إلى الطعام.» # أنتينوس ينهر الغريب بكلام شديد القسوة # ما إن قال هذا، حتى استشاطوا جميعا بالغيظ البالغ، خشية أن ms353 يكون ~~في مكنته تثبيت الوتر في القوس المصقول. ونهره أنتينوس، ~~بقوله: ~~«ويحك، أيها الغريب الحقير؛ فليس عندك ذرة واحدة من الذكاء. ~~ألست قانعا بأن تولم في جمعنا المتغطرس دون أن يزعجك أحد، ولا ~~تفتقر إلى شيء من الوليمة، وتسمع كلامنا وحديثنا، بينما لا يحظى ~~بسماعه أي غريب أو شحاذ آخر؟ إنها الخمر التي تلعب بك، الخمر ~~التي في حلاوة العسل، التي تسيء إلى الآخرين أيضا، إذا ما احتسى ~~المرء منها جرعات كبيرة، ويشرب أكثر من القدر اللازم. إنها الخمر ~~كذلك التي جعلت القنطور، ~~يوروتيون # Eurytion # 11 # المجيد، أحمق، في ساحة بايريثوس Peirithous # 12 # العظيم القلب، عندما ذهب إلى لابيثاي # Lapithae ~~، # 13 # فلما لعبت الخمر بقلبه، اقترف شرا في جنونه ~~بمنزل بايريثوس. بعد ذلك غضب الأبطال، فقفزوا وأخرجوه بعيدا من ~~البوابة، بعد أن قطعوا أذنيه وجدعوا منخاريه بالبرونز العديم ~~الرحمة، وبعد أن سخر منه، ذهب في طريقه، يحمل معه لعنة إثمه بسبب ~~حماقة قلبه؛ لذلك نشب العراك بين القنطاور والبشر، ولكنه أنزل ~~الشر بنفسه أولا؛ إذ كان مثقلا بالخمر. هكذا أيضا أحذرك من ~~أذى بالغ يصيبك، إذا استطعت تركيب الوتر في القوس؛ إذ عندئذ ~~ستلتقي بيدي أي واحد في بلادنا بغير رحمة، ونرسلك فورا في ~~سفينة سوداء إلى الملك إيخيتوس # Echetus ~~، الذي يشوه كافة البشر، ذلك الذي لن ~~تفلت من بين يديه حيا بأية حال من الأحوال. كلا، إذن، ~~فلتلزم السكون، ولتشرب خمرك، ولا تصارع رجالا يصغرونك ~~سنا.» # بينيلوبي لا تمانع في أن يجرب الغريب حظه # عندئذ قالت بينيلوبي ~~الحكيمة: «يا أنتينوس، ليس من الجميل ولا من العدل أن تسلب ضيوف ~~تيليماخوس حقوقهم، مهما كان ذلك الذي يأتي إلى هذا البيت. ألا ~~تعتقد أنه إذا استطاع هذا الغريب أن يثبت الوتر في قوس ~~أوديسيوس العظيم، قادني إلى بيته واتخذني زوجته؟ كلا، إنه ~~شخصيا، كما أعتقد، لا يفكر في هذا الأمل في صدره؛ وعلى هذا ~~الاعتبار، لا يجلسن أحدكم هنا حزينا في قلبه على مائدة الطعام ؛ ~~فحقا، إن ذلك لا يليق إطلاقا.» ms354 # فأجابها يوروماخوس بن بولوبوس، بقوله: «يا ابنة إيكاريوس، ~~بينيلوبي الحكيمة، ليس هذا لأننا نعتقد أن الرجل سيقودك إلى بيته ~~- فإن هذا لا يليق حقا - بل لأننا نخشى أقاويل الرجال والنساء، ~~لئلا يقول شخص وضيع ما فيما بعد وسط الآخيين: «لا شك أنهم رجال ~~في غاية الضعف، أولئك الذين يغازلون زوجة الرجل النبيل، ولا ~~يستطيعون أن يثبتوا الوتر في قوسه المصقولة، ولكن شحاذا ~~آخر، جاء متجولا، أمكنه أن يركب الوتر في القوس؛ وأحكم ~~الإصابة وسط الحديد.» هكذا سيقول الناس، ويكون لنا ~~توبيخا.» # بينيلوبي تعد الغريب بمكافأة لو نجح # فردت عليه بينيلوبي الحكيمة ثانية، فقالت: «يا بوروماخوس، لا ~~يمكن أن يحظى من يستهلكون أموال أمير ولا يحترمون منزله بسمعة ~~طيبة في البلاد، فلماذا، إذن تجعل من هذا الأمر # 14 # توبيخا؟ إن هذا الغريب فارع الطول وقوي البنية، ويقول ~~عن نفسه إنه أنجب ابنا لأب عظيم. كلا، هيا، أعطه القوس ~~المصقولة لنرى؛ لأنني أقول لك بصراحة، ولا بد أن أنفذ كلمتي، ~~إذا أمكنه تثبيت الوتر في القوس، ومنحه أبولو المجد، فسأكسوه ~~عباءة وجلبابا، من الثياب الجميلة، وأعطيه مزرافا حادا يبعد ~~به الكلاب والناس، وسيفا ذا حدين، وأهبه صندلا يلبسه في ~~قدميه، وأبعث به إلى أي مكان يأمر قلبه وروحه أن يذهب ~~إليه.» # تيليماخوس يعلن أنه وحده السيد الموقف # عندئذ خاطبها تيليماخوس الحكيم، قائلا: «أماه، أما القوس، فلا ~~أحد من الآخيين له الحق في التحكم فيها أكثر مني؛ فأنا الذي ~~أعطيها أو أحرمها من أشاء - كلا، ولا أي فرد ممن يسيطرون على ~~إيثاكا الصخرية، أو على الجزر تجاه إليس # Elis # مرعى الخيول. لا أحد من بين هؤلاء يستطيع أن ~~يمنعني من تنفيذ إرادتي ضد رغبتي، حتى ولو رغبت في أن أعطي هذه ~~القوس في الحال للغريب ليأخذها معه، فهل لك أن تذهبي إلى مقصورتك، ~~وتشغلي نفسك بأعمالك الخاصة، المنوال والفرناس، وتأمري وصيفاتك ~~بأن ينهمكن في أعمالهن؟ فستكون القوس للرجال جميعا، ولكن قبل أي ~~فرد ستكون لي؛ إذ إن لي السيادة في هذا المنزل.» # عجبت ms355 بينيلوبي من كلام ابنها، فقفلت راجعة إلى مقصورتها؛ ~~لأنها وضعت في قلبها كلام ابنها الحكيم، فصعدت إلى مقصورتها ~~العليا مع وصيفاتها، وبعد ذلك أخذت تبكي أوديسيوس، زوجها العزيز، ~~إلى أن ألقت أثينا ذات العينين النجلاوين النوم اللذيذ فوق ~~جفنيها. # راعي الخنازير يحمل القوس إلى الغريب # والآن كان راعي الخنازير العظيم قد تناول القوس المعقوفة وحملها، ~~بيد أن كافة المغازلين صاحوا في الساحات، فتحدث إليه أحد الشبان ~~المتعجرفين، وخاطبه بقوله: ~~«إلى أين بربك، تحمل القوس المعقوفة، يا راعي الخنازير الحقير، ~~أيها الرجل الشارد الفكر؟ سرعان ما ستبتلعك الكلاب - وأنت بمفردك ~~وبعيدا عن الناس - الكلاب التي ربيتها أنت نفسك، إذا كان ~~أبولو كريما معنا، وكذا الآلهة الآخرون الخالدون.» # هكذا كانوا يتكلمون، فوضع الراعي القوس، وهو يحملها، في نفس ~~ذلك المكان الذي رفعها منه، وقد تملكه الذعر لأن رجالا عديدين ~~كانوا يصيحون عاليا في الساحات. بيد أن تيليماخوس صاح من الجانب ~~الآخر يهدده، فقال: ~~«احمل القوس، يا أبتاه - سرعان ما سوف تندم إذا ما اهتممت ~~بصياح هذا الجمع - خشية، أن أجرك إلى الحقل، ولو أنني أصغر ~~منك، وأرجمك بالحجارة؛ لأنني أفوقك قوة. وكم كنت أتمنى أن ~~أتفوق في القوة وشدة البأس على جميع هؤلاء المغازلين الموجودين ~~بمنزلنا! إذن لأمكنني أن أطرد الكثيرين بسرعة من منزلنا ليذهبوا ~~إلى حال سبيلهم في حالة يرثى لها؛ لأنهم يدبرون ~~الشرور.» # ما إن أتم حديثه ذاك، حتى ضحك جميع المغازلين وسخروا منه ~~مرحين، وهكذا خففوا من حدة غضبهم ضد تيليماخوس. ومع كل فقد حمل ~~راعي الخنازير القوس عبر الساحة، وتوجه إلى أوديسيوس الحكيم، ~~ووضعها بين يديه. بعد ذلك استدعى الراعي المربية يوروكليا، وقال ~~لها: ~~«إن تيليماخوس يأمرك، أيتها القافلة يوروكليا، أن تقفلي أبواب ~~الساحة المحكمة الإغلاق، وإذا سمعت أي واحدة من النساء في ~~الداخل تأوهات أو ضجيج الرجال داخل ساحاتنا، فلا تسمحي لهن ~~بالانطلاق إلى الخارج مسرعات، بل يجب أن يبقين حيث هن في سكون ~~منهمكات في أعمالهن.» # هكذا قال لها، بيد أنها لم تنطق بكلمة واحدة، وأقفلت ms356 أبواب ~~الساحات الرائعة. # قوة الغريب ومهارته تثيران دهشة المغازلين # أما فيلويتيوس فانطلق في سكون خارج المنزل، وأسرع بإغلاق ~~بوابات الفناء المسور جيدا. وكان هناك وقتئذ أسفل الرواق ~~قاع سفينة مقوس، مصنوع من الخشب الفينيقي، فأحكم به إغلاق ~~البوابات، ثم ذهب هو نفسه بعد ذلك إلى الداخل. وجلس فوق المقعد ~~الذي كان قد نهض منه، وثبت بصره على أوديسيوس، وكان وقتئذ يحمل ~~القوس في يديه، يقلبها في يديه إلى هذا الجانب وذاك ويعجم ~~عودها في هذا الاتجاه وذلك، خشية أن تكون الديدان قد أصابت ~~أطرافها، إبان غياب سيدها؛ وعلى ذلك كان كل واحد من المغازلين ~~ينظر إليه ويتحدث إلى جاره قائلا: ~~«حقا، إن له عينا فاحصة، كما أنه وغد مكار ذلك الذي يمسك ~~القوس. ربما كان لديه أمثال هذه الأقواس محفوظة هناك في بيته، أو ~~ربما كان يزمع أن يصنع واحدة؛ إذ أراه يقلبها هكذا في هذا ~~الاتجاه وفي ذاك بين يديه، ذلك المتسول ذو الأسمال ~~البالية.» # كذلك كان يقول شاب آخر من الشبان المتغطرسين: ~~«ليت هذا الرجل يجد فائدة في مثل هذا الإجراء، فيبرهن على ~~مقدرته في تركيب الوتر بهذه القوس.» # المغازلون في فزع بينما أوديسيوس وولده في فرح # هكذا كان يقول المغازلون، بيد أن أوديسيوس الواسع الحيلة، ما إن ~~رفع القوس الضخمة ووزنها من كل جانب - شأنه شأن الرجل البالغ ~~المهارة في العزف على القيثارة والغناء عندما يشد الوتر بسهولة ~~حول مفتاح جديد ويثبت كلا من طرفي وتر أمعاء الخراف ~~المبروم - هكذا أيضا ثبت أوديسيوس الوتر بدون عناء في القوس ~~العظيمة، ثم رفعه في يده اليمنى، وعجم عود الوتر، الذي أصدر ~~نغمة عذبة عندما لمسه، كما لو كان عصفور الجنة يغرد. أما ~~المغازلون فاكتأبوا اكتئابا بالغا، وامتقعت وجوههم، وأرعد زوس ~~عاليا، معلنا دلائله. وعندئذ ابتهج قلب أوديسيوس العظيم، الكثير ~~التحمل، من أن ابن كرونوس ذا المشورة الملتوية قد أرسل إليه فألا، ~~فالتقط سهما سريعا، كان موضوعا عاريا إلى جواره فوق المائدة، ~~بينما كانت السهام الأخرى مكدسة بداخل الكنانة الواسعة، ms357 تلك ~~السهام التي كان على الآخيين أن يتذوقوا طعمها سريعا، فتناول ~~أوديسيوس هذا السهم، ووضعه في سرة القوس، ومن فوق الكرسي الذي ~~كان يجلس عليه جذب وتر القوس والسهم المشحوذ، وترك السهم يطير ~~بإصابة محكمة، ولم يخطئ طرف يد واحدة من أيدي الفئوس، بل انطلق ~~السهم داخلها وخرج من النهاية الأخرى محملا بالبرونز، ثم تحدث إلى ~~تيليماخوس، قائلا: ~~«أي تيليماخوس، إن الغريب الجالس في ساحاتك لا يجلب عليك العار، ~~ولم أخطئ الهدف بأية حال، ولم أبذل جهدا طويلا في تثبيت الوتر ~~في القوس؛ وما زالت قوتي سليمة - وليست كما يسخر مني المغازلون. ~~أما الآن فقد آن أوان إعداد العشاء للآخيين، بينما لا يزال النور ~~موجودا، وبعد ذلك يجب أن تقام مباراة أخرى بالغناء والقيثارة؛ ~~لأن مثل هذه الأشياء مما يصاحب الوليمة.» # قال هذا، وأشار بحاجبيه، فإذا بتيليماخوس، الابن العزيز ~~لأوديسيوس المقدس، يتمنطق بسيفه البتار، ويمسك برمحه في قبضته، ~~ويسرع بالوقوف إلى جوار الكرسي بجانب أبيه، مسلحا بالبرونز ~~البراق. # | الأنشودة الثانية والعشرون # أوديسيوس يبث الذعر وسط المغازلين # خلع أوديسيوس الكثير الحيل عنه أسماله البالية وقفز إلى عتبة ~~الباب العظيمة ومعه القوس والجعبة مملوءة بالسهام، ونثر السهام ~~السريعة أمام أقدامه تماما وتحدث وسط المغازلين، قائلا: ~~«يا للعجب! لقد انتهت هذه المباراة الحاسمة أخيرا. والآن، ~~سأجرب لأعرف # 1 # ما إذا كنت أستطيع إصابة هدف آخر، لم يعتوره أي ~~رجل آخر من قبل، ولتمنحني المجد يا أبولو.» # قذف أوديسيوس، الحكيم ~~الداهية، وجماعته رماحهم الحادة. # قال هذا وسدد سهما مريرا نحو أنتينوس. وكان هذا الآن على وشك ~~أن يرفع إلى شفتيه كأسا بديعة، كأسا من الذهب ذات مقبضين، وكان ~~يحملها وقتئذ في يده، لكي يحتسي الخمر، ولم يكن الردى يطرأ على ~~مخيلته، فمن من أولئك الرجال الذين كانوا جالسين يتناولون ~~اللحم، كان يتصور أن رجلا واحدا وسط كثيرين، مهما أوتي من ~~القوة، يمكن أن يجلب على نفسه الموت الشرير والحتف الأسود؟ ولكن ~~أوديسيوس سدد إصابته، وضربه بسهم في حلقه، وإذا بطرف السهم ~~ينفذ خلال العنق ms358 الرقيق تماما، فترنح إلى جانب، وسقطت الكأس ~~من يده عندما أصابه السهم. وفي الحالة تصاعدت إلى منخريه كتل ~~سميكة من الدم البشري، ولتوه أبعد المائدة عنه بركلة من قدمه، ~~فانتثر كل الطعام فوق الأرض، وتلطخ الخبز واللحم المشوي. بعد ذلك ~~دب الهرج والمرج بين المغازلين في شتى أنحاء الساحات، وأبصروا ~~الرجل مجندلا، فوثبوا من فوق مقاعدهم العالية، يهرولون في ~~الساحة مرتاعين ملتاعين، يحملقون في كل مكان بطول الحوائط ~~المكينة البنيان. بيد أنه لم يكن هناك في أي مكان أي درع أو رمح ~~قوي يمكنهم أن يتسلحوا به، ولكنهم أمطروا أوديسيوس سيلا من الشتائم، # 2 # قائلين: ~~«أيها الغريب، إلى حتفك تسعى بالتصويب نحو الرجال؛ فلن تشترك قط ~~ثانية في مباريات أخرى؛ فها هو ذا هلاكك الشامل يتحقق الآن. ~~نعم، لأنك قتلت الآن رجلا يفوق كثيرا سائر الشباب في إيثاكا؛ ~~وعلى ذلك فسوف تنهش جوارح الطير جسمك هنا.» # أوديسيوس يتوعد المغازلين بالموت الزؤام # هكذا قال # 3 # كل رجل؛ لأنه خيل إليهم أنه حقا لم يقتل الرجل ~~متعمدا، وفي حماقتهم، لم يدركوا أن حبال الهلاك قد ثبتت ~~بإحكام عليهم هم أنفسهم جميعا. بعدئذ قطب أوديسيوس الكثير ~~الحيل حاجبيه وبنظرة غاضبة رد عليهم، بقوله: ~~«أيها الكلاب، لقد حسبتم أنني لن أعود أبدا من بلاد طروادة إلى ~~منزلي؛ لأنني أراكم قد خربتم بيتي، واضطجعتم مع الوصيفات ~~عنوة، وبينما أنا ما زلت على قيد الحياة، رحتم تغازلون زوجتي ~~خلسة، دون خوف من الآلهة الذين يحتلون السماء الفسيحة، أو ~~احترام للبشر، الآتين إلى هنا من بعد. والآن، قد ثبتت عليكم ~~جميعا حبال الهلاك.» # يوروماخوس يستدر عطف أوديسيوس # ما إن قال هذا، حتى استولى # 4 # عليهم جميعا الخوف الشاحب، فأخذ كل رجل يتطلع ~~حواليه عله يجد مهربا من الهلاك الشامل، ولكن يوروماخوس وحده ~~رد عليه، قائلا: ~~«إذا كنت أنت أوديسيوس إيثاكا حقيقة، وقد عدت إلى منزلك ~~ثانية، إذن فهذا الذي تقوله هو عين كافة ما فعله الآخيون - كثيرا ~~من أعمال الحماقة الطائشة في ساحاتك وكثيرا منها في حقولك ms359 . بيد أن ~~الملوم على كل هذا، يرقد الآن ميتا، إنه أنتينوس؛ فهو الذي ~~تسبب في هذه الأعمال، لا بدافع الرغبة في الزواج أو الحاجة إليه، ~~بل لغرض آخر كان يسعى إليه، ولم يحققه له ابن كرونوس؛ ذلك أنه ~~كان يريد أن ينصب نفسه ملكا على أرض إيثاكا الآهلة بالسكان، وكان ~~يرغب في أن يكمن لابنك ويقتله، فها هو ذا الآن ملقى صريعا، ~~جزاء وفاقا، ولكن هل لك أن تبقي على الآخرين الذين هم أتباعك؟ ~~وبعد ذلك سنطوف البلاد ونأتي لك بتعويض مقابل جميع ما شرب وأكل ~~في ساحاتك، ويحضر لك كل رجل تعويضا يوازي قيمة عشرين ثورا، ~~ويسدد لك بالبرونز والذهب إلى أن يرضى قلبك، ولكن حتى هذا الحين ~~لا يمكن لأي فرد أن يلومك على غضبك.» # أوديسيوس يتوعد المغازلين جميعا بالموت # عندئذ نظر إليه أوديسيوس ~~الواسع الحيلة نظرة غضب من أسفل حاجبيه، وقال له: «كلا، يا ~~يوروماخوس، حتى ولو أعطيتني كافة ما ترك لك آباؤك، تعويضا لي، ~~جميع ما تمتلكه الآن، وتضيف إليه ثروة أخرى من أي مكان تستطيع ~~الحصول عليها منه، ولا حتى هكذا يمكنني أن أكف يدي عن القتل ~~إلى أن يدفع المغازلون ثمن جميع اعتداءاتهم كاملا. وليس أمامكم ~~الآن إلا أن تقاتلوا في قتال سافر، أو تولوا الأدبار هاربين، ~~إذا استطاع أي رجل أن يتحاشى المنية والحتوف، غير أن كثيرين، ~~حسبما أعتقد، لن يهربوا من الهلاك الشامل.» # يوروماخوس يناشد المغازلين مهاجمة أوديسيوس # هكذا تكلم، وإذا بركبهم ترتخي حيث كانوا واقفين، وذابت ~~قلوبهم؛ وتحدث يوروماخوس في وسطهم من جديد مرة أخرى، ~~فقال: ~~«أصدقائي، بما أنكم ترون أن هذا الرجل لن يكف يديه اللتين ~~لا يمكن قهرهما، وبما أنه يمسك الآن بالقوس المصقولة وجعبة السهام، ~~فإنه سيظل يطلق من العتبة الناعمة إلى أن يصرعنا جميعا، هلموا ~~بنا، نفكر في النزال. استلوا سيوفكم، وضعوا الموائد أمامكم ~~وقاية لكم من السهام التي تجلب الموت السريع، ولننقض عليه ~~جميعا كتلة واحدة، عسى أن نستطيع زحزحته من العتبة والبوابة، ~~فينطلق خلال المدينة ms360 ، وبذا يزول الخطر بسرعة. وهكذا يكون هذا الرجل ~~قد أطلق سريعا آخر طلقة له.» # يوروماخوس يلقى حتفه # ما إن قال هذا حتى استل سيفه الحاد المصنوع من البرونز، السيف ذا ~~الحدين، وقفز نحو أوديسيوس بصيحة مفزعة، وفي نفس ذلك الوقت كان ~~أوديسيوس العظيم قد أطلق في الفضاء سهما، فأصابه في صدره بجانب ~~حلمة ثديه، وثبت النصل السريع في كبده، فترك يوروماخوس السيف يسقط ~~من يده على الأرض، وإذ انحنى فوق المائدة مال وسقط، وأوقع على ~~الأرض الطعام والكأس ذات المقبضين، ثم راح يضرب الأرض بحاجبه من ~~فرط عذاب روحه، وصار يرفس بكلتا قدميه ويهز المقاعد، ثم إذا ~~بغمامة من الضباب تغشى عينيه. # تيليماخوس يقتل أمفينوموس # بعد ذلك انقض أمفينوموس على أوديسيوس المجيد، بسرعة، شاهرا ~~سيفه الحاد، أملا في أن يخرج أوديسيوس أمامه من الباب، ولكن ~~تيليماخوس كان أسرع منه؛ إذ عاجله بضربة من الخلف برمحه البرونزي ~~الطرف فيما بين كتفيه، ودفعه خلال صدره، فسقط بهدة، وضرب الأرض ~~بعرض جبينه. أما تيليماخوس فقفز إلى الوراء، تاركا الرمح الطويل ~~حيث هو، في ظهر أمفينوموس؛ لأنه كان يخشى إذا حاول سحب الرمح ~~الطويل، أن يهجم عليه أحد الآخيين، ويطعنه بسيفه، أو يسدد نحوه ~~ضربة وهو ينحني على الجثة؛ ومن ثم، جرى بسرعة نحو أبيه العزيز، ~~وما إن وقف إلى جانبه حتى خاطبة بكلمات حماسية # 5 # قائلا: ~~«سأحضر لك، يا أبتاه، ترسا ورمحين وخوذة من البرونز الخالص، ~~تثبت جيدا بالجبين، وبعد أن أعود ثانية أسلح نفسي، كما أنني ~~سأعطي عدة حربية كذلك لراعي الخنازير ولذلك الراعي؛ لأنه من ~~الخير لنا أن نلبس العدد الحربية.» # تيليماخوس يحضر ترسا ورمحا لأوديسيوس # عندئذ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «أسرع، وأحضرها، ~~بينما لا يزال عندي رماح أذود بها عن نفسي، خشية أن يدفعوني من ~~الباب، وأنا هكذا وحدي.» # ما إن قال هذا، حتى صدع تليمياخوس بأمر أبيه العزيز، وانطلق في ~~طريقه إلى حجرة الخزين حيث كانت الأسلحة المجيدة مخزونة، فتناول من ~~هناك أربعة تروس وثمانية رماح وأربع خوذات ms361 من البرونز، ذات ~~رياش سميكة من شعر الخيول، وحملها، وبسرعة هرع إلى أبيه ~~العزيز. وعندئذ تمنطق هو أولا بالبرونز حول جسده، وكذلك لبس ~~العبدان حلتين حربيتين جميلتين ثم وقفا على جانبي أوديسيوس، ~~ذلك الرجل الحكيم الداهية. # المغازلون يتساقطون أمام سهام أوديسيوس # أما هو، فطالما كانت لديه سهام يدافع بها عن نفسه؛ فقد استمر ~~يطلق، ويجندل المغازلين واحدا بعد آخر في منزله، وراحوا يسقطون ~~بكثرة وبسرعة. حتى إذا ما نفدت السهام من الأمير، وهو يطلق، ~~أسند القوس إلى قائم باب الساحة المكينة البنيان وتركها مستندة ~~إلى حائط المدخل المتألق. أما هو شخصيا، فقد وضع حول كتفيه ~~درعا ذات أربع طبقات، ولبس فوق رأسه العتيد خوذة مكينة الصنع ~~ذات ريشة من شعر الخيل، كانت تهتز بشدة فوق رأسه، كما تناول ~~رمحين متينين، مدببين بالبرونز. # المغازلون في حيرة من أمرهم # ولما كان هناك في الحائط القوي البنيان باب سري # 6 # معين مرتفع، وكان في أعلى منسوب عتبة الساحة ~~المكينة البنيان طريق يؤدي إلى ممر، وكانت تغلقه أبواب محكمة ~~الإقفال، فقد أمر أوديسيوس راعي الخنازير العظيم بمراقبة هذا الباب ~~الخلفي، متخذا وقفته إلى جواره؛ لأنه كان هناك طريق واحد للوصول ~~إليه؛ عندئذ تكلم أجيلاوس وسط المغازلين. وأعلن كلمته للجميع، ~~فقال: ~~«أصدقائي، ألا يصعد أحدكم إلى الباب السري، ويخبر الناس، حتى ~~يمكن لمثل هذا الإزعاج أن يزول بسرعة؟ وعندئذ يكون هذا الرجل قد ~~ضرب بسرعة ضربته الأخيرة.» # عندئذ رد عليه ميلانثيوس، راعي المعيز، بقوله: «لا يمكن هذا ~~يا أجيلاوس، يا ربيب زوس؛ لأن باب القلعة الجميل قريب جدا، كما ~~أن فتحة الممر وعرة. إن في مكنة رجل واحد أن يسد الطريق أمام ~~الجميع، إذا كان جريئا، ولكن تعال، دعني أحضر لك من حجرة ~~الخزين أسلحة ترتديها؛ لأنها في الداخل، كما أعتقد، فلم يضعها ~~أوديسيوس وابنه المجيد في أي مكان آخر.» # المغازلون يحصلون على تروس ورماح # ما إن قال هذا، حتى صعد ميلانثيوس، راعي المعيز، درجات سلم # 7 # الساحة إلى مخازن أوديسيوس، فأخذ منها اثني عشر ms362 ~~ترسا، وعددا كبيرا من الرماح، وأكبر عدد ممكن من الخوذات ~~البرونزية ذات الرياش السميكة من شعر الخيول، وعاد في طريقه، ~~وأسرع فأحضرها وأعطاها للمغازلين؛ عندئذ ارتخت ركبتا أوديسيوس ~~وذاب قلبه، عندما أبصرهم متدثرين بالحلل الحربية ويلوحون ~~برماح طويلة في أيديهم، وبدت المهمة شاقة أمامه، فخاطب ~~تيليماخوس بكلمات حماسية، # 8 # قائلا: ~~«لا شك أن إحدى النساء في الساحات تثير ضدنا معركة شريرة، أو ~~ربما كان هو ميلانثيوس.» # عندئذ أجابه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «إنني أنا نفسي الذي ~~أخطأت في هذا، يا أبتاه، ولا ينصب اللوم على أحد غيري؛ لأنني ~~تركت باب حجرة الخزين المحكم الإغلاق مفتوحا، وكان رقيبهم ~~خيرا مني. والآن اذهب، أيها العظيم يومايوس، وأغلق باب حجرة ~~الخزين، وتأكد مما إذا كانت هي إحدى النساء التي فعلت هذا، أم ~~هو ميلانثيوس بن دوليوس، كما أتوقع.» # أوديسيوس يأمر بحبس ميلانثيوس الخائن # هكذا تحدث كل واحد منهما إلى الآخر، ولكن ميلانثيوس، راعي ~~المعيز، ذهب ثانية إلى حجرة الخزين لكي يحضر حلة حربية ~~جميلة، فلمحه راعي الخنازير، وفي الحال تحدث إلى أوديسيوس الذي ~~كان قريبا منه، قائلا: ~~«يا ابن لايرتيس، المنحدر من زوس، أي أوديسيوس الواسع الحيلة، ~~ها هو ذا ثانية ذلك الشخص الموبوء، الذي كنا نشك فيه نحن أنفسنا، ~~ذاهب إلى حجرة الخزين، فهل لك أن تخبرني ماذا أفعل حقيقة، ~~أأقتله، لو أثبت أنني أفضل منه، أم أحضره إليك هنا، كي يلقى ~~هذا الرجل جزاء الجرائم العديدة التي اقترفها في منزلك؟» # فأجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «سنحتفظ أنا وتيليماخوس ~~حقا بالمغازلين الأمجاد في داخل البهو، مهما بلغوا من القوة، أما ~~أنتما فهل لكما أن تشدا وثاق قدميه إلى الخلف وذراعيه إلى أعلى، ~~وتلقيا به في حجرة الخزين، وتربطا خلف ظهره ألواحا؛ وتربطاه ~~بحبل مجدول، وترفعاه إلى فوق في العمود الطويل، إلى أن يصل إلى ~~قرب ألواح السقف، كي يظل حيا مدة طويلة، ويعاني عذابا ~~مؤلما؟» # ما إن قال هذا، حتى أطاعا أمره في الحال، فانطلقا إلى حجرة ~~الخزين، دون أن يراهما وقد كان ms363 بداخلها. لقد كان في الحقيقة يبحث ~~عن حلة حربية في أقصى أنحاء حجرة الخزين، فكمن له الاثنان ~~ينتظرانه، واقفين على جانبي قائمي الباب. وما كاد ميلانثيوس، ~~راعي المعيز، يجتاز عتبة الباب، حاملا في إحدى يديه خوذة طيبة، ~~وفي الأخرى ترسا عريضا عتيقا، مخططا بالصدأ - ترس السيد ~~لايرتيس، الذي كان يحمله وهو في ريعان شبابه ولكنه كان الآن ~~متروكا جانبا مهملا، وكانت سيور أحزمته محلولة - عندئذ انقضا ~~عليه، كلاهما، وأمسكا به، وجذباه من شعره، وألقياه فوق الأرض في ~~هلع شديد، وأحكما شد وثاق قدميه ويديه بقيود عنيفة، رابطين ~~إياها بإحكام وراء ظهره، كما أمرهما ابن لايرتيس، الكثير ~~التحمل، أوديسيوس العظيم، وربطا جسمه بحبل مفتول، ورفعاه عاليا ~~فوق عمود طويل، إلى أن أوصلاه إلى قرب ألواح السقف. وعندئذ سخر ~~منه، يومايوس راعي الخنازير، قائلا: ~~«الآن حقا، يا ميلانثيوس، ستبقى الليل بطولة ساهرا، راقدا ~~فوق فراش وثير، كما يليق بك، ولن يفوتك أن تنتظر مجيء الفجر ~~الباكر، الذهبي العرش، بمجرد مجيئه من مجاري أوقيانوس، في الوقت ~~الذي اعتدت أن تقود فيه عنزاتك للمغازلين، لكي يعدوا الوليمة ~~في الساحات.» # أثينا تظهر لأوديسيوس في صورة مينتور # هكذا ترك هناك، ممددا في القيد الأليم، أما الاثنان فارتديا ~~حلتيهما الحربيتين، وأغلقا الباب اللامع، وذهبا إلى أوديسيوس، ~~الحكيم الداهية، فوقفا هناك، يتنفسان بحماس، فكان أولئك الواقفون ~~عند العتبة أربعة ليس غير، بينما كان الذين بداخل القاعة كثيرين ~~شجعانا. وعندئذ اقتربت منهم أثينا ابنة زوس، في صورة مينتور ~~شكلا وصوتا، فرآها أوديسيوس، وابتهج، وتكلم، قائلا: ~~«أبعد الخراب، يا مينتور، وتذكرني، يا صديقي العزيز، أنا الذي ~~طالما صادقتك؟ إنك في نفس عمري.» # هكذا تكلم، معتقدا أنها أثينا، مثيرة الجيوش. أما المغازلون ~~في الجانب الآخر فراحوا يصيحون في الساحة بصوت مرتفع، وفي البدء ~~زجر أجيلاوس، ابن داماستور # Damastor ~~، أثينا، قائلا: ~~«أي مينتور، لا يخدعنك ~~أوديسيوس بكلامه لتقاتل ضد المغازلين وتساعده هو نفسه؛ فبهذه ~~الطريقة، على ما أعتقد، سوف تثير إرادتنا؛ فبعد أن نقتل هذين ~~الرجلين، الأب وابنه، سنقتلك أنت أيضا معهم، ms364 فلو أزمعت ~~القيام بمثل هذه الأعمال في الساحات، لدفعت الثمن برأسك. ومتى ~~جردناك من قوتك بحد السيف، أضفنا جميع الممتلكات التي في ~~حوزتك داخل الأبواب وفي الحقول إلى ممتلكات أوديسيوس، ولن نسمح ~~لأبنائك أو لبناتك بالإقامة في ساحاتك، كما أن زوجتك المخلصة لن ~~تحظى بطيب العيش في مدينة إيثاكا.» # أثينا تلوم أوديسيوس وتثير حميته # هكذا تكلم، فأثارت أثينا حماس أوديسيوس، وأغضبت قلبه، ~~ونهرته بكلمات مثيرة، قائلة: ~~«أي أوديسيوس، لقد فارقتك قوتك الثابتة وشجاعتك، اللتان ~~كانتا لك يوم أن قاتلت من أجل هيلين العالية المولد، ذات ~~الساعدين الناصعي البياض لمدة تسع سنوات دون انقطاع ضد ~~الطرواديين، وقتلت عددا كبيرا من الرجال في صراع مرير، ~~وبمشورتك سقطت مدينة بريام # 9 # الفسيحة الطرقات، فكيف يحدث الآن، وقد عدت إلى بيتك ~~وممتلكاتك، أن تنكمش باكيا بدلا من أن تقوم بدور الرجال، ضد ~~المغازلين؟ كلا، أيها الصديق، هلم إلي هنا، وقف بجانبي وشاهد ~~أعمالي، لكي تعرف أي نوع من الرجال هو مينتور بن ألكيموس، وكيف ~~يرد الجميل وسط الأعداء.» # هكذا تكلمت، ولكنها لم تمنحه قوة شاملة ليحول مجرى ~~المعركة، بل رغبت في عجم عود قوة وجرأة أوديسيوس وابنه المجيد. ~~وأما فيما يتعلق بها هي نفسها، فإنها طارت عاليا إلى سقف الساحة ~~المملوءة بالدخان. وجلست هناك في هيئة عصفور الجنة، وراحت تشاهد ~~المعركة. # أجيلاوس يأمر المغازلين بالهجوم # عندئذ حث المغازلون بواسطة أجيلاوس بن داماستور، وبواسطة ~~يورونوموس # Eәrynomus ~~، ~~وأمفيميدون # Amphimedon ~~، ~~وديموبتوليموس # Demoptolemus ~~، ~~وبايساندر Peisander ~~، ابن ~~بلوكتور Polyctor # وبولوبوس Polybus # الحكيم؛ إذ كان هؤلاء أعظم ~~جرأة من سائر المغازلين الذين كانوا على قيد الحياة وقتذاك ~~يقاتلون من أجل أرواحهم. أما الباقون فقد جندلتهم القوس والسهام ~~السريعة السقوط فافترشوا الأرض. بيد أن أجيلاوس تكلم وسطهم، ~~وأعلن كلمته للجميع. قائلا: ~~«أيها الأصدقاء، سوف يوقف هذا الرجل يديه اللتين لا تقهران ~~أخيرا. تبا له، لقد انصرف عنه مينتور، دون أن يعمل شيئا غير ~~كلمات الفخر الجوفاء، وها هم أولاء قد تركوا وحدهم عند الأبواب ~~الخارجية؛ وعلى ذلك لا تقذفوا الآن جميع ms365 رماحكم الطويلة نحوهم ~~دفعة واحدة، بل هلموا، أنتم الستة أولا فاقذفوا عسى أن يمنحكم ~~زوس إصابة أوديسيوس، وأن نفوز نحن بالمجد. أما الباقون فلا أهمية ~~لهم، إذا ما سقط هذا.» # ما إن قال هذا القول، حتى قذفوا جميعا رماحهم، كما أمرهم، في ~~حماس. بيد أن أثينا أحبطت عملهم، فأصاب واحد منهم قائم باب ~~الساحة المكينة البنيان، وأصاب غيره الباب المحكم الإغلاق، أما ~~الرمح الدرداري، المثقل بالبرونز، لرجل آخر، فأصاب الحائط. وبعد ~~أن تحاشوا رماح المغازلين، تكلم أوديسيوس العظيم الكثير التحمل ~~وسطهم أولا، فقال: ~~«أصدقائي، أرجو الآن أن نقذف نحن رماحنا إلى عصبة المغازلين، ~~الذين أبوا إلا قتلنا، بالإضافة إلى آثامهم السابقة.» # أوديسيوس وأعوانه يتمنونها حربا شعواء # قال هذا، فإذا بهم جميعا يطلقون رماحهم الحادة بإصابة محكمة، ~~فأصاب أوديسيوس ديموبتوليموس، وتليمياخوس يورياديس # Euryades ~~، وراعي الخنازير ~~إلاتوس # Elatus ~~، بينما انبرى راعي ~~الماشية فقتل بايساندر، وهكذا ضرب هؤلاء جميعا الأرض بأسنانهم في ~~لحظة واحدة، فانسحب المغازلون إلى أقصى نقطة داخل الساحة ~~الفسيحة. أما الآخرون فوثبوا إلى الأمام وجذبوا رماحهم من جثث ~~الموتى. # أثينا تخذل المغازلين وتناصر أوديسيوس ورفاقه # بعد ذلك عاد المغازلون فرموا رماحهم الحادة في حماس، وعادت ~~أثينا فجللت مسعاهم بالفشل، رغم كثرة رماحهم التي قذفوها، فأصاب ~~رجل منهم قائم باب الساحة القوية البنيان، وأصاب آخر الباب ~~المحكم الإغلاق، بينما أصاب الرمح الدرداري، المثقل بالبرونز، ~~لرجل آخر، الجدار، ولكن أمفيميدون أصاب تيليماخوس في رسغ يده، ~~ضربة خادشة، فمزق البرونز سطح الجلد. أما كتيسيبوس فخدش برمحه ~~الطويل كتف يومايوس أعلى ذراعه، بيد أن الرمح انطلق إلى فوق وسقط ~~على الأرض. # وفي تلك الآونة قذف أوديسيوس، الحكيم الداهية، وجماعته رماحهم ~~الحادة مرة أخرى وسط حشد المغازلين، ومن جديد جندل أوديسيوس، سالب ~~المدن، ثانية يوروداماس، وصرع تيليماخوس أمفيميدون، وأصاب راعي ~~الخنازير يولوبوس، وبعد ذلك أطلق راعي الماشية رمحا فأصاب ~~كتيسيبوس في صدره، وزها فوقه، قائلا: ~~«يا ابن بولوثيرسيس Polytherses ~~، يا محب السباب، إياك بعد الآن أن تملأ ~~شدقيك فخرا، مستسلما لحماقتك، بل دع الأمر للآلهة، ms366 أولئك الذين ~~هم أقوى منك بكثير. هذه جائزة ترحيبك الأخير بأوديسيوس الشبيه ~~بالإله؛ إذ أعطيته ركلة عندما دار يستجدي الأكف خلال ~~المنزل.» # أثينا تبث الذعر في قلوب المغازلين # هكذا تحدث راعي الماشية ~~الملساء، ولكن أوديسيوس جرح ابن داماستور في قتال قريب بطعنة من ~~رمحه الطويل، وجرح تيليماخوس لايوكريتوس # Leiocritus ~~، ابن إيفينور # Evenor ~~، بطعنة رمح نجلاء في منطقة حقويه، ~~وغيب البرونز تماما في داخله، فسقط لتوه يضرب الأرض بجبينه ~~كله؛ عندئذ حملت أثينا ترسها، جلاب الخراب على البشر، عاليا ~~من السقف، فدب الذعر في نفوس المغازلين، وأطلقوا العنان لأقدامهم ~~فرارا خلال الساحات، كأنهم قطيع من الأبقار انقضت عليه الذبابة ~~اللاسعة فدفعته أمامها في فصل الربيع، عندما تقبل الأيام ~~الطوال. أو أشبه بجوارح الطير ذات المخالب المعقوفة والمناقير ~~المقوسة التي تهبط من الجبال وتنقض على صغار العصافير، ~~الحائمة في السهل، في طيران منخفض تحت السحب، فتنقض عليها ~~الطيور الجارحة وتقتلها، وهي لا تجد أمامها سبيلا للدفاع أو ~~للفرار، ويبتهج الناس بمنظر المطاردة؛ هكذا أيضا كان أولئك ~~الآخرون عندما هجموا على المغازلين وأعملوا فيهم التقتيل ذات ~~الشمال وذات اليمين في شتى أنحاء الساحة. وكان يرتفع من هناك ~~أنين مخيف كلما ضربت الرءوس، وسبحت الأرض في الدماء. # لايوديس يتوسل إلى أوديسيوس أن يرحمه # عندئذ اندفع لايوديس # Leiodes # إلى الأمام وأمسك بركبتي أوديسيوس، وراح يتوسل إليه، وكلمه ~~بعبارات رقيقة، # 10 # فقال: ~~«أتوسل إليك بركبتيك، يا أوديسيوس، عسى أن تحترمني وتشفق ~~علي؛ لأنني أعلن لك أنني لم أتقدم بأذى قط إلى أي من ~~النساء في ساحاتك سواء بكلمة أو بعمل طائش. كلا، بل كنت أسعى إلى ~~كبح جماح المغازلين الآخرين، كلما هم أحدهم بإتيان مثل هذه ~~الأعمال. غير أنهم لم يكترثوا لقولي فيمنعوا أيديهم من الشر، وعلى ~~ذلك لاقوا حتفهم قاسيا بسبب حماقتهم الطائشة. ومع ذلك فإنني، ~~لست إلا عرافا بينهم، لم أقترف إثما، وسأقتل مثلهم تماما. ~~إذن فلا شكر حقيقة في الأيام المقبلة على القيام بصالح ~~الأعمال.» # أوديسيوس يقتل لايودوس بلا رحمة # عند ذلك نظر ms367 إليه أوديسيوس الواسع الحيلة بنظرة غاضبة من تحت ~~حاجبيه ورد عليه، بقوله: «إذا كنت حقا عرافا وسط أولئك ~~الرجال ، كما تعلن عن نفسك، ~~فأعتقد، أنك كثيرا ما صليت في الساحات لتبعد عني نتيجة العودة ~~السارة، وأن تذهب معك زوجتي العزيزة وتنجب منك أطفالا؛ ومن ~~ثم فلن تنجو من الموت المحزن.» # قال هذا وتناول بيده القوية سيفا كان ملقى بقربه، كان قد تركه ~~أجيلاس يسقط من يده إلى الأرض أثناء مصرعه، فهوى بهذا وضربه فوق ~~عنقه. وبينما كان لا يزال يتكلم، تخبط رأسه في الثرى. # فيميوس يطلب من أوديسيوس أن يرحمه # في تلك الآونة كان ابن تيربيس # Terpes ~~، المنشد، لا يزال يبحث عن مهرب من المنية ~~السوداء، إنه فيميوس، الذي أرغمه المغازلون على أن ينشد بالقوة ~~وسطهم. فوقف بقيثارته الصافية الألحان في يديه بالقرب من الباب ~~السري، حائرا لا يدري ماذا يفعل، أيزحف من الساحة ويجلس بجانب ~~مذبح زوس العظيم، الحسن البناء، مذبح رب القاعة، حيث كان لايرتيس ~~وأوديسيوس قد أحرقا كثيرا من فخاذ الثيران، أم يندفع إلى الأمام ~~ويمسك بركبتي أوديسيوس متوسلا. وبينما هو في حيرته تلك إذ ~~هداه تفكيره إلى وسيلة أفضل، ~~وهي أن يمسك ركبتي أوديسيوس بن لايرتيس؛ ومن ثم وضع قيثارته ~~الجوفاء على الأرض بين طاس المزج والمقعد المطعم بالفضة، وانطلق ~~هو نفسه فأمسك أوديسيوس من ركبتيه، وشرع يتوسل إليه، متحدثا ~~إليه بكلمات رقيقة، # 11 # قائلا: ~~«أتوسل إليك بركبتيك، يا أوديسيوس، راجيا أن تحترمني وترحمني؛ ~~فلو قتلت المنشد، لحل عليك الأسف فيما بعد، أنا الذي ينشد ~~للآلهة والبشر. لقد علمت نفسي بنفسي، وبث الرب في قلبي جميع ~~صنوف الأغاني، وإنه لجدير بي أن أنشد لك إنشادي لأحد الآلهة، ~~وعلى ذلك لا تتلهف إلى ضرب عنقي. كلا، ولسوف يكون تيليماخوس، ~~ابنك العزيز، شاهدا كذلك على هذا، كيف أنني اعتدت المجيء إلى ~~منزلك، ليس بدافع أية رغبة أو إرادة مني، لكي أغني للمغازلين في ~~ولائمهم، ولكنهم؛ إذ كانوا أقوى مني وأعتى، كانوا يسوقونني إلى هنا ~~كرها.» # تيليماخوس يطلب من ms368 أبيه ألا يقتل فيميوس وميدون # هكذا تكلم، وسمعه تيليماخوس القوي العتيد، فأسرع يقول لأبيه ~~الذي كان قريبا منه: ~~«أوقف يدك، ولا تجرح هذا الرجل البريء بالسيف. نعم، ولننقذ ~~كذلك الرسول، ميدون، الذي كان يهتم بي دائما في منزلنا، عندما ~~كنت طفلا، إلا إذا كان فيلويتيوس قد قتله صدفة، أو راعي ~~الخنازير، أو أنه جاء في طريقك وأنت ثائر في أنحاء ~~المنزل.» # هكذا قال، وسمعه ميدون، الحكيم القلب؛ لأنه كان مختبئا تحت أحد ~~المقاعد، يلف نفسه في جلد ثور، مسلوخ حديثا، محاولا اجتناب ~~حتفه الأسود، فنهض في الحال من أسفل الكرسي وخلع عنه جلد الثور، ~~وجرى مسرعا وأمسك بركبتي تيليماخوس، وراح يتوسل إليه، وخاطبه ~~بعبارة رقيقة، # 12 # قائلا: ~~«أيها الصديق، ها أنا ذا آت إليك، كف يدك، واطلب من أبيك أن ~~يكف يده، خوفا من أن يؤذيني بالبرونز الحاد وهو في عنفوان قوته ~~غاضبا من المغازلين، الذين بددوا ممتلكاته في الساحات، وفي ~~حماقتهم لم يظهروا لك فرض التبجيل إطلاقا.» # أوديسيوس يستجيب لنداء ولده # بيد أن أوديسيوس الكثير الحيل ابتسم، وقال له: «فلتنعم بالا؛ إذ ~~قد أعتقك وخلصك، كي تعرف في قلبك وتقول لغيرك أيضا، إن عمل ~~الخير لأفضل بكثير من عمل السوء. وإنما يجب أن تخرج من الساحات ~~وتجلس في الخارج في القاعة بعيدا عن المجزرة، أنت ومنشد الأغاني ~~الكثيرة، إلى أن أنتهي من سائر الأعمال التي يجب أن أقوم بها في ~~المنزل.» # هكذا تكلم، فانطلق ~~الاثنان خارجين بعيدا عن الساحة وجلسا بجوار مذبح زوس العظيم، ~~يتطلعان إلى ما حولهما، متوقعين الموت دائما. كما أن أوديسيوس ~~أخذ يتطلع إلى كل شيء في منزله ليرى ما إذا كان لا يزال هناك أي ~~رجل على قيد الحياة، مختبئا هناك، في محاولة لاجتناب المصير ~~الأسود، غير أنه وجدهم جميعا صرعى غارقين في الدم والتراب - كافة ~~عصبتهم - أشبه بالأسماك التي أمسك بها الصيادون في عيون شبكاتهم ~~من البحر السنجابي ووضعوها على الشاطئ المنحني، فتظل كلها ~~مكومة فوق الرمل، تواقة إلى أمواج البحر، وعندئذ تسلبها ~~الشمس ms369 المتألقة حياتها؛ هكذا تماما كان المغازلون وقتئذ يرقدون ~~في كومة بعضهم فوق البعض الآخر، ثم خاطب أوديسيوس الكثير الحيل ~~تيليماخوس، بقوله: ~~«أي تيليماخوس، اذهب الآن واستدع لي المربية يوروكليا، كي ~~أخبرها بما يجول بخاطري.» # تيليماخوس ينادي يوروكليا # ما إن قال هذا، حتى أطاع تيليماخوس أمر أبيه العزيز، فطرق الباب ~~وقال ليوروكليا: ~~«انهضي وأسرعي إلى هنا، أيتها الزوجة العجوز، يا من عهدت إليك ~~مسئولية جميع خادماتنا في الساحات. هلمي؛ فإن أبي يناديك، ~~ليخبرك بشيء.» # هكذا تكلم، فلم تجبه بشيء، بل فتحت أبواب الساحة الفخمة، ~~آتية، وسار تيليماخوس أمامها. وهناك وجدت أوديسيوس وسط جثث ~~القتلى، المضرجة كلها بالدماء والملطخة بالأوساخ، أشبه بليث أتى ~~من الضيعة بعد أن أتى على ثور فيها، فغدا صدره وخداه من ~~الجانبين ملطخة بالدم، ومنظره مفزعا؛ هكذا كان أوديسيوس أيضا، ~~ملوث القدمين واليدين من فوق. فلما أبصرت الجثث وبركة الدم ~~الكبيرة، همت بإطلاق صيحات الفرح العالية؛ إذ شاهدت العمل ~~العظيم الذي قام به، ولكن أوديسيوس منعها وكبح جماح حماسها، ~~فخاطبها بكلمات مجنحة، # 13 # قائلا: ~~«اغتبطي قلبا، أيتها السيدة العجوز، وإنما تمالكي نفسك ولا ~~تصيحي عاليا؛ فليس أمرا مقدسا أن تفخري على رجال مجندلين. لقد ~~حظي هؤلاء الرجال بنصيب الآلهة المحطمين وأعمالهم الطائشة؛ لأنهم ~~لم يعملوا حسابا لأي فرد من البشر فوق ظهر الأرض، سواء أكان ~~شريرا أم خيرا، مهما كان ذلك الذي يأتي إليهم؛ وعلى هذا جلبوا ~~على أنفسهم ميتة شائنة من فرط حماقتهم الطائشة. والآن، هيا، ~~أخبريني عن أسماء النساء في الساحات، وأيهن لا تكن لي الاحترام. ~~وأيهن بريئات.» # يوروكليا تخبر أوديسيوس عن خادمات السوء بالقصر # فأجابته المربية العزيزة يوروكليا، وقالت: «إذن، فلأخبرنك ~~بالحقيقة كلها يا ولدي. لديك خمسون خادما في ساحتك، نساء ~~دربناهن على القيام بأعمالهن، من مشط الصوف وحمل جراية العبيد. ~~من هؤلاء اثنتا عشرة، هن كل من سرن بأقدامهن في طريق العار، ولم ~~يبدين الاحترام لي ولا لبينيلوبي نفسها. ولم يبلغ تيليماخوس مبالغ ~~الرجال إلا حديثا، ولم تسمح له والدته بالسيطرة على الخادمات. ~~والآن، ms370 دعني أصعد إلى المقصورة المتألقة العليا لأحمل النبأ إلى ~~زوجتك، التي أنزل عليها أحد الآلهة نوما.» # فقال أوديسيوس الكثير الحيل: «لم يأت الأوان لإيقاظها بعد، ~~ولكن مري النساء بالمجيء إلى هنا، اللواتي قمن فيما مضى بأعمال ~~مخزية.» # هكذا تكلم، وذهبت السيدة العجوز عبر الساحة لتحمل النبأ إلى ~~النساء، وتأمرهن بالمجيء، أما أوديسيوس فاستدعى إليه تيليماخوس ~~والراعي وراعي الخنازير وتحدث إليهم بكلمات حماسية، ~~قائلا: ~~«ابدءوا الآن بحمل جثث القتلى ومروا النساء بمساعدتكم، ثم ~~نظفوا المقاعد الجميلة والموائد بالماء والإسفنج المسامي. وبعد ~~ترتيب المنزل كله بنظام، خذوا النساء بعيدا عن الساحة المكينة ~~البنيان إلى مكان بين القبة # 14 # وسور الفناء العظيم، وعندئذ اضربوا أعناقهن هناك ~~بسيوفكم الطويلة، حتى تسلبوهن الحياة جميعا، وينسين العشق الذي ~~نلنه بأمر المغازلين، عندما اضطجعن معهم سرا.» # الخادمات يبكين ويأتمرن بأمر أوديسيوس # هكذا تكلم وأقبلت النساء مجتمعات معا، باكيات بكاء شديدا ~~ودموعهن تنهمر غزيرة، فبدأن بحمل جثث القتلى بعيدا ووضعنها أسفل ~~رواق الفناء القوي السياج، وأسندن كل جثة في مقابل الأخرى، بينما ~~كان أوديسيوس نفسه يصدر إليهن الأوامر ويجعلهن في العمل، حتى نقلن ~~الجثث بعيدا بالقوة. بعد ذلك طفقن ينظفن المقاعد الجميلة ~~العالية والموائد بالماء والإسفنج المسامي. أما تيليماخوس وراعي ~~البقر وراعي الخنازير فشرعوا يكحتون أرض المنزل المكين البنيان، ~~وحملت النساء الطبقة المكحوتة بعيدا وألقينها خارج الأبواب. ~~وبعد أن رتبوا كل الساحة، ساقوا النساء بعيدا عن الساحة المكينة ~~البنيان إلى موضع بين القبة وسور الفناء العظيم، وحبسوهن في مكان ~~ضيق يتعذر الفرار منه بأية حالة من الأحوال. بعدئذ كان ~~تيليماخوس الحكيم أول من تكلم إلى الآخرين، قائلا: ~~«فلأسلبن هؤلاء النسوة حياتهن في ميتة غير نظيفة، هؤلاء ~~اللواتي طالما صببن التأنيبات على رأسي وعلى أمي، وتمادين في ~~الاضطجاع مع المغازلين.» # الخادمات الفاسقات يلقين حتفهن # هكذا تكلم، وربط حبلا سميكا لسفينة دكناء الحيزوم إلى عمود ~~ضخم، وقذف به حول القبة، باسطا إياه إلى مسافة عالية حتى لا ~~تستطيع إحداهن أن تصل إلى الأرض بأقدامها. وكما يحدث عندما يقع ~~الكروان الطويل ms371 الأجنحة أو اليمام في فخ أقيم وسط الأحراش، وهو ~~يبحث عن مكان يرقد فيه، وممقوت هو الفراش الذي يرحب به، هكذا ~~أيضا رفعت النسوة رءوسهن في صف، والتفت الأنشوطات حول ~~أعناقهن جميعا لكي يلقين ميتة محزنة أبلغ الحزن. وبعد ذلك صرن ~~يترنحن قليلا بأقدامهن، ولكن ذلك لم يكن لمدة طويلة. # بعد ذلك قادوا ميلانثيوس عبر الباب والفناء، وجدعوا منخريه ~~وقطعوا أذنيه بالبرونز العديم الرحمة، وأخرجوا أحشاءه للكلاب ~~لكي تأكلها نيئة، ثم قطعوا يديه ورجليه في غضبهم ~~الثائر. # أوديسيوس يتطهر من دم القتلى المسفوك # بعد أن أتموا ذلك، غسلوا أيديهم وأقدامهم، وذهبوا إلى المنزل عند ~~أوديسيوس، وكان العمل قد تم، ولكن أوديسيوس تحدث إلى المربية ~~العزيزة يوروكليا، وقال: «أحضري الكبريت، أيتها السيدة العجوز، ~~لأتطهر من الدنس، وكذلك أحضري لي نارا، كي أطهر الساحة، كما ~~أرجو أن تخبري بينيلوبي بالمجيء إلى هنا مع وصيفاتها، وكذلك تأمري ~~جميع النساء اللواتي في المنزل بالمجيء أيضا.» # عندئذ أجابته المربية العزيزة يوروكليا، قائلة: «نعم، كل هذا، ~~الذي قلته صواب، يا ولدي، ولكن تعال، دعني أحضر لك عباية ~~وجلبابا يسترانك، ولا تقف هكذا في الساحات بكتفيك العريضتين ~~مغطاتين بالأسمال؛ وكان هذا مدعاة إلى اللوم.» # فأجابها أوديسيوس الواسع الحيلة، بقوله: «أولا وقبل كل شيء ~~أوقدي لنا نارا في الساحة.» # هكذا تكلم. ولم تخالف المربية العزيزة يوروكليا أمره، بل ~~أحضرت النار والكبريت. أما أوديسيوس فطهر الساحة والمنزل ~~والفناء تماما. # نساء القصر يحطن أوديسيوس بمظاهر الحب والترحيب # بعد ذلك رجعت السيدة العجوز إلى داخل بيت أوديسيوس الجميل لتحمل ~~النبأ إلى النساء وتأمرهن بالمجيء؛ فأقبلن من ساحتهن يحملن المشاعل ~~في أيديهن. لقد اجتمعن حول أوديسيوس واحتضنه، وأمسكنه وقبلن ~~رأسه وكتفيه ويديه في ترحيب ينم عن الحب، وعندئذ استبد به الشوق ~~العذب للبكاء والنحيب؛ لأنه كان يعرفهن جميعا في قلبه حق ~~المعرفة. # | الأنشودة الثالثة والعشرون # وألقت ذراعيها حول عنق أوديسيوس، ~~وقبلت رأسه. # يوروكليا تزف إلى سيدتها بشرى عودة أوديسيوس فلا ~~تصدقها # بعد ذلك صعدت السيدة العجوز إلى المقصورة العليا، وهي تضحك ~~ملء ms372 شدقيها بصوت مرتفع، لتخبر سيدتها أن زوجها العزيز في البيت. ~~كانت ركبتاها تتحركان في خفة بينما قدماها تزحفان قفزا من تحتهما؛ # 1 # فوقفت عند رأس سيدتها، وتحدثت إليها، ~~قائلة: ~~«استيقظي، يا بنيليوبي، يا طفلتي العزيزة لكي تري بعيني رأسك ~~ما اشتهيته طوال أيامك. إن أوديسيوس هنا، وقد جاء إلى المنزل، ~~رغم أن مجيئه متأخر، وقد قتل المغازلين المتغطرسين الذين كدروا ~~صفو داره، وأكلوا أمواله واضطهدوا ابنه.» # فأجابتها بينيلوبي الحكيمة، بقولها: «أي مربيتي العزيزة، لقد ~~جعلتك الآلهة مخبولة، أولئك الذين في استطاعتهم أن يخبلوا من كان ~~في منتهى العقل، ويدفعوا بسطاء العقول إلى حسن الإدراك. إنهم هم ~~الذين أفسدوا حصافتك، مع أنك قبل ذلك كنت ذات عقل سليم. ماذا ~~دهاك لتسخري مني، وقلبي مفعم بالأحزان، فتقصي على هذه الرواية ~~الخيالية، وتوقظيني من نعاسي، ذلك النعاس الحلو الذي استولى علي ~~وأطبق جفني؟ لأنه لم يسبق لي قط أن استسلمت للكرى العميق هكذا ~~منذ ذلك اليوم الذي رحل فيه أوديسيوس ليرى إليوس اللعينة التي لا ~~يجب أن يذكر المرء اسمها. كلا، هيا الآن، انطلقي عائدة إلى ساحة ~~النساء؛ فلو كانت إحدى النساء الأخريات اللواتي عندي هي التي ~~جاءتني بهذا النبأ، وأيقظتني من النوم، لكنت طردتها فورا لتعود ~~أدراجها مكتئبة إلى الساحة، أما أنت فإن شيخوختك قد منحتك هذه ~~الفائدة.» # يوروكليا تقص على سيدتها أخبار مجزرة المغازلين # عندئذ أجابتها المربية العزيزة يوروكليا، قائلة: «ما أنا ~~بساخرة، يا طفلتي العزيزة، ولكن بالحق إن أوديسيوس هنا، قد جاء إلى ~~داره، كما أقول لك. إنه ذلك الغريب الذي لم يحترمه الجميع في ~~الساحات، ولكن تيليماخوس كان يعرف منذ مدة طويلة أنه هنا، بيد أنه ~~لذكائه أخفى هدف أبيه، إلى أن ينتقم من شرور الرجال ~~المتعجرفين.» # ما إن قالت هذا، حتى طارت بينيلوبي فرحا، ووثبت من سريرها ~~وطوقت السيدة العجوز بذراعيها وأطلقت العنان لدموعها تسقط من ~~جفنيها، وتكلمت، وخاطبتها بكلمات حماسية، # 2 # قائلة: ~~«تعالي الآن، أيتها المربية العزيزة، أتوسل إليك إلا ما ~~صدقتني القول، فخبريني إذا كان قد ms373 جاء حقا إلى المنزل، كما ~~تقولين، وكيف وضع يديه على المغازلين الوقحين، جميعا وهو بمفرده ~~كما كان، بينما هم متكتلون معا في المنزل كما كانوا ~~دائما .» # فأجابتها يوروكليا المربية العزيزة، قائلة «لم أبصر شيئا، ولم ~~أسأل سؤالا، ولكني سمعت فقط أنات الرجال الذين قتلوا. أما نحن ~~النساء، فقد جلسنا نرتجف ذعرا في أقصى جزء من مقصوراتنا المكينة ~~البنيان، وكانت الأبواب المحكمة الإغلاق تحبسنا في الداخل، إلى أن ~~جاءت الساعة التي استدعاني فيها ابنك تيليماخوس من الساحة؛ لأن ~~أباه بعث به ليستدعيني. وعندئذ شاهدت أوديسيوس واقفا وسط جثث ~~القتلى، وكانوا وهم ممددون من حوله فوق الأرض الصلبة يرقدون ~~الواحد فوق الآخر، فكان منظرا يبعث الدفء في قلبك غبطة ~~وابتهاجا. أما الآن فقد جمعت الجثث كلها معا عند أبواب ~~الفناء، وإن أوديسيوس الآن يطهر المنزل الجميل بالكبريت، وأشعل ~~نارا عظيمة، وأرسلني لأناديك. هلمي، تعالي معي، كي يدخل السرور ~~إلى قلبيكما، كليكما؛ لأنكما تحملتما محنا كثيرة. وها هو ذا ~~يتحقق أخيرا ذلك الذي كنت تتوقين إليه بلهفة. لقد جاء هو نفسه، ~~حيا إلى مدفأته، وقد وجدك ووجد ابنه في الساحات. أما بالنسبة ~~لأولئك، المغازلين، الذين افترقوا الشرور في حقه، فقد انتقم منهم، ~~الواحد والجميع في منزله.» # يوروكليا تؤكد لبينيلوبي عودة أوديسيوس # بعد ذلك قالت بينيلوبي الحكيمة: «أي مربيتي الزيزة، لا تملئي ~~شدقيك فخرا وأنت تضحكين هكذا عاليا. إنك تعرفين كيف يرحب ~~الجميع برؤيته في الساحات، ولا سيما أنا وولده، المولود منا نحن ~~الاثنين، دون سائر الجميع، ولكن هذه القصة التي تروينها ليست ~~حقيقية، كما تحكينها. كلا، لا بد أن أحدا ما من الخالدين هو الذي ~~قتل المغازلين الأمجاد غاضبا من وقاحتهم المحزنة وأعمالهم ~~الشريرة؛ إذ إنهم ما كانوا ليحترموا أي فرد من البشر على ظهر ~~الأرض، سواء أكان صالحا أم طالحا، كل من جاء في وسطهم؛ وعلى ذلك ~~لقوا الشر جزاء حماقتهم الطائشة. أما أوديسيوس، ففي مكان ناء فقد ~~عودته إلى أرض آخيا # Achaәa ~~، # 3 # وفقد هو نفسه.» # عندئذ أجابتها المربية العزيزة يوروكليا، ms374 تقول: «أي طفلتي، ما ~~هذه الكلمة التي أفلتت من بين حاجز أسنانك؛ إذ تقولين إن زوجك، ~~الذي هو الآن هنا، عند مدفأته، لن يعود إطلاقا؟! إن قلبك لعديم ~~الإيمان دائما. كلا، تعالي، سأخبرك بعلامة أكيدة بالإضافة إلى ~~هذا، إنها أثر الجرح الذي أصابه به الخنزير البري منذ أمد بعيد ~~بنابه الأبيض. لقد لاحظت هذه العلامة بينما كنت أغسل قدميه، وكنت ~~أتوق إلى إخبارك بها، أنت أيضا، ولكنه وضع يده على فمي، وبحكمة ~~قلبه العظيمة، لم يسمح لي بالكلام؛ ومن ثم تعالي معي، ~~فلأهلكن نفسي، إن كنت أخدعك، ولك أن تقتليني بأشنع ميتة ~~يرثى لها.» # فردت عليها بينيلوبي الحكيمة، بقولها: «يا مربيتي العزيزة، إنه ~~ليصعب عليك أن تدركي سر مشورة الآلهة الخالدين، مهما كنت عاقلة ~~طول حياتك. والآن هيا بنا نذهب إلى ولدي، كي أرى المغازلين قتلى ~~وأرى ذلك الذي قتلهم.» # تيليماخوس يعنف أمه بأقسى الكلمات # ما إن قالت هذا حتى هبطت من مقصورتها العليا وكأن قلبها حيران ~~لا تدري هل تقف بعيدا وتسأل زوجها العزيز، أم تتوجه إليه، وتمسك ~~وتقبل رأسه ويديه. بيد أنها ما إن دخلت واجتازت العتبة ~~الحجرية، حتى جلست في مواجهة زوجها أوديسيوس في ضوء النار ~~المجاورة للحائط البعيد، ولكنه كان جالسا بجوار عمود طويل، ينظر ~~إلى أسفل، وينتظر ما إذا كانت زوجته النبيلة ستقول له شيئا، ~~عندما تبصره عيناها. غير أنها جلست ملتزمة الصمت مدة طويلة، ~~وحلت الدهشة على روحها، وكانت تارة تركز عينيها على وجهه ~~تماما، وتارة أخرى لا تستطيع التعرف عليه؛ لأنه كان مرتديا ~~أسمالا حقيرة. وعندئذ لامها تيليماخوس، وخاطبها قائلا: ~~«أماه، أيتها الأم القاسية، ذات القلب المتشبث، ما الذي ~~يوقفك هكذا بعيدا عن أبي، ولا تجلسين إلى جواره وتسألينه ~~وتستعلمين منه؟ ما من سيدة أخرى قد تحجر قلبها مثلك، فتقف ~~بعيدا عن زوجها، الذي عاد إليها وإلى وطنه بعد غياب عشرين عاما، ~~مقاسيا المشاق الكثيرة المحزنة! بيد أن قلبك دائما أصلب من ~~الصخر.» # عندئذ أجابته بينيلوبي الحكيمة، فقالت: «أي بني، لقد ضاع القلب ms375 ~~الكائن في صدري من شدة العجب، ولا قدرة لي على الكلام إطلاقا، ~~ولا أن أسأل سؤالا، أو أنظر إليه في وجهه، ولكن إذا كان هو ~~أوديسيوس حقا، وقد جاء إلى البيت، فإن كلا منا سيعرف الآخر ~~يقينا؛ لأن لدينا علامات لا يعرفها سوانا، علامات مخفية عن ~~الآخرين.» # أوديسيوس يطيب خاطر تيليماخوس # هكذا تكلمت، وابتسم أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، وخاطب ~~تيليماخوس في الحال بكلمات حماسية، # 4 # قائلا: ~~«أي تيليماخوس، فلتتكفل أمك بفحصي في الساحات، وفي الحال سوف ~~تحظى بمعرفة أكثر تأكيدا. أما الآن فإنها تحتقرني؛ لأنني ملوث ~~بالأقذار، وألبس على جسمي ثيابا زرية، ولا تعترف بعد بأنني هو ~~زوجها. أما نحن، فلنفكر كيف يمكن لكل شيء أن يتم على خير وجه؛ ~~لأنه ما من شخص قتل رجلا واحدا في بلد، حتى ولو لم يترك ذلك ~~الرجل وراءه ذرية تأخذ بثأره إلا وذهب ذلك الشخص إلى المنفى، ~~تاركا أهله ووطنه، فكيف الحال بنا وقد قتلنا أولئك الذين كانوا ~~وجوه المدينة وأعيانها، خير شباب إيثاكا. وإني لآمرك أن تمعن ~~التفكير في هذا الأمر.» # فأجابه تيليماخوس الحكيم، قائلا: «هذا لك يجب أن تفكر فيه ~~أنت نفسك، يا أبتاه العزيز؛ فإن رأيك، كما يقولون، أعظم الآراء ~~سدادا بين البشر، وليس في مكنة أي فرد من الناس أن يتحداك. ~~وأما نحن، فسوف نتبعك في حماس، ولست أعتقد أننا نفتقر إلى ~~الشجاعة، طالما كانت لدينا القوة.» # أوديسيوس يأمر والجميع يصدع # عندئذ رد عليه أوديسيوس الواسع الحيلة، بقوله: «إذن فلأخبرنك ~~بما يبدو لي خير وسيلة. أولا استحموا، ثم البسوا عباياتكم ~~ومروا الوصيفات اللواتي في الساحات أن يرتدين خير ملابسهن. ودع ~~المنشد المقدس يكن قائدنا في الرقص المفرح بقيثارته الواضحة ~~النبرات في يده، حتى إذا ما سمع أحد الصوت في الخارج، سواء أكان ~~عابر طريق أو أحد الذين يسكنون حولنا، ظنها وليمة عرس؛ وعندئذ ~~لا ينتشر خبر قتل المغازلين في شتى أنحاء المدينة قبل أن نخرج إلى ~~مزرعتنا الكثيرة الغابات. وهناك نتدبر فيما بعد الصالح الذي ~~يوحي إلينا به ms376 الأوليمبي.» # 5 # هكذا تكلم، فصدع الجميع لأمره وأطاعوا قوله. وفي البدء ~~اغتسلوا وارتدوا عباءاتهم، وأعدت النسوة أنفسهن، وأمسك المنشد ~~المقدس القيثارة الجوفاء وأثار فيهم الرغبة في الغناء الشجي ~~والرقص العظيم ؛ ومن ثم صدحت القاعة الكبرى من كل جانب بوقع ~~أقدام الرجال وهم يرقصون والنساء الجميلة الزنار. وهكذا قال أحد ~~الذين سمعوا الضوضاء خارج المنزل: ~~«ما هذا؟ حقا إن أحدا ما لا بد قد تزوج الملكة التي كان يهيم ~~بحبها الكثيرون. ما أقساها! إنها لا تملك القلب الذي يجعلها تحتفظ ~~بالمنزل العظيم الذي هو منزل زوجها المقترن بها، حتى النهاية، إلى ~~أن يعود.» # أوديسيوس يظهر في أبهى صورة أمام بينيلوبي # هكذا كانوا يقولون، ولكنهم لم يعلموا جلية الأمور. وفي الوقت ~~نفسه غسلت مدبرة البيت يورونومي أوديسيوس العظيم القلب في ~~منزله، ودهنته بالزيت، وألقت حوله عباءة جميلة وجلبابا. وسكبت ~~أثينا فوق رأسه جمالا بالغا، فجعلته يبدو أطول وأقوى للرائين، ~~وجعلت خصلات من الشعر تتدلى من رأسه مجعدة أشبه بزهرة الخزامى. ~~وكما يطعم المرء الفضة بالذهب، ويكون صانعا ماهرا تدرب على ~~يد هيفايستوس # 6 # وبالاس أثينا حتى حذق جميع طرق المهنة، فيخرج العمل من ~~يده باهرا جميلا، هكذا أيضا بمثل هذا سكبت الربة جمالا فوق ~~رأسه وكتفيه، فخرج من الحمام، في صورة أشبه بالخالدين. وجلس ~~بعدئذ من جديد فوق الكرسي الذي كان قد نهض منه، قبالة زوجته، ~~وتحدث إليها، قائلا: ~~«ما أغرب أطوارك، أيتها السيدة! لقد وهبك القاطنون فوق أوليمبوس، ~~دون سائر النساء، قلبا لا تلين قناته؛ فما من امرأة غيرك كانت ~~تقسي قلبها كما تفعلين، وتقف بعيدا عن زوجها الذي جاء إليها ~~وإلى وطنه في العام العشرين بعد أن كابد الأهوال العديدة المحزنة. ~~كلا، تعالي، أيتها المربية، وابسطي لي فراشا، كي أستطيع أن أرقد ~~وحدي؛ إذ إن القلب الذي في صدرها حقا من الحديد.» # بينيلوبي تعجم عود زوجها # عندئذ أجابته بينيلوبي الحكيمة «بقولها: «أيها السيد الغريب ~~الأطوار، لست متكبرة بأية حال من الأحوال، كما أنني لا أحتقرك، ~~ولست بحال ما قد تتملكني ms377 الدهشة كثيرا، ولكنني أعرف جيدا حالتك ~~التي كنت عليها عندما رحلت من إيثاكا فوق سفينتك ذات المجاذيف ~~الطويلة. ومع ذلك، تعالي، يا يوروكليا، وابسطي له الفراش المكين ~~خارج حجرة الزواج المكينة البنيان التي أقامها هو بنفسه، فأحضري ~~إلى هناك له السرير المتين، وضعي فوقه فرشا، وفراء من الصوف ~~وعباءات وأغطية لامعة.» # هكذا تكلمت، تعجم عود زوجها. بيد أن أوديسيوس، في حمأة ~~غضبه، خاطب زوجته الصادقة القلب، فقال: «أيتها السيدة، ما أعظم ~~مرارة هذه الكلمة التي تفوهت بها! من ذا الذي أقام سريري في ~~مكان آخر؟ إنه ليتعذر على أي فرد، لم ~~يكد بتلك المهارة، إلا إذا كان ~~أحد الآلهة هو الذي يجيء بنفسه ويقيمه بسهولة في مكان آخر. أما ~~البشر فلا يوجد بينهم من الأحياء، مهما كان شابا وقويا، من ~~يستطيع أن ينقله من مكانه في سهولة؛ لأن هناك علامة عظيمة مصنوعة ~~في ذلك السرير الذي كونته؛ إذ إنني أنا الذي صنعته ولا أحد ~~سواي. كانت تنمو بداخل الفناء شجيرة زيتون طويلة الأوراق، وكانت ~~قوية وصلبة، وفي علوها أشبه بالعمود، فبنيت مقصورتي حول هذه، حتى ~~أتممت بناءها، بأحجار مرصوصة متقاربة، وأقمت أعلاها سقفا ~~متينا، وزودتها بأبواب ذات مفاصل، تغلق بإحكام. بعد ذلك قطعت ~~الأغصان المورقة من شجيرة الزيتون الطويلة الأوراق، وبعد أن ~~قطعت الجذع من فوق الجذور تماما، صقلته جيدا بفأس وبمهارة، ~~وقومته مستقيما، وهكذا كونت منه قائم السرير، وثقبته كله ~~بالمثقاب. وإذ بدأت بهذا صقلت سريري، إلى أن أتممته، وطعمته ~~بالعسجد واللجين والعاج، وبسطت فوقه سيورا من جلد الثور، ~~تتألق بالأرجوان. وهكذا أعلن لك هذه العلامة، ولكني لست أعلم، ~~أيتها المرأة، ما إذا كان سريري لايزال قائما في مكانه أم قطعه ~~الآن رجل ما من أسفل جذع شجيرة الزيتون.» # بينيلوبي تعانق أوديسيوس وتقدم عذرها الشديد # ما إن قال هذا، حتى ارتخت ركبتاها حيث كانت تجلس، وذاب قلبها؛ إذ ~~كانت تعرف العلامات الأكيدة التي أخبرها بها أوديسيوس؛ ومن ثم ~~انطلقت تجري نحوه والدموع ~~تنهمر غزيرة من مقلتيها، وألقت ذراعيها حول ms378 عنق أوديسيوس، ~~وقبلت رأسه، وتحدثت إليه، بقولها: ~~«لا تكن مغيظا مني، يا أوديسيوس؛ لأنك كنت في كل شيء آخر ~~أحكم الرجال دائما. إنها الآلهة التي أعطتنا الأحزان، تلك الآلهة ~~التي حقدت علينا أن يبقى كل منا مع الآخر ونتمتع بشبابنا، ~~حتى نصل إلى عتبة الشيخوخة. والآن لا تكن غاضبا مني لهذا الأمر، ~~ولا تكن مفعما بالازدراء؛ لأنني عندما رأيتك، أولا، لم أرحب ~~بك؛ لأن القلب الكائن في صدري كان يتوجس دائما خيفة، خشية أن يأتي ~~رجل ما ويخدعني بقوله؛ # 7 # إذ إن هناك كثيرين يدبرون خطط الشر. كلا، ولا حتى ~~هيلين الأرجوسية، ابنة زوس، كانت لترقد في حب مع رجل من قوم ~~آخرين، لو كانت تعرف أن أبناء الآخيين الحربيين سوف يحضرونها إلى ~~بيتها ثانية إلى وطنها العزيز. ومع ذلك فإن في حالتها قد حفزها ~~حقا أحد الآلهة على أن تقوم بعمل مشين، فلم تضع في عقلها حتى ~~تلك الآونة فكرة هذه الحماقة، الحماقة المؤسفة التي كانت سببا منذ ~~البدء في أن يحل علينا الحزن أيضا. أما الآن، ما دمت قد أيقنت ~~بالعلامات الظاهرة في سريرنا، التي لم يحدث أن رآها أي بشر سواك ~~وسواي وعدا خادمة واحدة فقط، هي ابنة أكتور # Actor ~~، التي أعطانيها أبي منذ أن جئت إلى هنا، إنها ~~هي التي كانت تحافظ على أبواب حجرة عرسنا القوية، وللعجب، أنك ~~تقنع قلبي، الذي لا تلين قناته كما ترى!» # أوديسيوس يحتضن زوجته وهو يبكي بحرقة # هكذا قالت، ومع ذلك فقد أثارت في قلبه رغبة أكثر إلى البكاء، ~~فبكى، وهو يحتضن زوجته العزيزة الصادقة القلب بين ذراعيه. وكما ~~يرحب الرجال الذي يسبحون برؤية اليابسة، أولئك الرجال الذين ~~حطم بوسايدون سفينتهم المحكمة البناء في البحر بعد أن جرفتها ~~الرياح والأمواج الضخمة، وقد فاز قليلون من البحر السنجابي ~~بالسباحة إلى الشاطئ، وقد جمدت أبدانهم بشدة من ماء البحر الملح، ~~فوطئوا البر بأقدامهم مسرورين ونجوا من مصيرهم الشرير، هكذا ~~أيضا رحبت هي بزوجها، وهي تحدجه بنظراتها، ولا تستطيع بأية ~~حال من الأحوال ms379 أن تخلي ساعديها الناصعي البياض عن عنقه. وكاد ~~الفجر الوردي الأنامل يلوح وهما ما زالا يبكيان، لولا أن الربة، ~~أثينا ذات العينين النجلاوين، قد تدبرت الأمر برأي آخر، ~~فأمسكت بالليل الطويل في نهاية مجراه، وشدت كذلك بالفجر الذهبي ~~العرش عند مجاري أوقيانوس، ولم تسمح له بوضع النير فوق أعناق ~~جياده السريعة الأقدام التي تأتي بالنور إلى البشر، لامبوس # Lampus # وفايثون Phaethon ~~، وهما المهران اللذان يحملان الفجر. # أوديسيوس ينشد المتعة والراحة مع بينيلوبي # عندئذ تحدث أوديسيوس الواسع الحيلة إلى زوجته، قائلا: «أي ~~زوجتي، لم نصل بعد إلى نهاية جميع محاولاتنا، ولكن لا يزال هناك ~~عمل لا حد له يجب القيام به فيما بعد، عمل طويل وعسير، يجب أن ~~أتمه حتى نهايته؛ لأن روح تايريسياس # Teiresias # 8 # قد أخبرتني بهذا في اليوم الذي هبطت فيه إلى بيت ~~هاديس لأستفهم عن أمر عودتي وعودة زملائي. والآن، هلمي بنا، يا ~~زوجتي، لنصعد إلى الفراش، حتى إذا ما تمتعنا الآن بالنعاس ~~العذب، أمكننا أن نحظى بمتعة الراحة.» # فأجابته بينيلوبي ~~الحكيمة عندئذ، بقولها: «سيكون سريرك معدا لك متى شاء قلبك، ~~طالما أن الآلهة قد تسببت حقا في أن تعود إلى منزلك المكين ~~البنيان وإلى وطنك. غير أنه طالما أنك قد فكرت في هذا، ووضع ~~أحد الآلهة هذا في قلبك، تعال، خبرني عن هذه المحاولة؛ إذ أعتقد، ~~أنني في المستقبل سوف أعلم بها، وإذ عرفتها الآن فلن يزيد ذلك ~~الأمر سوءا بأية حال.» # أوديسيوس يخبر بينيلوبي بنبوءة العراف # فأجابها أوديسيوس الكثير الحيل، وقال: «أيتها السيدة الغريبة ~~الأطوار! لم تأمرينني الآن بإلحاح بالغ بأن أخبرك بها؟ ومع ~~ذلك فسأعلنها، ولن أخفي عنك شيئا. الحق أن قلبك لن يحظى بأي ~~سرور منها، مثلي تماما إذ لا أحس بأي سرور منها؛ فقد أمرني ~~تايريسياس أن أرحل إلى مدن كثيرة جدا، حاملا مجذافا بديعا في ~~يدي، إلى أن أبلغ بلد قوم لا يعرفون شيئا عن البحر، ولا يأكلون ~~طعاما ممزوجا بالملح، كلا، ولا يعلمون شيئا عن السفن ذات ~~الوجنات الأرجوانية، أو ms380 عن المجاذيف التي هي للسفن بمثابة الأجنحة. ~~وأخبرني عن هذه العلامات، بمنتهى الوضوح، ولن أخفيها عنك؛ فعندما ~~يقول لي عابر سبيل آخر، عندما يلتقي بي، إنني أحمل مذراة فوق ~~كتفي القوية، عندئذ، كما أمرني، أغرس مجذافي الأرض ، وأقدم ~~تقدمات عظيمة للسيد بوسايدون - كبشا وثورا وخنزيرا بريا، قد ~~سافح خنزيرات - ثم أنصرف إلى بيتي وأقدم ذبائح مقدسة من ~~مائة ثور للآلهة الخالدين، الذين يحتلون السماء الفسيحة الأجواز، ~~لكل واحد منهم في الترتيب اللائق به. ولسوف يأتي الموت على نفسي ~~بعيدا عن البحر، ميتة في غاية الرقة، سوف تصرعني عندما تقهرني ~~الشيخوخة الناعمة، ولسوف يعيش قومي حولي في رخاء. كل هذا، كما قال، ~~سوف أراه يتحقق.» # عندئذ أجابته بينيلوبي الحكيمة، قائلة: «إذا كان الآلهة ستجلب ~~عليك حقا شيخوخة أكثر سعادة، إذن فهناك أمل في أن تجد مخرجا ~~من الشر.» # أوديسيوس وبينيلوبي ينامان سويا # هكذا راحا يتجاذبان أطراف الحديث، وفي الوقت نفسه كانت يورونومي ~~والمربية يعدان الفراش ذا الأغطية الوثيرة على ضوء المشاعل ~~المستعرة. وبعد أن انتهتا من فرش السرير المكين البناء، عادت ~~المربية العجوز إلى مقصورتها لتنام، وقادتهما يورونومي، خادمة حجرة ~~النوم، في طريقهما إلى الفراش وهي تحمل مشعلا في يديها. وبعد أن ~~أوصلتهما إلى مقصورة زواجهما، عادت أدراجها. وبعد ذلك ذهبا ~~مسرورين إلى مكان الفراش الذي كان لهما من قديم الزمان. أما ~~تيليماخوس وراعي الأبقار وراعي الخنازير فأوقفوا أقدامهم عن الرقص، ~~وكذلك أوقفوا النساء، واستلقوا ليناموا في أنحاء الساحات ~~الظليلة. # حديث الغرام بين أوديسيوس وبينيلوبي # وبعد أن أخذا حظهما من نعمة الحب، استمتعا بالحكايات، فأخذ كل ~~منهما يتحدث إلى الآخر، فأخبرته السيدة الحسناء بكل ما قاسته في ~~الساحات، وهي تنظر إلى حشد أولئك المغازلين المخربين، الذين ~~ذبحوا من أجلها كثيرا من المواشي، من الأبقار والكباش الضخمة، ~~واستهلكوا كميات كبيرة من الخمر أخذوها من الزقاق. أما أوديسيوس ~~المولود من زوس فأخذ يقص عليها كافة المحن التي أنزلها بالناس، ~~وجميع الشدائد التي كان عليه أن يتحملها في ألمه، وكان يلذ لها ~~أن تصغي ms381 إلى حديثه، ولم يداعب النوم اللذيذ جفنيها إلا بعد أن ~~أخبرها بالقصة كاملة. # فبدأ يخبرها كيف تغلب في البدء على الكيكونيس، ثم كيف وصل إلى ~~بلاد آكلي اللوتس الغنية، وجميع ما فعله الكولوبيس، وكيف جعله ~~يدفع الثمن عن رفقائه الأشداء، الذين ازدردهم الكوكلوبيس، دون أن ~~يبدي نحوهم أية رحمة. ثم كيف جاء إلى أيولوس # Aeolus ~~، # 9 # الذي رحب به بقلب كريم، ثم بعث به في طريقه؛ بيد أن ~~حظه في المجيء إلى وطنه العزيز لم يكن قد حان بعد، كلا؛ فلقد ~~لحقت به الريح العاصفة مرة أخرى، وحملته بعيدا فوق صفحة ~~اليم المزدحم، وهو يئن أنينا عاليا عنيفا. وكيف وصل بعد ذلك ~~إلى تيليبولوس # Telepylus # حيث ~~اللايستر وجونيس # Laestrygones ~~، # 10 # الذين حطموا سفنه وجميع زملائه المدرعين أجود تدريع، ~~ولم ينج منهم غير أوديسيوس وحده في سفينته السوداء، ثم أخبرها بعد ~~ذلك عن جميع حيل وأحابيل كيركي، وكيف رحل في سفينته ذات المقاعد ~~إلى بيت هاديس الرطب لاستشارة روح تايريسياس الطيبي، وأنه قد أبصر ~~جميع رفقائه وأمه التي ولدته ونشأته، عندما كان طفلا. وكيف ~~سمع صوت السيرينيس، اللواتي يغنين دون انقطاع، وكيف وصل إلى ~~الصخور المتجولة وإلى خاروبديس المفزعة وإلى سكولا، التي لم ~~يسبق أن نجا منها أي إنسان قط. ثم كيف قتل رجاله أبقار هيليوس، ~~وكيف ضرب زوس، الذي يرعد عاليا، سفينته السريعة بصاعقة ملتهبة، ~~فهلك جميع رجاله العظام سويا، بينما نجا هو وحده من المصير ~~المشئوم. وكيف وصل إلى جزيرة أوجوجيا وإلى الحورية كالوبسو، التي ~~احتجزته هناك في مغاراتها الواسعة، تواقة إلى أن يصبح ~~زوجها، وكيف قامت على خدمته، وقالت إنها ستجعله خالدا لا تتطرق ~~إليه الشيخوخة قط طوال أيامه، بيد أنها لم تستطع على الإطلاق أن ~~تغري قلبه الكائن في صدره. ثم كيف أنه جاء بعد مجهود شاق طويل ~~إلى الفياكيين، الذين أظهروا له كل احترام، كما لو كان أحد الآلهة، ~~وأنهم أرسلوه في سفينة إلى وطنه العزيز، بعد أن أهدوه خزينا من ~~البرونز والذهب والثياب. وهكذا كان ms382 هذا هو نهاية القصة التي رواها، ~~عندما أقبل عليه النوم اللذيذ الذي يرخي أطراف الرجال، محررا ~~إياه من هموم قلبه. # أوديسيوس يعطي زوجته تعليمات هامة # في تلك الآونة فكرت الربة، أثينا المتألقة العينين، في رأي ~~آخر، فلما أصدرت حكمها وقررت بأن قلب أوديسيوس قد نال ~~كفايته من التمتع بزوجته وبالنوم، أطلقت في الحال سراح الفجر ~~الذهبي العرش من أوقيانوس ليجلب النور للبشر. وعندئذ نهض أوديسيوس ~~من فراشه الوثير، وأسلم أمور بيته إلى زوجته، قائلا: ~~«أيا زوجتي، الآن وقد نلنا كفايتنا من المحن الكثيرة، أنت ~~وأنا، أنت هنا، تبكين على رحلتي إلى الوطن المحفوفة بالمتاعب ~~والأخطار، بينما أنا، قد قيدني زوس والآلهة الآخرون في المآسي ~~بقيود صعبة بعيدا عن وطني، وقلبي مفعم بالشوق إلى العودة. أما ~~الآن وقد صعدنا سويا إلى فراش رغبتنا، فهل لك أن تهتمي بأمر ~~ثروتي في داخل الساحات. أما القطعان التي بددها المغازلون ~~الوقحون، فسوف أحصل بنفسي على كثير منها كغنائم، كما سوف يعطيني ~~الآخيون أخرى، إلى أن يملئوا حظائري، ولكني سأذهب حقا إلى ~~مزرعتي الكثيرة الغابات لمشاهدة أبي النبيل، الذي بخعه الحزن ~~من أجلي، وإني لأنصحك بهذا، رغم ما أنت عليه من حكمة. ما إن تشرق ~~الشمس حتى يطير الخبر في الحال وينتشر معلنا أمر المغازلين ~~الذين قتلتهم في ساحاتي؛ وعلى ذلك اصعدي إلى مقصورتك العليا مع ~~وصيفاتك، وامكثي هناك. لا تقابلي أي رجل، ولا تسألي سؤالا ~~قط.» # أثينا تخفي أوديسيوس ورفاقه عن الأنظار # ما إن قال هذا حتى تدثر بحلته الحربية الجميلة حول كتفيه، ~~وأيقظ تيليماخوس وراعي الأبقار وراعي الخنازير، وأمرهم جميعا بأن ~~يحملوا في أيديهم أسلحة القتال، فلم يخالفوا أمره، بل لبسوا ~~البرونز، وفتحوا الأبواب، وخرجوا، يقودهم أوديسيوس في الطريق. ~~ورغم أن النور كان يملأ الدنيا فوق الأرض، فإن أثينا أخفتهم في ~~ليل داج، وبسرعة قادتهم بعيدا عن المدينة. # | الأنشودة الرابعة والعشرون # هيرميس يقود أرواح المغازلين # لبيك، يا أبتاه، ها أنا ذا ~~أمامك، أنا بنفسي. # في نفس ذلك الوقت نادى ~~هيرميس الكوليني # Cylenian Hermes ms383 # 1 # أرواح المغازلين. وكان يحمل عصاه في يديه، تلك العصا ~~الجميلة المصنوعة من الذهب، التي ينيم بها عيون كافة من يشاء، ~~بينما يوقظ بها أيضا آخرين من رقادهم، فكان يوقظ ويقود ~~الأرواح بها، فكانت تتبعه وهي تتمتم. وكما يحدث في أقصى فجوة في ~~الكهف العجيب أن تحوم الخفافيش مرفرفة هنا وهناك وهي تطن، عندما ~~يسقط أحدها من فوق الصخرة منفصلا عن السلسلة التي يتعلق بها كل ~~واحد منها بالآخرة، هكذا أيضا ذهبت هذه معه وهي تتمتم وقادها ~~هيرميس، المساعد، مجتازا الطرق الرطبة، فذهبت خلال مجاري ~~أوقيانوس، عبر صخرة ليوكاس # Leucas ~~، مجتازة أبواب الشمس وأرض الأحلام، وبسرعة ~~وصلت إلى مرج حقل البروق، حيث تقطن الأرواح، أشباح الناس الذين ~~هلكوا في القتال. وهناك وجدوا روح أخيل # 2 # ابن بيليوس، وروح باتروكلوس، # 3 # وأنتيلوخوس # 4 # المنقطع النظير، وأياس، # 5 # الذي كان خير جميع الدانيين من بعد ابن بيليوس عديم ~~المثيل. # أرواح المغازلين تتكلم # وكان هناك زحام حول روح أخيل، وبالقرب منهم دنت روح أجاممنون بن ~~أتريوس، حزينة، ومن حولها احتشدت أخريات، أرواح أولئك الذين ~~قتلوا معه في منزل أيجيسثوس، ولقوا حتفهم. وكانت روح ابن بيليوس ~~هي أول من تكلم وخاطبته، بقولها: ~~«يا ابن أتريوس، كما نعتقد أنك من دون سائر الأبطال كنت طوال ~~أيام حياتك عزيزا لدى زوس، الذي يقذف الصاعقة؛ لأنك كنت سيدا ~~على كثير من الرجال الأشداء في أرض الطرواديين، حيث كابدنا ~~الأهوال نحن الآخيين. بيد أنه حقا كان للمنية المفزعة أن تنزل ~~عليك، أنت أيضا، مبكرا هكذا، تلك المنية التي لا يستطيع أن يفر ~~منها كل ابن أنثى # 6 # آه! ليتك في خيلاء ذلك المجد الذي كنت له سيدا، ~~قابلت الموت والمصير في بلاد الطرواديين. إذن لكان جيش الآخيين ~~كله قد أقام لك رمسا، ولكنت قد كسبت أيضا، مجدا عظيما في ~~الأيام المقبلة يتمتع به ابنك. غير أنه، كما يبدو، قد تقرر الآن ~~أنه يجب عليك أن تفارق الحياة بميتة هي أعظم ميتة يرثى ~~لها.» # عندئذ أجابته روح ابن أتريوس، ms384 بقولها: «يا ابن بيليوس ~~المحظوظ، يا أخيل الشبيه بالآلهة، يا من قتلت في بلاد طروادة ~~بعيدا عن أرجوس، وتجندل حولك آخرون، هم خيرة أبناء الطرواديين ~~والآخيين، وهم يتقاتلون من أجل جثتك، بينما كنت أنت راقدا في ~~دائرة عميقة من الثرى عتيدا في جبروتك، ناسيا فروسيتك. أما نحن ~~من جانبنا فكنا نتقاتل طوال اليوم كله، وما كنا لنكف عن الصراع، ~~لولا أن زوس قد أوقفنا بعاصفة. غير أنه بعد أن حملناك من ساحة ~~الوغى إلى السفن، أرقدناك فوق نعش، ونظفنا جلدك الجميل بالماء ~~الدافئ وبالزيت، وذرف الدانيون من حولك كثيرا من الدموع السخينة، ~~وقطعوا شعورهم. ثم أقبلت والدتك من الخضم بصحبة حوريات البحر ~~الخالدات، عندما بلغها ذلك النبأ، فارتفعت صيحة مدوية عجيبة ~~فوق الخضم العميق، وعندئذ ارتعد الآخيون جميعا فرائص وأعضاء. ~~وفي تلك الآونة كاد الجميع يقفزون مندفعين نحو السفن الواسعة، لو ~~لم يمنعهم رجل، عاقل على قدر كبير من الحكمة القديمة، ذلك هو ~~نسطور، الذي ثبت أن مشورته هي الأفضل سدادا عما قبلها. فتحدث ~~إلى حشدهم بنية حسنة، وخاطبهم، قائلا: ~~«مكانكم، أيها الأرجوسيون؛ لا تهربوا، يا معشر شباب الآخيين. ~~إنها والدته، هذه التي جاءت إلى هنا خارجة من البحر بصحبة حوريات ~~البحر الخالدات، لتشاهد وجه ابنها الميت.» # هكذا تكلم، وتوقف الآخيون ذوو الجرأة عن فرارهم. بعد ذلك ~~وقفت حولك بنات عجوز البحر يبكين في حزن بالغ، ودثرن كل جسدك ~~في لباس خالد. أما ربات الفن، # 7 # وهن تسع، فقد قمن بقيادة المرثاة، وبعضهن يرد على ~~البعض الآخر بأصوات عذبة. وما كنت لتستطيع أن تبصر أرجوسيا ~~واحدا إلا وهو يبكي؛ فقد حركت ربات الفن الرخيمات الصوت ~~قلوبهم. وهكذا بقينا نبكيك باستمرار لمدة سبعة عشر يوما ليل ~~نهار، الآلهة الخالدون والبشر، حتى إذا كان اليوم الثامن عشر ~~قدمناك للنار، وذبحنا كثيرا من الكباش السمينة جدا حولك ~~وأبقارا ناعمة. وهكذا أحرقت في ملابس الآلهة وفي وفرة من ~~المراهم والعسل الحلو، وسار جمع غفير من المحاربين الآخيين في ~~حللهم الحربية حول كومة الحطب، بينما ms385 كنت تحترق، من المشاة ~~وراكبي العجلات، وتصاعد صخب عظيم. بيد أنه عندما وضعت نار ~~هيفايستوس نهايتك، جمعنا في الصباح عظامك البيضاء، يا أخيل، ~~ووضعناها في خمر غير ممزوجة وفي الدهون. وكانت أمك قد أحضرت ~~وعاء من الذهب ذا مقبضين، وقالت إنه هدية من ديونيسوس، وأنه من ~~صنع هيفايستوس الذائع الصيت، فوضعنا عظامك البيضاء، يا أخيل ~~المجيد، في ذلك الوعاء، ووضعنا معها عظام باتروكلوس الميت، ابن ~~مينويتيوس، مختلطة بها، أما عظام أنتيلوخوس، الذي كنت تبجله ~~أكثر من جميع بقية رفقائك بعد باتروكلوس الميت، فقد كانت موضوعة ~~على انفصال. وكومنا فوقها مقبرة هائلة عظيمة، نحن جماعة ~~الرماحين الأقوياء في جيش الآخيين، فوق لسان بارز من الأرض ~~بجوار الهيليسبونت الفسيح، كي يستطيع جميع الناس الذين يعيشون الآن ~~والذين سيولدون فيما بعد أن يروها من بعيد من على سطح البحر. ~~أما والدتك فطلبت من الآلهة هدايا جميلة، ووضعتها في وسط ~~قوائم هدايا رؤساء الآخيين. وإنك قد شاهدت قبل الآن مباريات ~~جنائزية لرجال عديدين كانوا محاربين، عندما كان موت ملك يجعل ~~الشبان أنفسهم يتمنطقون ويعدون المباريات، ولكنك إذا شاهدت ~~ذلك المنظر لعجبت في قلبك أشد العجب؛ فما أجمل تلك الجوائز التي ~~قدمتها الربة، ثيتيس # Thetis # 8 # ذات القدمين الفضيتين، هناك تبجيلا لك، لأنك كنت ~~عزيزا جدا لدى الآلهة. وهكذا لم تفقد اسمك حتى في موتك، ولكنك ~~سوف تحظى دائما بحسن الأحدوثة بين سائر البشر، يا أخيل. أما عن ~~نفسي، فأي فائدة عادت علي من كوني أشعلت نار الحرب؟ إذ قد حاك ~~لي زوس ميتة شنيعة على أيدي أيجيسثوس وزوجتي اللعينة.» # هكذا تحدث كل واحد منهما إلى الآخر، بيد أن الرسول ~~أرجايفونتيس، اقترب، يقود أرواح المغازلين الذين قتلهم أوديسيوس؛ ~~فإذا بهذين الاثنين، وقد اعترتهما الدهشة، ذهبا فورا نحوهم ~~بمجرد أن رأوهم. ولاحظت روح أجاممنون بن أتريوس، ذلك الابن ~~العزيز لميلانوس، أمفيميدون المجيد، الذي كان مضيفه، أيام أن كان ~~يقطن في إيثاكا. وعندئذ بادرته روح ابن أتريوس بالكلام أولا، ~~فقالت له: ~~«هيا أمفيميدون، ماذا دهاكم حتى هبطتم ms386 تحت الأرض المظلمة، وكلكم ~~رجال مختارون ومن نفس العمر؟ لا يمكن للمرء أن يختار شيئا آخر، ~~لو كان للإنسان أن ينتقي خير رجال في المدينة. هل ضربكم بوسايدون ~~وأنتم على ظهور سفنكم، عندما أثار الرياح العاتية والأمواج ~~الطويلة؟ أم هل أصابكم سوء على يد الأعداء فوق اليابسة، بينما ~~كنتم تسلبونهم ماشيتهم وقطعان أغنامهم الجميلة ، أو بينما كانوا ~~يقاتلون للذود عن مدينتهم ونسائهم؟ أخبرني عما أسأل؛ لأنني أعلن ~~أنني صديق منزلك. أولا تذكر إذ جئت إلى هناك إلى منزلك بصحبة ~~مينيلاوس الشبيه بالإله لأحث أوديسيوس على الرحيل معنا إلى إليوس ~~فوق ظهور السفن ذات المقاعد؟ لقد استغرقت الرحلة منا شهرا كاملا ~~لعبور البحر المترامي الأطراف؛ لأنه كان من الصعب علينا أن نضم ~~إلينا أوديسيوس، سلاب المدن.» # عندئذ أجابته روح أمفيميدون، بقولها: «يا ابن أتريوس الأعظم ~~مجدا، يا ملك البشر، ويا أجاممنون، إنني أذكر كل هذه الأمور، كما ~~ترويها تماما، يا من هو ربيب زوس، ومن جانبي سأصارحك القول ~~صادقا وأقول لك كل الحق، عن الكيفية التي نزلت علينا بها خاتمة ~~الموت الشريرة. لقد غازلنا زوجة أوديسيوس، الذي كان قد رحل منذ ~~زمن بعيد، ولم ترفض الزواج البغيض، ولم تبت في الأمر إطلاقا، ~~بل دبرت لنا الموت والمصير الأسود. كلا، كما أنها قد حاكت في ~~قلبها ذلك الأمر الخداع أيضا؛ لقد أقامت في ساحاتها منوالا ~~هائلا، وانهمكت في النسج - لقد كان النسيج من الخيط البديع، وكان ~~في غاية الاتساع - وعندئذ قامت في الحال وتكلمت وسطنا، ~~قائلة: ~~«أيها الشبان، عشاقي، ما دام أوديسيوس العظيم قد مات، ~~فاصبروا، رغم تلهفكم على الزواج مني، إلى أن أتم هذا الثوب - ~~لأنني لا أبتغي أن يسفر نسجي عن لا شيء - إنه كفن السيد لايرتيس ~~للوقت الذي يصرعه فيه المصير القاسي للموت المحزن، خشية أن تحقد ~~علي أية سيدة من النساء الآخيات في البلاد، إذا ما رقد بدون ~~كفن، وهو ذلك الذي كسب ممتلكات هائلة.» # هكذا تكلمت، فوافقت قلوبنا المتعجرفة. وبعد ذلك شرعت تنسج ~~في النسيج العظيم يوما ms387 بعد يوم، غير أنها كانت تحل بالليل ما ~~صنعته، بعد أن تضع المشاعل إلى جوارها. وهكذا ظلت على تلك الحال ~~مدة ثلاث سنوات، جعلت فيها الآخيين جهلاء بمهارتها، وقد خدعتهم. ~~بيد أنه عندما جاء العام الرابع، بمرور الفصول، وبعد أن خبت الشهور ~~وجرت الأيام العديدة في مجراها، أخبرتنا إحدى النساء اللواتي كن ~~على علم بكل شيء، فأمسكنا بها وهي تحل النسيج الرائع؛ وعلى ذلك ~~اضطرت إلى إتمامه بالقوة ضد رغبتها. # والآن عندما أرتنا الثوب، ~~بعد أن نسجت النسيج العظيم وغسلته، فتلألأ يسطع كأنه الشمس ~~والقمر؛ عندئذ أحضر أحد الآلهة القساة أوديسيوس من مكان ما إلى ~~حدود البلاد، حيث كان يقطن راعي الخنازير. وإلى هناك أيضا ذهب ~~الابن العزيز لأوديسيوس المقدس بعد أن رجع من بولوس الرملية في ~~سفينته السوداء. وبعد أن دبر هذان الاثنان ميتة شريرة ~~للمغازلين، توجها إلى المدينة الشهيرة، وقد حضر أوديسيوس متأخرا ~~حقا، ولكن تيليماخوس سبقه في طريقه. وجاء راعي الخنازير بسيده، ~~يرتدي أسمالا رثة، في صورة شحاذ عجوز كثير الهموم، يتوكأ على ~~عصا، وكان الثوب الذي يستر به جسمه حقيرا، فلم يستطع أي واحد منا ~~أن يعرف أنه هو، عندما جاء هكذا على حين غرة، كلا، ولا حتى أولئك ~~الذين كانوا أكبر سنا، بل هاجمناه بعبارات شريرة وقذفناه بعدة ~~أشياء. ومع ذلك فقد تحمل بقلب ثابت إلى فترة من الوقت أن يرجم ~~ويشتم في داخل ساحاته. بيد أنه عندما أثارته أخيرا إرادة زوس، ~~الذي يحمل الترس، أخذ جميع الأسلحة الجميلة بمساعدة تيليماخوس ~~ووضعها بعيدا في حجرة الخزين وأغلقها بالمزاليج، ثم أمر زوجته ~~بدهائه البالغ أن تضع أمام المغازلين قوسه والحديد السنجابي لتكون ~~هناك مباراة بيننا نحن الرجال المنكودي الطالع وتغدو بداية الموت، ~~فلم يكن في مقدور أي واحد منا أن يشد وتر القوس القوية. كلا، لقد ~~كنا أضعف بكثير من أن تكون لنا تلك القوة. غير أنه لما وصلت القوس ~~العظيمة في يدي أوديسيوس، صحنا جميعا بصوت مرتفع معارضين في ~~إعطائه القوس، مهما تكلم ومهما ألح ms388 في الكلام، ولكن تيليماخوس وحده ~~هو الذي حثه على أن يجرب استعمال القوس، وأمره بأن يأخذها. ~~عند ذلك تناول، أوديسيوس العظيم، الكثير التحمل، القوس في يده، ~~وبغاية السهولة شد الوتر وأطلق سهما مر من الحديد، ثم ذهب ووقف ~~عند العتبة، وأطلق سيلا من السهام السريعة، متلفتا حوله بفظاعة، ~~فأصاب الملك أنتينوس. وبعد ذلك أخذ يسدد سهامه ويتركها تطير نحو ~~الآخرين بإصابته المحكمة، محملة بالآلام، فشرع الرجال يسقطون بكثرة ~~وفي سرعة. عندئذ عرفنا أن إلها ما كان يعضدهم؛ لأنهم في الحال ~~انقضوا عبر الساحات في حماسهم وراحوا يصرعون الرجال ذات ~~اليمين وذات الشمال، وتصاعدت أناتهم مخيفة، بينما الرءوس تقطع ~~والأرض كلها تسبح في الدماء. هكذا كان هلاكنا، يا أجاممنون، وحتى ~~الآن لا تزال أجسامنا ملقاة بإهمال في ساحات أوديسيوس؛ لأن أهلنا ~~الموجودين في منزل كل رجل منا لا يعرفون شيئا حتى الآن - أهلنا ~~الذين ربما يغسلون الدم الأسود من جراحنا ويدفنون جثثنا بالنحيب؛ ~~لأن هذا هو حق الأموات.» # عندئذ أجابته روح ابن أتريوس، قائلة: «ما أسعدك يا ابن لايرتيس، ~~يا أوديسيوس الواسع الحيلة! الحق أن الزوجة التي فزت بها لتتصف ~~بكل ما هو رائع، وإنها لرائعة جدا في الإدراك بينيلوبي المنقطعة ~~النظير، ابنة إيكاريوس؛ لأنها ظلت ذاكرة أوديسيوس في ولاء، ~~زوجها الذي عقد له عليها؛ ومن ثم فإن شهرة عفتها لن تبلى على ~~الإطلاق، بل سيؤلف الخالدون وسط البشر ساكني الأرض أنشودة بهيجة ~~تشيد بذكر بينيلوبي الوفية. وعلى نقيضها كانت ابنة تونداريوس # Tyndareus # 9 # التي حاكت أعمالا شريرة وقتلت زوجها الذي اقترنت به ~~بعقد، ولسوف تكون مقيتة تلك الأغنية التي ستؤلف في قصتها وسط ~~البشر، وما أسوأ السمعة التي ستجلبها على جميع النساء، حتى على من ~~كانت منهن خيرة!» # هكذا تحدث كل منهما إلى الآخر، وهما واقفان في بيت هاديس تحت ~~أعماق الأرض. # أوديسيوس يختبر أباه # أما أوديسيوس وأتباعه فعندما انصرفوا من المدينة، وصلوا بسرعة ~~إلى مزرعة لايرتيس الجميلة الجيدة التنسيق، التي كسبها لنفسه في ~~الأيام الخوالي، والتي كد من أجلها ms389 كثيرا. # 10 # كان هناك منزله، ومن حوله الحظائر التي فيها ينام ~~ويأكل ويجلس الخدم الذين كانوا عبيده، وكان هذا ما يدخل السرور ~~إلى نفسه. أما في داخل البيت فكانت هناك سيدة صقلية عجوز، كانت ~~تقوم بخدمة الرجل المسن في عناية كريمة في ضيعته، بعيدا عن ~~المدينة؛ عندئذ خاطب أوديسيوس الخدم وابنه، قائلا: ~~«هل لكم أن تدخلوا الآن إلى داخل البيت المكين البنيان، وتذبحوا ~~في الحال خير الخنازير لأجل العشاء؟ أما أنا فسأختبر أبي، وأرى ما ~~إذا كان سيتبينني ويعرفني بالنظر، أم أنه لن يستطيع التعرف ~~علي؛ لأنني قد رحلت منذ مدة طويلة جدا.» # ما إن قال هذا حتى أعطى العبدين عدته الحربية، فذهبوا بسرعة ~~بعد ذلك إلى داخل المنزل. أما أوديسيوس فاقترب من حقل الكرم باحثا ~~عن بغيته. ولما هبط إلى مزرعة الفواكه الكبيرة لم يجد دوليوس، ~~ولا أي واحد من عبيده أو أبنائه، بل كانوا قد ذهبوا مصادفة ~~ليجمعوا أحجارا يقيمون بها سور حقل الكرم، يقودهم الرجل العجوز. ~~وإنما وجد أباه بمفرده في حقل الكرم البديع التنسيق، يحفر حول ~~نبتة، وكان مشتملا بعباءة قذرة، مرقعة ورثة، وقد ربط حول ~~ساقيه درعين مصنوعتين من جلود الثيران لتحمياه من الاحتكاك، ~~ولبس قفازا في يديه يدرأ عنه الأشواك وعلى رأسه قبعة من جلد ~~الماعز، منطويا على أحزانه، فلما أبصره أوديسيوس العظيم الكثير ~~التحمل، منهكا بالشيخوخة ومثقلا بالحزن العميق في قلبه، وقف ~~صامتا تحت شجرة كمثرى عالية، وأخذ يذرف العبرات. بعد ذلك ~~فكر في عقله وقلبه هل يقبل والده ويعانقه، ويخبره بكل شيء، ~~كيف أنه عاد ووصل أخيرا إلى وطنه، أم يستعلم منه أولا، ويختبره ~~في كل شيء. وبينما هو يأخذ ويرد في عقله، هداه التفكير إلى أن ~~أحسن فكرة، هي أن يختبره أولا بعبارات التهكم؛ وعلى ذلك انطلق ~~أوديسيوس العظيم نحوه فورا وهو يفكر في ذلك الرأي. وكان الرجل ~~حقا قد أحنى رأسه إلى أسفل، يحفر نبتة، فأقبل نحوه ابنه ~~العظيم، وخاطبه بقوله: ~~«أيها العجوز، لست بحال ما مفتقرا إلى المهارة اللازمة ms390 لرعاية ~~حديقة، كلا؛ فإن عنايتك بالحديقة لحسنة، وليس هناك أي شيء قط، ~~سواء أكان نبتة أو شجرة تين، أو كرمة، كلا، ولا زيتونة، أو كمثرى، ~~أو أي عمل من أعمال الحدائق في الحقل كله تنقصه الرعاية، ولكني ~~سأقول لك أمرا آخر، وأرجو أن تكتم غضبك في قلبك. إنك أنت نفسك لا ~~تتمتع بالعناية الحسنة، ولكنك تحمل الشيخوخة المؤلمة، ومهما كان ~~مظهرك قذرا وثيابك غير مرتبة، وترتدي ملابس حقيرة، فحقا إن ذلك ~~ليس مرده إلى أي كسل من جانبك لأن سيدك لا يهتم بك، ومع ذلك فإنك ~~لا تبدو بأية حال أشبه بعبد حتى إنه لينظر إليك هذه النظرة، لا في ~~الشكل ولا في القوام؛ بل تبدو أشبه بالملك، أشبه بالرجل الذي، إذا ~~ما استحم وأكل، كان جديرا به أن ينام نوما رقيقا؛ لأن هذه ~~الطريقة التي تليق بالشيوخ، ولكن تعال، خبرني بهذا، واصدقني ~~القول في صراحة، في خدمة من أنت، ومزرعة كرم من هذه التي تقوم ~~برعايتها؟ لأنني أرجو أن تخبرني بهذا أيضا والحقيقة، كي أعلم ~~يقينا، هل هذه البلدة هي إيثاكا حقيقة، تلك التي جئنا إليها الآن، ~~كما أخبرني بذلك رجل هناك، قابلني الآن فقط وأنا في طريقي إلى ~~هنا. لا شك في أنه كان في غاية الذكاء والحرص؛ لأنه أبى أن يخبرني ~~عن كل شيء، أو أن يصغي حتى إلى قولي عندما سألته عن صديق لي، هل ~~ما زال على قيد الحياة أم أنه قضى نحبه وهو الآن في بيت هاديس؛ ~~لأنني سأقص عليك هذا، وهل لك أن تلتفت وتصغي إلي. ذات مرة ~~استضفت في وطني العزيز رجلا كان قد جاء إلى منزلنا، ولم يحدث قط ~~أن جاء رجل من الأغراب القاطنين في بلاد نائية ونزل ضيفا على ~~منزلي، وكان مرحبا به أكثر من ذلك الضيف. لقد أعلن لي أنه من ~~حيث سلسلة النسب قد أقبل من إيثاكا، وقال إنه ابن لايرتيس، ابن ~~أركايسيوس # Arceisius ~~؛ وعلى ذلك ~~صحبته إلى منزلي وأكرمت وفادته ورحبت به غاية الترحيب ~~وقدمت له ms391 من الخزين الوافر الذي كان بداخل داري، وأعطيته هدايا ~~الصداقة، هدايا تليق به، فأعطيته من الذهب المصنوع بمهارة سبع ~~تالنتات، وطاس مزج كله من الفضة، مزينا بالزهور، واثنتي عشرة ~~عباية مفردة الطيات، وأكبر عدد ممكن من الأغطية، وأكثر ما في ~~مكنتي من الأردية، وعددا كبيرا من الجلابيب أيضا، وزيادة على ~~ذلك أعطيته من النساء الماهرات في الأعمال اليدوية الرائعة، أربع ~~سيدات فاتنات، كان هو نفسه قد اعتزم أن يختارهن.» # والد أوديسيوس يتحدث عن ابنه بالحزن والأسى # عندئذ أجابه أبوه، وهو ~~يبكي، فقال: «أيها الغريب، حقا إنك قد جئت إلى البلد، الذي ~~تقصده، لكنه الآن في حوزة أناس لا هم لهم إلا ملذاتهم ~~وطيشهم. ولقد أعطيته تلك الهدايا بغير ما طائل، تلك الهدايا التي ~~تفوق الحصر التي قدمتها؛ لأنك إذا لم تجده بعد حيا في ~~بلاد إيثاكا، أكان يستطيع أن يودعك وأنت راحل بتعويض عظيم من ~~الهدايا والتكريم الحسن؟ لأن هذا واجب لمن كان أسبق بالعمل ~~الكريم، ولكن تعال، خبرني عن هذا، وأعلنه لي بالصدق، كم عاما ~~مضى على إكرامك وفادة ذلك الضيف، الضيف المنحوس الطالع، ابني - إذ ~~من المؤكد أنه كان يوجد مثل هذا الرجل - ابني المنكود الحظ، الذي ~~ربما تكون الأسماك قد ابتلعته في أعماق اليم بعيدا عن أهله، أو ~~صار نهبا على اليابسة للوحوش والطيور؟ كما أن أمه لم تعده ~~للدفن ولم تبكه، ولا أبوه أيضا، نحن اللذين أنجباه، كلا، ولا ~~زوجته، التي غوزلت بالهدايا الكثيرة، # 11 # بينيلوبي الحازمة، استطاعت أن تبكي فوق نعش زوجها، ~~عندما نلتقي، وهي تغمض عينيه في موته، رغم أن هذا واجب للميت. ~~كذلك خبرني بهذا أيضا في صدق، كي أعلم علم اليقين، من أنت من ~~بين الرجال، ومن أين؟ وأين مدينتك وأين والدك؟ وأين ترسو السفينة ~~السريعة التي أحضرتك إلى هنا مع رفقائك أشباه الآلهة؟ أم أنك ~~جئت كأحد ركاب سفينة أخرى، وهل رحلوا بعد أن تركوك فوق ~~اليابسة؟» # عندئذ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، وقال: «إذن سأقول لك كل شيء ~~في صراحة. لقد ms392 جئت من ألوباس # Alybas ~~، # 12 # حيث أملك منزلا عظيما، وإنني ابن أفايداس # Apheidas ~~، ابن السيد بولوبيمون Polypemon ~~، أما اسمي فهو ~~إبيريتوس # Eperitus ~~. بيد أن أحد ~~الآلهة جرفني من سيكانيا # Sicanio # لكي أجيء إلى هنا ضد رغبتي، وإن ~~سفينتي لراسية هناك على مسافة طويلة من البر المحروث بعيدا عن ~~المدينة. أما بخصوص أوديسيوس، فهذه هي السنة الخامسة منذ أن رحل من ~~هناك، وغادر بلدي، فيا له من رجل مسكين! ومع ذلك فقد كانت له طيور ~~الفأل الحسن، عندما سافر، طيور كانت على يمينه؛ وعلى ذلك سررت ~~منها، وأنا أودعه ليذهب في طريقه. وانصرف هو مبتهجا، وأمل ~~قلبانا في أن نلتقي فيما بعد كمضيف وضيف، ويعطي أحدنا الآخر ~~هدايا مجيدة.» # أوديسيوس يعانق أباه ويريه علامة # هكذا تكلم، فأحاطت بلايرتيس سحابة قاتمة من الحزن، وتناول ~~التراب القاتم بكلتا يديه ونثره فوق رأسه الرمادي بأنين لا يكف؛ ~~عندئذ ثارت ثائرة قلب أوديسيوس، وتصاعدت في خياشيمه # 13 # غصة حادة، عندما أبصر أباه العزيز فوثب نحوه، ~~وطوقه بذراعيه، وقبله، قائلا: ~~«لبيك، يا أبتاه، ها أنا ذا أمامك، أنا بنفسي، أنا ذلك الرجل ~~الذي تسأل عنه. لقد جئت في السنة العشرين إلى وطني، وإنما أرجو أن ~~تكف عن الحزن والعويل الدامع؛ لأنني سأخبرك بكل شيء، بالرغم من ~~كوني في مسيس الحاجة إلى الإسراع. لقد قتلت المغازلين في ساحاتنا، ~~وثأرت لنفسي من وقاحتهم المحزنة وأعمالهم الشريرة.» # عندئذ رد عليه لايرتيس ثانية، فقال: «لو كنت حقا أنت ~~أوديسيوس، ولدي، يا هذا الذي جئت إلى هنا، فأخبرني الآن بعلامة ~~واضحة حتى أكون على يقين.» # فأجابه أوديسيوس الكثير الحيل، بقوله: «هاك أثر الجرح تراه ~~بعينيك أولا، أثر الجرح الذي أصابني به خنزير بري بنابه الأبيض ~~فوق بارناسوس.» عندما ذهبت إلى هناك. لقد كنت أنت الذي أرسلتني ~~إلى هناك، أنت ووالدتي المبجلة، إلى أوتولوكوس # Autolycus # والد أمي، كي أحضر ~~الهدايا التي وعد وقبل أن يعطينيها عندما قدم إلى هنا. ~~وزيادة على ذلك، سأخبرك أيضا عن عدد الأشجار التي في الحديقة ~~المحكمة التنسيق ms393 التي أعطيتنيها ذات يوم، عندما تبعتك خلال ~~الحديقة وأخذت أسألك عن هذا وذاك، وأنا لم أكن سوى طفل. لقد مررنا ~~خلال تلك الأشجار عينها، فذكرت لي اسمها، وأخبرتني عن كل شجرة ~~منها. ثلاث عشرة شجرة كمثرى أعطيتنيها، وعشر شجرات تفاح ~~وأربعين شجرة تين. كما وعدت أن تهبني صفوفا من الكروم أيضا، ~~وهي كما أقول، خمسون كرمة، كانت تنضج عدة مرات في أوقات مختلفة ~~- تحمل عناقيد من كل نوع - كلما أنزلتها من فوق فصول زوس.» # 14 # لايرتبس يغمى عليه من صدمة اللقاء # هكذا تكلم وارتخت ركبتا أبيه في مكانه حيث كان يقف، وذاب ~~قلبه، عندما عرف الأمارات الأكيدة التي أخبره بها أوديسيوس، فألقى ~~ساعديه حول ابنه العزيز، وأمسك به أوديسيوس العظيم الكثير ~~التحمل إذ أغمي عليه، فلما أفاق، وعادت روحه إلى صدره ثانية، ~~تحدث إليه من جديد، وتكلم، قائلا: ~~«أبتاه، زوس، حقا إنكم ما زلتم أيها الآلهة تسيطرون على ~~أوليمبوس الشامخ، لو أن المغازلين قد دفعوا بحق ثمن حماقتهم ~~الطائشة. بيد أنه يتملكني الآن خوف عجيب في قلبي، خشية أن ~~ينقض علينا هنا في الحال رجال إيثاكا، ويبعثوا الرسل في كل ~~مكان إلى مدن الكيفالينيين.» # فأجابه أوديسيوس الواسع الحيلة، بقوله: «طب نفسا ولا تشغل قلبك ~~بهذه الأمور. والآن هلم بنا إلى المنزل القريب من مزرعة الكرم، ~~لأنني أرسلت تيليماخوس وراعي الأبقار وراعي الخنازير إلى هناك، كي ~~يعدوا لنا الوليمة بمنتهى السرعة.» # هكذا كانا يتكلمان، وذهبا في طريقهما إلى المنزل العظيم، فلما ~~بلغا المنزل الفخم، وجدا تيليماخوس وراعي الأبقار وراعي الخنازير ~~يقطعون لحما في كميات وفيرة، ويخلطون الخمر الصهباء. # أثينا تضفي جمالا وقوة على لايرتيس # وفي أثناء تلك الآونة غسلت الخادمة الصقلية لايرتيس الجريء في ~~منزله ودهنته بالزيت، وألقت حول جسمه عباية بديعة. وعندئذ ~~اقتربت أثينا وضخمت أطراف راعي الشعب، وجعلته يبدو للناظرين ~~أطول وأقوى مما كان. وبعد ذلك خرج من الحمام، واستولت الدهشة على ~~ابنه العزيز؛ إذ رآه في حضرته أشبه بالآلهة الخالدين. فتكلم ~~وخاطبه بكلمات حماسية، قائلا: ~~«أبتاه، لا بد ms394 أن أحد الآلهة الخالدين قد جعلك أبهى منظرا ~~للرائين في الجمال وفي القوام.» # فرد عليه لايرتيس الحكيم، وقال: «لم أتمن، يا أبتاه زوس، ويا ~~أثينا، ويا أبولو، أن أكون في مثل تلك القوة التي كانت لي عندما ~~استوليت على نيريكوس # Nericus ~~، ~~القلعة المكينة البنيان فوق شاطئ اليابسة، يوم أن كنت سيدا على ~~الكيفالينيين؛ فبتلك القوة كان يجب أن أقف إلى جانبك أمس في ~~منزلنا مرتديا حلتي الحربية فوق كتفي ، وأنزل الضربات ~~بالمغازلين. هكذا كان لا بد لي أن أرخي ركب الكثيرين منهم في ~~الساحات، وعندئذ كان لقلبك أن ينعم بالسرور في باطنك.» # أوديسيوس على مائدة العشاء مع أبيه # هكذا تحدث كل منهما إلى الآخر، فلما انتهى الآخرون من عملهم، ~~وأعدوا الوليمة، جلسوا في ترتيب فوق الكراسي والمقاعد الغالية. ~~وما كادوا يمدون أيديهم إلى الطعام، حتى اقترب دوليوس العجوز، ~~ومعه أبناؤه، وقد أنهكهم العمل في الحقول؛ لأن والدتهم، السيدة ~~العجوز الصقلية، كانت قد خرجت إليهم واستدعتهم، وهي التي تهتم ~~بطعامهم وتقوم برعاية الرجل العجوز في عناية كريمة، وقد بلغ ~~وقتئذ من الكبر عتيا، فما إن أبصر بأوديسيوس، وتبينوه في ~~أذهانهم، حتى وقفوا في الساحات مشدوهين عجبا، بيد أن أوديسيوس ~~خاطبهم بكلمات رقيقة، فقال: ~~«تفضل بالجلوس إلى العشاء، أيها الرجل العجوز، وهل لك أن تنسى ~~عجبك تماما؟ فقد انتظرنا مدة طويلة في الساحات، رغم تلهفنا إلى ~~مد أيدينا إلى الطعام، وبقينا هكذا في انتظار قدومك.» # دوليوس يرحب بعودة أوديسيوس # هكذا قال، فانطلق دوليوس من فوره يعدو نحوه باسطا يديه، وأمسك ~~بيد أوديسيوس وقبلها من فوق رسغها، وتحدث إليه وخاطبه بكلمات حماسية، # 15 # فقال: ~~«أي سيدي العزيز، بما أنك قد عدت إلينا، يا من كنا نشتاقك ~~غاية الشوق، وما كنا نفكر في أننا سنراك، والآلهة أنفسهم هم ~~الذين جاءوا بك - فمرحبا بك - وإنا لنرحب بقدومك من كل قلوبنا، ~~ونطلب من الآلهة أن تمنحك السعادة، ولكن خبرني بهذا بالصدق، كي ~~أعلمه حق العلم. هل تعرف بينيلوبي الحكيمة أكيدا أنك قد عدت ~~إلى هنا، أم ms395 نبعث إليها برسول؟» # عندئذ أجابه أوديسيوس الكثير الحيل، قائلا: «إنها تعرف، أيها ~~الرجل العجوز، ولماذا تشغل نفسك بهذا الأمر؟» # ما إن قال هذا، حتى جلس الآخر ثانية فوق الكرسي المصقول. وكذلك ~~احتشد أبناء دوليوس حول أوديسيوس المجيد ورحبوا به بالكلام، ~~وصافحوه بالأيدي، ثم جلسوا في ترتيب، بجانب أبيهم، دوليوس. # رومور يعلن في المدينة مصير المغازلين الرهيب # وهكذا انهمكوا في طعامهم في الساحات، بيد أنه في نفس ذلك الوقت ~~كان الرسول رومور # Rumour ~~، يطوف ~~بسرعة خلال المدينة في جميع أنحائها، يذيع نبأ الميتة الرهيبة ~~ومصير المغازلين، فسمع الناس كلهم بالأمر في الحال، واحتشدوا آتين ~~من كل صوب يبكون ويولولون أمام قصر أوديسيوس. ومن داخل الساحات ~~أحضر كل واحد منهم من مات له، ودفنوهم. أما أولئك القادمون من ~~المدن الأخرى فأرسلوهم كل واحد إلى منزله، واضعين إياهم فوق ظهور ~~سفن سريعة كي يحملهم البحارة، وأما هم أنفسهم فانطلقوا سويا ~~إلى مكان الاجتماع، محزوني الأفئدة، فلما احتشدوا والتقوا معا ~~نهض يوبايثيس وتكلم في وسطهم؛ إذ حل في قلبه حزن ثقيل ممض من ~~أجل موت ابنه، أنتينوس، أول رجل صرعه أوديسيوس. فخطب في حشدهم ~~وهو يبكي ابنه، فقال: ~~«أصدقائي، حقا لقد حاك ذلك الرجل عملا وحشيا ضد الآخيين؛ إذ ~~قاد البعض في سفنه، رجالا كثيرين وعظماء، وفقد سفنه الواسعة، ~~كما فقد رجاله عن بكرة أبيهم، ثم إذا به من جديد يقتل آخرين عند ~~عودته، وهؤلاء أفضل الكيفالينيين بمراحل. كلا، هيا بنا إذن، قبل أن ~~يذهب الرجل بسرعة إلى بولوس أو إلى إليس العظيمة، حيث يسود ~~الإيبيون # Epeans ~~، دعونا نخرج ~~إليه؛ حتى لا يكون هذا عارا يصمنا باستمرار طيلة الأيام ~~المقبلة، فإذا لم ننتقم من قاتلي أبنائنا وإخوتنا، صار هذا عارا ~~على كل من سمع به من الرجال الموجودين. أما بالنسبة لي فلن أستسيغ ~~الحياة بعد الآن، بل يجدر بي أن أموت في الحال وأصبح بين الموتى. ~~كلا، هيا بنا نخرج إليهم، لئلا يكونوا أسرع منا، ويعبروا ~~البحر.» # ميدون يدلي بشهادة طيبة # هكذا تكلم، وهو ms396 يبكي، فتحركت عاطفة الشفقة من جميع الآخيين. ~~بعد ذلك اقترب منهم ميدون والمنشد المقدس آتيين من ساحات ~~أوديسيوس؛ لأن النوم كان قد حررهما، فاتخذا وقفتيهما في الوسط، ~~ودهش كل رجل؛ عندئذ تكلم ميدون، الحكيم القلب، في وسطهم، ~~قائلا: ~~«استمعوا إلي الآن، يا رجال إيثاكا، فالحق أن أوديسيوس لم يقم ~~بذلك العمل دون إرادة الآلهة الخالدين. كلا، لقد رأيت أنا نفسي ~~إلها خالدا وقف بجانب أوديسيوس، وكان يبدو في كل شيء أشبه ~~بمينتور ، ولكنه كان أشبه برب خالد أمام أوديسيوس يظهر تارة، ~~مشجعا إياه، وتارة أخرى كان يثور عبر الساحة، يطارد ~~المغازلين، فكانوا يسقطون بكثرة وفي سرعة.» # هاليثيرسيس يتهم رجال إيثاكا بالجبن # هكذا تكلم، وعندئذ استبد بهم جميعا الخوف الشاحب. وبعد ذلك ~~قام وسطهم السيد العجوز هاليثيرسيس # Halitherses ~~، ابن ماستور # Mastor ~~؛ إذ كان وحده يرى مقدما ومؤخرا فخاطب جمعهم ~~بنية حسنة، فقال: ~~«أصغوا إلي الآن، يا رجال إيثاكا، واستمعوا إلى الكلمة التي ~~سأقولها. لقد تمت هذه الأعمال بسبب جبنكم أيها الأصدقاء؛ لأنكم ~~أبيتم إطاعة أمري، وأمر مينتور راعي الشعب، فتوقفوا أبناءكم عن ~~حماقتهم. لقد اقترفوا عملا وحشيا في عماهم وإثمهم الشرير، ~~مبددين ثروة أمير وغير مراعين حرمة زوجته؛ إذ اعتقدوا، أنه لن ~~يعود بعد ذاك. إذن فليكن الأمر الآن هكذا؛ فأصغوا إلي، كما ~~آمركم. هلموا بنا ننصرف، لئلا يجد الكثير منا أنه قد جلب المصيبة ~~على نفسه.» # رجال إيثاكا يتسلحون بقيادة يوبايثيس # هكذا خاطبهم ولكنهم نهضوا يصيحون عاليا، أكثر من نصف عددهم، أما ~~الباقون فقد مكثوا معا في أماكنهم؛ لأن كلامه لم يرق في نفوسهم، ~~وإنما أصغوا إلى كلام يوبايثيس، فانطلقوا بسرعة نحو أسلحتهم. وبعد ~~أن تدثروا بالبرونز البراق، احتشدوا سويا أمام المدينة ~~الفسيحة. وقادهم يوبايثيس في حماقته؛ إذ كان يفكر في أن يثأر لمقتل ~~ابنه، غير أنه لم يكن ليعود هو نفسه، وإنما كان عليه أن يلقى حتفه ~~هناك. # زوس يعد بمساعدة أوديسيوس حتى النهاية # أما أثينا فتحدثت إلى زوس بن كرونوس، قائلة: «يا أبانا كلنا، ~~يا ابن كرونوس، يا ms397 من تفوق كافة الأسياد، خبرني، أي هدف ~~يخبئه عقلك الآن في باطنك. هل تنتوي إشعال نار الحرب الشريرة ~~ووطيس المعركة المفزع. أم ستقيم الصداقة بين الفريقين؟» # عندئذ أجابها زوس، جامع السحب، فقال: «أي طفلتي، لم تسألينني ~~وتستعلمي عن هذا؟ ألم ترسمي بنفسك خطة انتقام أوديسيوس من أولئك ~~الرجال عند مجيئه؟ افعلي ما يحلو لك، وسأخبرك بما يليق. الآن وقد ~~انتقم أوديسيوس العظيم من المغازلين. دعيهم يقسموا قسما مقدسا، ~~ولتجعليه ملكا طوال أيامه، وأما نحن من جانبنا فلنسبل عليهم ~~نسيان مقتل أبنائهم وإخوتهم؛ وانشري الود والوئام بينهم كسابق ~~عهدهم، وأغدقي عليهم الثروة والسلام.» # ما إن قال هذا، حتى نهضت أثينا، التي كانت بالغة الحماس، ~~وانطلقت هابطة من مرتفعات أوليمبوس. # أوديسيوس يخرج لمقابلة المتسلحين # وما إن انتهوا من الطعام العسلي المذاق، حتى كان أوديسيوس ~~العظيم الكثير التحمل أول من تكلم وسط جماعته، قائلا: «ليذهب ~~أحدكم وينظر ما إذا كانوا يقتربون الآن.» # هكذا قال، فانطلق أحد أبناء دوليوس، كما أمر، فلما غادر المكان ~~حتى وقف على العتبة، ورآهم جميعا يقتربون، أسرع في الحال وقال ~~لأوديسيوس في عبارات حماسية: «ها هم أولاء يقتربون. أسرع، هلموا ~~نتسلح.» # ما إن قال هذا، حتى نهضوا وأعدوا أنفسهم في عددهم الحربية. ~~كان أوديسيوس ورجاله أربعة، وكان أبناء دوليوس ستة، وكان في وسطهم ~~لايرتيس ودوليوس يرتديان حلتيهما الحربيتين، رغم أن ~~رأسيهما كانا رماديين، هذان المحاربان القويان. وبعد أن حصنوا ~~أجسامهم بالبرونز البراق، فتحوا الأبواب وخرجوا، يتقدمهم ~~أوديسيوس. # تيليماخوس يعد أوديسيوس بكل عمل جريء # عندئذ اقتربت أثينا ابنة زوس، منهم، في صورة مينتور شكلا ~~وصوتا، فسر لرؤياها أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، وفي الحال ~~كلم ابنه العزيز، تيليماخوس، قائلا: ~~«أي تيليماخوس، ستعلم الآن هذا - وقد جئت بنفسك إلى مكان ~~الوغى، حيث يعجم عود خيرة المحاربين - فلا تجلب العار على منزل ~~آبائك؛ إذ كانت لنا اليد الطولى دائما في القوة والشجاعة على ~~سائر البشر فوق ظهر الأرض.» # فأجابه تيليماخوس الحكيم، بقوله: «ستجدني، إذا شئت، يا أبي ~~العزيز، في حالتي الحاضرة، غير جلاب ms398 للعار على منزلك، كما تقول ~~تماما.» # هكذا قال، وسر لايرتيس، فتكلم، قائلا: «أعظم بهذا اليوم لي! ~~أيتها الآلهة الطيبة، حقا إن السرور ليغمر فؤادي؛ فإن ولدي وولد ~~ولدي يتنافسان فيما بينهما على الجرأة.» # أثينا تظهر وأوديسيوس يهجم على المقاتلين # فاقتربت منه أثينا، ذات العينين النجلاوين، في تلك الأثناء، ~~وقالت: «يا ابن أركايسيوس، يا أعز سائر أصدقائي، صل للعذراء ~~المتألقة العينين وإلى الأب زوس، وفي الحال ارفع إلى فوق رمحك ~~الطويل، وأطلقه.» # هكذا تكلمت بالاس أثينا، ونفثت فيه قوة عظيمة، فصلى لايرتيس ~~لابنة زوس العظيم، وفي الحال رفع رمحه الطويل عاليا، وقذف به، ~~فأصاب يوبايثيس خلال خوذته البرونزية الجانبين، فلم يمنع البرونز ~~مرور الرمح، بل اخترق البرونز الخوذة، فسقط محدثا صوتا، وجلجلت ~~حلته الحربية من حوله. بعد ذلك هجم أوديسيوس وابنه المجيد على ~~مقاتلي المقدمة، وأعملا فيهم الطعن بالسيوف والرماح المدببة ~~الأسنة. وكادا يفنيانهم جميعا، ويحرمانهم عودتهم، لولا أن ~~أثينا ابنة زوس، حامل الترس، صاحت بصوت جهوري، وأوقفت الجيش ~~كله؛ إذ قالت: ~~«كفوا، عن الحرب المفجعة، يا رجال إيثاكا، لكي تفترقوا بكل ~~سرعة، دون إراقة دماء.» # السلام يسود أوديسيوس والمحاربين بأمر الآلهة # هكذا تكلمت أثينا، فاعتراهم خوف شاحب. وإذ استبد بهم الذعر، ~~طارت الأسلحة من أيديهم بعد ذلك وسقطت كلها على الأرض، بمجرد أن ~~أرسلت الربة صوتها، فانطلقوا متجهين شطر المدينة. تواقين إلى ~~إنقاذ حياتهم. # وعندئذ صاح أوديسيوس العظيم الكثير التحمل، بفظاعة، وبعد أن ~~استجمع قواه انقض عليهم كأنه نسر عالي الطيران، وفي تلك اللحظة ~~قذف ابن كرونوس صاعقة ملتهبة، فسقطت أمام ابنة الرب العتيد، ~~أثينا البراقة العينين، فتكلمت بعدئذ أثينا النجلاء العينين ~~تخاطب أوديسيوس، قائلة: ~~«يا ابن لايرتيس، المنحدر من زوس، يا أوديسيوس الواسع الحيلة، ~~كف يدك، وأوقف نضال الحرب المتعادلة، # 16 # لئلا يغضب منك ابن كرونوس، زوس، الذي يحمل صوته ~~نائيا.» # هكذا قالت أثينا فصدع بأمرها، واغتبط في قرارة فؤاده. وبعد ذلك ~~عقد الصلح والسلام الدائم بين الفريقين بواسطة بالاس أثينا ابنة ~~زوس، حامل الترس، وهي في صورة مينتور ms399 شكلا وصوتا. ms400