######OpenITI# #META# URI: 1423ShawqiCabdHakim.CazizaWaYunus.Hindawi68393083 #META# Tags: novels #META# ID: 68393083 #META# Title: عزيزة ويونس #META# AuthorID: 25792509 #META# Author: شوقي عبد الحكيم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # موت الأميرة شماء بنجد واعتلاء الجازية مكانها في قيادة بني هلال‏ # غيرة الجازية من حب العالية وأبي زيد‏ # حب أبي زيد للأميرة العالية بنت جابر‏ # جمع المشورة للهجرة والحرب‏ # مأساة عزيزة وسعدى‏ # تنكر «أبو زيد» والفرسان الثلاثة‏ # سكك أبي زيد‏ # الزناتي يفاجئ العشاق الأربعة‏ # اقبضوا على الجميع‏ # عودة أبي زيد إلى نجد والرحيل والحرب‏ # الزناتي يجمع مجلس حربه لمحاربة الهلالية‏ # حروب الهلاليين على أول بلاد العرب وحصار تونس‏ # النساء يحلقن شعورهن استنجادا بدياب‏ # دياب يقتل الزناتي ويفتح تونس‏ # أسر دياب لسعدى ومأساتها‏ # العزيزة ترعى أبناء الشهداء‏ # مقدمة‏ # موت الأميرة شماء بنجد واعتلاء الجازية مكانها في قيادة بني هلال‏ # غيرة الجازية من حب العالية وأبي زيد‏ # حب أبي زيد للأميرة العالية بنت جابر‏ # جمع المشورة للهجرة والحرب‏ # مأساة عزيزة وسعدى‏ # تنكر «أبو زيد» والفرسان الثلاثة‏ # سكك أبي زيد‏ # الزناتي يفاجئ العشاق الأربعة‏ # اقبضوا على الجميع‏ # عودة أبي زيد إلى نجد والرحيل والحرب‏ # الزناتي يجمع مجلس حربه لمحاربة الهلالية‏ # حروب الهلاليين على أول بلاد العرب وحصار تونس‏ # النساء يحلقن شعورهن استنجادا بدياب‏ # دياب يقتل الزناتي ويفتح تونس‏ # أسر دياب لسعدى ومأساتها‏ # العزيزة ترعى أبناء الشهداء‏ # | عزيزة ويونس # | عزيزة ويونس # تأليف # شوقي عبد الحكيم # | مقدمة # | عزيزة ويونس وريادة الهلالية # القصة الملحمية الكبرى عزيزة ويونس التي اعتدنا سماعها تروى بمختلف وسائل التعبير ~~الشعبي، استقلت أصلا عن الجسم الأساسي لسيرة بني هلال. وهي تؤرخ لعرب نجد المرية، وهجراتهم ~~لتعريب الشمال الأفريقي والغرب، فقد بدءوا من ربوع الجزيرة العربية شمالا وجنوبا مرورا ~~بما بين الرافدين والشام وفلسطين ومصر وليبيا، إلى أن وصل زحفهم إلى تونس وقلاعها الأربع ~~عشرة، فضربوا حصارهم حول قرطاج الذي امتد إلى سنوات سبع، بما يذكرنا بحصار الإغريق لطروادة ~~الذي استغرق سنوات تسعا، وكلا الحصارين تذرع بحجة المطالبة بالإفراج عن الأسرى، وكان ~~الإغريق قد طالبوا بالإفراج عن «هيلين» زوجة «مينلاوس». # أما الأمراء النجديون الثلاثة وهم يونس ومرعي ويحيى فلهم قصة أخرى، إنهم أبناء السلطان ~~حسن بن سرحان الهلالي سلطان الهلالية الغزاة. # تحايل ms001 فرسان الهلالية الثلاثة يونس ومرعي ويحيى، حين ريادتهم المبكرة، كطلائع لتحالف ~~الزحف الهلالي، لاستكشاف تونس وربوعها وتخومها أو قلاعها الأربع عشرة، بصحبة خالهم أبي زيد ~~الهلالي سلامة، واضطرارهم لبيع عقد ثمين من غالي الجوهر توارثوه عن جدتهم الأميرة الأم ~~«شماء»، التي كان لها ثلث المشورة في الحرب وقيادة المهاجرين خلال الثلث الأول من ثلاثية ~~السيرة الهلالية. # إلى أن وصلوا قصر الأميرة «عزيزة» ابنة سلطان تونس «معبد بن باديس» وهم متنكرون في هيئة ~~شعراء جوالين، عن طريق دلال ظل يفاخر بدهاء يونس وفروسيته وقبائله تحت شباك قصر ~~العزيزة: # آه يا ستي لو شفتيه # لو شفتي طولو مع معانيه # تفوتي قصرك باللي فيه # واسمك الغالي تنسيه. # فكان أن تحركت لواعج عزيزة نحو يونس، حين وقعت عيناها عليه للمرة الأولى منبهرة. # وقفت عزيزة في ريح القصر ورحاته وقالت: # يا دلال صاحب العقد روح هاته # يا بخت من حدى بوصلك يا يونس في السنة مرة # يسود شعره وتحلى عيشته المرة # ولما قالوا لعزيزة دا يونس في الشجر برا # نزلت تهز اليلك وتقولوه كنت فين سلامات # ومن ابتلا بك يا يونس طق وانسلى مات # خدته على الصدر جوا القصر ورحاته. # أسر أبي زيد والأمراء الثلاثة # إلى أن وقع الأمراء الثلاثة في أسر حاكم تونس، معبد بن باديس الذي من نسله انحدر ~~المعز بن باديس، # 1 ~~- والزناتي خليفة، ووزير داخليتها العلام بن هضيبة، ووقعت قلوب الفرسان ~~الثلاثة في أسر أكثر عذابا والتهابا هو قيوم الغرام، فقد أحب يونس عزيزة، ومرعي سعدى ~~- ابنة الزناتي - أما يحيى فقد أحب الحسناء مي الهلالية. # وامتد أسرهم ذاك لسنوات سبع، لم ينسوا فيها يوما موطنهم نجدا، فتحدثوا بجمال نجد ~~وحرية نجد، كما عبر مرعي عن هذا الحب ضارب الجذور في روحه عبر مناجاته لمعشوقته سعدى ~~ابنة الزناتي: # يا سعدى نجد العريضة مريه # ربيت بها أهل وكل جدودي # بلدي ولو جارت عليه مريه # وأهلي ولو شحت عليا تجود. # وهكذا نجحت الفتيات الثلاث - عزيزة وسعدى ومي - في الإبقاء على محبيهم الثلاثة، يونس ~~ومرعي ms002 ويحيى ، في أسر السجن الملحق بقصر عزيزة الأسطوري الفاخر، وإقناع حكام تونس ~~وفارسها خليفة الزناتي، بإطلاق سراح خالهم أو عبدهم المسن، أبي زيد الهلالي، ليعود إلى ~~نجد والعودة بفديتهم، فما كان منه إلا العودة بجحافل جيوش بني هلال التي أوقعت الحصار ~~الشهير لبوابات تونس السبع، لحين اقتحامها وقتل دياب بن غانم لخليفة الزناتي، وفتح ~~المغرب العربي عامة حتى الأندلس التي حكمها أبو زيد الهلالي. # الهلالية بين التاريخ والفولكلور # ومن المفيد هنا التعرض للبناء الرئيسي الذي عنه استقلت «بالادا» أو «بالادة» حسب ~~تسمية العرب الكلاسيكيين لقصص الحرب والحب الشعرية مثل «عزيزة ويونس» هذه، فمن المفيد ~~التعرف بإلمامة سريعة بهذه السيرة السياسية الكبرى - الهلالية - وموقعها ما بين التاريخ ~~الفعلي والفولكلور. # وتلقي مخطوطة مكتبة المتحف البريطاني الرئيسية للسيرة بالمزيد من الضوء على متابعها ~~وأحداثها الهائلة التي شملت جغرافية الشرق الأوسط عامة عبر حلقاتها الرئيسية الثلاث، ~~التي هي في عداد ثلاث سير متتابعة، أولها يضرب في العصور التي تعارفنا عليها بالجاهلية ~~السابقة لظهور الإسلام، والتي قد تصل بنا إلى بضعة قرون. # إذ تغطي الحلقة الأولى للسيرة بدء تواجد العرب الهلاليين التاريخي في الجزيرة ~~العربية، وهجرتهم الأولى إلى الأردن وفلسطين أو بلاد السرو وعبادة. # إلى أن تتوقف بنا الأحداث مع بدء ظهور الإسلام، وكيف أن هلال بن عامر وفد على النبي ~~محمد # صلى الله عليه وسلم # على رأس قومه أو قبائله المتحالفة، ولعب أولئك الهلاليون دورا مهما في ~~ترسيخ أركان الدين الجديد، حتى إن النبي أسكنه وقومه وادي العباس. # وأبدت فيما بعد فروسية وشجاعة الهلالية في حيل «المنذر» أبو العرب المناذرة، وكيف ~~تعرف على الأمير «مهذب»، وتزوج بابنته «هذباء»، لما لم يرزق منها بطفل فقرر الزواج ~~بأخرى. # ثم رحل إلى بلاد السرو وعبادة، أي الأردن وفلسطين، حيث تزوج بابنة الملك الصالح ~~واسمها «عذباء» التي خلف منها «جبير»، بينما وضعت زوجته الأولى «جابرا». # وينشب الصراع بين الزوجتين طويلا، فكل منهما تريد المنذر لها وحدها. # وينتهي الأمر بطلاق عذباء ابنة الملك الصالح ورحيلها هي وابنها «جبير» إلى ms003 ~~نجد . # المهم هنا أنه من نسل جابر وجبير انحدرت إلينا بطون بني هلال ونسائهم الذين قاموا ~~بالأدوار الهامة في مختلف الأحداث الكبرى التي تضمنتها الحلقة الأولى من حروب وهجرات ~~قارية على طول العالم القديم في أواسط آسيا والأناضول حتى تخوم الصين. # فجابر ولد له عامر وتامر وهشام وحازم، ومن نسل هؤلاء انحدر «رزق» والد أبي زيد، ~~وسرحان والد السلطان حسن بن سرحان، وأبناؤه الفرسان الأمراء الثلاثة يونس ومرعي ~~ويحيى. # أما جبير - رأس التحالف القحطاني - لعرب اليمن والجنوب العربي، فولد له «رباح» وحنظل ~~والنعمان، ومن رباح جاء دياب والد رأس تحالف عرب الجنوب دياب بن غانم، كما أن من نسل ~~رباح انحدر الأمير زيدان الذي قتله الزناتي خليفة على بوابات قرطاج. # وعقب جيل جابر وجبير يرد خبر زواج «رزق» من «خضراء» التي أنجب منها «شيحاء» وفتى ~~يدعى «بركات». # مولد أبي زيد الهلالي # وجاء الغلام - بركات - أسود اللون كعنترة، لذلك اتهمت الأم خضراء في عرضها، وانتهى ~~الأمر برحيلها وابنها إلى بلاد الأمير «الزحلان» عدو بني هلال، فيكرم الأمير الأم ~~ويعتني بابنها، ويوكل أمر تعليمه إلى معلم فكان يعلم بركات أبا زيد الهلالي العلوم ~~والحرف واللغات والحيل والمكائد التي اشتهر بها وتفوق فيها: # ولسان عبراتي اليهود تنفعك # ولسان سريان تصير مشير. # وكذا الطب والكيمياء والرياضيات والفلك والجغرافيا والصباغة والمعادن: # والطب أيضا دانيال أعلمك # وعلم الحساب وكل علم جبير # وأعلمك علم الصباغات كلها # تصبغ لروحك ما تريد يا أمير. # ويحدث أن يهاجم الهلاليون بلاد الزحلان فيتصدى لهم بركات ويأخذ والده أسيرا، ويعترف ~~له الهلاليون بالشجاعة ويطلقون عليه اسم «سلامة»، ويعجب به الزحلان فيزوجه بابنته «غصن ~~البان»، وتعلو مكانته في ربوع الهلالية لمهابته وذكائه ومهاراته المتعددة فيطلقون عليه ~~«أبا زيد الهلالي سلامة». # ثم تنتقل بنا السيرة إلى جبل سرحان، وكيف تعرف بالأميرة «شماء» ووقوعهما في أسر ~~الإفرنج ونجاتهما بحيلة من تلك الحيل التي اشتهر بها الهلالية وفارسهم أبو زيد. # الأميرة شماء # وكان للأميرة شماء «ثلث المشورة»، ولها القيادة في الحرب والسلم والهجرة والترحال ~~والمعاهدات. # فالسيرة ms004 الهلالية تفرط إلى أقصى قدر بالنسبة إلى ظاهرة شخصياتها الأنثوية، مثل تلك ~~الأميرة «الكاهنة» شماء: # انظر لشامتها # هذي علامتها # انظر لقامتها # شبه الردينية # الشعر مثل الليل # كأنه سباسب خليل # والوجه مثل السيل # بعيون هندية # ومن نسل شماء انحدرت الأميرة «الجازية» وأخوها السلطان حسن بن سرحان أمير نجد وقائد ~~التحالف الهلالي، وكان محبا لوالدته: # شما تلفتيني # بحبك ضنيتيني # قومي واسقيني # من فوق شبرية # بالليل أنا أزورك # وها الوقت دا شويه. # ولشماء مآثرها الخارقة، خلال حرب ومنازعات بني هلال في الهند وسرنديب والأناضول ~~واليمن والجنوب العربي عامة، فهي تتشابه مع رموز وإلهات الحرب الأنثيات في الميثولوجيات ~~القديمة، وأبرزهن «أثينا» في قيادتها للتحالف القبلي اليوناني - الإغريقي - في حروب ~~وحصار طروادة. # وهو ما توارثته «الجازية» فيما سيلي من أحداث عزيزة ويونس، والريادة حول فتوحات بني ~~هلال في الشمال وفلسطين ومصر وليبيا، لحين حصار تونس والمغرب العربي للمطالبة بالإفراج ~~عن أسراهم الأمراء، أو الفرسان الثلاثة يونس ومرعي ويحيى. # وهنا نكون قد وصلنا إلى الحلقة الثانية لسيرة الهلالية، التي تبدأ أحداثها بمرحلة ~~السلطان حسن وأبي زيد الهلالي من بلاد السرو وعبادة بوادي الأردن وفلسطين، حيث تعيش ~~قبائل بني زغبة المنحدرة من ذرية جبير إلى أن تصل بنا إلى نسب بطل التحالف اليمني ~~والجنوب العربي عامة الأمير غانم وابنه دياب. # الهلاليون يحاربون يهود خيبر # أما السبب الدافع لتلك الهجرة من ربوع وادي الأردن ومرج بني عامر بفلسطين، فلم يكن ~~سوى السيول والجفاف. # واللافت للنظر هنا أنهم عبر هجراتهم الجماعية إلى سهول نجد المرية يخوضون أولى حروبهم ~~مع يهود بني خيبر، وهي حروب طويلة مضنية تستغرق وقائعها الجانب الأكبر من الحلقة ~~الثانية للهلالية، لحين تحقيق انتصاراتهم على اليهود الخيبريين الذين كانوا في بعض ~~صورهم التاريخية يتصدون لمحاربة الأكاسرة الفرس. # ففي هذا الجزء أو الحلقة الثانية للهلالية وسيرتهم، تستقر تحالفاتهم من عرب نجديين ~~وحجازيين قيسيين أو معديين وجنوبيين قحطانيين، وتجيء هذه التحالفات تحت شارة أو ~~راية الهلال، آخذين بالتقويم القمري الهجري فيما بعد. # ويقدم السلطان حسن على الزواج من ms005 «نوفلة » أخت دياب بن غانم، ثم يقطع عهده لدياب هذا ~~قائد ورأس التحالف اليمني بتقديمه أخته «نور بارق» أو الجازية له للزواج منها، والتي ~~سترث أمها السالفة شماء قيادتها لحروب وهجرات بني هلال حتى ليصبح لها ثلث ~~المشورة. # تغريبة بني هلال # أما تغريبة بني هلال أو الحلقة الثالثة، فتبدأ بإرسال أبي زيد الهلالي ومعه الأمراء ~~الشبان الثلاثة يونس ومرعي ويحيى لزيارة المغرب العربي بشمال أفريقيا وخاصة تونس ~~الخضراء، حيث يقعون في أسر فارسها خليفة الزناتي ووزير داخليتها المتسلط العلام، لحين ~~قدوم الفيالق الهلالية لحصار تونس وتخليصهم من الأسر. # وهذه الفترة من فترات التاريخ الإسلامي صحيحة، بالإضافة إلى صحة دور بني هلال وحروبهم ~~الجاهلية السابقة على الإسلام، وكيف قاموا بالنصيب الأعظم في سبيل تعريب البلدان ~~المتاخمة للجزيرة العربية جنسا وثقافة. # فابن الأثير يحدثنا في تاريخه - الكامل - بأن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تزوج في العام ~~الرابع من «زينب بنت خزيمة» أم المساكين، وهي من بني هلال. ثم يذكرهم مرة بصدد الحديث ~~عن غزوة هوازن، ومرات كثيرة أخرى في مناسبات مختلفة. # أما عن خروجهم إلى شمال أفريقيا، فقد ذكره أكثر من واحد من المؤرخين، مثل ابن خلدون ~~حيث ورد بصفحة 62، 63 من الجزء الرابع من تاريخه ما نصه: # كان المعز بن باديس قد نقض معاهدة العبيديين بأفريقيا، وأيد القائم ~~العباسي ضد المستنصر العلوي سنة أربعين وأربعمائة، فكتب إليه المستنصر يتهدده ~~ببني هلال وبأسهم. # أما عن السبب الدافع إلى تغريبة بني هلال، فمرجعه انقطاع المطر وحلول الجفاف بنجد ~~والجزيرة العربية عامة، حيث لا خلاص سوى الهجرة والترحال وفرض التعريب، وهنا يستقر ~~الرأي على ضرورة استكشاف المسالك إلى البلدان المتاخمة للجزيرة، فيضطلع فارس التحالف ~~الشمالي أبو زيد الهلالي وبصحبته الأمراء الثلاثة باستكشاف الطريق إلى تونس، لحين ~~وقوعهم في أسر زناتي تونس، وإطلاق سراح أبي زيد ليعود إلى نجد، لكنه بدلا من إحضار ~~فدية الأمراء الأسرى الثلاثة فإنه يجهز الجيش لغزو تونس والمغرب العربي حتى الأندلس، ~~وذلك بعد أن تم لهم فتح المشرق العربي ms006 عامة، وفرض نفوذهم على معظم كياناته. # وهكذا ضرب الهلاليون حصارهم على تونس - قرطاج - بحجة المطالبة بالإفراج عن أسراهم ~~الفتيان الثلاثة: يونس ومرعي ويحيى. # وعلى بوابات تونس السبع تدور المعارك الطاحنة لسنوات وهي معارك استشرق فيها خليفة ~~الزناتي بقادة العلويين وحلفائهم وأمرائهم منازلة وتقتيلا: # ثمانين أميرا من هلال وعامر # دعاهم أبو سعدى برمح كعيب # أخرب أبو سعدى جميع مساكننا # وما عاد لنا سامح ومجيب # دائر كما الدولاب ولد غانم # ينادي دياب من لقانا هريب. # إلى أن استنجد السلطان حسن بن سرحان وأبو زيد الهلالي بدياب بن غانم، الذي نازل ~~الزناتي إلى أن أصابه برمحه «بين عينيه» وفتح تونس واعتلى عرش الزناتي وأوقع السبي ~~بابنته «سعدى»، وهي التي ساعدت - مع «عزيزة» - الهلاليين إلى أن تحقق لهم فتح تونس ~~والمغرب العربي حتى الأندلس التي حكمها أبو زيد الهلالي. # شوقي عبد الحكيم # | موت الأميرة شماء بنجد واعتلاء الجازية مكانها في قيادة بني هلال # أخيرا أسلمت الأميرة شماء الروح، ولا يعرف أحد على وجه الدقة في كل أنحاء «نجد المرية» ~~كيف حدث هذا، وهل يمكن فعلا أن يحدث على هذا النحو الفاجع الصادم؟ أي أن تسبل الأمير شماء ~~أميرة بني هلال عينيها الدعجاوتين، وكما لو كانت تستسلم للنعاس المصاحب لخدر النوم، لتلفظ ~~أنفاسها الأخيرة وتموت مثلها مثل خلق الله الآخرين! # أحقا ما يحدث ويحمله هواء ذاك الصباح الرطب من سهل إلى ما يجاوره ومن مضرب إلى آخر ومن ~~مرج إلى نظيره، على طول رحاب نجد، فتتداوله الألسن والحلوق الجافة غير المصدقة، بينما تسيل ~~العيون دموعها مدرارا وهي تتحرك في الوجوه التي هدها النبأ المفاجئ، فاندفعت باتجاه ~~مضاربها كالموج الهادر غير مصدقة أو مدركة لما حط على نجد في ذلك اليوم، الذي لا بد ألا ~~تسطع له شمس أبدا، وإن حدث وسطعت فلا بد أن يحرق سياط لهيبها كل أخضر ويابس دون ~~رحمة؟! # أحقا ما يحدث أن تلفظ الأميرة الحكيمة المجاهدة التي عمت شهرتها الآفاق كلا من المشرق ~~والمغرب أنفاسها؟! وهي التي رفعت رايات الهلاليين وبيارقهم ms007 خفاقة مشرقة من فوق هودجها ~~المجلل بشارات المجد، بدءا من تخوم أسوار الصين مرورا بالهند وسرنديب والأناضول مشرقا، ~~حتى مشارف المغرب الكبير والأندلس غربا، تنكس أمامها هامات أعتى الملوك والأباطرة ~~والأكاسرة والأمراء، تواكب ذلك كله حكمة عميقة الجذور والغايات والمقاصد. # وكما لو أن هاجسا خفيا وحد بين جميع قبائل وبطون عرب بني هلال، وهم يتدافعون خارجين ~~مروعين من بيوتهم ومضاربهم وقصورهم في ذلك الصباح المبكر، هذا الهاجس هو الخوف الباطني ~~الذي لا يعرف له سبب، والذي كان ظاهرا تماما على جميع الوجوه كلما تلاقت جموعهم ~~وجموعهن. ~~- لم أنم البارحة. ~~- أجل. ~~- لم أذق للنوم طعما. ~~- لحظة واحدة فقط. ~~- غمضة عين. # صحيح أن الجميع كانوا على دراية بمدى ما حل على كاهل الأميرة الأم - شماء - منذ سنين ~~قريبة من مرض عضال، أضنى أطباء نجد والشام والأندلس ويئس الجميع من إمكانية شفائها. # ولم يعد يسمع منها وهي مسجاة على فراشها سوى تمتمة. ~~- آجال! أعمار تنقضي! # لكن من يمكن له أن يصدق ويعي من تلك الجموع الغاضبة الحانقة التي تجمعت وفودها من كل صوب ~~وكيان، فلم يقتصر الأمر على النجديين وحدهم، بل سرى مسراه أيضا إلى وادي الحجاز ومدن ~~الطائف وتهامة وتعز وصنعاء وعدن وحضرموت وصرواح ومأرب سريان النار في الهشيم. ~~- الشماء ماتت! # وعلى الفور توافدت الفرسان على مشارف نجد وساحاتها التي غصت بجنازات النساء النائحات ~~والمبتهلات وطالبات الرحمة وشاعرات الموت ومنشداته. # وكان الأمر أكبر وأقسى من مجرد موت أميرة وقائدة، لها وحدها ثلث المشورة في الحرب والسلم ~~والهجرة والتصالح والمهادنة والتحالف. # وكما لو أن هناك إحساسا خفيا جماعيا ناشب الجذور داخل الجميع عن مدى جسامة الكارثة ~~الكبرى الجاثمة التي ستحط يوما على رءوس الجميع، لتمتص رحيق الحياة من جزيرة العرب شمالا ~~وجنوبا. ~~- ما الخبر؟ # صحيح أن بوادر الأيام الصعبة لم تلحق عرب الجزيرة بأسرها سوى مع حلول المرض بالأميرة شماء ~~الأم، الذي لازمها السنوات الأخيرة فأمسكها عن كل حركة ونشاط. # وهي بذاتها وتمامها السنوات التي نكست فيها الرايات الهلالية، دون تطلع لجهاد وفتوحات ms008 ~~قوامها التعريب والتوحيد، وكأنه باستسلام أميرتهم الأم القهري لآلام مرضها العضال الطاعن ~~استسلم الجميع انتظارا للحظة العافية التي امتدت لسنوات إثر سنوات إلى أن وقع ~~المكتوب. # وضاعف من ثقل تلك الأيام العصيبة التي استغلها كل طامع في الهلالية انقطاع المطر وحلول ~~الجفاف الذي امتص كل رحيق لخضرة وحياة من الزرع والبهائم، بل والناس أنفسهم على مختلف ~~فئاتهم وطبقاتهم. # وهكذا لم يعد بإمكان الجميع سوى التذرع بالانتظار الثقيل، طالبا للعافية ومعاودة الجهاد ~~وركوب المصاعب للخروج من واقع هذا المأزق القاتل لكل حياة. # فحتى ابنها الأكبر ذاته الأمير حسن بن سرحان سلطان التحالف الهلالي، وأخته وريثتها في ~~القيادة والانفراد بثلث المشورة الأميرة «نور بارق» التي عرفت ب «الجازية»؛ حط عليهما ذلك ~~الانتظار الثقيل عاما إثر عام دون تملك القدرة على الإتيان بقرار أو فعل جماعي، بسبب مرض ~~الأميرة الأم وجفاف الصحراء الذي وصل بالهلاليين إلى حد العطش. ~~- ما العمل؟ # منذ البداية حاولت الجازية التبشير بمشورة أمها المريضة الغائبة عن كل وعي المثقلة ~~بجراحها الغائرة ... التي لم يسلم منها عضو في جسدها الناحل نتيجة ما خاضته من معارك تركت ~~آثارها وبصماتها عليه. # لكن كان ذلك كله دون جدوى، بل من يسمع ويعي والجميع تعودوا على تلقي القرار مشهرا من ~~فمها الشريف، ساريا على كل رءوس القبائل والأمراء والشيوخ وملوك الجزيرة: شماء الأم القائدة. # بل حتى فارس التحالف الهلالي ذاته، أبو زيد الهلالي، الذي أعلن لجموع بني هلال خبر موت ~~الأميرة الأم شماء الفاجع من أعلى الجبال المطلة على ساحات المدينة؛ لم يسلم من السب ~~والتجريح والتطاول من الجماهير الغاضبة غير المصدقة الهائجة، المطالبة بإشهار الجثمان ~~لتتيقن منه كل عين ترى وتبصر. ~~- كذب، كذب! ~~- تدليس! ~~- اخرس يا شؤم ~~- أين الجثمان؟ ~~- الشهود، أين الشهود؟ # وهكذا تدافعت الأجساد كيوم الحشر، باتجاه مضارب الأميرة «شماء» لا يوقفها حرس أو فرسان ~~دون التفاته إلى الخلف، مطالبة بالدليل واليقين. # وتكسرت كل محاولات السلطان حسن ابنها ووريثها وابنتها الجازية و«أبو زيد الهلالي سلامة»، ~~في رد الوفود الثائرة وإعادتها إلى صوابها، ms009 وهي التي صدمها النبأ الفاجع حتى العظم. ~~- الجثمان، الجثمان. # ورغم التطاول على أبي زيد الهلالي من جانب بعض الأفواه التي أعماها الغضب، فإنه كان ~~الأسرع بالمبادرة إلى إقناع السلطان حسن بإخراج الجثمان وتسجيته على أعلى سلالم قصر الأميرة ~~الأم الرخامي؛ لتهدئة ثائرة الجماهير المنذهلة غير المصدقة: ~~- إنا لله وإنا إليه راجعون! # وهكذا حط الهدوء على هامات الرءوس الثائرة والغاضبة والفزعة، وتدافعت الوفود في ثباتها ~~تلهج بالرحمة والغفران للموتى والأحياء معا، وهي ترقب الجثمان الطاهر المسجى في حالة من ~~الاطمئنان والصفاء الذي فعل مسراه في الأعصاب والمشاعر التي أغرقها الحزن. # واعتلى كل أمراء بني هلال بدءا من السلطان حسن وأبنائه الأمراء الثلاثة يونس ومرعي ويحيى ~~إلى الجازية وأبو زيد الهلالي الساحات، متحدثين في ثبات إلى جماهير المشيعين. # واندفعوا يطالبونهم بتحكيم العقل وإعمال الحكمة، بحثا عن حلول لما أصبح يعانيه الجميع ~~شمالا وجنوبا من جوع ومذلة: ~~- المشورة حق للجميع. # وما إن انتهت مراسيم دفن الجثمان والعزاء والمواساة، حتى اشتهرت وصية الأميرة الأم، ~~والتي نصبت فيها الأميرة «نور بارق» أو الجازية لتأخذ مكانها في قيادة التحالف ~~الهلالي. # وهنا تنفست الجماهير المحيطة التي لا تحدها غير الصعداء، فالجازية وحدها هي الأقدر عن ~~جدارة في أخذ مكان الأميرة الأم، وهي المعروف عنها مدى بأسها في الحرب والنزال، ومدى حنوها ~~واحتضانها لآلام الجميع التي تزايدت في السنوات الأخيرة العصيبة التي صاحبت الجفاف. ~~- الجازية، أم محمد. # 1 # وكما لو أن اسمها ذاته سرى بين الجموع مهدئا كبلسم شاف. # حتى إذا ما واصل قاضي قضاة نجد «بدير بن فايد» قراءة وصية الأميرة الأم التي دونت على ~~رقعة طويلة من جلود الغزلان البرية، تعدى طولها طول قامته، معلنا رصد الشماء للجانب الأعظم ~~من ممتلكاتها وكنوزها لفقراء بني هلال وبسطائهم بالإضافة إلى جرحى الحرب والمعوقين وأسر ~~الشهداء، حتى تعالت الأصوات المترحمة مدوية من كل جانب، وعلا بكاء النساء ونحيبهن، وسمعت ~~أشعار المراثي علية من هنا ومن هناك: # شما تلفتيني # بحبك شبقتيني # قومي واسقيني # من فوق شبرية # بالليل أنا أزورك # وها ms010 الوقت دا شويه. ~~••• # انظر لشامتها # هذي علامتها # انظر لقامتها # شبه الردينية. # ولم تتوقف سيول الأشعار الجنائزية والمراثي إلا عندما تدخل القاضي بدير مقاطعا بحزم ~~مواصلا قراءة الوصية لجموع الهلاليين مشرقا ومغربا، والتي تضمنت الحث على الجهاد ~~والتلاحم والدفاع عن الحق والأخذ بالمشورة وتكامل العقول العربية، وعدم الاستسلام للواقع ~~القاسي الذي لحق بقوت الجميع ومصيرهم. # وامتدت أيام الحزن أربعين يوما توافدت خلالها الوفود العربية من كل مكان وكيان إلى ربوع ~~نجد للعزاء في وفاة الأميرة الأم، رأس المشورة للتحالف القبائلي الهلالي شمالا ~~وجنوبا. # جاء من العراق الأعلى حاكمه الخفاجا عامر وابنته «ذوابة» التي تسمى بها، وهي الشاعرة ~~العريقة التي أبكت جماهير بني هلال، وخاصة نساءهم بأشعارها: # يوم غرب النجع يا ما بكى ضرغام # وقال بيض الليالي مضت # واللي بقى صار غام # رايح تغرب يا ابو ذوابة # وفايت الاصطبل والخيل فيه # ما بكى الخفاجا عامر وقال # بكر الشجر راح # ما عادت تنفع الخيل فيه. # وجاء من وادي الحجاز الأمير جابر وابنته العالية بنت جابر، وكانت ممشوقة القامة باهرة ~~الجمال شديدة الحضور، وما إن وقع نظر فارس بني هلال أبي زيد الهلالي عليها حتى تأججت داخله ~~المشاعر الملتهبة التي دفعت به دفعا إلى الاختفاء عن العيون أياما، لا يعرف له أحد مكانا ~~إلى درجة دفعت بالسلطان حسن بن سلطان إلى إرسال وفوده وفوارسه للبحث عنه أينما كان وتحت أي ~~سماء، دون جدوى. # خاصة وقد كثر توافد المعزين من حلفاء بني هلال من كل صوب ومكان، سواء من فلسطين العربية ~~ومروج بني عامر أو هلال بن عامر أو من الشام وحلب الشهباء. # وجاء فارس تحالف عرب جنوب الجزيرة القحطانيين دياب بن غانم الزغبي ووالده الضرير الأمير ~~غانم، الذي كلت عيناه إلى حد فقدان النظر الكامل ليشارك في العزاء ويلتقي بابنته «نوفلة» ~~لوجه السلطان حسن الصديق الحميم لأبي زيد الهلالي. # وأقام دياب بن غانم الدنيا وأقعدها حين لم يجد أبا زيد الهلالي في استقباله، وحين ألح في ~~سؤال السلطان حسن وابنه الأكبر يونس ولم يجد ms011 جوابا، استبد به الضيق الذي أفصحت عنه أساريره ~~القاسية الملامح: ~~- أين أبو زيد؟! # ومن جديد واصل السلطان حسن إرسال فرسانه وأبنائه وعيونه في كل مكان بحثا عن أبي زيد الذي ~~بدا كما لو أن الأرض عن آخرها انشقت وابتلعته دون أثر، منذ أن لامست يده يد الأميرة العالية ~~(بنت جابر) مترجلة عن هودجها الذي أقلها من وادي الحجاز. # | غيرة الجازية من حب العالية وأبي زيد # هكذا وجد فارس الهلالية أبو زيد نفسه بين لحظة وما أعقبها ينبض قلبه بلا هوادة أو توقف ~~بحب العالية بنت جابر، وهو الذي منذ بضع سنوات فقط ليست بالبعيدة قطع بحسامه - المهند - رأس ~~شقيقيها الأميرين عقيل وزيد، حين اشتد به الغضب ووصل به الهياج من جشعهما وتسلطهما حين ~~تفتحت عيونهما على أسلاب الهلالية من كنوز أكاسرة الهند وسرنديب وعروشهم وثرواتهم. # وصل به الغضب والغيرة دفاعا عن حقوق المجاهدين من معدمين ومعوزين وجرحى وأسرى وشهداء، ~~إلى حد التهديد بغزو مضارب الأمير الأكبر «جابر» ذاته واستباحتها. # إلا أن العالية بصائب بصيرتها تمكنت منذ أن تصافحا داخل معازي الحريم من أن تضمد له غائر ~~جرحه الدفين الذي عاناه أبو زيد وحده السنين الطوال، وهو أن يرفع سلاحه يوما ليشهره في ذات ~~- قبائله - جسده كمثل رجل ينتحر ... # تمكنت العالية بعمق مشاعرها من تجفيف دماء إحساسه الدفين بالذنب والإدانة، وعفا الله عما ~~سلف، فيبدو أنه كان محقا فيما أقدمت عليه ذراعه الضاربة في عنقي فارسين من أخلص فرسان ~~الهلالية وأقدرها على المنازلة سوى من هفوة الجشع المفضي إلى التسلط، حتى إذا ما انتهت ~~جلستهما القصيرة المؤثرة وعاد أبو زيد متخذا طريقه إلى ديوان السلطان حسن والرجال معتذرا ~~مرحبا رواده من فورة الإحساس الذي عرفه كثيرا عقب فك قيود الأسر وانتزاع سلاسل الإدانة، ~~فاستراحت عضلات وجهه وعاد استرخاؤها وحبورها على مشهد من عيون الجميع وأولهم صديقه وموضع ~~سره المقرب الأمير الشاب يونس. # فكان يونس هو الوحيد الذي استنجد به السلطان ليعود إليه برقبة أبي زيد، فهو الوحيد الذي ~~يعرف مكمنه. # هنا ms012 اعتلى يونس جواده قاطعا السهول والوديان إلى أن تسلل وهو يغوص سراديب وزوايا ذلك ~~الحصن الذي غيبت السنون والعصور معالمه وأبهاءه حتى توقف عند رأس أبي زيد الهلالي الذي هب ~~من إغفاءته، كما لو كان يعاود الإطلال على عالم غريب غير مألوف هاتفا: يونس. # هنا عاجله يونس بدوره وهو يحط عن رأسه تعبا وإعياء مقعيا قائلا وهو يتفرس عبر ~~الظلام الخفيف في عينيه: العالية بنت جابر. # انتفض أبو زيد في أقصى انفعاله ونشيجه مبتعدا مخفيا وجهه بين ساعديه كمن يكتم لهبا ~~اندفع في غائر أعماقه ... ~~- يونس، ألا يكفي ما أنا فيه؟! اتركني، اتركني، كفاك سخرية! # ولعلها المرة الأولى التي اندفع فيها يونس ضاحكا مقهقها وهو الذي لم يضحك أبدا منذ ~~سنين. # ومن فوره تمدد في استرخاء وهو يدق الأرض بقبضته من غرابة أطوار خاله، هذا أبي زيد فارس ~~الفرسان، والذي يبدو الآن أمام عينيه كمثل طفل محب لا يعرف من عالمه سوى البراءة. ~~- العالية ابنة الأمير جابر. # قاربه سائلا: أليس كذلك يا خال؟ # انتصب أبو زيد واقفا معدلا من هيئته مواصلا عناده كمثل طفل: لن أعود يا يونس. # داعبه يونس بصوت محايد خفيض: خائف؟ # هنا انتفض أبو زيد وكما لو كان يخوض إحدى معاركه أو وقائعه أو ملاحمه: خائف؟ # واصل يونس: أجل، من امرأة. ~~- امرأة! ~~- الأميرة عالية. # شبك أبو زيد ذراعيه على صدره، وبدا وكما لو كان يحدث نفسه مناجيا زافرا: ماذا ~~أفعل؟ # هنا انشغل يونس بالبحث عن بقايا زاد أبي زيد من تمر ولبن ولحم القديد المجفف، الذي لا ~~يخلو منه جرابه، ملتهما في نهم إلى أن عاود الاقتراب منه ومواجهته بالسؤال: أنت ~~تحبها؟ # أخفض أبو زيد عينيه مبتعدا وهو في أقصى حالات انفعالاته التي يعرفها عنه يونس: أجل يا ~~يونس يا بني. # وساد صمت طويل بينهما لم يقطعه سوى صهيل فرقة الفرسان المصاحبة ليونس الرابضة على أبواب ~~قلعة يثرب المهجورة بانتظارهما. # ولم يتمكن أبو زيد الهلالي من إقناع يونس بتركه والعودة إلى نجد، وإبلاغ السلطان والجميع ~~بعدم العثور ms013 عليه - أي على أبي زيد - بعد أن أخبره يونس بغضب السلطان حسن والجميع لتغيبه، ~~وخاصة حاكم العراق الخفاجا عامر، وأيضا دياب بن غانم صديق صباه ومدى صعوبة المأزق والحرج ~~اللذين اعتريا الجميع في نجد. ~~- الجميع يسألون عنك، قف. # هنا لم يجد أبو زيد بدا من العودة. # وخلال الطريق أطلع أبو زيد يونس على ما يعانيه، ولم يكن يخفي عنه خافية، برغم صغر سنه ~~فإنه كان يصطفيه ويصطحبه عبر رحلاته ومغامراته، بل إن أبا زيد هو الذي دربه بنفسه على ~~الفروسية منذ مطلع شبابه، وما تستلزمه من معرفة عميقة موثقة بالكثير من الأمور والعلوم، ما ~~بين إلمام كبير بجغرافية البلدان وطبائع القبائل والأقوام ولهجاتها ولغاتها واختلاف الألسن ~~والطبائع ووصف المسالك من أرضية جبلية لصحراوية وبحرية وأقصرها توصلا للغاية. # كما كان دائم الحديث معه خاصة عن تاريخ عرب نجد والجزيرة الهلاليين، وحروبهم وفتوحاتهم ~~وغزواتهم من مشرق الأرض إلى مغربها. # إلى أن وصل الحديث بينهما إلى أحد الفتوحات الهامة التي أوكل والده السلطان حسن قيادتها ~~إليه، أي إلى أبي زيد، وشملت شبه القارة الهندية وآسيا الصغرى. وكان في مثل سنه - 25 عاما ~~- منجرف الحماس والتوقد، كل مبتغاه هو الإعلاء من شأن الهلاليين دون انتكاسة واحدة تودي ~~بحياة الآلاف المؤلفة من محاربي الهلالية، فيصبح مضغة في أفواه نسائهن قبل الرجال. # وأصغى يونس بكل حواسه إلى أبي زيد مقاربا وهما يقطعان السهول والوديان عائدين إلى نجد ~~مندهشا إلى أقصى حد. # فلقد كان يظن - قبل هذه الرحلة - أنه على دراية بما وهن من تفاصيل ودقائق، خاله أبي زيد ~~وحياته، لكنه بدا في عينيه هذه المرة مختلفا وكأنه يصطحبه ويراه ويستطلعه لأول مرة. ~~- ما الخبر؟ # دعني أتخفف معك يا يونس دون مقاطعة، وسأترك لك الحكم والمشورة بعد معرفة ذلك الدافع ~~البغيض المخجل حقا الذي دفعني إلى الاختفاء عن عينها على هذا النحو المزري المشين. # قاطعه يونس: تقصد الأميرة العالية؟ ~~- نعم يا يونس، هي وحدها دون غيرها من نساء العالمين. # ترجلا لأخذ لحظات من الراحة داخل بستان متشابك ms014 الأشجار يفيض بمختلف صنوف الفاكهة ~~والزهور البرية على غير المألوف. ~~- العالية بنت جابر ونصلا عينيها الناريتين اللتين واجهتني بهما منذ لحظة ترجلها من ~~هودجها في أثر والدها الأمير جابر، حين مددت لها يدي مسلما ووالدك السلطان ينطق اسمي لها ~~مقدما: أبو زيد الهلالي سلامة. # ووصل الانبهار بأبي زيد حين عاجله يونس مقاطعا وكأنه يكمل له تفاصيل ما خفي عنه ~~قائلا: رأيت كل شيء، أتعرف ماذا حدث؟ ~~- ماذا؟ ~~- أغمي على الأميرة، وهي تخطو في أثر والدها عتبة الديوان، واحتضنتها أمي وطفاء إلى أن ~~أدخلتها فراشها باكية. # غمغم أبو زيد: منذ التقينا. # واصل يونس متذكرا: لحظتها بالتحديد اختفيت أنت وكأن أرض الله الواسعة انفتحت من تحت ~~قدميك. # أكمل أبو زيد متندما مبتعدا: أجل يا يونس، فلعل خناجر الأعداء وسيوفهم أكثر رحمة وسلامة ~~من عينيها! # هنا وصل العجب بيونس مداه، وهو يقارب أبا زيد مستطلعا ليقف منه على جلية الأمر سائلا: ~~أتعرفها؟ ~~- تقصد العالية؟ ~~- أجل. ~~- نعم أعرفها يا يونس، قتلت شقيقيها الأميرين عقيل وزيد؛ أولهما بشمال الهند والثاني ~~بسرنديب. # سأل يونس وهو يعاود قراءة تعبير وجهه مغمغما: أليس هذا سببا كافيا لمعرفتها؟ # وساد صمت طويل ثقيل مفعم بالأسى بين يونس وأبي زيد. # وحين عاودا امتطاء حصانيهما وجدا المسير في قطع الروابي والسهول المحيطة بنجد، أكمل أبو ~~زيد ليونس مطلعا إياه على الكيفية التي صاحبت قتله لشقيقي العالية بنت جابر بالهند ~~وسرنديب. # لقد وصل الشره بأولهما وهو الأمير عقيل للحصول على كنوز الأسلاب والسبي التي وقعت في ~~أيدي الهلالية مما تزخر به قصور الهند والتركستان من ثمين الجواهر وعروش ملوكها ومهراجاتها ~~وأمرائها، من أطنان الذهب وغالي الأحجار الكريمة من ياقوت وبلخش وزمرد وأكداس المال والسيوف ~~المهندة؛ فاندفع بأقصى طاقات شرهه يطالب أبا زيد بحراستها مع «البوش» ومؤن الحرب ~~والأسرى. # حتى إذا ما حقق له أبو زيد مبتغاه لم يصن الأمانة وحاول في صباح أحد الأيام الهرب بما ~~استطاعت كتائبه حمله والفرار. # وما إن تواترت الأخبار إلى أبي زيد بفعلته حتى جد السير في أثره ms015 برا وبحرا، إلى أن ~~تمكن من إيقاعه وكتائبه في الأسر. هنا لم يكتف عقيل بما حدث، بل شهر سيفه في وجه أبي زيد ~~محاولا طعنه من الخلف، فما كان من أبي زيد إلا أن نازله وقطع رأسه، ليصبح عبرة لمن تسول له ~~نفسه من زعماء القبائل المتحالفة نهب أموال الهلالية دون حق. # أما الأخ الثاني - الأصغر - زيد، فقد رفض الواقعة من أساسها، محاولا إثارة الفتن ~~الجانبية والإنقاص من قدر أبي زيد جهارا، متهما إياه - أي أبي زيد - بأنه مجرد عبد بني ~~الزحلان الذميم ليس إلا، إلى أن تسلل ذات ليلة محاولا الانتقام لأخيه الأكبر الأمير عقيل، ~~والتوصل إلى مضارب أبي زيد واغتياله، وبالطبع استيقظ أبو زيد مع لحظة إطباقه عليه، فهب من ~~فراشه قافزا إلى حسامه ونازله على مرأى من حراسه الغاضبين بعد أن حال بينهم وبين قتله سوى ~~بالمنازلة وجها لوجه في تلك الليلة الحالكة الظلمة إلى أن تمكن منه أبو زيد فقتله. # وأنهى أبو زيد كلامه ليونس بأن ذلك ما حدث. # وطمأنه يونس قائلا: تخطاك العيب يا خال أبو زيد. # إلا أن يونس أعاد سؤاله له: لكن، هل تعرفها؟ ~~- تقصد الأميرة العالية؟ ~~- نعم. ~~- لم أرها قبل اختفائي البتة. ~~- لكنك أدركت ما بها. ~~- لا أعرف يا يونس، كل ما أعرفه هو عيناها اللتان أشهرتهما في وجهي كمثل حدي نصل، هنا ~~اعترتني أقصى لحظات الخجل المحمل بالذنب الذي دفع بي دفعا إلى الاختباء عدوا إلى قلعة ~~يثرب. # وحين أشرفا على سهول نجد المرية، واصل يونس هزله لأبي زيد منبهرا من أصالته وعمق مشاعره، ~~وهو الذي لم تقهره أعتى الجيوش المدججة لكن قهرته امرأة، قائلا: إنه الحب يا خال. ~~••• # ما إن وقعت عينا السلطان حسن بن سرحان على ابنه الأمير يونس مقبلا وحده عليه وعلى من ~~معه، حتى هب من فوره لاستقباله متلهفا سائلا في حدة: أين الأمير أبو زيد؟ # طمأنه يونس من فوره: خالي أبو زيد في الطريق إلى هنا. # وتنفس جميع من في المجلس الصعداء، وأولهم دياب بن غانم ms016 وحاكم العراق الخفاجا عامر - أبو ~~ذوابة - والقاضي بدير، وحتى الأمير جابر - والد العالية - اكتسى وجهه بالاطمئنان حين علم ~~بمجيء أبي زيد. # وعلى الفور اختلى السلطان حسن بابنه يونس منسحبا من مجلسه وقاربه مسلطا عينيه في حدقتي ~~عيني يونس ثائرا: اصدقني القول يا يونس، ما الخبر؟ ما الذي دفع بأبي زيد إلى ~~الاختفاء؟ # ولما لم ينطق يونس بجواب، قاربه والده أكثر حدة وهو يضع قبضتي يديه حول عنقه: انطق، ماذا ~~حدث؟ # هنا داعب يونس والده مطمئنا مترددا: خالي أبو زيد فقط يغير ملابسه للقدوم إلى هنا. ~~مشيرا إلى الطريق. # شدد السلطان حسن من قبضته حول عنقه: أنا أسألك، انطق، ما الخبر؟ # هنا لم يجد يونس بدا من الإفصاح همسا في أذني والده السلطان حسن متحرجا: الأميرة ~~العالية. ~~- العالية؟ # تراخت قبضتا السلطان متراجعا مفكرا مستغربا وكأنه يسترجع تلك اللحظة الدهر، حين ~~استقبلها مترجلة من هودجها مقدما إياها إلى أبي زيد الهلالي. ~~- هاه، تذكرت. # وبدا السلطان وكما لو كان يخفي ضحكه عن ابنه يونس، إلا أنه غمغم متسائلا: هكذا الأمر! ~~غرايب! هي أيضا العالية سألت عن ذلك الماكر المارق والدتك ثلاث مرات، أين الأمير أبو زيد؟ ~~أين أبو زيد؟ # وحين استدار السلطان حسن عائدا إلى ديوانه ومجلسه لحق به يونس مواجها: خالي أبو زيد حكى ~~لي خلال الطريق عن صحة ما حدث منه في الهند وسرنديب لشقيقيها الأميرين عقيل وزيد. # وانفلت السلطان حسن مندفعا وهو يرمق ابنه يونس مطمئنا: طبعا أذكر، أعرف. # وكمن قرر أمرا غمغم مسرا ليونس منسحبا: والخيرة في جمع الشمل. # وتفهم يونس مغزى مقولة والده مندهشا منشرحا غير مصدق. # وعلى الفور سمعت من الخارج ضجة عالية صاحبت دخول أبي زيد منكسا مرتبكا على غير ~~عاداته وما عرف عنه، ومن فوره تقدم جاثيا عند ركبتي الأمير طاعن السن جابر الأقرب إلى أن ~~يصبح ضريرا، وهب الأمير جابر يمد يده عابثا في خصلات شعر أبي زيد بعنف ينبئ عن مدى تكتم ~~ما يعتمل في أعماقه من انفعالات عنيفة متضاربة: عمي الأمير جابر، ms017 الآن تحقق حلم السنين ~~الطوال في أن تكتحل عيناي برؤيتك ومشاهدة سماحتك. # كل هذا ودياب بن غانم يقاربهما دهشا من تصرف أبي زيد في تجاهله على هذا النحو وبعد طول ~~افتراق وهما الصديقان القديمان اللذان وثقت الأيام والسنون بمحنها وانتصاراتها ما بينهما ~~إلى حد يصعب تجاهله على هذا النحو. # إلا أن أبا زيد تنبه من فوره مستديرا محتضنا دياب بن غانم مقبلا طويلا: أخي وصديق ~~عمري دياب. # متقدما لائما والده العزيز الأمير غانم، والخفاجا عامر وزيدان شيخ الشباب والقاضي بدير، ~~والجميع في لهفة حقيقية محملة بكل تعبير الأسف العميق لتغيبه عنهم جميعا وهم ضيوفه في نجد ~~المرية، لحين دخول السلطان حسن منشرحا قليلا معابثا أبا زيد والجميع: يبدو أن فارسنا أبا زيد يفكر أخيرا جديا في استكمال نصف دينه. # في ذات اللحظة التي أخذ فيها أبو زيد مكانه ملاصقا لعمه الأمير جابر منكسا مضطربا ~~معانيا قليلا في صعوبة لم يعهدها قبلا قائلا: عمي الأمير جابر، أطلب مغفرتك مدى ~~العمر! # ولعلها كانت اللحظة، ويمكن القول الحالة الوحيدة التي يشهد فيها جميع من احتواهم ذلك ~~المجلس أبا زيد فارس الهلالية على هذا النحو من الاضطراب والحنو، وفي مثل تلك المناسبة وهو ~~تقبل العزاء في رحيل الأميرة الأم قائدة الهلالية - الشماء - الذي امتد أياما ~~طويلة. # ومن جديد ساد صمت عميق في المجلس، امتدت خلاله يد الأمير جابر - والد العالية - وكأنها ~~تبحث عن جدائل شعر أبي زيد لتعمل فيها وكما لو كان أبا رحيما يداعب طفله في حنو، بينما ~~تقاطعت دموع الأمير الشيخ على وجنتيه، وأبو زيد يجففها لائما بمنديله متحسسا بكفتيه جبهته ~~وجفون عينيه المسبلتين الآسيتين. # ودارت أقداح القهوة العربية في ذات الصمت المترقب، الذي قطعه دخول الأمراء الثلاثة يونس ~~ومرعي ويحيى، مقاربين أبا زيد الهلالي سلامة، مسرين في أذنه همسا برغبة والدتهم الأميرة ~~«نوفلة» - أخت دياب بن غانم - في رؤيته داخل ديوان عزاء الحريم لحظة ويعود بعدها إلى ~~ضيوفه. # وتشددوا في مطلبهم وهم يجذبونه إلى أن انتصب أبو زيد واقفا مستأذنا منسحبا ms018 في أقصى ~~اضطرابه واكفهراره، مما دفع بدياب بن غانم إلى تكتم ضحكاته العالية المدوية في صعوبة ~~مداعبا: غرايب! أبو زيد الهلالي يبدو رقيقا خجلا على هذا النحو مثل بقية خلق الله! ~~غرايب! # وضاعف من مداعباته حين اعترضه منسحبا قائلا: وأنا، آجي؟ لا أحد يريدني. # وعلت الضحكات المتكتمة مما يحدث: من يصدق أن هذا بعينه أبو زيد؟ أية حيلة؟! # هنا اندفع أبو زيد داخلا إلى ديوان الحريم - أو المحصنات - والتقت عيناه من جديد بعيني ~~العالية بنت جابر جالسة في انكماش إلى جانب الأميرة نوفلة، حتى اعتراه من جديد الاضطراب ~~الذي سبق أن دفع به إلى الاختباء، فتوقف متعثرا منكسا في عتبة الديوان، إلى أن قاربته ~~نوفلة وهي تسحب إلى الخلف منها العالية شبه دامعة: العالية ابنة عمك الأمير جابر. # وحين لامست قبضته يدها أحس وخزا كمثل حربة همجية مست بنصلها شغاف قلبه، وغمغم منكسا: ~~العالية بنت عمي. # أجلسته الأميرة نوفلة، وهو منقاد لها كطفل صغير يسلم قياده إلى أمه مسلوبا من كل إرادة ~~إلى جوارها، فحط منزويا من فوره: لحمي. # وكما لو أن العالية بدورها ترصدت بجلاء وتفهم حصيف ما يعانيه فارس الهلالية، فراحت تتأمله ~~من تحت أهدابها خلسة لدرجة أن النساء الهلاليات والعامريات تزاحمن متفجرات بكل دهشة ~~وانبهار، مما تختلسه عيونهن من خلف الشبابيك والمشربيات والستائر المسدلة، خاصة وقد تناولت ~~العالية بنت جابر تفاحة من أطباق الفاكهة والحلوى التي تقدمت بها الجاريات ومضت تقشرها له ~~بسكينها مقدمة في حنو. # فبدى المشهد للهلاليات والعامريات كمثل يوسف مع امرأة عزيز مصر، حين غالبها البكاء أمام ~~صديقاتها من النساء بكت زليخة وقالت: # عشت في الذل لمتوني # في حب يوسف يا بني يعقوب # لمتوني ... # ولما جالها البيض في أوان عصر # ومالوا وقالوا لها # فين يا زليخة اللي عليه البيان سكين؟ # ما فتحت لهم زليخة الباب # ما خرطت يدهم سكين # قالت لهم # أهو يا مساكين اللي عليه لمتوني. # بدا مشهد «العالية وأبو زيد الهلالي» تحت إضاءات الشموع الخابية، باهرا من وجهة نظر ~~الفتيات المتلصصات في ms019 حذر، وأولهن الجازية التي اعتراها ذبول كمثل غصن يتخلى عنوة عن رحيقه: ~~أبو زيد. ~~••• # كانت الأميرة «نور بارق» أو «الجازية» تحب من أعماقها أبا زيد منذ أن التقت عيناها به عقب ~~عودته إلى نجد ومضارب الهلالية كفارس في مطلع شبابه المبكر، وهو الذي تربى يتيما في منفاه ~~لدى قبائل بني الزحلان على مشارف بقاع بلاد الشام منذ مولده كطفل جاء كعنترة على غير لون ~~آبائه ويدعى بركات، لحين تحقق انتصاراته وذيوع صيته الذي عم ربوع جزيرة العرب بأسرها عقب ~~غزواته ومنازلاته وملاحمه التي عرفت عنه. # وكان أكثر ما يلهب حب الجازية لأبي زيد عقب عودته إلى دفء القبيلة لينصب فارسها ~~الأول، هو ذكاؤه الخارق وسعة علمه ومعارفه التي لا حد ولا نهاية لمدى عمقها وتشعبها ~~وطاقاتها، وهو الذي ينطق عن جدارة بمعظم إن لم يكن الألسنة واللغات واللهجات المتداولة على ~~ألسن الأعداء قبل الحلفاء. # وكانت الجازية تنصت له وهو يتحدث معلما ومحاضرا، سواء في الفروسية وأصولها أو في طبائع ~~الأقوام والبلدان والأسفار وعادات الشعوب والأمم التي زارها محاربا وسائحا ومغامرا ~~جوابا ومتخفيا. # كانت تذوب حبا وهي تشهد منازلاته وإيماءاته وتفتحاته وتبدياته تحت مختلف جلود البشر؛ ما ~~بين كاهن تطغى لحيته على صدره، أو شاعر جوال وكهل أعمى، وسائس «خيل الأجاويد»، وشحاذ سائل، ~~وحاو يلعب بالبيضة والأرنب، وحكيم جوال عبر النجوع والبوادي يشفي المرضى والمعلولين ~~ويناصر الضعفاء. # كل هذا وأكثر منه حقق به أبو زيد الانتصار تلو الانتصار للهلالية كما شهدته الجازية على ~~يديها ... بل ما تعلمته منه، حيث كان يصب الكلام في أذنيها قائلا: يا نور يا بنة عمي، أنا ~~صحيح سككي كلها مسالك، لكن المهم هنا هو أقصرها لتحقيق انتصار الهلالية الآن بأسرع من ~~انطباق الجفن على الجفن. # كان ما يبهرها فيه هو فيض معرفته وهو يحادثها عن تاريخ العرب - العاربة - ومآثرهم عن ~~ملوك وتباعنة اليمن، وبحر العرب من مخلفات القدماء من صرواح وطرواح وبقايا الآراميين ~~والثموديين والسبئيين وملكتهم بلقيس بنت الهدهاد، عن بطولات الذباء والزرقاء، وقيم وبطولات ~~النساء ms020 العربيات الأمازونيات - المقاتلات . # عن أطلال بعلبك وبوابات صور وقرطاج التي فتحها القائد العربي «هاني بال» أو «هاني بعل» ~~وفتوحاته في جنوب أوروبا وبلاد الغال التي أوصلت الخيول والجمال والأفيال العربية إلى أقصى ~~أصقاع أوروبا. # وكان يصل بالحديث معها عن أسفاره وجولاته في بحار الله المتلاطمة ليصل في نهاية المطاف ~~إلى جزيرة في بلاد القوط، وإلى قطعة سلاح جديدة في نيوقوسيا أو التركستان تحقق بالاستحواذ ~~عليها وعلى أسرار صناعتها النصر للهلالية. # قد تكون غايته حارة في صعيد مصر، أو بلبيس بدلتا مصر، وقد تكون جادة في دمشق ومراكش ~~والأندلس. # كان يحلو للجازية تحضير طعامه عقب المعارك وطرح أسئلتها وإطلاق عنان حديثه العذب الواضح ~~الطلي، وكان في كل مرة ينهي حديثه لها بمقولته الشهيرة: «بلاد العرب للعرب.» # وينشد: # لا يكتم الأسرار غير الأصايل # ولا يكشف الأخبار غير خائن # رديء الأصول من قوم أراذل # أنا أبو زيد من أهل عامر # وأمي شريفة من خيار القبائل. # وكان لا يقدم وحده أبدا على تناول طعامه: # يا ست زاد اثنين يكفي ثلاثة # ويكفي أربعة يا ست والكل راجع # ويكفي لخمسة من أجاويد حينا # ويكفي لستة من هلال السمايح. # لكم تمنت وحلمت طويلا باليوم الذي تصبح فيه زوجة لأبي زيد، ولكنه حلم - هي الجازية - ~~تعرف قبل غيرها مدى وعورته بإزاء متطلبات التحالف ونبذ البغضاء والانقسامات والعداء بين ~~القبائل، التي قاسمها هنا هو الزواج السياسي وصلات رحم الدم في السلم قبل الحرب. ~~••• # فتحت الجازية عينها كمن انتزعت كالمشدودة من سباتها ذلك الطلي، لتشهد أبا زيد إلى جوار ~~العالية بنت جابر قاتل شقيقيها وهي - أي العالية - تطعمه من بين أناملها في سماحة. ~~- يا لله! # | حب أبي زيد للأميرة العالية بنت جابر # لم ينجح في الوصول إلى مقر ومخبأ أبي زيد الهلالي سوى الأمير الشاب يونس الابن الأكبر ~~للسلطان حسن بن سرحان حين جد في ترصد خطاه والبحث عنه، تنفيذا لوصية والده المثقل بالأحزان ~~على موت والدته الأميرة شماء بنجد، وما صاحب موتها من تكاثر الوفود القادمة من كل كيان ms021 ~~وموطن وصوب للمشاركة في العزاء والوقوف على وصية الأميرة - الأم - قائدة التحالف الهلالي، ~~وحيث اضطلعت الأميرة نور بارق أو الجازية باتخاذ مكانها في القيادة «المشورة ~~والمحاربين». # وكان السلطان قد استدعى ولده يونس واحتد في وجهه صارخا: الجميع يسألون عن أبي زيد، أين ~~أخبئ وجهي من الضيوف والمعزين يا يونس؟ # ثم قاربه محتدا عاصفا: لن تعود إلى هنا إلا بصحبة ذلك الماكر أبي زيد. # كان السلطان حسن على دراية بمدى الحب الجارف الذي يكنه أبو زيد الهلالي لولده الأكبر ~~يونس، وكيف أنه لا يرفض له طلبا، كما كان على دراية بمدى معرفة يونس بكل صغيرة وكبيرة في ~~حياة أبي زيد وخفاياه التي لا تنتهي. # ومن فوره اصطحب يونس كوكبة من فرسانه وأطلق العنان لحصانه في مقدمتهم، بحثا عن أبي زيد ~~في كل مكان إلى أن فتح عليه مخبأه السرى داخل أغوار وسراديب أشلاء حصن قديم مهجور على أطراف ~~«يثرب» يقال إنه حصن آخر ملوك «التباعنة» جمع تبع، وهو الملك سيف بن ذي يزن، الذي بناه ~~وزيره، الذي كان قد أعطى المدينة اسمها «يثرب». # ذلك أن يونس اندفع من فوره، ومنذ أن أعلمه أبو زيد بمدى حبه الذي تفجر للعالية منذ الومضة ~~الأولى للقائهما، وقبل أن يصل اسمها إلى أسماعه ينطق والده السلطان حسن: الأميرة العالية ~~بنت جابر. # فاعترته الرعدة التي لم يحسها وصادفها يوما في أجيج معاركه وهنا، ففر هاربا إلى ~~منفاه. # انطلق يونس من فوره يعمل متحركا محققا لأبي زيد رغبته في نيل محبوبته، وبدء صفحة جديدة ~~في تاريخ الهلالية، قوامها التلاحم ونبذ البغضاء التي تفت كمثل داء متغلغل في عظام الجسد ~~الواحد. # وهكذا أسر يونس في أذن والده نبأ لقاء العالية وأبي زيد داخل ديوان الحريم وحبهما ~~المتبادل واتفاقهما على الزواج. ~~- على خيرة الله. # ومن فوره فاتح السلطان حسن ابن عمه الأكبر الأمير جابر لإعلان خطبة أبي زيد لابنته ~~الأميرة العالية. ومن جديد تزاحمت دموع الأمير الشيخ الضرير جابر - والد العالية - دون أن ~~يفصح عن جواب، لحين تدخل الأمير ms022 غانم والد دياب وبقية الموجودين في الحث والإسراع بجمع ~~الشمل، توثبا للخطوات الجديدة الملحة التي أصبحت تدفع بالهلاليين اليوم قبل غد، إلى ~~التخطيط بعيدا حسب وصية الأميرة الأم المتوفاة «شماء» دونما التفاتة إلى الوراء. ~~- الخيرة فيما اختاره الله يا عرب. # على هذا النحو صدرت موافقة الأمير جابر ومباركته للزواج المرتقب الذي يضع الحب مكان ~~البغضاء. # هنا اندفع السلطان حسن بنفسه منتصبا آخذا طريقه إلى داخل ديوان المحصنات من نساء ~~الهلالية، حتى إذا ما وقعت عيناه على أبي زيد في اكفهراره جالسا إلى جانب العالية بجمالها ~~المشع الباهر، لم يتمالك نفسه من تقبيلهما معا مهنئا والعودة بأبي زيد معابثا: ألن تشبع ~~منها وتكتفي من مجالسة النساء الجميلات؟ تعال. # وختمت الليلة بقراءة الفاتحة وإعلان الخطبة وشهودها والاتفاق على عقد الزواج عقب انقضاء ~~موسم العزاء والجنازة على موت الأميرة الأم الذي امتد أربعين يوما بتمامها. ~~••• # هنا تنفس الأمير دياب بن غانم فارس تحالف عرب الجنوب - القحطانيين - الصعداء، وأصبح ~~الطريق أمامه مفتوحا على مصراعيه لطلب يد الأميرة نور بارق أو الجازية، خاصة بعدما تخلى ~~عنها أبو زيد بحبه الجديد للعالية، وما أشيع عن عمق صداقتهما وتعلق الجازية به وبأفكاره ~~وشخصه وخططه حربا وسلما عامة، مما جعل دياب يرجئ الطلب في كل مناسبة سنحت قبلا. # خاصة وأن الجازية أخذت مكان والدتها الأميرة الأم شماء، في القيادة والاستحواذ على ثلث ~~المشورة وحدها لعرب بني هلال. # لذا فبزواج دياب بن غانم من الجازية يمكن تحقيق بعض التوافق والتوازن بين قطبي التحالف، ~~الذي ترجح فيه كفة العرب العدنانيين أو القيسيين الشماليين ومركزهم على أشقائهم الجنوبيين ~~القحطانيين أو اليقطانيين الذين يتزعمهم دياب بن غانم الزغبي. # أما بالنسبة إلى أبي زيد، فلقد كان دياب يحس على الدوام موقعه تحت الظل بإزائه، صحيح أن ~~أبا زيد يفوقه حقا حنكة ومعرفة في رسم الخطط والتحايل والخداع المحنك للإيقاع بأعداء ~~الهلالية، إلا أن دياب بن غانم الزغبي الأقدر منه جلدا على الشجاعة والقتال، وتغنى الشعراء ~~بثقل حربته، فله على الدوام الباع الأكبر في ms023 تحقيق الانتصار سواء في أواسط آسيا أو على ما ~~تسميهم السيرة بالأعاجم، وهو القائل عن نفسه: أتى دياب الخيل ذباح الفوارس. # فدأبت السيرة على أن تصفه عقب كل انتصار حين يعود ضرجا بالدم كمثل شقيقه؛ الأرجوان ~~الأحمر القاني، منشدا: # مقالات الفتى الزغبي دياب # ولي عزم كما الصقر الأصم # ولي همة كهمة ليث غاب # أنا الزغبي دياب المسمى. # بل كثيرا ما أكرمه أبو زيد ذاته منشدا: # كم واقعة أشفيت هلال # أنت يا ذكي الجدود! # فما أروع احتفاء السيرة ببطولات دياب بن غانم! ومن أسمائه أبو موسى، فكان عادة ما ينوط به ~~الهلاليون إنزال الانتقام لكبار شهدائهم: # أسألك يا إلهي أكون طيرا # عقابا كيما أخفق بالجناح # أطير بهمتي وأنزل سريعا # وأعدى بين مشتبك الرماح # لأخذ الثأر عن خالي بدير # وبدر وأخوه زيدان الرياحي. # كما أن من مفاخره: # قال أبو موسى دياب المفتخر # فارس الهيجاء خيال الوعر # حامي الزينات سور المحصنات # مفرج الكربات في يوم العسر. # فإذا ما كان أبو زيد الهلالي هو الرأس المفكر للهلالية، سواء في وضع الخطط الحربية ~~والاتجاه إلى أقصر المسالك لتحقيق الانتصار، فإن دياب بن غانم هو الذراع المنتقمة الضاربة، ~~وفي كل واقعة خاضها الهلاليون مشرقا ومغربا. # لكن برغم كل ذلك كان دياب بن غانم يعاني على الدوام من غبن مشاعر وأحاسيس الرجل الثاني ~~بالمقارنة بأبي زيد الهلالي، سواء من حيث اتساع علم أبي زيد أو رؤيته وإتقانه للغات ~~واللهجات والتحايل والخداع التي تتطلبها الحروب، وسواء من حيث إلمامه بالمسالك والخرائط ~~وعلوم زجر الطير والكيمياء والمعادن والفلك. # يضاف إلى كل ذلك تفوق أبي زيد الهلالي في المعرفة بالطرق البحرية وعلوم البحر، الذي ظل ~~دياب على عداء معه - أي البحر - فهو كبدوي يخافه ويخشى ركوبه، بل ومجرد الاقتراب من شواطئه ~~بفرسته الشهيرة الخضراء. # ولكم تندر النجديون وعرب الشمال عامة من تخوف دياب من البحر وركوبه! # بل إن هناك واقعة شهيرة أضحكت الجميع وخاصة الجازية ذاتها، حدثت لدياب بن غانم بسورية ~~الشمالية التي سبق لدياب افتتاحها والوصول إلى حلب الشهباء ms024 وقتل حاكمها المدعو ~~«بدريس». # فكان بحلب تاجر جشع كبير من أتباع صاحب جزيرة قبرص المدعو بالملك الهراس، لما نهب دياب ~~تجارته الواسعة أراد الانتقام من دياب بالاتفاق مع ملك قبرص الذي من فوره أرسل إلى دياب ~~ثلاثة محتالين محملين بالهدايا الباهرة الثمينة، نزلوا اللاذقية مقتفين آثار بني هلال، إلى ~~أن وصلوا مقر الأمير دياب في مدينة «حماة الأطلال». # وفي المساء حملوا هداياهم الثمينة الغالية معهم إلى قصر دياب، ومن بينها سيف معقرب وخنجر ~~من ذهب، وإبريق من جوهر، وثلاثة مماليك يساوي الواحد منهم أكثر من ألف دينار. # وعندما دخلوا ديوان الأمير دياب وقدموا الهدايا رحب بهم وسألهم عن حالهم، فقال كبيرهم: ~~نحن ثلاثة إخوة يا أمير، ونهبت تجارتنا العظيمة في اللاذقية التي نهبها مع عشرة آلاف دينار ~~حاكم حلب «بدريس»، الذي سبق أن قتلته ففرحنا بهذا، إلا أن الجزء الأكبر من تجارتنا ما يزال ~~في حوزة أتباعه باللاذقية. # هنا وصلت الحمية بدياب إلى حد قطعه على نفسه عهدا بإنقاذ ثروتهم وإرجاعها لهم. # فركب الثلاثة هجنهم وركب الأمير بعد العشاء وجدوا السير إلى ظهيرة اليوم التالي حتى ~~أشرفوا على البحر المالح، فسمع دياب صوت دوي الماء مثل الطبل، فداخله الوهم، ورفض النزول ~~معهم إلى مركب البحر التي بها تجارتهم وكنوزهم، فأمرهم بالنزول قائلا: أما أنا فلن أخطو ~~خطوة واحدة. # ثم نزل عن الخضراء شاهرا سيفه منتظرا عودتهم إلى أن عادوا من الغليون، أي المركب، ومعهم ~~خيمة باهرة من الحرير الأصفر مكللة ومطرزة بالدر والجوهر والياقوت والمرجان والزمرد ~~الأخضر. # وختمت حيلتهم بإطباق تلك الخيمة - الفخ - على دياب وقيدوه بالحديد بمساعدة أعوانهم بعدما ~~خدروه بالبنج، وأنزلوه إلى المركب حيث رفعوا المراسي، ولما قطعوا مسافة طويلة في عرض البحر ~~أعطوه مضادا للبنج، فلما نظرهم في قبعاتهم السوداء تعرف على حيلتهم وغدرهم وهو الذي أكرم ~~وفادتهم في قصره. # وما إن وصلوا قبرص حتى أدخلوه مقيدا على ملكها «الهراس»، وكان يمقت العرب فسجنه وأثقل في ~~عذابه. # إلى أن عرف أبو زيد بأسره عند حاكم قبرص فأخذ ms025 عشرة فرسان ورحلوا إلى قبرص، فتنكر أبو زيد ~~في ثياب راهب من بيت المقدس يدعى سلامة، والتقى بالملك الهراس وهو يحادثه باليونانية ~~القديمة في مختلف الأمور الفلسفية وأهداه ثلاث شمعات «فيها مخدر»، وطلب منه أن يشفي غليله ~~من دياب بن غانم الذي قتل ولديه في حلب وبيت المقدس. # إلى أن نزلوا إليه في أسره وقيوده، فتقدم منه الراهب سلامة «أبو زيد» إلى أن واجهه في ~~بلائه، ثم رفع يده وضربه كفا أطار الشرر من عينيه! فصاح دياب بقوة: الله يقطع يدك! # فعاجله أبو زيد غامزا: وأنت الله يقطع عمرك من هذا السجن! # وبعد أن تعرف أبو زيد على مسالك سجن دياب الذي يضم اثني عشر ألفا من الأسرى، شكر الملك ~~الهراس متقربا منه بكل الحيل. # وبعد بضعة أيام احتال باستخدام شمعاته ذات المخدر وحجر المغناطيس للوصول إلى دياب وفك ~~أسره وقيوده وفك أسر بقية الأسرى، واستعان بهم في الهجوم ليلا على قصر الملك الهراس وقتله ~~وسبي أمواله التي لا تعد ولا تحصى. # وظل أبو زيد يضحك ويتندر من مخاوف دياب من البحر وهديره خلال رحلة عودتهم البحرية إلى ~~اللاذقية، ومنها إلى مضارب الهلالية في حماة الأطلال، فاستقبلتهم النساء والبنات بالزغاريد ~~والغناء والترحاب والأشعار، إلى أن وصلوا ديوان السلطان حسن بن سرحان. # فأقيمت الولائم لمدة عشرة أيام، وأشيع على كل لسان مدى تخوف دياب بن غانم من البحر ~~وأهواله الذي كم دأب على ذكره دياب: أكره البحر وأخشاه منذ الصغر. # وضحكت الأميرات الهلاليات وتندرن كثيرا بعقدة دياب بن غانم تلك ونوادره مع البحر وأمواجه ~~العاتية، وهو البدوي الذي لم يترب عليه، كما هو الحال مع أبي زيد الذي لا تخفى عنه من ~~المحيط إلى الخليج خافية. # | جمع المشورة للهجرة والحرب # وما إن انتهت أيام جنازة الأميرة الأم قائدة الهلالية «شماء» التي تورثتها أختها الصغرى ~~شيما أو نور بارق التي عرفت بالجازية كقائدة للهلالية، حتى عاد الضيوف الزائرون لنجد إلى ~~أوطانهم وكياناتهم وقبائلهم، بعد تدارسهم وصايا الأميرة شماء وأخذ المشورة ومعاودة ~~الجهاد. ms026 # عاد حاكم العراق الأعلى الخفاجا عامر ووالد الأمير النجع وابنته «ذوابة»، وعاد الأمير ~~جابر وابنته الفاتنة العالية، وعاد أمير مكة «شكر» بعدما راقت الجازية في عينيه فأقدم على ~~مفاتحة شقيقها السلطان حسن بن سرحان برغبته في الزواج منها، والوقوف تحت رايات الهلالية ~~فيما هم عليه مقبلون. # ولم يجد السلطان حسن جوابا شافيا يرد به على أمير مكة «شكر»، سوى مفاتحتها في الأمر ~~وأخذ مشورتها، وهي التي لها ثلث المشورة تنفرد بها لدى انعقاد اجتماعات ولقاءات «الشورى»، ~~التي عادة ما تعقد قبل الإقدام على اتخاذ القرارات المصيرية من حروب وفتوحات ومنازعات أو ~~هجرات جماعية تصل إلى مئات الألوف، يتقدمهم المحاربون واحتياطيهم وتتبعهم أسرهم إلى أن ~~ينتهي الأمر ب «البوش» من مؤن وسلاح وعتاد وخيول وجمال محملة مع البهائم، بالإضافة إلى أكداس ~~وكنوز الغنائم وأسرى الحرب والجرحى والمصابين والعجائز والمعوقين وهكذا. # فالأمر هنا أقرب إلى أمة متضمنة لدولة محكمة التنظيم مهاجرة وفاتحة ومعربة، فارضة فروضها ~~وأحكامها التي قوامها محبة الله وحفظ شرائعه، والتخلق بأخلاق الكرام بتجنب الإلحاح في ~~الكلام وعثرات اللسان؛ لأن صدور الأحرار قبورها، فمن صان نفسه ملك أمره، ومن باح لم ينجح ~~وزاد ندمه. # أما بالنسبة إلى حكامهم فعليهم الالتزام بالسنن أو «القواعد الهلالية»، التي أسهمت ~~الأميرة الأم «شماء» ووريثتها الجازية والسلطان حسن في إرسائها: # فإياك أن تغفل عن أحوال الرعية، معاملا الكبير والصغير بالسوية، رافعا لشكوى المظلوم ~~حجابك، فاتحا في وجهه بابك، واضعا الأشياء في محلها، والمناصب في يد أهلها. فإذا كانوا ~~على هذه الحال، تستقيم أحوال الرعايا وينتشر العدل في كل مكان، فترعى الذئاب مع الغنم، ~~وتبيت العصافير مع الرخ. # ومن هنا وجد حسن نفسه في مأزق، دفع به - وقبل أي شيء - إلى مفاتحة الجازية وطرح رغبة أمير ~~مكة «شكر» في الزواج منها، علما أن ذات الرغبة لمح لها دياب بن غانم باعتباره الأحق في ~~الزواج منها قبل غيره. # لذا تساءل السلطان حسن الهلالي مترددا محدثا نفسه: والحل؟ # إلى أن عثر على ضالته، بطرح الأمر بين يدي صاحبة ms027 المشورة أخته الأميرة الجازية، فهي وحدها ~~التي يحق لها الاختيار بالزواج من أحد الأميرين، هي وحدها التي يحق لها قبل أي إنسان آخر ~~التصرف في حياتها ومستقبلها وما يحن إليه قلبها المفعم دوما بالحب للجميع. # صحيح أن الأحقية الأولى في الزواج من الأميرة الجازية هي من نصيب أمير تحالف عرب جنوب ~~جزيرة العرب دياب بن غانم؛ وذلك لضمان توثيق الروابط بين شقي التحالف الهلالي، أي بين ~~النجديين والحجازيين «العدنانيين» وبين قبائل عرب اليمن والجنوب العربي عامة من ~~«القحطانيين»، وقائدهم وفارسهم هنا هو الأمير دياب بن غانم. # بل إن السلطان حسن بن سرحان سبق له فعلا أن قطع على نفسه عهدا بزواج الجازية من دياب بن ~~غانم، وحدث ذلك في مناسبة حفل زواج السلطان حسن نفسه من أخت دياب «الأميرة نوفلة» منذ ما ~~يربو على العشرين عاما، وأنجب منها أبناءه الثلاثة يونس ومرعي ويحيى. # تذكر السلطان حسن عهده ذاك وهو يأخذ طريقه ليلا داخل أبهاء قصره للاجتماع بأخته الجازية ~~ومفاتحتها في الأمر، مقدما المطلبين للأميرين دياب وشكر ورغبتهما في الزواج منها، فما كان ~~من الجازية إلا أن أرجأت في أسى كظيم كلا المطلبين. # وهنا تعرف السلطان حسن بعمق بصيرته مدى ما اعتراها من تحولات أضفت عليها شحوبا أقرب إلى ~~الذبول، عقب لقاء أبي زيد بالعالية بنت جابر وخطبته لها، بل وإتمام الزواج. # وهو الزواج الذي جاء مبسطا خاطفا نتيجة لوقوعه معجلا في أعقاب ما تبقى من شعائر ~~جنازة الأميرة الأم شماء، حيث اقتصر على مجرد عقد القران الذي أبرمه القاضي بدير في حضرته - ~~أي السلطان حسن - حسب رغبة الطرفين خاصة العالية بنت جابر، التي ما زالت تعاني أيضا من ~~مقتل أخويها عقيل وزيد في مجاهل الهند وسرنديب على يد أبي زيد الهلالي حبيبها وزوجها ~~المقبل. # ورغم مباركة الجازية للزواج مفضلة حقن دماء الهلاليين لبعضهم البعض وما قد يجره هذا من ~~سلسلة الانتقامات وبحار الدم الواحد المراق، فإنها أبقت على مأساتها الشخصية وآلامها ~~لافتقاد صديق صباها ومطمح آمالها كأنثى ... أبي زيد. # ثم ms028 ها هي أخيرا تجد نفسها نهبا لرغبتين شديدتي التشابه، فإما قبول الزواج بابن عمها ~~دياب وما تتحسسه منه من رغبات دفينة في التسلط برغم إقدامه وفضائله التي لا تنسى ~~للهلاليين، وإما قبول أمير مكة زوجا بما يحقق لها من عناصر قوة جديدة لقبائلها الهلالية ~~خاصة في هذه الظروف العصيبة، وهو ما ضاعف أحزان الجازية إلى حد شل حركتها عن اتخاذ قرار ~~واضح صريح، مفضلة في المحل الأول مصلحة الهلاليين السياسية دون أي اعتبار لمشاعرها كأنثى ~~قبل أن تكون قائدة ومحاربة. # لذا تساءلت الجازية طويلا لنفسها: كيف أتصرف؟ # صحيح أنها انشغلت من رأسها لأخمص قدميها في إعادة ترتيب «البيت الهلالي» عقب مهامها ~~الجديدة التي وضعتها في موقع الأم الكبرى للجميع، وبرغم حداثة سنها التي لم تتعد الرابعة ~~والعشرين. # إضافة إلى أخذ الجازية وراثة الأميرة الأم - شماء - والانفراد الأكبر بالقرار، ويا له ~~بالطبع من قرار أصبحت تفرضه الطبيعة المحيطة التي تحط بأثقالها وكوارثها على الهلالية وعرب ~~الجزيرة عامة نتيجة للجدب الذي دخل عامه السادس وقوض كل أخضر ويابس في نجد وما حولها! وهو ~~ما يستلزم الإقدام على الحركة السريعة اليقظة لتجاوز الكارثة التي لا حد لها. ~~- اليوم قبل الغد. # وهو ما أكدته وصية الشماء وقتله الجميع بحثا، مطالبين بالخروج والهجرة ومعاودة الفتوحات ~~قبل فوات الأوان. # لذا فالقرار هنا متروك بانتظار أن تنطق به يوما شفتا الجازية. ~~- الرحيل. # لتنطلق على الفور طبول الحرب الكبيرة المسماة ب «الرجروج»، المتوارثة منذ أيام ملوك العرب ~~القدامى وتباعنتهم، بدءا من يعرب أبي العرب العاربة وعبد شمس بن سبأ وحسان اليماني ومن ~~نسلهم من التباعنة - جمع ملك أو تبع - لذا فالقرار الكبير الملح بالزواج يجيء في رأس ~~الجازية وفي مخيلتها في غير أوانه. ومما زاد الأمر تعقيدا تلك الضغوط بطلب الزواج منها من ~~الأميرين دياب وشكر وهي على هذا النحو؛ من الكدح والطحن اليومي في نجد وما حولها من مدن ~~وكيانات ومضارب تبعد آلاف الفراسخ، وعليها أن تقطعها طولا وعرضا ليل نهار تتلقى سيول ~~الكوارث تلو الكوارث من ms029 التي تراكمت في السنوات الأخيرة على عرب الجزيرة. # وهو ما لم يعتقده الهلاليون الذين بدوا على مدى سنين الجدب الأخيرة السبع أقرب إلى عقد ~~منفرط الخرزات بإزاء الكوارث التي حطت والتي أوهنت من سواعدهم الضاربة مشرقا ومغربا، بل ~~والأكثر مرارة هنا هو تمرد حلفائهم عليهم أخذا بمبدأ «وقع الجمل وكثرت سكاكينه». # لذا فالأولوية هنا من وجهة نظر الجازية هو تضميد ما يمكن من جراحات، وترطيب أفواه هدها ~~العطش وجفاف الأفواه من كبيرها لصغيرها لدرجة الإقدام على بيع كنوز الشماء أمها التي «تقطع ~~بمال الغرب وأبوه»، والتي لا نهاية لندرتها، لشراء ما يلزم من ضرورات سد الرمق. # باعها أبو زيد الهلالي في ربوع الهند وتركستان والأندلس وبلاد اليونان ليشتري ما يسد به ~~الأفواه، وباعها دياب بن غانم في بحر العرب لإطعام قبائله المتحالفة. # وتلك كانت فرحة أمها الشماء الكبرى قائلة لكل من طالبها بالإبقاء على بعض ممتلكاتها: هي ~~ملك الناس، تعود إليهم. # حتى إذا ما نضبت كنوز أمها، فتحت هي بنفسها المخازن والمؤن للجميع حسب رغبة السلطان حسن، ~~ولو كانت جبلا لنضب واختل. ~~- ماذا أفعل؟! # قالتها الجازية للسلطان حسن أخيها الأكبر، فتضاعفت حيرته إلى حد عدم الخلود إلى النوم في ~~لحظات قيظ الظهيرة مجيبا: وأنا ماذا أفعل؟ كلاهما ينتظر خطب ودك، دياب وشكر. ~~- لا أعرف! # ويسرت الجازية الطريق لأخيها الأكبر ذاكرة عرضا اسم قاضي القضاة بدير بن فايد، الذي ~~أرسل السلطان في طلبه حيا بسماحته التي عرفت عنه، لإقناع كلا الأميرين الراغبين في الزواج ~~من الجازية بإرجاء الموضوع وتقديم الأكثر أهمية من المشاكل بما يستلزم إتاحة الفرصة للجازية ~~للإشارة بالحل، وما يمكن التعجيل به للخروج من تلك المحنة التي حطت بالهلاليين ~~وحلفائهم. # هنا تبدت حنكة القاضي بدير بن فايد في إرجاء مطلبي كل من دياب بن غانم وشكر: نخلص أولا ~~مما نحن فيه، وليس للأميرة الجازية جناحان خفاقان للطيران. # بل إن القاضي بدير عانى الأمرين خاصة في إقناع دياب بن غانم الذي كان يحفظ عن دراية ~~تعبيرات وجهه، التي لا تعرف ms030 رفضا لمطلب له مهما تعالى. # إلا أن القاضي بدير استطاع إثارة فروسيته وحميته: الهلاليون في انتظار حربة دياب بن غانم ~~التي يتغنى بها الشعراء يا أبا موسى. # أما مفاوضات القاضي مع أمير مكة «شكر» فكانت أقل حملا، خاصة وأن «نور بارق» ذاتها أو ~~الجازية كانت كثيرة الحديث عن مآثره، لكن لم يحن الأوان بعد. # وفاجأ أبو زيد الهلالي السلطان حسن والجميع بقطع أيام زواجه بزيارة مضارب السلطان حسن، ~~ومواجهته والجازية والأمير دياب والقاضي بدير وأمير مكة شكر والجميع بأهمية عمل شيء والتخلي ~~عن الأمور الصغيرة الآن؛ لأن الأمر لم يعد يحتمل تأجيلا، خاصة وأطراف مجلس المشورة حاضرون ~~في معظمهم بنجد، ومن سافر منهم يمكن استدعاؤه بشكل معجل للعودة إلى نجد دون تأجيل. # وبالطبع فإن قرني استشعار أبي زيد وعيونه وبصاصيه كانت لا تغيب لحظة عن نبض الناس وآمالهم ~~وما أصبحوا يعانونه عبر تلك السنوات السبع العجاف، التي يبدو أنها اكتملت دورتها بموت ~~الأميرة الأم شماء، للإقدام على عمل شيء كبير عاجل. # وعلى الفور استحضر السلطان حسن جميع مستشاريه وكتبته ومسجليه فحضروا على الفور، وتحول ~~ديوانه إلى خلية عمل ليل نهار في تحضير الرسائل من علنية وسرية لبقية مجلس المشورة ~~للهلاليين المتغيبين في أعماق اليمن ومشارف الشام والعراق، وحمل الرسل الرسائل الموثقة ~~بخاتم السلطان، واندفعوا يقطعون السهول والمراعي والربى، لتنفيذ ما استجد من رغبة في عمل ~~شيء للخروج من المأزق، وإعادة هيبة الهلالية وذراعها الضاربة التي تراخت طويلا ~~طويلا. # وما إن اكتمل نصاب لقاء المشورة بعودة من رحل عن نجد المرية من الأمراء وشيوخ القبائل ~~الهلالية المتحالفة، حتى أقاموا مضاربهم على أطراف وروابي نجد وتلالها التي تحولت من جديد ~~إلى سوق عكاظ ماثلة مستبشرة بتلك الصحوة التي أصبح يعيها الجميع، كبارا وصغارا وشيوخا ~~وشبابا وزوجات وأمهات، من بطون هلال. ومنهم من اضطر إلى الرحيل والعمل سواء في مدن الشام ~~وفلسطين وبلاد السرو أو في عبادة - أي الأردن - ومصر العدية بحثا عن القوت والرزق. # إذن ما إن عقد اجتماع المشورة حتى تحولت ms031 المدينة - نجد - بأسواقها القديمة وقلاعها ~~وتلالها إلى خلية نحل هائلة الحركة، فرفعت الأعلام والبيارق والرايات الهلالية. # وازدانت مشارب الشاي والساحات العامة بالشباب المنتظم وكتائبه التي أحسن أبو زيد الهلالي ~~تدريباتهم، حالما انتهت سنوات نفيه لدى القبائل الزحلاوية ببقاع لبنان، وعودته من جديد إلى ~~أهله وقبائله، بل هو نقل وأضاف إلى فنون الحرب والاقتتال البرية والبحرية مما تعلمه وبرع ~~فيه. # وكان الأمير الزحلان قد دفع به إلى كبار معلمي عصره في إعداد الفرسان وتدريبهم فنون ~~الحرب وخداعاتها وحيلها، وما تستلزمه من إلمام بلغة الأعداء ومعرفة طبائع الناس والبلدان ~~والأسلحة، وكيفية نقل الجنود والاقتتال البحري وحصار المدن والسواحل. # حتى إذا ما حقق مراده في العودة إلى أحضان قبائله الهلالية، عاد محملا بخبرات الشعوب ~~البحرية من بقاع لبنان التي تربى بها إلى مطلع شبابه. # فلقد كان فارس الهلالية أبو زيد مولعا منذ صباه المبكر بالسفر والترحال بحثا عن كل ~~جديد، وساعده في هذا وجوده في بيئة بحرية تتيح له الإبحار والتجوال عبر بلاد الله الواسعة ~~الفسيحة مشرقا ومغربا. # ولكم أتاح له البحر الشاسع المدى إطلاق خياله المنتفخ بدوره دون انغلاق وتوقف عند حياة ~~البدو وطبائعهم وخوفهم الدائم منه ومن أمواجه العاتية، كما ساعد أبا زيد الهلالي في غزوه ~~وترحاله الدائم دون توقف معرفته الواسعة بلغات ولهجات وطبائع الشعوب، من قريبة متاخمة إلى ~~بعيدة مترامية لم يسمع بها قبل. # ومن هنا تحقق تفوق أبي زيد نتيجة لأسباب تجاوبه في القيادة ووضع الخطط والتنكر ودراسة ~~وتعرف أنماط حياة كل وأي كيان وقبيلة وبطن عربية، ابتداء من ربوع الشام حيث طرابلس المشرق ~~وانتهاء بطرابلس عرب المغرب. # وهي الخبرات التي حملها إلى نجد معدا بها فيالق الهلاليين وكتائبهم وألويتهم، مستفيدا ~~من تكامل البلدان والكيانات العربية، التي آن أوان توحيدها ولو استدعى الأمر حد السيف، وهو ~~ما عبر عنه ونقله إلى شباب المجاهدين الهلاليين ضد همجية وخرافة العالم القديم. # فما إن قاربت طبول الحرب الهلالية طرقها المدوي من كيان إلى آخر ومن مضرب إلى ما يتخمه، ~~حتى تدخل ms032 بعض العقلاء في اجتماع المشورة مطالبين بالتروي، ولو لإعادة مراجعة قرار الهجرة ~~والحرب وما يستلزمه من إعداد ورص للصفوف والمؤن. # فمثل هذا القرار يستلزم معرفة أكثر اتساعا بمسالك الطريق الذي يسلكه الألوف المؤلفة من ~~الهلاليين، وريادته عبر الشام وما بين الرافدين مرورا بفلسطين ومصر وليبيا إلى قرطاج تونس ~~التي يعرفها الهلاليون أكثر من غيرهم، وسبق أن نزلت جحافلهم أرضها الخضراء الوارفة كجنات ~~تغذيها شرايين الأنهار قرونا عقب قرون، حيث أطلقوا عليها «تؤنس»، أي «أنس الغريب». # على هذا النحو استقر الرأي الذي رجحته الأميرة - الأم - الجازية بثلث تفردها بالمشورة ~~قائلة: تؤنس ... قرطاج ... المغرب الذي آن أوان تعريبه. # قال دياب بن غانم مؤكدا: المغرب العربي، بإذن الله. # وهذا هو ذات المعنى الذي نطق به السلطان حسن الهلالي مؤكدا، وتوالت على أثره الأسئلة ~~والتساؤلات، أبرزها أهمية المعرفة والجمع العاجل للجديد، وما استجد من معلومات سواء للأقوام ~~والبلدان التي ستحتاجها جحافل الهلاليين وأحمالهم ومئونتهم وجيشهم في جزيرة العرب، وسواء في ~~مدن الشام وفلسطين ومصر وليبيا إلى أن تصل غرضها فيالقها إلى قرطاج والمغرب العربي، في ~~طريقها بالطبع إلى الأندلس. ~~- أبو زيد ... # هنا جاء دور أبي زيد الذي لم يفق بعد تماما من حبه وزواجه بالعالية بنت جابر - قاتل ~~شقيقيها - ومدى وعوده ورهبة لقائه الأول معها الذي قد تقصر عنده أكبر معاركه ومنازلاته ~~وملاحمه. # صحيح أنه لقاء الحب والرغبة الجارفة الدافقة إلى تحقيقه من دون التطلع إلى الوراء، الذي ~~قد يحوله من فوره إلى بغضاء وكره مدمر أصفر. ~~- أبو زيد ... # فهو وحده الكفيل بالمبادرة في المهام الحيوية مثل الهجرة والحرب. # وأعادت الجازية حرصها على الهلاليين. ~~- فقط لنعرف عن قريب ما استجد، الطريق ... # غمغم القاضي بدير بن فايد: الطريق وريادته. # وأكملت الجازية مؤكدة: الريادة. # وهكذا عادت الأنظار جميعها لتنصب على أبي زيد الذي أطرق من فوره مستجيبا، مفكرا في ~~زوجته العالية التي لم تبرأ بعد من أحزانها وأفراحها، لكن ما العمل ومصلحة وأمن وقوت ~~القبائل الهلالية تهيب به للإسراع في الحركة والعمل المضني، الذي آن أوان ms033 تحقيقه إن لم يكن ~~قد تأخر كثيرا. ~~••• # وبالطبع لم تخل جلسة اللقاء من التمثل بالشعر الملحمي الذي عرف عن الهلاليين وأبطالهم، ~~والذي يحوي حكمتهم وبساطة حياتهم وسماحتهم. # فألقيت القصائد والأشعار العامية التي تفيض تمجيدا بمآثر أبطالهم: # أبو زيد بالعربان ليس مثاله # بالجود والمعروف وحسن ثبات # حوى حكمة لقمان وجود حاتم # وصبر أيوب وكل صفات # وحاز خصال الخيرين جميعهم # أمير ابن أمير سيد السادات. # وتعالت معلقات شعر الخفاجا «عامر» حاكم العراق المتفجرة بالأحاسيس القومية ~~الجياشة: # يا أيها الطير الذي طار بالفلا # تسعى إلى الدهر الذي بك طالع # تأكل ربيعا بأرض مصر وزرعها # وتبيض بأرض العراق المواضع. # ومن خارج قصر المشورة الشاهق تعالت التكبيرات والهتافات المدوية. # وهو القصر المشرق بأبهائه ومشربياته وقاعاته العربية المطل على أكبر ساحات نجد الفسيحة ~~المترامية، حيث تجمعت وفود الفرسان المتطلعة حماسا لما يحدث ويجري داخل أروقته وأبهائه ~~الفسيحة، وهو ريادة المغرب وتعريبه، ونشر الحضارة العربية عبر ربوعه، سواء حدث هذا بالتراضي ~~والإقناع أو استلزم الأمر حد السيف. # وتعالت هتافات الدعوة للجهاد، كما ارتفعت الأصوات المطالبة بالإسراع والتعجيل بالرحيل، ~~مما اضطر الجازية إلى حث أخيها السلطان حسن على مواجهة الجموع المتحفزة الثائرة في الخارج، ~~وطرح ما انتهت إليه المشورة. # وحبذ رأي الأميرة الجازية كل من دياب بن غانم وأبي زيد الهلالي قائلا: لا بد من طرح ~~الأمر على الصغير قبل الكبير، ومصارحة الناس بمستقبل مصيرهم ووجودهم بكامله. # ولم يجد السلطان بدا من التدثر بعباءته والخروج إلى الشرفة الكبرى، ليستقبل بالهتافات ~~والترحيب المدوي المعبر عن تعلق جماهير الهلاليين به، حتى في أكثر المناسبات والظروف ~~قوة. # واختتم الهتاف والترحيب بالأشعار والأغاني الجماعية: # يوم العرب نووا مغرب # يوم خميس أبرك الأيام # العرب في تونس تدللو # ملكوها عن الريد للريد # ملكوا علوها والمواطي. # هنا قاطع السلطان حسن الجميع بإعلانه للقرار الذي أجمعت عليه المشورة، وهو الخروج وإعلان ~~الجهاد. # ومن جديد علا تصفيق الاستحسان وتعالت الشعارات ودقت الطبول، وتبادلت الوفود التهاني التي ~~قطعها صوت السلطان حسن معلنا من جديد اضطلاع فارس الهلالية أبي ms034 زيد بالمصادرة للخروج أولا ~~لمعرفة الطريق إلى المغرب وريادته لها بصحبة الأمراء الشباب الثلاثة: يونس ومرعي ~~ويحيى. # هنا تعالت التصفيقات مرة أخرى، حين اندفع أبو زيد محييا الفرسان والجموع ممسكا بأيدي ~~الشباب الثلاثة: الريادة. # وحين وصل حماس الفرسان والجموع إلى آخر مداه، ارتفعت على الأثر أصوات طالبي التطوع، والتي ~~سرت مسرى النار في الهشيم في أعصاب الجموع، التي كان قد هدتها وحطت عليها تلك الهدنة ~~المملة الطويلة التي انتكس السلاح فيها إلى حد الصدأ. # تعالت أصوات راغبي التطوع منذ البداية، وتقدم أبو زيد بصحبة يونس لشرح الأمر وإيضاحه ~~باعتبار أنها - أي الريادة - مهمة استطلاعية سرية لكشف ما استجد من أمور ومسالك وحكام جدد ~~واستعدادات دفاعية، تمهيدا للخروج والرحيل وبالتالي القتال. # وارتفع صوت يونس موضحا: تمهيدا للجهاد. # وانتهى اللقاء بين القادة الهلاليين وجموعهم بإسراع الجازية والأمير يونس بفتح الأبواب ~~على مصراعيها وخروج الشباب بأكداس الطعام والشواء التي ارتفعت رائحتها حين آن أوان العشاء، ~~فمدت الموائد والأسمطة المغطاة بأكوام اللحوم والثريد وأطباق الحلوى والفاكهة ~~والمشروبات. # وتبادل الجميع على موائد الطعام الآراء والمعلومات التي عادة ما يختزن المفيد منها حتى ~~ولو جاءت من أبسط الناس، وفقا لتعاليم الشورى الهلالية. # وطغت أمنيات الجموع والفرسان المودعة لأبي زيد والأمراء الثلاثة في مهمتهم الجديدة على ~~الأفواه، مصحوبة بالدعاء والتوفيق وعبارات التكريم الحارة والوداع. ~~- ترجعوا بالسلامة! ~~- النصر! ~~- أقصر المسالك! ~~- تعرفوا على ما يحدث حولنا. ~~- قرطاج للمرة الثانية! ~~- تونس. ~~- تسلحوا بالحكمة والصبر. # إلى أن هب عربي عجوز، وهو سائل غريب الأطوار، ممسكا بين قبضتيه الخشنتين بفخذ من ضأن ~~الماعز مقاربا الأمير يونس رافعا صوته العميق النبرات داعيا: أعدك يا أمير يونس بحب ~~عزيزة بنت سلطان تونس! ودوت التعليقات الساخرة والمتهكمة ... ~~- عزيزة! ~~- نعم، «السفيرة» عزيزة. # | مأساة عزيزة وسعدى # ارتفعت أغاني البنات والصبايا متغنية بعزيزة ابنة سلطان تونس «معبد بن باديس»: # أول قوللي على عزيزة # العايقة أم حلق ودلال # يوم العرب خطبوا عزيزة # جاها «المنازع» و«العلام» # وجوها من أهل مكة # من العراق ووادي الشام. # وتلك بالفعل كانت مأساة عزيزة ابنة ms035 سلطان تونس الطاعن في السن المريض معبد بن باديس، الذي ~~من نسله انحدر «المعز بن باديس» باني قاهرة المعز. # كانت مأساة أو فاجعة عزيزة تكمن في جمالها الباهر وسعة معرفتها، مما جلب إليها العشرات ~~إثر العشرات من الخطاب وراغبي التقرب منها والفوز بزواجها، متوسلين لتحقيق رغبتهم تلك ~~بكل غال ونفيس وركوب كل صعب يفضي إلى استحواذهم على عزيزة. # أما هي - أي عزيزة - فكانت ترفض في كل مرة مثل هذا المطلب، الذي سيقودها في نهاية المطاف ~~إلى أن تصبح قابعة وظلا لرجل قد لا تعرفه أو تسمع به أو تكن له أية مشاعر. # زوج أو خطيب قد يجيئها مرة من أطراف جزيرة العرب وقد يجيئها من مصر العدية، أو مراكش ~~والأندلس، محملا بأكياس الهدايا التي تنوء تحت ثقلها هوادج الجمال أو المراكب والبواخر، ~~يريد أن يفرغها من فوره على أعتاب قصر أبيها السلطان المسجى على فراشه معبد بن باديس منذ ~~سنين، ليعود بعزيزة إلى بلاده بدلا من المال والهدايا والمجوهرات، وكأن الأمر هنا لا يعدو ~~مجرد صفقة تجارية لا غير. # بل إن والدها ذاته «معبد» أصبح لا يرى في زواجها سوى مجرد تحقيق المزيد من الاستحواذ على ~~عناصر قوة جديدة عن طريق زواج عزيزة من ذلك الحاكم أو ابن ذلك الأمير. وفي مثل هذه الحالات ~~تعتريها ثورة من الغضب كلما عرض عليها قبول زيجة من هذا النوع: عزيزة لن تكون يوما مجرد ~~سلعة سياسية لتحقيق أطماع وتحالفات على حساب سعادتها ليس إلا. # هكذا كانت تصرح لأقرب صديقاتها ووصيفاتها محتدة في معظم حالاتها، وخاصة لصديقة طفولتها ~~وابنة عمها «سعدى» ابنة فارس تونس الأول وحاكمها في غيبة والدها السلطان الذي صرعه المرض ~~الأعوام الطوال، سعدى بنة الزناتي خليفة. # فكانت سعدى توافقها متحمسة بالنسبة إلى موقفها ومشاعرها تلك، وهي التي تربت معها لا ~~تفارقها منذ مهد الطفولة وأيام الدراسة والأسفار لاستكمالها، حيث قضت بضع سنوات بغرناطة ~~بالأندلس وعامين بإسطنبول، حيث ظلتا معا لا تفترقان ليل نهار. # فكانتا تتبادلان معا الأحاديث والآراء، وتصدران التعليقات ذاتها ms036 بعدما تلاقت وجهات ~~نظرهما في كل شيء حتى بالنسبة إلى عادات وتقاليد الشعوب والأقوام والحضارات الغربية التي ~~تمر عليهما. # كانت الهواية الأولى لعزيزة هي السفر والترحال دون كلل، تجد فيهما مهربها والنهل الذي منه ~~ترتوي عبر التطواف في المدن والأمصار المختلفة، وكانت دائمة القول لسعدى: المدينة حقا ~~تعلم الإنسان. # ففي تلك اللحظات التي يعن فيها للصديقتين الابتعاد عن تونس بأسرها، وخاصة عاصمتها قرطاج ~~التي أحالها ابن عمهما العلام بن هضيبة إلى سجن كبير؛ كان يحلو لعزيزة إطلاق طاقات خيالها ~~بحثا عن كل جديد تشهده عيناها عبر بلاد الله الواسعة. # كانت لا تكف عن التعليق عما تشهده وتدونه من أحداث ومعالم تجمعات الغرباء، وخاصة الفقراء ~~منهم، عبر أساليب تعبيرهم عن أنفسهم وممارستهم وعلاقاتهم الاجتماعية، سواء تمثلت في ~~موسيقاهم وأغانيهم ورسوماتهم الشعبية والجدارية أو في أزيائهم وتصميماتهم، ومعمارية مساكنهم ~~وشوارعهم وساحاتهم العامة. # أما ذروة فرح العزيزة وابتهاجها فكانت لحظة أن تحط مرساتها مشرفة على مداخل المدن ~~والموانئ البحرية؛ في الأندلس والبسفور وعبر البنادقة - جمع بندقية - وهي المدن الساحلية ~~التي بناها العرب الفينيقيون، وعلى مدن وشواطئ البحر الأبيض، ومنها المدينة التي تعيش فيها ~~قرطاج. # ولم تقتصر رحلات عزيزة على مدن وموانئ وحضارات الغرب، فزارت الشرق كثيرا وعاشت حياته؛ ~~زارت بيروت وطرابلس وصور واللاذقية وحلب الشهباء والإسكندرية. وكان يحلو لها تدوين ~~ملاحظاتها وأفكارها ليلا؛ عن ملامح الناس البسطاء وأزيائهم ولهجاتهم وموسيقاهم ومساكنهم ~~وأسواقهم وحتى أغطية رءوسهم، وكان يحلو لها تأملها واقتناؤها والعودة بها عقب كل رحلة مع ما ~~يعجبها من منسوجات ومجوهرات ورسوم ومنحوتات وأزياء وآلات موسيقية، فتروح تنشغل في تأملها ~~وكيفية عرضها فيما بعد على طول الجدران المرمرية - السوداء - التي شيد منها قصرها المنعزل ~~على روابي قرطاج الفيحاء الكثيفة الخضرة. # فاستحال القصر إلى متحف شاهق انتقت العزيزة عناصره ومحتوياته بحرص شديد، والتي راوحت ما ~~بين أغطية رأس الشعوب وشعورهم أو شعورهن المستعارة ومطرزات دمشق، وأرجوان صور، وعروش مهجورة ~~لملكات يمنيات متآكلة الأخشاب وما دون تحتها من نصوص طريفة، منها ما كتب على قبر ms037 الملكة ~~«تدمر بنت حسان بن أذينة»، وأذينة هو اسم والدة الملكة تدمر: خرب الله بيت من خرب ~~بيتي! # فكانت تسافر المسافات الطوال بحثا عن أشعار ومعلقات مزدانة بالمذهبيات لشعراء مندثرين، ~~أمثال السموءل، وأمية بن أبي الصلت، وجليلة بنت مرة، والعنتريات وغيرها، تروح تنشد مقاطعها ~~أمام شمعداناتهم ومراياهم ليلا. # وكثيرا ما استوقفتها سعدى وبعض الصديقات والجواري المقربات سائلات، لتندفع عزيزة من ~~فورها في فيض لا ينتهي من الشرح والإسهاب سواء أكان هذا الموضوع متصلا بالمدونات ~~والمخطوطات العفنة البائدة، أو متصلا بمنحوتات الأحجار الكريمة والرسوم والمنمنمات، أو ~~متصلا ببقايا مومياء متآكلة يفيض مرآها بالرهبة التي تدفع بسعدى خاصة إلى الخوف والرهبة، ~~فكانت تصارح عزيزة بإحساسها فتمضي الأخيرة من جانبها في الاسترسال والحديث والشرح. # ولعل هذه المعرفة المتعطشة دوما إلى كل استزادة ولو أدى الأمر إلى الأسفار والاتصال ~~المباشر بالأشياء من جانب عزيزة، هو ما أفضى إلى اتساع شهرتها والتغني بها وبجمالها الآسر ~~الباهر من جانب الشعراء والمداحين، وأصحاب مسارح خيال الظل التي عرفت باسمها السفيرة ~~عزيزة. # كما أن هذه المعرفة كانت في ذات الوقت مصدر عذابها وعزلتها النفسية عن بني جلدتها، أو حتى ~~بعدها عن الطمع في الاستحواذ على السلطة التي ستئول إليها، بحسب التوارث الأنثوي والطبيعي ~~لعرش تونس وقلاعها السبع بالجزائر والمغرب العربي والأندلس. # بل إن هذا بذاته هو السبب الدافع الكامن والمؤجج لرغبات الاستحواذ عليها من جانب معظم ~~طالبي الزواج منها، الذين رفضتهم بكل عنف كاشفة ومبررة لأبيها طموحاتهم الدفينة. # وهكذا خلا الجو لابن عمها «العلام بن هضيبة» الحاكم الفعلي لتونس وقلاعها، نظرا إلى ~~شبابه وحيويته المتدفقة وقسوته المتجبرة، خاصة مع كل طامع من الغرباء. # خلا الجو للعلام «ليبيض ويفرخ» مستعينا في أحقيته القبائلية في الزواج من ابنة عمه ~~عزيزة، مما ييسر له بالطبع الطريق المفتوح على مصراعيه إلى عرش تونس، الذي نضج وحان قطافه ~~بمجرد أن يلفظ السلطان المعتزل المريض «معبد بن باديس» والدها أنفاسه الواهنة. ~~- العلام. # لكم فكرت عزيزة فيه وانشغلت كثيرا في هذا الأمر، حتى أعياها التفكير ms038 دونما التوصل معه ~~إلى سلام أو مهادنة تتيح لها الالتئام النفسي معه والاطمئنان منه! لكن دون جدوى. # وكثيرا ما استعانت عزيزة بصديقتها المقربة سعدى، التي كانت بدورها تكره العلام، ليس فقط ~~لمجرد التعاطف مع عزيزة، لكن بسبب دمويته وتجبره وشهوته العارمة للسلطة والتسلط. # ناهيك عما كانت تسمعه بنفسها من والدها خليفة الزناتي، الذي لم يكن يخفي عنها خافية من ~~صراعه اليومي الطاحن مع العلام ابن أخته، حتى إذا ما انتهى الأمر به في أحضان فراشه، كانت ~~سعدى آخر من يطبق عينيه على خيالها شاكية متأففة منه. # وكم من إهمال وصل بالزناتي الكمد حتى أقصاه، من العلام وأفعاله! وهو الذي أتاح له الوصول ~~إلى قمة السلطة الحاكمة بتونس وقرطاج، إلا أن العلام كان لا يعرف له حدودا يقف عندها ~~حامدا ربه. # فكان كمن يتغذى بالتملك الذي يتيح له مواصلة الصعود والتفوق دون مراعاة كافية لمعلمه ~~وربيبه الزناتي، مما كان يتيح للأخير إحساسا بصنع المعروف في غير أهله. # ومن هنا كانت تعلو شكواه لأقرب مقربيه ابنته سعدى متذمرا شاكيا: هذا العلام الأرقط، ~~المسموم! # وبالطبع تقوم سعدى بنقل نص حديث وتذمر والدها الزناتي صبيحة اليوم التالي لأذني العزيزة، ~~التي يصل بها النفور إلى حد كره تونس بمن فيها، وقد يدفعها الأمر أو الضيق إلى التفكير في ~~السفر والسياحة، أو استعجال المؤجل من برامجها. ~~- لا مهرب لنا يا سعدى يا أختي سوى السفر لكي ننسى. # وتقاطعها سعدى في بعض الأحيان مؤكدة ضرورة عدم دفن الرءوس في الرمال. ~~- كيف نهرب من العلام؟ # وينتهي الأمر بعزيزة إلى معاودة انشغالها بمخطوطاتها العفنة، أو مقتنياتها التي عادت بها ~~فرحة من أرض الله الواسعة، أو اختصار الطريق والتجهيز لرحلة بحرية جديدة مشرقا ~~ومغربا. ~~- دعينا ننسى يا سعدى. ~~- لكننا سنعود إن عاجلا أو آجلا إلى تونس. # وتغمغم عزيزة: إلى العلام! ~~- الجلاد! # وكثيرا ما يستحوذ العبث بسعدى فتمضي مغيرة الموقف معابثة عزيزة: لكنه لم يفق بعد من ~~هواك يا عزيزة! # وتغني متندرة: # العلام في هواك يا عزيزة # كل يوم يكسر له ms039 حصان. # هنا تدرك عزيزة أن سعدى بدأت تضايقها لتغيظها حين تسألها: أنت أيضا تحبينه يا عزيزة يا ~~حبيبتي. ~~- أنا؟! ~~- أجل أنت. ~~- أحب من؟ ~~- الأمير العلام ابن عمك من لحمك ودمك. # وقد ينتهي الأمر بسعدى في لحظات الصفاء في معاودة مكايدة عزيزة بما تعرفه عنها من ~~رومانتيكية ورغبات جامحة، وقد تلاعبها مصارعة إلى أن تطرحها أرضا ضاحكتين عابثتين. # لكن وفي بعض الأحيان، يصل الحنق بعزيزة من مكائد وعنفوانية العلام بن هضيبة إلى حد يدفع ~~بها دفعا إلى شق ملابسها أمام سعدى، التي سرعان ما يأخذها الموقف وما انتهى إليه فأغضب ~~عزيزة إلى هذا الحد، فتقاربها مصالحة مواسية: أنا لا أقصد شيئا يا عيني يا عزيزة. # هنا تصرخ عزيزة ضائقة: أما من مهرب من هذا السجن الكبير قرطاج، تونس بأكملها؟! # وعادة ما ينتهي الأمر بالسفر البحري متنفسا ولو للتغيير داخل موانئ تونس وقلاعها وتخومها ~~السبعة، لحين انتهاء الرحلة والعودة مرة أخرى إلى الأهل والوطن. # وهكذا بدأت حياة الأميرة عزيزة الباهرة الجمال ابنة سلطان تونس أقرب إلى أن تكون حياة ~~منقسمة أو مزدوجة الشخصية. # فبينما اتسعت شهرتها لتعم الآفاق ليتغنى بها الشعراء وينشدها المداحون وتذكرها مسارح خيال ~~الظل في كل مناسبة ومكان؛ مضت هي تعاني وحدتها القاسية تفاديا للمنغصات والمعوقات التي لم ~~تفرغ منها جعبة العلام يوما أو لحظة. # | تنكر «أبو زيد» والفرسان الثلاثة # كان أصعب ما في «الريادة» والعزم على السفر بالنسبة إلى فارس التحالف الهلالي أبي زيد ~~بصحبة الأمراء الشباب الثلاثة يونس ومرعي ويحيى؛ هو كيفية مفاتحة زوجته العالية بنت جابر ~~بالأمر، فما الذي يمكن قوله لها وهي التي لم يمض على زواجها منه، برغم قتله لشقيقيها عقيل ~~وزيد سوى تسعة أيام لا غير؟ # صحيح أن أبا زيد أحال تجربة تلك الأيام التسعة إلى ما يقارب تسعة أعوام، تمكن خلالها من ~~ترطيب جراح العالية الغائرة الأبعاد، بطرح تفاصيل وظروف ما حدث منه لشقيقيها في مجاهل الهند ~~وسرنديب منذ زمن مضى وانقضى. # وطالبها أبو زيد في نهاية شرحه لما حدث بأهمية الأخذ ms040 بمبدأ أن ما فات مات وانتهى أوانه ~~وأجله، فالأكثر أهمية هنا هو حاضرهما معا، يعانيان مشاكل ما حط على كاهل العرب الهلاليين ~~في السنوات الأخيرة من كوارث لا قبل لهم بها على طول تاريخهم الطويل الحافل: المهم يا عالية ~~يا حبيبتي هو محاولة تغيير واقعنا دون استسلام. # وكم كانت فرحته حين انتفضت العالية بنت جابر كما لو كانت تجفف آخر دموعها قائلة: معك كل ~~الحق يا أبا زيد، المهم هو المستقبل وكيفية تملكه. # ظل أبو زيد طيلة تلك الأيام البسيطة التي اختلى فيها بالعالية ليل نهار يحاول إرغامها على ~~نسيان ما حدث منه لشقيقيها الأميرين عقيل وزيد دون رجعة، وهو لا يكف عن محادثتها والتقرب ~~بكل كيانه منها، كما لو كان على دراية بأن خلوتهما معا قصيرة العمر كزهور الخريف البرية، ~~التي سرعان ما يذويها الغياب والترحال. # وسرعان ما تحقق صائب رأي أبي زيد، حين أجمعت مشورة قادة الهلاليين على الاستنجاد به قبل ~~الإقدام على طرق طبول الحرب إيذانا بالرحيل الجماعي، ولكي يخرج أولا برفقة الأمراء ~~الثلاثة يونس ومرعي ويحيى أبناء السلطان حسن بن سرحان لاستكشاف الطريق وتأمين أخطاره عبر ~~الأقطار والكيانات المتاخمة لنجد والجزيرة العربية عامة وصولا إلى المغرب العربي وتونس ~~الخضراء، قبل الهجرة القارية الجماعية وما تستلزمه من دفاع وحرب. # هكذا رأت الجازية ووافقها الجميع، على أن من الأسلم زيادة الطريق وتعرف مخاطره قبل الخروج ~~الجماعي. # وفي مثل تلك المعضلات التي تعترض الهلالية، فليس هناك أقدر من أبي زيد حنكة وذكاء وحرصا ~~على أمن الجميع الصغير قبل الكبير، من قبائل وبطون بني هلال بمؤنهم ومواشيهم وسعيهم وبيوت ~~وبرهم وعتاد حربهم. # حتى إذا ما حانت ساعة الرحيل لأبي زيد والفرسان الثلاثة، عمت مظاهر الوداع كل مضارب نجد ~~المرية، وتزاحمت الجموع المودعة لأبي زيد ورفاقه وهم يعتلون صهوات خيولهم، مزودين بمؤنهم من ~~زاد ودواء، وقلوب الجميع تخفق لفراقهم خاصة السلطان حسن والعالية زوجة أبي زيد وقائد ~~المشورة والحرب الأميرة الجازية، التي قبلت الجميع في حنو الأم الكبرى: تصحبكم ~~السلامة! # حتى ms041 إذا ما أطلقوا العنان لخيولهم إلى أن خبأ ترابهم وتواروا عن الأنظار، عرج بهم أبو ~~زيد الهلالي فجأة مغيرا اتجاهه ساخرا منهم: هل تتصورون أننا سنرود الطريق؟! # هكذا على هذا النحو! واندفع يضحك صاخبا وهو يعدو بحصانه مسابقا الريح: اتبعوني أيها ~~الشباب الذين ما زالت الخبرة والتجربة تنقصكم. # إلى أن انتهى بهم التجوال على مشارف تل مرتفع منعزل، أقيمت إلى جانبه واحدة من الأبنية ~~الخلوية التي يعرف طرازها يونس: خلوة أبي زيد. # وما إن ترجل أبو زيد عن حصانه طارقا، حتى اندفع خادم أو تابع أبي زيد الشهير «أبو ~~القمصان» فاتحا مرحبا بأبي زيد وهو يمازحهم قائلا: أهلا وسهلا بكم، سوف تدخلون هذه ~~الخلوة محملين بالمال والثمين وتخرجون منها شحاذين! # وحين داعبه الأمراء الثلاثة مترجلين داخلين: ربنا يهديك يا أبا القمصان! اندفع عيار أبي ~~زيد العجوز ومعلمه في الخدع ومكمن سره أبو القمصان يقودهم من قاعدة إلى ما يعقبها وهم شبه ~~منومين مسحورين مما تقع عليه عيونهم من محتويات خلوة أبي زيد تلك، وهي أكداس لا نهاية لها ~~من مختلف الأزياء الخاصة بالبدو والفلاحين وسكان الجبال، كثير من الأقنعة الملونة والشعور ~~المستعارة والآلات الموسيقية الشعبية وأزياء الصيادين والصناع والنساء من مختلف الطبقات، ~~ابتداء من الغواني وضاربات الودع والقابلات وانتهاء بالمحجبات من السيدات المحصنات، فضلا ~~عن أزياء وأغطية رءوس للكهنة من أقباط مصر وروم وسريان ومجوس وهلينيين وأناضوليين وأحباش ~~وغيرهم. # بالإضافة إلى ما احتوته قاعات خلوة أبي زيد العالية المترامية الأطراف والقاعات من أشياء ~~حتى دعاها مرعي: بيت جحا كله مسالك! # وعاجله يونس: خرج الخال أبي زيد الذي لا ينضب! # هنا انتصب أبو القمصان هازلا مطلا بسيفه - الخشبي - من أعلى السلم معلنا بزهو: ~~تلميذي، تلميذ الفارس أبي القمصان! # وضحك الجميع حتى أبو زيد الذي تحول من فارس إلى راقص بعدما خلع عنه ملابسه وغير هيئته ~~وإيقاعه ونبرات صوته! # هنا صفر أبو القمصان في تعال كمن يصدر أوامره: اخلعوا ملابسكم جميعا! # صفر ثانية: ملط زلط! # وحين أغرقوا في الضحك غير مصدقين من ms042 كيفية تحول أبي القمصان فجأة إلى ليث وهو يواجههم، ~~قال أبو زيد محذرا قليلا: كله إلا الضحك يا شباب! # تساءل الأمير الأصغر يحيى: كيف؟ إن ما يحدث هنا يضحك حتى الحجر! # مضى أبو القمصان متصنعا في تعاليه مهددا: هذا الحجر يضحك إلا أنتم، ممنوع! # وعاد مواصلا تعاليه مختطفا كرباجا أسود: الحجر، والحجر الصوان! # عانى الأمراء الثلاثة طويلا لكتم ضحكاتهم من غرابة أطوار تلك الخلوة وحارسها أبي القمصان ~~وانفلاته تماما على هذا النحو أمام الجميع. # كل هذا وأبو زيد منشغل عنهم لا يضيع لحظة في إعداد «خرجه» الشهير ومحتوياته الغريبة، ما ~~بين عناصر ومواد كيمائية كالزئبق وحجر المغناطيس وشمعة التنويم «البنج» والدخان المحبوس، ~~ومجموعة لا بأس بها من مختلف الأعشاب والعطور والبخور، منها ما هو مركب ومنها ما يضحك ويرخي ~~المفاصل ويدفع إلى الهياج أو إلى أقصى درجات النوم أياما بطولها. # وفجأة قطع الصمت صوت أبي القمصان المدوي الآمر حتى لأبي زيد: لا تنس الكوابيس! # عاد يؤكد مشيرا إلى صندوقه: أقصد بخور الكوابيس يا بركات. # هنا اندفع أبو زيد ممتنا إلى أبي القمصان الذي بدا كما لو كان يقرأ أفكاره حين عاد ~~مذكرا: والزي الآخر. # ومن فوره اندفع أبو زيد مغيرا هيئته أمام مرآة هائلة متنكرا بزي شاعر جوال، وأبو ~~القمصان يضع له لمساته الأخيرة مقدما إليه الربابة: هكذا تصبح فعلا في أرذل العمر، شاعرا ~~عجوزا مجربا تماما! # ثم ناول أبو زيد يونس والبقية أزياءهم، وأبو القمصان لا يكف عن وضع لمساته الأخيرة، ما ~~بين أسلحة محددة تخفى تحت الأردية البالية المزرية، بالإضافة إلى أشياء ومواد مختلفة ~~تخبأ هنا وهناك. # منها ما يخفى في الجيوب والشقوق المتعددة المسارب أو داخل آلات عزفهم، إلى أن تغيرت ~~هيئاتهم وشعورهم ووجوههم وأيديهم رأسا على عقب. كل هذا وأبو القمصان لا يكف عن هزله وتشفيه ~~الخفى! ~~- أريد منك أن تعرج أكثر. # ويمضي مقلدا مشية الأعرج وغدوه وهرولته وجريه متراقصا ومعبرا ومتهكما أيضا، حتى إذا ~~ما ضحكوا باستثناء أبي زيد صب جام غضبه على رءوسهم الواحد ms043 تلو الآخر بغطرسة هي ذاتها التي ~~تضحك من لا يضحك: إلا الضحك يا شعراء الغبراء! # ثم عاد أبو القمصان يهدد: من يضحك ضاع! # مؤكدا: وقد لا ترجعون! ومن يعرف فقد تعودون أدراجكم إلى نجد أيضا وأنتم تعرجون وكلما ~~حاول أحدكم الوقوف وقع. # وطالت فترة تدريب الفرسان الثلاثة التي ترك أبو زيد مهامها لمعلمه - كما يدعي - أبي ~~القمصان أفضل عياري عصره، قائلا في نفسه مغالبا بدوره ضحكة إلى حد انحباس أنفاسه: أعطنا ~~فرصة يا أبا القمصان! # كان أبو زيد يعرف في أبي القمصان تعطشه الجنوني إلى حد الإغراق للعظمة والسلطة والتسلط، ~~وها هي الفرصة قد حانت وسنحت وخلا الجو لأبي القمصان ليفرح ... # وقطع صوت أبي القمصان مزمجرا حبل أفكار وتداعيات أبي زيد: من يضحك مكانه غياهب السجون ~~وزنزاناتها، وقد تكون بأرض الشام وبلاد السرو وغياهب سجون صعيد مصر. # ومضى كمن يخطب مشرفا من أعلى درجات سلالمه - التي فيها قتل الزير سالم ودفن بالعرابة ~~المدفونة - مشيرا بعظمة: لا تنسوا زيارتها. # إلى أن جاءت «بروفات» الإيماء والتمثيل والتقمص والغناء و«الحدى» والإنشاد الجماعي والعزف ~~الموسيقي، التي تناولها أبو القمصان كلها معدلا هنا وهناك إلى أن هب فجأة مصرحا: ناقصكم ~~من يرقص! # وضحك الجميع حتى أبو زيد الذي استلقى على قفاه مرحا مسترخيا كعادته حين يضحك حقا وليس ~~زيفا وتقمصا من أعماقه: كملت يا أبا القمصان؟ # واصل أبو القمصان ملاحظاته مصرا: غازية! # قارب أبو زيد مسرا في أذنه مسرعا كما لو كان يملي شفرة سرية، سمع منها الفتيان بضع ~~كلمات متناثرة منها: «مي» الحزينة الهلالية والأميرة الأعجمية «شاه الريم»، وكيف أن «مي» ~~هذه ابنة الأمير «مفرج» الهلالي، تعمل عند شاه الريم كمغنيتها الأثيرة التي عمت شهرتها كل ~~مكان. # ووصل اندهاش الفتيان الهلاليين مداه وهم في شبه إغفاءة قبل استئناف المسير مع الفجر الذي ~~بدت بوادر إشراقه على السفوح والتلال المحيطة، حين ذكر أبو القمصان لأبي زيد عنوان تلك ~~المغنية الهلالية «مي»: ثمانية غرب حلب الشهباء. # ومرة أخرى وصل تطاول أبي القمصان إلى حد الصعود على ms044 سطح البناية مصدرا تعليماته حالما ~~امتطى أبو زيد والشباب جيادهم تمهيدا لبدء رحلتهم بأحمالهم: وحذار من حسان وجميلات تونس ~~وعزيزة. # ضحكوا طويلا وأبو زيد ما زال يراقبه في تجبره وزيه المضحك، ويدعوهم صارخا بأعلى صوته: ~~اذهبوا بلا رجعة! # وغابوا في أثر أبي زيد متوجهين نحو الصحارى والقفار والسهول وأعالي الجبال وشعابها حيث ~~قضوا فيها أياما، يقدمون فنونهم ويمتدحون الأجاويد إلى أن شارفوا تلال حلب الشهباء والتي ~~منها اقتنى أبو زيد الهلالي فرسته - الشهباء الشهيرة - فهمسوا قائلين: حلب الشهباء! # | سكك أبي زيد # يعرف أبو زيد الهلالي المدن والأمكنة والمسالك كما تعرف هي - أي المدن - مآثر ومأثورات ~~«نصير المساكين» أبي زيد ذاته. # ومنذ خروجه من نجد وعروجه إلى خلوته التنكرية التي مارس فيها تابعه وعياره العجوز أبو ~~القمصان طغيانه على الفرسان الثلاثة منكلا ومعلما، لحين طوافه على أطراف جنوب الجزيرة ~~الساحلية إلى عدن وحضرموت والبحرين، ثم قدومه إلى بلاد السرو وعبادة بوادي الأردن وفلسطين ~~التي كان يحكمها السركسي بن قارب صاحب الجيوش والمواكب والحشود الهائلة المعاربة، والتي ~~أثارت تحفظات أبي زيد ويونس حتى إن أبا زيد بعث من فوره إلى قومه الهلاليين مخبرا ~~منشدا: # أيا عطور الجيد إن السركسي # يشبه الذئب قد حظي بغنائم # هذا السركسي ما أحد يصادمه # إذا قام في ظهر الحصان يلاطم. # وكتب للسلطان حسن بن سرحان مشيرا إلى سطوة حاكم القدس وغزة: # السركسي ما رأيت مثله فارس. # يفتح - يا أبا علي - على الحروب أبواب. # وما توصلوا إلى غايتهم حتى واصلوا سيرهم إلى دمشق التي كان يحكمها «شبيب التبعي» المسمى ~~بالتبع شبيب بن مالك، ووزيره الحكيم المدعو «عميرة». # وكان ذلك التبع المتجبر يتسمى بشاحب العمود، ونجح أبو زيد والفرسان في الوصول قريبا من ~~قصره ومدحه هو وزوجته «جنوب» في قصيدة. # وكالعادة ما إن يحط أبو زيد ورفاقه رحالهم بمدينة أبي نجع، حتى يمضي من فوره إلى الاجتماع ~~بعيونه وعياريه الهلاليين، يصل إليهم أينما كانوا، تقلبت بهم حروفهم وماوريهم وحركاتهم ~~وهجراتهم، وكأنه يتشمم مترصدا خطاهم. # إلى أن حطوا رحالهم على ms045 مشارف حلب الشهباء ذات مساء مكتمل القمر، ومن فوره أخرج أبو زيد ~~عناوينه، ومنها عنوان المغنية الهلالية «مي»، حسب ما ذكره له أبو القمصان ووصاياه «الموحلة ~~بالطين» كما كان يدعوها أبو زيد متندرا. # وكما لو أن الجارية الهلالية الحسنة الصوت والمحيا «مي» على موعد مع وصولهم؛ ذلك أن أبا ~~زيد التقى بها من فوره ومنذ الأمسية الأولى التي حطت فيها قدماه أرض حلب الشهباء بقلاعها ~~وساحاتها ومبانيها القوسية الحانية وموسيقاها الشجية ذات الألحان المعروفة وأسواقها ~~المسقوفة وحواريها وحاراتها المرصوفة والحجارة ووراق بساتينها وسهراتها وغيطانها ذات الهواء ~~العليل. # فما إن قاربوا قصر الأميرة «شاه الريم» الحصين الوافر الجنان، والتي تعمل عندها «مي» ~~كأقرب جواريها، منشدين رافعين عقيرتهم بالغناء على أحوالهم، حتى جرت من فورها مشيرة إلى ~~سيدتها التي كانت تعاني حصارا ضاريا من جانب وزيرها المقرب الوصي على عرشها، والذي كان ~~يتهددها ليل نهار بالزواج منها عن رضا أو رغما عنها؛ لاغتصاب سلطتها دون أدنى شفقة. # جرت مي فرحة مستبشرة إلى سيدتها شاه الريم مؤكدة وهي تنصت إلى غنائهم كما لو كانت تحل ~~رموز كلماتهم الملغزة: خالي أبو زيد، جانا مفرج الكربات. # وحين اختلت به وببقية الأمراء الهلاليين بهرها حسن يونس واعتداده وفروسيته حتى وهو تحت ~~أصباغه ومساحيقه وهلاهيله البالية، فرحبت بهم وأدخلتهم خلسة إلى سيدتها التي حكت لهم دامعة ~~العينين مأزقها مع وزيرها ومملوكها الجشع «الهصيص» الذي استبد بحقوقها مستغلا كونها فتاة ~~مسكينة لا نصير لها. # ووعدها أبو زيد مطمئنا بمناصرتها وإرجاع حقها، على أن تترك لهم مي الحزينة لترافقهم ~~كمغنية عبر رحلتهم ومخاطرهم إلى تونس والمغرب. # ودفعت تلك الواقعة وتعهد أبي زيد للأميرة المنكوبة إلى المكوث بضعة أسابيع في حلب بانتظار ~~لحظة تحين الانتقام لشاه الريم من الهصيص المتسلط حاكم حلب. # إلى أن حانت - حسب نص السيرة - ليلة زواجه القسري من شاه الريم وتسللهم بعد خداع الحرس ~~إلى عرسه الماجن، لحين تحينهم للحظة غفلته، فقطعوا رأسه وهو مخمور وعادوا به إلى الأميرة ~~الصغيرة الجميلة، التي لها كامل الحق في ms046 حكم حلب الشهباء وتخومها. # وأعجبت هي بشجاعة الهلاليين وأغدقت عليهم ثمين الهدايا، ووعدت بمناصرتهم دوما اعترافا ~~لهم بمعروفهم، وسمحت لهم باصطحاب صديقتها المقربة «مي»، التي فرحت كثيرا باصطحابهم مودعة ~~أميرتها باكية من رهبة الفراق. # وبعد ذلك اتخذ أبو زيد ورفاقه من شباب الأمراء ومعهم مي الحزينة طريقهم إلى تونس ~~وبواباتها السبع. # وهناك أقاموا مضربهم بوادي الغباين المزدهر البهيج المتاخم لأحد مداخل أو بوابات قرطاج ~~الشهيرة أياما، لتحين فرصة الانفلات والتسلل إلى داخل تونس وتحقيق مأربهم العاجل الذي ~~تنتظره جموع الهلاليين ببالغ الصبر والثقة. # فكانوا يقدمون عروضهم وأغانيهم وأهازيجهم ليلا التي شاركت فيها مي بصوتها العذب الرخيم، ~~الذي اجتذب حراس البوابات والمفوضين على الداخلين إليها من زائرين أجانب. # ولم تكن مي الحزينة أقل حماسا ولا إقداما بالنسبة إلى الريادة ومخاطرها، وهي التي قبلت ~~عن طيب خاطر اصطحابهم: فأنا مثلكم هلالية. # وهكذا وثق بها أبو زيد ويونس خاصة، الذي بهرها حقا مدى فروسيته واعتداده وإقدامه وكل ما ~~ينبض فيه من تواجد أو حضور وإيقاع متناسق: زينة الشباب. # إلا أن الانتظار الذي طال أمده على بوابات تونس لم ينس أبا زيد لحظة مهامه من حيث ~~الإلمام به، كأمن كل مناطق القوة أو الضعف على طول القلاع الأربع عشرة التي تتبع سلطنة تونس ~~وقرطاج. # فكان يتغيب عن الباقين أياما، يمضيها عدوا بفرسته الشهباء، مواصلا تجميع معلوماته ~~باثا عيونه مرسلا رسائله بالحمام الزاجل التي كان يحسن تدريبها واستخدامها في أحلك المآزق ~~وأكثرها تطلبا للسرعة والملاحة، فهو كما يقول عن نفسه: عين هنا، والثانية على نجد ~~والأهل. # حتى زوجته العالية بنت جابر، والتي أجهضت هذه الرحلة زواجه منها، ولم يكن يبخل عليها ~~بخطاباته التي عادة ما تتجمع كلها لتحط كمثل وفد من الحمائم على كتفي ورأس عياره وتابعه ~~أبي القمصان أينما كان في خلوته: حمام الحبايب. # هنا كانت أهمية أبي القمصان تتزايد في نظر نفسه ليروح معلنا للسلطان حسن والجازية ~~والعالية زوجة أبي زيد التي كانت تنتظر على أحر من الجمر وصول الرسائل: وصلت ~~المكاتيب. # وهو ms047 تعبير أعطاه أبو القمصان أهمية خاصة؛ نظرا إلى الكيفية التي يعلن بها عنه، سواء ~~للجازية أو الأميرة العالية، إذ تنشق الأرض فجأة عن أبي القمصان متشحا بزيه الرسمي، كجندي ~~منح نفسه ذات يوم لقب فارس والذي تطور معه مع مرور الزمن إلى لقب أبي الفوارس. # ففي العادة يقف أبو القمصان فجأة أقرب إلى منطقة الرأس من «ضحاياه»، معلنا بصوته المختنق ~~المتعدد النبرات، داقا الأرض بعصاه أو كعب رمحه، الذي عادة ما ينتهي بشارة الهلاليين ~~الخضراء يتوسطها هلال أبيض صريح، معلنا كمثل منادي قرية أو نجع: الحين وصلت ~~الرسائل. # أما في حالة العالية زوجة أبي زيد، فقد أفرط زوجها الغائب في الكتابة لها مطولا، خاصة ~~بسبب ظروف عشقه الجارف لها منذ أول لقاء تصافحا فيه، حين قدمها له السلطان حسن خلال عزاء ~~الشماء وهو يأخذ بيدها البضة الدافئة نازلة عن هودجها المطرز برقائق الذهب البخاري الأحمر: ~~الأميرة العالية بنت جابر. # حينذاك استحال لون أبي زيد الأبنوسي الأسود إلى اكفهرار أصفر يقارب شحوب الموت ذاته، وهو ~~يمد لها يده مصافحا مساعدا: أهلا وسهلا. # ولم يعرف كيف يكمل جملته هذه مرحبا بها حول سلامة الرحلة من وادي الحجاز وما تنطوي ~~عليه من مخاطر حتى الوصول إلى نجد. # ذلك أن العالية سلطت عليه وهو ينزوي خجلا أهدابا مسلطة كمشرطي حربة همجية لها وقع أكثر ~~من أربعة وعشرين نصل حسام بينما السلطان حسن ينطق باسمه معرفا ومقدما: بركات، الأمير ~~أبو زيد الهلالي. # ليته لم ينطق باسمه أمامها! ساعتها لم يكن حدث ما حدث لأبي زيد الذي تراجع من فوره ~~متقهقرا إلى الخلف كما لو كان ينادي، أو يبحث بعينيه عن شيء وليكن مجرد غطاء خباء يستر به ~~نفسه وهو في مواجهتها. # إلى أن آثر الاختفاء عن عينها بالهرب من واجبات العزاء واستقبال الضيوف والوافدين من ملوك ~~وأمراء وحكام وشيوخ قبائل وقادتها، جميعهم قدموا بوفدهم معزين في موت الأميرة الأم الشماء، ~~ثم للاجتماع به لاستطلاع الرأي وتكامل المشورة. # إلى أن عثر عليه يونس في أقصى أقاصي ms048 خلواته المهجورة التي يعرف يونس دون غيره أنه لم ~~يزرها ويطأها منذ زمن بعيد. # لحين ظروف زواجه من العالية الذي أراده هو أن يبدو في العلن كزواج تحالف لتوثيق الروابط ~~السياسية، خلال لقاءات جمع الشمل بين فيالق الهلاليين، الذين طال بهم الاسترخاء وانتكاس ~~السلاح أثناء شعائر موت الشماء قائدة التحالف الهلالي الذي امتد أربعين يوما وليلة. # لحين رحيل أبي زيد عن العالية وحط رحاله هنا على بوابات تونس قرطاج يغالبه الحنين إلى ~~العالية زوجته وحبيبته. # تنهد أبو زيد وهو يسابق ريح الصحراء معتليا صهوة فرسته الشهباء، مغالبا ذلك الحنين ~~الجارف للعالية والأهل الذي حط عليه فجأة وهو يصل بريادته على رأس الفرسان الأمراء الثلاثة ~~إلى تخوم بوابات قرطاج الشاهقة الارتفاع المحكمة الإغلاق في وجه الغرباء ومن أين جاءوا. # هب العلام بن هضيبة عن كرسيه المذهب مأخوذا منتبها كأنما يطرد بحركة رأسه غبارا عن ~~أذنيه وهو يسمع من أحد أتباعه المقربين عن أنباء تسلل الهلالية إلى قرطاج: كيف؟! ~~- يصطحبون معهم مغنية هلالية شهيرة جاءوا بها من حلب إلى هنا. # واصل العلام تقدمه باتجاه محدثه مواجها وهو يسلط حدقتي عينيه في عيني محدثه: أين؟ # تراجع تابعه، وكان فتى منتصب القامة بيده بضعة مدونات وتقارير يقرأ عليه منها بحذر ~~دقيق. # وبدا العلام كما لو كان يكلم نفسه: ديار تونس يا علام! # ثم مضى من فوره مواصلا تقدمه باتجاه رسوله المتقهقر الذي لم يكن يتصور للحظة أن خبرا ~~كهذا يمكن أن يصدم الأمير العلام إلى هذا الحد الذي يقلب فيه كيانه رأسا على عقب. # وضاعف من رهبة الرسول أيضا ما أعاد نطقه العلام لنفسه في غيظ أقرب إلى الألم: ديار تونس ~~يا علام ... ه ... هكذا أصبحت تونس وديارها مباحة لعرب المشرق! وعلى حين غرة علا هياجه شاهرا ~~كرباجه ملوحا في وجهه: ما أريده الآن التفاصيل كلها. # ثم واصل هياجه وصراخه قائلا: ديار تونس! أنا من يقال له مثل هذا اللغو يوما؟ # واندفع مشهرا ذراعه كلها على شبه خارطة مجسمة تملأ سطحا رخاميا بأكمله يشكل ms049 أرضية ~~إحدى غرف قصره، وتبين الخارطة هذه تونس كلها بمعالمها من سهول خضراء يانعة العشب وأنهار ~~ووديان وبحر ضارب إلى الزرقة. # ومضى العلام مشيرا بكرباجه وذراعه كلها للجميع، إلى ديار تونس وتخومها السبعة وقلاعها ~~الأربع عشرة، في غضب شمل نائبه وتابعه وثلاثة من حجابه وحارسه الخاص، «عين» للزناتي خليفة ~~مسلطة عليه يعرفها كما يعرف نفسه، وهي أكثر ما يخشاه في مثل هذا الموقف الذي تضمنه هذا ~~التقرير المفاجئ حول كارثة وصول «عيون» الهلالية إلى تونس، كيف أن لا أحد من رجاله وفيالقه ~~وعسسه وبصاصيه يعلم بهذا الأمر الخطير؟! حتى العلام هو نفسه المفروض أن يكون أول العارفين ~~كان لا يعلم شيئا. # يا لها من كارثة! سيلاحقه الزناتي مدى العمر خاصة في مثل هذا اليوم المشئوم المصادف حلول ~~العيد الكبير، أو عيد اللحم والضأن: تتسلل عيون بني هلال إلى بوابات تونس - قرطاج - وتدخلها ~~عنوة، إلى هذا الحد؟! # كان أبو زيد وفتيانه الثلاثة يونس ومرعي ويحيى وبصحبتهم «مي الحزينة» قد وصلوا إلى ديار ~~تونس، حيث دخلوها من بواباتها الشرقية التي فتحت منذ الصباح الباكر على مصراعيها للزائرين ~~والغرباء، الذين تجمعت وفودهم على طول السهول الخارجية المحيطة التي لا يحدها البصر. # وفود من أعراب وبدو وشوام ومصريين ويونانيين وإيجيين وقبارصة بانتظار تلك اللحظة التي ~~امتدت أياما بحالها قبل أن ينطق الأمير العلام بكلماته التقليدية: افتحوا البوابة ~~الشرقية. # هكذا انسل أبو زيد والهلالية داخلين متسللين بعدما تعرضوا لأسئلة واستجواب طوابير طويلة ~~ومختلفة من مختلف الرتب من عسس تونس الذين كانوا يسألونهم: من أنتم؟ # نطق بها أبو زيد وأعاد نطقها على الربابة بمختلف تنويعاتها للحرس وأتباعهم وبصاصيهم ~~والزوار الغرباء، فتجمهر الجميع من حوله وهو يقفز ويعزف إلى أن تدخل كبير الحرس، وكان ~~مشرفا عليهم كأبي القمصان، مشيرا بكرباجه لإيقاف مهزلة أولئك الحوش قائلا: أنا لا أحب ~~الموسيقى والدوشة ... # إلا أن أبا زيد واصل عزفه وقفزه الهزلي مادحا: # ها نحن قد جئنا ديار تونس # ولم يعد علينا عتايب # يلا يا أجاويد الديار # هاتو الزكايب. # هنا هاج ms050 رئيس الحرس المتغطرس ذو الكرش الكبير صائحا: اتركوا هذا العبد الأغبر، ~~دعوه. # وهنا اندفع أبو زيد داخلا من فوره قفزا إلى أن تخطى طوابير الزحام من حوله وأمامه، إلى ~~ساحات تونس المزدانة عن آخرها بالرايات والمعلقات والزينات الملونة؛ احتفالا بعيد اللحم ~~الكبير الذي اجتذب الآلاف المؤلفة من التونسيين وأتباعهم والزوار والغرباء من كل صوب ~~وحدب. # إلى أن توقف أبو زيد مترصدا الباقين، الذين لم يطل بهم الأمر حين حذوا حذوه كفنانين ~~شعبيين مشعوذين على باب الله: على باب المولى تمدح الأجاويد. # فما إن امتدت أيديهم إلى آلاتهم الموسيقية في صخب حتى هاج أكثر رئيس الحرس، مشيرا إليهم ~~بالدخول: أوباش، صعاليك! # إلى أن اجتمع شملهم فغطسوا تماما وسط أسواق وأزقة تونس المزدحمة بالأجساد والاحتفالات ~~الماجنة وروائح الشواء ومختلف الأطعمة والسلع، حتى أصبح من الصعب العسير اقتفاء آثارهم داخل ~~بوابات قرطاج. # فاجتمع أبو زيد بعيونه وبصاصيه وتدبروا أمر معيشتهم مقدمين أشعارهم وغناءهم ومدائحهم ~~وموشحات «مي الحزينة» داخل أحياء وأسواق ومشاري شاي قرطاج المزدهرة. # ترددوا على الموائد والاحتفالات الشعبية، وزاروا «سوسة» و«قابس» والقيروان، حتى عرفوا ~~وانتشر صيتهم بين الناس، وخاصة موشحات مي الحزينة وصوتها وعزفها الماهر، الذي أطرب جماهير ~~مستمعيها من السمار الشعبيين في المدن وما يتاخمها من ضياع وقصور ودساكر. # كل هذا وأبو زيد لا يغفل لحظة عن المهمة الأساسية التي دفعت بهم إلى داخل بوابات قرطاج ~~وتخومها وقلاعها وحامياتها. # فكان يتحين لحظات تدوين ما تجمع لديه من أخبار وملاحظات ليرسلها - كما يحلو له أن يتندر ~~مع يونس: برا أو بحرا أو جوا (عن طريق الحمام الزاجل). # لتصل طبعا في مواعيدها إلى أسماع السلطان الهلالي والجازية وقطب التحالف الهلالي لعرب ~~الجنوب اليمنيين دياب بن غانم، وحاكم العراق الخفاجا عامر، ووالد زوجته الأمير جابر والقاضي ~~بدير، ودون إغفال بالطبع لزوجته العالية في نجد. # وكانت العالية من حدة تحمل مشاق انتظارها لأبي زيد «تنتزع» ريش طيور البيت من دجاج وإوز ~~عن أجسادها، وهي تخفي في صعوبة ما يعتمل في أعماقها من سياط ولهب الانتظار ms051 والبعد ~~واللوعة. # وحين طال بهم الطواف داخل الديار التونسية وضاقت بهم الأحوال أخرج يونس «فرعا كان قد ~~توارثه لعقد من الجوهر الثمين» من جدته الشماء ليبيعوه لأثرياء المدينة. # وحين عرضوه على كبير الدلالين أشار مبهورا إلى تعذر بيعه سوى لابنة سلطان تونس الأميرة ~~عزيزة! # هنا ألجم يونس نفسه عن النطق والكلام أمام الدلال الحصيف، سوى مجرد تبادل النظرات ~~العجلى مع أبي زيد مرة ومع مي مرة ثانية غير مصدق: عزيزة! # حتى إذا ما أعاد الدلال تأكيد وجهة نظره لوفد الشعراء الجوالين الأغراب، متصورا أن ما ~~اعتراهم من تغيير قد يكون مبعثه شكوكهم في نواياه وذمته، واصل كلامه مؤكدا: أجل الأميرة ~~عزيزة، فهي وحدها التي تهيم حبا في اقتناء الأشياء الجميلة النادرة، وتدفع فيها الأثمان ~~المرتفعة، بل هي تسافر في أثرها الشهور الطويلة لتقتنيها داخل مقرها المنعزل شمال ~~قرطاج. # وعندما أعاد يونس التساؤل الصامت بعينيه مع أبي زيد، أيقن الدلال اليهودي من توجس أولئك ~~الأغراب، الذين يبدو من هيئتهم أنهم من دراويش المشرق القحطانيين وأنه بسبب توجسهم هذا ~~سيفقد «سمسرته» وصيده الثمين للغاية من كلا جانبي أو طرفي هذه الصفقة النادرة ندرة العقد ~~الباهر العميق الأخضر، الذي صيغ من نادر أحجار الزمرد. # فاندفع من فوره مقدما لهم أقداح القهوة السوداء والحلوى والشاي الأخضر المنعنع شارحا ~~الأمر: ليس هناك من معضلة، فقصر العزيزة على مبعدة فراسخ إلى الشرق. # ثم شرح لهم كيف أنها أرفع زبائنه شأنا وعطاء؛ لذا فلا بأس من التوجه بمصاحبتكم حالما ~~ينتهي من إغلاق حانوته، وصرف زبائنه وعماله. # واعترت يونس رعدة مشابهة لتلك التي سبق لأبي زيد معاناتها لحظة لقائه بالعالية بنت جابر ~~وتمكن يونس من تحسسها من بعيد، فتناول من فوره عقد الزمرد من يد الدلال المتكفئ المتوقد ~~حماسا وحركة لمصاحبتهم فورا إلى مقر عزيزة قائلا: نذهب حالا، ولا داعي للتأجيل. # ثم غمغم لنفسه: عزيزة! أين أنا الآن في هذه الأسمال البالية من الخيش والأصباغ التي تغطي ~~وجهي من الأميرة عزيزة؟ # واصل الدلال عملية إقناعه لأبي زيد باعتباره ms052 كبيرهم الذي أشار بغلق حانوته والاتجاه معهم ~~إلى قصر العزيزة: على خيرة الله. # وحين عاد يونس إلى تبادل النظرات مع أبي زيد، ضحك الأخير في خبث مغمغما في أذنه مذكرا ~~بحكايته القديمة: أتخاف امرأة يا يونس؟ # هنا انتفض يونس، دافعا عنه اضطرابه متحسسا في جيبه حبات العقد: ماذا تقصد؟! ~~- أقصد عزيزة يا يونس. # أشار يونس كمن ينبه أبا زيد إلى ملابسه: أهكذا نتوجه إلى الأميرة عزيزة؟ ~~- ولم لا؟! # ساعتها كان الدلال اليهودي المتوقد الذهن والحركة قد انتهى من صرف بقية زبائنه وعماله، ~~وعينه لا تغفل عن يونس وعقد الزمرد الذي في حوزته وقاربهم منشرحا مهونا الأمر. أمر أحد ~~مساعديه بإعداد عربته المطهمة التي تجرها الجياد قائلا وهو يأخذ بيد يونس الشارد بذهنه ~~غير المصدق لما يحدث ويجري: خلاص، انتهينا، هلموا إلى قصر الأميرة عزيزة. # كان الحاكم الفعلي لتونس وتخومها العلام بن هضيبة قد وصل به القنوط واليأس إلى أقصى مداه، ~~فتشابكت البلايا دفعة واحدة ومن جهات عدة لتحط على كاهله المثقل بواجبات حماية الأمن ~~الداخلي لتونس وحكامها وشعبها. # وقد زاد الطين بلة أنه أوصل علاقته بابنة خاله عزيزة ابنة سلطان تونس المسجى مريضا معبد ~~بن باديس إلى نقطة التوتر واللارجوع رغم حبه الجارف لها منذ الصغر، وكان يعزز من هذا الحب ~~رغبته العارمة في الاستحواذ على تونس بكاملها من خلالها، فتدين له قلاعها والدنيا بأسرها من ~~بعدها. # بل إن ما حدث بينه وبين العزيزة من تطاحن وحزازات في الأشهر الأخيرة وصلت ذروتها حين ~~استعانت هي في كشف ألاعيبه وأحابيله التي أصبح لا يكف يوما عن نسج خيوطها بخبرة وحنكة ~~ضدها، في محاولة يائسة للتقرب منها ولفت عينيها الباهرتين إليه يوما أو لحظة. # فهو العلام الذي تدين له تونس من كبيرها لصغيرها، راضخة عند قدميه فيما عداها؛ عزيزة، ~~فكان مثل هذا الإحساس الدفين يعتمل داخله طاحنا مقوضا لكل خطواته ومسئولياته الجسيمة، ~~ويدفع به دفعا إلى المحاولات إثر المحاولات للإتيان بأفعال كبيرة لافتة لكل عيان، تتيح له ~~أن يحقق أقصى درجات الشهرة ms053 وذيوع الصيت والفروسية. # كان يتصدى للإيقاع بكل من تسول له نفسه الاقتراب من تخوم تونس وأسوارها المنيعة وبواباتها ~~وقلاعها الموصدة ضد كل طامع أو معتد، سواء كان أولئك المعتمدون والطامعون من الغرباء أو ~~كانوا من اليونانيين والبطلميين والرومان أو من القبارصة أو الإيجيين أو البدو من عرب ~~المشرق. # ولهذا تجبر العلام في معاملة أولئك الغرباء والمتسللين أيا كانوا وتحت أي سماء، فكان ~~يقبض عليهم ليودعهم سجونه وزنازينه المطمورة تحت الأرض، أو قد يلح في مطاردتهم إلى أن يوقع ~~بهم في البحر المحيط بالبلاد ليعود بجيشه وكتائبه بعد ذلك سالما منتصرا أمام عيني مولاه ~~خليفة الزناتي، الذي أسلم له مقاليد أمور مثل هذه الوقائع «البسيطة» التي تحدث هنا وهناك ~~بشكل يومي، ولا يحتاج ردعها إلى تدخله شخصيا في القتال والنزال، باعتباره - أي الزناتي - ~~فارس تونس الأول ومصدر هيبتها. # إذ ليس من المعقول أن يتصدى الزناتي لمختلف هفوات العوام اليومية أو حتى حملات الطامعين ~~من «الهمج» الأفريقيين من أحباش وغيرهم وغينيين وصوماليين، وهو - الزناتي - الذي نازل منذ ~~شبابه الجيوش الجرارة المدججة بكل سلاح وعتاد، دفع بهم إلى الموت الجماعي إما غرقا في مياه ~~البحار والمحيطات، وإما على منحدرات تلال تونس وسهولها وأراضيها المترامية المتفجرة خضرة ~~وعطاء، كما أنه هو ذاته أبو سعدى الزناتي الذي صيغت عنه الملاحم والأشعار التي تتغنى بها ~~الأقوام والشعوب والقبائل مشرقا ومغربا. # أنا أبو سعدى الزناتي خليفة # لي في أفعالي يا كرام شهود # شهودي نهودي والقائم صارمي # بيض الرمادي واخيات جمود # أنا أبو سعدى الزناتي خليفة # هنيئا لمن كان خالي عنا حقود. # فليس من المعقول أبدا أن يتخلى الزناتي عن استرخائه ولذائذه ليشغل نفسه بالتوافه وبكل ~~صغيرة وكبيرة، ترك أمرها لجلاده الأصغر العلام بن هضيبة ابن أخته، الذي توسم فيه منذ أن ~~تربى في حجره كل طاقات العنف وقسوة القلب وكل علامات الكره والحقد، فاكتمل ناحلا أصفر ~~الوجه عبوسا على شاكلة كل منتش بسفك الدم وإهراقه، بل على شاكلة وطبائع الزناتي ذاته خاله ~~ومعلمه الأول. # لذا فما إن ms054 تناهى إلى أسماع الزناتي خليفة خبر مفاده ذلك التسيب الحادث والفوضى عند مداخل ~~بوابات تونس قرطاج، وبخاصة حين أسر له «عياره» - وكان عجوزا محنكا نافذ البصيرة - بالشك ~~في تسلل بعض عيون عرب المشرق المعروفين بالهلالية، حتى انتفض كالملدوغ سائلا عن ابن أخته ~~العلام بن هضيبة: أين العلام؟ ماذا يحدث؟! عيون بني هلال، يا لها من كارثة! هنا في تونس ... ~~قرطاج؟! # ومضى يتساءل منزعجا عبر جنبات قصره يطرق كفا بكف غير مصدق: جواسيس عرب المشرق! جواسيس الهلالية! أيعقل هذا؟! # فكيف تصل الغفلة والتسيب بالعلام إلى حد تسلل عيون بني هلال وبصاصيهم إلى تونس بطولها ~~وعرضها؟! وعلى هذا النحو يسوقه بصاصو الزناتي والعلام ذاته من دون التوصل إليهم أو إلى ~~أثرهم، فهو ما لا يطاق: كارثة. # استدار سائلا في حدة: هذا أمر لا يمكن احتماله ...! # استدار الزناتي وهو يتفوه بهذه الكلمات نازلا عن عرشه المتوارث منذ ملوك اليمن من العرب ~~العاربة أو الغابرة: لا يحتمل يا علام. # وحاول بعض المقربين من وزراء الزناتي تهوين الأمر: العلام في أي حال ابن شقيقتك ومن لحمك ~~ودمك. # هنا استدار الزناتي وقد أصبح أكبر غضبا وهياجا رافضا هذا المنطق مشيرا بأطراف حربته ~~المتعددة الرءوس إلى ذراع قائلا: إنه لن يتوانى عن قطعها - أي ذراعه - إذا توانت أو تراخت ~~عن أمن تونس وقلاعها الحصينة، ثم أردف يقول: نخلة بلا طرح لها عندي دواء ... هو ~~المنشاط. # وقبل أن يعود الزناتي إلى الجلوس على كرسيه متعاليا كالطاووس، أشار على مستشاريه وأعوانه ~~بضرورة استدعاء العلام فورا أينما كان ومن تحت أي سماء: الليلة. # وهنا تدافعت وفود حجابه ومستشاريه لتنفيذ أوامر الزناتي. ~~- الأمير العلام الليلة، حالا. # واصل الزناتي مشيرا بحربته إلى عينيه قائلا في صرامته المعهودة: لن تذوق عيناي نوما ~~الليلة قبل مثول العلام، حتى ولو كان في سابع نومة أحضروه. # كانت مشكلة المشاكل تلك الليلة التي لم تنم فيها عين من عيون حكام تونس وشيوخها في البحث ~~المضني على طول قرطاج وتونس وتخومها عن العلام، ولكن دون طائل. # إلى أن ms055 تجمعت محصلة الأخبار منبثة عن أن العلام قارب القيروان، عبر مطاردته لجواسيس بني ~~هلال المتنكرين الذين تسللوا داخلين إلى تونس في غفلة من حراسها. # إلى أن جاءت الأخبار بعد بضع ساعات أن الأمير العلام تمكن من أسر جواسيس بني هلال ~~الأربعة، وجاء وصفهم كالآتي: رجل دائب الحركة في منتصف العمر، يعتقد أنه أبو زيد الهلالي ~~ذاته، وثلاثة أمراء متنكرين، وأميرة مغنية حسنة الصوت عذبة الملامح دقيقة الجسم. # حتى إذا ما وصلت تلك الأنباء إلى أذني الزناتي - السهران - المؤرق، جاء رده في صيغة أمر ~~صارم: أحضروهم أحياء، الآن. # وبدا منظرهم مزريا للغاية، مثيرا لكل شفقة لكل من وقع بصره عليهم حتى الزناتي ذاته، ~~الذي مضى يتأملهم وهم يحبون على أربع عند قدميه! # وظهر أحدهم كرجل مسن له هيئة الشعراء الجوالين: على باب الله! # بمدح وقدح بربابته وخرجه الكبير الذي طغى على نصف بدنه الواهن، ومعه فتاة صغيرة بيضاء ~~باهرة الجمال تنبض بالأنوثة وبيدها قيثارتها وهي تحبو تحت أثقال شعرها العسجدي الأحمر ~~مستنجدة: بعرضك، ستر الله عرضك! # وكانت تتكلم بلهجة البدو التونسيين من «حوش» وغجر بسطاء. # وكان هناك أيضا ثلاثة شبان أبرياء الوجه والملامح يسند الواحد منهم الآخر، وقد حاول ~~كبيرهم التماسك تحت جراحه الدامية من آثار الضرب المبرح من قبل العلام وجنوده، فبدا لسانه ~~ملتصقا بسقف حلقه الجاف. # أما العلام فقد وقف كمن يلقي بأسراه تحت قدمي عرش الزناتي مشيرا في أفعوانية وغطرسة: ها ~~هم. # واندفع مختلقا للزناتي قصة عثوره عليهم وعلى بعض عيونهم بعد مطاردة طويلة، خاصة كبيرهم ~~صاحب الملاعيب، ثم أسر في أذن خاله الزناتي بما يظن: لا تغرك مسكنته هذه. # ونزل العلام مسرعا نشطا السلالم المفضية إلى عرش الزناتي متجها من فوره إلى حيث يقبع ~~الأسير العجوز الأسمر اللون الذي انحبس عنه لسانه من هول ما يحدث، فمضى يدور حول نفسه ~~مطرقا باكيا مولولا بلا صوت. # ومد العلام ذراعه في خاصرته تحت عباءته مخرجا سلاحه المطعم بالذهب الأحمر صارخا بأقصى ~~حدة: خذوهم. # هنا انقض حرس العلام حسب إشارته ms056 على الأربعة فقطعوا رءوسهم عن أجسادهم وهم يصرخون ~~والزناتي يغمغم متثائبا: أنام ... أنام. # أغمض خليفة الزناتي عينيه محاولا النوم مع آخر صيحات الفنانين الشعراء الأربعة، وسرعان ~~ما خبا صراخهم تحت طعنات العلام حسب أوامره الصارمة، لكي يتم تعذيبهم وشل حركتهم أثناء ~~اصطحابهم عبر الطريق إلى قصر الزناتي. ~~- لا صوت واحدا يسمع منهم ولا همسة. # وهكذا طعن حرسه أولئك الأربعة تعذيبا وضربا إلى حد شل كل ألسنتهم وحركتهم أمام الزناتي: ~~كتما، كتما. # لذا تم تنفيذ كل شيء بتمامه إلى الحد الذي أرخى جفون خاله الزناتي بعد طول سهد وانتظار، ~~وبدأ يستسلم للنعاس متثائبا مغمغما مشيرا عليه وللجميع بالانصراف: خير يا علام يا ~~ولدي. # فانسحب العلام أقرب إلى المطرقة منه إلى المنتصر، عبر أبهاء قصر الزناتي وحرسه، وعيونه ~~تقطر حسرة وألما، كان يجاهد في إخفائهما عن العيون المتطلعة المحيطة: عموا مساء. # عند البوابة الخارجية للقصر أخذ العلام موكبه مقررا العودة إلى قصره وهو يشعر بالتعب ~~والإرهاق: أنام مثل الناس. # وزفر متنهدا شاردا في عزيزة مقررا العودة عبر الطريق الأقرب لقصرها، كما كان يحلو له ~~في سابق أيامه الخوالي معها. # وحين قارب العلام القصر وجده مضيئا على غير عادته فغمغم لنفسه: ما تزال صاحية، ~~عزيزة. # وعندما وصلت إلى أذنيه نغمات أندلسية غريبة عذبة الإيقاع، توقف طويلا منصتا بكل جوارحه ~~محاولا تعرف الصوت، فما من مغنية بارزة لا يعرفها العلام: من تكون؟! # ظل يواصل اقترابه عبر بساتين قصر العزيزة العطرة مختبئا بين الأشجار متقدما مستمعا، ~~إلى أن أصبح ما بداخل القصر تحت كامل بصره وسمعه: عجايب! # أربعة أشخاص لا يعرفهم وعزيزة وسعدى معهم يأكلون ويغنون، رجل في منتصف العمر، مرح يفيض ~~حيوية وحبورا، وثلاثة شباب كالبدر وجارية حسنة الصوت والموشحات. تراجع العلام مغمغما ~~لنفسه وقد آلمته أضراسه فجأة: جواسيس بني هلال! هم بذاتهم، هم، هم. # كان أبو زيد ورفاقه قد رافقوا الدلال اليهودي الذي اصطحبهم بعربته المطهمة التي تجرها ~~أربعة خيول اندفعت بهم عبر شوارع قرطاج وبساتينها وحاراتها إلى أن شارفت قصر العزيزة الباهر ms057 ~~المنعزل، فترجلوا حسب طلب الدلال بين بساتينه يأكلون ما شاء لهم من فاكهة على غير أوانها: ~~كلوا، كلوا. # واستأذنهم في عرض أمر عقد الزمرد الذي في حوزة يونس على الأميرة عزيزة قبل مفاجأتها من ~~قبل الجميع والدخول عليها على حين غرة، خاصة وأنهم غرباء، قائلا: عذرا، ضيوف. # ثم تابع الدلال لكبيرهم «أبي زيد» موضحا: غرباء. # ووافقوا من فورهم عاقدين الآمال على بيع العقد لابنة سلطان تونس. # وغاب الدلال طويلا داخل متاهات قصر السفيرة عزيزة الباهر المزدحم بالحراس والجواري ~~والزائرين والزائرات، بالإضافة إلى من تحبهم وتحنو عليهم من الفنانين والشعراء والمغنيات ~~والرسامين والمهندسين المعماريين والموسيقيين من تونسيين وأجانب. # وغاص الدلال اليهودي العجوز في متاهات قصر العزيزة مختصرا الطريق إلى أقرب جواريها ~~ليسر في أذنها بطلب مقابلتها عاجلا وقبل فوات الأوان، وخلاصة الموضوع جوهرة نادرة هائلة ~~القيمة لم ير مثلها في حياته سلفا - أي الدلال - بأيدي بضعة دراويش أو سائلين غرباء أحضرهم ~~بنفسه إلى هنا، وهي معهم الآن. # وانتظر الدلال رد الأميرة عزيزة بفارغ الصبر وعيناه لا تغفل عن أبي زيد ورفاقه الذين ~~تبدوا له منذ وقعت عيناه عليهم أنهم بلهاء قد لا يعرفون ما بأيديهم من غالي الجوهر، مما ~~يسهل سمسرته وأتعابه من كلا الطرفين البائع والشاري: فرصة العمر الليلة. # وكان كلما انتهت العزيزة من مقابلة وفد من الوفود فرادى كانوا أم جماعات، انفرجت أساريره ~~وجدد المطالبة بالإسراع بالمقابلة: جوهرة الجواهر، الليلة! # إلى أن حانت فرصة الدلال حين لمح شبح الأميرة سعدى موصلة أحد الوفود من موسيقيين وعازفين ~~بأزيائهم البهيجة وآلات طربهم، فاندفع من فوره واقفا متصديا لها لدى عودتها إلى حيث ~~صديقتها العزيزة، مسرا في أذنها بما في حوزته الليلة، وهو عقد جوهر قديم شرقي، لا يقدر ~~بثمن وبلا ثمن، وارتفع صوته مصرا مؤكدا: أجل بلا ثمن (يقصد أن سعره رخيص جدا). # وحاولت سعدى التخلص منه وإبعاده دون جدوى. ~~- زمرد! # وواصل الدلال اقتحامه مقتربا أكثر من سعدى، مشيرا إلى حيث بستان العزيزة: مع أولئك ~~الأعراب الغرباء البلهاء. # تطلعت سعدى بعدما ms058 غالبها فضولها: دراويش، فنانين، بدو ... # تساءلت مشرئبة: أين؟ ~~- داخل البستان الغربي للأميرة عزيزة. # ولم تتمالك سعدى من الخطو باتجاههم، حتى إذا ما قاربتهم اجتذبها من أعماقها مشهدهم الباهر ~~الذي لا بد أن يستهوي العزيزة كثيرا. # مضت من فورها متطلعة إلى مرعي في ألفة وحنو كمن تعرفه منذ زمن لدرجة اجتذبت اهتمام الدلال ~~ذاته الذي بادرها معرفا: هذا مرعي. # وأضاف متجها من فوره إلى يونس: والعقد مع يونس. # هنا كان يونس قد أخرج عقد الجوهر من جيبه دافعا به إلى يدى سعدى التي تأملته في استغراق ~~كبير، مندفعة من فورها مرحة إلى الداخل قائلة: الأميرة عزيزة فورا. # جرت فرحة إلى داخل أغوار القصر تبحث عن عزيزة دون أن تغفل عيناها عن مرعي، الذي توقف ~~بدوره مبهوتا باسما وهي تنسحب جارية إلى داخل القصر. ~~- الأميرة سعدى. # وحاولت سعدى جذب انتباه الأميرة عزيزة، وكانت ساعتها غارقة حتى رأسها في الترحيب بضيوفها ~~والمبالغة في إكرامهم. # ذكرت لها سعدى متلهفة أمر أولئك الفنانين البدو، وروعة مشهد الشابين يونس ومرعي والعقد ~~القيم الذي في حوزتهم مشيرة في عجلة: وهم هناك في بستانك، أسرعي. # عاجلتها عزيزة دون أن تتحقق من جلية الأمر: طيب، طيب يا سعدى. # وهنا لو أن بقية الضيوف قد تحسسوا ما اعترى عزيزة بانشغالها عنهم، فهبوا من تلقاء أنفسهم ~~مسلمين في حرارة على العزيزة خارجين. # بينما اندفعت سعدى تصب في أذني العزيزة روعة أولئك الشباب محاولة تذكر الأسماء: مرعي ... ~~ويونس ... صاحب العقد. # غمغمت العزيزة مرددة شبه غائبة عن وعيها: يونس! ~~- سترينهما حالا، شيء مختلف لم أشهد مثلهما قبلا. # ومن فورها اندفعت عزيزة جاذبة إحدى عباءاتها الداكنة المطرزة برقائق الذهب والفضة، مسدلة ~~شعرها الطويل الفاحم، جارية في أثر سعدى، حتى إذا ما وصلت إلى أعلى سلالم قصرها المرمرية، ~~وتوقفت من فورها فجأة غارقة في تأملهم إلى أن غاصت عيناها في عيني يونس الذي تراجع مأخوذا ~~من جمال عزيزة الطاغي وبيده عقد الجوهر: سبحان الله! # إلى أن لكزه أبو زيد مسرعا من الخلف بإيماءة من إيماءاته ms059 الجانبية، فتقدم يونس على أثرها ~~خطوة محييا برأسه دون صوت مقدما العقد ملامسا بيديه يدي العزيزة عن قرب ... ~~- الله! يا ... # وقام الدلال معرفا قبل أن يعود إلى الانزواء: يونس، هذا يونس، يا سيدتي عزيزة. ~~- يونس! # قالتها عزيزة وكأنها تناجي نفسها، كما لو كانت تعرف هذا الاسم منذ زمن بعيد لا حد ولا ~~نهاية له. # قاربتها سعدى متأملة مشيرة إلى عقد الزمرد العميق الاخضرار، فأعادت العزيزة تأملها قائلة: ~~هذا لا يقدر بثمن! # هنا اندفع يونس بكل فروسيته ليتناول العقد منها ويطوق به جيدها: يكفينا مقابلتك يا أميرة ~~عزيزة، وكلي رجاء في أن تقبلي هذه الهدية البسيطة. # ووصل الاندهاش بعزيزة أقصى مداه حين تراجع يونس بظهره منسحبا نازلا السلالم لاصطحاب ~~الباقين والانصراف: طابت ليلتك يا أميرة! # وسريعا ما نزلت عزيزة في أثره وخلفها سعدى إلى أن لحقت به عند مدخل الحديقة المطوق ~~بالورود والرياحين: يونس، العشاء ... جاهز. # كان كل هذا يحدث ويجري تحت سمع وبصر الدلال، الذي بدا كمن لا يفهم شيئا فيما يجري من ~~حوله، إلى أن لاحظت العزيزة ما به فأشارت عليه بالانصراف على أن ترسل في أثره فيما ~~بعد. ~~- طابت ليلتك يا أميرة! طابت ليلتكم جميعا! # انصرف الدلال العجوز مسرعا لا يلوي على شيء إلى أن أخفته أشجار بستان العزيزة العملاقة ~~ذات الأغصان المتعانقة. # وعاودت عزيزة وسعدى الترحيب بيونس ورفاقه، ثم قامت عزيزة بأخذ يونس لتصعد به سلالم قصرها، ~~الذي كان قد تضاعفت أنواره ونشط الحرس والجواري في مد موائد العشاء والشراب ~~والمشهيات. # ولاحظت مي الحزينة من فورها مدى انبهار عزيزة بيونس وسعدى بمرعي، مشيرة خفية لأبي زيد ~~الهلالي: اجتمع الشمل يا خال أبو زيد. # وما إن احتوتهم قاعات قصر العزيزة الفاخر المغطى بالمخمل الدمشقي القاني الاحمرار، حتى ~~بهر الجميع من محتوياته المعبرة بجلاء عن مدى الذوق الرفيع الذي تحظى به صاحبته الأميرة ~~العزيزة بنت معبد: متحف هائل! # وتزايد إعجاب العزيزة واحتفاؤها بيونس حين اصطحبته عبر ردهات قصرها لتطلعه على ما يحويه ~~من مقتنيات عالية القيمة، وهي تنصت في ms060 رهبة حقيقية لتعليقاته التي كشفت لها عن مدى ثقافته ~~وعميق معرفته بكل عنصر أو قطعة وعمرها التاريخي وأصلها الجغرافي وظروف العصر أو البيئة التي ~~صيغت فيها، سواء أكانت تحفة أو لوحة فسيفساء أو منمنمات أو نسجيات، وهكذا. # إلى أن حانت من عزيزة نظرة جانبية إلى مرآة رأت فيها جيدها المزين بعقد الزمرد: رائع يا ~~يونس العقد! أروع مقتنياتي! # وحين قاربته في محاولة لمعرفة أصله وموطنه أخبرها دون أن يذكر أنه ورثه عن جدته ~~الشماء. ~~- الغريب أن الزمرد القائم هو حجري المفضل. # ثم استدارت مستنجدة بسعدى التي كانت ساعتها منشغلة لأخمص قدميها في الترحيب بمرعي ورصد ~~حركاته وإيماءاته المعبرة عن مدى فروسيته. ~~- أليس كذلك يا سعدى؟ ~~- أجل، أجل. # وحين جاء أوان العشاء تحلقوا جميعا حول المائدة في ألفة من يعرفون بعضهم البعض منذ زمن ~~طويل. ~~- مدوا أياديكم، تفضلوا. # وسمعت تعليقات أبي زيد: لقمة هنية تكفي مية. # انشغلت عزيزة بإطعام يونس، وقد جلس منتصب القامة كالرمح في مواجهتها. # وحين انتهوا من عشائهم ودارت أقداح القهوة والمرطبات جاء دور الغناء، فطالب الجميع مي ~~بالغناء الذي أثار إعجاب كل من عزيزة وسعدى، بل ومشاهير مغنيات العزيزة اللواتي انبهرن ~~بعزفها وموشحاتها ومواويلها التي لا تخلو من حزن دفين وشجن متوقد للأهل في المشرق ونجد ~~المرية خاصة. # وكان كل هذا ترصده عينا العلام المتلصصتان في اندهاش مرير من مخبئه بين ثنايا أغصان ~~وأشجار بستان العزيزة مشتعلا في حسرة وحسد صارخا لنفسه: هم جواسيس عرب المشرق. # | الزناتي يفاجئ العشاق الأربعة # تراجع الأمير العلام في مكمنه المختبئ بين أدغال بستان العزيزة مروعا وهو يرقب في أقصى ~~ذهوله غير مصدق ما تشهده عيناه المتلصصتان وتسمعه أذناه، وهو يفح لنفسه وقد عاوده ألم ~~أسنانه: هم بذاتهم، حسب أوصافهم، جواسيس، عرب المشرق، الهلالية. # غطس وجهه في ظلام البستان يستنجد بحرسه وعسسه، إلا أنه عاد كمن يسترجع عواقب ما سيحدث ~~الليلة: ليس الآن يا عزيزة، ليس أوانه. # من جديد تحرك مستديرا متخذا نفس وضعه. # لم يكن أبو زيد الهلالي أكثر انتصارا في ms061 تحقيق مآربه، ما عليه الآن هذه الليلة؟ فهو الآن ~~وجها لوجه مع حاكم تونس وتخومها وفارسها الأول خليفة الزناتي، وإلى الخلف منه وقف العلام ~~بن هضيبة داخل قصر العزيزة وسعدى: أحقا ما يحدث؟! # ولعلها هي ذات الأحاسيس التي رادوت يونس وإخوته ومي الحزينة: أحقا؟! # أما عزيزة التي أذهلتها المفاجأة بدخول عمها الزناتي مقرها خلسة وفي أعقابه كرباجه الضارب ~~العلام ابن عمها، والذي استحال نظرها في الأيام الأخيرة إلى عدو حقيقي ينزف حقدا وغلا ~~عليها وحدها دون نساء تونس جميعها. # فما إن رحبت عزيزة مسرعة بالزناتي، ووقعت عيناها على العلام حتى صرخت في وجهه كمن تكشف ~~لها الموقف: ثعبان! # عاجلتها سعدى مرحبة بأبيها: أرقط ومنقط. # أما خليفة الزناتي فمضى من فوره متفرسا في ملامح الغرباء الخمسة، كمن يتذكر مجهدا أين ~~صادفهم والتقى بهم، ذلك الكهل الأسمر والشبان الثلاثة والجارية بذاتها مع قيثارتها. # استدار مستطلعا العلام: أين؟ # أجاب العلام على الفور متغاضبا إلى حد التجاهل الكامل سباب وشتائم عزيزة وسعدى: يبدو ~~أنهم أكثر من مجموعة. # زفر الزناتي متضايقا منه، مستديرا مرحبا وعزيزة تقدم له ضيوفها: فنانون (مشيرة إلى أبي ~~زيد) شاعر عظيم وصوت مي، على باب الله. # قاربته سعدى وعيناها لا تغفل عن مرعي مداعبة: اتفضل استرح يا أبي. # وشدد هو من قبضته على يدها مواصلا استغراقه وتطلعه: سعدى ابنتي، من هؤلاء؟ ~~- شعراء وفنانون ... # بل إن الزناتي ذاته هدأت ملامحه إلى حد الترحيب بالجميع، يونس وأبي زيد ... ~~- مرحبا بالضيوف (مشيرا إلى الأرض) دياركم. # أما العلام فأبدى مللا وامتعاضا وهو يتطلع عن قرب في وجه يونس بالذات وأبي زيد ~~والباقين، وبالتحديد إلى مناطق أعناقهم الخمسة حتى الجارية كانت ساعتها تغني، بعد أن طالبها ~~الجميع بالغناء وتبديل ما حط عليهم من حرج مفاجئ لم ينج من نظرات العلام المتفحصة. # وأسقط في يد العلام، بدا منظره أكثر غربة من الهلالية ذاتهم في حضرة حاكم تونس الزناتي، ~~فراحت كل من عزيزة وسعدى تكيل له النظرات المشحونة بكل كره وعداء واستنكار لتصرفاته ~~العدوانية المبددة لأي لحظة فرح ms062 . ~~- شيطان رجيم! # وحاول العلام أكثر من مرة الاقتراب من الزناتي وتبصيره بما يحدث خلسة: متسللون، عيون عرب ~~المشرق الطامعين، لن نخدع. # إلا أن الزناتي لم يعره آذانا مصغية، وهو الذي استقدم له في غروب شمس هذا اليوم بالذات ~~خمسة أشخاص على شاكلة هؤلاء تماما حين أزهق أرواحهم على عتبة قصره، باعتبارهم متسللين ~~خطرين. # ثم ها هو أخيرا يعاود اللعبة ذاتها، وهنا في قصر ابنة سلطان تونس ووريثته عزيزة وابنته ~~هو - أي الزناتي - الذي يحمل اسمها تيمنا، أبو سعدى. # وتساءل طويلا وهو يراقب في شره لا يخلو من غموض ما يحدث ويجري أمامه في تلك ~~الليلاء. # حتى إذا ما حاول العلام إعادة تعبئته وشحنه ضد هؤلاء الأغراب «المتسللين» من ذوي المعشر ~~الحسن؛ أجاب زاجرا ابن أخته بمؤخرة ذراعه: اهدأ يا علام. ~~- كيف لي أن أهدأ يا مولاي وعيون المشرق تعمل داخل قصورنا ذاتها؟! # دق الأرض بقدميه كمن يستعد للإقدام على حماقة جديدة: هنا. # أعاد الزناتي قوله بإصرار: قلت اهدأ. ~~- ما تراه يا خال. # وثقل جو المكان نتيجة لعدوانية عزيزة وسعدى ضد سموم العلام النازفة بلا توقف، مما دفع ~~بالزناتي إلى الوقوف مودعا الجميع مطالبا سعدى بعدم التأخر طويلا قبل الالتحاق به، ~~واستدار الزناتي منسحبا والعلام في أثره كظله متحاشيا نظرات الفنانين والباقين، ينفجر ~~غيظا وألما مما يحدث له أمام الزناتي. # وانتفض الحرس وسمعت قرقعة السلاح صادرة من كل مكان لتحية الزناتي، الذي ما إن عبر بستان ~~العزيزة المعبق بزهور الياسمين والفل والورد والرياحين ووصل إلى عربته، حتى اعتلاها ~~صامتا مشيرا لحرسه بالعودة إلى قصره دون تبادل كلمة واحدة مع العلام ابن أخته الذي حاول ~~اللحاق به ولو ليقول له: عمت مساء. # وهكذا توقف العلام كالمأخوذ، أو كمثل تائه لا يعرف له طريقا، وخيل إليه أن نظرات ~~العزيزة ما تزال مسلطة عليه مثل جمر متقد وهي تصرخ في وجهه: اغرب، اغرب! # اندفع العلام إلى مركبته تعبا متوترا مشيرا على رئيس حرسه بالتوجه فورا وبسرعة إلى ~~قصره، مما حدا بهم إلى إلهاب ظهور ms063 جياده الأربعة التي اندفعت تدك أرض قرطاج الرخامية مسرعة ~~وسط الظلام. # أما عزيزة وسعدى والهلاليون فقد واصلوا سمرهم البريء وكأن شيئا لم يكن، ومن جديد دارت ~~أطباق الحلوى والمأكولات وكئوس العصير والشاي والشطائر. # وما إن قارب سمرهم الانتهاء حتى دعتهم عزيزة إلى المبيت بقصر الضيوف الملحق بقصرها غربا، ~~يقيمون فيه ما شاءوا، واستقدمت كبير حرسها ليصحبهم عقب إعداد ما يلزمهم من غطاء ~~ومأكل. # وأحست وهي تضع يدها بين يدي يونس بدبيب دافئ يسري في عروقها وهو شعور لم تحسه من قبل: ~~يونس ... # ونفس الإحساس انتاب سعدى مع مرعي وهي تداعبه هامسة: لا تفتح عينيك يا مرعي صباحا قبل ~~وصولي، إياك وإني لأحذرك! # غمغم مرعي وهو يودعها لتلحق بأبيها الزناتي قائلا: هذا عهدي لك يا سعدى. # أما العزيزة فوعدت يونس بإطلاعه غدا على ضوء الشمس على بقية مجموعات مقتنياتها وتحفها ~~الفنية. ~~- أريد أن أسمع رأيك يا يونس. # ثم همست في أذنه: العمر بطولو. ~~- نفس الإحساس يا عزيزة. # حمل أبو زيد خرجه متقدما الباقين، وتبادلت مي مع الأميرتين القبلات التي ضحك لها الباقون ~~مطولا ... ~~- يا بختك يا مي! ~~- حظوظ! # اتخذوا طريقهم على ضوء الشمعدانات الموقدة بأيدي الحرس والجواري عبر مسالك بستان العزيزة ~~المعبق بعطر الزهور، إلى حيث دار الضيافة الملحق بقصر الأميرة عزيزة، وأبو زيد ما يزال ~~يواصل تعليقاته: يبدو أننا ضللنا الطريق إلى الجنة! ~~- حقا يا خال، حقا. # وما إن احتواهم القصر المرمري الناصع البياض، بعدما أمرت العزيزة بإعداد كل ما يلزمهم، ~~حتى مضوا يلفظون وقد تملكتهم جميعا نشوة جارفة بلا استثناء مع الرغبة في الكلام وطرح ~~التساؤلات حول رهبة أحداث هذا اليوم، الذي وصفه أبو زيد بأنه ليس أبدا مجرد يوم: بل ~~دهر. # أي أن يمتد بأبي زيد وفرسان بني هلال العمر - أو الدهر - ليشهدوا بأعينهم زناتي تونس ~~مستأنسا يسامرهم عن قرب مرحبا بقوله: تونس بلدكم. # بل الأدهى هو أن يمضوا ليلتهم هنا تحت ضيافة ورعاية حكام تونس ذاتهم والزناتي وتابعه ~~العلام بن هضيبة. # قاطع يونس أبا زيد وهو ما ms064 يزال سعيدا منتشيا منذ أن لامست يده يدي عزيزة في حنو لن ~~ينساه مدى العمر: هي ضيافة عزيزة أولا وأخيرا يا خال. # اندفع مرعي بدوره مأخوذا بحبيبته: ويمكن القول بل هي سعدى بنة الزناتي، سأفتح عيني بعد ~~ساعات لا غير على عينيها الخضراوين، بستان يزول أمامه بستان العزيزة الشاسع! # مضوا يتأملون زهورهم المعقودة حول أعناقهم وهم يغيرون ملابسهم استعدادا للنوم، ويستعيدون ~~تفاصيل تلك الرؤيا التي عايشوها غروب شمس هذا اليوم المشحون المتأجج بالشحن، خاصة بالنسبة ~~إلى يونس ومرعي اللذين أغمضا عيونهما كل على فتاة أحلامه؛ يونس مع عزيزة ومرعي مع سعدى، ~~بينما انغلقت عينا أبي زيد الهلالي على عيني العلام بن هضيبة المسلطة على عنقه وهما متقدتان ~~كجمر نار. # وامتد بالهلاليين المقام بتونس أياما لا تنسى وهم ينزلون ضيوفا على أميرتي تونس عزيزة ~~وسعدى، وبمباركة الزناتي خليفة ذاته الذي رحب بهم في ديارهم. # وعلى مرأى من العلام الذي مادت الأرض تحت قدميه، وهو الوحيد الذي يمكن القول إنه تأكد ~~يقينا لا تخالجه أبدا أي ومضة شك بأن هؤلاء الغرباء الخمسة ما هم سوى جواسيس بني هلال ~~بلحمهم وشحمهم، الذي أوصل الأمور إلى حد لا يمكن إرجاعها، وكيف له الرجوع عن كذبته التي ~~أطلقها عبر بحر سوسة؟! ~~- ألقينا القبض على جواسيس بني هلال! # ولكي يسبك حماقته تلك أطلق لجنده العنان لأسر خمسة أشخاص أيا كانوا لهم ذات المواصفات ~~لحين قطع رقابهم وإشاعة الخبر الذي على أثره انطبقت أجفان خاله الزناتي مطمئنة. # إلى أن جاءت الطوبة في المعطوبة، ليشهدهم في ضيافة العزيزة ويكرم الزناتي وفادتهم كضيوف ~~شرعيين يلتزم العلام بتأمين كل حماية لهم! ~~- أيعقل ما يحدث في تونس الآن بسببه وبسبب كذبه وحماقته؟! # غمغم إلى نفسه: أنا سجان تونس، أصبح سجينا لا حول لي ولا قوة على هذا النحو إزاء ما ~~يحدث؟! # وغمغم مرة أخرى: أتستر على جواسيس ... أبي زيد الهلالي؟! # استدار ملتفحا عباءته استعدادا للرحيل ومقابلة خاله خليفة الزناتي منبها نفسه بصوت ~~مسموع: وليكن ما يكون. # اتخذ العلام طريقه إلى قصر ms065 عزيزة متخذا وضعه المختبئ السابق الذي يسمح له بمواصلة التلصص ~~وهو يفج في مأزقه متطلعا إلى الشبان الثلاثة وأخصهم يونس الذي قاربته عزيزة في جلستها ~~الهائمة، ثم ذلك الكهل النشط الموقد الحركة والتعبير كمثل جمر ملتهب «أبو زيد» معاودا ~~الإسرار لنفسه: هم بذاتهم جواسيس بني هلال الأربعة. # عاد متسائلا في ألم: وأين؟ داخل قصرك يا عزيزة؟! # وتضاعف ألمه أكثر حين استرجع تفاصيل ما حدث معه أمام خاله الزناتي في تلك الليلة ذاتها ~~فقط. # حين أثقل عليه بضرورة إحضار جواسيس عرب المشرق الذين كانوا قد تسللوا بمساعدة عبدهم ~~الأسود صاحب الحيل والملاعيب الذي يعتقد أنه أبو زيد الهلالي من بوابات تونس صباح «الموسم» ~~الماضي واختفوا داخل تونس كمن انشقت الأرض وابتلعتهم. # فما كان من العلام إلا أن قطع تونس طولا وعرضا، بحثا عنهم دون أن يعثر لهم على ~~أثر. ~~- ابتلعتهم أرض تونس وقلاعها. # زفر العلام منفعلا من أعماق قلبه وهو يعاود التلصص مركزا كل حواسه هذه المدة على وجه ~~العزيزة، التي كانت بدورها مستغرقة في تأمل وجه ذلك الفتى الجالس إلى جوارها، والذي نفذ حبه ~~إلى أعماق قلبها كمثل نصل غائر الأبعاد؛ يونس. # وهنا استبد الجنون بالعلام إلى حد اتخاذ قرار سريع: لا بد من عمل شيء، وليكن ما يكون، ~~لإيقاف هذه المهزلة السوداء الليلة. # تحسس مقبض حسامه في وسطه متذكرا من فوره وجه خليفة الزناتي وكأنه هو بذاته المنقذ لما هو ~~فيه من تردد وألم، ثم اندفع كالمنكفئ عائدا من حيث جاء مبتعدا عن مكمنه داهسا تحت ثقل ~~قدميه شجيرات الزهور وورود العزيزة المختلفة الألوان والأشكال، إلى أن وصل إلى حيث حرسه ~~وركبه المنتظر في فضول، وقد استبد به القلق الشديد. # وحين استقر به المقام داخل عربته الفاخرة المطهمة، قطع حبل الصمت قائلا بصوت خفيض ~~لحرسه وثلة جنده: عودوا من حيث جئنا. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى قصر الزناتي. # كان الخليفة الزناتي في ذلك الوقت ما زال غافيا على مقعده الوثير يعاني كابوسا طالما ~~تكرر عليه في الآونة الأخيرة، خاصة عقب العشاء ms066 الثقيل الذي كان يخلد إلى النوم على أثره، ~~فقد كان يرى نفسه نهبا لطائر كبير يشبه النسر الجارح الذي كان يحط على رأسه من عنان ~~السماء، وهو يضرب بجناحيه، حيث يمضي ينقر بمنقاره ومخلبيه بؤرة عينيه بينما جثته طريحة ~~الأرض العراء. # فكان يحاول جاهدا تحريك ذراعيه لإبعاد ذلك الطائر الوحشي، لكن دون جدوى: أبعد، أبعدوه، عيناي! # هنا قاربه كبير حجابه معلنا: الأمير العلام. # فتح عينيه في صعوبة مندهشا محتدا: العلام تاني! # هب عن عرشه مبعدا عنه كابوسه الثقيل، وتجمع من حوله أربعة حجاب مسرعين، انشقت عنهم ستائر ~~العرش لمساعدته في خلع عباءته وبقية ملابسه الرسمية استعدادا للنوم. # إلا أن العلام كان أسرع الجميع حين اندفع إليه ملهوفا صارخا: عذرا يا سيدي! ~~- ماذا يا علام؟ # أومأ العلام لحجابه ومساعديه بالابتعاد، قائلا في صعوبة: أنت أدرى الناس يا سيدي بمدى ~~إخلاصي لك، وأنني لا أخفي عنك خافية. ~~- وبعد يا علام؟ # تردد العلام طويلا في إبلاغ خاله الزناتي بأن القتلى الأربعة لم يكونوا بالحق جواسيس بني ~~هلال، وأن الجواسيس الحقيقيين يرتعون بقصر الأميرة، أي في مخادع حكام تونس آمنين. # | اقبضوا على الجميع # - من تطوله أياديكم وأينما كان. # لكن دون أن تطول أياديه المتعددة المخالب عيون بني هلال المتسللين. # وهكذا وصل حنق خليفة الزناتي وضيقه منه مداه، استعجالا في القبض على المتسللين بحسب ما ~~تشير به تقارير عيونه وبصاصيه المنبثة في كل شبر ومكان حتى عليه هو ذاته، أي العلام! # مما أجبر العلام على اختلاق تلك الكذبة. # ومضى العلام منكلا بكل ما تقع عليه عيون بصاصيه من الغرباء أيا كانوا. ~~- أوقعنا القبض بجواسيس عرب المشرق الخمسة. # وجاءه رد الزناتي: أحضروهم أحياء. # فما كان من العلام وهو في طريق عودته من سوسة إلى قرطاج سوى إلقاء القبض كالمجنون على ~~خمسة أشخاص بغض النظر إن كانوا أغرابا أم تونسيين، المهم انطباق المواصفات عليهم؛ كهل أسود ~~مصطحبا ربابة قديمة وثلاثة شبان حسنو المظهر تحت ملابسهم التنكرية وجارية بيضاء أميل إلى ~~القصر جميلة المحيا رائعة الصوت. # وهكذا أحضرهم ms067 إلى مقر الزناتي، بعد أن أطلق أيدي جنده في تعذيبهم أحياء على طول الطريق، ~~إلى حد شل كل حركة أو مقاومة فيهم حتى أخرس كل نطق فيهم. # حتى إذا ما تأملهم الزناتي استراحت نفسه وعاوده استرخاؤه ونعاسه، مشيرا بحربته الهمجية ~~بقتلهم تحت تخته وعرش أجداده: هنا. # وعلى الفور قطع جند العلام رءوس الخمسة الأبرياء تحت عتبات عرش الزناتي، دون رحمة، دون أي ~~محاكمة! # وهنا استراح وجه الزناتي وانفرجت أساريره وأسبل عينيه، مسلما نفسه لخدر النعاس وهو ~~يتمتم لنفسه: سأنام، سأنام الآن. # وعاد العلام مجهدا إلى مقره، فسنح له خاطر طارئ لم يكن التيقن من شيء، معاودا التطلع في ~~حدقتي عيني العلام لعله يفهم شيئا مما تراه عيناه وتسمعه أذناه على هذا النحو الصادم الذي ~~كاد يوقف نبضات قلبه. ~~- الموت المحقق، جحيم! # أعاد التلصص غير مصدق: هم بذاتهم وأوصافهم الخمسة أبرياء، الذين أزهقت أرواحهم على عتبة ~~عرش خالي الزناتي. # ثم تابع متمتما لنفسه وهو يتساءل: أحقا ما يحدث؟ وأين؟ # وأتعبت الحيرة العلام إلى حد شل حركته وفكره بكامله، هل يصدر أوامره بحصار قصر عزيزة؟ أم ~~يبعث في طلبها وفي هذه الحالة ستسبه بأشنع السباب أمام جواريها وحرسه وتونس بأكملها؟ ~~- كارثة! # عاوده التساؤل في محنته تلك بينما العزف الماهر النشط لذلك العبد الأسود ورقصه الصاخب ~~أمام عزيزة وسعدى يصم أذنيه. ~~- ماذا أفعل؟! # هل يصدر أوامره لحرسه بإلقاء القبض عليهم باعتبارهم جواسيس بني هلال؟ في تلك الحالة كيف ~~يكون موقفه أمام خليفة الزناتي الذي أشار بنفسه بقتل الخمسة السابقين مومئا بطرف حربته: «اقتلوهم»؟ # كان صوت الجارية الشجي وعزفها الماهر قد ارتفع مبددا كل وحشة، وهي تنشد مغنية مرتجلة ~~وصفا عن عزيزة يقول: تقول عزيزة بنت سلطان تونس: # وجرح الهوى قد علقني حبايله # جرحني الهوى في قلب أهانني # ومشعال نار الحب أوقد فتايله. # تفرسه الزناتي متضايقا: ماذا حدث؟ أنا مرهق هذه الليلة، انطق. # واندفع العلام مسرا إليه بما شاهده داخل قصر الأميرة العزيزة ومعها سعدى. # شهق الزناتي مقاطعا: سعدى! ~~- أجل سعدى والعزيزة، ومعهم خمسة ms068 غرباء من العوام، يغنون ويرقصون والقصر مضاء كجمرة ~~ملتهبة وسط الظلام. # تساءل الزناتي متعجبا: وماذا؟! # اندفع العلام قائلا: أقصد الأمن أمن الأميرتين. # قال الزناتي: من أي أمن يا علام، والقصر تحت حراستك؟! # عاود الزناتي مساءلته هذه المرة: هل حدث شيء؟ ~~- لا. ~~- هل هناك ما يشير إلى خطر؟ ~~- أجل يا مولاي، تحقق بنفسك. # وهكذا هجر النوم جفني الزناتي، مرة أخرى وربما إلى أبد، تلك الليلة، فتشدد في وقفته، ~~وأعاد الحجاب إلباسه وربط عباءته من حول عنقه، مقررا الذهاب بنفسه ليرى ويشهد ما ~~يحدث. ~~- فين يا علام؟ ~~- قصر الأميرة عزيزة الشرقي. # وهكذا اندفع ركب الزناتي مخترقا ساحات وشوارع وحواري قرطاج الغارقة في سبات نومها في تلك ~~الساعة التي تقارب منتصف الليل. # وما إن شارفوا القصر وتوقف ركب الزناتي وفي أثره ركب العلام بن هضيبة، حتى طالب الأخير ~~الزناتي بالترجل وإبعاد الحرس والعيون تمهيدا لتسللهما معا عبر أشجار العزيزة. ~~- تعال يا خال. # وما إن قاربا البستان وخاضا فيه بصعوبة، حتى هالهما ما يسمعانه من موسيقى وغناء غريبين عن ~~أذنهما، إلى أن اتخذا مكمنهما الخبيء المشرف على القصر، ليريا بوضوح ويسمعا مي الحزينة ~~ترتجل لعزيزة مغنية بصوتها الدافئ المعبق بشجن نجد: # وقفت العزيزة في ريح القصر وريحاته # وقالت يا دلال صاحب العقد روح هاته # ولما قالوا لعزيزة دا يونس في الشجر برا # نزلت تهز العباية وتقولو كنت فين سلامات # ومن ابتلا بك يا يونس # طق وانسلا ومات. # ودوى التصفيق والاستحسان من سعدى ومرعي ويحيى وأبي زيد والجميع، وعلت الضحكات المنتشية ~~البريئة. ~~- ما أحلاك يا مي! يا عيني! بديع شعرك مع اللحن والصوت! # امتد الحديث مطولا بين الجميع، الذي لم يكن الزناتي والعلام يدركانه: غرايب! # إلى حد محاولة الزناتي الاقتراب أكثر متسمعا متطلعا كمن يحاول التيقن من شيء، معاودا ~~التطلع في حدقتي عيني العلام لعله يفهم شيئا وهو يواصل التقدم أكثر فأكثر، بينما العلام ~~يحاول منعه وإثناءه فيلكزه مبعدا، إلى أن فوجئ الجميع به داخل قصر الأميرة عزيزة على ما هو ~~عليه من سمر وطرف ms069 وحديث عذب. # هبت عزيزة أولا منتصبة معلنة: عمي خليفة الزناتي. # إلى أن تلاقت عيناها بعيني العلام المتآمر. # | عودة أبي زيد إلى نجد والرحيل والحرب # كان أبو زيد الهلالي على الدوام مفتونا بحياة الصعاليك وبسطاء الناس والخارجين على كل ~~قانون ومنطق وما هو متعارف عليه. # فما إن أطلق سراحه وحده دون رفاقه الأربعة الهلاليين الذين أودعوا السجن، يونس ومرعي ~~ويحيى والجارية المغنية مي الحزينة، ليعود إلى أهله وعشائره عرب المشرق، ومركزهم نجد، ليأتي ~~عائدا بالإثبات والفدية لإطلاق سراح بقية الرهائن الهلاليين الأربعة؛ حتى انطلق من فوره ~~بحثا عن مجموعة من الصعاليك ما بين شعراء جوالين وحواة وحكواتية يقيمون بوادي ~~«الرشراش» الفسيح المزهر خارج بوابات وقلاع قرطاج. # كان أبو زيد قد أودع لدى أولئك الصعاليك أمانة، وهي حصانه «أبو حجلان»، قبل التسلل هو ~~ورفاقه بالحيلة إلى داخل أسوار تونس المنيعة بعد ادعائهم مختلف العلل والشعوذة ~~لحراسها. # لذا فما إن أطلق الزناتي والعلام سراحه ورافقته عيونهما الراصدة لحين وصوله إلى بوابات ~~قرطاج منفلتا خارجا، عقب سلسلة من الكمائن التي وضعها العلام في طريقه لإعادة أسره حيا ~~أو ميتا، وهي كمائن ومصايد حسب لها أبو زيد ألف حساب، مما يسر له تفاديها ليجد نفسه وحيدا ~~حرا على طول امتداد سهول وتلال وادي الرشراش الفسيحة الموحشة. # فمضى من فوره بحثا عن حصانه دون أن تغيب عنه لومضة خاطفة صورة الزناتي فارس تونس وابن ~~أخته العلام. # ومن عادات أبي زيد الهلالي وما اشتهر عنه قدرته الفائقة على إعمال خياله، والتنبؤ الدقيق ~~بتفاصيل ومصاعب ووعورة ما يمكن أن يحدث ويقع له من مصائب قبل حصولها. # فهو لا يترك أبدا للصدفة منفذا لإطباق حصارها سواء جاءت تلك الصدفة وعشوائياتها لتعرقل ~~مسيرته من جانب طريق وعر، أو خدعة حربية أو تفوق لقوى قد تتصدى لفيالق وكتائب الهلاليين ~~التي كثيرا ما كان يأخذ على عاتقه مهمات سلامتها، وتذليل واختراق ما يواجهها من ~~صعاب. # من هنا مضى أبو زيد يراجع نفسه متذكرا ما حدث له ولرفاقه داخل أسوار تونس، وخاصة وجهي ms070 ~~فارسيها خليفة الزناتي والعلام، وذلك منذ قدومهم إلى استطلاع مهمتهم داخل قرطاج تونس، فوقع ~~لهم ما وقع من العلام بن هضيبة وزناتي تونس الذي واجهه أبو زيد داخل قصر العزيزة بلحمه ~~وشحمه وهو لا يصدق عينيه ومشاعره. # فلقد مضى يستطلعه عن قرب وكما لو كان يتعرف مسالك طريق أو خطة حربية من تلك التي اشتهر ~~بها أبو زيد. # توقف أبو زيد الهلالي مستطلعا بعينيه، مطلقا بصره على الأفق اللانهائي لوادي الرشراش ~~الفسيح المغطى بالكلأ، والذي على سفوح مرتفعاته وعبره ستجرى يوما «وقائع» الهلالية مع ~~الزناتي والعلام وجيوشهما الجرارة وعمقها الممتد على طول المغرب العربي والجزائر حتى ~~الأندلس. # تصور أبو زيد بعميق خياله سيول الدم المراق الذي سيجري أنهارا عند أخاديد وادي الرشراش ~~الذي سترابط فيه كتائب وفيالق الهلالية فارضة حصارها على بوابات وقلاع قرطاج وما يتبعها ~~ربما سنين طوال، مطالبين بالإفراج عن أسراهم الثلاثة أمراء يونس ومرعي ويحيى أبناء السلطان ~~حسن بن سرحان، الذين وعلى عكس كل تصور غرقوا بكاملهم كل في قصة حب وعشق دامية، وكما لو ~~كانوا على موعد معها أو كانوا مجرد عطاشى في أعماق الصحارى العربية عثروا على مائهم يروي ~~ظمأهم. # وذلك حين استجاب يونس - رغم تحذيرات أبي زيد - في حب عزيزة إلى حد أنهما أصبحا لا يفترقان ~~لحظة. # ونفس الشيء وقع لمرعي مع سعدى بنة الزناتي، بل وحتى الأمير الصغير يحيى الذي استهوته مي ~~الحزينة، فأصبح لا ينام ويصحو إلا عليها وعلى شمائلها وصوتها الأخاذ. # صحيح أن ذلك لم يكن أبدا غايتهم ومقصد آمالهم، وهدف ريادتهم من نجد المرية إلى قرطاج عبر ~~تلك الرحلة المضنية ومخاطرها، لكن لا بأس طبعا مما حدث من حب وعشق وغرام طالما أنها ستكون ~~السياج الحامي والحافظ لسلامة الأمراء الثلاثة، خاصة يونس الذي يضعه أبو زيد في موقع حدقتي ~~عينيه. # بل إن ذلك الحب الذي يكنه أبو زيد ويحفظه في قلبه قد تضاعف قبل مجيئهم مباشرة إلى تونس، ~~تلك التي تركه الآن بها قابعا مع أخويه داخل أغوار سجونها الموحشة ms071 مسهدا متيما بحب ~~عزيزة. ~~- مسكين يونس ولدي! # تضاعف حب الخال أبي زيد ليونس منذ أن اقتحمه وتوصل إليه بخلوته في وادي الحجاز عقب لقائه ~~المأساوي بالأميرة العالية بنت جابر بجمالها وحضورها الآسر، فأحبها من فوره رغم أنه قاتل ~~شقيقيها في أحد غزواته ومعاركه، ثم كيف تصرف يونس بحكمة ماهرة إلى أن نال مشتهاه بزواجه ~~بالعالية. # إلا أن فرحته هو ذاته - أبو زيد - بالزواج من العالية لم تكتمل حين فضل طائعا الإسراع ~~بالخروج في هذه المهمة، التي ويا للأسف يعود منها وحده بعدما خلف رفاقه الأمراء الثلاثة ~~مودعين سجون تونس لحين عودته بفديتهم! # غمغم أبو زيد ساخرا لنفسه وهو يضرب بنعليه حواري ومتاهات ذلك النجع الذي ترك به حصانه ~~وبقية مهامه ولوازمه لدى أحد عيون الهلاليين لحين عودته. ~~- نرجع بجيوش الهلالية حالا يا علام. # حتى إذا ما استرد حصانه ومضى ليلته بوادي الرشراش ودع مريديه بحرارته المعهودة وامتطى ~~حصانه مع الغسق مطلقا العنان إلى نجد المرية، يسابق ريح الصباح المعبقة بعطر تونس ~~وتخومها. # كانت مهمة فارس بني هلال أكثر وحشة ووعورة مع العودة عنها مع المجيء إلى هذه الديار؛ ~~نظرا بالطبع إلى وحدته من دون رفاقه، ونظرا أيضا لأن عليه الإلمام بكل الدقة لكل جديد أو ~~تغيير طرأ على البلدان والأقوام التي ستمر بها - فيما بعد - الهجرة الهلالية يتقدمها جيشها ~~الحامي الفاتح. # ففي مصر العدية وجد الأمور كما هي مع حاكم صعيدها الماضي «ابن مقرب» حليف الهلالية الوفي؛ ~~نظرا إلى إخلاصه وثباته على محالفتهم. # لكن المشكلة قد تطول بهم - أي الهلاليين - في دمشق وفلسطين لتصبح أقل كثيرا في بلاد ~~السرو وعبادة - الأردن اليوم - وحلب الشهباء ووادي الرافدين عامة. # كان عليه الإلمام المستفيض بمجريات أمور وصراعات هذه الأقوام المتاخمة. # وكان لأبي زيد الهلالي طرقه الخاصة لحشود الأحداث والمعلومات التي عليه اختزانها بشكل ~~يحقق فائدتها عند الحاجة دون كثير عناء ودون الاعتماد فقط على الذاكرة، خاصة إذا ما تطلب ~~الأمر تحقيقها على الخرائب ومسالك الطرق وكيفية عبورها برا أو بحرا أو حتى الاضطرار ms072 إلى ~~تحقيقها وشقها في حالة عدم وجودها. # فمن أقوال الهلاليين التي اشتهرت عنهم: أشق الطريق إن لم أجده. # ولذا ما إن تحقق لأبي زيد التوصل إلى أهدافه ومبتغاه، حتى اتخذ طريقه إلى نجد محملا بكل ~~جديد من يانع المعلومات التي تعجل بالهجرة، وما تتطلبه بالضرورة من دفاع وحرب. # حتى إذا ما شارف أبو زيد معالم نجد سرا ليلا ترجل عن حصانه، مسلما قياده لأول من ~~صادفه بها وكأنه كان على موعد شديد الدقة مع وصوله. ~~- أبو قمصان ... # فهو الذي رحب به مقتضبا كعادته، وكأنهما لم يفترقا لشهور طويلة أقيمت الدنيا فيها ~~وأقعدت مرات إثر مرات، قائلا في تعاليه: أين الشباب؟ ~~- بسجون تونس. # قال أبو القمصان بتعاليه: تونس، تقصد قرطاج. ~~- أنا متعب يا أبا القمصان. # أشار أبو القمصان: إذن عليك بالأميرة العالية الليلة. # وهكذا أخذ أبو زيد من فوره بنصيحة - إن لم يكن صيغة أمر - أبي القمصان متجها من فوره إلى ~~قصره ومضاربه. # حتى إذا ما استقبلته زوجته العالية بكل الحب والترحاب وهي تمسح دموعها الغزيرة في وجهه ~~ولحيته: أبو زيد، حبي، لم أعد أستطيع فراقك غمضة عين. # وهنا أردف أبو القمصان قائلا: كانت تفك غلها في ريش طيور البيت من إوز ودجاج لتنتفها ~~في حرقة. # ولم يتمالك أبو زيد والعالية من الضحك حين نطق أبو القمصان موضحا: حرقة الفراق. # ولم تطل فرحتهما باللقاء كالعادة منذ زواجهما، فسرعان ما عرف وانتشر خبر وصول أبي زيد ~~الهلالي سرا ليلا ليسري سريان النار في هشيم الضواحي والبوادي. # وعلى الفور تجمعت الوفود من كل صوب وحدب باتجاه مضارب أبي زيد منشدة ومغنية: # اليوم قد جانا # من هو عزنا وحمانا. # وهكذا لم يجد أبو زيد مهربا للحظات يختلي فيها بالعالية حبيبته - الذي أدماه فراقها - ~~بعدما أرغم على الخروج والالتقاء بالوفود التي تقاطرت على مضاربه مرحبة مستطلعة. # إلى أن جاءه ركب السلطان حسن بن سرحان ذاته، وبصحبته أخته الجازية وقاضي القضاة بدير بن ~~فايد والأمير زيدان الهلالي شيخ الشباب. # وكذلك جاء دياب بن غانم وابنته «وطفاء ms073 »، وأزمة بني زغبة الذين قدموا من اليمن إلى نجد ~~في فترة غيابه، تمهيدا لما ستسفر عنه الريادة للتعجيل بالخروج والرحيل. # وما إن تصافح أبو زيد مع الجميع حتى برز التساؤل المؤرق حول مصير الأمراء ~~الشبان. ~~- يونس ومرعي ويحيى، ومصيرهم؟ # هنا فاجأ أبو زيد السلطان حسن والجميع بأنهم مودعون سجون الزناتي والعلام بتونس كمتسللين ~~وجواسيس، بينما أطلقوا هم سراحه ليرجع إلى هنا - نجد - ويعود من جديد بفديتهم. # عندئذ علا الحزن والكمد وجه السلطان حسن لفقده أولاده الثلاثة: يونس ... أكبادي! # وحاولت الجازية من جانبها الاستزادة من دقائق وتفاصيل ما حدث من أبي زيد الذي حكى لهم كل ~~ما توصل إليه من أخبار ومعلومات لحين وصولهم تونس، والتحايل على دخولهم ووصولهم إلى أقصى ~~المراكز الحاكمة بها، وكيفية لقائه بالزناتي خليفة وابن أخته العلام بن هضيبة. # إلى أن كان حدث التشكك في نواياهم ومجيئهم إلى قرطاج الذي انتهى باعتقالهم جميعا من داخل ~~قصر ضيافة الأميرة عزيزة ابنة سلطان تونس المريض معبد بن باديس، ليودعوا غياهب ومطمورات ~~سجون تونس، لحين الإفراج عنه وإطلاق سراحه ليعود بفدية الأمراء المحتجزين. ~~- هذا ما حدث. # وقبل أن يتم أبو زيد حديثه كان مجلس المشورة قد استعد للانعقاد داخل قصر السلطان حسن ~~الهلالي والجازية، وحسم الأمر بإعلان أمر الرحيل إلى تونس لفك أسر الأمراء يونس ومرعي ~~ويحيى. # وعلت على الفور طبول الحرب الندوبة المتوارثة منذ ملوك وتباعنة اليمن والمعروفة ~~بالرجروج؛ إيذانا بالرحيل والحرب. # | الزناتي يجمع مجلس حربه لمحاربة الهلالية # استطاعت الأميرتان عزيزة وسعدى بعد طول صراع مع العلام منذ رحيل أبي زيد الهلالي عن تونس، ~~نقل الفرسان الثلاثة يونس ومرعي ويحيى من سجون تونس العامة إلى السجن الملحق بقصر ~~العزيزة. # وذلك حتى يكونوا بمأمن من انتقام ورعونة العلام وبطشه الذي قد لا يعرف أحد مداه بالنسبة ~~إلى أمن تونس، في حالة إقدامه على قتل الغرباء الثلاثة غدرا داخل غياهب السجن. # وهو بالفعل ما حاول العلام ارتكابه بمختلف الوسائل والأساليب للتخلص منهم وأولهم يونس ~~بالذات، الذي رأى العلام بعيني رأسه تعلق ms074 عزيزة به بحيث أيقن من ذلك تماما، بينما تعلقت ~~سعدى بشقيقه الأصغر مرعي. # ومن هنا لم تغفل عيونهما معا عنهما، سواء عن طريق تسلل عيونهما وبصاصيهما إلى داخل أسوار ~~سجنهما أو عن طريق فرض سلطاتهما كل منهما عن طريق والدها. # فأكثرت عزيزة من التردد على قصر والدها المريض السلطان معبد، كما تكفلت سعدى بأبيها فارس ~~تونس وحاكمها المهاب الخليفة الزناتي، الذي يخشى العلام أول ما يخشى سطوته والخروج عن ~~أوامره وإرادته. # بالإضافة إلى التزامهما معا أو منفردتين بزيارة السجن والالتقاء مواجهة، عزيزة بيونس ~~وسعدى بمرعي. # واللافت للنظر أن محاولات العلام لاغتيال الغرباء الثلاثة والإجهاز عليهم داخل أحد سجون ~~تونس الواقع تحت سطوته، كانت تجيء - بشكل دوري - في أعقاب زيارة كل من عزيزة وسعدى ليونس ~~ومرعي والإتيان لهما ببعض ما قد يحتاجانه من مأكل وملبس ومدونات أو مخطوطات انكب دأب يونس ~~على قراءتها، للتخفيف من عبء وضغوط السجون والبعد عن عزيزة بالذات كما ذكر لها مرة. # وبالطبع كانت تنقل إلى أذني العلام كل محاولات عزيزة للاتصال بذلك الشاب المترفع ~~كالرمح المدعو يونس، من عيونه ومرءوسيه، مما كان يلهب أحقاده الدفينة ضد العزيزة التي رفضته ~~وأصبحت تناصبه العداء المعلن، مفضلة عليه ذلك المتسلل المعدم. ~~- حقا ما أغرب وأبشع النساء! # وهكذا يروح العلام يلتهم غله وأحقاده، بحثا عن كيفية الانتقام من ابنة عمه التي فضلت ~~عليه الغريب وأصبحت تحميه وتدافع عنه بكل ما تملك من قوة ضده. ~~- يا له حقا من زمن غريب! # فكان يأمر سجانيه بإحراق كل ما تبعث به عزيزة إليه أولا بأول، بالإضافة إلى التشدد في ~~تعذيبه ومحاولة اغتياله بأي وسيلة متاحة، ولو بكتم أنفاسه في أعماق الليل الدفين. # إلا أن محاولات العلام انتهت كلها إلى الفشل والإحباط، سواء بسبب يقظة يونس وعدم إغفاله ~~ولو لومضة عين عما يدبره له غريمه العلام بن هضيبة، أو عزيزة ذاتها وعيونها أيضا التي ~~نصبتها لحراسته داخل سجنه ومحنته كمثل أم تفيض مسئولية لحماية أولادها. ~~- عيونكم لا تغفل عن أولئك الغرباء، وبالذات كبيرهم يونس ms075 . # ونفس الشيء تكلفت به سعدى بالنسبة إلى مرعي، مما أغضب العلام إلى حد الفزع والاحتجاج أمام ~~خاله خليفة الزناتي. ~~- إذن لتحكم البنات الصبايا تونس بدلا منا! وهذا ما يحدث. # أما عزيزة وسعدى فحاولتا من جانبهما تبصير الزناتي بمحاولات العلام المتكررة المكشوفة ~~للتخلص من الغرباء وقتلهم داخل سجون تونس المظلمة بمختلف الطرق المتكتمة. ~~- ولا من رأى ولا من درى. # بل إن سعدى بالذات نجحت قليلا في إقناع أبيها؛ أخذا بالمثل القائل «من ذات ذقنه وافتل ~~له»، قائلة له: لنفترض يا أبي أن كلام العلام صحيح الذي أصبح يطلقه طولا وعرضا، وهو أن ~~هؤلاء الشبان هم أمراء بني هلال المتنكرين، إذن ألا يحقق بقتلهم أو اغتيالهم أخطارا أكبر ~~وأكثر فداحة من وضعهم داخل سجون تونس وبلا أدنى محاكمة أو اعتبار أو ذنب؟ # وشيئا فشيئا بدأ الزناتي يتلمس سلامة منطق الفتاتين، وحرصهما على أمن تونس أمام رعونة ~~ابن أخته العلام: هذا صحيح. # وهكذا لم تذق عزيزة النوم ويهدأ لها جفن من أثر السهاد والتفكير في حبيب روحها يونس، إلا ~~بعد أن نجحت في نقله مع شقيقيه من سجون العلام إلى سجن مهجور ملحق بقصرها. # وذلك بعد أن أشارت سعدى مقترحة على أبيها الزناتي تعيين من يثق هو بنفسه فيهم من سجانين ~~وحراس أشداء. ~~- لك ما تراه يا أبي، المهم حفظ الأمانة بعيدا من عبث العلام، حتى يرجع عبدهم ~~بفديتهم. # وكم كان حقا غيظ العلام وكمده من فعل النساء، حين نام وصحا ذات يوم على خبر نقل الفرسان ~~الثلاثة الغرباء إلى سجن قصر العزيزة سرا، وكأنه بالفعل آخر من يعلم! حتى إنه هدد متوعدا ~~لأصفيائه ومقربيه بقوله: ليحدث ما يحدث في قرطاج، أنا غير مسئول طالما أنني آخر من ~~يعلم. # حتى إذا ما وصل خبر ما توصلتا إليه عزيزة وسعدى إلى أسماع يونس ومرعى ويحيى في سجنهم، ~~اشتد بهم الفرح وكأنهم خرجوا إلى الحرية بعد أيام السجن الذي أراده العلام أقرب إلى الموت ~~اليومي لحظة إثر لحظة حتى إنهم لم يكونوا يذوقون للنوم طعما ms076 ، وإن سقط أحدهم في إغفاءته سهر ~~عليه الباقيان؛ تخوفا من غدر العلام وجلاديه وتربصهم دون كلل لقتل يونس أولا وقبل كل ~~شيء. ~~- كبيرهم. # وكيف للعلام أن ينسى لحظة حين نازله يونس - دفاعا عن نفسه - على مرأى من عزيزة والجميع ~~وكاد أن يزهق روحه بحسامه، لولا إشارة من العزيزة ليبقي عليه مهانا عند أقدامها وهي تصيح: ~~دعه يا يونس. # تنهد العلام في أقصى مرارته: وها هو يونس يعود إلى حيث كان بقصر عزيزة معززا ودون علم ~~منه، ذلك القصر الذي حرم عليه الاقتراب منه من قريب أو بعيد. ~~- أنا العلام بن هضيبة! # لكن كيف للعلام أن يصفو أو يبتعد وعيونه توافيه يوما بيوم بما أصبح عليه السجن وقصر ~~عزيزة من بهجة وانشراح وغناء لا ينقطع؟ ناهيك عن فاخر الطعام والمفروشات والهدايا التي حطت ~~على السجن الفولاذي الجدران، الذي أشرف بنفسه على بنائه وتشييده، ليتحول اليوم إلى حديقة ~~فيحاء يمرح فيها أولئك الغرباء على مرأى من حراسه الذين عينهم الزناتي ليتلقوا كل أمر ~~ونهي من ابنته سعدى مع حبيب قلبها أيضا المدعو مرعي. # وبالطبع لم يبعد تصور العلام بن هضيبة عما استحال إليه الحبس الجديد في قصر العزيزة بنت ~~معبد، ذلك الذي اكتفت فيه عزيزة وسعدى بالثقة المشعة من عيني يونس ومرعي، ففي هذا كل اكتفاء ~~لإطلاق سراحهما لكن دون هرب، فكيف ليونس أن يهرب عن عيني عزيزة؟! وكيف لمرعي أن يصحو يوما ~~فاتحا عينيه في عالم بلا سعدى؟! إن ذلك سيكون هو بذاته السجن الحقيقي. # إلا أن يونس لم يكف يوما مع عزيزة عن حديثه الشجي عن موطنه ومرتع طفولته وصباه في ربوع ~~نجد المرية، بسهولها وتلالها الملونة وجناتها وحتى طيورها المغردة عبر مروجها ~~العطرة. # كان ينشد لها وهو يتطلع إليها بعينين حالمتين: # يا عزيزة نجد العريضة مرية # ربيت بها أهلي وكل جدود # بلدي ولو جارت علي مرية # وأهلي ولو شحت عليه تجود. # ولكم تمنت عزيزة يوما مصاحبة يونس إلى موطن صباه لا تفترق عنه غمضة عين، لقد التقت ~~مشاعرهما معا ms077 ليكمل كل منهما الآخر، رؤية وتصورا وأحلاما مرجوة قوامها الاتحاد وطغيان ~~العدل والمحبة، بدلا من البغضاء والذي دعاه يونس ب «التناحر القبلي». ~~- للجسد الواحد! # لقد بدا الاثنان يحلمان معا عزيزة ويونس بذلك الوطن العربي الواحد، الذي لا مكان فيه ~~للانقسامات والبغضاء طالما أن هناك متسعا للجميع. ~~- مشرقا ومغربا. # وهو ما لم تتوقف المغنية حسنة الصوت مي عن تأكيده وإنشاده والعزف على مرهف أوتاره، حين ~~كانت تمتد جلساتهم معا سواء داخل سجنهم أو حول ولائم قصر الضيافة أو قصر عزيزة ذاته، حيث ~~كان يحلو لعزيزة الطواف بيونس عبر كل ما يجد من مقتنيات ما بين منحوتات وأحجار نادرة ~~ومصنوعات شرقية ومنمنمات ومخطوطات نادرة. # والتجربة ذاتها أحس بها كل من سعدى ومرعي، وإن كانت حول هيامهما بالخيول العربية الأصيلة ~~وما يجد منها. # وهو ما لم يغب لحظة واحدة عن أعين العلام الراصدة لكل ما يحدث مهما حاولت عزيزة وسعدى ~~التكتم عليه، لكن دون جدوى ترجى من شرور العلام التي لم تكن لتنقطع عنهما أسبوعا واحدا ~~بلا وقيعة جديدة تؤرق الزناتي وتونس بأسرها، لدرجة أنها كانت بين الحين والحين تدفع بالشكوك ~~والهواجس إلى قلب الزناتي ذاته. # حتى إنه أصبح في الأيام الأخيرة دائم الخروج عبر بوابات تونس الشرقية؛ ليتعرف بنفسه ~~متشمما عما يجري تدبيره من عرب المشرق. # وذات يوم حث الزناتي ابن أخته العلام على الخروج للصيد مع بقية أمراء تونس وفرسانها ~~باتجاه الحدود، البوابات الشرقية. # حتى إذا ما عاد العلام محملا بمحصلة صيده وقنصه واضعا إياه أمام الزناتي بما فيها من ~~طيور غريبة وما علق بها حتى من الحشرات ما بين ذباب ونمل ونحل وطير الأبابيل والجراد وطير ~~«عيسى» وهو الخفاش والغراب والهدهد؛ حتى إذا ما عاد وأحصى الزناتي متعرفا تلك الطيور ~~والحشرات التي عاد بها العلام من صيده وقنصه بادره: يا علام، ما هذا الذي أرى؟ # قاربه العلام متطلعا: ماذا؟ # فغمغم الزناتي مندهشا: لم يجلب لنا هذا الصيد سوى العجائب! # ومن جديد تصنع العم مبهوتا عدم الفهم. ~~- لماذا؟ ما الجديد يا ms078 خال؟ # أجاب الزناتي: الجديد هو ما جلبته هذه المرة بصيدك. # هنا بادره العلام من فوره: وأنا أقول إن ما جلب ذلك لنا ليس سوى ذلك العبد الذي يمرح ~~رفاقه في بلادنا دون حبس، وها هو يحضر قومه الهلاليين بجحافلهم لاستباحة بلادنا. ~~وأنشد: # يقول الفتى العلام ولد غضيبة # لقد بان عندي يا أمير حروف # فهذه عربان الهلالي أبو علي # عليهم الذهب وهم قاعدين دفوف # هذا ملكهم ابن سرحان يا ملك # أمير ابن أمير سيد المعروف ~~. # وهكذا حاولت المخاوف الفعلية خليفة الزناتي هذه المرة، فأمر من فوره بجمع مجلس حربه ~~استعدادا للخروج والقتال. # | حروب الهلاليين على أول بلاد العرب وحصار تونس # ما إن أيقن حاكم تونس وفارسها الذي طبقت شهرته الآفاق خليفة الزناتي بخبر نزول جحافل ~~العرب الهلاليين بين جبلين بوادي الرشراش المزهر على أبواب قرطاج؛ حتى أمر من فوره بجمع ~~مجلس حربه، وعلى رأسه ابن أخته الأمير الملقب «الهصيص» الذي هون قليلا من مخاوف الزناتي ~~وتوجسه من وصول الهلاليين إلى تونس على شكل ذلك السيل الجارف المفاجئ، فتحت يدى الهصيص ~~«أربعة وعشرون أميرا، وكل أمير يحكم مائة ألف عنان». # وعلى الفور أمره الزناتي بإحضار قلم وقرطاس، وأشار إليه أن يكتب إلى ملوك وأمراء بلاده ~~على طول الديار التونسية والمغرب العربي والأندلس، طالما جمع الشمل والمشورة. فمضى يكتب لهم ~~طالبا تجميع فلولهم وقوادهم ونجداتهم دون إبطاء بعدما أرسل لهم برسله. # أرسل العلام إلى الأندلس، وأرسل زيتون لقاعة، وعضرون لناسة، وضرغام لمغيرة، ومقداد ~~للمنذرة وأرض زيلالي، وشمعون لأكرة، وعماد لأعمداس، وجفال لكسرة، وحماد لأرض مكناس، وشداد ~~لقابس، وسليمان لقيروان وقابس الغربية. # وما إن وصلت رسائل خليفة الزناتي التي حملها ممثلوه الشخصيون حتى تدافعت الوفود والقواد ~~على العاصمة التونسية قرطاج، مشهرة من فورها أسلحتها وحرابها الهمجية ذات الأربعة والعشرين ~~نصلا، مطالبة بالخروج ومداهمة عرب المشرق المغيرين الطامعين قبل أن يتاح لهم الاستقرار ~~بوادي الرشراش لتنظيم صفوفهم، ونفض عناء تلك الرحلة الطويلة المضنية بحروبها ووقائعها منذ ~~خروجهم من مركز تجمعهم في «نجد المرية» إلى أن ms079 وصلوا إلى تخوم تونس وقلاعها. # وهو حقا طلب واقعي جدا الذي تقوم به حلفاء الزناتي وقواد عشائره ومعهم العلام بن ~~هضيبة. # ذلك أن رحلة الهلاليين منذ عشية وصول أبي زيد الهلالي إلى نجد والخروج كانت رحلة مضنية ~~جدا، فلقد اجتمعت القبائل مع مطلع نهار الرحيل يتقدمها شيوخ القبائل والفرسان، من أمثال ~~السلطان حسن بن سرحان وأبي زيد الهلالي ودياب بن غانم والقاضي بدير والأمير زيدان شيخ ~~الشباب والأميرة القائدة الأم الجازية. # فخاضوا سلسلة من الحروب والمنازعات في بلاد الأعاجم والعراق الأعلى وبلاد التركمان ضد ~~الحكام والأمراء الموالين لبقايا الإمبراطورية الفارسية وسطوتها، سواء في العراق الأعلى أو ~~بلاد التركمان أو على طول كيانات وقبائل شط العرب والجنوب العربي عامة. # وكانوا يتمثلون في تلك الحروب الطاحنة ببطولات جدهم السالف الأمير حمزة - البهلوان - ~~وسيرته وحروبه المناوئة للأكاسرة منذ أقدم العصور، وهو الذي نبت من بين صفوف القبائل ~~العربية في مكة المكرمة، وجمع نواة جيشه من فرسان القبائل وتحدى بهم في البداية اليهود ~~الخيبريين إلى أن قويت شوكته ضد التسلط الفارسي على كيانات وقبائل عرب الجزيرة شمالا ~~وجنوبا، إلى أن حاصر الفرس وأسقطها. # أما حروب الهلاليين في وادي الرافدين فكانت طاحنة. # وهي حروب أبلى فيها رأس التحالف اليمني القحطاني - أو اليقطاني - دياب بن غانم البلاء ~~الحسن، حيث بانت بطولاته خاصة بعد أن نازل الملك «الدبيسي» وقتله رغم تحذيرات ابنته التي ~~تسمى بها، «وطفا» التي أنشدت: # قد رأيت بحرا من دم # وأنت بوسطه غرقان. # ومن العراق اصطحب الهلاليون حليفهم الملك المسمى ب «الخفاجا عامر»، الذي اصطحبهم بقواته ~~مخاطبا سلطانهم حسن بن سرحان: # نحن يا أمير لنا بالغرب سادة # بأرض الزناتي يا ملك بالجزاير. # إلى أن نزلوا فلسطين ووادي الأردن وحاربوا حاكمها «السركسي» في القدس وغزة، وقتل أبو زيد ~~الهلالي الملك «التبع شبيب بن مالك» حاكم دمشق، وبكته زوجته النائحة «جنوب» وانتحرت في ~~أثره. # ألا يا حمام النوح توجهوا واندبوا # وابكوا على فقد الأمير شبيب # شبيب الذي بكته الناس كلها # وصاحت ديوك العرش مات شبيب # تقول ms080 فتاة الحي «جنوب» مما أصابها # لا عيش في بعد الحبيب يطيب. # ودخلوا مصر السفلى عن طريق برزخ السويس بحيلة مهرب الكواعب قشمر بن منصور، الذي هو أبو ~~زيد الهلالي ذاته متنكرا في هيئة مهرج. # إلا أن الحرب امتدت بين الهلالية والملك «فرمند مصر» وابن أخته المدعو الأمير محمود، إلى ~~أن قتل أبو زيد الفرمند. # وكان السلطان حسن قد استحسن مصر كل الاستحسان لكبرها وما فيها من الأبنية الحسان، فصمم أن ~~يبني له فيها جامعا على اسمه ليكون ذكرى له على طول الزمان، فأمر البنائين والمهندسين ~~ببناء الجامع المذكور في ظرف ستة شهور. # وبعد أن أتموه أمر أن يفرشوه بنفيس الفرش وتنقش حيطانه بأحسن النقش، فكان جامعا عظيم ~~المنال يزهو كالهلال، وكان مكتوبا على بابه بالذهب: هذا جامع الأمير حسن الهلالي سيد العرب ~~... # وبالطبع ما يزال جامع السلطان حسن من معالم القاهرة إلى اليوم. # وواصل الهلالية طريقهم عبر صعيد مصر للإفراج عن أسراهم الأمراء الثلاثة يونس ومرعي ~~ويحيى. # محابيسهم عند الزناتي خليفة. # لهم عنده مدة سبعة أعوام ... # بما يشير إلى أن رحلتهم ومنذ تجميع فلولهم وخروجهم من نجد إلى وادي الرافدين والعراق ~~الأعلى وحروبهم ضد بقايا الفرس وتسلطهم، ثم نزولهم إلى فلسطين وحلب ودمشق لحين دخولهم مصر ~~ثم الوصول إلى تونس قد استغرق سبع سنوات ... # وبعد تلك الرحلة المضنية وما صاحبها من أخطار وفتوحات، لم يغفل الهلاليون عن عقد ~~تحالفاتهم مع البلاد المفتوحة؛ ضمانا لتأمين ظهورهم وإرساء لضرائعهم وتعاليمهم التي لا ~~تخلو من سماحة. # ومرورا بصعيد مصر أو مصر العليا، رحب بهم حليفهم - الذي سبق لأبي زيد زيارته - الأمير ~~«ماضي بن مقرب» الذي وقع من فوره صريعا في حب الأميرة الجازية وحاول الزواج منها وهي في ~~طريقها كقائدة للهلاليين إلى الحرب. # فكتب إلى السلطان حسن بن سرحان منشدا: # نحن نعرف يا أمير مكارمك # أريد فتاة الجازية أم محمد # هي بنت عمي بغيتي ومرادي ... # فما أن التهب حب الأمير ماضي بن مقرب للجازية وحاول التقرب منها بالزواج، حتى نصحه ~~المقربون منه بطلب ms081 فرسة دياب بن غانم - الخضراء - لأن روحه معلقة بها، وفي حال رفض السلطان ~~ذلك يطلب بدلا منها يد الأميرة الجازية ... # إلا أن السلطان حسن حقق طلبه بإرسال «الخضراء» مع هدايا كثيرة، فردها الأمير ماضي طالبا ~~مقايضتها بالجازية منشدا: # يقول الفتى ماضي بن مقرب # بدمع جرى فوق الخدود بدار # أرسلت لك خضراء دياب بن غانم # وأبذلت فيها أموال مع أجياد # ونحن نعرف منك يا أمير مكارمك # كفك سخي طول المدى مداد # أريد فتاة الجازية أم محمد # هي بنت عمي بغيتي ومرادي ~~. # وعلى الفور قام الماضي - حاكم الصعيد - بتزيين القصر بفاخر الحرير والديباج وأقام الأفراح ~~والزينات. # وهكذا لم يجد الهلاليون بدا سوى تقبل الزواج الذي لم يستغرق سوى ثلاثة أيام، وفي اليوم ~~الرابع استأذن السلطان حسن بالرحيل إلى المغرب العربي، فقامت الجازية تبكي بدمع غزير، فلما ~~زاد عليها الحال سمح لها الماضي بالرحيل، بل هو سار في وداعهم لمدة ثلاثة أيام إلى أن دخلوا ~~الديار الليبية. # وخلال المرور عبر ليبيا وقعت بين الهلالية بضع مشاحنات ومنازعات داخلية، أي بين القبائل ~~والأفراد، منها بضعة منازعات بين رأسي قطبي التحالف الهلالي العدناني لعرب الشمال - ~~النجديين - والجنوبي القحطاني، وهما هنا أبو زيد الهلالي ودياب بن غانم، واستطاع السلطان ~~حسن بن سرحان رأب الصدع وهو في المهد وقبل استفحال الأمر. # وكذلك ما وقع من مشاحنات نسائية بين الأميرة - القائدة - الجازية التي كانت قد لحقت ~~بالهلاليين بالديار الليبية، وبين العالية بنت جابر زوجة أبي زيد الهلالي، حين تنازعا على ~~تملك آبار أو مخاضات المياه، فكان أن تهورت الجازية وهي التي كانت تحب وتطمع في الزواج من ~~أبي زيد قبل العالية بنت جابر، أهانتها بقولها: يا عشيقة عبدنا! # وكان ذلك بمثابة الجرح الدامي لأبي زيد، الأكثر غورا من جراح المعارك، خاصة إذا ما كانت ~~قائلته أميرة في حجم الجازية، التي أنذرت لأبي زيد بحرارة وعلى رءوس الأشهاد فهو: حامي ~~المحصنات! # إلا أن أبا زيد تجاوز مثل تلك الصغائر مركزا كل طاقاته على الإسراع بفك وثاق رفاقه ~~الأسرى عبر ms082 أقصر الطرق وأسلمها، وهو الذي عرفها عن قرب، واختبر متعرجاتها ومدى صلاحيتها، بل ~~وحتى طبيعة تربتها وأخاديد كمائنها. # وهكذا عكف أبو زيد بعدما وصل بالقوات والهجرة الهلالية إلى هنا، على استكمال وضع خططه على ~~ضوء ما في حوزته وتوصل إليه منذ الريادة. # فكان يختفي أياما معدودات لمعاودة الاتصال بعيونه وبصاصيه المنبثين في كل صوب حتى داخل ~~بوابات تونس وحصونها المنيعة ذاتها، بل ومراكز صنع قراراتها. # وكان أكثر ما أثار ارتيابه هو مدى القوة الضاربة التي تمكن الزناتي وابن أخته العلام بن ~~هضيبة من جمعها واستجلابها بعتادها من قلاع وكيانات وقبائل المغرب، من قابس ودير مكناس، ~~والقيروان، والجزائر، والأندلس. # مما أعاد الثبات والثقة إلى الزناتي الذي ركب رأسه معلنا بدء المعارك قبل أن تدعوه ~~الهلالية إلى ذلك، وكما لو كان على موعد مع الحرب مستعيدا صولاته وجولاته التي عرفت عن ~~«أبي سعدى». # وما إن تجمعت محصلة المعلومات المستجدة التي توصل إليها أبو زيد الهلالي، حتى نقلها من ~~فوره إلى قادة الهلالية ومجلس مشورتهم، مشيرا إلى مدى الأخطار المحدقة، فكل ما حدث لهم من ~~مواجهات وحروب يمكن وضعها في كفة، وما هم مقبلون عليه مع زناتي تونس وحلفائه هو في كفة ~~أخرى. # وأبلغ أبو زيد الهلالي السلطان حسن ومجلس المشورة بمدى التحصينات والجيوش التي تجمعت تحت ~~يدي الزناتي خليفة وابن أخته - الأرقط - العلام بن هضيبة. # توالى وصول القوات والإمدادات المساندة لزناتي تونس على «قرطاج» العاصمة من كل حدب وصوب، ~~بشكل فاق كل توقع، حتى استحالت المدينة إلى قوة ضاربة متقدة حماسا ورغبة في الخروج لملاقاة ~~عرب المشرق. # إلا أن العلام بن هضيبة وقف هذه المرة بالمرصاد محبذا التروي وعدم الانجراف لمجرد ~~الحماس، قبل التعرف على مواضع القوة والضعف لذلك الزحف الذي أطبق على تونس فجأة دون سابق ~~إنذار، بما يشير الى أنه أمر «مبيت» وتم تنفيذه عن سابق تصور وتصميم، وما أولئك المتسللون ~~الغرباء يونس ومرعي ويحيى الذين ما زالوا يحيون هانئين بسجن قصر العزيزة برغم كل ما يحدث؛ ~~سوى مجرد ذريعة ms083 تستر تحتها الغزاة الطامعون في تونس وخيراتها ومروجها؛ البقرة الحلوب. # وما إن تعرف العلام - بالتحديد - على مناطق الضعف في ذلك الجيش الجرار، الذي لا يمكن ~~التفريق فيه بوضوح كاف قواته عن عوامه؛ حتى بدأ بسلسلة من الكمائن والحروب الصغيرة، وذلك ~~عن طريق الإغارة هو وقواته على مؤخرة الزحف الهلالي بهدف تقطيع أوصاله واستنزافه. # وهي خطة نجح فيها العلام الي حد إلحاق ضربات محققة بالهلاليين، وذلك بتركيز الالتفاف على ~~مؤخرتهم بدلا من طلائعهم، حيث توجد المؤن والإمدادات أو ما يعرف ب «البوش» من أسلحة وعتاد ~~وثروات وغذاء وخيول وجمال ورءوس أغنام، وكل ما تحتاجه أمة مهاجرة قبل أن تكون جيشا مغيرا ~~أو فاتحا. # وهكذا مضى العلام وفيالقه يوقعون الخسائر تلو الأخرى في «بوش»، عن طريق قتل المواشي ونهب ~~الثروات وإحراق المؤن الغذائية وحظائر رءوس الضأن، بالإضافة إلى سبي الشيوخ والأطفال ~~والنساء والخيول والعتاد والثروات. # وهو ما أثار الذعر والفزع حقا في صفوف الهلالية إلى حد إحداث الانشقاقات والتشتت، مما ~~دفع بالشيوخ والنساء إلى الاستغاثة بالسلطان حسن بن سرحان طالبين الحماية. # فما كان منه إلا أن جمع مجلس مشورته، في مقدمته الجازية التي تنفرد بثلث المشورة، وأجمعت ~~المشورة أو الشورى على انتداب الأمير دياب بن غانم لحماية المؤخرة أو «البوش»، فهو وحده ~~القادر على رد المعتدين والساطين على قوت وعتاد الهلالية غدرا وخلسة. # إلا أنه عندما استقر الرأي عليه لاضطلاعه بهذه المهمة أخذته من فوره ثورة من الغضب غير ~~مصدق ما تسمعه أذناه، وكأنه واجه إهانة جماعية كبرى، سددتها إليه الهلالية على هذا النحو ~~المزري: ~~- أي أن تصبح مهمة دياب بن غانم هي حماية المؤن والنساء ليس غير! # من هنا تجدد اعتقاد دياب الراسخ بالإهانة فيما انطوت عليه هذه المهمة غير اللائقة بدياب ~~الخيل، في أن ينتزع من القيادة والمقدمة ليصبح ذيلا في المؤخرة على هذا النحو ~~المزري. # بل إن غضب دياب بن غانم هذا لم يقتصر عليه، بل امتد ساريا بين شيوخ وأمراء عرب اليمن ~~وجنوب الجزيرة عامة، بما يعني الإخلال ms084 بقطبي التحالف الهلالي. # فحتى نساؤهم أصبن بالنفور من ذلك الرأي الذي أجمعت عليه المشورة إنقاذا للأرواح والمؤن ~~والعتاد، ومن ذلك التسلل والسطو غير المتوقعين اللذين أحكم وضعهما العلام ذو الخطط ~~الجهنمية. # وتبارت الأميرة وطفا بنة دياب في إلقاء موثباتها وأشعارها التحريضية ضد قرار المشورة ~~الهلالية بانتداب دياب لحراسة المؤخرة، بدلا من إطلاق عنانه على رأس بني زغبة أو الزغابة ~~لمنازلة الزناتي ذاته. # إلا أن دياب امتثل للمشورة وقبلها مرغما مضمرا الأحقاد الانتقامية السوداء لقادة ~~التحالف - القيسي أو العدناني - عندما يحين الوقت المناسب. # وهكذا تحرك منسحبا بفيالقه المحاربة إلى أن وصل «البوش»، فأخذه وسار به إلى واد يطلق ~~عليه وادي الغباين - وهو واد حصين بين التلال المزدهرة حيث الزهور فائحة والمياه سابحة - ~~وأنشد في مرارة: # أنا دياب بن غانم حسن طيب # لا تخافوا علي لو سطا الديب # طيبا لقلبك على بوشك يا ملك # ولا تخافوا عليه من المحاريب # وأنتم كونوا حذارى نحو أنفسكم # وحافظوا على حريمي والمراكيب # ثم احضروا للزناتي حين يطلبكم # كونوا قوما عوابس في المضاريب # أنتم هلال ما حد يقهركم # حكمتم الأرض شرقا وتغريب. # وسار أبو زيد مع دياب بن غانم مودعا بأروع أشعاره دون إنقاص من قدرته وقدرته: # كم واقعة أشفيت هلال # أنت يا زكي الجدود! # لكن كيف لدياب بن غانم أن ينسى يوما أو يتناسى تلك الواقعة المهينة، التي ستظل دوما ~~ذكرى سوداء يختزنها داخله طيلة العمر ضد ثالوث العرب الشماليين السلطان حسن وأبي زيد ~~الهلالي والجازية؟ # وكان أكثر من استبشر بهذا الخبر حول إبعاد دياب بن غانم عن المقدمة والقيادة خليفة ~~الزناتي ذاته، الذي يخاف دياب ويرهب حربته التي كثيرا ما أودت بطلائع الأبطال ~~والقواد. # وتأكد ابن أخته العلام من نجاح خطته بإبعاد دياب أولا وقبل كل شيء عن المقدمة لدى ~~الاقتراب من حصون تونس. # وهكذا استشرى العلام والأمير الهصيص في تصديهم وقتالهم للهلالية، موقعين بهم الخسائر ~~وموقعين أمراءهم وقادتهم صرعى دون رحمة في أرض المعارك قبل أن يحين دور الزناتي فيما ~~سيلي. # ويبدو أن أبا ms085 زيد الهلالي تفرد في تلك الوقائع بمبادرة اتخاذ القرار بالنزال والحرب وحده، ~~بعد أن أخليت له ساحة المعارك برحيل دياب بن غانم لحراسة المؤخرة، مما أغضب السلطان حسن بن ~~سرحان الذي استدعاه إثر إحدى الغزوات أو الغارات التي أبلى فيها أبو زيد البلاء الحسن إلى ~~حد قتل الهصيص الذي أحدث قتله فزعا كبيرا في صفوف جند الزناتي؛ لأن الغارة تمت دون مشورة ~~أحد، فجمع السلطان حسن مجلس المشورة أو الحرب وواجهه قائلا: «لماذا يا أبا زيد تقاتل القوم أنت بنفسك دون أن تخبرني؟! ما عدت تركب ~~معنا! # وأمره بالامتثال للسجن، ووضع قدميه في قيود الحديد بإرادته واختياره! # فما كان من أبي زيد إلا أن امتثل للقيد ووضعه في رجله، وجلس وحيدا صاغرا لأمر ~~السلطان حسن الهلالي لا يقرب زادا.» # لكن في صباح اليوم التالي، وما إن دقت طبول الحرب، وعلم الزناتي من العلام وبصاصيه بغياب ~~أبي زيد عن صفوف الهلالية، حتى قاد بنفسه فيالقه وخرج لقتال الهلالية موقعا بهم وبقادتهم ~~أفدح الخسائر، انتقاما لابن أخته الأمير الهصيص. # وعندما علم أبو زيد بمدى الخسائر والقتلى في صفوف قومه الهلاليين وهو حبيس قيوده، أحاطه ~~الحزن والضيق إلى حد عدم احتماله، فما كان منه إلا أن فك وثائق قيوده ثائرا ممتطيا صهوة ~~جواده، ليفاجئ الجميع بوجوده في ساحة المعركة. # وهكذا استطاع أبو زيد ترجيح كفة الهلاليين ورد جنود الزناتي منسحبين مدحورين على «أربع ~~عشرة مرحلة أو انسحابا»، إلى أن ارتد الزناتي داخلا أبواب تونس التي أغلقت خلفه سريعا، ~~وأبو زيد يواصل مطاردته إلى أن خلع أبوابها بحرابه مشرفا. # وما إن انتهت الواقعة حتى عاد أبو زيد الهلالي إلى حبسه وقيوده كما كان التزاما بأمر ~~السلطان حسن، رغم أنه على ما يبدو قد أصيب، أو على حد قول حاكم العراق الخفاجا عامر الذي ~~ذكر في أشعاره: كان ملسوعا، يعاني في قيوده الآلام المبرحة. # ولكن رغم هذه الانتصارات المؤقتة خلت الساحة للزناتي ليصول ويجول موقعا الهزائم ~~بالهلاليين نتيجة لغياب قطبي التحالف الهلالي دياب وأبي زيد ms086 ، ووصل الزهو بالزناتي إلى حد ~~إعلان تحديه بالحرب والنزال للسلطان حسن بن سرحان ذاته، الذي نازله مرات على رأس قواته لكن ~~دون إحداث تقدم محقق، إلى أن طالبته القبائل الهلالية بالكف عن منازلة الزناتي. # واستقر إجماع مجلس المشورة على أن ينازل الخفاجا عامر الزناتي بدلا منه، رغم محاولة ~~خليفة الزناتي تحييد الخفاجا عامر عن طريق مفاوضاته ومساوماته له بهدف إخراجه من التحالف ~~الهلالي، كما يتضح من شعر الخفاجا: # أمس أرسل الزناتي يقول لي # كلاما أكيدا واضح الأسرار # يقول لي يا أمير اترك قتالنا # وكف عنا جملة الأضرار # وعدني بالمال والملك والعطا # يرغبني في معدن وإبهار. # إلا أن الخفاجا عامر رفض تلك المراسلات والمفاوضات الجانبية، معلنا ومقسما على رءوس ~~الأشهاد أنه سيتصدى لحرب خليفة الزناتي عشرة أيام متصلة دون توقف، وذلك برغم مخاوفه ~~الداخلية وأحلامه وكوابيسه الليلة، وكذلك تحذيرات ابنته ذوابة من منازلة الزناتي. وأنشد ~~حاكم العراق الخفاجا عامر يقول مخاطبا الزناتي: # وما أود أخون العيش يا أبو سعدى # أخاف ترخص عندها أسعارها # أود لا أكون الخفاجا عامر # في جاه صغارها وكبارها # أصبح هزيل في هلال مسخ # ويكشفون غروضها وصخورها # لكن اليوم جئت إلى حربك # لا بد أسقيك كأس مرارها. # وما إن فرغ من إنشاده حتى التقى الفارسان في حرب وصدام شديدين والخفاجا عامر يواصل تسديد ~~ضرباته إلى أن انفك عزم خليفة الزناتي أمامه فولى هاربا للنجاة طالبا. # واستعر لهيب النزال بين الخفاجا عامر وخليفة الزناتي ثلاثة أيام متصلة، أحرز فيها الخفاجا ~~تفوقا على الزناتي وجنده في كل واقعة، كان يعود بعدها إلى الهلاليين منتصرا كأرجوان أحمر ~~مخضب بالدم. # ولم يجد الزناتي من وسيلة أمامه للإيقاع بالخفاجا عامر سوى اللجوء للحيلة والمكيدة التي ~~دبرها ابن أخته العلام، حين أرسل في أعقابه عقب عودته من إحدى المعارك مظفرا باتجاه جناين ~~الورد فارسا تونسيا يدعى «الخطيب»، فكمن له بين الأشجار وهو متعب واغتاله بخنجره ~~المسموم. # وأنشد الخفاجا عامر مرثيته القومية الكبرى وهو يسلم روحه بين يدى ابنته ذوابة، وفيها يوصي ~~الهلاليين بمواصلة القتال ms087 وجمع الشمل العربي من العراق ومصر والمغرب العربي: # يا أيها الطير الذي طار بالفلا # تسعى إلى الدهر الذي بك طالع # تأكل ربيعا بأرض مصر وزرعها # وتبيض بأرض العراق المواضع. # وبموت الخفاجا عامر العراقي حطت الأحزان القاتمة السوداء على الهلالية، ورثته ابنته ذوابة ~~والنساء العامريات، أو نساء بني عامر من عراقيات وفلسطينيات، بأبلغ المراثي والأشعار ~~الجنائزية لذلك الفارس المغتال على بوابات قرطاج السبع. # | النساء يحلقن شعورهن استنجادا بدياب # عمت الأفراح في تونس وقلاعها ابتهاجا بذلك النصر الكبير الذي أوقعه الزناتي بالهلالية، ~~بدحره لقواتهم وقتل قادتهم وأمرائهم خارج بوابات قرطاج منذ وصولهم إليها ونزولهم وادي ~~الرشراش. # وكان آخر أولئك القواد رأس التحالف العراقي الخفاجا عامر الذي تمكن منه الزناتي بالحيلة ~~والمكيدة، التي اضطلع بتصميمها ابن أخته العلام، فجاء حادث مصرعه الفاجع داخل أغوار ~~استراحته بجناين الورد اغتيالا أكثر منه قتلا. # بل إن هذه الانتصارات غير المتوقعة رفعت بدورها من شأن العلام وأعادت إليه ثقته بنفسه ~~وقدراته، فلعلها وبعدما أصبحت حديث الجميع في قرطاج وتوابعها تصل يوما إلى أذني بنت معبد ~~التي ألحقت به الإهانات المشينة دفاعا عن فتاها الجديد يونس وبقية عيون وجواسيس بني هلال، ~~الذين تشدد العلام في عدم تسليمهم لذويهم وقبائلهم مهما حدث. ~~- طالما أنهم تسللوا إلينا بكامل إرادتهم. # أما عزيزة فقد داهمتها الأحزان لحزن حبيبها يونس الذي كان يتابع - مع مرعي ويحيى في حزن ~~غائر بليغ - ما يحدث لقومه من اندحار وهزائم وقتل لفرسان وقادة الهلاليين. # وذلك منذ أن تواترت إليهم الأخبار - في سجنهم الملحق بقصر عزيزة - بوصول القوات الهلالية ~~إلى تخوم العاصمة التونسية قرطاج لتحريرهم من أسرهم، فانفرط عقد تحالفهم، مما مكن الزناتي ~~والعلام منهم على هذا النحو. # كان يونس دائم التساؤل وهو في سجنه الذي لزمه وأصبح لا يبرحه مهما حاولت عزيزة التخفيف ~~عنه واصطحابه إلى قصرها: ما الذي يحدث خارج بوابات قرطاج؟ # كان يصرخ ملتاعا غير مصدق: أحقا ما يحدث من كوارث؟! # كانا قد تعاهدا على الزواج، بل إن كلا منهما عقد العزم على ذلك باختياره ms088 الكامل، ولم ~~يتبق سوى تحقيق ما يستلزم هذا من إجراءات ستحدث يوما مهما انتهت إليه ظروف المعارك والحرب ~~المستعرة بين قوميهما. # والشيء ذاته اتفق عليه مرعي مع سعدى بنة الزناتي التي أصبحت لا تفارقه خوفا عليه من ~~مؤامرات العلام الذي تضاعفت سطوته خاصة منذ وصول الهلالية بجحافلهم، وما ألحقه بهم من سلسلة ~~الكمائن الناجحة ضد مؤنهم وإمداداتهم التي يسببها ثم انتداب دياب بن غانم لحمايتها. # وهو بالطبع ما ترتب عليه إبعاده عن المقدمة والقيادة. # وتعرف سعدى أكثر من غيرها مدى كره وهواجس وتخوف والدها الزناتي من دياب بن غانم وحربته، ~~بل هي لا تنسى ما مدى فرحته الكبرى حين حمل إليه العلام ذاته أنباء الخلافات التي وقعت بين ~~الهلاليين وانتهت بإبعاد دياب عن القيادة، ليتولى حراسة الإمدادات والبوش في ذلك الجيش ~~المخذول. # بل إن يونس ومرعي شعرا بدورهما بمدى تعاظم الخلافات التي أصبحت تلتهم الهلالية وتفت في ~~عضدهم كمثل سوس ينخر خشب الزان. ~~- لعبت يا سوس في الصندل وخشب الزان! # وهنا أصيب الفتيان الثلاثة بما يشبه الخذلان المرير داخل سجنهم الذي لازموه ثلاثتهم في ~~حالة دائمة من الترقب وآذانهم لا تغفل عما تحمله أخبار نهاية المعارك الضارية تلك التي كانت ~~تستعر يوما بعد يوم وعاما بعد آخر حول بوابات تونس، والتي كانت تسفر كل مرة عن تساقط رءوس ~~بني هلال التي ظلت مشهرة طويلا، ولا سيما رءوس القادة والأمراء الذين هم في موقع القلب ~~والرأس لدى الهلاليين. # كما أنهم بالنسبة إلى الأمراء الأسرى الثلاثة في موقع الأعمام وأبناء الأعمام والأصدقاء ~~ورفاق الجهاد الطويل: ~~- الأمير زيدان الرياحي. ~~- الأميران الشقيقان نصر وعقيل. # وهنا تعالت أشعار المراثي والبكائيات: # على ما جرى فينا وقد أصابنا # الفكر والعقل مني طار # على عقل عقلي راح مستقره # ويا نصر ما لي بعدكم أنصار. # بل الغريب هو اختلاط المأساة بالملهاة داخل سجن الفتيان الثلاثة، حين أعلن الزناتي خليفة ~~بنفسه أنه سيهب ابنته سعدى مكافأة لمن يقدم على منازلة الأمير «عقل» وقتله، ووصل النبأ ~~إليهم داخل سجنهم فتندر له ms089 مرعي وهو يواجه به سعدى: لعلك الآن في انتظار الفارس القرطاجي المنتصر القادم! # ساعتها لم تعط سعدى جوابا، بل هي طوقت رأسها بساعديها ألما من تندر مرعي بها على هذا ~~النحو وكأن لها يد فيما يجري خارج أسوار وبوابات تونس. # إلى أن قاربها مرعي في حنو مصالحها عبر تلك الأحزان الثقيلة المخيمة على رءوس الجميع من ~~محاربين وأسرى. # فتحت ضربات الزناتي التي تساقطت لها رءوس القادة الهلاليين، أصبحت الجماهير تلهج باسمه ~~منشدة بملاحمه ومنازلاته ضد أعمامهم وأبناء عمومتهم، الذين كانوا يتهاوون الواحد تلو ~~الآخر في مطلع نهار كل يوم جديد. # كان كل ذلك يجري على مقربة منهم ويصل أسماعهم، ويونس بالذات يعيد تساؤله متحسرا مدركا ~~أن السبب الكامن وراء هذا الدم الهلالي المسفوح هو: الانقسامات وما يفضي إليه التطاحن القبلي بين أجنحة التحالف الهلالي المختلفة. # ذلك أن اغتيال الخفاجا عامر واندحار تحالف جيش العراق من بعده، لم يكن سوى فاتحة طريق ~~لانفراط عقد الهلالية، فسرعان ما أعقبه خبر استشهاد القاضي الكبير بدير بن فايد، ثم تبعه ~~الأمير بدر بن غانم الذي قطع الزناتي خليفة رأسه عن جسده بضربة واحدة من سيفه، حيث أرسله ~~إلى تونس وهو ما يزال في ميدان المعركة ليعلق على بواباتها السبعة إلى جوار رأس أخيه ~~الأمير زيدان شيخ الشباب، وظل يصول ويجول متحديا الجميع. # وفي اليوم التالي نازل الزناتي ولديه نصر وعقل اللذين تحدياه انتقاما لأبيهما فقتلهما ~~الواحد تلو الآخر. # وهللت تونس عن آخرها وكبرت حين استقبلت رأس الأمير عقل الذي استبسل طويلا خلال منازلته ~~الزناتي، الذي - أي الأخير - كان قد وعد في وقت سابق كبار فرسانه ذات يوم بأن من يقوى على ~~قتاله وقتله سيهبه ابنته سعدى زوجة وحليلة، إلى أن تمكن الزناتي نفسه من قتله وجز رأسه ~~بخنجره المسلول. # وكان أن بكتهما أمهما الأميرة هولة بأقوى مراثيها: # تقول فتاة الحي هولة الخزينة # بدمع جرى فوق الخدود بنار # كل ما جرى فينا وقد أصابنا # الفكر والعقل مني طار # على «عقل» عقلي راح مستقره # ويا نصر ms090 ما في بعدكم أنصار # فلو أن نهر النيل بالقلب يجري # وسيحون مع جيحون والأبحار # ونهر الفرات ودجلة والشط كله # وعاصي وحمى وكل نهير دار # فيا طول حزني كلما دمت بالحيا # إذ جاء دياب الحي وسط الدار. # وهكذا بدأت الهلالية خاصة نساءهم في رفع الصوت إزاء الأخطار والهزائم المتوالية طلبا ~~واستنجادا بعودة دياب بن غانم إلى القيادة والمقدمة، بل إن الخاطر ذاته مر في فكر الفتيان ~~الثلاثة في سجنهم الملحق بقصر عزيزة ابنة سلطان تونس معبد بن باديس. ~~- أين دياب الخيل؟! # فحتى الأميرة سعدى ابنة خليفة الزناتي بدأت هي بدورها تحاوطها الهواجس والمخاوف ~~المتنازعة، ما بين حبها للأمير مرعي ابن سلطان بني هلال وبين تلك الكوابيس التي حطت على رأس ~~والدها الزناتي خليفة من تفاقم الموقف، إلى حد المطالبة بعودة دياب بن غانم الذي أصبح ~~والدها الزناتي لا يطيق سماع اسمه. ~~- أبعدوا دياب بن غانم بكل الطرق عن بوابات تونس. # وكثيرا ما فاتحت سعدى صديقتها عزيزة التي لا تخفي عنها خافية بمثل هذه الخواطر، التي ~~أصبحت تتكاثر في الأيام الأخيرة، وهي تحط بمعظمها على كاهل والدها الزناتي، برغم ما يحققه ~~كل يوم لتونس وتوابعها من انتصارات عمت كل الآفاق مشرقا ومغربا، إلا أن ذكر اسم دياب بن ~~غانم أمام الزناتي كان يقلب كيانه كله رأسا على عقب. # بل إن هذا بذاته ما تناهى إلى أسماع سعدى من حبيبها وهو يحادث له يونس مرات عديدة: ماذا يحدث؟! أين دياب؟! # إلى أن لاح بصيص من أمل، فقد تسللت ذات يوم مي الحزينة التي أصبحت تعيش بصحبة عزيزة لا ~~تفارقها لحظة إلى داخل سجن الأميرين لتبلغهما بتمكن خالهما أبي زيد من التسلل خفية إلى داخل ~~العاصمة متنكرا بمساحيقه بصحبة الأميرة الجازية وبضع نساء هلاليات، بغية زيارتهما ~~والاطمئنان عليهما وسماع مشورتهما إزاء ما يحدث. # ولم يمض وقت كثير ومي الحزينة تحادثهما حتى انشقت الأرض عن أبي زيد الهلالي في زي درويش ~~فقير مهلهل الثياب وتقدم منهما مسلما ومرحبا، مستبشرا كعادته لا يكف عن إطلاق نكاته ms091 ~~وتهكماته. ~~- سجن ملوكي هذا! سجن على الجرح يا يونس، بالأحضان، هانت، هانت. # ولم تطل بهم دهشتهم، إذ إنهم اندفعوا من فورهم معلنين رفضهم لما يحدث للهلالية نتيجة ~~الخلافات الجوفاء التي قادت إلى هذا الوضع المشين. # بل إن يونس تساءل من فوره مطالبا بعودة الأمير دياب لإنقاذ الوضع الحرج، وتلافي ما يمكن ~~تلافيه اليوم قبل الغد. # وأشار مرعي وهو يصب الكلام في أذني أبي زيد إلى مدى تخوف التونسيين بل والزناتي ذاته من ~~حدث عودة دياب إلى مقدمة المقاتلين، وكيف أنه أصبح في الأيام الأخيرة لا ينام الليل تخوفا ~~من عودته يوما إلى منازلته بفيالقه اليمنية من بني زوغبة. # واندفع يونس صارخا بصوت مجروح خفيض: هل يمكن تصور هذا؟! الزناتي يكلم نفسه تخوفا منه، ~~يكفي هذا ... في هذا كله كفاية لقلب دفة المعارك، وأنت يا خال أبي زيد سيد العارفين. # غمغم أصغرهم يحيى: إنهاء حصار تونس الخلاص. # وهكذا تجمعت الآراء عند ضرورة الاستنجاد بدياب وإعادة جمع الشمل بعودته إلى حيث مكانه ~~اللائق في المقدمة. # فحتى النساء الهلاليات خاصة الثكالى منهن أو من فقدن الزوج والابن والحبيب، رحن يستنجدن ~~بوالد دياب الأمير غانم وأمه وابنته وطفاء التي يسمى بها. # فهو وحده القادر على دحر الزناتي خليفة وجنده، هو دون سواه المنوط به قتل الزناتي وفك طوق ~~الحصار المزدوج. # واندفعت وفود النساء الهلالية إلى حيث مضارب الأمير غانم والده، ورحن يكتبن إلى دياب ~~يستدعينه للعودة وأخذ الثأر ومعهن ذوابة بنة الخفاجا عامر التي جزت شعرها وأرسلته إلى ~~دياب، وكذلك فعلت ابنته وطفاء التي كتبت إليه تستعطفه باكية نائحة: # ثمانين أميرا من هلال وعامر # دعاهم أبو سعدى برمح كعيب # أخرب أبو سعدى جميع مساكنا # وما عاد لنا سامح ومجيب # دائر كما الدولاب وولد غانم # ينادي دياب من لقانا هريب # ألا يا دياب الخيل أسرع نحونا # واقتل خليفة يا أمير غصيب # قتل خليفة ابن عمك زامل # وأخوك عند ما عاد فيه نصيب. # وهكذا جمع الأمير غانم والد دياب كتابات النساء وشعورهن وتوسلاتهن وأرسلها إلى دياب ms092 في ~~مكانه - أو منفاه - بوادي الغباين أو الغباين المغبونين أو المنفيين. لكن ما إن تسلم دياب ~~الرسائل وقرأها حتى رد الرسول متسائلا: وأين مكاتيب السلطان حسن وأبي زيد؟ # ولم يجب الرسول. # هنا رد دياب الرسول قائلا في حزم: جئت هذا المكان برأيهما، فكيف لي أن أرجع بمشورة ~~النساء؟ # وهكذا حطت الكوارث من جديد على الهلاليين من الزناتي وقومه. # | دياب يقتل الزناتي ويفتح تونس # ورغم إحباط كل محاولات جمع شمل الهلاليين ونبذ خلافاتهم التي أفضت بهم إلى عدم الثبات في ~~أداء مهمتهم بفتح تونس وقلاعها التي استعصت طويلا، فإن خليفة الزناتي لم يتخل يوما بل ~~لحظة عن مخاوفه من عودة دياب بن غانم لمحاربته. # لذا رأى الزناتي في خطة ابن أخته العلام بن هضيبة خير مخرج من أزمته وهواجسه المتزايدة ~~التي أصبحت تصاحبه ليل نهار. # وموجز تلك الخطة أن الهجوم خير الطرق وأبسطها إلى تحقيق الأمان المفتقد، ولو استدعى الأمر ~~اللجوء إلى الحيلة والكمائن، التي اضطلع بها هذه المرة الزناتي نفسه ضد دياب بن غانم في ~~منفاه بوادي الغباين. # وهكذا ارتفعت مكانة العلام في نظر خاله خليفة الزناتي، إلى درجة دفعت بالأخير إلى الإنصات ~~إليه وإلى خططه وكمائنه الأفعوانية، سواء في مجال الحرب والمنازلة أو السياسة وما تتطلبه من ~~إيقاع خاص لزيادة التفرقة والانقسامات بين صفوف التحالف الهلالي، وهي الانقسامات التي عادة ~~ما تقضي إلى الهزائم والسقوط المتوالي لقادة فيالقهم وفرسانهم وأمرائهم. # ومن هنا ارتفع عدد القتلى والضحايا لرءوس قادة الهلاليين التي كانت تجز بسكين العلام أو ~~الزناتي ذاته عن جثتها، لتمتلئ أماكنها على طول بوابة تونس وقلاعها حيث ترقص جماهير ~~التونسيين في زهو مغنية بأمجاد الزناتي أبي سعدى وحرابه التي عرفت عنه ذات الأربعة ~~والعشرين نصلا. # يقول الزناتي من فؤاد معمر # نيران قلبي زايدات وقادة # أنا الخليفة بالحروب مجرب # لي سيف بالخيل أنا ردادها # ألقى ألوف الخيل ما أنا خائف # أبطال تعرفني بيوم طرادها. # وكان العلام بن هضيبة يحتضن جماهير المنشدين والمداحين الذين يتغنون بأمجاد الزناتي وجيش ~~تونس وأمجاده هو ms093 نفسه، ويتعمد إيصالهم إلى قرب قصر العزيزة وهم يواصلون إنشادهم وموسيقاهم ~~وأغانيهم لتصل إلى أسماعها وأسماع أسرى بني هلال، متشفيا عقب كل انتصار للزناتي وفرسان ~~تونس. # أما آخر خطط العلام التي استحسنها الزناتي وعكف فورا على تنفيذها، فجاءت ضد دياب نفسه، ~~فقد اتفق الزناتي مع أحد فرسانه المقربين ويدعى «أبو خريبة» لإنزال ضربة قاصمة بإمدادات ~~الجند والمهاجرين وبدياب ذاته في واديه ذاك المدعو وادي الغباين. # فأخذ أبو خريبة عشرين ألف فارس «قروم عوابس»، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا إلى وادي ~~الغباين، وكان ذلك خلال فترة غياب دياب للصيد والقنص، فأغاروا على الهلاليين وأنزلوا السيف ~~فيهم فقامت الرعيان بالعويل والصراخ، فلما سمعهم دياب ركب جواده وخرجت فرسانه والتحمت ~~بينهم إلى أن لحق دياب بفارس الزناتي أبي خريبة وضربه بالسيف فقطع رأسه وألقاه ~~صريعا. # وعندما رأى فرسانه أميرهم مجندلا فروا هاربين فلاحقهم بنو زغبة وأعملوا السيف في رقابهم، ~~إلى أن وصلوا إلى حيث الزناتي وأخبروه بما جرى من أهوال دياب. # وهنا استدعى الزناتي شقيقه الأمير مكحول وأمره بأخذ قومه وقبائله والنزول إلى دياب بن ~~غانم لأخذ ثأر أبي خريبة ونهب بوش بني هلال ومؤنهم واعدا: ومهما تطاولت يدك إلى أسلابهم ~~فهو ملك لك. # فركب على رأس جنده المقدر بخمسين ألف همام، وأغاروا حتى وصلوا وادي الغباين، وكمنوا لدياب ~~إلى أن خرج وفرسانه لصيده وقنصه، فنزلوا على حراس المؤخرة تقتيلا وساقوا البوش ~~أمامهم. # إلى أن علم دياب بالخبر، فجد السير بفرسانه في أعقابهم إلى أن لحق بمكحول ونازله ~~وقتله. # وما إن وصل الخبر إلى الزناتي حتى ضاقت به الدنيا تخوفا من دياب بن غانم، ولم يجد له ~~مهربا سوء الاستشراء أكثر في منازلة الهلاليين وإعمال سيفه في رقاب قادتهم. # وهنا تجددت مرة أخرى الأصوات المطالبة بعودة دياب بن غانم لحماية ما بقي من فرسان بني ~~هلال، حتى إن جموع الهلاليين تجمعوا حول إيوان السلطان حسن وأبي زيد في شبه مظاهرة كبرى ~~للمطالبة بعودة دياب. # ضيعت حتى والدك. # وسفهت قولي يا قليل الحشايم. # وأحاطت ms094 النساء الثكالى مستنجدات بدياب وهو حامي المحصنات، وهكذا رضخ دياب مسكينا معلنا ~~للجميع موعد عودته: # قوللو لهلال النصر جاهم # نهار الأحد أعزم على الرواح. # واستقبل دياب استقبال الفاتحين حين عاد بفرسانه إلى بني هلال آمرا بنصب سيفه على مقربة ~~من أبواب تونس ذاتها، فدقت الطبول ونشرت الأعلام، وزار هو في البداية قبور قتلى بني هلال ~~فخرج إليه أهالي القتلى والشهداء ورفعت النساء براقعها وألقوا تحت أقدام دياب، الذي أنشد ~~يقول: # مقالات أبي موسى دياب المفتخر # فارس الهيجاء خيال الوعر # حامي الزينات سور المحصنات # مفرج الكربات في يوم العسر. # وفي اليوم السابق على منازلة دياب للزناتي يقال إنه كان يلاعب طفلة يتيمة وهو غائب الفكر ~~كالتائه المأخوذ سائلا: أين أطعن الزناتي يا صغيرة؟ # فقالت له: في عينيه. # فقال: مبارك قولك يا صغيرة! لن أطعنه إلا في عينيه، وقد كان. # حتى إذا ما اندلعت الحرب بين دياب المنتقم والزناتي الخائف منه، حاول الأخير مناشدته ~~الصلح الذي لا يبعد كثيرا عن الاستسلام قائلا: # فاصفح عن حربي وخذ ما تريد # أموال خذ مني وكل جناس # أعطيت يا دياب القيروان وقابس # تونس وقابس ودير مكناس. # إلا أن الجازية القائدة المحرضة على القتال رفضت من فورها هذا الصلح: # تريدون صلحا بعد تسعين أميرا # حريمهم عليهم قايمين العدايد؟! # وهكذا لم يجد الزناتي مفرا من الخروج لمنازلة وحرب دياب محققا في البداية انتصارا ~~ساحقا عليه إلى حد تمكنه من الإيقاع به أرضا من فوق هامة فرسته الشهيرة الخضراء، والتي ~~يقال: إن روحه عالقة بها إلى حد أن قتلها «يعني قتله هو ذاته»، مما دفع دياب إلى الحزن ~~والبكاء عليها فأمر بغسلها وتكفينها بأثواب الحرير ودفنها في مهابة، قبل أن يشيد على قبرها ~~قبة عظيمة ذبح عليها ألف ناقة فرقها على الفقراء واليتامى. # لكن ما إن سمع بنو هلال بموت الخضراء حتى أيقنوا أن دياب لن ينسى ثأرها أبدا، وأن نهاية ~~الزناتي قد اقتربت. # وهو ما حدث حين اعتلى دياب مهر «الخضراء» ونازل الزناتي إلى أن هرب الزناتي، فقام ms095 دياب ~~بإطلاق الرمح لأن الزناتي كان هاربا، فالتفت لكي ينظر إلى دياب فأصاب الرمح عينيه ونفذ من ~~قفاه! وحين حاول أبو سعدى الترجل عن جواده لحق به دياب مستلا سيفه من جانبه ونزل وقطع ~~رأسه ونضجها على رأس سنانه شاهرا. # وهنا تراجع فرسان تونس هاربين، فأطبق عليهم الهلاليون من كل جانب إلى أن تزاحموا على ~~بوابات تونس ملقين بسلاحهم تحت أقدام دياب بن غانم طالبين الأمان والصفح. # وعم الذعر والفزع قرطاج لمقتل فارسها الزناتي، وانفتحت أبواب تونس على مصراعيها أمام تدفق ~~أفواج الهلالية بسيوفهم وراياتهم وعتادهم وتهليلهم بالنصر والفتح. # وكان أول ما فعلوه هو الإسراع في البحث عن سجن أسراهم الفتيان الأمراء الثلاثة يونس ومرعي ~~ويحيى، إلى أن وصلوا قصر العزيزة بنت معبد، فخرج الأمراء الأسرى الثلاثة لاستقبالهم وتعانق ~~الجميع طويلا، وحملهم فرسان بني هلال وجماهيرهم على الأعناق. # إلا أن يونس أمسك بيد حبيبته عزيزة وهو يقدمها لجموع الهلاليين الذين رحبوا بها آخر ~~الترحيب، وكذلك فعل مرعي مع حبيبته سعدى بنة الزناتي التي بدت كالمشدوهة على مصرع ~~والدها. # وحين وصلوا إلى حيث مقر السلطان حسن الهلالي والجازية وأبي زيد تضاعف الترحيب بهم، وخاصة ~~بالأميرة عزيزة التي احتضنها السلطان حسن مرحبا غير مشدق، منشدا للأميرة الباسلة التي ~~حفظت أرواح أبنائه: # أنت شفوقة يا عزيزة عليهم # خلصتيهم يا بنتي من جميع الوهايم. # كما رحب السلطان الهلالي بسعدى مشددا العزاء لها في أبيها فارس تونس الزناتي. # وتعاهد الجميع على الزواج القريب وبدء صفحة جديدة قوامها الحب والسلام والوئام. # ووجدت سعدى في احتضان مرعي وحبه الجارف لها بعض العزاء في موت والدها الزناتي، الذي أشار ~~الجميع بفضائله وفروسيته الفائقة حتى أمراء بني هلال ذاتهم، إلا أن سعدى الشاردة كانت دائمة ~~التفكير في كيفية حصولها على جثمان أبيها خليفة الزناتي ومواراته الثرى، بدلا من طرحه في ~~العراء لجوارح الطير كما أراد دياب. # أما دياب بن غانم فما إن استتب له الأمر في تملك تونس واعتلاء عرش الزناتي، حتى بعث في ~~طلب مناديه المدعو خليل وأعطاه ms096 رمحه، وأمره أن ينصبه أمام مدخل عرشه، وينادي باسم الأمير ~~دياب للدخول من تحته ومن لا يفعل يحق قتله. # ففعل المنادي كما أمره مولاه، قاطعا شوارع تونس وميادينها طولا وعرضا مناديا بعلو ~~صوته. # وهكذا اعتلى دياب بن غانم عرش الخليفة الزناتي مرتديا تاجه المصنوع من قديم الزمان، ~~والمتوارث منذ عصر مهران خليفة، والمرصع كله بالمرجان الأحمر والياقوت الأخضر والمنسوج ~~بالدر والجوهر الذهب الأصفر. # واجتمعت من حوله قبائل بني زغبة صفوفا في صفوف مئات وألوف بعد أن تدانى الجميع في ~~تبجيله، ثم أمر دياب أن تعلق رأس الزناتي على أعلى أسوار تونس، وحرم دفن جثمانه طارحا ~~الجثة في العراء لتنهشها جوارح الطير. # وعندما علمت سعدى بتنكيل دياب بن غانم بجثة أبيها الزناتي على هذا النحو، اندفعت ~~كالمجنونة إلى حيث عرش الزناتي الجديد «دياب» إلى أن دخلت عليه مرتعدة مطالبة بدفن جثمان ~~أبيها. # وما إن شاهدها دياب حتى راقت في عيونه فقبل طلبها من فوره بتكريم جثمان الزناتي، ودفنه ~~بين قبور شقيقي دياب الأميرين اللذين صرعهما الزناتي في غيبته بدر وزيدان. # بل إن دياب بهر من جمال سعدى وحسن شمائلها وأكرمها في افتقادها والدها مشددا العزاء، ~~وأمر بإدخالها عند حريمه فأكرمنها غاية الإكرام. # أما السلطان حسن الهلالي وأبو زيد فما إن تناهى إلى أسماعهما ما أقدم عليه دياب وأعلنه ~~مناديه على الملأ، بوضع رمحه على مدخل عرش الزناتي الذي اعتلاه معلنا: لا سلطان لتونس إلا ~~دياب بن غانم؛ حتى استبد بهما الغضب، خاصة السلطان حسن الذي بدا كمن لا يصدق ما تسمعه ~~أذناه. # وما إن استشار السلطان حسن أبا زيد حتى أشار بالتوجه إلى مقابلة دياب والانحناء تحت حرابه ~~ولو تطلب الأمر ذلك. # لكن ما إن قاربا قصر دياب بركبيهما حتى وصل الغضب بالحارس المقرب من السلطان إلى حد دفع ~~به إلى ضرب رمح دياب بسيفه فقسمه، فما كان من حراس دياب بن غانم إلا الهجوم عليه وقطع ~~رأسه. # وحدثت معركة على بوابات قصر دياب بين حرسه وفرسان السلطان حسن وأبي زيد ms097 ، استطاع أبو زيد ~~بحكمته حصرها دون أية ذيول إلى حد تفاقم الخلافات من جديد بين أجنحة الهلالية ~~المختلفة. # لكن ما إن دخل السلطان حسن بن سرحان - ومعه أبو زيد - مقبلا على دياب، حتى هب الأخير من ~~فوره عن عرشه الجديد عرش الزناتي سابقا لاستقبالهما، وحوله أكابر وأمراء بني زغبة والخدم ~~والعبيد بين يديه والتاج على رأسه. # وهنا لم يتمالك سلطان بني هلال غضبه وهو يشهد دياب على هذا النحو، حتى هجم عليه كمثل جمل ~~هائج انفك من عقاله، مشهرا سيفه ليهوي به على رأس دياب بن غانم. # | أسر دياب لسعدى ومأساتها # ما إن استل السلطان حسن بن سرحان سيفه من غمده ليهوي به على رأس دياب بن غانم المتربع على ~~عرش الزناتي، حتى ارتفعت ذراع أبي زيد الهلالي عالية قابضة على يد السلطان الهلالي، مانعة ~~إياه في حزم من تنفيذ ما أزمع عليه في سورة غضبه. # إلا أن السلطان حسن واصل اندفاعه وتحرشه بدياب متشبعا ما أقدم عليه من انفراد بسلطة حكم ~~تونس، وكأنه يعزله عن قيادته المتوارثة عن أجداده في حكم الهلالية، صائحا بصوت جريح: ~~تريدني الانحناء يا دياب تحت حرابك؟! # وتدخل أبو زيد وبقية الفرسان لكبح غضب السلطان حسن، وعدم التقليل من مآثر دياب بقتله ~~الزناتي وفتح أبواب تونس التي أوصدت طويلا في وجه الهلاليين نتيجة لإبعاده عن المقدمة ~~والقيادة وحراسة الإمدادات والبوش إلى أن استغاثت النساء الهلاليات الثكلى به، حين بعثن ~~إليه في وادي الغباين ببراقعهن، فاستجاب دياب عائدا لنصرة الهلالية كما يتضح من شعر أبي ~~زيد الهلالي: # جانا على خضرا جندل عدانا # وأخذ بثأرنا في ماضيات الطرايش. # وما إن هدأ خاطر الجميع واجتمع شمل قادة الهلالية مجددا، حتى قرروا تقسيم حكم تونس ~~وتخومها وقلاعها المترامية حتى الأندلس فيما بينهم، وعلى الفور اندفع دياب بن غانم يساومهم ~~على قتل فرسته الخضراء، التي تمكن منها الزناتي خليفة قبل أن يوقع به دياب بإنفاذ رمحه بين ~~عينيه وقطع رأسه. # فالخضراء فرسة دياب بن غانم التي صانها طول عمره، توازي ms098 حياته ذاتها، وهو الذي أشار بدفنه ~~هو ذاته معها حين ينتهي أجله في قبر واحد: # إن أماتني الله ادفنوني جنبها # وسط روضة موضع دفنتونها # عسى نلتقي يوم القيامة جمعنا # وأقبل الخضرا وأمسح عيونها. # وهكذا انفرد دياب بن غانم بالاستيلاء على حكم تونس - قرطاج - تعويضا عن فرسته الخضراء، ~~ثم اقتسم ثلاثتهم السلطان حسن وأبو زيد ودياب حكم المغرب العربي ومن ضمنه الأندلس التي كانت ~~من نصيب أبي زيد الهلالي. # لكن تقسيم تونس وتوابعها وقلاعها بين أقطاب التحالف الهلالي الذي فاز فيه دياب بنصيب ~~الأسد، لم يعجل بإنهاء كل المشاكل المتراكمة والتي استجدت عقب فتح تونس وقلاعها والتي تضم ~~الأندلس أيضا، فلقد ظهرت خلال ذلك الاجتماع الثلاثي الذي عقد داخل قصر عرش الزناتي الذي ~~اعتلاه دياب بن غانم من فوره، وكما لو أنه حق شرعي له لمجرد إقدامه على منازلة الزناتي ~~وقتله؛ أطماع دياب على الاستفراد في حكم تونس. # وضاعف من فداحة الأمر إقدام دياب على وضع حرابه لينحني تحتها سلطان بني هلال وفارسها حسن ~~بن سرحان وأبو زيد الهلالي سلامة. # وظل السلطان حسن بن سرحان يردد لنفسه في غيظ كظيم: جاء اليوم الذي أصبحنا نحني فيه ~~هاماتنا ورقابنا تحت حراب دياب بن غانم! # بل إن إصرار دياب بن غانم على التمادي في تجبره متشبثا بعدم التخلي عن عرش الزناتي ~~تعويضا عن قتل فرسته الخضراء، أوغر صدر السلطان الهلالي ضده، إلى حد أصبح الاقتتال من جديد ~~بين قطبي التحالف الهلالي من نجديين شماليين ويمنيين جنوبيين أمرا واردا. # واستطاع أبو زيد الهلالي بحنكته ومرونته تأجيل موعد ذلك الاقتتال الذي يخيم بظله الثقيل ~~على الجميع، والذي قد ينشب بشكل رئيسي بين السلطان حسن ودياب بن غانم، خاصة وأن كفة ~~القحطانيين اليمنيين سترجح إذا ما وقعت الواقعة. # فلقد نجح دياب بن غانم خلال فترة حراسته للبوش والمؤخرة في الاحتفاظ بأغلبية قواته دون ~~أية خسائر تذكر، في ذات الوقت الذي تحمل النجديون الخسائر المهلكة التي أوقعها بهم الزناتي ~~وعرب المغرب. # ومما زاد الأمر سوءا أن العلام ms099 بن هضيبة تمكن من الإفلات من العقاب والفرار هو وقومه ~~باتجاه المغرب العربي والأندلس، مثيرا الفتن في كل مكان ضد عرب المشرق للأخذ بثأر خاله ~~الزناتي، مجمعا فلول القوات المغربية بالقيروان لاستئناف القتال واسترداد العاصمة قرطاج، ~~فاجتمعوا إلى ملكهم المسمى بالملك «الناحر» شقيق الزناتي خليفة، الذي أرسل للعلام في ~~الأندلس معلنا تأهبه للحرب والنزال. # وكان يونس من أكثر المتابعين لتحركات العلام الخفية وتفهما لمدى أخطاره المهددة، التي ~~أصبحت تنبئ بها الأيام الحبالى بالثأر وتجدد القتال بين الهلاليين وعرب المغرب. # بل إن يونس ومرعي استطاعا تجميع فلول القوات الهلالية، تأهبا لملاحقة العلام أينما كان ~~قبل تفاقم دوره وقواته. # وودع كل منهما حبيبته أحر الوداع، يونس لعزيزة ومرعي لسعدى، تأهبا للخروج بفرسانهما ~~لمطاردة العلام وفلوله على طول المغرب العربي حتى الأندلس. # وبعد رحيل يونس لأداء واجبه انخرطت عزيزة في صفوف المشرفين على رعاية تضميد جراح المصابين ~~من الحرب، سواء كانوا تونسيين أو هلاليين. # بينما استجابت سعدى لرغبة الزناتي الجديد دياب بن غانم في البقاء مكرمة داخل حريمه، ~~انتظارا لعودة حبيبها مرعي، مجللة بالأحزان لمصرع والدها الزناتي على ذلك النحو الفاجع، ~~وحتى تتمكن سعدى من استرداد ما يمكن استرداده من ممتلكاتها الشخصية وأغراضها من براثن قاتل ~~والدها الزناتي الجديد دياب بن غانم، وهي التي كرهت من كل قلبها مجرد سماع اسمه أو صوته ~~المترامي إليها من قاعة عرش «الزناتة» الذي اعتلاه ذلك الجلف المتكبر. # وراحت سعدى تجاهد في كبح جماح دموعها التي كانت تخونها فتذرفها مدرارا على ما انتهى إليه ~~حالها، بافتقاد الأب خليفة الزناتي والحبيب مرعي الغائب عن عينيها، وهي في أحرج وأشق ما مرت ~~بها من أيام عصيبة، أي أن ترى نفسها غريبة أقرب إلى الأسيرة التي سبيت داخل جنبات وردهات ~~هذا القصر الشاهق الأصم الذي تربت وشبت بين جنباته وتنفست هواءه. # حتى إذا ما جاءت الطوبة في المعطوبة كما يقولون وصادفها الزناتي الجديد دياب بن غانم الذي ~~اتشح بأوشحة والدها وتاجه المتوارث منذ مهران خليفة، شاهدها تبكي وتنوح وتعدد لنفسها ms100 إلى ~~جانب أحد عمدان القصر بلا صوت كمثل امرأة مخبولة؛ حتى توقف من فوره منبهرا مأخوذا من ~~جمالها المأساوي والأثر الذي نفذ في أعماق قلبه كالسهام. ~~- الأميرة سعدى؟ # قاربها محاولا مساندتها أخذا بيدها باتجاه جناحه سائلا في تحرش: أما زلت تبكين ~~الوالد؟ ~~- أبكي غياب مرعي. # فقام يحاول سحبها مجددا باتجاه جناحه. ~~- ادخلي يا أميرة. # توقفت سعدى وهي تبعده عنها رافضة الدخول منتصبة في مواجهته بنظرة أقرب إلى التحدي: ~~ابعد! # هاجمها دياب أكثر مستعيدا تجبره: كيف أبعد عن كل هذا الجمال يا أميرة سعدى؟! أنت ~~حليلتي. ~~- أنا حليلة الأمير مرعي. # انفجر دياب ضاحكا مقهقها بأقصى قوة مواصلا محاولة استمالتها إلى أن انفلتت منه ~~منشدة: # إن أخذتني يا أمير نواظري # فإني أعجل لروحي بشنق حبال # ولا الناس يقولوا أخذت عدوها # ولا أنك لي يا دياب رجال # ولا أريد الزغبي دياب بن غانم # ولا مقطع فوق رءوس الجبال. # وكان أن غضب عليها دياب منسحبا هائجا مصدرا تعليماته لمرءوسيه بأن يجلدوها عارية مع ~~حبس بالأشغال الشاقة، التي تقضي بطحن الغلة والملح تحت ثياب الخيش عشرة أيام داخل المطامير ~~الملحقة بسجن أبيها الزناتي. # ورفض دياب بن غانم كل المحاولات المضنية التي بذلتها الأميرة عزيزة صديقة صباها مستعينة ~~بالسلطان حسن والجازية ونوفلة بنة دياب ذاته دون جدوى ترجى. # بل هو كلما تلصص عليها ليلا وسمعها تهجوه بأعنف الشعر زاد عليها العذاب والتنكيل، إلى أن ~~كان يوم ضاعف فيه من عذابات سعدى حين تمكن عيونه وحراسه من كشف رسالة أو قصيدة دامية تشرح ~~فيها كارثتها في سجن دياب بن غانم، وكانت تنوي تهريبها للسلطان حسن وأبي زيد: # تقول فتاة الحي التي خاب ظنها # سعدى التي خانت أبيها وراح # أيا غاديا مني على متن ضامر # إذا مشى يسبق هبوب رياح # فحين وصولك للهلالي قل له # يا كامل المعروف والإصلاح # نسيت الصغيرة يا هلالي أبو علي # ومعكم - كما ترى - ما فعلت قباح # ألا فاذكروا يوما أتونا أولادكم # إلى الغرب رادوها بأبي فلاح # أراد الزناتي أن يقطع رءوسهم # يريد يخطف ms101 منهم الأرواح # تشفعت فيهم ثم راحوا نعمة # ولولا كانوا فدوا شراح # واليوم قال دياب أخدك خليلة # فأبيت أمره يا حسن وقباح # فأخذني دياب وجعلني في مذلة # تضربني عبيده في مسا وصباح # أحمل على ظهري الحطب # أحمل جرار الماء بالأتراح # واليوم أعصم حالتي ابن غانم # يعاملني بالشر كل صباح # رميتوني يا بن سرحان يا أبو علي # كيف تجازون المليح قباح؟! # تقول فتاة الحي سعدى التي شكت # وفي القلب نيران وهب رياح. # ورغم وصول هذه الرسالة القصيدة المهربة إلى يد دياب بن غانم الذي استشاط غضبا وحقدا على ~~سعدى، فإنها تمكنت من إيصال رسائلها وشكواها الملتهبة إلى يد السلطان حسن بن سرحان بمقره ~~قرب القيروان. # وأدمت رسائل سعدى المهربة التي تفيض عذابا السلطان حسن، وهي خطيبة ابنه الحبيب مرعي الذي ~~حارب ببسالة ليعود فائزا بزواجها. # كما بكتها عزيزة كثيرا وكذلك الجازية وأبو زيد، الذي عرف عن قرب مدى أصالتها وعنائها في ~~الحفاظ على أرواحهم بسجون تونس. # فقرر السلطان حسن وأبو زيد الركوب إلى دياب رغم مشقة مهامهما، ورغم إخفاء ما يحدث لها عن ~~حبيبها مرعي، ولو استدعى الأمر تجدد الصراع مع دياب من أجل الأميرة سعدى بنة ~~الزناتي. # لكن ما إن اجتمعا بدياب وفاتحاه في موضوع سعدى وتعذيبها وكيف أنها خطيبة مرعي الذي يحارب ~~ببسالة إلى حد إصابته بجرح بليغ، حيث أرسل وهو طريد خطابا لا يسأل فيه سوى عن سعدى ~~وأحوالها؛ حتى ركب دياب رأسه رافضا في إصرار مغيرا الموضوع إلى ما استجد من كوارث وصلته ~~في التو حول استشهاد ابنه الحبيب «موسى» الذي يتسمى باسمه مع ابن أبي زيد «صبرة»، حيث قتل ~~العلام موسى بن دياب انتقاما للزناتي، وقتل الملك الناحر - شقيق الزناتي - صبرة بن أبي ~~زيد. # وهكذا توارت مأساة سعدى أمام ما استجد من كوارث أهاجت أحزان كل من أبي زيد ودياب، بل ~~والسلطان الذي أصيب ابنه مرعي بجرح بالغ. # واتفق ثلاثتهم على خروج دياب وأبي زيد بقواتهما للحرب ومساندة يونس الذي أصبح في وضع ~~المستنجد بهما وهو على ms102 تخوم الأندلس. # وما إن دخلا المغرب من بوابته حتى ظهر دياب بن غانم كالمجنون الذي لا يقف عند حد انتقاما ~~لابنه موسى، فقتل الأمير وائل واعتلى عرشه مواصلا تقدمه بافتتاح سبع قلاع حصينة. # أما أبو زيد فأعاد افتتاح القيروان عابرا جبل طارق وصولا إلى الأندلس حيث لحق بيونس، ~~مواصلا فتوحاته على طول دويلاتها الواحدة بعد الأخرى دون صعوبات تذكر. # واجتمع أبو زيد ودياب بن غانم في بلدة تدعوها السيرة ب «عين تولوز» يرجح أنها في جنوب ~~فرنسا، واتفقا على ضرورة العودة إلى تونس للاجتماع بالسلطان حسن وإعادة تقسيم المغرب من ~~جديد، على أن يحتفظ دياب بن غانم بحكم تونس - قرطاج - تعويضا عن مقتل فرسته ~~الخضراء. # ومرة أخرى تجددت وتزايدت إلى حد المأساة كارثة سعدى بنة الزناتي في سبيها ومحنتها ~~وأصفادها. # بينما أخفى الجميع عن حبيبها الجريح مرعي ما أصبحت تعانيه، كما أخفوا الشيء ذاته عن صديقة ~~عمرها عزيزة. # تبدت بطولة الأمير يونس - عقب فك أسره - في تلك الحملات التي قادها لفتح الطريق وتأمينه ~~أمام الهلالية بدءا من قرطاج تونس مرورا بالقيروان والمغرب العربي والجزائر عبورا إلى ~~شبه جزيرة إيبريا أو الأندلس. # ذلك على الرغم من تلك المرارة والأحزان التي أصبح يعانيهما، نظرا لجراح شقيقه مرعي ~~وحنينه الجارف لعزيزة. # في هذا الوقت استمرت حملات دياب وأبي زيد عقب كارثة استشهاد ولديهما الأميرين الشابين ~~موسى بن دياب ثم صبرة بن أبي زيد، الذي اتهم العلام بن هضيبة باغتياله. # وردا على ذلك قتل الهلاليون بدورهم العلام انتقاما لصبرة بن أبي زيد، ولنكصه - أي ~~العلام - لعهوده الأخيرة معهم. # وهكذا أرسل أبو زيد الهلالي يخبر السلطان حسن بن سرحان باتفاقه مع دياب على إعادة تقسيم ~~البلاد المفتوحة ذاكرا: # ملكنا من نجد إلى قاع تونس # بطعن يورث العدا عطيبها. # كان أبو زيد ينتظر عقد ذلك الاجتماع المرتقب على أحر من الجمر لفك أسر سعدى بنة الزناتي ~~التي ساعدت وأعطت الهلاليين الكثير، ولم تحصد سوى الحسرة والمهانة. # فسعدى كانت على الدوام تدمي مأساتها بسجن دياب مشاعر أبي ms103 زيد، وتجعله يشعر بالحزن والأسى، ~~خاصة تلك الليلة التي زار فيها أبو زيد الهلالي مرعي عقب إصابته بالقيروان، فسأله متلهفا ~~عنها بصوت خفيض وهو جريح ينزف: كيف حال سعدى؟ ~~- بخير يا مرعي، في عيون الوالد والجازية والأهل. # وتنهد أبو زيد متكتما أخبارها الدامية عنه وهو لا يعرف كيف يخفي كذبه عنه، بينما أغمض ~~مرعي عينيه على صورتها مستريحا متنهدا، معانيا من جراحه البليغة. ~~- كان الله معك يا سعدى! # أما يونس فقد فاتحه أبو زيد بإسهاب حول كل ما حدث من جبر وتجاوزات دياب بن غانم مع سعدى، ~~وكيف أنها أصبحت مهانة ذليلة بقصر والدها الزناتي الذي اعتلاه دياب عشية قتله، مستبيحا كل ~~شيء وخاصة بالطبع ابنته تلك الصغيرة التي تشع إخلاصا، والتي أصبحت ترسف في أغلاله داخل ~~زنزاناته ليل نهار منذ انتصار دياب على أبيها وقتله وترك جثته بالعراء تنهشها جوارح ~~الطير. # وعندما سأله يونس ملتاعا مفزوعا عما يسمع عن سعدى العفيفة العطوف التي أبلت الكثير ~~حفاظا عليهم، وكيف يحدث لها كل هذا وشقيقه الأصغر مرعي حبيبها طريح أقرب إلى الموت؛ طمأنه ~~أبو زيد. وهنا لم يتمالك يونس عن السؤال الملح عن حبيبته وخطيبته عزيزة، وهو يعني بذلك ~~كيفية تصرفها حيال صديقة صباها سعدى وما لحق بها من أهوال جسام، وأخبره أبو زيد مطمئنا ~~مقترحا التعجيل بإرسال الأميرة عزيزة إليه هنا بالأندلس مكرمة كزوجة وحليلة، حتى يهنأ يونس ~~بالا بقربها. # | العزيزة ترعى أبناء الشهداء # وأخلف أبو زيد مكانه في حكم ولايات الأندلس ودويلاتها، لحين انتهائه من مهام الاجتماع ~~بدياب مع والده السلطان بقرطاج قبل العودة إليه مجددا. # حتى إذا ما عاد أبو زيد إلى القيروان اجتمع من فوره بالسلطان حسن تمهيدا للمسير إلى ~~دياب، ثم اختلى بعزيزة ناقلا إليها رغبة يونس برحيلها إليه ففرحت من فورها. # إلا أن عزيزة عادت منفعلة مكفهرة متسائلة عن مصير صديقتها سعدى وما حل بها من كوارث دياب، ~~وكيفية إنقاذها ولو لتطبيب مرعي الجريح النازف بالقيروان. # وطمأنها أبو زيد مفضيا إليها أنه إنما جاء من ms104 أجل هذا الغرض الذي أصبح لا يذيقه النوم ~~كلما قرأ بكائيات سعدى الذاتية وخطاباتها التي تنزف مرارة، وهي ترسف في أغلالها بسجن ذلك ~~المتجبر دياب بن غانم. # وأطلعت عزيزة أبا زيد بدورها على كتابات سعدى لها غاضبة متسائلة، وهي تشق إزارها من أعلاه ~~إلى أسفله ثورة وكمدا: أتلك نهاية المطاف؟! على هذا النحو تعامل الأميرة سعدى، وبعد كل تضحياتها للهلاليين ~~وفرسانهم؟! # قاربت عزيزة أبا زيد الهلالي ناشبة أظافرها في ثيابه: جثة الزناتي عارية فوق أعلى تلال ~~تونس، تنهشها جوارح الطير! # وتابعت محتدة: وابنته سعدى تطحن ملح دياب بن غانم وترعى نوقه، ويسومها عبيده العذاب ليل ~~نهار؟! # صرخت عزيزة في وجه أبي زيد: أما من خلاص؟ # فغمغم أبو زيد بدوره زافرا في أسى مكملا: لدى انتهاء سيول الدم العربي النازف. # وأردف أبو زيد مبلغا عزيزة في حسرة آخر الأنباء حول كيفية سير المعارك، وكيف أقدم العلام ~~بن هضيبة على اغتيال ابنه وحدقة عينه المقرب من قلبه «صبرة»، متنهدا: القلب تحمل الكثير يا عزيزة يا ابنتي. # وودع أبو زيد عزيزة مؤمنا بنفسه كوكبة فرسان لحراستها ومرافقتها إلى الأندلس لإتمام ~~مراسيم عرسها إلى يونس، الذي خلفه أبو زيد مكانه، مجددا وعده له بخلاص سعدى من أسر دياب ~~مهما كلف الأمر. # إلا أن عزيزة تشددت وهي تفيض له بهواجسها عن مصير سعدى الذي أصبح غامضا مبهما. ~~- لعلها الآن قتيلة عارية! وسعدى تنهشها جوارح الطير إلى جانب جثة والدها الزناتي! من ~~يدري؟! # ومرة أخرى هدأ أبو زيد من انفعالاتها على صديقة صباها مودعا موكبها بنفسه، معاودا ~~تفاؤله الدائم الذي لم يكن ليغيب عنه في أحلك المواقف وهو يمازحها مذكرا بعرسها وزفافها ~~على الأمير الحاكم يونس، هنا غمغمت عزيزة مغالبة دموعها: أي عرس هذا؟ # حتى إذا ما حان أوان رحيل السلطان حسن وأبي زيد إلى حيث مقر دياب بقرطاج، ساروا حتى دخلوا ~~إلى تونس الغرب، فلما نظرهما دياب - أي السلطان حسن وأبي زيد - نزل فلاقاهما بالترحيب ~~والإكرام، وأدخلهما إلى القصر وذبح الذبائح، فأقاما بضيافته ثلاثة أيام ms105 ، وفي اليوم الرابع ~~قال لهما دياب: شرفتموني بنزولكما منازلكم، وكان من الواجب أن أرحل أنا إليكما لأقدم الواجب ~~علي. # وعلى الفور قاطعه السلطان وأبو زيد طارحين مهمتهما بالمجيء إليه، وهي الرجاء بفك أسر سعدى ~~لأنها زوجة مرعي الجريح، وأنشده السلطان حسن قائلا: # مقالات حسن الهلالي أبو علي # ولي قلب من جور الزمان كواه # يا دياب الخيل اسمع مقالتي # وأصغ لقولي وافهم المعناه # سعدى أصبحت عندك وديعة بينما # يروق منا البال نقيم هناه # سعدى مرادي آخذها لضعونا # أزوجها أنا مرعي بأحسن جاه # وهي يتيمة يا دياب بن غانم # أبوها قتلته أنت بوسط فلاة. # وما إن فرغ السلطان من إنشاده حتى انفجر دياب بن غانم محتدا غاضبا من هول وغرابة ذلك ~~الاهتمام الكبير من جانب سلطان الهلاليين وفارسها الأول بمجرد فتاة خانت والدها، ومن خان ~~والده خان قبائله ووطنه، ومن هنا فلا خير فيها سوى القتل المحقق. # ومن الجانب الآخر استمر غضب السلطان حسن وأبي زيد من منطق دياب لفتاة هي في موقع خطيبة إن ~~لم تكن زوجة ابنه مرعي الجريح، قائلا في سماحة ورجاء: فأنت خاله قبل أن أكون أنا ~~والده. # إلا أن دياب المتجبر الحاقد أصر على منطقه بأن سعدى التي خانت أباها لا خير يرجى فيها، ~~ومن ثم يحق قتلها. # وحسما للنزاع اقترح أبو زيد واقعة - أو لعبة - فروسية غربية قديمة، حيث توضع فيها سعدى ~~في مكان بعيد في آخر الميدان المتصدر لقصر أبيها الزناتي - الذي استولى عليه دياب - ثم ~~يركبون ثلاثتهم خيولهم في أول الميدان قبل أن يطلقوا الأعنة، ومن يصل إلى حيث سعدى أولا ~~تكون ملكه ويأخذها حليلة. # وما إن وافقوا ثلاثتهم حتى اتفقوا على اليوم التالي مع مطلع النهار، ثم أحضروا سعدى إلى ~~الميدان وأوقفوها في آخره. # وما إن أعطيت شارة البدء حتى خرجوا وكأنهم نشاب، وكان دياب راكبا الشهباء ابنة ~~الخضراء وكانت أمهر من أمها، فاندفعت إلى المقدمة وأبو زيد في أعقابه، وكانت المسافة مقدار ~~ساعة، وما إن وصل دياب إلى حيث تقف سعدى حتى ms106 بادرته سعدى بما سبق أن أخبرها به أبو زيد: أنا ~~أختك يا دياب. # وهنا تزايد حنق دياب بن غانم من مضمون كلامها، فشهر من فوره حسامه وجرحها جرحا بليغا ~~أوداها طريحة. # فتهاوت سعدى تهذي بمأساتها عن آخرها وما حدث لها مع الهلالية وعشقها لمرعي الذي أضناها، ~~وهي تلفظ كمثل فرسه أنفاسها الأخيرة. # حتى إذا ما وصل إليها أبو زيد الهلالي وفي أعقابه السلطان حسن الهلالي، ترجل أبو زيد عن ~~حصانه وجرى إليها فأخذها بين ذراعيه محتضنا، وهي تنشد بصوت متحشرج حبيس آخر مراثيها تنعي ~~عشقها الدفين لمرعي الذي أذلها إلى حد الموت: # أنا كنت أسعد الناس جميعها # شبه القمر إن بان تحت غمام # فلما أتى أبو زيد للمغرب رادها # ومعه إمارة خيرين كرام # جاءوا إلى سلطان قابس في الضحى # وأبو زيد من سهر الليالي نام # أتوهم عبيد السوء وقفوا حولهم # وهم ساحبين خناجر وحسام # شدوا أياديهم كتافا إلى ورا # أخذوا صوارمهم مع الأغنام # ولما عرضوهم للزناتي خليفة # ملك ملوك الأرض كالضرغام. # وتمضي مرثية سعدى مصورة كيفية عشقها لمرعي، وكيف أن هذا العشق أذلها، وها هي تلقى مصيرها ~~المحتوم بالموت على هذا النحو المفجع. # ومرة أخرى دبت الخلافات والأحقاد بين أقطاب التحالف الهلالي وأبي زيد والسلطان حسن الذي ~~اشتعلت نيران قلبه نتيجة لما فعله دياب لسعدى حبيبة ابنه الجريح المسجى مرعي، حيث لم يرع له ~~اعتبارا وهو سلطان الهلاليين أبا عن جد. # أما دياب فقد طغى في الحكم الذي توصل إليه في آخر عمره، فامتلأ قلبه بالبغضاء ~~والقسوة. # بل هو من جانب آخر قرب إليه بني زغبة - أو الزغابة - اليمنيين وعرب الجنوب، وأغدق عليهم ~~المناصب والثراء والسلطات، مما فجر الخلافات والأحقاد بينه وبين السلطان حسن بن سرحان وأبي ~~زيد الهلالي إلى حد التهديد بالحرب السجال، التي سرعان ما اندلعت بالفعل، وامتدت رحاها ~~لسنوات على طول تونس والمغرب والأندلس. # إلا أن أبا زيد الهلالي بصائب بصيرته وبفكره المعادي للانقسامات تمكن من عقد الهدنة بين ~~السلطان حسن ودياب بن غانم، التي أعقبها عقد ms107 الصلح بينهما في «القيروان». # لكن ظل دياب على عهده وما طبع عليه من الغل والتآمر ضد سلطان الهلالية وتجاوز سلطاته، ~~إلى حد إعادة التحالفات المقوضة لكلمته العليا بين قبائل وكيانات المغرب العربي. # مما أوغر قلب السلطان حسن ضده ودفع به إلى اللجوء إلى المكيدة والحيلة للإيقاع به عن طريق ~~خدعة «المأدبة المسمومة»، حين استدعاه ومعه عيون وفرسان بني زغبة. # وكان دياب مرتديا جبة من الحرير الأخضر وشالحا على كتفيه عباءة حمراء اللون، وعلى رأسه ~~عمامة من البرفيل والأرجوان. وحين دخلوا على السلطان حسن رحب بهم بالغ الترحيب، وجلس دياب ~~على كرسي من العاج كأنه الذهب الوهاج ومن حوله قومه. # وبعد ترحيب السلطان بدياب وقومه، وكذلك ترحيب زوجته الأميرة نوفلة بأخيها، صفق السلطان ~~فدارت القهوة العربية والشراب والكأس، وأحضر مائدة من الطعام مصحوبة بألف فارس ضرغام. ~~أجلسوا على المائدة، وحين مدوا أياديهم كانت المناسف مغطاة، فرفع دياب الغطاء عن المنسف ~~ووجده فارغا من الطعام، وفيه قيود من الحديد، فقال الأمير دياب: ما هذا يا حسن؟ # فردد الجميع: الواجب أن تتقيدوا إلى السلطان بالطاعة ولو ساعة. # فعندها وضع دياب القيد برجليه، وفعلت باقي الإمارة كفعله. # وبينما هم كذلك، اندفعت فرسان «بني حديد» إلى داخل المكان وبأيديهم الخناجر ~~والسيوف. # فصار دياب كالملهوف بعد أن تبين خدعة المائدة المسمومة أو المائدة الفخ. # وأمر السلطان حسن الهلالي بنصب المشانق، فذبحوا ستين أميرا من بني اليمنيين، والبقية أمر ~~بشنقهم. # أما الأمير غانم والد دياب فكاد أن يلفظ أنفاسه من هول ما يقع. # وأمر السلطان بإبقاء دياب ووالده غانم في الأسر، طالما أنهما مأسوران بلا سلاح. # ولما وصل الخبر إلى أبي زيد في الأندلس، شد من فوره الرحال إلى السلطان حسن، فسلم عليه ~~ورحب به غاية الترحيب، ثم سأله أبو زيد عما فعل، فقال السلطان حسن: ما عملت مع دياب إلا ~~سجنه، فإن كنت قتلت أولاد عمه وإخوته، فإنه سبق أن قتل أخي وخطيبة مرعي الأميرة سعدى، وجرح ~~قلبي عليهما، فقابلته بمثل ما قابلني، وجرحت قلبه عليهم ms108 . # ثم إن السلطان بعث بألف فارس إلى تونس وأمرهم أن يحضروا له خزائن تونس، وسلاح دياب، وأثاث ~~بيته، وكل ما في قصور الزناتي يحضروه، فحالا ذهبوا وأحضروا ما أمرهم به السلطان حسن ~~الهلالي. # وحدثت أحداث جسام، منها اغتيال الأمراء الهلاليين كلا من العدنانيين وبني زغبة ~~الجنوبيين. # أما دياب فحاول جاهدا التوسل لفك أسره دون جدوى: # تجازيني بالحبس يا سيد الملا # وقد صار لي بالحبس سبع أعوام. # إلى أن تشفع له أبو زيد لدى السلطان، وساعدته نساء بني هلال في الإفراج عنه. # وهكذا أفرج عنه السلطان في موكب مهين لفارس كدياب، وهدده بإعادته إلى السجن مرات على مشهد ~~من أولاد الإمارة والنساء الهلاليات. ~~- ويلكم بدياب! أمسكوه وإلى السجن ردوه. # هنا أخذ دياب يرتجف مظهرا الخوف الشديد، فسقط على الأرض مغشيا عليه كمن قارب ~~الموت. # وهنا تدخل أبناء الإمارة متوسلين السلطان الإفراج عن دياب المحتضر الغائب عن وعيه لا يدري ~~ما يقول، فأمر السلطان بإدخاله بدار الحريم عند أخته نوفلة التي هي زوجة السلطان. # هنا رفع الرجال دياب بكل تكريم إلى بيت أخته نوفلة، التي ما إن نظرته مسجى على هذا الحال ~~المبين وهو محمول على أيدي الرجال، حتى أجهشت بالبكاء والنحيب وهي تمزق أستارها ~~مولولة: # فما كان ظني يا دياب بن غانم # أراك محمولا على أيدي الرجال كميت! # وأسرعت فمددت أخاها دياب على فراش من ريش النعام، وهو ينتفض ويرتعش، وبقي على هذه الحال ~~ثلاثة أيام، لا يذوق طعاما أو ينطق بكلمة، مستجمعا قواه متحينا منتصف الليل للانتقام ~~الدامي الفاجع لما حل به وانتهى إليه أمره. # إلى أن حانت فرصته فتسلل ليلا تحت أستاره وملابس سجنه إلى مخدع السلطان حسن الهلالي وهو ~~غارق يغط في نومه، واستل شفرة كان يخبئها في حرص إلى أن تحين فرصته تلك بالانتقام الأسود من ~~عدوه اللدود السلطان حسن. # فانطرح على السلطان حسن تحت جنح الظلام وذبحه من الوريد إلى الوريد في صمت كتوم، ومضى ~~متسللا في جنح الظلام إلى أن وصل إلى قومه وعشائره ففرحوا ms109 به كثيرا. # إلى أن حكى لهم ما جرى لحين اغتياله لسلطان الهلالية حسن بن سرحان، فتزايد حزنهم وأساهم ~~وقالوا: أصبحنا عبرة عند العرب، فسوف يصير بنا كما صار مع جساس بن مرة حين اغتال الأمير ~~كليب ملك العرب. # وقرروا من فورهم هدم المضارب والرحيل الجماعي بمضاربهم وأغراضهم تحت جنح الظلام هربا من ~~انتقام الهلالية، وقبل أن تلحقهم جيوشهم الزاحفة المعبأة بكل انتقام أسود. # فهدموا الأطناب وأودعوها ظهور الجمال وأركبوا النساء والأطفال وجدوا السير يقطعون ~~الروابي والبطاح باتجاه السودان والحبشة. # وما إن عم وانتشر خبر اغتيال دياب للسلطان حسن بن سرحان الهلالي، حتى عمت أحزان القيسيين ~~والعامريين - الفلسطينيين - حتى إذا ما وصل الخبر مسامع أبي زيد شق ثيابه، وألقى بشاله ونتف ~~لحيته وأهال التراب مع النساء على رأسه، وبكته أخته الجازية: # عمود ركبتي قد هبط يا نكبتي # طول المدى ما أنظر الأفراح. # ورثاه أبو زيد: # يا مشبع الجوعان معزي الحزين # يا سيد المكروب يا مولى العرب. # وما إن انتهت مراسيم دفن سلطان الهلالية ابن سرحان بنحر الذبائح، حتى تعاهدوا بصيوان ~~الأمير أبي زيد الهلالي بالثأر، فدقت طبول الحرب الانتقامية وساروا حتى دخلوا قصر دياب ~~بتونس، وسرعان ما علموا بفرار دياب وقومه إلى بلاد الأحباش فتعقبه القيسيون، ونصب أبو زيد ~~الهلالي سلطانا لتونس والمغارب. # أما دياب بن غانم فقد واصل فراره وزحفه هو ومن بقي معه من فلول أمراء وفرسان بني زغبة، ~~بعدما كان السلطان حسن قد دبر مكيدة اغتيالهم خلال تلك المأدبة المسمومة التي انتهت بأسر ~~دياب. # وعبر الطريق إلى السودان وأواسط أفريقيا حاول دياب مواصلة جمع شمل بقايا تحالف عرب الجنوب ~~القحطانيين وتبرير فعلته الشنيعة لهم باغتيال السلطان حسن الهلالي في فراشه. # إلى أن حط دياب رحاله بقومه في الحبشة والسودان، مواصلا فتوحاته بحد السيف لتأمين منفاه ~~الجديد، تحسبا لمطاردات العرب النجديين له أينما كان. # وما إن استقر حكم دياب للحبشة والسودان والغرب الأفريقي، حتى بدأ مراسلاته مع أبي زيد ~~طلبا للصفح وإعادة تجميع شمل الهلالية تحت مظلة أبي زيد ms110 وحكمته، وعفا الله عما سلف، إلى أن ~~نجح في استمالة قلب رفيق صباه أبي زيد، الذي راسله بدوره طالبا عودته. # وهكذا ودع دياب بن غانم حلفاءه الأفارقة متجها عائدا إلى شمال أفريقيا بقومه بني زغبة، ~~إلى أن لاقاه أبو زيد ونحر الذبائح وعاد إليهما صفوهما، فكانا يسهران ويسافران إلى نجد ~~ويخرجان للصيد واللهو معا. # ودياب لا يكف عن المطالبة بإعادة نصيبه في حكم المغرب العربي دون أن يعطيه أبو زيد جوابا ~~شافيا. # وهكذا حقد عليه دياب محادثا نفسه: خلصنا من واحد وبقي الآخر! # إلى أن حانت فرصة دياب بخروجه مع أبي زيد للتريض وللصيد والقنص، وحين تفرقت الفرسان لازم ~~دياب أبا زيد وهو يلعب على ابنة فرسه الشهباء بالرمح والدبوس، إلى أن باغت دياب أبا زيد ~~وسحب دبوسه المخفي وضربه خلف رأسه بسهمه فنفذ من جبهته، فوقع أبو زيد على الأرض متخبطا في ~~دمه كالأعمى. # وأخذت الشفقة دياب فوقع إلى جانبه يبكيه راثيا مهيلا التراب الذي رشف دمه لاطما خديه ~~في حسرة، إلى أن تخلى عنه دياب مضرجا بدم أبي زيد بنفس ما فعل جساس بن مرة عقب اغتياله ~~لكليب. # ثم سار دياب كالمذهول بين قومه إلى أن دخل تونس ودخل «سراية الأحكام» ونادى باسمه، بل ~~تجاسر معلنا قتله لأبي زيد الهلالي، وأنه الحاكم الوريث لتونس والمغارب. # وبكت النساء الهلاليات ورجالها أبا زيد وكثرت فيه المراثي، فأنشدته الجازية عقب دفنه إلى ~~جوار أخيها السلطان حسن: # حوى حكمة لقمان وجود حاتم # وصبر أيوب وكل صفات. # أما دياب فقد جلس من جديد على عرش الزناتة وجاءه الملوك والأمراء والحكام طائعين. # بينما فرت الجازية بأبناء الشهداء وفرسان الهلالية وبني دريد وبني الزحلان ليلا، تمهيدا ~~لتحين الأخذ بالثأر الذي دارت عجلته الدامية على رءوس الهلاليين. # وتكدر دياب بن غانم حين لم يلحقهم فرسانه الذين أرسلهم في أعقابهم وعادوا دون أثر. # إلا أن عين دياب لم تغفل عن الجازية ودورها التحريضي في رعاية أبناء شهداء بني هلال الذين ~~أودى بهم دياب، خاصة السلطان حسن وأبا ms111 زيد الهلالي. # وهو بالطبع ما اضطلعت به الجازية في حمايتهم وتربيتهم على الأخذ بثأر آبائهم، مثل إيزيس ~~حين خبأت ابنها حورس المنتقم لأبيه في أحراش الدلتا. # بل هي أولت رعايتها الكبرى هنا للأمير بريقع ابن أخيها الأكبر السلطان حسن مع أبناء أبي ~~زيد. # ولقد حاول دياب مد أياديه الطولى لاغتيال «جيل اليتامى» هذا بالحيلة والمكيدة، وكان ذلك ~~ذات عيد أولم فيه دياب وليمة كبرى وجمعهم وأعمل سيوف فرسانه فيهم، إلا أن «بريقع» نجا ~~بفرسانه من تلك الوليمة المسمومة. # فبعث إليه خاله دياب يتهدده بالحرب والقتال، حتى إذا ما وقعت تلك الحرب الانتقامية قتل ~~دياب فيها الأميرة الجازية. # إلا أن بريقع ابن السلطان حسن استجمع من جديد قواته انتقاما لمقتل عمته القائدة الجازية، ~~ونازل دياب الذي سخر منه في البداية قائلا: مرادي أن أقاتلك بلا درع، وعلى كديشة بدلا من ~~الخضرا! # وهكذا أصر دياب على منازلة بريقع بلا درع وليس معه سوى السيف والترس، مما أغضب بريقع الذي ~~صمد له طويلا إلى أن تمكن منه بطعنة نجلاء، فسقط يتنهد ألما من هول جراحه منشدا: # مقالات الزغبي دياب بن غانم # أيا موت قد زرتنا ثم دنوت. # وبموت دياب بن غانم فارس تحالف عرب الجنوب اليمنيين، جدت أحداث وحروب بين أبناء الجيل ~~الماضي، ولعبت عزيزة دورا مرموقا في احتضان أبناء الشهداء وتربيتهم على الخير ~~والسلم. # لندن، شوقي عبد الحكيم ms112