######OpenITI# #META# URI: 1423ShawqiCabdHakim.SiratBaniHilal.Hindawi94025275 #META# Tags: literature #META# ID: 94025275 #META# Title: سيرة بني هلال #META# AuthorID: 25792509 #META# Author: شوقي عبد الحكيم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # شخصية أبي زيد في سيرة بني هلال‏ # الريادة‏ # سعدى ومرعي‏ # الخفاجي عامر العراقي‏ # أسر دياب في قبرص‏ # الهلالية يحاربون اليهود في فلسطين‏ # بنو هلال في دمشق‏ # الهلالية في القدس وغزة‏ # الهلالية في مصر‏ # اغتيال الخفاجي عامر وابنته دوابة‏ # أبو زيد يزور الأسرى في زي امرأة‏ # هزائم الهلالية وعودة دياب‏ # عشق سعدى لمرعي وخيانتها لقبيلتها ... وطنها‏ # دياب يقتل الزناتي ويسبي سعدى ويحكم الغرب‏ # دكتاتورية دياب وأسر سعدى‏ # مأساة سعدى ومرعي‏ # خلافات بني هلال والهزائم‏ # اغتيال دياب للسلطان وأبي زيد‏ # مصرع دياب وأبناء الشهداء‏ # مقدمة‏ # شخصية أبي زيد في سيرة بني هلال‏ # الريادة‏ # سعدى ومرعي‏ # الخفاجي عامر العراقي‏ # أسر دياب في قبرص‏ # الهلالية يحاربون اليهود في فلسطين‏ # بنو هلال في دمشق‏ # الهلالية في القدس وغزة‏ # الهلالية في مصر‏ # اغتيال الخفاجي عامر وابنته دوابة‏ # أبو زيد يزور الأسرى في زي امرأة‏ # هزائم الهلالية وعودة دياب‏ # عشق سعدى لمرعي وخيانتها لقبيلتها ... وطنها‏ # دياب يقتل الزناتي ويسبي سعدى ويحكم الغرب‏ # دكتاتورية دياب وأسر سعدى‏ # مأساة سعدى ومرعي‏ # خلافات بني هلال والهزائم‏ # اغتيال دياب للسلطان وأبي زيد‏ # مصرع دياب وأبناء الشهداء‏ # | سيرة بني هلال # | سيرة بني هلال # تأليف # شوقي عبد الحكيم # | مقدمة # | هذه السيرة الهلالية السياسية الكبرى # من الملفت والمؤسف أن النص الأصلي المدون لهذه السيرة الهلالية السياسية الكبرى، ما يزال إلى أيامنا في عداد المخطوطة المحفوظة بمكتبة الدولة المركزية ببرلين، مثلها مثل ~~مثيلتها «الأميرة ذات الهمة» (26 ألف صفحة). # بمعنى أن النص الفعلي للهلالية، لم تصله إلى أيامنا يد المطبعة بعد، وما يزال في عداد ~~النص المخطوط اليدوي، ومن هنا فالاختلافات كبيرة، والمغالطات لا تنتهي، والإضافات التي ~~أضافها الرواة والنساخ والمنشدون على مدى العصور تتبدى واضحة بين ذلك النص المخطوط ~~للهلالية، وبين بقية النصوص والطبعات الشعبية المتداولة على طول عالمنا العربي، من محيطه ~~لخليجه، وهي بالتحديد الرقعة الجغرافية التي تغطي هذه السيرة حركتها من حروب وهجرات ~~وأحداث لا تبعد بنا، بتحالفاتها وتناقضاتها، عما نعانيه اليوم على طول البلدان والكيانات ~~العربية، حتى ليبدو أن أحداث ms01 سيرة الهلالية كانت على دراية قومية وافية منذ حوالي عشرين ~~قرنا من الزمان، في حروبها وتصديها لليهود، سواء في خيبر والجزيرة العربية، أو في منطقة ~~شرق الأردن المتاخمة لفلسطين - التي تدعوها السيرة ببلاد «السرو وعبادة» - أو في فلسطين ~~ذاتها، في القدس وغزة وعكا ويافا. # بل هي تتعقب قلاع وفلول اليهود - كما تدعوها السيرة وتسوقها بشكل مباشر - في حلب ~~الشهباء، واللاذقية - التي فيها أسر دياب بن غانم - والقلاع المتاخمة لحماة وحمص ودمشق، ~~وهكذا. # وتلقي المخطوطة الرئيسية للسيرة المزيد من الضوء الساطع على منابع ومكونات هذه السيرة، ~~بالإضافة إلى حفاظها على حلقاتها الرئيسية، التي هي في عداد ثلاث سير متتابعة، وتضرب ~~أولاها بجذورها في العصور التي تعارفنا عليها بالجاهلية السابقة لظهور الإسلام، والتي قد ~~تصل بنا إلى بضعة آلاف سنة؛ إذ تغطي الحلقة الأولى للسيرة بدء تواجد العرب التاريخي في ~~الجزيرة العربية منذ الجاهلية الأولى أو العصور السابقة واللاحقة للإسلام، وهجرتهم ~~الأولى إلى الأردن وفلسطين أو بلاد السرو، إلى أن تتوقف بنا الأحداث مع بدء ظهور الإسلام ~~... وكيف أن هلال بن عامر وفد على النبي # صلى الله عليه وسلم # على رأس قومه - أو قبائله «المتحالفة» - ~~ولعب أولئك الهلاليون دورا في ترسيخ أركان الدين الجديد، حتى إن النبي أسكنه وادي ~~العباس. # وتبدت فيما بعد فروسية وشجاعة الهلالية في جبل «المنذر»، أبو العرب المناذرة، وكيف ~~تعرف إلى الأمير «مهذب» وتزوج بابنته «هذبا»، حتى إذا مضت على زواجهما عشرة أعوام ولم ~~يرزق منها بطفل، قرر الزواج بأخرى. # ثم رحل إلى بلاد «السرو وعبادة» - إلى الأردن وفلسطين - حيث تزوج بابنة الملك الصالح ~~واسمها «عذبا». وبعد ذلك نرى السيرة تحدثنا أن «هذبا» التي خلفت له «جابرا»، كما وضعت ~~«عذبا» جبيرا، ولم يمض على ولادة الطفلين زمن طويل حتى ترى الغيرة تدب بين الاثنتين ~~ونرى كلا منهما تريد المنذر لها ولابنها، وينتهي الأمر بطلاق «عذبا» ورحيلها مع ابنها ~~«جبير» إلى نجد. ومن نسل جابر وجبير انحدرت إلينا بطون بني هلال ونساؤهم الذين قاموا ~~بالأدوار الهامة في مختلف فصول ms02 الحلقة الأولى من السيرة، فجابر ولد له «عامر، وتامر، ~~وهشام، وحازم»، ومن نسل هؤلاء انحدر «رزق» والد أبي زيد، وسرحان والد السلطان حسن بن ~~سرحان. # أما جبير فقد ولد له «رياح، وحنظل، والنعمان»، ومن ذرية رياح جاء دياب، فمن سلسلة النسب ~~هذا يتبين لنا أن أبا زيد من نسل جابر، بينما دياب من ذرية جبير. # وعقب جيل جابر وجبير يرد خبر زواج «رزق» من «خضراء»، وكيف أنه رزق منها بفتاة تدعى ~~«شيحا» وفتى يدعى «بركات»، وكان الولد أسود اللون؛ لذلك اتهمت خضراء في عرضها، وانتهى ~~الأمر إلى رحيلها وابنها إلى بلاد الأمير الزحلان عدو بني هلال، فيكرم الأمير وفادتها ~~ويعنى بها وبتربية ابنها ويوكل أمر تعليمه إلى كاهن أو معلم، فكان يعلم بركات - أو أبا ~~زيد الهلالي - العلوم والحرف واللغات والحيل والمكائد التي اشتهر وتفوق بها: # ولساني عبراني اليهود بينفعك # ولسان سرياني تصير مشير # وكذا الطب والرياضيات والكيمياء، والصباغة والمعادن: # والطب أيضا دانيال أعلمك # وعلم الحساب وكل علم ظهير # وأعلمك علم الصباغات كلها # تصبغ لروحك ما تريد يا أمير # ويحدث أن يهاجم الهلاليون بلاد الزحلان، فيتصدى لهم بركات ويأخذ والده أسيرا، ويعترف ~~له الهلاليون بشجاعته، ويطلقون عليه اسم «سلامة» ويعجب به الزحلان، فيزوجه بابنته «غصن ~~البان» وتعلو مكانة «سلامة» في أعين الهلاليين الذين رأوا كيف أن مهابته وذكاءه ومهارته ~~آخذة في الزيادة؛ لذلك تعارفوا عليه باسم «أبي زيد الهلالي سلامة»، وبعد أن تفرغ السيرة ~~من سرد حروب الهلاليين مع الزحلان أو قبائل بني زحلان تنتقل إلى جيل سرحان، وتحدثنا عن ~~خبر تعرفه بشما، ووقوعهما في أسر الإفرنج ونجاتهما بحيلة، من تلك الحيل التي اشتهر بها ~~الهلالية، خاصة أبا زيد. # وشما أو شماء هنا في موقع الكاهنة أو الإلهة الأنثى القمرية، أو التي تتبع التقويم ~~القمري، وتقود المهاجرين مشيرة بالحرب والسلم والمشورة، كما هو حال أولئك العرب ~~الجاهليين، وتقويمهم القمري وليس الشمسي، وهو ما واصل تواتره كما هو معروف بالنسبة ~~للتقويم الهجري القمري السائد إلى أيامنا. # فالسيرة الهلالية تفرط إلى أقصى ms03 حد بالنسبة لظاهرة شخصياتها الأنثوية، ومثل تلك الأميرة ~~الكاهنة شماء: # انظر لشامتها # هذي علامتها # انظر لقامتها # شبه الردينية # الشعر مثل الليل # كأنه سباسب خيل # والوجه مثل السيل # بعيون هندية # بل إن السيرة في تاريخها لأجيالها المبكرة تضفي الكثير من الحكايات والفابيولات ~~الجانبية والاستطرادية حول قصة الأمير سرحان قائد التحالف الهلالي وحبه وتعشقه لشماء ~~والدته: # شما تلفتيني # بحبك ضنيتيني # قومي واسقيني # من فوق شبربة # بالليل أنا أزورك # وها الوقت دا شوبة # فهذه الإلهة الكاهنة شما، التي كان لها وحدها «ثلث المشورة» عبر حروب ومنازعات بني هلال ~~في الهند وسرنديب واليمن والجنوب العربي بعامة ... هذه إلهة تتشابه في الكثير من الوجوه مع ~~إلهات الحرب الأنثيات، وأبرزهن الإلهة «أثينا» في قيادتها للتحالف القبلي الهليني ~~اليوناني في حروب وحصار طروادة. # ومثلها هنا مثل «الجازية»، فيما سيلي من أحداث الريادة وفتوحات بني هلال في الشام ~~وفلسطين ومصر وليبيا لحين حصار تونس والمغرب العربي بعامة حتى الأندلس التي كان يحكمها ~~أبو زيد الهلالي. # وهنا نكون قد وصلنا إلى الحلقة الثانية، أو المجلد الثاني لسيرة الهلالية، التي تبدأ ~~أحداثها برحلة السلطان حسن وأبي زيد من بلاد السرو التي نرجح أنها وادي الأردن وفلسطين ~~إلى نجد، بقومهما بالطبع بنو دريد وبنو الزحلان إلى نجد، حيث تعيش قابل بني زغابة ~~المنحدرة من ذرية جبير، إلى أن تصل بنا إلى نسب بطل التحالف اليمني والجنوب العربي ~~بعامة، الأمير غانم، وابنه دياب. # أما السبب الدافع لتلك الهجرة، من ربوع وادي الأردن وفلسطين، فلم يكن سوى القحط ~~والجفاف. # والملفت هنا أنهم عبر هجرتهم الجماعية إلى نجد، يخوضون أولى حروبهم، مع من؟ مع يهود ~~التحالف اليهودي الخيبري، وهي حروب طويلة ومضنية تستغرق وقائعها الجانب الأكبر من الحلقة ~~الثانية للهلالية، لحين تحقيق انتصاراتهم على اليهود الخيبريين الذين كانوا في بعض ~~عصورهم التاريخية يتصدون لمحاربة الأكاسرة الفرس المجوس. # ففي هذا الجزء أو الحلقة الثانية للهلالية وسيرتهم، تستقر تحالفاتهم من عرب نجديين أو ~~حجازيين قيسيين، وجنوبيين يمنيين قحطانيين أو حميريين. # وتجيء هذه التحالفات تحت شارة أو ms04 راية أو طوطم الهلال. # فيقدم السلطان حسن بن سرحان على الزواج من أخت دياب بن غانم وتدعى «نافلة»، وفي ذات ~~الوقت يقطع السلطان حسن عهده لقائد ورأس التحالف اليمني دياب بن غانم على أن يزوجه أخته ~~«نور بارق» التي تسمت بالغازية أو الجازية، التي سترث أمها السالفة «شماء» في قيادتها ~~لحروب وهجرات بني هلال حتى ليصبح لها ثلث المشورة. # وتحدث عبر هذه الحلقة الثانية سلسلة من الحروب والإغارات القبلية تمتد ساحتها على طول ~~الجزيرة العربية. # فنجد وصفا للمعارك التي قامت بين الهلالية، والعقيلي، وحنظل، والهيدبي، ثم تنتهي إلى ~~الاصطدام بين أبي زيد ودياب، ولا تنتهي هذه الحلقة إلا بعد أن تطيل في الحديث عن بطولة ~~العرب عامة والهلالية خاصة وانتصاراتهم على الإفرنج. # وتغريبة بني هلال، أو الحلقة الثالثة من حلقات هذه السيرة، تعنى بأعمال الهلاليين في ~~الغرب خاصة في شمال إفريقيا. وهذه الفترة من فترات التاريخ الإسلامي صحيحة لا شك فيها، ~~كما أن بني هلال عرفتهم الجاهلية وعاشوا في الإسلام وقاموا وحلفاؤهم بنصيب وافر في سبيل ~~العمل على تعريب تلك البلاد جنسا وثقافة، فابن الأثير يحدثنا في كامله بأن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تزوج في العام الرابع من زينب بنت خزيمة أم المساكين وهي من بني هلال، ثم ~~يذكرهم مرة عند الحديث عن غزوة هوازن ومرات كثيرة أخرى في مناسبات مختلفة، أما خروجهم ~~إلى إفريقيا، فقد ذكره أكثر من واحد من المؤرخين، أذكر منهم هنا ابن خلدون، فقد جاء في ~~ص62-63 من الجزء الرابع من تاريخه ما نصه: # كان المعز بن باديس قد انتقض دعوة العبيديين بإفريقيا وخطب للقائم العباسي ~~وقطع الخطبة للمستنصر العلوي سنة أربعين وأربعمائة، فكتب إليه المستنصر ~~يتهدده، ثم إنه استوزر الحسين بن علي التازوري بعد. # إلى أن يحل الجدب بنجد والحجاز، ولا تجد هذه القبائل البدوية الرعوية مقرا لها سوى ~~الهجرة والترحال بحثا عن الزرع والضرع. فيستقر الرأي على ضرورة استكشاف المسالك إلى ~~البلدان المتاخمة للجزيرة العربية، وهكذا اندفع فارس التحالف الهلالي أبو زيد ms05 الهلالي، ~~مصطحبا الأمراء الثلاثة أبناء السلطان حسن بن سرحان، مرعي ويونس ويحيى إلى تونس؛ ليقعوا ~~في أسر حاكمها الزناتي خليفة، فيأمر بسجنهم بينما يطلق سراح أبي زيد ليعود إلى نجد، ~~وبدلا من إحضار فدية الأمراء الأسرى، فإنه يجهز الجيش لغزو تونس. # وهكذا يسير أبو زيد على رأس قومه بني زحلان، والسلطان حسن مع بني دريد، ودياب بن غانم ~~على رأس قومه بني زغبة، ويؤتى بالجازية من مكة لتكون في الطليعة، ثم نقرأ قصصا كثيرة ~~حول هذه الجيوش والتقائها بالخفاجي عامر، والملك الغضبان، والخزاعي، وشبيب التبعي ~~والبردويل بن راشد، وأشهرها هي قصة بني هلال مع «الماضي» حاكم صعيد مصر، وما كادت تتحرك ~~هذه الجيوش لملاقاة الزناتي خليفة حتى زودها أبو زيد بخططه الحربية الخطيرة، فهو يضلل ~~جواسيس العدو مرة، ويستولي على عيون المياه مرة أخرى، ويأتي بحيل لا تقل طرافة عن حيل ~~قواد الحرب المعاصرين، وقد أطلق مرة المنادي ينادي العرب: «كل من كان عنده ناقة والدة ~~يبعد ابنها عنها أو فرس والدة يبعد ابنها عنها، وكل من كان عنده حصان طلوق يجيبه عند فرس ~~شايع ويلحقونا على عين الخطيري، وتخلي العرب كلهم يدقوا طبولهم في نزولهم على العين، ~~(فسمع الزناتي حنين المهاري، وصهيل الخيل، وحس الطبول)، فينكسر قلبه قبل ما يجي لنا ~~الحرب.» كما أنه كثيرا ما استخدم النساء للتسرب إلى داخل البلاد والقيام بأعمال السلب ~~والنهب لإيقاع الذعر بين الأهلين والتمهيد لدخول الجيوش، وكان تنفيذ هذه المهمة يوكل ~~عادة للجازية التي كانت تقوم بها خير قيام. فاسمعها مثلا تتحايل على منصور أحد بوابي ~~تونس وتمنيه وتغريه بمختلف المغريات: # افتح لا تخالف # إنك رجل عارف # وانظر د الوصايف # لرية وسارة # روحي يا صبية # ماد لا بلية # قد جتنا المنية # لعند الديار # وشوف نجلا المليحة # مع حسنة الرجيحة # حين ترخي المسيحة # مع طرف الخمار # تنصب لك علامة # ما بين الغراما # قل يالله السلامة # في هذا النهار # وبعد حديث طويل نجد الجازية تتغلب على منصور، ويفتح لها ولمن معها من نساء ورجال ms06 الباب ~~ويتمكن الهلاليون من إطلاق سراح مرعي ويونس، ثم تدور الدائرة على الزناتي فيقتل بفضل ~~خطة وضعتها ابنته سعدى التي شغفت بمرعي عندما كان في سجن أبيها، فهي التي أشارت على ~~الهلالية بإرسال دياب إلى أبيها ومنازلته؛ لأن ديابا أقدر الفرسان على منازلة ~~خليفة. # خلا الجو للعرب في تونس، واستولوا على عروش الغرب السبعة، وشرعوا في تقسيمها بينهم كما ~~أخذوا في الاستعداد لغزو مراكش. وهنا نجد النزاع الذي كان قائما بين العرب في الجزيرة - ~~أعني بين اليمنية والقيسية - ينفجر مرة أخرى في إفريقية، فيمثل أبو زيد القيسية ودياب ~~اليمنية، وقد مهدت السيرة لذلك أحسن تمهيد، فهي في جدول الأنساب الذي ساقته من قبل جعلت ~~ديابا ينحدر من فرع تجري في عروقه دماء حمير، فهو دياب بن غانم بن رياح بن حمير بن رياح ~~بن جبير، فذكر «حمير» هنا لم يأت عبثا وإنما تمهيد لسائر الخصومات التي قامت بين أبي ~~زيد من ناحية ودياب من ناحية أخرى، وهو يعلل لنا قتل دياب للسلطان حسن وأبي زيد فيما ~~بعد. # أدت هذه القبائل القيسية رسالتها في شمالي إفريقية وجعلته عربيا جنسا وثقافة ودينا ~~حتى يومنا هذا، وبعد ذلك نقرأ خبر انتقال دياب إلى السودان والحبشة، ويقتل دياب ويتولى ~~ابنه نصر الدين الزغبي حكم بلاد الغرب، وتنتقل بعض القبائل القيسية إلى صعيد مصر ثانية، ~~فأعلى النوبة، فالخرطوم، فدارفور، حيث نسمع عن وجود قبائل عربية مثل الرزيقات نسبة إلى ~~رزق والد أبي زيد وقبيلة سليم نسبة إلى بني سليم، وهنا تؤيد السيرة أبحاث المؤرخين ورجال ~~اللغات السامية، فهم مجمعون على أن لهجة صعيد مصر، وعرب أولاد علي غرب الإسكندرية، ~~ومالطة، وشمالي إفريقية، وأعلى النوبة، وكردفان، وجنوب الخرطوم، ودارفور، لهجة واحدة لها ~~مميزاتها الخاصة التي تميزها عن سائر اللهجات العربية. # وأخيرا يمكن القول: إن استقرار هذه القبائل العربية خارج الجزيرة لم ينسها يوما ~~نجدا، وجمال نجد، وحرية نجد، وقد عبر مرعي عن هذا الحب بقوله يخاطب سعدى بنت ~~خليفة: # يا سعدى نجد العريضة مرية # ربيت بها ms07 أهلي وكل جدود # بلدي ولو جارت عليا مرية # وأهلي ولو شحت عليا تجود # وهكذا حكم الجيل الثاني الذي تعارفت عليه سيرة الهلالية، بجيل اليتامى، من أبناء ~~السلطان حسن ودياب بن غانم، وأبي زيد الهلالي العالم العربي، مشرقا ومغربا حتى الأندلس ~~ومداخل أوروبا الجنوبية. # | شخصية أبي زيد في سيرة بني هلال # وإذا ما توقفنا عند ملامح ومكونات البطل المحوري لهذه السيرة، والقوة الدافعة لأحداثها، ~~أبي زيد الهلالي سلامة، نجد أنها خليط غير بعيد عن بطل ملحمي مثل عنترة من حيث اللون، ~~والمأثورات أو الفابيولات المصاحبة لنموه كطفل قدري، جاء على غير لون آبائه، ولازمه ~~بالتالي الاضطهاد، بسبب لونه «الغرابي» الأسود حتى إنه برغم ما أسداه «أبو زيد» من ~~انتصارات للتحالف القبائلي على الهلالي فأصبح الفارس الهلالي الأول، ظلت تلاحقه سياط ~~لونه الأسود، وبالتالي السقوط العبودي الطبقي أو الاجتماعي. # فعندما وقعت المشادة الشهيرة بين الجازية كاهنة التحالف الهلالي، وابنة عمه، وبين زوجته ~~«العالية» بنت جابر حين تزاحمتا على مشارف إحدى مخاضات المياه بمصر ثم بتونس بعد فتحها ~~بهودجيهما، فما كان من الجازية رأس «الأرستقراطية» القبلية إلا أن سبت العالية زوجة ~~أبي زيد واصفة إياها بأنها «عشيقة عبدنا»، وكانت تعني بهذا طبعا أبا زيد، وهو الذي فتح ~~لتلك القبائل التي ثقل عليها الحصار بالقحط، طريق هجرتها الجماعية إلى تونس والمغرب ~~العربي بعامة. # وظل يستقبل في رحيله وإيابه استقبال الأبطال الشعبيين بحق «اليوم قد أتانا من هو عزنا حمانا.» # 1 # وأبرز ملامح أبي زيد هو قدراته على التنكر والتخلص من أعتى المآزق، فهو كما تصفه السيرة ~~«يصبغ حاله سبع صبغات، ويتقن الحديث بسبع لغات»، # 2 # منها: العبرية واليونانية والسريانية والفارسية. # فمنذ أول أسر وقع فيه أبطال بني هلال، حين أسرهم الملك الدبيس - الفارسي - حاكم حلب ~~الشهباء في ذلك الحين، تنكر على هيئة درويش أعجمي ولبس طيلسانا وحادث الملك الدبيسي ~~بلسانه الفارسي بعد أن تحايل على حراسه المقربين وخدرهم بملبسه الحلبي، حين سألوه: ~~«ماذا تأكل يا شلبي؟» # فأجابهم: «هذا ملبس حلبي.» # إلى أن حقق انتصاره ms08 على الحكام الفرس منشدا : # يقول أبو زيد الهلالي سلامة # لا يكتم الأسرار غير الأصايل # ولا يكشف الأخبار غير خائن # رديء الأصال من قوم أراذل # أنا أبو رزق من أهل عامر # وأمي شريفة من خيار القبائل # سميت أبا زيد على الناس زايد # كريم شجاع من كرم أفاضل # فحيل أبي زيد الهلالي لا تتوقف عند المعرفة بلغات عصره، وما يتفرع عنها من لهجات، ~~متناهية الانغلاق، ولا في القدرة الفائقة على التنكر والتحولات، بل إيماءات الدراويش ~~والشعراء الجوالين والحواة والحكواتية والكهنة والحكماء والنساء الخليعات والغوازي ~~والمهرجين والعيارين ... بل هو كان على معرفة كبيرة بمحصلة معلومات، منها ما هو أسطوري ~~وجغرافي وكوني، تبدت في حلوله للمحاذير والألغاز التي من مهامها اختبار قدرات البطل ~~وذكائه وتعويق مآربه وطموحاته. # من ذلك أنه سئل ذات مرة من يهودي صاحب قلعة في فلسطين يدعى أبا بشارة: «أخبرني كم طير ~~نزل بالكتاب؟» # 3 # فقال له: «تسعة: الذباب والنمل والنحل وطير الأبابيل والجراد وطير عبس وهو الخفاش ~~والغراب والهدهد.» # هي بالتحديد الطيور السامية - التابو - وهي كما يلاحظ تخلط بين الطيور ~~والحشرات. # كذلك كثيرا ما تعرض أبو زيد لألف باء الأشجار العربية السامية، وأجروميتها الطوطمية ~~المقدسة، وكيف أن من دهن جسده العاري بزيت السندال لا تلمسه النار. # بالإضافة إلى معرفته بالأقوام والقبائل المنقضية مثل: «الزهل والزهول والسبط والنبطان»، ~~والأخيرون يرجح أنهم الأنباط الأردنيون. # فلا تنتهي مخاطره ومآزقه في أديرة اللاذقية، وربوع الشام وفلسطين وقبرص، وأراضي وحضارات ~~منقضية مثل أرض عيلام # 4 # المتعاصرة مع عصر جمدة نصر في سومر 2900ق.م. # كذلك يتبدى أبو زيد على طول سيرة بني هلال بالإضافة لمآثره المستقلة، على معرفة ~~بالكيمياء وكيفية منازلة «طباخين الكيمياء» وحجر المغناطيس، ومآثره التي لا تنتهي والتي ~~يغلب عليها الهجاء والمزاح، على طول معظم الكيانات العربية مرورا بنجوع الجزيرة العربية ~~والشام، وقرى مصر بخاصة وكفورها، حتى إذا ما انتقلت مأثوراته إلى ليبيا وتونس ومراكش ~~اكتست مأثوراته ونوادره مسحة شعائرية، فأصبح يدعى سيدي بو زيد «فيتبرك به الفقراء ~~والواجفون والمضطهدون المهانون بعامة.» # فكان يتسمى ms09 «بسياج الضمن، غفير البيض، حمى - أو حامي - المسكين.» # 5 # كما اشتهر بخرجه العجيب وطرقه التي كلها مسالك. # ويكاد يصعب للغاية، تصور الكم الكبير جدا من المأثورات والأشعار الشعبية والهجاء ~~والنكات، التي تدور في فلكه على طول البلدان والكيانات العربية، التي كانت يوما مسرحا ~~لتلك الهجرة الجماعية التي فاض بها الخزان البشري للجزيرة العربية وأعرابها. # فمأثورات تغطي سوريا العليا، ووادي الرافدين بعامة، ومصر العليا «الصعيد»، ومدن الدلتا ~~- خاصة بلدة بلبيس - بالإضافة للمغرب العربي في ليبيا وقرى تونس والمغرب والجزائر حتى ~~الأندلس، وجبال البرانس. # فشخصيته عبارة عن وعاء كوني لكل المتناقضات: فهو شاعر عنيد، ونائحة وماجن ولوطي - كما ~~وصفه دياب بن غانم - ومنقذ لكل حائر، كالخضر وغيره، وقديس أو أنه مسحة شعائرية تطغى على ~~مجمل ما ذكرنا من نقائص وفضائل. # فكانت تصل به حيله وأحابيله إلى حد التنكر تحت جلود الحيوانات في هيئة مهرج لأميرات بني ~~هلال عبر احتيالهن على حكام البلاد التي يجتازونها، ومنهم حاكم مصر الملقب بالفرمند، ~~وتسمى بقشمر: «فعند ذلك تجهزت البنات في الحال وفعل أبو زيد كما أشار، وكانت هذه ~~البنات من المحصنات وكان في جملتهن وطفا بنت دياب، وجمال الطعن بنت أبي زيد، وبنت القاضي ~~بدير، والست ربا، النعام، وجوهر العقول وسعد الرجا. ولبس أبو زيد قرون من جلد الثعالب ~~والذئاب وتقلد بالسيف من تحت الثياب، وأرخى له سوالف طوال من أذناب الكدش والبغال وجعل ~~بزمام ناقة الجازية أم محمد، وقد تعجبت من أفعاله السادات والعمد، وقال له السلطان حسن: ~~لله درك على هذه الحيلة التي لم يسبق عليها أحد! وودعه وسار بمن معه من البنات الأبكار ~~والصناديق والبكار ومن داخلهن الأقمشة الحسان والأبطال والفرسان حتى دخل إلى المدينة، ~~وطلع إلى قصر الفرمند.» # وتنكر أبو زيد الهلالي أمام فرمند مصر، يذكرنا بتنكر كليب - ملك العرب - الأخ ~~الأكبر للزير سالم أبو ليلى المهلهل تحت جلود الحيوانات، لتحرير حبيبته الجليلة بنت مرة ~~التي اغتصبها التبع اليمني حسان اليماني. # بل الملفت أن كليهما - أبا زير وكليب - اتخذ ذات الاسم للمهرج ms10 قشمر. # ويبدو أنها عادة عربية سامية راسخة ، تتمثل في شعائر التوحد أو التنكر تحت جلود ~~الحيوانات الطوطمية، فهي منتشرة بكثرة في معظم ملاحمنا وسيرنا العربية، كما أنها منتشرة ~~لدى قبائل إفريقيا الشرقية، ويذكر فريزر أنها «لعبت دورا مهما في الحياة الاجتماعية ~~والدينية عند قبائل «أكيكويو» التي تسكن إفريقيا الشرقية، والتي ترجع فيما يبدو إلى أصل عربي.» # 6 # فالمعتقد هنا بالنسبة لشعيرة التنكر تحت جلد الحيوان، واكتساب صفاته وقواه الخارقة، ~~فالشخص أو البطل الشعبي بارتدائه جلد الحيوان يطابق بين شخصه والحيوان الضحية، والذي ~~يكون بمثابة الحاجز بينه وبين إيذاء القوى الشريرة، بتخليصه من هذه القوى الغريبة حتى لا ~~تتملكه، عبر شعائر التحولات والتمثل بالمولود الجديد من الجدي إلى النعجة والكبش والذئاب ~~في حالة المتنكر، باكتساب خصائصها من وداعة وافتراس، كذلك كثيرا ما تنكر أبو زيد في ~~زي النساء، من غواز ودلالات وقابلات ومومسات، خاصة حين تحايل برفقة الجازية وبقية عذارى ~~بني هلال على بواب تونس؛ ليسمح لهن بالدخول، وطوره النسائي وأغانيه الأنثوية؛ لاكتساب ~~موافقة صاحب الباب أو القفل الذي كان قد شدد عليه الزناتي خليفة بعدم فتح بوابات ~~تونس. # | الريادة # تعد سيرة بني هلال، وتغريبتهم، ورحيلهم إلى بلاد الغرب - المغرب العربي - وحروبهم مع ~~الزناتي خليفة، وما جرى لهم من الحوادث والحروب المخيفة، بحسب وصف الطبعات المتعاقبة على ~~نصوصها، مدونة كانت أو شفاهية، أهم أنموذج واضح لسير الأنساب القبائلية، أو لذلك ~~التحالف العشائري الذي لم يقتصر بحال على عرب الجزيرة، بقسميها الشمالي القيسي، في نجد ~~والحجاز، وجنوبها القحطاني في عدن وحضرموت والجنوب اليمني العربي بعامة. فالسيرة ذاتها ~~لا تغفل هذا الدور في التأريخ لرءوس وممثلي وشخوص ذلك التحالف، منذ الإلهة الأنثى ~~القمرية «شمة» وسليلتها الجازية أو الغازية، وأخيها رأس التحالف المعدي القيسي، حسن بن ~~سرحان سلطان الهلالية، وأبنائه، يونس ومرعي، ويحيى، وفارس بني هلال أبو زيد الهلالي ~~سلامة. # ثم عرب الجنوب اليمنيين وفارسهم هنا دياب بن غنم، الذي تعارف عليه جماهير السيرة ~~بالزغبي، مرورا بمن اجتذبتهم الهجرة الجماعية الزاحفة لتلك القبائل المتحالفة ms11 عبر ~~التغريبة تحت شارة أو شعار الهلال، أحد أطوار الدورة القمرية، وما يستتبعها من أخذ ~~بالتقويم القمري أو العربي (الهجري) وليس الشمس، إلى أيامنا. # فلقد اجتذب عرب الجزيرة عبر زحفهم من أقصى المشرق العربي، بدءا بالخليج العربي إلى ~~مغربه على طول الشمال الإفريقي حتى المحيط ومداخل أوروبا الجنوبية بعامة، الكثير من ~~التحالفات القبائلية من العراق وما بين النهرين والشام ولبنان وفلسطين ومصر، إما ~~بالانضمام للحرب أو بالتضامن الذي يحققه - التزاوج - والزواج السياسي كما سيتضح. # فمنذ الأحداث المبكرة للريادة التي اضطلع بها أبو زيد الهلالي حين حدث جوع في الأرض؛ ~~بسبب انقطاع المطر في نجد ومعظم بوادي الجزيرة العربية، فاصطحب أبو زيد الهلالي ابني ~~السلطان الهلالي حسن بن سرحان، يونس ومرعي؛ لريادة الطريق تمهيدا للهجرة الجماعية إلى ~~تونس الخضراء، وتملكها بتخوتها السبع وقلاعها الأربع عشرة حتى الأندلس. # فنجد الأمراء الهلالية المقنعين على هيئة شعراء جوالين حجازية، ينزلون مضارب الخفاجي ~~عامر حاكم بلاد العراق، الذي سيرافق الهجرة الجماعية بفيالقه المحاربة أيضا، حتى إذا ما ~~نزلوا حلب ثم حماة وحمص وطرابلس حتى دمشق، اجتذبوا قبائل خليفة تمد يد العون لجحافل ~~الجيوش العربية المتحالفة تحت شارة الهلال، الذي سيصبح رمزا موحدا للعالم الإسلامي ~~فيما بعد. # واتخذ الرواد الهلالية الثلاثة طريقهم إلى غزة وحاكمها السركسي المسمى بابن نازب، ومنها ~~إلى مصر «العدية» وأكرمهم حاكمها «الفرمند بن بامنوج»، بل هو رافقهم بفرسانه حتى تخوم ~~الديار الليبية، حتى إذا ما حطوا رحالهم بتونس، احتالوا حتى دخلوها عبر أسوارها الشهيرة ~~ومدحوا الزناتي خليفة، فأحسن إليهم، ثم باعوا جارية هلالية تدعى «مي» إلى سعدى ابنة ~~الزناتي خليفة حاكم تونس. # 1 # إلى أن اكتشف أمرهم «العلام» ابن عم الزناتي خليفة «ونائبه في معاملات الأحكام»، فاحتال ~~بدوره للقبض عليهم ومواجهتهم بأنهم أمراء وبصاص بني هلال المتسللين أو الجواسيس. # وبعد مفاوضات طويلة شارك فيها الزناتي خليفة ذاته انتهى الأمر بتدخل الأميرة سعدى ابنته ~~التي هددت أباها بأن هؤلاء الأغراب لا يستحقون القتل، وإلا أدان مثل هذا الفعل القبيح ~~لإذلال الغرباء وأسرهم أو ms12 قتلهم، بدلا من إكرامهم والترحيب بهم في تونس، خاصة وهم ~~شعراء جوالون بما يساعد على إشاعة خبر اغتيال الزناتي لهم؛ ليصبح مسبة في ~~الأفواه. # ثم أشارت سعدى، أو سعدى، بحبس الشابين في قصرها المنعزل بالسجن الملحق به وإطلاق سراح ~~العبد أبي زيد ليعود بالإثبات والفداء: # يقول أبو سعدى الزناتي خليفة # فعقلي تراه قد غدا محتار # أتوني جواسيس من الشرق عا # جلا إمارة أفاضل من فروع كبار # وحينما اقتنع الزناتي خليفة على مضض برأي سعدى ابنته أمر وزيره العلام بإطلاق سراح أبي ~~زيد ليعود بالفدية، أما سعدى فأودعت الأمراء الأسرى سجنها. ~~«وحين انطلق أبو زيد الهلالي واصل من فوره استطلاعه للمدائن حتى أشرف إلى وادي الغباين ~~وتلك الأماكن، فوجدها كثيرة المياه والنبات متسعة البراري والفلوات، تصلح للحرب والقتال ~~ومرعى النوق والجمال، ثم صار من هناك إلى قابس ومنها إلى دروس فوجدها أحسن محل لامتلاك ~~تونس، وقد تعجب من خيرات البلاد وكثرة ما فيها من الإيراد ومشاهدة من البلدان الكثيرة ~~والمياه والبساتين الغزيرة، فانشرح خاطره وطابت سرائره.» # ويتضح من ظاهرة اهتمام أبي زيد الهلالي برصد كل ما تقع عليه عيناه من معالم وجغرافية ~~الأراضي التونسية، مدى إخصابها وخيراتها المتفجرة، بالإضافة إلى معالمها الواقعية ~~وحصونها في قابس ودوس بما يسهل على قومه طريق الهجرة وسهولة فتحها. ~~«أما يحيى ومرعي فأخذتهم سعدى عندها ويبقوا في سرور وأفراح وبسط وانشراح، أما الأمير ~~أبو زيد فبعد أن دار جميع البلاد وعرف السهول والوهاد، رجع ليرى أحوال البلاد، ولما دخل ~~قصر سعدى فألقاه مطليا بالرصاص.» # وعلى هذا النحو دأب فارس الهلالية على معرفة كل ما يسهل على عشائره طريق هجرتهم ~~وفتوحاتهم، بل إن الأحداث التي صادفت فرسان بني هلال جاءت هي بذاتها بالمبرر لهجرة ~~القبائل وحربها لاسترداد أسرارها من الأمراء الرهائن بقصر سعدى الجميلة ابنة الزناتي ~~خليفة، وغرامها الذي سيشتعل حبا بمرعى عدو بلادها الذي جاء غازيا. # فتحرص السيرة على ترصد أبي زيد الهلالي لكل ما يشاهده ويراه من معالم ومراكز قوة، ~~تسهل على التحالف القبلي الهلالي ms13 سهولة فتحها وتملكها. # وما زال يجد في السير مدة خمسين يوما حتى أقبل إلى نجد وتلك الأوطان، وحين دخوله إلى ~~نجع بني هلال التقاه الكبار والصغار، وكلما تقدم إلى قدام يزاحمه الجميع وهم يصرخون بصوت ~~واحد: «اليوم قد أتانا من هو عزنا وحمانا»، وما زال سائر حتى أقبل إلى صيوان الأمير حسن ~~والأمير دياب والقاضي بدير والأمير زيدان شيخ الشباب، تقدموا إليه وقبلوه بين عينيه، ~~وأجلسه الأمير حسن بجانبه، ودارت البشائر في بلاد نجد بأن الأمير أبا زيد حضر من بلاد ~~الغرب، فاجتمعت الفرسان من كل مكان وحينئذ سألوه عن الأمراء مرعي ويحيى ويونس، فعند ذلك ~~بكى الأمير بكاء شديدا، وأشاد يخبرهم عما جرى له من التعب والمعاناة حاكيا مرة ~~ومنشدا أخرى. # إلى أن استقر رأي كبار العشائر على الرحيل والهجرة عن الديار، إلى تونس والمغارب، لفك ~~أسرى أمراء بني هلال. # فاجتمعت القبائل مع مطلع نهار الرحيل يتقدمها شيوخ القبائل وفرسانها، السلطان حسن بن ~~سرحان، وأبو زيد الهلالي ودياب بن غانم والقاضي بدير، وزيدان شيخ الشباب، ثم الأميرة ~~الجازية، التي هي في موقع الكاهنة - القمرية - الأم لهذا التحالف القبائلي ~~الهلالي. # وتصادفهم سلسلة من الحروب والمنازعات أول ما يلتقون في بلاد الأعاجم بالعراق وتخوم ~~إيران وبلاد التركمان، مثلما حدث مع الدبيس بن مريد، ووزيره المدعو همام، عقب سبي إحدى ~~أميرات بني هلال وهي المارية ابنة القاضي. # وفي تلك الحروب تبدت شجاعة وفروسية رأس التحالف اليمني السيرة وهواجسها التي اشتعلت، ~~فأنشدت تمنع أبيها عن منازلة الدبيس دياب بن غانم الملقب بأبي موسى، وابنته وطفاء، أو ~~وطفا، بحسب نطق متوجسة كمثل كاهنة متنبئة: # قد شفت بحر من دم # وأنت بوسطه غرقان # شفتك في وسطه تسبح # كلت منك الدرعان # ما عاد لك قوة تخرج # أنا شفتك بعيان # أنت تنادي يا أبو زيد # هيا يا أبا شيبان # في سرعة قد أتاك # ومد إليك الزندان # وقال لك يا أبو موسى # أمسكني بالدرعان # وتشير هذه السيرة التي توغل في إغراقها في المأثورات الغيبية والخرافية، من ضرب للرمل ms14 ~~واستثارة وأحلام وهواجس أبطالها، خاصة الجازية، إلا أن كابوس وطفاء ابنة دياب تحقق هذه ~~المرة بانكسار فرسان الهلالية أمام الدبيس الذي أسر منهم الكثيرين من قادتهم وأمرائهم، ~~منهم الأمير عقيل أخو أبي زيد الهلالي والأمير زيدان الملقب بشيخ الشباب إلى أن جاء ~~المنقذ، وهو أبو زيد الهلالي وألاعيبه وأحابيله الكاشفة عن مدى ذكائه وقدراته الفائقة في ~~اجتياز المآزق وتحقيق غاياته في النصر على أعدائه. ~~«فما إن أسر الملك الدبيس أمراء بني هلال، حتى هاجت النساء والرجال واستعظموا تلك ~~الأحوال، وذهب منهم جماعة من الأعيان إلى عند أبي زيد فارس الفرسان، فوقعوا عليه وفوضوا ~~إليه، وطلبوا منه أن يسعى لتخليص الفرسان والأبطال من الأسر.» ~~«إنه غير زيه وتنكر ولبس حلة من الحرير الأخضر ووضع طيلسانا على رأسه حتى لم يعد ~~يعرفه أحد، وقصد الملك الدبيس وحادثه باللغة الفارسية، فلما رآه الدبيس تلك الصفة ظن ~~بأنه من دراويش الأعجام، فاحترمه وقال له: من أين أتيت يا ابن الأجواد؟ قال: من مدينة ~~بغداد وإني من فقراء عبد القادر رب الفضائل والمآسر، فقال: ادعو لنا يا درويش الأعجام ~~بالنجاح والانتصار، وأن الله يرزقنا بأبي زيد المخادع الماكر حتى نقتله على رءوس الأشهاد ~~ونبلغ منه سرور الفؤاد، وهو الذي كان السبب في قدوم بني هلال إلى هذه المنازل والأطلال، ~~فإذا أجاب الله طلبك بلغناك إربك، فتعجب أبو زيد من هذا الكلام، وقال له: بلغك المراد، ~~وما دام كذلك أريد منك أن تأمر لي بالذهاب إلى البلد. فسمح له بالذهاب وأمر الحجاب أن ~~يفتحوا له الأبواب، وعند دخوله إلى البلد قصد باب الحديد وهو المكان الذي كانت مسجونة ~~فيه فرسان بني هلال، ووجد هناك جماعة العبيد وهم يطوفون تحت جنح الظلام، فسلم عليهم، ~~فردوا السلام، وقال: من تكون من الأنام؟ فقال: قد أرسلني الدبيس بن مزيد لأدعو له في ~~جامع عبد الصمد بأن الله يبلغه المراد وينتصر على أبي زيد من الأوغاد. وأنتم من تكونون ~~من الناس؟! فقالوا: إننا من جملة الحراس، وقد أمر الملك أن ms15 نحافظ على أسر بني هلال خوفا ~~من أبي زيد ؛ لئلا يأتي إليهم بالمكر والاحتيال. # ثم إن أبا زيد بعد هذا الحديث أخرج من جيبه شمعة مبنجة، فأضاءها عند فرك مناخيره، فلما ~~اشتعلت فاح منها رائحة زكية، ولم تكن إلا برهة يسيرة حتى وقعت الحراس كالأموات من ذلك ~~البنج، وبعد ذلك أخرج حجر المغناطيس ووضعه على الأقفال، فتساقطت في الحال، فرأى فرسان ~~بني هلال في القيود والأغلال وهم يقاسون الأهوال، فأعلمهم بالأمر، وفكهم من الأسر، ثم ~~أعطاهم أسلحة الجماعة، وقال لهم: اتبعوني بعد ساعة؛ حتى أكون فتحت لكم أبواب المدينة، ~~فتخرجوا بالراحة والأمان. # ثم سار حتى وصلوا إلى الباب، فوجد الحراس جالسين في أيديهم السيوف والحراب، فردوا عليه ~~السلام، وقاموا على الأقدام، وأجلسوه بجانبهم، وجعلوه يخاطبهم ويخاطبونه، وكان كثيرا ~~يمد يديه إلى جراب، ويأخذ قطعة من السكر ويأكلها أمامهم، فقالوا: ما هذا الذي تأكله يا ~~شلبي؟ قال: هذا هو ملبس حلبي. فقالوا: أطعمنا ونحن ندعو لك بالتوفيق والخير. فأعطاهم ~~قبضة كبيرة، وكانت مبنجة فأكلوها، فما استقرت في بطونهم حتى سقطوا أو ناموا، والأسرى فقد ~~خرجوا ومدوا في قطع البراري والبطاح، فوصلوا لأهلهم عند الصباح، فقامت الأفراح، وكثر ~~الصياح، واشتدت ظهور الأبطال وشكروا أبا زيد على تلك الأفعال، رأوا الحراس راقدين ~~والأسرى غير موجودين، ولما بلغ الدبيس هذا الخبر طار من عينيه الشرر وتأكد عنده بعد ~~التحقيق والتفتيش أن البلا من الدراويش، وما هو إلا أبو زيد صاحب المكر والكيد، ودارت ~~الدائرة واستمر القتال على المنوال حتى كثرت الأهوال على بني هلال، فلم يعد لهم ثبات ~~فتأخروا إلى الوراء فتفرقوا إلى جانب الصحراء، وقد قتل من الفريقين في ذلك نحو عشرين ~~ألف بطل كرار، ولما أظلم الظلام اجتمعت بنو هلال في الخيام في حالة الذل والانكسار مما ~~أصابهم، وعقدوا ديوان مع الأمير حسن، وطلبوا منه أن يمدهم برأيه، فأخذ حسن يحمسهم ~~بالمقال ويشجعهم على الحرب والقتال، ويقول لهم: إنه من الواجب أن تركب الجازية مع ~~المعمارية وتحمل عليهم في الصباح بالكتائب والمواكب.» ms16 # وعلى هذا النحو الذي تسوقه السيرة في الدور الحربي والمقاتل والمنقذ للجازية، كإلهة ~~قمرية أم لذلك التحالف الهلالي فهي بالحق التي حققت الانتصار الأخير وفك أسرى الهلالية، ~~حتى إذا ما وصلت القبائل زحفها في أرض العجم - أو العراق الأعلى وبحر العرب # 2 ~~- حتى طالبهم ملكها المدعو بالخرمند بدفع الجزية (عشر ما لهم من النساء ~~والدواب والخيول). # فأرسل إليه أبو زيد الهلالي منشدا: # بعثت يا خرمند تطلب لعشرنا # عشر النساء والخيول الأصايل # وتريد منا كل بيضة جميلة # بنت الإمارة زائدات الدلائل # فما تحظى بهم فإن وراءهم # رجال حروب كالأسود تقاتل # سألقاكم غدا بقوة ساعدي # وجيش بني هلال الفضايل # وإن كنتم لا تبرزوا للقتال # فإني سألقاكم بوسط المنازل # يقول أبو زيد الهلالي سلامة # سيدركوني الفرسان في يوم الهوايل # وحين وقعت الحرب بين الخرمند أو الفرمند - ويبدو أنه كان لقبا ملكيا - تبدت شجاعة ~~أبي زيد، وما ألحقه بهم من هزائم. ~~«فعند ذلك ولت الأعجام هاربة إلى النجاة طالبة، وخلص أبو زيد من أيديهم النساء ~~والبنات ورجع بالنصر والإقبال إلى المضارب والأبيات مع باقي الأمراء والسادات.» ~~«هذا ما كان من أبي زيد البطل وما فعله في ذلك النهار، وأما المارية ابنة عم الأمير ~~غنيم فكانت في هودج على جمل أهوج، فما اشتد القتال انهز بها الجمل وسار بها على عجل، ~~فرأت نفسها بقرب الحلة والكوفة والصلصيل وراء هودجها طالب أخذها، فصاحت على ابن عمها من ~~ملو رأسها، وكان المذكور بالقرب منها، فلما سمع نداها ترك القتال وأتاها فجعل يطعن ~~الأبطال ويمدد الفرسان.» # وابن عمها هنا ليس سوى أبي زيد الذي أنقذ أميرات بني هلال من أيدي العجم بقرب الحلة ~~والكوفة. # | سعدى ومرعي # أين عزيزة ويونس؟ # بحسب سرد السيرة فإن سعدى ابنة الزناتي خليفة تولت أمر الأمراء الأسرى الثلاثة يونس ~~ومرعي ويحيى، وذلك عقب إقناعها لأبيها الزناتي، بإيداعهم السجن الملحق بقصرها الرائع ~~المطلي بالرصاص، وكانت سعدى قد سرت وانجذبت منذ البداية بحديث أبي زيد وذكائه الخارق ~~ومشاعره الإنسانية، حين أخذتهم وقدمت لهم فاخر الطعام فأخذه ms17 أبو زيد شاكرا وقام بتقسيمه ~~على سبعة أقسام، فسألته عن سبب ذلك، فقال لها: «اعلمي يا زينة الممالك وبدر الليل الحالك ~~أنا وجماعتي أربعة وأنت والجارية اثنان على التمام، والحصة السابعة سأحزمها بحزام، ~~وأرسلها إلى ابنة عمي # 1 # عاليا في الظلام.» وكان أبو زيد يقول هذا الكلام وهو متوقف عن أكل الطعام، ~~فقالت له سعدى: «لماذا لا تتغذى؟» فتنهد وأنشد: # إذا أكلت أنا وجاعت جماعتي # فأوعى خالي يضرب الصفائح # إذا جعت أنا وأكلت جماعتي # أحمد ربي وهو كريم مسامح # أيا ست زاد اثنين يكفي ثلاثة # ويكفي أربعة يا ست والكل راجح # ويكفي خمسة من أجاويد حينا # ويكفي لستة من هلال السمائح # فضحكت سعدى وأعجبها شعره، ثم إنه بعد ذلك أخرجتهم من الحبس وأحضرتهم إلى عندها، وقدمت ~~لهم الطعام، وأخذت تحادثهم وتسألهم عن أحوالهم وعن بلادهم، فقال أبو زيد: «نحن من جملة ~~الشعراء نقصد الملوك والأمراء فنمدحهم بنفائس الأشعار، ونرجع إلى الديار بالدرهم ~~والدينار.» فقالت: «إنكم لم تعلموني الحقيقة مع أنني عارفة بأحوالكم على التحقيق.» فأخذت ~~تعلمهم بسفرهم، وما جرى لهم في الطريق والسبب في قدومهم إلى تلك الديار بهذه القصيدة ~~التي تستحق الاعتبار: # قالت سعدى بنت أمير تونس يونس # بدمع جرى فوق الخدود غزار # ضربت تحت الرمل عشرين مرة # ومرة بعدها ما شفت الحرف جهار # فعرفتكم وعرفت اسم أميركم # وعرفت أساميكم بلا إنكار # إن مسير القوم أمير عامر # حسن بن سرحان أمير جهار # وهذا مرعي وذاك يونس ويحيى # وأنت أبو زيد فارس الأقطار # قحلت أراضيكم وقد قل خيرها # فجيتم لتونس لتكشفوا الأخبار # فقالوا يا أبو زيد نرضاك رائد # ترود بلاد القيروان عمار # فقلت لهم سمعا وألفين طاعة # أريد ثلاثة من فروع كبار # أريد الفتى مرعي ويحيى ويونس # أمارة أصايل من فروع كبار # فجاءوا ثلاثتهم إليك كأنهم # أسود كواسر طالبين قفار # فمن يوم فارقتم نجد وأرضها # فإني أقتفي منكم الآثار # وجزتم حلب ليلا في حال سرعة # وردتم حماة وحمص بوسط نهار # وجئتم بلاد الشام جزتم بلادها # وجئتم إلى القدس الشريف جهار ms18 # مررتم على غزة وقطة وغيرها # وبلبيس جزتوها بلا إنكار # وجئتم إلى مصر ويعقوب يوسف # مررت على نيل الصعيد مرار # مررتم على الماضي # 2 # فحيا ركابكم # فرش لكم بيت للضيافة ودار # لكم ميت قافلة سايرين بعجلة # وعشر الليالي كاملة بنهار # ولا بد من تأتي هلال بن عامر # من الشرق في جمع غزار # بأربع تسعينات ألوف عديدهم # كذا دل الرمل بالأخبار # بحرف الألف تأليف عدتكم # أربع تسعينات ألوف راكبين مهار # والباء بدت سيل ابن سرحان ابن علي # نهجن تلا فيها قطار قطار # والتاء ترى في محل نجد وأرضها # سبعة سنين كاملات عسار # والجيم جيتوا ترودوا بلادنا # وتأخذ لقومك صحة الأخبار # والجيم جيرتم غرامي بحبكم # وحبي لمرعي قد كواني بنار # والخاء خليناك ترجع وتتنبى # تجيب لنا مال وما تختار # والدال دل الرمل عندي بأن لي # بأن بلاد القيروان دنار # والذال ذو الرمل نملك بلادنا # وتحلونا من أرضنا ودثار # والراء رؤيكم تجوا يا سلامة # على أصايل تقطع الأقفار # والزاء زلزلت البلاد بأهلها # وكل أمير يخجل الأقمار # والسين سرتم من بلاد بعيدة # قطعتوا الفضا وتسير الأوفار # والشين شديتو المطايا لأرضنا # وكم دار قطعتوها بعب نهار # والصاد صدتكم على خبر خاطو # لأعدتم بقاع السجن بأشعار # والضاد ضربتم في جموع زناتي # وأبي من فعالكم عاد محتار # الطاء طفتوا الأراضي ردتم بلادنا # وأبصرتم البلدان وكل ديار # والظاء وظني أنكم تملكونا # وقول وظني وهو صحيح جبار # والعين عيني نحو مرعي تطلعت # فأشعل في قلبي لهيب النار # والغين غلب نجعنا من قبالكم # ونجم أبي واقف عليه غبار # والفاء فارقتم لنجد وأهلها # وجئتم إلينا لتكشفوا الأخبار # والقاف قابلتم كل معنى كلامكم # وقلتم معاني أطيب الأشعار # واللام لميتم رجال لحينا # وجئتم إلينا لتسكوا الأقطار # والميم مال الحب في قلب مرعي # ولولا مرعي ما نظمت أشعار # والنون نلقاكم على خيل سمر # وكل رديني أسمر خطار # والهاء همل دمع أصابني # على شأن مرعي انكويت بنار # والواو ولت خيلنا من رجالكم # وتبقى تونس والرجال قفار # والياء يبقى علمكم فوق علمنا # بإذن الله الواحد القهار # وحق ms19 الله ما أخون عهدكم # ولو قطعوني بالسيوف بنار # فلما فرغت سعدى من كلامها شكرها الأمير أبو زيد وجماعته على اهتمامها بهم، وباتوا تلك ~~الليلة، ولما أصبح الصباح أمر الزناتي بإحضارهم، فلما حضر وقال لأبي زيد: «إذا أطلقناك ~~إلى أن تأتي جماعتك من الأوطان، فكم يوم تغيب عنا؟ وماذا تجيب لنا؟» فقال: «أغيب ثلاثة ~~شهور، وأجيب لك أربع مية ألف مدرع مشهور.» فقال: «وما هو مرادك من المدرع أيها البطل ~~الصميدع؟» فأخرج الأمير أبو زيد من جيبه قطعة من الفضة الخالص وأنقى من الفضة الروابض، ~~وقال: «هذا هو المدرع يا زينة المتالك.» ففرح الزناتي بذلك، وقال: «اذهب بأمان الأوطان.» ~~فقال: «أعطني عدة حرب وحصان؛ لأن الطريق مخاطرة والأراضي موعرة.» # فأشار الزناتي مستجيبا إلى طلب أبي زيد وأطلقه، استجابة لمشورة سعدى ابنته. ~~••• # وفي معظم النصوص الفولكلورية - الشفهية - تأخذ عزيزة ابنة سلطان أو باي تونس العجوز ~~معبد، دور سعدى في الطبعات الشعبية المتداولة لسيرة وتغريبة وريادة بني هلال. # بل إن من الملفت أن البالادا الشعبية أو قصص الحب والحرب الشعرية، تحفظ لعزيزة ويونس، ~~ذات الدور المناط لسعدى ومرعي، وكما أشرنا سابقا بالمتداول أو المتواتر إلى أيامنا، هي ~~بالادا عزيزة ويونس، والتي اشتهرت بالسفاري عزيزة، وكانت إحدى المواضيع الثابتة داخل ~~مسرحيات خيال الظل، وصندوق الدنيا. # بينما لم تستقل فابيولة أو قصة سعدى ومرعي، عن جسد السيرة لتصبح قصة أو حكاية شعرية ~~غنائية بالقدر الملاحظ بالنسبة لعزيزة ويونس. # | الخفاجي عامر العراقي # وواصلت الهجرة الهلالية زحفها إلى أن شارفوا بلاد التركمان، وحاكمها هو الملك الغطريق ~~الملقب بالغضبان الذي طالبهم كالعادة بعشر نسائهم، ودفع الجزية مهددا، فرد عليه أبو زيد ~~منشدا: # يقول أبو زيد الهلالي سلامة # ونيران قلبي زايدات وقيد # يا غاديا مني على متن ضامر # تقطع فيافي برها وتعيد # إذا جيت إلى الغضبان بلغ سلامي # إللي خاطبتنا بالغيظ والتهديد # طالب بنات مكحلات نواعس # بنات الإمارة مثل ورد اللبيد # أما كنت تعلم يا خميس وراءهم # أسود قروم هلال وكل حسيد # وراءهم حسن أمير قيس # حامي الزناتي من ms20 كل قوم عنيد # وراءهم أبو لكسايدير بن فايد # على متن ضامر مثل نار وقيد # ورارهم أبو موسى دياب بن غانم # على ظهر خطر الغزال تصيد # وراءهم أبو ضرغام شيخ شبابنا # ستة آلاف قومه وتزيد # أنا أبو زيد الهلالي سلامة # لخلي الفوارس على التراب مديد # وأفني أكابركم وكل رجالكم # وأجعل دماكم على التراب تزيد # وفي هذه الحرب التي حسمها فارس الخضرا دياب بن غانم بقتله للغضبان، وفتح بلاده «وولى ~~بنو هلال ابنه» بدلا منه، على أن يدفع لهم الجزية، وواصلوا زحفهم إلى أن نزلوا العراق، ~~وعرف حاكمها واشتهر بالكثير من الفضائل والفروسية والمآثر يقال له الخفاجي عامر - يحكم ~~على البصرة وبغداد والموصل والعراق وما يلي تلك البلاد - عنده من الأبطال والفرسان نحو ~~مائتي ألف عنان، فبينما هو جالس في الديوان وحوله الوزراء والأعيان، إذ قد دخلت عليه ~~الرعيان، وقالوا له: «اعلم يا ملك الزمان أن بني هلال قد دخلت ديارنا وأكلت من ثمار ~~بساتيننا وأشجاره، وهم كالجراد المنتشر لم يعرف لهم أول من آخر وقد هربت من أمامهم ~~الرعيان.» # إلا أن رأس التحالف الهلالي السلطان حسن بن سرحان عرف كيف يخاطب الخفاجي عامر ويخبره ~~بغرضهم، وهو مجرد المرور عبر بلاده في طريقهم إلى المغرب العربي، وهو يكتب له منشدا ~~ومحييا جوده وسخاءه ومعشره الطيب قائلا: # ونحن يا أمير لنا بالغرب سادة # بأرض الزناتي يا ملك بالجنازر # وجينا جميعا يا أمير لأجلهم # لكي نخلصهم بضرب البواتر # ونحن ضيوفك يا خفاجى اهتدى # بجاه النبي فخر الورى والعشاير # فدعنا نثني الخير بدربنا # حتى نصل للغرب وأرض الجزاير # يا أمير نحن تحت حكمك وطاعتك # فافعل بأصلك يا خفاجي عامر ~~«قال الراوي: فلما فرغ الأمير حسن من هذا الشعر والنظام طواه، وأعطاه إلى الوزير سلام، ~~فأخذه وسار حتى أشرف على الخفاجي عامر في آخر النهار، فأعطاه الكتاب ففتحه وقرأه وعرف ~~فحواه، وقال له أبوه درغام: جواب بني هلال أحلى من الماء الزلال، فقم اعزمهم ورحب بهم، ~~فقام الخفاجي عامر الملقب بالنجع بالترحيب بهم.» ~~«فانشرح خاطر الخفاجي ms21 عامر وتقدم بعده الأمير درغام، وأشار بترحيب بنو هلال، ثم ركب بنو ~~هلال مطاياهم والخفاجي عامر ودخلوا للبلد، وتفرقت عرب بني هلال في تلك الأراضي، وأما ~~الأمير حسن والسادات، فبقوا عند الخفاجي عامر على أمل طعام وشرب مدام وفرح وسرور مدة ~~ثلاثة شهور.» ~~«فاتفق في بعض الأيام أن الخفاجي أولم وليمة عظيمة دعى إليها الأمير حسن وسادات بنو ~~هلال الأكابر حضرتها النساء والبنات، وبعد أن أكلوا ولذوا ودارت كاسات المدام على من حضر ~~في ذلك المقام، وكانت البنات والنساء الحراير يشربن على اسم الخفاجي، إلى أن انتهت ~~النوبة على الجازية، وكانت بديعة الجمال فصيحة المقال، تقدمت إلى الخفاجي تصف له محاسن ~~بني هلال، فأشارت: # تقول فتاة الحي الجازية # ونيران قلبي زايدات إشعال # إن الأمارة يا أمير لبناتهم # من الظبا والحسن والأشكال # أما جمال الطعن بنت سلامة # الوجه منها مثل بدر تمام # بنت أبو موسى دياب الماجد # فعيونها يا أمير كعين غزال # بنت قاضينا بدير الفايد # تشبه غزالا بالفلاة جفال # بنت أمير البوادي أبي علي # شبيهة البدر في بهاء وجمال» ~~«وأكلت قوم الخفاجي وهلال من موائد الطعام، وأمر حسن بالرحيل بعد ثلاثة أيام، فقال ~~الخفاجي: لا بد من مسيري معكم إلى تونس، وأبذل معكم المجهود في استخلاص مرعي ويحيى ~~ويونس. فلما سمع أبوه الضرغام منه هذا الكلام لم يهن عليه الأمر، وقد اشتعل قلبه بلهيب ~~الجمر؛ لأنه كان يحبه محبة زائدة وليس له صبر على فراقه، فلم يقبل الخفاجي وطلب من ابنته ~~وزوجته أن يذهبا معا في تلك الديار، ويتركا الحي، فامتنعا عن المسير وبكيا بدمع غزير ثم ~~تقدمت ابنته ذوابة، وأشارت تنهيه عن السفر، وتقول: # تقول ذوابة يا أبي لا تسافر # فتترك الأهل في عنا ومصاعب # فما لك يا أمير في الغرب حاجة # ولا لك فيها مال ولا أسباب # ولا أثار عندك للزناتي خليفة # ولا دم لك ولا أصحاب # فكيف تشتتنا وتطلب بعادنا # وتبقى ضواحي في عنا وحساب # وتبقى الهلاليين مجموع شملهم # ونحن بلا أهل ولا أصحاب # فلما فرغت ابنته ms22 من كلامها زاد البكاء والنحيب من الفراق: # تقول فتاة الحي هي التي شكت # ولي قلب من كثر الغباين داب # روحك ألا يا أمير ما فيه فايدة # وقصدك بلاد الغرب ليس صواب # فدع أبو زيد الهلالي سلامة # وحسن الهلالي والأمير دياب # فكيف تخلي يا أمير بلادك # وتبقى قصورك خاليات خراب؟» # وبعد ذلك حضرت جميع الولاة وسادات العشائر لوداع الخليفة عامر. # وبعد ثلاثة أيام أمر الأمير حسن بدق طبل الرحيل والاستعداد للسفر من تلك البلاد، فعند ~~ذلك مدت المضارب، وركبت الفرسان ظهور الجنايب واعتقلوا بالسيوف والنصول، وقد ملئوا ~~بكثرتهم تلك السلول، وركبت النساء والبنات في الهوادج قاصدين بلاد الغرب. # | أسر دياب في قبرص # ثم ترد بعد ذلك أخبار حروب طويلة، معظمها من ذلك النوع الدخيل على جسد السيرة، وهو ما ~~أشرنا إليه بالتراكم الملحمي أو ما يضيفه رواة العصور المتعاقبة، من ذلك سلسلة حروب ~~ومنازعات انتقامية من جانب حاكم الموصل الذي استعان بالتيمور لنك، وأحد وزرائه المتآمرين ~~يدعى «الإسكندر». # وكان لدياب بن غانم الباع الأكبر في تحقيق الانتصار على ما تسميهم السيرة بالأعاجم: ~~«إني دياب الخيل ذباح الفوارس.» # 1 # كذلك تصفه السيرة، أنه عقب كل انتصار، كان يعود مضرجا بالدم مثل شقيقه الأرجوان ~~منشدا: # مقالات الفتى الزغبي دياب # ولي عزم كما الصخر الأصما # ولي همة كهمة ليث غاب # أنا الزغبي دياب المسمى # كذلك تبدت بطولات دياب عقب وصولهم إلى حلب الشهباء وقتله لحاكمها بدريس ملك حلب، ~~فاستقبل أهلها الهلالية بالترحاب، وبعد أن نصب الهلالية ابن الملك المقتول، واسمه ~~جمال، ملكا عليها مكان أبيه الشرير. ~~«فأمر أهل المدينة أن تطيع أوامره، وأقامت بنو هلال في تلك الأطلال نحو عشرة أيام في ~~أكل وطعام وشرب مدام، وسماع أصوات الأنام، وفي اليوم الحادي عشر تجهزت للرحيل والمفر قد ~~دق طبل الرجوع تنبها للعسكر، وفي الحال هدت الخيام وركبت فرسان الصدام، وسارت النساء ~~والبنات في الهوادج العماريات، وركب أيضا الأمير حسن وباقي السادات ورفعت على رءوسهم ~~الأعلام وجدوا في قطع البراري، وما زالوا يقطعون الروابي والآكام ms23 مدة ستة أيام حتى وصلوا ~~إلى مدينة حماة، فنزلوا على نهر العاصي، ولم يعترضهم أحد؛ لأن أهل البلد كان قد بلغهم ما ~~جرى على أهل حلب، فخافوا عواقب الأمر وإثارة الفتن فاستقبلهم الملك بالإكرام ~~والوقار.» ~~«قال الراوي: ومن الأمور الغريبة والحوادث العجيبة، وهو أنه كان بمدينة حلب تاجر اسمه ~~كساب، وكان من أشهر الناس ومن أتباع صاحب جزيرة قبرص الملك الهراس قد حضر إلى تلك ~~المدينة، وكان يتاجر بالبضائع، فاتفق أنه لما قدمت بنو هلال إلى تلك الديار ونهبت ~~أمواله، فشكى للأمير دياب وأعلمه وطلب رد أمواله التي كسبها بنو هلال، فلم يستفد وإلا ~~حصل على حين ترك حلب ونجا بنفسه خوفا وقصد الملك الهراس، فدخل عليه وأعلمه بما فعلت بنو ~~هلال به، فاغتاظ الملك؛ لأنه كان يحب كساب، فأوعده بإحضار دياب، وكان عنده ثلاثة من ~~أصحاب حيل وخداع، وكانوا من جملة محافظين المدينة فأحضرهم وأعلمهم بواقعة الحال، وقيد ~~الأموال وطلب منهم أن يسيروا مع كساب ويأتوا بالأمير دياب، فقالوا: سمعا وطاعة وغيروا ~~ثيابهم وساروا بالمواكب من تلك الساعة وصحبتهم هدايا، وعند وصولهم إلى اللاذقية نزلوا في ~~المدينة، وجعلوا يتجسسون أخبار بني هلال، فعلموا أنهم في حماة الأطلال، فعند ذلك ركبوا ~~وساروا تحت جنح الظلام إلى أن وصلوا إلى البلد ودخلوا منزل دياب وبصحبتهم الهدايا مثل ~~سيف معقرب وخنجر كالفضة جوهر وأبريق فضة وثلاث مماليك يساوي ألف دينار، وغير ذلك من ~~الأشياء الثمينة، فلما وصلوا دخلوا على الأمير دياب وقدموا الهدايا فترحب وسألهم عن ~~حالهم، فقال له كبيرهم: إن سألت عنا يا أمير نحن تجار وإخوة ثلاثة وجينا في تجرة عظيمة ~~وتركناها في اللاذقية، خفنا من الطريق وحذرنا كل صديق ومرادنا تعدينا من هذا الطريق، ~~وعند ذلك شالوا ثلاث منح من الجواهر المثنية التي تدهش الأبصار وتحير الأفكار وقالوا له ~~هذه الأولى إلى الأمير حسن، والثانية إلى الأمير أبو زيد والثالثة إلى القاضي. فقال ~~دياب: ومن هؤلاء الذين تقول عنهم وكأنهم من تحت يدي؟ فقالوا: نحن أتينا لعندك، الذي ~~تريده ms24 أعطيه والذي ما تريده لا تعطيه. فقال لهم: نحن ما ندري لأحدكم؛ لئلا يقوموا ~~يلحقوا. قال كبيرهم: نحن تجار ولا أحد يجلب متاجر مثلنا ومعنا مركب موثوق خلاف ما بعناه ~~نحن كل سنة تلاقينا نبيع ونشتري، ونكسب النصف في بضاعتنا ولا نحمي طريقنا إلا على حلب، ~~وكان اللعين بدريس يشتري منا ما يلزم من البضائع كل سنة، وقد أتينا هذا المال على حسب ~~عادتنا فلم نجده، وقد وجدناكم ناصبي على حلب، فسألنا بعض المسافرين، فأخبرونا عليك بأنك ~~قتلته وملكت بلاده ففرحنا؛ لأن ذلك الملعون أخذ منا عشرة آلاف دينار، وهذا غير عشرة آلاف ~~ثانية، فقلنا من شدة فرحنا: نقدم لك هذه البدلة حيث إنك قتلت هذا الملعون ~~الخبيث.» ~~«فركبوا الثلاثة هجنهم وركب الأمير دياب أيضا، وساروا خوفا من أن ينظرهم أحد لئلا ~~تظهر حيلتهم، وبينما هم سائرون وإذا بالأمير عمار أخي الأمير حسن التقى بهم فلم يعرف ~~منهم سوى الأمير دياب، فقال: يا بن غانم! إلى أين ساير مع هؤلاء القوم؟ فأجابه: هؤلاء ~~ضيوفي وموصلهم خوفا عليهم من سفهاء العرب.» ~~«فسار الأمير عمار إلى منزله، وأما الأمير دياب فسار مع أصحابه من العشاء إلى ثاني يوم ~~للظهر حتى أشرفوا على البحر المالح، فسمع دياب صوت دوي الماء مثل الطبل، فدخل عليه ~~الوهم.» ~~«ولما رآه الثلاثة قد تغير، قالوا له: أما تنزل معنا في البحر؟ فأجابهم: إن نزولي معكم ~~في البحر ما هو ضروري، وإن كان كلامكم صدق انزلوا وهاتوا ما قلتولي عليه، وأنا ما عدت ~~أخطي ولا خطوة واحدة. ثم نزل عن الشهبا، ومسك سرجه بيده اليسار والسيف بيده اليمين، ووقف ~~ينتظر فتركوه ونزلوا إلى البحر حتى أتى إلى الغليون، وجابوا له خيمة من الحرير الأصفر، ~~وتلك الخيمة مكللة بالدرر والجواهر والياقوت والمرجان والزمرد الأخضر، فلما رأى دياب تلك ~~الخيمة وفرشها الذي يدهش، تعجب وظن أن كلامهم صحيح، ودخل معهم إلى الخيمة ودخلوا ~~يتحادثون وأتوا بالمأكل والمشرب، وفي الحال جابوا السلاسل قيدوه ونزلوا إلى المركب ~~ورفعوا المراسي، وأقلعوا ولما قطعوا ms25 مسافة طويلة أعطوه ضد البنج، ففاق فلما نظر الجماعة ~~كانوا في ملابس بيض يلاقيهم في برانيط سود، فعرف أن الحيلة تمت عليه، فتنهد وأنشد ~~يقول: # يقول الزغبي دياب بن غانم # بكيت على حالي وأنا مأسور # بكيت على جاهي وعزي وهيبتي # وأنا فوق يختي جالسا مسرور # ومن بعد عزي وارتفاعي وشمختي # بقيت مقيد بينكم مأسور # ثم قالوا له: لا بد من قتلك. وما زالوا سائرين إلى أن وصلوا جزيرة قبرص، وطلعوه مقيد ~~وأدخلوه إلى عند الملك هراس، وكان عنده جماعة من الناس، ففرح الملك وألقاه تحت ~~العذاب.» ~~••• ~~«أما ما كان من بني هلال، فإنهم كانوا في مسرات إلا والخضرا قادمة مثل هبوب الرياح، وهي ~~كئيبة حزينة على فقد خيالها الزغبي دياب، فأول ما نظرتها ابنته وطفا، فصاحت وولولت، ~~فتراكض جميع الفرسان على صاحبها، وفي تلك الساعة صار ضجة عظيمة.» ~~«وأما ما كان من الأمير حسن، فإنه قال لأبي زيد: إن دياب صار له مدة ما حضر لعندنا، ~~وأظن أنه مغتاظ علينا؛ لأننا ما خليناه ينهب حلب، فقال له أبو زيد: قم نزوره. ولما ساروا ~~تحت منازل دياب سمعوا البكاء والنواح، وتقدم غانم أبو دياب وهو باكي العين، وأشار إلى ~~الأمير أبي زيد بهذه الأبيات، يقول: # يقول الفتى غانم على ما جرى له # ودمعي جرى فوق الخدود سكيب # دياب يا عيني ويا نور ناظري # سقاه النيا كأس المنون عصيب # تفرق شملي بعد ما كان مجتمعا # غدرني زماني والزمان عجيب # أتانا ضيوف قاصدين بلادنا # على ظهر خيل مثل ريح هبيب # فأضافهم ولدي وقام بجمعهم # يرحب فيهم غاية الترحيب # فقلبي يحدثني يقول لي # فما هم إلا من أهالي العيب # أبو زيد قدامك أبو زيد غانم # أبو زيد قدامك حزين كئيب # أبو زيد لك من المال جملة # ألفين سرية وألفين جنيب # فلما فرغ غانم من كلامه، وسمع الحاضرين، حزنوا على فقد دياب إلى أن تصدى لإنقاذه أبو ~~زيد الهلالي بعد أن ضرب الرمل، ورأى أهوال دياب وحاجته للنجدة، بعد أن عرف بمكان دياب، ~~وأسره في ms26 جزيرة قبرص عند ملك يدعى الهراس.» ~~«وتجهز للسفر، فأخذ عشرة فرسان، وصار يقطع البراري، وما زال سائرا حتى وصل قبرص (؟!) ~~إلى أن وصل إلى باب المدينة رأى الهراس خارج بجماعة إلى الصيد والقنص، فعرف أبو زيد أنه ~~الملك، فتقدم إليه وسلم عليه بأفصح لسان، وسحب المبخرة، وحط بخور، فعقد الدخان، وقال ~~له: هذا البخور من دير الحيران، وطلع ثلاث شمعات، وقال له: خذ هذه من دير البنات ودير ~~الحميرة المباركات، فقال الهراس: وقعت يا أبا زيد، وكيف خلصت وأنا مربط عليك الطرق؟ فقال ~~سلامة: لا تقول هذا الكلام يا ملك الزمان، أنا خدام الملك مثقال ولي مائتين عام سابع ما ~~خليت دير ولا صومعة ولا مجلس، وإنك الثالث على دياب وأسرته؛ لأنه قتل بدريس. فقال ~~الهراس: يا راهب! أما دياب فقد مسكناه في الحديد رميناه، ولكن بحياتي عليك أنت بعينيك ~~مثقال. فقال أبو زيد: أي وحق الإله المتعال. فعندما أخبروه والهراس كيف عمل في دياب ~~وسريعا دخلوا إلى الديوان، وأمر أبو زيد بالجلوس، فجلس للطعام، فأكل ثم بدأ أبو زيد ~~الملك حديثا ما سمع مثله في طول عمره، حتى ولا من العلماء والفلاسفة، فسر منه جدا، ~~ونادى في أكابر ديوانه بأن يكون أبو زيد الكبير فيهم جميعا، فتقدم كبير الرهبان، كان ~~حاضر ضرب الرمل، فعرف أنه أبو زيد، فقال الجميع: هذا كبير إنه إذا تغلب يكون اتغلبنا، ~~وكان يسمى أو برناس، فتقدم لعند أبي زيد، يقول: # قال الراهب أبو برناس # اسمع قولي يا قاضي # أنا لك ضد بهزل وجد # وحق العهد وأبو شماس # دخلت المكر وبحر الفكر # وماء السكر وأم الناس # وما المكروه وما المحروم؟ # وما المنصوص بغصن الآس؟ # وما البنتين لهن بعلين؟ # وما الشخصين وما الرفاس؟ # وما المحروم والمطروف؟ # وما المعروف وما الجلاس؟ # سؤالي جيب إن كنت لبيب # بلا تعجيب وما ملاسي # فأجاب أبو زيد: # رد سلامه يا جلوس # أنتم ملوك خيار الناس # كونوا شهودا على الراهب # شهادة حق بغير أكاسي # وشوفوا السيد من الخادم # وابن اللاس وابن الناس ms27 # وأما المكروه وما المحروم # وما لقوا إبليس وخاسي # أما المفهوم جفاه النوم # وليس يروم بجفنه نعاس # أما البنتين فلهم بعلين # بيد شيخين رواي نحاس # أما المقروف إبليس يطوف # له شرشوف فتن الناس # وأما المحروف خليل الله # أما المطروف الخضر العباس # أما البرجوس لنا جاسوس # حاسد وتعوق خفيف الراس # أما الرادي نسيم الريح # أما الكادي عقرب الكاس # أما الشافي دنئ النفس # من السكر نسيم الكاس # فهي حواء خلقت كالبدر # بوجه منير كالمقياس # آدم قام يريد لها # أتاه الوحي بلا قرطاس # سلامة قال نزكي الخاطر # شرحت سؤال أبو برناس» ~~«فلما فرغ سلامة من كلامه، تعجبوا الحاضرين من فصاحة لسانه، فما بقى عند الهراس أكبر ~~منه، وقال: تمنى علي ما تريد يا سلامة؟ قال له: أن تريني دياب حتى أشفي قلبي منه. ~~فأمرهم بما قال، فعند ذلك قاموا في ساعته، وأخذوه والشمع قدامه أشعلوه، وساروا حتى وصلوا ~~إلى السجن، فأدخلوه، ولما شاف دياب في هذا البلاء والعذاب كل عن الصواب، وتقدم إلى ~~عنده، ورفع يده، وضربه كف، طير الشرر من عينيه، فتألم دياب وصاح: الله يقطع يمينك. فقال ~~له: وأنت الله يقطع عمرك من هذا السجن. وخرج من عنده، وتوجه إلى عند الهراس، وقال: يا ~~ملك الزمان! هذا دياب ما بقى ينفع، قال الهراس: كيف يكون الرأي عندك، فقال: فكه من ~~الحديد.» ~~«وعلى هذا النحو واصل أبو زيد احتيالاته إلى أن نجح في فك وثاق دياب، وتحريره من الأسر، ~~ومعه اثنا عشر ألف أسير، استخدمهم في حصار سرايا حاكم قبرص الملك الهراس، وهو في ثياب ~~الراهب سلامة، فقتل دياب الملك الهراس، ثم تفرقوا في الأسواق والأزقة، وحملوا السيف بمن ~~لم يطق حتى قتلوا اثني عشر ألفا، وباقي الناس طلبوا الأمان، ووضعوا المحارم في رقابهم، ~~فعفوا عنهم، وطلع منادي في الأمان، وجلس أبو زيد في الديوان، وأتى عنده الأكابر.» ~~«والتفت أبو زيد إلى الحاضرين من أعيان البلدة، وقال لهم: قد وليت نوفل حاكم عليكم، ~~ولا أحد منكم يخالف له أمره. ثم دخلوا دار الهراس، ms28 وجدوا المال الذي فيها لا يعد ولا ~~يحصى، فأخذوه ووثقوه في المراكب، وسافروا بعد ثلاثة أيام بقدومهم، فقامت عندهم الفرحات، ~~وعلات الصيحات، وزغرطت النساء والبنات، ودقت النوبات، وساروا حتى وصلوا، فلما وقعت العين ~~ترجل الفريقين، وسلموا على بعضهم البعض سلام الأحباب، فهنوهم بالسلامة، ثم حملوا ~~الأحمال وساروا، وأما الأسارى ماشيين في عراضة قدام الأمير أبو زيد إلى أن وصلوا إلى ~~الخيام، فقابلتهم النساء والبنات بالزغاريط والنوبات، وهنوا الأمير دياب بخلاصه من ~~الأسر، وشكروا أبو زيد، وعمل الأمير حسن في اليوم الثاني وليمة مدة عشرة أيام، وبعد ذلك ~~صمموا على الارتحال، فهدت الخيام، وانتشرت الرايات والأعلام، وركبت السادات ظهور الخيول، ~~واعتقلوا بالرماح والنصول، وركبت النساء والبنات في الهوادج والعماريات، وجدوا في قطع ~~البراري والفلوات طالبين أرض عيام، # 2 # حتى وصلوا إليها بعد أيام، فنصبوا المضارب والخيام ورفعوا الأعلام.» # | الهلالية يحاربون اليهود في فلسطين # ولعلني في هذا الباب أكثر من الاستشهاد بالنصوص الحرفية للسيرة كمستند متحقق لمدى عبث ~~النساخ اليهود - إن لم يكن الصهاينة - بالأصول النصية لهذه السيرة، وكيف أن كلمة ~~صهيونية، حرفت كتابة إلى «سهيونية» عبر السرد والوقائع التي حدثت في أرض تدعوها السيرة ~~بأرض عيام، نرجح أنها تخوم فلسطين وقلاعها التي وصلوها عقب رحيلهم عن قبرص نزولا إلى ~~اللاذقية. ~~«إلى أن التقى بهم في تلك النواحي، عطار ذو هيبة ووقار، قدامه حماره عقب وصولهم إلى أرض ~~يقال لها قلعة سواكن، وكيف استدرج أبطالهم بالحيلة والسحر.» # 1 # والملاحظ أن هذه القلعة هي بالفعل بالقرب من اللاذقية نزولا إلى حماة، وقد زرتها بصحبة ~~زوجتي شتاء عام 1975، وما تزال النصوص الشفهية التي سمعتها من الأهالي تحفظ هذه الواقعة ~~المتواترة المائلة عند أسر أبطال بني هلال بها، وكيف كانوا يمارسون رياضتهم الفروسية ~~بالسباق ومنازلات «الرجاس» عبر سهولها. # وهي بالفعل قلعة رومانية الطراز موحشة. # فما أن استدرج الكاهن اليهودي الأبطال، حتى حلت بهم النكبات التي استغرقت فصلا كاملا ~~من فصول السيرة على النحو التالي: # ولما أصبح الصباح، وأضاء بنوره ولاح، واجتمعت بنو هلال عند أبو ms29 زيد، وقالت: ~~ما هذا المصاب؟ وما يكون من الجواب؟ قال لهم: «قوموا بنا في ساعة الحال، ندور ~~عليهم في البراري، ونفحص عن هذه الأحوال.» فبينما هم كذلك، وإذا برجل صابر في ~~تلك الدكادل فساروا إليه، فسلموا عليه، فرد عليه السلام، فقال له أبو زيد: «يا ~~أبا العرب، أنت من أين؟ وإلى أين قاصد؟» فقال له: «يا أمير، أنا كنت في صهيون، ~~وسائر إلى بغداد، وتلك العيون.» فقال: «ما عندك من الأخبار؟» فقال: «اعلم ~~بينما كنت أمس حائرا في تلك الناحية، إذ وجدت أبا بشارة العطار، ومعه ثلاثة ~~أمارة وخيارهم من بني هلال، ولكن واقعين في أوشم الأضرار، وأخذهم إلى قلعة ~~صهيون، ووضعهم في الحديد والأغلال، وهذا ما عندي من الأخبار، وإذا كنتم ذاهبين ~~إلى خلاصهم، ارجعوا واستجيروا بالله، لئلا يصير فيكم مثلهم؛ لأنه ما يقدر أن ~~يصل إليهم.» فقال له أبو زيد: «من أي شيء؟» فقال له: «من أبو بشارة؛ لأنه ~~سحار مكار لا يطلى له بنار، ولكن أنتم من أي بلاد؟» فقال له: «من بلاد ~~الحسار والقطهف.» فلما سمع الساعي كلامهم تركهم، وسار إلى حال سبيله، وأما أبو ~~زيد فإنه قال لفرسانه والأبطال: «ما يكون عندكم من الرأي والإرشاد؟» فقالوا: ~~«الرأي عندك يا ابن الأمجاد.» فقال لهم: «ارجعوا إلى الأطلاع، وأنا وزيدان ~~نكفي لهذه الأحوال.» فعندها رجعت العرب، وأما أبو زيد وزيدان ساروا في سلك ~~البراري والقفار طالبين قلعة صهيون في تلك الأوطان؛ إذ نظروا أبو بشارة العطار ~~يدور في تلك البراري، وسايق قدامه الحمار، فلما نظرهم وقف حتى وصلوا إليه، ~~وصاروا بين يديه، فصاح فيهم، وقال لهم: «ويلكم أيها الأنذال، وقعتم في أوشم ~~الأحوال، وقعت يا أبو زيد أنت وزيدان، وتظنوا أن مكركم يدخل علي، والله يا ~~أبو زيد لا بد أقتلك وأريح الناس منك.» فقال له: «من عرفك بيننا حتى تعادينا؟» ~~فقال: «عارفكم من وقت ما خرجتم من أوطانكم.» # فلما نظر أبو بشارة من أبو زيد تلك الفعال، خاف من الوبال، فقبض كوشة من ~~التراب، وعزم عليها ms30 ثم حدفها على أبو زيد، وإذا برجليه قد لبست في الأرض، ~~وكذلك يده يابسات ومرفوعات إلى فوق رأسه، فعدم حواسه، ثم أنه أبو بشارة زعق ~~في أبو زيد بصوت هائل، كأنه الرعد الصايل، ورفعه في يده ما شاف نفسه إلا وهو ~~طائر ما بين الأرض والسماء هو وزيدان. # وعبر سلسة من الانتصارات السحرية، التي يحرزها اليهودي أبو بشارة ضد أبي زيد وبقية ~~أبطال بني هلال عبر قلاع وأماكن خربة، لحين استعانة أبي زيد بالخضر أبي العباس، دون ~~عون. # وكان أن لجأ إلى سلسلة حيله ومكائده، كما تصفه السيرة بدقة فائقة مع ملاحظة صراعه داخل ~~قلعة «صهيون» تلك. ~~«ثم إنه أخذ حماره، ونزل عنه بضاعته، ففردها ونظر ما فيها، وبعد ذلك حزمها، ووضعها ~~على الحمار، وبقي في ذاته محتار، ثم أنه شلح ما كان عليه من الثياب بدون ارتياب، وتزيا ~~بزي أبو بشارة العطار، وساق قدامه الحمار، وقال له: الله يحرق عظام صاحبك ابن الأوغاد. ~~وسار في تلك البراري والوهاد، وسار على قلعة صهيون، وصاح أنا الحنون، ساقي الضد كاس ~~المنون، ومعي فلفل وكمون وحنة وأساور وأبر وحلتي ودهان أحمر، وسيبداك وخطوط لكم البضائع ~~في هذه السفرة يا بنات. فتكاثرت عليه النساء من كل مكان، فصار يكبش ويعطي لهم بلاش من ~~غير دنانير، ويقول لهم: هل من سفرة كسبنا شيء كثير؟ فعادوا به بكل شفة لسان، فتركهم وسار ~~في تلك البراري والكسبان، ولم يزل أبو زيد ساير حتى وصل إلى قلعة صهيون وتلك المعالم، ~~فما نظر إلى واحد، فنزل له واثب على الأقدام، والتقاه بالترحيب والإكرام، وأجلسه بجانبه ~~على مراتبه، وأمر له بالخمر والشراب، فقال أبو زيد في سره: أنا عمري ما شربته، وكيف أشرب ~~الآن؟! وعاد بأمره محتار من هذا الضرر، فقال له صاحب القلعة، وكان اسمه حنا: علامك يا ~~بشارة ما تشرب وتضرب؟ فقال له أبو زيد: ما لي حاجة حيث حلفت عنه يمين جمعة كاملة أنني لا ~~أذوقه؛ لأن من خاطري قتل هؤلاء الأسارى، وأسقيهم كأس الذل والخساء. ms31 فقال له: ونحن عندنا ~~ننظرك حتى أنك تحضر، وتفعل فيهم مرادك. فقال لهم أبو زيد : لأجل أن أسقيه كأس الهوان. ~~فلما أحضروه نظر إليه إلى أن تمكن أبو زيد في النهاية من الانتصار على عدوه الصهيوني عقب ~~سلسلة من المكائد والتحولات السحرية، أنشد خلالها أبو زيد أبلغ الأشعار والمراثي ~~الذاتية: # عتب على دهري وفي سهيوان # 2 # أرماني # عند قوم بين القاصي والداني # الدهر دولاب لا تأمن له بالك # في أرض صهيون هذا اليوم أرماني # فخلى حماي وحلى هل بضاعة # حتى أروح سواح في آخر البلدان # وأعمل وليمة وأجمع فرسانك # وأحط يدي عليهم وتم ذرعاني # وهذه المحابيس يوم العيد ندبحهم # وأجعل دماهم في الأرض طوفان # وأجيب أبو زيد وأعماله الماكر # كي ينظر العذاب أشكال وألوان» ~~«وعن طريق تضمينه الاستعانة بالخمر للإفلات من أسر، تمكن أبو زيد من فك وثاق أبطال بني ~~هلال من الأسر الصهيوني، وأخذهم في جنح الظلام، وساروا حتى وصلوا لقومهم، ففرحوا بهم ~~فرحا شديدا، وطلعوا لاقوهم بالطبول والزمور وشكروا الأمير أبو زيد.» ~~«وأما ما كان من أمر حنا والأبطال، فكانوا خمرانين - كما تقدم الكلام - ولما كان الصباح ~~استفقدوا الأسارى فما وجدوهم، وفتشوا أبو بشارة فما وجدوه، فحينئذ علموا القضية، ثم صاح ~~في الفرسان، وأمرهم يركبوا الخيل، فعند ذلك ركبوا ظهور المهارة، وجدوا في قطع الصحارى ~~طالبين بني هلال، زالوا مجدين في سيرهم، حتى قاربوا الأرض التي فيها بني هلال، فقال لهم ~~الوزير وأخوه مريض: خذوا أهبتكم للقتال، واستعدوا للحرب والنزال، ذلك وإذا بخيل بني هلال ~~طلعت ولمعت رماحها في شعاع الشمس، وهي غائصة في الزرد والسلاح تحن خلفها قطع الرماح، وفي ~~أوائلها أبو زيد، ومن جواره دياب وحسن القاضي وزيدان فرسان الحرب والطعان، فتبادرت إليهم ~~عساكر جريس، وصاحوا بهم، فارتجت لصيحتهم الوديان، ثم سأل: من أنتم أيها اللئام؟ فجعل ~~عليهم دياب بدون جواب، فتلقاه فارس يقال له الدهقان، وتجاول هو وإياه ساعة من الزمان، ~~حكم دياب عليه السنان، وطعنه في صدره، خرج يلمع من ظهره، وكان معه عشرة ms32 من الفرسان، فلما ~~نظروا ما حل به حملوا على دياب فتلقاهم كأنه أسد، وفي أقل من ساعة قتل سبع فرسان، وانهزم ~~الباقون، وهم ينادون بالعرب أنقذونا. فكأن أبا زيد الهلالي في موقع الرأس المدبر ~~للتحالف القبائلي الهلالي، ودياب بن غانم هو ذراعه الضارب.» # وعلى هذا النحو تبدع السيرة في تصوير الانتصار الأخير لدياب بن غانم على الصهاينة في ~~ربوع الشام وفلسطين: # وأما دياب وبقية الفرسان، فإنهم فرقوا الكتائب، وأظهروا العجائب، ولما رأت ~~عساكر الأعداء ما حل بهم من الدمار ولت الأدبار، وأركنت إلى الفرار، والتجأت ~~إلى القلعة، فتبعهم أبو زيد والفرسان، فعندما طلبوا الأمان، فأعطاهم الأمان، ~~ورتبوا عليهم الجزية في كل عام، ورجعوا إلى مضاربهم كسبانين غانمين، وفرق ~~الأمير حسن ما غنموه من الجميع، وأقاموا على شرب قهوة وأكل وطعام مدة ثلاثة ~~أيام، وبعد ذلك صمموا على الارتحال من تلك الأطلال، فهدمت الخيام، وانتشرت ~~الرايات والأعلام، وركبت الفرسان ظهور الخيل، واعتقلوا بالرماح والنصول، وركبت ~~النساء والبنات في الهوادج والعماريات، وجدوا في قطع البراري والآكام، حتى ~~وصلوا إلى حمص، فأقاموا فيها خمسة أيام، وكانت تأتيهم الهدايا من جميع الولاة ~~والحكام، وارتحلوا من بعلبك، ومنها إلى زحلة، وقد طابت أيامهم في هذه الرحلة؛ ~~لأنهم كانوا يصرفون الأوقات في السرور والطرب، وقد زال عنهم العنا والكرب، ~~وبعد ذلك صاروا قاصدين مدينة الشام، فوصلوا إليها عند الظلام، ونصبوا المضارب ~~والخيام. # | بنو هلال في دمشق # وتتوقف السيرة في جزئها الخامس على أبواب دمشق، عقب انتصار بني هلال على أبي بشارة ~~العطار - حاكم بلاد صهيون - الذي هو بحق مثال التاجر السامي اليهودي مثل يعقوب الذي تسمى ~~بإسرائيل. # وتحفظ السيرة لحاكم دمشق في ذلك الحين واسمه شبيب التبعي، أو التبع شبيب بن مالك، وهو ~~كما يتضح من اسمه تبع أو ملك يمني من سلالة الملوك اليمنيين التباعنة، ملوك دول سبأ وقيتبان # 1 # ومعين، والدولة الأخيرة امتد سلطانها حتى شمل الخليج وبحر العرب. # ومن التباعنة اليمنيين تبع أسعد، وابنه تبع حسان اليماني، أو ذي اليمنيين، صاحب السيرة ~~المهشمة ms33 التي أشرنا إليها، الذي سبق أن غزا الشام ولبنان وفلسطين بألف سفينة حربية ومائة ~~ألف جندي إلى أن فتحها، والذي اغتاله بعاصمة ملكه دمشق بالحيلة والمكيدة ليلة عرسه ~~الدامي من الجليلة بنت مرة، كليب التغلبي «ملك العرب» الأخ الأكبر للزير سالم، الذي هجر ~~منفاه الاختياري في بئر السبع الفلسطينية، وقاد حرب البسوس الشهيرة انتقاما لأخيه ~~المغتال بدوره كليب من أخ زوجته الجليلة، ذهل بن شيبان الملقب بجساس بن مرة: «فما أن ~~واصلت القبائل الهلالية زحفها جدوا في قطع الفلوات، حتى أقبلوا على مدينة الشام، وكان ~~الحاكم في تلك الأيام على دمشق ملكا أشد فرسان المعارك، واسمه شبيب التبعي بن مالك، وقد ~~كان رأى حلما في المنام، فقام خائفا، فجمع أكابر الديوان والوزراء والأعيان، وقال لهم: ~~قد رأيت رؤيا الآن، قالوا: ما هي يا ملك العصر والأوان؟ قال: رأيت في منامي أنه قد أتى ~~إلى هذه البلاد سباع شبه جراد. وكان كل سبع يأتي إلى شجرة يقلعها بأنيابه، ولا يبالي من ~~الأخطار. وكان لهذا الملك وزير عاقل خبير، واسمه الوزير عميرة قال: # بني هلال بجمعهم قد أقبلوا # مثل الجراد يا شبيب وأكثر # من نجد قد رحلوا بجمع وافر # وفرسانهم من كل ليث قسور # قتلوا الدبيس بعد حرب هائل # وأتوا إلى الكوفة بهذا العسكر # لاقاهم الخرمندي سلطان العجم # قتله أبو مرعي مجد لأبتر # أما الفتى القمقمام فارس قومه # قتله الفتى الزغبي الأشقر # قتلوا الخزاعي بن حامد في حلب # ثم غربوا إلى حماة وسنجر» # وكان قد بلغه قدوم بني هلال إلى الشام، فزاد ذلك الأمر اهتماما على اهتمام؛ لأن ~~أبا زيد كان عند رجوعه من تونس ومروره إلى الشام - كما سبق الكلام - قد استخلص من داره ~~سرية عربية واسمها قنوع # 2 # وسار بها نحو بني هلال، فتأثر شبيب من هذه الأفعال، فاستدعى نجاب، وأمره أن ~~يكشف له أخبار بني هلال، فسار ودخل على بني هلال، فأضافوه ثلاثة أيام، ورجع لعند سيده، ~~وصار يخبره بهذه القصيدة، يقول: # يقول مسرور عما جرى له # ونيران قلبي ms34 زايدات شرار # ذهبت أكشف في هلال نزلهم # فسرت وفي قلبي لهيب النار # دخلت صيوان الأمير أبو علي # مليك عظيم عالي المقدار # وقال أهلا وسهلا ألفين مرحبة # لك الخير مني أنت ضيف الدار # وأمر لي حسن بخلعة سنية # بعشر مفاتيح وخمس زوار # وجدت قنوع العامرية جالسة # ومن حولها الشبان والآمار # باتت قنوع ترفع الصوت بالغنا # بصوت يحاكي العود والمزمار # قد مدحت بالسكر حتى تمايلت # وقد طار عنها برقع وخمار # تميل مثل الرياح وتنثني # إلى أن عرفتني بغير إنكار # فقالت أوصي شبيب وقل له # يلاقي هلالا صفا ووقار # إذا جاء أبو زيد يبغي حربكم # يكن شبيب في لقاه حذار # ترى عدد قوم هلال وعامر # أربع تسعينات ألوف جهار # أبو زيد مع أجاويد قومه عددهم # تسعين ألفا كلهم أمار # ودياب في تسعين ألف محارب # من آل زغبة من فروع كبار # وتسعين للقاضي بدير القائد # قاضي هلال فارس الجبار # وتسعين إلى حسن أبو علي # أمير حوى جاها وكل وقار # وهذا الذي أبصرت يا فخر الملا # وقولي صحيح ما به إنكار # فلما سمع شبيب هذا الشعر، وفهم فحوى الحديث، فقال للأكابر والأعيان من حضر في الديوان ~~رأيكم في هذا الشأن؛ لأن بني هلال قد حضروا الآن إلى هذه الأطلال بعساكر كعدد الرمال، ~~فقالوا: «إن الرأي هو أن نبادر بالقتال، ولكننا في أول القتال نرسل ونطلب منهم عشر ~~المال، فإن أجابوك إلى هذا الطلب بلغت القصد، وإلا نحاربهم ونشتتهم في البر.» فاستصوب ~~شبيب رأي القوم، وأرسل يطلب منهم عشر المال، وكتب إليهم يقول: # يقول المدعو شبيب بن مالك # لي قلب أقوى من صفا الجلمود # أنا صاحب العز والمجد والعلا # أنا صاحب الصيوان والعامود # ويا حسن قدم لنا المال عشره # وقدم لنا من أحسن الموجود # وقدم لنا عشر الخيول جميعها # عشر الحرير بيضها والسود # وقدم ألفين عود من النقا # وقدم لنا ألفين سيف هنود # وقدم لنا ألفين عقد جواهر # عقود ثمينة قليلة الوجود # وقدم لنا ألفين طير جوارح # ومعها ضواري وكاسرات الأسود # وقدم لنا قنوع العامرية بخدرها ms35 # وهاتوا عطور الورد أم الجود # وهاتوا فتاة الحي أم محمد # صبيحة الوجود أم العيون السود # وقدم لنا جمال الظعن بنت سلامة # ووطفا وريا غاية المقصود # ومن بعد هذا امكثوا في بلادنا # وتكتفوا من شرنا ونكود # مقال شبيب التابعي بن مالك # وما كان عارف يفهم المقصود # وإياك تمهل كل شيء ذكرته # وإلا تروحوا للحبال شرود # وما إن قرأ السلطان حسن رسالته، حتى نشبت الحرب، بل إن في دمشق بالتحديد برز أكثر دور ~~زيد وقدراته، فالمهم أن في هذا السياق الشعري الملحمي، المفضي كما هو الشأن بالنسبة ~~لسيرتنا عن بني هلال، للكشف عن دور وقدرات أبي زيد الهلالي لتبرز طاقات ذكائه ومعرفته ~~المستفيضة عبر سلسلة من مباريات الذكاء التي يشهد بها التبع حاكم دمشق ذاته له، سواء في ~~مباريات الفروسية، حيث وقع اختياره على جواد الملك التبع ذاته الملقب بغطاس، وفاز به على ~~فرسان التبع. # إلا أن التبع المتجبر قبض على أبي زيد وتابعيه من فرسان بني هلال، ووصفهم بالعبيد ~~الجواسيس، وقادهم إلى المشنقة، لحين تدخل ابنه ووريثه الأمير الملقب بصقر الذي أنقذهم من ~~المقصلة. ~~«وإذا بصقر ابن الأمير شبيب أتى من الصيد والقنص، فلما نظر ذلك سأل عن الخبر فأخبروه ~~بالأمر، فعند ذلك نزل عن ظهر الجواد إلى الأرض، وخلصهم وقطع المراس من رقابهم، فوصل ~~الخبر إلى شبيب، فأحضرهم عنده في الديوان، ووبخ ولده على الشأن، وقال هؤلاء من بني هلال ~~أعداؤنا، أوتوا إلى منازلنا والأطلال؛ لأجل أن يقتلوا الرجال، ويدعونا بأوشم الأحوال، ~~قال صقر: يا أبي، ما عندي خبر من ذلك الأخبار، وهذا الأمر قد جرى، وصار شفعتي في هؤلاء ~~الشعار وتبطل كلامي، ونقص بين الشباب مقامي، فالأوفق أن نبصر لهم إهانة ولا تقتلهم، وإلا ~~يرموا عليهم رموز أسامي ما عرفوهم، فحينئذ قتلوهم. قال شبيب: هذا هو الصواب.» ~~«ثم إنه التفت إلى أبو زيد وقال: يا صنديد ما كارك اليوم يا أديب؟ قال: شاعر لبيب. قال: ~~مرادي أدعي شعرائنا وأحضرهم إلى دياره وأدعيهم أن يرموا عليك رموز ما عرفتهم، فإني ms36 ~~أقتلك، قال أبو زيد: افعل ما تريد يا ابن الأماجيد. فعند ذلك أدعى الأمير شبيب إلى شعراء ~~بلاده ، وكانوا أربعة وعشرين شاعرا، وكبيرهم يدعى صولجان بن ماهر، فلما حضروا أمرهم أن ~~يرموا رموزا على أبي زيد ورفاقه، فأجابوه السمع والطاعة، فاحتبك الديوان في تلك الساعة، ~~فالتفت أبو زيد إلى صولجان، وقال له: يا سيد الفرسان، مرادي قبل أن تبدي شعرا وقصيدة، ~~تسير إلى موضعك، وتأتي لنا بطعام حتى يصير بينا خبز وملح. فأجابه بما قال، وسار إلى بيته ~~في ساعة من الزمان، وأحضر إلى أبو زيد قصعة ملآنة عصيد، وفيها ملعقة، وقال: كل يا ابن ~~الكرام. فأخذ أبو زيد شفقة برأس الملعقة وذاق شيئا قليلا، فوجدها مرة مثل الحنضل. قال: ~~هذا زادك! قم يا ذليل يا مهان، وهات ما عندك من الأوزان. فعند ذلك تقدم الصولجان وأخذ ~~الرباب، وبدأ حتى أطرب ذوي العقول والألبان. وأما أبو زيد فكان يراقب الكواكب، ظن أنه ~~ينظر إلى بنات نعش أشار يقول: # رأيت ناظرا إلى بنات نعش # عن قبل العشي لحين تعشي # فهل عاديت نجم هواها # فهل من النعشات نعشي # فنحن في حمانا كل ما # نقري ضيفنا لحم ومحشي # فلما بصرك تقطع وتبلع # وكثر الزاد في المأكول يفشي # كأنك ضفضعة في قاع جب # محيها الماء شيئا بعد شي # فإذا أتاها الماء تسبح # وتسمن بأكل الوحل وتمشي # فقل لي بين السحاب باعا # وبين الأرض من شبر وتمشي # وعن عنزة تغني جنح ليل # فهل جاهدت أو تعلم بدى شي # وعيناها طوال وهي عمية # وأذناها عراض والسمع طرشي # فلا فرح ولا بيض لوالوها # ولا حبل ولا تنقل بشي # قل لي لا تكن جاهلا غشيما # وكم من مدعي ما يعرفشي # فلما فرغ الصولجان وأبو زيد، سامع نظامه، وأشار يجاوبه يقول: # أراد تدانش الأشعار دنشي # وما عندك من العقل ولا شي # قولك عن أبي زيد الهلالي # غشيما ما يعرف الشعر إلا بشي # فأنتم تعرفون فلا تراعوا # فقول الصدق ما به من غشي # فيكم من يوم قيس أجرعوكم # ميم الأفاعي ms37 من سمن ودقش # فسوف أن هذا الحديث يجري # ويعفش في صدر الخيل عفشي # ويشبع ضيفكم ضربا وطعا # وتبقى الروس مكدوشات كدشي # وتنظروني على حمزاء طحرمه # أرش الدم على الأرض رشي # ويجزى المعتدين بالشر معنا # وتنقش دياركم بالدم نقشي # وعيب عليكم إذ لم تعرفونني # أريح الحبل فالأرماح مقشي # فالله يطعمك طعنة عموسي # من يد فارس قط ما يرحمشي # تكون من يد أبي وطفا دياب # يروح الرمح في كرشك ويمشي # لأنك لا تصد ولا ترد # ولا تلقى الضيوف ولا تعشي # أنا يا طول ما أقريت ضيفي # لخطار لما أهدى مفلفلي ومحشي # أنا أبو زيد أنا صور الصبايا # ولست بفازعا منكم ينهشي # أنا حذرتكم لا تجهلوني # ستنهشكم سباع البر نهشي # أيا صولجان اعلم بأني # عرفت مسائلك صنعا ونقشه # تسابلني عن عرش عظيم # فكم بينه وبين الأرض كمشه # وعن عنزة تغني مجنح ليلي # دوما بالأرض عطشة ثم عطشه # تقدم أخبرني عشرة عشرة # عددهم خمسة تربح وترشي # وهم من حين خلق أبوك آدم # إلى يوم الحساب ولم يموشي # يموتوا ثم يحيوا بعد موت # ومنهم شيء لم يتبعشي # ومنهم طايفة تأكل وتشرب # كما منهم منذ عمره مما أرمشي # عن حوت وفوق الحوت حوت # وتحت الكل بحر الماء يمشي # ودولاب يدور الشغل منه # مجوهر فيه مر نصف البلخشي # إذا لم تخبروني لمن ما أقلك # وإلا أنت عندي مثل جحشي # فنحن نشبع الخطار لحما # ونخمش منهم بالزاد خمشي # وحيا إلى أجاويد الرجال # ومن هو لكلامي يسمعني # فلما فرغ أبو زيد من كلامه، وتعجب الأمارة من ذكائه، فحزن التبع شبيب، وحلق ذقن الشاعر، ~~وطرده من عنده، والتفت إلى أبو زيد، وقال له: بقى لي عليك ست أشياء إن عرفتهم خلصت من ~~دهاهم، وإذا ما عرفتهم قتلت أنت ورفقك. فأجابه: ما هم؟ أخبرني عنهم؟ فقال له: المصارعين ~~والمشاكين والمدافقين ورمايين الذهاب، وشايلين العلم وطباخين الكيما. باتوا تلك الليلة ~~إلى الصباح، فقام شبيب، وأحضر كبير المصارعين، وكان بطلا رزينا وما له من قرين، فلما ~~رآه أبو زيد قال له: يا أخا ms38 العرب، دونك العرب؛ لأنه أن أجعلك في التراب، ولا تظن الصراع ~~أكله حلو. فقال له المصارع: دع عنك شنشقة لسان يا ذليل يا مهان، واليوم يبان الشجاع من ~~الجبان. فقال أبو زيد: اليوم عندي عيد يقتلك يا مهان. ثم نهض وأثبت الأقدام، وأسرع إليه ~~مثل الأسد الضرغام، والتقى البطلين كأنهم جبلين، وكان المصارع دافن في ركن التبان حربة ~~مثل الثعبان، وهي شغل بلاد الروم، ويريد بها هلاك أبو زيد، فرآها دياب وقال له: خذ بالك ~~يا أمير، وانظر هذه الحربة التي كأنها نقمة، أنا رأيتها قبلك يا أمير دياب، وهذا اليوم ~~أدعيه ملقى على التراب.» ~~«وقال غيره يا أمير شبيب، فتقدم رامي النشاب، فذهب أبو زيد ووقف في تلك الهضاب، فضربه ~~أبو زيد، رماه فوقع قتيلا بدمائه، فعند ذلك تقدموا شايلين العلم فغلبهم، وكذلك طباخين ~~الكيمياء، طلعت طبخته أحسن من طبختهم، ثم التفت إلى شبيب، وقال له يا أمير المؤمنين: لك ~~عندنا شيء بعد من هذا التنكير، فاتركنا نذهب إلى أهلنا وعيالنا، فعند ذلك غضب غضبا ~~شديدا، قال له: لا شك أنك عفريت من عفاريت سليمان. وبعد ذلك أمر الخدم أن يأخذهم إلى ~~السجن لأجل القصاص والانتقام، فأخذوهم في الحال، ووضعوا في أرجلهم القيود والأغلال ~~ووكلوا بهم جماعة من صنايد الرجال. وكان الأمير دياب ومن معه من الأصحاب في خوف وشدة، ~~فجعل أبو زيد يشجعهم، فنهضوا في الحال، وجدوا في قطع الروابي حتى وصلوا إلى بني هلال، ~~وكان وصولهم عند الصباح.» ~~«وأمر العساكر والأبطال للاستعداد إلى الحرب والقتال، فاجتمع عنده مائة ألف مقاتل لقتال ~~بني هلال، وكانت بنو هلال قد استعدت للقتال.» ~~«وكان يوم شديد الأهوال، انتصرت فيه عساكر الشام، وأسرت فيه عدة من البنات والنسوان، ~~وقتلت جملة من الفرسان، ولما أقبل الظلام رجعوا وباتوا في قلق واهتمام، وفي الحادي ~~والثلاثين برز الأمير حسن، وطلب شبيب، فما أتم كلامه حتى صار شبيب أمامه، وانطبق على ~~بعضهما، حتى حجبهما الغبار عن العيون والأبصار، وما زال الأمير حسن يحارب شبيب حتى قرب ms39 ~~وقت المغيب.» ~~«وأما الملك شبيب فإنه كان كما تقدم قد أشرنا من ذلك الرمح على العدم، فلما رأى حاله ~~طريح الفراش، زاد عليه الخوف والارتعاش، وأنشد يقول: # يقول شبيب التبعي بن مالك # قد زال عقلي يا ناس وراح # أتتنى جنوب تلطم على خدودها # وهي في عويل وكثر نواح # فقلت لها تحملي واصبري # إن طلبت باكر ما عز وراح # أنا إن سلمت يا جنوب إلى غدا # ترى الأعادي في بكا ونواح» ~~«ولجأ أبو زيد إلى الحيلة، فسار إلى مضربه، وهو يؤمل ببلوغ مأربه، ولما أصبح الصباح نهض ~~أبو زيد، ولبس أفخر الحلل، وتعمم بعمامة كبيرة، ولبس جبة قصيرة، وغسل وجهه ببعض ~~العقاقير، فصار أبيض مثل الثلج، وأنعم من الحرير، لم يعد يعرفه أحد من الأنام، ثم ركب ~~ظهر كديشة عرجا، ودخل مدينة الشام، وهو في هذا الزي والهندام، وجعل يجول في الأسواق وهو ~~ينادي: أنا الطبيب، أنا الحكيم، فمن كان فيه علة أزلتها عنه بإذن الإله الفتاح. وما زال ~~يطوف ويجول وينادي ويقول: أنا الحكيم، أنا الطبيب، حتى وصل إلى قصر شبيب، وكان لشبيب ولد ~~مثل البدر، يقال له صقر، فاتفق أنه كان هناك، وسمعه من الشباك فقال في نفسه: إن هذا ~~الطبيب رجل غريب، ولو لم يكن من الشطار والحذاق ما كان يطوف في الأسواق، فمرادي أن أتعرف ~~بيه، أو أجعله يداويه لعله يشفيه. ثم طلبه فحضر وسلم، وقال: أنت حكيم؟ قال: نعم. قال: ~~إذا شفيت أبي من هذه العلة والمرض، وأزلت عنه المرض أغنيتك إلى الأبد، وقدمتك إلى أطباء ~~البلد. فقال: إني سأبذل الجهد وأداويه، ولا أخرج من هذا القصر حتى أشفيه. ففرح كل من ~~حضر هناك بهذا الخبر، وزال عن قلوبهم الغم والتكدر، ولم يعلموا بأن الطبيب عدوهم الأكبر. ~~ثم تقدم أبو زيد إلى شبيب في صفة حكيم وطبيب، وهو يترقب الفرصة ليعدمه بالحياة عن قريب، ~~وكان رأسه معصوبا بمنديل، وهو يتنهد من قلب عليل، ففك العصبة، ومسح الدم، ووضع له ~~المراهم، وقال: لقد زالت الأقدار بإذن الواحد ms40 القهار. فاتفق أن شبيب فتح عينيه، فرأى أبو ~~زيد حوله فخاف وأندر، وأيقن بالموت الأحمر، فصاح من حلاوة الروح بصوت خفيف: هذا أبو زيد ~~صاحب المكر والكيد. فقال الحاضرون: ما هذا الذي يقول أيها الطبيب؟ قال: يريد أن تملوا ~~الأسراج زيت، أو تخرجوا جميعكم من البيت؛ حتى يستريح أو يزول عنه اليأس؛ لأن العليل تضيق ~~أخلاقه بكثرة الناس. ففرحوا وخرجوا من القاعة، ولما خلى المكان أخرج أبو زيد من جنبه ~~السكين، وذبح شبيب من الوريد إلى الوريد، وقد بلغ قصده، ثم غطاه إلى فوق رأسه وخرج، ~~فسألته عن حال شبيب الجماعة، فقال لها: إنه بخير، فلا تدخلوا عليه إلا بعد ساعة، بينما ~~يكون قد صحى من النوم، ولا بد أن يشفي من علته في هذا اليوم؛ لأني عالجته بأحسن علاج، ~~فلا تكونوا في قلق. فشكروه على ذلك، ووعدوه بالخلع والأنعام ثم ودعهم وسار.» ~~«وأما زوجة شبيب وباقي الجماعة، فإنهم بعد ذهاب أبو زيد بساعة، دخلوا على شبيب، فوجدوه ~~على تلك الحال، وعلموا أن الطبيب كان أبو زيد المحتال؛ لأنهم كانوا يسمعوا عنه أشياء ~~كثيرة، فاستعظموا الأمر، وأخذتهم الحيرة، وأقاموا العزاء والنحيب على وفاة شبيب، وهم ~~يلعنون ذلك الطبيب، وكان لشبيب أخ اسمه الصحصاح، وكان من أبطال الكفاح، قال: لا بد لي أن ~~أتبع هذا الغدار. وركب وسار وراءه، وهو يهدر كالأسد إلى أن التقى به بقرب طاحونة خارج ~~البلد، فلما نظره أبو زيد، ورآه عرف أنه الصحصاح، وأنه يريد قتله ووفاته، فدخل على ~~الطاحون وغير لونه بالأعشاب، ونزع منه الثياب، ثم خرج، ووقف على الباب، فلما وصل ~~الصحصاح إليه اشتبه أمره، فقال له: علمني من صاحب هذا الكديش، فقال في الطاحون، فنزل ~~على ظهر الحصان، وسلمه مع الرمح لأبي زيد، ثم سل سيفه، ودخل إلى الطاحون مثل المجنون، ~~فلم يجد سوى الطحان هناك، فضربه وخرج في الحال، وهو يظن أنه قتل أبو زيد المحتال، فوجد ~~أبو زيد على ظهر الحصان، يتعجب من ذلك الشأن، وقال له: من تكون قافلا؟ فما ms41 أتم كلامه ~~حتى طعنه أبو زيد بالرمح في صدره، فوقع على الأرض قتيلا، وسار أبو زيد حتى دخل على ~~الأمير حسن في الصيوان.» ~~«أما أهل شبيب، فإنهم لما علموا بقتل الصحصاح زاد عندهم النواح، وأحضروه لجانب أخيه، ~~وأقاموا عليهما النحيب، فتقدمت جنوب زوجة شبيب ترثيه بهذه الأبيات، وزادت عليهم ~~الحسرات: # تقول جنوب الخير بما جرى # بدمع جرى فوق الخدود سكيب # الأيام والدنيا كفى الله شرها # ومن عاش فيها ينظر التنكيب # فما أضحكت إلا بكت بعد ضحك # ها، فيا لها من حسرة بعد شبيب # ألا يا نجوم الليل عاملينه # لعل أوجاع الفؤاد تطيب # شبيب الذي فرقع له الرعد بالسما # وصاحت دونك العرش مات شبيب # شبيب الذي ما رأت البرك مثله # وما ربت الدايات مثل شبيب # شبيب الذي يلقى الضيوف بفرحة # ومسرة ولو كان الزمان جديب # فيا ليت من كان السبب بفراقنا # يقتل بحد الماضيات قريب # ألا يا حمام النوح توجهوا واندبوا # وابكوا عن فقد الأمير شبيب # يا هل ترى الأيام عادت تلمنا # وتجمعنا به بوقت قريب # شبيب الذي بكته الناس كلها # وصاحت ديوك العرش مات شبيب # تقول فتاة الحي مما أصابها # ولا عيش لي بعد الحبيب يطيب» ~~«فلما فرغت هذه المرثية جعلت تبكي وتنوح من فؤاد مجروح، وتلطم على خدودها من شدة الأسف، ~~وتقول: والله لقد انهدم شبيب العز والشرف. فبكت الناس لبكاها، وعزوها على ما دهاها، ثم ~~أجلسوا شبيب على كرسي من الذهب الأصفر، مرصع بالدر والجوهر، وألبسوه عدة الحرب، وبكوا ~~على ملكهم حتى كثر الصياح، وارتفع البكاء والنواح، وتكسرت السيوف والرماح، ثم تقدمت ~~جنوده وهي ترقص بالسيف.» # وتوغل السيرة في سردها لتفاصيل الأحزان التي عمت دمشق، وطقوس الدفن واستخدام الإيقاعات ~~العنيفة من سيوف ودفوف، عبر طقوس الانفصال، كما أسماها فان جنب، أي انفصال - روح - الميت ~~عن الأحياء. # فلقد وصلت المناحة إلى حد رصد السيرة عبر ما تقدمه وتسوقه إلينا من معلومات إثنوجرافية ~~تلقي المزيد من الضوء القوي على الكثير من الممارسات الشعبية التي ما يزال جانبها الأعظم ~~سائدا لدى ms42 مجمل شعوبنا وكياناتنا العربية، منها الكيفية - الآسيوية - التي انتحرت بها ~~تلك الزوجة النائحة «جنوب»، حين وضعت رأس السيف في بطنها، بينما قبضته في الأرض، وظلت ~~ترقص في عنف من حوله، ثم انكبت عليه، فخرج يلمع من ظهرها، عندئذ ضج الجميع ~~بالعويل. # | الهلالية في القدس وغزة # وعندما استقر الرأي للهلالية في حكم دمشق، ولى السلطان حسن الهلالي الأمير صقر أمرها ~~بدلا من أبيه التبع. # ثم أمر بدق طبول الارتحال، فهدمت الخيام والمضارب، وركب الفرسان باتجاه القدس وفلسطين ~~التي وصلوها بعد ستة أيام، فنزلوا خارج المدينة، وزاروا الأماكن المقدسة، ومنها رحلوا ~~بعد عشرة أيام باتجاه «غزة بقلوب معتزة.» ~~«إلى أن عملت طلائعهم على جمع المعلومات عن ملكهم السركسي بن قارب، وهو صاحب جيوش ~~ومواكب، وعنده خمسمائة ألف من الأبطال، والذي ما إن بلغ خبر اجتياح الهلالية لبلاده ~~فلسطين، حتى تكدر واستشار وزيره وقائد جنده الأمير راشد.» # وبدور حاكم غزة، أرسل عيونه وبصاصيه لمعرفة قوة وحجم الجيش الغازي لبلاده، وعاد إليه ~~من يخبره بما عنده من الخيل والجمال والأموال، «فعددهم أربع تسعينات ألوف من الذكور، ~~وبناتهم مثل البدور»، وعلى عادة ما هو متبع بالنسبة لسيرتنا هذه، طالبهم السركسي بعشر ~~المال: # إلى حسن أمير قيس وعامر # أمير البوادي في الملوك جليل # فأرسل لنا عشر المال مع الغنم # وعشر النسا جمالكم والخيل # هاتوا فتاة الجازية أم محمد # لها عيون سود وطرف كحيل # وأرسل عطور بنتك بلا خفا # بعيون سود مكحلات رميل # وريا ووطفا بعدها # ليس لهم بين النساء مثيل # وبالطبع ما إن قرأ الأمير حسن الهلالي على شيوخ القبائل رسالته، حتى أرسل له معلنا ~~الحرب: # اسمع ترى يا سركسي لمقالتي # فأنت تريد الجازية قنوع # تطلب بنات محصنات كواعب # وتريد أخذ سيوفنا ودروع # فما لك عندي سوى السيف والقنا # أجمع عليك من دريد جموع # والمقصود بدريد هنا، قبائل دريد. # وهكذا اندلعت الحرب بين الهلالية وحاكم غزة الذي نازلهم بثلاثة آلاف فارس في أول معركة، ~~نازله فيها أبو زيد على رأس القوة الهلالية. # إلا إن السركسي - كما ms43 تصفه السيرة - كان «أفرس زمانه، وكانت تضرب به الأمثال وتهابه ~~الفرسان.» # لذا سجلت السيرة اندحار أبي زيد أمامه وعودته منسحبا مكورا إلى مضارب بني هلال، حتى ~~إذا ما تلقته نساؤها تتقدمهن الأميرة «عطور الجيد» ابنة السلطان حسن بن سرحان، ليسألنه ~~عما جرى، أجابهن مسرورا معترفا بهزيمته، إلى حد قوله إنه أصبح «زمن النساء»: # قال أبو زيد الهلالي سلامة # والدمع من فوق الخدود سيجام # أيا عطور الجيد إن السركسي # يشبه الذئب قد حظي بغنائم # روحي وقولي لأبيك أبو علي # ينزل إليه باكر ويهاجم # ما دامن النسوان تولى في الورى # تظهر فوارس كالسباع تصادم # هذا السركسي ما أحد يصادمه # إذا قام في ظهر الحصان يلاطم # فامضي إلى حسن الهلالي والدك # وقولي له أبو زيد ولى هزايم # حتى إن البنات استعظمن الأمر، واستقر الرأي بهن إلى اللجوء إلى دياب بن غانم، يناشدنه ~~منازلة السركسي. # وما إن استجاب لمشورة السلطان حسن ونساء هلال المحرضات على القتال، حتى نزل إليه، إلا ~~أن دياب بن غانم بدوره، تخاذل أمام هجماته، وانسحب إلى صيوان السلطان حسن، فلما شاهده ~~بادره من فوره: «أراك في خوف واضطراب!» # فأجابه: # السركسي ما رأيت مثله فارس # يفتح على الحروب أبواب # ما له مثيل في الهلال وعامر # أيضا، ولا في ساير الأعراب ~~«فانهزم الأمير دياب ببني زغبي، وأبو زيد ببني زحلان، والأمير حسن والقاضي بدير ببقية ~~الفرسان، وتبعهم الوزير راشد، وشتتهم في جوانب القفار مسافة ثلاثة أيام، وكسب منهم غنائم ~~كثيرة وأموال غزيرة، ولما أظلم الظلام رجعت الفرسان عن بعضهم البعض، ورجع الوزير ~~والجمال، وصارت بني هلال مشتتين في البراري والتلال، واجتمع الأمير حسن والأمير دياب ~~والأمير أبو زيد وأكابر الديوان، وأخذوا يتشاورون في خلاص ما أخذه منهم قوم السركسي، ~~وكيف يقتلوا الوزير الذي كان سبب هذا البلاء.» # قال الراوي: «وكان للأمير حسن ابن أخت شديد البأس قوي المراس، يسمى الأمير عقل، وكانت ~~أوصافه ممدوحة مستحسنة، وعمره أربع عشرة سنة، فلما رأى ما جرى وكان، وانهزام الأبطال ~~والفرسان من قتال السركسي في ساحة ms44 الميدان، واستعظم ذلك الشأن، فجاء إلى عند خاله الأمير ~~حسن، وتعهد له بقتل السركسي، وإزالة الكروب والمحن، بشرط أن تذهب معه النساء والبنات، ~~ليشجعوه في الحرب والثبات، ثم إنه بعد ذلك الكلام أنشد هذا الشعر والنظام: # يقول الفتى الأمير عقل بما جرى # ونيران قلبي زايدات وقيد # أنا فارس الفرسان في حومة الوغا # أخلي الأعادي بالفلاة شريد # فنادي بنات هلال تأتي بسرعة # ونادي لنا أم الأمير شديد # ونادي الجازية أم محمد # وغيا وريا ثم أم الجيد # ونادي لوطفا بنت عمي وزينب # وعليا ونجلا حسنهن يزيد # قاربك فعلي فيه يا أبو علي # وأريه طعنا في الجمال شديد # على ظهر حمرا ليس يوجد مثلها # أنا فوقها قوم أصيل عنيد» ~~«ثم إن الأمير حسن أمر الجازية أن تنتخب في الحال مائة بنت من خيار البنات الأبكار ~~اللواتي يشبهن الأقمار، فحضرت بهن عند أخيها، وقالت له: ماذا تريد أن أفعل؟ قال: تذهبي ~~مع البنات ومع الأمير عقل إلى ساحة الميدان، وتنشدونه الأشعار الحسان كما فعلتم مع غيره، ~~حتى يتحمس على قتل السركسي بن نازب. فلما سمعت الجازية كلامه، قالت: كيف نذهب مع عقل، ~~وهو ولد صغير السن؟! أليس هو صغير السن والقتال؟! إذا كان أبو زيد ودياب لم يقدروا على ~~السركسي، فكيف يقدر هذا الصبي؟! وربما يأسرنا السركسي وتبقى معيرة بين الأعادي.» ~~«وفي الحال ركبت العماريات أمام الفرسان والأبطال، واعتقلوا بالرماح والنصال، وقصدوا ~~ساحة القتال.» # وهكذا لعب هذا الأمير الشاب الجديد عقل دورا في إنقاذ التحالف القبلي في فلسطين، ~~بصموده أمام جحافل جيش السركسي، وإمداداته التي رجحت كفة قواته عليهم. # وأما بنو هلال فإن الأمير حسن بعد رجوعه إلى المضارب دعا الأمراء لهم: «نحن رجال قصدنا ~~الوصول إلى تونس الغرب، لنخلص أسرى الزناتي خليفة بالحرب، والرأي عندي الآن أن نهجم في ~~الصباح بالأبطال والفرسان، ونحارب أعداءنا حتى نبلغ الآمال، ونسير بالعجل من هذه ~~الأطلال، ويركب الأمير دياب في بني زغبي الشجعان، والقاضي بدير، والخفاجي عامر مع الأمير ~~زيدان الرياشي مفرج وعرندس الألزعي والأمير عقل يقصدون ms45 الميدان والأمير أبو زيد يركب في ~~بني زحلان، ويقصدون أبواب غزة بعد حضور السركسي إلى الميدان.» وهكذا تم الاتفاق. ~~«هجم الأمير عقل وزيدان، واقتلعوا السركسي من ظهر الحصان، وارتقاه بالسلاسل والقيود، ~~وأخذاه إلى الخيام، وبلغوا المقصود، ولما بلغ أبو زيد هذا الخبر فرح.» ~~«وهكذا دخلت بنو هلال غزة بقلوب معتزة، فغنموا الأموال، وخلصوا صباياهم من الاعتقال. ~~وفي اليوم الثاني أقبلت أهالي البلد والأكابر والعمد، وطلبوا من الأمير حسن الأمان، ~~فأجابهم إلى ذلك، وأرسل مناديا ينادي بالأمان الاطمئنان، فاستكنت الأحوال، واستبشر بنو ~~هلال، ثم حشرت قواد الفرسان والأمراء عند الأمير حسن، فشكرهم وغمرهم بالعطايا ثم أحضروا ~~عقل، وأكرموه على ما أبداه من الحرب والصدام، وقلده الأمير حسن مقام الأمراء العظام، ~~وألبسه سيفا مرصعا بنفيس الجواهر.» ~~«فتقدم الأمير زيدان شيخ الشبان، والتمس من الأمير حسن أن يأمر بعمل عرس لأولاد الأمارة ~~الذين حان وقت زواجهم، حيث تمت الحروب، واسترحنا من الشدائد، وركبت أولاد الأمارة فوق ~~الأمهار والأبراش، وعملوا عراضة عظيمة، وبعده عملوا عرسا بالمسرات، رقصت أمامهم النساء ~~والبنات أيام.» ~~«وأحضروا السركسي مقيدا بالأغلال وهو صامت، وأدخلوه عند الأمير حسن يطلب العفو، وكان ~~الأمير أبو زيد عن يمينه والأمير دياب عن شماله، فهدده الأمير دياب بالعقاب والانتقام ~~على ما جرى، فحينئذ طلب منه العفو والأمان، وقال: يا دياب يا شتي هو سبب الأذية والضرر، ~~وكان سببا لسبي النساء.» ~~«فأمر السلطان حسن بإطلاق الأغلال عنه، وقال: يا سركسي العفو عنك إذا حفظت الشرائع ~~الملوكية، وهي أوصيك بمحبة الله، وحفظ شرائعه ووصاياه ما دمت على قيد الحياة، ولا تكون ~~لحوحا في الكلام، ولا مدمنا لشرب، بل حافظا لزمام الاحتشام، متخلقا بأخلاق الكرام مع ~~الخاص والعام، متجنبا كلام الهزء والهذيان، واقيا نفسك من عثار اللسان؛ لأن سدود ~~الأحرار قيودها، فمن صان نفسه ملك أمره، ومن باح لم ينجح. وزاد: واحذر يا سركسي من ~~النساء الأشرار، فإن مكرهن عظيم، وخطواتهن تؤدي إلى قاع الجحيم؛ لأنهن أصل الأذى والضرر، ~~وهن أغدر من كل إنسان، وإياك أن تغفل عن ms46 أحوال الرعية، وتتعدى القواعد الهلالية، وتخلف ~~قوانين وشرائع الملوكية، بل سالكا الطريق المرضية، معاملا الكبير والصغير بالسوية، ~~رافعا لشكوى المظلوم حجابك، فاتحا في وجهه بابك، واضعا الأشياء في محلها والمناصب في ~~يد أهلها، ولا سيما ولاة الأنظار وأرباب الوظائف الكبار، فينبغي أن يكون هؤلاء الرجال من ~~خواص العيان ومن أهل الفضل، فإذا كانوا على هذه الحالة تستقيم أحوال الرعايا، وينشر ~~العدل في كل مكان، فترى الذئاب مع الغنم، وتبات العصافير في الرخم.» # وهكذا استتب الأمر لبني هلال في القدس وغزة، عقب وصايا السلطان حسن لحاكمها، وما إن دقت ~~طبول الرحيل، حتى وقعت حادثة جديدة للأمير جابر والد زوجة أبي زيد العالية. # حيث تمكن أحد أمراء الشام وفلسطين، ويدعى البردويل بن راشد حاكم العريش، من قتله «بوسط ~~عكا»، وسبى العالية زوجة أبي زيد، إلا أنه تمكن من قتله، واسترداد زوجته التي سباها ملك ~~العريش، واتخذت الهجرة الجماعية طريقها إلى مصر. # | الهلالية في مصر # ويبدو أنه عن طريق العريش، وعبر برزخ السويس قدمت جحافل الهلالية المهاجرة الغازية إلى ~~مصر - العليا - مرورا منها إلى ليبيا وتونس؛ لتحط رحالها في أرض تونس الخضراء، بحجة ~~تحرير أسراهم «يونس ومرعي ويحيى» الذين احتجزوا بسجن القصر المنعزل البديع المطلي ~~بالرصاص، للأميرة سعدى ابنة حاكم تونس وفارسها الزناتي خليفة. # وعندما وصلت الهلالية إلى مصر، كان قد مضى سبع سنوات على احتجاز الأمراء الهلاليين ~~الثلاثة، وإيداعهم سجن سعدى، التي أحبت - الأوسط - مرعي إلى حد العشق. # هكذا يخبرنا الرمال المنجم الذي استقدمه حاكم مصر في ذلك الحين، ولقبه «فرمند مصر»، ~~الذي رأى حلما أرعبه: # رأيت نارا أضرمت في بلادنا # قد أحرقت أشجارها وأكرام # رأيت سباعا ماليا السهل والفضا # ومعهم لبوات بحسن قوام # فوليت نحو القصر هارب مرتعب # ألا وطير أبيض على حام # ضربني بمنقاره وحط مخالبه # في وسط قلبي والدما قد عام # وعلى هذا فمن المرجح أن ذلك الرمال أو النجام الذي توجه إليه «فرمند مصر» ~~بالاستشارة، كان يعمل لحساب بني هلال، ذلك أنه أعظم من شأنهم وقوتهم ناصحا بعدم ms47 التعرض ~~لهم، وهم في طريقهم مرورا إلى تونس والمغارب، للإفراج عن أسراهم، ملما بتفاصيل ~~أحداثهم: # محابيسهم عند الزناتي خليفة # لهم عنده مدة سبع أعوام # وعلى الفور قدم إلى الملك - الفرمند - حاكم الصالحية؛ ليخبره بوصول بني هلال، بل ~~ودخولهم عليه في هيئة نساء سبايا هدية من سلطانهم حسن بن سرحان في أعقابهن أبو زيد ~~الهلالي بلباس ومكياج مهرب الكواعب «قشمر بن منصور». ~~«فاستبشر الملك وشرب كثيرا، ومدت الموائد، وعند ذلك غنت البنات، ودقت على الآلات حتى ~~كاد يرقص القلب، وكان الملك وقعت عينه على الجازية فهام بها، وتعلقت نفسه؛ لأنها كانت ~~جميلة المنظر، فأجلسها على جانبه، والتفت إلى أبو زيد: من تكون هذه يا قشمير؟ فقال: هذه ~~الجازية ذات الوجه الحسن أخت الأمير حسن. فالتفت إليها، وقال لها: غني لي على الكأس يا ~~صبية الجمال، فإن قلبي قد مال. وما زال يشتد عليها، ويتذلل إليها حتى أجابته إلى مناله، ~~وأخذت تغنيه بهذه الأبيات تقول: # تقول الجازية بقلب محروق # فنحن اليوم قد جئنا هدية # هدية من أبي مرعي الهلالي # أمير البوادي والرمية # أخي ابن سرحان المسمى # أمير ابن أميرة برمكية # وجئنا لمصر عندنا حلائل # ولا عاد فيه رواح ولا مجية # تقول الجازية من قلب محرق # أيا حيف الزمان أحيف عليا» ~~«فلما فرغت الجازية من كلامها، أطرب الفرمند من نظامها، وشرب الكأس عن اسمها، وهو يتأمل ~~في محاسنها وبياض جسمها، ثم أمر قشمر أن يملى له كأسا آخر، فملأه وناوله إياه، فأخذه ~~وتقدم وطفا بنت الأمير دياب، وقال غني على هذا الكأس يا بنت الأمجاد، فجعلت تغني ~~وتقول: # تقول وطفا فؤادي اكتوى # بدمع جرى فوق الخدود غزار # يا أمير مصر اشرب واسكر بالهنا # وانظر بناتا تشبه الأقمار» # حتى إذا ما وصل حاكم مصر إلى أقصى نشوته، وضعن له البنج أو العقاقير، وأخرجوا فرسانهم ~~من داخل الصناديق، بحسب الحيلة الطروادية الشهيرة، ودارت معركة داخل مخدع فرمند ذاته، ~~تذكرنا بذات الخدعة التي أحدثها كليب الفلسطيني بمشاركة خطيبته الجليلة بنت مرة داخل ~~مخدع التبع الغازي للشام ms48 وفلسطين، حسان اليماني. # إلا أن الحيلة هذه المرة لم تأت فعلها السريع، فامتدت الحرب بين الهلالية وفرمند مصر ~~وابن أخته الأمير محمود، إلى أن قتل أبو زيد محمودا، وسقطت القاهرة في أيدي الهلالية ~~الدخلاء. # وتستطرد السيرة في تقديم محصلة من المعلومات - الإثنوجرافية - المفيدة للمصريين ~~وطبائعهم في ذلك العصر الوسيط. # وكذا المسجد الذي شاده الذي شاده السلطان حسن الهلالي بها والذي ما يزال موجودا إلى ~~اليوم. ~~«فلما رأى المصريون تلك الأحوال خابت منهم الآمال، وأيقنت الهلاك والوبال، واجتهدت أن ~~تخلص جثة ملكها فما قدرت، وقد أهالها ما رأت وأبصرت وامحلت عزايمها، وتأخرت واشتد عليها ~~الحصر، وخاب أملها في النصر، فرجعت وطالت مصر، وهي على أسوأ حال لا تعرف اليمين من ~~الشمال، فتبعتهم بنو هلال على الأقدام، وفي مقدمتهم أبو زيد ودياب وزيدان شيخ الشباب، ~~وحكموا فيهم ضرب السيف القرضاب على الأجسام والرقاب، حتى دخلوا البلد وهم في حالة الذل ~~والنكد، فلما رأت أكابر المدينة والأعيان ما جرى، وكيف أن الفرمند شرب كأس الهوان، وما ~~خرجوا إلى عند السلطان حسن بن سرحان، وطلب منه العفو والأمان، فأجابهم إلى ذلك الشأن، ~~وأوصى الأبطال والفرسان، لا ينهبوا من أمتعة المدينة لا رخيصة ولا ثمينة، بل يكونوا في ~~هدوء واحتشام إكراما لمزارات الأولياء، ومقامات العلماء والعظماء، وكان للفرمند، ولد ~~مقتدر اسمه الأمير منذر، فأحضر إليه قبلة بين عينيه، ثم ولاه مكان أبيه بحضور أكابر ~~البلد والذوات والعمد بعد أن أوصاه أن يتصرف بحسن السلوك، ويتخلق أخلاق الملوك، ثم قامت ~~الأفراح، وزالت الهموم والأتراح، وكان السلطان حسن قد استحسن مصر كل الاستحسان لكبرها، ~~وما فيها من الأبنية الحسان، فصمم أن يبني له فيها على اسمه جامعا ليكون ذكرى له على ~~طول الزمان، فأمر البنايين والمهندسين ببناء الجامع المذكور في ظرف ستة شهور، فأجابوه ~~إلى ذلك المرام، وبعد أن تم بتمام، أمر أن يفرشوه بنفيس الفرش، وينقش حيطانه بأحسن ~~النقش، فامتثلوا أمره في الحال كما قال، فكان جامعا عظيم المنال، يزهو كالهلال، وكان ~~مكتوب على بابه بالذهب ms49 هذا جامع الأمير حسن الهلالي سيد العرب.» # وبالطبع، فإن الجامع ما يزال قائما إلى أيامنا - كما ذكرنا - ويعرف بجامع السلطان ~~حسن. # ولم يمكث الهلالية كثيرا في مصر، بل واصلوا رحيلهم إلى ليبيا، لكن في الطريق وقعت عدة ~~أحداث، منها المشاحنات المتجددة بين العالية بنت جابر زوجة أبي زيد والجازية خاصة بالقرب ~~من عيون الماء المتفجرة التي تسميها السيرة بالمخاضة، حين سبت الجازية العالية «يا ~~عشيقة عبدنا»، وكانت تعني أبا زيد. # ومنها ذلك الحب المشتعل من فوره بين الأمير ماضي بن مقرب وبين الجازية، وحين حاول ~~التقرب منها بالزواج، نصحه المقربون منه بطلب فرس دياب بن غانم «الخضرا»، وفي حالة رفض ~~مثل هذا الطلب؛ لأن روح دياب بن غانم في فرسته هذه يطلب بدلا منها الجازية، مع ملاحظة ~~توحد المرأة بأنثى الحصان، بل وأهمية فرس دياب هذه التي سيساوم حين موتها بأخذ تونس ~~عوضا عنها ... إلا أن السلطان حسن الهلالي حقق طلب ماضي بن مقرب، وأرسل له الخضرا، فردها ~~بدوره مع هدايا كثيرة، طالبا الزواج بالجازية: # يقول الفتى ماضي بن مقرب # بدمع جرى فوق الخدود بدار # أرسلت لك خضرا دياب بن غانم # وأبذلت فيها أموال ثم جياد # ونحن نعرف يا أمير مكارمك # وكفك سخي طول المدا مداد # وأنت نعم الطلب عالي الحسب # أريد منك النسك بلا ميعاد # أريد فتاة الجازية أم محمد # وهي بنت عمي بغيتي ومرادي # فخذ مني ميتين فتاة الجازية أم محمد # وميت حصان أدوجى شداد # وميت يمني حرير صنعة اليمن # وميت حمل من عمل بغداد # وميت عبد يا أمير وعبدة # وميتين سرية من الأعباد # وميتين مملوك من الترك أصلهم # وألفين سيف صنعة الهناد # وألفين حربة صنعة أبو جيارة # مركبة يا أمير على أعماد # وميتين درع يا أمير وخوذة # وألفين دبوس من البولاد # وخد لك ثمانين من الدراهم # ذهب مصري يعب للنقاد # مقال الفتى الماضي بن مقرب # وأنت لنا يا أبو علي أسناد # وما إن قرأ سلطان بني هلال خطاب ماضي بن مقرب، حتى استدعى الجازية، وأخبرها بطلبه، ~~فذعرت ms50 الجازية فكيف يحق لها الزواج، وهي زوجة الأمير شكر أمير مكة، وأن ولديها محمد ~~وعمر، وهي التي ضحت بزوجها وولديها، لترافق قومها وقبيلتها، بمعنى أن ولاءها هنا إنما ~~للقبيلة أولا قبل الزوج والأبناء. # وما فرقة الأولاد إلا مصيبة # فما يدخل عيني قط سهاد # وهنا أرسل السلطان يستأذن زوجها أمير مكة، وحصل منه على موافقة بالتخلي عنها للزوج - ~~السياسي - القادم الفرمند حاكم مصر العدية. # وهكذا تم الزواج بالفعل بين الجازية، وذلك الأمير ماضي، وتصف السيرة الفرح أو العرس ~~المصري على نحو لا يختلف كثيرا عما يتواتر ممارسته إلى أيامنا. ~~«وكان الماضي قد زين القصر بأنواع الحرير والقماش الفاخر، واستقبلهم أحسن استقبال، ~~ونزلت العروس عند الحريم، ثم دارت الحلويات وكاسات الشربات على مائدة الأمراء والسادات، ~~وبعد ذلك حضرت سفرة الطعام، وفيها من جميع اللحومات كالضأن والدجاج. وبعد أن أكلوا ~~وشربوا ولذوا، رقصت النساء والبنات، وغنت المغنيات بأنواع الأصوات، واستمر الحال والقوم ~~في فرح وسرور مدة ثلاثة أيام، واتفق في اليوم الرابع أن استأذن الأمير حسن من الماضي ~~بالمسير لبلاد الغرب، فقال الماضي: أيها الملك تقوم عندي في هذه الأطلال، فبلادي واسعة ~~كثيرة المراعي والأوفق نبقى معا.» ~~«ولما صممت بني هلال على الذهاب والرحيل، جعلت الجازية تبكي بدمع غزير؛ لأنه لم يكن صبر ~~ولا سلوان على فراقهم، فلما زاد عليها الحال أكثرت من النحيب والأعوال، فانزعج الماضي، ~~وسمح لها بالذهاب معهم إلى الغرب، ففرح بذلك الأمير حسن، وحالا أمر الفرسان بالركوب، ~~فركبت الفرسان، وساروا قاصدين بلاد الغرب، فعند ذلك ركب الماضي بالفرسان، وساروا بصحبتهم ~~مسافة 3 أيام، ثم حلف حسن عليه بالرجوع.» # وما إن وصل الهلالية تونس، حتى نزلوا بين جبلين بوادي مزهر اسمه وادي الرشاش. # وعلم الزناتي بخبر وصولهم على نحو - إثنوجرافي - ملفت، ذلك أنه طلب من ابن أخته الذي هو ~~في موقع وزير داخلية تونس، العلام بن غضيبة المضي إلى الصيد والقنص، حتى إذا ما عاد ~~بصيده ووضعه أمام الزناتي بادره: «يا علام، ما هذا الذي أرى؟ فلم يجلب لنا هذا ms51 الصيد إلا العجائب!» # 1 # فبادره العلام من فوره: «وأنا إقول إن ما جلب ذلك لنا ليس سوى العبد الذي ~~حبست رفاقه # 2 ~~... وها هو يحضر قومه بجحافلهم لاستباحة بلادنا.» وأنشد: # يقول الفتى العلام ولد غضيبة # لقد بان عندي يا أمير حروف # فهذا عربان الهلالي أبو علي # عليهم الذهب وهم قاعدين دفوف # هذا ملكهم ابن سرحان يا ملك # أمير ابن أمير سيد المعروف # وكالعادة، حاوطت المخاوف الزناتي خليفة، فجمع مجلس حربه، وعلى رأسه ابن أخته الأمير ~~الملقب بالهصيص، الذي هون من مخاوف الزناتي، وهو الذي «تحت يديه أربعة وعشرون أميرا، ~~وكل أمير يحكم على مائة ألف عنان»، وأمره الزناتي بإحضار قلم وقرطاس، وأشار إليه أن يكتب ~~إلى ملاك بلاده على طول الديار التونسية والمغرب العربي، الأندلس وشبه جزيرة أيبريا ~~بعامة وما بها من ممالك ودويلات، سبق أن غزاها ذات هذا التحالف العربي الهلالي، وفي ~~طليعتهم الفينيقيون من شعوب بحرية لبنانية وفلسطينية وسورية، منذ منتصف الألف الثاني قبل ~~الميلاد، حيث حطوا رحالهم أول أمرهم في قرطاج أو تونس، انطلاقا منها إلى إسبانيا ~~والبرتغال، أو ما يعرف فيما بعد بالأندلس، حيث وصلت الدويلات أو المدن الدول العربية ~~إلى 14، منها بنو الأحمر، وبنو طليطلة، وبنو الزيري، ومظلوم ... إلخ. # وهكذا ما إن اندلعت الحرب بين الهلالية، وتحالف الزناتي، حتى نازلهم في البداية أخوه ~~الأمير الهصيص، الذي تولى منذ البداية تجميع تحالفهم القبلي على طول المغرب العربي ~~والأندلس، كما يتضح من قصيدته هذه: # يقول الفتى الهصيص قام لحربي # والنصر بالله والسيوف الجدب # يا حاضرين اسمعوا ثم انهضوا # قوموا وسيروا لبلاد الغرب # وأنت يا علام روح بالأندلس # إياك تحكي أو تنادي تكسب # وأنت يا منصور روح لفارس # هات لهم أبدال من صبي # وأنت يا زيتون روح لقاعة # قول لهم أتوك ركبي # وأنت يا عضرون روح لناسة # حتى يقفوا كأنهم بالضرب # وأنت يا ضرخام روح لمغيرة # أيضا بلاد الكرم قوم النجب # وأنت يا مقداد روح المندرة # وأرض زبلالي يجونا بقربي # وأنت يا شمعون روح لأكرة # وقول لهم القوم ms52 عادت قربي # وأنت يا طلهيان روح لباجة # وقول لهم عادت قربي # وأنت يا عماد روح لأغمداس # ولجبل ولد يروم ابن المتنبي # وأنت يا جفال # 3 # روح لكسرة # مثل الهبوب وقل لهم يا غضبي # وأنت يا رداح روح لتراة # للمير وسليمان المغربي # وأنت يا فراج روح وانهض # ونادي لكركم ثم بلاد العنب # وأنت يا عجاج روح لتغريب # لأرض مراكش ثم لأرض السلب # وأنت يا بليص روح لتورس # إلى أرض ثم أرض القصب # وأنت يا حماد روح ونادر # لأرض مكناس وبلاد الشهب # وأنت يا بولاد روح لحربة # ودور كل دايرة المنهشبي # وأنت يا شداد روح لقابس # دعهم يقيموا عند باب الدرب # وأنت يا عبود روح عن بجي # ونادي بأعلى الصوت حاكم كربي # وأنت يا حماد روح مقصد # واركب جوادك لبلاد الهدبي # وأنت يا سليمان أظهر الخبر # في قيروان وقابس الغربي # وأظهر الأخبار بأعلى صوتك # في أجهر العلا تغيبي # وبالطبع اندلع القتال بين الهلالية وفرسان تونس والمغرب العربي بعامة حتى الأندلس، كما ~~يتضح من القصيدة السالفة، والدعوة للتحالفات القبائلية التي كانت تتزعمها في ذلك الوقت ~~تونس أو قرطاج. # وفي البداية نازلهم العلام بفرسانه، مستخدما الحيلة والكمائن التي اشتهر بها، ذلك أنه ~~حاصر الهلالية بدءا من المؤخرة بدلا من المقدمة ليسبي مؤنهم وخيولهم ومواشيهم، وبالفعل ~~أثار فيهم وفي صفوفهم الذعر والتشتت، مما دفع بالنساء والأطفال إلى الاستغاثة بالسلطان ~~الهلالي طلبا للحماية، فما كان منه إلا أن جمع مجلس مشورته وفي المقدمة «الجازية»، ~~الذين بعثوا في طلبها من ليبيا، على اعتبار أن لها الكلمة العليا، فللجازية ثلث المشورة، ~~وهكذا أجمعت المشورة أو الشورى إلى انتداب الأمير دياب بن غانم إلى حماية المؤخرة، حيث ~~إمدادات ومؤن الحرب، من خيل وماشية ومأكل وربما سلاح وعتاد وعبيد ونساء وعجائز ... ~~وهكذا. # ووافق في النهاية دياب بن غانم على هذه المهمة القاسية في حماية الخيل والنساء على مضض، ~~بل إن تلك الواقعة ستظل سببا دفينا مؤرقا لدياب للانتقام المتجبر فيما بعد من ~~الهلالية - القيسيين - لاعتقاده الراسخ فيما انطوت عليه مهمته ms53 هذه من إهانة، بانتزاعه من ~~القيادة والمقدمة، إلى حيث يصبح مكانه الذيل والمؤخرة، وهو الذي هاجمه أعداؤه على الدوام ~~واصفين إياه بدياب الخيل. # والملاحظ أن السيرة تطلق على إمدادات الحرب من بهائم وخيول ورعيان وعجزة، تعبير ~~«البوش». # وهكذا ساق دياب ذلك «البوش»، # 4 # وسار به إلى وادي يطلق عليه وادي الغبارين، فرأوا فيه «الزهور فاتحة المياه ~~سابحة»، فأوصلهم أبو زيد ودياب ينشد مشيرا إلى أزمته الداخلية التي ستدفع به إلى التسلط ~~والديكتاتورية، وانتزع كل السلطة له على الغرب عامة، فيما يلي من فصول وعقب فتح تونس، ~~منشدا: # أنا دياب بن غانم يا حسن طيب # لا تخافوا علي لو سطى الديب # طيبا لقلبك علي بوشك يا ملك # ولا تخافوا علي في المخاريب # المال مال ما يدنو عليه أحد # إني مجرب بإذن الله تجريب # أنا ابن غانم وكل الناس تعرفني # فعل شهودي تعرفه الأقاريب # وأنتم كونوا حذارى نحو أنفسكم # وحافظوا على حريمي والمراكب # ثم احضروا للزناتي حين يطلبكم # كونوا قوما عرايس في المضارب # أنتم هلال ما حد يقهركم # حكمتم الأرض شرقا وتغريب # كم من ملك عدا عار ملكه قهرا # ودعيتم قومه شرقا وتغريب # الهند والسند ثم السريب واليمن # كل الملوك بقوا مهاريب # وهكذا ودع أبو زيد الأمير دياب بن غانم بأروع أشعاره دون إنقاص من قدره ~~وقدراته: # كم وقعت أشفيت هلال # أنت يا زكي الجدود # لكن هيهات، ذلك أن مغتال أبي زيد عقب فتح الغرب وحكمه دون شريك، هو بذاته ... دياب بن ~~غانم الزغبي. # وتشتد ضراوة المعارك بين الهلالية بقيادة أبي زيد والتحالف المغربي بقيادة الزناتي ~~خليفة وأخيه الأمير الهصيص. # ويبدو أن أبا زيد الهلالي تفرد في تلك الوقائع بمبادرة اتخاذ القرار بالحرب وحده، عقب ~~رحيل دياب بن غانم لحراسة المؤخرة، ذلك أن السلطان حسن استدعاه إثر غزوة أبلى فيها أبو ~~زيد إلى حد قتل الهصيص، لكن دون مشورة، فجمع السلطان مجلس المشورة أو الحرب، وواجهه: ~~«لماذا يا أبا زيد تقاتل القوم أنت بنفسك دون أن تخبرني، ما عدت تركب معنا.» # وأمره ms54 بالامتثال للسجن، ووضع قدميه في قيد الحديد بإرادته واختياره. # وبالفعل امتثل أبو زيد للقيد، ووضعه في رجليه، واقتعد صيوانا للسلطان حسن ~~الهلالي. # لكن في صباح اليوم التالي، ما إن دقت طبول الحرب، وعلم الزناتي بغياب أبي زيد، حتى ~~استشرى في قتال الهلالية. # إلا أن أبا زيد فاجأ الزناتي وقواده بنزوله المعركة، ورد جنودهم منسحبين مدحورين إلى ~~أربع عشرة مرحلة أو انسحاب، إلى أن دخل الزناتي أبواب المدينة، وأغلقوها من خلفه، بعد أن ~~خلع أبوابها بحرابه مشرفا. # | اغتيال الخفاجي عامر وابنته دوابة # وكما ذكرنا، فإن الخفاجي عامر شخصية تاريخية، ترد بسماتها مترددة في الكثير من المصادر ~~الكلاسية العربية كأحد الملوك اليمانيين الذين حكموا العراق، وإنه آثر الانضمام إلى ذلك ~~التحالف - القمري - الهلالي لريادة الغرب وفتحه، هو وأبوه الأمير الشيخ ضرغام، وابنته ~~دوابة التي تسمى بها على عادة الآلهات القمريات، أبو دوابة، مثله مثل سالفه حسان ~~اليماني، أبو تدمر التي أصبحت مدنا وحضارات تسمت باسمها - الطوطمي - تدمر، ومثل المهلهل ~~أو الزير سالم أبو ليلى وأخيه الأكبر كليب - ملك العرب - أبو اليمامة، وهي بدورها ~~«اليمامة» أصبحت مدنا وحضارات، مثل بقية أبطالنا، أبو وطفة دياب بن غانم، وأبو سعدى ~~الزناتي خليفة ... وهكذا. # وتحفظ مأثورات الشعر الشعبي المصري والعربي الشفاهية، آلافا مؤلفة من أبيات الشعر ~~الشعبي حول اتخاذ الخفاجي عامر قرار التخلي عن جاهه وسلطانه ومصاحبة الهلالية باتخاذ ~~مكانه ومعه قبيلته، بأخذ المكان في الصف - العربي - فاتحا ومعربا، منها: # يوم غرب النجع # 1 # ياما بكى درغام # قال بيض الليالي مضت # واللي بقى صار غام # رايح تغرب يا أبو دوابة # وفايت الاصطبل والخيل فيه # ما بكى ضرغام وقال بيض الليالي # مضت واللي بقى صار غام # ما بكيت بنته دوابة وقالتلو # يا أبا أن شايفة عينك ع السفر حاتزول # ضرغام أبوك كبر وأمك شولة # عقلها حايزول # الغربة تربة يابا تقل الأصول وتزول # فقال النجع: # بطلي يا دوابة مع الناس دول حانروح # العلام أخويا وصاحبي بالروح # ومكتوب على باب تونس قايمة في اللوح # تفنى الخلايق وكل العباد حاتزول ms55 # وهكذا اتخذ الخفاجي عامر أو النجع قراره بالانضمام إلى التحالف الهلالي، حتى إذا ما ~~اشتد أوار الحرب بين الهلالية، الذين وصلوا بزحفهم وحصارهم أبواب تونس السبعة، بنفس ما ~~فعله الإغريق مع الطرواديين لذلك الحصار الذي دام عشرة أعوام. # ويبدو أن دفة الانتصارات قد تراجعت هذه المرة لصالح الزناتي وقومه أو تحالفه القبلي؛ ~~وذلك أن دياب بن غانم أصبح لا يعتلي المقدمة، بل هو يحرس إمدادات الحرب ومؤنها - البوش - ~~بوادي العباين حيث المؤخرة، وأبو زيد الهلالي يلتزم عقابه طائعا، وإن كانت السيرة ~~تخبرنا في بعض المواقع بأنه كان مصابا أو ملسوعا، كما سيرد في شعر الخفاجي ~~النجع. # ويبدو أن ثقل المنزلة والقيادة تولاها السلطان الهلالي حسن بنفسه. وأنه اندحر مرات أمام ~~الزناتي خليفة، إلى الحد الذي دفع الخفاجي عامر إلى منازلة الزناتي خليفة، برغم تعرضه ~~للكثير من المفاوضات والمساومة لخروجه من التحالف، والانشقاق عليه، والانضمام للزناتي ~~وقومه، حيث إن الزناتي واصل انتقاماته من الهلالية متجبرا - كما يتضح من شعره التالي - ~~بعد أن خلا الجو بغياب بطلي التحالف الهلالي، دياب وأبي زيد: # يقول أبو سعدى الزناتي خليفة # وقلبي عليكم يا هلال حقوم # قتلتم رجال في المجال غضيبة # وعاد دماهم في البلاد يدوم # قتلتم أخي الهصيص غدر وبوقة # وهو كان ضد الظالمين عنود # ولى طار سالف من عهود قديمة # طارئ عندكم من زمان جدود # والله لأجرد عليكم عساكر # وأحشد عليكم الأنام حشود # وآسر حلايلكم وآخذ أموالكم # وأبدل لطيب عيشكم بنكود # أنا أبو سعدى أنا قاهر العدا # ولي في فعالي يا كرام شهود # شهودي تهودي والقائم صارمي # بيض الدمارى وأخيات جمود # يا أبو علي قوم التقى بلا بطا # وتروح من سيفي طعام اللدود # خمسمائة ألف عدة جموعنا # عليهم من الزود المتين بنود # يا أبو على ارحل بصفتك من أرضنا # وفوز بنفسك تبلغ المقصود # ما لك عندي إلا الطعن والقنا # وضرب يشيب هامة المولود # فإن عانني ربي سريعا أهلكتكم # وأعقد عليكم كل يوم عقود # أنا أبو سعدى الزناتي خليفة # هنيئا لمن خالي عنا وحقود ~~«أراد ms56 السلطان أن يبرز إليه، فمنعوه الأمارة، وقالوا نخاف عليك من الزناتي وأبو زيد ~~ملسوع ودياب غايب، وإن صار لك حادث تروح بني هلال أسرا في الجبال، فقام الخفاجي عامر، ~~وطلب الزناتي فمنعه حسن، وقال: أنت نزيل عندنا والنزيل ما له حرب، فقام الخفاجي وأقسم ~~يمين عظيم إن لم ينزل الزناتي يرحل بقومه عن بني هلال، فتركه وثاني يوم دق الزناتي طبله ~~إلى الميدان، فبرز إليه الخفاجي عامر، فالتقوا البطلين كأنهم جبلين وزعق رءوسهم غراب ~~البين، وفي اليوم الثالث كل الزناتي وولى هاربا من قدام الخفاجي، وكان عند الزناتي ~~خطيب يسمى مطاوع، فقال الزناتي: باكر انزل إليه، وأنا مستخبي بين الزرد، وإن انكسرت ~~قدامه، فيلحقك حتى يفوتني، فأجيله من وراء، وأطعنه من قفاه، وأعدمه الحياة، وأما من ~~الخفاجي فإنه رأى مناما أن قدام بيته شجرة طويلة، جاها نجار يقطعها، وحفر شلوشها، فقام ~~من منامه مرعوبا، واستدعى دوابة وامرأته، قال لهم عن منامه: # يقول الخفاجي والخفاجي عامر # رأيت منام منه عقلي طار # رأيت شجرة ثابتة في وسط دارنا # قطعها سريعا يوسف النجار # وقدم منشكة وحفر شلوشها # وقطعها بالقادوم والمنشار # وأمس أرسل الزناتي يقول لي # كلاما أكيدا وضح الأسرار # يقول لي يا أمير اترك قتالنا # وبطل عنا جملة الأضرار # وعدني بالمال والملك والعطا # يرغبني في معدن وأبهار # فما ردت في هذه العطايا دوابة # وأرمت في قلبي لهيب النار # يخاف أنهم حسبوا حسابي جميعهم # وقوم الزناتي كلهم مكار # لأن منامي يا دوابة راعني # وأرمى في قلبي لهيب النار # ولكن مهما يفعل الله جائزا # الله تعالى واحد قهار # قال المسمى الخفاجي عامر # من ذي المنام بقيت كالمختار # ردت دوابة بنت عامر تقوله # اترك خلية لا تزيدن أشرار # أنا خائفة ذا المنام يعيبنا # ويرمي لنا بالهم والأضرار # نخاف عليك من الزناتي خليفة # لأنه أمير بالملا غدار # له سطوة بالحرب ما شفت مثلها # يشبه لسبع الفلا غدار # ما شفت قوم هلال فيما جرى # خلي دماهم على الوطا فوار # فاهجم ولا تمنع واقعد وامتد # يا مصعب للفرقة وبعد ms57 الدار # ما قالت دوابة والبكا حيلها # يا حسرتي إن راح عن الدار» ~~«قال الراوي: فلما فرغت دوابة من كلامها وأبوها يسمع نظامها، قال: يا بنتي إذا ركبوا ~~بني هلال ماذا يكون الجواب وأنا حالف يمين إني أحارب الزناتي عشرة أيام. فقالت له: عمل ~~ضعيف يعذروك بني هلال، دقوا طبولهم، وركبوا خيولهم، وفقدوا الخفاجي عامر فما وجدوه ~~بينهم، فسألوا عنه حسن فقالت الجازية: أنا أروح إليه، فراحت تلاقي دوابة قايمة تبكي، ~~فسألتها عنه، قالت أصبح مريضا، فرجعت أخبرتهم، فقال حسن الخفاجي: أقسم يمينا أنه يحارب ~~الزناتي عشرة أيام، وحاربه ثلاثة أيام، بقي عليه سبعة أيام، فكان حاضر أمير اسمه ظريف ~~محب في الخفاجي، فقال: أنا أروح إليه أنظر معانيه. فراح إلى عند الخفاجي، فلما وصل كان ~~نايم، فجلس على حفيلة، وقال له: حول يا خفاجي فحول عن جواده، فسأله عن حاله. فأشار ~~الخفاجي يقول: # قال الخفاجي ولد ديرغام عامر # يا ظريف حول تعالى أضيف # وحيلي اتخلى عني يا أمير وانقطع # وعاد جسمي يا أمير تليف # مرعوب مما نظرته في منامي # وقد عدت من هذا المنام وجيف # رأيت شجرة طالعة وسط دارنا # أنا كل عرس تائف وظيف # جانا يجري وقطع غصونها # وأحرقها بمنشاره تحريف # وشفت الزناتي راح مني هزيمة # كنت عليه بالطراد جنيف # خايف يكون دبر علينا حيلة # ومهما تشوره ما به تخليف # فرد المسمى ظريف وقال له # ألا يا خفاجي لا تكن مخيف # شد واركب الزناتي وصادمه # وأخاف تصبح بين الأنام مخيف # يا أمير إن العمر من رافع السماء # مكمن علينا ليس منه مخيف # ما دام لك أجل ما قط تقتل # ولو كنت نازل وسط بحر مطيف # حياة الفتى موته بظهر جواده # بيوم يكون الريق فيه نشيف # يقتل يكسب الحمد والثنا # يبيض لعرضه وثناه نظيف # انهض ولا تخشى المنايا جميعها # وإلا غشينا بالذل والتخويف» ~~«قال الراوي: فلما فرغ ظريف من كلامه والخفاجي يسمع نظامه، فوثب كالأسد، وشد على جواده، ~~وتقلد بالحرب والجلاد، وسار مع ظريف، فعندما زغردت البنات، ودقت العماريات، وحين ms58 شافه ~~الزناتي أنشد يقول: # يقول الزناتي من فؤادي معمر # نيران قلبي زايدات وقادها # أنا الخليفة بالحروب مجرب # لي سيفا بالخيل أنا راددها # ألقى ألوف الخيل ماني خايف # أبطال تعرفني بيوم طرادها # أجول حربي وحين طرادي # وتريد في حربي ترى أنكادها # أبشر بقصر العمر جالك واكد # لا بد ما تكن عميق لحالها # رد الفتى المسمى خفاجي وقال له # نار الحرب أنت قائم بشرارها # أرسلت لك مكتوب كون صديقي # وتعطيني تونس وكل جدادها # ما أرد أخون العيش يا أبو سعيد # أخاف ترخص عندنا أسعارها # أولا أكون الخفاجي عامر # في جاه صغارها وكبارها # أصبح هزيل في هلال ممسخ # ويكشفون عروضها وصخورها # لكن اليوم جيت إلى حربك # لا بد أسقيك كأس مرارها» ~~«فلما فرغ من كلامه التقوا الفارسين في حرب وصدام، وساروا في حرب شديد يفتك زرد الحديد، ~~فانفك عزم الزناتي من شدة حربه، فولى هارب وللنجاة طالب، وحكم ضربه نحو جناين الورد، ~~وكان الخطيب كان من بين السجايا وماسك الرمح بيده، وإذا بالزناتي والخفاجي لاحقه، فطلع ~~الخطيب طعن الخفاجي بين كتفيه، خرج يلمع من لوحيه، فرماه قتيل، وفي دمه جديل، فغار ~~الفريقين والتحموا الطائفتين، وصاح على رءوسهم غراب بالرمح أصاب الجواد ورماه على الأرض، ~~فرد الزناتي إليه، وخلصه من بين يديه، وركب الجواد، ولا زال بينهم القتال حتى ولى ~~النهار، فانفصلوا عن القتال، وامتلأت الأرض من القتلى، وأخذ الظريف خفاجي عامر إلى بيته ~~ومدده، فأشاد يقول: # قالت دوابة دموع من مآقيها # نيران قلبي من يقدر يطفيها # جادت علينا سلما من نواتها # وأسقت لعامر شربة من أوانيها # فأبكت دوابة دموعها لأجل والد # ها بنت الخفاجي من يقدر تبكيها # يا حيف رحنا ما شفنا منازلها # يا حيف يا بدار العز نخليها # أنا دوابة أبو عامر الماجد # أنشد المكارم وقد شيد مبانيها # قد كان ملك في أرض العراق # له كم كربة من هموم الدهر يجليها # يا رب البين شتت لمومنا # حول الليالي تجهزنا لياليها # حالة مطاوع على شبه مبرشمة # تشبه لريم الفلا السرج محليها # طعنة بحرية ms59 طول الليل يسقيها # راح عامر طريح الفراش ساليها # جاله ظريف سريع من فوق سابقه # ضرب مطاوع ضربة جامدة فيها # وأضحى والدي بالعرى منطرحا # أطن عدنا الأرض والشرق تفنيها # من ذا الذي يوصل الأخبار لأهلنا # وعلام عامر ترى من عاد يحميها # ما قالت دوابة ونار القلب مشتعلة # على أنواها وعربيها وتاليها # فلما فرغت من كلامها أفاق أبوها من غدوته، وأشار يقول: # يقول الخفاجي بن درغام عامر # بدمع جرى لا أظن مثله مدامع # نيران قلبي كلما أقول تنطفي # يهب لها جوا ضلوعي لدايع # أنا مثل صقر رابيا تحت عشه # من المحل جابته بروق اللوامع # نسى وكره لما طلع من بلاده # وخلى في وركه فروخ الجوازع # يبات ويسر طالب الصيد العلا # يمنع حتى ما ترى الوقد جامع # وإن كان هذا الطير ضيع وكره # وراح على ذكره مديد آل سايع # إذا جفاك الدهر يوم بقربه # أمال عن الأجواد إن كنت ضايع # ولا تنزل إلا في بلاد رتيبة # بلاد العدية حولها السم ناقع # وشبانها تنقل السيف مع القنا # على كل طافح برعب الخيل قارع # وشيوخها ترمي العدا في المهالك # بالروح ما هو بالمسهمات القوانع # قولوا للطير الذي في بلاده # أيضا طيور قد تجينا تواجع # ما جاك يكسب الحمد والثنا # تجيني وتأتيني بفعل رواجع # يا دوابة إن كانت دنت منيتي # فأوصي ظريفا يجعل القبر واسع # وبعد موتي ابعثوا الكتب لأهلنا # عسى الخير منهم يجيكم مسارع # ولا أظن خبر يأتيك من بلادي # بلادي بعيدة سهلها والبقائع # أبي وأمي كيف ترى حالهم # ينتظروا رجوعي ولست براجع # ولا ولد من بعد مني بقى لهم # دعوهم بعدي يسكبون المدامع # وقولوا لهم عظم الله أجركم # ولدكم عامر عند ربه مطاوع # أوصيك يا حسن يا هلالي # دول يتامى ما لهم من مدافع # أنت شفوقا على اليتامى ومحسن # يعطيك ربك عاليات المواضع # يا أيها الطير الذي طار بالفلا # تسعا إلى الدهر الذي بك مطالع # تأكل ربيع بأرض مصر وزرعها # وتبيض بأرض العراق المواضع # سلم على أبي وأمي وقل لهم # يرضوا علينا في صلاة ms60 الجوامع # وأشهد أن الله لا رب غيره # فهو واحد وما له من ينازع» # وعلى هذا النحو جاءت مرثية الخفاجي عامر عقب اغتياله غدرا، وتوصياته لابنته، إن لم تكن ~~إلهته الأنثى القمرية وكاهنة القبيلة - دوابة - باتساع قبره وبلاغ قومه فيما بين النهرين ~~بموته وانتهاء منيته، وما أروع شعره! - القومي - حين يقول: # يا أيها الطير الذي طار بالفلا # تسعى إلى الدهر الذي بك طالع # تأكل ربيعا بأرض مصر وزرعها # وتبيض بأرض العراق المواضع # ويتضح من مرثية الخفاجي مدى التراكمات الملحمية التي تصنفها العصور، ملحقة ومضيفة، بما ~~يذكرنا بمرثية التبع حسان اليماني، عقب اغتيال كليب الفلسطيني له داخل مخدعه بدمشق، ~~ومرثية كليب ذاته، عقب اغتيال جساس بن مرة له، وكذا الزير، وبقية شخوص سيرتنا هذه عالية ~~الهامة، السلطان حسن الهلالي، والزناتي خليفة، وأبو زيد الهلالي، وهكذا كسروا على ~~الخفاجي عامر السيوف، واستشرى الزناتي في قتال الهلالية. # | أبو زيد يزور الأسرى في زي امرأة # وجاء اغتيال الخفاجي عامر فاتحة لعقد الهلالية المنفرط بموت قادتهم واندحارهم، ذلك أن ~~الدور جاء هذه المرة على القاضي بدير بن فايد، وتبعه الأمير بدر بن غانم، الذي قطع ~~الزناتي خليفة رأسه، وأرسلها وهو ما يزال في الميدان إلى تونس، لتعلق على بواباتها السبع ~~إلى جوار رأس أخيه زيدان «شيخ الشباب»، ثم قتل ولديه الواحد بعد أخيه، نصر وعقل، الذي ~~تشدد الزناتي خليفة بخاصة في قتله، واعدا كبار فرسانه في تونس بأن من يقتله سيهبه ابنته ~~سعدى زوجة وحليلة، إلى أن قتله الزناتي بنفسه. # وكان أن بكتهما أمهما الأميرة «هولة» بأقوى مراثيها: # تقول فتاة الحي هولا الحزينة # بدمع جرى في الخدود بنار # على ما جرى فينا وقد أصابنا # والفكر والعقل مني طار # على عقل عقلي راح مستقرة # ويا نصر ما لي بعدكم أنصار # ونزلت دموعي كالأنهار الجارية # وجاني البلا قاصد الأفكار # يا دمعتي جودي واجري صبابة # على أخوين كانوا كالأقمار # فلو أن نهر النيل بالقلب يجري # وسيحون مع جيحون والأبحار # ونهر الفرات ودجلة والشط كلها # وعاصي وحمى كل نهير دار ms61 # على نار قلبي ليس يطفي لهيبها # وتزيد فيه حرقة وشرار # يا بنتي قومي اندبي طول عمرك # على إخوتك كانوا حماة الدار # فيا طول حزني كلما ذمت بالخيا # أن جاء دياب الحي وسط الدار # بل إن راوي السيرة لا يغفل وصول الإمدادات بالجند والعتاد التي دفع بها تحالف تونس ~~والملوك المغاربة إلى الميدان، لصد جحافل عرب المشرق - الهلالية - وإيقافهم طويلا في ~~حصارهم خارج بوابات تونس المنيعة، دون أدنى تقدم. # ولم يكن هناك من منفذ أمام التحالف الهلالي بعد إبعاد دياب بن غانم، بحجة حراسة «البوش» ~~والإمدادات والأموال، سوى لجوء أبي زيد إلى الحيلة لاختراق الحصار، خاصة بعد أن رجحت كفة ~~التونسيين في ضرب تلك المؤن واستلابها، وهي الحيلة الحربية التي دبرها الزناتي ذاته مع ~~أحد فرسانه، ويدعى «أبو خريبة» وأنزل بها ضربة قاصية بإمدادات الجند والمهاجرين ومؤنهم، ~~وبالطبع ذخيرتهم. ~~«حين أمر الزناتي الركوب إلى وادي الغباين، ويحضر البوش منه، فركب من ساعته، وأخذ معه ~~عشرين ألف فارس قروم عوابس، ولم يزالوا ضرب السيف فيهم، فقامت الرعيان بالعياط والصراخ، ~~فلما سمع دياب سائرين حتى وصلوا إلى وادي الغباين، وغاروا على قوم بني هلال، وعلقوا ركب ~~جواده، وطلعت فرسانه وراه، فلما التحمت الحرب بينهم بطعن الأعمار، فعندما قام دياب في ~~عزم وضرب خريبة بالسيف فوقع على الأرض، ولما شافوا قومه أميرهم قتيل ولوا هاربين، ~~فلحقوهم بني زغبة، ومدوا السيف في أعناقهم وأعدموهم أحبابهم وأصحابهم حتى وصلوا إلى عند ~~الزناتي وأخبروه عن قتل أخيه، فاستدعى أخاه الثاني وكان اسمه مكحول، وقال له: خذ قومك ~~وامض إلى دياب بن غانم، خذ ثأرك منه، وانهب بوش بني هلال، ومهما جبت من هؤلاء يكونوا ~~هبة مني إليك، فركب بسائر عسكره مقدار خمسين ألف همام، وغار حتى وصل إلى الوادي، وكان ~~دياب وقومه في الصيد، وما بقي من البوش إلا مقدار ألف فارس، فثارت عليهم الخيل، وساقوا ~~البوش جميعه، فراح لصوت إلى دياب وأعلموه بالخبر، فعندها صار حتى وصل إلى القوم، وبرز ~~إلى مكحول، وغار على قومه، وبدأ ms62 يذبح فيهم حتى مقدار عشرة آلاف فارس وهربوا الباقي حتى ~~وصلوا لعند الزناتي وأعلموه بقتل أخيه.» # وهكذا لم يعد أمام الهلالية، سوى الاستنجاد بذكاء أبي زيد وسعة حيلته، خاصة بعد أن أمر ~~الزناتي «بإغلاق بوابات تونس في وجهه»، حين وقف تحت زغلة الباب والأبواب مسكوكة لا أحد ~~يخرج ولا يطلع سوى النسوان التي فوق الأسوار يتفرجون، فعندما صاح في البواب افتح وأرسل ~~مولاك، فسار البواب لعند الزناتي، قال له: قم كلم أبو زيد واقف بالباب يواجهك. فقال ~~الزناتي: يا بواب من يقدر يشوف عزرائيل حتى يقضي روحه، هات المفاتيح التي معك. فعند ذلك ~~أخذ مفاتيح أبواب تونس، وضعها عنده وخبأها، وقال: اقعد خلف الباب لا تفتح لأحد. فعاد ~~البواب، وأعلم الأمير أبا زيد بالكلام. ~~«ثم إن الأمير أبو زيد قال لهم: قصدي أعمل حيلة تسوي قبيلة، اندهوا للجازية. ثم إنهم ~~ندهوا إليها، فحضرت بين أيديهم، فالتفت إليها الأمير أبو زيد، فقال لها: مرادي تجمعي ~~مائة بنت من أحسن بنات العرب، وأحضريهن في الليل. فمن ساعتها أحضرت مائة بنت إلى الأمير ~~أبو زيد، فقام ولبس ثياب بيض مثل النسوان، ولبس درعه، واتحزم بسيفه، وسار هو والبنات ~~والجازية نصف الليل، إلى أن وصلوا بوابة تونس، فقال أبو زيد: اقرعي الباب. فنادى البواب: ~~من يقرع أبواب تونس في هذا الليل؟ فقالت الجازية: نحن من بنات العرب جايين معنا بضايع ~~لكي نبيع ونشتري من عندك على قدر احتياجنا. فقال لها البواب: روحوا ما أفتح لكم الباب في ~~الليل. ثم إنها تدخلت على البواب فما فتح، وإنما راح إلى عند الزناتي وأخبره، فقال: روح ~~إياك تفتح لهم أنا قرأت كتبهم قبل أن حضروا إلى هذه البلاد؛ لأن هذه الحيلة من حيل أبو ~~زيد. ثم إن البواب رجع إلى عند البنات، وأخبرهم بما قال الزناتي، ثم إن الجازية ابتدأت ~~هي والبواب وأشادت تقول: يا بواب صاره افتح للعذارى، حنا مشندر إلى حد السواره. ~~- روحي يا ظريفة شاوري لنا الخليفة، له حربة رهيفة، تقسم الحجارة. ~~- يا بواب ms63 منصور افتح باب السور، ندخل بدستور ونبيع العطارة. ~~- المفتاح ما هو بيدي. ~~- افتح كون طايع جبنالك بضايع، وتحف بدائع، تصلح للأمارة. ~~- لا أفتح ولا شيء، ولا عقل بلاشي، وإن كنت عطاشى روحوا للبيارة. ~~- يا بواب افتح الباب مصفح بالزينات، تصفح وتنظر للعذارى، افتح لي شوية، وشوف الحسن ~~فيه، تجيك رزية، قدشك حمارة. ~~- روحي يا مليحة أنا أخشى الفضيحة، رأتني تبقى مستريحة، وأنا أقع بنارة. ~~- افتح لا تبالي، يا بواب افتح يا حبيبي، وجودك لا تغيبى، ارحم للغريبى كلنا ~~بكارة. ~~- السلطان حكالي، وقال لا تفتح ولال، ذول بني هلال من قوم مكارة. ~~- افتح خاب ظنك خللي الهرج عنك. # قال: أخاف أفتح يجينا رجال طالبين، يجوا عابرين على ظهر المهارة والأمير غايب، ومن طلب ~~المكاسب يقع في الخسارة. ~~- افتح يا ابن عمي حتى يزول غمي، حزامي فوق تمي، تارة فوق تارة. ~~- روحي يا حمامة لا تزيد في الكلام، خايف من سلامة حيلاته كتارة. ~~- افتح يا أغانى، لا تزيدوا اللغاتى، جملتنا بناتى، ما فينا ذكاره. ~~- سلامة معاكم سامع لغاتى، هو واقف حداكم مع بنات الأمارة.» ~~••• # أردت من تقديم النص السالف للتحولات أو التقمصات لأبي زيد الهلالي والأميرات الهلاليات ~~وعلى رأسهن الجازية، والتحايل على بواب تونس الذي أمره الزناتي خليفة بعدم فتحها ليلا ~~للمتسللين خاصة، وجحافل بني هلال الغازية أصبحت تطوق أسوار المدينة وبواباتها السبع عبر ~~حصار طويل لا بد وأنه دام سنين، على ذات نسق الحصار الهليني لطروادة المنيعة، ما دفع ~~الغزاة في كلا الحصارين الشهيرين إلى اللجوء للحيلة وخداع لحروب. # أردت من تقديم الحوار الشيق بين البواب وعذارى بني هلال الحفاظ على مدى أحاسيسه ~~النسائية الجياشة، حتى ليستشعر القارئ بأنه إزاء إيقاعات الأغاني الشعبية النسائية، وأن ~~مؤلف مثل هذا النص لا بد وأن يكون امرأة أنثى، وهي إحدى السمات الرئيسية لأصالة نص ~~فولكلوري عن خسيسه. # إن النص يوغل في إضفاء الأحاسيس الأنثوية على الحوار بين النساء المتسللات، وبين البواب ~~أو أصحاب المزلاج، إلى حد دعوتهن له إلى الحب والجنس، وهي البنات الصغيرات ms64 الحلوات ~~العذارى. # ذلك إذا ما عرفنا أن عمر هذا النص الحواري يربو على الخمسة آلاف عام، منذ النصوص ~~السومرية التي أوضحتها الحفريات الأثرية في العراق وما بين النهرين، خاصة النص أو ~~الترتيلة المصاحبة لولادة إله القمر «شين»، حيث يطلب الإله «أنليل» الذي أصبح فيما تلا ~~من عصور، هو بذاته تموز ثم أدونيس، من الآلهة العذراء ننليل، أي الراعي الذي يقدر ~~المصائر والاتصال - الجنسي - إلا أنها رفضته وصدته عنها: # إن مهبلي صغير لا يعرف الجماع # وشفتي صغيرتان لا تعرفان التقبيل # إلا أنه يغتصبها فتحبل، وكان أن نفي من المدينة: # أيها الفاسق اخرج من المدينة # وحين يرضخ الليل، ويرحل إلى جحيم أو هادس أو هاوية سومر، ويدور بينه وبين بواب أو ملاح # 1 # الجحيم الموكل به، حوار مشابه لحوار الهلالية، مع حارس بوابات تونس، بل إن ~~الليل يمر بسلسلة من التحولات المشابهة لأبي زيد المتخفي بزي امرأة. # قال أنليل للحارس الموكل بالباب: # أيها الحارس يا صاحب القفل # يا صاحب المزلاج، يا صاحب قفل الفضة # لقد جاءتك مليكتك # فإن سألتك فلا تدلها أين أنا. # قالت ننليل لحارس الباب: # يا حارس الباب، يا صاحب القفل # يا صاحب المزلاج # أين سيدك أنليل؟ # أجاب أنليل متقمصا هيئة حارس الباب: # إنه في استي، إنه في فمي # إنه في قلبي الصادق الأمين. # ومن هنا لا يبعد بنا الحوار عن ذلك الذي أجراه أبو زيد والهلالية مع حارس بوابة تونس ~~الذي رفض دخولهم بأمر الزناتي. # ويبدو أن الهدف الرئيسي لأبي زيد الهلالي المتنكر وسط جوقة نساء بني هلال، لم يكن ~~قاصرا على مجرد التسلل المتنكر إلى داخل بوابات تونس، بل هو كان التلصص أو التجسس لجمع ~~المعلومات من عيون بني هلال وبصاصيهم داخل أكثر أماكن الأعداء اقترابا وحساسية، أي مخدع ~~الأميرة الوريثة سعدى ابنة الزناتي خليفة ووصيفتها - الهلالية - مي، والأمراء الأسرى ~~الثلاثة، يونس ومرعي ويحيى. # ذلك أنه بينما تخبرنا السيرة برفض البواب الموكل بالباب فتحه لهم أو لهن، فعاد أبو زيد ~~والجازية والبنات من جديد إلى ربع أو مضارب ms65 بني هلال مخفقين. # ذلك أن أخبار مثل هذا الإخفاق بعدم الدخول، تواتر من فوره إلى سعدى وفتيان بني هلال، ~~حتى إن مرعي ضغط على حبيبته سعدى، وحملها على الاتصال هي بنفسها بالهلالية، وإبلاغهم ~~بأهمية التغيير في خططهم الحربية، ورأب الصدع من جديد بين قطبي التحالف - القحطاني ~~اليمني والقيسي، أو السعودي اليوم - وإعادة مصالحة دياب بن غانم، ودفعه إلى ~~المقدمة. ~~«مرعي قالت له سعدى: لا أبكى الله لك عينا. فقال لها: يا سعدى، إلى متى الانتظار، وقد ~~طال علينا المطال، وأبوك لا يطلع على محاربة أبي زيد، ولا يفتح الباب؟ فضحكت سعدى، ~~وقالت: أنا أفض هذا المشكل؛ لأن مرعي ما يقتل أبي إلا الأمير دياب؛ لأن بان عندي في ~~الكتب، ولكن سأروح الليلة لعند أبوك، وأدعيه يحجب دياب. فلما دخل الليل، استعدت سعدى على ~~أربعين بنت من بنات الأمارة مثل الأقمار، فلما حضروا أقبلوا ونادتهم، وقالوا: ما تريد؟ ~~فقالت لهم: أريد آخذكم معي، تتفرجوا على بنات بني هلال، والأمير حسن أبو المحابيس الذي ~~عندنا، ونرجع في هذا الليل. فقالوا: سمعا وألف طاعة. ثم أمرت لهم بأربعين خلعة من خاص ~~الحرير والديباج الملون، وأمرت بأربعين جوادا من خير الجياد، فصاروا يأخذون العقول، ~~وركبت سعدى أمامهم مثل البدر المنير؛ لأنه ما كان يوجد في عصرها أحلى منها، وتقلدت ~~البنات بأفخر السلاح، وساروا حتى وصلوا إلى باب البلد، وقالت للبواب: افتح الباب، إياك ~~تتكلم قدام أحد، أعدمك الحياة. فقال لها: يا ستي ما في تعب من فتح الباب إن أردت تروحي ~~أو تعدي، ولكن المفاتيح مع أبيك أخذهم مني. فقالت: أنا لا أحتاج إليهم. وتقدمت للباب ~~وضربته، انفتح من وقته، وخرجت هي والبنات، وأمرت عبدها الطواشي يقعد على الباب لحين ~~رجوعهم، فقفل الباب، وقعد ينتظرهم إلى الرجوع، فعند ذلك سارت سعدى هي والبنات حتى وصلوا ~~لعند الحارس، فقال: ما هذه الخيل في هذا الليل؟ فقالت له سعدى: ضيوف. فقال: مرحبا ~~بالضيوف. فقالت: أين ملوك الأمير حسن؟ فقال لها: نايم. فقالت له: ادخل عليه، وقل ms66 له سعدى ~~بنت الزناتي تريد تواجهك، وترجع بالليل. فقال لها: انتظري وراء الستار. ودخل لعند جارية ~~اسمها مباركة، وقال لها: اعلمي أن بنت سلطان تونس حضرت لعندنا، ودخلت وأعلمت مولاها حسن. ~~فتعجب حسن من حضورها بالليل، فخرج وقال لسالم: مالك؟! فأنشد سالم يقول: # يا أسير جانا سرية خطارة # ملوك منتظرين قطارة # يا أمير جانا من بلاد بعيد # وأنا بأمري يا ملك محتارة # ارتاح قلبي من نظرهم يا ملك # شبهتهم يا أمير شعلة نارا # ما راعني إلا الخيول ولبسهم # وكلهم يا أبو علي عالمهارة # ولبسهم ديباج بلون واحد # من الذهب فوق الصدور زرارة» ~~«قال الراوي: فلما فرغ العبد من كلامه والأمير حسن يسمع نظامه فرح فرحا شديدا ما عليه ~~من مزيد، وقال للعبد: اعزمهم. فراح العبد عزمهم، ونزلهم عن خيولهم، وربطها ومشى قدامهم، ~~فسلمت سعدى على السلطان، وعرفته بنفسها وبرفقتها، فسلموا عليه، وسلم على سعدى ومن معها ~~من الحريم. وأما أم مرعي لاقتها وضمتها إلى صدرها، وقالت لها: دخلك مرعي كيف حاله؟ ~~وقبلتها بين عينيها، وسلمت عليها سلام الأحباب، وأما حسن سلم على سعدى، وصار يبكي ~~ويقول: # يا سعدى بالله كيف أحوالهم # مرعي عديل الروح والرب عالم # وأبو زيد حكا لي عن أحوالهم # وأخبرنا عن أفعالك والظلايم # وأنت شفوقة يا صغيرة عليهم # وخلصتيهم من جميع الوهايم» # وهكذا نجحت سعدى في إيصال الرسالة، الخطة. # | هزائم الهلالية وعودة دياب # ويستشف من سياق نصوص السيرة أن إبعاد دياب بن غانم، ممثل التحالف اليمني القحطاني، عن ~~القيادة والمقدمة للتحالف الهلالي، لم يكن لمجرد حراسة البوش والأموال وعتاد الحرب ~~ومؤنه، بقدر ما هو جاء أشبه بمؤامرة محكمة التدبير من جانب تحالف عرب الشمال القيسيين أو ~~الإسماعيليين من جانب سلطان بني هلال، حسن بن سرحان، وأبو زيد ومن في فلكهما. # ذلك أن الهزائم المتوالية التي أنزلها التونسيون المحاصرين بقيادة الزناتي، بقادتهم ~~وأمرائهم، الخفاجي عامر، والقاضي بدير، وعقل ونصر، وزيدان قد وصلت إلى أربعين رأسا ~~جزها الزناتي خليفة، ونصبها فوق أسوار تونس. # ودفعت الهزائم بنساء بني هلال إلى ms67 الاستنجاد بالمنقذ دياب بن غانم، فهو بذاته القادر ~~على دحر الزناتي خليفة وجنده، وهو دون سواه المنوط به قتل الزناتي خليفة وفك طوق الحصار ~~المزدوج . # فاندفعت وفود نساء الهلالية إلى حيث مضرب والد دياب الأمير غانم، ورحن يكتبن إلى دياب ~~يستدعينه لأخذ الثأر، دوابة بنت الخفاجي عامر التي جزت شعرها، وأرسلته إلى دياب، ونفس ~~الشيء فعلته ابنته - وكاهنته - وطفا التي تسمى بها - أبا وطفة - فأرسل له والده معددا ~~ما نزل الهلالية من هزائم الزناتي بهم وأمرائهم. # ثمانين أميرا من هلال وعامر # دعاهم أبو سعدى برمح كعيب # وأنشد مشيرا إلى مشورة سعدى ابنة الزناتي خليفة ذاته، التي تنبأت بأن قاتل والدها ~~الزناتي هو بذاته دياب بن غانم: # أخرب أبو سعدى جميع مساكنا # وما عاد لنا سامع ومجيب # دائر كما الدولاب وولد غانم # ينادي دياب مين لقا هريب # طاردته ثلاثة أيام ثم أربعة # شمس الضحى بعد الدموع تغيب # قتلت جواده طلب الشمس باكر # جاء من قدمته سريع عجيب # ألا يا دياب الخيل أسرع نحونا # واقتل خليفة يا أمير غصيب # قتل خليفة ابن عمك زامل # وأخوك عند ما عاد فيه نصيب # وأرسل غانم بكتابه وشعور النساء وتوسلاتهن لدياب، حيث مكانه في المؤخرة، في وادي ~~الغباين أو المغبونين أو المنفيين، وما إن تسلم دياب الرسالة وقرأها، حتى رد الرسول ~~سائلا: «وأين مكاتيب السلطان حسن وأبو زيد؟» # ولم يجب الرسول. # هنا رد دياب الرسول قائلا: «جئت هذا المكان برأيهما، فكيف أرجع بشورة النساء؟» # حتى إذا ما عاد الرسول، من وادي الغباين إلى حيث مضارب بني هلال، وأبلغ والده والنساء ~~برفضه وحاجته إلى أمر أو تكليف من قادة الشورى، أحاطت النساء بمقر السلطان حسن وأبي زيد ~~في شبه مظاهرة أو تمرد. # ورغم ذلك فقد رفضا بدورهم الكتابة إليه بالعودة والإغاثة. # لكنهما من جديد دفعا والده الشيخ، بل وأمه والبنات إلى التوجه إليه ومناشدته العودة ~~بدلا من التراجع - عن قرارها السابق - وطلبه مباشرة للغوث والنجاة. # فهجته أمه: # ضيعت حتى والدك # وسفهت قولي يا قليل الحشايم # وخاطبه والده ms68 مستنجدا بوطفا ابنته: # وطفا لها مكتوب كتبته بخطها # تقول الوحا قبل الحريم ما تسيب # على هذا النحو أحاطت النساء الثكالى والأبوان الشيخان يستنجدون بدياب الخيال العودة ~~لنصرة القبيلة قبل أن - تسيب - أو تفجر أو تسبى حريمها في وجوده، وهو حامي ~~المحصنات. # إلا أن ما حر في نفس دياب بحسب شعره التالي عدم تلقيه أمرا بالعودة من السلطان وأبي ~~زيد، برغم ما حل بالجميع من اندحار وقتل في غيابه. # على ما قال أبو موسى دياب # شربنا الخمر في صافي القداحي # وكم ندل أتى وقت المعارك # يبقى هاربا يطلب رواحي # أسألك يا إلهي أكون طيرا # عقابا كي أخفق بالجناح # أطير بهمتي وأنزل سريعا # وأعدي بين مشتبك الرماحي # لأخذ الثأر عن خالي بدير # وبدر وأخوه زيدان الرباحي # وما مفعل الزناتي بالأمارة # فطار العقل من نايم وصاحي # إني معذور يا أمي حقيقة # دعيه يقول في عرضي قباحي # غدا أرضيه في قتل الزناتي # وأبدل حزنكم بالانشراح # قولي الهلال النصر جاهم # نهار الأحد أعزم الراحي ~~«قال الراوي: فلما فرغ دياب كلامه وأمه تسمع نظامه فرحت، وقالت: يا غانم، مرادنا نسير؛ ~~لأن بني هلال في انتظار. فقال: تأهبوا حتى نسير، وتعلم بني هلال أن دياب يحضر يوم الأحد ~~عندهم. فركبوا وساروا حتى وصلوا إلى بني هلال، فطلعوا الجميع ملاقاتهم، فكانت ضجة قوية، ~~فنظروا غانم وحرمته وحده، فقالوا: أين دياب؟ فقال غانم: أبشروا بالغنيمة يا بني هلال، ~~نهار الأحد يصل إلى عندكم، وأما دياب بعد ما راحوا والديه من عنده أمر الرعيان بلم البوش ~~من كل جانب ومكان، وساروا الجميع قدامه، وسار طالب بني هلال وفرسانه الذين معه قلعوا ~~الصوان، وأمر العكام بسيفه وبنصبه على أبواب تونس في نصف الميدان، ودق طبول ونشر أعلامه، ~~وسار حتى بقي بينه وبين هلال يوم كامل، وكانوا جميعهم في انتظاره.» ~~«وثاني يوم الأحد خرجوا الأربع تسعينات ألوف وتابعيهم، ولاقوه وما فضل من هلال لا كبير ~~ولا صغير، حتى طلع ملتقى الأمير دياب وخرجوا بالطبول والنوبات السلطانية، وزالت عنهم ~~الهموم بقدوم دياب، وأدخلوه ms69 إلى الحي بنوبة سلطانية عظيمة.» ~~«وأما أهل القتلى، فإنهم اجتمعوا على التراب، وهم في الواد وأثواب الحداد لكي يشكوا إلى ~~دياب ما فعل الزناتي بهم .» ~~«أما حسن وأبو زيد ظلوا في الصيوان ما خرجوا إلى الخيام، وأما دياب لما وجد حسن وأبو ~~زيد عرف المضمون، وإنما أخمد الكمد، وأظهر الصبر والجلد، ولم يزل سائرا في الموكب ~~العظيم حتى وصل إلى أبواب تونس، فرجت منه تلك الأرض في طولها والعرض، وطلعت الحريم على ~~الأسوار للفرجة على الزينة، وارتعدت من الزناتي خليفة، ومن عنده القلوب، وانحلت المفاصل ~~وقال: الله يعينا على حربه. وأما دياب رفع رأسه إلى سور تونس، فوجد رءوس الأمارة ثمانين ~~رأس مشكوكين على الرماح، فسأل: من يكونوا هؤلاء، فقال له عمه عرنديس: هؤلاء رءوس بني ~~هلال الذين قتلهم الزناتي وهم أولاد عمك، فقال: كل هذا جرى في غيابي! وظل سائرا إلى ~~التربة، فلاقوه أهل القتلى والبنات، وشالوا البراقع، وحدفوها إلى دياب، فطيب خاطرهم ~~وأنشد يقول: # قال أبو موسى دياب المفتخر # فارس الهيجاء وخيال الوعر # حامي الزينات سور المحصنات # مفرج الكربات في يوم العسر # منبه الخطار في من الفلا # مشبع الجيعان (الجوعان) زاكي منتشر # زال عنكم همكم يا ذا البنات # والزناتي حل في عمره قصر # وأخذ الثأر من أبو سعدى حقيقي # وجميع قومه من حسامي انبهر # وأخبروني يا بنات بما جرى # وأعلموني بحقائق تسكر # ما لكم على القبور جوانس # وشعوركن على الكتاف ينتشر # كم من أميرة شقت ثوب الحيا # وقبل هذا اليوم كانت تتستر # لمن هذا القبر يا بنت الكرام # من هذا الذي من تحته انطعن # هل أبو زيد والأمير حسن # كم ربيع هدموه وصبح مندثر # ألا بدير العامر خالنا # يا نحيف وجهه بعد نور ينفطر # فأبشروا بالنار أنتم يا بنات # فيما مضى لحدين بولاد أتذكر # أنا عليهم مثل سبع كاسر # من هد إليهم يا عذارى انحدر # وانظروا فعل دياب يا بنات # افرحوا اليوم يا بنات وأبشروا # بعون من أمره علينا قد قدر # خاطركم المكسور مني ينجبر» # ويذكر أن دياب ms70 بن غانم كان يلاعب طفلة صغيرة، وهو غائب الفكر كالتائه المأخوذ في ~~الكيفية التي سيقتل بها الزناتي خليفة اسمها «نجيبة» ملاعبا سائلا، وهو يقبلها في شره: ~~«أين أطعن الزناتي؟» # فقالت له: «في عينه.» # فقال: «مبارك قولك يا صغيرة، لن أطعنه إلا في عينه.» # وقد كان. # | عشق سعدى لمرعي وخيانتها لقبيلتها ... وطنها # ويبدو أن فتيان بني هلال الثلاثة المأسورين داخل السجن الملحق بقصر سعدى ابنة الزناتي، ~~والذين كانوا على مقربة أكثر مما يحدث، سواء على جبهة القتال، أو داخل أروقة القصر ~~الحاكم في تونس، وما يعتمل داخله من مؤامرات على عادة القصور المحاصرة بالرماح واللهب، ~~مضافا إليه بالطبع مؤامرات المضاجع من مؤامرات يكيدها العلام ابن أخي الزناتي والطامع ~~في عرش تونس وقلاعها الأربع عشرة حتى الأندلس. # لذا لم يوفر العلام مكيدة في سبيل الحصول على مبتغاه في وراثة حكم قرطاج، التي صمدت ذات ~~يوم في مواجهة الزحف الإمبراطوري الروماني، وعليه فقد دأب العلام على وضع العراقيل في ~~طريق سعدى ابنة الزناتي، لاقتناصها والزواج منها ووراثة حكم تونس، إلا أن سعدى التي ولدت ~~على كره العلام والنفاذ لأطماعه الدفينة التي هدفها بالطبع العرش المتوارث عن طريق ~~الابنة - الأنثى - في ذلك المجتمع القبلي الأموي الذي ما يزال يقدس الخال إلى ~~أيامنا. # ومن هنا وجدت سعدى مهربها في حب مرعي الأمير المتسلل عدو بلادها الطامع، والسبب - ~~السياسي - الظاهري الذي يسوقه الغزاة الهلاليون لغرض هذا الحصار بالحرب على تونس بحجة ~~الإفراج عن أسراهم الأمراء الثلاثة. # فيبدو أن الأمراء الهلاليين الثلاثة كانوا أكثر إدراكا بصائب بصيرتهم أن سبب هزائم ~~قومهم وقبائلهم الهلالية، هو الانقسام على جبهة القتال وليس غيره، ذلك التصدع الذي نزل ~~بقطبي التحالف بين عرب الجنوب اليمني، والشمال القيسي، ممثلا في الصراع الناشب بين أبي ~~زيد والسلطان من جانب، ودياب بن غانم من جانب مقابل، مما دفع إلى إبعاده لحراسة - البوش ~~- بدلا من قيادة المقدمة. # إنه الصراع الدفين المفضي إلى كل الانقسامات والهزائم، والذي لم تبرأ منه سيرة شعبية ~~عربية، خاصة سيرة الأميرة ذات ms71 الهمة، والتي تؤرخ للحروب الإسلامية البيزنطية، ~~والانقسامات على جبهة القتال بين كل من عرب شمال وجنوب الجزيرة العربية، مما دفع بالأمير ~~الشاب الأسير مرعي، ويونس ويحيى للتوسل إلى سعدى، وإرسالها سرا إلى حيث مضارب بني ~~هلال، والإشارة عليهم بأن قاتل أبيها الزناتي خليفة - القدري أو السحرى - ما هو سوى دياب ~~بن غانم. # وبالطبع فإن السبب الدافع إلى مثل هذا التصور الغيبي السحري الذي تسوقه السيرة، مرجعه ~~إلى أن سعدى بدورها، كانت أقرب إلى كاهنة - قمرية - لها دورها المتحقق في المشاركة ~~والشورى السياسية والحربية، أما السبب الأقرب فهو يتمثل في قربها من أبيها الزناتي ~~خليفة، والمعرفة بهواجسه التي مؤداها أن قاتله لا بد وأن يكون على شاكلته: عربيا ~~جنوبيا قحطانيا ... ولا بد وأن يكون في هذه الحالة «دياب بن غانم». # فكلاهما يمني قحطاني. # ومن هنا جاءت المخاطرة الكبرى لسعدى ابنته لتقف في صف أعداء بلادها ضد أبيها ~~الزناتي. # وهي تيمة أو فكرة رئيسية في فولكلورنا العربي السامي بخاصة، والعالمي بعامة للابنة ~~خائنة أبيها، وبالتالي قبيلتها، واستطرادا وطنها وحماها، ومن هنا حق قتلها ولو من جانب ~~حبيبها ذاته. # ففي السيرة المهشمة «الملك معروف ووزيره البين وابنه الشاطر حجازي»: # 1 # تساعد ابنة البين مغتصب عرش الشاطر حجازي عقب موت والده الملك معروف، حبيبها ~~السجين في أن تسرق له سيف أبيها البين - المحجب - الذي يقتل إلا به، على أن يتزوجها عقب ~~خروجه من سجن أبيها، وقتله واسترداد عرشه. # وبالفعل يعدها الشاطر حجازي بهذا، لكن ما إن يحقق انتصاره بقتل والدها البين، حتى يقبض ~~عليها، ويقتلها حرقا، ويذري رمادها في الهواء مع أبيها رمز الشر والشؤم، بدلا من ~~الزواج بها، على اعتبار أنها خائنة أبيها وبالتالي قبيلتها، ومن هنا حق عليها العقاب ~~بالموت حتى ولو من جانب حبيبها أو عشيقها. # وهو ذات المصير - التراجيدي - الذي سيصادف هذه الابنة المحبة سعدى ابنة الزناتي خليفة، ~~من جانب دياب بن غانم قاتل أبيها المنتصر. # فلقد وصل الأمر بالنسبة لتعلق سعدى بمرعي وتعشقها له إلى حد أنها وجهت أبيها ms72 الزناتي ~~خليفة إلى التمسك والاستمرار بسجن الأمراء الأسرى، ومنهم حبيبها مرعي، وعدم الإفراج ~~عنهم، وإرجاعهم إلى قومهم، وإنهاء الحصار والحرب، حين أشار عليه ذات مرة أبو زيد الهلالي ~~وكاتبه بشأن الإفراج عن الأمراء الثلاثة الأسرى وإنهاء الحرب، كما تروي السيرة ~~شعرا: # خليفة تبعت الكلام تقول لي # هذا كلامك زور مع بهتان # إن كان ما قلته صدق مؤكد # أطلق لنا أولادنا من الآن # هذا مرادنا منك يا ملك # ونأمنكم من حرب عود الزان # فلو تزرع الحوادث يا ولد صالح # حصدت بداله أربع وثمان # وما إن تسلم الزناتي رسالة أبي زيد حتى قال: «أحضر الأرباب»، # 2 # بما يشير إلى رغبته في استشارة الأرباب من أصنام طواطم، بالطبع في رد الأسرى ~~وإنهاء الحرب. # فبعث الزناتي إلى ابنته سعدى، وقال لها: «أطلقي المحابيس حتى ترسلهم إلى أهلها.» فلما ~~وصل الخبر أتت سعدى إلى عند أبيها، وقالت: «يا حيف أبي! أنت صدقت كلام العرب، هؤلاء ~~العرب ما بقوا يفارقوا هذه البلاد.» فقال لها: «والله لقد صدقتي لوعد منا الحياة ما عدنا ~~نرسلهم.» وكان تلك الساعة مرعي عندها: # تقول سعدى بنت أمير تونس # وجرح الهوى قد علقني حبايله # جرحني الهوى في قلب أهانني # ومشعال نار الجد أشعل فتايله # أنا ما ضناني غير مرعي وذلني # فيا رب تجمع شملنا وأوصله # طوله يشابه للرديني إذا مشى # متى تسمح الأيام وانظر حمايله # أنا خايفة يطلقكم وترحلوا # لأن سلامة كل يوم يزعله # فإن كان يرسلكم تروحوا لأهلكم # وينظر لكم حسن ويشفي نحايله # أنا خايفة يا بطل حربنا مع قومكم # يفرح بمرعي حين ينظر حمايله # ما قالت سعدى للهوى قد صابني # على حب مرعي في فؤادي عمايله ~~«قال الراوي: فلما فرغت سعدى من كلامها، أنشد مرعي يجاوبها: # يقول الفتى مرعي بعين وجيعة # لها بين نور الهاجعين دراف # لأن حبك يا مليحة ذابني # وجاني هواك والغرام صداف # ولكن أبوك يا مليحة أهانني # بالحبس صرنا موجوعين ضعاف # وإن كان يطلقنا فلا يمنعه # حتى نروح لأهلنا وسلاف # وأخبر حسن بما فعلتيه معنا # أبوك بين ms73 الملا عراف # ويرسل إلينا أبوك نخطبك منه # ونعطيك خيلا مع أموال ظراف # هذا مرادي يا مليحة ومنيتي # نريد الحلال وما نريد خلاف # وأما الخنا فليس فيه تطابق # لأني أنا من نسل قوم شراف # ولا بد نملك أرضكم وبلادكم # وأخذك حقا بغير خلاف # فلا نحمل إلا عزا وغاية المنا # يداركنا الرحمن بغير خلاف» ~~«فلما فرغ مرعي من كلامه لسعدى فبقوا على ما كانوا عليه أولا في النهار تنزل إلى الحبس ~~وفي الليل تجيبه إلى عندها وتنام واياه، أما ما كان من بني هلال لقوا أولادهم ما طلعوا ~~إلى الحبس قام أبو زيد، ودق طبوله، ونزل إلى الميدان.» # وهكذا يتضح من نص السيرة السابق. مدى تعشق سعدى لمرعي إلى حد إخراجه من السجن ليلا، ~~وإيداعه فيه نهارا. # بل إن اتهام الزناتي خليفة لابنته وصل إلى حد وصفها بالباغية التي يحق قتلها، وتحميلها ~~ذلك الخطر الرابض بعودة دياب بن غانم، قاتله القدري الذي أصبح يدق أبوابه ~~متحديا. # وعلى هذا النحو تذكر السيرة «إن كل منية لها أسباب، ومنية الزناتي بيد دياب.» # 3 # وهكذا استعرت الحرب ضارية هذه المرة بين الزناتي خليفة، ودياب وقومه إلى حد أنهك ~~الزناتي، ودفع به الشكوى لابنته سعدى. # | دياب يقتل الزناتي ويسبي سعدى ويحكم الغرب # ويبدو أن سعدى ابنة الزناتي تونس تدخلت في مجرى الحصار والقتال المستمر على بوابات ~~تونس، إلى حد الاتصال ببني هلال في العلن هذه المرة، خاصة في مركز السلطة الجديدة التي ~~رجحت كفتها إلى جانب اليمنيين في مواجهة القيسيين - السلطان وأبي زيد - ومركزها هنا ~~القائد المنقذ دياب بن غانم، فراحت سعدى تخاطبه، في اتجاه إيقاف القتال، والعفو عن ~~والدها الزناتي خليفة: # فاعفي عن الزناتي خليفة # وخذ ما تشتهي وتريد # خذ ملكنا والرزق كله # بساتين تونس قريبها والبعيد # ولما لم تجد آذانا صاغية من جانب دياب المتسلط في الانتقام والثأر، راحت تلهب الزناتي ~~والدها للخروج له وحربه محرضة، والزناتي يجيبها: # أيا سعدى حربة دياب بن غانم # تغنى بها الشعراء نغم قصيد # أيا سعدى حربة دياب بن ms74 غانم # كم راح منها ابن ست وسيد # وهكذا تجددت الحروب والصدام بين دياب والزناتي. # وهكذا حرم دياب بن غانم - كالزير سالم في حرب البسوس الانتقامية - حرم دياب مجامعة ~~النساء حتى ينتهي من قتل الزناتي واقتحام تونس وسبيها. # وإن كان ما أشفي غليلي منك # يحرم علي وصال البيض ملاح # قال أبو موسى دياب بن غانم # أنا لا مهزار ولا مدعي ملاح # وبادره الزناتي بدوره بأحقاده: «في القلب منك يا دياب نيران.» حتى إذا ما طالبه الزناتي ~~بالتفاوض لإيقاف القتال الضاري والصلح، جاء دور كاهنة بني هلال التي لها ثلث الشورى ~~«الجازية» محرضة: # تريد صلحا بعد تسعين أميرا # حريمهم عليهم قايمين العدايد # بل وصل الأمر بالزناتي خليفة إلى حد مناشدته الصلح الذي لا يبعد كثيرا عن ~~الاستسلام: # فاصفح عن حربي وخذ ما تريد # أموال خذ مني وكل جناس # أعطيك القيروان وقابس # تونس وقابس ودير مكناس # 1 # حتى إذا استنجد الزناتي بابنته سعدى مستشيرا متخطبا، حثته من فورها على مواصلة القتال ~~حيث لا مهرب. # ويبدو أن الزناتي خليفة حقق بالفعل في تلك الواقعة انتصارا على دياب إلى حد إيقاعه ~~وقتل الخضرا فرس دياب، «التي حزن عليها أشق الأحزان، وأمر بغسلها وتكفينها بشقق الحرير، ~~ثم يدفنونها في مهابة، وبنى على قبرها قبة عظيمة، وذبح على قبرها ألف ناقة فرقها على ~~الفقراء.» ~~«لكن أيقن بنو هلال عندئذ بأن دياب لن ينسى أبدا ثأر الخضرا فرسته، وأن راية الزناتي ~~قد اقتربت بالنصر، وبالفعل فركب دياب ابنها ونازله الزناتي إلى أن هرب الزناتي، فقام ~~دياب بإطلاق الرمح؛ لأن الزناتي كان هاربا، فالتفت لكي ينظر إلى دياب، فأصاب الرمح عينه ~~وعدة «ومرقت» الحربة من قفاه، فتذكر الأمير دياب وقت قول ابنته نجيبة حين قالت له: ~~«اطعنه بعينه»، فمال أبو سعدى عن الجواد، وعول على الوقوع، فسلب «فسل» دياب على رأس ~~السنان، وعاد هو ورجال بني هلال على قوم الزناتي، فبدلوا أفراحهم بالكد، فلما شافوا ~~الزناتي على الأرض مطروح، كثرت عليهم المصائب والأهوال، ما عادوا يعرفون اليمين من ~~الشمال، ms75 فولوا هاربين، وأما قرايب الزناتي وقومهم دخلوا وصاحوا الأمان، ودخلوا واقعين ~~على دياب، ورموا سلاحهم، وسلموا أرواحهم، وطلبوا الأمان، وأولهم كان العلام، وطلبوا من ~~دياب مكان يقيموا فيه، ويلجئون حريمهم، فأعطاهم مدينة الأندلس وما حولها.» ~~«ورحل العلام وقومه الحريم والعيال، وقطنوا بذلك المكان، ورجع الأمير حسن والأمير أبو ~~زيد وبنو هلال نحو تونس لينظروا كيف قتل.» ~~«أما دياب ملك تونس، وبالحال نادى عبده خليل، وأعطاه الرمح، وأمره أن يوضعه فوق تونس، ~~وينادي باسم الأمير دياب، وكل من لا يدخل تحته يقتل، ففعل كما أمره مولاه، وصار ينادي ~~بنداه، فسرت سعدى بقتل أبيها، ولبست أفخر ملبوس، وصارت تتبختر كأنها العروس، حتى أتت ~~إلى عند الأمير مرعي وهو يتمشى بجناين القصر عند العصر وهو لابس الملابس الحرير، وهو على ~~رأسه طربوش مغربي، حسب عادات أهل الغرب، ثم دخلت عليه سعدى، وقبلت يديه، وقالت له: ~~اعلم أيها الأمير الخطير، قد جاء الفرج بعد التعسير. وتعهدت وإياه ألا يأخذ غيرها من ~~النساء، وعدته أيضا ألا تأخذ غيره من الرجال ولو قطعت بالسيف.» # على هذا النحو البديع يجيء سرد السيرة للكيفية التي اغتال بها دياب الزناتي في عينيه ~~كمثل طالوت مع جالوت. # ثم كيف انتهت المفاوضات بينه وبين قائد التحالف التونسي المغربي العلام الذي آثر الفرار ~~عن تونس هو وقومه إلى الأندلس ورحلوا إليها. # وكذا الكيفية التي تملك بها دياب لكل السلطة بوضعه رمحه أمام ديوانه، لينحني تحته كل ~~داخل إليه، آخذا مكان الزناتي، مرتديا تاجه المتوارث منذ أيام مهران خليفة كما تصفه ~~السيرة، وذلك بعد أن «علق رأس الزناتي على أسوار تونس، وحرم دفن جثمانه طارحا إياه ~~في العراء، لتنهشه جوارح الطير، وأمر بتنزيل أمارة أمراء بني هلال ليدفنوهم، وتملك دياب ~~تخت الزناتي وحلال الملك والمال والنوال والخدم قدامه، وأمر بإطلاق مرعي ويحيى ويونس، ~~وخلع عليهم، وأرسلهم لعند أهلهم، وجلس دياب على تخت الزناتي، ولبس التاج، وهذا التاج ~~مصنوع من قديم الزمان من أيام مهران خليفة، ومرصع كله بالمرجان الأحمر والياقوت الأخضر، ~~ومنسوج بالدر ms76 والجوهر والذهب الأصفر، واجتمعت حوله بنو زغبة صفوا صفوف مئات وألوف وأتوا ~~الجميع حبوا، قبلوا يده، فلما سمعت سعدى بجلوس دياب على كرسي أبيها خافت وارتعدت ~~فرائصها، وخاب ظنها بمرعي، وندمت حيث لا ينفعها الندم، وتوجهت لعند الأمير دياب، وحبت ~~يداه، وترجته في دفن أبيها، فقبل طلبها دياب أن يدفنوا أبوها بين قبور إخوته بدر وزيدان ~~وطيب بخاطرها، وأدخلها بين حريمه، فأكرموها غاية الإكرام. هذا ما جرى إلى دياب، وأما ~~ما جرى إلى حسن وأبو زيد وهم راجعين إلى تونس سبق منهم ناس، وشاهدوا رماح دياب، والمنادي ~~ينادي اسم دياب والعبد خليل حين رأى الأمير حسن أو الأمير أبو زيد مقبلين، ارتعد نداه، ~~ورجع شاور مولاه، فقال له دياب: «ارجع ونادي كما أمرتك.» فرجع العبد وصار ينادي ألا ~~سلطان إلا دياب، وكل من لا يدخل تحت رمحه يعدمه الحياة، فحين سمع حسن هذا الكلام، قال: ~~«كيف الرأي يا أبو زيد؟ ندخل أم لا؟» فقال أبو زيد: «هينة يا حسن ندخل، وإن شال الرمح.» ~~فكان عبد الأمير حسن وراه ضربه بالرمح قطعه نصفين، فضربه العبد خليل قطعه كما قطع الرمح، ~~وأما حسن هجم على ديوان الزناتي، فوجد دياب جالس على التخت، وحوله أكابر بني زغبة، ~~والخدم والعبيد بين يديه، والتاج على رأسه، فلما نظروا حسن، هجم مثل الجمل الهايج، وقال: ~~«ما هذه السعادة يا دياب؟ أما كفاك مرقتي من تحت رمحك، وتلبس التاج على رأسك، وتريد ~~تورثني، وتعزلني من منصبي ورثة جدي وأبي، ونحن من الذي قصر منا عن حرب الزناتي، لا بد عن ~~قتلك يا نحس بعد هذا العمل.» وانحدف على دياب فوق أبي زيد، والرجال بوجه حسن وقبلوا ~~أياديه، بل إن أبا زيد أكرمه: # تريد قتل دياب يا أبا علي # هو حامي طعننا من كل هايش # لأنه جعل رمحه على باب تونس # فهذا ما هو ذنب يا أمير طايش # حريمنا بعثوا براقيعهم لدياب # ليدعي أبو سعدى بدمه بشالش # جانا على خضرة جندل عدوانا # وأخذ بثأرنا في ماضيات الطرايش» # وحين ms77 بدءوا بتقسيم تونس وتوابعها ساومهم دياب من فوره على موت فرسته الخضرا: # وقد راحت الخضرا وشطبها إلينا # من طوى عمري العدا أصونها # وجاءوني بنو هلال وعامر # وجاءوا إلى الخضرا يكفنونها # حفرت لها في الأرض قامة ومثلها # خايف وحوش البر ينهشونها # إن مت والله ادفنوني جنبها في # وسط روضة موضع أن دفنتونها # عسى نلتقي بيوم القيامة جميعا # وأقبل الخضرا وأمسح عيونها # فاعتذر له الأمير حسن، وقال: «الخضرا خذ عوضها مدينة تونس من غير حساب، وأقسم لك ثلث ~~الغرب الذي تريده، وأنا مثلك وأبو زيد مثلي.» فحضروا جميعا الديوان تقاسموا ~~الجميع. # ولا تغفل السيرة بعد تقسيم الهلالية الملك المستباح كيفية تصرف قوم الزناتي الذين ~~يحكمون سبعة تخوت بلاد الغرب، أو المغرب العربي عبر أربع عشرة قلعة، وتقبلهم لخبر مقتل ~~قائد تحالفهم الزناتي، وهرب العلام بقومه إلى الأندلس. # فاجتمعوا إلى ملكهم المسمى بالملك الناحر شقيق الزناتي خليفة، ومن فوره أرسل لخاله ~~العلام في الأندلس الذي رفض في البداية الاشتراك في الحرب القادمة، سوى المساعدة بالمال ~~والعتاد. # ولم يمض طويل وقت حتى تجددت الحرب بين الهلالية وعرب المغرب أخذا بثأر الزناتي خليفة، ~~وتحرير البلاد. # | دكتاتورية دياب وأسر سعدى # وكما رأينا، فإن بذور الشقاق بين اليمنيين الجنوبيين والقيسيين الشماليين، أو بين دياب ~~الذي ساوم، وفاز بالباع الأكبر، وبين السلطان حسن بن سرحان وأبي زيد، أطلت برأسها من ~~جديد في مواجهة تقسيم تونس والمغرب. # بل إن دياب ساوم في اقتسام البلاد المفتوحة، حتى على جثة فرسه الخضرا، فأخذ عوضا عنها ~~تونس، ومن هنا لم يتبق له ما يساوم عليه، بعد أن أخذ مكان الزناتي ابنته سعدى، التي ما ~~إن استتب له الحكم، حتى صادفها داخل قصر أبيها الزناتي تبكي وتنوح لفراق مرعي لها عقب فك ~~دياب لقيود الأسرى الثلاثة، وكان أن راقت في عيني - الزناتي الجديد - دياب، فحاول التقرب ~~منها ولو بالزواج. # إلا أن سعدى أبعدته عنها وعن محاولة اغتصابها، وهي بنت سلطان تونس: # فإن أخذتني يا أمير تواظري # فإني أعجل لروحي بشنق حبال # ولا الناس ms78 يقولو أخذت عدوها # ولا أنسبك لي يا دياب رجال # ولا أريد الزغبي دياب بن غانم # إلا مقطع فوق رءوس جبال # وكان أن غضب عليها دياب، ورفض طلبها بدفن أبيها الزناتي، وأمر عبيده بجلدها، وأن ~~يشغلوها بالأشغال الشاقة، تطحن الملح تحت ثياب الخيش الخشنة، وتركها حبيسة مدة عشرة ~~أيام. # وفي اليوم الحادي عشر دخلت عليها نافلة بنت دياب، فلما رأتها عن هذا الحال سألتها عن ~~حالها وما جرى لها، فأخبرتها سعدى عن ظلم الأمير دياب، وكل ما جرى لها، وأشارت سعدى تخبر ~~نافلة تقول: # تقول سعدى بنت سلطان تونس # وتجري دموعي فوق خدي بواير # أبكي أبويا الزناتي خليفة # وعلى قومنا راحوا بحد البواتر # أصيب بحربة من يمين ابن غانم # فحكمت له بين العيون والنواظر # ولما قتل ولت أجاويد قومنا # وراحوا كما الطير في الجو طاير # ودياب يريدني أن أكون له حليلة # ويقتل أبوي فوق خيول ضوامر # فوالله ليس بخاطري أن أقابله # وليست أن أرضاه والرب حاضر # بكيت على دهري الذي خانني # ومن حين ولوا لم جبر لي بخاطر # وياما جرى من بعدك يا خليفة # طحنت الملح مساء وباكر # ويا من يعزيني على قتل والدي # ويوضع سعدى في لحود المقابر ~~«وحين سمعها دياب؛ لأنه كان واقف خلف الباب، فأمر غلمانه أن يزيدوا عليها الأشغال، ~~ففعلوا كما أمر، وبقيت على هذا الحال 15 يوم وهي تبكي وتنوح، وكان أكثر بكاها على مرعي؛ ~~لأنه نسيها وما فكر فيها، وكان عندها عبد تعرفه اسمه مرجان من عبيد أبيها، فاستدعته ~~وأشارت تكتب: # تقول فتاة الحي التي خاب ظنها # سعدى التي خانت أبوها وراح # يا غاديا مني على متن ضامر # إذا مشى يسبق هبوب رياح # فحين وصولك للهلالي قل له # يا كامل المعروف والإصلاح # نسيت الصغيرة يا هلالي أبو على # ومعكم ترى ما فعلت قباح # ألا فاذكروا يوما أتونا أولادهم # إلى الغرب رادوهم برأي الفلاح # فأراد الزناتي أن يشيل رءوسهم # ويريد يخطف منهم الأرواح # تشفعت فيهم ثم راحوا نعمة # ولولاي كانوا غدوا شراح # فأنا ملكتكم بأرض تونس ms79 # وخنت أبوي ذاك مات وراح # فقال دياب آخذك حليلة # فأبيت أمره يا حسن وقباح # فأخذني دياب وجعلني في مذلة # وتضربني عبيد في مساء وصباح # وأحمل على ظهري الحطب # أحمل جوار الماء بالأتراح # واليوم أعصم حالتي ابن غانم # يعاملني بالشر كل صباح # رمتوني يا ابن سرحان يا أبا علي # فكيف تجاوزون المليح قباح # تقول فتاة الحي سعدى التي شكت # وفي القلب نيران وهب رياح» # وما إن تسلم السلطان الهلالي حسن بن سرحان خطابها، حتى أخذ من فوره أبا زيد، وركبا إلى ~~دياب بن غانم، ليفاتحاه في أمر سعدى، وكيف أنها خطيبة الأمير مرعي، إلا أن دياب رفض ~~التخلي عنها، مغيرا الموضوع إلى المصاعب الجمة، التي أصبحت تعترض قضية تقسيم المغرب ~~العربي بتخوته السبع، وقلاعه الأربع عشرة حتى الأندلس. # ولم يطل خلافهم طويلا، حول كيفية إعادة تقسيم البلاد المفتوحة، حتى جاءت الأخبار ~~صادمة. # ذلك أن الملك ناصر شقيق الزناتي، جمع تحت إمرته سلاطين التخوت السبع، وأخذ معه العلام ~~بالحيلة والتهديد لمعرفته بمسالك طرقات تونس والمغارب ومكامن ضعف قوات التحالف ~~الهلالي. # وهجموا بأسلوب مفاجئ على ابني أبي زيد ودياب صبره وموسى، ومن ولوهم من أمراء وقواد بني ~~هلال، وعددهم ثمانية فقتلوهم، وأسروا صبره بن أبي زيد، وأخذوهم معهم في الأغلال ~~رهينة. # حين حاول العلام التدخل لفك أسر الأمير صبره بن أبي زيد، عاجله أمير من عرب المغرب، ~~وطعنه في صدره، فأماته بثأر الزناتي، واتهموا العلام بالتآمر لحساب الهلالية. # وكان أن تجددت الحرب هذه المرة ضارية، وتمكن الهلالية في الجولات الأولى للحرب من قتل ~~العلام؛ لأنه كانت بينه وبين أبي زيد معاهدات # 1 # لم يحفظها، وحزن أبو زيد لموته. # وتقدم أبو زيد ببني الزحلان إلى قابس، ودياب ببني زغبة إلى كويج، وواصل أبو زيد ودياب ~~زحفهما: # ملكنا من نجد إلى قاع تونس # بطعن يورث العدا عطيبها # فقتل دياب أحد أمراء عرب المغرب، واسمه الأمير «وائل»، واعتلى من فوره عرشه. # ثم قتل دياب الملك سليمان، وجلس على كرسي مملكته، وانتهى من تحرير القلاع السبع، وولى ms80 ~~عليها وجوه بني زغبة من قبائله اليمنيين وعرب الإمارات. # وبدوره واصل أبو زيد زحفه لتحرير نصيبه في حكم المغرب العربي، فافتتح القيروان، ~~واستقبله أهلها بالورود والرياحين والزينات ثم فتح مراكش، إلى أن وصل إلى مكان، تدعوه ~~السيرة «بالأندلس». # 2 # وحين انتهى أبو زيد ودياب من الوصول بفتوحاتهما عبر المغرب العربي، وصولا إلى شبه ~~جزيرة أيبريا - أو ما تدعوه السيرة بالأندلس - اجتمع أبو زيد ودياب في بلد تدعى «عين ~~تورز»، وعادا إلى تونس للاجتماع بالسلطان حسن بن سرحان في نجوة بني هلال، وأعادوا من ~~جديد تقسيم «الغرب» أو المغرب العربي بالسوية كما يذكر النص. # إلا أن دياب أصر على أن يأخذ كعهده تونس «عوضا عن موت الخضرا» فرسه التي قتلها ~~الزناتي، خارج القسمة «بالسوية». # وأصبحت القيروان وتوابعها عاصمة للسلطان حسن، أما أبو زيد فاتخذ الأندلس عاصمة ~~له. # | مأساة سعدى ومرعي # وهكذا استتب الأمر للهلالية من عرب قحطانية وقيسية. أو نجدية حكم المغرب العربي وصولا ~~إلى مداخل أوروبا الجنوبية دون مناوئ. # واتساقا مع ما هو متبع، فما إن هدأ صراع الحرب والنزال، حتى اندلعت حروب القصور، ~~والمضاجع والحريم. # ذلك أن دياب بن غانم ما إن عاد فاتحا منتصرا إلى حيث مقره تونس، وبالتحديد قرطاج ~~عاصمة ملكه المترامي، ليعيش حياته المترفة داخل حريمه «بعدد شعر الرأس»، حتى بدأ صراعه ~~مع أسيرته سعدى ابنة الزناتي خليفة التي تمكنت بدورها، من أن تصبح عينا مسلطة داخل حريم ~~دياب لحساب الشق الثاني من التحالف، السلطان حسن وأبي زيد، فهربت من فورها المكاتبات ~~والرسائل للسلطان حسن ومرعي تخبرهما بما أصبحت فيه من ذل وتجبر دياب وتنكيله بها إلى ~~حد التهديد اليومي بالقتل والتشويه، وهي التي نسيها، وتخلى عنها الجميع. # لكن ما إن علم السلطان حسن بمدى ظلمها والخطر المحيط بها، حتى بادر من فوره إلى جمع ~~خمسة آلاف فارس، وشدوا الرحال إلى الأندلس للاجتماع بأبي زيد الهلالي، وبلاغه بمعاناة ~~سعدى وتسلط دياب. # وما إن أبلغ السلطان أبو زيد بما حل بسعدى، وهي خطيبة ابنه مرعي، الذي أصبح ms81 كالمجنون ~~لا يعرف كيف يتصرف بإزاء جشع دياب وتسلطه، على الأميرة التي أبلت الكثير في مساعدة ~~الهلالية، وترجيح كفة انتصاراتهم في مواجهة قومها وقبيلتها، وما تعرضت له من ~~الامتهان. # بل هي ذاتها سعدى التي خاطرت مخترقة حصار أعداء بلادها، مشيرة عليهم بأهمية عودة دياب ~~بن غانم، فهو وحده المقدر له قتل أبيها الزناتي وفتح تونس. # وهكذا تأهب السلطان حسن وأبو زيد للرحيل «وسارا حتى دخلا إلى تونس المغرب، فلما نظرهما ~~دياب، لاقاهما بالترحيب والإكرام، وأدخلهما القصر، وذبح الذبائح وأقام بضيافتهما ثلاثة ~~أيام، وفي اليوم الرابع قال لهم دياب: لقد شرفتونا بمنازلكم، وكان الواجب أرحل أنا لأول ~~إليكم، وأقدم الواجب علي. فقال حسن: نحن ما أتينا إلا لأمر مهم. ثم أشار يقول: # يقول حسن الهلالي أبو علي # ولي قلب من جود الزمان كواه # ولي عين طول الليل لا تألف الكرا # ودمعي فوق خدي سجاه # يا دياب الخيل اسمع مقالتي # واصغي لقولي وافهم معناه # سعدى بقت عنده وديعة بينما # يروق منا البال نقيم هناه # طلبت منها أن تكون حليلتك # هذا فعال العيب لا ترضاه # وجعلتها عند الجوار لخدمتك # وتطحن لملحك والحطب مياه # عيب ترى هذه الفعال جميعها # وما هي مروءة الرجال تراه # سعدى مرادي أخذها لضعونا # وأزوجها مرعي بأحسن جاه # وهي يتيمة يا دياب بن غانم # أبوها قتلته أنت وسط فلاه # فلما فرغ حسن ودياب يسمع تضايق، لكنه أخفى الكمد، وقال إن سعدى باقية كما هي، وأما ~~قولك: إني طلبت أن أتزوجها، فهذا كذب، فقال حسن: هذا كتاب سعدى اقرأ. فقرأ دياب واغتاظ ~~أكثر من الأول وقال: يا حسن هذه سعدى بواقعة وحالته، فالتي تخون أبوها لا يكون فيها خير ~~لأحد، فالواجب إذلالها. فقال: هذه خطيبة مرعي أطلبها.» # ويبدو أن السلطان ودياب قد وصلا في احتدامهما إلى حد الاشتباك، وذكر دياب للسلطان، كيف ~~يهينه من أجل فتاة خانت والدها وقبيلتها ويحق بالتالي قتلها. # ثم إن دياب اقترح وضع سعدى في مكان بعيد في آخر الميدان المتصدر لقصره، الذي كان قبلا ~~قصر أبيها ms82 الزناتي، ثم يركبون خيولهم بأول الميدان، ويطلقون الأعنة، ومن يصل إلى سعدى ~~تكون ملكه ويأخذها. ~~«فقال حسن رضيت. ودياب رضي أيضا، ثم اتفقوا على ذلك، وفي اليوم الثاني أحضروا سعدى إلى ~~الميدان ، ووقفوها في آخره، ووقفوا هم في أوله، وأعطوا لبعضهم شارة، فخرجوا كأنهم نشاب، ~~كان دياب راكبا الشهبا ابنة الخضرا، وكانت أحسن من أمها، فراحت أمام الجميع ومن خلفه ~~الأسمر الآخر على الحصان، وكانت المسافة مقدار ساعة، فلما وصل إليها، قالت له سعدى: أنا ~~أختك يا دياب. وكان الأسمر علمها أن تقول ذلك، فلما سمع كلامها، عرف المضمون، فشهر ~~حسامه فجرحها جرحا بليغا، فصار به حسن، وقال: ماذا عملت هكذا يا دياب؟ قال: أنتم قلتم ~~إن الذي يسبق إليها تكون ملكه، وهي صارت ملكي، فأتصرف كيف أشاء، وبما أنها خاينة لا أريد ~~أن أبقيها عندي. ثم نزلوا إلى سعدى، فوجدوا فيها روح، فحملوها وساروا حتى دخلوا ~~القيروان، واجتمعت البنات والنسوان لما عرفوا بقتل سعدى، وكذلك مرعي فإنه مزق ثيابه، ~~ونتف شعره، وسار كالمجنون، وأما سعدى فإنها فتحت عينيها من حلاوة الروح، وأشارت تودع ~~الدنيا بكلام يفتت الأكباد: # أنا كنت أسعد الناس كلها # شبيه القمر إن بان تحت غمام # مولعة بالعز والغنى والصبا # أنا وأبي في لذة وأنعام # فلما أتى أبو زيد للعرب ردها # ومعه أمارة خيرين كرام # علمت بهم من قبل أن يأتوا بلادنا # ضربت تحت الرمل والأفهام # جاءوا إلى سلطان قابوس الضحى # وأبو زيد من سهر الليالي نام # أتوهم عبيد السود وقفوا حولهم # وهم ساحبين خناجر وحسام # وشدوا أياديهم كتافا إلى ورا # وأخذوا صوارمهم مع الأغنام # وقد عرضوهم للزناتي خليفة # ملك ملوك الأرض كالضرغام # نهرهم وقال جيتم تزوروا بلادنا # فقالوا نحن شعار نقصد الإكرام # فقال شلحوهم يا عبيد ثيابهم # وامضوا بهم إلى المشنقات قوام # ونادى عليهم في شوارع تونس # ردلوا حبالا ما كنات برام # فطليت من شباك قصري أشوفهم # وأنا مثل بدر مستهل تمام # تعلقت في مرعي لما نظرته # سلب مهجتي والقلب منه هام # وقد أصلت نار الغرام ms83 بضامري # وقد هاج بليلي وزاد غرام # نهضت أنا من منزلي نحو والدي # وقلت يا أبي لا تكن ظلام # فما ذنب شعرا أمرت بقتلهم # مساكين فقراء كلهم أيتام # فقال جاءوا يزوروا بلادنا # لكي يملكوها في قنا وحسام # أشرت على أبويا شور أطاعني # ومن يأمن الأنثى يروح عدام # لبست من الصندوق ثوبا مذهبا # وأرخت من فوقه رفيع أكمام # وفي وسط قصري يا أمير وضعتهم # وأبو زيد قد راح يجيب أغنام # وقلت لهم لا تحملوهم والنبي # عليكم مني ألف ألف سلام # وجبت لهم من كل ما يشتهونه # من اللبس والشاشات والهندام # إذا لف مرعي الشاش من فوق # راحة فيقطع حبلى ما أطيق قيام # أشوف وجهه كالهلال إذا بدا # وجبهته تضوي كبدر تمام # مضى وما مضى إلا وأبو زيد عائدا # ومعه جموع مثل فيض غمام # وعدد تسعين ألف ومثلها # وتسعين في تسعين ألف همام # زرعوا أرض تونس والبساتين كلها # وابنوا بيوتا عالية وخيام # قتلتم أبويا ثم أخذتوا بلادنا # قتله الفتى الزغبي أبو غام # تملكتم تونس وقابس أرضنا # ولا تحفظوا لي يا كرام مقام # وما نلت من مرعي مناي وبغيتي # نسيني ولم يرعى إلي زمام # يا رب من كان السبب بفراقنا # يقتل وفوق الأرض دمه يعوم # قد أحرموني لذة العيش والهنا # وشملي تفرق ما بقي له لموم # فلا تلموني الصغيرة إذا بكت # أبكي على أهلي وكل غموم # زرعت جميلا قابلوني بضده # وكيف من زرع الجميل يضام # أيا أبا علي قد كان مني تحاكم # وملكتكم عشرين تخت تمام # فما عاد إلا الموت يا أمير أبو علي # سأرحل عن الدنيا بغير مرام # يا أبو علي هات لي مرعي أشوفه # وأودعه قبل أن أذوق حمام # يا ليت أبقى لمرعي خديمة # وأكبس لرجليه بوقت منام # فما فرغت سعدى من كلامها حتى شهقت وماتت، فقاموا عليها الصياح والنواح، ثم غسلوها ~~ودفنوها، وصار حسن في قلبه من دياب نار، وأما دياب فإنه طغى في الحكم؛ لأنه ملك في آخر ~~عمره، وكان يبغض على أهل العرب، وهم كلهم يبغضونه، وما عرف كيف ms84 يتصرف بالملك، فأفسد ~~عليه أهل بني زغبة، وصاروا يوشون لهم حتى صاروا أكثرهم يبغضوه، ولكن ما حد منهم قدر أن ~~يحكي كلمة؛ لأنهم يخافون من بأسه وسطوته، ودامت الأحقاد بين دياب وحسن وأبو زيد، ولكن في ~~الظاهر كانوا يظهرون المحبة والمودة، ويخفوا ما في قلوبهم.» # | خلافات بني هلال والهزائم # وعلى هذا النحو برزت الخلافات والأحقاد الدفينة بين قطبي التحالف الهلالي في مواجهة ~~البلاد المفتوحة وأموالها وسباياها، وضاعف من حدة هذه الانقسامات المتفاقمة المهددة ~~استثارة قبائل الزناتي، وعرب المغرب لها طلبا للثأر، مثلما حدث في حرب البسوس التي أذكت ~~نيرانها لمدة أربعين عاما الكاهنة الملقبة بسعاد أو البسوس أخت التبع اليماني الذي ~~اغتاله «كليب الفلسطيني» في دمشق. # وعليه استطاعت أخت الزناتي خليفة واسمها ست الغرب التنكر في زي شاعرة جوالة، أو بصفة ~~شاعر لف، كما تدعوها السيرة، تمدح الأمراء إلى أن وصلت تونس، ودخلت على الأمير دياب بن ~~غانم ديوانه فمدحته، وهنأته على قتله للخليفة الزناتي أعدى أعدائها. ~~«وعزمته في ضياعها المخصبة الفواحة وقصرها بعين سلوان.» # وعندما راق للشاعرة المتنكرة بذور الحسد التي زرعتها فيما بينهم، واصلت تحريضهم لبقية ~~القبائل. # وهكذا قال أبو زيد معرضا بدياب: «نحن ماسكين البقرة من رأسها، ودياب يحلبها من ~~ذنبها.» # وهكذا تجمعت نوايا الحرب والعدوان بين دياب، والسلطان، وأبي زيد خاصة بعد أن أغار ~~الأخيران على «بستان دياب المزهر، فحطموا شجره، وهدموا قصره، وردموا آباره.» # ونشبت الحرب لفترة محدودة بين السلطان حسن ودياب، إلى أن تمكن أبو زيد من عقد المصالحة ~~بينهما في القيروان، إلا أن السلطان حسن دبر مكيدة لدياب تسوقها السيرة على النحو ~~التالي: # وكان دياب لابس جبة من الحرير الأخضر، وشالح على كتفه برنس أحمر وعلى رأسه ~~عمامة من البرفيل والأرجوان، ثم دخلوا على الأمير حسن، فترحب فيهم غاية ~~الترحيب، وجلس دياب على كرسي من العاج كأنه الذهب الوهاج وقومه من حواليه، ثم ~~أمر الأمير حسن بإحضار القهوة والكأس والشراب، وأحضر مائدة من الطعام مصحوبة ~~بألف فارس ضرغام، أجلسوا على المائدة، وجدوا المناسف ms85 مغطاة، فرفع الأمير دياب ~~الغطا عن المنسف، وجده فارغ من الطعام، وفيه قيود من الحديد، فقال الأمير ~~دياب: «ما هذا يا حسن؟» فقالوا: «الواجب أن تتقيدوا إلى السلطان بالإطاعة، ولو ~~ساعة.» فعندها وضع الأمير القيد برجله، وفعلت باقي الأمارة كفعله، وبينما هم ~~كذلك إلا اندفعت فرسان دريد لداخل المكان، وبيدهم الخناجر والسيوف، ومن جرى من ~~ذلك، فصار دياب كالملهوف، فعندها أمر الأمير حسن بنصب المشانق والحبال، وقال: ~~«اشنق جميع هؤلاء الرجال.» فذبحوا ستين أمير، غانم ودياب والبقية أمر بشنقهم، ~~أما الأمير غانم ودياب كاد تقفز مرارتهم من كثرة الحزن، ولكن ما طلع بيدهم شيء ~~بحيث إنهم مأسورين وخاليين السلاح. # ولما وصل الخبر إلى أبو زيد أتى من الأندلس إلى حسن، فسلم عليه ورحب به غاية ~~الترحيب، ثم سأله أبو زيد ما فعل؟ فقال له الأمير حسن: «ما عملت مع دياب إلا ~~سجنه، فإن كنت قتلت أولاد عمه وأخواته، فإنه قتل أخي وخطيبة مرعي، وجرح مرعي، ~~وجرح قلبي عليهما، فقابلته بمثل ما قابلني، وجرحت قلبه عليهم.» ثم إن الأمير ~~حسن بعث ألف فارس إلى تونس، وأمرهم أن يحضروا له خزانة تونس وسلاح دياب وأثاث ~~بيته، وكل ما في قصر الزناتي يحضروه، فحالا ذهبوا، وأحضروا ما أمرهم به ~~الأمير حسن. # | اغتيال دياب للسلطان وأبي زيد # وبسجن دياب وأسره بالقيروان عند السلطان حسن الهلالي، تحدث بضعة أحداث جانبية؛ منها ~~مقتل الأمير يونس، وحزن بني هلال عليه طويلا، ومنها حكاية استطرادية تحدث لزوجة أبي زيد ~~عليا، تستدعي منه العودة إلى الجزيرة العربية والوصول إلى نجد لفك أسر زوجته العالية بنت ~~جابر. # أما دياب فحاول جاهدا التوسط لفك السلطان أسره دون جدوى: # تجازيني بالحبس يا سيد الملا # وقد صار لي بالحبس سبع أعوام # إلى أن تشفع له أبو زيد لدى السلطان، وساعدته نساء بني هلال في الإفراج عنه. # وهكذا أفرج عنه السلطان في موكب مهين لفارس كدياب على هذا النحو الذي تسوقه السيرة: # فناشدونه أولاد الأمارة والشبان الذين لم يسمعوا بذكر دياب إلا باللسان، ~~فتشوقوا ms86 إلى مشاهدته ولو ساعة، فترجوا السلطان وساعدوهم الأمارة والنسوان، ~~فقبل السلطان حسن رجاهم، وأمر أن يأتوا بدياب مكبلا بالقيود والحديد، وفي ~~الحال أحضروه بالجنازير، وأمام السلطان أوقفوه، وإذا هو أصفر اللون بهيئة ~~الموتى، فصاروا أولاد الأمارة يضحكوا عليه، فقال السلطان حسن: «كيف ترى أمورك ~~الآن بالذل والهوان؟» فقال: «ما دمت راضيا علي.» وبعد مداولة طويلة أراد أن ~~يرجعوه الأمارة إلى السجن، فقال دياب: «أنا شمسية تهزني، ولا قمح تكدني ~~بغربالك، فإن كان الذئب يصفى للغنم أنت تصفا لي، وأنا أصفا لك.» فصاح حسن: ~~«ويلكم، دياب أمسكوه وإلى السجن ودوه.» فعند ذلك أخذ دياب يرتجف مظهرا الخوف ~~الشديد، فوقع على الأرض مغشيا عليه، كمن قارب الموت، فعند ذلك ترجوا الأمارة ~~الأمير، وقالوا له: «إن دياب في حالة نزاع.» فأمر أن يدخلوه دار الحريم لعند ~~أخته نوفلة، وما أتم كلامه إلا وحضرت الرجال، ورفعوا دياب بكل إكرام إلى بيت ~~أخته، فلما نظرته على هذا الحال، وهو محمول على أيادي الرجال صرخت بالبكاء، ~~وأنت واشتكت، ومزقت ثيابها، وأخذت تقول: # حرام لقد جاروا بالعداة وبغوا # علينا ونحن بالكروب نسير # لقد كنا في عزتنا بنعمة # وكنا برغد ما عليه عسير # فبينما نقاسي الهم والويل والضنا # وتجري الدموع على الخدود عزير # وقد كنت يا أمير الأمارة وسيدهم # كسبع الفلا بالماضيات تشير # إذا هاج سوق الحرب كنت أميره # تكري على الأعداء مثل الزير # وتحتك خضرا مثل فرخ نعامة # تدق الثرى في رجالها وتطير # فما كان ظني يا دياب بن غانم # أشوفك بهذا الحال والتأخير # تشال على أيدي الرجال كميت # وتبقى تقاسي الذل والتأخير ~~«وأسرعت ومدت إلى أخيها فرش من ريش النعام، وأخذت ترش عليه من ماء الجذام، وهو ينتفض ~~ويرتعش، وبقي على هذا الحال ثلاثة أيام، لا يذوق طعاما ولا يقابل مناما، وهو يستغنم ~~الفرصة حتى تناصف ليل اليوم الثالث، فدخل على حسن وهو غارق في منامه، فعند ذلك استل ~~الشفرة التي كانت معه في مدة حبسه، وهو يحضرها لمثل هذا الوقت، فانطرح على حسن وذبحه من ms87 ~~الوريد، وتركه يتخبط بدمه، وسار يجد السير تحت ظلام الليل، إلى أن وصل إلى قومه وعشيرته، ~~وعند الصباح فرحوا به كثيرا وانسروا لرؤيته، وأخذوا يسألونه عن قصته، وعن كيفية إطلاقه ~~من سجن حسن، فأخذ يقص عليهم القصة، ويخبرهم كيف صار من البداية للنهاية إلى أن أخبرهم ~~بقتله السلطان، فحزنوا وقالوا: أصبحنا عبرة عند العرب، فسوف يصير بنا كما صار مع جساس بن ~~مرة والأمير كليب، ومن الآن أصبحت عداوة كبيرة بين عشائر بني هلال، وسوف يصلون إلينا، ~~فلنرحل من هذا المكان قبل أن تدركنا جميع بني هلال. فلما سمعوا كلامه وفهموا مرامه، ~~قالوا: إن هذا هو الأمر الأحسن لنا؛ لئلا تدركنا جيوش بني هلال. # فهدموا الأطناب، وأودعوهم ظهور الجمال، وأركبوا النساء والأطفال، وصاروا يجدون بقطع ~~الروابي والبطاح، وما إن عم خبر اغتيال دياب للسلطان حسن بن سرحان، حتى عمت الأحزان ~~القيسيين والعامريين، وما إن وصل الخبر مسامع أبي زيد حتى شق ثيابه، وألقى بشاله، ونتف ~~لحيته، وأهال التراب مع النساء، وبكته أخته الجازية: # عمود ركبتي قد هبط يا نكبتي # طول المدى ما أنظر الأفراح # وبكينه: # يا مشبع الجوعان معزي الحزين # يا سيد المكروب يا مولى العرب # وما انتهت مراسم الجنازة وشعائر الدفن، ونحر الذبائح، حتى تنادوا في صيوان أبي زيد ~~بالثأر ورفع العار، وبالطبع دقت طبول الحرب الثأرية الانتقامية من جديد، وساروا حتى ~~دخلوا إلى حيث قصر دياب بتونس، فاستقبلهم التونسيون معزين، وأخبروا أبا زيد برحيل دياب ~~وقومه إلى بلاد الأحباش. # فاستقر رأي القيسيين على تعقب دياب، إلا أنهم أجمعوا في النهاية على تنصيب أبي زيد ~~الهلالي سلطانا على «تونس والمغارب». # بينما رحل دياب بقومه إلى الحبشة إلى أن كان يوم، تذكر فيه أبو زيد صباه وصداقته لدياب ~~وحربهما جنبا إلى جنب، فأرسل يستعطف بخاطره طالبا منه العودة. # وحين علم دياب بعفو أبي زيد عنه استبشر وراسله، كاشفا له عن حاله، وما ألم به في ~~الحبشة، فحتى نساؤها تحدث عنها دياب باستفاضة: # بنات البدو سود العيون قوامهم # إذا ما مشوا ms88 حسبتهم رمح ثقيف # ولكن نسوان الحبش كعجينة # الوجه منه كالحا ونشيف # ترى الواحدة كالفرق منه أشنعا # قبيحة وخيمة ما بها تنظيف # بأسنان صفر والعيون مفتخرة # لها معصم يابس كحبل الليف # ترخي كرادين لها فوق صدرها # وبالأكل مثل الكلب عند الجيف ~~«وسار الأمير دياب إلى الملك جوهر، وودعه وركب بقومه ورجاله إلى أن دخلوا بلاد الغرب، ~~فخرج الأمير أبو زيد ولاقاهم، وتصالحوا ورجعوا إلى الأوطان، وعمل أبو زيد وليمة فاخرة، ~~وذبح الذبائح. وصار الأمير أبو زيد والأمير دياب في محبة زايدة، ولكن أبو زيد لم يرجع ~~للأمير دياب ملكه، وبقي هو الحاكم، فما هان على دياب وسار يقول: متى ترجع لي البلاد التي ~~أخذوها مني؟ وأبو زيد لواطي. فاغتاظ الأمير دياب، وكمن السر لأبو زيد، وقال في نفسه: أنا ~~صنعت دبوس وسكين السين للأمير حسن، فخلصنا من واحد وبقي علينا الآخر. وصار من ذلك الوقت ~~يحمل الدبوس، وكان بسبع فراشات من تحت العباية حتى لا يلحظ عليه أبو زيد، إلى أن كان ذات ~~يوم خرجوا للصيد والقنص، وكان مع الأمير أبو زيد جماعة من قومه، ومع الأمير دياب جماعة ~~من قومه، فوصلوا إلى البر، وخرجت الفهود والصقور، تفرق الفرسان تطارد الغزلان.» ~~«وبقي الأمير دياب وأبو زيد في جهة، وصار الأمير دياب يطارد الشهبا، ويلعب كأنه في ~~الميدان، فصار يعمل مثله أبو زيد، فدار نصف ساعة فصاح فيه، وقال خذها من يد دياب، فالتفت ~~أبو زيد مرعوبا، فوجد في يد الأمير دياب سنبلة قمح، فضحك دياب وعمل هذا الأمر ثلاث ~~مرات، ورابع مرة صاح دياب خذها من يد دياب، فما التفت أبو زيد، وظن أنها ضحكة مثل العادة ~~عند ذلك، لكن الشهبا طلعت كالريح حتى قربت من أبو زيد وصار جنبيه، فسحب الدبوس، وضربه ~~على رأسه، فطلع برز مخه فرأس الدبوس، فوقع أبو زيد على الأرض عميان، فوقع الأمير دياب، ~~وقد أخذته الشفقة، فصار إليه يبكي ويلعن الحمق مدة من الزمان، فتح أبو زيد بعينه دياب ~~واقف، فقال له: ما كان ظني ms89 فيك يا دياب. ثم تنفس منشدا: # قال أبو زيد الحزين الهايم # دمعي على خدي سجايم # أيا دياب الخيل يا ولد غانم # أيا صاحب الأفعال بين العوالم # ما كان ظني يا دياب الخيل تخونني # وتدعي صحبتك فوق الردايم # آلمتني يا دياب بضربتك # أيا حيفا كنا يا أسير لزايم # مقال الحزين ابن رزق سلامة # لقد سلمت روحي لرب العوالم # فلما فرغ أبو زيد من كلامه والأمير دياب يسمع نظامه دمعت عيناه ونزل إليه وضمه إلى ~~صدره.» # وعلى عادة ما هو ملمح رئيسي بالنسبة لسيرنا وملاحمنا العربية، استرسل أبو زيد المغتال ~~بيد دياب من مرثيته الذاتية، وما علق بها من تراكم ملحمي عبر العصور. # وهكذا تخلى عنه دياب مضرجا في دمه، بنفس ما فعله جساس بن مرة عقب اغتياله ~~لكليب. ~~«وصار دياب كالمذهول بقومه إلى تونس ودخل إلى سراية الأحكام ونادى باسمه، بل هو تجاسر ~~معلنا قتله لأبي زيد الهلالي، وأنه الحاكم الوريث لتونس والمغارب.» # وبكت نساء هلال «القيسيات» ورجالها أبا زيد، وكترت فيه المراثي، فأنشدت الجازية، عقب ~~دفنه إلى جوار أخيها السلطان حسن: # أبو زيد بالعربان ليس مثاله # بالجود والمعروف وحسن ثبات # حوى حكمة لقمان وجود حاتم # وصبر أيوب وكل صفات # وحاز خصال الخيرين جميعهم # أمير ابن أمير سيد السادات # أبو زيد انظر حالنا وما جرى لنا # وفينا دياب حاكم الأوقات # أصبح على تخت ابن سرحان جالسا # وحاش بيده المال والصهوات # وعادت خيوله غابرة نحو أرضنا # وله مقام يرفع الشدات # أحيف حط الباب من الجو للوطا # وعادت عصافير الشجر عاديات # عاد الضبع يا ناس للسبع طارده # وعادت عدانا بالهنا فارحات # ثم إن القيسيين أو عرب الشمال بزعامة الجازية تظاهروا بالخضوع لدياب، ووضعوا المناديل ~~في رقابهم علامة الأمان، وخرجوا ينادون: «يا دياب، أنت ملكنا والحاكم علينا، ولا حد منا ~~يعصي لك أمر.» لما نظروه وتقدموا وقبلوا أياديه ورجليه، وقالوا له: «أنت السلطان ومثلك ~~يليق أن يكون سلطان.» ~~«ثم دخل الأمير دياب وجلس على كرسي الأمير حسن، وصارت تأتي إليه الأمارة واحد بعد واحد ms90 ~~يهنوه، ويدعون له بطول العمر، وأما الجازية والنافلة والحريم والأولاد فإنهم اختلفوا، ~~وعند الليل ركبوا وساروا، وسبقتهم كثير من قومهم، وتسلطن دياب على كل بلاد الغرب، وأمر ~~أن ينادى باسمه، وأنه هو الملك حاكم بلاد الغرب، وصارت تأتيه الهدايا والتحف ورتب ~~الحكام وعزل.» ~~«ولما راق باله سأل عن أولاد حسن وأبي زيد، فأخبروه أن الجازية هربت فيهم مع بقية ~~النسوان، وتبعهم ثلاثون ألف نفس من بني دريد وزحلان، فتكدر خاطره وقلوا حميت ظنوا السوء، ~~وما آمنوا إلي، فأنا لا بد لي أن أذلهم وأقرهم؛ لأنه كان بفكري أن أرتب لهم معاش وأقوم ~~بوصية الأمير أبو زيد، ثم ركب وتبعهم فما لحقهم، فرجع وهو متكدر.» # | مصرع دياب وأبناء الشهداء # وما إن ساقت الجازية أبناء قتلى بني هلال وشهدائها، حتى أرضعتهم من حديد الثأر، وربتهم ~~على القتال عند ملك يدعى شمعون، بلاده حارة يرجح أنها الحبشة. # والسيرة هنا في جزئها الأخير، إنما تؤرخ لجيل تال، أصبحت تطحنه بدوره الحروب القبلية ~~أخذا للثأر، وتشفيا بالدم الواحد المراق، الذي أصبحت تغذيه الانقسامات القبلية ~~والعشائرية. # بالإضافة إلى النداءات التحريضية للجازية وموثباتها في اتجاه الحرب، كمثل إيزيس حين ~~خبأت ابنها المنتقم لأبيه حورس في أحراش الدلتا، إلى أن اشتد ساعده، فقتل عمه ومغتصب ~~عرشه ست أو شنح، والذي هو في موقع دياب بن غانم، الذي كان قد تزوج بامرأة من قومه أو ~~قبيلته اسمها «نسرين»، ذلك أن الحرب كانت قد التهمت كل أبنائه فيما عدا وطفة التي تسمى ~~بها، لكنه أنجب من نسرين أميرا يدعى نصر الدين، وفي ذات الوقت الذي اعتنت فيه الجازية ~~بتربية اليتامى وأهمهم الأمير بريقع ابن السلطان حسن مع أبناء أبي زيد. # والملفت أن عين دياب بدوره لم تغفل عن نمو الأمراء - الأيتام - وحاول جاهدا مطاردتهم ~~والتنكيل بحلفائهم وحماتهم أينما كانوا، سواء في مراكش أو الحبشة أو الأندلس، أو حتى من ~~اختبأ واحتمى منهم في نجد والحجاز. # حتى إن دياب تحايل باتجاه التودد لبعضهم لاغتيالهم بالمكيدة ذات عيد للحم أو الضحية ~~بإحدى ms91 القلاع، على عادة مذابح القلاع الجماعية الخادعة. # فقال لهم: «إن الرأي عندي أن نعمل وليمة على العيد وعندما تجتمعوا أوهموهم واقتلوهم، ~~ولا تدعوا من أكابرهم أحد.» ~~«وكان ثاني يوم عيد الضحية، فعمل دياب الوليمة، ومد السماط، وكان شيء يدهش العقول، وعزم ~~بني دريد وأكابرهم، فحضروا ودخل نصفهم، وجلسوا على الطعام، وبقي النصف الآخر على ظهور ~~الخيل، وفي تلك الساعة ارتفع الصياح، وعلا من كل ناحية، ورفع الصوت في بني هلال، وارتجت ~~الأرض من كل مكان، ووقعت الضحية الصحيحة، وإذا بالطبول دقت والرايات ظهرت وانتشرت، ~~والرماح انعكفت، والأصوات ارتفعت، والنساء زغرطت، فعند ذلك سأل عن الخبر، فأخبروه بما ~~جرى من اليتامى، وأنهم نهبوا البوش، وقتلوا الرعيان، وطافوا على البلد من كل مكان، فعند ~~ذلك أرسل دياب إلى ابن أخته بريقع جوابا يهدده بالقتل وبعته مع تجاب، فأخذه وسار إلى ~~بريقع، فأعطاه الكتاب، ففضه وقرأه، وعرف رموزه ومعناه، وقال: الله يعلم إن خالي خرفان، ~~ومراده أن أرد له البوش، ونحن لا نرضى بالبوش ولا بغيره إلا أخذ روحه.» # وهكذا اشتد ساعد بريقع بن أبي زيد، بفضل حنكة الجارية أو الغازية إلى أن راسل خاله دياب ~~بن غانم، وتهدده بالثأر وطالبه بالقتال. # وفي البداية نازلت الجازية ذاتها ديابا، متنكرة في ثياب فارس في الميدان، لحين ~~استشهادها على هذا النحو الذي تسوقه السيرة: # فعند ذلك برز الأمير دياب إلى الميدان، وقال إلى الجازية: «من تكون أيها ~~الفارس المفتخر على أبناء جنسه؟» فقالت له: «أنا ابن هذا الميدان، فمالك ~~والسؤال؟» فقال لها: «لا أقاتل إلا من كان حسبه من حسبي، ونسبه من نسبي. فقالت ~~له: «ما أكثر منك حسبا ونسبا، أنا الجازية أخت الأمير حسن وصديقة الأمير أبو ~~زيد، وقد جئت لأخذ الثأر.» فضحك دياب حتى استلقى على قفاه، وقال لها: «متى ~~تعلمت الفروسية؟ وأنا إن قتلتيني لا أقاتلك؛ لأنه عار أن أقتل امرأة مثلك؛ ~~لأنه لا يليق بي هذا الأمر، وإذا قتلتك يقول الناس دياب عامر ملوك الأرض ~~بالطول والعرض يبرز لحرب امرأة، روحي ms92 أرسلي الأمارة.» فقالت له: «ما أروح من ~~هنا حتى أحاربك يا خائن يا غدار.» فقال: «يا جازية، بطلي كلامك الفشار، وارجعي ~~إلى أولاد الأمارة أتنعم بآبائهم.» فقالت: «ما بالك ولهذا الكلام؟ انزل ~~الميدان حتى أذيقك الموت؛ لأنك رديء خائن، وما جزاك إلا قطع رأسك.» فلما سمع ~~دياب كلامها لعبت برأسه نخوة الرجال، فرفع رجله وضربها على جبينها بقوة عزمه، ~~رفعها عن الحصان 8 أذرع، فوقعت على الأرض ميتة، فقال أولاد الأمارة: «موت ~~عمتكم؛ لأنها قد تطاولت، فنالت جزاها.» رجع دياب محزون عليها وقال في باله: ~~«الله يلعن الشيطان ما كان لازم هذا أمره.» وأما الأمارة أخذوا الجازية ~~كفنوها، وعملوا عليها مناحة عظيمة. ~~«وفي ثاني يوم برز بريقع إلى الميدان، فبرز إليه دياب والتقيا. # فلما نظرهم دياب ضحك وقال: والله مرادي أقاتلكم بلا درع وعلى كديشة عرجا. فمنعوه قومه، ~~وقالوا له: أنت رجل كبير فما نسلم معك على ذلك. فبرز دياب بلا درع، وما معه إلا السيف ~~والترس، فالتقاه الأمير بريقع، ووقع القتال، وانحدفوا اليتامى مرة واحدة، فالتقاهم وصاح ~~فيهم صيحة ارتجت منها الجبال، وأراد أن يضرب بريقع بالسيف يقطعه قطعتين، فطرحه شيبان ~~بالرمح من بعيد، وقع في جنبه دياب على الأرض من عظم الألم، فعند ذلك تقدموا الأمارة، ~~وقال له بريقع: كيف حالك الآن؟ ثم تنفس دياب، وقال: أنا شبعت من الدنيا، وهذه مقدار كل ~~موتة، ولها سبب، وأشكر الله الذي مت قتيل أولاد حسن وأبو زيد ولا قتلني أحد غريب. فلما ~~فرغ دياب من كلامه، غاب عن الوجود مقدار ساعة، ثم أفاق وصار يودع الدنيا: # مقالات الزغبي دياب بن غانم # أيا موت قد زرتنا ثم دنوت» ~~«وبعد أن مات قال بريقع: أحضروا السكين التي ذبح بها أبي، فأحضروها، فقطع بها رأس دياب، ~~وفصله عن جسده وتركه ورجع، فأتوا قوم دياب فأخذوه، وكثروا عليه البكاء والعويل، ومزقوا ~~ثيابهم وناحوا وصاحوا، وسرجوا الخيول سود، ورفعوا البيارق السود، ودقت طبول الحزن، ~~واجتمعت الأمارة من كل ناحية، وعند ذلك دفنوه.» ~~«وجلس بريقع ملك ms93 على بلاد الغرب، وراقت له الأحوال من نسرين زوجة دياب، فإنها لما قتل ~~زوجها قالت لابنها: «لا بد من أن أولاد عمك يعملون حيلة عليك، ويقتلونك ويرتاحوا من ~~دياب، ويخافون منك لئلا تأخذ ثأرك منهم، فهيا اركب الشهبا وسير عند أحد أصحاب أبوك.» ~~فبينما يصير وقت مناسب لأخذ الثأر، فعند ذلك ركب نصر الدين على الشهبا، وأخذ أمه وراءه ~~وبالطبع هربا.» # وما إن ينتقل بنا راوي # 1 # السيرة - المحايد - من جانب منتصر، مثل قتل بريقع المنتصر ابن أبي زيد ~~الهلالي، لدياب بن غانم، حتى يعود ملاحقا - سلسال - جانب الصراع المقابل، وهو هذه المرة ~~الأميرة الثاكلة - نسرين - زوجة دياب المغتال، التي بدورها خبأت ابنها نصر الدين في ~~أحراش القبائل الحليفة بدءا باليمن، وانتهاء بالحبشة وغرب إفريقيا حتى الأندلس، لحين ~~اشتداد ساعد نصر الدين بن دياب الطفل، ليكبر منتقما لأبيه، وهو ما تحقق حين نازل نصر ~~الدين بريقع بن أبي زيد قاتل والده دياب، «فقسمه عن جواده أربع قطع»، فعندها دخل نصر ~~الدين إلى تونس، ودخل قصر أبيه دياب وتسلط على كل الغرب، وهذا في نص السيرة. ms94