######OpenITI# #META# URI: 1423ShawqiCabdHakim.SiratMulukTabacina.Hindawi42740640 #META# Tags: literature #META# ID: 42740640 #META# Title: سيرة الملوك التَّبَاعِنَة: في ثلاثين فصلًا #META# AuthorID: 25792509 #META# Author: شوقي عبد الحكيم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الجزء الأول‏ # مقدمة الجزء الأول‏ # 1 - حروب التبع أسعد اليماني في الصين‏ # 2 - وصية كاهنة الجبل‏ # 3 - التبع حسان يفني قوم زرقاء اليمامة‏ # 4 - الهجوم الليلي والتخفي بأغصان الأشجار‏ # 5 - حصار الشام وفلسطين‏ # 6 - تحقق نبوءة زرقاء اليمامة‏ # 7 - خديعة التبع المتجبر‏ # 8 - العرس الدامي‏ # 9 - اغتيال الصحصاح ابن التبع حسان‏ # 10 - انتقام البسوس‏ # 11 - التبع ذو اليزن يحكم حمير‏ # 12 - البحث عن كتاب النيل ومنابعه‏ # 13 - ملك بعلبك يجمع مستشاريه‏ # الجزء الثاني‏ # مقدمة الجزء الثاني‏ # 14 - التعريب داخل أفريقيا‏ # 15 - مؤامرة ملك الحبشة لقتل ذو اليزن‏ # 16 - زواج ذو اليزن من قمرية‏ # 17 - جنون ملك الحبشة‏ # 18 - مراسم عرس التبع‏ # 19 - قمرية تأخذ مكان ذو اليزن‏ # 20 - ذو اليزن التبع المحتضر‏ # 21 - الحرب الضروس في القرن الأفريقي‏ # 22 - حروب النيل‏ # 23 - سيف أرعد يصرخ: ولدي جثة بلا رأس‏ # 24 - مهد التباعنة‏ # 25 - سيف بن ذي يزن تبع حمير المنتظر‏ # 26 - سيف يفك حصار مدينة أفراح‏ # 27 - موت قمرية‏ # 28 - الرحيل إلى مصر العدية‏ # 29 - سيف يتوغل في أصفهان‏ # 30 - اغتيال الملك سيف بأحراش الدلتا‏ # الجزء الأول‏ # مقدمة الجزء الأول‏ # 1 - حروب التبع أسعد اليماني في الصين‏ # 2 - وصية كاهنة الجبل‏ # 3 - التبع حسان يفني قوم زرقاء اليمامة‏ # 4 - الهجوم الليلي والتخفي بأغصان الأشجار‏ # 5 - حصار الشام وفلسطين‏ # 6 - تحقق نبوءة زرقاء اليمامة‏ # 7 - خديعة التبع المتجبر‏ # 8 - العرس الدامي‏ # 9 - اغتيال الصحصاح ابن التبع حسان‏ # 10 - انتقام البسوس‏ # 11 - التبع ذو اليزن يحكم حمير‏ # 12 - البحث عن كتاب النيل ومنابعه‏ # 13 - ملك بعلبك يجمع مستشاريه‏ # الجزء الثاني‏ # مقدمة الجزء الثاني‏ # 14 - التعريب داخل أفريقيا‏ # 15 - مؤامرة ملك الحبشة لقتل ذو اليزن‏ # 16 - زواج ذو اليزن من قمرية‏ # 17 - جنون ملك الحبشة‏ # 18 - مراسم عرس التبع‏ # 19 - قمرية تأخذ مكان ذو اليزن‏ # 20 - ذو اليزن التبع المحتضر‏ # 21 - الحرب الضروس في القرن الأفريقي‏ # 22 - حروب النيل‏ # 23 - سيف أرعد يصرخ: ولدي جثة بلا رأس‏ # 24 - مهد التباعنة‏ # 25 - سيف بن ms001 ذي يزن تبع حمير المنتظر‏ # 26 - سيف يفك حصار مدينة أفراح‏ # 27 - موت قمرية‏ # 28 - الرحيل إلى مصر العدية‏ # 29 - سيف يتوغل في أصفهان‏ # 30 - اغتيال الملك سيف بأحراش الدلتا‏ # | سيرة الملوك التباعنة # | سيرة الملوك التباعنة # | في ثلاثين فصلا # تأليف # شوقي عبد الحكيم # | الجزء الأول # | مقدمة الجزء الأول # | الملوك التباعنة # خلال إقامتي في بريطانيا التي امتدت نحو ثماني سنوات، كنت أتردد خلالها على مكتبة ~~المتحف البريطاني، عثرت على مخطوطة هذه السيرة الملحمية الكبرى «للملوك التباعنة» ~~الذين ورد ذكرهم بالقرآن الكريم بضع مرات، ولا نعرف عنهم شيئا، إلى أن وقعت هذه السيرة ~~بين يدي، فعكفت على دراستها، وتعرفت من خلالها على ذلك التاريخ الغابر لأقوام وكيانات ~~وقبائل جنوب الجزيرة العربية في اليمن ودول الخليج وعدن وحضرموت وسبأ وذي نسور، لسير ~~الملوك التباعنة الذين كانت لهم حضاراتهم الغابرة أو المندثرة، جابوا ربوع الشرق ~~الأقصى وأواسط آسيا، ووصلت جحافلهم حتى تخوم الصين، وأوصلوا التعريب إلى مناحي القارة ~~الآسيوية، متضمنة: شبه القارة الهندية وأفغانستان، والباكستان، وتركستان وأذربيجان ~~وبلوخستان، وعشرات الكيانات الإسلامية التي تنتهي بما هو متعارف عليه بكلمة «ستان» داخل ~~منظومة الاتحاد السوفييتي القديم، كما نجدهم في الشيشان وغيرها. # ومن هنا - وبلا جدال - كان التعريب أسبق من الإسلام، بل هو الذي مهد الطريق له ليواصل ~~فتوحاته وانتشاره في المشرق والمغرب، وعلى رأس من لعبوا واضطلعوا بهذا الدور هم ملوك ~~التبابعة أو «التباعنة» الذين كان يحلو للتبع منهم القول: «قد دعتني نفسي أن أنطح ~~الصين.» # وبالفعل كان يعد الجيوش الزاحفة إلى تخوم الصين، ويواصل فتوحاته داخلها، وهو ما كشفت ~~عنه الحفائر الأركيولوجية التي أثبتت، بما لا يترك مجالا للشك، وصول تلك الأقوام ~~العربية المحاربة إلى تلك البلاد الموغلة في البعد، والتي خلفت آثارها وتراثها الحضاري ~~والإثني في هذه البلاد، ويكفي القارئ معرفة أن من بين أولئك الملوك «التباعنة» ~~«بلقيس ملكة سبأ» ومعاصرتها للملك الحكيم سليمان بن داود، وهذا في أحقاب لاحقة، كما ~~يكفي معرفة أن حضارات بكاملها كانت موجودة ومتعارف عليها حفريا في ربوع الشام ms002 ~~وفلسطين، وتعرف باسم «تدمر» وهو اسم إحدى الملكات اللائي ينتمين للملوك التباعنة، ~~فهي ابنة حسان اليماني المتعارف عليه شعبيا باسم «ذو اليمنين» وهو ما كان يطلق ~~عليه. # كما أن من بين أولئك الملكات المنتميات أيضا للملوك التباعنة الملكة المعروفة: ~~«زانوبيا» التي قاومت الإمبراطورية الرومانية طويلا إلى أن وقعت في الأسر وسحبت كأسيرة ~~هي وعرشها إلى روما في حوالي عام 200 قبل الميلاد. # أما آخر الملوك التباعنة فهو الملك «ذو اليزن» المعروف بسيرته الكبرى، وكذلك ~~ابنه الملك «سيف بن ذي يزن»، وهذان الملكان بالذات لعبا الدور الأكبر في التعريب داخل ~~القارة الأفريقية، بدءا بمصر والسودان، أو بالأصح بدءا بالقرن الأفريقي المتاخم لليمن ~~وإثيوبيا والسودان ومصر، وبقية ربوع القارة الأفريقية بشكل عام، حتى إذا ما جاءت ~~الفتوحات الإسلامية وجدت الأرض ممهدة لاستنبات وانتشار الإسلام في القارة الأفريقية أو ~~جانبها الأعظم الذي لم يندحر إلا مع بداية رحلات الاستكشاف الأوروبية وما تبعها من ~~رحلات تبشيرية، وتحول بعض هذه البلدان والأقوام الأفريقية إلى المسيحية. # 1 # كذلك ترد مأثورات التباعنة في قصة أوفابيولة «زرقاء اليمامة»؛ تلك الأميرة واسعة ~~البصيرة، والتي حذرت قومها من غزو الملوك التباعنة، حين صعدت إلى أعلى أبراج ~~المدينة وظلت تهيب بقومها صارخة: # يا جديس يا قوم، لقد مشت إليكم الأشجار وجاءتكم حمير. # يا جديس يا قوم، لقد مشت إليكم الأشجار وجاءتكم حمير. # وبالفعل أنهى أولئك الملوك التباعنة حضارات وأقواما أو كيانات سابقة، مثل ~~قبائل: عاد وثمود وجديس وطسم والعماليق ورائش؛ أي حوالي اثنتي عشرة قبيلة وكيان فنيت ~~بكاملها من الوجود في ذلك الوقت المبكر السابق للإسلام أو ما تعارفنا عليه بالجاهلية، ~~وإن كانت تلك الجاهلية تزخر بالعديد من الأحداث والحضارات والفتوحات الموغلة في القدم، ~~وفي العصبيات والتطاحن العرقي والقبلي، واعتبار الحروب والقتال، نوعا من الرياضيات ~~القومية؛ اتساقا مع مقولة الأب السالف لهذه الأقوام الحميرية، وهو يعرب بن قحطان - ~~أو يقطان - أبو العرب أول من تكلم العربية. ~~- أيها الناس إن لم تقاتلوا الناس قاتلوكم، وإن لم تسبوهم سبوكم؛ فقاتلوهم قبل أن ~~يقاتلوكم؛ ms003 فليس جمع خيرا من جمع، ولكن جد خير من جد. ~~••• # وفي الجزء الثاني من هذا الكتاب، نتعرض لآخر الملوك التباعنة، وهما: الملك ذو ~~اليزن وابنه الملك التبع سيف بن ذي يزن. # فقد لعب الملك «ذو اليزن» وابنه الملك سيف الدور الهام في التعريب داخل ربوع القارة ~~الأفريقية، وتذكر سيرتهما أن كلا منهما كان يبحث عن «كتاب النيل»، وهو ما يمكن أن ~~يكون مرادفا للبحث عن منابع النيل؛ ذلك أنهما كانا متفوقين إلى أقصى حد في تلك الفترة ~~الموغلة في القدم بالنسبة للسدود المائية والتحصينات الزراعية، ويكفي أن نعرف أن سد ~~مأرب كان واحدا من بين ثمانية وثلاثين سدا منتشرة في ربوع اليمنين وبلدان الجنوب ~~العربي، فقد كانت حضارة زراعية هائلة بما يسر لها من الحركة والتجوال والفتوحات، ~~وخاصة وأن هذه البلدان أيضا هي التي كانت تشكل الجنوب العربي، وكانت بلدانا أو شعوبا ~~ذات صفة بحرية نتيجة لوقوعها على بحر العرب أو الخليج العربي، واتصاله بالمحيط الهندي، ~~من هنا كان يطلق عليهم «فينيقيو البحر الجنوبي». # 2 # فإذا ما كان هناك فينيقيو البحر الأبيض المتوسط في الشام وفلسطين، فأولئك كانوا ~~فينيقيي البحر الجنوبي وكانوا كشعوب بحرية، تمكنوا من التوغل في ربوع آسيا الوسطى ~~والشرق الأقصى حتى تخوم الصين ذاتها، والأكثر أهمية ما يذكره التاريخ - المندثر - ~~لأولئك الملوك «التباعنة» أن سبعة فراعنة خرجوا منها وحكموا مصر. # 3 # ولعلني أسوق افتراضا بسيطا لا أعرف بالتحديد مداه، وهو أن باليمنين والجنوب العربي ~~وعمان، توجد جبال نحاس هائلة، فهم يمتلكون إلى اليوم أكبر احتياطي نحاس في العالم كله، ~~بمعنى أن العالم يمتلك جزئية صغيرة، ولكن الغالبية العظمى لاحتياطي النحاس في العالم ما ~~زالت موجودة في اليمنين والجنوب العربي، بما ستكشف عنه الأبحاث المستقبلية، وهو ما كان ~~يساعد على صناعة الأسلحة المستخدمة في ذلك الوقت من سيوف وخناجر ما تزال ماثلة إلى الآن. # 4 # خلاصة القول أن هؤلاء الملوك «التباعنة» هم أسلاف حضارة أكثر سبقا، وهي حضارة ~~قحطان أو يقطان كما يذكر في العهد القديم، هي حضارة ms004 لا أغالي إذا ما قلت: إنها انتقلت ~~مبكرا ربما منذ الألف الثاني قبل الميلاد إلى أمريكا الوسطى والجنوبية، وعرفت بنفس ~~الاسم فيما بين المكسيك وبيرو، والملفت للنظر أن بها معظم الجسد الشعائري والعقائدي ~~والفولكلوري أو التراثي - بعامة - للعرب، كما أن بها أهرامات يبدو أنها نقلت بكاملها من ~~مصر، وربما هذا ما دعا أحد المستكشفين أو الرحالة النرويجيين منذ حوالي عشرين سنة إلى ~~محاولة إثبات كيف انتقلت هذه الحضارة وبخاصة أهرامات مصر إلى أمريكا الجنوبية، وكان ~~المقصود بها حضارة قحطان أو يقطان أسلاف الملوك «التباعنة». # أما بالنسبة لسيرتنا عن هؤلاء الملوك فتبدأ بإعداد الملك التبع «أسعد اليماني» ~~لتسعة ملوك متحالفة تحت إمرته مثل أجاممنون في حرب طروادة متخذا قراره القائل: «قد ~~دعتني نفس أن أنطح الصين.» # وهكذا واصل الزحف كملك الملوك - أجاممنون - إلى تخوم الشرق الأقصى والصين، إلا أنه ~~وقع فريسة لخيانة أحد ملوك الصين، الذي أوعز إليه بالمساعدة وتعرف الطرقات والمسالك، ~~بينما كان يضمر له خيانة كبرى أوقعت به وبجيوشه في الكثير من المآزق والخسائر حتى إنه ~~فقد أربعة من أبنائه في تلك الغزوة، اعتاد كل مساء أن يحضر رءوسهم على صينية من الذهب ~~الخالص مغطاة بالرماد ويظل يبكيهم نادبا قبل أن يأوي إلى فراشه. # وعندما تعرف على خيانة الملك الصيني استقدمه وقطع لسانه من دابره، ثم وضعه في قفص ضخم ~~من الذهب الخالص وأجلسه مقربا من مجلس حكمه كما كان يتعامل معه من قبل في كل اجتماع من ~~اجتماعاته، حتى مجالس حربه ليصبح بلا فائدة تذكر، فلا يتكلم أو ينطق وجعل منه عبرة ~~للخيانة على هذا النحو، إلى أن قرر مجلس حربه العودة بالملك التبع أسعد اليماني ~~والانسحاب من مجاهل الصين والرجوع إلى اليمن والجنوب العربي. # وقبل أن توافي المنية ذلك التبع المتجبر أسعد استقدم ابنه التبع الذي سيخلفه ~~على عرش حمير وعلى التباعنة، وهو «حسان اليماني» الذي عرف في الوجدان الشعبي من ~~المحيط إلى الخليج بذي اليمنين، قائلا له: لا تضجعوني فيضطجع ملككم، بل ~~ادفنوني واقفا ليظل ملككم ms005 شامخا. # وهكذا دفن ذلك التبع السلف أسعد واقفا في أعماق الصخر. # وعادت الجموع إلى عدن وسبأ وذي النسور وحضرموت بعد أن وزعت الغنائم التي أشرفت عليها ~~الكاهنة الأم الكبرى أو قائدة الجيوش التي كان لها ثلث المشورة، كما هو متفق عليه ~~بالنسبة للكاهنات المحاربات كأثينا في حرب طروادة، والجازية في حروب الهلالية، وهي ~~«البسوس». # وحين مات استدعت البسوس حسان بن أسعد ليكمل مشوار التبع والده ، بضرورة الالتزام ~~بوصيته وهي الذهاب إلى كاهنة «جبل ضهر» وتنفيذ كل ما تشير عليه من مشورة؛ قائلة: في كل ~~ما تشير عليك به كاهنة جبل ضهر اسمع لقولها. حتى إذا ما ذهب إلى كاهنة جبل ضهر بادرته ~~قائلة: لقد تأخرت كثيرا، فقال: عن ماذا؟ قالت: عن حكم حمير، فمن مغارة جبل ضهر هذه ~~خرج سبعة فراعين عظام حكموا مصر، وأجلسته على كرسي من الذهب الوهاج مغطى بالحيات ~~والعقارب؛ قائلة له آمرة: اجلس، فجلس، وأشارت عليه بقتل أول من يصادفه حين خروجه من باب ~~مغارتها خارجا، وكان أول من صادفه هو أخوه الوحيد المدعو «عمرو ذو الأزعار» إلا أنه ~~تردد في قتله وأصابته حمى حاوطته إلى أيام، وما إن فاق منها حتى احتضن أخاه عمرو ووضع ~~خنجره في جنبه وقتله. # وهكذا حكم ذلك التبع حسان اليماني ولقبه ذو اليمنين حمير وتوابعها، واتخذ ~~وزيرا له اشتهر بالحكمة والعدل يدعى «يثرب» فقربه منه إلى أن استقدمه ذات مساء وأنشد ~~قائلا: # يقول التبع اليمني المسمى # بحسان فما للقول زورا # ملكت الأرض غصبا واقتدارا # وصرت على ملوك الأرض سورا # وطاعتني الممالك والقبائل # وفرسان المعامع والنسورا # لقد أخبرت عن بطل عنيد # شديد البأس جبارا جسورا # وقالوا إنه يدعى ربيعة # أمير قد حوى مدنا ودورا # تولى الأرض في طول وعرض # فكم أخرب وكم شيد قصورا # فقصدي اليوم أغزوه بجيشي # وأترك أرضه قفرا وبورا # أسير بهم إلى تلك الأراضي # وأملك للقلاع وللقصورا # ويبقى الحكم لي برا وبحرا # ويصفو خاطري بعد الكدورا # وهكذا أمر ذلك التبع حسان بدق الطبول النحاسية العملاقة المعروفة لدى «تباعنة» ms006 ~~اليمن «بالرجروج» وهو أعظم الطبول، كان يدقه عشر من العبيد الفحول، وهو من صنعة ملوك ~~التباعنة العظام، وهكذا سار بالجيش إلى أن افتتح الشام وفلسطين. # وكما هو معروف تتشابك - أو تتزاوج - هذه السيرة المندثرة على طول البلدان العربية، ~~التي لم أعثر لها على أثر خلال سنوات جمعي للمأثورات الشفهية والسير على مدى أربعين ~~عاما، مع سير أخرى إلا في مخطوطة مكتبة المتحف البريطاني تتشابك مع سيرة أخرى تؤرخ ~~لحرب البسوس القبائلية الشهيرة، التي امتدت 41 عاما على طول ربوع لبنان والشام ~~وفلسطين. # أما الجزء الثاني من هذه السيرة فيتضمن تاريخ آخر التباعنة، وهو الملك ذو اليزن ~~وابنه الملك سيف. # شوقي عبد الحكيم # القاهرة، يوليو 1996 # الفصل الأول # | حروب التبع أسعد اليماني في الصين # حين استشرى السقم والمرض بالملك - التبع - أسعد اليماني، الجد السالف للملك سيف بن ~~ذي يزن، وهو يغزو بجيوشه المتحالفة الجرارة تخوم الصين آثر أمراؤه وقادة فيالقه ~~الاجتماع والتشاور في ذلك المصاب الفادح الذي نزل بملكهم التبع أسعد، ومضى يمتص منه ~~رحيق حياته يوما بعد يوم، حتى إنه لم يعد يقوى على القيادة والمنازلة واتخاذ القرار، ~~ومواصلة الزحف المتلاحق لافتتاح المدن على طول غرب آسيا وأواسطها مرورا ببلاد الهند ~~والسند وأذربيجان والتركستان، إلى أن وصلت جيوشه العربية إلى أعلى تخوم الصين. # وكان لا يكف لحظة عن معتقده الدفين الراسخ المتوارث عن جده الأعلى قحطان. ~~- أيها الرجال، إنكم إن لم تحاربوا الناس حاربوكم، وإن لم تغزوهم غزوكم، لا مكان ~~لمغلوب على ظهر هذه الأرض وما عليها من بشر ودواب. # الآن لم يعد الملك التبع يقوى على مجرد الكلام، بل لقد ثقل لسانه وبردت أطرافه، ~~ولم يعد يشير إلى نبض الحياة فيه، سوى حدقتي عينيه الجاحظتين اللتين تتحركان في ريبة ~~واستطلاع لكل ما يحيط به، وهو راقد على فراشه، حتى لوجهي ولديه «عمرو وحسان». # وإن حدث ونطق لسانه سوءا تعبيرا عن غله وحقده الدفين، نطق باسم ذلك الملك الصيني ~~الذي اتخذه دليلا، يقوده وجنوده داخل مجاهل بلاد الصين، فكان أن ms007 غرر به الدليل الحليف ~~إلى أن أفقده طريقه وهدفه وأضاعه داخل تلك البلاد المترامية، بوهادها وجبالها الشاهقة ~~وأنهارها وصحاريها الجرداء. ~~- ذلك الدليل الآسيوي الخسيس. # ورغم أن التبع حسان، أدرك بنفسه في نهاية المطاف خيانة حليفه، فأوقع به انتقامه ~~على مرأى من قومه وقبائله وزوجاته وجواريه وأبنائه، وذلك بأن استقدمه ذات ليلة وواجهه ~~بادعائه وخداعه، وما انتهى إليه أمر الجيش العربي. # وحين أسقط في يد ذلك الملك الدليل المتآمر، وحاول معاودة الدفاع عن نفسه، استل ~~التبع حسان من فوره خنجره من وسطه وتقدم منه على مرأى من الجميع، واستخرج لسانه من ~~فمه وقطعه عن آخره بخنجره المشرع. ~~- الآن أريحك من هذا اللسان الكاذب. # ولم يكتف بهذا، بل إن التبع اليمني سجنه داخل محفة أو قفص من الفولاذ للحكم وأمر ~~حرسه وحجابه بوضع القفص إلى جانب قاعة عرشه، وهو بداخله حي يرزق يرقب ويعي ما يحدث من ~~اجتماعات وخطط - كما كان في السابق - دون أن ينطق بكلمة ... بحرف. # ومن هنا اكتفى الملك أسعد بمراقبة تعبيرات وجهه وهو يسمع ويرى مسار الخطط الغازية ~~لبلاده، دون أن يقوى على النطق والحركة، بعدها ساءت حالة الملك وحل به السقم هو بدوره، ~~من صديقه الصيني، الحميم الذي أولاه كل ثقته، ولم يحصد منه سوى الخيانة والمرارة ~~والضياع في مجاهل هذه البلاد سنوات طويلة. ~~- أهكذا يصنع بالصديق! # فكثيرا ما كان التبع أسعد يمضي يشاركه طعامه وشرابه وحدهما داخل قاعة عرشه، كما ~~كانا سابقا، وقبل افتضاح أمره، طارحا عليه كل ما يعن له من أمور حقيقية؛ سائلا: ما ~~رأي صديقي؟ # متلقيا إيماءاته من داخل سجنه وأصفاده متلمسا بنفسه صحة أقواله أو إيماءاته مدركا ~~خسيسها من أصيلها، وله طبعا القرار الأخير. # فحتى الخرائط ومسار المعارك ومعالم الطرق والمسالك والبلدان، كان يدفع بها إليه، ~~طالبا مشورته وإشارته. ~~- لعلني أصبحت أعرفك أكثر فأكثر عن طريق اكفهرارك قبل لسانك أيها الصديق الوفي ~~الأخرس. # ويبدو أن كل ذلك، لم يكف غليل التبع أسعد، وهو الذي أخلص له، منذ أن جاءه مخلوعا ~~ذليلا ينزف ms008 كمدا مما فعله به ملوك الصين، فكان أن احتضنه ورد إليه ملكه وكامل سلطاته ~~وممتلكاته وبلاده، وقربه منه السنوات الطوال قبل أهله وعشيرته ومستشاريه ورءوس القبائل: ~~بل وحتى ولديه عمرو وحسان. # إلى أن تكشف له وجهه؛ وجه الصديق الذي قاده إلى متاهات الصين، كمثل غريق، تودي به ~~رياح السموم الهوجاء إلى الغوص في رمالها، هو وجنوده وقادة فيالقه بل وأربعة أمراء من ~~أبنائه، فلذات كبده. ~~- أهكذا يصنع بالصديق؟ # حتى إذا ما استفاق التبع المتجبر الغافل لما حل به، واستدار مستطلعا وجه الصديق ~~الحليف الدليل، كان قد أضاع أخلص رجاله وجيشه وأولاده الأربعة. # وهكذا حطت عليه الهموم الثقال، فكان يأمر حجابه بإحضار رءوس أبنائه الأربعة على أربعة ~~أوعية على شكل صوان مصاغة من الذهب الإبريز ومغطاة بالرماد الذي تعتليه الرءوس باكيا ~~متحسرا على مرأى من الصديق: وا ندماه! # وهكذا تهاوى التبع أسعد نهبا لأحزانه الدفينة، حتى إنه - وعلى حد قول المقربين ~~منه، ومنهم ما تبقى من ذريته، عمرو وحسان - لم يعد يقوى على إتيان الفعل ~~ومعرفته. ~~- أين نحن؟ # ومن هنا جاء اجتماع الأمراء التسعة الذين كانوا تحت إمرته، مطالبين بضرورة عمل شيء ~~للخروج من ذلك المنزلق القاري الذي لا قبل لهم به، ولو استدعى الأمر ضرورة الانسحاب ~~والعودة إلى ربوع اليمن، ما دام الملك - الغافل - أصبح لا يعي مجرد موقع جيشه من بحار ~~بلاد الصين المتلاطمة، وما دامت الخسائر أصبحت تلاحقهم من كل حدب وصوب، «بل وتنشق الأرض ~~عليهم انشقاقا كل مطلع فجر وغروب.» # حتى إذا ما استقر رأي الأغلبية على ضرورة الانسحاب والعودة إلى جزيرة العرب وربوعها ~~شمالا وجنوبا، لم يجد ولداه - عمرو وحسان - بدا من تأييد قرار العودة، ودون حاجة ~~لأوامر التبع السقيم المريض. # فالأكثر حكمة في مثل هذا القرار، هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مغانم تلك الحروب ~~القارية التي طال أمدها في ربوع آسيا الوسطى والأناضول حتى مداخل الصين، والعودة بها ~~إلى اليمن وجزيرة العرب. # كما أن الأكثر أهمية هو تقبل الأمر الواقع باحتضار «التبع المتجبر» لدفن ms009 جثمانه ~~واقفا أو منتصبا حسب وصيته بين رفات أجداده التباعنة، كما أشار في وصيته. ~~- لا تضجعوني فيضطجع ملككم، بل ادفنوني واقفا ليظل ملككم ~~شامخا. # ومن هنا أعدت المراكب تمهيدا لرحلة العودة إلى ربوع جزيرة العرب وموانئها ~~البحرية، فسيقت وحملت الغنائم والأسلاب، وحمل التبع الراقد بعرشه ورءوس أبنائه ~~القتلى وأسراه، وسجينه الملك الآسيوي مقطوع اللسان إلى ظهر السفن دون إعلامه «بقرار ~~العودة والاندحار المفاجئ.» # وأقلعت السفن عائدة باتجاه المحيط الهندي وبحر العرب، يسبقها الرسل إلى ربوع الجزيرة ~~العربية وكياناتها شمالا وجنوبا، إلى حضرموت وعدن وسبأ والحجاز وذي نسور. # فأقيمت الأفراح والزينات لاستقبال الرجال من المحاربين وعلى رأسهم التبع اليمني ~~الغازي أسعد وولداه عمرو وحسان. # وهكذا أفلح الجميع في إخفاء تحركات الجيش المنسحب العائد عن التبع القائد رأس ~~التحالف القبائلي العربي، إلى أن حطت السفن رحالها على شواطئ بحر العرب، وخرجت الجموع ~~المنتظرة من زوجات وأمهات وأبناء وعجائز لاستقبال الرجال العائدين، حينئذ أدرك ~~التبع الراقد ما حدث. # فما كان منه إلا أن حل وثاق صديقه وأسيره الملك الآسيوي مقطوع اللسان وأكرم وفادته هو ~~وأهل بيته. ~~- أنت الآن ضيفي، أيها الصديق. # وما إن انتهت مراسم توزيع الغنائم وأسلاب الحرب الطويلة المضنية على رءوس القبائل ~~والعشائر والكيانات المشاركة التي أشرفت عليها الأميرة «البسوس» أخت التبع المريض، ~~حتى تفاقمت حالة الملك الصحية. # حتى إذا ما أدرك هو بدوره - أي التبع - مدى اقتراب منيته، استدعى ابنه الأكبر ~~حسان، ومضى يتطلع في وجهه طويلا مسرا إليه في ضعف بوصيته الأخيرة قائلا: اذهب إلى ~~جبل «ضهر» بالقرب من صنعاء وأطرق باب سيدة الجبل بكهف «بنور»، وأبلغها باقتراب منيتي ~~وموتي. # تنهد التبع طويلا في إعياء، وهو يجاهد في إطلاع ابنه الأكبر حسان اليماني على ~~وصيته الأخيرة، وكان قد اصطفاه ليخلفه على عرش التباعنة - ملوك اليمن العظام - من ~~بعده: لا تخبر أحدا بما تسمعه أذناك مني، قبل أن تجتمع بسيدة جبل ضهر. # أشار مهددا بطرف إصبعه: وفي كل ما تقوله لك، اسمع لقولها. # بدا وجه الملك التبع الوالد أسعد، لابنه ms010 حسان واهنا متحسرا كئيبا تحت أنوار ~~الشموع والقناديل. # ظهر له كمن يندب حاله وانقضاء أجله وهو يتمتم لنفسه: كل شيء احتلنا عليه، إلا الموت ~~غلبنا. # وحين حاول حسان الاقتراب أكثر لإراحة رأس أبيه، اعترضه الأب مشيرا عليه بلهجة ~~التأكيد: اسمع لقولها. # وهو يعني بذلك سيدة جبل «ضهر». # أومأ حسان لوالده منسحبا، مستديرا باتجاه باب القاعة، لتقع عيناه على شقيقه الأصغر ~~«عمرو» الذي بدا مأخوذا مكفهرا من هول احتضار الوالد التبع. # توقف حسان في مواجهته كمن يستطلع تعبيرات وجهه قائلا لنفسه: «أتراه كان يسمع متلصصا ~~ما جرى بيني وبين أبينا.» # وحين حاول عمرو الإفلات من نظراته والدخول مستطلعا حالة أبيه، اعترضه حسان مستديرا ~~مشيرا إلى غطيطه الذي ارتفع شخيره قائلا له: دعه ينام. # وهنا اندفع الأمير حسان كالتائه الغائب عن وعيه، من هول تلك اللحظة التي كأنها دهر ~~بحاله، والتي أنصت فيها إلى وصية والده «التبع المتجبر» متجولا وحده داخل ردهات ~~القصر الشاهقة، مبعدا عنه كل من حاول الاقتراب منه مستفسرا عن حالة الملك من أمراء ~~وشيوخ قبائل ومستشارين. # كان كل ما يشغل بال حسان ويستولى على كل فكره وخلجاته، تلك المهام الجسام التي ستلقى ~~على كتفيه والتي تتهاوى تحت ثقلها هامات أعلى الجبال قبل الرجال، وهي أن ينام الليل ~~ويصحو، آخذا مكان أبيه في قيادة تلك الجموع المتنافرة، من قبائل وأقوام، وأن يقتل ~~ويغتال في وضح النهار دون أدنى رحمة. # تساءل: كيف؟ # وهو الذي حاول جاهدا طويلا الابتعاد عن شهوة الحكم والتسلط، منشغلا بقراءاته ~~وأسفاره البعيدة، لكن دون طائل. # أعاد مسترجعا كلمات أبيه، وذلك الوجه القبيح الكئيب، لسيدة جبل ضهر، كيف له أن يسلم ~~أمره أو قياده لامرأة متوحشة قاسية الملامح، تقبع داخل كهفها أو جحرها كمثل حية رقطاء، ~~«تتغذى بمخ البشر»، كما يقولون. # وكيف له أن يتقبل وصاياها ونصائحها. ~~- كارثة. # وقبل أن يفيق حسان من طلاسم أفكاره كانت الأصوات النائحة قد ارتفعت من كل جنبات القصر ~~تندب موت والده التبع أسعد. # وعلى الفور دوى قرع الطبول العملاقة من خارج ms011 القصر وأعلى سفوح الجبال المحيطة معلنة ~~موت الملك التبع أسعد، وكان صدى دوي الطبول يتردد في كل مكان كالهدير. # وسرى الخبر كالنار في الهشيم من مدينة إلى أخرى، ومن مضارب قبيلة إلى ما يجاورها، ~~فارتفعت أصوات النساء النائحات وعقدت اللقاءات بين شيوخ القبائل وأمرائها، وارتفعت ~~أصوات المنشدين بالأشعار الجنائزية التي تتحدث عن مآثر التبع الراحل وطموحاته ~~وفتوحاته التي لم تفت في عضدها سوى الخيانة التي تعرض لها من ذلك الدليل الآسيوي، بل ~~لقد وصل الحماس والحنق ببعض الأمراء وشيوخ القبائل، إلى حد المطالبة بإحضار ذلك الدليل ~~الآسيوي - مقطوع اللسان - والانتقام منه علنا وعلى رءوس الأشهاد. ~~- اقتلوه، اقتلوه! # وهنا تدخل الأمير الوريث «حسان» حائلا في حزم من وصول الجموع الثائرة التي امتلأت ~~بها ساحات القصر إلى مطمورة ذلك الدليل الآسيوي لتصب عليه نقمتها دون رحمة؛ صارخا بها: ~~ارجعوا، حذار. # فما فائدة الانتقام؟ بعدما نفذ المكتوب وأصبح الملك التبع جثة مسجاة ستوارى ~~الثرى بعد لحظات. # بل إن الأمير حسان عاد مذكرا الجموع المتزاحمة الغاضبة بمدى ما لحق بذلك الدليل ~~الآسيوي سلفا من عقاب، مشيرا إلى إقدام والده الراحل على جز لسانه في إحدى نوبات غضبه ~~منه، صارخا: يكفي الآن ما هو فيه، أما الآن فهو ضيف حمير، أتسمعون! # الفصل الثاني # | وصية كاهنة الجبل # اتخذ الملك التبع الجديد حسان وجهته ذات مساء إلى جبل «ضهر» مكدودا نهبا لخواطره ~~المتضاربة، كانت أضواء المصابيح والشموع المشعلة تضيء سفوح الجبل العملاق، الذي تغطت ~~متعرجاته وسفوحه وتضاريسه بالمضارب والخيام، يؤمها أتباع تلك السيدة - سيدة الجبل - من ~~مرضى ومجاذيب ومعلولين. # وكانت جوقات الغناء الجماعي ذات المسحة الدينية الشعائرية تعلو من هنا ومن هناك، وهم ~~يستخدمون في غنائهم وإنشادهم إيقاعات الدفوف الطاغية المثيرة لكل المشاعر الجسدية؛ حيث ~~تتمايل عليها الجموع ميمنة وميسرة في غياب كامل عن كل وعي، وهي الجموع من سكان ذلك ~~الجبل، من فقراء وأتباع ومعلولين ومشعوذين ودراويش ومرضى. # وما إن واجه حسان الجبل، حتى توقف بحصانه، لا يعرف أي المسالك يسلك، وأخفى من فوره ~~وجهه بشاله ms012 مبعدا ملامحه عن العيون المستطلعة وأطلق العنان لحصانه راكضا من حول الجبل ~~المائج بالحركة والغناء والحياة. # استوقفته في بعض الأماكن أصوات ذلك البكاء والعويل على أبيه التبع الراحل مشيرين ~~إلى فرسه الحمراء: # كأنك «يا حمرا» بتصيري # تحت رياح الندابات # غاب اللي يعرف مقدارك # يملأ لك لحد عبارك # وإن خست من القمح يزيدك. # وما إن تلمس طريقه المؤدي إلى حيث مغارة تلك السيدة المنتشية بالدم، حتى مضى من فوره ~~صاعدا لا يلوي على شيء، إلى أن توقف مستطلعا ودخل المغارة الموحشة الحجرية، المحاطة ~~بالتماثيل الرخامية والمرمرية العملاقة، كمثل معبد شاهق. # ترجل عن حصانه، وتقدم منه على الفور من اقتاد الحصان إلى طاولته وربطه مقدما له ~~الطعام في صمت وقور. # واستغرق التبع حسان طويلا في تأمل تلك المنحوتات التي صيغت من نفيس الأحجار ~~الصلدة نصف الكريمة، لمعبودات وثنية ورموز وأشخاص، تعرف فيها على جدوده التباعنة ~~اليمنيين الذين حكموا طويلا تلك البقاع، تعرف على «شداد بن عاد الكبير» وعلى «يشجب بن ~~يعرب بن قحطان»، وعلى الكثير من تماثيل والده التبع أسعد بالذات. # ودمعت عيناه حين شاهد منحوتات إخوته الأربعة الذين أودت بحياتهم تلك الحرب الأخيرة ~~المشئومة في ربوع الصين والشرق الأقصى، فكان موتهم السبب الرئيسي فيما حل بأبيه من ~~أحزان ثقيلة عاتية، أنزلت ببصره وجسده السقوم، خاصة حين كان يجيء برءوسهم - المحنطة - ~~المحفوظة، على أوعيتها الذهبية، ويتأملهم في حسرة نادما باكيا، الليلة بعد الأخرى، ~~حتى إذا نام تحاصره الأحلام والكوابيس دون مهرب، واشتدت عليه أحزانه وأسقامه حتى أودت ~~بحياته قبل الأوان. # وتهاوى حسان جالسا، وهو يرقب منزلق ذلك الجبل الهائل الذي تبدت له نيرانه المشتعلة ~~على طول سفوحه وأخاديده كجمر هائل متقد. ~~- يا لها من ليلة ... جحيم! # غمغم لنفسه مكتئبا آخذا رأسه بين ساعديه الاثنتين في حيرة: الجحيم بعينه؛ حكم ~~حمير. # وكان قرع الدفوف العملاقة وأنين الرباب يصم أذنيه الاثنتين، وبدا المكان موحشا إلى ~~حد دفع به دفعا إلى تحسس حسامه وخنجره، تأهبا للدخول. ~~- تلك المرأة اللغز! # طالعته من جديد منحوتات إخوته الفرسان ms013 الأربعة الذين التهمتهم نيران الحرب الأخيرة ~~المسعورة الواحد عقب الآخر، كمثل عقد منفرط. ~~- الرحمة! # وما إن تحرك منفلتا داخلا إلى أغوار ذلك الكهف الرطب، حتى طالعته صورته المنعكسة ~~على جدرانه الحجرية المشطوفة التي صيغت من نادر الأحجار الملونة والنفيسة، ما بين ~~المرمر الأملس كمثل مرايا عاكسة، واليشب والعقيق والسليماني والياقوت الشديد ~~الاحمرار. # تبدى له وجهه وهيئته منطبعة عبر مئات المستنسخات، التي لم تكن أبدا تعكس حالته ~~الآنية ، بل عبر آلاف مؤلفة من الانفعالات والتبديات التي لم يكن يعرفها أو يشهدها من ~~قبل في نفسه. ~~- غرائب! # وسريعا ما انفتحت تلك المغارة المتعرجة المسالك والدروب التي تغطت جدرانها بالرءوس ~~البشرية الحقيقية المسمرة بالجدران، والتي لا يزال بعضها يقطر بما يشابه الدم الأحمر، ~~كما لو أن حادث قتلهم قد وقع لتوه، غمغم حسان لنفسه؛ متسائلا: أسرى! # بل إن أصوات العواء والنحيب والتوسل، من داخل ردهات الكهف ذاته وصلت مسامعه، طاغية ~~على أصوات الدفوف العملاقة الخارجية. # توقف ملتاعا مأخوذا، إلى أن جاءه صوت المرأة. ~~- حسان؟! ~~- أجل! ~~- تأخرت طويلا! # اندفع داخلا لا يلوي على شيء، إلى أن وجد نفسه داخل بهو فسيح لا يحده البصر، أحالته ~~ألسنة النيران العملاقة إلى نهار جلي واضح المعالم والتفاصيل. # وفي آخر المكان انتصبت المرأة كمثل عملاق وقد تناثرت جدائل شعرها العسجدي الضارب إلى ~~الحمرة حتى ليكاد يغطي جسدها كله، واقفة على شبه درج يقود إلى عرشها الباهر الذي لا يقل ~~كثيرا عن عروش التباعنة ذاتهم، بيدها مغرفة، ومن هنا وهناك تخالطت روائح الشواء ~~مع البخور المعبق داخل المكان. ~~- أقول تأخرت كثيرا. # نطق سائلا: تأخرت عن ماذا؟ # أجابت بصرامة: عن حكم حمير. # قال: أنا الآن تبع حمير. # عاجلته نازلة عن صرحها في حزم: لن تحكم حمير إلا إذا سمعت كلامي ونفذته بكل دقة يا ~~حسان بن أسعد. # وما إن اقتنصت عيناها الواسعتان عينيه في وقفته حتى اعترته رعدة هائلة من قمة الرأس ~~حتى أخمص القدم. ~~- تعال. # تقدم منها طائعا كمثل منوم، إلى أن توقف مطرقا وهي تسر إليه: تذكر جيدا ms014 أنه من هنا، من مغارة جبل ضهر «خرج سبعة فراعنة عظام حكموا نيل مصر ~~وديارها.» # أصم العواء الطاغي الذي لم يكن يعرف له مصدرا أذنيه من جديد. ~~- أحقا!؟ # وحين قاربته المرأة أحس دفئا يشيع في جسده وأطرافه، وأحس بها مثيرة في فرائها الأحمر ~~القاني محاطة بألسنة لهبها وطلاسمها. ~~- اجلس. # أشارت إلى كرسي بديع التكوين جانبا، وهاله أن الكرسي يعج بمئات الثعابين والحيات ~~المنتصبة على قوائمها، وقد انفتحت أفواهها وحلوقها، وتمددت ألسنتها، كمن تعاني جوعا ~~هائلا منذ دهر. ~~- اجلس. # تراجع مأخوذا من هول المفاجأة غير المتوقعة التي واجهته بها تلك المرأة الدموية ~~اللغز. ~~- أين؟ ~~- هنا على كرسي التباعنة العظام. # استدار من جديد مبتعدا متحسسا مقبض سيفه، في ذات اللحظة التي خطت فيها المرأة جالسة ~~بكل ثقلها على الكرسي نفسه وفوق رءوس الحيات الجائعة الزافرة، التي خف فحيحها مستحيلا ~~إلى مثل خوار خافت. ~~- اسمع جيدا ما أقول يا حسان بن أسعد. # جاءه صوت أبيه المحتضر محذرا بطريقة لم يعهدها من قبل فيه، وكانت تلك آخر ~~كلماته. ~~- في كل ما تقول لك سيدة الجبل، اسمع جيدا. # تساءل غير مصدق: ماذا يحدث؟ # عم صمت طويل، بدا فيه وكأن المرأة - الكاهنة - تستعرض أمامه قدرتها المعجزة غير ~~العادية في الجلوس على الكرسي المليء بالحيات أمامه وأكداس حليها الذهبية اللامعة، تضوي ~~وتلمع كمثل جمر متقد على أسطح جسدها البرنزي القائم. # جيدها، ذراعاها، خلاخيلها. # بل إن ما ضاعف من اندهاش التبع حسان، هو استسلام تلك الحيات منتصبة الرقاب، فاغرة ~~الأفواه لجلستها على هذا النحو المشع بكل جسارة وتحد. ~~- ماذا يحدث؟ # تساءل بينه وبين نفسه، في ذات اللحظة التي اعتدلت فيها المرأة على ذلك الكرسي - ~~المرعب - الذي ادعت منذ هنيهة بأنه «كرسي التباعنة العظام»، وأنه ما من حاكم ~~لحمير، توانى عن الجلوس عليه على ذات رءوس الثعابين والحيات. ~~- اسمع جيدا لما أقول. # من جديد اختلط صوتها، بوصية أبيه الواهنة له، والتي ربما كانت آخر ما نطق به من كلمات ~~قبل أن يغمض عينيه، تائها في غيبوبة احتضاره إلى أن ms015 تلاشى عن الوجود. ~~- في كل ما تقول لك سيدة جبل ضهر، اسمع لقولها. # مضت توغل في تأمله طويلا صامتة، ومتشاغلة بتلميس رءوس حياتها بكف يدها، في ~~حنو. ~~- تقدم يا حسان بن أسعد. # انتصبت من جديد واقفة متجهة إليه جاذبة في شبه أمر. ~~- اجلس، قلت اجلس! # تهاوى من فوره جالسا على الكرسي الذي تهاوت رءوس ثعابينه متراجعة مستسلمة منكسرة، ~~بينما دفعت له المرأة بإناء ليعب ما به من شراب. ~~- اشرب. # وقبل أن يفرغ الإناء في جوفه عاجلته؛ قائلة: اقتل من فورك أول من تصادفه، حالما تتخلى ~~عني خارجا من هذا المكان. # انسل حسان ينزف عرقا، مستندا بجدران المغارة، بينما طالعته صور وجهه على الأحجار ~~البلورية، أكثر وحشة وتشويها، حتى إذا ما قارب مدخل المغارة، استل من فوره خنجره من ~~غمده متقدما من أول من صادفه متسللا داخلا. ~~- من؟! # ووصلت دهشته أقصى مداها حين ارتفع ساعده مشيرا محذرا صارخا: أنا عمرو ... أخوك ... يا ~~حسان ... احذر! # اندفع منسلا خارجا باحثا عن حصانه ملقيا بجسده بكامله فوقه، مطلقا له أقصى عدوه ~~نازلا عن ذلك الجبل المشئوم، بينما طرقات الدفوف العملاقة تحاصر سمعه، كمثل طبول رجروج ~~أو طبول حرب همجية مستعرة. # ما إن أفاق حسان من تلك الزيارة - الكابوس - وأحداثها، تنفيذا لوصية أبيه التبع ~~الراحل، حتى غمغم طاردا عنه تصوراته وهواجسه المرعبة السوداء. ~~- لا، لا. # حتى اندفع داخلا عابرا ردهات قصره باتجاه غرفة نومه ملقيا بنفسه بكامل ملابسه ~~ودروعه على فراشه محموما مغمغما: أقتل آخر من تبقى من إخوتي عمرو شقيقي، حدقة ~~عيني؟! # تسللت إليه ابنته الوحيدة المقربة «تدمر» التي اعتاد استشارتها في كل صغيرة وكبيرة، ~~فجذبها في حدة محتضنا إياها مسرا إليها بأحداث تلك الزيارة الموجعة التي نفذها بكل ~~الدقة حسب وصية الوالد الراحل، إلى أن وصل بها إلى جد إقدامه - منذ هنيهة فقط - على قتل ~~أخيه الوحيد الحبيب «عمرو». ~~- لا، لا، لن أفعل وليذهب عرش حمير إلى الجحيم. # انفلتت ابنته «تدمر» من بين أحضانه وهي تخفي عينيها بأناملها العشر، كمن لدغ مانعة ~~شرا ms016 جائعا. ~~- عمرو، عمي، لا. # هبت من فورها مبتعدة، إلى أن استدارت سائلة والدها: هل كانت «السيدة» على علم بموعد ~~قدومك إليها؟ ~~- أبدا، لا أحد يعرف، حتى أنت يا تدمر، فأنا لم أخبر أحدا إطلاقا هذا ~~النهار. # واجهت تدمر الجدار وهي تدقه بقبضتها في عصبية. ~~- وما الذي أتى بعمرو تلك الساعة؟ ~~- لا أعرف. # عم صمت ثقيل داخل المخدع. # وحين تناهى إليهما - حسان وابنته - سماع اقتراب أصوات خارجية وحفيف أقدام زوجته ~~وجواريها، اندفعت تدمر من فورها خارجة مغلقة باب المخدع، مانعة الجميع، حتى أمها، من ~~الاقتراب من غرفة الوالد التبع، وهو على تلك الحال؛ نهبا لهواجسه التي تطحن رأسه، ~~صارخة في صرامة: أبي ليس مريضا ولا شيء من هذا، لكن حذار من الاقتراب الآن! ابعدوا ~~جميعا. # عادت من فورها، إلى حيث أبيها المتوعك الذي من فوره مضى متقلبا على فراشة، كمن يعاني ~~ألما معويا يمزق أحشاءه. ~~- ابعدوا الآن. # اندفعت تدمر جارية باحثه عن طست وإبريق الاغتسال المصاغ من الذهب الإبريز، دافعة به ~~تحت ذقنه وفمه لتلقي «القيء» الذي تزاحم في حلقه وفمه مسترجعا. ~~- شربت من يدها، لا أعرف ماذا شربت من يد تلك السيدة المرعبة. # عاد الملك يتلوى من جديد معاودا القيء وكأنه يستخرج أحشاءه عن آخرها. ~~- علقم! # جرت تدمر باحثة عن قطعة من الليمون ولما لم تجد. ~~- ليمونة، ليمونة. # اندفعت متجهة إلى الباب المفضي إلى المطبخ الملحق بالمخدع، ومرة أخرى عادت تصرخ في ~~وجه كل من حاول الاقتراب من غرفة أبيها: حذار، الليلة، أبي ليس مريضا، ابعدوا. # عادت إليه بعصير الليمون وبعض الأعشاب فتناولها التبع شاربا، مكوما كل وسادات ~~المخدع من فوق رأسه ووجهه الغارق في بحار العرق، لإيقاف الصداع والألم، وسرعان ما علا ~~غطيطه وصراخه: لا. # ما إن أفاق الملك - التبع - الجديد حسان بن أسعد اليماني، من كابوسه ومرضه وما ألم ~~به عقب زيارته المشئومة لمغارة سيدة جبل ضهر، تنفيذا لوصية والده الراحل، حتى مضى من ~~فوره مستشيرا أصدقاءه ومقربيه وكل من يثق فيه من قريب أو بعيد بما أشارت ms017 به تلك المرأة ~~الطاغية. ~~- ماذا أفعل؟ # هل أنفذ الوصية؟ # أأقتل أخاي عمرو؟ # أنفذ الوصية! # مستحيل، مستحيل، لن يحدث أبدا. ~~- ماذا في أيدينا، لا مهرب، إنها الوصية. ~~- الوصية ... أخي ... لحمي. ~~- الوصية. # حينئذ استبد الجنون بالملك الذي أخذ منه الخوف والفزع كل مأخذ ليس فقط من الوصية ~~والجلوس على رءوس الأفاعي الكاشفة عن أنيابها، بل من كل ما أصبح يحيط به، وما هو مقبل ~~عليه، وتلك المهام الجسام، التي وجد نفسه فجأة مطالبا بها، منذ رحيل والده التبع ~~أسعد عقب كارثة ضياع جيشه وتيهه في ربوع الصين. ~~- أخي. # كان يمضي متفرسا في الوجوه المحيطة به، التي تدفع به دفعا، إلى حيث هوة الانتشاء ~~بالدم، ودم من، آخر من تبقى من إخوته الخمسة، وبعد أن فقد إخوته الأربعة الذين التهمتهم ~~الحرب المستعرة في أقاصي المعمورة. # هنا يحل الصمت بالجميع وكأنهم يتخلون عنه، لائذين بذلك الصمت المستسلم الكتوم ~~المتآمر. # وحتى ابنته المقربة «تدمر» وعمته «البسوس» لاذتا كلتاهما بذات الصمت المطبق دون نطق ~~أو محاولة مد يد العون لغريق يهذي وحده على مرأى من الجميع. # وكأن الأمر لا يعني أحدا غيره، وهو الذي ما زال ينزف ليل نهار باكيا افتقاد إخوته ~~الأربعة. # وظل حسان هكذا أياما امتدت لشهور لا يذوق للنوم طعما، بل بدا هزيلا إزاء مهماته ~~كتبع وريث لعرش التباعنة القساة القلوب والسواعد والأطماع. # هكذا بدا حسان في نظر نفسه وسيدة «جبل ضهر» التي لها على الدوام الكلمة العليا، على ~~حد قول والده تبع أسعد، قبل أن توافيه منيته. ~~- في كل ما تقول لك سيدة جبل ضهر، اسمع لقولها. ~~- كيف ... أخي؟ # وتعمد حسان عدم الالتقاء بأخيه عمرو، والتطلع في حدقتي عينيه كمثل مذنب أثيم، بعد أن ~~صادفه للحظة على عتبات مغارة جبل ضهر، إلى أن حانت لحظة التقائه به حين تسلل إليه عمرو ~~بنفسه عن طريق عمته البسوس التي لم يكن يرجئ لها مطلبا. # فتقدم منه عمرو متضرعا معاتبا في حنو؛ سائلا: لماذا تخفي نفسك عني، هل حدث مني ما ~~يسيء يا أخي حسان؟ ms018 # فما كان من حسان إلا أن انتفض واقفا معانقا شقيقه الأصغر، متحسسا بيده اليمنى مكمن ~~خنجره. # متراجعا: حبيبي عمرو، أنت في عيني، أنت حدقة عيني. # بل إن حسان أثقل على عمرو بالرجاء في أن يتقدم ليأخذ مهام الملك الجديد بدلا ~~منه. # عندئذ بكى عمرو على صدر أخيه الأكبر حسان أحر البكاء وأشقه، متصورا أن أخاه الأكبر ~~إنما يفتقد ثقته ويتخيله طامعا في حكم حمير، وهو الذي يحفظ له كل تقدير وإعزاز مدى ~~العمر. # وحاول حسان جاهدا إفهام أخيه ثقل ما هو فيه وما يجثم على كاهله، ولكن دون جدوى إلا ~~أن «عمرو» بدا كمثل ضحية وديعة مستسلمة تأخذ طريقها إلى محرقتها صاغرة. ~~- أنت أخي ... أخي. # وتعقد الموقف بين الشقيقين، وهو الموقف الذي كانت عمتهما «البسوس» تنتظر نتائجه بفارغ ~~الصبر، من خلف خبائها داخل أستار قصرها الذي جرى فيه اللقاء بين الملك حسان وأخيه ~~الأصغر. كانت البسوس مثلها مثل سالف التباعنة لا شيء يعنيها في ذلك العالم الواسع ~~سوى الاستبداد وغاياته في حكم تلك القبائل المترامية على شواطئ الخليج العربي والجزيرة ~~واليمنين. # وهكذا فشلت خطتها هذه المرة أيضا في استعجال وحسم أمر «تاج حمير» الذي لن يكتمل ~~نصابه إلا عقب الالتزام بالوصية، مهما ثقلت المهام إلى حد إراقة الدم الواحد، وهي التي ~~كان يروق لها أحيانا إشعال نيران المحارق في الأجساد من بهائم وطيور وبشر. # كانت البسوس أو سعاد التي تعرف بأسمائها المتعددة، قد آثرت في سنواتها الأخيرة التفرغ ~~الكامل لرعاية شئون عرش «التباعنة» وما يتطلبه ذلك من تدخل في أدق المشاكل ~~والقضايا التي لا تنقطع، كتلك التي عادة ما تنشب وتستجد بين القبائل والعشائر والبطون ~~والأقوام المترامية على طول الجزيرة العربية شمالها وجنوبها، والتي يضمها ذلك التحالف ~~القبائلي الحميري أو القحطاني. # ومنذ شبابها المبكر كانت شديدة الحماس حفاظا على تقاليد عرش التباعنة؛ لذا آثرت ~~رغم زواجها من أحد أمراء بلاد «السرو وعبادة»؛ أي «الأردن اليوم» واسمه «سعد»، ~~وانتقالها منذ البداية للعيش في بلاده، والعودة معا للعيش في سبأ، بعد أن ms019 شق عليها ~~الابتعاد عن متابعة ما يستجد من مشاكل حكم حمير وصراعات أقوامها، وفي البداية رفض ~~زوجها «سعد» مطلبها ذاك وهو الانتقال ببيته وكيانه وممتلكاته للعيش في وطن الزوجة، إلا ~~أن مرضا ثقيلا ألم به فجأة في السنوات الأخيرة التي سبقت وفاة أخيها التبع أسعد، ~~عقب كارثة تشتيت جيشه في ربوع الصين. # هنا استسلم لها الزوج واستجاب لأطماعها ومنطقها في رعاية شئون حكم حمير بعد موت ~~التبع ، فوافق على الانتقال معها إلى سبأ والعيش بها، ووصل الاندهاش - بالعمة - ~~البسوس أقصى مداه، وهي ترقب من خلف ستائرها وخبائها، ما يحدث بين الأخ وأخيه من ~~تعاطف. # وأفزعها أكثر ذلك التراخي الذي يبديه الأخ الأكبر حسان نحو أخيه الأصغر محتضنا إياه ~~مارين على طول ردهات القصر، في ذلك الأصيل الذي بدت فيه الشمس الغاربة، عبر الشرفات ~~والنوافذ، قانية الاحمرار كمثل جمر نار متأجج. # وأدهشها ضعف حسان وهو يتوسل إلى شقيقه الأصغر «عمرو» في التقدم ليأخذ مكانه ويعتلي ~~عرش «التباعنة» معبرا بكل جوارحه عن شقائه وما أصبح يعانيه من آلام ليس في مقدوره ~~احتمالها. ~~- أنت أخي. # غمغمت البسوس وهي تفح في غل: عشنا وشفنا. # قالت لنفسها: أعلى هذا النحو من الرقة والسماحة يجيء تبع حمير، المنتظر! # وواجهته البسوس بهذا القول - المزري - ساخرة إلى حد أن حسان انسل خارجا من قصرها دون ~~رجعة. ~~- عمتي، اتركيني. # واستبد بالبسوس الغضب من تصرفات ابن أخيها حسان على هذا النحو - الحنون - الأرعن، حتى ~~إنها لم تحاول أن تثنيه عن عزمه في الخروج من قصرها رافضا غاضبا على هذا النحو، وكل ~~ما قالته له هو: انتظر، أنت ملك حمير. # وهي التي ما دبرت هذه الوليمة التي استدعت إليها - الضحية - أخاه الأصغر عمرو، إلا ~~بناء على طلب، كليهما، من قاتل وقتيل إن صح القول. # خاصة عمرو، الذي أصبح في أيامه الأخيرة يعاني وحدة قاسية أقرب إلى الذنب من إشاحة ~~أخيه الأكبر عنه على ذلك النحو. # وهو - أي عمرو - الذي اتخذه على الدوام صديقه ومثله الأعلى، وكان أكثر أهل حمير ~~حماسا وتوقدا ms020 بتنصيبه ليعتلي عرش «التباعنة» مكان أبيهما الراحل أسعد. # بل وحتى عندما حاول الأخ الأصغر عمرو اللحاق بأخيه، وقبل وصوله إلى ركبه عند ~~البوابة الخارجية، منعته عمته البسوس محتضنة إياه وهي تداعب بأناملها خصلات شعره الفاحم ~~المجعد. ~~- ارجع يا عمرو يا حبة عيني. # فلم تكن البسوس تكن كرها أو حقدا للأخ الأصغر، بل هي الوصية. ~~- أنا لن أرتقي يوما حكم حمير. # هكذا صرخ في لوعة. # فالأمير الصغير الهائم دوما عمرو، كان على الدوام الأكثر قربا من البسوس، أرضعته ~~صغيرا إلى أن شب ونما بين صدرها وجوانحها تحنو عليه الليل بطوله. ~~- الوصية! # بكت بين ساعدي عمرو، الذي بدا لها - على عادته - تائها لا يدري ما يجري ويحدث من ~~حوله منذ افتقاد التبع الأب. ~~- ما الخبر؟ ألعلني آخر من يعلم؟ # حاول ثانية الانفلات من عمته البسوس وابنة أخيه «تدمر» والجميع. ~~- ماذا دها أخي حسان؟ سأذهب إليه الليلة بقدمي هاتين. ~~- لا يا عمرو. ~~- لماذا ... تمنعونني عن أخي ... صديقي؟ # مضى عمرو في انفعاله وثورته يتطلع إلى الوجوه المشدوهة من حوله دون أن يعي ما يعتري ~~الموقف كله من غموض، مما ضاعف من إحساسه الدفين بأنه هو وحده وليس أحدا غيره السبب ~~الرئيسي لكل ما يجري من نزاع وتطاحن، فما كان منه إلا أن انفلت خارجا مسرعا مصمما ~~على اللحاق بأخيه واستجلاء سبب غضبته وانسحابه على هذا النحو المكفهر. # امتطي ظهر فرسه - سحب - مطلقا العنان لكوكبة فرسانه في إثره، إلى أن وصل قصر أخيه ~~التبع الحاكم حسان، مترجلا مقتحما ردهات القصر الذي أصبح يشيع فيه الصمت المحمل ~~بالأسى، نتيجة لأحزان التبع الجديد وصراعاته. # إلى أن لحق بأخيه حسان داخل مخدعه، وكان ساعتها يستبدل في إعياء أرديته ولباسه، ~~استعدادا للإغفاء دون أن يراوده النوم كالعادة. # حتى إذا ما طرق عمرو الباب فاتحا داخلا، استدار إليه حسان مرتعدا محملا بكل غضب ~~صارخا مخفيا وجهه بين كفيه كمن يعاني ألما دفينا يطحنه طحنا: ابتعد عني، ~~ابتعد! # تراجع عمرو كالمشدوه من قسوة طرد أخيه له من بيته على هذا النحو ms021 الفادح. ~~- أبتعد عنك يا حسان، يا أخي، تطردني؟! ~~- اذهب، اذهب عني، لا ترني وجهك! # صرخ الملك التبع ملتاعا: امنعوه. # هنا اندفعت جوقة الحرس التي انشقت عنها الجدران محيطة بعمرو المرتعد وهم يسحبونه في ~~رفق إلى حيث البوابة الخارجية لقصر التبع. # فهو متعب هذه الليلة. # وبدأت حالة الأخ الأصغر عمرو الصحية تسوء تباعا، وكان شاعرا رقيق الشمائل ظل طيلة ~~سنوات شبابه منكبا على الأسفار والترحال في متاهات العالم القديم مشرقا ومغربا، ~~بحثا عن كنوز المعرفة ودفائنها والاستفادة من كل ما يجيء به من إبداعات. # فهجر نابذا منذ صباه صراعات القصور تلك، متخليا هائما لا يبغي من عالمه سلطة أو ~~جاها سوى مصادقة المخطوطات التي كان قد احتمل لتملكها كل الصعاب، ولو كانت في متاهي ~~الأرض. # لذا لزم عمرو فراشه داخل قصره عقب تطاول شقيقه الأكبر عليه إلى حد طرده دون رجعة من ~~مخدعه. ~~- أبعدوه! وبكته زوجته - وابنة عمه - الصغيرة، حاملة بين صدرها وليدهما الطفل الصغير ~~«ذو اليزن» دون أن تدري لمرضه المفاجئ سببا واحدا يشفي غليلها، سوى تلمس بعض شذرات ~~تجيء من هذيانه الليل بطوله. ~~- تطردني يا حسان، يا أخي. # ودون علم منه قررت الزوجة الحزينة حمل وحيدهما الرضيع «ذو اليزن» وزيارة أخيه الأكبر ~~- تبع حسان - وإبلاغه بما وصلت إليه حالة أخيه الأصغر عمرو، الذي أصبح معلولا شاحب ~~الوجه لا يقوى على مجرد المشي أو الكلام. # حتى إذا ما استقبلها التبع الجديد وعلم بما انتهت إليه حالة شقيقه الأصغر المعلول، ~~تضاعفت همومه وعصفت به أحزانه الدفينة من جديد، إلى حد أنه مضى في ثورة غضبه يمزق حلته ~~الملكية وتاجه وأرديته وهو يطؤها بقدميه الاثنتين كمثل مخبول على مرأى من حرسه وحجابه ~~وأهل بيته. # ولم تفهم الزوجة الوادعة سبب انفلات ثورته على هذا النحو، دون أن يقدم على قرار زيارة ~~أخيه أو استدعاء طبيب مداو قادر على شفاء علله. # فما كان منها سوى البكاء دفاعا عن زوجها عمرو فهو ليس خائنا أو متآمرا. ~~- فلماذا يتآمر الجميع عليه؟ # وهنا لم يجد حسان له ms022 مهربا، سوى امتطاء حصانه والتوجه إلى «جبل ضهر» واقتحام غار ~~سيدته الدموية تلك، وإعادة طرح قضية أخيه عليها، وكيف أنه الآن طريح الفراش يعاني سكرات ~~الموت. ~~- أجل الموت المحقق. # واجهها محتدا جاثيا على ركبتيه: كل ما أطلبه منك، هو إعفائي من الوصية. # قالت مشيرة إلى يديها الاثنتين: لا أملك. # سألها: وإذا ما انقضى أجل عمرو؛ أخي؟ # أجابت في حزم: لا مكان لك في إرث التباعنة. # اندفع غاضبا لا يلوي على شيء خارجا، إلى أن قفز هائجا على ظهر حصانه، نازلا ~~متعرجات جبل ضهر ومسالكه، ودقات الدفوف العنيفة تجيئه مهيجة لكل حواس وكأنها صادرة من ~~رأسه ذاتها. # زار عمته البسوس محاولا إيجاد مخرج لما هو فيه، فتلقى منها ذات كلمات سيدة جبل ضهر، ~~وكأنهما - المرأتين - وجهان لعملة واحدة. ~~- لا مكان لك في حكم التباعنة. # اندفع حسان صارخا بأقصى قواه، معاودا تمزيق أرديته على مرأى من عمته البسوس وابنته ~~«تدمر». ~~- لا مكان لي في إرث أبي، إلا بإراقة دم أخي الوحيد، لحمي، إنها الوصية الدهر. # وهكذا أعاد إليه أصدقاؤه ومقربوه ذات المعنى، إلى حد أنه أقدم في إحدى سورات غضبه على ~~إشهار سلاحه في وجه ثلاثة منهم وإراقة دمائهم. ~~- لا مهرب. ~~- الوصية. # اندفع من جديد ممتطيا حصانه ضاربا عرض الحائط بكل ما سمع مقررا زيارة أخيه عمرو ~~المريض المعلول. # وما إن وقعت عيناه عليه، شاحبا معلولا يهذي عبر بحار عرقه على فراشه، حتى تقدم منه ~~حسان لاثما محتضنا بكل قواه، وكان ساعتها يجاهد في أخذ أنفاسه الأخيرة دون ~~نطق. # وسريعا ما استل حسان خنجره من غمده، وذبح أخاه «عمرو» من الوريد إلى الوريد، صارخا ~~في أقصى جنونه على مرأى من زوجته المحتضنة لوليدها ذو اليزن: عمرو، أخي! # الفصل الثالث # | التبع حسان يفني قوم زرقاء اليمامة # دوت طبول «الرجروج» العملاقة التي كان يشارك في قرعها ثمانية من الرجال ~~الأشداء. # احتفالا بذلك الحدث الكبير الجلل، وهو جلوس الملك حسان اليماني على عرش ~~التباعنة. # وسرى الخبر أول الأمر من جبل ضهر المتاخم لصنعاء، ومنه إلى ms023 بقية بقاع حمير، في عدن ~~وحضرموت وسبأ وذي الرمحين وصرواح وإرم ذات العماد. ~~- الآن أصبح حسان اليماني حقا، تبع حمير المهاب، ارتفعت الرايات والبيارق ~~والزينات، وامتدت حلقات الرقص والسمر، ونحرت الذبائح من نوق وجمال وماعز. # كل ذلك كان يحدث مدويا في أذني التبع الجديد حسان كعويل، وليس أبدا إيذانا ~~واحتفالا باعتلائه عرش «التباعنة» العظام. # فلم يكن قد أفاق بعد من هول أحزانه الدفينة التي تزايدت منذ إقدامه على قتل أخيه ~~الوحيد المريض «عمرو» في فراشه، وعلى مشهد من زوجته وطفله الوحيد «ذو اليزن» يبكي في ~~حرقة على صدرها. ~~- «أأقتل أخي عمرو، بيدي هاتين؟» # ظل التبع الجديد لأيام لا يذوق للنوم طعما، بل حاول جاهدا ألا يمس بيديه ~~الاثنتين، الملوثتين بدم الشقيق، أي شيء. # ورفض استقبال أي من المقربين منه فيما عدا ابنته «تدمر» التي حاولت بكل ما أوتيت من ~~حكمة ورجاحة عقل التخفيف عن والدها، مدعية أن لا دخل له يذكر فيما حدث، بل إن عمها ~~الراحل الحبيب «عمرو» كان من جانبه يسعى إلى الموت سعيا، شأن كل الضحايا ~~والقتلى. # وراحت «تدمر» تلثم في حنان كفي والدها طريح الفراش - حسان - وساعديه في حنو، وهي تدرك ~~ببصيرتها الصائبة ما أصبح يعانيه من فعلته الشنعاء التي شارك الجميع في دفعه إليها ~~دفعا. ~~- أخي عمرو ماذا بقي لي؟ # بل إن الأميرة تدمر، شاركت والدها مقاطعة كل ما يحدث من احتفالات تنصيبه، وتوافدت ~~الوفود ما بين ملوك وأمراء وشيوخ قبائل وفرسان من كل صوب وحدب باتجاه قصر الملك ~~التبع حسان إلا أنه رفض استقبال الجميع. # وزين قصر عمته البسوس بالزينات البهيجة، وعزفت الموسيقى داخل ردهاته وعمت الأفراح كل ~~كيانات حمير في اليمن والجنوب العربي وشواطئ بحاره الجنوبية ابتهاجا باليوم المنشود ~~الذي لا بد، وأن ينعم فيه الجميع بدفء الأمان المعزز دوما بسطوة «التباعنة» ~~وملوكها منذ شداد بن عاد الكبير. # ومن هنا تجددت التحالفات، وبدأ فرسان القبائل يأخذون طريقهم إلى الميادين لمواصلة ~~تمارينهم استعدادا لإعادة انتصاب الرايات التي نكست طويلا، منذ موت التبع أسعد ~~وتنفيذ ms024 ابنه ووريثه حسان لوصيته - المفزعة - أيا كانت، حتى وإن تمثلت في قتله لأخيه ~~الأصغر عمرو الحبيب. # فالآن فقط يمكن لحمير أن تسلم قيادها للتبع الجديد المتجبر القاسي القلب، ~~يقودها إلى حيث يشاء دون كثير عناء. # أما عن حال التبع الجديد «حسان» فقد لازمته الأحزان القاتمة التي وصلت إلى أعمق ~~أعماقه عقب إقدامه على قتل أخيه الأصغر - الوحيد - عمرو، وهو راقد على فراش المرض، ~~بخنجره المسموم، وذلك بقطع رأسه من الوريد إلى الوريد، ووضعها على «طست» من الذهب مغطى ~~بالرماد، مثلما فعل أبوه - أسعد - مع رءوس أبنائه الأربعة يبكيه أحر البكاء كلما عم ~~المساء. ~~- ألا سحقا ليوم يأكل فيه بعضي بعضا، أيها الحبيب عمرو. # وهكذا فرض الملك حسان حصارا صارما حول نفسه في عزلته داخل قصره الحصين فلم يعد يكلم ~~أحدا، حتى ابنته تدمر التي هي أقرب إليه من نفسه ذاتها. # حتى إنه لم يسمح لوفد من آلاف الوفود التي سعت إليه لتقديم الهدايا وفروض الطاعة ~~بمقابلته، مشيعا أنه مريض ملازم لفراشه حسب مشورة الأطباء. # إلا أن الوحدة الصارمة التي فرضها على نفسه، كانت قد أحدثت مفعولها من حيث التحولات ~~التي حدثت داخله، ليخرج بعدها على شعبه وقبائله، حسانا آخر جديدا، عابس الوجه ضائقا ~~مستهدفا للبطش، أينما ساقته إليه قدماه. # وهكذا بدأ أولى خطواته الانتقامية بقتل جميع من أشاروا عليه بتنفيذ تلك الوصية ~~المشئومة بقتل شقيقه عمرو. # فلم يستثن منهم واحدا، مهما تعاظمت درجة صداقته وقرابته منه. # كان يبعث إلى الواحد منهم بسيافه طالبا مقابلته، وقبل أن تعبر قدماه عتبة الديوان ~~الثالث داخل مقر الحاكم يكون قد قضى نحبه. # وكان هذا سببا رئيسيا في تزايد بطشه وهيبته التي أصبح يحسب لها كبراء حمير قبل ~~صغارهم كل حساب. # وكانت أخبار بطشه بأقرب مقربيه، تصل مسامع عمته البسوس أولا من عيونها المنبثة ~~عليه حتى داخل قصره ومضجعه، فيصل بها الانتشاء أقصى مداه! ~~- ها هو رأس حمير الحقيقي شديد البأس. # بل لكم تمنت البسوس أن يزداد انتقام ابن أخيها التبع حسان أكثر فأكثر، حتى ms025 ولو ~~أصابها هي ذاتها الدور، إلا أنها أكدت وصيتها لمقربيها وهي الحفاظ على ذلك الوليد ~~الصغير الذي لا يزال بعد رضيعا - ذو اليزن - ابن الأمير - الضحية عمرو، والتي كانت ~~البسوس قد انتزعته انتزاعا من صدر أمه، قبل أن تعود إلى قبائلها بوادي الحجاز باكية ~~فجيعتها في افتقاد كل من الزوج والابن. # وهكذا عكفت البسوس على تنشئة الرضيع ذو اليزن في كنفها مولية له رعايتها القصوى، ~~بعيدا عن العيون، وبخاصة عيني - عمه - التبع حسان، وبعدما اعتراه من تحولات ورغبة ~~جامحة في الارتواء بالدم المراق، نازعا عنه كل بادرة لرحمة، حتى قيل عنه إنه أصبح لا ~~يرحم حتى نفسه ذاتها. ~~- هكذا تريدونني! # فلقد كان دائم السخرية المريرة لنفسه. ~~- كل ما أبتغيه هو أن أحوز طاعتكم قبل إعجابكم، فهكذا أرادت حمير بي المسير. ~~وشيئا فشيئا تخلى التبع حسان اليماني عن عزلته واصطفائه لنفسه فقط يحادثها مناجيا ~~بلا عون أو صديق. # فخرج على قومه أكثر صلفا وتجبرا، وبدأ بإعطاء القسط الأكبر من جهده لإعادة تنظيم ~~ورص صفوف قوات جيشه التي أوهنتها وأودت بمعظم فيالقه الحروب الطويلة المضنية التي خاضها ~~والده - التبع أسعد - في أواسط آسيا والشرق الأوسط. # واتخذ لنفسه وزيرا حكيما يدعى «حنظلة» أجمعت مشورة الجميع، وأولهم ابنته ومكمن سره ~~«تدمر» عليه. # وكان ذلك الوزير الحكيم «حنظلة» على معرفة واسعة بقبائل وعشائر اليمن والجنوب العربي، ~~وتحالفاتها العلنية والسرية، كما كان حنظلة على معرفة بالقبائل والأقوام المجاورة ~~والمتاخمة - لحمير - وما تطمح إليه في إضعاف الحميريين وتفكك تحالفاتهم بانتظار ~~اليوم الموعود للوثوب عليهم، وخاصة عقب كارثة إحباط جيوشها التي قادها التبع أسعد ~~حين أوصله طموحه إلى «نطح» أسوار الصين ذاتها. ~~- «قد دعتني نفسي أن أنطح الصين.» # ثم ما انتهت إليه تلك الغزوة المغامرة التي تسبب فيها ذلك - الدليل - الآسيوي الخائن ~~الذي أسلم له الملك أسعد مشورته وقياده، فأفقده اتجاهه إلى حد التيه الكامل هو وجيشه في ~~غياهب تلك البلاد والوهاد لسنوات ثم اتخاذ قرار العودة إلى جزيرة العرب في غفلة ~~منه. # وانتهت تلك الحملة بانتقام التبع ms026 أسعد من دليله وحليفه الخائن بقطع لسانه والمرض ~~كمدا حتى الموت. # وهكذا مضى ذلك الوزير حنظلة، يسوق للتبع حسان ما يستجد من أخبار القبائل والأقوام ~~الطامعة، متعرفا على مكامن ضعفه باستثارة التحديات. # إلى أن نجح أخيرا في إقناعه بالتخلي عن عزلته ودفائن أحزانه والاستبصار بالأخطار ~~المحيطة والمحدقة بأمن حمير، وأهمها تلك القوة الضاربة التي بدأت تدب بين قبائل ~~«جديس» وهم من العرب البائدة وأميرتهم الحكيمة عميقة البصيرة «زرقاء اليمامة». # وكيف أن قبائل جديس نجحت أخيرا عقب حروبها الطويلة مع قبائل «طسم» في إحداث النصر ~~الساحق لجديس إلى حد فنائها لقبائل «طسم» وتشتيت فلولهم على طول جزيرة العرب شرقا ~~وغربا حتى قيل فيهم: «لعبت بهم أيدي جديس»، وكانت زرقاء اليمامة أكثر استبصارا بالخطر ~~ومدى استفحاله منذ المهد. # كانت على الدوام مدركة خطر حمير وتبعها الجديد «الفتى» الذي لم يكن يرغب أبدا أول ~~الأمر أن تعلو هامته سواء داخل أقوام وكيانات جزيرة العرب، أو فيما يتاخمها من أقوام في ~~الشام وما بين الرافدين وأفريقيا. # وكانت زرقاء اليمامة - وكما تروي سيرتها - لا تنام الليل، منذ أن علمت ووصل أسماعها ~~أخبار اندحار الحميريين وتقهقرهم من أقاصي آسيا، بعدما حدث من خداع لملكهم التبع ~~أسعد. # وكانت على دراية بأن ما حدث لحمير، ليس أكثر من كبوة أو عثرة طريق، تمهيدا لإعادة ~~جمع الشمل والالتئام توثبا لإعادة التطاول ومواصلة الغزو والتفوق واستهداف الحروب ~~الدموية، التي لا بد وأن تسحق يوما أول ما تسحق عشائرها وبني جلدتها، خاصة وأن «جديس» ~~وبعد امتصاصها لطاقات مناوئتها «طسم» أصبحت الآن تشكل قوة فتية ضاربة على طول جزيرة ~~العرب بشقيها الشمالي والجنوبي. # فها هي مدينة اليمامة الآن عامرة مزدهرة، ملء السمع والبصر. # ومن هنا فلن يهدأ للحميريين وملكهم الجديد حسان بن أسعد بال، قبل أن تطأ جيوشهم ~~الجرارة أرض جديس، لا سيما وأنها عادت محملة بكل جديد من حروبها الآسيوية، التي لم ~~تطحنها، بقدر ما أعادت فتح شهيتها من جديد للفتح والدم المراق. # ولكم نبهت زرقاء اليمامة الأذهان والعقول لما يحدث ms027 ويجري من حولهم، مطالبة بعدم ~~انتكاس السلاح والخلود إلى لذائذ غنائم حربهم مع طسم التي انتهت باستئصالها من ~~الوجود. ~~- فعجلة حمير لن ترحم، وهذا قدرنا. # لكن من يسمع ويرى، والجميع تأخذهم نشوة النصر المعجل الساحق في جديس. # من يمكن له أن يصدق يوما، بل لحظة انتكاس الرايات الخفاقة داخل مدينة اليمامة إثر ~~النصر الساحق على جديس. # والصوت الوحيد المحذر لزرقاء اليمامة، يجيئهم بلا صدى مبنيا في اعتقادهم على مجرد ~~دلائل وظواهر لا أساس لها من جانب حمير وتبعها الجديد حسان، وهو الذي لم يفق بعد ~~من ضربات الآسيويين، التي أودت بأمرائهم وفيالقهم. # لكن من يسمع ويرى؟! # ذلك الذي يدبره الحميريون وملكهم، حسان لهم في الخفاء من اجتياح وعدوان، وهو ما ~~حدث بالفعل من جانب التبع حسان الذي بدأ في أيامه الأخيرة صحوته وعيناه الاثنتان ~~تحطان على جديس وعاصمتها اليمامة التي أصبحت مضرب الأمثال بين العرب؛ نظرا إلى ما ~~تتمتع به من ثراء وسطوة. # لذا آثر التبع حسان اليماني ووزيره الأول المقرب «حنظلة» اللجوء إلى الحيلة، وهما ~~يعدان العدة لاجتياح اليمامة عاصمة جديس، خاصة وأن قبائل حمير بجيشها لم تفرغ بعد ~~من استكمال استعداداتها وتوحدها لاستئناف القتال، بعد الخسائر التي كانت منيت بها في ~~حروب الآسيويين. # وخاصة أكثر أن هذه الغزوة المقبلة تجيء كأولى غزوات «حسان» كحاكم جديد لحمير ~~وتوابعها، ومن الأسلم أن تجيء وما يترتب عنها وعليها، بأقل الخسائر الممكنة. # لذا فمن الأرجح في مثل هذه الحالة، مهادنة «جديس» وحاكمتها الزرقاء وإخفاء نوايا ~~العدوان، الذي آثر التبع حسان أن يجري ليلا، وبطريقة مفاجئة لا تسمح للعدو لشحذ ~~قواته وكتائبه، خاصة وأنها - أي قبائل جديس - لا تزال تشرع أشرعتها، عقب الانتصار ~~الساحق على مناوئيهم من قبائل طسم. # وهكذا أجرى الإعداد للعدوان سرا، مصحوبا بالنوايا الحسنة المعلنة لسكان اليمامة ~~وأميرتها الزرقاء، وهو ما أدركته زرقاء اليمامة ببصيرتها النافذة. # فما من رسالة - معسولة - أصبحت تتلقاها من حكام حمير، إلا وأثارت سخطها وطاقتها في ~~استنهاض الهمم، بإزاء الخطر المرتقب القادم، الذي أصبح يطرق كل ms028 بيت وخباء ومضرب في ~~جديس، لكن من دون طائل يرجى. ~~- خذوا حذركم الليلة قبل الغد. # ولا من مجيب أو سميع يرجى. # ذلك أن جيوش الملك حسان وإمعانا في السرية والمفاجأة، منعت قرع طبول «الرجروج» التي ~~غالبا ما كانت تسبق زحفها. # بل هي اقتلعت خلال زحفها ليلا أشجار غابة بكاملها بحيث تستر الجيش الزاحف تحت فروعها ~~وهو يواصل تقدمه في بطء شديد دون أدنى جلبة. # حتى إذا ما شاهدت زرقاء اليمامة خدعة الجيش المدجج الزاحف، أهابت بقومها صارخة معتلية ~~أعلى قلاعها: يا جديس، يا قوم! لقد سارت إليكم الشجر، وأتتكم حمير! # لكن صرخات زرقاء اليمامة المحذرة جاءت متأخرة جدا، وبعد فوات الأوان. # ويقال إن حسان اليماني أذل جديس حتى العظم إلى أن أفناها عن الوجود، وضاعت سدى ~~تحذيرات زرقاء اليمامة لسنوات ويقظتها في التنبيه بالخطر الجاثم المهدد لقومها ~~ومدينتها، منذ أن استقام من جديد عرش «تباعنة» اليمن، عقب الموت الكمدي المفاجئ ~~للتبع أسعد اليماني، وتولي ابنه الأكبر حسان مكانه. # لكن من كان يسمع ويعي، والجميع في اليمامة قد أعماهم النصر السابق المعجل على بقية ~~مناوئيهم من قبائل طسم إلى أن حلت الكارثة ووقع ما كانت تحذر منه زرقاء اليمامة. # الفصل الرابع # | الهجوم الليلي والتخفي بأغصان الأشجار # على ذلك النحو المتآمر الفادح، جاء اجتياح التبع اليمني «ميت القلب والحواس» حسان ~~بن أسعد لقبائل «جديس» سكان اليمامة، سهلا ميسرا كمثل نصل سكين يقطع زبدا. # فمع الهزيع الأخير من الليل المظلم الدامس وبعده قام جيشه بالتخفي من الرأس حتى أخمص ~~القدم بأفرع الأشجار وغصونها من دون بذل أي محاولة لقرع الطبول أو إحداث أية جلبة، ~~وبالصمت الرهيب الذي كان يلف المكان، أطبق حسان على الجديسيين من العرب العاربة وهم ~~داخل مضاجعهم ليطحنهم جيشه الزاحف كمثل غابات وحشية مطبقة من كل صوب وحدب على الأسوار ~~والبوابات والدور والمضارب، وسيوف جند الملك حسان تعمل في الرقاب النائمة، مشعلين ~~النيران والحرائق أينما حلوا. # بل إن التبع حسان وجنده، تعمدوا استدراج كلاب قبائل جديس بالاحتيال عليها فرموا ~~اللحم ms029 المسموم لها، حالما قاربوا مضارب أعدائهم وفرائسهم ليلا؛ مما ساعدهم على اقتناص ~~النصر بأقل الخسائر. # ومن هنا كانت الفاجعة التي حلت بقبائل جديس، ليذبحوا رجالا ونساء وأطفالا داخل ~~مضاجعهم ليلا غيلة على ذلك النحو الغادر من جانب ذلك الملك المتجبر وجيشه الزاحف الذي ~~طحنهم طحنا على مرأى من أميرتهم «زرقاء اليمامة» التي أعيتها كل حيلة في تبصيرهم، ~~فلعلها الوحيدة التي اعتلت رأس فرسانها وحرسها الخاص، وتصدت للحرب والقتال من جهة، ومن ~~جهة أخرى صارخة في بقية رجال جديس ومحاربيها النائمين والغافلين: يا جديس، يا قوم! لقد ~~سارت إليكم الشجر، وأتتكم حمير. # لكن من يمكن له أن يسمع ويعي في تلك الساعات السابقة على انبلاج النهار، وقد نفذت ~~أسهم الحميريين، وعملت سيوفهم في رقابهم، عبر تلك المذبحة الليلية التي عمت، ~~كالطاعون، ساحات مدينة اليمامة وباحاتها ومضاربها ومنازلها وخيامها دون رحمة أو ~~شفقة. # ورغم كل محاولات زرقاء اليمامة وثلة لا تذكر من فرسانها ووصيفاتها من النساء، في ~~التصدي والمقاومة لجيش الملك حسان العارم، إلا أن الهزيمة كانت من نصيبهم. # فماذا تجدي مجرد كتيبة في مواجهة جيش غاز متكامل البنيان؟ # إلا أن مقاومة زرقاء اليمامة ورجالها أفزعت التبع حسان ذاته في تلك الليلة الحالكة ~~الظلمة، لدرجة دفعت به إلى البحث بنفسه عن مصدر تلك المقاومة الخطرة، برغم كل ما اتخذه ~~من احتياطات سرية، إلى أن تصدى لها بنفسه وصولا إلى أن أوقعها جريحة تنزف وهي لا تزال ~~تقذفه بأشنع سبابها، تحت سنابك خيله المدججة. # ولكم كانت دهشة الملك الغازي حسان اليماني الكبرى وهو يرنو إليها من أعلى هامة جواده، ~~ليتعرف عليها في لباس الحرب. ~~- امرأة؟! ~~- أجل امرأة، أيها المتآمر، المدجج بالليل والأشجار. # ضحك التبع حسان طويلا، إلى أن استلقى على قفاه. ~~- لم أضحك منذ زمن! ~~- غدا تضحكك الأيام والليالي أكثر فأكثر يا حسان. # وحين حاول جنوده الاعتداء على زرقاء اليمامة والإجهاز عليها منعهم بنفسه: دعوها فهي حليلتي! # فما كان من زرقاء اليمامة إلا أن زحفت إلى أن قاربته، بعد أن راقت في عينيه ms030 نظرا إلى ~~جمالها الباهر وذكائها المتوقد، وذلك التحدي البديع الذي يغطي ملامحها وخلجاتها. # حتى إذا ما حاول التقرب منها، طعنته بخنجرها إلى حد جرحه ونزف دمه. # عندئذ عملت سيوف حرسه وفرسانه في جسدها إلى أن قضت الزرقاء نحبها على تراب مدينتها ~~اليمامة ترويه بدمها. # وجاء انتصار حسان اليماني الساحق على اليمامة المطلي بالخديعة والغدر، وبالتالي كسر ~~شوكة «جديس» على طول جزيرة العرب، مجرد فاتحة طريق لشهيته المتعطشة للدماء والتفوق على ~~الآخرين، ومن ثم الحفاظ على سلطة أسلافه «التباعنة». # فاجتاح نجران ودان له بحر العرب والعجم، وأفنى أقواما وقبائل من العرب، التي عرفت ~~فيما بعد بالبائدة، وكانوا اثنتي عشرة قبيلة وكيانا منهم جديس، وجرهم والعماليق ورائش ~~وبقايا فلول طسم. # ولم يكتف بهذا، بل تطلعت أنظاره الشرهة التي لا تعرف الاكتفاء إلى مواطن الزرع ~~والضرع أو أرض «اللبن والعسل» في الشام وفلسطين، حرصا منه على الإبقاء على رايات ~~السبئيين، ومن انحدر من نسلهم من «التباعنة» ملوك حمير وكهلان، الخفاقة مشرعة ~~خفاقة. # فمن نسل حمير جاء ملوك بني قضاعة والكلابيين، أما من الشق الثاني للتحالف؛ أي ~~كهلان، فقد انحدرت سبع بطون، تضخموا إلى قبائل وأقوام، وهم: طيء ومذحج، وهمدان، وكندة، ~~ومراد، وأنمار، والأزد. # ومن الأزد انحدر فيما بعد الغساسنة - ملوك الشام - عقب خراب سد مأرب، كما انحدرت منهم ~~قبيلتا: الأوس والخزرج ملوك يثرب - أو المدينة المنورة - كذلك انحدرت قبائل خزاعة، سدنة ~~أو «كهنة» الكعبة فيما قبل الإسلام. # فمن الأسلم التعرف على تلك البنية القبائلية القرابية التي انتظمت تحت رايات ذلك ~~التبع الغازي حسان اليماني، قبل إقدامه على نقل حروبه وفتوحاته خارج جزيرة العرب في ~~الشام وفلسطين وأفريقيا التي ستكون من نصيب ذو اليزن الذي رأى مصرع أبيه وشهده بعينيه ~~منذ أن كان رضيعا بين أحضان أمه، مصرع والده «عمرو»، حين جثا على أنفاسه أخوه الأكبر ~~التبع حسان، لائما محتضنا في البداية، إلى أن استل خنجره من غمده وذبحه من الوريد ~~إلى الوريد، وبعدها انقاد الملك التبع حسان لذلك الجنون الغاضب، فمضى يمزق ملابسه ms031 ~~(الملكية) ويهتك عرشه - أي عرش التباعنة - بعدما امتدت يد الغدر والاغتيال لرقبة ~~أخيه الوحيد المقرب «عمرو». # ذلك أن الملك حسان، وبعد أن انتظمت تحت راياته معظم تلك القبائل والأقوام بدأ يشاور ~~وزيره الحكيم «حنظلة» سائلا، بعد أن رضيت عنه حمير واعتلى عرش «التباعنة» ~~كاملا ودانت له أقوام وكيانات الجزيرة العربية: هل هناك أعظم مني في الأرض؟ # فأجابه وزيره حنظلة متحرجا: يوجد خارج البحار عرب من أهل الشجاعة ، يقال لهم «بنو ~~قيس» أو القيسيون، وهم من بنى مضر. # فاستشاط الملك حسان هائجا قائما عن عرشه ثائرا في وجه وزيره المنكمش الذي تراجع ~~منزعجا من صراحته للتبع حسان، وهو الذي لم يضلله يوما مخادعا، استرضاء ~~لمروءته: عفوا يا مليكي، إنها الحقيقة ليس إلا. # أعاد حسان صراخه المدوي في ردهات قصره، معترضا على ما تجرأ وزيره على البوح به في ~~مجلسه: أتقول الحقيقة؟ # لحظتها لاذ الوزير العجوز بالصمت، بينما اندفع الملك حسان مقررا الحرب والخروج إلى ~~ما وراء البحار؛ منشدا: # يقول التبع اليمني المسمى # بحسان فما للقول زورا # ملكت الأرض غصبا واقتدارا # وصرت على ملوك الأرض سورا # وطاعتني الممالك والقبائل # وفرسان المعامع والنمورا # وقد أخبرت عن بطل عنيد # شديد البأس جبار جسورا # فقالوا إنه يدعى ربيعة # أمير قد حوى مدنا ودورا # تولى الأرض في طول وعرض # فكم أخرب وكم شيد قصورا # فقصدي اليوم أغزوه بجيشي # وأترك أرضه قفرا وبورا # أسير بهم إلى تلك الأراضي # وأملك للقلاع وللقصورا # ويغنم عسكري منهم مكاسب # وأعطيهم بنات كالبدورا # فيبقى الحكم لي برا وبحرا # ويصفو خاطري بعد الكدورا # وحين حاول حنظلة الانسحاب استوقفه؛ ليطرح عليه مدى أخطار ما هو مقبل عليه في تلك ~~الحملة؛ ذلك أن التغلبيين من بني ربيعة سكان تلك البلاد، وكذلك أبناء عمومتهم «بني مرة» ~~الذين عرفوا بالبكريين، ما هم سوى شعوب بحرية، ولن يتم الوصول إليهم إلا عن طريق البحر ~~وهم سادته منذ أقدم العصور. # ومرة أخرى استشاط التبع حسان غضبا في وزيره المعارض لرغباته وطموحاته على ذلك ~~النحو الصادم المحبط. # فما كان من ms032 الوزير حنظلة، إلا أن شرح له أمر أولئك الأقوام، ومدى وعورة الطريق إليهم، ~~وهم الذين جابوا ربوع العالم القديم ببحاره ومحيطاته شرقا وغربا، بسبب تجارتهم ~~الواسعة وعمق معرفتهم بالبحر وأغواره. # وواصل الوزير العليم إخبار التبع بكل ما يعرفه ووصل إلى علمه عن «سكان الثغور» ~~ومدى تفوقهم واتساع علمهم بكل صغيرة وكبيرة مجالها البحر وأخطاره. # يضاف إلى ذلك قدرة تلك الشعوب من «تغلبيين وموارنة» على القيام بالخدع والحيل ، التي ~~أكسبتهم من قبل النصر على كل طامع في بلادهم وثرواتهم. # وفي النهاية تفهم الملك حسان مغزى حديث وزيره حنظلة، وهو أهمية الإعداد البحري لتلك ~~الحملة التي سيسيرها إلى الشام وفلسطين لحصارهما، بالإضافة إلى حاجته الملحة والضرورية ~~في الاستزادة بالمعرفة اليقينية لظروف وطباع ومدى بأس تلك الأقوام التي هو مقبل على ~~غزوها. # وأبقى الوزير الحكيم حنظلة على تحذيره من ذلك الخطأ الجسيم، وذلك في الإقدام على غزو ~~أقوام ومحاربتهم لا تكتمل معرفته بها، كما حدث في حروب الآسيويين على مشارف الصين، ومدى ~~ما تكبده الجيش اليمني من إحباط وخسائر. # وبهذا القول الحصيف تمكن الوزير من كبح جماح رغبات التبع حسان وطموحاته وحتى «لا ~~تقع الفأس في الرأس» كما حدث في السابق. # ومن هنا أرسل حسان برسله إلى تلك البلاد ليأتوه بأخبارها ودقائق مسالكها ~~وحكامها. # كما أمر التبع حسان من فوره بالانكباب على تجهيز السفن والمراكب البحرية التي ~~ستحمله وجنوده وعتاده، إلى ربوع الشام ولبنان وفلسطين، حتى إذا ما استكمل بناء السفن ~~والمراكب، وعاد رسل الملك محملين بالأخبار والمعلومات عن كل صغيرة وكبيرة في ربوع الشام ~~وفلسطين، وأرسل الملك حسان بنفسه إلى ابن أخته - الملك الرعيني - المعين من قبله على ~~الحبشة والسودان، يخبره بأهمية تجهيز المؤن والرجال لإمداد حملته في الشام وفلسطين، ~~وبعد ذلك أصبح الطريق مفتوحا أمام الملك للخروج بحملته، بعد أن استقر رأيه الذي رجحته ~~عمته البسوس، بتعيين ابنه الأكبر - الصحصاح بن حسان - ليخلفه مكانه على حكم حمير، في ~~غيابه. # وانشغلت البسوس بتعليمه وتلقينه نصائحها وتعاليمها بما يسهل عليه ملء فراغ أبيه ms033 في ~~غيبته. # وكانت البسوس قد أولت كل رعايتها لابن ابن أخيها الأمير عمرو المقتول وهو ذو اليزن ~~الصغير. # الفصل الخامس # | حصار الشام وفلسطين # وما إن انتهى التبع الغازي حسان اليماني من إعداد سفنه ومراكبه التي وصل عددها إلى ~~بضع مئات لنقل جنوده وكتائبه المحاربة لمحاصرة مدن الشام وفلسطين، حتى تفرغ بمساعدة ~~عمته «الأميرة البسوس» لتنصيب ابنه «الصحصاح» ليخلفه على حكم اليمن وبقية أقوام الجزيرة ~~العربية التي تم له فتحها بحد السيف والخداع. # وهكذا تم إعداد الحملة، وإرسال الرسل إلى حلفاء الملك حسان وولاته في: «السودان ~~والحبشة والصومال» خاصة - ابن أخته - الملك الرعيني، الذي سبق أن نصبه والده - تبع أسعد ~~- لحكم هذه البلاد، قبل إقدامه على حروبه في ربوع آسيا الوسطى والشرق الأقصى وخيانة ~~دليله وحليفه الآسيوي الذي كاد يودي به وبجيشه، فطالب التبع حسان واليه الرعيني ~~بإمداد الجيش بالمؤن والرجال؛ حيث إنه في طريقه إلى بلاد الشام لفتحها. # وفي البداية حاول الرعيني من جانبه إحاطته علما بمدى ما تنطوي عليه هذه المخاطرة ~~الكبرى، خاصة وهي تجيء في أعقاب الهزيمة التي سبق أن مني بها جيش والده في ربوع ~~الصين، «ودماء قتلانا لم تجف بعد» إلا أن تشدد التبع حسان في مطالبه للرعيني دفعت ~~بالأخير إلى تلبيتها كاملة غير منقوصة. # وهكذا توافدت وحدات وكتائب المحاربين الأفارقة من سودانيين وأحباش وصوماليين على مقر ~~الملك حسان، بعتادها ومؤنها وأسلحتها، مما عضد من عزم التبع حسان، فأمر من فوره كبار ~~قواده باستقبالهم وتهيئة مضاربهم، وإعادة تدريبهم خاصة على أساليب الحرب والحصار البحري ~~الذي هم مقبلون عليه، في ربوع الشام وبلاد «السرو وعبادة» بوادي الأردن وفلسطين. # ومن جديد أقيمت المضارب والثكنات لإيواء القبائل المحاربة المتدفقة والقادمة من حول ~~مأرب. # واستشار التبع حسان وزيره الأول «حنظلة» في مسألة الاستعداد للرحيل البحري، عبر ~~أقصر الطرق والمسالك التي ستقوده وجيشه بصورة آمنة إلى المناطق المطلوب فتحها في الشام ~~وفلسطين، وبأقل خسائر ممكنة، اعتمادا على عنصري المباغتة والحركة. # ورغم توجس الوزير الحكيم من الإقدام على تلك الحرب، وما تنطوي ms034 عليه مغامرتها، إلا أنه ~~آثر - هذه المرة - التكتم الحذر على مشاعره ووجهة نظره حيال إصرار التبع وطموحاته ~~التي لا تنتهي، خاصة وأنه ليس هناك من أسباب حقيقية تدفع إلى اندلاع مثل هذه الحرب - ~~عبر البحار - التي عادة ما تحمل في طياتها الكثير من الأخطار التي لا طاقة لأحد على ~~تحملها. # ولكم حاول الوزير المستشار التوسل بالعقلاء المقربين من الملك حسان لإثنائه عن غرضه، ~~فلم يجرؤ أحد منهم على إعلان رأيه الصريح، مقدما مصلحة «حمير» على أطماع الملك ~~التبع الشخصية وشهوته الجارفة للتسلط. # فحتى عندما أفضى الوزير حنظلة بدفائن مشاعره حول تلك الحملة - المغامرة - للبسوس، عمة ~~التبع حسان، التي لها الكلمة العليا في مثل هذه الأحداث الجليلة من هجرة وحرب، آثرت ~~الصمت بدلا من الاعتراض أو مجرد التروي وإعادة تدارس الأمر؛ قائلة: أصبح الأمر متأخرا ~~جدا، بعدما عزم التبع على المسير، وبعدما جهز كل شيء. # غمغم الوزير متوجسا: على هذا النحو يجيء مصير حمير وأرواح رجالها وأقدارنا ~~جميعا. # قالت: لعلك الأقدر من غيرك على معرفة معاندة التبع حسان وتصلبه. # عندئذ تنهد الوزير الأول: إذن ليكن ما يكون. # حتى إذا ما دقت طبول الحرب واعتلى الملك حسان اليماني سفينة المقدمة، مودعا الجماهير ~~الغفيرة التي لا يحدها بصر، انطلقت السفن باتجاه ساحل الشام وفلسطين بغرض فرض الحصار ~~البحري وإعلان الحرب على التغلبيين من بني ربيعة وبني مرة. # قال الراوي: وكان ربيعة - أي أمير بني ربيعة - في ذلك الزمان من كبار أمراء العربان، ~~وكان أخوه «مرة» - انتسابا إلى بني مرة أو الموارنة - من الأمراء والأعيان. ~~«وكانت منازلهم في أطراف بلاد الشام، وكانا - أي ربيعة ومرة - يحكمان قبيلتين من ~~العرب هما بكر وتغلب، وقد ولد لربيعة خمسة أولاد مثل الأقمار، وهم: كليب الأسد ~~الكرار، وسالم البطل الشهير الملقب بالزير، وعدي ودرعان وغيرهم من الشجعان.» # وأما أخوه الأمير «مرة» فله بدوره عدة أبناء شجعان، منهم: همام وسلطان وجساس، وبنت ~~نبيلة جميلة يقال لها «الجليلة». # وعلى عادة ما هو متبع بالنسبة إلى التزاوج القبائلي - وبالتالي السياسي - المتبادل ms035 ~~بين القبائل المتحالفة وأبناء العمومة، فقد تزوج الأمير همام بن مرة ب «الضباع» من بني ~~تغلب. # وأحب كليب الجليلة بنت مرة، وكان يجري التجهيز لزواجهما، بعد أن فاتح والده - ~~ربيعة - والدها - أي والد الجليلة - الأمير مرة في أمر زواجهما، حين انتقل إليه من ~~فلسطين ووادي الأردن، إلى بيروت والبقاع. # فما كان من «الأمير مرة» إلا مباركة الأمر سوى أنه لزم الصمت مفكرا في كيفية حمل ~~الخبر إلى ابنته - الجليلة - وإقناعها. # فهو يعرف عن ابنته الكبرى الجليلة، مدى صلابة شخصيتها ودقة اختيارها لمصيرها خاصة إذا ~~ما كان الأمر متصلا بما يهفو إليه قلبها من حب وزواج. # حتى إذا ما أقدم على مفاتحتها، رحبت من كل قلبها بالزواج من الأمير كليب بن ربيعة ~~محتضنة والدها في حنو بالغ. إلى أن فوجئ الجميع بذلك الخبر الدامي المفزع الذي روعت له ~~بلاد الشام وفلسطين، وهو اقتراب الحشود البحرية التابعة للملك التبع حسان اليماني ~~الذي يعمل تحت إمرته عشرة من ملوك جزيرة العرب الأشداء. # وهكذا وقع خبر الغزوة البحرية للتبع حسان كصاعقة مفاجئة صادمة للجميع، وبخاصة ~~لكليب بن ربيعة التغلبي وحبيبته الجليلة بنت مرة، وهما يتأهبان لعقد القران الذي ~~أصبح حديث البشر من عامة لخاصة في ربوع لبنان ودمشق وفلسطين. # وتوالت أخبار الجيش الغازي فيما بعد، وكيف أنه انقسم إلى قسمين كبيرين؛ ميمنة وميسرة، ~~متملكين خلال زحفهما على طول الشواطئ ما يقابلهما من مدن وبقاع «بحد السيف المهند، حتى ~~إنهم ملكوا معظم البلاد وأطاعتهم العباد.» ~~«هكذا ضرب التبع المستبد الغازي حصاره البحري حول بلاد الشام، فأحاط بها من جميع ~~الجوانب بالمراكب والكتائب.» # إلا أن تملك العاصمة السورية دمشق قد جرى إتمامه برا، وكان واليها من قبل الملك ~~ربيعة، يدعى «زيد بن علام»، الذي قاتل قتالا مريرا، وألحق الكثير من الهزائم بجند ~~التبع حسان، الذي حاول بكل الطرق والوسائل استمالته ومحالفته دون جدوى. # كما أن التبع حسان بعدما عانى طويلا في حصار دمشق، أرسل لرأس بني ربيعة طالبا ~~مفاوضته، إلا أن الأمير ربيعة رفض تماما الدخول ms036 معه في مفاوضات أو حتى مجرد اللقاء به، ~~ما دام أن التبع اليمني قد جاءهم غازيا، وواصل حربه واختراق حصاره وإلحاق أفدح ~~الخسائر بجنده وعتاده البحري، مما دفع بالتبع الغازي إلى اللجوء إلى الحيلة والمكيدة ~~فاتجه من فوره إلى بني مرة - في لبنان - لاستمالتهم مقدما تنازلاته المرضية للقيسيين ~~في الحجاز ولبنان، فعين الأمير «مرة» والد جساس واليا على تلك البلاد، وكان «يسكن مع ~~قومه في نواحي بيروت وبعلبك والبقاع.» # وجعل واليه الأمير القيسي «عبس» أميرا على فلسطين وبلاد السرو وعبادة، وهي مملكة ~~النبطيين أو العرب الأنباط الأردنيين. # كما أقام التبع الغازي حسان، واليه الأمير المسمى «عدنان» على الفرقة أو الجزء ~~الثالث المتبقي من جيشه الغازي، على «أن يقيم في العراق بتلك المنازل والآفاق.» # وهكذا تفرغ التبع الغازي لمحاربة التغلبيين من بني ربيعة فشتت فلولهم في السهول ~~والوهاد، مجندا كل طاقاته وأياديه الطولى للحاق برأسهم المدبر، وهو الأمير ربيعة وولده ~~الأمير كليب. # فلم يهنأ للملك حسان بال، ما دامت بذرة المقاومة ما تزال مستعرة ممثلة في ربيعة وابنه ~~الأكبر كليب، ومن حولهما الرافضون # 1 # لعدوانه المتسلط على بلادهم. # إلا أن التبع تمكن من أسر «ربيعة» والد كليب، حين أمر رجاله بإلقاء القبض عليه ~~«ومن معه من بني قيس الطناجير، فقيدوهم في الحديد والجنازير، وشنق الأمير ربيعة وصلبه ~~على بوابات دمشق». # وأمر حراسه وعيونه بإلقاء القبض على من يبكيه مصلوبا، أو يرثيه ببيت أو شطر من ~~شعر. # عندئذ فقط وبعد تخلصه من رأس المقاومة وهو الأمير التغلبي «ربيعة»، «صفا بال ~~التبع حسان، فشيد لنفسه قصرا حصينا مرتفع البنيان، جعل أبوابه من الذهب ~~والفضة.» # وهكذا استرخى طويلا وعن رضاء معتليا كرسي التباعنة العظام، لا يشغل باله سوى ~~البحث والغوص في مختلف اللذائذ التي تفيض بها وتطرحها بلاد الشام وفلسطين؛ أرض اللبن ~~والعسل. # وهو ما لم يرض عنه أبدا وزيره الحكيم «حنظلة»، الذي كثيرا ما تسلل إليه بالنقاش ~~بهدف محاولة إثنائه عن الاسترخاء الذي أصبح فيه التبع حسان، فمن الأفضل وبعد تحقيق ~~هدف الحملة، ms037 العودة إلى ربوع اليمن والجنوب العربي، على ألا تغيب العيون الساهرة على ~~الحفاظ على ذلك الفتح وتعزيزه في هذه البلاد والوهاد. # بل لقد توسل الوزير حنظلة لتعزيز رأيه ذاك بعمته البسوس، التي رجحته إلى حد أنها كررت ~~عليه طلب العودة إلى ربوع اليمن، ولكنها عبثا حاولت لإصراره على عدم العودة. # فلقد كان حنظلة على شاكلة زرقاء اليمامة، التي أرداها التبع تحت سنابك خيله، وهي ~~تكيل له السباب. ~~- الغلبة لله، أيها الخصي. # كان مستبصرا بالخطر الكامن المستتر البادي في الأفق الذي أصبحت - تبيته - هذه البلاد ~~الشاسعة المتضاربة التضاريس، ما بين البحر الهائج المتمرد، والبوادي وحياة المدن ~~والجبال الشاهقة، والتي لن يهدأ لأهلها بال إلا بطرد الغزاة واسترداد أراضيهم ~~وكياناتهم، مهما طال البقاء للتبع وصفا باله وزمانه. # وكان للوزير الحكيم كل الحق في تصوره الذي تمرد عليه التبع المفتون بما حققت ~~سواعده. # ذلك أن التغلبيين ومجاوريهم من بني مرة، كانوا قد عقدوا النية والمقصد على الانتقام ~~لموتاهم وتحرير بلدانهم من مدخل «الحيلة والخداع» الذي تشرعه وتبيحه كل حرب، بدلا من ~~المواجهة غير المتكافئة مع التبع الغازي وجيشه والتي أصبح لا طائل منها. # وهكذا تربصوا في الخفاء للانتقام، بينما أظهروا الخضوع ومداهنة التبع علنا وفي ~~وضح النهار. # وجاءتهم فرصتهم سانحة دون كثير عناء ذات يوم حين وصلت إلى أذني التبع حسان أخبار ~~ذلك الزواج - السياسي - بين الأمير كليب بن ربيعة الذي اغتال التبع والده صلبا ~~على بوابات دمشق، وبين ابنة عمه الأميرة الجليلة بنت مرة، التي تحدث الشعراء بجمالها ~~وفتنتها الآسرة. # فما كان من التبع إلا أنه استشاط غضبا وطلب عدم إتمام الزواج مهما كلف الأمر من ~~تضحيات. # بل أرسل من فوره يخبر والدها باستعداده هو ذاته - حسان - للزواج من الجليلة، بدلا من ~~ذلك «العاصي» المدعو كليب. # من هنا حانت ساعة انتقام «كليب» من التبع واقتراب موعد تنفيذها بكل حرص، معلنا ~~للأمير «مرة» والد الجليلة، مدى حرصه على أهمية التعجيل بهذا العرس - العجب - بين ~~خطيبته وحبيبته الجليلة وبين ذلك الملك حسان المنتصر، معلنا ms038 في تهكم: أين نحن من عتبات ~~الملك حسان؟! وتزايد عجب الأمير مرة أكثر، حين طالبته الجليلة ذاتها، التعجيل بإرسال ~~موافقتها على الزواج من التبع حسان. ~~- بل هما - أي كليب والجليلة - وضعا خطتهما لإتمام ذلك العرس، ودعما خطتهما بإرسال ~~مختلف الشعراء والدلالين الذين لا هم لهم سوى التحدث بمحاسن الجليلة ومفاتنها وصوتها ~~الشجي النادر الذي تحن له طيور السماء الصداحة قبل البشر. # أما التبع حسان فكان كلما وصلته أخبار الجليلة ومدى حسنها وبديع شمائلها تزايدت ~~لوعته ولهفته ليحوزها حليلة، محققا بذلك هدفين: # أولهما: # الحيلولة دون إتمام ذلك الزواج بين الجليلة ابنة الأمير مرة حليفه ~~وواليه على بيروت وطرابلس والبقاع، وبين ذلك «المارق» الذي سبق له صلب ~~والده ربيعة. # وثانيهما: # هو الاستحواذ على تلك الأميرة الباهرة الجمال والشمائل الجليلة بنت ~~مرة، ما دام أنه عقد النية على حكم بلدانه الشاسعة من مقره الذي راق له ~~بدمشق في بلاد الشام. # الفصل السادس # | تحقق نبوءة زرقاء اليمامة # طغى الملك التبع اليمني حسان بن أسعد، عقب استيلائه على ربوع الشام ووادي الأردن ~~ولبنان وفلسطين، في حملة مباغتة غادرة، أراد بها أن تكون مجرد مهرب ليس إلا من ذلك ~~الذنب الغائر عميق الجذور الذي تسلط عليه عقب إقدامه على قتل شقيقه الوحيد عمرو. # كذلك جاءت هذه الحملة في أعقاب اجتياح جنوده ليلا متخذين من أغصان الأشجار خباء، ~~لقوم «زرقاء اليمامة» وما أحرزوه من نصر اختلسه التبع حسان اختلاسا، والناس ~~نيام. # من هنا حق له وبعدما خفتت كل الأصوات المعارضة في دمشق وفلسطين من التغلبيين، وبعد ~~مهادنته «لبني مرة» في ربوع لبنان، أن يتضاعف عسفه وطغيانه، وانحرافه في ملذاته المتسمة ~~بالجشع. # ومن هنا أيضا جاءت استرخاءة التبع الغازي حسان اليماني، التي أقلقت إلى حد الفزع ~~وزيره الأول حنظلة الذي حاول جاهدا تبصيره بمغبة تلك الحالة التي استسلم لها التبع ~~وسرت عدواها بالتالي في جسد جيشه الغازي، بل ومن بقاء لا طائل منه ولا نفع في ربوع تلك ~~البلاد. # كان الوزير الأول واسع المعرفة - على أقل تقدير - بطبائع ms039 المهزومين، خاصة على طول تلك ~~البلاد والوهاد، وما يمكن أن يدبروه ويحيكوه في الخفاء، ستفصح عنه الأيام والليالي ~~الحبالى بسحب توقع أميرة اليمامة «الزرقاء» وسبابها حين واجهته جريحة تنزف تحت سنابك ~~خيله في دروب اليمامة ليلا. ~~- غدا تريك الأيام والليالي الحبالى يا حسان الكثير من خباياها. # كان الوزير على دراية بمدى فداحة الكارثة التي تنتظر التبع ورجاله، في دمشق ولبنان ~~وفلسطين مسرا لنفسه: أحقا ما يحدث، يا لها من كارثة. # فهي فعلا كارثة لا بد وأن يصادفها - يوما - كل غافل، أو مغفل. ~~- مثلما حدث تماما لأبيه التبع أسعد حين واصلت جيوشه الزاحفة مشارف الصين إلى حين ~~استسلامه مسلما مقاليد أموره، لأحد الملوك الآسيويين الأسرى الذي اتخذه دليلا وحافظا ~~لأسراره يسيره على هواه، فما كان منه إلا أن ضلله وضلل جيشه لسنوات في ربوع الشرق ~~الأقصى، فكان انسحابه وموته المبكر حزنا وكمدا. # وها هو التاريخ يعيد نفسه تماما مثلما حصل مع الأب أسعد الذي غرق في غفلته وترك ~~دليلة «مقطوع اللسان» يتحكم فيه كما شاء، ثم ليغرق الابن - حسان - في غفلة مماثلة مع ~~قبيلة بني مرة التي أسلم قياده لها طالبا مصاهرتها بالزواج عنوة من أميرتها «الجليلة ~~بنت مرة» ضاربا عرض الحائط بقصة حبها، التي باتت مضرب الأمثال، لابن عمها الفلسطيني ~~كليب بن ربيعة الذي صلب والده على بوابات دمشق عاريا مسمرا على مرأى ومشهد من ~~سكانها الدمشقيين. ~~- ما الجدوى؟ # وهو - أي التبع - يعرف أكثر من غيره مدى دموية أولئك الأقوام في دمشق وفلسطين ~~وتربصهم للانتقام مهما طال الزمن. # منذ أن عزم التبع حسان على مصاهرة «آل مرة»، وبعد أن فشلت محاولات الوزير حنظلة في ~~تغيير رأيه، عقد النية على مجرد تلبية كل أوامره ورغباته التي أصبحت لا تنتهي. ~~- ما يأمر به، مشيرا! # بدءا من تحضير قوافل الجمال والخيول المحملة بأكياس وصناديق الهدايا التي كانت تنوء ~~بثقلها الجمال، بحيث آثر الجميع استخدام الفيلة المجلوبة من مجاهل الهند والبنغال ~~والتركستان، مرورا بالعزائم والحفلات والاستقبالات التي لا تنتهي تكريما لآل مرة، ~~وانتهاء بالعرس ms040 المرتقب الذي لن يقتصر الأمر فيه على الحفلات وإعداد المأكولات ~~والمشروبات، بل سيشمل أيضا بناء القصور والسرايا وتأثيثها وتزيينها احتفالا «بعرس ~~التبع» الذي أصبح يترقبه الجميع في دمشق وبيروت وعمان والقدس واليمامة وتدمر ووادي ~~الحجاز، ناهيك عن اليمن ومدنها في حضرموت وسبأ وتعز ومعين وقيتبان. # فها هي الجموع تتطلع متلهفة إلى عرس التبع من الجليلة بنت مرة التي كان الصغير ~~والكبير يتحدثان عن ندرتها وفروسيتها بين نساء العالم : # تقول العجوزة التي شاهدت # مليحة تريح العنا والصدود # يا أمير تبع يداك فيها السعود # وأقبل الخير لك والسعود # أتوك «بنو قيس» أهل السماح # وجابوا لك الخيل ثم النقود # وجابوا «الجليلة» لشخصك حليلة # بخدين حمر وعينين سود # وقامة طويلة كعود القنا # فوق الكتاف ترخي الجعود # بشعر طويل ورمش كحيل # بلا جر ميل تصيد الأسود # وذات شفايف رقاق نظاف # عقايل طرايف تزيل النكود # لها وجه كبدر بليلة قدر # ووجنات حمر كما الورود # وجسم رقيق وريق رحيق # وأسنان (لولو) سبت الورود # لها عنق كعنق الغزال # وطوق الذهب يوقد وقود # كتاف كالعاج كمثل الزجاج # والنقش مواج فوق الزنود # وكفان أطرى من الياسمين # من قد حواها ينال السعود # وهكذا أسلم الملك حسان كل حواسه، لمن يأتيه بجديد عن مدى حسن عروسه المرتقبة الجليلة ~~بنت مرة وروعتها. # لذا توافدت الوفود من كل صوب على قصر التبع تلهج متغنية بمحاسن الجليلة ومآثرها ~~التي لا تقتصر بحال عند الجماليات البدنية، بل من حيث رجاحة عقلها وصائب حكمتها وشعرها ~~وغنائها وفروسيتها في الصيد والقنص، عبر غابات أرز لبنان ومروجه المكتظة ~~بالأشجار. # وهكذا تغنى الجميع بالعروس المرتقبة على عتبات قصر التبع الغازي: # قد زين بنو قيس لك عروسا # تجلي لأجلك كل هم وقود # للملك حقا قد أحضروا # مليحة خلالها تزيل الحقود # فأرسل وراءها وخل المحال # واسمع كلامي وأجل الصدود. # وخلال تصاعد تلك الحمى المستعرة بالغناء والإنشاد للإعلاء من شأن الجليلة بنت مرة ~~ومحاسنها، كل ليلة على بوابات وأعتاب قصر التبع، لم يجد الوزير الحكيم «حنظلة» ~~منقذا لإعادة اجتذاب اهتمامات الملك لشئون حكم ms041 تلك البلاد المترامية الأطراف. # ومن هنا تزايدت المشاكل، متراكمة بلا حلول، سواء على طول ربوع بلاد الشام، أو ما ~~يستجد من صراعات في اليمن وجنوب الجزيرة والسودان والقرن الأفريقي. # بل إن التبع آثر تكثيف وقته بكامله للاستعداد لإقامة عرسه المرتقب وتلبية رغبات ~~العروس التي لا تنتهي، فهي لم تعد مقصورة على الهدايا وإقامة القصور والبساتين وشق ~~الطرق، بل تعدت كل هذا لتصل إلى أخص خصائص الحكم ذاته، بتعيين مقربيها على طول المدن ~~والثغور والبوادي والحصون، إلى درجة دفعت بالوزير «حنظلة» إلى التساؤل الملح، عن أحقية ~~تلك المرأة في مد وإرساء أصابعها العشرة في كل شئون الحكم، وهي ما تزال بعد خارج جنبات ~~هذا القصر - الحاكم - تساءل: ترى ما الذي ستفعله يوما، حين تتربع على هامة عرش ~~التباعنة؟ # من يدري، بل من يمكن له مجرد النطق بأهوال الكارثة المنتظرة المخيمة التي ستحل على ~~رءوس الجميع. # غمغم الوزير لنفسه متحسرا: من يدري بأبعاد وأهداف سيطرة بني مرة عن طريق تدعيم ~~رجالهم وأعوانهم على طول البلاد وعرضها، ثم ذلك الفشل الذي مني به التبع والجميع على ~~مدى الشهور الأخيرة، لاستطلاع ما حل بخطيبها السابق. ~~- كليب بن ربيعة! # ذلك اللغز الكبير الذي تقطعت أخباره على حين غرة، فلم يعد اسمه الذي لم يكن لينقطع له ~~دوي يسمع أو ينطق به أي لسان. ~~- ما الذي يحدث في الخفاء؟ # على هذا النحو واصل الوزير «حنظلة» طرح تساؤلاته بينه وبين نفسه، دون أن يفصح عنها ~~للتبع حسان لا من قريب ولا من بعيد بعد أن أعيته كل الحيل في تبصيره، بما ~~أصبحت حقا تخبئه الأيام والليالي، على حد قول تلك الأميرة المقتولة: زرقاء ~~اليمامة. # وهكذا أعطى الملك حسان سمعيه - وقبل كل شيء - لكل من يجيئه بأخبار الجليلة ورجاحة ~~عقلها وشعرها ومعلقاتها المتداولة عنها، حتى إذا ما كتبت تخاطبه مرة، أطارت صوابه ~~برصانة شعرها وموسيقاه، والأدهى من ذلك صوتها ومدى نقائه وطلاوته، كما حدثه بهذا ~~الجميع: # مقالات الجليلة بنت مرة # حسان، أنت قيدوم السرايا # تحكم في القبائل والعشائر ms042 # كل المدائن والقرايا # وحكمك نافذ في كل أرض # وتخدمك القبائل مع الرعايا. # لكم حلم التبع حسان بأن يسمعها «أي الجليلة» تغني له ليلا معلقتها عنه بصوتها ~~الشجي الذي يشمخ في نبرته شموخ أرز لبنان. # وها هي الجليلة بذاتها أصبحت في الطريق إليه محملة بمئات الصناديق من هداياها ~~وممتلكاتها وخيولها وهوادجها، لتحط على عتبات قصر التبع. # وهكذا انشغلت العاصمة دمشق عن بكرة أبيها تبيت وتصحو على انتظار العروس وما تحمله، ~~ليأتي العرس بعدها بصخبه وسموه ومباهجه التي لا تنتهي. ~~- تلك الليلة الليلاء، المرتقبة. # ولعلها فعلا ستكون ليلة ليلاء بعدما أصبحت هاجس أفكار الوزير حنظلة، دون أن يعرف ~~لذلك سببا واضحا. ~~- هل حقا ما يحدث ويجري، أن تصفو القلوب بين الأغنام والذئاب على هذا ~~النحو؟! # تساءل الوزير وهو يدور في جنبات القصر الشاهق صادرا تعليماته وأوامره التي تلقاها من ~~التبع بحيث يجري تنفيذها بكل دقة وحزم، مع مراعاة اليقظة الكاملة لخبايا تلك الليلة ~~المنتظرة التي أصبح يتوقعها الجميع على أحر من الجمر. # فالتبع الغائب عن كل وعي وإدراك، أصبح لا حلم له على طول ملكه المترامي سوى انتظار ~~تلك الليلة التي ستأتيه بالجليلة بنت مرة. # وهنا يكون قد حقق هدفين بحجر واحد، أولهما استحواذه على الجليلة بنت مرة بجمالها ~~ومواهبها ومدى الشعبية الجارفة التي تتمتع بها على طول هذه البلاد التي جاءها غازيا ~~فاتحا. # ثانيهما هو نجاحه في ضرب وفرط عقد ذلك التحالف بين «بني مرة» وبين «بني ربيعة» ~~التغلبيين الفلسطينيين. ~~- وهو ما لم يدركه الجميع. # هكذا أسر الملك حسان لنفسه، مبررا مدى انكبابه على استعدادات التحضير لعرسه وزواجه ~~من ابنة آل مرة. # بل وبهذا المنطق المتعقل نفسه واجه التبع حسان وزيره المقرب «حنظلة» في محاولة ~~لتبصيره بأهدافه من إنجاح خطوات ومراحل هذا الزواج بالشكل اللائق، واعدا ومتعهدا ~~بالتفرغ لحل كل ما استجد من مشاكل، وعلى رأسها بالطبع تشتيت فلول «بني ربيعة» وأميرهم ~~المتمرد في شعاب الجبال المحيطة. ~~- كليب بن ربيعة، وشقيقه الأصغر الملقب بسالم أو الزير سالم. # فكيف للملك حسان، أن ms043 يغفل لحظة عن كليب، وذلك الانتقام المبيت له، خاصة وهو الذي - ~~أي حسان - سبق له صلب والده ربيعة على بوابات دمشق. # بل إن التبع أرسل فعلا بقواده وعيونه من كل حدب وصوب لترصد أخبار كليب وتصيده ~~أينما كان، في لبنان أو وادي الأردن وفلسطين أو شمال الجزيرة العربية. # لكن الغريب هو انقطاع أخبار كليب وكل أثر له من كل تلك البقاع والوهاد، خاصة عقب ~~إعلان التبع الزواج من الجليلة - خطيبة كليب السابقة - وموافقة أهلها وموافقتها ~~هي ذاتها على ذلك. # وهكذا فشلت كل محاولات التبع حسان للإيقاع بكليب، أو حتى مجرد معرفة ما حل به، ~~سواء عقب مقتل والده، أو عقب تخلي الجليلة بنت مرة عنه، مفضلة الارتباط والزواج بالملك ~~الغازي المنتصر. ~~- فلعله الآن، نهبا لأحقاده ينهشه الندم. # لكن كيف للتبع حسان أن يهدأ بالا، ما دام كليب بن ربيعة حرا طليقا، هو ورجاله ~~من بني ربيعة. # كيف له أن يهدأ ويصفو بالا، وهو الذي سبق له التمثيل بأبيه وإخوته باستثناء هو وها ~~هو اليوم يسلبه حبيبة قلبه، الجليلة بنت مرة، التي أصبح ينام ويصحو على أخبار محاسنها، ~~وهي في الطريق إليه إلى دمشق وغوطتها الساحرة. # الفصل السابع # | خديعة التبع المتجبر # كانت خطة الأمير الفلسطيني «كليب» التي رسم أبعادها وخطواتها مع حبيبته «الجليلة ~~بنت مرة» تتمثل أولا في قبولها وترحيبها الشديد بالزواج من الملك التبع ~~حسان. ~~- فليس في الوجود كله، من هي أحسن وأرفع حظا مني؛ أن تمتد إلى شخصي الضعيف أنامل ~~«ملك الملوك التبع حسان». # باغت كليب الجليلة مقررا. ~~- وأرجو أن تنسيني تماما، وكما لو أننا لم نلتق من قبل. ~~- كيف؟ ~~- سأختفي عن كل الأنظار. # تساءلت الجليلة، وهي تتطلع ببصرها عبر الأفق اللانهائي غير مصدقة: كل الأنظار ... ~~أين؟ # قاربها كليب مهونا وهو يأخذ أناملها بين كفيه في حنو: سأخبرك يا جليلة في الوقت ~~الملائم بمخبئي وأين سأكون؟ # أعادت الجليلة التساؤل: وحدك؟ ~~- لا، بل أنا ورجالي الذين سأعيد اختيارهم هذه المرة بكل حذر. # من جديد قاربته الجليلة فزعة مما يحدث: لكنك ms044 تعرف يا كليب أكثر من غيرك، بمدى ~~الخطر الكبير الذي لا مهرب منه، فالتبع لا ينام الليل بحثا عنك، ورجاله وعيونه ~~وبصاصوه أصبحوا لا يتركون شبرا في الأرض بحثا عنك، وعن رجالك. # ابتعدت الجليلة قليلا عنه مختطفة حقيبة صغيرة من أحد الأركان، مخرجة مجموعة من ~~الأوراق - الجلدية - دفعت بها إلى كليب؛ قائلة: وهذا ما توصل إليه رجالنا، وعاد إلى ~~به رسلي من داخل القصر الحاكم ذاته، ولك أن تتصور بنفسك عقب قراءة كل هذه المدونات، مدى ~~ما وصل إليه جنونه للإمساك بك. # تناول كليب لفة المخطوطات التي دفعت بها الجليلة بنت مرة إليه ليدفع بها بدوره إلى ~~أحد حرسه و«ناطورجيته» الذي تناولها متعجلا جاريا معاودا حراسته وتطلعه عبر جهات ~~الأفق الأربع، معتليا أعلى ربوة مشرفة على مكان لقائمها في تلك الليلة التي غاب ~~قمرها. # كانا يجلسان على شاطئ البحر، داخل كشك تحيط به حديقة قصيرة الشجر، على ربوة عالية ~~مشرفة على البحر الهادر المتلاطم الذي تحده في شبه قوس مراكب الملك الغازي حسان على طول ~~مرمى البصر ومن الجهات كافة، وجرى لقاء كليب والجليلة بأقصى درجات «الحيطة والسرية» ~~بعيدا عن عيون الملك، وبصاصيه المندسين في كل شق، بحثا - وقبل كل شيء - عن كليب، ~~بعد صلب التبع حسان لوالده الأمير ربيعة على بوابات «أمية» عاريا مقلوب الرأس رغم ~~أنه كان نصف ضرير. # كما تم اللقاء بينهما في أقاصي فلسطين، في مدينة عكا بالذات التي قدمت إليها الجليلة ~~سرا متخفية ممتطية حمارا. ~~- أنساك؟ # واجهته بسؤالها هذا في مكمنه وهي تركز أنظارها على فروة رأسه وشعره المجعد الأسود ~~المسترسل على حلقات حول وجهه المتوقد بذلك الذكاء المشع والطافح بعلامات الجمال ~~والرجولة التي لا يكل منها أي نظر. # عادت الجليلة تنقل نظرها بين كليب وبين سفن التبع الراسية في البحر بأضوائها ~~المنعكسة على صفحة المياه؛ نتيجة النيران التي أوقدها بحارتها التي طاول بعضها عنان ~~السماء في ليلة الصيف تلك؛ كي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، فبدت انعكاسات اللهب أشبه ~~بمليون أفعى مجنونة تلهب ms045 ظهر البحر بسياط من ضوء. # وعادت الجليلة تسأل: أنساك يا محفوظ «أحد ألقابه الكثيرة»، كيف؟ # ولن أزورك حتى هنا في عكا؟ ~~- لن تجديني في عكا، بعد الليلة. ~~- سيظل قلبي معك أينما كنت. ~~- ولكن هكذا سنقتل معا إن لم يكن اليوم فغدا. # فوجئت الجليلة بذلك كمن تستيقظ من حبها وسباتها؛ متسائلة: نقتل؟ # قاربها كليب إلى أن احتوى وجهها المعبر اليقظ بين كفيه الدافئتين: جليلة لا تخافي، ~~وبإيجاز دعيني أكرر لك انسي من الآن ما بيننا. # انفلتت من بين يديه جارية نحو الماء، وهي في حالة من الذعر الكامل كمن يعاني من نزيف ~~حاد جاء على حين غرة. ~~- معنى ذلك أنك ستلقي بي في أحضان ذلك التبع لأصبح ضمن حريمه ونسائه وخصيانه، أليس ~~كذلك يا محفوظ؟ # 1 # اندفع إليها كليب مقاربا موضحا، وقد عرف قصدها وما يعتريها من اضطراب وسوء ~~فهم. ~~- الأول نخلص بأقل خسائر من ذلك الطاغية، حسان. # واجهته: وبعدها؟ ~~- نحكم هذا العالم معا، يا جليلتي. # تطلعت الجليلة ببصرها نحو البحر الهادر والأفق الرحب وهي تشعر بحب غامر وشوق عارم نحو ~~ابن عمها كليب وكأنها في تيه حقيقي. # فلقد كانت الجليلة بنت مرة تجمع بين دفتي شخصيتها إلى جانب ذلك الجمال الأنثوي ~~الباهر، المجلل باتساع المعرفة فيما أنشدته وعرف عنها من أشعار ومعلقات، انتشرت ~~إيقاعاتها بين جموع البشر وبكل ما عرف عنها من رصانة أقواها ومنظوماتها: # يا ابنة الأقوام إن لمت فلا # تعجلي باللوم حتى تسألي # فإذا أنت تبينت الذي # يوجب اللوم فلومي وأعدلي # وإذا أخت امرئ ليمت على # شقق منها عليه فافعلي # لم تكن لطموحات الجليلة بنت مرة حدود تقف عندها؛ لذا آثرت الاكتفاء بما قاله كليب ~~لها؛ حيث اعتبرته نوعا من الضمانة التي بموجبها ستواصل مسيرتها المحفوفة بالأخطار؛ كي ~~تنفذ غاياتها كافة والتي منها الاستحواذ على سلطة ذلك التبع الطاغية. # أما كليب المنكوب في مصرع أبيه أمير بني ربيعة والفار من وجه سلطة الطاغية فهو ~~بالطبع الأكثر حيلة ودهاء، وبالتالي مناورته للخلاص من نير الظلم الذي حل بربوع هذه ms046 ~~البلاد، بجبالها ووهادها وبحارها، إثر الغزوة الضارية المفاجئة التي حلت مثل كابوس ثقيل ~~لا قبل لأحد به، وهما على مشارف الأسابيع الأخيرة لعرسهما وزواجهما الذي كان قد طال ~~أجله. # وهو الزواج الذي تعاهد عليه القومان - بني مرة في لبنان، وبني ربيعة في فلسطين - ~~ليكون آخر المطاف ونهاية لتلك الحروب والمنازلات والغزوات التي كانت مستعرة بينهما، ~~لسنوات طويلة سوداء، عانى منها الفريقان الأمرين. # أما ما غاب عن أذهان الجميع ، خاصة والديهما - ربيعة ومرة - حين تعاهدا على ذلك الزواج ~~- السياسي - هو حكاية حبهما الجارف معا الذي ولد معهما - الجليلة وكليب - منذ مطلع ~~شبابهما، على مشارف بيروت، ووهاد صور، ومروج البقاع؛ حيث كان يتم لقاؤهما معا، وكأنهما ~~بهذا إنما يتحديان تلك الحروب والمناوشات والغزوات الملفقة بين قوميهما. # إلى أن حانت مناسبة الاتفاق على زواجهما فضحكا معا طويلا، بل إن كليبا داعب ~~والده وشيوخ قبائله في البداية برفضه ذلك الزواج المصطنع؛ إذ كيف له الرضوخ وتقبل ~~الزواج من فتاة - بيروتية - لم يرها أو يسمع بها أو يهفو إليها قلبه. # وهنا دبر له بعض شيوخ قومه وأبناء عمومته أمر لقائه بالعروس الشاعرة الباهرة الجمال ~~التي تلهج الشفاه والأفواه بمحاسنها على طول البلاد وعرضها، حتى إذا ما تيسر لقاؤهما ~~ضحكا طويلا معا حتى استلقيا على ظهريهما. # بل إن الجليلة بنت مرة استعذبت تلك اللعبة طويلا، التي تتيح لها في كل مرة الالتقاء ~~- بحبيبها - كليب على مرأى من الجميع، حتى ترضى عن اقتناع من الزواج وربط مصيرها ~~الأزلي به. ~~- فأنا لست سلعة أو بضاعة لإيقاف رحى الحرب على جثتي! # حتى إذا ما افتضح في النهاية أمر لعبتهما وعبثهما تنفس الجميع الصعداء مستبشرين بوضع ~~حد لتلك الغزوات والمنازعات بين أبناء «البيت الواحد»، فأنشد الشعراء الجوالون وتغنوا ~~بقصة حب الجليلة بنت مرة وكليب، المرادفة للسلم بدلا من الحرب والعدوان. # إلى أن حل بالجميع ذلك العدوان الغاشم الذي قاده التبع حسان اليماني، فجاء ضاريا ~~مؤذيا بأمن الجميع. # كان والد الجليلة الأمير «مرة» المتعاون مع التبع قد أعطاه كلمته بتجهيز الجليلة ms047 ~~له وها هي الجليلة ستزف إليه. # هنا انتصبت الجليلة كمن تحتضن هواء البحر بأكمله؛ قائلة لكليب: ها أنا ~~جاهزة. # استدارت في أقصى كمدها مقاربة كليبا المتنمر في إثرها معلنة. ~~- العروس. # واجهها كليب بدوره قائلا: إذن فلن يعرف أحد. # غمغمت: سوى العروس! # هنا اجتذبها كليب من يدها إلى ذلك الكشك المزين بأشجار الورود والرياحين جنبا إلى ~~جنب مع اللبلاب بعيدا عن العيون ليزف إليها بتفاصيل الخطة. # وتقضي الخطة بأن يجري تجهيز العروس الفاتنة ذائعة الصيت والجمال وزينة كل النساء بحيث ~~تأتي من بيروت إلى حيث عاصمة التبع حسان في دمشق، محملة بهوادجها وخيولها المطهمة ~~وصناديقها الثقيلة مع جوقة من وصيفاتها وغلمانها، بما يسمح بتسلل الكثير من رجال ~~كليب المقاتلين الممتازين، في الوقت الذي سينتشر معظم جيش - من التغلبيين - على ~~التلال المحيطة بدمشق، وسيتم كل شيء كما يريد له التبع أن يجري ويتم بطريقة ~~طبيعية. ~~- طبيعي. # سوى أن كليبا سيفتعل معركة على مشارف دمشق، تسمح من جهة بتسلل رجاله إلى داخل ~~صناديق محتويات العرس وأثاثاته العملاقة، وتسمح في ذات الوقت بتسلل كليب ذاته، ~~باعتباره مضحك أو مهرج أو خصي الأميرة الجليلة المقرب، الذي يضحك الحجر قبل البشر، ~~متنكرا بكامله تحت هلاهيله وجلود الحيوانات والأصباغ، متخذا اسم «قشمر بن غرة» الذي ~~يلعب بالبيضة والحجر في ذات الآن. # يضاف إلى ذلك، اضطرار التبع حسان إلى إرسال معظم حرسه الخاص ورجاله لتخليص العروس ~~الجليلة من أيدي قطاع الطرق وعصاباتها لتأديبهم. # هنا سيخلو لنا الجو للتسلل إلى حفلة العرس لتسلية التبع الذي لا ينام الليل حبا ~~في اللهو والسمر. ~~- وهذه ليلة عمره. # بهرت الجليلة من خطة كليب إلى حد دفع بها إلى القول بثقة ودون تردد: التي فيها ~~سنقصف عمره. # استدارت لكليب مشجعة: انتقاما للدم الذي أهدره في بيروت والبقاع ودمشق والقدس ~~وأسدود في فلسطين، واجه كليب الجدار كمن يكبت مشاعره في صعوبة بالغة. ~~- أبي عريان مقلوب الرأس معلق على بوابات دمشق. # قاربته الجليلة: أعمامي وأولاد أعمامي، وأربعون فتاة من آل مرة. # أخذت الجليلة بيده معاهدة: ms048 في كل بيت مأتم، منذ وصوله. # استرد كليب يقظته وحلمه الكبير ذاك قائلا في حزم: إذن فهي فرصتنا الوحيدة ~~يا جليلة. ~~- لا تخف. # واجهها كليب مطوقا رأسها، حتى إنه أسقط خباءها عن رأسها: أنت الشيء الوحيد الخائف ~~عليه. # لكزته الجليلة ضاحكة مسرة: لا تخف، فلقد أصبح لا ينام ليله، وفي كل يوم تصلني هداياه ~~من قطعان الجمال والأفيال، مما تشتهيه النفس. # ضاحكها كليب: هكذا الأمر إذا. # داعبته: أليس هذا ما تطالبني به؟ أن أسحره سحرا بكل ما أوتيت وهكذا أصبح التبع - ~~المفترس - حسان بن أسعد مجرد خاتم في إصبعي. ~~- هائل. # واستطرد كليب مع الجليلة شارحا بكل دقة تفاصيل خطته ومسالكها خلال مراسيم هذا ~~العرس الدامي المرتقب وكيفية إعداد رجاله ببالغ السرية والكتمان، وحتى كيفية تصميم ~~صناديق جهاز العرس وخصوصيات العروس الجميلة. # وكذلك حادثها عن مدى إعداده لكتائبه المرابطة على طول الطريق بين بيروت ودمشق بسرية ~~مطبقة. # وكانت الجليلة كثيرا ما تستوقفه مستوضحة طارحة مختلف ظروف الاحتمالات، ومنها إمكانات ~~الانكشاف والفشل لخطتهما بالغة السرية على نحو يثير كل حمية كليب وتوقده وإحكامه ~~لاحتمالات الوصول إلى رأس التبع الطاغية الغازي؛ ليجزها جزا متخذا مكانه إلى جانب ~~الجليلة في حكم الشام وفلسطين، وإنهاء سطوة ذلك الغازي الذي أتت جيوشه على كل أخضر ~~ويابس في بلادهم، والذي يصل به تسلطه إلى حد التفريق بين حبهما وهما اللذان سبقا أن ~~تحديا به كل الحروب والعداوات بين قوميهما. # حتى إذا ما شارف اللقاء بين الجليلة ومحفوظ أو كليب بن ربيعة نهايته وطواهما الصمت ~~الطويل داخل ذلك الكوخ المشرف على البحر المتلاطم قاتم الزرقة، وهما هائمان في أبعاد ~~خطتهما وتفاصيلها، احتضن كليب الجليلة مودعا إلى أن حملها حملا بين ذراعيه، ~~ليركبها حمارها المطهم، عبر الصمت والظلام المخيمين. # الفصل الثامن # | العرس الدامي # لعلها كانت أصعب عملية اضطلع بها وزير التبع حسان، تلك التي كلفه بإنجازها منذ أن ~~التحق بخدمته، وهي عملية الإعداد لمراسيم زواجه تلك الليلة الليلاء. # فمنذ مطلع النهار، وطلبات الملك وأوامره المتسمة بالعصبية والقسوة لوزيره «حنظلة» ms049 لا ~~تنتهي ما بين اختيار المدعوين من ممثلي القبائل والعشائر والأمراء والقواد، والتوقف ~~طويلا أمام كل اسم ولقب وقبيلة وقوم، واستقبال الوفود المحملة بالهدايا، ونحر الذبائح ~~وإعداد قصور الضيافة، واستقدام كبار الفنانين، من شعراء ومغنين ومنشدين وراقصين لإحياء ~~الحفل، من مصر وسورية وفلسطين وربوع اليمن. # ناهيك عن مطالب العروس ذاتها، وأهلها - بني مرة - التي أصبحت في الأيام الأخيرة لا ~~تقف عند حد ومطمع. # والملفت في الأمر أنها مطالب غريبة تدفع إلى كل سخط وشك، إلا أن «التبع» لم يعد ~~يسمع لأحد نصحا أو مجرد رأي بسيط سواها. ~~- الجليلة بنت مرة ومراسيلها ومعلقاتها الطاغية. # تلك الأميرة - اللبنانية - التي سحرته بشعرها ومعسول قولها، قبل محاسنها، فكان أن ~~أحبها التبع من قبل أن يراها أخذا بالقول المأثور: «والأذن تعشق قبل العين ~~أحيانا.» # حتى إذا ما سنحت - للتبع العاشق - رؤيتها بطريقة مباغتة ساحرة للمرة الأولى، أردته من ~~فورها صريع هواها وعشقها. # ذلك أن الجليلة بنت مرة - وكجزء من خطتها - في تملك قلب التبع حسان، دبرت خطة ذكية ~~مفاجئة ولا تخلو من أخطار، لتلتقي به متنكرة على هيئة أمير فارس شاب مع مطلع نهار خرج ~~أثناءه التبع محاطا بفرسانه وكوكبة قوداه المقربين للصيد والقنص في أحد مروج ~~لبنان. # وهنا تحينت - الجليلة - تلك اللحظة للالتقاء بالتبع، وهو يطارد أحد الحيوانات ~~البرية، فبرزت له من بين الأشجار، بعد أن أردت فريسته بسهمها، فما كان من الملك ~~التبع سوى الترجل مندهشا من مواجهة ذلك الفارس الماهر المجهول الذي قاربه مواجها: ~~من أنت؟ ~~- أنا قدرك، أيها الملك. # وبعدما فاق التبع حسان من هول المفاجأة على هذا النحو استل حسامه، كما لو كان على ~~موعد مع لحظة اغتيال غادرة مباغتة. ~~- قدري؟! ~~- أجل، يا مليكي. # حتى إذا ما كشفت خباءها عن وجهها الباهر الجمال مرخية خصلات شعرها العسجدي الضارب إلى ~~الحمرة، متقدمة في حياء مغمغة: أنا، الجليلة بنت مرة! ~~- أميرتي الجليلة؟ ~~- أجل. # وضحكا طويلا وهما يطلقان لخصيانيهما العنان إلى أحد المروج المهجورة. # توقف الملك حسان منبهرا في أقصى نشوته من تلك ms050 المفاجأة العذبة التي أرادت بها ~~الجليلة أن تدخل السرور على قلب الملك. ~~- متى ينتهي كل شيء لنسعد معا يا جليلة طيلة عمرنا؟ ~~- أنا طوع يمينك يا مليكي. # ومنذ تلك اللحظة والملك حسان، لا ينسى مقدار السعادة التي غمرته كما لم تغمره من قبل ~~إثر لحظة الفرح تلك التي جعلته ينتشي بالحياة وحبورها الذي يضفيه الحب قبل أي شيء ~~آخر. # ولم يطل لقاؤهما، ذلك أن الجليلة تعمدت إنهاء ذلك اللقاء الخاطف المفاجئ، حين ودعته ~~معاودة تنكرها بعدما خلع عليها قلادته الملكية فأطلقت عنان حصانها مسابقة ريح الصباح، ~~مختفية، تاركة التبع العاشق، ليلحق بركبه وفرسانه، كمثل طائر هائم محلق بين أرز ~~لبنان الساحر المتعانق في شموخه إلى عنان السماء. # حتى إذا ما لحق فرسان الملك حسان به ظل يضحك في فرح منتشيا، مما أثار فضول مرافقيه، ~~عندما فاجئوه مع غروب الشمس تمهيدا للعودة إلى دمشق محملين بأسراب صيدهم! ~~- نريد أن نعرف صيد التبع اليوم. ~~- أروع صيد. # إلى أن نطق أحدهم هامسا في أذن الملك، مما ضاعف من سعادته: لعلها الأميرة، ~~الجليلة؟! # فكان كلما اقترب موعد وصول موكب العروس وتوابعها من بيروت إلى دمشق، كلما تضاعفت ~~أعباء الوزير - حنظلة - نتيجة أثقال الملك التبع المتوتر عليه بالمطالب واستكمال ~~الاستعدادات. ~~- ألن ننتهي اليوم؟ أما من مهرب؟ # حتى إذا ما تدافعت وفود الرسل المذعورة الغارقة في سيول دمائها قبل عرقها، بل ومنهم ~~من قطع لسانه من جذوره، عائدين معلنين الأنباء السوداء عن تعرض موكب «العروس» لعصابات ~~قطاع الطرق، ونهب كنوزها، بل وأسرها على طريق بيروت دمشق ووصل توجس الوزير إلى أقصى ~~مداه. ~~- كيف حدث هذا، الجليلة؟ # وهاج الملك التبع حسان وماج على طول جنبات قصره وقلاعه حين وصله الخبر، إلى حد ~~التطاول بل والتعدي بالقتل لبعض مساعديه وحاشيته، فلم يسلم من غضبه الجارف أحد، حتى ~~الوزير حنظلة ذاته. ~~- لزوجتي، حليلتي، يحدث كل هذا! # بل إن حنظلة وجدها فرصة ذهبية لمواجهة التبع الغازي، وتبصيره بما ينتظره من ألاعيب ~~أهل هذه البلاد من آل مرة والبكريين والتغلبيين، فمن ms051 الواجب عليه - أي التبع - ~~التنبه والحرص ولو على الدم الذي أريق وسفح على مشارف تلك التلال والوديان والبقاع ~~وصحاري الأدوميين، حتى استتب له الأمن بعد فتحها وحكمها. # إلا أن الملك لم يتح لوزيره كلمة عاقلة واحدة مواصلا هياجه كمثل جمل منتقم مفلوت ~~العيار، وهو يسعى إلى حتفه سعيا، بكل ما أوتي من جبروت. ~~- كيف يحدث ما حدث لزوجتي؟! # صادرا من فوره أوامره ونواهيه لكبار قواده وفيالقه وحرسه الخاص ، وكل من طالته يداه، ~~لإنقاذ العروس وإحضارها أينما كانت. # والأدهى من ذلك أن تغيب كل قوة وحامية بسرعة الريح، ثم تمضي الساعات ولا تعود ~~بخبر. ~~- ما الخبر؟ # هنا يشتعل غضب التبع وانتظاره أكثر فأكثر مرسلا بمجموعة أخرى في أعقابها. ~~- ثلاثة قواد يرحلون، ولا يعود منهم أحد بالخبر اليقين؟ # حتى إذا ما حط المساء جاثما، وضجت مدينة دمشق عن بكرة أبيها متندرة بعرس التبع ~~الغازي الذي استحال إلى كارثة. ~~- فضيحة! # انشقت الأرض فجأة عن العروس وموكبها الهائل، في حالة من الذعر والفوضى ~~الشديدين. # حتى إذا ما تسلل موكبها من جمال وخيول بأحمالها إلى داخل عتبات قصر التبع الحصين ~~دون أدنى رقابة ارتمت العروس من فورها بين أحضانه باكية كمثل مراهقة غريرة. # وأمام انبهار التبع حسان من جمالها وروعتها وكامل زينتها وإيماءاتها العذبة ~~وتدللها، أمر من فوره بإدخال صناديق عرسها ووصيفاتها وتوابعها من خدم وحشم، مشيرا: ~~أقيموا الأفراح. # وعلى الفور علت الزغاريد والغناء ودقت الدفوف، وامتدت سماطات وموائد الطعام، ولهجت ~~الألسن بكل لهجة ولكنة ولسان بمحاسن العروس والعرس، إلى أن اختلط الحابل بالنابل، في ~~تلك الليلة التي اعتراها التوتر والمفاجآت منذ مطلع النهار، بما ينبئ عن اختتامها بحادث ~~جلل. # هكذا بدا الأمر للوزير وهو يرقب مجريات أمور هذا اليوم الرهيب وما سينتهي ~~إليه. # تساءل الوزير وهو يرقب متطلعا في وجوه أهل العروس وأقاربها وخدمها وحشمها ومهرجيها؛ ~~متسائلا: كل هذا الجيش! # مضى يرقب ما يحدث على مشارف مخدع التبع، الذي استسلم للجليلة، إلى حد إجلاسها إلى ~~جانبه على «عرش التباعنة» ويستغرق من فوره من تتبع ms052 مضحكيها وسمارها الستة وهم ~~يقفزون متراقصين عابثين هنا وهناك على أصداء الموسيقى الصاخبة. # وعن للوزير السؤال عن أحدهم وكان أبرزهم حركة وقربا إلى قلب العروس الجليلة بنت ~~مرة. # فقيل له إن اسمه «قشمر بن غرة» وهو مضحك الأميرة. # انسحب الوزير محاولا جذب انتباه التبع لما يجري فما كان منه إلا أنه أغلظ له ~~القول، إلى حد الإقلال من شأنه أمام الجليلة التي بدت للوزير ساعتها وعيناها لا تغفل عن ~~مهرجها «قشمر بن غرة» مما دفع بالوزير إلى الانسحاب حفاظا على ماء وجهه، وهروبا بجلده ~~مما يحدث. # وراحت الجليلة تروي على التبع نكات ومداعبات مهرجيها وتهكماتهم الذكية وخاصة هذا ~~«القشمر»، مشيرة إليه بساعدها الخمري اللون البض الملمس. # فاندفع «قشمر بن غرة» من فوره قافزا راقصا هازلا تحت رقع ثيابه، متمنطقا جلد ~~النمر ومتقلدا سيفه الخشبي وسوالفه مدلاة كمثل «كبش». ~~- من يناديني ... من ... من؟ ~~- اسمع يا قشمر. ~~- سيدتي، مولاتي. # مضى المهرج مشهرا سيفه الخشبي، ممتطيا عصاة الجريد كمثل فارس مغوار يجري في ~~هزل. # وحين أغرقت الجليلة في الضحك إلى حد الارتماء امتدت يد التبع ساندة لها في حنو: ~~حقا إنه يضحك طوب الأرض يا جليلة. ~~- حقا بهلول نادر. ~~- يزيل الغم ويفرج الكرب. # واندفعت تحادث التبع المنتشي عما حدث لها من رعب خلال الطريق، إلى أن ضاقت بها ~~السبل فأعادها إلى حيث البهلول والمرح والغناء وليلة العمر هذه. ~~- لننس ما مضى يا جليلة يا حبيبتي. # هنا كان المهرج قشمر قد أوصل الجليلة والجميع إلى أقصى حالات الاستغراق في الضحك الذي ~~لم يخل من مجون، إلى أن تجرأ معبرا عن نفسه بعد تصنعه الخوف والهلع طويلا من ~~التبع وهيبته وتاجه. ~~«فمضى من فوره راقصا بسيفه الخشبي، وكان تارة يبحلق عينيه، ويدق الأرض برجليه ويديه، ~~وتارة يقول: أين الفرسان الفحول؟ أين ابن عطبول؟» ~~«وكثيرا ما يرقص ويضحك بلا سبب، وهو راكب الفرس القصب، إلى أن اندهش التبع من ~~أعماله، واستغرب أحواله وأقواله.» # بحث التبع فجأة بعينيه عن وزيره حنظلة فلم يجده، هنا شاغلته الجليلة وهي ms053 تلاطفه: ~~تعبانة. # عندئذ تدخل «قشمر» عابثا مضاحكا قائلا: إن كنت تريد الطرب الآن، فمر سيدتي ~~الجليلة تغني لك، فإن صوتها مليح ولفظها فصيح. # وطلب التبع منها أن تغني، فهو ينتظر على أحر من الجمر سماع صوتها وأشعارها ~~وإنشادها. # هنا واصلت الجليلة تدللها مدعية الحياء والخجل من جموع الموجودين، مطالبة بإغلاق ~~الأبواب حتى لا يسمع أحد. # وما إن انسحب المدعوون بإيماء من عين التبع، حتى تطوع قشمر بالحنجلة هنا وهناك ~~مغلقا أبواب المخدع بنفسه في هزل. # ثم عاد مقدما قيثارة مذهبة للجليلة التي ارتفع صوتها مغنيا شجيا ساحرا: # بحضرة تبع الملك المسمى # بحسان إذا ما شن غاره # وقد أمسيت في قبضة يديه # ومن حبي شغل قلبي بناره # ألا يا حارس البستان صنه # وإن فرطت في الطير طاره. # وحين وصل الطرب بالتبع إلى أقصى مداه، زاد به الوجد والغرام، إلى حد مطالبة ~~الجليلة بالغناء دون توقف، إلى أن عاجلها قائلا: مثلك حقا يا جليلة نادر بين النساء ~~فقد زاد سرورنا هذا المساء. # هنا أيقن - كليب - المتنكر تحت جلد وأصباغ وهيئة مضحك الأميرة «قشمر بن غرة» أن ~~الوقت قد حان، فمضى يواصل هزله، مومئا للجليلة سرا بمشاغلة التبع الغائب عن ~~وعيه. # ثم انسحب باتجاه صناديق العرس والجهاز، فاتحا في سرعة وخفة مخرجا فرسانه ~~المختبئين. # إلى أن عثر على سيف التبع ذاته، فخرج إليه به وقد تقلد درعه. # وهكذا «خرج كليب فجأة إلى الملك الأكبر، وقد احمرت عيناه، حين تذكر أباه، فصال ~~وجال في وجه التبع الذي ألجم من هول المفاجأة.» ~~«ثم قفز كليب مقاربا التبع هاجما، إلى أن تعرفه التبع وأيقن بالهلاك، ~~والوقوع في شرك العقال.» # واندفع كليب جاريا داخل مخدع التبع من دون أن تتوقف الموسيقى أو الغناء، فهب ~~التبع كالمجنون وقد تعرفه منشدا مرثيته الشهيرة الكبرى: # يقول التبع الملك اليماني # لهيب النار تشعل في فؤادي # أمير كليب يا فارس ربيعة # يا حامي النسا يوم الطراد # أريد اليوم أن أعلمك شيئا # لتعرف حال أخبار العباد. # ولم يمهله كليب بن ربيعة ليكمل مرثيته، ms054 فهجم عليه صارخا: «لا بد من قتلك كما قتلت ~~والدي، فأكون قد أخذت بثأري.» # وتقدم منه ودق عنقه وشهر رأسه عاليا على أسنة رماحه! # الفصل التاسع # | اغتيال الصحصاح ابن التبع حسان # على ذلك النحو المأساوي، جاء ذلك العرس الدامي الذي أقامه التبع حسان اليماني ~~لزواجه من الجليلة بنت مرة، والذي فيه قطع كليب الفلسطيني رأس التبع، بعد أن ~~أمهله لإنشاد مرثيته الشهيرة التي اعترف فيها، بكليب وطراده: # أمير كليب يا فارس ربيعة # يا حامي النسا يوم الطراد. # وهي المرثية التي حملت عبر العصور بإضافات الرواة لما يعرف «بالتراكم ~~الملحمي». # ففيها يتضح أن التبع القتيل كان على دراية بمصيره الدامي: # وعندي قد تبين بالملاحم # بأنك قاتلي دون العباد # وبعدي شاعرة تنزل عليكم # وعبدي يذبحك بين الجماد. # ويبدو أن التبع يعني بالشاعرة، عمته الشاعرة المنتقمة «البسوس» حينما يصلها خبر ~~اغتياله بيد كليب في ربوع الشام، كما أن هذه المرثية، كشفت أبعاد المستقبل السياسي ~~لبلدان الشرق الأردني القديم، مبشرة بالدور الفاتح الكبير الذي سيضطلع به ذلك الطفل ~~الرضيع - ذو اليزن - ابن أخيه عمرو الذي سبق للتبع حسان قتله التزاما بالوصية، كما ذكر ~~في مرثيته التراجيدية الكبرى على مرأى من الجليلة المتآمرة: # وسيف ذو يزن بعدك يظهر # تصحبه السعادة في العباد # ويبقى ملكه سبعين عاما # وبعد ذلك يطوي في الوهاد # ويظهر له ولد يدعوه «دمر» # شديد البأس مرفوع العماد # فيملك في بلاد الشام بعده # يجلب الماء من أقصى البلاد. # وهو ما حدث في أعقاب مقتل التبع حسان، وتشتيت فصائل بني ربيعة التغلبيين لجيش ~~الملك حسان من اليمنيين، إلى أن اتخذ كليب مكانه، معلنا نفسه على رءوس الأشهاد أنه ~~«التبع الجديد» مشهرا رأس التبع الغازي حسان، وعقد قرانه على حبيبته «الجليلة ~~بنت مرة» التي قاسمته مخاطرة ما أقدم عليه، متسميا بكليب «ملك العرب ~~والعجم». # لكن ما إن تواتر خبر مقتل الملك التبع حسان اليماني وشاع، من موطن إلى آخر ووصل ~~أسماع عمته «الشاعرة البسوس»، حتى شقت ثيابها من هول النبأ الفادح وجسامته، وهي التي لم ms055 ~~تبرأ بعد مما حدث وألم بوالدهما - التبع أسعد - وانتهى بموته كمدا وغما ~~واندحارا. # هنا تخلت البسوس عن كل شيء حتى ذلك الغلام الصغير الذي كانت انتزعته من أمه الحجازية ~~زوجة «عمرو» عقب قتل أخيه حسان له، والملقب بذو اليزن. # وقررت من فورها المناداة في أقوامها اليمنيين بالانتقام وأخذ الثأر، من التغلبيين ~~والفلسطينيين وآل مرة - اللبنانيين - في آن واحد، بل ومن كل الذين دبروا تلك المؤامرة ~~الغادرة على ذلك النحو الغادر الأليم. ~~- يا للدناءة، يا لثارات حسان! # وعلى الفور قرعت طبول الحرب والانتقام العملاقة - الرجروج - على طول أقوام اليمن ~~والخليج العربي، معلنة الخبر الفادح، والاستعداد للخروج والقتال انتقاما لدم التبع ~~المسفوح على ربى دمشق وبيروت والبقاع. # وحين حاول «ذو اليزن» الصبي، الإلمام بما جرى، وأخبرته عمة أبيه البسوس نادبة الحدث، ~~أبدى الصغير استعداده لمصاحبتها في حربها. # إلا أن البسوس نكبت أكثر حين جاءتها الأخبار بما حدث لجيش التبع وفيالقه التي نجح ~~التغلبيون في إفناء بعضه، وتشتيت الجزء الأكبر منه، في أكبر كارثة انتقامية تعرض لها ~~عرش التباعنة، منذ التبع حميد بن عبد شمس الملقب بسبأ. # وهكذا لم يعد يجدي الإسراع بإعداد ما يلزم من عتاد وسفن إبحار، قادرة على الردع، قبل ~~أن يبرد ويجف دم التبع القتيل بين قبائله وأقوامه. # فحتى ابنه «الصحصاح» الذي كان قد أخذ مكان أبيه في حكم اليمن، بدا عاجزا إزاء فداحة ~~الكارثة التي حلت بالتبع وجنوده في ربوع الشام وفلسطين والبقاع. # ورغم ذلك ظلت البسوس لا هدف لها سوى الانتقام الأسود على ما حل بابن أخيها مهما طال ~~الأمد. ~~- أبدا، لن تخبو نيران قلبي، إلا وكليب ممدد مقطوع الرأس بيد عبدي هذا. # بل هي مضت تصب لعنتها على كل من تقاعس أو تكاسل في الحرب وأخذ الثأر للحميريين ~~المنكوبين، نتيجة الغدر والخيانة. ~~- الدس في المضاجع. # وكانت كلما تدافعت إلى قصرها وفود المعزين، التهبت نيران أحقادها أكثر وأكثر، مهددة: ~~ألم يعد هناك رجال في حمير؟ أين الرجال؟ أين؟ # الآن جاء دور النساء، ولا غيرهن. # إلا أن المصائب ms056 وتوقيتها لم تمهل البسوس؛ إذ سرعان ما تواترت الأخبار بمقتل «الصحصاح» ~~ابن أخيها حسان ذاته، ليلحق بأبيه في قصره المنعزل على أيدي حلفاء التغلبيين ~~الفلسطينيين والدمشقيين وعيونهم الذين أصبحوا يتطلعون إلى ربوع اليمن ذاته. ~~- النكبة ذاتها. # وهكذا انفرط لوهلة، عقد حمير، وأصبح يدعو إلى كل مخاطر وتخوف ورثاء، مما دفع ~~بالبسوس وشيوخ القبائل إلى التعجيل برأب الصدع، والبحث المضني، قبل أي شيء، عن مخرج من ~~أهوال تلك الكارثة التي حلت دفعة واحدة بعرش التباعنة. # هنا تطلعت الأنظار لتحط على رأس «ذو اليزن» الصبي الذي لم يكن ساعتها قد بلغ الحادية ~~عشرة من عمره، إلا أنه كان منذ صغره متماسكا يحوي حكمة الكبار، وتنبئ ملامحه عن البأس ~~الذي عرف عن التباعنة، منذ عبد شمس أو «سبأ». # وعلى الفور أجمعت الآراء على المنقذ الجديد وهو «ذو اليزن» ابن عمرو - المغدور - الذي ~~اشتهر ب «مزيقيا» أو الممزق، ليعتلي عرش التباعنة في تلك السن المبكرة، إنقاذا ~~لليمن والجنوب العربي، بل وجزيرة العرب بأكملها وهي على تلك الحال من التفكك ~~والاضطراب. # فجرت مراسيم تنصيب الملك الجديد ذو اليزن خافتة مبسطة من دون احتفالات وصخب وقرع طبول ~~الرجروج، وذلك بسبب الحزن الذي ألم بالجميع عندما علموا بمصرع التبع حسان وولده ~~الصحصاح، ولما ألم بعرش التباعنة. # وهكذا قدر لذو اليزن الذي ولد وتربى يتيما في كنف البسوس التي كانت قد ~~اقتنصته اقتناصا من بين أحضان أمه، التي فرت بجلدها عائدة إلى قومها بالحجاز، عقب قتل ~~التبع حسان لزوجها والد الطفل. # بعدها استماتت البسوس في اغتصاب الطفل الرضيع - ذو اليزن - من بين أحضان أمه ودفعت به ~~إلى كبار المربين والحكماء ومعلمي الفروسية لينمو ويشب، متمرسا عن جدارة لحكم ~~«حمير» وما يدور في فلكها من أقوام. # وها هي قد حانت فرصتها سانحة، حين وضعت بيديها الاثنتين تاج التباعنة على رأس ~~«ذي اليزن»، عبر طقوس الأحزان الجنائزية التي صاحبت مراسم حفل تتويج التبع ~~الجديد. ~~- ذو اليزن. # حتى إذا ما انتهت عمة أبيه البسوس من ذلك تفرغت من فورها مبيتة وعاقدة ms057 النية على ~~الانتقام لمقتل التبع حسان، حتى ولو استدعى الأمر اللجوء إلى المكائد والفتن ~~واستخدام كل أساليب المناورة والخداع المؤدية إلى تحقيق أغراضها وغاياتها في الانتقام ~~الأسود لدم التبع المهدور. # فهو ذاته الأسلوب - الدنيء - الذي لجأ إليه التغلبيون وحلفاؤهم «آل مرة» لقتل الملك ~~التبع ليلة عرسه بدمشق. # فكانت كلما استمعت إلى تفاصيل المكيدة التي أودت بحياة التبع حسان، من عيونها ~~وبصاصيها - شهود العيان - داخل قصر التبع، اشتعلت أكثر نيران حقدها وتأججت إلى حد ~~أنها أصبحت لا تنام الليل. ~~- يا لها من خيانة بشعة! # بل إن نسج الأقاويل والشائعات حول تفاصيل ما حدث تلك الليلة المشئومة داخل قصور الشام ~~ولبنان، وصل بكامله إلى سمعها، ممهدا لها طريق خطتها الجديدة في الانتقام على ذات ~~النمط «والوتيرة» التي أنهت حياة ابن أخيها وفي عقبه ابنه الصحصاح، وكاد أن يصل الأمر ~~بعرش التباعنة إلى نقطة التأزم واللاعودة. ~~- الخراب. # ومن هنا كان لجوء «الأميرة البسوس» إلى الحرب على ذات الوتر، أي وتر الخداع والتآمر ~~وإيقاع الفتن والتحريض، وكل ما من شأنه تقويض أركان بيت بني مرة وبني ربيعة. # وفي مثل هذه الحالة، فمن هو أجدر من البسوس وأكثر باعا وعمقا وأغوارا في اختلاق ~~مختلف صنوف فن الإيقاع، وفي زرع البغضاء والأحقاد وشراء الذمم. ~~- من هو الأجدر في حمير لها؟! # فلا حد ولا نهاية لقدرتها هذه بالإضافة إلى ثرائها وسطوتها التي غدت مضرب الأمثال، ~~بما يتيح لها استئجار أو استخدام البصاصين والملفقين من بلاد الشام وفلسطين طولا ~~وعرضا. # يضاف إلى كل ذلك قدرتها على الحديث والإقناع وهي الشاعرة العريقة صاحبة المعلقات ~~والمحرضات والموثبات والمراثي والمدائح. # فمن غير البسوس يمكن له أن يتفرد متفوقا في أسلوب حرب المخادعة والإيقاع المفضي إلى ~~كل دمار، تعجز عنه أعتى الأسلحة والرجال؟ # ومن هنا فكبوة حمير ودم التبع القتيل لن يأخذ بثأره غيرها، خاصة وبعد محصلة ~~المعلومات والشواهد التي جمعتها جاهدة من مدن الشام وبواديه قبل حضره ومدنه، وبخاصة ~~أخبار ووقائع ذلك التحالف الجديد بين آل مرة في لبنان، وبين التغلبيين ms058 الفلسطينيين، عقب ~~زواج التبع الجديد، كليب، بالجليلة بنت مرة، ووراثة عرش حمير نهارا ~~جهارا. # ثم ذلك الاستحواذ الجائر من جانب «كليب» الذي أصبح يتسمى متعاليا ب: «ملك العرب ~~والعجم»، ممسكا بمقاليد السلطة والتسلط على حلفائه اللبنانيين؛ مما أوغر قلوب الأخيرين ~~عليه، باعتباره لم يرع الاتفاق الضمني السابق لدى اغتيال التبع. # بل إن الأخبار والأقاويل وصلت إلى أذني البسوس مبالغا فيها إلى حد معرفتها الدقيقة ~~بتفاصيل الصراع الوليد الخفي المتفاقم بين كليب وأخي زوجته الجليلة المدعو «جساس بن ~~مرة». # وكيف أن الجليلة أصبحت نهبا لذلك الصراع بين زوجها وشقيقها، محاولة بكل ما أوتيت من ~~رجاحة عقل، رأب ذلك الصدع الجديد المهدد بين قبائل زوجها، وقبيلتها هي - آل مرة - وحتى ~~لا ينتهي الأمر بها إلى ضياع كل شيء. # وهي التي حلمت طويلا وصبرت إلى أن أوصلها طموحها إلى التربع على ذروة السلطة في دمشق ~~وفلسطين وتوابعهما. # ووسط خضم تلك المسالك والمتعرجات والقسمات الواضحة السمات واصلت البسوس - أو سعاد - ~~تحركاتها ورسم أبعاد خطتها الدامية، للانتقال بثروتها من خيول وجمال ورءوس أغنام ~~وأموال، بالإضافة إلى كوكبة حرسها وأهل بيتها إلى ربوع الشام ولبنان. # إلا أنها تمهلت وأخرت تنفيذ خطتها ورحيلها، حين وصلتها أخبار جديدة، تلقتها من رسلها ~~مستبشرة غير مصدقة، حتى إنها خلعت على الرسل، الذي حملوا إليها هذه الأخبار، الكثير من ~~الأموال والهدايا. # ذلك أن والي التبع القتيل حسان على عدن وحضرموت والمدعو بالأمير «عمران القصير»، ~~وصل به الغضب والضيق من مكيدة مصرع التبع حسان بالشام وفلسطين على ذلك النحو الغادر، ~~إلى أقصى مداه، فجهز من فوره جيشه وفيالقه استعدادا للإبحار إلى تلك البلاد ومحاربة ~~التغلبيين من بني ربيعة وحلفائهم، انتقاما لما حدث وألم بالتبع الذبيح. # حتى إذا ما وصلت الأخبار إلى التبع الجديد - كليب بن ربيعة - عن تلك ~~الاستعدادات التي يجريها «عمران القصير» بعدن وحضرموت، استنفر من فوره قومه، لأهمية ~~وضرورة التنبه لما يحدث، وقبل أن «تقع الفأس في الرأس»، وتسقط البلاد في أيدي تباعنة ~~اليمن مرة ثانية. # وهكذا خرج كليب في ms059 كامل عدته وعتاده للقاء جيش عمران القصير الذي جاءهم بجيشه ~~منتقما هذه المرة. # والتقى الجيشان واشتعلت لهيب الحرب، «حتى عظمت الأهوال، وظل كليب يفتك بهم ~~وبأفيالهم وبفرسانهم كمثل ليث ضار، إلى أن تمكن من منازلة قائد اليمانية ذاته - عمران ~~القصير - أياما طوالا، فظلا في حرب وقتال، إلى أن أرداه كليب صريعا.» # وعاد كليب راجعا إلى الشام، فدخلها «كالبازك»، أو كمثل صقر محاط بالعز ~~والنصر. # وهنا لم تجد «البسوس » لها منفذا، سوى مواصلة استعداداتها للانتقام الأسود المبيت ~~سرا! # الفصل العاشر # | انتقام البسوس # استبشرت أقوام اليمن والجنوب العربي باعتلاء التبع الجديد «ذو اليزن» عرش ~~التباعنة، وهو ابن عمرو الذبيح. # وكأن كل ما حدث من كبوات مقوضة لملك الحميريين في السنوات الأخيرة، والتي ~~اختتمت بمصرع التبع حسان بدمشق، لم يكن أكثر من تكفير عن اغتيال عمرو - والد ذو ~~اليزن - الذي تسمى بالممزق أو الذبيح. # وها هو أخيرا ابنه الوحيد - ذو اليزن - يحكم حمير، بعدما أصابها وأدماها من كبوات ~~جسيمة، جاءت متلاحقة كعقاب على ما قد اقترفت يداها. # وهكذا استراح الجميع مستبشرين بذو اليزن أو «ماء المزن»، الذي عرفه الجميع محبا ~~أولا وقبل كل شيء للعلم والبحث في أغوار كنوزه ومخطوطاته التي لا تنضب، لكن وبما لا ~~ينفي فروسيته التي شاعت عنه أيضا منذ مطلع شبابه، مثل خوضه مباريات الفروسية العربية، ~~والتي لا تبعد كثيرا عن الطراد والنزال، بل والحرب عامة باعتبارها رياضة العرب ~~القومية. # إلا أن ما اتفق عليه الجميع، هو مدى سماحته وانشغاله بأمور الناس وما يفيد وييسر ~~حياتهم من إنشاءات لسدود وطرق استجلاب الماء وتصريفه وكيفية التحكم في مساره ومجراه بما ~~يحقق الرخاء والاخضرار للناس والدواب. # وهي مشرعات السدود والتحكم في مناسيب المياه باعتبارها مصدرا لكل حياة ونمو. # فجاء اعتلاء «ذو اليزن» عرش التباعنة أقرب إلى بلسم أراح الجميع، وأخصهم بالطبع ~~أهل العلم الذين التفوا من فورهم حوله معضدين مستبشرين، فلعل في قدوم هذا الشاب الصلد ~~العف ما يحد قليلا من تسلط تباعنتهم وطموحاتهم التي لم تكن لتقف عند حد، على ms060 طول ~~المشرق والمغرب على السواء. # وعادة ما كانت تنتهي تلك الأعمال الكبيرة من حروب وهجرات - والتي تتخذ من طموحاتها ~~مجرد مطايا لبلوغ الآمال، تحت أي شمس وموطن، من مجاهل الصين حتى تخوم مصر - بكارثة لا ~~يعرف لها أحد مدى تقف عنده، سوى أنها - أي تلك الكبوات والانتكاسات - كانت تصيب الجميع ~~بلا استثناء من كبير إلى صغير. # ومن هنا توسمت القبائل اليمانية في التبع الجديد «ذو اليزن»، شيئا مخالفا عمن ~~سبقوه من أسلاف، فلعله سيأخذ بالمشورة أو الشورى التي غابت عن أسلافه التباعنة على ~~طول تاريخهم الغابر، بل إن هذا بذاته ما أصر عليه وزيره وناصحه الأول الذي اتخذه هو ~~بنفسه - ذو اليزن - بمعزل عن عمة أبيه ذاتها، وهو المعلم والشاعر الحكيم «يثرب». # فكانت علاقة ذو اليزن بيثرب أكثر من مجرد التوقف عند النصح وإسدائه، خاصة والتبع ~~الجديد، كان لا يزال حديث السن، لم يتعد التاسعة عشرة من عمره حين وقع عليه الاختيار، ~~ليلعب دور المنقذ في حكم حمير وسطوتها التي تخطت جزيرة العرب شمالا وجنوبا. # فالعلاقة بين التبع الجديد - الشاب - وبين وزيره الشيخ المتمرس يثرب، تخطت دور ~~النصح، لتلتقي عند النظرة الواحدة والرأي الواحد في معظم الأمور التي غايتها إفادة ~~التحالف وتوثيق عراه أكثر فأكثر. # واتضح هذا للجميع منذ الوهلة الأولى، أو منذ أول كارثة واجهها «ذو اليزن» كملك ~~لحمير، وهي كارثة اغتيال عمه - حسان - وابنه غدرا، واتساع صدى الدعوة التي تبنتها - ~~قبل الجميع - عمته البسوس مطالبة بالثأر والانتقام. # هنا فقط تطابقت وجهتا نظر كل من ذو اليزن ووزيره يثرب، وهو ما ضاعف من اشتعال نيران ~~أحقاد البسوس إلى حد إعلان غضبها عليه وعلى وزيره «يثرب». ~~- يا للخنوع المزري! ماذا دها حمير؟ # حتى إذا ما واجهته البسوس بموقفه السابق، الذي أبدى فيه الرغبة لمرافقتها للنزال وأخذ ~~الثأر من مغتالي عمه التبع حسان وابنه، أجابها ذو اليزن في حزم: أيامها لم أكن تبعا لحمير. ~~- والآن؟ ~~- الآن وفي هذا المكان، تأمرني حمير. # اندفعت عمته البسوس مواجهة في حدة، شاهرة صدرها له: أنا ms061 حمير! # غمغم الملك: أنت عمتي. # قاربها التبع الشاب ذو اليزن في حنو، آخذا بساعدها، مشيرا من شرفات قصره المنفتح ~~على الجهات الأربع: ها هي حمير، الناس يا عمتي! # ولكم وخز ذلك الموقف الذي جاء متفجرا بين البسوس وحفيدها ذو اليزن أعماق قلبها ~~ومشاعرها وجعل منها جرحا غائرا لا يبرأ، وهي التي مهدت له حكم حمير، ليخرج ومنذ ~~أول قرار على رأيها وما تشير به هي أولا، كما اعتادت على الدوام منذ أن كانت في مثل ~~سنه بل وأصغر؛ لذا فلا بد أن في الأمر شيئا، زفرت البسوس في حقد: ذلك العجوز الأرقط، ~~يثرب، رأس الأفعى. # وهكذا صبت البسوس منذ البداية نيران غضبها وأحقادها على وزير ذو اليزن المقرب ~~«يثرب» دون أن يثنيها شيء عن قرارها الذي أصبح يشويها شيا. ~~- دم حسان. # وشيئا فشيئا واصلت البسوس نفض أيديها من التبع الجديد الذي لم يعد يأخذ برأيها ~~في الخروج للحرب انتقاما لعمه حسان، حتى إذا ما وجدت بغيتها في الانتقام وأخذ الثأر ~~الذي يبدو أن لهيبه اشتعل أكثر في «صنعاء وعدن»، أضرمت هي المزيد من النار إلى أن دفعت ~~بابن عم حسان الأمير المدعو «عمران القصير» إلى تجهيز حملة من «مئة ألف مقاتل، إلى بلاد ~~الشام.» # وكان كليب قد استعد للحرب والقتال، وخرج للقاء «عمران القصير»، والتقى الجيشان ~~واشتعل لهيب المعارك والحرب، حتى عظمت الأهوال، فظل كليب يفتك بأفيالهم، إلى أن تمكن ~~من عمران القصير ذاته، فصرعه على ذلك النحو المشين الذي لطخ حكم حمير ~~وتباعنتها. ~~- يا لها من كارثة لن يمحوها أي ثأر ودم مراق على روابي دمشق ولبنان وأرض السرو ~~وعبادة وفلسطين، مدى الدهر. # تساءلت البسوس مذهولة كمن فقدت وعيها كله وهي تسير عبر ردهات قصرها على غير هدى: أي ~~دم ذلك الذي سيشفي غليلي يوما، ليستقر ابن أخي التبع حسان في مثواه الأخير. شردت ~~ببصرها عبر الشرفات المحيطة، متطلعة إلى وفود القبائل شاهرة الرماح والحراب مطالبة ~~بالثأر لدم التبع المغتال، وابنه الصحصاح وابن عمه أخيرا: عمران القصير. ~~- الدم ... الدم ms062 ... الثأر ... الثأر. # مدت البسوس كفي يديها وكأنها تستشف وتقرأ ما تخبئه الأيام والليالي الثكلى من أحداث ~~جسام حبلى بالثأر المبيت. ~~- رأس كليب بن ربيعة. # أرخت فجأة ذراعيها منكسة، كمن أسقط في يدها يائسة، من فداحة الأخبار الأخيرة التي ~~حملها إليها رسلها وبصاصوها الفارون الذين عادوا أدراجهم إثر الانتصار الأخير الجديد ~~الذي أحرزه كليب بن ربيعة على جيش عدن وصنعاء. ~~- يا للعار. # اندفعت البسوس من فورها صارخة في وصيفاتها : أين الجثمان؟ ~~- بالقاعة الغربية يا مولاتي. # مضت من فورها متشحة بخبائها الأسود عابرة صفوف المعزين من رجال ونساء، إلى أن وصلت ~~إلى حيث التابوت الحجري الجرانيتي الذي ووري فيه جثمان الأمير «عمران القصير» مشيرة ~~للحراس برفع الغطاء حتى إذا وقعت عينا البسوس على الجثمان المسجى بلا رأس، تراجعت ~~كالمشدوهة من رهبة المشهد: أين الرأس؟ ~~- سمره كليب على بوابات دمشق إلى جوار رأس التبع حسان. # صرخت من فورها: والرجال، أين الرجال في حمير؟! أين؟! أين؟! # عم صمت طويل، لم يقطعه سوى نهنهة النساء وعويلهن في خفوت وتحسر. # عادت من فورها إلى مضجعها، عاقدة العزم على تنفيذ انتقامها المبيت من جميع التغلبيين ~~الفلسطينيين وآل مرة اللبنانيين. ~~- أشفي غليلي من كليب وتلك الملعونة، الحية الرقطاء، الجليلة بنت مرة. # وهكذا بدأت البسوس تخطط لانتقامها المقبل، ومن المعروف أنها كانت تحمل العديد من ~~الأسماء والألقاب منها: سعاد، وتاخ يخت، وهند، والبسوس، بالإضافة إلى الاسم الذي يرد في ~~الأدب العربي الكلاسيكي «الهيلة». # وقد قامت ملاحم التباعنة لتنسج عن البسوس ملاحم كثيرة أضفت عليها هالات أسطورية ~~وحدتها مع المتنبئة الشاعرة الطروادية «كاساندرا»، مثل قصة حبها وزواجها المشابهة لما ~~وقع بين «أبولو وكاساندرا» وانتهى بزواجهما في النهاية. # فلقد كانت سعاد أو البسوس منذ مطلع شبابها فاتنة باهرة الجمال فصيحة اللسان شديدة ~~البأس دائمة الترحال. # كانت تركب الخيل في الميدان وتبارز الفرسان، واشترطت ألا تتزوج إلا من يقهرها في ~~ميدان القتال. # وكان أن سمع بخبرها ملك عظيم اسمه سعد اليماني وكان ملك بلاد السرو - أي الأردن - ~~فركب إليها وبارزها، إلى أن ms063 اقتلعها من فوق سرجها فأقرت له بالغلبة، وتزوجها وأقام لها ~~حفلا عظيما لمدة سبعة أيام. # بعدها عاد بها إلى بلاده، وظلت تحكم معه البلاد عشرة أعوام، إلى أن أصيب «سعد ~~اليماني» بالعمى وفقدان البصر، فأصبحت هي الملكة، وكلمتها هي العليا في بلاد السرو ~~وعبادة. # إلا أنها آثرت العودة بزوجها الضرير إلى بلادها خلال فترة تغيب أخيها التبع أسعد ~~وحروبه في أقاصي الشرق، إلى أن وقعت الأحداث الأخيرة الدامية ، التي دفعت بها إلى التصدي ~~للانتقام بنفسها، والعودة إلى ربوع بلاد الشام، التي سبق لها أن عاشت وحكمت فيها سنوات ~~عشرا. # لذا فإن البسوس على دراية واعية دقيقة بمجريات الأمور بالشام وبلاد السرو وفلسطين، ~~بما يسر لها سبل تحقيق أغراضها من أوسع الطرق وأقصرها للانتقام بشكل رهيب وبشع وبصورة ~~أكيدة لا يخالجها أي شك. # فما إن حددت يوم رحيلها سرا، حتى ركبت هي وبعلها الأعمى وبيتها وبناتها وثمين ~~ممتلكاتها وسارت إلى أن حطت رحالها في بيروت والبقاع بالقرب من «حلة بني مرة». # وعلى الفور أرسلت وفودها بغالي الهدايا للأمير «جساس بن مرة»، حتى إذا ما استحسن جساس ~~رفيع هداياها إليه، طلب مقابلتها، فسعت إليه - البسوس - وأنشدته أبلغ أشعارها: «بدوام ~~أيام الأمير جساس بن مرة، ورفع على ملوك قدرك ومكانك، ونصرك على حسادك وأعدائك.» # وما إن تعجب جساس من فصاحتها وسألها عن حالها حتى قالت: «أنا شاعرة أطوف القبائل ~~والعشائر، أمدح السادات وذوي الجود والأكابر.» # هنا رحب جساس بها للعيش في دياره وحمايتها من كل معتد. # وهكذا بلغت البسوس مرادها، فمضت من فورها تنشر الفتنة بين «البكريين من آل مرة»، ~~وحكامهم التغلبيين أو بني ربيعة وملكهم المتجبر كليب. ~~- ذلك الذي حرم عليكم الماء والكلأ. # وعندما بلغت ذروتها في تحريض القبائل، ووصل الأمر إلى مسامع أميرهم جساس بن مرة، ~~بعدما أوغرت صدره ضد التغلبيين وتعديها على قومه، طالب بضرورة الاجتماع بزوج أخته ~~الجليلة - كليب - وإعلامه «بتعديات أقوامه وجورهم وجورها.» # إلا أن فتنة البسوس كانت قد استفلحت إلى أن وصلت أسماع الملك كليب ذاته، وتبني ms064 بني ~~مرة لها، فأرسل إلى جساس يطالبه بإيقاف الفتنة وإخراج العجوز الشاعرة من ~~القبيلة. # وهكذا تحقق الانقسام، ونمت المخاوف وأزهرت التوجسات بين الطرفين. # حتى إذا ما أقدم كليب يوما على قتل ناقة البسوس المطلسمة - التي كان يدعى أنها ~~من سلالة ناقة النبي صالح والملقبة بسراب، حين اقتحمت - الناقة - بستانه البهيج وسط ~~غوطات دمشق، الذي يقال إنه كان «من أحسن متنزهات الدنيا» مما دفع بكليب إلى إطلاق ~~سهمه نحو ضرع ناقة البسوس - السائبة - ليستقر معتدلا في ضرعها وليشخب ب «الدم ~~واللبن». # حتى إذا ما أدركت البسوس ما حصل وتلفحت بجلد ناقتها وتخضبت بدمها دخلت نائحة على جساس ~~بن مرة وألقت بجلد الناقة الذبيحة بين يديه، هنا استبد بجساس الغضب. # حتى إذا ما حاول جساس تهدئة البسوس وتعويضها بما تطلب فداء لناقتها؛ أجابت: أريد ~~واحدا من ثلاثة أشياء: # إما أن تملأ حجري بالنجوم # أو تضع جلد الناقة على جثتها لتقوم # أو رأس كليب بالدماء يعوم. # وهكذا خرج الأمير جساس قاصدا مقر الملك كليب بدمشق، وما إن استقبله كليب ~~قادما عليه بكامل عدة حربه، حتى تعرفه، إلا أن جساس راوغه زاعما له أنه كان في ~~طريقه للصيد، وما إن مر بدمشق حتى جاءه مسلما ومعاتبا لقتل رعيانه لناقة ضيفته ~~ونزيلته «العجوز الشاعرة وبعلها الأعمى.» # حين طيب كليب خاطره، عارضا عليه أربعمئة ناقة عوضا عن ناقة العجوز الضيفة، واصل ~~جساس خداعه مغيرا الموضوع قائلا: «مرادي أن ألعب معك سباقين بالجريد.» # وضحكا ولعبا طويلا في صفاء إلى أن تحين جساس لحظة مباغتة لاغتيال الملك من ~~ظهره، «وهز في يده الرمح وطعنه في صدره حتى خرج يلمع من ظهره.» # فسقط كليب يتخبط في دمه، فندم جساس وتقدم إليه وقبله في لحيته وعارضيه، وضمه إلى ~~صدره، ووضع رأسه على ركبتيه، وقال: «سلامتك يا أبا اليمامة، فقد حلت بي ~~الندامة.» # فطالبه كليب بشربة ماء وأنشد مرثيته متحسرا: # يقول كليب اسمع يا ابن عمي # أيا جساس قد أهرقت دمي # أيا غدار تطعنني برمح # ولست أنت في الميدان خصمي # على ms065 ناقة تقتل ابن عمك # أمير كريم من لحمك ودمك # بيوم الضيق كان يزيل همك # ويردي الضد في يوم النزال. # وما إن فرغ الملك القتيل - كليب - من شعره الدامي، حتى ارتعد جساس وذبلت أطرافه ~~وهو يبعده عنه ليسقيه مروعا، ثم تركه مجندلا هاربا، لعبد البسوس المختبئ، الذي تقدم ~~من الجثمان ليجز الرأس ويعود به إلى سيدته «الهيلة» أو البسوس التي حققت انتقامها من ~~قاتل التبع حسان، وأشعلت فتيل حربها الشهيرة بين آل مرة والتغلبيين، تلك الحرب ~~القبلية الانتقامية التي استمرت لمدة 41 عاما، والتي اشتهرت باسمها حتى اليوم: حرب ~~البسوس! # الفصل الحادي عشر # | التبع ذو اليزن يحكم حمير # كانت نتيجة احتفاء القبائل والأقوام في جزيرة العرب بالملك الجديد الشاب «ذو اليزن» ~~وحبهم الجارف له، هي انخراطه بكل طاقاته في إعادة بناء مشروعات سدود المياه العملاقة، ~~التي تتيح للناس الزراعة والرخاء ونشر الاخضرار من بساتين زاهرة وحبوب. # كان الملك يهدف من هذا إلى إعادة بناء واستقامة ما سبق للحرب أن هدمته، وذلك لما ~~تتطلبه من رجال، أجبروا على التخلي عن الزراعة والرعي، ليساقوا بالآلاف المؤلفة أو ~~تحملهم السفن والمراكب إلى ما وراء البحار، إلى أن تمكن الملك التبع بمساعدة وزيره ~~الحكيم «يثرب» من إعادة بناء سدود «مأرب» التي كانت قد هدمتها السيول، وتخلى سواعد ~~الرجال عنها انشغالا بالغزو والحرب في ربوع قارة آسيا وشمال الجزيرة العربية وفي ما ~~بين الرافدين، حتى إذا ما عم الرخاء، ارتفعت الأيدي بالدعاء للملك الشاب، وتجمعت وفودهم ~~أكثر فأكثر للالتفاف حوله، وهي تلهج له بالنصر في كل خطواته. # وتضاعفت فرحة الوزير الأول «يثرب»، وهو يشهد الجموع على ذلك النحو، إلا أنه سرعان ما ~~اعتراه التغير والاندهاش، حين تهاوت إلى سمعه الأصوات المرتفعة في حضرة الملك التبع، ~~التي أصبحت تطالبه بالخروج إلى الغزو والفتح، أسوة بما اتبعه ودرج عليه أسلافه من ~~التباعنة. # وسرعان ما تزايدت الدعوة للغزو والفتح ومواصلة القتال تحت راية التباعنة. ~~- وحتى لا تنكس سيوف حمير وأذرعها الضاربة. # فلم تقتصر تلك الدعوة مع توالي الأيام والأشهر ms066 على العدنيين والصنعانيين، انتقاما ~~لمصرع أميرهم - المنتقم - عمران القصير، بل تواترت إلى أسماع الملك ووزيره من كل كيان ~~وموطن وقبيلة، والتي علت نبرتها داخل عدن وصنعاء وحضرموت خاصة. # وزاد من عجب الوزير «يثرب» أن التبع الجديد ذو اليزن بدأ يسمع إلى دعوة المطالبين ~~بالغزو والطراد يوما بعد يوم، متخليا عن آرائه السابقة في التعمير والزراعة ونشر ~~الرخاء. # ولم يمض وقت طويل، حتى توافدت جماعات المقاتلين وفيالقهم وكتائبهم من كل مكان مشهرة ~~سلاحها، إلى عاصمة التبع، بانتظار إشارته بالحركة والخروج للقتال. # وكان كلما تضاعف حماس المحاربين واشتد، أثنى عليهم الملك التبع؛ مقربا مستبشرا ~~فاتحا لهم ذراعيه وقلاعه وبساتينه ومخازن مؤنه، مغدقا عليهم العطاء السخي المشجع ~~لقدوم وفود جديدة من كل قبلية وموطن تحت حكم «حمير» الشاسع. # حتى إذا ما حاول الوزير «يثرب» مفاتحة الملك في هذا الأمر وعواقبه، قاربه الملك ~~نازلا عن عرشه، ممسكا في رفق بذراعه باتجاه شرفات القصر الحاكم مشيرا إلى الناس، ~~بنفس ما فعله سابقا مع عمته البسوس قائلا: «إنما أنا أسير؛ حيث تسير جموع ~~الناس.» # تراجع الوزير مفكرا وقد أحاطت به الوساوس من كل جانب، خاصة عندما أصبحت وفود ~~المحاربين وفيالقهم في الأيام الأخيرة لا ينقطع لها تواصل، حتى ضاقت مدينة التبع، ~~على الرغم من رحابتها، بهم، غمغم الوزير لنفسه في أسى: حقا إنه إرث التباعنة الذي لا مهرب منه، لا حياة بلا حرب أو قتال وأنهار ~~دم. # وتساءل يثرب بينه وبين نفسه في حسرة: ألا يكفي ما فعلته البسوس في إشعال نيران الحرب ~~الضارية في ربوع الشام ولبنان وفلسطين، بعدما أوقعت بينهم بفتنتها التي أصبحت اليوم ~~وبعد مقتل جساس بن مرة لكليب بن ربيعة التغلبي، تحصد الجميع حصدا؟ ألا يكفي؟ # إلا أن التبع سرعان ما انخرط بنفسه بين صفوف جيشه المتعاظم مشرفا ومنظما على ~~تدريباتهم ومؤنهم جالبا السلاح والعتاد من كل مكان. # والوزير الحصيف «يثرب» يستشف ببعد بصيرته نهاية كل ذلك. ~~- الحرب وأنهار الدم، تلك التي لا مهرب من أوارها وهكذا تحقق حدس الوزير، بحلول ذلك ms067 ~~اليوم المشئوم الذي أقام فيه الملك ذو اليزن حفلا كبيرا شغل قاعات قصره «الحصن» ~~واستغرق الإعداد له أياما طوالا. # ودعي إلى هذا الحفل كبار قواده ومستشاريه وشيوخ القبائل والأمراء والحكام، امتد فيه ~~السمر وتبادل الآراء والمشورة بين الجميع، حول ما يحدث ويجري داخل مختلف الأقوام ~~المتاخمة لحمير والمناوئة لها، بما قد يشكل خطرا في المستقبل. # وفجأة قدم إلى ذلك الحفل شخص غريب، في هيئة مسكين أو سائل، وينم مظهره بكامله - وكما ~~أجمع الجميع - على أنه غريب، لم تألفه عين من قبل. # وحينما دفعت السماحة بالملك إلى الترحيب بالغريب وسؤاله عن حاله، أخبره بأنه مجرد ~~سائح جوال في بلاد الله الشاسعة، خبر أحوال البلاد والعباد، مدونا أخبار ما يسمعه ~~ويراه، ولا أكثر. # هنا عاجله الملك بالسؤال: وهل صادفك من هم أعلى منزلة منا؟ # صمت السائل ولم يجب. ~~- إني أسالك؟ # عندئذ انهمك السائل في تناول طعامه لائذا بصمته كمن لم يسمع. # وحين تدخل بعض الحاضرين مطالبينه بالرد على التبع، انتصب واقفا مجيبا عليه: ~~أجل. ~~- من إذن؟ ~~- ملك بعلبك. ~~- هل سبق لك زيارة بلاده؟ ~~- أجل. # واجهه الملك ذو اليزن: أخبرني أيها الصديق. # وهنا اندفع ذلك الغريب السائل، ساردا تاريخه وخصائصه وحصونه وقلاعه وكتائب جيشه - من ~~حراس الأرز - وعن سطوته وثرائه. ~~- يا للغرابة! # ليلتها لم ينم التبع وظل يفكر، وفي النهاية عقد العزم على المسير إلى بعلبك ~~والبقاع مهما كلف الأمر؛ لتأمين ذراع حمير الطولى وتحصينها التي أخذ «تباعنتها» على ~~الدوام بمنطق «أن الهجوم خير وسائل الدفاع». ~~- أيها الناس، إن لم تهاجموا الناس هاجموكم، وإن لم تغزوهم غزوكم. # ولم يطل الوقت كثيرا بطبول الرجروج، حتى سمعت مدوية عالية من كل موطن وقوم، على طول ~~ملك حمير الشاسع. # واتخذ جيش ذو اليزن طريقه شمالا إلى أن حط رحله في موطن يقال له «وادي فزان» على ~~مشارف «بيت الله» في الكعبة. # وتوقف ذو اليزن منبهرا من الكعبة وبنائها وشموخها، والآلاف المؤلفة التي قدمت ~~لزيارتها من كل موطن وقوم وكيان. # أما الوزير «يثرب» فقد توجه من فوره ms068 للزيارة والحج إلى بيت الله، مما أوغل صدر ~~التبع، فحاول مهاجمة بيت الله متجبرا، وبذل الوزير غاية حكمته محذرا إياه، الذي ~~تراجع من فوره متخاذلا، ثم انسحب واهنا إلى مضاربه فلزم فراشه مكفهرا مريضا، غير ~~قادر على اتخاذ أي قرار. # ولزم الملك فراشه أياما يعاني من آلامه المبرحة التي ألمت به، وعجز حكماؤه عن شفائه، ~~إلى أن ثقل عليه المرض وأصبح يهذي بلا طائل، طالبا ومستنجدا بوزيره، المقرب يثرب ~~شاكيا له: أيها الوزير العاقل الخبير يثرب، أخبرني بما دهاني؟ # وهنا أخبره الوزير، بأن ما اعتراه من مرض عضال بسبب تطاوله على بيت الله الحرام، الذي ~~شيده إبراهيم الخليل وبكره إسماعيل - أبو العرب - مزيدا: فللبيت رب يحميه، أيها ~~الملك. # هنا تحامل الملك ذو اليزن، متخذا طريقه إلى حيث الكعبة فأومأ إليها مثله مثل بقية ~~خلق الله، إلى أن أتم حجه. # ثم أمر بكسوتها بغالي الديباج وتزيينها بالذهب والفضة ونفيس الأحجار الكريمة التي ~~كانت في حوزة التباعنة. # وحين عادت إلى الملك عافيته، وزالت عنه أمراضه وآلامه، دأب على كسوة الكعبة واستكمال ~~ما يلزم من زينتها ومنشآتها. # بينما طاف الوزير الوادي المزهر المتاخم الذي يعبقه رحيق العطور؛ عاقدا العزم على ~~إقناع الملك بالبقاء في تلك الربوع التي تعيد للنفس صفاءها. # ورجع التبع ذو اليزن إلى رأى وزيره بمواصلة البقاء في رحاب «بيت الله»، دون ~~استعجال المسير. # أما الوزير «يثرب فقد أخبر الملك مطولا بتاريخ بيت الله، وما سبق أن تعرض له تباعنة ~~اليمن من أسلافه الذين حاولوا مجرد الاقتراب منه دون خشوع، ومنهم «يعرب بن ~~قحطان». # أما الوزير فقد استغرقه حلم أجهده طويلا، وهو بناء مدينة تشرف على هذا الوادي ~~البهيج، ومن فوره عقد العزم، واجتهد في تخطيطها وعمارتها، وشق أساساتها، ورفع أسوارها ~~وتعمير قصورها ودورها ومضاربها وأسواقها وما أجراه من أنهارها. # وهكذا عمرت المدينة وازدهرت ساحاتها وأروقتها وأسواقها، ورأى سكانها أن يطلقوا عليها ~~اسم الوزير الحكيم «يثرب». # وساعد الملك التبع ذو اليزن وزيره في تعمير المدينة التي أعطاها اسمه، باذلا كل ~~عون، ms069 إلى أن استقامت «يثرب» زاهرة، تفيض عمرانا وعطاء. # فما كان من الوزير إلى أن كتب معلقته الشهيرة للملك ذو اليزن، التي دونت على رقائق ~~الذهب وعلقت بالكعبة الشريفة، وفيها يقول الوزير «يثرب». # أيا ملك في هذه الأرض قد سما # جللت بيت الله خزا مزركشا # يحير عيون الناظرين مرقما # وساعدتني حتى بنيت مدينتي # يهاجر إليها سيد الأرض والسما # ويظهر - يوما - دين الحق شرقا ومغربا. # فلقد كان الوزير «يثرب»، وعقب نزوله ربوع هذه الأرض، واختلاطه بأهلها وطوافه على طول ~~بواديها ووديانها، كمن يستشف أمرا جللا هائلا سيحل يوما بها. # صحيح أنه لم يكن على يقين من أبعاد ذلك الانطباع الذي امتلأ به، إلا أنه كان وكلما مر ~~به الوقت، تضاعفت رؤيته ويقينه من تصوره ذاك. # بل إن الغريب هنا أن كثيرين من أصدقائه ومقربيه قد شاركوه ذلك الإحساس. # وأن الملك التبع ذو اليزن، فاتحه كثيرا في ذلك التصور حول الإرهاص بمولد شخص كبير ~~منتظر، قد يغير يوما وجه الأرض، وسيجيء مولده من بين ربوع هذه البلاد. # وفي البداية تصور الوزير «يثرب» أن الملك ذو اليزن - وعلى عادة ما عرف عنه - إنما ~~يوافقه في تصوره هذا، من باب المجاملة فحسب، إلا أن الملك كرر على مسامعه كثيرا ~~مشاركته إحساسه ذاك وعبر مناسبات مختلفة، مما دفع به إلى التيقن من صدق إحساسه. # بل إن حماس التبع في التعجيل ببناء يثرب واستجلاب ما يلزم لبنائها وتخطيطها من ~~خيرة بنائي مصر والعراق والشام وعلى نفقته الخاصة، قد فاق حماسه ذاته. # ولكم حاول الوزير يثرب، أن يدفع الملك التبع إلى أن يعطيها - أي يثرب المدينة - ~~اسمه بدلا منه، إلا أن ذو اليزن رفض مصرا على تكريمه بها. # مما دفع بالوزير إلى مواصلة سهر الليالي بحثا عن شيء - متكافئ - يرد به جميل الملك ~~وحسن صنيعه، دون جدوى. # حتى إذا ما جاء يوم طالبه فيه الملك ذو اليزن بسماع آخر أشعاره وقصائده، أمهله الوزير ~~بضعة أيام ليكتب فيها «معلقته» عنه، ولكم عانى الوزير يثرب في محاولة التعبير عن مدى ms070 ~~حبه وتقديره الجارف لذلك الملك التبع، الذي لا يحدوه سوى الخير والعطاء لبسطاء الناس ~~أينما اتجه وقادته قدماه، إلى أن وصفه في قصيدة عصماء. # الفصل الثاني عشر # | البحث عن كتاب النيل ومنابعه # لكم تمنى الوزير الحكيم «يثرب» أن يطول به المقام في هذه البلاد العاطرة، على مقربة ~~من «بيت الله». # فلقد شعر بالارتياح، الذي شاركه الملك التبع ذو اليزن، الإحساس به عميقا جارفا، ~~خاصة وبعدما شفي من بلائه عقب إقدامه على كسوة الكعبة. # بل إن ما ضاعف من انشراح قلب الوزير الأول، هو ذلك النمو المطرد الذي بدت عليه ~~المدينة التي أقدم على تشييدها «يثرب»، والتي تلاحق عمرانها وعمرت أسواقها بكل منتجات ~~بلاد العرب والعجم والهند وبلاد الشام ومصر وقرطاج والحبشة. # فأقيمت المباني وشقت الطرقات وأنشئت الحدائق وملاعب سباق الخيل على ضفاف أنهارها ~~وبساتينها التي اجتذبت الزائرين ووفود الحجيج من كل مكان. # بل إن المدينة وصلت إلى ذروة بهائها وعطائها إلى حد أن الملك التبع نفسه ذو اليزن ~~لم يعد بقادر على فراق يثرب وحلو لياليها وسمرها، ليواصل زحفه على رأس جيشه إلى بقاع ~~لبنان محط آماله عبر رحلة زحفه وفتوحاته، مرورا ببلاد السرو وعبادة وأرض فلسطين ~~ووصولا إلى السودان والحبشة. # فلقد كانت تلك الرحلة الشاقة المضنية، هي الحلم الأزلي للملك منذ صباه. ~~- البحث عن كتاب النيل. ~~- كيف؟ ~~- مصادر النيل. # سأله الوزير ذات مرة: أتقصد من أين يجيء النهر؟ # أجابه ذو اليزن، منكبا بكامله على استكمال مخطوطة دونت صفحاتها على رقائق من ~~جلود الأيائل البرية قائلا: المنابع. # ولعل ذلك الاهتمام من قبل الملك بالماء مصدر كل حياة ونمو، نبت معه كهواية ومنذ صباه ~~المبكر، وكان أيامها في الحادية عشرة من عمره، وهو ما دفع بالوزير يثرب إلى احتضانه ~~إياه، وتبنيه منذ تلك السن، وكما لو كان ابنه أكثر منه معلمه الذي اصطفاه، وهو ابن عمرو ~~القتيل. # فلقد كان الماء ومصادره ومكوناته وطرق التحكم فيه وتطويعه لخدمة الناس هو الاهتمام ~~الأول لذو اليزن أينما حل، فهو موضوعه الذي لا يمل الحديث ms071 عنه والقراءة فيه. ~~- فهو ذو اليزن؛ أي ابن ماء اليزن. # هو كما لو أنه متحد بالماء ذاته، باحثا عنه، مسخرا كل ما توصل إليه من مصادر قوة، ~~لإعادة تملكه. ~~- الماء. # فما كان من مكان نزل فيه، إلا وبحث عن مصادر مائه ومصدر حياته، وإذا لم تتواجد «نجدها ~~بسواعدنا قبل أي شيء»، كما كان يحلو له القول. # وها هو «يمن» ذو اليزن السعيد، ينعم بسدوده ومشاريعه التي فجرته - أي اليمن - ~~بالعطاء، جبلا وسهلا. # بل وها هي «يثرب» التي أرسى الملك بنفسه معالمها تبدو، كمثل عروس، عامرة زاخرة بكل ما ~~تشتهيه الأنفس وتستعذبه. ~~- يثرب، مدينة النور المنتظر. # وبدا الوزير الأول منتشيا وهو يرقبها - أي المدينة - من مقره المشرف على أعلى ~~روابيها، كمن لا يطيق فراق حبيبه! # كان الملك التبع ذو اليزن قد عقد العزم على الرحيل، وكانت قد سمعت طبول الرجروج ~~بإيقاعات لها رتابتها المتكاسلة، تنم عن قرب حدوث الفراق، مخالفة بذلك إيقاعها المعتاد ~~كالهدير لدى الإعلان عن الحروب والغزوات. # وذلك بعدما طال مكوث الملك ذو اليزن وجيشه طويلا في ربوع تلك البلاد ووهادها، مما ~~ساعد على نمو الروابط والعلاقات بين أبناء الجزيرة شمالا وجنوبا. # وهي روابط وعلاقات متشعبة المسالك والأغراض والمنافع، ما بين صداقات ومصاهرات وقصص ~~حب، ومصالح تجارية وعمرانية نمت وأثمرت مع بزوغ مدينة يثرب واتساع عمرانها وحوانيتها ~~يوما بعد يوم. # بل لقد وصل الحماس من قبل القبائل والعشائر العربية الشمالية في نجد والطائف وينبع ~~وعسيران، إلى حد دفع بشبابهم إلى التطوع والالتحاق بفيالق جيش التبع ذو اليزن، الذي ~~حل عليهم ونزل حليفا أكثر منه غازيا أو طامعا في بلدانهم. # وهو ما لم يعتادوه مع من سبقوه من جدود وأسلاف - تباعنة - حسان بن أسعد، وتلك النكبات ~~التي لن تغيب يوما، والتي أحدثها حسان على طول بلدانهم ومضاربهم، وكما حدث مع قوم ~~«زرقاء اليمامة» وإفناء قبائل جديس، وتهديم مدينتهم اليمامة إلى حد لم يسبق له ~~مثيل. # من يمكن له تناسي أهوال حسان وسبيه لأميرتها الشاعرة المحبة منفتحة الحس والبصيرة ~~«الزرقاء» مكبلة ms072 في قيودها، وهي تلعنه وتصفعه بقيودها في إقدام. ~~- غدا تسقيك الأيام والليالي الحبالى يا حسان، من ذات الكأس. ~~- غدا، ذلك الذي أراه، تجز رأسك عن عنقك المتكبر، بذات أسلوب الغدر. # ولعله هو بذاته ما حدث وانتهى إليه مصير عمه الملك التبع حسان. # لكن شتان ما بين ذلك الملك السمح البناء ذو اليزن، وبين عمه حسان. # ومن هنا كان ذلك الحماس الجارف الذي تفجر فجأة، كمثل نهر جارف مكتسح بين جموع القبائل ~~في يثرب وما حولها، حين سمعت طبول الإيذان بالرحيل تجيء دقاتها بطيئة على استحياء ~~وكأنها تود الاستئذان، لاستكمال مهام الرحيل والزحف، وهو ما لم يصدقه أحد من سكان يثرب ~~وتخومها من العرب الشماليين، حين سرى الخبر سريعا حول إقدام التبع ذو اليزن وجنده ~~على الاستعداد للرحيل عن يثرب وشمال الجزيرة، لاستكمال رحلة أهدافه في ربوع الشام ومصر ~~«العدية» حتى أواسط أفريقيا. # وبدت الجموع كمن تستيقظ من غفوتها بعدما توثقت الروابط وازدهرت العلاقات ~~والمصاهرات. # بل إن ما أحزن الجميع لفراق ذو اليزن، هي تلك المشاريع الجزيلة العطاء والفائدة التي ~~خلفها ذو اليزن ووزيره الحكيم «يثرب» وبقية حاشيته ومقربيه، من تكريم لبيت الله، وإنشاء ~~مدينة يثرب، وشق الأنهار والترع على طول البلاد. # وكانت قد تجمعت الوفود بمشاعلها المتوهجة مودعة ذو اليزن وجيشه معبرة عن مرارة الفراق ~~والغياب. ~~- تصحبكم السلامة. # وهكذا واصل ذو اليزن، على رأس جيشه، الزحف الذي استغرق أياما إلى أن شارفوا مدينة ~~«بعلبك»، بأسوارها وقلاعها الحصينة التي تقطع بضخامتها الفراغ المحيط، مشرئبة ببواباتها ~~النحاسية العالية التي يعلوها الحراس المدججون بالسلاح وخوذات الحرب المعدنية ~~اللامعة. # ولم يشأ التبع اليمني إعلان الحرب أو غزو بعلبك مفضلا الحكمة على العدوان. # كذلك لم يصدر عن ملك بعلبك مبادرة إعلان حرب أو قتال، حين وصلته أخبار نزول جيش ذي ~~اليزن الجرار بالسهول والتلال البعيدة الغور عن تخوم المدينة. # إلا أن الملك - واسمه أيضا «بعلبك» - وقف مشرفا من أعلى روابي المدينة، مسلطا ~~عينا لا تخيب بصيرتها على ذلك الزحف الذي لا قبل لمخلوق به، والمقترب ms073 من المدينة، لكن ~~دون أن يشهر أحد سلاحا. ~~- هذا ضيفي! # نطق بذلك الملك بعلبك متراجعا قليلا عن جدار النافذة العليا المشرفة على قمة «برج ~~البروج»، مرتجا من هول الكارثة التي لا قبل له من قبل بمثلها. ~~- كل هذا الجيش والعتاد. # كان الملك بعلبك قد أمضى يومه بكامله مستطلعا لقطعان الخيول العربية المطهمة ~~والعربات الملكية وقوافل الجمال، وفيالق جيش المشاة، وقطعان المؤن التي لا تنتهي من ~~رءوس الأبقار والجمال والماعز . # حتى إذا ما قارب دخول الليل التالي وهو ما زال مأخوذا بارد الأطراف من هول ما يشهد، ~~وما لم يشهد من قبل، عاد مؤكدا لنفسه بصوت واضح النبرات لمن حوله من كبار قواده ~~ومستشاريه وعيونه المسلطة. ~~- هذا ضيفي! # واستمر الوضع على هذا الحال أياما امتدت إلى أسابيع، لم يرفع فيها أي سلاح. ~~- ويلي، ويلي! # صحيح أن الملك «بعلبك» لم تغفل له عين من هول ما رأي من ضخامة جيش التبع اليمني، ~~ومدى حرصهم، وعدم تحرشهم بأحد، إلا أن ما أصبح يبحث عنه هو. ~~- كيف التصرف؟ # وهكذا أمر الملك بعلبك من فوره بإرسال واجبات الضيافة وإعدادها بكثرة تفيض عن حاجة ~~ذلك الجيش، من رجال وما يليق بهم ومن في معيتهم من زوجات وأمهات وشيوخ وأطفال. # وما إن انشغلت المدينة عن بكرة أبيها بإعداد كل ما يلزم من واجبات استضافة جيش ~~التبع الذي لم يبدر منه عدوان إلى الآن «ربما يمر مرورا ببلادنا وبلاد جيراننا ~~وغيرنا من أقوام»، كما أمر الملك، حتى حمل الحرس المكون من كتيبة مسالمة في هيئة رسول ~~وآلاف الذبائح المطهية للترحيب بالتبع الملك «ذو اليزن» من قبل الملك «بعلبك» لضيوفه ~~العرب النازلين. # وعادوا من فورهم محملين بشكر التبع ذو اليزن للملك بعلبك، واستمر هذا الحال في ~~تقديم «العشاء» من قبل ملك بعلبك بضعة أيام، إلى أن قرر ملك بعلبك الانتقال بنفسه ~~لملاقاة التبع. ~~- لنعرف ما الخبر؟ وما يحدث؟ # وهكذا انتقل إليه ملك بعلبك في حرس بسيط، فهب الوزير يثرب لاستقبالهم إلى أن أدخلهم ~~على الملك ذو اليزن الذي رحب ms074 به شاكرا حسن ضيافته، وهو في طريقه بحثا عما يشغل باله ~~وفكره عن مصادر الماء، وخاصة. ~~- كتاب النيل. # غمغم ملك بعلبك متحسسا جبهته كمن يمنع نفسه من الإغفاء، بعد طول عناء: النيل. # قاربه الملك ذو اليزن في مودة وهو يأخذ بيده ليعتلي عرشه إلى جانبه: منابع ~~النيل. # وما إن دارت أقداح القهوة العربية، حتى استجمع ملك بعلبك كامل توهجه، وكان ضخم ~~البنيان، كث الشوارب والحاجبين، محبا للحياة ومباهجها، وبدا للحظة مفتونا من مشهد ~~الملك التبع ذو اليزن وصفاء ذهنه وما يشغله من موضوع، هو في الحقيقة قوام كل حياة في ~~الوجود من سلم وحرب وسياسة. ~~- الماء ومصادره. # اندفع من فوره محييا ذو اليزن. ~~- يا له من موضوع يليق بالملك. # وامتد الحديث بينهما عذبا يفيض صفاء وتدفقا حول عالم البحار والأنهار وأسراره التي ~~سيظل موضوعها يشغل كل بال. # إلى أن تفهم ملك بعلبك، حسن غاية التبع، فعرج بالحديث مستوضحا هدفه من النزول على ~~تخوم بعلبك، فأخبره الملك ذو اليزن مازحا بصوته العميق الذي يشيع كل طمأنينة في آذان ~~سامعيه: لم لا يعرف كل منا صاحبه؟ # ثم أعاد ذو اليزن طمأنة الملك بعلبك قائلا له: ولعلك الآن تعرفت علينا وأدركت حقيقة ~~نوايانا. # هنا فهم ملك بعلبك غرض التبع ومرماه، وكيف أنه الآن - أي ملك بعلبك - على معرفة ~~بحجم جيش التبع وعتاده. # فبادره ملك بعلبك ممتنا مرحبا: هذا مطلب يشرفنا حقا أيها الملك الحكيم ~~التبع. # قال ذو اليزن: «مرادي أن أنظر عسكرك.» ~~- هذا شرف كبير لنا حقا. # وقبل أن يهب ملك بعلبك مودعا التبع ذو اليزن منصرفا، اتفقا على استعراض عسكر ~~الأول في اليوم التالي. ~~- فلعلك أيها الملك الكريم، تبارك جيشنا وترعاه. # الفصل الثالث عشر # | ملك بعلبك يجمع مستشاريه # ما إن انصرف التبع ذو اليزن عقب استعراضه لجند وكتائب وعتاد ملك بعلبك الهائلة ~~العدد والعدة، وذلك التنظيم وحسن المظهر الذي اتسم به أفراد الجيش وقادتهم، حتى أحاطت ~~المخاوف والهواجس من جديد بملك بعلبك؛ متسائلا: ماذا أفعل؟ دلوني! # وعندما لم يسعفه أحد بجواب شاف، ms075 اندفع من فوره، غارقا في مشاعره، مسترجعا تعبيرات ~~وجه ذو اليزن وهو يطل من فوق البناء المشرف على ساحات جنده وكتائبه في إعجاب وتقدير ~~ملفتين، وفي بعض الأحيان كان يرفع يده بالتحية لجموعهم. ~~- ترى ماذا يقول؟ ولماذا طلب مني هذا المطلب الغريب، أن يشهد جيشي ومصدر قوتي، ~~لماذا؟ # تساءل مسترجعا لحظة أن أطل بنفسه من أعلى كوة قلاعه مستعرضا جيش ذلك الملك اليمني ~~التبع، حالما انشق الأفق البعيد عن عسكره وقواته بملابسهم الغريبة وأجسادهم الناحلة ~~الجافة الدقيقة التكوين وأسلحة حربهم، ودقة تنظيم صفوفهم. ~~- لا بد أن في الأمر شيئا، ستكشف عن وجهه الخبيء الأيام والليالي المقبلة. # من جديد اتجه من فوره إلى جموع مستشاريه طالبا مشاركتهم ومشورتهم الرأي في ما يحدث ~~ويجري في بعلبك وبقاعها والذي جاء هكذا دون سابق إنذار. ~~- أخبروني ماذا يحدث، وما الذي يمكن فعله الآن قبل غد، قبل فوات الأوان؟ # وهكذا فتح الملك على نفسه فاتحة لا حد لها ولأهوالها، حين حاول كل وزير أو أمير أو ~~قائد من قواده، الإدلاء برأيه ومشورته وخططه. # فمنهم من رأى الملك التبع - ذو اليزن - يبغي شرا بهذه البلاد، وإلا فلماذا جاء ~~إلى بعلبك وبقاع لبنان بالذات، ولماذا لم ييمم وجهته إلى بلاد السرو وعبادة؛ أي ~~وادي الأردن وفلسطين؟ # وإذا كان طريقه وغايته بلاد الحبشة وأواسط قارة «أفريقيا»، فلماذا لم يتخذ أقصر الطرق ~~من اليمن وجنوب جزيرة العرب، عبورا إلى القرن الأفريقي، بدلا من بعلبك وشمال ~~لبنان؟ # وانتهت آراء ذلك البعض إلى أهمية الاستعداد للحرب واتخاذ الهجوم كخير وسائل الردع ~~والدفاع، بدلا من أن يبدأ هو - أي التبع - هجومه، خاصة بعدما تعرف عن قرب على حجم ~~الجيش وعتاده وأساليب قتاله. # وتزايدت مخاوف الملك بعلبك من الاندفاع والأخذ بهذا الرأي، فمن يدري؟ لعل ذلك ~~التبع اليمني صادق في قوله ونواياه، وأنه حقا يشغله بحثه الذي يركب له كل الصعاب ~~والمخاطر، بحثا عن: كتاب النيل ومنابعه. # تساءل ملك بعلبك: من يدري؟ فقد نخسر كل شيء في حربنا مع اليمنيين، وما عرف عنهم ms076 من ~~بأس وجلد على المنازلة والقتال. # وأعاد الجميع إلى الأذهان سيرة تبعهم حسان اليماني وتجبره في حروبه مع «آل مرة» ~~والتغلبيين، وما أقدمت عليه يداه من صلب وقطع رقاب ما تزال تخضب آثارها بوابات ~~دمشق. # ثم ها هي ذي الحرب التي أشعلت فتنتها عمته البسوس، تلتهم الجميع معا من آل مرة ~~والتغلبيين، وفي كل عام يتزايد أوارها مستعرا متفاقما. ~~- حرب البسوس. # غمغم ملك بعلبك، متجها كالمأخوذ إلى حيث شرفة قصره الشمالية المطلة على فلول مضارب ~~جيش التبع وقبائله النازلة في سهول البقاع: حرب البسوس بين أبناء البيت الواحد ومن ~~يدري؟ لعل لهيبها وشررها سيصلنا هنا في ربوع هذه البقاع. # استدار من جديد عائدا حيث وفد مستشاريه وقواده، ساترا بكفه جانب وجهه المكفهر عن ~~تلك العيون المحيطة المتطلعة إليه، وكأنها إنما تتطلع مشدوهة إلى إنسان آخر غيره، فهم ~~لم يعتادوا من قبل أن يروا مليكهم على هذا النحو من الاكفهرار والتخاذل وهو يكرر تساؤله ~~المؤرق: من يدري؟! # بل إن ما ضاعف من شكوك ملك بعلبك أكثر فأكثر هو مجيء التبع بجيوشه إلى البقاع، ~~بدلا من نزوله وجيشه إلى دمشق وفلسطين لأخذ ثأر عمه من كليب بن ربيعة وآل مرة، ثم ~~انفجر ملك بعلبك غاضبا حين تسرع أصحاب الرأي المتصلب المطالب بالهجوم قبل أن يبدأه ~~اليمنيون صائحا: نحن لسنا في لعبة مراهنة، فأين نحن - حراس الأرز - من حمير ~~وتباعنتها؟ # هب الملك عن كرسيه، كمن يعاني اختناقا من هول ما يحدث، متذكرا هيئة أمير بني ربيعة ~~مصلوب الرأس إلى أسفل على مدخل دمشق، وقد غاب عنه دمه المنحبس في عروقه، جاحظ العينين ~~غارقا في صمته وآلامه المبرحة. # وما إن استرد ملك بعلبك عافيته حتى عاوده صفاء ذهنه، فطالب ناصحيه بالتروي والعمل ~~في صمت وضبط النفس إلى حين عودة عيونه وبصاصيه المنبثين بين جموع اليمنيين ومضاربهم في ~~آخر الليل ومعرفة حقيقة ما يحدث. ~~- ما الخبر؟ # وفي آخر الليل كان قد تجمع لديه كل ما طلبه من أخبار، إلا أنه لم يجد فيها أبدا ~~مبتغاه، ms077 وهو ما ينبئ عن اقتراب رحيل التبع ذو اليزن عن البقاع، بل وعن لبنان والشام ~~بأكمله، صرخ الملك من جديد وقد اعترته النوبة: ألم يطب لأولئك البدو الغزاة الإقامة ~~والمقام في بلاد الله الواسعة، سوى هنا وعلى عتبات بواباتنا؟ # استدار ضاربا كفا بكف: أتكتم أنفاسنا ليل نهار على هذا النحو؟ # كان ملك بعلبك قد أصدر أوامره لعماله وحكامه بالصمت، منذ نزول التبع وجيشه فلم يعد ~~يسمع في كل جنبات المدينة لهوها وصخبها وما اشتهرت به من أفراح ودبكات ورقص وغناء حتى ~~مطلع كل فجر. # لذا بدت المدينة في الأيام الأخيرة صامتة مترقبة، يشيع في جنباتها التوجس المطبق ولا ~~شيء غيره. ~~- إلى متى؟ # تساءل الملك متفرسا في وجوه المحيطين منه من وزراء ومستشارين وقواد: إنه الحبس، ~~الأسر بعينه، ما أصبحنا وأمسينا فيه داخل أسوارنا. # مرة أخرى عاوده هدوءه وتماسكه معاودا التساؤل: أما من حيلة؟ ~~- حفلة على شرف التبع. # تفوه الملك مفكرا: مسمومة! # وأخذا بمقولة خير البر عاجله اندفع الملك من فوره معدا كل شيء بدقة وحذر ~~شديدين. # حتى إذا ما أشرف بنفسه على دقائق خدعته الجديدة، توجه من فوره إلى حيث يربض حرسه ~~عاقدا عزمه على المسير إلى مضارب التبع ذو اليزن لدعوته للحفل، ودعوة وزرائه وكل ~~قواده وأمرائه وحتى كبار جنده لحفلة العمر التي ستشهدها سهول بعلبك تلك الليلة. ~~- ليفرح الجميع، وتتوثق عرى الصداقة والمحبة، الليلة! # وسريعا ما استحال ليل روابي ومنحدرات وقصور وبساتين بعلبك، إلى نهار جلي وواضح، ~~بعدما انتشرت محارق نيران الشواء والطهي وأضيئت الفوانيس والمشاعل والشمعدانات ذات ~~الأفرع الثمانية، وعمت البهجة الجموع وانتشرت حلقات الرقص الجماعي العملاقة (الدبكة) ~~وعلت الموسيقى وصاحت المغنيات، ومدت السماطات والأبسطة والموائد الخشبية والنحاسية ~~والمرمرية. # وتوقف ملك بعلبك يشهد بنفسه من كوة أعلى أبراج قلاعه، غبار موكب الملك التبع في ~~جبروته محاطا بهوادجه وكواكب فرسانه، وفي إثره موكب وزيره، العاقل الحكيم يثرب. # وهنا تدافعت دقات قلبه مما سيحدث هذه الليلة الليلاء، التي قرر أن يضع فيها حدا ~~لهواجسه ومخاوفه. # حتى إذا ما قارب ms078 موكب الملك التبع ذو اليزن مشارف الحصون الأمامية للمدينة نزل ملك ~~بعلبك مسرعا متبوعا بحاشيته ومقربيه، وقد نشر الزينات والأعلام اليمانية شمالا ~~وجنوبا مرحبا بالتبع ذو اليزن. ~~- شرفت ديارك. # واصطحبه من فوره إلى حيث اعتلى معه عرشه الهائل وأجلسه أعلى منه منزلة. # ومدت موائد الطعام والشراب، وعذب السمر، وخلال كل ذلك ازداد الملك بعلبك شحوبا حتى ~~إنه لم يجرؤ على أن يشير للتبع مرحبا إلى حيث موائد الطعام. # وتزايد اكفهراره أكثر، حين لاحظ أن الملك ذو اليزن ووزيره يثرب أو أيا من ~~مرافقيه لم يقرب أيضا طعاما أو شرابا. # بل إن الوزير «يثرب» نادى أحد مقربيه وأسر له بشيء لم يسمع، تواتر من فوره إلى جموع ~~الضيوف في ذات الصمت الحازم. # هنا تزايدت هواجس الملك المضيف، وهو يرقب ما يحدث، من دون أن يعرف فحواه، وتساءل: ~~تراهم قد عرفوا بأهوال هذه الوليمة المسمومة! # وحاول دفع الملك ذو اليزن إلى المشاركة في الغناء والطرب، جاذبا اهتمامه إلى مهارة ~~حلقات الراقصين وهم يدقون الأرض في تناسق متناغم عرف عنهم منذ القدم، وجاءت به الكتب ~~والأسفار القديمة، وشاركه التبع ذو اليزن مؤكدا، في صفاء عن مدى مهارتهم وحسن ~~غنائهم وإيقاعهم. # وعم الحفل لحظة وجوم امتدت ثقيلة إلى أن قطعها سقوط بعض اليمنيين صرعى بعدما تسرعوا ~~وأكلوا الطعام المسموم يعانون في صمت وأصوات مكبوتة، مما دفع بالتبع ذو اليزن، إلى ~~مقاربة ملك بعلبك مسرا في أذنه قائلا: مرادي أن أنازلك أيها الملك في ~~الميدان! # ثم انسحب التبع الملك ووزيره يثرب وبقية المدعوين من أمرائه وقادة جيشه وحاشيته، ~~بعدما اتفقا على المنازلة في اليوم التالي على مشارف تلال بعلبك. # وفي اليوم المحدد مع مطلع النهار، اجتمعت جموع عظيمة لا يحدها بصر من الجانبين مبكرين ~~لمشاهدة النزال بين ذو اليزن وملك بعلبك. # وحين تواجها صالا وجالا في الميدان طويلا، بين «صد ورد وطراد ومهارشة»، حتى ~~انبهر كل من شاهدهما. # وظلا هكذا إلى أن غربت الشمس دون غالب ومغلوب، فتصافحا وافترقا على اللقاء في اليوم ~~التالي وجرت ms079 المبارزة بعدما داخلها خبرة كل منهم بخصمه، وظلا يتلاقيان ويتباعدان، ~~ويكمنان ويفران طيلة اليوم إلى أن حطت الظلمة أعالي جبال بعلبك وروابيها، وافترقا على ~~لقاء جديد. # وامتدت المنازلة بينهما سبعة أيام. # وفي اليوم الثامن كان ذو اليزن قد داخله الوهن والتعب، إلا أنه تمكن من ملك بعلبك ~~الهائل الجثة فأرداه قتيلا، وأشرف بنفسه على دفنه في مهابة وتكريم. # وبعدها قرر الملك ذو اليزن بمشورة وزيره المقرب يثرب الرحيل عن تلك البلاد، بعدما أخذ ~~عشرين حملا من مال ملك بعلبك وجواهره وذهبه الإبريزي وفضته الفينيقية. # وارتحل ذو اليزن بجيشه طالبا أرض الحبشة وبلاد السودان، إلى أن نزلوا واديا ذا ~~أشجار. # | الجزء الثاني # | مقدمة الجزء الثاني # | آخر التباعنة: الملك سيف بن ذي يزن # توقفت بنا أحداث السيرة المندثرة للملوك التباعنة عند رحيل الملك التبع ذو ~~اليزن، إلى أفريقيا بحثا عن كتاب - أو منابع - النيل، وإقدامه على بناء مدينته التي شق ~~أنهارها وشيد قلاعها وبنى أسوارها وسماها، أحمرا أو «الحمراء». # لحين نشوب ذلك الصراع بينه وبين ملك الأحباش «سيف أرعد» الذي أفزعه، إلى حد الجنون، ~~نزول الملك ذو اليزن بجيشه العربي بالقرب من بلاد الحبشة، وتهديد سطوتها ويدها الطولى ~~المهيمنة على منابع النيل، وعلى معظم الأقوام والكيانات والقبائل الأفريقية، سواء في ~~شرق أفريقيا المتضمن للقرن الأفريقي، أو شمالها في السودان وبلاد النوبة وصعيد مصر ~~والمغرب. # فكيف لملك الحبشة «أرعد» أن يهدأ بالا، وهو يشهد تعالي سطوة العرب وتبعهم ذو اليزن ~~وازدهار مدينتهم الجديدة التي تضاءلت بجانبها عاصمته إثيوبيا، كما ورد في معلقات الوزير ~~الحكيم «يثرب». # ومن يثرب قد سرنا بعد عمارها # إلى بعلبك ابن عمي بها كبرا # وسرنا إلى أرض الحبوش بجيشنا # نزلنا بواد عمه الماء والزهرا # مليكنا ذو اليزن عمر أحمرا # حصنها بالأسوار وأجرى الأنهرا # فما كان من سيف أرعد سوى اللجوء إلى الحيلة والمكائد للتخلص من الملك التبع ذو ~~اليزن الذي عمت شهرته آفاق أفريقيا، فأرسل بأخلص وأجمل وأذكى جواريه «قمرية» محملة ~~بسمها الزعاف لتقضي عليه. # إلا أن الجارية التي بهرت ms080 من روعة وحضور وفروسية الملك ذو اليزن، سرعان ما وقعت في ~~حبه منذ أول لقاء، فأفضت إليه بخطتها باكية عند قدميه. # وهنا توطدت الصداقة بين الملك التبع الزاهد المنقطع لأبحاثه العلمية لإنشاء ~~المشروعات المائية من سدود وخزانات هدفها الاخضرار وخير الناس، وبين الجارية الباهرة ~~الجمال والذكاء التي جاءته لتقتله. # وكان المرض المفاجئ قد بدأ يغزو جسد الملك الكهل، دون أن يخلف وريثا لحكم ~~التباعنة من بعده، فقرر الزواج من قمرية، ليخلف منها، وقبل فوات الأوان، وريثا ~~لحمير، هو: «هيكل، وندعوه سيف»؛ مولد آخر التباعنة. # وفي أعماق القارة السوداء ولد «هيكل» أو سيف بن ذي يزن يتيما بعدما فارق والده الملك ~~ذو اليزن الحياة، مفضيا لزوجته قمرية بوصيته التي موجزها أن تعتلي هي عرش ~~التباعنة لحين اشتداد ساعد ولده الوحيد سيف (أو هيكل) لتسلم سلطاته. ~~- ليحكم بالعدل بين الأقوام والقبائل. # وكذلك أوصى له الملك الوالد، بمخطوطاته ومدوناته وأبحاثه حول: كتاب النيل. # إلا أن مولد سيف صاحبه الكثير من المخاطر الهائلة التي أضرم لهيبها ملك الأحباش ~~المتجبر سيف أرعد، ووزيره المعادي للعرب الساميين «سقرديون»، فما كان من الأم قمرية، ~~إلا أن ربته في الخفاء بأحراش وغابات أحد البلدان الموالية سرا للعرب (من المرجح أن ~~يكون السودان أو الصومال) وتدعى مملكة «أفراح». # ونما سيف بن ذي يزن بمنفاه يتيما مطاردا من سيف أرعد وعيونه الموجودة على طول ~~الأقوام والبلدان الأفريقية، وفي الوقت نفسه بات سيف أرعد مرتعدا خائفا من مولده ~~وعيشه المدهش في الخفاء: # ومولود يأتيك يملك أرضهم # ويبقى على جميع البرية حاكما # وهكذا واصل ملك الحبشة أرعد مطارداته وحروبه خلال طفولة سيف بن ذي يزن، فغزت الحبشة ~~اليمن وشمال الجزيرة العربية، وتوغلت في صعيد مصر، حتى هاجر اليمنيون أنفسهم إلى تلمسان ~~تحت حكم عبد الودود والمنذر، إلى أن اشتد ساعد سيف اليزن، فجمع كوكبة من أخلص فرسان ~~القبائل المعادية للحبشة وتسلطها وخاض سلسلة من المخاطر والمغامرات على طول البلدان ~~والقلاع المهجورة شرقا وغربا في أفريقيا، وأحب بنت ملك أفراح «شامة»، التي اصطحبته ms081 ~~بضع سنوات عبر مخاطراته تلك في ربوع أفريقيا واليمن، إلى أن تزوج بها عقب إنقاذه لها من ~~بين مخالب ابن ملك الحبشة الذي كان يبغي الزواج بها، ولعب سيف بن ذي يزن أبرز أدواره ~~كبطل شعبي، حين تسلل بأتباعه وفرسانه إلى داخل بلاد الحبشة ذاتها، فأقدم مليكها سيف ~~أرعد على حصار عاصمة التباعنة في أفريقيا - أحمرا - ذاتها، بهدف تخريبها وأسر ~~ملكتها قمرية. # وتمكن سيف (أو هيكل) من تخريب سدود ومنشآت النيل داخل الحبشة، إلى حد تمكنه من ~~تخريب الحصار ذاته حول أحمرا، وفك أسر أمه، ثم طاردا معا جيش الأحباش وملكهم سيف أرعد ~~إلى أن أوقع به وقتله. # وهنا أصبح سيف بن ذي يزن: تبع حمير المنتظر. # وعمت الأفراح وتوثق الأمن والأمان في ربوع اليمن والجزيرة العربية بأسرها، بالإضافة ~~إلى بقية البلدان التي يجمعها نهر النيل، وأهمها بالطبع «مصر العدية»؛ حيث توافدت ~~الوفود على أحمرا من ربوع مصر، مطالبة بزيارة الملك سيف - أبو الأمصار - لمصر التي بها ~~استقبل استقبال الأبطال الفاتحين، بعدما أراح أهل مصر من ملك الحبشة وتهديده ~~لرقابهم وأرضهم؛ نتيجة لتحكمه في مناسيب النهر الأسمر داخل الحبشة وتخومها، ففي مصر، ~~التي أعطت لسيف بن ذي يزن، أقصى طاقات حبها واحتضانها له ولأفكاره ومشاريعه العمرانية، ~~وجد الملك سيف مبتغاه الأخير، فأقام بها طويلا، بعدما أحاطه المصريون بحبهم المتدفق ~~والجارف، فأطلقوا عليه: أبو الأمصار. # وحين أنشأ بجبل المقطم القلاع والحصون لجيشه لحمايتها، خاصة من أخطار الفرس الطامعين، ~~أطلقوا على الجبل «الجيوشي» وتعارفوا على الملك سيف ذاته ب: أبو الجيوش. # واصطحب الملك سيف بن ذي يزن زوجته ورفيقة صباه ابنة ملك «أفراح» شامة، وابنهما الذي ~~سمياه «دمر»، إلى مصر فأقاموا بها طويلا وبدأ استعداده لحماية مصر من الطامعين، حتى ~~إذا ما تجددت أطماع الفرس في حكمها، واصل حروبه ومطارداته لفلولهم داخل خراسان، بعدما ~~توغل في أصفهان بجيشه العربي الذي كان قد أحسن تدريبه بنفسه بالجبل الذي يحمل اسمه إلى ~~اليوم، «جبل الجيوشي». # وكان يحلو له التنكر ومواصلة أسفاره ومخاطره السرية، لاستطلاع ms082 نوايا الفرس، بحجة بحثه ~~عن كنوز جدته بلقيس ملكة سبأ والملك سليمان. # وعندما كبر ابنه من شامة - دمر - نصبه حاكما لسورية الشمالية، واتخذ من ميناء بانياس ~~عاصمة له، إلا أن غزوات الأقوام الفارسية الطامعة تمكنت من أسر دمر، مما أوقع الأحزان ~~الثقيلة بأمه شامة، إلى حد أفضى بها إلى الجنون. # وهنا لم يجد الملك التبع سيف بن ذي يزن مهربا من مطاردة الفرس ومنازلتهم عبر آسيا ~~الصغرى والأناضول وشبه القارة الهندية، وهي حروب طويلة ومضنية، ضد ملك يدعى «الهدهاد» ~~الذي واصل تعقبه إلى «ما وراء نهر بلخ» و«عاد فدخل دلتا مصر عن طريق دمياط مظفرا ~~بالنصر، مخضبا بالدم النازف على جبينه كأرجوان.» # لكن سرعان ما اندلعت من جديد الحرب بينه وبين الملك الفارسي «بهرام»، إلى أن حقق ~~الملك سيف نصره الأخير، الذي انتهى بهدنة، أقدم الملك التبع سيف بن ذي يزن خلالها ~~على الاقتران بابنة بهرام الباهرة الجمال «مهردكار» وعاد بها إلى مصر، دون إدراك لأبعاد ~~المؤامرة التي دبرها الفرس للتخلص منه بأقل الخسائر؛ حيث اضطلعت زوجته «مهردكار» بوضع ~~السم الزعاف في طعامه خلال رحلة بحرية لهما على شاطئ النيل، هربت بعدها عبر أحراش ~~الدلتا، فلم يعثر لها على أثر. # وفجع المصريون بموت مليكهم المنقذ المحبوب - سيف - فبكوه أياما في الطرقات ~~والشوارع. # وكفن الملك سيف بن ذي يزن ودفن بمدفنه وكنوزه بالجبل الذي كان قد أعطاه اسمه ~~الجيوشي وانتهت فاجعة موته الغادرة وسيرته العاطرة، «فركب على مصر أربعة ملوك من أرض ~~خراسان العجم، ووقعت الحروب الطاحنة بينهم وبين دمياط ودمنهور الوحشي، وهرع لنجدتهم ~~أسيوط ملك إيليا وفلسطين»، حسب نص مخطوطة السيرة المحفوظة بمكتبة المتحف البريطاني ~~المرفقة. # السيرة بين التاريخ والفولكلور # ولعل أبرز ما تؤرخ له هذه السيرة الملحمية التي يتعاقب فيها الشعر والنثر، هو ~~امتداد الصراع بين الساميين والحاميين، ثم تلك الحروب القبائلية الطاحنة التي اتخذت ~~من الشام ميدانا، وبالتحديد منطقة بعلبك والبقاع بلبنان مرورا بفلسطين ومصر إلى ~~حيث أفريقيا الوسطى والحبشة والسودان، بالإضافة إلى القرن الأفريقي، بهدف تعريب هذه ms083 ~~الأقوام. # وهنا تنتهي حقيقة حدود مناطق النفوذ العربي الجنوبي، وهي ما تؤيده النقوش ~~والمدونات التي عثر عليها علماء اللغات السامية، سواء في اليمنين، أو على طول ~~الطريق التجاري الممتد من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها، مارا بمكة المكرمة ~~ويثرب ومدائن صالح وتيماء وتبوك ومعان حتى دمشق. # كذلك أثبتت الاكتشافات الحفائرية - الأركيولوجية - في بلاد الحبشة وتخومها، أن ~~هذه البلاد كانت خاضعة يوما ما للنفوذ التجاري أو الثقافي أو السياسي ~~اليمني. # فالحروب الطاحنة بين العرب والأحباش أكدتها المصادر التاريخية الإسلامية، فالسيرة ~~في حديثها عن تلك الحروب: تستطرد في عرض الحياة وأعمال البطولة، وهي صادقة في هذا ~~العرض، إلى حد كبير، فسيف بن ذي يزن، الذي ولد لأبيه في أفريقيا، والذي تربى في ~~البراري في الفلاة، وأتى منذ صباه بالكثير من أعمال البطولة وبعد النظر، كشخصية ~~تاريخية ماثلة محققة، هو التبع اليمني الذي قاد الجيوش العربية الجنوبية، وطرد ~~الأحباش وأنهى سطوتهم من بلاده، وقد تحدث «ابن هشام» عنه، وذكر الكثير من الأشعار ~~والمعلقات التي تنسب إليه أو قيلت عنه، كما تعرض لحروبه ضد الفرس الطامعين، ودوره ~~وحروبه ومآثره في شبه القارة الهندية، وانتساب الكثير من الأسر الحاكمة الآسيوية ~~إليه، فهو الجد السالف للأسرة الحاكمة في «بوروناي»، وبطل من أبطال ملاحمهم. # وأخيرا يبدو أن راوي هذه السيرة، خبير بمصر التي احتفت بسيف بن ذي يزن وخوارقه ~~وبطولاته في صد أطماع الأحباش من جانب، والفرس من جانب آخر؛ حيث يذكر من جغرافيتها، ~~ولغتها وعاداتها أدق تفاصيل ملامح بلدانها مثل أسوان وإسنا وإخميم وأسيوط ومنفلوط ~~وملوي وأهناسيا وحلوان والجيزة، وحارة الوطاويط، وقلعة الجبل والروضة، وجبل ~~الجيوشي، الذي تسمى باسمه «أبو الجيوش» الملك سيف، ومدفنه به إلى اليوم، وذلك أيضا ~~حسب نص مخطوطة المتحف البريطاني. # الفصل الرابع عشر # | التعريب داخل أفريقيا # كان الوادي الأخضر هائل الشجر والإثمار الذي استقر رأي التبع ذو اليزن على النزول ~~على رءوس جباله وروابيه السندسية الحانية، وضفاف أنهاره العذبة العميقة الزرقة ذات ~~الخرير الشجي. # وكان الوادي بالإضافة إلى جماله الباهر الأليف يفيض ms084 ويموج بمختلف أنواع الحيوانات ~~والطيور وقطعان الماشية من جمال وأبقار وأغنام وأيائل برية. # ورغم خلوه من السكان، إلا من بضعة رعاة فرادى، فإنهم فروا الأدبار هربا عندما وقعت ~~عيونهم على جيش ذو اليزن الجرار المدجج بالسلاح. # وكان التبع ذو اليزن لا يزال يعاني طيلة الطريق من بعلبك إلى أفريقيا، مما اضطره ~~ودفعه دفعا إلى تحديات ملك بعلبك ومنازلته إلى أن أرداه قتيلا بحسامه على مرأى من ~~أمرائه وأقاربه وذويه، فما فكر على الإطلاق أن ينازله حتى الموت، إلا أنه ما إن رأى ~~رجاله يهوون صرعى نتيجة أكلهم السم في تلك الليلة الليلاء، حتى أدرك الخيانة من قبل ملك ~~بعلبك، فكانت المبادرة بالتحدي والمبارزة معه أسلم الحلول بدلا من رفع السلاح وإحداث ~~مجزرة رهيبة يسيل لها الدم مدرارا على السهول والروابي ويذهب ضحيتها الأبرياء قبل ~~الأعداء. # ولقد حاول الوزير «يثرب» كلما حاول الملك مفاتحته في أمر ما جرى، تهوين الأمر عليه، ~~بأن «البادئ بالشر هو عادة الظالم». # بل إن التبع ذاته كان ينوي الرحيل بجيشه عن بعلبك بعد أيام معدودة، دون أدنى أطماع ~~أو نية سيئة تجاه ملكها الكريم الشمائل، الذي رحب بهم في البداية خير ترحيب، إلا أنه ~~سرعان ما استهوته هذه البلاد الحارة المتفجرة بالعطاء الذي تفصح عنه طبيعتها ~~السخية. # وتملكه الحماس أكثر حين تبين له مدى كثرة الماء ومجاريه على طول ذلك الوادي، بما يسهل ~~له ممارسة هوايته وتحقيق أهدافه خاصة بحثه عن «كتاب النيل» الذي يؤرقه البحث عنه وحل ~~طلاسمه وألغازه. # فانشغل الملك ذو اليزن في أبحاثه وأسفاره ما يعن له من ملاحظات حول الماء ومصادره، ~~وكيفية التحكم فيه، خاصة النهر العظيم، نهر النيل. # حتى إذا ما انتهى ركب ذو اليزن من حط رحاله في ربوع تلك البلاد والغابات، أقيمت ~~المضارب والخيام وبيوت الشعر، وبدأ بتشييد قصر التبع ووزيره يثرب على سفوح أعلى ~~الجبال المحيطة بالوادي الفسيح وغاباته الكثيفة. # وانخرط الملك من فوره مستغرقا في أبحاثه المضنية عن منابع النيل؛ حيث سافر المسافات ~~الطويلة بصحبة حراسه ومساعديه، ms085 وسأل كتبته تدوين ملاحظاته وما توصل إليه، بل بعث بإحضار ~~بعض مراجعه ومخطوطاته ومدوناته السابقة من مأرب وسبأ وصنعاء. # وكان كلما سافر ورحل وبحث، زاد تفكيره فيما يطمح إليه، واحتياجه للسنوات الطوال ~~لاستكماله. # فهو الماء؛ الحياة قبل وبعد أي شيء آخر. # إلى أن استقر رأيه الذي فاتح فيه وزيره المقرب «يثرب» وهو ضرورة بناء مدينة، تليق ~~بالملك التبع تقع إلى الجنوب أكثر من المكان الذي نزلوا فيه. # وعلى الفور أمر بإحضار الصناع والمهندسين، فحفروا أساسها وبنو جدرانها وأسوارها ~~وحصونها المنيعة. # وانشغل الملك ذو اليزن بنفسه، في كيفية تحويل المياه إليها فأمر بشق أنهارها العذبة، ~~بما يحقق أبحاثه وما هو منشغل به: كتاب النيل. # واستغرق العمل والبناء في إقامة المدينة الجديدة في أفريقيا الوسطى سنوات، حتى إذا ما ~~اكتملت، أسكن عشائره ومقربيه وسماها بنفسه «أحمرا». # وجاءت مدينة «أحمرا» منافسة لسابقتها «يثرب» في اجتذاب التجار والصناع وأرباب الحرف ~~والزائرين من كل صوب: من مصر والسودان وقرطاج والمغرب الكبير وبلاد الحبشة وبلاد «بنط» ~~أو الصومال، إلى أن وصلت أخبار الملك التبع ذو اليزن ومدينته التي على مشارف أرض ~~الحبشة، إلى مليكها الجبار بالغ السطوة والجاه والذي ترعد له القلوب عند ذكر اسمه: ~~الملك سيف أرعد. # وهو الذي يحكم بلاد الحبشة وما حولها من بلدان متضمنة السودان؛ حيث تقف حدوده عند مصر ~~العليا. ~~- يا للغفلة التي لن تغتفر يوما لأحد، كيف جاء عرب اليمن وتبعهم الكبير ونزلوا ~~بلادنا واستوطنوها، وشيدوا مدينتهم ونحن لا نزال غافلين؟ # استشاط ملك الحبشة سيف أرعد غضبا وصرخ في وجوه أعضاء مجلس حربه، من أمراء وشيوخ ~~قبائل وحكام وقواد ومستشارين. ~~- كيف حدث هذا؟! # توقف الملك فجأة، حين قدم وفد إلى مجلس حربه الذي كان قد دعا إليه، وكانوا يتوافدون ~~بمراكبهم البحرية، صاعدين من فورهم إلى حيث قصر الملك سيف أرعد. # وكانت مدينة ذلك الملك يقع نصفها في البحر ونصفها الآخر في البر، وكانت حصينة مترامية ~~الأطراف، فيها القلاع والموانئ والمنشآت البحرية ومصانع صنع مختلف الأسلحة التي اشتهرت ~~بها في كل ms086 بلدان أفريقيا، التي لم تكن لتهدأ لها حروب ومنازعات، مما جعل تجارة الأسلحة ~~رائجة وضاعف من ثراء مدينة الملك سيف أرعد التي اشتهرت أيضا بزرع الفتن بين أقوام ~~القارة السوداء المترامية الأطراف. # وكان ملك الأحباش الذي يرفل في الذهب الإبريز ومعه كبار تجار المدينة لا هم لهم سوى ~~الثراء، بغض النظر عن كيفية الحصول عليه، أما أن تصل الغفلة بالجميع إلى حد أن ينزل ~~بلادهم وتخومهم بدو عرب المشرق وتبعهم واسع الشهرة والعلم والشكيمة ذو اليزن، فتلك ~~كارثة الكوارث ولا شك، والأدهى أن يجيء نزولهم على هذا النحو، بلا حرب أو معارك أو قتال ~~أو مقاومة، إلى أن يهنأ لهم البال فيشيدوا مدنهم وحصونهم، وها هي «أحمرا» عاصمة ~~التبع، أصبحت تجتذب، عاما بعد عام، كل الأنظار المتطلعة لمصنوعاتها ومنتجاتها ~~ومبانيها وأنهارها وبساتينها. ~~- إلى هذا الحد تصل الغفلة بالجميع؟ # أهكذا نصل متأخرين جدا على الدوام، وبعدما نفذ السهم ليفت من مقتلنا جميعا الصغير ~~قبل الكبير، دون استثناء؟ # وحاول بعض الحاضرين تهدئة ثائرة الملك سيف أرعد، بحجة أن التبع اليمني لم يرفع ~~سلاحا ضد أحد. # عاود الملك صراخه: تلك هي الكارثة كل الكارثة. # وتدافعت بعض الأصوات مشيرة إلى أن الملك ذو اليزن منشغل بالمياه وكتاب النيل، دون غزو ~~أو قتال، إلا أن الملك أرعد قاطع الجميع قائلا: الماء ... النيل ... حياتنا! # هب واقفا موضحا وهو يضع قبضته حول عنقه، كمن يعاني اختناقا حقيقيا. ~~- رقابنا ... مقتلنا ... الماء ... النيل. # وكان لدى ذلك الملك - سيف أرعد - حكيمان أو وزيران؛ أحدهما يدعى «سقرديس»، أما الوزير ~~الثاني فيدعى «بحر قفقاف الريف» أو «أبو ريفة». # كان أولهما وهو «سقرديس» يكره العرب - أولاد سام - الذين لا يحبون أحدا من ذرية حام ~~أو الحاميين الأفريقيين؛ لذا اندفع سقرديس من فوره متحاملا ضد التبع ذو اليزن وجيشه ~~ومآربه في أفريقيا التي يسترها ببحثه عن «كتاب النيل» ومنابعه. ~~- إنه مجرد قناع خادع لتغطية أطماعه. # ثم عاد يؤكد: ومن الأفضل لنا المبادرة بحربه وقتله وإفناء جيشه العربي الغازي، الذي ~~استباح بلادنا في غفلة منا ms087 جميعا - على حد قول الملك أرعد - ومن الأفضل لنا القضاء على ~~تلك المدينة - أحمرا - التي شيدها التبع اليمني، وجلب إليها الماء من كل مكان، ~~فالخطر، كل الخطر، من تلك المدينة التي أصبحت مضرب الأمثال في الأمن والأمان، حتى ~~اجتذبت التجار والزائرين من مشرق الأرض ومغربها. # هنا قاطعه الملك أرعد مشيرا في رثاء عبر شرفات قصره: ألا ترون ما انتهت إليه مدننا ~~وتجارتنا من جراء إنشاء تلك المدينة العربية التي امتلأت ساحاتها في غمضة عين بورش ~~الحدادة وصهر الحديد وصنع السلاح وتربية الخيول العربية حتى أصبحت اليوم ترسانة وحربة ~~موجهة إلى صدورنا؟ صرخ الملك أرعد، وقد احمرت عيناه وتبدلت سحنته عن آخرها، فجرى إليه ~~خدمه بالماء. ~~- ألا ترون وتشهدون؟ # وكان الوزير - عدو العرب - سقرديس، على دراية كاملة بتاريخ التباعنة وحروبهم في ~~الشرق البعيد، وتجبرهم وفتوحاتهم، فأعاد إلى الأذهان أساليب التباعنة في الغزو ~~القائم على الخداع، مثلما حدث مع التبع حسان اليماني - عم ذو اليزن - حين اجتاحت ~~جيوشه المتسترة بالأشجار مدينة اليمامة وأسرت أميرتها الزرقاء التي حذرت قومها الغافلين ~~طويلا دون جدوى، وهو بذاته ما يحدث الآن. # أما الوزير الحكيم الثاني للملك سيف أرعد، وهو «أبو ريفة» فقد رفض ذلك المنطق وآثر ~~التروي وتدبر الأمر قبل الاندفاع بالقتال والحرب مع سليل «تباعنة اليمن» وما عرف عنهم ~~من بأس. # كان «أبو ريفة» وأصله من بلاد الحجاز، ما يزال لسانه عربيا، وما كان يعبد «زحل» ~~كالأحباش، وكان محبا للعرب متقربا منهم؛ لذا آثر منذ البداية رفع صوته والإدلاء ~~الهادئ برأيه للملك أرعد، محبذا عدم المبادرة بالهجوم والحرب ضد العرب ~~النازلين. ~~- فلعل النازل، يرحل يوما، بلا حرب وويلات وأنهار دماء. # ولما كان الوزير الحكيم «أبو ريفة» مقربا من الملك أرعد، فقد أسلم له أذنيه منصتا ~~لمشورته، في هذه الظروف العصيبة التي حلت بالأحباش وبلادهم وهيمنتهم على مشارف ~~أفريقيا. # إلا أن الوزير الأول، لم يطق على نزول العرب صبرا، واندفع من فوره يزين للملك سرعة ~~الحركة والمبادرة ضد التبع ذو اليزن، ما دامت الحرب هي في ms088 ذاتها خدعة، فلم لا تلجأ ~~إلى المكيدة والخداع؟ ~~- كيف؟ ~~- نرسل له بالجارية «قمر» حليلة. # هنا استكان الملك أرعد لرأي وزيره «سقرديس» منصتا مفكرا: ولعلك أيها الملك الأقدر ~~على معرفة «قمرية، سكة الأذية» أكثر من غيرك. # فهي جارية نادرة، بديعة الجمال باهرة الحضور والغناء والكلام، كما أنها داهية الدواهي ~~كمثل أفعى، بل هي أفعى أودت بحياة الكثيرين بمنقوع سمها الزعاف. # وحين انتشى ملك الأحباش سيف أرعد، من مكيدة وزيره «سقرديس»، هب من عرشه مشيرا إلى ~~خدمه بإخلاء طريقه إلى حيث يقيم حريمه للاجتماع بتلك الجارية المسمومة قمرية. # وحاول الوزير الثاني أبو ريفة اللحاق بالملك سيف أرعد، للحيلولة دون تدخل تلك الجارية ~~- الداهية - شديدة الطموح والتلون والناطقة بكل لسان ولهجة، في ذلك الأمر الخطر، إلا أن ~~سيف أرعد لم يعطه آذانا مصغية، هاتفا وهو يقارب ديوانها: قمرية، أيتها الأذية. # الفصل الخامس عشر # | مؤامرة ملك الحبشة لقتل ذو اليزن # ما إن رفع الملك أرعد طرف الستار المفضي إلى مخدع الجارية الباهرة الجمال والمتوقدة ~~الذكاء «قمرية»، حتى أدركت من فورها ما يشغل فكره، كما عرفت مرماه من زيارته هذه ~~لها. # هبت قمرية مبتسمة ومرحبة قائلة: التبع اليمني الغازي، ذو اليزن، أليس كذلك؟ # وقف الملك أرعد وواجهها مندهشا، وسألها: من أخبرك؟ ~~- عيناك. ~~- أجل يا قمرية؛ إنه ذو اليزن. # قاربها مفاتحا إياها فيما يجول بخاطره مسلطا عينيه في عينيها السوداوين الواسعتين ~~المتوقدتي الذكاء اللتين تنطقان بالتحدي وتتجلى فيهما الفروسية. # ثم رفع ذراعه المغطى بأكمله بالأساور الذهبية، في ذات اللحظة التي أشارت إليه قمرية ~~بالجلوس: استرح أيها الملك، لا تشغل بالك هكذا، فما من ليل دامس إلا ويعقبه ~~نهار. # أعادت هي هذه المرة مواجهته والغوص في عينيه المثقلتين اللتين عاداهما النوم منذ ~~زمن. ~~- لا تشغل بالك كثيرا، فمن يدري ما يخبئه الغد؟ وحسنا فعلت بزيارتي بعد طول ~~غياب. ~~- كيف؟ # أشارت إلى قارورة سمها الزعاف «ابن ساعته» الخضراء اللون، التي تخبئها بين جدائل ~~شعرها الطويل الضارب الاحمرار: وكأنك كنت معنا يا قمرية! ~~- أنا دائما معك! # غمغم الملك أرعد ms089 شاردا في استرخاء، محاولا تبرير ما هو مقدم عليه ولو أدى الأمر إلى ~~التضحية بأجمل وأذكى نسائه المقربات، موضع سره وشكواه وأدق أسراره وخباياه: ماذا أفعل، ~~إن ذلك التبع لا يصطحب معه مجرد جيش، بل أمة بأكملها، وأنا لا قبل لي بمواجهته ~~مفردا وحدي، بعدما استسلم الجميع على النحو الذي تعرفينه. # قاربها أكثر في تودد: أتسمعينني، قمرية؟! # هب عن كرسيه متوقدا بالحماس الذي ألهبت به قمرية رأسه وأعصابه بمجرد لقائه بها، ~~وكأنما هي جيش بأكمله قد هب لمساندته وشد أزره في وحدته المريرة هذه: أنا لم أعد أحتمل ~~وحدي ذلك الغباء والتكاسل والتخلف الذي تعيشه هذه البلدان والأقوام والقبائل على طول ~~هذه القارة المسترخية السوداء، أبدا لن أحتمل وحدي. # استدار مقاربا قمرية كمثل طفل يبغي هدهدة أمه الحنون الدافئة: أن أخرج بجيشي للقاء ~~ذلك التبع اليمني وجيشه الذي يسد عين الشمس ذاتها وحدي؟! # واجهها في تلصص: ولعلك الأقدر على معرفة الأخطار التي جلبها ذو اليزن بنزوله وقبائله ~~بلادنا. # كان الملك أرعد على دراية كاملة بمدى ما تتمتع به «قمرية» من قدرات سياسية لا تقف ~~حدودها عند الحبشة والسودان وما حولهما من أقوام وكيانات، بل إن بصيرة الجارية الأعجمية ~~المولد واهتماماتها، أكثر تطلعا وطموحا على الدوام، ولعلها ومنذ أن جيء بها من ~~الأناضول إلى إثيوبيا، تحلم ولا تزال، باليوم الذي ترى فيه نفسها في ذروة السلطة ~~والتسلط، تحيط بها هالات الشهرة والمجد أينما حلت. # وكثيرا ما شاركها سيف أرعد حلمها الكبير هذا في التطلع، دون كلل، إلى ما وراء ~~البحار. # قاربها سيف أرعد: ولا منقذ سواك يا قمريتي من هذه الكارثة. وأفضى إليها الملك الحبشي ~~بتفاصيل خطته في التسلل - بقارورتها - إلى التبع ومعها غالي الهدايا وثمينها من كل ~~نوع وصنف: جمال وخيول وقطعان ضأن، ومال وذهب وفاخر الثياب وأبدع منتجات الحبشة، وختم ~~كلامه لها قائلا: ولعلك ستتكفلين بالباقي، في الوقت والمكان الذي تحددينه أنت يا ~~قمرية، ولا أحد سواك. # وقضى الملك أرعد ليلته تلك، محذرا قمرية من كارثة انكشاف الأمر - المؤامرة ms090 - الذي ~~سينتهي حتما بضياع ملكه وملك آبائه وأجداده، بل ضياع أفريقيا بأكملها. # حذرها الملك مرارا، من ضراوة انتقام التبع ذو اليزن لو انكشف أمرهما، كما حدث مع ~~ملك بعلبك الذي مات قتيلا، حين نازله ذو اليزن وقطع رأسه، ودفنه بمهابة تليق بملك ~~وصديق، وظل يبكيه على مرأى من ذويه ومقربيه شهورا. # كما حذرها الملك مطولا - بخاصة - من مدى سحر ومنطق واتساع علم ذلك الملك ذو اليزن، ~~الذي تلين له الأحجار قبل البشر، فلقد كان الملك على معرفة بمدى طموح تلك السيدة القوية ~~ذات الشكيمة التي لا تقف مطامعها عند حد. # بل إن طموحها كثيرا ما تجاوز طموحه، وهو الملك الحاكم للحبشة والسودان وأفريقيا ~~الوسطى. ~~- حذار من سحر الكلمات. # فهي - قمرية - التي تتقن عن دراية العربية ولهجاتها المختلفة بدءا من الجعزية - لهجة ~~حضرموت - التي سبق لليمنيين نشرها بالحبشة، مرورا بالآرامية، والقحطانية والحميرية ~~والمعينية والسبئية، وهي لغات أولئك الأعراب الغزاة، بالإضافة إلى معرفتها ببقية ~~اللهجات الأفريقية، من نيجرية وأمهرية وهررية. # وفي صبيحة اليوم التالي لاجتماع الملك أرعد بقمرية، كان قد أعد كل شيء ببالغ السرية ~~والكتمان، ما بين قوافل الهدايا والعبيد والرسائل التي ستحملها الجارية - السفيرة قمرية ~~- إلى حيث قصر الملك ذو اليزن بمدينته «أحمرا»، من قبل ملك الحبشة «سيف أرعد». # إلا أن قمرية لم يكن يغيب عليها عقد لقاء أكثر سرية بينها وبين الوزير «أبو ريفة» ~~لاستجلاء أمر مهمتها هذه المحفوفة بالمخاطر. # وهنا لم يقصر الوزير - الحجازي - الحكيم، كلامه معها عند التحذير والنصائح، بل دعاها ~~إلى الثقة عن يقين حقيقي بالملك ذو اليزن، لدرجة دفعت بالجارية - المغتالة أو المحتالة ~~في ذات الوقت - إلى التروي مفكرة منبهرة من عمق تفكير ذلك الملك وسماحته، مما دفع بها ~~دفعا إلى التعجيل بمهمتها. ~~- فقط لكي أراه عن قرب، فلقد أصبحت مبهورة بما أسمعه عنه. # حتى إذا ما حان موعد الرحيل، ظلت طيلة الطريق الوعر الذي استغرق أياما، غارقة ~~بكاملها في تصور شخصية وحضور ذلك الملك الباهر، الذي - وكما يشاع عنه - لم يقهر ~~مظلوما، أو يقف ms091 في صف الظلم والتسلط، ولم يكن يوما من الضاربين أو الباطشين، رغم ما ~~عرف عن أسلافه التباعنة من ظلم وتجبر. # حتى إذا ما حطت قافلتها مشرفة على عاصمة التبع، العالية الأسوار وذات الأبراج ~~والحصون والقصور، ورأت أنهارها الجارية وبساتينها وقبابها، تمنت الجارية، وبعدما ~~استراحت نفسها، أن تقضي بقية حياتها هنا في أحمرا. ~~- يا للروعة! يا للبهاء! # بدت المدينة العالية الأبراج والحصون، التي صيغت قبابها من النحاس الأحمر القاني ~~الاحمرار، في نظر قمرية، كمثل مدن الأساطير القديمة الغابرة التي سمعتها تروى على ~~الشفاه. # وظهر لعينيها الذكيتين كل شيء متناسقا: ألوان الواجهات الناصعة البياض والرسوم ~~الجدارية التي تفيض تعبيرا عن مراحل حياة الملك التبع ذو اليزن والنقوش العربية ~~المدونة على أصلب الأحجار والمعادن والجلود التي تزين الساحات والميادين والبساتين ودور ~~العلم والأعلام، والأسواق الخاصة بكل ما تشتهيه الأنفس، من فاخر الديباج مثل أرجوان صور ~~ونفائس فارس والهند، وتلك الحلي الذهبية والفضية التي تزين جيد النساء، مع أزيائهن ~~الموشاة النفيسة. # كانت قمرية قد وصل بها الانبهار من مشاهد الحياة اليومية ل «أحمرا»، إلى حد دفع بها ~~إلى استعادة حلمها القديم من الثراء والتملك الذي لا يعرف له حد. ~~- أحمرا، يا حلمي القديم! # هنا أطلعت من خباء هودجها مشيرة إلى رئيس حرسها، مطالبة بالإبطاء حتى يتاح لها أن ترى ~~كل شيء في المدينة وأن تملأ عينيها من جمالها، مستنشقة تلك العطور الذكية التي استرخت ~~لها ملامحها، إلى حد أنساها كل توتر صاحب مهمتها العسيرة التي قدمت من أجلها وتحملت ~~بسببها كل تلك المشاق. # تحسست قارورة سمومها التي خبأتها بين طيات شعرها العسجدي، متنهدة مشيحة ببصرها إلى ~~حيث قصر التبع ذو اليزن: وصلنا. # إلى أن حانت لحظة لقاء الملك التبع ذو اليزن بجارية ملك الحبشة «سيف أرعد» عقب ~~سلسلة طويلة من لقاءات رجاله بها لمعرفة غرضها من تلك الزيارة، وأخصهم وزيره الحكيم ~~«يثرب»، الذي أشار عليه بمقابلتها بعدما أعجب بجمالها الباهر ورجاحة عقلها ~~وفصاحتها: أشهد أنني لم ألتق قبلها بأروع وأفصح من تلك السيدة المتعالية ms092 المتوقدة ~~الذكاء. # وكان أن أشار الملك ذو اليزن بإدخالها، حتى إذا ما تصافحا، وقدمت إليه قمرية رسائل ~~ملك الحبشة، وفضها مسرعا، قاربها مادا إليها يده في ثقة، مما دفع بها إلى التراجع، ~~وهو يواصل الخطو باتجاهها مبتسما قليلا، ثم اتجه بيده مشيرا إلى جدائل شعرها العسجدي ~~المنسدل، مما دفع بقمرية إلى أن ترفع يدها إلى شعرها، مخرجة من فورها قارورة السم ~~الضاربة الاخضرار من بين جدائل شعرها حيث تخبئها. ~~- ها هي! # ناولتها له مطرقة مستسلمة في صمت حط عليها من بالغ انبهارها بالملك التبع ذي ~~اليزن. ~~- مولاي. # أجلسها الملك على مقربة من فرشه. ~~- استريحي. # وامتد الحديث بينهما صافيا متوقدا، دون أي شائبة أو خداع وكأنهما على معرفة وثيقة ~~أحدهما بالآخر منذ زمن طويل. # تحادثا فيما يحدث ويجري على طول القارة السوداء بكياناتها وأقوامها المختلفة في مصر ~~والمغرب الكبير والقرن الأفريقي ونيجيريا وبلاد الحبشة. # وأفاضت معه قمرية في حديث عميق عن الماء والتربة والأنهار وأخصها النيل كما استحوذت ~~على إعجاب التبع حين تعرج الحديث بينهما عن تباعنة اليمن واهتماماتهم بالسدود ومجاري ~~الماء منذ «عبد شمس بن سبأ» وسده الشهير بسد مأرب. # كما تطابق رأيهما على كراهية الحروب والعدوان التي لا تحقق سوى قتل الأبرياء من الناس ~~الآمنين. ~~- فيكفي الناس ما هم فيه من آلام وتطاحن يومي. ~~- أجل، أجل، فالحياة ذاتها تقتلنا يوما إثر يوم. # إلى أن غيرت قمرية مجرى الحديث وأخذت تتطلع في عيني الملك في ثبات؛ قائلة: ما قبلت ~~هذه المهمة - القذرة - إلا لكي أراك وأتحقق بنفسي بما سمعته عنك وعن سعة رحمتك. # ابتسم التبع ذو اليزن: ماذا سمعت؟ # قالت: سمعت ما يبهر أعداءك قبل محبيك. # زفر الملك مستريحا: أحقا؟ أتصدقين؟ # اندفعت قمرية من فورها جاثية منكبة عند ركبتيه، وتتطلع في انبهار من تواضعه الجم، فمد ~~ذو اليزن يده إليها: اجلسي في بيتك، في هذا الكفاية. # وعم صمت ثقيل بينهما، ارتفعت فيه أصوات عزف موسيقى خافت وغناء من قاعة الطعام فدعاها ~~التبع إلى العشاء مكررا: أنت في بيتك. # كان الملك ms093 التبع ذو اليزن قد زاد من معرفته بها بعدما راقت في عينيه، محرزة من ~~فورها مكانة في قلبه لم يسبق لامرأة أن بلغتها من قبل. # وكان الملك ذو اليزن قد أصبح في الفترات الأخيرة نهبا للوحشة والانعزال، بعدما أحس ~~مرضا حاول جاهدا كتمانه عن الجميع، خاصة وهو لم يخلف له وريثا لعرش ~~التباعنة. # لذا آثر كتمان آلامه وأحزانه، تحسبا لمدى الأخطار التي يمكن أن تتفجر على طول مناطق ~~حكمه ونفوذه المترامي، إذا ما أشيع وتواتر خبر مرضه المفاجئ وما ألم به. ~~- كارثة. # ومن هنا جاء وصول تلك السيدة الحكيمة الباهرة الجمال الذي يزينه عقل راجح وبعد بصيرة، ~~متوافقا كل التوفيق لما هو فيه. ~~- قمرية، جئتني في وقتك. # كان قد عقد العزم على الاقتران بها من دون تردد وقبل فوت الأوان. ~~- من يدري ما يخبئه الدهر؟ # حتى إذا ما سنحت الفرصة للملك بعدما انقضى وقت العشاء، أفضى أثناءها ذو اليزن لوزيره ~~المقرب «يثرب» بإحساسه نحو قمرية ورغبته المتأججة الطاغية للاقتران بها، رحب الوزير من ~~فوره مباركا في أقصى حماسه وسعادة. # وهكذا أقدم الملك التبع ذو اليزن على الاقتران بقمرية بسرعة وعجل ليخلف منها ~~وريثا لعرش التباعنة. ~~- هيكل، وندعوه: «سيف». # وهو الملك الفاتح سيف بن ذي يزن، آخر الملوك التباعنة، الذي سمي بأبي ~~الأمصار، وحروبه وفتوحاته في أفريقيا والهند وبلاد الفرس. # وهو ما ستطالعنا سيرته، بالجزء الثاني من هذا الكتاب. # الفصل السادس عشر # | زواج ذو اليزن من قمرية # منذ اللحظة الأولى التي التقى فيها الملك التبع ذو اليزن بتلك الفتاة الباهرة ~~الجمال المتوقدة الذكاء «قمرية» التي كانت قد جاءته - متسللة كمغتالة - تبغي أولا وقبل ~~كل شيء إزهاق حياته، عن طريق ترياقها المعجل، تخلى عن كل شيء ولم يعد يعرف للنوم ~~طعما. # بل إن التبع احتفظ بقارورة السم الزعاف كما هي إلى جانب فراشه، وكان يحلو له في ~~بعض الليالي تناول تلك القارورة المتناهية الدقة والصغر وتأملها مجددا بعدما استخرجتها ~~قمرية - خلسة - من بين جدائل شعرها العسجدي الضارب إلى الاحمرار، ثم مدت يدها ms094 له ~~فتناولتها إياه، بطريقة تلقائية منذ لحظة لقائهما داخل قاعة عرشه ومن دون أن تنطق ببنت ~~شفة. ~~- استريحي! # إلى درجة دفعت بالملك ذو اليزن إلى عدم مفاتحتها في الأمر رغم تعدد لقاءاتهما، وتعرف ~~أبعاد تلك المؤامرة التي تهدف إلى اغتياله في فراشه، كل ذلك من تدبير ملك الحبشة «سيف ~~أرعد» الذي بدأ علاقته معه على هذا النحو الأثيم، بل إن ذو اليزن تعمد من جانبه تغيير ~~الموضوع بكامله بسؤاله لقمرية عن الملك سيف أرعد قائلا: كنت أنوي من جانبي الرد على ~~هداياه بأفضل منها، «أطرق مبتعدا» لكن ما باليد حيلة. # ألجمت «قمرية» بدورها، دون أن يسعفها ذكاؤها الذي اشتهر عنها، أمام نبل شمائل ذلك ~~الملك العربي الراجح العقل إلا أنها تململت مطرقة مغمغمة: ما أنا سوى رسول أيها ~~الملك. ~~- أعرف. # قالت: ولعل هذا لم يكن قراري منذ البداية. # هبت من فورها مقاومة انفعالاتها متجهة في معاناة إلى حيث الشرفات الفسيحة المشرفة على ~~السهل الذي شيد على قممه المطلة على مدينة «أحمرا» وقصر الملك التبع الحصين. ~~- أبدا لم يكن هذا قراري. ~~- تقصدين اغتيالي؟ ~~- لم أقصد شيئا سوى أن أراك يوما. # قاربها التبع منبهرا من جمالها الطاغي. # لحظتها تدفقت الدموع السخية من عيني قمرية. ~~- أنا لم أبك أبدا من قبل. ~~- أعرف. # اندفعت تتأمله في أقصى حالات انبهارها، كما لو كانت على معرفة سابقة كاملة ودقيقة ~~بمعالم وقسمات وجهه. ~~- أبدا، لم أعرف للنحيب طعما وإحساسا. ~~- أجل، أعرف. # سألته في عفوية طفولية طاغية وهي تقاربه أكثر متأملة إياه من تحت أهدابها المبللة: ~~حقا تعرف! كيف؟ ~~- مثلك لا يبكي أبدا يا قمرية. # ضاحكها: الأذية. # هنا لم تتمالك قمرية السيطرة على مشاعرها فاندفعت تضحك من أعماقها، كما لم تضحك أبدا ~~في حياتها، إلى درجة أسقطت عنها كل أسلحتها، لتعاود براءتها الأولى التي عاشتها يوما ~~في طفولتها «الأعجمية»، وقبل أن تأخذ طريقها - كجارية مملوكية - ذائعة الصيت تتقاذفها ~~القصور والمؤامرات ودسائس الحكم والسياسة، وحياة الترف والثراء وشهوات التسلط على أعناق ~~ومصائر أعتى الملوك والأمراء، إلى أن انتهى بها ms095 المطاف في أعلى الذرى لدى ملك الأحباش ~~«سيف أرعد» الذي بعث بها إلى ذو اليزن. # وهكذا لم تصدقها عيناها، وهي تقف يوما في مواجهة ملك هذه البقعة الشاسعة من الأرض ذي ~~اليزن بوجهه السمح الآسر العميق المشاعر. ~~- لعلني ما زلت أحلم سابحة في أغوار هذه اللحظة الدهر، يا مليكي التبع. # أشار ذو اليزن بذراعه عبر شرفات قصره: نحن ما زلنا في وضح النهار، أيتها الأمير ~~قمرية. # ومرة أخرى انهمرت عينا قمرية الباهرتا الجمال دموعا مدرارة، متسائلة مدهشة: ~~أميرة؟ # هنا علا رنين جرس الاستئذان بالدخول، وانفتح باب قاعة عرش التباعنة على مصراعيه، ~~واندفع الوزير الأول «يثرب» داخلا في مهابته، إلا أنه توقف وقد أدهشه مشهدها المفصح ~~دون كثير عناء عن الكثير من الأمور الجليلة. ~~- ماذا يحدث؟ # غمغم يثرب متسائلا لنفسه، وقد جمد في مكانه حيث يقف، إلى أن أشار الملك التبع له ~~بالدخول: صديقي الوفي يثرب. # تقدم الوزير يثرب مسرا للملك بموعد الحفل: وصلت مواكب الوفود. # تطلع الملك إلى السماء وكأنه يقرأ الوقت: وصلوا، أشار الملك لمساعديه منسحبا مربتا ~~على يدي قمرية، وأحاط على الفور أربعة من مساعديه فألبسوه تاجه وعباءته وطيلسانه، وحين ~~انتهوا من مهمتهم، اتجه ذو اليزن إلى حيث تقف «قمرية» مادا لها ذراعه في استئذان ~~نبيل: لم لا تحضرين هذا الحفل معنا الليلة يا قمرية؟ # ارتعدت قمرية من الرأس حتى القدم من هول مفاجأة الملك التبع لها على هذا النحو، ~~وحاولت بسرعة السيطرة على حواسها وهي تمسك بيد الملك التي مدت لها. # أما الوزير يثرب فقد غالب اندهاشه معلقا قائلا: إنه حفل الأسلاف التباعنة الذي ~~يحل موعده الموافق لهذا الشهر القمري من كل عام، ويحضره الملوك والأمراء والسفراء من ~~سبأ وحضرموت ويثرب ومصر وبلاد النبط وفارس وبلاد بنط ودمشق والمغرب الكبير. # ولم يكمل الوزير يثرب حديثه عن الحفل؛ إذ طغت موسيقى تتخللها الهتافات المدوية بحياة ~~الملك التبع، في ذات اللحظة التي انفتحت فيها قاعات القصر، التي بدت وكما لو كانت ~~قاعات دائرية مسحورة تدور في بطء وديع مهدهد ms096 مع اتجاه حركة الشمس في الأفق البعيد التي ~~بدت حمراء قانية. # وبدت القاعات الفسيحة المتناهية الروعة غاصة بالوفود المشرئبة بأعناقها باتجاه الملك ~~ذو اليزن، وقمرية إلى جانبه متأبطة ذراعه غير مصدقة ما يحدث، ولكنها أدركت في النهاية ~~مغزى اصطحاب الملك التبع لها جهارا على هذا النحو، إلى درجة دفعت بها إلى القول في ~~جدية بالغة: إذا تخليت عني بعد اليوم فسأتجرع سمومي! ~~- لن يحدث. # وحين بدأ الملك النزول عن أولى درجات عرشه، انحنت هامات الوفود رجالا ونساء وصدحت ~~الموسيقى، ودارت أطباق الطعام وكئوس الشراب وتقدم الملك ذو اليزن محييا مرحبا بالجميع ~~ممازحا إياهم في حنو بالغ معلنا تقديمه «لقمرية» في بساطة وهو يضاحكها على مرأى من ~~الجميع قبل أن يطلب يدها بعفوية بالغة: أتقبلينني زوجا؟ # فما كان من قمرية إلا أن تراجعت منزوية خجلا من روعة وصفاء ذلك الملك البهي الطلعة ~~الذي لم يدرك أبعاد الصدمات المتتالية التي أحدثتها هذه الليلة العاتية المتلاحقة ~~الأحداث «لقمرية» التي تمتمت بخجل بالغ؛ قائلة: يبدو أنك أيها الملك الذي ستعجل ~~باغتيالي الليلة، قبل الأوان. # أجابها ذو اليزن؛ مازحا: واحدة بواحدة. # إلى أن واجهها بغتة في جدية: أتقبلينني؟ ~~- أقبلك! # ثم أطرقت خجلا. # قال موجها حديثه هذه المرة لكبار مدعويه من مختلف بقاع الأرض، بأزيائهم الغريبة ~~الشديدة الاختلاف والتنوع المتضاربة الألوان والمجوهرات: أتمنى أن يتحقق أملي يوما ~~لأخلف من قمرية وريثا لعرش التباعنة، مجرد أمنية. # تنهد الملك جانبا مخفيا ما اعترى وجهه من تعبير يفيض بالأسى ثم أردف؛ قائلا: قبل ~~فوات الأوان. # صفق المدعوون، وعلت الموسيقى والغناء وتبارى الشعراء في تمجيد الملك التبع، بينما ~~اندفعت قمرية تبذل أقصى طاقاتها للسيطرة على مشاعرها إلى أن أخرجها الملك من ~~أحلامها. ~~- لعلني أخلف منك يوما وريثي، «هيكل». # هنا سرى الاسم بين الجموع متلاحقا من مجموعة إلى أخرى ومن فم إلى آخر إلى أن عم ~~الصالات الواسعة الغاصة بالشموع والمشاعل وموائد الطعام والشراب والشواء، ومختلف الفرق ~~الموسيقية والأكداس المكدسة من ثمين الهدايا النادرة والمجوهرات. ~~- هيكل، هيكل. # قال الملك ذو اليزن، ms097 موضحا: هو «هيكل»، وسأدعوه «سيف». # وتدافعت الوفود أكثر من كل حدب وصوب وهي تتطلع مرة إلى وجه الملك التبع، ومرة إلى ~~قمرية وقد اعتراها الذهول الذي أفصحت عنه الملامح اللاغطة المحبة لذلك الملك الذي لم ~~يعهدوه أبدا يخطو بمعزل عن الخير: هيكل، سيف، أحقا ما نسمع ونرى، هيكل، سيف! # تساءل الجميع في همس هنا وهناك: أحقا ما يحدث؟! # إلا أن قمرية اعتراها حزن غريب عميق الأغوار لم تعهده أبدا، وهي التي قضت حياتها ~~بكاملها داخل ساحات ومحارم قصور مشابهة دون أن تصدم يوما من الأيام بمثقال ذرة كما ~~صدمتها هذه الليلة المتلاحقة الأحداث. ~~- ما الذي اعترى الملك الليلة، ليصدم الجميع على هذا النحو من الغرابة التي قد تفضي ~~إلى توقف القلب عن نبضاته والدم عن سريانه، وتؤدي إلى الموت الزؤام، الموت اندهاشا، ~~لماذا؟ # لقد مشت تشد على يد الملك حيث يتوجه قلبها، أو لعله سيقفز منخلعا من بين جوانحها، ~~لقد جاءته منذ أيام معدودات متآمرة مغتالة تتأبط سمها الزعاف لترديه قتيلا في غمضة ~~عين، ثم ها هي الآن أميرة ممسكة يده التي لو حدث وتخلت عنها، لفارقت الحياة بأسرها من ~~فورها. ~~- ما معنى هذا، الليلة! ~~- هيكل وسأدعوه: سيف! # تساءلت: من جاريتك قمرية؟ # أجاب دون تردد ممسكا يدها برفق: أجل. # شردت ببصرها: لو أن الشمس الغاربة لتوها أعادت إشراقها الآن حالا لما تساءلت: لماذا، ~~ولما كانت عثرت على جواب شاف. # حتى إذا ما سنحت لحظة قاربهما فيها وزيره وصفيه المقرب «يثرب» اتجهت إليه قمرية ~~بسؤالها الأزلي معبرة بكل وجهها وخلجاتها: لماذا؟ # أجابها الوزير يثرب: لأنه ذو اليزن. # استكانت لحظة مطلقة عنان أفكارها لذلك الحب الطاغي المكبل الذي اعتراها فجأة ودون ~~سابق إنذار من الرأس حتى القدمين مرددة بعده: ذو اليزن. # هنا تدافعت الوفود المتطلعة إليهما من كل جنبات القاعة العملاقة مهنئة مهللة، وهي ~~تلقي بنادر الهدايا تحت أقدامهما، النساء قبل الرجال يخلعن عنهن أساورهن وأقراطهن ~~الذهبية المرصعة بالياقوت والزمرد والرجال خناجرهم الإبريزية وما يحملونه من ثمين ~~الأحجار الكريمة مهنئين. ~~- حان الوقت، ms098 وحل الأوان، مبروك يا أميرتنا، وعلى الفور علا اسمها: قمرية، ~~قمرية! # الفصل السابع عشر # | جنون ملك الحبشة # جن جنون ملك الأحباش «سيف أرعد» حين تنامى إلى سمعه الكيفية التي انتهت إليها ~~مهمة تلك الجارية التي كانت تغل سما «قمرية»، والتي بلغت ذروتها القصوى منذ لحظة ~~وصولها إلى مدينة التبع اليمني الغازي ذو اليزن، «أحمرا» فبدلا من أن ترديه قتيلا ~~بسمها الزعاف الناقع، أوقعته في حبائلها إلى حد إقدامه على الزواج منها. ~~- أحقا ما أسمع؟! يا لها من كارثة. # اربد وجه الملك وهو يسمع ويقرأ تقارير عيونه وبصاصيه، مقارنا الواحد بالآخر، ~~وأزعجه أنها جميعها تلتقي على الزواج من قمرية، ليخلف منها وريثا «لعرش التباعنة ~~العظام». # تساءل الملك محطما من فوره كل ما تقع عليه يداه في غضب مندفع جارف: عرش ~~التباعنة العظام؟! هنا في قلب أفريقيا هنا؟! على مقربة منا، من إثيوبيا! # لحق به وزيره المقرب الذي يمقت العرب ملهوفا محاولا تهدئة ما ألم به من ثورة غاضبة، ~~حين استدار إليه الملك دافعا إليه بكومة ما تلقاه من تقارير. ~~- إنها مشورتك، اقرأ يا سقرديون! ~~- قرأتها بكاملها حرفا حرفا. # رفع الملك ذراعه المغطى بالأختام والأساور المصاغة من الذهب الإبريزي الأحمر صارخا: ~~سيتزوجها التبع تصور، يتزوج من قمرية. # رفع صولجانه مشهرا مهددا: ليخلف منها وريثا لعرش التباعنة، وهنا، هنا عند ~~أعتابنا على أعتاب أسعد يهوذا. # أعاد مسرعا قراءة أحد التقارير. ~~- لقد حدد وهو لا يزال في بطن أمه «الأذية» «هيكل» وسيدعونه «سيف»، ليشهره في وجهي، ~~في مقتلي أنا وليس أحد سواي، بالطبع من هو غير أنا؟! # وعلى الفور تصور الملك أرعد، مائدة ملك بعلبك المسمومة، وما انتهت إليه، صارخا في ~~وجه وزيره المأخوذ سقرديون: هي بذاتها الحكاية القديمة، تطل برأسها من جديد تماما، مثلما حدث مع ملك بعلبك ~~وانتهى بقطع رأسه. # تهاوى من فوره جالسا على عرشه - عرش أسد يهوذا - آخذا رأسه بين ساعديه. ~~- الحكاية القديمة، هه، والآن جاء دوري أنا، هنا. # غمغم ساخرا: فالتبع لا يبغي حربا، بل انتقاما. # وكما لو أن ms099 أطماع وأحلام ملك الأحباش قد تهاوت كلها دفعة واحدة، كما لو كانت مجرد ~~أضغاث أحلام، استحالت فجأة إلى كوابيس محاصرة مروعة لا مهرب له ولا فكاك منها. ~~- إلى أين؟ # كانت أحلامه وأطماعه لا تقف فقط عند مجرد حكم إثيوبيا وتوابعها، بل كان قد ورث بدوره ~~عن أسلافه السيطرة على النيل ومنابعه حتى مصبه، فكان يمد بصره إلى السودان والقرن ~~الأفريقي والصومال وأريتريا ومراكش بل والمغرب الكبير بكامله وبلاد النوبة ومصر العليا، ~~لتنتهي تلك الأطماع مؤمنة حدوده على مشارف البحر الأبيض المتوسط ومنارته «فاروس»، التي ~~أصبحت الإسكندرية فما بعد. # بل هي لم تكن أبدا مجرد أحلام وأطماع، توارثها الملك «سيف أرعد» عن أجداده وأسلافه ~~جيلا إثر جيل، بل كانت أطماعا شخصية أيضا عمل فعلا على تحقيقها، وزاد عليها أطماعه ~~الآسيوية في بلاد التبع ذاته في جنوب جزيرة العرب منبت ومنبع ذلك الخطر الجاثم دوما ~~على بلاده وأمنها. # لذا واصل الملك أرعد على الدوام إعداد فيالقه المحاربة الزاحفة التي لم يكن ينقطع ~~هجومها وغاراتها الخاطفة على حدود ومدن تلك البلاد، ثم العودة من جديد إلى إثيوبيا، ~~بالأسلاب والأسرى والغنائم من «ذوي البشرة البيضاء»، تمهيدا لإعداد العدة للزحف الكبير ~~وإحكام قبضة الحبشة عليها شمالا وغربا. # وكان يرجئ ذلك الزحف دوما بانتظار الانتهاء من أقوى وأصلب أعدائه، وهو ذلك التبع ~~اليمني ذو اليزن، الذي بدد منذ نزوله بجيشه وقبائله، أحلامه وأطماعه. # وها هو أخيرا - أي التبع - قد سد عليه كل المنافذ باكتشافه لأبعاد خطة اغتياله ~~الخسيسة المغلفة بثمين الهدايا ورسائل المودة وحسن الجوار، حين أرسل إليه بسفيرته ~~قمرية. # انتفض سيف أرعد من جديد منتصبا متحركا على طول جنبات وردهات قصره، ووزيره المتنمر ~~سقرديون في إثره، يتحين لحظة تهدئة ثائرته، ليفضي إليه بخطته الجديدة حول كيفية التخلص ~~بأسرع الطرق وأنجعها من أولئك العرب الغزاة وشرورهم. # اتجه الملك أرعد من فوره إلى حيث خلوته، عابرا الجسر الموصل بين مقره وقلعته الواقعة ~~داخل الميناء المطوق من ثلاث جهات، والذي حوله إلى شبه جزيرة حصينة، إلى أن توقف ms100 ~~مستديرا لوزيره سقرديون مفضيا إليه بهواجسه. ~~- لا بد أنه عرف بخطتنا. # أجابه الوزير باقتضاب: من قمرية، الحبيبة الجديدة التي أصبح الطريق إليها مفتوحا ~~لتعتلي عرش التباعنة. # نظر الملك أرعد إلى الماء مغموما: لا تقف أطماعها أبدا عند حد، تلك الجارية ~~البيضاء. ~~- حية رقطاء، أعجمية. # غمغم الملك مهموما بمرارة بالغة: أما من مهرب أبدا من هذا العالم المليء بالجنس ~~الأبيض وشروره، هه، ها هي قمرية وبعد كل ما قدمته لها زاحفا عند أقدامها. # عاتبه وزيره: حين أهملت كل تحذيراتي عنها. ~~- لننس ما مضى، لتذره الرياح. # علا صوت الملك مهددا: نحن هنا الآن، وفي هذا المكان، التبع لا ينسى ثأره لحظة، ~~مهما تظاهر بالسماحة، وهو أنه لا يبدأ حربا ولا يمشي أبدا إلى حيث الخراب. # عبرا ممشى جانبيا يقود إلى «ذهبية» عائمة إلى أن أصبحا وسط البحر الملبد بالغيوم ~~المتعانقة مع سفوح الجبال الشاهقة المحيطة، وغابا طويلا داخل أغوار البحر ~~المحيط. ~~- جحيم التبع اليمني وانتظاره، جحيم. # أما التبع ذو اليزن، فقد أرجأ على عادته السمحة انتقامه من ملك الأحباش الذي بدأ ~~علاقته به على ذلك النحو الغادر، منشغلا بحبه الجديد من تلك الفتاة - قمرية - التي ~~جاءته قاتلة ومغتالة، فتملكت من فورها أعماق قلبه، حين ذرفت أمامه دموعها مدرارا ندما ~~على ما أقدمت عليه في البداية، وانتهى إليه أمرها إلى حب عميق ضارب الجذور والأبعاد ~~للملك الضحية البهي الطلعة الذي أسرها أسرا بسماحته وفروسيته. # ومن هنا تلاقيا معا منذ البداية - التبع وقمرية - على أرض صلبة من المكاشفة ~~والصراحة، فكانا أن رسخا جذور الحب بدلا من البغضاء والتآمر. # وكان كلما مر يوم جديد، تكشف للتبع مدى طاقات وقدرات قمرية نتيجة عميق معرفتها ~~الواسعة بالكثير من الأمور والمعارف والأحداث، سواء منها ما كان غابرا مندثرا، أو ~~ماثلا يواصل جريانه وسريانه اليومي ليصل يوما إلى مثواه ومنتهاه الأخير. # كانت على معرفة واسعة بجزيرة العرب شمالا وجنوبا، وما يعتمل فيها من أحداث وصراعات ~~وهجرات قارية وحروب ومنازعات قبائلية وعرقية وعشائرية. # بل هي استفاضت معه الليالي إثر الليالي، ms101 أو خلال رحلاتهما معا للصيد والقنص والتريض ~~واللهو عبر بساتين وقلاع وحصون «أحمرا»، وما بدأ يستجد حولها من مدن ومضارب وليدة، ~~يتحادثان معا حول تاريخ جدوده التباعنة وسيرهم وأخص سماتهم وحروبهم وغزواتهم ~~وشعائرهم ومآثرهم وما قيل فيهم من أشعار ومراث أو قبوريات، بدءا من جدهم السالف «يعرب» ~~الذي ينسب إليه أنه كان أول من تكلم العربية، «قبل حادث بناء مدينة بابل وبرجها الكبير، ~~وتبلبل الألسنة بها»، وبها - أي بالعربية - نطقت بقية القبائل؛ مثل: عاد وثمود وطسم ~~وجديس - قوم زرقاء اليمامة - والعماليق ورائش. # واستفاضت معه قمرية مطولا خاصة عن مدينتي عاد وثمود، اللتين يسميهما الأحباش مدينتي ~~مرقسيا وبرجيسيا، وكيف أنهما كانتا عامرتين؛ إذ كان لكل مدينة عشرة آلاف باب. # وكانت قمرية على دراية معجزة بالأنساب العربية - بل وغير العربية من أعجمية - بدءا ~~من أبناء يعرب ملوك سبأ، وكان أولهم الملك التبع عبد الشمس بن سبأ، الذي سمي ~~سبأ؛ لأنه كان يسبي أعداءه، ومن نسله انحدر ملوك حمير وكهلان، ومن كهلان جاءت أشهر ~~بطونها، قبائل الأزد، الذين تفرقوا عقب خراب سدود اليمن، وكان أهمها سد مأرب، وسد ~~الخانق بصعدة وسد ريعان الذي أعاد بناءه الملك ذو اليزن قبل مجيئه إلى هذه البلاد، وسد ~~سنان وعنس وجيرة، بالإضافة إلى بقية السدود التي أعاد الملك ذو اليزن بناءها أو تعليتها ~~أو مضاعفة منسوباتها من المياه، مثل سدود: «سحر وذي سمال، وذي رعين، ولحج، ومفاضة، ~~وهران، والشبعاني، والمنهاد، ولطاف.» # كان أكثر ما يثير إعجاب الملك التبع ذو اليزن في قمرية، هو قدرتها الخارقة على ~~حفظها الدقيق للمراحل التاريخية الغابرة، لمثل هذه السدود والمنشآت المائية التي أسهم ~~في بنائها أو ترميمها ذو اليزن، مضيفة الكثير من المعارف والمعلومات التي غابت عنه - ~~كبناء - قبل أن يكون متبحرا بخلفيتها التاريخية. # وهكذا أفاضت معه قمرية في الحديث حول ثلاثة وثلاثين سدا، لدرجة دفعت به إلى إعادة ~~الاهتمام والتحقيق من كلامها بإرسال رسله لاستكمال العمل في بعضها حتى إنه أطلق على ~~أحدها سد قمرية. # حتى إذا ما تعرج الحديث بينهما ms102 حول منحى آخر جديد، تزايد إعجاب الملك بها، خاصة في ~~مخزون معلوماتها ومعارفها عن معتقدات العرب الغابرة أو المندثرة مثل الموحدين وغيرهم، ~~وأهمهم الشاعر أمية بن أبي الصلت وخالد بن سنان العبسي، والشاعرة طريفة، والشق بن ~~أنمار، وإسماعيل بن ثابت بن قيدار، والحارس بن معاف، والأخير هو القائل عقب هزيمة قبائل ~~جرهم أو الجراهمة لقومه: # وكنا ولاة البيت من بعد ثابت # نطوف بذاك البيت والعز ظاهر # وصرنا أحاديث وكنا بغبطة # كذلك عصتنا السنون الغوابر # فسحت دموع العين تجري لبلدة # بها الأمن أمن الله فيها المشاعر # ولكم تمنت قمرية على الملك ذو اليزن أن ييسر لها زيارة «البيت» في مكة المكرمة، ~~فوعدها ذو اليزن بذلك، حالما الانتهاء من إتمام مراسيم زواجه منها، وهو الزواج الذي ~~أصبح يتعجله بصبر نافد، إلى حد الاستعجال الواضح. # وهو ما كان يدفع بقمرية إلى التساؤل، وإطالة التفكير وحدها في لحظات خلوتها دون ~~التوصل إلى جواب تشفي به تعطشها. ~~- لماذا العجلة بالزواج؟ # بل إن الملك بدأ في أيامه الأخيرة يستفيض معها في الكيفية المثلى لمواصلة حكم حمير ~~والبلاد المفتوحة، مشددا على أهمية سيادة العدل والحكمة، وكأنه إنما يوصيها هي بذلك ~~قبل غيرها. ~~- لماذا هي بالذات؟! وما الذي يبغيه؟! # لقد أصبحت، ومنذ لحظة لقائهما الأول، لا تفكر في مخلوق آخر سواه، فما هو - ذو اليزن - ~~سوى الماء الحي الذي يروي صحراءها العطشى المجدبة، وفي انقطاعه عنها، موتها المحقق كما ~~سبق أن ذكرت. ~~- إذا ابتعدت عني بعد اليوم فسأتجرع سمومي. # تساءلت أمام مراياها العاكسة كالمذهولة: تراه يتصورني طامعة في ملكه. # أضافت: أنا حقا طامعة فيه ولا شيء آخر في هذا العالم الفاني يغنيني عنه، وسواء أكان ~~ذو اليزن أو صيادا معدما فهو عالمي الوحيد، جلي، وفي هذا الكفاية لشفاء ظمئي المتحرق ~~منذ لحظة اللقاء الأول التي لن أنساها ما حييت. # حتى إذا ما ضاق بها الخناق يوما دون أن تعثر على جواب شاف لتساؤلاتها هذه التي لا ~~جواب لها، اتجهت يوما إلى وزيره الأول وصفيه «يثرب»، مختلية به؛ سائلة: ms103 كثيرا ما ~~يراودني التساؤل، حول سوء فهم الملك لي، وكأنني إنما جئته طامعة في ملكه، أقول لك الحق ~~أنا فعلا طامعة، لكن فيه هو ذاته، وما عداه سراب. # عندئذ هدأ الوزير يثرب من روعها، إلا أنه ولدهشتها أعاد إليها ذات التساؤل: أنا ~~حقا لا أعرف ما الذي اعترى التبع في هذه الأيام؟ تطلعت إلى الوزير في أقصى دهشتها: ~~أنت أيضا! # قال في غموض: لا أعرف! ~~- كيف لا تعرف ؟ # أضاف أكثر غموضا: يخيل إلي أنه يخفي شيئا عنا جميعا. # قاربته قمرية مناشدة: ما هو الشيء الذي يخفيه عنا؟ # أضاف يثرب: أصبح في الآونة الأخيرة كثير الحديث عن وريث لملكه المترامي. # شردت قمرية غائبة في تفكيرها. ~~- فعلا، أصبح لا حديث له، سوى ... أجهشت بالبكاء فجأة وهي تدق في عصبية الجدار ~~المواجه. # يا لنكبتي! يا لنكبتي! # قاربها الوزير يثرب في حنو: هدئي يا أميرتي من روعك وحاولي ما استطعت إبعاد مثل هذا ~~الخاطر، لا شيء سيحدث سوى كل خير، والملك شديد الاستبشار بك منذ حللت في حياته التي ~~كانت موحشة، فأنت أعرف الناس بزهده عن النساء. # مضى يجفف لها دموعها الغزيرة بمنديله قائلا: حاولي ما استطعت إسعاد الملك التبع ~~الذي أعطى كل حياته للناس ولم يفكر لحظة في نفسه هو، حاولي. # اتجهت إليه معاودة التساؤل من خلف دموعها التي انهمرت مجددا: كيف؟ # فكري في عرسكما معا؛ قالت: أنا رهن إشارته، ولا أريد أي عرس لا أريد سواه في هذا ~~العالم المظلم. # واصلت البكاء والنحيب في حدة. ~~- لماذا؟ لماذا؟ # فتح الباب فجأة وتوقف الملك ذو اليزن قائلا بصوته الهادئ النبرات: ماذا؟ أتبكيانني ~~من الآن؟ # تقدم منها ممازحا: ها أنا الآن ما زلت في هذا الجسد. # أدارت قمرية وجهها ثانية غارقة في دموعها. # الفصل الثامن عشر # | مراسم عرس التبع # ما إن وصلت وفود المهنئين أفواجا إثر أفواج إلى عاصمة التباعنة الجديدة - أحمرا ~~- محملين بثمين الهدايا والكنوز للمشاركة في حفل عرس الملك التبع ذو اليزن، حتى أشرف ~~الوزير الأول «يثرب» على نزولهم بقصور الضيافة التي أعدت ms104 لهم، والملحقة بقصر ~~التبع. # وجاءت الوفود المشاركة من الملوك والأمراء والحكام وشيوخ القبائل من اليمن والجنوب ~~العربي وشمال جزيرة العرب والشام ومصر والعراق والمغرب الكبير. # وابتهج الجميع بهذا الحدث الكبير، استبشارا بأن يخلف التبع ذو اليزن من زوجته ~~قمرية التي وقع اختياره عليها وريثا لعرش التباعنة، كما سبق للملك أن ~~تمنى: هيكل، وكنيته: سيف. # وهكذا ارتفعت الدعوات وعلت الأماني بأن ينال ذلك الملك الرحيم العفوف - ذو اليزن - ~~يوما مبتغاه، خاصة وقد تكاثرت أطماع الأحباش وملكهم المتآمر المعادي للعرب سيف أرعد ~~ووزيره الشرير «سقرديون». # لذا استبشر الجميع في ربوع اليمن والجزيرة ومصر وما بين النهرين والمغرب الكبير بتلك ~~الخطوة التي أقدم عليها التبع، بعد طول زهد في التفكير في الزواج والإنجاب، ولو من ~~مدخل الحفاظ على ذلك الرمز الذي استقر تحته الجميع كمظلة آمنة تشد أزرهم ضد أي عدوان ~~مبيت. # فالملك ذو اليزن ذاته بدا في سنواته الأخيرة رافضا للحرب والعدوان، لا يشغله شيء سوى ~~إنشاء مشاريع شق الأنهار واختزان الماء بتشييد السدود والخزانات والمنشآت التي تتيح ~~لتلك الأفواه الجائعة الحياة والنمو والازدهار، بالإضافة إلى أحلامه في نشر العدل ~~والأمن للجميع، حتى لهجت الأفواه من أقاصي الأرض بالحب والثناء له. ~~- شدد الله ساعد ذو اليزن الرحيم الضارب، وجرت مراسيم عرس التبع باحتفالات باهرة ~~على طول مدينة - أحمرا - وعرضها، وكان أكثر الجميع حبورا ومباركة لما يحدث، وزيره ~~المقرب «يثرب» عقب تيقنه من حب «قمرية» للتبع ومدى فصاحتها وعمق بصيرتها وعلمها ~~ومعارفها ورجاحة عقلها، إلا أن قمرية ظلت نهبا لأحزان ثقيلة مخيمة تتصل جميعها بزواجها ~~من التبع ولا تعرف أصلا ولا سببا واحدا. ~~- لماذا؟ # وكانت كلما اجتمعت بالملك ذو اليزن وامتد بينهما الحديث وتعرج، عاود الملك تأكيد ~~وصاياه لها، سواء بالنسبة إلى شئون حكم البلدان المترامية وكيفية تسييسها وإدارة دفتها، ~~أو بالنسبة إلى ذريته المرتقبة منها - ذكرا كان أو أنثى - أو فيما يتصل بحماية مشاريعه ~~المائية والزراعية، أو في التشدد معها في نصرة المظلوم وتسييد العقل والحكمة، وكانت هذه ~~الأحداث تعيدها إلى أحزانها ms105 الغامضة الدفينة التي لا تعرف لها سببا. # كانت تساءل نفسها في وحدتها: لماذا يتعمد الملك إثارة أحزاني ودموعي التي أصبحت لا ~~تنقطع؟! إلى درجة أنها أصبحت تمقت هذا الضعف في نفسها، وهي التي لم تكن تعرف للبكاء ~~ونزف الدموع طعما - كعادة النساء - قبل حبها ذلك الجارف المتفجر. # وسألت، في هذا، الكثير من مقربيه من أمراء وحكماء وشيوخ القبائل حتى وزيره «يثرب»، ~~فلم يزدها الأمر إلا التيه والافتقاد في بحر الغموض الذي تعيشه. # حتى عندما انتهت مراسيم الزواج، حاولت التسلل إلى مكنونات قلبه لمعرفة ما به، لكن ~~هيهات! # فلقد كان كل ما يتعجله منها، هو الخلفة والذرية، مما دفع بها أكثر إلى التوتر ومعاودة ~~التساؤل حول غرابة أطوار ذلك الملك الزوج الذي لا يكبرها كثيرا، والذي أصبح كمن ينتظر ~~مجهولا لا قبل لأحد بانتظاره. # فكانت كلما مرت بهما الأيام والليالي، تضاعفت لهفته بانتظار مولودهما. ~~- سيف، درعي القادم، أين؟ # ويمضي يتفوه بتلك الكلمات التي عرفت عن تباعنة اليمن وحكمائهم إزاء شعورهم باقتراب ~~الأجل مثل الحكيم لقمان بن عاد صاحب النسور أو لقمان «ذي النسور» الذي ربط بين موته ~~وفناء آخر نسوره السبعة، وكانت أسماء تلك النسور على التوالي؛ هي: المصون، وعوض، وخلف ~~ومغبغب، واليسر - أو الميسرة - وإنسي؛ لذا كان يتسمى بلقمان الإنسي، وكان سابعهم هو ~~النسر «لبد». # وحين وافت المنية ذلك النسر السابع «لبد» فسقط مشرفا على الموت، ولم يقدر أن ينهض، ~~و«تفسخ ريشه» كما يقولون، ناداه لقمان. ~~- انهض لبد، أنت الأبد. # ولما لم ينهض ويطر من جديد محلقا بجناحيه، أنشد لقمان يبكي نفسه: # موتي إني أموت اليوم يا لبد # وا حسرتي أن قد تعرم الأبد # فطر كما كنت سالما أبدا # تحيا ونحيا معا ونحتفد. # فكثيرا ما تندر لها ذو اليزن بأشعار التباعنة - الدهريين - في وحدتيهما، كما ~~ذكر لها ما قاله امرؤ القيس بن حجر المقصور بن الحارث آكل المرار الكندي وهو يرثي ذا ~~القرنين الصعب بن ذي مراتد الحميري: # ألم يخبرك أن الدهر غول # ختور العهد يلتهم الرجال. # ثم ينشد متغنيا: ms106 # يقولون لا تبعد وهم يدفنونني # وأين مكان البعد إلا مكانيا. # بل إن ما آلم قمرية وهي ما تزال بعد عروسا وضاعف من تمزقها وأحزانها وعذاباتها، وهو ~~التحول السريع المتلاحق الذي حل بالملك، وزهده في الحكم موكلا أمر العسير من قرارته ~~الجوهرية، إليها هي وحدها. ~~- عليكم بالأميرة. # وكانت كلما واجهته متعثرة نهبا لمشاعرها الحزينة الآسية، بعدم معرفتها بأصول الحكم ~~أجابها: ولم لا؟ أنت زوجتي تعلمي، تمرسي، أنا لست بخالد. # صحيح أنها كانت تلجأ في مثل هذه الحالات إلى منجدها، وهو الوزير الأول يثرب، ولكن أين ~~لها بقرارات تتصل بالحرب والسلم وعقد المعاهدات وتسيير الجيوش وشق الطرق والسدود في ~~شمال الهند، وأندونسيا والتركستان ومصر والمغرب الكبير ووادي الرافدين وحضرموت ويثرب ~~ودمشق؟ # أين هي من كل هذا لتحكم وتنهى، وهي التي جاءته يوما تحت أستارها وأقنعتها محملة ~~بسمومها المعجلة ساعية للقتل والاغتيال. # إلى أن تحقق حدث «قمرية» وحل وهن المرض بالملك ذو اليزن، فلم يمهله طويلا؛ إذ ألزمه ~~فراشه لا يبرحه. # وجاء توقيته متوافقا وكأنه على موعد مع تحرك ابنه - كجنين - في أحشاء أمه قمرية، وكم ~~كانت فرحته الكبرى وهو معلول ذابل الوجه على فراشه، حين قاربته زوجته، وهي تسعى إليه ~~على ركبتها وهو راقد على فراشه آخذة يده الحنونة الرحيمة لاثمة قبل أن تضعها على ~~بطنها. ~~- ماذا يا قمرية؟ ~~- ابنك. ~~- أحقا ما تقولين؟ ~~- هيكل، سيف، ها هو يلهو معاتبا ويود لو يلثم جبهتك الأبية. # علت وجهه ابتسامة واهنة وهو يعاني من آلامه المبرحة مجاهدا على نفسه لتقبل لحظة ~~فرح. ~~- ابني، ليتني فقط يمتد بي العمر إلى أن أراه، آه سيف، وحيدي! # أغمض عينيه مستسلما في أحلامه قبل أن يأخذه النوم العميق. # بعدها لم تعرف قمرية كيف تتصرف، وهي تشهد بعينيها انزواء الملك واكفهراره تحت ثقل ~~علته العاتية التي حيرت جميع حكماء ومطببي الأرض. # استقدموا له حكماء مصر والشام واليمن والهند، الذين تزاحموا على قصره من كل صوب، ولكن ~~لا من دواء شاف. # وظل ذو اليزن تائها عبر غيبوبة مرضه العضال الأيام والشهور ms107 الثقيلة لا يسأل عن شيء ~~إلا عن ابنه المنتظر. ~~- لن أموت قبل أن تكتحل عيناي برؤيته بين أحضانك يا قمرية. # وهذا الجواب لم يكن يسعف قمرية أو يروي أحزانها فكانت تلجأ للدموع: ها هو يضحك لك من أعماقي. # ابتسم الملك في وهن. ~~- سيف، سيف، متى؟ # اكفهرت قمرية وغاب عنها لونها، وهي تشهد الملك الذي أحبته من أعماق أعماق قلبها ~~يعاني آلامه المبرحة على هذا النحو، خاصة بعدما سمعته يتعجل رؤية وحيده على هذا الشكل ~~الملح. ~~- متى؟ # قاربته محتضنة في انفعال، وهي تمسح عنه بكف يدها الحانية، خيوط عرقه النازف على وجهه ~~وجبهته العالية المشرئبة في سمو، قائلة وهي تضاحكه مخفية عنه آلامها ومعاناتها مما ~~سمعته وأصبحت لا تقدر على الإفصاح عنه. ~~- أتقول متى، تراهنني على أنك ستشفى حالا من آلامك العابرة هذه، وفي عزك ومجدك ~~سيتربى سيف وينمو. # غمغم ذو اليزن بفروسيته المعهودة متقبلا تحديها له: أجل، أراهنك بعرشي كله. ~~- أنا لا أبغي عرشا ولا مجدا في هذا العالم سوى أن أنمو إلى جانبك مجرد نبتة، ويمكن ~~القول زهرة برية في أحضان سنديانة، أرزة تعادي الفناء. ~~- الفناء، الفناء. # تساءل معاودا تحسس بطنها وذلك النابض في أحشائها: ومن قدر له قبل الإفلات من قبضتيه ~~الفناء الدهر، ذلك الغول الختور الذي يلتهم الرجال. # عندئذ استدارت عنه قمرية برأسها متجهة إلى حيث مدخل القاعة الشرقية، وحيث كان يقف ~~منكمشا الوزير «يثرب» ومن خلفه كوكبة من الأمراء والسفراء والرسل الذين كانوا في ~~انتظارها على أحر من الجمر. # واصلت تحسس جبهته، وتحسست بيدها الأخرى تلك الرسالة المطوية بين طيات ملابسها، كمثل ~~حية. ~~- الجميع بانتظارك من كل صوب. # أغلق الملك عينيه مشيحا، لا يعرف له جوابا. # عندئذ حاولت قمرية استجماع شجاعتها وما عرف عنها من إقدام لتفضي إليه بمحصلة تلك ~~الأنباء الخطيرة التي حملها الرسل. # لا منقذ لشعبك ورعيتك سواك. ~~- أنا، كيف ... على هذا النحو ... آه ... ليتني بقادر يا قمرية. # وحين أسلم جفنيه للنعاس انسلت قمرية في نعومة مبتعدة عن الفراش. ~~- نام. # أرخت من فورها ستائر ms108 الشرفات، وأشارت بيدها دون صوت إلى جوقات الموسيقيين والمنشدين، ~~الذين يتغنون بمآثر الملك في تنسيق رتيب أصبح في أيامه الأخيرة لا يخلو من الحزن الذي ~~تحول إلى إيقاعات المراثي والبكائيات، فأخفتوا من فورهم من غنائهم الجماعي وإنشادهم، ~~حتى تلاشت أصواتهم تماما. # واندفعت قمرية مغلقة باب قاعة مخدع الملك التبع، متجهة من فورها إلى حيث يقف يثرب ~~وكبار رجالات البلاط والأمراء، ورهط هائل من رسل البلدان والأقوام التابعة والحكماء ~~وشيوخ القبائل والعشائر، وقد حط على رءوسهم الطير جميعهم بانتظار ردها. # استخرجت المكتوب المطوي من بين طيات ملابسها مشيرة له في أقصى كمدها وحيرتها. ~~- لم أقدر. ~~- وما العمل؟ # قاربها يثرب: لن ينقذ الملك وينقذنا جميعا سوى التحدي. # اختلى بها باتجاه الشرفات الجنوبية للقصر، القلعة، مشيرا مهددا. ~~- من هنا يمكن أن تشهدي بعينيك ما نحن فيه: بيارق الأحباش. # زفرت في أقصى حنقها وتمزقها: ذلك الخسيس أرعد. # رفعت ذراعيها عاليا صارخة في أقصى حالات غيظها: ذلك المتسلق، الطحلب. # تمالكت قمرية نفسها وهي تكبت آلامها مشيرة باستقبال الرسل، وتلقي جديد معلوماتهم، ~~وكيف أن جيوش ملك الأحباش «سيف أرعد» لا تكتفي بمحاصرة مدينة «أحمرا» بل إن طلائعها ~~وصلت أعالي النيل متوغلة في ربوع السودان وبلاد النوبة إلى أن شارفت مصر العليا. # وتزاحم الرسل حولها بالتقارير وجديد المعلومات عن توغلهم في المغرب الكبير ونزولهم ~~«تلمسان»، بعدما أشاعوا فيما بينهم خبر موت الملك ذو اليزن. # صرخت من أعماقها: يا للغدر الدنيء، الملك التبع معافى وفي أحسن حال. # وفي الغد سيمتطي ظهر - الشهباء - ويغيبهم عن هذه الأرض. # كانت تعرف أنها إنما تكذب بادعائها هذا، فما كان منها إلا أن انسلت لا تلوي على ~~شيء، وفي أعقابها الوزير يثرب، إلى أن وصلت جناحها نازعة عنها ملابسها، مرتدية عدة حرب ~~ذي اليزن وهيئته بل ولحيته ودروعه متمثلة مشيته، منسلة من جديد إلى حيث مخدعه، فانتزعت ~~سيفه المعلق، خارجة على الجموع المنذهلة التي جثت داعية للملك التبع. # ومن فورها أشارت بدق طبول الحرب «الرجروج» واستعد الجميع للخروج من خلفها، بعد أن سرى ms109 ~~خبر شفاء التبع وحلول المعجزة واستعد الجيش للخروج من - خلفه - لملاقاة عدوان ~~الأحباش وملكهم سيف أرعد الجبار المعتدي. # الفصل التاسع عشر # | قمرية تأخذ مكان ذو اليزن # ظهرت شجاعة الأميرة «قمرية» في تلك الحملة الانتقامية الضارية التي قادتها فجأة ودون ~~سابق إعداد أو حتى مجرد التفكير في عواقبها، وذلك حين شاهدت بعينها مدى الخسة أو ~~العدوان الأسود الذي استحال إليه ملك الأحباش «سيف أرعد»، حين سنحت فرصته بالانتقام ~~مستغلا ما حط على الملك التبع ذو اليزن من مرض ألزمه فراشه. # فما كان من ذلك «الأرعد»، إلا المبادرة بالشر والعدوان، إلى رفع راياته وبيارقه ~~وإشهار سهامه في محاولة لإطباق الحصار على عاصمة التباعنة «أحمرا». # هنا لم يكن أمام قمرية سوى ارتداء عدة حرب ذو اليزن ووضع تاجه ودروعه وشاراته، وحمل ~~حسامه، بعدما اتخذت كامل هيئته متنكرة وخروجها بالجيش لرد العدوان - الحبشي - وما يمثله ~~من خطر محدق. # وحالف الحظ في مكيدتها الانتقامية تلك، ذلك أن عيون وبصاصي سيف أرعد، ما إن وقعت ~~أبصارهم عليها على ذلك النحو، حتى تراجعوا من فورهم مندحرين، فارين بجلدهم مشيعين عبر ~~كل مدينة ووطن وكيان، كيف أن التبع اليمني: لم يمت، وهو يتقدم فيالق جيشه محاربا وعلى رأسه تاج التباعنة. # وسرعان ما سرى الخبر متواترا من كل مدينة إلى ما يتاخمها بأسرع من سريان النار في ~~الهشيم. ~~- الملك التبع معافى يعتلي صهوة جواده، الشهباء، ويتقدم جيشه فاتحا ~~محاربا. # وساد الذعر والفزع أول ما ساد فيالق وكتائب جيش الأحباش، فركضت فلولهم تسابق الرياح ~~عائدة باتجاه إثيوبيا. # إلا أن «قمرية» واصلت زحفها موقعة الرعب والموت والدمار بهم، حتى إذا ما تراجعت جيوش ~~الأحباش عابرة النيل، واصلت تعقبها لها على طول غاباته وجباله المشرفة، مستخدمة فرق ~~النشابة التي كان يوليها الملك ذو اليزن رعايته الخاصة، بل وكثيرا ما أوصاها هي ذاتها ~~بهم. ~~- النشابة هم درعي الحامي. # فمضوا يمطرون جيش الأحباش الفارين المذعورين من أعلى قمم سفوح الجبال المحيطة دون ~~رحمة، فلم يفلت منهم سوى القلة التي عادت بالخبر والهزيمة المروعة إلى ms110 عاصمة سيف أرعد ~~«إثيوبيا» معلنة خداع الملك - أرعد - وافتراءه بادعائه موت التبع، وها هو الملك ~~التبع يواصل بجيشه الباسل تقدمه إلى هنا. ~~- التبع اليمني لم يمت، ها هو على ظهر الشهباء بعدما قتل وأسر معظم جيش ~~الحبشة. # كانت الأميرة «قمرية» تحارب بضراوة فائقة مواصلة تقدمها مسرعة إلى أقصى حد، ذلك أنها ~~كانت نهبا للعديد من التوجسات العنيفة والمخاوف، سواء منها ما يتصل بصحة الملك ذي ~~اليزن الطريح الفراش، أو ما يتصل بحملها وما في أحشائها منه، أو ما يتصل باتخاذها لقرار ~~مصيري مثل قرار الحرب دون استشارته، ثم مدى ما سيحدثه مثل هذا القرار، حين يسمع به - ذو ~~اليزن - فجأة ويعلم باختفائها عنه بضعة أيام قد تصل إلى أسابيع، دون مراعاة لآلام حملها ~~وما يمكن أن يشكله هذا فعلا من أخطار تتصل بوحيده الذي ينتظره ببالغ الصبر ~~ونفاده. ~~- هيكل، سيف. # لذا، ما إن قاربت الانتهاء من مهمتها، إلى حد إجهادها، ثم انتصارها واقتحامها بجيشها ~~حدود الحبشة وتوابعها ذاتها، حتى تملكها الإعياء الشديد. ~~- لنضع حدا للعدوان المبيت علينا من سيف أرعد الجبان. # إلا أن الوزير «يثرب» آثر الاكتفاء هذه المرة بما تحقق من انتصار، تخوفا مما هي عليه ~~من حمل، وقبل أن تودي الحرب وعنفوانها بما في بطنها، وتخوفا بالطبع على حياة التبع ~~المريض المتردية. ~~- ففي هذا الكفاية للأحباش وملكهم. # وكان حقا ما نطق به الوزير «يثرب»، ذلك أن سيف أرعد ما إن وصلته الأخبار بعدم صحة ~~موت التبع ذو اليزن، وخروجه لإفناء جيشه وضراوة المعارك التي قاربت حدود بلاده ~~ذاتها، حتى تولاه الجنون، فمضى يصرخ من أعماقه، لوزيره سقرديون وبقية وزرائه ومستشاريه ~~وحلفائه على طول غرب وجنوب أفريقيا، غير مصدق ما يحدث ويجري ويقع من هزائم ~~واندحارات. # وكالعادة صب سيف أرعد، حمم غضبه وسبابه على رأس وزيره - الشرير - سقرديون ~~ومشورته. ~~- الحقوا، مات التبع اليمني، يا للأكاذيب! # أعاد صراخه وثورته في وجه سقرديون: ها هو التبع اليمني يدق الأبواب أبوابنا ذاتها، ~~مخادعنا، إثيوبيا يا سقرديون! # واجهه محتدا: على هذا النحو يصل ms111 خداعك حتى لي أنا، كأنك إنما تود إفناء جيشي وتودي ~~بعرش آبائي وأجدادي ذاتهم المنحدرين من صلب يهوذا. # واصل تحديه على مرأى من الجميع. ~~- اخرج إليه، اخرج لمواجهته يا سقرديون العجوز، اخرج إذن لملاقاة ذو اليزن، ~~اخرج! # ومن جانبه حاول الوزير العاقل - الحجازي المولد - المدعو «أبو الريف»، التدخل لتهدئة ~~ثائرة الملك «سيف أرعد» قائلا: من المفيد في مثل هذه المواقف العسيرة ضبط النفس، ~~والأكثر إفادة هو الاستفادة من أخطائنا؛ فالكذب لا قوام له. # وناشد وزير الميمنة «أبو الريف» الملك وجميع حلفائه التروي وضبط النفس، بدلا من ~~الافتراء والكذب والعدوان. # ثم مضى فطمأن الجميع بعودة الجيش العربي إلى العاصمة - أحمرا - بحسب ما تلقاه من ~~تقارير رجاله الأخيرة. # ولم يكن الوزير أبو الريف كاذبا فيما ادعاه ودفع به إلى «سيف أرعد» في محاولة لإعادة ~~الاطمئنان إلى الجميع. # ذلك أن قمرية آثرت العودة مسرعة ما أمكنها إلى أحمرا، بهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه سواء ~~بالنسبة إلى ملازمتها لزوجها ذو اليزن المريض، أو حفاظا على ما في أحشائها منه. # لذا جدت السير ما أمكنها بصحبة الوزير يثرب وكوكبة من أخلص الحراس مسرعين متلهفين عبر ~~طريق العودة للاطمئنان على صحة التبع وما حدث له في غيبتهم خلال الأسابيع الأخيرة، ~~التي استغرقتها هذه الحملة التأديبية، التي لم يكن هناك من مهرب من القيام بها. # ولكم ودت «قمرية» من أعماق قلبها مواصلة التقدم وملاحقة انتصارها لاقتحام بلاد ~~الأحباش ذاتها وعاصمتها والتخلص من ذلك الطور الشرير - سيف أرعد - الذي لم تكن تحمل له ~~يوما سوى الكره، ولكم ودت أيضا من قلبها أن تذيقه هو ذاته سمها الزعاف، بدلا من ~~الملك ذو اليزن الذي أسرها أسرا لا فلات منه منذ لحظة لقائهما به. # كانت وهي لا تزال تقطع الطريق عائدة إلى أحمرا نهبا للعديد من الأحاسيس والهواجس ~~العاصفة التي تعتمل دون هوادة في مخيلتها. # وكانت كلما بالغت أكثر في الإسراع، تضاعفت مخاوف الوزير «يثرب» على جنينها، فما من ~~شيء سيضاعف من مرض وآلام التبع ذو اليزن، سوى سماعه بفقدانها ms112 وليدها وهو يعاني على ~~فراشه أقرب إلى المحتضر منه إلى المريض. # أما قمرية، فلم تكن على أقل وعي ودراية بذلك الانتصار الساحق الذي أحدثته على جيش ~~الأحباش، لتأمين حدود عاصمة التباعنة، ودرء كل الأخطار عن الملك المسجى الذي صرعه ~~ذلك الداء العضال الذي ألم به وهو لم يتخط بعد مرحلة شبابه ونضوج عطائه. ~~- ذلك الطحلب المتسلق الشرير، أرعد. # تساءلت وهي مشرفة على تخوم «أحمرا»: الغريب أن ذو اليزن لم يتحرك حتى لمجرد الانتقام ~~منها عقب اكتشافه لمؤامرة اغتياله، حين اتخذ منها - سيف أرعد - مجرد أداة ومخلب نمر ~~لتنفيذ أطماعه وأحقاده السوداء. # بصقت معاينه وهي تطلق العنان لحصانها الشهباء. ~~- لا مكان يقف فيه ذلك الأرعد الخسيس، سوى العتمة والتآمر. # مضت تتوعده: لكن سيجيء يومه القريب، إن لم يكن من ذو اليزن، فمني أنا، أجل يا أرعد ~~سيجيء يومك. # مضت رغم معاناتها الثقيلة، تقطع الروابي والسهول والجبال، عابرة الأنهار، مقتحمة أعتى ~~الغابات التي لم تطرقها قبل قدم، لاختصار طريق العودة إلى حيث الملك المريض مطلقة من ~~جانب آخر العنان لأفكارها وأمانيها في كسر شوكة سيف أرعد المشهرة على الدوام ضد العرب ~~والعجم على السواء. # فلكم تمنت أن تمكنها الأيام منه لتشرب من دمه. ~~- هل سيجيء هذا اليوم يا أرعد؟ # وكانت خطتها تتركز في قطع الطريق على جيوشه وأذرعه الطويلة التي توصلت اليوم إلى صعيد ~~مصر العدية والسودان والمغرب الكبير والقرن الأفريقي وكل أواسط أفريقية، في غيبة عن ذي ~~اليزن بسبب كارثة مرضه الأخيرة التي استغلها أرعد حتى العظم. # ووصل بقمرية الفرح مداه، حين توقفت لتتجرع رشفة لبن وبضع ثمرات، فأحست بمولودها يتحرك ~~في أحشائها. ~~- سيف، ولدي! # وتصورت من فورها فرح التبع حين يصغي لها وهي تسرد عليه تفاصيل ما حدث، حتى إذا ما ~~سألها عن وحيده، أجابت: ها هو قوي معافى مثلك، ويمكن لك أن تسمعه بأذنيك، اسمع، ~~اسمع. # وما إن قاربها يثرب، حتى حادثته من فورها بهذا الخاطر، وكيف أن جنينها الذي أكمل شهره ~~السادس اليوم، لا يزال حيا معافى في ms113 بطنها، غمغم الوزير هاتفا في فرح: هيكل. # ضحكت من أعماقها: سيف. # وما إن أشرفا على مدينة - أحمرا - مع الغروب حتى فتحت المدينة عن آخرها أبوابها ~~النحاسية، ووصلهما هتاف وتكبير الآلاف المؤلفة، عاليا يصم الآذان تمجيدا لاستقبال ~~«الملك» الفاتح المنتصر وعودته مظفرا. # وما إن جاست خيولهما عابرة أبواب النصر المزدانة بالورود والرياحين، والجماهير على ~~الجانبين تجثو إلى حيث يخطو «الملك» المنتصر، حتى تحسست «قمرية» لحيتها معتدلة على ظهر ~~الشهباء، متخذة هيئة ذو اليزن تحت دروعه وخوذته، تحيط بها أعلامه وبيارقه المسدلة، ~~بينما العيون المبتهجة المهللة بالنصر والظفر لا تصدق ما تشهده وهي تدعو للملك التبع ~~ذي اليزن، بطول العمر والنصر أبد الدهر. # واندفعت هي - متنكرة - محيية الجميع من كل جانب وصوب باتجاه القصر الحصين، وقد أدار ~~النصر رأسها. # حتى إذا ما شارفت ساحات القصر ذاته، تعمدت أن تكمل دورها في اتخاذها هيئة الملك ذي ~~اليزن، عابرة الساحات الجانبية والمداخل الخلفية للقصر، مدعية للجميع إرهاقها وحاجتها ~~إلى الراحة، مستعينة بإشارات اليد بدلا من النطق والكلام، إلى أن انفلتت مسرعة داخلة ~~من سراديب القصر الخفية، متجهة من فورها بكامل هيئتها وتنكرها صوب جناح مخدعها، وما إن ~~انفتح باب المخدع، حتى توقفت في إعياء، مستندة على أحد الأعمدة المرمرية، ثم جثت على ~~ركبتيها وهي تخفي ما بها، مرجعة ما تناولته من طعام، ولحقت بها جواريها في محاولة ~~لمساعدتها. ~~- ذو اليزن، حبي. # نهضت في تراخ طويل، لا تدري ما بها إلى أن تتمالك نفسها فخطت مسرعة إلى حيث جناح ~~الملك، وقبل أن تجرؤ على فتح باب المخدع الغربي، تصفحت الوجوه المحيطة من حولها ~~مستطلعة. ~~- ما الخبر؟ # وتقدمت قمرية في صمت ثقيل من الفراش في محاولة لعدم إيقاظ ذو اليزن من سباته ~~وغفوته. # وما إن امتدت يدها في حرص كاشفة الغطاء عن وجه الملك التبع ذو اليزن، ومالت عليه ~~لاثمة متحسسة أنفاسه حتى استدارت باحثة عن الوزير يثرب، الذي سرعان ما قاربها بدوره ~~مذهولا ممتقع الوجه: نائم؟ # وما إن كشفا من جديد الغطاء معا عن وجه ms114 الملك المستكين الهادئ الصافي الملامح، حتى ~~صرخت قمرية: مات! مات ... ذو اليزن! # الفصل العشرون # | ذو اليزن التبع المحتضر # أصبح الموقف عسيرا مربكا على «قمرية» والوزير «يثرب» داخل مخدع الملك التبع ذي اليزن بعدما وافته المنية ولفظ آخر أنفاسه في غيبتها، لرد عدوان ملك الأحباش سيف ~~أرعد. # إذ بينما اشتعلت مدينة - أحمرا - حماسا وتكبيرا وهتافا محيطة بقصر الملك الحصين من ~~كل الجوانب مغلقة ساحاته ومنافذه تمجيدا للملك التبع العائد المنتصر في ذلك الوقت، ~~كان الملك - الحقيقي - قد فارق الحياة. # وما إن امتدت يد قمرية متنكرة تحت عدة حربه ودروعه ولحيته، لتمازحه معيدة الابتسامة ~~الصافية إلى وجهه المسجى السمح، حاكية له من فورها ما أقدمت عليه خلال فترة غيابها عنه، ~~وقاربته لاثمة حتى اكتشفت من فورها انقطاع أنفاسه ومفارقته الحياة، فما كان منها إلا أن ~~شقت ثيابها صارخة: مات! # ولم يتمالك الوزير الحكيم يثرب نفسه سوى الارتماء عليها وكتم أنفاسها، بينما تكبير ~~الجماهير وهتافاتهم تصم كل الآذان مدوية من كل جهة استبشارا بالنصر الذي حققه مليكهم ~~الرحيم المنتصر المعافى. # بل إن الوزير أسرع من فوره مشيرا لأقرب الجواري بالإسراع بإغلاق كل الشرفات والمنافذ ~~والأبواب، خشية تسرب كارثة موت التبع ذو اليزن دون أن تغفل عيناه عن قمرية التي ~~أخرجتها فاجعة زوجها وحبيبها عن كل طور، فمضت ناشبة أظافرها في كل ما صادفها، وجهها ~~المجهد، شعرها، دروعها التي هي دروع الملك ذاته ولحيته، هنا صرخ يثرب في حذر: الناس ... مشاعر الناس. # فالوزير الحكيم هو الأقدر على معرفة مشاعر الجموع التي أسكرها النصر الساحق على ذلك ~~الملك الحبشي - أرعد - المعتدي المتحين لكل ثغرة ضعف تلحق بالعرب. # إلا أن قمرية التي تقمصت وأدت بمهارة دور الملك، دافعة بأعدائه الطامعين إلى الدمار ~~المحقق، لم تع من فورها تصرف الوزير يثرب واندفعت كالمخبولة لا تبقي على شيء وهي تحتضن ~~الجثمان المسجى الذي أغرقته بدموعها لاهثة مشيرة إلى بطنها. ~~- ألم تعدني بالانتظار إلى أن ترى وليدنا؟ ها هو يتحرك في أحشائي، ضع يدك، ها هو سيف، ~~وحيدك، اليتيم! ms115 # وكلما ارتفع صوتها، حاول الوزير إعادة تعقيلها وتبصيرها مشيرا إلى دوي تكبير ~~الجماهير وجنونها بالنصر. ~~- المهم أحزان قمرية وثورتها دفعت بها إلى إزاحة الوزير العجوز يثرب، إلى حد إسقاطه ~~أرضا، فجلس مكانه منتحبا باكيا. ~~- هكذا. # قاربته قمرية ملتاعة، وهي تسقط إلى جانبه نادبة، فما كان منه سوى احتضانها في أبوة ~~مهدئا مستوضحا: ليس هذا أوانه، أنا أكثر منك معرفة بهم، وهذا تصرفك أنت بملابسك ولحية ~~التبع هذه ، هذه، تحسست قمرية وجهها، كمن أفاقت فجأة من غفوتها، وما إن حل الصمت، حتى ~~صمت آذانها الهتافات المدوية العاتية التي ترددت أصداؤها في أرجاء المدينة ~~الواسعة. ~~- أتسمعين يا ابنتي؟! ~~- أسمع. # نطقت بتخاذل وهي تسند نفسها محاولة الوقوف، واضعة وجهها بكامله بين راحتيها: أهكذا ~~تمضي بنا الحياة؟! حتى أحزاني علي أن أقتلها بداخلي! # أردف يثرب: حفاظا على الملك، حبيبك ... ذكراه ... الآن ... الآن فقط، مجرد ساعات لا غير ... ~~ساعات معدودة اسمعيني ... لا غير. # هنا أسلمت قمرية مقاليدها للوزير يثرب وجلست على فراش الملك آخذة رأسه مهدهدة بين ~~ساعديها، تندب ما بها بلا صوت. # ثم هبت فجأة فخلعت عنها دروعها وتاج الملك ولحيته متخففة، وتمددت إلى جواره، تنعيه في ~~إعياء واضح. # بينما اتجه الوزير يثرب منسلا، إلى الشرفة البحرية، لمواجهة الجموع والأقوام ~~المطالبة برؤية الملك، فناشدهم الهدوء نظرا لمرض الملك التبع، الذي خلد من فوره ~~للنوم، نظرا إلى مرضه. ~~- كما تعلمون جميعكم، فمن أحب ذو اليزن دعا له بالشفاء، ولزم الهدوء. # ومرت بضعة أيام ثقيلة على قمرية، ارتدت فيها ثياب الحداد، ولزمت جثمان التبع لا ~~تفارقه نادبة في همس، إلى أن تسرب خبر موت التبع ذو اليزن إلى أقرب مقربيه، في ~~تكتم وفق في الإبقاء عليه الوزير، يثرب، حتى لا يتسرب الخبر إلى الأحباش ~~وملكهم الطامع. # إلى أن حان موعد دفن الجثمان سرا بمقابر التباعنة، حسب وصية ذو اليزن ذاته ~~الذي ركز فيها على أن تعتلي قمرية العرش مكانه في حكم حمير وتوابعها، لحين تسلم «ما ~~في بطنها مقاليد الحكم.» # ويبدو أن أخبار ما حدث لم ms116 تغب هذه المرة عن أذن الوزير المعادي للعرب سقرديون، فحانت ~~فرصة استرداد مكانته - المهتزة - داخل بلاط «سيف أرعد» الذي وجدها بدوره فرصة سانحة، ~~للانتقام والتخلص من «قمرية الأذية» وما في أحشائها، خاصة وقد أشار عليه كهنته ومقربوه ~~بضرورة قتل التبع المنتظر - سيف - منذ المهد وقبل أن يستفحل خطوه ضد بلاد الأحباش ~~وتوابعها. # وذلك حين أنشده الشعراء والمتنبئون: # ومولود يأتيك يملك أرضهم # ويبقى على جميع البرية حاكما # في عصره تخرب مدينة أحمرا # وأسوارها تدمى جميعا وتهدما. # وظل الملك أرعد فترة طويلة مرتعدا لا يعرف كيف يتصرف، فربما كان ما يسمعه مجرد خدعة ~~تالية من جانب تلك الأذية قمرية، للقضاء على ما تبقى من جيشه وملكه، كما حدث في ~~السابق. # ومن هنا استقر رأي سيف أرعد، على أهمية التروي قبل اتخاذ قرار متعجل بالحرب ودون أن ~~تغفل عيناه على رصد ما يجري ويحتدم داخل عاصمة التبع - أحمرا - عبر عيونه وبصاصيه ~~المنبثين في كل مكان. # حتى إذا ما أجمعت الأخبار والمعلومات من كل صوب على حقيقة موت التبع ذو اليزن ~~ودفنه، وانفراد قمرية بوراثة ملكه المترامي الأطراف لحين وضعها لابنه ووريثه، غمغم ~~لنفسه: هي بعينها النبوءة. # إلا أنه عاد من جديد يندب حظه العاثر، بتبديده لمعظم جيشه وقواته، خلال تلك المهمة ~~التي اضطلعت بها، بنجاح فاق كل توقع، قمرية عن طريق خدعتها الدامية حين تنكرت متخذة ~~هيئته ودروعه وسيفه، وحتى لحيته الكهرمانية اللون، وانقضت كمثل نمر على قواته ~~مطاردة، إلى أن أفنتهم عن آخرهم، وأشرفت وهي على ظهر الشهباء التي لا تخطئها عين، وهي ~~فرس ذو اليزن على أسوار إثيوبيا، فخلعت أبوابها بحرابها إلى حد دفعه هو - سيف أرعد - ~~إلى الهرب بقواته الخاصة، بعدما رسخت في أذهان الجميع أن. ~~- التبع اليمني لم يمت، وها هو يتحدى الجميع. # ومن هنا تزايدت مكانة وزيره المقرب «سقرديون» بعدما علم بتفاصيل الخدعة، إلى حد دفع ~~بالملك إلى الاعتذار له علنا، بعدما رد إليه الاعتبار وأصبح لا يسمع سواه. ~~- والآن ماذا ترى يا سقرديون الحكيم؟ ~~- أرى أن فرصتنا ms117 الذهبية قد حان أوان قطافها اليوم قبل غد، تساءل الملك: وجيشنا على ~~هذا الوضع من الضعف والتشتت. ~~- لم لا نسترجع كتائبنا من أعالي النيل والنوبة والمغرب الكبير ولو إلى حين؟ # هب الملك أرعد عن عرشه خائفا مفكرا: نتخلى إذن عن حكم هذه البقع، ونستسلم لثوراتها ~~المؤيدة للعرب. # واجه الوزير سقرديون الملك في ثبات: هدفنا الآن هو قتل أو اغتيال أو اختطاف قمرية وإجهاض التبع مهما كلف ~~الأمر . # اندفع سقرديون يواصل الطواف حول الملك وهو يصب الكلام في أذنيه، بعدما استسلم له ~~كفريسة مستكينة هذه المرة. ~~- قمرية الآن حامل في شهورها الأخيرة، ومن هنا فهي أضعف مخلوق يمكن تصوره، هي أضعف من ~~فراشة. # أردف سقرديون ممازحا: تلك الحية. # مضى سقرديون يشرح للملك وكأنه يشرح له معادلة معقدة أشبه بالمعضلة: هي حية رقطاء، استحالت تحت حملها وما في أحشائها إلى فراشة، وعلينا تصيدها ~~هكذا. ~~- كيف. # ضحك سقرديون طويلا، حتى استلقى على قفاه، من مشهد الملك المحبط المستسلم له. ~~- أقول كيف؟ دع الأمر لي. # حتى إذا ما أحبطت قمرية ثلاث مؤامرات متتالية من جانب سيف أرعد، لاختطافها، وعلى أسوأ ~~الأحوال إجهاضها، في أسبوع واحد فقط، غمغمت في سخط وغل دفين من خسة «سيف أرعد» ووزيره ~~سقرديون قائلة لنفسها: أنا لست فراشة ضوء هشة كما يدعون. # ومن هنا بدأت وهي تعبر شهر حملها الثامن تحسب لكل خطوة وفعل وقرار ألف حساب، ليس ~~خوفا على حياتها، بل ولا على ما في أحشائها، بل على وصية الملك التبع الراحل الذي ~~أحبته، ولم تمكنها الأيام والليالي من أن تسعد إلى جواره. # وبحسب وصية ذو اليزن، تملكت قمرية كل السلطة، بل وكثيرا ما كانت توقع مكاتباتها ~~ومراسلاتها باسمه وخاتم ملكه، لحكام وشيوخ قبائل وأمراء وقادة جند البلدان التابعة لحكم ~~حمير أو الحليفة، في دلتا مصر، والسودان وبلاد النوبة وبعلبك وفلسطين وصور، ومجمل ~~كيانات جزيرة العرب شمالا وجنوبا، والكثير من البلدان الآسيوية حتى الشرق الأقصى ~~وتخوم الصين. # وكانت في كل خطواتها تجري استشاراتها مع وزراء الملك - الراحل - وأخصهم وأقربهم ms118 إلى ~~قلبها الوزير الحكيم يثرب. # وأحاطت قمرية قرارتها الكبرى والمصيرية بالكثير من السرية والحرص، حتى ولو تطلب الأمر ~~عقد اجتماعاتها داخل مخدع التبع الراحل، وهي ممددة على فراشها. # ومما دفع بها إلى اللجوء إلى ذلك الأسلوب من السرية والتكتم، حرصها الشديد على إتمام ~~شهور حملها، خاصة وأن بعض العناصر الحاقدة بدأت تظهر على المسرح، والتي رفضت أن تحكم ~~حمير امرأة. # وقد حاولت الرد على ادعاءاتهم لاجئة إلى محصلتها التاريخية التي اشتهرت عنها، معيدة ~~إلى الأذهان حكم شهيرات النساء لحمير، من بلقيس بنت الهدهاد بن شرحبيل وحكمها ~~المترامي لحمير وتوابعها، وانتهاء بالملكة «تدمر» ابنة التبع حسان بن أسعد، الذي ~~اغتاله ليلة عرسه الدامي - بالحيلة - كليب بن ربيعة، وخطيبته الجليلة بنت مرة؛ ~~بقولها: وها هي حرب البسوس الانتقامية التي نشبت بسبب ذلك الاغتيال، تدور رحالها على ~~مشارف الشام وفلسطين والبقاع. # بل هي كثيرا ما أشهرت وصية التبع ذو اليزن ذاته، التي يوصي فيها بأن تحكم «امرأتي ~~الأميرة قمرية لحين أن تسلم الحكم ما في أحشائها.» # وكم من مرة أيضا أعادت إلى الأذهان حكم الملكة «سميراميس» لبابل وآشور معا؛ أي في ~~وادي الرافدين وآسيا الصغرى بكاملها، وفي بعض الأحيان، تصل بها ثورتها إلى حد المطالبة ~~بإحلالها من وصية التبع الراحل، لتصبح في حل من كل هذا. # كانت تعرف - من طرف خفي - أن تلك الفتن والمكائد والمنغصات التي أصبحت تثار ضدها حتى ~~داخل بلاطها الحاكم نفسه، مصدرها إثيوبيا وملكها «سيف أرعد» ووزيره «سقرديون»، لإجهاضها ~~والإيقاع بها عن طريق استخدام مختلف الطرق والمصائد. # وكل ذلك يجري لها وهي حامل في أيام معاناتها الأخيرة، دون رحمة ودون تفهم لأبعاد ما ~~يحاك ضد عاصمة التباعنة الجديدة - أحمرا - من مؤامرات، يستعر أوارها ليل نهار دون ~~هوادة، أو حتى خجل إزاء ما يقع وينكشف أمره تباعا من خداع لقتلها واغتيالها، أو إجهاض ~~ما في داخل أحشائها، بينما هي تحرص عليه حرصها على عينيها ذاتهما لكي تسلم الأمانة ~~كاملة غير منقوصة. # وكان الوزير يثرب أحرص الجميع على قمرية وسلامة حملها؛ ms119 لذا أوصد عليها بنفسه دواوين ~~القصر، الواحد بعد الآخر، عن طريق بث عيونه وأخلص جنده وأشجع فرسان حمير وقحطان في ~~الأماكن الحساسة لرصدها. # إلى أن جاء اليوم الموعود، فتزايدت آلام قمرية بسبب محاولة المولود الخروج ورؤية ~~النور، ووضع حد لمعاناتها. # حتى إذا ما حل مساء اليوم التالي، ومع انبلاج الفجر، تجدد الطلق الشديد على قمرية، ~~لدرجة كادت أن تودي بحياتها ذاتها، وهي محاطة بالوصيفات و«الدايات» من كل جانب في حين ~~ملأ صراخها جنبات القصر. # إلى أن علا صراخ المولود الذي غطى على صراخها فعلت الزغاريد طاغية من كل جانب، إلا أن ~~قمرية أشارت إلى حاجتها الشديدة إلى النوم. # واستسلمت من فورها إلى نوم عميق بعدما وضعت أمانتها. # وحين استيقظت في ضحى اليوم التالي، استدارت في لهفة لترى وليدها للمرة الأولى، ولكنها ~~لم تجده. # صرخت: ابني وحيدي، سيف! # الفصل الحادي والعشرون # | الحرب الضروس في القرن الأفريقي # اندلعت نيران الحرب الضارية المستعرة بين «سيف أرعد» وأرملة الملك التبع ذو اليزن ~~«قمرية». # وهي الحرب التي امتدت رحاها على طول أواسط أفريقية وقرنها الموصل إلى اليمن والجنوب ~~العربي. # كما أنها حرب كانت قد تأجلت طويلا، نظرا إلى الظروف والملابسات الفاجعة التي مرجعها ~~المرض المفاجئ للتبع ذو اليزن، عشية زواجه من قمرية التي كانت قد انشغلت بدورها بحملها ~~المتعثر بابنه سيف، الذي دفعت به إلى الوجود يتيما بعد حدث موت ذو اليزن الفاجع في ~~غيبتها، وهي تدفع فلول الأحباش الذين شارفت كتائبهم المتربصة المخربة أسوار «أحمرا» ~~ذاتها. # وهكذا نجحت قمرية في إجهاض عدوان سيف أرعد المبيت بعد إشاعته - الكاذبة - لموت ذي ~~اليزن، متصورا هو ووزيره المتآمر المعادي للعرب «سقرديون» أن الطريق قد أصبح أمامهما ~~مفتوحا لتقويض عاصمة التباعنة بوسط القارة السوداء التي نبتت كمثل شوكة ترمي إلى ~~تعريب أفريقيا مبكرا. # إلا أن سيف أرعد لم تغفل عيناه عن مرماه بتخريب أحمرا والانتقام الأسود المبيت من ~~جاريته - أو مملوكته - قمرية التي خانته قبل أن تخون الملك ذو اليزن، حينما جاءته ~~مغتالة، فاستحالت إلى محبة أنهت مهمتها ms120 بالاقتران به. # ترنم أرعد في حقد: تلك الذئبة، صحيح؛ لأن أباك «ديب». # حتى إذا ما استوثق سيف أرعد من مواراة التبع اليمني - كما كان يدعوه - الثري، بذل ~~المستحيل باتجاه إعادة تكوين نواة جيشه، مشجعا وداعيا قومه إلى الإكثار من النسل ~~والإنجاب، ومستقدما بعض فلول كتائبه من البلاد التي كان يحدوه حلم أسلافه «أسود يهوذا» ~~بتملكها بدلا من أن تسقط في أيدي العرب - الساميين - بدءا من مصر العليا، والسودان ~~وبلاد النوبة، وانتهاء بالمغرب الكبير، وبخاصة تلمسان التي كانت شبه خاضعة لسيطرته ~~وتمدد نفوذه السرطاني. # في تلك الأثناء، لم تخمد نيران مؤامرته المتكررة هو ووزيره الشرير سقرديون، لاختطاف ~~أو قتل أو اغتيال سيف بن ذي يزن الطفل والرضيع ثم الشبل. # إلى أن تراءى لقومه، أن الحكمة تقتضي رعايته وتربيته في الخفاء بعيدا عن العيون حتى ~~أمه ذاتها، متنقلا من موطن وكيان، وقبيلة ومدينة إلى أخرى، بمأمن عن أذرع سيف أرعد ~~السرطانية الطويلة المتوغلة في تلك القارة السوداء الغارقة في سباتها، أفريقيا. # وهي الأيدي التي تمددت كأخطبوط، وكان على قمرية مواجهتها - إن لم يكن اليوم فغدا - ~~لإعادة استئصالها، وإلا لضاع كل شيء من ميراث التباعنة، سواء في أفريقيا، أو في ~~ربوع جزيرة العرب جنوبا وشمالا على السواء. # ومن هنا أهابت بجميع الأقوام التابعة ضرورة الصحوة وجمع الشمل ونبذ الأحقاد، مسافرة ~~متنقلة محرضة بنفسها. # فزارت سبأ وحضرموت وصنعاء وعدن وعمان والبحرين ويثرب وإخميم ومصر وقرطاج وتونس وبعلبك ~~ولبنان؛ محذرة من سيف أرعد وأطماعه، جامعة فلول جيش التباعنة والمبادرة بالحرب دون ~~غفلة. # حتى إذا ما نشبت الحرب، أبلت قمرية البلاء الحسن إلى حد الاستبسال الذي أخرس كل ~~الألسنة الطامعة في النيل منها كامرأة أنثى، وهي الأقرب إلى أن تكون «أعجمية» منها إلى ~~أن تكون عربية رغم اقترانها بالتبع الراحل وخلفها منه. # بالإضافة طبعا إلى التصورات الغيبية التي ربطت بين دخولها على ملكهم الحكيم الحبيب ~~ذو اليزن، وبين قضاء التعجيل بمنيته، تحت ثقل مرضه العضال، ومن هنا كان ولا بد من ~~مواجهة خطر الأحباش المعادين للعرب ms121 جنسا ولغة وحضارة، باعتبارهم ساميين طامعين في ~~جيرانهم ومتاخميهم الحاميين: «ذوي البشرة السوداء، أبناء اللعنة.» # ومن هنا حقق سيف أرعد نجاحاته في جمع شمل أقوامه الأفارقة، مثيرا ومذريا مشاكل ~~وقضايا، عنصرية وعرقية، تتصل باللون واللغة وركام مخلفات العصور - الأسطورية والخرافية ~~- القديمة المتأججة تحت الجلد منذ الأزل، وساعد ملك الأحباش أرعد، في هذا وزيره - ~~العنصري - الحاقد سقرديون، نظرا إلى ثقافته الهلينية اليونانية الدخيلة على العرب ~~والأفارقة معا . # كما أن هذا المدخل المستنفر للدعوات «العنصرية واللونية» قد ساعد بالفعل سيف أرعد في ~~تدعيم حشوده ضد العرب والتعريب، وأضاف إلى هذا ادعاءاته لأقوامه وحلفائه أن هدف ذي ~~اليزن واهتمامه بمصادر الماء مصدر الزرع والاخضرار وكل حياة، من سدود ومجاري الماء ~~و«كيميا» التربة وكيفية تخزين وتصريف المياه، مرجعها رغبته في السيطرة على شريان ~~أفريقيا بأسرها وهو نهر النيل: ومن هنا كان تستره - أي التبع الراحل ذو اليزن - وراء بحثه وكتاباته - الخفية ~~السرية - عن: كتاب النيل. # ودعم سيف أرعد دعوته العدوانية هذه، مرسيا قوائمها، مستثيرا حمية الأقوام وقبائل ~~أفريقيا السوداء وتجميعها تحت راياته في إثيوبيا، مواصلا حملاته على عاصمة ~~التباعنة ذاتها. # واستخدم أرعد في هذا كل وسائل الإسراع المعجل لتقويضها، بالحرب وقطع شرايين أنهارها ~~وتخريب سدودها وإضرام النار في منشآتها وحصونها التي كان قد عانى ذو اليزن في إيجادها ~~وتأمينها حتى آخر لحظات عمره القصير، ومن هنا أيضا جاءت معاناة الملكة قمرية في الصمود ~~والدفاع عن حصون العرب التباعنة في وجه ملك الأحباش المدجج بكل وسائل القوة ~~والخداع والتآمر، باللجوء إلى وسائل الحرب الخاطفة واختراق كل ثغرة تتيح للأحباش إحداث ~~الخدوش الدامية - بأحمرا - والفرار دون مواجهة، مما دفع بقمرية إلى وصف تلك الحرب ~~المخادعة بأنها شبحية. # ورغم ذلك نجحت قمرية في تغيير أساليب حربها بدورها، وردع أعدائها بقدرة فائقة لم تكن ~~تخلو من خداع - أنثوي - ماهر، كثيرا ما دفع بسيف أرعد إلى الغليان، إلى حد الهذيان ~~وملازمة الفراش واستدعاء حكمائه ومطببيه دون انقطاع، صارخا في وجوه الجميع، حتى وزيره ~~سقرديون. ~~- أنا لست مريضا، أنا فقط ms122 مسقوم من حية أحمرا، الرقطاء، التي ربيتها ورعيتها هنا ~~بنفسي في إثيوبيا، فاستدارت اليوم مغيرة جلدها، لتلدغني أنا في المقتل، يا لسمومها ~~المستشرية! # كانت قمرية تعرف كيف تلدغه في المقتل، وأينما يوجع، كلما عن له الهجوم ~~الغادر. ~~- واقعة بواقعة. # وكثيرا ما كان - ابنها - سيف اليزن، يضطلع هو بنفسه بإطباق الفك الثاني للكماشة ~~القاتلة على سيف أرعد، من داخل بلاد الحبشة ذاتها، وكأنه إنما يستكمل لأمه قمرية - دون ~~أن يعرفها - إحكام وإطباق خططها دون علم منه أو منها ومن دون أية اتصالات جارية بينهما ~~سوى أن كلا منهما، إنما يسدد سهامه وخططه في جسد - ومقتل - عدو واحد. # فكان كلما أقدم الملك سيف أرعد على استخدام سلاح قطع مياه النيل عن أحمرا وتوابعها، ~~أجهض سيف اليزن من الداخل محاولاته، سواء بإعادة تلك المياه إلى مجاريها، أو بإغراق بعض ~~مناطق الحبشة ذاتها. # وهو ما ضاعف من جنون أرعد وتوجسه أكثر فأكثر، عقب كل واقعة تحدث. ~~- يا للخيانة المستشرية، يا للدناءة! # كما أن كليهما - أي سيف وأمه قمرية - كانا على دراية ومعرفة أكثر بالنيل ومنابعه ~~ومناطق فيضه وشحه وانقطاعاته؛ نتيجة لاطلاعهما معا على مشاغل وأبحاث الملك التبع ~~الراحل ذي اليزن، التي استغرقته السنين الطوال منكبا بالأبحاث والقراءات والأسفار ~~الطويلة والمخاطر الهائلة للوقوف على أدق أسرار الشريان العظيم. ~~- النيل: بدءا من منابعه في الحبشة وأواسط أفريقيا وحتى منتهاه ومصبه على ساحل ~~«فاروس» ومناراتها التي أصبحت الإسكندرية فيما بعد. # كانت قمرية تحفظ للملك الراحل ذو اليزن وصاياه بالحرص على مدوناته وكتاباته التي سبق ~~أن أفنى فيها عمره وخيرة سنوات شبابه. # وذلك منذ أن تربى ذو اليزن - بدوره يتيما - في ربوع سبأ ومأرب وسدودهما التي كانت ~~أعجوبة العالم القديم، وحققت لليمن حضارتهما التي أوصلتها إلى ربوع آسيا وما بين ~~الرافدين وحتى مجاهل الشرق البعيد أو الأقصى. # وكان يحلو لقمرية، خاصة عقب الموت المعجل الذي أودى بحياة ذو اليزن، استخراج كتاباته ~~ورسوماته التخطيطية الملونة على خرائط من جلود الأيائل البرية، والمنقوشة على العاج ~~ورقائق الذهب، لتعاود فك طلاسمها ms123 وملغزاتها قارئة في استغراق وتلهف. # كما كان يحلو لها أن تنقل معارفها هذه موصلة بين الأب وابنه الوحيد - سيف - عندما كان ~~لا يزال في كنفها قبل منفاه. # بل وكثيرا ما اقتادت سيف - الطفل - إلى حيث مخازن وكنوز وخزائن الملك التبع التي ~~كانت تخفيها عن العيون في أعمق أعماق قلاعه السرية؛ حيث أودع ومنذ أن داهمه ~~المرض. ~~- كتاب النيل. # فتروح قمرية تلاعب ابنها - سيف - بقلائده وسواراته الذهبية وأحجار والده القيمة التي ~~جمعها أسلافه وأضاف إليها هو الكثير، خاصة حجره القاتم الزرقة الذي اشتهر باسمه في ~~التاريخ «لابس لازلي» وهو حجر ذو اليزن الذي قد يفوق الياقوت والزمرد قيمة. # إلى أن تجذب قمرية اهتمام ابنها سيف - وقبل أن تدفع به إلى المنفى - إلى كتابات الملك ~~وخرائطه ومدوناته عن الماء والتربة، ونهر النيل. # وكان سيف الطفل بدوره يبدو سعيدا فرحا متوقد الذكاء منفتحا على المعرفة ~~والاستزادة، بل وكثيرا ما طالب هو أمه الانسلال معا، وبعد أن ينام كل من في القصر ~~والمدينة وحتى أقرب المقربين إليهما، إلى حيث يحفظ كتاب النيل. # فكانت قمرية تحرص بالذات على مخطوطات ذو اليزن، حول النيل ومكوناته وأسراره حرصها على ~~حدقتي عينيها هي، فلم تطلع أحدا على خزائنها حتى وزيرها الأول «يثرب» حفاظا على وصية ~~الملك بإيصالها إلى ما في بطنها حسب أمنيته. ~~- هيكل، سيف، ولدي. # حتى إذا ما شب الغلام - سيف - وأصبح قادرا على القراءة، بدأت قراءاتها معه لمدونات ~~والده الخطية، وهي تصب الكلام في أذنيه صبا ليحفظه ميسرا عن ظهر قلب. # كانت في كل حالاتها تتحسب لذلك اليوم المرتقب الذي سينتزع الطفل فيها من بين أحضان ~~صدرها، ليربى في الخفاء بعيدا عن بطش سيف أرعد وأذرعه الطولى على طول غابات ~~أفريقيا ومنافيها. # وكان كثيرا ما يستبد بها الشوق والحنين إلى رؤية وليدها التي حرمت منه منذ طفولته ~~وصباه، كأي أم بسيطة. ~~- سيف، وحيدي. # وكان يشتد بها ذلك الحنين الطاغي، خاصة في أيام الشدة والضيق بسبب عدوان ملك الأحباش، ~~وذلك التحدي الكبير الذي فرضه عليها فرضا؛ بسبب ms124 الانتقام - الشخصي - منها. ~~- حية أحمرا الرقطاء. # وفي مثل تلك اللحظات العصيبة، لم تكن قمرية تجد مخرجها إلا بإعادة السؤال - لوزيرها ~~يثرب - عن ولدها ومصيره وأخباره المنقطعة عنها منذ سنين. ~~- سيف، أما زال حيا يرزق. ~~- هنا يقاربها يثرب بهدوئه وما عرف عنه من حكمة وبعد نظر قائلا: اهدئي أيتها الملكة، ~~اهدئي فالأمير سيف يحيا في أحسن حال. ~~- أين؟ # هنا يستبد الصمت بالوزير الحكيم فلا يقدر على الإفصاح حتى لها هي، أمه، بمكانه ~~ومخبئه. ~~- أين؟! # الفصل الثاني والعشرون # | حروب النيل # كان ملك الأحباش سيف أرعد، قد وصل به التوجس مما أصبح يحدث له في معاركه المستعرة مع ~~قمرية إلى حد الجنون بعينه، فما يكاد يشتد ساعده وساعد أبنائه الكثيرين من زيجاته - ~~السياسية - المتعددة داخل مختلف أقطار القارة السوداء، حتى يصبح على باب قوسين أو أدنى ~~من وضع يده على أصل الداء، بتقويض - أحمرا - وإعادة مليكتها أسيرته. # هنا تداهمه الأحداث الخطرة غير المتوقعة، حتى من داخل حدود بلاده ذاتها الحبشة ~~وتخومها، التي لا يعرف لها مصدرا. # والغريب أنها أحداث قد تصل بخطورتها إلى حد إغراق عاصمته ذاتها «إثيوبيا» وتكشف لكل ~~ذي عينين وبصيرة عن مدى تفوق أعدائه من داخل الحبشة ذاتها، وكيفية قدرتهم المتعاظمة على ~~الإلمام والمعرفة بأسرار النيل ودقائق قنواته وشرايينه. # هنا لا يملك سوى الإسراع بالتراجع المشبع بالهلع والهوس، مما يحصل دون أدنى توقع مما ~~يحدث من خلف ظهره، فيتزايد تساؤله وصراخه مما يسمع ويتسبب في إشاعة الرعب بين ~~رجاله. ~~- هكذا، إن للحرباء أكثر من جلد ولون ووجه. # وكان يقصد بالحرباء - طبعا - الملكة قمرية وابنها - الغامض - سيف. # وبالطبع لم يخطئ سيف أرعد في ذلك كثيرا، ذلك أنه كان لسيف بن ذي يزن أكثر من وجه ~~وجلد ولون؛ إذ كان يملك قدرات متعددة، منها قدرته على تغيير مواقعه داخل حدود الحبشة ~~ذاتها وما يجاورها من بلدان وأقوام بأسرع من هبوب رياح الخماسين الشيطانية. # كما أنه كان متملكا لقدرات إخفاء نفسه وتغيير لونه، والتخفي تحت مختلف الأشكال ~~والهيئات والسحن والوجوه، مضافا إلى هذا ms125 قدرته على النطق باللهجات المختلفة، بل وتغيير ~~إيقاعه بكامله متحركا مواصلا طوافه داخل مختلف الأقوام والقبائل الأفريقية، مبشرا ~~بالأمن والعدل، أينما حل، هو وأتباعه الكثيرون الخارجون على سلطان سيف أرعد وبطشه ~~وظلمه. # فزار مصر العليا والسودان مرارا، وزار الشمال الأفريقي، وزار موطنه ذاته في اليمن ~~وجزيرة العرب، مواصلا تجميعه لقواته ومؤنه وقلاعه ومصادر قوته التي تمكنه من إحباط كل ~~محاولات ملك الأحباش المتوعد بتقويض عاصمة التباعنة العرب داخل أفريقيا. # ومن هنا لم تسه عينه الساهرة لحظة واحدة عن - أحمرا - وما أصبحت تعانيه ملكتها من جهد ~~مضن خارق للصمود في وجه سيف أرعد، وأطماعه الداعية إلى تقويض وإحراق وإغراق تلك العاصمة ~~العربية، مهما كلف الثمن. # حتى إذا ما وضع ملك الأحباش خططه وزحفه بمساعدة وزيره سقرديون للوصول إلى أسوار أحمرا ~~وتطويقها التف هو - وجيشه - من جانبه بتطويق عاصمة الأحباش إثيوبيا، لتصبح مجرد فريسة ~~تعاني آخر أنفاسها عند قدميه. # هنا يمضي الملك أرعد يمزق جلد وجهه ألما مما يحدث ويسمع وينشر الفزع بين قادته ~~وأبنائه وجنوده، ولا يملك سوى التقهقر المزري عائدا، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من غرق ~~وحرائق، متوعدا بالإمساك بأعدائه من الداخل دون طائل. ~~- التبع الجديد وأعوانه، ولا أحد غيرهم. # وكان أقرب أولئك الأعوان بالطبع «ملك مدينة أفراح» الذي تربى فيها - سيف - وأمضى ~~طفولته ومطلع صباه. # وكان وزير الملك المقرب «سقرديون» يضرم في كل مناسبة، وعقب كل واقعة نيران حقد أرعد ~~أكثر فأكثر على ملك أفراح وابنته العاشقة للتبع «شامة» إلى حد رفضها الزواج بيانا ~~جهارا من ابن الملك سيف أرعد الأكبر، الذي يحبها بدوره إلى حد الجنون. # وهنا توافق قرار الملك سيف أرعد مع وزيره سقرديون، في أهمية التأني في تخريب عاصمة ~~التباعنة - أحمرا - وأسر ملكتها قمرية، إلى حين الانتهاء من تطهير بلاد الحبشة ~~ذاتها من الجيوب المقوضة والمتآمرة، التي تحسن الطعن في الظهور إلى حد القتل. ~~- خونة، وأولهم هنا ملك أفراح وابنته التي قد تقودهما إلى موطن «التبع ~~الخفي». ~~- سيف. # هنا سأل الملك ممرورا وزيره سقرديون وهو ينهض ms126 ليواجه أمواج النيل المتلاطمة أمامه: ~~ما العمل؟ أنعاود من جديد قطع الماء عن أفراح؟ # أجابه سقرديون في حزم: ليعيده من جديد التبع ويتزايد حب الناس في تلك البلاد ~~لمنقذهم من العطش والجفاف، وبالتالي ستتزايد شعبيته أكثر فأكثر. # واجهه الملك منفعلا: إذن ماذا ترى يا سقرديون؟ ~~- أرى اقتطاع شامة ذاتها. ~~- كيف؟ ~~- اختطافها لمعرفة أسراره ومكمنه بكل الوسائل. # وكانت شامة ابنة ملك أفراح قد قللت في الأيام الأخيرة من اتصالاتها بسيف بن ذي يزن، ~~كما اعتادت في السابق، وذلك استجابة لطلب ومخاوف أبيها الذي تضاعفت عليه مؤامرات ~~سقرديون وملك الأحباش، خاصة عقب رفضها الزواج من ابن «سيف أرعد» ووريثه. # ووصل بها الغضب إلى حد إعلانها الانضمام إلى سيف ورجاله عيانا جهارا؛ إذ لم يكف ~~والدها عن مطالبتها بالرضوخ والزواج الأقرب إلى الأسر من ابن ملك الأحباش، مما قد يدفع ~~بها أيضا إلى حرق نفسها. ~~- فسياط النيران ستكون أكثر رحمة على بدني وروحي من ذلك الزوج المدلل الفاجر. # وإزاء هذا التهديد الذي يعرفه الأب عن ابنته - شامة - كما يعرف قدرتها على تنفيذه، لم ~~يملك سوى التراجع، وإبلاغ سقرديون برفضها. # ولما كانت شامة مدركة لأبعاد ومخاطر رفضها لمثل هذا الزواج، ومدى ما سيجلبه تعنتها ~~هذا من أحداث انتقامية بشعة ستحط بكاملها على كاهل والدها المثقل، بل المدينة جميعها عن ~~بكرة أبيها، فقد حطت عليها الأحزان الثقيلة السوداء، وهي التي تنتظر دون طائل أو حتى ~~بصيص أمل الزواج يوما بمن يهفو إليه قلبها، منذ أن تفتحت عيناها عليه. ~~- سيف اليزن. # إلا أن عين سيف بن ذي يزن، لم تغفل يوما عن إحاطة شامة بكل حماية ورعاية. # فلم تنقطع عنها رسله ورسائله إليها، يخبرها بمكامنه ومخابئه المتغيرة الجديدة أولا ~~بأول، وبحنينه الجارف إليها: «فمن أجل عينيك يا شامة، أحارب الشر.» # مجددا على الدوام عهده لها بالزواج منها قائلا: «عقب خلاصنا من أرعد وعدوانه ~~معا.» # وكانت شامة في وحدتها الجديدة التي فرضتها على نفسها، تحلم طويلا باليوم الذي يحقق ~~فيه حبيبها - سيف - انتصاره على ذلك الكابوس الشرير ms127 الظالم سيف أرعد، لكي يصبح لحبهما ~~مكان في هذا العالم الواسع. ~~«فكيف لأزهار الحب ووروده أن تنبت وتينع في مستنقع سيف أرعد وإذلاله وظلمه.» # تساءلت ممددة على فراشها تعاني آلامها وحسرتها مما يحدث ويجري: حقا، كيف لأي نبت أن ~~يزهر مع ناشر الجوع والعطش ذاك؟ إلا أن «شامة» سرعان ما كانت تعاود تفاؤلها واستبشارها، ~~كلما وصلتها أخبار الانتصارات المتواترة التي أصبح يحرزها سيف بن ذي يزن ضد سيف أرعد ~~ووزيره العجوز المتآمر سقرديون. # وكانت تشارك جماهير مدينتها السرية من أرعد ورعونته وجنونه الذي يصل به إلى حد ضرب ~~وزيره «بالنعال»، كلما تفوق عليه سيف ورجاله من داخل حدود الحبشة ذاتها، وهو ما أحاله ~~إلى معجزة ومنارة أمل أصبح ينشدها الجميع في كل مكان وموطن. # فكانت شامة تراسله ناقلة إليه مدى حب واستبشار الناس - بسيف وأتباعه - رافعة من ~~معنوياته مشددة من ساعده الضارب، متشوقة لرؤياه. # هنا كان يبعث إليها سيف، بكتيبة من رجاله، تنقلها إليه إلى أقرب مخابئه من مدينة ~~أفراح، ليلتقي بها مسرعا، فيمضيان معا، لحظات خاطفة تعود هي بعدها منشدة ~~لنفسها: ~~«يا مظني الشوق أنا قلبي صبح عن الدم آدي سنه حول، وأنا اللي عيشتي على الدم، جاني ~~طبيبي وسمعني الكلام ع الدم وإن أذن الله، طابت مني أنا الجروح حا ألبس ثياب الهنا تشع ~~منه الروح، وإن جا عزولي أقوللو: من هنا قوم روح فتحت لجروح وكانت كاتمة ع ~~الدم.» # وتنشد لنفسها: # حبيت جميل زين وسبوني العوازل فيه وكتروا من الفتن لجل أتركه وأنفيه # وكيف أنا أتركه وأنفيه وأنا عقلي وروحي فيه. # شيع حبيبي وقال لي: # أنا عبدك وسيد غيرك # عينك على الكرم إذا خطروا العوازل فيه # وتغني وكما لو كانت في لوعتها تبعد عنها حسادها والعزول # يجازيك «يا لايم» عليه في الغرام يجازيك # إياك تلومني فيه # دا الحب له نار والعة # في المهجة وشاعلة فيه # يا زارع السنط هيا ودادي فيه # دا السنط كله منافع # أما الأرد نرميه # والمركب اللي انخرق # إياك تعدي فيه. # إلا أن عين ms128 سقرديون المشعة بالشر دوما لم تغفل عن تدبير الانتقام الدامي من ملك ~~أفراح وابنته شامة، التي سبق أن تجاسرت على رفض ابن الملك أرعد ووريثه في اعتلاء عرش ~~«ليوث يهوذا». # فتوعد ابن الملك بتحقيق آماله من شامة، فقط حين يحين موعد أعياد: «وفاء ~~النيل.» # حتى إذا ما حان أوان موسم العيد، أوعز لمساعديه وكهنته بإيقاع «قرعتهم» لهذا العام ~~على أميرة أفراح «شامة» مردفا: وهي رغبة الملك سيف أرعد، كما تعلمون، قبل أن تكون ~~رغبتي. # حتى إذا ما وقع الاختيار على «شامة»، واستعدت مدن الحبشة وأفراح وتوابعهما لذلك ~~الاحتفال - الشعائري - الذي كان يجري حدوثه في وقت واحد من كل عام، في كل موقع وكيان ~~يواصل نهر النيل عبرهما جريانه كالحبشة وأوغندا والسودان وبلاد النوبة ومصر. # وتجمعت الجماهير من كل صوب احتفالا بعيد ذلك العام، متجهة مشرئبة صاعدة إلى تلك ~~القلعة المهجورة فوق أعلى جبال المدينة التي ازدانت بالزينات والأعلام وفرق الموسيقى ~~والطرب والألعاب الشعبية ونحر الذبائح. # ووصلت مع الغروب كوكبة من فرسان الملك سيف أرعد مدججة بالسلاح، يعقبها وفد الكهنة ~~والمنجمين إلى قصر ملك أفراح، وهم يسوقون إليه - بشارتهم - بوقوع اختيار «القرعة» ثلاث ~~مرات متتالية على أميرة البلاد الجميلة. ~~- صاحبة الصون، أفراح. # هنا سقط الوالد من طوله مغشيا عليه، بينما صعدت كتيبة الجند لا تلوي على شيء، إلى ~~حيث جناح «شامة» فأحاطوا بها من كل جانب وهي تقاوم وتبصق في وجوههم. ~~- ابعدوا يا قتلة، يا لصوص الظلام والخرافة. # وعم الصمت جماهير المدينة عن آخرهم وهم يشهدون مشدوهين كيفية أسر أميرتهم، وهم يصعدون ~~بها الجبل الشاهق المشرف على النهر، إلى أن اختفوا بها وهي صارخة مقاومة: قتلة ... لصوص ... ~~عصابات. # حتى إذا ما ألقوا بها مقيدة عند قدمي ابن ملك الحبشة سيف أرعد العاشق لها، والذي سبق ~~لها رفضه، خلع من فوره قناعه - هائل الحجم - عن وجهه ضاحكا من أعماقه مقهقها: شامة ... ~~حبي! # هنا هوت ذراع ضاربة على أعلى عنقه، ففصلت رأسه عن ذلك الجسد «الخرافي» ~~المتهتك. # الفصل الثالث والعشرون # | سيف أرعد يصرخ: ms129 ولدي جثة بلا رأس # لم تكن اليد التي هوت فجأة على عنق - مقلقل - ابن ملك الأحباش سيف أرعد بحسامها، لحظة ~~احتضانه «لعروس النيل» - شامة - التي وقع عليها الاختيار سوى يد سيف بن ذي يزن ~~الضاربة. ~~- شامة ... هس. # استدارت شامة في أقصى فزعها مما حدث فجأة وبشكل خاطف، في اللحظة ذاتها التي رفع فيها ~~سيف قناعه عن وجهه ملقيا به، ثم جذبها إليه، وانسلا خارجين عبر ردهات ومسالك وأطلال ~~تلك القلعة المهجورة الخلفية مسرعين لا يلويان على شيء. # بينما دوت أصوات الغناء والموسيقى والاحتفالات الماجنة - السنوية أو الموسمية - بعروس ~~النيل عالية صاخبة من حولهما تصم الآذان. # نزعت العروس شامة غطاء رأسها الحريري الملون على شكل تاج هائل الحجم الذي أعاقها عن ~~الحركة والجري بأقصى سرعة، مسلمة ذراعها لسيف، وهما يقفزان ويدوران حول السراديب ~~المظلمة باحثين عن منفذ للإفلات عبره. # إلى أن اعترضتهما فجأة شلة من حرس ابن ملك الأحباش - مقلقل - وعندما أحاطت بهما كتيبة ~~الجند من كل جانب، دون دراية أو إدراك منهم لما حدث، أعمل سيف اليزن حسامه في رقابهم ~~الواحد بعد الآخر، ملقيا ببعضهم من فوق أسوار القلعة الخربة. # حتى إذا ما انتهى سيف بن ذي يزن منهم وكانوا قرابة سبعة جنود، مدججين بالسيوف ~~والحراب، أعاد من جديد اجتذاب حبيبته - شامة - من يدها مواصلين عدوهما، باتجاه السراديب ~~الخلفية للقلعة التي كان سيف قد درس مسالكها المتعددة، بهدف تضليل كتيبة الجند الرابضة ~~فوق أبراج الحصن الواقعة في أعلى أسوارها. # إلا أنه توقف مستديرا مسرعا حيث اعترضته كتيبة أخرى من الجند محيطة بهما هذه المرة ~~من كل جانب مشددة حصارها، فواصل قتاله لهم الواحد بعد الآخر، إلى أن تمكن بحسامه من ~~ثلاثة منهم، وفر الباقون عدوا عبر البراري والهول. # وسرعان ما اختطفت شامة بدورها خنجر سيف من غمده، وكلما قاربها أحدهم محاولا إعادة ~~اختطافها، أردته بخنجرها صريعا. # وما إن نزلا الدرجات الحجرية للقلعة، حتى توقف سيف من فوره مستخرجا رقعة صغيرة من ~~الجلد متأملا في لهفة، بينما شامة تمسح عنه عرقه ms130 وجبينه بأناملها الحانية وهي تشرئب ~~ببصرها إليه دون صوت، حتى أعاد جذبها من معصمها. ~~- من هنا، يمينا يمينا، هيا أسرعي. # وما إن انسلا خارجين من سرداب القلعة الموصل إلى أسوارها الجنوبية حتى تنفس سيف اليزن ~~بعمق وهو يواصل عدوه إلى حيث تقف كوكبة من جنده وحراسه بعيدا بانتظارهما، وسريعا ما ~~ألقوا إليهما بحبل ساعدهما على تسلق أسوار القلعة الجنوبية، في نفس اللحظة ذاتها التي ~~وصل إلى أسماعهما جلبة صادرة عن مجموعة أخرى من حراس ابن ملك الأحباش - القتيل - ~~وبأيديهم المشاعل الضخمة والسيوف اللامعة المشهرة، وهم يحاولون اللحاق بهما دائرين من ~~فوق أسطح القلعة للإمساك بهما. ~~- ها هم، يمينا، يمينا. # لحظتها كان سيف اليزن قد أنزل شامة التي ألقت بنفسها بين أحضانه، وامتطى الجميع ظهور ~~خيولهم، وغابوا عدوا وسط أشجار الغابات الكثيفة العملاقة، إلى أن شارفوا مرفأ ~~«جانبيا» على النيل، قادهما الحراس إليه، فنزل سيف اليزن عن حصانه، متجها إلى شامة ~~فحملها بين ذراعيه، إلى أن دلفا إلى مركب صغير مختبئ بين الأحراش بينما واصل حرسه الركض ~~باتجاه حرس ابن ملك الأحباش لإعاقتهم عن اللحاق بهما. # ودارت معركة حامية بين الجانبين حيث التحما وسط الغابات والأحراش، أعطت المزيد من ~~الوقت الكافي لتحرك مركبتهما - سيف وشامة - وسط مياه النيل الفضية إلى أن اختفيا في ~~الأفق البعيد. ~~- أخيرا، عبرنا النيل العظيم يا شامة. # امتطيا ظهري جوادين عربيين كانا بانتظارهما بصحبة مجموعة أخرى من الحرس، وتسلقا بضع ~~تلال باتجاه إحدى القرى، وسيف اليزن ما يزال يداعبها بقوله: أتقبلينني خطيبا بدلا ~~منه؟ # تساءلت بصوت عال: من؟ ~~- النيل! # ضحكا طويلا وهما يواصلان عدوهما في مرح أبدل من تعبهما وما بذلاه من جهد خارق ~~للإفلات من تلك المكيدة التي كادت أن تودي بحياة شامة هذه الليلة. ~~- عروس النيل، أم عروس ذلك «الفحل» الأبله - مقلقل - ابن أرعد؟ # قالت: النيل أرحم! # وضاحكها سيف وهما يتوقفان في الخلاء الفسيح المحيط بهما لحظة كافية «لتغيير ريقهما» ~~بتناول التمر واللبن قائلا: هل يمكن تصور ما حدث يا شامة؟ # واصل: أن ننجح معا ms131 في تخليص ربوع هذه البلاد من وريث سيف أرعد. # ألقت برأسها بين أحضانه مسبلة عينيها كمن تحلم طويلا. ~~- متى نخلص من أرعد ذاته؟ متى؟ # واستبدت بها المخاوف من ذلك المصير المظلم الذي سينتظر والدها الشيخ من انتقامات ملك ~~الأحباش لمصرع ولده ووريثه، مقلقل ذلك «الفحل» المتهتك. # وطمأنها سيف بن ذي يزن قائلا بأنه قد وضع لكل شيء حسابه، والمهم الآن هو أمنهما هما ~~معا من ذلك الجنون الذي سيستبد بالأحباش وملكهم، على طول أفريقيا مشرقا ~~ومغربا. ~~- المهم هو مواصلة الطريق، حتى المرفأ الآمن، المهم هو اليقظة، هيا. ~~- واصلا عدوهما من جديد، باتجاه مدينة ضخمة غاصة بالأضواء والفرح، تسد الأفق البعيد، ~~إلى أن وصلاها مع الغسق، فدوت الأبواق معلنة قدومهما وانفتحت البوابات، على اتساعها ~~واحتوتهما وفي أعقابهما جوقة الحرس داخلة، حتى إذا ما أصبح سيف بن ذي يزن وسط أفسح ~~ساحاتها، شهر من فوره رأس ابن سيف أرعد. ~~- رأس مقلقل. # هنا دوت المدينة بالفرح والتكبير والدعاء والهتافات للملك التبع المنتصر من كل ~~جانب. ~~- سيف اليزن، سيف اليزن! # أما ملك الحبشة سيف أرعد، فقد غابت الدنيا على اتساعها أمام عينيه، حين حملت إليه ~~الأخبار مصرع ابنه ووريثه داخل تلك القلعة الحصينة التي جرى فيها احتفال هذا العام ~~بعروس النيل. ~~- بأيدي خارج أثيم، مجهول. # صرخ سيف أرعد من أعماقه، وهو يدق عمدان قصره: مجهول! أتقولون مجهول؟ # اتجه من فوره كالمخبول ممسكا بخناق وزيره المرتعد، كمن يحاول إزهاق روحه عن ~~جسده. ~~- وأنت أيضا يا سقرديون اللعين، أتقول مجهول؟ # أردف سقرديون شاحب الوجه: بل معلوم، معلوم، لا أحد سواه! # ألقى به الملك على أريكة جانبية في أقصى حالات هياجه، وهو يدق كفا بكف قائلا: أجل ~~معلوم، إنه التبع الجديد سيف بن ذي يزن يا سقرديون، وليس غيره. # استدار من جديد إلى وزيره المأخوذ المرتعد: تلك مشورتك الجديدة، إذن فلم يعد سواي، لتراهن عليه، أليس كذلك؟ # جرى كالمجنون صاعدا درجات سلالم عرشه المصاغ من الذهب الخالص صارخا وهو يتأمله ~~مبهورا: لينتهي كل شيء، ليقضي العرب اليمانية ms132 على كل شيء، حتى عرش يهوذا هذا ... هذا. # انحط جالسا في حسرة على كرسي عرشه مطوقا رأسه بذراعيه. ~~- أليس كذلك يا سقرديون، يا صاحب المشورة؟ # حتى إذا ما تدافعت مجموعة من الحراس مرتدين ثياب الحداد، محاطين بجوقات النساء ~~والنادبات، وهم يحملون الجثمان المسجى لولده مقلقل، هب أرعد عن عرشه مذعورا باكيا: ولدي ... وريثي ... لحمي. # وما إن تقدم بخطى بطيئة من التابوت الذهبي المطعم المحلى بالرسوم ، كاشفا غطاءه، ~~حتى جرى مذعورا من هول ما رأى: ولدي ... جثة بلا رأس! # اندفع صاخبا هائجا عبر ساحات قصره وهو يصرخ بالثأر والانتقام والدمار. ~~- رأس ابني، جثة بلا رأس، ابن سيف أرعد، هكذا على هذا النحو جثة بلا رأس، منين نعرف ~~لها أساس. # أهاب باكيا بقومه وقبائله وأمرائه وأبنائه الكثيرين ناديا محرضا: تعالوا، تعالوا ~~اشهدوا جميعا ابني مقلقل جثة نزعت عنها رأسها. # تدافعت الوفود والأقوام وشيوخ القبائل والأمراء ومن خلفهم جوقات النساء النادبات ~~النائحات في السواد، وقد لطخن وجوههن بالنيلة الزرقاء «يصرخون ويتوعدون». ~~- جثة بلا رأس: منين نعرف لها «أساس». # والملك يصرخ ويرعد ويمزق ثيابه وينتزع شعيرات ذقنه في جنون: ابني وريثي، أسد يهوذا، ~~تعالوا قربوا، اشهدوا. # وخلال كل ذلك الجو الملبد بالحزن وبكائيات النادبات وعويل النساء، انسل الوزير ~~سقرديون متخاذلا منزويا عن العيون المتطلعة المشيرة إليه بكل اتهام، فهو وحده صاحب ~~ومدبر المكيدة الأخيرة، نكاية بملك «أفراح» وابنته - شامة - التي رفضت الزواج من الابن ~~القتيل، بما يشير ويعني وقوفها في صف العرب الطامعين الغزاة، ولو لم يجهرا علنا ~~بوقوفهما ذاك. # بل إن انزواء سقرديون ومحاولة اختفائه من هول مشهد ما يحدث، تضاعف أكثر حيرة، ووقعت ~~عيناه بين الجموع، على وزير - الميسرة - الحجازي «أبو الريف» الذي تقدم في ثيابه فأفسح ~~له الجميع طريقه إلى حيث التابوت الملكي المغطى برقائق الذهب، فأعاد غلق غطائه، مانعا ~~في هدوء الوفود المتدافعة كالهدير من حول التابوت. ~~- لتهدأ روح الميت في مثواه الأخير. # صرخ الملك سيف أرعد: لن تهدأ إلا بالثأر. # وعل الفور تعالت دقات طبول الحرب العاتية من داخل ms133 القصر وخارجه، مترددة من كيان إلى ~~آخر، ومن مدينة إلى ما يجاورها، بإيقاع رتيب، تهيب بالكتائب ووحدات الجنود والمحاربين ~~التجمع والتأهب للحرب. # وانسل سقرديون منسحبا إلى حيث الساحة الخارجية للقصر مصدرا تعليماته لقادة الوحدات ~~والكتائب في محاولة للتغلب على ذلك الإحباط الذي لم يخل من إحساس دفين بالذنب مما حدث، ~~وهو يوحي للجميع بأن الخطر كل الخطر من العرب - اليمانية - وعاصمتهم. ~~- الموت والدمار لأحمرا. # وسريعا ما دوت الهتافات من كل جانب، مطالبة بالتوجه - الآن وليس غدا - لمدينة ~~التبع ذو اليزن، والمطالبة برأس ابنه: سيف اليزن، ولا أحد غيره. # وهكذا وجدها سقرديون فرصته سانحة لإلهاب المشاعر، وتجميع كل الجهود للتخلص من النفوذ ~~العربي، بحسب خطته السابقة التي لم يولها الملك سيف أرعد اعتبارا وهي تدمير أحمرا ~~أولا وقبل كل شيء، ولو استدعى الأمر التخلي عن حاميات الحبشة في الشمال الأفريقي: في ~~تلمسان وصعيد مصر والسودان وبلاد النوبة الآن. ~~- وقبل إطفاء النيران المتوقدة بدفن الجثمان. # وهنا عارضه الوزير - الحكيم - أبو الريف في إعطاء الأولوية لدفن جثمان ابن الملك، ~~وعدم التسرع قبل أخذ المشورة، بدلا من الانفراد بالرأي الواحد الذي وكما تأكد ~~للجميع. ~~- هو السبب الأول والأخير في تلك الكوارث التي أصبحت تحل بالبلاد. # وكان الوزير أبو الريف، يقصد من وراء ذلك كسر جماح الرغبات المستعرة بالشر من جانب ~~زميله سقرديون. # ولما كان سقرديون، أضعف حالا هذه الجولة من فرض تصوره - السياسي - بالحرب، فقد آثر ~~مهادنة الوزير أبو الريف؛ مشيرا: لكم ما ترونه. # حتى إذا ما انتهت الحبشة من دفن جثمان - ولي العهد - وهدأت طبول الحرب والعدوان إلى ~~حين، أعاد سقرديون إذكاء لهيبها في أذني سيف أرعد. ~~- الحرب والدمار للعرب المعتدين. # وعلى الفور انتظمت صفوف جيش الأحباش للانتقام والعدوان، آخذة طريقها إلى حيث أسوار ~~المدينة العربية - أحمرا - وملكتها «قمرية» وابنها سيف بن ذي يزن. ~~- التبع الغازي، الجديد. # الفصل الرابع والعشرون # | مهد التباعنة # ما إن حقق سيف بن ذي يزن انتصاره بقتله لمقلقل بن سيف أرعد ملك الأحباش، وإنقاذه ~~لحبيبته رفيقة طفولته وصباه «شامة» ms134 من بين براثنه، حتى عبر النيل باتجاه القرن ~~الأفريقي، مواصلا هروبه بها من جنود وحلفاء وعيون سيف أرعد. # وهو الذي جن جنونه مما حدث وانتهى بقطع رأس ابنه ووريثه في حكم أفريقية، على ذلك ~~النحو السافر من الغدر. # ثم هي الرأس التي شهرها سيف اليزن من فوره حين حط رحاله وشامة وسط الأقوام والقبائل ~~الموالية للعرب والتباعنة، فأثارت الحمية بين الجميع، ومن الذين عانوا الأمرين من ~~عدوان وتجبر الأحباش وملكهم، وبخاصة منذ أو وافت المنية والد الملك التبع ذي ~~اليزن. # وهكذا تدفق من جديد الحماس للعرب في أفريقيا وبخاصة غربها وشمالها المتاخم للجنوب ~~العربي، فتواترت أخبار ما حدث من كيان إلى آخر، إلى أن وصلت ربوع اليمن ذاته، بل جزيرة ~~العرب بأسرها. # إلا أن إجماع المشورة بين الأقوام العربية وحليفاتها استقر على ضرورة وأهمية إسراع ~~سيف اليزن بالزحف وخطيبته وكتائبه القليلة العدد، باتجاه اليمن والجنوب العربي، هربا من ~~عيون سيف أرعد وبطشه وأذرعه الطويلة التي لن تهدأ أو تهادن فيما حدث، وبعد أن وصله ~~جثمان ابنه المسجى، بلا رأس. ~~- جثة بلا رأس. ~~- منين نعرف لها أساس. # لذا آثر سيف بن ذي يزن الامتثال لإجماع المشورة العربية، مواصلا زحفه السري من مخبأ ~~إلى آخر، إلى أن حط رحاله وبرفقته خطيبته شامة ابنة ملك أفراح في ربوع اليمن؛ حيث دفء ~~الأهل والعشائر. # مهد التباعنة # وجرى استقباله بين قبائله وعشائره مجللا بالنصر والظفر اللذين حققهما عبر جهاده ~~الطويل، لتثبيت حكم التباعنة في مجاهل القارة السوداء، وهو الذي ولد وتربى ~~يتيما عبر المنافي والمخابئ تحسبا من ذلك العدوان المبيت ضده من جانب الأحباش ~~وملكهم سيف أرعد، الذي كان قد اختطفه بالفعل عن طريق الدايات - أو القابلات - منذ ~~اللحظة التي فارق فيها رحم أمه قمرية. # وها هو سيف بن ذي يزن الآن وبطولاته التي أصبحت مضرب الأمثال، تلهج بها الشفاه ~~والجباه المتعطشة للنصر العربي، الذي كان قد شحب وهجه بموت والده ذو اليزن الذي ~~أودى به المرض العضال قبل الأوان، وقبل أن تكتحل عيناه برؤية ms135 ولده الوحيد. # هيكل، سيف # حتى إذا ما دخل قصر أبيه ذو اليزن وجده - عمرو بن مزيقيا - الذبيح بيد أخيه ~~التبع حسان، تدفقت مشاعره والتهبت من جديد بمواصلة الكفاح، وعلى الفور سرى ~~وانتشر نبأ وصول ابن ذي يزن، المجلل بالنصر الذي اقتنصه اقتناصا ولو عن طريق ~~الخداع في مواجهة الحبشة وأطماعها في عرش التباعنة وأحلافهم، سواء في أفريقيا، ~~أو فيما بين الرافدين، أو في غرب آسيا . # وتدفقت وفود القبائل من أمراء وشيوخ قبائل من حمير وقحطان، من كل صوب وقوم ~~وكيان، إلى سبأ للتهنئة بالنصر. ~~- سيف بن ذي يزن! يا لها من معجزة! يا لها من صحوة انتظرها الجميع طويلا ~~طويلا! # وعلى هذا النحو وصل سيف بن ذي يزن ووطئت قدماه أرض أجداده محملا برأس وريث «عرش ~~يهوذا» ابن ملك الأحباش. # وسرى الحماس متدفقا بين الجميع إلى حد المطالبة بتنصيبه تبعا على عرش ~~أجداده. # إلا أن سيف بن ذي يزن رفض المثول لهذا المطلب المتعجل، إلى أن يحين أوانه، معطيا ~~الأولوية لتجميع فلول جيش حمير معليا من ذراعها الضارب، في مواجهة العدوان ~~والبطش الحبشي المتزايد ضد عاصمة التباعنة في أفريقيا - أحمرا - وهو العدوان ~~الذي لا بد وأن يصل الجميع هنا في اليمن وتوابعها. # إن لم يكن اليوم، فغدا. # وهكذا استطاع سيف إعطاء الأولوية للتجمع والاستعداد للقتال منذ لحظة أن وطئت ~~أقدامه عاصمة التباعنة، دون تردد أو إبطاء. ~~- فسيف أرعد يطرق الآن كل الأبواب، ولن يهدأ له جفن إلى أن يحط برحاله على حصون ~~التباعنة ليدكها دكا. # ودعم سيف اليزن دعواه، مشهرا من فوره محصلة الأخبار والمعلومات التي وصلته حول ~~ضخامة ذلك الجيش المدجج الجرار الذي استدعى الملك أرعد فيالقه وكتائبه من السودان ~~ومصر العليا وتلمسان وبلاد النوبة، وحشده في إثيوبيا تمهيدا للمسير والعدوان ~~مواصلا تساؤلاته. ~~- لمن؟ لصدورنا هنا في أحمرا العربية، ولا أحد غيرنا. # وهكذا نجح سيف باستخدام مهارته الخطابية والسياسية في إلهاب المشاعر العربية ~~وتجميع طاقاتها التي كانت قد تبددت طويلا. # وهو ما دفع بشامة إلى أقصى حالات اندهاشها وانبهارها ms136 معا، من سرعة وصول ~~الإمدادات والفيالق العربية، من الشباب المتطوعين، بخيولهم وسيوفهم المشهرة، وتدفق ~~ذلك الحماس العربي من كل صوب وكيان، حول سيف بن ذي يزن، إلى درجة دفعت بشامة، إلى ~~تناسي هواجسها ومخاوفها من ذلك الخطر المحقق الذي لن يفلت منه والدها - ملك أفراح - ~~وقومها، وذلك من جراء قيام حبيبها سيف بقتل ابن أرعد ليلة اختطافها من قبله لإجراء ~~طقوس سفك دمائها دون أدنى شعور بالذنب أو الحياء. # ومن هنا جاءت استجابتها لدعوى سيف اليزن بأن الحل والخلاص لن يتحقق إلا بالجهاد ~~للقضاء على أصل الداء، وقبل استشرائه في أفريقيا وما يتاخمها من أقوام. # ومن هنا توارت أحزانها ومخاوفها، وهي تشهد بعينيها تشكيل نواة ذلك الجيش العربي، ~~الذي تعالت قرقعة سلاحه وتدريباته اليومية على طول عاصمة التباعنة وبقية المدن ~~والمعالم العربية، التي تنقلت فيها وزارتها شامة بصحبة التبع المنتظر سيف بن ذي ~~يزن. # فزارت برفقته، حضرموت، وصعدة، وذي رعين، وعدن، وإرم - ذات العماد - وصنعاء، ~~والبحرين، وصرواح، ومأرب، ومدائن صالح ويثرب واليمامة محرضة إلى جانبه على ضرورة ~~التأهب والصحوة للقتال الذي حان أوان اندلاعه إن لم يكن قد تأخر كثيرا على حد ~~تعبيرها. # إلى أن تحقق حدسها الذي كانت قد تناسته في غمرة تجميع الجهود والطاقات ~~العربية. # وذلك حين وصلتها الأخبار يوما بما حل بوالدها - ملك أفراح - الذي بدأ سيف أرعد ~~انتقامه منه باقتحام عاصمة بلاده ومحاصرة قصره مطالبا بتسليمها هي - شامة - حية أو ~~ميتة. # إلى أن تحقق من فرارها مع قاتل ابنه ووريثه ولم يشف غليله إلا بسياق والدها ~~أسيرا عاري القدمين مقيدا عبر شوارع وميادين إثيوبيا، على مشهد من الجميع، وصلبه ~~على بواباتها. ~~- ذلك الأرعن شراب الدم! # صرخت شامة من أعماقها، ودون أن تذرف دمعة واحدة على عادة النساء، في مواجهة سيف ~~اليزن، الذي تضاعف حبه وإكباره لها، وهو يضمها إلى صدره، عاقدا من فوره قرانه ~~عليها في اجتماع بسيط هادئ ودون عرس أو صخب قائلا: في القريب العاجل سيحل عرسنا ~~الحقيقي يا شامة، يا حبيبتي. # وكان يقصد ms137 بهذا يوم انتصاره على ملك الأحباش سيف أرعد. ~~- حين يحين اليوم المنشود! # ولم تترك الأخبار الدامية لسيف بن ذي يزن، وعروسه شامة، متسعا من الوقت للارتواء ~~من نهر حبهما القديم وزواجهما، بل سرعان ما تواترت أنباء توجه حشود جيش الأحباش، ~~وعلى رأسه أرعد بنفسه ووزيره سقرديون، باتجاه العاصمة العربية - أحمرا - للانقضاض ~~عليها وحصارها لحين استسلام ملكتها قمرية. # هنا زفرت شامة من أعماقها لسيف اليزن، وهما يتأهبان بدورهما إلى المسير والعودة ~~إلى أفريقيا؛ قائلة في غل: وقبل أن تستسلم تلك الملكة قمرية ليسوقها أسيرة عارية ~~القدمين والرأس في سلاسله وقيوده عبر شوارع إثيوبيا بنفس ما فعله مع أبي. # عندئذ رمقها سيف اليزن بنظره غائرة الأعماق والأبعاد، محاولا تفهم غرضها ~~الأخير، فلم يكن قد سبق له أن حدثها قط عن ملكه أحمرا قمرية. # بل إن توالي الأحداث وصخبها استعدادا للحظة تجمع قرار المسير بنواة جيش حديث ~~التكوين، دفعهم للزحف سريعا باتجاه شرق أفريقيا وأواسطها، ومواجهة جيش الحبشة ~~وملكها. ~~- وريث عرش يهوذا. # وهو قرار كان سيف بن ذو اليزن قد عقد الرأي على تأخيره كثيرا، وهو الأقدر بالطبع ~~على معرفة مدى قوة الحبشة ورسوخها في مجاهل أفريقيا، مضافا إليه أيضا الدور ~~العنصري - الدعائي - ضد العرب الساميين لونا وجنسا بل وحضارة من جانب أرعد، ~~واصفا إياهم بالبدو الغزاة. # وبدأت الأخبار المتوالية الوصول تطرق كل الأسماع حول حصار أحمرا وملكتها قمرية، ~~وهو ما أقلق مضاجع سيف إلى حد الفزع، وأفضى به في النهاية إلى اتخاذ قرار المسير ~~عبورا من أقصر الطرق باتجاه الحبشة ذاتها ثم أحمرا. # وخلال المسير الذي استغرق بضعة أسابيع طويلة واصل فيها سيف اليزن سيره المؤرق ليل ~~نهار. # وفشلت كل جهود شامة في التخفيف من أعبائه إلى أن اقترحت عليه اتخاذ بلادها ~~وموطنها منطلقا للجيش العربي؛ نظرا إلى قربها محققة بذلك هدفها الدفين الذي أصبح ~~يشدد في عضدها، وهو الانتقام لوالدها الطيب الذي اقتاده الأحباش أسير مقيدا بذيول ~~خيولهم عاري الرأس والقدمين إلى أن تم صلبه مقلوبا رأسا على عقب على بوابات ms138 ~~إثيوبيا. # مما دفع بسيف إلى التعديل من خطته، مقسما جيشه إلى فيلقين: # أولهما اتخذ اتجاهه إلى شرق بلاد الحبشة ذاتها، بقيادته مستخدما حيله الماهرة ~~التي عرفت عنه في «حرب النيل»، بينما سار الفيلق الثاني باتجاه «أحمرا» وما يتبعها ~~من أقوام أفريقية. # حتى إذا ما حانت لحظة الافتراق بفيالقه مسرعا عن شامة لتنفيذ تهديداته الخلفية ~~لجيش الحبشة والانتهاء منها بأقصى سرعة يمكن تحقيقها، اتخذ طريقه على الفور للحاق ~~بالفيالق المتجهة إلى نجدة المدينة العربية وملكتها المحاصرة «قمرية». # ولكم صعبت لحظة الافتراق هذه على شامة عندما ودعت سيف ذلك الغرام الطاغي الذي ~~تملكها أكثر وتضاعف لهيبه منذ توالي ما مر بها من أحداث جسام. # فتذكرت حين أنقذها من ذلك الموت العاهر بين براثن - مقلقل - ابن سيف أرعد، ثم ~~إفلاتهما معا عبر وهج المعارك والمخاطرات للخلاص من الشر. # وهكذا سرعان ما اندلعت سريعا المعارك، حين غير سيف بن ذو اليزن هيئته كلية بدءا ~~من شعر رأسه «الأكرت» الجعد وانتهاء بلون وجهه ويديه وبدنه بكامله، ثم دخل الحبشة، ~~وهو على دراية كبرى بمسالكها، منقضا على مقتلها باستخدام نقيضين لا غيرهما: الغرق ~~والعطش. # فحقق انتصاره، وأحدث الذعر الجارف في ربوع البلاد المترامية، التي ما إن وصلت ~~أنباؤهما إلى أسماع ملكها سيف أرعد، وهو على مشارف تحقيق نصره وحلمه الطاغي، ~~باقتحام أسوار عاصمة «بدو المشرق» والإمساك برأس الأفعى «قمرية» حتى تهدم كل شيء ~~كمثل معبد قديم تهاوى على رأسه الكبيرة. ~~- جنون ... الخيانة ... الخيانة! # وقبل أن يفيق سيف أرعد من هول ما حملته إليه الأنباء محاولا إعادة السيطرة على ~~جيشه وفيالقه، كان ابن ذو اليزن يأخذ طريقه للحاق ببقية جيشه والإطباق من الخلف على ~~سيف أرعد ذاته، مما خفف الحمل الجسيم عن «أحمرا» ودفع بقمرية من جانبها إلى التشدد ~~والمواجهة، وكأنها بهذا إنما تحكم إطباق فكي الكماشة على جيش الحبشة بقيادة سيف ~~أرعد. # واشتدت وطأة القتال الذي امتد إلى داخل أحمرا ذاتها، خاصة حين دخلها سيف اليزن ~~بجنوده، مواصلا خداعه وتنكره، في محاولة للحاق والإمساك بسيف أرعد ms139 ذاته. # إلى أن أصبح وجها لوجه مع أمه قمرية التي كانت قد استبعدت مجيء ابنها لمناصرتها ~~في هذا الحصار والهجوم المباغت من جانب الأحباش. # إلى أن أطبقت عليه بفيالقها في محاولة لتصديه وقطع رأسه، بعدما فر سيف من ~~أمامها. # فما كان من سيف اليزن إلا أن خلع زيه وتنكره كحبشي - أسود - على مشهد من أمه ~~قمرية المتوثبة لقتله، ما سحا عنه حتى لونه معلنا: أنا سيف اليزن، هيكل ~~يا أماه! # الفصل الخامس والعشرون # | سيف بن ذي يزن تبع حمير المنتظر # تلك هي المرة الأولى، التي وعي فيها سيف بن ذي يزن على نفسه بعدما مادت أرض القلعة ~~الرخامية من تحته، فسقط في ذلك الفخ - الملغم - المفتوح الفاه عن آخره. # وذلك لحظة إطباق ملكه أحمرا - قمرية - عليه على رأس جنودها من كل جانب، كمثل نمر ~~مفترس هائج، مشهرة سيوفها وقواطعها وحرابها، لتهوى بها على رأسه. ~~- اقتلوه! # كانت تلك هي المرة الأولى، التي فتح فيها سيف عينيه عن آخرهما وهو مجندل مقيد بالحديد ~~و«الكلابات» والجنازير فزعا صارخا في وجه أمه الملكة المحاربة قمرية وهي على ظهر ~~الشهباء فرس ذو اليزن متقلدة عدة حربه شاهرة حسامها استعدادا لكي تهوي به على رأسه ~~فصرخ في وجهها: حذا ... أنا سيف ... هيكل ... ابنك. # هنا عجزت الذراع المشهرة الضاربة فتراجعت كمن شلت للحظة عن كل حركة، ونزلت قمرية من ~~فورها مسرعة فزعة عن حصانها متفرسة في وجهه، وبالتحديد على شامة التباعنة الخضراء ~~على جبينه، بينما خلع هو أقنعة تنكره وأزال الأصباغ عن وجهه وصدره العاري مسرعا: هو ... ~~سيف! # وللحظة سريعة كمثل برق خاطف اقتنصت نظرات - الأم قمرية - المدققة ملامح ذو اليزن - ~~والده - السمحة الفائقة النبل، منكبة عليه محتضنة إياه في حنو: هيكل ... سيف ... ~~ولدي. # استدارت كمن تعلن لحرسها في انبهار لا يصدق أبعاد وحقيقة ما حدث. ~~- سيف بن ذي يزن ... حذار. # وقبل أن تمتد يد لتخلصه من فخاخه كان هو قد اندفع نافضا عنه قيوده قائما منتصبا ~~على قدميه في حيوية مصافحا أمه، متطلعا في وجوه فرسانها ms140 وكأنما يحيي بابتسامته ~~الصافية أصدقاء أعزاء قدامى. ~~- عدنا ... مرحبا ... أمي الحبيبة. # استدار مستطلعا من فوره سير المعارك الطاحنة الضارية الدائرة على طوال الساحات ~~الواسعة في شوارع - أحمرا - المتقاطعة والجانبية عبر شرفات القصر الشاهق المرتفع ~~البنيان، بما يسمح بجلاء ووضوح رؤية كل شيء على طول السهول والوديان، وعلى طول النهر ~~الفضي العريض المتدفق جاريا إلى الشمال. # وبدا واضحا للعيان هدف الأحباش وحلفائهم المستهدف لقصر ذو اليزن ذاته حيث الملكة: ~~أفعى أحمرا. # إلى درجة دفعت بقمرية إلى التخلي عن ابنها - سيف - مشيرة صارخة: انتبهوا ... غربا ... ~~غربا. # إلا أن تراخي ابنها منفلتا من بين أحضانها مستبشرا ضاحكا، أعاد إليها من جديد ~~تنهدها مشيرة للخطر المرتقب: تقدموا. # لحظتها تزايدت أكثر ضحكات سيف وهو ينفض عنه غبار معاركه مقهقها في عنف، وهو يقارب ~~قمرية مجددا محاولا إعادة إنزالها من فوق صهوة جوادها، مما ضاعف من سخطها عليه، إلى ~~أن قال سيف بن ذي يزن؛ موضحا: إنهم جنودي، جنودك أيتها الملكة الأم، المنتصرة، ~~«ضاحكها» انتبهي. # تردد بصر قمرية بين حشود الجند المسرعة العدو باتجاه المدخل الغربي لقصر القلعة، وبين ~~ضحكات سيف واستبشاره ممتطيا من فوره ظهر حصانه مشيرا لفيالق الجنود المقتربة، مهللة ~~بالنصر، محيطة به من كل جانب في تعال. ~~- المجد لتبع حمير المنتظر. # هنا بدا المشهد في عين الملكة الأم قمرية، أقرب إلى الحسد المحمل بكل زهو ~~وإكبار. ~~- تبع حمير المنتظر ... ولدي! # فاتسعت ابتسامتها وهي تشهد ما يحدث بين ابنها - العائد - سيف وبين فيالقه وكتائبه، ~~بلباسهم المزين بالألوان التي يخالط فيها الأخضر الزمردي القاني، والأحمر الصارخ وقد ~~شهروا سيوفهم؛ هكذا يدخل سيف بن ذي يزن مدائنه وقصر أبيه. # وبهر جنود أحمرا بدورهم مما يشهدونه غير مصدقين: إنهم يشهدون الآن وعبر أجيج المعارك ~~المستعرة الضارية التي امتدت شهورا، تبعهم المنتظر. ~~- سيف بن ذي يزن تحت أعلام التباعنة. # كان الفرسان يدورون بخيولهم من حوله - أي سيف - خالعين عنهم شارات التمويه والتستر ~~بالأزياء الحبشية، رافعين رايات وبيارق التباعنة، وقد علت أناشيدهم المدوية ~~احتفالا بالانتصار، في مشهد مثير صاخب ms141 بعث في جسد قمرية الذي أوهنته المعارك رعدة لم ~~تكن تعرفها من قبل، في كل ما سبق لها أن واجهته وتصدت له، عبر حياتها الجسورة التي ~~عاشتها. ~~- ولدي العائد سيف. ~~- تبع حمير العائد. # مضت قمرية تشهد عن بعد ما يحدث، من توافد فيالق وكتائب ابنها سيف بن ذي يزن، من كل ~~جهة وصوب، نازعة عنها هي الأخرى شارات تنكرها تحت أزياء الأحباش وحلفائهم، ليحكموا خطة ~~الكماشة المطبقة - من الخلف والأمام - على ملك الأحباش، منذ حط بجنوده داخل أحمرا ~~ذاتها، فكان أن عجلوا بالنصر، غمغمت قمرية لنفسها: بل هم اقتنصوه. # حطت ببصرها عليه وهو يدور وسط حلقات فيالقه وكتائبه وجنوده، مشاركا في أغاني ~~انتصاراتهم، مجللا من كل جانب بأعلام التباعنة وبيارقهم، إلى أن عم خبر عودة ~~التبع العائد الذي فك حصار مملكة أحمرا، وأوقع بالأحباش الهزيمة، فتوافدت الجموع من ~~كل جانب غير مصدقة، وتزايدت أغاني النصر وأفراحه متفجرة في كل مكان. # مما دفع بسيف إلى الاندفاع باتجاه أمه مطالبا إياها بالخروج لتحية جنوده وفرسانه ~~والجميع، والمشاركة في احتفالات النصر في هذا اليوم الكبير معاودا إصدار تعليماته هنا ~~وهناك، لمواصلة تصفية آخر قلاع وجيوب الأحباش، بل ومطاردتهم باتجاه الجنوب تمهيدا لأن ~~يلحق بهم - أي بجنوده - قبل مطلع صباح اليوم التالي. # وانتهى سيف بن ذي يزن من متابعة مطاردة جيش سيف أرعد إلى داخل تخوم وحدود بلاده ~~ذاتها، عبر معارك استخدم فيها الجانبان أقصى طاقات المقاومة، خاصة من جانب الأحباش ~~الذين أفجعهم خداع سيف بن ذي يزن لهم بتنكره، وادعائه محالفتهم على ذلك النحو ~~الصارم. # أما فاجعة ملك الأحباش سيف أرعد ووزيره سقرديون اللذين وصل بهما الغضب والحقد على ~~التبع اليمني الجديد وغدره المتواصل بهما، إلى حد دفع بهما إلى خوض المهالك دون رحمة ~~أو مهادنة في محاولات للإيقاع به أينما كان، وقبل استشراء خطره أكثر فأكثر عقب عودته ~~عيانا جهارا لمنازلة الحبشة، وتحالفه مع أمه قمرية. ~~- ستصبح الأذية أذيتين على رءوس الأحباش وكل الأفريقيين. # وهو ما تحقق بوصول إمدادات قمرية لمساندة ابنها ms142 في نقل المعارك إلى داخل بلاد الحبشة ~~بدلا من أحمرا. # مما اضطر سيف أرعد إلى الإسراع مطالبا بالهدنة ووقف القتال، الذي رفضه بحدة سيف بن ~~ذي يزن، بينما تقبلته ملكة أحمرا، مما أوعز الخلاف بينهما أو بين قراريهما ~~المتضاربين. # وهذا ما سمح لسقرديون بتعميق ذلك الخلاف بين - الأم وابنها - إلى حد تزايد القطيعة ~~التي جمدت مسار الحرب المستعرة وأوهنت من روح سيف المقاومة، ثم تقبله في النهاية لقرار ~~والدته بوقف الحرب، والعودة إلى أحمرا. # حتى إذا ما عاد سيف بن ذي يزن إلى عاصمة التباعنة التي فتحت ذراعيها عن آخرهما ~~لاستقباله بعد نفي وغياب طويل كانت قمرية قد اتخذت سلفا قرارها الذي عانت منه طويلا ~~وحدها، في تنفيذ وصية الوالد الراحل «ذو اليزن» بتسليمه سلطاته ليعتلي عرش ~~التباعنة. # وتم الاحتفال بتنصيبه، بما يليق من تكريم، حين تخلت قمرية عن عرش ذو اليزن الباهر، ~~نازلة درجاته على مشهد من أمراء حمير ووزرائها، وشيوخ القبائل والعشائر والجموع التي ~~جاءت لتشهد اعتلاء سيف بن ذي يزن لعرش أجداده المتوارث منذ سبأ وحضرموت. # وجثى هو على ركبتيه أمامها وهي تضع تاج ذو اليزن على رأسه مقبلة. ~~- لعل التبع الراحل شهد تلك اللحظة من مثواه، وفي اليوم التالي لتنصيبه اقتادته ~~أمه إلى حيث كنوز ذو اليزن وعدة حربه ومخطوطاته ودراساته عن ~~«كتاب النيل»: سأحفظه في قلبي، كما تحفظ حدقتي عيني. # وكما لو أن سيف بن ذي يزن، قد وقع على بغيته حين انشغل بتصفح صفحات الكتاب في حرص، ~~مستغرقا في تأمل رسوماته التوضيحية ومدوناته وخرائطه الملونة. ~~- استغرق عمره بكامله فيه. ~~- أعرف يا أماه ... أبي! # وهكذا استحوذت كتابات ومدونات التبع الراحل على ابنه: بعد تسلم سلطاته فانكب ~~بكامله، وقبل كل شيء، على قراءتها وحل رموز وطلاسم - كتاب النيل - الذي يعرف أعداء ~~العرب قبل غيرهم أن من يمتلكه يتحكم في النيل بكامله ومجراه وإخصابه ومجاعاته. # حتى إذا ما حاول سيف بن ذي يزن إجراء تطبيقاته، ولو من باب إرهاب الأحباش الأعداء، ~~منعته أمه متغاضية عما انتهت إليه ms143 الأحداث باعتزالها لسلطاتها، وبعدما ارتضى الجميع ~~وأولهم هي - قمرية - ذلك وهو ما انتهى بتنصيب التبع الجديد. # وعمق من أغوار الصراع الخفي بين الملكة المتنازلة عن العرش وابنها ما تلقاه الملك ~~التبع سيف بن ذي يزن من رسائل بعث بها إليه وزير والده الأول المقرب «يثرب» حين أرسل ~~له مهنئا وشاكيا من عدم قدرته على المجيء من يثرب إلى أحمرا لحضور مراسيم تنصيبه التي ~~كان ينتظر يومها المنشود، تخوفا من أمه قمرية التي تسببت في رحيله إلى مدينته يثرب - ~~أي المدينة المنورة فيما بعد - منشدا له أجزاء من معلقته الشهرية: # فمن يثرب قد صرنا بعد عمرها # إلى بعلبك ابن عمي بها عبرا # وسرنا إلى أرض الحبوش بجيشنا # نزلنا بواد عمه الماء والزهر # مليكنا ذو اليزن عمر أحمرا # حصنها بالأسوار وأجرى الأنهرا # أبراجها من حولها وقلاعها # بها شيدت والناس من حولها زمرا # ولم يشأ سيف أن يستوضح من أمه عن جذور خلافها مع وزير والده، وموضع سره يثرب تحرجا ~~من جرح مشاعرها، كما أنه لم يشأ أن يستأثر بقرار مصيري، يتصل بالحرب والسلم ومهادنة سيف ~~أرعد لا ترضى عنه والدته قمرية، مهما عز عليه. ~~- فهي أمي، من حبلت بي. # ذلك على الرغم من تيقنه الدفين من خطورة قراراته في هذا الشأن، خاصة وأن الأخبار التي ~~يرصدها عياروه وبصاصوه، تجيئه بالكثير حول الحشود التي يسعى إليها الملك سيف أرعد في ~~الخفاء، والمبيتة كلها ضده وضد عاصمة التباعنة، مستخدما في ذلك كل النعرات ~~العنصرية ضد العرب الساميين «ذوي البشرة البيضاء» وأطماعهم في أفريقيا الزنجية. # ودعم من صدق وتحقق هذه المعلومات المتسمة بكل خطر، ما بعثت إليه به مؤكدة حبيبته ~~وزوجته «شامة» ملكة أفراح. # حتى إذا ما تراكمت مكاتباتها ومراسلاتها له من خطية وشفهية، حول جنون سيف أرعد ~~وتحالفاته الخفية التي اتسع مداها حتى شملت وغطت غرب أفريقيا وجنوبها، بدأ سيف التفكير ~~في معارك الحرب. # وهكذا وجد سيف بن ذي يزن نفسه محاصرا غير قادر على الحركة برغم تملكه لسلطاته كتبع ~~لحمير وعرش اليمن، وهو ms144 الذي لم يعتد من قبل على حياة القصور الوادعة الرخوة، كمثل ~~دمية في يد أمه قمرية التي استأثرت بقرار الحرب والسلم، مؤثرة احترام صكوك الهدنة مع ~~الأحباش. ~~- وأين هي الهدنة مع سيف أرعد وأطماعه التي لا يحدها حد. # إلى أن تواترت الأخبار، حول عبث الأحباش، السري من جديد في النيل ومقاييسه، وخاصة ضد ~~مصر وأفراح وأعالي السودان. # بل وضاعف من خطورة الأمر، استقدام سيف لبعض حامياته في بلاد النوبة والمغرب ~~الكبير. ~~- لماذا! # وهو السؤال الذي طرحه على والدته قمرية مرارا دون أن تتزحزح ولو قيد أنملة عن قرارها ~~مؤثرة السلم على الحروب وأهوالها. # إلى أن روع الملك سيف بن ذي يزن، برسل زوجته شامة المحملين بتجدد الحرب بين الأحباش ~~ومملكة أفراح، وتلك الحشود الهائلة التي اجتاحت البلاد باتجاه العاصمة، وتصميم سيف أرعد ~~على التخلص أولا، وكما يقول ويذكر مستخفا: «التبلغ أولا ببلاد شامة أي أفراح»، وهو ~~يعلم أنها زوجته. # هنا نفد صبر الملك التبع سيف بن ذي يزن، مقررا كسر قرار والدته - قمرية - والخروج ~~من جديد لملاقاة الأحباش، حتى إذا ما أعادت والدته معارضتها احتدام الخلاف بينهما، ~~وانتهى بانقسام الجيش العربي، وخروجه وحده بفيالقه غير المتكافئة مع جيش الحبشة، لفك ~~حصار أفراح والإفراج عن حبيبته وزوجته شامة التي لم تقدر له الأحداث المتوالية معاشرتها ~~كبقية خلق الله، إلى أن وقعت في أسر سيف أرعد. ~~- شامة ... حبي! # الفصل السادس والعشرون # | سيف يفك حصار مدينة أفراح # اضطر سيف بن ذي يزن إلى مناوأة أمه قمرية والضرب بقرارها المستسلم ضد الأحباش والخروج ~~عليه، كما اضطر إلى إحداث ذلك الصدع أو الانقسام في صفوف «جيش التباعنة». # حيث آثرت فيالق الملكة الأم البقاء في أحمرا؛ امتثالا لقرارها بعدم إعلان الحرب، مما ~~أجبره على الخروج وحده بجيشه القليل العدد والعدة، تجاه مملكة أفراح لتخليص أسر ~~محاربتها التي عانت طويلا، وهي زوجته وزميلة كفاحه وطفولته وصباه: شامة. # وهي - شامة - التي تفتحت عيناه عليها يلعبان ويلهوان ويدرسان معا، حتى إذا ما شبا ~~عن طوقهما على كراهية سيف أرعد ms145 ملك الحبشة لكل ما هو عربي وعبوديته للآخرين، توقد ~~حبهما على وهج المعارك المستعرة التي خاضاها ضده، مما اضطر شامة، وهي الفتاة، أن تخرج ~~على إرادة والدها ملك أفراح بالسير في طريقه، بل والانتماء بكاملها إليه إلى حد هروبها ~~مع سيف إلى اليمن وجزيرة العرب، ليعقد قرانه عليها رسميا بين الأهل والعشائر، وها هي ~~شامة ترزح وحدها في قيود وأسر أرعد، كان سيف بن ذي يزن يعتلي رأس جنده وألويته غاضبا ~~عاقدا العزم منذ أن لفظته بوابات أحمرا على التوجه هو وجنوده إلى المشرق الأفريقي، وهو ~~لا يزال يلقي باللوم على نفسه لتردده الطويل أمام رغبات أمه قمرية - التي عارضت الإسراع ~~بالخروج لاستكمال المعارك السابقة الموءودة أو المجهضة - عشية وضع الملكة خاتم ملك ~~التباعنة على اتفاقات الهند الملفقة الأخيرة مع ملك الأحباش سيف أرعد قائلة: تكفي ~~أرض هذه البلاد ما رشفته من دماء عربية، لم يجف تقيحها بعد. # اندفع التبع الشاب، ينهب الأرض بجبالها وأخاديدها وشلالاتها وبواديها وغاباتها ~~المأهولة بقطعان الحيوانات والطيور وزواحف الأرض ما بين الأيائل البرية والضباع وأبناء ~~آوى التي تعارف العرب على تسمية الواحد منها بأبي الحصين. # وكانت قطعان الحمير الوحشية والسناجب والقردة بأشكالها وفصائلها وممارستها عبر ~~البراري، بأحجامها المختلفة المنتصبة على قوائمها، والتي تلفت النظر بأشكالها الغريبة ~~وتصرفاتها العجيبة، وهي تقتات من غريب الشجر والثمر والزهور البرية التي لا يحدها ~~البصر، بألوانها وتكويناتها من صفراء وحمراء وقرمزية وخضراء وسوداء وعسجدية، كشعر شامة ~~المسترسل الأحمر. # وكان أكثر ما يثير مخيلة جنوده، فيتندرون به عبر زحفهم ورؤياهم لمجتمعات القردة ~~العملاقة التي يسمونها «بالغيلان»، وكيف أنها كانت تشعل النار وتضرمها بالنفط في حروبها ~~وغاراتها الوحشية، إلى درجة دفعت بسيف أرعد إلى ترويضها ومحالفتها وتدريبها، والدفع بها ~~كتائب إثر كتائب ضد العرب كمحاربين مرتزقة بلا هوية، قد أضناها الجوع لتنهشهم وتأكلهم ~~أكلا. ~~- شامة ... كيف لي أن أتخلى عنك؟ # واصل سيف اليزن زحفه متشحا أردية وبيارق التباعنة وتاجهم المتوارث - علنا - ~~وعلى طول البلدان الأفريقية، حتى تلك الموالية منها لمملكة - ويمكن القول ms146 إمبراطورية - ~~الحبشة وملكها المتسلط الذي أعماه التعصب ضد العرب سيف أرعد. # حتى إذا ما تسلل داخلا إلى أراضي أفراح الشاهقة واصل زحفه بجيشه باتجاه عاصمتها لفك ~~الحصار عن شامة. ~~- لكم عانت طويلا معه عبر رحلة نضالهما التي لم تترك لهما متنفسا للعيش ولو لفترة ~~قصيرة كزوجين، بعدما عاشا مرحلة الطفولة ووهج الشباب معا كصديقين متلازمين. # وشق سيف بن ذي يزن طريقه بحد السيف موقعا بقادة وأبطال الأحباش، ميمنة وميسرة إلى ~~حيث قصر شامة الشامخ المتعالي المحاط من جهاته الأربع بغابات الأشجار العملاقة المشتعلة ~~كجهنم ذاتها من حوله وخلفه ومشرقه ومغربه التي كان يطلقها جيش الأحباش والغيلان. # ففك حصار القصر في ذات اللحظة التي حرك فيها أنصاره حرب الأنهار التي يجيدها منذ ~~الصغر، فخفتت الحرائق لحظة عبوره كالبرق الخاطف إلى قصر شامة، المفضي بدوره إلى ~~السراديب والمخابئ المتناهية الصعود والهبوط والالتفاف، واستطاع بعد جهد الوصول إلى ~~شامة التي أخذته بالأحضان وهي تصرخ بسرور: تأخرت سيف. # أشارت من فورها إلى الخارج عبر كوات السراديب المحكمة التحصين؛ قائلة بتوتر: انظر ~~جهنم. # وهالها في التو ما يحدث، فلول الأحباش وهي تلقي أسلحتها فارة ومذعورة إثر قياداتها ~~التي كانت تولي الأدبار بدورها عبر الأفق البعيد، لتنجو بجلدها - الأسود - وقبل أي شيء ~~من مجرد مقدم سيف بن ذي يزن ورجاله. # وشاع خبر وصوله مع رجاله على أفواه ومسامع الجميع في تواتر جاء إيقاعه بمختلف اللغات ~~واللهجات والنبرات. ~~- التبع المنتظر ... سيف. ~~- تبع حمير الجديد العائد ... هيكل ... سيف. # وفرحت شامة واحمرت وجنتاها في براءة، وتزاحم الجميع على الشرفات التي انتزعت «ستائرها ~~وكل ساتر» لمشاهدة ذلك المشهد، الذي تذكر سيف أنه تكرر مرة أمام عيني أمه قمرية، ومع ~~ذلك لم تهبه ثقتها بعد. ~~- الملكة لا تعرفني؛ أمي، من حبلت بي! # غمغم سيف بن ذي يزن لنفسه غائبا عن نفسه ذاتها، وهو يشارك شامة وبقية حاميتها ما ~~يحدث من ذعر وشتات لجيش الأحباش على طول البراري ومتعرجات السهول الممتدة على مدى ~~النظر، وهي تنهب بأقدامها العارية الأرض نهبا صارخة في ms147 فزع جماعي: التبع ~~المائي. # ضاحكته شامة فرحة وهي تراقبه من تحت أهدابها متنفسة أخيرا الصعداء: نأخذ نفسنا لحظة ~~الليلة! ~~- أحقا يا شامة؟ اعذريني يا حبيبتي، فلعل فيما سمعته الكفاية. # وكان يعني بهذا خلافه مع والدته، إلا أن شامة أخرجته من هواجسه جاذبة: ليس هناك أعذب ~~من هذا. # اندفعت مشيرة بكل ذراعها المغطى بالدروع المصاغة من الذهب الإبريزي القاني الاحمرار: ~~النصر. ~~- رد العدوان ... الظلم. # ولعل مساء ذلك اليوم المتأخر شهد حبهما نهايته السعيدة. ~~- الحرية. # وفي تلك الليلة حملت شامة من سيف بن ذي يزن، بالوريث الجديد لعرش التباعنة الذي ~~لقب فيما بعد باسم أجداده السالفين. ~~- دمر؛ أي المدمر لأعدائه، ومؤنث الاسم هو «تدمر» وهي الملكة تدمر السابقة على بلقيس ~~ملكة سبأ. # ولم يسترح سيف بن ذي يزن في أحضان ودفء زوجته المحبة - شامة - طويلا، فسرعان ما ~~استجمع طاقات محاربيه، باتجاه سد الطرق والمنافذ على جيش الأحباش وقبل أن تستطلع فلولهم ~~إثيوبيا عائدة مندحرة. # إلا أن سيف أرعد وجدها - باستشارة وزيره سقرديون - فرصة سانحة للعودة باتجاه عاصمة ~~التباعنة ذاتها «أحمرا» خاصة وسيف اليزن بعيد عنها، والملكة قمرية والدته قد أصبحت ~~في سنواتها الأخيرة منهكة إثر الحروب وأعمال الحصار التي نفذها سيف أرعد بها. # حتى إذا ما نفذ ملك الأحباش غايته، وأوقع الحصار والخسائر بأحمرا مضرما نيرانه في ~~مدنها ومضاربها وقراها جن جنون الملكة فخرجت لملاقاته متعثرة، بعدما شق عليها ~~الاستنجاد بابنها - هيكل - خاصة بعدما تخلت عنه في المرة السابقة، بحجة أن الأحباش ~~الذين «سعوا وحفوا وراء عقد الهدنة طويلا لن يخرقوها بسهولة هذه المرة.» # لكنها ندمت بعد فوات الأوان، وبعدما استباحت جيوش الأحباش المدينة بخدعة هدفها مباغتة ~~المملكة وتدميرها حرقا وغرقا وحربا من كل صوب وفي آن واحد. # ورغم صمود قمرية بعدما أعماها الغضب وأخرجها عن كل طور إلا أنها عانت الكثير في ~~حصارها المباغت ذاك. # ووصل بها الغضب والرغبة الدامية في الانتقام إلى حد تحمل أقسى الويلات فوق كاهلها دون ~~أن تجرؤ على الإرسال برسلها طالبة العون والمساندة من ابنها فلذة ms148 كبدها. ~~- لن يحدث، لن أنحني. # إلا أن سيف بن ذي يزن لم يطق صبرا عندما علم وتيقن بما حدث، فاستجمع قواته مقررا ~~التخلي عن شامة التي تحولت بهجتها إلى أسى وحرارة لافتقاد سيف زوجها من جديد، من يدري ~~ما تخبئه الأيام والليالي الحبلى بكل عنف وانتقام بسبب ويلات عدوان الأحباش وحلفائهم ~~التي لا تعرف مراعاة لهدنة أو اتفاق. # لذا قررت شامة مصاحبته بجهودها رغم أنها كانت تعاني من آلام الحمل الثقيلة التي آثرت ~~إخفاءها عن زوجها. # هنا رفض سيف بإصرار مصاحبتها وكان يترقب على أحر من الجمر ما في بطنها: دمر. # بل أصر على بقاء حاميتهم وبقايا فلول جيش أفراح، الذي كان سيف أرعد قد أتى على معظمه ~~ولم يبق من قادته البواسل سوى «الميمون» وهو أمير أفريقي أثبت عبر منازلاته وحربه ضد ~~الأحباش بطولات أصبحت توقع الرعب بين صفوفهم، وخاصة في قلب سيف أرعد ملكهم ذاته الذي ~~كان قد اصطحب معه في حربه هذه ضد عاصمة التباعنة - أحمرا - قائدين كبيرين ~~بفيالقهما المحاربة أولهما ويدعى «ميهوب» واشتهر بلقب «سياس الثلاثي»؛ ذلك لأنه كان ~~يقطع رقاب ثلاثة من أعدائه بضربة واحدة من سيفه، والقائد الثاني ويدعى «دمنهور ~~الوحشي». # لذا استعصى القتال طويلا على سيف بن ذي يزن، واستمر حصار المدينة مطولا؛ مما أفزع ~~والدته قمرية، وأخرجها عن طورها مرارا، مواصلة تنازلاتها لسيف أرعد والأحباش؛ مما دفع ~~بسيف بن ذي يزن إلى المبادرة بمكاتبتها مطالبا إياها مراعاته ومراعاة تواجده - تحت ~~راياتها - وعدم التسرع في اتخاذ قراراتها. ~~- المفردة المتسرعة. # أما شامة فقد أزعجها بدورها ما انتهى إليه سير المعارك وضراوتها في أحمرا، فأرسلت ~~إليه بقائدها «الميمون» وفيالقه. # فما كان من سيف بن ذي يزن سوى التشدد في مواجهة الأحباش وتحدي أبطالها منشدا: # أخوض بحر المنايا وهو معتكر # وأرمي قلوب العدا بالرعب والجزع # أعشق في الشتا سوق المنايا # كذلك في الربيع وفي الصيافي # ألا فأخبروا عني الملوك لأنني # إذا ازدحموا في الحرب يوم هياجها # فاثبت اليوم يا أمير لحربي # إن تكن جاهلا بضرب سهام. ms149 # وهكذا تحدى سيف بن ذي يزن القائد حلفاء الأحباش «سياس الثلاثي» ونازله بضعة أيام ~~متتالية إلى أن أضعف ساعده، وبدلا من أن يقطع رأسه حين تمكن منه، أبقى عليه وأخذه ~~أسيرا بفيالقه. # مما ضاعف من مخاوف الأحباش وملكهم أرعد فتشددوا عليه من كل جانب بينما هو - أي سيف - ~~يواصل تحديه قائلا بأعلى صوت وهو يصول ويجول من فوق رءوس الجبال: من عرفني فقد اكتفى ، ~~إلى أن سنحت له فرصة منازلة كبير قواد جيش الأحباش «دمنهور الوحشي» وفعل به كما فعل ~~بالسابق، حين استحوذ عليه - وجنده - أسيرا بدلا من سفك دمه. # ثم كر سيف بن ذي يزن عائدا منتصرا إلى أقوامه مجللا ومخضبا بالنصر، كمثل أرجوان ~~أحمر قان. # بينما جن جنون سيف أرعد ووزيره الشرير سقرديون، وهما يشهدان سير المعارك من حول ~~أحمرا، ومدى ما أصبح يحرزه ذلك التبع الجديد من إضعاف لصفوفهم باستحواذه على حلفائهم ~~- أي حلفاء الأحباش - حتى بدا الأمر أقرب إلى انفراط عقاله. # وهنا لم يجد ملك الأحباش سيف أرعد مخرجا سوى التراجع بجنوده منسحبا باتجاه الحبشة؛ ~~تخوفا من أحابيل سيف اليزن المباغتة بالالتفاف من خلفه وسبقه بجيوشه إلى ~~إثيوبيا. # إلا أن سيف بن ذي يزن بوغت بالأخبار التي حملها إليه تابعه «عيروض» عن ذلك المرض ~~العضال الذي حط فجأة على كاهل أمه - قمرية - وألزمها الفراش طيلة الشهور الأخيرة التي ~~شهدت معاركه الطاحنة، والذي آثر الجميع وعلى رأسهم الملكة ذاتها إخفاءه عنه. # ومن فوره هرع سيف بن ذي يزن فزعا متسللا سرا لزيارة أمه. # حتى إذا ما قارب فراشها منحنيا لاثما جبينها هاله ما وصلت إليه حالتها من تدهور ~~شديد. # فتحت عينيها في تثاقل محتضنة رأس ابنها مغمغمة: سيف ... ولدي، لم أفرح بك لحظة منذ ~~مولدك. # كل أم ... هيكل. # اندفع هو منكبا لاثما وجهها وراحة يديها في تلهف. ~~- أمي الحبيبة، سندخل إثيوبيا جنبا إلى جنب قريبا، لتعتلي أنت عرشها. # ابتسمت في وهن، وأسبلت عينيها كطفلة، وغابت في سباتها العميق لاقطة آخر أنفاسها على ~~أصداء ذلك الحلم. ~~- متى ... ولدي ms150 سيف هيكل؟! # الفصل السابع والعشرون # | موت قمرية # حطت الأحزان الثقيلة على سيف بن ذي يزن عقب موت أمه - قمرية - الذي جاءه نبؤها ~~صادما مفاجئا، وهو الذي لم تمكنه الأحداث والمعارك والعمليات العدائية - الحبشية - ~~المتوالية بلا رحمة أو توقف من النشوء والعيش في أحضانها واكتساب حنانها ومعرفتها عن ~~قرب. # تملكته الأحزان العميقة، إلى درجة لم تسمح له بتذوق عذوبة نصره الأخير على الأحباش ~~وملكهم سيف أرعد الذين عادوا مهزومين منسحبين لمجرد إشاعته - أي سيف اليزن - لنبأ غير ~~صحيح، وهو أنه سيفاجئهم بين لحظة وأخرى بدخوله وجيشه إثيوبيا ذاتها. # وجرت مراسم دفن الملكة الأم قمرية في عجلة؛ نظرا إلى ظروف الحرب إلى جانب زوجها ~~التبع الراحل ذو اليزن حسب وصيتها هي، أي قمرية. ~~- ادفنوني عند موضع قدميه. # إلا أن تدفق الحياة بمرها وحلوها، سرعان ما أعاد البهجة إلى قلب التبع الشاب، حين ~~وصلته مكاتبات زوجته الحبيبة شامة، وكان قد تخلى عنها - مجبرا - وهي حامل في شهرها ~~الثالث لكي يخوض معارك «عاصمة التباعنة». ~~- دمر ... بكري. # جاءته أخبار شامة مستبشرة ذات صباح مشرق تحمل إليه وضعها لمولدهما الأول. ~~- دمر. # فقرر من فوره القيام بزيارة سرية خاطفة لملكة أفراح، لرؤية مولوده الجديد، وشامة التي ~~اشتاق إليها سيف بن ذي يزن زوجته - ملكة أفراح - شامة، حين اندفع إليها منكبا مقبلا ~~حاملا من فوره ابنه مستطلع شامة - أو حسنة - التباعنة التي تعلو جبينه وأسر إليها ~~قائلا: مرحبا بالتبع المنتظر، دمر ولدي. # وضحكت شامة من شغاف قلبها وهي تنفض عنها أغطيتها، هاشة لاستقباله: حرب ... حرب، أما من ~~لحظة راحة ... حب. # مضيا يتأملان الغلام الوليد في حب على ضوء الشموع العملاقة إلى أن أمسكت شامة بساعدي ~~سيف وهي تهمس له بحنان؛ قائلة: كنت سأجيء، كنت أحلم بلحظة لقائي بوالدتنا الراحلة - ~~قمرية - لكن. ~~- أعرف، أعرف يا شامة يا حبيبتي. # واستقر سيف بن ذي يزن لفترة في بلاد زوجته شامة، معطيا بعض وقته لمولوده الجديد، ~~الذي دفع دفئا متدفق الحماس فيه، وهو الذي تربى في ربوع ومنافي هذه البلاد يتيما ~~معوزا. ms151 # إلا أن عين سيف اليزن لم تغفل لحظة عن عاصمة التباعنة «أحمرا» ولا عن ربوع اليمن ~~والجزيرة والقرن الأفريقي وبعض بلدان المغرب الكبير وديار مصر - العليا - التي كانت ~~موالية للعرب والبيت اليمني الحاكم آنذاك. # فكان دائم الترحال ما بين أفراح وأحمرا، بعدما تمكن من تأمين الطريق بين العاصمتين، ~~فلم يعد بمقدور الأحباش قطع مسالكه وفرض نفوذهم كما كان في السابق. # بل ورغم ذلك لم يتوان سيف بن يزن عن استكمال توحيد فيالق وكتائب وأولوية جيشه الجديد ~~خاصة بعدما وافت المنية أمه؛ تمهيدا للوثوب المباغت على إثيوبيا ذاتها. ~~- وحتى يهدأ البال، باستئصال أصل الداء ومنبته، إثيوبيا. # وهو ما أصبح على يقين منه ملك الحبشة سيف أرعد ذاته، وبالتحديد عقب سماعه لموت قمرية، ~~وتفرد ابنها سيف بالقرار، فضلا عن عامل اللائقة والمخاوف السائدة بينهما؛ أي بين سيف ~~أرعد وسيف اليزن، فكيف للذئب إذن أن يصفو للغنم، وهو في نظر سيف أرعد. ~~- الابن البكر لقمرية الأذية! # فلعل فرصة التبع الجديد سيف اليزن الآن أكثر اتساعا وبراحا من أي وقت وظرف ~~مضيا. # غمغم سيف أرعد لنفسه وهو يراقب مياه البحر المتلاطمة في الأفق أمام عينيه ~~الخائبتين. ~~- لدخول تبع حمير إثيوبيا؛ ليقطع رأسي. # وكما لو أن ملك الأحباش يستشف مستقبلا جليا واضح الرؤية بقوله ذاك. # ذلك أن الطريق أصبح مفتوحا بالفعل أمام سيف بن ذي يزن لاقتحام عرش يهوذا، والانتقام ~~من أرعد وريث ذلك العرش المعادي للعرب على الدوام. # ذلك أن وفدا من أهل مصر تصدرته أميرة مصرية باهرة الجمال تدعى «منية النفوس» زار ~~التبع سيف بن ذي يزن، وهم يشتكون له من معاملة ملك الحبشة لهم وعدم الإنصات لمطلبهم ~~في حصة ماء النيل الذي منعه عنهم سيف أرعد، تنكيلا وانتقاما منه لعدم مناصرته في حربه ~~ضد التباعنة. # وكانوا قد لجئوا إلى سيف اليزن، لإنصافهم ومساندتهم، خاصة وقد عمت شهرته الآفاق حول ~~معرفته الواسعة وتحكمه في مياه النيل ومجراه بدءا بمنابعه وحتى مصبه. # فما كان من سيف اليزن، إلا أن قطع على نفسه أمامهم عهدا ms152 بالقضاء على أصل الداء ~~وتخليص الجميع من سيف أرعد وشروره، وإعادة المياه لهم ولجيرانهم السودانيين الذين كانوا ~~قد جاءوه أيضا بخصوص هذا الشأن المحزن المؤلم الذي يستهدف نشر المجاعة والعطش. ~~- حياة الناس. # وهكذا أعد سيف اليزن عدته وجيشه الموحد، وسار يطلب بلاد الحبشة إلى أن دخل إثيوبيا، ~~وأسر سيف أرعد وعزله منصبا بدلا منه ابنه «مقلقل» الأصغر على عرش يهوذا. # وما إن استقر حكم التباعنة في الحبشة حتى عاد الملك سيف إلى أحمرا التي خرجت ~~وفودها لاستقباله وقد زينت المدينة كمثل عروس تلهج بالثناء والدعاء له. # وشارك وفد مصر باحتفالات انتصار التبع سيف بن ذي يزن على سيف أرعد وأسره، كما ~~شاركت «منية النفوس» الملك سيف حفلات نصره منبهرة إلى أقصى حد. # وكانت قد راقت في عينيه، فآثر الزواج - السياسي - منها، ليخلف منها ولده الذي سماه ~~تيمنا «مصر». ~~- فكانت أولى واجبات سيف بن ذي يزن، إعادة تدفق ماء النيل شريان أفريقيا آمنا حتى ~~مصبه الأخير بمصر العدية، مما أوصل شعبيته وحب الناس له والتفافهم حوله وتحت راياته إلى ~~أقصى مداه. # وهكذا دخل الملك سيف مصر زائرا بصحبة زوجته الأميرة المصرية «منية النفوس» وابنهما ~~«مصر» فاستقبل استقبال الفاتحين، مما حدا به إلى الاستقرار بين ربوعها وبين ~~أهاليها طويلا؛ فزار إخميم وأسوان - وسدها الكبير - كما زار إسنا وأسيوط ومنفلوط وملوي، وأقام طويلا ~~بمدن مصر الوسطى، فزار أهناسيا المدينة، وحلوان والجيزة وقلعة الجبل والروضة وبولاق، ~~وحتى القرى الصغيرة والحواري - مثل حارة الوطاويط - التي لم تخل من ذاكرته. # وزار بلاد الشام التي رحبت به بدورها فاتحة له ذراعيها فنصب ابنه «دمر» من زوجته ~~الأولى - شامة - على حكم الشام وفلسطين، واتخذ دمر عاصمة حكمه بسورية العليا، في مدينة ~~بانياس المتاخمة للاذقية. # وكان سيف بن ذي يزن، كأبيه محبا للعزلة، والانكباب على القراءة والعلم والكتابة، ~~خاصة في مواضيع «الماء والتربة» وما يتبعهما من مشاريع عمرانية وزراعية من سدود ومصارف ~~وخزانات هدفها الاخضرار والنمو. # كما كان الملك سيف كثير الأسفار والتنقلات التي يجريها في سرية؛ حيث كان ms153 يتنكر بأزياء ~~الناس العاديين من فلاحين ونوتية وطلبة وعلماء وشعراء جوالين، وساسة الخيول العربية، ~~وأطباء القرى وشيوخ القبائل والطهاة والمغربلين والمشعوذين؛ ليتعرف أحوال الناس. # وكان يتقن تقمص شخصيات هذه المهن عن دراية، بما يحقق له الوقوف على نبض الناس ~~وقضاياهم ومشاكلهم، والإسهام فيما بعد في حلها عبر حكمه المتناهي على امتداد ربوع ~~الجزيرة العربية والشام ومصر والسودان وعاصمة التباعنة أحمرا، والعديد من البلاد ~~الأفريقية ، إن لم تكن أفريقيا بكاملها، عقب وضع يده على الحبشة، وما كان يتبعها من ~~الأقوام والكيانات والقبائل. # إلا أن كل هذه المهام وغيرها كانت تدفع به على الدوام إلى تحسس الأخطار وأعمال ~~العدوان المبيتة ضده، كتبع أو رمز عربي، يستهدف أول ما يستهدف. ~~- العدل وخير الناس. # وكانت الأخطار تجيء هذه المرة من الأناضول وآسيا الصغرى ومسبوتاميا أو ما بين ~~الرافدين، ومن بلاد الفرس. # لذا ادعى الملك سيف عقب استتبابه في حكم مصر والشام للمحيطين به أنه يعد العدة للعودة ~~إلى اليمن وفلسطين: للبحث عن كنوز «الملك سليمان» وجدتنا «بلقيس ملكة سبأ». # حتى إذا ما انقطعت أخباره، في آسيا والهند وبلاد الفرس التي دخلها سرا لاستطلاع ~~النوايا المبيتة ضد مصر والعرب، واصل غوصه في متاهات الحياة الشعبية لبسطاء ~~الناس. # ومن فوره لم يتوان عن الإرسال برسله إلى ولديه «دمر» بالشام و«مصر» بديار مصر - الذي ~~ولي حكم مصر في غيبته - آمرا إياهما بتجهيز حملة كبيرة طابعها الأعم «أن تكون ~~بحرية»، وحين عاد إلى مصر التي كان قد اتخذ منها عاصمة لملكه المترامي، اصطحب جيشه ~~ليحارب في الهند وبلاد الفرس. ~~- إلى أن تمكن من قتل «الكسرى» الملقب «بصارخ البهلوان» مجهضا عدوانه المبيت ضد مصر ~~والعرب من جانب الفرس وأكاسرتهم. # خاصة وقد سبق للفرس دخولها - أي مصر - عن طريق واحة سيوة بالخداع والمناورة وبقوا بها ~~ردحا طويلا من الزمن. # وعاد سيف بن ذي يزن إلى مصر مظفرا فاستقبل استقبال الفاتحين من جانب فئات ~~المصريين الذين قدموا من كل صوب للمشاركة في احتفالات النصر على العدوان المبيت ضدهم من ~~جانب الفرس. ms154 # ففي مصر العدية ارتفعت شعبية الملك سيف بن ذي يزن، وهو الذي سبق أن أنقذهم من عدوهم ~~المتجبر ملك الأحباش سيف أرعد، قاطع ماء النيل وها هو يتصدى للغزاة الجدد من الفرس ~~فيرحل إليهم بجيشه الكبير لينقل المعارك الطاحنة إلى ديارهم وحصونهم ويعود مظفرا ~~بالنصر. ~~- أبو الأمصار. # حتى إذا ما انتهى سيف بن ذي يزن من تحييده للعدوان - الفارسي - المبيت، عاوده صفاؤه ~~فانكب على كتاب النيل، مجريا أنهاره وسدوده وخزاناته في كل أنحاء البلاد، في الدلتا ~~والصعيد ومصر والوسطى، فعم الرخاء البلاد، بعدما تزايد ارتفاع منسوب ماء النيل. # وتم التحكم في تخزين وتصريف المياه بما يحقق الاخضرار والنمو. # ورغم ذلك لم يتوان سيف بن ذي يزن عن تقديم كل رعاية لجيشه الموحد، الذي انتظم ~~المصريون تحت لوائه جنبا إلى جنب مع عرب الجزيرة العربية، والأفارقة والمغاربة، ومن ~~هنا فقد أطلق عليه المصريون لقب: أبو الجيوش. # فكان يجري تدريباته بجبل المقطم الذي عرف جزؤه الأعلى بجبل الجيوش نسبة إلى الملك ~~سيف، وذلك تحسبا لأي عدوان قد يجيء يوما من جانب الأحباش، أو من جانب الفرس، خاصة ~~الذين كانوا طوال حياته لا يأمن جانبهم وأطماعهم رغم انتصاره الأخير عليهم وقتله الكسرى ~~الملقب بالبهلوان، وتعيينه واليا عربيا على خراسان. # فكان الملك التبع سيف بن ذي يزن، أول من فرض على المصريين نظام التجنيد الإجباري، ~~وإعداد العدة لبناء جيش لا يقوم في معظمه على المرتزقة، بل على المصريين أنفسهم، جنبا ~~إلى جنب مع جيشه هو أي سيف - الذي أبقى على بعضه في عاصمة التباعنة أحمرا - ~~بأفريقيا. # وكان يحضر بنفسه تدريبات جيشه محاطا بكبار قادته ومستشاريه، وأخصهم الأمير الأفريقي ~~الذي أصبح مقربا منه - الميمون - والذي كان قد بعثت به زوجته - شامة - ليعضد من ساعده ~~في حروبه ضد الأحباش، فيما بعد بالكثير من المهام الجسيمة، ومنها حربه الأخيرة في ~~خراسان، حتى إن سيف بن ذي يزن امتدحه قائلا: الميمون هو ساعدي الضارب. # إلا أن الميمون عاد من تلك الحملة ضد الفرس جريحا ينزف من أثر إصابته ms155 البليغة من ~~جراء منازلاته ومعاركه ضد «صارخ البهلوان» الفارسي، مما أوغر صدر الملك سيف ضده، إلى حد ~~منازلته هو بنفسه في خراسان وقتله وفرض الجزية على قومه. # واستقدم الملك سيف لقائده المسجى - الميمون - أشهر حكماء وأطباء عصره من الشام والهند ~~ومصر للإشراف على علاجه، وكان لا يكف عن زياراته له رغم مهامه الكثيرة، خاصة بالنسبة ~~إلى تلك الأحداث المستجدة التي اندلعت في كثير من مناطق «موطن التباعنة» في اليمن ~~والجنوب العربي، مطالبة بضرورة عودة تبع حمير للإقامة الدائمة باليمن، وليس في مصر ~~أو أفريقيا. # وهي الفتنة التي لجأ إليها الفرس، وأضرموا لهيبها على طول مناطق اليمن والجنوب، في ~~عدن وحضرموت وصنعاء وسبأ وذي رعين، وحتى يثرب شمالا، وذلك لكي يرغموا التبع على ~~التخلي عن حكم مصر واتخاذه عاصمة جديدة للتباعنة، بما يسهل عليهم إعادة حكمها. # مما دفع بسيف بن ذي يزن، إلى إجراء أكثر من زيارة - سرية - إلى جزيرة العرب، مبصرا ~~بأخطار الفتنة الجديدة ذاكرا ومشيرا إلى أن: الخطر على العرب وبلدانهم وأقوامهم واحد، ولا مهرب منه. # وأنهى زيارته للجزيرة العربية، واعدا بعدم التخلي عن موطن التباعنة. # إلا أنه ما إن عاد إلى مصر، حتى صدمته الأخبار الجديدة بانقضاء أجل قائده المقرب ~~«الميمون» في غيبته، فبكاه طويلا. # ومن فوره أرسل برسله ليخبر زوجته ورفيقة صباه «شامة» بالنبأ الفادح، خاصة وهو يعرف ~~مدى تعلقها وتبجيلها لذلك القائد الأفريقي نصير العرب. ~~- الميمون، الطيب الذكر. # الفصل الثامن والعشرون # | الرحيل إلى مصر العدية # جاء موت القائد الأفريقي «الميمون» القريب من الملك سيف فاجعا له عقب زيارته لليمن ~~والجنوب العربي؛ لإخماد لهيب الفتنة التي نشرها الفرس في ربوع جزيرة العرب مطالبين ~~بتخلي التبع عن مصر، والعودة لعاصمته موطن التباعنة في اليمن، بما ييسر لهم - ~~أي الفرس المجوس - إعادة اجتياحها. # وكان أول ما تبادر إلى ذهن الملك سيف هو زوجته ورفيقة صباه وكفاحه «شامة» ومدى فداحة ~~وثقل الخبر عليها حين تصلها مكاتيبه ورسله، وهي التي كانت قد اتخذت من الميمون أبا ~~وكبيرا لقادة جيشها، عقب افتقادها ms156 لوالدها الذي صلبه «سيف أرعد» معلقا على أشجار ~~إثيوبيا لتنهشه جوارح الطير، وهو ما تحقق بالنسبة إلى شامة حين وصلها النبأ، فشقت ~~ثيابها حسرة، واتشحت بأردية الحزن السوداء، وتقبلت العزاء في أميرها «الميمون» بقصرها، ~~وهي تعد العدة للسفر إلى ديار مصر العدية، بعدما غلبها التشوق الجارف لرؤية الملك سيف ~~والسؤال عن ابنهما البكر «دمر» وعزاء ورعاية أسرة «الميمون». # حتى إذا ما حان صباح يوم الرحيل إلى مصر حسب رغبة الملك التبع سيف، أرسل من فوره ~~بسفينته البحرية الملأى بأخلص حرسه إلى أقرب مواني بلاد الحبشة لتقلع منها بشامة إلى ~~مصر العليا. # حتى إذا ما وصلت شامة بركبها - البري - من بلدها إلى ذلك الميناء الحبشي وجدت في ~~استقبالها «مقلقل» الأصغر ملك الأحباش الجديد الذي عينه الملك سيف اليزن عقب دخوله ~~إثيوبيا؛ ليخلف والده سيف أرعد الذي سبق أن قطع سيف بن ذي يزن عنقه بيمينه. # واستقبل شامة، وهو يجيئها جاثيا محملا بثمين هدايا «عرش يهوذا» من ذهب وجواهر ومال ~~لها ولزوجها. ~~- ملكنا الحكيم الملك التبع، أبو الأمصار. # وتقبلت شامة هدايا ملك الحبشة - مقلقل الأصغر - شاردة مفكرة مسترجعة في رأسها ~~ومخيلتها أحداث تلك الرحلة السابقة الخطرة الطويلة، بين بلادها - الموالية للعرب - وبين ~~الحبشة وملكها السابق - سيف أرعد - وكيف شاركت هي في ذبح ابنه - مع سيف - داخل قلعة ~~الجبل ليلة الاحتفال بعروس النيل التي كان مقدرا فيها ليلتها الاعتداء عليها وإغراقها ~~في مياه النيل حية لحيتانه البحرية وتماسيحه وأفراس مائه. # تذكرت شامة كل ذلك طيلة رحلتها النيلية وهي شاردة ساهمة تتطلع عبر كوة سفينتها، وهي ~~تشهد وتنصت لطرقات مجاديف النوتية، تضرب صفحة الماء الرصاصي اللون المطعمة بسياط فضية ~~مبعثها ضوء القمر النصف المكتمل، منغمة على أصواتهم وغنائهم الشجي الجماعي المشبع ~~بالأحزان. # تذكرت أحداث ومتعرجات رحلتها مع سيف بن ذي يزن، منذ أن تعودت على الاجتماع به مع مطلع ~~شمس كل صباح ب «الكتاب الملكي» يتيما وحيدا مطاردا، يعيش حياته حذرا متوقدا يقظا ~~لكل شاردة وواردة قد ترد من جانب الأحباش المتملكين لهذه البلاد. ms157 # فيا له من خطر محدق لا مهرب من أظافره المشهرة أن تتربى وتنمو ويشتد ساعدك على أرض ~~الأعداء. ~~- وعيونهم الراصدة ورماحهم المشهرة. # على حد تعبير سيف الذي كان شبلا أيامها، وهكذا تذكرت شامة وهي تغادر حدود وأطلال ~~بلاد الحبشة التي دخلتها منذ فترة حاكمة، كزوجة لسيف بن ذي يزن وأم بكره. ~~- دمر. # حاكم سوريا العليا - أو بلاد أشوريا - من قبل الملك سيف الذي غلبها الحنين لرؤيتهما ~~معا كما في السابق؛ حيث كانت تطغى ضحكاتهما معا الصافية المبددة لمعاناة رحلة حبهما ~~وكفاحهما، وكذا المصائد التي وقعا فيها معا، منذ آثرا الكفاح لتخليص بلادهما من عبودية ~~سيف أرعد. ~~- مبتكر حروب العطش والمجاعة. ~~- كانت أيام! # زفرت شامة وهي تشرف - بذهبيتها - المحاطة بزوارق ومركبات الجند، على أهرامات مصر، وهي ~~تسد الأفق. ~~- أرض مصر. # يا له من حلم كثيرا ما استغرقها مع سيف أياما وليالي، وهما يحلمان معا بأن يتخذ ~~يوما من أرض مصر العدية موطنا وموطئا لحكم بقية الأمصار، يا له من حلم ساخر! # انتبهت شامة فجأة مستطلعة. ~~- ها هي أشرعة سفن الملك التبع سيف بن ذي يزن، تشق فضاء النيل. # وكان تقدم أسطول الملك يثير رهبة محبيه تسري عدواها في كيان شامة كله كلما اقترب موكب ~~الملك النهري أكثر فأكثر. # كان التبع قد أقبل في موكبه النيلي لاستقبال حبه ومطلع صباه. ~~- شامة ... حبي ... هنا في ربوع مصر. # عانقها طويلا وهو يغفو مستريحا على كتفها كمثل مخلوق بشري يعاني إرهاقا يؤججه ~~الجلد ثقيل الأعباء. ~~- اشتقت إليك طويلا طويلا يا شامة. # أشار إليها بذراعه محتضنا مسرا. ~~- ها هي مصر العدية تهفو لاستقبالك. # ها هي حلمنا القديم معا. # تطلعت منبهرة من ضخامة المباني والمنشآت المحيطة بالنيل، الذي تحف به الزهور البرية ~~النضرة، وسط ذلك الإشراق الكبير الذي يطبع قطاعات الحياة في موطن الأسلاف ~~الفراعنة. ~~- أطال الله بقاءك وأمجادك؛ فأنت زوجي وأبي بعد الأمير الميمون. # وحين رست سفينتها على مربض أحد القصور المشرفة المتعالية البنيان والروعة، أنزلها ~~الملك سيف آخذا بيدها على مشهد من أمراء مصر وشيوخها ms158 وكبرائها، الذين قدموا من كل صوب ~~لاستقبال الملكة محملين بالزهور وسنابل القمح وثمين الهدايا والفنون الباهرة التي ~~اشتهرت وعرفت بها مصر في العالمين. # خاطبها الملك سيف قائلا مرحبا: أهلا بك في بلدك وقصرك يا شامة. # حتى إذا ما انتهت مراسيم واحتفالات الاستقبال والتعارف التي أقيمت لها، تذكرت من ~~فورها خطتها التي جاءت بها، والتي لازمتها كحلم عذب طوال الفترة السابقة، وهو أن تستفرد ~~بالملك سيف عبر رحلة إلى بلاد الشام لزيارة ابنهما، فعاجلته: ألم يتملكك الحنين لرؤية ولدنا دمر بعد طوال غياب؟ # هنا زفر الملك، وكأنه يتخفف من أعبائه: أجل يا شامة، قريبا سنشد الرجال معا إلى بانياس لنعرج بعدها معا إلى زيارة ~~«البيت الحرام» ويثرب. # ضاحكها وهما يتحدثان متسامرين في آخر الليل. ~~- أقصد صفي أبي العجوز، يثرب. # وبالفعل عجل الملك سيف بإنهاء واجباته بمصر، وأهمها بالطبع مواصلة تدريباته لجيشه ~~بجبله، الذي يحمل اسمه إلى اليوم، «الجيوشي»، وكان قد ترامت إليه الأخبار عن الحملة ~~الانتقامية التي يقوم الفرس بإعدادها لغزو مصر من جديد. # لذا آثر الملك سيف إجراء مراسيم زيارته لسورية العليا وبانياس سرا ودون أن تصل ~~تفاصيلها إلى أقرب مقربيه. # إلا أن خطته لم يقدر لها النجاح هذه المرة، فما إن انتهت على عجل زيارته مع شامة، ~~لبكريهما دمر، وعرجا إلى مكة المكرمة ويثرب، حتى نزلت عليه الأخبار نزول ~~الصواعق. ~~- ملك الفرس ينزل على الأهرام بجيشه الجرار في غيبة عن التبع سيف بن ذي يزن. # وهكذا أسرع الملك سيف عائدا إلى عاصمته، إلا أنه وقع في أسر أحد أمراء الفرس واسمه ~~«بلامه»، ولقبه «الهدهاد». # هنا حلت الكوارث الثقيلة من جديد على ديار مصر والشام معا. # إلا أن بصيص الأمل جاء هذه المرة من جانب «شامة» التي استطاعت الإفلات من كمين «بلامة ~~الفارسي» وخلعت من فورها لباس الملكة الأم، مرتدية عدة حربها، مجمعة مع ابنها دمر نواة ~~جيش استقدمت معظمه من بلادها ومن جيش دمر السوري، ونجحت في اقتحام مخبأ الملك سيف وفك ~~أسره، وهو على شفا الصلب المحقق على ms159 أيدي الفرس، فقتل الملك سيف بلامه الفارسي، وواصل ~~تجميع جيشه من اليمن ويثرب وأفريقيا متخذا طريقه إلى مصر لفرض الحصار على الفرس الغزاة ~~عابرا النيل، مواصلا تقدمه إلى أن واجههم موقعا الذعر في صفوفهم حتى واحة سيوة وبرزخ ~~السويس. # وكان الإرهاق الواضح القسمات قد استبد بجسد الملك سيف، عشية تنفسه الصعداء بعد ~~الانتهاء من مطاردة آخر فلول الفرس عن مصر؛ نتيجة لما عاناه حين وقوعه في أسرهم الغادر ~~ولضراوة المعارك التي خاضها ضدهم على طول مصر الوسطى والدلتا، رغم عدم التكافؤ بين نواة ~~جيشه الذي جمعه على عجل، وبين جيشه الحقيقي بجبل الجيوشي. # حتى إذا ما عاد إلى حصونه تدافعت فيالق وكتائب زوجته «شامة» التي استطاعت استجلابها ~~من بلدها وبقية البلدان والأقوام الموالية في أفريقيا واليمن. # مما عضد من ساعد الملك سيف، الذي كر راجعا باتجاه «مسبوتاميا» أو «بلاد الرافدين» ~~مطاردا وموقعا الهزائم في صفوف الفرس إلى أن دخل «المدائن» أو «السبع مدائن» بعدما ~~طال حصاره لها فترة من الزمن. # وبعث من فوره برسله لإحضار زوجته شامة وابنه دمر من بانياس، اللذين شاركاه احتفالات ~~النصر التي عمت المدائن عقب صك الملك سيف، لشروط الصلح التي تتيح له حكم تلك المدن ~~الفارسية «السبع» وما يتبعها. # ومرة أخرى وصل الانبهار بشامة لحظة مشاركة الملك اعتلاء عرش الأكاسرة الفرس، على مشهد ~~الجموع المتلاطمة التي قدمت من كل صوب لتقديم فروض الطاعة للملك التبع سيف بن ذي ~~يزن. # هي لحظة لن تغيب أصداؤها عن مخيلة شامة ما حييت. ~~- أجل ما حييت في هذا الجسد. # إلا أن الملك سيف، وكما لو كان يقرأ أعماقها حين استطلع ذلك البريق الخاطف في عينيها ~~السوداوين الباهرتين، «فبادرها مسرا مكرما مقدار مساعدتها له وفك أسره ومواصلة ~~الحرب.» ~~- إنه نصرك أنت يا شامة، فلولا دأبك وجسارتك؛ لكنت الآن ... # انتفضت شامة في وقفتها إلى جانبه على مشهد من الجموع، وقد أدركت غرضه الأخير؛ أي ~~بإنقاذها له من أسره، ثم مؤازرته بكتائب جندها، التي شددت من ساعده في تعقب فيالق الفرس ~~الفارين ms160 الغزاة حتى هنا. ~~- للقضاء على منبت الداء. # وطال حكم الملك سيف للمدائن، حتى بعد عودة شامة إلى بلادها، وابنهما - دمر - إلى ~~موطنه بسوريه العليا «بانياس» فقاد سلسلة من الحروب - الوقائية - في كثير من عواصم ~~«الشعوب الفارسية» والهند، متوغلا باتجاه أواسط آسيا على عادة أسلافه ~~التباعنة. # وكان كلما استغرقه الحنين الجارف إلى رفيقة صباه وحبه وموضع سره ومكنونه «شامة» بعث ~~في طلبها، لتشاركه انتصاراته الجديدة، ولتشاركه أيضا المشورة فيما يستجد من ~~أمور، سواء في مصر أو الحبشة أو السودان أو اليمن أو سورية العليا. # أما شامة فكانت على دراية بأهداف الملك التبع، الذي لا يبغي حربا ولا تملكا، ~~بقدر ما يرغب في صد العدوان إثر العدوان، خاصة دسائس الفرس الطامعين وأساليب غدرهم التي ~~تعتمد أول ما تعتمد على عنصر المباغتة، كما حدث في تلك الحملة الأخيرة التي باغتتهما ~~معا إثر زيارتهما السرية لولدهما في بانياس والعروج بعدها إلى يثرب. # من هنا استبد التوجس بالملك سيف إلى حد دفع به إلى التوغل حتى أصفهان، كمن يدفع عن ~~بنيه وقومه شرا وعدوانا مبينا، سرعان ما باغتاه من جديد، حين حملت له الأخبار ~~التي جمعها عيونه وبصاصوه وصول ملك فارسي آخر يدعى «جهينة» ويلقب أيضا ب «الهدهاد» إلى ~~نيل مصر، في غيبته، للقضاء أولا وقبل كل شيء على جيشه وعتاده بجبل الجيوشي كما حدث في ~~الحملة السابقة. # ووقع الخبر ثقيلا منهكا على الملك سيف، حتى إذا ما استشار فيه زوجته شامة، أشارت من ~~فورها بالعودة إلى أرض مصر للتخلص من ذلك الشر المبيت من جانب الفرس. # سألها شاردا غائبا عن كل ما يحيط بها: كيف؟ ثم استفاض شارحا الموقف لشامة. ~~- والطريق البحري إلى مصر، أصبح مقطوعا بعدما نجح الفرس في التسلل من خلف ظهرينا، ~~ضاربين بشروط الهدنة الأخيرة عرض الحائط. # قاربته شامة في حنوها مهدئة: التسلل ... لعله المنفذ الوحيد الآن. # غمغم ذو اليزن: أجل. # أردف معدا العدة للرحيل والعودة - سرا - إلى مصر: مكاننا هناك مع الناس ... ~~الأهل! # الفصل التاسع والعشرون # | سيف يتوغل في أصفهان ms161 # هكذا وقع خبر اجتياح أحد ملوك أو أمراء الفرس ويدعى «جهينة» ولقبه «الهدهاد» لمصر، ~~على الملك التبع سيف بن ذي يزن، صادما مفاجئا له، بعدما توغل في أصفهان بجيشه ~~العربي. # وفي مثل هذه الأمور والمعضلات المصيرية، لم يكن التبع سيف اليزن يجد معينا ~~وناصحا له، سوى زوجته «شامة» التي أشارت عليه بالعودة بحرا إلى مصر عبر ساحل الشام ~~مرورا ببانياس، وذلك لمعاونة ابنها - دمر - في صد العدوان الفارسي. # حتى إذا مارست سفنهم ومراكبهم بميناء اللاذقية، استولت على الملك سيف من فوره أنباء ~~المعارك الضارية التي يجريها الفرس في الشام وفلسطين وحتى دلتا مصر، بعدما سنحت لهم ~~الفرصة في غيبته لدخول معظم «هذه الأمصار»، وتزايد تقديره لإحدى الأميرات العربيات التي ~~أوقفت خسائر جسيمة ملفتة بحملة الفرس الغزاة الطامعين، واسمها «سعيدة بنت الملك الأحمر» ~~في محاولة منها لعرقلة تقدمهم في غيبته. # حتى إذا ما أرسل الملك سيف برسله إلى بانياس للوقوف على أخبار ابنه دمر، وعادت الرسل ~~بلا جواب شاف، مما أزعج أمه شامة، التي تملكها التساؤل المفزع عن مصير ولدها وما حل به ~~صرخت في فزع. ~~- ابني ... وحيدي ... دمر. # إلا أن الأخبار المتضاربة التي وصلتهما من أفواه رسلهما أجمعت على انقطاع أخبار ~~الأمير دمر، منذ خروجه بحملته وكتائبه مطاردا الجيش الفارسي الغازي، فلم يعد يعلم أحد ~~شيئا عنه، وما إذا كان لا يزال حيا يرزق، أم أنه وقع أسيرا بأيدي الفرس، بما يرجح ~~قتله استنادا إلى بعض المصادر. # هنا وقعت شامة - الأم - فريسة لمخاوفها وأحزانها على ابنها الوحيد، وما انتهى إليه ~~مصيره الغامض وسط لهيب الحرب الهمجية المستعرة، التي أرادها الفرس هذه المرة أن تكون ~~حاسمة محققة لأغراضهم في إعادة التسلط على جميع هذه البلاد والأقوام، توغلا حتى داخل ~~أفريقيا ذاتها، ولقد حاول الملك سيف تهدئة شامة وتبصيرها بالخطر المحدق بالجميع من جانب ~~الفرس وعدوانهم قائلا: فدمر مثله مثل كل أبنائي القتلى في الشام واليمن ومصر. # وهنا اقتادت المخاوف شامة إلى حد التشكيك في مقولة الملك ذاته مرددة لنفسها: كل ~~أبنائي ms162 ... القتلى»، إذن فهو قد قتل والملك يخفي عني مصيره! # ولم تهدأ مشاعر الأم شامة إلا عندما استحضر الملك سيف في حضرتها أخلص رسله وبصاصيه، ~~وأرسل بهم إلى كل البقع والأماكن التي يجري على أرضها قتال ضد الفرس؛ لمعرفة مصير ~~الأمير دمر - قبل أي شيء - والعودة بالخبر اليقين في أسرع وقت ممكن. # حتى إذا ما عادت وفود الرسل من جديد دون جواب أو معلومة عن مصيره، اختنقت شامة ~~بدموعها. ~~- ولدي، لم أفرح بك كأي أم بوحيدها. # وما إن أشرفت سفن الملك سيف على ميناء دمياط وتسلل جنده إلى أرض مصر، حتى استحالت ~~أحزان الأم شامة إلى بطولات لهجت بها الألسن، وهي تطارد بفيالقها - الأفريقية - فلول ~~الفرس الغزاة باتجاه الصحراء، بينما تكفل الملك سيف بمنازلة ومطاردة جيش الهدهاد ذاته، ~~إلى أن أوقع معظمه في أسره، وفر الباقون. # ودخل الملك سيف بجنده عاصمته - مصر - دخول الأبطال مخضبا بالدم الأحمر النازف ~~كالأرجوان، ولحقت به زوجته - المحاربة - شامة، ومن جديد أقيمت الأفراح وعلقت الزينات ~~وصدحت الموسيقى بأغاني النصر والتحرير للملك التبع العائد المنتصر. # أما شامة فما إن خلعت عنها عدة حربها، حتى تجددت على الفور أحزانها حول مصير ابنها ~~دمر وأخباره التي ظلت كما هي غامضة متضاربة، وإن كان المرجح هو وقوعه - أي دمر - في أسر ~~ذلك الملك الفارسي - الهدهاد - الذي عاد به مقيدا إلى «ما وراء نهر بلخ» مما أوعز صدر ~~الملك سيف، وأبدل أفراح النصر إلى أحزان، فلم يهدأ له بال، إلا وهو يعد العدة من جديد ~~للعودة إلى مدنه السبع - أو المدائن - ببلاد الفرس للانطلاق منها ومواصلة القتال لتحرير ~~ولده الأسير واستئصال الداء من جذوره على حد كبير. # وطالت حروب الملك سيف بتلك البلاد أو الآفاق، دون أن يشفي غليله بوضع يده على ابنه ~~الأسير لبعث الطمأنينة في أمه شامة، التي أصيبت في سنواتها الأخيرة واتشحت بأردية الحزن ~~السوداء، دون أن تكف لحظة عن مفارقة ملابس وممتلكات ولدها دمر، تشمها وتتحسسها باكية ~~مولولة الليل بطوله. ~~- يا مين يعملني - يا دمر - في قبرك ms163 سحلية. # أمسح جبينك يا ولدي في كل صبحية. # حتى إذا ما شاهدها الملك في أحزانها تلك جاشت من جديد أحزانه ورغبته في الثأر ~~والانتقام مطيلا أمد الحرب، محاصرا المدن الفارسية، لكن دون طائل. # وكان من عادات حرب الملك سيف، حينما يقرر لجيوشه اجتياح مدينة أو حصن أن يبعث كتيبة ~~من جنده لتحرير ما تكتظ به سجونها ومنافيها من أسرى ومسلحين وقطاع طرق وخارجين على ~~القانون. # فكان الملك يجمعهم ويخطب فيهم ويعيد تأهيلهم وتدريبهم على طرق وأساليب الحرب والقتال ~~التي اشتهرت عنه، ثم يغدق عليهم العطاء ويلحقهم بجنده ... قائلا: أخلص أبنائي ... ~~الأشقياء، أما شامة فكانت بدورها تروح تتفرس وجوه أولئك الأسرى - والأشقياء - فلعلها ~~تستطلع وجه ولدها - البكري - «دمر» بينهم، دون طائل. ~~- ولدي ... وحيدي ... أين؟! # إلى أن استسلمت في النهاية لعميق أحزانها فحلت عليها السقوم وضعف بصرها، ورغم ذلك ظلت ~~تقاوم رغبة الملك سيف في ترحيلها عن مصر إلى بلادها ولو للراحة والعلاج. # ذلك أنها أصبحت أيضا تكره الحرب وتوالي أنباء المعارك وسيول الدم النازف الذي تربت ~~وشبت عليه. ~~- دم ... دم ... ولا مهرب من أكوام الجثث العفنة والمدن المشتعلة بالنيران والخراب، «لا ~~مهرب أو مغيث في هذا العالم الوحشي المظلم.» # حتى إذا ما حاول الملك التحايل عليها بإبعادها عن ساحات المعارك، رفضت باكية معاودة ~~ندبها ونحيبها وبكائياتها الذاتية: وولدي ... أأترك ولدي؟ ... حدقة عيني! # متشبثة باكية بأطراف أردية الملك سيف ذاته الذي يروح من فوره يحنو عليها محتضنها، ~~محاولا تبصيرها بقوانين تلك الغابة التي لا مكان فيها لكائن وادع أو مستسلم، فما أصدق ~~التباعنة القائلين: أيها الرجال إنكم إن لم تحاربوا الناس حاربوكم ... وإن تسبوهم ~~سبوكم. # كان يضغط على رأسها بين ساعديه معيدا إليها السكينة، مسرا بصوته الهادئ: ولعلك يا ~~شامة، شهدت بنفسك أحداث حربين عدوانيتين على بلادنا؛ من جانب الأحباش مرة، ومن جانب ~~أولئك الفرس الطغاة الطامعين ثانية. # وكثيرا ما يصل الإجهاد بالملك سيف ذاته إلى حد تأمل كفي يديه في تساؤل كظيم: ماذا ~~أفعل؟ دلوني! # عندئذ تتعرف شامة على ما يعتمل ms164 في أعماق الملك الذي كتب عليه القتال والمطاردة ~~منذ صباه، بل طفولته اليتيمة في بلادها. # فتبادره مواصلة تصميمها: أبدا لن أتخلى عنك هنا. # إلا أن المهام الجسيمة التي تطلبتها الحرب داخل بلاد الفرس، وفيما وراء نهر بلخ، دفعت ~~بالملك سيف إلى التخلي عن شامة موكلا حراستها والسهر على راحتها لأقرب مستشاريه ~~وحراسه. # وكانت كلما تشعبت معارك وحروب الملك التبع سيف بن ذي يزن ، تدهورت أكثر فأكثر حالة ~~شامة الصحية والعقلية معا، مما كان يضاعف من أحزان الملك ومخاوفه عليها، وهو بعيد عنها ~~منشغل بكامله في حروبه في بلاد الفرس التي كثيرا ما تبدت له عاتية لا أول لها ولا ~~نهاية. ~~- كمثل قدر أسود. # لذا رأى الملك أنه من الأسلم ترحيل شامة والعودة بها إلى ديار مصر، ما دام أن الفرقة ~~بينه وبينها أصبحت واقعا ماثلا لا مهرب منه، إلى حد استحالة التخلي عن مهامه والعودة ~~إلى زيارتها، ولو سرا وبشكل سريع خاطف. # حتى إذا ما شارفت جيوشه ذات مساء حدود أصفهان قرر تجميد حصاره والتسلل سرا إلى حيث ~~توجد شامة - بالمدائن - فزارها ليلا، وهي في فراشها مريضة تلهج باسم ابنها ومصيره ~~الغامض. ~~- دمر ... ولدي ... قتلوه ... أعلم لا تخفوا عني شيئا ... ولدي! # وهكذا لم يجد الملك سيف مفرا من ضرورة ترحيلها والعودة بها إلى مصر للراحة ~~والعلاج. # فرتب بنفسه رحلة عودتها - البحرية - إلى مصر مشددا على أقصى درجات الأمن المرافق ~~لها؛ تخوفا من اختطافها وهي على تلك الحال من الإعياء والهذيان والمرض، حتى إذا ما ~~تحرك ركبها ودعها الملك سيف متذكرا ما سبق أن أسدته تلك السيدة من بطولات أصبحت في ~~عداد الخوارق، حفاظا عليه من كل كبوة وواقعة، مغامرة ومضحية بأبيها ومملكتها وكل ~~طاقتها من أجله، زافرا وهو يودعها في أسى: حقا فمثلك نادر بين النساء يا شامة، تصحبك ~~السلامة يا حبيبة القلب مدى الحياة. # وعاد متسائلا إلى جبهة قتاله الضاري على تخوم أسوار أصفهان: ترى متى نلتقي ~~ثانية؟ # وجدت أحداث مغايرة من جانب ابن ملك أصفهان - بهرام - بعدما تشدد ms165 الملك سيف في حصار ~~بلاده، فأرسل إليه الأول طالبا الصلح والهدنة على ألا يعود عماله المعينون من قبله على ~~أقاليم وكيانات بلاد الفرس إلى مهاجمة مصر مرة أخرى، ومهما تعددت الأسباب. # وطالت المراسلات والمفاوضات بين الملك سيف وابن الملك بهرام إلى أن تقبل الملك سيف ~~شروط الهدنة، وعلى رأسها إطلاق سراح ابنه دمر الأسير. # حتى إذا ما تحقق اللقاء بينه وبين ابن ملك ملوك الفرس بهرام، أقسم له الأخير بشرفه ~~ولحيته بعدم معرفته بمصير ابنه وما إذا كان مختطفا أو مقتولا، وأنه فعل المستحيل في ~~هذا الصدد دون طائل. # ودخل الملك سيف بن ذي يزن، عاصمة بلاد الفرس - أصفهان - في ذلك الوقت، وكانت عروس مدن ~~الشرق التي هبت عن بكرة أبيها لاستقباله، فقد سبقته شهرته التي عمت الآفاق. # وأقام بهرام حفلة كبيرة لتكريم بن ذو اليزن، قدم له فيها ابنته - مهردكار - وكانت ~~بادرة الجمال متوقدة الذكاء، فلم يجد الملك سيف مهربا من تقبلها كزوجة وفقا للظروف ~~والشروط التي كانت تملي الزواج السياسي، والذي كان من أهدافه، بناء جسور الثقة بين ~~المتحاربين. # وجرت احتفالات الزواج، والملك سيف نهبا لخواطره وأحزانه حول مصير ابنه دمر، وتلك ~~الأمراض التي حلت بزوجته ورفيقة صباه وجهاده «شامة» نتيجة أحزانها الجارفة، وما انتهى ~~إليه أمرها. # أما زوجته الجديدة - مهردكار - ابنة بهرام، فقد حاولت جاهدة منذ انتقالها إلى قصر ~~الملك سيف، التقرب منه وملاطفته لإخراجه من أحزانه وهواجسه، دون أن تحقق ظفرا يذكر ~~برغم جمالها المتوقد الطاغي، وبرغم معرفتها الواسعة بتاريخ التباعنة، بل وبلغه ~~العرب القدماء وأشعارهم ومآثرهم. # وكانت ثقافتها هذه نتيجة لدراستها - المنظمة - العليا للعربية وآدابها ولهجاتها، ~~وخاصة اللغة السبئية، لغة حضرموت التي نشرها الملوك اليمنيون - المعروفون بالملوك ~~السكاسك في الحبشة وغرب أفريقيا - وهي بذاتها اللغة أو اللهجة التي يمارسها نطقا ~~وكتابة الملك سيف. # فكانت مهردكار تبعث إليه بين وقت وآخر ببضعة أبيات من أشعارها أو كتاباتها وخواطرها ~~مدونة باللغة السبئية ومزينة بالرسوم والأشكال والزخارف الفارسية - المنتور - لعل الملك ~~يلاحظ ما بها من تأجج إليه. # إلا ms166 أن أحزان الملك سيف التي أغرقته من كل جانب نتيجة لما حل بابنه دمر من حبيبة صباه ~~المبكر شامة، وما انتهى إليه أمرها، من تدهور سريع لصحتها الجسدية والعقلية، أنسته كل ~~شيء، خاصة ما وصل إلى سمعه عن آخر أخبارها وهي تتنقل ما بين مصر وبلادها - أفراح - ~~المتاخمة لحدود الحبشة ... ثم بانياس، دون أن تغفل لحظة عن البحث عن ابنها المفقود - دمر ~~- ومصيره ذاك المبهم الغامض: # أين ... ولدي ... أين؟ # ولقد حاولت مهردكار بنفسها في أكثر من مساء مفاتحة الملك عن أحزانه تلك، في محاولة ~~منها لاستشفاف مكنون أمره وأغواره الدفينة، وهل هذا الحزن الثقيل بسبب افتقاده لابنه، ~~أم بسبب تدهور حالة زوجته - شامة - وما أصابها من خبل يصل إلى حد الجنون المطلق. # إلا أن الملك التبع سيف كان يرمقها عبر صمته العميق وجرحه البليغ، مكتفيا ~~بالتحديق طويلا في عينيها الباهرتين المشعتين بذكاء الشباب ونزقه وتوقده، ودون الإفصاح ~~عن جواب شاف لتساؤلاتها وهي أرفع نساء الفرس شأنا. # مما دفع بأبيها ذاته الذي أصبح فيما بعد - الكسرى بهرام - إلى استدعائها مساء ~~للزيارة وفاتحها في الأمر: ألم يعرك بعلك، ثم التبع اهتماما يذكر، بعد يا مهردكار؟ # أشار إليها والدها بهرام، فتقدمت جاثية عند مخدعه، ثم أطبق بيديه الاثنتين على عنقها ~~صارخا: ما أنت سوى وصيفة. # ثم استطرد مهددا متوعدا: سألقي بهذا العنق الأرقط إلى النيران ... إلى النيران ... هل ~~تسمعين؟! # الفصل الثلاثون # | اغتيال الملك سيف بأحراش الدلتا # ما إن عادت الأميرة مهردكار، من تلك الزيارة العاصفة، التي قلبت كيانها كله رأسا على ~~عقب؛ لقصر والدها الملك بهرام، حين استدعاها ذات مساء ليسألها عن أحوالها وما انتهت ~~إليه أمورها بعد زواجها من الملك التبع سيف بن ذي يزن، حتى فوجئت مهردكار بعاصفة أشد ~~تأججا داخل قصر زوجها الملك سيف. ~~- الملك سيف قرر العودة إلى ديار مصر. # توقفت مهردكار وهي تصعد سلالم القصر - التاريخي - أو القلعة الرخامية التي اتخذها ~~الملك سيف مقرا لحكمه، والتي فرشت بفاخر الطنافس الفارسية. # مضت متطلعة في رهبة لما يجري على طول ms167 ساحات القصر، الذي استحال إلى خلية نحل هائلة ~~نتيجة لحركة الحراس وجند التبع والحجاب والوزراء والوصيفات، وهدير المركبات ~~المحملة بنفيس الكنوز والعروش التي سباها الملك سيف. # وكان يقطع كل هذا صهيل قطعان الجياد ونداءات الناضورجية والبحارة على ظهر السفن ~~والمراكب. # تطلعت ببصرها باتجاه شرفات جناحها الملاصق لجناح الملك، إلى أن طالعها وجهه المشع ~~حضورا، وكان يمعن النظر في عينيها الذابلتين المنكسرتين بعد لقائها بأبيها بهرام وما ~~جرى من حديث قاس. # وتمنت حين احتوتها غرفتها، وبعدما ألقت بنفسها دامعة العينين على مخدعها البديع ~~المخملي القاني الاحمرار، لو أنها لم تذهب لملاقاة والدها - بهرام - الليلة ومدى المذلة ~~التي عاملها بها. ~~- ما أنت سوى وصيفة في ركب التبع. # ثم تهديده لها بالحرق. # استدارت مهردكار فجأة جالسة متطلعة وهي في منتصف فراشها، على صوت دخول الملك سيف ~~استعدادا للرقاد، ثم بادرها قائلا وعلى ثغره ابتسامة عريضة: نرحل غدا يا مهردكار ... ~~إلى ديار مصر. # احتضنته فرحة من كل قلبها. ~~- أحقا ... مصر ... حلمي القديم. # أجلسته إلى جانبها وهي تلاطفه: هل سأمخر عباب النيل إلى جانبك يوما، يا مليكي ~~الجميل؟ # ولما كان الملك سيف لا يزال يعاني من أحزانه بسبب اختفاء ابنه وخبل زوجته شامة، فقد ~~آثر الاستئذان من مهردكار عائدا من حيث أتى؛ بحجة استكمال مستلزمات الرحيل، وما يتطلبه ~~من أعباء نقل المهام وتجهيز السفن والاجتماع بعماله المعينين من قبله، ثم مسار تلك ~~الرحلة المضنية من إيران إلى ديار مصر العدية. # كان الملك سيف - ذاته - لا يزال يضرب أخماسا بأسداس حول مصير ابنه المفقود دمر على ~~ذلك النحو الغامض الأليم. ~~- فليته قتل وانتهى أمره مثل من قتلوا من أشجع الرجال والأشبال، من ~~أولادي. # غمغم لنفسه من كوة قصره العليا مطلا على حركة الاستعداد الواسعة التي شملت منطقة ~~أصفهان بأكملها تمهيدا للرحيل والعودة. ~~- العودة، أين؟ # وعرج بنفسه على ميناء بانياس بسوريا الشمالية بأكملها مفتشا مرة أخرى عن ولده دمر، ~~وتحرى حقيقة ما حدث له، ومعرفة مصيره المؤلم هذا، خاصة بعد الذي أصاب أمه شامة ~~وانهيارها على هذا ms168 النحو المفجع. # حتى إذا ما انتهت مسيرة البحث إلى حيث نقطة بدئها جاءته الإجابة من كل فم ~~وصوب. ~~- لا نعلم! # اتخذ الملك التبع طريقه إلى مصر عبر الساحل الفلسطيني، وكان كلما اقتربت أيام ~~وساعات الوصول، غلبه أكثر التفكير في زوجته شامة. ~~- كيف ستلتقي بمهردكار؟ # تساءل: كيف؟ # وحين أشرف ركب الملك سيف على مينا «فاروس» الذي أصبح الإسكندرية فيما بعد، طالعته ~~المدينة بفناراتها وحصونها وأسوارها، عتيدة باهرة. # وجرت طقوس استقبالات الملك سيف وجنده العائد المظفر بالنصر، كما لم تجر لملك أو ~~فاتح من قبل. ~~- مرحبا بعودة ابن ذي يزن. ~~- مرحبا بعودة أبو الأمصار. # ووصل انبهار مهردكار من حرارة استقبالات الملك سيف على طول ديار مصر ونيلها على ~~الضفتين إلى حد لم يصدقه عقلها. ~~- يا للروعة. # إلا أن رعبا خفيا كان يسري في بدنها وبخاصة ارتعاش ركبتيها، حتى لتكاد تسقط أرضا، ~~لولا ذراع الملك سيف الحانية التي سارعت إليها تحفظ لها توازنها في مواجهة الجموع ~~المحبة له، وهو العائد بأكاليل النصر؛ إذ كان يتحرك وسط الناس على هذا النحو الواضح من ~~التواضع وطيبة الخلق والمعاشرة! ~~- أبو الأمصار. # حتى إذا ما حان موعد لقاء الملك سيف بزوجته شامة هبت لاستقباله وهي مهيضة الجناح ~~طريحة الفراش. ~~- شامة حبي ... لم تعد هناك أحزان؛ سننعم بالسلم معا. # بادرته ملقية بخدها الأحمر على كف يده كمثل حمامة وديعة. ~~- دمر ... ولدي ... أين؟ # أطرق الملك سيف مجيبا: قطعت الشام بأسرها يا شامة بحثا عنه قبل وصولي إليك. ~~- ماذا؟ ~~- لا أحد يعلم. # امتقع وجه شامة، مبتلعة صمتها ذاته وتوارت بأفكارها بسرعة عن الملك العائد، نهبا ~~لهواجسها. # وبعد برهة من الزمن قضتها شامة بصحبة الملك، تملصت رافضة مقابلة الزوجة ~~الجديدة. ~~- مهردكار! ~~- ما أنا سوى مريضة ... تهذي يا سيف. # ثم قفلت شامة عائدة إلى بلادها - أفراح - واكتف بمراسلة الملك سيف عن بعد. # أما مهردكار فقد واصلت التقرب من الملك سيف، بعد أن خلا لها الجو «لتبيض وتفرخ ~~وحدها»، وكان الملك يعمل جاهدا على تكريمها؛ فهي الآن وحيدة، وأكثر عزلة، وهو الذي ~~أكبر ms169 فيها مدى ترحيبها بمصاحبته إلى أرض مصر، فقدمها على الجميع واصطحبها في حفلاته ~~واستقبالاته، بل في زياراته لجبله المفضل الذي سمي باسمه - الجيوشي - فهو: أبو ~~الجيوش. # وعانت مهردكار طويلا من إقدامها على مهمتها التي كان قد ألقاها على كاهلها والدها ~~الملك بهرام. ~~- إما أن تسمميه، وإما أن أجعلك أنت تتجرعين السم يا مهردكار أينما كنت، بعد ثمانية ~~أشهر بتمامها منذ اليوم. # حتى إذا ما حل الأسبوع الأخير المحدد لمهمتها الدامية، وحاولت مهردكار تجرع سمومها، ~~انفتح باب مخدعها على مصراعيه ودخل الملك سيف. # بادرته من فورها محتضنة: الليلة موعد مشوارنا البحري في ليل النيل الهادئ. # أشارت بذراعها كله إلى حيث يتلوى النهر العميق الأسرار تحت شرفاتها. ~~- تأمل. ~~- حقا يا مهردكار، هلمي بنا دون تفكير، هيا ... لنهرب معا ساعة من الزمن. # حتى إذا ما احتوتهما مقصورتهما داخل «ذهبية» الملك سيف، التي انزلقت على صفحة النيل ~~الملساء وعبر أدغاله وزهوره البرية العطرة الحانية، أشارت مهردكار إلى دغل محدد قريب، ~~وأومأ لها كبير ربابنة سفينة الملك إلى حيث المرسى المتفق عليه قائلا: يا للهدوء، ~~العشاء جاهز. # وحين أبدى الملك عدم رغبته في تناول شيء من عشائه وهو يفيق من إغفاءة واهنة داعبت ~~أجفانه. ~~- ليس بي رغبة للطعام الليلة. ~~- فقط تلك الكعكة التي تحبها، أعددتها لك بنفسي. # ضاحكته مقاربة وهي تفرد كفي يديها في براءة ملقية بشيء ثقيل في الماء من جانب السفينة ~~لم يتبينه الملك سيف. ~~- بكلتا يدي هاتين. # ابتسم الملك سيف في وهن وهي تقدم له طبق الحلوى «المسمومة» آكلا من يدها مستريحا ~~كمن يقاوم نعاسا يسبقه خدر النوم. ~~- استرح يا مليكي الجميل. # حتى إذا ما استسلم الملك سيف لخدر نعاسه بين يدي مهردكار، انسلت في نعومة طاغية هاربة ~~عبر باب جانبي في غفلة عن البحارة الثلاثة، واختفت دون أثر في ظلام ذلك الدغل «الكمين»، ~~إلى أن حاوطتها شلة من فرسانها الفرس التابعين لها، الذين كمنوا بانتظار تلك اللحظة ~~التي اهتز لها العالمان. ~~- مات الملك سيف بن ذي يزن، يا للخيانة! ~~••• # روعت ديار ms170 مصر على خبر غدر «تلك الجارية الفارسية» بملكهم المحبوب سيف بن ذي يزن، ~~وكثرت الأقاويل والآراء والشائعات التي سرت من فم إلى فم على طوال البلاد ~~وعرضها. ~~- تلك الفارسية القاتلة. ~~- أيصل الغدر إلى هذا الحد، وبعد كل ما قدمه الملك سيف لتلك الحية الرقطاء؟ # وذهب البعض إلى أن ما حدث للملك سيف الليلة أمر قديم التدبير، منذ قبول الفرس وعلى ~~رأسهم والدها للهدنة الأخيرة. # كما ذهب البعض الآخر إلى أنها مجرد مكيدة نسائية، برغم هرب الفارسية القاتلة ووصولها ~~إلى حراسها الكامنين بالأدغال القريبة لشط النيل، الذي شهد أبعاد وخبايا تلك المأساة ~~التي قضى فيها أقرب أقربائه - أي النيل - سيف بن ذي يزن. # وهكذا روع الجميع في مصر والشام واليمن وبلاد الشرق وعبادة، لذلك المصير الفاجع ~~الذي أنهى حياة ذلك الملك المناضل المحب للناس والأحياء، سيف اليزن، دون أن يتمكن أحد ~~من الإيقاع بالقتلة. ~~- «الخونة ... للعيش والملح.» # ولم يطل الأمر كثيرا بمصر والشام، حول معرفة حقيقة أبعاد ذلك المخطط، إلا عندما حملت ~~الأخبار المتواترة عودة مهردكار وحراسها التي عمت بلاد أصفهان، ثم أخبار الاحتفالات ~~التي عمت بلاد الفرس ابتهاجا بنجاح المهمة التي نفذتها تلك المرأة الأفعى، بينما فشلت ~~في تحقيقها أعتى جيوشهم في ساحات القتال والمجابهة. ~~- يا للغدر ... يا للدناءة. # بل إن المخطط الفارسي لم يطل مداه؛ إذ سرعان ما تكشف عن نواياه المبيتة، بعودة جحافل ~~الفرس الغزاة إلى ربوع مصر وبلاد العرب. # حتى إذا ما انتهت مراسم دفن جثمان الملك سيف بمدفنه المقام بجبله الذي شهد تدريبات ~~جيشه، والذي دعي باسمه «جبل الجيوشي» المتاخم للمقطم، تعاهد فرسانه وكبار قادته ~~على العمل بوصيته في التصدي للفرس وأطماعهم مهما طال الأمد. # فما إن ضرب أربعة من ملوك الفرس وأمرائه المتحالفين حصارهم على ديار مصر حتى تصدى لهم ~~أمير دمياط، والقائد الوحيد الذي كان مقربا من الملك سيف والمدعو «دمنهور ~~الوحشي». # إلا أن سطوة الفرس، وعتادهم هذه المرة، بعد غياب الملك سيف حقق لهم الانتصار بدخول ~~مصر وتخريب حصونها وتشتيت بقايا فلول جيش ms171 الملك سيف. # إلى أن هرع لنجدتهم «أسيوط ملك إيليا وفلسطين» فشدد من ساعد المقاومة الشعبية التي ~~نمت ضد الفرس، خاصة عقب محاولة نهب مدفن ملكها الراحل سيف ذو اليزن بجبل ~~الجيوشي. # هنا استشاطت مصر غضبا من مدى الحقد المبيت للملك التبع، حتى بعدما نفذوا فيه ~~مكيدتهم الغادرة التي اضطلعت بها تلك الفارسية الشريرة: مهردكار. # إلى أن فجر ذلك الغضب الشعبي ثورته ضد أولئك الفرس، ناهشي جثث الموتى قبل الأحياء على ~~طول مصر، التي أصبحت نهبا لمطامعهم، بينما كانت تعاني بلاد الشام وفلسطين بدورها أبعاد ~~تلك الحرب الانتقامية القبائلية، التي عرفت بحرب البسوس التي قادها ذلك الشاعر المحارب ~~الزير سالم والتي استمرت 41 عاما. ms172