######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.AdamJadid.Hindawi48682737 #META# Tags: novels #META# ID: 48682737 #META# Title: آدم الجديد #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # | آدم الجديد # | آدم الجديد # تأليف # ثروت أباظة # | الفصل الأول # كان «حيدر أبو عبيد» تواقا أن يهب له الله غلاما من زوجته زنوبة الملواني التي تزوج ~~بها منذ ثلاث سنوات. # وما كان زواجه عن حب وإنما بعد تفكير وتدبر وبإلحاح على أبيه؛ فقد كان يرجو أباه أن ~~يخطب له، ولم يكن حيدر رهيف الفؤاد ولا كان تعلق بفتاة بعينها، ولا كان يعنيه أن تكون ~~زوجه ذات جمال أو شيء من مال ولا أن تكون ذات رشاقة أو تكون هيفاء القوام. # كل ما كان يريده أن يتزوج. وحين فاتح أباه «عبيد الكيالي» في هذا الأمر فوجئ بأبيه يقول ~~له بعد صمت قصير: انتظر حتى يختار ربنا إلى جواره أحد فتيان القرية. # وتولى الذهول حيدر: ما صلة زواجي يابا بموت واحد من فتيان القرية. ~~- يكون مهرها نصف الفتاة البكر. ~~- وإذا لم يمت أحد من فتيان القرية؟ ~~- لا بد أن يموت. ~~- متى؟ ~~- حين يريد الرحمن الرحيم. ~~- قد تمر سنوات. ~~- ونحن ماذا وراءنا؟! # وأطرق حيدر لحظات ثم قال: وماذا نفعل إذا كانت زوجة الذي يموت عندها عيال وتضطر أو أضطر ~~أنا أن أنفق عليهم من دم قلبي. ~~- قد تكون بلا عيال. ~~- إذن فقد تكون عقيما. ~~- أو يكون الزوج هو العقيم. ~~- إذن يابا أنت تريد أن تنتظر حتى يموت فتى من فتيان شقلبان، وأن يكون هذا الفتى ~~عقيما. ~~- لا يكثر على الله ms01 يا بني. ~~- كثر خيرك يابا. # وانصرف حيدر عن أبيه، وراح يفكر وحده في هذا البخل الشديد الذي خلقه الله مع هذا ~~الأب. # فهو شحيح بالسليقة حتى ليفكر إذا شرب كم يكلفه كوب الماء وهل يحتاج إليه كاملا أم يكتفي ~~بنصفه. # ولم يستطع رغم هذا التقتير والشح على نفسه وعلى بنيه أن يجمع شيئا من المال يساوي العيشة ~~الضنك التي يعيشها هو وابنه وابنتاه. # ذهب حيدر في ذلك اليوم إلى صديقه بيومي رمضان، وروى له الحوار الذي دار بينه وبين أبيه، ~~وعجب أن بيومي لم يدهش، بل قال: إن فعل أبوك غير هذا فلا يكون عم عبيد الذي نعرفه. ~~- لك حق، ولكن كيف استطاع أن يصل إلى هذا التفكير؟ المهم ما الحل؟ ~~- لا حل إلا أن تعتمد على نفسك. ~~- كيف؟ ~~- اسرح معي. ~~- ماذا أفعل؟ ~~- ما أفعله. ~~- يا أخي أنت تشتري إردبين ذرة أو قمحا أو شعيرا قبل موعد الحصاد بثمن بخس ممن ضاقت ~~بهم الحياة واضطروا إلى مال قبل الحصاد، وتبيع ما تشتري بعد الحصاد وتكسب شيئا هائفا، ولا ~~يكاد ما تكسبه يكفيك؛ ومع ذلك تريدني أن أسرح معك! ~~- جرب حظك. ~~- ومن أين لي برأس المال؟ ~~- أي مبلغ. ~~- أنت تعرف البير وغطاه. ~~- أسلفك في العملية الأولى. ~~- على بركة الله. # وحدث فعلا ما توقعه بيومي، وبدأ حيدر يكسب صبابات من المال استطاع في نهاية العام أن ~~يكتنز منها عشرين جنيها. وخيل إليه أنه أصبح من الأثرياء؛ فعشرون جنيها كانت تعني شيئا ~~ذا شأن؛ وخاصة لابن عبيد الكيالي. # قال: بيومي، ما رأيك؟ ~~- الحمد لله. ~~- ليس هذا ما أسألك فيه. ~~- إذن ماذا تريد؟ ~~- ألا تكفي هذه الجنيهات لتجعلني أتزوج؟ ~~- ولم لا؟! على أن تختار فتاة فقيرة يريد أهلها أن يزوجوها لأي أحد مهما يكن فقيرا وأبوه ~~عم عبيد الكيالي. ~~- وأنا لا يهمني من تكون. وهل تتصور أن أكون ابن عمك عبيد الذي لا يجهل أحد بخله وأضع ~~شروطا للزوجة التي تقبلني؟! ~~- توكل على الله. ~~- أتعرف واحدة؟ ~~- أعرف. ~~- انطق. ~~- زنوبة. ~~- بنت حميدة بائعة الفجل. ~~- ما ms02 عيبها؟ ~~- والله نعم الاختيار. ثم إن البنت أيضا ليست قبيحة قبحا يدعو إلى النفور. ~~- على العكس، بيضاء وقوامها حلو. ~~- على بركة الله. ~~- هيا نذهب إلى أبيك ليخطبها لك. ~~- وأبي ما شأنه بهذا. ~~- إنه أبوك مهما كان شحيحا جلدة. ~~- لو طلبت منه ذلك سيرفض طبعا. ~~- قل له إنك ستدفع المهر من جيبك. ~~- ولو. أليست ستعيش معنا في البيت وستكلفه المأكل والمشرب. لقد زوج خيرية وروحية قبل أن ~~يبلغا السادسة عشرة ليتخلص من طعامهما وشربهما. ~~- اسمع. ~~- ماذا؟ ~~- هيا بنا إلى خالتك حميدة مباشرة، وما فيه الخير يقدمه ربنا. # وفعلا قدم الله سبحانه الخير لحيدر، وقبلت حميدة زواجه من زنوبة، ولكنها توسلت إليه: ~~اسمع يا حيدر، أنا وزنوبة ليس لنا رجل، وأنا والحمد لله أكسب طعامي ولا أطمع فيك، ولكني ~~أرجوك أن تعيش معنا في البيت حتى لا أصبح وحدي إذا أخذت أنت بنتي الوحيدة. # وفكر حيدر قليلا. ولم لا؟! إنني بهذا سأكون قد أرضيت أبي كل الإرضاء. وأنا الآن عرفت ~~طريقي بتسويق بضعة الأجولة من الحبوب، وأستطيع أن أنفق على نفسي وعلى زوجتي، وأمها أيضا ~~إذا اقتضى الأمر. وحينئذ لن يجد أبي سببا في منعي من الزواج. ~~- والله القول قولك يامه حميدة. # وذهب إلى أبيه، وقبل أن يكمل حديثه قال أبوه: ألم تجد إلا بنت حميدة. # وأكمل حيدر متغاضيا عن اعتراض أبيه: ومعي مهرها، وسنعيش في بيت أمها. # ولم يمهله أبوه بل سارع: والله ونعم الاختيار؛ خذوهم فقراء يغنكم الله. ~~- أطال الله عمرك. ~~- والفرح من سيدفع تكاليفه؟ ~~- ولا فرح ولا يحزنون. ثلاث زجاجات شربات وكم نفر من الأعيان ودمتم. وأنا الذي سأشتري ~~الشربات. وتم الزواج. ~~••• # ومرت عليه ثلاث سنوات دون أن تنجب زنوبة له طفلا، وكان هو قد مرن على العمل في سوق ~~الغلال، ولكن في كميات غاية في الهوان والضآلة؛ ولهذا لم يكن عجيبا أن يعيش حياة فيها كثير ~~من الاقتصاد إذا أشفقنا أن نقول فيها كثير من الضيق. # ومع ذلك كان يتوق إلى طفل. # وشاء الخلاق العظيم أن يحقق له ms03 أمنيته، وحملت زنوبة. وربما كان مما يستحق الذكر أنها ~~ولدت ولدها يوم مات جده عبيد وربما في نفس اللحظة. وصدق بيت شوقي العظيم الذي استوحاه من ~~القرآن الكريم: # فقلت أحكامك حرنا لها # يا مخرج الحي من الميت # وفرح حيدر كل الفرح بالولد الذي رزق به، ولعله في ~~خبيئة نفسه فرح أيضا بموت أبيه، ولكنه اضطر تحسبا للناس ونقدهم أن يلجم الفرحتين. وأقام ~~لأبيه شبه مأتم، ولم تجرؤ واحدة من النسوان اللواتي حضرن ولادة ابنه أن تزغرد أو أن تبدي ~~أي فرح بمجيء الغلام. # وهكذا قدم ابن حيدر البكر في مأتم جده قدوما صامتا لا يجاوب فيه بكاء المولود زغاريد ~~ذويه وصديقات أمه. ~~••• # لم يجد حيدر اسما خيرا من عبد الشكور ليسمي به ابنه؛ وكيف لا يشكر الله وقد ورث خمسمائة ~~جنيه عن أبيه ورزق بابنه البكر في يوم واحد. # | الفصل الثاني # أوشك الجيش الألماني أن يدخل مصر حين وصل العلمين. وراحت الجيوش الإنجليزية تجمع ~~أوراقها. # وفجأة انقلبت المعارك انقلابا تاما لصالح الجيش البريطاني، وتشتت الجيش الألماني ~~بددا في الصحراء، وأصبح هم الجنود الألمان الباقين على وجه الحياة من الجيش الألماني أن ~~يهربوا من الأسر الإنجليزي. # وانتشر من الجنود الألمان في قرى الدلتا، وكان من نصيب شقلبان جنديان من الألمان؛ هما ~~مارك وهوفمان، وكان مارك يجيد الإنجليزية، ولم يكن في شقلبان أحد يستطيع أن يكمل جملة ~~إنجليزية إلا عبد الشكور، الذي كان قد وصل إلى السنة الثانية من التجارة المتوسطة، التي ~~دخلها بعد جهد جهيد مع والده حيدر، الذي كان يصر أن يخرجه من المدارس بعد الابتدائية ورفض ~~كل الرفض أن ينتسب إلى الدراسة الثانوية. ~~- والله لا يمكن. ~~- يابا أنا لا أمل لي في الحياة إلا أن أحصل على شهادة جامعية. ~~- كنت ابن من أنت حتى تنال شهادة جامعية؟! ~~- أقل مني حصلوا عليها. ~~- آباؤهم كانوا يطيقون. ~~- ادفع لي المصاريف وأنا سأعمل وأعيش. ~~- هذا كلام؛ حتى إذا دخلت الفاس في الراس أصبحت مضطرا أن أتكفل أنا بكل شيء. وكان ~~بيومي رمضان حاضرا ms04 فإذا هو يصيح فجأة: تاهت ووجدناها. # ونظر حيدر إليه في لهفة، وأكمل بيومي: تدخل التجارة المتوسطة. # قال حيدر: ولو أنها ستكلفني إنما لا بأس، وأمري إلى الله. # وقال عبد الشكور: أمري أنا إلى الله. # وهكذا لم تجد القرية إلا عبد الشكور ليرطن مع الأجنبيين اللذين قدما إليها وهما في ~~ملابس رثة وذقنين متطاولين، واستطاع عبد الشكور أن يفهم عن مارك الذي يتقن الإنجليزية كل ~~الاتقان إنهما هاربان من موقعة العلمين، وأنهما سارا على ساحل البحر مستعينين بالزاد الذي ~~صحباه من جيشهما، وحين بلغا الإسكندرية حرصا أن يختبئا في النهار ويسيرا في الليل، حتى وصلا ~~إلى الطريق المؤدي إلى مديرية البحيرة، فراحا يتنقلان بين القرى موغلين في الدلتا، واتفقا ~~على أن يبتعدا عن الإسكندرية ما أطاقا البعد؛ حتى لا تعثر عليهما القوات الإنجليزية. وفهم ~~عبد الشكور عنهما أن القرى جميعها كانت ترحب بهما حين يعلم أهلوها أنهما من جيش هتلر، الذي ~~كان يمثل عند الغالبية العظمى من المصريين الخلاص من الاحتلال البريطاني البغيض. # وطلب أعيان شقلبان إلى عبد الشكور أن يلح عليهما أن يقيما عندهم عندما علموا أن مارك ~~نجار وأن هوفمان ميكانيكي كهربائي. وقد تداول الأعيان فيما بينهم وانتهى رأيهم إلى هذا ~~الطلب، الذين أرادوا من عبد الشكور أن يبلغه للهاربين. وقد ارتأى هؤلاء الأعيان أنهم ~~أولا سيكرمون جنديين من جنود هتلر، وثانيا سينتفعون بخبيرين في النجارة وإصلاح ماكينات ~~الري والدراس. ورحب الجنديان بهذا العرض. # ولم يتصور أحد من القرية المدى البعيد الذي سيؤثر به بقاء هذين اللاجئين في حياة عبد ~~الشكور جميعها. ~~••• # كان عبد الشكور رغم تلقيه الدراسة بمدرسة التجارة المتوسطة يقيم في البلدة؛ فقد رأى ~~أبوه أن هذا وإن يكن مجهدا لولده إلا أنه أكثر وفرا من أن يستأجر له حجرة في المدينة. ~~وهكذا كان عبد الشكور يصحو قبل الفجر ليكون بالمدرسة في موعده. # وهكذا أيضا كان فقر أبيه المدقع سببا فيما صار إليه أمره بعد ذلك. # وفي لحظة من اللحظات التي تصيب الإنسان من أحلام اليقظة حلم ms05 عبد الشكور أن يعقد صداقة ~~بينه وبين مارك ويتعلم منه الإنجليزية والألمانية. ولماذا لا؟ إنه يعلم أنه حتى بعد انتهائه ~~من دراسته لن يجد الوظيفة في انتظاره، وقد كان يرى حملة الشهادات حيارى ضائعين بشهاداتهم لا ~~يجدون وظيفة؛ فقد كانت أزمة الوظائف في تلك السنين طاحنة (شأنها دائما) فكيف به وهو لا ~~يحمل إلا مؤهلا متوسطا. # أصبح عبد الشكور موقنا كل اليقين ألا أمل له في الحياة إلا أن يتقن لغة، ويزداد الأمل ~~إن أصبحت اللغة لغتين. # أنا لا أملك مالا، ولا بد أن مارك سيحتاج إلى مال. أبي بالكاد وبتجارته المتهافتة يقيم ~~أود بيتنا؛ على الرغم من أنه لا ولد له غيري. وأنا لا أحصل على حلة إلا بطلوع الروح. ولكن ~~انتظر يا ولد يا عبد الشكور؛ مارك لن يحتاج إلى مال فقط، وأغلب الأمر أن القرية بما تحتاجه ~~من الأعمال فيها ستمكن الهاربين من الحياة؛ إنما مارك يحتاج إلى من يكلمه؛ فلا شك أنه ~~وصديقه قد استنفدا بينهما كل حديث. # لأعقد بيني وبينه صداقة وطيدة، وأتفق معه أن أعلمه اللغة العربية ويعلمني هو الإنجليزية ~~التي يتقنها ولا أدري لماذا؛ مع أن الألمانية هي لغته الأصلية. ~~••• # في خبث لا نظير له أراده له الخلاق الفعال بدأ عبد الشكور يرمي شباكه على مارك ولا ~~يحرم منها هوفمان. وما لبث أن عرف أن مارك من أم إنجليزية؛ وفهم سر اتقانه ~~الإنجليزية. # وبدأت خطة عبد الشكور تأخذ طريقها إلى الوجود. # وليس أثمن من سمير أو أنيس، مجرد أنيس في وحشة الغربة بين قوم لا يفهمون عنك ولا تفهم ~~عنهم. وقد رحب الغريبان كل الترحيب بإقبال عبد الشكور عليهما. # وبدأ يعلمهما العربية، وراح مارك يعلمه الإنجليزية، وراح هوفمان يعلمه الألمانية؛ وهكذا ~~لم يضطر أن ينتظر حتى يتقن الإنجليزية ليبدأ بعدها في الألمانية، بل درسهما في وقت ~~معا. # وقد وجد فيما يدرس جميعه أمله الأكبر في الحياة، وبجهد المستميت راح يذاكر. # ولكن لا بد له من كتب في اللغتين، ولم يجرؤ أن يفكر في ms06 أن يطلب إلى أبيه ثمنها وهو اليوم ~~قد أتم دراسته ومكث بالقرية ينتظر فرج الله. # وراح أبوه يتوسل إلى كل ذي أكرومة أن يجد لابنه وظيفة، ولكن هيهات. وعبد الشكور يريد ثمن ~~الكتب. ~~- آبا. ~~- مالك؟ ~~- ماذا عليك إذا جعلتني أساعدك في البيع والشراء؟ ~~- وهل ترى العمل متسعا حتى أحتاج إلى من يساعدني؟! ~~- إذا عملت معك اتسع العمل. ~~- وماذا تريد مني؟ ~~- ثمن الصفقة الأولى. ~~- أأدفع لك لتزاحمني في رزقي. ~~- وأين سأذهب بالمال؟ إني سأدفع لك نصف ما أكسب. ~~- وتنافسني في السوق. ~~- ما رأيك أن تستمر أنت في تجارة الحبوب وأتخصص أنا في تجارة القطن. ~~- ومن أين لك بثمنه؟ ~~- أنا لا أريد منك إلا عربون العملية الأولى، وفي السمسرة متسع للجميع. ~~- لا بأس. على أن أشاركك في المكسب. ~~- طبعا. # وكان عبد الشكور أذكى من أبيه؛ فكان يشتري القطن من الموزعين بثمن، بخس ولا ينتظر حتى ~~موعد المحصول، وإنما يبيع ما اشترى بأسرع ما يمكن إلى أثرياء القرية الذين كان يطمعهم في ~~رخص الثمن بزيادة الكمية التي سيبيعونها في الموسم، مدركين أنه كلما كبرت الكمية ارتفع ~~السعر الذي سيعرض عليهم. # ولم يكن عبد الشكور أمينا في محاسبة أبيه؛ فاستطاع أن يشتري الكتب التي يحتاجها بجهد ~~جهيد. ولكن الخطة نجحت على كل حال، على الأقل بالنسبة لعبد الشكور؛ فهو لم يكن يطمح إلى ~~الغنى - لا قدر الله - في هذه المرحلة من حياته؛ وإنما كان أمله كله أن يتقن اللغتين ~~حديثا وكتابة. # وتم له ما أراد في سنوات لم يكن فيها يضيع لحظة متاحة أو غير متاحة لدراسة اللغتين، ~~وأتقن أيضا معهما تجارة القطن والسمسرة فيه. # بل تعلم شيئا لم يخطر له ببال؛ فقد علمه الألمانيان المتحضران آداب المائدة وكيف ~~يستعمل أدواتها بمهارة لا تتأتى إلا لمن كان في بيتهم مائدة وخدم أيضا. # وحين أحس أنه قادر أن يواجه الحياة وفي لسانه ويده هاتان اللغتان مع خبرة التجارة قال ~~لأبيه: أنا يابا سأسافر إلى مصر. ~~- ماذا تعمل بها؟ ~~- أبحث عن وظيفة. ~~- ومن أين لك وأنا ms07 لم أترك ثقب إبرة إلا حاولت فيه أن أجد لك عملا، ولكن الطرق جميعها ~~سدت أمامي وأمامك. ~~- أنا أعرف طريقي. ~~- وطبعا تريد مني مالا. ~~- معي. ~~- من أين؟ ~~- مما كسبته في هذه السنوات. ~~- إذن لن تكلفني شيئا. ~~- على الإطلاق. ~~- مع السلامة. ~~- سلمك الله. ~~- ولكن اسمع! ~~- أمرك. ~~- حين تستقر أرسل إلي بعنوانك حتى أعرف طريقك؛ فأنا ليس لي غيرك، ويعلم الله يا بني أني ~~ما بخلت عليك، ولكن العين بصيرة واليد قصيرة. ~~- أعلم يا أبي. ولولا أنك ساعدتني ما استطعت أن أجمع القرشين اللذين سأذهب بهما إلى ~~مصر. ~~- كان أبي بخيلا، ولكني لم أكن معك بخيلا، وإنما كنت عاجزا. ~~- يابا أنا أعرف ذلك. ~~- أنا لا أريد منك شيئا حتى يفتحها الله عليك. كل ما أريد منك ألا تحمل معك في سفرك ~~وغربتك غضبا علي؛ فالله وحده يعلم كم أحبك؛ فأنت كل أملي في الحياة، ولا أعيش إلا ~~لك. ~~- يابا أنت لا تحتاج إلى هذا الحديث. وسترى حين يكرمني الله كيف سأرد لك المعروف. ~~- أنا لم أمنعك من الدراسة الجامعية بخلا وإنما عجزا. ~~- أعلم يا أبي. وأنت لا تحتاج إلى هذا الكلام. ~~••• # وحين أخبر عبد الشكور مارك وهوفمان بانتوائه السفر قال مارك: متى؟ ~~- في أقرب وقت. # والتفت مارك إلى هوفمان وقال له: هوفمان، إننا الآن معنا ثمن تذاكر الطائرة. ~~- نعم. ~~- فما بقاؤنا؟ ~~- وماذا تريد أن تفعل؟ ~~- نسافر مع عبد الشكور. ~~- وماذا نفعل؟ ~~- نذهب إلى السفارة الألمانية وهي كفيلة بأن تعيدنا إلى ألمانيا. ~~- أي ألمانيا، الشرقية أم الغربية؟ ~~- الغربية. ~~- ألا تخشى أن يقبض علينا الإنجليز؟ ~~- وماذا يصنعون بنا؟! الحرب انتهت، وتم تقسيم ألمانيا، واستقرت الأمور. ~~- فإن جرت الأمور بما لا نريد؟ ~~- إذا كنا وجدنا رزقنا في شقلبان فمن المؤكد إننا لن يصعب علينا أن نجد رزقنا في محلات ~~النجارة والميكانيكا والكهرباء في القاهرة. # وقال هوفمان لعبد الشكور: ما رأيك؟ ~~- الفكرة جيدة. ~~- أترى ذلك؟ # وقال عبد الشكور: نستأجر ثلاثتنا حجرة في القاهرة، ونعيش معا حتى تجدا وسيلة للسفر أو ~~تجدا عملا. ~~- وأنت ماذا ستفعل؟ ~~- لا ms08 تخافا علي أنا أعرف طريقي كل المعرفة. ~~- متى نسافر؟ ~~- أليست النقود جاهزة. ~~- طبعا. ~~- نسافر غدا في الفجر. ~~- وهو كذلك. ~~- وهو كذلك. # | الفصل الثالث # كان وجود أماكن للسكنى في القاهرة أيسر شيء جهدا. # فما أسرع ما استأجروا شقة ذات غرفتين وحمام ومطبخ بجنيهين في الشهر. وفي اليوم التالي نزل ~~ثلاثتهم؛ الأجنبيان إلى السفارة، أما عبد الشكور فقد كان يعرف وجهته كل المعرفة. ~~••• # ذهب إلى بنك الاقتصاد والتوفير وسأل أول ساع واجهه: أريد أن ألقى المدير. # نظر الساعي بازدراء إلى ملابسه وهيئته ولم يملك إلا أن يقول له: المدير مرة واحدة! ~~- إن كان على مرتين لا مانع. # وضحك الساعي معجبا بسرعة بديهته: فيم تريده؟ ~~- لو كنت طلبت مقابلتك لكان من الطبيعي أن تسألني. ~~- واضح أنك فصيح. ~~- وهل يمنع هذا من مقابلة المدير؟ # وأشار الساعي: آخر باب على اليمين تجد السكرتير، وأنت وحظك. # قال له السكرتير: وفيم تريده؟ ~~- إنه مدير بنك، ومفروض أنه يقابل أي طالب للمقابلة. ~~- واضح من مظهرك أنك لست صاحب حساب أو صلة بالبنوك. ~~- وهل يمنع هذا أن تعود مقابلتي للمدير بنفع على البنك؟ ~~- لا فائدة من مناظرتك. ما اسمك؟ ~~- عبد الشكور حيدر. ~~- وعبد الشكور أيضا! ~~- اسم فيه الشكر مقدما قبل أن يقدم سامعه ما يحتاج الشكر. ~~- حسنا، حسنا، انتظر. # ودخل السكرتير إلى المدير: شخص غريب يريد مقابلتك. ~~- وما الغرابة فيه؟ ~~- ملبس متهالك وذكاء واضح. ~~- ما اسمه؟ ~~- عبد الشكور. ~~- فقط؟ ~~- حيدر. ~~- لحسن حظي أنني ليس عندي ما يشغلني الآن، هاته نتسلى عليه. # ودخل عبد الشكور ليلقى صبحي حسان بك مدير البنك. ~~- أهلا يا بني. ~~- أهلا بسعادتك. ~~- اقعد. ~~- شكرا، أطال الله عمرك. ~~- ماذا أستطيع أن أقدم لك؟ # وفي سرعة حاسمة أجاب عبد الشكور: وظيفة. ~~- بحالها! ~~- بأي حال لها؟ ~~- ولماذا أوظفك؟ ~~- أؤكد لسعادتك أنك ستوظفني. ~~- واضح أنك تعرف ما تريده تماما. ~~- وأعرف أيضا أنني جدير بأن أحققه. ~~- عجيبة! ~~- وأين العجب؟ ~~- أنا لا أعرفك، وهيئتك لا تشجع على التفاؤل، وأنا لا أعرف مؤهلاتك التي يبدو عليك أنك ~~مطمئن إليها كل الاطمئنان؛ ومع كل ms09 هذا الغرور منك أشعر بميل نحوك. ~~- هذا أول الطريق إلى آمالي. ~~- بعض الناس ينعم الله عليهم بملكة الحضور. ~~- قرأت يا سعادة البك إنهم أجروا إحصاء واسعا في أمريكا ثبت منه أن الناس جميعا ~~متساوون في السعادة والشقاء، وأن كل إنسان ينال قسطا من السعادة قدر ما ينال الآخر، ومن ~~الشقاء مثل ما يصاب به الآخر. وأسباب الشقاء عندي واضحة؛ فليس غريبا أن أملك قدرها من ~~وسائل النعمة. ~~- اشرح أكثر. ~~- إذا نال إنسان السعادة الوافرة في جانب واجهه القدر نفسه من الشقاء في جانب آخر من ~~حياته؛ بحيث تكون النتيجة النهائية أن يصبح الجميع متساوين فيما يحصلون عليه من الهناء ~~والشقاء. ~~- فهمت ما تعني. هل تؤمن بالله؟ ~~- الموقف الذي أنا فيه الآن يحتم على أن أقول: كل الإيمان. ~~- لماذا؟ ~~- لأنني أسعى جاهدا أن أبلغ رضاءك علي. ~~- وكيف عرفت أنني أرضى بإيمانك؟ ~~- منصبك وما أنت فيه من أبهة. ~~- وإذا كان يرضيني أن أعرف حقيقة إيمانك. ~~- لا أملك أمامك إلا أن أقول: نعم، إني مؤمن. ~~- أتقول الحق؟ ~~- أقول ما يرضيك. ~~- لا فائدة أن أصل معك إلى حقيقة إيمانك. ~~- ولماذا لا تكتفي سعادتك مؤقتا بظاهر الأمر مني؟ ~~- ماذا رماك علي؟ ~~- ما يذكره الناس والصحف عنك. ~~- مثل ماذا؟ ~~- مثل أنك تسلمت هذا البنك وهو في طريقه إلى الانهيار الكامل فجعلت منه مؤسسة من أكبر ~~المؤسسات الاقتصادية في الشرق أجمع. ~~- أهذا المديح من باب المحاولة المستميتة التي تبذلها لإرضائي. ~~- ربما كان هذا، ولكنني في الوقت نفسه أردد ما سمعت. ~~- أتتصور أنني بهذا الحوار سأعينك؟ ~~- لا بأس أن أحاول. ~~- أنت تعرف لا شك أن باب التوظيف مقفل تماما. ~~- ومع هذا قصدت إليك. ~~- هل كل ما في جعبتك هذا الحديث الواضح الإصرار. ~~- لو كان هذا كل ما أملك ما تركت قريتي وقصدت إليك دون كل الأشخاص الآخرين ذوي ~~النفوذ. ~~- هل تملك شيئا في قريتك هذه؟ ~~- كنت فيها أحصل على لقمتي دون ملبس. ~~- فأنت إذن ... ~~- أفقر من الفقر. ~~- واضح. ~~- إن ما أقوله لسعادتك غير خاف عليك بحكم مظهري، حتى ms10 إذا استطعت أن أتغلب على هذا ~~المظهر فلن أذكر هذا الإنسان حتى آخر يوم في حياتي. ~~- ماذا كنت تعمل في القرية؟ ~~- سمسار قطن. ~~- وأبوك هل هو على قيد الحياة؟ ~~- سمسار حبوب يحصل لي ولأمي ولنفسه على ما يسد الرمق بجهد جهيد. ~~- أهذه مؤهلاتك؟ ~~- سعادتك حتى الآن لم تسألني عن مؤهلاتي. ~~- وها أنا ذا أسأل. ~~- تجارة متوسطة. ~~- التجارة العليا لا يحصل صاحبها على وظيفة عندنا أو عند غيرنا إلا بواسطة لا تقاوم، فما ~~بالك بالمتوسطة! ~~- لو كانت هذه الشهادة هي كل مؤهلاتي ما تجرأت أن أخطو عتبة هذا البنك. ~~- ماذا عندك. ~~- إجادة تامة للغة الإنجليزية لا يصل إليها خريج جامعة في قسم اللغة الإنجليزية بكلية ~~الآداب. ~~- فقط؟ ~~- ونفس الإجادة للغة الألمانية مع خبرة ستلمسها إذا عينتني بشئون القطن وبالسوق ~~عامة. ~~- خبرة السوق وفهمناها، ولكن من أين لك باللغتين؟ ~~- هذه من بين المقومات التي تكون حظي من السعادة. ~~- ألغزت فأفصح. ~~- مصادر تعلمي لا أظنها تهم سعادتك، وإنما الذي أعتقد أنه يعنيك هو النتيجة. ~~- والمصدر أيضا. ~~- مصيري أن أرويه لسعادتك في يوم من الأيام. ~~- ومن أين علمت أنني سأراك بعد اليوم؟ ~~- طول حوارك معي على هوان مظهري، إلى جانب شيء آخر أخاف أن أذكره. ~~- بل اذكره. ~~- ثقتي بنفسي. ~~- أهو نوع من الغرور مرة ثانية؟ ~~- بل هو اطمئنان أن بنكا كالذي تديره يحتاج إلى مؤهلاتي؛ وخاصة إذا أضفنا إلى ذلك ما ~~عرف عنك من حرص على نجاح المؤسسة التي تعمل بها. # وفجأة قلب صبحي بك حسان النقاش من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية التي يتقنها، وأجرى ~~لعبد الشكور امتحانا عسيرا في إجادة اللغة الإنجليزية انتهى منه بأن قال له بالعربية: إن ~~كنت تجيد الألمانية إجادتك للإنجليزية فإنك عملة نادرة. ~~- أستطيع مؤقتا أن أقول لسيادتك إنني تعلمتها عن ألمان، أما كيف كان ذلك فأرجو أن تتركه ~~سعادتك للأيام. ~~- أظن أن من حقك الآن أن تتكلم عن الأيام الآتية. ~~- إذن ... ~~- لقد عينتك، وسأعرف خبرتك في القطن من الممارسة. ~~- أتسمح لي بشيء، على شرط ألا تتمنع. ~~- ماذا ms11 تريد أن تقول؟ ~~- إنه ليس قولا، بل إنه عمل. # وقفز عبد الشكور فجأة من كرسيه واختطف يد صبحي وقبلها؛ الأمر الذي تم في لحظات وامضة لم ~~تعط أي فرصة لصبحي أن يتأبى أو يمنع موظفه الجديد عما صنعه. # | الفصل الرابع # تمكن الهاربان الألمانيان من الحصول على أوراق تسمح لهما بالعودة إلى ألمانيا، وطلب ~~إليهما عبد الشكور أن يكتبا له عن عنوانيهما بمجرد وصولهما إليها. # ولم يكن أحد منهما يعرف أين سيستقر به المقام، كما كانا يجهلان ما بقي من أسرتيهما على ~~قيد الحياة، فقال مارك لعبد الشكور: سأكتب إليك بمجرد وصولي إلى الأرض الألمانية. # ثم التفت إلى هوفمان قائلا: وأنت يا هوفمان ألا تنوي أن تفعل ذلك. ~~- بالطبع، ولكن هل تنوي يا عبد الشكور البقاء في هذا البيت بعد أن أصبحت صاحب ~~وظيفة. ~~- المؤكد أنني سأنتظر أخباركما هنا حتى أعرف العناوين التي أراسلكما عليها. # وقال هوفمان: إننا سنطلعك الآن على سرنا الذي أخفيناه عليك طوال هذه السنوات. ~~- ألكما سر؟ ~~- كلانا مهندس متخرج في أعظم كلية في ألمانيا كلها، فلا تعجب إذا جاءك منا أخبار تفيد ~~أننا نعمل في وظائف غاية في الأهمية. # وأكمل مارك: بالطبع ألمانيا اليوم تحتاج أكثر ما تحتاج إلى المهندسين بعد أن سحقت الحرب ~~مدنها. ~~- هل تعلمان إن كانت أسرتيكما في ألمانيا الشرقية أم الغربية؟ # وقال مارك: الأمر الذي لا شك فيه أن أسرتينا في ألمانيا الغربية، وسنزداد وثوقا من هذا ~~حين نصل إلى هناك. ~~- هل أنتما متزوجان؟ ~~- كان لكل منا فتاة لا شك أنها تزوجت الآن. # وأكمل مارك: أنت تعلم طبعا أن أخبار أهلنا في ألمانيا الآن خافية عنا تماما، وسنكتب لك ~~بالتفصيل عند عودتنا. ~~- لم يخبرني أحدكما عمن ترك من أقارب هناك. # قال هوفمان: أنا ومارك كلانا تركنا أبوينا وأمينا على قيد الحياة، وأنا تركت مع أبوي ~~أختين تصغراني، ومارك ترك أختا تصغره وأخا طفلا. # وقال مارك: انتظر أخبارنا كلها في أول خطاب نكتبه إليك. ~~- إني منتظر. # وما هي إلا أيام قلائل حتى تمكن مارك ms12 وهوفمان من مغادرة مصر. ~~••• # كان عبد الشكور يعرف تماما ما هو صانعه بالبنك. # لقد حرص أول ما حرص على أن يوثق صلته بصبحي حتى يجعله يحس أنه لا يستطيع أن يستغني ~~عنه. # وكانت أولى خطواته في هذا السبيل أن يجعل من نفسه شبه خادم لسكرتيره نبيل معوض. # وقد كان شابا في ربق العمر حاصلا على ليسانس الحقوق، وكان من قرية صبحي بك نفسها، بل ~~إن أباه كان يعمل ناظر زراعة لمائة الفدان التي يملكها صبحي عن أبيه، وقد امتنعت مساحة ~~الأرض على قانون الإصلاح الزراعي فلم تنتزع الحكومة شيئا من أرضه؛ مما جعل الثورة لا ~~تعتبره من أعدائها. وقد أتاح له ذلك أن يرقى في البنك إلى منصبه هذا الذي يشغله؛ وخاصة أنه ~~لم يكن من عائلة ذات مكانة ولا خطر؛ مما يسر له أن ينضم إلى منظمات الثورة، ويظهر ~~غلواء في تأييدها والهتاف لقائدها الأول ثم لقائدها الثاني؛ مما جعله من أهل الولاء ~~والكفاءة في وقت معا؛ الأمر الذي لم يتيسر إلا لقلة نادرة في هذه الأيام. أما نبيل فلم ~~يكن أبوه يملك إلا خمسة أفدنة، استطاع بها وبعون من صبحي وأبيه أن يكمل تعليم نبيل في كلية ~~الحقوق، عاجزا بضآلتها في الوقت نفسه أن يعلم ابنيه الآخرين مرسي وعيسى، اللذين لم يكن ~~أمامهما إلا أن يعملا فلاحين في أرض صبحي بك، وقد تمكن كلاهما من أن يحصل على خمسة ~~الأفدنة مما وزعتها الثورة من الأرض التي استولت عليها. وقد نالا ما نالا من أرض الغني ~~الكبير في قريتهم متولي باشا خطاب، الذي نال الباشاوية حين تبرع للمشاريع الخيرية بخمسة ~~آلاف جنيه في عهد الباشاوات. # عرف عبد الشكور كل شيء عن نبيل معوض من ساعي مكتب ~~المدير حسنين عبد المولى. # وقد عرف منه أيضا في دعوة الغداء التي دعاه إليها من أول مرتب يحصل عليه من البنك أن ~~صبحي بك متزوج من ابنة عمه صافيناز هانم عبد الموجود، ذات الأم التركية التي لا يعرف حسنين ~~اسمها الذي لم يسع ms13 إلى معرفته؛ فالأم قد تركت الحياة قبل أن يتزوج صبحي ابن الفلاحين من ~~ابنتها. # وانتظر عبد الشكور أن يصل إلى الخوافي من أخبار صبحي حين يوثق صلته بنبيل؛ الأمر الذي ~~أعد له كل الإعداد؛ وخاصة حين أبلغه حسنين أن نبيل يحب الفتيات الجميلات، أو غير ~~الجميلات إن لم يتيسر له غيرهن. # وقد وجد عبد الشكور منفذه إلى نبيل، وترك للأيام أن تلج به إلى هذا المنفذ. ~~••• # كانت وظيفة عبد الشكور في قسم الأقطان، وقد أراد صبحي أن يرى مقدار كفاءته. # وانقضت بضعة أسابيع، وبدأ موسم شراء الأقطان، وتحرى عبد الشكور أن يبتعد في مشتريات ~~البنك عن شقلبان؛ حتى لا يرى سبيلا إلى أبيه، بل تحرى أن يبتعد عن المركز جميعا الذي يعرف ~~أغلب أهله ويعرفونه؛ فقد كان حريصا أن يقطع ما بينه وبين هذه الأيام بكل ما وسعه من ~~جهد. # بدأ عبد الشكور جهاده الوظيفي في الصعيد، وكان هذا أمرا طبيعيا؛ فقد كان موسم القطن ~~يبدأ في الصعيد قبل الوجه البحري بفترة طويلة. وقد استطاع بسابق خبرته في الصفقات ضئيلة ~~الشأن أن يكون ماهرا غاية المهارة في عقد الصفقات الكبيرة، واضعا في الحسبان أن أكبر مالك ~~لا تزيد أرضه عن مائتي فدان بعد تطبيق قانون الإصلاح الزراعي. # وقد استطاع عبد الشكور أن يثبت لصبحي نجاحه الفائق في عقد الصفقات، فكان أكثر زملائه ~~نشاطا. # وكان يراعي في أول الأمر أن يكون صادقا مع البنك، متلمسا سرقة المشترى في السمسرة التي ~~حرص ألا يعلم عنها البنك شيئا؛ حتى إذا انتهى من الصعيد انتقل إلى الدلتا في نشاط منقطع ~~النظير؛ مما عاد على البنك بمكاسب لم يحققها البنك في هذا المضمار من قبل؛ الأمر الذي وفر ~~لعبد الشكور قدرا من المال اعتبره هو في البداية جديرا بكل احترام وإجلال؛ فإن كمية ~~النقود التي أتيحت له لم يسبق له أن رآها بله أن يملكها. # كانت أنباء صديقيه قد وصلت إليه، وأصبح قادرا أن يستأجر شقة صغيرة كل الصغر في حي ~~الزمالك، بإيجار لو سمع ms14 به أبوه لأصابته سكتة قلبية؛ فقد كان يدفع عشرة جنيهات إيجارا ~~للشقة التي كانت تتكون من غرفة نوم واحدة وغرفة للطعام وصالة صغيرة، وحمام لولا صاحب البيت ~~ما عرف عبد الشكور كيف يتعامل معه. # وكانت الشقة خالية فنقل إليها سريره المتهالك وكرسيين أثارا مع السرير سخرية البواب في ~~العمارة الجديدة. # كان لا بد أن يؤثث الشقة الجديدة بما يليق بأناقتها وفخامة العمارة التي تحتويها. وفي هذا ~~التأثيث عرف طريقه إلى نبيل. ~~- أجرت شقة بالزمالك. ~~- الزمالك مرة واحدة. ~~- إن لم يكن السكن جميلا فما قيمة حياة الإنسان. ~~- كم إيجارها؟ ~~- ولا يهمك. المهم أريد أن أؤثثها، وليس لي إلا أنت لتشتري لها أثاثا يبدو لائقا بالحي ~~ويكون في الوقت نفسه ملائما لعبد الشكور. ~~- أي عبد الشكور تقصد؛ الذي رأيته قبل أن يعين أم الذي أجر شقة في الزمالك؟ ~~- كل ما أرجوه منك أن تنسى عبد الشكور الذي كنت من القلة النادرة الذين رأوه بمصر قبل ~~التعيين. ~~- طبعا أنت تقصد بمصر القاهرة. ~~- الذين عرفوني من بلدتنا وما حول بلدتنا لن يروني أبدا على كل حال. ~~- وأبوك وأمك. ~~- يكفيهما أنني وفرت عليهما اللقمة التي كنت أقتطعها من قوتهما. ~~- كنت أظن نفسي عاقا لأنني لا أزور أهلي وأكتفي برؤية أبي حين يأتي لمحاسبة صبحي ~~بك! ~~- كن وفيا لنفسك أولا، أما الآخرون فعليهم أن يدبروا أمر أنفسهم. ~~- ألم يعرف أبوك أنك عينت وأنك استأجرت شقة في الزمالك؟ ~~- ولماذا يعرف؟ ~~- ألم يعرف على الأقل إن كنت على قيد الحياة أم لحقت بالرفيق الأعلى؟ ~~- المؤكد أنه يعلم أنني لم أمت وإلا حملت إليه ليتولى دفني. ~~- واضح أنك أرحت نفسك تماما. ~~- لا. اطمئن. المهم قل لي ماذا ستفعل معي في مسألة الأثاث؟ ~~- الأثاث أمره هين. ~~- كيف؟ ~~- عندنا في البنك قسم خاص بشراء احتياجات البنك في هذا المضمار، ورئيس هذا القسم حمدي ~~خميس، وهو الذي يشتري ما يحتاجه صبحي من أثاث. ~~- يا نهار أسود! وما لي أنا لصبحي بك وما يشتريه من أثاث. لو اشترى حمدي مثلما يشتري ~~لصبحي بك ms15 لما أكمل ما معي ثمن كرسي واحد للشقة. ~~- على مهلك، على مهلك، إن كل العاملين في البنك يلجئون إليه، وخبرته بالأثاث الرخيص أعظم ~~من خبرته في الأثاث الغالي. ~~- وصبحي بك. ~~- إنه يشتري له ما يحتاجه المطبخ والخدم، أما أثاث صبحي بك فتشتريه صافيناز هانم التي ~~تختار دائما أغلى الأثاث مما لا نعرفه ولا نعرف أسماء الماركات التي ينتسب إليها. ~~- هل صافيناز هانم مسرفة؟ ~~- مصيرك ترى حساب صبحي بك بالبنك لتعلم أن دخله لا يكفي طلبات زوجته وحدها. ~~- والأولاد؟ ~~- المهم عند صافيناز هانم نفسها أولا ولبسها وأثاث بينها والولائم التي تقيمها. ~~- والأولاد؟ ~~- كلاهما أيضا مسرف وإنما في حدود مطاقة بالنسبة لأبيهما. ~~- عرفت أن عنده ولدا وبنتا. ~~- الولد في السادسة عشرة، والبنت في الرابعة عشرة. ~~- اسم الولد رأفت، أظن. ~~- على اسم خال صافيناز هانم التركي. ~~- الاسم مشترك، لا تعرف إن كان اسم أنثى أو اسم رجل. ~~- لا يهم، المهم أنه اسم تركي. ~~- اسم البنت سمعته ولكني لم أستطع أن أحفظه. ~~- هان زاده، على اسم ستها من أمها طبعا. # سرح عبد الشكور لحظات. واضح أن صافيناز هانم هي العنصر الأساسي في بيت صبحي بك، وواضح ~~أيضا أنها خاربة بيت زوجها. وهذه ماذا أصنع لها؟ لا بد أنني واجد لها سكة، وحين أجدها ~~تكون أهم طريق لصبحي. ولو أنني من الآن أكاد أكون قد عرفت أحسن وسيلة لصبحي وصافيناز معا. ~~لأطويه وأطويها تحت جناحي ما علي إلا أن ... وارتاع من صمته وسرحته المليئين بالضجيج على ~~صوت نبيل يصيح به: هيه، أين ذهبت؟ ~~- معك. ~~- بجسمك. ~~- وبعقلي. هل سترسلني إلى حمدي خميس؟ ~~- بل يأتي هو إليك. إنك في مكتب المدير، وأنا أريد أن تكون شقتك عظيمة؛ فأنا أعتبرها ~~كشقتي تماما. # وفهم عبد الشكور الإشارة، وفرح بها كل الفرح، وأكمل نبيل: فرق بين أن تذهب إلى حمدي كأي ~~موظف في البنك وبين أن يأتي هو إليك ويتسلمك من مكتب المدير العام. # ورفع نبيل سماعة التليفون وأدار رقمين وقال: حمدي، تعال. # ولما أقفل التليفون، قال عبد الشكور: ألا ms16 تقول صباح الخير. ~~- مكتب المدير لا يقول صباح الخير. ~~- ألم يقل هو لك صباح الخير. ~~- طبعا قالها بكل حماس. ~~- لم تردها عليه. ~~- مكتب المدير لا يرد التحية. ~~- لا تؤاخذني على جهلي. ~~- ما زال أمامك الطريق طويلا. ~~- واضح. ~~••• # اشتر الأثاث بمعونة حمدي الذي وفر علينا مبلغا ضخما من المال. استطاع عبد الشكور أن ~~يكسب احترام البواب الذي كان قبل مجيء الأثاث الجديد يحتقره احتقارا لا خفاء فيه. # | الفصل الخامس # قال عبد الشكور لصبحي بك: أرجو أن تكون راضيا عني. ~~- واضح أنك خبير بسوق القطن خبرة عظيمة. ~~- ولكن الموسم انتهى، هل سأظل بلا عمل حتى الموسم القادم. ~~- وماذا تريد أن تعمل؟ ~~- هناك قسم في البنك درسته في المدرسة ولا أعلم عنه أي خبرة عملية. ~~- أي قسم؟ ~~- الأسهم والسندات. ~~- والله فكرة لا بأس بها، ولغاتك تؤهلك للعمل في هذا القسم؛ على أن تعود إلى القطن في ~~موسمه. ~~- طبعا. # وأعطى صبحي بك أوامره أن يلتحق عبد الشكور بقسم الأسهم والسندات في البنك. # وفي اليوم التالي تسلم عمله. ~~••• # استقبله فتحي السبكي رئيس القسم بترحاب حذر؛ أما الترحاب فبناء على أوامر صبحي بك، وأما ~~الحذر فلن يلبث عبد الشكور أن يتبين ما يتخفى وراءه. # عرف عبد الشكور أول ما عرف عن فتحي السبكي أنه متصل بدهاقين التنظيم السياسي الأوحد؛ ~~وهكذا انفتح أمامه باب جديد للنفاق. # وثق صلته بفتحي السبكي؛ حتى إنه منذ أول يوم حرص أن يرافقه في الطريق إلى بيته؛ ليتعرف ~~على مكان البيت، وليؤنس فتحي السبكي في مشواره. # كان فتحي السبكي يملك سيارة لا هي بالسيارة الفارهة ولا هي بالقميئة. وحين وصلا إلى عمارة ~~السبكي قال لعبد الشكور: تفضل نتغدى سوا. ~~- عزومة مراكبية طبعا. ~~- كانت كذلك فعلا، ولكن ما دمت قلت ما قلت فأقسم بالله لن تتغدى إلا معي اليوم. ~~- أصبح أمرا. ~~- اعتبره كذلك. # وانتهز عبد الشكور الفرصة ليوثق صلته بفتحي ويتعرف على أسرته. ولم يفته للوهلة الأولى ~~أن العمارة في جاردن سيتي، وأنها فخمة واضحة المهابة. # وصعد مع فتحي إلى بيته. واضح أنه ms17 كريم؛ فدعوته هذه لا تأتي من بخيل. وواضح أيضا أنه يريد ~~أن يبهرني بمسكنه ومأكله. # كانت زوجة فتحي السبكي سيدة في أواسط العمر بشوشا، لم تفزع من الضيف المفاجئ، واثقة أن ~~الطعام الذي لديها لا يخشى هابطا على بيتها دون انتظار. # الشقة فاخرة والأثار واضح الأناقة. # قال فتحي لزوجته وفية سعيد: الأستاذ عبد الشكور حيدر زميلي الجديد في القسم. # وسارع عبد الشكور صائحا: العفو، بل مرءوسه الصغير جدا. # وأحس فتحي بالزهو أمام زوجته، وما لبث أن أسفر عما وراء إصراره أن يتغدى عبد الشكور معه ~~حين قال لوفية مقدما مزيدا من التعريف بالضيف: إنه مقرب جدا من البيه المدير، ويعتبره ~~من أحسن موظفي البنك؛ رغم أنه لم يعين إلا منذ أشهر قلائل. # وانتهز عبد الشكور فرصة لا يمكن أن يفلتها لنافق رئيسه المباشر الذي يرجو منه الخير ~~الكثير: المهم رضاء سعادتك. # وقال فتحي فجأة: هل جاء الأولاد؟ # وقالت وفية: ليس بعد. # ودار الحديث بين عبد الشكور وفتحي، وعرف منه أن لديه ابنين وابنة، وأن الابنة أكبرهم، ~~واسمها ناهد، وهي في الثانوية العامة في هذا العام. أما الولدان فكلاهما في أواخر الدراسة ~~الإعدادية، يسبق أحدهما واسمه باسم أخاه الأصغر بعامين هما فارق السن بينهما. ولم تفت ~~الفرصة عبد الشكور: واضح أن ثلاثتهم مجتهد في دراسته. ~~- كيف عرفت؟ ~~- فارق الدراسة بين ثلاثتهم متفق تماما مع فوارق السن. ~~- اسم الله عليك، لا تفوتك الفائتة! فعلا ثلاثتهم مجتهد، وإن كان ثلاثتهم لا يقبلون أن ~~يلبسوا إلا أفخر ملبس، وناهد تصر على أن أشتري لها سيارة إذا نجحت في عامها هذا وذهبت إلى ~~الجامعة. ~~- من حقها، ولماذا لا تأتي لها بسيارة؟! ~~- ربنا يقدرنا. ~~- وإلى أي كلية تريد أن تنتسب. ~~- يا سيدي مصممة على الطب، والحقيقة أن تفوقها في دراستها السابقة سيمكنها أن تحقق ~~أملها إن شاء الله. ~~- ستدخل الطب وبكرة نشوف. ~~- قل إن شاء الله. ~~- ستدخل الطب. أنا مكشوف عني الحجاب. ~~- سنرى. ~~- سترى. # وقدمت وفية هانم في ترحاب تدعوهما إلى الغداء. وكانت المائدة عامرة. وأدرك ms18 عبد الشكور ~~طبعا أن الذي أمامه من الطعام هو لا شك نصيب الأبناء الذين لم يأتوا بعد إلى البيت، وأدرك ~~أيضا السعة التي يحيا فيها رئيسه المباشر. ولم تفته الخادمة التي تلبس ملبسا محترما ~~وتقوم بشأن ثلاثتهم على المائدة. # قال عبد الشكور وهم يتناولون قهوة ما بعد الغداء: أشرب القهوة وأتركك لتستريح فترة ~~القيلولة. ~~- أنت شرفت. ~~- بل أنا الذي تشرفت فعلا لا مجاملة. هل ستخرج بعد الظهيرة. ~~- طبعا أنا كل يوم أذهب إلى مقر التنظيم. ~~- صحيح. ~~- طبعا. ~~- هل عندك مانع أن أصحبك إلى المقر وأتعرف على الأقيال الذين نعرفهم. ~~- بالعكس فقد كنت سأعرض عليك أن تأتي معي. ~~- متى تذهب؟ ~~- في الساعة السادسة أكون هناك. ~~- أنا سأعود إليك هنا في الخامسة والنصف وأذهب معك. ~~- وهو كذلك. ~~••• # وهكذا قدر لعبد الشكور أن يضع أقدامه على سلم توقع هو أن يصل به إلى السماء ~~السابعة. ~~••• # ذهب عبد الشكور إلى المقر والتقى هناك بسكرتارية الكبار ومساعديهم. واختار في اليوم الأول ~~أن يتعرف إلى ما يرضي كلا منهم. واستطاع فيما تلا ذلك من أيام أن يكون لصيقا للغالبية ~~العظمى منهم، وإذا استعصى عليه أحدهم رفض أن يركن إلى اليأس في شأنه، بل راح يلوب حوله ~~ليعرف الباب الذي يدخل منه إليه ويطرقه، فإن لم يجد الطرق مجديا احتال على فتح الباب بأي ~~وسيلة أخرى، ولو أدى الأمر إلى اصطناع مفتاح مزور. # لقد استقر في أعماق عبد الشكور استقرارا وطيدا أنه يملك ما لا يملكه أحد؛ فهو بلا أصل ~~ولا كرامة ولا مثل، ولا تعنيه مشاعر السماء نحوه، وهو أملس ليس لديه أي شيء يخشى عليه، وهو ~~يعلم أنه ثعلبي الخبث، وأنه ابن سوق، وأنه صاحب مقدرة على التصرف والحديث بما يجعل سامعه في ~~حالة من السعادة والهناء والرضى عن نفسه لا تتهيأ له مع أي إنسان آخر غير عبد الشكور؛ وهكذا ~~لم يكن عجبا أن يطمئن غاية الاطمئنان إلى أنه يحوز في يده كل مفاتيح الغنى، وذلك مؤقتا عن ~~طريق البنك، أما مسالك الجاه فهو ms19 يرنو إليها عن طريق معارفه الجدد في مقر التنظيم، منتويا ~~أن يقفز على رءوسهم إلى الصدور والقادة من رؤسائهم، الذين يملكون في يدهم مقادير الناس ~~جميعا. وكلمة جميعا هذه تنصرف إلى المقادير وإلى الناس في وقت معا؛ فقد كان على بينة ~~وثيقة أن حكام ذلك العهد على رأسهم الحاكم الفرد الذي لم يكن الآخرون بالنسبة إليه إلا دمى ~~يحركها كما شاءت أهواؤه. كان على بينة أنهم يملكون من الناس مقاديرهم، ليس في وظائفهم أو ~~أعمالهم العامة وحدها، بل كانت أيدي الحاكم والدمى تمتد إلى خاصة حياتهم والمستتر الخافي من ~~شئونهم وشئون ذويهم. # وكان واثقا أيضا أن طاغية العهد لا شأن له مطلقا بالإيمان بالله ولا بأحكامه ولا ~~بآخرته. # كان عبد الشكور على بينة من هذا جميعه، فأدرك أن المستقبل لن يفتح له ذراعيه على ~~مصراعيهما إن لم يجد إلى بلاط الفئة الحاكمة منفذا واسع الأرجاء. وكانت ثقته بمقدار سفالته ~~ونفاقه تملأ نفسه يقينا أنه بالغ من مطامعه ما يشتهي ويريد؛ حتى ليكاد أن يتحدى الأيام أنه ~~لا شك إلى نجاح وفلاح. # | الفصل السادس # بدأ عبد الشكور يتعرف على طبيعة العمل في قسم الأسهم والسندات، وما لبث أن فرض نفسه على ~~فتحي السبكي حتى أصبح أقرب المقربين إليه. # وبهذه الصلة الوثيقة تبين له ما أذهله. # لقد كان فتحي يتصرف في أسهم الناس وفي سنداتهم كأنها ملك شخصي؛ ينال منها على غير علم من ~~أصحابها مكاسب فادحة. # وتظاهر عبد الشكور أنه لا يفهم ما يصنعه فتحي، وصرف جهده أول ما صرف إلى التعرف على أصحاب ~~هذه الأسهم؛ فالغالبية العظمى منهم هم أصحاب الأموال الجسام الذين لم يكن العهد الحاكم قد ~~مسهم بعد. # وعن هذا الطريق تعرف على أصحاب الثراء العريض والأصل الرفيع، حتى إذا وثق صلته بهم ~~عاد إلى فتحي الذي كان قد أمن له كل الأمان وجعله يتعرف على خوافي الأمور وسراديبها. # وكان فتحي على قدر واسع من الذكاء؛ مما جعله يتيح لعبد الشكور أن يقوم ببعض العمليات التي ~~تعود عليه ms20 بالربح الوفير؛ وإن لم يكن إلى وفرة عمليات فتحي طبعا. # في يوم من الأيام بينما هو في مكتبه طلبه نبيل في التليفون: ماذا تعمل؟ ~~- مهما يكن ما أعمله أنا تحت أمرك. ~~- تعال. # وحين جلس عبد الشكور أمام نبيل قال نبيل: أتذهب إلى السينما؟ ~~- فيما ندر. ~~- لماذا؟ ~~- يا نبيل يا حبيبي، أنا العمل الذي لا أكسب منه لا يلزمني. ~~- ربما تكسب تسلية. ويقولون إن بعض الأفلام المأخوذة عن أعمال كبار الكتاب قد تكسب ~~ثقافة. ~~- هل هذه الثقافة تنفعني في البنك؟ ~~- المؤكد أنها تنفعك في الحياة. ~~- كيف؟ ~~- في معاملة الناس ومحادثة أهل الحل والربط. ~~- والله لك حق؛ فأنا لا أعرف أعظم من صبحي بك. ومن يدري لعل الأيام ترمي بي في طريق بعض ~~العظماء. ~~- هذا أمر وارد لا شك. ~~- بدأت أتعرف بأصحاب الأسهم والسندات من الأثرياء الكبار والباشاوات والبكوات السابقين، ~~وأقول لك الحق: ما زلت أتهيب أمرهم وكأنهم ما زالوا باشاوات وبكوات. ~~- العظمة عند أغلب هؤلاء ليست في الرتبة وإنما في الطبع والتصرف والخلق والثقافة ومعاملة ~~الناس والحياة. ~~- لك حق. ما زال لهم جلالهم وهيبتهم وكأن الثورة لم تقم. ~~- وطبعا أبوك لم يكن يعرف واحدا منهم. ~~- وما الداعي لهذه الملحوظة. ~~- أقصد أن ثقافتك قاصرة في هذا الشأن. ~~- مؤكد. ~~- فلا بد أن تثقف نفسك حتى تعرف كيف تحادثهم. ~~- بالسينما؟ ~~- بالسينما وبالكتب وبالروايات الكبرى لعظماء الكتاب. وإلا ماذا ستفعل إذا حدثك واحد من ~~هؤلاء في الحياة العامة ووجدك لا تعرف أسماء الكتاب المصريين والعالميين. ~~- يا نهار أسود! تكون مصيبة. ~~- ابدأ بالسينما. ~~- أبدأ بالسينما. ~~- أنا عازمك اليوم في حفلة الساعة السادسة. ~~- أذهب معك. ~~- بل تذهب وحدك. ~~- ماذا؟ ~~- ما سمعت. ~~- أمرك. ~~- وهو كذلك. أظنك في هذه الفترة لن تكون محتاجا لشقتك. ~~- يا نبيل يا حبيبي، لم تكن محتاجا لكل هذا لتستعمل الشقة. ~~- أنا أعلم ذلك، ولكن الحديث جر بعضه، وعليك أن تعلم أنه بصرف النظر عن مسألة الشقة فإن ~~كل ما قتله لك صحيح، وعليك أن تهيئ نفسك لمعرفة هؤلاء الأجاويد. ~~- والله أنا وزنت ما تقوله ms21 ووجدته معقولا. ~~- ألم أقل لك. ~~- فعلا لك حق. خذ المفتاح. ~~- شكرا. ~~- أنا لا مانع عندي أن أزيد نفسي ثقافة وأذهب إلى حفلة الساعة التاسعة أيضا على حسابي ~~الخاص. ~~- يا نهارك أسود! أتريد أن تطردني زوجتي من البيت. ~~- لماذا؟ ~~- انت انهبلت! أدخل عليها الساعة الثانية عشرة ولا تطردني. ~~- وإذا طردتك، تنفذ الطرد؟ ~~- سأكون بين اثنتين لا ثالث لهما؛ إما أن أخرج وأتصرف في المبيت بأحد الفنادق، وإما أن ~~تأخذ هي العيال وتذهب إلى بيت أبيها وتصبح فضيحة بجلاجل. ~~- وما الداعي؟! يكفيك حفلة الساعة السادسة. ~~- وأين أترك لك المفتاح؟ ~~- إنني منذ عرفتك وأنا معد نفسي لهذا الطلب الذي أعتقد أنه تأخر كثيرا. ~~- ماذا تعني؟ ~~- معي مفتاح آخر، وغدا آخذ منك المفتاح الذي أعطيته لك الآن. ~~- ولماذا لا تبقيه معي؟ ~~- لا، لا يمكن. لا بد أن تطلبه مني كلما احتجت إليه. وإلا فوجئت بي على رأسك في الشقة ~~وربما في السرير أيضا. ~~- فعلا، فعلا، لك حق. غدا أعطيك مفتاحك. ~~- سأكون عندك بكرة قبل أن تشرب قهوتك. ~~- وهو كذلك. # | الفصل السابع # طبعا لم يكتف عبد الشكور بالعمليات الصغيرة التي يتركها له فتحي، ولم يكن منذ أول لحظة ~~منتويا أن يكتفي بها، ولكنه كان يدبر للأمر منذ الوهلة الأولى، ورأى أن خير وسيلة أن يجعل ~~فتحي يثق فيه ثقة عميقة. # وفي عماية هذه الثقة راح عبد الشكور يجمع من الأوراق والأسانيد ما لا يقبل المناقشة أو ~~التفنيد. # وحين ارتأى أن بيده ما يكفي ويزيد دخل إلى صبحي حسان. ~~••• # قال صبحي لفتحي بعد أن استقدمه: ألق نظرة على هذه الأوراق يا فتحي. ~~- أمرك يا افندم. # وما هي إلا لحظات حتى أدرك فتحي الكارثة الكبرى التي حلت به. ولم يكن محتاجا أن يقرأ ~~كل الأوراق، وإنما اكتفى بنظرة سريعة عابرة كانت كفيلة لأن يرى مصيره الأسود أمام عينيه، ~~وحين أرجع الأوراق إلى صبحي الذي جمعها في عناية بالغة وسواها وأعادها إلى الدوسيه الذي ~~كان يحتويها، فعل كل هذا في بطء شديد، حتى إذا أودع المستندات في الدرج ms22 الذي أخرجها منه ~~وأقفله بالمفتاح التفت إلى فتحي: ما رأيك؟ ~~- الذي تأمر به سعادتك. ~~- إنك موظف قديم بالبنك، ومعرفتي بك منذ سنوات طوال؛ ولهذا، ومن أجل ناهد وباسم وخالد ~~والست وفية سأكتفي بأن أطلب منك الاستقالة لتنال المكافأة التي تستحقها، والتي تستطيع أن ~~تعيش بها حتى تجد وظيفة في بنك آخر. ~~- ومن سيقبلني بعد هذه المصيبة. ~~- طول عهدك بي يجعلك تثق في وعودي. ~~- هذا لا شك فيه. ~~- لن يعرف أحد في العالم ما تم الآن بيننا. ~~- والذي أتى لك بهذه المستندات. ~~- أنا أضمن أنه لن ينطق بشيء. ~~- أتضمن هذا المخلوق؟ ~~- أتعرفه؟ ~~- ليس هناك إلا واحد فقط يستطيع أن يصل إلى هذه الأوراق. ~~- أنا أضمنه مهما كان رأيك فيه. ~~- أمرك. ~~- إذن. ~~- أعطني سعادتك ورقة. ~~- تفضل. # وكتب فتحي الاستقالة، وقبل أن يصل إلى نهايتها سأل صبحي: هل أختلق لها سببا؟ ~~- اكتف بالقول بأنك لم تعد تستطيع الاستمرار بالعمل والبنك. ~~- وأطلب المكافأة؟ ~~- اطلب تسوية حالتك كما يقولون في الحكومة. # وأعطى فتحي الاستقالة إلى صبحي بك، وفي تحامل مرير على رجلين لا تكادان تسعفانه قام عن ~~كرسيه ومشى خطوات، وقبل أن يضع يده على أكرة الباب قال وظهره لصبحي: شكرا يا سعادة ~~البك. ~~- العفو مع السلامة. ~~••• # استدعى صبحي عبد الشكور وأخبره بما حدث لفتحي، ولم يدهش عبد الشكور حين قال له صبحي: تحل ~~محله. ~~- أخشى أن يغضب هذا الزملاء الذين سبقوني في العمل بالقسم. ~~- نحن في بنك، ومن حقي وحدي اختيار الأصلح دون نظر إلى الأقدمية. ~~- إذن أمرك. ~~- ولي عندك رجاء. ~~- بل أمر. ~~- لا يعرف أحد ما كان من أمر فتحي. ~~- إذا سمعت أن أحدا عرف أكون أنا وحدي المسئول أمامك. ~~- وهو كذلك. ~~••• # ليس بعجيب على عبد الشكور ما فعله في اليوم نفسه. # لقد ذهب في وقت الغداء إلى بيت فتحي. ولم يفاجأ بفتحي وهو يفتح الباب حتى إذا وقعت عيناه ~~على عبد الشكور ارتسمت الدهشة الآخذة الذاهلة على كل سمات وجهه: أنت؟! أهذا معقول؟! لقد ~~توقعت أي إنسان إلا أنت. ~~- ولهذا جئت. ~~- فعلا ms23 ، منك أنت لا شيء يستغرب. ~~- اسمح لي أشرح أولا. ~~- اشرح. ~~- هنا؟ ~~- نعم هنا؛ فبيتي حرام عليك منذ اليوم. ~~- ليكن ما تريد مؤقتا. ~~- تكلم. ~~- من الذي يخلفك في رئاسة القسم؟ ~~- المفروض إسماعيل وجدي. ~~- فمن له مصلحة في الوشاية بك غيره؟ ~~- أنت. ~~- لماذا؟ ~~- أنت مقرب من رئيس البنك وربما يعينك في مكاني. ~~- وأجعل نفسي في الواجهة؟ وأحرم نفسي مما كنت تتركني أقوم به من أعمال تعود بالربح ~~الوفير؟ ~~- ربما تريد الربح كله. ~~- ألا تعرف مقدار ذكائي؟ ~~- أعرف مقدار خبثك. ~~- ليكن. كيف سيتاح لي أن أقوم بهذه الأعمال بعد أن انكشف أمرها؟ أليست مصلحتي أن أتخذ منك ~~ستارا واقيا وأكتفي أنا بالعمليات التي كنت تتركها لي؟ # فكر فتحي فيما سمع وأطال التفكير، ثم قال لعبد الشكور: تعال، ادخل. # وصاح عبد الشكور: هكذا يجب أن تكون الأمور. كان من الأول يا أخي. # خالت عليه الحيلة وصدقني. أنا أحتاجه في التنظيم السياسي ولا أريد أن يسيء إلي عندهم. ~~أما الوسائل التي كان يحصل بها على الأرباح في البنك فقد تبين لي بالخبرة أنها وسائل ~~بدائية عاجزة. # إن الطريقة التي توصلت لها أنا هيهات لألف شخص مثل فتحي أن يفكر فيها. أما صبحي فأمره ~~ميسور. فرجت يا عبد الشكور من أوسع الأبواب. # | الفصل الثامن # مرت أيام قلائل على مباشرة عبد الشكور لعمله الجديد حين فتح الساعي الباب وقال: سعادة أبو ~~العلا بك عفيفي. # وفتح الساعي الباب للقادم دون أن ينتظر أمر عبد الشكور. # وبهت عبد الشكور كما بهت البك القادم. وفي لعثمة قال عبد الشكور: أهلا، مرحبا. # لم يكن قد أعد نفسه لهذا الموقف مطلقا؛ ولهذا لم يكن عجيبا أن تركبه الحيرة. ولم ~~يمهله القادم، بل قال وهو يجلس دون دعوة من عبد الشكور: أين فتحي بك؟ ~~- ترك العمل في البنك. ~~- لماذا؟ ~~- وجد مرتبا أحسن في بنك آخر. ~~- إذن أحب أن أتشرف بسعادتك فسيكون بيننا عمل كثير. ~~- الحمد لله، لم يعرف شكلي. # وبعد هدأة قال: عبد الشكور. ~~- عبد الشكور ماذا؟ ~~- آه يكاد المحظور أن يقع. ولكنه ms24 لم يستطع أن يفر منه، واضطر أن يجمع حروف الكلمة في ~~صعوبة بالغة وهو على يقين أنه إذا أخفى اسمه الكامل فسوف يعرفه أبو العلا من غيره. لم يجد ~~بدا من أن يقوله وليكن بعد ذلك ما يكون. ~~- عبد الشكور حيدر. # وارتسمت معالم التعرف على ملامح «أبو العلا». ~~- الآن عرفتك. وأنا منذ اللحظة الأولى أقول لنفسي الوجه ليس غريبا علي. ~~- طالما زرت سعادتك في العزبة. ~~- مع أبيك التاجر حيدر أبو عبيد الكيالي. # وجد عبد الشكور في كلمة التاجر ما طمأنه بعض الاطمئنان؛ فقد كان يستطيع أن يذكر الحقيقة ~~ويقول السمسار ولا يكون بعيدا عن الحقيقة المؤكدة. أما أن يقول التاجر فلا شك أنه يريد أن ~~يجاملني. # وأكمل أبو العلا: وكنت أنت تعمل في القطن. # وهذه مجاملة أخرى؛ أنه لم يقل تسمسر. # وسارع قائلا: ذاكرة سعادتك عظيمة. ~~- وكيف حال أبيك؟ ~~- الحمد لله. ~~- لي زمان لم أره. ~~- إنه لا يستغني عن سعادتك أبدا. ~~- لي هنا أسهم. ~~- أعرف يا سعادة البك. # وبدأ أبو العلا يلقي على عبد الشكور التصرفات التي يريد أن يجريها في أسهمه، وأنهى عمله ~~وقام وهو يقول: أنا أعتبرك هنا كابني؛ فأبوك حيدر من أحب الناس إلي؟ ~~- أطال الله عمرك يا سعادة البك. وستجدني دائما تحت أمرك. ~~- كثر خيرك. السلام عليكم. # وخرج. ولم يتنفس عبد الشكور الصعداء؛ فقد توقع شرا هو في غنى عنه كل الغنى. ~~••• # يومان مرا، وفتح الساعي الباب ولم ينطق، وملأ فتحة الباب أبوه واقفا أمامه، ورأى عبد ~~الشكور فيه الحدث الآخذ. طبعا قال للساعي إنه أبي، وإلا لما فتح الباب. وانكتم لا ~~ينطق. # بالغريزة قفز عن كرسيه. ~~- أهلا أبي، يا مرحبا. # وانحنى على يده يقبلها، ولكن أباه اختطفها منه: الآن عرفت سبب مقاطعتك لي أنا ~~وأمك. ~~- العفو يابا، كنت مشغولا فقط. ~~- النقاش لا يفيد ولا الأعذار. ~~- يابا وهل لي في الدنيا إلا أنت وأمي. ~~- لن تستطيع خداعي. وإنما جئت من البلد فقط لألقي عليك نظرة وأفهمك أنني عرفت مكانك ~~ومكانتك في البنك أيضا، ثم السلام عليكم ms25 ورحمة الله. لن تراني بعدها ولن ترى أمك. واستدار ~~حيدر وأخذ طريقه إلى خارج البنك. # وأحس عبد الشكور كأن حملا ثقيلا قد انزاح عن كاهله. لم يعد في حاجة أن يحذر أباه من ~~المجيء مرة أخرى إلى البنك، كما أنه ليس في حاجة أن يخرج مع أبيه إلى الباب الخارجي ويعرف ~~موظفو البنك جميعا مقدار أبيه الواضح في ملابسه. ليس في حاجة إلى أي شيء من جميعه. ووجد ~~نفسه ينحط على كرسيه وهو يجتذب نفسا عميقا من أسفل مكان في رئتيه. ودق الجرس وأمر بسيوني ~~الساعي أن يحضر له فنجان قهوة سكر زيادة. # | الفصل التاسع # تحسبا منه أنه ربما يحتاج إلى صديقيه الألمانيين حرص عبد الشكور أن يوثق صلته بمارك ~~وهوفمان؛ اللذين داوما على مكاتبته منذ وصولهما إلى ألمانيا، وعرف منهما أن كليهما يقيم في ~~برلين الغربية، فكان هذا أقوى سبب أن يجيب رسائلهما، وقد عرف عنهما أنهما يعملان كلاهما في ~~عملين مرموقين؛ مما يفتح المستقبل أمامهما، كما أنهى إليهما هو ما بلغه في البنك من ~~قفزات. ~~••• # وكان عبد الشكور أحرص ما يكون أن يمر في كل يوم بصبحي حسان ويلقي عليه تحية الصباح، ~~وكثيرا ما كان يستدعيه صبحي لينادمه؛ فقد أنس إليه ووجد في حديثه متعة لا يجدها مع ~~غيره. # وكان عبد الشكور حريصا في زياراته الصباحية على أن يمازح نبيل ويعرض خدماته، فإذا كان ~~لدى صبحي ما يشغله جلس إليه نبيل. وفي واحدة من هذه الجلسات قال نبيل: الليلة ستذهب إلى ~~السينما. ~~- هاك المفتاح. إنما قل لي. ~~- أقول لك. ~~- أهي واحدة. ~~- يا نهارك أسود! كيف تتصور هذا؟ ~~- إذن فهن كثيرات. ~~- بطبيعة الحال. ~~- وما الخطر في أن تكون واحدة. ~~- وهل مثلي يستطيع أن يتحمل تكاليف الصديقة الواحدة. ~~- أتكلفك أكثر من الفتيات العديدات؟ ~~- لكل واحدة من الكثيرات أجرها المعلوم لا تتعداه؛ أما الواحدة فإنها تفرض نفسها عليك، ~~وتصبح في الإنفاق عليها ألعن من الزوجة ومصاريف العيال. هي مرة أو اثنتين ثم أبحث عن ~~غيرها. ~~- ودائما تجد غيرها؟ ~~- أكثر من الهم ms26 على القلب. ~~- فلماذا يا أخي لا تكرمني معك ببعض الهم؟ ~~- ماذا تقصد؟ ~~- أنت من الساعة التاسعة إلى الثانية عشرة لا بد أن تذهب إلى البيت. فما ضر لو ذهبت أنا ~~الآخر إلى بيتي ووجدت فيه ... # ولم يكمل عبد الشكور بل قاطعه نبيل: فهمت، لا تكمل. ~~- يا أخي هل كان لا بد لي أن أعرض أنا. ~~- والله غاب عن ذهني. أنا آسف. ~~- لا، العفو. ~~- الليلة ستجد ما تريد. ~~- حفظت. شكرا. ~~- لا شكر على واجب. ~~- الآن أدخل إلى صبحي بك. ~~••• # منذ ذلك اليوم تعرف عبد الشكور على الكثيرات من الفتيات، وحرص أن يسجل أرقام التليفونات ~~لكل منهن. ~~••• # طرق عبد الشكور باب صبحي بك ولم ينتظر الإذن بالدخول؛ فقد كان يعلم أنه وحده: صباح ~~الخير. ~~- وهو كذلك. ~~- إجابة لم أسمعها قبل ذلك في حياتي كلها. ~~- إنها التي عندي. ~~- ولماذا لا يكون عندك صباح الخير. ~~- لأنه ليس خيرا. ~~- لماذا؟ ~~- والسلام يا عبد الشكور، خل الطابق مستورا. ~~- ولماذا يكون مستورا؟! وإن أردت أن تستره على الجميع فلماذا تستره علي وأنا أحس أنك ~~أصبحت تأنس إلي وتطلعني على دخائلك لا تستثني من ذلك الأسرار المنزلية. ~~- هذا صحيح. ~~- فما الجديد؟ ~~- يا سيدي جماعة من الذين كانوا على ثراء فاحش قبل الثورة يريدون أن يبيعوا بعض الأثاث في ~~بيوتهم ليستعينوا بثمنه على الحياة. ~~- عظيم. وما شأننا نحن. ~~- صافيناز عرفت الخبر. ~~- هنا المصيبة. ~~- ستجن وتجنني إن لم تشتر طاقم الاستقبال وإحدى السجاجيد. ~~- فعلا لك حق؛ ليس صباح الخير. هل الثمن كبير؟ ~~- طاقم الاستقبال من الأبيسون الحرير. ~~- ماذا؟ ماذا قلت؟ ~~- لك حق. الأبيسون قماش فرنسي لم يعد أحد يصنعه الآن، وهو من خيوط الحرير، وإن كانت بعضهن ~~تصنعه من الصوف، والفرق شاسع في الثمن بين النوعين. ~~- فهمت. ~~- فكل أبيسون حرير الآن ثمنه خيالي لأنه تاريخي. ~~- بمعنى؟ ~~- بمعنى أن الطاقم الذي تريد صافيناز شراءه ثمنه ثمانية آلاف جنيه. # واتنتر عبد الشكور من كرسيه صائحا: بكم؟ ~~- بما سمعته. اقعد. ~~- ومتى أقف إذن؟! إن مبلغا كهذا لا بد أن يسمعه مثلي واقفا إن ms27 كان قاعدا، وقاعدا إن ~~كان واقفا. # وضحك صبحي وقال: احتراما؟ ~~- احتراما وتوقيرا ودهشة وذهولا وكل ما يرد على ذهنك من هذه المعاني وأمثالها ~~والقريبة منها. ~~- لك حق. والسجادة ألف وخمسمائة جنيه. ~~- وهذا أيضا يستحق الوقوف. ~~- أرأيت أنه ليس صباح خير. ~~- فعلا سعادتك محق. إنما قل لي سعادتك هل هناك مهلة لهذه الصفقة. ~~- أسبوع. ~~- صباح الخير. ~~- هل جد جديد؟ ~~- قل صباح الخير وأمل في تلميذك خيرا. ~~- هل عندك وسيلة؟ ~~- أمهلني ثلاثة أيام. ~~- أهذا معقول؟! ~~- الفأر أنقذ الأسد. ~~- على كل حال ليس لي أمل إلا في الفأر. ~~- قل صباح الخير. ~~- ليكن صباح الخير. ~~- سلام عليكم. ~~- وعليكم السلام. # وخرج عبد الشكور من الغرفة وأغلق الباب واثقا أنه أمسك بصبحي من حيث يريد أن يمسك ~~به. ~~••• # ذهب عبد الشكور إلى التنظيم فيما بعد الظهيرة ووجد من تعود أن يجدهم دائما. وكان قد ~~وطد علاقته بموسى أشرف أعظم الأتباع شأنا وألصقهم بأحد الأقيال الضخام الشأن والجاه. اقترب ~~منه وراح يجاريه في الحديث وموسى يحرص على أن يضع في كل بضعة جمل واحدة أو اثنتين عن ~~الشخصية ذات الشأن الخطير التي يعمل في خدمتها. وفي مهارة ودربة يظهر عبد الشكور الدهشة أو ~~الرهبة أو الإكبار أو الإجلال حريصا على أن يضفي على محدثه موسى كل ما يصبو إليه من عظمة ~~ومن أشكال الجبروت والمكانة والجاه العريض. # وفاجأ عبد الشكور موسى وكانا يجلسان بمنجى عن أسماع الآخرين: لماذا يا موسى بك لا ~~تشرفني في البيت؟ ~~- لا مانع طبعا. ~~- أتحب أن نتغدى معا أو نتعشى؟ ~~- الغداء لا يمكن؛ لأنني أكون دائما بالقرب منه وربما أرادني. ~~- وفي المساء؟ ~~- في المساء له هو سرحاته الخاصة. ~~- وأنت أليس لك سرحات؟ ~~- والله إن تيسرت يكون خيرا وبركة. ~~- ماذا تعني بتيسرت؟ ~~- ألم تفهم؟ ~~- فهمت، ولكني أريد أن أتأكد. ~~- هو ما فهمت. ~~- هل تتناول معي العشاء غدا. ~~- ومن المدعوون؟ ~~- أنت وشخص واحد. ~~- من هو؟ ~~- ستعرفه حين تراه. ~~- لا أحب المفاجآت. ~~- لا تخف، هذه مفاجأة ستحبها. ~~- أنا لا أذهب إلى أي دعوة إذا لم أكن ms28 على علم أكيد بالمدعوين. ~~- اترك هذه الخصلة غدا ولن تندم. ~~- اسمع، إذا انبسطت ستكون واحدا من المهمين في مصر كلها، وإذا ... ~~- وقاطعه عبد الشكور قائلا: لا تكمل، أعرف ماذا سيحل بي إذا حدث العكس. ~~••• ~~- صباح الخير يا نبيل. ~~- عسى الله أن تكون مبسوطا. ~~- نهارك فل. ~~- علم. ~~- البك وحده؟ ~~- وما هذه الحقيبة في يدك ليست العادة؟ ~~- قلت أوقع منه بعض أوراق على الماشي. ~~- ادخل. ~~- أراك وأنا خارج. ~~- أنا قاعد، وأين يمكن أن أذهب؟! # دخل عبد الشكور إلى مكتب صبحي ولم يجلس، وإنما وقف إلى جانب المكتب وفتح الحقيبة وهو ~~يقول: صباح الخير، مبروك على صافيناز هانم الطاقم والسجادة يا سعادة البك. # وقفز صبحي واقفا. ~~- يا نهارك أبيض! من أين جئت بكل هذا المبلغ؟ # وفي برود وثقة قال عبد الشكور: اهدأ واطمئن، واقعد واسترح. ~~- قعدت. # وراح عبد الشكور يشرح العمليات المالية التي يقوم بها في الأسهم والسندات، ووضح لصبحي ~~أن البنك أو أصحاب الأسهم لا يخسرون مليما واحدا. كما طمأنه أنه ليس بين أوراق البنك ورقة ~~واحدة لها شأن بهذه العمليات. # وأحب صبحي أن يقتنع، ووضع المبلغ في حقيبته الخاصة. ~~••• # حين ذهب موسى أشرف إلى بيت عبد الشكور استقبله في ترحاب أقرب إلى الذلة منه إلى الإكرام. ~~وحين دخل موسى إلى البهو طالعته فتاة واضحة الجمال والجاذبية، وقال عبد الشكور: كريمة، ~~الضيف الوحيد اللي دعوته. ~~- ونعم الضيف. ~~- عندي الشراب والدخان، أيهما أحب إليك؟ ~~- كله عظيم. ~~- ليلتنا بيضاء. ~~- إن شاء الله. # ولم ينس عبد الشكور أن يترك بيته في الموعد الذي رآه مناسبا تماما. ~~••• # وفي اليوم التالي قال موسى لعبد الشكور: شقتك جميلة ولكن صغيرة. ~~- أعرف ذلك، ولكن ماذا أصنع؟ ~~- تذهب غدا إلى عبد السميع حسني سيسلمك شقة من شقق العمارات المصادرة. ~~- غدا؟ ~~- غدا طبعا، أتحب أن تذهب الليلة؟ ~~- غدا عظيم. # | الفصل العاشر # كان عبد الشكور قد وثق صلته بثمانية نفر من أصحاب الأسهم، وكانت الأسهم التي يملكها ~~كل منهم تدل على الثراء العريق، وكان أهم هؤلاء رستم نامق؛ الرجل التركي الأصل الذي ms29 يزهي ~~دائما بأن جده الأكبر كان صدرا أعظم في عهد السلطان عبد الحميد بتركيا، وكان يروي لعبد ~~الشكور أنه حين حدثت ثورة الجيش على السلطان تمكن جده من تهريب ثروته جميعها إلى مصر، ولم ~~يكن له إلا ولد واحد الذي لم ينجب هو الآخر إلا ابنا واحدا؛ وهكذا وصلت الثروة كاملة إلى ~~رستم نامق متمثلة في أبعديات زراعية وأموال سائلة وجواهر نادرة المثيل لا يحصيها عد. ورستم ~~مثل أبيه وأجداده لم ينجب إلا بنتا واحدة هي فوزية. # وطبعا عبد الشكور كان يعلم أن الأبعديات قد انكمشت إلى مائتي فدان. ولكنه لم يعلم علم ~~اليقين مقدار المال السائل أو الجواهر، ولكن كمية الأسهم التي باسم رستم كانت شاهدا قويا ~~على ضخامة ما يملكه رستم. # وقد استطاع رستم أن يتخفى عن عيون الحكم المغتصب؛ فلم يكن ذا شأن في الحياة، وإنما كانت ~~حياته مقصورة على الإفطار في جروبي في الصباح، ثم يلزم بيته حريصا أن يراقب مذاكرة ابنته، ~~وكان لا يستقبل إلا ندرة قليلة من الناس، بعضهم أتراك وبعضهم من المثقفين الذين يريدون أن ~~ينتفعوا بالكتب النادرة التي تكتنزها مكتبته العامرة بالمخطوطات النادرة. ~~••• # مبلغ واحد آخر حصل عليه صبحي من عبد الشكور، ثم أممت الثورة الأسهم جميعا بحيث لا يملك ~~أي فرد من الأسهم أكثر مما قيمته عشرة آلاف جنيه. # وتفتق ذهن عبد الشكور عن فكرة عادت عليه بملايين الجنيهات؛ فقد اتفق مع الثمانية ~~اللصيقين به من ملاك الأسهم ألا يبلغ المصادرة إلا بما قيمته عشرة آلاف جنيه من أسهمهم، ~~ويجعل الأسهم الأخرى ملكا لأسماء وهمية، واتفق معهم أن يكون إقرارهم بالصورة التي سيعدها ~~لهم؛ حتى إذا راجعت الدولة قيمة أسهمهم في البنك لدى عبد الشكور وجدتها مطابقة لما جاء في ~~الإقرار. # أما الأسماء الوهمية التي كتب لها الأسهم فقد تفتق ذهنه أن يعد منهم توكيلات مزورة له ~~وأعد أيضا كيف ستزور هذه التوكيلات. ~~••• # بعد ليلة من ليالي شقته الجديدة كان المدعوان فيها موسى وسيدة وما يلزم لهما، قال ~~عبد الشكور لموسى ms30 : أي أمين للشهر العقاري من محاسيبك؟ ~~- فاضل الملواني. ~~- مره أن يفعل لي ما أطلبه. # وتم لعبد الشكور ما أراد من توكيلات. # وتمت العملية كلها، ولم يسمع بها أحد من داخل البنك أو خارجه. # واشترط أن ينال هو نصف ما سيهربه من أسهمهم، وقبل جميعهم العملية وشرطها. # وأطلع عبد الشكور رئيسه صبحي بك واعدا إياه بمبلغ لا بأس به؛ فقد كتم عنه طبعا النسبة ~~التي سينالها من المساهمين؛ والذي يقبل المال الحرام مرة من الطبيعي أن يقبله ~~دائما. # ورحب صبحي بالعملية. # وخاصة أن ما كان يعطيه له عبد الشكور من عمليات الأسهم سينقطع كما سينقطع عنه ما كان ~~يصيبه من سمسرة القطن من يد عبد الشكور. # فقد أممت الدولة تجارة القطن أيضا، وعلق صبحي على تأميم التجارة في القطن قائلا ~~لعبد الشكور: إنها قد فرضت على الفدان ضريبة أكثر من خمسمائة جنيه للفدان الواحد يدفعها ~~الفلاح الذي تقول الحكومة إنها جاءت لتنقذه من الاقطاع. هل كان يجرؤ أي اقطاعي أن يشتري قطن ~~الفلاح إلا برضى الفلاح نفسه. # وقال عبد الشكور: فرق السعر الذي تشتري به الدولة من الفلاح والسعر الذي تبيع به يزيد عن ~~الخمسمائة جنيه. ~~- فعلا. ~~- على كل حال أنا وأنت الوحيدان اللذان كسبا من تأميم الأسهم. ~~- البركة فيك. فكرتك عظيمة. ~~- لولاك ما استطعت أن أنفذها. ~~- المبلغ الذي حصلت عليه يجعلني أفكر في ترك البنك. # لم يتظاهر عبد الشكور بالدهشة، وأدرك صبحي ما يجول بنفس صاحبه فإذا هو يقول فجأة: نعم، ~~لماذا لا؟ ~~- ما هو؟ ~~- لماذا لا تصبح أنت مكاني؟ ~~- هل يمكن ذلك؟ ~~- البركة في موسى أشرف. ~~- وفيك أيضا. ~~- توكل على الله. # | الفصل الحادي عشر # شقة فاخرة ومدير بنك ومال وافر وجاه عريض، متى ينفذ تخطيطه للزواج إن لم يكن اليوم؟! وأين ~~سيجد رستم نامق لابنته فوزية زوجا أحسن من عبد الشكور حيدر؟! # قال لرستم: أنقذت لك ثروة. ~~- لا أستطيع الإنكار، ولو أنك أيضا حصلت على مبلغ عظيم. ~~- فما رأيك في هدية أخرى أقدمها إليك. ~~- أي هدية؟ ~~- أنا. ~~- ماذا تعني ms31 ؟ ~~- أتزوج فوزية هانم. # وأصاب رستم الذهول وصمت، وأكمل عبد الشكور: أنا مدير بنك أنت تعرف مكانته؛ بدليل إنك تضع ~~فيه أسهمك، وأنا أملك الآن ثروة لا بأس بها، فأنا لا أطمع في ثروتك. ~~- أنت تطمع في الزواج من أسرة عريقة. ~~- وهل في هذا بأس؟ ~~- لا بأس؛ على شرط أن تكون كفئا لها. ~~- ما الكفاءة إن لم تكن منصبا ومالا؟! ~~- أن تكون من أسرة في نفس العراقة. ~~- هل تعرف أصلي؟ ~~- لو كان لك أصل لكنت عرفته. ~~- إنني من أسرة ريفية، وأبي من أعيان البلدة، وأنا أشترك في هذا مع الأغلبية الساحقة من ~~أصحاب المناصب في أيامنا هذه. ~~- أيامنا هذه قلبت الهرم من أساسه. ~~- لا تملك أن تقاوم التيار. ~~- إنها ابنتي. ~~- إن لم تشترط إلا الحصول على ابن أسرة فتأكد أنه في الغالب الراجح سيكون طامعا في ~~مالك. # وصمت رستم قليلا. ~~- ولكن أصوله ستجعله عفيفا. ~~- وشحاذا أو قريبا من شحاذ. # وصمت قليلا: لا تستطيع أن تنكر أن هناك أصحاب مناصب وثراء من أسر عريقة. ~~- نادرون. ~~- ولماذا لا تتزوج فوزية واحدا من هؤلاء النادرين؟ ~~- لأن أحدا منهم لا يعرفها ولا تعرفه، وأغلب الأمر أن يتزوج أبناء هؤلاء من قريباتهم ومن ~~العائلات التي تصادقهم ويعرفون كل شيء عنها. ~~- ربما رشحت له فوزية من زميلة لها أو من إحدى الأسرات التي تتصل بها. ~~- إنك لا تكاد تتصل بأحد؛ فالفرصة أمام فوزية في الزواج تكاد تكون معدومة. ومن تلك التي ~~سترشحها من زميلاتها؟ أولى بها أن ترشح نفسها. ~~- فوزية أكملت دراستها في الأدب وتجيد الفرنسية والعربية. ~~- وأنا أجيد الإنجليزية والألمانية وأنت تعرف. ~~- على فكرة، ما شهادتك؟ ~~- مدير بنك. # وصمت رستم طويلا. لقد كبرت البنت ولم يتقدم أحد لخطبتها، ولم تستطع أن تكون أصدقاء أو ~~صديقات في الكلية؛ فقد كانت تربيتها المتزمتة حائلا بينها وبين الانسجام مع زملائها ~~وزميلاتها. وإذا لم أقبل هذا النصاب اللص المزور فالله يعلم ماذا يمكن أن يحدث. # ولم يتركه عبد الشكور لصمته بل قال في حسم: أنا أعرف عنك أسرارا ليس من ms32 مصلحتك أن ~~تذاع. # وفزع رستم وهو يقول ذاهلا: وتهديد أيضا؟! ~~- بل تذكير. ~~- تقصد ... ~~- أنت تعرف صلاتي؛ أستطيع أن أضعك أنت وفوزية تحت الحراسة بتليفون من بيتك هذا. # وأطرق رستم في رعب؛ ماذا يبقى له، إنه بلا صديق ولا معين إلا ماله. وهذا الآدمي المحسوب ~~خطأ على الإنسانية يستطيع أن يدمر حياتي وحياة فوزية في لحظة، ويصبح علينا الصباح أو يمسي ~~علينا المساء فإذا نحن متسولون نستجدي البقاء على الحياة من أيد لا نعرفها ولا تعرفنا. لم ~~يترك لي خيارا. # نظر طويلا إلى عبد الشكور، وجمع على لسانه في جهد شديد حروف كلمة واحدة. ~~- أسألها. # وأدرك عبد الشكور أنه بلغ مراده فقال في توقح: هذا شأنك. على شرط ... ~~- وشرط أيضا؟ ~~- أن تذكر لها ما كنت تفكر فيه الآن. ~~- أتعرفه؟ ~~- بالتفصيل. ~~- فلنسألها رأيها. ~~- ليس لديها خيار. # وأطرق رستم ثانية وهو يقول في أسى وانكسار: أعلم ذلك. # | الفصل الثاني عشر # اشتد المرض بحيدر، وضاقت به وسائل الرزق، وأغلقت السبل أمام زوجته زنوبة، ولم تجد شيئا ~~تقوله لزوجها إلا: ألا نخبر عبد الشكور؟ ~~- إياك أن تذكري اسمه. ~~- إننا في حالة ضنك والغرباء يشفقون علينا، أليس ابننا أولى بنا؟ ~~- إنه ليس ابننا. ~~- على كل حال أن نمد يدنا له خير من أن نقبل صدقة الغرباء. ~~- بل الصدقة من الغرباء أفضل. ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله. # وصمتت زنوبة وهي تضمر في نفسها أمرا. # حين نام حيدر في القيلولة ذهبت زنوبة إلى بيومي أقرب صديق لعبد الشكور قبل أن يهاجر من ~~القرية، ورحب بيومي بها فإذا هي تجبهه. ~~- أيرضيك ما نحن فيه يا بيومي؟ ~~- البلدة كلها تتكلم. ~~- وأنت، ألا تفعل شيئا؟ ~~- أنا تحت أمرك. ~~- نحن نعلم أنك لا تملك أكثر مما تعطيه لنا من حين لآخر. ~~- كريم ستار. ~~- ولكنك تملك ما تفعله. ~~- والله فكرت فيه. ~~- وماذا منعك عنه؟ ~~- ما عرفته من مقابلته لأبيه. ~~- ربما كان في ذلك اليوم معذورا. ~~- هذا كلام من تحكم على ابنها بقلبها لا بعقلها. ~~- ربما. ~~- وإذا سلمنا معك إنه كان معذورا يوم ms33 لقائه بأبيه، فهل ظل معذورا بعد ذلك حتى ~~الآن. ~~- حجته معه. ~~- ماذا يمكن أن تكون حجة ابن يقاطع أباه وأمه ويصبح شهيرا لا يمر يوم لا تذكر فيه ~~الجرائد اسمه، ويصبح المال عنده بالكيل ولا يذكر أباه وأمه ببعض هذا المال، أو على الأقل ~~بالسؤال عنهما. ~~- هل يمنعك هذا أن تفعل ما أرجوه منك؟ ~~- أنا أعرف ما تريدين دون أن تقوليه، بل وأعرف من زمن طويل أنك تتوقعين مني أن أفعله دون ~~أن تطلبيه مني. ~~- وماذا يمنعك أن تفعله؟ ~~- اليأس وشيء آخر. ~~- أي شيء آخر؟ ~~- الذي يهون عليه أمه وأبوه وهما أصل وجوده لا يمكن أن يرعى صداقة أو ودا لأي ~~إنسان. ~~- إنك كنت كأخيه. ~~- بل أكثر، ولكن أتظنين أنه لو كان له أخ كان سيفعل معه أحسن مما يفعله معك ومع ~~أبيه. ~~- هل هذا ما يسيئك. ~~- نعم. إنني لا أحب أن أراه يتنكر لي أو يتعالى علي أو يتجاهلني، والذي أراه من جحوده ~~معكما يجعلني أتوقع منه أسوأ التوقعات. ~~- وهل يمنعك هذا أن تحاول من أجل عمك حيدر. ~~- صعب. ~~- الرجل يموت ولا نملك ثمن الدواء، بل لا أخجل أن أقول لك إننا كثيرا ما لا نجد ثمن ~~الطعام لولا كرم الناس الطيبين. إنك أنت نفسك لا تنسانا وتجود علينا بما تستطيع. ~~- جهد الفقير. ~~- فإذا كنت أنت وأنت محدود الدخل تمد لنا يدك بالعون أليس ابننا أولى بنا. ~~- ابنك يعمل في بنك، أيجهل أن صناعة أبيه في السمسرة لم يصبح لها وجود؟! إن كان عنده أي ~~نية للمعاونة فما الذي يؤخره؟! ~~- ربما ظن أن أباه وفر من أيام عمله بعض المال يستعين به الآن. ~~- ألا يعرف أن أباه كان يحصل على قوت يومه بطلوع الروح، وأنه لم يستطع أن يجعله يكمل ~~تعليمه في الجامعة رغم علمه بحب أبيه له حبا فائقا؟! ~~- وهل عندنا غيره؟! إنه هو الذي يمثل لنا الحياة كلها. ~~- طبيعي؛ ابن وحيد، جاء بعد تشوق وانتظار. ~~- أتصدق بالله؟ ~~- لا إله إلا الله. ~~- إنني وحيدر لا نصلي صلاة إلا ms34 وندعو له فيها بالتوفيق والسداد. ولا نرجو الله أن يجعله ~~بارا بنا؛ فكلانا فقد الأمل في هذا تماما. ~~- ليس فيما أسمعه غرابة. ~~- والله ما دفعني للمجيء إليك إلا مرض الرجل وآلامه. أراه يتمزق أمامي ولا أجد ثمن ~~الدواء. ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله. ~~- إنه لا ينسى في كل صلاة بعد أن يدعو لعبد الشكور أن يطلب من الله أن يرفعه إليه. ~~- اسمعي يا أمه زنوبة، إنني سأذهب إلى عبد الشكور. ~~- إنه يا بني لا يعلم أن أباه مريض مرضا شديدا. فربما لو عرف يرق قلبه. ~~- إنني ذاهب وليكن ما يكون. # سألته نعيمة سكرتيرة عبد الشكور: نقول له من؟ ~~- قولي له بيومي. ~~- بيومي من؟ ~~- قولي له بيومي صديق الطفولة. ~~- فقط؟ ~~- هذا يكفي. ~~- أمرك. # وقال لها عبد الشكور: قولي له في لجنة، مشغول، لا يقابل أحدا. # وسمع بيومي الإجابة فاقتحم غرفة عبد الشكور دون أن ينتظر إذنا وصاح به: لقد كنت أتوقع ~~أنك ستمتنع عن لقائي. # ونظر عبد الشكور إلى نعيمة وأومأ لها أن تخرج ولم يتح له بيومي أن يتكلم. ~~- إن من يفعل الذي تفعله بأبيك وأمك لا يمكن أن يحن لأيام الصبا ولا لأقرب صديق منه لما ~~يزيد عن عشرين سنة من حياته. ~~- لا تطل، أنا أريد أن أنسى هذه الأيام، وأريد أن أنسى بلدتكم وكل ما فيها ومن فيها. ~~أنا أقنع نفسي أنني ولدت هنا في هذا البنك وحياتي هنا وليس لي قبلها حياة. ~~- لست سيدنا آدم. إن لك أبا وأما. ~~- بل إنني أنا آدم الجديد. ~~- حتى إذا علمت أن أباك مريض مرضا شديدا. ~~- هل لآدم أب. ~~- إنه يكاد يموت. ~~- كلنا سنموت. ~~- لا سلام عليك. ~~- ولا سلام عليك. # وخرج بيومي غاضبا يبحث عن أقرب طريق للهواء النقي. ~~••• # لم تمض أسابيع حتى مات حيدر، وتولى بيومي بما جمعه من كرام القرية نشر نعي حيدر ~~بالأهرام بادئا الخبر بقوله: شيعت أمس جنازة فلان والد فلان؛ قاصدا أن يعرف الناس أن ~~لعبد الشكور أبا وأنه ليس بآدم ولا حتى آدمي. # وغضب ms35 عبد الشكور من نشر الخبر فبادر يعلن أنه سيستقبل العزاء في جامع عمر مكرم دون مأتم، ~~ووقف عبد الشكور في الموعد الذي حدده يتلقى العزاء على باب المسجد فيسلم المعزون عليه ~~وينصرفون. # وأقام أهل القرية مأتما لحيدر لم يحضره عبد الشكور طبعا، ولو كان فكر أن يحضره لافترش ~~الحصير على الأرض مع المعزين؛ فما كان أحد ليفكر أن يستأجر الكراسي ليستقبل عليها العزاء في ~~رجل ابنه يملك أن يقيم له عشرين مأتما دون أن يمس هذا غناه الفاحش أي مساس. # ولم يعبأ عبد الشكور أن الأعيان الكبار من القرى المجاورة سيذهبون إلى المأتم الذي حدد ~~نعي الأهرام مكانه؛ فقد كان هؤلاء الأعيان يدركون ما بلغه عبد الشكور من سلطان، وكانوا ~~حريصين أن يتقربوا إليه إن لم يكن رجاء المنفعة فدفعا لمكروه من جانبه؛ فقد كانوا على تمام ~~الدراية أنه يملك أن يفيد وأن يضر، وأنه كان دائما لحب الضرر أقرب. وكان الضرر الذي يوقعه ~~قاتلا، ولما كانوا حريصين على الحياة فقد ذهبوا إلى المأتم متوقعين أن يجدوا عبد الشكور ~~هناك ليأخذ العزاء في أبيه؛ فإن لم يأخذ الابن الوحيد العزاء في أبيه، فمن؟! # لم يجدوه، ووجدوا بعض أهل القرية يتقبلون العزاء، ووجدوا المعزين يفترشون الحصير على ~~الأرض، حتى لم يجدوا كرسيا يجلس عليه قارئ القرآن الذي تبرع بإحياء المأتم بلا ~~أجر. # والعجيب أن أحدا من هؤلاء الأعيان لم يجرؤ أن يخبر عبد الشكور أنه ذهب إلى المأتم مخافة ~~أن يغضبه، وإن كان عرف كل ما جرى من أبو العلا عفيفي، ولم يهز الذي سمعه شعرة منه. ~~••• # وبعد انتهاء المأتم لم تجد زنوبة وسيلة لتواصل بها الحياة المفروضة عليها إلا بأن تعمل ~~خادمة في منزل عمدة القرية، الذي اعتبر استخدامه لها صدقة مستورة، وقالت له زوجته: إن ابنها ~~يستطيع أن يشتري البلدة كلها. ~~- وهذا أدعى إلى الصدقة؛ فهي لم تفقد زوجها وحده وإنما فقدت من قبله بر ابنها الوحيد؛ ~~فكأنه مات وهو على قيد الحياة، بل ربما كان موته خيرا لها ms36 من حياته؛ لأنها - على الأقل - ~~سترث نصيبها من ثروته. ~~- صدقت. إن مصيبتها في حياة ابنها أعظم من مصيبتها في موت زوجها. # | الفصل الثالث عشر # جلس رستم مهزوما ضائعا في غرفة المعيشة، وطلب من الخادم أن يستدعي له فوزية. وجاءت، ~~ونظر إليها أبوها نظرة حانية آسفة حزينة طويلة، وظهرت الدهشة على وجه الفتاة البارعة ~~الجمال؛ صاغها الخالق البارئ المصور فأدقها وأجلها؛ وجه ملائكي السمات، وعينان خضراوان ~~صافيتا الخضرة، كأن الرموش عليها أحراس، مقوسة إلى أعلى في عزة وكبرياء، وكأن الحاجبين ~~أبوان يحنوان على ابنتيهما. وهذا الإبهار جميعه مشفوع بجلال رباني وثقة متواضعة. يحيط ~~بوجهها شعر عربيد تولت هي استئناسه وتهذيب عربدته. كل هذا الإعجاز الإلهي يعلو قواما أهيف ~~ممشوقا من صنعة الله. أين منها رفائيل ومنقاشه وسحر بنائه! # عاد رستم إلى نفسه حسيرا أسيفا كسيفا، وكأنه يرى جمال ابنته للمرة الأولى؛ فهو لم ~~يحاول قبل اليوم أن يتبين معالم جمالها، وإنما كان يرى فيها ابنته الوحيدة وأمله في الدنيا ~~والمبرر لحياته، ويدري أنها جميلة في غير حيثيات ولا تفاصيل. # وقطعت عليه فوزية صمته المبيد الذي جعل أباها في عينيها في حال لم تره عليها حياتها ~~كلها. ~~- خير يا بابا. ~~- بل شر يا بنتي. ~~- ماذا؟ # وقص عليها أبوها المصيبة التي تحيط بحياتهما، ثم ختم حديثه قائلا: كل ما كنت آمله من ~~الحياة أن أتركك بين يدي زوج أطمئن إلى شرفه ورجولته وحفظه للأمانة، وهذا الكارثة الذي يفرض ~~نفسه علينا بلا شرف ولا رجولة ولا أمانة، مستعد أن يلقي بك أول ورقة على مائدة القمار إن ~~كنت الورقة التي ستعود عليه بأي كسب مهما كان حقيرا تافها. # واسودت الدنيا في ناظري فوزية، وغابت نظراتها، حتى لقد تلاشى أبوها في عينيها، وجمعت على ~~شفتيها الباذختي الجمال كلمات غمغمتها. ~~- المصيبة أعظم مما تظن يا أبي. ~~- هل يمكن ذلك؟ ~~- إذا عرفت أنني أحب حبا عميقا معيدا بالجامعة يبادلني مشاعري ربما بصورة أقوى ~~وأعنف. # وكأن محيطا هائلا من الآلام غمر بأمواج كالجبال رستم المسكين. ~~- ولماذا لم يتقدم ms37 إليك؟ ~~- إنه عائد بعد سنة واحدة من لندن حيث يدرس ليحصل على الدكتوراه. ~~- ولماذا لم تقولي لي؟ لقد كنت أظن أنك تركت الجامعة دون أن يكون لك صلة بأي طالب فيها أو ~~أستاذ. ~~- ولماذا أقول لك وأنا واثقة أنك كنت ستقبله؛ فهو فتى يعتبر من أمثلة الرجولة الكاملة، ~~ومن أسرة عريقة، ليست وافرة الغنى، وإن كان لديها ما يستطيع أن يحفظ عليها كرامتها في عزة ~~وإباء. أنا كنت واثقة أنك ستوافق؛ لأنك لن تجد فيه إلا ما يرضيك. ~~- والآن ماذا نحن فاعلان؟ ~~- واضح أن زواجي في كفة وفرض الحراسة علينا في الكفة الأخرى. ~~- أنا لا أريد مالي لنفسي وإنما أحفظه لك درعا من حياة ليس لك فيها إلا هذا المال. ما ~~مصيرك بدون هذا المال؟! ~~- أتوظف. ~~- هيهات؛ إنه يملك أن يفرض عليك الحراسة، يملك أن يمنع عنك أي وظيفة. ~~- ليس من الضروري أن أتوظف في الحكومة أو القطاع العام. ~~- وهل هناك قطاع خاص أو إنسان يستطيع أن يقاوم هذا السرطان؟! ~~- ألا من سبيل؟ ~~- واضح أننا إذا رفضناه سيجعل الانتقام منا شغله الشاغل، ومن المؤكد أن الوسائل كلها ~~بيديه. ~~- نسافر، نترك مصر. ~~- لك الله يا بنتي الحبيبة! أتظنين أنني لم أفكر في هذا، ولكن كيف؟ إن مصر اليوم مغلقة ~~على من فيها، لا تفلت من جدرانها نملة إلا بإذن من السلطان، والسلطان في يد هذا ~~السرطان. # وأطرقت طويلا وقالت وكأنها شخص مذهوب العقل: إنك تحتفظ بمالك في المنزل وبالمجوهرات، ألا ~~تستطيع أن تستأمن عليها أحدا من أصدقائك وترفض الزواج؛ حتى إذا استطاع أن يفرض عليك ~~الحراسة لم يجد عندك ما يصادره. ~~- لم يغب عني هذا، إنه قادر إذا لم تجد الحراسة عندي المال الذي يعرفه على الأقل فإنه ~~سيستطيع أن يسعى بي إلى من يعتقلني، وليس يعنيني أن أعتقل ولكن ما مصيرك أنت إذا أنا ~~اعتقلت؟! ~~- إلى هذا الحد؟! ~~- لست أخترع مصائب، إنما أروي لك ما رأيناه وقع فعلا للآخرين. # وأطرقت فوزية، وفرت من عينيها دمعتان حاولت بجهدها كله منعهما أن ms38 تسيلا فغلبتاها على ~~أمرها، قالت: إنني أعلم أنك لو اعتقلت أستطيع أن أواجهه، ولكن فكرة أن تعتقل وأنت في سنك ~~هذه، مجرد الفكرة مهما تكن غير مؤكدة أردها عنك لا بالزواج من هذا الشيطان فقط، ولكني ~~أقدم حياتي وأنا سعيدة لأرد عنك هذا الاعتقال. ~~- والله يا بنتي الذي لا إله إلا هو لو وثقت أن اعتقالي سيرد عنك هذا البلاء لرحبت ~~به. ~~- لتكن مشيئة الله نافذة. ~~- إن الله أرحم بعباده من أن يقبل هذا الذي يحيط الناس من قهر وعذاب وتنكيل. # والعجيب أن فوزية قالت: إنه سبحانه يقول: # ولنبلونكم # ويقول: # وبشر ~~الصابرين ~~، دعنا يا أبي نشتر الآخرة بالدنيا والله خير حافظا وهو أرحم ~~الراحمين. ~~- إذن؟ ~~- من أجل سلامتك وحدها أتزوجه. ~~- كان الله في عوننا يا بنتي، فإنني أيضا من أجل سلامتك وحدها سأقبل زواجك به، ولعنة ~~الله على الظالمين. # | الفصل الرابع عشر # وتم الزواج في حفل قصد عبد الشكور أن يكون غاية في الفخامة والأبهة؛ ليعلن بمن حضره من ~~الأقيال وأصحاب السلطان مدى ما يتمتع به من صلات وقوة وعنفوان. وهو أمر لم يكن محتاجا إلى ~~تأكيده؛ فهو معروف للقاصي والداني، ولكن عبد الشكور يتمتع بأن يؤكد هذا كلما أتيحت له ~~فرصة. # وأين يجد فرصة خيرا من زواجه ليستمرئ هذا الشعور. # ولم يكن يعنيه في قليل أو كثير ما يقترن بسيرة قوته ومنعته ونفوذه مما يعرفه الناس عن ~~الوسائل التي سعى بها إلى هذه المكانة. # فالناس، أغلب الناس، إذا واجهوه أظهروا التبجيل والإكبار والإجلال، وإن كانوا لا يضمرون ~~له في دخائل أنفسهم إلا الاحتقار والاشمئزاز والهوان. # ومهما كان الفرح باذخ الفخامة فإنه لم يستطع أن يرسم ظل ابتسامة على وجه العروس، أو ~~علامة مهما تكن واهنة من حبور على وجه أبيها. # ويستطيع عبد الشكور أن يهدد ويتزوج بمن اختارها بكل وسائل الغدر والختل والجبروت، ولكنه ~~لا يستطيع - كما لا يستطيع إنسان - أن يأمر ابتسامة أن تعلو شفتين، ولا علامة من حبور على ~~ملامح إنسان. ~~••• # في ليلة الزفاف كانت فوزية واثقة ms39 أنها أتعس إنسانة على ظهر الأرض، وكانت كلما لامسها عبد ~~الشكور أحست التقرف والتقزز. # وكان عبد الشكور واثقا أن زوجته لا تحبه، وإن كان يجهل أنها كانت مرتبطة بعلاقة حب عنيف ~~مع أمجد الزعفراني المعيد بالكلية التي تخرجت فيها. # كان يجهل هذه العلاقة، ولم يكن محتاجا لمعرفتها ليدرك مدى الكراهية التي تحسها فوزية ~~نحوه، ولكن متى حفل عبد الشكور بمشاعر الإنسان، حتى وإن كان هذا الإنسان زوجته التي أمست ~~منذ الليلة نصفه الآخر، المفروض فيها أن تكون سكنا له ومودة ورحمة وأنيسا لحياته وتوأما ~~لروحه. # ولكن متى كنت في حاجة إلى من يحبني؟! يكفيني حبي لنفسي. كل ما أريد من هذه الفتاة أن تصبح ~~زوجتي، وقد أصبحت، ولتذهب مشاعرها إلى أي جحيم تريد. # لم يمنع التقزز من فوزية وجمود الحس من عبد الشكور أن ينال الزوج حقه الشرعي، منحته له ~~فوزية وكأنها مقدمة على الانتحار. # كانت الحياة بين الزوجين بعد ذلك نسخة مكررة مما كانت في الليلة الأولى؛ احتقارا ~~وامتهانا وتباعدا من الزوجة، وعدم مبالاة وصلابة أحاسيس وتجاهل كراهية من ~~عبد الشكور. # فهو لم يعرف الحب في حياته كلها، وهو لا يريد أن يعرفه. ولا يعنيه أن تحبه زوجته، بل لا ~~يعنيه أن تكرهه؛ فكما كان لا يعبأ بالحب من أي إنسان مهما يكن قربه منه كان لا يحفل ~~بالكراهية مهما تكن مؤصدة إليه من زوجته؛ إلف حياته وأم ولده. # نعم لقد حملت فوزية منذ الشهر الأول من الزواج، ووضعت لزوجها طفلهما بعد عشرة أشهر من ~~زواجهما. # وتدخل الجد في اختيار اسم الوليد فكان راشد؛ اسم واحد من أجداده العظام، ولم يمانع عبد ~~الشكور؛ فكل الذي كان يطمح إليه أن يكون له ابن يحمل اسمه. # أما فوزية فإنها منذ سكتت عنها آلام الوضع أزمعت أمرين لم تتوان في تنفيذ أولهما. # ففي اليوم الأول لاستطاعتها الخروج من البيت قصدت إلى الدكتورة مفيدة عبد الغني التي كانت ~~مشرفة على الولادة، وكانت زميلتها في المرحلة الثانوية ثم اختارت كلية الطب وتخرجت فيها ~~متخصصة ms40 في أمراض النساء، وقد أصرت فوزية ألا يشرف عليها في فترة الحمل والولادة إلا ~~زميلتها القديمة، ولم يجد عبد الشكور بدا من الاستجابة لرغبتها. # رحبت مفيدة بزميلتها وصديقتها، وسألتها في دهشة: لماذا خرجت من البيت قبل الموعد الذي ~~حددته لك. ~~- أريد منك أمرا هاما. ~~- ولماذا لم تستدعيني؟ ~~- كان لا بد أن آتي إليك. ~~- عجيبة! ~~- لا أريد أطفالا بعد راشد. ~~- ليس لديك ما يمنع الحمل مرة أخرى وثالثة وعاشرة. ~~- لو كان لدي ما يمنع ما جئت إليك. ~~- أكاد أفهم ولكنني لا أتصور. ~~- بل هو ما فهمت. ~~- أتريدين أن أجعلك عقيما؟ ~~- هو ذاك. ~~- ولكن. # وقاطعتها فوزية: لا تنطقي حرفا قبل أن أقص عليك كيف تزوجت. # وكانت قصة كافية لأن تجري مفيدة لفوزية عملية التعقيم، وقد أقدمت على إجراء العملية ~~بضمير هادئ مستريح مطمئن أنها تقوم بعمل إنساني تثاب عليه. ~~••• # أما الأمر الثاني الذي أزمعته فوزية فقد كان المستحيل أن تبدأ به من فورها، بل كان لا بد ~~لها أن تنتظر بعض الوقت. # لقد كانت مصممة أن يكون ابنها أي شيء إلا أن يكون شبيها لأبيه في الهوة السحيقة من ~~الأخلاق التي يتمتع بها هذا الشيطان الذي سماه أبوه عبد الشكور. # | الفصل الخامس عشر # مرت السنوات حافلة بالأحداث الجسام. # واستطاعت فوزية أن تباعد بين ابنها وبين أبيه، باذلة في سبيل ذلك كل جهد؛ لا تدخر وسعا ~~لجعل الطفل يتعلق بها وينفر في الوقت ذاته من أبيه. # ولم يترك عبد الشكور وسيلة تجعله يتقرب من ولده إلا سلكها، دون أن يجدي سعيه الملح أن ~~يجعل راشد يميل إليه. # ومع مرور الأيام بدأت مشاعر راشد تتحول شيئا فشيئا من تباعد عن والده إلى نوع من ~~الكراهية. # وإن كان هذا لم يمنع عبد الشكور أن يدخل ابنه إلى المدرسة الألمانية ليجيد اللغة التي ~~يجيدها مع لغات أخرى. # ولم تجد فوزية في اختيار هذه المدرسة ما يحول بينها وبين ما تريده لابنها من مستقبل باهر ~~تصاحبه كراهيته لأبيه. # ولم يبلغ راشد سن الوعي إلا وقد زال عهد ms41 أبيه الزاهر وأصبح بلا حول ولا قوة؛ فقد تغير ~~الحكم في مصر، وكان رفت عبد الشكور من رئاسة البنك من أوائل ما قام به العهد الجديد. # ويشاء العزيز الحكيم أن يظل رستم على قيد الحياة حين عادت الطمأنينة على الأنفس والأموال ~~والحريات إلى خلق الله في مصر. # وحينئذ أودع رستم كل أمواله مطمئنا في أحد البنوك باسم ابنته فوزية؛ لتدر عليها دخلا ~~يجعلها في غنى كل الغنى عن زوجها، كما أودع مجوهراتها الشامخة القيمة نفس البنك في خزانة ~~باسم فوزية. # وقد صحبته فوزية إلى البنك على غير علم من زوجها، ولم يكن رستم في حاجة أن يطلب إلى فوزية ~~أن تكتم عن زوجها اسم البنك. # وكأنما كان رستم يضع موعد موته في حوزته؛ فما إن اطمأن على مستقبل ابنته حتى وافته ~~المنية بعد أشهر قلائل من تأمين مستقبل ابنته. # وفي يوم المأتم استقبل عبد الشكور العزاء في موت حميه، الذي لم يسع فيه إليه إلا قلة ~~نادرة تصدقوا بعزائهم في غير همة ولا حماس. # في ليلة المأتم وقبل أن يطلع الصباح سأل عبد الشكور زوجته: ما أنباء الميراث؟ ~~- ليس هناك ميراث. ~~- كيف؟ ~~- هكذا. ~~- ينبغي أن تخبريني؛ فإنك وحيدة أبيك، وقد يشاركك الميراث أي صاحب حق فيه. ~~- لن يجدوا باسم أبي مليما واحدا إلا أثاث الشقة والمكتبة. ~~- إذن؟ ~~- إذن لو فاتحتني في هذا الموضوع مرة أخرى فلن أبقى في البيت لحظة واحدة لا أنا ولا ~~راشد. ~~- ولكني زوجك. ~~- عندك ما يكفيك، والله جعل ذمة المرأة مستقلة. ~~- الله؟ ~~- أنت طبعا لا تعرفه؛ فلم أسمعك تذكره مطلقا. ~~- أستطيع أن أعاملك بالمثل. ~~- أرجو أن تفعل. ~~- سترين. ~~- سأكون سعيدة حين أرى. # بعد أيام حول عبد الشكور ثروته الباذخة جميعها باسم ابنه حتى ينتقم من زوجته فلا ترث ~~منه مليما واحدا. # ولما كان هو الولي الطبيعي لراشد فقد كان يدرك أنه يستطيع أن يتصرف في هذا المال ما شاء ~~له التصرف. ~~••• # قبع عبد الشكور في بيته بلا عمل، فلم يجد شيئا يفعله إلا أن يسعى إلى ms42 هؤلاء الذين زال ~~عنهم من المجد والجبروت كما زال عنه، يجتمعون في بيوت بعضهم البعض، لا حديث لهم إلا المديح ~~فيما مضى والقدح فيما هم فيه من هوان شأن وانعدام قيمة. # وفي يوم نبتت في ذهن عبد الشكور فكرة سارع إلى تنفيذها. # ولماذا لا؟ ألم نصبح في عصر الانفتاح، فلماذا لا أصيب منه من المال ما أطيق أن أصيب؟! ~~وليست قوة المال بأقل شأنا من سطوة النفوذ. # | الفصل السادس عشر # سافر عبد الشكور إلى ألمانيا؛ فإن صلته بمارك وهوفمان ظلت ممتدة، وكان يعلم تمام العلم ~~أين سيجد كلا منهما. # ولم يخب مسعاه؛ فسرعان ما التقى بمارك، ووجده في أحسن حال في عائلته وماله معا. # تزوج مارك، وأصبح لديه ولدان قريبان من عمر راشد؛ وهما أندرسن وستيفان. وفي نفس الوقت ~~أنشأ مارك مصنعا ضخما لصنع الأثاث الخشبي عاد عليه بالغنى الوفير. # أما هوفمان فقد تزوج هو أيضا، وأنجب ابنا قارب سن الشباب وابنة تصغره بعامين. والولد ~~اسمه رالف والبنت كريستين، وقد حقق هوفمان نجاحا باهرا، وأنشأ بيتا تجاريا عملاقا ~~للأدوات الكهربية مثل التليفزيون والثلاجة والغسالة وسائر الأدوات المنزلية الكهربية، وكلها ~~تحمل ماركة هوفمان، وقد صارت ماركة شهيرة في ألمانيا جميعها. # وأدرك عبد الشكور في دربة الخبير أن عمله سيكون مع هوفمان، ولكنه مع ذلك دعا كلا من ~~مارك وهوفمان إلى غداء يرد به على دعوتيهما له حين وصل ألمانيا. # وعرف الصديقان كل أنباء صديقهما المصري منذ تركهما حتى مقدم راشد ثم ما كان بعد ذلك من ~~إقصائه عن البنك. # وفي اليوم التالي ذهب إلى هوفمان في مكتبه وسأله: من المؤكد أنه ليس لك وكيل في ~~مصر. ~~- فعلا ليس لي وكيل في مصر. ~~- فما رأيك أن أكون أنا وكيلك؟ ~~- لا بأس، وإن كنت قد فهمت أنك لست مقربا للسلطة في مصر. ~~- الأمر اليوم مختلف تماما في مصر. وما دمت لا أعمل بالسياسة فهم لا شأن لهم بي على ~~الإطلاق. ~~- ليست السياسة بعيدة عن الاقتصاد. ~~- إنهم يريدون أن يقلبوا النظام الاقتصادي في مصر ms43 إلى نظام حر، ولولا وثوقي من أنني سأنجح ~~بهذا التوكيل الذي سأحصل عليه منك ما غامرت. ~~- من ناحيتي لا أرى بأسا. ~~- فلتجهز العقود. ~~- ليكن توكيلك أول الأمر مقصورا على عنصر واحد من عناصر الأجهزة. ~~- وأنا أيضا أفكر في ذلك، وليكن التوكيل في بيع التليفزيونات. ~~- لا بأس. ~~- لا تنس أن اسم هوفمان ليس معروفا في مصر، وسوف أنفق أموالا طائلة لأروج ~~للاسم. ~~- أقدر ذلك. ~~- أرجو أن يمتد تقديرك إلى النسبة التي سأحصل عليها. ~~- عبد الشكور، أنا في غير حاجة إلى السوق المصري؛ فما أبيعه الآن في ألمانيا وأوروبا ~~يكفيني وزيادة، بل إنني سأضطر إلى توسعة في مصانعي لأواجه المطلوب من منتجاتي. ~~- لماذا تقول هذا؟ ~~- أنت تفهم تماما لماذا أقوله. ~~- أن الفائدة التي تعود علي من التوكيل أكثر بكثير من الفائدة التي تعود عليك؟ ~~- أرى أنك سريع الفهم كعادتك دائما. ~~- وكيف تريدني أن أشكرك؟ ~~- إنها ليست معرفة يوم، إنها السنوات الطوال. ~~- وهذا ما أطمعني فيك. # ورفع هوفمان سماعة التليفون واستدعى موظفا عنده، فحين جاء قال له: اكتب معه عقد توكيل ~~بالشروط التي يريدها. # وقال عبد الشكور: هذا ما أنتظره منك. ~~- أعلم أن هذا ما تنتظره مني. ~~- هل أجعل التوكيل في مصر وحدها أم في البلاد العربية كلها. ونظر إليه هوفمان نظرة طويلة ~~وصاح: إنك لم تتغير. ~~- كيف؟ ~~- تريد أن تحصل على كل شيء دفعة واحدة. ~~- ما دام ذلك ممكنا. ~~- اجعل العقد في مصر مبدئيا، وأعدك ألا أعطي توكيلا لبلد عربي قبل أن أعرضه ~~عليك. ~~- هذا يكفي. # وصمت قليلا ثم قال: مؤقتا. # وقال هوفمان مبتسما: لم أسارع بالرد على قولك منتظرا بقية الجملة. ~~- أنت في غاية الذكاء. ~~- ليس هذا من ذكاء، وإنما عن معرفة بك. ~~- وشيء آخر. ~~- أريد العقد باسم ابني راشد عبد الشكور. ~~- أنت تقول إنه صغير. ~~- ولكنه سيكبر، وأريد أن أغرسه بين رجال الأعمال منذ بداية حياته. ~~- ومن سيكون المسئول. ~~- أتتصور أن يكون شخصا آخر غيري. ~~- المفروض ألا أقبل هذا الطلب، ولكن لأنه منك أنت، ولأنني لا أريد أن أرفض لك ms44 أي مطلب ~~مهما يكن شاقا، فإني أقبل. # ونظر إلى الموظف الذي جلس معهما ينتظر ما ينتهيان إليه وقال له: اكتب العقد بالاسم الذي ~~يريده وبالنسبة التي يقدرها وبطريقة الدفع التي يقررها، اعتبر أنه مكاني تماما ونفذ له ~~كل ما يريد. ~~••• # وتم عقد التوكيل كما شاء عبد الشكور تماما. # أما مارك فلم يجد عنده ما يستطيع أن يستورده إلى مصر، وقال مارك: إنكم في مصر تجيدون ~~صناعة الأثاث. ~~- هذا صحيح. ~~- والأثرياء يحبون الأثاث الفرنسي القديم وإن دفعوا فيه أسعارا خيالية. ~~- وهذا أيضا صحيح. ~~- ولكني أنوي صناعة أدوات منزلية. ~~- كهربية؟ ~~- أتتصور أن أنافس هوفمان؟ ~~- إذن؟ ~~- أدوات منزلية غير كهربية، وحين أصنعها سأطلبك لتأتي. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- وتأكد أنك ستكسب منها مثلما تكسب من تليفزيونات هوفمان. ~~- أنا واثق. ~~••• # وعاد عبد الشكور إلى مصر ظافرا منتصرا، وازداد استغناء عن حب زوجته، وإن كان الأمل ظل ~~يداعبه في استمالة راشد إليه. # ربما حين يكبر ويرى ما أعددته له من مال ومشروعات تجارية يتعلق بي تعلقه بأمه، أو أي ~~تعلق والسلام، ربما، من يدري؟! # | الفصل السابع عشر # ما أسرع ما تمر الأيام! # نجح عبد الشكور في توكيله، وأصبح اسم التليفزيون هوفمان شهيرا في مصر؛ مما جعله بعد بضعة ~~سنوات يجدد التوكيل مع هوفمان، على أن يشمل البلاد العربية إلى جانب مصر. # أما راشد فقد راحت الأيام تمر به، وراح يزداد تعلقا بأمه وبعدا عن أبيه، رغم أنه علم ~~أن التوكيلات التي حصل عليها أبوه كانت جميعها باسمه. # وحصل راشد على الثانوية العامة واختار له أبوه بترحاب من أمه أن ينتسب إلى الجامعة ~~الأمريكية، ورغبته أمه في هذا قائلة له: إنك تجيد الألمانية والفرنسية من المدرسة. ~~- الحقيقة إن تفوقي في الفرنسية يرجع الفضل فيه إليك. أنا لا أنسى كيف جعلتني أحب الأدب ~~الفرنسي، ولا أنسى الليالي الطوال التي كنت أقضيها معك في قراءة الأدب الفرنسي. ~~- فإذا دخلت الجامعة الأمريكية فإنك ستجيد الإنجليزية أيضا وهي لغة العصر. ~~- إنك لا تحتاجين معي إلى إقناع، يكفي أن أتلمس رغبتك من ms45 بعيد حتى أنفذها بكل حماس وبلا ~~مناقشة أو تفكير مني. ~~- يا حبيبي، إذن على بركة الله. ~~- سبحانه وتعالى، على بركة الله. # وفجأة وجدت فوزية نفسها تقول لابنها: راشد. ~~- أفندم. ~~- جاء الوقت لأقول لك شيئا. ~~- هل هناك شيء لم تقوليه لي حتى الآن؟ ~~- كنت أنتظر اليوم الذي أراك فيه على ما أنت عليه اليوم لأقوله. ~~- وعلى أي شيء أنا اليوم؟ ~~- على درجة كاملة من الوعي لتستوعب تماما ما أريد أن أحدثك فيه. ~~- الحمد لله. ~~- ربما رأيت مني تباعدا عن أبيك. ~~- بل نفورا. ~~- سمه ما شئت. طبعا لا تدرك السبب. ~~- أتصوره، وإن كنت غير واثق منه. ~~- ماذا تتصور؟ ~~- أبي بطبيعته له طابع خاص به. ~~- ما هو؟ ~~- لا يعرف كيف يعطي، وإنما يعرف تماما كيف يأخذ. ~~- بمعنى؟ ~~- بمعنى أنه لم يقدم لي في حياته هدية إلا انتظر أن أقدم له في مقابلها شيئا. ~~- ثم ماذا؟ ~~- لا أستطيع أن أحدد، وإنما كنت أحس دائما أنه يريدني أن أدفع له ثمن الهدية. ~~- قبلة مثلا؟ ~~- إنه لا يهتم بهذه المشاعر مطلقا. ~~- إذن فاسمع ما لم أقله لك عن أبيك. # وراحت فوزية تقص على ابنها تاريخ أبيه كله لم تغفل منه شيئا، روت له كيف وصل إلى مكانه ~~في البنك، وقد عرفته مما رواه لها عبد الشكور محاولا أن يريها كم هو ماهر حاد الذكاء، ~~دون أن يعنيه في شيء أن فوزية تقدر المعاني السامية من الشرف أو الوفاء للأصدقاء أو ~~الكبرياء عن الدنس وامتهان الذات، وكل هذه المعاني التي ضرب بها عبد الشكور عرض الأفق؛ في ~~معاملته لفتحي، أو في تقربه من صبحي، أو في امتهان كرامته غاية الامتهان فيما بذله لموسى ~~أشرف، أو في إلغائه لضميره في كل الصفقات التي كان يعقدها في البنك. # وروت فوزية لراشد كيف تزوج بها، بل إنها لم تكتم عنه ما كان بينها وبين أمجد الزعفراني ~~الذي أصبح دكتورا وأستاذا من حب عفيف نقي طاهر ومن تواعدهما على الزواج، روت لابنها كل ~~شيء، لم تخف من حياة أبيه وحياتها خافية ms46 ، حتى صلته بأمه وبأبيه روتها له كاملة منذ ترك ~~القرية حتى مات أبوه، وقد كانت قصته هذه يتناقلها الجميع، ولكنها بطبيعتها تحاذر أن تصل إلى ~~مسامع الابن؛ ولهذا لم يكن غريبا ألا يعرفها راشد إلا من أمه. وهكذا لم تحجب فوزية عن ~~ابنها شيئا من تاريخ أبيه العملي أو الأسري بل والبنوي أيضا، واستمع راشد صامت الفم ~~مزلزل النفس زلزالا عاصفا لكل حرف تساقط في حزن وألم وأسى، من فم أمه في ظاهر أمره، ومن ~~بعيد أعماقها في حقيقته. # وحين سكتت فوزية ساد الصمت حينا طويلا، وقال راشد لاهثا: إنك في محافظتك على شرفك الذي ~~هو شرف أبي بعد كل الذي سمعت تعتبرين أعظم امرأة في الوجود. ~~- إن شرفي عندي أغلى من أي شيء، حتى ولو كان هذا الشيء هو الانتقام من أبيك. إنه كرامتي ~~الشخصية، وما كنت لأسمح لأبيك مهما فعل أن يجعلني أتنازل عن كرامتي. ~~- وبحفاظك أنقذتني أن أكون ابن أم ... ابن أم ... لا أريد أن أقول الكلمة. ~~- الحمد لله، نعم تستطيع أن ترفع رأسك دائما إذا واجهت العالم بأمك. ~~- ولكن لا بد لي أن أنكسها إذا واجهت هذا العالم بأبي، الآن عرفت لماذا يتصور دائما أن ~~حبه لا يتمثل إلا في المال. ~~- هذا منتهى علمه بالحياة جميعها. ~~- ولهذا جعل توكيلاته باسمي؟ ~~- لا ليس لهذا وحده. ~~- إذن فلماذا؟ ~~- إنه حريص ألا أرث منه مليما واحدا إذا مات قبلي. ~~- هذا أقرب لخلقه. ~~- لا تعذب نفسك؛ فإن الإنسان لا يستطيع أن يختار أباه. ~~- ولا أمه. ~~- بحسبك أن تكون راضيا عن أمك، إنك لا تملك أن تصنع شيئا. ~~- فعلا أنا لا أملك أن أصنع شيئا الآن. ~~- ولا في المستقبل. ~~- المستقبل لا يفعله إلا الله. ~~- صدقت. # | الفصل الثامن عشر # تخرج راشد في الجامعة الأمريكية حاصلا على شهادة في الاقتصاد، وفي اليوم التالي ~~لتخرجه اصطحبه أبوه إلى مقر شركاته، وأدخله إلى غرفة فاخرة الأثاث. ~~- حجرتك. # وفي انبهار بفخامة الأثاث قال راشد: توقعت هذا. ~~- ألا تشكرني. ~~- كشأنك دائما يا أبي. ~~- وما هو شأني؟ ~~- تنتظر ms47 مقابلا لكل عمل تقوم به. ~~- أليس هذا أمرا طبيعيا؟ ~~- عندك أنت نعم. ~~- وعند غيري؟ ~~- هناك أشياء يصنعها الإنسان ولا ينتظر عنها مقابلا فوريا أو يحتسبها عند الله. ~~- إن لم تأخذ لأي جهد تبذله مقابلا فلن تستطيع مواجهة الحياة. ~~- ألا أستطيع أن أقدم خيرا لمجرد الصداقة أو الود أو الصلات الإنسانية مثل الأبوة ~~والبنوة؟ ~~- هذه لغة أمك. ~~- أحسب أنها لغة الحياة الإنسانية. ~~- إذا أردت أن تواجه الحياة فإياك، إياك أن تتكلم هذه اللغة الإنسانية التي ~~تذكرها. ~~- أشكرك يا أبي على المكتب، وسترى أنني جدير به، وسأرد فضلك إليك أضعافا مضاعفة من ~~الأموال. ~~- شكرك الحقيقي يكون بتذكرك لهذا الذي أقول. ~~- أبي، إن هذه هي شريعتك في الحياة، وهي ليست شريعة الإنسانية كلها. ~~- وماذا يضيرك أن تكون لي شريعتي الخاصة، وتكون شريعتك أنت أيضا، ألست ابني؟ ~~- إننا نعيش مع الناس. ~~- ستريك الأيام أنني على حق. ~~- وربما وجدت أنت أن الناس على حق. ~~- بعد سني هذه؟ ~~- ليس للحقيقة موعد معين تظهر فيه للإنسان. ~~- المهم أن تكون في شركاتي هذه متبعا لشريعتي. # وضحك راشد ضحكة هينة وقال لأبيه: أظنها شركاتي أنا. ~~- نسيت، نعم نسيت. # وضحك ملء فمه وقال: متى تبدأ العمل؟ ~~- الآن إذا أردت. ~~- أحب هذا الحماس. ~~- أعرف هذا. # وقال عبد الشكور: وهو كذلك. # وقال راشد: على بركة الله. # ما هي إلا فترة وجيزة حتى كان راشد قد استوعب الشركة كلها وكان هو الذي يقوم بالاتصالات ~~التليفونية أو غيرها من فاكس أو تلكس أو برقيات مع هوفمان. # وحين مات هوفمان بدأ راشد يوثق صلاته اللاسلكية مع ابنه رالف الذي تولى الشركات من ~~بعده. # واستطاع راشد بنشاطه وذكائه أن يقصي أباه تماما، حتى لم يعد أبوه يجد شيئا يعمله فعاد ~~إلى رفاق سلطانه يجتر وإياهم أيام سطوتهم وجبروتهم. وإن كان يجد في نفسه بعض الألم أن أصبح ~~بلا عمل. # وماذا يضيرني من هذا؟! أليست هذه آمالي كلها تتحقق، وأصبح راشد واحدا من أهم رجال ~~الأعمال؟! وماذا علي أن أستريح؟! طعم الراحة مر في فمي. لا بأس ms48 لقد عملت حياتك كلها منذ ~~أنت طفل صغير حتى بلغت هذه السن. وحياتك ممتدة في ابنك. أي أب يكون عنده ابن كراشد ولا يكون ~~سعيدا هانئا؟! عجيب! سعادتي ليست خالصة، وهنائي يشوبه شيء لا أدري كيف أصفه، وإن كنت أحس ~~به. # لقد عشت عمري أصنع أيامي فلا بأس علي اليوم أن أترك ولدي يصنعها لي. فهو مهما يكن الأمر ~~ابني، وابني الوحيد الذي لا ملجأ لي في الحياة إلا هو، جاءني من أم كرهتني منذ خطبتها، ~~وبدلا من أن تهون العشرة من كراهيتها زادتها عنفا ونفورا وعمقا. # ليكن ابني محبا لأمه أكثر من حبه لي. إلا أنه أولا وأخيرا ابن دمي؛ فمهما تكن كراهية ~~أمه لي إلا أنها لم تخني يوما. وحين كنت في موقف أستطيع مراقبتها منه بثثت حولها العيون ~~فما رأيت منها إلا الوفاء والإخلاص والشرف. فهو ابني لا شك في ذلك. # لأتركه يصنع لي أيامي المقبلة، فأنا الذي صنعت له أيامه الماضية والحاضرة التي يحياها ~~الآن. # | الفصل التاسع عشر # قالت له فوزية في جلسة هادئة: ألم يأت الوقت؟ # وفي سرعة خاطر قال: قد أتى. ~~- فماذا تنتظر؟ ~~- أن تفاتحيني. ~~- لماذا لم تفاتحني أنت؟ ~~- أردت أن أكون منفذا لأوامرك. ~~- حتى في زواجك. ~~- وخاصة في زواجي. ~~- أفي ذهنك عروس؟ ~~- هي التي في ذهنك. # وأشرق وجه فوزية وامحت عنه تجاعيد السنين. ~~- هل كنت تعرف؟ ~~- ألا تعرفين أنني كنت أعرف؟ ~~- كنت أرجو. ~~- ومتى نكصت عن رجاء نفسك؟! ~~- الحق أنت دائما تحقق أملي فيك. ~~- لقد صنعتني بعد الله على عينيك. ~~- ونعم ما صنع الله وهيأني لأصنعه. ~~- أنا تحت أمرك، تستطيعين أن تخطبي دعاء حين تشائين. # وتهلل وجه فوزية مرة أخرى وأرادت أن تمتع من اللحظة كل ما فيها من سعادة وترتشف عصيرها ~~جميعه حتى لا تبقي منه شيئا. ~~- كيف عرفت؟ ~~- حرصك أن أصحبك إلى تنت عايدة كلما زرتها، وإصرارك على دعوتها هي ودعاء كلما عرفت أنني ~~لن أخرج من البيت. ~~- ودعاء، هل تعلم؟ ~~- لقد كنت أنت وأمها تحرصان على أن تتركانا منفردين بأعذار ms49 واهية. ~~- وفيم كنتما تتحدثان؟ ~~- في محاولتكما التقريب بيننا، واتفقنا أن نتغافل أنا وهي ولا نشعركما أننا لا نحتاج إلى ~~هذا الجهد منكما. ~~- فأنتما متحابان؟ ~~- إذا شئت أن تقولي هذا. ~~- كم أنتما خبيثان! ~~- بل قولي كم أنتما طيبتان أنت وأمها! ~~- إذن؟ ~~- افعلي ما شئت، بالطريقة التي تعجبك، وفي الوقت الذي تحددينه. # ووضح على وجه فوزية أن فكرة وثبت إلى ذهنها. ~~- في أي يوم نحن من الأيام؟ ~~- الخميس. ~~- ولماذا لم تذهب إلى الشركة؟ ~~- أردت أن أقعد معك اليوم. ~~- أكنت تنوي أن تفاتحني في هذا الموضوع؟ ~~- بل كنت أنتظر أن تفاتحيني. ~~- قم فالبس ملابسك. ~~- ماذا؟ أتريدين أن تصحبيني معك في الخطبة؟ ~~- لا إنما أريدك في شيء آخر تماما، قم فالبس ملابسك. ~~••• # صحبت فوزية رستم نامق، راشد إلى البنك الذي فيه أموالها ومجوهراتها. وحولت المال وصندوق ~~المجوهرات جميعها باسم راشد. # وحين فتحت صندوق المجوهرات انتقت منه عقدا نادر الوجود في العالم أجمع وقالت لراشد: بهذا ~~العقد شبك أبي أمي، وبهذا العقد سيشبك راشد دعاء. # وفي انبهار راشد بروعة العقد لم يستطع أن ينطق حرفا، ولم يتردد أن يقبل أمه في وجهها ~~ويديها، على مشهد من موظف البنك الموكل بتنفيذ أوامر السيدة الفاحشة الثراء، فوزية رستم ~~نامق. ~~••• # تم الزواج في حفل خيالي العظمة، وخلا العريس بعروسه. ~~- وأخيرا. # وضحكت دعاء. ~~- آن لأمك وأمي أن تستريحا. ~~- وآن لنا أيضا. # وفي الصباح قال راشد لدعاء: ما رأيك، أنا عندي عمل في ألمانيا ليس عاجلا، وإنما قصدت أن ~~أؤجله إلى ما بعد الزواج حتى يكون شهر عسل لنا في ألمانيا وفي أوروبا كلها. # وفرحت دعاء غاية الفرح. ~~- أتسألني رأيي؟ ~~- كنت أستطيع أن أكذب عليك وأقول إنه شهر عسل فقط، ولكنني منذ تفاهمنا أخذت على نفسي ~~عهدا أن تكون نفسي كتابا مفتوحا أمامك لا يخفى منه عنك ما فيه. # وقبلته وهي تقول: ولك مني أن أكون كذلك معك. ~~••• # سافر العروسان، وبدأ راشد يذهب إلى رالف، وتعارفا مواجهة، واستطاع راشد أن يحصل من رالف ~~على توكيل عام لجميع منتجات هوفمان بلا ms50 استثناء، فأصبح له حق استيراد الثلاجات والغسالات ~~وكل الأدوات الكهربية الأخرى. # وأقام رالف وليمة للعروسين، ودعا إليها صديق العمر لأبيه؛ مارك، وابنه ستيفان، وابنته ~~كريستين. # وقال مارك لراشد: عندي لك هدية زواج. ~~- يكفي أن أراك؛ فقد عرفت من أبي كيف علمته الإنجليزية والألمانية. ~~- شاركني هوفمان في تعليمه الألمانية. ~~- أعرف هذا. ~~- لم تسألني عن الهدية! ~~- أنا متأكد أنها هدية عظيمة من رجل عظيم. ~~- إليك هي. # وقدم إليه عقدا من صورتين يفيد توكيله في استيراد جميع الأدوات المنزلية التي كان وعد ~~أباه أن يوكله فيها حين بدأ إنتاجها. وشكر راشد الرجل العجوز وصافحه، ورفع صورة العقد بين ~~تصفيق الحاضرين. ~~••• # وحين عاد راشد ودعاء إلى مصر بعد رحلة ممتعة في أوروبا جميعها لم يكن راشد وحده الذي يحمل ~~التوكيلات التي حصل عليها، بل إن دعاء كانت تحمل ما هو أهم من ذلك بكثير ... # كانت تحمل طفلهما الأول. ~~••• # وضعت دعاء ولدا، ولم يتردد راشد أن يسمي الطفل رستم تقربا لأمه. وحين أنجبا أخته بعد ~~ثلاث سنوات أسمى ابنته فوزية. # وكان الجدان والجدتان جميعا أعظم ما يكونون احتفاء بالحفيدين، لا يستثنى من ذلك عبد ~~الشكور. # ومرت السنوات. وكبر الطفلان ودخلا المدرسة. ~~••• # وفي يوم بينما كان راشد في مكتبه دق جرس التليفون الداخلي وجاء صوت أبيه. ~~- ماذا تصنع؟ ~~- لا شيء. ~~- تعال اقعد معي. # وحين ذهب قال راشد لأبيه: أصبحت لا تزور المكتب إلا فيما ندر! ~~- ماذا أعمل فيه؟! أنت مشغول، واتسعت أعمالك حتى أصبحت أنا غريبا عنها، والبركة ~~فيك. ~~- تتسلى. ~~- أنا هنا لا أتسلى إلا إذا كنت أنت غير مشغول، وهذا قليلا ما يحدث. # وبينما الحديث يجري بين الوالد وابنه صاح عبد الشكور صيحة ألم عنيفة، وأصبح يغتصب أنفاسه ~~من الهواء في جهد بالغ. # وسرعان ما جاء الطبيب، ونقلت سيارة الإسعاف عبد الشكور إلى المستشفى، وأجريت الفحوص ~~الدقيقة، وفي مواجهة الأب ووجود الابن قال كبير الأطباء: حالة قلبية حادة. # وقال عبد الشكور: ألها علاج؟ ~~- في أمريكا، وإنما لا أخفي عنكم، الأمل ضعيف. ~~••• # قال الأب لابنه بعد ms51 أن انتقل إلى منزله بأيام: هل جهزت للسفر؟ ~~- إلى أين؟ ~~- إلى أمريكا. ~~- لماذا؟ # ووقعت الكلمة على الأب كأنها خنجر سفاك قاتل. ~~- ألا تدري لماذا؟ ~~- لا، لا أدري. ~~- لإجراء عملية. ~~- أي عملية؟ ~~- التي قال عنها الأطباء. ~~- إنهم قالوا إن الأمل ضعيف. ~~- ليكن واحدا في المليون. ~~- أتنفق عشرات الألوف من أجل أمل واحد في المليون. ~~- إنها أموالي. ~~- إنها ليست أموالك ولا أموالي، إنها أموال رستم وفوزية، وأنا أمين عليها، أيرضيك أن أخون ~~الأمانة؟ ~~- إذن أموت؟ ~~- كلنا سنموت. # كلنا سنموت. كلنا سنموت. كلنا سنموت. طنت الكلمة في رأسه وفي كيانه: كلنا سنموت. لقد ~~سمعتها قبل اليوم، لا، بل قلتها، قلتها، نعم قلتها، وأذكر اللحظة والوقت والمناسبة: كلنا ~~سنموت. ~~••• # ترك راشد والده وعاد إلى بيته. # ومرت الأيام، ولكن عبد الشكور منذ سمع كلمة ابنه دخل إلى غرفته لا يريد أن يرى أحدا أو ~~أن يراه أحد. يدخل إليه الطعام في موعده ويتلهى بالراديو حينا أو التليفزيون، وقليلا ما ~~يتلهى، ثم يأمر فتغلق النوافذ إن كان في نهار، أو يطفئ المصابيح إن كان في ليل، ويخترق ~~بعينيه الظلام فلا يرى إلا رسما واحدا يلح عليه إلحاحا لا يغلبه ويغمغم: نعم إنها حياتي. ~~حياتي أنا. دائرة حيثما بدأت من نقطة منها فمن الحتم المؤكد أن تعود إلى نفس النقطة التي ~~بدأت منها. # فمتى، متى تطمس الأيام هذه الدائرة؟! كلمة لم أقلها في حياتي، لا مهرب لي من أن أقولها ~~اليوم، ولا أقول غيرها: الله يعلم. الله وحده يعلم. أعرفت الله اليوم؟ ليس أمامي إلا أن ~~أعرفه. لم يبق في حياتي إلا آخرتي. فإن لم أعرف الله اليوم فماذا يبقى لي؟! والعجيب العجيب ~~أنه في عزلته هذه كان يحافظ على مواقيت الصلاة، ولأول مرة في حياته يحس مع الألم العاصف ~~والأسى المبيد في جوانحه أنه بالصلاة مطمئن النفس؛ فهو بذكر الله في سكينة وأمان لم يذق ~~نعيمهما في كل ما تركه وراءه من أيام ومن أسرة ومن ثروة. ~~(انتهت بحمد الله.) # فندق برزدنت، جنيف # الساعة 12:30 ظهرا، ms52 يوم الإثنين 25 سبتمبر، عام ~~1995 ms53