######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.AhlamFiZahira.Hindawi26824909 #META# Tags: novels #META# ID: 26824909 #META# Title: أحلام في الظهيرة #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # | أحلام في الظهيرة # | أحلام في الظهيرة # تأليف # ثروت أباظة # | الفصل الأول # حين كان الزمان مثل الموسيقى الحالمة الهادئة، وكان الناس فيه ~~أنغاما ساجية حالمة، ذلك الزمان الذي لم نره نحن وإنما هو بالنسبة ~~إلينا روايات عن الآباء تلقفوها عن الأجداد فأصبحنا ولا نعرف عنه ~~إلا مباهجه ومتعته، الجلسة الهادئة المليئة بالسعادة والضحك والهناء؛ ~~فالأجيال جميعا تحب أن تنظر إلى أمس الغارب، وتكره الحاضر وما تشهده ~~فيه من صراع، وتخشى المستقبل الذي تطل عليها بواكيره مكشرة ~~الأنياب رهيبة السمات. # ذلك الزمان البعيد عنا هو أحب الأزمان إلينا لأننا لم نشهده، ولا ~~نستطيع أن نعرف منه إلا ما حلا للأجداد أن يرووه لأبنائهم الذين هم ~~آباؤنا، ونقله إلينا الآباء سعداء بما ينقلون مقارنين دائما بين ~~الخير الذي كان يشيع في جوانبه، والشر الذي يفشو في الزمان الذي يعيشون ~~فيه. وهكذا أصبح شأننا نحن أيضا. لا يختلف جيلنا الحاضر عن أجيالنا ~~السابقة، فأصبحنا ساخطين تحن نفوسنا إلى هذه الملاوة من الزمن التي ~~كنا فيها بلا مسئولية وبلا صراع، وكان آباؤنا يحملون عنا العبء جميعا ~~ونحن نتصور - كما يتصور أبناؤنا اليوم - أن عليهم أن يحملوا العبء، ~~وعلينا نحن أن نسعد وعليهم هم أن يحبونا، وعلينا نحن أن نحترمهم فقط ~~ثم لا نصنع شيئا من بعد. # في ذلك الزمان البعيد بدأت ms01 أسرة وهدان تتكون، وكان رأس الأسرة ~~طفلا بريئا في الملعب يلهو مع أترابه من الأطفال، لا فارق ثمة ~~بين طفل وطفلة، ولا بين قادر بسط الله الرزق لأبيه، وبين معسر ~~قدر الله سبحانه - لحكمة لا يعلمها إلا هو - الرزق على ذويه. في ذلك ~~الزمان كان وهدان يحب نبوية ذلك الحب الطفل الطيب الذي لا يعني عند ~~أي منهما إلا خفقة في القلب، وفرحة عند اللقاء، وشوقا عند ~~التباعد. # وحين شب كلاهما عن الطفولة إلى الصبا القريب من الفتوة احتجبت ~~نبوية ولم تصبح الحياة كلها لعبا عند وهدان، بل كان يحلو له أن ~~يتشبه بالرجال، ويقف في الجرن، ويرقب النورج أو يركبه، أو يقف ~~في الغيط يجمع القطن أو يرقب من يجمعونه. وما كان أبوه غنيا، ولم ~~يكن أيضا معسرا، وإنما هي أربعة أفدنة تنأى بأبيه عن الأجراء ~~لتضعه في مصاف الملاك. # ولكن الحقيقة مع ذلك تبقى كما هي أربعة فدادين. # كانت الشمس ساخطة على الأرض، تكويها بشواظ لاهب من النار، وكان ~~النورج يدور وقد أوشك هو الآخر أن ينبجس العرق من خشبه أو من ~~عجلاته الصلبة الحادة، وهي تمر في دائرة مفرغة على عيدان القمح في ~~ملالة وضيق يجرها الثور الكبير وقد أوشك أن يتهاوى من شدة الحر. ~~وكان وهدان يعتلي صهوة الدكة الخشبية التي يجلس إليها من يسوق ~~الثور، وبيده سوط مفتول من لحاء أشجار التيل الذي يزرعونه حول حقول ~~القطن ليرد عنها عادية الأتربة وعدوان الحيوان. # وكان يدري أن الجرن الذي يتلبس فيه ملابس الرجال ذوي الأعمال هو ~~الطريق الطبيعي لمسير نبوية. وكانت هي أيضا تعلم ذلك؛ فكانت تظل في ~~هذا اللهيب من الحر رائحة جائية تتظاهر بأنها تؤدي مطالب المنزل، ~~وعلم الله، وأحسب أن وهدان أيضا كان يعلم، أنها لا تكثر من المرور ~~إلا لتلتقي نظراتها بنظراته، وتطفو إلى شفاه كل منهما تلك الابتسامة ~~الوادعة الحنون، التي يخفق لها القلب ذلك الخفق الدءوب الجديد ~~المرتفع الوجيب المتخافت الصوت؛ حذر أن يطلع عليه من شهود اللقاء ~~أحد. # كانت ms02 حياة وهدان منذ البواكير الأولى من سنوات عمره حياة جادة ~~حازمة كلها عمل. وربما كانت سنوات الكتاب التي تتسم بعنف ~~المعلم، وصعوبة العلم بالنسبة لوهدان هي أندى هذه السنوات وأخفها وطأة ~~عليه لو كان من هؤلاء الذين يرون في العمل جهدا وشقاء، ولكنه كان من ~~الذين يحبون أن يعملوا، ولا يقومون العمل إن كان ممتعا أو غير ~~ممتع، وإنما هو عمل ولا بد أن يؤدى فهو يؤديه كما يتنفس ~~الهواء ويطعم الطعام. # ولم يكن جلوسه على النورج في هذه السن الباكرة لعبا شأن رفاقه من ~~الصبية؛ فما هي إلا أيام قليلة ركب فيها النورج لهوا ومراحا ثم ~~سحب أبوه المكلف بإدارة النورج، ووجهه إلى أعمال أخرى وترك ~~النورج بكل ما يتصل به من أعمال عهدة في ذمة وهدان؛ فهو الذي ~~يجمع أكوام التبن والقمح، ويمد النورج بزاده الجديد من أعواد القمح ~~ذات السنابل، حتى إذا مالت الشمس إلى منزلها من العصر توجه إلى كوم ~~القمح رجلان أو ثلاثة أشداء ليذروا الأكوام، فينفصل القمح عن ~~التبن بنفس الوسيلة التي يتبعها أجدادهم وأجداد أجدادهم، منذ عرف ~~الإنسان القمح كوسيلة لصنع العيش. # ومرت الأيام، وأوشك موسم الحصاد أن ينتهي وبدأت المخاوف تساور ~~الصبيين اللذين التقيا بشبابهما مع أنسام القمح؛ أن يصبح اللقاء ~~بينهما غير ميسور. # وكانت الشمس في السماء حريقا وكان النورج يدور دورات كان وهدان ~~في غير حاجة إليها، ولكنه يديره ليجد عند نفسه أو عند المارة ~~عذرا ينتظر به مرور نبوية، حتى إذا مرت قفز من النورج قفزة ~~سريعة ملهوفا يريد أن يظفر منها بوعد على اللقاء، ولكن مسمارا ~~في النورج يمسك بجلبابه فإذا وهدان تحت النورج وإذا الأسلحة تبتر ~~ذراعه اليسرى أو تكاد. وترى نبوية ما حل بحبها وتصرخ بأعلى صوت لها، ~~فيدوي صراخها فيملأ أنحاء القرية، وتجري إلى وهدان الذي فقد وعيه ~~فتبعده عن النورج، وتعمد إلى خمارها، وتسد به نوافير الدماء ~~المندفعة من الذراع، وتحضن الفتى في لوعة، وتصرخ لا يعنيها أن يراها ~~الناس. ويقبل الملأ من كل ms03 حدب، وينقلون وهدان إلى حلاق الصحة، ~~وتلازمه نبوية لا تتركه، ويضطر أبواها اللذان جاءا مع الجموع أن ~~يلازماها مدركين ما ينفطر به قلب الابنة. # وحين تطمئن الجموع على حياة وهدان ينصرف كل إلى شأنه إلا نبوية. ~~ويقول الأب لزوجته وابنته: اذهبا أنتما فإني سأبقى. # ولا يدري أحد أو لعل كل محب يدري من أين استطاعت نبوية أن تأتي ~~بكل هذه الشجاعة التي تجعلها تقول لأبيها في حسم قاطع لا يقبل ~~المناقشة: أنا سأبقى يا أباه. # ويخشى الأب أن يجاوز النقاش ما بلغه من حسم فينفضح من حب الفتاة ~~الطاهر ما ينبغي أن يظل في طي الكتمان ويقول في استسلام: ونبقى نحن ~~أيضا. # ومع أنسام الفجر تنقطع آهات وهدان التي ظلت تدوي طوال الليل. ~~وتوقظ نبوية التي لم تنم أباها وأمها من نومهما الجالس، ويتجه ~~ثلاثتهم إلى بيتهم. # | الفصل الثاني # أي تحد تلبس وهدان منذ ذلك اليوم؟ كان يعرف نفسه طفلا لاهيا ~~إذا دعاه الرفاق إلى اللهو. وكان يعرف نفسه أيضا يقبل على العمل مع ~~أبيه كلما دعاه أبوه إلى ذلك العمل. ولم يكن يعرف في نفسه أن إقباله ~~على العمل ما كان إلا ليستجلب إلى كيانه وجوانحه ذلك الشعور بأنه بلغ ~~مبالغ الرجال، وأنه يستطيع أن يقوم بعملهم ويسير طريقهم ويختط في ~~الحياة خطتهم، وأنه بذلك يستطيع أن يحدث نبوية وكأنه رجل، وأنه ~~خف القطن مع أبيه، وأنه جمع مع الجامعين، وأنه في موسم الذرة يفرط ~~ثمارها عن كوالحها، وأنه في موسم القمح يدرسه كما رأته. كان يحب أن ~~يصنع هذا الصنيع، ولم يكن يدري أنه يحب ذلك جميعه لينشئ منه حديثا ~~مع نبوية في أمسيات الصيف، وبمشهد من الحقول، ومن أشجار الكافور ~~والعبل، ومع روائح الزروع، ومع أنسام العبق الإلهي تسري في خفايا ~~الليل بكرا دائما كأنها لأول مرة تنطلق إلى أرجاء الحياة. # وحين أصابه هذا الذي أصابه وأصبح بذراع واحدة ظل طوال فترة علاجه ~~يفكر: أيصبح عاجزا؟ أيثير الشفقة كلما وقعت عليه عين؟ أيكون في ~~الحياة إنسانا ناقصا ms04 لا أمل من بعد في نبوية؟ ولكن ماذا بعد؟ إن ~~تلك وحدها كارثة الكوارث أجمعين، ولكنها حصلت، وقعت، بترت ذراعه، ~~أيصبح على الحياة عالة؟ أيفقد نبوية ويفقد كرامته في وقت معا؟ ~~لترين مني الأيام ما لم تتوقعه مني حين كنت صحيحا، بل وما لا ~~تتوقعه من صحيح آخر مهما تكن قوته وجبروته. # لأكونن أشد عنفا عليها مما عنفت به علي. فتى كان في أول ~~عهده ينام في سريره ليعالج في ذلك الزمان البعيد كل البعد عن زماننا ~~اليوم، والأيام تتطاول به والمرض ~~جائح باتر والدواء بدائي يحبو ما يزال في ظلمات دوامس من الجهل ~~والتأخر. ماذا يصنع الفتى إذا لم يتوعد الحياة ويهددها؟ وما البأس ~~عليه وهو نائم والحياة كلها يقظة ودأب وعمل وكدح. # ولكن نبوية تعوده كل يوم، فما له إذن يقطع أن الأمل في الزواج بها قد ~~انقطع؟! وما له يجعل فقدانها أمرا لا مفر منه، ولا شك فيه، ولا ~~سبيل إليه! والعجيب العجيب أنه كان يكره زيارتها، وإن كان قلبه يرى في ~~عيني أمه وأبيه علامات تعجب؛ فقد كان الفتيان والفتيات يزوجون ~~في مثل هذه السن في هذه الأيام، فما لهذه الفتاة لا تقني حياءها وما ~~لها تصر على زيارة فتى بترت ذراعه ويصلح لها عريسا؟! أتظن أنه ~~ما دامت ذراعه قد بترت فهو لن يتزوج على أية حال؟ إنها مجرد ذراع ~~أيتها الفتاة! وما تمنع الذراع المبتورة الفتى أن يتزوج، فما مجيئك ~~هذا كل يوم في جرأة لا تكون إلا لزوجة كتب كتابها ودخلت أيضا؟! ~~فما كان يجوز لمن يكتب كتابها ولم يدخل بها زوجها أن تذهب إلى بيته ~~وحدها، بله الخطيبة، بله التي ليست بهذه ولا بتلك. # عجيب شأن نبوية في رأي الأب والأم معا. # أما وهدان فقد استقر به الرأي على واحدة من اثنتين؛ إما أنها ~~تشفق عليه في هذه المحنة الطاحنة. وإما أنها تريد أن تحيي موات ~~أمله حتى ينتهي العلاج ويخرج إلى الحياة مرة أخرى. وكلا السببين لم ~~يستطع أن يجعل قلبه ms05 يكف عن الوجيف وجيفا كان يجعله يحزن كلما جاءت ~~لزيارته، وقد كانت زيارتها يومية، عاليا دراكا يكاد يعلن عن نفسه ~~للملأ الحاضرين بل والغيب أيضا. # وشفي وهدان، وخرج للحياة، ورضي عن نفسه وهو يجعل من أحلام المرض ~~وهذائه حقا واقعا وقوع حياة، جادا جدية من لا يهذي ولا يعرف إلى ~~الهذاء سبيلا. # هو في الغيط منذ الصباح الباكر وهو لا يعود إلى البيت إلا بعد أن ~~تغيب الشمس وتوغل في المغيب. وتأتي إليه نبوية في الغيط وعلى ملأ من ~~الذين يعملون فيه وتجالسه، في أول يوم ذهب فيه إلى العمل. وحرص أن ~~يجعل الحديث بعيدا عن مواطن القلب، وحرص على ألا يتخاضع لها في الكلام ~~وإنما شكرها؛ لأنها جاءت تهنئه بسلامة الخروج. وشغل نفسه بالذين ~~يعزقون الأرض لا ينصرف عنهم ولا يميل إليها بكلمة، وإن كانت نفسه ~~جميعا باقية بجانبها لا تستطيع عنها منصرفا، ولا تطيق منها ~~فكاكا. # وابتسمت نبوية بتلك الشفافية التي عرفها الريف في قلوب فتيانه ~~وبنياته؛ فمع أنها كانت ترى وجه وهدان وهو منصرف عنها إلى فئوس ~~العاملين إلا أنها كانت واثقة أن نفسه جميعا بقلبها وجوانحها ~~بجانبها. انتظرت مليا ثم قالت في شبه همس وفي صوت أغن: فتك ~~بعافية يا وهدان. # وقال دون أن ينظر إليها: مع السلامة. # وصحبت نفسه وجوانحه وانصرفت، وقال هامسا لما بقي منه: ما تزال ~~تحاول تشجيعي على مصيبتي. # وفي اليوم التالي جاءت نبوية، ولم يطق وهدان صبرا، أمسك يدها ~~وانتفض جسمه انتفاضة لم يعرفها في حياته قط وابتعد بها عن الجميع: ~~مجيئك بالأمس يرى فيه العاملون فتاة تهنئ ابن قريتها بالعودة إلى ~~العمل. أما مجيئك اليوم فغير مقبول. عودي إلى البيت. ~~- وكيف أراك؟ ~~- سأجيئ أنا إليك. ~~- أين ومتى؟ ~~- أيوافق أبوك على مجيئك؟ ~~- لم أسأله. ~~- أتظنين أنه يوافق؟! ~~- إذا اتصل الأمر بي وبك فأنا لا أفكر. # أحس بالكلمة كأنها رصاصة أصابت منه كل المقاتل، ونظر إلى ذراعه ~~المبتورة وأبقى عينيه عليها لتخفيا دمعات تبادرت، فهمس وقال ~~بصوت لا يكاد يسمع ولكن في ms06 نبرته أمر وحسم: عودي إلى بيتك. # وفي غير تردد قالت وهي تولي عنه: أمرك هو الأمر الوحيد الذي لا ~~أناقشه، فتك بعافية. # وتزداد الدموع وبلا من عينيه، أما عافية الجسم فقد أنالها. أما ~~عافية الروح فهيهات! # وظل وهدان يذهب إلى الغيط كل يوم، ومرت شهور. وكان أبوه يظن أول ~~الأمر نزوة جريح فقد ذراعه ولا يريد أن يصاحب الفتية فيما يضطربون ~~فيه. حتى إذا تتابعت الشهور وأوشكت أن تكتمل عاما أصبح الأب في ~~غناء عن الذهاب إلى الحقل. وراح يقضي نهاره في جلسته الحبيبة عند عبد ~~الحميد أبو ديدة الخياط الذي لا تمنعه صنعته عن الحديث، ولا عن سماع ~~من يقرأ الجريدة له. # وكانت نبوية في كل يوم تذهب إلى حيث ترى وهدان وتطمئن عليه وتنصرف ~~لا تقترب منه، ولكن لا تمضي أو تكون واثقة أنه رآها. # إذن فالأمر ليس إشفاقا، ولا هو بتشجيع. # جاءت من بعيد ورآها فراح يجري إليها بكل قوته وهي قوة عاتية. وما ~~كان في حاجة إلى الجري فقد كان مناها أن يقبل إليها ولو إقبالة ~~وانية هينة. وإنها لمنتظرة وإن استغرق خطوه إليها عاما ~~وأعواما. ~~- ماذا تريدين يا نبوية؟ # ودون أن تفكر لحظة: أريد أن أتزوجك. # ومادت به الأرض بما حوت وصاح: أنا بذراع واحدة يا نبوية. # وصاحت هي أيضا به: وهل هذه جديدة علي؟! # وفي تعجب حزين: ألم ينقطع حبك لي حين انقطع ذراعي؟ # وأجابته في قوة حاسمة: ومن قال لك إني كنت أحب ذراعك؟ # ويطأطئ رأسه: لم أصبح إنسانا كاملا. # ويعلو صوتها وهي تقول: ومن قال لك إن الإنسان ذراع أو ساق؟ إن ~~الإنسان قلب وحنان ورجولة وإصرار. أحببتك بعد أن فقدت ذراعك أضعاف ~~أضعاف ما كنت أحبك من قبل، وأحببتك حين أمرتني ألا أجئ إليك في ~~الغيط أضعاف أضعاف ما أحببتك بعد أن فقدت ذراعك. وهدان، إذا لم ~~تتزوجني فلن أتزوج طول عمري. # وتزوجا. # | الفصل الثالث # عجيب شأن الأيام والسنين؛ فالأيام تمر بطيئة متثاقلة كأنما ~~يدفعها القدر إلى المضي رغم أنفها، بينما ms07 تمضي السنوات مسرعة ~~تلهب الزمان بسياطها، وتندفع كالسيل الجارف فإذا الطفل فتى، وإذا ~~الفتى شاب، وإذا الشاب كهل وإذا الكهل شيخ. وإذا نظروا إلى أمسهم وجدوه ~~قريبا منهم يكادون لو مدوا أيديهم أن يمسكوا به أو هكذا يخيل ~~إليهم على الأقل؛ فهم يعلمون أن أمسهم الذي ولى بعيد عنهم بعدهم ~~عن بدء الخليقة، ولكنه في أذهانهم وفي وجدانهم كأنه ما مضى. وقد ~~يتجسم الخيال في نفوسهم ويوشكون أن يصدقوه فما هي إلا نظرة في ~~مرآة أو قومة متثاقلة يعوقها الكبر حتى يدركوا ما على أكتافهم من ~~سنوات، وتتبين لهم الحقيقة أوضح ما يكون الوضوح. إن السنين قد ~~مرت، ولم يكن مرورها بوهدان وزوجته عبثا؛ فقد أنجبا سباعي وخليل ~~وفاطمة وعابدة. # وكان وهدان طوال هذه السنوات خير فلاح في القرية، وربما كان خير ~~فلاح في المنطقة، فاستطاع أن يشتري أربعين فدانا كاملة؛ فقد كان ~~حريصا أن يشتري في كل عام أرضا بما يفيض من ماله فلا ينكسر عنده ~~مال إلى عام قادم، مرتئيا أن مستقبله ومستقبل أولاده جميعا هو هذه ~~الأرض، ولكن عشرة أفدنة من هذه الأربعين لها قصة أنت بالغها. # ومع كل هذه الأرض التي اشتراها لم يعرف أحد عنه بخلا، ولا هو قصر ~~في الإنفاق على بنيه، ولا هو كان شحيحا مع زوجه؛ فما طلبت منه مطلبا ~~إلا كانت إجابة هذا المطلب هي أول شيء يسارع إليه. لم ينس أنها ~~قبلته بذراع واحدة على غير غنى؛ فما كان أبوه يملك غير أربعة ~~أفدنة استطاع أن يصل بها إلى خمسة قبل موته، وبالجهد الذي بذله وهدان ~~فما كان أبوه ذا همة، وما كان يعنيه أن تزيد أرضه بقدر ما كان ~~يعنيه أن يجلس إلى عبد الحميد أبو ديدة الخياط. # ولم يحاول وهدان وهو يجمع هذه الأرض أن يكون جشعا يهتبل الفرص ~~ويشتري ممن تلم بهم الضوائق أو تعترض حياتهم الكوارث. ولم ينس أهل ~~«الصالحة» قريتهم أن سليمان النواوي الذي يملك ستة أفدنة من أجود أراضي ~~القرية، جمعها من تجارة القطن ms08 التي كان بارعا فيها كل البراعة، ~~ضارب يوما في البورصة فإذا هو مدين دينا كبيرا وإن كان لا يستغرق ~~الأرض. وقصد عبد الحميد أبو ديدة إلى وهدان وأوعز إليه أن يشتري أرض ~~سليمان في هذه الفرصة ويفوز بها، وإذا بوهدان ينتفض عن إنسان يعف أن ~~يكون أخوه فريسته: أترضى لي هذا يا عم عبد الحميد؟ ~~- وماذا فيها يا وهدان يا بني؟ هو معذور، ولا بد أن يسدد الدين، ~~وجميع أصدقائه في التجارة مضروبون معه، ولا طريق له إلا بيع الأرض ~~فلماذا لا تشتريها أنت؟ ~~- قسما بأهل بيتي جميعا لو كان سليمان هذا يهوديا لا أعرفه ولا ~~يعرفني ولا نحن أبناء بلدة واحدة ما فعلتها، فكيف وهو ابن قريتنا ~~نشأنا نراه ويرانا وتتزاور زوجته وزوجتي ويلعب أطفالي مع أطفاله؟ ~~صل على النبي يا عم عبد الحميد. ~~- عليه الصلاة والسلام يا وهدان، يا ابني، ولكن أليس هذا الذي تذكره ~~سببا أن ننقذه من أزمته. ~~- أيكون ما تشير به إنقاذا أم إجهازا عليه؟ ~~- على الأقل ستكون أنت رحيما معه في الشراء، وتدفع له ثمن الأرض ~~دون أن تخسف بها سابع أرض، كما يعرض عليه حمدان أبو إسماعيل. ~~- ولا هذا. ~~- إذن فقد أضعت الرجل وأنت تحاول أن تنقذه. ~~- وما كنت لأفعل هذا أيضا. ~~- فماذا أنت فاعل؟ ~~- قم معي وسترى. # وحين استقر بهم المجلس عند سليمان قال سليمان دون ريث من التفكير: ~~الحمد لله أنك جئت يا وهدان. ~~- تحت أمرك يا سليمان. ~~- والله لا يشتري الأرض إلا أنت. لقد خسف حمدان ثمنها إلى العشر ~~وأنا مضطر للبيع، ولكنني رفضت أن أبيعها له من شدة غيظي منه. أما ~~أنت فأبيعك إياها بالثمن الذي عرضه وأكون سعيدا. ~~- صل على النبي يا أبو داود. ~~- عليه الصلاة والسلام، أتريد أن تنزل بها عن ذلك أيضا؟ ~~- صل على النبي «أمال»، خذ هذه الفلوس. ~~- ما هذه؟ ألا نتفق الأول؟ ~~- ولا نتفق ولا يحزنون. خذ، وصل على النبي. ~~- بكم تريد الفدان؟ ~~- لا أريده مطلقا، لا أريده حتى ولو بعته لي بلا ثمن ms09 . ~~- فما هذه الفلوس؟ ~~- دينك، اذهب فسدده. ~~- ماذا تقصد يا وهدان؟ ~~- ماذا جرى يا سليمان؟ أكلاب مسعورة نحن حتى نتشمم الضوائق تحيط ~~بناسنا فنجعل منها فرصا لنا؟ لا يا سليمان، لا عشنا إن كنا نفعل ذلك. ~~سدد دينك والتجارة يوم في العالي ويوم في الواطي، وإن خانك السوق ~~مرة فمصيره أن يكرمك في المرة القادمة. ~~- أما سبحان الله! ولكننا لسنا أصدقاء. ~~- معارف، وأولاد بلد واحدة، ووشنا في وش بعضنا البعض العمر كله. وأنا ~~كنت سأشتري بضعة أفدنة هذا العام بهذا المال الفائض عندي، فماذا يجري ~~إذا أجلنا الشراء إلى العام القادم. # وصاح سليمان من الفرحة وكأنه يرى سحرا لا يصنعه أحد من أبناء الأرض: ~~أهذا معقول؟ ~~- غير هذا هو الذي لا يعقل. توكل على الله. سلام عليكم. ~~- انتظر أكتب لك ورقة. ~~- ولا ورقة ولا يحزنون. ~~- لا، هذا ليس من حقك. ~~- إنه مالي وأنا حر فيه. ~~- أطال الله عمرك ولكنه ليس مالك. إنه مال أولادك وأنت أمين ~~عليه. ~~- لا مسئولية علي أمام أولادي. لقد ورثت عن جدهم خمسة أفدنة، ولو ~~كنت بعتها لكان هذا من حقي، ولكني لم أبعها وزدت عليها. ~~- اسمع من غير كثرة كلام. تأخذ الورقة أو تأخذ الفلوس؟ ~~- هات الورقة. # وهكذا لم يكن وهدان في شرائه للأرض مسعورا ولا كان نهازة فرص. ~~وما دمنا قد روينا قصته مع سليمان فمن حق القصة أن نكملها؛ فقد ~~سدد سليمان دينه، وعمل في التجارة، وكسب في العام التالي كسبا ~~يمكنه من سداد دين وهدان، ولكنه لم يفعل وإنما قصد إلى ~~وهدان. ~~- لقد عملت في معروفا ما زالت الجهة تتحاكى به. ~~- يتهيأ لك. ~~- اسمع، أنا كسبت هذا العام، ولكنني مع ذلك لا أستطيع أن أرد ~~إليك دينك. ومن عمل معروفا فعليه أن يتمه، فهل أنت على استعداد ~~أن تتم معروفك؟ ~~- أتمه إن شاء الله. ~~- تترك فلوسك للعام القادم. ~~- أمرك. # وانصرف وهدان ودار العام في غمضة عين وإن كانت أيامه كانت تمر ~~ثقيلة أثقل من الأيام العادية؛ فقد كان سباعي كلما خلا بأبيه يقول ms10 له: ~~لو كنت يا أبا اشتريت أرض سليمان لكان محصولها يكفي لشراء نصفها على ~~الأقل هذا العام. # ويصيح الأب في حزم آباء هذا الزمن: اخرس يا ولد. # ويضطر الولد أن يخرس، ثم ما يلبث أن يكرر جملته تلك كلما امتد ~~حديث إلى محصول أو أرض أو شراء أو بيع. # وكان الأب يحس حسرة أن ابنه يلومه. ولم تكن الحسرة وليدة اللوم، ~~وإنما كان باعثها أن ابنه سباعي على غير خلقه، وأنه لا يعرف معنى ألا ~~ينتهز إنسان ضائقة إنسان أخيه، ولا يعف عند مقدرة، ولا يتعالى عن ~~خلق الذئاب. # وكانت نبوية تهون عليه ما يتداوله من ألم لما جبل عليه ابنه ~~البكر، فكان يقول لنبوية: أخاف عليكم منه بعدي يا نبوية. ~~- لا عشنا بعدك يا وهدان، لا عشنا بعدك. ~~- إنه بلا قلب. ~~- ابنك لا يمكن أن يكون بلا قلب! ~~- أتصدقين أن الأبناء يرثون أخلاق آبائهم فيما يرثون؟ هيهات! ليست ~~الأصلاب ولا الأرحام أمينة دائما. والذي لا يقدر ما صنعته مع ~~سليمان شخص يخشى منه يا نبوية. ~~- اسمع يا وهدان، علينا أن نحمل همهم ونحن أحياء. أما من بعدنا ~~فعلى كل منهم أن يحمل هم نفسه. # مر العام إذن وكان أثقل الأيام مرورا، ثم جاء سليمان إلى وهدان وكان ~~ولداه جالسين معه. ~~- السلام عليكم. ~~- وعليكم السلام. ~~- كل عام وأنت بخير. ~~- وكل عام وأنت بخير يا سليمان. ~~- قم يا عم هات الورقة التي عندك. ~~- أمرك. # وعاد وهدان بالورقة وأعطاها لسليمان. ~~- خذ يا عم، ربنا يزيدك. ~~- وأنت خذ هذه. ~~- ماذا؟ ... ~~- لقد تعلمنا القراءة معا في الكتاب. اقرأ. # وقرأ وهدان فوجد بالورقة عقد شراء باسمه لعشرة أفدنة ملاصقة ~~لأرضه، وانتفض في جلسته. ~~- وهل أنا مراب يا سليمان؟ ~~- اهدأ واسمع. ~~- هدأت. ~~- فلوسك كانت جاهزة معي من السنة الماضية، ولكنني أحببت أن أرد ~~جميلك. قلت أتاجر لك بها فإن كسبت فالمكسب لك، وإن خسرت أردها إليك ~~دون أن تعلم. وقد كسبت وجاءني جارك نجيب الجلطة يريد أن يبيع أرضه؛ ~~لأن ابنه الذي أصبح مهندسا يريد أن ms11 يبني بها عمارة في مصر. وانظر إلى ~~الثمن تجده عادلا، لا ظلم فيه. استخرت الله واشتريت الأرض ~~باسمك. # وانتصب سباعي واقفا وأهوى على يد سليمان يريد أن يقبلها. وألمت ~~بوهدان غصة أوشكت أن تضيع عليه فرحته بما صنع صديقه. ما سباعي ~~هذا؟ لا عفة عند مقدرة، ولا كرامة عند فرحة! حسبي الله ونعم ~~الوكيل. # حسبي الله ونعم الوكيل. # | الفصل الرابع # في هذه السنوات البلهاء من حياة مصر كان ينبت في بعض المناطق مجرم ~~يثير الذعر حوله، ينتمي هذا المجرم إلى وجيه من وجهاء المنطقة، بعقد ~~شيطاني غير مكتوب، أن يحمي الوجيه المجرم من الحكومة، ويحمي المجرم ~~أملاك الوجيه من المجرمين الآخرين. وشأن كل العقود الشيطانية يتجاوز ~~مفعول العقد حدوده، ويتستر الوجيه على المجرم تسترا لو حاسبه عليه ~~قانون العقوبات لأصدر عليه أحكاما قاسية. وفي مقابل ذلك يصبح المجرم ~~أداة بطش وعدوان للوجيه، يخيف به كل المقيمين حوله، مجرمين كانوا أو ~~غير مجرمين. وما هو إلا يسير زمن حتى تصبح أعمال الوجيه بواسطة ~~مجرمه كلها اعتداء على حقوق الآخرين؛ لأن سمعته وحدها كافية أن ~~تذود عنه أي مجرم يفكر أن يمس حقوقه. ويصبح الريف غابة، السيادة ~~فيها لمن لا ضمير له. وهذا نوع من الغابات فريد؛ فغابة الحيوان غابة ~~تجمع مخلوقات بغير عقول، ومن لا عقل له فلا ضمير له، فمن الطبيعي أن ~~يكون الحكم فيها للأقوى. ومن الطبيعي أيضا أن تكون الوحشية هي ~~الدستور؛ فبغيرها لن تطعم الحيوانات ولن تجد مأكلها. وهذا في ذاته ~~سبب كاف أن تستعمل قوتها لتعيش. # أما غابة الإنسان فهي بعيدة عن ذلك كل البعد، فإذا كان الحيوان قد ~~حرمه الله حق الاختيار فإنه سبحانه قد فرض على الإنسان هذا الحق بما ~~وهبه من نعمة العقل، ومن نعمة الرحمة، ومن نعمة المشاعر الرقيقة. وكان ~~طبيعيا ما دام العدل المطلق قد وهب للإنسان كل هذه الحقوق أن يفرض ~~عليه واجب الأمانة، التي عرضها على السموات والأرض والجبال، فأبين ~~أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان. وهو سبحانه حين ms12 حمله ~~هذه الأمانة الثقيلة فرضها عليه حين اختار هو أن يقبلها؛ فحين خلق ~~الله آدم طلب إليه ألا يمس شجرة من الجنة، وما شجرة في جنة ~~عرضها السموات والأرض؟ فحين عصى آدم ربه اختار إذن أن يحمل الأمانة. ~~إن الإنسان كان ظلوما وهكذا ظل. # قليل من وجهاء الريف من كان يضع تحت حمايته مجرما أو عددا من ~~المجرمين؛ ففي كل منطقة قد نجد واحدا من هؤلاء الوجهاء غير الوجهاء في ~~الدنيا أو في الآخرة. وغالبا ما تكون المناطق نقية منهم كل النقاء ~~تسمع عنهم في الجهات المجاورة، ولكنها لا تعرفهم ولا تشتهي أن تعرفهم، ~~بل إن الجميع يدعون الله أن يبعدهم عنهم ويعمي عيونهم عن بلادهم ~~وأملاكهم وأرواحهم؛ فهم يعرفون عنهم كل شيء معرفة يقين، ويعرفون أنهم ~~متوحشون يستأجرهم سادتهم لقتل من يجرؤ أن يناقشهم في أمر، أو يتوانى في ~~تنفيذ إشارة إصبع تصدر عن ذلك الوجيه غير الوجيه. # وكانت بلدة الصالحة متطهرة من هذا الوباء، وكانت كل صلتهم به ما ~~يسمعونه عن أبو سريع الفرحان، ذلك المجرم الدموي الذي يأوي بعصابته إلى ~~ظل عز الدين بك الخولي، عضو مجلس النواب عن الدائرة التي تتبعها ~~الصالحة. وكانت الصالحة ترد عن نفسها العدوان بأن تعطي أصواتها لعز ~~الدين متظاهرة بالطواعية حتى لا يكون هناك أي مبرر أن يقترب منها ~~أبو سريع. والبلدة لم تكن متحمسة لمرشح آخر؛ فهي لا تجد بأسا أن ~~تنتخب حامي المجرمين هذا، مرتئية أن فيما تفعله كياسة لا ~~تضيرها. # وفي يوم كان وهدان جالسا إلى أسرته جميعا؛ أما الأم فقد كانت ~~تصلي، وكان وهدان يقرأ القرآن، وكانت فاطمة تقرأ في كتاب اشتراه لها ~~أخوها خليل، وعابدة تنظر إلى الجميع وترى في وجوههم القلق الشديد، الذي ~~يحاول كل منهم أن يخفيه بشتى وسائل، حتى لا يثير بقلقه قلق ~~الآخرين. ولم يكن عجيبا أن يتولاهم هذا القلق؛ فخليل هو أملهم أن يصبح ~~لهم شأن في حياة العلم، بعد أن ترك سباعي المدرسة وهو طفل في العاشرة، ~~فلم يتعلم منها ms13 إلا قراءة وكتابة توشك أن تكون عاجزة. أما خليل فقد ~~مضى في التعليم مضيا موفقا، وكان متقدما في دراسته دائما. وهم ~~اليوم ينتظرون نتيجة التوجيهية التي حملت اسمها هذا؛ لأنها تعطي ~~لحائزها الحق أن يتوجه في التعليم الجامعي إلى الكلية التي يختارها؛ ~~فهي نهاية التعليم العام، أو هي بلغة وزارة المعارف نهاية التعليم ~~الثانوي. # كان الأب والأم والابنتان جميعا في هذا القلق، الذي تشعر به عابدة ~~وتراه على وجوههم. وكان سباعي كشأنه بعيدا عن قلق الأسرة وعن اجتماعها ~~هذا، بل هو حتى لم يكن يدري أن نتيجة شهادة التوجيهية ستظهر في هذا ~~اليوم؛ فهو دائما في شأن يظن أنه يغنيه، وهو دائما بعيد عن أسرته ~~ومشاعرها بما يشغل به نفسه من شواغل، منها الأرض والمحصول، ومنها ~~غير ذلك. # كان في يومه هذا يلبي دعوة على الغداء دعاه إليها شعبان الخولي ~~بن عز الدين الخولي الذي تعرف به منذ قريب في مقهى بالمركز. وأراد ~~شعبان أن يظهر ابن وهدان على القصر الذي ابتناه أبوه بقريتهم ~~العدوة، وأراد أيضا أن تصل بينه وبين ابن الرجل الذي يعتبر أغنى من ~~في الصالحة آصرة صداقة؛ فقد كان شعبان أيضا ممن نكصوا عن التعليم ~~شأن سباعي. وكما يلتقي الفلاح بالفلاح فيتناجيان ويتعارفان ويجدان ~~شيئا دائما يقولانه يلتقي الغريبان فيتناجيان، ويتعارفان، ويجدان ~~شيئا يقولانه فيصبحان صديقين، ولكن لا بد لنا أن نكون منصفين؛ فإن ~~يكن شعبان وسباعي قد فشلا في المضي قدما على درج التعليم، فقد كان ~~كل منهما فلاحا من الطبقة الأولى يعرف ما تحتاجه الأرض، ويقدمه ~~لها في كرم ومهارة وحذق، واثقين أن الأرض خير شيء يرد ما يأخذ ~~أضعافا مضاعفة. وقد كان وهدان يجد في قدرة سباعي الفائقة على رعاية ~~شئون الأرض ما يعزيه عما جبل عليه من خلق لا يرضيه، ولكنه شأن ~~الناس أجمعين كان يتلمس لطف الله فيما يصاب به. وقد وجد لطفه سبحانه ~~في براعة سباعي الزراعية، وراح يقول لنفسه: ربما أراد سبحانه أن يجعل ~~منه حارسا على الأرض يرعاها ms14 من بعدي لإخوته عني. وإن كانت غصة تلوي ~~عزاءه بعض الشيء، أتراه سيحرسها أم سينهشها؟ الله وحده يتولى ~~عباده بما يرضاه. # كان سباعي إذن يلبي دعوة شعبان، وقبل أن يأتي الغداء جلس الضيفان ~~في غرفة الاستقبال الواسعة الأرجاء، وقال سباعي: ما سمعنا عن سعادة ~~البك والدك ولا عن سعادتك إلا كل كرم. ~~- أرأيت بخلا؟ ~~- نعم رأيت. ~~- ولكن الأكل لم يظهر بعد. ~~- قطعة جبن تنبئ عن الكرم في كثير من الأحيان. ~~- فماذا تقصد؟ ~~- أنتغدى وحدنا؟! ~~- آه! أنا أردت ألا يشاركنا أحد الحديث. ~~- وهل يحلو الحديث إلا باللمة. ~~- ومن تريد؟ ~~- أين أبو سريع؟ ~~- والله هو هنا اليوم. ~~- فلماذا لم تدعه معنا؟ ~~- أدعوه. إن بيته قريب. ~~- لا بد أن يكون بيته قريبا! # وضحك شعبان، وقال سباعي: ادعه يا شعبان بك، وادع رجاله، واللقمة ~~الهنية تكفي مية. # وجاء أبو سريع، وعرف أن الذي دعاه هو سباعي، وحمد هذا له؛ فما كان ~~يتناول طعامه على مائدة عز الدين بك إلا عندما يكون هناك أمر جليل ~~يريد أن يكلفه به. أما شعبان فما كان يهتم بدعوته مكتفيا بأن يعطيه ~~من حين لآخر بعض المال. ~~••• # حين عاد سباعي إلى البيت وجد الكثيرين أمام بابه، ووجد الدوار ~~مبتسما فرحا. وعجب! إنه هو فرحان نعم أن تغدى مع شعبان وأبو سريع ~~ورجال أبو سريع، ولكن ما هذا الفرح في بيتهم؟ وعرف أن أخاه حصل على ~~التوجيهية. والعجيب أو ربما ليس عجيبا أن يشعر بالفرح؛ فخليل بهذا قد ~~أصبح من أهل الكتب وليس لهؤلاء صبر على الفلاحة. لقد تأكد في لحظة ~~علمه أن أخاه ذاهب إلى الجامعة وإلى كلية الطب، أن أرض أبيه أصبحت ~~له وحده من بعده. # وعجب الأب من فرحة سباعي وربما خامر ذهنه ما اختلط بنفس سباعي؛ ~~فقد علمته الحياة أن يصل من النفوس إلى أبعد أعماقها، ولكنه بمشاعر ~~الأب الذي يمتزج حب الأبناء مع الدماء فيها نفى أن يبلغ الجشع بابنه ~~البكر هذا المدى، وأبى إلا أن يسعد في يومه هذا سعادة لا يقف بها عارض ms15 ~~من أي مكان، سواء كان هذا العارض من داخل النفوس أو من خارجها. # | الفصل الخامس # حين عرف وهدان من سباعي أنه دعا شعبان وأبو سريع ومجرميه إلى الغداء ~~بالبيت غضب كل الغضب. ~~- هذا بيت عاش طاهرا وأحب أن يظل طاهرا. # وكان سباعي في دهشة من أمر أبيه؛ فقد كان يظن أنه سيفرح غاية الفرح ~~أن ابن عز الدين بك قبل الغداء ~~عنده. ~~- يا أبا، إنه ابن عز الدين بك. # وازداد ذهول سباعي وأبوه يقول له: طظ! وما عز الدين بك بتاعك ~~هذا؟ ~~- يا أبا، عز الدين بك كبير الناحية. ~~- بالإجرام والقتل والاعتداء على حرمات الله والناس. ~~- رجل عترة. ~~- عند من لا يخافون الله أمثالك. إنما في الحقيقة هو ليس رجلا ~~أصلا. ~~- ليس رجلا؟! ~~- الرجل هو الذي يشق الحياة إلى الآخرة بطاعة الله لا بعصيانه، ~~وبإحياء البشر لا بقتلهم، ومن قتل إنسانا واحدا فهو عند الله كمن قتل ~~الناس جميعا. ~~- انظر يا أبي إلى الثروة التي كونها. ~~- بسيطة. ~~- مائتا فدان من لا شيء بسيطة. ~~- وألف وألفان بسيطة، ما دامت وسيلته إلقاء الذعر في قلوب الناس، ~~والاستيلاء على حقوقهم بالباطل. ~~- على كل حال يا أبا أنا لم أدعه. ~~- دعوت ابنه ودعوت المجرمين الذي يعملون لحسابه. ~~- أريد أن يكون لنا قيمة في البلدة وفي الناحية. ~~- فشرت أنت وضيوفك جميعا. إن قيمتنا في قلوب الناس أعظم منهم ألف ~~مرة. ~~- يا أبا، إنه نائب الدائرة. ~~- بالرعب والقهر وليس بالاختيار، ولو ملك الناس أمر أنفسهم دون ~~خوف لاختاروا أي شخص يمثلهم فيكون تمثيله لهم شرفا وقيمة، يختارون ~~متعلما أو يختارون شريفا لا لصا ولا قاتلا. ~~- فما احترام الناس هذا؟ ~~- ألا تعرفه وتعرف من أين يصدر من نفوسهم؟ ~~- إنهم يهابونه. ~~- إنهم يخافونه، وإنهم لا يحترمونه. إنما الاحترام هو ذلك الذي تنطوي ~~عليه نفوسهم بحريتها المطلقة وليس بما يخشونه منه إذا هم حجبوا عنه ~~احترامهم. إن أخاك خليل محترم بعلمه في بلدتنا أكثر من عز الدين هذا، ~~الذي تتشرف بمعرفة ابنه وبدعوته إلى الغداء عندك. ~~- خليل أخي. لا ms16 يا أبا، شرع الله عند غيرك. ~~- بل هذا هو شرع الله والناس. أما شرعك أنت فشرع الشيطان المسعور من ~~بني آدم. ~~- والآن ماذا ترى؟ ~~- وهل تركت لي رأيا؟ لقد دعوت فعلا، ولا أحب أن أجعل منك طفلا ~~أمام الناس. ~~- مصيبة سوداء لو عرف عز الدين بك رأيك فيه. ~~- أويشرفك هذا؟ نعم فعلا مصيبة سوداء، ومعرفته مصيبة سوداء ~~أيضا؛ ولهذا كنت أرجو أن أقضي الأيام الباقية لي لا أعرفه ولا ~~يعرفني. ~~- الحق علي يا أبا. ~~- حين أموت أخاف أن يكون عز الدين وأمثاله هم مثلك الأعلى. # وأوشك سباعي أن يهتف: يا ليت. ولكنه كتمها وسأل أباه: أتحضر معنا ~~الغداء يا أبا؟ ~~- وأنا ما شأني؟ ~~- إنه بيتك. ~~- بل بيتك ما دمت دعوت فيه فأنت تعرف أنه بيتك. وإن لك هذا الحق ~~لا أنازعك فيه، وإنما أغضبني اختيارك لمدعويك، ولكن الأمر ~~لله. ~~••• # حين استقر المقام بشعبان ورجال أبيه في الدوار أصبح الدوار فجأة خلية ~~نحل، وراح كل من يعمل في البيت يعد العدة للغداء. وتسامع أهل ~~القرية جميعا بهذه الدعوة فتولاهم نحو سباعي ذلك الشعور العجيب الذي ~~يجمع بين الخوف والرهبة والاحترام المرتعد. ولم يحاولوا أن يضعوا ~~الحدود الفاصلة بين هذا النوع من الاحترام وبين ما يكنونه لوهدان ~~من احترام فيه حب وفيه تقارب ومودة. لقد تعودوا أن يكتموا ما ~~يعتمل في نفوسهم نحو عز الدين ومجرميه، وأصبحت هذه العادة منهم طبيعة ~~لا تناقش ولا يحلل مداها إنسان، ولا يحاول أحد أن يتتبع جذورها. ~~هم فقط أحسوا أن سباعي أصبح شخصا مهما؛ لأنه دعا ابن عز الدين، ~~وأبو سريع، ورجال أبو سريع وقبلوا الدعوة. # تناولوا الغداء وضمتهم حجرة الاستقبال في الدوار مرة أخرى. وقد ~~كان الدوار شأن أمثاله في بيوت الأعيان بعيدا عن الدار موصولا بها ~~في وقت معا؛ فهو جلسة الرجال، وليس له بحرم البيت وحريمه صلة، إلا أن ~~يأتيهم منه المطعم والمشرب، ثم لا اتصال. # قال شعبان وقد انتفش على الكنبة مزهوا بمكانة أبيه: مبسوط يا ~~سباعي؟ ~~- رضا، والحمد لله. ~~- الحمد ms17 لله على كل حال، ولكن لماذا الرضا؟ ~~- يا سلام! أتكون مشرفا عندي أنت وهؤلاء الرجال السباع ولا يكون ~~الحال رضا؟ # وضحك الجميع. # وقال أبو سريع معلقا على السباع: يا سباعي! # وعلا الضحك مرة أخرى؛ أما رجال أبو سريع فلأنهم لا بد لهم أن يضحكوا ~~ما دام أبو سريع يضحك. وأما شعبان وسباعي فليفهما أبو سريع أنهما ~~فطنا إلى قفشته وتلاعبه بالسباع وسباعي وسرعة خاطره أيضا، ولكن ~~شعبان يقول مواصلا حديثه: يا حبيبي أنا أسألك: هل أنت مبسوط في ~~حياتك؟ ~~- وهي أيضا رضا، والحمد لله. ~~- لماذا؟ ~~- وماذا أريد أحسن من هذا؛ آكل شارب نايم أشوف أرض أبي، وأنتج منها ~~أحسن محصول. ماذا أريد أحسن من هذا؟ ~~- وهل هذه عيشة؟ ~~- وما العيشة؟ ~~- تعال معي إلى مصر وأنا أعرفك العيشة على حقيقتها. ~~- يا سلام! ~~- رحت مصر؟ ~~- طبعا. ~~- أين ذهبت؟ ~~- زرت المشايخ، وزرت أقاربنا هناك وأصدقاءنا، ودخلت السينما، ~~ورحت إلى المسارح، وشفت كل حاجة في مصر. ~~- دخلت كباريه؟ ~~- كبا... وماذا؟ ~~- كباريه. ~~- آه، لا، سمعت عنه فقط. ~~- سمعت عن ماذا؟ ~~- يقولون عن الأوبرج وشيء آخر اسمه الأريزونا. ~~- يقولون. ~~- سمعت. ~~- ولم تر؟! ~~- الكذب خيبة، لا لم أر. ~~- فأنت لم تر مصر. ~~- أهذه هي مصر؟ ~~- عندي أنا. أنا يا بني حين أذهب إلى مصر لا شأن لي لا بأقارب ولا ~~بغيره. كم صاحب أعرفهم، أصل إلى بيتنا هناك وأدور عليهم بالتليفون، ~~وعينك ما تشوف إلا النور. ~~- وأين هذا النور؟ ~~- في الأوبرج. ~~- أتذهب إلى الأوبرج؟ ~~- ولا أحب غيره. جربت كل كباريهات مصر، لم يملأ عيني إلا ~~الأوبرج. الملك يذهب إلى هناك. ~~- شفته؟ ~~- مرة. ~~- واحدة؟ ~~- كفاية. ~~- ما شكله؟ ~~- سمين وضخم، إنما الحق له هيبة. ~~- ملك، ملك يا عم ملك، المأمور عندنا يهز المديرية، شف ملك ماذا ~~يفعل. ~~- ليس هذا هو المهم. ~~- الملك ليس مهما؟! ~~- هناك ليس مهما بالمرة. المهم أشياء أخرى. ~~- مثل ماذا؟ ~~- اسمع يا عم. أنا رجل أحب العمل، ولا أحب الكلام. ~~- ولكننا الآن لا نملك إلا الكلام. ~~- فشر، ونملك العمل أيضا. ~~- كيف؟ ~~- أنا مسافر الخميس القادم، تجيء ms18 معي؟ ~~- أجيء. ~~- صحيح؟! ~~- وهل ألاقي فرصة أحسن من هذه؟ ~~- اتفقنا. ~~- اتفقنا. ~~••• # حوت غرفة الاستقبال في المساء قوما آخرين؛ فقد تصدرها وهدان كشأنه ~~كل ليلة، والتأم حوله أصدقاء جلسته يكادون لا يتغيرون في ليلة عن ~~الأخرى؛ فأغلبهم تعود هذه الجلسة والحديث بينهم متصل منذ سنوات، وفي ~~أيام أم كلثوم يعدون العدة لسماعها في راديو وهدان. وقد كان ~~الاستماع إلى الراديو لمدة طويلة يحتاج أن يذهب أحدهم بحماره إلى ~~المركز في اليوم السابق ليملأ البطارية الضخمة؛ فهي بطارية سيارة، ~~ويعود بها في اليوم التالي. ولم تكن أم كلثوم تغني في هذه الليلة ~~وإنما هو الحديث، حديث في كل شيء. وأحيانا كان يلم بالجلسة أصدقاء ~~غير منتظمين، إما أن يكونوا أصحاب مصلحة يريدون قضاءها مع وهدان أو مع ~~أحد جلسائه، أو يكون قدومهم لمجرد السمر والحديث. وفي هذه الليلة جاء ~~إلى الجلسة عبد الحميد أبو ديدة الذي توقف عن العمل كخياط للقرية ~~تاركا الصنعة لابنه بعد أن أوهنه الكبر. وأصبح لا يخرج من البيت ~~إلا في القليل النادر، وكانت تنعقد في بيته هو أيضا جلسة مثل جلسة ~~وهدان هذه، فلم يكن غريبا أن يكون إلمامه بدوار وهدان نادرا، وقد ~~أوسعه وهدان ترحيبا. وقد حرص سباعي أن يحضر الجلسة ليرى نفسه موضع ~~الإكبار والتقدير بعد دعوة الغداء التي عرفت القرية جميعا بشأنها. ~~وما هذا بعجيب؛ فإن أي دعوة في القرية هي حديث القرية جميعا، ولكن ~~مجيء شعبان ورجاله أمر يعرف سباعي أنه هز القرية كلها من الأعماق. ~~وتهيأ سباعي لسماع كلمات التقدير على دعوته تلك. وقد رأى فعلا ~~نظرات الاحترام ماثلة في أعين معظم أهل الندوة. وحين بدأ الحديث بدأ ~~بطبيعة الحال عن مجيء شعبان وأبو سريع، فإذا وهدان يقول في هدوء وفي ~~حسم: إذا تكلمتم في شأن هذه الدعوة فاسمحوا لي أن أنصرف. # وانقمع الحديث عنها تماما، وأحس سباعي لذعة أسف أنه لم يتمتع ~~بما كان يهفو إلى التمتع به. والتوى الكلام إلى غير هذا مما ~~تعودوا أن يأخذوا فيه. وما هي إلا ms19 بعض الساعة حتى استأذن عبد الحميد ~~أبو ديدة، وقال وهدان: لماذا يا عم عبد الحميد؟ لم نشبع منك ~~يا رجل. ~~- عمك كبر يا وهدان. أنا حتى في داري أترك ضيوفي كل ليلة يكملون ~~حديثهم، وأقوم أنا ويعذرونني يا ابني. كبرنا يا وهدان. ~~- أنت الخير والبركة. أوصل عمك عبد الحميد إلى بيته يا ~~سباعي. # ويقول عبد الحميد في صوت من يرغب في هذا التكريم الذي تعود عليه، ~~والذي جاء في هذه المرة آملا أن يحدث: وما لزوم التعب؟ ~~- تعبك راحة، يا عم عبد الحميد. # ويصيح سباعي راجيا أن يسمع من عبد الحميد ما فوته أبوه عليه من ~~تكريم: تحت أمرك، يا عم عبد الحميد. # وما يكاد الطريق يخلو بالاثنين حتى يقول عبد الحميد: لقد جئت اليوم ~~خصيصا من أجل خلوتنا هذه. ~~- خيرا، يا عم عبد الحميد. ~~- أنت دعوت اليوم شعبان. ~~- حصل. ~~- اخطب أخته. ~~- ماذا؟! ~~- ما سمعت. ~~- وهل هذا معقول يا عم عبد الحميد؟ بنت البك تقبلني أنا؟! ~~- وأنت ما عيبك؟! ~~- على الأقل يقولون لم يتعلم. ~~- وهل تعلم أبوها أو أخوها أو تعلمت هي؟ إنما هما كلمتان عرفت ~~بهما كيف تفك الخط. ~~- أنا والحمد لله مستور في القرية، ولكن بالنسبة لعز الدين بك أنا ~~فقير. ~~- ولا فقير ولا حاجة. ~~- كيف؟ وأين ما أملك مما يملكون، وإيجاراته من الأوقاف وحدها تدر ~~عليه دخلا قدر دخلنا مائة مرة أو قل مائتين؟ ~~- اسمع ما أقول لك، اخطب أخته. ~~- إن رفضوني فستكون سبة. ~~- لن يرفضوك. ~~- وأنت كيف عرفت؟ ~~- هذا شأني. ~~- فقط قل من أين عرفت. ~~- من سني الكبيرة، من الزمن، من الناس الذين عرفتهم. اسمع كلامي يا ~~ولد، أنا في مكان جدك، ومن سنه أيضا. ~~- إذا تمت هذه الزيجة يا عم عبد الحميد لا أدري كيف أكافئك. ~~- أنت يا ولد تكافئني؟ أنت يا ولد ابن وهدان، وأبو وهدان عاش عمره ~~كله على باب دكاني، أتظن أنني جئت إليك لكي تكافئني، وماذا أصنع ~~بمكافأتك؟ هل سآخذها معي إلى الآخرة؟ إن أردت أن تكافئني حقا فإني ~~أوصيك بابني ms20 حسن؛ فهو قليل الحيلة، وأنا لم أترك إلا ثلاثة أفدنة ~~دفعت فيها عيني وانكفائي على ماكينة الخياطة عشرات السنين. ~~- ربنا يطيل عمرك يا عم عبد الحميد، وحسن في عيني ~~الاثنين. ~~- يكفيني هذا. ارجع أنت. سلام عليكم. # | الفصل السادس # لا يكون الحلم إلا من تجارب الإنسان ومن سابق خبرته؛ فالأحلام على ~~هذائها وبعدها عن العقل تخاطب الناس على قدر خبراتهم. هي قد تخلط ~~هذه الخبرة، وتقلب موازينها، وتجعل أعاليها أسافلها، وأسافلها ~~أعاليها. إنما تظل بالنسبة للإنسان الذي تعرض له في حدود ما عرف ~~من واقع الحياة؛ ولذلك يستطيع المرء غالبا أن يعبر عنها، ويروي ما ~~عرض له في أحلامه إذا كان منتظما، أو يعزوه إلى خرف النوم، أو ~~فقد انتظامه وتتابعه. # أما هذا الذي يراه سباعي فلم يخطر له على حلم أبدا، وما تصور ~~أن تضم جنبات الحياة شيئا مثل هذا الذي يشاهده من راقصات الأوبرج. ~~عرايا صدورهن أو عرايا جسومهن جميعا إلا موقعا أو موقعين الغطاء ~~فيهما أخبث من العري. وما إن أفاق هونا من ذهوله حتى التفت إلى ~~شعبان: أهؤلاء نسوان؟ # وانفجر شعبان في قهقهة عالية ليست غريبة ممن يحويهم هذا المكان، ~~وقال: طبعا نسوان. # وظل سباعي في بهره وهو يقول: مثل نسوان البلد عندنا؟ # واستمرت القهقهة يختطف من شهيقها الإجابة. ~~- ماذا ترى أنت؟ # ويقول سباعي في جدية حاسمة لا أثر فيها لمزاح: النسوان عندنا ~~خفراء. # ويقول شعبان بعد أن هدأت ضحكاته: لعلك لم ترهن إلا في مواطن ~~الجد. # ويقول سباعي في جديته لا يزال: رأيتهن في كل المواطن، خفراء، خفراء ~~في أكثر المواطن خلاعة. ~~- لعلك لم تحسن الاختيار. ~~- وهل هي واحدة؟ إنهن كثيرات عرفتهن، وكلهن خفراء. ~~- فما رأيك أنك لم تر شيئا بعد. ~~- ما أرى يكفي. يا رجل، أنا أتعجب من نفسي كيف لم يغم ~~علي. ~~- لا، اجمد، الليل ما زال طويلا أمامنا. ~~- وماذا سنعمل فيه أكثر من هذا؟ ~~- هذا شأني. ~~- أنا تحت أمرك، عبدك وبين يديك. ~~- أولا تشرب هذا الكأس. ~~- وما له أشربه، هه باسم الله الشافي ms21 العافي. # وهم أن يقلب الكأس جميعه في فمه مرة واحدة، ولكن شعبان أسرع ~~فأمسك بيده. ~~- لا، انتظر، ليس هكذا. ~~- فكيف إذن؟ ~~- رشفة رشفة، أتريد أن تنقلب منا في الأوبرج. ~~- أمرك. ~~- حين ينتهي الكأس أو الكأسان، وليس أكثر سترى ما لم تره حتى ~~الآن. # وانتهى سباعي من شرب الكأسين في بطء الجاهل الذي لا خبرة له. وبدأت ~~المناظر التي يراها تصل إلى أعماق كيانه. وتصاعدت الحميا إلى مكامن ~~الشعور فيه فإذا هو يعيش حياة غير الحياة، حتى ليحسب أنه لم يولد إلا ~~في هذه اللحظة. وحين أدرك شعبان ما صار إليه حال صديقه سأله: وما رأيك ~~إذا قلت لك إنك ستقضي الليلة مع واحدة من أولئك الراقصات. # وفي وقار متعتع سأله: وماذا أصنع معها؟ # وحينئذ انفجر شعبان مرة أخرى في قهقهة عالية، وراح يقف ثم يقعد ~~والقهقهة على حالها، حتى إذا استطاع أن يلتقط أنفاسه قال لسباعي: كان ~~يوم هنا يوم عرفتك. # أما أصحاب شعبان فكانا اثنين، وقد اتخذ كلاهما موقف الشاهد، سعيدين ~~غاية السعادة بهذا المخلوق الجديد على المكان والجديد على هذه الحياة ~~جميعا، ولكنه عندما سأل شعبان سؤاله الأخير هذا كانا أشد صخبا من ~~شعبان. وسأله أحدهما وكان شعبان يدعوه كريم: ألم تقل إنك عرفت نسوانا ~~كثيرات في البلد؟! # وفي نفس النغمة الوقور المتعتعة قال سباعي: يا سي كريم أفندي، اسم ~~الله على مقامك، النسوان اللواتي عرفتهن شيء والنسوة هنا شيء آخر ~~بالمرة، لم يرد صنفه علي مطلقا، ولم يخطر لي على بال أن في العالم ~~نسوانا بهذا الشكل، بالتأكيد هؤلاء صنف آخر من الناس لا أعرفه أنا ~~ولا أبي. # وتتم الليلة كما ينبغي أن تتم مثل هذه الليالي، ويحس سباعي أنه بهذه ~~الليلة أصبح من طبقة أخرى غير طبقة أهله، ولكن العجيب أن سباعي مع كل ~~هذه المتعة التي شعر بها والتي أوغلت في العميق من كيانه كان يدرك ~~أن مثل هذه الليالي إنما هي لهو يتمتع بها من يحبها ليلة كل شهر أو ~~ليلتين، ولكنها لا يمكن ms22 أن تكون حياة بأكملها كما كان يعتبرها شعبان. ~~كان الأمر بين الاثنين مختلفا كل الاختلاف؛ فقد كان شعبان لا يريد من ~~الحياة إلا هذه الحياة، وكان عمله في الأرض عمل مرغم لا راغب، ~~مدركا أن أباه سينضب عليه موارد المال إذا هو لم يقم بواجبه كفلاح ~~يعينه على زراعة الأرض الواسعة بما يستأجر من الأوقاف. أما سباعي فقد ~~كان يرى في الزراعة حياته ويرى في مثل هذه الليلة لهوه. # كان من الطبيعي أن تتوطد العلاقة بين شعبان وسباعي، وتكاثرت ~~الزيارات بينهما. وفي يوم حزم سباعي أمره بعد أن فكر وأطال التفكير ~~وتدبر الأمر مع نفسه، فأحكم التدبير وقصد إلى شعبان في بيت ~~أبيه. ~~- أنا أحببتك حبا لا تدري قدره. ~~- هذه مقدمة لشيء تريد أن تقوله. ~~- أي نعم. ~~- قل. ~~- أريد أن أكون قريبك وصاحبك. ~~- فهمت. ~~- وما رأيك؟ ~~- لا بد أن أتأكد من صحة فهمي أولا. ~~- أنت تفهمها وهي طائرة. ~~- يكون أحسن لو قعدت. ~~- أخطب إليك الست أختك قدرية. ~~- هل شفتها؟ ~~- شفتك أنت. ~~- على كل حال أسأل أبي. ~~- طبعا. ~~- ولكن لا بد أن تشوفها. ~~- ومن غير شوف. ~~- لا بد. ~~- أمرك، كيف؟ ~~- هذا أمر ميسور، والحقيقة أنا أفضل أن تشوفها قبل أن أكلم ~~أبي. ~~- كيف؟ ~~- حتى يتكلم أبوك بعد ذلك، وتجري الأمور في طريقها الطبيعي. ~~- ولكن معنى كلامك أنك لا ترفضني. ~~- أنا لا أملك الرفض أو القبول. ~~- أعرف ذلك، ولكن معنى أن تسمح لي برؤية الست أختك أن الأمر ليس بعيد ~~الاحتمال. # وتنبه شعبان إلى الموقف، وسارع يقول: أنا لا أستطيع أن أقول شيئا ~~مطلقا، وأنا أسمح لك برؤية أختي لأني أعتبرك أخا، وأحب إذا فاتحت ~~أبي في هذا الموضوع أن أكون واثقا أنك جاد فيه؛ لأن التقدم منك ثم ~~الرجوع مسألة قد تسيل فيها دماء. ~~- أنا أعرف تماما وظيفة أبو سريع عندكم، ولا أحب أن أكون أنا أو ~~يكون أبي من بعض مهام وظيفته. ~~- إذن تراها. ~~- يا ليت، متى؟ ~~- الآن. ~~- كيف؟ ~~- اسمع، اخرج من الباب الأمامي قدام الخدم ولف وعد لي من ms23 باب ~~الشرفة. ~~- أمرك. # وخرج سباعي وعاد، وفتح شعبان حجرة مجاورة وأدخله فيها. ~~- سأنادي قدرية وأنت تستطيع أن تراها من هنا، وسأجعلها تقعد بحيث لا ~~تراك، فحين تراها وتسمعها روح إلى بيتك من هذا الباب الذي يخرج من ~~الشرفة إلى الحديقة إلى الخارج. # ووجم سباعي قليلا، وقال: وكيف سأقول لك إني وافقت؟ ~~- قلها بكرة، لا أريد أن أعرف رأيك اليوم على كل حال. ~~- أمرك. # ودخل سباعي الحجرة، وأبقى شعبان بابها نصف مفتوح حتى إذا رأته ~~قدرية حسبت أنه نصف مقفل، وأنه ترك هكذا عن إهمال لا عن ~~عمد. # ونادى شعبان من بهو البيت الأسفل: قدرية، قدرية. ~~- نعم يا شعبان فيه حاجة؟ # وأطلت عليه من أعلى فقال: ماذا تصنعين؟ ~~- لا شيء، أسمع الفونوغراف. ~~- أنا زهقان، لماذا لا تحضرين الكوتشينة وتجيئين نتسلى؟ ~~- حاضر، جاية. # وجاءت ورآها سباعي وفهم كل شيء. ~~••• # هي النقيض الكامل للنسوة اللواتي خبلن عقله بجمالهن في الكباريه، ~~هي الطرف الآخر من جمال الخليقة. إذا كان سبحانه قد خلق النسوة ~~الجميلات ليرى عباده بديع صنعه، فهو سبحانه جلت قدرته قد خلقها ~~ليعرف عباده شديد سخطه. إذا كان هناك من لا يصدق أنه سبحانه قادر ~~على خلق الجنة والجحيم فليضع قدرية إلى جانب أي جميلة من جميلات أي ~~مكان، سواء كان هذا المكان هو الأوبرج أو حتى قرية الصالحة. وحينئذ ~~ستتمثل له في الفتاة الطبيعية الجنة كل الجنة، وفي قدرية الجحيم غاية ~~الجحيم. سبحانه إنه على كل شيء قدير! # لهذا قال له عبد الحميد أبو ديدة اخطبها، ولهذا لم يرفض شعبان فكرة ~~زواجه بها رفضا قاطعا من أول وهلة، وإن كان قد دهش من رد الفعل ~~الذي استقبل به شعبان طلبه، وإن كان قد ذهل لأن شعبان جعل الأمر ~~قابلا للإتمام، وإن كان قد ازداد ذهوله حين وجده يسارع إلى إتاحة ~~الفرصة له أن يرى أخته، فإن الدهشة والذهول الآن لا مكان لهما؛ فهو ~~بالنسبة إلى الحالة التي رآها فرصة لا تعوض لعز الدين بك؛ فلا شك ~~أن أباها وأمها وأخاها لم ms24 يكونوا يأملون أن تتزوج أكثر من عامل زراعة ~~في أملاكهم ويكون العامل مظلوما. # كيف استطاع فمها أن يكون بهذه السعة؟ وكيف استطاع أنفها أن ينفرش ~~لينال من وجنتيها - إذا كان لها وجنتان - كل هذه المساحة؟ وكيف استطاع ~~هذا الوجه المسحوب كعلامة تعجب أن يسع كل هذا الفم وكل هذا الأنف؟ ~~وهي تغطي شعرها بمنديل، ولكنه شعر متمرد صاخب يرفض المنديل ويقذف به ~~إلى أعلى ليجعل منه طرطورا. وكل هذا يهون إذا تركز البصر من الناظر ~~على ذقنها، إنه مقذوف إلى أعلى يوشك أن يغلق الفم. وربما كان هذا هو ~~السبب في نحافتها المفرطة؛ فلا شك أن فمها يجد مشقة عاتية في أن يلقف ~~اللقمات! # لقد وعى سباعي قبح الفتاة وعيا كاملا، ولكن العجيب في أمره أنه ~~ازداد إصرارا على الزواج بها؛ فقد أدرك لحظة رآها أن الزواج بينهما ~~متكافئ؛ بل إن أسرتها هي الكاسبة فيه؛ لأنهم لا يعرفون ما يفكر فيه ~~هو، الزواج متكافئ لا شك، هي قبيحة كل القبح وهو فقير بعض الفقر؛ فهو ~~مقبل إذن على الزواج في عزم وإصرار ازدادا ولم ينقصا. وهو في إقباله ~~هذا غير مرغم ولا مضطر؛ فإنه يستطيع إذا لم يكن يريد للزواج أن يتم ~~أن يذهب من غده إلى شعبان ويحدثه في حديث آخر غير هذا، وسيفهم ~~شعبان وسيعذره، فهو مصمم، وهو مصمم أيضا أن يكلم شعبان أباه حتى يكون ~~وهدان مضطرا لإتمام الزواج. وقد كان سباعي مقدرا لهذا الأمر منذ ~~دبر أمره قبل أن يفاتح شعبان في شأن الخطبة؛ فهو يعلم حرص أبيه وهدان ~~على أن تعيش أسرته بعيدة عن كل المشاكل، فإذا هو امتنع عن إتمام ~~الخطبة فالويل الآخذ والانتقام الوبيل. # وقد كان سباعي واثقا أنه حين يطلب من أبيه أن يخطب له ابنة عز الدين ~~سيرفض رفضا قاطعا، كما كان واثقا أنه سيقبل أن يخطبها له على رغم ~~أنفه إذا أخبره أن شعبان فاتح أباه فعلا في الأمر وأنه قبل. قدر ~~سباعي هذا جميعا، وأقدم على هذا الحديث مع ms25 شعبان. # وفي الصباح الباكر كان سباعي واقفا بجانب شعبان في الغيط: متى ~~ترد علي؟ # ونظر إليه شعبان مليا ثم قال: تعال الليلة في البيت. ~~••• # انتظر سباعي حتى صحا أبوه من القيلولة وتوضأ وصلى صلاة العصر، ~~واستقرت به الجلسة على الأريكة وبجانبه نبوية، وكان وهدان منشرح ~~الصدر فهو يقول تلك الجملة التي كثيرا ما يرددها: لقد كان قطع ~~ذراعي بركة، تزوجت بي نبوية بعد أن تأكدت من قطعه، إنها تحبني ~~لشخصي، وأعفاني الله من غسيل ذراعين في كل وضوء مكتفيا بذراع ~~واحدة. # وضحكت نبوية وهي تقول: أما زلت تذكر زواجنا؟ قد آن الأوان أن ~~نفكر في زواج أبنائنا. # وقال وهدان: ما أحب هذا إلي! # واندفع سباعي الذي كان يتربص بالحديث: صحيح يا أبا؟ ~~- صحيح جدا. ~~- إذن فأنا أريد أن تخطب لي. ~~- من؟! ~~- قدرية بنت عز الدين بك الخولي. # وهب الأب واقفا: من؟! # ودقت نبوية صدرها وهي تقول: من؟! # وقال سباعي: ماذا يا أبا؟ ماذا يا أمه؟ # وألجمت الصدمة لسان وهدان، وذهلت الأم بعض الحين، ثم قالت: ولكن ~~يا ابني، هل ... هل يقبلون؟ # وابتسم سباعي وهو يقول: لقد قبلوا فعلا. # وصاح الأب مرة أخرى وهو ما يزال واقفا: ماذا؟! # وقالت الأم: قبلوا، إذن ... # ومات الكلام على شفتيها وارتمى وهدان جالسا على الأريكة، معتمدا ~~برأسه على ذراعه الواحدة، مفكرا في كل ما فكر فيه ابنه من قبل، ~~وتمت الخطبة وتم الزواج. # | الفصل السابع # أقام سباعي وزوجته في بيت وهدان، ولكن وهدان لم يكن يطيق أن يكون ~~البيت مزارا لعز الدين وابنه شعبان. وما كان يتصور أن أسرة كهذه ~~تندمج مع أسرته. وما كان يدور بخياله أن شعبان يمكن أن يدخل إلى بيته ~~في أي وقت من أوقات اليوم، وهجست نفسه أن شعبان ربما فكر في الزواج ~~من فاطمة أو عابدة، وإذا مر هذا التفكير بذهن شعبان فهيهات لوهدان ~~أن يرفض؛ لأنه لم يكن يريد أن يموت مقتولا؛ فهؤلاء نفر من الناس لا ~~يقف بهم نسب أو قرابة أن يرتكبوا أي جرم. # سارع وهدان ms26 فابتنى بيتا لابنه سباعي ولم يشعر أن كارثة زواج ابنه من ~~ابنة هذا المجرم قد خفت حدتها إلا يوم انتقل هو وزوجته الكئيبة ~~إلى البيت الجديد، ومهما يكن البيت قد كلفه فكل مال هين إذا قارنه ~~بمصيبة زيارة واحدة من عز الدين، أو إطلالة من شعبان على أخته التي ~~تسكن في نفس البيت الذي يعيش فيه مع نبوية وابنتيه. # وكان التعليم قد انتشر في القرية انتشارا أتاح لفاطمة أن تجد ~~شابا متخرجا في كلية التجارة هو حسونة الزيني، خطبها بعد أن تم ~~تعيينه بالصعيد مراجعا لحسابات السكة الحديد بها. ولم يمر كثير من ~~وقت حتى خطبت عابدة أيضا إلى ياسين ضيف خريج كلية دار العلوم، والذي ~~عين مدرسا بالقاهرة. وقد كان ياسين قبل أن يلتحق بكلية دار العلوم ~~شيخا معمما نال ثانوية الأزهر، ثم التحق بكلية دار العلوم. وكان ~~الأب والأم سعيدين غاية السعادة بهاتين الزيجتين، وكان كلاهما يحمد ~~الله أن عوضهما عن زيجة سباعي. # والواقع أن قدرية لم تكن في أخلاقها على هذا القبح الذي طبعه الله ~~على وجهها، وإن كان بلوغ هذا القبح عسير المنال على أية حال، إلا أن ~~الفتاة كانت رضية الخلق تعامل حماها وحماتها بكل إجلال واحترام. وكان ~~وهدان بحاسة العدل فيه وبمشاعر الأبوة يعلم أن قدرية لا ذنب لها ~~فيما ركب عليه أبوها، وأنها تزوجت برغبة منفردة من زوجها، ~~وبشعور بالسعادة من أبيها وأخيها أن وجدت إنسانا أي إنسان يقبل أن ~~يتزوجها. # وهكذا كانت معاملة وهدان ونبوية لقدرية تتسم بالأبوة الكاملة ~~وبالحنان الشفوق لا يفرقان بينها وبين ابنتيهما، وكانت هي تقوم مع ~~أختي زوجها بشئون البيت في يسر ونعومة. ولم يحدث في يوم أن اشتجر ~~خلاف مهما يكن هينا بينها وبين أحد من أهل البيت جميعا، حتى ~~الخادمات اللواتي استقبلنها في وجوم وأسى لقبحها، وليس لأي سبب ~~آخر، هن أيضا سرعان ما أصبحت عندهن واحدة من أهل البيت، لا تختلف ~~معاملتهن لها عن معاملتهن للست فاطمة والست عابدة. والخادمات في الريف ~~يألفن بنات الأسر ms27 التي يعملن بها حتى لتصبح الصلة بينهن صلة أقرب ~~إلى الأخوة منها إلى صلة سيد بمسود، فلم يكن غريبا إذن أن تفرح قدرية ~~بخطبة فاطمة ثم عابدة كفرح البيت جميعا من سادة وخدم. # وقد يتساءل الشباب: ما هذا الزواج الذي تم بغير حب سبقه ولا ~~لقاء ولا اتفاق بين العروسين؟ ولو عرفوا الريف في هذه الأزمان ~~لعلموا أن الزيجات التي كانت تتم على حب في الأسرة المتوسطة تكاد ~~تنعدم؛ ففتيات هاته الأسر لم يكن يخرجن من بيوتهن منذ اليوم الذي ~~ينقطعن فيه عن التعليم، بل إن الكثيرات منهن كن يتلقين تعليمهن في ~~البيت إذا كان الأب يريد لبناته أن يتعلمن؛ فالدائرة التي تتسع ~~لسجنهن ضيقة غاية الضيق، ولكن تفاصيل حياة كل فتاة ومدى جمالها ~~أمر مشاع بين أبناء القرية جميعا. والخاطب حين يتقدم إلى الخطبة ~~يكون عالما بكل أسرار الفتاة التي يتقدم لها ولكن من غيرها وليس ~~منها. # فأحاديث القرية عن القرية، وأمهات هؤلاء الشبان يروين لهم كل شيء عن ~~كل فتاة أو سيدة أو حتى طفلة في القرية، فينشأ الفتى وأبناء القرية ~~جميعا في كامل وعيه، لا يغيب عن شاب من هؤلاء الشباب خبر عن أي ~~فتاة من فتيات قريته. # والأمر مختلف كل الاختلاف إذا كان الزواج من ابن فلاح يعمل في الحقل ~~وابنة فلاح آخر يعمل. فالفتيات في هذه الفئة يخرجن كل يوم ليذهبن ~~بالطعام إلى آبائهن أو أخواتهن في الحقول وهن يملأن الجرار، وهن يشترين ~~حاجات البيت في أيام الأسواق، فإذا كان الحب قد اندلع بين وهدان ~~ونبوية حين كان الزمن ما زال في غيبوبة الجهل فهو مندلع أيضا والزمن ~~قادم على نور العلم؛ لأن الفتيات من مثيلات نبوية حين تزوجت ما زلن ~~كشأنها في الأيام الخالية من طفولتها وصباها وباكر شبابها. # ربما لو كان هناك شاب من أقرباء وهدان أو نبوية يتردد على البيت ~~بصلة القرابة وشب حب بين هذا الشاب وبين واحدة من الفتاتين كان ~~الأمر قد تغير. وقد كانت الفتاتان جميلتين وكانت كل منهما ms28 تمثل ~~نوعا من الجمال الذي لا يختلف فيه اثنان، وإن كان هناك مجال لاختلاف ~~فإنه سيكون تقدير مدى هذا الجمال. كانت إحداهما خمرية اللون ذات ~~تقاطيع منسجمة لها أنوثة جذابة وشعر مناسب فيه رخاء وسيولة ولين. ~~وكانت الأخرى عابدة شديدة البياض في خديها حمرة واهنة، وفي عينيها ~~سواد داكن يتوسط بياضا ناصعا، وفي شعرها عربدة حبيبة. كلتاهما ~~ممشوقة القوام، وكانت عابدة أطول من فاطمة قليلا، ولكن لا يشتكى من ~~فاطمة قصر ولا يعاب على عابدة طول. # فالفتاتان كانتا جديرتين أن تحبا، ولكن لم يكن هناك حبيب؛ ~~فالذين يرونهما من الرجال لا ترتقي آمالهم إلى حبهن. وكلتاهما كانت ~~تعلم أنها ستجد الزوج اللائق بها فقد كانت كل منهما تعلم أنها جميلة، ~~وأن أباها ممن يألف الناس ويألفون، وأن أمها قريبة إلى مشاعر الأمهات ~~في القرية لم تمد يدها لإحداهن بغير المعروف والمكرمة. كلتاهما ~~كانتا تجدان المتعة في كتاب من الكتب الكثيرة التي كان يشتريها لهما ~~خليل، وفي الراديو ما وجدت البطارية وفي الأسطوانات. وقد تزوجتا ~~كلتاهما وهما في مطالع الشباب فلم تضق منهن نفس، ولم تشعر واحدة ~~منهما في حياتها برهبة المستقبل، ولم يهدد إحداهما شبح من ~~عنس. # وما هي إلا سنوات قلائل حتى امتلأ البيت بأبناء فاطمة وعابدة يأتون ~~جميعا إلى بيت وهدان في الإجازات والأعياد، وكان الجدان يشعران ~~بمجيئهما أن الحياة التي عاشاها كانت مثمرة خصيبة، ولم يشعر واحد ~~منهما بالأسف أن سباعي لم ينجب وقد استطالت سنوات زواجه. وكان سباعي ~~في هذه السنوات تواقا إلى ابن وليس ابنة ليضمن وارثا لماله الذي ~~سيئول إليه من أبيه، والذي ينوي أن ينميه بكل الخطط التي كان ~~يعدها طوال حياته وما سترثه أيضا قدرية من أبيها وهو نصيب إن ~~يكن نصف نصيب شعبان إلا أنه يظل مع ذلك موفورا. ولم يكن قبح زوجته ~~بالنسبة إليه يشكل أي أسف لزواجه منها؛ فقد سرعان ما تعوده حتى ~~لم يعد يرى فيها ما رآه في أول يوم دهمه فيه رؤياه، وهو أيضا ~~كثيرا ما ms29 يروح عن نفسه مع شعبان. ولم يكن شعبان يجد أي غضاضة أن ~~يصحب زوج أخته في لياليه الصاخبة، بل لعله كان يعتقد أنه إذا لم يصحب ~~شعبان، فإن شعبان سيجد وسيلة أخرى يخفف بها وطأة أخته عليه، وهي ~~وطأة لا يطيق احتمالها إلا ذو قوة وأيد. # وكان العرب قد بدءوا يرودون ملاهي شعبان وسباعي. وكانوا حريصين أن ~~يجدوا لأنفسهم أصدقاء في القاهرة. وكان شعبان يتمتع حيث يسعى بأنه ابن ~~أحد النواب، وبأنه ثري. وأحس أمير عربي أن مثل هذا لن يطمع في ~~ماله، وأنه يستطيع أن يتخذ منه صديقا، فاتخذه صديقا، وأصبح الأمير ~~نمر من أقرب أصدقاء شعبان. أما سباعي فكانت الصلة بينه وبين الأمير صلة ~~تعارف لا تصل إلى الصداقة. وكثيرا ما دعا شعبان الأمير إلى شقته ~~بالقاهرة، وكم سعد أبوه عز الدين حين دعا الأمير إلى بيتهم في ~~القرية؛ فأي مجد يناله وهو يصيح في خدمه: القهوة لسمو الأمير يا ~~ولد، الشاي لسمو الأمير يا ولد؟! إنه لم يحلم بزيارة وزير فكيف بأمير؟! ~~كان فخورا عز الدين بابنه وبصداقته هذه الأمير فخرا لم يعرفه حياته ~~كلها. # ودعا الأمير شعبان أن يزوره في بلده فلبى الدعوة وحده طبعا؛ ~~فالدعوة لم توجه إلا إليه. وحين سافر شعبان لم يكن يفكر إلا في ~~رؤية هذه البلاد، وحين استقر به المقام هناك، ووجد الثراء الفاحش الذي ~~يعيش فيه الأمير انتهز فرصة خلا فيها به وسأله في شبه مداعبة: أتقبلون ~~في أسرتكم غير الأمراء. # وقال الأمير: يا أخي وما البأس؟ كلنا أبناء آدم، وكلنا ~~مسلمون. ~~- أحقا ما تقول يا سمو الأمير؟ ~~- نعم هو الحق. ~~- ألك أخوات لم يتزوجن بعد؟ ~~- تسع أخوات تزوجت منهن اثنتان. ~~- فإذا طلبت منك أن تزوجني إحدى السبع الباقيات. ~~- أيهن؟ ~~- وهل أعرف؟ إنها أول مرة أعرف أن لك أخوات؟ ~~- وكيف تريد أن تتزوج إذن؟ ~~- بالإنابة. ~~- الإنابة تكون في زوجة محددة. ~~- إنني أوكلك عني في الاختيار، أما العقد فلا داعي فيه للإنابة؛ ~~فأنا حاضر بين يديك. ~~- أتريد أن تتزوج في هذه ms30 الزيارة؟ ~~- وأعود إلى أبي بالعروس. ~~- وهل هذا معقول؟ ~~- وفيم نحتاج إلى الزمن؟ أنا بيتي موجود في البلدة، وفي ساعات أختار ~~للأميرة أحسن شقة في القاهرة، والأميرة قطعا لا تحتاج إلى جهاز، ففيم ~~الانتظار؟ ~~- أسألها. ~~- هل اخترت لي؟ ~~- قد اخترت. # وتزوج شعبان من الأميرة العربية، وعاد بها إلى أبيه، وأقيم الفرح ~~في القرية ثلاث ليال سويا. ولم تكن الأميرة على كل حال في قبح ~~قدرية، وهو حين طلبها إنما سعى إلى لقبها وثرائها، وما سعى إلى جمالها ~~أو أنوثتها. قدر أنه لا بد أن يتزوج وقدر أن مثله لا يعرف للحب ~~معنى إلا هذا الذي يمارسه في لياليه في القاهرة، وعندما تنطفئ الأنوار ~~تتساوى جميع النساء. ~~••• # اشتد المرض بوهدان؛ فقد داهمه الكبر فجأة وتوالت عليه علائمه، ~~وأحس أنه يعيش الأيام الأخيرة من حياته. وكانت نتيجة البكالوريوس على ~~وشك الظهور، فكان كل دعائه حين كان يصلي وهو نائم من شدة الوهن أن ربي ~~لا تضمني إليك حتى أعرف نتيجة خليل، أريد أن أقول له يا دكتور مرة ~~واحدة قبل موتي. ومن العجيب أن قدرية كانت حاملا في هذه الفترة، وكانت ~~قاب قوسين أو أدنى من الولادة. ولم يدع وهدان ربه أن يرى سباعي قبل ~~أن يموت، وإن كانت نبوية تدعو له دائما بطول العمر ثم تهمس وكأنها ~~تناجي الله في علياء سمائه: وإن كان لا بد يا الله فأفرحه بنجاح ~~الدكتور خليل، وبحفيد من ابنه البكر. # وفي يوم أصبح خليل الدكتور خليل، وقبله أبوه وعيناه تنهمران ~~دموعا، وراح ينظر إلى السماء وهو يقول: الآن إذا شئت يا رب، الآن ولك ~~ألف شكر وألف حمد. وأبت السماء إلا أن يأتيه الخبر الآخر في نفس ~~اليوم أن ابنه سباعي قد رزق بولد، وكان سباعي هو من سعى إليه بالنبأ، ~~وقبل يده وسأله: لن يختار له الاسم إلا أنت يا آبا، أطال الله ~~عمرك. # وقال وهدان وهو يلتقط أنفاسه: ليكن اسمه صلاح، وليكن صلاحا بإذن ~~الله. # وفي المساء فاضت روح وهدان وهومت في سموات القرية ms31 كلمات الآية ~~الكريمة: # يخرج الحي من ~~الميت ~~. سبحانه! # | الفصل الثامن # الانتخابات في القرى مواسم. حين تقبل يصبح الجميع مشغولا بها لا ~~يصرفه شيء عنها، إلا أن يكون موعد زراعة أو ري أو تسميد؛ فإن الأرض لا ~~تعرف التأجيل، والنبات لا شأن له بالانتخابات؛ فهو لن يعطي صوتا، وهو ~~أيضا لن ينال ما يناله أصحابه من مال أو من تسلية. # ولئن كان النفاق هو أعظم العملات تداولا في الحياة جميعها، فإن ~~موسمه الأكبر هو أيام الانتخابات، نفاق متبادل يقدمه المرشحون ~~إلى الناخبين، ويقدمه الناخبون إلى المرشحين مع ما يكرمونهم به عند ~~زياراتهم. ويروي أحد المرشحين المشهورين أنه ذهب في يوم لزيارة بلدة ~~من بلاد دائرته الانتخابية فلقيه الأهالي على الأعناق، واتجه ~~الركب إلى بيت العمدة ليكون أول بيت يزوره المرشح في القرية، وكان ~~التراب قد تصاعد إلى عيني المرشح حتى لم يعد يرى، وهو بطبيعته ذو ~~عيون كليلة حساسة، فهمس في أذن العمدة أنه يريد أن يغسل وجهه، وسرعان ~~ما أخلى الطريق له إلى الحمام، وغسل وجهه ونشفه ووضع نظارته على ~~عينيه. ووجد بالحمام شيئا عجيبا، ووجد لافتات في حجم اللافتات التي ~~استقبلته بها البلدة، لا فارق هناك بينهما إلا شيء واحد، هو أن هذه ~~اللافتات تحمل اسم المرشح الآخر. # ولئن كانت الرشوة تتستر وراء الكلمات في مألوف الحياة، وإن كان ~~المرتشي يقول دائما أن المال لغيره والراشي يتظاهر بأنه يصدق فإن ~~الرشوة في أغلب الانتخابات تسفر عن وجهها سفورا كاملا، لا تتشح ~~بساتر ولا تستخزي وراء الكلمات، ولا تستحي أن تصرح، فإذا لم يكن ~~للبلدة كبير يرشى فقد تتمثل الرشوة في تبرع يقدمه المرشح ~~لجامع يبنى، علم الله أنه تبرع لن يكتب في الحسنات أبدا. وإذا ~~كان كبير البلدة عفيف النفس وطلب إلى المرشح ألا يقدم أي تبرع ~~في أثناء الانتخابات سعى الصغار إلى المرشح يوسعونه مطالب ~~واستجداءات، حتى ليتمنى لو كان كبير البلدة مرتشيا؛ فطلبات الأفراد ~~لا نهاية لها، أما التبرع أو رشوة الكبير فرقم محدد وينتهي ~~الأمر. ولما ms32 كان المكر السيئ يحيط بأهله دائما، فالراشون هم في الأغلب ~~الأعم هم الساقطون، فإن المرشح الواثق بنفسه لا يقبل مساومة في فترة ~~الانتخابات قط، حتى لأعرف مرشحا كلفه المطعم والمشرب واستقبال ~~الناخبين مبلغا لا يتجاوز بضع مئات، ولكنه خشي أن يعرف أحد هذا ~~فيظن أنه أنفق في الرشوة مالا، فقال لابنه وهو ينبئه بالحساب: لا أحب ~~أن يعرف أحد أنني أنفقت هذا المبلغ. وكان نجاح هذا المرشح ~~ساحقا. # فالمرشح السياسي الخبير بالانتخابات يعلم أن الصوت الذي يشتريه لم ~~يصبح له، وإنما يصبح سلعة في السوق. وإذا كانت السلعة يدفع مشتريها ~~ثمنها ويتسلمها، فإن الصوت سلعة غير أمينة ولا مأمونة؛ فهي تأخذ من ~~كل المرشحين ثم لا تنتخب أحدا على الإطلاق، أو قد تنتخب من لم يدفع ~~لها شيئا. # ولكن حين يكون بين المرشحين مجرم مثل عز الدين الخولي فإن الأمر ~~يختلف كل الاختلاف؛ فإن أغلب البلاد لا تريد أن تتعرض لزبانيته ~~ومجرميه، الذين يسلطهم على عباد الله فيفعلوا بهم الأفاعيل، من حرق ~~للزرع إلى سرقة للبهائم إلى قتل إذا احتاج الأمر إلى قتل. والبلاد في ~~الريف تخاف على زرعها وعلى بهائمها وعلى أرواحها، ولكنها لا تحب أن ~~تعلن أنها خائفة، فهي تتظاهر بذكاء لا يتأتى إلا للفلاحين أنها تنتخب ~~المرشح المجرم عن حب وطواعية وليس عن خوف وإذعان، وأنها تختاره راغبة ~~لا راغمة. والمجرم أعمى البصيرة بطبيعة تكوينه، وإن لم يكن كذلك لأدرك ~~أن مال العالم وسلطانه أجمع لا يساوي دم إنسان بريء واحد من الدماء ~~التي يريق، وبهذا العمى في البصيرة يصدق أنه محبوب من دائرته، ~~وأنها تنتخبه عن إقبال وحب. وقد يسأل واحد من الذين لم يعيشوا في ~~الريف: ألا يسأل المجرم نفسه لماذا يحبه الآخرون وهو قاتل سفاح ~~يهدد مصادر رزقهم، ويقض منهم المضاجع، ويجعل حياتهم رعبا وموتهم ~~لعبة؟ إن هذا السؤال قد يرد على ذهن المجرم، وهو واجد عند نفسه ~~الجواب؛ فهو يظن أن الفلاحين ما داموا يطربون حين يسمعون حكايات أبو ~~زيد الهلالي وعنتر بن ms33 شداد والزناتي خليفة، وما دام بعضهم يروي لبعض ~~حكايات أدهم الشرقاوي ومن تبعه بإجرام إلى الخط، فهم إذن يعجبون ~~بالرجل القوي الذي يصادر الحياة، ويجعل من نفسه جلادا لمن يقول في ~~وجهه لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهو منطق كما ترى سخيف ~~وساذج. أما الطرب من الفلاحين لحكايات الأبطال فهو شعور بأن هؤلاء ~~الذين تروى عنهم الأساطير قد واجهوا الظلم بمثله ودافعوا الطغيان ~~بالقوة والعنفوان، وهو ما كان الفلاحون يتمنون أن يصنعوه مع أمثال عز ~~الدين الخولي؛ فعنتر وأبو زيد والزناتي وأضرابهم هم إزاحة الغضب الذي ~~يغتلي في نفوس المغلوبين على أمرهم، أمام القوة الغاشمة المتمثلة في ~~أسلحة الطغاة وأعوانهم. # أما رواية الفلاحين لقصص المجرمين من معاصريهم فهي اتقاء لشرهم ~~وتظاهر بالإعجاب بهم، عساهم أن ينأوا عنهم بإجرامهم وأذاهم؛ ~~فالفلاحون إذن بما يروون إنما يتقون شرا ولا يعجبون بشرير، إلا ~~أن يكونوا أطفالا يسمرون ما يلبثون مع الأيام أن يدركوا الحقيقة، وأن ~~يعلموا الذميم والطيب والفساد والصلاح والأعوج والقويم. # ولكن عز الدين الخولي وأمثاله لا يحبون هذا الحق، وإنما يحبون أن ~~يهيئوا لأنفسهم أنهم أبو زيد وعنتر والزناتي وأدهم الشرقاوي ~~والخط جميعا، وأنهم محبوبون. # ولهذا لم يكن عجيبا أن يزور عز الدين الخولي بلاد الدائرة في سيارة ~~مكشوفة، وخلفه صفوف من السيارات التي استأجرها للانتخابات بأسعار توشك ~~أن تكون رمزية؛ فأصحاب السيارات أصحاب أولاد يخشون أن يخطفوا وأصحاب ~~أرواح يخشون أن تحرق، فهم إذن يقدمون سياراتهم له بكل الحب ~~وبألفاظهم صائحين أنها ملكه هي وأصحابها، مقسمين بالطلاق ألا ~~يتقاضوا مليما، وما يزال بهم حتى ينزلوا على أمره ويقبلوا ما يعرضه. ~~وقد كان ما يعرضه سفاكا للمال كما هو سفاك للدماء، وكانت الانتخابات ~~قد بدأت، وكان عز الدين منتميا لحزب الوزارة التي تركت الحكم، ولكنه ~~في نفاق واضح لا شبهة فيه ولا مراوغة ترك حزب الحكومة المولية ~~وانضم إلى حزب الحكومة الحاضرة؛ فالرجل لم يدع في يوم من الأيام ~~أنه ذو مبدأ، أو أنه سياسي، أو أنه - لا قدر ms34 الله - ذو شرف. # ولم يكن هذا الانتقال من حزب إلى حزب نظرة إلى الانتخابات فهو يعرف ~~نتيجتها على الحالين، وإنما كان تحسبا لما بعد الانتخابات، وحرصا ~~على أن تكون صلته بالسلطة التنفيذية وطيدة، فتظل إيجارات الأوقاف ~~سارية المفعول في العهد الجديد، وتظل رغباته في تعيين العمد ونقل ~~الموظفين نافذة. وهو قبل لم يختر الحزب الذي كان فيه عن مبدأ ولا هو ~~انتقل إلى الجانب الآخر عن إعمال رأي؛ فالشرف السياسي بعيد عن كيانه ~~كل البعد. وما دام الأمر كذلك فماذا سيخسر إذن إن هو ترك حزبا إلى ~~آخر؟ لا خسارة طبعا، والربح مؤكد. # وراحت مواكب عز الدين تجوب بلاد الدائرة، وإن له لبصمة في كل بلد ~~زارها، وبصمة السفاح تترك حيث تقع دماء، إن لم تكن دماء بشر فدماء ~~كرامة مسفوكة، وخزي يلحق بمن اختاره الطاغية ليكون ضحيته. والسفاح ~~معدوم الحياء جامد الوجه شديد التبجح؛ فليس يراعي ألا يمر ببيت قوم ~~قتل عائلهم أو سلب بهائمهم أو حرق زرعهم أو محصولهم، وإنما هو يتحرى أن ~~يعمد في أول نزوله إلى القرية إلى البيت المخضب بدماء البشر أو ~~الكرامة أو الفقر التي أسالها هو، ويتعمد أعوانه الذين هم على شاكلته ~~من الفجور أن يرفعوا عقائرهم بالهتاف له، ثم ينطلق رصاص عصاباته ليعلن ~~أن الذي يتخلف عن الهتاف ينوب الرصاص عنه في هذا الهتاف. # وعلا الضجيج وعلا الصخب، ودق الطبل وعلا المزمار، وتهاتفت أصوات ~~الرصاص، وغلت دماء في العروق، وصعدت حميا الجنون إلى مكان العقول، ~~وسقط عز الدين الخولي قتيلا برصاصة في رأسه، وخشع الطبل والمزمار، ~~وولى المجرمون بزعامة أبو سريع هربا وهم من كانوا يقسمون في كل يوم ~~أنهم يفدونه بحياتهم، ولكن القسم شيء وقتله ومجيء الشرطة والتحقيق شيء ~~آخر. وبدا الفرح على وجوه الجميع في القرية تحاول أن تغطيه الحوقلة ~~ولا إله إلا الله، وسبحان الدائم! ومحاولة التظاهر بالحزن أمام ابنه ~~ومن بقي من أعوانه؛ فمن أين لهم أن يعلموا إن كان شعبان في مثل ~~إجرام أبيه أو أقل أو ms35 أكثر؟ فهم لم يجربوه بعد، ولا يدرون مدى ~~جبروته أو ضعفه. لقد عاش عمره تابعا لمجرم، أفتراه يصبح متبوعا ~~لمجرمين أم لا يكون؟ الله وحده أعلم. التظاهر بالحزن أسلم. وما هي إلا ~~ساعة أو بضع ساعات ثم ينحسر عن القرية موكب الإجرام، ويفرغون هم ~~لأفراحهم بما خلصهم الله من هذا العاتية السفاح. كان من المستحيل ~~أن يعثروا على الجاني فكم من أعداء للقتيل! وإن انصرف الظن إلى من ~~نكبهم عز الدين من أهل القرية فسرعان ما يخيب هذا الظن؛ فقد كانوا ~~جميعا يعلمون أنه قادم إلى القرية في هذا اليوم، وكان من الطبيعي أن ~~يتركوا القرية إكراما لأنفسهم أن يروا وجهه الذي لا يطيقون رؤيته، ~~وتقية أن يبلغ منهم الغيظ مداه فتنطلق من أفواههم كلمة قد تكون فيها ~~نهايتهم. ويدرك الشرطة أن القاتل قادم من بلد أخرى، وأنه تخفى حتى ~~لا يلمحه أحد ممن يعرفونه من أبناء هذه القرية، وأنه انتهز فرصة ~~الهتاف والرصاص والطبل والمزمار ونال ثأره وثأر كثيرين آخرين غيره. ولم ~~يدهش أحد من كل الذين شهدوا القتلة أو الذين سمعوا بها؛ فهي أمر ~~كان لا بد أن يقع على هذه الصورة وليس على غيرها، كل الذي كانوا لا ~~يعرفونه هو متى، وقد عرفوه. # | الفصل التاسع # حين اجتمعت أسرة وهدان بعد وفاته بفترة قال خليل كلاما قاطعا: ~~يا أمه، أنت الكبيرة، ولا رأي قبل رأيك ولا بعده، ولكننا نعرف أن هذا ~~الحديث لا يطيب لك. ونعرف معنى أن تفقدي المرحوم، ولكننا فلاحون، ~~والأرض جامدة صلبة بلا عواطف، ولا بد لها من خدمة، وأنا لي ~~رأي. ~~- يا خليل يا بني، أنا ليس لي أرض، الأرض أرضكم. # وقال سباعي: بل كلها أرضك. # وقالت فاطمة: اسمعي يا أمه، أنت تديرين الأرض كما كان يفعل أبي، ~~ويساعدك سباعي. # وقالت عابدة: ونعم الرأي يا فاطمة، وماله يا أمه، أنت فلاحة بنت فلاح ~~وسباعي ابنك. # ونكس سباعي رأسه في مراوغة مكشوفة وقال: أنا تحت أمركم، إلا أنني ~~أحب أن أتسلم نصيبي. # وقالت الأم في ms36 أسى وفي تؤدة: طول عمرك مستعجل يا سباعي! # وقال سباعي: ليس في الأمر استعجال، هذا شرع الله. # وقالت الأم: لا إله إلا الله، وهل نازعك فيه أحد ... ولكن أنت كذا طول ~~عمرك مستعجل! # وقال سباعي: يا أمه أبدا. # وقالت نبوية: إن لم تكن عجولا لانتظرت على الأقل حتى تسمع ~~رأيي. # وقال سباعي: أنا آسف يا أمه، الحق علي، قولي رأيك. # وقالت نبوية: الآن لا أقول. # وقال سباعي: ورحمة أبي إلا قلت رأيك. # وقالت نبوية: ماذا كنت تريد أن تقول يا خليل؟ ~~- كنت أريد أن أوفر عليكم كل هذا الحديث، أما الآن وبعد أن قالت ~~فاطمة ما قالت ووافقت عابدة على كلامها فلا بد أن أسمع رأيك ~~أولا. # واندفع سباعي قائلا: هذا ليس رأي فاطمة ولا عابدة، هذا رأي الشيخ ~~ياسين والأستاذ حسونة. # وقال ياسين: أولا يا سباعي أنا وحسونة جالسان ولم نفتح فمنا بكلمة. ~~وأقسم بعهد الله أننا لم نلتق قبل هذا الاجتماع ولم نتفق على هذا ~~الصمت، ولكنني رأيت أن هذا هو الخليق بي. ويبدو أن حسونة رأى نفس هذا ~~الرأي، ولو كان ما قالته زوجتي رأيي لقلته. وأعتقد أيضا أنه لو كان ~~رأي حسونة لقاله؛ فليس علينا بأس أن نشارك في شئون عائلة أصبحنا منها ~~بحق النسب، ولكن هذه أرضكم وزوجتي والحمد لله تعيش حياتها الزوجية في ~~رضا، وأعتقد أن أختها كذلك. ولهذا فأنا أرجوك أن تبعدني عن هذه ~~المناقشة، ويتهيأ لي أن حسونة يرجوك نفس هذا الرجاء. # وقال حسونة: الله يفتح عليك يا ياسين، ليس لي بعد ما قلت كلمة ~~واحدة أزيدها. # واستخزى سباعي بعض الشيء وأطرق، وقالت نبوية: ألم أقل لك يا سباعي ~~إنك دائما مستعجل؟! # وقال سباعي: الحق علي مرة أخرى، قولي أنت رأيك. # وقالت نبوية: الأمر لله، أقول: أنا لا أريد من الدنيا إلا أن أكون ~~أمكم، وأن أبقى في هذا البيت لأفتحه لكم جميعا حين تأتون إليه، وبهذا ~~أشعر أنني استطعت أن أرد بعض الدين الذي في رقبتي للمرحوم الذي ~~عشت معه ما ms37 عشت، ولم أر منه في لحظة من اللحظات ما يسيئني، حتى إذا ~~غضب كان يدخل إلى حجرته ويقفل بابها على نفسه حتى لا أراه مكشرا، ~~أرض؟! أنا لن أشوف، وإن كنت كما قالت فاطمة فلاحة وبنت فلاح إلا أنني ~~منذ تزوجت أباكم لم أخرج إلى الغيط، حتى حين كنا فقراء في أول ~~حياتنا رتب لنا مصطفى السقا حتى لا أخرج لملء الجرة، فأي أرض هذه ~~التي أشوفها؟ وهل تسمح سني بذلك؟ يا أخي، أنا كفاية علي أن أجعل ~~البيت دائما مستعدا لاستقبالكم، غير هذا أنا ليس عندي كلام، وما ~~تشوفه أنت وأخوك أنا مسئولة أن أجعل فاطمة وعابدة تقبلانه. # وقال خليل: أطال الله عمرك يا أمه، وأبقاك لنا جميعا، نعم الرأي، ~~الحقيقة أنني الآن أصبحت طبيبا، والطبيب يحتاج لوقته كله حتى يكون ~~طبيبا ناجحا، وأنا متأكد أنكم تحبون أن يكون أخوكم ناجحا. والحقيقة ~~أيضا أن سباعي كان دائما ابن الأرض يعرف كل شيء عنها، وكان أبي يعتمد ~~عليه منذ كان سباعي صبيا، وحين أصبح شابا كان هو الذي يشرف على ~~الأرض ويكتفي أبي بأن يعرف منه ما فعل، وكان أبي يبيع المحصول وبحضور ~~سباعي، أليس هذا كله حقا؟! # وهيمنت أصوات بالموافقة فأكمل حديثه: وأن يجلس كل واحد منا آخر ~~السنة ويرى حساباته أمر أنا لا أحبه؛ فقد تقتنع فاطمة بالحساب ولا ~~أقتنع أنا مثلا، فالرأي عندي أن أقعد الآن مع سباعي، ونرى ما ~~أنتجته الأرض في السنوات الثلاث الأخيرة، ونقدر إيجارا معقولا ~~يعود بالربح على سباعي مقابل إدارته للأرض وتعبه فيها، ويكون كل منا ~~على علم طول السنة بما سيحصل عليه آخر العام. # وقالت الأم في حسم: كلام معقول. # ونظرت فاطمة إلى أختها وبادلتها عابدة النظر، وتلمست كل منهما ~~رأيا عند زوجها فلم تجدا اعتراضا، وقالت فاطمة: موافقة. # وقالت عابدة: نكتب عقود إيجار. # وقال خليل: نكتب عقود إيجار. # وقال سباعي والفرحة تملأ عليه منافذ الهواء: على بركة الله. ~~••• # حين خلا سباعي إلى شعبان بعد مأتم أبيه سأله شعبان عما فعله ms38 مع إخوته ~~فأخبره، وفكر شعبان مليا، ثم قال: بعد الأربعين أريدك في أمر ~~مهم. ~~••• # كان شعبان إنسانا آخر غير أبيه وغير الذي عرفه فيه أبوه، فإن تكن ~~الأرض هي كل حياة أبيه يقتل في سبيلها الناس ويعتصر دماء البشرية، فإن ~~شعبان لم يكن يرى في الأرض إلا وسيلة تمكنه من قضاء أيامه مقلوبة، ~~ومن أن يجعل نهاره كله سوادا؛ لأنه فيه دائما يحب أن يكون نائما ~~ولياليه كلها بيضاء بالنور الملقى على أجساد الراقصات، وهن بعض ~~كاسيات، أو حمراء بالضوء الشاحب الهارب في خجل من جسومهن وهن ~~عاريات؛ تلك هي الحياة عنده، وإن كان في حياة أبيه يعاونه في الزرع ~~ويغضي عما يفعله بالبشر، فما كان هذا منه إلا لينال ما ينفقه على ~~صنعته الوحيدة في الحياة، وهي المتعة والمتعة المشتراة وإنها لباهظة ~~الثمن. # وإن كان أبوه يحب أن يكون عضوا في مجلس النواب معتليا كرسيه على ~~الرعب يثيره في الناس بالقتل والسرقة والغصب والنهب والجبروت، فإن ~~شعبان كان ينظر إلى مجلس النواب هذا على أنه تسلية لا طائل تحتها ما ~~دامت لياليه لا تنتهي بما تنتهي به لياليه هو. وإن كان في حياة أبيه ~~مرغما على الزراعة والسعي في الانتخابات، فلا إرغام اليوم عليه. وقد ~~كان شعبان في القمة من سعادته بزوجته الرضية التي لا ترى فيما يفعله من ~~سهر أمرا غير عادي، وإنما هو مألوف ما يصنع الرجال، وما عليهم في ذلك ~~من بأس ما داموا آخر الليل أو أول النهار ينامون في أسرة منازلهم. ~~وكانت قد ولدت لشعبان سمية ووليد، فهي مشغولة بأبنائها والمال عندها ~~دائما موفور بما يرسله إليها أخوها، أو يعطيه لها حين يزور مصر. وهي ~~تشتري ما يعن لها أن تشتري، وربما كان الشيء الوحيد الذي كانت تتوق ~~إليه هو زيارة أمريكا وأوروبا. وقد كان زوجها يعتذر عن عدم تنفيذ هذه ~~الرغبة بمشغوليته في أملاك أبيه، مخفيا الأسباب الحقيقية التي ~~يتقدمها جهله باللغة، ولكنه أمام إلحاحها وافق على السفر معللا نفسه ~~أن اللغة التي ms39 يجب أن يتحدث بها عالمية، وربما وجد في باريس مثلا من ~~يفهمها خيرا مما يفهم الفرنسية نفسها، وحدد لسفره انتهاء المعركة ~~الانتخابية، فحين قتل فيها أبوه تأجل الموعد إلى أن تمر فترة مناسبة. ~~وهكذا كان شعبان في مشاغله وآماله بعيدا كل البعد عن مشاغل أبيه ~~وآماله. وكان أبعد ما يكون عما يفعله أبو سريع. وقد كان واثقا أن ~~أبو سريع لن يبقى معه بعد موت أبيه إلا ريثما تمر فترة تسمح له أن يجد ~~مستأجرا آخر؛ فما كان شعبان يتصور أن يقتل أحدا في سبيل أي شيء إلا ~~أن يعوقه عن متعته في الملاهي. # ولهذا لم يكن غريبا أن يقول شعبان لسباعي بعد إحياء ذكرى الأربعين ~~لوفاة أبيه: ما رأيك يا سباعي أن تصنع معي ما صنعته مع إخوتك؟ # وذهل سباعي، أحقا ما يسمع؟! ويسأله أيضا: ما رأيك؟ وهل فيها رأي؟ ~~لقد بدأت الآمال تتحقق من أوسع الأبواب. ~~••• # حين غادر سباعي بيت شعبان قصد من فوره إلى بيت أبو سريع. ~~- السلام عليكم. ~~- أهلا سباعي بك مرحبا، القهوة يا ولد، يا مرحبا، أهلا ~~وسهلا. ~~- أهلا بك يا أبو سريع، قهوتك مشروبة يا أبو سريع، إلا أنني أريدك ~~في كلمتين. ~~- تحت أمرك، عن إذنكم يا رجال. # وينظر الرجال بعضهم لبعض في دهشة شديدة، ثم يقومون الواحد منهم تلو ~~الآخر، وقبل أن يصل أولهم إلى الباب يصيح سباعي: يا سلام. # ويقف سلام، ويلتفت إليه في إجلال: نعم يا بك. ~~- أنتم طول عمركم رجال. ~~- تحت أمرك، مر. ~~- هذه الزيارة ... ~~- ما لها يا بك؟ ~~- لم تحصل، لم تتم، لم أجئ إلى هنا، لم يرني أحد منكم. # وابتسم سلام وهو يقول: وهل جئت يا بك حتى يراك أحد منا؟ هيا بنا يا ~~رجال. # وخرج الجميع وهم يضحكون تشيعهم جملة سباعي: ألم أقل إنكم طول ~~عمركم رجال؟! # وحين خلا المكان بسباعي وأبو سريع قال سباعي: هل اتفقت مع أحد بعد ~~عز الدين ... بك. ~~- يا بك الأربعين كان أول أمس، من يمكن أن يكلمني قبل أن يمر ~~الأربعين ms40 ؟ ~~- لا تتفق. ~~- أمرك، فيه حاجة؟ ~~- لا تتفق وبس، أفهمت؟ ~~- أمرك. # | الفصل العاشر # متولي أبو منصور هو أحسن فلاح في أرض وهدان جميعا، وقد أنتج فدانه ~~في العام الأول من تولي سباعي الأرض سبعة قناطير. وكان نظام الزراع مع ~~الملاك خاضعا للمحمول، وهو نظام يشبه الإيجار إلا أن السداد فيه ~~يكون عينيا؛ أي بالمحصول نفسه. وكان هذا السداد يسمى المحمول، وقد ~~غلبت هذه الكلمة على النظام كله، فكان يقال إن الزراعة بالمحمول، وكان ~~محمول الأرض الذي يجب أن يسدده الفلاح في أرض وهدان هو ثلاثة قناطير ~~عن فدان القطن وثلاثة أرادب عن فدان القمح وأربعة أرادب عن فدان الذرة. ~~وكان متولي يزرع خمسة أفدنة، وكانت الأرض تنتج في مألوف عادتها خمسة ~~قناطير، وكان الأصل أن يكون ثلاثة أخماس المحصول للمالك وخمساه للزارع، ~~فإن كانت هناك مصاريف زراعية تخصم بنفس النسبة ما تمثل الكيماوي ~~والري وجمع قطن عينا أيضا من محصولها. # وحلا لسباعي أن يبدأ حياته الجديدة التي أعد نفسه لها منذ باكر ~~الأيام مع متولي أبو منصور الذي يزرع عندهم منذ عشرين سنة ونيف. ~~أرسل إليه وبدأ يحاسبه على ملأ من الناس. ~~- كم أنتج الفدان عندك؟ ~~- يا سي سباعي أفندي. ~~- بك يا ولد. ~~- ولا مؤاخذة بك، ألا تعرف؟ ~~- أعرف ولكن أريد الرجال أن يسمعوا. ~~- سبعة قناطير. ~~- هو ما قلت؟ ~~- أنا لا أكذب عمري، وأنت تعرف. ~~- سبعة قناطير في خمسة أفدنة يكون كل محصولك كم؟ ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله! ~~- انطق. ~~- خمسة وثلاثون قنطارا. ~~- حلو جدا، فلماذا وردت خمسة عشر قنطارا. ~~- عجيبة! ثلاثة في خمسة، أليست خمسة عشر. وليس علي مصاريف، أنا ~~اشتريت الكيماوي ورويت وأنا الذي جمعت أيضا. ماذا تعوز مني يا سي ~~سباعي أفندي؟ ~~- بك. ~~- بك. ~~- أليس المحمول مخامسة؟ ~~- كان كذلك حقا، ولكن المرحوم والدك لما رأى الأرض تنتج عادة خمسة ~~قناطير جعل المحمول ثلاثة قناطير حتى ينال الفلاح الذي يجتهد حقه، ~~وينال المقصر جزاءه عن ضعف المحصول، وأنت نفسك كنت تحصل منا ~~المحمول منذ سنوات على هذا الأساس ms41 . ~~- ولكني السنة أريده مخامسة. ~~- السنة هذه غير معقول! أما إذا كنت تريد ذلك في العام القادم ~~فأمرك، ولكن رأيي أن هذا ليس من مصلحتك وليس عدلا أيضا. ~~- وهل لك رأي؟ ~~- وكان المرحوم والدك يأخذ به منذ كنت أشيلك على كتفي. ~~- اخرس يا ابن الكلب. ~~- ابن الكلب! أهي حصلت يا سباعي؟ ~~- بك. ~~- من غير بك، سلام عليكم. # وانصرف متولي ونادى سباعي: يا أبو سريع. # وجاء أبو سريع من الحجرة الأخرى. ~~- نعم يا بك. ~~- قطن متولي أبو منصور يذهب رجالك اليوم ومعهم بعض رجال تختارهم ~~أنت وتعبئونه في الأكياس، وتجيئون به الليلة. ~~- أمرك يا بك، لكن فقط ... ~~- ما لك! ~~- سمعت وهو جالس معك من الرجال أنه باع قطنه. ~~- باعه؟ ~~- نعم. ~~- وسلمه؟ ~~- اليوم وقبض ثمنه. ~~- تذهبون إليه وتطالبونه بثمن سبعة قناطير منه. أنا لا أظلم أحدا، ~~إنما حقي لا بد أن آخذه. # ولم يجد الرجال الجالسون والذين يقف أمامهم أبو سريع بكل تاريخه في ~~موقف التابع الخاضع لسباعي بدا من أن يقول قائلهم: عداك ~~العيب. ~~- رجل وابن رجل طول عمرك. ~~- وكتر خيرك لأنك لم تؤدبه بثمن قنطارين جزاء طريقته في الكلام ~~مع سعادتك. # ويقول سباعي الذي أحس أن مراسم التتويج الإجرامي قد تمت له بهذا ~~النفاق: المؤدب ربنا، أنا أريد حقي فقط، اذهب أنت يا أبو ~~سريع. ~~- أمرك يا سعادة البيك. # وينصرف أبو سريع ويأخذ الرجال الجالسون من سباعي في حديث آخر، وحين ~~يأتي أبو سريع يبادره سباعي: هه، أحضرت المبلغ؟ ~~- يا سعادة البك، هذا الرجل قليل الأدب. ~~- كيف؟ ~~- قال لن أدفع شيئا، ولن أخاف منك يا أبو سريع، ولا من سيدك الجديد، ~~وأعلى ما في خيلكم اركبوه. # ويقول سباعي: أهو قال هذا؟ # ويقول أبو سريع: يا سعادة البك، وماذا يجعلني أتقول عليه وأنا لم ~~أخاطبه في حياتي إلا اليوم؟ ~~- هيه! طيب منه إلى الله، روح أنت يا أبو سريع. # والتفت سباعي إلى الرجال وقال: إذا منعته من الزراعة عندي أيلومني ~~أحد. # وقال أكثرهم نفاقا: وهذا قليل عليه. # وقال سباعي في تظاهر بالعفو ms42 والرحمة: يكفيه هذا، وإنما أردت فقط أن ~~تكونوا شاهدين. # مر على هذه الواقعة يومان فقط، وإذا بلدة الصالحة تعلو بها أصوات ~~الأعيرة، وما إن تنكتم حتى يعلو الصراخ وتنقلب البلدة كلها إلى بيت ~~متولي. لقد أطلق عليه الرصاص وهو جالس مع زوجته يتناول العشاء وعلى ~~ركبته ابنه الأصغر الذي كان في الخامسة من عمره، وقد أفنى الرصاص ~~ثلاثتهم. وجاءت الشرطة وجاءت النيابة واستقبلهم العمدة والخفراء وجرى ~~التحقيق، ولم يكن أحد في القرية يجهل القاتل والآمر بالقتل جميعا؛ ~~لأن أحدا في القرية لم يكن يجهل تفاصيل ما حدث بين سباعي ومتولي، ولكن ~~من ذلك الذي يريد أن يلقى مصير متولي؟ وازداد سباعي فجورا فأعلن أن ~~مصاريف الدفن والمأتم عليه؛ فهو رجله، وهو مسئول عن دفنه هو وابنه ~~وزوجته، وعن مأتمهم أيضا. وبلغ أقصى القمة حين وقف يستقبل العزاء ~~يحف به عن يمين شاكر الابن الأكبر لمتولي وعن يسار عبد التواب الابن ~~التالي لشاكر. # وعرفت القرية أو المنطقة أن سباعي قد جلس على عرش سيئ الذكر ~~المجحوم عز الدين الخولي بك. # ثنى سباعي بحسن بن عبد الحميد أبو ديدة الذي أوصاه بابنه هذا لقاء ~~نصيحته له أن يتزوج ابنة عز الدين! طلب سباعي إلى حسن أن يبيعه أفدنته ~~الثلاثة فرفض حسن. ~~- ماذا يقول الناس عني؟ باع أرض أبيه! خائب أنا إذن لا أكسب من ~~صنعتي. # ويقول سباعي وكأنه ينصحه: يا بني، أنت في دكانك، ولا تستطيع زراعة ~~الأرض، وهم ينهبونها منك. ~~- كل هذا ولا أني أبيعها. ~~- بل تبيعها. ~~- أهذا تهديد يا سباعي بك؟ ~~- ليكن كذلك. ~~- تقتلني كما قتلت متولي؟ ~~- وهل أنت كبير؟ ~~- كبير جدا. ~~- نشوف. # ويحرق المحصول في أرض حسن وتسرق بهائمه في ليلة واحدة، ويأتي ~~خاضعا وعيناه نيران ولهيب وغيظ وتمرد، ولكنه تمرد المكبل الذي لا ~~يستطيع من كبوله فكاكا. ~~- أبيع يا بك، أبيع وأمري لله. ~~- بنصف الثمن الذي عرضته. ~~- بنصفه؟! ~~- إذا كان يعجبك. ~~- يعجبني؛ فأبنائي صغار ولن يجدوا من يربيهم من بعدي، أبيع، وإن قلت ~~بغير ثمن أبيع أيضا. # وأمر ms43 سباعي وكتب العقد. # ثم استدار إلى سليمان النواوي؛ ذلك الرجل الذي أتاح لأبيه أن يشتري ~~عشرة أفدنة بالدين الذي استدانه منه. ذلك الرجل الذي قبل سباعي ~~يده يومذاك وغضب أبوه من فعلته تلك مرتئيا فيها بعدا عن ~~الكرامة. هذا الرجل صاحب ذلك الفضل عليهم استدار إليه سباعي بجبروته ~~الجديد. وكان الرجل قد علت به السن واستطاع أن يجمع إلى الستة أفدنة ~~عشرين أخرى، وكف عن التجارة خاشيا ألا يتيح له وهن جسمه أن ~~يقدم لها ما تستحق من سعي. ومكث الرجل يربي أولاده بريع ~~أرضه. # استقدمه سباعي الذي لم يستطع أن ينسى أن أباه كان يستطيع أن يشتري ~~هذه الأفدنة الستة وعف عنها بكبرياء من لا ينتهز الفرص، وينهش ما ~~ليس له بحق. واستطاع في جمود مشاعره وتحجره أن ينسى أن سليمان أبدلهم ~~بالستة أفدنة عشرة، ونسي بعواطفه الصلبة البخيسة صداقة سليمان ~~لأبيه منذ وقف أبوه إلى جانبه في أزمته. # استدعاه: أشتري الأفدنة الستة. # ومع أن سليمان رجل عجوز خبر من الحياة أوجه الحياة جميعا، ومع ~~أنه عاش أغلب عمره تاجرا يرى ما لا يراه الناس، ويعرف من القوم ~~أسافلهم والأكرمين منهم، ويعرف من الأسافل أشدهم انحطاطا ومن ~~الأكرمين أعلاهم يدا، ومع أنه عرف من الحياة كل دناءتها، وكل ما فيها ~~من قذر ودنس، ومع أنه أصبح وهو لا شيء يدهشه ولا يثير فيه تعجبا؛ مع ~~كل هذا، فغر الرجل فاه! هذا نوع من فجور الحياة لم يتصور أنه ~~ملاقيه، ومن هذا الولد الذي قبل يده، ومن ابن أعز صديق له. # وتمالك سليمان أمر نفسه، ولكن بعد فترة ليست بالقصيرة سيطر فيها ~~الصمت الصاخب في نفسه، والصمت المتبجج من محدثه. ~~- آه! أنت لم تنس أن أباك كان يستطيع أن يشتريها وعف. # ويقول سباعي في جرأة: عليك نور. ~~- ولكنك نسيت أنني اشتريت لأبيك عشرة أفدنة بدلا منها. ~~- ونسيت هذا، ولن أذكره مهما ذكرتني به. ~~- كم تريد أن تدفع؟ ~~- بكم تريد أن تبيع؟ ~~- أما أنا فلا أريد أن أبيع، ولكنني تاجر وأعرف ms44 أنك حددت الثمن، ~~وأعرف أيضا أنني لن أستطيع أن أناقشك، فهل أعددت العقد؟ ~~- جاهز. ~~- أين هو؟ ~~- ها هو ذا. ~~- وهذا توقيعي، سلام عليكم. ~~- ونقودك. ~~- أرسلها حين تريد مع أبو سريع؛ فهو الذي صنع الصفقة. سلام ~~عليكم. # | الفصل الحادي عشر # كان صلاح طفلا لا يدري ما يصنعه أبوه، وحين بدأ ينطق الكلام ~~ويفهمه وجد أباه في مكان الصدارة من البلدة جميعا، ووجد الناس لا ~~تخاطبه إلا بكل إجلال. وحين بلغ الخامسة من عمره وجد أبوه أن من ~~الطبيعي أن يذهب إلى المدرسة. وقد أحب أن يبعده عن القرية؛ فقد خشي ~~أن يجتمع بالفلاحين فيعرف منهم في طفولته ما لا ينبغي أن يعرفه عن ~~أبيه. أما القاهرة فهي بعيدة وابنه هناك سيكون في تيه عن أمر أبيه، ~~وأمر أبيه هناك لا يعرفه أحد. وإن كان سيلتقي في القاهرة مع ياسين زوج ~~أخته ومع عابدة أخته إلا أن أحدا منهما لن يذم أبا إلى ابنه، ~~وخاصة إذا كان الأب هو المتصرف في أرضهم، ومهما يكن ظالما لأخته ~~ولخليل متأبيا أن يرفع الإيجار الذي ارتفع في جميع الأراضي، إلا أنه ~~مع ذلك كان واثقا أن أحدا من الاثنين لن يذم أبا عند ابنه. وسيرى ~~هناك الدكتور خليل عمه، ولكن خليل أبعد ما يكون عن ذلك، فإن من هو في ~~مثل علمه لا يتصور أن يذكر أبا عنده ولده بما لا يرضاه. # كلم سباعي ياسين في التليفون، وطلب إليه أن يبحث له بجوارهم في ~~المنيرة عن شقة تسكن فيها قدرية وابنها. وقدر أنه بقربه من ياسين ~~المدرس سيكون في رعاية منه طيبة، خاصة وأنه في مثل سن ابنه عمر، ~~وسيذهبان مدرسة واحدة. وتم الأمر كما أراد تماما، وذهب سباعي إلى ~~القاهرة ورأى الشقة وكانت فاخرة واسعة؛ فقد استقر في نفسه أن تكون ~~بيتا له في القاهرة يلتقي فيها بمن يرى دعوتهم إلى غداء أو عشاء إذا ~~اقتضت مصلحة أن يدعو إلى غداء أو عشاء. وبعد أن وقع عقد الشقة عزمت ~~عليه أخته وزوجها أن يبيت ms45 ليلته عندهما، ولكنه رأى أن يبيت عند أخيه ~~خليل. واستقبله خليل بترحاب أخ شريف يحب أخاه، ويتغاضى عما يرتكس فيه ~~مما لا يرضاه الشرفاء. وبعد العشاء قال خليل: قل لي يا سباعي، من ~~المؤكد أنك عندك من المال السائل ما تريد. ~~- الحمد لله، لا أشكو. ~~- لا تخف. أنا لا أنوي أن أستلف منك؛ فالحمد لله أنت لا شك تعرف أنني ~~أكسب من عملي مكسبا يكفيني ويزيد. ~~- ولماذا لم تفكر في الزواج؟ ~~- فكرت. ~~- واخترت؟ ~~- وسأدعوك قريبا لتخطب لي، وتتفق على كتب الكتاب. ~~- أعرفها؟ ~~- لا أظن، إنها ابنة أستاذ لي، وطبيبة زميلتي. ~~- وستجعلها تعمل؟ ~~- طبعا هذا أمر لا تتصوره أنت، ولكن هل تظن مصر تستطيع أن تستغنى عن ~~جهد طبيب أو طبيبة؟ # ويقول سباعي في دهشة: مصر! وأنت ما لك وما لمصر؟ # ويقول خليل في حسم: طبعا هذا موضوع لا شأن لك أنت به. ~~- أنا من مصر، ألست كذلك؟ ~~- سباعي اعمل معروف، يا أخي، لكل منا طريق في الحياة لا يتوازى معه ~~ولكن يتقاطع. ولا يمكن أن أفهمك وأنت أيضا لا يمكن أن تفهمني، فدع ~~هذا وقل لي: هل عندك مانع أن تشتري أرضي؟ ~~- مطلقا، كم تريد في الفدان؟ ~~- أنت الذي تسألني؟ إنني لو كنت أبيعها لغريب لجعلتك أنت الذي ~~تبيعها عني. ~~- وهو كذلك، اشتريت. ~~- ادفع الثمن ولن أناقشك فيه واكتب العقد الآن. # وكتب سباعي الشيك، وكتب خليل العقد، وتمت الصفقة. # وقال سباعي: أين مفتاح شقتك؟ ~~- في جيبي. ~~- نم أنت إذن، وسأترك لك المفتاح على هذه المنضدة حين أعود، حتى تخرج ~~إلى عملك ولا توقظني. ~~- إلى أين أنت ذاهب؟ ~~- ألم تقل إن الطريقين متقاطعان؟ ~~- فقط أردت أن أعلم. ~~- وأنت تعلم، ولكنك تتخابث علي. ~~- ظننت أنك ستقضي الليلة معي نسمر؛ فإنا لا نلتقي إلا ~~نادرا. ~~- أنت ستنام. ~~- ما أخبار أمي؟ ~~- قاطعتني. ~~- ولهذا أسألك. ~~- ولماذا؟ ~~- إنها قادمة لتعيش معي. ~~- أحسن. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- أصبحت لا تحتمل البلد. ~~- لا يخرج أمي نبوية من البلد إلا ما لا تطيق. ~~- ما دمنا اتفقنا أن الطريقين متقاطعان، ألا يحسن ms46 بنا ألا يناقش ~~أحدنا طريق الآخر؟ ~~- على كل حال أشكرك. ~~- العفو، علام؟ ~~- أنك جعلت أمي تأتي لتعيش معي. ~~- وسأرسل لك إيجار أرضها كل سنة. ~~- بل أظنها ستوكلني في بيع أرضها هي أيضا. ~~- وعلام توكلك؟ اكتب وخذ العقد وخذ الشيك، ولتوقع هي العقد ~~عندما تحب. ~~- وهو كذلك. # وتمت الصفقة، وقال سباعي: والآن أين المفتاح؟ ~~- هل أنت مصمم؟ ~~- لو شفت ما أشوفه أنا حين أجيء إلى مصر لما سألتني هذا السؤال، ~~أتظن نفسك عائشا يا دكتور؟ ~~- علم الله أن حياتي هي الحياة، ولكن فليتقاطع الطريقان ولا نقاطع ~~نحن، وخذ المفتاح. ~~- ولكن تقاطع الطريقين لن يمنعك من رعاية صلاح؛ فإني سأتركه تحت ~~إشرافك، وسجلت اسمك في المدرسة وليا لأمره. ~~- هل رأيتني عمرك أتخلى عن واجبي؟ أنا أعرف واجبي دائما، وصلاح ابني ~~كما هو ابنك. ~~- أعرف ذلك. سلام عليكم. # وخرج سباعي إلى سهراته التي بدأ تاريخه معها في صحبة شعبان، والتي ~~أصبح مجيئه إلى مصر مرتبطا بها ارتباطا يوشك أن يكون هو ~~الوحيد. ~~••• # حين جاءت نبوية إلى بيت خليل وأعطاها ثمن أرضها سألته: ماذا أنت صانع ~~بأموالك؟ ~~- سأشتري بها كمية من الأسهم. ~~- وماذا تصنع هذه الأسهم؟ ~~- تدر دخلا أحسن من دخل الأرض على الأقل. ~~- إذن فاسمع، اشتر بثمن أرضي أنا أيضا كمية من الأسهم باسم أختك ~~فاطمة وأختك عابدة واسمك، للذكر مثل حظ الأنثيين. ~~- أنا متنازل عن نصيبي لهما. ~~- الله يفتح عليك ويعوضني فيك عما أصابني به من أخيك. فقط أريد الريع ~~طول حياتي. ~~- وأنا أدفع لك قيمة الريع، واتركي أنت الريع للبنات. ~~- أطال الله عمرك، ولكن لا، أن أعيش على نفقتك لا مانع فهذا حقي ~~عليك، لكن مصروف يدي لا بد أن يكون من دخل مالي أنا. حين أريد أن أعطي ~~أحدا من أولاد أختيك هدية لا بد أن تكون من مالي أنا. أعط أنت ~~لأختيك ما تشاء لتعينهما، أما أنا فريع الأسهم يكون لي طول ~~حياتي. ~~- أمرك. وسيكون كذلك. # | الفصل الثاني عشر # حين اقتربت الإجازة الصيفية كان سباعي في بيته بالقاهرة في ms47 إلمامة ~~سريعة، فإذا صلاح يقول له: بابا سنأخذ الإجازة الصيفية بعد ~~أسبوعين. # ووجم سباعي فما كان يفكر في هذه الإجازة فطالعته من حيث لا ~~يحتسب، ودون وعي سأل ابنه: وماذا تريد أن تفعل؟ ~~- أذهب للبلد. ~~- وماذا تصنع في البلد؟ ~~- أركب الحمير وألعب الكرة. إنني أريدك أن تشتري لي كرة ألعب بها مع ~~أصحابي في البلد. ~~- أي بلد التي تذهب إليها؟ ~~- بلدنا، أنا أحبها جدا يا بابا. ~~- يا بني، البلد تراب وعفار. ~~- ولكنك تعيش فيها مع التراب والعفار. ~~- شغلي. ~~- رفضت في العيد وإجازة نصف السنة أن تذهب بي إلى هناك، أرجوك يا ~~بابا، والنبي. ~~- ألم أجئ إليكم في العيد؟ ~~- أنت جئت نعم، ولكن البلد لم تجئ. ~~- وكيف تريد البلد أن تجيء؟ ~~- أذهب إليها أنا. # وفجأة ومضت في ذهن سباعي فكرة لم تكن خطرت له على بال. ~~- أنت تلعب مع من طول السنة؟ ~~- مع أصحابي في المدرسة، ومع عمر ابن عمتي. # وهنا فقط تدخلت قدرية في الحديث: الله يخليها عابدة، لا تتركني ~~ليلا ولا نهارا، أما ياسين أفندي فلا بد أن تقدم له هدية عظيمة، ~~إنه يعامل صلاح كأنه ابنه عمر وزيادة، لا يشغله شيء في الدنيا أن ~~يعطيهما كل يوم الدرس، ويراجع معهما دروس المدرسة، فإذا أحسن صلاح ~~الإجابة أعطاه مكافأة من النعناع والملبس والشيكولاتة التي لا يخلو ~~منها درجه أبدا. # والتفت سباعي إلى صلاح. ~~- مبسوط منك عمك ياسين يا صلاح؟ ~~- كل يوم آخذ أنا النعناع والملبس والشيكولاتة، وعمر لا يأخذ. ~~- أنت أشطر من عمر؟ ~~- بزمان. # وقال سباعي: ما رأيك أن تذهب أنت وعمر وعمتك عابدة وعمك ياسين ~~إلى الإسكندرية لتصيفوا هناك؟ # والتفت إلى قدرية وقال لها: وتكون هذه هي هديتنا إلى ياسين ~~وعائلته. # وقبل أن تجيب قدرية يقول صلاح: ما الإسكندرية هذه يا بابا؟ أنا لم ~~أرها عمري. # ويقول الأب في سخرية: والله يا ابني ولا أنا، ولكن ماذا أفعل؟ الغلبة ~~لها أحكام. # وتقول قدرية وهي مترددة في السؤال وكأنها تعرف الإجابة: لماذا لا ~~تريد صلاح أن يذهب إلى البلد ms48 ؟ ~~- أريده بعيدا عنها. ~~- ألا ينبغي أن يتصل بالأرض؟ ~~- ليس الآن، حين يكبر. # وفي خوف ولعثمة قالت قدرية: إذا كنت لا تريده أن يعرف ما تفعله ~~فلماذا تفعله؟ # وفي حسم قال: أنت التي تقولين هذا يا بنت عز الدين الخولي؟ دعي هذا ~~الكلام لغيرك! ~~- ومن قال لك إني كنت راضية عما يفعله أبي؟ ~~- إذن فما دمت لم تكوني راضية فمن الطبيعي ألا يذهب صلاح إلى ~~البلد. # وحاولت أن تقول: ولكن ... # وقاطعها سباعي في لهجته العاتية التي أصبحت طبيعية عنده: انتهينا، ~~لا مناقشة. # ونكست قدرية رأسها في استسلام. ~~- أمرك. # ومر هذا النقاش على ذهن صلاح وكأنه لغة أخرى غير التي يعرفها؛ فهو ~~لم يفهم من الحديث شيئا وكان يفكر أن يسأل، ولكنه حين رأى الطريقة ~~التي ختم بها أبوه الحديث أخذه الرعب من ملامح أبيه ولهجته فنكس رأسه ~~في استسلام، وراحت عيناه ترتفعان إلى أبيه مخالسة ثم ترتدان إلى أسفل ~~كأنما يخشى أن يراه أبوه وهو يتجرأ على النظر إليه، ورمقه أبوه في حاله ~~هذه فحاول أن يزيل ما علق بنفسه من آثار الحديث. ~~- وماذا يدرس لك عمك ياسين؟ ~~- القرآن. ~~- القرآن؟ ~~- نعم؛ فأنا أحفظ الفاتحة وأحفظ الكثير من السور. # ونظر سباعي إلى زوجته وسألها: هل يدرسون لهم القرآن في ~~المدرسة؟ # وقبل أن تجيب أجاب صلاح: لا، ولكن عمي ياسين يدرس لنا القرآن مع ~~دروس المدرسة. # ولم يجد سباعي شيئا يعلق به إلا أن يقول: ما رأيك أن تذهب إلى ~~الإسكندرية؟ ~~- أنا لا أعرفها. ~~- سنعرفها معا. ~~- هل ستبقى معنا هناك؟ ~~- أطل عليكم كما أفعل هنا، هيه ما رأيك؟ ~~- أريد أن أذهب إلى البلدة. # وحسم سباعي الموقف: ستذهب إلى الإسكندرية. # وفي الصباح توجه سباعي إلى الإسكندرية، وحين نزل من القطار سأل عن ~~فندق وذهب إلى فندق سيسيل. # وهناك طلب من إدارة الفندق أن تدله على سمسار شقق وبدأه: أريد ~~شقة. ~~- للمصيف؟ ~~- طبعا. ~~- تقصد مفروشة؟ # وفكر سباعي قليلا فوجد نفسه لا يفهم السؤال، فلم يجد بدا من أن ~~يسأل: ماذا تقصد؟ # وفهم السمسار أنه أمام ms49 رجل لم يطأ الإسكندرية من قبل فقال: هناك ~~شقق يمكن أن تستأجرها طول العام وتفرشها أنت، وهناك شقق تؤجر ~~للصيف فقط وتكون مفروشة، ويكون إيجارها مدة الصيف فقط أو جزءا منه إذا ~~شئت، أنت وكيفك. # وفكر سباعي قليلا. ~~- والشقق التي أستأجرها طول العام أفرشها أنا؟ # وقال السمسار: نعم، وطبعا تستطيع أن تأتي إليها في الصيف وفي الشتاء ~~كما تريد، تصبح شقتك. ~~- وكم إيجار هذه وكم إيجار المفروشة؟ ~~- على حسب الحجم والمكان. ~~- أقصد الفرق كبير بين المفروشة وغير المفروشة؟ ~~- طبعا المفروشة تكون أغلى بكثير؛ لأنك تستأجرها بفرشها ولمدة ثلاثة ~~أشهر فقط على الأكثر. ~~- والسنة الجائية إذا أردت أن أصيف؟ ~~- نستأجر لك شقة أخرى. ~~- وأظل كل سنة أبحث عن شقة؟ ~~- طبعا. ~~- إذن فأنا لا أريد شقة مفروشة. ~~- عظيم، تريد شقة طول السنة. ~~- طول السنوات. ~~- طبعا، العقد يتجدد من تلقاء نفسه. ~~- أريد من هذه. ~~- كم تريد أن تدفع؟ ~~- أريد شقة واسعة، وعلى البحر، والفلوس لا تهم. # وكان ما أراد. # | الفصل الثالث عشر # حين صدر قانون الإصلاح الزراعي الأول لم يمس سباعي؛ فقد كانت أرضه لا ~~تزيد عن المائة فدان إلا قليلا، وكانت أرض زوجته تقارب السبعين ~~فدانا. أما شعبان فقد كانت أرضه تقارب المائة والأربعين فدانا، ولكنه ~~أحس بما تحمله هذه القوانين في طواياها فطلب إلى سباعي: بع ~~أرضي. ~~- ماذا تقول؟ ~~- أنا لست فلاحا، والدولة أصبحت لا تحب الملاك. # وفكر سباعي قليلا، إنه يرى في كلام شعبان حقا، ولكن بيع هذه ~~الأرض سيجعل المساحة التي يشرف عليها تتقلص فنظر إلى شعبان طويلا، ~~ثم قال: ما رأيك أبيع أرضك ولا أبيعها؟ ~~- وكيف؟ ~~- أكتبها بأسماء فلاحين آخرين، وأستكتبهم أوراقا بمبالغ من ~~ثمنها. ~~- الله أكبر، أحاول أن أهرب من الحكومة فأقع في أيدي ناس الله أعلم ~~بذمتهم! ~~- أيجرؤ أحد منهم أن يطالب بالأرض؟ ~~- يجرؤ أحد، ويقول إن هذا البائع هو ابن عز الدين الخولي، وإنه اغتصب ~~منا كمبيالات. لا، لا يا عم، إلا هذا، وأنا ما حاجتي إلى الأرض؟ بعها ~~يا سباعي، واسمع مني نصيحة: هذا ms50 الزمن يجب أن تعرف أنه غير الزمن الذي ~~نعرفه، والله وحده يعلم ما مصير الملاك فيه. ~~- والله كلامك معقول. ~~- بع أرضي الآن، وأنت اليوم تستطيع أن تحسن بيعها قبل أن تضيع ~~مني. ~~- وماذا ستعمل بالفلوس؟ تصرفها على إياهن؟ ~~- أنا أحب المتعة، ولكني صاحب أولاد وقد فكرت جيدا. ~~- ماذا ستفعل؟ ~~- سأعطي الفلوس كلها للأمير، وإن شئت أن تطمئن علي فسلمها أنت ~~له. ~~- وبعد. ~~- سيضعها في أحد مشاريعه وسيعطيني مرتبا شهريا أكبر من ريع الأرض ~~خمس مرات، وآخر السنة يعطيني بقية أرباحي، ويبقى رأس المال كما هو، ~~وحتى يزداد اطمئنانك سيضع المال باسم وليد وسمية بالنصيب ~~الشرعي. ~~- وهو كذلك. ~~- كم يستغرق بيع الأرض؟ ~~- لو كان غيري الذي يبيع لاستغرق بيعها شهورا قد تصل سنوات، أما أنا ~~ففي مدى شهر واحد سأكون قد بعت الأرض. # وأنفذ سباعي وعده، وكان الأمر ميسورا بالنسبة إليه فقد أمر كل ~~مستأجر في الأرض أن يشتري الأرض التي يزرعها، ولم يبالغ في الثمن وسارع ~~المستأجرون يشترون فقد كانوا على ثقة أنهم لن يحصلوا على هذه الأرض ~~تطبيقا لقانون الإصلاح الزراعي، الذي سمح للمالك أن يستبقي مائتي فدان ~~إذا لم يكن له أبناء وثلاثمائة إذا كان أبا، وشعبان أب، وأين مائة ~~وأربعون من ثلاثمائة؟ ولم يكن عسيرا على المستأجرين أن يحصلوا على ~~أثمان الأرض؛ فمن لم يكن منهم ميسورا كان يسيرا عليه أن يستدين ~~المبلغ أو يتقاسم الأرض مع ميسور، على أن يسدد هو ما عليه على مدى ~~الأيام. # باع سباعي الأرض جميعا، وأبلغ شعبان بأن ثمن الأرض جميعه معه، وقال ~~شعبان في فرحة: يعمر بيتك. ما رأيك؟ الأمير هنا هذه الأيام سأدعوه ~~للغداء عندك بعد غد، وسيتم كل شيء أمامك. ~~- وهو كذلك، يا مرحبا. # وتم الأمر كما رتبه شعبان، وأصبح شعبان لا يملك قيراطا واحدا من ~~الأرض. ~~••• # كان سباعي قد انضم إلى التنظيمات السياسية الجديدة، ولهذا لم يكن ~~عجيبا أن ترشحه الحكومة في دائرة عز الدين الخولي. وبدأت ~~الانتخابات، وطلب صلاح أن يأتي إلى البلدة ليكون مع أبيه ms51 أثناء مروره ~~بالدائرة. وأحب سباعي أن يشهد صلاح أباه والناس تهتف باسمه والخطب ~~تلقى في مديحه. وجاء صلاح ورأى عجبا، رأى أباه يمر بالدائرة ولكن ~~محوطا دائما بالسلاح يشهره أبو سريع ورجاله، ورأى في نقاء صباه أن ~~الناس تهتف ولكن العيون والوجوه لا تهتف. وسمع الخطب تلقى ولكن ~~الخطباء يتكلمون مذعورين؛ فالأوجه منهم باسرة وعلى الجبين منهم حسرة، ~~وفي أصواتهم رنين المقهورين من الرجال فعل المغلوب على أمره، لا ~~اختيار له. # قليلا ما بقي. وعجب أبوه ألا يفرح صلاح بما يرى، واستبعد أن يكون ~~قد وصل ببصيرته إلى خفايا النفوس. وما كان يتصور أن الروح الشفيفة ترى ~~من الأشياء ما تخطئه العيون. وحزر أن يكون أحد قد هجس في أذن صلاح ~~بجبروت أبيه، ولكنه استبعد هذا الحزر أيضا؛ فمن ذاك الذي يجرؤ على أن ~~يقدم على هذه الهمسة. إذن فلماذا يطلب صلاح أن يعود إلى ~~القاهرة؟ ~~- ورائي مذاكرة. ~~- ألا تريد أن تنتظر حتى تعرف النتيجة؟ ~~- المرشح الآخر واضح الضعف، وأنا واثق من نجاحك. # وسافر صلاح عائدا إلى القاهرة وفي نفسه الكثير مما لو أراد أن ~~يعبر عنه لما استطاع. إنها مجرد مشاعر. إن حاول أن يسأل سته أو ~~عمه أو عمته فإنهم جميعا سيطلبون إليه ألا يفكر في هذا الذي يغشي ~~ظنونه. وكيف لأم أو لأخ أو لأخت أن يشوهوا ابنهم أو أخاهم أمام ~~ابنه؟ # طوق نفسه على ما بها وصمت، ولكن نفسه أبت عليه هذا الصمت، قال ~~لعمر: يا أخي، سبحان الله! هناك شيء في البلدة لا أعرف كيف أقوله ~~... ~~- ماذا؟ ~~- الناس تخاف من أبي. ~~- وماذا في هذا؟ ~~- الكلام معك لا يجدي. # وانتظر فرصة في فسحة الظهيرة وذهب إلى زوج عمته؛ فقد أصبح هو وعمر ~~تلميذين في المدرسة نفسها التي يعمل ياسين مدرسا بها. وكان صلاح يحس ~~نحو ياسين بنوة صادقة يمازجها إعجاب شديد؛ فقد استطاع ياسين أن يرسي ~~في نفسه حب الله والطمأنينة إليه بما علمه من الدين، وما حببه في ~~القراءة وفي كل المعاني التي أصبح صلاح ms52 يجد فيها سموا وقربا من ~~السماء، كما استطاع أن يجعله يحب أن يذاكر لا للنجاح ولكن للعلم. وإن ~~كان صلاح في سنه هذه الباكرة المتشوقة في مطالع الشباب الأولى إلى ~~الغد لا يستطيع أن يقدر فضل ياسين عليه بالعقل والمنطق، إلا أنه كان ~~يشعر بهذا الفضل بنقاء هذه السن التي تتمازج فيها الطفولة مع ~~الشباب. ~~- عم ياسين، أريدك في كلمة. # وكان ياسين في حجرة المدرسين فقال: تعال، وقل. ~~- لا، إذا سمحت، نتمشى في الفناء. # ورأى ياسين على وجه الصبي الذي رباه خلجات لم يشهدها عليه قبل ~~اليوم فقام إليه، وقال صلاح في لجلجة: لا أعرف كيف أبدأ، ولكن أنا لم ~~أكمل الانتخابات مع أبي. ~~- أعرف ذلك، وحسنا فعلت حتى لا يفوتك شيء من الدراسة. ~~- هذا ما قلته له، ولكن ليس هذا ما جعلني أترك المعركة ~~الانتخابية. # وصمت ياسين قليلا، ثم قال: الحق أنا دهشت لهذا الذي فعلته؛ ~~فالشباب في سنك يحبون هذه المعارك ويسعون إليها، فما الذي جعلك ~~تترك هذه المتعة؟ ~~- كانوا يهتفون لأبي، ويلقون له الخطب، ويدقون الطبل ~~والمزمار. ~~- ألم يسرك أن تجد أباك محبوبا؟ ~~- هذا هو ما أرجعني. ~~- ألا تحب أن تراه محبوبا؟ ~~- بل لا أتمنى شيئا في حياتي قدر أن يكون أبي محبوبا. ~~- ألم يكن ما رأيته علامات الحب؟ ~~- بل هو علامات حب. ~~- إذن؟ ~~- علامات غير صادقة، رأيت في العيون خوفا، ورأيت في القلوب ~~رعبا. لم يكن الحب هو الذي رأيته. # وأطبق الصمت بين المتحدثين تماما. أما ياسين فلا يدري ماذا يقول. ~~أيقول إنه انقطع عن الذهاب إلى البلدة حتى لا يسمع ما يصنعه نسيبه ~~بالناس؟ أيروي لهذا الفتى الغض كيف جمع أرضه وهو لم يرث عن أبيه إلا ~~عشرها تقريبا؟ وما ذنب صلاح فيما صنع أبوه؟ ولكن هو يعرف منزلته عند ~~صلاح ولا يحب أن تهتز هذه المنزلة. من أجل مستقبل صلاح نفسه لا ينبغي ~~أن تهتز هذه المنزلة. وإذا كذب عليه اليوم فهو في غد سيعرف الحقيقة، ~~فكيف ستكون نظرته إليه؟ ربما يدرك ويقدر، ولكن ms53 إذا أحس أن أستاذه ~~وزوج عمته الذي كان منه دائما بمكان الوالد يكذبه فمن يصدق إذن؟ ~~وأين ينشد الصدق إذا لم ينشده عند الإنسان الذي يعتبره بغريزته ~~الصافية أباه الروحي؟ ولماذا لم يوجه هذا السؤال إلى عمته؟ بل لماذا ~~تحرى أن يأخذ في هذا الحديث معه في المدرسة، وهو قادر دائما أن ~~يحادثه في البيت الذي يعتبره بيتا ثانيا له؟ أو لماذا لم يسأل ~~جدته أو عمه؟ لقد خشي أن يحرج أحدا منهما، والوحيد الذي ألقى ~~إليه بثقته هو أنا. # وتقبل صلاح الصمت الطويل، متصورا أنه لم يستطع أن يحسن البيان ~~عما يجيش بصدره. وأخيرا تكلم ياسين: صلاح، اسمع، إنك غير مسئول عن ~~أبيك. ~~- ولكنه مسئول عني. ~~- ولكنك غير مسئول عنه. ~~- ولكن الناس تنسبني إليه، وأنا ابنه فعلا. ~~- هذا يجعله مسئولا عن الإنفاق عليك، ولكن حين تخرج إلى الحياة ~~ستكون وحدك في مواجهتها؛ فهي لن تعرف إلا أنت. وإني أراك تحسن إعداد ~~نفسك لمواجهتها، وحينئذ لن يقول الناس من أبوه، وإنما سيعاملونك مع ~~موقفك منهم، ومع موقفك من الحياة، ومن البشر ومن الإنسانية. وحينئذ ~~يصبح أبوك أيضا وهو غير مسئول عنك. إنه لم يقصر في شأنك. ~~- وهل المسئولية مال فقط يا عمي ياسين أفندي؟ ~~- إنه اطمأن أنك معي، وأني أحسن القيام بشأنك، وأنا لحسن حظه أو ~~لحسن حظك مدرس أيضا، والتعامل مع الناشئين هو صناعتي وليست ~~صناعته. ~~- اسمع يا عمي ياسين أفندي، إنك أجبت أحسن إجابة وإني أشكرك، ولقد ~~قلت أكثر مما توقعت أن أسمعه منك. لن أفتح هذا الموضوع معك مرة ~~أخرى. # ودق جرس المدرسة، وذهب المدرس إلى مكان المدرس والتلميذ إلى مكان ~~التلميذ. # توفيت نبوية، واتصل خليل بأخيه، وأخبره. ~~••• ~~- سأقيم المأتم، وأنتظركم. ~~- لا تقم المأتم. ~~- ماذا؟! كيف؟! ~~- لقد طلبت أن يكون العزاء فيها أمام بيتي. ~~- أمرها، أجيء فورا. ~~- بل انتظر. ~~- ماذا؟! ~~- لقد طلبت أيضا أن تدفن إلى جانب أبي، فأعد مكانها وتعال ~~لتتقبل العزاء. ~~••• # حدث انفصال سوريا. وصدرت القوانين في مصر بمصادرة شركات وأموال. ~~وهكذا فقد خليل أغلب ms54 أمواله؛ فقد كان يضع كل ربحه من الطب في الأسهم ~~شأن أغلب الأطباء. وكان رأيهم أنهم ليسوا فلاحين، وأن عملهم في ~~العيادات وفي المستشفيات لن يسمح لهم أن يباشروا أرضهم حتى ولو كانوا ~~من هواة الزراعة، فإذا أرادوا أن يبنوا عمارات فهم قد رأوا ما حل ~~بأصحاب العمارات من أهوال، فلم يكن أمامهم إلا الأسهم تعطيهم عائدا ~~دون أن تتطلب منهم مباشرة، ودون أن تعرضهم لما يتعرض له أصحاب ~~الأملاك كافة، أرضا كانت هذه الأملاك أو كانت عمارات. # وهكذا لم يبق للدكتور خليل إلا أوشال، وضاع عليه جهد السنين ~~الطويلة التي عاناها، والتي كان يأمل أن يجد فيها موئلا حين يفكر ~~ابنه وهدان في الدراسة بالخارج، أو حين يأتي اليوم وتتزوج ابنته ~~نبوية. # سبحانك يا رب! أهذه هي العدالة الاجتماعية؟ أخي الذي جمع ماله بهذه ~~الوسائل لا يمسه شيء وأنا الذي جمعت مالي بما يرضيك أصاب بهذه ~~المصيبة؟! ولكنه سرعان ما نفض عن نفسه هذا الخاطر. إن الله عادل والذي ~~أنزل بي هذا الخراب بشر من البشر. ولا يجوز لي أن أنفس على أخي أنه ~~لم يمس، ولكنها هواجس نفسي وليس لي فيها حيلة. الأمر لله من قبل ~~ومن بعد. # أما فاطمة وعابدة فقد أصابتهما القوانين في دخلهما، ولم تصبهما في ~~رأس المال؛ فقد كان بطبيعته أقل من الحد الأدنى الذي أعفاه ~~القانون. # ولكن المصيبة الحقيقية هي تلك التي نزلت بعد أيام بقدرية زوجة ~~سباعي الذي أصبح عضوا بمجلس الأمة؛ فقد صدر قرار بمصادرة أموال أبناء ~~المرحوم عز الدين الخولي وابنته. ونزل القرار بسباعي فاجعة قاصفة. ~~وراح يطرق الأبواب بكل الوسائل التي يستطيعها ولكن هيهات! لا ~~سبيل. # ليس عجيبا أن يكون سباعي وحده هو الذي أحس بهول الكارثة؛ فقدرية ~~لم تكن تدري عن الأرض شيئا، وهي تعيش في حمى زوجها وتعلم أن شيئا ~~لن ينقصها، وما كانت مطالبها تزيد عما تحتاجه حياة طيبة ليس فيها هوان ~~وليس فيها أي بذخ. أما المشاعر التي كان من المفروض أن تشترك فيها مع ms55 ~~زوجها فهي لم تكن موجودة بينهما في أي شيء حتى تجمع بينهما في هذه ~~الكارثة. وبلطف من الله كانت قدرية تحس أن غنى ابنها صلاح لن يكون ~~بمال أبيه، وإنما بعلمه الذي ظل متفوقا فيه دائما. وهو في هذا العام ~~مقبل على امتحان الثانوية العامة، وهي تريد أن يكون الصفاء مخيما ~~على البيت حتى لا تتأثر نفس صلاح بأي عامل خارجي. # أما صلاح فلم يكن يعرف عن أرض أبيه شيئا، وإنما هو مشغول بالعلم ~~وبالقراءة وبالشباب وبصداقات في المدرسة. يريد أن ينسى ما وسعه ~~الجهد ما رأى من خوف الطبالين والزمارين والهاتفين لأبيه وأصحاب ~~الخطب التي كانوا يلقونها في مدحه، وقد وجد بغيته بالإقبال بالحياة ~~على الحياة. وألقى نفسه في دفاعها يتعلمها منها، ومما يكتب ~~الكتاب، ومما يؤلف الفنانون في الموسيقى والرسم. ومن التاريخ ~~الذي كان يعتبره السيرة الذاتية للحياة، كتبها عنها أبناء لها، منهم ~~الصادق ومنهم المتحمس الذي يميل به تحمسه عن الصدق إلى الهوى. ~~وكان يحلو له أن يرى تصارع هؤلاء المتحمسين، ويرى كلا منهم وهو ~~واقف على طرف قصي من أطراف الحقيقة. وعرف صلاح التيارات الدينية ~~والتيارات الملحدة. # وناقش كل الآراء مع عمه ياسين، وكان يقبل رأيه حينا ويرفضه أحيانا، ~~ولكنه كان يحترم الرأي وصاحبه دائما. # وحين صودرت أموال أمه كان يدرك أن هذا لن يؤثر على حياته في ~~شيء، ولم يكن يهمه إلا أن تظل حياته كما هي حتى يتم تعليمه، ثم يتفرغ ~~بعد ذلك لما يحاول أن ينساه مما رآه في الانتخابات؛ فموقفه الذي اتخذه ~~بالتباعد عما رآه في الانتخابات وعما استشفه من حديث ياسين لم يكن ~~الموقف النهائي له، وإنما كان موقف الذي يؤجل المواجهة إلى اليوم الذي ~~يستطيع فيه أن يواجه وهو قادر؛ حتى تكون للمواجهة يومذاك قيمة، ولا ~~تكون مجرد احتجاج كاحتجاجات هيئة الأمم. # ولم تكتف الأيام بهذه الصاعقة تنزلها بسباعي بل نزلت به صاعقة ~~أخرى؛ فقد صدر أمر بترحيل أبو سريع إلى جبل الطور مع المجرمين الذي ~~يخشى على الأمن منهم ms56 . وراح سباعي يبذل مساعيه للإفراج عنه، وفي هذه ~~المرة نجح سعيه، وعاد أبو سريع إلى البلدة، وأمر سباعي فاستقبله الطبل ~~والزمر والفرح، ولكن ما هي إلا أيام لا تصل إلى الشهر حتى جاء النبأ ~~لسباعي أن أبو سريع قتل وهو عائد في الليل من البندر. وحاول سباعي أن ~~يتماسك وجعل سلام كبير مجرميه بعد أبو سريع، ولكن أين الوشل من ~~الغمر، وأين التلميذ من الأستاذ؟ # | الفصل الرابع عشر # التحق صلاح بكلية الحقوق، وقد انتسب إليها عن رغبة وليس بإرغام من ~~المجموع؛ فقد كان مجموعه يؤهله لأي كلية يختارها. وهناك تعرف ~~بأصدقاء جدد، إلى جانب من التحق معه بالكية من زملاء دراسته ~~الثانوية. وكانت معه في نفس السنة عديلة، أعجب بها منذ وقعت عينه ~~عليها. وما أيسر ما عرف اسمها عديلة عبد الغني الزاهد! ولكن في زحام ~~الطلبة لم يكن يعرف عن أبيها شيئا إلا اسمه. أما وظيفته، أما بلدته، ~~ولكن ماذا يهمني من وظيفته أو بلدته؟ وماذا يهمني أيضا من عديلة؟ إنها ~~جميلة وفقط، وأنا لست قادما إلى هنا لأحب فللحب أمكنة أخرى، ولكن ~~البنت حلوة، وحلاوتها جعلتني أعرف اسمها والأمر عندي ينتهي إلى هذا ~~الحد. # ولننظر بعد ذلك في أمر هذه الكلية التي تحمل اسما من أشرف أسماء ~~التاريخ، الحق وهو اسم من أسماء الله الحسنى. وإن من أسمى معاني الحياة ~~أن يعرف الإنسان الحق، ويقف عنده. ترى لو لم تحدث لي هذه الحادثة ~~التافهة في أول سنة لي في المدرسة الإعدادية أكنت انتسبت إلى كلية ~~الحقوق؟ من يدري؟ لماذا لا تريد هذه الحادثة أن تفارقني؟ أهي حادثة؟ ~~إنها واقعة صغيرة، ولكنها في حياتي كانت حادثة، بل هي الحادثة الوحيدة ~~التي ارتكبتها، لماذا لا تريد أن تبارحني؟ كان ياسين أفندي يدرس لي ~~القرآن في الليلة السابقة على هذه الحادثة، وكان يشرح لي أن السرقة ~~حرام، وأن الذي يسرق يعاقبه الله. وفي اليوم التالي كان علينا حصة ~~حساب بعد الفسحة مباشرة، وبدون أي مناسبة ذهبت إلى الفصل قبل أن ~~يدق ms57 جرس الحصة، وجلست إلى الدرج أعيد النظر في واجب الحساب ووجدت ~~زميلي عبد التواب تاركا قلم حبر على درجه. القلم رخيص كل الرخص، ~~ولكنني قلت في نفسي سأسرق هذا القلم وأرى إن كان الله سيعاقبني أم لا. ~~وبفكرة السرقة وحدها أخذت القلم. ربما لو كنت أخذته دون تفكير في ~~السرقة كان الأمر قد اختلف، وإنما أنا استوليت عليه بقصد السرقة ~~وأعلنت هذا النفسي. وبدأت أوضح بالقلم أرقام مسألة حسابية من ~~مسائل الواجب، أمر عجيب! القلم جديد، فما هذا الذي حدث؟ كيف انكسر دون ~~أي ضغط مني عليه ثم انتثر الحبر منه على الواجب كله حتى لم يبق في ~~الصفحة مكان لم ترتم عليه بقعة حبر؟ أكل هذا الحبر كان في هذا القلم ~~الصغير؟ # عرفت الحياة بعد ذلك، وعرفت أن الله لا يعاقب كل السارقين من الحياة ~~في الحياة، وإنما عقابهم في الآخرة. وجعلتني هذه المعرفة أوقن أن ~~الله يرعاني بعنايته، وأنه أنزل بي العقاب عند أول سرقة لي. وهو وحده ~~يعلم أي طريق كنت سأسير فيه لو لم يردعني في بادرتي الأولى. أم ترى ~~من حقي الآن أن أقول في حادثتي الأولى والتي أصبحت أخيرة؟ # أهذا ما جعلني أختار كلية الحقوق؟ إن الذين انتسبوا إليها معي عن ~~اختيار قلة نادرة؛ فأغلب زملائي فيها رمى بهم إليها المجموع. لماذا؟ ~~لماذا يرفضون الالتحاق بكلية الحقوق؟ أترانا أصبحنا في زمن لا حقوق ~~فيه؟ هل ضاع في زماننا حق الله وحق الوطن وحق الأسرة وحق الناس؟ وإلا ~~فما انصراف الشباب عن كلية الحقوق لا يلتحقون بها إلا مرغمين؟ # ربما جعلني هذا أتفوق في دراستي، ولكن هل التفوق على الضعاف قوة؟ ~~ليس النجاح في الكلية إذن هو المهم. إنما يوم أكون محاميا أو وكيلا ~~للنيابة وأتفوق على الظلم وعلى الجشع وعلى نفسي. يومئذ أستطيع أن ~~أدعي لنفسي أنني تفوقت. ~~••• # كان صلاح حريصا على أن يزور عمه كل فترة وكان يجد منه لقاء رحبا. ~~وقد حرص أن يذهب إليه بعد القوانين التي أتت على الجانب الأكبر ms58 من ~~مدخراته، وفرح بعمه وهو يجده يقوم بعمله في العيادة وكأن شيئا لم ~~يكن. ~~- المصيبة يا صلاح ليست في حجمها وإنما في الحجم الذي تحس به أنت ~~وفي المكان الذي تنزلها فيه من نفسك. وقد علمتني مهنتي أن أرى ~~الناس. وجدت بعض المرضى مصابا بالإنفلونزا وهو مع ذلك هالع مرعوب ~~كأنما هي كارثة الكوارث. ووجدت آخرين من ذوي العقول الناضجة والعلم ~~الواسع والإيمان الراسخ مصابين بأمراض تجعل الموت إليهم أقرب من حبل ~~الوريد، ومع ذلك كنت أجدهم كالجبال الرواسي لا يحركها شيء؛ بل وجدت ~~من هو سعيد فرح أنه سيلاقي ربه، فما المال يا بني؟ أنا الذي جئت به، ~~وأنا القادر على أن أجيء به مرة أخرى. وإنما قل لي: ما الذي جعلك ~~تأتي وقد اقتربت من امتحان الثانوية العامة؟ ~~- أحببت أن أطمئن عليك. ~~- لفتة عظيمة منك هذه يا أبو صلاح، أنت مصمم على الحقوق؟ ~~- إن شاء الله. ~~- حين تعرف أساتذتك أخبرني عنهم فإن لي أصدقاء كثيرين في ~~الكلية. ~~- وماذا أريد منهم؟ ~~- أعرف همتك، ولكن تعرفك بهم يجعلك تقصد إليهم في غير حرج إذا ~~أردت شرح شيء أو التوسع في موضوع، على كل حال التعرف بالأساتذة ~~ينفع ولا يضر. ~~- فعلا، حاضر، سأخبرك بأسمائهم، ولكن أين أنا من أسمائهم وأنا لم ~~أمتحن بعد في الثانوية العامة؟ ~~- نجاحك مضمون، وحتى أكون أكثر تأكدا تفضل بالذهاب إلى ~~المذاكرة، ولا أراك إلا بعد الامتحان. وأرجوك بل آمرك أن تأتي إلي في ~~اليوم الأخير من الامتحان لأطمئن. ~~- حاضر. ~~- قبل سفرك إلى الإسكندرية. ~~- حاضر. # ولم يستطع صلاح أن يجد عمه في العيادة يوم انتهى من الامتحان، وسافر ~~إلى الإسكندرية، وعرف النتيجة، والتحق بالكلية، وعرف أسماء الأساتذة. ~~وأحس أنه تأخر عن زيارة عمه، فقصد إليه بعد أسبوع من الدراسة ~~كان مشغولا فيه بالتعرف على الحياة الجامعية الجديدة عليه. # ماذا يدبر القدر؟ ما الذي أتى بعديلة هنا؟ ومن هذا الذي بجانبها؟ ~~أيسلم عليها؟ وكيف؟ إنها تعرفه فقد رأته مدة الأسبوع كله وهو ~~يحملق فيها. جمع أطراف شجاعته: مساء ms59 الخير يا آنسة عديلة، أنا زميلك ~~صلاح سباعي وهدان. ~~- مساء الخير، أهلا وسهلا، هذا أبي. # وقال الأب وهو يحاول أن يرغم نفسه على تقبل الأوضاع الجديدة ~~للشباب: أهلا يا بني، مساء الخير. # وأبى صلاح أن يفوت الفرصة: خيرا، ماذا تفعلين هنا؟ ~~- أبي متعب قليلا. ~~- وهل البك الوالد من زبائن الدكتور خليل؟ # قال الأب في اختصار من يريد أن ينهي الحديث: نعم. # وقال صلاح في دهشة: هذا شرف لنا كبير. # ودهش الأب لحظة ثم قال: ما اسمك قلت؟ # وابتسم صلاح وقال: نعم، وهدان جدي هو والد الدكتور خليل ~~وهدان. # وابتسم الأب، وأحس بنوع من هدوء بعد بوادر ثورة من غضب: أهلا ~~يا بني، ونعم الناس. أنا أعرف عمك منذ بدأ اشتغاله بمهنة الطب. كنت ~~أنا موظفا صغيرا لا أحتمل أجر الدكاترة الكبار، ودلني عليه أحد ~~الزملاء. ونعم الناس يا بني. ~~- سلامتك يا عمي. ~~- والله يا بني الكبد. # ووجد صلاح نفسه قد نجح نجاحا باهرا؛ فليس أحب للمريض من أن يروي عن ~~مرضه ويجد من يسمع له. # | الفصل الخامس عشر # لو ترك سباعي مقتل أبو سريع يمر دون أن يهتم به اهتمام الإنسان على ~~خاصة حياته لكان معنى هذا قاصما بالنسبة له؛ فإن هذا يحمل في طواياه ~~تهديدا مباشرا لسباعي. والقاتل يعلنه أنك لست عنا ببعيد، نقتلك حين ~~نشاء؛ فحياة سباعي إذن أصبحت أسهل شيء منالا، ولم يكن سباعي يحب أن ~~يموت. والأمر الذي لا شك فيه أن مقتل أبو سريع ضياع لهيبة سباعي، ~~وإعلان أنه لم يصبح مرهوب الجانب في المنطقة. # سارع سباعي إلى المأمور: أرى أنكم لم تهتموا بالبحث عن قتلة أبو ~~سريع. # وكان المأمور يعرف كل شيء عن سباعي وصلة أبو سريع به، فقال له في ~~جفاء صريح: هذا ليس من شأنك. ~~- أنا عضو مجلس أمة، ومن واجبي المحافظة على الأمن. ~~- الظاهر أن سيادتك لا تعرف واجبات وظيفتك وحقوقها. ~~- نتعلم من سعادتك. ~~- بل ويعلمك تلامذتي يا سيد سباعي؛ فالذي أعرفه عن مدى ثقافة سيادتك ~~يسمح لتلامذتي أن يعلموك. ~~- أنا ms60 عضو مجلس أمة. ~~- هذا لا يدل على ثقافة. ~~- وابني طالب في كلية الحقوق. ~~- وهذا أيضا لا يدل على أن سيادتك مثقف. ~~- إذن؟ ~~- إذن فيجب أن تعلم أن وظيفة عضو مجلس الأمة داخل مجلس الأمة فقط ~~وليست خارجه، وأن المحافظة على الأمن من اختصاص وزارة الداخلية فقط. ~~وإذا رأيت علينا إهمالا فتستطيع أن تتقدم بسؤال أو استجواب داخل مجلس ~~الأمة، ولكن الصلة الرسمية بيني وبينك مقطوعة تماما. # كارثة أخرى، لم يكن رجال الداخلية يكلمونه بهذا الجفاء، وهو أشد ~~ما يكون حاجة إلى هؤلاء الرجال. وإن يكن سباعي الذي طغى وتجبر قد صار ~~متعودا أن يقول فلا يناقشه أحد، فإن سباعي الذي قبل يد سليمان ~~النواوي ما زال في داخله؛ فإن المجرم البعيد عن الحق هو مع جبروته أشد ~~الناس هلعا إذا واجهه الحق أو واجهته السلطة. والرجل الذي ينافقه ~~الجبناء خوفا من بطشه هو أكثر الناس خبرة بالنفاق إذا اقتضى الأمر منه ~~نفاقا. # وأحس سباعي من كلام المأمور المستخف كل الاستخفاف بمنصبه في ~~البرلمان أن الحكومة تريد أن تؤمم الإجرام كما أممت الشركات ~~والأرض، إنها حكومة لا تريد أحدا أن يسرق أو يقتل أو يذل الناس غيرها ~~هي. هي وحدها صاحبة الحق في السرقة والقتل والإذلال. وهي لا تريد أن ~~تراعي زملاءها من الأفراد، وإلا فما لهذا المأمور يخاطبه بكل هذه ~~الاستهانة! # وهكذا لم يكن عجيبا أن يتصاغر سباعي فإذا هو قطيطة مذعورة. وما ~~أسرع ما قال: ومن قال يا سعادة البك إنني قصدت إليك بصفة رسمية؟ ~~ومن قال يا سعادة البك إنني لا أحب أن أتعلم منك ما لا أعلمه؟! أنت ~~راجل سمعتك مثل المسك وحياة النبي، والمديرية كلها تحبك، وتعمل لك ~~ألف حساب. ~~- يا سيدي كتر خيرك، ما دام الأمر كذلك فأنا أقول لك ما تشاء عن مقتل ~~أبو سريع. أعداء أبو سريع كثيرون، وهو كما تعلم جيدا مجرم ~~محترف. # وضغط المأمور بقوة وهو يقول كلمة «جيدا»، وأصابت الكلمة موضعها ~~تماما من كيان سباعي، وأكمل المأمور حديثه: له عند ms61 الكثيرين ثأرات، ~~وما أكثر ما قتل وما أكثر ما سلب ونهب! ولذلك فإننا في هذه الحالات ~~نعلم علم اليقين أن البحث عن قاتله والعثور عليه أمر يوشك أن يكون ~~مستحيلا. قد يكون القاتل أحد رجاله أنفسهم فالذي يقتل مرة يسهل عليه ~~أن يقتل لأقل سبب. قد يكون أساء إلى سلام مثلا فقتله سلام، أو قد ~~يكون سلام طامعا أن يحل محله في رئاسة العصابة كما حصل. # وقال المأمور الجملة الأخيرة في تؤدة وفي تفصيل واضح فيه القصد ~~الذي يهدف إليه. وأدرك سباعي الإشارة، أولاد العفريتة هؤلاء لا تخفى ~~عليهم خافية! # وأكمل المأمور كلامه: ولهذا فقد قمنا بكل التحريات الممكنة، ولم نصل ~~لنتيجة؛ لأن الذين نسألهم واحد من ثلاثة؛ إما لا يعرف شيئا وهذا طبعا ~~لن نأخذ منه حقا ولا باطلا. وإما يعرف وفرحان، وهذا أيضا سيبالغ ~~في إخفاء ما يعرفه، ولا أمل لنا فيه. وإما يعرف وخائف من القاتل أن ~~يقتله، وهذا لا حيلة لنا معه، فإذا كنت سيادتك تعرف شيئا وتريد أن ~~تمدنا به أكون شاكرا. ~~- شيئا! مثل ماذا يا حضرة المأمور؟ ~~- مثل أبو سريع قتل من؟ اغتصب مال من؟ حرق غيط من؟ هذه المعلومات، ~~ستنفعنا كثيرا. # يا نهار أسود من الحبر الكوبيا! هذا الرجل يريدني أن أقول إن أبو ~~سريع قتل متولي أبو منصور، وأحرق غيط حسن ابن عبد الحميد أبو ديدة، ~~وهدد سليمان النواوي، والسؤال التالي من الذي استفاد من هذه الجرائم، ~~وأروح أنا في ستين مصيبة! أنا غلطان من الأول أن جئت لهذا الداهية. ~~تنبه سباعي إلى ما يحيط به، فوجد نفسه على شفا أن يكون متهما، وهو ~~الذي جاء ممتلئا بالكبر ليعلم الداخلية واجباتها. قال للمأمور: وهل ~~تظن سعادتك أنني أعرف شيئا وأخفيه؟ ~~- من جهة أظن، نعم أظن، ولكن للأسف لا دليل عندي على الإطلاق. ~~- ومن أين هذا الظن؟ ~~- هذا علمنا يا سيد سباعي، أن نبدأ بالظن. # مصيبة سوداء! الرجل يهددني تهديدا صريحا، لا، القيام أحسن حاجة ~~أعملها الآن. ~~- الحمد لله يا سعادة المأمور أنك ms62 تظن فقط، وستعرف مع الأيام أنك ~~لست محقا في ظنك. ~~- هذا ما أرجوه يا سيد سباعي؛ لأن الظن في أعضاء مجلس الأمة الذين ~~رشحتهم الحكومة وعملت على نجاحهم أمر لا نحبه نحن العاملين في ~~نفس الحكومة. ~~- ربنا يديم المودة يا سعادة البك. ~~- هي دائمة طالما أنت مع القانون ولست ضده يا سباعي. ~~- أستأذن أنا. ~~- مع ألف سلامة. # لا أمل له إذن أن يعرف قاتل أبو سريع من الجهات الرسمية، لم يبق ~~أمامه إلا تحرياته الخاصة وقد بدأها فور عودته. ~~- سلام، أليس بينك وبين أبو سريع عيش وملح؟ ~~- وعيش ودم وحياتك يا سعادة البك. ~~- فكيف تترك قاتله بغير عقاب؟ ~~- أعرفه ويموت قبل أن تطرف عينه. ~~- أليس من واجبنا نحن أن نعرفه؟ ~~- وما له! نبحث. ~~- في البلد هنا أولا، شف لي أين كان حسن ابن عبد الحميد أبو ديدة، ~~وأين كان شاكر وعبد التواب أولاد متولي أبو منصور، وأين كان سليمان ~~النواوي. طبعا هو لن يقتل بيده، وإنما اعرف لي من زاره أو هو زار ~~من. ~~- يا سعادة البك، سليمان لا يخرج من الدار مطلقا. ~~- اعرف لي من زاره. ~~- أمرك. # أما حسن أبو ديدة فهو منذ اغتصب منه سباعي الأرض لا يبرح دكانه ~~يحاول أن يعوض بالعمل ما ضاع من ريع الأفدنة. وقد اشترى بثمن الأرض ~~حجرة بجانبه وفتحها على الدكان فاتسع المكان، وما إن بلغ ابنه ~~الأكبر عبد الحميد السن التي يستطيع فيها أن يتعلم الصنعة حتى ~~أجلسه معه وراح يعلمه الخياطة بكل ما يملك من مهارة. كان الطفل ~~ذكيا واستطاع أن يكون تلميذا موفقا لأبيه، وفي نفس الوقت أرسل ~~ناصح ابنه الأصغر مع ابنتيه إلى الكتاب. وحين أتم ناصح حفظ القرآن ~~أرسل به إلى الأزهر الشريف حتى يستطيع أن يفي بنفقاته إلى نهاية ~~التعليم. # وكان عبد الحميد الابن الأكبر جالسا في الدكان حين جاء مرسي ~~الشحات أحد رجال سلام ومعه قطعة قماش: أين أبوك يا ولد؟ ~~- ما ولد هذه؟ أكنت خادم أبيك؟ ~~- يا سيدي ولا مؤاخذة. أين أبوك يا سي ms63 عبد الحميد؟ ~~- ومن غير سي. عبد الحميد كفاية. ~~- نهارك أسود! أين أبوك يا عبد الحميد؟ ~~- في البيت. لماذا تريده؟ ~~- أما عجيبة! هو ترزي وأنت شايف في يدي قطعة قماش، فيم سأريده؟ ~~ويقولون عنك ناصح! ~~- ناصح أخي. ~~- طيب يا سيدي. يقولون عنك فالح. ~~- أنا اسمي عبد الحميد. ~~- اسمع يا بني، لو قابلت كل الزبائن بهذه الصورة فالمؤكد أنك أنت ~~وأبوك وإخوتك لن تجدوا قوت يومكم. يا أخي قل لي: أين أبوك؟ # وخرج عبد الحميد من باب البيت المفتوح على الدكان. ~~- حاسب على الوليد يا مرسي، وهل هو قدك؟ ~~- أنت سامع الحديث؟ ~~- من أوله. ~~- ولماذا تأخرت؟ ~~- لم أتأخر، وإنما كانت في يدي قطعة قماش أنقعها، تحت أمرك. ~~- القطعة هذه اشتريتها من البندر. ~~- وما له! ألف مبروك. ~~- أريدها جلبابا على ذوقك. ~~- أول مرة تأتي إلي. طول عمرك تفصل عند عطية. ~~- أتلف لي الجلباب الأخير فأقسمت ألا أذهب إليه. ~~- أمرك يا سيدي، نفصلها لك. خذ مقاسه يا عبد الحميد. ~~- خذه أنت. ~~- وأنت لماذا لا تأخذه؟ ~~- يدي مشغولة. ~~- أمرك يا سيدي. أصل الزمن انقلب. تفضل يا سي مرسي. # وبدأ مرسي الحديث الذي جاء من أجله: المديرية مقلوبة على رجل. ~~- لماذا، كفى الله الشر؟ ~~- من أجل مقتل أبو سريع. ~~- هل عرفوا القاتل؟ ~~- أبدا. ~~- عجيبة! ~~- والأعجب أن كل حادثة مثل هذه نسمع كلاما، ربما يكون إشاعات كاذبة ~~إنما نسمع. أما هذه المرة ولا حتى سمعنا شيئا. ~~- الناس ملهية في مشاغلها. ~~- طول عمرهم مشغولون، ومع ذلك يحبون الكلام أكثر من عيونهم. في هذه ~~المرة لا حس ولا خبر. ~~- عجيبة! ~~- وأنت كيف عرفت بقتله؟ ~~- مع الناس. ~~- أين كنت؟ ~~- أنت تعرف أنني لا أترك الدكان مطلقا. ~~- يعني لم تسمع شيئا؟ ~~- نهائيا. ~~- طيب يا سيدي. شكرا. متى أستلم الجلباب؟ ~~- أعطني يومين فقط. ~~- وهو كذلك. السلام عليكم. ~~- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. # وانصرف مرسي، والتفت عبد الحميد إلى أبيه في غيظ: تفصل له ~~أيضا؟ ~~- يا ولد اعقل، وأفصل لأبيه أيضا. وأفصل لسلام إذا طلب مني ~~ذلك. ~~- ليس هذا غريبا عليك، ما دمت ms64 ضعفت أمام تهديدهم. ~~- يا عبد الحميد، يا ابني، تمزقني بسكين بارد كلما قلت ذلك. يا ~~ابني، أنا ليس لي أمل في الدنيا إلا أن أكون أمامك وأمام إخوتك رجلا ~~قويا. ~~- وهل يقبل القوي التهديد؟ ~~- غصبا عنه إذا هدده من هو أقوى منه. ماذا كنت تريدني أن ~~أفعل؟ ~~- اترك البلد. ~~- وهل لو كنت تركتها كنت سأحمل فداديني على كتفي؟ ~~- لا أعرف ماذا كان يجب أن تفعل. إنما المهم ألا تقبل ~~التهديد. ~~- أنت تعرف أنني حاولت فأحرقوا المحصول، وسرقوا البهائم، وكانت ~~الخطوة التالية أن يقتلوني. ~~- ولا عار الذل. ~~- ومن كان سيربيك أنت وإخوتك؟ أكنت أترككم تمدون أيديكم ~~للحسنة؟ ~~- كلما سمعت اسم سباعي زفت أو شفت أحدا من رجاله تركبني عفاريت ~~الدنيا. ~~- مصيرك تتغلب على العفاريت. إنما يا ابني خف الوطأة عني؛ فلا شيء ~~يقتل الأب مثل شعوره أن ابنه لا يحترمه. ~~- أنا فقط أشفق عليك. ~~- وهذه يا ابني أدهى وأمر! حسبي الله ونعم الوكيل. ~~••• # حين ذهب مرسي إلى سليمان النواوي قال له: كيف الصحة يا عم ~~سليمان؟ ~~- أهلا مرسي، عجيبة! ~~- ما العجيبة؟ ~~- الزيارة. ~~- قلت أطمئن على صحتك. ~~- أي صحة التي تريد أن تطمئن عليها؟ أنا أنتظر عزرائيل من سنوات، ولم ~~تحاول أن تطمئن على صحتي وعزرائيل هو الآخر تأخر في الوصول، تأخر ~~جدا يا مرسي يا بني. ~~- وفيم العجلة؟ ~~- حتى يعفيني من رؤيتك ورؤية أمثالك يا سي مرسي. اسمع يا بني أنا ~~عجزت نعم، ولكن عقلي كما هو رغم كل ما شفته في الحياة. أنت تريد أن ~~تعرف مني معلومات عن قتل المجحوم أبو سريع. وطبعا لا أنت تتصور ولا ~~سيدك ولا سيد سيدك أنني سأقتله. لم يبق إلا أن أسلط عليه، ولو كنت ~~أفكر هذا التفكير لفعلتها منذ استوليتم على أرضي. قم يا مرسي مع ~~السلامة، ولا تضيع وقتك، وابحث عن غيري. ~~- كذا؟! ~~- وهل هناك غير كذا؟ ~~- أمرك، سلام عليكم. ~~••• # كان شاكر وعبد التواب معا في الغيط، وقدم إليهما مرسي، ورآه شاكر ~~مقبلا عليهما من بعيد فالتفت إلى أخيه: يعني أخبطه ms65 بالفأس ~~وأخلص؟ # ونظر عبد التواب وهو يقول: من؟ آه! يا أخي اعقل. إنه قادم يظن أننا ~~لنا يد في قتل أبو سريع. اسكت أنت ولا تتكلم. ~~- لا أطيق. ~~- اسكت أنت وأنا سأريحك. ~~- السلام عليكم. # وقال عبد التواب وهو يعمل فأسه في الأرض وكأنه لا يراه: من غير ~~سلام، أبلغ سيدك أننا عندما قتل أبو سريع كنا في فرح هنداوي الجلطة ~~أنا وأخي، وأعطينا النقوط على ملأ الناس وألف شاهد يشهد على ذلك. مع ~~السلامة يا مرسي. ~~- يا سلام! أهكذا من غير أخذ ولا رد؟ ~~- وما لزوم الأخذ والرد وقد عرفت ما كنت جائيا من أجله؟ مع السلامة ~~يا مرسي. ~~- طيب يا سيدي. وهو كذلك. ~~••• # أدرك سباعي أن لا فائدة ترجى من بحثه، وانتهى به الأمر إلى اليأس ~~التام من العثور على القاتل. ولم يبق له إلا أن يكون هو على أهبة ~~تامة حذر الموت. وتولاه شعور بالرعب لم يعرفه حياته كلها. إن لحظة خوف ~~واحدة يصغر أمامها مال العالم كله وسلطان الدنيا بأسرها. وخالق ~~النفوس سبحانه هدد البشر بشيء من الخوف رحمة بعباده أن يبلوهم ~~بالخوف كله، فإن شيئا منه أدهى من الموت ومن الفقر وكل عذابات الدنيا. ~~ترى أيكون سباعي بهذا الرعب الذي يتغشاه قد كفر عن جرائمه؟ من ~~يدري؟ فالله وحده هو الذي يملك الغفران، وهو وحده الذي يعرف متى يستحق ~~عبده المغفرة يمنحها له أو لا يستحقها فيحجبها عنه. # فكر سباعي أن يقيم أغلب وقته في القاهرة ولكن ارتد عن هذا؛ ~~فالقاهرة واسعة وقد يقتل هناك في أي لحظة، ثم هو لا يستطيع أن يسير في ~~القاهرة وحوله هؤلاء الحراس الذين يصطنعهم هنا في البلدة. كل ما استطاع ~~أن يفعله أن يضع على بابه أضعافا مضاعفة من المراتج، وأن يزيد من عدد ~~الخفراء. وكان يظل طول ليله لا يغمض له جفن، وتظل آلة الإضاءة تعمل ~~لا تني ولا تنطفئ، بل لقد اشترى آلة أخرى لتضيء إذا أصاب العطب ~~الآلة التي تعمل. ولا يني طول الليل ينادي أسماء ms66 الخفراء الواحد بعد ~~الآخر ليكون على ثقة أنهم أيقاظ فلا ينام إلا حين يأتي الصباح. # | الفصل السادس عشر # السنوات الخضر من الشباب حين يكون للحب جناحان يحلق بهما الإنسان ~~في سموات سامقات عن الدنا، قصيات عن الأرض، رفيعات عن الدنية. ~~هناك يحس الشباب أن الهوى لم يخلق إلا له، وأن الله سبحانه وتعالى ~~يرسل به إلى الأرض نفحات من الجنة تعين الإنسان على مرور الحياة، ~~وعلى تكالب البشر، وعلى اشتباك المصالح، وعلى الكذب، وعلى الغش، وعلى ~~خداع الصديق، وعلى حضيض الناس وانحيازهم إلى خلق الحيوان وتنكرهم ~~للإنسانية التي جعلهم الله بها سادة الخلق أجمعين. # بالحب يستطيع الإنسان أن يكون سيد المخلوقات، بهذه الخفقات المجنحة ~~العربيدة الآمنة، السعيدة القلقة، الباسمة المقطبة، الآملة اليائسة، ~~الراغبة العازفة، المقدمة عن رعونة المحجمة عن حذر. # بالبحث عن الكلمات فإذا هي في تيه عن المشاعر أغلقت عليها المسالك ~~لا تدري أين سبيلها إلى الشفة لتعبر عن حب صاحبها، باللعثمة ~~واللسان فصيح، ولكنه ينوء بما لا يطيق من أحمال الحب، فإذا به - وهو ~~المنطلق القئول - مقيد مكبول، وإذا النجوى صمت وإذا الحديث ~~نظرة، وإذا الحياة نشوة يطمسها الحديث المعلن ويشعشعها الفم ~~الصموت. # عرفه صلاح وعرفته عديلة. بلمسة يد، بابتسامة عند لقاء في الصباح ~~أو لقاء في المساء. بكلمات يهمهمن على شفاه صلاح ويقف بهن جلال ~~على وجه عديلة. # إنه الحب البكر لقلبين مخلوقين من نقاء الماس دون صلابته، ومن ~~طهارة الملائكة ممتزجة بخلجات الإنسان، وشفافية البلور، وقد سرى فيه ~~نبض البشر، ومن نور الأمل في المستقبل طليقا من قيود الزمن. أحس ~~كل منهما عند صاحبه ما كانا به في غناء عن التصريح. وكان الحديث يجري ~~بينهما رخاء، وفي عير الحب كان الحديث. لقد اتفق كل منهما مع الآخر ~~دون قول منهما أن أي حديث هو أصغر من الحب يكنه كل منهما لحبيبه، ~~والمكان الذي يعرفه كل منهما لنفسه عند هواه. # سألته يوما: هل أنت إخوان أم شيوعي؟ ~~- أنا مصري. ~~- إذن فأنت من الأغلبية. ~~- وأنت؟ ~~- ماذا تظن؟ ~~- مصرية ms67 ، لحما، ودما، وقلبا، وروحا، وجسما، ومشاعر، وأخلاق، ~~وآراء ... ~~- إما أن يكون المصري كذلك أو لا يكون. ~~- ولكن ألم تفكر أن تنضم إلى هؤلاء أو أولئك لتعرف ما يفكر ~~فيه كل من الجانبين؟ ~~- صادقت من هؤلاء ومن هؤلاء، وحاول كل من الجانبين أن يضمني ~~إليه ورفضت. ~~- لماذا؟ ~~- لا أريد أن أحكم العالم، ولا أريد حتى أن أحكم مصر، بل ولا أريد ~~أن أحكم أحدا على الإطلاق. ~~- فماذا تريد أن تكون؟ ~~- إنسانا. ~~- ألست كذلك؟ ~~- ليس بعد. ~~- فما الإنسان عندك؟ ~~- أن أحب كل الناس حتى المخطئين، ولا أحقد، وأن أعطي إذا ملكت ~~العطاء، ولا أنتظر على العطاء شكرا؛ لأن العطاء نفسه يمنح المعطاء ~~سعادة لا يبثها في القلب كل شكر العالمين. أريد أن أرى جمال الحياة ~~وأحاول بكل جهدي أن أهون البؤس فيها على البائسين. أريد أن يظل ~~إيماني بالله وبالخلق وبالصدق وبالقيم ثابتا لا تزعزعه الأهوال التي ~~أعلم أن الحياة ستواجهني بها. أريد أخيرا أن أكون وأنا في طريقي إلى ~~الله سعيدا أنني سألقاه، وأنت؟ # لم يسمع جوابا ورأى الدموع تجري مدرارا على وجنتيها، وكانت ~~توقفت عن المسير فتوقف، وهو يتحدث دون أن يسألها عما دعاها للوقوف. ~~أسعده بكاؤها ومد يده ومسح دموعها في هوادة محب مشفق، وفي ضغط ~~شاب فتي وابتسم وقال: لقد أجابت دموعك عنك، أنت تريدين أن تكوني ~~مثلي. # | الفصل السابع عشر # كان صلاح يؤدي امتحان النقل من السنة الثانية في كلية الحقوق إلى ~~السنة الثالثة حين ضرب جرس التليفون في بيتهم، وقال خليل: صلاح أنت ~~تذاكر هذه الأيام؟ ~~- نعم. ~~- إذن اسمع، آخر يوم امتحان تعال فأنا أريدك في شيء مهم ~~جدا. ~~- خير يا عمي. ~~- وهل تظن أن عمك يقدم لك إلا خيرا؟ ~~- ولكن سعادتك شغلتني. ~~- وهل تظن أنه لو كان هناك ما يشغل كنت طلبتك وأنت تمتحن؟ متى آخر ~~امتحان عندكم؟ ~~- غدا. ~~- إذن تعال غدا، واطمئن ستفرح جدا، أظن ذلك على الأقل. # وحين ذهب صلاح إلى عمه في اليوم التالي كانت اللهفة تحيط به. وكان ~~عمه مشغولا بالكشف ms68 على مريض، فازداد به القلق، حتى إذا خرج المريض دخل ~~دون استئذان، وقال دون سلام: ماذا هناك يا عمي؟ ~~- اقعد. ~~- ماذا هناك والنبي؟ ~~- اسمع يا سيدي، لقد خطبت لك. ~~- ماذا؟ من؟ هل أعرفها؟ ~~- وهل من الضروري أن تعرفها؟ ~~- اسمع يا عمي، أنا خاطب فعلا، وأنا أعرف حبك لي؛ ولذلك أرجو أن ~~تكون خطبتك مجرد جس نبض، أنا خاطب فعلا. ~~- من؟ ~~- فتاة زميلتي. ~~- اسمها عديلة؟ ~~- ماذا؟! ~~- وابنة عبد الغني بك الزاهد؟ ~~- كيف عرفت يا عمي؟ ~~- الله يكسفك! أعرف منهم ولا أعرف منك. ~~- ماذا تقول؟ ~~- لقد جاءت إلي هنا، وقالت إن كثيرا من الخطاب تقدموا لها ~~ورفضتهم، ولكن تقدم إليها أخيرا شاب مهندس لا عيب فيه، وأبوها ~~يريد أن يزوجها منه على رغم أنفها، وطلبت إلي أن أرجو أباها ألا ~~يرغمها. ~~- وماذا فعلت يا عمي؟ ~~- سألتها عن سبب الرفض فأصرت أن تصمت، ولكنها أخيرا قالت إنها لا ~~تريد أن تخرج عن طاعة أبيها ولكنها لن تتزوج هذا المهندس. ~~- وبعد يا عمي وبعد. ~~- طلبت إليها أن تنتظر في غرفة الاستقبال وطلبت أباها في التليفون، ~~فإذا الرجل ينفجر: ألم تفكر يا دكتور لماذا اختارتك أنت بالذات؟ ~~قلت: أعتقد أنها اختارتني لأنها تعرف مكانتي عندك. قال: يا سيدي ~~مكانتك على العين والرأس ولا شك فيها، ولكن لها أعمام ولها أخوال، ~~وكان من الطبيعي أن تلجأ لواحد منهم. وتنبهت إلى هذه الحقيقة ~~متأخرا، يبدو أننا عائلة غبية يا ولد يا صلاح، سألت عبد الغني: ماذا ~~إذن؟ قال: ابن أخيك يا سيدي. ماله؟! قال متحابان وهي لا تريد الزواج من ~~أجل خاطره. ربك والحق يا ولد يا صلاح، فرحت بك. قلت: وأنت ما المانع ~~عندك؟ قال: المانع بسيط جدا، أنه لم يتقدم إليها، وهؤلاء العرسان ~~تقدموا وكلهم شبان ممتازون وأحسنهم هذا الشاب الأخير، ما رأيك؟ قلت ~~له: إذن يا عبد الغني فأنا أخطب ابنتك عديلة لابن أخي صلاح. قال: ألا ~~تسأله؟ قلت: إني أعرف الجواب. قال: إذن وأنا قبلت، قل للبنت إنها لن ~~تتزوج الزفت المهندس، ولا ms69 تقل لها شيئا عن الخطبة حتى تتم رسميا. ~~قلت: حاضر. # وقفز صلاح عن كرسيه وراح يقبل عمه ويحتضنه ويصيح: الله يطيل عمرك، ~~الله يخليك. وقال خليل: والآن قل لي: ماذا فعلت في الامتحان؟ ~~- قل لي أنت أولا: كيف عرفت أنني سأقبل هذه الخطبة؟ ~~- عجيبة! ألا تعرف أن لي أصدقاء كثيرين بين أساتذتك؟ ~~- وكيف عرفوا؟ ~~- لماذا يعتقد الشاب منكم أن الشباب لم يعرف إلا جيله وحده؟ كانوا هم ~~أيضا شبابا وكانوا في الجامعة ولا تفوتهم الفائتة. ~~- العجيبة أنني مع عديلة كل يوم، ولم تقل شيئا عن هذه الحكاية ~~مطلقا! ~~- أولا: ماذا تريدها أن تقول لك؟ تعال اخطبني! ثانيا: هي لا تعرف ~~أنني خطبتها من أبيها. ~~- والبنت التي ترفض أن تذكر لي شيئا عن خطابها أليست جديرة ~~بالحب؟! ~~- فعلا هي جديرة بالحب وبالإعجاب، ولو أننا نحن أحببناها أولا، ~~والآن نفكر في حيثيات الحب. أليس كذلك يا نصف المتر؟ ~~- وهل تظن أن أبي سيقبل أن يخطب لي وأنا نصف متر؟ ~~- غصبا عنه. ~~- كيف؟ ~~- إن كان عليه هو يريد أن يزوجك من يوم دخولك الجامعة وأنا الذي ~~كنت أستمهله. ~~- هل كلمته؟ ~~- وسيكون هنا غدا، اذهب أنت الآن إلى والدتك وأخبرها بكل شيء حتى ~~لا تفاجأ. # وجاء سباعي وطلب إلى أخيه خليل أن يشتري له الشبكة المناسبة، وما هي ~~إلا أيام حتى تمت الخطوبة وأعلنت، واتفق الجميع على أن يكون الزواج ~~بعد الليسانس مباشرة. وكانت أم عديلة متوفاة؛ ولهذا لم يكن عجيبا أن ~~يهمس عبد الغني في أذن صلاح: تعال يا ابني أريدك في كلمتين. # قام صلاح مع والد خطيبته وذهب به إلى غرفة نومه: أعرف أن الكلام في ~~هذا سابق لأوانه إلا أنني يا بني لا أحب القلق. ~~- تحت أمرك يا عمي. ~~- أنت ترى أنه ليس لي في الدنيا إلا عديلة. أمها تركتها لي من خمس ~~سنوات، وأنا كبرت ولا أستطيع أن أعيش وحيدا، أيكون هناك إثقال عليك ~~لو عشت معي في هذا البيت؟ ~~- أنا تحت أمرك، ولكن لي رجاء واحد عندك. ~~- قله. ~~- أن ms70 أساهم في مصاريف البيت. ~~- في بيتي؟ ~~- وهل ترضى لي أن أعيش عالة عليك؟ ~~- أنا قبلت. ~~- وأنا قبلت. ~~- على بركة الله، إذن ربنا يهنيكم يا ابني، إن شاء الله. # | الفصل الثامن عشر # كان صلاح قد انتهى من امتحان الليسانس، ولكنه بقي في القاهرة في ~~انتظار النتيجة، ولم يسافر إلى الإسكندرية. وكان يتهيأ للنزول ليذهب ~~إلى عديلة شأنه في كل يوم حين دق جرس الباب، وإذا القادم عمه خليل. ~~وفوجئ صلاح بعمه يحتضنه على الباب ويصيح: جيد جدا، ألف مبروك. # وذهل صلاح: أحقا؟ ~~- كلمني الآن الدكتور عبد الوهاب رفاعي. ~~- أستاذ الجنائي؟ ~~- ورئيس الكنترول. ~~- وعديلة؟ ~~- جيد. ~~- يعني نجحت؟ # وقبل أن يكملا الحوار انفجرت زغرودة من حيث لم يحتسبا ومن حيث لم ~~يتصورا أيضا. لقد كانت قدرية بمسمع منهما. والتفتا إليها في فرح فإذا ~~هي تطلق زغرودة أخرى وترتمي على الكرسي. ويجري إليها ابنها وعمه وتقول ~~لاهثة: ندر علي وأنا أوفيه. ما فعلتها في حياتي، ولكني كنت أتمرن ~~عليها كل ليلة منذ دخلت الحضانة. أنا يا بني لا أحب الحياة إلا من ~~أجلك. أنت حياة حياتي. # وراح صلاح يقبل يدها ووجهها ويشرب صادق دموعها المنهمرة، وهي تقول ~~وكأنها تكلم نفسها: لقد جئت مصر من أجلك، وأنا لا أعتبر أن لي زوجا ~~منذ رزقني الله بك. لم أفكر في شيء لنفسي طول حياتك، لا فكرت في ~~فسحة، ولا في فستان، ولا في شيء، حتى أرضي حين أخذوها مني قلت: في ~~ستين داهية ما دمت أنت فالحا في مدرستك. ولولا إلحاحك ما ذهبت عمري ~~إلى السينما. التلفزيون لا ينفتح ما دمت أنت تذاكر. عمري كله كان ~~ينتظر هذه اللحظة فلا تعجبوا. إنها لحظة عمري، منذ اليوم أنا لا أريد ~~شيئا. أنا ابني معاه الليسانس، وكل شيء بعد ذلك لا يساوي شيئا. حتى ~~في يوم فرحك لن أزغرد. فرحانة نعم سأكون، ولكني لن أزغرد. هي مرة، ولن ~~تعود. ابني معاه الليسانس، شربات يا أم السعد، شربات يا هنية، شربات ~~للعمارة كلها. # إن حب الأم لابنها أمر ليس ms71 غريبا على صلاح، ولا هو بغريب على ~~خليل، ولكن الذي دهشا له أن قدرية الصموت المستسلمة دائما الجادة ~~تزخر بكل هذه المشاعر ولا تبين عنها إلا الآن. تركيبة عجيبة هذا ~~الإنسان! حتى أقرب الناس إليه لا يعرف الأعماق الحقيقية التي ينطوي ~~عليها كيانه. # قال خليل: أنت وعديلة عندي على العشاء الليلة. وكلم أباك. # وقبل أن ينزل خليل قال له صلاح: نجيء لك في العيادة أم في ~~البيت؟ ~~- على البيت مباشرة، وإذا تأخرت فانتظراني. ~~- وهو كذلك. # وسارع صلاح إلى عديلة وبشرها بمشهد من أبيها، ومن هناك طلب أباه ~~فأخبره فإذا بصوت أبيه يأتيه في التليفون: اسمع يا أستاذ، بعد غد أنت ~~وعروسك والبك والدها وعمك وزوجته وعمتك عابدة وزوجها وعمتك فاطمة ~~وزوجها كلكم مدعوون مع أولاد الجميع على احتفال عندنا هنا في البلد ~~بمناسبة تخرجك. سامعني؟ ~~- خذ سعادتك كلم عمي عبد الغني. # قبل الرجل الدعوة ونزل صلاح مع عديلة، ولم ينتظرا أن يركبا السيارة ~~وإنما قبلها على السلم، وإذا هي تضربه على خده ضربة أقرب إلى التربيت ~~وهي تقول: يخرب عقلك! ~~- ماذا؟ إذا كنت جيد فأنا جدا. ~~- وما شأن الناس بهذا؟ ~~- إنهم يحبون أن يروا خطيبا يبوس خطيبته. ~~- ولكنهم مع ذلك يدعون الغضب. ~~- وأنت ما الذي يهمك، الحقيقة أم الادعاء؟ ~~- يبدو أنك ستكون أنت في الادعاء؛ فالغالب أنك ستدخل ~~النيابة. ~~- أو أكون أستاذا في الكلية. ~~- ماذا تريد أنت؟ ~~- لم أحدد بعد، ربما رفضت هذا وذاك وفكرت في المحاماة. # كانا قد ركبا السيارة وسارت بهما وقالت عديلة: إلى أين؟ ~~- إلى صاحب الفضل الأول علي. ~~- الأستاذ ياسين؟ ~~- كان يجب أن يعرف قبل أبي. # | الفصل التاسع عشر # كان سباعي حريصا دائما أن يحضر كل بقرة أو جاموسة عنده تلد. وتلك ~~خصلة صحبته وصحبها منذ كان طفلا في رعاية أبيه. وقد ظلت فرحته ~~بولادة البهيمة التي كان يحسها وهو ذلك الطفل كما هي لم تتغير. وإن كان ~~في طفولته يساعد الكلاف إلا أنه كف عن ذلك منذ شب عن الطوق، وأصبح ~~يشرف على زراعة أبيه ms72 ، وهو اليوم يضع كرسيا ويجلس قريبا من الذين ~~يقومون بتوليد البقرة أو الجاموسة حتى تتم الولادة فينصرف إلى البيت. ~~وكان في جلسته هذه ينسى كل مشاغله التي أصبحت حين كبر مخاوف، ولا ~~يفكر إلا في مولد العجل أو العجلة إن كانت الوالدة بقرة، والفحل أو ~~الفحلة إن كانت الوالدة جاموسة. وكانت البلدة كلها تعرف عنه هذه ~~العادة؛ فعادات كل أبناء القرية معروفة لبعضهم البعض؛ فالقرية مهما ~~تتسع إنما هي بيت كبير، كل إنسان يعرف كل شيء عن كل إنسان فيها، فما ~~الشأن إذا كانت تلك هي عادة أغنى أبناء القرية وكبير طغاة ~~المنطقة؟ # وقدر الذين يجسون البهائم، وهم أطباء الولادة بالقرية، أن ~~الجاموسة المفضلة عند سباعي ستلد في نفس اليوم الذي حدده للاحتفال ~~بحصول ابنه على الليسانس. # وفكر سباعي قليلا ثم قال لمحدثه الذي سيقوم بتوليد الجاموسة: إذن ~~فاسمع، عليك أنت أن تظل إلى جانبها لا تنتقل، وحين تحس أن الموعد ~~اقترب أرسل لي أجيء إليك. وسيكون المدعوون كثيرين، ولن يلتفت أحد ~~لغيابي. # وحل يوم الاحتفال ولم تكن الجاموسة قد ولدت بعد، وتقاطر المدعوون ~~وكان سباعي لم يترك أحدا إلا دعاه وفي المقدمة المحافظ، ومدير الأمن، ~~والمأمور، وأعضاء مجلس الأمة، والعمد، والأعيان. لقد أراد أن يعلن ~~للجميع أن سباعي الذي لم ينل شهادة استطاع ابنه أن يحصل على الليسانس ~~وبدرجة جيد جدا. الوحيد الذي كان يجب أن يكون موجودا ولم يدع هو ~~شعبان؛ فما كان إلى دعوته من سبيل؛ فقد كان قد سافر إلى صهره الأمير مع ~~زوجته وأولاده، وأقام هناك إقامة غير عائد. # وجاء المحتفل به ليرى القرية التي لم يكن رآها منذ كان صبيا ~~يافعا سعى إلى القرية فرحا ليشهد الانتخابات، وانصرف عنها مصطحبا ~~الحيرة والقلق مما رأى في أعين الرجال وهم يحتفلون بأبيه. # جلس صلاح بين القوم وراح ينظر. لم تكن عديلة معه فقد ذهبت هي وأمه ~~وعماته إلى مكان الحريم، فالريف لم يعترف بعد باختلاط الجنسين. رأى في ~~عيون القوم المدعوين وفي جباههم تعبيرا آخر غير ms73 الذي شهده من ~~الناخبين. هؤلاء لا يخافون أباه، ولكنهم أيضا خائفون. كلهم مرتعد في ~~داخله تتضح الرعدة في حديثه؛ فالحوار يبدأ، ولكنه ينقطع من تلقاء نفسه ~~إذا أدى إلى موضوع عام، وكل حوار بين الرجال لا بد أن يؤدي إلى ~~موضوع عام، ولكل منهم رأي، وربما كانوا متفقين جميعا على رأي، ولكن ~~هيهات لرأيهم أن يعلن أو يخرج من منطقة الهمس الداخلي إلى منطقة ~~الحديث. أشدهم رعبا المحافظ، ويليه مدير الأمن، ويليه المأمور. ويعجب ~~صلاح كيف يحافظ على الأمن من لا أمن له؟ كيف يكون مسئولا عن أمن الناس ~~وهو نفسه غير آمن على نفسه؟ ويل للناس إذا خاف الناس، وويل للناس كل ~~الويل إذا كانت نفوسهم تخاف من نفوسهم. # أما أعضاء مجلس الأمة فهم يتلهون بكل حديث فارغ، ويختارون طريق ~~الحديث حتى لا يصل بهم إلى ما يرهبون. وقد وجد بعضهم في الاجتماع فرصة ~~ذهبية يقترب بها إلى العمد والأعيان؛ فكل نائب فيهم ليس يدري ~~الانتخابات القادمة متى تكون. # حابل ونابل كما يقول العرب، وقوم يجتمعون وينفضون يقولون الكثير من ~~الكلام ولا يقولون شيئا. وصلاح ذاهل واع مندهش مفكر، لا يفوته شيء ~~مما حوله. وتزيد قوة الملاحظة ألما ورفضا، وخلا بأستاذه ياسين: ~~أهؤلاء ناس؟ ~~- مجتمعك. ~~- أكانوا كذلك دائما؟ ~~- المجتمعات التي عرفتها حين كنت في مثل سنك لم تكن متعرضة لما ~~يتعرض له هؤلاء. ~~- أليس فيهم رجل؟ ~~- كلهم في داخلهم رجال، ولكن الإرهاب يطمس الرجولة، فالتمس لهم ~~العذر، ولا تعنف بهم في حكمك. ~~- ماذا تقول أنفسهم؟ ~~- إن كان لك عند الكلب حاجة قل له يا سيدي. ~~- وماذا لهم عند الكلب؟ ~~- الحياة. ~~- الموت خير منها. ~~- نادر من يقول هذا أو يشعر به. ~~- تهون الحياة مع الذل. ~~- ومع ذلك فهم يرون أنفسهم على كرامة. ~~- من أين يأتيهم هذا الشعور؟ ~~- كل منهم لبعض الناس عندهم حاجات. ~~- فكلهم كلاب. ~~- ويجدون من يقول لهم يا سيدي. # وانقطع الحوار، وهوم الصمت الذاهل؛ فقد انطلقت في أسماع الحاضرين ~~ثلاث رصاصات. أرصاص والمحافظ والمدير والمأمور ورجال الأمن جميعا ms74 ~~هنا؟! ما هذا؟ ما هذا؟ ما هذا؟ # وجاء الجواب: قتل سباعي. من القاتل؟ سلم نفسه. من هو؟ حسن ~~عبد الحميد أبو ديدة. من حسن عبد الحميد أبو ديدة؟! # | الفصل العشرون # كان كل ما عني به المأمور أن يحافظ على حياة القاتل، وقد تمكن من ~~ذلك، وصحبه إلى المديرية. وانقلب الاحتفال مأتما، وتحقق بيت ~~شوقي: # وإذا نظرت إلى الحياة وجدتها # عرسا أقيم على جوانب مأتم # وكان أول ما صنعه صلاح بعد أن انفض معظم الناس أن يعجل بسفر ~~خطيبته وأبيها. وحين حاولت عديلة البقاء معه أصر على سفرها في حسم ~~لم تشهده منه قبل اليوم، فاضطرت إلى السفر. # أقيم المأتم في اليوم التالي، ولكن صلاح لم يكن يطيق انتظارا. لقد ~~رأى داخل الناس وكأنهم يقولون: غمة وانزاحت. # انتحى جانبا بياسين: أتعرف شيئا؟ ~~- أعرف كل شيء ولا أعرف شيئا. ~~- أتذكر حديثنا في فناء المدرسة؟ ~~- وكيف أستطيع أن أنساه؟ ~~- ألا تعرف على الأقل من أستطيع أن أسأله؟ ~~- نعم أعرف. ~~- من؟ ~~- أكبر أهل البلدة سنا، عمك سليمان النواوي كان صديق جدك الصدوق ~~ولن يكذبك. ~~••• # روى سليمان النواوي كل شيء. لم يخف عنه خافية، وحين أتم حديثه قال ~~صلاح: هل معك العقد الذي فرضه عليك أبي؟ # ونادى سليمان ابنه وأمره أن يأتي بحقيبة أوراقه. وأخرج سليمان العقد ~~دون جهد، وقدمه إلى صلاح. قرأه، ثم التفت إلى الابن وطلب منه ورقة ~~بيضاء، وصدع الابن بالطلب، وقال سليمان: ماذا ستصنع؟ ~~- أكون أنا. # ولم يزد. وجاءت الورقة وراح صلاح يكتب ونقل بعض أشياء من العقد ~~القديم ووقع الورقة، وأعطاها لسليمان. وقام وهو يقول: سلام ~~عليكم. ~~- انتظر، اقعد، ما هذا؟ ~~- لقد انتهت مهمتي. ~~- إذن، فانتظر. ربما كانت لي مهمة أنا الآخر. ~~- أمرك. أنتظر. # وقرأ سليمان الورقة ووجدها عقد بيع من صلاح بالأفدنة الستة خالصة ~~الثمن، وفهم أنه كان ينقل الحدود من العقد الأول، وجرت دمعتان على ~~خدي سليمان وهو يقول: عجيبة! ~~- وقال صلاح: ما العجيبة؟ ~~- بل عجائب! ~~- ما هي العجائب؟ ~~- العجيبة الأولى أن عيني ما زال فيها دموع، ولم ms75 تحجرها السنون. ~~والثانية أن تكون أنت ابن سباعي، وأمك من أشرف الناس ولا شك أنك ابنه ~~فتلك عجيبة. أما العجيبة الثالثة أن عزرائيل تأخر عني طول هذه المدة ~~وأنا لا أدري السبب. واليوم دريته. ~~- والآن أتسمح لي؟ ~~- بل انتظر. ~~- ماذا؟ ~~- الفلوس التي أرسلها إلي أبوك، لم أمسها. كما هي وهي هنا في هذه ~~الحقيبة. ~~- لا تلزمني. ~~- أمثلي يقبل الصدقة؟ ~~- أستغفر الله! وإنما الذي قدرته قلته أنت الآن، لو كان أبي صنع ~~هذا معك وأنت تاجر فربما كنت تاجرت بالمال وكسبت منه. أما وقد فعل ما ~~فعل بعد أن توقفت أنت عن التجارة فهذا معناه أن المال بقي عندك ولم ~~يصنع شيئا. ولا شك أن نفسك عزفت حتى أن تشتري أرضا أخرى، فالريع ~~الذي أخذه أبي من الأرض حقك، فليكن ما أرسله لك من المال مقابل هذا ~~الريع. ~~- منطق قد يقبله غيري؛ فقد كنت أستطيع أن أشتري أرضا أخرى، وكنت ~~أستطيع أن أجعل زميلا لي في التجارة أو واحدا ممن علمتهم التجارة ~~يتاجر لي؛ فإبقاء المال بلا عمل خطأ اخترته أنا ولم يفرضه علي أبوك. ~~والأرض اليوم ثمنها أضعاف أضعاف ثمنها يوم اغتصبها مني أبوك ودفع ~~فيها نصف الثمن، فإذا كنت تريدني أن أقبل الأرض فاقبل أنت على الأقل ما ~~دفعه لي أبوك قسرا. إنه أرغمني على البيع بثمن بخس فأذل كرامتي، ~~فلا ترغمني أنت على الشراء بلا ثمن وتزيد كرامتي ذلا. ~~- لا والله؛ فما إلى هذا قصدت. ~~- إذا أردت أن تريح ضميرك فأرح ضمير الناس، وأطال الله عمرك، ~~وثبتك على ما أخذت به نفسك وأعانك عليه؛ فإن من كان في مثل عدلك ~~سيلقى الكثير من المتاعب. خذ الفلوس. ~~- أمرك. سلام عليكم. ~~- مع ألف سلامة! ~~••• # ذهب صلاح إلى بيت شاكر، وكان ما صنعه صلاح مع سليمان النواوي قد ذاع ~~في القرية كلها، فرحب به شاكر؛ فقد أحس أن القادم إليه إنسان. قال ~~صلاح: أين أخوك عبد التواب؟ ~~- في بيته. ~~- أرسل إليه من يستدعيه. # وجاء عبد التواب وبدأ صلاح: حياة الإنسان لا ms76 يساويها شيء في العالم، ~~ولكن الله وحده هو القادر على أن يبعث الحياة ولا يد لي في هذا. وكل ~~كلام للعزاء في أبيكما لا يجدي فلا عوض عن الأب، ولكنني أنا أريد أن ~~أعيش، وبيدك أنت وأخيك هذا أن تسمحا لي بأن أحس أنني فعلت ما يجب ~~علي أن أفعله في أضعف صورة، فأستطيع أن أعيش. # وقال عبد التواب: ما المطلوب منا يا أستاذ؟ ~~- لا شيء إلا أن تقبلا هذا العقد. ~~- وماذا فيه؟ ~~- بيع باسمك واسم إخوتك مني للأفدنة الخمسة التي كان يزرعها ~~أبوكم. # وبهت الأخوان، وقال شاكر: والثمن؟ ~~- العقد خالص، والثمن وصل. # وقال عبد التواب: لا يرد الكرامة إلا لئيم. كان غيرك يستطيع أن ~~يقول ما شأني بما فعله أبي ويبقي الأرض. ~~- ولكني أنا لا أستطيع. ~~- إذن فأنت جدير بالشكر. ~~- بل الشكر لكما أن قبلتما. السلام عليكم. ~~- السلام ورحمة الله وبركاته. # تردد كثيرا ثم جمع أطراف شجاعته وذهب إلى عبد الحميد ابن حسن قاتل ~~أبيه. وجزع الشاب وهو يراه واقفا على رأسه في الدكان، وانتفض واقفا ~~وبيده المقص، وهو يقول: ماذا تريد؟ ~~- رد السلام أولا. ~~- ومن أين يأتي السلام؟ ~~- يا أخي، أبوك قاتل أبي وأنا الذي جئت إليك! ~~- من أجل هذا أعجب، ماذا تريد؟ ~~- كل خير إن شاء الله. ~~- لم نر الخير منكم مطلقا. ~~- صدقت، ولكن من يدري ماذا في داخل الأيام القادمة؟ رد ~~السلام. ~~- وعليكم السلام. ~~- اقعد. ~~- نقعد. ~~- خذ هذا. ~~- ما هذا؟ ~~- أنا أعرف أنك تعلمت القراءة والكتابة. # وقرأ عبد الحميد: أهذا معقول؟ ~~- نعم. ~~- ليس معي ثمنها. ~~- ألم تقرأ العقد؟ ~~- نعم. ~~- ماذا فيه عن الثمن؟ ~~- أنه خالص. ~~- وهو خالص. ~~- هذا كثير، هذا كثير. إن أبي قتل أباك من أجل هذه الأفدنة ~~الثلاثة. ~~- والآن وقد مات أبي فلنترك الأيام تصنع ما عندها، ويؤدي كل منا ~~واجبه. # وانفجر عبد الحميد عن بكاء عالي النحيب، وراح صلاح يربت كتفه، ~~وقال عبد الحميد: أنا الذي جعلته يصنع ما صنع. ~~- أنت؟ ~~- كنت دائما أعيره أنه قبل الذل، وكان يقول إنني أقتله كلما ~~قلت ms77 له هذا. قال لي عندما زرته في السجن: ثلاث رصاصات، عن كل فدان ~~رصاصة، قل لأولادك جدكم لم يكن ذليلا. ~~- هل وكلت عنه محاميا؟ ~~- لا. ~~- وهل معك أجر المحامي؟ ~~- سأدبره. ~~- خذ هذا المبلغ، وتسمع نصيحتي في اختيار المحامي أم تظن أنني ~~أغشك؟ ~~- أتقدم لي كل هذا وتغشني؟ ~~- إذن فاذهب إلى القاهرة، ووكل الدكتور عبد الوهاب رفاعي أستاذ ~~القانون الجنائي في كلية الحقوق، وهذا عنوان مكتبه. سلام عليكم. ~~- نعم، الآن السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # وبقي صلاح في البلدة يعيد إلى كل من اغتصب منه أبوه أرضا أرضه أو ~~يعيدها لأولاده، منهم من يرد الثمن ومنهم من لا يرد، حتى إذا ~~اطمأن أن لم تبق أرض لم تعد لصاحبها أو لورثته سافر إلى ~~القاهرة. # وهناك ذهب إلى عمه الدكتور خليل. ~~- أهكذا تكون النهاية؛ موت في حظيرة بهائم؟ في أقذر مكان في القرية، ~~بل ربما في العالم. ~~- إنه مجرد جسد ارتمى في القذارة، وعند الموت تستوي الأمكنة. ~~- وربما كانت روحه قد صعدت وهي تحمل من القذارة أكثر مما ارتمى ~~عليه جسده. ~~- هذا ليس شأنك. ~~- أنا ابنه. ~~- ولكنه أصبح إلى من لا ينفع عنده مال ولا بنون. # وأكمل صلاح: إلا من أتى الله بقلب سليم، أو كان قلبه سليما. ~~- ومن هذا الذي يستطيع أن يطلع على القلوب؟ ~~- الذي لا ينفع عنده مال ولا بنون. ~~- فهذا شأنه اتركه له. ~~- يا ليتني أستطيع. ~~- أنت قمت بواجبك بعد وفاته. ~~- ليس بعد. ~~- ماذا بقى عليك؟ ~~- هناك إنسان سيقتل. ~~- إنه قاتل، هذا حق المجتمع. ~~- وحقي، ألست ولي الدم؟ ~~- وماذا تريد أن تفعل؟ ~~- رفعت الدعوى المدنية. ~~- أتريد عوضا عن أبيك؟ ~~- أريد الحق أن يأخذ مجراه. ~~- لا أفهم شيئا. ~~- لكل شيء وقته. ~~- بلغني ما فعلته في البلد. ~~- لم يبق أحد أرد حقه إلا سعادتك. ~~- أنا ليس لي حق. ~~- سنعرف الآن. ~~- كم بقي لك من أرض؟ ~~- أربعون فدانا. ~~- لا بأس. ~~- ستصبح الآن عشرين تقريبا. ~~- لماذا؟ ~~- أرضك وأرض جدتي. ~~- أرضي أنا؟ ~~- نعم. ~~- ما لها؟ ~~- لا بد أن أردها إليك. ~~- لماذا وهل بعتها ms78 قسرا أنا الآخر؟ ~~- لو لم يكن أبي على ما كان عليه ما بعت أرضك. ~~- أكذب لو قلت لك إن هذا كان تفكيري. ~~- بل تريد أن تبقي في ملكي أرضا ليست من حقي. ~~- كان أبوك لا يتأخر عن دفع الإيجار، وكنت أستطيع أن أبقي الأرض ~~تحت إشرافه لو أردت ذلك ولكنني بعت الأرض بمحض اختياري والثمن كان ~~مناسبا لهذه الفترة. ~~- عمي أنت تعرف العبء الذي أحس به على ضميري. ~~- وواجبي أن أخففه عنك، ولكن أتريد أن تخفف من عبئك لأحمل أنا ~~عبئا أشد؟ أغشك؟ أغش ابني؟ أي ضمير يقبل هذا؟ ~~- هل أنت واثق؟ ~~- كل الثقة. ~~- فأرض ستي إذن. ~~- هي الأخرى باعتها مختارة. ~~- لقد رأيت ستي وهي تعيش معك. كانت الحسرة تملأ نفسها إلى يوم ~~وفاتها؛ لأنها تركت البلد وبيتها. لا، لولا أبي وما فعله ما تركت ~~ستي البلد أبدا. ~~- وافرض، ولكنها باعت الأرض باختيارها. ~~- أهذا اختيار؟ إنه الإرغام ذاته، على كل حال أنا قررت أن أتنازل ~~عن أرض ستي لعمتي عابدة وعمتي فاطمة. ~~- وأنا قبلت عنهما هذا وقبلت هذا لك؛ فإن من واجبك أن تكرم عماتك، ~~وفعلا كلتاهما تحتاج إلى ما يعينها على الحياة، وأنا أعمل ما في طاقتي ~~وأحب لك أن تكون بجانبي في رعايتهما. ~~- إذن. ~~- عندي توكيل منهما. ~~- وهذا عقد بيع خالص الثمن لهما وقعه أو لا توقعه فهو على كل ~~حال من صورة واحدة، وكلف سعادتك واحدا من وكلاء المحامين ليبدأ في ~~إجراءات التسجيل. ~~- لا أحب أن أمدحك، ولكن لا بد أن أقول لك إني فخور بك. ~~- أرجو أن أشعر بنصف هذا الشعور نحو نفسي. ~~- والآن ماذا ستعمل في الزواج؟ ~~- تأجل طبعا. ~~- كيف؟ ~~- عديلة من نفسها قالت لا بد أن ننتظر سنة على الأقل وأبوها أيد ~~هذا الرأي بحرارة. ~~- وأنت ما رأيك؟ ~~- لو لم يقولا هذا ما كنت تزوجت الآن على أي حال. ~~- نعم، ولكن سنة كثير. ~~- والله أعلم! ربما أكثر. ~~- كيف؟ ~~- أتريدني أنا أن أتزوج وأفرح وأنجب أطفالا، وهناك روح إنسان متهم ~~في قتل أبي يتردد الأمر ms79 فيها بين البقاء والإزهاق؟ ~~- وأنت ماذا بيدك؟ ~~- لا أعرف، ولكنني لا أتصور أن أتزوج والقضية منظورة. ~~- صلاح، أتكون كرهت عديلة؟ ~~- بل يزداد حبي لها كل يوم عن اليوم الذي فات. ~~- عجيبة! ~~- يا عمي حتى يتزوج الإنسان، وأقول الإنسان، لا بد أن يكون مرتاح ~~الضمير. ~~- يا بني، ضمير الإنسان لا يشغله إلا ما يصنعه الإنسان نفسه. ~~- أو ما يصنعه أبوه. ~~- وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه. ~~- وهذا طائري يا عمي. ~~- أعانك الله على نفسك يا ابني. ~~- ادع لي. ~~- لم تقل لي فيم انتويت أن تعمل. ~~- عرض علي عميد الحقوق أن أتقدم لأشغل وظيفة المعيد الخالية ~~بالكلية فطلبت أن يمهلني للعام القادم. ~~- لماذا؟ ~~- لي غرض في هذا. ~~- ألا تقوله لي؟ ~~- ستعرفه في حينه. ~~- والنيابة؟ ~~- هي أيضا لم أتقدم لها. ~~- إذن فماذا تنوي؟ ~~- طلبت قيدي في المحاماة. ~~- ومتى ستحلف اليمين؟ ~~- أظن بعد شهر تقريبا. ~~- وأين تريد أن تتمرن؟ ~~- لم أفكر بعد. ~~- أتحب أن تتمرن في مكتب الدكتور عبد الوهاب؟ ~~- وكله ابن حسن عن أبيه، وليس معقولا أن أتمرن في مكتب يترافع عن ~~قاتل أبي. ~~- إذن أكلم الأستاذ عاطف البهنسي. ~~- عظيم. ~~- الآن، أي مكتب يتمنى أن تتمرن عنده، أنت جيد جدا يا أستاذ، وهل ~~أنت قليل؟ وعاطف من أعز أصدقائي. ~~- وهو كذلك. # | الفصل الحادي والعشرون # انعقدت دائرة الجنايات ونظرت في قضية حسن عبد الحميد، وتحدد يوم ~~المرافعة، وتكلم وكيل النيابة، ولم يكن محتاجا لإسهاب؛ فالقاتل معترف ~~والجريمة تمت مع سبق الإصرار والترصد فهو يطالب بأقصى ~~العقوبة. # وطلب صلاح أن يترافع بوصفه مدعيا بالحق المدني فسمح له وبدأ ~~المرافعة. ~~- بسم الله الرحمن الرحيم، أقولها يا حضرات المستشارين لا افتتاحا ~~للمرافعة فحسب؛ وإنما لأتأمل مع المحكمة الموقرة لماذا اختار سبحانه ~~الرحمة الرحيمة من بين أسمائه الحسنى جميعا ليجعل منها فاتحة فاتحة ~~الكتاب. أليس هذا لأن صفة الرحمة الرحيمة هي أحب الصفات إلى الذات ~~العلية؟ وقد جعل الله الإنسان سيد المخلوقات؛ لأنه قبل أن يحمل ~~الأمانة التي عرضها سبحانه على السموات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن ms80 منها، وحملها الإنسان، فنصبه سبحانه سيد خلقه أجمعين، ~~فإنسان بلا رحمة ليس إنسانا جديرا أن يحمل الأمانة، والأمانة يا ~~حضرات المستشارين هي الاختيار الذي منحه الله للإنسان حين هداه ~~النجدين، وحرم سائر مخلوقاته من حق الاختيار هذا؛ فالحيوان لا يستطيع ~~أن يكون إلا حيوانا، والملائكة لا تستطيع أن تكون إلا ملائكة، ~~والإنسان وحده هو الذي يستطيع أن يكون إنسانا أو حيوانا أو ملاكا، ~~وبهذا الاختيار يصبح الإنسان إما شرا من الحيوان لأنه اختار، أو ~~خيرا من الملائكة لأنه اختار، وكلاهما لا يملك الاختيار، ونحن في عصر ~~يا حضرات المستشارين فرض على مصر أن يكون أبناؤها مسحوقين، وحينما ~~يسحق الناس يسود الجبروت ويفشو الظلم، ويصبح النفاق هو الزعيم الأول؛ ~~فنحن ننافق السلطات، وننافق من ينافقون السلطات، وننافق الغش، وننافق ~~الخداع، وننافق الرشوة، وننافق التدليس، وننافق السرقة، وننافق القتل، ~~وننافق الاعتداء على الأعراض والأموال والكرامات وعزة الآدمي. حضرات ~~المستشارين إننا ننافق النفاق ذاته، وأبناء جيلي نشئوا في هذه الفترة ~~القاتمة السواد. وقد تبينا أمرنا بعد أن ادلهم الخطب، واشتدي أزمة ~~تنفرجي، قد أوشك ليلك بالبلج. هكذا قال الشاعر وهو ينظر إلى قوله ~~سبحانه: # فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا # والعسر هنا ~~واحد؛ لأنه معرف بأل واليسر مطلق؛ لأنه محرر من التعريف بحكمة الإله ~~الأعظم، ولهذا قال المفسرون: لا يغلب عسر واحد يسرين أبدا، فلا عجب ~~يا حضرات المستشارين أن يبدأ جيلنا نحن أن يصنع اليسر بيده مؤيدا ~~بروح من بارئ النفوس وملهمها فجورها وتقواها. وقد آن لنا أن نتبع ~~تقوانا بعد أن أوغل عصرنا في فجوره، وخلق من المعاصي ما لم تعرفه ~~البشرية. # إن هذا المتهم الماثل أمامكم لم يقتل أبي، وإنما قتل أبي نفسه، وإن ~~هذا المتهم حين أطلق الرصاص على أبي كان في حالة دفاع شرعي عن الكرامة ~~التي هي أغلى من النفس. # أما أن أبي قتل نفسه فبما صنع من فظائع في حق البشرية، وبما قتل من ~~أنفس، وبما قهر من رجولة الرجال، وبما أذل من كرامات ms81 الإنسان، وأي شيء ~~أقسى على نفس الرجل من أن يكون ذليلا أمام زوجته وابنه وابنته، ولا ~~يملك لظالمه دفعا، ولا لكرامته صونا؟ وإذا قالت النيابة إن المتهم هو ~~أيضا قتل طلبت إلى الزميل ممثل النيابة أن يرجع إلى قول الله سبحانه: # أنه من قتل نفسا بغير نفس ~~أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا ~~. وقد كان أبي - وأشهد في هذه الساحة المقدسة - ~~مفسدا في الأرض فحق عليه عقاب. وإذا قيل إن العقاب من حق المجتمع، ~~ومن حق الله وحده، انتقلت إلى موقف المتهم مرتئيا أنه فعل فعله في ~~حالة دفاع شرعي عن الكرامة التي هي أقدس عند الفلاح الأصيل من النفس. ~~تصوروا يا حضرات المستشارين حال هذا المتهم أن يبيع أرضا لا يريد ~~بيعها، ما نظرته إلى نفسه والنظرات من حوله احتقار أو إشفاق، وكلتا ~~النظرتين أشد على الحر وقعا من كل رصاص العالم؟ فإذا قيل فما باله ~~انتظر هذه السنوات فإن الجواب حاضر من قريب: لقد ذاق هو الذل مقهورا ~~بالجبروت، ولم يرد لأبنائه أن يذوقوا الذل مقهورين بالحاجة؛ فلو أنه ~~صنع صنيعه يوم أرغم على ترك أرضه لترك أطفاله صغارا يتكففون ~~الناس، ويمدون أيديهم في طلب الجدوى فانتظر تزيده السنوات شعورا ~~بالمهانة والذلة حتى استوى أبناؤه رجالا، ودافع عن كرامته التي ~~امتهنت طوال هذه السنين. # وأنا يا حضرات المستشارين لست أدعو بقولي هذا إلى الفوضوية التي ~~يتاح فيها للفرد أن يمسك القانون بيديه يشرعه هو ويحاكم به ~~الآخرين وينفذه أيضا؛ فإنه إذا حدث هذا وقعنا في هوة سحيقة ينهار ~~فيها بنيان المجتمع كله إلى حضيض ما له من قرار. إنما أحاول فقط أن ~~أخفف عبء جريمة القتل العمد التي توجهها النيابة - وهي المدافعة ~~عن حق المجتمع - إلى قاتل أبي هذا. إن هذا الذي أقول هو ما يعتمل في ~~نفسه، دفعني إلى قوله محاولة مني أن يكون العدل أعظم من الأبوة، وأن ~~يكون حق الإنسان في الكرامة التي وهبها الله له مقدسا قداسة الروح ~~الإنسانية، وأن تكون مصر ms82 مسبح آدميين لا غابة ذئاب. # وبعد يا حضرات المستشارين فقد يقال إنني دافعت عن المتهم وجحدت ~~حق الأبوة، والله وحده يعلم كم أقدس الأبوة، ولكن تقديسي للحق ~~ولكرامة الإنسان أشد. وإنني بهذا الذي أقوله أتوجه إلى الذات العلية أن ~~أكون قد كفرت بما قلت عن بعض ما صنع أبي بالإنسان سيد المخلوقات، ~~وبما امتهن من كرامته، وبما أذل من عزته، وبما أزهق من ~~أرواحه. # وقد يقال شاب في مقتبل العمر انتهز قتل أبيه فرصة ليصنع منها ~~لنفسه شهرة. وإني أحتمل هذه المقالة، ولا أحتمل أن أكتم الحق نفاقا ~~للمجتمع، ولكنني أعلن منذ اليوم أنني أعتزل المحاماة، وأقبل أي وظيفة ~~قد تعرض علي. # ولو كنت وكيلا عن موكل في هذه القضية ما قبلتها، ولكنني يا ~~حضرات المستشارين أنا وحدي الموكل والوكيل فلا وارث للحق المدني ~~غيري، ولهذا رخصت لنفسي أن أتشرف بهذا الدفاع في ساحتكم ~~القدسية. # وأنهي مرافعتي يا حضرات السادة المستشارين بتنازلي عن الدعوى ~~المدنية تاركا لأستاذي ممثل الدفاع البدء في مرافعته. # وأنهى صلاح كلامه واتجه إلى باب الخروج، وإذا عديلة التي كانت جالسة ~~على مقعد بجانب الممشى تقف وإذا هي حين يقبل إليها تحتضنه ~~وتقبله على ملأ الناس لأول مرة في حياتها ويصحبها ويخرجان. # ويبدأ الدفاع مرافعته: حضرات المستشارين، ليس لي بعد مرافعة المدعي ~~بالحق المدني أي مرافعة أضيفها إلا أن أخبر عدالة المحكمة أن هذا ~~الشاب الذي كان ماثلا أمامكم قد أرجع الحق إلى كل من اغتصب أبوه منه ~~حقا. # وأنهي المرافعة بطلب البراءة. # والتفت رئيس المحكمة إلى ممثل النيابة: النيابة لها تعليق؟ ~~- النيابة تفوض الأمر للمحكمة. ~~••• # ذهب صلاح مع عديلة إلى منزل أبيها، ولم يكن هناك ما يستطيع واحد ~~منهما أن يقوله. هو لا يزال مرتعشا بالموقف الذي وقفه مقتنعا أنه ~~الحق. وهي مبهورة به، ولم يطل بهما الانفراد، جاء أبوها وقالت عديلة: ~~ما الذي أخرك؟ ~~- كنت أنتظر الحكم. # ولم يسأل صلاح عن الحكم، وقال لوالد خطيبته: لقد انتظرت هذا اليوم ~~لأسألك هل ما زلت مصرا أن ms83 تزوجني ابنتك بعد ما شهدت اليوم ~~وبعد أن بددت ثلثي الثروة التي تركها أبي، والتي كانت في حسبانك يوم ~~قبلتني؟ أما عديلة فقد أعلنت رأيها في المحكمة فما رأيك ~~أنت؟ ~~- يا بني، أنا لست مصرا، ولكن لو لم تكن خاطبا لابنتي لسعيت ~~إليك لكي تخطبها، أنا اليوم أتشبث بك، وفي تشبثي بك تشبث بالأمل ~~في مصر الغد. ms84