######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.AmalWaAqdar.Hindawi90835903 #META# Tags: novels #META# ID: 90835903 #META# Title: آمال وأقدار #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # | آمال وأقدار # | آمال وأقدار # تأليف # ثروت أباظة # | الفصل الأول # أحسن أبو سريع علوان تدبير خططه لمستقبله منذ بواكير الأيام، حين كان يعمل صرافا بقرى ~~الصعيد، واستطاع بشتى وسائل ومختلف حيل - لم يكن الشرف طابعها، ولا كانت الأمانة سنتها أو ~~ديدنها - أن يجمع ثمن سبعة أفدنة اشتراها على مهل وعلى دفعات بقريته بالشرقية التي تسمى ~~دلجمونة، وكان أبوه يملك من قبل ثلاثة أفدنة، حتى إذا تم له العشرة أفدنة وقر في نفسه أن ~~عمل صراف هذا لا يليق بمكانته، وقد أصبح عينا من أعيان البلدة، وواحدا من أثريائها، وطلب ~~تسوية معاشه، وأقام بالدلجمونة يرعى أرضه وابنه لطفي معا. # ولم يكن لطفي متقدما في دراسته، ولا كان متأخرا؛ فهو ينجح في كل عام نجاحا يفرح به ~~أبوه كل الفرح غير ناظر مثقال ذرة للدرجات المتهافتة التي ينجح بها ولده. # وما زال يسير في دراسته، حتى حصل على بكالوريوس التجارة. وإن كان أبوه قد فرح فرحا ~~عارما بنجاح الابن وحصوله على الشهادة الجامعية، فإن فرح لطفي كان مضاعفا عشرات المرات ~~ليس لمجرد تخرجه، وإنما أولا وقبل كل شيء لأنه يستطيع بما ناله من شهادة أن يفلت من ربقته ~~لأبيه الذي كان يضيق عليه في المصاريف ضيقا لا يمكن أن يتصوره أحد. # فمهما يكن صرافا، ومهما يكن لحزا شحيحا، فإن لكل بخل حدا يقف عنده. وليس ينسى لطفي ~~يوم حصل على شهادة الثانوية العامة بتقدير يتيح له أن ينتظم في كلية التجارة، راح أبوه يبحث ~~عن الذين نالوا الثانوية العامة في نفس العام، حتى يستطيع هؤلاء الناجحون النازحون إلى ~~القاهرة أن يتقاسموا الغرفة الوحيدة التي سيبحث لابنه عنها في أرخص أحياء القاهرة ms01 مهما تكن ~~بعيدة عن الجامعة. # وبالمثابرة والجهد الجهيد وجد شهيدي الأهتم وسعداوي الجرف قد حصلا هما أيضا على الثانوية ~~العامة، وكان كلاهما فقيرا معدما، ففرح أهلوهما بما اقترحه عليهم أبو سريع أن يشاركا ابنه ~~الغرفة، ويتقاسم ثلاثتهم إيجارها. # وليس ينسى لطفي يوم نزل مع أبيه ليبحثا عن غرفة، فإذا بهما يجدان حجرة على سطح منزل ~~بالجيزة موقعها قريب من الجامعة، وأبى أبوه أن يستأجرها وراح يدور في أنحاء القاهرة بحثا ~~عن حجرة أشد رخصا، وقال له لطفي يومذاك: يابا إن ما سنوفره من أجرة الحجرة سننفقه في ~~المواصلات. # وإذا أبو سريع يجيبه في سخرية: منذ متى كان المشي يدفعون له أجرة. # وجف لسان لطفي وهو يتلعثم لأبيه: أمشي من هذه الأحياء البعيدة إلى الجامعة؟ ~~- ومن الدلجمونة وحياة والدك. # وصمت لطفي صاغرا. # واستأجر أبو سريع غرفة في أزقة عابدين. # واستمر لطفي سنوات الجامعة الأربع يأكل مرة واحدة في اليوم ليستطيع أن يركب المواصلات، ~~وكانت أمه سلمى أم الخير حين تراه في الإجازات تفجع بهزاله، عالمة كل العلم أن أباه يقتر ~~عليه أشد التقتير. ~~- يا أخي حرام عليك، إنه ابنك الوحيد، وأنت رزقك واسع. ~~- إذا أسرف اليوم أضاع الأرض غدا. ~~- فإذا مات؟ ~~- لا يموت أحد من المشي. # ولم ينس لطفي يوم علم أن وجدي بك صفوان كبير أعيان المنطقة وصاحب المائة فدان برتقال في ~~الدلجمونة استدعى أباه، وكلفه أن يشرف على كاتبيه ميخائيل جرجس، وسعيد النجار في حسابات ~~الأرض مقابل مرتب مقداره مائتا جنيه في الشهر. ~~- وما البأس ما دمت مقيما بجانب أرضي وفي بيتي؟ # وظن لطفي يومذاك أن أباه سيوسع عليه بعض السعة، ثم أدرك أنه أحمق غبي، فإن شح أبيه عليه ~~لم يكن مصدره قلة المال عنده، وإنما مصدره طبيعة جبل عليها لا يستطيع منها فكاكا ولا ~~مهربا. # وللبخيل على أمواله علل # زرق العيون عليها أوجه سود # وهكذا فرح لطفي فرحة لا حد لها؛ لأنه بحصوله على الشهادة يستطيع أن يعيش كما يحيا ~~الآدميون. # أما أبو سريع فلم تكن أحلامه ms02 تقف به عند الأفدنة العشرة ولا المائتي جنيه التي ينالها من ~~وجدي. # إنه يقرأ في الصحف عن الملايين من الجنيهات تتناقلها الأيدي، وكأنها ملاليم، ماذا الذي ~~ينقصه ليكون بين هؤلاء اللاعبين بالملايين؟ # لهذا دبر خططه للمستقبل. # وقد رأى استكمالا للوجاهة أن يعتسف لنفسه لقب الحاج، فأدى الفريضة؛ ليناديه الناس ~~بالحاج، والله سبحانه وحده الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور هو الحكم الحق في قبول ~~هذه الحجة أو ردها. # وهكذا أصبح أبو سريع حاجا، وأصبح ذا وجاهة في القرية. # وحدث يوما أن جاءته نفيسة دعشوش زوجة سعد الله جابر، أو التي كانت زوجته، وقالت لأبي ~~سريع: يا حاج يعمر بيتك. ~~- خيرا يا نفيسة أنا تحت أمرك. ~~- لقد طلقني سعد الله بالأمس. ~~- أعوذ بالله. ~~- بل قل الحمد لله، فقد كانت العيشة معه - بعيد عنك - سوداء، وكانت أيامه كلها سبا ~~وشتما. ~~- هكذا بلا مناسبة؟ ~~- يعيرني أني عاقر. ~~- يا ستي هذه الأمور أصبح الطب يحسمها بمنتهى البساطة، ألم تذهبي إلى طبيب؟ ~~- العيب فيه هو. ~~- إنه حقا رجل ظالم. ~~- هو يدعي أنه كان يسيء إلي إلى حد الضرب لأني عاقر، وهو يعلم كل العلم أن السبب في ~~ذلك هو وليس أنا، ولكن الحقيقة يا حاج أنه طلقني لسبب آخر. ~~- أي سبب؟ ~~- وفاة كامل الشنواني. ~~- وما شأن وفاة كامل بطلاقك؟ ~~- ترك لزوجته فدانين من الأرض. ~~- وما شأن طلاقك بهذا؟ ~~- حط سعد الله عينه على حبيبة أم عرابي أرملة كامل، فما أن أوفت العدة حتى تقدم إليها، ~~وقالت له: لا أتزوج على ضرة. ~~- الآن فهمت ووضحت الأمور، وماذا تريدينني أن أفعل؟ ~~- أنا انتقلت إلى بيت أبي منذ أمس. ~~- طبعا. ~~- أنت تعرف أبي. ~~- هل أحد في البلد لا يعرف الشيخ زكي دعشوش، إنه أبخل من جلدة. ~~- إنه لم يقل لي شيئا حتى الآن، ولكنه لا شك يطمع في المؤخر الذي أخذته؟ ~~- طبعا. ~~- مع أنه سيحصل على نفقتي. ~~- ألا تكفيه النفقة! ~~- ولهذا جئت إليك. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- المؤخر الذي قبضته ثلاثمائة جنيه، أريد أن أحتفظ به للزمن. ~~- طبعا ms03 لك حق. ~~- إن أبقيتها معي استولى عليها أبي بطريقة أو أخرى. ~~- مؤكد. ~~- خذ هاك الثلاثمائة جنيه أمانة معك. ~~- أكتب لك إيصالا، فهذا حق الله. ~~- يا حاج، وهل تراني أعرف القراءة حتى أعلم ماذا تكتب في الإيصال؟ أنا واثقة في ~~ذمتك. # وهكذا كانت هذه الواقعة بابا جديدا فتح على مصراعيه لأبي سريع، وتدفقت عليه الأمانات ~~وأجمع القاصدون إليه ألا يأخذوا منه ما يدل على أنهم استودعوه أموالهم. # وكثرت الأمانات لديه، ولم يكن يخشى أن يغتاله أحد في هذه الأموال، فابنه في القاهرة يبحث ~~عن عمل، وقد بيت في نفسه أن يجد له هذا العمل، وكان يدري وسيلته إلى ذلك. # وزوجته سلمى لا يعنيها المال في شيء، فما دامت تجد لقمتها وهدمتها فليس لها مطمع بعد ~~ذاك. # قال أبو سريع لوجدي: أراك تخدم الناس جميعا وتنسي المقربين إليك. ~~- هل تأخرت عنك في شيء؟ ~~- ألا تعرف أنك أهملت أمري كل الإهمال؟ ~~- فيم؟ ~~- ابني لطفي. ~~- ما له؟ ~~- ألا تعرف أنه حصل على التجارة العليا؟ ~~- وهنأته. ~~- نعم، وأتحفته بمائة جنيه أبى أن يعطيني منها مليما واحدا. ~~- إذن؟ ~~- ألا تدري؟ ما فائدة الشهادة إذا لم يتوظف بها؟ ~~- آه والله، أنت محق، ولكنك لم تطلب مني شيئا. ~~- وهل يحتاج الأمر إلى طلب؟ ~~- ظننت أنك تريد له وظيفة معينة يعينك عليها أصدقاؤك الكثيرون، فأنت صراف قديم، ولك ~~أصدقاء وجهاء في كل مكان. ~~- لا أحد منهم في مثل وجاهتك. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- سعادتك تتعامل مع بنك الوفاء الاقتصادي منذ نشأة البنك. ~~- ولي أسهم فيه أيضا. ~~- أعلم ذاك، أنسيت أني مطلع على كل حساباتك؟ ~~- فليكن ما تقول. # وتم فعلا تعيين لطفي أبو سريع علوان بقسم الائتمان ببنك الوفاء الاقتصادي. # | الفصل الثاني # على مقربة يسيرة من قرية أبي سريع ووجدي الدلجمونة قرية أخرى تسمى الولجة، أشهر من فيها ~~عيدروس النمر، وهو رجل غليظ الجسم بصورة متضخمة، ولكن غلظة جسمه تعتبر نحافة وضمورا ~~إذا قورنت بغلطة فؤاده. مات أبوه وهدان النمر، وترك ولدين وبنتين وكان أربعتهم قد بلغ سن ~~الرشد، ولكن عيدروس ms04 كان قد كون عصابة قبل أن يموت أبوه عملها السرقة، واغتصاب الأرض ~~والقتل بسبب يتعلق بعيدروس أو لغير ذلك من أسباب كأن يطلب منه صاحب مصلحة في زوال شخص ~~ما أن يقتله. وطبعا لم تكن الصداقة وحدها تكفي عيدروس لينفذ قتل خصم القاصد إليه، بل ~~كان يتقاضى مبالغ ضخمة يقدرها هو حسب مقدار الثروة التي يملكها طالب القتل. # وحين ألف عيدروس عصابته كان أبوه ما زال على قيد الحياة، هذا إذا اعتبرنا أن تردد ~~الأنفاس حياة، فقد كان في الموهن الأخير من عمره لا يكاد يعقل ما يسمع، وقد رفق به المولى ~~سبحانه، فلم يطل الأمد الذي كان يتنفس فيه بلا حياة. # فحين مات لم يكن يعلم عن ولده عيدروس إجرامه وجبروته، ولو كان قد علم لما صنع شيئا؛ ~~فقد كان رجلا سلما من هؤلاء الذين يمرون بالحياة، أو تمر بهم، وكأنهم من هوان الشأن ما ~~وجدوا. # وكان فخره الأعظم أنه حافظ على الخمسين فدانا التي تركها له أبوه لم يبع منها قيراطا ~~واحدا، ولم يحاول أن يفكر - رغم أنه لم يكن جوادا ولا صاحب نخوة، وعيشته لم تكن ذات سعة، ~~ولا بحبوحة- أن يزيد في أرضه فدانا واحدا. # وهكذا تملك من عيدروس احتقاره لأبيه احتقارا لا يبديه، وإنما يضمره ضخما عريضا في ~~دخيلة نفسه، فحين انتقل أبوه إلى ربه مر أمر موته بعيدروس كأن شيئا لم يحدث، فقد كان ~~هو وأخوه مراد وأختاه عزيزة ووهيبة يعتبرون منذ زمان بعيد أن أباهم قد مات، وإن كان على قيد ~~الحياة. # واستولى عيدروس على أرض أبيه جميعا بلا مناقشة في الأمر، فمراد كان شابا جاهلا، ~~لا هم له في الحياة إلا أن يحصل من أبيه على ثمن الخمور التي يدمنها إدمانا يأخذ عليه ~~حياته، وأما زوجا عزيزة ووهيبة؛ فهمي وحسين فقد كانا يجمعان إلى الخوف الراعد والجبن المبيد ~~هوان الشأن وامحاء الشخصية. # فكان من الطبيعي أن يستولي عيدروس على التركة جميعها دون أن تواجهه أدنى معارضة، فقد ~~أصدر أوامره لخازن ماله شعبان السحت ms05 بأن يعطي لأخيه كل يوم ما يكفي مأكله وخمره، واعتبر ~~مراد أنه نال أقصى المنى، فهو غير متزوج، ولا راغب في الزواج، فما دامت أم الكبائر هي مذهبه ~~وهواه فلا بأس أن يكون الزنا ديدنه ومبتغاه. # وأما عزيزة ووهيبة فقد وعد عيدروس كلتيهما بمرتب شهري أقل من حقهما، ولكنه أوهمهما أن ~~هذا الفارق مقابل الإدارة وارتضيتا ما قرره، ولم يكن بيد إحداهما إلا أن ترتضيه. # تزوج عيدروس في حياة أبيه فهيمة الحوت ابنة عمدة القرية سليم الحوت، وقد كان هذا ~~العمدة شخصا بلا شخصية، وكان شبه صديق لوهدان، حتى إذا بدأ عيدروس حياته المجرمة كان ~~له عبدا وأهون من عبد، رغم أنه حموه. وأنجب عيدروس من فهيمة ابنتهما سعدية، وكلمة أنجب ~~هنا ليست في موضعها، فهي قريبة في حروفها من النجابة، وهي أمر بعيد كل البعد عن سعدية، ولم ~~يولد لعيدروس وفهيمة غير سعدية رغم سنوات الزواج المتطاولة. # وكانت سعدية تذهب إلى مدرسة القرية، وكان المدرسون يحاذرون أن يوجهوا لها أي تنبيه أو ~~لوم، فحين بلغت العاشرة لاحظ أبوها الذي كان لا يكاد يقرأ أو يكتب أنها لم تتعلم شيئا، ~~وخاصة في مادة الحساب. # والحساب أمر خطير في حياة عيدروس، فانتهز مرة زيارة أبي سريع له، وقال له: يا أخي ألم ~~تكن صرافا؟ ~~- عمري كله قبل أن أسوي معاشي. ~~- سعدية بنتي، أريدك أن تعلمها الحساب، فالمدرسون في المدرسة يخافون منها، ولا ~~يعلمونها. ~~- سأقول لك خيرا من هذا. ~~- قل. ~~- أنا سأعلمها الحساب طول السنة، وفي إجازة المدارس أجعل ابني لطفي الطالب بكلية التجارة ~~يعلمها. ~~- وهو كذلك. ~~- على شرط. ~~- اشرط. ~~- أن يكون هذا هدية مني بلا مقابل. ~~- تستطيع أن تتكلم عن نفسك أما ابنك فاتركه يتكلم عن نفسه. ~~- لا وحياة رأسك لا ينال إلا رضاك. # وهكذا تعرف لطفي وهو في السنة الأولى من كلية التجارة على سعدية، وقد كانت طفولتها تنبئ ~~أنها ستكون في مثل سمن أبيها وقبحه أيضا. # وطبعا انقطع لطفي عن تدريسها حين تخرج، فقد كان نادر الزيارة للبلدة ، حتى ms06 إذا عين أوشكت ~~هذه الزيارة أن تنقطع تماما إلا أنه كان يبيت في نفسه أمرا. # | الفصل الثالث # كانت سعدية في الرابعة عشرة من عمرها حين توقف لطفي عن التدريس لها، وكانت يومذاك تزداد ~~سمنا ودمامة. # وقضى لطفي سنتين في البنك لم يستطع خلالهما أن ينسرب إلى خوافي البنوك ودهاليز المعاملات ~~فيها. # وكان لطفي مصرا على أن يعوض نفسه عن شظف العيش الذي ضيقه عليه أبوه، فلم يكن عجيبا أن ~~يزداد تمسكا بما بيت عليه أمره، ولم لا؟! ليكن أبوها مجرما، فلا شك أنه بإجرامه هذا فرض على ~~الناس في المنطقة جميعا أن يهابوه وترجف قلوبهم عند سماع اسمه، وهو غني يتفاقم فحش غناه كل ~~يوم بأعمال الاغتصاب وسفك الدماء التي يقوم بها بعصابته التي تزداد توحشا في كل ~~يوم. # وأعلم أيضا أن وجدي صفوان سيغضب مما أنتويه، ولكن ما شأني به؟ رجل حريص على حدود الله ~~والحق ومعاني الشرف والكرامة، وتلك الأشياء التي أصبحت أساطير. # نعم كان وساطتي أن أعمل بالبنك كتر خيره، ولكن هل معنى هذا أن أسير على هداه وأنهج في ~~الحياة نهجه، هيهات. # ونعم أبي يعمل لديه بمرتب وصل إلى ثلاثمائة جنيه، ولكن ما شأني بأبي؟ # لا شأن لي بأبي ولا بوجدي ولا حتى بتامر ابن وجدي الذي كان رفيق ملعبي في الطفولة، فقد سار ~~طريقا آخر غير طريقي، فهو من هواة القراءة، وهذا الكلام الفارغ الذي لا يؤدي ولا يجيء ~~بشيء، وقد دهشت أنه دخل كلية الحقوق، وفي نفس العام الذي دخلت أنا فيه كلية التجارة، وتخرج ~~فيها بتقدير كما سمعت، ولكن أباه لم يشأ أن يوظفه ليجعله يعمل محاميا بأحد مكاتب المحامين ~~الكبار، وقد أنهى مدة تمرينه وأبوه يبحث له عن شقة في القاهرة، ولا بد أنها ستكون شقة ~~فاخرة، ومكتبا فخما، فأبوه ليس له إلا هو؛ فليس غريبا أن يغدق عليه، وأن يكون التفاهم ~~والوئام سائدين بين الأب وولده كسنة الحياة، ليس في هذا عجب، إنما العجب حقيقة هو أبي الذي ~~يحب القرش أكثر ms07 من حبه لابنه الوحيد، بل أكثر من حياته. ربما كان محقا فالقرش حلو، والذي ~~يملك مالا يملك كل شيء في الوجود. ما الذي جعلني أفكر في تامر هذا التفكير الطويل؟ ربما ~~علمي بغضبه وغضب أبيه وجدي مما أنا مقدم عليه، ولكن أيصل الغضب إلى إبعاد أبي عن العمل؟ لا ~~أظن، وإن فعل ما شأني أنا؟ لعل أبي يدرك أن إصراره على التقتير علي كفيل بأن يجعلني أقيم ~~حياتي كما أشاء حتى ولو أسأت إليه بعض الإساءة، أو كل الإساءة، ولكن لا أعتقد أن وجدي ~~سيستغني عن أبي، وأنا مالي؟ ليكن من أمر أبي ووجدي وتامر وكل الناس ما يكون. أنا ليس لي في ~~الدنيا إلا أنا وأمي، ولكنها لا تقدم ولا تؤخر كأنها صدى صوت لأبي أو كأنها ظل من ~~ظلاله. ~~- آبا. ~~- مالك؟ ~~- أريد أن أتزوج. ~~- ألست متعجلا؟ ~~- يا أبي إنك ليس لك ولد إلا أنا. ~~- وما صلة هذا بذاك؟ ~~- ألا تحب أن ترى أطفالي تلعب حولك؟ ~~- أهذا ما يجعلك تعجل بالزواج؟ ~~- ليس وحده. ~~- فقل السبب الحقيقي ولا تراوغ أباك. ~~- السبب أنني وجدت العروس المناسبة التي لن يكلفك زواجي منها إلا أقل القليل. ~~- هذا في ذاته شيء عظيم، ولكن من هي، هل أعرفها؟ ~~- بل أنت الذي عرفتني بها. # وانتفض أبوه واقفا وهو يصيح: يا نهارك أسو... # لم ينطق الدال، فقد أخذه الذهول، وراح لطفي يقول له: يابا اهدأ. # وانحط أبو سريع على الكرسي الذي انتفض منه وهو يقول: أهذا معقول؟! ~~- ما هو الذي ليس معقولا؟ ~~- ألا تخاف من أبيها؟ ~~- أولا ليس هناك أي سبب أن أخاف أنا من أبيها، فنحن لسنا في بلدة واحدة، ولا يمكن أن ~~يطمع في أرضك، فهو لا يغتصب أرضا خارج الولجة. ~~- هذا أولا فما ثانيا؟ ~~- ثانيا أنا حين أتزوج سعدية سأصبح مكان ابنه. ~~- وما الذي يجعله يقبل؟ أنت شاب في أول حياتك ومال أبيك لا يقارن بثروته. ~~- أبي، هل أنت حقا لا تدري السبب؟ ~~- مال أبيها يشفع لها. ~~- مال قارون لا يشفع لقبحها وضخامة جسمها. ms08 ~~- فلماذا اخترتها؟ ~~- أنا ابن أبو سريع، فلا مانع أن أكون على قدر كبير من السعي إلى القرش، حتى ولو كان في ~~فم الأسد. ~~- أو في فم النمر. ~~- إذن فهل وافقت؟ ~~- ربنا يسلم، إنني حين أخرج من عند عيدروس بعد زيارة له لا أصدق أنني على قيد ~~الحياة. ~~- سيتظاهر بأنه مندهش، ولكنه خبيث ويعلم أن مثل ابنته - إن كان لها مثل - من المستحيل أن ~~تجد زوجا مثلي. # قال أبو سريع: يا سعادة البك جئتك اليوم من أجل ابني. ~~- لطفي؟ ~~- وهل عندي غيره؟ ~~- سمعت أنه توظف. ~~- نعم. ~~- مبروك. ~~- أجل المبروك بضع دقائق. ~~- خيرا. ~~- يريد أن يتزوج. ~~- وماله، شاب متخرج في الجامعة وموظف من حقه أن يفكر في الزواج. ~~- ليس هذا ما جئت من أجله. # وبدأ عيدروس يفهم، ولكنه في لؤم الفلاحين تخابث: فماذا تريد؟ ~~- الولد اختار عروسا عظيمة، وبنت رجل عظيم، وأخشى كما يخشى أن نرد خائبين. # وفي نفس اللؤم قال عيدروس: أتريد أن أكلم أباها؟ ~~- لست في حاجة إلى ذلك. ~~- ماذا تريد مني؟ ~~- أن تكلم نفسك. ~~- هل جننت؟ كيف أكلم نفسي؟ ~~- سعادتك أبو العروس. ~~- ماذا؟ # وصمت وكأنه تلقى مفاجأة، كان على ثقة أن لطفي يريد أن يتزوج ماله وسلطانه، ولكن ماذا تملك ~~سعدية مما يرغب فيها طالبيها إلا مالي وسلطاني، فمهما تكن ابنتي فأنا أعرف مقدار جمالها. ~~أتضحك على نفسك، وهل لها أي جمال؟ وما المانع أن يكون لطفي زوجا لها؟ ولكن علي أن أتمهل، ~~فإن سارعت أدرك ما يعتمل في صدري. قال لأبي سريع: والله أنت فاجأتني. ~~- أعلم ذاك. ~~- هل هو متعجل؟ ~~- سعادتك تعرف الشباب. ~~- إنما لا بد أن تترك لي فرصة للتفكير. ~~- العروسة تعرف العريس، وكان مدرسا لها. ~~- ولكن لا بد من التفكير. ~~- وهل يجرؤ أحد أن يقول غير هذا لها، ابنتك الوحيدة أطال الله لك عمرها، وأطال لها ~~عمرك؟ ~~- تعال بعد غد. ~~- وماله، أمرك، إنما لو كان غدا يكون أحسن. ~~- ما هذه العجلة؟ ~~- لا نحتمل أنا وابني القلق والخوف يومين، اجعلها غدا الله لا يسيئك. # كان أبو سريع ms09 أيضا في غاية الخبث في إلحاحه هذا، فهو يريد أن يجعل عيدروس يتأكد من ~~مقدار الرغبة الشديدة عنده وعند ابنه في إتمام هذا الزواج. # ران الصمت لحظات، ثم قال عيدروس: وهو كذلك، غدا أعطيك جوابي. ~~- يدك أقبلها. # وقبل يده، فعلها وقام منصرفا. # وفي الغد تمت الخطبة، وبعد أسبوعين تم الزواج، وحصل عيدروس لابنته على شقة بمدينة نصر ~~كتبها باسمها، ولم يكلف أبا سريع ولا ابنه إلا مهرا قدره بألف جنيه مقدم، ومثلها كمؤخر، ~~فقد خشي أن يغالي في المؤخر، فيعلن بذلك عن قبح ابنته، فلم يزد المؤخر عن المقدم، وكان ~~عيدروس يعلم كل العلم أن لطفي سيكون شبه خادم لسعدية؛ فهو - لا شك - يعرف سطوة أبيها ~~وجبروته، والذي يقتل بالأجر لأجل الغير لا يتردد أن يقتل من أجل ابنته. # وكان أبو سريع ولطفي كلاهما يقدران كل هذا الذي دار بذهن نسيبهما الجديد، وكان لطفي يعلم ~~غاية العلم أنه أتى لنفسه بزوجة تمتلكه جميعا، ولا يملك منها إلا ما تريد أن تجود به عليه، ~~ولكن منذ متى كان صاحب كرامة، وهو الذي حرمه أبوه الثري أجر المواصلات إلى كليته؟! ودعنا ~~نردد البيت الشهير الذي يصنعه لطفي، وإن كان لم يسمع به، فما كان له في الأدب نصيب مهما كان ~~ضئيلا: # من يهن يسهل الهوان عليه # ما لجرح بميت إيلام # | الفصل الرابع # كان أيسر شيء على عيدروس أن يشتري أرض أختيه بأبخس الأثمان، فقد خشي أن يسبقهما إلى ~~الآخرة، فتقاسمان سعدية الأرض، فحين عرض الشراء على عزيزة ووهيبة شجع فهمي عزيزة بمثل ما ~~شجع به حسين وهيبة؛ نحن لا نأخذ من الأرض إلا ما شاء هو أن يقدمه لنا، ولا يجرؤ أحد منا أن ~~يحاسبه؛ فلنأخذ ما يجود به علينا ثمنا لها، ونصبح بعيدين عن سطوته وجبروته. وتم الشراء ~~وسجله عيدروس من أختيه إلى ابنته مباشرة واثقا أن لطفي يرتعد أن يفكر في الحصول على ~~ريع الأرض، أما مراد فقد انتهز عيدروس فرصة الصباح قبل أن يعاقر خمره، وقال له: ما رأيك ms10 ~~يا مراد أن تبيع أرضك لابنتي سعدية؟ # ووجم مراد لحظات وقال لأخيه: أخاف يا عيدروس. ~~- مني؟ ~~- بل من نفسي. ~~- أنا أعرف كما تعرف أنني حين أشرب أصبح مسرفا لا قيمة للمال عندي، وأخشى أن ينتهز الذين ~~يشاربونني الفرصة فيستولوا على مالي كله في بضعة أيام، وأصبح يا مولاي كما خلقتني. ~~- تفكير سليم. ~~- لا تخف مني، فإنني حين أكون مفيقا يتلبسني العقل حتى أشرب. # ولم يكن عيدروس يتوقع أن يكون أخوه مستطيعا أن ينظر إلى المستقبل بهذا الحرص، وأدرك ~~مراد ما يفكر فيه أخوه، فقال: لا تعجب فلو لم أكن قادرا على بعد النظر أحيانا لتزوجت. ~~وضحك عيدروس ملء فمه، وواتته فكرة سارع بعرضها على أخيه. ~~- عندي فكرة. ~~- وأنا تحت أمرك. ~~- أنت تعلم طبعا أنني لا بد أن أشتري الأرض. ~~- أعلم ولو أن الله وحده هو الذي بيده الموت والحياة، ومن يدري ربما كنت أسبق إلى لقائه ~~منك، فالموت لا يعرف أعمارا. ~~- أنا أعمل احتياطي. ~~- معقول. ~~- ما رأيك أن أشتري منك الأرض، وأقسط ثمنها على أقساط شهرية، وأكتب لك كل شهر كمبيالة ~~بالباقي من ثمنها، حتى إذا مت قبلك تستوفي باقي الثمن من سعدية. # وصمت مراد بعض الحين، وأدار ما يعرضه عليه أخوه في رأسه فوجده معقولا. ~~- نتوكل على الله. # وهكذا اشترى عيدروس أرض مراد باسم سعدية، ولم ينس أن يكتب أرضه هو كلها باسمها ~~أيضا. # ووقعت سعدية كمشترية في الشهر العقاري، وكان لطفي أحد الشهود، ولكنه كان واثقا كما كانت ~~سعدية واثقة أن هذا الانتقال للملكية ليس له أي معنى ولا عواقب ما دام عيدروس على قيد ~~الحياة. # | الفصل الخامس # حرص أبو سريع أن يرد الأمانات إلى أصحابها عند طلبهم لها، فاشتهر في القرية بالأمانة شهرة ~~عامة، فتزاحم عليه أصحاب الأمانات حتى شعر أنه قد آن له أن ينفذ ما ينتوي عليه فقصد إلى ~~وجدي بك. ~~- يا وجدي بك لي عندك رجاء. ~~- خيرا. ~~- تامر أطال الله عمره تزوج وأنجب لك وجدي الصغير. ~~- ألا تفكر أن تقدم له هدية؟ ~~- قل ما ms11 تريد دون لف ولا تحايل. ~~- أنا لم يعد لي عيشة هنا، ابني الوحيد مقيم بمصر ومعه زوجته وهي حامل، وأريد أن أكون إلى ~~جانبه. ~~- وأرضك؟ ~~- هذا ما جئت إليك فيه. ~~- أتريدني أن أشتريها؟ ~~- أنت تعرف ثمن الفدان الآن أصبح مرتفعا، ولا يستطيع أحد أن يشتريها إلا أنت. ~~- أنا أعرف أنها أرض خصبة، وتصلح لزراعة الفواكه. ~~- ومجاورة لأرضك. ~~- كم تقدر ثمنا للفدان؟ ~~- سعادتك تعرف أثمان الأرض عندنا. ~~- وأنا اشتريت. ~~- وأنا بعت. ~~- أتريد الثمن كله دفعة واحدة؟ ~~- أنا لا أريد أن تكون لي صلة بالدلجمونة، فليس لي إلا ابني وزوجتي سلمى التي تتوق أن ~~تكون بجانب ابنها. ~~- الكلام معقول. ولو أنني أريدك أن تظل رقيبا على حساباتي. ~~- ميخائيل وسعيد في غاية الأمانة والدربة، وأنت لا تحتاج إلي. ~~- اكتب العقد. ~~- اسمح لي أسأل بكم؟ ~~- الثمن معروف. ~~- لكي يطمئن قلبي. ~~- أربعمائة ألف جنيه. ~~- ونعم الرجال أنت. ~~- وسأعطيها لك كاملة عند التسجيل. ~~- سأبدأ في الإجراءات من الغد، ولن آخذ منك عربونا. ~~- أنت تعرفني. ~~- كلمتك عقد وشيك معا؛ إني أعرفك حياتي كلها. # الشيخ عبد الحميد أبو جريشة شاب كفيف البصر يقرأ القرآن في المآتم وفوق القبور بقرية ~~الدلجمونة أمله في الحياة أن يتزوج، ولهذا راح يدخر الجنيه فوق الجنيه، حتى إذا تقدم للزواج ~~وجد عنده ما يستطيع أن يقيم به حياته وحياة بنيه، وكان الشيخ عبد الحميد حريصا أن يجالس ~~أهل القرية، ويتعرف على أخبارهم، فالوقت على الكفيف متطاول ثقيل، ولهذا كان عبد الحميد ~~يعتبر زواجه موضوع حياة أو موت. # وكان يسمع فيما يسمع من أهل القرية بعضهم يقول للآخر: لقد تزوج فلان من زوجة وقاك الله ~~النظر إليها. إنها أقبح من قمر العوراء. # فاستقر عزم عبد الحميد على الزواج من قمر العوراء، وهل يصلح للعوراء إلا كفيف مثلي؟ خاصة ~~أنها فقيرة معدمة تقوم بالخدمة في بيوت الأعيان، وعين واحدة تكفي كلينا. # ولم يتمهل عبد الحميد. # كان لعبد الحميد صديق قارئ قرآن مثله، ولكنه كان بصيرا، وكان اسمه سلامة مرسي، وكان عبد ~~الحميد وصديقه سلامة يتسمان ms12 بالظرف والفكاهة الذكية، ومن العجب أن عبد الحميد كان أكثر أهل ~~القرية سخرية من أناسها، فكان كثير من الشباب يستحبون أن يتحلقوا حوله في أوقات فراغهم، ~~فتتعالى منهم الضحكات لتعليقاته اللاذعة المتجددة. وكان يجالسه مع سلامة، الورداني عوض ~~وغيرهما من شباب القرية. وفي جلسة من هذه الجلسات تخافت الصوت حوله حتى أحس أنه لم يبق معه ~~إلا سلامة. ~~- سلامة. ~~- ما لك؟ ~~- هل نحن وحدنا؟ ~~- نعم. ~~- فقم بنا. ~~- إلى أين؟ ~~- فقط هيا بنا، وسأخبرك في الطريق. ~~- هيا بنا. # وحين بدأ بهما الطريق قال عبد الحميد: هل يسمعنا أحد؟ ~~- لا، انطق ماذا تعوز؟ ~~- أعوز أن أذهب إلى قمر العوراء. ~~- أعوذ بالله. ~~- أعوذ بالله منك. ~~- فيم تريدها؟ ~~- إذا قلت لك لا تضحك. ~~- لعلك تريد أن تتزوجها. ~~- وأي عجيبة في ذلك. ~~- إن قبحها لا يتصوره بشر. ~~- فما فائدة العمى إذا لم أظفر بالزواج بها؟ ~~- وأنا ما ذنبي حتى أراها؟ ~~- إنك صديق لأعمى فلا عليك أن تذهب به إلى عوراء. ~~- والله إنك على شدة قبحك أكثر صباحة منها. ~~- حتى تعرف ميزات العمى يا مغفل. ~~- كتر خيرك. ~~- قل لي، الولد زردق الشنواني. ~~- ماله؟ ~~- كثير المجيء إلينا في هذه الأيام، كان في جلستنا اليوم، وكان هنا أيضا من ~~يومين. ~~- يريد أن يتزوج هو الآخر مثلك. ~~- هكذا، ومن العروس؟ ~~- نبوية بنت الشيخ عبد الفتاح أبو إسماعيل. ~~- وتمت الخطبة؟ ~~- هو طلبها. ~~- وطلبه معناه أن الخطبة قد تمت. ~~- لك حق. ~~- الشيخ عبد الفتاح كما تعرفه يخاف من خياله ويرتعد إذا ذكر أحد أمامه أنه يملك ثمانية ~~أفدنة مخافة أن يخطف منه فدانا. ~~- يقولون إنهما قريبا سيتزوجان. ~~- لا بارك الله في هذا الزواج. ~~- إي والله لا بارك الله فيه. ~~- زواج سفاح من أرض لا من عروس. ~~- يقولون إن سيده عيدروس مقتر عليه وعلى إخوانه من سفاحي عصابته. ~~- فلماذا لا يتركه زردق؟ ~~- هل جننت؟ ~~- وماذا في ذلك، فإن لم يكن عيدروس يعطيهم ما يكفيهم، فهناك مائة عيدروس ~~غيره. ~~- يظهر أن زواجك من قمر العورة سيذهب بعقلك. ~~- لماذا؟ ~~- أولا زردق وشمندي وسرور وعبادة ms13 الذين يكونون عصابة عيدروس لا يجرؤ واحد منهم أن ~~يتركه؛ لأنه سيأمر الثلاثة الآخرين بقتله على الفور. ~~- وثانيا؟ ~~- ليس في الجهة أحد يجسر على أن يستأجر واحدا كان من عصابة عيدروس، المسألة فيها ~~رقاب يا سيدنا. ~~- لك حق. ~~- نحن لنا مدة طويلة نمشي، ألم نصل؟ ~~- وصلنا. ~~- فلماذا لم نذهب إلى البيت؟ ~~- قلت أدور بك بعض الوقت لعلك تعدل عن فكرتك. ~~- والله لا أعدل أبدا، ولو مشيت بي إلى الآخرة. ~~- الأمر لله، انتظر حتى أطرق الباب. # وجاء الصوت. ~~- من؟ ~~- افتحي يا قمر أنا عبد الحميد. ~~- عبد الحميد من؟ ~~- عبد الحميد أبو جريشة. ~~- أهلا وسهلا. # وفتحت الباب وما إن رأت الشيخين حتى صاحت: والشيخ سلامة. ~~- كيف حالك يا قمر؟ ~~- يسلم حالك، كان علي أن أتوقع، فأنتما لا تفترقان. ~~- إن كنا نفترق أحيانا، فاليوم لا بد أن أكون معه. ~~- أهلا شرفتما، أحضر لكما كوبين من الشاي. # وقال عبد الحميد: اقعدي بلا شاي بلا غيره، وهل كنا قادمين من أجل شايك؟ ~~- قعدت، إنما الزيارة غريبة يعني. ~~- بعد قليل تعرفين أنه لا غريب إلا الشيطان. ~~- أعوذ بالله، خيرا يا مشايخ. # وقال عبد الحميد لسلامة: هل ستتكلم أنت أم أتكلم أنا يا شيخ سلامة؟ ~~- يقولون إن الحياء في العين، وأنت والحمد لله لا ترى، ما المانع أن تتكلم أنت؟ # وقالت قمر: هل الكلام خطير إلى هذه الدرجة، فليتكلم أي واحد منكما. # وقال الشيخ عبد الحميد: لا حياء في الدين يا سلامة، وعلى كل حال أعفيتك فأنا أعرف أنك نذل ~~عند الحاجة إليك، اسمعي يا ست قمر. # وجف حلقه فسكت وصاح سلامة: الشيخ عبد الحميد يريدك زوجة له. # وساد الصمت طبعا، وهل يتزوجني إلا أعمى، أنا أعرف هذا في نفسي، ولو أن الآمال كانت تطوف ~~بخاطري أحيانا مثل أي بنت، إلا أنها عشم إبليس في الجنة. أنت الآن مخيرة ليس في رفض عبد ~~الحميد أو قبوله، إنما أنت مخيرة بين الزواج أو عدم الزواج إلى الأبد، ولكن في الزواج ستر، ~~ولعله يريحني من خدمة البيوت، وتخلجت شفتاها ms14 بعد إطباق طويل لتقول: وماله، الشيخ عبد ~~الحميد رجل طيب، وأهلا به على كل حال. ~~- إذن موافقة؟ ~~- لي بعض أسئلة. ~~- اسألي ما شئت. ~~- هل ستجعلني أخدم في البيوت كما أفعل الآن؟ ~~- أهذا كلام، أتكونين زوجة لرجل يحمل كلام الله، وتخدمين في البيوت! ~~- أطال الله عمرك، ويا ترى هل ستدفع مهرا؟ ~~- يا سبحان الله، طبعا، والمهر الذي تحددينه. # وصمتت قمر ثانية، الآن أستطيع أن أكون مثل الأخريات، وأسمي المهر الذي أريده على الأقل ~~لأعرف إن كان متمسكا بي، أم هي زيجة والسلام، وله أن يماكسني، فإذا فعل أقبل ما يعرضه، ~~وتخلجت شفتاها مرة أخرى لتقول: ثلاثمائة جنيه. ~~- مهرك ثلاثمائة جنيه مقدما، ومثلها في المؤخر. ~~- على بركة الله. # وقال سلامة: نقرأ الفاتحة؟ # وقالت قمر: نقرأها. # وقرءوا الفاتحة، ثم قالت قمر: متى تريد أن يتم الزواج؟ ~~- إن كان الأمر متوقفا على إرادتي، فأنا أريد الآن، وسلامة يحضر الشيخ عمران والشاهد ~~الثاني. ~~- وأنا أيضا أتمنى ذلك، إلا أنني وعدت الحاجة ليلى زوجة الشيخ عبد الفتاح ألا أتركها إلا ~~بعد أن تتزوج بنتها نبوية. ~~- من زردق؟ ~~- اسم النبي حارسك. ~~- وماله. ~~- وأخشى أن أخلف وعدي. ~~- تخشين من زردق طبعا. ~~- مجرم، والقتل عنده مثل شرب الماء. ~~- وماله يا ست قمر، أوفي بوعدك. ~~- وأنا أيضا أريد أن أشتري جهازا مثل العرائس. ~~- من حقك. توكلي على الله. # وقال سلامة: مبروك يا شيخ عبد الحميد، مبرك يا قمر، زواج خير إن شاء الله. # وخرج الشيخان، وقال سلامة: كل شيء معقول إلا أنك ستدفع ثلاثمائة جنيه مهرا، من أين لك ~~بها؟ ~~- اسمع يا سلامة، نحن صديقان كأخوين، وأنا كفيف، وأنت مبصر، فأنت ترى خلجات وجهي، وتعرف كل ~~ما يعتمل في صدري، وأنا لا أعرف خلقتك. ~~- هذا حق. ~~- أريد أن أحس أن لي سرا خاصا أحتفظ به لنفسي. ~~- هذا حقك، ولن أسألك بعد اليوم. # وكان الليل قد أمسى فأوصل سلامة صديقه عبد الحميد إلى بيته، ولم ينس أن يحتضنه مكررا ~~التهنئة، وانصرف وخلا عبد الحميد إلى الراديو يستمع إليه، ولكن خواطره تذهب ms15 به إلى ذلك اليوم ~~الذي تخلص فيه من سلامة بحجة أنه على موعد لقراءة القرآن بالولجة في أحد المآتم، وأن أصحاب ~~العزاء سيرسلون إليه من يأخذه. وحين خرج من بيته بعد انصراف سلامة صاح في الطريق: السلام ~~عليكم، وأجابه شخص جالس بالقرب من منزله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ~~- يا مرحبا، من الرجل؟ ~~- أنا رزق حلحول. ~~- أهلا رزق، هل أستطيع أن أقصدك في مكرمة؟ ~~- أنا تحت أمرك يا شيخ عبد الحميد. ~~- هل أنت مشغول؟ ~~- وإن كنت مشغولا أنا في خدمتك، يكفي أنك تحفظ كلام الله يا أخي، والمشي معك بركة. ~~- بارك الله فيك، وجعل رزقك واسعا إن شاء الله يا رزق. ~~- يسمع منك ربنا يا شيخ عبد الحميد. ~~- خد بيدي وحياتك إلى بيت الحاج أبو سريع. ~~- وما له، هات يدك. # ومشيا وراح عبد الحميد يبرر هذه الزيارة. ~~- كنت مع الإخوان وسمعت أنه سأل عني. ~~- لعله يريد أن يعمل خاتمة بمناسبة نجاح ابنه. ~~- ربما، كلها أرزاق يا رزق. # وما هي إلا بعض جمل من الحوار، حتى وقف به رزق. ~~- هذه هي الدار. # وطرق الباب. # وجاء صوت أبي سريع من الداخل: من الذي يخبط الباب؟ ~~- افتح يا حاج، أنا عبد الحميد أبو جريشة. # وهمس رزق لعبد الحميد: سلام عليكم أنا يا شيخ عبد الحميد. # وانصرف وفتح أبو سريع الباب، وأخذ بيد الشاب حتى أجلسه وهو يقول: أهلا. ~~- لا مؤاخذة يا عم الحاج، هل معنا أحد؟ ~~- تكلم يا شيخ عبد الحميد، فزوجتي في زيارة، ولطفي في مصر كما تعلم. # وفك الشيخ زرائر صديريته ودس يده في صديري آخر تحت الأول ملاصق لجلده، وأخرج رزمة من ~~الجنيهات واضحة الضخامة، وأعطاها لأبي سريع وهو يقول له: عد هذه الجنيهات يا عم أبو ~~سريع. # وفي دهشة بالغة راح أبو سريع يعد جنيهات الشيخ، ثم قال: ألف وثلاثمائة جنيه. ~~- هي كذلك، وإن شاء الله سآتي لك ببعض مئات أخرى، وأترك المبلغ كله أمانة عندك. ~~- أحفظه بين عيني، أكتب لك إيصالا؟ ~~- يا عم الحاج أنا كفيف. إذا لم ms16 أأتمنك ما جئت إليك، وكيف سأقرأ الإيصال الذي ستكتبه، أنا ~~ادخرت هذا المبلغ من كدح العمر كله، والله يعلم مقدار ما عانيت في سبيل جمعه، فأنا أريد أن ~~أتزوج ويصبح لي أبناء مبصرون أعوض بهم شقائي، وأحس أني آدمي مثل الآخرين، وخشيت أن ينتهز ~~أحد فرصة بصري المكفوف فيفجعني فيه، وأنا لم أجئ إليك إلا بعد أن ذاع صيتك أنك ترد الأمانات ~~إلى أهلها، وأن الناس جميعها ترفض أن تأخذ منك ورقة بما استأمنوك عليه. توكل على ~~الله. ~~- انتظر، كيف ستسير؟ ~~- لن أعدم ابن حلال كالذي أوصلني إليك. # ووجد عبد الحميد من يأخذ بيده إلى صحبته الذين يجالسهم كل يوم منذ العصر حتى صلاة العشاء، ~~أو بعدها بقليل، وكان سلامة مع الصحبة، وقال له سلامة: لماذا لم تذهب إلى مأتم ~~الولجة؟ # وقال عبد الحميد وكان قد أعد الإجابة: لم يرسلوا لي أحدا، الظاهر جاءوا بشيخ آخر أرخص ~~مني. # نعم مثلما قلت لسلامة، لا بد أن أستمتع بسر لي لا يطلع عليه أحد، أليس هذا من حقي؟ سبحان ~~الله. لقد أصبحت الألف والثلاثمائة اليوم ألفا وستمائة تضمن العيش لقمر ولي إن شاء ~~الله. # | الفصل السادس # كان تامر فتى قليل المثال في جيله، ولا شك أن هذا راجع إلى عناية والده به عناية فائقة، ~~ورغم أنه يزرع أرضه بنفسه إلا أنه كان يحرص أن يهب لابنه كل الاهتمام، فتراه قد حرص منذ صغره ~~أن يجعله يقرأ القرآن، ويحفظ سورا منه، كما شجعه على القراءات الأخرى بادئا بكتب الأطفال ~~متدرجا معه، وحين بلغ تامر سن المدرسة أدخله مدرسة فرنسية ليتقن لغة أخرى بجانب العربية، ~~وانتقل تامر إلى القاهرة مع والدته صالحة هانم عبد البر كريمة المستشار عبد البر الوسيمي، ~~الذي لم ينجب إلا صالحة وأختها ثريا. # ولوجدي بيت أنيق في القاهرة، ولكنه كان يقضي أغلب وقته بالدلجمونة مع أرضه. فحين دخل تامر ~~المدرسة انقلبت الآية، وأصبح حريصا أن تكون الإقامة الأساسية في القاهرة، مع حرصه الشديد ~~على أن يقيم يومين أو ثلاثة كل ms17 أسبوع بالبلدة. # أما صالحة فلم يكن لها شاغل في الحياة إلا تامر، وكانت هي أيضا مثقفة ثقافة فرنسية، وإن ~~لم تكن حاصلة على شهادة عالية، وكانت دائما تذاكر مع تامر، حتى إذا فاق ثقافتها كانت ~~تستحثه على المذاكرة والقراءة في وقت معا، ومع هذا فقد كانت صالحة كما كان وجدي حريصين أن ~~يقبل تامر على المذاكرة والقراءة إقبال محب، لا إقبال مرغم، فكانا يتيحان له أن يخرج مع ~~أصدقائه حين يشاء، أو يجلس إلى التليفزيون، أو يستمع إلى أغاني الراديو، أو يذهب إلى ~~السينما أو الحفلات كلما تاقت نفسه إلى ذلك، بل كان الوالدان يصحبان ابنهما إلى أوروبا كلما ~~عن لهما أن يسافرا سواء كان السفر من أجل الترويح عن النفس أم كان سفرا من أجل العمل؛ ~~فقد كان وجدي بارعا في الزراعة، ومكنت له براعته أن يصدر نتاج أرضه إلى الخارج، حين أصبح ~~التصدير متاحا، ويشاء مؤلف القلوب أن تتواصل الألفة التي صارت إعجابا، ثم أصبحت حبا ~~متبادلا بين تامر وابنة خالته رحاب التي حرص والدها أمجد وأمها ثريا عبد البر الوسيمي على ~~تنشئتها أعظم تنشئة، وكان أمجد يعمل وكيل نيابة مع والد ثريا، فأعجب بالوالد، وحدث أن رأى ~~ابنته فتقدم لخطبتها، وتم الزواج، وأنجبا رحاب، وأصبح أمجد مستشارا مثل حميه، وإن كان ~~حموه قد سبقه إلى المعاش بطبيعة السن. وقد حرص أمجد أن تنال رحاب من التعليم أحسنه، واختار ~~لها هو أيضا المدارس الفرنسية مثله ومثل أمها التي لم تنل هي أيضا شهادة عالية، شأنها في ~~ذلك شأن أختها صالحة. # وكانت رحاب وضيئة القسمات، مشرقة الطوايا، وشع إشراقها المستخفي على معارف وجهها المعلنة ~~بزينة جمال أخاذ قل أن تتمتع به فتاة ولا يتملكها الغرور والزهو، ولكن الخلاق المصور شاء ~~أن يمنحها جمال القلب والوجه معا، ويرد عنها كبر الصباحة واستعلاءها، وقد كانت رحاب تصغر ~~تامرا بسنتين، فكانا رفيقي ملعب وصديقي فتوة وحبيبي شباب. # وكان زواجهما أمرا متفقا عليه بين ذويهما دون مصارحة لا يحتاج إلا أن يتخذ مراسمه ms18 ~~الشرعية. # وكان الوالدان والأمان والجدان والجدتان جميعا سعداء غاية السعادة بما يؤلف بين تامر ~~ورحاب من حب مكين يمنعهما الحياء أن يبدياه إلا في نظرة أو تحية مشرقة أو اهتمام من كل ~~منهما بأنباء الآخر المدرسية، ثم الجامعية، بل إنه اهتمام لا تفوته حتى الأخبار الثقافية أو ~~أسباب الترويح والمسلاة لكل منهما. # وكانت رحاب تنتقل إلى السنة الثالثة بكلية الآداب حين تخرج تامر في كلية الحقوق بتقدير ~~يمكنه من الانتظام بسلك النيابة ليصبح مثل جده وحميه، ولكن كليهما نصح له أن يعمل ~~بالمحاماة، واختارا له مكتب صديقهما المحامي الشهير رشدي فاضل، ومالت نفسه إلى هذا ~~الرأي. # وفاتح تامر أباه وأمه بمشهد: بابا أترى بأسا أن أتزوج؟ ~~- ولكن العروس أمامها سنتان حتى تتخرج مثلك. ~~- إننا متفقان أنها لن تعمل بالشهادة. ~~- أخشى أن يتوجس والداها أن يشغلها الزواج عن المذاكرة. ~~- إذا فعلا يكون الصواب قد جانبهما؛ فهما أدرى الناس بابنتهما ويعلمان مقدار حرصها على ~~الحصول على هذه الشهادة. ~~- والله ما أحب إلي. # وقالت صالحة: والله تامر محق؛ فيم التأخير؟ سأكلم ثريا فورا. # وتم الزواج في فرح وقور فخم. # وحين تقدمت رحاب إلى امتحان الليسانس كانت حاملا في وجدي، وتعاقبت الأفراح على الزوجين ~~وأهليهما بالنجاح والمولود في مواعيد متزامنة، وزادهم سعادة أن تامر افتتح مكتبه بعد أن أتم ~~سنتي المران، وأصبح محاميا مستقلا تهيئ له مرافعاته في مكتب رشدي فاضل مستقبلا زاهرا ~~في المحاماة. # | الفصل السابع # في قرية الولجة يملك سعفان الأشهب ثلاثة أفدنة ليس يدري أي عفريت زين لعيدروس أن ~~يستولي عليها، فاستدعى سعفان. ~~- أريد أرضك. ~~- أنا ليس لي إلا هذه الأفدنة الثلاثة أعيش عليها أنا وعيالي. ~~- اشتر غيرها. ~~- إنها أرض أبي وجدي، ثم سعادتك تعلم أن أحدا لا يبيع أرضه في الولجة. ~~- اشتر في غير الولجة. # وأترك بلدي أيضا. ~~- هذا أصلح لك. ~~- إنما قل لي يا بك، أرضي معي منذ مات أبي ولم تفكر في شرائها. ما الذي أغراك بها ~~الآن؟ ~~- كانت بجانب أرض أخي مراد، وأنا اشتريت أرض مراد ، فأصبحت ms19 بجانب أرضي. ~~- وشراؤك لأرض أخيك يأتي على دماغي أنا. ~~- أنا لا أناقش. ~~- أعرف. ~~- ففيم كلامك؟ ~~- أقول آه. أليس من حقي أن أقول آه؟ ~~- قل ما شئت. ~~- الأرض عزيزة. ~~- هل أعز من حياتك؟ ~~- هل وصل الأمر إلى الحياة؟ ~~- ألا تعرف ذلك؟ ~~- ما دام الأمر كذلك، فاترك لي فرصة أشاور إخوتي، ونبحث معا عن قطعة أرض إن لم يكن في ~~الولجة ففيما جاورها. ~~- أنا لا أحب أن أصدر أمرا ويتأخر تنفيذه إنما لا بأس خذ وقتك. # في اليوم التالي لهذا الحديث كان أبو سريع في زيارة لعيدروس، فحين بلغ منزله أجلسه ~~الخادم مبروك بغرفة الجلوس، وكان لها باب آخر يفضي إلى غرفة من غرفات المنزل. وجلس أبو سريع ~~ينتظر عيدروس، فإذا بصوته يأتي إليه من الحجرة المجاورة، وكان مسموعا جليا؛ مما يدل ~~على أن مبروك لم يخبره بمجيء أبي سريع. قال عيدروس: الولد سعفان الأشهب كان عندي أمس ~~وابن الكلب ماطل في بيع أرضه. # وعلا صوت عرفه أبو سريع، إنه صوت شمندي رئيس عصابة عيدروس. ~~- وما له، هل هو أحسن من الذين قتلناهم؟ # وقال سرور: هي رصاصة، وياما قتلنا من هو أعظم منه. # وقال عيدروس: اليوم كم في الشهر. # قال زردق: اليوم خمسة منه. ~~- في الخامس عشر من الشهر يذهب أربعتكم لبيته، وهو على العشاء اقتلوه واقتلوا أسرته ~~جميعا. # ارتعدت فرائص أبي سريع، وحار في أمر نفسه إن بقي في مكانه عرف عيدروس أنه سمع ما دار ~~من أمر المقتلة، وإن انصرف سيخبره مبروك أنني كنت هنا وانصرفت، فيدري أنني اطلعت على سره، ~~والغالب أن يقتلني أنا أيضا. # وأتته فكرة؛ خرج من الغرفة، ووجد مبروك غير بعيد منه فقال: يا مبروك، والنبي يا بني أريد ~~أن أتوضأ لألحق بالمغرب قبل أن يفوتني، والمغرب درة فالتقطوها. ~~- وماله يا عم أبو سريع، تعال معي. # وذهب أبو سريع فتوضأ مع أنه كان متوضئا، وبدأ يصلي المغرب الذي كان صلاه قبل مجيئه ~~مباشرة، وسمع وهو يصلي صوت مبروك وهو يقول لسيده: الحاج أبو سريع هنا . # وأحس ms20 أبو سريع بذعر عيدروس وهو يقول: ماذا تقول؟ متى جاء؟ ~~- في التو واللحظة، وطلب أن يتوضأ، وهو الآن يصلي. ~~- أين؟ ~~- هنا بالحجرة التي بجانب الحمام. ~~- ألم يدخل حجرة الجلوس؟ # وبسليقة الكذب غير الواعي قال مبروك: طلب أن يتوضأ ساعة مجيئه. ~~- وأدرك أبو سريع أنه نجا بكذبة مبروك، وأتم صلاته، وجلس إلى عيدروس. ~~- يا مرحب يا حاج أبو سريع. ~~- رحب الله بك يا سعادة البك، جئتك اليوم لأخبرك أني نويت والنية خير إن شاء الله أن ~~أسافر لأكون بجانب لطفي وسعدية، ولأكون أيضا بجانب آل البيت. شيئا لله يا ست. ~~- ألا تنوي المجيء إلى هنا أبدا؟ ~~- فيما ندر. ~~- على كل حال أنا أسافر كثيرا إلى مصر وأراك هناك، ألست تنوي الإقامة مع لطفي؟ ~~- مؤقتا حتى أجد لنفسي بيتا. ~~- ولماذا مؤقتا؟ ~~- المهم أن سلمى امرأتي ستكون مع الست سعدية حتى تضع لنا الولد بالسلامة. ~~- وفهيمة امرأتي ستذهب إليها أيضا. ~~- قبل أن تذهب أكون وجدت بيتا إن شاء الله. ~~- وفيم العجلة؟ نحن أصبحنا أهلا. ~~- حفظت يا سعادة البك، أستأذن أنا. # وخلا الطريق بأبي سريع، لم يكن يصدق ما حدث؛ لا في الأمر بالقتل في هذه البساطة، ولا في أنه ~~سمع ما سمع، ونجا قبل أن يقتل هو الآخر. # كان أبو سريع يعرف مقصده؛ فهو مع خوفه فكر أن الله سبحانه وتعالى إذا أراح الناس من ~~عيدروس، فإن ملكه كله سيئول إلى ابنته، وطبعا سيكون لطفي هو المتحكم في كل الثروة. إن ~~للمولى حكمة واسعة أن أسمع ما سمعت، وأن أنجو به أيضا. # كان وجدي على وشك النوم حين أعلنه الخادم بقدوم أبي سريع، الأمر الذي أدهشه فلم يكن الوقت ~~صالحا لزيارة. # بدأ وجدي الحديث: هل أنهيت إجراءات التسجيل يا أبو سريع؟ ~~- على وشك، ولكني جئتك في مصيبة كبرى. ~~- فعلا لونك مخطوف، مالك؟ # وقص أبو سريع كل ما سمعه من عيدروس وعصابته على وجدي الذي لم تأخذه الدهشة قدر ما ~~أخذه الاهتمام، وقال أبو سريع: أنا تركت الأمر بين يديك، وأنا كأني ما سمعت ms21 شيئا. ~~- طبعا كأنك ما سمعت شيئا. # وانصرف أبو سريع، وعاجل وجدي التليفون، وصاح: يا تامر إلى هنا غدا في الفجر. # وقال له تامر: عندي قضية هامة غدا. ~~- اترك نوتة بها وتعال، بل إذا استطعت أن تجيء الآن يكون أحسن. ~~- خيرا؟ ~~- ليس خيرا، ولكنه مهم جدا جدا. ~~- ماما صحتها حسنة؟ ~~- والدتك بخير، وليس الأمر متعلقا بنا، ولكنه غاية في الأهمية. ~~- أمرك. # وقبل أن يصحو وجدي كان تامر عنده، وعرض الوالد الأمر على ولده، وقال تامر: البس ملابسك، ~~وهيا بنا. ~~- نعم أعرف ما تريد، وأنا رأيي مثل رأيك، ولكنني لم أحب أن أذهب وحدي في مسألة قانونية ~~كهذه. وذهب وجدي وتامر إلى مدير الأمن، وأبلغاه بكل الذي عرفاه، واهتم الرجل اهتماما ~~كبيرا. # في اليوم التالي لهذه الواقعة ذهب أبو سريع إلى الشهر العقاري، ولم يقم إلا على موعد في ~~الغد أن ينتقل معه الموثق برسم انتقال إلى وجدي ليتم الصفقة. # وفعلا تمت الصفقة، وقبض أبو سريع شيكا بالمبلغ، ولم يكن قد أخبر سلمى بنيته، وكان قد ~~انتوى السفر في باكر الصباح، فإذا به يبده سلمى بقوله: ما رأيك نسافر غدا إلى مصر؟ ~~- هكذا بلا ترتيب؟ ~~- أي ترتيب؟ ستأخذين ملابسك، وآخذ ملابسي، وسنأجر سيارة تصل بنا إلى بيت لطفي. ~~- وأذهب بيدي فاضية؟! ~~- يا ستي نشتري من حلويات مصر ما نريد. ~~- وهل هناك مثل صنع يدي؟ ~~- اسمعي، لا مناقشة، إننا سنسافر غدا إلى مصر، وسنبقى بها مدة طويلة، والسيارة آتية قبل ~~صلاة الفجر. # وتم له ما أراد، واستولى على الأمانات التي كانت عنده، والتي كانت تزيد على مائة ألف ~~جنيه، وذهب إلى القاهرة، ولكنه لم يذهب مباشرة إلى بيت لطفي، وإنما قصد البنك مباشرة ~~ليصرف شيك وجدي، ولم يودع المبلغ في نفس البنك، فقد كان ابنه لطفي يعمل به، وقد حرص ألا ~~يلقاه في يومه هذا. # أخذ المبلغ، وذهب إلى بنك الشرق، وأودع المبلغ، وسلمى في السيارة طوال هذه المدة غير مدركة ~~شيئا إلا أن زوجها دخل إلى البناء الأول بحقيبة في يده ، ولم ms22 تكن تعلم أن هذا هو البنك ~~الذي يعمل به ولدها، فما دام أبو سريع لم يخبرها، فمن أين لها أن تعلم؟ وانتظرت وقتا أحست ~~أنه طويل، إلا أن الزمن لم يكن ذا أهمية عند سلمى، وخرج زوجها إلى مبنى آخر لا تعرف من شأنه ~~شيئا هو الآخر، وبعد الزيارتين اللتين قام بهما زوجها ذهبا معا إلى بيت لطفي الذي كان ما ~~يزال في عمله. # تزوج زردق من نبوية، وبدأت قمر تعد لزواجها هي، ولكن حين ذهب عبد الحميد أبو جريشة إلى ~~بيت أبي سريع علوان وجده قاعا صفصفا أو هكذا أخبره من صحبه إلى البيت. # لم يتوقع أحد من أصحاب الأمانات أن أبا سريع هرب بأموالهم، وكان جميعهم مزمعا أن يهب له ~~فترة انتظار، فإن أحدا لم يتصور أنه هاجر إلى القاهرة هجرة مقيم لا زائر. # حل موعد الجريمة، وذهب السفاحون الأربعة إلى بيت سعفان، وضرب زردق باب سعفان برجله، فإذا ~~بالذي يقابلهم الكمين الذي أعدته الشرطة، وسارع شمندي بإطلاق الرصاص فجاوبه رصاص الشرطة، ~~وقتل وألقى الثلاثة الآخرون سلاحهم، وقبض عليهم رجال الأمن. # وبلغ الأمر عيدروس، فلم يحر جوابا، فقد أصيب من فوره بجلطة في المخ، منعته من الكلام ~~والحركة، بل من الوعي أيضا. # وبدأ التحقيق مع أفراد العصابة الثلاثة، وقد كان ثلاثتهم معروفين لدى جهات الأمن، وما ~~منع هذه الجهات من القبض عليهم إلا عدم وجود أدلة دامغة تدينهم في جرائم القتل التي وقعت ~~فعلا، ولكن الشهود خافوا أن يذكروا الحق من أمر المجرمين، وقد أدرك ثلاثتهم أنهم سيحاكمون ~~على الشروع في القتل الذي ضبطوا متلبسين به وعلى جرائم القتل التي دارت حولهم فيها الشبهات، ~~فلم يجد ثلاثتهم مناصا أن يبيحوا أسرار العصابة جميعها قديمها وحديثها، كما ذكروا أسماء ~~الذين قتلوهم بأمر من عيدروس، وانكشف للشرطة خفايا كثير من الجرائم التي لم يكونوا ~~يعرفون فاعليها. أما عيدروس فأمسى غير صالح للمحاكمة، بل غير صالح لأي حديث من أي نوع، ~~ووكل سعفان تامرا محاميا عنه كمدع بالحق المدني، وأبى تامر ms23 أن يتقاضى أتعابا. # | الفصل الثامن # لم يمهل أبو سريع الأيام، بل ألهب ظهرها بالسياط. إنه الآن يملك نصف مليون جنيه يريدها أن ~~تكون عددا لا يحصى من الملايين. # بدأ بأن استأجر شقة مفروشة منذ اليوم التالي لوصوله، وكان قد سمع عن سمسار بحي السيدة ~~قادر على أن يجد له قطعة أرض بناء واسعة بالوسائل التي يلجأ إليها المغتصبون. ذهب إليه وكان ~~اسمه محروس الزيني. ~~- يا عم محروس صباح الخير. ~~- أهلا وسهلا. تفضل. ~~- الحمد لله ليس معنا أحد، وأستطيع أن أحدثك فيما جئتك فيه. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- أريد قطعة أرض يكون صاحبها مجهولا. ~~- ماذا؟ لا، لا يا عم، حد الله بيننا وبين الحرام. ~~- لك حق أنت لا تعرفني، هذه هي بطاقتي انقل الاسم عندك، واسأل عني، وآتي إليك بعد ثلاثة ~~أيام. ~~- ثلاثة لا تكفي. ~~- بل تكفي، الوقت عندي مهم. # وفي خبرة التاجر المتمرس أدرك محروس أن محدثه ليس مدسوسا عليه من جهة أمن، أو أي جهة ~~حكومية، قال له: مكتوب في البطاقة صراف. ~~- كنت، وتركت الصرافة منذ سنوات عديدة، وأضف على اسم البطاقة لقب الحاج أيضا، فأنا لم ~~أكن حججت حين استخرجتها. # قال محروس: قل ما تريد الآن. ~~- أنت تعرف ما أريد. ~~- عندي قطعة أرض مساحتها ألفا متر تساوي سبعة ملايين جنيه صاحبها هاجر منذ سنوات، ويمكن ~~القيام بإجراءاتها. ~~- ما هي هذه الإجراءات؟ ~~- من الذي دلك علي؟ ~~- كثيرون. ~~- أهمهم؟ ~~- مسعود سليم زميلي السابق. ~~- إنه يعرفني كل المعرفة. ~~- وأنت أيضا تعرفه كل المعرفة. ~~- إذن اترك لي هذه الإجراءات، ولنتكلم في نصيبي. ~~- المبلغ الذي تقدره. ~~- الأرض تساوي كثيرا. ~~- فماذا تقدر لنفسك؟ ~~- لنفسي فقط أم للذين سيتعاونون معي؟ ~~- حدثنا عن نفسك أولا. ~~- لن أقول مائة ألف، بل سبعين فقط. ~~- اجعلهم ستين، وخذ عد هذه الجنيهات. # وبدأ محروس العد، حتى إذا انتهى منه قال: هذه عشرون ألفا. ~~- نعم. ~~- مقبولة. ~~- متى أراك؟ ~~- اترك لي يومين. # | الفصل التاسع # تسامع الناس في قرية الدلجمونة بأمر أبي سريع، وأنه أخذ أماناتهم إلى غير رجعة. # وذهبوا جميعا إلى وجدي الذي ms24 أدرك آنذاك لماذا باع له أبو سريع أرضه، ولكنه سأل جميعهم إن ~~كان أحد منهم يملك ورقة تثبت حقه، ولكن هيهات. # شب في البلدة حريق، واجتمع منهم عدد كبير، وذهبوا إلى لطفي بالبنك، وكان قد عرف ما فعله ~~أبوه وواجههم لطفي في صلافة قائلا لهم في صفاقة: ليعطني أي واحد منكم ورقة آت له بالمبلغ في هذه اللحظة، أما أن تشنعوا على أبي بمجرد ~~كلام، فإنه أمر لا يمكن السكوت عليه، وليبلغ الحاضر منكم الغائب أنكم إذا جئتم لي بلا ورق، ~~فسأبلغ الشرطة أنكم تتهمون أبي ظلما وزورا وعدوانا وأتهمكم بإساءة السمعة. # وتخاذل الجمع، وأدرك كل منهم أنه لا سبيل له أن يصل إلى ماله، وخشي كثير منهم تهديد لطفي، ~~فانصرفوا إلى غير عودة. # وعرف عبد الحميد أبو جريشة ما حصل، فأصابه الذعر والهلع؛ لقد فقد عمره كله؛ الماضي والقادم. ~~قال لسلامة: بنا إلى بيت قمر. # وذهبا، وقال لها: يا بنت الحلال، المال الذي كان عندي سرق، وهو الذي كنت سأحميك به من خدمة ~~البيوت، وهو الذي كنت سأعطيك منه المهر، فإن قبلت شيخا أعمى لا يملك إلا مائة جنيه هي ~~الباقية معي، والحمد لله نجت من براثن أبو سريع أهلا وسهلا. ~~- لا أهلا ولا سهلا، ولا يلزمني الزواج جميعا. ~~- لك حق، قم بنا يا سلامة. # وهكذا انهارت البقية الباقية من آمال عبد الحميد في الحياة جميعا، وعزم أمره على شيء ~~انتوى منذ تلك اللحظة أن يكرس حياته في سبيل إنفاذه. # | الفصل العاشر # سارت الأمور مع أبي سريع كما يشاء، وفي فترة قصيرة استولى على أرض البناء الفضاء بعد أن ~~رشا الخبير الذي خصص لمعاينة الأرض بخمسين ألف جنيه، ورشا الشهود الأربعة الذين دبر أمرهم ~~محروس بأربعين ألفا. # ولم تكن الأرض مبتغاه؛ فهو يقول لابنه مفتتحا معه الحديث: البقية في حياتك في ~~حميك. ~~- الله يرحمه، لقد مات منذ اللحظة التي قبض فيها على رجاله. # ولم يشأ أبو سريع أن يخبر ابنه أنه هو السبب الأساسي في كل ما حدث لعيدروس ms25 وعصابته، ~~وإنما قال: لقد أصبحت أنت الوارث الحقيقي؛ فسعدية لا تعرف عن الأرض شيئا. ~~- كله لأولادها. ~~- المهم ماذا لو طلبت سلفة على الأرض بضمان أرض البناء؟ ~~- بكم الأرض؟ ~~- يتراوح ثمنها بين ستة وسبعة ملايين جنيه. ~~- وإذا حققت لك ما تريد، ما نصيبي؟ ~~- نصيبك؟! ~~- طبعا أنا الآن والد وصاحب أسرة قابلة للتضخم. ~~- على فكرة، لماذا أسميته سامي؟ ~~- وماذا كنت تريدني أن أسميه؟ ~~- أبو سريع أو عيدروس. ~~- يابا هذه أسماء لا تصلح لعصر الولد. # على أي خيبة أسميه أبو سريع، وأنا لم أر منك ومضة حنان، أنا إن كنت أعاونك الآن فلنفسي ~~ولأسرتي، ومن أجل هذا فقط، وكم أتوق أن تطلع على ما يدور في رأسي الآن ... وأيقظه صوت أبيه من ~~سرحته: هيه، ماذا قلت؟ ~~- فيم؟ ~~- في سلفة على الأرض. ~~- لم تقل ما نصيبي! ~~- أي نصيب؟ أليس كل مالي لك؟ ~~- أطال الله عمرك، ولكن أليس من الطبيعي أن أعيش كما أشتهي وأنت على قيد الحياة؟ ~~- لا بأس، كم تريد؟ ~~- النصف. ~~- حقا إنك أهبل، ماذا تظنني فاعلا بالسلفة التي سيمنحها لك البنك؟ ~~- أتنوي أن تفعل؟ ~~- طبعا أتراني مجنونا لدرجة أن أترك ملايين لا تعمل. ~~- ماذا تنوي؟ ~~- أعمل بها في السوق. ~~- أي سوق؟ ~~- إنني صراف ومثلي يكون خبيرا في كل مناحي المال. ~~- ففي أي مجال ستعمل؟ ~~- أفضل شيء أراه أن أعمل في المقاولات. ~~- عظيم، ولكن لا بد لك من مهندس. ~~- بل قل مهندسين. ~~- ولا بد أن يكونوا طوع أمرك. ~~- الفلوس تعمل كل شيء، قل لي أولا كم أستطيع أن آخذ من البنك؟ ~~- بل قل لي أنت أولا ماذا ستعطيني؟ ~~- أجعلك شريكا لي في كل أعمالي. ~~- بكم قدر الخبير الأرض؟ ~~- الخبير لم تكن وظيفته تقدير الثمن، وإنما كان عمله أن يثبت ملكيتي للأرض. ~~- إذن فالبنك هو الذي سيقدر ثمنها، وعلى أساس هذا التقدير تكون السلفة. ~~- كم تستطيع أن تجعل البنك يعطيني؟ ~~- عشرة ملايين على شرط. ~~- اشرط. ~~- ليس الشرط لي. ~~- فلمن إذن؟ ~~- للخبير الذي سينتدبه البنك. ~~- ماذا تقدر له؟ ~~- المسألة لم تصبح تقديرا، إنها مبالغ محددة ms26 معروفة. ~~- كم؟ ~~- نصف مليون. ~~- نصف مليون؟! ~~- ومثلها لزملائي الذين سيسهلون الائتمان. ~~- أليس لك خاطر عندهم؟ ~~- في مثل هذه الأمور لا خواطر. # وقبل أن يتكلم أبو سريع دق جرس الباب في بيت لطفي، وقام لطفي إلى الباب، وفوجئ بوجدي ~~واقفا عليه، وتولته الدهشة وهو يصيح: أهلا سعادة البك تفضل. ~~- أهلا بك، عرفت عنوانك من البنك. ~~- وماله تفضل. ~~- مبروك البيت، أنا أريد أن أعرف عنوان أبيك. ~~- أبي هنا. ~~- أهو هنا؟ ~~- تفضل. ~~- إذن أدخل. # قال وجدي لأبي سريع: سنشرب القهوة في منزلك. ~~- أمرك. ~~- هيا بنا. # وقال لطفي: من غير أن أكرمك؟ ~~- سأجيء لك خصيصا مرة أخرى، إلا أنني اليوم على عجل، ولا بد لي أن أرجع إلى البلد ~~اليوم. ~~- أمرك. ~~- هيا يا أبو سريع. ~~- أنا تحت أمرك، هيا. # وما إن استقر بهما المقام في بيت أبي سريع، حتى سارع قائلا لوجدي: أنا أعرف فيم ~~تريدني. ~~- هل الذي فعلته معقول؟ ~~- انتظرني لحظات. # وما لبث أن عاد وبيده مصحف شريف، وما إن جلس حتى فاجأ وجدي بأن قال: ما هذا؟ ~~- إن كنت تنوي أن تحلف عليه فاخش الله. # وضع أبو سريع يده على المصحف، وقال: أقسم بهذا المصحف كلام الله المنزل، وأنا حججت إلى ~~بيته المقدس أنني سددت كل أمانات أهل البلد لأصحابها، وليس لأحد منهم مليم في ذمتي، سواء ~~كان هذا المليم أمانة أو كان دينا. # وساد الصمت هنيهة وقال وجدي: حتى عبد الحميد أبو جريشة؟ # في وقاحة منقطعة النظير، قال أبو سريع: من عبد الحميد أبو جريشة؟ ~~- ألا تعرفه؟ ~~- ربما الشيخ الأعمى المقطوع. ~~- أليس له عندك ألف وستمائة جنيه؟ ~~- وهذا الفقي الأعمى من أين له بمبلغ كهذا؟ ~~- ألم يقل لك؟ ~~- أنا لم أره وحدنا عمري كله، أنا لا أراه إلا في المآتم، وحين نقوم بدفن أحد الأموات. ~~لقد سمع الإشاعة، فقال: فرصة أعمل لنفسي شأنا ومكانة. ومتى يجد مثل هذه الفرصة، حتى يجعل ~~الناس يلوكون اسمه. # وصمت وجدي لحظات قائلا: إنه الوحيد بين الذين يقولون إنهم استأمنوك وخنت أماناتهم الذي ~~فكرت أن أرد ms27 له مبلغه، فقد تألمت لأمره كل الألم. ~~- خصيمك النبي إن فعلت. ~~- ما دمت تنفي كل هذا النفي سأصدقك، والأمر الآن أصبح بينك وبين الله. ~~- يا رجل لقد عرفتني منذ نحن أطفال، وعملت معك سنوات، وكنت أتصور أنه إذا صدق الجميع عني ~~هذه الشائعات فأنت بالذات ستنفيها. ~~- إنهم كثيرون يا أبو سريع. ~~- مهما كثروا. ~~- فكيف تتصور أن يكونوا في مثل هذا العدد؟ ~~- واحد أراد أن يسيء إلى سمعتي فتبعه الآخرون واجدين فرصة عندك لعلك تجود عليهم بشيء أو ~~يتظاهرون بأنهم كانوا ضحية لثري، وخصوصا بعد أن عرفوا، فإنني بعت لك أرضي بهذا المبلغ ~~الكبير، وشرفك يا وجدي بك كلهم شأنهم كشأن عبد الحميد أبو جريشة. ~~- أنا منذ اليوم لن أكلمك في هذا الموضوع، وسأترك أمرك لله وكلامه ورسله فهم خصومك إن كنت ~~من الكاذبين. ~~- فقط ألم يقل لك أحد أنه استأمنني على مبلغ كبير بلا إيصال مني، ولا سند في يده ورددت ~~له أمانته؟ ~~- الحقيقة أن كثيرين قالوا ذلك، وأكبر المدافعين عنك الشيخ عبد الفتاح أبو ~~إسماعيل. ~~- ألم يقل لك المبلغ الذي استأمنني عليه؟ ~~- يقول عشرة آلاف. ~~- ألم يكن هذا أولى من عبد الحميد أبو جريشة؟ ~~- كما قلت لك إنك ستقف بين يدي الله الذي حلفت به وبقرآنه، وهو الواحد الديان، أما عني ~~فإني أعيذ نفسي أن أصدق شيئا لا أجد عليه دليلا ماديا حتى الآن. ~~- ولن تجد، والأيام بيننا. أتسمح لي أن أقول لك شيئا؟ ~~- قل. ~~- إذا قدم أي مدع من الذين يتهمونني زورا ورقة واحدة تثبت كذبي وصدقه، سأدفع لكل من ~~يتهمونني المبالغ التي يدعون أنهم أودعوها عندي بصفة أمانة. ~~- أهذا عهد؟ ~~- عهد الله بيني وبينك، فإن رأيتني أخيس به فلا تعرفني بعدها أبدا. ~~- اللهم فاشهد، أنا عملت ما رأيت أنه واجبي، وليس لي شأن بهذا الموضوع إلا إذا ظهر فيه ~~جديد. ~~- إذا ظهر هذا الجديد ستجدني بين يديك أنفذ عهد الله الذي وثقته بيني وبينك. ~~- وهو كذلك، سلام عليكم. ~~- وعليكم السلام يا سعادة البك، زيارتك هذه لا تحسب، ms28 وهذا شرف أحب أن أناله بغير أن يكون ~~السبب له هو شكك في. ~~- الأيام القادمة كثيرة، ومن يدري ربما أكثر من زيارتك حين تنكشف هذه الغمة، بيتك جميل. ~~كيف وجدته؟ ~~- إنه شقة مفروشة، حين تأتي المرة القادمة سيكون ذلك في بيتي إن شاء الله. ~~- إن شاء الله، سلام عليكم. # وتصافح الرجلان، وانصرف وجدي، وقد تمكن أبو سريع أن يزعزع ثقته التي جاءه بها من أنه خائن ~~الأمانة. # استطاع أبو سريع بمعاونة من لطفي أن يحصلا من البنك بالوسائل غير المشروعة على عشرة ملايين ~~من الجنيهات، وما يلبث أبو سريع أن يشتري قطعا أخرى من الأرض، وينال عليها بنفس الوسائل ~~عشرات الملايين من الجنيهات سواء كان حصوله على هذه الأراضي بعقود بيع وشراء صحيحة، أو بنفس ~~الوسيلة التي حصل بها على قطعة الأرض الأولى، واشترى أيضا بوسائله شقة أقام فيها هو ~~وسلمى. # أما لطفي فقد أصبح كما قدر أبوه هو المشرف على أرض سعدية وأموالها منذ مات أبوها بعد أن ~~ظل فترة يصدق عليه قول المنتقم الجبار: لا يموت فيها ولا يحيا. # | الفصل الحادي عشر # قالت نبوية لأبيها: أنا لا أعرف يابا لماذا لم تسع في طلاقي من زردق حتى الآن؟ ~~- يا بنتي هل جننت؟ ~~- أجنون أن أطلق من مجرم في قضية قتل ضبط فيها متلبسا؟! اسمع يابا والله إن لم تطلب ~~طلاقي من هذا الزواج الذي لم يستمر إلا أياما معدودة، سأذهب إلى تامر ابن وجدي بك، وأجعله ~~يرفع لي قضية وهو لا يأخذ من أبناء البلد قرشا. ~~- يا عبيطة، وهل أنا متأخر؟ ~~- شهور الآن وأنت تسوف. ~~- لأن القضية لم يحكم فيها. ~~- إنها ثابتة يابا. ~~- المحكمة لم تقل شيئا حتى الآن، وما دام لم يحكم على زردق فنحن لا نستطيع أن نطالب ~~بالطلاق. ~~- يابا المحاكم حبالها طويلة. ~~- حكمة ربنا يا بنتي، وأنا ماذا بيدي أن أصنع؟ ~~- أيرضيك أن أظل هكذا كالبيت الوقف لا أنا حرة، ولا أنا زوجة؟ ~~- لا يرضيني، ولا يرضي أحدا، ولكن ماذا نفعل؟ ~~- كان عليك أن ترفضه ms29 أول الأمر. ~~- وأجعله يقتلنا جميعا أنا وأنت وأمك وإخوتك. ~~- الأعمار بيد الله. ~~- إنما قال الله: لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. ~~- هذا الرعب هو الذي جعلهم يفيعون كالذئاب في خلق الله. ~~- يا بنتي البني آدم إذا قتل مرة واحدة يقتل مائة مرة، فما بالك برجل وظيفته في الدنيا أن ~~يقتل؟! ~~- نهايته سلام عليكم. ~~- وعليكم السلام، إلى أين؟ ~~- في ستين داهية. # وخرجت نبوية وصفقت الباب خلفها، وكان الليل في موهنه الأول، وبدأت الظلمات تلقي دكنتها ~~على الأرض، وكان هذا هو الوقت الذي أرادته نبوية لتنفذ ما عزمت عليه في نفسها. # كان الشيخ عبد الحميد في منزله يستمع إلى الراديو، وإن كان منصرفا عنه بفكره إلى ذلك ~~الأمر الذي صمم أن ينفذه مهما كانت الصعاب، ومهما كانت العواقب. # وطرق الباب، وكان الشيخ عبد الحميد يجلس دائما بجانب الباب، حتى يسارع بفتحه إن جاءه ~~رسول يطلبه إلى عمل. # فتح عبد الحميد الباب أولا، ثم قال: من؟ # وجاءه صوت نسائي: ندخل أولا، ثم أخبرك. # ولم تمهله نبوية، وإنما دفعته فاندفع، وأغلقت هي الباب، وأحكمت إغلاقه، ثم التفتت ~~إليه. ~~- ألم تعرفني؟ ~~- العتب على النظر. ~~- أليس عندك مصباح؟ ~~- الكهرباء في البيت ومفتاح النور على يسار الداخل من الباب، ولكن ماذا أفعل أنا ~~بالنور؟ # وأضاءت نبوية المصباح وهي تقول: معك حق، اجلس؟ ~~- قولي لي أولا من أنت؟ ~~- أنا نبوية. ~~- بسم الله الرحمن الرحيم، بنت الشيخ عبد الفتاح أبو إسماعيل. ~~- أعفريت أنا يا شيخ قرد! ~~- يا ليتني يا ستي كنت قردا على أقل كنت أراك. ~~- النهاية. ~~- خيرا؟ ~~- أنت تعرف أن زردق كان عنده سلاح كثير. ~~- كان، وأين ذهب السلاح؟ ~~- ألم يفتشوا البيت بعد القبض عليه وأخذوا السلاح؟ ~~- كله؟ ~~- كله إلا ... ~~- إلا ماذا؟ ~~- إلا مسدس صغير تاه منهم. ~~- وأين هذا المسدس؟ ~~- انتظر، المسدس معي. خفت أن تأتوا للتفتيش مرة أخرى، ويتهموا أبي بأنه عنده سلاح فلن ~~يصدقوا أنهم لم يروا المسدس في التفتيش الأول. ~~- كلام معقول. ~~- وأنت تعرف أن أبي لا يحب وجع الدماغ. ~~- أعرف هذا جيدا، إنه يخاف من ms30 خياله. ~~- جاءك خابط. ~~- وماله. ~~- المهم. ~~- نعم، المهم ما شأني أنا بهذا الموضوع كله؟ ~~- أنا أفكر أن أبيع المسدس بعد أن يتم طلاقي من المجرم زردق. ~~- لك حق، أهو مسدس من نوع جيد؟ ~~- سلاح رجل لا عمل له إلا القتل. ~~- على رأيك، إنه يساوي على الأقل ثلاثمائة جنيه. ~~- إن لم يكن أكثر. ~~- فعلا إن لم يكن أكثر. ~~- ولكن أنا ما شأني بهذا، أتريدينني أن أتمرن عليه؟ # وقهقهت نبوية وهي تقول: من أجل هذا جئت لك. ~~- لأنني أعمى تعنين؟ ~~- من يفكر أن مثلك يملك مسدسا. ~~- غير معقول. ~~- وإذا ملكته ما فائدته لك؟ # وصمت عبد الحميد هنيهة حتى صاحت به نبوية: ما فائدته لك؟ ~~- لا فائدة طبعا. ~~- خفت أن أعطيه لغيرك فيأخذه ولا يرده، فقلت: ليس لها إلا عبد الحميد. ~~- الأعمى؟! ~~- لا داعي لقولها. ~~- أو قوليها فقد تعودت عليها. ~~- ما رأيك في هذه الفكرة؟ ~~- فكرة عظيمة فعلا، إنني لن أنتفع به في شيء، حتى ولو فكرت أبيعه سأجعل من نفسي مسخرة؛ من ~~أين للأعمى بالمسدس، وتصبح أحدوثة بين الناس. ~~- هاك المسدس. ~~- هل به رصاص؟ ~~- وماذا تنتظر، ولكن لماذا تسأل؟ ~~- حتى لا ألعب به. ~~- على كل حال أنت لا شأن لك به حتى أجيء إليك وآخذه منك. ~~- وأنا ما الذي يجعلني أقترب من آلة لا أعرف عنها شيئا؟ ~~- أقوم أنا إذن. تركتك بعافية. ~~- مع السلامة يا أختي. # وخلا عبد الحميد بنفسه، أمعقول هذا الذي يحدث؟ سبحانه له في ذلك حكم. # في الندوة التي يشارك فيها عبد الحميد جرى الحديث عن أبي سريع، وقال سلامة: ابن الكلب ~~يضحك على بلد بأكمله. # وقال صديقهم ورداني: اشترى بيتا فخما في مصر في عمارة بالغة العظمة. # وإذا بعبد الحميد يقول: حجرة منه ملكي أنا، لا سامحه الله. # وضحك الجالسون وعاد عبد الحميد يقول: أتعرف هذا البيت؟ ~~- وشرفك لم أرجع من مصر إلا بعد أن رأيته بعيني. ~~- وما الذي دعاك لهذا؟ ~~- فضول وفراغ، أنت تعرف أنني كنت صديقا للطفي، ذهبت إليه في البنك، وكان على وشك الانصراف ~~فحملني معه ms31 في سيارته ليريني العز الذي أصبح يتمتع به، وحين بدأ السير بسيارته قال لي: إلى ~~أين أنت ذاهب؟ ~~- ألم يدعك على الغداء؟ ~~- أنتم تعرفونه؛ طول عمره نتن. ~~- ولكنه الآن أصبح في حال غير الحال. ~~- يا بني النتن يظل على حاله في الفقر والغنى على السواء. ~~- المهم هل أوصلك إلى حيث كنت ذاهبا؟ ~~- قال لي تحب أن ترى بيت أبي الذي انتقل إليه الأسبوع الماضي؟ ~~- أحب جدا. # وذهب بي إلى حي المهندسين، وحين بلغنا شارعا متسعا ترك بعض عمارات على اليسار، ثم أشار ~~لي إلى عمارة ضخمة وقال: شقة أبي هنا. # وسأل عبد الحميد: أعرفت اسم الشارع؟ ~~- عرفته لكي أؤكد لكم حقيقة ما أقول. ~~- ما اسمه؟ ~~- شارع الأشجار رقم 9. ~~- لا، سهل. ~~- ماذا، أتنوي أن تذهب إليه؟ ~~- قد تدركه الشفقة علي. # وقال سلامة: احك له حكاية قمر. ~~- احكها له أنت. ~~- وأنا ما شأني؟ ~~- ألم تسمع عن واجبات الصحبة؟ ~~- صحبة هباب. ~~- إنما هي صحبة مفروضة عليك والسلام. # كان الجمع قد انفض، ولم يبق إلا سلامة وعبد الحميد. # وقال: الجميع مشوا، ألا تنوي أن تروح؟ ~~- قم بنا. # وفي الطريق قال سلامة: أتنوي حقا أن تذهب لأبي سريع؟ ~~- أعجيبة أن أحاول؟ ~~- لا عجيبة ولا حاجة. ~~- سأذهب إليه. ~~- متى؟ ~~- حدد أنت الموعد. ~~- أنا ليس ورائي شيء في هذه الأيام. ~~- في أي يوم نحن من أيام ربنا؟ ألسنا اليوم يوم الخميس؟ ~~- نعم. ~~- ماذا وراءك غدا؟ ~~- لا شيء. ~~- نصلي الفجر، ونركب القطار. ~~- التذاكر على حسابك. ~~- والتاكسي أيضا الذي سنأخذه من المحطة إلى بيته. # كان اليوم جمعة، وكان أبو سريع في بيته مرتديا جلبابه حين دق جرس الباب، وذهبت الخادمة ~~وقال سلامة: الحاج أبو سريع هنا؟ ~~- نعم. أقول له من؟ ~~- قولي له أصدقاء. ~~- تفضلا. # وذهبت بهما إلى حجرة الجلوس، وأخبرت أبا سريع بمجيئهما وسألها: ألم تسألي عن ~~أسمائهم؟ ~~- يقولون أصدقاء. # لاحظ سلامة أن عبد الحميد منذ دخلا بيت أبي سريع لم يخرج يده اليمنى من جيب كاكولته، ~~ولكنه لم يعلق على الأمر، فإنها ملاحظة عابرة لا تستحق السؤال . # لم ms32 يتعجل أبو سريع وذهب في استرخاء إلى حجرة الجلوس، وما إن رآهما حتى صاح: أنتما؟! ماذا ~~جاء بكما؟! # وقال عبد الحميد: بلدياتك، ونريد أن نهنئك على البيت الجديد. # وصافحهما أبو سريع، فإذا بعبد الحميد يصافحه بيده اليسرى، فقال أبو سريع: أين يدك اليمنى؟ ~~عسى الله تكون قطعت. # وقال عبد الحميد في استخفاف: لا، إنه مجرد جرح. # وازدادت دهشة سلامة، فهو يعلم أن يد عبد الحميد سليمة، ولكنه لم ينطق بحرف، وقال أبو سريع ~~في جرأة: من أعمالك السوداء، كيف تجرؤ على زيارتي بعد أن كذبت على الناس، وادعيت أنني أخذت ~~منك مبالغ من المال؟ ~~- ألم تأخذ؟ ~~- ومن أين لمثلك بالمال حتى آخذه؟ ~~- وماذا تقول لربك؟ ~~- بل ماذا تقول أنت لربك وأنت تسيء إلى سمعة الشرفاء من أمثالي؟ # وقال سلامة: على مهلك يا عم الحاج. ~~- أنت لا تتكلم مطلقا. ~~- أمرك. # قال عبد الحميد: يعني أنا ليس لي عندك ألف وستمائة جنيه؟ ~~- أما إنك لوقح، هل جننت يا ولد؟ ~~- فعلا جننت هيا بنا يا سلامة. # وقاما واقفين وقال عبد الحميد: سامحك الله يا حاج أعطني يدك حتى أسلم عليك وأعتذر لك أنني ~~كذبت عليك. ~~- إن كان على يدي هاك يدي. # ومد عبد الحميد يده اليسرى. # وفي لمح البصر أمسك عبد الحميد بيده يد أبي سريع، وتمكن منها، وأخرج المسدس من جيب ~~الكاكولة، وأطلق النار على أبي سريع، ولم يكتف بطلقة ولا اثنتين، وإنما أفرغ الرصاصات الست ~~في جسم أبي سريع وسلامة ذاهل في دوار أخاذ لا يزيد عن قوله: الله ... الله ... الله. ~~- وارتمى أبو سريع مضرجا بدمائه، والتفت عبد الحميد إلى حيث يسمع صياح سلامة، وقال له: ~~هل مات؟ ~~- أنت جننت. ~~- أجبني؛ هل مات؟ ~~- وماذا تنتظر؟ ~~- هل دخل الرصاص جسمه؟ ~~- وهو الآن صريع، ولا بد أنه ميت لا محالة إن لم يكن مات فعلا. ~~- الآن استرحت، أجلسني. ~~- وقعتنا سوداء. ~~- أنت مالك؟ ~~- ألست معك؟ ~~- لا تخف أنا عندي لكل سؤال جواب. ~~- أي جواب، الله يخرب بيتك. # طبعا جاءت سلمى والخادمة على صوت الرصاص، ms33 وراحتا تطلقان الصراخ المجنون المذعور، وقال ~~عبد الحميد لسلامة بصوت آمر: أبلغ الشرطة يا سلامة. ~~- أي شرطة؟ # جاء البواب وسكان العمارة، ولم يمر كثير وقت حتى كان عبد الحميد وسلامة بين يدي الشرطة، ~~وبدأ التحقيق. # س ~~: # هل قتلت أبو سريع علوان؟ # ج ~~: # نعم قتلته. # س ~~: # لماذا؟ # ج ~~: # لأنه سرق حياتي. # س ~~: # ها أنت ذا حي. # ج ~~: # يتهيأ لك. # س ~~: # هل تعترف أنك قتلته وحدك؟ # ج ~~: # نعم، أنا وحدي المسئول، قتلته مع سبق الإصرار وبلا ترصد طبعا؛ لأني ليس لي عينان ~~أترصد بهما. # س ~~: # كيف وأنت أعمى؟ # ج ~~: # أمسكته بيدي اليسرى وقتلته. # س ~~: # وما شأن سلامة؟ # ج ~~: # إنه لا شأن له بأي شيء، ولا يعلم أنني سأقتله. # س ~~: # فلماذا كان معك؟ # ج ~~: # كلك نظر يا حضرة الضابط، كيف كنت سأذهب إليه وأنا كما ترى؟ # س ~~: # ألم يكن متفقا معك على قتله؟ # ج ~~: # إنه لو كان يعلم أن معي مسدسا لما جاء معي. # س ~~: # ومن أين لك بالمسدس؟ # ج ~~: # إنها حكاية طويلة، إنما قل لي يا حضرة الضابط أنا أعلم من الجرائم التي أسمعها ~~بالراديو أن من حقي طلب محام. # س ~~: # هذا حقك، هل تعرف محاميا؟ # ج ~~: # ولا أقبل أن يحضر معي غيره. # س ~~: # من هو؟ # ج ~~: # الأستاذ تامر وجدي صفوان. # س ~~: # ما صلته بك؟ # ج ~~: # إنه من بلدنا وهو وأبوه لم يقدما إلا كل خير لأهل البلد جميعا. # س ~~: # أهذه كل صلتك؟ # ج ~~: # وكيف يمكن أن تكون هناك صلة أخرى بين فقي أعمى ومحام مشهور؟ # س ~~: # أتحفظ رقم تليفونه؟ # ج ~~: # أنا أسمع أن هناك شيئا اسمه دليل تليفون. # وما هي إلا ساعة حتى حضر تامر، وما لبث وكيل النائب العام أن بدأ تحقيقه مع عبد الحميد ~~بحضور تامر، وفي التحقيق روى عبد الحميد كل ما كان من شأن أبي سريع وشأنه، وروى قصته مع ~~قمر، بل وروى أيضا قصته مع نبوية، وكيف حصل منها على المسدس، ثم قال لوكيل النيابة: يا ~~سعادة الوكيل، أنا حين قتلت كنت أعرف مصيري، وأنا رجل ms34 أحفظ كلام الله، وأعرف أن القتل هو ~~أعظم جريمة عند الله والناس، وأحفظ قوله تعالى: # أنه من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ~~؛ فجزائي في الدنيا أعرفه، وأنا مستعد له، أما جزائي في الآخرة فإني أعتمد على قول ~~الغفور الرحيم: # أو فساد في الأرض ~~، وقد كان أبو سريع مفسدا في الأرض، فإن لم يكن ~~هناك أدلة لأهل الأرض على فساده، فالله الرقيب الحسيب يعرف خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ~~وأنا لم يصبح لي في الأرض أمل أعيش عليه، فقد كنت أرجو أن أتزوج، ويكون لي أولاد أرى ~~بأعينهم الدنيا التي حرمتها، وقضى أبو سريع على كل أمل لي في ذلك. # وقال وكيل النيابة: هل اطلعت على الغيب؟ ~~- إذا كنت لا أرى الحاضر، فكيف لي بالاطلاع على الغيب يا سعادة الوكيل؟ لقد ولدت فاقد ~~البصر بفعل الله وله في ذلك حكمته التي لا يعرفها إلا هو، إلا أنني قد أصبحت فاقد البصيرة ~~بفعلي أنا، وبهذا الفعل أقبل حكم البشر، أما شأني مع الله فلا يعرفه إلا هو. وانتهى التحقيق ~~وحولت القضية إلى المحكمة وتكلمت النيابة تطلب أقصى العقوبة، ثم تكلم تامر فقال: يا حضرات ~~المستشارين إنني لن أقدم للمحكمة دفاعا خيرا مما قاله المتهم أمام النيابة، ولو كنت ~~أتقاضى أتعابا على هذه القضية لرددت الأتعاب، وأنا لا أتقدم إلى ساحتكم المقدسة طالبا ~~البراءة، وإنما أطلب الرأفة ما وجدت ضمائركم المشرقة بنور الله سبيلا إليها، والسلام عليكم ~~ورحمة الله، ورفعت الجلسة للمداولة. # وصدر حكم المحكمة بالسجن خمسة عشر عاما، وقال عبد الحميد: سبحانك يا علي يا قدير لقد ~~ضمنت لنفسي القوت، ومن كان في سجني الرباني لا يعنيه سجن البشر. تقدست أسماؤك وجل ~~جلالك. # | الفصل الثاني عشر # كان تامر جالسا في مكتبه حين أعلنه وكيل المكتب بحضور شخص واضح أنه محترم اسمه الدكتور ~~وائل نعمان، فأمره تامر أن يسمح له بالدخول. # شخصية ترغم رائيها على الإجلال والاحترام، يلبس في أناقة، وقور، وبيده حقيبة من جلد ~~التمساح، ms35 وقدم نفسه لتامر: الدكتور وائل نعمان. ~~- يا مرحبا، دكتور طبيب؟ ~~- بل دكتور في الآداب من السربون. ~~- أهلا وسهلا شرفت. وفيم نلت الدكتوراه؟ ~~- كانت رسالتي عن أثر الأدب الفرنسي في الأدب العربي. ~~- موضوع شيق وعظيم، هل طبعت الرسالة؟ ~~- الجامعة أمرت بطبعها. ~~- أرجو أن يكون لي حظ قراءتها. ~~- يسعدني كل السعادة أن يقرأها شخص له ثقافتك وشهرتك. ~~- المحاماة هي عملي، أما هوايتي فهي الأدب. ~~- ليس هذا مستغربا عليك. ~~- أنا تحت أمرك، من الذي نصحك بتشريفي؟ ~~- أنا طبعا حين فوجئت بأن أرضي اغتصبت ذهبت إلى أكبر محام في مصر. ~~- أنت إذن قادم من عند أستاذنا رشدي فاضل؟ ~~- الذي اغتصب أرضي من بلدكم، وحين عرف رشدي بك ذلك أرسلني إليك. ~~- لا بد أنه المرحوم أبو سريع علوان. ~~- وابنه لطفي. ~~- ما القضية؟ ~~- قطعة أرض لي بالسيدة زينب مساحتها ألفا متر مربع غبت عنها سنوات دراستي الست، وعدت وجدت ~~الأرض قد اغتصبت وبحثت وتبينت الحقيقة الفاجرة. ~~- أمر ليس مستغربا على الوالد أو ابنه. ~~- هذه أوراقي أتيت بها معي لا مجال للشك فيها أو المناقشة حولها. # واستطاع تامر أن يكشف جميع أعمال التزوير والاحتيال التي ارتكبها المرحوم أبو سريع وابنه ~~لطفي، وصدر الحكم بسجن لطفي عشر سنوات مع مصادرة جميع أمواله وأموال أسرته بلا ~~استثناء. # وسبحان الملك القدوس الذي قال في كتابه العزيز: # ونفس وما سواها * ~~فألهمها فجورها وتقواها # صدق الله العظيم. ~~(انتهت بحمد الله.) # أوتيل أولاك - لوزان - أوشي # السبت 11 من جمادى الأولى سنة 1418ه # الموافق 13 من سبتمبر سنة 1997م # الساعة الخامسة وخمسون دقيقة ms36