######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.AyyamKhadra.Hindawi30961350 #META# Tags: literature #META# ID: 30961350 #META# Title: الأيام الخضراء #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الأيام الخضراء‏ # أحببت وهمي‏ # أخلفت الموعد‏ # ملاعب الصبا‏ # لقاء ولا وداع‏ # فوق السعادة‏ # الطابق الأعلى‏ # حنان وهوى‏ # على الطريق‏ # حديث ولقاء‏ # وظيفة دائمة‏ # وأنا ... ما ذنبي‏ # هو الله‏ # سماء ولا أرض‏ # الرحمة القاسية‏ # عودة السيد سكر‏ # الأيام الخضراء‏ # أحببت وهمي‏ # أخلفت الموعد‏ # ملاعب الصبا‏ # لقاء ولا وداع‏ # فوق السعادة‏ # الطابق الأعلى‏ # حنان وهوى‏ # على الطريق‏ # حديث ولقاء‏ # وظيفة دائمة‏ # وأنا ... ما ذنبي‏ # هو الله‏ # سماء ولا أرض‏ # الرحمة القاسية‏ # عودة السيد سكر‏ # | الأيام الخضراء # | الأيام الخضراء # تأليف # ثروت أباظة # | الأيام الخضراء # أحببتها وأنا لا أدري ما الحب، عرفه الناس معنى أو عرفوه شجوا ~~وأسى وألما، أو لعلهم عرفوه خيالا وأحلاما ورؤى، أما أنا فعرفته ~~لعبا في الملعب، وتقاذفا بالكرة، وقفزا وجريا وضحكا، ولهوا ~~عابثا، كنت ألقاها لم أغير من ملابس المدرسة شيئا اللهم إلا تلك ~~المريلة التي كانوا يضعونها فوقي، وكانت تلقاني هي أيضا بلا تجمل أو ~~زواق اللهم إلا أن تخلع هي أيضا تلك المريلة التي كانت توضع عليها، ثم ~~نلتقي في فناء منزلها أو في فناء منزلنا بغير ميعاد مدبر أو اتفاق ~~سابق، وإنما ينزل كل منا إلى صاحبه، ويكون اللعب في أقرب فناء من ~~اللقاء. # أحببتها يوم ذاك وأحبتني، أحببتها كما أحب الكرة التي كنا نلعب ~~بها، أو كما أحب الحبل الذي كنا نقفز من فوقه، وأحبتني هي أيضا كحبها ~~لهذه الأشياء، وما كنا ندري من الحب إلا حبنا لهذه الأشياء. # كان كل منا يرى الآخر مكملا للعبه، كما يرى الكرة والحبل مكملين ~~للعبه. كان كل منا يحب الآخر كجزء من مرح الطفولة وحلاوة اللعب وعربدة ~~اللعب. # لم تكن تعرف من أنا بالنسبة إليها وما كنت أدري، قصارى الأمر بيننا ~~أنني كنت أعرف أنها بنت لأنها ترتدي ملابس البنات، وأنها كانت تعرف ~~أنني ولد لأنني أرتدي ملابس الأولاد. لم أكن أعرف الأنثى فيها، ولم أكن ~~أعرف معنى الأنوثة جميعا، بالنسبة إلى الرجل، ولم تكن تعرف الرجل في ~~ولا معنى الرجولة الذي أمثله، لا ولم تكن تعرف الرجل ms01 بالنسبة ~~للأنثى. # لم يكن هذا الجهل يمنعني أن أقدمها على نفسي، وأترك لها فرصة أن ~~تغلبني في بعض الأحيان، وليس في كل الأحيان، وأن أهفو إليها مسرعا إذا ~~سقطت، وتسارع هي إلي إذا وقعت، ولكن أكان هذا قبل أن ندرك شيئا عن ~~الهوى؟ أم أنه كان بعد أن أدركنا شيئا من معناه؟ أكان هذا الاهتمام ~~بها ونحن في الطفولة الأولى البلهاء أم أنه كان ونحن في أواخر الطفولة ~~مشرفان على الوعي أو بعض الوعي؟ # أتراه حين كنا في الطفولة الواعية التي تحس ولا تبين ولا تشعر ولا ~~تعبر وتخفق ولا تنطق؟! أتراه كان كذلك، وكيف لي أن أذكر؟ # لقد شب حبي معي فاختلطت أدواره وتمازجت أيامه فما أدري كيف عرفته؟ ~~وكيف استبان في كامل الوعي مني؟ أتراني عرفته حين كنت ألقاها ونحن في ~~بواكير الشباب فتعلو وجهها الحمرة، وتمسك بلساني لعثمة فتمر بي وأمر ~~بها لا يحيي الواحد منا صاحبه إلا بهذه الحمرة، وإلا بتلك اللعثمة، لا، ~~لقد عرفت الحب قبل ذلك، عرفته وجيبا وخفقا في الفؤاد شديدا إن أنا ~~ذكرتها، وإن أنا خلوت إلى نفسي؛ فقد كنت أذكرها كلما خلوت إلى نفسي، ~~وعرفته هائم الفكر حذرا أخشى أن يكون حبها وهما من الأوهام. قرأت عن ~~الحب وسمعت به من الرفاق، وعرفت ما الرجل وما الأنثى ورحت أنطلق في ~~فسيح الفضاء لا أفكر إلا فيها، أخشى كلما فكرت في حبها أن يكون وهما ~~من الأوهام. # وفي يوم لقيتها وقد خلا بنا الطريق، وعلت الحمرة وجهها وأمسكت ~~اللعثمة لساني، ولكن الطريق خال بنا نسير في اتجاه واحد متباعدين، ~~فوجدتني أثوب إلى نفسي بعض الشيء ووجدتني أقترب منها، ووجدت حمرة الخجل ~~تزداد وضوحا على وجهها، ولكني كنت قد جمعت بعض نفسي، وكنت قد دربت ~~لساني طويلا على الجملة التي سينطلق بها، فما إن اقتربت حتى ألقيت ~~جملتي مفككة المقاطع متباعدة الكلمات ولكني نطقتها وسمعتها وأجابت، ~~وأود لو أجابت بغير لسانها إلا إنها أجابت على أية حال، نعم أذكر ما ~~قلت: «ماشية وحدك ms02 يا هناء.» # وأومأت برأسها أن نعم، ثم ترابطت الكلمات فرحت أحادثها، وراحت هي ~~تضحك أو تبتسم أو تسكت لا تقول شيئا، لا شيء على الإطلاق اللهم إلا ~~قولتها في آخر حديث لي: أخاف أن يرانا أحد. # فأتلفت حولي مذعورا وما إن أثق من خلو الطريق حتى أقول لها: لا ~~تخافي. # ثم أعود إلى حديث طويل ما زلت أدرج فيه من موضوع إلى آخر حتى استطعت ~~آخر الأمر أن أرجوها لتسمح لي بانتظاري لنقطع هذا الطريق سويا، ولم ~~تجب إلا بجملتها الوحيدة: أخشى أن يرانا أحد. # ولكني ظللت مع الأيام ألتقي بها في الطريق، وأحكي لها وتستمع هي، لم ~~أقل لها - أحبك - فقد خشيت إن أنا ~~قلتها ألا تراني بعدها أبدا، لقد كان الطهر الذي يشيع حولها مخيفا ~~يمسك لساني بل يمسك عقلي أن يفكر في التصريح بحبي لها، وينقضي الطريق، ~~وأعود إلى الوحدة، وأعود إلى خوفي ألا تكون محبة لي، ولم أخلص من ~~حيرتي وخوفي إلا بالمذاكرة العنيفة؛ فقد انتهيت إلى أنني ما زلت في ~~المرحلة الثانوية وأنها قد تتزوج قبل أن أحصل أنا على شهادة التوجيهية؛ ~~فذاكرت ومنيت نفسي أنني إذا صرت في الجامعة قد أجد بعض الجرأة أن ~~أخطبها ونتزوج، ذاكرت كما لم أذاكر من قبل، وأصبحت أعد السنين عدا، ~~وأطارد الزمن في عنف وإصرار حتى أصبحت في التوجيهية، وسمعت همهمة تدور ~~حولي أن هناء معرضة للخطبة، ولقيتها في الطريق وسألتها فازداد وجهها ~~احمرارا وتلعثم لسانها وهي تقول: نعم. ~~- وماذا فعلت؟ ~~- رفضت الخطبة. ~~- صحيح؟ ~~- صحيح. # ولم أسأل لماذا رفضت؛ فقد أبى حبي أن يجعل للرفض سببا إلا أنها هي ~~تحبني، وألهيت الزمن بالمذاكرة، كنت لا أفيق من الكتاب إلا في موعد ~~عودتها من المدرسة، لا أفكر إلا في أن أحصل على الشهادة لأصبح جديرا ~~بها، وكنت أفكر إذ ذاك في شيء آخر طالما ضقت بالتفكير فيه، لقد كان أبي ~~خريج جامعات أوروبا وكان أمله أن يرسل بي إلى جامعته لأنال فيها ~~الشهادة التي نالها، وقد كنت تواقا إلى ms03 تحقيق أمله هذا؛ فقد كان ~~أملي أيضا، ولكني كنت كلما فكرت في اغترابي عن هناء بعيدا، بل بعيدا ~~عن حبها، بل بعيدا عن مصر كلها، لا أشم النسمة التي تداعب شعر هناء، ~~ولا أتنفس الهواء الذي تتنفسه، ولا أشرب الماء العذب الذي جرى في ~~دمائها والذي يتحول على وجهها حمرة خجل كلما لقيتها، كلما فكرت في ذلك ~~أحسست شيئا قويا عنيفا يهيب بي ألا أسافر. # كان التفكير فيها وفي السفر يعسر علي كثيرا من الكتب فأسرح وأطيل ~~التفكير، حتى لقد كان صديقي أشرف ينتبه إلى انصرافي عن المذاكرة ~~فيسألني عما بي، وقد كتمت عنه حبي فترة طويلة من الزمان؛ فقد كنت أخشى ~~أن يجعله سخرية ويجعل مني ضحكة له، ولكنه اكتشف حبي حين رآني معها في ~~الطريق، فلم أستطع الكتمان وألقيت إليه بخبيئة قلبي في جد حازم جعله ~~يأخذ مأخذا لا مجال فيه لغير المشاركة العنيفة، ولكن هذا لم يمنعه أن ~~يحثني على المذاكرة بدلا من السرحان؛ فنفضت إليه خشيتي أن تتزوج قبل ~~أن أحصل على الشهادة، وخشيتي أن أسافر إلى الغرب، وكان يقول: هل تتردد ~~في السفر من أجل هذا؟ إنك إن لم تسافر وتزوجتها لظللت طول عمرك تكرهها ~~لأنها كانت حجر عثرة في سبيل مستقبلك، ولظلت هي طول حياتها تكره نفسها ~~وتكره زواجها بك لأنه منعك من المستقبل اللائق بك، لا، اخطبها وسافر. ~~ولكن لا بد لك أن تسافر. # وحصلت على الشهادة وراح أبي يجهز لسفري، ورحت أنا أتحين الفرصة ~~لأحادثه في أمر خطبتي، ولكن كيف؟ كنت طفلا كبيرا في السابعة عشرة من ~~عمري أحس أنا أني كبير وأفهم كل شيء، بل لعلي كنت معتقدا أنني أفهم ما ~~لا يفهمه أبي نفسه، ولكن من يعترف معي بكبري هذا وعقلي وحكمتي؟! كان ~~أبي وأمي يعاملانني كأني طفل لا أزال، حتى لقد فكرا أن يرسلا معي ~~خادما إلى الخارج ليرعى شأني، ويقوم على أموري فما استطعت أن أصرفهما ~~عن هذا التفكير إلا بشق الأنفس وكثير اللجاج، بل وبالبكاء أيضا، نعم ms04 ~~بالبكاء فقد كنت حتى ذلك الحين أبكي إن أصر أبي على أمر لا أريد ~~تنفيذه. # كيف إذن أحدثهما عن حبي، وعن رغبتي في الخطبة وهما يريان أنني ما زلت ~~محتاجا إلى ...! # لم أجد من ألقي إليه بما أنا فيه إلا صديقي أشرف الذي عرف حالي ~~جميعا أثناء المذاكرة، قصدت إليه في بيته وظللت أقول وأقول، وأبين له ~~كيف أنهم يجهلون في بيتي قدري، وكيف أنهم يستصغرون شأني ويستهينون ~~بعبقريتي، وكان أشرف يكبرني بعض الشيء فانتهز الفرصة وراح يقف مني موقف ~~المرشد الناصح، وأنا أضيق بحديثه غاية الضيق حتى لم أطق أن أكمل ~~الجلسة، وخرجت من عنده وأنا أشد ضيقا مما كنت حين قصدت إليه. # وتحدد موعد السفر، وما لبث هذا الموعد أن حل، وأصبحت في اليوم الذي ~~سأسافر في مسائه، وقد عزمت أمري على مفاتحة أبي، وقد هيأ لي الوهم ~~أنني ما إن أخبره برغبتي في الزواج حتى يسارع إلى أهل هناء فيخطبها لي ~~في نفس اليوم، بل في نفس الساعة. # قصدت إلى حجرة أبي وقد أعددت نفسي إعدادا تاما، ولكن لم أجد أبي؛ ~~فقد انصرف في باكر الصباح ليكمل ما أحتاج إليه، وأخبرهم في البيت أنه ~~لن يرجع إلا بعد الظهر. # ولم أطق أنا البقاء فخرجت عازما ألا أعود أنا أيضا إلا بعد ~~الظهر. # وبعد الظهر عدت، وما كدت أصل إلى الحي حتى تدافعت إلى أذني زغاريد ~~تنبعث من بعيد ويقترب صداها كلما اقتربت إلى البيت، ماذا ترى بعث هذه ~~الزغاريد؟ ليس هناك إلا سبب واحد. # لا بد أن أشرف أخبر أبي برغبتي في الزواج من هناء، وأراد أبي أن ~~يفاجئني بهذه المفاجأة الهائلة الرائعة العظيمة، كم هو عظيم أبي هذا! ~~كم هو وفي أشرف صديقي! أحقا تحققت الأحلام؟ أحقا هدأ لي مضطرب ~~الفؤاد واستقرت بي نفسي الحائرة؟ وتزداد الزغاريد قوة وكأنها تجيب أن ~~نعم، نعم، لقد تم لك ما تريد. # وبلغت مصدر الزغاريد، إنه بيت هناء، إذن فهو ما فكرت فيه، وإذن تحققت ~~الآمال، ووجدت بالباب سيارات وقوما ms05 متجمعين، ووجوها يطيب البشر من ~~قسماتها، ولكن أين أبي من هؤلاء؟ أين سيارته؟ وأين سائقنا؟ أين نحن في ~~هذه الجموع؟ لا، لم يكن هناك، عدوت جريا إلى منزلنا فوجدت أبي جالسا ~~في مكتبه، ورأى اضطرابي وأدركه، ولكن لم يلفت أمره ولم يسألني، «ما ~~لك؟» بل قال في صوت شوق عاطف: أين أنت يا أخي؟ أتترك البيت في هذا ~~اليوم وسيأتي الناس لتوديعك، وأمك تهفو أن تقضي معك هذه الساعات التي ~~تسبق سفرك؟ ~~- والله كنت ... كنت ... كنت أودع أصحابي ... أبي ... ~~- نعم. ~~- أبي ... ~~- نعم. ~~- ما هذه الزغاريد؟ ~~- يا سيدي هناء تخطب اليوم، وأنا ذاهب لأهنئ أباها فقد دعاني الرجل ~~وألح علي أن أذهب، وهو يريدك أيضا، أتأتي؟ # وتلعثمت وأنا أجيب أبي بأسى قانط مرير: لا، لا يا أبي فإني سأنتظر ~~مع أمي، وأنتظر المودعين. وابتسم أبي ابتسامة وجدتني أمامها عاريا من ~~سري الكبير، لقد كان الرجل يعرف كل شيء، قال لي ذلك، قالها دون أن ~~ينطق كلمة واحدة، قالها في ابتسامته تلك التي ترقرقت على محياه، ~~وخرج. # وخلوت أنا إلى حجرتي، لم أنتظر المودعين، ولم أجلس إلى أمي، وإنما ~~لجأت إلى الكذبة التي يستعملها الجميع إذا شاءوا أن يخلوا إلى أنفسهم، ~~نعم ادعيت مرضا وصداعا، وخلوت إلى حجرتي، أستعيد الأيام، أيام الفناء ~~والكرة والحبل والطريق واللعثمة والحمرة، والأحاديث، ذهب هذا جميعه، ~~هذه الخائنة، ولكن ما ذنبها؟! وهل تملك من أمر نفسها شيئا؟ بل هل أملك ~~أنا من أمر نفسي شيئا؟! ها أنا ذا مسوق إلى السفر، مرغم على السكوت ~~حتى لا أستطيع أن أنبث بخالجة نفسي ورغبتي، ما ذنبها؟ إنما يحكم عليها ~~من يحكم علي، آه من الآباء! فكرت ألا أسافر، ولكن ماذا أقول، وكيف أعصي ~~أبي، لا إني سأسافر لا لأني خائف من أبي، ولكنني سأسافر لأني زعلان من ~~أبي، ولماذا أزعل منه؟! هل أخبرته بشيء؟ لقد كان يعلم، وماذا كنت ~~أنتظر؟ أن يأتي هو إلي ويقول لي سأخطب لك هناء، وما له! ولماذا لا ~~يفعل؟ نعم سأسافر لأنني زعلان. # وسافرت ms06 ومضت السنون بي في أوروبا، وخطابات أشرف توافيني بأخبار هناء ~~فتحيي في القلب حبا كان خليقا أن يضعف. # رأيت المرأة في الغرب، رأيتها في أوضح صورها بشاعة، وكانت رؤيتي لها ~~تعيد حبي لهناء إلى شبابه الأول، أرى العيون الفاجرة، فأذكر عيونها ~~المسبلة! وأرى الوجوه البريئة فأذكر حمرة وجهها! وأرى الأجسام الفائرة ~~فأذكر جسمها الذي لا يبعث إلى ذهنك إلا فكرة الورود تتفتح عنها أكمامها ~~في حياء وفي زهو وفي كبر، أرى النسوة عاريات وإن سترت أجسامهن الملابس، ~~فأذكر ذراعيها العاريتين يسترهما جلال الحياء فيها وبراءة الأجواء التي ~~تشيع من حولها. ورأيت الغرب فعرفت المرأة فازداد حبي لحبي الطفل الذي ~~تركته في مصر بين أيد غريبة عني وعنها وعن طفولتنا وصبانا ومطالع ~~شبابنا. # كنت قد أوشكت أن أنتهي من دراستي حين جاءني خطاب من أشرف يحمل إلي ~~نبأ عجيبا، لقد مات زوج هناء، مات، يا لفرحتي! ودوى عن الفرحة ضمير ~~بريء يستجدي أن يفرح للموت، عدت إلى خطاب صديقي، يا له من مقصر! ألا ~~يذكرني إن كانت هناء تعيسة بموته وما مدى تعاستها، ولم يذكر الخطاب أين ~~تسكن، أوحدها أو مع والديها؟ # ولم يحن موعد عودتي إلى مصر إلا وأنا أعلم كل شيء عن هناء؛ أين تسكن، ~~ومتى تخرج، ومقدار حزنها، ومدى تمتعها بالحياة. # عرفت كل شيء. # ووصلت إلى مصر، فكان أول ما عملت أن اتصلت بها بالتليفون. ~~- أتراك تذكرينني؟ ~~- أعرف الصوت ولا أصدق أذني، أتراك هو؟ ~~- أنا هو. ~~- أنت ... ~~- أنا ... عرفتني؟ ~~- وهل تتصور أن أنساك؟ وهل تتصور أنني نسيتك؟ ~~- أكلمك لأعزيك. ~~- شكرا، متى أراك؟ ~~- وتلعثمت وأنا أقول: ترينني؟! ~~- طبعا، ما لك هكذا وكأنك لم تسافر إلى الخارج. لا تزال اللعثمة ~~تعتريك! ~~- متى أراك؟ ~~- كما تحب! ~~- الآن؟ ~~- الآن. # واتفقنا على الموعد وذهبت إليه، غير أن في الصوت جرأة، وفي الحديث ~~امرأة وفي اللهجة إقبال، ماذا ترى حدث؟ أن تدعوني هي إلى اللقاء وقد ~~كانت لا تلتفت إلي وأنا أحدثها في الطريق، هذا الصوت، وهذه اللهجة ~~ليست غريبة علي، إنني أعرفها، سمعتها ms07 ، ولكن بلغة غير اللغة، نعم لقد ~~كن هكذا يحادثنني في الخارج، ترى ألم تصبح هناء ... هناء. # وأقبلت في الموعد، امرأة، ربتة العود عالمة العينين خبيرة النظرات، ~~متجملة الوجه، متأنقة الملبس، وجلست. # وتحادثنا، كنت أحادثها عن أيام الطفولة والصبا، وراحت تحادثني عن ~~الأنوثة التي التقيت بها في أوروبا، راحت تسألني في جرأة عارية عما ~~فعلت في أوروبا، بل راحت تنبئني عما فعل بها زوجها. # ذعرت، ليست هذه هناء، إنها امرأة، عرفت مثيلاتها الكثيرات، ليست هذه ~~حبي، ليست هذه طفولتي، لا ولا هذه أحلامي، أرجعوا الأيام، أعيدوا إليها ~~طفولتها، وصباها وبواكير شبابها لأرى طفولتي وصباي وبواكير ~~شبابي. # كان لقاؤنا الأول هو الأخير، حاولت أن تدعوني فما زادني هذا إلا ~~بعدا، لقد فقدت هناء التي عرفتها؛ فما خلقت إلا امرأة، امرأة كاملة ~~ولكن ليس لي فيها ذكريات ولا آمال. # | أحببت وهمي # لا تلمني يا صديقي وأنت كثير اللوم. نعم إني أسرف في إنفاق المال ~~وأرمي به في كل متجه، لا أفكر في العاقبة ولا أريد أن أفكر فيها، ولكن ~~لا تلمني فما تدري أنت مقدار السعادة التي أحس بها وأنا أقذف بهذا ~~المال، لا، لا تدري وأرجو الله ألا تدري أبدا، وأرجو الله ألا تحس ~~بهذه السعادة التعسة التي أحسست بها. # قد انقطعت عنك شهورا فما تعلم من أمري شيئا، وقد كان آخر ما بيني ~~وبينك أنك عرفت بخطبتي وهنأتني في لقاء عابر سريع، ثم درت أنا في هذه ~~الدوامة التي لم أفرغ منها إلا اليوم. # لم تعرف شيئا عن خطيبتي، نعم لم تعرف شيئا عن ندى، أحببتها يا أخي ~~منذ أنا صبي يدرج إلى باكر الشباب وأحبتني، رأيت فيها فتاة منسوجة من ~~الإشراق، فهي حيثما تحل فرحة نشوى، المرح مجالها، والنور مسبحها، ~~والصفاء محياها، والطهر هي ... # أحببتها يا أخي فخطبتها فازددت حبا لها، وأي عجب أن أحب خطيبتي، ~~ومرت بنا في أيام الخطبة فترة وسنانة حالمة حييت فيها بقلب خافق ينتابه ~~الذعر من الغد؛ فقد اعتادني الذعر منذ غمرتني هذه السعادة. ولكنني ms08 كنت ~~حين أسير معها أنسي سعادتي وذعري، ولا أذكر إلا أنني أسير مع ندى وقد ~~التف ذراعها على ذراعي فأحس كأن ذراعها ستار يحجب عني من الدنيا ~~شرورها، ويفسح أمامي مجالات الجمال فيها والإشراق. # كان هذا يا صديقي، ثم كانت ليلة اتفقنا فيها على أن نذهب إلى السينما ~~في الغد، وتركتها وأنا أفكر في هذا الغد وأنتظره حتى جاء فاشتريت ~~التذاكر، وذهبت إليها قبل الموعد وانتظرتها على أسفل السلم في بيتها. ~~وطالت بها الغيبة فأخذت أصيح في ~~مزاح جاد وأخذ أهلوها يضحكون من ثورتي المرحة ويشاركونني فيها حتى بدت ~~أخيرا على رأس السلم مشرقة حلوة ضاحكة مشاركة في الصياح المرح، وراحت ~~تنزل السلم وثبا، ولكنها توقفت في منتصفه هنيهة لم يلحظها إلا أنا، ~~وتابعت وثبها إلى أسفل حتى أدركتني. # وسحبتها من يدها إلى الخارج دون أن أتيح لها أن تعرض أناقتها على ~~أمها وأبيها. واحتوانا الطريق وفي نفسي غصة جاهدت نفسي على إخفائها بعض ~~الحين ثم لم أطق السكوت: ندى ... ~~- هيه ... ~~- لماذا توقفت وأنت تنزلين السلم؟ # وكان السؤال مفاجأة لها فقد كانت تأمل ألا يرى أحد توقفها. # فقالت في تردد: أنا؟ ~~- نعم أنت، لماذا توقفت؟ ~~- يا أخي، مسألة بسيطة، ألا يفوتك شيء أبدا؟! وماذا ستفعل؟! ~~- أتخفين عني؟ عني أنا؟! أنا طبيب فإن كنت لا أعجبك فدعيني أذهب بك ~~إلى أي طبيب يعجبك. ~~- يا سيدي الحكاية لا تحتاج إليك والحمد لله. ابعد عني وابحث عن رزقك ~~مع غيري. ~~- بل معك أنت. ~~- يظهر أن الزبائن انفضوا عنك في هذه الأيام، على أي حال ~~أمرك. # وذهبت بها إلى العيادة وكان اليوم إجازة فانفردت بها في عيادتي ورحت ~~أسألها في دقة عن كل ما تحس به، وأخذ قلبي يزداد خفوقا مع كل إجابة، ~~واتصلت بأحد أطباء التحليل من أصدقائي وطلبت إليه أن يذهب إلى عيادته ~~فورا، وذهبنا، النتيجة سرطان في الدم، عرفت أنا النتيجة ولم تعرفها ~~هي. # وعدت بها إلى المنزل، نعم أنا طبيب، وأعرف ألا أمل مطلقا، لكنني ~~إنسان أيضا يا أخي، ومحب ms09 ، أنا لا أطيق الحياة خالية من هذه المريضة، ~~لا، لا أطيقها. # لم أخبر أحدا من أهلها بمرضها، وحملت العبء وحدي وأنا وحدي بين ~~الناس جميعا الذي كان خليقا أن يتهاوى تحت هذا العبء ولكني ~~حملته. # تركتها في البيت وخرجت وحدي إلى الطريق إلى قلبي المحطم، أمرن لساني ~~على ما سيقول، وأهيئ نفسي للطريق الذي اخترته. ولكنني في وحدتي هذه ~~لم أشعر بحيرة، ولم أفكر في طريق آخر غير الطريق الذي رسمته لنفسي في ~~سرعة خاطفة واستقر أمري عليه. # ذهبت في اليوم التالي إلى أهلها وأخبرتهم أني مسافر إلى الخارج في ~~مهمة علمية، ورحت أدور بالحديث معهم حتى أقنعتهم أنه لا بد من الزواج ~~العاجل، وجاءت هي بعد أن انتهينا إلى هذا القرار، وفوجئت به ثم ما لبثت ~~أن دخلت غرفة وحدها ونادتني فذهبت إليها: ~~- أحمد، ماذا عرفت أمس من تحليل الدم؟ # كنت قد أعددت نفسي لكل مفاجأة؛ فصنعت ضحكة كبيرة وقلت: عرفت أنه لا ~~بد من الزواج السريع. ~~- أهذا وقت الضحك؟ ~~- وماذا أعمل مع خطيبتي العبيطة التي تربط تعجيلي الزواج بتحليل ~~الدم؟ ~~- لماذا لم تخبرني أمس عن رحلتك إلى الخارج، أنت لم تخف عني ~~شيئا. ~~- أخفيت هذا الشيء. ~~- لماذا؟ ~~- لأنني اعتقدت أنه لو تم لهيأ لي مفاجأة سارة أفاجئك بها، وخشيت أن ~~أخبرك ثم لا يتم فيسبب لك هذا ضيقا لا أريده لك أبدا. ~~- أحمد، هل أنت صادق؟ ~~- وهل كنت عمري كاذبا؟ ~~- أحمد إني خائفة. # ولم أستطع أن أتحكم في لساني وهو يقول: وأنا أشد خوفا. # وارتاعت المسكينة فانتفضت تقول: لماذا، لماذا يا أحمد؟ # واستعدت نفسي الجازعة وقلت لها: أخاف من السعادة التي تغمرني، أخاف ~~من السعادة يا ندى. # واغرورقت عيناي بالدموع، وتعلقت بجفنيها دمعتان، فأما دموعي فبعض ~~الألم الذي أخفيه، وأما دموعها فمن حديثي إليها عن سعادتي. # والتقت الدموع، دموع الألم ودموع السعادة، فاعجب معي يا أخي من ~~إحساسين على طرفي نقيض كان التعبير عنهما واحدا! # أتسخر مني يا صديقي؟ بربك لا تفعل فإنه يحلو لنا حين نغوص في ms10 أحزاننا ~~أن نجعل من أنفسنا فلاسفة، وإن كنا في عميق إحساسنا نعرف أننا لسنا من ~~الفلسفة في شيء. # ولكننا نخادع أنفسنا ونرتاح إلى هذا الخداع مع علمنا أنه خداع. # أتسخر مني يا صديقي، لا تتعجل السخرية، فسوف أفسح لك مجالا للسخرية ~~لا ينتهي أمده، لا تفرغ سخريتك كلها، فإن كان فيما قلت ما يثير هذه ~~الابتسامة الهازئة التي تضعها على فمك فإن فيما عملت ما يثير قهقهتك ~~الساخرة العالية؛ فاحتفظ ببعض سخريتك ولا تفرغها جميعا فإن ما قمت به ~~بعد ذلك يحتاج إلى كل السخرية التي تزدحم في نفسك. # سافرت إلى أوروبا مع زوجتي، نعم سافرت بعد أن أعدت قراءة ما كتب عن ~~مرض زوجتي وبعد أن تأكدت ألا فائدة ترجى من السفر، إلا أنني وجدت مجلة ~~غير علمية تقول إن هناك بحثا يدور عن هذا المرض، سافرت إلى هذا البحث، ~~ألم أقل لك احتفظ بسخريتك؟! # توهمت أنني قد أجد أملا بجانب هذا البحث الدائر، وإلى هذا الأمل ~~سافرت، وتجسم الأمل في نفسي حتى كاد أن يصبح حقيقة، وفي أوروبا أنكرت ~~أنني طبيب، وأصبحت أفعل ما يقول به الأطباء ملتمسا في كل كلمة أملا ~~أزيد به أملي، مكثت مع زوجتي ولا عمل لي إلا تنفيذ ما يقول به الأطباء ~~الباحثون لا أناقشهم في شيء، ولا أفكر إلا فيما يقولون، وقد أعلم أنهم ~~مخطئون ولكنني أخطئ نفسي وأصدقهم، وأخفي على زوجتي ما يقولون وما ~~أعلم، وأوهمها أنني أعمل في البحث الذي جئت من أجله، وأوهمها كلما ~~عرضتها على طبيب أنه صديق لي يريد أن يفحصها، ليست زوجتي غبية أيها ~~الصديق، لقد عرفت أنها مريضة، وعرفت أن مرضها خطير ولكنها لم تشأ أن ~~تشعرني بمعرفتها حتى لا تنغص علي فرحتي بأنني استطعت أن أخفي عنها ~~مرضها، وكانت تراني أمامها سعيدا دائما فلم تشأ أن تشعرني أنها عرفت ~~بمرضها حتى لا تقطع هذه السعادة المصطنعة التي كنت أخلقها لنفسي ~~أمامها، أكانت كاذبة هذه السعادة جميعها أم كان بعضها حقا، لا تسخر ~~يا صديقي ms11 ، لقد استطعت - وأنا الطبيب - أن أقنع نفسي أن الأطباء سيشفون ~~زوجتي من المرض. # نعم، توهمت هذا، وأحببت وهمي وعشت فيه، حتى أصبحت السعادة التي كنت ~~أفتعلها، حقيقة أومن بها لا تقبل مني شكا ولا نقاشا. # وتلومني لأني طلبت إليك أن تبيع كل ما أملك، وتلومني اليوم لأني طلبت ~~إليك أن تبيع أدوات العيادة، لا، لا تلمني يا صديقي، لقد اشتريت بما ~~أرسلت إلي من نقود أملا ضخما ووهما حلوا أحببته، وأحببت العيش ~~فيه وبه. # واليوم يا صديقي ماتت زوجتي، ومات الأمل، ومات الوهم وطالعتني ~~الحقيقة بلا خداع ولا كذب ولا وهم. # لقد أسرفت في الإنفاق، وما أقل ما أنفقت في سبيل هذه الأيام التي ~~تخليت فيها عن الحقيقة وعن العلم وفرغت إلى هذا الأمل الذي أنشأته وذلك ~~الوهم الذي أحببته. # أتسخر مني؟ اسخر ما شاءت لك السخرية، أما أنا فأقسم لك، أقسم بها، لو ~~عادت الأيام إلى الوراء لفعلت ما فعلته ثانية وثالثة وألفا، أيها ~~الصديق لقد كرهت الحياة وأحببت الوهم فمن لي بهذا الوهم، من لي ~~به؟! # | أخلفت الموعد # دق جرس التليفون في منزل الأديب الكبير الأستاذ شريف لطفي، ورفع ~~الأستاذ سماعة التليفون فبلغ سمعه صوت ناعم حلو: من؟ الأستاذ ~~شريف؟ ~~- أنا هو. ~~- صباح الخير يا أستاذ. ~~- صباح الخير. ~~- أنا يا أستاذ إحدى المعجبات بكتابتك، وأتمنى أن أراك، أرجوك أن ~~تحدد لي موعدا. # وارتبك الأستاذ بعض الحين، فهذه أول مرة تكلمه فيها سيدة على غير ~~معرفة، وكاد يغيب في طوايا ذكريات سعيدة لولا إحساسه أن هناك من ينتظر ~~رده فسارع يقول: متى تريدين الموعد؟ ~~- الآن، في هذه اللحظة إن أمكن. ~~- الآن! في هذه اللحظة؟ ~~- يا أستاذ أنا أكلمك بعد تردد طويل، كنت أخاف أن أضايقك ورددت نفسي ~~عن تليفونك أياما بلغت شهورا، وأخيرا جمعت جرأة لا أعرف من أين حصلت ~~عليها لعلها من كتابك الأخير، واستطعت أن أكلمك، وأريد أن ... ~~- أنت غير محتاجة إلى هذا الاعتذار الطويل يا ... ~~- منى، اسمي منى. ~~- يا آنسة؟ ~~- نعم، آنسة منى إذا شئت، وما ms12 أحب إلا أن تقول منى، منى بغير شيء ~~قبلها ولا بعدها. # وخفق قلب شريف خفقا عنيفا وهو يقول: طيب يا منى، أراك الآن ولكن ~~أين أنت؟ ~~- أنا في الجيزة. ~~- طيب أنا سأنتظرك في جروبي. ~~- متشكرة يا أستاذ، متشكرة جدا يا أستاذ. # ووضعت منى السماعة وظل الأستاذ لحظات ممسكا بالسماعة، ثم قفز إلى ~~ذهنه خاطر أرسله يقول: «يا منى، يا منى» ولكن هيهات فقد انقطع الخط ~~وانتهى الأمر. فوضع شريف السماعة وهو حائر! كيف سيعرفها أو كيف ستعرفه؟ ~~وهما لم يلتقيا، أتراه صديق يمزح معه؟! ولكن لا، فما عوده الأصدقاء هذا ~~المزاح، وإن مكانته لا تسمح بمثل هذه الصغائر، على أية حال ماذا عليه ~~لو ذهب إلى جروبي وجلس إلى إحدى موائده فطالما جلس إلى موائده، فإنه ~~هناك وفي جروبي بالذات يستطيع أن يستعيد الذكريات، وسمع الأستاذ نفسه ~~تضحك منه ضحكة ساخرة هازئة، ذكريات؟ أي ذكريات يا أستاذ؟ وهل لك ~~ذكريات؟ لقد قطعتها حياة خالية بلا حياة فيها ولا ذكريات، أي ذكريات، ~~يا أستاذ؟! # وغضب الأستاذ من نفسه وزجرها في عنف، وحاول أن يجيب ولكنه وجد نفسه ~~وجها لوجه أمام كرسي جروبي، وقد وقف الخادم أمامه يبدو عليه أنه ينتظر ~~أمره، ويفرض عليه في الوقت ذاته أن يطلب شيئا، وانصرف الخادم وخلا ~~الأستاذ إلى نفسه. # أليس لنا ذكريات أيتها النفس، كم أنت خبيثة تنكرين الماضي وتتنكرين ~~للأيام الخوالي، أما تذكرين أيام الهوى؟! أيام أن كنت خالية إلا من ~~الحب، فارغة إلا من الأمل، خفيفة إلا من الأحلام. # وأمعنت نفس الأستاذ في الإساءة إليه، وراحت تجيبه في سخرية، متى؟ متى ~~يا أستاذ كان لي حب، أو أمل، أو أحلام؟ فإني والله منذ عرفتك خالية بلا ~~حب، فارغة بلا أمل، خفيفة بلا أحلام، وها أنا ذا اليوم بلا ذكريات، ~~أستاذ أتراك تريد أن تضحك مني أيضا كما تضحك من قرائك، فتؤلف قصة تجعل ~~من نفسك بطلها، وتريدني أن أصدق ما تقول؟ # وأجاب الأستاذ في غير احتفاء بهذه السخرية؛ فقد غمرته الذكريات فهو ~~منها ms13 في طوفان. # أما تذكرين، أما تذكرين؟ # وقالت النفس، لا، لا أذكر. ولكن الذكريات راحت تنهال في خاطر شريف ~~كجدول مزدحم الأمواج. # كان إذ ذاك صبيا مشرفا على الشباب، ملهوفا إلى الغد، لا أمس له ~~ولا حاضر، وإنما عيناه شاخصتان إلى المستقبل يرقبه من خلال الغيب ~~عجلان، يود لو أن الأيام تقاصرت، ولو أن الليالي انحسرت، يحب الشمس ~~المشرقة ثم ما يلبث أن يكرهها ويرى فيها قديما لا بد أن يزول لتأتي ~~الشمس الجديدة شمس الغد شمس الشباب. # كذلك كان شريف، وكانت بثينة هي الجارة، فتاة في ربيع العمر من الشباب ~~على وجهها حمرة الفرح، وعلى صدرها استكبار الواثق المزهو، ولف الشباب ~~عودها فهي عود مورق تعرف الأوراق أين تنبت فيه، وكيف تنبت؟! غضة كالغصن ~~الجديد مشرقة كالزهرة، حلوة فتانة، تنظر إلى الغد بعين وسنانة حالمة ~~وتلتذ كل لحظة تعيشها وتعتصر كل لذة في هذه اللحظة، وتنبت لنفسها ~~ذكريات من الأمس ولا ذكريات لها ولا أمس، ولكنه الشباب يحب الماضي ~~والحاضر والمستقبل. # كانت بثينة أكبر من شريف فلم تجد بأسا أن يجلس إليها وأن تجلس إليه ~~ولم يجد أهلها ولا أهله في ذلك بأسا، وانعقدت بينهما صداقة كان هو ~~فرحا بها، وكانت هي فرحة به أيضا، وكانت بثينة تحب الأدب والأدباء، ~~وكانت تخص أديبا معينا بحبها، وكانت تقرأ على شريف لهذا الكاتب ~~بالذات فتكثر القراءة وكان هو يقبل على ما تقرأ في تكاسل وعزوف، ومرت ~~الأيام ولم تلحظ بثينة أن الأيام مرت وأنها أطلعت في وجه شريف الغض ~~شعيرات تتلوى، وأنها جعلته يشتري الكتب لكاتبها المفضل إن أصدر جديدا، ~~أو لغيره إن لم يصدر هو. # أحب شريف الفتاة، وأحب الأدب في غمرة حبه الأصيل، وأحست الفتاة بحبه ~~للأدب ولم تحس حبه لها. # ومضت الأيام حتى كان يوم فوجئ فيه شريف ببثينة تتزوج، وكان زوجها هو ~~كاتبها المفضل. # ومنذ ذلك اليوم ولا أمل له في حياته إلا أن يصبح كاتبا مثل زوج ~~بثينة، وإلا لن يجد زوجة تعجب به كما أعجبت بثينة ms14 بكاتبها. # ذهبت بثينة من حياة شريف وتركت له الأدب، وذلك الأمل الضخم الذي رصد ~~حياته كلها لتحقيقه. # ومرت الأيام، وشريف عاكف على الدراسة والقراءة العنيفة التي لا تعرف ~~الوهن، وسافر إلى الخارج يجمع إلى الأدب العربي الأدب الغربي، وجهد في ~~الغرب، لم يقض لحظة مع فتاة ولم يترك هنيهة دون أن ينتفع بها، حتى إذا ~~أتم ما أراد لنفسه أن يتم، عاد إلى مصر، وبدأ عمله أستاذا للأدب في ~~الجامعة، وكاتبا في الجرائد والإذاعة ومؤلفا للقصص الطويل منها ~~والقصير. # وانهال إنتاجه على عشاق الأدب ضخما رائعا كثيرا متدفقا فما هو ~~إلا بعض العام حتى كان اسمه على كل لسان، تهمس به العذارى في وله، ~~ويتشدق به شداة الأدب في إكبار، وينقده الأدباء في مرارة، وهو في شغل ~~عن هذا جميعه بأدبه وبأمله في أن تحبه قارئة مثل بثينة وتعجب به، ~~وتقصد إليه تقدم بين يديه إكبارها وإعجابها وحبها، فيخطبها ويتزوجها ~~وينشآن بيتا كأحلام العذارى أو خيال الشاعر الولهان، أو كبيت بثينة ~~وإن كان لا يدري ما فعل الله ببثينة. # ومرت الأيام وراح أهل شريف يلحون عليه أن يتزوج، وهو يصرفهم عن هذا ~~الحديث كلما تحدثوا به، فإن ألحوا تركهم وخرج إلى مقعده في جروبي، هذا ~~المقعد الذي يجلس إليه الآن فيستعيد الذكريات، ذكريات بثينة وقراءتها ~~له وتسخر منه نفسه كلما حاول أن يجعل من الأيام الماضية ذكريات، ولكنه ~~لا يحفل بسخريتها تلك بل هو يسترجع الذكريات، وقد كان خليقا به في ~~يومه هذا أن يذكر، فقد آن له أن يحقق الأمل، أمل حياته جميعا، كم هو ~~فرح، فرح؟! # ما أضعف الأديب حين يحاول أن يبين عن خالجة نفسه، أكل ما يصف به نفسه ~~الآن أنه فرح! فرح فقط! وماذا تملك غيرها أيها الأديب، إنك لن تحاول أن ~~تزوق الكلام لنفسك كما تزوقه لقرائك، والمشاعر الإنسانية معروفة (لا ~~تتغير، أنت فرح ولن تحاول أن تعبر عن فرحك لنفسك) لأن نفسك تعرف مقدار ~~فرحك فقد لازمتك منذ أن كنت صبيا إلى الآن ms15 ، وها هو ذا أملك يتحقق ~~فأنت فرحان ينتاب فرحك بين الحين والحين غصة خوف ألا تعرفك الفتاة، ~~وتطمئن نفسك بأن صورك تملأ الجرائد، ثم تخشى أن تختلف الصورة عن ~~الحقيقة ثم تفكر في آخر صورة لك، ثم، ثم ها هي ذي الفتاة تقف إلى ~~منضدتك، نعم إنها واقفة إلى منضدتك. ~~- الأستاذ شريف، صباح الخير. # ويقف الأستاذ شريف ذاهلا حائرا فما كان يتوقع أن يرى كل هذا ~~الجمال، لا، فما بثينة بهذا الجمال، لا ولا أمل هو يوما أن تكون ~~فتاته بهذا الجمال، لا، وقبل أن يسترسل به الخيال يفيق إلى وقفتها ~~ووقفته فيقول: الآنسة، آسف، أقصد منى. ~~- أنا هي. ~~- أهلا وسهلا، تفضلي، اقعدي. # وتقعد منى ثم ما تلبث أن تضحك ضحكة عالية مرحة منطلقة خالية لا يمسك ~~بها شيء فهي رنين حلو، ولكن شريف ينظر إليها في تعجب. ~~- خيرا، ماذا حدث؟ ~~- انظر. ~~- ماذا؟ ~~- لقد طلبت جلاس وتركته يذوب حتى ملأ المنضدة ولم تلتفت إليه، أعرف ~~أن الفنانين يسرحون ولكن لم أكن أعتقد أنهم يسرحون إلى هذا ~~الحد. # وارتبك شريف فما يدري ماذا يقول أو يفعل! وراحت منى تتحدث في حديث ~~آخر بعد أن نظف الخادم المنضدة، راحت تشرح له إعجابها به وبكتبه ~~ومقالاته، وراح هو في خجل حيران وفي نشوة فرحانة يسألها عما أعجبها وهو ~~يتمنى أن تسكت فقد بلغ به الخجل مداه، ويتمنى ألا تسكت فما لقي هذه ~~السعادة جميعها قبل اليوم، وبين رغبته في سكوتها وأمله في استرسالها ~~راحت منى تتحدث في انطلاق مرح في إعجاب كبير وهي تنظر إليه نظرات ~~يملؤها الإكبار؛ فقد كانت ترى في جلستها تلك إليه أملا لا سبيل إلى ~~تحقيقه. # وطال الحديث وشريف ينظر إلى الفتاة لا يحول عينيه عنها والسعادة ~~تغمره من كل جانب، فجمال الفتاة معجزة وإعجابها به يفوق إعجاب بثينة ~~بكاتبها لم يبق له من أمل بعد هذا. لا، لا أمل له أكثر من هذه السعادة ~~التي يعيشها الآن ويتنفسها ويلتذ بكل نسمة فيها. # وتمكنت منه رغبة في الانطلاق فما ms16 يطيق أن يستقبل كل هذه السعادة ~~جالسا إلى كرسي، إنه يريد أن ينطلق إلى الشوارع إلى الميادين، إلى ~~الفضاء بل إلى الزحام، إلى الدنيا جميعا في هدوئها وضجتها، في سكونها ~~وحركتها، إلى كل الدنيا. # قال لمنى: هلم بنا. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى الشارع، أريد أن أسير، هلم. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى أي مكان. ~~- ولكني لا أستطيع. ~~- لماذا؟ ~~- لأنني أنتظر خطيبي هنا، فقد طلبت إليه أن يأتي إلى هنا. # ولم يسمع شريف شيئا مما قالت بعد خطيبي، فقد جمدت عيناه تنظران إلى ~~عينيها وجمدت شفتاه لا هما مفتوحتان ولا هما مغلقتان. # وجمدت خلجات وجهه بين الدهشة والألم وبقايا فرحة تنحسر لتفسح مكانا ~~لألوان شتى من المشاعر لا مجال فيها لفرح أبدا. # وبعد فترة لا يدري أقصرت أم طالت انتبه إلى نفسه ناظرا إليها فوجد ~~صورته في عينيها الشابتين، وجد صورته الجازعة مطبوعة على عينيها ~~الضاحكة المستبشرة، رأى صورته في عينيها فأطال التحديق، لقد نسي ~~الأستاذ شريف شيئا وذكرته صورته ما نسي، نسي ذلك الشيب الذي اشتعل ~~في رأسه فحرق مستقبله، وفى لحظة وامضة أدرك الأستاذ شريف ألا مستقبل ~~له، وأدرك ألا ماضي له أيضا، لقد أكل الأدب ماضيه ومستقبله، وألهاه عن ~~السنوات التي تمر لا تراعي القلب الشاب ولا الأمل الطفل وإنما هي تدمغ ~~حيث تمر فتجعل من صبي الأمس عجوز اليوم. # كان الأستاذ شريف يقترب إلى الخمسين من عمره ولا يحس. # ولم يفق الأستاذ شريف إلا حين جلس إلى مكتبه وأخرج ورقة وقلما وكتب ~~عنوان قصته الجديدة: «أخلفت الموعد». # | ملاعب الصبا # على ضفاف الصحراء، جلس حمدان بن ربيعة يمد طرفه إلى الأفق البعيد، ~~فلا يرى بعينيه غير انطباقة السماء على الرمال، فيخترق بفكره هذا الأفق ~~ويوغل إلى ما وراءه، إلى هناك، إلى ملاعب الصبا، ومدارج الطفولة، هناك ~~حيث انطبعت يوما على الرمالات البيض آثار ركبته ويديه وهو طفل يحبو، ~~وآثار قدميه الطفلتين وهو حدث يتعثر في خطواته الأولى، وهناك حيث محت ~~الرياح آثار قدميه الصغيرتين وهو صبي يدرج إلى الشباب، وويل لحمدان ms17 من ~~ذكرياته لأيام الصبا؛ فهي أولى ذكريات وعاها عقله، وهي أحلى ذكريات ~~صنعتها له الأيام. # كان ذلك منذ نيف وعشرين عاما، وكانت الحياة بين يديه لعبا مع ~~الأطفال من أترابه. # وكانت هي بينهم تلعب كما يلعبون، ويجرى عليها من أحكام اللعب ما يجرى ~~عليهم لا يراعون أنها ابنة شيخ القبيلة، وما شأنهم بأبيها؟ إنما هي عضو ~~في جماعتهم لا يعنيهم من شأنها إلا مرحها ولعبها وإتقانها هذا ~~اللعب. # وهكذا عاش حمدان في جهالة الطفولة لا يدرك مقدار السعادة التي تتيحها ~~له هذه الجهالة، وإنما يدرك قواعد اللعبة التي يمارسونها تمام الإدراك، ~~ويتقن هذه اللعبة كل الإتقان. # وكانت هي - لمياء - تعجب بمهارته، وتنضم دائما إلى الفريق الذي ~~يضمه، سعيدة أن تراه إلى جوارها لا تعرف سببا لهذه السعادة، سعيدا هو ~~أن يراها إلى جواره، لا يدرك باعثا لهذه السعادة. # ومرت الأيام، وويل لحمدان في جلسته هذه حين يذكر مرور الأيام، لماذا ~~مرت؟ ألا تعرف هذه الأيام شيئا إلا أن تمر فتجعل من العقول الجاهلة ~~الحالمة السعيدة عقولا مبصرة واعية شقية، أما كانت تستطيع هذه الأيام ~~أن تتوقف فلا تمر، أو تتمهل فلا تثب هكذا وثبا عنيفا يطيح بالأماني ~~العذاب، ويقضي على الآمال الباكرة المشوقة إلى أن تصبح حقائق واقعة، ~~مرت الأيام كالرحى الثقيلة تطحن سعادتنا الجاهلة، وأنسنا الساذج، مرت ~~الأيام، فألقت على وجه لمياء حلاوة الشباب بعد عربدة الطفولة ولمست ~~جسمها فإذا هي فارعة الطول هيفاء غيداء تخطر كالهواء، وتسعى كالأمل ~~وتشرق كالشباب، ولمست الأيام عقل لمياء الطفل الجاهل فتفتح إلى أفكار ~~الشباب، وصار يدرك سبب السعادة التي كانت تحسها، وأصبحت تخجل من هذه ~~السعادة وتحاول ما وسعها الجهد أن تخفيها في عميق نفسها. # ومرت هذه الأيام نفسها على حمدان فعلمته أن ذلك الشعور بالسعادة إنما ~~هو الحب الذي يتحدث عنه الشعراء ويتهامس به الشبان، علمته الأيام أيضا ~~أنه فقير، أبوه تابع لأحد وجهاء الحي، وعلمته الأيام أن دونه ودون ~~لمياء المستحيل؛ فهي لن تصبح له في يوم من الأيام، بل ms18 إنه لن يستطيع أن ~~يكشف لها عن حبه مهما يعظم، عرف حمدان هذا جميعه ولكن بعد فوات الوقت، ~~بعد أن كان الحب قد تغلغل في نفسه فهو بعض من الدماء التي تجري في ~~عروقه، وهيهات للشاب المسكين أن يسيطر على حب هو بعض من دمائه. # وكان الشبان من أبناء الأتباع يجتمعون فيتحدثون عن رجال الصحراء ~~والكهوف حديثا يملؤه الفخر وتحيط به هالات من التمجيد، وكان حمدان ~~يستمع إلى هذا الحديث بأذن واعية وقلب خافق متطلع إلى المستقبل، وكانت ~~النسوة يستمعن إلى هذا الحديث في تظاهر بالخوف لا يخلو من الإعجاب، ~~ونظر حمدان إلى نفسه في قبيلته تلك فوجد نفسه ضائع الأصل، منهار الأمل، ~~ووجد أترابه يتمتعون بالمستقبل المشرق، بينما هو بينهم تابع بلا أمل ~~وتمكن اليأس من حمدان وامتلأت نفسه بالحقد على مجتمعه هذا الذي يحيا ~~فيه؛ فهو ينظر إلى أصدقاء الملعب نظرة كلها الحسد، وينظر إلى لمياء في ~~حسرة عنيفة، وينظر إلى مستقبله في مرارة قاتلة، ويراود ذهنه ذلك القصص ~~عن قطاع الطرق، ومن خلال هذا الطريق المحفوف بالمخاطر يلمع لعينيه وميض ~~أمل، وما يمنعه أن يصبح قاطع طريق؟! أهو غضب أبيه؟ وما يهمه غضب أبيه ~~ذلك الرجل الخامل الذي لم يستطع أن يصنع لنفسه إلا هذه الحياة الحقيرة ~~ليس فيها غير الشرف والعفة والفقر والحرمان؟ أتعوقه أمه؟ وما شأنها به ~~وهي التي رضيت أن تشارك أباه حياته تلك المهينة؟ لا، إن شيئا من هذا ~~لا يمكن أن يمنعه، لعلها لمياء، لا، لا تستطيع لمياء أن تمنعه فهو إن ~~بقي إلى جوارها سيظل التابع الفقير، وستظل هي ابنة الأكرمين وسيراها ~~يوم تتزوج ولن يستطيع حينئذ أن يمد لها يدا أو حتى نظرة، أما إذا رحل ~~واتخذ سبيله في قطع الطرق فلعله، لعله يومئذ يستطيع أن يجمع مالا ~~يعوضها به عن ضعة أصله، ولعله، ولعله يومئذ يستطيع أن يختطفها ~~ويذكرها بالملعب وأيام الصبا ويناشدها ذلك الحب الطفل. # واتخذ حمدان طريقه وهجر منازله وأحلام صباه وملاعب طفولته وبدأ يمارس ~~مهنته الجديدة ms19 في عنف لم تسمع به العرب من قبل، وما أسرع ما تكونت ~~حوله عصابة ألقت إليه قيادها فهو يدبر للهجوم ويتزعمه. وبث لنفسه ~~الجواسيس في الأحياء فهو على علم بكل قافلة تهم بالمسير، وهو يتخير من ~~بين هذه القوافل أكثرها مالا فينقض عليها، ولا بد له أن يصيب من ~~أموالها ما يريد مهما تكن هذه القافلة منيعة الحراسة كثيرة ~~العدد. # كان حمدان جالسا على ضفاف الصحراء تمر بذهنه الأفكار عن أمسه الغابر ~~وعن حاله هذا الذي صار إليه، وكان أفراد العصابة قد عرفوا فيه حبه لهذه ~~الخلوة فلا يقطعونها عليه فهم جالسون أو نائمون داخل المغارة ينتظرون ~~الجواسيس القادمين ليعرفوا منهم القوافل المعدة للسفر. # وجاء الجواسيس فتجمعت حولهم العصابة وألقى كل جاسوس بما يعرف من ~~أنباء إلا واحدا بقي مترددا لا تبين عليه حماسة من يحمل أخبارا ~~فسأله حمدان: هيه يا عامر مالك صامتا، ما أنباؤك؟ ~~- ليست هناك إلا قافلة صغيرة. ~~- قافلة من؟ ~~- قافلة لمياء. ~~- لمياء؟! ~~- نعم، لمياء بنت شيخ القبيلة، تم زواجها بالأمس وهي في طريقها إلى ~~منازل زوجها. ~~- زوجها، أتزوجت، متى؟ ومن زوجها؟ # فأجاب عامر دهشا من هذا الاهتمام المفاجئ: تزوجت بالأمس من عكرمة ~~الحضرمي، وسترحل إليه يوم السبت القادم. ~~- ولكنك لم تخبرني أنها خطبت قبل اليوم؟! ~~- لقد تمت الخطبة والزواج أمس. # وأطرق حمدان مفكرا، وكاد الدمع يفضح دخيلة نفسه، ولكنه سرعان ما ~~تمالك عن البكاء، فسأله أحد أفراد عصابته: وما شأننا نحن بهذه القافلة ~~الضئيلة، إنها ستخرج في يوم كثير القوافل وما أظنك ستترك القوافل ~~الغنية الوفيرة الأموال لتأخذ قافلة هذه العروس. # ولكن حمدان كان يرى في قافلة هذه العروس آماله كلها قد تحققت فليس ~~بينه وبينها إلا أن يمد بيده فإذا هذه الأوهام التي كانت تداعب خياله ~~يوم ترك الحي قد أصبحت حقائق واقعة، وإذا حبه الذي كان أملا مستحيل ~~التحقيق قد وافى؛ فها هي لمياء بين يديه لم يمنعها عنه مانع من زوج أو ~~أب أو قبيلة، إنها حبه وصباه وشبابه، وهو، وتردد حمدان قليلا ms20 ، أجل هو، ~~أتراه أيضا حبها وصباها وشبابها أم أن الأيام قد غيرت هذا الحب، نعم ~~إنها لم تقل يوما إنها تحبه، لم تقل ذلك بلسانها، ولكنه رأى من عينيها ~~أنها تحبه، وسمع تلك البسمة التي كانت ترتسم على وجهها عند اللقاء إنها ~~تحبه، ولكن أترى ما كان يسمعه حقا أم هي أوهام محب وخيال شاب؟! سوف ~~يعلم، وينهي حمدان إلى عصابته إنه اختار قافلة لمياء فيطيعون أمره في ~~صمت. # ومنذ ذلك اليوم وحمدان لا يعمل شيئا إلا أن يترقب القافلة القادمة، ~~وإلا أن يهيئ للمياء كل وسائل الراحة حتى لا تضيق بحياتهم المقفرة؛ ~~فهو يقيم لها خيمة من الحرير تملؤها الوسائد اللينة والبسط النفيسة ~~والأرائك الأنيقة. # وبدت القافلة في الأفق واستعد حمدان وعصابته، وما هي إلا بعض الساعات ~~حتى كانت إغارة حمدان على قافلة العروس قد نجحت، فاختطفت العصابة لمياء ~~وهرب أفراد القافلة جميعا حين رأوا كثرة العصابة. # وأدخلت لمياء إلى خيمتها، واتخذت لنفسها مكانا على إحدى الأرائك ~~وبعد قليل دخل حمدان في أجمل ملبس، وانبعث في لهفة إلى لمياء يجثو تحت ~~أقدامها. ~~- لمياء. ~~- من؟ اللص. ~~- لمياء؟ إنه أنا، أنا. ~~- ومن أنت؟ ~~- أنا حمدان، ألا تعرفيني؟ ~~- ومتى عرفتك؟ ~~- أنا حمدان، صديق الصبا، أخو الطفولة، ماذا؟ أتراك نسيتني؟! ~~- أنا لم أعرفك حتى أنساك! ~~- إن وجهي لم يتغير كثيرا منذ تركت الحي، فما هذا الجفاء، ألأنني ~~اختطفتك؟ لقد حسبت أن هذا يزهيك، أما ترين أنني ما فعلت هذا إلا لأني ~~أحبك، نعم، أنا لم أقلها قبل اليوم، وكيف كان يمكن أن أقولها وأنت في ~~سماء بيتك، وأنا في وضيع حقارتي، أما اليوم فانظري حواليك، انظري هذه ~~البسط وتلك الوسائد وهذه الأرائك، اليوم نعم، اليوم أقولها أحبك، اليوم ~~أنت لي، أنت حبي وصباي وشبابي، حمدان يا لمياء، ألا تذكرينني، ~~حمدان؟ ~~- لا، أنا أعرفك، لقد كنت أعرف حمدان آخر، وجهه كوجهك وقوامه كقوامك، ~~ولكن نفسه غير نفسك، لقد كنت أعرف حمدان آخر، عرفته ونحن أطفال وعرفته ~~ونحن شباب فكان في الطفولة مرح النفس محببا ms21 إلينا حين نلعب، قريبا من ~~نفوسنا جميعا، وكان في شبابه رجلا شريف النفس عفيف الخلق، أما حمدان ~~هذا الذي يجثو هنا، أما أنت فقاتل سفاك، قاطع طريق، أما أنت أيها الرجل ~~فأنا لم أعرفك قبل اليوم ولن أعرفك. ~~- لقد ظننت، لقد خيل إلي، يا لي من واهم مخدوع. ~~- لم يكن حمدان واهما ولا مخدوعا. # فيجيبها حمدان في لهفة منتشية: إذن يا لمياء، هو أنا، أنا ~~حمدان. ~~- بل لست هو ولن تكونه، لقد مات حمدان إلى غير رجعة. ~~- أتخادعيني؟ ~~- بل لقد مات حمدان. # ويثور حمدان من ذلك الهدوء القاتل الذي تطالعه به حبيبته؛ فما هو بمن ~~يطيق هذه المداورة فهو يقول في ثورة عنيفة: بل هو حي أمامك، وستكونين ~~له شئت هذا أم أبيت، أنت هنا ملكي، أنت جاريتي، أنت لا حول لك ولا ~~قوة، أنا كل شيء لك أنا مستقبلك ولا مستقبل لك إلا بي، أفهمت؟ ~~- لقد فهمت هذا منذ جئت إلى هذه الخيمة، نعم، أني جارية اختطفني ~~اللصوص. فأنا ملك لمن اختطفني فما لك ثائرا؟! أنت لم تقل هذا في أول ~~الحديث، وإنما ادعيت أنني أعرفك وأنك تعرفني فكذبتك، أما أنني ملكك ~~فهذا حق، أترى أيها اللص أنني لا أعارض في الحق أبدا. ~~- لمياء، لمياء، بعض هذه القسوة ... ~~- أي قسوة فيما أقول أيها اللص، لقد أردتني جاريتك، وها أنا ذا ~~أطيعك، مرني بما تشاء أطعك، لن أخالف لك أمرا مهما يكن. ~~- حتى لو طلبت إليك أن تهبي لي قلبك؟ # وتجيبه لمياء في ضحكة ساخرة: أرأيت القلب يوهب بالأمر أيها اللص، لا، ~~لا يمكن أن أطيع هذا الأمر، اللهم إلا إذا أردت أن تقتلني أو تسرق قلبي ~~من بين ضلوعي. ~~- بعض السخرية يا لمياء. ~~- فبعض العقل أنت، أتأمرني أن أهب لك قلبي، حبي ويحك لقد أفرطت، أهب ~~أحلام شبابي وآمال مستقبلي لقاتل، سفاك، وأهبها إطاعة لأمره. جهلت ~~الحب يا فتى وادعيت كذبا. ~~- أعرف أنني أستطيع أن أنالك، وأعرف أنني أستطيع أن آمرك فتصبحي لي ~~وحدي، ولكن لم يكن هذا حلمي ms22 ، لقد كنت أحلم بحبك لا بجسمك، فأنت حرام ~~علي منذ اليوم. ~~- بعد أن اختطفتني وأنا في طريقي إلى زوجي؟! ألم تفكر فيما عسى أن ~~يقال عني، ألم يدر بذهنك ذلك العار الذي ستلحقه بي؟! ~~- لا والله لم يدر بذهني هذا؛ فقد كنت أحسب أنني سألقى فيك حبي ~~القديم، أما اليوم، أما وقد ذكرت أنت هذا العار فلا وحياتك ما كنت ~~لأجعل العار يلحق بك أبدا، ويخرج حمدان من ثيابه خنجرا لامع النصل ~~فتجزع لمياء قائلة: ماذا أنت صانع؟ ~~- سأجعل منك أعظم امرأة في هذه الأحياء، لقد طلب الرجال قتلي فلم ~~يستطيعوا، لأكونن قتيلك، سأقتل نفسي بيدي، وقولي أنت لمن يسألك إنك ~~قتلتني لتدافعي عن شرفك فأنقذته، فاذهبي أنت إلى السعادة في ظلال زوجك ~~وحسبي أنا من الأيام ذكريات الصبا التي عشت بها ولها حتى اليوم. # وما إن يكمل حمدان قوله حتى يغرس الخنجر في قلبه في سرعة خاطفة وتذهل ~~لمياء عن نفسها، لا تعرف ماذا تفعل فيسارع حمدان قائلا في حشرجة: ~~أسرعي بالهرب، أسرعي قبل أن يأتي أحد، أسرعي، واذكريني، اذكريني أنني ~~قاتل وسفاك وقاطع طريق ولكنني، أحببت، ووفيت ومنعت اسمك أن يلم به ~~السوء. # وركعت لمياء إلى جانب حمدان في لهفة ملتاعة: لماذا يا حمدان، لماذا ~~فعلت هذا بنفسك؟! إنما أردت بكلامي أن ترجع عن طريقك هذا، أنا هي لمياء ~~التي عرفتها يا حمدان، فارجع إلى الحياة لتعيش شريفا نقيا كما ~~عرفناك، حمدان، حمدان. # وجرت دموع لمياء غزيرة على وجه حمدان، دموع فيها حب قديم، وفيها حزن ~~جديد، ولكن حمدان لم يحس بحب أو بحزن كان قد ترك الدنيا بكل ما فيها من ~~مشاعر. # وخرجت لمياء تنفذ ما أمرها به حمدان في ذهول حائر، ودون أن تحس ولت ~~وجهها إلى منازل أبيها، وما يأتي الصباح من الغد حتى تكون قد رجعت إلى ~~الحي تقص عليهم ما كان من حمدان، لم تقل إنها قتلته بل روت الحقيقة كما ~~هي، وكأنما أرادت بها أن تنال من قلوبهم الغفران للص الذي غسلت ms23 دماؤه ~~خطاياه. # | لقاء ولا وداع # هو ~~: # وحدك؟ # هي ~~: # وحدي. # هو ~~: # وتحبينني؟ # هي ~~: # وأحبك! # هو ~~: # وأنت على هذا الجمال الآسر، حتى ليخيل إلي أنك صنعت ~~جسمك بيدك، أو ليخيل إلي أنك مكثت في عالم الغيب أجيالا ~~عدة تسألين الله أن يخلقك نوعا وحدك من الجمال، فسمع سبحانه ~~سؤالك وأجاب سؤالك، فكنت على ما أرى الآن لونا فريدا من ~~الجمال بلا شبيه ولا قرين، بل إنك حتى في رفيع سمائك لا يليك ~~من ألوان الجمال تال، فسماؤك شاهقة الرفعة، قريبة كل القرب من ~~بارئك، وسموات الجمال الأخرى بعيدة عنك كل البعد، فكأنما هي ~~الأرض منك إن جاز لي أن أقارن. # هي ~~: # شاعر أنت؟ # هو ~~: # لا شأن لك بي، أجيبني أنت، كيف أمكنك أن تكوني على هذا ~~الجمال؟ ثم كيف خرجت به غير مستور إلى الطريق وحدك بلا رقيب ~~عليه عات شديد؟ # هي ~~: # أغيرة ولم نتعارف؟ # هو ~~: # إنما هو عجب، أليس لك زوج؟ أليس لك محب؟ هل بلغ العمى ~~بالعباقرة النابغين وبالأغنياء واسعى الغنى إلى حد أن واحدا ~~منهم لم يرك فيلقي بجبهته عند أقدامك عابدا مكبرا؟ # هي ~~: # بل هناك من كان يفعل ذلك. # هو ~~: # كان ثم لم يعد، فعزاء يا سيدتي، وهل مات منذ عهد ~~قريب؟ # هي ~~: # بل إنه ما زال حيا. # هو ~~: # حيا ويتركك تخرجين وحدك؟ حيا ويجعل منك هذه الشقية التي ~~تجيب أول متحدث إليها؟ حيا! لعل أنفاسا تتردد في جسمه بين ~~ذهاب وأوبة، ولعله يسير ويأكل، ويشرب، وينام. ولكنني ما زلت ~~مصرا على أنه مات، هو ميت وإن كان يملأ الدنيا ~~بالحياة! # هي ~~: # وأي عجب في ذلك، ها أنت ذا وحدك، وأنت جميل، ألست حلو ~~الحديث، وحدك أرى وحدتك على وجهك، وأراها في حديثك المندفع ~~الطويل الذي آده الصمت الطويل. وحدك أكاد لم أر شخصا تحيط به ~~كل هذه الوحدة التي تحيط بك، أليست لك زوجة أو صديقة تلقي إلى ~~واحدة منهما هذا الحديث الذي ألقيته إلى الآن؟ # هو ~~: # أنا يا سيدتي لا أزوق لك الكلام تزويقا، ولا أختلقه ms24 ~~اختلاقا، وإنما رأيتك وحدك فأخذني جمالك ثم حادثتك فأجبتني ~~فأخذتني وحدتك. # هي ~~: # وحدة أحاطت فخرجت أبددها فكنت أنت. # هو ~~: # فهي وحدة طارئة! # هي ~~: # بل وحدة دائمة سئمتها فحزمت أمري على هجرانها، وأنت؟ # هو ~~: # وحدة طالما تمنيت أن أبددها فعجزت، وكيف كان يمكن أن أبددها؟ ~~إنني أبحث عن امرأة، وأريدها جميلة، أراها فأرى سعادتي في ~~وجهها، وأريدها ذكية، أحادثها فيعود إلي حديثي يحمل منها ~~فهما وعطفا وهوى، والنساء يا أخت الوحدة: إما ساقطة تعرض ~~نفسها في السوق، وأنا لا أشتري أخوتي في الآدمية، أو جميلة لها ~~زوجها أو خطيبها فلا أمل لي فيها ولا رجاء، أو قبيحة لا بد أن ~~أروض نفسي على قبحها، وبحسبي من الشقاء وحدتي فلا خير لي ~~عندها! كذلك كنت يا أخت الوحدة قبل أن ألقاك! وأقسم بالفنان ~~الذي أبدعك ما كلمت واحدة قبلك دون تعارف، وأقسم ما هممت بذلك ~~حتى رأيتك فقلت انطق، فإن صمت فلا أحد يرى خزيي، وإن ~~تكلمت. # هي ~~: # هه، وماذا إن تكلمت؟ # هو ~~: # الحقيقة أنني لم أفكر فيما يكون عليه الأمر لو تكلمت، فما ~~كنت أتوقع أن تتكلمي وإن نطق القدر. # هي ~~: # ولكن هذا اليأس يحيط بك طارئ، فأنا لا أعتقد أنك تحيا فيه ~~طوال يومك لا بد أنه ابن ساعة ثم يمضي. # هو ~~: # ابن ساعة ويمضي ولكن كثيرا ما يعود، يعود زاحفا بالوحدة ~~والضيق، فأرى نفسي وأنا بين الجموع منفردا. # هي ~~: # أنت متزوج؟ # هو ~~: # نعم. # هي ~~: # وزوجتك؟ # هو ~~: # كنت أحبها حتى تزوجنا. # هي ~~: # فكرهتها؟ # هو ~~: # لا وحقك فما عرفت الكره يوما، ولكني أصبحت أرى فيها الشقاء، ~~أن بلغ الشقاء ذروته، جامدة كالقدر، أنانية كالحيوان، لا شأن ~~لها بي ولا يهمها أين اضطرب في هذه الحياة، كل شأنها أن تطلب ~~فأجيب، فلا شكر ولا حمد ولا ثناء، ولا هي حتى تحبس سوء نفسها ~~أو لسانها. # هي ~~: # كانت تلك حالك يا مسكين! # هو ~~: # ولا تزال، صدر لي ديوان شعر عدت به إلى بيتي فرحا، أول كتاب ~~يصدر لي، أعطيته لزوجتي فوضعته جانبا وراحت ms25 تستجوبني في كل ~~حقير تافه من أمورها فتركتها وخرجت لا أدري أين طريقي؟ هيه يا ~~أخت الوحدة لقد بحت لك بكل شيء. # هي ~~: # بل ليس بعد. # هو ~~: # ماذا؟ # هي ~~: # فيم يدور شعر ديوانك؟ # هو ~~: # رعاك الله يا أخت وحدتي، إن زوجتي لم تسألني ما سألته الآن، ~~لا عليك وأخبريني أنت فيما خروجك وحدك وجمالك معجزة، والليل ~~أسود والذئاب كثير؟ # هي ~~: # أكبرته فتزوجته فأحببته. # هو ~~: # ما أسعدك! حب يقوم على الزواج، حب دائم. # هي ~~: # كان ذلك. # هو ~~: # ثم؟ # هي ~~: # ثم راح الناس يمتدحون له جمالي فغاظه ذلك، وأصبح يرى أن من ~~يمتدحني إنما يقصد إلى ذمه هو؛ فهو يعتقد أنه قبيح الوجه، كان ~~جمالي وبالا علي وعليه، أبى أن يقنع من الدنيا بالمال ~~الوافر والزوجة الجميلة فأراد أن يكون له من الجمال ما لم تهبه ~~له الطبيعة، فكفر بكل السعادة التي تحيط به وأحال حياتي وحياته ~~شقاء مستعرا. # هو ~~: # وأية حياة تقوم بينكما؟ # هي ~~: # لا حياة بيننا، هو في عمله طول يومه، فإذا عاد عند المساء ~~فالضيق والضجر وألوان من السخط وأفانين من العذاب، الزوجية ~~بيننا هي هذا العذاب وليس في حياتنا من معانيها إلا الشجار ~~المستمر والغضب المتلاحق. # هو ~~: # أشبهت حياتك حياتي، مسكينة! # هي ~~: # أومثل هذه حياة؟ إنها الموت. # هو ~~: # بل الموت خير منها، فإننا عند الموت لا نختلف ولا نحترق في ~~كل يوم مرات، وإنما عند الموت لن نجد أجسامنا تلك تطالبنا ~~بحقوقها بعد أن احترقت. # هي ~~: # فخرجت أنتقم. # هو ~~: # ولهذا خرجت أنا. # هي ~~: # أنتقم من زوجي الذي جعل شبابي شيخوخة، ومن نعمة جمالي نقمة ~~ولعنة، أريد أن أنتقم. # هو ~~: # وأنتقم أنا من زوجتي التي قتلت أحلام صباي، ورؤى شبابي، ~~وصرعت كل نجاح لي في ضجيج سخطها وتفاهة رغبتها، لن تجدي شخصا ~~صالحا لتحقيق انتقامك مثلي أنا. # وشع في عينيها وميض كالشرر الساطع وهي تقول: أظنك على حق. # فأحاط هو ذراعها بذراعه وهو يقول: بل إني على حق. ~~- وماذا تريد؟ ~~- هلم بنا. # وسار الاثنان شعلتين من الانتقام والرغبة تشقان ms26 طريقهما إلى الحريق، ~~وكان الطريق طويلا، وكانت الثورة في نفسيهما تبحث عن الطريق الطويل، ~~وراح الحديث ينحدر بينهما في قوة عارمة، ثم ما لبث أن أصابه بعض وهن، ~~فإذا هو حديث طبيعي بلا رعد ولا نيران ولا وعيد، ثم انتهى آخر أمره إلى ~~حديث هامس حلو يدغدغ الأذن والقلب والعقل، وراح الناقمان يسكب كل منهما ~~على صاحبه أسلوبا من الفهم الهادئ الواعي، فترتاح نفس كانت ثائرة، ~~ويهدأ مضطرب كان راعدا، ويسيران الطريق، طويل طريقهما، ولكنه نجوى بلا ~~غزل، وأفكار معربدة بلا لذة ووهج أحمر يحف به، ولكنه وهج النار وليس ~~وهج النور. الحديث بينهما يتصل بكلمة أو لا يتصل، لم تسله إلى أين؛ فقد ~~كانت الأمكنة جميعها تستوي، أما هو فقد كان يعرف طريقه، وإن كان يسلكه ~~لأول مرة، إنها شقة صديقه التي طالما دعاه إليها أغراه بأن مفتاحها عند ~~البواب متروك لأقرب الأصدقاء. وعند البواب قائمة طويلة بهؤلاء الأصدقاء ~~الذين يسمح لهم باستعمال المفتاح وهو أول هؤلاء الأصدقاء. # نعم إنه يعرف طريقه. # وبلغا العمارة وسألا البواب عن المفتاح فأخذاه وصعدا وفتحا الباب ثم ~~أغلقاه عليهما، منفردين. # قلبت هي عينيها في المكان، وأمعن هو فيها النظر. ثم جذبها إلى صدره ~~في عنف لم يكن بحاجة إليه فقد ألقت هي نفسها إلى صدره، ولفف شفتها ~~فغاصت هي في أعماق قلبه تريد بها أن تنجو من عذاب زوجها وأيامها ~~وجمالها وضميرها. وأحس هو الشفاه اللاهية، ولكنه أحس لهيب انتقام لا ~~لهيب لذة، وأحست هي شفاهه الملتهبة، ولكنها لم تحس اللذة في هذا اللهيب ~~وانفرجت الشفاه وتباعد الجسمان رويدا، ثم ألقت بنفسها إلى كرسي وهي ~~تقول: أحس راحة. # فقال وهو يراوغ في الإجابة: بل ليس بعد. ~~- بل إني أحس راحة ورضا. ~~- إننا لم ننتقم من حياتنا بعد. ~~- أما أنا فقد انتقمت. ~~- لقد انتقمت بحديثي إليك، وقد كنت أحسب أنني واجدة جديدا إذا ما ~~جئت إلى هنا، لا، لا جديد، لقد استرحت، وانتقمت. # ويقول الشاعر مستخزيا: وإني ولله مثلك، لقد ارتحت بحديثي إليك ~~وانتقمت ms27 ، وما عدت أرجو بعد ذلك لذة. # أترى، لم تبق لنا لذة، لقد انتقمنا بالحديث، وبالحديث بلغنا أقصى ~~غايات اللذة، فما بقاؤنا الآن؟ ~~- نعم، ما بقاؤنا الآن؟ # فهلم. ~~- إلى أين؟ # أنت إلى طريقك وأنا إلى طريقي. ~~- بلا ... ~~- بلا شيء على الإطلاق. ~~- ولا وعد على اللقاء؟ ~~- ولا وعد. ~~- ولا وداع؟ ~~- ولا وداع. ~~- فما في الوداع؟ ~~- فيه أنك ستقيم منه رؤى وخيالات، وفيه أننا سنغذي عاطفة لعلها الآن ~~تهم بالظهور، فسلاما ولا وداع. ~~- سلام، ولا وداع. # وعند الباب الخارجي فوجئ البواب بالشاعر يلقي إليه المفتاح إلقاء، ثم ~~فوجئ به يميل يمينا بينما تميل صديقته شمالا، ويسيران بلا تحية ولا ~~سلام ولا وداع. # | فوق السعادة # (المنظر: حجرة معدة للجلوس اليومي، أثاث أنيق في ~~غير بذخ، تجلس عليه الأختان ثريا وأمينة.) # ثريا ~~: # أنت التي دائما تغلطينني. # أمينة ~~: # والله يا أختي أنا أقول الحق، وطبعا أنا آسفة أن أراك ~~دائما هكذا. # ثريا ~~: # بل أنت دائما تقولين عني غلطانة؛ حتى لا يقال عنك إنك ~~تحابين أختك. # أمينة ~~: # يا ثريا إن المعاملة التي تعاملين بها زوجك لا ترضي ~~أحدا. # ثريا ~~: # أي معاملة؟! # أمينة ~~: # وهل قليل أن يخرج زوجك كل يوم غاضبا، وأن يبيت كل ليلة ~~حزينا، من يرضى بهذا؟! # ثريا ~~: # إنه هو الذي يختلق المشاكل. # أمينة ~~: # لنفترض ذلك، إنما واجبك أن تحلي أنت هذه المشاكل، ولو أن ما ~~أراه أنك دائما أنت، وأنت وحدك التي تختلقين ~~المشاكل. # ثريا ~~: # إنه دائما غضبان لا أعرف كيف أرضيه. # أمينة ~~: # إنه غضبان مما يرى يا ثريا، ماذا يفعل المسكين حين يجد نفسه، ~~كلما يدخل إلى منزله، أمام وجه كشر! # ثريا ~~: # وماذا أفعل إن كان يضايقني دائما؟! # أمينة ~~: # وفيم يضايقك، أنت تعلمين قلة موارده، وأنت مع ذلك لم ~~ترحميه من الطلبات، وأقول الحق، إنه يكلف نفسه فوق طاقتها، ~~وأنت مع ذلك غير راضية. # ثريا ~~: # وماذا أفعل في قلة موارده؟! # أمينة ~~: # أجننت! فماذا يفعل إذا لم تفعلي أنت، يجب أن تفعلي كل شيء ~~يعاونه في حياته، أو يجب عليك - على الأقل - أن تخففي من ms28 ~~طلباتك. # ثريا ~~: # وهل شكا لك هو من كثرة طلباتي؟ # أمينة ~~: # لم يشك. ولكن لي عيونا ترى. # ثريا ~~: # ولكنه لا يكلمني في مثل هذا أبدا. # أمينة ~~: # فهو رجل صاحب حياء. # ثريا ~~: # ولكنه في هذه المرة ليس غاضبا من كثرة الطلبات. # أمينة ~~: # وهل تنتهي أسباب إغضابك له؟ # ثريا ~~: # لقد غضب لأنني خرجت من غير إذنه. # أمينة ~~(ساخرة) ~~: # بسيطة! # ثريا ~~: # طبعا بسيطة، نحن في القرن العشرين، ولا بد للرجل أن يثق في ~~زوجته، وإلا فلا لزوم للحياة الزوجية نفسها. # أمينة ~~: # وهل في استئذانك له ما يجرح من ثقته بك؟ # ثريا ~~: # فلماذا أستأذن؟ # أمينة ~~: # اسمعي يا ثريا، تأكدي أن زوجك يثق بك، ثقة عمياء، فهو بغير ~~هذه الثقة لا يستطيع أن يعيش معك يوما واحدا، ولكنه حاول أن ~~يمنع كلام الناس ولا أحد يلومه عليها. # ثريا ~~: # وما شأننا بالناس؟! # أمينة ~~: # كيف هذا؟ الناس هم كل شيء، الشرف سمعة، فأنت شريفة ما دام ~~الناس يرونك كذلك. أما إذا قالوا غير ذلك، أصبحت كما ~~يقولون. # ثريا ~~: # ما هذا الكلام الفارغ؟! الشريفة شريفة في نفسها. # أمينة ~~: # هذا هو الكلام الفارغ، ما فائدة الشرف إذا كنت - لا قدر الله ~~- تجلسين في البارات وتخرجين مع غير زوجك، الشريفة يا ثريا هي ~~التي تحافظ على سمعتها كما تحافظ على شرفها، وواجب الزوج أن ~~يمنع كل كلام يثار حول زوجته. # ثريا ~~: # وهل يستطيع أحد أن يقول عني كلمة، والله. ~~(تدخل الخادمة.) # الخادمة ~~: # جواب يا ستي. # ثريا ~~: # أي جواب؟ # الخادمة ~~: # جواب أرسله سيدي. # ثريا ~~: # هاتيه يا علية ~~(تأخذ الجواب وتبدأ ~~في قراءته، ولكن عينها تترقرق فيها الدموع فتعطيه ~~لأمينة) ~~. # أمينة ~~: # خذي اقرئيه أنت. # ثريا ~~: ~~«أحببتك يوم طلبت يدك حبا أخذ على حياتي جميعا وأقسمت ~~يومذاك، بيني وبين نفسي، أن أهيئ لك من أسباب السعادة ما لم ~~يتهيأ لأحد في العالم، وكان ظني يومذاك أنك ستنعمين بهذه ~~السعادة وتسكبين علي من فيضها ما أحيا به في أهنأ حياة، وكنت ~~في هذه الأيام ذا آمال كبار، وكنت أنت شريكتي في آمالي، فما ~~طمحت إلى ms29 شيء في نفسي إلا فكرت فيما سينالك أنت من خير إذا ~~تحقق. ثم تزوجنا ومرت الأيام فإذا آمالي كلها تتحقق إلا شيئا ~~واحدا وددت لو كان وحده هو الذي تحقق - نعم يا ثريا، لم أستطع ~~أن أهيئ لك السعادة التي نشدتها لك في نفسي. ولست أدري من منا ~~كان المخطئ فيما حدث لنا ولكني أدري تماما أني لم أستطع أن ~~أهيئ لك السعادة التي نشدتها، وإنني اليوم تاركك، راجيا لك أن ~~تنالي يوما ما فوته عليك من السعادة.» ~~«ملحوظة سأحضر الساعة 6 لأخذ مذكراتي التي لا أحب أن يلمسها ~~أحد غيري، وكل رجائي أن تتركي المنزل مدة ربع ساعة.» # سامي # ثريا ~~(باكية ومحاولة التجلد) ~~: # حسنا ما دام هو الذي فعل هذا، أنا لا يهمني شيء. # أمينة ~~(وقد ظهر عليها كأنما تذكرت شيئا) ~~: # ثريا، كم الساعة الآن؟ # ثريا ~~: # أهذا وقته يا أمينة، لا أعرف. # أمينة ~~: # كيف لا تعرفين أنه سيحضر في الساعة السادسة؟! # ثريا ~~: # آه حقا، الساعة الآن. ~~(تنظر في الساعة ثم تذهل حائرة.) # أمينة ~~: # نعم أعرف أنها السادسة لقد تأخر الساعي في إحضار الجواب، لا ~~بأس، سأحضر لك حقيبتك من الغرفة، لتخرجي حالا. ~~(تذهب أمينة، ولكن ما تكاد تخرج حتى تدخل ~~الخادمة مسرعة.) # الخادمة ~~: # سيدي يا ستي، دخل العمارة الآن. # ثريا ~~: # أجاء؟ ~~(في اضطراب) # سأدخل ~~في الصالون فإن سأل قولي له خرجت. # الخادمة ~~: # حاضر. ~~(يدخل سامي متجهما.) # سامي ~~: # أين سيدتك يا علية؟ # الخادمة ~~: # خرجت يا سيدي. # سامي ~~: # طيب ~~(ويهم بالدخول إلى غرفته فتخرج ~~أمينة) ~~. # أمينة ~~(مضطربة) ~~: # أهلا سامي. # سامي ~~: # أهلا أمينة، عن إذنك. # أمينة ~~: # تفضل. ~~(يدخل سامي.) # أمينة ~~: # أين ستك؟ # الخادمة ~~(في صوت خفيض) ~~: # في الصالون وطلبت إلي أن أخبر سيدي بأنها خرجت، يتهيأ لي يا ~~ستي أمينة أن في الأمر شيئا. # أمينة ~~: # لا شأن لك يا علية. اذهبي أنت إلى المطبخ. # الخادمة ~~: # أمرك يا ستي. ~~(تخرج، يدخل سامي وفي يده المذكرات.) # سامي ~~: # عن إذنك يا أمينة فأنا على ميعاد مهم. # أمينة ~~: # اقعد يا سامي، ما زال أمامك وقت. # سامي ms30 ~~: # لا ، أرجوك. # أمينة ~~: # لا تخف، أنا أعرف أنك غضبان من ثريا، كالعادة طبعا، ولكنني ~~لا أعرف شيئا عن الخلاف، فقد جئت لزيارتها فلم أجدها. # سامي ~~: # فلماذا أقعد؟ # أمينة ~~: # أكلمك يا أخي، ليس هذا من حقي؟! # سامي ~~: # يظهر أنك لا تعرفين شيئا عن الموضوع. # أمينة ~~: # أي موضوع؟ # سامي ~~: # الذي حصل بيني وبين ثريا ~~(يفتح باب ~~الصالون) # ولا يحس بهذا سامي، بينما تراه أمينة ~~فتتظاهر بأنها لم تره. # أمينة ~~: # لا شأن لي بها. # سامي ~~: # لا شأن لك بها، أليست أختك! # أمينة ~~: # إن قلبي فوق أختي وفوق كل قوة في الوجود. ~~(يحاول سامي أن يجيب فتندفع أمينة في ~~سرعة) # أحبك وأنت تحبني، إلام نظل نخفي هذا الحب؟ ~~لماذا لا نتخلص من ثريا؟ لماذا لا نعيش نحن في ظل حبنا، لماذا ~~نحرم من الحق الذي يهيئه لنا حبنا؟ # ثريا ~~(مندفعة من الحجرة) ~~: # الله، الله، أهذه هي الحقيقة إذن ~~(أمينة تغالب الضحك) # لا، لا تحاولي يا أختي ~~العزيزة أن تجعليه مزاحا فأنت تظنين أنني خرجت، ألهذا إذن ~~ترينه دائما على صواب وأنا دائما المخطئة، وأنت أيها الزوج ~~المخلص، أهو حب آخر إذن ما جعلك تقلب حياتي إلى هذا البؤس وأنت ~~مع هذا لا تخجل أن تكتب لي هذا الخطاب وكأنك المظلوم ~~المسكين! # سامي ~~(مذهولا) ~~: # أقسم لك يا ثريا؟ إن هذه أول مرة تكلمني فيها أمينة بهذا ~~الشكل، أقسم لك، أقسم لك بالله العظيم، أقسم لك أني بريء، أنا ~~لا أعرف شيئا. # أمينة ~~(منفجرة في الضحك) ~~: # أيها المغفلان. # ثريا ~~: # وتضحكين! # أمينة ~~: # لقد قالت لي «علية» إنك في الصالون، وهذا طبيعي، فلو كنت ~~خرجت لقابلك سامي، أيها المغفلان، إن كلا منكما يحب الآخر، ~~وتلك هي السعادة، إن السعادة تصنعانها بأيديكما، ولكن الحب ~~يصنعه الله، عيشا معا، وليظهر كل منكما حبه للآخر فتلك هي ~~السعادة، إن الحب لا يوجد إلا مرة واحدة، ولكن السعادة تجيء ~~وتذهب، إن لحظة سعيدة بين حبيبين هي الحياة، هي الدنيا، هي كل ~~شيء، الحب ~~(يقترب كل من الزوجين إلى ~~الآخر) ~~. # الحب سيخلق لكما ms31 السعادة التي تنشدانها ~~(ويتعانق الزوجان) # عيشا، عيشا، ~~عيشا، فإنه الحب. ~~(ستار) # | الطابق الأعلى # دس عبد الله أفندي يده في جيب صديريه وأخرج الساعة المعدنية ~~«اللونجين» التي لا تخل دقيقة واحدة، فوجد عقاربها تشير إلى الثانية من ~~بعد الظهر فرفع الطربوش عن رأسه في احتراس شديد، وأخذ ينفخ فيه بكل ~~قوته، ومسح أركانه بكمه ثم أعاد الطربوش إلى رأسه، وثبته في مكانه ~~معتدلا قائما لا يميل يمنة ولا يسرة، ثم أمسك عبد الله أفندي بتلابيب ~~نفسه، وأخذ ينفض «جاكتته» في قوة عنيفة، ثم نظف كميه كلا منهما ~~بالآخر، ونظر إلى «الدوسيهات» القائمة أمامه فأخذ يرتبها في عناية ~~شديدة، وجمع الأوراق التي كانت أمامه ووضعها في الدرج الأعلى من يمين ~~المكتب؛ فإنها الأوراق التي سيعمل فيها في صباح الغد، ثم جمع أوراقا ~~أخرى ووضعها في الدرج الأعلى من يسار المكتب؛ فإنها الأوراق التي تم ~~إنجازها وستأخذ سبيلها في الغد إلى رئيس القلم. وقام عبد الله أفندي ~~بعد ذلك، وزرر جاكتته، وأمسك بأطرافها فجذبها إلى أسفل وأخذ طريقه إلى ~~باب الغرفة في مشية متزنة لا هي بالبطيئة، ولا هي بالسريعة، وإنما هي ~~مشية ذات خطوات مرسومة محسوبة لا تخطئ ولا تخل، فإن عبد الله أفندي رجل ~~دقيق لا يخطئ ولا يخل. # وخرج عبد الله أفندي من الوزارة وجهته محطة الترام، وكان مشغول الفكر ~~إذ ذاك بهذه الدروس التي عليه أن يؤديها في يومه هذا، وكان ضيق النفس ~~غاية الضيق بهذه الدروس التي يعطيها لصغار التلاميذ. وكان في ذلك اليوم ~~أشد ضيقا من كل الأيام السابقة فإنه يفكر في عمره الذي سرقته معه هذه ~~الدروس والذي انتهبته منه هذه الذرية التي توالت عليه منذ تزوج حتى ~~عامه الفائت، ستة عشر عاما هي شبابه، ضاعت كلها في إعطاء الدروس، ثم ~~في إنفاق أجور هذه الدروس على الدروس التي يتلقاها أولاده هو، وهكذا ~~أصبحت حياته كلها دروسا في دروس، دروس تهب المال ودروس تتخطف المال، ~~وهو بين الأخذ والإعطاء آلة حاسبة دقيقة كل الدقة، ولكنها أيضا ms32 آلة ~~ذات آمال وشباب، فهي آلة حزينة كل الحزن! # وهكذا أصبح عبد الله أفندي صارما في حياته لا يطيق فيها لهوا ولا ~~لعبا، وهكذا أخذ نفسه بالدقة البالغة، لا يبتسم إلا بمقدار، ولا يضحك ~~إلا عند الضرورة الملحة، ولا تكون هذه الضرورة إلا عندما يلقي رئيسه ~~في الديوان نكتة على مرأى منه أو مسمع! # ودقته هذه تلازمه في كل شيء، في ملبسه، في مشيته، في عمله، في منزله ~~في سريره، في بيته، وتزداد دقته في مسائل الدين، من صلاة إلى صوم إلى ~~كل ما أمر به الدين ما عدا الزكاة. # وتقضي عليه الدقة ألا يسكن من العمارات إلا الطابق الأعلى، وتسأله عن ~~السبب فيجيب: «حتى لا يمر صاعد أو هابط على العيال.» و«العيال» هنا هي ~~زوجته بطبيعة الحال. وتقضى عليه الدقة أن يصدر إلى العيال، إلى زوجته، ~~الأوامر بألا ينفتح الباب بحال من الأحوال وهو غائب، فإن طرق الباب ~~طارق فليطرقه ولا تجيب هي، وزوجته - رعاها الله - سيدة وقور نزحت معه ~~من الريف، وقد نزحت معها أخلاق الريف العفيفة. فأوامر زوجها تطاع في ~~دقة، دقة حازمة، تلك الدقة التي يحبها زوجها ولا يحيد عنها ~~أبدا. # وقد امتدت هذه الأوامر إلى أولاده، وامتدت طاعة الأم إلى أولادها؛ ~~فالأب يأمرهم فينفذون، لا يدرون للأمر معنى ولا سببا إلا أنه واجب ~~التنفيذ. # ولكن أمرا واحدا لم يستطع الأولاد أن ينفذوه، كان ذلك الأمر هو أن ~~يكونوا أذكياء، وكيف لهم أن ينفذوه وهم لا يفهمونه! لقد أمرهم أبوهم: ~~«كونوا أذكياء.» فقالوا: «حاضر.» ولكنهم لم يستطيعوا أن ينفذوا «حاضر» ~~هذه أبدا. # وكان عبد الله أفندي يأخذ أولاده بالشدة؛ فقد كان يرى فيهم لصوصا ~~لعمره الذي أضاعه في إطعامهم، وإلباسهم، وتعليمهم ولكنه لم يعترف لنفسه ~~أن شدته على أولاده مبعثها أنهم أضاعوا شبابه، بل كان يقنع نفسه ويحاول ~~أن يقنع غيره أنه لا بد للأولاد أن يؤخذوا بالشدة حتى ينفعوا في ~~حياتهم، وكذلك كان عبد الله أفندي في دينه؛ فهو متعبد لأن العبادة لا ~~تكلف صاحبها ms33 شيئا ولكنه يقنع نفسه ويحاول أن يقنع غيره أنه متعبد ~~حبا في الدين. # وكان أكبر أولاد عبد الله أفندي في الخامسة عشرة من عمره، وكان أمام ~~أبيه مثالا للطاعة العمياء، والأدب الجم، والحياء المفرط، فهو كسير ~~العين، منطبق الفم إلا إذا أكل، ساكن الحركة إلا إذا أمره أبوه بإحضار ~~شيء! حتى إذا خلا بنفسه وبأصدقائه أصبح عربيدا لا يبارى في عربدته؛ ~~فهو أضحوكة الإخوان ومسلاتهم، وهو من يتصدى عنهم لكل عبث يمنعهم عنه ~~الحياء! # لم يطل انتظار عبد الله أفندي للترام في يومه هذا؛ فقد أخطأ السائق ~~وجاء في موعده وركب عبد الله أفندي محاولا الوقار، ولكنه لم يستطعه، ~~فقد وجد نفسه في وسط كومه من الآدميين تصعد فصعد معها، وكان الوقار ~~يقتضي أن يجد عبد الله أفندي مكانا ليجلس فيه، ولكنه لم يجد فوقف ~~مكرها وجاء «الكمساري» فأخرج عبد الله أفندي من جيبه ثمن التذكرة لا ~~ينقص ولا يزيد مليما، فهو يعد لكل شيء عدته، ألم أقل لك إنه ~~دقيق؟ # ووصل عبد الله أفندي إلى البيت وصعد درجات السلم، أربعا وثمانين ~~درجة، لقد أحصاها ويحصيها كل يوم. كأنما يخشى أن تنقص درجة، وفتح باب ~~منزله ونادى: يا أم سعيد. ~~- نعم يا عبد الله أفندي. # وكان الجواب آتيا من المطبخ، وكانت زوجته هي المجيبة، فهي لم تكن ~~تدعوه بغير «عبد الله أفندي»، وارتفع صوته ثانية: أين الغداء؟ ~~- جاهز. ~~- أسرعي؛ فالساعة الثانية والنصف ودقيقتان. ~~- جاهز يا عبد الله أفندي، جاهز. # وخرجت زوجته من المطبخ تحمل الأكل الذي أعدته، وجلسا إلى المائدة، ~~وقبل أن يمد يده إلى الطعام قال: اليوم يوم الاثنين. ~~- نعم. ~~- فأين سعيد؟ ~~- لم يجئ بعد. ~~- لم يجئ؟ كيف؟ ~~- الله يعلم. ~~- كيف هذا؟ لقد طالما نبهت عليه ألا يتأخر في الطريق. ~~- لعل لديه عملا بالمدرسة. ~~- لا يمكن. ~~- على كل حال كل أنت ولن يلبث سعيد أن يجيء. # وقبل أن ينفذ عبد الله أفندي نصيحة زوجته، طرق الباب فقام عبد الله ~~أفندي ليرى من الطارق، وفتح الباب فطالعه شرطي طويل عريض ms34 سأله في غير ~~مبالاة: أنت عبد الله أفندي عبد السميع؟ ~~- نعم أنا. ~~- تعال معي إلى القسم. ~~- القسم؟ لماذا؟ ~~- ابنك محبوس. ~~- ابني؟ ابني أنا؟ ابني من؟ ~~- ابنك سعيد عبد الله عبد السميع. ~~- محبوس؟ لماذا؟ ~~- ضبط وهو يعاكس إحدى الفتيات في الطريق العام. ~~- ابني يعاكس إحدى الفتيات؟! لا بد أنك مخطئ! هل أنت متأكد؟ ~~- والله أن كان في هذه العمارة شخص آخر اسمه عبد الله عبد السميع، ~~وله ابن اسمه سعيد عبد الله عبد السميع أكون غير متأكد. ~~- طيب اذهب أنت. # وينصرف الشرطي، ويتلفت عبد الله أفندي إلى زوجته: أسمعت؟ أرأيت ~~ابنك؟ هذا آخر تعبي وشقائي! ابنك يعاكس النساء في الطريق، ~~أرأيت؟ ~~- يا أخي ألا يجوز أن يكون مظلوما؟ اذهب إليه أولا وانظر ماذا ~~فعل. ~~- أنا أذهب إلى القسم؟ ماذا أقول لهم، أنا الرجل المحترم الذي لم ~~أخالف الدين يوما، ولن أخالف القانون أبدا، أنا عبد الله عبد السميع ~~الموظف بالدرجة السادسة أذهب إلى القسم من أجل ولد ضائع يعاكس النساء؟ ~~والله لن يكون هذا أبدا! ~~- وابنك؟ تتركه محبوسا؟ ابنك يا عبد الله أفندي؟ ~~- لا تتعبي نفسك، لن أذهب يعني لن أذهب! # ويتركها عبد الله أفندي باكية ساخطة حائرة، ويذهب إلى المنضدة التي ~~أمر بها أن تكون مكتبا فكانت، ويأخذ من عليها حقيبة الدروس، ويخرج ~~تاركا زوجته ملهوفة لا تعرف ماذا تفعل! # وخرج عبد الله أفندي إلى الشارع قاصدا إلى الدرس الأول، وكان مكان ~~التلميذ في أقصى الجيزة، فركب عبد الله أفندي، وركب حتى وصل إلى بيت ~~التلميذ «ماجد فتحي» النجل الأصغر للوجيه الثري الأستاذ فتحي الدرملي، ~~وكان عبد الله أفندي يرجو ألا يجد والد ماجد في المنزل؛ فهو لا يطيق ~~مزاحه في يومه هذا. # وصل عبد الله أفندي متقدما عن ميعاد الدرس خمس دقائق فرأى أن يقطعها ~~بالمشي أمام الدار. ولعله لم ير في حياته أشقى من ذلك الوقت الذي قضاه ~~في هذه الدقائق الخمس! فهو جزع متألم ساخط، غاضب من هذه البلوى التي ~~انساقت إليه من جراء ابنه العربيد الذي ms35 يعاكس النساء في الشوارع، ولم ~~يكن عبد الله أفندي متشوقا إلى شيء قدر تشوقه إلى هذا الدرس؛ فهو يريد ~~أي شيء حتى وإن كان درسا لينتزعه من التفكير في هذه المصيبة التي حلت ~~على دماغه في يومه هذا. # ومرت أربع دقائق ونصف دقيقة فاتجه عبد الله أفندي إلى باب المنزل، ~~وضغط الجرس، وخرج له الخادم، ولما أراد الدخول قال له الخادم إن ماجد ~~لن يأخذ الدرس لأنه مريض، وإنما كانت هذه مصيبة أكبر من وجود ابنه في ~~السجن! ولم يجد زوجته ليفرغ فيها غضبه فانصرف عن الخادم دون أن يلقي ~~إليه التحية التقليدية التي عودته دقته أن يلقيها، وقبل أن يخرج عبد ~~الله أفندي إلى الشارع وقفت سيارة أما الباب، ونزل منها السيد فتحي، ~~وتقدم عبد الله أفندي من السيد وسلم عليه في أدب، وسأله: خيرا؟ ماذا ~~أصاب ماجد؟ ~~- لا شيء مجرد برد بسيط ولكن أمه تدلله. ~~- شفاه الله، طيب استأذن أنا. ~~- بل تعال. فإنك لم تأخذ مرتب الشهر. ~~- في فرصة أخرى. ~~- بل تعال، ولماذا فرصة أخرى؟ تعال. # وكان السيد فتحي قد تعود أن يمزح كثيرا مع عبد الله أفندي وكان ~~مبعث ضحكه الأكبر، ذلك الوقار الذي يأخذ عبد الله أفندي به نفسه، وقد ~~رآه في ذلك اليوم أشد وقارا من أي يوم سابق، فأراد أن ينتهز الفرصة ~~ليضحك منه. # ويدخل الاثنان إلى المنزل، وما يكادان حتى يدق جرس التليفون فيرفع ~~السيد فتحي السماعة، ويقول لفظة واحدة في صوت مرتفع هي «آلو»، ثم ينخفض ~~صوته إلى الهمس الخافت فما يسمع عبد الله أفندي إلا بعض كلمات، «عندي ~~شخصية مدهشة». «سأحضره»، وينظر عبد الله أفندي حوله فلا يرى أحدا. ~~فيكاد يظن أنه هو هذه الشخصية المدهشة! وما يلبث السيد فتحي أن يضع ~~الساعة، ثم ينظر إلى عبد الله أفندي قائلا: أنت حظك هائل يا عبد الله ~~أفندي! ~~- حظي أنا؟! ~~- طبعا أنت، سأصحبك معي في جلسة رائعة. ~~- جلسة؟ أنا يا سيدى لا أنفع في جلساتك أبدا! ~~- لا شأن لك، تعال. # واختل نظام ms36 عبد الله أفندي جميعه، فهو لا يطيق أن يرفض أمرا لوالد ~~تلميذ له، ولكنه يبذل محاولة أخيرة: يا سيدي أنا عندي دروس ~~أخرى. ~~- سأعوضك عنها جميعا، وسأرفع مرتبك الشهري، ما رأيك؟ ~~- أمرك. # ويجد عبد الله أفندي نفسه خارجا مع السيد فتحي، ثم يجد نفسه في ~~سيارة، ثم في منزل! ثم يجد عبد الله أفندي نفسه آخر الأمر مع سيدة غاية ~~في الجمال! جمال كان يسمع عنه، ولكنه لم يره في حياته! فهي شقراء، ~~بيضاء ذات عينين خضراوين، وقوام مليئ لا هو بالنحيف ولا هو بالسمين، ~~تماما كما يجب أن تكون. # وينسى عبد الله أفندي ابنه الذي يرسف في السجن، وينسى تلاميذه الذين ~~ينتظرونه وينسى السيد فتحي الذي يقهقه قهقهة عالية صاخبة، ينسى كل شيء ~~ولا يذكر إلا أنه أمام جمال صاعق لا يمكن للعين أن تظل ناظرة إليه، ولا ~~يمكن للعين أن تنصرف عنه، ويضحك هذا الجمال من منظر عبد الله أفندي، ~~وقد زادته الدهشة استدعاء الضحك ويتكلم هذا الجمال: ما لك؟ اقعد، ما لك ~~لا تتكلم؟ # فيجيب عبد الله في ارتباك شديد: نعم، نعم أقعد. # وتبدأ الجلسة، وتأتي السيدة الشقراء بالخمر، وحينئذ يفيق عبد الله ~~أفندي إلى نفسه قائلا: ماذا؟ خمر؟ ~~- لا، «ويسكي». ~~- أنا لا أشرب الخمر يا سيدتي. ~~- لأجل خاطري. ~~- لا يا سيدتي. ~~- خاطري أنا. ~~- أشرب. # ويشرب، وتنفك عقدة لسانه فيتكلم عن دقته في الوزارة وعن أعماله كلها، ~~عن جهاده وعن ذكائه، وعن لباقته، وكلما تكلم ضحك السامعان، وكلما ضحكا ~~ظن أنهما معجبان به. # وفجأة سألته الغانية: قل لي يا عبد الله أفندي، هل أنت متزوج؟ ~~- نعم. ~~- وهل عندك أولاد؟ # وما إن يسمع عبد الله أفندي هذا السؤال حتى ينخرط في بكاء ~~شديد! # ويذهل الجالسان! ولكنه لا يبالي دهشتهما، ويقوم المخبول مهرولا إلى ~~باب الشقة وينزل في سرعة مجنونة إلى الشارع لا يجيب الأسئلة التي ~~تلاحقه، وما إن يلمح أول تاكسي حتى يناديه وهو ما يزال يبكي. # وقبيل المغرب كان عبد الله أفندي يسير معتمدا على ولده سعيد ms37 ناسيا ~~كل شيء عن دقته، فخطواته مضطربة تسرع حينا وتتمهل حينا، ووجهه مضطرب ~~يبتسم حينا ويعبس حينا، وحديثه إلى ابنه مضطرب، ولكنه لا يعنف في هذا ~~الحديث أبدا، ولا يلقي فيه بأوامره وإنما هو حديث سلمي، ميسور، ولكنه ~~مضطرب. # وصعدا معا إلى الطابق الأعلى دون أن يعد السلالم، ودون أن يراعي أي ~~رقم في صعوده. # ومنذ ذلك اليوم لم يذهب عبد الله أفندي إلى منزل السيد فتحي أبدا، ~~ومنذ ذلك اليوم تعلم عبد الله أفندي ألا يلقي لأبنائه بالأوامر ~~الصارمة، وإنما هو يناقش ويبحث ويفهمهم ما يريد في غير صرامة، وفي غير ~~عنف، وفي غير دقة. # | حنان وهوى # كان الليل قد مد ظلاله على الصحراء، وكانت الخيل قد أضناها طول ~~السفر، وكان الرجال قد هد المسير أجسامهم؛ فهم أشباح تسير تعلقت ~~أبصارهم بالأفق، والأفق عنهم مستتر قد أسدل دونه المساء غلالة سوداء ~~داكنة فهم لا يبصرون موضع الخطو من خيولهم ولكنهم مع ذلك يلقون إلى ~~الأفق أبصارهم. وكان زعيم الركب «إياس» صامتا لا ينطق، تحيط به ~~المهابة ويلتف به الإجلال، يغضي عنه أصحابه فتصمت ألسنتهم لأتبين عما ~~مسهم من نصب. كان إياس في صمته هذا وغموضه أشبه ما يكون بقطعة من الليل ~~الذي أدركهم، كان قوي الاحتمال صلب العود، رمحه في يده يشرعه إلى ~~السماء ممسكا به في تحد فكأنما هما معا تمثال من الصخر قده فنان ~~من الإغريق. # وطال الصمت واشتد الظلام وازدادت الجماعة وفرسانها نصبا، ولكن ~~الطبيعة تأبى هذا الصمت! ولا تحفل بقوة إياس أو صلابته أو جلاله، فما ~~يلبث القمر أن يرتفع رويدا من أقصى الأفق فيرى إياس رفاقه وقد مالت ~~أعناقهم، وانحنت ظهورهم، وما يلبث أن يرى الخيل وقد تعثرت خطاها واضطرب ~~مسيرها! فيدرك حينئذ أنه قد آن له أن يتعب وأن يروح إلى رفاقه ويشعل ~~النار ليصطلوا بها، ويأذن لهم فيسمروا معه؛ فقد كان دأبهم معه ألا ~~يبدءوا حديثا لم يبدأه هو، فإذا طاب له أن يسمر فهو فرد منهم يبيح لهم ~~أن يظهروه على ms38 خافية أنفسهم، وأن يسألوه فيجيب عن خاصة شأنه. # وأشار إياس إلى الصحاب وما هو إلا بعض الحين حتى كانت النيران تشق ~~الليل عن ضياء. وألقى القوم أجسادهم على رمال الصحراء فأتاحت لهم ~~مهادا لينا صلبا يريح الجسم ولا يلقي فيه الكسل، وقال إياس: تعبتم ~~اليوم يا رفاق؟! # فقال أحدهم: أجل وربك قد مسنا التعب! ~~- فماذا تشاءون، نوما وسمرا؟ ~~- بل سمرا؛ فما نظن النوم ليسعى إلى أجفاننا ونحن على هذا ~~الإجهاد. ~~- ففيم تريدون أن تسمروا؟ ~~- أتريد أن تسألنا عن شئوننا أم نسألك نحن؟ ~~- بل أسألكم أنا. ~~- ولماذا لا تتيح لنا أن نسألك؛ فأنت تخفي عنا ما لا يجوز إخفاؤه عن ~~قوم هم أقرب الناس إليك؟ ~~- فاسألوا إذن. ~~- نراك لا تحب النساء ولا تميل إليهن! فإن عرضت لك إحداهن صرفتها عنك ~~وانفلت إلى سائر مشاغلك، وأنت الرجل في زهوة الفتوة، وريعان الشباب، ~~وبريق العمر! فمتى يتصل أمرك بامرأة إن لم يتصل اليوم؟ # وأطلق إياس تنهيدة لاهية، وتراقصت في عينيه دموع سترها الليل أن تبين ~~وقال: من أحب الناس إليك يا قاسم؟ ~~- لا أفهم سؤالك، أيهن تقصد؟ ~~- أقصد النساء جميعا. ~~- هن جميعا؟ ~~- هن جميعا. ~~- وتدخل فيهن أمك؟ ~~- نعم؛ فأمي أحب النساء إلي. ~~- فتلك هي المصيبة عندي يا قاسم، لكل رجل أم بدأ بها حبه للنساء، أما ~~أنا يا قاسم! أما أنا فلا أم لي. ~~- لا أم لك؟! ~~- مات أبي وأنا طفل لا أعي وتزوجت أمي رجلا قاسيا لا يرحم! فكانت ~~تعينه في قسوته علي، ورأيت على وجه الأم أقسى صور الحياة! يهون الخطب ~~يا صديقي إن نزل بك من عدوك، وقد تحتمله إن أتاك ممن لا تعرف، وإنه ~~يوجع إن وجهه إليك صديق، ولكنه لا يهون، لا يهون أبدا يا أخي إن ~~أنزله بك من تلتمس من عنده الرحمة والحنان! وهو قاتل يا أخي إن كان من ~~أمك! عرفت النساء أول ما عرفتهن على يد أمي القاسية هذه. فكرهت أمي ~~وكرهت فيها النساء جميعا. هكذا يا أخي عرفت النساء وهكذا صرت معكم، ~~أقطع ms39 الطريق الآمن على سالكيه، لا رحمة تأخذني، ولا ضمير يردعني، ولا ~~وازع من خير يقعد بي، ومن أين لي بهذه المعاني وقد سمعتها سماعا ولم ~~أرها؟! ~~- بل أنت والله رقيق تسبق رحمتك شرك، ويدرك عفوك بطشك. ~~- أتراني هكذا؟ لعل القسوة التي رأيتها في أول العمر مست قلبي بشيء ~~من الرقة، حدثتك عن نفسي يا صاحبي فأطلت، وأمامنا الصباح مليء بالعمل ~~فهلم لعل هجعة من النوم تعيد إلينا بعض النشاط. # ونام القوم والقمر يأخذ سبيله إلى المغيب، وصحوا والشمس لم يبد فيها ~~إلا شعاعات ضئيلة كحمرة في عين أصابها من السهر كلال. # وركب إياس وركب صحبه، وما كادت الخيل تسير حتى لاحت لهم قافلة ضخمة ~~وما أسرع ما أمر إياس صحبه أن يتواروا خلف أكمة على الطريق! فما إن ~~بلغت إليهم القافلة حتى خرج إياس وصحبه وأحاطوا بالقافلة، فما أبدت ~~مقاومة بل سلم رجالها النساء والمال. وكان بالقافلة هودج ضخم أناخ به ~~الجمل وخرجت منه امرأة رائعة الجمال بيضاء يشوب لونها حمرة، خرجت عاتكة ~~وهي حائرة تحمل على صدرها الذهب واليواقيت، وليس فيها من جارحة إلا ~~يكسوها من الذهب وكريم الأحجار ما لا يقدر بثمن. ورأت رجلا أمام ~~هودجها فسألته: بربك من رئيس هؤلاء القوم؟ # وأجاب إياس وقد أخذ بجمالها: أنا، رئيسهم. ~~- أحقا ما تقول؟! ~~- إنه الحق. ~~- فإني لاجئة إليك لائذة برجولتك، وإني بنت الأكرمين، خذ الأموال فلا ~~تبق منها شيئا، خذ ما أحمله منها وما اقتنيته ولكن حريتي يا سيدي، لا ~~تسلبني حريتي يا سيدي فما عرفت الأسر وما أظنني أطيقه، أتراك ترد ~~مستجيرة بك لائذة بكرمك عائذة برجولتك؟ # وأخذ إياس بهذه المرأة التي تلجأ إليه، وسره أن تتوسم فيه خيرا ~~وهو يقود عصابة، وأحب أن يشكرها على هذا الخير الذي توقعته منه، ~~وأوشك أن يذكر أمه وما قاسى منها، ولكن أين هذه من أمه؟ أين عينا أمه ~~القاسية من هاتين العينين المسترحمتين؟ أين شفتا أمه المذمومتان لا ~~تنفرجان إلا عن الإساءة من هاتين الشفتين المنفرجتين هونا ترتعشان ~~وتهتفان في ms40 طلب الرحمة، لا؛ إنه لا صلة بين أمه وهذه. ~~- من أنت، وما اسمك؟ ~~- أنا عاتكة بنت حويطب، أبي يكرم الجار، ويجير اللائذ، ويعين على ~~الزمان، ما رد قاصدا إليه، ولا قصر في معروف. ~~- اذهبي يا بنت الكرام، طليقة أنت وطليق مالك. # ثم التفت إلى إخوانه فقال لهم: هبوا لي هذه القافلة. # ووهب الرفاق القافلة لإياس، وسألت عاتكة عن إياس فعرفته ومضت دون أن ~~تشكره بغير نظرة لقيها إياس بقلبه فنفذت إلى الأعماق واستقرت. # وكان الأمير ما يزال يبحث عن إياس وعصابته، وكان جنده في إثر إياس ~~يريدون أن يأخذوه لأميرهم ليحكم فيه حكمه ويرى رأيه، وكأنما أراد هذا ~~اليوم الذي أطلق فيه إياس أسيرته أن يثبت في حياة إياس فلا يزول ~~أثره. # ما كادت القافلة المطلقة تغيب، وما كاد إياس وجماعته ينفردون ~~بالصحراء حتى أطبق عليهم جند الأمير من كل صوب، حاربوا، ولكن أين ~~الجماعة من جند الأمير. # ومثل إياس أمام الأمير، قطعة من العجز والاستخذاء، آسفا! كسيف ~~الوجه، حطيم السيف لم يبق فيه من إياس الأمس بقية، إلا من قوة الشخصية ~~لمحة وإنما هو راكع يستجدي العطف وقد كان يمنحه، ويسأل الشفقة وقد كان ~~يمقتها، ويلتمس الغفران وما كان يعرفه، بقية رجل! بقية باقية من إياس ~~الأمس الذي كان يملأ الصحراء عنفا وقهرا وجبروتا! بقية هي الجسم بلا ~~كرامة، وهي الدماء بلا عزة، وهي المشاعر بلا حياة. # وفي زاوية من زوايا الحجرة ألقى به الحراس كقطعة من الهمل وشاء الملك ~~أن يزيده ذلا فما التفت إليه، بل هو ينظر في أمور دولته يقيم من ~~أمورها ما شاء ويصرف من شئونها ما يبغي حتى إذا فرغ ولم يبق له من عمل ~~يعمله، التفت إلى إياس في ازدراء مهين ثم رفع نظره وقال للحراس: لماذا ~~جئتم به إلى هنا، ألم آمر أن تلقوا به إلى السياف. # وامتقع وجه إياس، وراح الحراس يتهامسون يلقي كل منهم التبعة على ~~صاحبه، وتحسس إياس صوته بكلمات تحركت بها شفتاه بعض الحين حتى استطاع ~~آخر الأمر ms41 أن يكتمل الصوت هونا ويخرج إلى الفضاء ليبلغ مسامع ~~الأمير. ~~- ألتمس عفوك يا مولاي. ~~- أي عفو تريد وقد كنت تملأ الصحراء رعبا؟ ~~- يعلم الله وحده ما عدوت على وحيد، ولا قسوت على فقير. ~~- ومال الأغنياء، أظننت نفسك إلها تقسم الأرزاق؟ ~~- رضعت يا مولاي الحقد وأنا طفل صغير؛ كرهت أمي فكرهت الناس ~~جميعهم. ~~- وماذا جنى الناس حتى تصيبهم ببلائك؟ ~~- سعد الناس وما سعدت، ورأوا العطف وذقت الهون. ~~- فشارك الناس سعادتهم وانس حقدك. اعمل في شريف الأعمال تنل ~~السعادة التي تبغيها، أما أن تسرق وتنهب وتقطع الطريق الآمن على سالكيه ~~فهذا اغتصاب للسعادة. والسعادة لا تغتصب، أكنت حين تنام وتخلو إلى ~~وسادتك ونفسك تحس أنك أبلغت نفسك مناها، ونلت من السعادة ما ~~فقدت؟! ~~- شهد الله يا مولاي، لا. ~~- فأي سعادة تلك التي تراءى وتهرف عن فقدانك لها، أنت لص، خرج عن ~~أوامر الدين ولا بد من عقابك. ~~- مولاي، إن الله يقبل التوبة فوالله الذي خالفت أوامره والذي ما ~~أشركت به يوما لو لم يمسك بي جنودك لكنت الآن في موقفي هذا منك أطلب ~~العفو تائبا راجعا إلى الله. ~~- وأي جديد قد ألم بك حتى تسلم نفسك بلا جنود؟ ~~- عرفت طريقي إلى السعادة الحقة يا مولاي وقد كنت موشكا أن أسير ~~فيه. ~~- وما الذي منعك؟ ~~- جنودك يا مولاي، توبتي أمامك الآن تخالها منبعثة من الخوف، والله ~~لا يبعثها إلا خوفي من أن ألقى الله بلا توبة في الحياة. ~~- إيه إياس، لا تخش هذا فإن الله يعلم ما في القلوب، وأما نحن فما ~~نعرف غير الأعمال الظاهرة فإن قتلت الآن فالله سبحانه وتعالى سيقبل ~~توبتك في الآخرة. ~~- إنه سبحانه يقول إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا، وإني يا مولاي ~~أتوب الآن، وما كفرت بالله حتى أعود إلى الإيمان، وأما العمل الصالح ~~فكل رجائي يا مولاي أن تتيح لي الفرصة أن أعمله. ~~- ما أرى إلى ذلك سبيلا. ~~- هيئ لي الحياة يا مولاي أعمل صالحا قبل لقاء ربي. ~~- ألم تعمل في حياتك عملا صالحا؟ ~~- لعلي ms42 يا مولاي عملت، ولكني أتبعت الحسنة بالسيئة والسيئات يا مولاي ~~يذهبن الحسنات، مولاي هب لي الحياة، تهب للحياة إنسانا نادما على شر ~~أو غل فيه، مقبلا على خير يهفو إليه. ~~- وحياة الآمنين الذين روعت، وأموال المسافرين التي نهبت. ~~- إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا. ~~- وماذا أقول أنا لربي إن لقيني عافيا عن مجرم، صافحا عن ~~لص؟ ~~- إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا. # والتفت الأمير إلى حراسه يقول لهم: ألقوا به في السجن. # وألقي إياس إلى السجن ينتظر الحكم عليه، هكذا المصير! لم يجفل من ~~السجن ولم يخف فقد كان يرى فيه إحدى نهايتين لطريقه الذي اختاره لنفسه ~~من الحياة، كان يعلم أنه طريق لا بد أن ينتهي به إلى السجن أو إلى ~~الموت. وقد كان السجن أقرب النهايتين وهو ذا فيه. ومن يدري لعله يؤدي ~~به إلى الطريق الآخر، فيجمع النهايتين في واحدة والأمر لله من قبل ومن ~~بعد. # هكذا كان يفكر إياس حين دخل السجان يحمل كيسا مليئا بالمال وسأله ~~إياس: ماذا تريد؟ ~~- امرأة تريد أن تلقاك. ~~- تلقاني أنا؟ ~~- نعم، لقد رفضت أن أدخلها إليك، ولكنها أعطتني هذا الكيس وبه مائة ~~دينار، ولم أر في حياتي حجة مقنعة مثل هذا المال الذي أحمله الآن، ~~مائة دينار يا سيدي، إنها ستلقاك، ستلقاك حتى وإن رفضت أنت أن ~~تلقاها. ~~- ومن هي؟ ما شأنها؟ ماذا تريد؟ # ولم يلتفت إليه السجان بل قال للمرأة: ادخلي يا سيدتي، هذا هو ~~طلبتك. # ودخلت المرأة محجبة لا يبين منها شيء، وما انحسر النقاب عن وجهها حتى ~~عرفها إياس. ~~- عاتكة! ماذا جاء بك إلى هنا؟ إني في السجن والعيون رواصد لو رآك ~~أحد فأبلغ الأمير أو أبلغ أباك فماذا أنت قائلة؟ ~~- وماذا يمكن أن أقول، أأسمع أنك سجين ولا أسارع إليك؟ فلست إذن بنت ~~الكرام. ~~- شكرا لله يا عاتكة. ~~- قد جئتك بثياب وطعام، وجئتك بمال حتى لا تقف بك قلة المال أن تعطي ~~السجان أو من تشاء. # ورأى إياس في عاتكة الرحمة التي لم ينلها ms43 من أمه، وهاجت إليها في ~~نفسه نوازع لا يدري كنهها، أهي حب؟ ومن أين له أن يدري الحب ولذته؟ أهي ~~إذن عواطفه نحو أمه لم تجد أما فجاشت إلى هذه الفتاة في ربيع العمر؟ ~~ومن أين له أن يدري عواطف البنوة إلى الأمومة؟ فما هذه الصبوة التي ~~ترقى في مشاعره وما هذا الخفق الذي يأخذ بقلبه، وما هذا العجز الذي ~~يمسك بلسانه، أهكذا الحب؟ ~~- لا تخف من أمرك شيئا يا إياس. ~~- أنا لا أخفي شيئا. ~~- هيه إياس، لعلك تريد أن تبوح لي بشيء. ~~- هيهات، وكيف لي أن أبوح، وأنا بين يدي الغيب لا أدري ما يحمله لي ~~في غده أموتا، أم عيشا الموت خير منه؟! هنا من وراء الحياة مع الحديد ~~والقضبان، بماذا أبوح يا عاتكة؟! ~~- قل ما بنفسك ودع الغد يأتي بما يشاء. ~~- بربك يا عاتكة لا أطيق، إن قلت ما أريد فأنا بين اثنتين، إما أن ~~تحبيني فلا والله لا أطيق العيش بعدها والقيد في قدمي لأطير إليك، وإما ~~أن تمنعيني فترداد نفسي كرها لنفسي، ولا والله لا ألومك إن أنت ~~أقصيتني عنك، وإني قاطع طريق، لص أضعت حياتي في رمال الصحراء. ~~- بروحي أنت يا إياس، لا تقل شيئا، وعهد الله بيني وبينك لا أسمع ~~منك شيئا إلا وأنت طليق. # وأخذت عاتكة سمتها إلى الأمير وكان وجهها مقربا إليه فما وقفت ~~بالباب حتى أذن لها الأمير وبين يديه وقفت. ~~- أيها الأمير، أحمل إليك توبة، وأنت ظل الله في الأرض فاقبل التوبة ~~ترض الله. ~~- توبة من؟ ~~- توبة إياس. ~~- وما شأنك به؟ # وقصت عاتكة على الأمير ما كان من إياس حين هو في الصحراء وحين هو ~~في السجن، كانت تروي قصتها وجسمها ينتفض من الألم، ولسانها يهدر وكأنها ~~تروي لنفسها فما إن انتبهت إلى نفسها واقفة في رحاب الأمير وقد بلل ~~الدمع لحيته. إلا وقد انتهت من قصتها، وأشرقت دموع الأمير في عين عاتكة ~~فما تمالكت نفسها أن تصيح. ~~- عفا والله الأمير. # وطلع القمر على زوجين يسيران إلى الكعبة المقدسة ms44 ، هناك حيث يخلص إياس ~~من ماضيه ليستقبل حياة جديدة هو فيها وليد جديد، حياة فيها رحمة وفيها ~~حنان، وفيها هوى. # | على الطريق # منذ سنوات بعيدة في مشرق يوم يمر بالناس سريعا، كان يوم نفضت البيوت ~~أبناءها إلى الشارع صغارا فهم أطفال تتردد الحروف في أفواههم قبل أن ~~تصبح كلاما، أو صبيانا تعاني منهم الأمهات ما تعاني حتى يتعلموا لبس ~~ثيابهم ويخرجوا إلى مدارسهم، أو شبابا يقفون أمام المرآة حتى لتكاد ~~صورهم أن تنطبع على هذه المرآة، أو فتيات، منهن الجادات الحاسمات ~~يرتدين ما يقرب من ملابس الرجال، ومنهن المعجبات بأنفسهن الجميلات ~~يمشطن شعورهن لأمام تارة ثم لخلف تارة أو يعقصنه إلى يمين أو يلقين به ~~إلى يسار، أو هن يجعلن منه ذيل حصان أو حمار، ثم ينتهي الأمر بالجميع ~~من بنين وبنات، من شباب وفتيات، أن يلقفهم الطريق ليفضي بهم إلى حيث ~~يجب أن يذهب كل منهم. # وقد كان اليوم هو افتتاح المدارس؛ فالطلبة عائدون إلى معاهدهم وقد ~~غمرت نفوس الأكثرية فيهم سعادة غامرة، فهم عائدون إلى أصدقائهم وهم قد ~~انتهوا من هذه البطالة التي استقبلوها أول الأمر فرحين مهللين والتي ~~يودعونها اليوم فرحين مهللين فبين الطرفين من أشهر ثلاثة فراغ طويل، ~~وضيق ثقيل، فهم حائرون مع الوقت لا يعرفون كيف يقطعونه فهو يقطعهم ~~بالملل والضجر والحنين ولو إلى الدراسة فإن وسائل التسلية مهما كثرت لا ~~تملأ فراغ الشباب، وهم ضجرون بهذا اليوم الذي قدر لهم فيه أن يلتقوا ~~ثانية بمعادهم وتلك الوجوه التي لازمتهم سنين ثم هي بسبيلها إلى أن ~~تلازمهم سنين أخر. # هكذا كان أبناء الجيل يجمعهم الأمل في المستقبل وتتفرق بهم مناحي ~~التفكير إلى شتيت المشاعر! # ولكن فئة بعينها كانت مقبلة والفرح يغمر نفسها لا تجد بينها الحزين ~~أو الآسف، الأمل يشتعل في عينها اشتعالا ولو انكشفت نفوسهم لأخذ عينيك ~~منها شعاع حافل بالنور يرمي إلى المستقبل أضواءه، يود لو أن السنين ~~تقاصرت أو انمحت فيقرب البعيد ويدنو القصي، كانت هذه الفئة هي الناجحة ~~في شهادة البكالوريا ms45 والمقبلة على الجامعة أول إقبالها على الجامعة ذلك ~~البناء الذي طالما مروا به فكان حافزهم إلى النجاح، وباعثهم إلى روح ~~المذاكرة وأملهم الواضح القائم أمامهم لا يحجبه غيب ولا تستريبه ~~الظنون. # أقبلت تلك الفئة لم يتأخر من أفرادها فرد وتجمعت زرافاتهم، كل أمام ~~الكلية التي علق بها آماله وآمال أبويه معه. # وكانت كلية الحقوق مشجبا لأكثر الآمال؛ فالواقفون أمامها من حاملي ~~شهادة الدراسة الثانوية كثيرون يخطئهم الإحصاء وتختلف في تعدادهم ~~الآراء، حتى يخرج مسجل الكلية بالرأي الفصل والعدد الذي لا يقبل ~~جدالا، وإن كان يقبل الزيادة على مر الأيام. ويذهب الطلبة إلى مدرجهم ~~وتنتظم الدراسة وتنتهي الحصة، آسف، أقصد المحاضرة الأولى، ويسود الهرج ~~والمرج ويتقرب الطلبة إلى الطالبات، وتعرض الطالبات عن الطلبة، وتأتي ~~المحاضرة الثانية، وتتابع المحاضرات، ويمر اليوم الدراسي ويكاد اليوم ~~الأول من الكلية يفوت دون أن يحدث فيه جديد، ونكاد لا نخرج بهذه القصة ~~التي تعانيها الآن لولا أن شاء الله فيلتقي خارج المدرج طالب وطالبة ثم ~~يشاء سبحانه أن تكون القصة. # ووقفا على محطة الترام فرحين أنهما زملاء، ولم يكونا من قبل زملاء ~~ولم تجمعهما في يوم مدرسة واليوم جمعتهما غرفة مهما تكن كبيرة متسعة ~~إلا أنها على أية حال غرفة، طال انتظارهما للترام، فحدثها فأجابت، فسخر ~~من الأساتذة فضحكت، فانتقد إلقاءهم فأعجبت! فمدح بعضهم فوافقت، فسألها ~~اسمها فقالت، فسألته اسمه وقال، فأصبح حمدي وهند صديقين منذ اليوم، ~~وكان المنزلان متجاورين فالترام يحملهما في الصباح ويعود بهما في منتصف ~~النهار أو أول الليل بعد الدراسة المسائية فهما على أية حال، متلازمان ~~في الذهاب والعودة. # كانت صداقة، حتى كان يوم اعترض حمدي بعض الطلبة وسألوه أن ينتخب ~~فلانا من الناس ليمثل السنة الأولى في مجلس الجامعة فقال: ولكني لا ~~أعرفه. ~~- ولماذا تعرفه؟ ~~- لأنتخبه! ~~- وهل لا بد أن تعرفه حتى تنتخبه؟ ~~- إنني لا أفصل حلتي عند ترزي إلا بعد أن أعرف مهارته فكيف أضع ثقتي ~~في شخص لا أعرفه؟! ~~- يا أخي ما شأنك، سنحضر لك من حزبه جنيها، موافق ms46 ؟ ~~- لولا أنكم زملاء لعرفت كيف أجيب، أما الآن فيكفي أن تعرفوا أنني لن ~~أكلمكم بعد اليوم. ~~- يا أخي اسمع الكلام، ماذا تظن أنك ستفعل بصوتك الذي ستعطيه. ~~- أنا أعلم أنه لن يفعل شيئا للمرشح ولكنني أعرف أنني يجب أن ~~أحترمه، وعلى كل حال لا تحدثوني في هذا الشأن مرة أخرى، بل ولا تحدثوني ~~في أي شأن. # كان هذا النقاش على محطة الترام وكان حمدي ينتظر هندا، وكانت قد ~~جاءت ولكنها لم تشأ أن تشعره بوجودها، حتى ينتهي من حديثه مع هؤلاء، ثم ~~مرت الأيام فأكملت سنتين وحمدي كما هو يحترم نفسه، يعلو عن الصغار، ~~يقتنع بالرأي فيدافع عنه أقوى ما يكون الدفاع، ويعارض رأيا فيحاربه ~~أقسى ما تكون الحرب! # لم يكن حمدي جميلا، بل لعله كان أقرب إلى الدمامة، ولم يكن غنيا، ~~بل هو إلى الفقر أقرب، فكانت هند لا تفكر فيه إلا قدر ما يفكر صديق في ~~صديق آخر يعجب به ويشتد إعجابه على مر الأيام. # وفي يوم وجدت هند حمدي في حال من الاضطراب الشديد، فسألته، فلم يملك ~~نفسه أن يجيب في حدة: آسف يا هند، لن أذهب معك اليوم إلى ~~المنزل. ~~- خير إن شاء الله يا حمدي؟! ~~- كنت أود أن يكون خيرا، ولكن للأسف إنه الشر الذي ليس بعده ~~شر. ~~- الله، ماذا جرى يا حمدي، قل بالله ولا تخف. ~~- لقد سرق فراش امتحانا من الامتحانات وباعه إلي. ~~- وما يغضبك في هذا؟ ~~- ما يغضبني في هذا يا هند؟! أنت التي تسألين؟! فراش يسرق سرا هو ~~أقدس أسرار الكلية ويبيعه إلى التلاميذ بالثمن الفادح فينجح الغني ~~ويسقط الفقير. ~~- فلماذا اشتريته يا أخي؟ ~~- حتى يكون في يدي الدليل. ~~- أي دليل؟ ~~- الدليل الذي أقدمه للأستاذ حتى يعرف أن الامتحان الذي وضعه قد ~~سرق. ~~- أتنوي أن تخبر الأستاذ؟ ~~- الآن الساعة، في هذه اللحظة. ~~- هل أنت مجنون؟ طريق النجاح أمامك وتقفله! ~~- النجاح، أهذا نجاح؟ ذلك هو الفشل، النجاح أن نسعى ثم نصل، إن ~~النجاح في العلم أن نحصله ونفهمه ونعبر عنه، أما أن ms47 نشتري الشهادة ~~بالمال والمستقبل بالخديعة والغش، فذلك هو الفشل وذلك هو الزور الذي ~~يلازمنا طول الحياة، إننا في الجامعة، والعلم الذي نحصله اليوم هو ~~أداتنا في الغد فما نقول للمستحيل إذا وقفنا أمامه جهلاء، ومعنا ~~الشهادة أغبياء ونحمل ألقابا؟ لا يا هند، أنا لا أنتظر منك هذا ~~السؤال! # لم تستطع دمامة حمدي ولا فقره أن يقفا هذه المرة دون حبها لحمدي ~~فأحبته، أحبت فيه مثلا من الرجولة لم تشهده قبل اليوم، وكان حبا! ~~ومرت الأيام وتخرج حمدي، وتخرجت هند، وعند باب الجامعة التفتت هند ~~إلى حمدي وقالت: إلى أين؟ ~~- إلى أين أنت؟ ~~- إلى الحياة. ~~- وحيدة؟! ~~- وحيدة. ~~- الطريق طويل. ~~- لا بد أن أقطعه. ~~- قدماك لا تقويان. ~~- ليس لي غيرهما. ~~- وذراعك لا يطيل. ~~- لا بد أن يعمل. ~~- ألا تريدين ساعدا؟ ~~- لا بد أن أعرفه. ~~- ألا تعرفينني؟ ~~- أعرفك. ~~- أترضين بي عونا على الحياة، وصديقا إلى الأبد؟ ~~- إنك صديقي. ~~- أترضينني زوجا؟ ~~- أرضاك ولكن ... ~~- ولكن؟! ~~- والداي. ~~- اسألهما. ~~- سيوافقان. ~~- الحمد لله. ~~- وتزوجا. # ومرت الأيام وضربت الأيدي الفتية في لجج الحياة وتغلبت عليها حينا ~~وغلبت أحيانا، ثم أصبح للزوجين بنون، فانقطعت الأم عن المكتب ومكثت في ~~البيت وواصل الأب جهاده، ولكن الزبائن قلة والأطفال لا يرحمون، ~~والأصدقاء يشيرون على حمدي أن يستعين بسمسار ولكنه يأبى في ترفع ~~ويشمخ في عنف، وهند ترى هذا فتزداد به إعجابا يمازجه الغيظ المكتوم، ~~حتى إذا مرض طفل لهما ولم يجدا ثمنا للدواء لجأ حمدي إلى سمسار ~~القضايا، يشاطره - وهو الجاهل - جهده وبحثه، وأحست هند بعض الراحة ~~تمازجها غضبة من ذلك الرجل الذي تنازل لأول مرة في حياته عن عقيدة تمسك ~~بها ورأي اقتنع به، ولكن الأمومة الملهوفة ما تلبث أن تغتفر، ويأتي ~~المال، ويعرف سبيله إلى حمدي، وتأتي القضايا ويعرضها حمدي على هند ~~فتراها خاسرة، ولكنها ترى حمدي يقبلها ليضمن مقدم الأتعاب ويزداد المال ~~ولا تفكر العائلة في ثمن الدواء إذا مرض الطفل، بل وتأمن العائلة كل ما ~~تأتي به السنون من أحداث، ولكن حمدي ما زال يعمل مع السمسار وما ms48 زال ~~يقبل القضايا الخاسرة، ويلفق لها من وراء ضميره، بل إنه أصبح لا يطلع ~~هندا على قضاياه ولكنها تقرؤها وترى أية هوة يتردى فيها حمدي. # ويل للأمهات! وويل للمال لقد أخذ منها زوجها، وهل كان زوجها إلا ~~ضميرا ورجولة وشرفا، لم يكن زوجها وجها جميلا فهو دميم، ولم يكن ~~مالا كثيرا؛ فقد كان فقيرا، لم يكن إلا هذه الأخلاق، ومن بين هذه ~~القضايا رأت هند قضية ترفعها شركة كبرى، وسألت حمدي: لماذا أعطتك ~~الشركة هذه القضية أليس لديها محام؟ ~~- أرأيت شركة بغير محام؟ ~~- إذن فلماذا تدافع عنها أنت؟ ~~-لأني أصبحت محاميها. ~~- ولماذا لم تخبرني؟ ~~- لأني سأصبح محاميها إذا كسبت هذه القضية. ~~- وأنت تعرف هذه القضية؟ ~~- أجل أعرفها. ~~- لا بد أن محامي الشركة رفض المرافعة فيها وقبلت أنت؟ ~~- نعم. ~~- وشرفك، وشرف المهنة؟ ~~- شرف المهنة، لا شيء مقابل شرفي أنا. ~~- وأين الشرف فيما تفعل؟! ~~- إن هذا خير من أن أستجدي أموال الناس لأشتري الدواء لابني. ~~- أتغالطني أنا يا حمدي؟! أنا أعرف رصيدك في البنك. ~~- أنا لا أطيق هذا النقاش كل يوم. ~~- أما أنا فلا أطيق هذا الانحدار كل يوم، لقد تزوجت فيك المثل ~~الرفيعة، الشرف، الأمانة. ~~- كل هذا تنازلت عنه، ولن أبقى بالمنزل لأسمع هذه الخطب ~~الجوفاء. # يخرج ويغلق الباب خلفه، وتجلس هند وحدها، ماذا بقي لها من زوجها؟ ~~ولماذا تبقى معه بعد اليوم، ماذا يربطها؟! ماذا تزوجت فيه؟ إنها يوم ~~تزوجته، تزوجت أخلاقه ومثله، أما اليوم - وقد فقدها - فهي لا تجد فيه ~~شيئا، اللهم إلا، نعم اللهم إلا أنه أبو أولادها، نعم هذه المخلوقات ~~الصغيرة هي التي تربطها إلى زوجها، لا شيء إلا هذه المخلوقات، ولكن ~~أتظل حياتها مع شخص تكرهه وتحتقره لأن أولادها يربطونها إليه، لا، لن ~~تمكث، ولكنها إن تركته تكون قد جرت على أولادها هؤلاء جريمة تتضاءل ~~أمامها جرائم حمدي جميعها، ليت هؤلاء الأولاد يموتون إذن حتى تتخلص من ~~هذا الزواج الذي أصبح هباء، نعم ليتهم يموتون. # ثم تصحو هند من هذا التفكير العميق جازعة هالعة، لقد صرخ ms49 واحد من ~~أولادها فهي تجري إليه في سرعة مجنونة. ~~- ابني الحبيب، ماذا بك؟ لماذا تصرخ؟ # | حديث ولقاء # دق جرس التليفون في مكتب الأستاذ أحمد اسماعيل بالجريدة، وانبعث إلى ~~أذنه صوت ناعم حلو. ~~- الأستاذ أحمد؟ ~~- نعم يا أفندم. ~~- معجبة. ~~- قديمة؟ ~~- بل جديدة. ~~- معجبة بماذا يا حسرة؟ ~~- بجمالك. ~~- وأين رأيتني؟ ~~- ماذا أيها الفنان، هل لا بد أن أراك حتى أعجب بجمالك؟ ~~- لا، فاتتني هذه، من الممكن أن تعجبي بجمالي على السمعة نسيت أن ~~جمالي بعيد الصيت واسع الانتشار. ~~- ويقولون فنان. ~~- من هؤلاء الذين يقولون، أنا قلت؟ ~~- كلهم يقولون إنك فنان. ~~- لا عليك فاللغويون يقولون إن الفنان هو الحمار الوحشي، لعلهم ~~يقصدون أنني فنان بهذا المعنى. ~~- لا يا سيدى، لم يقدرك أحد إلى هذا الحد إنما هم يقصدون أنك فنان ~~موهوب، لأغانيك الحلوة، أنا أعبد أغانيك. ~~- وما لهذا ولجمالي؟ ~~- إن هذا هو جمالك، لم تدرك هذا من أول لحظة أيها الفنان. ~~- آه! يبدو لي أنك فنانة أنت أيضا. ~~- وما له! يا ليتني كنت، إذن لالتقيت بك مباشرة وأبديت لك إعجابي ~~وجها لوجه بدلا من هذا التليفون الذي يفصل بيننا. ~~- أراه يصل بيننا. ~~- أتكتفي أنت بهذا الوصل؟ ~~- اسمعي، أنا لي أصدقاء كثيرون، كل همهم أن يوقعوا بي في ورطة مضحكة، ~~وأنا يا بنت الناس كبرت على مسألة التليفون هذه، فإن كان أحدهم أغراك ~~فقولي له استح. ~~- آه، هذا ظنك، لماذا كل هذا الشك؟ أعجيب أن تعجب بك فتاة ~~جميلة؟! ~~- لا، ليس عجيبا أن تعجب بي فتاة، ولكن العجيب أن تكلمني في ~~التليفون والأعجب أن تكون جميلة. ~~- أنا لست جميلة. ~~- لا يمكن أن تكوني جميلة. ~~- لماذا؟ ~~- لو كنت جميلة لما خفت من لقائي، ولما استترت مني ~~بالتليفون. ~~- ومن قال لك إني خائفة؟ ~~- حديثك هذا، ولماذا لم تتيحي أن أراك بدلا من هذا الحديث؟ ~~- أولا، أنا أجد في هذا الحديث لذة تفوق لذة اللقاء؛ فأنت حين ~~تحدثني تتخيلني في صورة حلوة رقيقة، وأتخيلك أنا أيضا في صورة فنان ~~رقيق أنيق متسق القسمات حلو الملامح، وتظل هذه ms50 الصورة في ذهن كل منا ~~حتى نلتقي! فتتمدد الصورة التي في ذهنك حلاوة ورقة وعذوبة بخطوط جسمي، ~~وينعدم الخيال، وأراك أنا فأرى شعر لحيتك وشاربك، ورباط رقبتك ولعله ~~يكون قبيحا يوم نلتقي، ووجهك ولعلك تكون متعبا حين أراك. الحديث يطلق ~~الخيال واللقاء يمدده، أنا أحب الحديث. ~~- وأنا أحب اللقاء، لا شأن لك بالخيال. سأجد التغير الذي أتخيله عنك ~~بعد اللقاء. ~~- يبدو أنني أنا الفنانة وأنك أنت المعجب، كلامك واقعي، لا خيال ~~فيه. ~~- اسمعي يا ستي، الواقع أنني معجب بكلامك! وبخيالك! وكفى أقسم لك ~~أنني أستطع أن أقرأ كلاما خيرا من هذا إن اقتصر الأمر بيننا على ~~الكلام، الكلام يأخذ كامل بهائه حين نرى المتحدث، وما دمت لا أراك ~~فأرجو ألا نسترسل في الحديث، هذا إلى جانب أنني هنا في مكتب العمل ~~وأريد أن أفرغ للمواد المتراكمة أمامي. ~~- أتريد أن تقطع الحديث؟ ~~- ما دمت لا تريدين لقائي. ~~- ومن قال لك أنني لا أريد؟ ~~- أنت. ~~- أبدا! أنا لم أقل، كل ما في الأمر أنني أحببت أن نتمتع بالحديث ما ~~أمكننا ذلك ثم نلتقي. ~~- ولكني أريد أن نتمتع باللقاء ما أمكن ذلك ثم نتحدث. ~~- مستعجل أنت؟ ~~- نعم. ~~- فأين تريد أن تلقاني؟ ~~- أنا أقعد عادة في لاباس منذ الرابعة من بعد الظهر. ~~- وكيف ستعرفني؟ ~~- إنك أنت التي ستعرفينني. في مجلة الإذاعة اليوم أحدث صورة لي، ~~إنها أنا، إذا أعجبتك، فأنا ... البسي. ~~- إنها ستعجبني لا شك. ~~- بل في ذلك شك، إلى اللقاء. ~~- إلى اللقاء. # وكان أحمد جالسا في مقعده المختار بمحل لاباس حين دلفت إلى المكان ~~سيدة رائعة الجمال لم تتردد كثيرا قبل أن تقصد إليه وتجلس إلى النضد ~~الذي اتخذه. ~~- ماذا أقول صباح الخير أم مساء الخير؟ # ولم يجد أحمد في التحية شيئا جميلا ولا لباقة، فقال لها في بعض ~~دهشة: قولي ما شئت فإن جمالك غني عن أي تحية. ~~- لا أفهم. ~~- بل تفهمين وتريدين أن أزيد، ومن أجلك سأزيد، جمالك تحية من الله ~~لكل من يلتقي بك، أنت وحدك تحية فلا حاجة بك ms51 إلى أن تقولي صباح الخير ~~أو مساء الخير. # وضحكت الفتاة ضحكة جذابة وقالت: لا والله أنا قصدت أن أعرف منك ~~الجواب على سؤالي، فنحن في وقت لا ندري أهو صباح أم مساء؟ ~~- أما ترين أن الحديث عن الصباح والمساء قد طال بيننا وهو موضوع ~~بدائي؟ ~~- نعم أرى ذلك ولكن فيم تريد حديثنا؟! ~~- لا أدري؟ فأنت التي طلبتني وأنت الحكم بما تريدين الحديث ~~فيه. ~~- قليلة هي المواضيع التي أستطيع الحديث فيها. ~~- عجيبة! ~~- وأين العجب؟ ~~- أنت في التليفون كنت تخلقين الحديث خلقا وتسيرين به إلى الوجهة ~~التي تريدين بلا تكلف ولا مشقة ولا عنت فأي جديد جد عليك فجعلك ~~تعجزين حتى عن بدء موضوع الحديث؟! # وكانت ابتسامة تجاهد في الاستخفاء تلوح وتختفي على شفتي الفتاة، ورأى ~~أحمد هذا الوميض من الابتسام فعجب له بعض الشيء، وهم أن يسألها عما ~~أطلق هذه الابتسامة على شفتيها ولكنها عاجلته قائلة: التليفون شيء ~~آخر. ~~- يظهر أنك أنت شيء آخر. # وجزعت الفتاة جزعا أوشك أن تتضح معالمه على وجهها لولا حرصها الشديد ~~وسألت: ماذا تقصد؟ ~~- لا شيء. ~~- حسنا، سأحدثك إذن ما دام لا بد من الحديث. لقد رأيت فيلم السماء ~~الزرقاء وأعجبني جدا، هل أعجبك؟ ~~- ما الذي أعجبك فيه؟ ~~- الممثل؛ حلو، جميل جدا، عيناه، عيناه، عيناه، عجيبة من عجائب ~~الزمن! ~~- أكل ما أعجبك في الفيلم عينا الممثل، ألم تفكري في المؤلف الذي ~~بذل أقصى جهده أياما وشهورا لتتمتعي أنت بساعة تشاهدين فيها الفيلم؟ ~~ألم يعجبك المخرج الذي أراق جهده وأعصابه، ألم تفكري في هذا الممثل ذي، ~~أكل ما في الفيلم عينا الممثل؟ ~~- يا أخي لقد حيرتني! ~~- اسمعي يا ستي، لا تحيريني ولا أحيرك، أنا سأنصرف وحدثيني في ~~التليفون. # وقام أحمد عن المنضدة دون أن يلاحظ هذا الغيظ الذي على وجه الفتاة ~~والذي لم تجاهد في إخفائه. # وقبل أن يستقر أحمد على كرسي مكتبه من بعد الظهر في اليوم ذاته دق ~~جرس التليفون: ~~- من؟ ~~- أنا. ~~- أهلا، أهلا. ~~- أسمع في أهلا شوقا. ~~- ولم لا؟ ~~- عجيبة! كأنك لم تكن معي ms52 في الصباح. ~~- أنا لم أكن معك في الصباح. ~~- ألم نلتق في لاباس؟ ~~- لم نلتق. لم تكوني أنت. # وارتبكت الفتاة هونا ثم قالت: كيف؟ ~~- لا، لقد رأيت في لاباس فتاة جميلة كعرائس المولد، تحسن التخطيط ~~والتزجيج وتضع الأحمر حيث يجب أن يوضع، وتضع الأسود حيث لا بد له أن ~~يرتسم لكنها عاجزة لا تحسن شيئا آخر، عاجزة، لسانها ألكن وعقلها تافه، ~~وأنت لست كذلك. ~~- أتشتمني؟! أشكرك. ~~- أنا أشتمك! ولكني أنفي عنك هذه التفاهة التي رأيتها، أتدرين لماذا ~~رضيت أن ألقاك؟ ~~- وبعد أن لاقيتني. ~~- أتقسمين لي أنك أنت التي كنت في لاباس اليوم. ~~- ... ~~- أتقسمين؟ ~~- لا، لا أقسم. ~~- فلماذا أرسلت غيرك؟ ~~- لأني ... ~~- قولي، لماذا؟ ~~- لأني أرى نفسي غير جميلة. ~~- ومن أدراك؟! إن من لها عقلك هذا لا يمكن إلا أن تكون جميلة. ~~- أتعلق الآن بخيط من الأمل واه ضعيف، وأخشى إن أنا لقيتك أن ينقطع ~~أملي الأخير، أنا أريدك أن تحبني، وأخشى إن رأيتني أن تكرهني. ~~- وماذا كنت تريدين أن تفعلي؟ ~~- كنت سأجعل من صديقتي وجهي الذي ألقاك به، وأكتفي أن تلتقي عقولنا ~~في التليفون. ~~- بل لا بد أن ألقاهم جميعا، ألقى وجهك الذي يخفي جوهرة عقلك. لا ~~تخافي شيئا؛ فالجمال المختفي وراء الوجوه أبقى على الزمان وأخلد نضارة ~~من جمال الوجوه، لقد أحببت حديثك، وحديثك هو معالم عقلك؛ فلا تخشي ألا ~~أعجب بوجهك، تعالي. ~~- سأجيئ. # وفي اليوم التالي التقت الفتاة بأحمد، لم تكن جميلة، وكان الخوف الذي ~~ظل وجهها قد جعلها إلى القبح أقرب، ولم يحادثها أحمد عن الجمال ولم ~~تحادثه عنه بل سرعان ما جرى الحديث بينهما مرتقيا في سموات من الفكر ~~والأدب والفن والفتاة تلاحقه حينا وتسبقه أحيانا، وبعد لحظات أخذت ~~ظلال الخوف تنقشع عن وجهها رويدا رويدا لتجلو لأحمد وجها فيه بساطة ~~وفيه رقة وفيه براءة وليس فيه جمال - وإن كان أحمد قد رأى فيه الجمال ~~كل الجمال! # ولم يقم أحمد وحده ولا قامت وحدها، إنما تشابك ذراعاهما وسارا في ~~الطريق فترة لاقت فترة، وروحا لاقت روحا، وقلبا لاقى ms53 قلبا. # ولم يعد التليفون يدق في مكتب أحمد كثيرا، اللهم إلا إذا أرادت ~~زوجته أن يشتري لها شيئا قبل أن يعود إلى البيت، ماذا؟! ألم تفهم؟! ~~لقد تزوجا. # | وظيفة دائمة # (المنظر: غرفة الأستاذ مجدي السيد المحامي وهو يجلس ~~فيها ومعه أحد الموكلين.) # الموكل ~~: # أشكرك يا أستاذ على مجهودك. # مجدي ~~: # لا شكر على واجب يا عم حسين. # الموكل ~~: # مسألة الأتعاب يا أستاذ. # مجدي ~~: # ألم تكلم فيها عبد الباري أفندي؟ # الموكل ~~: # كلمته فيها. يطلب كثيرا، قلت أكلم الأستاذ عسى الله أن ~~يخفضها قرشين. # مجدي ~~(وهو يدق الجرس) ~~: # إن كانت الحكاية حكاية قرشين يا عم حسين فالمسألة ~~بسيطة. # الموكل ~~: # البركة فيك يا أستاذ. ~~(يدخل عبد الباري وهو شاب نحيف ذو وجه قريب من ~~المومياوات وفى أعلى رأسه بضع شعيرات يصر عبد الباري أن يلصقها ~~بالصابون.) # عبد الباري ~~: # طلبتني يا أستاذ. # مجدي ~~: # خذ عم حسين معك وأرحه في الأتعاب. # عبد الباري ~~: # إنه يا أستاذ يريد أن ... # مجدي ~~: # عبد الباري، لا تطل، أنا لا أناقش الأتعاب، خذه معك ~~وتفاهما. # عبد الباري ~~: # ولكن يا أستاذ ... # مجدي ~~: # من غير لكن. # عبد الباري ~~: # أمرك يا أستاذ. # الموكل ~~: # أطال الله عمرك يا أستاذ، ترفق بنا يا عم عبد الباري ~~الدنيا غلاء. # عبد الباري ~~(وهو يأخذ عم حسين إلى الخارج) ~~: # يا عم حسين أنا عبد المأمور، تعال، تعال. ~~(يخرجان. يلتفت مجدي إلى التليفون ويهم بإدارة ~~القرص ولكن ما يكاد حتى يدخل عبد الباري مهرولا في فرح ~~واضح.) # عبد الباري ~~: # البك وكيل النيابة يا أستاذ! # مجدي ~~: # أي وكيل نيابة؟ # عبد الباري ~~: # البك وكيل النيابة زميل سعادتك. # مجدي ~~: # أيهم؟ لي زملاء كثيرون في النيابة. # عبد الباري ~~: # أنا لا أعرف اسمه يا أستاذ، وإنما رأيته بالأمس في الجنايات ~~وأنا أشاهد جلسة ال... # مجدي ~~: # طيب، طيب انتهينا، سله عن اسمه وانتظر حتى أناديك. # عبد الباري ~~: # والبك وكيل النياب... # مجدي ~~: # ألم تسمع ما قلت؟! # عبد الباري ~~: # سمعت يا أستاذ. ~~(يخرج ويدير مجدي قرص التليفون.) # مجدي ~~: # إلهام، ألم تخرجي بعد، ماذا قال الدكتور؟ # مجدي ~~: # طيب، وسمير ms54 نام؟ # مجدي ~~: # والحرارة انخفضت؟ طيب، أنا منتظرك بعد ساعة، لا تتأخري ~~وحياتك. ~~(يضع السماعة ويدق الجرس وبعد برهة يظهر عبد ~~الباري.) # مجدي ~~: # أعرفت اسم الزائر؟ # عبد الباري ~~: # والله، لم أجرؤ على السؤال. # مجدي ~~: # كيف هذا؟ # عبد الباري ~~: # اسأل وكيل النيابة؟! # مجدي ~~: # طيب قل له يتفضل. # عبد الباري ~~(صائحا) ~~: # يا حسن قل للبك يتفضل. ~~(يلتفت ~~للأستاذ) # عندنا قضية سينظرها هو. # مجدي ~~: # اخرج. # عبد الباري ~~: # حاضر. ~~(يخرج عبد الباري وحين يرى وكيل النيابة داخلا ~~ينحني وهو يزيد في فتح الباب.) # مجدي ~~: # من! أهو أنت، شكري كيف حالك؟ وحشتني والله. أين كنت طول هذه ~~المدة؟ آه! حقا لقد كنت في الصعيد. كلانا معذور إذن. # شكري ~~: # كيف حالك يا أستاذ مجدي؟ # مجدي ~~(مندهشا) ~~: # ماذا، يا أستاذ ماذا؟! # شكري ~~: # أسأل عن حالك. # مجدي ~~: # طيب، طيب، عرفت أنك وكيل نيابة فلا لزوم لهذه الكلفة. # شكري ~~: # آه، لا يا صديقي أنا لا أستطيع أن أفعل كما كنت فإن زمن ~~التهريج قد انقضى. # مجدي ~~(وكأنما لا يكلم شكري) ~~: # عجيبة! # شكري ~~: # عجيبة؟! # مجدي ~~: # إننا نعرف الوقار الذي يصاب به الموظفون بعد التعيين، وهو من ~~النوع الذي لا يدوم طويلا ولكن يظهر أن إصابتك كانت شديدة، ~~بعض الشيء. # شكري ~~: # لا يا أستاذ مجدي إنما يجب أن يضع الإنسان نفسه في موضعه ~~الصحيح. # مجدي ~~: # وما موضعك الصحيح؟ # شكري ~~: # أنا وكيل نيابة. # مجدي ~~: # تهنئاتي الحارة. # شكري ~~: # أما زلت تمزح! أهذا جزائي لأنني جئت إليك؟ # مجدي ~~: # وكيف جئت؟ # شكري ~~: # قرأت اللافتة بالأمس فعزمت على زيارتك، وقد أخبرتهم الآن في ~~المحكمة إنني سأكون عندك وجئت أزورك. # مجدي ~~: # شرف عظيم. # شكري ~~: # أتهزل؟! # مجدي ~~: # لقد حرت معك يا شكري، إن كلمتك كما كنت أكلمك في عهدنا الأول ~~قلت لي يا أستاذ مجدي، وإن بجلتك واحترمتك قلت إنني ~~أهزل! # شكري ~~: # يظهر أنك لا تفهم الأمر، افرض أنك جئت غدا مع متهم في قضية ~~أحققها. # مجدي ~~: # فرضنا، وما البأس؟! # شكري ~~: # ما موقفي أنا؟ # مجدي ~~: # أأنت هنا الآن في قضية تحققها؟! # شكري ~~: # لا ولكن. # مجدي ~~: # هل في المكتب متهم ms55 ؟! # شكري ~~: # انتظر علي. # مجدي ~~: # ماذا أنتظر؟ هل هنا النيابة؟ # شكري ~~: # يجب أن أحترم نفسي في كل مكان. # مجدي ~~: # أي احترام ذاك! أأنت في بيتك هكذا، أيناديك أخوك بيا أستاذ ~~شكري! عفوا أقصد بيا شكري بك؟! # شكري ~~: # الأمر مختلف. # مجدي ~~: # افرض أن أخاك محام، ماذا تفعل؟ # شكري ~~: # حينئذ أمتنع عن نظر القضية التي يوكل فيها. # مجدي ~~: # طيب هذا لأنه أخوك، ولكن أصدقاءك وزملاءك لو امتنعت عن كل ~~قضية يوكلون فيها فإنك لن تحقق في قضايا أبدا! # شكري ~~: # ولكن يجب أن أحافظ على كرامتي. # مجدي ~~: # وهل أهان أحد كرامتك؟! إذا ناديتك باسمك أهنت كرامتك، اسمع ~~يا شكري إن بيننا صلة هي الشهادة التي أحملها أنا وتحملها أنت، ~~أما كرامتك فالمحافظة عليها تكون بالبعد عن مواطن الريبة ~~والارتفاع بمستوى أخلاقك تلك هي الكرامة يا صديقي. # شكري ~~: # وممن؟! ~~(يدق جرس التليفون ويرفع مجدي السماعة.) # مجدي ~~: # نعم، مكتب الأستاذ مجدي، شكري بك! لحظة ~~(يلتفت إلى الأستاذ شكري) # التليفون يطلبك. # شكري ~~: # آلو، أنا شكري، ماذا؟! الوزارة سقطت ومن أدراك؟ ~~... # شكري ~~: # ومن الذي سيؤلف الوزارة؟ الحزب الآخر؟ ~~(يضع السماعة في يأس.) # مجدي ~~: # ماذا، أكنت مرشحا للوزارة؟! # شكري ~~: # أرجوك يا مجدي. # مجدي ~~: # ما أهمية سقوط الوزارة بالنسبة إليك، ما الذي يجعلهم يطلبونك ~~في غير مكتبك ليبلغوك الخبر؟ # شكري ~~: # الوزير، الوزير الذي بها. # مجدي ~~: # أي وزير؟ # شكري ~~: # الوزير الذي كان سيشفع لي. # مجدي ~~: # أي وزير وأية شفاعة؟ # شكري ~~: # لقد طلب إلي النائب العام أن أستقيل لأن هناك إشاعات ~~تتناولني عنده بسوء، ولي وزير في الوزارة، أقصد كان لي قريب ~~وزيرا في الوزارة رجوته فوعدني خيرا. # مجدي ~~: # وبعد. # شكري ~~: # وهل فيها بعد؟! استقالت الوزارة، استقالت يا أستاذ، يا مجدي ~~ليس هناك أمل. # مجدي ~~: # هون عليك يا شكري، هونها تهن، هذه الإشاعات كانت ~~خطيرة؟! # شكري ~~: # بعض العلاقات والإشاعات كانت في حدود ضيقة يكتفي فيها ~~بالنقل، لكن ... # مجدي ~~: # لا تدافع أمامي، ما دامت الإشاعات كانت في حدود ضيقة فسمعتك ~~ما زالت شريفة. # شكري ~~: # مجدي، أتقبلني عندك في المكتب؟ # مجدي ~~: # ماذا تقول يا ms56 شكري؟ # شكري ~~: # هل في هذا غرابة؟! أعمل معك بالأجر؟ # مجدي ~~: # لا يا شكري أما هذا فلا أقبله. # شكري ~~: # أترفض طلبي وأنا في هذه الحال؟ # مجدي ~~: # طبعا أرفض يا أخي، إنك زميلي ولن تكون إلا زميلي دائما، ~~سوف تكون شريكي في جميع أرباح المكتب سواء في القضايا التي ~~تتولاها أو في غيرها. # شكري ~~: # ليس عندي الآن ما يكفي لمشاركتك مصاريف المكتب. # مجدي ~~: # وأنا على استعداد لقبولها عندما تتوافر لديك. # شكري ~~: # سبحان الله! # مجدي ~~: # ماذا يا شكري؟ # شكري ~~: # كنت أظن أن الوظيفة التي شغلتها هي كل شيء! ظننتها الوظيفة ~~الدائمة الباقية وإذا الله يكشف لي في لحظة أن هناك وظيفة أدوم ~~وأبقى. # مجدي ~~: # أي وظيفة تلك؟ # شكري ~~: # الصداقة، من استطاع أن يحافظ عليها فقد استطاع أن يحافظ على ~~الشيء الدائم في الحياة، أسأت إليك فأحسنت وتكبرت فكنت أخي ~~الأكبر. ~~(يدق جرس التليفون فيرفع مجدي السماعة.) # مجدي ~~: # نعم، شكري بك سيكلمك. # شكري ~~: # آلو، ماذا، لم تستقل، حسنا، اسمع اكتب خطاب استقالة بالصيغة ~~المعتادة على ورق رسمي وأحضرها إلي هنا، أتعرف العنوان؟ أسرع، ~~لا شأن لك، فقط أسرع. # مجدي ~~: # انتظر. # شكري ~~(يضع السماعة) ~~: # ماذا أنتظر رجعت في كلامك؟ # مجدي ~~: # لا، ولكن ... # شكري ~~: # إن شعوري بأخوتك وتجربتي في هذه اللحظة البسيطة تساوي ~~وظائف العالم أجمع، لا يا عم لن أرجع إليها، لن أرجع إليها ~~أبدا. ~~(يعانقه ويدخل عبد الباري فيجدهما متعانقين ~~فيظهر السرور على وجهه.) # عبد الباري ~~: # الست حرم سعاتك. # مجدي ~~: # دعها تتفضل، واسمع يا عبد الباري، اجعل الخطاط يكتب لافتة ~~باسم الأستاذ محمد شكري المحامي وعلقها على الباب. # عبد الباري ~~(في حزن شديد) ~~: # ماذا؟ من؟ البك وكيل النيابة؟ # مجدي ~~: # افعل ما قلت لك. # عبد الباري ~~: # أمرك، ولكن، القضية! # مجدي ~~: # اخرج. # عبد الباري ~~: # حاضر. # شكري ~~: # أية قضية؟! # مجدي ~~: # سأقصها عليك فيما بعد. ~~(تدخل زوجة مجدي.) # شكري ~~(مسلما) ~~: # محمد شكري وكيل النيابة، أقصد المحامي. # مجدي ~~(ضاحكا) ~~: # أهلا إلهام، هذا زميلي الأستاذ شكري. # إلهام ~~: # أهلا بالأستاذ. # مجدي ~~: # لقد قبل الأستاذ شكري بعد إلحاح أن يترك وظيفته كوكيل ms57 للنائب ~~العام ويشاركني في المكتب فتخيري مكانا، نتعشى فيه الليلة ~~احتفالا بهذه المناسبة. # إلهام ~~: # وهل هناك أحسن من البيت؟! # مجدي ~~: # وهو كذلك، إلى البيت إذن، إلى البيت يا زميلي العزيز. ~~(تسبقهم إلهام في الخروج.) # شكري ~~(في عينيه نظرة شكر عميقة) ~~: # ألف شكر. # مجدي ~~(رافعا سبابته إلى فمه) ~~: # اسكت. # | وأنا ... ما ذنبي # لا، لست فقيرا، فلو كنت فقيرا فلعلي كنت أسكت أو أرضى بما كتب لي. ~~ولست جاهلا، فلو كنت جاهلا لما أحسست بهذا البلاء الذي قدر لي، ~~ولا أنا أبله أو مجنون ولا ضعيف أو قبيح الوجه، لا لست واحدا من هؤلاء ~~جميعا، إنه عيب واحد الذي أعرفه في نفسي، لم أصنعه، ولا يد لي فيه ولو ~~كنت أعرف طريقة للتغلب عليه لبادرت إلى اتباعها، ولكن ليست هناك ~~طريقة، عيب واحد أعرفه في نفسي، هو أمي، نعم أمي، ماذا أصنع؟! هل أنا ~~الذي اخترتها، أو أنا صنعت بها ما هي عليه، لا، لقد تم صنعها منذ زمن ~~بعيد، صنعها أبوها، أو صنعتها أمها، أو صنعت هي نفسها، لا أدري ولكني ~~أدري أنني لم أصنعها! وأدري أيضا أنني لم أخترها لتكون أمي، بل إن أبي ~~هو الذي اختارها من بين نساء العالمين لتكون أما لأبنائه، ثم وجدت ~~نفسي واحدا من هؤلاء الأبناء. # لن أنالها بشر ولن أذكر عنها أي سوء فهي تحبني، ولا شر بها أو سوء ~~إلا أنها تحبني غاية الحب، وحبها من نوع عجيب أوقع بي إلى ما أنا فيه ~~اليوم! # إنها تحبني حبا عارما مجنونا، لا تطيق عني بعدا، وهي منذ أول ~~ما وعيت لا تطيق أن أصنع بيدي شيئا، وإن أعجب ما أعجب له أنني نجحت ~~ونلت الشهادة العالية برغم هذا التدليل الذي كانت تسكبه هي سكبا ~~فياضا بلا تفكير، ومنذ ذلك الوعي الأول - رأيت لها صديقة لا تفارقها ~~في نهار ولا ليل حتى تقتضي الضرورة الملحة، أو تفترقا لترى كل منهما ~~شأن بيتها ثم تعودان لا تفترقان. ومنذ ذلك الوعي الأول رأيت لهذه ~~الصديقة ابنة أكبرها ms58 بسنوات قلائل، وقد كانت الابنة ترافق أمها في ~~زياراتها، محمولة على الأكتاف في أول أمرها، ثم ساعية بخطوات متعثرة، ~~أذكر أنني كنت أضحك منها، ثم استقامت خطواتها وأصبحت عربيدة لا يقر لها ~~قرار. # وكنت في ذلك أشكر نفسي أن ألهو مع الطفلة، ولا أرضى لنفسي أن تشاركني ~~في لهوي ولكني كنت أراها دائما فلا أجد لرؤيتها صدى في نفسي غير أنها ~~كانت تتعثر في خطاها وكنت أضحك من تعثرها. # ودار الزمان دورته وأصبحت الابنة المتعثرة الخطوات فتاة ريانة ~~الصورة! فيها جمال لا يبهرك في النظرة الأولى ولكنك تدركه مع طول ~~التأمل، ومع بعض التفكير، وهي مؤدبة حسنة الحديث إذا تحدثت، لا يروعك ~~منها خيال جامح، أو فكر متوثب، وإنما هي عقلية أكثرت من القراءة وأحسنت ~~فهم ما قرأته، كانت هكذا سامية. # وحتى أصبحت هكذا كنت أنا قد انتهيت من دراستي وخلفت ورائي الجامع ~~لأستقبل الحياة. ولكن الحياة لم تشأ أن تستقبلني وحدي، أو أن أمي لم ~~تفك قيودي وتطلقني لأستقبل الحياة وحدي بلا رباط يربطني بها. ففوجئت ~~بها يوما وأنا أهم بالخروج. ~~- انتظر يا سميح فإني أريد أن أكلمك في أمر مهم. # وقعدت بجوارها. ~~- نعم. ~~- أنت - الحمد لله - كبرت وأريد أن أفرح بك. ~~- تقصدين الزواج؟! ~~- نعم. ~~- يا أمي ولماذا العجلة، إني لم أكد أنتهي من الكلية وأريد أن ~~أستريح قليلا. # وابتسمت أمي وهي تقول: وهل الزواج تعب؟! ~~- أريد أن أجد وظيفة أولا وتستقر أموري ثم أتزوج. ~~- لا شأن لك بأمورك سأعطيك كل ما تحتاج إليه. ~~- نعم يا أمي ولكنك لا تعرفين لذة المال الذي يكسبه الإنسان ~~بعمله. ~~- ما هذا الكلام الفارغ؟! ~~- أهذا الكلام فارغ؟! ~~- طبعا، ابحث لك عن حاجة أخرى. ~~- أمرك يا أمي، إذا وجدت فتاة تعجبني قلت لك لتخطبيها لي. ~~- ولكنك خطبت فعلا. ~~- أنا؟ ~~- نعم أنت. ~~- وذعرت أن يكون كلامها جادا لا مزاح فيه، ولو أني استبعدت أن يكون ~~كذلك فاغتصبت ضحكة منعها من الانطلاق بقية خوف ما زالت تتردد في ~~نفسي. ~~- متى كان ذلك يا أمي؟! أنا خطبت ms59 ! # أنا يا أمي؟! ~~- نعم أنت. ~~- أجادة أنت؟ ~~- كل الجد. ~~- كيف يا أمي؟! ~~- خطبت لك. ~~- كيف خطبت لي؟! ~~- وما لي لا أفعل، لقد كنت أعمل كل شيء لك، ألا تسمح لي أن أخطب ~~لك! ~~- شريكة حياتي؟! المرأة التي سأقضي معها العمر كله! ألا اختارها؟! ~~لقد صنعت لي كل شيء ولكنك تسمحين لي أن أختار رباط رقبتي وقميصي وحلتي، ~~ألا تسمحين لي أن أختار زوجتي؟! ~~- لقد اخترتها وانتهى الأمر. ~~- تقولين إنك خطبت لي وأنا في الخامسة من عمري ولا بد أن أهل خطيبتي ~~اعتبروا كلامك هزلا ونسوا ما كان. ~~- أنت واهم فقد ظللت أجود خطبتك كل يوم منذ أنت في الخامسة من عمرك ~~حتى اليوم، خمسة عشر عاما وأنا أذكر الخطبة بخطبة جديدة، وتريد أنت أن ~~تهدم هذا جميعه؟! ~~- أهدم ماذا؟ ما شأني أنا؟! # إنها ليست خطيبتي، أنا لم أخترها، لقد اخترتها أنت فتزوجيها ~~أنت. ~~- أنصت، إنها فتاة من أجمل الفتيات وأبوها غني واسع الغنى، وأمها ~~غنية هي الأخرى وليس لها إلا هي، فأنت بذلك ستأمن على مستقبلك ومستقبل ~~أولادك. ~~- إذا كان المستقبل هو غنى أبيها وغنى أمها فهو مضمون لا شك، وما ~~المستقبل إن لم يكن المال؟! ~~- المستقبل هو الحياة جميعها، المال جزء فيها ولكنه جزء لا يزيد، من ~~هي هل أحبها أم لا؟ هل تتوافق روحانا، هل؟ ~~- لا تخرف، إنها سامية بنت عديلة وأنت تعرفها وستتزوجها. ~~- لا لن أفعل. ~~- بل ستتزوجها، وعليك أن تختار بين الزواج بها أو الافتراق عني إلى ~~الأبد. ~~- عنك أنت؟! ~~- عني أنا، فلو أن أصبعي هذا عصى أمري قطعته. ~~- نعم، أعرفك إنك تفعلين هذا. ~~- ستتزوجها إذن. ~~- أتزوجها. # وتزوجتها، مسكينة، لو أنني أنا الذي اخترتها، لو أنني الذي خطبتها ~~لعشنا معا في أهنأ حياة، ولكني لم أخطبها ولم أخترها وإنما تزوجتها. ~~كنت أرى فيها أمر أمي وتهديدها وعسفها بي وظلمها لي، كنت أرى فيها ~~حرماني من أن أختار أنا شريكة حياتي، كنت أرى فيها جانبا مظلما من ~~جوانب شبابي، جانب اختياري أنا لزوجتي، فقدت هذه المتعة ففقدت ms60 إشراقة ~~من إشراقات الشباب الكبرى، ثم أصبحت زوجا دون أن تصحب زواجي ذكريات من ~~نظرة التقت بأخرى، أو ابتسامة أو تفكير. وويل للشباب يمضي دون أن يصحب ~~معه ذكريات! ذكريات الحب والاستخفاء والتفكير فيمن يحب، وفي هذا تحبني ~~هي أيضا، لا ذكريات لي، أنا زوج بلا ذكريات، إن زواجي حتما لا يحمل ~~معه تلك الذكريات المادية المعروفة، لم أقصد إلى أمي لأقول لها في خجل ~~فرحان «أريد أن أخطب فلانة» لم تقصد هي إلى العروس، لأنتظرها بما تحمل ~~من أخبار، لم أر أبي يفكر بعض الشيء ويتردد بعض الحين ثم يقول: ألا ~~ترى أنك متعجل بعض الشيء؟! على كل حال مبروك، لا، لم يتردد أبي؛ فقد ~~كان أبي لا يتردد في أمر تصدره أمي، لا ذكريات لي من الزواج إلا أمران: ~~تزوجت إلا أنني وجدت نفسي زوجا، زوجا لفتاة لا عيب فيها إلا أنها ~~تمثل أمرا مفروضا علي أن أنفذه لا ذنب لها وأعرف ذلك، ولكني أنا ~~أيضا ما ذنبي، أصبح البيت جحيما لي وأنا الشاب في ريعان العمر وهي ~~الفتاة في إشراقة الشباب، أنا هنا في الحان مع صديقتي التي اخترتها ~~أنا، والتي استخفى بها والتي أحقق بها ما حرمتني أمي من تحقيقه. # أنا هنا في الحان ألجأ إليه بعد عمل، لا أرى زوجتي ولا تراني إلا ~~مخمورا في آخر الليل، إن كانت في آخر الليل صاحية، أو مصدوعا في أول ~~النهار، إن كانت في أول النهار خالية. # مسكينة سامية، لقد كانت جديرة بزوج رائع، بل لقد كانت جديرة بأن ~~أحبها أنا لو أنني أنا الذي اخترتها، ولكن أمها وأمي دبرتا المؤامرة ~~فقضت علينا أن نحيا حياة؛ الموت خير منها. # لقد فكرت أمها وأمي في أن يتروج الابن من الابنة ولم تفكر منهما في ~~الابن أو الابنة، إنها رغبة اشتعلت في نفس كل منهما فكنا نحن وقودها ~~وكانت حياتنا الحريق. # أنا هنا في الحان أشرب مع صديقتي، وزوجتي بالبيت لا أدري ماذا تفعل؟! ~~أعلم أنها مسكينة لا ذنب لها ms61 ، ولكن أنا، ما ذنبي؟! # | هو الله # كانت معربدة مجنونة في رأس عالم يجب أن تكتب له الشهرة، ويصعد إلى ~~قمة المجد ولم يسكت العالم عن التفكير وإنما أخذ يذيع بين إخوانه ~~العلماء هذه الفكرة التي سيطرت عليه، وأراد العلماء الناشئون أن تكتب ~~أسماؤهم كمساعدين لذلك العالم الكبير فيقفزون بذلك سلالم كثيرة إلى ~~سماء المجد الذي يحلمون به. # كانت الفكرة عجيبة! فهو يريد أن يصنع الآدميين خارج الأرحام ولكن، ما ~~الروح؟ هو يعلم أن الجسم متكون من خلايا، وهو يعلم عمل كل خلية في كل ~~جزء من أجزاء هذا الجسم، بل إنه يعلم ما تكون هذه الخلية، ولكن كيف ~~تسير، وكيف تؤدي المهمة التي ألقتها عليها الحياة؟ لم يكن يعرف، ما هي ~~الروح وكيف يستطيع الإنسان أن يحيا، ويسعى، ويشعر ويحس ويتكلم، ويفهم، ~~ويفرح، ويحزن، كيف؟ لم يكن يعرف! وهل إذا وضع العناصر التي يتكون منها ~~الجسم بعضها إلى بعض تنتج تلك المعجزة الضخمة التي حيرت العقول؟! كان ~~يعلم أن وضع هذه العناصر وخلطها لن يؤدي به إلا الفشل الحاسم ~~السريع. # وعجب العالم من هؤلاء الذين ينكرون الله! كيف ينكرونه وينكرون ~~معجزاته وهم في أنفسهم معجزات لم يصل أحد إلى إدراك كنهها بعد؟! وهداه ~~عجبه هذا أن يحاول بعض الناس أن يثنيه عن فكرته جميعا؛ فالنسل في ~~ازدياد والمشكلة تحل بالإقلال منه لا بالزيادة، ولكن العالم ركب رأسه ~~وأراد أن يثبت عبقريته. # وأصبح تفكيره منحصرا في أن يهيئ في قوارير زجاجية جوا مماثلا لجو ~~الأرحام يضع فيه الحيوانات الإنسانية تسعة أشهر ثم تكون ~~الولادة. # واستمر في تجربته تلك السنين، ومساعدوه من حوله ينتظرون وفي كل مرة ~~يرى سببا لفشل التجربة، فيزيله، وتمر الأعوام والأرحام الزجاجية عاقر ~~ما تزال، لا تهب البنين ولا البنات. # ثم شاء الله سبحانه وتعالى أن يسخر من هذه الحشرة المتعالمة فأمر ~~وقال للقارورة كوني فكانت. # وكانت التجربة تجرى على قارورتين فأخرجت إحداهما ولدا ذكرا وأخرجت ~~الأخرى الأنثى. # وفرح صاحب الفكرة وأذاع في العالم نجاح تجربته وارتقى إلى ms62 سماء المجد ~~في لحظة واحدة، لحظة أن بكى الطفل وبكت الطفلة. # وتسلق العلماء الصغار حبال المجد التي علقها كبيرهم، واطمأنوا ~~نفسا وقروا عينا، لقد نجحوا في أكبر تجربة عرفها التاريخ وأرادوا ~~أن ينسوا لحظهم أنهم لم ينشئوا إنشاء وإنما هيئوا جوا، وتركهم ربك في ~~غيهم يمرحون. # ولكن شيئا واحدا كان يعكر على العالم الظافر فرحته المجنونة، ذلك ~~أنه كان حين يضع سماعته على موضع القلب من الطفل أو الطفلة لا يسمع تلك ~~الدقات المنتظمة التي يجب أن يسمعها، وإنما كان يسمع هديرا كهدير ~~البحر الصاخب، ويحاول أن يجد لذلك من العلم تعليلا ولكن هيهات! فسكت ~~عن الأمر وحبسه حتى عن مساعديه لينال المجد كاملا، والتهنئات خالصة، ~~حتى إذا خفت صوت المجد وهدأ صخب الناس، وفرغ إلى معمله مرة أخرى بعد ~~ضجيج الصحافة والإذاعة والتليفزيون والسينما همس إلى مساعده الأول بتلك ~~الظاهرة التي تطالعه من هذين المخلوقين، وحمل المساعد هذا السر في ~~إحساس بالخطورة وشعور بالرهبة واقترح على أستاذه أن يضعا الطفلين تحت ~~الأشعة. # وفي تكتم شديد أعدت أجهزة الأشعة ووضع قلبا الطفلين موضع البحث، ولكن ~~ما هذا؟ نظر العالمان كل إلى الآخر نظرة ملؤها الدهشة والذهول ثم نظرا ~~مرة أخرى إلى تلك الصورة التي ظهرت لهما في الأشعة، لكم سخر الإله ~~منهما، إن الطفلين بغير قلب، لقد شاء الله أن تقوم الشرايين مباشرة ~~بدون القلب، ومحا القلب من أولاد القوارير، إن حب الأمومة والرحمة التي ~~يفيض بهما قلب الأم هي التي تضع القلب في الطفل في رحم الأم، أما ~~الزجاج البارد الأخرس فهيهات أن يهب القلب! لقد استطاع العالم أن يجعل ~~جوه مثل جو الرحم، ولكنه لم يستطع أن يجعل فيه رحمة الأمومة. # كتم العالمان الخبر عن الناس فقاما على الطفلين يهيئان لهما الغذاء ~~الأمثل حتى درج الطفلان وتعلما الكلام وفهماه، ثم ذهبا إلى المدرسة ~~وهناك سمعا إخوانهما يتكلمون عن أمهاتهم فتعجبوا! ما معنى هذه الكلمة؟ ~~ما الذي تهدف إليه؟ سألا العالمين في المنزل فشرحا لهما الأمر فتعلماه، ~~درساه كدروس ms63 المدرسة في الجغرافيا والتاريخ ولكنهما لم يحسا به. # وحين علم إخوانهما أن لا أم لهما، أخذهم العجب، بل إن الأساتذة ~~أنفسهم قد عجبوا من أمرهما، فهم قد سمعوا أن شخصا يولد فلا يعرف أباه، ~~وأمه! وسمع الطفلان فيما سمعا أن شيئا في الحياة اسمه الرحمة، وبآخر ~~اسمه الحب، وآخر اسمه الحنان، وآخر اسمه الفرح، وآخر اسمه الحزن، وآخر ~~اسمه السعادة، وآخر اسمه الشقاء، سمعا هذا جميعه وألحت هذه الألفاظ ~~على أسماعهما، فإذا سألا قائلها عن معناها حار كيف يصفها، ثم لا يجد ~~مخرجا من حيرته إلا أن يقول هذه الأشياء لا يعرفها الناس في الألفاظ ~~وإنما هي إحساسات تضطرب بها النفس، إحساسات؟! ما معنى هذه الكلمة ~~أيضا؟! وهكذا لا يجد الطفلان أحدا يسألانه إلا العالمين بالمنزل؛ ~~فيحاول العالمان أن يترجما لهما ويحاولان أن يضعا التعاريف مثل تلك ~~التي يعرفون بها النظريات العلمية ولكن هيهات أن يفهم الطفلان، ولا ~~يستطيع العالمان الكبيران أن يفهماهما، ولا يجدان أخيرا شيئا يقولانه ~~إلا أنه إحساسات وتزداد حيرة الطفلين ولكن قليلا ما تمكث هذه ~~الحيرة. # إلا أن اسما معينا كان يسمعانه كثيرا فلا يفهمانه مثل كل ما لا ~~يفهمانه، الله! إنهما يسألان العالمين عنه فيقولان الله الذي خلق كل ~~شيء، وخلقنا. ~~- وخلقكما. ~~- فلماذا يحمده من تصيبه سيارة في الطريق ولماذا يحمده من ينال مالا ~~كثيرا. # هو نفسه الله يحمدونه عندما يقع لهم ما يسمونه حزنا، ويحمدونه عندما ~~يتم لهم ما يسمونه فرحا. ~~- لأن الناس يؤمنون به. ~~- يؤمنون! كيف يؤمنون؟! ~~- يؤمنون به أن يهبهم الصبر عند المصيبة، ثم هم يشكرونه عند ~~الفرح. # ويسمع ولدا القوارير هذا الكلام فيضعانه من عقليهما حيث يضعان كل ما ~~لم يفهماه من قبل، إلا أن ذلك ترك فيهما غصة، ولكن العالمين يضطران ~~آخر الأمر أن يشرحا لهما إنهما مختلفان عن الناس جميعا، ويرويان لهما ~~كيف جاءا إلى هذه الدنيا فلا يصيب هذا من نفسيهما شيئا ولا يفسر لهما ~~شيئا. # وتمر الأعوام ويبلغ الطفلان مطالع الشباب الأولى فتتحكم النزوة ~~فيهما، نزوة لا ms64 تتحكم فيها عاطفة ولا شعور ويخشى العالمان على مصيرهما ~~فيزوجان الفتاة من الفتى، ويقيمان المراسيم الدينية ولكن الفتاة والفتى ~~لا يفهمان من هذه المراسيم شيئا وإنما يفهمان أنهما سيتزوجان، ويفهمان ~~هذا المعنى مجردا عن كل روحية فيه، لقد سمعا أن الناس فيما بينهم ~~يتحابون ثم يتزوجون ولكن ما هو الحب؟ لم يعرف واحد منهما إنما قد عرف ~~الرغبة، فكان الزواج، ثم كان لهما أطفال وكان الأطفال يموتون الواحد ~~تلو الآخر فلا يحسان لذلك ألما ولا حزنا إنما هو شيء جاء فما فرحوا ~~به ثم ذهب فما حزنوا عليه، ويريان الناس من حولهما يحزنون ويريانهم ~~يدمعون ويبكون لمصابهما فيعجبان من الناس. # وتمر الصور أمامهما كثيرة متلاحقة فهما يريان الناس تفرح وتحزن وتغضب ~~وتنبسط وتتألم وتصح وتشقى وتسعد ويريان الحياة أمامهما تضطرب وتموج ~~بهذه الإحساسات والمشاعر، وهما عنها بمنأى، بعيدان عن كل ما تزخر به ~~فيثب خاطر واحد إلى رأس كليها فما يلبثان أن يذهبا للعالمين فيقول ~~الفتى: قلتما لنا أنتما اللذان سعيتما لمجيئنا في هذا العالم. ~~- نعم. ~~- فنحن نريد أن تخرجانا منه كما أدخلتمانا فيه. ~~- ولماذا؟! ~~- لأننا نعيش فيه ولا نحبه لأننا نأكل كما يأكل الناس، ونشرب كما ~~يشربون ونتعاشر كما يتعاشرون ولكننا لا نحس كما يحسون، إننا مشتاقان ~~إلى الإيمان، إلى السعادة، إلى الشقاء، إلى الألم، إلى الفرح، إلى ~~الحزن، إلى كل هذا الذي نراه يضطرب في إحساس الناس ولا يضطرب في ~~أجسامنا، لأننا لا إحساس لنا. نريد أن نموت، ليس هذا العالم لنا، إننا ~~هنا غلطة، إننا هنا سخرية، لقد أراد الله أن يسخر منكما فكنا نحن، ألم ~~تقولا إنكما حاولتما أن تصنعا مثلنا فما أفلحتما؟ نحن سخرية العالم ~~منكما، ألم تقولا إن من يموت يختاره الله إلى جواره؟ نريد أن نذهب إلى ~~هذا الجوار فهناك سيعطينا الله ما حرمنا منه هنا. # ويقول أكبر العالمين: ولكننا لا نستطيع، إن موتكما ليس من ~~عملنا. ~~- ولماذا؟! إن الذين تقولون عنهم إنهم مجرمون يقتلون في كل يوم ~~فاقتلانا مثلما يفعلون. ~~- إننا لسنا ms65 مجرمين. ~~- بل أنتما أشد إجراما منهم، ألم تفكرا حين قمتما بتجربتكما، أي شيء ~~هذا الذي تفعلان وتزعمان أن لكما قلوبا، وتزعمان أن لكما إحساسا، ~~إننا نحن - ونحن بلا قلب ولا إحساس - نفكر في العواقب، أما أنت أيها ~~العالم العبقري فلم تفكر في مصير إنسان ليس بإنسان؟ لقد أراد الله أن ~~يسخر منك فكنا نحن، فاقتلانا. ~~- لا نستطيع. ~~- إذن نقتلكما نحن. # وأخرج الفتى من جيبه سكينا وأراد أن يطعن به العالم الكبير ولكن ~~كان يعرف ما ينتويان، فسرعان ما يخرج غدارته وسرعان ما يسقط ولدا ~~القوارير صريعين مضرجين بدماء هي في أصلها تنتسب للإنسان وإن كانت قد ~~ربيت في بيت من زجاج ليس فيه من الإنسانية عرق، وتمت كلمة ربك واختار ~~الفتى والفتاة إلى جواره وتكسرت القوارير، فالرحم وحده هو الذي اختاره ~~الله ليخرج منه الحياة، والروح - قبل - من عنده سبحانه، هو ~~الله. # | سماء ولا أرض # تأهبت الجيوش لحرب، ولم يطمئن الملك إلى قواده؛ فهو يشرف على كل ~~شأن. ولا حديث له إلا الجيش وما اكتمل من عدده، وعتاده، والمدينة قائمة ~~لا تعرف قرارا، والناس مضطربون، فمن لا يذهب منهم سيقدم ابنه أو ~~أخاه أو أباه، يدفعون ضريبة الدم للوطن والدين، والألسنة كلها تدور في ~~أفواه أصحابها لا حديث لها إلا هذه الحرب، والأعين كلها هالعة، خائفة، ~~فهي تتجه إلى السماء داعية في خضوع، راجية في إلحاح، ثم ترتد إلى الأرض ~~وقد هدأ هالعها واستقر مضطربها، ولكن إلى حين قريب، ثم ما تلبث أن تتجه ~~مرة أخرى إلى السماء، وهكذا تظل مترددة بين لطف السماء، ورهبة الأرض، ~~والجيش لاه عن هؤلاء جميعا، إلى الإعداد، والتفكير فيما يحتاجه في ~~تلك الرحلة التي قد تطول حتى نهاية هذه الدنيا، وقد تقصر فهي إذن سنة ~~أو بعض السنة، يلاقون فيها الموت ويخادعونه عن أنفسهم، ويقودونه إلى ~~أعدائهم، والنساء باكيات، والقليلات منهن القليلات يقفن إلى جانب ~~أزواجهن يلهمنهم العزيمة، ويوحين إليهم بالمصابرة، مصابرة النفس، ~~ومصابرة العدو، ومصابرة الزمن. # ويصل الوحي إلى نفوس البعض، أو هو ms66 يرتد عن النفوس الخائرة التي تذهب ~~إلى الحرب لأنها لا تملك إلا ذهابا، ولعل ذلك الوحي يصل إلى نفوس بعض ~~الجند فيجد ألا عمل له في هذه النفوس فهي مليئة بالإيمان، مفعمة ~~بالثقة، وهبت نفسها لله وفي سبيله تحارب. # وكان في المدينة شاعر، أراد أن يذهب إلى تلك الحرب؛ فقد كانت العقيدة ~~تملأ جوانب نفسه، وقد شب لا أمل له إلا أن يحارب أعداء الله في سبيل ~~الله، وقد كان الشاعر يعرف طريقه إلى قصر الملك، بل كان يعرف طريقه إلى ~~جلسة الملك ذاتها، فهو يذهب إلى هناك ويجلس، وما هي إلا لحظات حتى ~~ينتهي الملك من أوامره التي كان يصدرها متلاحقة قاطعة؛ فقد كان الجيش ~~في سبيله إلى الرحلة إذا ما أقبل الصباح. # ويقف الشاعر فيلقي قصيدة رائعة، ثم هو يسأل الملك أن يسمح له بالذهاب ~~مع الجيش فيقول له الملك: ولكنك الشاعر الفرد، لو فقدناك وجدنا لك ~~عوضا. ~~- أبقاك الله يا مولاي، أيمنعني هذا حقي؟! ~~- وأنا أخشى عليك. ~~- أتخشى علي الموت يا مولاي ولا تخشى قولهم، قد جبن حين نفر الناس ~~إلى الجهاد، وخاف حين هم القوم إلى النضال. ~~- إنك يا أخي لتقول الشعر فتهب النفس الخائرة قوة، وتلهم الروح ~~الناكصة إقداما. ~~- شكر الله لك يا مولاي، فأين يكون مكاني إذن إن لم يكن بين قوم ~~يناضلون، قد يتعرض لهم الموت فيصيب من عزيمتهم، ألا أكون أنا أجدر ~~الناس بالذهاب إلى الحرب فأرد خوفهم شجاعة، وتراجعهم إقداما. ~~- لكم أتمنى أن تبقى، ولكنى لا أملك أن أبقيك فإليها أيها الشاعر، ~~إلى حيث تريد لنفسك، وإلى حيث تريد لك نفسك من شوق، أما اليوم فإننا ~~سنريح أنفسنا، من عناء ما كنا فيه، ونهيئ أرواحنا لما ستقدم عليه بليلة ~~بيضاء، ينيرها الأمل في المستقبل والإيمان بالله، وما لا يغضبه ~~سبحانه. # كان هذا النقاش يدور وقد جلست الجاريات ينتظرن انتهاءه حتى يقمن ~~بالغناء، وكان من الجاريات بثينة، وكان شاعرنا يحب هذه الجارية حبا ~~بعيدا عن الأمل؛ فهو يعلم أن فقره يقصيه عن ms67 بثينة، وهو يعلم أن لها في ~~القصر مكانا، وأن لها في قلب الأمير مكانا. # ولكن هذه الهوة البعيدة لم تمنع أحلامه أن تجمع بين أسوار عقله، وأن ~~للأحلام جموحا إلى المحال، ولا بأس عليها، فما هي إلا سرحه ثم تصبح ~~تلك الأحلام هباء لم يعرف بجموحها إلا صاحبها، وإنه لكاتم سرها لم ~~يسمح لها يوما أن تذيع، وهكذا كانت تثور أحلام شاعرنا شهاب به فتفكر ~~في تلك السعادة التي قد تتهيأ له لو أن حبا مثل حبه وقع في قلب ~~بثينة. # كانت بثينة إذن بين الجاريات، وسمعت ذلك النقاش بين الأمير والشاعر ~~فاشتد إعجابها بالشاعر؛ فهي تعرفه شاعرا ينشئ القصائد الرائعات، وهي ~~تعرفه ينسج المعاني الخالدات، ولكن لم تعرفه رجلا يبتكر الكريمات من ~~الأخلاق، ويبتدع العظام من التضحية. # وكانت ليلة ثم كانت الحرب، فذهب إليها شهاب وأحلامه ما تزال تجمح به ~~فيرد جماحها، وبقيت بثينة وإعجابها بالشاعر قد يصبح بجانبه إعجاب ~~برجولته. # ويند في الجيش إلى الحرب، ويحمى الوطيس، وتهم الهزيمة أن تحيق بجيش ~~شهاب فما يمنعها عنهم إلا الليل، الذي يرغم الأعداء أن يرتدوا إلى ~~خيامهم قبل أن يتم النصر لهم، وإن كانوا قد وثقوا منه يكادون يحسون به ~~بين أيديهم. # ويعود جيش الملك إلى جراحه يداويها، وقد انكسرت العزيمة وخارت ~~النفوس، وأصبحوا ولا أمنية لهم إلا أن يرجعوا إلى ديارهم بتلك الفلول ~~التي أبقى عليها الليل، ويرى الشاعر ما ألم بجيشه فيعرف أنه قد آن ~~للسانه أن ينطلق ليرد النفوس الخائرات إلى شجاعتها، ويعيد الأفئدة ~~الهالعة قوة واندفاعا، ويذكر بقية الجيش الهزيم أن الجنة تنتظر ~~القادمين، وينطلق شهاب يخطب ولم يكن حوله حين بدأ إلا شرذمة ضئيلة ~~استطاعت أن تخلص من أحزانها وخوفها لتقف قليلا إلى ذلك الفتى الذي ~~استطاع أن يملك زمام نفسه؛ فهو يدير الحديث في براعة وهو يبتكر المعاني ~~النافذة آخذة سبيلها في قوة إلى قلوبهم، ولم تلبث هذه الشرذمة أن اتسعت ~~حتى أصبحت تضم الجيش كله، وإذا الجيش لا يطيق أن يبيت ليلته على ms68 ~~الهزيمة فهو يندفع في قوة عبقرية إلى الأعداء وكأنما هو جيش جديد غير ~~ذلك الذي كان منذ صدر الصباح إلى غسق الليل، فهو إذن لم ينهزم، وهو إذن ~~لا يعرف إلا أن الأعداء على مرمى القوس منه، وإنه ليس بينه وبين الجنة ~~إلا أن يهزم هؤلاء الأعداء أو يموت. # ويندفع الجيش وصيحات شهاب ما زالت تدوي في جميع قلبه، وكانت جيوش ~~الأعداء تحتفل بالنصر الذي أصبحوا منه أقرب من هذه الأرض التي يجلسون ~~إليها. وكان احتفالهم بالنصر خمرا معتقة تدير الرءوس التقت بها نشوة ~~معربدة في نفوسهم من فرحة النصر. # وهكذا التقى جيش المسلمين يدفعه الحرص على الجنة، وجيوش الأعداء يقعد ~~بهم الحرص على الأرض، التقت السماء والأرض، والحق مدعما قويا، ~~بالقوة سكرانة لاهية، التقى الجمعان فكان نصر المسلمين حلما كاملا، ~~وما إن انبلج الصبح حتى كانت جيوش الأعداء تولي الفرار، وكانت جيوش ~~المسلمين تتأهب للعودة إلى بلادها، النصر فيها، والفرح يحيط بها من كل ~~جانب. # وجلس الملك إلى قواده وعرف منهم ما كان من أمر شهاب وخطبته، فهو يرسل ~~في طلبه فما يلبث أن يجيء فيقول له الملك: هيه يا شهاب لقد كان والله ~~لسانك أقوى من الجيش. ~~- بل كان إيماني يا مولاي أقوى من العالم. ~~- أريد يا شهاب أن أكافئك. ~~- إنما لا يكافأ المرء لمثل هذا يا مولاي، لقد كانت مكافأتي في العمل ~~الذي أقوم به؛ فقد كنت أحس وأنا أخطب قومي وأرى استجابتهم أنني أسعد ~~الناس جميعا، ولن تستطيع يا مولاي أن تهب لي مثل هذه السعادة، أجل يا ~~مولاي كان عملي نفسه هو المكافأة التي أتمنى أن أنالها. ~~- هو ما قلت يا شهاب وإنما أريد أن أعبر لك عن إكباري، ولن يكون هذا ~~التعبير إلا هدية. ~~- وإن رجوتك أن تعفيني من قبولي الهدية. ~~- أمرتك أن تقبلها. ~~- وما لي إلى رد أمرك من سبيل يا مولاي. ~~- قد جعلت لك قطعة من الأرض، تلك التي تجاور بيتك، وجعلت لك بثينة ~~جاريتنا، هي لك هدية. ~~- من يا مولاي؟! ~~- بثينة ms69 . ~~- تقصد ذلك القوام الأهيف، هاتين العينين الصافيتين، هذا الفم ~~الملائكي، هذا الشعر الأليل، هذه ... ~~- أجل إنها هي ومنذ الليلة هي ملكك. # ويخرج الشاعر من ديوان الملك، وقد ملك الغنى فما فرح به وملك بثينة، ~~فهو لا يدري كيف يشكر الله على ما أنعم، ثم هو ما يلبث أن يحسب كل ما ~~كان من أمر الملك وأمره حلما من تلك الأحلام الجامحة التي تثور به؛ ~~فهو ينظر إلى الأوراق بيده فيرى فيها أن بثينة قد أصبحت على خالص ملكه، ~~يراه حقيقة في يده لا تحتمل تكذيبا فيضع الورقة في جيبه، ولكن هيهات ~~لها أن تستقر فهي خارجة بعد برهة إلى يده وعينيه، وهكذا تظل الورقة بين ~~طي المصدق ونشر المكذب حتى يصل شهاب إلى منزله فيهيئ أجمل ما يهيأ ~~منزل، هذا الحلم الجامح الذي أصبح حقيقة يراه بعينيه ويلمسها بيده بل ~~يكاد يلمسها بفؤاده، ويبحث عن حديث ويطول البحث والجارية صامتة تنتظر ~~ما تنفرج عنه هاتان الشفتان اللتان أصبحتا تتحكمان في كل خطوة كتب ~~عليها أن تمشيها، وأخيرا تنفرج الشفتان، شفتا شهاب فهو يقول: أتراك ~~تعذرين فقري وتنظرين إلى غدي، أعلم أن الفارق بين ما كنت فيه وبين ما ~~أنت فيه كبير، هل تعذرين؟ ~~- يا لخيبة الأمل! حتى الشعراء ينظرون إلى الأرض، ليس الفرق في ~~المكان يا سيدي. ~~- يعلم الله أن مكانا أنت فيه هو الجنة، ولكني أردت أن أنظر من ~~عينيك. ~~- أو هكذا تبصر عيناي؟! ~~- هكذا تبصر عيون النساء. ~~- بل قل هكذا تبصر عيون الإماء. ~~- أنا لم أقل ... ~~- تريد أن تقول ... ~~- أحسابا على خافية الصدور؟! ~~- وهل الشاعر إلا صدره وما يخفي؟! ~~- أو شاعرة أنت؟! ~~- بغير شعر. ~~- وكيف؟ ~~- ليخيل إلي أنك لست الشاعر، هل الشعر عندك هو تلك الألفاظ المرصوفة ~~على وزن، منتهية بحرف متحد، ما أشبه الشعر إذن بطريق مرصوف تحده الحدود ~~المستوية. ~~- بل الشاعر هو تلك الروح العالية، ترفع عن الناس عبء التعبير عن ~~آلامهم وأفراحهم فتطلقها لهم في النغمة المتسقة واللفظ الكريم، الشاعر ~~روح. ~~- فأين هي فيك؟! ~~- أفقدتها ms70 ؟ ~~- فإنني والله لأجدها في شعرك فألتذها، وأفتقدها من شخصك ~~فأفقدها. ~~- أفقدت الروح! ~~- بل فقدها كلامك. ~~- كأنك لا تعرفين المحب إن لاقى الحبيب! ~~- فأين المحب وأين الحبيب! ~~- فإنني أحبك. ~~- أو رأيتني؟ ~~- مرات. ~~- بين الجواري؟ ~~- وما في ذلك؟ ~~- فأنت تحب مني تناسق الوجه وانسجام القوام. ~~- وما في ذلك أيضا؟! ~~- أو هكذا يحب الشاعر؟! ~~- فكيف يحب الشاعر؟ ~~- يحب الروح السامية لا الجسم الممشوق، يحب التفكير الرفيع فيمن ~~يحب. ~~- أو تفقدين الروح السامية، والتفكير الرفيع! ~~- لئن كنت أفقدهما فأنا لا أعترف. ~~- فإنني أراهما. ~~- كيف وأنت لا تكلمني إلا اليوم. ~~- أو يحتاج الحب إلى أيام؟ ~~- بل إلى سنين. ~~- أي حب ذاك؟ ~~- الحب الأصيل! ~~- أو عرفته. ~~- عرفته. ~~- لغيري؟ ~~- لغيرك. ~~- وتريدين أن أتركك له. ~~- لم أقل. ~~- ألا تطلبين كثيرا. ~~- إذا كنت إنسانا ككل الناس فالطلب فادح، ولكنك الشاعر. ~~- ولكني أحبك. ~~- خيال، لو لم يهبني الملك لك ما أحببتني. ~~- أنت الوهم الذي أجسمه كلما تخيلت الحبيب. ~~- فأنت مخطئ، ما هكذا يكون الحب، ما هكذا يحب الشاعر! ~~- أليس الشاعر إنسانا! ~~- بل هو الإنسانية في أرقى مدارجها، وما هكذا يحب، إن كان حبك لي ابن ~~نظرة فما أشبهك بالحيوان يختار زوجة عندما ينظر إليها، ولكن الإنسان ~~يختار حبيبه باتفاق الروح وانسجام الود، واتحاد المثل الرفيع. ~~- وحبي لك. ~~- وهم. ~~- أحبك، ولكن من ذلك السابق؟ ~~- فتى ككل الفتيان، ولكني أحبه، عاهدته وعاهدني فما حنث وما ~~حنثت. ~~- أتحبينه وأنت لا تملكين نفسك. ~~- لقد كنت عند مالكي سلعة يشتريها ويهدي بها، أو يبيعها وله علي حق ~~الطاعة، ولكن قلبي لم يخطفه الخاطف بعد، وما اشتراه مني أو من خاطفي ~~أحد. ~~- ولكن الفتى خطفه منك. ~~- بل أهديته إليه حبا بحب. ~~- فان تبين لك أنه كاذب. ~~- أعرض عنه، وأحبه. ~~- والجرح. ~~- أضم نفسي عليه، وأمنعه أن يلتئم فهو بقية حب كريم. ~~- أتأذنين لي في الخروج. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى حبيبك. ~~- أو تعرفه؟ ~~- نعم. ~~- (ضاحكة) فما اسمه؟ ~~- المحب المخلص. ~~- وما أدراك أنه مخلص! ~~- ليس في العالم إنسان يحبه كل هذا الجمال بكل هذا الإخلاص ولا يخلص، ~~ولا يوجد غير ms71 مخلص واحد هو من تحبين. ~~- فأنت تبارك هذا الحب! ~~- إنما الإنسانية هي التي تباركه. ~~- فأنت تعتقني؟! ~~- وهذه أوراقك. ~~- فأنا حرة؟! ~~- ليس لمثلك الرق. ~~- فضل لا أنساه. ~~- أنت صاحبته، لقد عرفت منك - وأنا الشاعر - الحب كيف يكون؟! # ولا تنتهي الليلة حتى يكون فتى بثينة قد جاء إلى بيت شهاب ويتم زواجه ~~بها ويخرجان، نعم لم يكن الأمر غير حلم جامح من تلك الأحلام الجامحة ~~التي تعربد في ذهن شهاب، وإن يكن في هذه المرة قد خرج إلى عالم محسوس ~~حقق به سعادة اثنين ثم عاد حلما، كما كان يربط إليه ذكريات فيها ~~السعادة، سعادة النفس الكريمة تقدم الخير، وفيها الشقاء، شقاء الروح ~~الشاعرة تحرم ممن تحب، ولكنه على الحالين حلم فرحان بالسعادة والشقاء ~~جميعا، اطمأن إلى صاحبه فضمه بين أحناء كريمة تزف إلى السماء فما تعرف ~~الأرض. # | الرحمة القاسية # دخل الساعي إلى لطفي أفندي يحمل إليه ظرفا من النوع الرخيص الذي ~~يلاقيك به أطفال الطريق، وقد كتب عليه الاسم «لطفي عبد الكريم» في ~~حروف واضحة وأن كانت شوهاء. # وتناول لطفي الخطاب دون أن يلقي إليه اهتماما، وألقاه إلى جواره ~~ريثما ينتهي من الأعمال التي لا بد له أن يقوم بها واستقر الخطاب في ~~موضعه ينتظر لطفي أن يفرغ. # وفرغ لطفي من أعماله، وكاد ينسى الخطاب، لولا أن مرت بأذنه كلمة ~~«البوسطة» ألقاها أحد زملائه إلى آخر فتذكر تلك المهمة التي أدتها له ~~البوسطة في صباحه هذا وتذكر ذلك الخطاب الملقى إلى جانبه، فأخذ يبحث ~~عنه حتى وجده، وراح يفتحه في كسل وهو لا يفكر فيما قد يحمله إليه ~~الخطاب، ولا يحاول حتى أن يخمن فيمن يكون مرسله! # وانفتح الخطاب أخيرا وبدأ لطفي يقرأ، ثم ما لبث ريقه أن جف وراح ~~قلبه يخفق في وجيب متدافع صاخب، وتولت يديه رعشة ثائرة، وعلا وجهه شحوب ~~قانط أصفر، وانبعثت على جبهته قطرات من الماء، فما يدري أألقتها على ~~جبهته يد صديق، أم ثورة الدماء في عروقه؟ أصبح لطفي في ومضة عين ~~إنسانا منفصلا عن ms72 العالم الذي يحيا فيه فهو لا يحس من حوله شيئا ~~وإنما هو بجميعه يحيا في هذا الخطاب الرخيص الذي لقيه هذا اللقاء ~~الفاتر. # لقد كان هذا الخطاب الحقير يحمل أمرا كبيرا. # وضع لطفي الخطاب أمامه وطلب إلى الساعي أن يحضر له كوب ماء، وانتظر ~~حتى شربه وأغمض عينيه قليلا ثم عاد إلى الخطاب ثانية يقرأ، لا، لم يفد ~~كوب الماء، ولم تجد هذه الإغماضة التي أصابها. فالخطاب ما زال يحمل ~~نفس الكلمات، أو ما زالت هذه الكلمات تؤدي نفس المعاني، وإنها لمصيبة! ~~زوجته خائنة! سميرة التي بذل لها أجمل أيام الحياة والتي ضمتها وإياه ~~أحلى الأوقات، عرفها وهو لم ينته بعد من دراسته فكانت له في هذه ~~الأيام إشاراته تضيء له الطريق إلى المستقبل، وعرفته هي حين كانت ~~آمالها في المستقبل حائرة مضطربة فوجدت فيه مرتعا لآمالها وتجسيما ~~لأحلامها، والتقت الآمال منهما والقبول من أسرتيهما، فكان ~~الزوج. # ومشت بهما الأيام، لا يفكر يوما أنه أساء إليها، ولا يذكر أنه مس ~~كرامتها في شيء. نعم إنه يسمع عن هؤلاء الأزواج الذين يقبلون زوجاتهم ~~كلما أصبحوا أو أمسوا، ويسمع عن هؤلاء الأزواج الذين لا يخرجون من ~~بيوتهم إلا إذا وقعوا بشفاههم على وجوه زوجاتهم ولا يرجعون إلى ~~بيوتهم إلا وقعوا مرة أخرى، ولكنه لم يأت مثل هذه السخافات وكيف ~~يقبل أن يجعل من وجه زوجته دفتر حضور وغياب! مثل ذلك الذي تلزمه وظيفته ~~أن يوقع عليه داخلا وخارجا. وهو يسمع عن الأزواج الذين يدللون ~~زوجاتهم فيمتدحون ثيابهن مهما تكن ثيابهن تلك، ويمتدحون عقصة شعورهن ~~على أية ناحية عقصن ذلك الشعر، ولكنه هو لم يفعل مثل ذلك مع ~~زوجته. # لا، إنه لم يكن يدلل زوجته ولم يكن يقبلها مصبحا وممسيا ولم يكن ~~يمتدح ثيابها وعقصة شعرها، لقد كان يحترمها، وهو يعتقد أنها ترضى منه ~~بذلك الاحترام فهو يعرف عنها الذكاء الذي لا يقبل الملق، والحصافة التي ~~تأبى السخافات. نعم إنه يلحظ أنها كثيرا ما كانت تغير الطريقة التي ~~تصفف بها شعرها؛ فكانت تجعله ms73 كذيل الحصان حينا، أو كانت تلمه في دائرة ~~مكتملة وراء رأسها ولكنه لم يكن يلقي إلى هذه التصفيفات بالا، ولم ~~يهتم إذ ذاك أن يمتدحها لها، أو يذكر عنها شيئا بخير أو شر؛ فقد كان ~~يحب سميرة، سميرة التي عرفها يافعا يدرج إلى الشباب وشابا يصعد إلى ~~المستقبل. وسميرة عنده أكبر من عقصة الشعر، ومن تغيير الثوب، ومن كل ~~مظهر تتخذه، إنه يحب كيانها الذي أحبه يوما وما زال. # أحب سميرة التي فضلته على جميع من سعوا إليها خطابا، والتي ~~اختارته بقلبها وعقلها من بين الكثيرين الذين تقدموا لخطبتها حين كان ~~هو يكمل دروسه بالجامعة! سميرة التي رفضت هؤلاء لتنتظره. حتى لقد رفضت ~~ابن عمها نفسه وهو الشاب الواسع الثراء، الجميل، الأنيق، نعم لقد رفضت ~~محيي الأدهم بكل ثرائه وجماله وأناقته لتختاره وهو، محيي الأدهم، ألا ~~يكون محيي هو من أرسل ذلك الخطاب، وما له لا يكون، وما الذي يمنعه؟ إنه ~~شاب حقير وإن يكن ثريا، ألم يجمع ثراءه من التجارب القذرة التي ~~تستخفي من القانون والتي يعظم فيها الربح لعظم المخاطرة التي تحيط ~~بها. # نعم إنه محيي الذي أرسل الخطاب. ومن يكتب هذا الكلام الحقير إلا حاقد ~~حقير جاهل، ويعود لطفي إلى الخطاب مرة ثانية: «زوجتك تخونك، رجل يأتي ~~إلى منزلك كل يوم، بعد خروجك. اسأل زوجتك عن هذا الرجل، مخلص.» ومن ~~يكون المخلص إن لم يكن محيي، إنه مخلص للشر الذي يغتلي بنفسه، والحقد ~~الذي يشتعل بقلبه منذ رفضته ابنة عمه حين تقدم لها وهو يعتقد أن ثراءه ~~لا يجعل لفتاة فرصة لتتردد في قبول الزواج به. إنه محيي، من أرسل ~~الخطاب وإنه لكاذب. وحينئذ أحس لطفي بعض الراحة تعاوده. # وأخيرا يعود رويدا رويدا إلى تلك الحياة التي انفصل عنها منذ قرأ ~~الخطاب. ثم أخذ يلوم نفسه على ذلك الشك الذي ساوره في زوجته الحبيبة ~~المخلصة، وأحس أنه بلومه هذا لنفسه يعيد إلى قلبه الطمأنينة التي طارت ~~منه، ويقر في نفسه الهدوء الذي زايلها، ثم جاوز تأنيب نفسه ms74 إلى السخرية ~~منها، كيف يمكن أن يشك في سميرة ألا ما أضعف ثقته؟ أيكفى خطاب أحمق ~~رخيص من ذلك النوع الذي يلاقيك به أطفال الطريق حتى تتزعزع ثقته في ~~زوجته الوديعة، الأمينة! وأي رجل ذلك الذي تقبل سميرة أن تخون زوجها ~~معه، إنه لا يرى فيمن حوله رجلا يستحق العناية من سميرة، أتراه مثلا ~~ذلك الرجل الذي اتخذ المسكن المقابل لمسكنه؟! ذلك الرجل ذو الزوجة ~~الدميمة الغنية، ولكن أي شيء فيه يعجب سميرة! ألأنه يمتدح ثوبها وتصفيف ~~شعرها وحسن اختيارها لحذائها وانسجام الحذاء والحقيبة؟ ألأنه يلقي هذه ~~الكلمات التافهة ينال الرضى من سميرة فتخون زوجها الذي تحققت فيه ~~آمالها واستقر مستقبلها. لا، لا يمكن أن يكون الرجل هو ذلك الساكن ذو ~~الزوجة الدميمة، إنه ليس الرجل وليس أي رجل آخر وإن سميرة ~~لعفيفة. # وما إن بلغ لطفي بتفكيره إلى هذا القرار حتى دعاه التليفون، من؟ ~~حمدي أفندي أبو سميرة مات، مات؟ كيف؟ كيف مات؟ وهل يحتاج الموت إلى ~~إنذار؟ مات، فمن لسميرة بعده، لا أحد، لم يبق لها في هذه الدنيا ~~العريضة غير زوجها، كيف يبلغها الخبر؟ لقد كانت تحب أباها إلى أقصى ~~غايات الحب، كانت ترى فيه حياتها جميعها، فقد حرمت أمها وهي طفلة ما ~~تزال، فكان الأب منها أبا وأما. ولكم ألحت عليه أن يقيم معها حين ~~تزوجت وكم ألح هو عليه ولكنه أبى ذلك، وصمم على أن يعيش وحده لا ~~يعينه إلا معاشه الصغير، مسكينة سميرة، كيف يبلغها الخبر؟! # ذهب إلى منزله وفتح الباب ودخل، ما هذا المعطف؟ إنه يعرف هذا المعطف، ~~إنه معطف الجار الجديد. إذن فقد كان الخطاب صادقا، إذن فسميرة خائنة، ~~يقصد لطفي إلى غرفة النوم ويهم أن يدخل ولكن ما تلبث يده أن تتجمد ~~مكانها، ماذا ينتظر أن يرى؟ وماذا تراه فاعلا إن رأى ما يتوقعه. ومرت ~~بذهنه أمثال تلك المشاهد التي قرأ عنها في الروايات والتي شاهدها في ~~السينما، والتي تصور الزوج المخدوع. إذن فهو الزوج المخدوع! لماذا؟ ~~لماذا تخدعه زوجته؟ وثاب ms75 لطفي إلى موقفه عل باب المخدع وقد تجمدت يده ~~في منتصف طريقها إلى مقبض الباب، ثم ما لبث أن ترك مكانه وخرج هاربا ~~من البيت إلى حيث لا يدري وإنما هي خطوات تسوقه إلى مجهول من أمره ~~وطريق يسير به ولا يعني منه شيئا. لقد عاش طول عمره متكبرا عن ~~الصغار، عفيفا عن مزالق الشباب، تأبى عليه كرامته أن يستخفى كما ~~يستخفى إخوان شبابه، وما كان يمنعه عن ذلك إلا كبره واعتداده بكرامته، ~~ثم ها هو ذا وقد أصبح على يد زوجته سميرة بلا كرامة على الإطلاق، ماذا ~~يفعل؟ أيطلقها؟ فيعرف الناس جميعا بزوال كرامته؟ أيقيم معها في منزل ~~واحد فيظل أمام نفسه بلا كرامة؟ أي الأمرين أكثر أهمية؟ أن يكون أمام ~~الناس بلا كرامة أم أن يكون أمام نفسه بلا كرامة؟ وما الكرامة؟ أليست ~~هي أقوال الناس ورأيهم؟ إذن فليبق حينا ثم يصطنع غضبة ويطلقها، ولكنه ~~لا يطيق أن يرى تلك الزوجة الخادعة فكيف يحيا معها يضمها بيت، بل وحجرة ~~وفراش؟ أما الفراش فلا. فسينفصل عنها، والحجرة أيضا، إنه سينام منذ ~~اليوم في الحجرة التي كانت مخصصة لأبيها حين كان ينام بها في زيارة. ~~وعلى ذكر أبيها، إنها لم تعرف بعد ما أصابها في أبيها وكيف كان يمكن أن ~~ينبئها؟! وعلى ذكر أبيها أين تذهب سميرة إن هو طلقها اليوم؟ إلى الشارع ~~فتعيش في البؤرة التي صنعتها هي لنفسها؟ لكن لماذا خانت؟ أيرضى أن يترك ~~امرأة وحيدة بلا أب وبلا عائل في الطريق وحدها بلا معين؟ نعم يرضى، ~~ولكن أليست هذه أنانية منه. إذن يظل معها طول عمره؟! طول عمره مع ~~خائنة، خائنة دون أن يعرف سببا لهذه الخيانة ومع من، مع رجل لا يحسن ~~من أمور الدنيا شيئا إلا أن يمتدح عقصة الشعر وقماش الفستان ولون ~~الحذاء، وطراز الحقيبة، إذن فماذا يفعل؟ أيلقي بعمره جميعه لامرأة ~~تافهة تصدق التعلق الكاذب مع عابر سبيل؟ نعم سيفعل. لقد طالما تغنى ~~بالمثل العليا فليكن هو مثلا أعلى في، في ماذا؟ نعم ms76 إن الناس سينظرون ~~إليه في مثله الأعلى على أنه مغفل خانع غبي، ولكنه هو سينظر إلى نفسه ~~على أنه رجل ضحى بكرامته ليستر زوجته ويحميها من طريق موحش تسير فيه ~~وحدها تفترسها ذئاب الطريق وضواريه، فتقع يوما في يد ذلك الجار وربما ~~في يد ابن عمها محيي الذي أرسل إليه هذا الخطاب، ويل له من ذلك الخطاب! ~~لم يكن الخطاب هو السبب في ذهابه إلى المنزل وإنما موت حميه. نعم، لقد ~~مات حموه فلم يبق لزوجته إلا هو وسيظل لها وسيضرب عليها نطاقا من ~~الرقابة فلا تتنفس إلا وهو على علم بأنفاسها. # اتخذ لطفي قراره هذا وهو يحس بهول هذا القرار، فعاد أدراجه إلى بيته ~~يحاول أن يخفي النار الهائجة في صدره ولكنها تتوقد وتشتعل فعيناه ~~حمراوان، ووجهه مضرج باللهب وأنفاسه شعل. ويلتقي بزوجته فيكاد يصرخ في ~~وجهها بما كشفه من خيانتها، ولكنه يجد خبر موت أبيها قد غلب عليه فيقذف ~~به في وجهها قذفا وتنهار سميرة فلا يدركها وإنما يصدر أوامره صارمة ~~قاسية، وكأنما يشفى بما يعتريها من ذهول حزين جازع، وتذهل سميرة من ~~موقف زوجها ذهولها من موت أبيها، ولكنه لا يحفل بذهولها هذا وإنما يدخل ~~إلى غرفة النوم فيأخذ حاجياته منها ويخرج بها إلى الغرفة الثانية؛ ~~فيزداد ذهول سميرة ولا تجد الوقت مناسبا لتسأله عن تصرفه الغريب هذا! ~~ولكنها في غمرة حزنها لا يفوتها أن تدرك أن شيئا خطيرا طرأ على ~~زوجها. # ويمضي ذلك اليوم وتتبعه أيام وتجد سميرة نفسها في موجة عاتية من ~~أوامر زوجها الحازمة الصارمة التي لا تحتمل تعليلا في ظاهرها، وإن ~~كانت في باطنها تحمل الشك الذي يكاد يصل إلى المصارحة. ففي اليوم ~~التالي لانتهاء المأتم أخبرها أنه استأجر شقه في حي آخر، ألقى إليها ~~النبأ دون أن يبدي سببا ودون أن يجعل لها مجالا للسؤال عن السبب. ~~وأحست يومذاك أنه قد يكون متشككا في أمرها. وانتقلت إلى البيت الجديد، ~~كان يخرج إلى عمله ثم يفاجئها في ساعات مختلفة من اليوم ليرى ماذا ms77 ~~تصنع؟ فأحست أن الأمر عنده بلغ مرتبة أعلى من الشك. وأصدر إليها ~~الأوامر ألا تجيب طارقا على باب، فأحست أنه يكاد يكون على يقين من ~~أمرها، وكانت عندهما خادمة واحدة فإذا هي تجد البيت مليئا بالخادمات ~~فأصبحن ثلاث في خدمتها وهي تعلم أنه بخيل لا يحب أن يبذل هذا المال ~~الكثير، فعرفت أنه على يقين من أمرها. وانتظرت أن يفاتحها ولكن الشهور ~~مرت وهو صامت لا يتكلم ويقيم في حجرة غير حجرتها. بل بالبيت ساعات ~~مختلفة من النهار فلم يعد له موعد معين أبدا! هو يعلم إذن أنها خائنة، ~~فلماذا يبقي عليها، إن كبره وغطرسته يأبيان عليه أن يعلن إلى الناس أن ~~زوجته تخونه ولكن، لا، إنها تعرفه، لقد كان خليقا أن يطلقها فور علمه ~~بخيانتها ولكنه لم يفعل، فلماذا؟ لعله يشفق عليها، نعم؛ إن هذا أقرب ~~إلى تفكيره وهو أقرب لما تذكره من تغيره هذا المفاجئ والذي بدأ يوم مات ~~أبوها، نعم إنها تذكرت ذلك اليوم، تتذكره جميعه. # إنه يوهم نفسه الآن أنه يضحي بنفسه ليضمن لها العيش، ولكن أي عيش هذا ~~الذي تحياه في بيت هو السجن، زوجها فيه رقيب وليس زوجا، يرقب أنفاسها ~~التي تتردد في صدرها، يفتح باب غرفتها في المساء ثم يقفله ليرى إن كانت ~~وحدها أم لا، يترك عمله مرات في خلال الأسبوع ليفاجئها من حيث لا ~~تنتظر، يحيطها بالعيون الرواصد من الجواسيس ويطلق عليهم اسم الخادمات. ~~لا، لا يمكن أن تظل على هذه الحياة، ولكن إلى أين؟ # واضطرب لطفي في عمله، وأصبحت الحياة حوله شكا، فحيثما أدار عينيه ~~وجد القلق والحيرة والهلع. يخيل إليه أن جميع من يلقاهم يعرفون أنه ~~زوج مخدوع، يفر من الطريق، يخشى أن يلقى فيه جاره القديم، أو ابن عم ~~زوجته محيي، ويخشى أن يلقى أي جار لمنزله الأول الذي تمت فيه الخيانة، ~~لا يستطيع أن يخلو بذهنه ليفكر في شيء غير الخيانة، لا يستطيع أن يخلو ~~بإحساسه إلى شيء غير الشك، يعزم على السفر ويقطع التذكرة ويركب القطار ms78 ~~ولكن قبل أن يتحرك القطار يكون هو قد قفز منه وسارع إلى بيته، يذهب إلى ~~السينما ويهم بالدخول فيقطع التذكرة ولكنه يسارع بها إلى البيت. # وسميرة لا تخرج من البيت أبدا! بل باقية لا تبرحه، ولكن ماذا تفعل ~~في ذلك البيت؟! إنها تنظفه مرات ومرات ولكنه لا يستغرق مهما تنظفه إلا ~~بعض الوقت ثم تفرغ إلى هذا الشقاء الذي يحيط بها في عودة زوجها ~~المفاجئة، وفي تلك العيون المبثوثة حواليها من خادماتها، وذات يوم ~~تتذكر سميرة أنها لم ترتب أوراق زوجها من زمن بعيد فتدخل إلى حجرته ~~وتفتح أحد الأدراج فيروعها هذا العدد الهائل من تذاكر القطارات وتذاكر ~~السينما وكلها جديدة لم تستعمل، وكأنما تمثلت هذه التذاكر أمام عينيها ~~شقاء زوجها بها ولها. وكأنما رأت في هذه التذاكر السليمة جريمتها وعفو ~~زوجها والعقاب الذي يقع عليها من جراء هذا العفو في لحظة. فلا تكمل ~~بحث الأوراق الأخرى وإنما هي تمسك قلما وتأتي بورقة وتكتب إلى زوجها ~~خطابا. # ويدخل الساعي إلى لطفي بالخطاب يخبره أن خادمته قد جاءت به، ويفتح ~~لطفي الخطاب في لهفة ويقرأ: # أعلم أنك تبقي علي لأنني لا ملجأ لي إذا تركتك، وأعلم أنك ~~تقوم بتضحيتك هذه لترضى بها مثلا أعلى أقمته لنفسك ولكنك نسيت ~~شيئا مهما في تضحيتك هذه، أنا هو ذلك الشيء لقد قسوت أنت ~~على نفسك - ما في ذلك شك - ولكن قسوتك علي أشد وأعظم، أنت ~~قاس علي برحمتك، قاس علي بعطفك، قاس علي بسترك على ~~ما تعلمه عني، أن تكن أنت قد قبلت لنفسك هذه التضحية فأنا لا ~~أقبلها، وإن تكن ظننت الرحمة في نفسك حين تأويني في بيتك، فإني ~~أرى الرحمة بي في أن أترك هذا البيت، إن تكن الرحمة عندك أن ~~تضمنا جدران بيت على كره، فإنني أرى الرحمة بي تتمثل في الفراق ~~بيننا؛ فإني أعلم منذ زمن بعيد أن لا حياة بين زوجين أحدهما ~~خائن، ولا حياة بين زوجين تقوم على العطف دون الحب. اعطف على ~~اليتيم والمقطوع وابن السبيل أما ms79 زوجتك فأحببها أو ~~طلقها. # لن تجدني في البيت حين تعود، وأرجوك أن تعود بعد أن تنتهي من ~~عملك فلم يعد هناك ما يدعوك إلى قطع عملك للعودة المفاجئة فأنا ~~لست بالمنزل. وأرجوك قبل أن تعود أن تمر بالمأذون وتطلقني. أما ~~أنا فسأعمل خادمة، فإن لم أجد عملا سأتسول على أبواب الأضرحة، ~~وثق أنني بهذا أكون قد أنقذت نفسي من رحمتك القاسية. # وقرأ لطفي الخطاب وأعاد قراءته واغرورقت عيناه بالدموع. لقد حاول أن ~~يضحي بشيء لا يمكن التضحية به - كرامته - لم يستطع أن يجعل من نفسه ~~مثلا أعلى، ولكنه سعيد بفشله هذا، سعيد بأنه غير ملزم الآن أن يترك ~~عمله أو يقفز من القطار قبل أن يتحرك، أو يدخل البيت بتذكرة السينما ~~كاملة بنصفيها، إنه منذ اليوم سيمشي في الشوارع مرحا لا يبالي أي ~~إنسان سيلقاه في الطريق، لقد تخلص من العار الذي حاول أن يقيم حوله ~~تضحية ومثلا أعلى. # وتخلص من تضحيته التي كلفته قطعة من حياته، وكانت الأيام فيها باهته ~~حائلة اللون فمنذ اليوم، أهلا بالحياة ووداعا أيتها التضحية. # | عودة السيد سكر # نعم فإن اسمه السيد سكر، والسيد اسم، أطلقه عليه أبوه قبل أن تلغى ~~الألقاب لتحل كلمة السيد محلها، وأما السكر فهو اسم صنعته له القرية، ~~ولم يكن ذلك عن بله من أهلها ولا غفلة، وإنما كان ذلك في الحرب ~~الأخيرة، حين أصبح السكر من المواد التي تشرف الحكومة على التصرف فيها، ~~فلا يعطى إلا بإذن، وتصدى السيد للتجارة ولم يكن له بها شأن، وإنما ~~رأى تجارة التموين رابحة، ففتح دكانا خاصا لتجارة السكر، واستصدر ~~رخصة للتجارة، وهيمن على كل شيء حلو في البلدة؛ فأصبح لا يستطيع أي ~~إنسان في القرية أن يشرب قهوة أو شايا بسكر إلا إذا أذن له السيد، ~~وأصبح لا يستطيع أي إنسان في البلدة أن يصنع فطيرة حلوة أو أرزا بلبن ~~إلا إذا كان صديقا صدوقا للسيد. # وفي القرية كثير ممن حاولوا مصادقة السيد، فأباها عليهم، فلم يجدوا ~~شيئا ينفسون به عن غضبهم ms80 إلا أن يطلقوا عليه «السيد سكر» فصحبه الاسم ~~منذ ذلك الحين، وهو فرح به، راض عنه، يكاد يوقع به ما يضطره الأمر إلى ~~توقيعه، وقد نشأ جيل ما بعد الحرب لا يعرف أن للسيد سكر اسما آخر كان ~~له قبل أن يلتصق به السكر ويصبح جزءا منه لا يتجزأ. # لم تقف تجارة السيد سكر عند السكر وحده، بل تجاوزته إلى مختلف أنواع ~~البقالة، وأصبح كثير الذهاب إلى البندر ليشتري حاجيات دكانه، وكان يذهب ~~في كثير من الأحيان إلى المعلم حسونة وهو من كبار التجار هناك، وكان ~~يشتري منه ما يحتاجه دكانه الصغير من بضاعة. # توطدت الصداقة بين السيد والمعلم حسونة؛ حتى لقد دعاه المعلم إلى ~~زيارة بيته هو في القرية. # ولكنه كان منذ صباه يحب أن يظهر بالغنى والكرم، وقد اقتضاه هذا ~~الكثير من المال، ولم تصده قلة المال عن التظاهر بالكرم والغنى. # وهكذا وجد نفسه آخر الأمر وبعد دعوات كثيرة أجابها للمعلم حسونة، وجد ~~نفسه مضطرا إلى أن يقتطع بعضا من رأس ماله يجدد به منزله ويشتري ~~أدوات مائدة، استعدادا لدعوة المعلم حسونة. # حتى إذا أتم أهبته، تجرأ وتقدم للمعلم حسونة، ودعاه أن يشرف بيته ~~في القرية، هو والعائلة. # وشرف المعلم حسونة مصطحبا معه ابنته وابنه، وكانت الابنة غاية في ~~الجمال، ولم يكن السيد قد رآها قبل يوم دعوته هذه، فما إن رآها حتى ~~بهره جمالها. # وقضى الضيوف يومهم يمرحون، ولكن المضيف قضى يومه خائرا ملتهب الخاطر ~~مشتت الفؤاد مصعوقا بجمال الابنة، سكينة. # وكثرت زيارات السيد للمعلم حسونة، وازدادت الصلة وقويت، والسيد يهم ~~في كل يوم أن يخطب سكينة من أبيها، ثم يمسك بلسانه خجل لا ~~يبارحه. # نعم لم يكن السيد يعرف عن سكينة إلا أنها جميلة، ولكنه أيضا لم يكن ~~يعرف أن هناك شروطا أخرى إلى جانب الجمال، لا بد من توافرها في زوجته، ~~لا، لم يكن يعرف ولم يهمه أن يعرف عن سكينة إلا أنها جميلة، وإلا أنها ~~بنت المعلم حسونة. # وأخيرا لم يطق صبرا فتكلم، ولكنه ms81 لم يكلم المعلم حسونة، وإنما قصد ~~إلى خاله هو: خال. ~~- خير يا ابني. ~~- أريد يا خال أن تخطب لي. ~~- وما له يا ابني ما أحب إلي أن أفعل، أتريد أن أختار لك أم أنك ~~اخترت؟ ~~- والله يا خال أنا اخترت. ~~- من العروس؟ أظنها فاطمة ابنة عمتك، فأنت تميل لها منذ كنتما ~~طفلين. ~~- والله يا خال الزواج قسمة ونصيب، وأنا اخترت من البندر. # وقال الخال ملهوفا: من البندر؟! ~~- نعم يا خال. ~~- يا ابني وما لنا نحن وما للبندر، ألم يعجبك أحد من أقاربك أو من ~~البلد كلها حتى تختار من البندر؟ ~~- والله يا خال القسمة. ~~- وأي قسمة؟ إننا ما زلنا على البر، إن شئت خطبت لك فاطمة. ~~- لا يا خال. ~~- يا ابني بنت البندر لا ترضى عن عيشتنا. ~~- لا عليك يا خال فأظن أنها سترضى؛ فقد جاءت هنا مع أبيها وأعجبتها ~~البلدة. ~~- أمرك يا ابني أخطب لك من تشاء. # وهكذا ذهب السيد سكر إلى المعلم حسونة وقد اصطحب خاله ليكون لسانه - ~~بدلا من لسانه هذا الذي أعيته الحيلة - ويخطب له سكينة. # وتكلم الخال وخطب سكينة في لباقة أدهشت السيد، وتم الأمر في يسر، وما ~~هي إلا بضعة شهور حتى شهدت القرية فرحا رائعا للسيد وهو يزف إلى ~~عروسة من البندر. # واستقرت الحياة بالسيد، وأخذت تجارته تتسع بعد أن أصبح حموه يعينه ~~بالمال والبضاعة، واشترى السيد راديو وأصبح دكانه مجلس الصفوة المختارة ~~من أهل القرية، وكثر عند السيد الإوز والبط والفراخ، وهيأت له سكينة ~~عيشا رضيا، واستطاعت أن تحببه فيها، إلا أن بقاءها في القرية لم يكن ~~يرضيها أبدا! ولكنها لم تشأ أن تفاتح زوجها في ذلك؛ لأنها تعرف مدى ~~تعلقه بالقرية. # وكانت سكينة خليقة أن تظل على صمتها مدة أطول من الزمان، لو لم تظل ~~أمها تستحثها أن تذهب إلى البندر لتكون بجانبها، حتى لم تجد سكينة ~~بدا من أن تكلم زوجها. ~~- سيد. ~~- نعم يا سكينة. ~~- ماذا تنوي أن تفعل؟ ~~- فيم يا سكينة؟ ~~- في حياتك. ~~- وأي شيء يمكن أن أفعل فيها ms82 ؟ ألست مبسوطة؟ ~~- مبسوطة والحمد لله، ولكن ... ~~- ولكن ماذا يا سكينة؟ ~~- ولكن ألا تفكر أنك قد تصبح أبا، ويحتاج ابنك إلى المدرسة. ~~- أحقا ما تقولين يا سكينة؟ ~~- والله لست متأكدة. ~~- على الله يا سكينة. ~~- ليس هذا ما أسألك عنه. ~~- ففيم سؤالك؟ ~~- سؤالي عن مستقبلك، لقد أصبحت تاجرا كبيرا في البلدة. ~~- الحمد لله. ~~- ألا تريد أن تصبح أكبر من ذلك؟ ~~- ومن هذا الذي لا يريد أن يكبر يا سكينة؟ ~~- أنت. ~~- أنا؟ ولماذا؟ ~~- وماذا تنتظر في هذه القرية؟ إنك تاجر كبير مارست السوق وعرفت ~~أسراره وخبرت كل خفية فيه، لعلك تصبح أكبر من أبي نفسه. ~~- أصحيح يا سكينة؟ ~~- طبعا وسأكلم أبي ليبحث لك عن دكان بجواره وتصبح من تجار ~~البندر. # وكان الدكان موجودا؛ فقد أعدته أم سكينة منذ زمن بعيد، وما هي إلا ~~أيام حتى شهدت القرية عربة نقل تحمل بضاعة السيد، وعربة أخرى تحمل أثاث ~~السيد وحقائبه والإوز والفراخ والبط، شهدت القرية أيضا السيد يحمل ~~الراديو معه خشية أن تصيبه العربة بالعطب، كما شهدت القرية أيضا دكان ~~السيد يقفل أبوابه على فراغ فيه، ثم شهدت القرية هذا الموكب ينزح عنها ~~ورأس السيد يتلفت خلفه في حنين، وينظر إلى الأمام في حيرة، وأحس الناس ~~أن السيد يترك الاستقرار إلى حيث الحيرة والدوامة التي لا يعرف لها ~~قرارا. # ونزل السيد في بيته الجديد بالبندر بجوار بيت المعلم حسونة وزار ~~دكانه أيضا فرضي عنه، وبدأ يضع بضائعه. # وواجهت سكينة مشكلة الغذاء، وخافت أن تطلب من السيد نقودا لتشتري ~~لحما وخضرا وخبزا، كما يفعل أهل البندر فقد كانت في القرية تذبح من ~~الفراخ والحمام إذا أرادت أن تأكل لحما، وكانت حديقة المنزل الصغيرة ~~تمدها بالخضر، وكان الفرن يمدها بالخبز. # ولكنها لم تفكر كثيرا، فسرعان ما سحبت السكين، وقصدت إلى حيث انزوت ~~الفراخ والإوز والبط ولكن هالها أن وجدت الفراخ كلها ميتة، ووجدت الإوز ~~والبط يترنح، فأعملت السكين فيها جميعا. # وظل السيد أياما عديدة كلما عاد إلى المنزل وجد زوجته تقدم له الإوز ~~والبط، وعجب من حالها ms83 هذا، ولكنه كان في غمرة من الكساد التي استقبلته ~~به المدينة، فنسي أن يسأل عن هذا الإسراف، نسي هو وظلت الزوجة على ~~عادتها، ولكن التسمم لم ينس أن يسري في الإوز، وكانت ليلة! فقد سعى ~~التسمم أيضا إلى السيد وسكينة، فما استطاعا أن يبلغا بيت المعلم حسونة ~~إلا بشق الأنفس، وسارع المعلم بهما إلى المستشفى، وبقيا بها أياما ~~يدفعان ثمن الأكل الدسم المحلى بالسم. # وعاد الزوجان إلى البيت بعد شفائهما، فوجداه قاعا صفصفا، حتى ~~الراديو لم يبق عليه اللصوص، كل شيء أخذوه حتى بقايا الإوز والبط، كل ~~شيء، لم يبق في البيت شيء. # وفي الصباح الباكر من اليوم التالي شاهدت القرية عربة واحدة تحمل ~~بضائع السيد وحدها بلا حقائب ولا أثاث ولا أوز ولا بط ولا فراخ، وشاهدت ~~القرية السيد يمشي وراء البقية الباقية من بضائعه وزوجته أمامه، ويده ~~فارغة، لا تحمل الراديو. # وبلغ الزوجان البيت، وجلست سكينة على الحصيرة، والتفت إلى ~~السيد. ~~- سيد. ~~- ماذا تريدين؟ ~~- ستصبح أبا يا سيد. ~~- وما له. ~~- أين سألد؟ ~~- هنا، هنا سيولد ابني، وهنا سيتعلم ابني، وهنا سيعمل ابني في الغيط ~~أو في الدكان، أو في أي شيء، ولكن هنا ستكون حياته، وهنا سيكون مماته، ~~هنا على هذه الأرض في هذه القرية. ms84