######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.BariqFiSahab.Hindawi29638283 #META# Tags: novels #META# ID: 29638283 #META# Title: بريق في السحاب #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # | بريق في السحاب # | بريق في السحاب # تأليف # ثروت أباظة # | الفصل الأول # استيقظ الصباح في قرية الحمايدة ليجد بيت الحاج حامد بركات قد صحا من نومه، وراح الحاج ~~يتوضأ ليصلي الفجر، وراحت الحاجة توحيدة تعد الإفطار لزوجها بعد أن أدت ~~الفريضة. # وجلس الحاج حامد بركات بعد أن تناول إفطاره يشرب القهوة السادة، وجلست إلى جانبه الحاجة ~~توحيدة، وسألها: هل صحا هارون؟ ~~- طبعا لا. هو كما تعلم يصحو في السابعة كأنه يصحو على منبه. ~~- ربنا يكون في عونه. ~~- حملته العبء من أول شبابه. ~~- أنا تعبت! والديون تكاثرت علي، ولا أستطيع أن أكافح كما كنت أفعل في شبابي، وهو رفض ~~أن يذهب إلى الجامعة، وأصر على أن يعمل في الأرض بعد أن نال البكالوريا. ~~- هو يحب الأرض من طفولته. ~~- كان يصحو معي في الفجر ليذهب إلى الغيط. ~~- وهل أنسى؟ ~~- وكان يصلي الفجر معي، وكأنه يؤدي حركات مفروضة عليه. ~~- وهو الآن لا يصلي. ~~- لم أستطع أن أرغمه على الصلاة. ~~- الصلاة لا تكون بالإرغام يا حاج. قلب الإنسان هو الذي يحتم عليه الصلاة. ~~- أنا اعتقادي أن الصلة بين العبد وربه لا يجوز أن يتدخل فيها أحد، حتى ولا الآباء ~~والأمهات. ~~- صدقت. ~~- كل ما علينا نحن الآباء أن نعلم أطفالنا الصلاة، ونحثهم على قراءة القرآن دون أن ~~نرغمهم على ذلك؛ لأن الإرغام سيجعلهم يبتعدون عن الصلاة والقرآن جميعا. ~~- لك حق، ولكن وهم أطفال لا بد أن نرشدهم. ~~- طبعا ms01 ، ونكافئهم أيضا، حتى إذا بلغوا مبلغ الشباب تركناهم يواجهون الله وحدهم. وإنك ~~لن تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء. ~~- مع ذلك كنت أتمنى أن يصلي هارون، كما أتمنى أن يتزوج. ~~- وأنا أيضا أتمنى هذا، ولكن هارون مشغول بالدنيا شغلا يجعله لا يفكر في الآخرة ~~أبدا، ولا في الزواج. ~~- نعم يا حبة عيني مشغول بالدنيا أكثر من اللازم. ~~- ولهذا تركت له كل شيء. وأنا يكفيني أن يوفر لي أنا وأنت اللقمة وفنجان القهوة. ~~- وأنا وأنت لا يلزمنا شيء أكثر من هذا، ولكن يتهيأ لي أن فكرة الزواج تراوده ~~الآن. ~~••• # صحا هارون من نومه في الساعة السابعة، وتناول إفطاره ومر على أبيه. ~~- صباح الخير يا أبويا. ~~- صباح الخير يا بني. ~~- أستأذنك. ~~- إلى أين يا ابني؟ الساعة لم تصل إلى الثامنة. ~~- ذاهب إلى بنك التسليف. ~~- خير؟ ~~- حضرتك تعلم أن الشغل فيه لا ينتهي. ندير ديونا ونؤجل ديونا ونأخذ السلف. ~~- طبعا. ~~- اليوم أريد أن أحصل على تقاوي القمح. ~~- أليس الوقت مبكرا؟ ~~- لقد جاءت إلى البنك، وأفضل أن أحصل عليها مبكرا حتى تكون جاهزة. ~~- مع السلامة، الله يوفقك. # وحين ذهب هارون إلى البنك أحس من الإقبال الشديد على التقاوي أنها ستكون قليلة هذا ~~العام، وأن الفلاحين سيضطرون أن يشتروها من السوق السوداء عند زراعة القمح وترقيع الأرض؛ ~~أي إعادة زراعة أجزاء الأرض التي لم تنبت ما بذر فيها في أول مرة. # وبمكر اقتصادي لا مثيل له يتمتع به هارون، كتب إقرارا أنه سيزرع أربعين فدانا من ~~القمح، مع أنه لم يكن أعد من الأرض إلا عشرين فدانا فقط لزراعة القمح. وبقدرة فائقة ~~على الصداقات والاتصالات استطاع أن يحصل على التقاوي التي يريدها، وهو ينوي أن يبذر نصفها ~~فقط ويبقي النصف الآخر ليبيعه بأغلى الأثمان؛ فهو يعلم أن الفلاح عند الحاجة إلى زراعة ~~الأرض يدفع عمره ليحصل على التقاوي التي يحتاج إليها. # وهارون لا يعنيه في شيء أن يرفق بالناس، وإنما يعنيه أولا وأخيرا أن يحصل على المكاسب ~~من أي سبيل، مهما يكن في ms02 هذا السبيل عنت بالآخرين وإثقال على مقدراتهم. # كان جالسا إلى مدير البنك ليكمل إجراءات صرف الكيماوي، حين دخل الحجرة سعدون عمارة، وهو ~~رجل طويل القامة ضخم الجسم يعرفه هارون ويعرف هارون، ولكنها معرفة لا ترقى إلى مستوى ~~الصداقة؛ ففارق السن بينهما ليس هينا. ولكن هارون - شأن أعيان الريف جميعا - يعرف كل شيء ~~عن كل إنسان في المنطقة وما حولها، وقد كان يتوق إلى لقاء سعدون، وكان يريد أن يأتي هذا ~~اللقاء صدفة دون إعداد سابق. # وقد كان سعدون أغلب وقته مقيما بالقاهرة بعيدا عن أرضه؛ ولهذا لم يكن إنتاج أرضه ~~إنتاجا يرضى عنه الفلاح الخبير. # استقبل هارون القادم عليه في غرفة مدير البنك بترحاب شديد: مرحبا سعدون بك، عاش من ~~شافك. ~~- أهلا هارون بك، ماذا أعمل؟ أنا قليل المجيء إلى العزبة كما تعرف. ~~- أعرف. هل جئت اليوم وحدك أم جاءت معك العائلة؟ ~~- لا والله جئت وحدي؛ فلن أبقى هنا أكثر من ليلة واحدة. ~~- إذن فالغداء عندي اليوم. ~~- يا سيدي حفظك الله. ~~- لا والله لن أقبل عذرا، والبك مدير البنك سيشفع لي عندك. # وقال مدير البنك محروس مهنا: ولماذا أشفع وأنت لم تدعني معه؟ # وقال هارون: أخاف إن دعوتك أن أغضب السيدة حرمك، فأنا أعرف أن أولادك في القاهرة وزوجتك ~~معك، وأنك إذا تركتها فستتغدى وحدها. # وقال محروس: لكم أخاف منك يا هارون بك. ليس شيء في بيوتنا إلا وأنت مطلع عليه. ~~- ليس في الأرياف سر. ~~- ولكني أعيش هنا في المدينة في الزقازيق، فكيف تعرف أخباري كلها؟ ~~- أولاد الحلال كثيرون، والناس ليس لهم تسلية إلا أخبار الناس. ~~- ترى يا هارون بك هل تعرف ما يدور في البيوت فقط، أم تعرف أخبارنا في حجرات النوم ~~أيضا؟ ~~- ليس في حجرات النوم أسرار تستحق الذكر يا محروس. ~~- يعني تعرف هذا أيضا؟ ربنا ينجينا منك يا هارون بك. # والتفت هارون إلى سعدون وهو يقول له: هيه يا سعدون بك، الغدا عندي أم أذيع ~~أسرارك؟ # وقهقه سعدون عمارة وهو يقول: المسألة أصبحت تهديدا إذن؟ # وقال محروس ms03 : تهديد واضح؟ ~~- نعم تهديد، ما رأيك؟ # وقال محروس: وما الداعي للتهديد؟ لا يا عم، الغدا أهون. # وأكمل هارون عمله مع محروس، وذكر سعدون ما جاء فيه وأنهى هو أيضا موضوع التقاوي الذي كان ~~قادما من أجله، وصحب هارون سعدون إلى البيت. وسرعان ما أعطى أوامره بإعداد غداء يليق ~~بالموضوع الذي دعا من أجله سعدون إلى الغداء. ~~••• # تناولا الغداء في حجرة المائدة، وانتقلا إلى غرفة الاستقبال. وكان بيت الحاج حامد ذا ~~طابقين؛ فالطابق الأول خالص للاستقبال تقريبا، والطابق الأعلى مخصوص للنوم. # قال هارون: هل تحب أن تنام قليلا، أم لست متعودا على نوم القيلولة؟ ~~- ليس دائما. ~~- أما أنا فأحب أن أنام. ~~- وهو كذلك، تفضل! # وصحبه إلى غرفة خاصة لنوم الضيوف في مثل هذه الحالات، واطمأن إلى صلاحية الغرفة للنوم، ~~وأقفل بابها عليه وذهب إلى أريكة بحجرة الجلوس واتكأ عليها، وغفت عيناه وأحلام سعيدة تداعب ~~جفنيه. ~~••• # حين صحا سعدون من النوم جلس إلى هارون في حجرة الاستقبال يحتسيان القهوة، وقال هارون: ما ~~رأيك يا سعدون بك، عندي لك مشروع يفرحك. ~~- يا ليت. قل ما هو. ~~- أنت أغلب الوقت بعيد عن البلد، وأرضك حوالي سبعين فدانا ليس فيها أرض مؤجرة ~~لفلاحين. ~~- عندك أخباري كلها، كيف عرفت أنها سبعون فدانا مع أن المسجل منها خمسون فقط؟ ~~- أتحب أن أذكر لك أسماء الأربعة الذين بعت لهم العشرين فدانا الأخرى بيعا ~~صوريا؟ ~~- لا، لا داعي، واضح أنك تعرف كل شيء عني. ~~- أنت لست هاويا للفلاحة، والبنتان عندك لا تحبان الريف ... وأنت تحب أن تقضي وقتا مع ~~الأصدقاء، والزراعة عندك الآن لا تأتي بهمها. ~~- والله لك حق. ~~- كم تكسب من الأرض الآن؟ ~~- حوالي ألفي جنيه في السنة. ~~- هذا ما قدرته فعلا. ~~- أنت وضعت يدك على حقيقتي. أنا لست فلاحا ماهرا ولا محاسبا ماهرا، وأعلن أنني ~~مسروق في كل شيء، سواء فيما أنفق على الزراعة، أو ما أحصل عليه من محصول الأرض على ~~السواء. ~~- ما رأيك لو أعطيتك ثلاثة آلاف جنيه في السنة، تأخذها دفعة واحدة كل عام ms04 في شهر ~~نوفمبر. # وصمت سعدون قليلا، ثم قال: أحيانا أحب أن أجيء إلى البلدة ومعي أسرتي. ~~- سبحان الله! أنا أستأجر الأرض لا أشتريها، وبيتك لا يلزمني. تعال أنت وأسرتك كلما ~~شئت. ~~- على بركة الله. ~~- نكتب عقدا. ~~- عقد إيجار؟ ~~- عقد توكيل بإدارة الأرض، وعندما أسلمك المبلغ تكتب لي إيصالا به. ~~- توكلنا على الله. ~~- توكلنا على الله. # | الفصل الثاني # حين عاد سعدون إلى بيته، استقبلته زوجته وفية الزهار التي تزوجها منذ خمسة وعشرين ~~عاما زواجا نمطيا؛ فقد كان والده عبد الهادي بك عمارة صديقا لوالدها عثمان بك ~~الزهار، وكانا متجاورين في الأرض، وكانا يقيمان شأن ذلك الزمان بالريف أغلب الوقت. ~~فكانا يسهران معا في بيت أحدهما يلعبان النرد ويلتقيان بالناس. وكان كل منهما يعرف ~~أصدقاء الآخر معرفته بأصدقائه وبفلاحي أرضه هو؛ فكان عبد الهادي دائما يلتقي في مجلس عثمان ~~الزهار باثنين لا يغيبان عن مجالسته؛ أحدهما عطا الله عبد السيد، وهو تاجر أقطان صغير ~~يعمل في كميات قليلة من القطن دون توسع في البيع أو الشراء، ولكنه كان ميسورا كريما على ~~نفسه، حسن المظهر دائما، وكان يلبس الجلباب البلدي الأنيق، فإن كان الشتاء يلبس معطفا من ~~الصوف الجيد. وكان يجيد الحديث عالما بأسرار المنطقة. وكان عبد الهادي يسمع منه دائما ~~أخبارا جديدة. وكان لبيبا في تعليقاته، ذكيا كل الذكاء في تفهمه لما يسمع. وكان يقرأ ~~الجرائد بدقة شأن التجار ليتقصى أخبار السياسة صاحبة العامل الأول في أسعار التجارة ~~وخاصة القطن. أما الرجل الثاني فقد كان الحاج وافي العسكري، وليس اسم العسكري دليلا على ~~أنه كان يعمل في الجيش أو الشرطة، وإنما هو اسم وجده لنفسه وعرفت به أسرته دون أن يكون له ~~معنى أو أصل تاريخي. وقد كان الحاج وافي من أعيان بلدة النمايلة التي بها أرض عثمان بك ~~الزهار وبيته. وكان الحاج وافي يعمل في تجارة الغلال. وكان يأبى أن يشتري أرضا لتظل ~~أمواله كلها سائلة حرة يشتري بها ما يتاح له من صفقات. وكانت محاوراته مع عطا الله أفندي ~~تضفي ms05 على الجلسة نسمات رطيبة من الضحك وخفة الروح. وقد كان أيضا على صلات كثيرة بالناس، ~~شأنه شأن عطا الله أفندي، وكان يعرف خباياهم. ولم يكن له إلا ولد واحد، وكان هذا يسعده على ~~عكس ما عرف عن أعيان الريف من حبهم لكثرة الأبناء، في حين كان لعطا الله أربعة أبناء كلهم ~~ذكور. # وكان عثمان بك إذا زار عبد الهادي بك وجد عنده دائما ناظر زراعته إبراهيم أفندي جندية، ~~ولم يكن أفنديا كامل الأفندية، وإنما كان يلبس مثل عطا الله عبد السيد الجلباب البلدي ~~والطربوش. وبالطربوش وحده اكتسب لقب أفندي كما اكتسبه أيضا بخبرته الدقيقة بالحساب ~~والدوبيا. والدوبيا هذه لفظة لا يعرفها أبناء الجيل الجديد ... إنها طريقة خاصة للحسابات، ~~أغلب الأمر كانت تتم بها محاسبات الزراعة. # وكان إبراهيم رجلا أمينا غاية الأمانة، لا عيب فيه إلا ادعاءه لنفسه من الأعمال الجلائل ~~ما لم يقم به، ولكن هذا في ذاته كان يضفي على حديثه ظرفا يتيح لعبد الهادي بك وجلسائه ~~أن يتفكهوا به ويتندروا عليه. فكان يقبل دعاباتهم في سماحة، ويمضي في حديثه عن أعماله ~~الجليلة وكأن أحدا لم يقل شيئا أو يسخر مما يقول. # وكان من جلسائه الشيخ متولي عبد الموجود، وكان فلاحا حاذقا في الفلاحة، ويحفظ القرآن ~~وإن كان لا يلبس العمامة، وكان لا يملك إلا فدانين يحصل منهما على محصول لا تنتجه خمسة ~~أفدنة. وكان عبد الهادي يغدق عليه الهدايا، وكان هو محبا أشد الحب لعبد الهادي ~~بك. # وكان في مجلس عثمان أيضا شخص آخر يجده عبد الهادي كلما زاره، وهو بلال أفندي عبد الفتاح. ~~وكان مدرسا في المدارس الإلزامية، ومحبا للشعر يحفظ منه الكثير وينظم منه القليل. وكان ~~عبد الهادي وعثمان يأنسان إلى حديثه، سواء كان راويا للشعر أو ناظما له. وكان لماح ~~الذهن حاضر البديهة يملك أربعة أفدنة، وكانت مع مرتبه تجعل منه واحدا من أغنياء القرية، ~~خاصة وأنه كان شديد البخل إلا في ملبسه الذي كان دائما أنيقا. وكانت الصداقة بين عثمان ~~وعبد الهادي وطيدة، ولهذا ms06 لم يكن غريبا أن يتزوج سعدون وفية. ولم يلاق عبد الهادي ~~بك من ابنه أي ممانعة؛ فلم يكن سعدون يعرف فتاة أخرى، وكانت الفتيات عنده كلهن متساويات ~~لا فارق ثمة بين فتاة وفتاة، وكل ما فعله أنه سأل أباه عنها: شفتها يا أبويا؟ ~~- طبعا شفتها. ~~- حلوة؟ ~~- قمر. ~~- توكل على الله. # ولم تكن وفية قمرا، ولكنها أيضا لم تكن قبيحة. كانت فتاة كأي فتاة لا تجتذب ~~عينيك إذا رأيتها، وهي أيضا لا تجعل عينيك تنصرفان عنها. كانت بيضاء البشرة، ذات شعر ~~أسود لا هو بالمسترسل ولا هو أيضا بالملبد، ذات عينين سوداوين في غير ضيق ولا اتساع. ~~تلقت تعليمها في المدارس حتى بلغت السنة الثانية من الثانوي، ثم ضاقت بالتعليم أو ضاق بها ~~التعليم فأقامت في بيت أبيها تنتظر العدل. # وتزوجت سعدون، وكان سعدون أيضا قد ترك التعليم بعد حصوله على البكالوريا التي تقلبت ~~عليها الأسماء فأصبحت توجيهية ثم أصبحت ثانوية عامة. # ولم يكن سعدون راغبا في إكمال تعليمه، ولا كان أبوه مهتما بذلك أيضا، راجيا أن ~~يتفرغ سعدون لفلاحة الأرض. # ولكن سعدون لم يكن يهوى الفلاحة، فما لبث بعد زواجه بسنة وبضعة أشهر أن أقام في بيت أبيه ~~في القاهرة في حي جاردن سيتي. ولم يكن البيت فخما ولا كان متواضعا، وإنما وسط بين هذا ~~وذاك. ولم يكن أبوه راضيا عن ذلك، ثم احتسب الله: ربما بعد أن أموت أنا يضطر سعدون إلى ~~فلاحة الأرض، فليس له مورد رزق حقيقي إلا هي وعمارة الزمالك وعمارة عابدين، وهما عمارتان ~~قديمتان ما يلبثان أن يهدما ويجد سعدون نفسه وجها لوجه مع الأرض. وماذا سيفعل في أرض ~~زوجته، إنها سترث أيضا؟ اتركها لله كله بأمره. # تعود سعدون منذ ذهب إلى القاهرة أن يجلس في بار الأنجلو الذي يضم كثيرين من الأعيان، ~~وكان البار في الصباح مقهى، وفي الليل بار. # وأصبح سعدون زبونا دائما له في الليل، أما في الصباح فهو يعكف في البيت على القراءة، ~~فكان يقرأ بنهم شديد وبمتعة لا مثيل لها ms07 . ووجد نفسه في جلسة المساء جالسا إلى قوم لا ~~هم لهم إلا شرب الخمر وتبادل الحديث المخمور، فكان لا بد له أن يشاربهم. وأعجبته نشوة ~~الخمر فصار يشرب، حتى إذا مرت به وفية آخر الليل لتصحبه إلى البيت، وجدته في حالة سكر ~~بين. وضاقت بهذه الكارثة، ولكنها ما لبثت أن راضت نفسها على قبول الأمر الواقع، فلم يكن ~~لها حيلة إلا أن تقبل الأمر الواقع. # وأحب سعدون الخمر وفتن بمجالسة المخمورين، وتعود كلما جاء السائق ليدعوه للقيام ~~ويبلغه أن الست تنتظره يقول له: يا مغفل، ابحث عني بعض الوقت، هل لا بد أن تجدني بهذه ~~السرعة؟ # ويتابع الشرب، ويظل السائق رائحا غاديا بينه وبين وفية حتى يقوم كارها. # ولم تمض سنة على مجيئه إلى القاهرة حتى حملت وفية طفلتها الأولى حميدة، ولم يمض أكثر ~~من عام وبعض عام حتى رزق الزوجان بابنتهما الثانية وجيدة. ولم يكن سعدون يهمه أن ينجب ~~البنين أو البنات؛ فقد أصبح لا يعنيه من الحياة إلا الكأس والقراءة التي يتفرغ لها نهاره ~~كله. ولم يكن أمر سعدون خافيا على هارون، ولكنه أبى أن يذكر له وهو يفاوضه في الأرض ~~معرفته بحبه لبار الأنجلو وما يشربه فيه. # كانت حميدة في العشرين من عمرها حين تمت الصفقة بين هارون وسعدون. # وكان سعدون إذا لم يكن مخمورا غاية في التعقل والاتزان، وكانت الخمر تخرجه عن وقاره ~~بعض الشيء، ولكنه لم يكن يخرج عن أدبه قط. وكان يستطيع أن يتحكم في ألفاظه. وكان ذكيا ~~في سكره، فإذا أراد أن يصارح أحد أصدقائه برأي لاذع فيه، ادعى أنه سكران وقال ما يريد ~~قوله. # لهم صديق اسمه عيسى حامد ثري غاية الثراء، بخيل كز غاية البخل والكزازة، ويتمتع شأن كل ~~بخيل بصفاقة يشهد له بها جميع رواد المقهى. يأتي في كل ليلة ويمر على المناضد واحدة بعد ~~أخرى، وتدعوه كل منضدة إلى كأس أو كأسين يشربه أو يشربهما وينتقل إلى منضدة أخرى، فما إن ~~تنتهي دورته على المناضد حتى يكون قد نال ms08 من الويسكي كفايته دون أن ينفق مليما واحدا. ~~وفي ليلة مر كعادته بمنضدة سعدون، وكان لسان سعدون قد بدأ يتلوى من الخمر فيبدو كأن ~~الويسكي قد تعتعه فنادى بأعلى صوته: مانولي! # فجاء القاهي: أفندم سعادة البك؟ ~~- حسابنا كله الليلة عند عيسى بك حامد. # وزلزل عيسى زلزالا شديدا: ماذا؟! ~~- أي ماذا يا أخي؟! أنت كل يوم تأتي إلى المقهى وتسكر مجانا وتروح. ادفع مرة الحساب عن ~~نفسك، ألا تحب أن تشعر مرة بلذة السكر على نفقتك الخاصة؟ ~~- ولكن هذا ظلم يا سعدون بك. ~~- الظلم ما أفعله أنا بك أم ما تعمله أنت في زبائن المقهى كل ليلة؟ خف ولا تثقل حتى لا ~~يضيق بك أصحابك ورفاق كأسك. # وهكذا كان يفعل سعدون كلما عن له أن يصارح أحد الجالسين معه برأيه فيه، فكان أصدقاؤه ~~يحبون مجالسته كل الحب، ويضحكون مما يفعله ويقوله. # وقد ارتاح سعدون كل الارتياح للصفقة التي أتمها مع هارون، وحين عاد إلى زوجته بعد إتمام ~~الصفقة أخبرها بها فإذا هي تقول: مبروك يا سعدون ولكن لماذا نسيتني؟ ~~- كيف؟ ~~- أرضي. ~~- أليست أرضك مع عطا الله أفندي والحاج وافي؟ ~~- إنها معهما بناء على عقد بيع صوري، ولا أحصل منهما إلا على مبالغ ضئيلة. فلم لا ~~تؤجر الأرض لهارون ويدفع لي مثلما يدفع له؟ ~~- والله فكرة. ~~••• # كان عثمان الزهار يدرك أن ليس له إلا بنت واحدة، وكان يملك مائة فدان، لو مات عنها ~~ما ورثت ابنته إلا نصف الأرض، ويشاركها أخوه مجدي وأخته تفيدة في النصف الآخر. فتشاور مع ~~زوجته بهية على أن يبيع أرضه مناصفة لعطا الله أفندي وللحاج وافي، ويكتب كل منهما على ~~نفسه وصل أمانة بقيمة الأرض. واستحسنت بهية الفكرة، ونفذها عثمان فعلا وسجل الأرض، ~~ولم يمر على تسجيل الأرض سنة حتى كان عثمان قد انتقل إلى رحمة الله قبل أن يشهد ثورة 52. ~~••• # أما عبد الهادي فقد شهد ثورة 52، ولحق به قانون الإصلاح الزراعي الأول. وكان يملك سبعين ~~فدانا فلم يكن واقعا تحت طائلة القانون، ولكنه أدرك بإلهام لا ms09 يدري مأتاه أن الأمر لن ~~يقف بالثورة عند هذا، فقال لابنه سعدون: أرى ألا نبقي لك أكثر من خمسين ~~فدانا. ~~- تريد أن تبيع عشرين فدانا؟ ~~- نبيعها ولا نبيعها. ~~- يجب أن تكون واثقا من المشترين. ~~- لقد فكرت فيهم فعلا. ~~- إبراهيم أفندي جندية ومن؟ ~~- أنا لا أريد أن أبيع للشخص الواحد أكثر من خمسة أفدنة. ~~- كلام معقول. ~~- طبعا سأبيع خمسة أفدنة لوالي قطب. ~~- طبعا هذا واحد منا. ~~- وما رأيك في الاثنين الآخرين؟ ~~- موجودان. ~~- من؟ ~~- ما رأيك في الشيخ متولي وبلال أفندي؟ ~~- ونعم. ~~- على بركة الله. ~~- على بركة الله. # وتم البيع الصوري لكل هؤلاء فعلا، ولكن استمر عبد الهادي يزرع حتى توفي. وحين ورث ~~سعدون الأرض ظل الأمر على ما كان أيام أبيه، ولم يجد هارون أيه صعوبة في تسلم الأفدنة ~~السبعين كاملة بما فيها العشرون فدانا المبيعة بيعا صوريا. ~~••• # أما الحاج حامد بركات والد هارون فكان لا يملك إلا بيتا في عابدين وأربعين فدانا، ~~وحين صدر قانون الإصلاح الزراعي الأول باع أرضه كلها لابنه هارون حتى يعفيه من ضريبة ~~التركات. وكان هارون في ذلك الحين قد ترك الدراسة وبقي في الأرض يفلحها ويحاول أن يسدد ~~الديون المتراكمة عليها لبنك التسليف. ولم يكن الأمر سهلا، ولكنه بذكائه الشديد استطاع أن ~~يجعل أموره تسير. وكان هارون في ذلك الحين في الخامسة والعشرين من عمره، ولكن درايته بإدارة ~~السلفيات وتأجيلها والحصول على سلفة جديدة لتسديد سلفة قديمة حل موعدها، كانت دارية ~~واسعة مكنته ومكنت أباه وأمه أن يعيشوا عيشة ميسرة. وحين تمكن من عقد صفقته مع ~~سعدون أحس أنه على أبواب الغنى الذي يسعى له سعيا حثيثا، لا يرده عنه شيء، ولا يقف ~~في سبيل وصوله إليه حائل، مهما يكن هذا الحائل متصلا بالنزاهة أو غيرها. # | الفصل الثالث # دق جرس التليفون في بيت الحاج حامد بركات وكان المتحدث سعدون عبد الهادي، وسأل عن ~~هارون. وأمسك هارون سماعة التليفون ليسمع صوت سعدون: كيف أنت يا هارون بك؟ ~~- مرحبا. ~~- هل تنوي المجيء إلى القاهرة قريبا؟ ~~- أنا تحت ms10 أمرك. ~~- أريد أن أراك في أمر يهمك. ~~- أجيء إليك باكرا إن شاء الله. ~~- نتغدى معا. ~~- وهو كذلك. ~~••• # على الغداء كانت المائدة معدة إعدادا أنيقا، وتحلق حولها أسرة سعدون وفية هانم ~~وحميدة ووجيدة. # كان هارون يفكر تفكيرا جادا في الزواج. # وكان يعرف أن لسعدون بنتين، ولكنه لم يكن رآهما من قبل. # وكانت حميدة مقبولة السمات لا هي بالجميلة الباذخة الجمال، ولا هي أيضا على شيء مما ~~يعاب في وجوه الفتيات، وكذلك كانت أختها. إلا أن حميدة كانت ذات شعر أسود داكن منساب تجيد ~~التعامل معه، وتجعل منه وسيلة من الوسائل التي يكسب بها الفتيات وجوههن جمالا ورقة ~~وعذوبة. وقد كانت حميدة وادعة، فيها طيبة وهدوء طبع، كما كانت أختها كذلك. وربما كان لشعور ~~الفتاتين بما يدمنه أبوهما من شرب الخمر أثر في جعلهما تشعران ببعض الأسى الذي يلون ~~هذا الهدوء، ويجعل فيه رضا بما قسمه الله لهما. # وإن لهارون عينا نافذة ظلت تنتقل بين الفتاتين في ذكاء ودهاء، حريصا دائما ألا ~~يشعر الوالدان أو الفتاتان أنه ينعم النظر فيهما. # كان هارون فتى أقرب إلى الطول منه إلى القصر، وكان شعر رأسه مرجلا، ولم يكن بالشعر ~~الكث، واسع الجبهة، ضامر الخدين، له ذقن مدبب، وأنف ووجه أقرب إلى الطول منه إلى ~~الاستدارة. وكان من أولئك الناس الذين يستطيعون أن ينفذوا إلى الذين يلاقونهم بابتسامة ~~ثابتة لا تترك فمه، ومع ذلك يستطيع أن يشيع فيها الحياة بما له من موهبة قادرة على إرضاء ~~جميع الناس، والتلطف في الحديث إليهم، ومعرفة مواضيع الحوار القريبة إلى نفوسهم. بل ~~وبمقدرة فائقة على الوصول في لمحة خاطفة إلى المكامن الخفية في نفوس محدثيه التي تجعلهم ~~سعداء راضين عن أنفسهم وعنه كل الرضاء. # وانتهى الغداء وانصرفت الفتاتان، وخلا المكان بهارون وسعدون ووفية هانم. # ونظر سعدون إلى زوجته وقال: تتكلمين أنت أم أتكلم أنا؟ # وفي ذكاء لماح قال هارون: إن كان لي رأي، أنا أرى أن صوت السيدات أجمل بكثير من صوت ~~الرجال. # وقال سعدون مستجيبا لتظرف هارون: إذن ms11 قضي الأمر، تكلمي يا ستي. # وقالت وفية على استحياء: يعني يا هارون بك تأخذ أرض زوجي وتترك أرضي؟ ~~- والله أحببت أن أجرب الأمر في أرض سعدون بك أولا. ~~- ولماذا لا تجرب في أرضنا معا. ~~- أنا أعرف أن عطا الله أفندي والحاج وافي يزرعان الأرض ويقدمان ريعها كاملا ~~إليك. ~~- الحقيقة أنا لا أشكو منهما شيئا فكلاهما رجل أمين، ولكنهما يزرعان الأرض زراعة ~~تقليدية، وطبعا كثر خيرهما فهما لا يكسبان مني شيئا، إنما شعورهما أنهما ليسا مالكين ولا ~~حتى مستأجرين يجعلهما خائفين من التعامل مع الأرض. ~~- أنا أعرف أن الأرض ليست مؤجرة. ~~- هذا صحيح، إنها ليست مؤجرة. ~~- لا تنسي يا هانم أن عطا الله أفندي والحاج وافي مع ما هو مشهور عنهما من أمانة، يكسبان ~~من الأرض مكسبا كبيرا. ~~- أترى ذلك؟ ~~- يكسبان الوجاهة، وشعور الناس بالحاجة إليهما. ~~- والله، جايز. ~~- بل مؤكد، وأظنك تأخذين من كل منهما ألفا وخمسمائة جنيه كل عام. # قال سعدون: حتى هذه تعرفها؟ # وقالت وفية: فعلا. # قال هارون: أيرضيك أن أدفع إليك في الأرض كلها أربعة آلاف جنيه؟ ~~- على بركة الله. ~~- وسأوقع العقدين مع عطا الله أفندي والحاج وافي. ~~- وهو كذلك، ونحن سنبلغهما أن يسلماها إليك. ~~- على بركة الله. # | الفصل الرابع # جلس هارون إلى والده وأمه وهما يشربان قهوة الصباح، وقال الحاج حامد: هيه يا هارون، ماذا ~~تنوي أن تزرع أرض سعدون وزوجته؟ ~~- والله يا أبي لم أقرر بعد. أبحث في فكرة زراعة موالح. ~~- ربنا يوفقك يا ابني. ~~- المهم أريد أن أقول لكما شيئا أعتقد أنكما ستفرحان له. # وقال أبوه: هيه هل آن الأوان؟ # وقالت الأم في فرحة: أخيرا نويت؟ # وضحك هارون مقهقها وهو يقول: وهل قلت شيئا؟ # وقال الحاج حامد: بل قلت كل شيء. # وقال هارون: إذن موافقان؟ # وقال الحاج: على الزواج نعم، ولكن ألا تخبرنا من العروس؟ # قال هارون: حسبتك عرفتها؟ # وقالت الأم: حميدة بنت سعدون عمارة. # وضحك هارون: وكيف عرفتها؟ # وقال الحاج حامد في ظرف وابتسامة: المسألة لا تحتاج إلى ذكاء. ~~- وما رأيك يا أبويا؟ ~~- والله ms12 لا عيب فيها إلا إدمان أبيها للخمر. # وقالت الحاجة توحيدة: ونحن ما لنا وما له؟ # وقال الحاج حامد: توكل على الله، إن سعدون صديقي وحبيبي منذ سنوات. # وشدت الأم ابنها فقام من مجلسه، واحتضنته أمه في سعادة غامرة ودموع من الفرح تترقرق في ~~عينيها: ألف مبروك يا بني، ألف مبروك يا هارون. # وقال هارون: على مهلك يا أمي، ألا نعرف أولا إن كانت عائلة سعدون موافقة أم ~~لا؟ # قالت الأم: لا، من هذه الجهة لا يكن عندك فكر. طبعا موافقة. # وقال هارون: متى تستطيعان السفر إلى القاهرة؟ # وقال الحاج حامد: إن شئت قمنا معك الآن. # وقال هارون: لا ليس إلى هذا الحد. نكلمهم أولا ونتفق على موعد. # وقال الحاج حامد: وهو كذلك. ~~••• # إن للفتيات في سن حميدة ووجيدة حاسة سادسة يدركن بها أن هناك نظرة نافذة تحيط بهن، ~~وتتعرف ما يحاولن أن يخفينه من أعماق نفوسهن. # وبهذه الحاسة لم يخف عن حميدة ووجيدة النظرات المتلصصة التي كان يختلسها هارون طوال ~~فترة الغداء. # وأدركت حميدة أنها أقرب إلى اختياره من وجيدة: كانت نظراته إلي أكثر تعمقا. والله لا ~~بأس به، ربما كان أكبر مني قليلا ولكنه مناسب على أيه حال، وأحسب أنني أستطيع أن أطمئن إلى ~~حياتي وأنا زوجة له. وأنا - والحمد لله - لا أحب أحدا بذاته، وإن كان توفيق قريبنا الذي ~~لا أعرف درجة قرابته لي يحاول أن يشعرني باهتمامه بي، إلا أنني لا أرتاح إليه. إنه لا ~~يعرف شيئا عن مشاعر الحب التي يحاول أن يتخفى وراءها بالنظرات التي أحس فيها بالكذب، ~~والكلمات التي أشعر فيها بالاصطناع الذي يفشل أن يخفيه. # وأحسب أن توفيق بلا مشاعر على الإطلاق. وأرى أيضا أن هارون بلا مشاعر على الإطلاق، ولكنه ~~لا شك ذو عقل واع رصين تجربته أكبر من سنه بكثير. ثم هو ليس فقيرا فقر توفيق، فإن كان ~~يفكر في مال أبي وأمي فليزيد هذا المال، فليس هناك ما يدعوه أن ينهبه. أما توفيق فشاب ~~ما زال في نزق الشباب، وليس ms13 بعيدا حين يخلص هذا المال إلي بعد عمر طويل أن ينهبه توفيق ~~لينفقه على ملذات الشباب، الأمر الذي لا أخشاه مطلقا من هارون؛ فواضح أن هارون كلف ~~بالثروة ولوع بالغنى. ولا بأس على أن يكون زوجي، فأغلب الأمر أنه سيجعلني سعيدة في ~~حياتي، وأنه سيجعل حياتي هذه بلا مشاكل على الإطلاق. وأنا أعرف نفسي وأعرف أنني أحب أن ~~أحيا حياة راضية، وإن كنت أحب الأشياء النفيسة، فلا يستطيع أحد أن يلبي هذه الرغبات ~~التي تزخر بها نفسي إلا رجل غني، وواضح أن هارون سيصبح ذلك الغني الذي يتمنى لنفسه أن ~~يكونه. # أما وجيدة فقد أحست بنظرات هارون: واضح أنه اختار حميدة؛ فأنا وحميدة متقاربتان في ~~الجمال. وطبيعي ما دام الأمر كذلك أن يختار الكبرى ما دام الاختيار قائما على العقل وحده، ~~فما رآني ولا رأى حميدة قبل اليوم، وليس في شيء يجعله يفضلني على حميدة. # وفيم العجلة؟ فكما وجدت حميدة هارون، أو كما وجد هارون حميدة، فالطبيعي والمعقول أن أجد ~~من يجدني أنا أيضا، فهنيئا لحميدة بهارون، وهنيئا لهارون بحميدة. ~~••• # لم يدهش سعدون ولا دهشت وفية حين دق جرس التليفون في منزلهما وكان المتحدث الحاج ~~حامد بركات؛ فكلاهما لم يغرب عنه سرعة اقتناع هارون أن يتولى أرض وفية كما تولى أرض ~~سعدون، ورأيا في ذلك دلالة على أنه انتوى شيئا، ولم تستطع وفية أن تكتم ما جاش في ~~صدرها: أتراهنني أنه ينوي أن يخطب واحدة من البنتين؟ ~~- لا، لا أراهنك فهذا أمر محتمل. وما رأيك؟ ~~- والله الرجل لا عيب فيه. ~~- ربما كان أذكى مما ينبغي. ~~- وهل هذا عيب؟ ~~- أحيانا كثيرة يكون الذكاء المفرط شرا من الغباء. ~~- ما هذا الكلام؟ ~~- عيب الأذكياء أنهم لا يقدرون ذكاء الآخرين فيقعون في مشاكل لا حد لها. ~~- ما هذه الفلسفة؟ ~~- تعلمتها من تجاربي مع الناس، ومن كثرة ما قرأت. ~~- أهذا عيبه في نظرك؟ ~~- وهو يتعجل الغنى. ~~- الله يبارك له. ~~- عيب هؤلاء أنهم لا يذكرون الله كثيرا ولا يعنيهم أن يرضوه. ~~- يا أخي قل هذا الكلام ms14 لنفسك! ~~- الله يعلم ما بيني وبينه، أما إن كنت تقصدين الخمرة فعقوبتها ستون جلدة، وأنا عامل ~~حسابي أن يجلدني الملائكة الجلدات الستين، ثم سيكون كتابي بعد هذا في يميني إن شاء ~~الله. ~~- عيني عليك باردة، أنت مرتب كل أمورك مع ربك. ~~- حسبي أني لا أوذي أحدا. ~~- بل أنت تؤذي أهم إنسان بالنسبة لك. ~~- من هذا؟ ~~- نفسك. أنت تحطم كبدك، والذي لا يحافظ على نفسه لا يستطيع على أن يحافظ على ~~الناس. ~~- المرض والموت من عند الله. ~~- سبحانه من عنده كل شيء، ولكن الإنسان لا ينتحر ثم يقول الموت من عند الله، هذا ~~كفر. ~~- الكفر والإيمان الله وحده يعلمه. ~~- ألا تخشى أن تعتدي على أحد وأنت سكران؟ ~~- أنا لا أشرب إلا بعد أن أصلي العشاء، وكل الذين حولي سكارى والحمد لله، والسكران ~~يفهم السكران الآخر ولا يغضب منه. ~~- عجيبة! إننا نسمع كل يوم عن السكران الذي قتل، والسكران الذي بطح. ~~- أتظنين أنني يمكن أن أقتل أو أبطح؟ ~~- المهم هل معنى هذا أن نرفض هارون؟ ~~- أنا لم أقل نرفضه، ولكن فقط أذكر لك عيوبه، وأدعو الله أن يقيه شر نفسه ولهفته على جمع ~~المال. ~~- ولمن سيكون هذا المال، أليس لابنتك وأحفادك؟ ~~- يا وفية المهم ليس المال، إنما المهم كيف نجمع هذا المال. ~~- أيسرق؟ ~~- إذا تأكد أن أحدا لن يكشف سرقته. وهناك وسائل كثيرة لجمع المال عند المنهوم، السرقة ~~واحدة منها. ~~- اترك المستقبل لله. ~~- كان التليفون الذي دقه في منزلهم الحاج حامد يوم السبت، وتواعدوا على أن يتناول الحاج ~~حامد وأسرته الغداء في بيتهم يوم الإثنين. ~~••• # قال حامد: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، أنا يا سعدون بك أملك أربعين فدانا ~~وبيتا في المنيرة، ولذلك لم تنل مني الثورة سهما واحدا. وأنا وأنت أصدقاء منذ زمن بعيد. ~~- نحمد الله ونشكر فضله. ~~- منذ أول قانون بعت الأرض بعقد مسجل في الشهر العقاري لهارون ابني، ولم يبق على ~~ذمتي شيء إلا البيت. وهارون هو الذي ينفق علي أنا وأمه، ونحن مطالبنا لا تزيد على اللقمة ms15 ~~والهدمة وفنجان القهوة. ~~- أطال الله عمرك. ~~- ونريد أن نزوج هارون. ~~- على بركة الله. ~~- مد يدك واقرأ معي الفاتحة على خطبة حميدة لهارون. ~~- على بركة الله، ولكن ألا ترى أن نسألها؟ ~~- طبعا، قم فاسألها. ~~- قد تطلب مهلة. ~~- المهلة تكون حين تريد أسرة الخطيبة أن تسأل عن أسرة الخاطب، وهذا لا داعي له بيننا؛ ~~فكل منا يعرف عن الآخر كل شيء. # ولأول مرة يتدخل هارون قائلا: يا أبي لا تحرج سعدون بك. # وقالت وفية: لا يا هارون، ليس هناك أي حرج، وإن كان على السؤال فسأقوم أنا وأسألها ~~الآن. # وقال الحاج حامد: توكلي على الله. # وقامت وفية وعادت وعلى وجهها إشراق الأم حين تفرح بابنتها وقالت: اقرأ الفاتحة يا سعدون ~~على بركة الله. # وما هو إلا شهر وبعض شهر حتى تم الزواج. # | الفصل الخامس # كان الحاج حامد قد اشترى بيته بالمنيرة أيام الحرب العالمية الثانية، وكان يقيم به ~~أوقاتا كثيرة، إلا أنه أخيرا فضل أن يقيم ببيته في قريته الحمايدة ولا يترك الريف؛ فقد ~~كان أصدقاؤه في القاهرة أغلبهم قد اشتغل بهموم الدنيا التي تكاثرت بعد الثورة، فوجد أن في ~~إقامته بالحمايدة ما يعينه على قطع الوقت مع أهل البلد الذين يزورونه، وفي لعب النرد مع ~~بعضهم وأغلب القاصدين إليه. # وربما كان مختار عمر أكثر الزائرين له انتظاما في الزيارة. ومختار عمر مدرس ابتدائي ~~أحب الحاج حامد وأنس إليه، وكان يلعب معه النرد أحيانا، حتى إذا ملاها جرى بينهما ~~الحديث تعليقا على ما جاء في الصحف، أو تعليقا على ما يحدث في القرية أو في القرى ~~المجاورة. وكان مختار يزور الحاج حامد في الصباح حين ينتهي من دروس المدرسة، ويتركه وقت ~~الغداء ليعود إليه بعد القيلولة ليستأنفا ما انقطع من حديث الصباح أو الظهيرة. وكان هناك ~~زائرون كثر للحاج حامد، فهو يحظى بين أهل الحمايدة بالحب والتقدير؛ فقد كان رجلا سمحا ~~في معاملته للناس، حريصا أن يرضي الجميع، وكان يعين الناس على قضاء حوائجهم. وكانوا ~~يعرفون أنه ليس ذا ثراء؛ فلم يكن ms16 أحد يطلب إليه أن يعينه بمال، هبة كان هذا المال أو كان ~~قرضا. وكان منتداه في الصيف حديقة غير معتنى بها، ولكنها تقع من البيت في مكان ظليل ~~بجوار جدار البيت. وكان هذا المنتدى في الشتاء قاعة واسعة داخل البيت، نظيفة الأثاث في ~~غير أناقة. وهكذا تيسرت له الحياة. وكان هارون بارا به، يراعي دائما أن يجعله هو ~~ووالدته في غير حاجة إلى شيء. وكان إلى ذلك الحين يلبي أية رغبة لهما حتى وإن لم ~~يبدياها، رغم أنه كان يجهد كل الجهد في الحصول على المال لكثرة الدين. وحين صدر قانون ~~الإصلاح الزراعي كان الحاج حامد يزرع فدادينه الأربعين كلها، ولم يكن ماهرا في الزراعة؛ ~~ولهذا أصبحت الأرض مدينة لبنك التسليف بدين ليس هينا، وإن كان لا يستغرق الأرض كلها. # وقد أدرك هارون أنه لا يصلح للتعليم في سن باكرة، ولم يكن أبوه حريصا على إرغامه أن ~~يكمل تعليمه؛ فقد كان قد تبين فيه هوايته الشديدة للزراعة، وارتأى أن إشرافه على الأرض ~~سيكون خيرا له من الشهادة، خاصة وأنه يتعثر دائما في دراسته، كما يتعثر أبوه في ~~زراعته. # ترك التعليم وهو في الثالثة الثانوية، وكانت حتى ذلك الحين تعادل الأولى الثانوية الآن. ~~وبطبيعة الحال لم يتول شأن الأرض منذ بقائه بالبيت، وإنما ظلت الأرض تحت رعاية أبيه. ~~وحين صدر قانون الإصلاح الزراعي كان هارون هو فعلا الذي يرعى الأرض ويعامل بنك التسليف، ~~وما كان على أبيه إلا التوقيع حين يطلب إليه هارون هذا التوقيع. # فحين صدر القانون خشي الحاج حامد أن تصدر قوانين أخرى. ولحسن حظه أو حظ هارون - إن شئت - ~~أنه لم يكن يؤجر الأرض، ولا كان يشارك الفلاحين بالمزارعة فيها، وإنما كان يزرعها ~~جميعا لحسابه، وكذلك فعل هارون حين استقل بالإشراف على الأرض. # كان هارون قد شغلته الأرض ورغبة الغنى حتى عن نفسه، وخاصة أن حالة الزراعة في الفترة ~~التي أعقبت القانون وما استتبعه من إجراءات جديدة في بنك التسليف، وهبوط أسعار المحاصيل، ~~كل ذلك جعله ذاهلا عن ms17 كل شيء، إلا أن يواجه هذا الطوفان الجديد، وإن لم يكن خاضعا لأهوال ~~هذا الطوفان. # وهكذا لم يفكر في الزواج إلا بعد ذلك بسنوات، وربما كان لقاؤه بحميدة هو الذي جعله ~~يتذكر أنه لم يتزوج بعد، وأنه قد آن له أن يفعل. وما كان إلحاح أمه عنده إلا كلمة ~~عابرة تلتقطها منه أذن وتفلتها منها الأذن الأخرى. وحين تزوج كانت الليلة الأولى موقفا ~~صعبا بالنسبة إليه وإلى حميدة في وقت معا؛ فهو مع خبرته الواسعة في معاملة الحياة والناس ~~لم يتعود أن يعامل النساء إلا في نزوات عابرة كانت تتم في الليالي التي يقضيها بالقاهرة. ~~أما حميدة فموقفها موقف الفتاة الشريفة التي عاشت عمرها كله في بيت أبيها، ولا تعرف عن ~~الرجال إلا ما كان زميلاتها في المدرسة يتهامسن به تهامسا خاطفا لا يكون تجربة ولا ~~يقدم علما، خاصة وأنها تركت المدرسة في سن مبكرة. وكانت الليلة الأولى في بيت المنيرة؛ ~~فقد استقر الرأي أن يقضوا فيه الأيام التالية للزواج. # وحين خلت بهما الحجرة: شرفت منزلك. ~~- شكرا. ~~- إن شاء الله سأعمل على أن تكوني سعيدة دائما ولا تحملي هما. ~~- أتوقع هذا منك. ~~- وما الذي جعلك تتوقعينه؟ ~~- الذي سمعته عنك والذي رأيته فيك. ~~- وماذا سمعت؟ ~~- أنك حملت مسئولية بيتك وأنت في سن صغيرة، وأنك جاد في حياتك، وأنك قادر على جعل ~~الناس يحبونك. ~~- الحمد لله! وما الذي رأيته في؟ ~~- رأيتك في لقائي الوحيد بك تزن الكلام قبل أن تقوله، وتأبى أن تقول كلاما إلا إذا كان ~~له معنى. ~~- أرجو الله أن تكون حياتي معك محققة لهذه الآراء. ~~- إن شاء الله. ~~- قولي لي. ~~- أقول لك. ~~- هل تحبين البقاء في هذا البيت الكبير، أم نجعل الإقامة الأساسية لنا في البلد؟ فقد قال ~~لي والدك مرة إنكم تحبون أن تقضوا في الريف بضعة أيام من حين إلى آخر. ~~- هذا صحيح. ~~- ثم إنك في البلد ستجدين أمي وأبي معك دائما، وهنا ستكونين وحدك في فترات طويلة، فأنت ~~تعرفين أن دخلنا الأساسي من الزراعة، ولا بد ms18 لي أن أكون قريبا من الأرض أغلب الوقت. ~~- واضح أنك تريدني أن أقيم في البلد؟ ~~- ذكاء توقعته منك. ~~- أنا أواجه حياة جديدة، وأريد أن يكون أساس معاملتي لك الصراحة والصدق. ~~- أحب هذا. ~~- ولو أنك لا تفعله. # وقهقه هارون وهو يقول: وكيف عرفت هذا أيضا؟ ~~- واضح أنك بارع في الدوران بالحديث، وأن لك قدرة على أن تجعل الرغبة التي في نفسك ~~تعرض عليك من الذي تحدثه، فيبدو الأمر كأنه عرض منه هو لا رغبة في نفسك أنت. # وقهقه مرة أخرى وهو يقول: واضح أنك تحاولين في ذكاء شديد أن تحللي كل جانب من جوانب ~~نفسي. ~~- أنت منذ اليوم المحور الذي تدور عليه حياتي كلها. ~~- وأنت أيضا. ~~- أشكرك، ولكن هذا مستحيل؛ فإن لك مشاغلك في الزراعة وزيادة دخلك ومعاملة الناس، فأنا ~~قد أمثل جانبا هاما في حياتك، في حين تمثل أنت حياتي كلها. ~~- ولكن كل هذه المحاور التي قد تشغلني الهدف منها أن تجعل حياتنا سعيدة. ~~- إن الرغبة في الغنى أغلب الأمر تكون غريزة في النفس، وإن كانت تحاول أن تبحث لنفسها ~~عن مبررات أخرى. ~~- ماذا قرأت من كتب؟ ~~- لا أخفي عليك أني أحب القراءة والروايات، بالذات العربية، والأجنبية الفرنسية ~~بالذات؛ فقد كنت في مدرسة فرنسية إلى السنة الثانية الثانوية. ~~- أعرف، وواضح أن ثقافتك أكبر بكثير مما حصلته في المدرسة. ~~- وماذا تقرأ أنت؟ ~~- أنا كما تعرفين لم أكن تلميذا مجدا ... ~~- هذا لا شأن له بالقراءة. ~~- أحب أن أقرأ في الاقتصاد. ~~- طبعا. ~~- ولا أخفي عنك أن قراءتي فيه تجعلني حين أتحدث إلى أساتذة الاقتصاد الكبار أفهم لغتهم ~~كل الفهم. ~~- مؤكد، وأغلب الأمر أنك تجادلهم مجادلة الند للند. ~~- الحقيقة لا أشعر أنهم يعرفون شيئا لا أعرفه. ~~- ليس هذا بغريب عليك، فما دمت تقرأ في الاقتصاد فأنت مثلهم في العلم النظري، وتزيد ~~عليهم في الممارسة العملية. ~~- إنك ماهرة جدا في الحديث. لقد استطعت أن تبعدي بنا عن سؤالي الأول ولو أنني أحسب ~~أنني عرفت الإجابة. ~~- لا شك أنك عرفتها. ~~- لك ما شئت، فلتقيمي إذن في ms19 القاهرة. ~~- ولكن هذا لا يمنع أن أرافقك إلى البلدة حين ترغب في ذلك. ~~- اتفقنا. ~~••• # توثقت الصداقة بين سعدون والحاج حامد، فكان الحاج حامد يحرص كل الحرص أن يزور سعدون ~~كلما جاء إلى زيارة زوجة ابنه. وكان سعدون يأنس إلى الحاج حامد، وكان يكثر من زيارته في ~~البلدة، ويعود في نفس اليوم حتى لا تفوته جلسة المقهى. # وجرت الحياة رخاء في الأسرة الصغيرة الجديدة، وفي الأسرتين الأخريين اللتين جمعهما ~~النسب الجديد. # وشاء الله أن يكون زواج هارون خيرا وبركة على بيت سعدون؛ فلم تمض إلا شهور ثلاثة حتى ~~تقدم لخطبة وجيدة أستاذ بدرجة مدرس في كلية الحقوق يملك أبواه حوالي عشرين فدانا وهو ~~ابنهما الوحيد، هو أيضا شأن هارون في عائلة حامد. ولم يكن العريس أمجد حماد قد رأى العروس، ~~فدبرت تحية هانم الأحمدي واسطة العريس اللقاء، ورضي كل من العروسين عن الآخر. وتم ~~الزواج بعد شهرين من الخطبة، وسكن الزوجان حي الجيزة ليكون الزوج قريبا من الجامعة. ولم ~~تمر سنة حتى رزقا بهناء، ثم مرت سنة أخرى ورزقا بأيمن. # | الفصل السادس # ما هذا الذي حدث؟! كيف استطاع هارون أن يجحد فضل أبويه هذا الجحود؟ لقد أصبح لا يزورهما ~~إلا في القليل النادر، حتى إنه كان يزور القرية ويمر بالأرض ولا يلقى والديه، وإنما يذهب ~~إلى مزارعه الأخرى. # ربما زارهما مرة في الشهر، أو قد يمر شهران أو أكثر ولا يراهما! وكأنما كان الحاج حامد ~~يتوقع هذا، ولكن الحاجة توحيدة كانت تعيسة بهذا التجاهل من ابنها تعاسة فاجعة. # وكان هارون قد دأب أن يسهر مع حميه سعدون، ولكنه كان لا يشرب معه إلا في القليل النادر. ~~وفي هذه السهرات تعرف على عبد المجيد زين الدين، وكان زين الدين مشهورا أنه من كبار ~~الأغنياء. وفي ليلة سأل هارون: ماذا تزرع يا هارون؟ ~~- أحاول زراعة الموالح. ~~- تحتاج إلى صبر طويل وإنفاق كبير وخبرة عميقة. ~~- وماذا ترى سعادتك؟ ~~- أتعرف مكتبي في شارع قصر النيل رقم 14. ~~- عظيم. ~~- تمر علي غدا الساعة الثانية عشرة. # قال له ms20 في المكتب: عندي لك زراعة تكسب منها مبالغ خيالية. ~~- خيرا؟ ~~- الأعشاب الطبية. ~~- سمعت عنها، ولكن كيف أبيعها؟ ~~- هذا عملي؛ فإني متعاقد مع شركات أجنبية، وإني سأشتري منك المحاصيل كلها، وسأدلك على ~~محلات التقاوي وكيفية الزراعة، وأدفع لك مقدم ثمن المحصول حتى لا تتكلف أنت وحدك ~~الإنفاق عليها. وتستطيع أن تبقي في نفس الوقت على أشجار البرتقال. ~~- شيء عظيم. ~~- نكتب عقدا؟ ~~- عشرة عقود إذا أردت. ~~- سنكتب عقدا واحدا على أربعة أنواع من الأعشاب، وبعد أن تجرب الزراعة نزيد العقود ~~إن شاء الله. ~~- وهو كذلك. # وكانت فاتحة خير عميم على هارون؛ فقد بدأ يزرع هذه الأعشاب وبرع في زراعتها براعة ~~فائقة، واستطاع أن يبقي أشجار الموالح في الأرض، وكسب آلافا من الجنيهات. ~~••• # ومرت سنوات ازدادت فيها ثروة هارون زيادة فائقة، وأنجب في خلال هذه السنوات شهاب وفائق ~~من بعده، وطبعا فرح بولديه ولكن فرحه بالمكاسب كان أكبر. وكانت حياته في البيت هادئة ~~مطمئنة، ولم يكن ازدياد ثروته مفاجأة لحميدة؛ فقد كانت تعرف رغبته العارمة في الغنى ~~والاستكثار من الأموال. ~~••• # لم يكتف هارون بالمكاسب التي كانت تدرها عليه عقوده مع مكتب عبد المجيد زين الدين، ~~فتاقت نفسه إلى مكاسب أعظم، حتى وإن ضحى بمن كان سببا في هذا الغنى الذي بلغه؛ فراح ~~يغدق المال على رفعت فواز سكرتير عبد المجيد زين الدين، وقد كان مثله شرها للمال. وفي ~~يوم: ~~- قل لي يا رفعت. ~~- تحت أمرك يا هارون بك. ~~- لو طلبت منك شيئا؟ ~~- لا أتأخر. ~~- أسماء الشركات التي يتعامل معها عبد المجيد زين الدين في الخارج. ~~- آه، وماذا تصنع بها؟ ~~- مجرد علم. ~~- هارون بك أنت رجل ذكي، فأرجوك لا تظن أن الآخرين أغبياء. ~~- أعطيك عن اسم كل شركة خمسمائة جنيه. ~~- ألف. ~~- ألف. # وعرف الأسماء وعناوينها، وسافر إليها، واستطاع في سهولة أن يغري الشركات بالتعاقد معه ~~على أن يكون وكيلها في مصر وفي الشرق الأوسط كله، وقد كان واثقا من نجاح عروضه؛ لأن ~~الأسعار التي قدمها كان فيها للشركة أرباح أكبر مما يحققه لها عبد ms21 المجيد زين ~~الدين. # ولم يهم هارون أنه قطع مورد الرزق الوحيد الذي كان يعيش عليه عبد المجيد زين الدين، ولم ~~يهمه أيضا أن الحياة سترغمه على لقائه؛ فعند المال كل شيء مباح، وكل شيء يهون. # كان لقاؤه بعبد المجيد زين الدين في المقهى مع سعدون. ولم يقل عبد المجيد شيئا أول ~~الأمر، حتى إذا شرب كأسه الثالثة وسرت حمياه في دمائه. # نظر إلى سعدون: سعدون. ~~- أفندم؟ ~~- أهنئك. ~~- خير إن شاء الله. ~~- لقد زوجت ابنتك الكبرى لأسفل رجل في العالم. ~~- أعوذ بالله لماذا هذا؟ # وقال هارون: لا عليك يا عمي؛ فإن الخسارة مؤلمة. # فقال سعدون: هل تسببت في خسارته؟ # وقال عبد المجيد: خسارة هينة. خرب بيتي تماما. # وقال سعدون: لا حول ولا قوة إلا بالله! لماذا يا هارون؟ لماذا يا ابني أنت غير ~~محتاج. # وقال هارون في تحد وصلافة وجمود وجه: السوق لا يعرف إلا من يفهمه. # وقال عبد المجيد في ثورة مكبوتة: بلا شرف؟ ~~- هذه ألفاظ لا شأن لها بالسوق. # وقال سعدون: بل التجارة شرف يا ابني. لا حول ولا قوة إلا بالله! # وقال هارون لينهي المناقشة: أستأذن أنا ... سلام عليكم. # وقال عبد المجيد: الله يخرب بيتك كما خربت بيتي ... مع السلامة. ولماذا السلامة؟ مع الموت ~~والخراب إن شاء الله. # وانصرف هارون، وتجهم المجلس، وقال سعدون: لا علينا، نعود إلى ما كنا فيه. # وعندما حان انصرافهم همس سعدون في أذن عبد المجيد: أنت بكرة في المكتب؟ ~~- إن شاء الله. ~~- انتظرني الساعة الثانية عشرة. ~~- أهلا وسهلا. # سعدون في طبيعته هادئ خجول، ولعل كثرة قراءته زادت من خجله هذا. # لا يزول عنه خجله إلا حين يشرب. وكان في مجلسه من عبد المجيد أسيفا يكاد الحياء يرتج ~~شفتيه، ولكنه كان مصمما أن يقول ما يريد قوله: أنا آسف. ~~- وأنت ما ذنبك؟ ~~- علي الأقل عرفته عن طريقي. ~~- كان يمكن أن أعرفه عن طريق أي إنسان. ~~- على كل حال أنا أشعر كأنني أنا المذنب. ~~- الأمر لله. ~~- أنا لا أستطيع أن أعوضك عن الخسارة التي لحقت ms22 بك، ولكنني أرى من واجبي أن أخفف ~~وقعها عليك. ~~- أنا شاكر مشاعرك على كل حال. ~~- المشاعر في هذه المواقف لا تعني شيئا. ~~- لا يملك الناس غيرها. ~~- عبد المجيد، لك عندي في كل شهر مائتا جنيه. كنت أتمنى أن أقدم لك أكثر ولكن ~~... ~~- ما هذا الذي تقول؟! ~~- ما سمعت. ~~- وكيف أقبل؟ ~~- لتفكر أولا كيف تعيش مستورا. # وصمت عبد المجيد وأطرق، ولم يستطع أن يرد دمعتين تحدرتا على وجنتيه. ~~- لا أستطيع في حالتي التي أنا عليها اليوم أن أمتنع، فإن تكن كرامتي ترفض فحاجتي ~~تلح. ~~- أخوك ويقف إلى جانبك. ~~- ونعم الأخ! ~~- سلام عليكم. ~~- مع ألف سلامة مع الشكر ... لا أستطيع ... # واختنق مرة أخرى بالبكاء. ~~- السلام عليكم. ~~••• # ولم يقل سعدون شيئا لهارون عما صنعه مع عبد المجيد، فكان شأن هارون عجيبا معه؛ فقد ~~زاد من المبالغ التي كان متفقا عليها معه ومع حماته دون أن يطلب ذلك؛ ربما لأنه كان يعلم ~~أن إباحة الأرض له ليزرعها قائمة على توكيل من صاحبي الأرض الصوريين، فكان في مقدور ~~سعدون وزوجته أن يأمرا عطا الله أفندي والحاج وافي بأن يسقطا التوكيل عن هارون كما يسقطه ~~عنه سعدون نفسه. وإذا فقد هارون هذه الأرض فإنه يفقد شيئا ليس هينا، ولو أنه استولى بنفس ~~الطريقة على أرض أخرى كثيرة، أصحابها يقيمون بعيدا عنها ولا قدرة لهم على مواجهة ~~الزراعة، ولكن مساحة الأرض المتاحة له من حميه وحماته ليست بالشيء القليل، وهو أيضا حريص ~~ألا يسيء إلى بيته، ولا ينغصه من ناحيته منغص. فلو أن حماته وحماه لم يرضيا عنه ~~لأثار هذا ما لا يحب له أن يثور من مشاكل في بيته. # أما أبوه وأمه فلا يستطيعان أن يثيرا مشاكل فبخل عليهما بخلا شديدا؛ فكانت تمر شهور ~~لا يرسل إليهما مالا مع علمه أن لأبيه ريع أرضه التي استولى عليها، وله أيضا بيته الذي ~~يقيم فيه، وإن يكن قد جمل بيت أبيه هذا وأثثه بأفخر الفراش، إلا أنه يظل مع ذلك بيت ~~أبيه. # الوحيد الذي كان يزور حامد وزوجته ms23 من القاهرة هو سعدون، وقد أصبح يصحب حفيديه شهاب وفائق ~~ليزورا جديهما ويمرحا في القرية في كل يوم جمعة. وأنس الطفلان إلى الجدين أنسا ~~شديدا. وكان المال الذي يرسله إليهما هارون كلما تذكرهما لا يكاد يفي بما يحتاجان إليه ~~من طعام وملبس ودواء، فكانا في ضيق مالي شديد لم يخف أمره على سعدون، وكان حائرا ماذا ~~يستطيع أن يفعل إلا أن يأتي في كل أسبوع بهدية كبيرة نافعة للأبوين المهجورين، فأحيانا ~~يأتي لهما بطعام وفير، أو يأتي لهما بملابس، وكان يقبلانها في إذعان يقرب إلى ~~الذلة. # وتعرف سعدون في هذه الزيارات على أصدقاء حامد جميعا، وأنس إليهم وأحبهم. ~~••• # مرضت الحاجة توحيدة وعادها طبيب الوحدة وهو صديق؛ فلم يقبل أن يتقاضى أجر الزيارة. ولم ~~يكن المرض خطيرا ولكنه كان يحتاج إلى دواء على أية حال، وليس معهما ثمن الدواء، واضطر ~~الحاج حامد كارها حزينا أن يطلب ابنه في التليفون ويخبره أن والدته مريضة. ~~- مريضة بماذا؟ ~~- المصران الغليظ. ~~- بسيطة. ~~- الحمد لله. ~~- على كل حال سأحضر قريبا لأراها. ~~- أهلا بك. # واستكبر الأب أن يقول لابنه أرسل الدواء، ووضع سماعة التليفون. ورأت الأم ما ارتسم على ~~وجهه من أسى وشجن وحزن، وقامت من فراشها، وما هي إلا لحظات حتى عادت: حاج حامد. ~~- نعم يا توحيدة. ~~- لا تحمل الهم أبدا، خذ هذا الكردان. ~~- حتى المصاغ القليل الذي تملكينه ستبيعينه هو أيضا؟! ~~- بيعه خير من أن يرثه ابن لنا جحد أبويه. بعه يا حاج حامد. ما فائدة المصاغ إن لم يكن ~~عونا عند الشدة، فما دمنا فقدنا ضمير ابننا، فلا بأس علينا أن نستعين بمصاغنا. # وأخذ الحاج حامد المصاغ، ولم يكن معه أجر السيارة إلى الزقازيق أو القطار إلى القاهرة، ~~فراح يفكر في الأمر. # ترك الحاج توحيدة في مجلسها وخرج يخلو بنفسه في غرفة الاستقبال، ولم يتح له مختار عمر ~~أن يخلو إلى نفسه طويلا: سلام عليكم! # وفي صوت هادئ ليس فيه رنة الترحاب التي تعودها مختار منه: أهلا. ~~- ما لك؟ ~~- لا شيء. ~~- بلا هناك أشياء ms24 . أنت تحمل هما ثقيلا. ~~- ومن فيها مرتاح يا مختار؟ ~~- المؤمن. ~~- نحمده؛ فبالإيمان نحتمل الحياة. ~~- كنت مسافرا إلى القاهرة، ولكنني لا أستطيع أن أتركك على هذه الحال. # أنا كنت ذاهبا أزور الأولياء وبعض أقاربي. ~~- كتر خيرك. # ثم وضحت في ذهنه فكرة: مختار، أنا أريدك أن تذهب إلى القاهرة. ~~- أسافر، أسافر حتى ولو لم أكن ناويا للسفر، فما بالك وأنا أنتويه. ~~- الحاجة عندها قطعة مصاغ تريد أن تبيعها لتشتري بثمنها قطعة أخرى رأتها عند إحدى ~~السيدات اللائي يزرنها. ~~- وما له. # واعتصرت قلب مختار يد قاسية كبت آثارها أن تبدو على وجهه، فما يدري هل وفق إلى ذلك ~~أم لم يوفق، وإنما قال كلمته السريعة، ثم صمت لحظات يكتم إجهاشة بكاء تعتصر فؤاده، حتى ~~إذا استوثق أن صوته لن يخونه قال: هاتها. ~~- هاكها. # فأخذ الكردان ووضعه في جيبه وقام: أقوم أنا لأعود مبكرا. ~~- مع السلامة. ~~••• # حين نزل مختار إلى القاهرة توجه من فوره إلى الصاغة وعرض الكردان للبيع، فكان أكبر ثمن ~~له ثلاثمائة جنيه، فأعاده إلى جيبه، وقبل أن يغادر الدكان الذي كان فيه بحث في دفتر ~~التليفون وعثر على الرقم الذي يريده وأدار القرص به: منزل سعدون بك؟ ~~- وجاءه صوت سعدون. ~~- نعم أنا هو، من الطالب؟ ~~- مختار عمر صديق الحاج حامد. # ورحب به سعدون: يا أهلا يا مرحبا! أين أنت يا مختار أفندي؟ ~~- أنا هنا في القاهرة وأريد أن أشوفك. ~~- يا مرحبا نتغدى معا اليوم. ~~- أعفني من الغداء، أريد أن أرجع اليوم. ~~- تعال أولا ثم نتكلم في موضوع الغداء. ~~••• # وقص عليه قصة الكردان ومرض الحاجة توحيدة، وأطرق سعدون طويلا وقد تمزقت نياط قلبه: ~~ألهذا نأتي بمن يخلفنا؟! أنهب لهم مالنا وأنفسنا ليجعلوا منا حطاما من البشر؟ وفكر ~~كثيرا: كيف سيصل بالمال إلى حامد دون أن يعرف حامد أنه منه. # وحين طال الصمت خشي مختار أن يكون قد جاء إلى من لا يعنيه الأمر، وأنه أخطأ المقصد ~~والمتجه فزاد حزنه، بل أضيف إليه الخجل من نفسه والأسف أنه أذاع سر صديقه بغير داع ms25 إلى ~~ذلك، وقال: سعدون بك كأني لم أقل لك شيئا. # وأفاق سعدون من أحزانه وقال في حدة: يا أخي انتظر، أو فكر معي على الأقل! ~~- أفكر؟! فيم أفكر؟ ~~- ألا تدري فيم تفكر؟ ~~- لا والله، بل ولا أدري أن المسألة تحتاج إلى تفكير. ~~- شأنك عجيب يا مختار أفندي! ~~- هل شأني أنا هو العجيب؟ ~~- أم تراك تظن أنه شأني أنا هو العجيب؟ ~~- والله نعم. أظن أن شأني أنا ليس عجيبا. صديق لك في محنة وقصدت إليك، فبدلا من أن ~~تدفع عنه هذه المحنة تصمت؟! ~~- وهل هي محنة واحدة؟ ~~- الموجود حاليا محنة واحدة. ~~- بل محن كثيرة. ~~- كثيرة؟ ~~- المحنة الأولى جحود ابنهما لهما. والمحنة الثانية كيف نقدم المال لهذين ~~العظيمين؟ إنهما ليسا فقيرين من الذين تعودوا مد أيديهم للناس وابنهما من كبار أغنياء ~~مصر. أما مسألة الكردان هذه فلا قيمة لها. ~~- كيف؟ ~~- سأعطيك المبلغ وآخذ الكردان، وأجعل الحفيدين يشتريان لجدتهما قطعتين من الذهب ضعفي ~~ثمن هذا الكردان، على أن يكون ذلك بعد شهر أو أكثر، حتى لا يظنا بالهدية منهما ظنا لا ~~نريده أن يخطر على بالهما. ~~- نعم التفكير. ~~- كيف نقدم لهما هذا المال بعد ذلك، تلك هي المحنة. ~~- ونعم الأخ أنت يا سعدون بك. ~~- قل هل عندكم مكتب بريد. ~~- عندنا. ~~- إذن حلت. ~~- كيف؟ ~~- لا شأن لك. انتظر حتى آتي لك بثمن الكردان. تقول ثلاثمائة جنيه؟ ~~- نعم. ~~- ولكنك تستطيع أن تقول إنك بعته بأربعمائة. ~~- أنعم وأكرم! # ومنذ ذلك اليوم كانت تصل الحاج حامد شهريا خطابات مسجلة بمبلغ ثلاثمائة جنيه مع ~~بطاقة باسم هارون حامد بركات. ولم يقف المبلغ عند هذا الحد، بل كان يرتفع مع زيادة الغلاء ~~حتى بلغ بعد سنوات ستمائة جنيه في الشهر. ولم ينس في نفس الوقت عبد المجيد؛ فقد كان يزيد ~~له المبلغ الشهري حتى يواجه الغلاء الذي يفغر فاه المتوحش على الناس. # | الفصل السابع # لم يمل الحفيدان شهاب وفائق زيارة جديهما حتى بعد أن أصبحا شابين يستميلهما ما ~~يستميل الشباب من متع وانطلاق؛ فقد كان يجدان عند جديهما وجدتهما ms26 نوعا من الرعاية ~~والحب لا يجدانه في ظل أبيهما، وإن وجداه من أمهما. # دخل شهاب كلية الهندسة، ودخل فائق كلية التجارة، وكانا جادين في الدراسة جدا ~~يمكنهما دائما أن يحصلا على درجة مشرفة. وكان سعار المال يزداد تحكما في والدهما ~~يوما بعد يوم، فالأرقام لا نهاية لها، وجمع المال عند بعض الناس غريزة في ذاته، قد يدعي ~~المسعور منهم أنه إنما يجمع الأموال لأولاده أو يجمعه ليتقي فجاءات الحياة. كذب هذا جميعه ~~وأشباهه؛ فهارون قد أصبح من الغنى بمكان يندر أن يصل إليه أحد، وأصبح واثقا أنه يستطيع أن ~~يواجه الحياة حتى آخر الحياة، بل إن ابنيه وزوجته أصبحوا في مأمن من ريب الفقر، بل ~~إنهم من بعده سيصبحون من أعظم الأغنياء، وكذلك الأحفاد حين يأتي الأحفاد. ولكن هارون لا ~~يكتفي ولا يهدأ أو يستريح؛ فجمع المال في ذاته هو حياته وكل ما يسعى له. أما ولداه ~~فقليلا ما يراهما، ونادرا ما يعلم ماذا هما صانعان بحياتهما، وإنما يعرف خبر نجاحهما ضمن ~~سائر الأخبار التي تلقيها إليه حميدة فيما تلقي إليه من أخبار حين يجمعه بها الليل بعد ~~يوم طويل هو فيه دائما ملهوف على زيادة ثروته. # والذي لا يعنى بولده ليس عجيبا ألا يعنى بوالديه. قد يتذكرهما فجأة فيطلبهما في ~~التليفون، وما داما لا يطلبان مالا في المكالمات فإنه يطمئن نفسه، بل هو لا يريد أن يسأل ~~نفسه من أين لهما بالمال. فإن سمحت نفسه وكان في حالة نفسية مرحة أرسل إليهما بعض المال، ~~متصورا أن فيما يرسل من حين إلى حين غاية الكفاية ليعيش والداه. في يوم من الأيام ~~النادرة في حياة هارون جلس إلى أسرته على مائدة الغداء، وفجأة قال شهاب: أبي لماذا لا ~~يأتي جدي وجدتي ليعيشا معنا؟ # وكأنما كان السؤال لكمة أصابت رأس هارون، فصمت حينا، ثم قال: جدك له أصدقاؤه في البلدة ~~ولا يجد السعادة في البعد عنهم، كما أنه لا يحب أن يغير بيته لا هو ولا جدتك، وقد علت ~~بهما السن ومن ms27 الصعب أن يغيرا مكان الإقامة في سنهما هذه. وانقض عليه فائق: ولماذا لا ~~تذهب أنت إليهما؟ # وأطرق هارون حائرا في غير خجل؛ فمثله لا يعرف الخجل: يا فائق أنا لا أراكما إلا في ~~القليل النادر، فكيف تطلب مني أن أذهب إليهما؟ ~~- لا يمكن أن يتركا هكذا. ~~- أنا أطلبهما بالتليفون كلما وجدت فرصة. # ويقول شهاب: لا تستطيع أن تتصور كم يفرحان حين نذهب إليهما مع جدي سعدون كل أسبوع، أو ~~حتى حين يتخلف جدي عن الذهاب ونذهب أنا وفائق إليهما. ~~- هذا طبيعي. # ويقول فائق: ولكني يا أبي أجد سحابة حزن تغشى وجهيهما كلما سألانا عنك. # وصمت، ثم قال في محاولة لإقفال الموضوع: الحقيقة أنا مقصر. ~~- هل تذهب معنا يوم الجمعة القادم؟ ~~- لا أستطيع أن أعدك الآن؛ فأنا لا أعرف مواعيدي. # وأطرق الشابان وقالت حميدة: لماذا لا تذهب يا هارون؟ إن هذا سيفرح ولديك وأبويك، بل ~~ويفرحني أيضا فأنا مشوقة إليهما. سنوات طويلة لم نرهما. ~~- لا أستطيع أن أعرف مواعيدي وأنا معكم في البيت. سأرى مواعيدي. # ورأى مواعيده ولم يذهب. أتراه كان يخشى اللقاء بعد هذا الجحود الطويل منه؟ ربما وإن كان ~~هذا بعيدا عن خلقه. # كانت الحياة في بيت هارون رغدة سعيدة، فهو حريص ألا يشغل نفسه بمناقشات داخل البيت، ~~فكل ما تطلبه حميدة أو ولداه مجاب؛ فلم يكن غريبا أن يكون لكل منهم سيارة خاصة، وأن تكون ~~النقود في أيديهم كافية دائما لما تتوق إليه نفس أي واحد من ثلاثتهم. ولكن الثلاثة جميعا ~~كانوا يشعرون أنهم لا يعيشون كما يعيش الناس، وأن هناك شيئا كبيرا يفتقدونه فيفقدونه. ~~وكانوا لا يخفون هذه المشاعر عن بعضهم البعض، فكان شهاب يقول دائما: لقد حول أبونا ~~أبوته إلى نقود واستراح. # وكان فائق يجيبه: إنه يملك المال، وكل عاطفته منصرفة إليه. أما نحن فلنأخذ ما نريد ~~على شرط واحد، ألا نزعجه بأي أمر من أمورنا. # وتقول حميدة في محاولة لإرضاء ابنيها: وماذا تريدان؟ وماذا ينقصكما؟ # ويقول شهاب دون ريث من تفكير: ينقصنا أب. # وتصيح حميدة ms28 وهي تعلم أنها على غير حق: أطال الله عمره! يعني هو مشغول كل هذا الشغل من ~~أجل من، أليس من أجلنا؟ # ويقول فائق: أبدا. إنه يعمل ليل نهار ليشبع هوايته في جمع المال. # وتقول حميدة: هل تأخر عنكما في شيء؟ # ويقول شهاب: أتعرفين يا أمي أننا لولا جلوسنا مع جدنا سعدون وجدنا حامد ما عرفنا أي شيء ~~عن الحياة ولا المبادئ ولا القيم؛ فهذه أشياء لا نتعلمها من المدارس أو الكليات، ولا ~~يستطيع الشباب في مثل عمرنا أن يحدثونا عنها. # وتقول حميدة: والله يا بني لا يصدق عليك إلا ما يصدق على البشر كلهم. إنا أحدا منهم لا ~~يرضى عن حاله أبدا، وكل إنسان يبحث في داخله عما يتعسه أكثر مما يبحث عما ~~يسعده. # ويقول شهاب: أهذا رأيك؟ ~~- وما رأيك أنت؟ ~~- رأيي أن الحياة العامة ممارسة، ومعرفة الناس وتجاربهم ثروة أكبر من ثروة المال. # ويكمل فائق: ونحن شباب في يدنا المال، وحتى أصدقاؤنا في الكلية يتقربون إلينا لننفق ~~عليهم فما ندري من منهم الصادق ومن المنافق. # ويقول شهاب: نحن أكثر الناس حاجة إلى أبينا كإنسان، لا كأموال. # وتقول حميدة: أجربتم القراءة؟ # ويقول فائق: قليلا ما نقرأ، ولكن القراءة وحدها لا تكفي. قد تهب لنا الثقافة، ولكنها لا ~~تهب لنا الخبرة. # ويقول شهاب: لا تعجبي يا أمي إذا ضل بنا الطريق، ووقعنا في أخطاء لا يجدي المال في ~~تلافيها. # وبقلب الأم تصيح حميدة: يا ابني قل وغير! لا قدر الله ولا كان. ~~- أخاف يا أمي، أرجو ألا يقدر الله، ولكن إذا ضللنا فسيكون الخطأ من طريقة عيشنا لا ~~من شيء آخر. # | الفصل الثامن # كان سعدون في بيته بجاردن سيتي الذي لم يغيره منذ زواجه، ولم يكن بحاجة أن يغيره؛ ~~فقد كان المال وافرا عنده من ريع الأرض الذي كان يزيد زيادة فاحشة. كما أنه أصاب مبلغا ~~يزيد على مليوني جنيه حين آلت عمارة عابدين للسقوط، وقررت الجهات المختصة إزالتها حتى لا ~~تنقض على من بها. ورأى سعدون أن بيع أرضها خير ms29 له من إعادة بنائها. وكانت العمارة مقامة ~~على حوالي ألف متر، وكان سعر المتر في هذه المنطقة قد تجاوز الألفي جنيه. فباع الأرض بما ~~يزيد على مليوني جنيه؛ وبذلك أصبح موفورا في ماله السائل، كما كان موفورا بأرضه وأرض ~~زوجته وفية الذي وصل إيجار الفدان فيها إلى ألف جنيه في العام، كان يدفعها لها هارون ~~راضيا؛ فقد كان يكسب من الأرض أضعاف هذا المبلغ. # جاء الخادم يبلغه أن عبد المجيد زين الدين بالدور الأول يرجو أن يلقاه، فتعجب سعدون ~~لهذه الزيارة المفاجئة؛ فقد كان لا يرى عبد المجيد إلا في أول كل شهر ليسلمه المبلغ الذي ~~تعهد أن يقدمه إليه، والذي زاد إلى أربعمائة جنيه في السنوات الأخيرة. كان مرتديا ~~ملابسه فنزل من فوره إلى غرفة الاستقبال في بيته: مرحبا عبد المجيد بك! ~~- أهلا بالرجل العظيم! ~~- وبعد لك؟ إنك دائما تخجلني. قهوتك مضبوطة أليس كذلك؟ ~~- نعم. # وطلب سعدون القهوة لضيفه الذي ظل شبه صامت لا يتكلم، وإذا تكلم لا يتكلم إلا عن ~~الجو والصحة وأولاده، وهذه الأحاديث لا تعني شيئا، وكلما تكلم ازدادت دهشة سعدون من هذه ~~الزيارة التي لم يتصور أن يكون المراد منها مجرد الحديث عن الجو والصحة والأولاد. عرف ~~من الأحاديث أن إلهام حفيدة عبد المجيد من ابنه وجدي أصبحت في السنة الثالثة من كلية ~~التجارة، وأن حفيدة نبيل من ابنه إسماعيل في السنة الرابعة من كلية الطب، ولكن ماذا يعني ~~هذا؟ إن هذه الأنباء نفسها ليست جديدة عليه؛ فهو على صلة شهرية في الصباح بعبد المجيد، ~~شهرية في الصباح وتكاد تكون شبه يومية في مقهى الهيلتون الذي انتقلوا إليه بعد أن هدمت ~~الأنجلو. وكان عبد المجيد قد أقلع عن شرب الخمر وأصبح أقرب ما يكون إلى التصوف، لكنه كان ~~يحب الجلوس إلى من بقي من أصدقاء الأنجلو في مقهى الهيلتون، يتبادلون الحديث ويعلقون على ~~الأحوال الاقتصادية والمالية، ويفرج المكروب عن كربه، ويترحمون على الأيام الخوالي، ~~ويتناقلون أخبار بعضهم البعض. إنها زيارة غريبة! ماذا حدث للرجل؟ إن ms30 الزيارة المنزلية لم ~~تصبح سمة العصر. ماذا يريد الرجل، وفيم هذا الحديث الذي لا جديد فيه؟ وشرب عبد المجيد ~~القهوة ورشف رشفة من الماء: لا تعجب كثيرا من هذه الزيارة. ~~- البيت بيتك وتشرف في كل وقت. ~~- مرت حوالي عشر سنوات منذ اليوم الذي تفضلت فيه ... # وقاطعه سعدون: وبعد لك يا عبد المجيد بك! ما معنى هذا الكلام؟ ~~- اسمعني إلى آخر حديثي. ~~- تحت أمرك. ~~- بعد النكبة التي أنزلها بي هارون ظللت قرابة سنتين وأنا لا مورد لي إلا ما آخذه ~~منك. ~~- وبعد معك؟ ~~- اسمعني. كانت سنوات مظلمة، وكان الأولاد بالمدارس وبغير ما كانت آخذة منك الله وحده ~~يعلم إلى أي مصير كنت سأرمى. في السنة الثالثة لاحت لي فرصة تجارية بدت في أول أمرها ضئيلة ~~الموارد، فقلت في نفسي أبلغك وأتوقف عن أخذ المبلغ الشهري منك، ولكنني راجعت نفسي. ماذا ~~أفعل إذا لم ينجح المشروع؟ ورأيت أن أنتظر قليلا. كان المشروع تجارة أخشاب، وكبر المشروع ~~وأصبح المال الذي أناله منك غير ذي موضوع. لكنني فكرت قليلا، فوجدت أن المبالغ التي ~~تعطيها لي أنت لست في حاجة إليها؛ فقد كنت أعرف أن إيجار أرضك يزيد دائما، وأنك بعت ~~أرض عابدين فكان همي الوحيد كيف أرد لك فضلك؟ وجدت أن أحسن ما أستطيع أن أصنعه أن أستمر ~~في أخذ المبلغ منك وأستثمره في مشروعي وكأنك شريك معي بما تقدمه لي كل شهر. واعتبرت ~~نفسي كأني أدخر لك. ~~- ماذا؟! ~~- اسمع. ~~- لا أسمع شيئا! وهل هذا معقول؟ ~~- بل هو المعقول. في هذه الحقيبة نصف مليون جنيه، هي أرباحك التي كسبتها مما قدمته ~~إلي في هذه السنوات. # ووقف سعدون ذاهلا وهو يصيح: ماذا تقول يا رجل؟ هذا المال نتيجة جهدك وعملك. ~~- ولكنه مالك أنت، وكل ما فعلته أنني أشركتك معي. ~~- وجهدك؟ ~~- كنت سأقوم به على أية حال، سواء كان مالك أو لم يكن مالك. إنه كان يدخل ضمن إيرادي، ~~أليس كذلك؟ ~~- كيف أقبل هذا؟ ~~- هذا ربح حلال، وأنت تعرف أنني الآن أؤدي الفروض جميعا، وهذا المال ms31 زكاته مدفوعة وعلم ~~الله ليس فيه مليم من حرام. ~~- لا يمكن أن أقبل هذا. ~~- لقد كنت كريما وأنت تعطي، فاسمح لمن أخذ أن يكون على درجتك من الكرامة. ~~- أترضاها لي؟ ~~- أوترضى أنت لي أن أستحل مالك في أسود أيام عمري، ولا أرد لك الفضل بعد أن أكرمني ~~الله هذا الإكرام؟ ~~- ولكن أنا لم أقدم إليك ما قدمت لتتاجر لي فيه، بل لم أكن أتوهم هذا. ~~- ولكنني أخذت منك ما أخذت في السنوات الأخيرة كلها، على نية التجارة بها ~~باسمك. ~~- فلو كنت خسرت ماذا كنت تصنع؟ ~~- لو كنت خسرت لظللت أتقاضى منك ما خصصته لي، وتكون أنت قد خسرت مالا كنت تتبرع ~~به. ~~- والله ... ~~- يا سعدون بك من الكرامة أن تعين الآخرين على حفظ كرامتهم. ~~- هذا معنى جميل. ~~- إنه حق. ~~- إذن فاسمح لي أن أشعر أنني أسمو إلى المكان الذي وضعتني فيه. # ألم تستر فقري، وأتحت لي العيش كريما على نفسي وأولادي وعلى الناس في سنوات ما كنت أدري ~~فيها كيف أواجه الحياة؟ أستأذن أنا، سلام عليكم. # وقام الرجل من مجلسه وسعدون ما يزال في حالة ذهول، وقف هو يقول: انتظر. ~~- لم يبق عندي ما أقوله. ~~- هذا المال ليس حقي. ~~- بل إنه أقل من حقك. # واتجه إلى الباب وهو يقول: سلام عليكم. # وخرج وسعدون في ذهوله لا يزال. # ثم جلس وهو يقول في صوت مرتفع: أيمكن هذا؟ هل هناك ناس مثل هذا الرجل؟ اللهم أحمدك يا رب. ~~إنك أرحم بعبادك من أن تتركهم وليس فيهم مثل هؤلاء العظماء. # | الفصل التاسع # انتهى اليوم الدراسي في كلية الهندسة، وخرج شهاب من الكلية وبرفقته صديقه حلمي فؤاد ~~واتجها إلى سيارة شهاب. ~~- إلى أين يا شهاب؟ ~~- إلى البيت. ~~- ماذا تصنع في البيت؟ ~~- ما يصنعه خلق الله في بيوتهم. ~~- يا أخي لقد تعبنا اليوم، لماذا لا نتغدى في أحد المطاعم ونقضي يوما ممتعا. ~~- لا مانع. انتظرني في السيارة حتى أكلمهم في البيت. ~~- أترى ذلك مهما؟ ~~- حتى لا أشغل والدتي. ~~- على كيفك، ولو أنني في بيتنا أعود ms32 حينما أريد، ولا يسألني أحد أين كنت. ~~- المسألة ديتها تليفون. ~~- على كيفك. # وحين عاد شهاب سأل حلمي: أتعرف مطعما معينا؟ ~~- اطلع. # وعلى الغداء قال حلمي: قل لي يا شهاب، ألم تتصل في حياتك بالبنات؟ ~~- اتصالات عابرة. ~~- مثل ماذا؟ ~~- ما تيسر. ~~- ألم تذهب إلى بيت من بيوت المتعة؟ ~~- أسمع عنها ولكني لم أرها. ~~- هل من المعقول هذا؟! ~~- أتراه غير معقول؟ ~~- لو أن الشباب جميعهم مثلك لخربت هذه البيوت. ~~- يا ليتها تخرب. ~~- اسكت، أنت لا تعرف شيئا. ~~- أعرف ماذا؟ ~~- هناك ينسى الإنسان نفسه. ~~- وينقلب إلى حيوان. ~~- وما البأس؟ أليست الحيوانية جزءا منا؟ ~~- جزء بغيض. ~~- على أساسه تبقى الحياة، لولاه لفني البشر. ~~- هذا في الزواج. ~~- ولكننا قبل الزواج شباب، ولا بد أن نجرب الحياة. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- بل أنا واثق. ~~- أذهبت أنت إلى بيت من هذه البيوت؟ ~~- مرتين في حياتي؛ وهذا لقلة المال طبعا، فلو كان معي مال لذهبت إليها يوميا. ~~- أين هذا البيت؟ ~~- ما رأيك نذهب الليلة. هل معك فلوس؟ ~~- معي. ~~- إذن نلتقي في التاسعة ونتمشى بالسيارة قليلا، ثم نذهب. ~~- والله لا مانع. # والتقيا، وذهبا، وواجه شهاب حياة جديدة عليه، سعد ببعضها وتقزز من بعض آخر ~~فيها. # النساء عرايا، وصاحبة البيت عجوز تفعل بوجهها الأفاعيل لتبدو في غير سنها، وفي البيت صمت ~~كئيب على غير ما تصوره الأفلام المصرية، الهمس هو صوت المتحدثين، والغمز بالعين ~~الواحدة إشارات كأضواء خجلى لا تنطفئ ولا تنير. وقلة قليلة من رجال لا يعرف أحدهم الآخر، ~~وإنما كل منهم في شأن يغنيه، يجلس في صحبة كأس يحسوها في توتر شديد. # ألح حلمي على شهاب أن يشرب كأسا من الويسكي، وأطاعه آخر الأمر ولكنه لم يكمل الكأس؛ ~~فذوقه رفض طعم الشراب ولم يجد له تلك النشوة التي سمع بها. # وحين خرج من البيت كان يشعر بشيء من الخجل والغضب من نفسه. ~~••• # يحرص فائق على الذهاب إلى الكلية كل يوم رغم الزحام الشديد، ورغم أنه لا يستفيد شيئا من ~~المحاضرات التي يلقيها الأساتذة؛ فقد كان يعتمد في نجاحه على مذاكرته ms33 هو في بيته. وهو في ~~ذلك مثل الأغلبية الكاثرة من الطلبة، ولكنهم مع ذلك يصرون على الذهاب إلى الكلية، ولكل ~~من الطلبة سبب خاص به في ذهابهم إلى الكلية؛ فأغلبهم لا يصيب شيئا من الفائدة بالمحاضرات، ~~بل إن كثيرا منهم يذهب إلى الكلية ولا يدخل إلى المحاضرة، ويقول قائلهم: إن وجدت الكرسي ~~الذي أقتعده، فلن أجد الهواء الذي أتنفسه. ولكن الطلبة مع ذلك يحرص أغلبهم على الذهاب إلى ~~الكلية. وأين سيجد كل هؤلاء الأصدقاء ومن ينادمهم وينادمونه؟ وأين سيجد الفتيات بهذه ~~الأعداد الهائلة؟ ولكل من الطلبة فتاة من زميلاته يعجب بها، وسواء لديه إن كان عنده أمل ~~في صداقتها أو لا أمل له. # وكان فائق من هؤلاء الكثرة الذين يحرصون على الذهاب إلى الكلية، وكان له في فتاة بذاتها ~~مأرب، ولكنه ما كان يدري كيف يتقرب منها أو يرمي شباكه عليها؛ فقد كانت صلاته الاجتماعية ~~محدودة، وكانت المآدب التي يقيمها أبوه لا يأتي إليها من الفتيات من هن في مثل سنه، ~~وإنما كن في سن أمه، فإن صغرنها فبسنوات قليلة لا يتصور أن تكون واحدة منهن على علاقة ~~به. # وفي الكلية أغلب الفتيات يتجمعن بعيدا عن الطلبة، ولم يكن يتصور أن يقتحم عليهن ~~تجمعهن ويخاطب واحدته التي يعجب بها كل الإعجاب. وكل ما استطاع الوصول إليه بعد جهد ~~جهيد أن اسمها إلهام، وحتى لم يعرف اسم أبيها. # وكان فائق يذهب إلى المكتبة كثيرا بعد انتهاء المحاضرات ليحصل على بعض مراجع؛ فقد كان ~~حريصا أن يكون نجاحه بتقدير يشرفه. # دخل إلى المكتبة ووجد فيها إلهام فخفق قلبه. إنه محقق في يومه هذا ما عجز عن تحقيقه ~~منذ التفت قلبه إليها. عثر على المرجع الذي جاء من أجله ووضعه أمامه وفتحه ولم يستطع أن ~~يقرأ منه شيئا؛ فقد كانت عيناه على إلهام أن تخرج وهو مستغرق في القراءة. الكتاب يستطيع أن ~~يعود إليه في أي وقت، ولكن هذه الفرصة هيهات أن يجعلها تفلت من يديه. قامت إلهام لتعيد ~~ما معها من مراجع ms34 ، فقام من فوره وأعاد المرجع لم يقرأ منه حرفا. وخرج مع إلهام من المكتبة. ~~كانت ساحة الجامعة تكاد تكون خالية، ومشت إلهام فتبعها لا ينطق بكلمة، حتى إذا بلغا خارج ~~الجامعة وقفت إلهام تبحث عن سيارة أجرة، وحينئذ تجرأ وأقدم: أين سيارتك؟ ~~- في الإصلاح. ~~- هل إذا عرضت أن أوصلك أكون تجاوزت مكاني؟ ~~- مطلقا. أنت زميلي، وأي تجاوز أن يعين زميل زميلة له؟ ~~- تفضلي. # وفي السيارة وجد نفسه يقول دون ريث تفكير: أنت لا تعرفين كم مر بي من زمن أنتظر هذه ~~الصدفة. ~~- بل أعرف. ~~- تعرفين؟! ~~- منذ أول يوم نظرت فيه إلي. ~~- كيف؟! هذا غير معقول! ~~- بل هذا هو المعقول؛ فالفتاة منا تحس بالنظرات حتى وإن لم ترها. ~~- إذن؟ ~~- إنك في كل يوم تتحرى أن تقف على مقربة مني ومن زميلاتي ونظرك موجه إلي. ~~- لم أجرؤ أن أتقدم إليكن. ~~- وأنا لم أعرف كيف أشجعك. ~~- بنظرة بابتسامة، أو بشبه ابتسامة. ~~- أترضى لي أن أكون البادئة؟ ~~- مجرد إشارة عابرة. ~~- لا يعقل أن تكون الإشارة الأولى مني أنا. ~~- أعرف أن اسمك إلهام، عرفته وأنا أسمع زميلاتك ينادينك. ~~- ولم تحاول أن تعرف بقيه اسمي؟ ~~- خشيت على سمعتك. ~~- إلهام وجدي. ~~- اسم الوالد؟ ~~- طبعا. ~~- ظننت أنه قد يكون اسم الأسرة. ~~- اسم الأسرة زين الدين. ~~- وأنا فائق. ~~- فائق هارون بركات. ~~- لم أفرح بسماع اسمي مثل هذه اللحظة. ~~- لا يا شيخ! ~~- تعرفينه بالكامل. ~~- هذا أمر ليس صعبا. ~~- كيف عرفته؟ ~~- من زملائك. ~~- أنا لا أعرف زميلات. ~~- لماذا؟ ~~- لا أدري، ربما كنت خجولا أكثر مما ينبغي. ~~- شيء غريب في زماننا هذا. ~~- زوار بيتنا كثيرون، ولكنهم يجيئون لنا في أعمال ولا معنى لوجودي معهم. وفتيات أسرتنا ~~قليلات جدا؛ فأنا لا أعرف إلا ابنة خالتي هناء، وليس لي عم ولا بنات عم؛ فدائرتي ~~الاجتماعية ضيقة جدا. وأنا طالب لا بأس بي، أنال تقديرا دائما في كل عام. ~~- أما هذا فأعرفه. ~~- أنت ما أخبار دراستك؟ ~~- طالبة من درجة مقبول، ولكني أنجح وراضية بقسمتي كل الرضا والحمد لله. ~~- نعمة. ~~- أراك تسير ولا تسألني عن عنواني ms35 ، ومع ذلك فأنت في الطريق الصحيح. ~~- إن كنت خجلت أن أتعرف بك، فإنني لم أخجل أن أتبعك بسيارتي كلما خرجنا معا من ~~الجامعة. ~~- معقول! ~~- هذه أول مرة أراك فيها بالمكتبة. ~~- لأنها أول مرة أذهب فيها إلى المكتبة. ~~- ماذا كنت تريدين منها؟ ~~- هذا شأني. ~~- هل اسم الكتاب سر؟ ~~- ليس سرا، وإنما أنا ذهبت حتى يخف الزحام وأجد سيارة أجرة. ~~- فقط؟ ~~- ولأقرأ بعض مواد في القانون التجاري لم أفهمها من شرح الدكتور طلبة. ~~- وفهمتها؟ ~~- أوتريد أن تبحث عن حجة لتذاكر معي؟ ~~- اسمعي، أرجوك أن ترفقي بي فأنا خجول كما ذكرت لك، وأنا في نفس الوقت معجب بك إعجابا ~~شديدا. ~~- أشكرك. ~~- بل أنا الذي أشكرك. ~~- أتعرف لماذا أشكرك؟ ~~- ربما لإعجابي بك. ~~- لأنك اخترت الكلمة المناسبة، ولم تقل الكلمة التي يستسهل كل فتى أن يقولها ~~لفتاة. ~~- أنا صادق دائما، أو على الأقل أحاول أن أكون صادقا. ~~- لقد وصلنا، ومن حقك علي أن أقول لك إنني أيضا معجبة بك. ~~- بماذا؟! ~~- كنت أقدر في نفسي محاولتك التقرب مني وتعففك عن فرض نفسك علي، أما الآن ~~وبعد حديثي معك، فأنا أيضا أحمل لك نفس الإعجاب الذي تحمله لي. # | الفصل العاشر # قال سعدون: يا هارون أنا نويت إن شاء الله أن أبيع أرضي وأرض زوجتي. وصمت هارون قليلا. ~~إنه سيخسر لا شك، ولكن المبالغ التي تعود عليه من الزراعة جميعا أصبحت ضئيلة هينة لا ~~قيمة لها بجانب ثروته التي أصبحت شامخة، وإن كان قد جمعها بكل الوسائل التي لا تنتسب إلى ~~الشموخ. وبيع سعدون للأرض أمر طبيعي فقد علت به السن، فمن الطبيعي أن يضمن انتقال الثروة ~~إلى بنته فهو لم يرزق الولد. ~~- ابن عطا الله الذي اشترى أرض حماتك من أبيها، أنت تعرفه؟ ~~- نعم نصيف، إنه ولد طيب. ~~- جدا، وإلا لانتهب الأرض التي اشتراها أبوه شراء صوريا من عثمان بك الله يرحمه، ~~فثمن الأرض اليوم تضاعف عشرات الأضعاف. ~~- طبعا، وما شأن الحاج وافي؟ ~~- كبر في السن، وأخشى أن يختاره الله، وهو طبعا ما زال على وفائه. ~~- والأربعة ms36 الذين اشتروا الأرض من والدك؟ ~~- كلهم على قيد الحياة ووافقوا على البيع. ~~- الحمد لله، وهل جاءك في الأرض ثمن؟ ~~- نعم ثمن لا بأس به. طبعا أنت لا تفكر في الشراء؟ ~~- مطلقا، والواقع أن الزراعة كلها لم تصبح موردا هاما من مواردي المالية. ~~- أعلم هذا يا هارون، ويا ليتك بقيت في الزراعة! ~~- لماذا؟ ~~- أنت تعمل في كل شيء؛ في المقاولات، في التصدير والاستيراد، في التجارة الداخلية ~~والخارجية. لقد أصبح المال بالنسبة إليك غاية لا وسيلة. ~~- وهل في هذا عيب؟ ~~- العيب ليس في العمل، وإنما في طريقة العمل. والمال عظيم طالما بقي وسيلة، وكارثة حين ~~يصبح غاية؛ فالأرقام لا تنتهي، والمنهوم للمال يرتكب كل شيء ليرضي جشعه. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني معاملتك مع الآخرين. أنت لا تراعي الله، وما دمت لا تراعي الله فأنت لا تفكر ~~بإنسانية في معاملتك، لا يهمك أن تخرب بيوت الناس وتمحقهم محقا لتنال أنت بضعة ~~نقود. ~~- هذه هي قوانين السوق. ~~- ألا تفكر مطلقا في قوانين الله. ~~- والله إن جئت للحق، إن هذه الفكرة لا تخطر على بالي مطلقا. ~~- ومع ذلك حلفت بالله في أول جملتك. ~~- تعود سخيف. ~~- أليس هو خالقنا؟ ~~- أشك في هذا. ~~- فمن الخالق؟ ~~- لا أدري، ربما كانت الطبيعة. ~~- كلام فارغ. الطبيعة لا عقل لها ولا إرادة. ~~- ما تعني؟ ~~- أعني أن المعادلات الكيماوية التي تنتسب للطبيعة ليس لها إرادة، فإذا وضعت أكسجين مع ~~هيدروجين لا بد أن ينتج ماء. وإذا أوصلت سلكا كهربائيا سالبا بآخر موجب لا بد أن تنتج ~~قوة كهربية. ~~- وماذا في هذا؟ ~~- إن الله صنعها هكذا، ولكنه أبقى لنفسه الإرادة في أشياء لا تستطيع الطبيعة أن تقترب ~~منها. ~~- مثل ماذا؟ ~~- مثل إنجاب البنين. كان المفروض أنه ما دام رجل سليم قد تزوج من فتاة سليمة فلا بد أن ~~ينجبا أطفالا، ولكن هذا لا يحدث، ولا يأتي الأطفال إلا بقوة إلهية عليا. ومثل نزول المطر؛ ~~فقد كان المفروض أنه ما دام البخار قد تصاعد إلى السماء فلا بد أن ينزل المطر، ولكن هذا لا ~~يحدث ms37 ، فإن الله ينزل المطر حينما يشاء. والأمثلة على وجود إرادة عظمى وقوة إلهية لا يحيط ~~بها البشر. ~~- لقد تقدم العلم كثيرا. ~~- ولكنه عجز عن أن يجعل العقيم منجبا، وعجز عن دفع السيل الذي لا يبقي ولا يذر، أو ~~إنزال المطر. وكل تقدم علمي كشف عن قوى إلهية كامنة في الطبيعة يتيح الله للبشر أن ~~يتعرفوا عليها بإرادته وفي اللحظة التي يريدها. وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري ~~نفس بأي أرض تموت. ~~- أنا لا أفكر في هذه الأشياء. ~~- لقد عجز رئيس أمريكا أكبر دولة في التاريخ أن يمنع السيول أن تصيب بيته هو. لقد عجز ~~علم دولته التي وصلت إلى القمر أن يواجه إرادة الله في السيول أو الجفاف أو البرد أو الحر ~~أو الميلاد أو الوفاة، وتأتي سعادتك تقول الطبيعة هي التي خلقت. يا لها من خالق عاجز مخلوق ~~بلا عقل ولا تفكير! إن هذا العالم يستحيل أن يديره إلا قوة عليا من التفكير والتدبير، ~~فالذي خلق الضوء خلق العينين، والذي خلق الحديث خلق الأذنين. أي طبيعة هزيلة هذه التي ~~تفكر فيها. كم أنت مسكين يا بني! ~~- المهم أنني خلقت. ~~- وأنت أيضا ستموت، فلو أن الطبيعة هي التي خلقتك أتراها أيضا هي التي ستميتك؟ ~~- لا أدري. ~~- فكر قليلا. هل للموت معادلة كيماوية؟ أنت ترى الطفل يموت، والصبي يموت، والشاب يموت، ~~ويبقى الشيخ العجوز المريض، وترى كما قال شوقي: # وقد ذهب الممتلي صحة # وصح السقيم فلم ~~يذهب ~~- إن كل هذا الذي تقول لا يشغلني في كثير أو قليل. ~~- لأنك بعيد عن الله كل البعد. دينك وإلهك المال وحده، ولا شريك له، حتى حبك لأبيك وأمك ~~لا وجود له، بل حبك لأبنائك الذي يجب أن يكون غريزيا بالسليقة ضئيل عندك بجانب حبك ~~للمال. ~~- العالم كله مهموم بالمال وبالتقدم العلمي. ~~- إن العالم كله لم يستطع أن يصل إلى سر الروح، وقد أنفق الاتحاد السوفييتي المليارات من ~~الأموال ليصلوا إلى سر الروح حتى يدللوا به على صحة مذهبهم الإلحادي، وما زال سر ms38 الروح ~~مستغلقا على العالم أجمع. ألا إنها من أمر ربي. ~~- أنت غاضب علي. ~~- أنا حزين لأجلك، وحزين لأجل أبنائك الذين لا يسمعون اسم الله في بيتهم إلا في الصلاة ~~التي تقيمها أمهم. أنجاهم الله من كفرك. # | الفصل الحادي عشر # دق جرس التليفون في بيت هارون، ورفعت حميدة السماعة: ماما. ~~- شهاب؟ ~~- لا، أنا الباشمهندس شهاب. ~~- صحيح؟ ~~- وفائق أيضا أصبح الباشمحاسب فائق. # وفي طفر من الفرح غامرة قالت حميدة: صحيح؟ الحمد لله يا ابني. ألا تأتي لأقبلك؟ وأين ~~أخوك؟ ~~- أنا سأقضي اليوم مع إخواني، وسأتأخر في المساء. أما فائق فقد طلب مني أن أخبرك أنه ~~سيتغدى خارج البيت ولن يتأخر بعد ذلك. ~~- ألم يكن من المعقول أن تأتي أنت وأخوك لنفرح بكما أنا وأبوك؟ ~~- أبي مشغول، المهم أن تعرفي أنت، وقد كلمتك بعد أن عرفت النتيجة مباشرة لأني أنا وفائق ~~نعرف أن الأمر يهمك. ~~- يهمني؟! إنه أملي الذي أعيش له وبه. ~~- الحمد لله. قولي أنت لأبي، وما أظن الأمر يهمه كثيرا. ~~- أهذا الكلام؟ ~~- المهم لا تنشغلي إذا تأخرت قليلا في المساء. ~~- ما تشوفه يا ابني، الأمر لله. ~~- مع السلامة. ~~- مع السلامة. ~~••• # لم يبد هارون الفرح الذي ينبغي لأب تخرج ولداه اللذان ليس له غيرهما، وكأن الأمر كان ~~مفروضا لا شك فيه، وألم بقلب حميدة بعض الألم من استقبال هارون لخبر هو في عرف الأسرات ~~من أهم الأخبار التي تسعد لها الأسر جميعا. # تناول هارون غداءه في سرعة ولم ينم نومة القيلولة، وخرج وهو ينبئ زوجته أنه سيتأخر في ~~المساء، ولم تسأله لماذا فهكذا تعودت. # وأمسكت التليفون لتخبر أختها بنجاح ابنيها، وبشرتها وجيدة بأن هناء أيضا حصلت على ~~ليسانس الحقوق، وأن أيمن نجح وأصبح في السنة النهائية من نفس الكلية. وكان الدكتور أمجد في ~~البيت، وكان سعيدا غاية السعادة بنجاح ابنته وابنه. وهنأ حميدة بنجاح ولديها، واستردت ~~حميدة فرحتها التي كان استقبال هارون قد خفف منها. # وراحت حميدة تكلم أبويها وصديقاتها جميعا، وفجأة تذكرت أنها لم تكلم الحاج ~~حامد فأدارت القرص وكلمته في ms39 البلدة، فكانت سعادته الواضحة من صوته أعظم ألف مرة مما رأته ~~من عدم اهتمام هارون بالخبر. وكلمتها حماتها الحاجة توحيدة وهي تقول: لو كنت أعرف كيف ~~أزغرد لزغردت، ولكن انتظري! يا نبوية، يا أم الهنا، يا سعدية، زغردن يا بنات واملأن الدنيا ~~زغاريد. # وسمعت حميدة زغاريد الخادمات في التليفون فأحست قلبها يزغرد معهن، وهكذا ملأت السعادة ~~جوانح حميدة؛ فقد عبرت هذه الزغاريد عن كثير من خلجات الفرح التي يدق بها فؤادها. # ولم تمض ساعات حتى جاءتها أختها وجيدة وابنتها هناء ومعهما صناديق من الحلوى، وأقبلت ~~الكثيرات من صديقاتها يحملن أيضا ما يجاملن به حميدة صديقتهن الطيبة الحبيبة إليهن ~~بخلقها السلس وصداقتها الحنون الخالصة بلا شوائب؛ فقد كن يحملن لها الود الصادق وإن كانت ~~منهن من تكن لها بعض الحسد على الغنى الفاحش الذي أصابه زوجها، إلا أن أولئك كن يجهدن ~~غاية الجهد أن يخفين حسدهن حتى كن يبدين أكثر حبا لها من المخلصات اللواتي لا يحملن لها ~~إلا الحب الخالص الكريم. # ولم يسكت التليفون عن الرنين ممن لا يستطعن المجيء يقدمن التهنئة ويسعدن بالزيارة في ~~الغد. # وطال بالسيدات الحديث حتى أوشك موعد العشاء أن يحين، فبدأن في الانصراف ولم يبق إلا ~~وجيدة وابنتها هناء فقد بقيتا قليلا، ثم قالت وجيدة: نقوم أنا وهناء فإننا الليلة سنحتفل ~~بالنجاح، وقد أعددت وليمة، إذا كان هارون سيتأخر فلماذا لا تأتي معنا يا حميدة؟ ~~- هارون فعلا سيتأخر وكذلك شهاب، ولكني أعتقد أن فائق في طريقه الينا وسأكرمه بعشاء ~~فاخر. # وقبل أن تكمل جملتها دخل فائق وسعادة الدنيا كلها في وجهه وعينيه، واستقبلته خالته وهناء ~~بالتهليل، وحين استقر بهم المجلس قالت هناء: هذه الفرحة الكبرى التي في وجهك وعينيك فرحة ~~النجاح وحده؟ ~~- أليس التخرج جديرا بهذا؟ ألم تفرحي أنت بالتخرج؟ ~~- أنا كنت واثقة، وكل ما كان يهمني هو درجة التخرج. ~~- جيد. ~~- خسئت، بل جيد جدا. ~~- ومن سمعك وشرفك أنا أيضا، بل وشهاب أيضا. ما درجة أيمن؟ ~~- جيد. ~~- نعمة. ~~- ولكني ما زلت مصرة أن في عينيك ms40 مع فرح النجاح فرحا آخر. ~~- ما سر إصرارك هذا؟ ~~- أنا وأنت كنا ننال تقديرا في جميع سنوات الدراسة، فنجاحنا بدرجة جيد جدا أمر ~~متوقع، وهذه السعادة التي تتناثر حولك وراءها سر آخر. ~~- ولماذا تحاولين أن تكشفي أسراري؟ ~~- فضول المرأة. ~~- ألا يرده اقتران الليسانس بدرجة جيد جدا؟ ~~- تظل المرأة هي المرأة. ~~- ولن أشفي فضولك هذا. ~~- ما تلبث الأسرار أن تنكشف وتذيع وتصبح على كل لسان، والذي لا يشتري يتفرج. ~~- انتظري حتى تشتري وتتفرجي. ~~- ألا تنال ابنة خالتك حق السبق؟ ~~- كأنك نلت الليسانس في الصحافة. ~~- والمحامية أيضا تبحث عن الحقيقة. ~~- لقد بدأت الممارسة مبكرة جدا. # وقاطعتها وجيدة: كعادتكما لا ينتهي لكما نقاش، قومي يا بنت. # وقامت هناء: أيقال للجيد جدا يا بنت؟ ~~- وإن أصبحت رئيسة النقض أنت عندي بنت. هيا حتى لا نتأخر عن أبيك وأخيك. # وقامتا. # وما لبث أن أعد العشاء وجلست إليه حميدة وفائق، لكنها لاحظت أنه غير مقبل على الطعام ~~إقباله الذي تعودته منه ففاجأته: فائق هل تعشيت؟ # وأرتج على فائق لحظات، ثم ما لبث أن تمالك نفسه وهو يقول: أنا ... أبدا ... أبدا ~~والله. ~~- بل تعشيت. ~~- أبدا. ~~- المهم قم بنا. ~~- ألا تكملين عشاءك؟ ~~- وحدي، أنا شبعت. ~~- لم تأكلي. ~~- ربما أكون أنا الأخرى قد تعشيت. # وضحكت وضحك وقاما، وذهبا إلى غرفة المعيشة وجلسا أمام التليفزيون، وكان يعرض به فيلم ~~عربي قديم ولكنهما كانا مستمتعين به، وقبل أن ينتهي الفيلم دق جرس التليفون، ونظر كلاهما ~~إلى الآخر، وكان فائق أسبق إلى التليفون. ~~- بيت هارون بك بركات؟ ~~- نعم من يريده؟ ~~- هنا قسم قصر النيل. حضرتك هارون بك؟ ~~- لا أنا ابنه. ~~- ألك أخ اسمه شهاب؟ ~~- نعم ما له؟ ~~- عندنا وليس معه بطاقة، نرجو أن يأتي أحد من عندكم. ~~- هل هناك شيء؟ ~~- من يأتي سيعرف. ~~- شكرا! # ووضع فائق السماعة وهو في حالة ذهول تام وقد امتقع وجهه وجف فمه حتى لا يستطيع أن ~~ينطق، وذعرت الأم وسارعت إليه: ماذا؟ ... ماذا يا فائق؟ ... ماذا حدث؟ # وجمع فائق الكلمات ونطقها بصعوبة: شهاب في القسم. # ودقت صدرها ms41 وارتمت إلى أقرب كرسي منها. ~~- لماذا؟ ماذا فعل؟ ~~- لا أدري، لا بد أن أذهب إليه. ~~- تذهب إليه وحدك؟ ~~- أبي غير موجود، ماذا أصنع؟ ~~- انتظر. # وطلبت الدكتور أمجد وأجابها، وروت له ما حدث. ~~- فائق عندك؟ ~~- نعم. ~~- يأتي إلي الآن وسأذهب معه. # وفي القسم قدم الدكتور أمجد نفسه كما قدم فائق، وسأل وعرف كل شيء؛ لقد هاجم بوليس ~~الآداب بيتا وكان به شهاب. وقال أمجد: لا أظنكم تحتجزونه. ~~- لو كان معه بطاقة ما استدعيناكم. ~~- معي بطاقة. ~~- إذن سنفرج عنه في الحال. # وخرج ثلاثتهم وركبوا السيارة صامتين لم ينطق أحد بكلمة، وحين بلغوا منزل الدكتور أمجد نزل ~~دون تحية. وسار أمجد في طريقه ولأول مرة تكلم شهاب: إلى أين؟ ~~- إلى البيت. ~~- أمر لآخذ سيارتي. # ودله على الطريق. ونزل شهاب وقال لفائق: أنا لن أذهب إلى البيت. ~~- أنا تركت ماما بين الحياة والموت. ~~- طمنها أنت. أنا لن أذهب إلى البيت. ~~- إلى أين تذهب الآن؟ ~~- اطمئن، لا تخف. # وتركه دون أن يكمل الحديث، وركب سيارته وسار بها وفائق مذهول في مكانه. ~~••• # لا أمل لي إلا هو. أنا الآن أريد مكانا أختفي فيه عن الوجوه اللائمة، وأريد الغفران ~~وأريد الحب. قد أجد هذا من أمي وحدها، ولكن سأجد كل ما أكره في وجوه الآخرين. # | الفصل الثاني عشر # كان الحاج حامد نائما هو وزوجته الحاجة توحيدة، وفي سنهما هذه لا يكون النوم عميقا؛ فلم ~~يكن عجيبا أن يسمعا طرقا خافتا واضح الاستحياء على الباب الخارجي للمنزل. # وقام إلى الباب الحاج حامد وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويدعوه أن يكون الطارق ~~يحمل خيرا أو لا يحمل سوءا على الأقل. # وفتح الباب، وما إن رأى شهاب حتى صاح به في وهن وخوف: شهاب أهلا يا بني! خيرا إن شاء ~~الله. # وفي لعثمة قال شهاب: خيرا إن شاء الله يا جدي. ~~- تعال، ادخل، ماذا بك؟ اجلس. ~~- لا تخف يا جدي كلنا بخير. ~~- انتظر حتى أطمئن ستك. ~~- لا تجعلها تقوم من فراشها، أريدك وحدك. ~~- حاضر يا ابني. # وعاد الحاج حامد ms42 إلى حفيده، وروى شهاب على جده كل شيء في صراحة وشجاعة، وأطرق الحاج حامد ~~قليلا، ثم رفع رأسه إلى شهاب: غفور رحيم يا بني. ~~- لا أحب أن أرى أحدا الآن إلا أنت؛ فعندك أجد الحب الذي لا أجده من أحد إلا عند ~~أمي. ~~- غفور رحيم يا بني. ~~- أريد أن أبقى عندك بضعة أيام. ~~- أهلا بك لبضعة أيام وبضعة أشهر وبضع سنوات، هذا بيتك يا ابني. ~~- أعرف ذلك، لا تقل شيئا لستي. ~~- سأقول إنك مختلف مع أبيك، وربنا يسامحني على الكذب. ~~- هكذا أحسن. ~~- هل تعرف أمك أين أنت؟ ~~- لا أحد يعرف. ~~- هذا غير معقول! ~~- لا أريد أن أرى أمي؛ فستكون حزينة حتى وإن غفرت لي. ~~- يا ابني أنت لا تعرف قلب الأم، إنها الآن في حالة جنون وهي لا تستحق منك هذا. ~~- إذن أخبرها. ~~••• # حين وصل فائق إلى البيت لقفته أمه على الباب: خيرا يا فائق، أين شهاب؟ ~~- لا شيء، شهاب بخير ولم يفعل شيئا. ~~- فلماذا كان في القسم؟ ~~- مسألة بسيطة. ~~- ماذا؟ # وصمت فائق حائرا، إن قال حادثة سيارة لازداد ذعر أمه. جلس وأطرق. ~~- انطق. ~~- مجرد عراك بينه وبين أحد الضباط. ~~- هكذا من غير مناسبة؟ # وجاء هارون من غرفة النوم على صوت ابنه وأمه: قل الحقيقة. ~~- ماذا أقول يا أبي؟ ~~- الحقيقة. # وقالها بعد أن فكر أنه إن لم يقل هو الحقيقة فسيقولها الدكتور أمجد. قالها وهو خزيان ~~وكأنه هو الذي ضبط. # وكان رد الفعل عند أمه صمتا متألما ودمعات غزيرة، أما هارون فكان شأنه عجبا؛ لقد قعد ~~بعد أن كان واقفا وراح يضحك في قهقهة، ثم قال وهو يضحك: وأين هو الآن؟ ألا تعرف؟ ~~- رفض أن يعود معي إلى البيت، ولا أدري أين ذهب. # وقالت حميدة: هل هذا معقول؟! ألا يأتي لنطمئن عليه على الأقل؟ # وقال فائق: قال لي طمئن أمي، ورفض أن يقول لي أين سيذهب. # وقال هارون ضاحكا: وأين تظنانه سيذهب؟ هيا لننام. # وصرخت حميدة وهي تدق صدرها: أنام؟! أنام وأنا لا أعرف أين ابني وما حالته؟ شهاب يختشي ms43 من ~~ظله، ربنا أعلم بحاله الآن. # وضحك هارون وهو يقول: لقد أثبت أنه لا يختشي ولا يحزنون. قومي نامي فقد اطمأننا ~~عليه. ~~- أبدا لا يمكن أنام. ~~- إذن أنام أنا، وأنت يا فائق ألا تنام؟ ~~- أنا سأبقى مع ماما. ~~- أنت حر. # وعاد هارون إلى غرفة نومه. ~~••• # دق جرس التليفون في بيت هارون، وانتفضت إليه حميدة واختطفت السماعة: أهلا يا حاج، ~~خيرا؟ # وجاءها صوت الحاج حامد: اطمئني، شهاب عندنا. ~~- الله يطيل عمرك يا حاج، الله يخليك. # ووضعت السماعة وقال فائق: الحمد لله. ~~- الآن ننام. ~~- تصبحين على خير. ~~- لقد أصبحنا فعلا أو نكاد. ~~- سأذهب إليه. ~~- طبعا. ~~••• # لم يكن هارون مرحبا بالذهاب إلى بيت أبيه، ولكن حميدة في هذه المرة قالت له في حزم: ~~إن لم تذهب معي فسأعود من البلد إلى بيت أبي. ولأول مرة يسمع هارون هذا التهديد، فلم يجد ~~مناصا من الذهاب. ~~••• # وفي السيارة اتفق ثلاثتهم ألا يفاتحوا شهاب في الموضوع مطلقا. وحين وصلوا رحب الحاج ~~حامد ترحابا شديدا بحميدة وبفائق، وسلم سلاما فاترا على هارون، أما الحاجة توحيدة ~~فقد رحبت بالجميع. وقال شهاب: كيف استطعت المجيء يا أبي؟ ~~- أمك يا سيدي. ~~- لقد توقعت أن تقول هذا. # وقال هارون: المسألة لا تستحق هذه الهوسى. # وقال الحاج حامد: هل من الهوس أن تزور أباك وأمك؟ يا خسارة! ~~- مشاغلي يا أبي لا تتصورها. ~~- أعرف أنك والحمد لله قد أصابك السعار. # وقالت الآم: أتكتفي بأن ترسل إلينا مالا في كل شهر ولا تأتي؟ # ورأى الحاج حامد الدهشة على وجه هارون. لم يستطع هارون أن يخفيها، بل قال في لعثمة: ... ~~مالا! # وقالت الأم في سذاجة: نعم، الراتب الذي ترسله كل شهر. أتظن أن الأم والأب يكفيهما ~~المال؟ ~~- نعم. ~~- ألم تسمع؟ ~~- آه إن مكتبي يرسله كل شهر. # وصمت وقد حسب أنه قد خرج من المأزق، ولكن عقله كان حائرا حيرة كبرى. إنه واثق أنه لا ~~يرسل شيئا، وواثق أن مكتبه لا يرسل شيئا، فما هذا المال الذي تتكلم عنه أمه؟ # وتغير الموضوع وتناولا الغداء، وحين أزمع ms44 هارون العودة إلى القاهرة نظر إلى شهاب: أتأتي ~~معنا؟ # وأجاب شهاب في حسم: سأبقى بضعة أيام مع جدي. ~~- على كيفك. # | الفصل الثالث عشر # في الصباح ترك الحاج حامد حميدة نائمة، وخرج إلى حجرة الاستقبال الملحقة ببيته، وأرسل ~~رسولا إلى مختار عمر يطلب منه أن يجيء إليه بأسرع ما يستطيع. وما إن انتهى مختار عمر من ~~أعماله العاجلة حتى سارع إلى الحاج حامد. وتأكد الحاج حامد أنه منفرد بمختار وسأله: ~~مختار، أنت تعرف أنني أتلقى في كل شهر مبلغا يصل اليوم إلى ستمائة جنيه. # وأدرك مختار ما يريده له الحاج حامد، فأطرق في حيرة واشتد به وجيب قلبه وامتقع وجهه، ~~فأوشكت ظنون حامد أن تصبح مؤكدة. وبعد لحظة مريرة طويلة قال مختار: نعم. ~~- كنت حتى الأمس واثقا أن هارون هو الذي يرسل لي هذا المبلغ. ~~- وما الذي جعلك تشك في ثقتك هذه؟ ~~- هارون نفسه، لقد زارني بالأمس بعد سنوات طويلة من الانقطاع عن زيارتي. ~~- وهل نفى أن يكون هو مرسل المرتب الشهري؟ ~~- لم ينف، وإنما دهش ووضحت الدهشة على وجهه، ثم ما لبث أن استرد دهشته عن وجهه وزعم ~~أن مكتبه يرسل المبلغ في كل شهر. ~~- ولماذا لم تصدقه؟ ~~- صدقته أمه فهي التي ذكرت أمر هذا المبلغ، أما أنا فلم أصدق، وأريد أن أعرف ~~الحقيقة منك. # وأطرق مختار طويلا، ثم انفجر: لقد ضاق صدري بهذا السر، وإنني أشعر أن في كتمانه ظلما ~~لصاحب الفضل وتكريما لمن لا فضل له. ~~- إذن؟ ~~- الحقيقة أن هارون لا يرسل شيئا. # وراح مختار يروي على الحاج حامد القصة منذ كلفه ببيع الكردان حتى يومهم هذا، وكان كلما ~~أوغل في الرواية ازداد حزن الحاج حامد وراحت نفسه تتمزق كل ممزق. أكان يعيش هذه السنوات ~~على الصدقة وابنه على هذا الغنى الفاحش؟ أرضي له ابنه هذا؟ فما قيمة هذا الابن إلا أن يكون ~~حزنا لوالديه وعبثا على الحياة جميعها؟ وجمع الكلمات المفككة على لسانه ليسأل مختار: ~~هل يعرف هارون شيئا مما رويته لي؟ # وقال مختار في لعثمة: لا ms45 أظن. ~~- لا فرق، ربما كان علمه أعظم سفالة من عدم علمه، ولكن الجحود والانحطاط وضياع الكرامة ~~يحيط به من كل جانب. ~~- كان لا بد أن أخبرك. ~~- لقد أسأت إلي بكتمانك. ~~- أنا لم أقصد، وإنما خشيت أن أراك في الحالة التي أنت عليها الآن. ~~- كان الموت جوعا خيرا مما ألاقيه الآن. ~~- نسيبك وقام بواجبه. ~~- ليس واجبه أن يطعمني ويكسوني ولي ابن وهبت له كل شيء، وأسلمت له أمري وأمر ~~أمه. ~~- لا أجد ما أقوله. # وصمت الحاج حامد واحترم مختار صمته. النار والألم والضياع يطبقون على فؤاده حتى لقد كان ~~يلقف أنفاسه من الهواء اجتذابا. وطال الصمت. ماذا يصنع؟ كيف يرد لسعدون هذا الدين؟ وهل ~~يقبل سعدون أن يتقاضاه؟ أيكون سعدون أشفق عليه من ولده عصارة حياته ودمه وقلبه وماضيه ~~وحياته وما بقي له من أيام على سطح الحياة؟ كيف تستطيع الحياة أن تصنع شخصا في عظمة سعدون ~~وتصنع في نفس الوقت شخصا في انحطاط هارون؟ كيف تسع الدنيا قلبا فيه هذه الرقة التي ينعم ~~بها سعدون وتسع معه قلبا فيه هذا الجحود وهذه الصلابة الخسيسة الدنيئة المتوحشة في كيان ~~هارون؟ ماذا أنا صانع؟ كيف أعلن غضبي وشكري، وألمي وامتناني؟ ماذا أنا صانع؟ لا أستطيع أن ~~أفكر الآن. ~~- مختار. ~~- نعم. ~~- أرجو أن تمر علي غدا بعد أن تصلي الفجر. ~~- أمرك. # وقام مختار عن مجلس الحاج حامد، وخلت الحجرة به موجودا بلا وجود، يكاد فؤاده أن يتوقف ~~عن النبض. صغرت الحياة أمام عينيه ولكن دعا ربه ألا يموت حتى ينزل ثورته على ابنه، ~~ويتقدم بشكره إلى أعتاب سعدون. وظل هذا الدعاء يتردد في كيانه وتنتفض به جوانحه وهو ~~يقوم من مجلسه ويدلف إلى غرفته، وتتلقاه زوجه فيهولها ما هو فيه من شحوب وغيظ ينتفض به ~~وجهه، وقد ورمت أعراق دمائه حتى لتوشك الدماء أن تنبجس منها. ~~- ما لك؟ ~~- اتركيني. ~~- أتركك؟! كيف؟ # قال في حسم: توحيدة، اتركيني الآن، وفورا. ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله، أمرك. ~~- ولا أحد يدخل عندي. ~~- ماذا أقول لشهاب؟ ~~- قولي ms46 له ما شئت، ولكنني لا أريد أن أرى أحدا، أسمعت؟ ~~- أمرك. # وخرجت وأغلق الباب بالمفتاح وألقى بنفسه على السرير ذاهلا تملأ المهانة نفسه يزحمها ~~الغيظ والأسى، وعيناه شاخصتان إلى الفراغ. # ومر به اليوم جميعا وهو على حاله هذا، حتى لقد أبى أن يتناول طعاما في يوم كله. ~~والحاجة توحيدة وحفيدها حائران معذبان بالقلق لا يدريان مما يعانيه الشيخ من ~~أهوال. # وكان كلما خرج من الغرفة ليتوضأ ويصلي يحاول شهاب أن يسأله عما به، فيزجره في عنف ~~لم يعهده شهاب منه قبل ذلك مطلقا. ويئست الحاجة توحيدة أن تعرف منه شيئا عما به. # وانقضى اليوم وشهاب يفكر أن يسافر؛ فقد كان يظن أن جده غاضب عليه، ولكن الحاجة توحيدة ~~تنفي عنه هذه الفكرة بكل ثقة، وترجوه ألا يترك جده وهو في حاله هذا، فيجد في كلامها ~~منطقا، فربما كان جدي مريضا ولا يجوز أن يتركه، خاصة وأن معه سيارة لعلها تكون ذات ~~فائدة، فيمكث في غير رغبة في المكوث. وهو أيضا لا يحس برغبة في الرحيل، ولكنه لا يدري ماذا ~~يصنع بيومه هذا الطويل. خرج إلى القرية وراح يتمشى بلا هدف بين الحقول، ولم يعدم أن يجد ~~بعض من يعرفهم ويعرفونه من أبناء القرية يحادثهم ويحادثونه، ثم ما يلبث كل منهم أن ~~ينصرف إلى شأنه وينفرد به الطريق مرة أخرى، وتهز نفسه الوساوس بين شعوره بالخجل مما صنع ~~وبين ما يعانيه جده. # والحاجة توحيدة والهة حائرة تدور في البيت بلا عمل، وتصلي فلا تفلت سنة ولا نافلة ~~إلا أقامت صلاتها، ولكن الساعات بطيئات ثقيلة. وحين عاد شهاب إلى البيت لم يستطع أن يتصل ~~بينهما حديث. # ويمر اليوم ويأتي الليل دون أن يذوق الحاج حامد لقمة في يومه هذا. هل أستطيع أن أطعم ~~من مال الصدقة وأنا الذي عشت عمري كريما على نفسي وعلى الناس؟ # وكيف أستطيع أن أسيغ الطعام. وكيف يقبله لساني أو جسمي؟! اللهم لا إله إلا أنت ~~سبحانك. # وتطرق الحاجة توحيدة غرفته تريد أن تنام. ~~- نامي في غرفة أخرى ms47 . # وتذعن المسكينة هذا الإذعان الذي يعرفه ذلك الجيل، والذي لا يتصور أن تكون الأمور إلا ~~هكذا. أمر من الرجل وطاعة من الزوجة وبغير معرفة للأسباب. # ويفغر الليل فاه المظلم يحيط به الحاج حامد، ويظل يتقلب على فراشة. الموت أهون، ولكن ~~لا ... يا رب العالمين لقد أطعتك عمري كله، اترك لي من الحياة فرصة حتى أسخط وأعلن سخطي ~~على ابني، وحتى أشكر وأعلن شكري لمن أكرمني. # وفي تباشير الفجر قام الحاج حامد فتوضأ وأقام الصلاة، وأحس وهو يقرأ الفاتحة أنه ~~اقترب إلى السماء غاية القرب، وأن أنساما من نسمات الملائكة تراوحه، وأن وجيب قلبه أصبح ~~تخشعا وحنينا ورحمة. وراح الهدوء يسري في أوصاله شيئا فشيئا. وما إن ختم الصلاة حتى ~~أحس نفسه خفيفا كملاك، سعيدا جذلا يملأ الفرح نفسه، والشكر لله يشيع في جوانحه. لقد ~~ألهمه المولى عز وجل الطريق، فإذا هو إنسان جديد كأنما لم يخلق إلا في لحظته تلك. صلى ~~النوافل وقام إلى دولابه وأخرج بضعة أوراق، وسرعان ما وجد الورقة التي يبحث عنها ووضعها في ~~جيبه، ثم انبعث إلى زوجته يصيح بها في صوت جذل فرحان: توحيدة. # وكانت المسكينة قد فرغت من صلاتها هي الأخرى بعد ليلة لم يعرف النوم إلى جفونها سبيلا. ~~صاح بها في صوته الفرحان المليء بالبهجة: أين أنت يا حاجة؟ # ودق فؤاد الحاجة فرحا. اللهم أنك كريم يا رب العالمين. لقد عاد إلينا الحاج ~~حامد. ~~- جائية إليك يا حاج، الحمد لله على سلامتك. ~~- الحمد لله حمدا يرضيه سبحانه. هل شهاب نائم؟ ~~- نعم يا كبدي، لقد كان حاله بالأمس شر حال، وأغلب الأمر أنه لم ينم إلا مع الفجر. ~~- دعيه نائما، وهاتي لنا الفطور. أشعر أنني سآكل ما في المنزل. ~~- جاهز يا حاج. # وحين استقبل مختار قال له: هل أنت مشغول اليوم؟ ~~- لا، تحت أمرك. ~~- أريد أن نذهب معا إلى الزقازيق. ~~- وما له؟ هيا بنا. # وذهبا إلى الزقازيق، واستأجر الحاج حامد سيارة أجره وطلب إلى السائق أن يذهب به إلى الشهر ~~العقاري، ولم يملك مختار ms48 نفسه: الشهر العقاري! ماذا نفعل في الشهر العقاري؟ ~~- سبحان الله يا أخي ماذا عليك لو انتظرت؟! هل معك بطاقتك؟ ~~- معي. ~~- عظيم. # وفي الشهر العقاري فوجئ مختار بالحاج حامد يوكله توكيلا خاصا لبيع بيته في المنيرة، ~~وأن يقوم بكل الإجراءات التي تؤدي إلى بيع هذا البيت، وقدم للمسجل ورقة ملكيته ~~المسجلة للبيت. # وفي دهشة قبل مختار التوكيل، وعاد مع الحاج حامد إلى البلدة في السيارة التي استأجراها، ~~وحين استقر بهما المقام قال الحاج حامد: أسافر معك إلى القاهرة، اليوم أو غدا، ونذهب إلى ~~السمسار في المنطقة، ثم أترك لك الأمر كله. أنا صحتي لا تساعدني والبركة فيك. ~~- ماذا تريد أن تصنع؟ إن ابنك يقيم في هذا البيت. ~~- وهل أحتاج إليك لتذكرني بهذا؟ ~~- ما تشوفه، هل تريدني في شيء الآن؟ ~~- أعد حقيبتك للسفر. ~~- حقيبتي؟! هل سنبيت هناك. ~~- إذا اقتضى الأمر. ~~- وما له؟ نزور آل البيت على الأقل. ~~- شيئا لله، يا آل بيت النبي. ~~- السلام عليكم. # وانصرف مختار على وعد منه أنه سيكون جاهزا للسفر حين يستدعيه الحاج حامد. # وكان شهاب قد صحا من نومه وتناول فطوره، ومكث ينتظر جده الذي بشرته جدته أنه أصبح في ~~خير حال. # وحين رآه قادما لم يكن محتاجا ليسأله؛ فقد كانت السعادة بادية على وجهه. # قال شهاب: لقد أخفتنا عليك البارحة خوفا شديدا. ~~- شدة وزالت. # وهومت سحابة من الأسى على وجه الحاج حامد. شهاب بن هارون، أتراه مثله؟ هيهات! إن أحدا ~~لن يكون جاحدا جحود هارون. وطالما شكا لي شهاب من عدم اهتمام أبيه به أو بأخيه. لا، الولد ~~لا ذنب له. وانجابت غمامه الحزن وعاد إلى حفيده: قل لي يا شهاب، ماذا تنوي أن تعمل بعد أن ~~نلت بكالوريوس الهندسة؟ # وصمت شهاب قليلا، ثم قال: أنا لم أفكر بعد والله يا جدي. إن كان الأمر لي لبحثت عن ~~عمل لي بعيد عن شركات أبي، ولكن هذا سيبدو أمرا غريبا وأنا لا أحب أن أعلن عدم اهتمام ~~أبي بنا على الناس أجمعين. ما رأيك أنت يا جدي ms49 ؟ ~~- أنا أفكر في شيء آخر. ~~- شيء آخر؟ ~~- نعم. ~~- فيم تفكر يا جدي. ~~- سأخبرك. ~~- الآن. ~~- ألم تفكر في الزواج. ~~- والله لم أفكر فيه حتى الآن. ~~- ولم لا؟ # وفكر شهاب قليلا، ثم قال: فعلا ولم لا؟ ~~- هل تحس قلبك يميل إلى فتاة بعينها؟ ~~- تقصد أني أحب. ~~- وما البأس؟ ~~- كنت أتمنى، ولكن البيت الذي أعيش فيه ليس فيه مكان للحب، وهذا بفضل أبي الذي صرف قلبه ~~كله إلى المال، ولا يتصور أنني وأخي وأمي نحتاج إلى شيء آخر غيره. ~~- إذن فأنت لا تحب أحدا. ~~- لا. ~~- ألا تفكر في فتاة تصلح زوجة لك. # وصمت قليلا، ثم قال: أعتقد أن هناء ابنة خالتي بنت حلال وتصلح زوجة من جميع ~~الوجوه. ~~- عظيم! إنها فعلا فتاة عظيمة. ~~- ولكن هل تظن أن أباها يقبل زواجها مني بعد الموقف المشين الذي رآني فيه. ~~- لا تفكر في هذا، واعتمد على الله ثم علي. ~~- أطال الله عمرك. ~~- أمهلني بضعة أسابيع، وسأزوجك منها إن شاء الله. ~~- هذا أمر يسير. ~~- أمامي بعض أعمال أريد أن أنتهي منها، ثم أتفرغ لزواجك. ~~- أمرك. ~~- أنا أريد أن أسافر إلى القاهرة، وأنت محتاج أن تبقى هنا بضعة أيام تسترد فيها نفسك. ~~سأتركك مع جدتك. ~~- أنا فعلا أحتاج أن أبقى هنا بضعة أيام أخرى. ~~- وهو كذلك. ~~••• # لم يكن الوصول إلى السمسار بحي المنيرة أمرا عسيرا، فسرعان ما اهتدى إليه الحاج حامد ~~ومختار. وقال الحاج حامد للسمسار الحاج صالح الرويني: انظر إلى هذا العقد. # وقرأ الحاج صالح العقد: أمرك. ~~- أنا صاحب هذا البيت. ~~- هل هو خال من السكان؟ ~~- يقيم فيه ابني بلا عقد ولا تنازل مني ولا ورقة تثبت حقه فيه. ~~- هل تتعهد بإخلائه؟ ~~- إذا وجدت أي صعوبة أذللها. ~~- كم تريد ثمنا لهذا البيت؟ ~~- أنا أوجه إليك هذا السؤال. ~~- من مليون ونصف مليون إلى مليونين. ~~- شيء واحد أريده منك. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- لا أريد المشتري أن يدخل البيت. ~~- هذا أمر صعب. ~~- أنا حقيقة فلاح، ولكني أعرف الحال في القاهرة الآن. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أن المشتري لن يشتري البيت للإقامة ms50 فيه، فليس هناك من يقبل أن يشتري بيتا قديما ~~كهذا البيت بمليونين من الجنيهات للإقامة فيه. ~~- لعلك على حق. ~~- المهم هو الموقع والأرض. ~~- إذن أعطني بضعة أيام. ~~- أسبوع مثلا. # أنا رجل كبير في السن، وقد سجلت هذا التوكيل لصديقي مختار. وقال مختار: أجيء إليك بعد ~~أسبوع. ~~- إن شاء الله. ~~••• # باع الحاج حامد البيت وسجل البيع في عشرة أيام، وأرسل المشتري إنذارا إلى هارون بإخلاء ~~البيت الذي يقيم به بغير سند قانوني. # ووقع الأمر على هارون وقوع الصاعقة، ولم يكن تركه للبيت هو السبب في حسرته وألمه، وإنما ~~إدراكه أن أباه غاضب عليه هذا الغضب الماحق. وأحس كأن يدا من حديد تعتصر فؤاده، ولكن ~~قليلا ما اعتصرته. # وفي بضعة أيام كان قد استأجر بيتا آخر كبيرا مفروشا يقيم فيه حتى يدبر ~~أمره. # | الفصل الرابع عشر # حين زار الحاج حامد سعدون في بيته بادره سعدون بقوله: أعرف فيم جئت. ~~- مؤكد. ~~- أليس العقاب قاسيا؟ ~~- بل أقل كثيرا مما ينبغي. لقد أعطيت هذا الولد أربعين فدانا يكسب منها الآن أكثر ~~من ستين ألف جنيه، أما كان ينبغي أن يحط في عينه حصوة ملح ويعطيني أنا وأمه عشر ما يكسب ~~من أرضي؟ وصمت سعدون وأطرق لا يجد ما يقول. ~~- والألعن من الفلوس، الابن الذي يجحد أبويه حتى لو لم تكن الأرض أرضهما، ماذا يساوي في ~~الحياة؟ أنا فقدت هارون فهو إنسان ... وأستغفر الله أن يكون إنسانا، هو كيان غير بشري ليس ~~له قلب. والذي لا يعرف كيف يعامل أبويه لا يعرف كيف يعامل أبناءه. ~~- هون عليك يا حاج حامد. ~~- أنت الذي جعلت الحياة مقبولة مني، فلولاك لأصبحت الدنيا بلا معنى. وأي معنى يمكن ~~أن يكون للحياة إذا خلت من عظماء أمثالك. ~~- أرجوك يا حاج حامد، أنا لم أصنع إلا ما يجب أن يصنعه الإنسان. ~~- لقد صنعت صنيعا لا يمكن أن يطالبك به أحد. # ويقول سعدون في خجل، وكأنه يعتذر: المسألة أهون من هذا، لقد رأيت أنني كان ينبغي لي أن ~~أقدم لحميدة ابنتي مبلغا يعينها ms51 على الحياة مثلما يفعل الآباء كلهم في أيامنا هذه، ~~ولكني وجدتها في غير حاجة إلى ... # ويكمل الحاج حامد: فحولت المبلغ إلى أبي زوجها الذي ما زال ابنه على قيد الحياة، والذي ~~أعطاه أبوه أربعين فدانا، والذي أصبح اليوم من أكبر أغنياء مصر وربما من أكبر أغنياء ~~الدنيا. هل تقدر الألم الذي أشعر به؟ ~~- طبعا. ~~- لا، وأرجو الله ألا تراه أبدا. ولكني يا سعدون رجل لم أترك فرضا، وليس لي في الدنيا ~~إلا هارون، فلماذا يعذبني به الله هذا العذاب؟ ~~- سبحان الله يا حاج حامد. إن الله هو الذي يحاسبنا ولسنا نحن الذين نحاسب الله. ومن ~~أدراك ماذا يعد الله لك من خير في الدنيا والآخرة؟ إن للسماء عدالتها الخاصة بها، وليس ~~من حق البشر أن يحاسبوها. ~~- أستغفر الله العظيم، والحمد لله سبحانه على كل ما أعطى وما لم يعط. أستغفر الله. ~~الغرض. ~~- أي غرض؟ ~~- كيف أشكرك؟ ~~- بأن تنسى الأمر تماما. ~~- هيهات! إن معي الآن مبلغا ضخما من المال. ~~- وماذا تريد أن تقول؟ ~~- أعلم أنك سترفض مني أن أرد دينك. ~~- وما دمت تعلم هذا ففيم تتكلم؟ ~~- سأرد دينك رغم أنفك. ~~- كيف؟ أيمكن هذا؟ ~~- نعم، اقرأ هذه الورقة. # وقدم إليه ورقة نظر فيها سعدون وبدت الدهشة على وجهه: ما هذا؟ ~~- لا تندهش. ~~- قيراطين أرض باسمي في قريتنا. ~~- نعم. ~~- ما معنى هذا؟ ~~- معناه أنني اشتريت الأرض في بلدك للبناء، فأنا أعلم أنك بعت أرضك كلها وأرض زوجتك ولم ~~يعد لك في بلدكم شيء، ولكني أردت أن أجعل صلتك بها أكرم صلة. ~~- كيف؟ ~~- سأبني في هذين القيراطين جامعا باسمك. # وطفرت الدموع إلى عيني سعدون، وقال وهو يجهش بالبكاء: هذا أكثر مما أستحق. ~~- وهل نتحاسب؟ ~~- هذا أكثر مما أستحق. ~~- أتعرف الكلمة التي يقولها الناس شكرا لله؟ لا لقد أردت أن أقولها بهذا المسجد الذي ~~أبنيه باسمك. # ومع البكاء الذي راح يعلو من سعدون لم يستطع أن يقول شيئا، وقام الحاج حامد: السلام ~~عليكم ورحمة الله. # | الفصل الخامس عشر # لم يستطع حامد أن يكمل حديثه مع ms52 سعدون في يومه هذا، فتركه وذهب إلى الفندق الذي يقيم ~~فيه هو والحاجة توحيدة. بعد أسبوع عاد إلى سعدون الذي بادره قائلا: أتعرف ماذا صنعت ~~بي؟ ~~- أنا؟ أنا لا أصنع بك إلا الخير كل الخير. ~~- هو ذاك. لقد أحسست بما صنعته أنت أن الله غفر لي ما تقدم من ذنبي، وترك لي الحرية ~~فيما تأخر. أرجو أن أكون كفئا للأمانة. ~~- أنت كفء لها إن شاء الله. ~~- لم أتصور أن يقام باسمي مسجد وأظل أنا شاربا للخمر. ~~- الله أكبر! ~~- منذ تركتني لم أذق نقطة خمر ولم أترك فرضا. ~~- اللهم لك الحمد والشكر. ~~- وسأسافر إلى الخارج في أمريكا لأنظف دمائي مما لوثته بها من خمور. ~~- على بركة الله. المهم، لقد جئتك اليوم في أمر يهمني ويهمك. ~~- أنا إرادتك عندي أمر. ~~- قم واطلب زوج ابنتك الدكتور أمجد. ~~- وهو كذلك، ودون أن أعرف فيم تريده. # وقام سعدون إلى التليفون، ووجد أمجد بالبيت فطلب منه أن يأتي إليه. # وما هي إلا بضع دقائق حتى كان أمجد معهما، ويقول الحاج حامد: لم أشأ أن أفاتح سعدون بك ~~في هذا الأمر إلا أمامك. # وقال أمجد: أنا تحت أمرك يا عم الحاج، فإنني أكن لك كل احترام. ~~- أريد أن أزوج ابننا شهاب من ابنتنا هناء. # وأرتج على دكتور أمجد، وقال سعدون بعد ريث تفكير: يا أمجد إن شهاب لم يصنع إلا ما يصنعه ~~شباب كثيرون، وسوء حظه هو الذي كشفه. # وقال الدكتور أمجد: كلنا خطاءون، ولكن ألا نترك فرصة للزمن لننسى. # وقال الحاج حامد: عقاب الزاني غير المحصن يختلف عن حد الزاني المحصن، هل سأعلمك ~~الشريعة يا دكتور؟ ~~- البشر لهم عاداتهم وقيمهم الخاصة، وهي لا ترتبط بالحدود الشرعية. # وقال سعدون: اذكر قول المسيح. # وقال دكتور أمجد: لا أستطيع أن أرميه بحجر، فكلنا خطاءون. # وقال الحاج حامد ضاحكا: أنت كنت في أوروبا، أتريد أن تقول لي إنك كنت فيها ملاكا من ~~السماء؟ # وضحك دكتور أمجد، وأكمل الحاج حامد: نعم اضحك. والله لو حلفت لي إنك لم تخطئ في أوروبا ms53 ~~ما صدقتك. # وضحك ثلاثتهم وقال سعدون: أعرفت هناء بالحكاية؟ # وقال دكتور أمجد: وهل كان يمكن أن تخفى عنها؟ # وقال سعدون: وماذا كان تعليقها؟ # وقال دكتور أمجد: ابتسمت وقالت مسكين. # وناقشتها فيم تقول مسكين؟ قالت: لقد انكشف شهاب هذا كل ما في الأمر. # وقال الحاج حامد في سعادة: زادها الله عقلا. هيه ماذا قلت يا دكتور أمجد؟ ~~- من جهتي أنا لا مانع. # وقال الحاج حامد: طبعا تسألها وتسأل خالته أيضا. # قال سعدون: طبعا خالته ستكون سعيدة، ولكن اسمع يا أمجد، اترك هناء لأسألها أنا. ~~- أمرك. # | الفصل السادس عشر # أيكون هذا حبا؟ ومن أين لي بالحب وأنا لم أحس به إلا من أمي؟ أتراني أعرف الحب؟ كل ~~كائن حي يعرف الحب حتى الحيوانات. ولكن هل حبي من ذلك النوع العاصف الذي لا يبقي ولا يذر؟ ~~هل هو هذا الحب الذي يجعل الإنسان قد تحول إلى نبض قلب ووجيب فؤاد بلا تفكير ولا تدبر؟ ~~لا أظن. كل ما أعرفه الآن أنني أريد أن أتزوج إلهام وأنها خير من يصلح لي. ولماذا لا؟ ~~أما حبي فقد بحت به لها ولم أجد منها استنكارا ولا رفضا وفي أول لقاء: ~~- إلهام؟ ~~- نعم. ~~- أريد ... ~~- قل ماذا تريد؟ ~~- أن نتزوج. ~~- أكذب لو قلت لك إنك فاجأتني. ~~- إذن؟ ~~- ألم تتعرف على جوابي بعد كل هذه المرات التي قابلتك فيها؟ ~~- إنه زواج، أن نصبح روحا واحدة في جسدين متلاصقين. الأمر لا يصلح معه التعرف، ~~إنما لا بد من التأكد. ~~- ولكن آباءنا تزوجوا بالأذن وحدها، وربما تزوج بعضهم بالأذن والعين، فما كانا ~~ليلتقيا قبل الزواج وما كانا ليتعارفا. ~~- ربما تقصدين أجدادنا، أما آباؤنا فقد أدركوا عهد التعرف. ~~- ربما. ~~- لم تجيبي. ~~- بل أجبت. ~~- أريدها صريحة. ~~- أنا موافقة. ~~- الجديد في عهدنا أن آخذك بين ذراعي وأنال قبلة، ولم ينتظر إذنها. # رأى من الطبيعي أن يفاتح أمه قبل أبيه: ماما. ~~- هيه. ~~- أريد أن أتزوج. ~~- هكذا، أنت وشهاب في وقت واحد. ~~- هل هناك مانع؟ ~~- بالطبع لا. ~~- إذن؟ ~~- طبعا تعرفت على العروس، وأغلب الأمر اتفقتما. ~~- هل ms54 عندك مانع؟ ~~- أبوك رآني مرة واحدة قبل الزواج، ولم يسألني رأيي. ~~- هذا أبي، إنه أمر يتفق تماما مع أخلاقه. لقد تزوج بعقله وحده وبالنفع الذي سيعود ~~عليه من الزواج بك. ~~- ولد! أهذا أسلوب تتكلم به عن أبيك؟ ~~- أنا أصفه، هل عيب أن أصفه؟ ~~- اسكت، اسكت أحسن. قل لي من عروسك؟ ~~- لا أظن أنك تعرفينها؛ فقد كانت زميلتي في الكلية وليست من بنات أصدقائكم. ~~- عرفني بها. ~~- أتعنين أن تريها؟ ~~- قل لي أولا من هي وابنة من، وبعد ذلك أذهب أنا لأراها. ~~- اسمها إلهام وجدي، هل يعني لك هذا الاسم شيئا؟ ~~- طبعا لا، إلا إذا أخبرتني من وجدي هذا؟ وما يعمل؟ و... ~~- لا، لا، اطمئني تماما من هذه الناحية؛ فإنها من أسرة جديرة بكل الاحترام، وأبوها ~~موظف كبير، وجدها من كبار الأغنياء. طبعا هذا الغنى يهم أبي كل الأهمية. ~~- إذن فعلى بركة الله. # وحين جاء هارون عرف من حميدة رغبة ابنه، وسأله: من وجدي والد إلهام يا فائق؟ ~~- اسمه وجدي زين الدين، وجده ... # وفوجئ فائق بأبيه وقد أصبح إنسانا آخر؛ تقلص وجهه، وعلت الكشرة ملامحه، وعلا نبض قلبه ~~حتى ليكاد فائق أن يسمعه، وصاح بابنه: تقول من؟! ~~- وجدي زين الدين. ~~- ابن عبد المجيد زين الدين. ~~- نعم. ~~- ألم تجد في الدنيا كلها إلا حفيدة عبد المجيد زين الدين؟ ~~- وما عيب وجدي زين الدين يا بابا؟ ~~- أبوه يطيق العمى ولا يطيقني. ~~- لماذا؟ # وصمت هارون. وماذا يقول؟ فكر قليلا، ثم قال: خصومات قديمة في السوق. ~~- وهل هذه الخصومات تحول بيني وبين زواجي بحفيدته. ~~- نعم أنا أرفض، لن أطلب من ابن عبد المجيد زين الدين يد ابنته ولو انطبقت السماء على ~~الأرض! # أحس فائق في هذه اللحظة أنه إذا كانت رغبته في الزواج من إلهام رغبة عابرة ليس يفجعه ~~ألا تتم، فقد أصبحت الآن رغبة عارمة لا بد لها أن تتم؛ فليس أبوه عنده بالشخص الذي يثق ~~في أسباب خصومته أو صداقته فهو عنده ظنين، علاقاته جميعها تعتمد على المال وحده، ولن أجعل ~~المال يتحكم في ms55 رغباتي أنا الآخر وأصبح نسخة أخرى من أبي الذي لم أر منه أنا وأخي لحظة ~~اهتمام بأمورنا. ولولا أن الله أراد لنا الفلاح ما فلحت ولا فلح شهاب. ما رأيك يا هارون بك ~~أنني لن أتزوج إلا من إلهام مهما يكن رأيك في جدها ومهما تكن علاقاتك به. # وكان وجه حميدة شاحبا فقد أحزنها ما فعله زوجها، وأحست في عيني فائق إصراره أن يمضي ~~في طريقه غير عابئ برأي أبيه. وقام فائق وقصد إلى حجرته مغضبا، ونظر هارون إلى زوجته: في ~~ملايين الأرض كلها لم يجد إلا حفيدة عبد المجيد زين الدين! ~~- يا هارون أنت خصومك في السوق كثيرون، وحرام أن تصنع بالولد ما صنعت. ~~- أموت ولا أذهب إلى بيت عبد المجيد زين الدين. ~~- أليس لأبنائك أي حق عليك؟ ~~- أليس لي أنا أي حق على أبنائي؟ ~~- متى سألت عنهم حتى يكون لك حق عليهم؟ ~~- هل أخرت عنهم شيئا؟ ~~- أولادك غيرك يا هارون. ~~- ماذا تقصدين؟ ~~- المال عندهم ليس كل شيء. متى أحسست بهم؟ متى همك أمرهم؟ حتى حين كان واحد منهم يمرض ~~لم تكن تعنى به. ~~- ألا أحب أولادي؟ ~~- هارون ربما كانت هذه أول مرة أسمع منك فيها كلمة الحب. ~~- أعوذ بالله! إلى هذا الحد. ~~- لو عرفت الحب ما كنا اليوم في هذا البيت. # وعلت حمرة الغيظ وجه هارون وأطرق هنيهة، تذكر فيها كل ما كان منه نحو أبيه وما كان من ~~أبيه نحوه، وقام عن مجلسه متجها إلى غرفته، وانحدرت بعض دمعات من عيني حميدة جففتها، ثم ~~قامت إلى التليفون وطلبت أباها: بابا هل أنتم في البيت بعد الظهر؟ ~~- أنا موجود ولا أدري إن كانت والدتك ستخرج أم لا. ~~- أنا أريدك أنت. ~~- أهلا وسهلا. ~~••• # روت له ما وقع من هارون، وحين بلغت من القصة اسم عبد المجيد زين الدين صاح سعدون: قلت ~~من؟! ~~- عبد المجيد زين الدين، أتعرفه؟ ~~- سبحانك يا رب وما أعجب تصريفك! اغفر يا رب! ~~- ماذا يا أبي؟ ~~- طبعا رفض هارون. ~~- منذ سمع اسم عبد المجيد هذا. أهو ms56 رجل سيئ يا بابا؟ ~~- بل من أحسن الناس وأشرفهم وأكرمهم وأكثرهم محافظة على كرامته، وبيني وبينه حب كبير ~~وتقدير متبادل، ربما من الصعب أن يكون بين اثنين في الدنيا. إنه من أقرب الناس إلي وأنا ~~من أقرب الناس إليه. ~~- صحيح والنبي؟! ~~- # صلى الله عليه وسلم ~~. بل أقل من الصحيح. إنه بالنسبة لي أكثر من أخ. ~~- شرح الله قلبك يا بابا، وربنا يبقيك ويطيل عمرك. ~~- اذهبي إلى بيتك ولا تفاتحي هارون في شيء، واتركي الأمر كله لي. ~~••• # أدرك هارون فيم يريده حموه حين طلب إليه أن يمر به، ولم يكن مرتاحا إلى هذا الاستدعاء ~~ولكنه لم يستطع أن ينكص عن الذهاب إليه. وقال سعدون: أمرك عجيب يا هارون. ~~- حسبت أنك أول من يجد لي العذر في رفضي أن يتزوج فائق من حفيدة عبد المجيد زين ~~الدين. ~~- يا أخي أنت الذي اعتديت عليه. ~~- ليس المهم من المعتدي. ~~- أعرفك أنك ليس لك في الشعر، ولكن يحضرني بيت لعزيز أباظة لا بد أن أرويه لك ~~يقول: # وبغوا فلما قلت يا نفس اصبري # غضب الظلوم وعوتب ~~المظلوم ~~- أتحسب أن عبد المجيد سيرضى عن هذا الزواج؟ ~~- هذا ليس شأنك. ~~- أعرف ما بينكما من حب. ~~- فاترك الأمر لي. ~~- كل ما أرجوه منك ألا أحضر الفرح. ~~- كيف هذا؟! وماذا يكون موقف عائلة العروس؟ ~~- الحقيقة الموضوع كله ثقيل على نفسي. ~~- اسمع، ما رأيك أن نزوج الولدين في يوم واحد؟ # وفكر هارون لحظات، ثم قال: ولم لا والله فكرة، ولكني لا أريد أن أسلم على عبد المجيد. ~~- يا سيدي ولا يهمك، وما أظن أنه سيحرص على السلام عليك. ~~- إذن نتوكل على الله. ~~••• # طلب سعدون التليفون وأجابه عبد المجيد زين الدين. ~~- هل أنت خارج أم ستبقى بالبيت؟ ~~- أنا تحت أمرك، أتحب أن أجيء إليك؟ ~~- لا، في هذه المرة لا بد أن أجيء أنا إليك. ~~- أهلا وسهلا. ~~- الآن. ~~- أهلا وسهلا. ~~••• ~~- الكلام الذي سأقوله أقوله بما بيننا من حب. ~~- خيرا إن شاء الله. ~~- أنا الآن مدين لك بما صنعت معي. ~~- أستغفر الله، بل ms57 سأظل أنا مدينا لك طول عمري. ~~- لا داعي أن نتعازم على الديون؛ فلكل منا تقديره الخاص بما صنع الآخر. أنا أقدر ~~أنني أنا المدين لك، وقد جئت لأزيد من مقدار هذا الدين أضعافا مضاعفة. ~~- أنت تأمر في مالي وأبنائي كيف شئت. ~~- أتمسك بكلمة أبنائك هذه. ~~- لبيك. ~~- أريد ابنتك إلهام. ~~- تقصد طبعا حفيدتي. ~~- شوقي قال عن الحفيد: ولدته مرتين. ~~- تعبير جميل. ~~- إنه شوقي. ~~- لمن تريد إلهام؟ ~~- جئنا للأمر الصعب. ~~- ليس معك أمر صعب. ~~- لحفيدي الذي ولدته مرتين. ~~- يا ساتر يا رب! ~~- ألم أقل لك؟ ~~- طبعا لو كان المقصود ابن وجيدة ما احتجت إلى هذه المقدمة الطويلة. ~~- ليس هذا بغريب عن ذكائك. ~~- أترضى لي أن أزوج ابنتي من ابن هارون؟ ~~- لا، ولكن أرضى لك أن تزوج ابنتك من حفيد سعدون. ~~- غلبتني. لقد أقسمت ألا أمد يدي لهارون أبدا. ~~- أنا الذي سأقرأ معك الفاتحة. ~~- وأبلغه أنني لن أصافحه. ~~- من هذه الناحية لا تخف. ~~- توكلنا على الله. ~~- نقرأ الفاتحة. ~~- ألا أسأل الأب والأم والعروس؟ ~~- أما عن العروس فهي زميلة فائق في الكلية، ولا بد أن الأمور بينهما مستقرة في أمان ~~الله. أما الأبوين فهذا حقك وحقهما، ولو أنني أعتقد أنهما لن يمانعا ما دمت أنت قد ~~وافقت. ~~- أنت على حق، ولكن من ناحية الشكل، أنت تعرف أبناءنا في أيامنا هذه يحبون أن يشعروا أنهم ~~أصحاب الأمر والنهي في بيوتهم. ~~- أفوت عليك بكرة. ~~- هل أنت متعجل؟ ~~- يا رجل يا طيب ألا تعرف من المتعجل؟ ~~- أهلا بك بكرة إن شاء الله. ~~••• # أقيم الفرح للأخوين، وحرص كل من زين الدين وهارون ألا يتصافحا، ولم يلحظ أحد ما ~~بينهما من جفاء إلا العالمون بما بينهما من خصومة. وانقضت الليلة على أحسن ما تكون، وحضر ~~الفرح بإلحاح من الحفيدين الحاج حامد والحاجة توحيدة. # وبالطبع كانت هناك شقة فاخرة لكل من العروسين اختارها الأخوان وزوجتاهما في عمارة ~~واحدة لم يذهبا إليها بعد الفرح، وإنما سافر شهاب وهناء إلى باريس لقضاء شهر العسل، وسافر ~~فائق وإلهام إلى جنيف، وقد كان هذا ms58 أول سفر لأربعتهم إلى خارج مصر. # | الفصل السابع عشر # عاد الأعراس إلى القاهرة بعد شهر العسل، وبدأت الحياة تأخذ مجراها الطبيعي بين كل من ~~الزوجين، وحمدوا جميعا ما وفقهم الله له من اختيار. وتجاوز كل منهم الأيام الأولى ذلك ~~الاختلاف الذي تتضح معالمه مع الحياة الجديدة، ووجد كل من الأعراس الأربعة أنه قريب في ~~خلقه وتفكيره مع شريكه أو شريكته؛ فقد كان كل من الأربعة رضي الخلق سمحا لا يحب ~~التعقيد. # وكان من الطبيعي أن تكون الحياة بين هناء وشهاب أكثر يسرا؛ فكل منهما يعرف الآخر منذ ~~ولد، فما بعجيب أن تتفق بينهما الميول والمآرب والرغبات. # أما فائق وإلهام فقد وجدا بعض الصعوبات في الأيام الأولى، ثم ما لبثت الحياة أن لانت ~~بينهما، وتجاوز كل منهما عما لا يتفق وعاداته؛ فقد كانت المبادئ الأساسية في خلق كل ~~منهما واحدة. # عاد الزوجان والزوجتان سعداء جميعا. وبدأ شهاب يعمل مهندسا في شركة أبيه، كما عمل فائق ~~محاسبا فيها أيضا، إلا أن الأخوين حين انفرد بهما المكان في صالون شهاب الفاخر كان ~~بينهما حديث: ~~- ما رأيك يا شهاب هل سنظل نعمل في شركة أبينا؟ ~~- أنا معك؛ فأنا لا أستطيع أن أحقق ذاتي فيها. ~~- ولا أنا. ~~- نعمل حتى يجد كل منا مكانا آخر يرضيه فأنا لا أحب الفراغ. ~~- نحن متفقان. # وعلى هذا الرأي استقر بهما الأمر، فكان كل منهما يعمل حتى لا يواجه الفراغ، وكان ~~كل منهما يبحث عن المكان الذي يجد نفسه فيه. ~~••• # حملت إلهام ولم تحمل هناء، ومرت ثلاثة أشهر دون أن تحمل، ووجد شهاب أمه تسأله عشرات ~~المرات: هل آن لنا أن نفرح بابن لك أو ابنة كما سنفرح بمولود فائق؟ وأمام هذه الأسئلة ~~المتلاحقة لم يجد شهاب بدا من أن يذهب إلى طبيب ليتأكد أن ليس به ما يمنع الإنجاب. ~~وواجهته الحقيقة المريرة، إنه لا يصلح للإنجاب أبدا ولا يصلح معه علاج؛ فإن الذي يعانيه ~~مرض خلقي لا يمنعه من المعاشرة الزوجية الطبيعية، ولكن يمنعه من الإنجاب. # وقع الخبر على ms59 شهاب موقعا عنيفا، وعاد إلى البيت وهو يجاهد نفسه جهادا شاقا ألا ~~يبدو عليه ما يعانيه من ألم. سبحانك ربي لماذا أكون شجرة جافة بلا ثمار؟! حسبي الله ونعم ~~الوكيل! # ادعى الإجهاد وذهب إلى فراشه وكأنه سينام، ولكن النوم لم يمس جفونه طول الليل، وهناء ~~تحس أنه يعاني شيئا يخفيه. وفي الصباح ترك فراشه مبكرا وأحست به هناء فلحقت به، ~~وعلى مائدة الإفطار سألته: ماذا بك يا شهاب؟ ~~- ما رأيك أن نزور جدي في البلدة، إننا لم نزره منذ رجعنا من باريس؟ ~~- لا مانع عندي، ولكن لماذا لا تقول لي ماذا بك؟ لا تقل الإجابة البلهاء لا شيء؛ فإن يكن ~~زواجنا منذ شهور فإن معرفتي بك منذ بدأنا نعي ما حولنا أنا وأنت، فأنت ابن خالتي. ~~- حين نعود من عند جدي سأخبرك. # وسافرا إلى الحاج حامد، ورحب بهما الجدان ترحيبا شديدا، وأدرك الحاج حامد أن حفيده ~~يعاني مأساة يحاول أن يتكتمها. فما إن خلت بهما حجرة الاستقبال حتى نظر الجد إلى حفيده ~~نظرة طويلة أدركها شهاب وقال: نعم. ~~- فقل ما بك. ~~- أنا عاجز عن الإنجاب. ~~- عاجز عن الإنجاب أم عن المعاشرة الزوجية؟ آه نسيت أنت طبعا غير عاجز عن ~~المعاشرة. # وابتسم شهاب فقد أدرك أن جده تذكر حادثة الآداب التي مر بها، وقال شهاب: الحيوانات ~~الصالحة للإنجاب معدومة تقريبا. ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله. # وأطرق الحاج حامد قليلا، ثم قال: أكان يسعدك أن تأتي بابن يصنع بك ما صنعه ~~أبوك؟ ~~- أنت تعرف يا جدي أنني موفور المال والحمد لله. ~~- وهل يتمثل الجود في المال فقط يا شهاب؟ # وصمت شهاب قليلا، ثم قال: لا، طبعا. ~~- لا أحد يعرف أين السعادة، وإن يكن سبحانه قال: # المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا # فهو سبحانه أيضا قال: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~. الله ~~وحده يعرف برحمته أين يكمن الخير لعباده. ~~- فإذا رضيت أنا فما ذنب هناء. ~~- أخبرها وخيرها. ~~- طبعا لن تقبل الطلاق من أجل هذا. ~~- هذا هو الأغلب. ~~- هل أطلقها؟ ~~- وهل دخلت إلى ms60 قلبها لتعرف أي الأمرين أحب إليها؛ أن تبقى معك بلا أولاد أم تتزوج من ~~غيرك لتنجب؟ ألا يجوز أن يكون طلاقك لها أشد مرارة عندها من عدم الإنجاب؟ ~~- وكيف أدري؟ ~~- تدري من معاملتها لك ومعاملتها للحياة، فاصبر ولا تتعجل. ~~- أمري إلى الله. ~~••• # وفي الطريق إلى القاهرة خطرت برأس شهاب فكرة أنس إليها ووجد فيها الخلاص من حيرته. حاولت ~~هناء أن تعرف منه ما يشغله، ولكنه أصر على الكتمان، ولم تفز منه إلا بجملة واحدة وهما ~~يقتربان إلى القاهرة، بعد أن ومضت هذه الفكرة في خاطره واطمأن إليها: بعد وصولنا بساعة ~~ستعرفين كل شيء. # بلغا القاهرة وأنزل الخدم الحقائب وقال لها شهاب: سأذهب إلى مشوار سريع وأعود ~~حالا. # ما هي إلا بعض الساعة حتى كان شهاب جالسا مع زوجته، وصمت قليلا وهي تتحرق شوقا لتعرف ~~ما يعانيه زوجها. # أخرج شهاب من جيبه ورقة وأعطاها لهناء وهو يقول: اقرئي هذه. # وقرأت وتولاها الذهول: ما هذا؟ ~~- ألم تقرئي؟ ~~- لماذا؟ ~~- لأني عرفت من الطبيب أنني غير قادر على الإنجاب. ~~- ومعنى هذا أن تكتب هذه الورقة! ألا تسألني؟ ~~- أعرف ما ستجيبين به. ~~- إن تصرفك تصرف فارس شريف، وأنا أقبل ما صنعت لسر واحد لا تعرفه أنت، وأعرفه أنا ~~لأني درست القانون. ~~- ما هو هذا السر؟ ~~- إن إعطاء العصمة لي لا يمنعك حقك في الطلاق أنت أيضا حين تشاء؛ فأنت لم تتنازل عن ~~حقك في الطلاق كما يظن عامة الناس وأفلام الشاشة، وإنما معناه فقط أنك أشركتني معك في ~~الاختيار. أنت رجل عظيم، وطظ في الأولاد. # وطفرت دمعتان من عينيها استقبلهما بكاء عالي النشيج من شهاب، كأنه يطلق به كل ما عاناه ~~في هذه الأيام. وقامت الزوجة واحتضنت زوجها وراحت تربت ظهره في حب وحنان وكأنها تعلن إليه ~~إصرارها على الحفاظ عليه. # | الفصل الثامن عشر # كان يوما مشهودا يوم ولادة إلهام؛ فقد كانت الولادة متعسرة، ولم يكن الطبيب قد جاء ~~بعد، ولم يكن بالمستشفى الخاص الذي تلد فيه طبيب متخصص. ودق التليفون في المستشفى ~~ليعلنهم طبيبها ms61 أنه في القبة وليس لديه سيارة ولا يستطيع العثور على سيارة أجرة، ودون ريث ~~تفكير قام فائق: أنا ذاهب إليه. # وأسرع إلى سيارته. # إنه الأجل المحتوم، كانت اللحظة التي قدرها الله لصعود فائق إلى السماء ترتقبه في ~~الطريق! كيف؟ لا يهم. إنها حادثة مثل كل الحوادث التي يلاقي فيها العباد ربهم. ~~••• # نزل الخبر على الجميع كما ينبغي أن ينزل. إنها الفجيعة التي لا ينتظر أحد أنها ستنزل به، ~~وهي أقرب إليه من حبل الوريد. إنها المصيبة التي يظن الناس جميعا أنها قد تقع للآخرين ولا ~~يمكن ولا ينبغي ولا يجوز أن تقع بهم. ~~••• # عرف هارون الحزن كما لم يعرفه في حياته قط، واضطربت به الحياة حتى لقد زهد في المال وهو ~~المال. ومرت به أيام لا يدري عنها إلا أنها طويلة طويلة لا تنتهي. قابع هو في بيته لا ~~يريد أن يرى إلى أعماله وأمواله، ولا يشتهي أن يسمع عنها ذكرا. # وفي يوم صحا من الفجر بعد نوم هالع كئيب، وركب سيارته وقال لسائقه: اذهب إلى أبي في ~~البلدة. ~~••• # وحين استقبله أبوه ارتمى بين أحضانه باكيا بكاء مريرا فيه اعتذار وفيه حزن وفيه رجاء ~~جار بطلب الغفران، وظل على حاله فترة لا يدري أطالت أم قصرت. والحاج حامد تنهمر من ~~عينيه الدموع وهو يربت ظهر ابنه لا يدري أهو بهذه الدمعات يبكي حفيده الذي مات، أم يبكي ~~ولده الذي عرف الفجيعة في معناها السفاك القاتل، أم يبكي أيامه هو التي طالت حتى تشهد ما ~~يشهده في هذه اللحظات؟ # وحين استقر بهما المقام تبين هارون أن سعدون كان قد سبقه إلى أبيه، ووجد الدموع على ~~خديه سجاما، وصمت ثلاثتهم، ثم تكلم سعدون أخيرا: لقد أسمت إلهام الولد حامد. # وبكى الأب والجد ثانية، وقال سعدون: لكل سحاب حزن بريق أمل يا حاج حامد. ~~- الحمد لله. ~~- يا حاج حامد أنت تستحق أن يكرمك الله، وقد أكرمك بابن لحفيدك، ومن يدري ماذا يدخر ~~لك في السماء؟ # وجمع حامد نفسه ليقول في أسى وامتثال لأمر ms62 الله: الحمد لله، الحمد لله على ما أخذ، ~~والحمد لله على ما أعطى. # تمت بحمد الله في الساعة 2:10 من يوم الثلاثاء 11 فبراير 1992م، بمكتبي بمجلس ~~الشورى. ms63