######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.CashiqLayl.Hindawi81726037 #META# Tags: literature #META# ID: 81726037 #META# Title: عاشق الليل: صور قلمية #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تحية إليك‏ # عاشق الليل‏ # حين يشيخ البحر‏ # زعيم من الوهم‏ # الريح والبلاط‏ # ملحق البهلوان‏ # الثور المذءوب‏ # ويل لشتاء بلا ربيع‏ # بين الخطيئة والغفران‏ # أمنية لن تتحقق‏ # الخبرة والإدارة‏ # لحظات مع المجنون‏ # ملبس أجرب لزمن ممزق‏ # قصة من بئر النسيان (السلطان والبهلوان)‏ # عالي الصوت لم يزل‏ # صورة من مرآة النفس (ترقية)‏ # صورة ليست كاريكاتورية‏ # سقط الصنم‏ # الصوت المرتفع والتليفون والفن‏ # قردة‏ # طويل ولكن!‏ # الناس والملائكة‏ # حواديت‏ # حواديت‏ # تحية إليك‏ # عاشق الليل‏ # حين يشيخ البحر‏ # زعيم من الوهم‏ # الريح والبلاط‏ # ملحق البهلوان‏ # الثور المذءوب‏ # ويل لشتاء بلا ربيع‏ # بين الخطيئة والغفران‏ # أمنية لن تتحقق‏ # الخبرة والإدارة‏ # لحظات مع المجنون‏ # ملبس أجرب لزمن ممزق‏ # قصة من بئر النسيان (السلطان والبهلوان)‏ # عالي الصوت لم يزل‏ # صورة من مرآة النفس (ترقية)‏ # صورة ليست كاريكاتورية‏ # سقط الصنم‏ # الصوت المرتفع والتليفون والفن‏ # قردة‏ # طويل ولكن!‏ # الناس والملائكة‏ # حواديت‏ # حواديت‏ # | عاشق الليل # | عاشق الليل # | صور قلمية # تأليف # ثروت أباظة # | تحية إليك # كتابي هذا إليك تحية أحب أن أقدمها في ساحتك. وهي كما ترى ~~في العنوان صور نقشها القلم بالحروف. ولا أحسب أن هذا النوع من ~~الكتابة سبق أن تقدم به أحد بين يديك. # فهو باليقين ليس مقالات؛ فبناء المقالة وأسلوبها وموضوعها معروف لا ~~يجهله قارئ، ولا يخطئه كاتب. # وهو أيضا ليس قصة؛ فالقصة تحتاج إلى كثير من التركيبات والتهويمات ~~التي ما أحسب أنك واجدها بين دفتي هذا الكتاب. # إنه حكايات عن أشخاص عرفتهم وعرفهم الناس في مألوف الحياة ~~وغمارها. وأحسب أن كثيرا سيتعرفون عليهم من ثنايا الكتاب الذي ~~أهديه إليك. وقد وجدت في هذه الشخصيات نماذج فريدة جديرة بأن ~~يتناولها فنان، وخليقة بأن يقرأها الناس. # وحين اخترتهم لك نفذت أو حاولت النفاذ إلى دخيلة طواياهم، ~~والمحجب المستسر من بواعثهم. وحين بلغت، أو خيل لي أنني ~~بلغت، وجدت أنني أستطيع أن أقدم إلى الفن الأدبي صورة لا يستطيع ~~أن يرسمها إلا القلم؛ فالريشة لا يتاح لها أن تصل إلى البعيد من ~~طوايا النفوس، وإذا وصلت فهي ترسمها وقد غشاها ms01 الكثير من الشك، حتى ~~إن أمرها يستبهم على المشاهد وتختلط في عينه الصفات. # أما القلم فواضح صريح. أليس هو البيان؟ # فإليك إذن ما صور القلم. إن كنت قد بلغت به من نفسك ما أتمنى ~~أن أبلغ فما أعظم هذا لي وما أسعدني به! فإن الكاتب لا يهنأ بشيء ~~قدر أن يعرف أن الشرارة التي انبعثت من قلمه قد لاقت شرارة مثلها ~~عند قارئه. وفي هذا اللقاء يضيء مصباح ينير حياة البشر ~~أجمعين. # أما إذا كان الطريق قد أكدى بي فحسبي عندك أنني حاولت، وكنت فيما ~~حاولت أتمنى رضاءك. وفي هذا التمني وحده ما يمهد لي عندك أسباب ~~الاعتذار، ويمهد لك عندي أسباب الشكر. والله من فوق الجميع هو ولي ~~التوفيق. # ثروت أباظة # | عاشق الليل # سبحان الخالق العظيم! جعل كل فرد من الناس نمطا مستقلا بذاته، له ~~مشاعره الخاصة، وشكله الخاص، وأفكاره التي تتخلج في أعماق نفسه، لا ~~يعرف أسرارها إلا الخالق سبحانه، ثم جعل لكل إنسان بصماته الخاصة ~~التي لا يتماثل فيها اثنان في العالم؛ كأن هذه البصمة هي توقيع لفنان ~~انتهى من عمله الفني. # من هذا الشتات من الأفكار ومن المشاعر ومن التركيب الخلقي والخلقي ~~تتكون الشعوب، ومن هذه الشعوب تتكون البشرية. # فكل نظرية لا تدخل في حسبانها أن الإنسان مشاعر ورغبات وآمال ~~وآلام وعواطف تضطرب بين الحب الجارف بلا حدود والكره القاتل لا ~~يرده شيء، نظرية لم تخلق للإنسان، وقد تصدق على الآلة الصماء ~~بلا مشاعر لها ولا آمال ولا آلام. # في قريتي أنماط الناس على كل صنف ولون، ولكن بعض أشخاص لا يستطيع ~~النظر أن يعبرهم بغير إنعام وتمعن. # عبد الحليم حسون؛ عرفته أول ما عرفته خفيرا نظاميا في القرية، ~~وكان عمدة القرية معجبا به أشد الإعجاب؛ فهو أول من يتسلم ~~سلاحه في صفار الشمس وهو آخر من يسلمه بعد أن يصلي الفجر. # ولا يأتي جزء من الليل على عبد الحليم إلا وهو يقظ لا ينام؛ فعبد ~~الحليم يحب الليل ولا يطيق أن يفلت منه لحظة دون ms02 أن يعيشها بأكملها، ~~بأعماقها جميعا، ويستمتع بكل ما في الليل. وهو يستمتع بالليل على أي ~~صورة له فهو يحبه أسود قاتم الظلمة معتما. وهو يحبه ~~والنجوم على صدر سمائه. وهو يحبه والقمر يحيله إلى هذا اللون ~~الأزرق الذي يشيع في النفوس الحب للحب، والهوى للهوى، والشفافية ~~الشاعرة الرقراقة. ويسعد بغلالة القمر نسجتها يد الفنان الأعظم. ~~ويلقي عبد الحليم نفسه في هذه الغلالة سعيدا لا يدري لسعادته سببا ~~ولا يريد أن يدري. وكأنما أدرك بحسه كالبدائي الصادق أن التغلغل ~~في أسباب السعادة يدمر السعادة. إنما هي لحظة إشراق تومض، فهو ~~بها في نشوة، ولا يعنيه من بعد من أين جاءت هذه الإشراقة، وكم ستمكث، ~~ومتى ستولي عنه. وإنما هو يلقي نفسه إليها بالدنيا جميعا. هي لحظته ~~تلك، وليكن بعد ذلك ما يكون. # وما عرفت في حياتي شخصا يقدس الحرية مثلما يقدسها عبد ~~الحليم. # أحب وتزوج وأنجب بنتا، وما إن جاءت البنت حتى تكشفت زوجة عبد ~~الحليم على حقيقتها؛ لقد أرادت أن تفرض سيطرتها عليه فلا يفلت إلا من ~~يدها، ولا يخرج إلا بإذنها، ولا يصادق إلا بأمر منها. # واتخذ قراره الحاسم. # الوقت شتاء ولكن لا يهمه. وهو يسهر الليل كله في درك الخفر. وللجسم ~~حقوق لا بد أن تؤدى، فإذا خرج من بيته فإلى أين يأوي؟ # لم يفكر، كان قد اتخذ قراره. # لم يعد بعد ذلك إلى بيته، والتمس من حقل شجرة ونام. وأصبحت ~~الشجرة بيته. # وحاولت الزوجة أن تسترده بكل الوسائل التي تعرفها المرأة فلم ~~تفلح، فحاولت أن تسترده بالوسائل التي تعرفها القرية ~~ففشلت. ~~- إن ما بيني وبينك ورقة الزواج. أستطيع أن أجعلها في أي لحظة ورقة ~~الطلاق. وأنا لا أريد أن أفعل هذا من تلقاء نفسي من أجل بيتنا. لن ~~أطلقك إلا إذا طلبت هذا. ~~- عد، وافعل ما تشاء. ~~- إن المرأة التي تحب أن تسيطر لا تصلح لي. ~~- قلت افعل ما تشاء. ~~- أنا لا أريد إلا أن أكون حرا. ~~- فكن حرا. ~~- لن أكون حرا إلا وأنا بعيد عنك. ~~- وبيتك ms03 ؟ ~~- ما دمت فيه فهو ليس بيتي. ~~- وأنا كيف أعيش؟ ~~- هذا شأنك. ما دمت تعرفين كيف تسيطرين فلا بد أنك تعرفين كيف ~~تعيشين. ~~- وبنتك؟ ~~- لن ينقص ابنتي شيء إلا أن أكون أنا موجودا. ~~- أنت تعرف كم تحبك. ~~- أنا طول الليل في الدرك تستطيع أن تأتي إلي عندما تشاء. وهي ~~تعرف كيف تجدني دائما. ~~- أليس هناك أمل؟ ~~- أما أنا فأملي كله أن أكون حرا، وقد صرت حرا. وهكذا اتخذ ~~عبد الحليم قراره ونفذه. ولم يجد معه حديث زوجته ولا شفاعة ~~أصدقائه. ولم تجد زوجته سبيلا إلا أن تلجأ إلى العمدة تستعينه على ~~زوجها. ~~- ارجع يا ولدي إلى زوجتك. ~~- وما دخل هذا في عملي يا حضرة العمدة؟ ~~- إنني آمرك. ~~- سعادتك تستطيع أن تأمرني بما شئت فيما يتصل بعملي. أما ما يتصل ~~بزوجتي فلا يأمرني أحد. ~~- حتى ولا أنا؟ ~~- وما دخلك أنت يا حضرة العمدة فيما بين الزوج وزوجته؟ ~~- أنا عمدة البلد يا ولد، هل جننت؟ ~~- يا حضرة العمدة، أبقى الله عليك العمدية، ولكن هل تستطيع ~~بالعمدية أن تجعلني أقبل زوجتي؟ وإذا كانت كريهة إلي هل تستطيع ~~أن تجعلها حبيبة يا حضرة العمدة؟ الله وحده هو الذي يملك القلوب، ~~والصلة بين الزوج والزوجة لا يعرف أسرارها إلا الزوج والزوجة، إنها ~~صلة لا مثيل لها في العالم، ولا تكون بين اثنين آخرين أبدا؛ فلا هي ~~نفس الصلة بين الابن وأبيه، ولا هي الصلة بين الابن وأمه، ولا بين ~~البنت وأمها؛ صلة عجيبة أنشأها سبحانه على نظام خاص، فكيف تتصور أن ~~تتدخل فيها بأوامرك يا حضرة العمدة؟ ~~- الله، الله، الله، ما كل هذه الفصاحة؟ ~~- ولكني على حق. ~~- إذن فأنت مرفوت. ~~- سبحانه! لا يترك أحدا جائعا. # لم يكن المرتب يعني عبد الحليم؛ فهو يعرف أنه سيعيش، ولكنه حزين ~~أنه حرم من الليل. ولم يقم حزنه طويلا. لقد كنت أسهر لأني خفير ~~فماذا بي لو سهرت لأني حر؟ سيضحك مني الناس، ولكن ما شأن الناس ~~بي؟! لقد رفتني العمدة لأعود إلى بيتي، ولكن ما الحرية إذا أنا لم ms04 ~~أغتصبها اغتصابا؟ # ومنذ ذلك اليوم وعبد الحليم لا ينام في البيت أبدا. في الشتاء ~~العاصف والريح تعوي فيختلط صوتها مع صوت الذئاب، والمطر ينهمر فيدق ~~الأرض، وكأنه عديد من العصي الغليظة، وطرقات القرية وحقولها لا يبدو ~~فيها أنس أو وميض من نور، تجد عبد الحليم في العراء، كل ما فعله ~~لنفسه ليتقي لذعة البرد كيس فارغ من أكياس القطن مبطن بقش الأرز، ~~يغمر عبد الحليم نفسه في داخله، وينظر إلى الليل؛ فهو يحبه أيضا حين ~~يعصف وينهمر مطره وتعوي ذئابه ورياحه. # وتمر الأيام لتصبح سنوات، وتكبر ابنة عبد الحليم، ويأتي لها من ~~يريد الزواج بها. وتتزوج في بيت عبد الحليم مع زوجها حتى لا تترك ~~أمها وحيدة. # وتمر أيام أخرى. وتموت زوجة عبد الحليم، وتقصد البنت إلى ~~أبيها. ~~- أبي، قد كبرت. ولم تعد تستطيع أن تظل على هذه الحال. ~~- وما هذه الحال؟ ~~- تحتاج إلى لقمة طيبة وهدمة نظيفة ونومة هادئة. ~~- أما اللقمة فأنا، كما تعلمين، لا يغريني الطعام. وأما الهدمة ~~... ~~- أعرف، أعرف أنك أنظف إنسان في القرية، ولكنك يا أبي أنت الذي ~~تغسل جلبابك كل ليلة. ~~- من يريد أن يكون حرا لا بد أن يكون نظيفا. ~~- والنومة الهادئة؟ ~~- أتحسين يا ابنتي أني أنام في العراء لأني لا أجد بيتا؟ ~~- أتحب أن تنام في العراء؟ ~~- قولي لي، كيف أعيش منذ تركت الخدمة؟ ~~- تؤدي الطلبات لأصدقائك في البلاد الأخرى وفي البندر مقابل أجر ~~ضئيل. ~~- يكفي لقمتي وسيجارتي. ~~- وما شأن هذا بنومك في العراء؟ ~~- هل أعدم سقفا عند أصدقائي هؤلاء؟ إنما أريد أن أرى الليل وأقيم ~~فيه. إنه يخيل لي أن الليل نفسه لا ينام إلا إذا رآني أنام تحت ~~سمائه. أنا يا ابنتي مخلص لأصدقائي كما تعرفين. الليل هو أحب ~~أصدقائي إلي، وهو أيضا أوفى الأصدقاء لي. # | حين يشيخ البحر # مرت بنا في الإسكندرية أيام خيل إلينا فيها أن البحر قد شاخ، ~~وأنه أصبح عاجزا عن أن يموج ثانية. كانت المياه منه تصل إلى الشاطئ ~~عاجزة لاهثة، كأنها حيوان أخذ منه الجهد ms05 مأخذه؛ فهي ترتمي على الرمال ~~ارتماء من يتشبث بالحياة، وينشب فيها أظافر يائسة مرتعشة ~~توشك أن تموت. # وكان الهواء قد مات فعلا، حتى لقد خيل إلينا أنه يبتسم ~~أبدا. # وإذا كان هذا حالنا ونحن على شاطئ البحر في الإسكندرية، فالله في ~~عون البعيد عن الشاطئ. # في هذا الجو يجمل بنا أن نتناول حديثا بعيدا عن السياسة؛ فالسياسة ~~إن أعجبت قوما أغضبت آخرين، وإن رضي بحديثها بعض ضاق به بعض ~~أكثر. # والأخذ في غير حديث السياسة أمتع للقارئ وأيسر للكاتب، وخاصة إن ~~كان الكاتب مثلي مرن على كتابة الرواية والقصة، وعرف بهذا اللون بين ~~الناس، وأصبح عذره بين يديه إذا هو قدم إلى قارئه من حين إلى آخر ~~حكاية. وقد يسأل من يسأل: فما لك لا تصوغ هذه الحكاية قصة قصيرة ~~تضاف إلى مجموعة جديدة، أو رواية طويلة تضاف إلى ما كتبت من ~~روايات؟ # وأيسر إجابة على ذلك أن أبطال هذه الحكاية يفسدون الحبكة ~~الروائية، ويدمرون الصدق الفني؛ فهم بأعمالهم الخارقة للعادة ~~يحولون دون جعل قصصهم أعمالا فنية؛ لأنها أعمال يرفضها التصديق ~~ويأباها المنطق، ولا بد للعمل الفني أن يتسم بالصدق جميعا. # ومع كل هذا فالحكاية التي أقدمها قد وقعت في الحياة فعلا؛ ذلك ~~أن الحياة لا يعنيها في كثير أو قليل أن يصدق الناس ما تؤلفه من ~~قصص وروايات، وإنما يعنيها أن تؤلف، وليس يعنيها من يستقبل العمل ~~الفني. ~~••• # ولعل أبيات شوقي في قصيدته الخالدة مصاير الأيام خير دليل على ما ~~أذهب إليه. # قطيع يزجيه راع من الده # ر ليس بلين ولا صلب # أهابت هراوته بالرفاق # ونادت على الحيد الهرب # وصرف قطعانه فاستبد # ولم يخش شيئا ولم يرهب # أراد لمن شاء رعي الجديب # وأنزل من شاء بالمخصب # وروى على ريها الناهلات # ورد الظماء فلم تشرب # وألقى رقابا إلى الضاربين # وضن بأخرى فلم تضرب # وليس يبالي رضا المستريح # ولا ضجر الناقم المتعب # وليس بمبق على الحاضرين # وليس بباك على الغيب # وهذه القصة - مع كل المقدمة التي قدمتها عن السياسة - ما زلت ms06 ~~لا أدري أهي سياسة أم غير سياسة. ~~••• # تبدأ القصة حيث تنتهي الأفلام المصرية بزواج فتى مهندس شاب ~~بفتاة ثرية واسعة الثراء. # ولكن المهندس بارع في النفاق فهو يضع رجله دائما حيث ينتفع من ~~وضعها، ويمد يده دائما لينال مالا أو منصبا. وهو لم يعمل نفاقه ~~على ذوي السلطان فقط، وإنما أعمله وأجاد إعماله على زوجته الغنية، ~~حتى استطاع أن يحول أموالها كلها إلى حوزته، فأصبح مالكا لكل ~~ما كانت تملكه. # ولما كان النفاق يجهده غاية الجهد، فقد تعرف بسيدة أخرى أخذت ~~عليه مسالك تفكيره كلها، فأصبحت تأمر فينفذ أمرها. وكانت السيدة ~~متزوجة. ولم يكن طلاقها سهلا، ولكنها - لأنها قادرة - استطاعت أن تجعل ~~زوجها يطلقها. وصورت هذا الطلاق للمهندس المنافق على أنه تضحية ~~من أجله كبرى. ولم يكن المهندس محتاجا لإقناع؛ فقد استنفد أغراضه من ~~زوجته بعد أن أصبح المال كله ماله هو. طلق زوجته وتزوج السيدة ~~الأخرى. # وكما تدين تدان. # استطاعت السيدة الأخرى أن تبتلع ماله هو جميعا؛ أقصد المال الذي ~~استلبه من زوجته الأولى استلبته منه زوجته الثانية جميعا. # وكان في هذه الفترة قد بلغ منصبا تستطيع هي أن تنتفع به، كما استطاع ~~هو أن ينتفع. وبمعرفة قادرة استطاعت أن تصبح السيدة الجديدة مستأجرة ~~لخمس وثلاثين شقة خالية من الأثاث؛ أثثتها هي وأصبحت تؤجرها ~~جميعا مفروشة. والشقق جميعا باسمها. وهكذا أصابت المال والشقق ~~جميعا. ولم يبق للمهندس إلا منصبه. ولكن متى دامت المناصب حتى تدوم ~~له؟ ما هي إلا دورة زمن حتى أبعد عن منصبه. وحينئذ وجدت الزوجة ~~المخلصة - المخلصة لنفسها - أن الأوان قد حان ليطلقها. وإذا كانت ~~قد استطاعت أن تحصل على طلاقها الأول فهي على طلاقها الثاني أكثر ~~قدرة. وطلقها. # وهو اليوم رهين المحبسين من فقر وبطالة. # أما هو فقد نال جزاءه وهو بعد على قيد الحياة. أما هي فأغلب الأمر ~~أن جزاءها سيكون في الحياة الثانية، و«إن ربك لبالمرصاد». # ترى أوجدت النغمة السياسية الخافية في هذه القصة؟ ما أحسب أنها ~~فاتت ذكاءك. # فقد صنع هذا المهندس ms07 ماله وشقق زوجته ومنصبه في عهد كان النفاق ~~فيه هو البضاعة الوحيدة في السوق. # وأخشى أن أمضي في الحديث إلى أبعد من هذا، فأجد القلم قد انغرس في ~~أسماء الأشخاص، وتنقلب الحكاية إلى نميمة. وما أشتهي هذا لنفسي ولا ~~لقلمي. # ترى هل استطعت أن أخفف عنك وطأة الحر. إن لم أكن فاذكر أن هذا ~~عهد قد مضى وأنه لن يعود. وحين تذكر هذا ستحس نسمة من أمن ومن ~~ريح طيبة رخاء ترطب حولك أعباء الحياة. # | زعيم من الوهم # وهل حياة الإنسان إلا ذكريات تنداح في خفايا النفس متحفزة ~~متوفزة تترقب من الحياة منفذا تثب منه إلى الوجود، فإذا هي ~~تنقلب من مجرد ذكرى إلى واقع يحياه الإنسان وكأنه ما بارحه في ~~أمس البعيد. # وهذه الصورة قفزت إلى واقعي بعد أن استخفت في أطواء نفسي قرابة ~~أربعين عاما، وكنا تلاميذ في المدارس الثانوية، وفوجئنا بزميل لا ~~يمشي كما نمشي ولا يتكلم كما نتكلم؛ ففي مشيته بطء وخيلاء، ~~فاشل واضح التصنع، وفي صوته رنين يريد أن يكون رنين التعالي، فلا ~~يتم له ما يريد. وتحلقنا حوله - ماذا بك يا أخي؟! كنا عرفنا اسمه، ~~كما عرف كل منا اسم الآخر. # فقد كان أول أستاذ في العام الدراسي الجديد يدخل إلى الفصل، ~~وينادي الأسماء اسما اسما، ويطلب من التلاميذ أن يقف كل منهم حين ~~يسمع اسمه، فما هي إلا دقائق حتى عرفنا من لم نكن نعرف من الأسماء، ~~ممن لم تجمعنا وإياهم سنوات سابقة. وكان اسم هذا الزميل هو عبد ~~الشكور عبد النبي. وقد وقف حين وقف في عظمة ولكنها مفتعلة. وجلس ~~حين جلس في نفس العظمة المفتعلة. وأدركنا نحن من هيئته أننا وقعنا في ~~عامنا هذا على مادة للسخرية لا مثيل لها في حياتنا جميعا. # كان عبد الشكور يرتدي من الملابس ما يدل على أنه ليس ذا ثراء. وكان ~~قصير القامة؛ فتراه يشب على أطراف أصابعه ليبدو أطول من حقيقته. ~~وكان يلبس الحلة ذات صفين من الأزرار، ويميل الطربوش إمالة ~~واضحة إلى اليسار ms08 مثل محمد محمود باشا، ويضع يده اليسرى في جيب ~~الجاكتة مثل صدقي باشا الذي كان يفعل هذا ليخفي الشلل الذي أصاب ~~يده، ولكن عبد الشكور ظن أن صدقي باشا يفعل ذلك على سبيل العظمة. وكان ~~يضع وردة حمراء في صدره مثل النحاس باشا. # وهكذا أصبح أخلاطا من الزعماء كلهم عدو للآخر، جمعهم هو في ~~ملبسه ومظهره وحركته ومشيته. بدأنا نناوشه: ماذا تريد أن ~~تكون؟ ~~- أنا زعيم عصركم. ~~- ماذا قلت؟ ~~- لا بد لكل عصر من زعيم، وقد هيأت نفسي أن أكون زعيم عصركم ~~لأخرج الإنجليز من مصر. # وقع المسكين في شر أعماله ولم يجد من يسمي عليه. أصبح مسختنا ~~وسخريتنا وملهاة المدرسة وتسلية التلاميذ، ولكن العجيب أنه كان لا ~~يتحرج ولا يهتم، فإذا اجتمع الطلبة وهتفوا ساخرين بحياة الزعيم ~~العظيم حياهم بيده في عظمة يقصر عنها الزعماء شهرة ~~وزعامة. # وكان أستاذ التاريخ في فصلنا من أعظم المدرسين الذين عرفناهم في ~~سنوات حياتنا جميعا. ولولا خشيتي أن أكشف بذكر اسمه شخصية بطل هذه ~~الصورة لذكرته أطال الله حياته ومتعه بالصحة والعافية. # وقد رأى أستاذ التاريخ أن يعد كل تلميذ درسا من دروس المنهج ~~ويلقيه على إخوانه، ويناقشه الإخوان في الدرس. وهكذا تثبت ~~المعلومات في أذهاننا نابضة بالحياة، ويكتب لها البقاء إلى ~~الأبد. # وحدث أن اختار الأستاذ لدرس من دروس المنهج أخانا عبد الشكور عبد ~~النبي. ووقف بيننا عبد الشكور عبد النبي وانفجر يخطب وكأنه مصطفى ~~كامل باشا في عنفوان أيامه. وأعلننا أنه منذ اليوم سيتولى زعامتنا ~~لنخرج الإنجليز من مصر، وأنه هو وحده القادر على أن يخرجهم. ~~وانفجرنا في ضحك ساخر مجلجل صاخب لم يستطع على رغم اندفاعه أن يصيب ~~منه أي وتر من خجل، ولكن الذي خجل من أجله أستاذ التاريخ، الذي لم ~~يجد بدا من أن يقول له في أدب جم: طيب. ادخل أنت إلى درجك دلوقت ~~يا عبد الشكور. ودخل عبد الشكور مرتفع الهامة ثابت الخطوة متعاظم ~~المشية، يشب على أطراف أصابعه ليبدو أطول من حقيقته. وراح ~~الأستاذ يكمل ms09 الدرس. # ولكن أستاذنا كان شاعرا رقيق الحس مرهف المشاعر. وخيل إليه أن ~~عبد الشكور قد أصيب في كرامته فأراد أن يرد إليه ما تصور أنه ~~سلب من كرامة، فاستدعاه. # وجاء عبد الشكور إلى مكان الأستاذ. وإذا به يواصل خطابه الذي أوقفه ~~عنه الأستاذ، ويعلن زعامته مرة أخرى في صفاقة أشد من المرة ~~السابقة. وفي هذه المرة لم ينفجر الفصل وحده، وإنما انفجر معه الأستاذ ~~الحليم الذي لم نره ثائرا في حياتنا إلا في ذلك اليوم، وصاح به: يا ~~عبد الشكور أنت غير معقول. امش ادخل مكانك، امش. # وأصبح ما حدث في الفصل حديث المدرسة كلها. ووجدنا أنفسنا نحن ~~تلاميذ الفصل موضع الأسئلة المتزاحمة علينا من زملائنا في الفصول ~~الأخرى. # وفي اليوم التالي فوجئنا بعبد الشكور يوجه الدعوة إلى الشاي في ~~منزله لبعض تلاميذ الفصل، وعجبنا لأمره. # ولكننا قبلنا الدعوة لنصل إلى كل ما نستطيع أن نبلغه من حقيقة ~~الزعيم. # البيت لموظف رقيق الحال في أربعينيات القرن. واضح أن اعتماده ~~الوحيد على مرتبه دون أي عون آخر. والبيت نظيف، والمواد المقدمة ~~في الشاي هزيلة، ولكن الجهد الذي وراءها واضح المعالم. وبدأ أبو الزعيم ~~الحديث فعرفنا عجبا. # لقد كان عبد الشكور من الوقاحة وكان أبوه من السذاجة بحيث استطاع عبد ~~الشكور أن يقنع أباه أنه زعيم المستقبل، وأننا نحن أعوانه ورجال حزبه ~~وعناصر التأييد لزعامته؛ ولهذا لم يكن عجيبا أن نجد الأب سعيدا بابنه ~~سعادة غامرة لا عقل فيها ولا تفكير ولا تدبر. # ومع أننا كنا في تلك السن القاسية التي لا تعبأ كثيرا بشعور ~~الآخرين، إلا أننا - وكنا ستة طلاب - أجمعنا دون اتفاق على ألا نجرح ~~مشاعر الأب الساذج في ابنه، الذي يثق وثوقا كاملا أنه زعيم ~~فترته. # وانصرفنا. # وفي اليوم التالي كنت قد نظمت أبياتا في عبد الشكور تفرج عن ~~غيظي الذي كتمته في مجلس أبيه. والعجيب أنني أذكر هذه الأبيات، وهي ~~أول ما نظمت في حياتي: # على رغم المظاهر والغرور # صغير أنت يا عبد الشكور # أترجو أن تكون زعيم ms10 قوم # لتنظر في الصغير وفي الكبير؟ # فدع عنك الزعامة واجتنبها # فلا في العير أنت ولا النفير # والأبيات كما هو واضح بالغة الضعف، ولكن التلاميذ تلقفوها، ~~وراحوا يتغنون بها كلما مر بهم عبد الشكور. # وأراد أن يدبر لي بذكائه السياسي مصيبة، فجاء إلى الدرج الذي ~~أجلس فيه، وأخذ مكانه بجانبي وقال: أنا أريد أن أقابل والدك. # قلت: وما له! تحت أمرك؛ فهو أيضا ممن يعملون في السياسة، وقد ينضم ~~إلى حزبك. # قال: لا. أنا جاد فيما أقول. # قلت: ومن قال لك إنني تحت أمرك؟ ولكن فيم تريد أن ~~تقابله؟! # قال في جدية شديدة: إن صلتك بالفتاة حسنية أصبحت على كل لسان، ~~وأحب أن أخبر الوالد لأخلص ذمتي أمام الله. # أدركت ما يقصد إليه؛ فأنا لم أعرف في حياتي فتاة بهذا الاسم. وقد ~~كانت حياتي جميعا بعيدة كل البعد عن المغامرات النسائية. وكان أبي ~~أعلم الناس بذلك. # قلت لعبد الشكور: والله تشكر يا عبد الشكور. أنت فعلا أخ؛ فإن حب ~~هذه الفتاه يسد علي أقطار الحياة، وأنا أخشى أن أخيب بسبب حبها. ~~وربما لو أخبرت أنت أبي الذي لا أجرؤ أنا على إخباره يزوجني من ~~الفتاة أو يردعني بسلطان الأبوة، وتكون قدمت لي خدمة ~~العمر. # فإذا عبد الشكور ينتفض غاضبا باكيا لأول مرة في حياته صائحا: أنت ~~مش معقول، أنت مش معقول. # وانصرف عني وهو يرقأ مدامعه بمنديله. # ومضت الأيام وغاب عبد الشكور عن الذاكرة، وذكرته هذه ~~الأيام. # لم يصبح عبد الشكور زعيما، ولكنه أيضا يأبى أن يتخلى عن فكرة ~~الزعامة، فإذا هو يصطنعها في مكان لا يصلح مطلقا للزعامة، ومن ~~يحاول الزعامة فيه يصبح إنسانا أخرق الرأي ضائع التفكير سقيما غاية ~~السقم في حكمه على الأمور. # صورة من الماضي أبى الحاضر إلا أن يردها إلى الحياة. ويا ليتها ~~ظلت حيث كانت في طوايا الذكريات الخفية، ولكن متى كانت «ليت» ذات ~~نفع؟! إنها كلمة الحسرة، لا تنفع الحسرة. والأمر لله من قبل ومن ~~بعد. # | الريح والبلاط # كانت حقيبته خاوية أو تكاد وهو ms11 قادم إلى القاهرة، ولكن وعاء تاريخه ~~كان حافلا بكل الهوان؛ فقد كان أبوه الوحيد في القرية الذي لا يستطيع ~~أن يقول إنه فلاح. ثم هو لا يستطيع أيضا أن يفصح عن وظيفته ~~الحقيقية. والقلم أيضا لا يستطيع أن يكتب هذه المهنة؛ فإن سنه لم ~~يتعود أن يخط حروف هذه الصنعة متلاصقة. وللقلم مثل الإنسان حد ~~يقف عنده لا يعدوه، وهو قادر أن يقف بصاحبه حيث يشاء؛ فإن للقلم جفوة ~~لا يملك الممسك به إلا أن يخشاها؛ فإن العلاقة بين القلم وصاحبه لا ~~بد أن يسودها الوئام والتوافق؛ وإلا فويل لكل منهما من صاحبه؛ فحياة ~~كل منهما تعتمد على الآخر كل الاعتماد، فلا حياة لممسك القلم بغير ~~القلم. ولا حياة للقلم بغير صاحبه. # ولهذا أراني مضطرا أن أصف لك موقف القرية من العزوني، دون أن ~~أذكر المهنة التي يمتهنها. # فكل رجل في القرية يحرص أن يكون حديثه إلى العزوني في خفية عن ~~الأعين، وويل للرجل من زوجته كل الويل إذا هي سمعت أن جملتين من ~~حوار اكتملتا حديثا بين زوجها وبين العزوني. # وقد نشأ حنفي بن العزوني وهو يرى أباه منبوذا من القرية جميعا، ~~قصيا عن أهلها، لا يحادثه أحد منها إلا همسا، وفي غيبة كل ~~العيون. وحين كان حنفي طفلا لم يكن يدرك سر أبيه. وحين ذهب إلى ~~المدرسة وجد نفسه منبوذا من أطفالها، يعرضون جميعا عنه، ويرفضون ~~حديثه إذا توجه به إليهم فرادى أو جماعات. وكان المدرسون أشد قسوة ~~من التلاميذ في معاملاتهم له. وتعلم القراءة والكتابة، وسر أبيه ما ~~زال مجهولا بالنسبة إليه. وأصبح الطفل صبيا يملؤه نشاط الصبا ولا ~~مكان لمنشطه ولا ملعب له مع الأطفال، فيجري في الحقول لغير غاية، ويقف ~~لا يدري لماذا وقف، ويجلس ولا يدري لماذا جلس. ويقصد إلى ملاعب الأطفال ~~في الأجران فيقف منهم بمرقب، لا يجرؤ أن يعرض عليهم المشاركة في اللعب، ~~طالما حاول ذلك فواجهه الصدود والرفض. # وأخيرا اطلع الفتى على سر أبيه، ثم ما لبث أن أصبح أبوه يجعله ms12 ~~يقوم بالعمل عنه. وأتقن الصنعة بكل ما يحيط بها من احتقار ومذلة. ~~وخلا بنفسه يوما، كم هو غبي أبوه العزوني هذا! إن الصنعة التي ~~يمارسها لا تصلح في قرية؛ فالقرية مجتمع مقفل، كل شخص فيها مكشوف ~~الجوانب للجميع، وعائد هذه الصنعة في القرية ضئيل الشأن؛ فأي معنى ~~إذن لبقاء أبيه في هذه القرية؟! ربما قال أبوه لنفسه إنه في القرية ~~محقور الشأن ولكنه أيضا يعرف زبائنه، وسيصبح من العسير عليه أن ~~يتعرف على زبائن في المدينة. والمهنة تقوم على معرفة رغبة عند قوم ~~تجد قبولا عند قوم آخرين؛ فمعرفة أصحاب الرغبة وأصحاب القبول هي أساس ~~المهنة. وهذا أمر ميسور في القرية عسير في المدينة. ورأس مال هذه ~~المهنة أن يرضى الذي يمتهنها أن يكون موضع احتقار الجميع في الظاهر ~~وملتقى أموالهم في الخفاء. ولكن حنفي ما زال يعجب، ما دام أبوه قد ~~تخطى مرحلة المحافظة على الكرامة إلى مرحلة الذلة والاحتقار، ~~فلماذا يصحب رأس ماله الضخم هذا إلى المدينة؛ فهناك ينماع احتقاره في ~~تيارها وأمواجها الصاخبة، وهناك كل إنسان له شأن يغنيه. وهناك لا ~~يسعى كل إنسان إلى معرفة أسرار الآخرين. وإن حاول فنصيب محاولته - ~~أغلب الأمر - الفشل والإخفاق. # لقد ذهب حنفي مرات إلى القاهرة، وأقام فيها عند خالته، فوجدها لا ~~تدري عن مهنة أبيه في القرية شيئا، وجد زوج خالته يجهل شأن أبيه كل ~~الجهل. وقد انساب حنفي في الجموع، وعرض صداقاته على الجلساء في ~~المقاهي فما وجد إعراضا، وما صده رفض، وما سأله أحد ما صناعتك أو ~~صناعة أبيك. وعرف حنفي في القاهرة مكتبات سور الأزبكية، واشترى ألف ~~ليلة وليلة، وقصص عنترة وأبو زيد الهلالي سلامة، والأميرة ذات الهمة، ~~ولم يرتفع مستواه إلى أعلى من ذلك. # وصحب هذه الكتب إلى القرية، وانغمس فيها يكب عليها في الأوقات ~~التي لا يقوم فيها بعمل أبيه. ومن الطبيعي أن تكون أوقات القراءة ~~متطاولة متسعة لأن أوقات العمل بطبيعتها ضئيلة منكمشة. # وهكذا لم يكن غريبا أن ينكر على أبيه بقاءه في القرية. ms13 ولم يكن ~~عجيبا أن يصحب حقيبته وليس بها إلا شبه ملابس ويتجه إلى ~~القاهرة. # ذهب إلى خالته. وأدركت أنه ينوي الإقامة، وفدحها الأمر. وأدرك أنه ~~غير مقبول، وأن الترحيب الذي كان يجده في زيارة يومين أو ثلاثة أو ~~أسبوع لن يجده في إقامة غير نازح. # ونزل إلى الطريق يحس أنه بالصنعة التي أتقنها وتلقاها عن أبيه ~~أقوى الناس جميعا. ومن يستطيع أن يباري منعدم الكرامة في القوة ~~والمتعة؟ إن الناس - سائر الناس - لديها بقية من حياء أو أثارة من ~~خشية أن تذل لهم كرامة أو يوجه إليهم سباب، ولكنه هو بما وهبته ~~صنعته وصنعة أبيه وبما احتقره الناس جميعا في مأمن كل مأمن أن ~~يستطيع أحد النيل من كرامته؛ فلا كرامة له حتى تنال، أو الغض من ~~شأنه؛ فلا شأن له حتى يغض منه إنسان. # ذهب إلى مقهى وجلس إليه، ولاحظ أن الباب المجاور للمقهى مفتوح على ~~مصراعيه يلفظ الناس ويبتلعهم، لا يمل؛ فهو في حركة دائبة وفي شغل ~~شاغل. ترك كرسيه ونظر إلى اللافتة المعلقة بجانب الباب «مجلة ~~الفنون والسياسة». تقدم إلى رجل جالس على دكة بجانب الباب: ألا ~~تحتاجون لعمال؟ ~~- أي نوع من العمال؟ ~~- أي نوع تريد؟ ~~- هل تجمع الحروف؟ ~~- أتعلم. ~~- ومن سينتظرك حتى تتعلم؟ ~~- أنا خدام نعليك. أي شغلة وأجرك عند الله. ~~- تسمع الكلام. ~~- قبل أن تقوله. ~~- تعمل قاهيا؟ ~~- وأقل من ذلك نعمة. ~~- تعرف كيف تعمل القهوة؟ ~~- والشاي. ~~- ادخل. # وعمل قاهيا بالجريدة. وما هي إلا أيام حتى أتاحت له مهارته أن ~~يمارس صنعته وصنعة أبيه. وما هي إلا شهور حتى فرض نفسه كاتبا بعد أن ~~أصبح يملك في يديه أسرار كثير من المحررين والمحررات أيضا. وما ~~هي إلا شهور أخرى حتى أصبح على صلة بسلاطين العصر، ومارس معهم الصنعة ~~التي يجيدها. وكبر شأنه وطغى وتجبر وأصبح هو وحده من يتحكم في ~~الجريدة. وكان أول شيء صنعه أن طرد البواب الذي مكنه من الدخول ~~إلى الجريدة. ~~••• # وتغير العهد. ووجد حكام العهد الجديد مخزيات تدور حوله، تتصل ~~بالأمانة أول ms14 ما تتصل، ووجدوه أيضا قد تآمر على سلامة الدولة، ~~وقبضوا عليه ومثل أمام المحققين، فكان أول شيء قاله: ماذا يأخذ ~~الريح من البلاط؟ ~~- أنت أمام النيابة ولست في كباريه. ~~- أنا لم أقل شيئا. ~~- فما هذا الريح والبلاط؟ ~~- يا بك، أنا أسفل إنسان في الدنيا، وليس يهمني أي شيء ممكن أن ~~تحكموا به. المؤكد أنني لن أشنق لأنني لم أقتل أحدا. ~~- بل قتلت. ~~- أنا؟ # قتلت كرامة مهنة المفروض أن تكون أشرف مهنة. ~~- هذا الكلام لو كان عندي شرف. ومن أين؟! أنا يا بك مهنتي هي قتل ~~الشرف. ولما كان الشرف معنى وليس شخصا، فلا يمكن أن تكون العقوبة ~~هي الإعدام، وما دمتم لن تطالبوا بإعدامي فافعلوا بي ما شئتم، ليس شيء ~~في الوجود يستطيع أن ينال مني. # لم تجد النيابة شيئا تستطيع أن تفعله؛ فوكيل النيابة الذي كان ~~يحقق معه قديم. ومر به من المتهمين أنواع وأنواع، ولكنه لم ير في ~~حياته مثل هذا الشيء الذي يقف أمامه. # في قرف شديد وجه التهمة. وصدر الحكم، وسجن حنفي العزوني، وخرج ~~من السجن كأنه لم يدخله، فإن يكن السجن تأديبا وتهذيبا وإصلاحا فهو ~~كذلك لبني آدم الذين مر الشرف ببيوتهم، أو عرفوا الكرامة في يوم من ~~الأيام، أما حنفي العزوني فبلاط. وهيهات لرياح العالم جميعا أن تنال ~~من البلاط شيئا ملحوظا، ولكن في يوم من الأيام ومع كثرة مرور الرياح ~~لا بد أن يصبح البلاط رمادا هشا عدما من العدم؛ فمهما يكن البلاط ~~قويا بحقارته فإن الحياة أقوى بسموقها. # | ملحق البهلوان # لعل القارئ لا يعرف من هو هذا المداح وكيف كان شكله. والحقيقة أنه ~~نموذج بشري قديم مغرق في القدم، شهدته أنا في طفولتي الباكرة، ~~وكان في ذلك الحين بقية من فئة أوشكت على الاندثار. # وكان دأب هذه الفئة أن تمر وفي يدها طبلة تدقها على منازل ~~الأعيان في الريف، تنشئ في مديحه القصائد المرتجلة الهزيلة التي ~~تتغنى بكرمه وجوده وأصله وعراقته. وطبعا ليس يهم المداح أن ~~يكون قريبا من الحقيقة أي قرب، ms15 أو بعيدا عنها غاية البعد. إنما ~~المهم فقط أن يمدح ويبالغ في المديح ثم ينال بعد ذلك ما قدر له أن ~~يناله، ثم ينصرف مادحا على أية حال. سواء كان ما أصابه وفرا وغدقا، ~~أم كان صبابة هينة لا تساوي ما بذل من جهد ومن نفاق. كان هكذا ~~شأن المداحين. وأحسب أن بعض الناس أسموهم في دارج الحديث ~~المطيباتية. وأصبحت هذه اللفظة تطلق على كل منافق في الجلسة أو ~~في الحياة. وهكذا فإنه إن تكن جماعة المداحين قد اندثرت على شكل ~~جماعة فقد انتشرت أفرادا تجوب بنفاقها المجتمعات، وتجوب أيضا ~~الأجيال والأزمان. # وربما تسألني ما الذي ذكرك بهؤلاء جماعات كانوا أو أفرادا. ~~وربما لا تسألني وإنما أسأل أنا نفسي ولا أبحث عن الإجابة؛ فهذه نماذج ~~من الناس تذكرك بنفسها في إلحاح وإصرار مهما تحاول أن تنشغل ~~عنها، ولكن قد يكون الباعث لي إلى الكتابة عنها اليوم شخصا بذاته، ~~كلما طالعني اسمه ذكرت فئته وأصولها وفروعها، شاهت أصولا وذلت ~~فروعا. # مسكين هو؛ فقد كان في زاوية هينة من زوايا الجهل لا يعرفه أحد، ~~وإن كان يسعى إلى معرفة كل أحد. وكان يبذل في سبيل تعرفه بالناس ماء ~~وجهه الذي سرعان ما نضب؛ فما هي إلا شخصية أو شخصيتان حتى أصبح بلا ~~ماء وجه على الإطلاق. # وماء الوجه حين يراق ويجف يصبح صاحبه السابق وقد تملك سلاحا لا ~~يملكه من الناس إلا قلة في العالم نادرة؛ هذا السلاح السفاك الباتر ~~النفاذ هو الصفاقة والقدرة على بيع كيانه البشري ليكون مطية لكل من ~~يريد يركب. # وقد تعرف من لا أسميه هذا على مهرج في السيرك ما لبث أن عرف ~~سره. # وبلغ إلى الخوافي الحقيقية في حياته؛ فهو في السيرك مهرج وهو في ~~الحياة مجرم سفاح لص قاتل يستبيح كل الحرمات، ويستهين بكل ما هو ~~كريم في الإنسانية. وقد وجد من لا كرامة له خير ملجأ له عند من لا ~~ضمير له. وتلازما في الحياة. المهرج يسرق ويقتل ويثري ويهرج في ~~السيرك، وناضب ماء ms16 الوجه يطيب له، ويكيل المديح، ويبرر له كل ما ~~يصنعه من اعتداء على الحياة وعلى الكرامة من سلب للأعراض، وقتل لكل ~~نبيل في الحياة، واستيحاء لكل خسيس عفن من جوانبها، بل كانا يبتدعان ~~من الخسة والعفن ألوانا لم تشهدها البشرية ولم تسمع بها، ولم ~~يتخيل أبناء البشر أنهم سيسمعون عنها في يوم من الأيام. واستطاع ~~المهرج أن يجد لمن لا حياء له وظيفة في سيرك، فكان يهيئ للمهرج ~~الساحة، ويفرش له الرمال، ويضع له معدات التهريج. وتعلم من لا حياء ~~له أن يقفز في بعض الأحيان قفزات بهلوانية تخيب في أغلب الأمر، فينال ~~عليها الضحك والسخرية والتصفيق الذي يعني الاستهانة والاحتقار، ولا ~~يعني - على أية حال - إعجابا أو استمتاعا، ولكنه كان يفرح بهذا ~~التصفيق والصيحات المستهجنة المصاحبة له. وصار من لا حياء له ملازما ~~لمن لا ضمير له عند مشاهدي السيرك؛ فإن ذكروا أحدهما ذكروا الآخر دون ~~تفكير. وإنما كلاهما تهريج يذكر بتهريج، وسخف يوحي بسخف، وسقوط ~~حياء يرادفه سقوط كرامة. # وتعود من لا حياء له هذه الحياة، وجنى منها مالا ما كان يحلم أن ~~يصيبه؛ فميدان النهب أوسع الميادين مجالا للغنى. وانعدام الضمير من ~~أعظم شباك الثراء نجاحا، فإذا واكبه انعدام الحياء أيضا أصبحت ~~الأموال غدقا وصار الغنى فاحشا. # وجاب السفاح المهرج والمداح الصفيق أقطار الحياة، وساحا في ~~أرجائها، وأصبح اسم كل منهما على ألسنة رواد السيرك جميعا. وراح ~~يذكرهما في غير تصريح كل من أصاباه في ماله أو عرضه، أو أصابا ~~أحدا من أقاربه في حياته. وتدور الأيام وإن الأيام دائما تدور. وذلك ~~أعظم سنن الكون وأرفعها شأنا وأعلاها دستورا. ومات المهرج. ~~والمهرج هو الأصل، والمداح نبات عليه متسلق، لا يحيا بدونه، ولا ~~يعيش بغير وجوده. # ولكنه صفيق. أصر أن يبقى في حلبة السيرك، وحاول أن يتقافز كما كان ~~يتقافز، ولكن الجمهور في هذه المرة ثار عليه ثورة جادة لا هزل ~~فيها. وأعاد هو المحاولة في يوم تال، ثم في أيام توال، ولكن الجمهور ~~أصر أن يظل ثائرا ms17 عليه، لا يريد أن ينظر إليه، ولا يجد في وجوده ~~بالحلبة أي معنى؛ فقد كان قطعة صغيرة مكملة لآلة مضحكة. وقد هلكت ~~الآلة، فما معنى بقاء هذه القطعة المكملة لها؟! كان يمكن أن تصلح ~~الآلة بغير القطعة، ولكن هيهات أن تصلح القطعة بغير آلة. # رفضت الحياة وجهه الصفيق، وأبعدته عن الحلبة قصيا زريا كالكلب ~~الأجرب، لا يحب أحد أن يراه، ولا يشتهي أحد أن يذكره. # ولكن المسكين كان قد تعود أن يتقافز في الحلبة، ونزل عليه إبعاده ~~عنها نزول الصاعقة، وإن كان من ماله الذي انتهبه في بحبوحة وغني، ولكن ~~المسكين كان قد تعود مع المال التصفيق الساخر والصيحات ~~المستهجنة. # وهو اليوم يريد أن يتقافز ولكن الحلبة الكبرى قد أغلقت دونه. وهكذا ~~لم يعد غريبا أن يراه الناس في بعض الحارات والأزقة يقوم بحركاته ~~البهلوانية الفاشلة ويتجمع حوله بعض المارة، فأما من يتبين ~~ماضيه فينصرف عنه راضي النفس سعيدا أن الزمن دار، وأن ملحق البهلوان ~~قد صار إلى هذا المصير. وأما من لا يعرفه وهم الكثرة فما هي إلا نظرة ~~عابرة يلقيها إليه ثم ينصرف عنه وكأنه ما رأى شيئا. # | الثور المذءوب # سعار أصاب الرجل منذ البواكير الأولى من حياته، أنفق عمره يتعلم ~~لغات غير لغته العربية وله من الوقاحة ما يحاول به أن يكون أديبا ~~في اللغة العربية، وانتهت حياته أو أوشكت ولكن المسكين فشل أن يكون ~~بين قومه أديبا، وفشل أن يكون في اللغات التي تعلمها وأتقنها شيئا ~~مذكورا أو غير مذكور. # إنه ثور أصابه سعار الذئاب المفترسة يريد أن يحطم الحياة من ~~حوله، ولكن لأنه ضئيل القدر هين الشأن حقير النفس وضيع الفكر لم ~~يحطم إلا نفسه. # هم أول ما هم باللغة العربية والتراث العربي، وراح يحارب كل ما ~~هو أصيل في أدبنا وتراثنا، ونظره الكليل المنحرف مصوب على أن اللغة ~~العربية هي لغة القرآن. وهو يظن بما ركبت عليه نفسه من اجتماع ~~الثور والذئب أنه يستطيع أن يحطم اللغة ليبعد الناس عن القرآن وعن ~~الدين ، واستقبله ms18 فيما تكالب عليه الفشل الوبيل. وأحس الناس بما في ~~هجمته من سعار فرفعوا المصاحف على الرءوس، وألجموه بما لا يطيق، ~~وانهالوا عليه رجما، فإذا الثور فيه والذئب جميعا يتمحضان عن كلب ~~أجرب يضع ذيله بين فخذيه الخلفيتين ويسارع في تلصص المجرمين، ~~يعدو باحثا عن مخبأ أمين يلعق فيه جربه وجراحه، ويصمت حتى يهدأ ~~ما ثار من الناس وحتى ينثني عنه الراجمون، وينساه الذين يقولون لا إله ~~إلا الله، محمد سيد الخلق رسول الله. # فإذا هذا الضجيج عاد إلى الميدان مرة أخرى يحاول في غباء الثور ~~وفي سعار الذئب أن يبحث عن قنص آخر بعد أن عزه أن يهاجم لغة ~~القرآن. ورأى بشائه بصره ومريض بصيرته أن يهاجم من يجله المسلمون ~~من عمالقة العلماء وأشراف الفقهاء، وراح يرمي عليهم سخائمه، ويختلق ~~عنهم تهما لم يسمع أحد أنها يمكن أن ترقى إلى أعتابهم، ولكن ذنبهم ~~الوحيد أن العرب المسلمين يذكرون أسماءهم في إجلال وإكبار وتقديس. ~~وذنبهم الأكبر عنده أن كل الفقهاء الذين جاءوا بعدهم تتلمذوا عليهم ~~وعلى تلامذتهم، بل إن أعلام الوطنية والإخلاص القومي ينتسبون بأفكارهم ~~إلى تعاليمهم؛ وهذه ذنوب عند الثور المذءوب لا غفران لها، فماذا عليه ~~لو أنه صدم فيهم مشاعر الجماعة، وحاول أن يزيل هذه الهالة عن أفذاذ ~~لم يذكرهم التاريخ إلا بما يشرف الرجال ويرفع صوتهم على أحقاب ~~الزمان. # ومرة أخرى تداولته الحجارة، وانهال عليه المسلمون والعرب والوطنيون ~~بسهام الحق يردونه عن قوم يكنون لهم الاحترام والتوقير. # ويحاول الثور المذءوب أن يلجأ إلى حرية الرأي، وإلى أن كل إنسان ~~ينبغي أن يتمكن من إبداء رأيه مهما يكن شأن هذا الرأي. وهو قول حق، ~~ولكنه يستر عند هذا الرجل بالذات باطلا فادحا؛ فأولئك الذين يجرح ~~مشاعرهم بهذه الوحشية ويسب لهم أعلام دينهم لا يستطيعون أن يمنحوا ~~أنفسهم الحرية في مهاجمة ما يقدسه هو وأمثاله من الذين يحاولون أن ~~يحطموا المساجد وأشياخها على رءوس مرتاديها ومريديهم؛ لأن ديننا ~~ينهانا أن نثير الفتن بين الناس، والفتنة عندنا أشد من القتل ، بينما ms19 ~~هي عند الثور المذءوب هدف حياة ونشيدة عمر وهب نفسه لها لا يريم عنها ~~ولا ينثني. # وبلغت به الوقاحة أن هاجم القرآن نفسه، وحاول أن يرد آياته إلى ~~عصور سابقة عليه، وحاول أن يفسرها وهو أبعد ما يكون عن دراسة ~~أعماقها أو لغتها أو مفاهيمها أو أسباب نزولها. # والحرية هي كرامة الإنسان ولكن من قال إن الحرية في تحطيم الأديان، ~~وامتهان كرامة الجماعة، والاعتداء على مقدسات الشعوب وما آمنوا ~~به؟ # فصلة الإنسان بربه صلة لا يعلمها إلا الإنسان نفسه وعالم الغيب ~~والشهادة. والاعتداء على هذا الحرم تحطيم للحرية نفسها، إلا أن تكون ~~الفتنة هي بغية المعتدي، والوقيعة بين الأديان هي هدفه الذي يتغياه ~~ويرصد حياته لبلوغه. ومرة أخرى يفر الثور المذءوب كلبا أجرب يلوي ~~ذيله بين فخذيه، ويتلمس مخبأ يرد عنه عاديات الهجوم. # ولكن هل من ينتهي؟ هيهات. إذا كان قد خاب فأله وحبط مسعاه مع ~~الدين وجها لوجه ومع فقهاء الدين، فما له لا يحاول أن يهاجم شعراء ~~العربية وكتابها أجمعين، ويجعل من ذكراهم عفنا؟ وحينئذ يقول هذا ~~رأيي وما علي من بأس أن أرفض كل هذا الشعر وكل هذا الأدب. وهذا حقه ~~لا شك في ذلك، ولكن كشأنه يستر به باطلا حقيرا. # فإن الناقد حين يرفض شاعرا عملاقا أو كاتبا شامخا يتعين عليه ~~أن يذكر عيوب هذا الشاعر أو ذلك الكاتب، وما الذي يدعوه إلى رفضه ~~ولماذا هو أكذوبة في أدبنا. وإلا كان الرفض وليد أغراض أخرى ~~وخبيئات نفس مريضة ترمي برفض الشاعر أو الكاتب إلى رفض اللغة التي ~~أكبرها هذا الشاعر أو ذلك الكاتب فأكبرته، والذي أكرمها فأكرمته، ~~ورفعها فرفعته. # إن الأفذاذ من شعراء الأمة وكتابها هم تاريخ أدبها، وهم الرايات ~~الخفاقة التي تسافر عبر الأجيال تحمل الخلود لبلادهم على مر ~~العصور، وتحمل أجيالهم على أعناق الزمن إلى سائر الأجيال. وقد كان ~~تشرشل الزعيم الإنجليزي على وعي عظيم بشأن الشعراء حين قال: «لو لم ~~يكن لبريطانيا فضل إلا أنها ولدت شكسبير لكان حسبها.» # وما زال الفرنسيون يتيهون ms20 فخرا بكورني وراسين وهيجو وبودلير ~~وبكتابها من أمثال بلزاك ودوديه وأناتول فرانس وغيرهم. وما زالت ~~ألمانيا ترفع علم جيته وزفايج وعظماء شعرائها خفاقا على كل الأجيال، ~~وكذلك تفعل كل الدول. # فما بال هذا الثور المذءوب يريد أن ينكس أعلام العمالقة من ~~شعرائنا وكتابنا ويرفض أي شاعر أو كاتب لم يشهد هو ميلاده، ولم ~~يعلن هو شاعريته ويمنحه هو صك الوجود! إلا أن يكون متشبثا بتحطيم ~~لغتنا في وهم منه كبير، أنه سيستطيع أن يحطم بها ديننا وقرآننا، ~~ولكن ربنا قال: # إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون # وهو طبعا لا يؤمن ~~بما قال ربنا، ولكن ألا يؤمن بما تم فعلا، وبما يرى من أن القرآن ~~بقي ألفا وأربعمائة سنة ونيفا لم يتغير منه حرف واحد! ولكن على ~~قلوب أقفالها وعلى البصائر منه مغاليقها، فليمكر ما شاء له المكر، ~~فإنا نحن المؤمنين نعلم كل العلم أن الله خير الماكرين. # | ويل لشتاء بلا ربيع # عرفتها وهي تبدأ حياتها في العمل رقيقة، تحسن إدارة الحديث في ~~ذكاء ولباقة، يعينها لسانها الفرنسي بالتعليم، والعربي بالمولد ~~والنشأة والثقافة؛ فهو يعرف كيف يعرض الأمور في حلاوة وفهم ~~وبيان. # ومضى بها العمل ومضت به. وطغى على الجهة التي تعمل بها ما طغى على ~~كثير من المرافق من رشوة وشراء ضمائر وهوان نفس، ولكنها ظلت هي ~~بعيدة عن مظنة تمس نزاهة يدها من قريب أو بعيد. # ومن طبيعة الأمور أن تصبح مثلها كريهة عند اللصوص. ولما كان ~~اللصوص هم المسيطرون على أقدر الناس في هذه الفترة الحالكة من حياة ~~مصر فقد استطاعوا أن يقصوها عن كل مسئولية. وأصبح أمرها كبورصة ~~النقود في أحيان تتصدر وفي أحيان تنطوي، تظهر فتصبح ذات شأن ~~وسلطان، وتختفي فتصبح نسيا من الناس والزمان. # وكنت أراها في هذه الفترات وتلك فأرى عجبا. إذا طوحت بها أيدي ~~الرؤساء إلى زوايا الخفاء تصبح وديعة تسيل رقة وعذوبة، وتعود إلى ~~تلك الفتاة التي شهدت بدايات حياتها العملية صورة مشرفة لحواء، ~~إذا ما تثقفت حواء. # وإذا عادت إلى ms21 مكان فيه مسئولية أو بعض مسئوليتها كشرت عن أنياب ~~ذئب وشمرت عن سواعد نمر، وانقلبت من مثقفة إلى طاغية ومن ~~رقة وادعة إلى خشونة مقيتة. # حتى ملامح الوجه منها تنقلب، فلا ترى في قسماتها وجه سيدة تكتهل ~~فتثير الأنس، وإنما وجه وحش تقلصت قسماته. # مسكينة هذه السيدة؛ فإن مثيلاتها يجمعن من أغصان الربيع وزهوره ~~دثارا يضفي عليهن الدفء والأنس عند الشتاء. وهي لم تستطع أن تجمع ~~هذه الأغصان ولا هذه الزهور وإنما خمشتها بأظافر حداد فجفت في ~~الربيع وازدادت جفافا مع الأيام؛ فهي في شتائها المتربص بها من ~~قريب بلا دثار يهيئ لها الدفء؛ فقد استطاعت في مهارة شرتها أن ~~تحطم أيضا قلوب أسرتها كما حطمت قلوب أصدقائها وزملائها. ومن ~~لا أسرة له ولا صديق ويل له من الشتاء ... لهفي عليها، لكم أحزن كلما ~~ذكرت الغد الذي ينتظرها، لكم أحزن! فإن الكثيرين والكثيرات ينتظرون ~~وينتظرن هذا الشتاء ليكون لهم ولهن أنسا وهناء ويجنون منه ما ~~زرعوه على مدى الأيام ... أما هي فلم تزرع إلا البغضاء. وكم أرجو ألا ~~تجني ما زرعت، ولكنني واثق على كل أنها في شتائها لن تجد ~~الهناء. # | بين الخطيئة والغفران # مسكين ذلك الإنسان، يبدأ حياته طفلا فالدنيا حوله نور وطهر ونقاء، ~~وتتزاحم عليه من الكبار دعاوى الشرف والزهد والعدالة. ويتعرف على ~~دينه فيجده ضياء وإشراقا وسموقا، ثم يدلف إلى باب الحياة، وويل له ~~حين يدلف إلى باب الحياة تحيط به مغريات الجسد وحاجات الإنسان إلى ~~الغنى، ويجد أن الإنسان لا يصيب مالا وافرا إلا إذا فقد طهرا أو ~~كرامة أو نقاء. وتلح عليه الحياة بسعارها، ويتمزق بين أضواء ~~الطفولة وبراءتها وبين مغريات العصر وسفالاته. والاختيار له وحده؛ ~~فالله سبحانه في علياء سمائه هدى عباده النجدين، وألهم النفوس ~~فجورها وتقواها، وجعل لكل إنسان طائره في عنقه، وترك له حق ~~الاختيار؛ فهو إما جانح إلى قويم من النجدين أو جامح إلى معوج ~~منهما. # ويشفق رسول الله على أمته جميعا، ويقول في شموخ الإنسان الصادق ~~وعظمة الأنبياء: «حفت الجنة ms22 بالمكاره.» فالذي يختار الطريق إلى ~~الجنة يكره نفسه أن تختار غير ما تهوى، ويلويها أن تميل إلى ما تهفو ~~إليه من متعة عاجلة محققة. وتتكالب المغريات على الإنسان الضعيف ~~فيزل ثم يثوب إلى رشده فيطلب الغفران. ويقول الشاعر: # وإني لأرجو الله حتى كأنني # أرى بجميل الظن ما الله فاعله # فهو واثق من الغفران؛ لأن الله سبحانه شرع الغفران للخطائين. ولو ~~لم توجد الخطيئة ما سمى الله نفسه بالغفور. # ويقول أبو نواس: # إن كان لا يرجوك إلا محسن # فبمن يلوذ ويستجير المجرم # ولكن الإنسان لا يقمع نفسه عن الخطيئة بل يظل متعلقا بها؛ تغريه ~~متعتها ويطيبه إغراؤها وتجتذبه نشوتها، فإذا وزعه من الإيمان وازع ~~رده بالأمل في المغفرة. ويمضي إلى خطيئته لا يلوي على شيء، حتى إذا ~~انحسر خمارها، وثاب إلى نفسه اللوامة تاب وآب، وعاد يرجو الله ~~سبحانه الغفران. وهل هناك أوسع من مغفرة الله؟ سبحانه هو بارئ النفوس ~~وهو العليم بما يصنعه الشيطان من تجميل الشر، ومن جعل الشين زينا ~~والمقبوح من الفعل مكسوا بالرواء والبهاء والجاذبية. # ويظل الإنسان بين شد وجذب وبين إقبال على المحرمات وانصراف ~~عنها. ويبلغ أحدهم الكبر وتحيط به الشيخوخة، ويضطره العجز إلى ~~الاستقامة، ولكنها استقامة هو مرغم عليها، ولم يقصد إليها عن ~~اختيار؛ فهو تائب في غير عفة. ولا يقعد به الكبر أن يصرح ~~بذلك، فيقول ذلك البيت الشهير: # هل الله عاف عن ذنوب تسلفت # أم الله إن لم يعف عنها يعيدها؟ # وما رأيت بيتا يجمع التوبة والفجور في شطريه كما يفعل ذلك البيت؛ ~~فهو يرجو الله أن يغفر له، وهو في الوقت ذاته لا يخجل أن يقول للذات ~~العلية إذا كان لا بد من العقاب فلا بأس، ولكن أرجو أن تتاح لي القدرة ~~على إتيان ذنوبي مرة أخرى لتتوافر لي المتعة ما دامت المغفرة غير ~~متاحة. وهكذا نجد أن الفجور قديم قدم الصلاح، وأن الفجور لا يقف به ~~أمد ولا ينتهي عند حد، كما أن الصلاح عميق الأغوار بعيد المدى. ~~والإنسانية تتأرجح بين ms23 الجانبين بغير حيرة وإنما عن بصيرة ووعي، وفي ~~الوقت نفسه بين رغبة عاجلة في متعة عابرة وبين إيمان عميق الجذور ~~يرجو وجه غفور رحيم. # والإنسان ظالم لنفسه، هو الذي اختار أن يحمل الأمانة التي أشفقت ~~منها السموات والأرض والجبال وأبين أن يحملنها. حتى إذا استجاب الله ~~لسؤال الإنسان، وألقى على كتفيه أمانة الاختيار، تخبط في حياته هذا ~~التخبط، وراح يضرب في الأرض ونظره إلى السماء؛ فهو بين رغبات الأرض ~~وبين إيمانه بالسماء في شد وجذب وإقبال وإدبار. # ويضيق بعض الناس فيعلن إلحاده وكفره مختارا اليأس، مفضلا له ~~عن رعب الانتظار، موهما نفسه أن اليأس إحدى الراحتين، ولكن هيهات؛ ~~فالملحدون أشد الناس عذابا؛ لأنهم في البعيد من نفسهم يعلمون أنهم ~~على باطل، وهم في أعماقهم يتمنون أن يحظوا بالجنة التي وعد الله بها ~~المتقين من عباده، ولكنهم يدركون أيضا أنهم أبعد الناس عنها بما كفروا ~~وألحدوا، ويظلون مع أنفسهم في صراع مرير بين ما أعلنوا من إلحاد وما ~~تشعر به قلوبهم من أن صاحب هذا القرآن لا يقول إلا الحق. وما تزال ~~أفئدتهم بين يأس وأمل وبين إقدام وإحجام فعل اللص المبتدئ يمد يده ~~للسرقة برغبة الغنى، حتى وإن كان عن طريق محرم، ويكف يده بأمل ~~التوبة والغفران من الرحمن الرحيم، الذي وسع غفرانه ذنوب البشر، وشملت ~~رحمته المؤمن والعاصي والعابد والعربيد والقانت والزنديق. ويقول شوقي ~~الخالد في رثاء إسماعيل أباظة باشا: # إلى الله إسماعيل وانزل بساحة # أطل الندى أقطارها والنواحيا # ترى الرحمة الكبرى وراء سمائها # تلف التقى في سيبها والمعاصيا # لدى ملك لا يمنع الظل لائذا # ولا الصفح توابا ولا العفو ~~راجيا # ويعربد أبو نواس ما شاءت له عربدته، ويقول شعرا ملحدا ~~يتناقله الناس على مر العصور، ويمعن في الفسوق والمروق متخذا من ~~التطرف ستارا يحتمي فيه، ثم تطالعه السن، ويدرك أنه أوشك على ~~النهاية، ويصبح صارخا بنفسه: ~~«يا كبير الذنب.» # وتمر أمام عينيه حياته جميعا، فيرى نفسه محاطا بالنار لا يموت ~~فيها ولا يحيا، ويتبدل جلده كلما احترق له ms24 جلد، ويأخذه الهول ~~ويلتاع ويدرك أي عذاب هو ملاقيه، ولا يجد لنفسه الهالعة ملاذا إلا ~~عفو الله. ويكمل البيت: # يا كبير الذنب عفو # الله من ذنبك أكبر # ويتفكر ويصيح: # كن مع الله يكن لك # واتق الله لعلك # لا تكن إلا معدا # للمنايا فكأنك # إن لله لسهما # واقع دونك أو بك # ويصيح الزمان فإذا الصوت الذي سمعه ملحدا كافرا زنديقا يعود فيملأ ~~الدنيا إيمانا ومناشدة للمرحمة، ودموعا تخضب الأرض في طلب غفران ~~السماء. # فالله غالب على أمره. والملحد من دنياه في عذاب وبيل، وهو في ~~الأخرى لدى عالم الغيب والشهادة، وهو سبحانه وحده العالم بمصيره ~~ومنقلبه. # | أمنية لن تتحقق # أقرأ لكتاب كثيرين، وأتحسر على حظهم العاثر الذي فرض عليهم أن ~~يكونوا كتابا يعرضون عقولهم وثقافتهم وأسلوبهم وعرضهم على الملأ ~~وعلى الأجيال. وأتمنى لو أنهم قرءوا ما يكتبون بعد كتابته. وأتصور أن ~~الله لو كان يريد لهم الستر لكان هؤلاء الكتاب كتاب أرشيف في إحدى ~~الوزارات؛ يقيد الواحد منهم الصادر والوارد في دقائق معدودات، في ~~تلك الغرفة الرطبة المتهالكة التي تعود الأرشيف أن يختارها لمقامه، ~~والتي تقوم جدرانها من الدوسيهات التي كومتها السنون. # وينتهي الكاتب من قيد الصادر أو الوارد ثم يفرغ لزملائه ويقول، ~~وحينئذ يتاح له ما لا يجوز أن يتاح لكثير من الكتاب الذين أقرأ ~~لهم في الصحف؛ لأنه إذا كان موظف أرشيف فإن من حقه أن ينتقد ما حلا ~~له النقد دون أن يكون في حاجة إلى تبرير نقده. وما حاجته إلى ~~التبرير إنما المهم أن يقول وأن ينتقد ويدش، حتى إذا انتهى من ~~النقد والشتم والسب والتهجم، تكلم في كل المواضيع التي يطيب له أن ~~يبدو أمام زملائه أنه على علم بها، فيتكلم في الذرة وبقايا الذرة ~~وكيف ينبغي أن تدفن، ثم يتكلم في الأيونات، ثم يعرج إلى القمر ~~والصعود إليه، وكيف ينبغي لمصر أن تسارع باعتلائه. ولا بأس عليه إذا ~~تكلم أيضا عن الصعود إلى الشمس. وليس يعنيه معقولية ما يقول أو عدم ~~معقوليته. ثم يتكلم عن ms25 الاقتصاد وكيف نعالجه في مصر؛ وحينئذ ~~سيتكلم بطبيعة الحال في الاقتصاد في جميع أنحاء العالم؛ فهو والحمد ~~لله يتكلم إلى إخوان له ليس يعنيهم من كلمة الاقتصاد إلا التوفير ~~ليزوج الواحد منهم ابنته ويسترها، أو ليدفع مهر ابنه ويؤدي واجبه ~~نحوه كما أدى أبوه هو واجبه؛ فهو إذن حين يسمع زميله يتكلم عن ~~اقتصاد بولندا لن يناقشه، وإنما سيتركه يقول ما يشاء دون أي ~~معارضة. # ولكن الوقت طويل، والسنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وأحيانا ستة ~~وستون، وهذه المواضيع كلها لا تكفي لقطع الوقت، على الرغم من الإجازات ~~الكثيرة التي تنفرد بها مصر دون سائر بلدان العالم، مثل عيد الوحدة ~~الفاتح من سبتمبر، وأعياد النصر الذي تم في وسائل الإعلام وحدها، ~~وغير ذلك من أعياد الأحزان في مصر. على الرغم من كل هذه الإجازات تبقى ~~الأيام متطاولة، وحينئذ لا يجد كاتب الأرشيف مناصا من أن يتكلم في ~~الدين ويفسر القرآن كما يفهمه هو. وليس الكاتب محتاجا أن يقول إن ~~من حق كل إنسان أن يفسر القرآن؛ فإن أحدا لن يطالبه بالمراجع حتى ~~يقول هذه المقالة؛ فهو سيفسر وهم سيصمتون، فالوقت المتطاول عليه ~~متطاول عليهم أيضا، وما داموا لا يجدون شيئا يصنعونه، فما عليهم لو ~~أنهم استمعوا إلى أي حديث، حتى إذا انتهى من تفسير القرآن بادئا من ~~الفاتحة وسورة البقرة منتهيا إلى سورة الناس، دلف إلى السياسة ~~الدولية، فإذا ضاقت به سبلها بدأ يتناول وزارات مصر الواحدة تلو ~~الأخرى، وراح يفيض في مقترحاته، ولا عليه إن كانت هذه المقترحات ~~كفيلة بمشيئة الرحمن أن تكون قاصمة الظهر لمصر، ولكن لا بأس عليه؛ فإن ~~شيئا من مقترحاته لن يخرج من باب الأرشيف. # وأتصور هذا الموظف متزوجا من سيدة تظل طوال النهار تطهو له ~~طعامه، حتى إذا عاد تصدرت هي مكان الحديث، فتروح تكلمه عن ~~أسعار الخضار واللحم والأدوات التي استلفتها من جاراتها وما استلفنه ~~منها. وأذكر شطر البيت: «وما من ظالم إلا ويبلى بأظلم». فزوجته ~~بالعدل الإلهي تنتقم لزملائه بالديوان منه، ويظل هو ms26 صامتا طوال ~~غدائه، ثم ينام قليلا ليرتاح من حديثه الذي قاله، ومن حديث زوجته ~~الذي استمع له أو لم يستمع، حتى إذا صحا من القيلولة ذهب إلى المقهى ~~ليلعب الطاولة، راحت زوجته تلف على الجيران تجمع الأخبار والأسرار، ~~ويلتقي الزوجان في الموهن الأول من الليل، وتروح زوجته تنفض على ~~مسمعه حصيلة دورانها على الجارات، حتى إذا تعبت من الحديث راح هو ~~يحدثها عن الأيونات وينتقد لها الساسة والسياسيين في شرق وغرب، ~~ويفسر لها القرآن ويشتم إليها الوزراء، ويعرض عليها مقترحات ~~التغيير، وهي تتفوق على زملائه في الأرشيف بأنها دائبة على الإعجاب ~~به تحصنه بالحي القيوم، وتذود عنه العين باسم رب الفلق، وتحرسه ~~وتضمنه باسم النبي. # كاتب الأرشيف هذا أحسده على النعيم الذي يقضي فيه صباحه وعصره ~~ومساءه. وأتمنى للكتاب الذين يعرضون آراءهم على الناس لو كانوا جميعا ~~هذا الموظف حتى لا يذيع جهلهم، ولا يفشو بين الناس ما ينبغي أن ~~يستر من عيبهم وعجزهم، ولكن الله سبحانه وتعالى لحكمة لا يعلمها إلا ~~هو كتب عليهم أن ينشروا ما يخطون على الورق، وأن يطبع هذا الذي ~~يخطون ويقرأه الناس فيما يقرءون. والأمر من قبل ومن بعد لصاحب ~~الأمر. وحسبنا الله ونعم الوكيل. # | الخبرة والإدارة # صديقي رجل عالم تخرج في كلية العلوم وكان فيها من النابهين، فأبى ~~أن يقف به العلم عند شهادة التخرج فأخذ سمته إلى إنجلترا. ظل بها ~~حتى حصل على الدكتوراه في صناعة الأقمشة وعاد إلى القاهرة. # إلى هنا وأخالكم ستكملون أنتم القصة وتقولون أي جديد فيما ستروي، ~~لا بد أنه عاد ليجد نفسه معينا بمصنع للسيارات، أو في الإدارة ~~القانونية لإحدى المصالح الحكومية أو الشركات. # والعجيب أنني سأخلف ظنكم؛ فإن صاحبي قد عاد ووجد مكانا في شركة ~~من شركات النسيج. وسيادته عين خبيرا فنيا فيما تخصص فيه. وقد ~~شاء الحظ أن يقف إلى جانبه مرة أخرى، فوجد رئيس الشركة زميلا له ~~رافقه في المدرسة الثانوية، ثم انشعبت بهم الطرق، فدرس صاحبي في كلية ~~العلوم ودرس زميله في كلية ms27 الآداب قسم تاريخ. # طبعا اندهش صاحبي حين وجد شركة النسيج تضع على رأسها متخرجا في ~~كلية الآداب قسم تاريخ؛ فهو فيما تعلم في القاهرة أو إنجلترا لم ~~يدرس أن هناك صلة ما بين التاريخ وصناعة الأقمشة. ويقول لي: # حتى إذا كان هناك تاريخ لصناعة النسيج فأنا أعتقد أنه ليس ضمن ~~برنامج كلية الآداب قسم التاريخ؛ فما أعتقد أن قسم التاريخ يدرس تاريخ ~~الصناعات وإنما يدرس تاريخ الدول. # المهم أن فرحتي بوجود زميلي جعلتني أتغاضى عن هذا التناقض، وفرحتي ~~بعملي جعلتني أنصرف إليه بكل خبرتي. # بدأت عملي، وإذا بصديقي ورئيسي يريد أن يتدخل في أدق خصائص ~~عملي، ودهشت أول الأمر. # نعم هو أنيق. وهو لا شك ذو خبرة واسعة في اختيار لون القماش الذي ~~يفصل منه حلته، واختيار لون القميص الذي يتماشى مع هذه الحلة، ~~ثم هو ذو خبرة فائقة في اختيار الكرافتة التي تواكب الحلة ~~والقميص جميعا، ولكنه من المؤكد لا يستطيع أن يعرف مما صنعت ~~الحلة أو القميص أو الكرافتة. # ولا تقل لي أي عجيبة أن يتدخل رئيس في أعمال شركته؛ فهو يعلم كما ~~نعلم - وإن ظن أننا لا نعلم - أنه وصل إلى منصبه هذا بوسائل بعيدة كل ~~البعد عن إتقان صناعة النسيج. وهو يعلم - ويظننا لا نعلم - أنه ~~عين أول ما عين بهذه الشركة لأسباب لا تتصل مطلقا بخبرته في ~~النسيج، وإن كانت وثيقة الصلة بخبرات أخرى يستطيع كثير من الناس أن ~~يتقنوها، ويعف كثير آخرون أن يتخذوها وسيلة في الحياة؛ فصديقي ~~خبير من أكبر خبراء النفاق، وهو في نفاقه يستغني تماما عن الحياء. ~~ولم يكن عجيبا أن يجد آذانا تصغي لنفاقه؛ لأن هذه الآذان نفسها كانت ~~معينة في مناصب وصلت إليها بخبرة النفاق وامتهان الكرامة، ولا ~~صلة لها بإتقان العمل أو الخبرة فيه. # وأرى في عينيك سؤالا، أي عجيبة فيما تروي. نعم أنا أحس أنك ~~تسخر مني في نفسك قائلا لقد غاب الفتى فترة خارج البلاد وعاد إليها ~~لا يدري من أمرها أمرا. هون عليك ولا تعجل ms28 بالتذاكي ~~والتحليل. # كل هذا الذي رويت ليس عجيبا، ولكن كان من المنتظر أن يعرف صديقي ~~حقيقة خبرته، ويترك الأمور تسير في شركته بخبرة الآخرين. وهذا يتمشى ~~تماما مع بعض الذكاء الذي يجب أن يتوافر عند المنافقين. # وأحس رئيسي ما يدور في نفسي من سخرية بجهله فزاد على جهله ~~التعالي والتعاظم، مصرا أن يذكرني دائما أنه رئيسي وأنني مرءوس؛ ~~فسكرتيرته تمنعني من الدخول، وحين أحتال على ذلك وأطلبه بالتليفون ~~تأبي أن توصلني به، مدعية أنه مشغول بوفد أو اجتماع، أو بما شئت ~~من هذه الحجج التي لا تتقن السكرتيرات غيرها مع الابتسامة ~~الأكليشية الباردة، فإن رجوتها أن يطلبني حين يفرغ من وفده أو ~~اجتماعه أو ما شاءت أن تختلقه له من معاذير، وعدت في أدب مصطنع ثم لا ~~طلب. والعمل يحتاج إلى التشاور، ولكن كرامة العالم تحول دون ذلك. وأنا ~~في حيرة. # وانصرف صاحبي بعد أن ألقى إلي بحيرته، وتسألني أنت أيها القارئ ~~ما اسم الشركة وما اسم الرئيس. لا إله إلا الله. أتريدني أن أصرح ~~لك بكل شيء، ألا تعرف الأدب الرمزي أيها القارئ؟ لا شك أنك تعرفه فقد ~~مرنت عليه سنوات طوالا، وما عليك لو أنك وضعت كلامي هذا في إطار ~~الأدب الرمزي؛ فإنك بذلك تستطيع أن تطبقه على من شئت. # | لحظات مع المجنون # الرحلة من لوزان إلى إفيان متعة في ذاتها بين المدينتين أو إن شئت ~~فقل بين القطرين؛ فأنت إذا عبرت من لوزان إلى إفيان لا تعبر من ~~مجرد مدينة إلى مجرد مدينة، وإنما تعبر أيضا من دولة سويسرا إلى دولة ~~فرنسا؛ ولهذا فأنت في نهاية الرحلة في ذهابك وإيابك تمر بجمرك، ~~والمرور بالجمرك في هذه البلدان مثل دخول السينما في مصر أو أكثر ~~يسرا. والقيام بهذه الرحلة التي تستغرق نصف الساعة في ذهابك ومثلها في ~~إيابك لا يهب مجرد المتعة، وإنما تجد الأسعار في فرنسا أقل كثيرا من ~~سويسرا. ومع ذلك فهي في ارتفاعها بالنسبة للقاهرة مثل قمة الجبل وسفح ~~الوادي؛ فما زالت القاهرة، وعلى الرغم ms29 من شوارع الشواربي أكثر البلدان ~~التي أعرفها رخصا في أسعار حاجاتها، لا أستثني من ذلك اللحم أو ~~المستورد مما لا تدعو إليه الحاجة قدر ما يدعو إليه التظاهر. # ذهبت وزوجتي إلى إفيان، ولا بد حين نذهب أن نقدم الساعة ساعة لا ~~عن اختلاف جغرافي وإنما عن اختلاف وطني فيما أعتقد؛ فلوزان تتبع ~~سويسرا في ميقاتها حين تتبع إفيان فرنسا. وزوجتي تعلم أن جهدي في المشي ~~ليس كبيرا؛ فلهذا فقد وضعتني في أحد المحلات أشتري منه بعض الأشياء ~~وذهبت هي لتجوب محلات المدينة جميعا، وإلا فما ذهابنا إلى ~~إفيان. # ومر الوقت ونظرت إلى الساعة وأدركت أن السيدة زوجتي نسيت فرق ~~الساعة؛ فهي دقيقة دائما في مواعيدها، بل هي دائما حريصة أن تذهب إلى ~~القطارات أو الطيارات أو المراكب أيضا إذا ركبنا قبل الموعد بساعات. ~~ولم تذكر الساعة الصحيحة إلا وهي واقفة أمامي وقد ارتحلت عنا ~~السفينة التي كنا ننوي أن نعود بها، وأصبح علينا أن نبحث عن شيء نعمله ~~ليستغرق ثلاث ساعات تفصلنا عن موعد السفينة التالية. # وفي أوروبا، في أي مدينة في أوروبا المتحضرة تستطيع ألا تصنع شيئا ~~لساعات وتظل سعيدا. ركبنا قطارا صغيرا يسير على ساحل البحيرة، ~~ويستعرض بنا إفيان كلها أو أغلبها، وتناولنا غداء رمزيا، ~~واشتريت بعض أشياء مكتبية، ثم بقيت ساعة قلنا نقضيها في استراحة ~~المرفأ. وتذكرت شيئا تريد أن تشتريه، ووجدنا الوقت يسمح فذهبت ~~إليه. # والآن أنا أكتب لك هذه المقالة؛ فما كانت كلها تستحق أن تكتب لولا ~~ما رأيته أنا في فترة غيابها تلك ولم أخبرها به لسبب سوف تعرفه ~~أنت وتعرفه هي أيضا في آخر هذا الفصل. # كان من الطبيعي وأنا وحدي أن أجيل البصر فيمن حولي، فإذا برجل في ~~اكتمال الرجولة ونضجها يتحدث وحده وكأنه يناقش أمرا خطيرا ذا بال، ~~ثم تبدر منه عدة جمل لها نغمة الخطابة، ثم يعود إلى النقاش الرصين ~~المجنون في وقت معا، ومن يدري فربما كان كلامه معقولا لا ينقصه ~~ليكتمل العقل فيه، إلا أن يجد من يسمعه. ms30 # وإلى هنا أيضا لا غرابة؛ فإننا لو أنعمنا النظر حولنا لوجدنا ~~المجانين أكثر من العقلاء. وحسبك لتقتنع بما أقول أن تلقي نظرة على ~~بعض الرؤساء في الدول العربية أو الأفريقية أو الأسيوية. من المؤكد على ~~كل حال أن وجود مجنون طليق السراح أمر لا غرابة فيه ولا عجب. # ولكن لا غرابة أيضا أن أظل أختلس إليه النظر كلما واتتني فرصة ~~أدرك أنه لا يراني فيها؛ فإن المرء يستطيع أن يكون شجاعا مع ~~العقلاء، أما مع المجانين فإن الأمر يحتاج إلى كثير من التفكير. وقد ~~عشت عمري أرفض الدخول في معركة مع أحد هؤلاء المجانين وأنا في بلدي، ~~فماذا أنا صانع وأنا هنا غريب بعيد عن حماية الوطن. # في نظرات متداركة سريعة، أدركت سبب جنونه، وقد كان معلقا على ~~صورة أنه إطار مستدير في حجم الميدالية الكبيرة، وفيه صورته أمام ~~الميكروفون. # مسكين. لا ذنب له في جنونه، وإنما أصابه من حوله بالجنون وهم لا ~~يدرون، وأفهموه أنه زعيم أو خطيب أو أنه أديب عظيم أو سياسي داهية، ~~ثم تخلوا عنه حين واجه الناس. # إن ما أصاب هذا الرجل هو ما جعلني أمسك القلم؛ فقد ذكرت الأدباء ~~الشبان وما يريد البعض من كبار الأدباء ومن الجمعيات الأدبية أن يصنعوه ~~لهم. # وقد تعجب أين الصلة بين الجانبين؛ رجل مجنون من ناحية وشباب ممن ~~يراد لهم أن يكونوا أدباء من ناحية أخرى. # هي المصير الواحد؛ فلو أن الأديب الكبير شجع كل من يريد أن يكون ~~أديبا، حتى ولو لم يكن متمكنا، لأصيب هذا الناشئ بالجنون؛ فليس في ~~الأدب واسطة. وقد كان أستاذنا توفيق الحكيم في لجنة القصة في المجلس ~~الأعلى القديم يطلب إلى الأعضاء عند اختيار رواية أو مجموعة قصصية أو ~~مسرحية في مشروع الكتاب الأول ألا نقبل إلا الموهبة الفذة لأن ~~الفن لا يعرف التوسط. ومن الإجرام أن تقنع شخصا بغير موهبة أنه ~~أديب ثم يفجعه الجمهور في حقيقة أمره. # إن مصيره المؤكد أنه سيسير في الشارع معلقا الميدالية التي نالها ~~من الأديب ms31 الكبير ولن يلتفت إليها أحد؛ فمرة أخرى ليس في الأدب وساطة، ~~والجمهور مع الفن جميعا لا يعرف رحمة ولا شفقة، وإنما هو يريد الأحسن ~~ولا يحتاج في ذلك إلى شفاعة. والموهبة تفرض نفسها على الجمعيات الأدبية ~~وعلى الأدباء الكبار وعلى الجمهور إذا كانت موهبة حقا، ولم تكن مجرد ~~بهلوانية وهدايا وكلمات معسولة تلقى هنا أو هناك. ذكرت هذا وأنا ~~أختلس النظر إلى الخطيب الذي علق الميدالية وعاش عمره بعدها يخطب ~~لنفسه. ولله في خلقه شئون. # | ملبس أجرب لزمن ممزق # ما هذا الزمان الذي أصبحت فيه القذارة هي مظهر الأناقة، والصعلكة هي ~~التطور، والملابس الممزقة هي مجاراة العصر، ومظهر إشراقه وجماله؟ لقد ~~تمزق العصر وظهر تمزقه على الملابس، وأصبحت القيم هي الأخرى ~~جرباء فأصبح الملبس أجرب. # رأيت نساء حليقات الشعر كأنهن الرجال، بل رأيت في التليفزيون ~~الفرنسي امرأة ملونة بلا شعر على الإطلاق. وما زال كثير من الشباب ~~- وإن كان أقل من ذي قبل - يطلقون شعورهم، فما أثار منظر اشمئزازي ~~قدر منظر المرأة بلا شعر، ومرأى الرجل يطلق لشعره ~~العنان. # ورأيت في لوزان آنسة كان يمكن أن تكون جميلة، ولكنها راحت تحارب ~~ما وهب الله لها من جمال بشتى الوسائل والحيل حتى نجحت فيما قصدته، ~~وبلغت من أهداف القبح ما سعت إليه؛ فشعرها منفوش يوحي بالقذارة، ~~وملبسها مترهل عن عمد لا عن فقر، فواضح أنه قد كلفها من المال ~~كثيرا وإن كان لم يكلفها من الذوق شيئا. # ورأيت شبابا لحاهم مهملة؛ فلا هي حليقة ولا هي مطلقة وإنما ~~شيء بين الاثنين، لا أدري كيف يحافظون عليه على حاله هذه دون ~~تغيير. # وأرى كثيرا من مدعي الفن يطلقون لحاهم علم الله أنهم يريدون أن ~~يلفتوا إليهم الأنظار، وقعدت بهم مواهبهم أن يلفتوا الشهرة إليهم ~~بأعمالهم، فحاولوا ذلك بلحاهم، ولن يهب الله فنا لمجرد ~~لحية. # وإن كانوا يحتجون بالحرية فإن أحدا لا يمنعهم أن يصنعوا بشعورهم ~~وملابسهم ومظهرهم ما يشاءون، ولكن ما داموا يرون أنهم مارسوا ~~حريتهم بهذا القدر فليسمحوا لنا أن نقول ms32 نحن أيضا رأينا مستعملين ~~حقنا في الحرية نفسها. # إنكم تثيرون القرف والاشمئزاز والتقزز وإن كان هذا ما سعيتم إليه ~~فبشراكم قد بلغتم من الدنيا مناكم وبئست المنى. # وهنيئا لكم زمنكم الأجرب الذي اغتال الزعيم الوحيد الذي حقق نصرا ~~للعرب في العصر الحديث، وبأيدي أقوام يدعون حرصهم على دين ~~العرب. # وعلم الله ما دعاهم إلى القتل إلا التكالب على الفانية وليس النظر ~~إلى الباقية، والحرص على الدنيا والرفض للعليا، والسعي إلى المنصب ~~والرئاسة والتحكم في عباد الله بما لا يرضي الله. # وهنيئا لكم زمنكم الأجرب الذي سمح لهنات الناس وبغاثهم أن ~~يهاجموا الأثمة الشم الذين أدوا رسالاتهم أكرم ما تؤدى الرسالة ~~وأوفى ما يكون القيام بالأمانة. # فهذا عميد الأدب العربي الذي تخرج الأدب الحديث على يديه «طه ~~حسين» يواجه حملة ضارية من المجاهيل الضائعين يريدون هدم مجده ونسف ~~ركنه ومحو الشامخ من بنائه. ويصيح بهم الحق أن ما سطره التاريخ ~~لا يمحوه الصغار ولا حتى الكبار. # وهذا شاعر الأجيال الحديثة جميعها «شوقي» يعتدي على عرشه الهوف ~~والحمقى ومدعو الشعر، يريدون أن ينزلوه عنه ويجذبوه من قمته ~~التي لم يقتعدها شاعر قبله ولا شاعر بعده هناك في ذؤابة الشعر ~~العربي كله. ووسيلتهم إلى ذلك كلام لا هو من الشعر ولا هو من النثر، ~~ولا هو شكل ولا هو معنى. وإنما ترجح بين السقم والضحالة، وبين ~~العي والفهامة، وبين العجمى والفصحى، وبين العربية باللفظ ~~والغربية بالفكر والانتماء. # زمان أجرب اتخذ الملبس الأجرب لقيم جرباء ولفظ أكثر ~~جربا. # الفن فيه صوت لا يؤدي معنى، ونغم ناشز، وصخب في غير حلاوة، ~~وضجة في غير طرب. # يقول المغني الهذاء والسخف والألفاظ التي لا تركب جملة، والحروف ~~التي لا تكون لفظا فتنسكب عليه أموال الإعجاب ويصبح اسمه علما على ~~عصره ... وقد وافق شن طبقة، وتلاءم غناؤه وتفاهة الزمن، وتواكبا ~~واصطحبا، واشتهر غليظ الصوت بجمال النغمة، وأصبحت الحشرجة طربا ~~والقبح حسنا والخرف فنا. # زمان سقطت فيه القيم وعلا فيه الانحطاط. وهان فيه الرفيع من ~~شيمنا، وساد فيه الدنيء ms33 من أخلاقنا. # وسقطت المثل الرفيعة، ليحيا المال وحده بغير عنان من شرف يلوي ~~به عن السرف أو مسكة من ضمير توقف جبروته وطغيانه؛ فهو وحده المعبود ~~وهو وحده السيد المتصرف. بطانته الجهل والجنس والجبروت والتكبر ~~بلا كبرياء والترفع بلا رفعة والتطاول بلا طول والاعتداء على كل ~~مقدس، والقتل لكل فضيلة أو فاضل، والبعد كل البعد عن المرحمة ~~والحب والإنسانية، ولا أقول النورانية، فهيهات. # لهم الله المؤمنون المحسنون من أبناء العصر؛ فلولا إيمانهم بالله ~~عميق لم يبق فيها من خير، ولتركوها مختارين رافضين أن ينتظروا حتى ~~يطويهم ما أصبحوا يتوقون إليه لينقلهم هناك عند عزيز رافع السموات ~~صاحب العرش والكرسي؛ حيث ترعى عنده، وعنده وحده سبحانه، حرمات شاء أن ~~تصان، وإنها ببعض قليل من عباده مصونة وإن رغم أنف الزمن ~~الأجرب. # | قصة من بئر النسيان (السلطان والبهلوان) # هذه قصة طوتها يد النسيان من قصص ألف ليلة وليلة. ربما رواها ~~الرواة ولكنها لم يكن لها حظ الإثبات بين دفتي كتاب، ولست أدري ~~أسمعتها فأرويها أم شهدتها فأحكيها أم تخيلتها كما يتخيل ~~المؤلفون فسعيت إليك بها. أقصها عليك فيما تعودت أن أقص ~~عليك. # يحكى أنه في زمن من الأزمان ولي الحكم سلطان طاغية جبار، لا ~~يطيب له الحكم إلا بالحديد والنار. يقتل الناس لأهون الأسباب، ويغتصب ~~الأموال فهي له أسلاب. ويستحل كل حرام، ويعامل الناس بالإجرام. نشر ~~جواسيسه في كل مكان، وبث عيونه بجميع الأركان. والويل والثبور لمن قال ~~لا إله إلا الله، فالموت ينتظر كل أهله وذوي قرباه. أمر السلطان ألا ~~يغادر أحد البلاد ومعه أمواله، فاضطر كل فرد في الشعب أن يرضى بحاله. ~~وأقفل جميعهم فمه حتى لا يريق الجبار دمه. وصار الناس لا يتكلمون ~~إلا همسا، فإذا مررت بالديار فلن تسمع حسا. وامتنع عن الاجتماع ~~في الأماكن العامة؛ فقد كانوا يخشون إذا اجتمعوا أن تقع عليهم ~~الطامة. وكان المكان الوحيد الذي يضطرون أن يحتشدوا فيه هو السوق، ~~وهو مكان مرموق. لا يجرؤ فيه أحد أن يتكلم في غير التجارة ؛ فقد ms34 كانوا ~~يعلمون أن الجواسيس قد تكون في جداره، وأن عيون السلطان تحصي ~~أنفاسهم، تكاد تمسك الكلمة التي تدور في أذهانهم. # وكان للسلطان وزير على شاكلته، يحبب إليه كل ظلم، ويجمل له كل ~~قبيح، فإذا حرم الله فهو يبيح، وإن منع الشرع فهو يتيح. كان كلبا ~~عقورا، ويظل طول ليله مخمورا. حتى إذا صحا الصباح لا يشعر به الوزير ~~إذا لاح؛ فهو من خمر الأمس سكران، وإن بدا وكأنه يقظان؛ فهو مفتوح ~~الأجفان، ولكن بعقل نعسان. يلوح لمن يراه كأنه يفهم ما يقال، بينما ~~هو من السكر في شر حال. # نزل السلطان والوزير إلى السوق متخفيين، يريدان أن يريا الناس رأى ~~عيان. ولم يطل انتظارهما؛ فسرعان ما شهدا الناس لا تقول إلا ما يسر ~~الطاغية، وما يجعل نفسه راضية. ولم يحاول واحد منهما أن يشهد الحزن ~~الذي يتحرك فيه الناس، ولا البؤس الذي يسيطر عليهم من شدة اليأس؛ ~~فعين الطاغية ومعاونيه لا ترى إلا ما يرضيها ويرضيه. # وبينما السلطان والوزير يتخذان من مكانهما ستارا خفيا، رأيا ~~بهلوانا يطوي السوق طيا. ويقف إلى جانب حصان هزيل، له صاحب أشد ~~منه هزالا فهو في وقفته يميل. واقترب رأس البهلوان من المالك ~~المتهالك، ثم اعتدل الرأسان وقد وضحت أمامها المسالك. وبدا البهلوان ~~يصيح، مفتريا صفات البطولة للحصان القبيح؛ فهو الأسد الواثب، وهو في ~~الميدان هو الغالب. وتقاطر الناس من كل حدب، وتجمعوا حوله من كل ~~صوب. وراح هو يجمل الحديث في كذب مفضوح ويسويه، حتى وجد الحصان ~~من يشتريه. وفرح البائع أي فرح، وأعطى البهلوان نصيبا من الثمن ~~فأكرم وسجح. # ثم رأى السلطان البهلوان ينتقل إلى حمار شأنه شأن الحصان الواهن ~~الضعيف، ويقول عن الحمار فيزيل من هزاله وإلى قوته يزيد ويضيف. ~~ويباع الحمار، ويجني البهلوان الثمار. ويتكرر فعل البهلوان، ~~والسلطان والوزير مندهشان. # قال السلطان لوزيره: أريد هذا البهلوان. # وقال الوزير: لك الأمر وعلي الطاعة، ولكن هل لي أن أسأل سؤالا ~~حائرا في نفسي لا يجد إجابة. # وقال السلطان: القاعدة الأصيلة أنك لا تملك ms35 السؤال فهو ليس حقك، ~~ولكن وقد قلت ما قلت فإنك أثرت في نفسي حب الاستطلاع، فاسأل ~~سؤالك على سبيل الاستثناء لا القاعدة، والاستثناء كما تعلم لا يقاس ~~عليه ولا يتوسع فيه. ~~- فيم تريد هذا البهلوان الحقير، وهو إنسان لا قيمة له لم نسمع ~~منه إلا كذبا، ولم يقل إلا الزور والبهتان؟ ~~- كنت أحسب أنك فهمت. ~~- لا وحياتك ما فهمت. ~~- لو لم تكن طول ليلك سكران ما فاتك ما قصدت له ولا غبيت ما ~~هدفت إليه. ~~- أنا الآن على الأقل لست في حالة سكر. ~~- بل أنت في حالة خمار دائم من مخلفات السكر ومما تصنعه بك ~~الخمر؛ فشراب المساء تبدو عليك آثار منه شديدة في الصباح. ~~- لا أستطيع أن أعارضك. ~~- ولا يستطيع أحد. ~~- ولكنني ما زلت لا أدري فيم تريد البهلوان. ~~- ألم تر كيف هو ماهر في إتمام الصفقات؟! ~~- ولكنك يا مولاي السلطان لا تعقد صفقات؛ فإنك إذا أردت شيئا ~~من ملك غيرك أخذته بالأمر من غير شراء، وإن أردت أن تبيع فرضت ~~الثمن ونلته، ففيم انتفاعك بالبهلوان وأنت لا بيع عندك ولا ~~شراء. ~~- ففيم إذن؟ ~~- إذا خالط هذا البهلوان الناس، ودخل البيوت وراح يمتدح السلطان ~~جعل الناس يصدقون مديحه ولا يكرهون السلطان ولا يبغضونه. ~~- ومنذ متى يا مولاي تهتم برضاء الناس أو سخطهم؟ ~~- أليس من الأحكم أن أصنع بهم ما أشاء ومع ذلك أجعلهم يمدحون بدلا ~~من أن يذموا. ~~- وهل يجرؤ أحد على ذمك؟ ~~- إنهم جميعا يذمون السلطان في دخيلة نفوسهم. ~~- وماذا يهمك من دخيلة النفوس؟ ~~- أن تكون راضية خير من أن تكون ساخطة. ~~- وهل تظنها سترضى؟ ~~- ربما. ~~- أيستطيع هذا البهلوان أن يصل إلى خافية الصدور؟ ~~- يستطيع على الأقل أن يجعلهم يلتمسون العذر لأنفسهم، فلا تبدو ~~نفوسهم أمامهم مهينة ويهيئون لأنفسهم أنهم يقبلون حكمي وهم به ~~راضون، وأنهم ليسوا جبناء ولا ضعفاء مهازيل. # قلت الصواب يا مولاي السلطان. ~~- فالتمس لي هذا البهلوان. ~~- سأحضره من فوره، ولكن هل أخبره من يريده؟ ~~- بل اكتم حقيقتي عنه. ~~- فماذا أقول؟ ~~- قل تاجر من كبار ms36 التجار واسع الثراء، موفور المال. وانصرف الوزير ~~الوسنان، وما لبث أن عاد بالبهلوان، ووضعه بين يدي السلطان. ~~- ما اسمك أيها البهلوان؟ ~~- عبدك يا مولاي. ~~- أوعرفتني؟ ~~- منذ شرفت السوق يا مولاي. ~~- يا لك من داهية! ~~- دهائي كله ملكك. ~~- إذن؛ فأنت تعرف فيم أريدك. ~~- إذا لم أكن قد عرفت من أول وهلة فلست جديرا باستدعائك ~~لي. ~~- فهل تستطيع أن تقوم بما انتدبتك له؟ ~~- وأكثر. ~~- قبل أن تذهب إلى الأكثر، قل لي فيم أردتك لأختبر مقدار ~~ذكائك. ~~- تريدني أن أجعل الناس يمتدحونك في دخيلة نفوسهم، كما يطيعونك في ~~جهير أقوالهم. ~~- أصبت، فهل تستطيع؟ ~~- لك أن تجربني. ~~- وما الأكثر؟ ~~- أن أجعلك أنت دائم السرور موفور الحبور. ~~- بالكذب والتحايل؟ ~~- بل برواية دخائل الناس ومجنون أسرارهم وكل ظريف طريف من أحوال ~~معيشتهم. ~~- هل أنت أيضا صاحب حكاية؟ ~~- لن أقول لا أو نعم حتى تشهد لي. ~~- ولكنك لم تقل ما اسمك. ~~- خادمك الأمين حسونة هنداوي. ~~- ومتى تبدأ عملك؟ ~~- لقد بدأته فعلا يا مولاي. # وضحك السلطان في سرور واستظراف. واستأذن حسونة في إلطاف. وما لبث أن ~~بدأ العمل في غير تأخر ولا مهل. وراح يندس بين الجموع، ويختلق ~~المحامد للسلطان ويذيع. ولم يلحظ الأبله الموهوم، أن الناس تستمع إليه ~~في وجوم، وأنها تدعو للسلطان في الظاهر؛ لأنها لا تملك أن تقول ما ~~يدور بالخاطر. وكما فشا حسونة في الشعب، أضحك السلطان من القلب. وجهل ~~أنه قد يستطيع أن يضحك سلطانا، ولكنه لا يستطيع أن يخدع ~~إنسانا. # ومر الزمان واستدار. وجاء موعد السلطان لملاقاة الجبار القاهر فوق ~~عباده، والذي لا يخرج شيء عن مراده. # وانقلب الحال إلى حال جديد، وانتهى زمن حسونة والوزير غير الرشيد. ~~وذهب الوزير إلى كسرة من زاوية النسيان، ولكن حسونة أراد أن يغالب ~~الزمان، فنزل إلى الناس في السوق، فإذا هم يضربونه ضربا لم يذقه ~~مخلوق، وهو يجري أمامهم مذعورا، ويتخاضع لهم مذلولا مدحورا. # وأصبح دأب حسونة منذ ذلك اليوم أن يظل قابعا في بيته بعض الوقت، ثم ~~يعود إلى الناس آملا في أن يكونوا ms37 قد نسوا ما أحاطهم به من وهم، ~~ولكنهم كلما عاد أثخنوه ضربا وشتما، وحملوه ما يطيقون ولا يطيق ~~غما وهما. وظل هذا حاله وسنته، حتى توارى في تربته. # وهكذا ترى أن دولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة. # قصة وقعت في يدي بعد أن أخطأت طريقها إلى مؤلفي ألف ليلة وليلة. ~~نقلتها إليك راجيا رضاءك، آملا أن تقع من نفسك في خير مكان. # | عالي الصوت لم يزل # رأيته شابا يافعا في أروقة حزب الأحرار الدستوريين. لم تكن سنه قد ~~بلغت العشرين بعد. وكان متحمسا للحزب حماسا جنونيا مندفعا، حتى ~~لقد كان رجالات الحزب لا عمل لهم معه إلا كبح جماحه والحد من اندفاعه. ~~وكان في الاجتماعات هو دائما البادئ بالهتافات، وكان يظل يهتف حتى ~~يضطر الخطيب إلى أن يرجوه أن يعطيه فرصة ليكمل خطابه. # حتى إذا انتهى الخطباء تجده وقد بح صوته حتى لا تستطيع أن تسمع منه ~~كلمة إلا إذا ملت بأذنك حتى تلتصق بفمه. # وفي هذا السيل الجارف من التحمس المندفع المتدفق عرفنا أنه يذهب ~~إلى الهيئة السعدية، وأنه يبدي من الحماس لمبادئها نفس ما يبديه ~~لمبادئ حزب الأحرار الدستوريين، وأنه يهتف لزعماء الهيئة السعدية كما ~~يهتف لزعماء حزب الأحرار الدستوريين. # وكان الحزبان مؤتلفين في الوزارة وأغلب الأمر، بل من المؤكد أن ~~أعضاء الهيئة السعدية عرفوا أمر اتصاله بحزب الأحرار الدستوريين، كما ~~عرف حزب الأحرار أمر اتصاله بالهيئة السعدية. # ومن المؤكد أيضا أن رجالات الهيئة كانوا يكفكفون من غلوائه ~~ويعقلون المندفع من تهوره. # ظل هذا حاله حتى سقطت الوزارة المؤتلفة، وتألفت الوزارة الوفدية. ~~وكان الفتى قد أصبح في الجامعة، فإذا هو في سهولة ويسر يهجر حزب ~~الأحرار الدستوريين والهيئة السعدية جميعا، وينقل تحمسه إلى الحزب ~~الوفدي؛ فهو عضو في لجان شبابه، وهو هو المتزعم للهتاف حتى يبح ~~صوته، وهو هو المتصدر في احتفالات الحزب - وما أكثرها - يوزع ~~الأدوار على الهاتفين، ويؤلف كلمات الهتاف ويخص كل وزير من ~~الوزراء بفيض من الثناء، ويغمر كلا منهم بموفور من المديح. ms38 # والفتى مرن على الهتاف مرانا قل أن يجيده أحد في مثل سنه، ~~وتلك ميزة ليست قليلة الشأن في مكان توجد به تجمعات أو ~~اجتماعات أو خطباء. # وكان الفتى يستفيد من هتافاته هذه فوائد ليست بالهينة الشأن ولا ~~الضئيلة العائد؛ فهو قد حصل على مدى سنوات هتافه على كل الإعانات ~~التي تقدمها الوزارات لمن ضاق عليهم الرزق. # نال من وزارة الأوقاف ومن وزارة الشئون الاجتماعية، وعمل في كل صحف ~~هذا الزمان لا كمحرر؛ فلا شأن له هو بالتحرير، وإنما عمل كمورد ~~للإعلانات من الحكومة. وناهيك بإعلانات الحكومة من مورد لا ينقطع ~~سيله، ولا ينضب غمره، ولا يغيض ماؤه. # وقد كانت أغلب الصحف والمجلات تكاد تعيش على هذه الإعلانات. وهكذا ~~استطاع الفتى أن يصلح شأن نفسه، أما شأن ذويه فهو غير مسئول عنهم؛ ~~فقد كان أبوه موظفا ضئيل الدخل هزيل المرتب، وكان له إخوة ثلاثة ~~فلم يفكر يوما أن يعين أهل بيته بما يجعل الحياة معقولة أو ~~ممكنة، بل إنه يرغم أباه على أن يشتري له الملبس أيضا. أما أنه ~~يطعم بالبيت فهذا أمر يراه طبيعيا؛ فما دام أبوه قد أتى به إلى ~~الحياة فهو مسئول أن يطعمه حتى يتخرج. وهو لا يرى أن هذه القاعدة ~~يمكن أن يرد عليها استثناء مهما يكن هو موفور الدخل، ومهما يكن أبوه ~~مجهدا قليل المال كثير النفقة. # ومع المران والأيام صار يسافر إلى بلدته يبحث عن طلاب الحاجات ~~ويتشفع لهم، وينال من جدواهم ما يعتبرونه رشوة وما يعتبره هو حقا ~~لا شك فيه ولا مناقشة. # وما هي إلا زيارة أو اثنتان إلى البلدة حتى أصبح الفتى مقصد قريته ~~والقرى المجاورة جميعا، وأصبح أمره مشهورا، وأصبحت أسعاره معلومة ~~لا يجهلها أحد. وما لقصاده لا يكثرون وكل من يقصده بمعضلة يحلها ~~له؛ فشفاعته عند ذوي الشأن مقبولة، وهو دائما عندهم موضع ~~ترحيب. # وأركان الصفقة معروفة واضحة المعالم. يستجيب الوزير للشفاعة من ~~الفتى، ويهتف الفتى باسم الوزير في حفلات الحزب. ومن الناحية العكسية ~~لا يستجيب الوزير لشفاعة الفتى، ms39 فلا يهتف الفتى باسم الوزير. # وحتى أكون صادقا مع نفسي ومعك لم يكن كل الوزراء في العهد الوفدي أو ~~غيره من العهود يهتمون في كثير أو قليل بهتافات الفتى أو صراخه. ~~فإذا استجابوا لشفاعة منه فهي استجابة حزبي كبير لشاب من شباب ~~الحزب. والفتى لا يهمه الباعث عند الوزير، وإنما كل ما يهمه أن ~~يحقق ما كلفه به دافعو الرشاوى. وليكن الباعث بعد ذلك ما يكون فهو ~~لا شأن له به. # واحترقت القاهرة. # وراحت الوزارة تنتقل تائهة من عهد إلى عهد، فما استقرت على ~~رئيس، ولا تريثت عند وزير. وزاغت أعين الفتى، فأصبح لا يدري باسم ~~من يهتف، ولا بمن يصل أوشاجه، ولا إلى أي كرسي يمد حباله. # وجاءت الثورة، واتضحت المعالم، ووضحت له الأمور وضوحا ~~تاما. # كان صوته بالمران والممارسة أعلى الأصوات في الهتاف من رئيس إلى ~~رئيس، في مثل السهولة واليسر التي كان ينتقل بها من حزب إلى حزب فيما ~~قبل الثورة. # وحين استقر الحكم كان الفتى الذي أصبح شابا ذا خبرة واسعة ~~بمعرفة الطريق الذي يختار أعظم الهاتفين شأنا وأعلاهم صوتا. # انضم الشاب إلى هيئة التحرير، وما هي إلا لفتة زمن حتى أصبح من ~~أعظم أعضائه نشاطا، فكان طبيعيا أن يرشح نفسه لمجلس الأمة. وكان ~~غريبا أن ينتخبه الذي قضى مصالحهم فهم ينتخبونه على الرغم من أنهم هم ~~أنفسهم كانوا يقدمون له الرشاوى في جميع العهود. # وحين أصبح في هذا المكان المرموق رفع أسعاره في القيام بالشفاعات، ~~ثم ضاعفها عدة أضعاف وقال - ووجد من يصدقه - إنه لا يأخذ لنفسه، ~~وإنما هو يشرك معه الكثيرين الذين يعاونونه في قضاء الحاجات. # وبصورة تلقائية انتقل الشاب من هيئة التحرير إلى الاتحاد القومي. ~~ورفع أسعاره مرة أخرى. # ثم أصبح في مقدمة العاملين في الاتحاد الاشتراكي، وكان من المعقول ~~جدا أن يصبح عضوا في التنظيم الطليعي. # وكان عضوا في المجلس الذي رقص للهزيمة. وكان تصفيقه يومذاك واضح ~~المعالم بين السمات، وذهب عهد بأكمله وجاء عهد آخر. تسلل إليه في ~~أناة وخبرة ، فإذا ms40 هو عضو في منبر مصر، ثم هو عضو في حزب مصر ثم هو عضو ~~في الحزب الوطني. وهو دائما عضو بمجلس الشعب. وهو دائما يحصل على ~~معظم الأصوات من الناخبين. # وما دام قد صفق للهزيمة فقد أصبح من الطبيعي، بل من المحتم، أن ~~يصفق تصفيقا مضاعفا عشرات المرات للنصر الرائع الذي لم يشهد العرب ~~له مثيلا في العصر الحديث، وصفق في حماس لا مثيل له لما أعقب النصر ~~من خطوات السلام الخالدة. # ولكن العجيب في أمره أنه إذا جلس في جماعة يهاجمون كامب دافيد وافق ~~المهاجمين في رأيهم. # فإذا انتقل إلى جماعة يؤيدون كامب ديفيد كان أشد منهم حماسا في ~~تأييدها. # ظاهرة عجيبة هذا الفتى. # أم ترى أنه لم يصبح ظاهرة ولا عجيبة. لست أدري؟ وتسألني ولا أشك إلى ~~أنك ستسألني من هو؟ أهو هذا الرجل أم هو ذاك؟ وكيف لي أن أعلم، ربما ~~كان هذا وذاك جميعا؛ فقد تشابه الخلق علينا. # ومن أين لي أن أدلك عليه وأنا أروي لك قصة تمتد جذورها نيفا ~~وأربعين عاما؟ وما أحسب أنني مقصر فالملامح المحددة قد انماعت في عيني ~~ولم يبق أمامي منها إلا الخطوط العريضة أقدمها إليك وأنا واثق أنك ~~أنت. أنت أيها القارئ ستعرف الملامح بكل وضوح، وستتبينها بكل دقة؛ ~~فإن ذاكرتك أنت أكثر نشاطا وأعظم تركيزا، فما علي بأس أن أترك لك ~~أنت أن ترى من ألمحت إليه وأن تتعرف أنت على اسمه وسماته، بل إنني ~~واثق أنك ستصل من الأمر إلى أبعد من ذلك؛ فإنك قادر لا شك أن تذكر ~~لي اسم أمه وأبيه، واسم زوجته وبنيه. ما ساروا فيه جميعا من دروب وما ~~ارتادوا من طريق؛ فأنت دائما أيها القارئ أعظم الناس علما بمن حولك ~~وما حولك، فشأنك وهذا الفتى الذي أصبح شابا، ثم صار كهلا يأخذ ~~طريقه إلى الشيخوخة ولكن بخطوات نشطة وصوت عال مرتفع الضجيج، لم تنل ~~السن منه وما أوهنته السنون. # | صورة من مرآة النفس (ترقية) # كان صاحبي موظفا من خيرة الموظفين الذين عرفتهم ms41 المصلحة التي ~~يعمل بها. وكان رؤساؤه دائما يعجبون به ويكلفونه بما يشاءون من ~~مهمات وهم مطمئنون أنه سيؤديها على أحسن وجه. وكان صاحبي على أحسن ~~علاقة بكل الرؤساء الذين توافدوا على المصلحة. وكانوا هم أيضا ~~يراعون ألا يكلفوه إلا بما يتناسب مع خبراته؛ فقد كان خبيرا بشئون ~~الموظفين وترقياتهم وعلاواتهم. # وكان صاحبي أيضا على أحسن علاقة بكل الموظفين الذين يعملون معه في ~~المصلحة؛ فكلهم يحبه. والظرفاء منهم يطيب لهم دائما أن يرووا له ما ~~سمعوا من نكات، كما كانوا يتمتعون بما يرويه لهم وبتعليقاته الضاحكة ~~وإن كانت ساذجة. هو حريص دائما أن يرى ابتسامة على وجه زملائه، وكان ~~حديثه دائما قادرا على أن يجعل البسمة تثب إلى شفاههم حتى وإن كانت ~~ابتسامة متشحة بالتكلف. # وكنت أزوره بالمصلحة فيستقبلني زملاؤه أحسن استقبال لحبهم له. وكان ~~صاحبي من القلة النادرة التي أوشكت تنعدم، التي ترضى عما هي فيه؛ فهو ~~لا يشكو من الزمن عثار حظ، أو قلة مال، أو إرهاقا في الإنفاق، كان ~~يقبل من الدنيا ما وهبت له، ولا يسخط منها على شيء حرمته منه؛ فهو لا ~~يطمع في أكثر مما نال، ولا يتوقع أحسن مما أصاب. تقف آماله في هذه ~~الساحة الرحيبة من القناعة التي لا تريد إلا الستر، وإلا أن يكرمها ~~الله في أبنائها. # وكان صاحبي يعرف أن للحياة سنتها الطبيعية التي لا تتغير، وأنه لخاضع ~~لهذه السنة راض بها؛ فهو يتقبل المرض في أبنائه لأن من طبيعة الأمور ~~أن يمرض الأبناء، وهو ينفق على علاجهم في صبر ويستقبل شفاءهم وكأنه ~~أعجوبة لم يكن يتصور أنها ستحقق؛ فقد كان يحتفل بالمناسبات السعيدة ~~احتفالا رائعا قل أن تجده المناسبة السعيدة عند غيره من الناس؛ فلو ~~أن هذه المناسبات كانت ذات عقل أو كانت صاحبة منطق لما انقطعت عن ~~زيارته أبدا. # وكان يعلم أن السن حين تتقدم به أو بزوجه التي تقاربه فمن ~~الطبيعي أن يواجها هذه السن بما يتفق وإياها من تكاسل أو ~~مرض. # وهكذا كان صاحبي يمثل في نظري ms42 نموذجا فريدا من الإنسان الرضي ~~الخلق الهادئ المؤمن بالله المتقبل لكل ما يوافيه به القدر، في غير ~~جزع عند الشدة وفي نشوة عارمة عند الخير. # حتى كان يوم قرأت في الجرائد أنه رقي رئيسا للمصلحة التي يعمل ~~بها، ففرحت له فرحة تتناسب وما أكنه له من حب وتقدير. وسارعت ~~فألغيت ما كان مقدرا ليومي هذا من مواعيد، وذهبت إلى المصلحة ~~لأهنئه. # كان كل الموظفين في سعادة غامرة، حتى لقد رأيت البشر يلف ~~المصلحة جميعا. ولأول مرة لا أدخل إلى مكتبه مباشرة، وإنما قصدت ~~قصدا أن أطلب الإذن من السكرتير، مع أن الساعي الواقف على بابه أراد ~~أن يفتح لي الباب النافذ إليه مباشرة. أحسست في مروري بالسكرتير لذة ~~أحببت أن أتمتع بها. وحاول السكرتير أن يدخلني دون إذن ولكني رجوته ~~أن يستأذن وأصررت، ودخل السكرتير فإذا بصاحبي يخرج معه وهو يهتف بي: ~~ما هذا؟! أهذا معقول؟! تفضل. واحتضنته وقبلته ودخلنا إلى غرفته ~~وجلست معه أنتظر القهوة. عرفت أنه كان يرجو أن ينال هذا المنصب ولكنه ~~كان أملا ألقى به إلى سحيق من جب نفسه لا يطفو ولا يقترب من الهواء ~~ولا يتنشق نسمة من الحياة. حتى إذا لاحت الفرصة سعى سعيه وهو يائس؛ ~~فهو يعرف نفسه كل المعرفة أنه يتغلف بالنفاق دائما إذا كان الحديث ~~مع صاحب شأن، ولكنه يقول إنه كان ينافق لا ليصل إلى منصبه هذا، وإنما ~~ليبقي على نفسه الوظيفة التي كان يشغلها، ولم يكن يدري أن النفاق ~~مصعد صاروخي إلى هذا الحد الذي شق به هو الطريق إلى سماء ~~المصلحة. # كان صاحبي سعيدا وهو يحدثني، فربما كنت، بل إني أنا فعلا الشخص ~~الوحيد الذي يحادثه بلا نفاق وبلا تحيط أو حذر ... جمعتنا الأيام ~~الطويلة، وتعود أن يلقي إلي بسره، فأنا مطلع بعد الله على مرآة ~~نفسه بلا ستار ولا غلائل ولا خفاء ... ولهذا رأيت في عينيه شعورا أكاد ~~أثق أن أحدا لم يره إلا أنا ... كان القلق يعدو على بريق الفرح في ~~عينيه. وعجبت أن يبدأ ms43 القلق مسيرته في نفسه في اليوم الأول لتوليه ~~الوظيفة. # ومرت الأيام وكنت أزوره في غير انتظام وفي غير إكثار. رأيت على ~~وجوه الموظفين قترة وكمدا. وأحسست أن ترحيبهم بي أصبح أكثر حجما مما ~~كان، ولكن الإخلاص فيه منعدم والصدق غائب، حتى لا تستطيع ألفاظهم أن ~~تخفي سخطهم المتستر وراء زواق الكلام. وما أنا منهم ولا تربطني ~~بأحد فيهم رابطة إلا صداقتي برئيسهم. وألقاه. أين النفس الرضية؟ أين ~~القلب المطمئن؟ أين الابتسامة المنطلقة في غير حذر تشق ظلام الحياة ~~لتسفر عن راحة الضمير وسعادة الإنسانية إذا قدر للإنسانية يوما أن ~~تكون سعيدة؟! # لم أسأله، وإنما أقللت من زيارتي حتى لأوشكت تنقطع ... وفي يوم ~~بينما أنا في القيلولة إذا بصديقي قادم على غير موعد، ورأى دهشتي فلم ~~يحفل بها، وانفردت بنا الحجرة. # صمت، ثم هم بحديث ثم صمت ... ثم اندفع في بكاء متواصل لم أجد معه ~~أنا إلا الصمت، ثم رفع وجهه فرأيت صديقي الذي كنت أعرفه قد عاد إلى ~~وجهه مرة أخرى، ثم تكلم: لقد استقلت، بلغت من مرتب المعاش أقصاه ~~فاستقلت، لقد مرت بي فترة الرئاسة فقلبتني من إنسان إلى لا إنسان. ~~ولا أعرف صفة أقولها لتغنيني عن هذا التركيب اللفظي، كرهت إخواني ~~جميعا في العمل، كنت أحس أنهم يعرضون علي الورق وظلال سخرية ~~تغلبهم على أمرهم، وتثب إلى شفاههم، ثم كنت أنظر إلى أقفائهم وأنا ~~واثق أنها تخفي عني السخرية الصريحة. كنت أحس أنهم مجمعون على أنني ~~آخر من يصلح لهذا العمل. وربما كانوا على حق؛ فلماذا يصبح هذا الشخص ~~الذي عاش عمره بلا رأي ولا موقف ولا مبدأ ولا قيمة رئيسا لهم؟ # كنت أعتقد أنهم يرون النفاق الذي بذلته هو الدرج، ولكنهم مع ذلك ~~- فيما أظن - كانوا يتصورون أنه لا يكفي وحده لكل هذا المجد الذي ~~نلته. # الحقيقة التي لا أستطيع أن أخفيها عنك لأنك ستعرفها دون أن أقولها؛ ~~أنني أنا نفسي لم أكن مقتنعا أنني رئيس فعلا. كنت أحس نفسي شيئا ~~تائها في الكرسي الذي أجلس عليه، ms44 حتى لقد كنت أنا نفسي أفتش عن ~~نفسي في الكرسي إذا خلوت به وخلا بي. حتى إذا دخل مرءوس لي كان زميلا ~~انتفشت عن نفخة كنت أضحك منها في داخلي، ثم أنا أوجه إليه أبشع ~~النقد في أقسى لفظ، حتى إذا خرج واجهت صغري واقفا أمامي وداخلي يأخذ ~~علي أقطار الحياة خارجي، وأقطار كياني في داخل كياني. # وكنت أحيانا أحب أن أتطرف وأبحث عن هذه الابتسامة التي كنت ~~أرسمها على وجه زملاء الأمس ومرءوسي اليوم، فإذا الابتسامة قهقهة ~~عالية أدرك افتعالها وأحار أهي مفتعلة لأنني رئيس ينافقونه، أم هي ~~مفتعلة لأنها تفرج عن السخرية مني التي يحبسونها أمامي. # وكنت في كل يوم أنظر إلى المرآة أحس أنني أصبحت صورة حية لرسم ~~دوريان جراي. كانت مرآتي هي صورة دوريان جراي؛ ففي كل يوم تختفي منها ~~بسمة طيبة لتحل محلها تكشيرة وحش. كنت أفقد نفسي نأمة نأمة ~~وشعاعا شعاعا، وتنطمس في نفسي يوما بعد يوم عواطف الطيبة والحب ~~والرضا والقناعة والسعادة وقبول الحياة لتشتعل نفسي بنيران القدر ~~والحقد والسخط والطمع والشقاء ورفض كل شيء في الحياة حتى ما هو جميل ~~فيها. # أولادي. أولادي. كنت أتخيلهم يسخرون مني إذا خلا بعضهم ببعض. ~~زوجتي. لم أقتنع يوما أنها قبلت أمر ترقيتي كشيء مسلم به. كنت ~~دائما أحس أنها تشك أنني حقا رئيس، وأنني أصبحت مستقبلا ~~للتملق بعد أن كنت مصدرا له. # تاهت نفسي من نفسي، ونفرت حياتي من حياتي. اسمع يا أخي، هناك ناس ~~خلقوا ليكونوا أي شيء إلا رؤساء لأعمال، وأنا منهم. وتلك هي ~~الحقيقة. # اليوم قدمت استقالتي وجئت إليك قبل أن أذهب إلى البيت؛ لأن حياتي ~~التي أحببتها تركتها عندك في تصورك لي وفي معرفتك بي. وقد جئت ~~إليك لأصحب نفسي الأولى، وحياتي التي أحببتها ولم أحب غيرها، وأعود ~~إلى الدنيا بما أحب أن تراه مني وما أحب أن ألقاها به. سلام ~~عليك. # | صورة ليست كاريكاتورية # بطاقات هنداوي # كان يلم ببيتنا رجل في خمسينات عمره. وكان قوي البنية أحمر ~~الوجه، يهتم بأناقته ms45 ما أتاحت له موارده القليلة أن يتألق فشعره ~~الأشيب دائما مصفف في انتظام وهدوء وحلته قديمة، ولكن أثر الكواء ~~عليها أكبر من أثر الزمن، ورباط عنقه رخيص، ولكنه يعنى بكيه ويعنى ~~بربطه. فقد كان رخصه يحتم عليه أن يكويه ما أمكنته الفرصة، ~~فكانت المكواة لرباط العنق أشد فتكا من الزمن ومن دقة ~~الربط. # وكان هنداوي يتحدث دائما عن أيام شبابه الذهبية؛ فقد كان حامل ~~أثقال. وقد أصاب في هذا المنحى نجاحا، إن لم يصل به إلى الشهرة، فقد ~~وصل به إلى أن يجعله هو ذكريات مشرقة لشبابه في الشيخوخة، ومنجم ~~حديث باللسان بعد أن عجزت الذراعان أن تتحدثا. # ولكن أطرف ما كان يطالعنا من هنداوي بطاقاته؛ فقد كان له في كل ~~فترة بطاقة جديدة. وبهذه البطاقات كان هنداوي يتفرد بين زوار ~~بيتنا الكثيرين. وقد كنا جميعا حريصين أن ننال هذه البطاقات، نعلق ~~عليها هذه التعليقات الخبيثة التي يتقنها من هم في مثل ما كنا فيه من ~~سن في تلك الأيام. وكان هو يعتبر هذه السخرية مديحا ويسعد به كل ~~السعادة. العجيب أن هذه البطاقات كانت تحمل دائما صورته التي كان ~~وضعها يتغير في كل بطاقة، وكانت تحمل دائما بيتا أو بيتين من عيون ~~الشعر العربي في الفخر. وكانت الأبيات أحيانا تكون في الهجاء إذا أراد ~~أن يشتم أحدا تطاول عليه، ولم تسعفه قوته العجوز أن يرد ~~التطاول باللكمات. # وما زلت أذكر بعض الأبيات التي كان يختارها ويضعها تحت صورته فهو ~~مثلا يكتب: # الخيل والليل والبيداء تعرفني # والسيف والرمح والقرطاس والقلم # أو هو يضع: # نحن الذين إذا هاجت مواكبنا # ترتد أعداؤنا من خوفها جزعا # أو يكتب: # نحن قوم تذيبنا الأعين النج # ل على أننا نذيب الحديدا # فترانا لدى الكريهة أبطا # لا وفي السلم للحسان عبيدا # أو يكتب من معلقة عمرو بن كلثوم: # وأنا نورد الرايات بيضا # ونصدرهن حمرا قد روينا # وكتب مرة حين مات قريب عزيز عليه: # إذا مات منا سيد قام سيد # قئول لما قال الرجال فعول # ويكتب في الهجاء ms46 الأبيات الشهيرة: # أما الهجاء فدق عرضك دونه # والمدح عنك كما علمت جليل # فاذهب فأنت طليق عرضك إنه # عرض عززت به وأنت ذليل # وكان هنداوي حين يوزع هذه البطاقات يحس أنها انتشرت في العالم ~~أجمع، ويهدأ نفسا، ويحس أنه ذلك البطل الذي كان يصارع الحديد ~~فيصرعه. # وكانت أهنأ أيامه أيام المآتم وهي كثيرة بطبيعتها. وقد كان يحرص أن ~~يقدم بطاقته للمعزين جميعا. وفي هذه الأيام كان يحس أنه بلغ ~~بشهرته الأرض والسماء معا. # ولم يكن جنون هنداوي يتجاوز هذه البطاقات فهو فيما عداها رجل ~~هادئ طيب سهل القياد لا يثور أبدا، ويفهم الحديث إذا دار ~~أمامه. # ومضت الأيام وأنا أحسب أن الزمان لن يجود بمثل هنداوي ثانية، ~~ولكنني فجأة وبغير إعمال فكر مني وجدتني أذكره بإلحاح يأبى أن ~~يتخلى عن فكري أبدا، ورحت أبحث أسباب تذكري له فما طال بي البحث، ~~ولا أعياني التنقيب. # لقد وجدت الغالبية العظمى من حكام العرب كلهم هنداوي، إلا أن هنداوي ~~كان يكتب ما يريد على البطاقة لأنه لم يكن يملك آبار بترول يصدر بها ~~المجلات، ويشتري بها من بضاعتهم الضمير لا القلم، ومن تجارتهم الوطن لا ~~الخلق، ومن عدوهم الدين والإيمان لا الأفراد ولا المبادئ. # إن هنداوي الجديد أصبح بعض حكام. وبطاقات هنداوي أصبحت بعض مجلات. ~~وأبياته التي كان يحسن انتقاءها أصبحت مناسبة للعفن الذي نبت فيه ~~تجار الأقلام والضمير والوطن وأعداء الدين والبشرية والسلام؛ فليس ~~عجيبا أن يكون غثاؤهم بديلا عن عيون الشعر التي كان ينتقيها هنداوي ~~من قراءته أو من قراءة أصدقائه من الأدباء والشعراء. # وفي لفتة أخرى وجد لون آخر من هنداوي هنا في مصر متمثلا في أولئك ~~البهلوانات الذين يسيرون على الحبال في طرقات الصحف وفي جحور الجرذان ~~وفي ظلمات الخفافيش يوزعون المنشورات حافلة بكره مصر وبالاعتداء ~~على مشاعر الإيمان فيها. وإن كان بهلوان السيرك يضع على وجهه بياض ~~الطيبة وحمرة الخجل، فقد لطخوا هم وجوههم بدماء أبنائنا على أرض ~~سيناء، وعشيرتنا في الإسلام على جبال أفغانستان، وإخواننا في البشرية ~~على ms47 ثلوج سيبريا وأرض المجر. وبدلا من أن يهاجموا الغاشم يريدون أن ~~يحرقوا السلام في مصر. وبدلا من أن نسمع من تجمع أعداء الدين رأيا ~~في غزو أفغانستان وقتل المسلمين فيها؛ الأمر الذي رفضته جميع الأحزاب ~~الشيوعية في الدول الحرة، نجد الإلحاد هنا يدور ببطاقات هنداوي خالية ~~من الشعر الرصين ومن صورته الطيبة الودود، مخضبة بدم الشرف ~~والخلق والوطنية. # ونجد منهم - وما بغريب أن نجد منهم - من التحى بلحية الإسلام يدرأ ~~بها عن نفسه شبهة الإلحاد، ولكن ما تلبث أفعاله أن تكشفه، وما أسرع ~~ما تسفر أعماله عن حقيقة الكفر الذي يؤمن به. # في هذا الجنون الذي أحاط ببعض حكام العرب وبالخونة في مصر أذكر ~~هنداوي وبطاقاته، وأقرأ الفاتحة على روحه الطاهرة. لكم ظلمناه حين ~~اعتبرناه مجنونا، ولو أن العمر امتد به لأصبح بين مجانين اليوم من ~~أعظم العقلاء. يرحمه الله. # | سقط الصنم # ولم تسقط القاعدة # أتصور أنه في عهد الأصنام هناك فريق من الناس لا عمل له إلا أن ~~يجلس بجوار هبل وغيره من الأصنام يرفع عقيرته بمعجزات الصنم وما يناله ~~قصاده من خير على يديه، داعيا الناس أن يزيدوا من الأموال التي ~~يقدمونها للتمثال، مؤكدا أنهم كلما زادوه مالا زادهم خيرا ~~ومعجزات ومنجزات. # وأتصور أنه حين أشرق النور، وتهاوى الصنم؛ لأن الأصنام لا تعيش في ~~النور. أتصور أنه بقي من الصنم قاعدة. وهذا الفريق الذي كان يعيش على ~~النصب، والأكاذيب، والادعاء الباطل، والشعار الزائف، والاحتيال ~~المقيت. ويجد هذا الفريق نفسه بلا مورد يعيش عليه، ولا ناس يحتال ~~عليهم، إلا قلة قليلة لا ترى إلا في الظلام، ولا تحيا إلا في ~~السراديب، ولا تتنفس إلا العفن، ولا تأكل إلا لحم البشر، ولا تشرب ~~إلا الدماء الآدمية. # ويدور فريق الصنم المنهار حول القاعدة المهيضة المحطمة، يطلقون ~~المباخر ويرفعون العقائر، ويستجدون النفع الذي زال عنهم؛ فهذه ~~القاعدة هي كل ما بقي منهم، وبغيرها لا حياة لهم؛ لأن حياتهم قامت ~~أول ما قامت على هذا البهتان. ولو كانوا يملكون صنعة غير طبولهم ~~ومزاميرهم ms48 التي كانوا يدقونها وينفخونها هتافا للصنم، وأصبحوا ~~يدقونها وينفخون فيها نواحا عليه، لذهبوا إلى صنعتهم تلك، ~~ونسوا ما كان من أمر الصنم والقاعدة، ولكن من أين وهم عجزة إلا عن ~~الهتاف، جهلة إلا عن الاحتيال، أغبياء إلا عن السلب والزور والغش ~~والسرقة؟ # ولكل فترة زمن صنم يقيمه الناس من الدماء، ثم لا يلبث الناس أن ~~يتبينوا مقدار ما امتص الصنم من كيانهم؛ ولهذا فلا بد لكل صنم أن ~~يسقط وينهار. ولا بأس أن تبقى القاعدة حينما يلف حولها هذا الفريق ~~من نفاية البشر. ويمر الزمن بالنور فتمحى القاعدة كما أمحي الصنم، ~~وتصبح النفاية عدما من العدم. ولا يبقى إلا الإشراق والنور والضياء؛ ~~فإنه يمكث في الأرض وفي السماء. # | الصوت المرتفع والتليفون والفن # تعود أبناء الريف أن يرفعوا صوتهم إلى أعلى الدرجات حين يتكلمون ~~في التليفون. ولا شك أن هذه العادة قد لازمتهم من أيام تليفونات ~~المركز المتصلة بالعمدة. وهي - بالمناسبة - ما زالت موجودة حتى اليوم. ~~وكان الخفير لا يكاد يسمع محدثه حتى كان يرفع عقيرته إلى القمة. ~~وأغلب الأمر أنه كان حين تنتهي المكالمة يرتمي إلى أقرب مقعد أو ~~مصطبة مقطوع الأنفاس وكأنه جرى مائة كيلو بغير توقف. # وكان المرحوم أحمد عبد الغفار «باشا» فلاحا لم تتخل عنه أخلاق ~~الفلاحين ولا عاداتهم رغم تعلمه في أكسفورد ورغم كرسي الوزارة الذي ~~تبوأه. # وفي يوم كان أحد الزوار يجلس عند سكرتيره في الوزارة، وكان صوت ~~الوزير عاليا جدا حتى كان الزائر يسمع كل كلمة يقولها صارخة في ~~أذنه، وأحس السكرتير بحرج فنظر إلى الزائر وكأنه يعتذر. ~~- أصل الباشا بيكلم تلا. # فرد الضيف بسرعة ذكية. ~~- ولماذا لا يكلم الباشا تلا عن طريق التليفون؟ # هذا الصوت المرتفع نلتقي به كثيرا في الأعمال الأدبية، وهو عيب ~~أجمع النقاد على أنه ينال من العمل الفني ويغض من قيمته. # فالعمل الفني بطبيعته همسة تتسلل في ذكاء شديد ولباقة إلى أبعد ~~أغوار النفس الإنسانية، وترسي فيها ما يشاء أن يرسيه الكاتب من ~~معان. # والصوت المرتفع لغة المقال وليس ms49 لغة العمل الفني؛ فحين يعلو صوت ~~الفنان في عمل أدبي ينقل عمله من قصة أو رواية إلى مقالة أو ~~خطبة. # ولكننا مع ذلك نجد أعمالا كثيرة لأدباء يرتفع فيها صوتهم إلى درجة ~~الإزعاج. وتسقط هذه الأعمال وتمنى بالفشل. والكتاب الذين ترتفع ~~أصواتهم غالبا ما تكون كتاباتهم بتوجيهات صادرة إليهم فيرتفع منهم ~~الصوت ليسمعوا من أصدر التعليمات؛ لأن هؤلاء المصدرين للتوصيات لا ~~يحسنون أن يسمعوا الفن؛ فصلتهم بالفن مقطوعة، وإلا فكيف يصدرون ~~الأوامر إلى الفنانين؟ # الشعر وحده هو الذي نستطيع أن نسمح له باللغة المباشرة والنغمة ~~العالية؛ لأن الشعر العربي يعتمد في تراثه على المدح والذم والغزل ~~والهجاء وغير ذلك من أبواب الشعر المعروفة، فحين يأتي الشعراء ~~المحدثون ويسيرون على نفس النهج الذي سار عليه الأوائل فلا جناح ~~عليهم، بل إننا قبلنا هذه النغمة المباشرة في المسرحيات الشعرية التي ~~قدمها شوقي ومن بعده عزيز أباظة، فحين يقول: # اسمع الشعب ديون # كيف يوحون إليه # ملأ الجو هتافا # بحياتي قاتليه # أثر البهتان فيه # وانطلى الزور عليه # يا له من ببغاء # عقله في أذنيه! # يقبل الناس منه هذا الكلام ويرددونه من بعده إلى اليوم. وحين يقول ~~عزيز أباظة في العباسية: # شعور الشعب يا جعف # ر حق لا هوى فيه # يحس الكره والبغض # فيجريه على فيه # يميز بوحي فطرته # عداه من محبيه # له من وعيه الساذ # ج مصباح فيهديه # نقبل منه هذا الكلام ونردده من ورائه. # وحين يرتفع صوت الشرقاوي في رواياته يقبل منه الناس هذا الصوت ~~المرتفع في مسرحياته؛ الفتى مهران، ووطني عكا، والنسر الأحمر، وغيرها، ~~وينظرون إلى مسرحه في تقدير. # والواقع أن الشعر الحديث في المسرحية يقع في المكان الذي خلق له؛ ~~لأنه يضفي على الحوار نوعا من الموسيقى والجرس، مع تحرر الشاعر من ~~القافية، وإطلاق يديه في تنويع الحوار، والسير إلى حيث تبتغي ~~المشاهد والمواقف. # ولهذا لم يكن عجيبا أن تنجح مسرحيات الشرقاوي، ويتخلج الشعر ~~الحديث على الطريق ولا يستطيع أن يبلغ من نفوس الناس ما بلغه ~~الشعر. # وعودا إلى الصوت المرتفع. ms50 أعتقد أن القراء أنفسهم يحبون في ~~العمل الفني أن يصلوا إلى خوافي معانيه بشيء من الجهد يبذلونه مع ~~الكاتب، حتى إذا أغناهم الكاتب الروائي أو القاص عن هذا الجهد ~~انصرفوا عن العمل جميعا في غير احتفاء ولا تقدير. # | قردة # يأتي على القرد لحظات يخيل إليه أنه أصبح إنسانا أو قريبا من ~~الإنسان. وتعاود هذه الحالة بالذات القردة المعروضة في حدائق ~~الحيوان؛ ذلك أن الأطفال وأحيانا الكبار يتحلقون حولها، ويلقون ~~إليها بأصابع الموز إن أرادوا إكرامها، وبحبات الفول إن أرادوا أن ~~يشهدوا حركاتها وهي تقشره وتأكله. # فإن زادت حلقات الناس خيل لبعض القرود أنهم أصبحوا على قدر من ~~الأهمية، فترى القرد منها يشيح عن الإنسان الذي أكرمه، ويصرف عنه ~~وجهه واهتمامه، واهما أنه أصبح أعظم منه شأنا وأرفع منزلة. # وترى القرد منها يتقافز على أعراف الشجر الصناعية وينط على أسياخ ~~الحديد، فإذا هو في أعلاها، وحينئذ يخيل إليه أنه أصبح أعلى قامة ~~من الإنسان. ولو لم يكن قردا لأدرك أنه مهما يتقافز ينط فسيظل ~~قردا، ويظل الإنسان إنسانا، كما يظل أيضا النجم نجما والقمر ~~قمرا. # وفي عالم الأدب نجد شاشة التليفزيون قد جعلت بعض القرود يظنون ~~أنفسهم آدميين. ولو راغوا إلى أنفسهم من أعين الناس ومن عقولهم لأدركوا ~~أن الناس لا تراهم إلا قردة مهما يتقافزوا وينطوا، ولكنهم هم يرون ~~أنفسهم من داخل أنفسهم ومن عيون ذواتهم، ولكم تخادع نفسها النفس، ~~ولكم تكذب العين صاحبها فتوهمه أنه أصبح شيئا وما هو بشيء، وأنه ~~يستطيع أن يصدر الأحكام ويقسم الأقسام، وهو هو نفسه لا يجوز أن يكون ~~موضوع حكم؛ لأن الحكم لا يكون إلا على موجود وهو غير موجود، والأقسام ~~لا تكون إلا بين كيانات قائمة وهو لا كيان له وكينونة. # الناس تراهم داخل آلة التليفزيون قردة داخل أقفاص. ولن يجديهم ~~شيئا صوت كمواء القطط، كما لن يجديهم شيئا تصنع في النطق ~~وتمشيط لشعر الرأس وترجيل للحواجب وحركات للأيدي مرسومة في تكلف ~~بغيض وفتح للفم وإقفال له بمسطرة وبرجل ومنقلة، ولو دروا ms51 أنهم بهذا ~~يقتربون إلى عالم القردة أكثر مما يقتربون إلى عالم الإنسان لكفوا، ~~ولكن من أين لهم أن يدروا؟ # أغلب الأمر أن القارئ الآن سيقول ألغزت فأفصح، ولكن المؤكد أن ~~أغلب القراء من مشاهدي التليفزيون سيقولون أفصحت فاستر. وعهد علي ~~لهم ألا أزيد الأمر إبهاما أو إيضاحا؛ فالقردة لا يقال عنها إلا ~~قردة، والقرد لا يسمى. وإن كان له اسم فإني أربأ بقلمي أن يجمع من ~~حروفه اسما. # ولكن كل ما أستطيع أن أقوله: حسبنا الله ونعم الوكيل. # | طويل ولكن! # حين يأذن الله لي بسفر إلى الخارج لا أتوقع في نفسي شيئا لا من ~~الناس ولا من المكان. ولا أحب أن أرسم ما قد تستقبلني به الدول التي ~~سأزورها، فلا أنا أتصور الفندق ولا أنا أحب أن أتخيل الأشخاص، ~~وإنما أترك البلدة التي أضع بها حقائبي تطالعني هي بجديد منها في كل ~~خطوة أخطوها. # وليكن هذا الجديد متمثلا في الناس وفي المكان، وفيما وهب لها الله ~~من جمال معالم، وفيما حرمها الله من نعم. # وبقدر ما كان هذا البياض الذي أفرضه على مخيلتي يجعلني ~~أتمتع بكل ما هو ممتع، كنت أفجع فجيعة مضاعفة فيما يواجهني مما ~~لا إمتاع فيه. # ورحلتي هذه التي التقيت فيها بذلك الفتى الطويل الهايف كانت إلى ~~دولة من أكبر الدول الغربية. ووجدت ذلك الطويل ضمن الذين يستقبلون ~~وفدنا، وعرفت أنه أحد الذين يمثلوننا تمثيلا ثقافيا أو صحفيا ~~أو شيئا من هذا القبيل. ولم أتبين مقدار هذه الهيافة في الفتى إلا ~~حين بدأ يتكلم. # ولم يتكلم طويلا؛ فما هي إلا جمل قليلة حتى وضح أمره واستبان، ~~ورددت في نفسي ذلك العنوان الذي صدرت به هذه الصورة؛ فأنا بحكم ~~الطول الذي وهبه الله لي أحس ضعفا نحو الطوال، وأرجو إذا تعرفت ~~بجديد منهم أن يقول خيرا إذا قال، أو يصمت فلا يقول شيئا، فيصبح طوله ~~ستارا جميلا يخفي الفراغ الذي بداخله؛ فإن السذاجة التي يرمي بها ~~الناس من كان طويلا تجعلني دائما حريصا ألا تجد مؤيدا عمليا لها ms52 ~~من بين إخواني من الطوال. # ولهذا لم يكن عجيبا أن أفجع في هذا الفتى حين تكلم؛ فقد ~~لقينا بالتحية التي يقدمها أي إنسان لقادم عليه من بلاده. حتى ~~إذا استقر بنا المكان وتكلم بدأت دهشتي تتصاعد مع كل كلمة ~~يضيفها إلى الفراغ الذي يبين عنه حديثه. # ثم قال عجبا. لقد كان لي من أقاربه زميل لولاه ما عرفت اسم ~~أسرته. وقد عرفت من هذا الزميل أن أسرته ذات مكانة في قريتهم، ~~ولكن هذه المكانة لم تصل بها أن يصبح العمدة منهم؛ فهي أسرة ميسورة ~~الحال في حدود ضيقة يمكنها مالها أن تستر ماء وجهها؛ فهي تستطيع أن ~~تعيش دون أن تمد يدها لطلب عون، ولكنها أيضا لا تستطيع أن تمد ~~يدها لتهب عونا. # دخل أحد أبنائها كلية البوليس، وتقطعت به الأنفاس حتى أصبح ~~مأمورا في مديرية بها أسرة كبيرة العدد منتشرة في إقليمها وغير ~~إقليمها. # ويأتي الفتى الهايف إلى جواري يبالغ في تحيتي وينبسط به الحديث ~~فيقول إن قريبهم المأمور حين ذهب إلى المديرية التي تقيم بها هذه ~~العائلة استدعى كبيرها وقال له أنا لا أخاف عائلتكم، وإذا لم تسيروا ~~كما أريد فلن أؤدبكم بالوسائل البوليسية، وإنما سأطلب رجالي من ~~المجرمين في عزبتي وأجعلهم يضربونكم. ويزداد الفتى الهايف تبسطا ~~فيقول إن هذا الكبير خاف وارتعش وأذعن وسار طوع أمر المأمور ~~البطل. # فهمنا طبعا أن الكلام يرويه الفتى الهايف عن أيام الثلاثينيات. ~~ويفترض أننا سنصدقه. وليس يعنيني من أمر هذه الحكاية إلا التفاهة ~~التي بلغها هذا الأستاذ وهو يتشدق بهذا الحديث في سبعينيات القرن ~~العشرين. # ليس يعنيني ما يقوله الفتى في ذاته، وإنما أن يتشدق رجل ملء هدومه ~~يعيش في بلد من أعظم بلدان الغرب منذ سنوات، ويرى الحضارة وهي ترقى ~~إلى القمر، ويظل الفخر عنده بإجرام أسرته وقوتها؛ فهذا أمر يجعل ~~الإنسان حائرا مع البشر. إذا لم يتفاخر هذا الفتى الذي تفترض فيه ~~الثقافة والتحضر الإنساني بالعلم أو الفن أو الخلق فمن يتفاخر به؟ ~~كيف يعيش في هذا القرن الباذخ ms53 العلم الشاهق الحضارة؟! فمتى حصل على ~~شهادة تعليمه العالي وعاصر هذا العلم وتلك الحضارة في أرقى منابعها، ~~ثم يتفاخر بالإجرام بلغة جاهلية قضى عليها الإسلام منذ أربعة عشر ~~قرنا؟! # فالبشرية إذن عند هؤلاء جامدة متحجرة لا تتطور ولا تنمو مع العصر، ~~ونحن إذن قوم نعالن العالم أن حضارته وثقافته لم تصل بعد إلى أغوار ~~نفوسنا، وأن فينا - لا نزال - هذه البداوة الجاهلية، وأننا حتى نختلق ~~أحداث الإجرام لنضفي بها على أنفسنا وأسراتنا الجلال والهيبة. وبدل ~~أن نبحث لهذه الأسرات عن أثر في الفن أو الحياة العامة أو الوطنية أو ~~الأخلاق الرفيعة أو المثل العليا نختلق لها الفخر من أحقر ما ينبغي ~~أن ينتسب إليه الإنسان. وهل هناك أحقر من الإجرام؟ # ليكن هذا الفتى نفاجا أو فشوشا، وهو الأحمق كما يقول القاموس، ~~ولينسج لأسرته من الأمجاد ما شاء، ولكن أن يختار الإجرام بدلا من ~~الفضيلة في القرن العشرين فوا ضيعة الحضارة إذن! لو كان جاهلا بعيدا ~~عن الحياة التي تطورت فتسنمت قمة التاريخ الحضاري لحاولنا أن ~~نجد له العذر، ولكن وهو خريج الجامعة، وهو من عاش في هذا البلد ~~المتحضر سنوات طوالا، فهيهات هيهات لنا أن نجد عذرا، بل هيهات ~~هيهات أن نختلق هذا العذر. # ثم هو غبي؛ فكل الذين كان يروي لهم أمجاد أسرته يعرفون الحقيقة، ~~فإذا كان يتبجح بها مع من يعرفونه فماذا هو فاعل إذن مع القوم الذين ~~يمثلنا عندهم؟ لا أستطيع أن أتصور. # ولكن لا بأس؛ فقد قرأت منذ قريب أنه رقي في وظيفته، فاطمأن ~~خاطري وهدأ جزعي؛ فقد سارت أمور فيما تعودت أن تسير فيه. وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل. # | الناس والملائكة # حين يرتفع الإنسان إلى مسابح السماء وتدف له أجنحة كأجنحة ~~الملائكة يحقق جانبا في الإنسانية أصبح معطلا غائبا عن ~~الحياة. # وقديما قيل إن الحيوان صنع من الشهوة، وإن الملائكة صيغت من الروح، ~~وإن الإنسان ركب من كليهما، فمن غلبت شهوته على روحه كان شرا ~~من الحيوان، ومن غلبت روحه على شهوته كان خيرا من الملائكة. ms54 # ومنذ عهد ليس قريبا اتهم أحد الضباط بأنه يتآمر على قلب نظام ~~الحكم وزج به إلى المعتقل دون محاكمة، وما لبث أن جاءه من ~~جاءه. ~~- اعتذر يفرج عنك في الحال. ~~- أعتذر عن ماذا؟ ~~- عما فعلت. ~~- فإذا كنت لم أفعل شيئا. ~~- اعتذر والسلام. ~~- إذا اعتذرت فقد اعترفت أنني صنعت شيئا. ~~- أنت تريد أن تبقى في السجن. ~~- أنا لا أريد أن أعتذر عن شيء لم أصنعه. ~~- حتى لو أدى ذلك إلى أن تبقى في السجن سنين لا تعرف لها ~~عددا. ~~- أن أبقى في السجن وأنا مرتاح الضمير خير من أن أكون خارج السجن ~~وقد صنعت شيئا لا يرتاح إليه ضميري. ~~- محاولة بطولة. ~~- بل محاولة شعور بالرضا عن النفس. إن نفسي إذا أغضبتها أصبح ~~عذابها لي أكبر من أي سجن أو قيد. إن نفسي هذه لا تتركني في الصباح ~~أو مساء، وستظل تنغص علي عيشي، فإرضاؤها عندي خير من تركي للسجن ~~ألف مرة. # ورفض الضابط أن يعتذر، وظل في المعتقل إلى أن فتحت جميع ~~المعتقلات. # ولو كان هذا الضابط صنع هذا فقط ما اهتممت بهذا الحديث عنه؛ فالذي ~~يرضي ضميره ليس ملاكا، وإنما هو إنسان يقارن بين حرية النفس والحرية ~~من القيود ويختار حرية النفس. # ولكن الذي وقع لهذا الضابط في السجن هو الذي جعلني أقدم ~~قصته. # مرت على السجين فترة فإذا هم يأتون له بزميل في السجن، وتقوم بينهما ~~صلة أقرب ما تكون بصلة الابن البار بالأب صاحب المثل ~~الرفيعة. # أما الابن فمهندس في بواكير عمره، وأما الأب فهو من عرفت. أما ~~التهمة التي دخل بها المهندس إلى السجن فليس لها أي أهمية؛ فقد لا تكون ~~هناك تهمة على الإطلاق. # أعجب الضابط بالمهندس وأحبه، وأحب المهندس الضابط حتى كان يوم ~~سمعا فيه أن المهندس أوشك على الخروج من السجن فتقدم المهندس إلى ~~الضابط. ~~- لقد عاشرتني وعرفتني كما يعرف الأب ابنه. ~~- وأحببتك أيضا كما يحب الأب ابنه. ~~- وإني أريد لهذه العلاقة أن تتوطد. ~~- ليس من سبيل؛ فليس هناك علاقة أوطد من علاقة الأب ms55 بابنه. ~~- إن لك ابنة وأريد أن أخطبها. ~~- لكم أحب ذلك! ~~- لقد عرفتها وعرفتني من زيارتها لك، وما أظنها ترفضني. ~~- اسمع. إن ابنتي في الجامعة. ~~- أعرف ذلك. ~~- إن أردت أن تقدم لي معروفا فاخطب ابنة أختي. ~~- أخطبها. ~~- إنها لا تعرف القراءة ولا الكتابة، ولن تجد شخصا يكرمها، فكن أنت ~~هذا الشخص. ~~- سأكونه. # وهنا ارتفع الإنسان إلى مسابح الملائكة. كلاهما كان عظيما؛ أما ~~الأب والخال فآثر مصلحة ابنة أخته على مصلحة ابنته، وفضل أن يخطب ~~الشاب الذي عرفه وأحبه وأعجب به، والذي يستطيع أن يطمئن على فلذة ~~كبده إذا هي عاشت في حماه، ابنة أخته وليس ابنته. وأما الشاب فقد قبل ~~في سبيل الصداقة والإعجاب بالمثل الرفيعة التي رآها في الضابط أن ~~يخطب فتاة كل ما يعرفه عنها أنها تجهل القراءة والكتابة وهو من هو ~~علما وثقافة. # وخرج المهندس من السجن وخطب ابنة أخت الضابط، ولم تنته ~~القصة. # بدأ المهندس يعلم الفتاة، ثم انتظمت في الدراسة، واليوم. # المهندس في بعثة في أمريكا والفتاة معه تعد نفسها لتنال الدكتوراه ~~في الأدب. # إن السماء دائما تحب الملائكة. # | حواديت # الحر شديد شديد، والحديث الجاد ثقيل على المتحدث والمستمع معا، ~~فما علي لو حكيت لك بضع حواديت، وما عليك لو أنك قرأت ما ~~أكتبه لك للتسلية ولإزجاء الوقت. # هاتان حكايتان من صنع الحياة، ولعلك تريد أن تسأل فلماذا لا ~~تصوغهما في قصتين وهذه بضاعتك؟ # يبدو أني لا أجد فيهما شيئا أستطيع أن أصوغ منه قصة. # فالحياة قد صاغت كلا منهما، ولم تترك لي مجالا لاجتهاد. # ثم أنا أخشى إذا صغتهما أو صغت واحدة منهما أن تسألني بطريقتك ~~المعهودة «ماذا تريد أن تقول بقصتك؟» وأنت محق؛ فإنه لا بد لي أن أريد ~~شيئا من قصتي، أما الحياة فإنها تؤلف كما تشاء، ولا يجرؤ أحد أن ~~يسألها ماذا تريدين؛ فهي غير حريصة على إرضائك، ولا على إرضاء أحد. وهي ~~ليست ملزمة أن تقدم لك حكمتها عن كل قصة تؤلفها؛ فللحياة ~~حكمتها الكلية الخالدة وليس يعنيها أن تكون كل ms56 حكاية صغيرة لها حكمة ~~قائمة بذاتها. # الحكاية الأولى: صداقة ساعات # عن صديقنا علي. كان منذ أيام في النادي وتعرف هناك بصديق ~~جديد هو خيري، وحدث بينهما هذا الشيء الذي يحدث كثيرا بلا معنى ~~ولا تبرير، أحس كل منهما أنه يعرف الآخر منذ سنوات، وفي ~~لحظات أصبحا صديقين حميمين. ~~- أين تسهر الليلة؟ ~~- عند عصام. ~~- الله! أنا الآخر مدعو عنده. ~~- نذهب معا. # وذهبا وظلا رفيقين طوال السهرة، وازدادت الصداقة بينهما قوة، ~~حتى قارب موعد الرحيل فقالت ربة البيت: إلهام ستأتي الآن. # وقال خيري لعلي. ~~- أظن أنه حان موعد قيامنا. # وقال علي: مستحيل، لا بد أبقى. ~~- لماذا؟ ~~- لأرى إلهام هذه. ~~- أتعرفها؟ ~~- دون أن أراها. ~~- كيف؟ ~~- إنها صديقة لصيقة لابن عمي. ~~- ماذا تقصد بصديقة لصيقة؟ ~~- أي معنى تريد أن تفهمه. ~~- ولكنها متزوجة. ~~- وتريد أن تترك زوجها لتتزوج ابن عمي المجنون بها، والذي ~~ينفق عليها عن جنون أيضا. ~~- هل أنت واثق؟ ~~- أقول لك إنه ابن عمي. # ومرت صاحبة البيت بالصديقين. ~~- علي. أريدك. # وقام إليها وهمست: ماذا تقول لخيري عن إلهام؟ ~~- حكايات. ~~- سمعتك تتكلم عن إلهام. ~~- من ضمن الحكايات. ~~- ماذا قلت له؟ ~~- أروي له عن حكايتها مع شريف ابن عمي. ~~- نهارك أسود. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه هو زوجها، وهما مختلفان في هذه الأيام. ~~- ماذا؟ ~~- ما سمعت. ~~- أين باب الخروج؟ # وهكذا لا تستغرق الصداقة الجديدة أكثر من ساعات في حياة ~~الصديقين، أي حكمة في هذا لا أدري. أستطيع طبعا أن أستخرج لك ~~بعض حكم سخيفة، لا تتحدث عن النساء إذا كنت لا تعرف من تتحدث ~~إليه معرفة وثيقة، أو حكمة أخرى أكثر سخافة؛ لا تتعجل بالصداقة ~~أو ما شئت، ولكن المؤكد أن الحياة تقصد إلى أي حكمة تريد أن ~~تسمعها، أو أحاول أنا أن أفتعلها افتعالا. # الحكاية الثانية: الزواج والقدر # لعلني لم أعرف في حياتي شخصا أحب زوجته قدر ما كان عبد ~~الحميد يحب زوجته؛ فقد كان دائم الفخر بها والإكرام لها. وكان ~~سعيدا أنها تفصل له قمصانه، وأنها أيضا تعاونه على العيش ~~والتدبير. وكان يرى فيها الجمال الذي ms57 لا يراه في أحد ~~سواها. # ولم يكن عبد الحميد ساذجا ولا عبيطا. وإنما مارس الحياة ~~ومارسته وعرف فيما قبل الزواج كل ما يعرفه الشباب قبل الزواج من ~~لهو ومتعة، بل ولعله بالغ بعض الشيء في لهوه ومتعته. وحتى إذا ~~تزوج أصبح لا يعرف غير زوجته وعمله والصلاة والصوم والعبادة ~~أعمق ما تكون العبادة. # وكنا حين نلتقي بعبد الحميد نصبح على ثقة أن الحديث لن ينقضي أو ~~يأتي بذكر زوجته مرتين أو ثلاثا على الأقل. ولما كان يكبرنا في ~~السن فقد كنا نخجل أن نعلق على حديثه هذا بغير ما يحب. # حتى كان يوم سمعنا فيه عجبا. لم تكن زوجة عبد الحميد أهلا ~~لهذا الحب وهذا الوفاء. # وقد اكتشف هو الحقيقة المروعة ولكنه ظل ثابتا كالطود يجد في ~~صلاته وصيامه ملاذه الذي يلوذ به من النكبة النكباء التي تزلزل ~~الجبال الشم. # كانت زوجته في ريعان العمر، ولم يكن هو يسبقها في العمر بسنوات ~~كثيرة، فكان عدم وفائها لا تبرير له إلا أنها نوع من النساء لا ~~يعرف كيف يكون وفيا. طلق زوجته ومشت الحياة. # وعرفت سيدة فاضلة تصلح زوجة لعبد الحميد، إلا أنني أخشى أن ~~أتدخل في مثل هذه الأمور؛ فإن الصلة بين الزوج وزوجته صلة لا ~~مثيل لها في الصلات، وأخشى أن تكثر بينهما المشاجرات فيلعنني ~~كل منهما في كل مشاجرة، وأنا لا أحب أن ألعن بغير ~~مناسبة. # إلا أنني استخرت الله وقلت أقوم بالتجربة. # عرضت الأمر على عبد الحميد فرحب، وعرضت الأمر على السيدة ~~وأهلها فقالوا لا بد للعريس أن يعلم أنها لا تنجب؛ فقد تزوجت ~~من قبل ولم تنجب. # سألته فقال: وأنا أيضا تزوجت من قبل ولم أنجب، ولا حاجة ~~بي إلى الإنجاب. وتزوجا منذ خمسة وعشرين عاما. وقبل أن ينقضي ~~العام الأول جاءني عبد الحميد: لن تصدق! ~~- ماذا؟ ~~- زوجتي. ~~- ما لها؟ ~~- حامل. ~~- غير معقول. ~~- تلك إرادة الله. ~~- أجاد أنت؟ ~~- تلك إرادة الله. # ثم أنجبت فتاة أسمياها اسما حبيبا إلي وكأنهما أرادا أن ~~يشيرا إلى أنهما يلعنانني كثيرا، ms58 والفتاة الآن في السنوات ~~الأخيرة من الجامعة. # ولكن الحكاية لم تنته بعد. # لم يمر على زواج عبد الحميد عام وبعض عام حتى جاءني: لن ~~تصدق! ~~- ماذا؟ ~~- زوجتي الأولى. ~~- ما لها؟ ~~- ماتت. ~~- كيف؟ ~~- مسكينة. ماتت لأن زوجها رفض أن يأتي لها بطبيب. ~~- زوجها! ~~- نعم؛ فقد تزوجت الفتى الذي كانت تعرفه. ~~- إذن. ~~- مسكينة. يرحمها الله. # وانحدرت من عينه دمعتان؛ فهو وفي غاية الوفاء حتى لمن لم يف ~~له. في هذه الحكاية انقلبت الحياة إلى قصاص ميلودرامي، الحكمة ~~عنده يقولها بصوت جهير حتى لا تحتاج مني إلى توضيح. ومع ذلك لو ~~كنت أنا الذي ألفت هذه القصة لما نجوت منك، ولظللت تقول ما ~~لهذا الكاتب أصبح ساذجا لا يعرف حتى كيف يروي قصته في فنية أو بعض ~~إتقان؛ لهذا تركت الحياة تقدمها إليك لم أتدخل أنا، وهل ترى ~~أني أستطيع أن أتدخل؟ # | حواديت # كل سلام عندهم حرب # أعرفهم. وشاء قدري أن أعرف خبيء حياتهم. وجميعهم يدين بغير ~~الله، ويصرف ولاءه لغير الوطن. ولكل منهم متجه في الحياة ~~ومنحى. ولكل منهم نحلة أو مهنة تختلف عن مهنة الآخر أو ~~نحلته. ولست أدري كيف تتابعوا إلى ذهني يشد كل منهم الآخر ~~إلى تفكيري، ويقف أمامي فأرى عجبا. # وأنا اليوم أحاول أن أقدم بين يديك هذا العجب، فلا أدري ~~أأذكره بادئا أم أذكره منتهيا، أم لا أذكره مطلقا، وأتركك ~~تصل إليه وحدك وأنا واثق أنك بهذا خليق. # ولكن هذه الصورة التي لا أدري ما الذي جعلني أحاول أن أرسمها لك ~~نوع من الكتابة يجمع بعض ملامح القصة وبعض ملامح من المقالة. وإذا ~~أنا قدمت لك هذه الصور التي أريد أن أقدمها لك اليوم، ولم ~~أكشف لك عما جعلها تتتابع إلى ذهني ممسكا بعضها برقاب بعض، أكون ~~قد جنحت بقلمي إلى الشكل القصصي الذي يشير ولا يصرح، ويومض ~~ولا يكشف، ويهمس في خفاء ولا يجاهر في علن. # وأنا أحب - ولا أدري لماذا - أن أحتفظ لهذه الصور بطابعها هذا ~~الذي لا يجعل منها قصة ولا يجعل منها مقالة. ms59 دعني أعرض عليك هذه ~~الأشكال. ~~• # أما الأول فقد كان جده ~~يعمل في بيت، وكان أهل البيت يعتبرونه واحدا منهم، حتى إن الأبناء ~~كانوا لا ينادونه باسمه إلا إذا سبقوه بكلمة عم. وظل هذا حالهم ~~وحاله حتى كبر الأبناء وتزوجوا فكانوا يزدادون له احتراما ~~وتوقيرا كلما مرت بهم السنون وعلت بهم السن. # وقد لقي هذا الجد ربه بعد أن أصبح ابنه موظفا بالحكومة ~~بشهادة متوسطة. واستطاع هذا الأب بجهد جهيد وكفاح مرير أن ~~يعلم ابنه موضوع هذه الصورة، فتخرج في كلية. # مسكين هذا الفتى. لقد شب في زمن الحقد فهو ينظر إلى ماضي ~~أسرته في فزع وفرق وإشفاق، ويخشى أن يعلم الناس حقيقة هذا ~~الماضي. والمجنون لا يعرف أن الناس تعرف هذا الذي يخشاه، وأنهم ~~يقدرون جده أكثر مما يقدرون أباه، وأنهم يحتقرونه هو مع أنه ~~يحمل هذه الشهادة التي حصل عليها؛ فقد كان أبوه وأسرته جميعا ~~قوما شرفاء يحبهم الناس ويقدرونهم لأنهم عاملوا ربهم في ~~تخشع المسلم الصادق، وعاملوا الناس في ود وإيناس يسعون لهم ~~ويسعون بينهم بالخير والحب والصفاء؛ فجده وأخو جده كانا في ~~زمانهما صفحة مضيئة مشرقة من صفحات الحياة، يراهما الناس فيحمدون ~~الله أن بينهم مثل هؤلاء القوم الأتقياء والأنقياء. وليس يعني ~~الناس في كثير أو قليل بهذه الشهادة التي يحملها هذا الغر ما ~~دامت شهادته لم تستطع أن تجعل نفسه شفيفة، ولا استطاعت أن تجعل في ~~قلبه حبا. # مسكين هذا الفتى يأكله الحقد فتشتعل النار في نفسه، ولكنها ~~نار لا تأكل إلا صاحبها؛ لأن صاحبها أهون كثيرا من أن تحس به ~~الحياة. # هو ملحد، ولكن إلحاده يغريه وحده كما يغري الضياع صاحبه، فإذا ~~كانت الأرض لا تحس به أو بإلحاده فكيف بالسماء. # كل حسن في عينيه قبح، وكل سلام في نفسه حرب. وكل الدنيا في ~~عينيه قاتمة كنفسه، كئيبة كإلحاده لا دفء فيها ولا إيناس. ومن ~~أين وهو غريب أشد الغربة عن أهله وهم أهله، وعن وطنه وهو وطنه، ~~وقبل كل هؤلاء عن دينه وهو دينه؟ ms60 # مسكين هذا الفتى. اختلت موازين الحياة في نفسه وانقلبت؛ لأنه ~~يظن أنه ينتسب إلى جد وأسرة لا تشرفانه، وهو في هذا حقير ~~ساقط الرأي. ولأن أسرته تراه أنه ملحد ويأبون أن تمس أيديهم ~~يد الإلحاد فيه، كما يأبون أن يمدوا حياته بدفء الأقارب وحب ~~الأهل وهم في هذا محقون. # من هذا التناقض نبت في نفس الفتى سرطان الشيوعية. ~~• # وفي صورة أخرى بعيدة ~~في جذورها كل البعد عن هذه الصورة قريبة منها في حقيقتها. # كان أبوه ثريا غاية الثراء، وبقدر ثرائه كانت سخافته وتفاهة ~~تفكيره. وكان رحمة الله عليه جاهلا كل الجهل. والجهل في اللغة له ~~معان كثيرة؛ المعنى المعروف الذي يجعل صاحبه حيوانا أعجم لا يفهم ~~عن أحد ولا يفهم أحد عنه. لا يقرأ في الكتب ولا يقرأ في الحياة ~~فهو جاهل. وهناك معنى آخر كانت تستعمله العرب فيقال جهل فلان ~~على فلان؛ أي أساء إليه وتهجم عليه. ويقول عمرو بن كلثوم في ~~معلقته: # ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # وأب هذه الصورة فيه من الجهل معنيان، بل ربما كانت فيه معاني ~~الجهل كلها إذا كانت له معان أخرى. # والرجل في البيت المصري هو رب الأسرة وقيمها ومثلها الأعلى، ~~فحين شب صاحب الصورة عن سن الطفولة وبدأ لقاءه بالصبا والشباب وجد ~~هذا الأب التافه الجاهل وقد اجتمع عليه أيضا البخل. والبخل عند ~~الفقير مسبة ولكنه عند الغني كارثة. وكثيرا ما يختلط البخل ~~بالخسة والدناءة فيصبح البخيل بين الناس أهزوءة، ويصبح بين ~~أهله مسخرة. # وحين يصبح عماد البيت مسخرة فليس غريبا أن يصبح صاحب ~~الصورة شيوعيا. ~~• # أما الصورة الثالثة فهي ~~عن أب هذه الصورة أيضا. وقد كان هذا الرجل جديرا بأن يكون موضع ~~احترام وتوقير، ولكن شاء الله فجعل منه موضع احتقار وامتهان. ~~وأكمل هو أسباب احتقاره فسرق شركة كبرى كان يرأسها، وشب الفتى ~~وأبوه في سجنين من الحديد والاحتقار معا. # وكان من الطبيعي أن يصبح الابن رافضا للمجتمع كله الذي ~~امتهن أباه واحتقره، وما دام المجتمع قد ms61 فعل فهو يرفض الله وهو ~~شيوعي. ~~• # أما الرابع فهو ملحد ~~بسبب آية كريمة تخاطب الإنسان وتقول له: إن الله خلقه فسواه ~~فعدله. ولكن صاحب الصورة يعتقد أن الله خلقه فقط وما سواه ولا ~~عدله. وهو يصدر في ذلك عن غباء مطلق؛ فالله سبحانه وتعالى حين ~~يقول هذا للإنسان إنما يريد - عزت مشيئته - أن يميز الإنسان ~~عن الحيوان. أما إذا كان الإنسان قبيح الوجه مشوه القوام غير ~~معتدل القامة غير متناسق الأطراف فهو لا يخرجه بذلك عن الإنسان ~~الذي ينتسب إليه، وإنما هو امتحان من الله سبحانه وتعالى الذي ~~قال: # ولنبلونكم ~~. وفي هذا ~~الاختبار يكرم الله سبحانه عبده ويتيح له أن يقترب منه بروحه ~~إذا كانت سليمة ولم يسمح لها صاحبها أن تلتوي بالتواء ظاهره. ~~وحين يصل الإنسان، هذا الإنسان إلى ربه يجد نفسه أجمل الناس ~~جميعا؛ فالذي يعرف الطريق إلى السماء تصبح الأرض عند كبريائه ~~هينة لا تساوي أن يقيم لها وزنا، ولكن صاحب الصورة شوه داخل ~~نفسه أكثر مما شوهته الطبيعة فحقد، وألحد. # وما دام قد حقد وألحد فما بغريب عليه أن يكون ~~شيوعيا. # والصورة شتى ولكن المرآة ازدحمت، ولكنني ما ~~زلت أعجب كيف جرت كل صورة من هذه الصور الصورة الأخرى. ويزداد ~~عجبي أنني كلما ذكرت شيوعيا وجدت هذه البؤرة العفنة من الحقد ~~رسبت في أصله، أو ثبتت في نفسه، أو تجلت في سحنته. سمة واحدة ~~لا يخطئها البصر ولا تغيب عن البصيرة. # هل هي خيال؟ # اللؤلؤ والذرة # فكرة راحت تلح على ذهني في إصرار. أقاومها فتعود إليه ~~أشد عنفا وإيغالا ولمعانا. أما لماذا تلح فأمر لا ~~أدريه، ولا أستطيع النفاذ إلى أسبابه ودوافعه. # أما لماذا أقاومها فأنا أعرف السبب. إنها فكرة بعيدة كل البعد ~~عن الواقع. تأباها الحقيقة وتأباها طبيعة الأمور كما ترفضها ~~الحياة؛ لأن العناصر التي تكونها شخوص وأشياء، هيهات لها أن ~~توجد منفردة؛ ومن ثم فهيهات لها ثم هيهات أن تجتمع لتكون ~~الصورة التي تريد أن تتشكل بها في رأسي وعلى قلمي. # وأنا لست كاتبا ms62 عفويا أقبل أي شيء على ذهني. ولست أيضا ~~متسرعا أنشط إلى الكتابة بمجرد أن تلوح في خاطري أطياف فكرة، ~~وإنما أصر على ألا أمسك القلم إلا بعد أن أنعم النظر في هذه ~~الومضة التي يعرفها الكتاب، وأمعن التفكير في أعماقها ~~وأبعادها. # وأنا أيضا لا أرغم القلم على الكتابة كما لا أرغم الفكرة أن ~~تتشكل في إطار أفرضه عليها، وإنما أترك الفكرة نفسها تشكل ~~هذا الإطار وتختاره في حرية كاملة من داخلها هي؛ فأنا من الذين ~~يؤمنون أنه لا أحزاب في الأدب. وكم أضحك من تصنيف النقاد لكتاب ~~حين يقولون إن هذا الكاتب رومانسي وذاك كلاسيكي وذاك واقعي وآخر ~~رمزي. إنما الكاتب هو كل هؤلاء. # فليست هذه المذاهب أحزابا ولا آراء مبدئية يتحتم على من ~~يعتنق مبدأ منها أن يكون عدوا للمبدأ الآخر. # ألست تراني أحاول ما وسعني الجهد أن أروغ من هذه الفكرة ~~التي ما تزال تلح علي والتي ما زلت أحاول أن أقصيها ~~عني. # ولكن متى استطاع الإنسان أن يهرب من قدره أو يروغ مما تفرضه ~~عليه مشاعره؟ # أتصور أن شخصا ما يملك حمارا يحبه ويريد أن يهيئ له كل ~~وسائل الراحة، فهو يعين له شخصا خاصا لا عمل له إلا أن يقوم ~~بشأن الحمار. # وأتصور أن صاحب الحمار عنده أكوام من اللؤلؤ يكيلها كيلا ولا ~~يعدها عدا. وأتصور أن الفتى الذي يقوم بشأن الحمار لا يعرف ~~الفرق بين الذرة وبين اللؤلؤ - فهو يكتال اللؤلؤ ويضعه أمام ~~الحمار لأنه يظنه ذرة. والحمار لا يأكل اللؤلؤ ولا يقبل طعمته ~~ولكنه ما دام قد رآه أمامه فهو يمضغه فيطحنه ولكنه لا يبتلعه ~~وإنما يبصقه. # ولكن اللؤلؤ مع ذلك يأبى أن يترك الحمار؛ فلا بد أن كميات منه ~~وفيرة بقدر سعة الفم عند الحمار قد ذهبت إلى معدة ~~الحمار. # وما دامت معدة الحمار تستقبل شيئا لم يكن من المفروض أن تستقبله ~~فمن الطبيعي أن يموت الحمار. # أرأيت؟ هي خيال كلها. كلها خيال ولكنها مع ذلك تلح ~~علي. # المخطئ لا شك هو ذلك ms63 الرجل الذي يملك الحمار، والذي استأجر له ~~الفتى، والذي ترك اللؤلؤ يلهو به من لا يعرف قيمته. # وقد دفع صاحب اللؤلؤ والحمار ومستأجر الفتى الثمن، ففقد اللؤلؤ ~~وفقد الحمار، ولكن هل هذا هو كل ما يخسره. # المؤكد أن الذين يبيعون اللؤلؤ سيرفضون كل الرفض أن يتعاملوا ~~مع هذا الرجل؛ لأن الذين يبيعون اللؤلؤ لا يهمهم أن يبيعوه، ~~وإنما يهمهم أولا وقبل كل شيء أن يفهم مشتريه قيمته. أما إذا ~~كانت الذرة عنده تستوي مع اللؤلؤ فهو لا يستحق أن يملك لؤلؤة ~~واحدة، بل هو حتى لا يستحق أن يرى اللؤلؤ، فليس هناك أي معنى أن ~~يرى شخص ما شيئا لا يعرف قيمته. # تصورت هذا جميعه. وتصورت لماذا تختفي اللآلئ في كثير من ~~الأحيان ويعتز بها أصحابها أن يعرضوها خشية أن تصادف في سوق ~~الجواهر أشخاصا كأصحاب الحمار، أو تشتريها الحمير أنفسها في غفلة ~~خلط فيها بين اللؤلؤ وحبات الذرة. # خطاب في موعد # هي فتاة في ريق العمر ونضرته، وكان فتاها شابا يعمل في مطبعة، ~~وكان يكسب ما يقوم بشأن بيته. وتم بينهما الزواج ومشى بهما العمر ~~رضيا هانئا تلك الهناءة التي تخلو من الأحداث الكبرى، ولا تخلو ~~من الخلافات الصغيرة التي تنشأ بين زوجين في أول حياتهما الزوجية، ~~فالزوج ذو عادات وتربية خاصة، والزوجة لها بداوتها وتربيتها ~~الخاصة. وحين تصطدم التربية بالتربية والنشأة الغريبة بالنشأة ~~الغريبة لا بد أن تنشب هذه الخلافات الصغيرة. وربما كانت الحياة ~~تحلو بهذه الخلافات؛ فهي آخر الأمر لرباط الزوجية، أقدس ما خلق ~~الله من صلة ومن عقود. # وأنجبت الزوجة الشابة ولدين، ولكن حدث أمر ليس بعجيب ولا ~~شاذ. وقد يسأل سائل ففيم اهتمامك به وكتابتك عنه وإنك تعلم أنه ليس ~~بعجيب ولا شاذ. # وربما راق لي أن أجيب على هذا التساؤل؛ فالواقع أن الكاتب يكتب ~~وهو لا يعرف لماذا يكتب، وإنما كل الذي يدريه أن شيئا ما لا يدري ~~مأتاه هزه هزا عنيفا، ودفع به إلى الكتابة. وليس يعنيه في ~~شيء أن يكون هذا الذي ms64 يكتبه جديدا على الناس أم قديما. # وقال عنترة قبل ظهور الإسلام وفي غروب الجاهلية «هل غادر الشعراء ~~من متردم» فوحقك ليس بين الناس من جديد؛ فالشر قديم قدم ~~قابيل وهابيل، والخير قديم قدم آدم ومن أعقبه من أنبياء. # كان جار الزوجين شابا في مقتبل العمر ينتمي إلى أسرة عريضة ~~شهيرة بين الناس. وكان للشاب سيارة وضيئة وابتسامة آسرة. وأهم من ~~هاتين كانت له سمعة أنه ثري، وأنه يحب أن ينفق من ثرائه ~~هذا. # ولم تهتم الزوجة أن هذا الشاب جاهل لم يكمل تعليمه. وكان من ~~الغباء بحيث لا تستطيع أن تستبين غباءه. # بالغ الفتى في إظهاره محاسن سيارته. وبالغ أيضا في إطلاق ~~ابتسامته على قلب الزوجة، وترك سمعة ثرائه تنساب إليها من سيل ~~جارف، حتى إذا أيقن أنه وقع من نفسها حيث يريد أن يقع بدأ ~~حديثه. # ولم يكن هذا التخطيط عن ذكاء - لا قدر الله - وإنما هو مران ~~تعود به أن يصاحب الفتيات. وفيم ينشغل الجاهل الجميل إلا ~~بالنساء؟ # وقد تجد بين الناس أغبياء وإنما يتقنون من حياتهم جانبا ~~واحدا. وهم في هذا الجانب الذي يتقنون يصبحون أعلاما ~~متمرسين، حتى ليبدو الفرد منهم كأنه ذكي شديد الذكاء. # أشار إليها فرفضت، فألح فامتنعت، فأغراها بنزهة بريئة ~~بالسيارة فتمنعت تمنع الراغبات. وأدرك الفتى بخبرته أنها ~~أصبحت من أولئك الراغبات فأعاد الإلحاح. # فقبلت ونزلت إلى السيارة. ~~- أتعرفين كم أحبك؟ ~~- إنني متزوجة. ~~- أعلم. ~~- وأم لطفلين. ~~- وأعلم. ~~- فما إصرارك هذا؟ ~~- وهل للحب أسباب؟ ~~- أنت غني وجميل. ~~- أرأيتني جميلا؟ ~~- وأنت تعلم. ~~- إذن. ~~- تستطيع أن تجد غيري كثيرات. ~~- ولكني أريدك أنت. ~~- وماذا تريد لعلاقتنا هذه؟ ~~- ما تريدين أنت؟ ~~- أنا لا أعرف إلا الزواج. ~~- فليكن ما تريدين. ~~- كيف؟ ~~- تتركين زوجك. ~~- هل هذا معقول؟ ~~- وكيف يمكن أن يتم زواجي؟ ~~- لا يمكن. ~~- لم تقتنع في النزهة الأولى بالسيارة، ولكنها في الثانية ~~والثالثة والعاشرة اقتنعت. # وحين تريد الزوجة أن تترك زوجها لا يمنعها شيء، خاصة إذا كان ~~الزوج شريفا، ولا يقبل أن يعيش مع زوجة لا تحبه. # طلقت الزوجة من ms65 زوجها، وتركت طفليها له، ومكثت شهور العدة ~~في بيت أبيها، ثم تزوجت السيارة والابتسامة الآسرة. # كانت قد ورثت عن أمها نصف بيت فباعته؛ فهي لم تعد في حاجة ~~إلى رأس المال يؤمن حياتها فليس بعد غنى زوجها أمان. وهي تريد ~~ثمن نصف البيت هذا لتشعر أنها غنية أيضا. # وكان أبوها رجلا في أخريات عمره يعيش مما يتقاضاه من ~~معاش. # ويبدو أن الأب لم يكن راضيا عن تصرف ابنته، ويبدو أن الموت قد ~~حلا له أن يختطفه دون إبداء أسباب؛ فالموت غير محتاج إلى تقديم ~~أسباب. # وأصبحت الزوجة القديمة الجديدة ولا عائل لها إلا زوجها. # وما هي إلا شهور قلائل حتى اتضحت الأمور جميعا. الابتسامة ~~تكشير عن أنياب وليست ابتسامة؛ فالفتى ذو الأصل العريض كثير الشجار ~~كثير المطالب لا يرضيه شيء. # والسيارة كانت آخر ما يملك، وكان لا بد أن يبيعها فهو لم يعد ~~لديه ما ينفقه عليها، بل لم يعد لديه ما ينفقه إلا ~~ثمنها. ~~- ومن أين ستعيش بعد ذلك؟ ~~- سأسافر إلى السعودية. ~~- وإن لم تسافر؟ ~~- المسائل منتهية. # وأنفق ثمن السيارة، ولم يبق شيء إلا ثمن نصف البيت ينفقان ~~منه، وأوشك هذا المال أيضا أن ينفد. # ولكن مشروع السفر إلى السعودية اكتمل، فاشترى تذكرة السفر من مال ~~زوجته، واتفق معها أن يسافر ويرسل إليها ما يمكنها من اللحاق ~~به. # وفي الطريق إلى المطار. ~~- هل بقي معك شيء من النقود؟ ~~- خمسون جنيها. ~~- هاتها. ~~- وأنا كيف أعيش؟ ~~- في ظرف أسبوع سيكون عندك ما تشائين من مال. ~~- وماذا أعمل في هذا الأسبوع؟ ~~- ليس صعبا أن تدبري أمرك لمدة أسبوع. ~~- أمري إلى الله. # وأخذ الخمسين جنيها. # وبعد أسبوع فعلا وصل إليها خطاب من زوجها لم يكن به مال، وإنما ~~كان به ورقة طلاق. # وتسألني فيم أقص هذه القصة وهي في كل يوم على شاشة السينما، ~~ولكنني اليوم أنقلها إليك من الحياة لا من السينما. وأنا مع كل ~~ذلك لا أدري لماذا أحببت أن أقصها عليك. # الإنسان ودون كيشوت # في الرحلة من مدريد إلى الأندلس ms66 مررنا في أول المطاف بقرية ~~صغيرة نزلنا فيها بمقهى لا أقول أنيق وإنما هو ذو طابع خاص، وفي ~~صدر فنائه تمثال لدون كيشوت بطل الروائي الرائد سرفانتس. وعلى ~~لافتة بالمقهى تبين لنا أن هذه البلدة كان يعيش بها سرفانتس، ~~وأن أهلها يخلدونه بإطلاق اسم بطله على هذا المقهى الذي يقال ~~فيما يقال إن سرفانتس كان يعيش فيه. والعهدة في ذلك على ~~الراوي. # وقالت الدليلة التي تقود الرحلة إن رواية دون كيشوت من أعظم ~~الروايات العالمية. ثم ذكرت ما قاله بعض النقاد عنها، ولم يكن ما ~~قالته جديدا علي؛ فقد قيل إن رواية دون كيشوت يقرؤها الطفل ~~فيضحك ويقرؤها الشاب فيبتسم ويقرؤها الشيخ فيبكي. ولما كان الطريق ~~طويلا فقد لذ لي أن أفكر في هذا الذي قاله النقاد أو بعض ~~النقاد؛ فالنقاد أحيانا يطلقون أحكامهم مبهورين بصياغة أحكامهم ~~- دون أن يقدموا الحيثيات لهذه الأحكام - ويتركون لنا بعد ذلك أن ~~نفسر نحن ونبحث عن الحيثيات. # أما أن الطفل يضحك إذا قرأ دون كيشوت فهذا أمر طبيعي؛ فمواقف ~~دون كيشوت وخادمه تثير في ظاهرها الضحك كل الضحك، والطفل يأخذ من ~~الأمور ظواهرها، ولا شأن له بما وراء هذه الظواهر من معان متخفية. ~~وكم تمنينا حين امتد بنا العمر وشببنا عن طوق الطفولة إلى ريق ~~الشباب وحين دلفنا من نضرة الشباب إلى الكهولة لو ارتد بنا ~~العمر إلى هذه الأيام النضرة الساذجة من حياتنا أيام كنا نقرأ ~~الأعمال فإذا قراءتنا متعة خالصة؛ فلا نحن نبحث عن الهدف ولا عن ~~المضمون ولا نحن نستقصي ما أراد الكاتب وما لم يرد، وإنما هو ~~انطباع عام يتسرب إلى دخيلة نفوسنا لا ندري مأتاه ولا مصادره. ~~ولست أنسى أيام كنت أقرأ للمازني وأنا في حجرة منفردة فإذا ~~أنا أقهقه ضاحكا حتى ليصيب الذعر أهل بيتي، ويحسبون أنني أرى من ~~النافذة ما لا يرون، ويسارعون إلى الحجرة يفتحونها فإذا أنا قصي ~~عن الشباك، بعيد، لا صلة بيني وبين الحياة إلا هذا الكتاب، ~~فيتولاهم العجب والدهشة، وينصرفون عني يمصمصون شفاههم ms67 من عبطي، ~~وأظل مع كتابي، نافذتي الكبرى التي هي عوالم من المتعة، فقدناها ~~منذ أصبحت القراءة والكتابة حرفة لا هواية، ومنذ أصبحنا نبحث عن ~~المضمون والهدف والشكل والفورم. # فليس عجيبا إذن أن يضحك الطفل وهو يقرأ دون كيشوت؛ فهو يتلقى ~~العمل بمرآة صافية جديدة من نوع خاص، تختزن كل ما تراه، فإذا ~~غاب عنها أصل الصورة بقيت منها على صفحة المرآة ظلال وانطباعات ~~ليس يمحوها الزمان. # أما ابتسام الشباب حين يقرأ دون كيشوت فليس غريبا أيضا؛ ~~فالشباب هو زمن الحكمة الزائفة حين يظن الفتى أو الفتاة وهو في ~~هذه السن الرائعة أنه أحكم الحكماء وأنه أعقل الناس وأغزرهم ~~علما وأكثرهم تجربة، وأن ما يعرفه هو لا يعرفه أحد، وأن التجارب ~~التي مرت به هيهات لغيره أن يتعرض لها. فما له إذن لا يبتسم ~~ابتسامة سخرية من دون كيشوت هذا الذي يحارب طواحين الهواء، ~~والذي يعرض نفسه لمواقف لا تستدعي إلا الهزء والاستخفاف ~~بصاحبها، وإنزاله إلى درك من البشرية بعيد كل البعد عن الإقدام. ~~ومع ذلك يصر هو دون كيشوت على أنه بطل الأبطال، وأنه رجل فذ لم ~~تلد الأمهات له مثيلا، فمن الطبيعي إذن أن يبتسم الشاب ابتسامة ~~الحكماء وابتسامة الهزء أيضا؛ فهو واثق أنه لا يمكن أن يصنع ما ~~يصنعه هذا الأبله دون كيشوت، ولا يمكن أن يسمح للناس أن يسخروا ~~منه سخريتهم من ذلك البطل الحالم الذي يحارب الجماد ويعترك في غير ~~معترك، ويجيش من الوهم جيوشا ليحارب بها من لا وجود له. للشباب ~~إذن أن يبتسم. # أما الشيخ فهو أجدر الثلاثة بما يفعل؛ فإنه يقال إن الشيخ إذا ~~قرأ دون كيشوت يبكي. وحق له البكاء؛ فإن الشيخ حين يصير شيخا، ~~ويصل إلى سن النضج، وينظر إلى ما مر من أيامه وإلى طول حياته ما ~~يلبث أن يتبين عبث الحياة جميعا، ويصبح ولا أمل له إلا الحياة ~~الأخرى تتعلق بها آماله وتهفو إليها روحه. وعندما تنعقد المقارنة ~~بين دنيا الخلود عند ملك لا يمنع الظل لائذا والصفح توابا ms68 ~~ولا العفو راجيا، وبين دنيا يسود فيها البطش والجبروت والانتقام ~~والخسة. وحين تنعقد المقارنة بين خشية الله وخشية الناس، وبين ~~الورع والنفاق وبين العليا والدنيا وبين الخالدة والفانية تهمي ~~دموع الشيخ؛ فإنه سرعان ما يتبين له أن حياته كلها كانت مثل ~~حياة دون كيشوت، وأنه حارب ما حارب ولم يخرج من الدنيا إلا بحطام ~~وأوهام وآلام وسقم. ونذكر رواية العجوز والبحر لهمنجواي فنجدها ~~إعادة بارعة عملاقة لبدايات الرواية العالمية المتمثلة في دون ~~كيشوت لسرفانتس. # والعجوز في خالدة همنجواي خرج من جهاده كله بنظام، ودون كيشوت ~~عند سرفانتس لم يخرج بشيء. والرجل العجوز حين يقرأ هذه أو تلك لا ~~بد له أن يبكي؛ فإنه سرعان ما يتبين له أنه ظل طوال حياته ~~يحارب طواحين الهواء، وأنه عاد من الحرب بهيكله هذا الفاني، وأنه ~~مسافر إلى الناحية الأخرى، وليس له من زاد إلا وجه ربه، وهو ~~سبحانه العدل المطلق، وويل للإنسان من العدل المطلق، وما أضيع ~~الإنسان إن لم يدركه سبحانه برحمته إلى جانب عدله وبغفرانه يكسو ~~به محكم أحكامه! # الصعود ببطء # ألم أقل لك إن الحديث في غير السياسة أجدى علي وعليك، أو هو لا ~~شك أمتع لي ولك؟ وما البأس بنا نطرح السياسة أويقات من حياتنا، ~~بدلا من أن تظل ناشبة فينا أظافرها حتى لا نفكر إذا فكرنا إلا ~~فيها، ولا نكتب مقالاتنا إلا داخل إطارها، بل إنها في حين من ~~الدهر سيطرت حتى على الروايات التي نكتبها والفن الذي نعيش في ~~ظلاله. # في ذلك العهد كانت الكلمة الحرة ميتة لا نستطيع إحياءها إلا إذا ~~لفقناها بتلافيف الرمز والرواية، فظهرت روايات كثيرة سياسية ~~في ذلك الحين. ويبدو أن فرحة الانطلاقة قد سيطرت على أقلامنا حتى ~~أصبحت لا تريد أن تكتب في غير السياسة، فهونا هونا أيها القلم؛ ~~فإن الاندفاع بك لا يليق وقد شاب صاحبك وابيض فوداه، ~~والصمت به أليق، والعودة إلى الفن أحمد، فإذا عزنا أن نقول ~~المقالة السياسية، فما البأس في قصة، وإن لم فحدوتة مما يرويه ~~الرفاق ms69 في جلسات التسلية والترفيه؛ فالسياسة بقدر ما هي هامة ~~وبقدر ما هي خطيرة، فإن الترفيه أيضا هام وخطير. ولعلك ~~بعد أن تستمتع بقصة مما يرويه الناس في جلسات الترفيه تستطيع أن ~~تعود إلى السياسة تعمل فيها قلمك، فإن استعصى عليك الأمر ~~فلتعمل فيها فكرك. وليس من الحتم أن تقول كل فكر؛ فبعضه ~~يكفي. # حديثي إليك اليوم عن قصة رويت لي، وما أظن شأن الراوي ~~يعنيك؛ فإني أحسب أن القصة نفسها هي التي تعنيك. وإنما لعلك ~~تريد أن تثق أنها وقعت، أم تراك أيضا في غنى عن هذا الوثوق؟ ~~إنما شأنك معها أن تقرأها، فإن أعجبتك فبها ونعمت، وقد بلغت ~~من نفسك ما أريد أن أبلغ. وإن لم تعجبك فالأمران عندك يستويان، ~~ولا يهمك من بعد إن كانت قد وقعت أو هي محض خيال. # ولكنني على أية حال مبادر فمطمئنك أنها وقعت، وأني عرفتها ~~ممن أثق فيه أنا، وممن لو عرفته معرفتي به لوثقت به أنت ~~أيضا. # وإني أرويها لك كما وقعت تماما، لا أهذبها بخيال لي أو ~~بتحريف. ولو كنت أشاء أن أقدمها كقصة فنية لكان شأني في ~~روايتها لك غير هذا الشأن ولكان لي في كتابتها لك طريقا آخر غير ~~هذا الطريق. والذين يكتبون القصة ويقرءونها يعرفون أن هذا الذي ~~أفعله الآن أبعد ما يكون عن القصة المبتدعة في فنها الحديث، وإن ~~كان قريبا غاية القرب من أسلوب لبسته القصة في عهودها الأولى، ~~ثم اندثر هذا الأسلوب مع الزمان وتغيرت به الأيام إلى غير هذا، ~~بل ما يناقض هذا كل التناقض، ويختلف عنه كل الاختلاف. # القصة تروى عن زوج وزوجة تزوجا في بواكير الشباب الأولى، ~~ومر على زواجهما خمسة وعشرون عاما. أما الزوج فأصبح يحوم حول ~~الخمسين من عمره، وأما الزوجة فتصغره بسنوات ثلاث، ولكنها فتية ~~المظهر، شابة التجاعيد جميلة الملامح، على الرغم من أولادها ~~الأربعة الذين تخرج منهم من تخرج. وبقي منهم من بقي في ~~الجامعة أو على مشارفها. # أصيب الأب بذبحة صدرية مفاجئة، لحسن حظه أصابه المرض ms70 وهو في ~~بيته، واستدعى له الأطباء، ولكن - لسوء الحظ - تقطن العائلة في ~~الدور السادس من عمارة ليس بها مصعد، ولم يستطع الصعود إلى ~~المريض إلا الشباب من الأطباء. # وتم علاج الرجل، واستطاع أن ينزل ويذهب إلى طبيب كبير أجرى ~~عليه الكشوف والرسوم والأشعة. ~~- أنت الآن بصحة جيدة. ~~- الحمد لله ... ولكن هناك مشكلة. ~~- وهي؟ ~~- إني أسكن بالدور السادس. ~~- هذا خير لك. ~~- ماذا تقول؟ ~~- الطب الحديث ينصح مرضى القلب بالحركة وصعود السلالم. ~~- ستة أدوار؟ ~~- لو عرفت كيف تصعدها لكان هذا في مصلحتك. ~~- وكيف أصعدها؟ ~~- دون أن يحمل القلب عبئها. ~~- وكيف؟ ~~- أولا تصعد ببطء شديد. ~~- وثانيا؟ ~~- تجلس في الدور الثاني، وفي الدور الرابع. ~~- كيف؟ ~~- تبحث عن صديق في الدور الثاني، وآخر في الدور الرابع. ~~- البركة في الست؛ فالعمارة جميعها أصحابها. وخرج الرجل إلى ~~زوجته. ~~- البركة في سميرة. ~~- سميرة؟ من سميرة؟ ~~- سميرة الزوجة التي توفي زوجها العام الماضي وسعيت لها في ~~المعاش. ~~- آه، تذكرت. ~~- تسكن في الدور الثاني. ~~- والرابع؟ ~~- صديقك عبد الكريم أفندي. ~~- آه صحيح، إنما اسمعي. ~~- قول. ~~- أنا لن أتهجم على الناس في بيوتهم. ~~- لا تهجم هناك. ~~- كلمي أنت سميرة هانم والأستاذ عبد الكريم. ~~- من عيني. # وهكذا أصبح الرجل يصعد السلم ببطء شديد. وأصبح يستريح في الدور ~~الثاني عند سميرة هانم، وفي الدور الرابع عند عبد الكريم ~~أفندي. # والعجيب أنه كان يجد نفسه يحتاج إلى راحة أكثر في الدور الثاني ~~من تلك التي يحتاج إليها في الدور الرابع. # والعجيب أن صحته تحسنت تحسنا ملحوظا إلا أن شيئا عجيبا كان ~~يحدث في مشاعره، وما لبث لسانه أن ترجم هذا الشيء العجيب الذي ~~كان يحدث في مشاعره. # فسميرة هانم أصبحت سميرة. يوما بعد يوم خطب الرجل سميرة ~~وتزوجها ... ألم أقل لك إنه شفي تماما. وهل أدل على الشفاء من ~~أنه أصبح زوجا للدور الثاني والدور السادس في وقت معا. # حيرة مع مليم ناقص # كانت المدارس تبدأ قبل أن يجمع الفلاحون القطن، فكان أبي ~~يرسلنا إلى القاهرة ويبقى هو في القرية ليشرف على جمع القطن . ~~وكانت ms71 مديرة منزلنا سيدة كبيرة السن وكان زوجها صديقا لأبي، فحين ~~مات عنها عاشت هي معنا ترعى أمري أنا وإخوتي. وكانت مصاريف المنزل ~~ومصاريف أيدينا في يدها. وبطبيعة الحال فرتكت أنا مصروفي في ~~لحظات، وأصبحت يا مولاي كما خلقتني. وجاءني صديقي إحسان عفيفي ~~وهو اليوم الدكتور إحسان عفيفي، وقال إن فيلما جديدا ظهر للوريل ~~وهاردي ومعروض في سينما متروبول، وعملت الحسبة وتبينت أنني ~~أريد خمسة قروش لأذهب إلى السينما وأركب الترام ذهابا وإيابا؛ ~~فتذكرة السينما صالة درجة أولى ثلاثة قروش ونصف القرش والترام ستة ~~مليمات ذهابا ومثلها إيابا ويبقى معي ثلاثة مليمات. # ذهبت إلى أم عبده وطلبت منها القروش الخمسة، وطبعا سألتني فيم ~~تريدها، فقلت لها أشتري كتابا - وكانت بعض الكتب في ذلك الحين ~~تباع بخمسة قروش. وتظاهرت أم عبده أنها صدقت، ونفحتني القروش ~~الخمسة. # بكرنا في يوم الجمعة أنا وإحسان ذاهبين إلى السينما، وركبنا ~~ترام 33 إلى العتبة، ودفع إحسان تذكرة الترام، وحين حاولت أن ~~أحتج قال ادفع أنت لي عند عودتنا، فابتلعت احتجاجي. كنت يومذاك ~~في الابتدائية بمدرسة العباسية. وكان إحسان بالسنة الأولى الثانوية ~~بمدرسة فاروق الأول الثانوية. وهكذا كنت لا أعرف أحدا من ~~أساتذته. # وقفنا عند شباك التذاكر فرأى أستاذا له مع آنسة يقفان عند شباك ~~البلكون، فطار عقله، وهتف بي في جنون فرحان أستاذ الإنجليزي معه ~~واحدة ويقطعان بلكون، لا بد أن نقطع بلكون معهما. ~~- تقطع معهما؟! ~~- نعم. ~~- كيف؟ ~~- كذا. ~~- بكم تذكرة البلكون؟ ~~- بأربعة قروش ونصف. ~~- وكيف أرجع؟ تذكرة الترام بستة مليمات ولن يبقى معي إلا قرش ~~تعريفة. ~~- ولا يهمك. أنا أقطع لك تذكرة الترام. # كانت تلك هي المرة الأولى في حياتي التي أعرف فيها القلق. قطعنا ~~تذكرة البلكون وظللت طول الفيلم والهواجس تنهش عقلي، وأحاول أن ~~أردها بضآلة الفرق بين ما معي وما أحتاج إليه من أجل تذكرة ~~الترام. # لم أتمتع بالفيلم مع أنه كان من أحسن أفلام لوريل وهاردي. ~~وانتهى الفيلم وأضيئت الأنوار والتفت إلى إحسان. ليس هناك ~~إحسان، امحى. ألغاه الوجود. أصبح كأنه لم ms72 يولد. لا إحسان على ~~الإطلاق. # وقفت بباب السينما حتى أغلقوا الأبواب ولا إحسان. ماذا ~~أفعل؟ # الأتوبيس بقرش تعريفة، ولكنني ساكن جديد بحي العباسية، ولا ~~أعرف إلى بيتي طريقا إلا من محطة الترام. أما أين ينتهي بي ~~الأتوبيس وكيف أذهب إلى بيتي لا أعرف. مشيت إلى شارع فؤاد لأسأل ~~عن محطة الأتوبيس فوجدتها. # هل الأتوبيس الذي يقف هنا يذهب إلى شارع فاروق؟ ~~- لا، ولكن ترام 33 هو الذي يذهب، ومن محطة الترام هذه تستطيع أن ~~تركبه. # المصيبة أن محطة الترام كانت أمام محطة الأتوبيس مباشرة في شارع ~~فؤاد نفسه. ووجدت نفسي أقول في بلاهة: ولكني أريد أن أركب ~~الأتوبيس. ونظر إلي محدثي يبحث عن لهجة أجنبية في كلامي فلا ~~يجد؛ فليس من المعقول أن يفعل هذا إلا سائح ولست به، لا كلامي ولا ~~منظري يدلان على ذلك طبعا. لم يخطر له على بال أن معي تعريفة ~~وليس معي ستة مليمات؛ فالمليم لا يستطيع أن يكون فرقا بأي حال ~~وعلى أية صورة. # وجدت على محطة الأتوبيس صديقا لي من مدرسة المنيرة، ولكن ماذا ~~أقول له هات مليما. أهذا معقول؟ تواريت عنه حتى لا يراني، وجاء ~~الأتوبيس وركبت وسألني الكمساري: أين تريد أن تذهب؟ ~~- العباسية. ~~- أي عباسية؟ ~~- العباسية القريبة من شارع الجنزوري. ~~- تحتاج إلى قرش صاغ. # مصيبة، لم تقدر على المليم، فكيف تقدر على التعريفة ~~كاملا؟ ~~- اذهب بي إلى آخر محطة يوصل إليها هذا التعريفة. وأدرك الركاب ~~الأزمة، وللأسف لم يكن الأتوبيس مزدحما، فكان كلامي يرن في ~~أسماعهم جميعا. والتفتوا إلى صبي يرتدي من الملابس ما يدل على ~~أنه ميسور الحال وليس معه إلا تعريفة. أي شعب عظيم هذا؟ في لحظة ~~واحدة سرت في الأتوبيس معان كثيرة كلها رفيعة وشريفة وجميلة؛ ~~فأنا عند الكبير منهم ابن وعند الصغير أخ، وتسارعوا جميعا إلي، ~~منهم من يريد أن يدفع لي فآبى خجلا شاكرا، ومنهم من يريد أن ~~يصحبني إلى البيت فيزداد خجلي، وأطلب إليهم في لعثمة أن يدلوني ~~على طريق البيت فقط. # ويصل الأتوبيس عند ms73 شارع أحمد سعيد، ويأتي إلي الكمساري أن أنزل ~~هنا، وينزل معي بعض الركاب ويقومون جميعا بإرشادي إلى ~~الطريق. # وأسير وأصل إلى شارع الجنزوري، وألتقي في منتصفه بإحسان عفيفي. ~~عاد إلى الحياة من جديد بعد أن حلت المشكلة، كانت على وجهه ~~ابتسامة معتذرة لا تغني شيئا. ~~- أين أنت؟ # واحتجزت دمعي حتى لا يراه، وذهبت إلى البيت، وتلقاني أم ~~عبده. ~~- أنا أعرف أن القروش الخمسة التي أخذتها لم تكن لكتاب. أنت ~~ذهبت إلى السينما. # لم يكن ينقصني إلا أم عبده أيضا. النهاية، ترى هل استفدت ~~شيئا من البحث عن المليم؟ لا أظن. # اثنين فلاج ... وهات مليم # أنا من جيل يشرف اليوم على خمسينات حياته. مظلومون نحن جيل ~~الأربعينيات. ولدنا في أواخر العشرينيات. وحين جاءت الثلاثينيات ~~التي كان الجنيه فيها يشتري عمارة، ويبقى منه ما يشتري بيتا. كنا ~~نحن أطفالا، وكان الحصول على القرش في ذاته عملية تحتاج إلى ~~مناورة ومداورة. # وكنا في هذه السنوات نحب أن نتفرج على السينما. وكان أهم ما ~~فيها حلقات التشجيع تومكس وغيره من مشاهير الأبطال. وكنت أظل ~~الأسبوع كله حريصا أن أبقي على قرش لي وقرش لزميل طفولتي ~~إبراهيم، الذي جاء من البلدة خصوصا ليكون رفيق ملعبي. # ثم نتعرض بعد ذلك للرعب الشديد أن يلحظ أحد تغيبي وتغيبه ~~عن البيت فترة الساعات الثلاث التي نقضيها بالدرجة الثالثة في ~~سينما الأهلي. حتى إذا كبرت بعض الشيء ولم أعد أحتاج لمن ~~يلاعبني دخل إبراهيم إلى المطبخ سالكا طريقه إلى أن يكون واحدا ~~من الطهاة في الأسرة. # وحين ألم بنا الشباب في بواكيره الأولى التقينا به شبابا ~~أسود لا نور فيه؛ فقد أقبلت الحرب العالمية الثانية وأطفئت ~~أنوار القاهرة وأطفئ معها نور شبابنا. ولولا أن رمت بنا الهواية ~~إلى الأدب والقراءة لقطعنا شبابنا فارغا لا تداعبه أي متعة ولا ~~صخب، ولكننا نحن الذين أحببنا الأدب وانصرفنا إلى قراءته وجدنا ~~متعتنا وضجيجنا جميعا في القراءة. وكنا نجتمع في بيت أحدنا نناقش ~~ما قرأنا، ويمتد بنا النقاش حتى الوهن الأخير من الليل، ms74 فنقوم إلى ~~بيوتنا وننقلب إلى أهلنا وقد أوهمناهم أننا كنا نذاكر. # وفي ليلة سهرنا في بيت صديقنا الأستاذ عثمان نويه الذي كان ~~بمثابة الأستاذ لنا، ولكن حبه للأدب كان يجعله يشاركنا في حديث طه ~~حسين وتوفيق الحكيم والعقاد والدكتور حسين هيكل، تاركين مربع أرسطو ~~والمنطق والفلسفة والجغرافيا. # وأوغل بنا الليل والوقت صيف والنسمة رخاء، وقمنا وقام معنا صاحب ~~البيت للمشي على غير هدى. # ولم أجد معي سجائر. وقد كان العثور على سجائر في هذه الأيام ~~ضربا من المعجزات؛ ولهذا ظللت بخيلا بها حتى اليوم. # ووجدت دكانا يتخفى وراء الظلام ينير مصباحا خجولا يحوطه ~~بأسطوانة ورقية من بقايا علبة سجائر قديمة. وكان باب الدكان لا ~~يزيد عن ربع ضلفة من ضلف الأبواب العادية. ~~- عندك سجاير نمرة ثلاثة؟ ~~- لا. ~~- عندك بحاري؟ ~~- لا. ~~- كرافن إيه؟ ~~- لا. ~~- ملك مصر أو سفير. ~~- لا. # وانغمست في حديثي مع صاحب الدكان ونسيت أمر من معي، حتى وجدت ~~يدا تنبعث من الظلام تحمل نصف قرش وتضعه على منضدة البائع لتقول ~~في حسم: اثنين فلاج وهات مليم وحياة أبوك. # أدرك الأستاذ عثمان أنني أحادث الرجل بلغة لن يفهمها؛ فلو كان ~~عنده شيء مما ذكرت لما سهر إلى آخر الليل ليهتبل ربحا لن يزيد عن ~~ملاليم. وأراد الأستاذ عثمان أن يعلمني اللغة الصحيحة التي يمكن ~~أن يفهمها. اثنين فلاج وهات مليم؛ أي إنه يعرف الثمن تماما. وقد ~~تعلمت الكثير من هذه الجملة البسيطة التي طالما ضحكنا منها بعد ~~ذلك. # لمن أتكلم وماذا أريد أن أقول وكيف أصل بما أريد إلى فهم من ~~أكلمه؛ تلك هي مشكلة المشاكل أمام الكاتب أو المتحدث. # تستطيع أن تكون أستاذا عظيما في الأدب، ولكن هذا لا يجعلك ~~بالضرورة تعرف اللغة التي تخاطب بها من تخاطبهم؛ فهناك كلام يقال ~~في المدرج بأسلوب معين، وألفاظ بذاتها. وهناك كلام يكتب في ~~المجلات المتخصصة. وهناك كلام يكتب للجرائد اليومية. وهناك حديث ~~خاص للندوات العامة. ومعرفة كل مجال وما يتطلبه من كلام هو ~~الأساس الذي نستطيع به أن نصل إلى ms75 الناس . # ولكن كثيرا من الأساتذة يكتبون في الجرائد اليومية ما لا ~~تحتمله إلا المجلة المتخصصة، وكثير منهم يكتب في الكتب كلاما ~~لا يسوغ إلا في الجرائد اليومية. وتختلط الأمور عليهم وعلى قرائهم ~~ويقعون في أحابيل «الأستذة»، ويقع الجمهور في أحابيل الخوف من ~~التصريح بعدم الفهم، حتى لا يقال عنهم جهلاء، ويصبح الكلام في ~~الهواء لا قيمة له، ولا يجد له فاهما. كم يحتاج الأساتذة إلى ~~عثمان نويه ليقول لهم اثنين فلاج وهات مليم وحياة أبوك. # لم يتسع الوقت # حين تقرر أن يسافر إلى السعودية لأعمال الشركة البولندية التي ~~يعمل بها لم يفكر في شيء آخر إلا أن يزور الأماكن المقدسة ويطوف ~~حول الكعبة المكرمة ويقف أمام شباك النبي. # ولم يكن توقه إلى العمرة عن أي شعور بالإيمان، بل كان كل ما ~~يفكر فيه هو تحدي هذه الرواسب التي تسيطر على أفكار المسلمين، ~~والتي يرى أن انصياعهم لها ما هو إلا تعلق ببقايا الأبوة وعهود ~~الصبا والطفولة. # وكان واثقا أن الإنسان المتحضر لا يمكن أن يؤمن بفكرة الدين ~~أو التعلق بأوهامه. # وهو واثق من نفسه وأفكاره قد ازداد بها وثوقا حين اختار المذهب ~~الشيوعي مذهبا وانسلك في قالبه، وواجه كل ما واجهه أصحاب المذهب ~~من عقاب، كما نال كل ما ناله هؤلاء من ثواب. # والوظيفة التي يرتع فيها الآن ما هي إلا نهلة من فيض البحر الذي ~~انسكب على أبناء مذهبه؛ فما كانت الشركة البولندية لتعينه لو ~~لم يكن شيوعيا غارقا في الشيوعية، وهب لها نفسه وإلحاده، ~~ويقدم إليها أيضا فقره لترده عليه غنى ووفرة ورفاهية ~~ورخاء. # وقد استطاعت الشيوعية أن توفر له ما لم تسطع الرأسمالية أن ~~توفره لأحد من أمثاله؛ فسيارته كاديلاك من آخر طراز. نعم السيارة ~~رأسمالية ولكن ما دام الشيوعي قد استخدمها فإن سيارته هذه ~~الكاديلاك بالذات تصبح شيوعية. # ومنزله من أفخم منازل الزمالك، وأثاث بيته غالي الثمن غلاء ~~فاحشا. ولا يهم من بعد إن كان يتسم بالذوق السليم أو لا يتسم، ما ~~يهمه أن يكون غالي ms76 الثمن . # أما ملابسه فهي في الحق مضحكة؛ فإنه فيما يبدو مصاب بعمى ~~الألوان، فتراها تختلط على جسمه كقصة غير معقولة، أو كموسيقى ~~صاخبة يعزفها قوم لا قائد لهم ولا نوتة تجمع بينهم. ولكن كل وحدة ~~من وحدات ملابسه ثمينة في ذاتها. واضح أنه بذل المال الكثير فيما ~~يركب أو يسكن أو يلبس. # وكان يتيه دائما بين الناس بأنه لا يمد يده لأي دولة شيوعية، ~~وأنه شيوعي بالمبدأ لا بالجيب. وهو بطبيعة الحال يرى وظيفته هذه ~~التي يشغلها والتي تسكب عليه المال حقا طبيعيا له لا صلة لها ~~بالشيوعية. # هو يرى ذلك أمام الناس حين يخاطبهم، ولكنه في دخيلة نفسه يعرف ~~تماما أنه لو لم يكن شيوعيا لما زاد دخله عن دخل زملائه الذين ~~تخرجوا معه، والذين يعجز مرتبهم أن يطاول عشر مرتبه. # هو واثق كل الوثوق أن ذلك الخير الذي يمرح فيه سببه الوحيد ~~الذي لا سبب غيره أنه شيوعي، ويعلم أن الكلية التي تخرج فيها قد ~~منحت الحياة الآلاف من أمثاله، أغلبهم أكثر منه علما ودربة على ~~العمل وإتقانا له. # ولكن الشيوعيين وحدهم من هؤلاء الآلاف هم الذين يستطيعون أن ~~ينالوا ما تهبه له الحياة من حظوة. وأصحاب الجرأة فيهم هم الذين ~~يستطيعون أن يواجهوا الناس أنهم لا يمدون يدهم لأي بلد أجنبي. ~~وهو من أصحاب الجرأة هؤلاء. # حين نزل إلى جدة قصد فندق الرياض؛ حيث كانت شركته قد حجزت له ~~حجرة فاخرة ذات غرفة ملحقة وتلفزيون. وبعد أن أودع الحجرة حقيبته ~~ونظر إلى المرآة واطمأن على القصة غير المعقولة التي يضعها على ~~نفسه نزل إلى بهو الفندق ينتظر أصحاب العمل الذي جاء من ~~أجله. # ولكنه فوجئ بصديقه رفعت جالسا في البهو. ~~- أنت؟ أنت في السعودية؟ ~~- عمل. ~~- فقط؟ ~~- طبعا سأعمل هذه العمرة التي تحكون عنها في دينكم. ~~- وأنت؟ ألك دين آخر؟ ~~- أنت تعرف. ~~- فعلا، أنت مسكين. أنت بلا دين على الإطلاق. ~~- أحمد الله على ذلك. ~~- بل احمد الشيطان إن شئت. ~~- المهم أنت ماذا تفعل هنا؟ ~~- أنا جئت من أجل ms77 هذه العمرة التي نؤمن بها نحن ~~المسلمين. ~~- وهل قمت بالعمرة؟ ~~- ليس بعد. أنا على موعد مع الأصدقاء أن نقوم بها. ~~- أذهب معكم. ~~- ألا تخاف؟ ~~- أخاف مم؟ ~~- ألا تخاف أن تؤمن؟ إن للكعبة روعة، وإن لقبر الرسول ضياء لا ~~تراه العين، وإنما ينفذ إلى القلب وإلى حنايا المشاعر، فيرج ~~الإنسان رجا عميقا، وترى روحك حلقت إلى عليين تطوف مع ~~النبي في رحلة آخر دين أرسل إلى الناس وتراه معذبا في سبيل ~~عقيدته، ثم تراه في خطبة الوداع أتم دينه وبشرنا أن الله رضي ~~لنا الإسلام دينا، يخطب في أصحاب حجه؛ إن دماءكم وأموالكم حرام ~~بينكم حرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في عامكم هذا. # ويهتف بهم وهو يختم رسالته إلى البشرية: اللهم هل بلغت؟ ~~ويصيحون: نعم. ويهتف مرة أخرى: اللهم فاشهد. # أتحتمل هذا جميعه؟ ~~- قد لا يحتمله السذج من أمثالك، أما أنا فأحتمله. إني ~~واثق. ~~- لكم أخشى أن أجدك أكثر سذاجة مني ومن أصحابي ~~المؤمنين. ~~- لقد جربت نفسي مع الإيمان. ~~- حقا؟ ~~- ووجدت نفسي غير قابل للإيمان على الإطلاق. ~~- هل أنت واثق؟ ~~- كل الثقة. ~~- وكيف عرفت؟ ~~- تعرضت لمحنة فلم أذكر الله. ~~- ما نوع المحنة؟ ~~- هل يهمك هذا؟ ~~- كل الأهمية. ~~- كنت راكبا سيارتي وغفت عيني لأجد نفسي غائصا بسيارتي في ~~الماء. حاولت أن أفتح باب السيارة فاستعصى علي. ورحت أحاول ~~وأنفاسي تختنق بي تشدني إلى الموت في جذب آسر عنيف، ولم أجد ~~أمامي إلا أن أحاول الخروج من شباك السيارة، فرحت أدفع جسمي خلاله ~~دفعا، ثم لم أدر بعد ذلك من أمر نفسي شيئا. ~~- أنقذت وأنت مغمى عليك؟ ~~- نعم. ~~- ومتى كنت تريد أن تذكر الله؟ # إننا نحن المؤمنين نذكر الله حين نصبح عاجزين؛ فإن الله ~~يأمرنا أن ندبر نحن أمر أنفسنا ونتوكل عليه ولا نتواكل. # وقد كنت أنت مشغولا بإنقاذ نفسك وحين جاءت اللحظة التي يجب أن ~~تقول فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله كنت ~~مغمى عليك. يا صديقي، إن هذه التجربة لا تصلح دليلا تطمئن إليه ~~أنك ms78 محصن ضد الإيمان. ~~- أترى ذلك؟ ~~- لا شك في ذلك. هيه، أتأتي معنا؟ ~~- لا، سأذهب وحدي. # وأثار الحديث الكثير من الوساوس في ضميره. ما مصيري إذا اهتزت ~~مشاعري من الإيمان، واستيقظت من سباتها تلك البذرة القديمة التي ~~ألقى بها في نفسي أبواي، وسقتها البيئة والتقاليد وتاريخ أجدادي ~~الطويل ذاك في ظل العقيدة. # وما البأس أن أومن وأظل في عملي؟ هراء. إن عملي متوقف على ~~إلحادي. ولماذا ألقي بنفسي إلى صراع أنا في غنى عنه؟ وما لي لا ~~أبعد مشاعري عن هذا الامتحان؟ قد أجوزه وأظل على إلحادي، أو قد ~~أرسب وأعود إلى الإيمان، ويومئذ وداعا للكاديلاك، والملابس ~~الأنيقة والعيش السعيد. # وبعد أيام التقى الصديقان في بهو الفندق. ~~- أراك تنهي إقامتك بالفندق. ~~- عائد إلى بيتي. ~~- هل أديت العمرة؟ ~~- لم يتسع الوقت. # الألغوزة # حاول الكثيرون من الناس أن يرضوا كل الناس فكان نصيبهم الفشل ~~الذريع. كان بعض أولئك المحاولين من أصحاب المناصب. وكان بعض منهم ~~آخر من أصحاب الأقلام. وكان بعض آخرون لا من هؤلاء ولا من هؤلاء، ~~ولكن الأمر الغريب أن جميعهم على اختلاف أماكنهم أصابهم الخذلان ~~كل الخذلان والفشل غاية الفشل. # فإنه لم يحدث في تاريخ أمة ولا في تاريخ العالم أن أجمع الناس ~~على رأي واحد؛ ولذلك لم يكن عجبا أن يسخر الساخرون من التسعات ~~المتلاحقة التي كانت تظهر في نتائج الاستفتاءات التي كانت تجرى في ~~مصر. # فإنه لا بد أن يكون كل إنسان صاحب رأي، فإن حاول أن يموه في ~~هذا الرأي ويخادع الناس عنه أدرك الناس بحسهم الملهم الموهوب ~~أن المتحدث إليهم لا يحادثهم من قلبه، وإنما يحاورهم ~~بمنفعته ولسانه في وهم منه ساذج، أنه قادر على أن يدخل في ~~روع الناس أنه صادق ولكن هيهات. # الرحاب الوحيد الذي يستطيع الإنسان أن يرضيه هو رحاب الله، ~~وفي هذه الساحة القدسية لا يستطيع إنسان ما مهما يكن يظن نفسه ~~عبقريا أن يميل عن الحق قيد شعرة؛ فهناك الذي يعرف خائنة ~~الأعين وما تخفي الصدور. وكلما كان الإنسان غبيا ظن ms79 أنه يستطيع ~~أن يماكر رب الناس، ملك الناس، إله الناس، الذي خلقهم وملكهم ~~بكل خلجة من خلجاتهم، وكان معبودهم الذي لا معبود لهم ~~غيره. # وهكذا إذا كان الإنسان جديرا بأن يكون إنسانا تحتم عليه أن ~~يصدق الله فيما يقول أو يفعل، وهو لن يكون صادقا مع ربه إلا ~~إذا كان صادقا مع نفسه، يقول رأيه الذي يعتقد ثم يتوكل بعد ذلك ~~على الله. وليكن على ثقة أن رأيه هذا سيغضب قوما ويرضي قوما ~~آخرين. ومن لا رأى له قيمة له. وما دام صاحب رأي فلا بد أن يكون ~~هناك رأي آخر يعارضه. # لعلك سائل نفسك فيم هذه المقدمة الطويلة، ولعلك أدركت فيم ~~أسوقها. # لقد تم تعديل في الوزارة وهي الهيئة التنفيذية للدولة، فإذا حاول ~~الوزراء الكثيرون الذين بقوا أو الوزراء القليلون الذين وفدوا ~~على المنصب أن يرضوا الشعب جميعه على حساب الشعب فإنهم بهذا ~~يكونون أشد خصومة لأنفسهم من المعارضين. إنما ينبغي أن يراعوا ~~الله في كل ما يصدرون عنه، وأن تكون أعينهم مثبتة على المصلحة ~~العليا للبلاد. وقد يؤدي هذا بهم إلى إغضاب بعض فئات، ولكنهم ~~إذا توخوا الرأي السديد واستشاروا أصحاب الضمائر النقية والعلم ~~الثابت والرأي النزيه فإنهم لا شك سيرضون الأغلبية، والأغلبية هي ~~مصر، ولن تكون الأغلبية في يوم من الأيام قلة هنا أو جماعة ~~ضئيلة هناك. # فكم يحز في نفوسنا نحن المصريين أن نجد الحمير تسير وهي تحمل ~~أبشع ما تراه العين، ونسأل، وإذا الجواب أن أصحاب الحمير سيغضبون، ~~وكم يحز في النفس أن نسمع أن العامل المصري لا يعمل أكثر من ~~ساعتين أو ثلاث ساعات، وعمال العالم الغني يعملون ثماني ساعات. ~~وكم يحز في نفوسنا أن نرضي القلة على حساب الكثرة، لا لشيء ~~إلا لأن أصحاب السلطة التنفيذية ينظرون إلى الأفراد ولا ينظرون إلى ~~المجموع. وهيهات لمن كان هذا شأنه أن يصل إلى ما ينشده من نجاح ~~أو فلاح. # وإنه ليملأ النفس حسرة مريرة قاتلة أن نجد الحكومة تدعم ~~السجائر وتيسر للناس أن يشربوا السجائر ms80 بمعونة من الشعب الذي ~~لا يشرب، وتكون النتيجة العجيبة المحزنة المخزية أن يقدم العاقل ~~الذي لا يدخن عونا للمستهتر الذي يدخن - وعلى فكرة أنا للأسف ~~أدخن وإن كنت قليل التدخين - ولكن لا أستطيع على أي عرف وتحت ~~أي مذهب ولا بأي منطق مهما يكن معوجا أن أتصور أن يشرب ~~الإنسان سما تعينه الدولة على شربه وتكون الحجة أن في هذا ~~تخفيفا عن الناس! على أي ناس يقع هذا التخفيف؟ على قوم يقتطعون ~~من أقوات عيالهم ليحرقوا صدورهم. ويا ليتهم يفعلون ذلك من حر ~~مالهم أو من مال الوزير، وإنما هو من مال الشعب الكادح الذي يتعب ~~ليأكل أطفاله، وإذا الأمر يتضح أنه يتعب لكي يدخن الآخرون ~~كدحه وكده وشقاءه وتعبه. # ولما كانت بعض المصائب تدعو للضحك بل يقولون إن شر المصائب هي ~~تلك التي تضحك، فإننا نجد السجائر مكتوبا عليها أن ضررها وبيل ~~وخطير. # ومضحكة أخرى أنهم منعوا الإعلان عن السجائر في التليفزيون، ~~وهكذا أصبح الأمر مجموعة من المتناقضات كلها يضحك وكلها يبكي في ~~وقت معا. # فبدلا من أن أتقاضى من الشركات الأجنبية أموالا تنتفع بها ~~الدولة لأعلن عن سجائرهم، أمتنع عن ذلك محافظة على صحة ~~الشعب. # فأنا إذن رفضت المال في سبيل صحة الشعب، وهذا شيء رائع ~~عظيم. # ولكن الدولة نفسها التي صنعت هذا، والتي تعففت في اعتزاز ~~الحريصين على مصالح شعبهم، تبيع للشعب نفسه وليس لشعب عدو، ولا ~~لشعب آخر سجائرهم مدعومة بأموال الشعب. # إنني أتحدى أي اقتصادي أو عالم اجتماعي أو طبيب أو إنسان ~~يستقيم فكره بعض الاستقامة أن يشرح لي هذه الألغوزة التي تتشابك ~~سوانحها وموانعها وبلواؤها وأضاحيكها بهذه الصورة التي لا صلة لها ~~بعقل آدمي. # ونسمع عن شركات أجنبية عرضت أن تقوم بأعمال النظافة في مصر، ~~فإذا بمن يقول إن هذا تدخل أجنبي. وتلك عجيبة من عجائب الزمن ~~يزيدها سخرية أن نجد المطار قد عهد في نظافته إلى شركات ~~أجنبية. # أيكون المطار ليس مصريا، أم هو ذلك الرعب من أصحاب الحمير ~~حاملي القمامة؟ # إن الشعب ms81 إذا لم يشعر أن حكومته رشيدة، وأنها تصدر في كل ما ~~تفعله عن الرأي السديد الذي يؤدي إلى المصلحة العليا استهان بها، ~~وويل لحكومة يستهين شعبها بها. # ولقد رأيت السعودية وهي تعهد لشركات أجنبية لتتولى النظافة ~~فيها، وشهدت النجاح الباهر الذي حققته تلك الشركات. وما سمعنا أن ~~هناك غزوا حدث من هذه الدول للسعودية. وبعد؛ فكل هذا الذي نقول ~~قديم، والذي لم نقله أكثر مئات المرات، ولكن ما أضيق العيش لولا ~~فسحة الأمل! وقد تعدلت الحكومة فمن حقها علينا أن نذكرها ~~ببعض ما نفكر فيه، ومن حقنا عليها أن تكون صادقة مع ربها ونفسها ~~لتكون صادقة مع شعبها. وأذكر قول الشاعر: # منى إن تكن حقا تكن أعذب المنى # وإلا فقد عشنا بها زمنا ~~رغدا # لا يشبهه جيل # رحم الله العقاد الشامخ. كانت له جوامع الكلم في شعره، إلى جانب ~~مكتبته العملاقة التي أفاضت على العالم العربي علما أصيلا وعمقا ~~وتحليلا لم تعرف لهما العربية من قبله مثيلا. أذكره اليوم باكيا ~~عليه في ذاكره، وأذكره اليوم وأنا أقرأ كتابا جليلا للأستاذ ~~صبري أبو المجد عن أحد الشامخين من رجال ثورة 1919، هو الأستاذ ~~أمين الرافعي. وقد وثبت إلى ذهني وأنا أقرأ الكتاب أبيات العقاد ~~الخالد وهو يرثي أحد أعلام ثورة 1919 فيقول: # سلوا الأوطان ينبئكم # بما يعلمه النيل # يحيي ناصر المصري # والمصري مخذول # وأول رافع صوتا # وسيف الحرب مسلول # له في برها جيش # كجيش النمل موصول # وفي البحر أساطيل # وفي الجو أبابيل # إذا لم ينعه الأحيا # ء والدنيا أباطيل # نعاه في العزيزي # ة مدفون ومجدول # وجيل في حمى التاري # خ لا يشبهه جيل # ألا ما أصدق العقاد! أي جيل ذاك الذي أنبت كل هذه الأشجار ~~السامقة الوارفة؟ اختر أي ميدان شئت وانظر تجد جيل أمين الرافعي ~~هو علمها ومنارتها وجبالها الشماء وروحها ونبضها. لقد أذكى فيهم ~~الاحتلال روح التحدي، وصمموا أن يصيحوا في وجه المحتل بعلمهم ~~لا بصوتهم. اخرج من بلادنا فما نحن بحاجة إلى حضارتك؛ فنحن أعمق ~~منك في أغوار التاريخ ms82 حضارة، وما نحن بحاجة إلى علمك فنحن قادرون ~~على أن نكون أعظم منك علما وفنا وثقافة. والعجيب أنهم أثبتوا ~~القول بالعمل وبلغوا ببلادهم وهي في ظل الاحتلال وفي فترة قصيرة ~~ما تتقاصر أن تبلغه كثير من الدول الحرة وإن تطاولت بها ~~السنون. # وقد كان أمين الرافعي واحدا من هذا الجيل المذهل، والحقيقة أن ~~سني لم تسمح لي أن أعرف الرجل، ولكنني نشأت وأنا أسمع أبي ~~يمتدحه بما لم يمدح به إنسانا آخر؛ فقد كان رحمه الله يرى فيه ~~مثلا أعلى في الرجولة والوطنية وشرف الكلمة وعمق الرأي والزهد في ~~الدنيا، والوقوف إلى جانب الحق وإن كان الموت هناك له بكل ~~مرصد. # وقد جاء كتاب الأستاذ صبري أبو المجد مفصلا لما كان يجمله ~~رأي أبي. وقد كتبه في لغة أخاذة وفي استطراد مشوق، فنجد ~~الأحداث فيه يأخذ بعضها برقاب بعض في غير عنت عليك، وفي تعمق ~~للأحداث حتى يبلغ من حقائقها أقصى ما تستطيع أن تعطي. # يغري بعض الناس صحفيا ممن كانوا يعملون بجريدة الأخبار أن يذهب ~~إلى دار السفارة البريطانية ليحصل على أخبار السودان. ويذهب مندوب ~~الأخبار ويقول إنه قدم بطاقته ليدخل إلى السكرتير الشرفي بها، ~~فإذا هو يقدمه على كل الصحفيين الآخرين. ويروح السكرتير يطري ~~الرافعي وينوه بشرف خصومته، ثم يسأل الصحفي عما يريده فيخبره، ~~فيقول له إذن أنت تريد أخبارا. ~~- نعم. ~~- ولكنك مراسل جريدة خصيمة عنيدة تتهم الإنجليز بأنهم كلاب ~~قذرة، ونحن لا نعطي هذه الأخبار إلا للصحف الموالية لنا، فهل لك ~~وقد جئت إلى دارنا أن تبلغ الأستاذ الرافعي أن هذه العبارة التي ~~كتبها إبراهيم عبد القادر المازني تستحق الاعتذار حتى لا تتعرض ~~الأخبار للمحاكمة. # ويخرج صحفي الأخبار ويبلغ الرافعي رئيس التحرير بما كان من أمر ~~السكرتير الشرفي، فإذا الرافعي يبدأ حملة جديدة أشد في ألفاظها ~~وأقسى من السابقة، ويقول فيها بمنطق لا يقبل الجدل: «إن الإنجليز ~~يرون في الكلمات شيئا يستحق المحاكمة، ولا يرون في ضرب الأبرياء ~~الآمنين السودانيين ما يستحق المؤاخذة.» # وفي عام 1914 يشعر ms83 الرافعي أن إنجلترا ستعلن الحماية على مصر، ~~وأنها ستمنع الخديو عباس حلمي الثاني من العودة إلى مصر، وأنها ~~تستعين بدلا منه بالأمير حسين كامل. وكان من الطبيعي أن يدرك أن ~~قرار إعلان الحماية لا بد من نشره في الصحف عند صدوره بسبب وجود ~~الأحكام العرفية والرقابة على الصحف. وينتظر الرافعي إعلان ~~الحماية، وقد بيت أمرا؛ فما إن صدر الإعلان حتى أعلن هو إغلاق ~~جريدة الشعب التي كان يصدرها حتى لا ينشر هذا الإعلان في جريدة ~~مصرية تحمل اسمه. ويصف الدكتور عبد العزيز رفاعي هذا القرار في ~~كتابه ثورة مصر سنة 1919 بقوله: إن قرار أمين الرافعي بوقف إصدار ~~جريدة الشعب هو أول احتجاج مصري على الحماية البريطانية. # وهكذا كان الرافعي بذلك هو صوت مصري احتج على إعلان الحماية ~~البريطانية، وكان من الطبيعي أن يكون من أوائل المعتقلين. # وفي أثناء ثورة 1919 يقول الأستاذ صادق عنبر عن دور أمين الرافعي ~~في لجنة الوفد المركزية: بقي أمين يدير دفة الحركة الوطنية في ~~لجنة الوفد المركزية التي كان روحها وقوامها، فكان يحرر ~~قراراتها ونداءاتها، ويدير حركاتها لمصلحة القضية الوطنية بإخلاص ~~ونزاهة، وهو الذي كتب المقالات الشهيرة الوطنية «ديننا والاستقلال» ~~هاتفا باسم أحد أعضاء الوفد سنة 1919 وسنة 1920 فأحدثت تأثيرا ~~كبيرا في الرأي العام، وهو أول من دعا إلى مقاطعة لجنة ملنر في ~~أنحاء القطر المصري، ووافقه الوفد على فكرته، فكانت هذه الحركة ~~موضع إعجاب العالم بما أظهرته الأمة من الاتحاد وتماسك الصفوف ~~وصدق النظر. واستأنف جهاده في الصحافة بإصدار جريدة الأخبار، ~~فنالت من المكانة لدى الجمهور ما كان للشعب واللواء من ~~قبل. # ويقول الأستاذ أحمد وفيق: ما كان أمين الرافعي في أثناء وجود ~~الوفد في الخارج إلا محور اللجنة المركزية ومديرا لدفتها ~~وقائدها الأعلى إلى الأمام، ودائما إلى الأمام في سبيل التمسك ~~بالحق الكامل لمصر. # وبعد فإني أهنئ الأستاذ صبري أبو المجد لاختياره هذه الشخصية ~~الرائعة لكتابه العظيم، ولو كان الفنانون السينمائيون مصريين حقا ~~لأرخوا لتاريخ مصر بهؤلاء الأعلام الأفذاذ وليس بتاريخ ms84 المواخير ~~ورائدات الفجور عفا الله عنهم وعنهن . ولست بمستطيع أن أختم مقالي ~~هذا ولا أذكر أبيات أمير الشعراء في رثاء أمين الرافعي: # يا أمين الحقوق أديت حتى # لم تخن مصر في الحقوق فتيلا # ولو اسطعت زدت مصر من الحق # على نيلها المبارك نيلا # تنشد الناس في القضية لحنا # كالحواري رتل الإنجيلا # ما تبالي مضيت وحدك تحمي # حوزة الحق أم مضيت قبيلا # ويقول فيها: # أخذ الموت من يد الحق سيفا # خالدي الغرار عضبا صقيلا # من سيوف الجهاد فولاذه الحق # فهل كان قينه جبريلا # لمسته يد السماء فكان ال # برق والرعد خفقة وصليلا # وإباء الرجال أمضى من السي # ف على كف فارس مسلولا # ألم يقل لك العقاد إنه جيل لا يشبهه جيل. # هذه الجدران # الأمر الذي لا شك فيه أن صوتي جميل غاية الجمال؛ فأنا أستطيع أن ~~أرفعه حتى أبلغ به عنان السماء، وأستطيع أن أوشوش به كعاشق يلقي ~~بكلمات الشوق والهيام إلى محبوبته. # وإذا أنا ارتفعت به أطربت وأشجيت وجعلت الحجارة الصماء ~~تتفطر من الإعجاب والتفرح والهناء. وأنا إذا شوشت أسمعت ~~وبلغت ما أريد أن أبلغ من القلوب مهما تكن قلوبا غلفا عليها ~~أقفال. # هكذا خلقني ربي؛ فالصوت الجميل موهبة ليس ينالها أحد إلا بأمر ~~السماء. وقد أمر سبحانه فكنت. ولا راد لأمره، ولا معقب على ~~مشيئته. # ولكن الإنسان الذي ينسكب عليه فضل السماء مكتوب عليه أن يصبح ~~مثار أحقاد البشر ممن لم ينعم الله عليهم بسابق نعمه. # ولو تمثل هذا الحقد في النيران التي تلتهم قلوب الحاقدين لهان ~~الأمر، واستمتعت به متعتي بجمال صوتي وبروعته، ولكن الحقد عند ~~الحاقدين علي يتمثل في سلاح قتال يكاد يقضي على مستقبلي ~~جميعا؛ فالحاقدون يقفون حائلا بيني وبين الناس، فلا يسمعني أحد ~~لأنهم لا يسمحون لأحد أن يسمعني. ربما سألت نفسك الآن: ما دمت ~~لم تسمع أحدا صوتك فمن أين جاءتك هذه الثقة أن صوتك جميل؟ ولكن ~~يا صديقي الثقة تنبت في النفس كالشجرة المباركة، لا تعرف من أين ~~نبتت ولا كيف تشاهقت غصونها ms85 وطاب ثمرها واشتدت ساقها، وضربت ~~جذورها في أعماق الأعماق. # وهكذا هي ثقتي بنفسي. هي ثقة مؤيدة بروح القدس، وما لها من ~~نهاية وليس في يقينها ذرة من شك. # ولقد تواضعت وذهبت إلى بعض هؤلاء الذين يطلقون عليهم كبار ~~الملحنين، وما كنت في حاجة إليهم لأنني ألحن أنا لنفسي أغنياتي، ~~وأنا أيضا الذي أكتب كلماتي، ولكن لا بد لي أن أتواضع حتى أقيم ~~صلة بيني وبين هؤلاء الذين أخذوا مكان الصدارة في الأغنية العربية ~~في حين غفلة من الزمان. ذهبت إلى الملحن الكبير سعيد زياد: أريدك ~~أن تضع لي لحنا يا أستاذ. ~~- هكذا مرة واحدة. ~~- ومستعد أن أعطيك أجرك مضاعفا. # فقد فاتني أن أقول لك إنني موفور المال، والغناء بالنسبة لي ليس ~~مصدر رزق وإنما هو إعلان لفضل الله علي. وأنا أيضا لا تهمني ~~الشهرة. كل ما في الأمر أنني واثق من جمال صوتي وأريد أن أمتع ~~الناس ولا أرجو منهم جزاء ولا شكورا. # ولكن الغريب أن الملحن المرتزق قال في كبرياء وتعال: أنا يا ~~ابني لا ألحن لأي أحد. ~~- كيف؟ ~~- لا بد أولا أن أسمعك. ~~- تسمعني إن شاء الله. ~~- وأريد أن أعرف ما هي ثقافتك الموسيقية. ~~- ثقافتي، لماذا؟ ~~- ألم تسمعني؟! ~~- المدهش أنني سمعتك. ~~- وما وجه الإدهاش فيما سمعت؟ ~~- الكلمة غريبة على أذني. ~~- كيف؟ ~~- الذي أعرفه أن الصوت موهبة. ~~- هذا حق، ولكن الموهبة لا بد أن تثقف. ~~- وكيف تثقف الموهبة؟ ~~- بالدراسة. ~~- هل يدرس الغناء؟ ~~- كما ندرس الموسيقى. ~~- ولكنني أنا أغني وألحن وأؤلف الأغاني بغير دراسة. ~~- هكذا بعلم لدني؟! ~~- بعلم لدني أو لدنك لا أدري، وإنما أنا أغني وكفى. ~~- غن. # وما كدت أكمل الكوبليه الأول حتى وجدت الملحن يثور بي ثورة ~~شيطانية. ~~- قم. امش. ملعون أبوك وأبو من قال لك إنك تغني. # وتمالكت نفسي. ~~- لا أسمع صوتك، قم امش. # وحاولت أن أقول شيئا فعاجلني: ولا كلمة، اخرج. # وحين خرجت رجعت إلى نفسي، ما الذي جعل هذا الرجل يثور هذه ~~الثورة المحمومة، أنا أعلم أن صوتي جميل، ولكن لم أكن أعلم أنه ~~جميل ms86 إلى هذا الحد. لقد أفقد الرجل عقله واتزانه. وما ثورته هذه ~~إلا رعبه وهلعه أن يصل صوتي إلى الآذان بلحن من ألحاني فيصبح ~~هو ضائعا لا قيمة له؛ فإني واثق أن الجمهور إذا سمع صوتي فسينصرف ~~عن كل الأصوات الأخرى وسيرفض ألحان جميع الملحنين، فلم يكن ~~عجيبا إذن أن يثور الملحن هذه الثورة، بل كان العجيب ألا ~~يثور. # حاولت أن أتقدم للإذاعة، وذهبت إلى هناك وسجلت اسمي ضمن ~~من يرغبون في اختبار أصواتهم. وتحدد الموعد، وذهبت فيه. ما هذا؟ ~~إن اللجنة جميعها من الملحنين والمغنين. قلت: لعل الجماعة تكون ~~أكثر عدلا من الفرد. وغنيت. أكملت الجزء الأول من الأغنية، ~~وقيل لي كفى. وظهرت النتيجة؛ لا يصلح. عجبت! ثم سرعان ما زال ~~عجبي، وعجبت من نفسي. كيف ظننت أن أجد العدالة عند هؤلاء؟ كيف ~~توهمت أن أجد العدل عند الجماعة حين أفقدها عند الفرد؟ وهل ~~الجماعة إلا مجموعة أفراد؟ # إن كل ملحن من هؤلاء أدرك بخبرته السر الإلهي الذي أتمتع به ~~ملحنا ومغردا. ضاقت بي المسالك ولكنني أبيت لظل من الشك أن ~~يتسرب إلى يقيني أنني أتمتع بأعظم موهبة موسيقية عرفها ~~التاريخ. # فكرت أن أذهب إلى شارع محمد علي؛ فقد رأيت في أفلام مصرية ~~كثيرة أن أغلب المشاهير من المطربين بدأ حياته هناك. # ظللت أتردد على مقاهي الشارع الضيق حتى كان يوم جلست إلى ~~أحد المقاهي وسمعت جاري يقول لرفيق جلسته: ألا تعرف لي مغنيا ~~لاطشاه الشمس يحيي لي فرح الليلة؟ ~~- ماذا؟ أنت الذي تسأل هذا السؤال؟ وكل المغنين الذي لطشتهم ~~الشمس صبيانك. ~~- كثرت الأفراح وكلهم الليلة مرتبط. ~~- إذا كنت لا تعرف فلا تنتظر أن يعرف أحد. ودون ريث تفكير قلت ~~بصوت مرتفع: أنا. # ويبدو أن جاري لم يتصور أن الكلام موجه إليه فراح يكمل ~~حديثه. ~~- أي مطرب حتى وإن لم يطرب. وصحت من جديد: أنا. أنا يا ~~أستاذ. # والتفت إلي جاري وقال: أتكلمني يا أخ؟ ~~- نعم يا أستاذ. ~~- أنت تغني؟ ~~- أنا مطرب لا مثيل له، لا ينقصني إلا الجمهور. ~~- وأنا ms87 عندي الجمهور. ~~- ألا تسمعني؟ ~~- أسمعك في الفرح إن شاء الله. ~~- أمرك. # وذهبت إلى الفرح. كان في شقة ببيت قديم بحي شبرا، ولكن أصحاب ~~الفرح أقاموه في سطح المنزل. وكان السطح كبيرا مزدحما بالناس من ~~شتى الأعمار. ويبدو أن صاحب الفرح كان من مدمني الشرب؛ فالخمر ~~الرخيصة متناثرة بقوة على الموائد، والحضور يتوقون إلى السرور فهم ~~على استعداد أن يختلقوه اختلاقا إن لم يتوافر لهم. # وهكذا كان استقبالهم للراقصة رائعا فالأصوات جئير وصراخ. وأغلب ~~الظن أنها كانت أصوات الحيوان في الإنسان كشفها سعار الخمر ~~فانفجرت زئيرا أو نهيقا أو عواء، أيها شئت؛ فكلها أصوات ~~حيوان. # وأعقبها الفتى الذي يلقي المنولوجات والنكات، وقد كان استقباله ~~مزيجا من السرور والغضب؛ فقلما ترضي النكتة جميع المستمعين لها، ~~وخاصة إذا كانوا جمعا حاشدا وجمهورا غفيرا، ولكن على أية حال ~~مر الأمر بسلام، وانتهى المنولوجست من نمرته ونزل دون أن تحدث ~~خسائر في الأرواح. # وقدمني متعهد الحفل بالموسيقار العبقري وصاحب الصوت الملائكي. ~~وراحت الفرقة تعزف الموسيقى التي اتفقت معها عليها وبدأت ~~الغناء. # لم أكد أغني البيت الأول حتى سمعت صياحا في السطح جميعا. ~~إعجاب لا شك. هدأ الصياح قليلا ... ليرتفع صوت منفرد: أضعت ~~الكاسين، الله يخرب بيتك. # قلت في نفسي إنه إما ملحن أو مطرب يحقد علي. ومضيت في الغناء ~~وإذا صوت آخر: أهذا كلام؟ أدعينا هنا لكي نتهزأ؟ # وتصورت أن الكلام موجه إلى شخص آخر، ولكن ما هي إلا لحظة ~~حتى رأيت الكراسي تتطاير في الهواء، وقبل أن أرى وجهتها غبت عن ~~الوعي. # أفقت على المقهى الذي التقيت فيه بالمتعهد، ولم يكن أحد معي ~~لأسأله ما الذي حدث. ولكني أدركته. # لقد خرج الناس عن وقارهم، وأصابهم صوتي بالنشوة المجنونة العارمة ~~فراحوا يقذفون في الهواء كل ما تصل إليه أيديهم، وكانت الكراسي ~~أقرب شيء إليهم. ولم يدركوا في غمرة السعادة التي داخلتهم من ~~غنائي أنهم قد يصيبون مصدر السعادة نفسه، فهوت الكراسي على رأسي ~~ورءوس العازفين لي. # وانتهز المتعهد فرصة الغيبوبة التي أسلمتني إليها الكراسي ~~التي ms88 هوت على رأسي فألقى بي على المقهى حيث لقيني أول مرة وتخلص ~~مني. وأنا لا يهمني المال، ولكنني كنت أرجو أن يكون إعجاب الناس ~~بي أقل مما كان حتى يقبل وكلاء الفنانين الاتفاق معي وأصل إلى ~~الناس وأمتعهم. هذه القصة التي لم يعرفوا لها مثيلا في حياتهم، ~~ولن يعرفوا. # والآن ماذا أنا صانع، وما سبيلي الذي ينبغي علي أن أتخذه حتى ~~أحقق هذه الأمنية التي وهبت نفسي لها؟ # انطويت على نفسي وعيناي تراقبان في حدة الأخبار الفنية. رحت ~~أقرأ أنباء الحفلات بعيني نمر متربص لا يفوتني من أمرها شاردة ~~ولا واردة، حتى كان يوم قرأت في جرائد الصباح أن النادي الرياضي ~~سيقيم حفلة غنائية بمناسبة فوزه بالكأس، فطرأت على رأسي فكرة ~~حاسمة. # فقد جاء في النبأ أن المطرب الشهير فوزي المعلاوي سيغني في ~~الحفل، فأدركت أن تلك هي فرصتي، وأنني لن أجد خيرا منها لأحقق ~~للناس ما لا يحلمون به من سعادة وطرب. # لبست خير حللي، وكانت حلة سوداء بها خطوط بيضاء ناصعة البياض ~~من قماش إنجليزي فاخر نجح الترزي أن يفصلها علي تفصيلا ~~رائعا يزيد من مظهر رشاقتي التي لا مثيل لها، ورجلت شعري عند ~~أعظم حلاق. وحين نظرت إلى المرآة داخلني الخوف أن يراني الناس ~~فيحسدوا جمالي ورشاقتي واتساق طلعتي وقامتي وأناقة ملبسي، التي ~~زاد منها رباط العنق الذي اشتريته مستوردا من أعظم بيوت الأزياء ~~في باريس، وقد انعقد حول ياقة قميص مستورد من سويسرا. # وسارعت إلى بيتي أرد عن نفسي عيون الحاسدين، ولم أنس قبل أن ~~أقصد إلى المنزل أن أشتري تذكرة في الحفلة. # وقبعت في المنزل أترصد الساعة حتى أصبح الموعد مناسبا، ~~ونزلت من بيتي وذهبت إلى مقر الاحتفال. # فوزي المعلاوي لا يدخل مع الفرقة الموسيقية، ولكنه يترك الفرقة ~~تعزف جزءا كبيرا من المقطوعة ثم يدخل حتى يضمن التصفيق له أن ~~يكون واضحا في الإذاعة، ولا يضيع صداه في زحمة فتح الستار ~~والتصفيق المتخاذل للفرقة. # وانتظرت حتى أعلن مذيع الحفل عن فقرة فوزي المعلاوي، وفتحت ~~الستارة، ms89 وصفق الحشد الهائل تصفيقا هينا للفرقة وبدأت ~~الموسيقى العزف، ولكنها لم تكد حتى رآني الناس أتسلق المسرح من ~~الصالة، ورحت من فوري أغني أغنية المعلاوي. وما له، لا بأس؛ فما ~~دمت لا أستطيع أن أغني أغنيات من شعري ومن تلحيني فلأتواضع ~~وأغن كلمات لشاعر آخر وبلحن لم أؤلفه. لا بأس أن تكون هذه ~~هي البداية. # بهت الجمع الحاشد، وارتسمت الدهشة في كل الوجوه، واضطرب أعضاء ~~الفرقة الموسيقية، وأصبحوا لا يدرون ماذا يفعلون؛ فقد كانوا ~~يتوقعون أي شيء إلا هذا الذي صنعته. توقف بعضهم عن العزف ~~واستمر بعض آخرون، ولكن ضابط الإيقاع الذي ينقر الطبلة كان أسرعهم ~~إلى العمل؛ فقد كان رجلا ضخم الجثة قوي البنيان، ولا شك أنه خبير ~~موسيقي. وقد أدرك في اللحظات القليلة التي استمع إلي فيها أنني ~~سأمحو فوزي المعلاوي من الوجود، بل وسأمحو معه كل المغنين السابقين ~~منهم واللاحقين. # هي فقرة واحدة غنيتها، ثم وجدت نفسي طائرا في الهواء، ثم ~~لم أعلم من أمري بعد ذلك شيئا. # وحين أفقت وجدت نفسي ملقى بجانب سور الصالة، مثل لقمة وجدها ~~مؤمن في الطريق فأزاحها إلى جانب حائط ليمنع الناس أن يدوسوا ~~النعمة. ms90