######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.DhikrayatBacida.Hindawi60907516 #META# Tags: literature #META# ID: 60907516 #META# Title: ذكريات بعيدة #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ذكريات بعيدة‏ # حيرة‏ # زواج‏ # خطابان‏ # عودة الزغاريد‏ # وجهات نظر‏ # أستغفر الله‏ # طوق حول العنق‏ # ربيع‏ # ولدي ألا تعود‏ # انتظار‏ # على رغم الأيام‏ # يا لها من أيام‏ # عودا إليك يا أبي‏ # ذكريات بعيدة‏ # حيرة‏ # زواج‏ # خطابان‏ # عودة الزغاريد‏ # وجهات نظر‏ # أستغفر الله‏ # طوق حول العنق‏ # ربيع‏ # ولدي ألا تعود‏ # انتظار‏ # على رغم الأيام‏ # يا لها من أيام‏ # عودا إليك يا أبي‏ # | ذكريات بعيدة # | ذكريات بعيدة # تأليف # ثروت أباظة # | ذكريات بعيدة # وفي يوم دخلت إلى حجرتها لأجدها تجفف دموعها وتودع الكراسة صندوقها دون أن تهتم ~~بإدخالها إلى الدولاب؛ فقد أصبحت مطمئنة أنني لم أمد إليها يدي. # كانت تبيح لي كل مكان في حجرتها، فكلها ملعبي وكل شيء فيها من لعبي، لا يذودني عن شيء ~~فيها أحد، بل كانت تنهر كل من يحاول أن يبعدني عن شيء لها، فكل عزيز عندها رخيص لي، وكل ~~آنية أو علبة أو منضدة قربان مقدم لنزوات طفولتي وعبث يدي، وحين تصل إلى يدي مقتنياتها تصبح ~~بين يدي القدر، لا ينقذها من الكسر أو التلف إلا الحظ وحده، ولم يكن الحظ رفيقا بأشياء ~~جدتي؛ فيا طالما حطمت لها من أشياء ويا طالما أتلفت لها من أدوات، ويا طالما انتهرت جدتي ~~أبي أو أمي إذا حاول واحد منهما أن يعاقبني أو يردعني عن حجرتها. # وقد كنت أجد نفسي أسيرا لأوامر أبوي في أي غرفة أدخلها في البيت؛ فأنا مقيد حينئذ ~~بخوفي أن أحطم شيئا أو ألمس شيئا أو ألهو بشيء، ويظل هذا القيد من الخوف يلازمني حتى أدخل ~~إلى غرفة جدتي فأنا إذن حر طليق أحطم ما أشاء أن أحطم وألهو ما شاء لي اللهو، أحس أنني ~~في هذه الغرفة أقوى من أمي وأبي جميعا، أقف منهما بحصن يعجزان أن ينفذا دونه إلي، ~~وألهو. # شيء واحد لم تبحه لي جدتي ولم أكن أدرى سر حبها له ومنعي عنه، ولم يكن هذا الشيء جديرا ~~بانتباهي، ولا مما يغري الطفل أن يلهو به، إنما هو صندوق قديم لا يبدو من قدمه ms01 إلا صنعته ~~التي تدل دلالة واضحة على الزمن الذي صنع فيه، أما هو فقد كان أنيقا دائما؛ فنحاسه ~~الذي يحليه ذو بريق لم يكن يوما خابيا، وخشبه أنيق نظيف لم تستطع السنون أن تعدو على ~~نظافته أو أناقته. # وكنت أرى جدتي في كل يوم تمسك به وتفتحه فينفرج عن كراسة ذات شريط جديد دائما، يعلو ~~الكراسة الكثير من غبار السنين أحال بياض أوراقها إلى غبشة كتلك التي تغشى نظرة الناظرة إلى ~~التاريخ البعيد. وكانت جدتي تقلب صفحاتها الواحدة بعد الأخرى وتظل رانية إليها بنظرات ~~حسيرة، ولا تنتهي إلى الصفحة الأخيرة حتى تذرف سكبا من الدموع وحينئذ تعيد الكراسة إلى ~~شريطها ثم تودعها في إعزاز صندوقها الأثير. # وهكذا أصبح هذا الصندوق طلبتي الوحيدة، فهو الشيء الوحيد عند جدتي الذي لم أستطع الوصول ~~إليه، فكنت كلما أقبلت عليه أريد أن أمسك به تفزع جدتي قائلة: إلا هذا. # وتسارع إلى الكراسة تقفلها وتحيطها بالشريط في عجل ثم تعيدها إلى الصندوق دون أن تصل إلى ~~مرحلة البكاء، وهكذا كنت أعدو أيضا على هذه الدمعات التي كانت ترتاح لها جدتي فأحرمها ~~منها. وقد كان هذا على إيلامه لها أهون عندها من أن تترك الكراسة أو الصندوق بين يدي ويدي ~~الحظ. # وكبرت رغبتي في الوصول إلى هذا الصندوق بل أصبحت كلما دخلت غرفة جدتي ألعب حول الدولاب ~~الذي يستقر فيه الصندوق، أملي ومطلبي، لم أكن أفكر فيه إلا لأنه الشيء الوحيد الذي منعتني ~~عنه جدتي، وحين كبرت بعض الشيء وذهبت إلى المدرسة ووجدتني أقلب في كراسات وأكتب فيها وأقرأ، ~~أصبحت أعجب من نفسي أنني لا أبكي كما تبكي جدتي حين تنظر في كراستها، وهكذا أصبح الصندوق ~~والكراسة التي تستلقي في أحضانه سرا عجيبا لا يفارق ذهني غموضه ولا يكف تفكيري عن محاولة ~~الوصول إلى حقيقته واستجلاء ما يخفيه من أسباب تستجلب هذه الدمعات إلى عيني جدتي، إنني أقرأ ~~فلا أبكي فماذا يبكيها هي، إنني قد أبكي حين أعجز عن القراءة وتمتد عصا المدرس إلي ولكنني ~~حين ms02 أقرأ لا أجد ما يبكي، ولقد حاولت مرارا أن أثير في نفسي مكامن الدموع حين أقرأ فإذا ~~الدموع جامدة وإذا البكاء عصي عنيد لا يسعفني فيزداد سر جدتي وصندوقها استغلاقا ~~علي. # وفي مرة فاجأت جدتي وهي تقفل كراستها وقد بلغت مرحلة الدموع وراحت دمعات تنهمر على وجهها ~~الناصع البياض تركت فيه آثار السمن الذي أصبح نحافة وآثار السنين التي مرت غضونا ~~كثيرة. # ونظرت إلى جدتي مليا وسألتها: لماذا تبكين؟ # ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي ألقيت فيها هذا السؤال ولكنها كانت دائما لا تقول ~~شيئا سوى أن تنظر إلى صورة جدي التي علقتها بحيث تظل رانية إليها من أريكتها التي لا ~~تكاد تتركها، ثم هي تتمالك أمر نفسها في سرعة حازمة وتحيد عن السؤال الذي ألقيته وتقدم بين ~~يدي قربانا جديدا مما تحفظه عندها لألعب به وأحطمه، وكنت دائما أنخدع بهذا القربان عن ~~السؤال الذي أبحث عن جوابه وأنصرف إلى ما قدمته إلي ألعب به أو أحطمه حسبما يقضي الحظ. ~~وفي هذه المرة حين سألت جدتي أجابتني بنفس طريقتها وقدمت إلي كراسة وقلما وقالت: اكتب ~~هنا ما تعلمته اليوم. # وكنت قد أعددت نفسي ألا أنخدع، إلا أن الهدية كانت شيقة؛ فقد كنت أحب الكراسات حبا ~~عارما لا أدري لماذا؟ ألأنني ظللت سنوات عديدة أهفو إلى كراسة جدتي أم لأن شكل الكراسة ~~الجديدة كان أثيرا عندي دائما؟ لا أدري! ولكن الذي أذكره أنني خدعت في هذه المرة أيضا ~~وتناولت الكراسة ورحت أهوش صفحاتها بحروف ما تلبث أن تصبح رسوما، وقامت جدتي إلى الدولاب ~~فأودعته صندوقها وعادت إلى جلستها وراحت ترنو إلي وأنا أكتب أو ألهو في كراستي التي كانت ~~جديدة، وكان لا بد لعينيها أن تتجها إلى ما أخطه في الكراسة وثبتت نظرتها في كتابتي فترة ~~طويلة ثم قالت: هشام، أتعلمني؟ # ونزل علي السؤال كحدث مفاجئ لم أتوقعه ولم أجد بين شفتي إلا: ماذا؟ # فعادت جدتي ترنو إلي في ابتسامة طيبة ودود وقالت: أتعلمني؟ # قلت لجدتي وأنا أضحك: أتضحكين علي ms03 ؟ # وظلت ابتسامتها الطيبة على وجهها وهي تقول: لماذا؟ # فقلت في براءة: إنك تقرئين الكراسة كل يوم وتبكين. # وعلت وجهها حمرة أكسبت السنين على وجهها جمالا ورونقا وقالت: آه يا عفريت. # ومدت يدها تدغدغ ملتقى صدري بذراعي، موطن تعلم أنه لا يخطئ في إضحاكي، فضحكت وضحكنا، ~~ومرت الأعوام. # كبرت وأصبحت أعرف أن لجدتي في كراستها سرا، وأصبحت أدرك أنه لا بد أن يكون هذا السر ~~وثيق الصلة بذكرياتها، وأصبحت أدرك أيضا أنه لا يجوز لي أن أقحم نفسي على ذكريات جدتي ~~وسنين شبابها، ولكن شوقي إلى معرفة هذا السر لم تخفف منه السنون بل لعلها زادته ~~تحرقا. # وعرفت مع الأيام أيضا أن جدتي لا تعرف القراءة والكتابة، وزادت معرفتي هذه السر ~~استغلاقا، كما زادت رغبتي في معرفته تغلغلا في نفسي، ولكن حرصي على ألا أقحم نفسي على ~~أسرارها أو على سرها الوحيد بالنسبة إلي جعلني أحيط رغبتي هذه بسياج محكم من الصمت ~~والتجاهل كلما رأيت كراستها الحبيبة بين يديها. # وفي يوم دخلت إلى حجرتها لأجدها تجفف دموعها وتودع الكراسة صندوقها دون أن تهتم بإدخالها ~~إلى الدولاب؛ فقد أصبحت مطمئنة أنني لم أمد إليها يدي. حولت جدتي عينيها عن صورة جدي ~~وابتسامة دافئة ما تزال معلقة بشفتيها وقالت: هشام، ألا تنوي أن تعلمني القراءة؟ # وكدت أن أقول، لماذا، ولكنني سرعان ما نظرت إلى الصندوق فاختطفت الكلمة من على شفتي قبل ~~أن أطلقها وقلت: أنا تحت أمرك. # وقالت وقد أشرق وجهها بالفرح: صحيح؟! # فقلت شاعرا أنني أحقق لها أملا كبيرا: طبعا. # فقالت في حزم والإشراق على وجهها لا يبارحه: قم إلى هذا الدرج ستجد كراسات وأقلاما هات ~~واحدة وقلما وتعال علمني. # وبدأت أعلم جدتي، دون أن أشق عليها في التعليم فكنت أعلمها حرفين أو ثلاثة في اليوم، ~~ولكن قليلا ما دامت هذه الأيام؛ فقد هاجم جدتي مرض بدا في أول أمره هينا ثم ازداد ~~خطورة، وحاولت أن ألهيها عن مرضها بالتعليم. # وحاولت هي أن تستجيب لي ولكن المرض كان أقوى منها ومني فلم ms04 تستطع. # مرت أيام مرضها الأول وهي تستطيع أن تصل إلى الدولاب لتحضر الصندوق وتستطيع أيضا أن تصل ~~إليه فتعيده، ثم أقعدها المرض فكانت تطلب إلي أن أحضره لها وتطلب إلي أن أعيده. وكانت ~~دموعها تزداد غزارة، حتى كان يوم قالت لي فيه: هشام، يخيل إلي أنني سأموت قبل أن أتعلم ~~القراءة. # فقلت لها في تأثر بالغ: بعد الشر عنك يا ستي. # فقالت وقد علت وجهها حمرة من الخجل كخجل العذارى: أتعرف ما تحويه هذه الكراسة. واحتضنت ~~الكراسة في حب كأنها تحتضن السنين والذكريات وقلت لها: لا. # فازداد وجهها حمرة وعذرية وقالت: إنها مذكرات جدك. فقلت: مذكرات جدي؟ ~~- دخلت إلى مكتبه فوجدته يقرؤها وسألته عنها فقال: إنها مذكرات حبي لك كنت أكتبها أيام ~~خطبتنا. ~~- أكان يراك وأنتما خطيبان؟ ~~- ألا تعرف أن أبي عقد عقدي على جدك ثم انتظرنا فترة طويلة حتى يتم جدك التعليم وهكذا كان ~~يراني دون أن نتزوج. وكان يكتب هذه المذكرات بعد كل لقاء لنا وكنا نلتقي كل يوم ~~تقريبا. # ونظرت إليها في خبث وقلت: أكنت ترينه وحدك؟ # فازدادت خجلا وخالط صوتها نغم من الفرح النشوان وهي تقول: امش يا قليل الأدب، كنت ألقاه ~~أمام أمي وإخوتي. ~~- آه، طيب، طيب، لا تزعلي. # وقالت جدتي والنشوة لا تزال في عينيها القديمتين وقد خالطهما البريق فهما عينا فتاة في ~~بواكير الشباب حتى خيل إلي أن جدتي عادت بعينيها ووجهها القاني من الخجل إلى تلك السن ~~التي خطبها فيها جدي، قالت: هشام. # ثم صمتت فقلت: نعم. # فقالت: هشام، أتقرأ لي هذه المذكرات؟ # فسارعت أقول وقد أحسست أنني موشك أن أصل إلى أعماق سرها: يا سلام يا ستي، أقرؤها وأقرؤها ~~وأقرؤها. # فقالت على عادتها: صحيح؟ # فقلت: صحيح جدا. # فقالت في استخذاء: قم إلى الباب واقفله بالمفتاح؛ فإنك أول من يقرؤها، فأنا كما تعلم لم ~~أقرأها أبدا ولم أبحها لأحد أبدا، اقرأها لي أنت، هل أحسنت إقفال الباب؟ # وكنت قد رجعت عن الباب واستويت على كرسي بجوارها، وأعطتني الكراسة فأخذتها بيد ملهوفة ~~وراحت ms05 هي ترنو إلى صورة جدي متهيئة لأن تسمع هذا الكلام الذي استغلق عليها السنوات الطوال. ~~وفتحت الكراسة وقبل أن أعلو بصوتي لأسمعها رحت أمر بعيني على الصفحة الأولى. # لقد كانت كراسة ذكريات لا شك في ذلك. ولكن لم تكن جدتي هي محور هذه الذكريات، كان جدي يحب ~~فتاة أخرى غير زوجته، رعاك الله يا جدتي كم أضعت من دموع وكم أفنيت من أوقات وكم بذلت من ~~جهد في تجديد الشريط الذي يلم الذكريات وفي تنظيف الصندوق الذي ينضم على المذكرات، وانتاب ~~لساني نوع من الشلل الداهش الحزين، واجتاح قلبي عاصف من الألم والحرقة والإشفاق على جدتي ~~والحب لها، وفي لمحة خاطفة اتجه ذهني إلى طريق آخر، هل كانت سدى هذه الدموع، هل كانت هذه ~~المجهودات التي بذلتها في المحافظة على الصندوق وتجديد الشريط بلا جدوى، هل كانت نظراتها ~~الطويلة على السنين الطويلة في صفحات الكراسة هباء، أكانت جدتي تسعد بشيء قدر سعادتها بهذه ~~النظرات الجاهلة وهذه الدموع المنسكبة وهذه العناية البالغة، ألم يستطع جدي أن يترك لها في ~~هذه الكراسة الخادعة حياة لها تحيا بها في سنوات الكهولة والشيخوخة، لقد سعدت جدتي بالكراسة ~~سواء كان ما تحويه حبا لها أم خداعا لها، لقد سعدت. لقد خيل إلي أن الصفحات قد ~~أصبحت مطبوعة برسوم حروفها في عقل جدتي وعلى قلبها، مطبوعة بحروف أكثر ثبوتا وبقاء وعمقا ~~من هذه الحروف الملقاة على صفحات الكراسة. وخيل إلى أن نظرات جدتي قد احتفرت على السنين ~~حفرا في أوراق المذكرات أكثر جمالا من كل حب وأصدق إحساسا من كل كلام، أيذهب هذا جميعه ~~سدى، وأيقظتني جدتي من سرحتي الطويلة لتقول في صوت تردد بين الخجل والتشوق والفرح: ~~اقرأ. # ونظرت إلى جدتي طويلا وقلت: يا سلام يا ستي، كم كان يحبك جدي، كم كان يحبك! # ونظرت جدتي إلى الصورة المطلة عليها وابتسمت وهي تقول وقد تعثرت الألفاظ بخجلها: نعم، ~~أعرف، اقرأ. # ورحت أقرأ جاعلا اسم الحبيبة التي تروى عنها المذكرات هو اسم جدتي، حذرا دائما ~~مبتعدا ms06 دائما عن كل لقاء لم يكن في بيت، مختارا الكلام العام الذي لا توحيه مناسبة ~~بعينها، وظللت أقرأ وظل وجه جدتي يتهلل ونظرتها إلى الصورة تزداد إنعاما فإن غشت عينيها ~~الدموع راحت تزيحها عن عينيها وتنعم في صورة جدي حتى انتهيت من المذكرات ولم تكن طويلة ~~وهدأت، لقد بلغت آخرها ولم أخطئ ونظرت إلى جدتي ورأيتها في سبحتها ما تزال رانية إلى الصورة ~~فحولت نظري إلى الصورة معها وخيل إلي أن جدي يبتسم لي شاكرا فابتسمت له أنا أيضا ~~رغم ما جعلني أعاني من حيرة وحسرة على ذكريات جدتي، ورغم المجهود الذي بذلته لأستر حقيقة ~~مذكراته. # نعم لقد حطمت في غرفة جدتي كل مقتنياتها العزيزة ولكني تركت لها أحلامها المودعة في صندوق ~~الذكريات والسنوات الطوال من الحب التي عاشتها في ظله لم أحطم منها شيئا. # | حيرة # وكأنما اهتدى صميدة إلى النجاة من حيرته فما هي إلا دقائق غير معدودة حتى كان جالسا ~~إلى فهيمة ويمتع عينيه بفهيمة التي طالما أعجب بها وطالما تمنى أن تكون ~~زوجته. # استيقظت نفيسة مع الفجر وراحت تسخن العيش وتعد الفطور لزوجها صميدة ثم قصدت إليه ~~فوكزته فتقلب في فراشه بين اليقظة والنوم فما هي إلا الوكزة الثانية كان صاحيا يسأل: ما ~~لك؟ ~~- لا شيء. الشمس طلعت. ~~- وما شأني بها إن طلعت، هل أنا خفير على باب الشمس؟ ~~- والله فايق على الصبح، قم، غير ريقك واذهب إلى المكتب. ~~- المكتب؟ ~~- نعم المكتب، أليس اليوم موعدك مع إسماعيل أفندي لترى حسابك؟ ~~- آه، صحيح، ولكن إسماعيل أفندي لا يذهب إلى المكتب قبل الساعة العاشرة. ~~- وما البأس، انتظره حتى تأخذ حسابك قبل أن يجيء الفلاحون الآخرون ويعطلونك. ~~- يا ستي وماذا ورائي، وما البأس أن يعطلوني وهل سأذهب إلى المحكمة؟ ~~- المحكمة، العفو، لا يا فالح لن تذهب إلى المحكمة ولكن ستذهب إلى البندر. ~~- البندر؟ ماذا أفعل في البندر؟ ~~- ماذا جرى لعقلك؟ ألا تدري ماذا ستفعل في البندر؟ أنا أريد جلبابا وملابس وبنتك تريد أن ~~تجهز، أنسيت؟ لقد واعدنا حسنين أننا سنزوجه ms07 منها بعد القطن مباشرة، وابنك علي لا بد أن ~~يذهب للدكتور، لن يعيش إذا تركناه بهذا الحال. ~~- أمن أجل ضعف بسيط يذهب إلى الدكتور؟ ~~- أهذا ضعف بسيط، الولد لا يستطيع أن يمشي خطوتين، وأنت في كل يوم تقول إنك ستأخذه إلى ~~الدكتور بعد القطن، أجننت؟! ~~- هيه وماذا أيضا؟ ~~- وأنت تريد ملابس، الشتاء داخل علينا وليس عندك شيء يدفئك. ~~- والفلوس تكفي لكل هذا؟ ~~- ولماذا لا تكفي؟ أم ترى يكفينا من الساقية نعبرها، تزرع أربعة أفدنة وتشقى طول السنة ثم ~~لا تجد ما يكفي لهذه الأشياء البسيطة، تكفي، لا بد أن تكفي الفلوس. ~~- وإن لم تكف ماذا أفعل بها، أرجعها لإسماعيل أفندي؟ ~~- يا أخي قم وجعت قلبي على الصبح. ~~- وهل هذا صبح؟ ~~- ألا يعجبك؟ ~~- أيعجبك أنت؟ ~~- وما الذي لا يعجبك يا سي صميدة؟ ماذا تغير علينا؟ ألست أنا أنا نفيسة التي حفيت رجلاك ~~لتتزوج مني؟ أصبحت لا أعجبك اليوم، والله عشنا وشفنا. ~~- أنا، أنا حفيت رجلاي؟ ~~- لا أنا، أظن أنا التي خطبتك، هه، انطق. ~~- أعوذ بالله، يا شيخة اتقي الله، ألا تكفين عن النكد أبدا؟! ارحمي، ارحمي، أنا لحم ~~ودم. ~~- والله أعلم لحم فقط، بلا دم، أين الدم عند أب لا يريد أن يعالج ابنه المريض. ~~- أعوذ بالله، أين السم الهاري؟ ~~- على الطبلية، قم ألق حبة ماء على وجهك وتسمم وتوكل على الله. ~~- أتعرفين الله أنت؟ ~~- الحمد لله، أصلي الفرض والسنة، وشريفة ونظيفة ولا يستطيع أحد أن يقول عني كلمة، أما ~~أنت. ~~- نعم، مالي أنا؟ ~~- ألا تعرف، الحشيش قاطع نفسك وكل يوم تجري وراء امرأة وذيلك نجس. ~~- وما شأن الحشيش بالدين؟ ~~- اخرس، وأنت ماذا تفهم في الدين يا ضلالي، قم، وخل لها نهاية. ~~- وإن لم أخل لها نهاية ماذا ستفعلين؟ ~~- هه، سأترك لك المكان لتستريح. # وخرجت نفيسة من الحجرة وقال صميدة: غوري، امرأة نكدة، أهذا صباح يا عالم، الله يقطعك يا ~~نفيسة ويقطع من أشار علي بك، قال تملك فدانين، وصدقت، وكنت عبيطا مجنونا، الفدادين ~~تملكها أمها، أم ممسكة حريصة، بلغت التسعين ms08 وترفض أن تموت، قال تملك فدانين صدقت، وحسبت ~~الأم ستموت عن قريب ولكن الظاهر - والله أعلم - أننا جميعا سنموت وستظل أمها بهانة على ظهر ~~الدنيا تملك الفدانين وتخرج لنا لسانها ونحن في الآخرة. # وقبل أن يكمل دخل إلى الحجرة ابنه علي، ضعيفا هزيلا لا يكاد يقيم مشيته. واستقبله الأب ~~باشا أول الأمر ولكنه ما لبث أن قطب جبينه وأحس قلبه كأنما تعتصره يد شديدة البأس ~~قوية: مالك يا علي؟ # وصمت علي وعاد الأب يقول: لا والله يا ابني إنك مريض فعلا، يا نفيسة. وجاءه صوت امرأته ~~ثم ما لبثت أن تبعت صوتها إلى الحجرة: مالك، ماذا تريد؟ ~~- جهزي علي، سآخذه إلى الدكتور اليوم. ~~- أزغرد لك. ~~- الولد مريض جدا. ~~- ألم أقل لك؟ إنه لا يأكل شيئا مطلقا. ~~- جهزيه. # وخرج صميدة إلى الطريق وما لبث ذهنه أن ترك مرض علي وفكر في زوجته هذه التي تأبى إلا أن ~~تصب عليه السخط في كل يوم، ثم عاد يفكر فيما ينتظره من حساب عند الكاتب، ماذا سيدفع لهذا ~~الكاتب في عامه هذا، ترى ماذا سيبقى له، إنه يزرع أربعة أفدنة إن بقي له أقل من مائة جنيه ~~فلا شك أن الكاتب سرقه، مائة جنيه على الأقل، ماذا أفعل بالمائة جنيه؟ أولا أهيص الليلة، ~~أذهب إلى عبد الباقي أبو سليمان وأشتري نصف قرش، لا بل قرشا، أنا لم أدخن قرشا في حياتي ~~أبدا، سأدخن الليلة قرشا، وسأمر بطبيعة الحال على فهيمة العضلة وسأجدها واقفة بباب بيتها ~~كعادتها وقد شمرت عن ذراعين ينسكب عليهما ضوء المصباح فهما في لون العسل النحل ذي الشمع ~~الصافي، ويلي من ذراعيها، لماذا لم أتزوجها، الفدانان، قطع الله من أشار علي بها ~~وبالفدانين. # كانت فهيمة أولى، جمال كجمال الصور في الجرائد، ترى هل الحور العين في الجنة سيكن في ~~جمال فهيمة؟ وأنا من يوصلني إلى الجنة؟ أنا عاص، أمن أجل الحشيش، إنما الخمر والميسر، ~~الخمر، الخمر، وما صلة الخمر بالحشيش، كل مسكر خمر، كلام مشايخ، وهم ألا يشربون الحشيش، ~~إنهم كالأطباء ms09 يحرمون الدخان ويشربون مائة سيجارة في اليوم، يهيأ لي أن المشايخ ضمنوا ~~الدخول إلى الجنة فهم يفعلون ما يريدون، وما لهم لا يضمنون الدخول إليها وهم يرشدون الناس ~~إلى الصراط المستقيم، أهم يرشدون؟ # وقطع عليه تفكيره صوت فتوح البرموني وهو يقول له: صباح الخير يا صميدة. ~~- صباح الخير يا فتوح، هل جاء إسماعيل أفندي إلى المكتب؟ ~~- نعم. ~~- أكنت هناك؟ ~~- نعم. ~~- هل تحاسبت؟ ~~- أنا غلطان يا صميدة. ~~- لماذا؟ ~~- لأني قلت لك صباح الخير. ~~- لماذا، ماذا فعلت لك؟ ~~- مائة سؤال، يا رجل حرام عليك، ألا تعرف كيف يكون الحال بعد الحساب؟ ~~- آه، والله لك الحق، سلام عليكم. ~~- وعليكم السلام. # وفي عزمة القادم على الخطير من الأمر حث صميدة أقدامه أن تسرع فأسرعت ودخل إلى ~~إسماعيل، وكأنه يهاجم قلعة عصية الأبواب وقال في زئير مضطرب بعض الشيء: السلام ~~عليكم. # ونظر إليه إسماعيل أفندي طويلا، طويلا، وكلما طالت النظرة من إسماعيل خمدت الحدة من ~~صميدة حتى إذا أجاب إسماعيل أفندي: وعليكم السلام. # في صوت يجمع إلى السخرية عدم المبالاة والهزء. كان صميدة وقد أصبح أقرب إلى الخوف منه إلى ~~اعتدال المزاج أو الجرأة لا قدر الله. # فإن إسماعيل أفندي هذا على كل شيء قدير، وقال صميدة في صوت أصابه كثير من التخاذل: هل ~~حسابي جاهز يا إسماعيل بك؟ # وقال إسماعيل أفندي في صوته الساخر لا يزال: نعم يا خلف الحبايب. # وحاول صميدة أن يستمد من مزاح إسماعيل أفندي بعض الشجاعة فقال في صوت يتأرجح بين الرهبة ~~والجرأة: تشكر، كم بقي لي؟ # وأمسك إسماعيل أفندي بدفتره الكبير وراح يردد: صميدة عبد التواب، صميدة عبد التواب، ها هو ~~ذا يا سيدي، جملة ما له مليم خمسمائة وجنيه مائتان وستة عشر جنيها. # وحينئذ صفق قلب صميدة من الفرح، ثروة، إذن فسيدخن قرشين من الحشيش، قرشين وإن فقد الوعي ~~بعدها سنة بأكملها. # وتابع إسماعيل قراءة الحساب: ~~منه يا سيدي منه، منه، أربعون جنيها قسط شراء، وستة وستون جنيها وأربعمائة مليم ~~إيجار، وأربعون جنيها وسبعون مليما كيماوي، وثمانية جنيهات ms10 خفر، وثمانية جنيهات ري، ~~وثمانية جنيهات مقابل استخدام آلات، وسبعة جنيهات مقابل إدارة: المجموع يا سيدي مائة وسبعون ~~جنيها، وأربعمائة وسبعون مليما. # وسقط صميدة مشدوها هلعا على الكرسي. ~~- ماذا! # ودون أن ينظر إليه إسماعيل أفندي تابع حسابه: ~~يكون مجموع ما بقي له يا سيد، تسعة وعشرون جنيها وثلاثون مليما. # وعاد صميدة يقول في لهفة: ماذا؟ # ودون أن ينظر إليه إسماعيل أفندي قال: انتظر. # ثم أخذ يهمهم بالأرقام همهمة لا تكاد تفصح ثم قال: تمام تسعة وعشرون جنيها وثلاثون ~~مليما. ~~- سنة أسود من الحبر يا أولاد، كم يا إسماعيل أفندي، كم؟ # كشر إسماعيل أفندي عن أنيابه في غضبة مستأسدة: ما سمعت، إن كان هذا جميعه من أجل الجنيه ~~الذي آخذه منك كل سنة فلا داعي له. ~~- وتريد جنيها أيضا يا إسماعيل أفندي. ~~- أنت حر، وعلى كل حال السنوات القادمة أكثر من الفائتة، لا تغضب في السنة القادمة إن ~~جعلت غيرك يقدم عليك في الري أو أخرت عنك الكيماوي أو إذا ... وقاطعه صميدة: وتريد جنيها ~~أيضا يا إسماعيل أفندي. # وقال إسماعيل أفندي في جراءة وعدم مبالاة: يا أخي قلت لك أنت حر، قم، قم. ~~- أمرك يا إسماعيل أفندي، أمرك، خذ الجنيه يا إسماعيل أفندي. ~~- لا أبدا، لا لزوم له. ~~- أنا غلطان يا إسماعيل أفندي. ~~- أبدا، لماذا؟ ~~- هات رأسك، أبوسها. ~~- لا، لا، أنا لست بزعلان، خذ، هذه هي نقودك. ~~- وهذا هو جنيهك، لا تكن غضبان يا إسماعيل أفندي، سلام عليكم. # وقال إسماعيل أفندي بلهجته الساخرة الهازئة: وعليكم السلام يا سيدي ورحمة الله ~~وبركاته. # وخرج صميدة إلى الطريق، أهذه هي نتيجة الشقاء لمدة عام بأكمله، ماذا أفعل الآن، أظن الولد ~~هو أهم شيء الآن، الولد، مسكين علي. # وقصد صميدة إلى بيته وصحب ابنه إلى البندر. # وفجأه الطبيب هناك بأن الطفل مريض بالزائدة الدودية ولا بد أن تجرى له عملية ~~لاستئصالها. ~~- وكم تكلف هذه العملية؟ ~~- عشرة جنيهات. # ولم يزد: حمل ابنه على كتفه ولم يشتر شيئا مما أرادته زوجه أن يشتري وعاد إلى القرية، ~~ماذا ms11 سيفعل، عشرة جنيهات، للعملية وجهاز البنت، هذه هي السنة الثالثة في خطبتها، كيف يؤخر ~~زواجها بعد الآن؟ لقد قبض مهرا ثلاثين جنيها لا بد أن يقدم جهازا بأربعين جنيها على ~~الأقل، من أين لي بالأربعين جنيها؟ ونفيسة تريد ملابس وأنا أريد ملابس، ماذا سأفعل بهذا ~~المبلغ؟ # سار يفكر تقوده قدماه إلى حيث لا يدري له مقصدا أو إلى حيث تحدد رغبة خفية اتجاهه ~~ومقصده، كان يقصد بيت عبد الباقي، وقبل أن يبلغه تصدت له فهيمة وهي تقول: ماذا بك يا ~~صميدة؟ # وصحا صميدة على صوت فهيمة فإذا هو ينفض عن نفسه كل ما هي فيه من حيرة: لا شيء يا فهيمة، ~~لا شيء. ~~- لماذا لا تزور؟ ~~- أنا خدام. ~~- تعال. ~~- أشتري نصف، أشتري قرشا من عبد الباقي وأجيء حالا. ~~- وأنا ألهب الفحم في انتظارك. # وكأنما اهتدى صميدة إلى النجاة من حيرته؛ فما هي إلا دقائق غير معدودة حتى كان جالسا إلى ~~فهيمة ويمتع عينيه بفهيمة التي طالما أعجب بها وطالما تمنى أن تكون زوجته، وما هي إلا ~~أنفاس قلائل حتى قال: فهيمة، أتتزوجينني؟ ~~- وكم تدفع مهرا؟ ~~- وكم يرضيك؟ ~~- ثلاثون جنيها. ~~- لا أملك إلا خمسة وعشرين. ~~- لأجل خاطرك، لقد كنت عزمت بعد المرحوم ألا أتزوج أبدا. ولكن أنت، أنت، لا أستطيع أن ~~أرفض لك أمرا. ~~- متى نتزوج؟ ~~- متى تشاء. ~~- الآن. ~~- الآن. # وجاء المأذون وخرج، واطمأن صميدة بعد حيرة؛ فلم يعد يحاول أن يفكر كيف سيواجه المطالب ~~المتزاحمة حوله، لقد انتهت حيرته، لا لم يعد حائرا، لم يعد حائرا على الإطلاق. # | زواج # وكان الزواج، وأقبلت هبة عليه إقبالة خائفة أول أمرها؛ فما تدري ما مصيرها مع شخص ~~لم تفكر يوما أنه سيكون زوجها وإنما هو ابن العم. # حلوة هي، كالأمل، كالموعد وقد حققه اللقاء، كالنشوة وقد عربدت، حلوة كالقلب السكران، ~~كالفكرة الحالمة، كالذكريات المأنوسة الهانئة، عينان ساجيتان فيهما إلى الحب دعوة وفيهما ~~العفة المنيعة، وشعر منسرح كآمال الشباب، وفم دقيق ذو تعبير يختلط بين الدعوة والتمنع؛ فما ~~يدري من يراها والابتسامة وامضة عن ms12 شفتيها ماذا تقول؟ ولا يجد من يراها بدا من أن يبتسم ~~ثم يقف الأمر به عند الابتسام يردعه جمالها وابتسامتها أن يزيد. # نشأت بين إخوة من الذكور فالبيت لا عمل له إلا أن يتقصى رغباتها فيحققها؛ فمطلبها أمر ~~قبل أن تبين عنه، إنما هي الإشارة العابرة أو التلميح البعيد؛ فإذا ما أرادت فقد تم، وكان ~~للذكور أصحاب وكان للعائلة أقارب، ولكن الجميع كان يقف منها موقف المكبر المعجب، ولم ~~يستطع أحد أن يقف منها موقف المحب، والشباب يعدو إلى الفتيات في خطى واسعة فيلتهم سنوات ~~الطفولة التهاما، فما أسرع ما كبرت هبة، وما أسرع ما أخذت أمها ثم أبوها يتلفتان حولهما ~~عن العريس الذي يصلح لها، ثم ما أسرع ما أصبحا يتلفتان عن أي عريس، ولكن السنين ثقال ~~بطيئات، وجمال هبة الصارخ يقف دون الشباب أن يتقدموا؛ فكأنما هذا الجمال سياج حولها لا يرى ~~أحد من الشباب نفسه أهلا أن يعدوه إليها، كان الأقارب والأصحاب ينظرون إليها وكأنها في ~~مستشرف رفيع لا سبيل أن يرقى إليه واحد منهم. # وتستطيع هبة أن تطلب إلى أبيها ما تشاء. ويستطيع أبوها أن يقدم إليها ما تصبو إليه لكنها ~~أبدا لا تستطيع أن تقول كبرت ولا يستطيع أبوها أن يجيب إشارتها إن هي قالت. # فكانت هبة تنظر إلى الأيام نظرة واجفة هالعة، ماذا لها في مطوي الغيب، أين تلقي بها ~~خوافي المستقبل، أتراها تصبح ...؟ لا، إنها لا تطيق أن تنطق الكلمة، أتصبح عانسا، ويلي! أهذا ~~الجمال كله لا يجد من يقدره، كيف؟ إنها لا تنسى النظرات الحافلة بالإعجاب والإكبار وهي تحيط ~~بها، يأتي إلى البيت أقرباؤها ويأتي أصدقاء كثيرون ويأتي ويأتي إلى البيت ابن عمها ~~مسعود. # وكلهم، كلهم يرنو إليها في إكبار ذاهل، أما مسعود، مسعود، فإنه يتطلع إليها أملا بعيد ~~المنال، ولكن الأمر يقف به عند هذا التطلع لا يزيد، منذ هما طفلان ونظرته لا تتغير، وها هو ~~هذا يسعى في حياته سعيا حثيثا موفقا وينال شهادته، ثم يلقي إلى الحياة آماله فتستجيب ms13 له ~~الحياة استجابتها الباسمة، ويصبح مسعود ذا شأن، ولكنه مع ذلك يخشى أن يتقدم لخطبة ابنة عمه؛ ~~فجمالها أعظم من أن يرضى به زوجا، ولا يحس مسعود بهذا الموقف الضنك الذي هيأه جمالها ~~لها. والأب يرى زيارات ابن أخيه ويرى نظراته الوالهة المحبة، ثم يرى إحجامه وصمته، ويمسك به ~~كبر الأب أن يشجعه، والأم ترى ما يراه الأب ويمسك بها خوفها من زوجها أن تصطنع ما تصطنعه ~~الأمهات من تشجيع الخطيب أن يخطب بناتهن، ولكن الأيام تمر والابنة تكبر، والسنون إذا مرت ~~بالبنات الناهدات فهي قلق وذعر، والأوقات كالحة والتفكير هلع، حتى المرآة لم تعد تستطيع أن ~~تمنح هبة ما كانت تمنحه لها من فرح وطمأنينة، بل إن خوفها يزداد كلما شاهدت جمالها. وهي ترى ~~مسعودا وقد كانت تراه منذ هما طفلان ولم يكن يزيد عندها عن فتى مثل كل الفتيان الذين ~~يقفون حول سياج جمالها وقفة العباد أمام الوثن. ولو لم تمر بها السنون القلقة لكان مسعود ~~هذا أبعد ما يكون عن تفكيرها وآمالها؛ فقد كان لها من أصدقاء إخوتها ومن أقاربها من لا ~~يقارن بمسعود في لباقته وذكائه أو قوة شخصيته. أما مسعود، فما هو إلا تلميذ يحسن أن يذاكر ~~دروسه، ويحسن أن ينجح في الامتحان، ثم هو لا يحسن بعد هذا من الحياة شيئا. وحين أفلح ~~مسعود في الحياة لم يكن الأمر عندها يعدو أن فتى من أقاربها أطاع رئيسه فأحسن رئيسه إليه ~~بأن رقاه، وأصبح الأقارب يتحادثون عن ذكائه وعن تقدمه ولم تستطع يوما أن تتصور أن ~~مسعودا يستطيع أن يؤدي عملا يتسم ببعض ذكاء أو ببعض لماحية أو بعض فهم، إنما هو مرءوس ~~يحسن إطاعة الرؤساء، أو رئيس يحسن تنفيذ ما رسمه له رؤساء آخرون، وهكذا لم تستطع أن تجاري ~~أقاربها في إعجابهم بمسعود، ولكنها مع ذلك لا تمنع نفسها أن تفرح بهذه النظرة الذاهلة ~~الدالة على الإعجاب الشديد، والإكبار المأخوذ الذاهل التي تعلقت بأهداب مسعود منذ هما طفلان ~~حتى سعت بهما الأيام هذا السعي ms14 الحثيث؛ فجعلت منها فتاة تكاد تصبح عانسا، وجعلت منه فتى ~~ناجحا يلهج بنجاحه الأقارب والأصدقاء. # وتمر الأيام ويوشك الأب أن يتنازل عن كبريائه، وتجد الأم أن خوفها على مستقبل ابنتها أعظم ~~من خوفها غضب زوجها، فما إن يأتي مسعود لزيارتها حتى تعمل على أن تختلي به وتلقي الحديث ~~وكأنها لا تقصد ما يرمي إليه: ماذا جرى يا مسعود يا ابني؟ ~~- ماذا يا أبلتي؟ ~~- ألا تلاحظ أنك كبرت؟ ~~- نعم، أعرف. ~~- وماذا تنتظر. # وفهم مسعود ما تقصد إليه أو كاد، ولكنه قال في تظاهر شديد بالغباء ماذا أنتظر في ماذا؟ ~~وأطلقت الست أم هبة تنهيدة عاجبة طويلة ثم قالت بعد أن مصت شفتيها: ألا تعرف؟ # وكأنما ألصقت هذه الحركات ابتسامة على شفتي مسعود؛ فهو يبتسم في تخابث ساذج وتقول: يا ~~بني الشيء لا يخجل من أوانه، لا بد أن تتزوج يا مسعود. وظل مسعود رانيا إلى أبلته في دهشة ~~وقد اضطرمت في نفسه آمال عريضة كانت تراود نفسه في يأس باهت متخاذل، ويكاد الآن يراها حقيقة ~~يخشى أن يصدقها، ثم تعود إلى خذلانه فيصبح يومه شرا من أمسه وغده أشد قتاما من ماضيه؛ ~~فإن الآمال مهما تكن واهنة بعيدة التحقيق أحلى مذاقا من مرارة اليأس، ويوشك أن يقول فيخذله ~~لسانه أن يقول وتعينه زوجة عمه: ألف يتمنى كلمة منك يا مسعود، وافق أنت ولا شأن لك. # ويقول مسعود ذاهلا: ألف يتمنى أن يزوجني؟! ~~- أنت لا تعرف حقيقة مكانتك يا مسعود. ~~- إذن فأنا أتمنى ... # وعاده الخوف فأرتج عليه وعادت زوجة عمه إلى إسعافه. ~~- قل، قل ماذا تتمنى ولا شأن لك، اترك الباقي لي أنا، واستجمع وقال في سرعة من يخشى ألا ~~يكمل جملته: أتمنى أن أتزوج ... # وأشرقت الابتسامة في وجه أم هبة وهي تطلق: هه. # وقال مسعود: هبة. # وسارعت الأم تقول: فهي لك. # وألجمت مسعود الفرحة فصمت حينا ثم قال: لا. # وعاد الذعر إلى الأم: ماذا، ألا تريدها؟ ~~- بل أريدها. ~~- فهي لك. ~~- لا، لا أريدها هكذا. ~~- وكيف تريدها إذن؟ ~~- إذا قبلت أنت أن ms15 تزوجيها لي فمعنى هذا أنك أنت ترضين عني، أو أنك ترضين عن الوظيفة ~~التي أشغلها والمرتب الذي أناله وأنا أريد أن ترضى هي، وأن ترضى برغبتها الخالصة دون أي ~~تأثير منك أو من عمي. # وعادت الإشراقة إلى نفس الست؛ فقد كانت تدرك ما تعانيه ابنتها من مخاوف. # وكان الزواج، وأقبلت هبة عليه إقبالة خائفة أول أمرها؛ فما تدري ما مصيرها مع شخص لم ~~تفكر يوما أنه سيكون زوجها وإنما هو ابن العم الخجول، والمحب الواله الذاهل إذا نظر إليها. ~~ما الزواج من رجل لم تره إلا فاغرا فاه من الدهش، والفم الفاغر لا ينطق فهو لا ينطق، أتراه ~~يتضح عن رجل يجيد فن الحياة كما يجيد أن يفرج شفتيه، وكما يجيد أن يطيع الرؤساء وينفذ ~~أوامرهم؟ أتراه، يحسن من الحياة ما يحسن من الوظيفة؟! # وأقبل مسعود على الزواج إقبالة مذهول أيضا؛ فقد كانت الآمال - إن شاءت هذه الآمال أن ~~تبلغ به أقصى غاياتها - تهيئ له أنه يستطيع أن ينال من هبة نظرة رضا. أما أن تهب له ~~ابتسامة عطف أو حتى ابتسامة بغير عطف أما هذه فإن آماله لم تجرؤ أن تصل إليها، ولكنه اليوم ~~ينال هبة بجميعها بابتساماتها بل بقبلاتها، ماذا؟ نعم بقبلاتها بل بكل شيء بل والأعجب من ~~هذا أنها لا تستطيع أن تمنح إنسانا آخر في العالم ما تمنحه له من نفسها، ولا استثناء من ~~هذه القاعدة. لا ينال إنسان آخر في العالم ما يناله هو من هبة، لماذا، ماذا أنا، وماذا ~~أصبحت حتى أنال كل هذا الهناء، أتراها تحبني أم أنها ...؟ أم أنها ماذا؟ ما الذي يجعلها ~~تقبلني زوجا إن لم تكن تحبني أتحبني، وما لي لا أسألها؟ عجيب أمر الناس. أتراها ستقول لي ~~أكرهك إن كانت تكرهني، وإن كانت تكرهني وكانت عندها الشجاعة التي تقول لي أكرهك أتراني ~~أصدقها؟ سأقول لنفسي حينئذ، لا، إنما هي تريد أن تلهب حبي لها ولا يمكن أن تكرهني؛ فإن ~~أحدا لا يصدق أن من يحبها تكرهه، وترى هل أصدقها ms16 إن قالت إنها تحبني، أتراني إذا خلوت ~~إلى نفسي أصدق من أعماق قلبي أنها تحبني؟! عجيب أمر نفسي هذه، كثيرة الشكوك لا تصدق ما ~~يحلو لها، ولا تصدق ما يسوءها، دائمة الحيرة عديمة الاطمئنان ثائرة متقلبة. وكيف لها أن ~~ترضى أو تطمئن وهي لا تدري ماذا يرضيها، وهي لا تدري أين الحقيقة في مشاعر من تحب، بل هي لا ~~تدري إن كانت تريد هذه الحقيقة أم لا تريدها، فما كنت لأسعى إلى معرفة الحقيقة لو أن معرفتي ~~هذه ستنتهي بي إلى أن هبة لا تحبني، أنا لا أريد حقيقة المشاعر؛ فالمشاعر لا سبيل لي إليها، ~~وإن كان هناك سبيل فأنا لا أريده، أنا أريد الواقع دون الباعث إليه، أريد ما أراه أمامي ولا ~~أريد أن أعرف لماذا يحصل. ما لي وللنفوس وما تخفيه، إنها أحراش وغابات تستخفي بين شعابها ~~الكثة وحوش أشد ضراوة وفتكا من وحوش الغابات والأحراش، ما لي وللنفس وما تخفيه، إن هبة ~~زوجتي ويكفيني منها أنها زوجتي، ويكفيني من الحياة أنني زوجها. # وفي اندفاعة محمومة هالعة استبق مسعود الأيام ليتم الزواج، فما هو إلا بعض زمن حتى كانت ~~هبة ومسعود في بيت واحد، ولم يستطع مسعود على رغم ما ناقش به نفسه من كذب وصدق، لم يستطع ~~إلا أن يسأل هبة: هبة، هل تحبينني؟ ~~- لقد تزوجتك. ~~- ليس هذا جواب سؤالي. ~~- بل إن سؤالك لن يجاب بأبلغ من هذا. ~~- قد تتزوجينني دون حب. ~~- لو كنت نشأت في بيت غير بيت أبي لجاز لك أن تقول هذا. ~~- لا أفهم. ~~- أنت تعرف أن أبي لا يمكن أن يفعل شيئا لا أرضى عنه فكيف يزوجني دون رضائي؟ ~~- قد ترضين أن تتزوجي مني ولا تستطيعين أن تحبيني. ~~- هراء، إن الزواج أشد قوة من الحب. ~~- فأنت لا تدرين الحب، أنا أحبك حبا لا أجد شيئا في العالم أقوى منه. ~~- بل إنك أنت الذي لا تعرف الحب، إنني حين أقبلك زوجا أضع حياتي وحياة أولادي كلها أمانة ~~بين يديك وليس في العالم حب أقوى ms17 من هذا. ~~- إذن فأنت ... ~~- لقد تزوجتك، أليس كذلك؟ # ولم تكن هبة كاذبة فيما ظهرت به من حب؛ فهي منذ تزوجت مسعودا وهي تقنع نفسها أنها تحبه، ~~ولما كانت نفسها ذات إباء وكبرياء فقد سرعان ما صدقت أنها تحبه، بل إنها زادت فاقتنعت ~~أنها تحبه منذ هما طفلان، وهكذا اطمأنت هبة أنها لم تتزوج زيجة ملهوفة تخشى أن يفوتها ~~القطار فهي تتعلق بالعربة الأخيرة منه، وإنما هي تتزوج زواجا تقوم أسسه على الحب، وأنها ~~إنما تستقل من القطار أوفى عرباته راحة تصعد إليها في لا عجلة لاهفة ولا اندفاعة طائشة ~~هالعة، إنها تصعد مطمئنة الخطوات على ريث من أمرها وتدبر هادئ مستريح. فهي إذن تحبه وهي ~~لأنها تحبه تتزوج منه، اقتنعت ومر عام، بل لم يكد عام أن يمر، ودخلت هبة إلى زوجها حجرة ~~مكتبه وعلى كتفها طفلهما الأول سعيد وقالت هبة وهي تغالب الدموع أن تنفجر من عينيها: هل ~~أستطيع أن أكلمك؟ # ودون أن يرفع رأسه عما يقرأ قال: تفضلي. ~~- تذكر يوم زواجنا؟ # فقاطعها: لا زلت تذكرين؟ # وقالت في غيظ مكبوت: ليس الوقت طويلا على كل حال. ~~- لقد جاء في أثناء هذا الوقت ولد بأكمله. ~~- نعم، ولكن ليس الوقت طويلا مع ذلك. تذكر أنني قلت لك إنني أضع حياتي وحياة أولادي ~~أمانة بين يديك. ~~- نعم، وها أنت ترين أني أعمل ليل نهار لأوفر لك ولسعيد كل أسباب السعادة. ~~- لقد نسيت أن بين طوايا حياتي هذه التي أودعتها أمانة في يديك كرامتي. إنها أعز ما ~~تضمه حياتي من مقومات. ~~- فلسفة عالية علي. ~~- بل حقيقة إن كنت تجهلها فأنت تجهل الكرامة. ~~- وهل مسست كرامتك؟ ~~- أولا هذه اللهجة التي تكلمني بها. ~~- ما لها؟ # وعلا صوتها في غيظ: أنت تعرف ما لها وإلا فأنت تقبل أن يكلمك بها الناس. ~~- لعلي كنت مشغولا، على أنني لم أقصد أن أمس كرامتك، ألمثل هذا ... ~~- لا تكمل. لقد أردت أن أنبهك إلى شيء أخطر من ذلك، أنت تخرج مع سكرتيرتك. # وذهل مسعود وقال في حيرة: مع من، أتتجسسين ms18 علي؟ ~~- لا، ولكن أخبارك تصل إلي دون أن أسعى إليها. ~~- وما البأس أن يراني الناس مع سكرتيرتي. ~~- في غير مواعيد العمل. ~~- وفي أي وقت. ~~- تلك هي إذن كرامتي المضاعة، فعليك أن تختار، أن أبقى في البيت أو تبقي على ~~سكرتيرتك. ~~- لا يمكن أن أختار، لا يمكن. ~~- لماذا، ماذا بينكما؟ ~~- إنها زوجتي. # قالها وعادت إلى فمه الانفراجة البلهاء وإلى عينيه النظرة الذاهلة، وحدقت فيه هبة ~~طويلا، ثم احتضنت ابنها وتركت الغرفة، وحاولت، وحاولت كثيرا أن تترك البيت ولكن ذراعي ~~طفلها الواهيتين كانتا تمسكان بها ببيت الأب في عنف جبار لا تطيق التغلب عليه، فهي باقية، ~~باقية. # | خطابان # أنت يا صديقي أحببت في مجدك، وأحببت في صورتك التي رسمتها، أحببت في رأي النقاد في ~~عملك، ولن يبقى من هذا جميعه شيء. # لم تعرف خطه على الظرف؛ فقد كانت المرة الأولى التي يكتب لها. وبيد مرتجفة أمسكت ~~الخطاب: # أطويل طريقنا أم قصير؟ إلى أين تقودين خطاي؟ عرفتك منذ عرفتك هوى جامحا وحبا ~~عاصفا، وأفانين من السعادة يشوبها الخوف وألوان من الهناء يخالطها الأسى، فما ~~استمتعت بسعادة ولا خوف ولا هناء ولا أسى مثل هذه المتعة التي ذقتها من نبرة صوتك ~~وفيها الحنين أو نبرته وفيها غضب، أو من عينيك أنظر إليهما فهما واد من الحب ~~الظليل الحار العاصف النضير، ثم أنظر إليهما فهما حينا خوف وهما حينا أسى وهما ~~حينا كل شيء ووميض وابتهال. # إلى أين بنا الطريق، إلى أين؟ أطويل سبيلنا، لكم أرجو أن يطول، أم قصير؟ لكم أخشى ~~أن يقصر. # أنت خائفة، دائما إذا خلوت إلى فكرك وخلصت من فؤادك، تخافين، ثرية أنت باذخة ~~الثراء. وأنا لا أملك إلا هذه الريشة التي أرسم بها، ولكني أكسب منها أموالا طائلة ~~إن لم تصل إلى إيراد ثرائك فهي لا تقل عنه كثيرا. ولكنك مع ذلك خائفة، وتأبين أن ~~تقولي مبعث خوفك ويهيئ لك الوهم أنني لا أعرفه، لماذا يظن الناس دائما أن غيرهم ~~أقل منهم ذكاء؟ إنني أعرف خوفك ومبعثه، بل إني أيضا ms19 أمهد لك العذر أن تخافي ~~ويشتد بك الخوف، فقد شاء حظك أو شاء حظي أن يتقدم لخطبتك قبلي إنسان كشفت حقيقة ~~نفسه فإذا هو ولا مطمع له إلا مالك؛ فأنت منذ ذلك اليوم تأبين أن تصدقي أن بين ~~الناس من يحبك لأنك أنت ... # أنت وحدك بلا مال ولا ثراء، مسكينة أنت لكم تنظرين إلى المرآة، ولكم تكذبين ما ~~تقول لك المرآة، أنت جميلة، ألا تدرين أنك جميلة، ألا تدرين، أتذكرين أول يوم رأيتك ~~فيه؟ أتذكرين ماذا فعلنا؟ لم أكن أعرفك وإنما رأيت هذه الوضاءة تشع من حولك فإذا ~~ما حولك جميعا لا شيء إلا أنت، وقد كان ما حولك كثيرا. أضواء باهتة ونساء جئن ~~يشهدن عرض الأزياء فجعلن من أنفسهن معرض أزياء، ومعرض جواهر أيضا، وموسيقى حنون ~~ناعمة ونساء صنعتهن أيد ماهرة صناع يعرضن أنفسهن قبل أن يعرضن أزياء المتاجر، وصخب ~~وتصفيق وضجيج، تلاشى هذا جميعا ولم يبق في عيني إلا أنت، أنت وحدك وجمالك الصاخب ~~عالي الضجيج حلو الرنين عذب الأغاني باهر وهاب. وظللت أرنو إليك فما شهدت من ~~الأزياء أو النساء أو الأضواء شيئا، وحين قارب الحفل الانتهاء كنت أنت وثقت أن ~~عينين من مئات العيون لم ترتفع عنك، وكنت أنا قد بلغت من حيرتي يأسا. فما أدري ~~كيف يتم بيننا اللقاء، لم أكن أريد حينذاك إلا أن يقدمني إليك أحد، وكالغريق في ~~المحيط المترامي الأطراف تمتد إليه يد لا يدري من أين امتدت، جئت أنت، نعم أنت، صوب ~~المائدة التي أجلس عليها، وحملقت، ولكنك كنت ما زلت قادمة إلى المائدة، وحملقت ~~ودارت بذهني احتمالات فيما ستفعلين، أتراك ستثورين في أن ظللت أرنو إليك طوال ~~العرض، أتراك ستصفعين وجهي، أتراك؟ لم يستطع واحد من هذه الاحتمالات أن يمنع الفرحة ~~التي راحت تهز قلبي هزا، فإني سأتعرف بك، ثائرة كنت أو غاضبة لا يهم، المهم أنني ~~سأتعرف إليك، وجئت، ووقفت إلى مائدتي وظللت جالسا أحملق منتظرا هجومك أو منتظرا ~~ما هو أشد من هجومك ولكنك لم تفعلي شيئا من ms20 هذا، وإنما مددت يدا طيبة إلى أختي ~~التي كنت قد نسيتها مع ما نسيت من ناس وأشياء، وحينئذ وقفت وقبل أن أعرف اسمك قلت: ~~أتسمحين يا سيدتي أن أرسم لك صورة؟ # وكان من الطبيعي أن تنظري إلي نظرتك إلى مجنون، ولم أحفل حينذاك بما تظنين، ~~وإنما كانت لهفتي إلى أن أرسم صورة لك هي كل ما يسيطر علي، خيل إلي أنني لو ~~رسمت صورة لك سجلت قطعة فريدة من إبداع الخالق لا تتكرر ولا يجوز لها أن تتكرر؛ ~~فالعمل الفني إذا ما أعيد سقط عنه جلاله. لم أحفل بما قد يتواثب إلى ذهنك من ~~أفكار، فما رأيك؟ وما ظنك بي أنني مجنون إذا ما قارنته بهذا العمل الفني الكبير ~~الذي أريد أن أسجله، ولا أدري لماذا فكرت في هذه اللحظة العابرة أن حياتي الفنية، ~~بل حياتي متوقفة على لفظة منك. وأدركت أختي الموقف وسارعت: أخي فريد حسني. # ولم تزل عنك دهشتك كلها ولكنك قلت في نغمة حسية الجرس: أهلا وسهلا. # وقالت أختي: طبعا تعرفين أنه رسام. # وابتسمت فما رأيت ابتسامة أحلى مما رأيت على وجهك. ~~- إن لم أكن أعرف فقد عرفني هو وضحكت أختي، ولم أملك أن أضحك، وقلت أنت: أراك ~~متعجلا على أن ترسمني. ~~- الآن قبل اللحظة الأتية. ~~- يا سلام، ولماذا العجلة؟ ~~- أخشى أن تمر الأيام على هذا الجمال. بل أخشى أن تمر الدقائق. وضحكت وضحكت أختي ~~ثم تجهمت أساريرك فجأة وقلت: أتعرف من أنا؟ # وقلت وأعتقد أن وجهي كان ساذجا وأنا أقول: أبدا، ولكني لم أعرف لجمالك ~~مثيلا. # وعادت الابتسامة إلى وجهك ثم قلت: أخشى أن يكون هذا غزلا. ~~- أنت تعرفين من أنا؟ ~~- نعم قرأت عنك ورأيت لك بعض الصور. ~~- أتعتقدين أنني أقبل لكرامتي أن أقول ما أقول لمجرد الغزل؟ ~~- إذن ... ~~- أنا يا سيدتي، رسام، رسام رأى وجها لم ير له مثلا من قبل وما يعتقد أنه سيرى ~~له مثيلا من بعد، أنت عندي الآن وجه، مجرد وجه. أنا لا أعرف من أنت ولا يهمني أن ~~أعرف، إنما ms21 أعرف هذا الوجه، ولا أريد أن يمر الزمن قبل أن أرسم هذا الجمال فيه، ~~وأنا لا أريد منك إلا رسمك، إنه جمال أراد له الله أن يكون واحة ندية للبشرية ~~العانية، سيدتي أخشى أن يمر الزمن، أي قدر ضئيل من الزمن على هذا الوجه وأنا أريده ~~هو الآن. ~~- أتخشى الزمن إلى هذا الحد؟ ~~- قاس لا يرحم الجمال، لو كان الزمن يعقل لمر بجمالك هذا فتركه دون أن يوقع ~~عليه بغضونه أو يلمس شعرك الزاهي المتكبر بثلجه، ولكن الزمن يمر ولا يعفي أحدا، ~~وأريد أن أرسمك قبل أن يمر. # وارتسمت في عينيك أمواج من الخوف وأمواج من الفرح وازداد بهما الشعاع وقلت: لك أن ~~ترسمني. # أنت لم تعرفي أي أمل حققته بألفاظك القليلة هذه، والتقينا بعد ذلك وكانت صورتك ~~التي كتب عنها النقاد أضعاف ما كتبوا عن صوري جميعا وبلغت من المجد فوق ما كنت ~~أهفو إليه. ولكن شيئا من هذا لم يجعلني أطير بهذين الجناحين اللذين كنت أطير بهما ~~وأنا أرنو إليك في أول لقاء، أو هذين اللذين كنت أطير بهما وأنا جالس إليك، لقد ~~عبدت الله المصور في صورتك، وأحببتك آية من آيات الفن الأسمى الإلهي، أحببتك منحة ~~من السماء وأحببتك أملا لي وأحببتك جمالا لا يطاوله جمال، وحاولت أن أخطبك ولكنك ~~رفضت، لم أكن أتوقع هذا الرفض أبدا، نعم عرفت عن ماضي أيامك هذه الخطبة الفاشلة ~~التي أرادها طامع في مالك، ولكنك تعلمين أني لا أطمع في مالك، أتراك من أجل غلطة ~~واحدة من الزمان تعرضين عن الحياة ومن أجل خطيئة واحدة من رجل ترفضين جميع ~~القاصدين إليك؟ لا أظن. # فمن تستقبل الحياة إن لم تكن أنت؟ وعلى من تقبل الحياة إن لم تقبل عليك أنت؟ ~~أنت في جمالك هذا الشاهق الأبي، وفي شبابك هذا الزاخر بالحياة، اجعلي مني حياتك ~~فأنت كل حياتي. # ولم يعرف خطها على الظرف؛ فقد كانت المرة الأولى التي تكتب فيها إليه. وبيد مرتجفة أمسك ~~بالخطاب: # لكم تشبه يا صديقي ذلك الفتى الذي تقدم ms22 إلى خطبتي طامعا في مالي. لا تجزع، فإنك ~~مثله لا فارق بينكما ولا اختلاف، لقد أحب كل منكما شيئا زائلا مني، أحب هو المال ~~وما أسرع ما يزول المال، وأحببت أنت الجمال وما أسرع ما يزول الجمال. وأنت تعلم ~~وأنت تذكر كم كنت ملهوفا على رسم صورتي قبل أن تمر بي الأيام فتطمس جمال وجهي ~~وتذهب بشعري المتكبر المزهو. أنت شبيه بذلك الفتى كلاكما أحب زائلا. أنت يا ~~صديقي لم تحبني أنا، أنا جميعا بكل شيء في، بروحي وجمالي وفكري وكل ما يكون هذا ~~الكيان الذي أمثله في هذه الحياة، لو أنك يا صديقي أحببتني جميعا إذن لهدأ خاطري ~~واطمأن ولقبلتك زوجا قائلة لنفسي، إن ذهب الجمال بقيت الروح وإن ذهب المال بقي ~~الفكر، ولكنك وا أسفاه، لم تحب إلا جمال وجهي فقط، وما أسرع ما يزول، أجل ما أسرع ~~ما يزول. # أنت يا صديقي أحببت في مجدك وأحببت في صورتك التي رسمتها، وأحببت في رأي ~~النقاد في عملك، ولن يبقى من هذا جميعه شيء، ستجدد مجدك بصورة أخرى وسيقول النقاد ~~عما سوف ترسمه كلاما ينسيك ما قالوه عن صورتي، ولن يبقى مني لك إلا وهم تقف دونه ~~من الأيام سدوف وضباب. # لقد التقى جمال وجهي بريشة الفنان فيك ولن يخلق هذا اللقاء حبا. لو التقت الروح ~~مني بالروح منك، لو التقيت أنا جميعا بك لكنت الآن سعيدة، ولكنت الآن آمنة حين ~~أقول لك إني أقبلك زوجا. # إني يا صديقي قد أحببتك، وقد أحبيت فيك شيئا خالدا، أحببت فنك، وفنك هو روحك، ~~ولكم كنت آمل أن أجد خطابك هذا الذي قرأته والذي أرده إليك يخبرني أن لي عندك ما ~~لك عندي، ولكنك، وهذا ما أحبه فيك، صريح لا تبدي إلا ما تخفي، ولقد وجدتك تحب في ~~شيئا أنا واثقة أنه لن يدوم. فأيام الربيع قصيرة، وهي للمرأة أشد قصرا، فإن جاء ~~الخريف وتلاه الشتاء وبحثت حولي ولم أجدك فوا ضيعتي يوم ذاك، وا ضيعتي! إنني أيها ~~الصديق الحبيب ممن يعدون ms23 للشتاء منذ هم بالربيع، ولكم يؤلمني أن أخبرك أنني لن أقبل ~~عرضك هذا؛ فالشتاء وخاصة شتاء المرأة بارد قارس باهت وما أحب أن ألقاه وحدي، لقد ~~نعمت بما نلته منك. وبحسبي هذا من جمالي ذكرى. ولن أقول وداعا، فإنني أحب دائما ~~أن أراك، وسأظل دائما أراك؛ فالصداقة تستطيع أن تمتد إلى كل الفصول، فإلى اللقاء، ~~إلى لقاء دائم. # | عودة الزغاريد # وكانت فايزة تحس بنظراته سواء كانت تراهما أو كانت مولية له ظهرها، كانت تحس ~~النظرات ولا تراها. # كانت الحاجة زكية لا تترك فرصة دون أن تطالب زوجها الحاج عبد الرحيم العجل بأن يزوج ~~ابنهما مدبولي الذي تجاوز مطالع الشباب والذي ترى أمه أن زواجه قد تأخر. # ولم يكن الشيخ عبد الرحيم يؤجل طلب زوجته عن فقر؛ فهو بحمد الله غني يملك عشرة أفدنة ~~تنتظر الزيادة. وما كان يماطلها عن بخل؛ فهو يحب ابنه أشد الحب ولا يرجو من حياته شيئا إلا ~~أن يسعد ابنه الوحيد هذا، بل إن السبب الحقيقي الذي من أجله لا يريد الشيخ إتمام الزواج هو ~~هذا الحب الذي يكنه لابنه، وقد كانت مطالبة زوجته تزيده إصرارا على التأجيل الذي قد يصل ~~إلى الإحجام، وكيف يقبل على تزويج ولده وهو ينظر إلى أمه هذه العجفاء التي لا يكاد جلدها أن ~~يخفي عظامها. كومة من العظام حاول على السنين الطويلة، الطويلة جدا، أن يكسوها لحما فلم ~~تفلح محاولاته جميعا. # لا يزال الشيخ عبد الرحيم يذكر ذلك اليوم الأغبر الذي أخبره فيه أبوه أنه كبر وأصبح لا ~~بد له من الزواج عملا بالحديث الشريف: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج.» ولم يصبر أبوه ~~حتى يختار هو العروس بل اختيرت له وتم الاتفاق على زواجهما دون أن يراها، ودخل بها، وكانت ~~ليلة أسود من الحبر، كانت عظاما ولم تكن زوجة، وقد كانت أحلامه، كل أحلامه أن يتزوج من ~~امرأة، امرأة ثقيلة الأرداف حتى لا تستطيع حملها، إذا أمسك بذراعها غاصت أصابعه في تجاويف ~~وكهوف من البشرية الحية الطازجة، فإذا زوجته هذه ms24 العجفاء الهزيلة، وصبر نفسه وقال قد ~~أستطيع على الأيام أن أسمنها؛ فأنا في تسمين العجول بارع مشهود لي في القرية جميعا. ولكن ~~براعته في تسمين العجول لم تجد شيئا في تسمين الزوجة. # وعاش معها عشرين عاما تزيدها الأعوام هزالا وتزيده هو يأسا وضيقا بالزواج. وقد جعله ~~ينصب نفسه مبشرا ضد الزواج؛ فلا حديث له إلا أن ينفر الشباب من الإقدام على نصف ~~دينهم، وهو لا ينتهي عن ذكر الأيام الحالكة الظلمة التي قضاها في ظل زواج جاف من امرأة ليس ~~فيها من صفات المرأة إلا أن اسمها في دفتر المواليد أنثى. # لم يحقق الزواج إذن من أحلام الشيخ عبد الرحيم شيئا، وإنه يريد ابنه أن يستمتع بحياته ~~ويخشى عليه أن يلقى في الزواج ما لاقاه أبوه من أهوال تطالعه بها الحاجة عزيزة التي ازدادت ~~على الأيام عظاما وازداد وجهها غضونا، وازداد زوجها منها نفورا ولها كرها. # ولم يكن الشيخ يجد شيئا يفرج كربه منذ أيام زواجه الأولى إلا أن يظل ليله يستمع إلى ~~فتيان القرية الذين أصبحوا على الأيام شيوخا مثله وهم يروون مغامراتهم مع نساء، نساء ~~مكتملات لا كومات من العظام كتلك التي يتركها في البيت. # وحديث الرجال في القرية لا ينتهي حول النساء؛ فالأفواه لا تمل من ترديده والآذان لا ~~تمل من سماعه. فكيف إذن بالشيخ عبد الرحيم وهو الرجل الذي يعتبر نفسه غير متزوج. # أما مدبولي ابن الشيخ عبد الرحيم فله في الزواج مذهب آخر؛ فهو يفلح الأرض منذ استطاع أن ~~يمسك الفأس. وقد كان يشاهد فايزة وهي تقدم بالطعام لأبيها صالح أبو عرابي الذي يعمل في حقل ~~الشيخ عبد الرحيم. وكان يعجب بقوامها الفارع وبابتسامتها التي تومض ومضا إذا سمحت للخمار ~~الذي تضعه على نصف وجهها أن يسقط، وكان يتدله بهاتين العينين يشع منهما بريق من الحياة ~~ونشوة من الشباب. وكان يظل رانيا إليها وهي مقبلة ثم يظل رانيا إليها وقد حملت الأواني ~~فارغة وعادت بها فلا يمل النظر، وكانت فايزة تحس بنظراته سواء كانت تراها ms25 أو كانت مولية ~~لها ظهرها، كانت تحس النظرات ولا تراها. وكانت تحس معها نشوة تدغدغ فؤادها الغرير، ثم تحس ~~لذعة من الفقر؛ فإن الزواج غير متوقع بينها وبين ابن الشيخ عبد الرحيم الثري القانط من ~~الحياة والكاره للزواج كرها أصبح في مثل شهرة الشيخ نفسه. # وكان مدبولي يعلم أن أباه لن يقبل هذا الزواج؛ فهو يعلم أن أباه لا يحب من النساء إلا ~~المليئات وفايزة في مقاييس أبيه عجفاء لا تصلح للزواج، كما أنه يعرف أن أباه يحب أن يزيد ~~أفدنته العشرة ببضعة أفدنة أخرى تجلبها له زوج ابنه ولن تجلب ابنة صالح أبو عرابي شيئا ~~يزيد هذه الأفدنة، بل هي ولا شك ستكلفه مهرا وليلة زفاف وفما يبتلع قد يصبح مع الأيام عدة ~~أفواه من الأطفال. وهكذا كان مدبولي يدرك أن أباه لن يرحب بهذا الزواج بحال من الأحوال، ~~فلم يجد مناصا من أن يكتم هواه ويتظاهر أمام أبيه أنه يوافقه على رأيه. # وكان من بين أصدقاء الشيخ عبد الرحيم، أحمد أفندي متولي، رجل عاش عمره نصف فلاح ونصف ~~حضري؛ فهو يذهب إلى المدينة كل يوم وللبيت في القرية كل ليلة. وقد تزوج من المدينة وجلب ~~زوجته معه إلى القرية وامتدت صداقات الزوجة بزوجات أصدقاء زوجها، وكانت زكية من بين أولئك ~~الصديقات. وقد استطاع الشيخ عبد الرحيم أن يرى زوجة أحمد أفندي من بعيد، وقد كانت هذه ~~الرؤية البعيدة تكفيه أن يحكم على جمالها فما كان يعنيه من جمالها إلا أنها ذات قوام مليء ~~بل هي تزيد عن القوام المليء؛ فكان يكن لها إعجابا ويكن لزوجها حسدا، وتزداد حسرته ~~بامرأته العجفاء. # وفي يوم قالت زكية لزوجها: يا شيخ عبد الرحيم. # وأجابها في نفوره الذي لا يتغير: ما لك؟ ~~- والدة الست هانم تعيش أنت. ~~- حماة أحمد أفندي؟ ~~- نعم، والمأتم اليوم في البندر، ألا أذهب للعزاء؟ ~~- طبعا، أطلب لك عربة ونذهب معا. # وذهبا، وبينما هما عائدان رأى الشيخ عبد الرحيم في عيني زوجته كلاما يثور بها أن تتحدث ~~فلم يحاول أن ms26 يسألها، حتى إذا بلغا المنزل واستقر بهما المقام أو كاد قالت زكية: أما يا شيخ ~~عبد الرحيم ربنا رضي علينا. ~~- خير. ~~- الست هانم لها ابنة أخت لو أصبحت من نصيب مدبولي، وقاطعها الشيخ عبد الرحيم: يا امرأة ~~حطي في عينك حبة ملح، أتذهبين للعزاء فتخطبين لابنك؟ ~~- يا أخي الحي أبقى من الميت، بنت، أما بنت، مال وجمال. ~~- يا امرأة اعقلي. ~~- والله لو رأيتها لعرفت أنني أنا العاقلة، وأمها تتمنى النسب. ~~- ماذا؟ ~~- أمها تتمنى. ~~- هل سألتها؟ ~~- النسوان يفهمن لغة بعضهن بعضا، أخذت منها في الحديث وأعطيت فوجدتها راغبة فينا أشد ~~الرغبة. ~~- في مأتم أمها! ~~- وما له، أمها مريضة من عشرين سنة، أتنتظر أن تظل البنت عانسا لأن ستها ماتت عن مائة ~~سنة؟! يا أخي أرجو أن نعيش مثل عمرها، أو حتى أقل بثلاثين سنة. المهم أن أم البنت ... # ويقاطعها الشيخ عبد الرحيم: خطبت البنت من أمها في مأتم أم أمها. # وقالت زكية في حزم: نعم، وقبلت، لو رأيتها تعذرني، عود يا شيخ عبد الرحيم. # وقال الشيخ عبد الرحيم في سرعة: هيه، رفيعة. ~~- العفو عود، عود مليء ووجه كالقمر، وأبوها غني. ~~- عرفت الأخبار كلها. ~~- بعد الأربعين نتوكل على الله. # ولم يجب الشيخ عبد الرحيم، ومرت الأيام الأربعون، مرت على الناس جميعا سريعة لا سمة لها ~~ولكنها مرت في بيت الشيخ عبد الرحيم وهو لا يسمع شيئا إلا عن جمال البنت. # علية وحلاوة علية وعود علية وغنى أبي علية وطيبة أم علية، حتى أصبحت علية داء مستعصيا في ~~لسان زكية وفي أذن الشيخ عبد الرحيم وفي حياته. إنها المرأة حين تريد، وقد أرادت زكية ~~فهيهات أن يعصي الشيخ عبد الرحيم؛ كان بين اثنتين: أن يطيع زوجه أو يذهب واحد منهما إلى ~~مستشفى المجاذيب، ولما كان الرجل لا يريد لنفسه ولا لزوجته هذه النهاية فقد أسلم أمره لله ~~وأطاع زوجته. وكلم أحمد أفندي أن يحدد لهم موعدا عند عديلة، وتحدد الموعد وخرج موكب الشيخ ~~عبد الرحيم ليخطب لابن الشيخ عبد الرحيم. # ولو كنت في ms27 القرية يومذاك لرأيت الشيخ عبد الرحيم في عمامته الجديدة وجبته المصنوعة من ~~الجوخ الأخضر وتحتها القفطان الحريري ذو الخطوط الحمراء، ولرأيت الشيخ وقد أفلت ذقنه من ~~الحلاق بعد أن سلخها فهي كالجزرة لولا بعض البودرة التي يعدو عليها العرق فتتناقص. # ولرأيت الست زكية في فستانها الكريب دشين وقد غطته بالمعطف الأسود الحريري واتخذت على ~~رأسها خمارا يدور حول أسفل ذقنها شأن سيدات المدن. # ولرأيت خادمة المنزل في فستان جديد وقد صحبتها الست زكية لتكون مظهر غنى ودلالة سيادة ~~أمام الأصهار، وقد امتنع مدبولي عن الذهاب أول الأمر ولكن أباه تحت وطأة إلحاح أمه أمره ~~فأدخل نفسه في الجلباب الحريري الجديد والمعطف الصوفي الذي وضعه على نفسه على رغم الحر ~~الشديد، وأدخل رأسه في طربوش أحضره له أبوه، وخرج الموكب. # ولم تستطع زكية حين رأت نفسها وزوجها وابنها، والخادمة في العربة ذات الجياد المطهمة لم ~~تستطع أن تملك نفسها فأطلقت زغرودة عريضة تردد صداها في القرية جميعا، ولكنها لم تكتف بها ~~بل ظلت طوال مرور العربة في القرية تطلق الزغاريد، وتفسر لزوجها السبب في كل زغرودة ~~تطلقها، فهذه للحاجة فهيمة حبيبة العمر ولا بد أن تشاركها الفرحة، وهذه لفاطمة العدو اللدود ~~التي كرهتها منذ دخلت القرية، وهذه للحاجة منيرة الحاضنة لتستدعي زغرودتها المشهورة، وهكذا ~~حتى خرجت العربة من القرية. # ولو أنك انتظرت في القرية بضع ساعات لوجدت هذا الركب عائدا كما هو لم يتغير منه شيء ~~أبدا إلا الزغرودة وزكية، كان الركب عائدا بالعربة نفسها وزكية واقفة في العربة وقد رفعت ~~الخمار الذي كان يغطي رأسها وصفحتي وجهها وأمسكت به بيديها كلتيهما وراحت تحركه ذهابا ~~وجيئة خلف رأسها. ثم راحت في الوقت نفسه ترسل الأصوات النائحة الصارخة والكلمات الفاجعة، يا ~~مصيبتي، يا قلة بختي، يا خيبتي عملتها بيدي، وتقلب عينك في الركب فتجد الجميع لم يغب منهم ~~أحد ولم يمت أحد، بل إنك تجد أيضا السعادة في وجوه الجميع. # لقد ذهب الشيخ عبد الرحيم وخطب علية فعلا، الفرق الوحيد أنه لم ms28 يخطبها لابنه مدبولي ~~وإنما خطبها لنفسه، ولعل هذا يفسر لك كل شيء من حزن زكية ونواحها إلى سعادة الآخرين ~~وفرحهم. # فالشيخ عبد الرحيم فرح لأنه حقق أمله آخر الأمر. ومدبولي فرح لأن أباه قبل أن يزوجه فايزة ~~مقابل أن يتزوج هو علية، والخادمة فرحة لأن فرحين سيقامان في المنزل بدلا من فرح ~~واحد. # | وجهات نظر # ولم أستطع السكوت، فهاجمتها في عنف، وثبت إلى ذهني الابتسامات التي تومض وتختفي، ووثب ~~إلى ذهني ذلك الرجل الذي يلازمها ولا يتركها، فثرت. # قالت الزوجة: نعم إنه كان يشتري لي كل ما كنت أتمنى أن ألبسه، فساتين ومعاطف من فراء ~~الثعلب ومن فراء أجنة الخراف ذلك الذي نقول عنه الأستراكان شديد الغلاء، ومعاطف من الزبلين ~~والأرمين والفيزون، لا أدري ما هي هذه الأنواع من الفراء، أو أنني على الأقل لم أكن أدريها ~~وإنما لبستها جميعا، وأثرت بها من الإعجاب ما أثرت، بل أثرت بها أيضا الحسد والحقد في ~~نفوس الصديقات وغير الصديقات، وكان يشتري لي المجوهرات والحلي، من الماس واللؤلؤ والزمرد ~~وغير هذا من الأحجار التي يخالها الناس لروعتها صناعية وهي حقيقية بعيدة الجذور والأصول. ~~وكنا نقطن مسكنا إن رآه مخرج السينما لأخرج عنه فيلما وأسماه بيت الأحلام، أثاث من شتى ~~الدول وبيوت الأثاث في العالم أسهمت فيه بأوفى نصيب، وكانت السيارة لا تكمل العام عندنا؛ ~~فهي دائما أحدث طرازا وهي دائما أغلى نوعا. # وأشهد لم يكن زوجي زير نساء، وأستطيع أن أقول عن ثقة إنه لو أحب أن يكون زير نساء لأتاحت ~~له نساء كثيرات - وكثيرات جدا - أن يتحلى بهذا اللقب، ولكنه لم يكن، وقد كان زوجي لا يشرب ~~الخمر إلا في حفلات تضم قوما تصله بهم مصلحة عمل، وكان حينذاك حريصا كل الحرص، خبيرا ~~عميق الخبرة، فإن كان للناس الذين تربطهم به مصلحة ميل إلى الشراب فهو يقدمه لهم إن كانوا ~~في بيته، وهو يطنب في وصف المشروب الذي يقدمه، ويتحدث عنه في إحاطة وعلم ومرونة، وإن كان ~~هؤلاء القوم من الذين يميلون ms29 إلى الصلاة وذكر الله والتمثل بآياته، فهو حينئذ يمسك ~~بمسبحة من المرجان الأحمر ذات حلية من خالص الذهب، ثم هو يدير الحديث إلى النحو الذي ~~يستهويهم؛ فيتحدث بالإحاطة والدربة والمرونة نفسها التي يتحدث بها عن الخمر وأنواعها، وإذا ~~أبدى أحد الجالسين إعجابه بالمسبحة نظر إلى هذا المعجب فإن كان ذا مكانة قد تنفعه، عاجل ~~يهدي إليه المسبحة، ويصر على هذا الإهداء، حتى يأخذها المعجب، وإن لم يكن ذا مكانة كبرى ~~استطاع في لباقة أن يلوي الحديث إلى وجهة تبعده عن المسبحة. وكان منظر زوجي طريفا حين يدعو ~~إلى بيته فريقين ممن يرجو لديهم نفعا، أحد الفريقين من هواة الخمر، والفريق الثاني من ~~هواة الدين، فكنت تراه يمسك كأسه بيد، وإحدى مسابحه المرجانية باليد الأخرى، ويدير الحديث ~~على الناحيتين موجها إلى كل فريق الحديث الذي يرضيه. # كانت مصالحه هي كل شيء في حياته، وما كان هذا ليغضبني لولا أنني وجدت نفسي في بيته مصلحة ~~من مصالحه، ووسيلة من وسائله للبلوغ إلى أغراضه؛ فهو لم يقدم لي هدية من حلي أو ملابس إلا ~~وشفعها بجملته الخالدة أحضرت لك هذا لأننا سنتناول العشاء الليلة عند فلان بك، أو فلان ~~باشا. # كان يخيل إلي أنني معرض يضع عليه غناه ليرسل الثقة بما ألبس أو أتحلى به إلى نفوس ~~المتعاملين معه. لم ألبس شيئا غاليا إلا لأعرض على فلان أو فلان من الناس، لم ألبس شيئا ~~له ولم ألبس شيئا لنفسي، ولم ألبس شيئا لأنني أستحقه، ينسى عيد ميلادي وعيد زواجي وأعياد ~~ميلاد أولادنا، ولكنه لا ينسى أبدا أن يحمل لي معطفا أو حلية غالية؛ لأننا سنتناول العشاء ~~أو الغداء في مكان يضم قوما ذوي أهمية. # وكانت حياتي معه أشبه ما تكون بحياة الزائرين الرسميين في البلاد الأجنبية؛ فهو كل صباح ~~يطالعني ببرنامج اليوم من زيارات ومواعيد؛ فأترك بطاقة في بيت فلان، أو ألبي دعوة من ~~فلان، أو أدعو فلانا آخر إلى وليمة، قد يجد الزائر الرسمي ضمن البرنامج فترة يقضيها في ~~حرية ليشاهد معالم ms30 المدينة التي يزورها، أما أنا فلم يكن لي هذا الحق، فالبرنامج لا يفوت ~~يوما، والبرنامج كامل لا يترك ساعة، وقد يداخل الزائر اليومي أمل أن تنتهي الزيارة الرسمية ~~ويعود إلى بلاده وحريته أما أنا فلا أمل لي؛ فهو زوجي ومصالحه تزداد كلما تقدمت به الأيام، ~~والبرنامج ثابت لا يتغير فيه إلا الأشخاص. # تقطعت صلتي بالبيت، تقطعت صلتي بالأولاد، وأصبحت جزءا من سيارته، ومعرضا لغناه، ووسيلة ~~لآماله. # ومرضت يوما فاعتذرت عن عدم تنفيذ البرنامج، لازمت سريري وجاء هو من الخارج وسأل أمه عني، ~~فقالت إنني خرجت، ولكنه دخل فوجدني نائمة في السرير فسألني: أين كنت؟ ~~- هنا. ~~- أمي تقول إنك خرجت. ~~- لم يحصل. ~~- أمي لا تكذب. ~~- وأنا لم أخرج. # وشتمني وشتمته، وتركني وخرج، قمت إلى ملابسي فجمعتها وخرجت تاركة الحلي والمعاطف لتنفع ~~زوجته القادمة في الدعوات التي ستلبيها. # ولم يطل بي الانتظار في بيت أبي فقد جاءت ورقة الطلاق. ~~••• # وقال الزوج: لا أعرف سيدة تملك من الفراء أو الحلي ما كانت تملكه زوجتي، لم أقدم إليها ~~إلا أغلى الأشياء وأثمنها. ولم أر يوما ابتسامة شكر على وجهها، لم ترض عن شيء أهديته ~~إليها، لم أر في عينيها تلك السعادة التي طمعت يوما أن أراها في عينيها، لم يكن ينقصها ~~شيء، ولكنها مع ذلك كانت ساخطة دائما مغضبة دائما، لا ترضى ولا تدع لي فرصة أهنأ فيها ~~بالسعادة التي حاولت أن أخلقها في بيتنا بالمال الوافر الذي بذلت في سبيله دمي ~~وأعصابي. # كان الأصدقاء يدعوننا إلى الحفلات فتعتذر بوعكة، أو تدعي المرض، وحين أعود أجدها قد ~~خرجت مع أصدقاء آخرين، وإذا سألتها أين كنت ثارت وغضبت وراحت تصرخ في وجهي؛ فأسكت أو أذهب ~~إلى أمي في غرفتها حتى تنام زوجتي فأعود إلى غرفتي، وكنت أخشى أن أطلقها فأجني على أولادي، ~~وإن كان هذا التفكير في ذاته يحتاج إلى إمعان؛ فهي لم تكن تهتم بالأولاد ولا تعبأ بهم، بل ~~كنت أنا أراقب سيرهم في الدراسة، وأرعى من أمرهم ما لا ترعاه هي، وإن شغلتني ms31 الحياة قامت ~~أمي على شأنهم في حدب يفتقدونه في حضن أمهم فلا يجدونه، إلا أنني - مع ذلك - كنت واثقا أن ~~الأم ضرورة للأولاد لا يطيقون عنها غناء؛ فصبرت طالما ألحت أمي أن أقسو أو أطلق، فكنت ~~أتغاضى عن قولها وأصبر؛ فالطلاق في حياة رجال الأعمال فضيحة، وأنا لا أحب أن يلوك الناس ~~اسمي؛ فقد يؤثر هذا على مصالحي وعلى أولادي. # تكرر منها الاعتذار عن الحفلات التي تدعى إليها، وتكرر اعتذاري أنا أيضا بمرضها، وكنت ~~ألمح على الوجوه التي تسمع الاعتذار شبح ابتسامة لا تبدو حتى تفنى، ولكن بعد أن تترك في ~~نفسي هاجسا قوي الوخز ثم لاحظت أنها تلازم مجموعة معينة في خروجها، ولاحظت أن بين هذه ~~المجموعة رجلا في مثل سنها غير متزوج، ولاحظت أن هذا الرجل بالذات هو الذي يأتي بها إلى ~~البيت، ولا يفارق الجماعة حتى تفارقها هي، وداخلني الشك ولكني أبعدته عن نفسي بحرصي على ~~بيتي وسمعتي وسمعة أولادها، أولادي. # وفي يوم ادعت المرض وخرجت إلى عشاء كنت مدعوا إليه عند «...» باشا، وحين رجعت ذهبت إلى ~~أمي أسألها هل زوجتي بخير فأنبأتني أنها لم تعد إلا منذ دقائق، وقصدت حجرة نومنا فوجدتها في ~~السرير. ~~- أين كنت؟ ~~- هنا. ~~- أمي تقول إنك خرجت. ~~- لم يحصل. ~~- أمي لا تكذب. ~~- وأنا لم أخرج. # ولم أستطع السكوت، فهاجمتها في عنف، وثبت إلى ذهني الابتسامات التي تومض وتختفي، ووثب إلى ~~ذهني ذلك الرجل الذي يلازمها ولا يتركها، فثرت، وتركت لها الحجرة لأنام في حجرة أخرى. وفي ~~الصباح كانت قد غادرت البيت تاركة المجوهرات والفراء. وكانت الابتسامات ما تزال تلح على ~~تفكيري، وكانت صورة صديقها ما زالت ماثلة أمام عيني، فطلقتها. ~~••• # وقالت أم الزوج: لم أر رجلا كان يهتم بزوجته مثل ما كان يهتم ابني بزوجته، ولم أر ~~امرأة تقابل الهدايا الثمينة التي يقدمها إليها زوجها بهذا البرود والتعالي اللذين كانت ~~تقابل بهما زوجة ابني هدايا ابني، ومع ذلك لم يكن ابني يكف عن إحضار الهدايا إليها، ولم تكف ~~هي عن برودها وتعاليها ms32 ، ولو اقتصر الأمر على ذلك لهان، إلا أنها كانت تهمل أولادها، أولاد ~~ابني، فأقوم أنا على شأنهم، وأرعى أمرهم مع أن صحتي لا تحتمل هذا، ولكن ماذا كنت أفعل وأنا ~~أراهم ضائعين، ولا يهتم بهم أحد أو يراقب مأكلهم وملبسهم إلا الخدم. وانتهى بهم وبي الأمر ~~أنني كنت أقرب إليهم من أمهم، يحبونني أكثر من حبهم لها، ويلجئون إلي في مطالبهم، ولا ~~يلجئون إليها، فما كانوا ليجدوها في البيت لو أرادوا اللجوء إليها. # ولو كانت تصاحب زوجها في الدعوات التي يضطره عمله إلى تلبيتها لسكت؛ فإن ابني من رجال ~~الأعمال الكبار، وأصدقاؤه من الأغنياء ذوي الجاه والسلطان، ولكنها مع ذلك لم تكن تأبه ~~بهؤلاء الأصدقاء العظام، بل كانت تخرج دائما مع أصدقاء لها، لا هم في العير ولا في النفير، ~~ومع ذلك لم أكن أتكلم، وكم، وكم جاءني ابني يشكوها إلي فكنت أقول لا عليك يا ابني إنها ~~زوجتك على كل حال وأم أولادك فاحتملها؛ فيسكت - يا عيني يا ابني - ولا يتكلم. # إلا أنني سمعت من صديقاتي أن همسا يدول حول صلة بين زوجة ابني وبين صديق لها في الجماعة ~~التي تخرج معها دائما. وسمعة النساء هي شرفهن وشرف أزواجهن وأولادهن، ماذا أفعل؟ إن كان ما ~~سمعت صحيحا فهي مصيبة، وإن لم يكن صحيحا فإن هذه أمور الكذب فيها كالصدق، والسمعة هي ~~ألسنة الناس، وما دامت الألسنة تتحرك في الأفواه فالفضيحة واقعة، يستوي في ذلك الكذب ~~والصدق، هل أخبر ابني؟ لم أجرؤ فقد أشفقت عليه أن أفعل. أأطلب إليه أن يطلقها؟ سيسألني ~~لماذا وقد كنت تدافعين عنها. # وجاءت من عند ربنا، عاد يوما من عشاء كان مدعوا إليه، ولم تذهب هي بدعوى المرض، وسألني ~~عند عودته عن صحتها، فأخبرته أنها لم تعد إلا منذ قليل، ولم أكن كاذبة، الحمد لله لقد أصبح ~~ابني سعيدا في بيته، ولم يشعر الأولاد بنقص في حياتهم. ~~••• # أتسألني ما الحق في هذا جميعه؟ وهل أدري؟ وكيف أدري؟ أتستطيع أنت أن تدري؟ # | أستغفر الله # وبلغت به ms33 الجرأة أنه صار يعلق البندقية على كتفه ويطلب البهائم في رائعة النهار، ~~فإذا مقودها في يده ثم ما هي إلا يوم أو بعض يوم حتى تلحق به الفدية. # بكرت الشمس إلى مكانها من السماء فوجدت جماعة من قرية المهدية قد خرجوا من ديارهم وأخذوا ~~سمتهم إلى طريق القرية الرئيسي الذي يؤدي إلى موقف السيارات العامة، وكأن بينهم اتفاقا ~~صامتا على المكان الذي يقصدون؛ فقد ألقى كل منهم إلى الآخر تحية وحاول كل منهم ما وسعه ~~الجهد أن يكسو صوته برنين من الفرح. وساروا طريقهم. كانوا خمسة رجال؛ عبد الصمد الحياني ~~ومسعود عبد الخالق وراضي عبد الرحمن والسيد أبو الليل ومحمد العضل، وكانوا يقصدون إلى السجن ~~ليستقبلوا سعد الله الحياني بعد أن قضى في السجن خمسة عشر عاما لارتكابه جريمة ~~سرقة. # فأما عبد الصمد فهو أبو سعد الله، وأما مسعود وراضي والسعيد أبو الليل فهم أفراد العصابة ~~القديمة، وأما محمد العضل فهو شاب لم يتعد الثانية والعشرين من عمره. أطبق الصمت عليهم بعد ~~أن تبادلوا التحية وذهل كل منهم إلى الماضي والحاضر والمستقبل يفكر فيما كان وما هو كائن، ~~وما يحمله خروج سعد الله من جديد على حياته. # أما عبد الصمد فهو يدعو الله أن يهدي ابنه إلى صراط مستقيم؛ حتى يتيح له الأمن على حياته ~~ومستقبله، وما تلبث الآمال أن ترنو إليه بعين طيبة. خمسة عشر عاما لا شك أنها قد هدت ~~العاصي وأسلست من طباع سعد الله ما كان جامحا، وها قد تهيأ له من الأرض ما يكفيه فلو ~~أنه فلح أرضه لاستغنى عن الليل وما فيه من سرقات مضرجة بالدماء، أكان سعد الله يسرق للمال ~~أم هو حب المخاطرة والتلهف على مديح من معه، والحرص على هذا الخوف يشيعه في كل من حوله من ~~ناس وبلدان، ولكن خمسة عشر عاما قد مضت فأي طريق يا ترى يسير فيه سعد الله؟ وأما مسعود فقد ~~كان يفكر في خروج سعد الله تفكيرا يختلف كل الاختلاف عن تفكير عبد الصمد؛ فقد ms34 قضى هذه ~~السنوات يفلح الأرض في غير معرفة بأسرارها فامتنعت الأرض أن تكافئ جهده؛ فهو منذ ذلك الحين ~~في فقر مدقع صاحبه احتقار قوم كانوا يظهرون له الولاء في ظل سعد الله حتى إذا خلوا به ~~بعيدا عن زعيمه أنزلوا به المذلة والهوان، وقد كان يعلم أنه لا يقدر على الليل وحده فهو ~~منذ بدأ حياته فيه تعود أن يكون مقودا غير قائد. وهكذا رضي عن المخاطرة التي تعود عليه ~~بالربح الوافر بكسرة من خبز يغمسها في الزجر العنيف الذي يأخذه به صاحب الأرض متولي العضل، ~~فهو اليوم في فرحة غامرة، لقد عادت أيام المجد أو هي بسبيلها أن تعود، ولينزلن الأهوال بكل ~~هؤلاء الذين اعتدوا على كرامته وليكونن متولي العضل في الطليعة منهم. # وأما راضي عبد الرحمن فهو حائر لا يدري مصيره؛ فهو في هذه السنوات قد أخذ نفسه أن يقوم ~~بالسرقات الصغيرة التي لا تحتاج إلى كثير من شجاعته، وليس يدري اليوم أيستطيع أن يخاطر ~~بحياته مرة أخرى ويشارك سعد الله في مغامراته التي تغلب عليها الجرأة المجنونة التي لا تعبأ ~~بالعواقب؛ فلقد تزوج وأصبح له طفلان وهو يريد لهذين الطفلين أن يجدا أباهما حتى يشتد عودهما ~~ويتمكنا من لقاء الحياة. # وأما السيد أبو الليل فقد تجشم المسير حفاظا على الود القديم، فما عاد له من الليل ~~مأرب فقد أصبح اليوم عجوزا يتوكأ إلى الستين من عمره. # وأما محمد العضل فهو ابن متولي العضل شب منذ وعى الحديث وهو لا يسمع من مسعود حديثا ~~إلا حديث سعد الله وأيام مجده الأول؛ فأحلامه منذ ذلك الحين ومسالك فكره لا موضوع لها إلا ~~سعد الله؛ إن نام رآه وإن صحا تخيله، وإن لعب مع الأطفال كانت اللعبة حوادث سعد الله، إذا ~~سعى به السن إلى الشباب كان سعد الله مثله الأعلى. # وشاءت الأقدار أن يكون محمد العضل ضامر الجسم هزيلا ضئيلا، وأدرك - منذ توقف جسمه عن ~~النمو - ألا سبيل له أن يكون شبيها لسعد الله أو رفيقا له في مغامراته ms35 ؛ فالتفت إلى أرض ~~أبيه يزرعها فأتقن زرعها وأخذ يحمل عن مسعود بعض عبئه راضيا أن يكون الثمن حديث مسعود عن ~~سعد الله، فما منعه ضعف جسمه أن يحب سعد الله بل لعل هذا الضعف قد زاده حبا له وإقبالا ~~على الحديث يجري عنه؛ فهو لهذا يتخذ سبيله مع هؤلاء القوم ليرحب بالقادم العزيز ويراه في ~~أول لحظة يتمكن فيها من رؤيته، لا يريد أن تفوته هذه الفرصة التي قضى الأعوام الطوال في ~~انتظارها. # وبلغ القوم السجن والشمس تعلن الظهيرة، ولم يطل بهم الانتظار حتى خرج إليهم سعد الله ~~الحياني. وتعانق الأب وولده ثم فرغ سعد الله إلى أصدقائه حتى إذا بلغ إلى محمد قدمه إليه ~~مسعود بأنه ابن متولي العضل؛ فصافحه وأشار الأب إلى سيارة أجرة قريبة من السجن وركبوا فيها ~~جميعا واتجه الركب إلى القرية. وحين اقتربت السيارة من المهدية وجدوا جماعة كبيرة من الناس ~~منتظرة بظاهر البلدة تعلن فرحها بالطبل والمزمار. وأصر المستقبلون أن ينزل سعد الله من ~~السيارة ويدخل بلدته بين مظاهر الحفاوة هذه التي ينتظرونه بها، وكان ما أرادوا. # وحين استقر بهم المقام في بيت عبد الصمد دار الحديث بعيدا عن السجن وإنما هي أنباء ~~القرية وما جرى فيها. واستمع سعد الله واستمع ولكن سؤالا ما يزال يلح عليه إلحاحا غير ~~هين يريد أن يلقيه ولكنه ينتظر من القوم أن يفصحوا عنه دون سؤال، ولكن الأحاديث تدور ~~والأنباء تلقى إليه واحدا بعد الآخر، وليس عن جواب هذا السؤال كلام. وكأنما دبر القوم ~~مؤامرة صمت فيما يتصل بهذا الموضوع، وطال صبر سعد الله وطال حتى لم يعد يستطيع صمتا: أين ~~عبد الهادي الأكتع؟ # وكأنما كان الحديث آلة عظيمة الضجيج أصابها العطب فجأة فهوم الصمت المفاجئ على أجزائها، ~~صمت الجميع ونظر كل منهم إلى الآخر وعاد سعد الله يقول: خير يا جماعة، هل أصابه شيء؟ # وعاد الصمت مرة أخرى وعاد سعد الله يقول: لا بد أن شيئا أصابه وأنتم تخفون، لا يمكن أن ~~يتأخر الأكتع عن لقائي. # وكان ms36 سعد الله محقا؛ فعبد الهادي رفيق العمر، لعب وسعد الله في الملعب الصغير في ظل ~~الطفولة، ثم كان صديقه الأول ويده اليمنى في مغامراته، لقد صاحب سعد الله حياة الأكتع ~~جميعا، بل لقد شاهد الحادثة التي جعلت اسمه الأكتع. في ذلك اليوم السحيق البعد من تاريخها ~~يوم داست الجاموسة على ذراعه وتناوله حلاق الصحة بما زاده سوءا، حتى إذا أدركه الطبيب أصلح ~~ما أمكنه إصلاحه من الذراع المهشم فظل عبد الهادي بعد ذلك بذراع ينثني ولا يمتد، ولم ~~تكتف القرية بهذا الذي أصابه وإنما أطلقت اسم الأكتع فلازمه وظل يكبر معه ومع الأيام حتى ~~اندثر اسمه الأصلي وهو عبد الهادي أبو جراد. وحين كان سعد الله يمازحه: أراك لم تغضب من قول ~~الناس عنك الأكتع. # فكان يقول في ابتسامة خالية من الغضب: الحقيقة أن اسم الأكتع أحسن عندي من اسمي الأول. ~~فسعد الله محق إذن حين يسأل عن الأكتع ويلح في السؤال، ولم يجد مسعود بدا آخر الأمر من ~~أن يقول: لقد كون عصابة وأصبح رئيسها، وأظنه يخشى أن يجيء حتى لا تجعل منه مساعدا مرة ~~أخرى. # وتصعق القوم دهشة آخذة حين يجدون سعد الله قد انفجر ضاحكا مقهقها لا يتوقف ثم يقول ~~والضحكة ما زالت عالقة بألفاظ حديثه: لا، حد الله بيني وبين هذا، دعوه يأت، فلن يجد عندي ~~ما يخشاه. # ويفرح الأب بهذه الإجابة تدنيه من الأمل الذي طالما داعبه، وتهدأ الحيرة في خاطر راضي ~~ويقول في نفسه بركة يا جامع، ويأخذ الجزع بمجامع مسعود فإنه يرى الأمل الذي عاش له طول هذه ~~الفترة يوشك أن يولي، ولكنه ما يلبث أن يقول لنفسه يطمئنها لعله ينتوي أمرا جليلا لا ~~يصلح له الأكتع وتوشك نفسه أن تصدقه. ويظل محمد العضل حائرا لا يدري ما يقصد إليه سعد الله ~~بهذا الحديث الذي يسوقه. # ويأتي الغداء فهو غداء ضخم فخم يتصدره خروف بأكمله، ويعود الحديث إلى الضجيج يصاحبه ضجيج ~~آخر من مطالب الطاعمين حتى إذا رفعت الأطباق والصواني علا في السماء ms37 صوت الأذان فإذا بسعد ~~الله يصاحب كلمات الأذان: الله أكبر، الله أكبر، هيا يا أبي تقدمنا لنصلي العصر. # وبقلب مليء بالفرح تقدم عبد الصمد وخلجات السرور تهز صوته هزا: الله أكبر، الله ~~أكبر. # وانتظمت الصفوف من خلفه ولكن مسعود لا يطيق. لم تعد الأيام القادمة تحمل له من المجد ~~الضائع شيئا فهو ينفتل من باب البيت ويلحق به محمد العضل، أهذا هو سعد الله! ها هو ذا يقيم ~~الصلاة شأن القرية جميعا، لكم غررت به الأحلام. # شاع أمر سعد الله بين الناس، وتسامعت القرى من حوله أنه قد تاب إلى صراط مستقيم وأنه يقيم ~~الصلاة ولا يقبل الحرام، وباركوا منه هذه التوبة وفرح هو بمباركتهم، وسعت به وبهم الأيام، ~~عجيب أمر هؤلاء الناس ما له يرى من كان يحييه خائفا مرحبا قائما غير جالس قد أصبح ~~اليوم يلقاه في يسر وهدوء وجالسا غير قائم؟ أتراه اختار طريقا غير جدير به؟ أين التحايا ~~الهاتفة؟ أين الترحاب المشرق، أين الإجلال والإكبار حيث بدا؟ أين هذا جميعه؟ بل إن بعضهم قد ~~زاد الهوان هوانا فأصبح يطالب بحقه في ري أرضه قبل أن تروى أرض سعد الله، وإن بعضهم ~~ليطالب بالجرن قبل أن يدرس قمح سعد الله، حاول أن يقول «اختشوا» أو «النار لا تأكل حطبها ~~كله.» أو يقول أنا سعد الله، فلا يرى إلا ابتسامة متهافتة ووجها مزورا وحديثا على الشفاه ~~يوشك أن يقول: «كان زمان»، لولا أن تمسك به بقية من خوف أو بقية من ذكرى. # بل إن مسعود لم يعد يأتي إليه فإن مر أحدهما بالآخر فتحية عابرة لا أثر فيها من الماضي ~~الطويل، بل الأدهى من ذلك، محمد العضل الذي أحس في أول لقاء لهما أنه يحمل له إكبارا ~~وتقديسا، هذا المحمد العضل الهزيل الضامر القميء ينظر إليه في سخط وكأن بينهما ثأرا ~~دفينا. هيه يا دنيا، أهكذا، ألا بد لي أن أحمل السلاح الصاخب القاتل حتى أنال التبجيل ~~والاحترام؟ أما يكفي سلاح الإيمان والطيبة؟ والاسم القديم ألا يكفي؟ ألا ms38 يكفي؟ # تحمل سعد الله هذه الأيام في صبر راض نفسه عليه، لا يبدو منه غير الصمت، ولكنه في ~~دخيلته كان مرجلا يغلي، وكان يحس أنه يصبر فيزيده شعوره بأنه يصبر ثورة على ثورته. # وفي يوم صحا سعد الله من نومه فلقيه من أهله وجوم وصمت، ما لبث أن عرف أسبابه، لقد سرقت ~~البهائم في الليل، جاموسة وثور وبقرة. # لم يكن بين البركان في نفسه وبين أن يثور إلا قشرة رقيقة إن هي انتزعت فهي الثورة الآخذة ~~الماحقة. ولم يكن ما انتزع قشرة. وإنما هي ضربة تغور في أعماق النفس وتغور حتى تصل إلى ~~القاع، هل قدر لسعد الله أن يقبل هذا؟ لا، ودون ذلك الحياة والموت. # لم يتمهل سعد الله فقد طالما تمهل، انطلق إلى مسعود: سلاحك عندك؟ ~~- نعم. ~~- هاته واتبعني. # وانسعر سعد الله الهادئ الطيب ليعود سعد الله الجامح الذي لا يقف به أحد أو شيء، هو ~~النار، قتل الأكتع أول ما قتل واسترد بهائمه، ثم أصبح يقتل الناس ويأخذ بهائمهم، ثم أصبح ~~يأخذها ويردها بعد دفع الفدية عنها، ومحمد العضل يتسمع هذه الأنباء فتعود نفسه إلى ~~إكبارها لسعد الله ويزداد الإكبار ويزداد؛ فقد أصبح يسمع الأحداث ويشهد آثارها، وإنه اليوم ~~ليتقرب إلى سعد الله ولكن سعد الله اليوم يشيح عنه في عزة واستكبار، وعادت القرية تقف ~~لسعد إن لاح ظله أو شبيه لظله من بعيد، وعادت الحياة: تسقى أرض سعد أول ما تسقى. وأصبح ~~الجرن يدرس قمح سعد الله أول ما يدرس، عاد سعد الله على أروع ما يمكن أن يعود. # وبلغت به الجرأة أنه صار يعلق البندقية على كتفه ويطلب البهائم في رائعة النهار فإذا ~~مقودها في يده ثم ما هي إلا يوم أو بعض يوم حتى تلحق به الفدية. # وفي يوم قصد سعد الله إلى حيث يربط محمد العضل بهائمه وطلب إليه البهائم. وذهل العضل؛ فهو ~~لم يفكر يوما أنه سيكون ضحية لسعد الله، إنه يحبه ويعجب به ويقدره على أن تكون الضحايا ~~قوما آخرين، أما ms39 هو، إنه لم يتصور هذا في يوم من الأيام، وبفم فاغر من الدهشة وقلب كسير ~~من الحزن أسلمه مقود البهائم، وعاد إلى أبيه يخبره أن سعد الله يطلب خمسين جنيها فدية ~~للجاموسة والبقرة والحمار، وثار أبوه ثم خرج يدبر أمره. لم يهتم العضل بالخمسين جنيها ~~وإنما راعه هذا الذي حدث، إذن فهذه هي البطولة التي كان يحلم بها، إذن فتلك هي آماله ~~وأحلامه ومثله العليا، يا لضيعة عمره، أهذا هو المجد الذي لم يتصوره إلا ويثب اسم سعد ~~الله إلى ذهنه وروحه وقلبه؟! # عادت البهائم بعد أن دفعت الفدية، ولكن نفس سعد الله لم تكن قد شفيت من محمد العضل الذي ~~ظل فترة طويلة يتجاهله، ونفس مسعود أيضا لم تكن قد شفيت من الهوان الذي لقيه خمسة عشر ~~عاما على يد متولي العضل. فما هي إلا أيام قلائل أخرى حتى ذهب سعد الله ومسعود إلى محمد ~~العضل وقد أبى سعد الله أن يصحب أحدا آخر من أفراد عصابته فما كان محمد العضل جديرا بغير ~~اثنين وإنهما لكثير، وحين بلغ الاثنان مكان محمد وجدا إلى جواره رجلين آخرين يرقبان جملين ~~لهما يرتعيان فقال سعد الله: لقد تضاعف الصيد. # ودون أن يكلف نفسه عناء استعمال البندقية المعلقة على كتفه تقدم إلى الرجلين وطلب ~~إليهما أن يسلماه جمليهما ففعلا صامتين. وأمسك مسعود بزمام الجملين وتقدم سعد الله إلى ~~محمد يطلب إليه البهائم ونظر إليه محمد نظرة حسيرة ثائرة، هذا الهوان الذي لا هوان مثله، ~~أمرتين في أيام قلائل؟ أيكون هذا إلا تحديا؟ وقبل أن يجيب؟ بل وقبل أن يمعن التفكير وجد ~~نفسه يرفع الفأس في ثورة مجنونة ويهوي بها على سعد الله، وفي لمحة خاطفة كان واحد من صاحبي ~~الجملين قد هوى على مسعود فجرده من سلاحه ثم انهال عليه ضربا، ولم تمض لحظات حتى كان سعد ~~الله ومسعود خبرا مضى، وجثتين يتولى أمرهما النهر الصغير الذي يروي قرية المهدية فيما ~~يروي. # وأدهش القرية هذا الهدوء الذي ران عليها بضعة أيام، ثم ما ms40 لبثت دهشتها أن زالت يوم أعلن ~~موت سعد الله ومسعود، ولكن دهشة أخرى صغيرة كانت تنتظر القرية، لقد أصبح محمد العضل تقيا ~~لا يترك فرضا أو سنة، ولا تني شفتاه عن التمتمة وأصابعه عن تحريك حبات المسبحة. ولو ~~قدر لأحد أن يسمع حديثه إلى الله لما سمع منه إلا أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر ~~... # | طوق حول العنق # وقرأت خطابها على أمين، ولم يصدق أمين أذنيه، أصحيح ما تتلوه عليه زوجته، أحقا ~~يتحقق الأمل؟ # وكيف لا يحبها فيبلغ حبها أقصى غايات الحب، وكيف لا تحبه فتفنى فيه وترى الدنيا فلا تراها ~~إلا من خلال عينيه، تلتقي بالحياة فلا تلتقي بها إلا من خلال نفسه. # إنها هواه القديم الجديد، إنها هواه الطفل وهواه الفتى وهواه الشاب، إنها حياته. # وإنه هوى الأيام الخالية من الطفولة وهوى الأحلام الغريرة من الشباب، وإنه هوى المستقبل ~~النشوان الضاحك الجذلان. # تعارفا في المهد وقد جمعت بينهما أخوة تجمع بين أميهما وصداقة تجمع بين أبويهما، وتعارفا ~~في ذلك السجن الصغير من الطفولة، وذلك الملعب الذي تحيط به الأمهات أطفالهن أن تقودهم ~~الخطوات الجاهلة إلى سلم لا يرحم الطفولة، أو تقودهم هذه الخطوات إلى مقتنيات في البيت ~~غالية لا ترحمها الطفولة القاسية، لعبا في ذلك السور الصغير الذي كان يحيط بهما، وما لبث ~~هذا السور أن أصبح حجرة ثم نما معهما فكان فناء ثم نما ونما فكان الحياة. # استقبلاها أول أمرهما لهوا ولعبا ونظرة إلى المستقبل مشرقة الابتسام ونظرة إلى الماضي ~~ندية الحنين. لم يخطبها أبوه ولم تخطبها أمه؛ فقد كان زواجه بها أمرا مقررا معروفا، ~~الكلام الرسمي فيه يضفي على حقيقته وواقعه شكا، وما كان هناك شك كان يعرف أنه سيتزوجها ~~كما يعرف أنه ذاهب إلى كلية الهندسة، وكانت تعرف أنها ستتزوجه كما تعرف أنه لا بد لكل ~~فتاة أن تتزوج. # وفي انتظار انتهائه من كلية الهندسة انتظمت هي في كلية الآداب. وقالت في نفسها سأسبقه في ~~التخرج بعام، ويكفيني هذا العام لأجهز بيت الزوجية. # وفي هذه الشعاعات ms41 الحلوة من الأوهام استقبل كل من العروسين الحبيبين حياته في الجامعة، ~~وانطلق كلاهما لاهثا يعدو السنين يدفعه الحب ويجذبه الأمل، فما عرفت كلية الهندسة طالبا ~~انتهب علومها في إقبال ووعي كما كان أمين، وما عرفت كلية الآداب طالبة تقبل على موادها في ~~إشراق وثقة ونجاح كما كانت وفاء. # ومرت السنوات الأربع قصارا باللقاء النشوان، والأمل المزدهر، طوالا بالأيام العصيبة من ~~المذاكرة والساعات المفزعة من الامتحانات. مرت السنوات وتخرجت وفاء في كلية الآداب، وفرغت ~~إلى تجهيز بيتها، وظل أمين يعاني عامه الأخير في كلية الهندسة باذلا أقصى غايات الجهد أن ~~يكون نجاحه خليقا بما يرجوه لنفسه من مستقبل وما يرجوه له حبه من مكان. # ونال أمين شهادته وأصبح معيدا بكلية الهندسة. وكانت وفاء قد انتهت من جهاز البيت. وكانت ~~ليلة أصبح عليها الصباح فإذا الحلم واقع، وإذا آمال السنين كلها حقيقة يعيشها كلاهما بكل ~~نبضة سعيدة من قلبه وبكل خلجة فرحانة من دمائه. # اجتمعت السنون الماضية جميعها والآمال التي كانت آمالا، والوعود التي كانت وعودا، ~~والأحلام التي طالما طافت بعيونهما الوسنانة الهائمة الراضية الآمنة، اجتمعت جميعها فإذا ~~السعادة بعض من أيامها، وإذا الحياة وقد طالعتهما بأيام صافية هي الحلم وهي الأمل وهي ~~الواقع. # وكانت كلية الهندسة قد رشحته لبعثة إلى إنجلترا، وما هي إلا أشهر قلائل حتى تقررت هذه ~~البعثة، وقرر هو وهي أن يذهبا معا فتدرس هي في الآداب، ويدرس هو في الهندسة ويرجع كلاهما ~~يحمل شهادة الدكتوراه. # وهكذا شاءت الحياة أن تشغلهما بالبعثة عن الملالة التي يجدها السعيد من السعادة؛ فانطلق ~~كل منهما يجهز لها في انشغالة فرحان يجتمعان عند الليل، أو يتواعدان على لقاء في المحال ~~لهيفا كلاهما أن يفرغا من الشراء قبل يوم السفر. # وكان يوم، طلبها بالتليفون واتفقا على لقاء، وهناك التقيا وفي يدها الورقة التي كتبا بها ~~ما يحتاجان إليه. # وقال أمين: هل ما زالت أمامنا أشياء كثيرة؟ ~~- أوشكنا ننتهي. ~~- أين تريدين أن نذهب أولا؟ ~~- نذهب إلى الترزي؛ فاليوم موعد البروفة. ~~- آه فعلا، ولكن أخشى ms42 أن يعطلنا. ~~- لا تخف. ~~- لنذهب أولا للشراء ثم نذهب إليه قبل الرواح. ~~- ما تشاء. # ولم يذهب أمين ووفاء إلى الترزي، بل ولم يذهبا للشراء وإنما قادته إلى سيارة للأجرة ~~أنزلتهما عند باب البيت وقادت خطواته إلى حجرة نومه. ملهوفة جازعة فما استقر بها المقام حتى ~~كانت يدها على التليفون تستدعى كل من تعرفه من الأطباء. # عمى، عمى كامل، ولا أمل في الإبصار. لم تكن عبثا هذه السعادة الطويلة؛ فقد كانت الأيام ~~حبالى عن مستقبل شائه أسود مقيت، عمى، وهو المهندس، ماذا يصلح للدنيا بعد اليوم، لا شيء، ~~إلا هذا الكرسي وذلك الفراش وذلك الطعام الذي يلقى في جوفه لا يعرف لونه إلا بالذكرى، لا ~~شيء إلا آلة خربة تدور واقفة فلا تغني فإنها لا تغني إلا إذا تحركت ورأت، لا شيء إلا ظلام ~~يراه وظلام في مستقبله، لا شيء. # أيعمى أمين، زوجي؟ فديته، بعيني، بحياتي وبأغلى من العين والحياة إن كان هناك أغلى من ~~العين والحياة. # وهل ينفع الأسى أو ينفع الفداء؟ هيهات. # مرت الأيام سوداء قاتمة السواد، لا وميض فيها من الأمل إلا هذه الخطابات التي راح أمين ~~يمليها على زوجته إلى جميع الأطباء العالميين يشرح لهم حالته شرحا دقيقا مفصلا ~~مستعينا بالأطباء الذين حملوا إليه نبأ الفاجعة، وعاد البريد بالإجابات فكانت وفاء تقرؤها ~~وحدها وكانت وفاء تحرقها وحدها؛ فقد كانت جميعها تحمل حريق الآمال، وكان أمين يسأل وكانت ~~تجيبه أن الرد على الخطابات لم يأت بعد؛ فيتردد أمله بين اليأس والرجاء وتذوي هي وحدها في ~~وهدة اليأس. # ثم جاء خطاب من لندن، أن عملية يمكن أن تتم لهذه الحالة لو تبرع له شخص بإحدى عينيه. وفي ~~حزم مستقر ويد ثابتة كتبت وفاء خطابا آخر، إن عملية يمكن أن تتم إذا جاءت هذه الحالة إلى ~~لندن حيث يمكن العثور على عين سليمة من بنك العيون. # وقرأت خطابها على أمين. ولم يصدق أمين أذنيه، أصحيح ما تتلوه عليه زوجته، أحقا يتحقق ~~الأمل، فما هذه النبرة الواجفة الحزينة التي شاعت في ms43 صوت وفاء فلم تستطع أن تتغلب عليها ~~بمظاهرة الفرح التي قدمت بها للخطاب التي قرأته بها. # كانت البعثة للدكتوراه فلتكن بعثة للحياة، وللدكتوراه أيضا، ولم لا يا وفاء؟ إذا نجحت ~~العملية، إذا نجحت، نحقق آمالنا، وفاء، لم لا؟ فيم أنت مفكرة يا وفاء، وفاء؟ واستطاعت ~~وفاء أن تصحو مما تفكر فيه لتقول له في نبرة تترجح بين الأسى ومحاولة الفرح: آه، نعم، ولم ~~لا؟ # وسافرا يدا تمسك يدا، وقلبا واجفا يهدي قلبا واجفا، وأملا حزينا خائفا يقود ~~أملا سعيدا خائفا، سافرا. # وتمت العملية، بل تمت العمليتان، انتزعت عين مليئة بالحياة من وجه وفاء ووضعت مكانها ~~عين جامدة موات. وانتزعت عين جامدة موات من وجه أمين ووضعت مكانها عين مليئة بالحياة، هي ~~عين زوجته أطل منها إلى الحياة. # فداك عيناي أمين، أما كنت أرى الدنيا فلا أراها إلا من خلال عينيك، وفداك نفسي أمين أما ~~كنت ألتقي بها إلا من خلال نفسك، فداك أمين فداك. # ورأى أمين، رأى الحياة مرة أخرى، وهتك هذا الستار الذي أسدله عماه بينه وبين الدنيا، وقد ~~كان أعظم ما يكون إقبالا عليها، رأى ورأى إلى نفسه في المرآة، فأما عينه التي لا ترى فهي ~~كما هي حوراء جميلة لا يستطيع أحد أن يعرف أنها لا ترى، فما كان بها من عيب إلا أنها لا ~~ترى، وفاء، إني إني أرى، وفاء، إني ... ونظر إليها ثانية، وثالثة، ثم حدق، وأطال التحديق، ~~أطرقت وفاء فرفع وجهها إليه فرأى الدموع تسيل ورأى عينا حمراء من أثر الدموع وعينا جامدة، ~~وفاء، وفي صرخة أطلقها الخوف والحب والشعور بالتضحية التي بذلتها له عرف كل شيء، أهذه عينك ~~التي أرى بها، وفاء، ودون أن يبالي بأوامر الأطباء، أو يحاذر على الأمل الذي انفسح أمامه ~~انتفض من سريره وركع تحت أقدامها يقبل أقدامها، بل يقبل حذاءها. ~~- أصبحت بعين واحدة يا أمين. ~~- أحب عينك التي لا ترى أكثر من حبي لعينك التي ترى، بل أكثر من حبي لعيني التي ترى، ~~وفاء، وبكى وبكى، وقالت وفاء ms44 : لقد وهبت لك عيني فاحرص عليها ولا تضع عيني عبثا. # ورنت الكلمة في أذنه واستقام معناها في عقله فامتثل أمرها وأطاع أوامر الأطباء، ونجحت ~~العملية وخرج إلى الحياة. # وعاد الزوجان إلى أملهما القديم من الدكتوراه. وانتظم كل منهما في عمله. # وتعود أمين أن يرى زوجته بعين ترى وبأخرى جامدة. وتعود أن يرى حبها له في عين حين يرى ~~عينها الأخرى باردة خامدة لا حب فيها ولا مشاعر ولا حياة، ويكاد يضيق ثم يذكر أنه لولا هذه ~~العين ما رأى حبا ولا حياة، وأنه لولا هذه العين لظلت عينا وفاء لها تنظران إليه بإشفاق ~~ما أبغضه، سواء رآه أو لم يره. ثم يحس خليطا من المشاعر بعضها ساخط لأن زوجته لا ترى بغير ~~عين واحدة، وبعضها ثائر لأن تضحية زوجته من أجله لا سبيل إلى ردها أو شكرانها، وبعضها ضائق ~~لأنها بتضحيتها قد أحاطت عنقه بمثل طوق الكلب الوفي لا يستطيع عن سيده فكاكا، وبعضها خزيان ~~لأنه يسمح لهذه الأفكار أن تمر بخاطره. # وألح عليه شعوره بأنه كلب يدين بالوفاء لزوجته، وكان هذا الشعور لا يبارحه بل هو يطالعه ~~حتى وهو في دراسته، وكثيرا ما فكر أن يتحرر منه ثم ما يلبث أن يعود إليه مرغما كارها. ~~وكانت سكرتيرة الكلية التي يعمل بها فتاة في ربق العمر، وكانت ترى بعينيها كلتيهما، وكانت ~~عيناها جميلتين تفيضان بالحياة وبالجرأة، وكانت بينهما صداقة، واستطاعت الصداقة أن تتطور ~~في يوم من الأيام إلى موعد. أول موعد يعقده أمين مع فتاة أخرى غير وفاء. # عاد أمين إلى البيت ولم تكن وفاء به، ووضع على نفسه أنفس ما يملكه من ثياب وتأنق فبالغ ~~في التأنق ونظر إلى المرآة فطالعه وجهه جميلا، وطالعته قامته ممشوقة ونسي أنه ينظر بعين ~~وفاء، ولم يعد يذكر إلا أنه يرى مشاعر تنبعث من عينين معا لا من عين واحدة وإلا أنه يريد ~~ألا يصبح كلبا، وملأه الزهو بشبابه وجماله ونزل إلى الطريق وسارها خطوات، خطوات قليلة ثم ~~أراد أن يعبر الشارع في ms45 زهوه ما يزال فإذا سيارة في الطريق تغول الطريق في سرعة نافذة تندفع ~~إليه، وكانت آتية من جهة عينه التي ترى، فإذا هو ينسى زهوه ينتفض في لهفة محب للحياة يوشك ~~أن يموت فإذا هو على الطوار الآخر لم تمس منه السيارة إلا طرف حذائه، الحمد لله، ماذا لو ~~كانت هذه السيارة قادمة من الجهة الأخرى، الجهة التي لا تبصر، بل ماذا لو لم تكن لي عين ~~وهبتها لي زوجتي، زوجتي الحبيبة وفاء، وفاء، وفاء التي لا ترى إلا بعين واحدة، الأخرى هي ~~التي أنقذتني الآن، يا لي من كلب. # وظل واقفا على الطوار حائرا خزيان ثائرا يضع أصبعه بين ياقة قميصه وبين عنقه، إن الطوق ~~ما يزال حول عنقه. # | ربيع # واليوم عاد الربيع، هكذا يقول الوقت ولكن أين الربيع مع الخوف، أين الربيع؟ # أهلا ربيع، جئت في موعدك، لم تستطع قوة أن تدفعك عن أن تعود في موعدك، جئت لم تتأخر وما ~~كان لك أن تتقدم، جئت وقال الناس جاء الربيع، لفظة تحركت بها ألسنتهم ثم استكانت الألسنة ~~وانطبقت الشفاه على الشفاه وهوم حول الناس صمت، وانقطع حديث وتطلعت العيون إلى فراغ ~~حولها يملؤه، وما حاولت أذن أن تمتد؛ فالناس، كل الناس وأنا منهم، يعلمون أن ليس في الأجواء ~~موسيقاك، ولا نظر الناس يبحثون عن آثارك، فليست هناك الأزاهير والورود، لا ولا هناك المدى ~~الأخضر المنبسط مثل كف طيبة حنون، وليس في الماء صفاؤك ولا في الجو أنسامك، بل إن العبق ~~الذي كان ينتشر مع مجيئك تخلف اليوم عنك، فما في الجو من عبق شذاك شذى. # أين أنت إذن أيها الربيع؟ أين أنت؟ ألم تعد إلا موعدا يحل وموعدا ينقضي؟ فهل أنت إذن ~~الربيع؟ أين الجمال في موكبك، أين البهجة التي كانت تسير في ركابك؟ أين البدع الذي كان ~~صديقا لمقدمك؟ # أين أنت في نفوسنا؟ أين هذا السرور الذي نحس به قبل أن نحس به يدب في خوافي خلجاتنا ~~دبيبا واني الخطو واضح الأثر، يتمشى في هدوء ولكن في ms46 نشوة، أيها الربيع هل جئت حقا؟ ~~نعم لقد جئت؛ فهذا موعدك، وما أحسب إلا أنني أقسو عليك قسوة منتظر لموعد أخلفه صاحبه، أو ~~قسوة من ينتظر الخير فلا يجده، وإنني لأعلم أنك براء من كل تهمة ألصقها بك، فما ذنبك أيها ~~المسكين في موسيقى تخلفت عن مواكبك وجمال انحسر عن رفقتك وعبق صدف عن مسيرك، لا، لا ذنب ~~لك في هذا ولا جريرة، إنما نحن البشر، لكم أسخر من نفسي حين أضم نفسي في البشرية إلى هؤلاء ~~الذين وقفوا دون رفقتك فصدوهم عن المجيء، وما أنا؟ شخص يعيش على هامش الدنيا لا تحس به ~~الدنيا وتجتمع في نفسي كل أحزان الدنيا وآلام البشر. ولكن ما ذنبي؟ يلهو كنيدي هناك في ~~الضفة الأخرى من العالم، أو يعبث خروشوف هناك في عالم آخر لا أدري من أمره شيئا، فإذا لهو ~~كنيدي وعبث خروشوف ينصبان علي أنا، أنا هنا في مصر فالرعب يملأ قلبي ونفسي ومشاعري فلا ~~أرى من الربيع إلا تاريخه معلقا على صفحة ملصوقة بجدار. # لعلك أيها الربيع قد جئت ومعك هذه الرفقة التي تعودنا أن ترافقك كلما جئت ولكن أنا، أنا ~~لا أحس شيئا منك، وما لي أنا إذا كانت موسيقاك معك ما دمت لا أسمعها، أو كان جمالك في ~~ركابك ما دمت لا أراه، أو كان العبق منك ينتشر شذاه ما دمت لا أشمه، وكيف لي أن أحس بشيء من ~~هذا وأنا خائف؟ إن خلا قلبي من الخوف فليتح للغضب الثائر تصبه علي زوجتي، زوجتي المقيمة ~~ببيت يضل عنه الهواء، وتتعثر دونه الشمس في زقاق متفرع عن حارة صادرة عن شارع نابت عن طريق ~~عام بحي اسمه باب الشعرية. # زوجتي هذه آفتها قراءة الجرائد، وقد انصبت هذه الآفة على حياتي أنا تنغصها، فأنا من ~~حياتي هذه في إظلام الظلام أعظم منه إشراقا. زوجتي خدوجة بنت الشيخ عبد الصمد تعلمت ~~القراءة على يد أبيها في الكتاب، وشقيت أنا بما تعلمت وبما تقرأ. زوجتي خدوجة بنت الشيخ ~~عبد الصمد تتابع كنيدي ms47 واجتماعاته وخروشوف وأحاديثه، فإن اختلفا - وهما لا يتفقان - فنهاري ~~أسود من الحبر، والحرب تقوم في بيتي متوقعة الحرب في العالم، وويل لي من خدوجة، وويل لي من ~~كنيدي، وويل لي من خروشوف، يا لسخرية الحديث! جاء الزمن وأصبحت خدوجة توضع مع ساسة العالم، ~~العالم جميعه، البشرية برمتها، خدوجة، خدوجة عبد الصمد توضع معهم جملة واحدة وسبحان الذي ~~يغير ولا يتغير. ترى هل أحس كنيدي إذا ما دعا لحديث صحفي أو أحس خروشوف في تفكيره السياسي، ~~هل أحس واحد واحد منهما أن هنا، هنا في مصر، وفي زقاق من حارة من شارع من طريق واحدة اسمها ~~خدوجة عبد الصمد تسود عيشة زوجها، بل وعيشة أولادها أيضا تبعا لركاب كل واحد ~~منهما؟ # ما هذا العالم العجيب؟! كيف يتاح لفردين مثلي لا يزيد واحد منهما عني شيئا؛ فكل منهما ~~يأكل ويشرب ويمرض ويقطع طريقه إلى الموت، ويقع في الخطأ أكثر مما يصادف من الصواب، كيف ~~يتاح لهذين، وحدهما أن يؤثرا في حياتنا كل هذا التأثير؟! كيف استطاعا أن يدخلا إلى بيتي، ~~بيتي المنزوي عن البشرية، المستخفي وراء الأزقة والحواري والبيوت وبقايا البيوت بل ~~والخرابات كيف استطاعا أن يدخلا إليه، ويسيطرا عليه ويتحكما في مصائر من به؟! بل كيف ~~استطاعا أن يجعلا موسيقى الربيع قصفا من القنابل وزهر الربيع دماء من الجراح، وجمال الربيع ~~رعبا من الغد وهلعا من المستقبل؟! من أعطاهما هذا الحق؟ من خوله لهما؟! أنا لم أنتخب ~~كنيدي ولم أشارك في اختيار خروشوف، فلماذا يمنعان عني الربيع؟! ولماذا يثيران بيتي علي ~~فهو جحيم لا أطيقه ولا أجد لي ملجأ غيره؟! # ها أنا ذا في الطريق العام، لا أستطيع أن أعود إلى البيت والبركة في كنيدي وخروشوف وأزمة ~~ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، أيصدق هذا أحد يا عالم؟! أهذا معقول؟! ما لي أنا ~~ولألمانيا ولكنيدي ولخروشوف؟! هل قلت لهما اختلفا؟! زوجتي بثاقب نظرها تريدنا أن نهاجر إلى ~~بيت أبيها في الريف، تريد ابني الأكبر أن يترك الكلية الحربية، وابني الأصغر أن يترك كلية ms48 ~~الطب، وهذه الرغبات جميعها علي أنا وحدي أن أنفذها مضافا إليها مطلب آخر بسيط، أن أترك ~~وظيفتي في القاهرة، نعم تلك حالها منذ الحرب العالمية الثانية. # فقد فقدنا في إحدى الغارات طفلنا الأول وكنت موظفا آنذاك في الإسكندرية، ويعلم الله ~~وأعتقد أن الجميع يعلمون أنني لم أكلم هتلر بشأن الحرب ولا فاتحت تشرشل في أمرها، وإنما ~~قامت الحرب بينهما وانضم إلى كل منهما من انضم دون أن أتدخل أنا في هذا الموضوع على ~~الإطلاق، ولم تكن لي صلة بالحرب، ولدي الذي فقدته وزوجتي التي فقدت عقلها أو تكاد منذ ذلك ~~اليوم. أصبحت كلما ثارت بوادر خلاف عالمي تثور ثورتها، وتروح تهيئ المنافذ من الخطر ~~المحدق بها وبنا، وأخرج من البيت وأظل هائما على وجهي لا أمل لي إلا أن تنام فأعدو في خلسة ~~من نومها، وأنام لأعد نفسي لغد لا يختلف كثيرا عن اليوم، وأظل عمري طريد الأفكار والأخبار ~~ورعب زوجتي، ولا أجد ما يخفف علي بعدي عن البيت إلا الجلوس إلى المقهى، ولكن الأصدقاء ~~هناك أيضا لا يسلمون من الخوف، هم يتحدثون عن الغد في رعب، يخافون أن يلاقوا الحياة وليس ~~في يدهم من مال ما يستطيعون به أن يواجهوا الحياة، ويخافون أن تقوم الحرب فتتخطف أرواحهم ~~أو أرواح أحبائهم، ويخافون ألا تقوم الحرب فيظل الكساد ناشرا عليهم بلواه، ويخافون من ~~رؤسائهم، ويخافون من مرءوسيهم، خوف، خوف في نفوسهم. # أحاول أن ألعب أي شيء مما يلعبون ولكن أين لي بأرواحهم تصفو للعب وأين لي بروحي أنا تصفو ~~للعب؟ فأطوي اللعب ونعود إلى الحديث أو نعود إلى الخوف، هلع يحيط بي، هلع يحيط بي في البيت ~~وفي المقهى، ولا أحب الوحدة، وأخشى نفسي إذا انفردت بي فقد تعودت أن تخلق من الحديث ما ~~يملؤني رعبا أو ما يملؤني ضيقا. # واليوم عاد الربيع، هكذا يقول الوقت ولكن أين الربيع مع الخوف؟! أين الربيع؟! ويل لهؤلاء ~~الزعماء. كيف استطاعوا أن يحطموا الربيع، الربيع؟! يحطمون الربيع. وبيتي؟! أيحطمون ~~بيتي؟! # كم أحب الجلوس إلى ms49 ولدي، كلاهما شاب في بواكير الشباب الأولى، أريد أن أتمتع بهما، ~~بنظرتهما إلى المستقبل، وبحديثهما عما ينتظران من الحياة، ولكن ما لهما صامتين يرنوان إلى ~~الحياة بعين ذاهلة، جاهلة، نعم، أعلم، لقد تدخل كنيدي وخروشوف في حياتهما هما أيضا، ماذا ~~ينتظران من غدهما، ألهما غد؟ ويلي أين أذهب، ما لي ولهذا جميعه؟ أريد أن أترك هذا جميعا ~~وأريد أن أرى الربيع، أليس في مصر، مصر جنة الله في الأرض، ربيع، أين أجد الربيع؟ في النيل ~~أبي الدنيا وأعظم ما جرى فيها من أنهار، أصل الحضارات وأولها وقبرها، النيل الضخم العريض ~~الطويل، أما أجد حوله ربيعا، ظلا من الربيع، إن لم يكن إلى ربيع سبيل، ويل للنيل، ما له ~~يجري هكذا صامتا، أين الضحك في موجاته، أين الربيع في رقراق مائه، أين النيل؟! # أترى أجد الربيع في الحديقة؟ أية حديقة، حديقة من حدائق القاهرة الكثيرة البهيجة ~~المترامية الأطراف، لا ربيع هناك! # ويلي لم أكن فيما مضى من سنوات أبحث عن الربيع بل كان هو من يبحث عني، وكان دائما يجدني، ~~لا، لا ربيع، ومع ذلك فهناك في بيتي ورقة معلقة على الحائط تقول حل الربيع، فأين ~~الربيع؟ # ترى ماذا تفعلين الآن يا خدوجة؟ ماذا تراك تفعلين؟ أنت بجوار الراديو كشأنك دائما ~~تتصيدين الأنباء لتذكي بها الرعب في نفسك، وكأن ما بنفسك من رعب لا يكفيك. ألا يكفيك ما ~~فعلت من تشريد زوجك لا يعود إلى البيت أو تنامي، وتشتيت ولديك يجاهد كل منهما أن يترك البيت ~~ما أمكنته الفرصة؟ وأنت أنت تتابعين خروشوف وكنيدي وتتكهنين وترين المستقبل وليس فيه إلا ~~الحرب، رحماك يا رب. # أين أذهب الآن؟ ضاقت بي الطرق، تمنيت أن أجد الربيع في الطريق العام فلم أجد الربيع وفقدت ~~نفسي ولم أجد إلا خوفي، خوفي الذي لا يتركني وكرهي أن أعود إلى البيت، وما لي من سبيل غير ~~العودة إلى البيت. # أتراني أجد أحدا من ولدي قد عاد؟ أتراني أستطيع أن أجلس إلى واحد منهما بعض الوقت، ~~أريد أن ms50 أجلس إلى واحد من ولدي، ها هو ذا النور ينبعث من منزلي، إنه نور خافت لا إشراق ~~فيه، نور المصباح الذي تضعه زوجتي على الراديو، إذن فهي وحدها، حسبي الله ونعم الوكيل، لا ~~بد أن أدخل، لقد تعبت قدماي، نعم أعرف أول سؤال ستقوله، أعرفه، أعرفه هل أحضرت جريدة بعد ~~الظهر؟! لا يمكن إلا أن تسأل هذا السؤال، هيه، بسم الله الرحمن الرحيم، ها هي ذي قد سألت ~~سؤالها، هل أحضرت جريدة بعد الظهر؟ يارب، يارب، أنت وحدك من تستطيع إنقاذي من كنيدي ~~وخروشوف، وخدوجة. # | ولدي ألا تعود # وماذا يهمني من أمره ما دمت أنت لي ويداك الصغيرتان تعرفان طريقهما إلى وجهي ولسانك ~~المضطرب الصغير يعرف طريقه إلى قلبي. # ولدي، لماذا يا ولدي؟ لماذا، أنت كل شيء في حياتي، وليس في حياتي معنى أعيش له وبه إلا ~~أنت، أنت كذلك منذ عرفتك، ومنذ عرفت أنت الحياة؛ فقد جئت إلي يا بني وأنا أضيق بحياتي مع ~~أبيك؛ فقد تزوجته على غير رغبة مني، أنت تعلم ذلك؛ نعم تعلمه، لقد أخبرتك بقصة زواجي من ~~أبيك، نعم وكنت تضيق بها وأرى ضيقك في عينيك كلما أعدت عليك القصة، ولكن لماذا تضيق؟ ولمن ~~أقول إن لم أقل لك؟ وعلى من أعيد قولي إن لم أعده عليك؟ حملتك تسعة أشهر وحملت عبئك اثنين ~~وعشرين عاما وخمسة أشهر، ألا تحتمل أنت في مقابل هذا الكثير الذي بذلته وأبذله لك أن تستمع ~~إلي أكرر قصة يريحني أن أكررها. # أخبرني بربك، أكنت تضيق بهذه القصة لو كانت ميرفت هي التي ترويها لك وتكرر روايتها، لا ~~أظن. قد رأيتك وهي جالسة أمامك تتحدث - وعلى فكرة - هي لا تجيد الحديث، ورأيتك أنت تستمع ~~لحديثها بعينيك ووجهك وكل ومضة في جبينك، وكل ابتسامة على فمك، لكم كرهت ميرفت وهي ابنة ~~أختي، بل لكم كرهت أختي، لماذا تنال منك ما لا أستطيع أن أنال؟ أنا التي لم أعرف حياتي إلا ~~يوم عرفتك، والتي لا أعرف لحياتي معنى إلا بك؛ فقد تزوجت أباك ms51 كما قلت لك وأنا لا أحبه؛ ~~فقد كان أبي يعمل في وزارة المالية وكان يتوق إلى زواجي بأي إنسان. فكان أباك. كان زميلا ~~له في المكتب وقد رقي بعد عامين رئيسا لأبي وقد كان أبي يكبره بسنوات وسنوات، وكانت حجة ~~الحكومة في تعيين أبيك رئيسا لأبي حجة عجيبة تدعو للدهشة؛ فقد قيل يومذاك إن أباك حاصل على ~~الشهادة العالية في حين لم يكن أبي حاصلا إلا على الابتدائية، ولعل هذا كان صحيحا ولكن ~~الحكومة نسيت في ذلك الحين أن الابتدائية التي حصل عليها أهم بكثير من الشهادات العالية ~~مهما تكن عالية. ولكن الحكومة أرادت أن أتزوج من أبيك فجعلته رئيسا له. # وفي يوم اجتمع أبي وأمي ليجهزا لزواج أختي - خالتك - وكان أبي يرى أن الظروف المالية ~~تقتضي أن يقتصر الزواج على الزواج وحده بغير شيء حوله، ولكن أمي وقد كانت قوية الحجة بارعة ~~في التأثير على أبي أصرت على الفرح. وما أقرب الحجة إليها! أول فرح يدخل بيتي، أول ابنة ~~نزوجها، إن لم نفرح بها ولها فبمن نفرح ولمن؟ وتقرر الفرح، وتقرر معه أن نشتري فساتين جديدة ~~لي ولأمي، واشتريت الفستان، كنت أفكر في هذا الفستان كثيرا قبل موعد الفرح، حتى إنني لم ~~أكن محتاجة للبحث حين أخذت أمي ثمن الملابس من أبي. كنت أعرف المكان وأعرف ما أريد، ~~واشتريته. يا ليتك رأيتني يومذاك. لا تقل ميرفت ولا غير ميرفت. # جمال طبيعي لا يحتاج إلى يد تصنعه، شعر مرسل وعينان واسعتان وفم صغير أحمر، ودماء في ~~وجنتي تزري بأحمر هذه الأيام الباهت، وشباب وفرح. جمال لم تعرفوه أنتم يا أبناء هذه الأيام. ~~حتى إنني - وهذا سر بيننا - خشيت أن تغار مني أختي وهي العروس، بل إنه يخيل إلي - وهذا ~~أيضا بيننا - أنها فعلا كانت تغار مني؛ فكنت أختفي عن عينيها كلما تلاقينا أثناء الفرح. ~~ولكن ماذا كان بيدي أن أفعل؟ كانت العيون جميعها مصوبة إلي لا تريد أن ترتفع عني، حتى ~~لقد كنت أريد أن أقول للناس. عيب بصوا للعروس ms52 فلست أنا العروس، ولكن كنت واثقة أنني مهما ~~أقل لهم فلن يفيد قولي شيئا. كانوا يا حسن يا ابني مشدودين إلي بعيونهم كأنما هو السحر. ~~كلام بيننا، كنت فرحة بهذا الاهتمام، وكنت زعلانة في الوقت نفسه أن تغضب خالتك، ولكن ما ~~يهم. لقد كانت آخر ليلة لها معي؛ فقد كانت في طريقها إلى بيت زوجها. وكنت أحسب في ذلك اليوم ~~أنه ليس في العالم شخص يستحق هذا الجمال الذي كنت عليه. # كان أبوك طبعا ضمن المدعوين. ورآني في ذلك اليوم؛ الفستان الجديد في لونه الزاهي الخاطف ~~للعيون، والشباب يملأ الحياة من حولي، والعيون كأنما هي جزء من تفصيلة الفستان لا تنفصل ~~عنه. أحبني، لم أحس به في ذلك اليوم. إلا أنني اضطررت أن أقدم إليه الشربات تنفيذا لأوامر ~~والدي، وكان شكله، ماذا أقول؟ أخاف أن أقول لك إنه لم يكن جميلا فتظن أن ذلك ليس صحيحا، ~~أو أنني أقوله لأنه هجرني قبل موته، ولكن هذه هي الحقيقة. لم يكن جميلا - أعجبك قولي أم لم ~~يعجبك - فأنت دائما تغضب كلما ذكرت أباك بما لا يرضي حبك له، قل لي، لماذا تحبه؟ النهاية، ~~أنت دائما ناكر للجميل، وهل أدل على ذلك من تركك لي الآن؟ لم أحب أباك في النظرة الأولى. ~~وقد كانت الطامة الكبرى حين جاء أبي في اليوم التالي وهو لا يستطيع أن يتمالك نفسه من الفرح ~~وأخبرني أن أباك خطبني. لم يكن رفضي ذا قيمة. وتزوجت أباك. ولم أعرف الفرح في يوم فرحي ولم ~~أعرفه في الأيام التالية. كنت أعتقد أنني أستحق من هو خير من أبيك، أعلم أنك ستقول في نفسك ~~الآن كما كنت تقول دائما، ليس هناك خير من أبي. نعم كنت دائما تقاطعني بهذه الجملة ~~التقليدية كلما بلغت من حكايتي إلى هذا الموضع. ولكن ماذا يهم رأيك؟ إن رأيي أنا هو المهم، ~~أنا التي عاشرته وتزوجته فلم أر منه يوما أحكي عنه. لم يقل يوما كلمة تشرح قلبي، أجمل ~~نفسي ما وسعني الجهد فلا يقول إلا ms53 كلمة عابرة، أنت حلوة من غير تجميل، ويسكت أو يتكلم في ~~موضوعات أخرى. كنت أرى جمالي في المرآة ولا أجد منه ما يؤكد رأيي في نفسي. ولكن حين كان يجد ~~تقصيرا مني في شئون البيت كان يغضب كل الغضب، ويتهمني بأني لا أهتم بغير جمالي، ولو كان ~~يفهم - لا تغضب - لعلم أن جمالي هذا شيء عظيم يستحق كل ما كنت أبذله للمحافظة عليه. كانت ~~حياتي جحيما حتى جئت أنت، فعرفت الحياة يوم جئت أنت. كم كنت أحبك وكم أحبك! أذكرك ويداك ~~الصغيرتان على وجهي ولسانك يشوه الحروف ويجملها وتقول في براءة: «أنت حلوة، حلوة حلوة ~~يا ماما.» كنت حياتي. حتى لم يعد يهمني غضب أبيك في كثير أو قليل. وماذا يهمني من أمره ما ~~دمت أنت لي ويداك الصغيرتان تعرفان طريقهما إلى وجهي ولسانك المضطرب الصغير يعرف طريقه إلى ~~قلبي، أفرغت فيك حبي جميعا، حبي كله، حب الطفولة في أحلامها الباكرة الغريرة وحب الشباب في ~~أوهامه المجنونة، وحب الماضي الذي ادخرته ولم أجد من أقدمه له، وحب المستقبل الذي كنت ~~أفكر فيه فترتاح نفسي من ضوضاء أبيك وشجاره. وأردتك لي، لي وحدي لا يشاركني فيك أحد. كم كنت ~~أحسد مريم العذراء لأنها أنجبت المسيح بغير أب، وكم كنت أرجو في وهمي - وأنت بين يدي ووجهي ~~بين يديك - لو كنت مثل المسيح بلا أب أنت أيضا! # وحين ذهبت إلى المدرسة، كان أبوك يريد أن تذهب ماشيا، شأنك شأن الطلبة جميعا، ولكني ~~رفضت وأصررت على أن تأتي إليك عربة كل يوم لتذهب بك إلى المدرسة. وجاءت العربة. وجئتني تبكي ~~لأمنع العربة وأجعلك مثل إخوانك لأنهم يسخرون منك ومن هذه العربة، ولكني كنت أعلم أنك صغير ~~لا تعرف مصلحة نفسك، نعم لم أقبل رجاءك في هذا اليوم؛ فقد كنت أخشى عليك عوادي الطريق. وكان ~~لا بد لي أن أكون أنا عقلك ما دمت لم تعد بعد ذا عقل يعرف الخير لك. وكان هذا السبب نفسه ~~هو الذي جعلني أرفض أن تخرج في رحلات ms54 مع الطلبة، كيف كان يمكن أن أتركك إلى حيث لا أدرى؟ ~~لقد ذهبت إلى المدرسة لأني لم أكن أستطيع أن أمنعك عنها، أما أن تذهب إلى الرحلات أيضا، ~~فهذا ما لم أكن أستطيع أن أقبله مهما تكن الدموع التي تسيل منك غزيرة كبيرة. # اسمع يا حسن لقد كان أبوك يغار منك ولهذا كان يريدك أن تبتعد عني ما وسعه الجهد، لهذا كان ~~يريدك أن تذهب إلى الرحلات، ولهذا كان يريدك أن تخرج لتلعب مع من كان يسميهم أصدقاءك؛ ولهذا ~~كان يحاول أن يوقع بيني وبينك حين نذهب لنشتري ملابس فكان يريدك أنت أن تختار ويمنعني أنا ~~أن أختار لك؛ فقد كان لا بد لي أن أكون أنا ذوقك ما دمت لم تعد ذا ذوق يعرف الجميل اللائق ~~بك. # ولما أعيت أباك الحيل تركني. نعم تركني لأني كنت أحبك ولم أكن أحبه. ولما تزوج هذه المرأة ~~التي تزوجها أراد أن يغيظني ولكن ماذا يهمني من أمره ما دمت أنت قد بقيت لي. # وظللت طوال أيام دراستك، أنا التي أعد لك مأكلك وأنا التي أشتري لك ملابسك وأنا التي ~~أختارها - وأنت تعرف ذوقي - وأنا التي لا أتركك وحدك أبدا حتى في المذاكرة. نعم، لم أكن ~~أقبل أن تذهب إلى أحد لتذاكر معه. وحتى حين كان أصدقاؤك يأتون إليك ليذاكروا معك كنت أحاول ~~أن أكون معكم طول الوقت، ولا أدري لماذا كف أصدقاؤك في الأيام الأخيرة من دراستك أن ~~يحضروا إلى البيت؟ الشيء الوحيد الذي لم أستطع أن أثنيك عنه هو إصرارك على الدخول إلى ~~الجامعة في حين كنت أنا قد أعددت لك وظيفة بالبكالوريا ساعدتني على تهيئتها لك صديقة العمر ~~تفيدة، ولكنك أصررت وكنت أعلم أنك ستدخل إلى الجامعة سواء رضيت أنا أو لم أرض؛ فأبوك في ~~ذلك الحين كان قد مات وأصبح المجلس الحسبي هو أبوك الجديد، وكنت أعلم أن أباك هذا الجديد ~~سيؤيدك فيما تريد فقبلت على مضض، ولكن لعلك اليوم ترى أنني كنت على صواب؛ فلو كنت قبلت ~~الوظيفة ms55 لكنت اليوم متزوجا من زهيرة ابنة تفيدة، وكنت موظفا مهما، ولكنك ركبت رأسك ~~فسكت، وتزوجت زهيرة؛ الفتاة الوحيدة التي كنت أحب أن تتزوجها، فهي مثلك ربيتها على يدي، ~~وكنت تقول إنها لا تعجبك ولكني كنت واثقة أنك ستقبل الزواج بها أخيرا. # المهم، ما فات فات فقد دخلت إلى الجامعة وحصلت على ليسانس الآداب كما كنت تحب، ولكني رأيت ~~منك بعد ذلك عجبا؛ فأنت تحب أن تخرج من البيت وتحب أن تذهب إلى بيت خالتك، وأتممت المصيبة ~~بأن طلبت مني أن أخطب لك ميرفت ابنة خالتك. أتظن أنني أرضى لك هذا؟ قلت لك لا، ورحت أبحث، ~~ولكنك فجأة ودون أن أعرف سببا تركت البيت ولم تعد، لماذا؟ # ماذا فعلت أنا حتى تتركني؟ أي أم في العالم كانت تفعل لابنها ما فعلته أنا لك. لقد حملت ~~عنك عبء الحياة جميعا، ولو كان في استطاعتي أن أذاكر بدلا منك لذاكرت عنك، ولكنك كأبيك ~~تجحد المعروف وتنكر ما حباك الله به من نعم، فلو كان يعلم أي زوجة يضمها بيته ما ترك بيته ~~وتزوج غيري، ولو كنت تعلم أي أم متفانية أنا لما فعلت ما فعلت. ماذا فعلت لك حتى تتركني، ~~ماذا فعلت؟ أمن أجل ميرفت؟ لا أظن. فأنا أعلم أن أمها لن تقبل أن تزوجك بها إلا إذا وافقت ~~أنا، وأنا لن أوافق، بل إن أمها حين علمت برفضي أقسمت ألا تزوجها لك على أية حال، فما دام ~~الأمل في زواجك منها قد انقطع فلماذا تتركني؟ ومن يرعى شأنك اليوم؟ من يختار لك ملابسك في ~~الصباح؟ ومن التي تستطيع أن تعرف أي لون من أربطة الرقبة يتفق مع الحلة التي ترتديها؟ بل ~~من سيشتري ملابسك؟ ومن سيعد طعامك ويصنع لك من الأصناف ما تحب، ومن؟ ومن؟ ولدي عد إلي، ~~فأنا وحدي في هذا العالم أنا التي لا ترى العالم إلا أنت، حسن، هل تعود؟ # | انتظار # ويتركه الأطباء ليختلوا بأنفسهم وطبهم وليصدروا القرار النهائي على يده. يدي، ماذا ~~فعلت يدي؟ إن آخر ما فعلته ms56 يدي هو تسلم هذا المبلغ. # كان مفيد في عجلة من أمره؛ فهو لا يطيق هذه الفترة من الانتظار التي أرغمه عليها الدكتور ~~عبد الوهاب العجلان رئيس مجلس إدارة الشركة الهندسية الفنية، وكم قفز مفيد من كرسيه يريد أن ~~يعود إلى الموعد الآخر الذي ينتظره في مكتبه، ولكنه يذكر المبلغ الذي سيجنيه من لقائه ~~بالدكتور عبد الوهاب فيعود إلى كرسيه في إذعان مكره وهدوء محتاج، وتمر الدقائق وتتكرر ~~القفزات ويتكرر التذكر فيتكرر الإذعان ثم الهدوء. نعم إن الموعد الذي ينتظره في مكتبه ذو ~~ربح هو الآخر ولكن أين الربح الفردي من ربح الشركات؟ وأي الشركات؟ الشركة الهندسية الفنية؟ ~~لا، لا سبيل إلى القيام ولا إلى الغضب ولا سبيل أيضا إلى الخروج، عجيب أمر الناس، ها أنا ~~ذا في مكتب مفتح الأبواب وليس بيني وبين الخروج إلا أن أخطو فإذا أنا خارج الغرفة فأتخلص ~~من هذا الضيق الذي أحسه في الانتظار، وأذهب إلى حيث أريد وأثأر لكرامتي التي أحس دقائق ~~الانتظار وكأنها خناجر تتوالى عليها فتنزف كرامتي وتنزف، ولكني هل بقي من كرامتي دماء؟ لكن ~~انتظرنا، ولكم نزفت الكرامة، لئن بقي من دماء الكرامة بعدما فقدت شيء فقد كانت كرامتي إذن ~~ذات ذخيرة من الدماء عظيمة المقدار، ترى هل بقي من الكرامة شيء؟ ويلي! لكم أظلم نفسي وأحمل ~~كرامتي فوق ما تحتمل، لقد أكلها العمل، نحتها ذرة ذرة وقطرة قطرة فهي هباء من الهباء أو ~~هي كما يقول هواة الأدب أثر من بعد عين، وإلا فما لي ما زلت جالسا إلى الكرسي، والأبواب ~~مفتحة أمامي، ما لي لا أخطو خطوتي إلى الخارج، إنه لا يقيد الإنسان إلا نفسه، إنما الحرية ~~مقدار ما أحس به أنا في نفسي من حرية نفسي، لن يستطيع أحد ولا شيء أن يمنع الحرية عن نفسي، ~~وإنما أنا، أنا وحدي الذي أكبل نفسي بالأغلال، وهيهات لكل حريات العالم أن تحرر نفسا ~~أراد لها صاحبها أن تكبل بالقيود، أضاع السوق كرامتي وحريتي وأكل كل شيء في حياتي، ها أنا ms57 ~~ذا أبدو مثل حر وأنا أشد عبودية من العبيد، وإلا فما بقائي وقد تأخر الرجل، تأخر، أنا أعرف ~~أن أصول الصنعة تجعله يتأخر، يريدني أن أشعر بأهميته، ويريد أن أشعر بحاجتي إليه وعدم ~~حاجته إلي، لقد درت في السوق وعرفت أسراره، أما كان الأجدر بالدكتور عبد الوهاب أن يدرك ~~أن هذه الصغائر لن تكون ذات أثر في الصفقة؟ # ألم يعلم الدكتور عبد الوهاب أي رجل أنا؟ ولكن يبدو أن صفة الأدب التي غلبت علي أول ~~اشتغالي بالسوق لا تريد أن تفارقني، إن كل من يعاملني لا ينسى أنني كنت أعمل بالأدب؛ أي ~~إنني كنت فنانا، فأنا إذن في عرفهم سارح في دنيا من الخيالات والأوهام، ما كان أعذبها، ~~لقد أقفلت ما بين نفسي وبين الأدب منذ الشهور الأولى التي نزلت فيها إلى دنيا الأعمال، تلك ~~حسنة أثبتها لنفسي ولا أنساها، كيف أقول للناس كونوا شرفاء، أحبوا إخوانكم، الهناءة في رضا ~~النفس، اسعدوا، عيشوا، تمتعوا، أحسوا بالجمال، أقول وأقول، وأنا، أنا نفسي أتغاضى عن الشرف، ~~و... # وقبل أن يكمل دخل الحجرة رجل وحياه وجلس، وأمعن مفيد فيه النظر، شخص أصلع الرأس واسع ~~العينين، تبرز منهما الحدقة بروزا يشعر الناظر إليه أنه يبحث عن شيء لا يدريه ولكنه لا ~~يزال يبحث عنه. وأحس الرجل بعيني مفيد الفاحصة فعاجله قائلا: الأستاذ مفيد؟ # ودهش مفيد شيئا ما، ولكن ما أسرع ما تغلب على دهشته فقد علمه السوق أن يتغلب على كل ~~الملامح التي تلدها المشاعر على وجهه وقال: نعم، يا أفندم، أنا هو. ~~- لعل حضرتك مندهش لأني عرفتك؟ ~~- لا أبدا. ~~- طبعا أنت رجل شهير، وأديب معروف. وقال مفيد في نفسه، وهذه مصيبة أخرى في السوق، دائما ~~يستعملون الأدب في التأثير علي، لم يبق لي من الأدب إلا أن يتملقني به من يريد أن يسلبني ~~شيئا، كم هو مجرم هذا السوق، يقطع صلتي بالأدب ولا يكتفي بهذا بل يتخذ منه سلاحا لنهبي، ~~مجرم هذا السوق، مجرم، وصحا مفيد على الرجل يقول له في ود: لماذا ms58 لم تعد تكتب؟ أنا من عشاق ~~أدبك. # وفي شعور بالمرارة العميقة قال مفيد: حضرتك تريد مقابلة الدكتور عبد الوهاب؟ ~~- وأخذ الرجل وقال في تردد يوشك أن يكون لعثمة: نعم، نعم. # وقال مفيد في لهجة لا تتسم بالود: ولكني على موعد معه. ~~- الواقع أنني لم أجد السكرتير. ~~- أليس بالخارج؟ ~~- لا. ~~- اسمح لي إذن أبحث عنه ليحدد لك موعدا. # وهم مفيد أن يقف ولكن الرجل عاجله: ولكني أريد أن أجلس معك وأتعرف بك. ~~- ولكني الآن على موعد مع الدكتور عبد الوهاب. ~~- وما البأس، نتحدث حتى يجيء، فأنا منذ زمن بعيد من المعجبين ... ~~- أتعتقد أننا يمكن أن نتكلم في الأدب الآن؟! ~~- ولم لا؟ ~~- اسمع يا سيدي، لقد مرت علي بالسوق سنوات عديدة، فأرجو أن يدخل هذا في اعتبارك عند ~~حديثنا في الأدب. # ونظر الرجل نظرة باهتة إلى مفيد وتراجعت حدقتاه قليلا إلى محجريهما، ثم تغلب على نفسه في ~~هدوء وكأنما لم يحس بما يخفيه كلام مفيد، وقال في نفس اللهجة التي كان يتكلم بها عن الأدب: ~~الصفقة التي تريد فيها الدكتور عبد الوهاب. # أهي لحسابك الخاص أم لحساب شركة أخرى؟ وأحس مفيد أن الحديث أصبح يتفق وجو الحجرة التي ~~يجلسان بها، فقال في مداورة: بماذا تراك تجيب لو كنت في مكاني؟ # وعادت النظرة الباهتة وأعقبها الهدوء ولكنه لم يملك نفسه أن قال: يظهر أنني لم أكن أقدرك ~~حق قدرك يا مفيد بك. ~~- كلنا معرضون للخطأ. ~~- ما هو الربح الذي تنتظره منها؟ ~~- نفس الربح الذي تنتظره أنت على الأقل. ~~- فما رأيك لو أخذت نصفه الآن وتنازلت لي عنها؟ ~~- هذا يتوقف على مقدار تقديرك للربح والدعاية التي أحصل عليها عند نجاحي في هذه المهمة، ~~وغير هذا مما لا يخفى على ذكائك، وأرجو أن يدخل ... وانتهت المساومة بمفيد يضع في جيبه شيكا ~~بمبلغ خمسة آلاف جنيه ويخرج مسرعا دون أن يقابل الدكتور عبد الوهاب. # لم يكن مفيد يتوقع أن تتم الصفقة على هذه الصورة، فهو سعيد بما ناله من سعادة غامرة، ~~حتى لقد نسي هذا الحديث ms59 الطويل عن الأدب ونفسه وما صنعه السوق، ونسي ما كان يرمي به نفسه، ~~بل هو الآن راض عن نفسه كل الرضا يسكب عليها ألوانا من المديح وأفانين من الإعجاب. فإن ~~حاولت نفسه أن تصده عن هذا الغرور ارتفعت يده في لا شعور مأخوذ إلى مكمن الشيك في جيبه، فما ~~هي إلا أن يعود المديح لنفسه والإعجاب بها يملآن عليه آفاق الحياة، فلا يرى من الطريق أمامه ~~إلا الفرح والبهجة والإعجاب والسعادة، ولما كانت هذه الأشياء جميعا لا تغني مع السيارات ~~التي تقطع الطرق وتريد الناس أن ينظروا بعيونهم لا ببهجتهم فقد صدمته سيارة، وصحا من رضائه ~~عن نفسه مسجى بسرير مستشفى وبجانبه ممرضة. ~~- أين أنا؟ # سؤال ما أسرع ما تبين غباءه فسارع يقول دون أن ينتظر إجابة: هل الإصابة خطيرة؟ ~~- خير إن شاء الله، حمدا لله على السلامة، دقيقة واحدة أنادي الدكتور. # وجاء الطبيب وفي كلمات قلائل تبين ما حدث له، لقد مرت السيارة على يده اليمنى فأحدثت ~~بها تهشيما في العظام وتهتكا في الأنسجة، والطبيب وحده لا يستطيع أن يقرر ما يفعله، فهو ~~يرسل في طلب كونسلتو ليقرر ما يتخذه إزاء هذه اليد، ويخرج الطبيب ويعود مفيد إلى نفسه، يدي، ~~ماذا يصنعون بيدي؟ لماذا؟ ماذا فعلت يدي؟ ماذا فعلت؟ ويأتي الكونسلتو وتجتمع حول يد مفيد ~~وجوه متجهمة وما تلبث أن تنصرف عنه لتنظر إلى صور الأشعة التي تمثل الحالة التي صارت إليها ~~يده، ويسأل مفيد، ويسأل، فلا تجيبه إلا همهمة تترجح بين الأمل واليأس، ويتركه الأطباء ~~ليختلوا بأنفسهم وطبهم، وليصدروا القرار النهائي على يده. يدي، ماذا فعلت يدي؟ إن آخر ما ~~فعلته يدي هو تسلم هذا المبلغ، خمسة آلاف جنيه، أكنت صاحب حق فيه؟ أي مجهود بذلت لأناله؟ ~~اسمي في السوق وسمعتي ومقدرتي البارعة على إتمام الصفقات، نعم أوهمت الرجل أنني كنت سأكسب ~~عشرين ألف جنيه، ولكن هو أيضا كان يطمع في الربح ولو لم يكن كذلك لما أعطاني هذا المبلغ، ~~كذبت عليه، نعم كذبت ولكن هل يعرف السوق ms60 إلا الكذب؟ لو لم يكن مقدرا لنفسه ربحا يزيد عن ~~عشرين ألف جنيه لما أعطاني هذا المبلغ، ولكنني كذبت، غالطت ضميري، أين ضميري؟ ألم أقل إنني ~~فقدته منذ زمن طويل؟ منذ نزلت إلى السوق، كان آخر عمل تدخل فيه ضميري هو تحولي عن الأدب ~~وإبائي أن أبشر بالفضيلة وأنا غارق في الرذيلة، ولكن، ألم تكن يدي هي التي كتبت ما كتبت ~~من أدب؟ وكنت أدعو إلى الأخوة والحب والتسامح والسعادة، ثم بعد، أصبحت من رجال الأعمال ~~فالحياة أصبحت عندي لا شيء إلا أن أكسب، أصبحت يدي التي كانت تعمل للناس جميعا، الناس في ~~كل العالم، الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، الذين يقرءون والذين لا يقرءون، أصبحت يدي هذه ~~لا تعمل شيئا إلا أن تضع في جيبي نقودا، أصبحت فائدتها الوحيدة أن تجعلني غنيا، دون حتى ~~أن تفكر في سعادتي، كنت سعيدا بيدي وهي تكتب للناس، ألم أكن سعيدا وهي تكسب لي أموالا؟ ~~قدمت بها الرشاوي، حطمت بها ضمائر الناس، ما لي ولهم، لقد كانوا على استعداد لبيع ضمائرهم ~~لأي مشتر، فما البأس بي أن أشتري بضاعة معروضة في السوق، وأصبح غنيا، وألقى الأمن على ~~مستقبلي ولكن أترى أحسست بهذا الأمن؟ أبدا، كلما زادت ثروتي زاد خوفي من المستقبل، مخيف ~~هذا المستقبل لمن يكسب مالا، فقدت ضميري وقلمي، و... و... لا، لا أريد أن أفقد يدي، إنها لم ~~تصنع شيئا تستحق من أجله أن ... أن ... أخاف أن أقول الكلمة، أتراهم يحكمون عليها بالبتر؟ أنا ~~لم أسرق، ما لهم لا يعودون، إن بقيت يدي عدت للكتابة، أتراني أصلح اليوم أن أكتب؟ أبشر ~~مرة أخرى بالسعادة والأمن، الأمن من داخل نفسي لا من خارجها، الأمن من القلوب لا من المال، ~~هذه القلوب الواجفة الهالعة التي تطير شعاعا من الخوف والتي ترمي بنفسها إلى مستقبل الأيام ~~ارتماء يائسا مذعورا أتراني أستطيع أن أقول لها إن أمنك في ذاتك لا في خارجك، وحريتك من ~~داخلك لا يجرؤ إنسان أن يعدو عليها حتى تقبلي أنت أن ms61 تتخلي عنها؟ فما عرف الأمن إلا في ظل ~~الحرية وما عاشت الحرية إلا في ظل الأمن، هل أستطيع أن أقول هذا للناس، إن بقيت يدي أقول ... ~~أقول ... ولكن هل تبقى يدي، ولكن، إني أستطيع أن أقول حتى لو فقدت يدي، الأمن يشيع في نفسي، ~~حريتي عادت إلي، فليقطعوا يدي فسيبقى لي أمني وحريتي وحبي للناس وسأستطيع أن أقول بلساني ~~وإن لم فبقلبي وسيفهمون، فما سمع الناس حديثا أوضح من حديث صادر عن قلب، سأقول، وسأكتب ~~وسيفهمون. # ودخل الأطباء وعلى وجوههم هذا القناع من الجمود الذي ألقاه العلم على وجوههم منذ أصبحوا ~~كبارا وفوجئوا بمفيد يقول في مرح: اضحكوا أيها الأطباء، مهما يكن قراركم فهو أقل قبحا من ~~هذا الجمود على وجوهكم، لا، أنا لم أجن ولكنني عدت إلى الأمن، وإلى الحرية، إلى ~~نفسي. # | على رغم الأيام # وشاعت ابتسامة حلوة في وجهها ثم أقفلت الكتاب دون أن تعنى بثني الورقة التي كانت ~~تقرؤها. # على مقربة قريبة من قريتنا تقع قريته، وقد تعود أن يقيم بقريته أكثر أيام العام لا يمل ~~منها ولا يضجر، وهو من تلقى علومه بإنجلترا. وهو مني بمثابة العم في القرابة والسن معا، ~~فهو في آخر الحلقة السادسة من عمره. عهدته منذ بدأت أتبين الأشياء فضي الشعر في جمال فكان ~~يخيل إلي حين يداعب الهواء شعره أن شعره موجات صغيرة من الفضة تتجاوب مع النسمات التي ~~تتواكب إليه، وعهدته منذ تبينت الأشياء أنيقا لا تتخلى عنه الأناقة أبدا، فهو أنيق ~~بمعطفه الأبيض وجلبابه الحريري الذي يلبسه في صيف القرية، وهو أنيق بمعطفه الصوفي وجلبابه ~~الذي يتخذه في الشتاء، وهو أنيق غاية الأناقة إذا قصد القاهرة فهوي يرتدي من الحلل أحسنها ~~وأبدعها ذوقا، يصاحبها رباط العنق من أغلى طراز والجورب المنتقى بأجمل عناية، لا تستطيع ~~حين تلقاه في القاهرة إلا أن تذكر لوردات الإنجليز الذين ربي بينهم. # عاد إلى القاهرة في أول الحرب العالمية الأولى وتولى الإشراف على أرضه وأرض إخوته، ولم ~~تكن مساحة الأرض كبيرة، ولكنه كان لا ms62 يتركها أبدا، ويتولى زراعتها بنفسه، يجد في ذلك لذة ~~لا تدانيها لذة، وقد حاول إخوته منذ عاد أن يزوجوه، ولكنه كان يرفض دائما دون أن يبدي ~~لرفضه سببا. وإنما هي لا قاطعة، أو لا لطيفة رقيقة شأن أحاديثه جميعا، ولكنها لا دائما، ~~وبلا سبب. # كنت أقصد إليه كلما ذهبت إلى القرية. وكنت آخذ رأيه في المسائل الزراعية التي أحتاج فيها ~~إلى رأي. وقد كان رأيه دائما مدعما بالعلم والتجربة معا، فدراسته في إنجلترا كانت زراعية ~~وطول عهده بالأرض زوده بالكثير من التجارب البصيرة، وقد سألته في يوم: لماذا لم ~~تتزوج؟ # فنظر إلى الأفق البعيد وبدت على شفتيه الرقيقتين ظلال ابتسامة حنون، ثم قال: غافلتني ~~السنون فوجدت نفسي حيث لا أستطيع الزواج. ~~- ولماذا كنت ترفض؟ # وعادت الابتسامة وطال تحديقه إلى الأفق البعيد، ومرت بعينيه طيوف تتباين بين السعادة ~~والحزن، وظل صامتا، فأكرمت صمته، ولم أعد إلى السؤال. # تعود كلما جاء إلى القاهرة أن يدعوني بالتليفون فأقضي معه بعض الوقت، وفي يوم جاء إلى ~~القاهرة والتقينا على منضدة في مينا هاوس وانساب الحديث بيننا، وقد تعودت أن أسعد بنغمات ~~حديثه؛ فهي همس منغوم فيه عذوبة ورقة وهدوء، وكانت عيناه إليه الباب، عينان هادئتان ~~فارقتهما الدهشة لكثرة ما مر بهما ولكن بريقا من أيام الشباب ما زال يطل منهما، وإن كان ~~بريقا عجوزا عدت عليه السنون. # وفي لحظة خيل إلي أنه ليس هو، أو أنه قد عاد إلى شبابه الذي رأيته عليه في الصورة ~~المعلقة ببيته بالقرية، بل خيل إلي في ومضة عابرة أن شعره الفضي لم يعد فضيا، وجمد ~~على حاله هذا ونظرت إلى حيث ينظر فإذا سيدة وقور ليست مصرية على أية حال، شعرها فضي كشعره ~~وإن كان غزيرا، طويلة القامة في غير امتلاء ولا نحافة، تطل السنون من عينيها ولكنها إطلالة ~~فيها حنان ودعة. وقفت السيدة على الباب وكانت تنفض المكان بعينيها تبحث عن مكان حتى إذا ~~يئست أوشكت أن تولينا ظهرها وتتركنا، ولكني شعرت بزلزال في النضد الذي أجلس ms63 إليه، وإذا ~~الشيخ الذي كان بجانبي قد أصبح بجانب السيدة، ناداها فالتفتت ونظرت إليه فإذا هي أيضا يطوف ~~بها ذلك الطائف الذي مس الرجل، وإذا أنا يخيل إلي في لحظة أنها لم تعد هي. ورأيته ~~يحتضن يديها في راحتيه ويظل كل منهما يرنو إلى الآخر بعض الحين في صمت ثم يفيضان، وقد أقبل ~~فوج جديد يريد أن يدخل إلى المكان، فيتركان الفندق جميعا ويخرجان دون أن يحفل بي العم ودون ~~حتى أن يلتفت إلي. # تركت مكاني وقمت، وفي باكر الصباح دق جرس التليفون وكان هو المتحدث. ~~- أريدك اليوم. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- اليوم جميعه. ~~- اليوم جميعه، منذ متي تريدني؟ ~~- منذ الآن. # وما هي إلا بعض دقائق حتى كنت عنده. لم أسأله فقد وجدت الذكريات تفيض على لسانه يريد أن ~~يرويها لأي إنسان يلاقيه. وكنت أنا. قال ونظرة تقطر سعادة تنسكب من عينيه: في أول عهدي ~~بإنجلترا دعاني أحد أصدقائي إلى حفلة يقيمها في بيته، وقد لبيت دعوته ملهوفا؛ فما كان لي ~~من أصدقاء إلا ندرة جمعتني بهم فصول المدرسة، لم يكن ضيوف صديقي إلا قلة من الصفوة وكان من ~~بينهم أختان، كان جلوسي إلى جانب بيسي، وكان حديثها منطلقا في خفة، وكانت مرحة اللفتة، ~~قريبة الفهم، سريعة الإقبال. لم يطل بنا الحديث حتى سألتها إن كانت تسمح لي أن أزورها ~~فرحبت وكانت أختها ليزا تمر بنا فاستوقفتها وقدمتني إليها فصافحتني وانصرفت لم تلبث ~~وانتهى الحفل. وفي ضحى اليوم التالي ركبت دراجتي قصدت إلى بيتهم؛ فقد كان في مكان لا يمكن ~~أن أصل إليه إلا بالدراجة، أو بعربة خاصة، لم أكن محتاجا أن أدق الجرس، فقد وجدت ليزا ~~جالسة في شرفة البيت تقرأ. أسندت دراجتي إلى درابزين الشرفة الخشبي ورحت أصعد السلم متعمدا ~~أن أثير بحذائي تثير انتباهها ولكني لم أفلح في انتزاعها من الكتاب، ولم أجد بدا آخر ~~الأمر من أن ألقي تحية متعثرة توشك أن تسقط في الطريق إلى أذنيها، ولكنها مع ذلك أفلحت في ~~أن تجعلها ترفع رأسها عن ms64 الكتاب لتلقي إلي تحية باسمة قد تتسم بالأدب أو قد تتسم بالرقة ~~ولكنها أبدا لا تتسم بالترحيب، كما أنها لا تحمل معنى واحدا يدل على أنها تعرفني أو حتى ~~تذكر أين التقت بي، لم أجد بدا من أن أذكرها بنفسي، وليس أثقل على نفسي من أن أقدم ~~نفسي، فقلت: أسألها عن أختها لعل في سؤالي عنها ما يذكرها بي. سألتها: أين بيسي؟ # وتذكرت، أو بدا لي أنها تذكرت، فقد عادت تبتسم ابتسامة أخرى أكثر إيناسا من الأولى، ثم ~~قالت: إنها خرجت تشتري بعض أشياء، ملكني الإعجاب بليزا، تمنيت لو كانت هي من جلست إليها في ~~حفلة الأمس وتمنيت أن أجد سببا يبقيني معها فتستبدلني بهذا الكتاب في يدها، وتقرأ ما بنفسي ~~من الإعجاب لها وأقرأ في عينيها الخضراوين من بساطة الأمل، وربيع الشباب، تمنيت ولم أجد ما ~~أحقق به أمنياتي إلا سؤالا متعثرا آخر. ~~- لعلها لن تتأخر. # وظلت الابتسامة الأنيسة على وجهها وهي تقول: بل ستتأخر على ما أظن. # كانت الإجابة أمرا صريحا لي بالانصراف، لم تبعث ابتسامتها، ولا كلمة أظن الشك في نفسي ~~من أنها تريدني أن أنصرف. ووجدت نفسي ألقي بتحية وداع متعثرة وأستدير إلى السلم أنزله في ~~تفكير عميق، ماذا يمكن أن يبقيني هنا؟ أيمكن مثلا أن أقع على السلم فأعرج فأبقى! ولكن ماذا ~~تفعل هذه الدرجات القلائل، إنها أهون من أن تصيبني بجرح يستحق البقاء، ماذا يمكن أن يحدث. ~~كنت قد وصلت إلى دراجتي، ودون أن أنظر إلى اتجاه يدي مددتها لأمسك بالمقود فإذا مسمار في ~~الدرابزين يجرحني، آه، قلتها في صوت مباغت واهن، ثم ما لبثت أن تذكرت أملي في أن أجرح، ~~فنظرت إلى الجرح ثم هززت رأسي، لقد كان الجرح أهون من أن أطلب له دواء، وأهون من أن أذكره، ~~ولكن فكرة ما لبثت أن ومضت في ذهني. فنظرت إليها فوجدت الكتاب قد اختطفها مرة أخرى فما لبثت ~~أن نزعت المسمار من مكانه وأهويت به على عجلة الدراجة فأفرغتها من الهواء، كنت أحس بهواء ms65 ~~العجلة وهو خارج وكأنه يقضي على الحيرة التي خالطتني، وعلى اليأس الذي ملك نفسي حتى إذا ~~استقر حديد العجلة على الأرض اطمأنت نفسي وهدأ مضطربي، وعدت أصعد لأقول في صوت ما زلت أذكر ~~رنة الفرح فيه حتى اليوم. ~~- لقد فسدت دراجتي فكيف السبيل أن أعود إلى البيت؟ وشاعت ابتسامة حلوة في وجهها ثم أقفلت ~~الكتاب دون أن تعنى بثني الورقة التي كانت تقرؤها، وقالت: انتظر حتى تأتي بيسي، فقد أخذت ~~العربة معها. # وقبل أن تتم جملتها كنت قد أخذت مكاني بجانبها، وأنا أسأل: أتقود بيسي العربة؟ # فقالت والابتسامة على وجهها ما تزال: نعم. ~~- ألا تخاف الجياد؟ ~~- إنه جواد واحد يحبنا ونحبه ولا نخافه. # وتحادثنا، وتحادثنا، وتأخرت بيسي وأنا أدعو الله أن تزيد من تأخرها، وأقبلت على ليزا ~~إقبالة محب قديم لا صديق جديد، وأقبلت هي على حديثي، فما قلت رأيا إلا وجدتها تراه، وما ~~ذكرت من ميولها ميلا إلا وجدتني مثلها فيه، وكانت عيناي دائمتي التحديق في عينيها أجوس في ~~أطواء نفسي فأجدني أزداد حبا لها. كان لا بد أن تعود بيسي وقد عادت. ونظرت إلى جلستنا، ~~وابتسمت: أراك قد لبيت الدعوة. # وقلت في فرح: وهل كان يمكن ألا ألبيها؟ # وقصت ليزا على أختها ما كان من أمر الدراجة، وبدا على بيسي أنها لم تكن محتاجة إلى هذا ~~الشرح فما كنت في حياتها غير عابر سبيل أو عابر سفر إن صح التعبير. قالت: فهلم اركب لأذهب ~~بك إلى بيتك. # فنظرت إلى ليزا وأنا أقول في حسرة: هلم. # كم كانت الدراجة مباركة في يومنا هذا، فإنه ما لبثت أن وجدت فيها الملجأ مرة أخرى. ~~- ماذا سأفعل بالدراجة! # وسكتت ليزا وقالت بيسي: اتركها. ~~- وماذا أفعل؟ إنني لا أسير إلا بها. # وقالت ليزا: اسمع، أمسك بدراجتك وسر وسأسير معك على أن تصاحبنا بيسي بالعربة لتعود ~~بي. # ونظرت بيسي إلينا ثم ما لبثت أن أغرقت في الضحك ثم قالت: ألم تقولي إنه ينتظرني منذ ساعة ~~أو أكثر لأعود به بالعربة؟ # وكأنما أدركت ليزا ما ms66 يخفيه ضحك أختها؟ ولكنها قالت في بلاهة حبيبة: نعم. # وأكملت بيسي حديثها: ففيم كان انتظاره ما دام سيعود سائرا على أية حال؟ أم تراك كنت ~~تريدين له العربة لتسير إلى جانبه لا ليركبها، أم تراك كنت تريدين العربة لتعود بك ~~أنت؟ # ثم عادت تضحك مرة أخرى، وقالت ليزا: وماذا نفعل، ما دام لا يريد أن يترك الدراجة. # واصطنعت بيسي الجد وهي تقول: نعم أنت محقة. ماذا يمكن أن نفعل؟ هلم بنا. # وسرنا، أمسك بدراجتي وليزا إلى جانبي وبيسي تقود العربة تسبقنا أحيانا أو يطيب لها أن ~~تضحك منا فتبطئ حتى تظل بجانبنا. وفي مرة من المرات التي شاءت فيها بيسي أن تتيح لنا خلوة ~~من الحديث قالت ليزا: أتعبت؟ # قلت في فرح: أنا؟! أبدا. # فقالت وابتسامة ماكرة على فمها: على كل حال عليك أن تتحمل تبعة فعلتك. # وأخذت بحديثها وقلت: أية فعلة؟ ~~- ما ذنب الدراجة حتى تفسد إطارها، وما ذنب درابزين بيتنا حتى تخلع مساميره. # ظل حبي لها ينمو مع الأيام حتى كان يوم عرضت عليها فيه أن نتزوج فقالت: نعم أتمنى ذلك؟ ~~ولكن أمهلني بضعة أيام. ~~- متى أعرف الجواب. ~~- في أي يوم نحن؟ ~~- اليوم الأحد. ~~- إذن ففي يوم الأحد. # لم يكن ساسة العالم على علم بهذا الوعد؛ فإنه لم يقدر لي أن أشهد هذا الأحد في إنجلترا ~~وإنما وجدتني بين عشية وصباح على مركب ينقلني إلى مصر، لم أبال الأوامر وقصدت إليها في ~~البيت قبيل الرحيل فلم أجد بالبيت أحدا؟ فتركت خطابا دسسته تحت الباب، ثم وضعت في المركب ~~لأجد نفسي بمصر، لا تسألني كم من الخطابات أرسلت بعد ذلك، ولا تسلني كم خطابا تسلمت. فأما ~~ما أرسلته فلا أذكر عدده لكثرته، وأما ما تسلمته فأذكر عدده لانعدامه. لم تصلني منها كلمة. ~~ولكنني مع ذلك ظللت أكتب، وأكتب فقد أصبحت الكتابة إليها هي كل ما بقي لي من حبي ومن شبابي ~~ومن حياتي كلها إني بلا زواج ولا ولد فأنا بلا أمل. لم يكن لي إلا هذه الخطابات فظللت ms67 ~~أكتبها حتى أمس، أمس صباحا قبل أن ألقاك، كنت قد أودعت البريد خطابا إليها. لا لم أستطع ~~السفر، خشيت، خشيت أن تصدمني الحقيقة هناك فأعلم أنها ماتت أو تزوجت ففضلت أن أحيا بأملي ~~الواهن الشاحب الضئيل عن لقاء الحق الواضح الصريح القوي، فلم أسافر، حتى كان أمس ولقيتها، ~~لقد تركوا بيتهم وتركوا الحي وتركوا المدينة، فلم تعد إليها مني كلمة، ولقد ... # وانسكبت الدموع من عينيه وهو يقول: ولقد جاءت إلى مصر بين الحربين، وعادت تجيء بعد الحرب ~~الثانية على أمل واهن أن تلقاني، أو تسمع عني حتى أمس ولقد ... # وازدادت الدموع انسكابا من عينيه واختلج صوته في إجهاشة حب والهة شابة: ولقد انتظرتني ~~فلم تتزوج. # لم تنته حكاية الشيخ؛ فقد كان يريد مني كمحام أن يعد الإجراءات لزواجه، نعم زواجه هو ~~ابن الستين أو أبو الستين منها، منها هي، نعم وأنها في الرابعة والخمسين. # وبعد أيام ذهبت إلى العم في القرية أهنئه بالزواج وأهنئ به العمة الجديدة، كانا ~~جالسين هناك بين النخيل فكنت أرى فيهما قوة أقوى من النخيل ومن الأيام ومن الحروب ومن ~~القادة الذين يشعلون نيران العالم، لقد تغلبا على كل السفاكين الذين أراقوا دماء ~~البشرية. وتزوجا آخر الأمر وإن كان هو في الستين وإن كانت هي في الرابعة والخمسين ولكن ماذا ~~يهم، لقد التقت فيهما حياة واحدة عاشت سنين طويلة، طويلة جدا حياتين. # قال ودمعة فرحانة تتلألأ في عينيه مترددة بين بقاء أو انهمار: لقد تزوجت شبابي يا بني، ~~لقد تزوجت شبابي، ووجدت دمعة تطفر إلى عيني أنا الآخر جعلت العمة ليزا تقول في فرح: ولم ~~يسمح له تأثيره أن يعيد ما قال واستطعت أن أتغلب على خلجاتي الفرحانة لأترجم لها جملته. ~~وطفرت إلى عينها هي الأخرى وهي تقول: إنه زوجي من أربعين عاما. # | يا لها من أيام # زوجان، أحدثها عن شأني وما عرض لي في يومي، وتحدثني عن شأنها وما مر بها من ~~أمور، وما كان أتفه ما أرويه لها، وما كان أبسط ما تحكيه لي ms68 . # طويل هذا الليل ولكن، أين هو من الزمن؟ إنه نقطة لا تزيد من كتاب الزمن الكبير الذي حارت ~~في بدايته العقول وجهلت المقادير نهايته، نقطة هذا الليل لا تزيد، ولكنه طويل، وما أنا الذي ~~أحسه طويلا، رقم من ملايين الأرقام، بل من ملايين الملايين، ولكن أنا كل شيء، أنا هذا ~~العالم، فما العالم بالنسبة إلي إن لم أكن أنا فيه، أحس بذاتي، بعظمتها وقد يراني الناس ~~لا شيء، ولكن ما لي وللناس وما يظنونه، ما يضيرني رأيهم ما دمت أرى نفسي شيئا خطيرا ~~جديرا بالاحترام، آه، يا لها من فلسفة بائسة أصطنعها لنفسي اصطناعا فما تجدي، وأظل يومي ~~وليلي هذا الطويل ألقنها كرامتي الجريحة فما تشفي الجراح ولا تبرئ الطعنة ولا هي تلهمني ~~من الصبر بصيصا أذود به عن نفسي هذا البؤس الذي يحيطها. # أعظيم أنا؟ يا لها من سخرية كبيرة، أخطير شأني؟ يا لي من ضائع لا قيمة له، ويا لي من أحمق ~~أعجل إلى الأمر لا أدري بواعثه أو عواقبه. # أحببتها، نعم أحببتها كما أحبت طفولتي الباكرة، وشبابي الندي، وأيامي الفتية، وأحلامي ~~المنضورة. # أحببتها منذ الأيام صغار قصار يملؤها مرح الطفولة وبسمات الملعب وعبث الصغر، وكبرنا فكان ~~للقلب عند اللقاء وجيب عرفناه منذ دقاته الأولى، إنه الحب يعلن نفسه باسمه الصريح بعد أن ~~كان متخفيا وراء كرة الملعب وعبث الصبية، هو الحب كاملا كما عرفه قيس وليلى، وجميل ~~وبثينة، وروميو وجولييت وغيرهم ممن دمغوا التاريخ بحبهم أو ممن خلق الكتاب حبهم. # وكان أبي وأبوها صديقين، وفي ظل هذه الصداقة اتصل الحب دون أن ينمو؛ فقد كان بالغا مداه ~~لا يملك بعد عنفه ولا بعد نموه نموا. ومرت بنا الأيام أروي حبي بلقاء قصير، أو ابتسامة ~~حلوة، أو كلمة منغومة، لم أخطبها ولم أكن في حاجة إلى خطبتها؛ فقد كان زواجنا أمرا ~~مقررا لا يحتاج إلى خطبة. # كان أبي ينتظر أن أتم تعليمي حتى يزوجني لها، وكان أبوها ينتظر الشيء نفسه حتى يتم هذا ~~الزواج. # وكنا جارين، ولعل هذا ms69 الجوار فرض علينا رقابة أشد، والعجيب في الأمر أن أبي كان أشد دقة ~~في رقابته من أبيها؛ فلم يكن يسمح لها أن تخلو إلي لحظة؛ فإن جاءت البيت فهو فيه لا يبرحه ~~حتى تخرج مهما يكن وراءه من أعمال. وإن حاولت أن أذهب إلى بيتها كان حريصا أن يعلم بوجود ~~أبيها هناك. # نعم، كنت يتيم الأم منذ الطفولة الباكرة، وكانت ترعى أمري امرأة كبيرة السن وأنا في ~~المهد، وظلت قائمة على شأني حتى اليوم، وكان أمرها كأمري، امرأة كبيرة ترعاها منذ لا تعرف ~~متى وما زالت في بيتهم حتى اليوم، نعم حتى اليوم. # لم يكن أبي، ولا أبوها، يكتفي برقابة هاتين الحاضنتين، وكانتا تفرضان علينا قيودا ~~قاسية نلقاها بالبشر، والابتسامة المختلسة، وبالمخادعة الطويلة أن نحظى بلقاء مهما يكن ~~قصيرا بعيدا عن أعين الرقباء. # أتسألني ماذا كنا نقول في هذه اللقاءات؟ زوجان يعلمان أنهما زوجان ويتحدثان كزوجين بلا ~~قبلات ولا عناق. وما حاجتنا إلى ذلك ونحن ننتظر الغد القريب فنتقبل ونعانق ما شاء لنا الهوى ~~المشبوب والحب الطاهر العميق. # زوجان، أحدثها عن شأني وما عرض لي في يومي، وتحدثني عن شأنها وما مر بها من أمور، وما ~~كان أتفه ما أرويه لها، وما كان أبسط ما تحكيه لي، ولكن كأن لنا نحن الدنيا بما وسعت، كانت ~~سعادتي وحياتي التي أحيا لها وأملي الذي أسعى إليه، كان حبي كل شيء لي، وما أظنه إلا كان كل ~~شيء لها. # كنت أحدثها عن المدرسين حين كنت تلميذا صغيرا، وكانت تحدثني عن المدرسات، ثم صرت ~~أحدثها عن الجامعة والمحاضرات، وكانت تحدثني عن البيت وما تلقى فيه من كسل الخادم وإلحاح ~~الباعة حين بلغنا بواكير الشباب. وأظل بعد اللقاء ساعات أعيش اللقاء مرات ومرات، وأتمثلها ~~وهي تحكي أو تسمع، تضحك أو تغضب، ثم أفيق إلى كتبي أنصب عليها في وعي وإصرار، أتعجل ~~الأيام والسنين ليجمعنا البيت بلا رقيب إلا الحب، ولا أعين من أبيها ولا أبي. # لم يكن أبي غنيا ولا كان أبوها؛ فقد كانا من ms70 الموظفين القدامى الذين يعتمدون على الستر ~~أكثر اعتمادهم على الريع، وكان الستر يكفينا، فملابسنا نظيفة وبيوتنا توفر لنا ما نهفو إليه ~~من راحة، وكان أبوها يعلم دخل أبي، يعلمه كما يعلم دخل نفسه، كما كان أبي يعلم خاصة شأنهم ~~لا يجهل من أمرهم أمرا، وكانا متفقين على الزواج وكل منهما على علم تام بحال الآخر. كان ~~الزواج مقررا لا شك فيه، كان كذلك، حتى نجحت في السنة الثالثة في الكلية وأصبحت على أعتاب ~~السنة النهائية، وكان رأي أبيها ورأي أبي أن نقضي جميعا الصيف في الإسكندرية، فانتقلنا ~~إليها. # وهناك كنا نقضي يومنا جميعا معا لا نفترق حتى لقد كنا نأكل معا، وتولت هي القيام ~~بشأنها وأعطاها أبي نصيبا من المصاريف، وكأنما أراد أبي أن يشعرها بقرب الزواج، وكأنما ~~أراد أن تضم العائلة حياة واحدة، فلم يكن يفصل بين سكناها وسكنانا غير جدار، عشناها حياة ~~واحدة تزيدنا الرقابة المفروضة علينا شغفا ومتعة، وتلتقي العيون منا في عناق طويل يسخر من ~~الرقابة، ويفضي بنا إلى عالم علوي مليء بالهوى والأحلام والآمال. # يا لها من أيام! إن كنت أحسست بذاتي، أو كنت أحببت حياتي فمن ضياء هذه الأيام. # كنا نجلس إلى الشاطئ، البحر تحت أقدامنا، يعدو الماء على أقدامنا وقد يعدو على ملابسنا ~~ونحن من نجوى العيون في حديث يشغلنا عن الماء والبحر، ويرتفع بنا إلى سموات هيهات أن يبلغها ~~سمو. # وكنت إذا انفردت بنفسي، لم أفكر إلا في هذه الأوقات الهنيئة التي جمعتنا، فلا أنشغل عنها ~~إلا بها. كان أبي يعلم ما أنا فيه؛ فنظرته إلي نظرة العالم بشأني، يخيل إليه أن الحب ~~الذي بنفسه هو نفسه الحب الذي عرفه الناس منذ عرف الناس الحب، ويا طالما فكرت، أهذا الحب ~~الذي أحمله هو نفسه الحب الذي عرفه الناس، أم هو أشد عنفا وأعمق جذورا وأبعد غورا، ثم ~~يخيل إلي أن حبي فرد لم يعرفه أحد قبلي ولن يعرفه أحد بعدي. # وبينما أنا في هجعة الأصيل أفكر فيهم تعودت أن أفكر فيه، نادى ms71 أبي من حجرته فسارعت ~~إليه، فوجدته يعاني آلاما بدت آثارها على كل نأمة في وجهه، ماذا بك يا أبي؟ # سؤال أطلقته وأنا أرى ما به ولا أدري ما أصنع، ولم أجد ما أفعله إلا أن أتركه عدوا إلى ~~الدار المجاورة إلى أبيها أستصرخه أن يغيثنا، وعاد الرجل معي يسارع الخطو ثم يعدو حتى إذا ~~بلغنا أبي وجدناه وقد زاد به الألم حتى لا تكاد شفتاه تبين، تركتهم ونزلت عدوا أبحث عن ~~طبيب وما كدت أجد لافتة تحمل اسم طبيب عليها حتى عدت به إلى المنزل، لم يكن الأمر محتاجا ~~إلى طبيب، وإنما إلى مغفرة الله، لم يقل الطبيب إلا جملة واحدة كانت كل شيء: يرحمه ~~الله. # وداعا أيام الهناء، لقد مات أبي والتقيت لأول مرة بالحياة وحدي، كم هي قاسية عاتية، وكم ~~نلهو في رعاية الآباء، وكم كانت أعباؤها صغيرة بقدر ما نرى من الحياة، تلك الحياة التي يحمل ~~عنا آباؤنا عبئها جميعا، كم يحملون العبء! كم نجهل نحن ما يحملون! لكم فكرت في ضآلة شأني ~~حين طالعت الحياة وحدي، كيف أشكر أبي على ما كان يرده عني من شئون الدنيا، لكم كنت عاقا ~~وإن لم أخالفه يوما. كيف أستطيع اليوم، وقد مات، أن أشكره، وأي شكر يجزي غدق فضله، وسكب ~~خيره وموفور بره، لا، لا شكر يفي. # ذهبنا إلى القاهرة، وأقمنا ليالي المأتم وظل عمي سعد يرعى شأني، كما كان يرعاه أبي، وظل ~~يهديني إلى ما لا أعرف. # ومر بعض الحين، ثم فوجئت بعمي سعد ينقطع فجأة، وانتظرت يومين ثم ذهبت إليه، فإذا الوجه ~~الضاحك أصبح كاشرا، واللقاء الرحب أصبح ضيقا، وإذ بنجوى لا تلقاني، وأسأل عنها فيجيبني ~~أبوها في عنف، إنها مشغولة، وأخرج. # وداعا أيام الهناء، وداعا أحلام الطفولة والصبا والشباب، وداعا، فما الأيام بالأيام ~~التي عهدت، ولا الآمال بمحققة، وإلا فما هذا العنف بعد اللين، وما هذا الجفاء بعد ~~الرقة. # لم أشأ أن أترك الظنون تقودني إلى اليأس، فعدت إليه مرة أخرى في اليوم التالي، فوجدت ~~الجفاء ms72 كما تركته في الأمس: عمي، أأخطأت في شيء؟ # قال في غلظة: لماذا؟ ~~- أرى عنفا في اللقاء وجفاء في الحديث. ~~- أنت واهم. ~~- فلماذا لا تلقاني نجوى؟ # ووجدت وجهه قد أدير وازداد غلظة وهو يقول: ولماذا تلقاها؟ ~~- لماذا ألقاها؟ ~~- نعم، لماذا تلقاها؟ ~~- أليست، أليست خطيبتي؟ ~~- هل خطبتها؟ # نعم، إنه الحق ما يقول، لم أخطبها، ولكن ألم يكن كل ما كان بيننا خطبة ولكن، لم أجد ما ~~أقول إلا: فإني أخطبها الآن. # وازداد صوت عمي غلظة وهو يقول: وأنا أرفض الخطبة. # أصبح الظن إذن حقيقة، فوداعا إذن أيام الهناء، وداعا آمال الحياة جميعا، ولولا بقية من ~~إيمان لقلت للحياة جميعها وداعا، وداعا بائسا، أي شيء فيك أيتها الحياة أبقى له، هذا ~~الصديق الذي يخون الموت، أم هذا الحب الذي قضيت له وبه حياتي، ثم لم يخلف إلا ذكريات كانت ~~هناء فأمست تعاسة، وكانت منى أصبحت يأسا. # تركت الحي الذي كنت أقطنه، وحاولت أن أقطع ما بيني وبين هذه الحياة التي كنت أعيشها، ~~وحاولت أن أمزق هذه الخيوط الضخمة من السنين الطوال التي تربطني بذلك الماضي، حاولت، ولكن ~~هيهات، وكيف للنفس أن تنشطر جزأين؟ وكيف للحياة أن ينفصل أولها عن آخرها وماضيها عن حاضرها؟ ~~إنها حياتي، واحدة لا تنقسم ولا تنشطر ولا تنفصل. # ومرت الأيام، ثقيلة بطيئة، حاولت أن أقطعها بالمذاكرة، وكنت قد تعودت أن ألهو بالمذاكرة ~~عن كل شيء، ونجحت، ولم أفرح بالنجاح، وماذا يجدي النجاح، وأي أمل يمكن أن يفسحه لي؟ # وفي يوم طالعتني الجريدة بنعي عمي سعد، فوجدت نفسي أسارع إلى الحي ودخلت إلى البيت فوجدت ~~وجوها أعرف أصحابها فهم أقرباؤه ولكني عبرتهم أبحث عن نجوى فلم أجدها، ولم أجد إلا الحاضنة ~~التي كانت تقوم بشأنها، سألتها في لهفة: أين نجوى؟ # فإذا بالمرأة في نشيج يمزق الأفئدة، وأعدت السؤال في لهفة أشد: أين نجوى؟ # وأجابت المرأة: لقد ماتت من شهرين! ~~- ماذا؟ ~~- ماتت. لقد كانت مريضة بالسل. ~~- منذ متى؟ ~~- منذ كنت تخطبها. ~~- أمن أجل هذا ... ~~- نعم، من أجل هذا رفض أن يزوجها ms73 لك، لقد اتفقنا على أن يرفض خطبتك حتى لا تدفعك الشفقة ~~إلى الزواج بها. # وصرخت في وجهها أسألها: وأين هو؟ # وظنت المرأة أني جننت، وسألت في ذهول: من؟ ~~- أين هو، أين عمي سعد؟ # وقالت المرأة: ألا تعرف؟ ~~- نعم، أعرف أنه مات، أين هو؟ ~~- في حجرته يا ابني. # ودخلت إلى الغرفة ووقفت أمام هذا الوفاء الراحل، وأطرقت إلى الأرض وأنا أقول: أشكرك، ~~وأعتذر إليك! # | عودا إليك يا أبي # لقد كنت هناك في الحانة ولكن أصحابي هم الشاربون وكنت جليسهم، أصدقاء الدراسة وأرادوا ~~أن يحتفلوا بنجاحهم بالشراب وأبيت أن أشاركهم، ورأيتني فماذا أقول لك وماذا ~~أصنع؟ # اليوم أبي، اليوم فقط أستطيع أن أجثو عند قدميك أسألك العفو والغفران، عفوا وإن لم أرتكب ~~ذنبا، ولكني بحسبي من الذنب أنك غاضب، وبحسبي من الأيام سوادا أن ألقاها وأنت عني غير ~~راض، سنوات يا أبي منذ تركتك، لم تغب عن ذهني لحظة، كنت أتمثلك في كل طريق أروده؛ فأنت ~~الأصل الذي كنت أسعى إليه، لا شيء إلا أنت، أنت وحدك يا أبي، فما أطيق - وحقك - الحياة بغير ~~تلك البسمة التي تشرق على وجهك وتشرق لنا بها الأيام والأزمان والآمال والمستقبل. لا ~~أطيق. # تركتك لأضرب في الأرض فكانت ابتسامتك هذه أملي أراها أينما أدرت وجهي، لقد كانت قطعة من ~~نفسي، بل لقد كانت أغلى قطعة في نفسي، أبي إن أكن أصبت في الحياة نجحا؛ فلأنني كنت أطالع ~~هذه الابتسامة دائما، كنت أراها عند الشدة الآخذة فينفرج من الأزمة ما كان مستحكما، وكنت ~~أراها عند النصر فيزداد النصر عظمة وأزداد أنا تواضعا، كانت ابتسامتك المصباح في الظلام ~~وكانت عند الفجر مجلاه وإشراقته. # أبي أتراك تذكر كم من الأعوام مرت لم ترني فيها؟ بل إنني حتى الآن لم أكتب إليك، عشرة ~~أعوام كاملة، وقد قصدت أن أكتب إليك اليوم لأنني أحتفل اليوم بعيد مولدي، لقد ولدت في نفس ~~اليوم الذي غضبت مني فيه وطردتني، فأردت يا أبي أن أكتب هذا في نفس اليوم، يوم مولدي، فإنه ~~يخيل إلي ms74 أنني ولدت في هذا اليوم مرتين، مرة يوم التقيت بالحياة وعطفك يحيط بي، ومرة ~~يوم التقيت بالحياة وحدي بلا عون حين طردتني. # أبي أتظنني غضبت أن طردتني، أتظن أنني انقطعت عنك طوال هذه المدة لم أعتذر ولم آت ولم ~~أجث عند قدميك لأنني ذو كرامة؟ لا وحقك، فإنني عندك أنت لا كرامة لي، فأنا أعلم أن حبك ~~يرعى من كرامتي ما لا أرعاه. لم يكن انقطاعي لشيء من هذا، وإنما لشيء آخر ستعرفه في نهاية ~~هذا الكتاب. # أبي أتذكر يوم طردتني، نعم يا أبي، إنك تذكر ولكنك لم تعرف الحقيقة حتى اليوم ولم أشأ أن ~~أخبرك بها؛ فقد كنت أخشى ألا تصدقني، وقد كنت وما زلت أحبك حبا يمنعني أن أخالف إشارة منك ~~مهما تكن هذه الإشارة صادرة عن ظن لم يثبت، أو اعتقاد لم يتأكد. كنت وما زلت لا أجد لكلمة ~~تصدر منك إلا الطاعة فأطعت، وخرجت، ومرت عشر سنوات. أما أنا فلم أكتب إليك لفكرة تسلطت ~~على ذهني وألحت عليه وملكت علي كل أمري، وأما أنت فلم تسأل عن ولدك لأنك كنت تعرف من ~~أمره كل شيء، وكنت تطمئن على حياته دون أن تظهر له ذلك. # نعم يا أبي، لقد كنت أعلم أنك واقف على كل خطوة في حياتي لا تخفى عنك خافية، وقد كنت أبيح ~~لمن أعرف أنه يلقاك أن يعرف من أمري كل شيء. # أبي، أتراني جاحدا لأني انقطعت عنك طوال هذه الفترة، أبي، أتراني ظالما لحق الأبوة إن ~~لم أقصد إليك هذه السنوات جميعها، أتراني أبي كذلك؟ لا، وحقك لم أكن. # أبي، طوال عشر سنوات كنت أراك في كل أسبوع مرة أو مرتين أو ثلاثة، كنت يا أبي أتخفى ~~وراء الجدران في مواعيد خروجك من المنزل وأطمئن وأترقبك وأزود نفسي بمحياك ثم أعود إلى ~~الحياة وحدي، ولقد مرضت يا أبي فكنت أرسل إلى عمي زيدان خادمك الذي تولى أمري بعد وفاة ~~أمي، كنت أرسل إليه وأنا خارج الدار أعرف دقائق مرضك، وأنصرف بعد أن أستحلفه ms75 بأغلظ الأيمان ~~ألا يخبرك بمقدمي، نعم يا أبي، أدري أنك كنت تتمنى في لحظات مرضك هذا أن تراني، ولكن هذه ~~الفكرة التي تسلطت على ذهني ووجداني منعتني أن أفعل، منعتني أن أنتهز فرصة مرضك لأستمنحك ~~الرضا وأسألك الغفران، تذكر يا أبي أنك طردتني في اليوم ذاته الذي ظهرت فيه نتيجة الليسانس ~~وكنت ناجحا بتفوق، طردتني يومذاك وأنا عائد إلى المنزل في الهزيع الأخير من الليل، رأيتني ~~قبل عودتك أجلس إلى مائدة في حانة أشرب الخمر، وأنت رجل يخاف الله، وأغضبك أن يشرب الخمر ~~ابنك الذي تعرفه يقيم الصلاة في مواقيتها، كبر في نفسك أن يخادعك ولدك فيصلي في البيت ويشرب ~~الخمر في الحانة. أعرف أن فكرة مخادعتي هذه هي التي أثارتك، أعلم ولكن ... # أبي وحياتك لم أشرب الخمر، لم أشربها يومذاك ولم أشربها حتى اليوم، ولكن أكنت تصدقني ~~حينئذ لو دفعت التهمة عن نفسي، لقد رأيتني رأي العين فكيف ينهض إنكاري دون رؤيتك. # لقد كنت هناك في الحانة ولكن صحابي هم الشاربون وكنت جليسهم، أصدقاء الدراسة وأرادوا أن ~~يحتفلوا بنجاحهم بالشراب وأبيت أن أشاركهم، ورأيتني فماذا أقول لك وماذا أصنع؟ # طردتني يومذاك وأعلم أنك كنت تقدر أنني سأغيب عن البيت بضعة أيام أعود بعدها، وإلا ~~فأين أولي وجهي وأنا خريج جديد بلا مال ولا مأوى ولا وظيفة، كان تقديرك معقولا حكيما، ~~وقد أردتني أن أحس سوء الذنب الذي ظننت أنني ارتكبته، ذنب المخادعة ولكنك حين طردتني يا أبي ~~أردت أن أثبت لك حبي كاملا خالصا عميقا متينا فكانت هذه الفترة الطويلة التي لم ترني ~~فيها. # كان في جيبي تلك الليلة خمسة جنيهات هي كل مالي، قضيت الليل سائرا وكان الصيف عطوفا ~~حانيا فلم أكن في حاجة إلى مكان أبيت فيه، قضيت الليلة مع أريكة في حديقة، عجيبة، نعم أنا ~~ابنك الذي كنت ترعاه رعاية مرهفة مدللة، ابنك الذي كانت له حجرة خاصة منذ لا يذكر متى، ~~والذي كان يسعى بين يديه الخدم، ابنك هذا قضى ليلته مع أريكة في حديقة ms76 . # وفي الصباح الباكر قصدت صديقا أبوه من كبار المحامين ورجوته أن يلحقني بمكتب أبيه، ورحب ~~بي المحامي الكبير وجعل لي راتبا ظنه هو رمزيا، واعتبرته أنا حياتي التي لا حياة لي إلا ~~به. # كان مرتبي عشرة جنيهات في الشهر، وعملت. عملت بكل جهدي وبكل ضميري وبكل إحساسي، وأشهد يا ~~أبي أنك نشأتني فأحسنت، فكان العمل عندي واجبا مقدسا، لا أتخلف عن أقل دقائقه شأنا، ~~وقرأت وتأملت القضايا وكنت أطالب بالمزيد منها، فما مر عامان حتى كان اسمي معروفا لدى ~~المحاكم، وحتى كان مرتبي ثلاثين جنيها، ولكني رجوت أستاذي أن يسمح لي بتركه لأفتح مكتبي ~~الجديد، وفتحته وثابرت واجتهدت وقرأت اسمي يا أبي في الجرائد مرات عديدة؛ فقد أصبح الناس ~~يعتبرونني من أحسن المحامين. وأنني أملك اليوم ثروة تغنيني إلى المدى الطويل، وأنا ما أزال ~~في بواكير الشباب الأولى، وأني أحب عملي ولا أتركه. # لهذا يا أبي أجدني خليقا بأن أجثو عند قدميك أطلب الصفح والغفران فهل تراك تصفح؟ كنت ~~أعيش هذه السنوات مع كفاح، لا أمل لي إلا في هذه اللحظة التي أنا فيها الآن؛ أن أراك تقرأ ~~خطابي الذي كتبته وقدمته لك بيدي وأنا راكع عند قدميك حتى تقيني بيديك. # أبي أردت أن أقصد إلى رحابك وأنا غني من المال قادر على مواجهة الدنيا لا أحتاج من كريم ~~يديك إلا لمسة الأب، وإلا هذه الابتسامة التي شققت بها وإليها طريقي. # إن هذا الخطاب الذي بين يديك قديم، ولد في ذهني وفي قلبي يوم طردتني، وما زلت أكتبه كل ~~يوم وأعيد كتابته، فهو أملي. # لم يكن أملي منذ ذلك اليوم أن أنجح، لا ولا أن أكون غنيا، لا ولا أن أصبح بين المشاهير، ~~وإنما كان أملي أن أركع في مكاني هذا عند قدميك وأنا غني ناجح مشهور لا ألتمس منك إلا الصفح ~~والرضا والأبوة، وإنها لكثير. # أردت أن أعوذ بك أنت لا أن أعوذ بمالك، وأردت أن ألجأ إليك، إليك أنت لا إلى بيتك، أردت ~~أن أطلب صفحك ورضاك وأنا ms77 في غنى عن الحاجة المادية، فأنا أحبك حبا ما كنت لتدريه لولا ~~هذه السنوات، كيف كنت تدري مدى حبي لك إن لم ترني مرتميا عند أعتابك أطلب حبك في غنى عن ~~مالك. # حرمت نفسي منك عشر سنوات وحرمتك مني هذا السنوات من أجل هذه اللحظة، أبي إني أرى هذه ~~اللحظة تعدل العمر جميعه، ألا تراها أنت كذلك؟ # فكرة - أهي مجنونة أم حكيمة؟ - لا أدري، وإنما سيطرت علي منذ طردتني، أقسمت ألا أعود ~~إليك إلا بعد أن أستطيع القيام بأمر نفسي ولا أطلب الصفح إلا من أجل رضاك وحبك. # إن تكن صفحت يا أبي عن هذه السنوات التي حرمتك مني، وإن تكن راضيا فمد يديك أقبلها ~~وضمني إليك، وإن لم فدعني إذن في مكاني حتى ترضى، فما أحب أن أظل عمري جميعه في مكاني هذا ~~منك وأنت في مكانك هذا مني. ~~••• # وبيد بللتها الدموع أقام الأب ولده، وبقلب يفيض بالشوق ارتمى الفتى على يد أبيه يقبلها ~~ويضمها، ذخره وحياته وأمله وأبوه. ms78