######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.IbnCammar.Hindawi64614613 #META# Tags: novels #META# ID: 64614613 #META# Title: ابن عمار #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عودة‏ # عهد الملوك‏ # عهد جديد‏ # صداقة وحب‏ # إلى الطريق‏ # عند قوم‏ ~~... وعودة‏ # دهاء الوزير‏ # صفقة، أهي رابحة؟!‏ # مع الملك‏ # قمة المجد‏ # بين مرسية وإشبيلية‏ # إلى أين؟‏ # سحيق الهاوية‏ # عودة‏ # عهد الملوك‏ # عهد جديد‏ # صداقة وحب‏ # إلى الطريق‏ # عند قوم‏ ~~... وعودة‏ # دهاء الوزير‏ # صفقة، أهي رابحة؟!‏ # مع الملك‏ # قمة المجد‏ # بين مرسية وإشبيلية‏ # إلى أين؟‏ # سحيق الهاوية‏ # | ابن عمار # | ابن عمار # تأليف # ثروت أباظة # | عودة # أهكذا يعود! يا لها من آمال عراض تلك التي صحبها يوم ترك موقفه هذا منذ سنين! إنه لم ~~ينس بعد تلك الأماني العذبة التي كانت تزحم نفسه يوم ضاق به العيش في بلدته «شلب» فنزح ~~عنها وفي نفسه آمال، وفي قلبه أمان، وفي صدره عزم، وفي كل دمائه شعر. لقد ترك بلدته مهد ~~ميلاده ومدرج طفولته ومغنى شبابه ليدور بشعره على الملوك يسترفد مالهم بما يرفده عليهم ~~من شعره ولقد دار، ولقد مدح، فبالغ في المديح، ولقد كذب على الحق فأوغل في الكذب، ولقد ~~أمات ضميره ليجعل الظالم منهم عادلا والمجنون فيهم حكيما، ولقد محا من ذاكرته كل ما يعرفه ~~عن هؤلاء الملوك من شر، ولقد أنمى بشاعريته كل ما كان يعرفه عنهم من خير، ثم هو زاد عليه، ~~ثم هو أنشأ لهم الخير، ثم هو قلب مقابحهم أفضالا ثم مدح ثم مد يده وثناها. ألا ما أبخس ~~ثمن الضمير في رحاب الملوك! إنه ليفكر أنال كفء ما أعطى؟ أكانت تساوي هذه الدريهمات ~~خروجه ودورانه وكذبه واختلاقه؟ بل أتعدل هذه الدريهمات أن يترك بلده الحبيب؟ إن يكن ~~ضاق به فها هي ذي الدنيا جمعاء تضيق به، ولكن أضاقت الدنيا أو ضاقت «شلب» به هو أم إنها ~~ضاقت ببضاعته؟ وكيف تضيق؟ إنه يبيع شعرا، إنه يهب لمادحه فكرا انتظم فصار شعرا، أهذا ~~قليل؟! ما شأن ممدوحه إن خالج هذا الفكر شعور أو لم يخالجه؟ ألم ينظم شعرا؟ ألم ~~يحسن ما نظم؟! فما هذه الدريهمات الضئيلة التي يصيبها؟! فأين هذا العدل الذي يزعمون ~~وجوده في الدنيا؟! وأي دنيا ms01 تلك التي تجعل الشاعر العبقري يتمسح بأبواب الجهلة من الملوك ~~والوزراء؟! يسكب عليهم شعره فلا يصيب منهم غير هاته الضحكة البلهاء التي تلتصق ~~بشفاههم يحاولون بها إفهامه أنهم يفهمون ما يقول، ويحاولون بها أن يصدقوا هم في أنفسهم ~~أن هذا المديح الذي يسمعون حق لا رياء فيه ولا كذب، ثم هو لا يصيب من بعد إلا هذه ~~الدريهمات يلقونها إليه إلقاء! ولو تجسمت السعادة التي يحسونها بالمديح ولو ~~وضعت مجسمة في كفة لما عادلها مال العالم أجمع، ولكنهم مع هذا يبخسونه حقه ~~واهمين أن ما قاله لا يعدو الحق في شيء فهو لم يخلق جديدا، ولم يمت ضميرا، ولم ينشئ ~~فضلا، ولم يقلب القبح حسنا، وهو لا يستحق إلا هذا القليل. # هكذا كان يفكر ابن عمار وهو واقف بأبواب «شلب» عائدا إليها من سفره هذا الطويل وقد ~~تضاءلت آماله؛ فبعد أن كانت تهفو إلى الغنى والشهرة والجاه العريض، أصبحت تحوم حول ~~حفنة من الغلال يقيم بها أود نفسه وأود حماره الذي أضناه السفر في تحقيق ~~الآمال. # دخل ابن عمار «شلب» راكبا حماره الهزيل يفصله عن ظهره خرج قديم قذر كان هو كل ما ~~يلبسه الحمار. أما هو، أما أبو بكر محمد بن عمار فقد كان يضع على نفسه بضعة أخلاق من ~~الثياب إن اختل نظام واحدة منها وضحت من تحتها عظام الشاعر بارزة تكاد تطل من جسم ~~صاحبها، وكان يضع على رأسه قلنسوة صغيرة يكاد شعره أن يلقي بها. دخل ابن عمار شلبا لا ~~يقصد فيها إلى أحد فلقد ربى وشب في قرية من أعمالها، وإن كان قد تلقى علومه في شلب على ~~«ابن الحجاج يوسف بن عيسى الأعلم» إلا أن أستاذه هذا قد مات ومات معه أغلب من كان يعرفهم ~~ابن عمار من الأساتذة، والباقي منهم لا يجرؤ ابن عمار أن يقصد إليه ليطلب فجميعهم فقير، فلم ~~يبق أمام ابن عمار إلا أن يكافح وحده ليرد جوع نفسه وجوع حماره الذي أضناه. # سار ابن عمار يتلفت في ذلة الجائع ms02 وفي عزة الشاعر فلا يجد وسيلة إلى أحد ممن ~~يرى، وكان الناس ينظرون إليه على حماره هذا الهزيل فتبدو على وجوه بعضهم الشفقة والإشفاق ~~على هذا الهزال المركب، وتبدو على وجوه أخرى السخرية من تلك الأسمال التي تكاد تلتئم ~~جنباتها جميعا من شدة هزال صاحبها، والتي كانت تبدو وكأن أحدا لا يلبسها، وإنما هي ~~منتصبة بقدرة معجزة، وكانت السخرية تتضح وتستبين حين تنصب عين الساخر على الحمار ~~المضنى من كثرة المشي لا من الحمل الذي يحمل فهو لا يحمل شيئا. # ولكن ابن عمار كان مشغولا عن هذا كله بجوعه وجوع حماره الذي تركه يسير لم يوجهه ~~وجهة معينة بل ترك له حق القيادة، والحمار لا يعرف طريقا إلى بيت، ولا سبيلا إلى مرتع، ~~وإنما هو يرى طريقا فيسير، ولقد يعوج الطريق أو يعتدل فيعوج معه ويعتدل، حتى إذا ~~وجد طريقين عليه أن يختار بينهما، اختار دون أن يكون لعقله وازع في هذا الاختيار فهو ~~حمار يسير لا يدري لماذا يسير ولا أين الطريق. وطال الأمر على ابن عمار والحمار؛ فالطريق ~~طويل على من لا يعرف مقصدا، ولقد مالت الشمس للغروب وكادت أن تغيب وكاد أن يغرب معها ~~أمل ابن عمار الأخير الذي تضاءل حتى أصبح حفنة من غلال. # وفجأة أشرق سوق الغلال في عين ابن عمار فوقف الحمار من تلقاء نفسه على مبعدة قريبة من ~~السوق، وأخذ ابن عمار يفكر في وسيلة ينال بها أمله الأخير هذا، أيسأل تاجرا أن ~~ينسئه حفنة غلال يرد له ثمنها عند ميسرة؟ ولكن ما الذي يدعو التاجر إلى ائتمانه ~~وهو لا يعرفه؟ وهل هو نفسه يأتمن نفسه؟ وأين هي تلك الميسرة التي يريد أن يرد فيها ~~الثمن؟ لا، لا فائدة من النسيئة، أيستجدى التاجر؟ لا ودون هذا موته وموت الحمار جميعا، ~~فكر ابن عمار فأطال التفكير ثم وثب إلى ذهنه خاطر، أخذ يقلبه على أوجهه، لماذا لا ~~يمدح هذا التاجر بشيء من الشعر! نعم إنه لم يمدح غير الملوك والسراة من القوم ولكن ما ms03 ~~البأس في أن يمدح هذا التاجر؟ لقد كان يمدح الملوك والسراة ليصيب منهم مالا يشتري به ~~غلالا، لقد كان الملوك والسراة طريقا له إلى هذا التاجر وأمثاله، وقد مدح هو الطريق ليصل ~~إلى المقصد فما له لا يمدح المقصد بعد أن خذله الطريق! ولكن أيفهم التاجر الشعر؟ وحينئذ ~~ضحك ابن عمار في نفسه فأغرقت نفسه في الضحك، وهل فهم الملوك والسراة جميعهم الشعر؟ سوف ~~يمدح التاجر فإنه بهذا ينال ما يصبو إليه وإنه بهذا سيدخل إلى نفس التاجر فرحا لم ~~يتوقعه في يوم من الأيام. وعزم ابن عمار وبدأ في التنفيذ، وأخرج من جيبه قرطاسا وخط ~~عليه في سرعة بضعة أبيات، ثم هم أن يدع ظهر الحمار ويسعى إلى التاجر ولكنه عاد إلى ~~نفسه وخجل أن يفعل؛ فهو لم يعود وقفه في السوق، وهو لم يعود أن يرى ممدوحه معه ~~على الأرض، بل كان يراه دائما على ذروة عرشه. فكر ابن عمار في وسيلة يبلغ بها قرطاسه ~~إلى التاجر، وبينما هو حائر، مر به غلام استوقفه ابن عمار، وطلب إليه أن يبلغ ورقته ~~وفيها شعره إلى التاجر الذي استوجهه ابن عمار، وكان الغلام طيعا فأخذ الورقة وقصد بها ~~إلى التاجر، فأخذها وألقى إليها نظرة كانت كافية لأن يغمر السرور وجهه فلقد أصبح ممدوحا ~~يقال فيه الشعر ويرجى لديه النوال، ولم يفهم التاجر من الشعر شيئا غير أنه شعر وغير ~~أن هذا الشعر لا يمدح به غير الملوك والسراة. ولما كان التاجر واثقا أنه ليس ملكا ~~فلا بد إذن أن يكون من السراة وهكذا أسرع إلى مخلاة لديه وأراد أن يملأها برا # 1 # ولكن غريزة التاجر فيه ردت يده في سرعة وألقت بها إلى الشعير فملأ المخلاة ~~منه وأعطاه إلى الغلام، ثم التفت إلى غلاله يجمعها، يريد أن يبلغ بيته، فيفهم زوجه ~~التي لا تني عن إيذائه أنه أصبح ممدوحا وأنه من السراة. # وانكفأ الغلام إلى ابن عمار يحمل إليه المخلاة بحملها الجديد ففرح ابن عمار، ورأى في هذه ~~المخلاة آماله ms04 قد تحققت، بل إن آمال حماره أيضا قد تحققت معه. ولم يبق له إلا أن ~~يفكر في مثل هذه الآمال لغده الذي ينتظره، والذي يتربص به ليفعل به مثلما فعل الأمس، ~~ومثلما يفعل اليوم، ومثلما يفعل كل إخوان هذا الغد من ذاهب وحاضر في ابن عمار؛ فويل لابن ~~عمار من غده، أو ويل للغد من ابن عمار. # | عهد الملوك # لم يمكث ابن عمار في شلب فقد أصبحت في عينيه مثل سائر البلدان التي مر بها في ~~تطوافه وإن تكن في نفسه مهد طفولة ومدرج صبا ومعهد ذكريات. # كان لا بد لابن عمار أن يأكل، وكان لا بد لحماره أن يأكل معه، ولم يكن في مقدور ~~ابن عمار أن يقصر شعره على التجار، وما كل تاجر مثل ذلك الرجل الكريم الذي وصله، ~~وإن تكن آمال ابن عمار تضاءلت إلا أنها في البعيد البعيد من نفسه ما زالت وهي هي، وما زالت ~~تلقي به إلى كل متجه يرجى فيه خير. # وكانت الأندلس في ذلك الحين مقسمة إلى دويلات على كل منها حاكم وقد أصر هؤلاء ~~الحكام أن يسموا دويلاتهم ممالك حتى يتسنى لهم أن يسموا أنفسهم ملوكا، ولقد كثر ~~بينهم التنازع ولكنهم لم يتنازعوا في هذه التسمية قط؛ فقد اعترف كل منهم للآخر بها حتى ~~يضمن اعتراف هذا الآخر لنفسه، ولكن التاريخ أبى أن يعترف باعترافاتهم هذه ولم يقبل أن ~~يطلق عليهم ملوكا، ثم يسكت عنهم، وإنما أطلق عليهم اسم «ملوك الطوائف»، فكانت هذه ~~التسمية من التاريخ دليلا على أن هذا التاريخ قد يصدق في بعض الأحايين. # كان بنو عباد هم أقوى أسرة حكمت في عهد ملوك الطوائف هؤلاء، وقد كانت إشبيلية هي ~~مقر حكمهم، وقد تحدر الملك في بني عباد حتى وصل إلى «أبي عمرو عباد بن محمد بن إسماعيل ~~بن عباد». وقد ولي الحكم بعد أبيه وأطلق على نفسه اسم المعتضد، وكان أبوه القاضي أبو ~~القاسم محمد بن إسماعيل من خيرة الملوك الذين حكموا في هذا الزمان. وقد سار المعتضد ms05 في طريق ~~أبيه قليلا فكان يستشير ويعدل، ثم مال عن هذا الطريق فاستبد بالحكم وحده، ولم يكن عهده ~~كله شرا فإن التاريخ ليقول عنه كثيرا من الخير، ولكنه كان سفاكا باطشا. ولعل النقائض ~~لم تجتمع في شخص كما تجمعت في المعتضد؛ فهو قاس غليظ القلب، ولكنه في مجالسه رقيق ~~الحاشية، حسن الذوق، شاعر محب للشعر، وقد كان مستمعا للشعر خيرا منه ناظما له. # سمع ابن عمار عن المعتضد وعن حبه للشعر، فشد إليه الحمار عساه أن يجد لنفسه متسعا في ~~الزحام، ووقف ابن عمار إلى المعتضد وقد جلس إلى جانبه ابنه المعتمد وقد كان من أحسن شعراء ~~عصره. وقف ابن عمار وألقى قصيدته التي أضنى ذهنه في إعدادها؛ فقد كان يعلم أن آمال ~~المستقبل أجمع رهينة بأبياته هذه؛ قال ابن عمار: # أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى # والنجم قد صرف العنان عن السرى # والصبح قد أهدى لنا كافورة # لما استرد الليل منا العنبرا # والروض كالحسنا كساه زهره # وشيا وقلده نداه جوهرا # أو كالغلام زها بورد رياضه # خجلا، وتاه بآسهن معذرا # روض كأن النهر فيه معصم # صاف أطل على رداء أخضرا # وتهزه ريح الصبا فتخاله # سيف ابن عباد يبدد عسكرا # عباد المخضر نائل كفه # والجو قد لبس الرداء الأغبرا # ملك إذا ازدحم الملوك بمورد # ونحاه لا يردون حتى يصدرا # أندى على الأكباد من قطر الندى # وألذ في الأجفان من سنة الكرى # يختار أن يهب الخريدة كاعبا # والطرف أجرد، والحسام مجوهرا # قداح زند المجد، لا ينفك عن # نار الوغى إلا إلى نار القرى # 1 # لا خلق أفرى من شفار حسامه # إن كنت شبهت المواكب أسطرا # أيقنت أني من ذراه بجنة # لما سقاني من نداه الكوثرا # وعلمت حقا أن ربعي مخصب # لما سألت به الغمام الممطرا # من لا توازنه الجبال إذا احتبى # من لا تسابقه الرياح إذا جرى # ماض وكف الرمح يكهم، والظبا # تنبو، وأيدي الخيل تعثر في الثرى # من كل أبيض قد تقلد أبيضا # عضبا، وأسمر قد تأبط أسمرا # ملك يروقك خلقه أو ms06 خلقه # كالروض يحسن منظرا أو مخبرا # أقسمت باسم الفضل حتى شمته # فرأيته في بردتيه مصورا # وجهلت معنى الجود حتى زرته # فقرأته في راحتيه مفسرا # فاح الثرى متعطرا بثنائه # حتى حسبنا كل ترب عنبرا # وتتوجت بالزهر صلع هضابه # حتى ظننا كل هضب قيصرا # هصرت يدي غصن الندى من كفه # وجنت به روض السرور منورا # حسبي على الصنع الذي أولاه أن # أسعى بجد أو أموت فأعذرا # يا أيها الملك الذي حاز المنى # وحباه منه بمثل حمدي أنورا # السيف أفصح من زياد خطبة # في الحرب إن كانت يمينك منبرا # ما زلت تغني من عنا لك راجيا # نيلا، وتفني من عتا وتجبرا # حتى حللت من الرياسة محجرا # رحبا وضمت منك طرفا أحورا # شقيت بسيفك أمة لم تعتقد # إلا اليهود وإن تسمت بربرا # 2 # أثمرت رمحك من رءوس كماتهم # لما رأيت الغصن يعشق مثمرا # وصبغت درعك من دماء ملوكهم # لما علمت الحسن يلبس أحمرا # نمقتها وشيا بذكرك مذهبا # وفتقتها مسكا بحمدك أذفرا # من ذا ينافحني وذكرك صندل # أوردته من نار فكري محمرا # فلئن وجدت نسيم حمدي عاطرا # فلقد وجدت نسيم برك أعطرا # وإليكها كالروض زارته الصبا # وحنا عليه الطل حتى نورا # وإن في هذه القصيدة أبياتا تظهر في جلاء كيف تمتزج الوحشية بالجمال؛ فالرمح على سنانه ~~الرأس هو - في رأي ابن عمار - غصن مثمر، والسيف خضبه الدم هو الحسن الذي يلبس أحمر، ~~ولعل ابن عمار قصد إلى اجتماع القسوة والجمال في نفس المعتضد أو لعله لم يقصد، ولعله حينما ~~أمات ضميره ومدح جاءت هذه الأبيات في زحمة المديح ورأى نفسه يمدح شخصا لأنه قتل فأراد أن ~~يعتذر عما فعل ويعتذر للممدوح عما قتل فكانت هذه الأبيات، لعله، ولعله لم ... أيا يكن ~~الأمر فقد ألقى ابن عمار قصيدته ثم خرج من الديوان لينتظر ما قد يجود به عليه المعتضد. ~~ولقد انتظر ابن عمار فطال به الانتظار، حتى رأى بقاءه بعد هذا عبثا لا طائل تحته، وحاول أن ~~يصبر نفسه ولكنه أحس أن آماله في جائزة خيال، ms07 فقام من جلسته وفي نفسه حسرة لاعجة؛ ~~فقد كان كل مناه أن يقيم بهذه الرحاب غير نازح، وها هو ذا يخرج منها حتى بغير الجائزة ~~التي كان ينالها من الملوك الذين لا يفهمون الشعر ولا يقدرونه. لقد علق مناه ~~بقصيدته وكم يخذل الشعر أصحابه! ليخرج إذن من القصر فلا يقيم، بل ليخرج من غير جائزة ~~وحسبه أنه خرج سالما إن كان في السلامة مع التشرد احتساب لمحتسب. خرج ~~ابن عمار إلى حماره الذي تركه خارج القصر وسار إلى حيث ترك الحمار ولكن يا للمصيبة ~~النازلة! لم يكن الحمار هناك. بحث ابن عمار حول القصر وأطال البحث فلم يهتد إلى حماره ~~الأثير فجلس على سور القصر وفي نفسه ألم وحسرة وأخذ يفكر في حماره الذاهب. لقد ~~صحبه منذ سنين ولقد رأى معه مر الحياة وحلوها، وماذا؟! حلوها؟! أين حلو الحياة هذا ~~الذي ذاقه معه الحمار؟ إنه لم يعرفه، لا بأس لقد كان إذن حمارا صبورا احتمل مر الحياة ~~وحده فلم يطالب بحلوها، ولكن أكان يستطيع أن يطالب؟ لقد كان صامتا لأنه مرغم على ~~الصمت، ثم من أين يدري أنه سرق الآن؟ لعله هو الذي هرب وحده دون سارق، إنه هو هذا الخائن ~~لم تكد بارقة أمل تلوح له في هذه المدينة الضخمة حتى ترك صاحبه أحوج ما يكون إليه ~~ليبحث عن صاحب آخر، لم يكن وفيا ذلك الحمار، ولعله أيضا كان نحسا على صاحبه فإن ~~خيرا ما لم يصب ابن عمار وهو راكبه، أكان نحسا حقا ابن عمار أم إنك تصبر نفسك ~~على ما أصابها؟ فكر ابن عمار فأطال التفكير، وقد انتهى إلى أن هذا الحمار كان نحسا عليه، ~~فمس قلبه طيف من الراحة لم تتركه نفسه دون أن تفسده عليه فحادثت صاحبها هازئة: ~~«أكان الحمار نحسا أيها الشاعر؟ فانظر إذن أي خير سيصيبك من بعد ذهابه، لم تعد لك ~~حجة في فقرك أيها الشاعر إن كان الحمار هو حجتك.» فغضب ابن عمار من نفسه هذه ~~المتشائمة، وهب يريد أن يسير، ms08 وهم أن يبحث عما يركب ولكنه تذكر أن حماره قد سرق ~~فعلم أن نفسه على حق في سخريتها وامتطى قدميه وهم بمسير. لم يكد ابن عمار يخطو متباعدا ~~عن القصر حتى لحقه من ينادي به فكذب أذنيه أول أمره ولكن النداء ألح فالتفت إلى ~~من ينادي فإذا هو خادم من القصر يسعى إليه، فانبثق في نفسه وامض أمل غشته سحابة خوف، ~~ولكن صوت الخادم ما لبث أن علا طاغيا على هواجس نفسه طالبا إليه أن يعود إلى ~~القصر. # ورجع ابن عمار إلى القصر الذي ترك فيه رماد أمل ضخم من آماله ولكن ما لبث هناك أن رأى ~~هذا الرماد من الأمل قد تجسم فصار الأمل حقيقة واقعة يكاد لا يصدقها لطول عهده ~~بالآمال المحترقة ولا يستطيع أن يكذبها لأنها قائمة أمامه وهو يقظان غير نائم، وهو ~~مفيق غير مخمور بغير هذه النشوة التي انسابت في إحساسه لأول مرة في حياته، لقد تحقق ~~أمل. أمر المعتضد أن يكافأ ابن عمار فتجزل له المكافأة وأمر له بملبس فخم وبمركب ~~فاخر. جعل ابن عمار يلعن حماره وأيامه النكدة، وكل هذه الأعطيات لا تساوي شيئا في ~~نظر ابن عمار إذا قاسها بالأمر الأخير الذي قضى بأن يكتب اسمه ضمن شعراء ~~القصر. # أصبح ابن عمار إذن من شعراء القصر، لقد آن للشريد في أقطار الأرض أن يراح إلى ملجأ وأن ~~يهدأ إلى مستقر. يتلقى ابن عمار ذلك الخير ويهم بأن يذهب إلى الحجرة التي خصصت به، ~~لكن خادما يأتي إليه ويخبره أن مولاه المعتمد يطلبه فيجف قلبه! وكيف لا؟ المعتمد شاعر ~~رقيق غزل لم يقل الشعر في يوم تكلفا ولم يقله محتاجا وإنما أحسه فقاله وابن عمار لم ~~يقل الشعر إلا صناعة! وكيف لا؟ وهو قد تلقى هذا الخير جميعه ولا بد لشر أن يلحق ~~بالخير، ولا بد للمعتمد أن ينتقد، ونقد الأمير شتيمة قد تصل إلى ما هو أدهى. # يذهب ابن عمار إلى حيت يدله الخادم فإذا هو يجد ثلة من القوم ليس بينهم ms09 من هو أفضل ~~من الآخر وقد افترشوا جميعا وسائد على الأرض، ويبحث بينهم عن المعتمد الذي رآه في مجلس ~~أبيه فلا يجده فيلتفت إلى الخادم يسأله عن المعتمد ولكن الخادم كان قد انصرف، فيعيد وجهه ~~إلى القوم فإذا هم مشرئبون إليه وإذا واحد منهم كان قد رآه حين أنشد قصيدته يقوم إليه ~~ويقدمه إلى الجالسين ويفهمهم أنه أصبح منهم، فيعلم ابن عمار أن هؤلاء هم شعراء القصر ~~فلا يحتشم منهم شيئا؛ فقد كان يعلم أنه خير منهم صناعة وأنه أكبر منهم نفسا، يجلس إليهم ~~فيقولون ويقول، ويسمرون فيسمر، فإذا هو أكثرهم دعابة وإذا دعاباته تنطلق على طبيعة ~~مواتية لا أثر فيها للكلفة فقد رأى كثيرا وتعلم، ولقد اختلط بأقوام كثيرين وعلم أن ~~المرح هو خير عون له بعد الشعر وعرف أيضا أن هذا المرح إن شابه تكلف أو صناعة أصبح ~~ثقلا لا يحتمله أحد، كان من حسن طالعه أن روحه كانت صافية بطبيعته؛ فهو ينطلق على ~~سجيته، فيجد الجالسين يميلون إليه بحديثهم، ويؤثرونه بالتفاتهم، وإذا هو روح المجلس ~~المنطلقة الجميلة. # وبينا ابن عمار منطلق في دعاباته، إذا بالمجلس قد غشيه الوقار فجأة، وإذا ~~بالمنطرحين إلى الأرض قد نفروا جميعا وقوفا، فيعجب ابن عمار عجبا يقطعه صوت جديد عليه ~~يلقي السلام إلى من بالحجرة، ويلتفت ابن عمار فيجد المعتمد داخلا إليهم من باب لم يكن ~~ظاهرا فيرى ابن عمار تلك الأبواب السرية التي كان يسمع عنها وإن كان لم ير داعيا لهذا ~~التخفي الذي اتخذه المعتمد وهو يدخل إليهم. يدخل المعتمد وعينه على ابن عمار ثم هو يطلب ~~من الشعراء أن يتخذوا مجالسهم، فيتخذوها متوقرين ويلتئم الجمع حول المعتمد، فيلتفت إلى ~~ابن عمار ويقول له: هيه يا ابن عمار! لو أن الشعراء فعلوا ما فعلت اليوم ما ربح أحد ~~منهم شيئا، أتمشي أيها الرجل قبل أن تنال جائزتك؟ # فيقص ابن عمار على المعتمد كل ما لاقاه في يومه هذا من آمال خابت وحمار سرق ثم ~~يكمل القصة بهذا الخير الذي سكب ms10 عليه، وكان ابن عمار يقص في انطلاقة لم يعهدها المعتمد ~~فيمن يحادثه وفي مرح طرب له المجلس وعلى رأسه المعتمد، وابن عمار جذلان بما يلاقي ~~كلامه من استحسان يشجعه على المضي في حديثه؛ علمه أن الأمير يشتهي دائما أن يسمع ~~الحديث عبيطا لا أثر فيه لتنميق لكثرة ما يسمع من التنميق، ويشجعه من قبل ذلك الضحك ~~الذي يستقبل به. وهكذا عرف ابن عمار كيف ينفذ إلى المعتمد فيصل إلى نفسه من الطريق ~~القريب وهو طريق الطبيعة العارية التي لا تحب التعمل ولا التكلف، وهو الطريق الذي عمي ~~عنه كل من صاحب المعتمد من قبل؛ فإن أقرب الطرق دائما هي أبعدها عن الذهن ~~المحدود. # سر المعتمد بالشاعر الجديد وقربه إلى مجلسه ثم حادثه عن قصيدته التي ألقاها في ~~أول الليل فإذا هو معجب بها فيجيب ابن عمار: وأين هذا يا مولاي من قصيدتك التي تقول ~~فيها: # سكن فؤادك لا تذهب بك الفكر # ماذا يعيد عليك البث والحذر؟ # وازجر جفونك لا ترض البكاء لها # واصبر فقد كنت عند الخطب تصطبر # وإن يكن قدر قد عاق عن وطر # فلا مرد لما يأتي به القدر # وإن تكن كبوة في الدهر واحدة # فكم غزوت ومن أشياعك الظفر # كم زفرة في شغاف القلب صاعدة # وعبرة من شئون العين تنحدر # واصبر فإنك من قوم أولي جلد # إذا أصابتهم مكروهة صبروا # لم أوت من زمني شيئا أسر به # فلست أعهد ما كأس وما وتر # ولا تملكني دل ولا خفر # ولا سبى خلدي غنج ولا حور # رضاك راحة نفسي - لا فجعت به # فهو العتاد الذي للدهر أدخر # لا زلت ذا عزة قعساء شامخة # لا يبلغ الوهم أدناها ولا البصر # قال ابن عمار هذه الأبيات وهو يترنم بها ترنم المعجب المخمور بما ينشد والمعتمد ~~يستمع وعلى وجهه تتوالى موجات من السخط والرضى، فليس يدري أيها أولى بالظهور وأيها أدعى ~~إلى الاستخفاء، حتى إذا انتهى ابن عمار من الأبيات التي يحفظها تغلب السخط على الرضى في ~~نفس المعتمد وإن السخط لغالب ms11 دائما في نفس الملوك، انتفض المعتمد صارخا: أتذكرني ~~بموقعة هزمت فيها وباعتذار عن خذلان! لبئس ما اخترت لي يا ابن عمار ولبئس ما شاء لك ~~حظك. ~~- بل نعم ما اخترت لك ونعم ما اختار لي حظي أيها الشاعر، أنا لا أعرفك في موقعة ~~وأنا لا أعرفك أميرا وإنما أنا أعرف فيك الشاعر الرقيق وأعرف فيك المعتمد بمجده الذي ~~أنشأه هو بقلمه لا بمجده الذي أنشأه له أبوه وأجداده. # وفكر المعتمد قليلا ثم هز رأسه وقد أعجبه الكلام فكل جديد جميل وقال لابن عمار: ~~لقد أجبت أيها الشاعر فأحسنت. ~~- بل ليس بعد يا مولاي فإن لي مأخذا على شعرك هذا الذي ذكرت. # وبهت المعتمد فهو لم يسمع كلمة المأخذ هذه لاحقة بكلام يقوله أبدا ولكن ابن عمار ~~لم يحفل دهشة المعتمد وأكمل ما يقول. ~~- لقد قلت في بيتك الثاني: وازجر جفونك لا ترضى البكاء لها. إنك لتخاطب أباك في ~~قصيدتك تعتذر له عن هزيمتك، وأنا لا أظن أن أباك بكى، بل لو كان بكى لكان عليك أنت أن ~~تكتم الأمر فلا تبين عنه، أما أن تقوله شعرا فهذا ما لا أرضاه لك شاعرا أبدا. # سمع المعتمد الحديث ووعاه وأصابته وخزة النقد ولكنه وجد لها مسا رقيقا حلوا لم ~~يعهده من قبل في المديح الذي يسمع، لقد أحس صدقا في حديث ابن عمار وهو لم يعهد الصدق ~~في كل من يخاطبونه، بل كان يشعر بفراغ ضخم من الناس؛ فقد كانوا جميعا يتملقونه فهم ~~في عينه لا يملئون الفراغ الذي أتاحه الله لهم في الدنيا، بل إنهم يزيدون هذا الفراغ ~~فراغا. سمع المعتمد وفرح بما يسمع ثم هب في الجالسين: أسمعتم أيها الشعراء؟ إن في ~~العالم صدقا، لقد مكثتم السنين تستمعون وتعجبون! ألم أقل شيئا ينتقد في يوم من الأيام؟ ~~ومن أنا أيها الشعراء؟ أكنت الله يرسله تنزيلا؟ ولكن صدقا انبثق في القصر، فأهلا، ~~أهلا بالصديق الذي طال عنه البحث. # مال المعتمد إلى ابن عمار يذاكره شعره وابن عمار يمدح في تحفظ وينقد ms12 في أدب ووضوح ، ~~وحين يجد المعتمد معجبا بنفسه يشجعه على إعجابه، فهو يلاينه ويشعره أنه يقسو عليه، ~~وهو يمدحه ويجعله يحس أنه ينقده، حتى انتهى الليل ودارت الرءوس تهفو إلى النوم فانفض ~~السامر وافترق الشاعران الصديقان وقد اعتزما لقاء في يومهما التالي، بل لقد اعتزما لقاء ~~في كل أيامهما التالية، فهلمي أيتها الأيام وأرينا ما الذي تخفينه لصداقة جديدة وعهد ~~جديد. # | عهد جديد # انصرف ابن عمار إلى غرفته معجبا بنفسه؛ فقد سارت الخطة في الطريق الذي رسمه لها، ولقد ~~ظفر بالمعتمد وقد عرف من أين يذهب إليه، وقد لاقاه وأمسى أو هو أصبح وقد حقق لنفسه من ~~الأمنيات ما ظن أنه لن يتحقق في يوم من الأيام؛ فلقد أصبح شاعر الملك المعتضد وقد أصبح ~~قريبا إلى نفس المعتمد ولي العهد الشاعر الذي يحب الشعراء. ويفكر ابن عمار فيما كان ~~بينه وبين المعتمد حين أفهمه أنه ينقده وأنه مخلص له، فكر ابن عمار في هذه الخطة التي ~~رسمها لنفسه يوم كان فقيرا ويوم كانت آماله تصبو إلى يومه هذا؛ فقد كان حينذاك يفكر ~~فيما يلقاه هؤلاء الأمراء من تزلف وتمليق، وكان يفكر في غباء هؤلاء المتملقين ~~المتزلفين كيف يفوت عليهم أن الأذكياء من الأمراء يضيقون أحيانا بكثرة المديح كما ~~يضيقون من كثرة النقد، وكان يفكر كيف يجب أن يضع المتقربون إلى الأمراء مدحهم في قالب ~~من النقد حتى يخيل للأمراء أنهم يستمعون إلى صادق. إنه لم ينقد المعتمد اعتباطا، ولم ~~تكن سرعة خاطر ولا حدة بادرة، وإنما هي خطة نظمها في نفسه منذ آماد بعيدة غاية ~~في البعد ورأى الفرصة أمامه فاهتبلها، ولقد نجحت الخطة وقفز وثبا إلى الهدف الذي ~~تقطعت أنفاس الكثيرين ممن يحيطون بالمعتمد ليصلوا إليه فما بلغوا مما بلغ ابن عمار ~~شيئا. # وأغفى ابن عمار يؤرقه شوقه إلى الغد بعد أن كان يؤرقه خوفه من هذا الغد، وهكذا ذاق ~~حلو الحياة ابن عمار حليف البؤس وأخو الطريق. # حتى إذا أقبل الصبح وكاد أن يغدو ظهرا دلف إلى حجرة ms13 ابن عمار خادم من القصر يوقظه، ~~وما أسرع ما تيقظ وما أجمل ما سمع! فقد جاء الخادم يدعوه إلى المعتمد. # ووضع ابن عمار على نفسه تلك الحلة الجديدة التي أنعم عليه بها المعتضد في ليلته ~~الذهبية ثم نظر إلى المرآة فوجد شيئا، ولم يكن قد نظر إلى المرآة منذ كان طفلا، وما كان ~~بحاجة لينظر إليها، وما كانت حاجته إلى هذه النظرة؟! أما وجهه فهو يعلمه، وأما الأسمال التي ~~كانت عليه فهو ضيق بها يريد أن تغرب عن وجهه فهو يدعو الله أن يعفيه منها أو ~~يعفيها منه. أما اليوم فهو ينظر إلى المرآة ويجد شيئا، يجد إنسانا في وجهه حمرة من ~~أثر الفرح، وفي عينيه حمرة من أثر السهر، وفي ملبسه فخامة من عند الملك. # سعى ابن عمار إلى المعتمد ومكثا معا وتحادثا، وكانا كلما فعلا اقترب ابن عمار إلى نفس ~~المعتمد، فهو يقص عليه ما رأى وما سمع، ويقص عليه ما أصابه به الدهر، حتى إذا حس ~~ابن عمار نفسه وكأنه يكلم شخصا يعرفه منذ زمن بعيد تجرأ فسأل المعتمد عن دخوله ~~بالأمس من باب سري وأوشك أن يأخذ هذا على المعتمد ولكنه لم يكد؛ فإن المعتمد أسكته ~~وطلب إليه أن ينتظر حتى يقبل المساء. # وأقبل المساء والأمير والشاعر متلازمان، وسأل ابن عمار الأمير أن يجيب عن سؤاله ~~الذي أبداه في صدر النهار، فإذا الأمير يقف ويأخذ بيد ابن عمار إلى حجرة ليس بها من شيء ~~غريب؛ فهي حجرة ذات باب وبها بعض الستائر تزين جدرانها، ولكن الأمير يزيح ستارا ~~منها فيرى ابن عمار من خلفه ثقبا في الحائط ويسأل الأمير عنه، فيطلب إليه الأمير أن ~~ينظر من الثقب، فيفعل فيرى مجلس الشعراء الذي كان فيه بالأمس وقد التأم لا ينقصه غير نفسه ~~وغير المعتمد، ويستوضح الأمير فيخبره أنه يريد أن يرى الشعراء وهم جالسون في الغرفة الأخرى ~~دون أن يحسوا به فيتاح له أن يراهم في مباذلهم من غير هذه الكلفة التي يصطنعونها ~~في مجلسه؛ فلقد ضاق ms14 بهم أمام الأمير وأراد أن يراهم أمام أنفسهم، فيسأل ابن عمار: فإذا ~~مسك أحدهم بما لا تحب. ~~- إن أحدا منهم لا يجرؤ؛ فكلهم عين على كلهم، وهم يخشون على أنفسهم من ~~أنفسهم. ~~- فلماذا أريتني هذه الحجرة؟ ~~- لأنني أحسست فيك الصدق، ولقد رأيتك بالأمس من هذا الثقب وأنت لا تعلم، ثم رأيتك ~~تتكلم أمامي فما رأيت اختلافا بين الحديث والحديث، بل رأيتك في كل مجالسك تطلق نفسك ~~على سجيتها، فهذا الثقب لا أحتاج إليه معك. ~~- والباب لماذا جعلته مختفيا؟ ~~- حتى لا يحاول واحد منهم فتحه ليعرف أن وراءه حجرة. إنهم يظنون حين أدخل منه أنه مفض ~~إلى دهليز من دهاليز القصر. # وهكذا تكشفت الحقيقة لابن عمار وهي في تكشفها جعلته يحس أنه صار أقرب الناس ~~إلى المعتمد، ويفتح المعتمد الباب المختفي ويمضي إلى المجلس ومن خلفه ابن عمار. # ويرى الجالسون ابن عمار مصاحبا للأمير فتشتعل نفوسهم غيرة، ولكن النار التي بقلوبهم ما ~~تلبث أن تنقلب تملقا لابن عمار وتوسيعا له في المجلس وفي الحديث؛ فقد صار القريب إلى ~~المعتمد، وناهيك بقريب إلى المعتمد. ومرت الأيام فكان الشاعر يلازم الأمير لا ~~يفارقه، بل إن الأمير لم يعد يطيق أن يفارق الشاعر لحظة من حياته؛ فهو معه طول ~~يومه وليله لا يفارقه إلا لهجعة في أصيل، أو نومة في مساء، بل لعله كان يلازمه عند الأصيل ~~أيضا، ويكتفي المعتمد بضجعة يتخذها ويبيح للشاعر أن يتخذ لنفسه الجلسة التي يريدها. ~~ومرت الأيام سريعة على المعتمد بصداقته الجديدة بعد أن كانت بطيئة ثقيلة لا يحس لها ~~جمالا ولا رواء، وهي إن كانت تسرع على المعتمد فهي تومض ومضا لابن عمار لا يكاد ~~يحسب أنها أيام مثل تلك الأيام التي مرت به وبحماره، حتى لقد كان يخيل إليه أن الدهر ~~قد تغير فأصبح يلد أياما جديدة لا صلة لها بتلك الأيام البائسة النكدة التي ~~قاساها. # وانقطع المعتمد عن مجلس أبيه وفرغ لابن عمار في الصباح ثم لشعرائه جميعا منذ صدر ~~الليل حتى يشارف نهايته وهو يخلو ms15 بعدئذ إلى ابن عمار، وهكذا حتى لم يصبح له لحظة يخلو ~~فيها لأبيه أو لمجلسه، وأحس الوالد بانقطاعه هذا وقد كان يعلم أن ابنه شاعر وقد كان ~~يعلم أنه يحب الشعراء ويهفو لمجلسهم، ولكنه مع هذا كان يراه خاليا إليه حينا، وإلى ~~مجلسه أحيانا، فأحس الوالد أن ثمة جديدة في حياة ابنه استقصاها فعرف أنها ابن عمار، ~~وأنه قد زاد على الشعراء فالتهم وقت ابنه الذي كان يبقيه له هؤلاء الشعراء، وما كان ~~المعتضد ليسكت عن هذا؛ فهو يحب الشعر ويحب المجلس المرفه ولكنه يحب ملكه أولا، وهو ~~يخشى أن يصر المعتمد على شعره وشعرائه فلا يصبح الملك الذي يرجوه الغد ويرنو له ~~العرش. # لم يسكت الملك عن هذا الأمر، ولكنه خشي أن يلوي ابنه في عنف، أو يزجره في ~~قسوة، فينفلت الزمام من يده؛ فهو يعلم أن ابنه ذو روح شاعرة طليقة لا تطيق القيد ~~ولا ترضاه حتى ولو كان هذا القيد ملكا، فهو يدعو ابنه ويبصره في روية ويسايره ~~في الحديث والرأي أول الأمر ليصل به إلى رأيه الذي يريده له في آخر الأمر؛ فهو يقول عن ~~نفسه إنه شاعر وإنه يحب الشعراء ويقربهم وإنه ليترسل مع ولده في الحديث حتى ينتهي ~~به إلى تلك الأبيات التي قالها في صدر شبابه: # قسمت زماني بين كد وراحة # فللرأي أسحار وللطيب آصال # إذا نام أقوام عن المجد ضلة # أسهد عيني أن تنام بي الحال # وإن راق أقواما من الناس منطق # يروق بدا مني مقال وأفعال # وإن المعتضد ليطلب إلى ابنه أن يقسم زمانه بين شعر وإمارة ولكن المعتمد لا يقطع ~~برأي، بل يلف مع المقال ويدور في طاعة من الحديث وعصيان عن الوعد، والمعتضد ذكي ~~يعلم ما يجول بخاطر ابنه، ويعلم أنه يخشى من وعد يقطعه ثم لا يطيق أن ينفذه، ويترامى ~~الحديث ويطول فلكل إحراج من المعتضد مخرج عند المعتمد، حتى إذا أحس المعتضد أنه ~~مفض إلى إخفاق فيما يريد صارح ابنه أنه سيوليه إمارة شلب، فيستهول الولد الخطب ms16 ~~ويهم بأن يستقيل أباه؛ فهو شاعر لا شأن له بالإمارة، فإن تفض إليه في غد له بعيد فهو ~~سيصاب بها مرغما لأنه لا يطيق لها دفعا، أما أن يصاب بها وأبوه على قيد حياة وهو بعد ~~ما يزال غارقا في الشعر وابن عمار، ودون أن يرى داعيا لتلك الإصابة فهذا ما لا يطيق. ~~ويقرأ المعتضد هذه المعاني على وجه ابنه وفي عينيه فيشير إلى ابنه أن يسكت قبل أن ينطق ثم ~~يبدأ في حديث آخر نابع من القلب: ~~- وبعد يا بني، أتعين الدهر علي؟ فلقد أصابني بأخيك الأكبر أرغب ما يكون في ~~الخلافة وأعجل ما يكون إليها، حتى لقد هم بقتلي ليعتسفها مني قبل أن يتيحها له موتي، ~~وقتلته، وقتلت به شطرا من نفسي وجانبا كان في حياتي إشراقا حين ميلاده فإذا هو السواد ~~الحالك. # ثم صرت أنت الأكبر والأمل، فإذا أنت أزهد ما تكون في الخلافة وأقعد ما تكون عنها، فلا ~~والله لن يصاب ملك في ملكه وأولاده كما أصاب، فبالله إلا أعنتني على الدهر وأعيذك ~~أن تكون عونا له. # واغرورقت عينا المعتضد بالدمع وهمت أن تفيض به لولا أن أمسكه عزة الملك وقبول ~~الابن. # | صداقة وحب # شلب إذن هي الإمارة التي اختارها المعتضد لابنه المعتمد، بلد ابن عمار ومهبط رأسه، ~~ومكان تعلمه، ومغنى شبابه، ومصدر فقره، وأيام شقائه، لقد علم ابن عمار أن المعتمد ~~راحل إلى شلب ليكون بها أميرا، هو يعلم أن المعتمد لم يعد يطيق الحياة من غيره، فهو إذن ~~راحل مع المعتمد وما أطيب هذا! سوف يدخل شلبا هذه المرة وهو الصديق الأول لأميرها، ومن ~~يعلم أي غد ينتظره هناك؟ فقد أصبح الغد ينتظره دائما بالخير. # وسافر المعتمد إلى شلب، وسافر في صحبته ابن عمار، وأقبل المعتمد على إمارته كارها، وحاول ~~أن يصرف أمورها، ولكن أي أمور تلك التي يراد به أن يراودها؟ إنه شاعر، لماذا لا ~~يريدون أن يفهموا هذا؟ إنه شاعر يحب شعره أما الإمارة فإنها مشقة سوف يتحملها في ~~حينها. إن أحدا ms17 لا يريد أن يفهم عنه هذا إلا صديقه الأثير ابن عمار، هو وحده الذي يعلم ما ~~يعتمل بنفسه. وهكذا يقبل المعتمد على شئون الإمارة إقبالا خيرا منه الإحجام، فما يكاد ~~يقطع في أمر حتى يهرع إلى ابن عمار ويتناشدان، ثم هو يضيق بتلك الفترة الوجيزة التي ~~يبت فيها في أمور الحكم، فهو يطلب إلى ابن عمار أن يجلس معه حين تعرض عليه الأمور ~~فيفعل ابن عمار متثاقلا أو مظهرا للتثاقل، مخفيا للرغبة العنيفة في هذه الجلسة، ~~متحرقا شوقا إليها في بعيد نفسه. ويجلس ابن عمار وتعرض الأمور فيسكت بعض الحين، ~~ولكن المعتمد لا يريد أن يراه ساكتا فهو يلتفت إليه ليشركه في الحديث إشراك المجاملة؛ ~~فما كان ليدري عنه خبرة في غير الشعر. يلتفت المعتمد إلى ابن عمار يطلب منه رأيا عابرا ~~فإذا ابن عمار ينبثق متفجرا، وإذا هو ثاقب النظرة خبير بدقائق ما يقول؛ فإنها بلدته ~~وإنه ابن عمار ذلك الرجل الذي دار على قصور الملوك فرأى وفهم ما رأى، ثم هو حليف الطريق ~~الطويل فما أكثر ما خلا به وبحماره هذا الطريق، فكان يفكر ويمحص ويتعمق الأمور حتى ~~يبلغ أعماقها، وهو يقرأ فيصل إلى أغوار ما يقرأ؛ فما هو إذن بالشاعر الهاذر الذي يمد يده ~~ليثنيها إلى فمه فلا يفكر في غير مد وانثناء، وما هو بالذي يغبى عن فهم الأمور ~~الجلائل فقد عاصرها مشاهدا، وإن تكن الحياة النكدة لم تتح له أن يعاصرها عنصرا ~~فيها، فها هو ذا المعتمد ينتقم له من تلك الحياة ويوسع لخبرته بالتفاتته تلك، وها هو ذا ~~يتدفق في تبصر ويرشد في خبرة ويهدي في مران، والمعتمد يستمع عاجبا معجبا وقد وسع ~~ما بين هدبيه، فما دار له بخلد أن ابن عمار يفهم شيئا غير الشعر وغير تلك الأحاديث ~~الطلية التي كان يترسل فيها، ولكن ها هو ذا يتضح عن رجل مارس السياسة ومارسته، فليكن ~~صديق الشعر هو هو صديق السياسة، وما أجمل أن يكون هذا الصديق الدائم ابن عمار! # ولكن ابن عمار ms18 الذي سعى إلى صداقة المعتمد وإلى مجالس شعره لا يطيب له أن يشارك هذا ~~المعتمد في الإمارة، وقد كان يعلم أن إبعاد المعتمد عن شئون الإمارة أمر ما أيسره، ~~ولكنه يتعجل ولا يطيق الانتظار أكثر مما انتظر. # لا يطول التفكير بابن عمار فهو يعلم أن المعتمد عازف عن شئون الإمارة وهو يعلم أنه يحب ~~الشعر ومجالس النساء، فما أسرع ما يعقد ابن عمار هذه المجالس وما أجمل ما ينضدها! ~~فيقبل عليها المعتمد لا يفيق، ويتظاهر ابن عمار أنه مقبل معه، وتملأ هذه المجالس وقت ~~المعتمد فهو يترك شئون الإمارة شيئا فشيئا لابن عمار حتى يستقل بها لا يشاركه في ذلك ~~المعتمد، بل إن المعتمد ليغتبط بهذا التوفيق الذي هيأه الله له في ابن عمار فجعل منه ~~شاعرا فذا ومنظما عبقريا للجلسات الممتعة، ثم شاء تبارك وتعالى أن يتوج هذا ~~كله بخبرة نابغة في السياسة وشئون الحكم. # وتسير الحياة طيبة للصديقين، فأما الأمير فيمرح مع الشعراء والحسان، وأما الشاعر ~~فيصرف شئون الإمارة وينظر في كل شئونها كبر هذا الشأن أو صغر، ولكنه مع هذا يفكر ~~في أمره وأمر المعتمد فيجد نفسه هو السيد بغير لقب وبغير وظيفة رسمية؛ فإن وظيفة شاعر ~~الأمير لم تكن في يوم من الأيام منفذا إلى شئون الحكم، لا بد إذن من وظيفة، ولم لا وقد ~~أصبح المعتمد خطرة منه؟ ولم يكن من دأب ابن عمار أن يقف تفكيره عند التفكير أبدا، بل ~~إنه دائما يتبع الفكر بعمل. # وجلس ابن عمار إلى المعتمد وامتلك ابن عمار عنان الحديث ودار به ولاب، حتى انتهى إلى ~~الإمارة فهو يذكر للمعتمد ما يشقى به فيها، ثم هو يتكلم مترسلا مظهرا للمعتمد أنه ~~لا يقصد إلى غير الترسل في الكلام، فيعرض إلى المخالفات التي تقع من صغار الموظفين وكيف ~~أنه لا يملك أن يردهم عنها، ويفهم المعتمد مرمى الحديث وهدفه فلا يصبح الصباح إلا ~~وابن عمار قد أصبح وزير المعتمد في إمارة شلب. # هكذا أصبح ابن عمار في بلدته، بلدته تلك ms19 التي لفظته شابا ، ثم أقفلت أبوابها دونه ~~كلما حاول أن يلجأ إليها، لقد صار فيها وزيرا، وزيرها الذي يحمل وحده عبئها فلا يعرف ~~أميرها من أمرها أمرا، غير أن ابن عمار هو المتصرف فيها. # هيه ابن عمار! ما أحسب أيامك الخالية أتاحت لك أن تتخيل هذا الذي تمرح فيه اليوم من ~~سعادة، فهل تقف بك آمالك ابن عمار عند حد تنتهي إليه؟ أم رأيت من الأيام لينا فأنت ~~توغل غير ناكص؟ شأنك والأيام ابن عمار، شأنك وإياها. # ظلت هكذا حياة الأمير ووزيره الشاعر، ولم يكن المعتمد رغم ما هيأه له ابن عمار من ~~حسان وشعراء ليستطيع أن يتخلى عن جلسات صديقه؛ فهو يتوق إليه منفردا يتطارحان الشعر ~~أو يجيزانه، فإن ضاقا بالقصر وشلب خرجا متنكرين إلى إشبيلية يمرحان فيها ما ~~وسعهما المرح، وقد كانت المدينة مهيأة لهذا المرح أحسن تهيئة، حتى إذا ضاقا بصخبها ~~خرجا إلى «مرج القطة» على ضفاف الوادي الكبير، فيجلس ابن عمار إلى المعتمد في هذا ~~المنفسح العريض من الخضرة يحف به نهر صاف يكمل الجمال الذي يشيع في ~~الروض. # جلس المعتمد إلى ابن عمار وقد اقتعدا السندس يرنوان إلى ذلك النهر تمسه نسمات من ~~الهواء فتجري مياهه في تموج رجراج كأنه شعر غانية ترسله، وإن الشاعرين لينعمان ~~بتلك النسمات تنفح وجهيهما بهواء لين كأنما هو القبلات الرقيقة تغمر بها الحبيبة ~~وجه من تحب، وإذا الشاعران يصمتان تائهين تيه المخلوق أمام روعة الخالق، ولكن المعتمد ~~كان أسبق من ابن عمار في التخلص من إنسانيته ليرف إلى شاعريته، فهو يتكلم دون أن ~~يلتفت إلى ابن عمار، وإنما هو ناظر إلى النهر لا يريم، يقول المعتمد: أجز يا ~~ابن عمار. # ترقرق الماء بهفهاف النسيم واطرد # يا لوحة أبدعها بفنه الفرد الصمد # ولكن ابن عمار يغرق في صمته وتخشعه ويهم بأن يسأل المعتمد أن يعفيه من إكمال ~~الأبيات، ويهم بأن يعتذر بروعة المنظر المسكتة عن عجز فهو يعرف أن أي كلام مهما يكن ~~شعره هو أو شعر المعتمد لن يحيط ms20 بهذه الفتنة التي تحيط بهما، يهم ابن عمار أن يفعل، ~~ولكن صوتا رقيقا عذبا ينساب من قريب يخاله الشاعر نسيما من النسيم، أو خفقة من ~~النهر، أو صوتا للكون الطروب حولهما قد انبعث يكمل البيتين ببيتين، ويلتفتان إلى الصوت ~~فيجدان حورية قد جلست منهما غير بعيد رانية إلى النهر غير ملتفتة إلى الصاحبين، ~~وإنما هي تنشد شعرها وكأنما تنشده لنفسها، وينظران إلى جانب وجهها فيريان جمالا لم ~~يرياه من قبل وهما المعتمد وابن عمار، ثم يسمعان شعرا لم يسمعاه من امرأة قبل وهما ~~المعتمد وابن عمار، قالت الفتاة: # أجمل بها يوم الوغى # لو أن ذا الماء جمد # تخالها منسوجة # من حلق ومن زرد # ويقفز الشاعران من مكانيهما ويهفوان إلى تلك الحورية التي انبعثت لا يدريان من ~~أين، ويسرع المعتمد إليها فيضع يده على جسمها؛ فقد خشي أن يكون الخيال قد خلق ما يريان ~~ولكن الحورية تلتفت إليه وفي فمها ضحكة، وفي وجهها بشر، وفي عينيها وميض، ثم هي تقول: ~~بل هي حقيقة أيها الأمير، بل هي حقيقة. # ويضطرب المعتمد من ذلك الجمال الذي شع في عينيه فهو يقول: وتعرفينني؟ ~~- ومن لا يعرف الأمير الشاعر وصاحبه الوزير؟ ~~- فمن أنت إذن؟ ~~- أنا روميكا. ~~- أشاعرة أنت؟ ~~- بل جارية. ~~- بل أميرة، دونك والقصر. # وتذهب روميكا إلى القصر ويشتريها المعتمد من صاحبها ويتزوجها ويبدأ حب في قصر ~~المعتمد هو حبه الأول والأخير؛ فقد عرف النساء من قبل جواري ولكنه لم يعرفهن حبيبات ولا ~~شاعرات. # ويغير المعتمد اسم روميكا فيصير «إعتماد». وابن عمار يرى هذا فيفرح به؛ فقد سقط عن ~~كاهله تدبير المجالس والنساء وفرغ للإمارة وحدها لا يشغله عنها إلا أن يجلس أحيانا إلى ~~المعتمد، فلا يسمع من المعتمد إلا عن إعتماد إن كان شعرا فشعر أو يكن حديثا فحديث، وابن ~~عمار في الحالين يشجع المعتمد أن يسير في حبه فما الشباب إلا حب وما الشعر إلا خفقة ~~القلب صيغت، والمعتمد يقبل على هذا الحديث إقباله على حب إعتماد، والإمارة بين حديث ~~ابن عمار وفراش ms21 إعتماد ضائعة لا تعرف أميرا غير وزيرها، فالوزير منفرد بالأمر، ولم يكن ~~الوزير ذا ضمير مرهف، ولم يكن ذا مال، ولا هو بذي قناعة، وقد عرفت يده كيف تمتد بعد شعر ~~المديح يقوله لسانه فهي اليوم تعرف كيف تمتد بعد شعر المديح تسمعه أذنه، وإن لم يكن لهذا ~~سعى إلى الوزارة، فلماذا؟ فما هو بالوطني الصادق الوطنية لوجه الشرف، ولا هو بالوفي الخالص ~~الوفاء لآل عباد، إن ابن عمار لم يكن صادق الوفاء ولا خالص السعي إلا لابن عمار وحده، وبهذا ~~المبدأ الواقعي سار ابن عمار في وزارته وسارت به الأيام حتى إذا فاض المال لديه علا رنينه، ~~وللمال الحرام رنين ضخم لو أن آذان المعتمد خلت لحظة لصكها، ولكن من أين لها وهي تمتلئ ~~بحديث الحب في المساء وبالحديث عن الحب في الصباح؟ ولكن الرنين يعلو وتتواكب أصداؤه حتى ~~تبلغ آذان المعتضد ذاته في إشبيلية فيثور. # ويصبح المعتمد ذات صباح فيقصد إلى الإيوان ويرسل في طلب ابن عمار، ولكن الحاجب يستأنيه ~~حتى يرى رسول أبيه، ويدخل الرسول فإذا هو يحمل ورقة يأمره أبوه فيها أن ينفي ابن عمار من ~~شلب، ويسأل الرسول تفسيرا لما يحمل فما يحير الرسول بجواب؛ فهو لا يعرف ماذا يحمل، ويعود ~~الأمير إلى الورقة فيجد الأمر قاطعا أبكم لا يبين بغير الأمر وحده، فتدمع عين المعتمد، ~~ويعود إلى طلب ابن عمار فيأتي الوزير ويهم بأن يفسح للحديث ما كان يفسح ولكن المعتمد ~~مقطب الوجه مغرورق العينين مكروب النفس، فلا يسأله ابن عمار عما به فقد تعود أن ~~تتهدى إليه نفس المعتمد دون أن يسعى إليها، ولا يطول الصمت بالمعتمد بل هو يفضي لابن ~~عمار بما حمله الرسول، فيخفف ابن عمار عن المعتمد وإن يكن الخبر قد أكربه إلا أنه ~~يعلم من أين يلج إلى النفوس، ويعلم أنه لو أثار المعتمد على أبيه فإنه قد يثور لحظة ثم ~~تمسك به بنوة ويهبط به إيثار لسلامة، فهو إذن يحاور المعتمد ويسوق إليه أن أباه ~~لم يرد إلا ms22 خيره، وأنه إنما أمر ليتيح للمعتمد أن يقوم بأمر الإمارة وحده بغير معين حتى ~~يمرن على الحكم ويحسن الدربة. ويصل هذا الحديث إلى نفس المعتمد فيخفف مما يحس ~~ثم هو يلتفت إلى ابن عمار ليقول له: أنا أعلم أنك احتملت عبء الوزارة فلم تصب منه ~~مالا فحتى تجهز أمرك أكون قد دبرت لك ما يعينك في غربتك، وإني سأظل على ~~وصلك ما دمت بعيدا حتى يقضي الله أمرا وألقى أبي فأترضاه وتعود الأيام صافيات كما ~~كن. # وقد استطاع ابن عمار وهو يسمع هذا الحديث أن يحدر دمعتين بدتا نابعتين من القلب وإن ~~يكن ابن عمار نفسه قد عجب كيف بدرتا من العين. # وخرج ابن عمار يستهدف أقاصي الأندلس وحاول من تركهم في «شلب» أن يفضحوا أمره للمعتمد ~~فراحوا يتحسسون نفس المعتمد ليروا أي اللونين تقبل، أهو مديح ابن عمار أم هجاؤه، ~~فرأوا المعتمد باكي النفس على فراقه دامع القلب لهذا الأمر الأصم الذي صكه من أبيه، ~~فإذا هم يحيدون بما كانوا ينتوونه من ذم واغل إلى مديح مفرط لابن عمار يتقربون به ~~إلى المعتمد، فتنفتح آذان المعتمد لهذا المديح ويزيد حبه له إن كان ثمة مكان ~~لزيادة، وهكذا يظل ابن عمار في نفسه هو الصديق المخلص وهو الوزير الأمين وهو كل شيء في ~~حياته ما خلا إعتماد. # | إلى الطريق # إلى الطريق عاد صديقه، ولكن أي عودة؟ لقد تركه على حمار متهالك لا يجد قوته ثم ~~عاد إليه يمتطي صهوة حصان صافن أصيل أجرد شبعان، وقد تركه وهو أشعث أغبر لا ~~يستر جسده إلا أخلاق بالية مركبة عليه تركيبا وهو يعود إليه أنيقا وضيئا ~~ملبسه من ثمين الخز ورقيق الحرير وقد فصل عليه تفصيلا، وقد تركه وهو شاعر خامل ~~لا يكاد يحس به حماره الذي يحتمله وعاد إليه الوزير الفذ والشاعر الضخم صديق الملوك ~~ورفيق المعتمد، ابن عمار. # عودة ميمونة تلك التي يعودها ابن عمار إلى الطريق؛ فهو اليوم مليء الجيب آمن عوادي ~~الطريق والتواءات الملوك وارتفاع الأنوف؛ فلقد أصبح هو ms23 نفسه ممن يسمعون شعر المديح فيلوون ~~رءوسهم من الكبر، وترتفع أنوفهم من العظمة، فليعد إذن ولكن وزيرا يعود. # ذهب ابن عمار إلى أقصى الأندلس ومن هناك أرسل شعره إلى المعتمد ليصل مستقبله بمستقبل ~~أمير اليوم وملك الغد، وليعرف المعتمد أين استقر بشاعره المقام فيصله إن أراد وصله أو ~~يطلبه إن عفا عنه أبوه، أرسل إليه قصيدة من خير قصائده يقول فيها: # علي وإلا ما بكاء الغمائم؟ # وفي وإلا ما نواح الحمائم؟ # وعني أثار الرعد صرخة طالب # لثأر وهز البرق صفحة صارم # وما لبست زهر النجوم حدادها # لغر ولا قامت له في مآتم # ثم هو يميل إلى المعتضد يمدحه وإن له في مدحه لمذاهب، فهو يترضاه وهو يظهر للمعتمد ~~خضوعه مهما يفعل به المعتضد، وهو يمدح الأب لابنه عالما أن مدح الجريح لجارحه يعلي من شأن ~~المادح، فهو يتقرب من نفس الابن ويرضي فيه حبه لأبيه ويبدي مشاركته له في هذا الحب؛ يقول ~~ابن عمار عن المعتضد: # أبى أن يراه الله إلا مقلدا # حميلة سيف أو حمالة غارم # وتصل القصيدة إلى المعتمد فيبكي مع الغمائم الباكية ويكاد ينوح مع الحمائم لولا الرجولة ~~والشهود، ويعلم من الرسول أين مكان ابن عمار فيصل بكل ما يستطيع أمير صديق أن يصل، ويعود ~~الرسول يحمل إلى ابن عمار المال خير دليل على حب مقيم وصداقة ما زالت أصيلة الجذور ~~في نفس المعتمد، يعلم الله وحده مدى ما تأدت إليه في نفس ابن عمار. ويعود ابن عمار فيكتب ~~شعرا جديدا يبدؤه بغزل رائع ويرسل بالقصيدة: # جاء الهوى فاستشعروه عاره # ونعيمه فاستعذبوه أواره # لا تطلبوا في الحب عزا، إنما # عبدانه في حكمه أحراره # قالوا أضر بك الهوى فأجبتهم # يا حبذاه وحبذا أضراره # قلبي هو اختار السقام لجسمه # زيا فخلوه وما يختاره # عيرتموني بالنحول وإنما # شرف المهند أن ترق شفاره # وشمتم لفراق من آلفته # ولربما حجب الهلال سراره # أحسبتم السلوان هب نسيمه # أو أن ذاك النوم عاد غراره # إن كان أعيا القلب من حر الجوى # خذلته من دمعي ms24 إذن أنصاره # والقصيدة بعد ذلك مفضية إلى مدح المعتضد، وما يكاد المعتمد يقرؤها حتى يجن بها ~~ويرتاح إلى هذه الخطة التي انتهجها ابن عمار في مدح أبيه، ويمتد أمله إلى صفح أبيه عن ~~ابن عمار إن هو قرأ هذا الشعر؛ فهو يعلم أن أباه يطرب للشعر الجميل ويرتاح إليه. ويدعو ~~المعتمد رسولا يهم أن يبعث به إلى أبيه حاملا القصيدة، ولكنه ما يكاد حتى يسمع ضجيجا ~~عاليا وصخبا يقترب من حجرته إلى أن يبلغها، ويفتح الباب ويدخل رسول من عند المعتضد ~~يلهث يخبر المعتمد أن أباه قد اشتد به المرض وأنه يدعوه، فيقوم المعتمد من مجلسه إلى ~~حصانه فلا يتزود بشيء حتى ولا بنظرة من إعتماد. ويغمز المعتمد الحصان ويصل إلى أبيه ~~فيجده ينتزع أنفاسه الأخيرة فيمثل أمامه فيوصي الأب ابنه بما يوصي به الملك خليفته. ويموت ~~الملك المعتضد ويصير الملك إلى الملك أبي القاسم محمد بن عباد المعتمد آخر ملوك بني ~~عباد. # | عند قوم # عاد ابن عمار إلى الملك المعتمد وقد أمن الدهر وعواديه واطمأن إلى المقام في إشبيلية ~~عاصمة الملك، وعادت الليالي وضاء كما كن، وأصبح ابن عمار وزير دولة بني عباد أجمع، وقد ~~أراد ابن عمار أن يفعل شيئا عقب توليه الوزارة فزين للمعتمد أن يفتح قرطبة ففتحها، ~~فكان هذا بداية رائعة لعهد حافل بالأحداث. # ويرى الوزير الجليل أن القصر لم يصبح بالمكان الذي يليق به في منصبه الجديد؛ فقد كان هذا ~~القصر يصلح حين كان شاعر المعتضد أو صديق المعتمد أو وزير شلب، أما وهو وزير الدولة ~~المدلل فلا بد للوزير من بيت؛ فقد أصبح الوزير ذا عائلة وأولاد أنجبهم من الجواري ~~اللواتي أنعم بهن عليه المعتمد، فلا بد إذن من بيت ولا بد لبيت الوزير أن يكون ضخما ~~شاهقا متسع الجنبات؛ فإنه الوزير. # وقد اتخذ الوزير مسكنا وسمي باسمه، وأحس ابن عمار بحلاوة الجرس الذي لم يسمعه ~~قط؛ فقد أصبح الناس يقولون «بيت الوزير» أو «بيت ابن عمار»، وقد كان كل مناه أن يسمع ~~اسم ms25 الحجرة يضاف إلى اسمه، إنه لم يسمع «حجرة ابن عمار» إلا حينما تعلق بصلة من ~~القصر، ثم ها هو ذا أصبح لا يرضيه قولهم «حجرة» ولا قولهم «جناح ابن عمار» فأصبح له بيت ~~بأكمله ذو حجرات وأجنحة. # إن يكن الوزير قد ابتنى بيتا فأصبح بيت ابن عمار إلا أن ابن عمار لم يكن يلم ببيته ~~هذا إلا إلمامة العاجل التي لا ريث بها ولا هدوء؛ فأغلب أوقات صباحه بين الديوان ومجلس ~~المعتمد وهو في أغلب لياليه مع المعتمد يقضيها سمرا ولهوا أو يقضيها نوما في القصر، هو ~~لم يطلب البيت لمبيت وإنما طلبه ليتصل اسمه ببيت وقد اتصل. # وأقبل المعتمد يوما على ابن عمار وطلب إليه أن يعد له ليلة من ليالي شلب، تلك التي ~~كانت قبل أن يعرف إعتماد، ويذعن ابن عمار ويعد الليلة في خبرة ودربة ومران، ويقبل ~~المعتمد على المرح فيشيع السرور في الجلسة ويغبط المعتمد نفسه بما أنعم به الله عليه من ~~حب وفي هو إعتماد، ومن صداقة مخلصة حكيمة هي ابن عمار، ويشيد المعتمد بقدرة ابن عمار ~~النابغة في السياسة وفي الشعر وحتى في تهيئة الليلة الأنيسة، ويبالغ المعتمد في تلك ~~الإشادة ويقرب ابن عمار أكثر مما تعود أن يفعل وكلما دارت الخمر برأسه رفع من شأن ~~ابن عمار حتى أذن الليل بزوال، فإذا المعتمد وقد أصبح ثملا وإذا هو قد أبلغ ابن عمار ذروة ~~السها، وينفض المجلس ويوشك ابن عمار أن ينصرف إلى بيته ولكن المعتمد يمسك به ويقسم ~~أيمانا مغلظة أن يبيت ابن عمار معه على وسادة واحدة، ويتحرج ابن عمار أول الأمر لكنه لا ~~يملك من أمر نفسه أمرا فهو يتبع المعتمد فرحان جذلان إلى حجرة أعدت للنوم. ~~ويستلقي المعتمد ويطلب إلى ابن عمار أن يستلقي إلى جانبه على أن يضع رأسه معه على وسادة ~~واحدة، ويهمان بحديث ولكن السهر والخمر والتعب ما لبثت أن عقدت أجفانهما. نام ~~ابن عمار يكاد صدره يتفجر بالسرور ازدحم به، وإن تكن اليقظة قد هيأت له ms26 هذا السرور إلا ~~أن النوم أبى أن يسكت عنه؛ فإن الأحلام لتتواكب أمام ابن عمار ثم تنشق عن رجل أشيب جليل ~~ناصع الإشراق يومئ إلى ابن عمار ويتحدث في هدوء فيقول زائر الحلم: هيه يا ابن عمار! هل ~~أمنت كيد الملوك؟ استراح بك المقام ووثقت من المعتمد فأنت إذن تمرح في سرور مطمئن ~~ونشوة صافية. أفق أيها المخمور، لذ بنفسك إن المعتمد سيقتلك، نعم هذا الصديق الحبيب، ~~نعم هذا الذي انتشلك من على ظهر الحمار إلى دست الوزارة، هو نفسه سيقتلك. # وفزع ابن عمار من نومه وقد أرسى في نفسه إنذار الحلم وقد شعشعت في رأسه خمر أمس ~~فهو يتسلل من الغرفة خائفا ويمشي في دهاليز القصر قاصدا إلى الباب الخارجي، ولكنه ما يلبث ~~أن يقف باهتا حين يقرع صوت المعتمد أذنيه. # تقلب المعتمد في فراشه، ووضع يده حيث طلب من ابن عمار أن يلقي بنفسه ولكنه لم يجد ~~ابن عمار فقام من فوره ونادى بالخدم وسألهم عنه فما علم أحد عنه شيئا فطلب مصباحا وخرج ~~إلى دهاليز القصر يتوكأ على سيفه يبحث عن ابن عمار ومن خلفه حاشيته أجمع، وطال بهم ~~التطواف بغير جدوى فوقف المعتمد يتساءل فيدير خدمه رءوسهم ويضربون أكفهم بأكفهم، ~~وبينما هم كذلك إذا بحصير يتزحزح من مكانه فانعقدت ألسنتهم واتجهت رءوسهم إلى حيث كان ~~الحصير قد وقف وامتنعت أكفهم عن ضرب نفسها وامتلأت نفوسهم بالذعر، إلا أن المعتمد قد ~~كره أن يظنوا به خوفا وما هو بالجبان فهو يقصد إلى الحصير ويرمي السيف من يده ~~ويطبق على الحصير فيجد بداخله أعضاء آدمي ما يلبث أن يصيح «عفوك يا مولاي» فيصيح به ~~المعتمد: من؟ # فيتخلص صاحب الحصير منه وإذا هو ابن عمار عاريا لا يكسوه غير فضلة من ثياب، فيصيح ~~المعتمد مرة أخرى صيحة داهشة عاجبة: من ذلك الذي آثر الحصير على فراش الملك؟ ~~- ابن عمار. ~~- نعم مولاي ابن عمار. # فلا يملك المعتمد من نفسه إلا أن يضحك لصديقه ويفرح أن وجده فكأنما هو عائد من ms27 سفر ~~بعيد ثم يسأل ابن عمار في غبطة: ما الذي فعلت بنفسك؟ ~~- عفوك يا مولاي؛ فقد زارني في النوم طائف حذرني منك وقال إنك قاتلي، فقلت أهرب ~~وكفاني ما لاقيته عندك من الخير ومن أيام إن جعلتها زاد حياتي من السعادة كنت أسعد ~~من ولد ومن هو في مطوي الغيب سعيد. لقد رأيت منك الرضى وأخشى أن أرى الغضب، ولقد ~~بلغت عندك الذروة وليس بعد الذروة إلا المنحدر، والملوك مولاي لا يستقرون على حال؛ فلو ~~أنك انتقمت مني للسعادة التي أشهدتنيها لكان انتقامك فوق الشدة. # فتترقرق الدمعة في عين المعتمد ويربت كتف ابن عمار، ويهدأ روعه، ويقول له في صوت ~~متهدج بالبكاء: يا أبا بكر، إنك أخو شبابي ومجلى شعري وشقيق حياتي وخدن حاضري، ~~عرفتك وأنا بعد في زهرة الشباب وصحبتك منذ عرفتك حتى بلغت الكهولة أو كدت، ~~أأقتلك؟! أرأيت شخصا يقتل شبابه وشعره وماضيه وحاضره؟ أفق ابن عمار إنها لآثار نوم ~~وخمار؛ فوالله لو شهدت هذا الزائر الذي بث إليك الخوف لقتلته أن أقلق منك مضجعا ~~وخوف منك آمنا. # ثم يلتفت إلى حاشيته يأمرهم أن يحضروا قسطا من اللبن فيحضرون، ويسقيه لابن عمار ويذهب ~~به إلى الوسادة وينامان. # نومة لم تكن هادئة تلك التي أصابها ابن عمار فقد أصبح من نومه ولا هم له إلا أن ~~يباعد بينه وبين المعتمد قليلا حتى يطمئن ما أثير بنفسه، ويهدأ ما اضطرب من خاطره، ~~ولكنه لم يستطع أن يسوق إلى المعتمد ما يعتمل بنفسه في صباحه هذا، فتريث حتى نسي المعتمد ~~ما كان من أمر الحلم والهاتف ثم تقدم متوددا وقال له: مولاي، بقيت، فإني لأطلب ~~منك الكثير وأنت تجيب حتى لقد غدوت أخشى الإثقال عليك. ~~- ألا إن من وراء قولك لمطلبا. ~~- هو ذاك يا مولاي. ~~- فقله. ~~- حتى تقسم. ~~- بصداقتنا. ~~- أريد ولاية شلب. # فيألم المعتمد لهذا الطلب ويبادر ابن عمار: أملالة يا أبا بكر. ~~- لا عشت إذن، ولكنني يا مولاي شهدت نفسي بشلب هذه وأنا فقير وربيت بها وأنا لا أملك ~~شيئا ms28 حتى لقد تركتها وخرجت أطوف بالملوك أمدحهم فما أصبت من ذلك شيئا ثم عدت إليها ~~عودة لا كانت. لقد شهدت نفسي هناك جائعا على حمار جائع عريان، على حمار متهالك، حتى ~~لقد أسمحت لي نفسي أن أمدح تاجرا لأصيب منه حفنة من شعير، ثم تعلقت أسبابي بك، ~~وللنفس بدرات، إن نفسي لتشتهي اليوم أن تشهد نفسها هناك وفي هذا البلد واليا عليها من ~~قبلك وإن آمالي - لا عدمتك - تظل آمالا حتى تلقى بين يديك فإذا هي حقيقة، وإن أماني ~~لا تزال أماني حتى تنتهي إليك فإذا هي واقع. # وهكذا غدا ابن عمار واليا على شلب مهد طفولته ومدرج حياته ومغنى شبابه، وأيام فقره ~~فإليها إذن يعود، واليا يعود. # | ... وعودة # إلى شلب عاد ابن عمار، لم يعد الشاعر الطريد، ولا راكب الحمار المتهالك، ولا مادحا ~~ولا مستجدي القمح، وإنما عاد الأمير الخطير صديق الملك، عاد وهو صاحب الموكب الضخم يتبعه ~~الخدم والحاشية وتنساق من قبله الطوالع والأعلام وتدق الطبول ويعلو الزمر، ووقف أهل شلب ~~الذين نظروا إليه على حماره يسخرون أو يشفقون أو يتعجبون، وقفوا اليوم يرحبون ~~ويكبرون ويعجبون، ولم يدر بخلد الناظرين أن صاحب الحمار هو صاحب الموكب، بل إن صاحب ~~الحمار هذا لم يجر على ذاكرتهم فهم لم ينعموا النظر في الحمار أو راكبه وإنما كانوا ~~يعبرونه بنظرتهم أو يعبرهم هو بحماره فما أدركوا من ملامحه شيئا. ولو أن واحدا منهم ~~كان قد أنعم النظر ثم أنعمه حتى عرف ملامح ابن عمار أجمع فإن هذا الواحد لا يجرؤ بحال أن ~~يذكر ابن عمار والحمار في هذا الموكب الضخم. وأين ذلك النضو القميء من هذا الأمير العظيم؟ ~~وأين ذلك الحمار المتهالك من هذا الموكب الضخم؟ وأين هذا الطيف الذي مر رهوا لا ~~يحس به أحد من هذا الذي أقام المدينة وما زالت قائمة؟ لا، لا صلة بين الشخوص ولا ~~نسب. # إن يكن أهل شلب جهلوا الصلة بين صاحب الحمار وصاحب الموكب فإن ابن عمار يدرك هذه ~~الصلة تماما، وهو إن ms29 يكن اليوم في هذا الموكب الضخم الأنيق من الطبول والزمور فهو لم ينس ~~هذا الموكب الضخم الحقير من الفقر والعوز الذي تسلل به إلى شلب وكل أمانيه أن تعمى ~~العيون حوله وأن يصيب حفنة من غلال. لم ينس ابن عمار الحمار والتاجر والشعر والصبي ~~والشعير، بل إنه أخذ نفسه أن تذكر هذا الذي كان فيه حتى يحمد ما هو اليوم فيه، فهو يحمل ~~معه ذلك الكيس الذي أنقذه وأنقذ حماره من جوع بما حمله من شعير، هو يحمل الكيس معه لم ~~يفقده في كل مناصبه التي تولاها ولم يفقده في الذروة التي اقتعدها وإنما أبقى عليه ليشكر ~~به من أنقذ؛ فما يكاد يجلس على كرسي الإمارة حتى يرسل من يبحث عن التاجر فيجده ويعلم ~~ابن عمار أن الخشية قد تولت هذا التاجر حين علم أن الأمير يبحث عنه، فيشفق عليه أن ~~يستقدمه ويكتفي بأن يرسل إليه الكيس وقد ملأه فضة وأوصى من يحمل الكيس إلى التاجر أن ~~يقول له: «لو كنت ملأته برا لملأناه تبرا.» # وتشيع قصة الكيس بين أهل شلب فيكبرون ابن عمار ويرون فيه رجلا لم يتنكر حاضره ~~لماضيه ولم تزهه الإمارة أن يذكر ذلك الماضي العريق في هذا البلد، وكان أهل الأندلس في ~~ذلك الحين قوما ذوي حس مرهف يقدرون اللفتة الكريمة، ويكبرون النفس العالية، ~~ويعجبون بالخلق المكتمل، وقد كان ابن عمار يعرف فيهم هذا وكان يعرف تماما أخلاق أهل شلب ~~خاصة؛ فهو خبير بما يرضيهم عالم بما يجلب له السمعة الطيبة والاسم الكريم، وهو إن كان قد ~~نال من مالهم حين كان وزير المعتمد لديهم إلا أن الأمر قد اختلف اليوم تمام الاختلاف؛ فابن ~~عمار الوزير كان يعمل باسم المعتمد فما أيسر أن يلصق بالمعتمد التهم أما ابن عمار والي ~~شلب فلا يحمل غير اسم نفسه، فإن أساء فهو إنما يسيء إلى هذا الاسم وحده، وقد كان ابن عمار ~~يحب ألا يسيء إلى هذا الاسم، وابن عمار الوزير كان فقيرا أو هو في الحق جديد على ms30 الغنى ~~يحب أن يستكثر من المال خشية من الغد وقد كان محقا في تفكيره هذا؛ إذ سرعان ما حققته ~~الأيام وأمر به المعتضد فنفي. أما ابن عمار والي شلب فغني قديم في الغنى أمن الغد وما ~~بعده من أيام مهما يشتد بها السواد. وابن عمار الوزير جديد في المنصب الكبير لا يهمه أن ~~تصل السمعة السيئة إلى اسمه فهو حتى ذلك الحين لم يكن يحمل اسما، أما ابن عمار والي شلب ~~فذو اسم وذو ماض يهمه أن ينفي السيئ منه فلا يبقى غير الحسن، فهو يأمل أن يحسن ~~السيرة في شلب عساه أن يجعل عارفيه في الوزارة يحسنون به الظن. وهكذا سار ابن عمار في ~~طريقه على خير ما يسير وال في ولايته فهو عادل أمين حصيف عالم بدقائق الأمور. # وقد تحادث الناس بسيرة الوالي الجديد وتسامعوا عنه خيرا وارتقت سيرته إلى المعتمد ~~ففرح بصديقه وبما يبنيه لنفسه من مجد، ولم يهمه أن الوالي الجديد كان يقوم بأمر ولايته ~~دون أن يرجع إليه في جلائل الأمور، ولم يهمه أنه استقل بالأمر وحده وأصدر الأوامر باسمه، ~~لم يهمه هذا لأنه كان يحب ابن عمار ويثق به مطمئنا أنه مهما يستقل بالأعمال فإنه لن يستقل ~~بعواطفه وسيظل هو هو الصديق الوفي والأخ الحبيب. # لم يهمه شيء من هذا ولكن شوقه إلى ابن عمار ولياليه هو الذي يهمه فهو يضيق ~~بإشبيلية من غير ابن عمار حتى ليرسل إليه الشعر يخفف من بعض شوقه، أرسل إليه يوما ~~قصيدة يقول فيها: # ألا حي أوطاني بشلب أبا بكر # 1 # وسلهن هل عهد الوصال كما أدري؟ # وسلم على قصر الشراجيب # 2 # عن فتى # له أبدا شوق إلى ذلك القصر # منازل آساد، وبيض نواعم # فناهيك من غيل وناهيك من خدر # وكم ليلة قد بت أنعم جنحها # بمخصبة الأرداف، مجدبة الخصر # وبيض وسمر فاعلات بمهجتي # فعال الصفاح البيض والأسل السمر # وليل بسد النهر لهوا قطعته # بذات سوار مثل منعطف البدر # نضت بردها عن غصن بان منعم # نضير كما انشق ms31 الكمام عن الزهر # وقد كان ابن عمار يستقبل هذه الأبيات جامد الحس هادئ الشعور في داخله، وكان يستقبلها ~~في بشر عريض وفرح غامر في ظاهره. # ولم يطل الأمر بالمعتمد وشوقه، ولم يطق أن يظل البون شاسعا بينه وبين إلف روحه ~~وشقيق فنه ابن عمار، فأرسل إليه يستقدمه فقدم إلى إشبيلية، وعوضه المعتمد عن ~~منصبه الذي فقده خيرا فعينه كبيرا لوزراء الأندلس، فرضي نفسا ونسي ما كان من ~~أمر الحلم القاتل، واطمأن جانبه إلى المعتمد، وعادت الأيام تصل ما انقطع وتسعى ~~بالصديقين إلى مزيد من الصداقة للمعتمد ومزيد من ارتقاء لابن عمار. # | دهاء الوزير # لم تكن الأندلس في ذلك الحين خالصة الحكم لملوكها؛ فلقد كانوا أضعف من أن يقوموا بالأمر ~~وحدهم، وقد انتهز الإفرنج هذا الضعف فراحوا يهددونهم في ديارهم ويفرضون عليهم الجزية ~~لقاء سكوتهم عنهم. ولقد أذعن الملوك لهذا التهديد فدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون فما ~~كان الخلف بينهم ليترك لهم سانحة يفرغون فيها من عدوهم المشترك ولو كانوا قد تضامنوا ~~لتغلبوا عليه. لكن من أين لهم وقد تقطعت بينهم السبل فأصبح ما بينهم وبين بعضهم ~~خراب بلقع لن يعمره الشر الذي يحيق بهم ولن يصله العدو الذي يتنمر ~~لهم؟ # ولقد كان هذا العدو حصيفا؛ فهو لم يهجم لأنه يعلم أن جيوشه لا تكفي فهو يهدد في ~~تبجح فتهلع نفوس الملوك فهي خائرة، وهو يطلب الجزية فتمتد بها أيدي الملوك صاغرة ~~ذليلة. # ولم يكن حال المعتمد خيرا من حال إخوانه وإن يكن هو أقواهم وأعزهم جانبا إلا أن ~~أمواله كانت جميعها منزوفة على مطالب إعتماد وقد كانت لا تنتهي، والقليل الباقي لم يكن ~~كافيا لإقامة جيش لكنه كان كافيا لأن يدفع الجزية فهو يدفعها. # وكان الأذفونش كبير ملوك الفرنجة في ذلك الحين هو الذي يتقاضى الجزية من المعتمد ومن ثم ~~كان على صلة وثيقة بابن عمار وقد كان الأذفونش معجبا به كل الإعجاب، حتى لقد أطلق عليه ~~اسم «رجل الجزيرة» فكان كلما مر اسم ابن عمار في حديث يسمعه ms32 الأذفونش قال عنه «هو ~~رجل الجزيرة غير منازع.» وقد علم ابن عمار بما يقوله عنه ملك الفرنج فارتاحت نفسه إليه، ~~وكان يخرج إليه بالجزية فعرف عاداته وعرف ما يحب وما يكره وعرف هواياته فما غفل ~~شيئا مما يحيط به. # ولكن هذا الإعجاب الضخم الذي يكنه الأذفونش لابن عمار لم يمنعه يوما أن يأخذ الجزية ~~كاملة بل إنه زاد على ذلك. # أحس الأذفونش أن مملكة المعتمد في حال ضعف شديد وكان هو قد تكاثر المال لديه فانتوى في ~~نفسه أمرا ولم يسكت عند النية. # وبينما كان المعتمد في إشبيلية على حاله لا يفيق من حب إعتماد إلا ليجلس إلى ابن عمار، ~~وبينما كانت الدولة جميعها مشغولة لإعتماد تنفذ مطالبها وتحقق رغباتها كان الأذفونش ~~يقوم بعمل أكثر قيمة وأجل منفعة. # وفي يوم نظرت إعتماد من شرفتها فرأت فتيات يملأن الجرار فحدقت مليا ثم همت ~~بزوجها تريد أن تراه في سريع حاسم من الأمر ويسارع الخدم ومن خلفهم الجواري يسألون عن ~~الملك، وكان المعتمد جالسا إلى حفنة من وزرائه يبحث معهم في حاجة الدولة إلى المال ولكن ~~هذا لم يقف بالخدم أن يقتحموا المجلس ويطلبوا إليه أن يسارع إلى إعتماد فيسارع وإذا هي ~~تطلب إليه أن يجعل لها ما تملأ منه الجرار فقد اشتهت أن تفعل مثلما يفعل أولئك النسوة، ~~وينشئ المعتمد معجنة من المسك ومن ماء الورد تكلف الدولة ما كانت ستبذله لتقوية الجيش ~~فلا يبقى بالخزانة إلا القليل. # كان هذا في أندلس الإسلام حين كان الأذفونش يبذل من المال فوق ما تحتمل موارده جميعا ~~ليقيم شيئا آخر غير معجنة المسك، وليرضي غايات أخرى غير نفس امرأة. # وفي يوم بينما المعتمد جالس إلى النافذة يرنو إلى إعتماد ترفع ذيل الثوب عن أرجل ناعمات ~~غائصات في المسك وماء الورد، وبينما المعتمد منتش بما يرى يستخفه الفرح ويصفق ~~قلبه بين ضلوعه كأنه طائر يحوم حول من يحب، وبينما السرور يشيع في أجواء المعتمد إذا ~~بوزير من وزرائه يدخل فلا يحتشم من مقاصير الحريم شيئا ms33 وإنما هو يقصد إلى المعتمد لا ~~يريم وإذا هو يصيح به: أدركنا يا مولاي. # فينتفض المعتمد فما كان بيده حينئذ أن يدرك أحدا وما كان يتوقع أن يتجاوز رجل مهما ~~يكن وزيرا أعتاب إعتماد. انتفض المعتمد من الدهشة ومن الغضب وإذا هو يقول للوزير بصوت ~~يخنقه كل ما يثور بنفسه من اضطراب: ماذا أبا القاسم؟ ماذا بك؟ # فيجيب الوزير هالعا ملتاعا: لقد هاجمنا الأذفونش بجيش أوله هنا وآخره لم يظهر حتى ~~الآن. ~~- وأين هو؟ ~~- في ظاهر المدينة. ~~- ومتى رأيته؟ ~~- لقد رآه من رآه في باكر الصباح وما زال يتقاطر حتى الآن. ~~- ويحك وماذا نفعل؟ ~~- أمرك يا مولاي. ~~- علي بابن عمار. # وما أسرع ما يجيء ابن عمار وما أروع ما يرى من ملك مضطرب ووزير هالع فإذا هو يشرق ~~بينهم كالأمن يشيع في النفس وإذا هو هادئ أهدأ ما يكون المرء وكأن ما يلقى إليه ~~بشريات لا أثر فيها للحرب فالقتل فالخراب والدمار ودولة تهوي وعرش يزول، كأن شيئا ~~من هذا لم يلق إلى ابن عمار فهو يتكلم في هدوء وهو يهدئ الروع الثائر ولكنه يقول ~~عجبا، يقول ابن عمار: مولاي، إني مخلص الأندلس والإسلام من كل ما تخشاه، كل ما ~~أرجوه منك أن تفعله هو شطرنج. # فيذهل المعتمد ويسأله وكأنه لم يسمعه: ماذا؟ ~~- شطرنج. ~~- أتقصد الشطرنج الذي يلعب به؟ ~~- نعم أقصد الشطرنج الذي يلعب به. ~~- أتهذي؟! ~~- بل أجد. ~~- وماذا أنت فاعل به؟ ~~- هذا سري يا مولاي، فأبقه علي أبقاك الله. ~~- وكيف تريده أن يكون؟ ~~- أريده أفخم ما يكون الشطرنج، أريده من خالص الذهب ومن خالص الفضة وأريد أمهر ~~الصناع أن يتركوا أعمالهم جميعا فلا يفعلوا شيئا إلا أن يتقنوا صناعة هذا ~~الشطرنج. ~~- يسير مطلبك يا ابن عمار، يسير مطلبك. # ويأمر المعتمد فيمتثل الصناع أمره ويفرغون للشطرنج حتى يفرغوا منه، ويخرج ابن عمار ~~إلى خيام الأذفونش فيلتقي بقادته والمقربين إليه ويتكلم معهم حديثا جاريا لا يقصد ~~ظاهره إلى هدف ولا يهدف في لفظه إلى غاية، يتكلم ابن عمار فإذا حديث الشطرنج ms34 وصفاته وإتقان ~~صناعه حديث شائع بين خيام الأذفونش، وإذا القوم لا يتكلمون فيما بينهم إلا عن الشطرنج ~~حتى يرتقي حديثهم إلى الأذفونش، وإذا الأذفونش وقد أصبح كل همه أن يرى هذا الشطرنج فهو ~~يستدعي ابن عمار ويسأله: أصحيح ما يقال عن الشطرنج يا رجل الجزيرة؟ ~~- وما الذي يقال يا مولاي؟ ~~- يقولون إن الصناع قد أبدعوه إبداعا فهو ما لم ير الأوائل ولا الأواخر. ~~- ليس السماع كالعيان يا مولاي. ~~- فمتى أراه؟ ~~- متى تحب. ~~- فهاته الآن. ~~- أحضره الآن. # ويقوم ابن عمار إلى الشطرنج فما هي إلا بعض ساعة حتى يكون الشطرنج بين يدي الأذفونش ~~يقلبه بين يديه عاجبا معجبا مادحا كل قطعة فيه، ويرى ابن عمار إعجابه فيسكت ~~ولكن الملك لا يطيق السكوت. ~~- كيف السبيل إلى مثله يا رجل الجزيرة؟ ~~- ليس إلى مثله من سبيل يا مولاي. ~~- وكيف؟ إنني أبذل لنيله ما تشاء من المال. ~~- إن المال لا يعوق يا مولاي، غير أن الصناع الذين قاموا بصناعته قد ماتوا جميعا ولن ~~يقدر على إبداع مثله صناع اليوم. ~~- فليس من سبيل إلى مثله. ~~- إلى مثله لا سبيل، أما إليه، فلعل هناك سبيلا. ~~- وما هو؟ ~~- أراهنك عليه. ~~- علام؟ ~~- ألاعبك به فإن غلبتني فهو لك وإن كانت الغلبة لي فإن لي عندك مطلبا. ~~- وما مطلبك؟ ~~- لا أقوله حتى تكون الغلبة لي. ~~- ولكنك تعلم أن أحدا لا يتقن لعب الشطرنج مثلما أتقن. ~~- وأعلم ذاك. ~~- ولكنك لا تبين عن مطلبك. ~~- حتى يتم النصر لي. ~~- لا أظنني أرضى بهذا فأنا لا أعرف مدى قدرتك في اللعب وأنا لا أعرف مطلبك وأخشى أن ~~يكون عسيرا. ~~- ولكنك يا مولاي تتقن اللعب إتقانا فما خشيتك؟ ~~- إن الذي عند الملك كثير فأخشى أن يكون مطلبك كثيرا. ~~- أمرك إذن يا مولاي. ~~- أنظرني إلى الغد. # وخرج ابن عمار من عند الملك واجتمع بقواده المقربين إليه كل على حدة وأغراهم ~~أن يطمعوا الملك باللعب وألقم من يمد يده ذهبا وأفهم من لا يمدها أن الملك لا ~~يجمل به أن يتراجع وهو اللاعب الحاذق، وانتقل الإغراء ms35 إلى الملك، ألقاه إليه أصحابه ~~مظهرين له أنهم ينصحونه وأنهم يخشون أن يتسامع الناس بتقهقره. # ويطلع الصباح فإذا الملك قد انتصح بنصح قواده، وإذا هو يرسل من يدعو ابن عمار ~~فيجيء فيخبره الملك أنه قبل الرهان. # ويبدأ اللعب وقواد الأذفونش شهود فما يلبث ابن عمار أن يتغلب على الأذفونش غلبة ~~واضحة لا سبيل إلى نكرانها، فيعترف الأذفونش بها ويغتصب ابتسامة يلصقها بفمه ويسأل ~~ابن عمار: فما مطلبك يا رجل الجزيرة؟ ~~- لا شيء إلا أن يتفضل مولاي فيأخذ جيوشه ويعود بها من حيث أقبل. # يسمع الأذفونش هذا الحديث فتصبح ابتسامته تشنجا مرتعشا ويصيح بابن عمار: ويحك ~~أجاد فيما تقول؟! ~~- ليس لي مطلب آخر يا مولاي. # فيعلم الأذفونش أن الوزير قد أحاط به فيلتفت إلى قواده ثائرا بهم: أرأيتم ما نصحتم به؟ ~~أرأيتم ما أوقعنا فيه الرجل؟ ولكن لا، لا يمكن أن يصبح الهذر جدا. # فيجيب ابن عمار: إن هذر الملوك جد يا مولاي. # فيعود الملك إلى وزرائه يكاد يقتلهم من شدة غيظه فيتركه ابن عمار ثائرا هائجا ويخرج، ~~ولكنه لا يترك الخيام قبل أن ينتظر القواد مرة أخرى فيلقمهم مالا أو يلقنهم أن ~~كلام الملوك لا يمكن أن يتراجع فإنه كلام الملوك. # ويترك القواد ملكهم ليلتهم هذه ثم يصبحون إليه فيقولون له إنه وعد ووعد ~~الملك تنفيذ ولا بد أن يقوم بما طلبه إليه ابن عمار إبقاء للرهان، فما يصبح اليوم ~~التالي حتى يكون الأذفونش قد دعا ابن عمار فيذهب إليه فيقول الأذفونش: لقد أوقعتني يا ابن ~~عمار ولن أنساها لك. ~~- أسيئة تحتسبها لي يا مولاي أم حسنة؟ ~~- ويحك أتريدني أن أعتدها لك حسنة. ~~- وما لك لا تفعل يا مولاي ألم أخدم بها ملكي وبلادي؟ ~~- ويحك قد يعتدها غيري حسنة لك يا ابن عمار أما أنا فلا، لا يا ابن عمار. ~~- بل سوف تفعل يا مولاي حين يهدأ ثائرك. ~~- والآن. ~~- والآن يا مولاي. ~~- لا أترك بلادكم حتى أنال الجزية مضاعفة هذا العام. ~~- أمرك يا مولاي. # وينصرف ابن عمار ليعود إلى الأذفونش ms36 بالجزية مضاعفة فيأخذها الملك مزمجرا ، ولكن ~~ابن عمار يتقدم إليه بشيء كان قد لفه فهو لا يظهر ويسأله الأذفونش: وما هذا؟ ~~- فليزل مولاي عنه لفافته. # ويفعل الملك فيجد الشطرنج فيقول ابن عمار: هدية خالصة متواضعة من ابن عمار. # فيسر الملك من هذه اللفتة ويكاد ابن عمار أن يعود إلى سابق مكانته في نفس الأذفونش، ~~ويعود الأذفونش إلى بلاده ويعود المعتمد إلى نافذته يرنو منها إلى إعتماد وذيل ثوبها قد ~~رفع وقدماها قد غاصتا في المسك وماء الورد، إلا أنه في هذه المرة لم يكن وحده بل كان ~~ابن عمار إلى جواره يرنو هو أيضا إلى جواريه يغصن بأقدامهن مع الملكة في المسك وماء ~~الورد. # | صفقة، أهي رابحة؟! # أحس ابن عمار بعد أن خلص البلاد من خطر الغزو أنه أصبح دعامة هذه البلاد وأحس ~~أنه داهية في السياسة يتلاعب بالملوك ويرد بدهائه الجيوش عظيمة ما عظمت تلك الجيوش، ~~ثم أحس بعد فترة من الوقت أن ذكاءه لا بد أن يجد شيئا ينشغل به فما تعود أن يراح ~~إلى هدوء، وما كانت النساء مأربا لحياته وهو لم يصطنع الخمر والجلسات المازحة إلا إرضاء ~~للمعتمد. ووافت ابن عمار أنباء عن مرسية المجاورة لإشبيلية والمستقلة عنها في الحكم، وكان ~~مؤدى هذه الأنباء أن مرسية تفتقر إلى الجيش، وأن حاكمها على غناه لا يملك خيلا ولا ~~رجلا. وكان ملك مرسية في ذلك الحين هو «أبو عبد الرحمن ابن طاهر» ينتمي إلى أصل عربي ~~ويملك أموالا ضخمة لم تلهه عن ثقافة واسعة فكان حصيف الرأي قويم الفكرة، وكان أيضا ~~ضعيف الجيش منكسر الشوكة. # وكان يقيم بجوار مرسية «كونت» يدعى «الكونت دي برشلونة ريمون بيرنجيه» وكان ذا قوة وأيد ~~وكان صديقا لابن عمار. وهكذا تهيأ لابن عمار أن يدعي أنه ذاهب لزيارة هذا الكونت وكان ~~لا بد له أن يمر بمرسية في طريقه إلى الكونت، فلم يكن غريبا إذن أن يظهر ابن عمار في ~~مرسية، وأن يكن رأى فيها بعض من يريدون خيانتها وأن يكن قد رشاهم ms37 فقبلوا الرشوة، إلا أن ~~هذا لم يكن إلا تحت ستار كثيف من الكتمان لم تخترقه أعين «أبي عبد الرحمن بن ~~طاهر». # وقصد ابن عمار إلى الكونت وأجرى الحديث فجرى إلى حيث يريد، فإذا الكونت يتحدث عن مرسية ~~وعن ضعفها وإذا ابن عمار يظهر في الحديث إغضاء يكاد في ظاهره أن يصل إلى الملالة، ثم لا ~~يلبث أن يميل إلى الحديث رويدا ثم هو يشارك فيه ويشجع عليه، فينطلق الكونت وينطلق ~~ابن عمار حتى إذا رأى منفذا إلى غايته نفذ فعرض على الأمير أمرا. ~~- ما دمت يا مولاي ترى هذا الأمر فما حبسك عن أن تعتسف هذه المملكة وإنها لثمرة ما ~~تحتاج منك لغير أصبع تمدها. ~~- ومن أين لي المال يا ابن عمار؟ ~~- أيمنعك المال أيها الأمير؟ ~~- والله يا ابن عمار إن شئت الحق فإن المال وحده لم يكن ليمنعني ولكنني أخشى أن أثير ~~في الدولة الإسلامية الأخرى حفيظة لا أريدها أن تثور. ~~- لقد أصبت فاصلا من الأمر، ولكن ماذا تراك تقول لو أن دولة عربية إسلامية هاجمت ~~مرسية فاحتلتها وتصيب أنت ربحا وأنت في مكانك لا تريم؟ ~~- أكاد أفهم ما تريد. ~~- بل إنك لتفهمه. ~~- فزده إيضاحا. ~~- أجيئك بالمال وتمدني بالجيش. ~~- أليس الجيش دماء تراق فعائلة يتبدد شملها، فزوجا أيما، وابنا يتيما، وأما ~~ثكلى؟ ~~- ولكنه المال ... والحاكم - بعد - ينظر للمصلحة العليا فشأنه الملك، وما شأنه زوجا ولا ~~طفلا ولا أما. ~~- وهل الملك يا ابن عمار إلا هذه الزوجة وذلك الطفل وتلك الأم؟ ~~- ولكنك تريد مالا. ~~- وأريد رجالا. ~~- الرجال كثير ولكن المال، المال. ~~- كم تدفع؟ ~~- كم تقبل؟ ~~- عشرة آلاف مثقال ذهبا. ~~- فإن كانت خمسة؟ ~~- عشرة. ~~- قبلت. ~~- ومن يضمن لي أنك سترسل المبلغ؟ ~~- ومن يضمن لي أنك سترسل الجيش؟ # وحينئذ اقتحم الغرفة ابن أخي الكونت فكأنما وجد الكونت طلبته فهو يلتفت إلى ولد أخيه، ~~ويطلب إليه أن ينتظر ريثما ينتهي حديث ويخرج الفتى ثم يلتفت إلى ابن عمار قائلا: ~~ابن أخي. ~~- مرحبا به. ~~- ألا تسأل من يضمن لك إرسال الجيش؟ ~~- أجل. ~~- وأنا أقول ms38 ابن أخي. ~~- ما له؟ ~~- يضمن لك. ~~- وكيف؟ ~~- تأخذه رهينة. ~~- وماذا تريد مني رهينة؟ ~~- أريد ابن المعتمد. # وأخذ ابن عمار بهذا المطلب ولكن تردده لم يطل فقد كانت القيمة المتفق عليها حاضرة عند ~~المعتمد، ثم ما له لا يتصرف في أولاد المعتمد وقد تصرف في المعتمد نفسه وما البأس الذي ~~يخشاه؟ لا بأس عليه إذن ولكنه عاد يسأل: وكيف يجيء إليك؟ إن أباه لن يرضى كما تعلم، وأنا ~~لن أخبره أن ابنه سيصبح رهينة لديك. ~~- ألن ترسل المال في موعده؟ ~~- بلى. ~~- إذن فأخبر المعتمد أن ابنه سيتولى قيادة الجيش حتى يمرن على الحرب والقتال. ~~- لقد قبلت. ~~- وقد قبلت. # وخرج ابن عمار من عند الكونت وهو يعتقد أنه غلبه على أمره والكونت يعتقد أنه غلب ~~ابن عمار على أمره، وشاع في نفسيهما الفرح بصفقة يعتقد كلاهما أنها الرابحة. # | مع الملك # عاد ابن عمار إلى الملك يقص عليه ما قام به في رحلته تلك من أعمال والمعتمد يستمع ~~وكله إعجاب بوزيره العظيم، وكيف لا وابن عمار لا يقص غير ما يرضي المعتمد؟ فهو لا ~~يروي له عن الرهينة التي ستكون ولده، وهو لا يقص له غير أن عشرة الآلاف مثقالا ذهبا ~~سوف يقدمها لريمون لينال بها ملكا جديدا، وفتحا مبينا، ونصرا مؤزرا ومجدا ~~سامقا. # سر المعتمد بهذا الاتفاق وعاهد ابن عمار أن يجهز الجيش، وعاهده كذلك أن يؤدي ~~المال إلى ريمون في الموعد المضروب. ولقد دهش المعتمد بعض الوقت حين وجد ابن عمار ~~يحذره أن يتأخر في أداء هذا المال، دهش أن وجده يحذره من تأخير يوم واحد فما كان ~~ليدري سببا لذلك ومن أين له أن يدري؟! # وحين حاول الشك أن يسري إلى نفس المعتمد مال إلى ابن عمار يسأله عما يضمن له أن ~~«ريمون» سيوفي بوعده فأطلق ابن عمار بسمة ساخرة وقال للمعتمد: مولاي أتعتقد أن ابن عمار ~~يفوته مثل هذا الأمر؟ ~~- حسبتك فعلت. ~~- بل لا يا مولاي؛ ولهذا ... ~~- ولهذا؟ ~~- أحضرت معي ابن شقيق ريمون رهينة عندي. ~~- بوركت ابن عمار، بوركت. ms39 # وسد سبيل الشك في نفس المعتمد وأصبح واثقا أن الأمر سيدين له. # تلفت الملك حواليه يبحث عن قائد للجيش وما كان بحاجة لهذا التلفت فهو يعلم أين هو ~~ولكنه أغضى، نعم هو يعلم أن ابن عمار خير من يقود الجيش ولكن كيف له أن يصبر عن بعده مدة ~~أطول من تلك التي قضاها في السفر؟! ولكن ابن عمار يحتال وما أيسر ما يحتال ابن عمار على ~~المعتمد ويتولى قيادة الجيش. # تهيأ ابن عمار للخروج من إشبيلية وأوصى المعتمد أن يرسل المال بمجرد وصول رسول منه ~~يخبره أن ريمون أوفى بوعده وأن الجيوش من قبل ريمون قد اتحدت مع جيش المعتمد. ولم ينس ~~ابن عمار أن يحتال مرة أخرى فينال إذنا من المعتمد بأن يصحب «الراشد» ولده ليمرن ~~على الحرب وقيادة الجيوش، وما كان المعتمد ليمنع ابنه عن ابن عمار فما تعود أن يمنع عن ~~ابن عمار شيئا حتى وإن كان ابنه. # واتفق المعتمد مع ابن عمار أن يلاقيه في مرسية وضربا لذلك موعدا، وقال المعتمد لابن ~~عمار إنه سيصحب ابن شقيق ريمون معه إلى مرسية ليسلمه من ثم إلى عمه. # خرج الجيش إذن وقائده الراشد بن المعتمد شكلا وأميره في الواقع هو ابن عمار، وكان ابن ~~عمار فرحا أن وصل إلى ما قدر لنفسه أن يصل؛ فابن المعتمد معه ووعد المعتمد بأداء ~~المبلغ وعد مؤكد موثق. # وما هي إلا أيام حتى اتحد جيش ريمون وجيش المعتمد، وأرسل ابن عمار رسوله بذلك إلى ~~المعتمد، ووعد ريمون أن المبلغ سيصل فور عودة الرسول من إشبيلية. # وفي انتظار الرسول زحف الجيشان على ولاية «مرسية» ولكن أيام الزحف طالت، أو إن ريمون في ~~الواقع شاء لها أن تطول فإن المال لم يكن قد وصله بعد وهو لا يريد أن يفقد المال والرجال ~~في وقت معا. # وكان المعتمد في طريقه إلى مرسية ليلاقي ابن عمار كما اتفقا، وجاءه الرسول من ابن عمار ~~ينبئه أن الجيشين قد اتحدا وأنه لم يبق غير أن يؤدي المعتمد المال، ms40 ولكن ~~إخراج المال عسير في كل وقت، وما كان المعتمد ليعرف خطر تأخره رغم تحذير ابن عمار، فإن ~~ابن عمار لم يبن لتحذيره عن غاية. تراخى المعتمد في أداء المال، ولعله أزمع في نفسه أن ~~يؤدي هو المال بيده حين يصل إلى مرسية. # وما كانت هذه الفكرة لتصل إلى ذهن «ريمون» الذي رأى أن تأخر المال دليل على شر ~~يبيت له، ورجح لديه أن ابن عمار خدعه، وكبر عليه أن يخدع، فما أسرع ما أمر جيشه أن ~~ينسلخ عن جيش المعتمد، وحين حاول ابن عمار أن يستمهله أمر بالقبض عليه وعلى الراشد ~~بن المعتمد معا، وحاول الجيش، جيش المعتمد أن يذود عن أميريه ولكنه ما لبث أن ~~هزم. # تم هذا جميعه والمعتمد في طريقه - ما زال - إلى مرسية يبني في نفسه الآمال الكبار عن ~~مدينة جديدة يضمها إلى ملكه سيجدها مفتحة الجوانب له ولحاشيته، ثم ما يلبث ذهنه ~~أن يأخذ به إلى ابن عمار فيشكره في نفسه أن مهد له هذا الفتح المبين، وما أكثر ما ~~يشكر المعتمد ابن عمار في نفسه. # وأراد المعتمد أن يطيل الأمد لهذه الفرحة التي تغمر نفسه وهو في طريقه إلى مدينته ~~الجديدة فهو يبطئ في السير، فما يرى خميلة إلا وقف لديها وما يرى واديا إلا بات فيه ~~ليلة أو أكثر، وما زال كذلك حتى بلغ ضفاف «الوادي اليانع»، وكان وصوله في موعد ~~فيضان النهر فأقام لديه حتى ينحسر الفيضان فيعبر النهر. # ولكنه لم يكد يضرب الخيام حتى شق الماء إليه بقية جيشه الهزيم يصحبهما فارسان من ~~فرسان ريمون ألقيا إليه النبأ جميعه فانشطر فؤاده حزنا على ولده الواقع في أسر، وحاول ~~أن يخفف من بعض حزنه فوضع ابن أخي ريمون في الحديد، ولكن هيهات ما كانت نفسه لتهدأ بمثل ~~هذا. # حينذاك فقط عرف المعتمد لماذا أوصاه ابن عمار أن يؤدي المال في الموعد وعرف لماذا ~~اصطحب ابن عمار ولده، عرف كل شيء ولكن لات حين ... فما يغنيه اليوم أسفه وما يغنيه ~~اليوم غضبه ms41 على ابن عمار. # يعود المعتمد إلى إشبيلية وتصيبه وجمة تظل رانية عليه عشرة أيام لا يدري من أمر نفسه ~~أمرا، ولكن ابن عمار الذي ألف الصعاب وعركها كان سريع البديهة حاضر الذهن فما أسرع ما ~~يلجأ إلى أحد أمراء الأندلس من أصدقائه ويرسل إليه أنه لائذ به فيتشفع هذا الأمير لدى ~~ريمون، فيفك إسار ابن عمار ويبقي على الراشد بن المعتمد حتى يضمن وصول المال. # ويقصد ابن عمار إلى المعتمد يكاد أن يلوي به الخوف ولكنه لا يضعف إليه بل يقصد إلى ~~إشبيلية، وحين يصل إلى أبواب القصر يعاود قلبه طائف خوف أن يكون المعتمد شديد الغضب ~~عليه فيترك القصر إلى بيته، ومن هناك يرسل إلى المعتمد قصيدته الضخمة: # أأسلك قصدا أم أعوج عن الركب؟ # فقد صرت من أمري على مركب صعب # وأصبحت لا أدري أفي البعد راحتي # فأجعله حظي أم الحظ في القرب؟ # إذا انقدت في أمري مشيت مع الهوى # وإن أتعقبه نكصت على عقبي # 1 # على أنني أدري بأنك مؤثر ~~- على كل حال - ما يزحزح من كربي # أهابك للحق الذي لك في دمي # وأرجوك للحب الذي لك في قلبي # أيظلم في وجهي لذا قمر الدجى؟ # وتنبو بكفي صفحة الصارم العضب؟ # حنانيك فيمن أنت شاهد نصحه # وليس له غير انتصاحك من حسب # وما جئت شيئا فيه بغي لطالب # يضاف به رأي إلى العجز والعجب # سوى أنني أسلمتني لملمة # فللت بها حدي وكسرت من غربي # وما أغرب الأيام فيما قضت به # تريني بعدي عنك آنس من قربي # أما إنه لولا عوارفك التي # جرت جريان الماء في الغصن الرطب # لما سمت نفسي ما أسوم من الأذى # ولا قلت إن الذنب فيما جرى ذنبي # سأستمنح الرحمى لديك ضراعة # وأسأل سقيا من تجاوزك العذب # فإن نفحتني من سمائك حرجف # سأهتف يا برد النسيم على قلبي # وهكذا أنشأ ابن عمار قصيدته تتسابق فيها السياسة مع الشعر فلا تدري لأيهما السبق؛ ~~فهو يمهد بالاعتذار والتودد والتخوف، وهو يذكر بالحب والصداقة، وهو يوحي إلى ~~المعتمد أنه ms42 صافح مؤثر ما يزحزح كرب ابن عمار، ثم هو في لباقة معجزة يحمل ~~المعتمد العبء فيما وقع بل هو يزيد فيعتب عتبا رقيقا فيذكره أنه أسلمه لملمة ~~فلت سيفه وحطمت سلاحه، ولا ينسى ابن عمار أن يقول إنه لم يأت وزرا وإنه ما فعل إلا ~~ما يظنه الخير وإنه ما جاء شيئا فيه بغي ولا ظلم، وبعد هذا الدوران السياسي البارع يعود ~~فيستمنح الرحمى ويسأل السقيا من الصفح الجميل والمعتمد - قبل - شاعر يصل القصيد ~~إلى قلبه أسرع ما يصل ويفهم الخافي منه على أوضح فهم؛ فهو يحس ما في قصيدة ~~ابن عمار من خشية واعتذار وتذكير بصداقة، ويحس أيضا ما فيها من توجيه اللوم المهذب ~~مشفوعا بالعتاب، ثم يمس قلبه بعد هذا طلب الصفح وتدمع عينه حين يعجب ابن عمار من ~~الأيام فيما قضت به فأرته البعد عن المعتمد آنس من القرب إليه، فلا يملك نفسه أن يتناول ~~قرطاسا ويكتب به إلى ابن عمار: # لدي لك العتبى تراح من العتب # وسعيك عندي لا يضاف إلى ذنبي # وأعزز علينا أن تصيبك وحشة # وأنسك ما ندريه فيك من الحب # فدع عنك سوء الظن بي وتعده # إلى غيره فهو الممكن في القلب # قريضك قد أبدى توحش جانب # فراجعت تأنيسا وعلمك بي حسبي # تكلفته أبغي به لك سلوة # وكيف يعاني الشعر مشترك اللب # وهكذا جاء الصفح أروع وأجمل ما يكون الصفح، بل إنه ليزيد فيعترف بالخطأ منه حتى إذا ~~فرغ ما يجيش بنفسه نحو اعتذار ابن عمار عاد إلى حزنه المقيم، ذاكرا لابن عمار أنه لم ~~يكتب هذا الشعر على سجية مواتية، وإنما هو يتكلفه تكلفا يبتغي به سلوة لوزيره ~~وصديقه؛ فما كان لمشترك اللب الحيران القلق على ولده أن يكتب الشعر أو ~~يعانيه. # يهدأ روع ابن عمار ويقصد إلى المعتمد فيلاقيه وقد بدت عليه علائم فرح يغشيه ~~الحزن ولكن ابن عمار يسرع فيدبر الأمر والمال الذي يطلبه ريمون ويرسله إليه ليفك ~~ابن المعتمد من أسره، ولكن ريمون يطمع فلا يقبل أن يفك الأسير ms43 بالآلاف العشرة التي ~~انتهى إليها الاتفاق ، وإنما هو يزيدها إلى ثلاثة أضعاف فيطلب ثلاثين ألفا من خالص ~~الذهب. # وحين يبلغ هذا الطلب مسمع المعتمد ينشق قلبه من الغيظ والإشفاق على ابنه؛ فإن هذا ~~القدر من المال لم يكن موجودا لديه وإنما الموجود لديه هو ابن عمار رجل ~~الملمات. # ولا يطول التفكير بابن عمار بل هو يأمر فتضرب مسكوكات جديدة مزيفة ليس فيها من ~~الذهب إلا القليل النادر الذي يكفي ليجعل ريمون يظنها ذهبا وما هي من الذهب إلا في ~~اسمها. # وتجوز الحيلة على ريمون فيطلق الراشد من أسره ويعود إلى أبيه فرحا أنه كان ذا أهمية ~~غير شاعر بما كان في نفس أبيه من ألم وحسرة وخوف. ويعود ابن عمار إلى معتمده صديقين ~~أخلص ما تكون الصداقة فرحين بحيلتهما التي خالت على ريمون يوهم كل منهما الآخر أن ~~النصر كان في جانبهما؛ فهكذا النفس إن رامت أمرا كبيرا ولم تنل منه إلا القليل أو ما هو ~~أقل من القليل حاولت أن تقتنع أن ما نالته كان النصر مؤزرا، وما أكثر ما تخادع ~~نفسها النفس. # | قمة المجد # لم يكن ابن عمار ليغبى عن فهم الأمر فهو على يقين أنه قد هزم ولكن لا بد له أن ~~يظهر للمعتمد أنه انتصر حتى يهدأ طائره وتطمئن نفسه، أما ابن عمار فإنه يعلم الحق من ~~الأمر ولكنه لم ييأس إلى الهزيمة بل إنه ليصر في بعيد نفسه أن ينال مرسية، وقد خشي ~~ابن عمار أن يظهر إصراره هذا للمعتمد فيغضب فأخذ يعمل وحده مستخفيا مرسلا الرسل إلى ~~مرسية متنطسا أخبارها، وقد خشي ابن عمار أن يعرف المعتمد بما يفعله فلم يجد وسيلة ~~خيرا من الإغراق في الخمر والتظاهر بهذا الإغراق ما وسعه التظاهر حتى تناقل الناس ~~عنه ذلك وحتى بلغته قالة الناس، فإذا هو ينظم أبياتا ثلاثة يكتبها فلا يظهرها لغير ~~المعتمد حتى يثق المعتمد أن ابن عمار قد عاد إلى ما كان عليه من خمر وشعر بعيدا عن ~~السياسة وطموحها: # نقمتم علي الراح ms44 أدمن شربها # وقلتم فتى راح وليس فتى مجد # ومن ذا الذي قاد الجياد إلى الوغى # سواي، ومن أعطى كثيرا ولم يكد؟ # فديتكمو لم تفهموا السر إنما # قليتكمو جهدي فأبعدتكم جهدي # 1 # يظهر ابن عمار المعتمد على هذه الأبيات مبديا فيها كرهه للناس ولا يخشى أن يغضب عليه ~~المعتمد لأنه بإظهارها له يستثنيه من هؤلاء الذين قلاهم فأبعدهم؛ فقد كان ابن عمار يعلم أن ~~هذه الأبيات لا بد واقعة في يد المعتمد وخشي أن يظن نفسه ضمن هؤلاء الناس، فابن عمار ~~يسارع بقراءتها عليه لهذا جميعه وليفتح للمعتمد بابا يقول فيه الشعر بعد أن ثاب إليه ~~ولده فعاد إليه لبه غير مشترك فعساه إذن أن ينشغل بمعالجة الشعر عن متابعة ~~ابن عمار. # ويفرح المعتمد بعودة ابن عمار إلى الشعر والخمر ويفرح أيضا ببغضه للناس فإنه بهذا سيفرغ ~~له فيرتاح نفسا، ويهدأ خاطرا؛ فقد كان يخشى طموح ابن عمار فهو يعلم أن آماله لن تقف به ~~إلى حد ينتهي إليه، وهو يعلم أن آمال ابن عمار هذه محفوفة بالأخطار فهي تمتد إلى الفتوح ~~الجديدة وإلى الممالك بأكملها وكان لا بد لفتح الممالك من الجيوش والأموال والرجال، وكان ~~لا بد أيضا أن يتعرض ابن عمار في هذه الفتوح إلى الأخطار المحدقة وهو لا يكتفي بأن ~~يقدم نفسه بل هو يزيد فيحيط أبناء المعتمد أنفسهم بما يخشاه المعتمد عليهم. # كان المعتمد يعلم هذا جميعه وكان يعلم أيضا أنه لا يستطيع أن يرفض مطلبا لابن عمار فهو ~~يخشى أن تظل هذه الآمال تداعبه فيطلب الجيوش والأموال ويضطر المعتمد إلى أداء هذه ~~المطالب وهو كاره وإنما يؤديها حبا لابن عمار لا لشيء آخر. كان المعتمد يتمنى أن يفتح ~~الممالك وأن تنضم إلى ملكه ولكنه يريد ذلك بغير عتاد ولا مشقة فإنما لا يزهيه من هذا ~~الاتساع إلا أن يقول الشعر ويفخر بمجده ومجد وزيره. أما إذا كانت الفتوح تكلفه عنتا من ~~أمره فبحسبه المجد الذي تم له وهو غني كل الغنى عن فتوح أخرى. وهكذا فرح ms45 المعتمد أن ~~ابن عمار عاد إلى الخمر والشعر وأغضى عن آماله الواسعة. # ويحس ابن عمار بهذه المعاني التي تدور بنفس المعتمد فينكب على الشعر والخمر متحينا ~~الفرصة ليعود إلى ما كان يطمع فيه واثقا أن المعتمد لن يخذله. ويزيد ابن عمار من إظهار ~~ميله هذا للخمر ومجالس الغناء حتى إنه لا يكتفي بتلك المجالس التي يفسحها له المعتمد بل ~~هو يقبل دعوة من دعاه إلى مثلها فهو يقصد إلى بيوت خاصة أصدقائه فيشرب ويسمع ويبلغ هذا ~~المعتمد فيشتد يقينه أن ابن عمار لن يعود إلى السياسة أبدا. # وقد حدث يوما أن أرسل إليه أحد خاصته يدعوه إلى ليلة من تلك الليالي وكان هذا الصديق ~~شاعرا فكتب إلى ابن عمار يقول: # ضمان على الأيام أن أبلغ المنى # إذا كنت في ودي مسرا ومعلنا # فلو تسأل الأيام من هو مفرد # بود ابن عمار لقلت لها أنا # فإن حالت الأيام بيني وبينه # فكيف يطيب العيش أو يحسن الغنا # ووصلت الرفعة إلى ابن عمار وهو في زاوية من بيته يتسقط أنباء مرسية من عيونه بها، ~~فلم يستطع أن يترك هذا الأمر الجليل من أجل إتقان تظاهره فأغضى عن الدعوة وظل ليلته في ~~شغل عنها خطير حتى إذا طلع الصبح كتب إلى هذا الصديق يقول له: # هصرت لي الآمال طيبة الجنى # وسوغتني الأحوال مقبلة الدنا # وألبستني النعمى أغض من الندى # وأجمل من وشي الربيع وأحسنا # وكم ليلة أحظيتني بحضورها # فبت سميرا للسناء وللسنا # أعلل نفسي بالمكارم والعلا # وأذني وكفي بالغناء وبالغنى # سأقرن بالتمويل # 2 # ذكرك كلما # تعاورت الأسماء غيرك والكنى # لأوسعتني قولا وطولا كلاهما # يطوق أعناقا، ويخرس ألسنا # وشرفتني من قطعة الروض بالتي # تناثر فيها الطبع وردا وسوسنا # وهكذا وفق ابن عمار بين التظاهر بالمجون وبين العمل الجليل الذي يقوم به، ولكنه في هذه ~~الليلة كان قد سمع أنباء ضخاما وكان لا بد له أن يتهيأ للعمل بعد أن طال به الهجوع إلى ~~الخمر والغناء والرقص. # كانت الأنباء تقول إن مرسية قد حان قطافها ولكن ms46 ابن عمار لم يشأ أن ينقلب فجأة أمام ~~المعتمد من مخمور لاه إلى رجل عمل؛ فهو يتقدم إلى المعتمد ليتحدث عن ولده الأمير الراشد ~~الذي أصبح أميرا على قرطبة، ثم هو يطيل من الحديث عنه ليثير شوق المعتمد إليه حتى إذا ~~وصل إلى غايته قال للمعتمد إن الأمير أرسل يطلبه ليقضي عنده بعض ليلة يسري عنه فيها ~~فيفرح المعتمد لإخلاص ابن عمار ويسأله أن يبلغ تحياته إلى ابنه. # ويذهب ابن عمار من فوره إلى الراشد بقرطبة ويجلس إليه يروي له من شعره وشعر غيره حتى ~~إذا دارت الكأس وانتشى الراشد نظم ابن عمار أبياتا في جلسته تلك يقول: # ما ضر أن قيل إسحاق وموصله # ها أنت أنت وذي حمص وإسحاق # أنت الرشيد # 3 # فدع ما قد سمعت به # وإن تشابه أخلاق وأعراق # لله درك، داركها مشعشعة # واحضر بساقيك ما قامت بنا ساق # تمتد الجلسة إلى الصباح والجالسون لا يحسون بليل ينحسر ونهار يشرق حتى يأتي خادم ~~فيؤذن سيده أن الإصباح قد أقبل فإذا ابن عمار ينطلق ناظما موجها كلامه إلى الخادم ~~والخادم مبهوت لا يفهم شيئا مما يلقى إليه: # ليلة ضمنت معاني السرور # وأضاءت بنور وجه الأمير # وغدا الليل كالضحى بمحيا # ه وبالبشر غامرا والجور # ليلة كلها صباح وضي # أين منه نور الصباح المنير # أتقول الصباح ويحك يا أح # مق إن الصباح وجه الأمير # 4 # وهكذا مكث ابن عمار لدى الراشد يظهر أنه يسليه وهو في الواقع يستطلع أنباء مرسية ~~التي كانت قريبة إليه حتى إذا علم أن الوقت قد حان أرسل إلى المعتمد يخبره أن مرسية ثائرة ~~على حاكمها «ابن طاهر» وأن زعماءها قد كتبوا إليه يريدون جيشا من المعتمد يفتحها، ويلح ~~ابن عمار في خطابه ولا يفوته أن يذكر أن ليس ثمة رهينة ولا اتفاق فليس ثمة خشية، ~~ومرة أخرى يصدق المعتمد أقوال ابن عمار فيرسل الجيش على أتم أهبة ويتولى ابن عمار ~~قيادة الجيش ويأخذ سبيله إلى أقرب حصن وهو حصن «بلج» وكان زعيم الحصن رجلا يدعى ms47 «ابن ~~رشيق» ما إن يسمع بقدوم ابن عمار حتى يخرج إليه ليستقبله ويدعوه للنزول في قصره فيقبل ~~ابن عمار الدعوة ويفسح له الضيف مكانا رحيبا ويسكب عليه من الحفاوة والتكريم ما لم يكن ~~ابن عمار ينتظره. وامتحن ابن عمار «ابن رشيق» فعرف أنه يستطيع أن يثق به فحادثه في ~~أمر «مرسية» وطريق فتحها فإذا ابن رشيق على أتم معرفة بحالة مرسية وبالوسيلة التي ~~تصل بهما إلى الفتح. وهكذا وجد ابن عمار عونا من حيث لا يحتسب وما هي إلا بعض الساعة حتى ~~كانت حامية حصن بلج تحت قيادة ابن رشيق قد مشت مع جيش ابن عمار في طريقهما إلى ~~مرسية. # كانت بلدة «مولا» هي طريق المؤن إلى مرسية وليس غيرها من طريق فحاصرها ابن عمار وابن ~~رشيق حتى وقعت في أيديهما فأصبحت مرسية في حال من الضنك شديد. وفرح ابن عمار بفتحه ~~هذا ولم يطق صبرا، فترك ثلة قليلة من فرسانه في مولا وسارع إلى المعتمد ~~ليزف إليه البشرى، وليمحو أثر الهزيمة الأولى، وليتقبل من مولاه التهنئات، و... ~~ولشيء آخر يرجو مولاه أن يحققه له، أنه يريد أن يكون حاكما على مرسية إن هي وقعت له، ~~وما كان المعتمد ليمنع عنه مرسية أو غيرها فهي له. # وتلقى ابن عمار أنباء من عونه ابن رشيق يقول فيها إن وجوه مرسية من ذوي السطوة ~~والسلطان قد خرجوا إليه يسألونه أن يأذن لهم أن يعاونوه في فتح مرسية، وطلبوا إزاء ذلك ~~بعض المال والهدايا. ولا ينتظر ابن عمار حتى يستأذن المعتمد بل هو يرسل إلى ابن رشيق أن ~~اقبل ما يعرضون، ثم هو يلتفت إلى من معه فيقول «إن هو إلا يوم أو بعض يوم حتى توافينا ~~الأنباء بفتح مرسية.» # وما هو إلا يوم أو بعض يوم حتى فتحت مرسية أبوابها بأيدي الخونة الذين ما لبثوا أن ~~مدوا أيديهم هذه ليتلقوا بها الهدايا والأموال. # وما هو إلا يوم أو بعض يوم حتى كان ابن عمار في مرسية ومعه الكثير العديد من الهدايا ~~الفخمة ms48 الجميلة فإن أملا ضخما في حياته قد تحقق، وما أهون ما يبذله في سبيله وإن ~~غلا! # لم يكن ابن عمار قد تهيأ لدخول مرسية بموكب فخم فكان دخوله لها على غير انتظار من ~~أهلها ولكنه في صباح وصوله أعد لنفسه استقبال الملوك الغزاة الفاتحين، بل إنه لبس ~~مثل ما يلبس الملوك فوضع على رأسه تاجا كتاج المعتمد الذي يتخذه حين يجلس إلى ~~استقبال. # وكان «ابن طاهر» حاكم مرسية المعزول قد استكان إلى كسرة من بيته يبكي ملكه الضائع، ~~وأراد ابن عمار أن يبدو لأهل مرسية كريم النفس عف الخصومة فأرسل إلى «ابن طاهر» بضع ~~حلل فاخرة ليختار منها ما يريد هدية خالصة من ابن عمار، ولكن «ابن طاهر» أبى أن يجود ~~عليه ابن عمار الذي يعرفه ويعرف خرجه وحماره وأخلاق ثيابه. ولم يرد «ابن طاهر» أن ~~يرد الثياب دون أن يخز ابن عمار وخزة تريح بعض ما في نفسه فإذا هو يقول لمن يحمل ~~إليه الحلل: «ارجع إلى مولاك ابن عمار فقل له إن ابن طاهر لا يريد من الثياب غير جبة ~~طويلة خلقة من خشن الصوف الناحل، وغير قلنسوة قذرة، فإن سألك مولاك عنهما فقل له ~~إنك أنت أعلم الناس بهما.» # وعاد الرسول يحمل الحلل والرسالة، وأحس ابن عمار وخزة الحديث ولكنه لم يرد أن ~~يفسد فرحه بمثل هذه القالة فكتمها في نفسه وقد أزمع ردها حين يفرغ إلى ~~ابن طاهر، ثم التفت إلى أفراحه القائمة، لقد أصبح ملكا؛ فإن مرسية لم تكن مدينة فحسب ~~كبلدته «شلب» ولكنها كانت مملكة تتبعها مدن وولايات. # إنها القمة ابن عمار، فانظر إلى قدميك واحذر، احذر؛ فما وراء القمة غير ~~الهاوية. # | بين مرسية وإشبيلية # أقام ابن عمار بمرسية حاكما مطلق اليد يأمر فأمره تنفيذ، ويشير فإشارته أمر فأصبح ~~بعد أن لبس التاج واستبد بالسلطان لا يحس بالمعتمد في شيء، فأخذ يصدر الأوامر ~~ويمهرها بخاتمه هو لا بخاتم المعتمد، وأمر فأنشئ جامع وأطلق عليه اسم نفسه دون ~~المعتمد وتبلغ هذه الأنباء آذان المعتمد فيقول ms49 قول كثير: # هنيئا مريئا غير داء مخامر # لعزة من أعراضنا ما استحلت # ولكن ابن عمار لا يرعوي، ولا يلتوي به فضل من المعتمد يطوق عنقه، وكان ابن عمار في ~~ذروة مجده حين نما إليه أن فئة ممن لا يزالون على ولائهم لابن طاهر يدبرون أمرا فيما ~~بينهم، وأنهم حادثوا ابن طاهر أن يتزعمهم؛ وحينئذ تذكر ابن عمار ما كان قد نسيه من ~~أمر ابن طاهر، وتذكر أنه اغتمزه فذكره بملبسه فأمر ابن عمار بابن طاهر فسجن ~~بقلعة يطلق عليها قلعة «منتاجو». # وكان لابن طاهر صديق اسمه «ابن عبد العزيز» وكان حاكما على بلنسية (القريبة من مرسية)، ~~فأرسل هذا الصديق إلى ابن عمار يرجوه أن يطلق ابن طاهر ولكن ابن عمار أبى واستكبر فقد ~~خشي أن يخرج ابن طاهر من سجنه فيؤلب عليه الأعداء، فلما يئس ابن عبد العزيز من ~~ابن عمار أرسل يستنجد بالمعتمد في إشبيلية وألح عليه حتى أرسل المعتمد إلى ابن عمار ~~يأمره بإطلاق أسيره، ولكن ابن عمار لم يلتف أمر المعتمد كما لم يلتف إلى رجاء ~~ابن عبد العزيز وأبقى على ابن طاهر في سجنه. # واغتاظ المعتمد من ذلك، وكان الذين حوله في القصر قد أوغرت صدورهم على ابن عمار، ~~فاهتبلوا فرصة غضب المعتمد، وأخذوا يكيلون التهم لابن عمار يتزعمهم في ذلك أبو الوليد ابن ~~زيدون ابن شاعر الأندلس الأشهر ابن زيدون، وكان آنذاك ذا نفوذ في قصر المعتمد يلي نفوذ ابن ~~عمار، وقد أحب ألا يلي هو أحدا فينفرد وحده بجاه الملك وجبروته، فحق له إذن أن يقدح في ابن ~~عمار ويتسقط مظاهر خروجه على المعتمد ويرويها له، مضيفا إليها ما يزيدها بشاعة حتى فاضت ~~الكأس بالمعتمد، لكنه أراد أن يجرب تجربة أخيرة قبل أن يقطع صداقة حياته، فأراد أن ~~يرسل إلى ابن عمار رسولا آخر يأمره أن يطلق سراح ابن طاهر، ولكن الأخبار وافته أن ~~ابن طاهر قد تمكن أن يهرب من قلعة منتاجو، وأنه قصد إلى ابن عبد العزيز ونزل بقصره ضيفا ~~كريما، وكانت ms50 هذه الأخبار حقا كلها، ونزلت على المعتمد بردا وسلاما فقد كفته مئونة ~~التجربة واستراح وأوهم نفسه أن ابن عمار قبل أن تدبر هذه المؤامرة تحت عينيه ~~فهرب الأسير بدلا من أن يطلق فيحفظ بها على نفسه كرامتها أمام من يحكمهم ويطيع في ~~الوقت ذاته أمر المعتمد إليه. # هكذا اعتقدت نفس المعتمد الصافية، ولكن الحقيقة أن هروب ابن طاهر والتجاءه إلى ابن عبد ~~العزيز نزل على ابن عمار نزول الصاعقة، فأصبح كالمجنون يبحث عن وسيلة ينتقم بها من ابن طاهر ~~وابن عبد العزيز معا، حتى إذا ضاقت لجأ إلى سلاحه القديم الذي أوصله إلى ما هو عليه الآن، ~~وأخذ يكتب القصائد الطوال في هجاء ابن عبد العزيز ولم يكن ابن عمار كريما في هجائه، بل كان ~~ثائرا لا يدري ماذا يقول، فكتب يهجو زوجة ابن عبد العزيز ويحرض أهل بلنسية أن يثوروا ~~بصاحبهم. # وبلغت هذه القصائد مسامع المعتمد فعرف أن حسن ظنه بابن عمار كان أوهاما، واغتاظ أن ~~يكتب ابن عمار هذه الأبيات فيشهر للملأ أنه كان يعارض المعتمد في إطلاق ابن طاهر، وغاظه ~~أن يتهجم ابن عمار وهو من هو على أقدار أمثال المعتمد من الملوك الكابرين. اغتاظ المعتمد ~~وأراد أن يحارب ابن عمار بذات سلاحه فأمسك بقلم وأخذ ينظم، ماذا ينظم؟! لقد أخذ ~~المعتمد بعد صداقة خمسة وعشرين عاما لابن عمار ينظم قصيدة في هجاء ابن عمار. # وبلغت القصيدة ابن عمار وكان في أوج مجده وكان الذين حوله يوهمونه أنه الفرد ~~العلم فتمكنت نشوة المديح من رأسه وأنسته ماضيه وعقله وكياسته وأنسته كل ما ~~تعلمه من تدبر للأمور، بل أنسته كل ما سكبه عليه المعتمد من فضل، بل نسي أن هذا ~~المديح الذي يسمع هو نتيجة لفضل من أفضال المعتمد عليه، وخيل إليه أنه هو صاحب الفضل ~~على المعتمد، وأنه هو الذي أدى إليه من الخير ما لم يستطع أحد أن يؤديه له. نسي ~~ابن عمار كل هذا وخيل إليه أنه غدا ملكا مثل المعتمد، وقابل قصيدة الهجاء من ms51 المعتمد ~~بقصيدة هجاء من ابن عمار ولم لا وكلاهما شاعر ؟ # ولكن ابن عمار لم يكن في مثل شجاعة المعتمد فهو في عميق نفسه يحس - ما زال - بأنعمه، ~~وهو يعرف تماما الفارق بين المفضل والمفضول فهو يلقي القصيدة فيمن ظنهم خاصته وكان ~~من بينهم يهودي من عيون ابن عبد العزيز استطاع أن ينال ثقة ابن عمار، فما إن سمع القصيدة ~~حتى أبدى إعجابه الضخم بها ثم طلب خمرا ليستمع إليها مرة أخرى وهو مخمور فتزداد نشوته، ~~وجاءت الخمر فأخذ اليهودي يشرب حسوا في إقلال ورزانة بينما يعطي ابن عمار الكئوس ~~دهاقا مليئة حتى دار رأس ابن عمار، فسرق اليهودي القصيدة منه مكتوبة بخط يمينه وأرسل ~~رسولا إلى ابن عبد العزيز في مرسية، وما لبث هذا أن أرسلها إلى المعتمد في إشبيلية وقرأ ~~المعتمد، ولأول مرة بعد خمسة وعشرين عاما من صداقته لابن عمار، قصيدة يهجوه فيها ~~ابن عمار، بل إنه لم يهجه وحده وإنما زاد فهجا «إعتماد» وسخر من حب المعتمد لها، وزاد ~~فذكر بنياته وأهل بيته بشر. # سفر العداء إذن وصرح الشر وتقطعت السبل بين الصديقين فما لإصلاح من سبيل، وملأ ~~الغيظ قلب المعتمد فأخذ يدبر للانتقام. # ولها ابن عمار عما يدبر له والتفت إلى ما يحيط به من مجد وقد استقر لديه أن الأمور ~~قد أسلست قيادها له. # نسي ابن عمار أن الذي فتح له مرسية يستطيع أن يثيرها عليه، نسي ابن رشيق صاحب حصن ~~بلج الذي عاونه، نسيه وهو في أوج مجده وفي غمرة ملكه فما التفت إليه وما أناله مما ~~كان يطمع شيئا، ويل المديح! إنه يعمي أشد الناس ذكاء عن أبسط الأمور وأقربها إلى ~~الذهن. لقد استطاع أن يعمي حتى ابن عمار فما عاد يلتفت إلى تلك الأشياء الدقيقة التي ~~ما كانت لتفوت عليه قبل أن يصل إلى الملك. # لقد وجد ابن رشيق أن لا غناء عند ابن عمار، وعرف بقصيدة المعتمد ثم بقصيدة ابن عمار ~~فعرف أن المعتمد يريد الانتقام فشد إليه الرحال وعرض بين ms52 يدي الصديق الذي يريد أن ~~ينتقم لصداقته، والزوج الذي يريد أن ينتقم لزوجه، والأب الذي يريد أن ينتقم لولده، وصاحب ~~الفضل الضائع الذي يريد أن ينتقم لفضله، عرض بين يدي المعتمد وسيلة الانتقام. # كان ابن عمار لا يزال في بلهنيته ليس يدري بأمر أعدائه الذين ألبهم هو على ~~نفسه، خيل إليه أن ابن عبد العزيز وابن طاهر لن يمدا إليه يدا بشر، وخيل إليه ~~أن ابن رشيق لن يهم به فهو صديقه، وحسب ابن رشيق فخارا أن يكون صديقا لابن ~~عمار. # خيل إليه هذا كله فانصرف إلى مادحيه، وبينما ابن عمار في هالة من صحابته إذ سمع ~~أصوات ضجيج وصخب وصراخ تتقارب نحو قصره فقام إلى الشرفة فوجد جموعا حاشدة ~~تدنو وما هي إلا لحظات حتى استبان صراخهم، لقد كانت الثورة به، لقد جاء الجنود ~~يطالبون بمرتباتهم ويهددون بالويل العظيم إن هم لم ينالوا ما يريدون. أدرك ابن عمار ~~حينئذ أنه وقع فريسة خيلائه ويهم أن يلوذ بسهم أخير فيخطب الجموع أنه سيسأل ~~المعتمد أن يرسل إليه المال فيعطيهم رواتبهم ولكن قبل أن يفعل هتف به نائب الجنود ~~من أسفل الشرفة: هيه ابن عمار! أحسبت أن تقطع عنا رواتبنا ونسكت عنك؟ هيهات، ~~لقد أقسمنا فيما بيننا قسما غليظا إن لم تسلمنا حقنا سلمناك للمعتمد من ~~فورنا، إلى المعتمد يا ابن عمار، أتعلم من هو المعتمد اليوم؟ # كان القول حاسما، نعم إن ابن عمار يعلم من هو المعتمد اليوم، إنه النقمة التي كانت ~~خيرا، وإنه الذل الذي كان مجدا، وإنه النار التي كانت ندى ورحمة وبرا. عجز ابن عمار الذي احتال على الملوك والوزراء والكابرين، عجز عن أن يحتال على ثلة ليست من ~~الملوك ولا الوزراء والكابرين وإنما هم أصحاب حق يطالبونه به، مهما تكن الأيدي التي ~~حركتهم قد ابتعثها الحقد والانتقام والبغض الشديد إلا أن هذا لا يغير من موقفهم ~~شيئا، إنهم أصحاب حق يطالبونه به. # لم يبق أمام ابن عمار إلا أن يفلت بحياته فهو يتكلم لا ليدافع ولا ms53 ليطلب من القوم ~~الريث فقد رأى منهم عزما وإصرارا، إنه يتكلم فلا يقول شيئا إلا: أيها الجند، إن هي ~~إلا بعض الساعة حتى تكون رواتبكم بين أيديكم. ويدخل ابن عمار إلى القصر لا ليؤدي ~~الرواتب فما كان بخزائنه شيء؛ فلقد اشترى المديح الذي تهدى إليه بكل المال الذي كان ~~لديه، يدخل ليجمع ما يطيق أن يحمل. ومن باب سري يخرج ابن عمار من القصر فلا يراه ~~الجنود ويظل مستخفيا حتى يخرج من مرسية جميعها إلى ... إلى الطريق. # سلام إذن يا قصر الملك، وسلام أيتها الأحلام التي ما تحققت حتى انهارت، وسلام أيها ~~المديح الذي ما قيل حتى هوى بالممدوح، سلام على كل هذا وإلى ... إلى الطريق. # | إلى أين؟ # حار ابن عمار أين يولي وجهه وضاقت به السبل وطال الطريق عليه مرة أخرى فذكر حماره ~~وذكر أيامه الأولى وما تبعها، وذكر صداقته للمعتمد ثم خيانته له، وذكر ... وذكر ... ~~ثم أخذ يورد بذهنه كل الأصدقاء الذين أتيح له أن يعرفهم عساه أن يختار من بينهم من يلجأ ~~إليه، فكر في ملوك الأندلس المسلمين الذين يعرفهم أجمعين ولكنه خشي أن ينصرفوا عنه، بل ~~إنه عزف عن الالتجاء إليهم فقد كان في قصر أعظمهم شأنا وأعزهم سلطانا فعرف أنه لن ~~يرضى بالأدنى بعد أن ترك مجد المعتمد وقصوره، وانتقل ذهنه على غير إرادة منه إلى ملوك ~~الفرنجة في الأندلس، وفكر في ريمون صديقه ولكنه لا بد قد اكتشف زيف الذهب الذي أرسل ~~إليه فدية، ثم فكر في الأذفونش. # أجل الأذفونش ولم لا؟ لقد ترك أعظم ملوك الأندلس العربية فما له لا يذهب إلى أعظم ملوك ~~الأندلس الإفرنجية؟! تذكر الشطرنج ولكنه تذكر أيضا أنه أهداه للأذفونش وتذكر أن ~~الرجل يقدره فيطلق عليه «رجل الجزيرة»، وأن قصة الشطرنج في ذاتها لدليل على ذكاء ~~ابن عمار وإن يكن الأذفونش هو ضحيته فيها إلا أنه سيقدر الذكاء - لا شك - لأنه رجل ذكي، ~~وسيقدر الولاء الذي عمل به ابن عمار من أجل المعتمد وسوف ينتظر نفس هذا الولاء من ms54 ~~ابن عمار له إذا عمل به من أجله، وإن يكن ثمة غضب ما زال في نفس الأذفونش فلا شك أنه ~~سيكون غضبا هينا غشت عليه السنون يستطيع ابن عمار ببعض كياسته أن يزيله. # واتجه ابن عمار إلى «ليون» عاصمة الأذفونش وألقى رجاءه ببابه ولكن ويح الأيام! هيه ابن ~~عمار لقد بدأت هبوطك إلى الهاوية فلات حين صعود. لقد رفض الأذفونش إيواء ابن عمار ~~وكان قد علم بكل ما حدث في بلنسية فبدأ ابن عمار بقوله: أنت سارق يا ابن عمار، سرقت ~~الملك من ابن طاهر على يد ابن رشيق فليس ظلما أن يسرق منك الملك بنفس اليد التي ~~سرقته لك. # وخرج ابن عمار من ليون ولم يبق له إلا أن يرتمي بأبواب الملوك العرب مرة أخرى، ولكنه ~~في هذه المرة لا يعرض شعرا يقوله خامل ذكر لا يعرفه أحد وإنما هو يعرض ابن عمار بتاريخه ~~كله الذي لا يجهله أحد، يعرض ابن عمار الوزير الداهية والسياسي البارع والقائد ~~الصنديد. # يذهب ابن عمار إلى «سرقسطة» وهي مملكة أندلسية عربية يقوم عليها أحد ملوك الطوائف يطلق ~~على نفسه اسم الملك «المقتدر»، وكانت هذه المملكة هينة الشأن صغيرة الرقعة ففرح ~~صاحبها أن يكون بين رجاله وزير المعتمد الأول ومن كان صديقه الأثير. يأوي المقتدر ابن عمار ~~ويوليه بعض شئون الدولة، ولكن هذه المملكة الصغيرة التي لا تتضاءل أمام إشبيلية فحسب بل ~~إنها لتتضاءل أمام مرسية مملكته، هذه البلدة، سرقسطة لا تتسع له فهو لا يطيق العيش فيها، ~~فيزعم ابن عمار للمقتدر أنه لم يعد يطيق العيش في زحمة الناس، إنه يود لو أتيح له ~~أن يذهب إلى مملكة بعيدة منقطعة عن الناس الذين كرههم جهده والذين يريد أن يباعدهم ~~جهده فيسأله المقتدر عن المكان الذي يريد فيجيبه ابن عمار أنه يتوق أن يذهب إلى «لاردة» ~~التي يحكمها «المظفر» أخو «المقتدر» ويقبل المقتدر آسفا ويذهب ابن عمار إلى «لاردة» ~~فيستقبله «المظفر» أحسن استقبال وينزله بأكرم مكان. ويفرح ابن عمار بما لقي وتعود إليه ~~بعض ms55 ثقته بنفسه، ولكنه لا يلبث أن يضيق بهذه العزلة التي فرضها على نفسه فيرجو المظفر ~~أن يسمح له بالعودة إلى سرقسطة، ويزعم له أنه اشتاق أن يرى أخاه «المقتدر»، ويصدق ~~المظفر قوله كما كان المعتمد يصدق قوله ويأذن له بالذهاب ولكن ابن عمار يعرف وهو في ~~الطريق إلى سرقسطة أن المقتدر قد مات وأن ابنه «المؤتمن» قد قام على الملك من بعده ~~فيواصل طريقه كأن لم يسمع شيئا. إنه يريد أن يذهب إلى سرقسطة لا يهمه إن كان عليها ~~المقتدر أو المؤتمن أو من يكون. # ويصل ابن عمار إلى سرقسطة وينزله المؤتمن منزلة كريمة ويستشيره في أمور مملكته ~~فيصرفها ابن عمار وكأنها شئون ضيعة صغيرة لا مملكة ذات ملك ووزير، ويضيق ابن عمار ~~بتضاؤل أعماله فما هي مهما تعظم في سرقسطة بشيء يذكر إلى جانب أعماله في إشبيلية أو ~~مرسية أو حتى شلب. # وتلوح لابن عمار فرصة يعمل فيها فيهتبلها؛ فقد جاء إلى المؤتمن من يخبره أن أحد ~~أصحاب القلاع التابعين لسرقسطة قد خرج عن طاعة المؤتمن فيعرض ابن عمار على المؤتمن أن ~~يذهب هو لإخضاع هذا الخارج فيقبل المؤتمن فرحا ويسأل ابن عمار: كم جنديا ~~تريد؟ ~~- اثنين. ~~- أسألك كم جنديا تريد لتحارب القلعة؟ ~~- أريد اثنين - جنديين. ~~- ولكنك تمزح لا شك. ~~- بل أجد. # ولكن المؤتمن لا يصدق هذا القول ويأبى إلا أن يرسل جندا كثيفا، فيصر ابن عمار ~~على أن يكون جيشه مكونا من اثنين، حتى إذا طال النقاش وقفا عند أواسط الأمر فقبل ~~ابن عمار أن يصحب كوكبة صغيرة من الفرسان. # ويصل ابن عمار إلى مكان قريب من القلعة فيأمر الكوكبة أن تختفي وراء الجبال ويصطحب هو ~~جنديين يقصد بهما إلى القلعة، ثم ينادي ابن عمار على صاحبها المتمرد فيجيبه فيقول ابن ~~عمار: هلا نزلت إلي أحدثك حديثا قصيرا؟ # وينظر صاحب القلعة فلا يجد إلا ثلاثة أشخاص فلا يرهب منهم شيئا وينزل إلى ابن عمار ~~فيستقبله خارج القلعة ويأخذ بيده ليعود به إليها، فإذا بالجنديين يطعنان الرجل طعنا ~~متلاحقا ms56 دراكا فيسقط في مكانه وقد فارق الحياة، ويرى جنود القلعة ما حدث لقائدهم ~~فتملك الخشية نفوسهم ويستسلمون، ويعود ابن عمار وقد نجحت حيلته ويستقبله المؤتمن ~~والفرح يغمره فيذكر ابن عمار كيف كان يستقبله المعتمد حين كان يعود إليه بعد أن يوقع ~~أعداءه في الأشراك فتدمع عيناه ولكن لات حين ... # وثق المؤتمن في ابن عمار بعد حيلته تلك، وكان المؤتمن يفكر أن يحقق أمنية أبيه فيستولي ~~على قلعة «شقورة» وهي قلعة حصينة لا تتبع لسرقسطة وإن كانت قريبة منها، فطلب إلى ابن عمار ~~أن يستولى عليها بنفس الطريقة التي استولى بها على القلعة المتمردة. ولم يكن ابن عمار يدري ~~أن أهل هذه القلعة قوم أذاقهم هو مر العذاب في مرسية، ولم يكن يدري أن الطريق إليها ~~وعر لا يستوي ولا يعتدل، ولكنه كان يدري أنه يريد أن يعمل وكان يدري أنه لا يطيق ~~الخمول. # تزعم ابن عمار بضعة من الفرسان وكما فعل في المرة الأولى فعل في هذه المرة فأمر ~~الجنود بالاختفاء واصطحب اثنين وعمد إلى القلعة لا يريم، ونادى ابن عمار فلم يجبه أحد ~~فاقترب ونادى فلم يجبه أحد حتى أصبح ملتصقا بجدران القلعة، فإذا حبل قد أحاط بوسطه وإذا ~~هو معلق في الهواء صاعدا إلى أعلى لا يدري من يجتذبه حتى بلغ نافذة للقلعة فأدخل ~~منها وألقي إلى الأرض ثم عاجله القوم بالقيود فأحاطوا بها معاصمه وأقدامه. # وقع ابن عمار أسيرا في يد أعدائه وحاول من معه أن ينقذوه فحين رأوا مناعة القلعة ~~أصبح كل همهم أن ينقلبوا إلى ذويهم سالمين فانقلبوا. # ماذا يفعل صاحب القلعة بابن عمار؟ إنه يدخل عليه فيجبهه. ~~- ألم تر إلى نهايتك يا رجل الجزيرة؟ ماذا تريدني أن أفعل بك؟ لست من أهل السراء حتى ~~أصطنعك لتقول في شعر المديح، ولست ذا ملك حتى أجعلك وزيرا. نعم إنك وزير حصيف، لا ~~شك أنك بضاعة رائجة يا ابن عمار، سأعرضك في سوق الملوك فمن يغلي الثمن كنت ~~له. # فيجيبه ابن عمار والغضب آخذ منه كل مأخذ: ms57 ألا والله ما نلتني إلا بالختل القذر، ~~ولا والله ما كنت لأمدح مثلك وإن كنت أكبر الملوك. ~~- أتتحدث عن الختل يا ابن عمار؟ يا لك من جريء وقح! على أنني لن أقتلك كما فعلت أنت ~~بصاحب القلعة، بل أنا سأبيعك يا أخي إلى الملوك؛ لتعود وزيرا كما كنت، ألا تشكرني إذن؟ ~~وخرج الرجل وترك ابن عمار. # لم تكن إجابة ابن عمار الجريئة عن شجاعة خالصة، بل إنه أدرك أن الرجل يجد فيه بضاعة ~~رائجة، فأدرك أنه لن يمسه بسوء حتى يتمكن من بيعه بثمن كبير. # بقي ابن عمار في سجنه وانسابت إلى ذهنه الذكريات وتطلع إلى القابل من الأيام فوجد نفسه ~~يعود إلى أسوأ مما كان في شلب يوم عاد إليها على الحمار؛ فهو اليوم يباع كعبد رقيق وهو لم ~~يكن عبدا في يوم من الأيام، نعم كان عبدا للتملق والخداع، كان عبدا لرغباته ومطامحه، ~~كان عبدا للمديح الذي أحاط به ولكنه لم يكن عبدا في سوق الرقيق فهو يقول دون أن يفارقه ~~كبره: # أصبحت في السوق ينادى على # رأسي بأنواع من المال # والله ما جار على ماله # من ضمني بالثمن الغالي # ثم ينظر حوله فيجد حجرته في قلعة شقورة تلك صغيرة، ويجد القيد في يديه وقدميه فتدمع ~~عينه وينتظم البيتان في ذهنه: # بؤسى شقورة عندي # أربى على كل بوسى # 1 # فقدت هارون فيها # وظلت أطلب موسى # 2 # | سحيق الهاوية # ابن عمار في السوق سلعة لمن يغلي الثمن والمعتمد ممن عرض عليهم الشراء فمن يشتري ~~ويغلي ثم يغلي إذا لم يكن المعتمد؟ # إنه يشتري صداقة خمسة وعشرين عاما، إنه يشتري شبابه جميعا، شباب أمير شاعر ملك، ~~إنه يشتري نفسه في أمتع فترات نفسه، وماذا للشاعر الشيخ غير شبابه وشعر شبابه؟ إن كل لحظة ~~من شبابه لم يدر بها الفلك إلا وابن عمار قطب فيها، لماذا لا يغلي المعتمد؟ إنه ~~يشتري في ابن عمار مرآة أنضر ملاوة # 1 # من حياته. # ثم يشتري من بعد أبغض فترة في حياته، يشتري الصداقة الخائنة، ms58 يشتري العهد المضاع، ~~يشتري الأخوة الخادعة، يشتري من هدم الصروح الشوامخ من ثقته وحبه ووفائه، يشتري ذلك ~~الذي سود الدنيا في عينيه؛ فبعد أن كانت إشراقة حب وضياء ووفاء أصبحت ظلام ~~خيانة وليل خداع. # اشتراه المعتمد إذن وأرسل بابنه الراضي ليأتي به، وأوصى ابنه أن يحذر من خداعه، وأن ~~يكثر عليه الأحراس. # وأخذ الراضي صديق أبيه وسار الركب حتى بدت طوالع قرطبة، فتذكر ابن عمار وما كان ~~بحاجة إلى قرطبة ليتذكر فهو لا ينسى أبدا، لا ينسى كيف فتح قرطبة هذه في أول عهد ~~المعتمد، ولا ينسى كيف كان يدخل قرطبة بعد ذاك تحف به المواكب الضخام وترنو إليه ~~العيون، والسعيد السعيد من يلمس حوافر خيله والسعيد الأسعد من يلم طرف ردائه، لا ينسى ~~ابن عمار، لا ينسى. # وبلغت طوالع موكب الأسير ظاهر قرطبة فإذا هناك حشد كبير، لم يجتمع لتحية ~~ابن عمار، ولم يجتمع لإكرامه، وإنما جاء يشهد القمة تنحط إلى الهاوية، والمجد ينحدر ~~إلى الحضيض. # والناس للدنيا تبع # ولمن تحالفه شيع # ونزل ابن عمار من فوق الحصان الذي كان يمتطيه ومشى إلى حيث يمشون به، يا لسخرية ~~الأقدار! إنه سيركب حمارا، حمارا مرة أخرى. نظر ابن عمار إلى الحمار فلم يتمالك نفسه من ~~الضحك رغم هذا الضنك الذي يحيط به، حمار؟ أبعد كل هذا السفر الطويل في مدارج المجد ~~وعليا المراتب يعود إلى الحمار؟ ويح الأقدار! بل إن الحمار ليشبه ذلك الذي سرق أو ~~انسل في إشبيلية عند قصر المعتضد، إنه ليكاد أن يكون هو نفسه يحمل خرجا كذلك الذي كان ~~يحمله حمار، بل إنه ليكاد أن يكون نفس الخرج وإن كانت جنباته قد ملئت اليوم تبنا ~~بدلا من تلك الكسرات التي كانت فيها، عود على بدئه يرجع، بل إلى شر من بدئه. ~~لا بأس إذن فمن على ظهر الحمار صعد إلى القمة فعلى ظهر الحمار ينحدر إلى ~~الهاوية. # لقد كان المعتمد هو الذي مهد سلم المجد لابن عمار فصعد وهو هو نفسه من يمهد له ~~الطريق إلى ms59 الهاوية، هو الذي أوصله وها هو ذا يعيده، وعلى الحمار يعود. # ركب ابن عمار الحمار وهم بمسير ولكنه رأى عن بعد رجلا يركب حصانا يعدو إليه ~~ناهبا الطريق نهبا، فسارع ابن عمار ومد يده إلى عمامته ورفعها عن رأسه وألقى بها إلى ~~الأرض وكان راكب الحصان قد وصل فوقف حائرا لا يدري ماذا يفعل، فسأل ابن عمار واحد ممن ~~يحيطون به: ماذا فعلت حتى جعلت الرجل يقف باهتا؟ # فقال ابن عمار: لقد كان هذا الراكب قادما من عند المعتمد ليرفع عمامتي من على رأسي ~~ويلقي بها إلى الأرض إمعانا في تحقيري والنيل مني فسبقته إلى ما يريد أن يفعله ~~فبهت كما ترى. # ونظر السائل إلى راكب الحصان فإذا هو يؤيد ابن عمار فيما قال معجبا من ذكاء الوزير ~~ودهائه، وهكذا لم تتخل الومضة النافذة عن ابن عمار حتى وهو في أحلك أوقات ~~حياته. # سار موكب الخزي يطوف بأنحاء قرطبة، فلم يبق من أحد فيها إلا وقد رأى ابن عمار على ~~مطيته الجديدة القديمة إلا المعتمد الذي كان في قرطبة وأبى أن يرى ابن عمار. # نعم، ابن عمار الذي كان كل ما يخشاه أن يبعد عنه لحظة من زمن، هو نفسه من يأبى رؤيته ~~اليوم، بل يأمر المعتمد أن يسير الركب إلى إشبيلية فيدخلها ابن عمار كما دخل قرطبة ثم ~~يلقى به في السجن، فكان ما أمر به المعتمد واستقر ابن عمار في السجن. # ومن هناك أخذ ابن عمار يستشفع بكل ذي أكرومة أن يطلب الصفح من المعتمد والمعتمد ~~يزجر كل محاول فتتكسر على أبوابه الشفاعات حتى إذا ضاق بكثرتها نادى ابن عمار ~~وذكره، ذكره المعتمد بملابسه القذرة التي دخل بها القصر، وذكره بليلته الأولى ~~بين شعراء القصر، ذكره بنفسه وزيرا في شلب، ثم أميرا لشلب ثم قائدا للجيش، ثم ملكا ~~أو شبه ملك لمرسية، ذكره فما ألفاه ناسيا، ثم ذكره بخروجه عليه في مرسية، وذكره ~~بقصيدته التي هجاه فيها، ذكره فلم يلفه ناسيا، فهب المعتمد في وجهه: فماذا تريد ~~إذن؟ ms60 لقد أفقدتني شبابي وهيهات أن يعود، ألا لعن الله يوما عرفتك فيه، إذن لأبقيت ~~لنفسي ذكرياتي نقية منك. # وعاد ابن عمار إلى السجن وأخذ يكتب إلى أصحابه أن يعاودوا الشفاعة، وهو يكتب إلى ~~أصدقائه، ينظم أنته شعرا عساها أن تريح بعضا مما يجد فيقول لأحدهم: # أدرك أخاك ولو بقافية # كالظل يوقظ نائم الزهر # فلقد تقاذفت الركاب به # في غير موماة ولا بحر # طاحت صحابته بلا سنة # وتساقطوا سكرا بلا خمر # بمعارج أدت إلى جرد # حتى من الأنواء والقطر # عال كأن الجن إذ مردت # جعلته مرقاة إلى النسر # وحش تناكدت الوجوه له # حتى استربت بصفحة البدر # متحير سال الوقار على # عطفيه من كبر ومن كبر # ملكت عنان الريح راحته # فجيادها من تحتها تجري # مأوى العزيز وقد نصحت فإن # يهمل فقد أبليت في العذر # واصلت خدمة قاطع سببي # وأطعت أمر مضيع أمري # دع ذا وصلنا غير مؤتمر # مستأثر بالحمد والشكر # وهكذا يبلغ البؤس بابن عمار حتى إنه ليبحث عمن يحادثه أي حديث ولو كان هذا الحديث ~~مكتوبا. # ويلح ابن عمار في رجائه ويرسل به إلى شتى الناس فيضيق المعتمد بكثرة الشفعاء فيه ~~فيأمر أن تمنع عنه الأوراق فتمنع، ثم يزيد المعتمد قسوة عليه فيخرجه في الحفلات التي ~~كانت تقام في القصر ويجعل منه سخرية للجواري والخدم فيبصقون في وجهه ويفتنون في ~~اهانته وابن عمار صامت ذاهل لا يدري أفي حلم بشع هو، أم في حقيقة ملموسة؟ هذه ~~الطنافس، هذه المقاعد، تلك البسط، هاته الثريات، هذه الأقداح، هؤلاء السقاة، أولئكن ~~النسوة، إنه يعرف جميع هذا، ويعرف أنه كان ريحانة هذا المكان، أهكذا يفعل الدهر بأعدائه؟ ~~ويل لأعداء الدهر! ويعود ابن عمار إلى سجنه شر ما يعود عائد إلى السجن. # وفي يوم يطلب ابن عمار ورقا ويلح في الرجاء ويسأل الخدم المعتمد فيأذن في ورقتين ~~لا تزيدان ورقة، ويأخذهما ابن عمار ثم ينشئ قصيدته الخالدة: # سجاياك إن عافيت أندى وأسمح # وعذرك إن عاقبت أجلى وأوضح # وإن كان بين الخطتين مزية # فأنت إلى الأدنى من ms61 الله أجنح # حنانيك في أخذي برأيك لا تطع # عداتي وإن أثنوا علي وأفصحوا # 2 # وماذا عسى الأعداء أن يتزايدوا # سوى أن ذنبي واضح متصحح # نعم لي ذنب! غير أن لحلمه # صفاة يزل الذنب عنها فيصفح # وإن رجائي أن عندك غير ما # يخوض عدوي اليوم فيه ويمرح # ولم لا وقد أسلفت ودا وخدمة # يكران في ليل الخطايا فيصبح # وهبني قد أعقبت أعمال مفسد # أما تفسد الأعمال ثمت تصلح # أقلني بما بيني وبينك من رضا # له نحو روح الله باب مفتح # وعف على آثار جرم جنيته # بهبة رحمى منك تمحو وتصفح # ولا تلتفت رأي الوشاة وقولهم # فكل إناء بالذي فيه يرشح # وما ذاك إلا ما علمت فإنني # إذا ثبت لا أنفك آسو وأجرح # وقالوا سيجزيه فلان بفعله # فقلت وقد يعفو فلان ويصفح # ألا إن بطشا للمؤيد يتقى # ولكن حلما للمؤيد أرجح # وبين ضلوعي من هواه تميمة # ستنفع لو أن الحمام مجلح # 3 # سلام عليه كيف دار به الهوى # إلي فيدنو أو علي فينزح # ويهنيه إن مت السلو فإنني # أموت ولي شوق إليه مبرح # ويرسل ابن عمار بخالدته إلى المعتمد فيقرؤها فيطرب، ثم ينشدها على الجالسين ~~مترنما وقد هملت عبراته وكان بين السامعين أبو الوليد ابن زيدون فحاول جهده أن ~~يجد لنفسه مأخذا إلى القصيدة فتأبت عليه ولكنه استطاع آخر الأمر أن يقول: ما أتفه ~~قول الخائن: # وبين ضلوعي من هواه تميمة # ستنفع لو أن الحمام يجلح # وما يهمنا نحن بما بين ضلوعه؟ ولماذا لم يرع لهذه التميمة حرمة ولكن المعتمد عاجله: ~~بل إنه والله لم يفقد الذكاء وحسن الإشارة، إنه ابن عمار وإن خان، لقد قصد إلى بيت ~~الهذلي: # وإذا المنية أنشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة لا تنفع # وهكذا استعصت القصيدة حتى عن ذم الكارهين، وحركت في نفس المعتمد ذكريات قديمة، وكان ~~قد تهيأ لجلسة خمر فأرسل إلى ابن عمار أن يأتي وطلب ممن أرسله ألا يراه أحد وهو قادم ~~بابن عمار، وأخلى المعتمد القاعة وانفض القوم وهم لا يعلمون بما أسره ms62 للخادم، ~~ويجيء الصديق الشاعر ويجلس إلى المعتمد ويتذاكران ويتناشدان حتى لتكاد النفوس أن ~~تصفو ويشرق الصباح فيقول المعتمد لابن عمار: إياك، إياك ابن عمار أن تقول لأحد ~~عن جلستنا تلك، إياك ابن عمار وإلا ... # ولا يكمل فقد كان ابن عمار يعرف تماما ما بعدها، وينصرف المعتمد إلى جناح نومه ~~ويعاد ابن عمار إلى السجن والفرحة تكاد تنفجر من فؤاده فلا يملك نفسه أن يمسك الورقة ~~الثانية الباقية لديه، ويكتب إلى الراضي بن المعتمد يخبره أن أباه قد صفح. # وتصل الورقة إلى الراضي وهو جالس بين صحاب فيهم من يبغض ابن عمار ويحقد عليه ولا ~~يكتم الراضي ما جاء به الخطاب بل هو يذيعه. # ويصحو المعتمد فإذا سر الأمس هو حديث اليوم فيذهب إلى ابن عمار في سجنه: أأذعت ما ~~حذرتك أن تذيع؟ ~~- بل لا و... ~~- وحقي. ~~- ... وحقك. ~~- إذن فأين الورقة الثانية. ~~- أي ورقة؟ ~~- لقد أرسلت إليك ورقتين كتبت في إحداهما القصيدة فأين الثانية؟ ~~- لقد ... لقد ... لقد سودت بها القصيدة. ~~- فهات التسويدة. # وتنغلق الطرق على ابن عمار، فيبلغ الغيظ أقصاه بالمعتمد، فيمسك بقطعة من ~~حديد ذات مقبض كان قد أعدها، ويهوي بها على رأس ابن عمار، ثم لا يزال يضرب ويضرب ~~حتى يموت ابن عمار بيد المعتمد، بيد صداقة خمسة وعشرين عاما، بيد المجد الذي ~~اقتعده، بيد القمة التي ساورها. ms63