######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.JadawilBilaMa.Hindawi86979531 #META# Tags: novels #META# ID: 86979531 #META# Title: جداول بلا ماء #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # | جداول بلا ماء # | جداول بلا ماء # تأليف # ثروت أباظة # | الفصل الأول # لم يكن توفيق في أول أمره واسع الثراء وإنما كان واسع الذمة، وقد استطاع بضميره المنعدم ~~أن يجمع ثروة ما كان ليصل إليها بغير الذمة الخربة. ولو كان ضميره واعيا بعض الوعي لما بلغ ~~الثراء الواسع الذي وصل إليه. # أبو توفيق يملك عشرين فدانا، وكان الشيخ صبحي الحسيني قنوعا ذا دين وورع وتقوى، فكان ~~مكتفيا بما تغله أفدنته القليلة. ولم يكن له ورثة إلا ابنه توفيق، وقد نال توفيق من ~~التعليم أيسره. فقد أمضى سنة في المرحلة الثانوية ثم خذله الجهد وكبت به الجياد، وذهب ~~ليستقر مع أبيه في قرية الولجة، وإن كان قليلا ما يمكث بها؛ فقد كان دائم التنقل. وهو كان ~~بلا ورع، وكان يتقاعس عن القيام بفروض الله. وكان أبوه يحاول أن يعظه فيذهب وعظه أدراج ~~الرياح، ولا يستقبله من ولده إلا آذان صماء ونفس رافضة، فقد كان كل همه منصرفا إلى جمع ~~المال. # وفي يوم طالع الوالد ولده قائلا: قد عزمت على الحج في عامنا هذا إن شاء الله. ~~- الحج! ومن أين لك المال؟ ~~- دبرته والحمد لله. ~~- متى؟ ~~- من قبل وفاة أمك رحمها الله، فقد كنا في عام وفاتها ننوي الحج وكنت عازما أن أبيع ~~فدانا أحج به. ~~- تبيع فدانا، أهذا معقول؟! ~~- طبعا الفدان عندك أهم. على كل حال لقد اختار الله أمك إلى جواره، وأنا رأيت أن أقتطع ~~جزءا من إيراد الأرض في كل عام، وأصبح عندي اليوم ما أظن أنه يكفيني بإذن الله. ولا تخف ~~فإن هذا الحج لن يؤثر على ما أحفظه للزمن. ~~- والله ms01 حرام عليك. ~~- اخرس يا فاجر ... أحرام أن أحج؟ وتحلف أيضا. ~~- تضيق علينا العيش وتحرمنا من الضرورات لكي تحج أنت؟ ~~- أي ضرورات حرمتك منها؟ ها أنت ذا مثل الثور لا ينقصك طعام، وملبسك لائق. ولكن ليس عجيبا ~~عليك أن تكفر بالنعمة ما دمت كفرت بالله سبحانه ... قبحك الله! ~~- الحج فريضة على من استطاع إليها سبيلا. ~~- وأنا أستطيع إليها سبيلا. ~~- بضيق الإنفاق الذي نعيش فيه. ~~- المال ما زال مالي وأنا حر فيه. وأنا سأحج هذا العام غصبا عنك، وسواء عندي رضيت أم لم ~~ترض. ~~- طيب فكر في صحتك. ~~- ما لها صحتي، هل شكوت إليك مرضا؟ ~~- وبغير أن تشكو. لقد كبرت في السن وأصبحت غير قادر على أداء مناسك الحج. ~~- أرجو الله أن أموت هناك فأدفن بجوار النبي، عليه الصلاة والسلام، وأرتاح منك ومن ~~زندقتك. ~~- لا قدر الله ... ولكني أخاف عليك. ~~- أنت لا تخاف علي، بل أغلب الأمر أنك تتمنى موتي لتنفرد بالأرض. ~~- هل معقول ألا يخاف الابن على أبيه؟ ~~- نعم إذا كان الابن جاحدا زنديقا. ~~- أنا جاحد؟ ~~- ها أنت ذا تجحد النعمة التي تعيشها عيشة لا ينقصك فيها شيء. ~~- أنا فقط أرجو منك أن تجعلنا نعيش في سعة، ما دام عندك من المال ما تستطيع أن تحج ~~به. ~~- لقد كنت أجمع ما أحج به من حر مالي، وأنت لا تشعر بشيء ينقصك ففيم اعتراضك؟ ~~- أنا خائف على صحتك. ~~- كذاب. وعلى كل حال سأحج بإذن الله. ~~- أمرك. ~~••• # وسافر الشيخ صبحي الحسيني إلى الحج وانفرد توفيق بالأرض، ولكنه لم يستطع أن يصنع شيئا ~~بانفراده بها فهي ما زالت ملك أبيه. # ويشاء العلي القدير أن يموت الحاج صبحي بالحجاز بعد أن أدى المناسك. وكأنما استجاب له ~~المولى جل جلاله، وكأنما أراد له سبحانه أن يريحه من ابنه هذا الجاحد الزنديق، وله الأمر من ~~قبل ومن بعد. # | الفصل الثاني # وجد توفيق في خزانة أبيه ألفين وستمائة وخمسين جنيها كانت كافية ليبدأ حياته الجديدة، ~~ويحقق جشعه البشع للحصول على المال. # فبعد وفاة أبيه بأيام قلائل قصد إليه ms02 عبد الموجود مصيلح: أهلا وسهلا بالشيخ عبد الموجود. ~~- أهلا بك. كيف الحال؟ ~~- معدن والحمد لله، لولا حزني على أبي رحمه الله. ~~- ربنا أكرمه ودفن في أطهر مكان على البسيطة. ~~- والله لقد طلب هو ذلك. ~~- كلنا سنموت. ومن نعم ربنا عليه أن استجاب لدعائه. ~~- النهاية ... شرفت يا شيخ عبد الموجود. ~~- أنا أعلم أن الوقت غير مناسب، ولكنني معذور في قرشين. ~~- تحت أمرك. ~~- مائتا جنيه أردها إليك بعد شهر. ~~- وكم تردها؟ ~~- كم أردها؟! ~~- طبعا، لا يمكن أن تردها كما أخذتها. ~~- سبحان الله. ~~- سبحانه. ~~- أتريد أن ترابي يا ابن الحاج صبحي؟ ~~- هذه فوائد وليست ربا. لقد كنت خليقا في هذا الشهر أن أستثمر المبلغ ويعود علي ~~بربح. ~~- ولو أن الحرمة تقع على المستلف بالربا وعلى من يسلفه، ولكني في حاجة شديدة لهذا المبلغ. ~~كم تريد ربا له؟ ~~- ليس ربا. ~~- هو الربا بعينه، ولكني مضطر أن أعتبره كما تسميه أنت. ليكن فوائد. ~~- كم تريد؟ ~~- آخذ المائتين ثلاثمائة. ~~- يا نهار أسود من الحبر! تأخذ ربا خمسين في المائة. ~~- وأكثر ... ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله. ~~- إذن تكتب وصل أمانة بثلاثمائة جنيه. ~~- وصل أمانة؟ ~~- لأضمن حقي. ~~- والكمبيالة لا تضمن حقك؟ ~~- لا أحب المحاكم. ~~- افعل بي ما تشاء. اكتب وصل الأمانة. ~~- ما دمت تعرف القراءة والكتابة فلتكتب أنت، وأنا أملي عليك. ~~- أمرك. ~~- هذه ورقة وهذا قلم ... اكتب يا سيدي. ~~- بل أنت سيدي وسيد ظالم ... أمري إلى الله. ~~- سبحانه جل شأنه. ~~- أتعرفه؟ ~~- هل ستكتب أم ستطيل لسانك؟ ~~- أكتب. ~~- اكتب في أول السطر: تسلمت أنا ... ~~- ألا نقول بسم الله الرحمن الرحيم؟ ~~- كما تشاء. ~~- الواقع لا لزوم لذلك، فإن ما نفعله لا يصلح معه اسم الله. كره الله هذا ~~والمؤمنون. ~~- هل ستكتب أم نلغي الصفقة؟ ~~- أكتب. ~~- اكتب. ~~••• # وهكذا لم تمض ثلاث سنوات حتى أصبحت العشرون فدانا أربعين. وكان توفيق كلما زادت ثروته ~~ازداد بخله، فهو كز مقتر لا يخرج قرشا إلا بعد مفاوضات عريضة مع نفسه. # ولما كان لا بد له أن يأكل، فقد استأجر خادمته وهيبة لتطهو له الطعام ms03 وتناوله ما يحتاج ~~إليه وتنظف له البيت. ولو أن موضوع النظافة لم يكن عنده ذا شأن. ولما كانت وهيبة تقارب ~~الستين من عمرها وتتمتع بقبح شديد، أصبح لا بأس عليها ولا على توفيق أن تبيت معه في البيت؛ ~~فزوجها قد مات، ولم تكن قد أتت له ببنين أو بنات، وأمست هي وحيدة لا هم لها إلا أن تسعى ~~لرزقها وحدها، فهي راضية بعملها عند توفيق مهما يكن لحزا شحيحا. # وهكذا وجد كل من السيد والخادمة بغيته عند الآخر. # ولم يكن توفيق خبيرا في الزراعة خبرة أبيه، فهو لا يطيق خدمة الأرض. ولذلك كان تعامله مع ~~زراع أرضه عن طريق المحصول، فهم يزرعون الأرض ويسددون استئجارهم بما تنتجه الأرض من محصول. ~~ويتولى بيعه هو للتجار، وفلسفته في هذا أن المحصول إذا كانت كميته كبيرة إلى حد ما يكون ~~ثمنه عند البيع أكبر. # وتفرغ هو للإقراض بالربا الفاحش لكل من طحنه الزمن واضطره أن يقترض من توفيق صبحي، وهم ~~كثر لا يحصيهم عدد. فليس غريبا أن يصبح مالكا لأربعين فدانا بعد أن كان لا يملك إلا ~~عشرين، فأغلب الأرض تملكها من المدينين الذين عجزوا عن السداد ومستقبلهم يتربص به السجن ~~بتهمة خيانة الأمانة بموجب الإيصال الخبيث الذي يستكتبه توفيق للمقترضين في كل قروضه. وكان ~~من بين هؤلاء الشيخ إسماعيل عوض، وكان رجلا يمتلك خمسة أفدنة وليس له إلا ابنة واحدة اسمها ~~صبيحة. وقد احتاج للاقتراض ليجهز صبيحة التي خطبها ابن عمها عمران الدهشوري. وما كان بينه ~~وبين خطيبته حب وإن كان بينهما ألفة، وكان والد صبيحة حريصا على هذه الزيجة فقد كان ابن ~~أخيه الأثير عنده. # وحين تسلم الشيخ إسماعيل القرض بدأ في الاتفاق مع الصناع ليعدوا الشوار الذي لم يرد أن ~~يشتريه جاهزا ليوفر الفارق في الأثمان. وكان ينوي سداد الدين من محصول القطن، ولكن موعد ~~سداد الدين حل قبل أن يصبح القطن صالحا للجمع. # وهكذا لم يكن غريبا أن يقصد توفيق إلى بيت الشيخ إسماعيل ليتقاضى دينه، وكان مقدار الدين ms04 ~~ثلاثمائة جنيه. # فتحت صبيحة الباب ورآها توفيق عن كثب، واقتادته إلى المضيفة واقتعد الأريكة في انتظار ~~الشيخ إسماعيل. # وبينما هو جالس هاجمت رأسه أمور وشئون، وكان الهجوم خاطفا في لحظات وجيزة. البنت حلوة ~~وليس يعنيني فقرها فهذا الفقر سيجعل المهر ضئيلا، ثم إنها أيضا لن تستطيع أن ترفع رأسها ~~في وجهي، وهذا ما أريده في الزوجة، فهي إذا كانت على شيء يسير من الغنى، فستكون متكبرة مزهوة ~~بغنى أبيها مهما كان ضئيلا. # وجاء الشيخ إسماعيل وعلى وجهه قترة: يا مرحب يا توفيق أفندي. ~~- مرحبا بك. ~~- القهوة يا صبيحة. ~~- لا داعي لها. ~~- إكرام الضيف واجب. ~~- حتى وإن كان ضيفا ثقيلا؟ ~~- معاذ الله أنت رجل أمير وابن حلال. ~~- ولكن هذا لا يمنع أن مجيئي غير مرغوب فيه. ~~- لا قدر الله. ~~- أخذ السلفة سهل مريح، ولكن سدادها صعب ثقيل. ~~- أنت تعرف أننا لم نجمع القطن. ~~- وصل الأمانة لا تاريخ له، ولا شأن لي بجمع القطن. ~~- معروف أن الفلاحين يسددون ديونهم كلها بعد جمع القطن وبيعه. ~~- فلماذا لم تقل لي إن موعد السداد بعد بيع القطن؟ ~~- حسبت أن هذا الأمر لا يحتاج إلى قول. ~~- في الديون وسدادها لا بد من الاتفاق ... حتى القرآن أكد هذا المعنى. ~~- ما دمت ذكرت القرآن هل يوافق كتاب الله على الربا؟ ~~- إن ما أفعله ليس ربا، إنما هو ريع للمال. ~~- علم الله أنه ربا وأنا وأنت مذنبان، وأرجو من الله الغفران فهو يعلم سبحانه مقدار حاجتي ~~لهذا المال الذي استلفته. ~~- على كل حال أنا لم أجئ إليك لندخل في مناقشة شرعية. ~~- أنا متأكد من هذا، وأعرف تماما ما جئت لأجله. ~~- المقصود ماذا أنت فاعل؟ ~~- لا يقدر على القدرة إلا الله. ~~- فما قولك فيمن يتنازل لك عن الدين كله، أصله وفوائده. ~~- طبعا أنت لا تعني ما تقول. ~~- ما قولك إذا كنت أعنيه؟ ~~- لا بد أنك ستطلب مني مقابلا لذلك. ~~- الله ينور عليك. ~~- ولا بد أنه طلب كبير. ~~- بنتك صبيحة. ~~- ماذا؟! ~~- اسمها صبيحة وهي فعلا صبيحة. # وبدا الرعب على وجه الشيخ ms05 إسماعيل وهو يتمتم: لا حول ولا قوة إلا بالله. ~~- ما لك فزعت كأنما ظهر لك عفريت من الجن؟ ~~- ألا تعرف لماذا فزعت؟ ~~- حسبتك ستفرح وتبتهج للحظ العظيم الذي واتى ابنتك الوحيدة. ~~- يا رجل البنت مخطوبة. ~~- ولكنها لم تتزوج ولا كتبت كتابها، وأظن لا تستطيع أن تقارن بيني وبين خطيبها ~~عمران. ~~- يا توفيق أفندي ألم تسمع أن النبي # صلى الله عليه وسلم # نهى المسلمين أن يخطبوا على خطبة ~~إخوانهم. ~~- سمعت، ولكني سأتحمل وحدي هذا الذنب ولا حرج عليك أنت. # فقال الشيخ إسماعيل في أسى: إذا كنت ترتكب الكبائر التي نهى عنها الله وهو الله، فلا شيء يستغرب عليك أن تفعل هذا ~~بالخلق الذي أمر به رسوله، عليه الصلاة والسلام. ~~- هذا ذنب يقع عواقبه علي أنا وحدي، فماذا قلت؟ ~~- ألا أسألها؟ ~~- وافرض فرضا أنها مجنونة ورفضت، ألا تقدر أنت العواقب؟ إن الذي معي وصل أمانة ~~عقوبته الحبس، وليس كمبيالة. ~~- وحتى السؤال محرم علينا؟ ~~- وماذا أنت فاعل إذا لم توافق؟ ~~- أروح في داهية. ~~- نقرأ الفاتحة؟ ~~- أتحفظها؟ أو تدرك قوله سبحانه: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، ~~الرحمن الرحيم، فوصف نفسه بالرحمن الرحيم مرتين في ثلاث آيات. أتعرف أنت الرحمة ~~الرحيمة؟ ~~- نقرأ الفاتحة. ~~- نقرؤها والأمر له من قبل ومن بعد. # ووضع كلاهما يمناه في يمين الآخر وتمتما بفاتحة القرآن الكريم، ولكن القراءة لم تمنع ~~الشيخ إسماعيل أن يكون في غاية الإحباط، ويكون توفيق في غاية السعادة. ~~••• # | الفصل الثالث # أصيبت صبيحة بصدمة ودهشة حين أبلغها أبوها بالنبأ، ولكن ما لبثت هذه الصدمة أن وهنت. وأين ~~عمران من توفيق صاحب الأربعين فدانا. ربما أراد لي الله أن أعيش عيشة بعيدة عن القحط ~~والفقر والعوز الذي أحياه أنا وأبي، ومستقبلي مع عمران كان سيسوده نفس الفقر، إن لم يكن ~~أدهى وأمر. وأي مصير كنت سألقاه إذا خلفت أولادا؟ إن الأمر حينذاك سيكون بالغا حد العوز ~~والفاقة. # وماذا عن حبك لعمران؟ يغور الحب وأيامه. وهل كنت وجدت خيرا منه ولم أحبه؟ ابن عمي وشكله ~~مقبول وأدركت ms06 أنه سيطلبني للزواج، فصبرت نفسي على الهم وهيأت نفسي لقلبي أنه يحبه، والله ~~يعلم أنه لا حب هناك ولا يحزنون، وإنما كان رضى بالأمر الواقع. وأنه يملك ثلاثة فدادين أمر ~~نادر بين شباب الفلاحين. ولن يجد أبي عذرا يجعله يرفض زواجه مني. الحمد لله غمة وانزاحت ~~وأراد الله لي أن أصبح ستا لا خادمة. فإنني لو كنت تزوجت من عمران كنت لا شك سأخدم في ~~البيوت حتى تصبح حياتي أنا وهو قابلة للعيش، ولن أستطيع أن أرفض الخدمة. فأولا أنا أقوم ~~بها وأنا في بيت أبي، وحين أصير زوجة عمران ستصبح خدمة البيوت حتمية إن كانت في بيت أبي ~~اختيارية. نعم يقولون عن توفيق إنه بخيل. ولكن مهما كان بخله فهو أهون من حياة العوز التي ~~أعيشها مع أبي، أو تلك التي كنت سأحياها مع عمران إذا تزوجته. على كل حال الزواج من غني ~~بخيل خير من فقير كريم. # الخيرة فيما اختاره الله. # وهكذا كانت صبيحة أقرب إلى السعادة بطلب توفيق ليدها. وقد تعجب أبوها مما أحسه من حبورها ~~الذي يقترب من البهجة، فقد كان يتوهم أنها تحب ابن عمها، وكان يحسب أن ابنته ستحزن لاضطراره ~~أن يقبل الخطبة الجديدة ولرفضه لعمران ابن أخيه. وكان يشعر بتأنيب الضمير أنه فسخ خطبة ~~ابنته ممن كان يظن أنها تحبه حتى إنه قال لابنته في صراحة: أنا آسف يا صبيحة، فقد كان حبسي هو البديل عن زواجك من توفيق. # ودهش أنها قالت له في غير مبالاة وفي صوت فيه رنة قريب من السعادة والابتهاج: ولا يهمك يا أبي، ربما يكون ربنا أراد بي خيرا. ~~- فأنت لا تلومينني. ~~- ألومك؟! معاذ الله. ~~- الحمد لله. لقد أرحتني من الهم الذي ركبني. ~~- يا أبي أتكون مهموما لأنك زوجتني من رجل في غنى توفيق؟ ~~- حسبتك تحبين ابن عمك. ~~- الحب مقدور عليه. ~~- لقد أرحتني يا ابنتي. أرجو الله عز وجل أن يكتب لك السعادة مع زوجك. ~~- آمين يا رب. ~~••• # أما عمران فقد نزل عليه الخبر نزول الصاعقة، فقد كان ms07 فعلا يحب صبيحة. وحاول أن يعاتب عمه ~~ولكن الشيخ إسماعيل روى له الظروف التي تعرض لها عند قبوله لهذه الخطبة، ولم يجد عمران ما ~~يقوله. ولكن الشيخ إسماعيل سأله في وضوح: هل ألام على ما فعلت؟ # وفي حزن وأسى: لا لوم عليك، وإنما اللوم على الرجل الفاجر الوضيع الذي لا يخشى الله، ولا يرعى أي حق ~~من حقوق البشر. ~~- لا تحزن يا ابني. وربنا إن شاء الله يعوضك خير عوض. ~~- الأمر لله. وحسبي الله ونعم الوكيل في أمرك يا توفيق يا ابن صبحي. ~~••• # | الفصل الرابع # المعلم متولي حسنين تاجر غلال واسع التجارة في روض الفرج، وهو من تجار الجملة المعروفين. ~~وهو متزوج من امرأتين تسومانه العذاب بطلباتهما التي لا تنتهي. ولكل من الزوجتين ابنان ~~وابنة. وهكذا يكون للمعلم متولي أربعة بنين وابنتان. أما أولاده من تفيدة البرشومي فهم ~~يكبرون الأبناء الآخرين، وابنه الأكبر هو سعيد وأخوه ياسر وأختهما الشقيقة هي نوال. أما ~~أبناؤه من زبيدة الكرماوي فهم سليمان وأخته التي تصغره فريدة وأخوها الأصغر شكري. والأبناء ~~جميعهم في المدارس ما عدا سعيدا الذي في السابعة عشرة من عمره، وأخرجه أبوه من التعليم ليعمل ~~معه في التجارة. أما الأبناء الآخرون جميعا والبنتان فقد كانوا ما يزالون تلاميذ لأن سنهم ~~لم تكن تسمح لهم بالعمل مع أبيهم. أما البنتان فقد كانتا صغيرتين وما تزالان تلميذتين في ~~المراحل الأولى من التعليم. وطبعا كان الزواج هو المصير الذي ينتظرهما، ففلسفة المعلم متولي ~~أن البنت ليس لها إلا الزواج. # وقد أثر زواج متولي بزوجتين وكثرة الأبناء على تجارته، فقد كانت مصروفاته تكاد تبتلع ~~مكاسبه. وقد جعله هذا يذهب إلى القرى ويشتري الغلال بنفسه بدلا من أن يشتريها من التجار ~~الذين يتعامل معهم زملاؤه. وقد جعله سفره إلى المحافظات يشتري الأقطان أيضا ويبيعها لصناع ~~الأثاث. وهكذا لم يكن غريبا أن يذهب المعلم متولي إلى توفيق الذي كان حديث الزواج: صليت بنا على النبي. ~~- عليه ألف صلاة وسلام. ~~- أنا أحببتك. ~~- من القلب إلى القلب. ~~- ما رأيك أني ms08 أريد أن أشتري منك محصولك كله كل عام. ~~- وما رأيك أن عندي فكرة أحسن. ~~- عجل بها. ~~- ما رأيك أن أشاركك. # وصمت متولي وراح يفكر: ما البأس؟ # الواضح أنه مليء وأمواله ستجعل تجارتي أكثر سعة، وتعاونني على المصاريف الكبيرة التي ~~أنفقها على المرأتين والأولاد. # وقال توفيق: الأمر يحتاج كل هذا التفكير؟ ~~- على بركة الله قبلت المشاركة. ~~- توكلنا على الله. ~~- متى تستطيع أن تأتي إلي؟ ~~- غدا إذا شئت. ~~- اجعلها بعد غد، حتى أكون قد حددت موعدا مع المحامي ليكتب عقد الشركة. ~~- وهو كذلك. إنما أريد منك خدمة أخرى. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- أريد مكانا للسكنى. ~~- آه ... هذا أمر ليس يسيرا، وإنما توكل على الله. ~~- اجعل محاميك يشترك معك في هذا الموضوع. ~~- وهو كذلك. إنما طبعا أنت تعرف أنك ستدفع عند التعاقد مبلغا محترما. ~~- طبعا أعرف. ~~- اتفقنا. ~~- على بركة الله. ~~- على بركة الله. ~~••• # | الفصل الخامس # قال توفيق لزوجته: أنا ذاهب إلى مصر. # وفي صرخة طفلة ساذجة: خذني معك. ~~- هذه المرة لا، ولكن من يعلم ربما نعيش هناك. ~~- والنبي؟ ~~- والنبي. ~~- أنا سأبشرك بشرى حلوة. ~~- هل أنت حامل؟ ~~- في الشهر الثاني. ~~- أرجو أن يكون ولدا. ~~- إن شاء الله. والبنت ما لها؟ ~~- الولد يختار عروسه، أما البنت فيختارها العريس. ~~- وما له؟ ~~- على رأيك. ولكن لا تتعبي نفسك في شغل البيت. ~~- إذن أعد وهيبة إلى خدمتنا. ~~- ليس إلى هذا الحد. ~~- تساعدني؟ ~~- الأمر لا يحتاج إلى مساعدة. حين تلدين قد نفكر أن نأتي لك بمن يساعدك. ~~- ربما نكون في مصر، والخدم هناك أجورهم عالية جدا. نحضر وهيبة من الآن بأجرها الضئيل، ~~ونأخذها معنا إلى مصر وسيكون هذا أوفر لك. ~~- وهل تذهب وهيبة إلى مصر؟ ~~- وماذا يمنعها؟ إنها مقطوعة من شجرة. ~~- والله فكرة. أحضريها. ~~- ربنا يطيل عمرك. # وهكذا عرفت صبيحة مداخل الطلب من زوجها، فهو لا يقبل على شيء إلا إذا كان يوفر له مالا، ~~ولا يعنيه شيء في العالم غير هذا. # ولذلك فهو غير غاضب على زوجته صبيحة ذات الجهل الفاضح، حتى إنه لا يستطيع أن يحادثها في ~~أي ms09 شيء من مشروعاته المالية. وإن كانت صبيحة تعرف القراءة والكتابة فإن هذه المعرفة منها لا ~~تعنيه في شيء، فهو نفسه لا ينتفع بما تعلمه من قراءة أو كتابة. حتى الصحف لا يشتريها فإن ~~وجد منها شيئا عند صديق له لا يكاد يقرأ فيها شيئا. ولذلك وجد في صبيحة كل ما تهفو إليه ~~نفسه. فهي في البيت لخدمته فقط. وإذا كان لها طلب عنده فهي تدري كيف تطلبه منه بذكاء فطري ~~عفوي. فمثلا حين أرادت أن ترجوه أن يشتري لها فستانا قالت في خبث فطري: أنا الآن زوجتك ومقامي من مقامك. ~~- طبعا. ~~- والفلاحات كثيرا ما يحضرن إلي. ~~- المهم؟ ~~- إذا رأينني ألبس كما يلبسن سيلقين عليك أنت اللوم. ~~- طظ. ~~- النسوان كما تعرف صاحبات تأثير كبير على أزواجهن، وأنت لن تستطيع أن تعيش وحدك. ~~- أنا أعيش مع أموالي. ~~- أموالك هذه لن تغنيك عن معاشرة الناس. ~~- المهم ماذا تريدين؟ ~~- فستانين. ~~- لما نذهب إلى مصر. ~~- يكون أحسن. ولكني في مصر سأقابل ستات وسيعرفن أخلاقك من ملابسي. والذين سنذهب إليهم في ~~مصر لا يعرفونني ولا يعرفونك، وسيحكمون بنظرتهم إلى ملابسي إن كنت تنفق على أهل بيتك أو أنك ~~بخيل. ~~- والله صحيح. ~~- طبعا صحيح. ~~- حين أرجع من مصر أشتري لك فستانا. ~~- واحدا؟ ~~- اثنين. ~~••• # | الفصل السادس # نزل من القطار وراح يسأل الناس أن يدلوه على المواصلات الذاهبة إلى روض الفرج، فلم يستطع ~~أحد أن يدله. فاحتسب الله وركب سيارة أجرة ... والنزول من سيارة يعطيني قيمة غير الذهاب ~~للمعلم متولي ماشيا. # لم يكن عسيرا عليه أن يجد الوكالة التي يبحث عنها. وعاجله المعلم متولي: يا مرحبا يا أهلا وسهلا. ماذا تشرب؟ ~~- ما تشاء. ~~- يا سعيد قل لهم أن يأتوا بكوب عصير قصب لعمك توفيق بك. # ونزل لقب بك على قلب توفيق بردا وسلاما، فهم هنا لا يعرفون بعد أنه مراب كما كان أهل ~~بلدته يعرفون. ولهذا لم يكونوا ينادونه إلا بتوفيق أفندي. وانتبه من سرحته ليقول في ~~سرعة: تشكر. # ووجد متولي يقول: أولا أعرفك بابني البكري سعيد. أخرجته من ms10 المدارس ليكون معي في الوكالة. ~~- خيرا فعلت. باسم الله ما شاء الله! أهلا يا عم سعيد. ~~- عمك توفيق بك صبحي سيصبح كما قلت شريكا لنا. # ويقول سعيد: يا أهلا يا مرحبا! ربنا يجعل قدومه علينا أخضر إن شاء الله. # ويقول متولي: من أجل هذا طلبت عصير قصب، فالذي أوله سكر سيكون كله سكر. # ويقول توفيق: إن شاء الله. ما الأخبار؟ ~~- كلها خير إن شاء الله. ~~- يا ترى هل تذكرت موضوع الشقة؟ ~~- طبعا تذكرته. ~~- خيرا إن شاء الله. ~~- خلو الرجل مرتفع جدا. ~~- وما العمل؟ ~~- أنا عندي فكرة. ~~- الحقني بها. ~~- لماذا لا تشتري شقة وتكون ملكك، وفي نفس الوقت لا تخسر خلو الرجل الذي سترميه بدون ~~مناسبة؟ # وصمت توفيق بعض الوقت. وانتظر متولي عليه ليأخذ فرصته في التفكير. خلو الرجل فلوس ~~سيبتلعها المؤجر ولن تعود علي بأي فائدة، ثم إن الإيجار بعد ذلك سيكون مرتفعا. أما شراء ~~شقة تصبح ملكا خالصا لي فهي رأس مال. وأنا نويت أن أقيم في مصر دائما فلا عمل لي في ~~البلد إلا تسليف الخلق. وهذا أمر أستطيع أن أمارسه في مصر بشكل أوسع وبعائد أكبر. التفت إلى ~~متولي وقال له: والسعر؟ ~~- معقول. ~~- هل وجدت شيئا؟ ~~- واتفقت مع صاحب الملك وأمهلته حتى تأتي. ~~- كم حجرة؟ ~~- ثلاث حجرات وفسحة كبيرة. ~~- العمارة كم دور؟ ~~- خمسة وبها مصعد، وفي كل دور أربع شقق. ~~- والشقة في أي دور؟ ~~- في الرابع. ~~- المصعد هو الذي جعل الشقة غالية. ~~- يا توفيق نحن الآن عندنا صحة ونستطيع أن نصعد أربعة أدوار. ولكن السكن للعمر كله ~~فالمصعد سنحتاجه. ~~- هل يمكن أن أراها؟ ~~- الآن، وهي قريبة من هنا وعلى النيل. ~~- سيارتك معك؟ ~~- تحت أمرك. ~~- هلم بنا. ~~- توكلنا على الله. ~~••• # واصطحب متولي ابنه سعيدا وذهب ثلاثتهم إلى الشقة. وكان الحاج خيري الوزان المالك الذي ~~كان في انتظارهم في العمارة ورافقهم في الصعود إلى الشقة التي بهرت توفيقا إبهارا شديدا. ~~ولكنه استطاع في مقدرة التاجر المرابي أن يخفي إعجابه حتى لا يطمع المالك في الثمن. وأحضر ~~المالك خيري الوزان ms11 بعض الكراسي وقعدوا. وقال خيري التاجر المتمرس لتوفيق: واضح أن الشقة دخلت مزاجك. # وانتاب توفيقا الأسف أنه لم يستطع أن يخفي إعجابه إخفاء تاما، وقال: لا بأس بها. ولو أن الحجرات ضيقة بعض الشيء. ~~- المهندس الذي رسمها من أكبر المهندسين في مصر، واتساع الحجرات هو القاعدة التي تسير ~~عليها كل العمارات. ~~- النهاية هل أنت مصمم على السعر الذي قلته للمعلم متولي؟ ~~- هذا موضوع لا جدال فيه. ~~- هل تنوي أن تبيع الشقق كلها بنفس السعر؟ ~~- لا. أنا أبيع هذه الشقة فقط، أما الشقق فقد أجرتها كلها. ولكن الفلوس قصرت معي بعض ~~الشيء فقلت أبيع هذه الشقة. ~~- صل على النبي. أنا سأترك بلدتي وآتي لأعيش هنا. وأحب أن تكرمني، فأنا أبدأ حياة جديدة ~~علي. ~~- والله هذا شأنك، أما أنا فلا أستطيع أن أخفض شيئا من السعر، فهذا سيجعل الأمر ~~بخسارة. # واستمرت المحاكاة بين خيري الوزان وتوفيق صبحي مدة تجاوزت الساعتين، ولم يستطع توفيق أن ~~ينزل السعر إلا بمقدار ألفي جنيه واشترى الشقة. # وكان متولي وسعيد صامتين تقريبا طوال الجدال الذي دار بين توفيق وخيري، حتى إذا تمت ~~الصفقة تنفسا الصعداء. ولكن بعد أن وقر في نفس متولي أن الشركة مع توفيق لن تكون سهلة أو يسيرة. وقال متولي ~~لتوفيق: موعدنا مع المحامي فات، فما رأيك؟ ~~- نذهب إليه بعد الظهر، وبالمرة يكتب عقد الشقة. ~~- كلام معقول ... إذن تتغديان عندي أنت والحاج خيري ونذهب ثلاثتنا إلى المحامي بعد ~~الظهر. # ودار جدال شديد بين ثلاثتهم فيمن يدعو الآخرين على الغداء. وكان صوت توفيق أكثرهم ضعفا ~~وهمسا. وحسم المعلم خيري النقاش بقوله: أنا الوحيد الذي قبضت فلوسا، فأنا الذي أدعوكم وأمري إلى الله. # وضحك ثلاثتهم وتم الغداء في مطعم الكباب على حساب خيري. # وتمشى أربعتهم بعض الوقت وجلسوا إلى مقهى، ودفع متولي ثمن الطلبات حتى إذا أصبح الموعد ~~مناسبا ذهبوا إلى محامي متولي الأستاذ حسان المهدي. # وبدأ خيري الحديث بأن طلب من حسان المهدي كتابة عقد الشقة. وأخذ المحامي البيانات ~~المطلوبة وانصرف خيري إلى طيته وبقي ms12 متولي وتوفيق وسعيد. # وقال متولي لحسان: نريد أن تكتب لنا عقد شركة بيني وبين توفيق بك. ~~- على بركة الله. # والعجيب أن شروط العقد بين متولي وتوفيق لم تستغرق وقتا يذكر، مما جعل بعض الطمأنينة ~~تراود متولي بعد ما رآه من توفيق عند شرائه للشقة. # والواقع أن لكل من الشريكين أسبابا قوية في الحرص على هذه الشركة، فقد كان لمتولي جار في ~~الوكالة يضيق عليه الخناق، فقد كان يبيع نفس ما يتاجر فيه متولي من أقطان وحبوب. وكان هذا ~~الجار مدبولي وهبة يرخص أثمان بضاعته، الأمر الذي كان يضيق به متولي غاية الضيق. وقد كانت ~~مشاركة توفيق له تمكنه من إرخاص الأسعار حتى لا يستطيع مدبولي أن ينافسه. # أما توفيق فقد كان تواقا إلى الحياة في القاهرة ليتوسع في الإقراض بالربا. وكانت هذه ~~المشاركة تتيح له الأموال الضخام التي يهفو إليها. ~~••• # | الفصل السابع # توفيق فتى ما يزال شابا وقد كان عادي القسمات، فإذا رأيته لا تستطيع أن تميزه بشيء ~~معين، فهو أسمر الوجه سمرة خفيفة، واسع العينين إلى حد ما، خفيف الشعر والحركة معا، وكان ~~يرتدي الحلة الإفرنجية ويحرص على أن يطوق عنقه برباط، وليس يعنيه أن تكون الحلة أو رباط ~~العنق أو الحذاء على شيء من الأناقة، فقد كان شحه الشديد يجعله لا يشتري إلا أرخص الملابس، ~~معتقدا في فلسفة البخلاء أن أحدا لن ينتبه إلى رخص ما يرتديه. # أما متولي فقد كان على شيء من السمن، وكان يرتدي الملابس البلدية، ولكنه كان يحرص على أن ~~يكون ما يلبسه من نوع جيد في غير إسراف ولا بخل. # وكان ابنه سعيد نحيف القوام لا يخلو وجهه من ملاحة، وكان يرتدي القميص والبنطلون فإذا حل ~~الشتاء زاد عليهما بلوفر من الصوف. ~~••• # بات توفيق ليلته في فندق بسيدنا الحسين، وسافر في اليوم التالي إلى البلدة ولقيته صبيحة ~~في ابتسامة عريضة، وقد كان وجهها يزداد جمالا حين تبتسم، فقد كانت ذات وجه أقرب إلى ~~الاستدارة ولها شعر تجيد تصفيفه، وكانت ما تزال نحيفة فآثار ms13 الحمل لم تكن ظهرت عليها طبعا. ~~قالت: الحمد لله على سلامتك. ~~- الله يسلمك. ~~- إن شاء الله يكون المشوار خيرا؟ ~~- خير كل الخير. اشتريت شقة لنا. وأما أموري الأخرى فقد سارت على خير ما يرام. # وكان توفيق قد تعود في حديثه مع صبيحة ألا يطلعها على شيء من أعماله أو آماله، فقد بدا له ~~منها في وضوح أنها لم تكن تعنى بشيء من هذه الأمور، فليس يعنيها من زوجها إلا ما كان متصلا ~~بشخصها، أو البيت الذي تعايش زوجها فيه. فلم يكن غريبا على توفيق أن لم تسأله عن شيء إلا ~~الشقة. ~~- هل الشقة حلوة؟ ~~- على النيل. ~~- كم حجرة؟ ~~- ثلاث حجرات واسعة وفسحة نستطيع أن نضع فيها المائدة. ~~- مبروكة إن شاء الله. ~~- والأثاث هل سنشتريه من هناك أم من هنا من البندر؟ ~~- لا من هناك ولا من هنا. ما له هذا الأثاث؟ ~~- هذا الأثاث من أيام زواج أبيك الله يرحمه. ~~- وإن كان من أيام زواج جدي. ~~- شقة جديدة أليس من الطبيعي أن يكون أثاثها جديدا؟ ~~- الطبيعي أننا نأخذ هذا الأثاث. ~~- وأنت إذا جئت إلى هنا؟ ~~- سأحتاج إلى سرير وكرسي ومنضدة. نترك هذه الأشياء ونفرش بباقي الأثاث الشقة ~~الجديدة. ~~- وإذا جئت إلى هنا وزارك بعض الناس، ألا يجدون كرسيا يجلسون عليه؟ ~~- نترك أربعة كراسي. ~~- أهذا معقول؟ ~~- هذا هو المعقول. ~~- يا عالم شقة جديدة نؤثثها بأثاث أكل عليه الدهر وشرب. ~~- اسمعي، لا مناقشة في هذا. ~~- ما دام معك ما تستطيع أن تجدد به أثاث بيتك ... ~~- ولا كلمة. # وانقطع الحوار. فصبيحة إن تكن تستطيع أن تنسرب إلى عميق بخله لتشتري فستانا أو اثنين، ~~فهيهات لها وألف هيهات أن تجعله يشتري أثاثا جديدا. ~~••• # كان لتوفيق بعض الديون عند الناس وكان لديه لكل دين إيصال أمانة. فطاف على المدينين ~~واستخلص منهم أمواله غير عابئ بالدماء التي نزفت من المدينين ليسددوا له ديونهم. # وكان المدينون جميعا يعلمون أن لا شيء في العالم يستطيع أن يزحزحه عن هذا الوعيد. فكلهم ~~لم ينس كيف تزوج ابنة الشيخ إسماعيل. ~~••• # وضع ms14 توفيق أثاث بيته جميعا في سيارة لوري وترك من الأثاث ما أخبر به صبيحة. وركب هو ~~وصبيحة بجانب السائق بينما سافر الحمالان في ظهر السيارة مع الأثاث. # وحين رأت صبيحة الشقة رضيت عنها، وإن كانت ما تزال غاضبة بعض الشيء أنها لم تستطع أن تقنع ~~زوجها بشراء أثاث جديد. إلا أنها كانت تعرف بخله الشديد، وكانت قد تعودت عليه واحتسبت في ~~شأنه الله فهو نعم الحسب ونعم الوكيل. ~~••• # لم يكونا قد انتهيا من رص الأثاث حين فوجئا بالمعلم متولي وزوجته الأولى تفيدة البرشومي ~~يدخلان من باب الشقة الذي كان مفتوحا، ووراءهما سعيد يحمل صينية كبيرة مغطاة وضعها على ~~المائدة. # وفوجئ بهم توفيق وصاح متولي: أهلا وسهلا. ~~- أهلا بكم في مصر. هذه زوجتي تفيدة، أما سعيد فأنت تعرفه. ~~- أهلا. وهذه زوجتي صبيحة. ~~- صممت أن أتغدى عندك اليوم. ~~- الواضح إنك أنت الذي ستغديني. ~~- لا فرق. ~~- تفضلوا بالجلوس. يا وهيبة أعدي المائدة. # وقالت تفيدة لصبيحة: مرحبا بك في مصر. واضح أنكم لم تنتهوا بعد من رص الأثاث، دعيني أساعدك. ~~- يا أهلا بك كثر خيرك. الباقي حاجات بسيطة. ~~- وما له؟ فقط نجعل الرجال يقعدون ويدي في رص الأثاث على يدك. # وجلس متولي وتوفيق وسعيد في غرفة كان بها بعض الأثاث. وقال متولي: زوجتك قريبتك؟ ~~- هي ابنة رجل طيب من بلدنا، وهي حامل. # وسمعت تفيدة هذه الكلمة وصاحت صبيحة: أنت حامل؟ # وفي بعض الخجل قالت: نعم في الشهر الثاني. ~~- إذن تقعدين مع الرجال واتركيني مع وهيبة نرص كل شيء. ~~- هل هذا معقول؟ ~~- هذا هو المعقول الوحيد. # وانصاعت صبيحة وجلست مع الرجال. ودار الحديث الذي لم تشارك فيه صبيحة بشيء يذكر، فقد كان ~~الحديث كله حول مدبولي وما يصنعه بمتولي. وانتهى بتوفيق قائلا: لا تفكر فيه أنا عندي دواؤه. ~~- تعمل في معروف العمر. ~~- فقط أعطني بعض الوقت. ~~- عندك من الوقت ما تشاء. ~~- حتى أعرف العاملين معك، وأعطي نفسي فرصة للتعرف على العمل في الوكالة. ~~- بسيطة. ~~- توكل على الله. ~~••• # سار العمل بين الشريكين على خير ما يكون ms15 ، فقد كانا متوافقين في أخلاقهما الخاصة بالعمل. ~~ولم يؤثر شح توفيق على عملهما معا فقد كان متولي يشجع هذا البخل في التجارة، فالعائد منه ~~ينتفع به الشريكان. ومرت الأيام وغير متولي رأيه في توفيق، ذلك الرأي الذي ثبت في ذهنه ~~حين كان توفيق يماكس الحاج خيري الوزان في شراء الشقة. ~~••• # | الفصل الثامن # أصبحت صبيحة صديقة حميمة لتفيدة البرشومي وزبيدة الكرماوي زوجتي متولي. وقد تعجب أن ~~تتفق ضرتان على صداقة واحدة، ولكن إذا علمت أنهما ضرتان على غير خلاف، وهو أمر نادر الحدوث ~~ولكنه حدث، وهكذا لا عجب هناك. وكذلك لا عجب أن الضرتين عاونتا صبيحة عندما ولدت ابنتها ~~التي أسماها بموافقة أمها «مبروكة»، تفاؤلا بنقلتهم إلى القاهرة. ومر عام آخر وجاءت صبيحة ~~بأخ لمبروكة أسمياه «فتحي» آملين أن يكون فاتحة خير. # وبعد الولادة بأيام قال توفيق لزوجته: الحمد لله أصبح عندنا الولد والبنت. ~~- أنا فاهمة قصدك. ~~- ما رأيك؟ ~~- الأمر أمرك. ~~- علينا أن نفكر في المصاريف التي سننفقها عليهما. ~~- أنا طبعا أعرف طبعك ولن أحمل بعد هذا، إنما لي عليك شرط. ~~- منذ متى يكون لك علي شروط؟ ~~- هذه المرة فقط، وبعد ذلك لن تسمع مني هذه الكلمة أبدا. ~~- قولي. ~~- يتعلم الاثنان حتى يأخذا الشهادة العالية. ~~- الاثنان؟ ~~- أنا خرجت من المدرسة صغيرة، ولهذا تجدني لا أفهم شيئا من أعمالك مطلقا ولا أريد ~~لمبروكة أن تصبح مثلي. ~~- وإذا جاءها العريس؟ ~~- ينتظر حتى تتم تعليمها. ~~- نحن نتكلم عن أشياء يفصل بيننا وبينها سنوات طوال. ~~- أعرف، ولكن أريد أن أطمئن. ~~- توكلي على الله. ~~- كله على الله. ولكني أريد أن أسمع منك وعد رجل. ~~- أعدك وأمري إلى الله. ~~••• # انفرد توفيق بمتولي في الوكالة وقال متولي: أنت تأخرت علي في موضوع مدبولي. ~~- العمال عندك لا يصلحون للعملية التي أريد القيام بها. نأتي بعمال معهم. ~~- تنزل البلد وتأتي لي بكم رجل من أولاد الليل الذين يفوتون في الحديد. ~~- ما أكثرهم عندنا. ولماذا لم تقل لي هذا من زمان؟ ~~- لا شأن لك. كنت أحتاج إلى وقت لأدرس العملية. ~~- أنزل ms16 بكرة البلد. ~~- توكلنا على الله. ~~- كم رجلا تريد؟ ~~- يكفيني اثنان يقومان بالعملية ويعودان. ~~- ولماذا يعودان؟ سيبقيان في الوكالة. ~~- يبقيان في الوكالة؟! ولماذا ندفع لهما مرتبا. ~~- لا تخف، أمثال هذين مكسب. وإن كنت لا تريدهما أعطيهما المرتب من نصيبي في ~~الوكالة. ~~- لا. سأشترك معك فعلا، وجود مثلهما مكسب. ~~••• # ازداد مكسب الشريكين، وبعد أن كانت الأرباح تعد بالآلاف دخلت ميدان الملايين. وكان كلاهما ~~لا يقنع بما يكسب وإنما كلاهما يطلب المزيد. وطبعا اتسعت تجارة توفيق في الإقراض بالربا ~~الفاحش، وقد ارتفعت الأرقام إلى مبالغ كبرى ولم يعد يقبل من المدين إيصال أمانة بل حل مكانه ~~الشيك. والعجيب أن هذه الأموال الضخام لم تمنع توفيقا أن يفكر لتدبير عملية مدبولي ليزداد ~~هو وشريكه بها ثراء. ~~••• # أحضر متولي معه سرحان النمر وبكري الشماع، وكان كلاهما من القتلة المحترفين. وحين عرف ~~توفيق تاريخ حياتهما راح أربعتهم يضع تفاصيل الخطة التي فكر فيها توفيق. ~~••• # كان التدبير يوم السبت، وتم الاتفاق على التنفيذ يوم الإثنين. # وفي مساء يوم الإثنين خرج سرحان النمر وبكري الشماع ومعهما صميدة الضبع أحد عمال متولي ~~القدامى، ويمت بصلة قرابة لبكري الشماع. خرج ثلاثتهم في بهيم الليل ومع كل منهم مسدس سريع ~~الطلقات، وكان صميدة يحمل في يده صفيحة من البنزين وكان الثلاثة يحمل كل منهم عصا غليظة. ~~وكانت الأوامر التي صدرت إليهم ألا يقتلوا أحدا من الخفراء إلا إذا اضطروا لذلك ضرورة ~~حتمية، كما كانت الأوامر تقضي بأن يبتعدوا مع إشعال النار عن السور الذي يفصل وكالة متولي ~~عن وكالة مدبولي. # كان على باب وكالة مدبولي خفير مسلح، فاجأه سرحان بضربة عنيفة على رأسه أفقدته الوعي. ~~وكان ثلاثتهم يعلمون أن بالوكالة ثلاثة خفراء، ووجد المهاجمون الخفراء الثلاثة يدخنون ~~الجوزة حول نار أوقدوها. # وضع صميدة صفيحة البنزين على الأرض، وتهامس ثلاثتهم وعرف كل منهم الشخص الموكول به أن ~~يضربه. وتم ما اتفقوا عليه دون أن يلاقوا من الخفراء الثلاثة أية مقاومة. وراح صميدة يصب ~~البنزين على البضاعة الموجودة بالوكالة جميعها، مبتعدا عن السور ms17 الفاصل بين الوكالتين، ~~وخرج المهاجمون الثلاثة سالمين وتم الحريق. ~~••• # عرف مدبولي الفاعل، ونصحه محاميه عاطف الزيني أن يقدم بلاغا إلى النيابة يتهم فيه متولي ~~بالحريق. وقال مدبولي: لا شك أنه هو ولكن أين الدليل؟ ~~- نقول في التحقيق إنك ليس لك أعداء إلا هو. ~~- أنت تريد أن تعمل قضية من الهواء. هل هذا يصلح دليلا؟ وأرتج على عاطف وسلم أمره إلى ~~الله. ~~••• # ذهب مدبولي إلى متولي في الوكالة وكان توفيق جالسا معه: عملتها يا متولي؟ ~~- ما هي التي عملتها؟ ~~- لا فائدة من الكلام، طبعا لن تعترف. ~~- إن كنت عملت حاجة أعترف. ~~- أنا قلت لك لا فائدة من الكلام. طلباتك؟ ~~- أنا ليس لي طلبات. ~~- معنى هذا أنك لن تسكت عني. ~~- أنا فعلا ساكت عنك. ~~- قل طلباتك. ~~- إن كان على طلباتي فأنت تعرفها. ~~- أعرفها، ولكن أحب أن أسمعها منك. # وهنا قال توفيق: كلاكما يعرف ما يريد من الآخر، فما الداعي لإضاعة الوقت؟ # وقال مدبولي: وهو كذلك يا سي توفيق. أنا أعلم أن متولي لا يريدني أن أبيع أرخص منه. ~~- أليس هذا عدلا؟ ~~- لا شأن لنا بالعدل. لك علي أن نتفق على السعر كل شهر. ~~- وهو كذلك. ~~- وطبعا لن تبيع بسعر أقل من سعري. ~~- توكلنا على الله. ~~••• # | الفصل التاسع # قال توفيق لمتولي: أنا أرى أن أثمان المباني ترتفع. ~~- فعلا، ففي الأيام السود كان لا أحد يضع حجرا على حجر مخافة أن يصادر. ~~- المهم أريد أن أشتري العمارة التي أسكن بها. ~~- طبعا أنت تعرف أن الشراء لن يكون على الأساس الذي اشتريت به شقتك. ~~- أنا أعرف، وأنا أريد الشراء قبل أن ترتفع الأسعار. # وركبا سيارة توفيق وذهبا إلى مكتب الحاج خيري الوزان، وقال توفيق: أريد أن أشتري العمارة التي أسكن بها. ~~- ومن أدراك أني أريد بيعها؟ ~~- يا حاج خيري أنت مقاول كبير، والمقاول يحتاج لمال سائل ولا يهمه أن تكون له ~~عمارات. ~~- ولكني لم أعرضها للبيع. ~~- احمد ربنا أنني أتقدم لشرائها، فأنت لم تبع فيها إلا شقتي أنا والشقق الأخرى المؤجرة لا ~~تكسب منها إلا ms18 قروشا. ~~- فلماذا تريد أن تشتريها؟ ~~- مغفل. ~~- العفو لا بد أنك ناوي على نية. ~~- النية التي عندي حتى الآن هي الشراء. ~~- وأنا بائع. ~~- نتكلم في الثمن. # واستطاع توفيق بمعاونة متولي أن ينزلا من الثمن سبعة آلاف جنيه. وتم البيع وسجلاه في ~~الشهر العقاري. ~~••• # كان توفيق حين اشترى العمارة ينوي أن يخرج السكان ولكن الأمر استحال عليه، فاتفق معهم على ~~أن يزيد قيمة الإيجار. وقبل السكان اتقاء للخلافات التي تنشب بين المالك والمستأجر. ~~••• # كانت مبروكة وفتحي مجدين كل الجد في دراستهما، ولم يكن هذا عن طبيعة فيهما وإنما الفضل ~~يرجع أولا وأخيرا إلى أمهما التي كانت في دخيلة نفسها غير راضية عن جهلها، وكانت تريد أن ~~تبعد شبح هذا الجهل عن ابنها وابنتها. # استنجدت صبيحة بتفيدة البرشومي لإقناع توفيق بإدخال مبروكة إلى الجامعة، وقد فوجئت تفيدة ~~بهذا الطلب حين قالت لها صبيحة: أنا قصداك في جميل لن أنساه لك. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- مبروكة بنتي. ~~- ربنا يطيل عمرها. ما لها؟ ~~- حصلت في الثانوية العامة على مجموع كبير جدا. ~~- تسلم. ~~- وهي تريد وأنا أريد أن تدخل الجامعة بأي ثمن. ~~- الجامعة ... وماذا تفعل بالجامعة؟ ~~- البنت ذكية وتفهم في كل شيء، وحرام أن نحرمها من التعليم. ~~- بل الحرام ألا تتزوج. أنا جائية إليك لأخطبها لابني سعيد. ~~- أنعم وأكرم. ~~- وتقولين لي جامعة. ~~- وهل هذا يمنع؟ ~~- أنت إذن موافقة؟ ~~- وهل نجد لها خيرا من سعيد. فقط أسألها وسي متولي يكلم أباها. ~~- طبعا يا حبيبتي. ~~- إذن أعطيني فرصة. ~~- إذنك معك يا حبيبتي. ~~- ولكن هذا لا يمنع دخولها الجامعة. ~~- وحصولها على الشهادة العليا. ~~- إذن اتفقنا. ~~- فتك بعافية يا حبيبتي. ~~- مع ألف سلامة. # كانت صبيحة واثقة من موافقة توفيق على زواج سعيد من مبروكة، فقد تبينت من أحاديثه معها أن ~~هذا الزواج واحد من أمانيه النادرة التي باح بها لزوجته فلم يكن يحادثها في أي شيء من ~~أعماله. أما إذا كان الأمر يتعلق بزواج ابنتها فلا بأس أن يحادثها فيه. وقد سرت صبيحة من ~~الخطبة ورأت فيها وسيلة لقبول زوجها أن ms19 تدخل ابنتها الجامعة. وبادرت مبروكة بقولها: جاء لك عريس. ~~- هل معنى هذا ألا أدخل الجامعة؟ ~~- على العكس. ~~- من هو العريس أولا؟ ~~- سعيد ابن عمك متولي. # وصمتت مبروكة ولم تجب. وقد كانت هذه الخطبة متوقعة وأنا لا أعرف في بيتنا شيئا ذا أهمية ~~إلا الفلوس. فما البأس أن أتزوجه وهو غني وليس جهله مانعا، فما دام غنيا فكل شيء يغتفر ~~له. وعلى كل ليس في مصر أغنياء اليوم إلا الجهلاء. وأفاقت من تفكيرها على أمها تصيح ~~بها: ما لك سكت؟ ألا يعجبك؟ ~~- يعجبني بشرط. ~~- قلت لأمه هذا الشرط ووافقت عليه، وليس علينا الآن إلا أن نحتال على أبيك. # وحين جاء توفيق لبيته في الظهيرة، سألته صبيحة في تخابث: هل قابلت متولي اليوم؟ ~~- نعم. لماذا؟ ~~- ألم يقل لك شيئا؟ ~~- ماذا تنتظرين أن يقول؟ ~~- يعني، فقد جاءتني اليوم زوجته تفيدة. ~~- وهل يعني مجيئها أن يقول لي متولي شيئا؟ ~~- خطبت مبروكة لابنها سعيد. # وتهلل وجه توفيق: صحيح؟ ~~- نعم وحياتك. ~~- وماذا قالت مبروكة؟ ~~- موافقة بشرط. ~~- أي شرط تطلبه أنا موافق عليه. ~~- تكمل الجامعة. ~~- ماذا؟ ~~- ما سمعت. # وأطرق توفيق لحظات وقال: هل عرفت تفيدة هذا الشرط؟ ~~- ووافقت عليه. # وبعد الظهيرة من نفس اليوم جاء متولي ومعه زوجته، وتمت الخطبة على أن تدخل مبروكة الجامعة ~~ويتزوجها سعيد قبل التخرج بسنتين. ووافقت مبروكة ورنت الزغاريد في بيت توفيق. # ودخلت مبروكة كلية الهندسة قسم المعمار، وبعدها بعام واحد دخل فتحي أخوها كلية ~~الطب. ~~••• # | الفصل العاشر # كان الشيخ إسماعيل عوض يزور ابنته غرارا، وشهد الغنى الفاحش الذي أصبح يتمتع به توفيق، ~~والذي تمثل عند الشيخ إسماعيل في الأثاث الفاخر الذي بذلت صبيحة جهدها الكثيف حتى جعلت ~~توفيق يشتريه قائلة له: لقد أصبحت الآن من الأعيان، ولو جاءك زائر من زوار العمل ورأوا أثاثنا هذا لاحتقرنا، ~~ولخسرت الصفقة التي جاء من أجلها. ~~- ومن هذا الذي سيأتي؟ ~~- أنت الآن تاجر كبير ولا تأمن أن يقصد إليك زوار محترمون بينك وبينهم مصالح. # وكان في قولها هذا فصل الخطاب. # وقد بهر الشيخ إسماعيل أبو ms20 صبيحة من جمال الأثاث ومن الملابس الفاخرة التي تلبسها ابنته، ~~التي أخبرته أيضا بأن توفيق اشترى العمارة التي يسكنون بها. وحين جاء الشيخ إسماعيل لم يكن ~~بالبيت إلا ابنته التي رحبت به غاية الترحاب، ولم يكن ذلك عن صلة الرحم وحدها ولكن لأنها ~~كانت تقدر في أبيها العفة النقية، حتى إنه رفض هديتها إليه وكان قماشا فاخرا لجلباب. ~~وهكذا كان من الطبيعي وقد رفض الهدية ألا يفكر أن يستعين بابنته مهما ضاق به العيش. # سأل الشيخ إسماعيل صبيحة: أين زوجك؟ ~~- أظنه سيأتي حالا فهذا موعده. ~~- إذن أنتظره. ~~- وتتغدى معنا اليوم. ~~- لقد تغديت في مطعم بسيدنا الحسين قبل أن آتي. ~~- ألا تلاحظ يا أبا أنك لم تذق في بيتنا لقمة منذ تزوجت؟ ~~- هل يمكن أن أتغدى مرتين؟ ~~- أنا لا أقصد اليوم، وإنما أقصد حرصك على ألا تأكل عندنا. ~~- صدفة يا بنتي. المهم هل أنت سعيدة؟ ~~- رغم بخل توفيق الشديد نحمده ونشكر فضله. ~~- لا جديد في هذا. لا بد أنك تعودت على هذا البخل. ~~- يا أبا إنه كلما اغتنى زاد بخله. ~~- البخل يا بنتي ليس بالغنى أو الفقر. إنه طبيعة في الإنسان. ~~- المهم أبشرك أن مبروكة خطبت. ~~- والجامعة؟ ~~- ودخلت الجامعة. # وقصت صبيحة قصة الخطبة والجامعة على أبيها، وقبل أن تكملها جاء توفيق ورحب بحميه. وحين ~~استقر بهم المجلس قال الشيخ إسماعيل: أنا قادم إليك في عمل أرجو أن يسرك. ~~- أهلا وسهلا بك سواء كنت قادما في عمل أو في غير عمل. ~~- حفظت. أنت تعلم طبعا أن ثمن الفدان قد ارتفع ارتفاعا كبيرا. ~~- طبعا أعرف. الفدان اليوم يساوي خمسين ألف جنيه أو أكثر. ~~- عليك نور. ~~- هذا عملي، وفي نفس الوقت إيراد الفدان زاد ولكن ليس بنفس النسبة. ~~- أرسل إلي وجدي بك شاكر. ~~- عضو مجلس الشعب؟ ~~- نعم، هو يريد أن يشتري منك عشرة أفدنة. ~~- ولماذا لا يشتري الأرض كلها، والبيت أيضا بأرضه. ~~- لعله لا يملك ثمن الأرض كلها. ومن المؤكد أنه لا يريد البيت. ~~- بل عنده ثمن الأرض ومثلها مرتين، أما البيت فتستطيع أن ms21 تبيعه وتكسب منه أيضا. ~~- هل عندك مانع أن نذهب إليه معا. ~~- هل سمعت في حياتك عن بائع يذهب إلى المشتري. ~~- من جهة سمعت، نعم سمعت. ولكنك تريد أن تظهر زهدك في الصفقة حتى تبيع بثمن مرتفع. ~~- وما له؟ ~~- إذن أذهب إليه وأخبره. ~~- ومتى ترد علي؟ ~~- في ظرف يومين على الأكثر. ~~••• # وتمت الصفقة كما أرادها توفيق، وكسب فوق ثمنها أنه تعرف على وجدي شاكر عضو مجلس ~~الشعب. # وكان موقف الشيخ إسماعيل غاية في العفة والإباء، فحين عرض عليه وجدي شاكر خمسة آلاف جنيه ~~مقابل إتمامه الصفقة، قال له في شموخ: أترتضى لي هذا؟ ~~- إنه بعض حقك. ~~- لست كما تظن. # وحين عرض عليه صهره توفيق ألفي جنيه، قال له في عنف: هل كنت سمسارا عند أبيك؟ ~~- العفو. اعتبر المبلغ هدية من زوج بنتك. ~~- ومنذ متى رأيتني أقبل هدايا من زوج بنتي؟ وكيف أقبل منك هدية وأنا أرفض أن آخذ من بنتي ~~أية هدية؟ # وطبعا أحس توفيق بالسعادة، واعتبر حماه عبيطا ساذجا. # لم يكن غريبا أن يقول توفيق لشريكه متولي: ما رأيك أن نعمل في المقاولات؟ ~~- والله لا بأس، وإنما نحن لا نفهم فيها. ~~- أعرف هذا، وفكرت فيه ووجدت حلا. ~~- ما هو؟ ~~- نشارك خيري الوزان نحن بأموالنا، وهو بأمواله وخبرته. ~~- والله فكرة عظيمة. ~~- قم بنا إليه. # قال متولي لخيري: ما رأيك أن نكون شركاء؟ ~~- والله لا بأس، فإني أرفض كثيرا من العمليات لنقص السيولة المالية. ~~- غريب أن تكشف لنا هذا السر. ~~- ليس في الأمر غرابة، فما دمنا سنصبح شركاء فأنا أحب أن أريكم أنني لا أخفي عنكم أسرار ~~عملي بما فيها نقص السيولة أحيانا. # وقال توفيق: وما تقوله يجعلنا نزداد ثقة بك. ~~- وكيف ستكون قسمة الأرباح؟ ~~- على حسب رأس المال في كل عملية. ~~- أنا صريح نعم، ولكني لست ساذجا. # وقال توفيق ومتولي معا: أستغفر الله. ~~- لماذا جئتما إلي ولم تعملا في المقاولات وحدكما، ما دام المال عندكما؟ # وقال متولي: المال وحده لا يكفي. لا بد من الخبرة والمران. ~~- والخبرة والمران لا يشتريهما مال ms22 . ~~- طبعا كلانا يعرف ذلك. ~~- إنهما سنوات عمر، وممارسة وحنكة ودربة. # قال متولي: طبعا. وهل في هذا شك؟ ~~- وهذه الخبرة أليس لها ثمن؟ ~~- طبعا. ~~- فكيف تكون قسمة المكاسب متساوية؟ # وقال متولي: لك حق. ~~- طبعا لي حق. ~~- فماذا تقدر لنفسك لقاء خبرتك؟ ~~- الخبرة والأمانة اللتان جعلتكما تقصدان إلي، ثمنها لا يقدر بمال. ~~- طبعا. ~~- إذن تكون الأرباح باحتجاز خمسين في المائة مقابل خبرة لي، والباقي يقسم على ~~حسب رأس المال لكل منا. # وهنا صاح توفيق: يا خبر أسود. # وقال خيري: بل أبيض إن شاء الله لا تنزعج، فلولا هذه الخبرة ما تحققت أية مكاسب. ~~- لم نقل شيئا، ولكن خمسين في المائة أمر غير محتمل. ~~- ما الذي تراه محتملا؟ ~~- نقول مثلا عشرين في المائة. ~~- طبعا مستحيل. # وهنا تدخل متولي في الحديث قائلا: لننه هذه الحكاية ونتوسط في الأمر. ما قولك يا حاج خيري نجعلها ثلاثين في ~~المائة؟ ~~- قليلة. ~~- خمسة وثلاثون في المائة. ~~- على بركة الله. قل شيئا يا توفيق بك. ~~- والله النسبة كبيرة، ولكن على بركة الله كما قلت. # وقال متولي: نذهب اليوم إلى الأستاذ حسان المهدي ونكتب عقد الشركة. # واستقبلهم الأستاذ حسان مرحبا، فقد كان المحامي الذي يعطيه متولي كل أوراقه، وقد ~~أعجب به توفيق أيضا فكان محامي الشركة التي قامت بين متولي وتوفيق، فحين تم الاتفاق بين ~~عناصر الشركة الثلاثية لم ير الحاج خيري مانعا أن يكون حسان محامي الشركة. وكانت الأواصر ~~قد توطدت بين حسان وتوفيق كما كانت من قبل وطيدة بين حسان ومتولي، وبلغت العلاقات بين توفيق ~~وحسان من المتانة إلى درجة أن توفيقا دعا حسانا للغداء بمنزله. الأمر الذي لم يسبق لتوفيق ~~أن صنعه مع أي صديق آخر. وفي هذه الدعوة تعرف حسان على مبروكة وفتحي. ~~••• # | الفصل الحادي عشر # تزوجت مبروكة وهي ناجحة من السنة الثانية إلى الثالثة بكلية الهندسة من سعيد، واتفقا على ~~أن يؤجلا الإنجاب حتى تتخرج مبروكة. وكان سعيد زوجا طيعا متفقا كل الاتفاق مع مبروكة ~~المستبدة، حتى إنه كان ينزل على رأيها في كل كبيرة ms23 وصغيرة. # وطبعا عملت مبروكة حين تزوجت - وحتى قبل أن تتخرج ببضعة أشهر - بشركة المقاولات التي يشارك ~~فيها أبوها وحموها، وراحت تتدرب على يد مهندسين كبار. حتى إنها لم يمر عليها عامان حتى كانت ~~مهندسة ذات خبرة وممارسة. # وأحب الحاج خيري أن يجربها، فأوكل إليها بناء فيلا لثري من زبائنه، هو شحاتة عبد الموجود. ~~وهو ذو ثراء واسع لدرجة أنه رشح نفسه في انتخابات مجلس الشعب وأنفق أموالا طائلة، إلا أن ~~المرشح المنافس كان أكثر ثراء، وكان النجاح من نصيب الأكثر ثراء وإنفاقا. كان شحاتة مرشحا ~~عن العمال وقد تعرف عليه الحاج خيري أثناء المعركة الانتخابية. ولهذا لم يكن غريبا أن يقصد ~~شحاتة إلى خيري ليبني له فيلا من طابقين ليزوج فيها ابنيه. ولم ير خيري بأسا أن يكلف ~~مبروكة برسم هذه الفيلا. وهكذا تعرفت مبروكة بشحاتة وتبينت مقدار ثرائه، وعرفت أن له ثماني ~~قطع من الأرض في أعظم أحياء القاهرة وأفخمها، وعلمت أن القطع تتراوح بين الألفي المتر ~~والثلاثة الآلاف. # وقد بذلت جهدا عظيما في تجميل الفيلا التي رسمتها، حتى لقد أبدى شحاتة إعجابه بها وقدم ~~إليها ألفي جنيه هدية خاصة من عنده بعيدة عن الشركة، وطلب إليها أن تشرف هي على بناء ~~الفيلا، إلا أن مبروكة قالت: لن يسمح لي الحاج خيري بهذا. ~~- سأعطيك مبلغا كبيرا مقابل هذا الإشراف. ~~- أنا أتمنى، ولكن المهندسين المشرفين في الشركة غير المهندسين الرسامين. ~~- ولكني أريدك أنت بالذات. ~~- قل هذا للحاج خيري، ربما يقبل. ~~- مؤكد سيقبل. ~~- فإذا قبل فاطلب إليه أن تخصص لي سيارة من سيارات الشركة. ~~- وهو كذلك، ولكن أليس أبوك شريكا معه؟ ~~- فعلا. ولكنه لا يكلمه في شيء لي مطلقا. ~~- هذه غريبة. ~~- ما أكثر الغرائب يا شحاتة بك. ~~- مثل ماذا؟ ~~- أنت مثلا إنسان غريب. ~~- لماذا؟ ~~- مع غناك الفاحش هذا لا أرى حولك رجال أمن، وليس لك إلا سكرتير واحد. ~~- يا بنتي أنا أدير أعمالي بنفسي. أما رجال الأمن فعملية مظهرية لا يعرفها أمثالي من ~~الذين عملوا غناهم بأيديهم، لا بآبائهم وأجدادهم. ~~- إذا ms24 فرضنا أنك آمن في سيارتك، ألا تمشي؟ ~~- على العكس أنا أمشي ساعة في اليوم. ~~- متى وأنت مشغول طول النهار؟ ~~- أنا أنام بعد الغداء من الساعة الخامسة إلى السادسة، ثم تجدينني أمشي في الشارع. ~~- وحدك. ~~- وحدي ... ابناي كل منهما له حياته الخاصة. ~~- ربنا يحميك. ~~- تأكدي أنني سأصمم على خيري أن يجعلك تشرفين على بناء الفيلا. ~~- ولا تنس السيارة. ~~- طبعا لن أنسى السيارة، وبها سائق أيضا. ~~- لا، لا داعي للسائق فقد تعلمت قيادة السيارات على سيارات زملائي في الكلية. ~~- ولماذا لم يشتر لك أبوك سيارة؟ ~~- يا شحاتة بك أنا كانت تطلع عيني ليدفع لي ثمن الكتب، وكان في كل مرة يقيم مناحة في البيت ~~لأني دخلت الجامعة. الأمر الذي كلفه الكثير من المال. ~~- وهل ظل كذلك بعد زواجك وأنت في الجامعة؟ ~~- من يوم زواجي لم أر محفظة أبي. ~~- أعوذ بالله. ~~- وما خفي كان أعظم. ~~- مثل ماذا؟ ~~- مثل أنه يشتم أمي ويكاد يضربها إذا تبقى شيء من الأكل. ومثل أن اللحمة لا تدخل بيته إلا ~~يوم الجمعة. ~~- ولماذا الجمعة؟ ~~- هذه أوامره، ولا تحاول أن تجد لها أسبابا. ~~- وما أخبار زوجك؟ ~~- لا، هذا شيء آخر ولكن المال في يده ليس كثيرا. ~~- لا خلافات بينك وبين زوجك؟ ~~- لا، إنه يفعل ما أريد. أما من ناحية الفلوس فأنا أعرف المرتب الذي يأخذه من الشركة، ~~وأحاول ألا أجعله ينفق أكثر منه. ~~- أنت سيدة عظيمة. ~~- يكفيني رضاك. ~~- توكلي على الله. ~~- أطال الله عمرك. ~~••• # | الفصل الثاني عشر # تخرج فتحي في كلية الطب وعمل بمستشفى الشفاء، وهو مستشفى خاص. وفتحي مختلف في الملامح ~~تماما عن أخته. حين نجد مبروكة سمراء ذات معارف قوية، فالعينان واسعتان والفم ليس كبيرا ~~والأنف دقيق، ولا شيء من معارفها يعدو على جمالها، الأمر الوحيد الذي تتفق فيه مع فتحي هو ~~النحافة. ولكن فتحي أبيض الوجه سوي الملامح في غير جمال ولا قبح، تعبره عيناك ولا يستوقفهما ~~من معارفه شيء خاص، فهو رجل عادي مثل الملايين من الناس. # وفتحي طبيب باطني، ولذلك كان يكشف على كثيرين ms25 من القاصدين إلى المستشفى. # وكان من بين المرضى الذين يراهم مريض عرف أن اسمه نعمان عميرة، وسأله: ما عملك؟ ~~- أعمل في بنك الاستثمار. ~~- في أي قسم منه؟ ~~- قسم الائتمان. ~~- هذا مكان مهم جدا. ~~- نعطي لغيرنا ولا ننال مما نعطي شيئا. ~~- هذا أمر لا يجوز. ~~- هذا هو الواقع، مع أنني رئيس القسم. ~~- سأزورك في البنك ونحاول أن نصلح هذا الواقع. ~~- أهلا وسهلا بك يا دكتور. ~~- اترك لي أيضا عنوانك ورقم تليفونك. ~~- هذه بطاقتي بها كل ما تريد. ~~- شكرا ... لا تخف على صحتك، ليس بك شيء. # مجرد إرهاق بسيط والدواء الذي كتبته لك سيجعلك مثل الحصان. ~~- ألف شكر يا دكتور. السلام عليكم. # كان قد عين مع فتحي في نفس المستشفى اثنان من خريجي دفعته، هما وائل العصفوري وصالح ~~النجمي، وكلاهما ينتسب إلى أبوين غاية في الثراء. # وقد كان فتحي يضيق غاية الضيق ببخل والده وشحه، حتى إنه حين فاتحته صبيحة قائلة بمشهد من ~~أبيها الشيخ إسماعيل عوض: الآن أريد أن أفرح بك، وأنا اخترت لك عروسا في غاية الجمال. ما رأيك في فريدة بنت عمك ~~متولي؟ ~~- تقصدين أن أتزوج. ~~- ولماذا لا؟ ~~- يا أمي حرام عليك. هل نجد ما نأكله حتى أتزوج. # قال جده: كيف هذا؟! إن أباك من أغنياء مصر المعدودين. ~~- وهذا أدهى وأمر، أقسم لك يا جدي إنني كثيرا ما أترك المائدة وأنا ما أزال جائعا لم ~~أشبع. # وقال الشيخ إسماعيل: أعوذ بالله، أعوذ بالله. المال مالك إذا استعبدته وعشت به، أما إذا عبدته فهو الوبال ~~عليك في الدنيا والآخرة. ~~- هذا الكلام لا نسمعه ولا نحس به إلا حين نراك يا جدي. ~~- أعوذ بالله. ألا تذكرون الله في هذا البيت؟ ~~- لولا صلاة أمي ما عرف بيتنا اسم الله مطلقا. ~~- لا إله إلا الله، وما دمت تقول هذا فلماذا لا تصلي أنت؟ ~~- هل كنت رأيت أبي يصلي حتى أصلي؟ ~~- هذه حجة واهية. أتريد أن تكون مثل أبيك في الشح الشديد الذي يتصف به؟ ~~- أعوذ بالله! طبعا لا. ~~- إذن لماذا تقلده في عدم ms26 الصلاة؟ إن الله سبحانه يقول: # وإن جاهداك لتشرك ~~بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ~~. ~~- لا أذكر أن أبي ذكر الله في حياته إلا حين يقسم. وغالبا ما يكون القسم كاذبا. ~~- كره الله هذا والمؤمنون، كره الله هذا والمؤمنون. وما لهذا ولزواجك؟ ~~- وكيف أستطيع أن أطعمها؟ ~~- بمرتبك. ~~- مرتبي لا يكفي ثمن سجائري. ~~- مال أبيك لك بعد عمر طويل لا يشاركك فيه إلا مبروكة بالثلث فقط. ~~- الواضح أن هذا العمر سيكون طويلا غاية الطول، فصحة أبي قوية والحمد لله. # وقال الشيخ إسماعيل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أتتمنى موت أبيك؟ ~~- لا طبعا. وإنما أذكر الحقيقة. ~~- هذا بيت لا أحب أن أجلس فيه. سلام عليكم! # وقام مغادرا ابنته وحفيده اللذين ودعاه، وعادت صبيحة من وداع أبيها وقالت: أنت إذن ترفض فكرة الزواج. ~~- لن أتزوج إلا بعد أن أصبح غنيا قادرا. ~~- ومتى يكون هذا؟ ~~- لا تتعجلي، فهذا أمر سيحدث، وسأكون في مثل غنى أبي إن لم يكن أكثر. ~~- كيف هذا إن شاء الله؟ ~~- أنا أفكر في مشروع يحقق لي هذا وأكثر. ~~••• # خلت حجرة الأطباء بالمستشفى بفتحي وزميليه وائل العصفوري وصالح النجمي. وانتهز فتحي ~~الفرصة وقال لهما: أين ستذهبان اليوم مساء؟ # وقال وائل: ليس عندي شيء. # وقال صالح: وأنا أيضا. # قال فتحي: أريد أن ألتقي بكما. ما رأيكما أن نجتمع بمقهى الهيلتون اليوم الساعة السادسة؟ # وقبل كلاهما فكرة اللقاء. # وحين اجتمع شملهم بدأ فتحي الحديث: نحن الثلاثة نبذل جهدا كبيرا في المستشفى دون عائد. # وقال وائل: هذا أمر طبيعي، فثلاثتنا لم يفتح عيادة. # وقال صالح: وإذا فتحنا عيادة فأمامنا سنوات حتى نصبح من المشاهير، ونكسب منها كسبا ~~حقيقيا. # وقال فتحي مسارعا: يسلم فمك يا صالح. # وقال وائل: هل عندك علاج لهذا؟ ~~- عندي علاج حاسم. # قال وائل: ما هو؟ ~~- نحن ثلاثتنا آباؤنا أغنياء. فما رأيكم نبني مستشفى خاصا؟ # قال وائل: أما إنك شأنك عجيب. ~~- لماذا؟ ~~- أنت لا تنقطع عن الشكوى من أبيك وبخله وشحه وتقتيره عليك! أهذا الأب يعطيك ما تساهم به ~~في بناء ms27 مستشفى خاص؟ ~~- مهما وصفت بخل أبي فإنه لا يصل إلى حقيقته. # قال صالح: فماذا أنت فاعل معه؟ ~~- إنه كذلك شحيح مقتر طالما كانت الأموال التي ينفقها بغير عائد. أما إذا كانت أموالا ~~تأتي بأموال فحينئذ ينفق عن سعة. ~~- إذن المستشفى ستكون باسم أبيك. ~~- شريك معنا فقط. # قال وائل: والله المسألة فيها نظر. # قال وائل: أتعرفان كم يكلف المستشفى؟ # قال فتحي: لتكن التكلفة ما تكون. # قال وائل: وهل يقبل آباؤنا أن يقدموا الأموال التي تكفي؟ ~~- من قال ذلك؟ # قال صالح: أنت. ~~- أنا قلت إن آباءنا يساهمون. # قال صالح: وبقية التكاليف؟ # قال فتحي: هذا شأني أنا. # قال وائل: بل شأننا جميعا ... قل لنا ماذا أنت فاعل؟ # قال فتحي: نحن بأموال آبائنا سنشتري الأرض فقط، وبعد ذلك في البنوك متسع للجميع ولا شأن لكما بهذا ~~الموضوع. # قال صالح: والله الفكرة لا بأس بها، وسأكلم أبي اليوم. # قال وائل: وأنا أيضا. ولكن هل وجدت الأرض؟ ~~- هذا أمر ميسور. لقد ذهبت ورأيت أرضا في طريق المعادي أربعة آلاف متر وثمنها ثمانية ~~ملايين جنيه. إذا دفعنا نصفها نستطيع أن نكمل من البنك. ~~••• # قال فتحي لأبيه: ما رأيك إذا قدمت لك مشروعا يدر عليك ذهبا لا تستطيع إحصاءه أو عده؟ ~~- أنت تقدم مشروعا يأتي بالذهب؟ ~~- نعم. وهل أنا صغير؟ ~~- ليست المسألة بالسن. ~~- اسمع مشروعي أولا. ~~- قل يا فالح. ~~- نبني مستشفى استثماريا. ~~- أنا؟ ~~- لست وحدك. ~~- من معي؟ ~~- والدا وائل العصفوري وصالح النجمي. ~~- هل هما ابنا العصفوري والنجمي المعروفين؟ ~~- إنهما هما. ~~- إذن أجتمع بآبائهما. ~~- وهو كذلك. ~~••• # وتكونت الشركة في هذا الاجتماع من الآباء الثلاثة وأبنائهم الثلاثة. وذهب الستة إلى ~~الأستاذ حسان المهدي لكتابة عقد الشركة على أن يتولى فتحي التعامل باسم الشركة بصفة عضو ~~الشركة المنتدب. ولم يضع فتحي وقتا وإنما قال لحسان المحامي: أريد أن أراك لاتخاذ التدابير اللازمة. ~~- غدا في مثل هذا الموعد. # وحين ذهب فتحي إلى حسان في الموعد، قال: أريد أن أكتب على يديك مذكرة بجدوى المشروع. ~~- نكتبها معا. # واستغرقت كتابة مذكرة الجدوى ما يقرب ms28 من أسبوع. ما إن انتهيا منها حتى كلم فتحي في ~~التليفون نعمان عميرة رئيس قسم الائتمان في بنك الاستثمار: نعمان بك. ~~- أنا هو. ~~- أنا الدكتور فتحي توفيق. ~~- أهلا وسهلا. أهلا يا دكتور. ~~- ما أخبار صحتك؟ ~~- والله دواؤك نفعني جدا. ~~- الحمد لله. أريد أن أراك. ~~- تحب أن تجيء إلي أم أجيء إليك؟ ~~- هل أنت مشغول الآن؟ ~~- وإن كنت، هل أستطيع أن أشغل عنك؟ ~~- أريد أن أراك وحدك. ~~- أهلا وسهلا، شرف الآن. ~~- أنا في الطريق إليك. # وذهب فتحي من فوره إلى مكتب نعمان عميرة ببنك الاستثمار، واستقبله نعمان بترحاب كبير ~~قائلا: أشكرك على علاجك لي، فإن دواءك قد جاء بأحسن النتائج. ~~- الحمد لله. ~~- أنت ابن توفيق بك صبحي الثري المعروف. ~~- نعم أنا ابنه. ~~- أهلا وسهلا، أنا تحت أمرك. # وأخرج فتحي من جيبه ما أعده من دراسة الجدوى لمشروع المستشفى. وراح نعمان يقرؤها بإمعان ~~شديد، وحين انتهى من القراءة قال لفتحي: مشروع عظيم. ~~- لقد اشترينا الأرض فعلا. ~~- وماذا أستطيع أن أفعل؟ ~~- أريد من البنك عشرين مليون جنيه. ~~- وماذا عن الضمانات؟ ~~- لو كان فيه ضمانات لما جئت إليك. ~~- هل تستطيع أن تزورني اليوم في البيت؟ ~~- وهو كذلك. ~~- هل بطاقتي معك؟ ~~- طبعا. ~~- فأنا منتظرك. # واستأنفا حديثهما بالبيت: أنا أستطيع أن أعطيك العشرين مليونا. ~~- أنا أعرف ذلك. ~~- ولكن؟ ~~- طبعا. ~~- كم؟ ~~- ما تأمر به. ~~- أنت تعرف خطورة العملية. ~~- وأعرف أن مرتبك ضئيل. ~~- إذن ماذا تقدر لي؟ ~~- ما تقوله نافذ. ~~- لن أثقل عليك ... أريد مليون جنيه. # وصمت فتحي هنيهة ثم قال: والله لا أرد لك كلمة أبدا. ~~- على بركة الله. ~~••• # | الفصل الثالث عشر # ذهبت مبروكة إلى الوكالة القديمة التي تركها حموها وأبوها وزوجها، واتخذوا مقرا فاخرا ~~لهم بشارع شريف مكونا من خمس غرف، ودفعوا فيه مبلغا ضخما. أما شئون الوكالة فقد تركوها ~~لياسر بن متولي الذي كان قد تخرج في كلية التجارة. ولم يكن ياسر منتظما في الحضور إلى ~~الوكالة معتمدا على العاملين بها من ذوي الخبرة. ولم يكن أحد منهم يجرؤ على خيانة الأمانة ~~مع خبرة متولي ms29 الفائقة وبخل توفيق الشديد. # فحين ذهبت مبروكة إلى الوكالة استقبلها صميدة الضبع وجلسا في مكتب متولي. ~~- أهلا وسهلا بالباشمهندسة. ~~- قل لي، أليس بكري الشماع قريبك؟ ~~- نعم. ~~- أهو هنا؟ ~~- نعم. ~~- ناده. # وقالت مبروكة: العملية التي قمتم بها في وكالة مدبولي لا تترك ذهني مطلقا. ~~- وكيف عرفتها؟ ~~- إن أبي كثيرا ما يرويها لنا مفتخرا أنه هو الذي دبرها. ~~- صحيح هو الذي رسمها من أولها لآخرها. ~~- نريد أن نقوم بعملية مثلها. ~~- حريق آخر؟ ~~- لا، المسألة أبسط من هذا. قل لي يا بكري هل معك مسدس؟ ~~- ولا يترك جيبي. ~~- إذن نقوم بالعملية. ~~- متى؟ ~~- سأخبركما بالميعاد. ~~- هل ستأتين هنا مرة أخرى؟ ~~- لا، سأطلبك في التليفون. ~~- هذا أحسن. الحمد لله اليوم ياسر ليس هنا. طبعا أنت لا تريدين أحدا أن يعرف. ~~- طبعا إذا كنت لم أقل لزوجي. # وقامت مبروكة وذهبت إلى مكتب حسان ووجدته. وخلت بهما الغرفة فقالت مبروكة: أريد أن تكتب لي عقد شراء أرض بناء. ~~- تحت أمرك. ~~- من المشتري ومن البائع؟ ~~- هل من الضروري أن تعرف الأسماء؟ ~~- لا شك. ~~- المشتري صميدة الضبع، والبائع شحاتة عبد الموجود. # وفي خيرة المحامي الضليع اشتم حسان أن في الأمر شيئا غير طبيعي، بل قدر أن هناك ما ~~يتنافى مع شرف المهنة. فقال لها أين أطراف العقد؟ ~~- موجودون. ~~- طبعا موجودون، ولكن لا بد أن يحضروا إلي. ~~- هذا مجرد عقد ابتدائي. ~~- ولكنه صادر من مكتبي. ~~- إذن أقول لهما ليأتيا إليك. ~~- أنا تحت أمرك. # واستأذنت وانصرفت، إلا أن حسان لم يترك الأمر يمر ببساطة فأمسك سماعة التليفون وطلب ~~رقما. ~~••• # طلبت مبروكة صميدة وقالت له: هل تعرف محاميا؟ ~~- أعرف محامين كثيرين. ~~- أريد محاميا يكون في أول حياته. ~~- هذا أمر سهل. ~~- قل لي أين تسكن؟ ~~- أين أسكن؟ ~~- نعم. ~~- لماذا؟ ~~- سأقول لك فيما بعد. ~~- أسكن في شبرا. ~~- هل مسكنك مرتفع عن الأرض؟ ~~- بل هو تحت الأرض. ~~- هل زوجتك تعيش معك؟ ~~- زوجتي في البلدة. ~~- إذن أنت وحدك في البيت. ~~- نعم أنا أعيش وحدي. ~~- عظيم. ~~- ما هو؟ ~~- لا شأن لك. سأكلمك غدا وتكون قد أخذت موعدا ms30 من المحامي. ~~••• # اختارت مبروكة قطعة أرض مساحتها ثلاثة آلاف متر مملوكة لشحاتة عبد الموجود وعرفت حدودها ~~كاملة. واصطحبت صميدة إلى أحد المحامين حديثي التخرج اسمه فوزي العنتبلي وكتب المحامي العقد ~~باذلا فيه جهدا كبيرا، وتقاضى ألف جنيه مقابل كتابة العقد وكتمان أمره. ~~••• # أطلعت مبروكة صميدة الضبع وبكري الشماع على خطتها، ووافقا على القيام بها مقابل أن يتقاضى ~~كل منهما مائة ألف جنيه. ~~••• # فوجئ شحاتة عبد الموجود وهو يمشي في شارع مجاور لمنزله خلو من المارة، برجلين ملثمين ~~يمسكان به ويرغمانه بالمسدس على أن يركب سيارة وجد فيها رجلا ملثما آخر هو الذي يقود ~~السيارة. وما لبثت السيارة أن تحركت. وفي ذكاء التاجر أدرك شحاتة أنه لا فائدة من الكلام، ~~وما لبث الرجلان أن وضعا على عينيه عصابة ولم ينطق ببنت شفة. # وفي منزل صميدة دخل الرجال الثلاثة ومعهم شحاتة معصوب العينين، وتأكد المختطفون أن الحارة ~~ليس بها مارة. # وفي البهو الضيق أجلس شحاتة ورفعوا عن عينيه العصابة، مما أتاح أن يرى المختطفين. ~~وخيل إليه أن واحدا قريب الشبه من شخص يعرفه ولكن تعذر عليه أن يتأكد. # وأخرج بكري الشماع مسدسه ووجهه إلى شحاتة، بينما أخرج الرجل الثالث العقد وأمر شحاتة أن ~~يوقع. ولم يناقش شحاتة فقد تبين له أن العملية مدبرة بإحكام، فأخرج قلمه ووقع على العقد، ~~ولكن الأمر لم ينته فقد فوجئ الأربعة بالشرطة تداهمهم وتقبض على أفراد العصابة الثلاثة ~~وتكشف اللثام عن وجوههم. وحينئذ يصيح شحاتة: أنت؟! هذا غير معقول وأنا أعتبرك بنتي. ~~••• # ذعر توفيق مما حدث لابنته، أما صبيحة فإنها تثور لأول مرة في وجه زوجها: بخلك هو الذي صنع هذه الكارثة الكبرى. # ولأول مرة يصمت في ذلة وهوان. ~~••• # حكم على مبروكة بخمس عشرة سنة أشغال شاقة. ~~••• # وما هي إلا شهور حتى اكتشف البنك تزوير نعمان عميرة بالاشتراك مع فتحي توفيق الذي هرب ~~الملايين إلى لندن. وقبض عليه بالمطار محاولا السفر إليها. ~~••• # ومنذ ذلك اليوم خيم البؤس والحزن على بيت توفيق وصبيحة، وامتنع توفيق عن الخروج بعد ms31 أن ~~أخرج من شركاته كلها. # والشيء الذي أصر عليه هو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصدقات بسعة وكرم. و # إنك لا ~~تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء # وصدق الله العظيم. ~~••• # مجلس الشورى في 22 من جمادى الأولى عام 1420ه، الموافق 2 من سبتمبر عام 1999م، الساعة 1:51 ~~ظهرا. ms32