######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.KhainatAcyun.Hindawi81507297 #META# Tags: literature #META# ID: 81507297 #META# Title: خائنة الأعين #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # خائنة الأعين‏ # خائنة الأعين‏ # | خائنة الأعين # | خائنة الأعين # تأليف # ثروت أباظة # | خائنة الأعين # 1 # لقد سافرت إلى الإسكندرية خصيصا مبكرة في موعد السفر حتى لا ترى هذا الذي يحدث بالقاهرة. ~~وأرغمت زوجها على موعد السفر، وأن يترك القضايا التي يدعي أنها كثيرة في المكتب، ولم يكن ~~زوجها ليستطيع أن يرد لها مطلبا، فحياة البيت جميعها قائمة على يديها، ومهما يكن مكتبه ~~يتيح له أن يقول عن القضايا ما شاء له القول إلا أن الحقيقة آخر الأمر هي أن المكتب يشكل ~~عبئا من الأعباء التي تنفق عليها زوجته، ولولا شركتان تعطيان له مرتبا شهريا لكان ثمن ~~السجائر وبنزين السيارة عبئا آخر يضاف إلى أعباء زوجته. فهيهات له أن يتحدث عن قضاياه أمام ~~أوامر زوجته إلا بالإشارة العابرة التي لا تعني شيئا إلا إبقاء على أطلال رجولة. # وسهام تحب أن تنفق على البيت، وعلى المكتب، وعلى إصلاح السيارة، وعلى كل شيء؛ فهذا الإنفاق ~~يهيئ لها أن تكون صاحبة الكلمة العليا، وطالما أحست بالراحة والسعادة كلما فكرت أنها تزوجت ~~هذا الزوج؛ فلو كان غيره ما استقامت بها الحياة، ولكن حمدي خلق خصيصا ليكون زوجها، ولا ~~يكون شيئا آخر غير هذا الزوج، وسهام تحب الناجحين من الرجال على أن يكون هؤلاء الناجحون ~~ناسا آخرين غير زوجها؛ فهي تعلم عن ثقة أن الرجل الناجح يجب أن يشعر بكيانه في بيته، ويجب ~~أن يقول رأيا وأن تسمع زوجته لهذا الرأي، بل والأدهى من ذلك يجب أن تطيع زوجته رأيه هذا، ~~فلو أنها تزوجت دري بدلا من حمدي لما دام الزواج أكثر من أيام لا تكتمل شهرا على أي ~~حال. # يستطيع دري أن يكون حبيبها، ولكن يجب وجوبا ألا يكون زوجها. # دري طبيب عظام من أشهر أطباء العظام، وهي تعرف أنه يحب أن يكون سعيدا في بيته غاية ~~السعادة؛ فهي تعرف زوجته، وكثيرا ما روت لها عن عاداته في البيت، وكيف أصبح البيت جميعه، ~~ولا عمل له إلا إرضاؤه وإتاحة الهدوء والراحة له في الساعات التي يقضيها ms01 في البيت. # عرفته سهام يوم التوت قدمها، وهي تخرج من البانيو، ومن ذلك اليوم توطدت الصداقة بينهما، ~~وقد أحبت أن تكون هذه الصداقة أسرية، فما إن شفيت حتى دعته هو وزوجته إلى البيت ولبى ~~الدعوة، واستطاعت سهام أن توطد صداقتها بناهد وأحبتها ناهد، حتى لقد كانت تلقي إليها بخفايا ~~نفسها، وما يجيش في صدرها من وسواس. # ولم تدهش سهام كثيرا حين دعاها دري يوما إلى أن تخرج معه منفردين، ولم تدهش كذلك حين ~~أخبرها أن لديه شقة صغيرة يحب أن يخلو فيها إلى نفسه. # والعجيب أن دري أيضا لم يدهش حين قالت له سهام قبل أن تخرج من الشقة: أين مفتاح هذه ~~الشقة؟ ~~- هذا هو. ~~- أمعك مفتاح آخر؟ ~~- لا داعي لمفتاح آخر. ~~- هل هناك مفتاح آخر لهذه الشقة مع أحد؟ ~~- أبدا. ~~- كن واثقا. ~~- إني واثق. ~~- فأنت إذن ستعطيني هذا المفتاح، ولن تفتح هذه الشقة لغيري. ~~- هذا أمر؟ ~~- تستطيع أن ترفض. ~~- بل لا أستطيع أن أرفض، هذا هو المفتاح! ~~- قد آتي هنا من حين لآخر من غير علمك لأرتب الشقة، ولأشتري ما تحتاج إليه فيها، فاحذر ~~أن تكون أعطيت المفتاح لغيري. ~~- لا تخافي. ~~- عليك أنت أن تخاف، فإنك ستجد قتيلة في شقة مستأجرة باسمك. ~~- أنا أقدر هذا، ولن يأتي أحد إلى هذه الشقة مطلقا. ~~- اتفقنا. # ولهذا بدأت علاقتهما، وكان عجيبا أن تحاول سهام أن توطد صلتها مع الأيام أكثر وأكثر مع ~~ناهد، وقد يبدو للنظرة المجردة الساذجة أن سهام لن تخبرها أن هناك صلة في الخفاء بينها وبين ~~أحد، ولكن سهام بذكاء خارق أخبرتها أنها تعرف شخصا آخر غير زوجها، فإن ناهد لن تتصور أن ~~هذا الشخص الآخر هو زوجها، ولم تكن سهام تريد أن تظن بها ناهد الغفلة، لدرجة أنها ترضى ~~بزوجها هذا الذي يدل منظره على الغباء الشديد، فهي تحب أن تظهرها على ذكائها، وعلى معرفتها ~~بسخافة زوجها، وتحب أيضا أن تعرف منها ناهد أنها مثار إغراء للرجال، وأن جمالها ليس عاطلا ~~عن جذب من يقدره ويعرف قيمته. # فلم ms02 يكن خافيا أن زوجها يقدر غناها الشديد، وإنفاقها على البيت، أما الجمال فلم يكن عنده ~~بالأمر الخطير الذي يقيم حياة. # وكثرت زيارات ناهد إلى سهام، وكان دري كثيرا ما يمر على زوجته عند سهام، وكثيرا ما ~~يقضيان السهرة هناك، وكان حمدي سعيدا بهذه الصداقة الجديدة التي ظن أنها قامت بين دري ~~وبينه، وكثيرا ما كان يلح على ابنه أسامة وابنته فريدة أن يقضيا السهرة في البيت؛ لأن ~~عمهما دري سيكون موجودا. # ولم يكن أسامة أو فريدة يهمهما من أمر أبيهما شيء؛ فقد كان عندهما مجرد سميتريه لأمهما، ~~ما دام هناك أم فلا بد أن يكون هناك أب، هذا كل ما في الأمر؛ فأبوهما هو مجرد التكملة ~~الطبيعية أو غير الطبيعية لأمهما، وهكذا كانا يستهينان برأيه، فقد كان أسامة في السابعة ~~عشرة، حين كانت فريدة في الخامسة عشرة، وفي هذه السن كان من المفروض ألا يعرفا لأبيهما غير ~~الاحترام، ولكن الاحترام شيء هلامي لا شكل له، ولا صورة، ولا قوام، والشخص إما أن يكون ~~محترما، أو لا يكون بهبة من الطبيعة لا يعرف مأتاها إلا الخالق العظيم الذي يعلم خائنة ~~الأعين، وما تخفي الصدور. # وصاحب هذه الموهبة يفرضها على جميع من يتصل به دون أن يقوم هو بأي عمل، إنما يجد نفسه ~~محترما، ويجد الناس أنفسهم يحترمونه، ومثل كل موهبة لا بد للشخص أن يعين ما وهب له أو هو ~~يجد نفسه كذلك دون أن يدري، فهو يترفع عن الصغار، ويختار الحديث قبل أن يلقيه ولا يقف ~~موقفا مزريا أمام نفسه أو أمام الآخرين. والاحترام نوع من الموهبة التي تتوزع بين الناس ~~بقدر، فمنهم من نال منها قسطا أوفى، ومنهم من نال منها قسطا أدنى، ومنهم من لم ينل منها ~~قسطا ولا حظا، وهكذا لم يكن أسامة أو فريدة يحترمان أباهما، وربما كان خدم البيت هم ~~الذين ألقوا هذا النوع من عدم الاحترام إلى نفس السيدين الصغيرين. # وربما اضطر الشابان اضطرارا إلى عدم الاحترام هذا، وهما يريان أباهما يتلقى أوامره ~~دائما ms03 من أمهما، بينما كثيرا ما يناقشها الخدم هذه الأوامر. # وربما كان السبب في عدم احترامهما لأبيهما واحدا من هذه الأسباب، أو كانت هذه الأسباب ~~مجتمعة، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أنهما لم يحملا له احتراما منذ بواكير حياتهما. # وهكذا كان كل منهما لا يجد في أمر أبيه له بالبقاء مع عمهما دري شيئا واجب الطاعة، بل ~~لعلهما كانا يريان فيه شيئا واجب العصيان. # أما مع أمهما، فإن الأمر يختلف؛ فقد كانا في هذه السن الباكرة يجدان في أوامر أمهما جنوحا ~~إلى التحكم، ولكنهما لم يدركا هذا المعنى يومذاك، وإنما كل ما كانا يدركان أنهما لا يجدان ~~نفسيهما مثل زملائهما من الصبيان والبنات. # فبينما كان الأبناء يخرجون إلى الشارع ليلعبوا كانا هما حبيسين في البيت لا يخرجان إلا مع ~~دادة كانت الأم تحرص على أن تزينها كما تزين منضدة عندها، كانت تحرص على زينة أسامة وفريدة، ~~فلا يلبسان إلا أغلى الثياب، وأرفعها سعرا، فقد كانت تحب أن ترى غناها في ملابس طفليها، ~~وكانت تحدد الساعة التي يتنزهان فيها مع الدادة لا يتأخران عنها دقيقة واحدة. # حتى إذا كان الليل لم تكن تلقي عليهما غطاء سميكا في الشتاء، كما تفعل كل الأمهات، وإنما ~~كانت تدخلهما في شوال من البطاطين، وتربط الشوال عند رقبة كل منهما، وذراع كل منهما في داخل ~~الشوال. كان هذا الشوال يمثل تماما أخلاق سهام، فقد كانت تحب أن تسيطر على كل حركة من ~~ولديها أو زوجها، وقد استطاع الشوال أن يمكنها من هذا مع ابنها وابنتها، ولو كان قريبا من ~~المعقول أن تضع زوجها في شوال ما توانت، ولكن خشيت أن يسخر منها الآخرون، أما زوجها فما كان ~~ليعارض لو أنها أرادت به هذا. # ولم تكن سهام لتهتم أن يكون ابنها وبنتها حاضرين مع دري أو لا يكونان؛ ولذلك فقد كانا ~~ينصرفان إلى حجرتيهما، ويصنعان أي شيء إلا أن يذاكرا. # ولكن سهام لاحظت أن أختها إلهام كثيرا ما تكون حاضرة عندما يأتي إليها دري. # وإلهام فقدت زوجها ms04 منذ سنتين، وكان هذا الفقدان فجيعة للأسرة جميعا؛ فقد كانت حياة إلهام ~~وتوفيق مضرب الأمثال في السعادة والهناء والحب، وعلى الرغم من أن إلهام كانت عاقرا لم تهب ~~له البنين في السنوات الخمس التي عاشاها معا، إلا أنه كان يحبها حب تقديس كما كانت هي لا ~~ترى السعادة إلا في عينيه الصافيتين. # وكانت إلهام حين مات عنها زوجها، قد تركت الثلاثين من عمرها بسنوات قلائل، وقد كانت تكبر ~~سهام بسنتين، إلا أن السن في هذه الفترة الباكرة من الشباب لا يبين له أثر، فإلهام ناضرة ~~كوردة قوية كشجرة ليس من طبيعتها أن تثمر، ضاحكة الوجه، حتى وإن حاولت أن تبدو حزينة، بيضاء ~~في حمرة من الجمال والصحة معا، دقيقة الجسم فارعة الطول، جذابة النظرة، ذات عينين سوداوين ~~شديد سوادهما، شديد بياضهما في وقت معا، فكأنها العيون التي كان شعراء العرب يقولون عنها ~~إن في طرفها حورا، وكان شعرها أسود فاحما منسدلا في انسياب ورزانة على كتفيها، ومن يرى ~~إلهام إلى جانب سهام لا يعتقد بحال أنهما أختان؛ فقد كانت سهام ذات شعر أصفر عربيد، ثائر ~~في غير شرود، وكان بياضها ناصعا، وكانت عيناها خضراوين فيهما إصرار، وفيهما فرح، وفيهما ~~رغبة، وفيهما تخاضع، اختلطت هذه الإشعاعات جميعا، ولكنها عندما تريد ينبعث الشعاع الذي تريد ~~بما قدرت له أن يكون نافذا، حيث ينبغي أن ينفذ مؤديا ما شاءت أن يؤدي. # كانت إلهام كثيرا ما تزور سهام، ولم تكن سهام ترى في ذلك عجبا، وأي عجب يمكن أن يكون؟! ~~فهما أختان بينهما مثل ما بين كل الأخوات من حب، شابه في حين من الأحيان خلافات حول ~~ميراثهما من أبيهما، ولكن قليلا ما دامت هذه الخلافات، فالأب كان يعلم أن ابنتيه لن يرثا ~~كل ماله إذا هو ترك المال يورث، فوزع عماراته على بناته بيعا وشراء بطريقة غاية في الذكاء، ~~حتى لا يدعي أحد على العقود صورية، وغاية في العدل، بحيث لا تشعر واحدة من البنتين أنها ~~غبنت، ولم يكن الخلاف إلا حول أشياء ms05 قليلة تركها في الخزانة، وحسمت الأم هذه الخلافات ~~بأوامر لها صارمة لا تناقش، وعاد الحب الطبيعي يجمع بين الأختين. # وكانت إلهام تعيش مع أمها بعد أن مات عنها زوجها، فكان من الطبيعي أن تذهب كثيرا لزيارة ~~أختها، وما لها لا تفعل والسيارة تحت قدمها. # ولكن سهام مع ذلك لم تقتنع بالصدف العجيبة التي جعلت إلهام تكون موجودة، كلما كان دري ~~وناهد موجودين. # هذه لعبتنا يا ست إلهام، أم تراك أنت الأخرى تلعبينها؟! # ولقد راقبت سهام أختها رقابة شديدة، فلم تلحظ عليها شيئا، ولا هي على دري لاحظت شيئا، ~~ولكن لا ... على من ... هذا التحفظ كله يخفي ما يدعو إلى التحفظ. # ولكن كيف يجرؤ على هذا التفكير، إنه حب جديد، ألا يغنيه حبي، حتى يبحث عن حب آخر؟ ويله! ~~إن إلهام أرملة؛ إذن فقد يكون في الأمر زواج! أقتله، لقد كان يشكو لي من ناهد، وأنها لا ~~تفهمه، ولكنها أيضا كانت لا تسأله عن شيء في حياته خارج البيت، وبقدر ما كان سعيدا بهذا ~~بقدر ما كان يرى فيه غباء منها يضيفه إلى غباءات أخرى كثيرة تبدو منها؛ فالطاعة العمياء من ~~الزوجة غباء عند الزوج. ملاعين هؤلاء الرجال لا يحبون أن يعارضهم أحد، ولا أن يناقشهم أحد، ~~فإذا وجدوا المرأة التي لا تعارضهم ولا تناقشهم فهي غبية، وإن عارضت أو ناقشت فهي امرأة ~~متعبة تملأ حياتهم تنغيصا، وتجعل البيت الذي ينبغي أن يكون مثابة للراحة والهدوء ~~والاسترخاء نيابة عامة، أو مجلسا نيابيا. # كانت لا تعجبه ناهد، ويل له إذن من إلهام، المهم أن أعرف هل صحيح ما أفكر فيه؟ أكاد أقطع ~~أنه صحيح، فإن كان، أهو استلطاف أم حب أم زواج؟ الزواج هو أهون الشرور؛ فمن حقه ما دام قد ~~وجد من تمتع عواطفه أن يبحث عمن تمتع بيته، ولكن هناك شرطا، ألا يكون الزواج على حب، ليس ~~من المحتم أن يكون الزواج على حب، بل إن الأفضل ألا يكون الزواج عن حب، فهذا زواجي مع حمدي ~~قد توجد فيه كل ms06 العواطف إلا الحب، يحب أولاده على الرغم من أنهم لا يحترمونه، ولكنه يحبهم ~~حب جنون، فهو يشعر أنهما يقويان الصلة بيني وبينه، وهكذا يستطيع أن يأمن بقاء الحياة بيننا؛ ~~فهو واثق أنني لا أحبه رغم أنني الوحيدة التي أبدي احترامي له في البيت، ولا أقول عنه إلا ~~البيه إذا تحدثت عنه، قد يثيرني أحيانا بغبائه، فأضطر إلى إسكاته حتى ينكتم، وقد أضطر ~~أحيانا أن أعطيه بعض نقود أمام الخدم، ولكنني مع ذلك الوحيدة التي تحترمه في البيت. # مهما يكن الأمر فزواجي من حمدي زواج ناجح، وربما هو ناجح؛ لأنه لا صلة له بالحب، كل منا ~~لا يطالب الآخر بالحب، ربما طالبت أنا ببعض أشياء تعبر عن الحب؛ كالاحتفال بعيد ميلادي، أو ~~الاهتمام بطلباتي، ولكنني لا أطلب ذلك من باعث الحب عند حمدي، وإنما أطلبه في مقابل ما أقدم ~~من مال؛ فأنا من حقي لا شك في مقابل هذا المال الذي أنفقه عليه، وعلى البيت، وعلى الأولاد ~~أن أطالب ببعض اهتمام، أو ربما حتى بكثير من الاهتمام، هذا حقي. # على أية حال بيتي ثابت غير متعرض لأية أعاصير؛ فحمدي لا يعرف كيف يغضب مهما أفعل أنا، ~~وأنا إن غضبت يعرف كيف يسكت، ودائما تمر الأمور، ويظل بيتنا ثابتا. لو كان على الحب قام ~~لكان نهبا للأعاصير، فإن المحبين يطلبون الكثير، ولا ينالون إلا القليل، فويل إذن لدري إن ~~فكر في الزواج عن حب. # أما إذا كان زواجا لمجرد الزواج، فالمصيبة أهون إلا أنه حينئذ سيقع سجينا لإلهام من ~~العسير أن يفلت، ولكنه طبيب ما يزال. إفلاته أمر يمكن تدبيره، لكن لا بد أن أعرف، لا بد أن ~~أعرف. ~~- أليس هذا شيئا غريبا. ~~- أبدا. ~~- في كل مرة. ~~- صدفة. ~~- دري. ~~- نعم. ~~- فتح عينك. ~~- على الآخر. ~~- من التي أمامك؟ ~~- المؤكد ليست ناهد. ~~- إذن اعتدل. ~~- معدول والله. ~~- صدفة؟! ~~- صدفة. ~~- دري. ~~- ماذا تظنين؟ ~~- لا شأن لك بما أظن، أريد الحقيقة. ~~- أنت تعرفين صداقتها بناهد. ~~- دري. ~~- أفندم. ~~- أنت تعرف أن صداقة ناهد هذه لعبتي أنا. ~~- فما الغرابة ms07 أن تكون لعبة أختك؟ ~~- إذن فهناك لعبة. ~~- على كل حال ليس من جهتي. ~~- لا تهمني الجهة. ~~- وعلى كل لست أنا الذي علمتها اللعبة. ~~- ولا يهمني ممن تعلمتها. ~~- قولي؛ ماذا تريدين؟ ~~- هل هناك شيء؟ ~~- وافرضي. ~~- أقتلك. ~~- ألا تعرفين أولا. ~~- طبعا زواج. ~~- مثلا. ~~- أقتلك. ~~- وأنت ماذا يهمك؟ ~~- كيف لا يهمني؟ ~~- أليست أختك أولى من ناهد؟ ~~- زواج حب طبعا! ~~- وهل يترك حبك مكانا لحب آخر؟ ~~- علي أنا هذا الكلام. ~~- وحياة بنتي الوحيدة إن هذا الزواج لا صلة له مطلقا بحبنا. ~~- فما أسبابه؟ ~~- أريد زوجة تعرف كيف ترتب بيتها؟ تعرف كيف تجعل الرجل يحيا، أنا أراك مرة في الأسبوع أو ~~مرتين، الأسبوع كله مع زوجة لا تفهم شيئا، لماذا لا أعيش مثل كل الأطباء الذين نجحوا كما ~~نجحت؟ لماذا أكون وحدي مع زوجة لا تفهم شيئا؟ ~~- من أجل هذا فقط. ~~- فقط. ~~- من أين أعرف؟ ~~- ذكاؤك يدلك. # والتقيا في قبلة. ~~- كيف تزوجت ناهد؟ ~~- كأي زواج. ~~- سمعنا غير ذلك. ~~- أبدا. ~~- دري؟! ~~- أبدا والله. ~~- ربما، هل رأيتها جميلة؟ ~~- حين تزوجتها لم أكن أراها قبيحة. ~~- على كل حال هي عادية لا جميلة، ولا قبيحة. ~~- الشباب في أول حياته لا يفرق كثيرا بين أحجام الجمال. ~~- ولماذا كرهتها؟ ~~- لم تستطع أن تجعلني أحبها. ~~- وكيف تستطيع امرأة أن تجعلك تحبها؟ ~~- أنت تعرفين ذلك جيدا. ~~- لو كنت زوجي لما أحببتني. ~~- أنت كما أحب المرأة أن تكون. ~~- كلام. ~~- أتريدين مزيدا من كلمات الحب؟ ~~- لا تضر. ~~- ولا تنفع، أنت تعرفين ماذا أنت عندي. ~~- هل أنت واثق؟ ~~- أنت واثقة؟ ~~- نعم، أعتقد ذلك. # وكانت بواكير الصيف قد أقبلت، وسارعت سهام بالسفر إلى الإسكندرية حتى لا ترى كيف يتقرب ~~دري لإلهام، وكانت تأمل أن يتم الزواج دون استدعاء لها متصورة أن زواج أرملة من رجل ~~مطلق لا يحتاج إلى احتفال، وحاولت أن تنسى أن إلهام تحب كل شيء لها أن يكون على أتم رواء، ~~وحاولت أن تنسى أيضا أن إلهام لا تحب أن تتركهم يستمتعون بوقتهم، وهكذا أعاد استدعاؤها إلى ~~القاهرة كل ما حاولت أن تنساه، قالت ms08 لها أمها: أختك ستتزوج بعد غد. # ولم تسألها سهام عن الزوج، وتعجبت الأم، ولكنها لم تقل شيئا لإلهام، وحين طلبت سهام أن ~~تكلم أختها لم تجدها، فحمدت الله في سرها، وانتهت المكالمة بين عجب من الأم وغيظ من ~~الابنة. # وها هي ذي تقطع الطريق مع حمدي إلى القاهرة في سيارتها الجديدة التي اشترتها له، وأبقت ~~رخصتها باسمها، تاركة أسامة وفريدة مع توحيدة ليكونا عذرها في عود سريع. # 2 # أهو انتقام ما أفعل؟ هل لم تستطع كل هذه السنين أن تمحو من نفسي ذلك اليوم؟ ألم تستطع ~~عبير أن تنسيني ذلك اليوم؟ ألم تستطع هي نفسها ناهد أن تنسيني ذلك اليوم؟ أعزيزة هي الحرية ~~إلى هذا الحد؟ إن لم تتح لي الحرية في اختيار زوجتي ففيم إذن، بل إنني أريد الحرية في كل ~~شيء، أحمد الله أنني لست كاتبا؛ فالكاتب - فيما أعتقد - كثيرا ما يرغم على ابتلاع كلام ~~كثير يريد أن يقوله، كيف يستطيع كتاب روسيا أن يسموا أنفسهم كتابا، إنهم آلات كاتبة يدق ~~عليها أعضاء الحزب، بل يدق عليها سكرتير الحزب وحده بدعوى كاذبة أن هذه هي إرادة الحزب، أو ~~إرادة الشعب كما يحبون دائما أن يقولوا، ما هذا الخرف؟ ما دخل روسيا والحزب وكتاب روسيا ~~بما أفكر فيه، عجيب هذا العقل يشرد رغم أنف صاحبه ويذهب إلى مذاهب عجيبة من التفكير بلا ~~رقيب أو حسيب. قرأت مرة في رواية ترسم المستقبل أن هناك آلة سيكون من شأنها معرفة ما يفكر ~~فيه العقل، ويقول المؤلف إن الدولة ستعتمد على هذه الآلة في محاسبة الناس على أفكارهم، أعوذ ~~بالله، إن الله لا يحاسب الناس على أفكارهم، عجيبة أن يذكر الناس الله في هذه المواضع، لقد ~~نسوا أن الله رحيم، ولو أن الدول حاسبت الناس كما يحاسبهم الله لأصبح البشر في سعادة لا ~~تماثلها سعادة ولأصبح الذهاب إلى الجنة لا داعي له. # وهل هناك داع للذهاب إلى الجنة؟ لا بد، إننا في كل ما نفعل نحاول أن نهيئ لأنفسنا جنة ~~على الأرض، ms09 ونفشل طبعا لأننا بشر، هل الجنة حور عين وأنهر من عسل، إنها صفات حسية ذكرت ~~لقوم كان الحس عندهم مجسما دائما في الجنس والمأكل، إن الجنة عندي هي السعادة، قد لا نأكل ~~هناك شيئا، وقد لا نجد حورا عينا أو غير عين، ولكننا لا شك سنجد السعادة، سنعيشها، ~~نعرفها مشرقة دائما في نفوسنا لا ومضة وتختفي، أو لحظة وتزول، وإنما نعرفها حياة بلا ~~نهاية، ألا يصيبنا الملل، وهل مع السعادة ملل؟ إن الذي خلق الإنسان، وصنع النفس والروح، ~~وشكلها كما يشاء لا يصعب عليه أن يمحق الملل من الحياة الأخرى، ومن أين يأتي الملل؟ إننا ~~إن لم نصنع شيئا إلا الالتقاء بالعباقرة الذين سبقونا ليقصوا علينا قصصهم الصغيرة والكبيرة ~~ومشاعرهم دون نفاق للمجتمع أو خوف من الناس لاندحر الملل عنا، ولذهب إلى غير رجعة، وإلى ~~الأبد، أهناك أبد؟ إن الآخرة هي الأبد، كأني نسيت أن هناك نارا أيضا، لا بد أن نمر بها من ~~باب العلم بالشيء. # اسمع، أنا طبيب، ولا بد أن أعرف ما الذي جعلني أفكر في الجنة والنار الآن؟ # أتراني مخطئا فيما اتخذت من قرار؟ # زوجتي وابنتي أتركهما ... من أجل ماذا؟ # هل أحب إلهام؟ # المؤكد أنها لم ترغمني على الزواج بها، إن الذي فعلته بي ناهد لا أستطيع أن أقبله، حتى ~~وإن كانت قد جاءت لي بعبير، وحتى ولو كان قد مضى على زواجنا عشر سنوات. # أهذا هو السبب الحقيقي في زواجك اليوم، أتريد أن تقنع نفسك بهذا؟ # إنه السبب، إنه السبب كتمته وبالغت في كتمانه؛ لأنني لا أحب أن يقال عن عبير إن أمها كانت ~~تستقبل أباها في حجرة نومها قبل الزواج، إن عبير هي كل شيء لي، ولهذا أتترك أمها، يستطيع أي ~~رجل أن يختلف مع زوجته، ولكن ليس من حق أي أم أن تستقبل رجلا في حجرتها قبل الزواج منه، ~~وقد شاعت هذه القصة في هذه الأيام، ولو أنني طلقتها بعد سنة أو اثنتين أو حتى بعد خمس ~~سنوات لعادت القصة إلى الظهور مرة ms10 أخرى كأعنف ما يكون الظهور. إن سهام لم تعفني من ذكر ~~هذه القصة، وهي تجري معي تحقيقها حول الزواج، فالقصة شاعت وعرفها الجميع، في البيت خدم، ~~والخدم يحبون أن يحكوا، وأي شيء أروع في الحكاية من أم وأب يدخلان إلى حجرة ابنتهما ليجدا ~~بها الدكتور دري، والساعة تقترب من الفجر. # الحكاية شاعت، وسمعت يومذاك فيما سمعت أن الأمر كان مدبرا بين ناهد وأبويها، وإنني أرجح ~~هذا، أرجحه. ~~- لا بد أشوفك الليلة. ~~- اشمعنى الليلة؟ ~~- كذا. ~~- هل هناك مناسبة خاصة؟ ~~- اشتقت إليك. ~~- أنا تعبان الليلة يا ناهد. ~~- حتى وإن كنت اشتقت لك؟ # موعد عجيب للاشتياق. ~~- عندي عملية. ~~- تعال بعدها. ~~- وموعد على العشاء. ~~- اعتذر. ~~- لا أستطيع. ~~- تعال بعد العشاء. ~~- سنذهب إلى المسرح. ~~- اعتذر. ~~- لا يمكن. ~~- تعال بعد المسرح. ~~- سأكون متعبا جدا. # أراك لحظة أحسن. # أليس هذا شيئا عجيبا، وفعلا ما هي إلا لحظة حتى أطبق علي أبواها، تم الزواج في اليوم ~~التالي، وكان الإسراع بالزواج تأييدا لما نقله الخدم إلى الناس عما حدث، ولكن الوالدين ~~وناهد لم يكن يهمهم إلا أن يتم الزواج. # لم تصف نفسي منذ ذلك اليوم، ولكن عبير جاءت، وجاءت مسرعة، وكأنها كانت مشتركة في المؤامرة ~~مع أمها وجيرانها. # وسكت. # ومرت السنون. # وكبرت عبير. # ألا يجدر بي أن أعيش مع سيدة أحترمها على الأقل، كيف أستطيع أن أكمل حياتي مع سيدة اغتصبت ~~حياتي معها، وأرغمتني عليها إرغاما. # ليس الحب ما أبحث عنه، وإنما الاحترام، والاطمئنان لبيتي، كيف أستطيع أن أطمئن على بيتي ~~والسيدة التي فيه دبرت زواجي منها كما تدبر المؤامرات؟ # ألا أخشى إذا تركت البيت، ولم تجد الرقيب أن ترتكب من الأفعال ما يسيء إلى سمعة ~~ابنتي؟ # لقد فكرت في هذا أيضا، وأغلب الأمر أنها لن تفعل، إنها خبيرة في المؤامرات وستحاول أن ~~تبدو أمام عبير مجنيا عليها بغير سبب. # ألا أخشى أن تكرهني عبير؟ # إنها تعبدني. # وأنا أعبدها، ولا أستطيع أن أقول لها عن أمها شيئا، ستغضب عبير، ولكنها ستصفح، ستظن ~~وسأجعلها تظن أنني أحببت إلهام ... والحب عند ms11 سنها هذه شيء مقدس، وستحاول أن تبدو وكأنها فهمت ~~كل شيء، وأنها تقدر مشاعري وستصفح؛ لأنها تريد أن تصفح، عجيب شأن الناس وتفكيرهم؛ أخلاط من ~~المشاعر والآراء تلتقي بلا معنى، وتفترق بلا مبرر، ولكن مع كل هذا ما الذي جعلني أفكر في ~~الروس والحرية والجنة والنار أيضا؟ ما دخل هذا جميعه بناهد أو إلهام أو عبير أو أنا؟ أنا ~~لا أدري. # 3 # هل أحبه حقا؟ المؤكد أنني أحب حبه لي، إن هذا الجمال الذي أراه في المرآة أعظم من أن ~~يحب، وإنما يجب فقط أن يستقبل حب الناس، كان توفيق بارعا في حبه لي، وقد أحببت حبه هذا لي ~~وثقت به، وظن الناس أنني أحبه هو، كم هم مجانين هؤلاء الناس؟! كيف يتصورون أن هذا الجمال ~~يستطيع أن يحب؟ إن جمالي خلق ليحبه الناس فقط، وحسب توفيق أنني أعطيه حقوق الزوج، ويكون ~~مجنونا كل من يفكر أن ينال جسمي وقلبي أيضا، وحين وهبت لتوفيق هذا الجسم كان هناك شرط ~~واحد وضعته لنفسي، ولم أخبر به أحدا، وما حاجتي أن أخبر به أحدا، وأنا وحدي التي أستطيع ~~أن أحافظ على تنفيذه دون عون من أحد؟ # لقد وهبت جسمي لتوفيق على ألا يفسد جماله، ولهذا رفضت أن أحمل أطفالا رفضا باتا، ولم ~~يعلم توفيق برفضي هذا حتى لا يناقشني فيه، فهو أمر لا أفكر في مناقشته على الإطلاق. # مسكين توفيق كان في كل شهر يمر بي على أطباء أمراض النسا، وكان الأطباء جميعا يقولون ليس ~~هناك ما يمنع الحمل، ولم يكن أحد منهم يتصور أنني أنا التي أمنع الحمل، وليس غيري. # وفي يوم لا أنساه لم أتخذ ما أتخذه دائما من احتياط، وعلمت أنني حامل، وأوشك توفيق أن ~~يعرف، فقد كان يحسب المواعيد كسيدة وداعبه الأمل يوما وبعض يوم، وكنت أنا قد سارعت في خفية ~~منه إلى الطبيب، وتخلصت من الطفل، ومات توفيق المسكين، وهو لا يعلم عن هذه الواقعة شيئا، ~~كيف أطيق أن أعبئ طفلا داخل بطني الضامرة هذه، ثم أرضعه ms12 أيضا هيهات ... كيف يجرؤ طفل أن ~~يدمر جمالي هذا؟ إنه هبة من الله علي أن أجعلها معبدا للحب، ثم لا شيء آخر. لست أنثى كجميع ~~النساء، إنني نوع من الجمال يحبو به الله البشرية كل حين بعيد وحين. # أعتقد أن دري لا يهمه أن ينجب أطفالا، وما حاجته إلى أكثر من عبير؟ وإن كان يريد أطفالا ~~فليأت بهم من غيري! أي غيري؟ أيجرؤ أن ينظر إلى غيري وهو زوجي؟ إن زوجي يجب أن تكون وظيفته ~~زوجي فقط، هكذا كان توفيق، ولا بد أن يكون دري. # ولكن دري طبيب مشهور، وما شأني أنا، ولكن لا بأس أن أكون زوجة لمشهور؛ فالشهرة مع الجمال ~~أمر لا بأس به في حد ذاته، ولو أني ضيقت عليه المسالك أغلب الأمر، فإنه سيفقد الشهرة، ~~مجانين هؤلاء الناس؟ ألا يكفي أن يكون دري زوجي، حتى يذهب إليه جميع الناس؟ ألا بد أن يكون ~~ماهرا أيضا في عمله ودقيقا في عملياته ومحافظا على مواعيده؟ # ولكن من ناحية أخرى، لا بأس بهذه الشهرة، فهي ترغم الرجل أن يكون عفيفا مع النساء، فلا ~~يتبذل حتى لا تسوء سمعته. # إن صلته بسهام لا تعجبني، إن سهام لا يمنعها شيء في سبيل أن تثبت لنفسها أنها في مثل ~~جمالي، مسكينة سهام لقد أفسدت عليها حياتها، وأنا ماذا بيدي أن أصنع؟! هكذا خلقت بهذا الجمال! ~~وما كان من الممكن أن تخلق اثنتان في مثل جمالي حتى وإن كانت الثانية هي أختي ~~الشقيقة. # إن كان بين دري وسهام شيء، فلا بد أن ينقطع، وسوف أمنعه أن يذهب، لا بد أن أمنعه، فإنني ~~واثقة أنني لا بد أمنعه؛ فأنا أعرف سهام وليس بعيدا أن يكون بينها وبين دري شيء ما، بل لا ~~بد أن هناك شيئا؛ فحمدي لا يصلح صديقا لدري، بل لا يصلح صديقا لأحد أبدا، وناهد لا تصلح ~~صديقة لسهام؛ فأنا أعرف النوع الذي تحب سهام أن تصادقه وليست ناهد من هذا النوع. # الصداقة الوحيدة - وهي ليست صداقة - التي يمكن أن تقوم ms13 هي تلك التي تربط دري بسهام، وإن لم ~~تكن علاقة قد قامت فلا شك أن سهام ستقيمها بعد أن يتزوجني دري؛ فأنا التي أنغص عليها بجمالي ~~حياتها، وعدم زيارة دري كفيلة أن تقطع العلاقة إن كانت قامت أو تمنع قيامها إن حاولت سهام ~~أن تقيمها. # ولكن من يدريني؟ ربما اتصل بها عن غير طريق الزيارة، هيهات ... أيكون عنده جمالي هذا ~~جميعا، وينظر لغيري؟ لم يخلق بعد الرجل الذي يتزوج مثلي - إن كان لي مثل - وينظر إلى غيري، ~~لا لم يوجد. # كانت وحدها في الغرفة، وكانت بسبيلها إلى الخروج لتشتري الأثاث الجديد لبيت الزوجية؛ فقد ~~أصرت ألا تقيم في بيت كان فيه مع زوجة أخرى، فهي لم تكتف أن يطلق ناهد، وإنما أرادته أن ~~يطلق حياته السابقة جميعا، وكانت قد أحبت عبير، ولم تر بأسا أن تظل معه إذا أراد ذلك، ~~وقد رأت فيها وسيلة تجعله لا يفكر في إنجاب أطفال آخرين. # واشترى دري فيلا جديدة ليقيم فيها، وترك شقته لزوجته وابنته، ولم يقل شيئا لهذه أو ~~لتلك، وإنما ترك البيت في موعده العادي الذي يتركه فيه كل يوم، وبعد ساعة وبعض الساعة كانت ~~ورقة الطلاق في يد ناهد، وجن بها الجنون، ولم تجد أحدا تحادثه، وحاولت أن تتصل بسهام، ~~فوجدتها في الإسكندرية، ثم اتصلت بصديقات غيرها، وما لبث الخبر أن أصبح قنبلة بين من يعرف ~~الزوجين، ومن لا يعرفهما. # وأقام دري بفندق مينا هاوس، وذهبت إليه عبير، وقالت الطفلة المسكينة كلاما كان واضحا ~~أنها لا تفهمه، وإنما لقنته تلقينا. ~~- بابي، هل طلقت مامي؟ ~~- لا شأن لك بهذا يا عبير. ~~- وأنا إلى أين أذهب؟ ~~- عند مامي وعندي. ~~- ولكن لماذا يا بابي؟ ~~- ستعرفين في يوم ما يا ابنتي، في يوم ما ستعرفين. ~~- صحيح، هل ستخبرني؟ ~~- المؤكد أنني سأخبرك. ~~- أتحبني يا بابي؟ ~~- هل تشكين في هذا؟ ~~- لا. ~~- فلماذا تسألين؟ ~~- لا أعرف، أردت أن أسأل. # كان هذا هو السؤال الوحيد الذي صاغته عبير دون تلقين. # وسرعان ما كتب دري كتابه على إلهام، فكانت قنبلة ms14 ثانية، ثم انشغل الناس كل بخاصة شأنه، ~~وفرغت إلهام لشراء الأثاث، وتهيأ دري لحياة جديدة. # 4 # كان طبيعيا أن تزورها أمها ... وكان طبيعيا أيضا أن تأتي معها الدادة آمنة. # إنها لا تستطيع أن تنظر إليها. كانت آمنة آخر إنسان تحب أن تراه في لحظتها النكدة ~~هذه. # إنها هي صندوق أسرارها، تعرف كل شيء منذ ذلك اليوم الذي التقت فيه بدري. # كانت حفلة في بيت صديقتها سعاد هانم شهري ... وكانت هي تلبس فستانها الأسود اللامع، وتحيط ~~رقبتها بذلك العقد من اللؤلؤ الذي أهداه إليها أبوها خالد بك، وأحست أن هيأتها ولبسها والجو ~~الذي تثيره حولها من الحيوية والاعتزاز بالجمال والأناقة قد بلغ من دري ما تشتهي المرأة أن ~~تبلغه من الرجل. # وكان دري في قوامه الطويل الذي يتناسب مع امتلائه بعض الشيء ملتقى للعيون والهمس؛ فحين ~~تعلن الهمسة اسمه يحيط به ذلك العبق الذي يحيط بالناجحين من الرجال. # كانت ناهد في هذه الفترة من حياتها قد خرجت من موقعة عاطفية خاسرة؛ فهي تشعر أنها مهزومة، ~~وتبحث عن انتصار يعيد إليها نفسها، وثقتها بكيانها أنثى وامرأة. # لم يكن من الصعب أن يتعارفا ... ولم يكن من الصعب أيضا أن يتيح لهما البيت الكبير ركنا ~~يخلو فيه كل منهما للآخر. ~~- أحس ألما في قدمي اليمنى. ~~- ليس مثل الألم الذي بقلبي. ~~- سلامتك. ~~- كيف لم أعرفك إلا اليوم؟! ~~- أنراك سريع التحرك في عملياتك الطبية كسرعتك في عملياتك العاطفية؟ ~~- إنه مجرد اندهاش. ~~- فقط؟ ~~- فقط. ~~- والألم في قدمي؟ ~~- لا بد أن أفحصه. ~~- طبعا. ~~- مكان الفحص هو العيادة. ~~- أعطني موعدا. ~~- غدا الساعة السادسة. ~~- أتحب أن أدفع الفزيتة الآن. ~~- أظن أن معي ثمن البنزين الليلة. ~~- أخشى أن يدفع زبون آخر، ويستولي على الموعد. ~~- لا تخافي الزبائن هنا لا يدفعون. ~~- هل أنت متأكد؟ ~~- خبرة طويلة. ~~- اتفقنا. # لم يكن عجيبا بعد ذلك أن تقوم الصلة بينهما، ولم يكن لدري شقة، ولم تكن العلاقة بينهما ~~تحتاج إلى ذلك؛ فقد كانت لا تتعدى بعض قبلات متطايرة، وكان دري يحتاج إلى تظاهر بالتدله ~~والوله؛ ليحصل ms15 على هذه القبلات. وفي يوم فوجئ بها تطلبه بالتليفون على غير موعد. ~~- أراك؟ ~~- كيف؟ ~~- أمر عليك بالسيارة تنزلين. ~~- وماذا أقول لأبي وأمي؟ ~~- ليس من المحتم أن يعرفا. ~~- إن لم يعرفا هما، فستعرف دادة آمنة لا شك. ~~- ألا تقبل دادة آمنة الرشوة؟ ~~- لم أجربها معها. ~~- مغفلة. ~~- لم أكن محتاجة، فلا تقل أدبك. ~~- ولكنك الآن محتاجة. ~~- لا يمكن، إنها تتصور أنني ملاك طاهر. ~~- ألست كذلك؟ ~~- لو كنت ما طلبتك. ~~- حتى الطلب تعتبرينه شيئا يستحق الكلام؟ ~~- أنت مجرم. ~~- مجرم خائب، آخر ما وصلت إليه قبلة. ~~- اسمع يا دري، القبلة التي تحصل عليها هي أقصى ما أستطيع أن أعطيه. ~~- رضينا يا ستي. ~~- ولو كلمتني في هذا الموضوع بعد ذلك، سأكف عن طلبك. ~~- في عرضك. ~~- فاهم؟ ~~- فاهم. ~~- لو وعدتني، وحلفت ألا تكلمني في هذا مرة أخرى، سألتقي بك الليلة. ~~- كيف؟ ~~- لا شأن لك، فقط احلف. ~~- أحلف. ~~- بماذا؟ ~~- بك. ~~- قديمة العب غيرها. ~~- بشرفي. ~~- بشرفك! ~~- جديد وشرفك، إنه شرف دكتور يحترم نفسه. ~~- سأرى مقدار اعتزازك بشرفك. ~~- سترين. ~~- سأقابلك في البيت. ~~- في البيت؟ ~~- في البيت. # وتم اللقاء، ولم ينل منها في البيت أكثر من القبلة أيضا، وتعود أن يذهب إلى هناك، ~~وكانت آمنة تعرف دائما فلم تطق السكوت. ~~- آخرتها. ~~- لا أعرف يا دادة. ~~- أنا خائفة. ~~- أتخافين علي؟ ~~- من كلام الناس. ~~- لا تخافي. ~~- اسمعي، لا بد أن نصنع شيئا. ~~- وماذا نصنع؟ ~~- أنت لا تصنعي شيئا، أنا سأصنع. # وفي ليلة وبينما هو معها يتحدثان فوجئ بأبيها وأمها يدخلان إليهما، ومن خلفهما ~~آمنة. # وهم الوالد أن يبدأ المشاجرة المتفجرة، ولكنه كان أسرع منه. ~~- يا سعادة البك أنا أخطب منك ابنتك. ~~- تتزوجها الآن قبل أن تنزل. ~~- أمرك. ~~- أرسلي يا آمنة السائق يأتي بالمأذون، أو اذهبي أنت معه، ولا تعودي إلا ومعك ~~المأذون. ~~- أمرك يا سعادة البك. ~~- وفي غد نعد لإقامة الفرح. ~~- أمرك. # وتم الزواج على هذه الصورة، ومنذ ذلك اليوم وهو يحس أن هذا الزواج فرض عليه فرضا، كانت ~~الحياة بينهما مستحيلة، هو زواج بكل معنى الزواج إلا أنه فاقد للروح. # كان ms16 يجلس إلى جانبي، وكنت أحس أن بيننا أزمان وبلدان، حتى وهو يعانقني كنت أحس أنه يعانق ~~غيري، وأحس أن ذراعيه ذراعا رجل آخر. كانت القبلة التي يقبلها لي قبل الزواج أشد حرارة من ~~الصلة الزوجية وهي قمتها. # لم أحس في لحظة أنه تزوجني فعلا، ولو أنه لم يذكر هذه الليلة مطلقا، واعتبر ما حدث ~~شيئا طبيعيا كان من شأنه أن يحدث. # لم يكن عجيبا ألا تطيق ناهد النظر إلى الدادة آمنة؛ فهي التي افتعلت هذا الزواج الذي ولد ~~ميتا، والذي لم يكن الطلاق بالنسبة إليه إلا تسجيل وفاة ودفن المتوفى، وإعلان ما كان سرا ~~من شأن مماته. # ولم يكن عجيبا أيضا أن يبحث دري عن شقة خاصة منذ اليوم التالي لهذا الزواج، فلم يكن دري ~~يحب أن يتكرر هذا المشهد الذي تألف وأخرج ومثل في بيت ناهد. إن تغيير خشبة المسرح في ~~مثل هذه المشاهد هام جدا، وكان لا بد له من شقة، وقد استأجرها. فقد كان على ثقة أن زواجه ~~من ناهد لا يمكن أن يستمر؛ فقد أحس منذ اللحظة الأولى أنه لم يختر زوجته بمحض حريته، ربما ~~كان يخطبها إذا لم تفرض عليه، أما وقد فرضت، فلا زواج، إنما هو عقد. # أكان يتزوجها حقا بعد أن سمحت له بالذهاب إلى بيتها؟ نعم لم ينل منها إلا القبلة، ولكن ~~ما هذه الجرأة؟! هل كل حال ربما كان يتزوجها، وربما كان الزواج كاملا وباختياره، أما بهذه ~~الطريقة التي تم بها فهو عقد قابل للفسخ شأنه شأن أي عقد تجاري، عقد بلا اختيار، بلا حب، ~~بلا عاطفة، فهو بلا بقاء. # 5 # إنها تحب أن تأمر، وأنا لا أجد من آمره، أنا لا أعمل شيئا إلا أن أطيع، حتى البنت سعاد ~~لا تطيعني، ولماذا تطيعني وهي تعلم أنني أشتهيها وأشتهي خدرها وأعطيها ما تشاء من المال؛ ~~لتسمح لي أن أشاركها الفراش؟ # قد يبدو غريبا أنه فكر في سعاد؛ فهو يخاف سهام، كما لا يخاف أحدا أو شيئا، فسهام هي ~~زوجه وربة بيته ms17 وأم أولاده، وقبل هذا جميعا هي مصدر رزقه وحياته وأمله. # هو لا يعرف كيف قبلته سهام زوجا، ولو كان عرف ما تغير الأمر كثيرا. وهو على كل حال ~~انتهى في ذلك إلى رأي، أن سهام رفضت الكثيرين ممن تقدموا لها، حتى إذا شارفت الثالثة ~~والعشرين دون زواج قبلته بالصدفة العمياء دون إعمال لأي تفكير، ذلك ما انتهى إليه. # أما الحقيقة فهي أنها كانت تحب شابا في الجامعة هو مهدي، ووصل بينهما الحب إلى أقصى ~~غاياته، وكان مهدي من الذين يحبون ألا يمروا بالجامعة مرورا سريعا، وكان السقوط عنده أيسر ~~من النجاح، وكان في حياته يميل إلى الأيسر لا الأحسن، فتأخر مهدي في طلبها، ونفدت أعذارها ~~أمام أبويها، وقبلت حمدي كما يقبل الإنسان أي شيء يعرض عليه ما دام الذي يريده لا يمكن ~~الحصول عليه. # وظلت هذه الحقيقة خافية على حمدي طول حياته، ولو كان عرفها ما تغير الأمر كثيرا؛ فهو من ~~هؤلاء الكثرة الذين يهتمون بالنتائج دون أن يهتموا بالأسباب التي أدت إليها. # وبعد الزواج وجد حمدي نفسه ضائعا في لجة متلاطمة من المال، ولا مال لديه، ومن شخصية سهام ~~الطاغية، ولا شخصية لديه، فقبل أن يكون تابعا لا متبوعا، مأمورا لا آمرا، طيعيا ~~كالقضيب اللدن طاوع في الشكل اليد، على حد تعبير شوقي أمير الشعراء. # والغريب، وإن كان هو لم لا يستغرب أنه أصبح سعيدا بمكانه هذا، لا يريد عنه حولا أو ~~منصرفا، حتى ليجزع إذا فكر يوما أنه سيضطر أن يكون متبوعا لا تابعا، آمرا لا مأمورا، ~~حبيسا لا طيعا. # إلا أنه في هذه الغمرة، كان يبحث لنفسه عن وجود يمارس فيه كيانه، ويشعر في ميدان هذا ~~الوجود أنه ما يزال حيا غير ميت. # حاول في المحاماة فخذلته شر ما يكون الخذلان، فهي مهنة يحتاج الناجح فيها أول ما يحتاج ~~إلى شخصية، ويحتاج الناجح فيها إلى جهد، ويجب أن يبذل جهدا، وإلى أن يكون صاحب رأي يقف إلى ~~جانبه. # وما هو بصاحب رأي فكان لا بد أن تخذله ms18 المحاماة. # حاول أن يكون أنيقا فلم يسعفه قوامه الأكرش القصير. # حاول أن يكون مهتما بأي شيء فلم يجد شيئا يستطيع أن يسمعه ويدعي الإعجاب به دون أن ~~يسأله سائل عما فهم إلا الموسيقى؛ فهي أنغام ذات معنى عميق لمن يفهمها، ولا معنى لها لمن لا ~~يفهمها، وعند الشرح يستوي الجاهل فيها والعالم، ويبدو الغبي كالذكي، والفاهم كمن لا ~~يفهم. # وفي أطواء الخفاء كان يريد أن يشعر أنه رجل، وهذا الشعور كان لا يجرؤ على الانتفاض في ~~عميق نفسه وهو في أحضان سهام. كان دائما يشعر أنه لا يفرض عليها حق الرجل على المرأة، ~~وإنما كان يشعر أنها هي تمنحه تفضلا - ضمن ما تتفضل به عليه - جسم المرأة منها. # فهو في أحضانها موهوب له لا واهب، متفضلة هي عليه بلا تفضل منه. كان اللقاء بينهما ليس ~~لقاء امرأة برجل، وإنما واجب تؤديه مع ما تؤدي من واجبات عليه أن يشكرها عليه كما عليه أن ~~يشكرها على كل شيء آخر. # كان يريد أن يكون رجلا ككل رجل ينال اللذة ويعطيها، يمتع ويستمتع، يعطي ويأخذ، فإنه معها ~~لا تعترف له بأي عطاء مهما يبذل. # والواقع أنها كانت تمنحه نفسها؛ لأنه من الطبيعي أن تمنحه نفسها، ولكن شعورها بأنه لا ~~كيان له كان يجعلها دائما لا تحس برجولته، كان إذا أجاد أحس أنها تقاضيه دينا مستحقا، ~~وإذا أخفق أحس أنه مدين مفلس يحرجه الدائن، ولا يجد من حرجه منقذا. # فهو محق أن يبحث عن هذه الرجولة في فراش آخر، وكان فراش سعاد هو أقرب فراش. # ولم تكن سعاد قبيحة؛ فهي فتاة سمراء شديدة السمرة قوامها مياد هفهاف، وهي زوجة لزوج لا ~~يلقاها إلا في إجازتها كل أسبوع؛ فالصلة بها مأمونة لا خوف منها إلا أن تمسك بهما ~~سهام. # وقد استمرت علاقته سنتين تقريبا، ولكنه ما زال يعجب بنفسه، كلما ذكر أول يوم تجرأ أن ~~يهمس بالرغبة همسته الأولى لها. # هو يحسب أن شجاعته هي التي أتاحت له ما تم بينه وبين سعاد، ولقد يخادع ms19 نفسه، ويظن أن ~~مركزه بوصفه البك هو الذي مهد له السبيل، وقد يقف أمام المرآة، وتغشى عينيه غاشية من ~~النرجسية والرضاء من النفس، فيظن أن جماله قد أوقع سعاد في شباكه، وإلا فكيف يبرر أن سعاد ~~قد لبت أول إشارة له. ~~- عودك حلو يا بنت يا سعاد. ~~- خدامتك يا سيدي. ~~- ترى أيعرف زوجك قيمته؟ ~~- جاءته خيبة. ~~- العود عطشان؟! ~~- ولا يسقيه إلا العزيز الغالي. ~~- صحيح يا بنت. ~~- خدامتك يا سيدي. # هو معذور إذن أن تذهب به الظنون، حيث ذهبت من الرضاء عن النفس. # ولكن الحقيقة كانت أبعد ما تكون عما ذهب إليه، فكل ما حدث كان من فعل سعاد، فقد أدركت ~~بذكائها أن هذا البك ضائع في البيت، وأنه مستعد أن يكون رهن إشارتها لو أتاحت له نفسها، ثم ~~هو لا شك سيغدق عليها من المال ما لا تتوقع وهي بعد لن تخسر شيئا، وماذا عندها ~~فتخسره؟! # فحين تكلم عن عودها لم يكن هو الذي يتكلم، وإنما كان الإعداد الذي أعدته هي؛ فهي تعرف ~~تماما أن عودها جميل، وهي تعرف تماما كيف تجعله أعظم جمالا، فلها وسيلتها أن يسطع ~~النهدان منها، ولها وسيلتها أن يدق الخصر، وينفر ما دونه، فكان لا بد للبك أن يقول ما قال، ~~وما دام قد قاله، فكل شيء بعد ذلك ميسور قريب. # كانت ليلة باردة، وكانت سهام قادمة من شقة دري، فظهرها وهي نائمة إلى حمدي، وكانت بينهما ~~لغة خرساء في الفراش، فهي إن أولته ظهرها فهي إنما تخبره أنه غير مسموح له بالاقتراب منها ~~في ليلته هذه، وهي إن اتخذت وضعا آخر فله أن يقترب. # ولكن المهم أن إشارة البدء لم تكن تصدر إلا منها هي وحدها. # في تلك الليلة الباردة أحس حنينا، تأكد أنها نائمة، وتسلل إلى فراش سعاد، لم تكن سهام ~~نائمة، وإنما لسبب لا تدريه أوهمته بنومها، وحين تسلل تعجبت بعض الشيء، وانتظرت قليلا، ثم ~~تبعته دون أن يند عنها صوت، رأته رأي العين في وضع لا شك معه فيما يفعله، أو ms20 تفعله ~~سعاد. ~~- يا ابن الكالب . # دون أن تنطق، تراجعت. # ماذا أفعل؟ # أين أجد زوجا مثل حمدي؟ # أو أين أجد خادمة مثل سعاد؟ # وماذا حدث؟ لقد كنت الليلة في نفس وضع سعاد مع دري، كل ما في الأمر أنني عرفت وهو لم يعرف ~~إذن فكأنني لم أعرف. # ولكن ماذا يستطيع أن يفعل هو لو علم بأمري وأمر دري؟ # أما أنا فأستطيع أن أجعله شحاذا. # إن قطعت عنه المال. # وإن تركني من يحتمل أن يكون مثله. # المشكلة كلها يحلها شيء واحد. # أنا نائمة. # أنا لم أستيقظ. # أنا لم أر شيئا. # أنا لم أعرف. # 6 # كريمة هانم لا تترك كرسيها في النادي إلا حين يدعو داع لا قبل لها برده، ولجلوسها في ~~النادي أسباب قوية، منها أنها كانت راقصة شهيرة أحبها الأستاذ سامي إبراهيم المحامي، وتزوجها ~~فتركت عالم الرقص إلى عالم سيدة البيت، ولكن الماضي الذي يصر على أن يلاحق الناس لم يشأ أن ~~يعفيها من قانونه الأزلي، وقد أنجبت كريمة لسامي فتاة تناهز الآن السادسة عشرة من عمرها، ~~وقد أصر ماضي الأم أن يلاحق الفتاة أيضا، وهكذا كانت كريمة تتشبث بكرسيها في النادي هاربة ~~إليه من ماضيها، باحثة لنفسها عن مكان في مجتمع زوجها. والمجتمع - هذا المجتمع - لا يرفض في ~~صراحة، وإنما هو يتظاهر بالقبول، ثم يشيع الهمس فحيحا له جرس أغبر قاتم مشبوه. # وتحب ماجدة أن تنسى ما تعرفه عن ماضي أمها بأن توغل في نشاط النادي موهمة أصدقاءها ~~وصديقاتها ونفسها قبلهم وقبلهن أنها فتاة طبيعية شأنها في الحياة شأن أي فتاة. # وهذه الصداقات تتوطد أو تهن وتضعف دون سبب معقول يدعو لأي من الطرفين. # وكانت ماجدة تحب أن تلعب التنس، وقد بلغت فيه مدى أهلها أن تدخل بطولات، وكان أسامة يلعب ~~التنس، وقد بلغ فيه مدى يؤهله أن يتقدم إلى البطولات. # وكانت كريمة تعلم أن أم أسامة ذات ثراء وافر، وذات اسم عريض كان أبوها يحمله. # وهي من هي معرفة بالرجال. # فأسامة إذن صديق وطيد الصداقة بماجدة، وكريمة تغذي هذه ms21 الصداقة بكل ما تعرفه من خبرة ~~وتمرس. # عرفت كريمة كل شيء عن أسرة أسامة، وعرفت أن سهام هي كل شيء في البيت، وأن الآخرين ظلال ~~باهتة لشجرة البيت التي تنفق عليه وتتحكم فيه. # فكان أول ما سعت إليه أن تجعل الظل أصلا وأسامة رجلا. # زعمت أن سامي مشغول بمكتبه وقضاياه، فهي تكلف أسامة أن يصحب ماجدة، ويقومان بما تحتاج ~~إليه من أعمال. # فإذا أحبت ماجدة أن تشتري شيئا مما يشتريه الفتيات. ~~- خذي أسامة لا تخرجي وحدك. # ويحس أسامة من هذا ومثله أنه يستطيع أن يكون إنسانا قائما بذاته يعتمد عليه ~~غيره. # وحين نال أسامة شهادة الثانوية العامة، وأصبح عنده سيارة أصبحت ماجدة لا تترك السيارة، بل ~~إن كريمة كثيرا ما كانت تعتبر سيارة أسامة سيارتها الخاصة، وتطلب إليه ما لا يطلبه أحد إلا ~~من الأقرباء القريبين، وأسامة سعيد بماجدة وكريمة معا. # والأم سهام تحب دائما أن تكذب عينيها وما تسمعه؛ فصلة أسامة بماجدة في رأيها إنما هي صلة ~~من الطبيعي أن تقوم بين شاب وشابة يحبان اللعبة نفسها، وينتميان إلى ناد واحد، وإلى سن ~~واحدة. # ولكنها في عميق نفسها كانت هالعة أن تكون الصلة أكثر من ذلك، وأي مصيبة أعظم من أن يتزوج ~~أسامة من ماجدة، إن أمها ... لا ... لا ... هذا لن يكون، وإن بذلت دمي. # 7 # كان الدكتور دري قد أوشك أن يترك العيادة حين قدمت إليه فريدة. ~~- أونكل دري. ~~- فريدة. ~~- كعب رجلي يؤلمني. ~~- وجئت وحدك. ~~- هذه أول مرة أخرج فيها وحدي. ~~- وكيف جئت. ~~- أسامة لم يخرج اليوم، وأخذت سيارته. ~~- وسهام، أقصد ماما سمحت لك؟ ~~- ليست في البيت. ~~- أين ذهبت؟ ~~- ولماذا أعرف؟ ~~- هل تحسنين قيادة السيارة في هذا الزحام؟ ~~- ماذا جرى يا دكتور؟ أتراني طفلة أمامك، انظر جيدا إلى من تتكلم. # ونظر، ولم يكن من قبل قد نظر، إنها الشباب في زهوة نضرته، يطل منها عينان هما الجرأة، ~~وهما الدعوة، وهما التحدي، وهما أيضا ذلك الحياء، الذي يزيد النار اشتعالا، وأنف يشير ~~إليك أن صاحبته تريد أن تحب وتبحث ms22 عن حبها، وتريد أيضا أن تكون محبوبة ، أنف في طرفه نوع من ~~الشموخ والكبر، وفي مداه تناسب مع وجنتين تعلوهما من قوة الشباب ضمرة، يعلو ذلك جميعا شعر ~~ثائر كالشباب عربيد كأيامه يستعصي على الهدوء ويتناثر كأنه لوحة فنان حديث. ~~- من أين هذا جميعه؟ ~~- ألم تكن تعرفه؟ ~~- أراه لأول مرة. ~~- لأنك لم تفكر أن تراه. ~~- والشباب ... زملاؤك ... أصدقاؤك، ألا يرون هذا الذي أرى؟ ~~- يرون في أكثر مما أرى في نفسي. ~~- ولكنهم لا يعجبونك. ~~- فيهم غرور. ~~- ولا تحبين الغرور. ~~- قد أحبه لنفسي، ولكن لا أحبه لغيري. ~~- ولماذا تظنين أنني لست مغرورا؟ ~~- غرور مثلك معرفة بقدر النفس، وليس غرورا. ~~- ستجعلينني مغرورا. ~~- كن ما تريد، فأنت كما أنت أحلى شيء في الدنيا. ~~- شيء. ~~- عندي أنا ليس في العالم أحسن منك. ~~- ولا سيارة كسيارة أسامة. ~~- ولهذا قلت شيء، أنت أحسن شيء في الدنيا. ~~- أصبحت مغرورا فعلا. ~~- وما البأس؟ ~~- هيا بنا. ~~- إلى أين؟ ~~- أرى كيف تقودين السيارة. ~~- وهو كذلك. # 8 # قد أقبل أي شيء إلا أن يتزوج أسامة من هذه الماجدة، ألم يبق إلا كريمة الراقصة لتكون ~~حماة أسامة، ويقول لها أولاده يا تيتا، ترى أي ألقاب الجدات ستفضلها كريمة تيتا، نينا، ~~أنا، ستو؟ لا يهمني ليكن اللقب ما تريد، إنما لن يناديها بها أولاد أسامة، وإن بذلت ~~حياتي. # قامت إلى التليفون. ~~- دري؟ ~~- كيف أنت يا سهام؟ ~~- أريد أن أراك. ~~- إننا سنلتقي غدا، أليس كذلك؟ ~~- أريد أن أراك حالا. ~~- ماذا حدث؟ ~~- لا بأس أن أخبرك بالتليفون. ~~- خيرا. ~~- لا يستبعد أن أصاب بالشلل. ~~- أعوذ بالله. ~~- أسامة سيجنني. ~~- ما له؟ ~~- ألا تعرف؟ ~~- من أجل ماجدة؟ ~~- أتراها مسألة بسيطة؟ ~~- لا تستحق كل هذا. ~~- لو تزوجها سأصاب بالشلل إن لم أمت. ~~- يا سهام أولاد هذه الأيام لا يمكن التحكم فيهم. ~~- إلا أولادي، أولادي أنا لا يخرجون من يدي أبدا. # وحمد دري الله أن التليفون لم يعكس إليها هذه الابتسامة الساخرة التي ارتسمت على وجهه، ~~وراحت هي تكمل. ~~- أولادي أنا غير كل الأولاد. ~~- وماذا تريدين أن تفعلي؟ ~~- لهذا كلمتك. ~~- هل ms23 أستطيع أن أمنع شيئا؟ ~~- أنت تحب أسامة وأسامة يحبك. ~~- إياك أن تطلبي مني أن أنصحه. ~~- يا سلام، وما البأس أن أطلب هذا؟ ~~- النصيحة عملة غير مستعملة في هذا الجيل، وأنا أكره أن أقف موقف الناصح على أية ~~حال. ~~- اطمئن يا سيدي، المسألة غير هذا تماما. ~~- إذن أنا تحت أمرك. ~~- أنا أخطب منك عبير لأسامة. ~~- ماذا؟ ~~- ألم تسمع؟ ~~- سمعت. ~~- فما هذه الدهشة؟ ~~- أليست مفاجأة؟ ~~- كل خبر مفاجأة قبل أن تسمعه. ~~- ولماذا أضحي ببنتي؟ ~~- إذا تزوجت بنتك أسامة تكون ضحيت بها؟ ~~- إذا لم يكن أسامة يحبها. ~~- الزواج يولد الحب. ~~- أو يولد الكره. ~~- ولماذا تقدر السيء؟ ~~- بقدر ما تريدين السعادة لأسامة أريد السعادة لعبير. ~~- أنت ترفض؟ ~~- أرفض أن تفرض عبير على شاب لا يحبها. ~~- فإذا طلبها هو؟ ~~- أشوف رأيها. ~~- ولكن المبدأ غير مرفوض عندك. ~~- الرأي رأي عبير. ~~- اتفقنا. ~~- وشيء آخر. ~~- قل. ~~- يجب أن تكلمي إلهام أختك وناهد أيضا. ~~- إلهام أستطيع أن أكلمها، أما ناهد! ~~- سنرى ماذا ستفعل في الوقت المناسب. ~~- أراك غدا. ~~- غدا. # ووضعت سماعة التليفون، وما لبثت أن رفعتها. ~~- حمدي. ~~- نعم يا سهام. ~~- ماذا تفعل؟ ~~- بعض دوسيهات لشركة المقاولات. ~~- اتركها وتعال. ~~- هل حدث شيء؟ ~~- ليس شيئا جديدا، وإنما أريد أن أكلمك فيه. ~~- ألا تستطيعين الانتظار؟ ~~- حين أريد أن أتكلم في موضوع لا أستطيع الانتظار. ~~- في ظرف ساعة سأكون في البيت. ~~- أريدك الآن. ~~- أمرك. # وقبل أن يأخذ مجلسه. ~~- ماذا سنفعل من أجل أسامة؟ ~~- ما له أسامة؟ ~~- هذه البنت التي لا يتركها ليلا أو نهارا. ~~- أهذا شيء جديد؟ ~~- النار تأكلني كل يوم كأنه شيء جديد. ~~- وماذا بيدنا أن نفعل؟ ~~- أنا أقلب الدنيا. ~~- قد تستطيعين أن تقلبي الدنيا، ولكن هل سيفيد هذا في صلة أسامة بماجدة؟ ~~- سترى ماذا سأفعل. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- أولا أريد أن أخطب له عبير. ~~- عبير؟! ~~- نعم. ~~- وكيف عرفت أنه سيقبل؟ ~~- هذا شأني. # وقبل أن ينقضي اليوم كانت تزور إلهام. ~~- أريد عبير لأسامة. ~~- ماذا؟ ~~- وما العجب؟ ~~- لا عجب، ولكن ما أسمعه عن أسامة ... ~~- لا يهمني ما تسمعينه. ~~- يا سهام أخاف أن نسيء ms24 إلى هذه البنت أكثر مما أسأنا. ~~- أنسيء إليها إذا طلبناها لابننا؟ ~~- إذا كان ابننا لا يريدها؟ ~~- أنت تعرفين أنني في بيتي أنا وحدي التي أريد. ~~- أتستطيعين أن تقولي له أحب عبير؟ ~~- أستطيع أن أقول له تزوج عبير. ~~- أهكذا ينشأ بيت سعيد؟ ~~- وهل أحببت أنا حمدي؟ ~~- وهل أنت سعيدة؟ ~~- ما رأيك أنت؟ ~~- ليس من الحتم أن يتزوج ابنك من غير حب ما دمت أنت لم تتزوجي عن حب. ~~- أنا أبحث عن مصلحته. ~~- أنا ليس عندي أولاد، ولكن أخاف من تدخل الأمهات. ~~- حتى ولو كان لمصلحة الأولاد؟ ~~- كلمة المصلحة هي الحجة التي تشهرها الأم دائما، وهي دائما غير مقنعة للأولاد. ~~- أنا أعرف مصلحته. ~~- أنا لست أم عبير، ولكني أرعاها كأم وأرى نفسي مسئولة عنها، ولعله من العدل أن أبحث أنا ~~أيضا عن مصلحتها. ~~- وهل تجدين لها خيرا من أسامة؟ ~~- لو كان هو الذي يريدها. ~~- سأجعله يتقدم إليك. ~~- سترغمينه؟ ~~- سيطلبها منك. # ولم تنم سهام، بل انتظرت أسامة حتى وصل إلى البيت بعد منتصف الليل. ~~- أسامة أين كنت؟ ~~- في النادي. ~~- أنت الآن في السنة الأخيرة، ألا ترى أنك لا تذاكر بالقدر الكافي؟ ~~- ماما ما لزوم هذا الكلام؟ أنا أنجح دائما. ~~- أراك تشغل نفسك بأشياء كثيرة. ~~- ولكنني لا أهمل المذاكرة. ~~- أنا خطبت لك. ~~- ماذا؟ ~~- عبير بنت عمك الدكتور ... ~~- أعرفها طبعا، لا تحتاج إلى تعريف. ~~- ما رأيك؟ ~~- ماما كيف تخطبين لي؟ ~~- أليس هذا من حقي؟ ~~- وأنا أليس لي حقوق؟ ~~- أنا أبحث عن مصلحتك. ~~- وأنا أليس من حقي أن أبحث عن مصلحتي؟ ~~- أتعرفها أكثر مني. ~~- قد أخطئ وقد أصيب، أحب أن أتحمل نتيجة الخطأ وأفرح بالصواب على شرط أن أكون أنا ~~الفاعل. ~~- وإذا جنبتك طريق الخطأ، أليس هذا خيرا لك؟ ~~- أمن الخير لي أن أصبح شيئا تريدين له أنت كل شيء، حتى القميص تختارينه أنت؟ ~~- وكل الناس تتكلم عن أناقتك. ~~- ليست أناقتي، إنها أناقتك أنت على جسمي أنا. ~~- وأنت الذي تتمتع بمديح الناس. ~~- أنا لا أتمتع؛ لأني لم أصنع ما يستحق المديح، أنا لم أقم باختيار شيء ms25 حتى أحس بحلاوة ~~المديح. ~~- المهم الآن، ماذا قلت ؟ ~~- فيم؟ ~~- في عبير. ~~- ماذا تقولين أنت إذا رفضت؟ ~~- رفضت! أهذا معقول؟! ~~- ما دمت تسألين الرأي، فلا بد أن تتوقعي الرفض أو القبول. ~~- أنا لا أتوقع الرفض منك مطلقا. ~~- بل أنت لا تتوقعين الرفض من أحد على الإطلاق. ~~- وخاصة منك. ~~- فإذا رفضت؟ ~~- تصدمني صدمة عمر. ~~- أي رفض بالنسبة إليك صدمة عمر؟ ~~- لا داعي لتحليلي الآن. ~~- تفرضين علي نفسك، وترفضين أن أفكر. ~~- فكر كما شئت. ~~- منذ متى؟ إنك أنت دائما التي تفكرين لي. ~~- لأني أحبك. ~~- أخشى أن أقول لأنك تحبين نفسك. ~~- هل هذا الذي أفعله الآن من أجلك أم من أجل نفسي؟ ~~- من أجل نفسك، وإن حاولت أن تقتنعي أنه من أجلي. ~~- أسامة لا تكثر من اللف وقل كلمتك. ~~- وهل لي من كلمة؟ ~~- إذن فأنت موافق. ~~- بل رافض، وبكل شدة. ~~- غير معقول. ~~- إنما هذا هو المعقول الوحيد. ~~- أتكره عبير؟ ~~- لو كنت أعبدها حبا لرفضت هذه الطريقة التي تريدين أن تزوجيني بها. ~~- مجرد كبرياء. ~~- لا بد أن أختار أنا زوجتي على الأقل، إنها ليست قميصا أو حذاء. ~~- وهل اختياري ضرر بك؟ ~~- بل قتل لي. ~~- إذن. ~~- هو ما سمعت. ~~- لقد استعملت حقك. ~~- ما دام حقي، فلي أن أستعمله. ~~- إذن فلأستعمل حقي. ~~- أنت حرة. ~~- أنا صاحبة كل مليم يصرف في هذا البيت. ~~- ماذا؟ ~~- هو ما سمعت. ~~- أعرف أني سمعته. ~~- وهل كان عندك شك أنك ستسمعه؟ ~~- دهشتي أنه جاء متأخرا. ~~- استعملته حين احتجت إليه. ~~- وترين هذا عدلا؟ ~~- أنا أرى ... ~~- لست في حاجة أن تجيبني هذا السؤال. ~~- أتعرف إجابته؟ ~~- إنها غير ما تفكرين فيه على أية حال. ~~- لا يهم، يهمني الآن أن أعرف رأيك. ~~- وهل لي رأي؟ ~~- لك أن تختار. ~~- إنما يختار من يملك الاختيار. ~~- إذن فأنت موافق؟ ~~- بشرط أن تقبل عبير. ~~- إذا كلمتها ستقبل. ~~- وتريدين أن أكلمها أيضا. ~~- أسامة اسمعني جيدا، فإني أريد أن أكون واضحة. ~~- أنت فعلا واضحة. ~~- ليس بالقدر الكافي، لن أنفق عليك وأبقي عليك السيارة المسجلة باسمي إلا إذا تزوجت عبير، ~~لا يكفيني أن توافق ms26 أمامي، ثم تذهب إلى خالتك من ورائي وتشكو لها ظلمي، ولا يكفيني أن توافق ~~أمامي وتهمل عبير حتى يكون الرفض من جانبها، موافقتك هذه لا تساوي عندي شيئا، إنفاقي عليك ~~وبقاء السيارة مقابل زواجك، ولا أرضى شيئا أقل من الزواج، ولا حتى الخطبة، الطريق الذي ~~ستسلكه إلى هذا الزواج شأنك أنت لا شأني أنا؟ ~~- إنذار أشبه بإنذارات الدول الكبرى للدول المحتلة. ~~- ولا يهمني تعليقك أيضا. ~~- أمرك، والمهلة؟ ~~- أسبوع. ~~- أهو يكفي؟ ~~- أكثر من الكفاية. # ذهب إلى خالته. ~~- طبعا ماما خطبت عبير منك. ~~- المهم رأيك؟ ~~- يهمني جدا أن أتزوجها. ~~- هل أنت راغب فيها حقا؟ ~~- مستقبلي كله متوقف على قبولها. ~~- ألا تسألها. ~~- ليس قبل أن تمهدي لي عندها. # وحين سألت إلهام عبير. ~~- أبي أخبرني. ~~- وأنت ما رأيك؟ ~~- أسامة لا يرفض، ولكن أهو يرغب في هذا الزواج فعلا أم هي رغبة تنت سهام؟ ~~- لقد كلمني وهو يبدو ملهوفا عليك. ~~- ولماذا لم يكلمني؟ أنا معه كل يوم في النادي. ~~- طلب أن أمهد لك عنده. ~~••• ~~- عبير لقد عرفت؟ ~~- تخطبني على طريقة الحريم؟! ~~- خفت أن ترفضي. ~~- وما البأس أن أرفض؟ إنما كان يجب أن تواجهني أنت. ~~- ها أنا ذا أواجهك. ~~- هل أنت متأكد من شعورك؟ ~~- وإلا فلماذا أكلمك؟ ~~- لعلك تريد أن ترضي تنت سهام؟ ~~- ألا تعرفين كم أنت جميلة؟ ~~- مسألة الجمال لا دخل لها في الموضوع. ~~- ونحن أشبه بأقارب. ~~- كل هذا لا يهم. ~~- فما الذي يهم؟ ~~- إن كنت لا تعرفه، فليس المفروض أن أقوله أنا لك. ~~- من الطبيعي أن أحبك. ~~- بالقدر الذي يكفيك أن تتزوجني؟ ~~- ربما أكثر. ~~- هل تشك؟ ~~- ليست هناك مقاييس ثابتة. ~~- هل أنت واثق من شعورك؟ ~~- هذا لا شك فيه. ~~- أفكر. ~~- يخيل إلي أنك فكرت فعلا. ~~- أنا لا أرى فيك عيبا. ~~- فلماذا التفكير؟ ~~- كلمة لا بد أن تقال. # حين ركبت معه ماجدة اضطر أن يقول. ~~- أنا واقع تحت ظروف لا قبل لي بها. ~~- ماما لا يخفى عنها شيء. ~~- أتقدر ظروفي؟ ~~- الحقيقية هي غاضبة. ~~- أين هي الآن؟ ~~- في النادي. ~~- ومتى ستذهب إلى البيت؟ ~~- لماذا؟ ~~- أريد أن ms27 أراها في البيت. # وذهبا إلى البيت، وطلبت ماجدة من أمها أن تعود إلى المنزل. ~~- أنت عرفت؟ ~~- هل أنت طفل؟ ~~- أنا طفل حتى أتخرج من الجامعة. ~~- فهي إذن قد أرغمتك. ~~- وقبل أن أتخرج في السنة الأخيرة، وليس لي مكان أذهب إليه، ولا بد أن يتم الزواج في ~~أسبوع. ~~- وماذا أنت فاعل؟ ~~- سيتم الزواج. ~~- وفيم تريدني؟ ~~- أرجوك ألا تغضبي. ~~- وماذا يهمك من غضبي؟ ~~- الكثير. ~~- على كل إنسان أن يبحث عن مصلحته. ~~- أنا أعرف مصلحتي. ~~- اصنعها. ~~- أن أتزوج عبير. ~~- مبروك عليك. ~~- ولكني أحب ماجدة. ~~- وماذا تريدني أن أفعل؟ ~~- لا شيء إلا أن تعذريني. ~~- اسمع؛ مثلك لا يهمه أن أعذره أو لا أعذره. ~~- لو كنت كذلك ما أصررت أن أكلمك. ~~- يا بني، ربنا يعمل ما فيه الخير. ~~- اسمحي لي أن أقبل يدك. ~~- العفو. ~~- أرجوك. ~~••• # قال له الدكتور دري: أسامة أنا أعرف والدتك حين تريد شيئا لا يقف أمامها شيء، إن كنت ~~يا بني تتزوج ابنتي تنفيذا لأوامر سهام فقط، فأخبرني ولا شأن لك، إني أستطيع أن أؤثر ~~عليها. ~~- مطلقا يا عمي. ~~- وماجدة؟ ~~- صداقة تنس ونادي. ~~- الأمر كان يبدو أكبر من هذا؟ ~~- وهل مثلك يهتم بالمظاهر؟ ~~- أنت واثق مما تقول؟ ~~- كل الثقة. # وتم الزواج، وفي أسبوع. # 9 # كان الحب الذي هبط فجأة على فريدة لخالتها إلهام يثير العجب الداهش في نفس سهام، ولكنها ~~في نفس الوقت لا تجد أي مبرر لمنعه، وحين تزوج أسامة من عبير طلبت إلهام أن تجعل العروسين ~~يقيمان عندها في البيت الكبير الذي سيملؤه الفراغ إذا خرجت منه عبير. # وقد كان أهم شيء عند سهام أن يتزوج أسامة من عبير، ولا يهم من بعد أين يقيمان، ولعل ~~إقامتهما عند دري كانت أنسب لها؛ فهي تستطيع أن تزور البيت بغير حرج بعد أن كان تجهم أختها ~~لزيارتها عند بدء زواجها من دري يجعلها تكتفي برؤية دري في الشقة الخاصة. # أما فريدة فلم تكن تجد حرجا من زيارة خالتها كلما شاءت، ومن الطبيعي أيضا أن تكون صديقة ~~لعبير؛ فالمظاهر إذن كانت طبيعية، وكانت ms28 تستطيع في يسر أن تخفي تلك العلاقة التي قامت بينها ~~وبين الدكتور دري، وقد استطاع هو بطبه وبما يعطيه لها من دواء أن يمنع تلك العلاقة أن تثمر ~~شيئا غير مرغوب فيه. # وكانت فريدة في غاية الذكاء حين تعامل خالتها فهي تقدس جمالها كأنها إلهة من آلهة ~~الإغريق، وهي تمتدح ملابسها وزينتها مهما تكن هذه الزينة أو تلك الملابس. # وكانت فريدة ذكية في معاملتها لأمها؛ فهي تطيعها طاعة مطلقة، ولا ترتدي من الملابس إلا ما ~~تختاره لها أمها، بل هي في خبث إذا أرادت شراء شيء أعجبها أخبرت أمها به أولا، فإن رضيت ~~أمها اشترته، وإن رفضت تركته. # وكانت فريدة ذكية في صداقتها لعبير؛ فهي دائما تشعرها بأنها محل حب وحنان من خالتها، ومن ~~أمها، وأنها القبلة التي يتجه إليها حب أبيها. # وكانت فريدة أختا مثالية؛ فهي دائما مهتمة بأسامة تشجعه أن يلقي إليها أسراره التي كانت ~~هي على علم بها من النادي، ولكنها تبدو أمامه وكأنها تسمعها لأول مرة. وقد كان أخوها يحبها ~~في إسراف حتى لقد أيدها في طلب سيارة لها يوم حصلت على الثانوية، أصر أن تنال سيارة ~~مثله. # وحين تخرج أسامة في كلية التجارة قدم لأخته معطفا انتقته له ولها أمهما بالطبع. # وكان من الطبيعي إذن أن تكون فريدة متحمسة لرغبة أسامة في السفر إلى البلاد العربية ~~ليكون نفسه بها. # وكان من الطبيعي أيضا أن تجن أمه جنونا لهذه الفكرة؛ فهي لا تتصور أن يبعد أسامة، ويكون ~~في بلد آخر غير البلد الذي تعيش فيه، ولعلها عجبت لنفسها يوم قبلت أن يعيش مع دري في بيت ~~واحد، ولعل ما تعلمه عن نفسها رغبة في زيارة دري في بيته في أي وقت لما سمحت لأسامة أن يقيم ~~بعيدا عنها بأي صورة من الصور، كانت سهام تستطيع دائما أن تبدي غير ما تظهر، وكانت ~~تستطيع أن تلف وتدور حول ما تشتهيه، حتى إذا أعياها اللف والدوران واجهت في عيون جريئة ~~متحدية لا يعنيها أن يظهر من شعاعها ما ms29 كانت تخفيه. # كانت تريد أن تمنع أسامة عن السفر ، وكانت راغبة في ذلك رغبة عارمة عاتية لا يقف بها ~~عقل أو منطق أو شيء من الروية، وكانت تخشى أن تطلب إليه ذلك في صراحة، فيزداد إصرارا، ~~ولكنها كانت مطمئنة آخر الأمر إلى المال في يدها، وأنها تستطيع أن تمنعه عن السفر وقتما ~~تشاء، ولكن شيئا في داخلها كان يجعلها ملهوفة خائفة أن يتمكن أسامة بوسيلة أو بأخرى أن ~~يدبر أمرا ويسافر، فلم تملك أن تمنع نفسها. ~~- إن كان من أجل المال؟ ~~- وهل يمكن أن يكون إلا من أجل المال؟ ~~- ألا يكفيك مالي؟ ~~- أريد مالي أنا. ~~- هل منعت عنك شيئا؟ ~~- أنا عرفت قيمة المال حين تزوجت عبير. ~~- ألا تحبها؟ ~~- هذا موضوع آخر. ~~- أتريد أن تنتقم مني. ~~- أأنتقم منك إذا نجحت في حياتي؟ ~~- تنتقم مني إذا استغنيت عني. ~~- وهل أنت بالنسبة لي مال فقط. ~~- أنت كل شيء بالنسبة لي! ~~- لا تنسي فريدة. ~~- طبعا أقصدك أنت وهي. ~~- وأبي؟ ~~- هل هي محاكمة؟ ~~- أقصد أننا كثيرون حولك. ~~- وهل يبرر هذا سفرك؟ ~~- يجعله معقولا. ~~- وإذا طلبت منك ألا تسافر؟ ~~- أسأل عن الأسباب حتى أقتنع. ~~- أنا أمك وأطلب إليك ألا تسافر. ~~- لقد تمكنت من هذا طوال الفترة التي كنت فيها تلميذا أنا الآن متخرج. ~~- هل معنى التخرج أن تستغني عني؟ ~~- معنى التخرج أن أعتمد على نفسي. ~~- أخصص لك مصدرا للمال. ~~- إن أموالك هي الجامعة التي لا تتصورين أن أتخرج منها مطلقا، وإنما دائما تريدين أن ~~أبقى طالبا بها. ~~- لأني أحبك. ~~- لأنك تحبين أن نظل محتاجين إليك. ~~- أجننت؟ ~~- آسف لم أقصد. ~~- أنت حر. ~~- أرجو أن أكون حرا. # وخرج، واشتعل بها الجنون، أهذا يمكن؟ أهذا معقول؟ لم تكن متهيئة للخروج، ولكنها لم تهتم، ~~وخرجت إلى الشارع، وركبت سيارتها، لا تدري أين تذهب، الوقت مساء، وظلام الليل دامس، والنور ~~في الشوارع ينسكب في عينيها قطعا من السواد، والناس قطعان من الغنم أو دمى في سيرك، كل ~~الناس دمى، كل الناس تحركهم أصابع أخرى غير عقولهم، منهم من تحركه أصابع الرغبة ms30 في الغنى، ~~أو الرغبة في الجنس الآخر، أو الرغبة في السيطرة، أين دري الآن؟ لا يمكن أن يبقى في العيادة ~~حتى الآن. # أنا لا أريد إلا أن أهيئ الخير لابني وبنتي وزوجي، أنا لم أصنع شيئا إلا رغبة الخير لهم، ~~وصنع هذا الخير بكل ما أملك من قوة ومن مال، لماذا ينفر مني أسامة؟ هو وحده الذي ينفر مني، ~~أما فريدة وحمدي فإنهما أبدا لا ينفران، لماذا أسامة وحده؟ لعلها عبير، ومن قبل عبير، ~~لعلها هذه الراقصة وبنتها الخليعة، لقد اقتلعته منهما بعملية جراحية عنيفة، ولكن لا بأس، ~~لهذا يقول إنني أحب أن يظلوا محتاجين إلي، إنه لا يستطيع أن ينسى زواجه من عبير، وتركه ~~لهذه الفتاة ابنة الراقصة. # ساحت بها السيارة في شوارع القاهرة، وفجأة وجدت نفسها أمام بيت أختها. ~~- إنه يكلمني بثقة يا إلهام. ~~- وما العجب؟ ~~- لا بد أنه حصل على المال الذي سيسافر به. ~~- ربما. ~~- من أين؟ ~~- وماذا يهمك؟ ~~- أعرف. ~~- لماذا لا تتركينه يسافر يا سهام؟ ~~- يسافر يا إلهام؟ يسافر أسامة، ويقيم بعيدا عني، أجننت؟ ~~- بل أحسب أنك أنت التي جننت. ~~- هل من تحب ابنها مجنونة؟ ~~- بل من تقتل ابنها بحبها هي المجنونة. ~~- أنا يا إلهام ... أنا؟! # ذوقي إذن من كأس لم تذوقي منه أبدا، لقد عشت تحقدين على جمالي، وتركت لك الأطفال لم أنسل ~~منهم شيئا، ولم تتركي الحقد علي، ذوقي اليوم من أطفالك الغصة، تريدين اليوم أن تحبسي ابنك ~~في سجونك التي صنعتها من المال، ووضعت فيها زوجك ليكون أشبه بالقرد المضحك يتحرك بإشاراتك ~~وأصابعك، ولكن أسامة رفض أن يكون مثل أبيه، أتحسبين المال كل شيء؟ إن كنت تملكين المال، ~~فإن غيرك أيضا يملكه، قولي ولا تسكتي، أعرف حديثك هذا: إن أسامة ما يزال صغيرا. ألم يكن ~~صغيرا يوم أرغمته على الزواج؟ إنه لا يعرف كيف يتصرف. فلماذا لا تجعلينه يتعلم كيف يتصرف؟ ~~ربما يمرض، وما البأس أن يمرض؟! في كل بلد أطباؤه، اتركي عنان الفتى يا سهام، اتركي أسامة ~~يا سهام. ~~- اتركي أسامة يا ms31 سهام. ~~- أتركه لمن؟ ~~- لنفسه. ~~- إنه أهبل. ~~- لم تقولي هذا حين خطب عبير. ~~- وعبير طفلة. ~~- دعي الأولاد يكبروا معتمدين على أنفسهم يا سهام. ~~- إلهام هل أنت التي أعطيت أسامة مصاريف السفر؟ ~~- وما البأس؟ ~~- إذن فلن أدخل بيتك مرة أخرى، لو كان لك أولاد لفهمت. وابتسمت إلهام وهي ترى أختها ~~تنتفض خارجة تاركة وراءها كثيرا من الضجيج في الشارع وحدها مرة أخرى، تريد أن ترى دري ~~ولا تدري أين تجده، ليس عجيبا أن تساعد أسامة على عصياني؛ فهي لا أولاد لها، وحقد الأخت ~~أشد من حقد الآخرين، وما لها لا تحقد، لقد بدأنا أنا وهي في السن الذي نفكر فيه في أمور ~~أخرى غير جمالنا، لقد بلغت سن الحقد وبلغتها أيضا، فما هذه العلاقة بدري؟ إنها علاقة ممتدة ~~لم أبدأها الآن، وإنما هي تسير؛ لأنه من الطبيعي أن تسير، ولكن أين دري؟ هو طبعا ليس في ~~الشقة، وماذا يمكن أن يصنع هناك وليس بيننا موعد؟ ولكن لا بد أن أراه. # كيف يسمح لإلهام أن تعطي أسامة ما يحتاج من نقود ليسافر، طبعا هي تدعي أنها تنقذه مني، ~~كأنما تحبه أكثر مما أحبه أنا، لا أحد يحب أبناءه قدر ما أحب أنا أسامة وفريدة، إنهما نبضة ~~من قلبي، إنهما الدماء التي تجري في عروقي، إنهما كل شيء لي، وأنا أيضا كل شيء لهما، كيف ~~يفكر أسامة في عصياني؟ لا شك أن إلهام شجعته على ذلك، وليس ببعيد أن عبير أيضا شجعته، لا ~~أحب هذه العبير إنما زوجتها له إنقاذا من البلوى الأخرى ابنة الراقصة، كيف أرى دري؟ # لماذا لا أذهب إلى الشقة وأظل أطلبه حتى أجده؟ لن أستطيع النوم الليلة إذا لم ألتق به، ~~والدنيا برد، وما أظنه سيتأخر عن البيت. لعله يكشف في مكان ما، أو لعله في زيارة لصديق، ~~ولكن ما يلبث أن يروح. # ذهبت إلى الشقة، إن الصالة مضيئة، إذن فهو هنا، لعله مر مرورا عابرا، إني سعيدة أن ~~أجده، فتحت الباب، ليس بالصالة أحد، ولكن هناك شيء ... شيء ... شيء، ms32 إنه معطف ... معطف كهذا الذي ~~اشتريته لفريدة، وصرخ كيانها جميعا، لا، واحتبست الصرخة لا تصل إلى الشفاه، أمعقول هذا؟ هي ~~خطوة أو خطوتان وأعرف الحقيقة كاملة، ولكن هل أريد أن أعرفها؟ أحست أن الأرض تميد بها وراحت ~~تلقي نظرها على الأشياء، لقد اشترت هذا الطاقم، هذه الكنبة وهذا الكرسي هي التي اشترتهما، ~~هذا الكرسي الذي يحمل المعطف اللعين هي التي اشترته، وكانت سعيدة وهي تشتري أثاث الشقة، ~~وكأنها عروس تجهز نفسها للمرة الثانية، بل للمرة الأولى فهي في زواجها لم تختر الأثاث ~~بحرية، وإنما كانت تختاره لها أمها، أما لهذه الشقة فهي وحدها صاحبة الاختيار، راحت تنظر ~~إلى الأثاث في سرعة، ورأت نفسها في المرآة لا ... إنها ليست هي ... ليست هي تلك الغادة التي اشترت ~~هذه المرآة، بل إنها ليست هي هذه السيدة التي دخلت منذ لحظات، وفجأة تنبهت، إنها ليست في ~~المكان الذي ينبغي لها أن تكون فيه، يجب أن تكون في أي مكان ... أي مكان. وليكن الجحيم، ولكن ~~أبدا لا يجوز لها أن تكون الآن وفي هذه اللحظة في هذا المكان. # خرجت وأغلقت الباب بهدوء يعدل الثورة التي تمور في نفسها، وهمت أن تأخذ المفتاح معها، ~~ولكن وجدت أنه لم يصبح لوجوده في حوزتها أي سبب، تركته، ولم تنتظر المصعد، وإنما راحت تهرول ~~على السلم تريد أن تبتعد، لم تكن تريد أن تبتعد عن دري، ولكن تريد أن تبتعد عن الحقيقة، قد ~~يكون المعطف معطف فريدة، وقد لا يكون، ولكنها لا تريد أن تعرف الحقيقة أبدا ... أبدا لا تريد ~~أن تعرف الحقيقة، إنها تريد أن تترك للوهم والتخمين مجالا واسعا، ولا تريد هذه الحقيقة ~~القاصمة القاتلة السفاكة. # إنها فقدت دري، ولعلها تستطيع أن تفقده، ولكن ابنتها كيف تفقدها؟ وكيف تنسلخ عنها لتكن ~~فريدة هي شريكة دري، ولكنها لا تريد أن تعرف، ولتكن غيرها، ولكنها لا تريد أن تعرف، يكفيها ~~أنها عرفت أنها فقدت دري وإلى الأبد. # ركبت السيارة، واندفعت مجنونة تبحث عن شيء تمارس عليه جنونها، ولم تجد ms33 إلا عجلة القيادة، ~~وسرعان ما تبينت أن زحام الطريق لن يتيح لها هذا الجنون، أوقفت السيارة في شارع بعيد عن ~~شقة الخيانة، ونزلت إلى الطريق. لم ترد أن تعود إلى البيت قبل فريدة؛ فقد كان أخشى ما تخشاه ~~أن تذهب إلى البيت، وتبحث عن المعطف فلا تجده، أو تنتظر فريدة فتجدها داخلة إليها وهي تلبس ~~المعطف. # إنها لم ترد أن تفاجئها في أحضان دري، وكانت تستطيع أن تدعي أنها رأت سيارتها، فسألت ~~البواب عمن يسكن بالعمارة، وعرفت أن دري من بين السكان، فصعدت لترى ماذا تفعل ابنتها، لم ~~يغب عن ذكائها أنها كانت ستحتاج إلى تلفيق هذه القصة؛ لتبرر وجودها نفسه في شقة دري، ولكنها ~~لم ترد أن تعرف الحقيقة، ولم ترد أن تراها، فمن الطبيعي ألا تحتال لتراها؟ # وكانت تستطيع أن تنتظر قريبا من الباب الخارجي للعمارة؛ لترى الخارجين جميعا. # كانت تستطيع أن تعرف بوسائل كثيرة، ولكنها رفضت هذه المعرفة المنكرة، وابتعدت ~~عنها. # وهي الآن لا تريد أن تعود إلى البيت، وستظل تمشي في الطرقات حتى تتأكد أن فريدة قد عادت، ~~وأنها خلعت المعطف إذا كانت هي صاحبة المعطف الملقى على الكرسي الذي اشترته، هذا إذا كانت ~~فريدة هي صاحبة المعطف، فهو على أية حال معطف جاهز، وقد تكون غيرها قد اشترت مثله، وهي لا ~~تريد أن تزيد الشك شكا. فلتذهب إلى البيت، ولتخلع المعطف، وليكن كل ذلك بعيدا عن ~~عينيها. # وراحت من غير هدى تدور في الطرقات، وكأنها هي نفسها قد أصبحت دوارا أصاب الزمان والمكان ~~جميعا. # حين خرج دري مع فريدة أقفل الباب، وأخرج المفتاح من جيبه؛ ليكمل إغلاق الباب، ولكنه فوجئ ~~بمفتاح سهام يسد المنافذ على مفتاحه. ~~- يا نهار أسود. # وسألته فريدة في بساطة. ~~- ماذا؟ # وأرتج عليه لحظات، ثم وجد نفسه يقول: لقد نسيت المفتاح على باب الشقة. ~~- بسيطة. ~~- ولكن كان الممكن ألا تكون بسيطة. ~~- ولكن وجهك ممتقع، وكأن أحدا رآنا. ~~- رآنا ... رآنا ... لا ... لا أظن. ~~- لا تظن، أيمكن أن يرانا أحد ولا نحس به؟ ~~- فعلا ms34 ... فعلا، معك حق ... هيا بنا. # ونزلا معا، ولكنه قبل أن يخرج من باب العمارة توقف فجأة. ~~- اخرجي أنت واركبي سيارتك وامشي فورا. ~~- ماذا بك؟ ~~- لا شيء، مجرد احتياط. ~~- ومتى أراك؟ ~~- كلميني. ~~- حسنا. ~~- أو اسمعي، تعالي غدا. ~~- غدا؟! ~~- غدا، إني أريدك في شيء هام غدا. ~~- أمرك. # وخرجت، وانتظر قليلا وخرج، وراح يتلفت حواليه، لم يجد سيارة سهام فازداد حيرة وتوجسا ~~وخوفا، ولكن كان لا بد أن يذهب إلى بيته. # 10 # إذن فلا بد أن ألد، إنني منذ فترة أصبحت أتوق إلى الأولاد، لا أدري أي جديد غير نفسي، ~~وجعلني أتوق إلى الأطفال، أهو السن، وقد علت بي، أعلت بي السن؟ على كل حال لم أعد صغيرة كما ~~كنت حين رفضت أن ألد، ولكني الآن أريد طفلا، طفلا ألده أنا ولا أربيه لغيري، مهما أقدم ~~لأسامة من عطف يجسمه المال حينا، أو يجسمه الاهتمام حينا آخر، فسيظل أسامة ابن سهام وليس ~~ابني، وسأسمعها تعيرني بأني لم ألد؛ فهي جديرة دائما بأن تقول أي شيء في جرأة ووقاحة لا ~~يبلغها أحد. # ومهما أبذل من اهتمام بعبير، ومهما تقل لي ماما إلهام، فستظل دائما ابنة ناهد ودري ولن ~~تكون ابنتي، أريد لنفسي طفلا ولن أسكت حتى أنال هذا الطفل، لعل دري لا يهمه أن يكون له ولد ~~مني، أما أنا فيهمني، لقد أوقفت تناول الدواء منذ فترة ومع ذلك ... # ويقطع عليها دري هذا التفكير الملح، وهو يدخل ممتقع الوجه لا إشراق فيه، ولا تلحظ هي ما ~~به؛ فقد كانت في رغبتها هذه مطمورة لا تفكر في إنسان آخر، وقبل أن تجيب تحيته ~~المرتجفة. ~~- دري أريد طفلا. # ولم يكن دري صالحا لأي نقاش، ولكن كان لا بد أن يجيب. ~~- وماله. ~~- لماذا لا أنجب؟ ~~- حين تزوجنا لم تكوني راغبة. ~~- وأصبحت راغبة. ~~- هل ترين سننا الآن تصلح؟ ~~- هل كبرنا؟ ~~- أرقام عمرنا تقول ذلك. ~~- لدرجة أننا لن نستطيع الإنجاب. ~~- إلهام أنا متعب. ~~- أنا لا أراك إلا في هذه الساعة كل يوم، وتستكثر علي أن أكلمك. ~~- هذا الموضوع ليس ms35 من السهل بحثه الآن. ~~- أريد أن أذهب إلى طبيب. ~~- نذهب . ~~- متى؟ ~~- فقط يا إلهام قد يقول الطبيب إن سننا لم تعد ... ~~- دعه هو يقول. ~~- لا تنسي أنني أيضا طبيب. ~~- طبيب عظام. ~~- ولكن متخرج في كلية الطب. ~~- ولكنه ليس تخصصك. ~~- نذهب. ~~- متى؟ ~~- متى تشائين. ~~- غدا. ~~- غدا نرى. ~~- لا نرى. # ويقطع عليهما مجيء عبير وأسامة الحديث كلاهما عابس متجهم، والأب مذعور في داخله، وأكثر ما ~~يخشاه أن يدخل في نقاش آخر مع ابنته وزوجها. لم يغفل ما هما عليه من مغاضبة، ولكن لم يرد ~~أن يسأل، ولكن متى كانت عبير تنتظر السؤال؟ إنها لم توجه كلامها إليه، وإنما التفتت إلى ~~إلهام. ~~- ماما إلهام اسألي البك مع من كان يجلس اليوم في النادي. ~~- هل أنا محجور علي؟ ~~- يا أخي إذا كنت تريد الزواج منها، فما الذي منعك؟ ~~- يا ستي لقد تزوجتك وانتهى الأمر. ~~- فما معنى جلوسك معها في النادي؟ ~~- وتنتظرين أن أهرب منها. ~~- إنك أنت الذي ذهب إلى الشلة التي كانت تقعد معهم. ~~- وما العيب في ذلك؟ ~~- ألا تدري ما العيب؟ ~~- ما العجيبة؟ ~~- لماذا اخترت هذه الشلة بالذات؟ ~~- أصدقائي وصديقاتي، ماذا في هذا؟ ~~- لقد قلت بلسانك. ~~- ألا تعرفين ذلك؟ ~~- أنا منتظرة أن أعرف منك. ~~- وها أنت عرفت. ~~- يا سعادة البك أرجوك أن تفوق لنفسك، ليس في النادي من يجهل صداقتك هذه. ~~- وماذا في هذا؟ أنا ألعب تنس وهي تلعب تنس. ~~- والتنس لا يلعب إلا معها؟ ~~- وهل تنتظرين أن أرفض اللعب إذا جاءت إلى الملعب؟ ~~- وهي ما الذي يأتي بها إلى ملعب أنت فيه؟ ألم تعرف أنك تزوجت؟ ~~- وهل معنى أنني تزوجت أن أخاصم الناس؟ ~~- أيعجبك هذا الكلام يا ماما إلهام؟ ~~- والله يا بنتي أنا لا أفهم شيئا. ~~- ماما إلهام ألم تفهمي؟ ~~- الذي أعرفه أنه ما دام تزوجك، فلا تخافي عليه، وهل في النادي من هو أجمل منك؟ ~~- هذا في رأيك أنت، أما سعادة البك فله رأي آخر. ~~- أرجوك يا عمي دري اشترك معنا في الحديث. ~~- اترك عمك دري في حاله، أنا ذاهب لأنام. ms36 # وقام عن ثلاثتهم، ولكن أسامة ما لبث أن قام هو الآخر، وبقيت السيدتان في نفس كل منهما ~~كلام متنافر كل التنافر؛ فإحداهما خائفة على زوجها أن تحيط به الفتاة الأخرى، وأما الثانية ~~فمشغولة بهذا الجديد الذي يلح عليها إلحاحا شديدا حتى ليخيل إليها أنها لن تعرف إلى ~~الهدوء سبيلا إلا إذا رزقها الله بولد أو بنت، وكل من السيدتين لا يريد أن يتكلم؛ فالصمت ~~هو اللغة الوحيدة التي يمكن أن تكون مشتركة بينهما. # حين ذهب دري إلى حجرته سارع إلى السرير يريد لهذا الليل المهدم الضبابي أن ينقشع عن يوم ~~جديد ليعرف ما الذي عرفته سهام؛ فالليل بالنسبة إليه طويل طويل كأنه الدهر، وهو لا يستطيع ~~أن يتكلم في التليفون؛ فإن التليفون يتعذر فيه الحديث في هذا الوقت من الليل، وهو بعد لم ~~يتح له الوقت الذي يحتاج إليه ليكذب ويؤلف ويعتذر ويموه، فلم يكن أمامه إلا أن ~~ينتظر. # أما أسامة فقد كانت تدور في نفسه خواطر أخرى يخشى أن يطول الحديث بينه وبين عبير، فيقول ~~ما لا يريد أن يقول؛ فالنوم هو حصنه الحصين، وهو به قد تحصن. # 11 ~~- كل علاقة لا بد أن تنتهي. ~~- لقد أخطأت الفهم. ~~- لا أريد أن أعرف شيئا. ~~- أشرح لك. ~~- لا تجهد نفسك. ~~- على الأقل لتعرفي الحقيقة. ~~- لا أريد أن أعرفها. ~~- اسمعيها. ~~- كنت أستطيع أن أرى الحقيقة بالأمس وهربت. # وساد صمت واسترجع نفسه، لقد أيقن أنها لم تعرف شريكته، وكان هذا وحده كافيا أن ~~يهدأ. ~~- يا ليتك كنت دخلت. ~~- تستطيع الآن أن تقول ما تشاء. ~~- لو كنت دخلت لزالت كل الوساوس من ذهنك. ~~- دري، نحمد الله أن علاقتنا لم تنكشف حتى الآن، وأنا طبعا كنت مقدرة أنها لا بد أن ~~تنتهي، لا بد لنا الآن أن نرعى أولادنا. ~~- لا أحب هذه العلاقة أن تنتهي بالصورة التي صنعتها. ~~- تصور أنك قلت لي ما أعددته لتقوله طوال الليلة الماضية، وتصور أنني صدقته، ولكني مع هذا ~~أريد أن أنهي هذه العلاقة، لقد استمرت أكثر مما يجب. ~~- اسمعيني. ms37 ~~- لا يجدي أن أسمعك، وأعتقد أنك أنت يجب أن تنهي كل علاقاتك الخارجية، مجرد نصيحة تستطيع ~~أن تأخذ بها أو لا تأخذ. ~~- ليس لي علاقات خارجية. ~~- إن كان لك؟ ~~- أنت غاضبة. ~~- دري أرجوك، الموقف لا يحتمل أي إطالة. ~~- لهذه الدرجة؟ ~~- ليست هناك درجة، لقد كان ما رأيته أمس هاما جدا لكي أفيق، أنت لا تعرف، أو لعلك ~~تعرف - لا أدري - ما دار في ذهني، هذا المعطف الكريه الذي رأيته، أشياء كثيرة طافت بذهني، أنا ~~لن أتعرض لهذا مرة أخرى مهما تكن العلاقة بيننا هامة، لن أسمح لك ولا لنفسي أن أتعرض لهذا ~~مرة أخرى. ~~- لن تتعرض. ~~- لا يكون هذا إلا بقطع علاقاتنا، وإذا تكلمت في الموضع مرة أخرى سأقطع المكالمة. ~~- أمرك. ~~- كيف سمحت لإلهام أن تساعد أسامة على السفر؟ ~~- أسامة ليس صغيرا يا سهام. ~~- إنه ابني. ~~- هذا لا يجعله صغيرا. ~~- أنا الذي وهبته الحياة. ~~- لا يعني هذا أن تسترديها منه. ~~- أتشجعه أنت أيضا. ~~- ما الذي يجعلني أمنعه؟ ~~- بنتك. ~~- إنها زوجته. ~~- أتسافر معه؟ ~~- عندما يستقر ستسافر إليه. ~~- إذن فقد دبرتم كل شيء. ~~- أي بأس في ذلك؟ ~~- أهذا تأثير إلهام عليك؟ ~~- أنا مقتنع بهذا الرأي. ~~- رغم ما تعرفه عن رغبتي! ~~- لقد طلب مني أسامة أن أقنعك. ~~- ولماذا اختارك أنت؟ ~~- يعلم مكانتي عندك. ~~- ولكن أنا لا مكانة لي عندك. ~~- كيف تقولين هذا؟ ~~- لو كانت لي مكانة عندك لمنعت أسامة من السفر. ~~- سهام، اسمعي ما سأقوله لك، اسمعيه جيدا، أسامة سيسافر سواء وافقت أو اعترضت، ومن الخير ~~لك أن تجعليه يسافر وهو ابنك بدلا من أن يسافر وهو لا يهمه أن يكون ابنك أو لا ~~يكون. ~~- أنا أعرف ابني وأعرف كيف أمنعه من السفر، ولا شأن لأحد. ~~- افهميني. ~~- لا أريد أن أفهم شيئا أو أسمع شيئا، مع السلامة. # حين ذهبت فريدة إلى شقة دري وجدته منتظرا في البهو، خلعت معطفها وجلست وهي تقول: ~~ما لك؟ ~~- ما لي؟ ~~- منذ الأمس وأنت إنسان آخر. ~~- تفكير معين يلح علي. ~~- ما هو؟ ~~- إنك قاربت سن الزواج. ~~- عجيبة؟ ~~- ما ms38 العجيبة؟ ~~- لقد خطبني اليوم هشام زكي. ~~- هشام زكي. ~~- شاب في النادي . ~~- ماذا يعمل؟ ~~- متخرج من الهندسة هذا العام. ~~- وما صلته بك؟ ~~- أهي غيرة؟ ~~- أريد أن أطمئن عليك. ~~- ليست هناك صلة خاصة مجرد واحد من الشلة. ~~- وماذا قلت له؟ ~~- وهل تعقل أن أقول له شيئا قبل أن أسألك؟ ~~- وأنت ما رأيك؟ ~~- الزواج أمر لا بد منه على كل حال. ~~- لا شك. ~~- هو شاب لا بأس به. ~~- أعطيني فرصة أسأل عنه. ~~- وهو كذلك. ~~- وأخبري سهام، أقصد والدتك، واطلبي إليها أن تجعلني أسأل عنه. ~~- لماذا أطلب منها هذا؟ أليس من الطبيعي أن الذي يسأل عنه يكون أبي؟ ~~- طبعا هذا ما كان يجب أن يحصل، إلا أن أباك لا يرى أحدا، ولا يذهب إلى النادي؛ ~~فالطبيعي أن أسأل أنا، أقرب صديق للأسرة. ~~- معقول. ~~- إذن ستتزوجين. ~~- لقد كنت تقدر هذا كما قلت لي. ~~- المسألة تحتاج إلى إجراءات. ~~- نعم. ~~- وقد أعددت كل شيء. ~~- هذا ما كنت أتوقعه. ~~- ليس هذا غريبا على ذكائك. ~~- موعدي مع الدكتور مجيد فؤاد باكر الساعة الثانية عشرة ظهرا. ~~- هل سأتألم؟ ~~- لا ألم مطلقا في ظرف ساعة تعودين عذراء كما كنت، وتذهبين إلى البيت كأن شيئا لم ~~يحدث. ~~- وهو كذلك. # 12 # إذن فتلك هي الحرية، إذن فهذا ما كنت أسعى له حياتي كلها، ولم أصل إليه إلا اليوم، كانت ~~أمي ترد عني الحرية كلما تنسمت منها نسمة، كانت تذكرني دائما أنها ولدتني لتكون هي إرادتي ~~ورغبتي وأملي وتحقيق هذا الأمل، فإن لم يكن أملي هو رغبتها عدلته وأصلحت من شأنه، حتى أصبح ~~أنا جميعا رغبة من رغباتها، وأمنية من أمانيها، وهمسة من نفسها، وهاجسا من هواجسها. تخلصت ~~اليوم من كل سيطرتها، بل تخلصت من مصر جميعا لأنشئ حياتي هنا، ويل نفسي من حب مصر! إنها هي ~~التي لم أستطع التخلص منها؛ حنايا الذكريات، وخفقات الجنون، ونجاحي وفشلي، وحبي وبغضائي، ~~ودمائي وأفكاري، وأمسي ويومي وغدي وغد أطفالي، كل عرق من عروقي معجون بترابها، أحبها كما هي ~~وكما أشتهي أن تكون، بكل ما فيها من ms39 متاعب، وبكل ما أرجو لها من رفعة وسمو، أحب التليفون ~~فيها لا يجيب ولا يبدأ حديثا، وشوارعها بما صارت إليه، وأتوبيسها مليئا بالبشر متهالكا، ~~وقطارها وقد علاه الآدميون حتى لا يبين. وأحبها وقد زالت عنها آثار الحروب هذه وعادت مرة ~~أخرى عروس الشرق ومنارته. # لقد استطاعت الحروب أن تخرب التليفونات فيها والشوارع والحافلات والقطارات، بل وحطمت ~~مستوى التعليم أيضا، ولكن مصر هذه الخالدة تظل منارة الثقافة العربية لا ينازعها في ذلك ~~منازع، ليطبعوا الكتب حيث شاءوا أن يطبعوا، وليترجموا من الأدب الغربي ما شاءوا أن يترجموا، ~~وإنما ستظل الثقافة المصرية والفن المصري مصدر الثقافة والفن العربيين في المشرق ~~أجمع. # حريتي من حب مصر لم أستطع نزعها من نفسي، وكيف لي بهذا؟ إن نزعت من نفسي ارتباطي بمصر ~~سأنزع نفسي كلها لا أبقي منها شيئا، إنها تسيطر علي هنا أكثر مما تسيطر علي هناك، إن لهم ~~شعورا نحوها عجيبا هنا، إنهم يكبرونها ينفقون عليها، يحبونها ويبغضون أبناءها؛ فقد خيل ~~إليهم أننا نبحث عن المال عندهم، وما يتخيلون حق؛ فإن الحروب التي خضناها أنضبت جيوبنا من ~~المال، ولكن لم تنضب رءوسنا من ثقافة السبعة آلاف عام، ولم تنضب تاريخنا من الجلال، ولم ~~تنضب مستقبلنا من الأمل إن يكن مر بها زمان أحمق مأفون أجدب الخير منها، فإن هذا العهد لم ~~يستطع أن يجدب تاريخها من الشموخ ومستقبلها من الأمل، من أنا حتى أحب مصر؟ ما أنا إلا طفل ~~عابث على هامش الحياة تحرك أمي خطواتي بإطاعتي لها، أو بعصياني لرغباتها، ألهو فأحطم حياة ~~البنات، أحب هذه وأتركها، وأتزوج تلك وأطلقها، وأنجب من زوجتي وقبل أن أرى الطفل أترك الأم! ~~عابث أنا حقير، ولكنني لا أحس أنني شيء يستحق الوجود إلا حين أذكر أنني مصري، إنني أعبد ~~بلدي من بعد الله. # إنها الحب الذي لا يخون، وإن طلبت الفداء فلنفسي تطلبه ولأولادي ولأهلي. وتقبلني غنيا ~~وفقيرا، متعلما وجاهلا، كريما وحقيرا. تقبلني كما أنا، كما هيأني الله أن أكون. # إنها هي التي لم أستطع ms40 أن أحرر منها، وأنا أسعد الناس بعبوديتي لها، أما أمي فقد تحررت ~~منها تماما، ولكن هل نلت حريتي حقا؟ ألا يستعبدني هنا صاحب المال؟ هراء! أنه يعطي مالا ~~مقابل عمل، وأنا أتقاضى مالا مقابل جهد، ويوم أضيق به أستطيع أن أتركه لغيره، وتلك هي ~~الحرية. # لقد أصبحت حرا، تحررت حتى من آثار أمي وطلقت عبير، طلقتها وهي حامل، لا أريدها، ولا أريد ~~حتى أن أحب الطفل الذي أنجبته رغبات أمي. # خالتي إلهام كانت تريد طفلا، ما البأس أن تتولى شأن الطفل؟ فالطفل مني ومن ابنة زوجها، ~~فما هو عنها ببعيد. # وأرسلت إلى ماجدة أن تأتي لأتزوجها، وقد جاءت مع أمها وتزوجنا. # عجيب أمري، أكانت ماجدة هي من أحب، أم تراها تمثل لي شيئا لا تريده أمي؟ إنني بعد الزواج ~~لم أكف عن ملاحقة الفتيات والنساء، أي إنسان أنا؟! أبحث عن حريتي بين أطلال النفوس التي ~~أخربها. # مسكين كل إنسان يتصل بي، أم تراني أنا المسكين؟ # ماذا يضمر الغد لي ولزوجي ولابني؟ ليتني أعرف! أو لماذا أعرف؟ إن أجمل ما في الحياة أن ~~تظل غيبا مستورا، وأجل ما في الإنسان أن أحدا لا يعرف ما يخفيه هيكله؛ فالله وحده هو ~~وحده الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ms41