######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.KhuyutSama.Hindawi81709058 #META# Tags: novels #META# ID: 81709058 #META# Title: خيوط السماء #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # خيوط السماء‏ # خيوط السماء‏ # | خيوط السماء # | خيوط السماء # تأليف # ثروت أباظة # | خيوط السماء # 1 # بكالوريوس التجارة! ثم ماذا؟ من أين له بعمل؟ مصر تعاني ~~والحكومة لا تعين أحدا. فإذا فعلت فبمقدار، وهذا المقدار لا ~~يناله إلا من يعرف صاحب نفوذ؛ صاحب نفوذ ... # إن أباه عامل التلغراف بمحطة الديميرية، وأقرب عزبة لمحطة ~~الديميرية هي عزبة الباشا، وليصحب معه صديقه نديم؛ نديم ... لا بد ~~أن نديم يعرف الباشا؛ فنديم من عائلة فيها أغنياء ولاسمها طنين لا ~~تخطئه الأذن؛ نديم الطوبجي! أكان جده طوبجيا في جيش محمد علي؟ ~~لا بد أنهم في العائلة يدعون هذا على الأقل فكل عائلة تحاول أن ~~تجعل بينها وبين عائلة محمد علي صلة؛ أي صلة. حتى الشماشرجي لم ~~تغير عائلته اسمها على ضآلة الوظيفة التي كان يشغلها جدها في عهد ~~محمد علي، لقد كان مجرد خادم في حشم الوالي ومع ذلك يتشرف أحفاده ~~بهذا العمل المهين! وأغلب الظن أن هذا الطوبجي كان خادما لأحد ~~الضباط ورافقه في حرب من حروب إبراهيم، وعاد ليدعي أنه كان ~~طوبجيا. يا عم! وأنا مالي، المهم أن أجد نديم وأجد والده على ~~معرفة بهذا الباشا الذي يعمل أبي بجوار عزبته، إنه يعرفه لا شك، ~~وقد ذكره لي في بعض أحاديثه. وعلى كل حال فإنني حتى إذا لم أسافر ~~لأجعل أبي يتوسط لي عند الباشا فلا بد لي أن أسافر لأخبر أبي أني ~~حصلت على الشهادة، وأحاول أن أقيم هناك بضعة أيام حتى يتأكد أبي ~~أنني مفلس؛ فلو علم أن معي مالا لانقض عليه. هو لا يحب أن أقيم ~~معهم ولا يحب أن يراني، وكذلك أنا، ولكن في هذه المرة لا بد مما ~~ليس منه بد. # معذور أبوه فهو كلما رآه تذكر ما صنعته به أمه ... ويل له من أمه ~~وأبيه معا! ولكن هذه قصة أخرى، فماذا علينا إذا رويناها؟ وهل ~~أمتع من التسلية بأحاديث الناس وأخبارهم وأسرارهم؟ # أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ... # ولكن القرآن ينهى عن كل المتع، والنبي كان ms001 يعرف هذا فليس عجيبا ~~أن يقول إن الجنة حفت بالمكاره. # وعلى أية حال أتظنون أنكم ستعرفون عمن أحكي؟ ما هي إلا أسماء ~~سميتها، فإذا أنت عرفتها وفككت عنها طلاسمها وامتد بك عقلك إلى ~~حقيقتها؛ فالذنب عليك يقع فأنا لن أذكر أسماء، ولن أتحمل وزر ~~النميمة. فإذا ساء منك الظن بالناس، ورحت أنت تحمل أسمائي ما لم ~~أصرح به أنا فأنت وحدك المسئول. # وعلى كل حال فأنت تعرف أن هوايتي وحرفتي في الحياة أن أحكي، فإذا ~~لم أحك فماذا أفعل؟ والحكاية في ذاتها لا تعترض عليها الأديان، ~~فكل الكتب السماوية لها قصصها، وكل الكتب السماوية تتخذ من هذه ~~الحكاية وسيلة لتضرب بها الأمثال لعلهم يعقلون. # فأي بأس علي أن أحكي أنا أيضا؟ وإن كان القرآن لا يحكي إلا ~~صدقا فإن الذين مثلي لا يحكون إلا ما تؤلف الحياة. # أحكي إذن لك حكاية أمه ... # من البداية؟ # لا بأس من البداية ... # ولكن البداية بعيدة تتحجب بالسنين الطوال وبالأحداث. # وماذا وراءنا؟ # على رأيك ... ماذا وراءنا. # كان ذلك في مولد الشيخ السمالوطي بالصعيد، وكان فهيم الحوت حديث ~~التعيين في مصلحة السكة الحديد، وكان يعمل خفير مزلقان يومذاك، فما ~~كاد ينتهي من عمله حتى سارع إلى المولد. كان الترك وهو المسرح ~~الرسمي للمولد واضعا صورة ضخمة فخمة على واجهته، وكانت الصورة ~~تمثل امرأة رآها فهيم جميلة غاية الجمال! وإذا عرفت أن فهيم هذا ~~لم ير في حياته امرأة إلا أمه، وهي امرأة غاية في القبح تزوجها ~~أبوه دون أن يراها، وأختيه وهما أقبح من أمهما؛ لأدركت سبب إعجابه ~~بالصورة وصاحبتها. # وهذه قصة أخرى ولكنها قصيرة ... كان أبوه خفيرا، وكان حريصا على ~~وظيفته كل الحرص؛ فلم يجد وسيلة خيرا من أن يخطب ابنة شيخ الخفراء ~~دون أن يسأل عن شيء من حقائقها؛ فالحقيقة الوحيدة عنده أنها ابنة ~~شيخ الخفراء. # ولم يكن يتصور أنها بهذا القبح كله، حتى لقد كان كثيرا ما يرى ~~أنها أجدر من أبيها بالوظيفة من حيث الرجولية والاخشوشان، ولكنه ~~رضي مرغما بما وقع فيه. ms002 وولدت له فهيم أول ما ولدت ثم أتبعته ~~بثلاثة رجال وبنتين جمعوا جميعا أقبح ما في الأم وأقبح ما في ~~الأب. # إذا عرفت هذا جميعه استطعت أن تتصور نوع الجمال الذي يمكن أن ~~يعجب فهيم. # كانت أمه وأختاه عجفاوات كأنهن عصا الخفراء، وكانت الراقصة توحة ~~سمينة مفرطة السمن. كانت أمه وأختاه ذوات أنوف فطساء، وكان أنف ~~توحة واثبا من الصورة كأنه نفير من فم نافخ واستقر عند الأنف، ~~كانت أمه وأختاه - أراني سأطيل المقارنة - كل هذه تفاصيل لا تعنيك ~~ولا تعنيني في شيء، المهم أن فهيم اشترى التذكرة ودفع المليمين ودخل ~~الترك. # وانتهى العرض وخرج فسأل: أهذا آخر عرض؟ ~~- بل أول عرض. ~~- وكم مرة ستعرضون؟ ~~- خمس مرات. ~~- فأعطني لكل عرض تذكرة. # ودفع قرشا صاغا كاملا. # كيف السبيل إلى توحة؟ كان هذا هو السؤال الذي انفجر في كيانه، ~~ولم يكن هذا مجرد سؤال، وإنما خيل إليه في لحظته تلك أن الوصول ~~إلى توحة يمثل له كل الآمال التي يمكن أن يتعلق بها ~~مستقبله. # وبماذا يمكن أن تتعلق آمال مستقبله؟! خفير مزلقان أقصى ما يحلم ~~به علاوات ثم تتوالى الأيام عقيمة مكرورة حاسرة الوجه لا تستطيع أن ~~تحجب في ثنايا خفاياها أي جديد. تجعل من الانتظار متعة، ومن الغد ~~توقعا، ومن السنوات أمنيات. إذا لم يتزوج من توحة فما الحياة! ~~توحة هي الابتسامة المشرقة التي تستطيع أن تجعل في حياته الرتيبة ~~الضجرة شيئا يتوارى خلفه من ملل الأيام. قد تسخر منه القرية أنه ~~تزوج راقصة، ولكن ما القرية وماذا يلقى منها أو من أهلها! ستصبح ~~توحة هي حياته جميعا. # ظل يتردد على الترك كل يوم، وكانت توحة تمر بالجالسين بعد كل ~~رقصة تجمع النقطة. ومن هذه النقطة وجد فهيم وسيلة إليها. كان يشهد ~~كل العروض، وكان الجميع يلقون في منديل توحة قرشا أو نصف قرش، وكان ~~هو يلقي خمسة قروش، وكان حريصا أن يريها القروش الخمسة قبل أن ~~يلقي بها في المنديل، وكان طبيعيا أن تفرج توحة فمها عن ابتسامة ~~من فئة ms003 الخمسة قروش. وحين تكرر الذهاب من فهيم أصبحت الابتسامة ~~تزداد؛ حتى كان يوم أحس فهيم من غمزة عين مدربة أنها تدعوه؛ فدعي. ~~وفي كواليس توحة عرض عليها الزواج وقبلت توحة؛ فقد كان مثل هذا ~~الزواج هو المصير الذي تعرف أنه ينتظرها، فسارت إليه مدركة أنه ~~قدرها الطبيعي لا عجب فيه ولا غرابة، ولا يحتاج حتى أي تفكير. عادت ~~توحة إلى اسمها تحية الملواني. # ولم تهتم القرية بالتعليق على هذا الزواج؛ فلم يكن فهيم ذا شأن ~~يحتاج إلى تعليق، وسواء عند القرية أن يتزوج من غزية أو يتزوج من ~~غيرها. كل ما يستطيعون أن يفعلوه هو أن يمنعوا نساءهم عن بيت فهيم، ~~وقد فعلوه وكان فهيم يتوقعه. # وتفرح الأيام وتتألق في عيني فهيم، ثم يخبو الفرح وينطمس التألق ~~شيئا فشيئا، وتعود إلى الحياة ملالاتها، وتروح الأيام تدفع بعضها ~~بعضا في فتور وتكاسل. عادت الأيام تتثاءب وهي تمضي مثقلة بالضيق، ~~ولولا أن اليوم الحالي يدفعه اليوم القادم ما مضى يوم ليحل ~~آخر. # قد يومض يوم أو بعض يوم ثم تسترخي الأيام بعد ذلك؛ فقد أومض ~~مثلا اليوم الذي أتم فيه تعلم الضرب على آلة البرقيات وأصبح عامل ~~تلغراف، وأومض اليوم الذي عرف فيه أن توحة حامل ... ولكن ما هي إلا ~~لمعة برهة ثم تذكر ما سيكلفه الولد من عنت وجهد، فراحت الفرحة ~~تتراجع بين ظهور واستخفاء، فما جاء الليل حتى استقر رأي الفرحة على ~~التواري والاختفاء لتترك وراءها قلقا وخوفا لم يستطيعا حتى أن ~~يبددا الملالة وتحجر اللحظات، وكان هذا الملل أشد وطأة على تحية ~~بعد أن انسلخت من ملابس توحة. # وكانت وهي تعمل في المولد تنظر إلى المستقبل في ذعر يرادفه ~~الأمل، وكان العمل الذي يفرض عليها الفرح يفرض معه نسيان الخوف. ~~وكانت الأيام عندها متجددة؛ سواء عندها إن كان هذا التجديد بخير ~~أو بشر، فهو على كل حال خير من هذه الوقفة الغبية التي تراها من ~~أيام زواجها بخفير المزلقان أو حتى عامل التلغراف. كان التصفيق ~~يوقظ لياليها، وكانت الوجوه ms004 المتغيرة ترد عنها الملالة. وكان ~~الصراع بينها وبين أفراد الترك يجعلها مشغولة، وكانت بهذا الشغل ~~تستطيع أن تنسى الذعر من الغد والقلق من المستقبل. وهكذا كانت ~~تستطيع أن تنسى ما شهدته من نهاية الراقصات اللواتي سبقنها في هذه ~~الحلبة، وكيف زحف جليد الشيخوخة على نضارة الشباب فيهن؟ فانطمرت ~~حياتهن وهن ما زلن على قيد الحياة. # وللنفس أمام الحياة سراديب وطرق خفية تمكنها من قبول هذه الحياة ~~واحتمال لحظاتها البطيئة الثقيلة العاتية والسريعة الرعناء ~~والعابثة في آن. تمر السنوات سريعة وامضة وتمضي الأيام بطيئة ~~وكأنها لا تمضي. وينشغل الإنسان باليوم عن السنة وبالحاضر عن الآتي ~~وتلهيه اللحظة عن الدقيقة، والدقيقة عن الساعة، والساعة عن اليوم، ~~واليوم عن العام. ويمضي العمر وأيامه جامدة كأنها لا تتحرك، ~~وسنواته كأنها خفقة طائر أو طرفة عين أو سراب ما ظهر حتى ~~امحى. # والإنسان في لوثة الحياة ينظر إلى الآخرين وكأنه ليس منهم وكأنهم ~~ليسوا منه فهو دائما يرى نفسه فصيلة غير الفصيلة، وجنسا غير ~~الجنس. فتجارب الآخرين عنده متعة وليست عبرة، وما يحدث للإنسان ~~الذي ليس أنا، لا أتصور أنه سيحدث لي. وهكذا استطاعت الحياة التي ~~يواجهها الإنسان بالسراديب والطرق الخفية أن تحاربه هي أيضا ~~بسراديبها وطرقها الخفية. وإنها لأشد مكرا وأعظم حيلة، فتجاربها ~~معلنة مشهرة يعرفها الناس جميعا، ولكن الحياة تقنعهم بسحر لها عجيب ~~أن هذا الذي يحدث للآخرين لا يمكن أن يحدث إلا لهؤلاء الآخرين. ~~ولهذا لم يكن غريبا أن تضيق تحية بحياتها الجديدة، ولم تعد تفكر ~~في الأخريات من زميلاتها راقصات المولد حين عبرتهن الحياة دون ~~زواج؛ فانتهى بهن الأمر، وقد اجتمع عليهن ذل الحاجة وذل الرفض من ~~المجتمع. # ولم يستغرق انقلابها من قبول الزواج إلى الضيق به غير بضعة أشهر، ~~ولولا أن فاجأها هذا الجنين لربما كان لها تفكير آخر. # ولكن الجنين جثم على إرادتها، ورضخت له وخضعت لسنن الزواج. # ومرت الأيام الثقيلة فولدت، ومرت السنوات الجارية فشب الطفل وبدأ ~~يذهب إلى مدرسة القرية. ويل له من تلك المدرسة؛ إنها اليوم ms005 ~~بالنسبة إليه نوع من الماضي عبر به ولا يريد أن يذكره، ولكنه يفرض ~~نفسه عليه فرضا محموما لا نجاة منه؛ طفل هو في السنوات الخضر ~~وفي الأيام البله الساذجة من حياته خرج من حصار البيت إلى سعة ~~المدرسة طفرة واحدة كحيوان حبيس لم ير إلى الحياة ولم يعاشرها ~~وإنما كل دنياه غرفات البيت، وكل مراحه هذه الباحة تشب فيها معه ~~الكتاكيت، تتوالى عليها الألوان حتى إذا استوت فراخا اختفت لتأتي ~~بدلا منها كتاكيت أخرى، وليس يدري من مصير الكتاكيت الذاهبة شيئا، ~~فهو حتى لا يكاد يربط بينها وبين هذه الفرخة التي يظل يأكل جزئيات ~~منها أياما. # ومعه في هذه الباحة جاموسة تبقى أحيانا بالبيت اليوم بأكمله، ~~وفي فترات أخرى تخرج مع أبيه في الصباح الباكر، وتعود معه والشمس ~~تميل نحو المغيب. # وفي صدر هذه الباحة حجرة ليس بها إلا فرن مبني تخبز أمه فيه ~~العيش، وقد يصيب في يوم الخبيز رغيفا عليه بيضتان وقد لا ~~يصيب. # تلك هي دنياه، لا يدري هو أن الأطفال تخرج إلى القرية، وتلعب ~~بها، وتجوب الشوارع والحواري والأزقة، وتقفز على أكياس القطن في ~~موسم القطن، وتركب النورج في موسم القمح أو موسم الأرز. حبيس البيت ~~هو، تمنعه أمه أن يرى إلى الدنيا. وإن خرجت هي لبعض شأنها فهي ~~تصحبه مرتبطا بيدها لا تفلته حتى يتم لها ما تشاء من عمل خارج ~~البيت، وتعود به ويسأل هو أمه ويلحف في السؤال لماذا لا يجري في ~~الطرقات مثل هؤلاء الأطفال الذين يمر بهم، وتروعه أمه بالإجابة ~~القاسية حينا أو تلاينه أحيانا. ولكن الإجابات دائما عمياء لا ~~يبصر منها سببا يقنعه أو سببا يرتاح إليه. # وماذا يمكن أن تقول له أمه؟ إنها أيضا معذورة؛ لقد كانت تجاهد أن ~~تؤجل لقاءه بقدرة قادر ما تتيح لها الحيلة أن تؤجل. # لم يعد يذكر إن كان قد عرف السبب الذي جعل أمه تخفيه عن الحياة ~~في أول يوم ذهب إلى المدرسة أم لم يعرف. ولكن الشيء الذي لم ينسه ~~ويحاول دائما ms006 أن ينساه أنه لقي هولا. # أحس في الوهلة الأولى أنه من فصيلة أخرى غير فصيلة هؤلاء ~~التلاميذ، لم تأته الكارثة من أنه لم يكن يعرف أحدا من التلاميذ، ~~فهذه السن عند البشر لا تفصل بين الكائن البشري والكائن البشري ~~الآخر وإنما الأطفال جميعا كتلة واحدة متعارفة، وإن لم يسبق بينهم ~~تعارف، كتلة تحتويها الصداقة، وإن لم يسبقها لقاء كيان بكيان، ومتى ~~يبدأ التعارف تبدأ الصداقة، وإن لم تسبقها البواكير الأولى التي ~~تسبق أنواع الصداقات الأخرى؛ فعدم معرفته بالأطفال الآخرين، وعدم ~~معرفتهم به لم يكن أمرا ذا بال في حد ذاته. فقد كان يمكن أن يكون ~~صديقا لهم جميعا في لحظة اللقاء الأولى. ولكن الكارثة أنه وجد ~~نفسه كيانا مستقلا وهم جميعا كيان مستقل آخر. # ودخل إلى الفصل، وهذا الشعور بأنه منطقة منبوذة من الحياة يملأ ~~نفسه ويهشمها تهشيما. وفي الحصة الأولى بدأ المدرس يقرأ أسماء ~~التلاميذ حتى بلغ اسمه. ~~- فرغلي فهيم الحوت. ~~- نعم. ~~- أنت. ~~- نعم. ~~- تشرفنا. # وانفجر الضحك. ~~- اسمع أنت هنا تنسى البيت تماما. ~~- وماله البيت؟ ~~- لا شأن لنا به المهم أن تنساه تماما. المهم أن تكون تلميذا ~~مضبوطا. ~~- على الواحدة ... # وسارع المدرس يقول للتلميذ الطويل الذي ألقى القنبلة الأخيرة: ~~اخرس يا خليل. # ولكن التلاميذ لا يخرسون وإنما هم يضحكون، لا يريد أن يسكت، وهو ~~واقف مكانه لا يدري ما هذا الذي يحيط به، وينقذه المدرس ~~أخيرا. ~~- اقعد يا فرغلي. # وقعد ... ولكن ما هذا الذي يجري حوله؟! ما هذه الواحدة التي ضحكوا ~~منها؟! ظل ذاهلا طول الدرس وما تلاه من دروس، وفى الفسحة ظل يحاول ~~مرة أخرى أن يكون قطعة من هذا النسيج الذي يكون تلاميذ المدرسة ~~لكنه أحس أنه قطعة مستقلة عن قماش التلاميذ، شيء لا ينسجم معهم ولا ~~ينسجمون معه. انتبذ مكانا قصيا أمن إليه واطمأن أنه مخفيه عن ~~الآخرين، وراح يفكر فيما حدث له في يومه الأول هذا في المدرسة. أي ~~شيء فيه يجعله كيانا لا يلتئم مع كيانات الآخرين! أية عجينة تجعل ~~منه صنفا منفردا غير ms007 مقبول من أبناء مدرسته! إنه طفل مثلما هم ~~أطفال، له أب وله أم، ولا شك أن لكل منهم أبا وأما أيضا؛ لا بد ~~من خافية لا يدريها وهم يدرونها. # ما هي؟ لماذا ينقبض عن كل أمثاله ليصبح مادة معزولة غير صالحة أن ~~تذوب في الكل كما يذوب جميع هؤلاء الأفراد في كل واحد. # هو لا يدري. إنما كل الذي يدريه أنه عجينة أخرى أو أنهم جميعا ~~من عجينة مغايرة لطبيعته. # أكمل اليوم وانتهب الطريق إلى أمه وارتمى على ركبتها وبكى كما لم ~~يبك من قبل ورفعت الأم وجهه إليها، ونظرت إلى عينيه. رأت ذلة ~~وانكسارا ودهشة حائرة وألما عاصفا وطوفانا من الأسئلة يتفجر في ~~رأسه وقلبه ومشاعره، ولكنه لا يدري كيف يبدأ وبماذا يبدأ ... ترك ~~الدموع والبكاء العالي الضجيج يتولى عنه السؤال وصمت هو. # وحين التقت عيناه بعيني أمه وجدها قد فهمت عنه ما لم يقله فتخافت ~~صوت البكاء شيئا فشيئا ثم انتحى من البيت جانبا وتكوم فيه وألقى ~~برأسه إلى ركبتيه في ذلة وهوان لا يدري مأتاهما ولكنهما يعصفان به ~~عصفا أخيذا، وينتاشان قلبه في عنف صاخب وبيل. # ما إن دخل فهيم من باب البيت حتى سارعت تحية تقول له في ~~حسم: فهيم، فرغلي من بكرة يروح مدرسة البندر. # كان فهيم يقفل باب البيت حين انفجرت هذه القنبلة، حتى إذا استدار ~~ورأى وجه تحية جال بعينيه في الحجرة، ورأى فرغلي في كومته البشرية، ~~ورآه وهو يرفع إليه في جهد رأسا تجاهد الذل لترتفع، ورأى عينين ~~تجاهدان الهوان يطل إصرار ساطع لا لبس فيه. # ولم يسأل فهيم لماذا؟ فقد كان ينتظر هذا اليوم، ويكاد يوقن أنه ~~ملاق فيه ما يلاقيه في لحظته تلك. ونكس فهيم رأسه: حاضر. # وكان في هذه اللفظة أشياء كثيرة تتعاوج في حروفها القليلة ... كيف ~~استطاعت كلمة واحدة أن تحمل كل هذه المعاني؟! معجزة هذا الإنسان ~~كيف يستطيع في تلوينة صوت أن يجعل كلمة واحدة تحمل كل هذا الألم ~~والشعور بالذنب والخضوع والأسف لابنه، والضيق بزوجته، والهلع ms008 ~~لمستقبل ابنه، والامتثال لقدر هو نفسه الذي قدره على نفسه. # 2 # مدرسة جديدة # كان وجود فهيم بالسكة الحديد يجعل ذهاب فرغلي إلى مدرسة البندر ~~أمرا ميسورا؛ فقد كان الكمسارية جميعا يعرفونه، وكان من الطبيعي ~~أن يركب فرغلي القطار مجانا، فكان أبوه يصحبه في باكر الصباح إلى ~~القطار الأول، وكان ينتظره حتى يعود في قطار الخامسة من بعد ~~الظهر. # وكان القطار في ذاته مصدر متعة لفرغلي، والعجيب أنها متعة لم تنل ~~منها الأيام أو ينقصها التكرار. # وفي الأيام الأولى استطاع فرغلي أن يصادق التلاميذ وصادقوه، ~~وفرحوا بهذه السذاجة التي طالعتهم منه؛ فقد تكشف لهم عن إنسان لا ~~يعرف شيئا من المعلومات التي يعرفها الأطفال في هذه السن الباكرة. ~~إنها تلك المعلومات التي جعلت أحد الفلاسفة الكبار يقول لست صغيرا ~~لدرجة أنني أعرف كل شيء. # كان الأطفال يعرفون كل شيء أو خيل لهم ذلك على الأقل، في حين لا ~~يعرف فرغلي شيئا على الإطلاق، وكما ينبت الخير من الشر في كثير من ~~الأحيان أصبح هذا الجهل من فرغلي هو أهم العناصر التي تجعل صداقته ~~محببة لزملائه. # وأن يجد التلاميذ فرصة مثل هذه الفرصة التي يهيئها لهم جهل ~~فرغلي. لقد أصبحوا جميعا له أساتذة في علم الحياة؛ فعرف منهم ~~خفايا الجنس واللفظ الجارح قبل أن يعرف منهم لعب الكرة أو لعب ~~البلي. # وأصبحت المدرسة عند فرغلي متعة بعد أن كانت وبالا عليه. وأصبح ~~التلاميذ يقبلون عليه في لهفة يضحكون من سذاجته ثم يمارسون عليه ~~أستاذية لا يتيحها لهم تلميذ آخر. ولكن أتترك الأيام فرغلي ينعم ~~بهذا الاقبال؟ ولماذا وماذا يكون هو حتى لا يواجه من الحياة ما ~~يواجهه أمثاله؟ وكيف يمكن أن ينشغل عنه مجتمعه ولا يصيب منه ما ~~يصيبه من الآخرين ألما وعنتا؟ # حين انقضت الشهور الأولى لأيامه في المدرسة بدأت تتضح أشياء لم ~~يكن من الممكن أن تتضح إلا إذا مر بها الوقت. فالملابس التي دخل ~~بها الطلبة إلى المدرسة كانت جديدة في بدء العام الدراسي، ولا بد ~~لكل جديد أن ms009 يصيبه القدم . # والملابس بالذات تتأثر بالاستعمال أكثر مما تتأثر بالزمن. # وضحت الفوارق بين التلاميذ وعرف الأغنياء بعضهم بعضا. وعرف ~~الأغنياء الفقراء والفقراء الأغنياء. # وفي هذه السن لا ينظر التلاميذ إلى هذه الفوارق؛ حتى إذا عرفوها ~~فإنها لا تعني شيئا بالنسبة إليهم؛ فعلاقاتهم بعضهم ببعض في هذه ~~السن النضرة النقية الشفيفة لا تعترف بالفقر والغنى، وحين استبانت ~~حقائق كل تلميذ لم يكن لهذه الحقائق أي أثر عند الأغلبية الكاثرة ~~منهم، ولكن فرغلي بالذات كان من هذه القلة الضئيلة التي عرفت ما ~~معنى أن يكون الإنسان غنيا وما معنى أن يكون الإنسان فقيرا، وما ~~معنى أن يملك التلميذ أكثر من بدلة يأتي بها إلى المدرسة، وما معنى ~~ألا يملك إلا بدلة واحدة ما تلبث أن يحيط بها القدم فتتمزق وترتق ~~أو يزداد بها القدم فتظل رائحة جائية من الرفا إلى البيت ومن البيت ~~إلى الرفا. # أدرك هذا جميعه وأحس في نفسه لذعة ألم ونار غيظ، وبدأت براءته ~~التي أتى بها إلى المدرسة ساذجة نقية تنتابها القتامة شيئا ~~فشيئا، ووجد نفسه ينأى بعيدا عن مواطن التجمع من التلاميذ التي ~~تسبكهم جميعا في كل واحد لا يعرف الفقر ولا يعرف الغنى ولا يعنى ~~بأمره. # في هذه المرة فرض هو الوحدة على نفسه. وكلما سعى إليه زملاؤه ~~يلتمسون منه هذه السذاجة التي عرفوها فيه وأحبوها منه أجابهم تلك ~~الإجابات التي تغلق عليهم مسالك الحديث وتقفل دونهم دروب ~~المسامرة. # وقد كان فرغلي في وحدته هذه أشبه بنواة خلية. وكما تنقسم الخلية ~~في نظام رباني فريد لا يدرك سره إلا خالق النفوس كذلك تتكون خلايا ~~متقاربة متشابهة متماثلة بطبيعة الأخلاق التي جلبت عليها ~~الطبائع. # وبسر هذه الجاذبية الخفية تكون حول فرغلي أربعة طلاب. لم ~~يكونوا أصدقاء في بداية دخوله المدرسة، وهم بطبيعة الحال ليسوا من ~~قريته، فالمدرسة ليس بها أحد من قريته وإلا لذاع السر الذي لا ~~يعرفه هو، والذي يعرفه أهل القرية جميعا، والذي من أجله ترك مدرسة ~~القرية إلى مدرسة المدينة. # وهم أيضا يضحكون من ms010 سذاجته، فهم أنفسهم كانوا قريبين من هذه ~~السذاجة حين جاءوا إلى المدرسة أول ما جاءوا. فقد كان آباؤهم أو ~~كانت أمهاتهم يمنعونهم أن يختلطوا بأبناء القرية وما يرد على ذلك ~~المنع استثناء. # تكون هؤلاء الأربعة حول فرغلي وأصبحوا وحدهم فريقا في ~~المدرسة. # ما الذي جمعهم حوله؟ ولماذا لم يكن هو واحدا من الأربعة ليجتمع ~~هو معهم حول آخر؟ لماذا كان هو النواة وليس جزئية من الجزئيات التي ~~تتجمع ولا تجمع؟ # كان فرغلي جامد الوجه صموتا قاسي القسمات لم تعرف عضلات وجهه ~~استرخاء الطفل وليانه وطراوته؛ لقد كان ذلك من مكوثه في البيت لا ~~تطالع عيناه إلا وجه أمه. وقد فرضت ولادته على أمه أن تمكث في ~~البيت لا تبارحه إلى ما كانت تهفو إليه نفسها من مرح الموالد ~~وانطلاقة الغوازي؛ فإذا قسماتها تتطلب وتتشنج لهذا الذي فرض عليها، ~~فإذا بهذا التشنج يلتصق بوجهها، وإذا ابنها ينمسخ وجهه على نمط ~~وجهها، وإذا هو يفقد ما يكسب الطفل جمال الطفولة. وكانت عينا أمه ~~بعد ولادته قد انقلبتا إلى كراهية فيهما عينان يحقدان على ميلاده ~~الذي حرمها من تحقيق ما أرادت أن ترجع إليه من حياة. فلم ير في ~~عيني أمه ما يراه الأطفال الآخرون من حب أو إشفاق أو وداعة أو هناء ~~أو رضى. # لم يكن يرى إلا عينين تقدحان شررا لا يعرف لغته، أهو شرر الحقد ~~أم شرر الغيظ أم شرر السخط؟ لم يكن يعرف، وكذلك لم تعرف عيناه إلا ~~هذه النظرات التي تجمدت على شعاعها ألوان شتى من الكراهية والحقد ~~والغيظ والسخط لا تتيح فسحة من مكان لبصيص عطف أو رضى. # وكانت أمه لا تثرثر بالحديث مع أبيه أو معه، فهي لا تتكلم إلا ~~لتقول شيئا يحتاج إلى كلام. لم يسمعها في حياتها تتكلم لمجرد ~~الكلام لمجرد هذه الثرثرة الفارغة التي يستمتع بها النساء وكثيرا ~~ما يستمتع بها الرجال أيضا. # كانت أمه في عيشتها التي أجبرها ميلاده عليها ترى نفسها سجينة في ~~سجن منفرد لا يدرك أحد مقدار الغضب الذي ms011 يغتلي في نفسها. ولا سبيل ~~للغاضب أن يثرثر، وغضبها هذا من نوع خاص؛ فهي لا تستطيع أن تبين عنه ~~أو تكشف خوافيه، بل هي تخشى أن يطلع عليه أحد، ولهذا لم يكن عجيبا ~~أن تزم شفتيها كضلفتي باب لسجن تغتلي بين جنباته ألوان من ~~عذاب. # وهكذا انغلقت شفتاه مشدودتين كأوتار من آلة من آلات التعذيب تأبى ~~أن ترن بغير أصوات الحقد والكراهية والألم والهوان. # هذا التركيب الذي صنعته طبيعة الحياة التي يحياها فرغلي جعلت منه ~~تلك النواة التي اجتمع عليها عمران الفوال وشلبي المبوع وعطية سيد ~~أحمد وفرحات عبد الباسط. ودون أن يتم بينهم اتفاق ودون تعاقد تكشف ~~عنه الألفاظ ثم التعاهد، لقد تقاربت أرواحهم وتمازجت، وأحسوا أنهم ~~يستطيعون هم الأربعة أن يكونوا نسيجا متميزا عن هذا النسيج الضخم ~~الذي نسجت خيوطه من كل التلاميذ الآخرين. # إنهم يكرهون هذا النسيج الآخر في تكوينه الكامل وفي خيوطه التي ~~صنعته. إنهم يكرهون التلاميذ الآخرين جماعة وأفرادا، ويشعرون أنهم ~~هم، وهم فقط في خمستهم، الجديرين بالحياة حين ينبغي أن يحرق جميع ~~هؤلاء التلاميذ. فهؤلاء التلاميذ ما هم إلا أبناء الأغنياء الذين ~~يستطيعون أن يلبسوا أكثر من حلة وأكثر من حذاء، وما الآخرون الذين ~~يصادفونهم إلا الأغبياء الذين يسمحون لهم بهذا الغنى ولا يحاربونه، ~~كما يجب أن يحارب كل شيء لا يملكونه. # وما هي إلا أيام حتى راح هؤلاء النفر الأربعة بزعامة خامسهم ~~فرغلي يصنعون ما يعتقدون أنه الواجب الأول لمن كان في مثل ~~حالهم. # ودهش ناظر المدرسة والمدرسون والفراشون والتلاميذ حين جاءت فسحة ~~الغداء فإذا هم يجدون صنابير الشرب جميعها مكسورة، والماء يتدفق في ~~شكل سيل ويأمر الناظر فتقفل محابس المياه ويبحثون عن الفاعل ولكن ~~هيهات. ولا تمر أيام كثيرة حتى تتواتر الشكاوى إلى الناظر من طلبة ~~بعينهم أنهم حين قاموا عن مقاعد أدراجهم كانت بنطلوناتهم مليئة ~~بالحبر الذي كان ملقى على المقاعد بشكل خفي لا يلحظ، ولو كان عند ~~الناظر أية فكرة عن عصبة فرغلي لاستبان أن هذا لم يحدث إلا في ms012 ~~الفصول التي كان هؤلاء الخمسة من بين تلاميذها. ولعل أسوأ ما صنعته ~~العصابة هو ذاك الذي تولاه فرغلي شخصيا بمساعدة شلبي المبوع فقط؛ ~~لأن الفرصة لاحت حين كانا هما فقط أمامهما ولم يتسع لهما أن ~~يستدعيا الآخرين. # كانا يمران أمام مصلى المدرسة وفجأة استرعت نظرهما كمية الأحذية ~~المرصوفة أمام الجامع. ~~- معك مطواة. ~~- معي. # وفي لحظات سريعة حاسمة شقا فردة واحدة لكل زوج من الأحذية، ~~والفكرة بقدر جرأتها تدل على عمق التجربة في الإيذاء؛ فإن شق فردة ~~واحدة يستغرق نصف الوقت، وهو مع ذلك يقضي على الأحذية جميعا قضاء ~~مبرما. # وبقدر الذكاء الذي تنكشف عنه هذه التجربة نلمح الغباء في ~~ثناياها. خرج التلاميذ من الجامع وجابهتهم الجريمة فاغرة الأفواه ~~بشعة تدعو إلى الحيرة والغيظ في وقت معا. وكان ناظر المدرسة بين ~~المصلين. ترك حذاءه الذبيح وذهب إلى غرفته وأعلن الأحكام العرفية. ~~كلف المدرسين أن يفتشوا جميع التلاميذ بحثا عن موس أو ~~مطواة. # وشاع الخبر، وبدأت فرق التفتيش عملها. ~~- وفجأة أدرك فرغلي أنه وقع على فرصة لا تعوضها الأيام كثيرا ~~تسلل من الفصل في هرج تناقل الأخبار والتعليق عليها وقصد إلى غرفة ~~الناظر. ~~- أنا أعرف ذابح الأحذية. ~~- من؟ ~~- شلبي المبوع. ~~- كيف عرفت؟ ~~- أراني مطواته في الصباح وقال إنه سيصنع بها انقلابا في ~~المدرسة. ~~- ولماذا لم تأت قبل الآن. ~~- كنت متعبا ولم أترك الفصل في فسحة الظهر، وحين عرفت الخبر ~~سارعت أقول لحضرتك. # وجاء شلبي المبوع واعترف ولكنه وقد وجد الاتهام موجها إليه من ~~فرغلي أفشى الأسرار كلها والكلمات التي تبادلاها وهما يقومان ~~بمهمتهما، واتضحت الحقيقة أمام الجميع حتى أصبحت لا تحتاج إلى ~~شك. # وفصل شلبي وفرغلي من المدرسة. # كان فرغلي في السنة النهائية من المدرسة الإلزامية وكان الدخول ~~إلى المدرسة الابتدائية لا يحتاج إلى شهادة تدل على بقاء التلميذ ~~بالمدارس الإلزامية فترة معينة لأن دخول المدرسة الابتدائية كان لا ~~يتم إلا بامتحان، فلم يكن لهذا الفصل الذي وقع على فرغلي أي أثر عدا أنه ~~ذهب مرة أخرى إلى منعزله ببيت أمه، ولكنه ms013 طمأن نفسه أنه كان على ~~أية حال عائدا إلى هذا المنعزل فقد كانت السنة الدراسية موشكة على ~~الانتهاء، وكان قد أعد لإجازة الصيف عدة. ~~- أمه ... لماذا لا أخرج إلى القرية. ~~- وما الداعي؟ ~~- أنا الوحيد من أبناء القرية الذي لا ألعب مع الأطفال. ~~- البيت بعيد عن القرية. ~~- وهل هذا ذنبي؟ ~~- لقد بنى أبوك بيته بجانب عمله. ~~- وما ذنبي أنا؟ ~~- لو لم تعمل عملتك المهببة لكنت الآن في المدرسة. ~~- المدرسة لم يبق على إجازتها إلا بضعة أيام. ~~- أحسن من قعدتك في البيت. ~~- ولو كنت مثل كل الأمهات ما كنت أنا في البيت. # وأحست تحية كأن طعنة خنجر حاد الشفرتين قد أصابتها من لسان ~~ابنها، واختلطت في نفسها حميا الألم مع رعب القلق ... أيكون قد عرف ~~أنها ليست مثل الأمهات؟! ~~- وله ... أنت شايفني اختلفت عن كل الأمهات. ~~- طبعا. ~~- فيم أختلف عنهن. ~~- أولادهن جميعا في الطرقات يلاعب بعضهم بعضا إلا أنت ... فهل ~~مثلهن أنت؟ # وانهدمت جالسة. # تبدد ألمها، وزال قلقها إلى اطمئنان، واستطاعت بلسان جاف أن ~~تقول: من خوفي عليك. ~~- وهن ألا يخفن على أبنائهن؟ ~~- كل شيخ وله طريقة. ~~- إلا شيخك فطريقته عجيبة! # وكأن ريقها أصبح دمعا وهي تقول: ولكنك لا تعرف شيئا يا ~~فرغلي. ~~- بالتأكيد هناك شيء لا أعرفه. ~~- بل أنت لا تعرف شيئا على الإطلاق. ~~- أنا على وش الدخول إلى المدرسة الابتدائية، وأعرف القراءة ~~والكتابة والحساب. ~~- ومع ذلك لا تعرف شيئا. ~~- عرفيني. ~~- ستعرف. ~~- قولي. ~~- ستعرف ... من المؤكد أنك ستعرف. ~~- وما دمت سأعرف فلماذا لا تقولين أنت. ~~- سيأتي الوقت. ~~- وإلى أن يأتي الوقت الذي أعرف فيه سأبقى محبوسا هكذا في ~~البيت. ~~- ليس الأمر بيدي. ~~- فالأمر إذن بيدي أنا. # ودقت صدرها في عجب. ~~- كسر يدك! أتريد أن تخالف أمري يا وله؟ ~~- من غير مخالفة. ~~- ماذا تريد أن تفعل؟ ~~- رأيت من في سني يعملون في المركز. ~~- ماذا يعملون؟ ~~- أعمالا كثيرة. ~~- مثل ماذا؟ ~~- صبي في قهوة، مساعد بقال، أي شيء. ~~- (ونظرت إليه مليا) ألست صغيرا على هذه الأعمال. ~~- رأيت زملاء لي كثيرين يقومون بهذه الأعمال. ~~- إذن ms014 فأنت تستطيع أن تعمل. ~~- ما دمت لا أستطيع أن ألعب مثل العيال فلماذا لا أعمل مثل ~~الكبار. ~~- الحكاية هذه لا بأس بها ولكن. ~~- لا تكملي ... أعمل وأساعد أبي على المعيشة. # وأطرقت تحية وصمت فرغلي وتوهجت حكمة الله العلي القدير في صمتهما؛ ~~فقد شاء سبحانه أن تلتقي العيون وتتقارب الأرحام، ولكن أحدا لا ~~يستطيع أن يكشف ما يفكر فيه الآخر. # فلو أن فرغلي رأى ما يدور برأس أمه لرأى عجبا، ولما صدق ما ~~تهمس به نفسها إلى نفسها. ولو أنها هي رأت ما يدور بعقل ابنها ~~لهالها أن يجتمع كل هذا الجشع في كيان هذا الطفل الصغير. ~~••• # استطاع زملاء فهيم أن يجدوا لفرغلي عملا بسهولة. فهم منتشرون ~~ولهم أصدقاء كثيرون وميسور عليهم أن يجدوا لابن زميلهم عملا ~~هزيلا، وقد شاءت الصدفة أن يكون عمل فرغلي في مقهى الحرية بميدان ~~الساعة. وقد كان موقع المقهى عظيما وكان زبائنها يملئونها أغلب ~~ساعات النهار. # ونشط فرغلي في عمله الجديد وكان البقشيش الذي يناله أعظم من ~~مرتبه بكثير. فقد حدد له صاحب المقهى ستين قرشا مرتبا شهريا ~~ولكنه يحصل على ضعفي هذا المبلغ من الزبائن، والعرف في المقاهي أن ~~يضع العاملون في المقهى كل ما جمعوه من بقشيش في وعاء خاص ثم يقسم ~~بينهم. وقد اضطر فرغلي أن ينفذ هذه القاعدة في الأيام الأولى من ~~عمله بالمقهى، فقد كان كبيرهم يفتشهم جميعا عند فتح المقهى في ~~الصباح ويستولي على ما معهم من نقود لتكون أمانة في ظرف خاص يحمل ~~اسم كل منهم على حدة، حتى إذا انتهى العمل في المقهى فتشهم جميعا ~~وتقاسموا البقشيش. وكان مسموحا لفرغلي أن ينهي عمله مبكرا بعض ~~الشيء لصغر سنه، وليتمكن من اللحاق بآخر قطار يعود به إلى القرية. ~~فالقطار وحده هو الذي يستطيع أن يركبه مجانا بوصفه واحدا من أسرة ~~المصلحة. # بعد أيام من العمل بالمقهى وجد فرغلي أنه ينال الكثير، ولكنه لا ~~يحصل بهذه القسمة إلا على القليل. # ذهب إلى صانع أحذية واشترى منه إبرة أحذية وخيطا وكان ms015 يفتق ~~الحذائين في الصباح وهو ذاهب بالقطار، وكان يضع بهذا الجيب السري ~~العجيب الكثير من القروش التي يحصل عليها، وفي المساء كان يخيط ~~الحذاء سرا ويعود بجزء كبير من البقشيش. وهكذا استطاع أن يخفي ~~القروش على كبير القهوة حسنين، ولم يكن حسنين يتصور أن هذا الطفل ~~الذي لا ينفتق وجهه عن ابتسامة يستطيع أن يفتق حذاء عن ~~جيبين. # ولم يكن أبوه يسأله عما أصاب من مال مكتفيا بأنه هو الذي يقبض ~~مرتبه جميعا آخر الشهر. # أما أمه فكانت منذ عمل فرغلي مشغولة بأشياء ألهتها تماما أن ~~تسأله عما يربح. # الشيء الذي لا يعرفه فرغلي ولا يملك أن يعرفه أن هذا الذي يناله ~~سواء بالتهرب أو بالحق أقل كثيرا مما كان يستطيع أن يحصل عليه لو ~~أنه عرف فقط كيف يضع على محياه ابتسامة تكسب وجهه براءة الطفولة ~~وجمالها. ولكن هذه الابتسامة كانت بعيدة عن تفكيره كل البعد. ومن ~~أين يأتي بها وقد عاش عمره مع أب يأتي إلى البيت وقد طحنه العمل ~~وأم لم تر في ميلاده إلا حبالا قاسية تكبل آمالها، حتى إذا ذهب ~~إلى مدرسة القرية واجهته السخرية والضحك في يومه الأول والأخير بها ~~فجعلته هذه السخرية السريعة يكره الضحك لأنه لم يصدر عنه أبدا ~~وإنما صدر عليه ودون أن يعرف السبب. # وحين ذهب إلى مدرسة المركز لفت به الأيام لفة كان فيها مصدرا ~~يضحك الآخرين، ثم كان زعيما لحزب الحاقدين والحقد للضحك فزع، ~~وهيهات لمن عرفت نفسه الحقد أن يعرف وجهه أو قلبه الضحك أو حتى ~~الابتسام. # مسكين فرغلي لقد حرمته الحياة الضياء الوحيد الذي يستطيع به ~~الإنسان أن يشق طريقه في ظلام الأيام، ولكن الحياة العظيمة التي ~~تستطيع دائما إذا منعت أن تهب، والتي إذا حرمت إنسانا نعمة من ~~أنعمها أمدته في خفية وفي كرم بما يغنيه من هذه النعمة. هذه الحياة ~~الرءوف الرءوم حرمته متعة الإشراق أو الضحك أو الابتسام، وفي نفس ~~الوقت وهبت له نعمة الجهل بأنه فاقد لأجمل مقومات الدنيا وأحلى ما ~~فيها ms016 والشيء الذي يجعل من الدنيا في كثير من الأحيان عليا قريبة من ~~مسابح السماء. # 3 # نقلة # انتهت إجازة الصيف، وفي اليوم الأول من المرحلة الابتدائية كان ~~فرغلي قد لبس حلة جديدة اشتراها له أبوه، وأكمل الحلة بكل ما يحتاج ~~إليه صاحبها من رباط عنق وقميص وحذاء. ونظر فرغلي في المرآة التي ~~لا يوجد غيرها في البيت، والتي تكاد تنطبع عليها صورة أمه من كثرة ~~ما تقف أمامها. رأى في الملابس الجديدة إنسانا غريبا عليه بل رأى ~~في المرآة وجها أوشك ألا يتعرف عليه فلم يكن هو أو أبوه يقفان ~~أمام المرآة إلا لمناسبة، وما أقل هذه المناسبات في حياته أو في ~~حياة أبيه! # أحس فرغلي وهو واقف أمام المرآة ينعم النظر أنه لأول مرة يجد في ~~نفسه إنسانا ينبغي أن يحترمه الآخرون، أو على الأقل أحس أنه ليس ~~عجيبا أن يحترمه الآخرون. فقد كانت ملابسه تشعره دائما أنها من ~~أهم الأسباب التي تدعو الآخرين إلى احتقاره، وأحس فرغلي أنه يجب أن ~~يكون كذلك دائما. وحينئذ خيل إليه أن صورته في المرآة تزداد ~~تقطيبا ترادفه دهشة موصولة باليأس، وتنتهي به هذه المشاعر إلى نوع ~~من الإصرار لا يدري من أين هبت عليه رياحه بل هو حتى لا يدري ما ~~الذي يهدف إليه إصراره هذا. إنه مصر ولكنه لا يعلم على ماذا ~~يصر، وتوهجت عيناه فيهما شرر وبريق شرس، وصرفت أسنانه يضغط بعضها ~~على بعض، وفي حركة مفاجئة عنيفة لوى وجهه عن المرآة وذهب إلى ~~السرير حيث كانت تنتظره الحقيبة الجديدة، وأمسك بها وتهيأ للخروج ~~مع والده ليركب القطار إلى المدرسة الابتدائية. والمدرسة ~~الابتدائية في البندر بطبيعة الحال، ففي ذلك الحين لم يكن في ~~القرية أو في أية قرية مدرسة ابتدائية. # حين بلغ القطار أركبه أبوه وتركه وحده يسير إلى مصيره الجديد. ~~ألم يكن من المناسب أن يركب معي ويذهب بي إلى المدرسة الابتدائية؟ ~~إنها مرحلة جديدة من حياتي ولا شك أنني سأحس بعض الرهبة وأنا أخطو ~~هذه العتبة لأول مرة، ويلي! ms017 ما هذا؟! إن تلاميذ كثيرين من البلدة ~~يركبون القطار. أنا بينهم الوحيد الذي لا يرافقه أبوه. # والتقت العيون وتعرف أبناء القرية على فرغلي بل وتعرف عليه أيضا ~~آباؤهم، ماذا أصابهم؟ لماذا صرفوا عنه عيونهم لينظر بعضهم إلى ~~بعضهم؟ وما هذه الابتسامة الصارخة بالتهديد التي ترتسم على ~~أفواههم؟ وما هذا التجاهل الذي يلقي به عليه آباء التلاميذ؟ أي شيء ~~عجيب فيه يعرفه أبناء القرية ولا يعرفه الآخرون؟! # لم يلتق بهذه المشاعر في مدرسة البندر الإلزامية ولا التقى بها ~~في رواد المقهى أو من زملائه بها أو من صاحب المقهى. ربما التقى ~~بالظلم أو بالضرب من صاحب المقهى أو بالسخرية المعلنة من خطأ ~~ارتكبه أو ملبس متهرئ يرتديه. ولكن هذا النوع العجيب من التفاهم ~~الصامت على الهزء به لم يعرفه إلا من أبناء قريته هؤلاء. # وصل القطار ونزل متباعدا عن تلاميذ القرية، ولم يكن محتاجا إلى ~~دليل ليعرف الطريق إلى المدرسة الابتدائية فقد عاش شهور الإجازة ~~بالبندر، ومن الطبيعي أن يعرف المدرسة الابتدائية التي سيتعلم بها ~~... # ودخل المدرسة، وفي لحظات وجد التلاميذ قد أصبحوا جماعات متفرقة، ~~ووجد أبناء قريته جماعة وحدهم، وما لبث أن وجد الكثيرين من أبناء ~~مدرسته الأولى، ولم يفكر أن ينضم إلى أية جماعة وإنما بقي وحده ~~منفردا لا يجد أحدا يأنس إليه. فهو غريب عن أبناء قريته غربته عن ~~أبناء مدرسته السابقة. # كانت في مدارس ذلك الحين مقاعد طويلة أشبه بمقاعد البوابين ~~متناثرة في فناء المدرسة. اختار مقعدا مواجها للباب يرقب منه ~~التلاميذ الداخلين. # كان شلبي المبوع أول من دخل من جماعته القديمة. نظر إليه مليا ~~ولم يره شلبي، وإن كان فرغلي ظن أن شلبي رآه وصرف عنه عينيه، ولم ~~يعجب فرغلي من هذا التصرف بل إن ما فعله بشلبي في معركة الأحذية هو ~~الذي موه عليه صدق النظرة، وجعله يظن هذا الظن. أسقط شلبي من ~~تفكيره وظل محملقا للباب ينتظر أن يرى عمران الفوال أو عطية سيد ~~أحمد أو فرحات عبد الباسط جماعته القديمة. # وقبل أن يأتي ms018 أحد منهم أحس يدا تربت على كتفه، والتفت ولم يصدق ~~هنيهة ثم مد يده لشلبي الذي رآه فجأة يحييه. لم يكن فرغلي يدرك بعد ~~أن السفلة يغفرون لبعضهم البعض التصرفات السافلة عن طبيعة مواتية ~~وغريزة لا تدبير فيها ولا منطق لها ... أو هم على الأقل لا يحاولون ~~البحث عن هذا المنطق، فالحقيقة أنهم يلعبون في أرض واحدة ينعدم ~~فيها الخلق وينمحي ما تعارف الناس عليه من أخلاق أو مثل. وأسلحتهم ~~التي يتعاملون بها واحدة لا يختلف سلاح أحدهم عن سلاح الآخر، وفي ~~هذه الظلال من انعدام الخلق الذي اتفقوا عليه دون عقد شفهي أو ~~تحريري كل شيء مباح. فشلبي لم يغفر لفرغلي لأنه طفل طيب يعرف معنى ~~الصفح عن خطأ الصديق، وإنما غفر له لأنه لو كان في مكانه لصنع نفس ~~الصنيع. # وجلس التلميذان متجاورين، وما لبث أن جاء فرحات عبد الباسط، ~~وأعقبه عطية سيد أحمد، وجلس أربعتهم على الدكة. # وبدأ بينهم الحديث عما صنعه كل منهم في الإجازة، ولكن قليلا ما ~~دار الحديث بينهم، فقد فوجئوا جميعا بحركة غير عادية في الفناء. ~~انفرطت الجماعة التي كانت تضم أبناء القرية وتفرقوا في أنحاء شتى ~~يقف كل واحد منهم مع جماعة، ثم ما تلبث عيون هذه الجماعة أن تلتفت ~~إلى حيث يجلس الأربعة ثم يضحكون، ونظر الأربعة بعضهم لبعض لا يدري ~~أحد ما وراء هذه التحركات إلا فرغلي. فقد أيقن في رهبة زلزلت كيانه ~~أن السر الذي لا يعرفه والذي لوى حياته كلها عن طريقها الطبيعي هو ~~الذي ينثر الآن على هذه الجماعات. هو يعرف أن الأمر متعلق به ولكنه ~~لا يعرف ما هو. كانت لحظات ربما اكتملت دقيقة أو دقيقتين لم يدر ~~وإنما كانت اللحظة عمرا مديدا كريها متراخيا متهرئا مقيتا ~~كان يعرف أن شرا يلقي عليه شباكه، ولكن لم يكن يدري أي نوع من ~~الشر ذاك الذي يكيدونه له، لا يدري مداه ولا عمقه ولا لونه ولا مدى ~~الدمار الذي يتغشاه. # أصبح القدماء جميعا عيونا تحيط به من كل ms019 متجه، ويسفلها ابتسامة ~~فيها سخرية، وفيها احتقار. وكانت الوجوه المتجهة إليه تحمل سمات ~~الوحش، وقد وجد فريسة هو واثق من افتراسها، فهو يسعى إليها في غير ~~جهد فيضيف إلى لذة الافتراس لذة التمتع بذعر فريسته. # وراحت الجماعات تسعى إلى حيث يجلس وكأنها على التباعد بينها قد ~~تواعدت على اللحظة التي تتحرك فيها في نظام عفوي منسق، وكأنه مرتب ~~في دقة ومهارة. # حتى إذا أحاط تلاميذ المدرسة بالدكة ومن عليها خلع أحد التلاميذ ~~رباط عنقه، وربطه حول وسطه وصاح: على وحدة ونص يا واد. # وسحب لفظة الواد هذه في ميوعة فاجرة، فإذا التلاميذ جميعا وفي ~~لحظة واحدة يصفقون تصفيق المتفرجين على الرقص، وإذ تلميذ آخر يتحزم ~~برباط عنقه، ويدخل إلى الحلبة مع التلميذ الأول. # وينظر أربعة الدكة بعضهم إلى بعض، ويدرك فرغلي أنه المقصود، ولكن ~~لا يدري ما تحمله هذه الرقصات وهذا التصفيق. ويقوم شلبي المبوع ~~ويتبعه عطية ثم فرحات ويبقى فرغلي وحده، وقد انهدم كيانه فالرقص ~~مستمر الآن له وحده، وهو لا يدري ماذا يعنيه هذا الرقص. # لم يجد شيئا يفعله إلا أنه يتابع أصدقائه الثلاثة، وقد اندس كل ~~منهم في ناحية من نواحي التجمع، وراح يرى على وجه كل منهم معالم ~~دهشة ثم سخرية لم يختلف واحد منهم عن الآخر في هذين الانفعالين. ~~ولم يعد أحد منهم إلى مكانه من الدكة، ولكن لم يشترك أحد من ~~الثلاثة في التصفيق إلا شلبي المبوع، وقد انفرجت شفتاه عن ضحكة ~~عريضة فيها كل الشماتة والسخرية، ولم يكن غريبا ألا يشعر نحو شلبي ~~بشعور يختلف عما يحس به نحو التلاميذ جميعا، ولم يحاول طبعا أن ~~يعجب من نفسه أنها أخذت في موقف شلبي مأخذا طبيعيا وكأنها لا ~~تنتظر غيره. # وضرب جرس البدء لليوم الدراسي، وصاح التلاميذ مرة واحدة في اتفاق ~~وعلى غير اتفاق: هييييه. # وأخيرا تمكن فرغلي أن يخلو إلى فرحات: ماذا يقصدون؟ ~~- ألا تعرف؟ ~~- أبدا. ~~- كيف؟ ~~- لا أعرف. لقد حصل مثل هذا تقريبا حين ذهبت إلى مدرسة القرية ~~ولهذا جئت إليكم في ms020 المدرسة الإلزامية. ~~- تريد أن تقول إنك لا تعرف. ~~- مطلقا! ~~- لا تعرف ماذا تعمل أمك؟ ~~- أعرف. ~~- ماذا؟ ~~- تعمل أمي وزوجة أبي أحيانا. ~~- لا ... لا ... قبل أن تكون أمك، وقبل أن تكون زوجة أبيك. ~~- كانت بنتا مثل كل البنات. ~~- فأنت إذن لا تعرف شيئا عن أمك. ~~- كيف؟ ~~- البلد كلها عندكم تعرف. ~~- كانت تمنعني أن ألعب مع أحد. ~~- معذورة. ~~- لماذا؟ ~~- حتى لا تعرف الحقيقة. ~~- وما هي الحقيقة؟ ~~- أمك كانت غزية يا أستاذ. ~~- ماذا؟ ~~- كانت راقصة في الموالد. # وتجمد فرغلي يعجز كيانه عن التحرك. لقد جاءت إليه الحقيقة التي ~~تفسر سنوات عمره الماضي جميعا ... كان يمكن أن تكون الحقيقة أي شيء ~~إلا هذا ... وصاح به فرحات: هيا. # ولم يلتفت إلى نداء فرحات. وعاد فرحات يصيح: ألم تكن تعرف، أم لم تكن تريدنا أن نعرف؟ # وفى وجوم شبه أبله هز فرغلي رأسه يمنة ويسرة ولم ينطق. ~~- لا يهم. # ونظر إليه فرغلي في دهشة ولم يقل شيئا. ~~- لا يهم فكل حقيقة ستعرف في يوم من الأيام، لا يغير من الأمر ~~شيئا أنك كنت تعرف أو لم تكن تعرف المهم أنك عرفت، وعليك أن تدبر ~~مستقبلك على أنك تعرف، وعلى أن كثيرا من الناس سيعرفون صدفة أو ~~يبحثون حتى يعرفوا. وجذبه فتحرك معه لأنه لم يكن يملك أن يقود ~~نفسه أو يتحكم في تصرفاته. # سار ذاهلا ولم يسمع شيئا من الأسماء التي يلقيها المدرس ليحدد ~~لكل تلميذ الفصل الذي سيكون فيه، وحتى حين سمع اسمه لم يعن بأن ~~يعرف فصله، وجره فرحات وذهب به إلى الفصل فهو زميله فيه، واختار ~~فرحات المكتب وجلس إليه وأجلسه معه. وأحس فرغلي أخيرا أنه يستطيع ~~أن يخلو إلى نفسه وأن يفكر. # إن الأم والأب من الأمور التي لا يختارها الأبناء؛ ما ذنبه؟ بل ~~وما ذنب أمه؟! الذنب كله ذنب أبيه. ولكن أكان يتصور هذا الذي يحدث ~~لفرغلي الآن؟ # كل هذا لا يهم، لا يهم الآن إلا شيء واحد؛ كيف سأظل في هذه ~~المدرسة أربع سنوات؟ كيف سأواجه الطلبة؟ وكيف أعيش بينهم؟ ms021 غزية ~~... راقصة موالد ! # وطبعا المدرسون سيعرفون، وطبعا سيحاول بعضهم أن يسخر مني، وأين ~~يجد فرصة كهذه حتى يظهر خفة دم أمه؟ وسيحاول بعضهم أن يجعل منه ~~مشكلة اجتماعية، وويل لفرغلي من هذا الذي سيحاول أن يساعده على حل ~~عقدته فإن فرغلي لا يدري، إن هؤلاء في أغلب الأمر يضيفون إلى ~~العقدة الواحدة عدة عقد، لا سبيل إلى حل واحدة منها. وسيحاول بعضهم ~~أن يشفق عليه ويرد عنه الطلبة، وهذه الشفقة هي شر ما تلاقيه نفس ~~فيها ما في نفس فرغلي من الحقد؛ ستكون وبالا عليه أي وبال، ~~وسيحاول بعضهم ممن يدعي الترفع والكبرياء أن يتجاهل الأمر وكأنه لا ~~يعرفه، وربما كان هذا أخفهم وطأة. طبعا لم يفكر فرغلي في هذه ~~الأشكال من المدرسين ولم يصنعها، ولكنه كان يفكر في الكارثة ككل؛ ~~في الكارثة برمتها بكل ما تحويه من خزى وذلة وامتهان وألم دون أن ~~يكون له يد في ذلك جميعا. # كان المدرس يشرح الدرس، وبين كل حصة وحصة لم يخل الأمر من غمزة ~~أو نكتة من طالب أو أكثر. وفي فسحة الظهر لهى عنه التلاميذ ~~كجماعات، ولكنه لم يفقد بعضا قليلا منهم يمر عليه فيلقيه بكلمة ~~أو هزة وسط أو تصفيقة. # وتحسس أصدقاؤه الثلاثة الموقف فحين وجدوا تحمس الصباح قد خف؛ ~~عادوا يلتفون حوله. والعجيب أنه أحس أنه لم يفقد بين هؤلاء الثلاثة ~~مكانته وكأنهم ينتظرون أن يكون زعيمهم مختلفا عن الآخرين حتى ولو ~~كان هذا الاختلاف متمثلا في رقص أمه. # وحين انتهى اليوم الدراسي أحس فرغلي إحساس الذي كان ينتظر نتيجة ~~امتحان وتكشفت عن سقوطه؛ فمشاعره مزيج من الشعور بالاطمئنان إلى ~~اليأس، والراحة من القلق وشعور بالمهانة، والخجل أنه صنف آخر غير ~~أصناف التلاميذ أجمعين. كانت نهاية اليوم الدراسي أخف وطأة من ~~بدايته، وأصبح هو يتحرى أن يبتعد ما وسعه الجهد عن تجمعات التلاميذ ~~فيما عدا أصدقاءه الثلاثة. وعند الانصراف ذهب إلى المحطة، ورأى من ~~بعد العربة التي يركب فيها تلاميذ القرية؛ فاختار أبعد عربة عنها ~~وانزوى فيها صامتا ms022 مطرقا. وقد عاوده إصرار الصباح الذي اجتاحه، ~~والذي لم يستطع أن يتبين منه الأمر الذي ينبغي أن يصر عليه. هو ~~إصرار على مجهول، ولكنه يحس به الآن يزداد عنفا وضراوة. ومع هذا ~~كان كيانه منسحقا لا يدري لنفسه ذنبا في هذا الهول الذي يلاقيه، ~~ولا يدري أيضا أي إنسان يستحق أن يوجه إليه اللوم فيما يصرخ في ~~جنباته من أنين محموم مجنون يتفجر به الجنون ويكتمه لا يظهر ولا ~~يبين ولا يعرفه أحد. فكفاه خزيا أن يكون ابن راقصة ولا داعي بعد ~~ذلك أن يكون مجنونا أيضا! أو لا داعي على الأقل أن تظهر عليه ~~أعراض الجنون. # ألم يكن أبوه يقدر هذا حين تزوج أمه؟ وإذا كان قد أساء الاختيار ~~وتزوجها أكان لا بد لها أيضا أن تلد؟ ماذا ينتظر هذان الأحمقان ~~لابنهما أن يكون؟ باشا؟! ألم يعرفا مصير أبناء الغوازي بين أبناء ~~النسوة الأخريات؟ قد يكون شأن هؤلاء النسوة شرا من شأن أمه، ~~وربما كانت الغالبية العظمى فيهن غير شريفات، ولكنهن لم يعرضن ~~أنفسهم في الموالد ولم يصمهن قدرهن بأنهن غواز؛ تلك الوصمة التي ~~لا تترك المرأة حياتها جميعا بل وتلاحقها أيضا في أبنائها وإن ~~كان الأبناء أبرياء؛ نعم وإن كان الأبناء أبرياء. # وصل القطار إلى القرية، وتسلل فرغلي من طريق بعيد عن طريق ~~التلاميذ وبلغ البيت. كانت أمه وأبوه ومعهما عمته تفيدة في مدخل ~~البيت. حاول أن يدخل إلى حجرته مباشرة ولكن كيف؟ سلم على عمته ~~وقبلته ثم أمسكت كتفيه ومدت بهما ذراعيها إلى أقصى ما يمتدان ونظرت ~~إليه مليا: وله ... مالك؟ # وأطرق ولم ينطق. ~~- هل زعلك أحد؟ # وهز رأسه نفيا. ~~- لم أستطع أن أشتري لك شكولاتة فقد تركت مصر في عجلة خذ نصف ~~الريال هذا واشتر أنت ما يحلو لك. # واختطف نصف الريال الورقي وجرى إلى حجرته. # والتفتت تفيدة إلى أمه. ~~- ماله الولد يا تحية؟ ~~- لا أعرف ... ساعات كثيرة أجده كشر هكذا بلا مناسبة. ~~- كان بودي أن أشتري له الحلويات التي يحبها، ولكن عمك حسين لم ~~يعرف ms023 أنه مسافر للتفتيش إلا قبل السفر بساعة؛ فاقترح أن أجيء معه ~~لأراكم وأنتظره في محطتكم وهو عائد. يا ترى هل فرغلي زعلان لأني ~~دخلت بيدي فاضية؟ # وقال فهيم الحوت: يا أختي تفيدة لا تشغلي بالك، ماذا يمكن أن ~~يزعل منه عيل إلا شغل عيال مثله؟ ولا يهمك. # ولكن زوجته تحية بخبرتها وأمومتها معا أدركت أن الأمر ليس بهذه ~~الضآلة، وإنما جارت زوجها في الحديث. ~~- على رأيك. إذن فلن تبيتي معنا الليلة. # يا ريت ... كان مناي. ولكن عمك حسين من يخدمه. لقد كبر الأولاد كما ~~تعرفين وأصبحت أنا وهو وحدنا في البيت فإذا عاد من العمل لم يجد ~~غيري، وأظل أخدمه حتى يخرج ليقعد على المقهى، وهذه الفترة هي التي ~~أستطيع فيها أن أزور صديقاتي أو أولادي. لكن حتما أكون في البيت ~~قبل رجوعه فإن عاد ولم يجدني غضب كأنه عيل صغير. ~~- ربنا يخليك له. ~~- ويخليك ياختي، العقبي لك حين تفرحين بفرغلي وتزورينه في بيت ~~عدله إن شاء الله. ~~- سلمت يا حبيبتي. # وانبعث صوت من حجرة فرغلي كأنه أنين. ~~- أمه. # وحاولت تحية أن تتجاهله ولكن تفيدة قالت لها: قومي يا حبيبتي ~~شوفي ابنك ... يمكن أن يكون جائعا. ~~- سأعد له الأكل حالا. أنا أريد أن أجلس معك، لي زمان لم ~~أرك. ~~- يا اختي ربنا يجبر بخاطرك، أنا ميعادي قرب. # وقالت تحية لتغير الحديث: وعم حسين أفندي مرتاح في الشغل؟ ~~- له أربعون سنة فيه، ليس في مصر من يعرف الأرشيف مثل عمك حسين ~~وهو اسم النبي حارسه ذكي وشاطر. # وقال فهيم: أتراه متضايقا لقرب خروجه على المعاش. ~~- يا أخي يا فهيم أنت تعرف حسين يرضى بكل شيء، وهو عامل حسابه ~~على يوم المعاش ومبسوط في أمان الله. كل الذي سيتغير أنه سيجلس على ~~المقهى في الصباح والمساء بدل أن يجلس عليه في المساء فقط، ~~والماهية تقريبا لن ينقص منها شيء. ~~- على رأيك. # وجاء الصوت المطحون مرة أخرى. ~~- أمه. ~~- قومي يا حبيبتي شوفي فرغلي. وأنا فتك بعافية. تعالى معي يا ~~فهيم وصلني المحطة؛ تركبني ms024 القطار وتسلم على حسين أفندي. ~~- أي والله لي زمان لم أره ... هيا بنا. # حين دخلت تحية إلى فرغلي وجدته جالسا على حرف السرير ينظر إلى ~~فراغ ... باهت العينين جامد الوجه، وحين توسطت الحجرة نظر إليها ~~طويلا وفهمت هي كل شيء، وكأن شيئا يتكلم في داخلها؛ شيئا غير ~~إنساني ينطق عن حطام مدمر كل التدمير. ~~- أصحيح يا أمه ... # ولم يكمل. ~~- أمك أشرف واحدة في هذه الدنيا كلها. ~~- إذن فهو صحيح. ~~- وماذا في الأمر إن كان صحيحا. ~~- لو لم يكن فيه شيء لتركتني ألعب مع عيال البلد، ولتركتني أروح ~~المدرسة في البلد. ~~- خفت عليك. ~~- والآن. ~~- ماله الآن؟ ~~- ماذا أفعل؟ ~~- ضع إصبعك في عين أعظم عظيم فيهم! الفقر ليس عيبا، وأنا كنت ~~آكل لقمتي بعرق جبيني، ولو لم أكن شريفة ما أبقاني أبوك في بيته كل ~~هذه السنوات. ~~- لا فائدة من كل هذا. ~~- إذا كنت تريد أن تغيظ من يسيئون إليك ذاكر وانجح واطلع الأول ~~عليهم. ~~- أتظنين هذا ينفع. ~~- لا ينفع غيره. ~~- أمه ... أنا اتبهدلت قوي يا أمه. اتبهدلت قوي يا أمه ... # والعجيب أنها وجدت نفسها تلقفه في حضنها مع أحزانه، وكلاهما لا ~~يدري ماذا يقول للآخر. ~~••• # لم يكن أمام فرغلي شيء يعمله في البيت إلا أن يذاكر، أما في ~~المدرسة فقد أصبحت عصابته المكونة منه ومن الثلاثة الآخرين هي مصدر ~~تحطيم كل شيء جميل يملكه الآخرون؛ إن كان قلما سرقوه، أو كان حلة ~~حرصوا على أن يلطخوها بالحبر. وكان من الطبيعي أن يبيعوا ما يسرقونه ~~ويتقاسموه، ولكن فرحهم بالتخريب كان أعظم. # ولم يكن عجيبا أن يكون أربعتهم من الذين ينجحون في امتحانات ~~الفترة وامتحانات آخر العام، ولم يكن عجيبا أيضا أن يكون فرغلي ~~من المتقدمين لأن الثلاثة الآخرين يستطيعون طبعا أن يلعبوا مع ~~أصدقاء. ولو لم يكن فرغلي قد حثهم على المذاكرة حتى لا يفقدوا عطف ~~المدرسين لما أصابوا هذا النجاح الذي يصيبونه دائما. # ووصل فرغلي إلى السنة الثالثة الابتدائية، ولم تكن سنه متناسبة ~~مع سنته الدراسية فقد بدأ التعليم متأخرا، ولكن ms025 السن لم تكن ذات ~~شأن في هذه الأيام من حياة التعليم في مصر. كان فرغلي حينذاك يقترب ~~من الرابعة عشرة. # 4 # انطلاق ... أم قيود؟ # كان فرغلي في الأيام الأولى من السنة التي سيحصل فيها على ~~الابتدائية، والابتدائية في هذه الفترة من الزمان معناها أن يذهب ~~التلميذ حين ينالها إلى المرحلة الثانوية. # وكان فرغلي قد انفصل تماما عن منزله. وقد استطاع أن يكتفي ~~بصداقة الثلاثة الذين قبلوه على ما به من هذه الأمومة التي أثارت ~~عليه سخرية التلاميذ، وكان حريصا دائما ألا يتعرض للعب أو مناقشة ~~مع تلاميذ آخرين. وأصبحت حكاية أمه الراقصة حقيقة لا تثير الحماس ~~في المدرسة، ولكنه مع ذلك كان دائما يشعر بالقوة التي تهدده من ~~الطلبة، وكأنما تحذره هذه العيون ألا يتعدى المكان الذي وضعته فيه ~~أمومته. # والعجيب أن التلاميذ لا يعرفون ولا يهمهم أن يعرفوا شيئا عن مهن ~~الآباء، ولا يتناقل الطلبة شيئا عن هؤلاء الآباء إلا إذا كان الأب ~~ذا وظيفة ملحوظة في المديرية كالمدير أو وكيل المديرية أو رئيس في ~~مصلحة. أو إذا كان الأب صاحب سوابق من خريجي السجون أو من المقيمين ~~به ولم يكن في المدرسة أحد من هؤلاء. أما الأمهات فطبيعة الأمر ~~تقضي أن يكن جميعهن غير عاملات، والفلاحات على ما يبذلن من جهد ~~وجهاد في الحياة لا يعتبرن في نظر التلاميذ عاملات. # وهكذا شاءت الأقدار أن ينفرد فرغلي باهتمام التلاميذ بعمل أمه ~~الذي تركته والذي لا يريد أن يتركها، وعلى كل حال فقد ساد التلاميذ ~~ركود من الاهتمام بفرغلي أو أم فرغلي وساعد هو على أن ينسى ~~التلاميذ أو يسكتوا على الأقل عن ذكر أمه أو تذكيره بها. # وفي بداية الربيع كان في منطقة قريبة من قرية الديميرية مولد. ~~وأحب الأب والأم أن يصحبا ابنهما إلى هذا المولد فرفض رفضا ~~مطلقا، ولم يناقشه أحد منهما فقد كان كلاهما يعرف تماما الأسباب ~~التي تجعله يصر على هذا الرفض. # وذهب فهيم مع تحية ودخلا الترك مسرح المولد. # ما هذا الشعور الذي تولى ms026 تحية. # إني أعيش ... هذا هو مكاني. كأني كنت في قبر وعدت إلى الحياة، بل ~~كأني كنت في بلد غريب وعدت إلى حيث يجب أن أكون، أو حيث أحب أن ~~أكون. # وجدت تحية الكثيرين والكثيرات من الزملاء وأحست من تحيتهم أن ~~مكانتها عندهم لم تزل كما هي وتحسرت؛ فقد أصبح من الصعب عليها أن ~~تترك ابنها اليوم، فإذا كان ماضيها قد جعل منه هذا الفتى التعيس ~~فكيف إذا انضم الحاضر والمستقبل إلى هذا الماضي؟! لا، لا سبيل ... ~~وداعا أيها المسرح! وداعا يا ليالي السعادة أيام كنا نمرح في ~~شقائنا ونستلذه وتخفق القلوب منا بهذا التصفيق، وذلك الصفير، وتلك ~~القروش المعدنية أو الفضية أو الورقية وهي تلقى إلى مناديلنا. كنا ~~في هذه الأيام نحس أننا في قلب الحياة وفي شرايينها نصنعها كما ~~تصنعنا ونطحنها كما تطحن كياننا ونفوسنا وكرامتنا. # أحس اليوم أنني واقفة على جسر الحياة وهي تمر لا تشعر بي وأشعر ~~أنا بريحها الخاطفة تعصف بلحظات حياتي وتحيلها إلى غضون على وجهي ~~وشعرات بيض في رأسي وملالة تملأ كل أيامي ونفسي. ولكن هيهات لا ~~مكان لي اليوم إلا هذا الجسر. # كان فهيم جالسا إلى جوارها في كواليس المسرح ينظران إلى الراقصة ~~التي حلت مكانها. وأحست تحية أن الرؤية إلى المسرح ليست جديرة بها. ~~فما هذا مكانها؟ إنها لا تستطيع أن تكون متفرجة في الحياة ومتفرجة ~~في المسرح أيضا. أحست شيئا خفيا يشدها أن تقف وأن تذهب حيث ~~يتجمع زملاؤها وزميلاتها، وقالوا ولكن هي لم تقل شيئا فجميعهم ~~يعرف أنها أصبحت أم فرغلي فأي جديد أو جديدة يمكن أن ترويه لهم بعد ~~ذلك؟! إنهم هم وحدهم وهن وحدهن الذين يملكون أن يقولوا ويحكوا؛ فهم ~~يرون في كل ليلة ما يصلح أن يكون موضوع رواية وحكاية. # اقترب منها الحاج وهدان أبو نار. ~~- توحة. # وتخلجت لحظة ثم أفاقت؛ إنها هي التي يقصدها. ~~- يوه يا حاج فكرتني بالذي مضى. ~~- تعالي. ~~- عيني. ~~- لماذا لا نعيد الذي مضى؟ ~~- وزوجي وابني. ~~- الولد كبر وهذا الزوج يستطيع أن يجد ms027 غيرك ولكن مكانك هنا ~~... ~~- وكيف يا حاج؟! ~~- من غير كثرة كلام ... نحن قدامنا أسبوع. فكري وطبعا لن تنضمي ~~إلينا إلا ونحن مسافرون حتى لا يحاول زوجك أن يجدك ويضايقك ~~ويضايقنا. ~~- يا ليت يا حاج ... كان من عيني. ~~- فكري يا ستي وهل سآخذك الآن؟ قدامك أسبوع فكري. ~~- لا أظن ... ~~- أنا منتظر على كل حال. ~~- ربنا يخليك ... يعني ما زلت أنفع؟ ~~- وهل شفتني أرمي فلوسي. ~~- فشر! أنت سيد من يعرف أين يحط قرشه. ~~- ناصحة ... فكري وأنا منتظر ... مع السلامة. # أسبوع ... عادت إلى البيت وخلا بها الصباح، فهيم في المحطة وفرغلي ~~في المدرسة، وهي وحيدة. ولا عمل؛ لا تنظيف للبيت إلا أن يكنس ~~ويعاد إلى السريرين ما أشاعه فيهما النوم من اضطراب، ثم لا حاجة ~~إلى طبخ الطعام؛ فالطبخ لا يكون إلا في أيام قلائل من أيام ~~الأسبوع، وإطعام الطيور لا يحتاج إلى وقت كثير فما هي إلا الساعة ~~أو بعض الساعة ثم يصبح اليوم كله خاليا بلا عمل. الملالة تملأ ~~وقتها جميعا. ولو كان زوجها يعوضها عن هذه الملالة إشراقا أو ~~حديثا يجعل حياتها سائغة بعض الشيء لكان من الممكن أن تتحمل هذا ~~الفراغ القاتل. # إن فراغ الوقت وحش يكشر لها عن أنيابه في كل أيامها. وهو على ~~قسوته رحيم إذا هي قارنته بالفراغ الذي مزق ما بينها وبين ابنها. ~~إنه يحاول كل جهده ألا يكلمها، يحاول أن ينسى أنها موجودة في البيت ~~في اللحظات القليلة التي يقضيها قبل النوم، فهو لا يأتي من المركز ~~إلا قبيل موعد نومه بساعة أو ساعتين على الأكثر. فقد أصر أن يعمل ~~بالمقهى بعد خروجه من المدرسة وحين جادلته أمه ازداد إصرارا، وحين ~~قالت له: ألا تخشى أن يعيرك زملاؤك بأنك تعمل في المقهى. # أطرق وقد عض طرفه في غيظ كظيم: هذا أبسط كثيرا مما يعيرونني به. # ولم تكمل الحوار وعمل بالمقهى. # ما بقاؤها إذن؟ # فهيم؛ لم يكن بالنسبة إليها إلا زوجا تزوجته لأنها تصورت يومذاك ~~أن كل أنثى لا بد لها أن تتزوج وإن كان ms028 هو أحبها فهذا شأنه . إن كان ~~هناك تردد فلا أثر لفهيم فيه. إنما هي تخشى على ابنها ولكنها وهي ~~تعمل الفكر يزداد اليقين في نفسها أن بقاءها شر لابنها من ذهابها؛ ~~فهي في بقائها تذكره دائما بأنها راقصة وتذكر زملاءه بنفسها وتلح ~~في تذكيرهم بصورة لا تسمح لهم بنسيان هذا الأمر أو التغاضي عنه أو ~~غفرانه. أما إن ذهبت فلا بد أن ينسوا أمرها بعد حين. قد يكون في ~~ذهابها فضيحة ولكنها فضيحة موقتة ما تلبث أن تبتلعها الأيام الطوال، ~~أما بقاؤها ففضيحة مستمرة. ومن وجهة نظر أخرى أي فضيحة في أن تعود ~~راقصة سابقة إلى الرقص مرة أخرى، أي جديد في هذا؟! إنها تكون فضيحة ~~حقا لو كانت ستا محجبة في بيتها وخرجت إلى الرقص، أما الراقصة ~~تعود إلى الرقص فأمر لا غرابة فيه. وما دام لا غرابة فلا ~~فضيحة. ~~••• # حين تركت تحية البيت وهربت، أو ذهبت، اختر أيهما شئت، مع مسرح ~~المولد فجع فهيم؛ فقد كان بسذاجة فائقة يظن أنه أنقذها من التشتت ~~والضياع وتيه الليل وتناثر الحياة ومذلة اليد الممدودة والوسط ~~المتلوي ليوفر لها حياة البيت والزوجية والأمومة، ولم يفكر مطلقا ~~أن مجتمع القرية رفضها أو هو أبى أن يفكر هذا التفكير، مع أنه حين ~~باع نصف الفدان الذي كان يملكه وبنى بيته منعزلا عن القرية هذا ~~الانعزال كان يفعل ذلك بعد أن أيقن أن مجتمع القرية يرفض زوجته، ~~ولم يشأ أن يجعلها تواجه هذا الرفض في بيته الذي كان داخل القرية ~~مع سائر بيوتها. كان يدرك تماما أن انعزال بيته إنما هو في ~~الحقيقة انعزال زوجته عن القرية جميعا، وقد أبقى على بيته في ~~القرية حتى لا يقال إنه باع البيت الذي تركه أبوه، فنصف الفدان قد ~~يهون ولكن البيت لا يهون. ترى أكان هذا هو السبب؟ أم أنه كان في ~~دخيلة نفسه يخشى ألا يدوم زواجه؟ # ولكن اليوم وبعد هذه السنوات الطوال وقد دام الزواج فعلا، كان ~~قد نسى في زحام الأيام بعضها ببعض هذه ms029 الأفكار، ولم يعد يتصور أنه ~~يمكن أن يعيش بغير تحية. وحين فكر قليلا وجد أنه مطعون ولكن في ~~شيء آخر غير الحب فنوع الحب الذي أحبه لتحية كان من شأنه أن ينتهي ~~في الأيام الأولى من الزواج. وقد كان يحس دائما أنها بعيدة عنه ~~وأنه بعيد عنها، فانفرادهما بالحياة جعل كلا منهما يحس العزلة عن ~~الآخر، فإن الألفة لا تتواصل إلا في مناخ المجتمع العام الذي يشيع ~~الدفء في النفوس، ويجعل الزوجين يحسان إنهما جزء من هذا المجتمع ~~مستقل ومتصل، مؤتلف كل منهما مع الآخر ومؤتلفان كلاهما مع المجتمع ~~حولهما. # يحسان بأنهما يعيشان الحياة في تحية صباح من جار، في طلب أداة من ~~صديق، في مشاجرة يشتركان فيها، في حديث يدور عنهما ويبلغهما به ~~مستمع، أو في حدث يدور بينهما وينتقل عنهما إلى أصحابه، في اشتباك ~~الحياة وفروعها بالفرع الذي يمثلانه منها. أغلب الأمر أن آدم وحواء ~~دبرا قصة التفاحة ليبحثا عن مجتمع يعيشان فيه، وليكن مجتمعا الشر ~~فيه غالب على الخير، وليكن مجتمعا القبح فيه أكثر من الجمال، ~~ولكنه وهو هكذا وبحالته تلك أحب إلى نفس الزوجين من الوحدة ~~والانفراد والعزلة. فهنا في ظل هذا البعد تصبح الحياة جميعها ~~جليدا هيهات فيه لألفة أن تنشأ أو تتواصل. هو طعين لا من حب تحطم، ~~ولا من ألفة تبددت وإنما من شعوره أنه لا يساوي شيئا. حتى الراقصة ~~التي جعل منها ست بيت تركته وذهبت ولم تحفظ جميله، ولم يمنعها ~~الوفاء بل ولم تمنعها الأمومة بل ولم يمنعها الستر أن تظل في بيتها ~~ست بيتها. # إنه طعين، وحائر، ومنهار. # أما فرغلي فكان أمره عجبا، وكان أمر زملائه أعجب. # قد أحس أن شيئا كان يدهمه ويضع أنفه في الرغام، ويضغط عليه في ~~قسوة شرسة قد رفع عنه، وأن رأسه يستطيع الآن أن يشعر بالحرية، وإن ~~كان لا يستطيع أن يشعر بالكرامة. لم يخش أن يعيره أحد أن أمه ~~تركت البيت لتعود راقصة مرة أخرى فما داموا قد عرفوا أنها راقصة ~~فكل شيء ms030 هين بعد ذلك، فليس هناك أي بأس أن تتكسر النصال على ~~النصال، وقد عرف المهانة في أبشع صورها ولم تعد مهانة تخيفه بعد ~~ذلك. # عجيبة هذه الحياة لقد خيل لفرغلي يوم أعلن عليه أمر أمه في ~~المدرسة أن أعمدة الحياة قد تهاوت، وأن الحياة لا تستحق أن ~~يحيياها، بل طالما تمنى أن تنخسف به الأرض فلا يبقى منه في الوجود ~~شيء، ولا حتى ذكرى في قلب أبيه أو في نبض أمه، بل إنه كان يتمنى أن ~~ينمحي هذان الاثنان بالذات. وكراهيته لأبيه كانت أشد من كراهيته ~~لأمه، فهو لا يعلم لماذا أصبحت أمه راقصة ويقدر أنها ربما فرض ~~عليها هذا الطريق فرضا ولم تختره، أما أبوه فهو وحده الذي اختار ~~أمه تلك من بين نساء العالمين وجعل منها أما له. ولكنه مع الأيام ~~تعود المهانة ثم هو بقدرة إلهية عجيبة استشعر من هذه المهانة قوة ~~فلم يعد يخشى شيئا مما يخشاه التلاميذ. إنه ينجح في المدرسة لا ~~لينال الشرف فهو يعلم أنه لا سبيل له إلى هذا الشرف أبدا، ثم هو ~~ينجح لأنه لا يجد سببا يسقط من أجله وإنما كان يقول لنفسه إنه ~~يكفيه سقوط أهله فلا داعي لأن يسقط هو نفسه أيضا. أصبحت هذه ~~المهانة مصلا في دمائه يحميه من الشعور بمهانة أخرى. لا بأس عليه ~~أن يشتم المدرسون والتلاميذ أمه وأباه، طظ، وماذا في هذا؟ إنه هو ~~نفسه يتمنى أن يشتم أمه وأباه. لا بأس أن يحتقروه بل لا بأس أن ~~يحتقره الفراشون، لا بأس لا بأس، لا بأس بأي شيء، فكل شيء مقبول ~~ومحتمل والإنسان أقوى ما يكون إذا وطن نفسه على قبول كل إهانة، ~~وليس يهم من قريب أو بعيد أن يكتسب هذه القوة من العزة والكبرياء ~~أم من الذلة والمهانة ما دام الطريق من أعلى الجبل والطريق من سفحه ~~يلتقيان عند مكان واحد من الجبل حصين. # وهكذا وجد في ترك أمه للبيت خيرا، وإن كان هو سيقوم بغسل ~~الهدمات القليلة فلا ضير في ذلك ms031 عليه، فقد تعود أن يغسل كل شيء في ~~المقهى. أما الطعام فقد كان يأكله خارج البيت أغلب الأمر، فهو ~~يشتري نصف رغيف أو رغيفا في الصباح ليكون فطوره، وكان يتناول ~~غداءه في المدرسة، فقد كانت المدارس في هذه الأيام تقدم طعام ~~الغداء، وكان يتعشى بالمقهى، وعلى أبيه أن يبحث عن وسيلة لإطعام ~~نفسه فإن هذا أمر لا يعنيه في شيء. # لأمه أن تذهب من هذه الدنيا حينما تريد، وكلما ابتعدت عنه ازداد ~~هو شعورا بالأمان. أمر واحد كان يشغله ولكن ما أقل ما كان يشغله ~~لقد خشي أن يجدد هرب أمه زياط التلاميذ حوله ويذكرهم بما نسوه من ~~أمره، فهرب أمه عرف في القرية جميعها في ساعات معدودات وللقرية في ~~المدرسة تلاميذ، والتلاميذ شأنهم شأن قريتهم بل شأن الناس أجمعين ~~يحبون أن يلقوا الأنباء إلى من لا يعرفها أو حتى لمن يعرفها ليروا ~~هذه الدهشة التي قد لا تبقى على الوجوه أكثر من هنيهة، ولكن هكذا ~~الناس يحبون أن يروا هذه الهنيهة وإن كان الخبر يحطم قوما آخرين ~~ويدمرهم ويجعلهم جذاذا ورمادا منسحقا وهباء وعدما. لا يهم ... ~~المهم هو هذه الهنيهة البلهاء وهذا الإدهاش ثم التعليق. # كان هذا ما يخشاه فرغلي، ولكن أمر الناس عجيب، لقد انتقل الخبر ~~إلى المدرسة وذاع بين أرجائها وشاع ولكن التلاميذ الذين داسوه ~~كحشرة يوم عرفوا أن أمه كانت راقصة؛ التفوا حوله هذه المرة يواسونه ~~في عطف وحب واشفاق بل في حساسية رقيقة عجيب أن تصدر ممن هم في مثل ~~أعمارهم. لم يذكروا عن هرب أمه شيئا وإنما كل ما فعلوه أن ~~جماعاتهم كانت تناديه ليشاركهم اللعب أو يشاركهم الحديث. # والعجيب الأعجب أن أبناء قريته أصبحوا يزورونه دائما في المقهى ~~بعد الفراغ من المدرسة، ويصرون أن يذاكر معهم إذا عاد إلى القرية ~~ويلازمونه أو يرغمونه على أن يلازمهم في أيام الجمع ~~والإجازات. # من يستطيع أن يحلل هذا المجتمع؟ كيف يرفض ابنا لراقصة سابقة؟ ~~ويقبل هذا الابن نفسه حين تصبح أمه راقصة عاملة؟ ترى هل بعدها ms032 عن ~~البيت هو الذي صنع هذا التناقض؟ أم شعورهم بأن الابن أصبح من غير ~~أم؟ أم هو مجتمع هوائي يميل حين يميل ويشيح حين يشيح بغير منطق في ~~الميل أو الإشاحة؟ كابن عمار الذي يذكره البيت الشهير يعطي ويمنع ~~بخطرات من هواجسه لا عن بخل ولا عن كرم. # عجب فرغلي واستقبل حياته هذه الجديدة وسرعان ما نعم بها ولكنه مع ~~ذلك مطلقا لم ينس أنه يتلقى الصداقة عن شفقة لا عن حب، وأنها ~~تكال له بمكيال المهانة لا بمكيال المساواة. لم تكن نفسه من هذه ~~النفوس التي تنسى فهو يستقبل هذه المشاعر الجديدة في استسلام لها، ~~ولكنه في العميق العميق من دخائله لا يكن لكل هؤلاء الأصدقاء ~~الجدد إلا الكراهية والحقد الدفين المستعر. # 5 # البحث عن كرامة # كان فهيم أيام كانت زوجته في بيته ينتهي من عمله ثم يذهب من فوره ~~إلى البيت مقدرا أنها وحيدة ظانا أنه يؤنس هذه الوحدة التي ~~تعانيها. # فحين تركت تحية البيت ظل أياما يعود إلى البيت فيجد نفسه ~~منفردا فيه؛ فابنه فرغلي لا يعود إلا في الساعات الأولى من الليل ~~ليذاكر ثم لينام. وحتى إذا وجد فرغلي فليس هناك من حديث بينه وبين ~~فرغلي. إن فرغلي بالنسبة إليه كتلة صماء لا ترسل ولا تستقبل وهو لا ~~يدري من أمره شيئا أو يكاد. # ولكن الوحدة جعلته يبحث عن فرغلي في أيام الإجازات. وعرف أنه ~~بالقرية، وتبين لأول مرة أن فرغلي لم يذهب إلى القرية إلا بعد أن ~~تركت أمه البيت، ودهش لهذه الحقيقة، وأعمل فيها فكره، ولم يستطع أن ~~يتصور أن زملاء فرغلي ولداته كانوا يرفضون صحبته وأمه ست في بيتها ~~وقبلوا هذه الصحبة وأمه راقصة في الموالد، ولكنه على كل حال وجد ~~مهربا من وحدته. لماذا لا يذهب هو أيضا إلى القرية، ويجلس على ~~مصطبة الحاج هنداوي، فقد طالما جلس إليها؟ # واستقبله الرجال استقبالا طيبا فهو وإن كان قد انقطع عن ~~مجالستهم إلا أنهم هم لم ينقطعوا عنه، فجميعهم كان يأتي إلى المحطة ~~لشأن ms033 أو لآخر. # وفي الرجال غلظة قد لا تكون عند الصغار أو إن شئت الدقة في ~~التعبير؛ فإن القسوة عند الرجال تختلف عن القسوة عند الصغار، فما ~~كان الرجال مثلا ليصنعوا ما صنعه الأطفال بفرغلي حين عرفوا أن أمه ~~كانت راقصة، ولكن الصغار أيضا لم يصنعوا مع فرغلي ما صنعه الرجال ~~بفهيم. ~~- فرحنا لك والله يا فهيم. ~~- وفيم الفرح يا حاج هنداوي. ~~- لقد أسأت الاختيار من أول الأمر. ~~- قسمة. # وقال آخر: ولكنك تبدو حزينا. ~~- العشرة لا تهون إلا على ابن الحرام. # وقال آخر: والله ما ابن حرام إلا هي؛ التي جعلت منها ستا ~~وأما لابنك ثم تركتك. # وقال آخر: في ستين داهية. # وقال فهيم: أنا الغلطان؛ تزوجتها وأنا لا أعرف عن أصلها ~~شيئا. # وقال آخر: وهل لمن ترقص في الموالد أصل، لا بد أن أمها كانت ~~مثلها. # وقال آخر: ولا بد أن أباها ديوث يلم النقطة على زوجته ~~وابنته. # وقال فهيم: كانت تقول إن أباها عمدة ولكنها كانت غاوية ~~الرقص. ~~- وصدقتها؟ ~~- لم أفكر في تصديقها أو تكذيبها. ~~- لو كان ما تقوله صحيحا، وهو طبعا غير صحيح، لكان عليك أن ~~تفارقها قبل أن تأتي لك بفرغلي، إن من تترك بيت العمدة لتعمل راقصة ~~ستترك حتما بيت العدل لتعود إلى الرقص. ~~- في أول الأمر لم أكن أفكر إلا في الزواج بها. ~~- المهم، ماذا تنوي أن تعمل؟ ~~- العمل عمل ربنا. ~~- أيبقى بيتك بغير «مرة» تنظفه لك وتطبخ أكلك وتليف ظهرك. ~~- والولد! ~~- ماله؟ ~~- تكون له زوجة أب؟ ~~- وهل هو أول ولد له زوجة أب؟ ~~- أتعرف لي أحدا يا حاج هنداوي؟ ~~- واشمعنا تسألني أنا؟! على كل حال النسوان على قفا من ~~يشيل. # وقال آخر: طبعا أنت يلزمك عزبة. ~~- طبعا، وهل يمكن لمن هو في سني أن يتزوج بكرا؟ # وقال آخر: من ناحية السن يمكن، إنما البكر كما تعلم تحتاج مهرا ~~كبيرا. ~~- ونحن مالنا ولهن ... نتكلم عن العزباوات أحسن. ~~- تعجبني. ~~- الحقيقة يا متولي إني أريد أن أتزوج بأسرع ما يمكن. ~~- عجيبة! كنت من دقيقة تقول الولد وزوجة ms034 الأب! ~~- كلام تعودنا نسمعه على من يعرض عليه الزواج وهو أب، قلته كما ~~يقوله الناس. يا سلام يا متولي لازم تحاسبني على كل كلمة! ~~- المقصود. ~~- المقصود أن أتزوج بأسرع ما يمكن حتى تعرف بنت الكلب أنني أقدر ~~أتزوج ست ستها. ~~- وأنا عندي طلبك. ~~- صحيح؟ من؟ ~~- شهاوي بنت سليمان أبو منصور. # وقال هنداوي: ناصح والله يا متولي. # وقال فهيم: ونعم ما اخترت بنت منكسرة، ولا تقول العيب. ~~- وليس عندها إلا ولد واحد وهو كبير، ويروح المدرسة فلن يضايقك. # وقال فهيم: زوجها الله يرحمه كان صاحبي. ~~- ماذا قلت؟ ~~- نتوكل على الله. ~~••• # لم يكن هذا الزواج ذا أثر على فرغلي إلا أنه أعفاه من غسل هدومه، ~~فهو لم يكن يلم بالبيت إلا لينام أو ليذاكر ووجود امرأة أو عدم ~~وجودها أمر ليس ذا أثر عنده. وهو لا يهمه أن يكون أبوه مستريحا أو ~~غير مستريح، فالهوة التي تفصل بينه وبين أبيه أكبر من تلك التي ~~تفصل بينه وبين الحياة. # ولكنه في خبث شديد اتخذ من وجود هذه المرأة في البيت وسيلة لينفذ ~~أمرا كان يتوق إليه منذ سنوات، ولكن لم يكن يجرؤ أن يهمس به إلى ~~نفسه وإنما كان يكبته في بئر عميق تعود أن يلقي فيها بآمال وأحلام ~~كثيرة يعلم أنها قد تكون مستحيلة، ولكنه في نفس الوقت مصمم على ~~تنفيذها. # في نفس اليوم الذي حصل فيه على شهادة الابتدائية علم أن زوجة ~~أبيه حامل، وترك أباه يفرح بخبر زوجته، ولم يشأ أن يخبره أنه حصل ~~على الشهادة. لقد بخل على أبيه أن يعرف خبرين مفرحين في يوم واحد، ~~فهو مع كراهيته لأبيه يعلم أن أباه يحب أن يتفاخر بنجاحه بين صحبه ~~وإخوانه. # في اليوم التالي أيقظه أبوه من الفجر: فرغلي. ~~- نعم يا آبا. ~~- نتيجة الابتدائية ظهرت البارحة. ~~- نعم أعرف. ~~- وأنت هل سقطت؟ ~~- لا. ~~- لا ... لا ماذا؟ ~~- أنا نجحت. ~~- ماذا تقول؟ ~~- نجحت. ~~- ولماذا لم تخبرني؟ ~~- كنت مشغولا بخالتي شهاوي. ~~- وهل يمنع هذا أن تخبرني بنجاحك؟! النهاية ... هات قبلة وخذ خمسين ~~قرشا مكافأة ms035 لك. ~~- كثر خيرك. ~~- واغسل وشك وتعال ... ~~- حاضر. ~~••• ~~- ماذا تنوي أن تعمل؟ ~~- فيم؟ ~~- كثيرون يستطيعون أن يتعينوا بالابتدائية. ~~- تعيين أغبر. ~~- فأنت تريد أن تكمل؟ ~~- نعم. ~~- توكلنا على الله. ~~- لن أكلفك شيئا. ~~- كيف؟ ~~- وهل كنت أكلفك شيئا؟ ألم أكن أعمل؟ ~~- أنت تعرف أن الحمل سيكون ثقيلا فأنا الآن أنفق على سيد أحمد ~~ابن شهاوي كما سأنفق على المولود الجديد. ~~- يا آبا لا تخف لن أكلفك شيئا. ~~- على كل حال أنا اتفقت أن أبيع هذا البيت. ~~- ماذا؟! وأين نعيش؟ ~~- في بيتنا في البلد؛ ليس هناك داع أن يكون لنا بيتان. ~~- ولكني أريد شيئا آخر. ~~- ماذا؟ ~~- أريد أن أذهب إلى مصر. ~~- إلى مصر! ماذا تعمل هناك؟ ~~- أتعلم في مدارس مصر وأعيش مع عمتي تفيدة. # وصمت فهيم وحملق في ابنه ... الفكرة حسنة من كل الوجوه، فتفيدة ~~تحبه وحالتها المالية منتعشة بمرتب زوجها وبما يعطيه لها أبناؤها ~~من معونة، فأحدهما طبيب والآخر مهندس، وهما وإن كانا في أول ~~حياتهما إلا أنهما يستطيعان دائما أن يبرا أمهما وأباهما، ~~ولكن! ~~- الفكرة لا بأس بها والله يا فرغلي. ~~- إذن فأنت موافق. ~~- ولكن ألم تلاحظ شيئا؟ ~~- ماذا؟ أولاد عمتك ممدوح ويحيى لم يزرني أحد منهما أبدا ولا ~~حتى حسين ... منذ تزو ... ~~- أكمل يا أبي ... نعم منذ تزوجت أمي لم يزرك أحد منهم. لهم حق؛ ~~ولماذا يزور ناس محترمون مثلهم بيتا الست فيه رقاصة؟ ~~- اخرس لا تقل هذا عن أمك. ~~- أمي! الأم يا آبا لا تترك ابنها. ~~- اخرس. ~~- حفظت بيتا في المحفوظات. ~~- تكلمني بالشعر؟ ~~- حفظته بعد أن تركتنا زوجتك بأيام قليلة. ~~- ترفض أن تقول أمي. ~~- البيت لشاعر عربي يعتبر أعظم الشعراء، وربما سمعت عنه اسمه ~~المتنبي. ~~- لا يهم. ~~- البيت يقول: # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا # ألا تفارقهم فالراحلون هم # فهمت يا آبا. ~~- لا. ~~- أحسن، فالحال معنا مقلوب، وهي التي رحلت، وليس نحن، ولكن تعرف ~~يا آبا إن ذهاب أمي أحسن شيء عملته في حياتها لتصلح ما عملته أنت. ~~المهم أريد أن أروح لعمتي. ~~- افرض أنها رفضت. ~~- لا يهم. ~~- أخاف أن ms036 تخجل وتنكسف. ~~- ليس هناك شيء أصبح يخجلني أو يكسفني. ~~- لماذا؟ ~~- أنت فرضت علي هذا. ~~- أنا؟ ~~- ألست أنت من اختار لي أمي؟ ~~- اخرس. ~~- لقد قلت ما أريد، وليس يهمني أن أخرس الآن. أنا ذاهب إلى عمتي ~~تفيدة، ولا تنس أنها هي لم تنقطع عن زيارتنا مطلقا. ~~- ألا تنتظر على الأقل حتى تنتهي الإجازة؟ ~~- لا يجوز لمثلي أن تكون له إجازة. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أنني يجب أن أذهب من الآن حتى أبحث عن عمل أعيش ~~منه. ~~- عمل؟ ~~- نعم. ~~- مثل ماذا؟ ~~- مثل قاه في مقهى، أو فراش في شركة، أو ماسح أحذية ... أي شيء. ~~- تكون حامل ابتدائية وتعمل ماسح أحذية! ~~- أنا لا أحمل الابتدائية وحدها، ولكني أحمل معها رقص أمي وفقر ~~أبي! ألم أقل لك إن شيئا في الوجود لا يستطيع أن يكسفني. ~~- أعوذ بالله! هل أنت بني آدم أنت؟ ~~- أنا البنى آدم الذي صنعته أنت يا آبا. ~~- اذهب حيث تشاء. ~~- أنا فعلا ذاهب. ~~- غدا. ~~- بل اليوم. # وهكذا لم يتح لفرغلي أن يكون واحدا من القرية مطلقا، فقد عاش ~~طفولته الأولى فصيلة واحدة لا يخالط أحدا، وحين عرف السبب أصبح ~~يتمنى أن يزداد انعزالا حتى إذا قبله مجتمع القرية لم يدم هذا ~~القبول أكثر من شهور، كان اجتماعه فيها بأبناء قريته لساعات نادرة ~~لا تكاد تحصى، فحين أذن القدر أن يصبح بيتهم من بيوت القرية ~~وتتمازج أسرته مع أسراتها في هذا النسيج البشري الذي يعرفه الناس ~~كل الناس في كل القرى؛ فصل هو نفسه عن هذا النسيج ليذهب إلى ~~القاهرة هناك حيث كل بيت نسيج وحده لا تلتحم خيوطه مع أنسجة البيوت ~~الأخرى، فقد أصبحت القاهرة منذ ذلك الحين تمثل المجتمع الذي لا ~~يجتمع فأبناء العمارة الواحدة قد لا يتعارفون فكيف بأبناء الشارع ~~أو أبناء الحارة، وإن تعارفوا فزيارة تجيبها زيارة ليس في القاهرة ~~هذا المجتمع الذي تتداخل الخيوط فيه لتكون ثوبا واحدا هو القرية ~~المصرية. # في القرية كل إنسان جزء من كل إنسان. في المدينة الإنسان له ~~حدوده ومعالمه الواضحة؛ البيئة المساحة ms037 بلا تمازج ولا مشاركة إلا ~~إذا ائتلف صديقان أو التأم بضعة أفراد، ولكن هذا الائتلاف أو ذلك ~~التآخي يكون وليد وحدة مشاعر أو وحدة تفكير وكثيرا، بل كثيرا ~~جدا، ما يكون وحدة منفعة وليس من أثر لوحدة المكان مطلقا في هذه ~~الصلات. # وفرغلي وهو في طريقه إلى القاهرة لم يكن ينوي أن يقيم صلات أو ~~ينسج علاقات، وإنما كان ذاهبا وهو يعرف تماما إلى أين هو ذاهب ~~ولماذا وكيف؟ # بل كان يعلم أنه يستطيع أن يصل إلى الهدف أو الأهداف التي ~~يتغياها ويعرف إليها بدلا من الوسيلة عدة وسائل. وكان مطمئنا أنه ~~يملك شيئا لا يملكه إلا القلة النادرة من الناس أن أمه راقصة ومن ~~كانت أمه راقصة في المجتمع المصري فهو يملك شيئين لا يتاحان ~~لغيره. # يستطيع أن يلح وأن يقبل أي حذاء وأن يضع رأسه حيث تأنف الأحذية ~~أن تضع نفسها هذه واحدة، وأما الأخرى أن الناس لن يستغربوا هذا منه ~~إذا عرفوا أنه ابن راقصة، وأنهم يحبون من يجعل منهم آلهة، ومن ~~أكثر مقدرة من ابن الراقصة على أن يجعل عباد الله آلهة؟! # إنه عملة نادرة يحب كثير، وكثير جدا، من الناس أن تكون في ~~حوزتهم. # 6 # وحيد في الزحام # كان استقبال عمته له ترحابا وسرورا، الأمر الذي لم يكن يتوقعه ~~بل الأمر الذي لا يتوقعه من أحد؛ فقد كان يعتقد أنه لن يكون موضع ~~ترحاب أبدا. إنه لم يسمع هذه ال «أهلا» الممتدة التي يحمل ~~امتدادها الشوق والسرور برؤية القادم موجهة إليه منذ وعى الأشياء ~~وعرف ذهنه معنى المقارنة. كان يسمع هذه ال «أهلا» بين التلاميذ ~~بعضهم وبعض أحيانا وكان يشهدها من صديق في المقهى إلى صديق آخر، ~~وربما كان افتراقهما لم يمض عليه أكثر من سحابة نهار، وكان يراها ~~في القرية من حين إلى آخر. أما ال «أهلا» الموجهة إليه فقد كانت ~~إما مقتضبة قصيرة لا تحمل السخرية ولا تحمل أيضا السعادة برؤيته، ~~وكانت تلك خير أهلا يقابل بها، أما ال «أهلا» التي تعودها، ولم ms038 ~~يعد يضيق بها من كثرة ما تعودها فهي تلك التي يلحق بها كلمة يا ~~سيدي، تحمل في نغماتها إما الضيق أو الاحتقار أو هي تحمل في خير ~~حالتها معنى الواجب الذي يقوم به من يقوم به كصدقة أو زكاة واجبة ~~لا يستطيع منها فرارا. # أما عمته فاستقبلته بهذه ال «أهلا» المرحبة، وزاد من فرحه بها ~~أن عمته كانت تعلم أنه قادم ليقيم معها، فقد أرسل إليها خطابا قبل ~~أن يفاتح أباه وأجاب عنها زوجها بالموافقة والترحيب، فهي إذن ليست ~~أهلا عفوية تستقبل بها ابن أخيها الذي «طب» عليها فجأة بدون ~~إنذار، والذي تتوقع إقامته ليوم أو بعض يوم، هي تعلم أنه قادم قدوم ~~إقامة لا نزوح، وبقاء لا زيارة. فهذه ال «أهلا» إذن أهلا واعية ~~تدري تماما معنى مجيئه، ومع ذلك فهي طويلة مرحبة فيها سعادة وفيها ~~فرح. # وحين جاء زوج عمته حسين أفندي تكرر الترحاب بصورة ربما كان فيها ~~كثير من المبالغة، أو هكذا تخيل فرغلي على الأقل. # وحين نزل إلى القاهرة أصابته تلك الرعشة التي تصيب أمثاله من ~~الزاحفين إلى زحام القاهرة من حقول الريف. هذا التركيب الهندسي ~~والبشري ووسائل المواصلات المتقاطرة هذه تبدو له جميعا عالما ~~بغير معالم، كناظر لقادم عليه والشمس في عينيه لا يتبين الوجوه ~~وإنما يتبين الشخوص، بل إنها تمثلت في ذهنه كصور الشخوص عند إنسان ~~ولد أعمى فهو يتخيلها ولكنه لا يستطيع أن يتمثلها أو يتصورها. كانت ~~الشخوص تمر أمامه كأنهار أفكار يزحم بعضها بعضا؛ فلا تتميز فكرة عن ~~فكرة، ولا تتحدد معالم شخص بذاته، إنما كلهم يزاحم الحياة ويرتضيها ~~وكأن سياطا من الزمان تلهب حياتهم. # تلك هي الدار الجديدة، مسبحه الذي ينوي أن يغوص فيه ويصبح - على ~~الأقل في أول الأمر - مثل واحد من هؤلاء، ثم حين يمكن أقدامه من ~~الأرض الجديدة لا بد أن يخرج من بئر الآمال والنوايا محتوياته. ~~ولكن هل ستتيح له هذه الأرض الخالية من الطين والتي لا تعرف ~~المحراث، والتي استوى سطحها وأصبح ناعما أن يمكن أقدامه ms039 ~~فيها. # إن له أظافر حادة سنها على مسن الكرامة الضائعة، وهو واثق أنها ~~أقوى من أي أظافر أخرى تكسوها العزة أو يكسوها الغنى أو يمسك بها ~~الخير أو الخوف، غريق هو في بحر اللاكرامة فما خوفه من ~~البلل. # مرت أيام كان يترك فيها بيت عمته من الصباح الباكر بعد أن يخبرها ~~أنه لن يأتي إلا في المساء، وينزل إلى المدينة ومعه هذه الجنيهات ~~التي استطاع أن يدخرها من عمله بالمقهى، وكانت تمده بنوع من ~~الطمأنينة على قلتها، فهو لن يحتاج لغير قروش فهو يركب أي ترام ~~يصادفه ويتركه يمضي به لا يتغيا غاية محددة، وإنما يهدف إلى هدف ~~كلي واسع ضخم، إنه يريد أن يبتلع في ذهنه وفي كيانه هذه المدينة ~~التي تبتلع من فيها. # وما أسرع ما تبين في هذه الأيام أنه هنا هباءة لا يراها أحد ولا ~~يعنى أحد أن يراها! إنه هنا كيان آخر غير الكيان الذي عرفه لنفسه ~~في القرية أو المدرسة أو حتى المركز، كان في القرية محتقرا، ~~ومعنى هذا الاحتقار أن زملاءه يحسون بوجوده ويحتقرونه ويأنفون أن ~~يشاركهم في اللعب، حتى إذا تركته أمه قبلوه معهم، فهم على الحالين ~~يحسون به ويدركون وجوده ولينفوه عن مجتمعهم أو يقبلوه، لا ~~يهم. # وكذلك كان شأنه في المدرسة، فكل تلميذ في المدرسة يعلم أن بينهم ~~تلميذا أمه راقصة والقدامى يبلغون الجدد. # وليحتقره منهم من يحتقره وليشفق من يشفق وليرفضه من يشاء أن ~~يرفضه، ولكنه على أية حال من هذه الأحوال موجود عند تلاميذ المدرسة ~~أجمعين. # وكذلك كان شأنه في المقهى؛ يحسون بوجوده حين يوجد وبغيابه حين ~~يغيب. # ولكن هذه القاهرة العريضة لم يشعر إنسان فيها أن فرغلي قدم إليها ~~من الديميرية إلا عمته وزوج عمته، أما كل هؤلاء فلا يدرون من أمره ~~شيئا، وهم أيضا لا يدرون أنه ابن تحية الراقصة التي تعمل حاليا ~~في الموالد والأفراح. # موقف جديد لم يتعود عليه، ولم يدر أسعيد هو به أم غير سعيد. ~~لعله كان أكثر استمتاعا بمشاعره في القرية ms040 أن المجتمع يحس به، ~~ويعلم بوجوده حتى وإن صاحب هذا الإحساس وذلك العلم احتقار أو إشفاق ~~أو إذلال. # لعله يحس الآن أن إهمال شأنه أشد وقعا على نفسه من المهانة، ~~ولكنه مع الأيام أدرك شيئا لم يكن قد أدركه، أن أبناء القاهرة ~~جميعا لا يحس أحد منهم بالآخر؛ فكل إنسان في القاهرة عالم قائم ~~بذاته، وحين وصل إلى هذا الإدراك أحس راحة وهدوءا، وحين ألقى ~~نظرة إلى المستقبل داخله الرضا فما يلبث أن يكون قريبا عالما هو ~~أيضا بذاته له أصدقاؤه وله محيطه من زملائه التلاميذ أو من في ~~العمل يحادثهم ويحادثونه، ويظل كل منهم مستقلا عن الآخر بآماله ~~وطموحه ومسالك حياته ودروب مستقبله. # جلس إلى عمه حسين. ~~- عمي أنا تفرجت على مصر. ~~- كلها؟ ~~- أغلبها. ~~- وأعجبتك؟ ~~- لا أستطيع أن أحكم الآن. ~~- ومتى تحكم؟ ~~- لا عجلة؛ فأنا باق بها سواء أعجبتني أم لم ... ولكن! ~~- ولكن؟ ~~- أريد أن أعمل. ~~- ماذا تريد أن تعمل؟ ~~- كنت أعمل في مقهى بالمركز. ~~- ولكن هذا عمل لا يليق هنا. ~~- بالعكس، في المركز كانوا يعرفونني ومع ذلك لم أجد غضاضة في أن ~~أعمل بالمقهى. ~~- لأنهم هناك يعرفونك لا غضاضة، أما هنا فهم لا يعرفونك ولا ~~يعرفون شيئا عن ... عنك، وسيكون عنوانك الوحيد أمامهم جرسونا في ~~مقهى. ~~- ابن الكلب يشير إلى أمي مرة أخرى! طبعا سأجدها أمامي دائما ~~وهل في هذا شك. ~~- ليس من الضروري أن يكون المقهى قريبا من بيت حضرتك؛ في أي مكان ~~غير المنيرة والسيدة. ~~- اسمع! أتريد أن تعمل أي عمل أم لا بد أن يكون عملك في ~~مقهى؟ ~~- أي عمل طبعا. ~~- اترك هذه المسألة لي. ~~- بعد الظهر طبعا. ~~- يا سلام يا سي فرغلي! وهل أحتاج إلى ذكر هذا؟ أتظنني أرضى أن ~~أجعلك تترك المدرسة من أجل العمل؟ ~~- ربنا يبقيك لنا يا عمي حسين أفندي ويطيل عمرك. ~~••• # لم ينجز حسين أفندي وعده سريعا، ومرت الأيام وأدرك فرغلي أخيرا ~~وبكثير من المرارة الحقيقة التي كانت خافية عليه وراء الترحيب ~~الذي استقبله من عمته وزوج عمته. لقد كان ms041 الزوجان منفردين في ~~المنزل وقد خلا بهما بعد أن تزوج ولداهما المهندس المعماري ممدوح ~~والطبيب الباطني يحيى. لم يكن مرتب حسين أفندي يتيح له أن يستأجر ~~خادمة إلا إذا كانت طفلة صغيرة سرعان ما تترك البيت ضيقا بكثرة ~~العمل وضآلة المرتب، فكان فرغلي يستطيع دائما أن يوفر على عمته ~~البحث عن بواب ليشتري لها لوازم البيت ولا بأس أيضا أن يعاونها في ~~عمل البيت ما استطاع إلى ذلك من سبيل. # وبنفس تعودت أن تقبل كل شيء أصبح فرغلي هو المسئول الرسمي عن ~~شراء الأطعمة وغيرها من الأسواق، وحتى إذا وجدت الخادمة الصغيرة ~~فهو الذي يقوم بهذا العمل، ولم يجد في ذلك ما يضيق به، بل لعله أحس ~~بشعور من الراحة حين حاول أن يتعمقه، عندما تقدمت به الأيام أدرك ~~أنه كان يريد أن يحس أن بقاءه ليس صدقة وأنه هو يقدم شيئا ذا ~~فائدة في البيت الذي يؤويه. # وحين بدأ العام الدراسي بدأ يذهب إلى مدرسة الخديوي إسماعيل ~~القريبة كل القرب من حارة البابلي التي تسكن فيها عمته، فلم يكن ~~شراء ما يلزم للبيت يكلفه أكثر من يقظة مبكرة بعض الشيء. # ولكن إهمال حسين أفندي لمطلبه أسخطه غاية السخط، وخيل إليه أنه ~~يريد أن يستصفيه لعمل البيت في الصباح والمساء، وقدر فرغلي أنه ~~بذلك يكون ما يقدمه من خدمة أكثر كثيرا مما يناله من أجر. فقد كان ~~يتناول غداءه بالمدرسة فلم يكن يكلف عمته إلا لقمة وقطعة من الجبن ~~والحلاوة في الصباح ومثلها في المساء إلى جانب المبيت ولا يساوي ~~هذا أن يكون خادما لليوم كله. ولكنه أدرك على كل حال أن عمه حسين ~~لن يحاول أن يجد له عملا حتى لا يخسر فيه الخادم الذي يقوم بطلبات ~~البيت. # وفي صمت راح هو يبحث في السيدة زينب وفي شارع خيرت عن مكان يمكن ~~أن يعمل به بعد الظهر، فهو يعلم أن أباه لن يقدم له إلا مصاريف ~~المدرسة التي تجهده جهدا شديدا. # فكر أول ما فكر أن يعمل في مقهى، ms042 ولكنه خشي أن يلمحه بالمقهى ~~تلميذ ممن يعرفونه بالمدرسة، والمقهى عمل علني لا سبيل فيه إلى ~~الاستخفاء. وفكر ولكنه سخر من نفسه وهو يفكر، إنما يفكر من يملك ~~الاختيار وهو لا يزيد عن سلعة تعرض نفسها على من يقبلها دون حتى أن ~~تملك المساومة في السعر. إنه سلعة لا تختلف عن الشيء الذي يجرى ~~عليه البيع والشراء إلا أنه هو الذي يبيع نفسه، بل هو في الحقيقة ~~أحط من ذلك إنما هي الحاجة التي تبيعه، ولا يملك لسيطرتها بها ~~دفعا ولا لأمرها مناقشة. # والعجيب أو ربما لم يكن عجيبا أن يشعر بالتحرر وهو يبحث عن ~~وظيفة يصيب منها بعض المال، هذه الحرية التي يحس أنه ينعم بها وحده ~~دون سائر الناس، إنه لا يملك شيئا يضيعه، وربما ضاق بعض الشيء حين ~~ثناه عن عمل القاهي خوفه أن يراه تلميذ زميل له؛ فهم في مدرسة ~~الخديوي إسماعيل لا يعرفون أنه ابن راقصة موالد، وربما استطاعت ~~الظروف أن تخفي عنهم هذه الحقيقة إلى أن يترك المدرسة. على أية حال ~~كان بحثه عن الوظيفة يشغله عن كل شيء، وقد استطاع اهتمامه أن يجعل ~~جوبه للقاهرة من أقصاها إلى أقصاها أمرا له مبرره بعد أن كان ~~يجوبها للتعرف عليها فقط. # وكان ينزل إلى الحي فيمشي في شوارعه على غير هدى حتى إذا وجد ~~مقهى جلس إليها وحاول أن يتقرب إلى القاهي بوسيلة أو بأخرى حتى إذا ~~أحس أن الأنظار بدأت تلتفت إليه قام وراح يضرب في طرقات ~~الحي. # ولم يستطع انشغاله هذا أن يبتعد به عن توقع قيام الحرب العالمية ~~حتى إذا أعلنت الحرب لم تأخذه على غرة، ولكن الحرب لم تكن ذات أثر ~~في القاهرة أول الأمر ولم يفرض الإظلام على القاهرة فور قيام ~~الحرب، ولكن الأمر كان منتظرا بين يوم وآخر. # واستطاعت الحرب أن تدير بين الناس حديثا لا ينتهي، وكانت ~~المفاجآت الحربية التي تحدث تجعل الناس في مصر يشعرون أنهم في حفلة ~~سينمائية لفيلم لا نهاية له ولا معنى له أيضا. ms043 وكطبيعة الشعب ~~المصري كان لا بد أن يتحمس لفريق من الفريقين وكانت الأغلبية ~~العظمى ضد بريطانيا ولا أقول مع ألمانيا، فهم يكرهون الإنجليز ~~ويحبون كل من يصيبهم بالضرر والأذى، ولا شأن لهم بعواقب انتصار ~~المحور إنما يهمهم أولا أن تهزم إنجلترا. وكان المصريون يحسبون ~~أن مجرد هزيمة إنجلترا في ذاتها غاية لا وسيلة للحرية، وكانوا ~~يقدرون أنهم يستطيعون أن ينالوا الحرية من هتلر ما دام ليس ~~إنجليزيا، وهكذا كان الشعور ضد إنجلترا جارفا ماحقا. # ولكن فرغلي لم يكن يفكر في إنجلترا ولا في هتلر، وإنما هو يسمع ~~من السامعين ويوافق المتحدث إليه في كل رأي، فما كان يحس أن مصر هذه ~~تعنيه في شيء، فهو لا يعرف معنى الانتماء لمصر؛ لأنه لم يعرف معنى ~~الانتماء الأصغر لأبيه أو لأمه فليس غريبا ألا يعرف معنى الانتماء ~~الأكبر، لقد عاش لا ينتمي إلا لنفسه. # ولهذا لم يكن عجيبا بل كان من الطبيعي جدا أن يرمي الحرب ~~وراءه، لا يفكر فيها، باحثا لنفسه عن عمل، أي عمل. # ولم يكن عمه حسين غافلا تغيبه عن البيت كل يوم، بل إنه أيضا لم ~~يغفل أن هذا التغيب لم يكن عبثا فقد كان يدري أن فرغلي ليس من ~~الناس الذين يألفون ويؤلفون، فلم تكن عنده خلجة شك أن فرغلي كان ~~يبحث عن العمل. وحين مرت فترة طويلة دون أن يصيب اليأس فرغلي أدرك ~~حسين أنه لا بد له أن ينجز وعده، وقد كان يستطيع أن ينجزه منذ وعده ~~به، ولكن زوجته أثنته عن ذلك رغبة منها أن يظل فرغلي خاليا لأعمال ~~البيت، ولكنه بعد هذه الفترة. ~~- هيه يا تفيدة ألا ترين أنه من الأفضل أن أجد أنا العمل ~~لفرغلي؟ ~~- ما تشوفه. ~~- إننا بهذا سنجعله يشعر بالجميل ويظل عندنا بدلا من أن يجد ~~عملا في مكان بعيد، ونفقده ولا نجد أحدا يساعدك مجانا في شغل ~~البيت. ~~- معقول، وخصوصا أنه لا يكلفنا شيئا فهو يتغدى دائما ~~بالمدرسة. ~~- على بركة الله. # كان لحسين أفندي أصدقاء كثيرون من كثرة ما ms044 مر به من أيام. وقد ~~تكون هؤلاء الأصدقاء من شتى نواح في الحياة؛ بعضهم أمدته بهم ~~الوظيفة، وبعضهم أمدته بهم القهوة، وبعضهم أمسك به المسجد. # وكان من بين أصدقاء المسجد الشيخ سمهان عبد الغني، وهو رجل يملك ~~مكتبة دينية قريبة من الحرم الزينبي، وقد جمع التدين بين حسين ~~أفندي وبين الشيخ سمهان فقامت بينهما صداقة وطيدة أقرب ما تكون إلى ~~الأخوة، وحين وعد حسين أفندي بإيجاد وظيفة لفرغلي لم يكن يفكر إلا ~~في الشيخ سمهان، وفعلا لم يخذل سمهان صديقه. ~~- أين كنت يا سي فرغلي؟ ~~- أتمشى في مصر يا عم حسين أفندي. ~~- أما زهقت مشيا؟ ~~- أرحم من البقاء محبوسا. ~~- والمذاكرة. ~~- ألا أنجح دائما. ~~- فعلا. ~~- لا تخف على المذاكرة فأنا مصمم على النجاح. ~~- قل بإذن الله. ~~- لا بد أن أنجح. ~~- كله بأمره يا فرغلي. ~~- أنا أذاكر تماما. ~~- ولكن أخشى إذا اشتغلت بعد الظهر أن تضعف مذاكرتك. ~~- لا يمكن، أنت تعرف أني لم أسقط مطلقا. ~~- أخشى أن يشغلك العمل عن المذاكرة. ~~- وأين هو العمل يا عم حسين أفندي؟ ~~- موجود. ~~- حقا. ~~- حقا. # وانكب فرغلي على يد حسين أفندي يقبلها، وهم أن يقبل قدمه ~~الحافية المسترخية على الكنبة، ولكن حسين أفندي سارع واحتضنه وأجلسه ~~إلى جانبه. ~~- أستغفر الله يا بني. ألهذه الدرجة كنت تريد عملا؟ ~~- وهل كان خروجي ولفي في الشوارع إلا من أجل هذا؟ ~~- خلاص يا عم؛ من هنا ورايح لن تحتاج إلى لف ولا دوران. ~~- ربنا يطيل عمرك. ~~- أتعرف المكتبة الإسلامية؟ ~~- طبعا في جوار جامع السيدة. ~~- صاحبها صديقي. ~~••• # حين ذهب فرغلي للقاء الشيخ سمهان رأى فيه رجلا رقيق الجسم رقيق ~~القسمات ذا لحية متناثرة الشعر ذات عثنون مدبب، يلف على طاقيته ~~عمامة لها «عدبة» تنسدل على قفاه، في وجهه صدق، وفي سمته طمأنينة، وفي ~~عينيه هدوء وثقة. ورأى سمهان في وجه فرغلي شابا قاسي القسمات في ~~وجهه تصميم، وفي عينيه إيمان بشيء لا يدريه الشيخ، ولا يعرف كنهه، ~~وأحس الشيخ سمهان أن هذا الفتى يعرف ما يريد، ولكنه لا يعرف الطريق ~~إليه، ms045 وأحس أنه يريد أن يعمل معه لأن الفترة التي يمر بها لا تتيح ~~له إلا أن يعمل هذا العمل البسيط، وفي نورانية المؤمنين أحس سمهان ~~أن هذا الفتى النحيف المنفتل كأنه ثوب اعتصرته يد الزمن يريد أن ~~يخرق الأرض بعوده الملولب، ويريد أن يبلغ الجبال طولا بتلك ~~العزيمة الصلبة المتمثلة في فمه المتشنج، وفي ذقنه المتحدية، وفي ~~أنفه الذي يثب إلى المستقبل كأنما يريد أن يسبق الحياة ~~والزمان. # أحس سمهان من الفتى رهبة، ولكنه لم يجد ما يمنعه أن يلحقه بالعمل؛ ~~فقد تأكد لديه أن كل ما تراءى له فيه سيجعل منه عاملا نشيطا، ~~وبحسبه منه في فترته تلك أن يكون عاملا نشيطا. أما ما توحي به ~~مكوناته الأخرى فشأنها به والزمان ولتكن الحرب بينهما ما شاء الله ~~لها أن تكون، فقد كان الشيخ سمهان يتوقع أن رحى هذه الحرب لن تدور ~~إلا بعد أن يتركه الفتى بأيام وشهور وربما بسنين. # وتسلم فرغلي عمله. # 7 # هل المكتبة كتب # عالم آخر انفتح أمام فرغلي. ازداد إحساسه بالغربة في هذا الدكان، ~~ارتصت على جوانبه كتب لم يتصور أنها تستطيع أن تخلق هذا الجو ~~العجيب من الأسرار، ليس بين هذه الكتب كتاب واحد قرأه، وما أقل ~~الكتب التي سمع عنها بينها! لقد دخل مكتبات قبل هذا مرات قليلة فما ~~كان يلتفت إلى أمر هذه الكتب إنما هي لحظات يسأل فيها عن الكتاب ~~الذي جاء من أجله ثم ينصرف، ولكنه اليوم يعيش بين هذه الكتب ساعات ~~طويلة، وقد انفردت به وانفرد بها، ولم يخطر له على بال أن يمسك ~~كتابا ليقرأ فيه، وإنما قصارى ما فعله مع بعضها إطلالة عاجلة يقلب ~~فيها الصفحات عشرات عشرات دون ريث من قراءة أو تمهل من تدبر. وقد ~~استغرق أياما كثيرة حتى عرف أماكن الكتب التي يكثر شراؤها ليستطيع ~~أن يبيع إذا ما غاب الحاج سمهان عن المكتبة، وما كان يفعل ذلك إلا ~~ليقيم صلاة العصر أو المغرب في مسجد السيدة زينب المجاور للمكتبة ~~ويصلي العشاء بعد أن ms046 يقفل المكتبة. وهكذا لم يكن فرغلي محتاجا أن ~~يعرف مواقع الكتب كلها. والحقيقة أن الحاج سمهان عينه لسبب كان ~~خافيا عنه ولكنه عرفه بعد فترة قصيرة من بقائه في المكتبة. # كان للمكتبة غرفة داخلية لاحظ فرغلي أن الحاج سمهان يستقبل فيها ~~أغلب الأيام بعد صلاة المغرب فتى في شباب العمر طويل القامة عريض ~~الكتفين كث اللحية يرتدي الملابس الإفرنجية، عرف فرغلي أن اسمه أمين ~~ثم عرف أن اسمه أمين الشبراوي، وكان دائما يأتي بعد صلاة المغرب ~~بفترة قصيرة وما هي إلا مصافحة سريعة ثم يدلف سمهان وصديقه إلى ~~الغرفة الداخلية. # ومع الأيام تأكد فرغلي أن تعيينه كان من أجل هذا اللقاء وحده؛ ~~حتى لا يظن أحد أن المكتبة خالية إذا قصدها في فترة هذا اللقاء ~~الذي لم يكن فرغلي يعرف من أسراره شيئا. وليس فرغلي بالذي يعنى في ~~كثير أو قليل بالسبب الذي عين من أجله. وحسبه أنه وجد هذا المكان ~~الذي لم يكن يطمع أن يجد خيرا منه. # وهكذا حرص فرغلي ألا تقوم بينه وبين أحد من زملائه صداقة فهو ~~يرى أن الصداقة صلة مقيتة تجعل الصديق يتسلل إلى خفايا صديقه فيعرف ~~من أبوه ومن أمه، أين ولد، وأين ربي، ومقدار فقره، وهذه كلها ~~أشياء لا يحب فرغلي أن يعرفها عنه أحد، وهو أيضا لا يحب أن يعرفها ~~عن أحد لأن النفس بطبيعتها تميل إلى المقارنة. فإذا عرف أصدقاء ~~أصبح حتما عليه أن يقارن بينهم وبينه، وهو يجزع من هذه المقارنة ~~لأنه دائما سيجد نفسه الخاسر فيها. وأين يجد فتى أمه راقصة موالد ~~وأبوه عامل، وهو يقيم عند عمته شكله ابن أخ وحقيقته خادم بلا أجر ~~ولا يمس القرش يده إلا عن طريق عمل إضافي عند رجل يستأجره ليكون ~~ساترا للعيون. المقارنة قاتلة بالنسبة إليه فهو لا يريد أصدقاء، ~~وقد نجح فرغلي أن يقتل كل صداقة تحاول أن تمد خيوطها بينه وبين ~~غيره من الزملاء، ولكن نجاحه لم يكن كاملا؛ فالصداقة إن كانت ~~اتفاقا غير مكتوب في أغلب أمرها ms047 إلا أنها كثيرا ما تفرض فرضا ~~على أحد طرفيها حتى لا يستطيع منها فكاكا أو عنها منصرفا. # من هذه الصداقات ما تقوم عمدها على القرابة، وهذه الصداقة قبلها ~~فرغلي غير ساخط وغير راض في وقت معا. فابنا عمته كثيرا ما كانا ~~يزوران البيت، فكان لا بد أن يسلما عليه، وقد كان يقبل التحية منهما ~~في امتعاض شديد لا يستطيع أن يبديه؛ فقد كان يحس في الكلمات القليلة ~~التي يلقيها إليه كل منهما الكثير من المعاني تتخفى في خبث مقيت ~~مسموم في نغمة الكلام، كان يحس أنهما لم ينسيا شأن أمه، وكان يحس ~~أنهما يحسان أن أباهما ينفق عليه لوجه الله، ولو عرف أبناء الكلب ~~هؤلاء أنني لا أكلف أباهما شيئا لما غير هذا من لهجتهما ~~المتعالية السمجة؛ فقد كان يطيب لهما أن يكون فرغلي في مكان المفضول ~~ويكون أبوهما في مكان المفضل، وأبناء الكلب لا يحبان أباهما ولا ~~يحبان أمهما؛ فقد يمر الشهر وأكثر من الشهر، ولا يزور أحدهما بيت ~~أبويه، ولكنهما مع ذلك كانا يحبان أن يستمتعا بهذا الشعور. # أكانت صداقة تلك التي تصل بين فرغلي من ناحية وبين ابن عمته ~~الطبيب ممدوح أو ابن عمته الآخر المهندس يحيى؟ هو لا يجد لها اسما ~~إنها قرابة مفروضة لا قبل له بالتخلي عنها، وفارق السن بينهما لا ~~يسمح بصداقة حميمة، ولكن فرغلي مع ذلك كان يحس بصلة قوية تربطه ~~بهما. أيمكن أن تكون الكراهية الشديدة صلة أم تراه الحقد أم تراه ~~السخط على نفسه وعلى الحياة أن جعلته مضطرا أن يقبل تحية هذين ~~الحقيرين اللذين يظنان أن الحياة خلت من أمثالهما نبوغا وعبقرية؟ ~~أم تراه حين ينفذ إلى دخيلة كل منهما، ويرى صورته هناك يراها صورة ~~زرية تحيط بها هالة العار من أمه والفقر من أبيه والذل من مكانه في ~~بيت أبيهما؟ هل هذه الصلة القوية هي واحدة من هذه المشاعر أم هي ~~هذه المشاعر جميعا؟ ليس يدري وليس يريد أن يدري. هي صلة ولكنها ~~ليست صداقة، أما الصداقة التي ms048 فرضت عليه وقبلها مضطرا، وأظهر أنه ~~قبلها راغبا فهي تلك التي قامت بينه وبين نديم الطوبجي. # هو زميله في الفصل وفي الدرج، ولم يكن هذان وحدهما يكفيان أن ~~تقوم الصداقة هي زمالة. وهو قد درب نفسه على الصمت الطويل وهو يصغي ~~للمدرس إذا تكلم لأنه يعلم أن الكلمة إذا عبرت ولم يسمعها فهو لن ~~يسمعها مرة أخرى. ومن أين؟ هو لا يستطيع أن يستقدم مدرسا خاصا ~~وهو أيضا لا يستطيع أن يسقط، وهكذا فرض الصمت التام على نديم ~~أثناء الدراسة حتى لأوشك نديم أن يضيق به ذرعا لولا أن شهاداته في ~~النجاح كانت تجيء في صورة ترغم على احترام هذا الصمت. # وهكذا استطاع الصمت الذي لا غنى عنه لفرغلي أن يعفيه من صداقة ~~زميله اللصيق له في المكتب، وهكذا كان يمكن أن تظل هذه الصلة زمالة ~~لا تعدوها إلى الصداقة، ولكن الأيام شاءت غير هذا، فقد فوجئ فرغلي ~~وهو جالس في المكتبة بنديم قادما إليه مقتحما المكتبة اقتحام ~~الباحث عن شيء، وحين رأى فرغلي جالسا غير واقف فوجئ مرتين ... مرة ~~لوجود فرغلي في المكتبة ومرة لجلوسه. ~~- فرغلي؟! ~~- نديم؟! ~~- ماذا تفعل هنا؟ ~~- لا شيء، ماذا تفعل أنت؟ ~~- أريد كتابا. ~~- أنت؟ ~~- نعم. ~~- لك؟ ~~- لأبي. ~~- أي كتاب تريد؟ ~~- شرح البيضاوي. ~~- أحضره لك. ~~- إذن فأنت ... ~~- أنا أعمل هنا بعد الظهر. ~~- صحيح؟! ~~- وما الغرابة؟ ~~- لم تقل لي. ~~- لم تأت مناسبة. ~~- ومن أين تأتي المناسبة؟! لقد فرضت علي الصمت في الفصل، وأنت ~~في الفسحة تذاكر. ~~- إذا سمحت لك بالكلام ما نجحت. ~~- والفسحة؟! ~~- أنا أعمل بعد الظهر ولا بد لي أن أستغل كل دقيقة ~~لأذاكر. ~~- ولكنك تذاكر هنا كما أرى. ~~- المذاكرة هنا غير مضمونة. ~~- ولكن الدنيا بالنسبة لك كلها عمل! هذا غير معقول. ~~- وما هو المعقول؟ ~~- ساعة لربك وساعة ... ~~- هذا تقسيم يعرفه الأغنياء أمثالك، أنا كل ساعاتي ~~لعملي. ~~- ألا تصلي؟ ~~- ولماذا أصلي؟ ~~- وقعتك سوداء! ~~- أنا ليس من حقي هذا الدلع. ~~- هل العبادة دلع؟ ~~- كل لحظة تصرف دون مكسب دلع. ~~- حتى عبادة الله؟! ~~- خصوصا عبادة الله. ~~- إنها تأتي ms049 بمكاسب كما تعلم. ~~- مكاسب موهومة، وعود لم يثبت أحد أنه حصل عليها. ~~- لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بغير رب. ~~- لقد عاش أقوام كثيرون بغير رب. ~~- أين هؤلاء؟ ~~- قبل الرسالات. ~~- كانت لهم أربابهم صنعوها بأيديهم. ~~- أمثال هؤلاء يصلحون ليكونوا قدوة؟ ~~- وجاءت الرسالات. ~~- وأنا ما شأني؟ أنا لم أر من هذه الرسالات شيئا. ~~- ألم تر القرآن؟ ~~- كلام. ~~- يخرب بيتك! إنه كلام لا يمكن أن يقوله بشر. ~~- وأنا ما شأني به؟ ~~- لمن تلجأ إذا ضاقت بك الحياة؟ ~~- أنا لم أر من الحياة إلا ضيقا، ولم أعرف لنفسي ملجأ إلا ~~نفسي. ~~- أبوك؟ ~~- هو في حاله وأنا في حالي. ~~- وأين تقيم؟ وكيف تدفع أجر بيتك؟ ~~- أقيم عند عمتي. ~~- إذن فهي ملجأ. ~~- إن أحدا لا يقدم الخير مجانا أبدا، تعلم هذا، مهما يكن غناك ~~وغنى أبيك تعلم أن أحدا لا يقدم الخير مجانا أبدا. ~~- وهل تقاضيك عمتك مالا على إقامتك؟ ~~- تقاضيني. ~~- مالا؟ ~~- بل شرا من المال؛ أنا الذي أشتري حاجات البيت، وأنا الذي ~~أنظفه في أيام الإجازات، أنا أدفع أجر إقامتي مهانة وذلا ~~وانكسارا. ~~- أول مرة تفتح لي قلبك. ~~- لقد رأيتني أعمل فكان لا بد لك أن تعرف الباقي. ~~- لنا زملاء كثيرون يعملون. ~~- نديم اسمع ... اسمع ولا تسألني تفصيلا في كل زملائك ... كلهم ... ~~ليس هناك من هو أتعس مني. ~~- أنت طفل! كنت أحسبك رجلا. ~~- أنت دلوعة، كل شيء يفسر لك ولا تعرف أحوال الآخرين. ~~- ولا أنت تعرف أحوال الآخرين، وما كان لك أن تحكم قبل أن تعلم. ~~ربما كان في فصلنا نفسه من هو شر منك حالا. ~~- محال. ~~- لا يستطيع إنسان أن يعيش بهذا السواد جميعه في قلبه. ~~- ومن قال لك إنه كله سواد؟ ~~- كلامك. ~~- لقد كلمتك عن حالي ولم أكلمك عن آمالي. ~~- لك آمال؟ ~~- أضخم بكثير من سوء حالي. ~~- وبها تعيش. ~~- ولها أعيش. ~~- وهل تعيش؟ ~~- كل لحظة من حياتي. ~~- ليست هكذا العيشة. ~~- لمثلي لا تكون إلا هكذا. ~~- ألا تذهب إلى السينما؟ ~~- جربتها. ~~- كم مرة؟ ~~- مرتان. ~~- ألم تضحك أبدا؟ ~~- من همي. ~~- لو عرفت الله لانفتح ms050 قلبك للسعادة. ~~- يا عم أنا مالي وماله أنا لست قده. ~~- فأنت تعرف قوته. ~~- قدر ما أعرف قوة آمالي. ~~- فرغلي، لقد أصبحت أخاف منك. ~~- لك حق. ~~- أعوذ بالله! أنت نار. ~~- لم تر منها إلا جذوة أو قبسا. ~~- قد تحرق نفسك. ~~- أو قد أحرق الآخرين. ~~- أخاف أن أكون أول من تحرق. ~~- ولماذا أنت؟ ~~- لأنه يخيل إلي أنني أنا أول من عرفت أسرارك. ~~- أنت لم تعرف عنها شيئا. ~~- أنا مصمم على أن أغيرك. ~~- وأنا مصمم على أن أغيرك. ~~- ولماذا تغيرني؟ ~~- لتصبح صلبا، قد تكون غنيا ولكن الغنى وحده لن يكفيك في ~~الحياة، لا بد أن تكون في قوة الصراع الذي ستواجهك به ~~الدنيا. ~~- لماذا هي صراع في عينيك؟ لماذا لا تكون حبا ومتعة وسعادة ~~ورضا وهناء؟ ~~- لأنها ليست كذلك. ~~- ألم تعرف النساء أبدا؟ ~~- حين نزلت إلى القاهرة اشتريت. ~~- كم مرة؟ ~~- لا أذكر. ~~- إذن فأكثر من مرة ومرتين وثلاث. ~~- ربما؛ ولكن الفلوس لم تجعلني أذهب كثيرا. ~~- ألم تجلس مع امرأة أبدا؟ ~~- ولماذا أجلس؟ أنا أدفع وأمشي. ~~- ألم تعرف لذة حديث بينك وبين فتاة؟ ألم تعرف الحب؟ ~~- فما هذا الذي كنت أفعله؟ ~~- يا بني آدم أنا أتكلم عن الحب. ~~- وعنه أتكلم أنا أيضا. ~~- اسمع لا فائدة. في أي يوم إجازتك. ~~- يوم الأحد. ~~- عجيبة! ~~- وأي عجيبة؟! ~~- كان المفروض أن تكون الجمعة. ~~- يوم الجمعة يكثر هنا الزبائن. ~~- يوم الأحد القادم لا ترتبط. ~~- ماذا تعني؟ ~~- سأريك جانبا آخر من جوانب الحياة. ~~- ومن قال لك إني أريد أن أرى لها جانبا آخر. ~~- وماذا تخسر؟ ~~- وقتي. ~~- لن تخسره. ~~- وهو كذلك. ~~- أين البيضاوي؟ ~~- لحظة. # وقبل أن يحضر فرغلي الكتاب خرج الحاج سمهان، ومعه صديقه وقدم ~~فرغلي نديما إلى الحاج سمهان فوجده يعرف والده ويحمله له ~~السلام، وينصرف نديم، ويلتفت سمهان إلى فرغلي: تستطيع أن تذهب مع ~~صديقك فسأظل أنا في المكتبة حتى موعد عودتي. وينصرف فرغلي ولكن لا ~~يحاول اللحاق بنديم فقد أراد أن يعود إلى نفسه يسائلها؛ لماذا قالت ~~كل هذا الذي قالته لنديم؟ عجيبة هذه النفس! لماذا تتكلم على ms051 الرغم ~~من صاحبها وعلى الرغم من أنه عودها أن تكون صوتا كتوما لا ~~تلين؟ ولكن الأعجب أنه لم يشعر بتعاسة لأنه قال ما قال، بل لقد ~~أحس لذة عجيبة لم يحسها قبل اليوم؛ فالقول في ذاته لذة لم يكن ~~فرغلي يعرفها، ولكنه في حزم يرد نفسه، لقد قلت مرة فليس هناك ما ~~يدعو أن تقولي دائما؛ لا بد أن نختار المكان والزمان والشخص الذي ~~نقول له. وقد كان يعلم أن نفسه تخشاه ولا تجرؤ أن تعصي له ~~أمرا. ~~••• # كان نديم وفرغلي في تلك السن الخضراء التي لم تشب إلى النضج، ولا ~~تقف عند الفجاجة؛ تلك الميعة من العمر في تلك الملاوة من فترات ~~الحياة التي تختلط فيها الأحلام الوردية الشفيقة بالجنس المستنسر ~~الكاسر، فالهوى يتخلل بهم ناي الطبيعة لتصدر عنه هذه النغمات ~~المتكسرة، كعيون العذارى الحالمة، كأوهام تلوح من عالم مجهول فيها ~~الجمال، وفيها الدعوة وفيها الاستدعاء وفيها الخوف الذي تبثه شخوص ~~تكونت من دخان أو سحاب، أو سعت تحت عباءة فضفاضة من نسيج فيه ~~الشفافية والاعتمام، وفيها الإبهار والإغراب. # ولو كان فرغلي شأنه شأن غيره من الشباب لاستمتع بتلك الفترة من ~~حياة الشباب كما يستمتع بها نديم، ولكن نفسه أعتمت منذ طالعته ~~الحياة بحجرة مغلقة إن فتحت فإلى بيت يغلق حتى إذا فتحت الأبواب ~~تقاذفته الحياة، وراحت تمخضه وتصفعه بعار أمه أو تدكه وتسفعه بفقر ~~أبيه. # كان نديم يحيا حياة الشباب في مثل سنه، وكانت له صديقة تخرج معه ~~ولكنها أخبرته في آخر مرة لقيته فيها أن خروجها وحدها أصبح ~~مستحيلا؛ لأن أباها يرفض هذا كل الرفض، وحين احتالت عليه بأنها ~~بعد المذاكرة تحتاج أن تستعيد نفسها بمشية تسترد فيها بعض الأنسام ~~أمرها أبوها أن تصحب أختها معها، وكانت أختها في مثل عمرها، وكان ~~نديم حائرا في تلك الأخت؛ فقد كان حين يخلو بسهام يستطيع أن يقبلها ~~بل كان يستطيع في أغلب الأحيان أن يذهب إلى أبعد من ذلك حريصا ~~دائما، كما كانت هي حريصة ألا يصل الأمر إلى ms052 إثارة عميقة. # وهكذا وجد في فرغلي بغيته ؛ فإنه يستطيع أن يبعد الأخت عن أختها ~~وهو حر معها، وليس يعني نديم إن كان فرغلي سيستطيع أن يتقرب من ~~قدرية أو هو سيكون معها ذلك الكيان المتحجر الذي يعرفه. وخرج ~~أربعتهم، وكانت قدرية ذكية، والعجيب أنها أعجبت بفرغلي فشكله يمكن ~~أن يكون مرضيا للنساء، هذا الطول في القوام، وهذه النظرة العازمة ~~النافذة الحديدية، وهذا القلب الصلب المصمم، وهذا الوجه النحاسي ~~الذي لا تجرؤ ابتسامة أو غضبة أن تعلوه، وهذا الشعر الخشن الذي ~~أرغمه صاحبه في إصرار ألا ينفر إلى أعلى لا يهتاج إلى يمين أو ~~شمال. فرغلي بهذه المعالم أعجب قدرية، ومع أن فرغلي لا يحتاج إلى ~~جرأة فإنها هي التي بدأته بالحديث، ووهمت أنه صامت عن خجل ولو ~~عرفته، وما كان لها أن تعرف، لاستبان لها عن شخص ألغى شعور الخجل من ~~كيانه إلغاء تاما، وأي خجل يمكن أن يعرف ابن راقصة في الموالد، ~~لو أنه عرف الخجل لاستحالت أمامه الحياة إلى ضروب مغلقة، وسكك ~~مسكوكة. وهو يريد أن يبلغ من الزمان ما ليس يبلغه الزمن من نفسه ~~لنفسه، ولكن من أين لها أن تعرف أن فرغلي طحن الخجل من نفسه منذ ~~سنوات وسنوات، وأنه ذراه في الهواء فأصبح الخجل عنده هباء وأصبح ~~هو كيانا بلا حياء. ~~- اسمك فرغلي؟ ~~- فرغلي. ~~- ألا ترى أن بقاءنا هنا مع هذين الاثنين غير مرغوب فيه. ~~- والله هذه أول مرة أخرج فيها مع ... ~~- مع بنات. ~~- أقصد ... أقصد ... مع نديم والآنسة. ~~- نعم ... الآنسة ... وآنسة أيضا. ~~- أليست آنسة؟ # وردت سهام في تحد: آنسة طبعا غصبا عنك. # وقالت قدرية: وهل لأنها آنسة لا بد أن تقول لها يا آنسة. ~~- هذه أول مرة أخرج ... ~~- وافرض أنها أول مرة ... إذن فأنا الآنسة قدرية طبعا ... وأنت ~~الأستاذ ... ~~- يا ستي غلطة لسان ... الحق علي ... المهم. ~~- المهم أن نترك الآنسة والأستاذ نديم. ~~- وماله. # وتقول سهام: لا تغيبا. # ويقول نديم: بل غيبا كما شئتما. # وتقول قدرية في ضحكة خبيثة: والله هذا يتوقف على الأستاذ. ~~- يا ms053 ستي الحق علي. ~~- تعال. ~~- جئنا. ~~- ألم تخرج مع فتيات أبدا؟ ~~- وهل خرجت أنت مع شبان؟ ~~- سأقول لك. وإنما أريد أن أعرف عنك أولا. ~~- أتريدين الحقيقة؟ ~~- لا يهم. ~~- فلماذا تسألين؟ ~~- لنتكلم. ~~- ولماذا نتكلم؟ ~~- فكر لحظة على أية صورة تصبح هذه الحياة إذا لم نتكلم. ~~- جميلة؛ جميلة كأنها ... كأنها الجنة التي يقولون عنها. ~~- الجنة أيضا فيها كلام. ~~- هل ذهبت إلى هناك؟ ~~- لا، ليس بعد ولكني أتصورها. ~~- خيالك واسع. ~~- وأنت، ألا خيال لك؟ ~~- كل هذه الأشياء التي أراها خيال بالنسبة لي. ~~- فما الحقيقة عندك؟ ~~- هي التي أصنعها بيدي. ~~- يا ستار! أنت مخيف. ~~- ربما ... ~~- أتريد أن تخيفني؟ ~~- الآن أريد أن أقبلك. ~~- وما الذي يمنعك؟ # ولأول مرة عرف فرغلي كيف يصنع كل شيء مع فتاة بكر، وتظل مع ذلك ~~بكرا. # كان فرغلي في الإجازة لا يذهب إلى الديميرية، ولم يكن أبوه يطلب ~~إليه أن يجيء؛ فقد ازدحم البيت بزوجته وبأطفاله الذين يتوافدون ~~تباعا. # وفرغلي لم يكن يشتهي أن يرى أباه، ولا يعنيه أن يرى زوجة أبيه ~~ولا أولاده، وإن كان شعوره بكره أبيه عميقا إلا أنه لم يكون أية ~~مشاعر قبل زوجة أبيه أو أولادها؛ فهم لا يمثلون عنده عائلة بل لا ~~يشكلون عنده شيئا على الإطلاق. # كان يراهم حين يأتي بهم أبوهم من حين إلى آخر مدعيا أنه يزوره ~~ويرى أخته ولكنهم كانوا بالنسبة إليه عدما من العدم. عرف أسماءهم ~~لأنه وجد أنه لا بد أن يحفظ أسماءهم، كانوا فاروق ويحيى ومسعود ~~ونبوية. ولم يكونوا عنده إلا هذه الأسماء ثم هم بعد ذلك بلا معالم ~~فهو لا يعرف من فاروق ولا من يحيى، ويميز نبوية بضفيرتيها، ولكنه ~~يعرف مسعود أنه الطفل الذي ما زالت أمه تحطه على كتفيها. ومع ذلك ~~فهو لا يرى، أو هو لا يهمه، أن يرى أي فارق في الملامح بين أحدهم ~~والآخر. # وقليلا ما كانت تدوم زيارة الأب وزوجه وأبناؤه ثم تعود الحياة ~~إلى طريقها الذي تعود أن يسير فيه، وقد كان اعتذاره عن عدم ~~الذهاب إلى البلدة في الإجازة ms054 حاضرا عن قريب. فهو يقول لأبيه إنه ~~لا يستطيع أن يترك مكانه في المكتبة، وكان أبوه وزوجته يصدقانه، ~~وكانا يريدان أن يصدقاه. # كان جالسا بالمكتبة في ظهيرة يوم من أيام الإجازة حين جاء أمين ~~الشبراوي على غير موعد، وكان الشيخ سمهان قد ذهب إلى الجامع ... الحر ~~شديد، وأمين الشبراوي يبدو وكأنه امتص أشعة الشمس كلها فالعرق يسيل ~~على وجهه ويقطر من لحيته، وحين يصل إلى عتبة المكتبة يقفز إليها ~~مستجيرا بظلها من حر الطريق. ~~- الحقني بكوب ماء. ~~- أحضر لك حاجة ساقعة؟ ~~- احضر ما تشاء. فقط الحقني أولا بكوب ماء. # وحين شرب وطفر الماء عرقا إلى جبهته ووجهه راح يجفف البحار ~~المنبجسة منه، ثم أخذ يهفهف بالمنديل حتى استرد أنفاسه وراح ينعم ~~النظر في فرغلي وعلى جبينه حديث يكاد يطفر مثل العرق. ورأى فرغلي ~~الحديث ولكنه لم يقرأه ... كهمهمة تلوح في خلجات ولا ترتعش بها شفاه. ~~كمعنى يعرف أنه موجود ولكنه لا يستطيع أن يغوص إلى مداه ولا يستطيع ~~أن يستبين منه لمحة. # وحين أصبح فرغلي على يقين أن حديثا خطيرا في طريقه إليه من ~~أمين رأى في عينيه وميضا ثابتا؛ فهو شعاع نافذ، فيه نور وفيه إصرار ~~وفيه توقع وفيه إرادة، وتتجمع هذه المشاعر لتكون لونا من ~~التصميم. ~~- ألم تفكر مطلقا لماذا أزور الحاج سمهان؟ ~~- أنا لا أفكر في شيء أنا واثق أنني لن أصل فيه إلى ~~نتيجة. ~~- على الأقل حاولت. ~~- ولم أحاول؟ ~~- ولا تريد أن تعرف؟ ~~- يا أستاذ أمين أنا هنا لأستعين بمرتب الحاج سمهان على المعاش. ~~والذي يحتال على المعاش لا يصرف فكره إلى شيء. ~~- هذا كلام ظاهره العقل. ~~- وباطنه أيضا. ~~- لا، أما باطنه فشيء آخر. ~~- أتعرف علم الباطن يا أستاذ أمين؟ ~~- أعرف الناس يا أستاذ فرغلي. ~~- لماذا لا تقول ما تريد؟ ~~- لكل كلام مقدمة. ~~- أطلت التقديم. ~~- لعل الموضوع يحتاج إلى هذا. ~~- ولكنك تعرف الناس. ~~- ومع ذلك أحتاج إلى تقديم طويل. ~~- أنت أدرى بما تخفي. ~~- ألست مؤمنا بالله؟ ~~- أيبدو علي عدم الإيمان؟ ~~- ولا يبدو عليك الإيمان أيضا. ~~- أمن ms055 علم الباطن هذا؟ ~~- من الشواهد. ~~- مثل ماذا ؟ ~~- أنت لا تصلي. ~~- وكيف عرفت؟ ~~- أنا ... أنا أعرف. ~~- المفروض أن تكون صلاتي لله وليس لك. ~~- أستعفر الله؛ إنما أقصد أنى لم أرك تصلي. ~~- وكيف يمكن أن تراني؟ ~~- لي سنوات وأنا أعرفك. ~~- إنك قلما تجيء إلا بعد صلاة المغرب، فأي فرض يمكن أن تراني ~~أصليه؟ ~~- فأنت تصلي إذن. ~~- هذا بيني وبين صاحب الصلاة. ~~- يهمني أن أعرف. ~~- لا يمكن أن تعرف. ~~- سأصدقك إن قلت. ~~- هبني أصلي. ~~- فأكمل دينك. ~~- بالزواج؟ ~~- بل بالجهاد. ~~- أهناك حرب إسلامية؟ ~~- الحرب الإسلامية لا تنتهي. ~~- أنا لا أعرفها. ~~- عملي أن أعرفك بها. ~~- في أي ميدان؟ ~~- في الوطن. ~~- وما الوسيلة؟ ~~- هذا عملي أيضا. ~~- ولكن الحرب، أي حرب تحتاج إلى أدوات. ~~- نعرف ذلك؛ كيف نكون في حرب ولا نعرف أن لكل حرب ~~أدواتها. ~~- وماذا عندكم من أدواتها؟ ~~- كل أدواتها. ~~- أتعرف أهم عنصر فيها؟ ~~- الروح الإسلامية. ~~- هذه مفروضة في كل من يشترك معكم. ~~- فأي عنصر تقصد. ~~- لا بد أنك تعرفه. ~~- إن جهادنا حتى اليوم اللقاءات والأحاديث والمنشورات. ~~- وهذه جميعا ميسورة. ~~- لعلك تقصد ... ~~- المال. ~~- موجود. ~~- إذن فقد اكتملت عندكم أدوات الحرب. ~~- هي مكتملة. ~~- وأنا معكم على بركة الله. ~~- ستدخل في اختبارات كثيرة. ~~- وأنا مستعد بإذن الله. ~~- إذن نلتقي اليوم بعد أن تقفل المطبعة. ~~- أنكتم الخبر عن الحاج سمهان؟ ~~- المفروض أنني الوسيط بين كل العاملين، وليس من المفروض أن يعرف ~~أحد منهم الآخر. ~~- ولكن العلاقة بيني وبين الحاج سمهان ... ~~- لا شأن لهذه العلاقة بما ستقوم به. ~~- ربما غضب. ~~- أولا هو لن يعلم، وثانيا ما أهمية غضبه. ~~- يقطع عيشي. ~~- لا يستطيع، إنه لن يفعل ذلك، وهو من أهم جنودنا. ~~- ولكنني أعرف أنه منكم وهو لا يعرف. ~~- لقد عرفت هذا بحكم عملك فليس من المحتم أن يعرف هو؛ ما دمنا ~~نستطيع أن نخفي الأمر عنه فلا بد أن نخفيه. ~~- أين نلتقي؟ ~~- في جامع الرفاعي. ~~- وهو كذلك. # وهناك عرف فرغلي أن دوره في أول الأمر سيقتصر على توزيع ~~المنشورات وبث الدعوة بين إخوانه ومن يعرفهم، وأن أول مرتب له ~~سيكون ms056 عشرة جنيهات شهرية يستعين بها على التنقل وإكرام ~~الأصدقاء. # 8 # في الجامعة أشياء غير العلم # حين دخل فرغلي كلية التجارة حرص أن تكون علاقاته مع زملائه أكثر ~~تباعدا من علاقاته بالمدرسة؛ فالكلية فيها سعة من الأبهاء، ~~والمدرج يستطيع أن يستوعب مئات الطلاب قد يبلغون الألف، والصداقة ~~بين بعض الطلاب والبعض الآخر تأتي جاهزة من المدرسة الثانوية، ~~وهكذا كان نديم وحده هو الصديق الذي يعرفه فرغلي، أما التلاميذ ~~الآخرون الذين كانوا زملاء لهما في مدرسة الخديوي إسماعيل فقد يكون ~~بعض منهم صديقا لنديم ولكنهم بالنسبة لفرغلي معارف وليسوا أصدقاء، ~~وظل فرغلي حريصا ألا تزيد العلاقة بينه وبينهم عن هذا. # نديم وحده هو الذي كان يخرج معه ويشاركه صلاته بالبنات. وبطبيعة ~~الأمور كانت سهام وقدرية قد تزوجتا، ولكن نديم دائما كان قادرا ~~على اجتذاب مثيلات لهما، وكان يحرص أن يكون فرغلي رفيقه في ~~مغامراته. فقد أدرك نديم أن صمت فرغلي، وهذا الجمود الرابض على ~~وجهه يجعل الفتيات يغرمن به ويحاولن أن يخرجنه من القفص الحديدي ~~الذي يستوي بداخله. وكانت هذه المحاولات تجعل الجلسة مليئة ~~بالحياة، وهو أمر طبيعي يحدث دائما حين يكون بين الحاضرين شخص لا ~~يشبه الناس في مألوف ما يصنعه الناس، وأي شذوذ أكثر من شاب في ريق ~~العمر لا يبتسم ولا تصفو نفسه في جلسة أنس، وهو في الوقت نفسه ~~يغازل ويتقرب من الفتاة التي يوزعها عليه نديم. # وهكذا تعود نديم أن يكون معه فرغلي دائما. ولم يكن غريبا أن ~~يرى طلبة الكلية فرغلي، وهو لا يخلو إلا إلى نديم. # ونظام الأقسام الذي تسير عليه الكليات، ويطلق عليه كلمة السكشن ~~التي أصبحت عربية لانفرادها في التعبير عن هذا النظام، لم يستطع أن ~~يجعل فرغلي يصادق أحدا آخر من زملاء السكشن، فهم بالنسبة إليه ~~معارف، ويظلون كذلك لا أكثر. وظل فرغلي ونديم على علاقاتهما ~~النسائية، ولم يمنع الاتفاق الجديد الذي تم بينه وبين أمين ~~الشبراوي استمراره في خروجه مع نديم ومصاحبته للفتيات اللواتي ~~يتكفل نديم وحده بالحصول عليهن. # ولكن نديما ms057 يفاجئه يوما بشيء جديد، وكان فرغلي قد اختلط ~~بالحياة اختلاطا يصعب معه أن يواجه الدهشة، ولكن هذا ميدان ~~جديد. ~~- ماذا تقول؟ ~~- كبرنا على شغل العيال هذا. ~~- ماذا تقصد؟ ~~- اسمع لا بد لنا من شقة. ~~- ماذا؟ ~~- شقة. ~~- طبعا أنت تعرف أنني لا أستطيع المشاركة في إيجارها. ~~- كيف؟ ~~- أنت تعرف ضيق مواردي. ~~- إنها شقة صغيرة لا تكلفنا أكثر من ثلاثة جنيهات أو أربعة كل ~~شهر. ~~- ولا مليم واحد. ~~- لا عليك أدفعها، ولكن تأثيث هذه الشقة لا بد له من ~~مبلغ. ~~- ولا مليم. ~~- يا نهارك أسود. ~~- ما أوله شرط آخره نور. ~~- لا تكن باردا واشتر سريرك على الأقل. ~~- إن كان على قد السرير أشتريه وأمري إلى الله. # وتم المشروع في سهولة ويسر، فما أسرع ما وجدا شقة بمنطقة باب ~~اللوق! وما أسرع ما فرشت، فقد كان فرغلي منذ اتفاقه مع أمين ~~الشبراوي في حالة مالية منتعشة استطاع بها أن يصبح ذا مبلغ مدخر، ~~ثمن السرير بالنسبة إليه زهيد لا ينقص من شأنه. ولو عرف الحقيقة ~~لتبين له أنه أكثر يسرا من نديم ومن أبيه، ولكن أسماء العائلات ~~طالما سترت حقائق البيوت التي يتكون من مجموعها هذه ~~الأسرات. ~~••• # كان فرغلي حين استأجر الشقة مع نديم ينتوي في نفسه أمرا لم يطلع ~~صديقه عليه، إلا أمرا واحدا كان يقف عقبة بينه وبين ما ينتويه؛ ~~ولذلك لم يكن عجيبا أن يقول لنديم فجأة: يا أخي أمرك عجب. ~~- وما العجب؟ ~~- أنت دائما تعرفني بالنساء ولا تعرفني بالرجال. ~~- عجيبة؟! ~~- العجيبة منك أنت. ~~- يا أخي لقد مرت على صداقتنا سنوات وأوشكنا أن نصل إلى السنة ~~النهائية، وأنت لا تفكر في صداقة أحد من زملائنا منذ كنا في ~~الثانوي، فماذا حدث؟ ~~- الناس تتغير. ~~- حتى أنت؟ ~~- ألست من الناس؟ ~~- فيها شك. # ومنذ ذلك اليوم أصبح فرغلي يصحب نديما في الجلسات الرجالي ~~أيضا، وتعرف بأصدقاء نديم الذين كانوا دائما مندهشين أنه يتباعد ~~عنهم. كان أصدقاء نديم كثيرين، ولكن ثلاثة منهم كانوا يجتمعون أغلب ~~أيام الأسبوع في مكانين محددين لا يتغيران؛ قهوة بوديجا ms058 شتاء ~~وكازينور صيفا. وكانت هذه اللقاءات تتوقف دائما عندما تقترب ~~الامتحانات. وحين انضم فرغلي إلى هذه الجلسات كان يذهب دائما ~~متأخرا، وكان نديم وحده يعرف السبب، وكان الثلاثة الآخرون لا ~~يهتمون بهذا السبب. كان الشباب هم فتحي الرويعي وفاضل مبروك ومنصور ~~ممتاز، وكان ثلاثتهم في كلية التجارة، وكانوا جميعا يعاملون فرغلي ~~معاملة زميل يوشك أن يصبح صديقا إلا فتحي الرويعي فقد لاحظ فرغلي ~~منذ أول يوم جلس إليهم فيه أنه يحاول أن يتقرب منه ويوثق صلته ~~به. # حرص نديم منذ اليوم الأول لتأثيث الشقة أن يعلن البشرى لأصدقائه ~~ودعاهم في اليوم التالي إلى تناول العشاء بها. ~~- عشاء فقط؟ ~~- عمى في عينك وماذا تريد غير هذا؟ ~~- يجب أن يستعمل الشيء لما خلق له. ~~- اعملوا حسابكم هذه أول مرة تدخلون فيها الشقة وهي بإذن الله ~~الأخيرة. ~~- لا بأس، ولكن اجعل القعدة مقبولة بعض الشيء. ~~- هو العشاء فقط يا فتحي. موافق أم ألغي العزومة كلها. ~~- موافق ... موافق ... # والواقع أن فتحي وحده هو الذي كان يهمه أن يستخدم هذه الشقة، أما ~~فاضل ومنصور فكانا في غير حاجة إليها. وتمت العزومة ونسي الأصدقاء ~~بعد أيام قليلة أمر الشقة وعادوا إلى مألوف حديثهم. وكان الحديث في ~~هذه الأيام يدور بين الشباب في كل شيء، فمنهم من يحب الأدب ويقرؤه ~~بينهم، وكانوا الآخرون لا ينصرفون عن هذا الحديث إذا بدأه فاضل ~~مبروك، فيهم أيضا هواة وليس بين خمستهم من لم يقرأ كتابا لطه ~~حسين أو توفيق الحكيم أو العقاد أو هيكل؛ فالحديث في الأدب غير ثقيل ~~عليهم، وكان المتحدث لبقا يعرف متى يميلون إلى الحديث ومتى يميلون ~~عنه، وقد يأخذ منه منصور طرف الحديث فيتكلم عن صراع الأحزاب، وعن ~~أغلبية حزب الوفد، وعن صمود الحزب ضد السراي وأحزاب الأقلية، كما ~~يحب الوفد أن يسمي الأحزاب الأخرى. ولا بد أن يتكلم فتحي عن وجوب ~~القضاء على كل هذه الأحزاب وقتل زعمائهم حتى يحكم الشعب، والشعب ~~عند فتحي هم الفلاحون والعمال الذين لن تحل الأمور إلا على ~~أيديهم. # فالحديث ms059 متنوع لا أثقال فيه على أحد، وكل شخص منهم مشارك فيه لا ~~يضيق بالاستماع ولا يضيق به إخوانه إن تحدث، وكان نديم باشتراكه في ~~هذه الأحاديث يكون، دون أن يدري، ثقافته العامة؛ فهو لم يكن من ~~هواة القراءة، وقد كان أمثاله كثيرين، إلا أن الجو العام الذي ~~يعيشون فيه يرغمهم أن يكونوا على قدر لا بأس به من الإلمام باليسير ~~من كل شيء، وكان جميعهم مشاركا في سياسة مصر بالحديث إن لم يكن ~~بالانتماء إلى الأحزاب أو التجمعات. # وكان فرغلي خيرا من نديم في هذا الشأن، فقد مكنه اتصاله بأمين ~~أن يكون على صلة وثيقة بكثير من الأحداث، كما استطاع أن يتعرف منه ~~على أسماء الشخصيات التي تحرك السياسة المصرية، وكان حكمه عليها ~~هو حكم أمين وحده، ولم يعن أن يحاول التعمق في حقائقهم ولا فيما ~~يقف وراء كل منهم من ماض مكن له أن يكون ذا شأن في سياسة ~~مصر. # لم يكن الأصدقاء يتأخرون في جلستهم إلى أكثر من العاشرة والنصف ~~أو الحادية عشرة على أكثر تقدير. ثم ينصرف كل منهم إلى ~~بيته. # وفي ليلة انتهت بهم الجلسة وأراد فرغلي أن ينصرف مع نديم فإذا ~~فتحي يقول له فجأة: فرغلي هل لا بد لك من دادة؟ # وضحكوا وارتبك فرغلي. ~~- تعال يا أخي معي الليلة نتمشى قليلا على النيل؛ فأنا قد نمت ~~اليوم بعد الغداء ولا أحس أني أريد أن أروح. ~~- وهو كذلك؛ هيا بنا. # وأجرى فتحي الحديث فقد كان أكثر الخمسة حبا للحديث، وكان يجد ~~متعة لا تماثلها متعة وهو يستمع إلى نفسه، وكان فرغلي خير من يستمع ~~له؛ فقد علمته حياته الصمت، وأصبح ذا قدرة عليه قل أن تتوافر لآخرين، ~~وكان يطلق من حين لآخر تلك الأنة التي يطلقها دائما المستمع الذي ~~لا ينوي الكلام؛ فيدرك فتحي أن صاحبه يستمع ويستوعب. تكلم عن كثير؛ ~~عن حكم البروليتاريا، وعن الجنة المنتظرة، وعن فساد الرأسمالية وما ~~زال ينفذ من موضوع إلى موضوع حتى: قل لي يا فرغلي لماذا لا تنضم ms060 ~~إلينا؟ ~~- ماذا؟ ~~- ماذا يعمل أبوك؟ ~~- موظف بالسكة الحديد . ~~- ما درجته؟ ~~- ليست عالية على كل حال. ~~- فهو كادح. ~~- وفلاح. ~~- وفلاح أيضا. ~~- زوجته عندها أرض وهو يزرعها لها. ~~- زوجته! تقصد أن أمك ليست معه. ~~- ماتت. # قالها في حسم ودون أي تردد أو تفكير. ~~- فمن ينضم إلينا إذا لم تنضم أنت؟ ~~- ولكن هذه الجمعيات ألا تحتاج إلى مصاريف. ~~- على ذكر المصاريف هل أنت بايخ مثل نديم وترفض أن أستعمل ~~شقتك؟ ~~- هذا اتفاق بيني وبين نديم. ~~- ومن سيقول له؟ ~~- ولكن ... ~~- اسمع، سأعطيك جنيها في كل مرة أستعملها فيها؛ أنا رجل ~~عملي. ~~- أخاف أن ... ~~- جنيه! جنيه كامل. ~~- لا بأس. ~~- اتفقنا. ماذا قلت بشأن انضمامك لنا. ~~- كنت أسألكم من أين تنفقون؟ ~~- لا شأن لك. ~~- كيف؟ ~~- أنت تريدني أن أصبح واحدا منكم. ~~- الاشتراك معنا له درجات، في البداية لن تعرف إلا القليل أو ما ~~هو أقل من القليل ثم تتدرج. ~~- ولكن أنت تعرف أن مواردي لا تسمح أن ... ~~- موارد ماذا يا أستاذ؟ إننا سنعطيك مرتبا. ~~- كم؟ ~~- على حسب ... ~~- كيف؟ ~~- أقدمك إلى المسئول عني وهو يقرر. ~~- ماذا تعني يقرر؟ ~~- يقرر ما تستحق من مرتب. ~~- يعني كم؟ ~~- لن يقل عن سبعة جنيهات مثلا للتحرك. ~~- قليلة. ~~- لعلها تكون أكثر. ~~- أفكر. ~~- وفيم تفكر؟ إن المستقبل لنا وستلعب بالفلوس لعبا إلى جانب ~~أشياء أخرى، ستنبسط على الآخر. ~~- وهو كذلك. ~~- موافق. ~~- على بركة الله. ~~- عود نفسك على تعبيرات أكثر تقدمية. ~~- وهو كذلك. ~~- والشقة. ~~- متى تريدها؟ ~~- أهي خالية باكر؟ ~~- نعم. ~~- هاك الجنيه. أين المفتاح؟ ~~- هذا هو، ولكن إياك أن تصنع مفتاحا مثله لأن نديما لو عرف ~~ستكون قطيعة بيننا. # أنا سأعطيك المفتاح عندما تطلب، وكل ما عليك أن تخبرني بالموعد ~~قبله بفترة لأعرف لك إن كان مناسبا أم غير مناسب. ~~- وهو كذلك. ~~- مع السلامة. ~~••• # منذ ذلك اليوم أصبح فرغلي كثير الصلات، والغريب أو ربما ليس ~~غريبا أن المنفى الذي فرض على طفولته مكنه أن يشكل هذه الصلات في ~~الصورة التي يريدها؛ يسمع كثيرا ويتكلم قليلا، والغريب، أو ربما ~~ليس غريبا، أيضا أن أمين وإخوانه ms061 عرفوا أنه يعمل مع فتحي وإخوانه، ~~كما عرف فتحي ومن معه أنه متصل بأمين وزملائه. والغريب، أو ربما ليس ~~غريبا، أن هذه الصلة المزدوجة قد أكسبته عند كل فئة قدرا من ~~الأهمية غير متاح للآخرين الذي ينتمون إلى جهة واحدة من ~~الجهتين. # وكلا الجانبين عرف صلة فرغلي بالجانب الآخر عن طريقه هو، فقد ~~أبلغ أمينا باتفاقه مع فتحي في أول لقاء له بعد هذا الاتفاق. كما ~~أنه أعلن في يوم تقديم فتحي له إلى المسئول صلته بأمين. وهكذا ~~استطاع أن يحمل من خيانته للتجمعين ولاء لكل تجمع فأولاه كل تجمع ~~على حدة ثقة كاملة، واستطاع فرغلي بما يكسبه من مبالغ تعتبر خيالية ~~بالنسبة إليه في هذه الأيام أن يضفي على هندامه الكثير من ~~الأناقة. # لم يكن فرغلي يعلم أن فتحي بؤرة تجتمع عندها وعند زملائه عيون ~~أخرى، ولم يكن يعرف أيضا أن أمين ومن معه ملتقى عيون إن اختلفت في ~~شخوصها فهي تصدر عن نفس مصدر العيون الأخرى. # واستطاعت تقارير هذه العيون أن تلتقي، واستطاع المصدر الذي يبثها ~~أن يدرك الدور الذي يقوم به فرغلي. # وكان هذا المصدر على قدر كبير من الذكاء. # كان فرغلي جالسا في المكتبة، وكان الشيخ سمهان جالسا معه ينظر ~~إلى ساعته المرة تلو الأخرى يريد ألا تفوته صلاة المغرب جماعة. ولم ~~يكن اليوم من الأيام التي تعود أمين أن يأتي فيه إلى المكتبة، ~~ولم يكن أيضا هناك موعد بين أمين أو فتحي مع فرغلي. فكان فرغلي ~~متوقعا أن تنفرد به المكتبة حين يذهب الشيخ سمهان إلى ~~الصلاة. # ويقوم الشيخ سمهان: سأظل في الجامع حتى أصلي العشاء فلا تترك ~~المكتبة. ~~- وكيف أتركها وأنت لست هنا. ~~- سلام عليكم. ~~- مع السلامة. # ولم تمر لحظات على ذهاب الشيخ سمهان حتى دخل المكتبة شاب متوسط ~~القامة ممتلئ الجسم في غير ترهل، يبدو من وجهه الشاب أنه لا يتجاوز ~~الثلاثين ولكن في عينيه نفاذا حادا يحاول هو بإغضائة يتقنها أن ~~يكسر الشعاع المتدفق منهما في قوة عاتية، في وجهه جرأة يسترها ms062 ~~بابتسامة خجلى فلا تنستر. قال في صوت خفيض قوي: السلام عليكم. # كان فرغلي جالسا وظهره إلى المكتبة وعيناه إلى الطريق، ولم ير ~~الشاب وهو يدلف إلى المكتبة، حين انقض عليه الصوت خيل إليه أنه ~~ينبعث من فضاء. وانتتر في حركة تلقائية وهو يصيح في صوت مخضوض: ~~وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. # ووضع الشاب يده على كتفه وقد أحس خوفه. ~~- ياه! كنت أظنك شجاعا. ~~- أهلا وسهلا. ~~- أقعد؟ ~~- تفضل. ~~- طبعا ما دمت سأقعد فأنا لن أشتري كتبا. ~~- لا تريد كتبا؟ ~~- أنا أقرأ الناس ولا أقرأ الكتب. ~~- أهلا. ~~- ما كل هذا الفزع؟! خيبت ظني. ~~- أي ظن؟ ~~- ظني فيك. ~~- أتعرفني؟ ~~- كما لا تعرف نفسك. ~~- وهل يعرف أحد نفسه؟ ~~- جواب ذكي. فأنا أعرفك كما لا يعرفك أبوك فهيم. ~~- أبي! إنه لا يعرف عني شيئا. ~~- أعرف ذلك. وأعرفك كما لا تعرفك أمك تحية أو توحة. ~~- من أنت ... كيف؟ ~~- اقعد واهدأ واسمع ولا يعلو صوتك. ~~- أهو أمر؟ ~~- نعم. ~~- ممن؟ ~~- من هذا. # وقرأ البطاقة المجلدة، وخفق قلبه كما لم يخفق أبدا حتى ولا يوم ~~أحاط به التلاميذ في فناء المدرسة الابتدائية، وجف حلقه وراح يجمع ~~الكلمات. ~~- أهناك شيء؟ ~~- هناك أشياء. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- غصبا عنك. ~~- ومن غير غصب. ~~- في هذه الحالة سنصبح أصدقاء؛ صداقة لم تعرفها في ~~حياتك. ~~- أوامرك. ~~- هناك طريقتان، الأمر واحدة منهما. ~~- والأخرى؟ ~~- الاتفاق. # بدأ فرغلي يسترد شيئا من كيانه المحترق وأحس الجفاف وقد أصبح ~~رطبا بعض الشيء، واسترد أنفاسه المتلاحقة. ~~- من المؤكد أنك لا تعرفني كما تظن. ~~- هل أنت سريع الأحكام دائما هكذا؟ ~~- لو كنت تعرفني لعرفت أنني لا أمانع في الاتفاق أبدا. ~~- ولكنك إن تمكنت قتلت. ~~- هذه صفة جديدة في نفسي. ~~- والأحذية التي مزقتها في المدرسة. ~~- مجرد أحذية. ~~- الآن يمكن أن تستبدلها بأرواح. ~~- أعوذ بالله. ~~- هذا صوت أمين الشبراوي. ~~- أتعرفه؟ ~~- إن لم أكن أعرفه ما قلت إنك لا تمانع في تمزيق الأرواح. ~~- أنت تعرف الكثير. ~~- وأعرف الذين تعرفهم عن طريق فتحي. ~~- أيضا؟! ~~- هؤلاء يمزقون الحياة كلها. ~~- ولكنك تعرف ... ~~- أعرف أنك مع هؤلاء ومع هؤلاء ms063 وأنك في نفسك لست مع أحد إلا ~~نفسك . ~~- أنت تعرفني إذن. ~~- ونفسك هذه أشد خبثا وجبروتا من هؤلاء وهؤلاء جميعا. ~~- لا أعرف هذا في نفسي. ~~- ألم تقل إن أحدا لا يعرف نفسه. ~~- فكيف عرفت أنت هذا عني؟ ~~- هذا عملي. ~~- أوامرك. ~~- تعمل معنا. ~~- وما له؟ ~~- نحن يمكننا أن نقتل إذا غشنا من يعمل معنا. ~~- والجماعتان اللتان أعمل معهما يقتلان أيضا. ~~- القتل عندهما جريمة نتولى نحن ضبطها ويعدم الفاعل. أما نحن ~~فنقتل قتلا شرعيا. ~~- شرعيا؟! ~~- هو قتل قانوني على الأقل. ~~- أي قانوني هذا؟ ~~- إذن فقل هو قتل رسمي لا عقاب عليه. ~~- هذه هي الكلمة السليمة. ~~- ماذا قلت؟ ~~- أنت تعرف ما أريد أن أقول. ~~- ستأخذ منا قدر ما تأخذ من الجماعتين. ~~- وأين يكون اللقاء. ~~- لا شأن لك بهذا. ~~- والمرتب؟ ~~- من المؤكد أنك ستجده في جيبك كل شهر. # 9 # عود على بدء # كان وجود فرغلي في الكلية يسكب عليه هذا المرتب الضخم ولولا خوفه ~~أن تكشف عمته وزوجها أمره لاستقل بالسكن، ولكنه أراد أن يظل في ~~بيتهم ليستر دخله ومنابعه في وقت معا. فهو لا ينسى دهشتهم كلما ~~اشترى ملبسا جديدا، وهكذا استطاع فرغلي أن يدخر مبلغا من المال ~~لم يتصور أنه سيكون في حيازته في يوم من الأيام. # وحين ظهرت النتيجة وحصل على بكالوريوس كلية التجارة تولاه نوع من ~~القلق؛ فقد كان يخشى أن تستغنى عنه جهة من الجهات الثلاث التي يعمل ~~فيها وهو بعد في أول الطريق، ولهذا لم يكن غريبا أن يفكر في هذا ~~الباشا بجانب قريتهم ليضمن له الوظيفة. وكان يريد أن يوطد علاقته ~~بنديم وإن كانت في غير حاجة إلى توطيد، إلا أنه اليوم أصبح يحس أن ~~أهل نديم سيفتحون له الطريق في أول الأمر على الأقل. وحين فكر أن ~~يعيش مع أبيه كان يريد أن يبالغ في إخفاء ما ادخره من مال. ~~فالأطماع من أبيه متكالبة، فلو علم أن ابنه يملك مالا ما أعتقه أو ~~ينال من هذا المال كل ما يستطيع أن ينال. وكان وصوله إلى القرية ms064 ~~قبيل غروب الشمس وكان نديم غائبا عن القاهرة فذهب فرغلي وحده وكان ~~دخوله إلى بيت أبيه محوطا بكثير من الشعور بالغربة فلا البيت بيته ~~ولا سيدة البيت أمه ولا هؤلاء الإخوة إخوته إلا بانتسابهم إلى ~~أبيه، بل إن أباه ليس أباه، فالأبوة ليست مجرد نقطة من دم تصبح ~~إنسانا وإنما هي صلات عميقة تلقي بذرتها إلى قلوب الآباء روح الله ~~ليرعاها الآباء بالعطف والحب والإشفاق الذي لا إشفاق مثله والتفاني ~~الذي يصل إلى منزلة التنازل عن الحياة في سبيل سعادة الأبناء. ~~وتنمو تلك الشجرة المقدسة الوريقة الخضراء في كل الفصول لتصبح ~~الأبوة التي يعرفها من الآباء أغلب الآباء، ويعرفها من الأبناء أغلب ~~الأبناء. # فإذا لم يزرع الأب هذه البذرة الربانية فليس عجيبا ألا تكون ~~هناك أبوة، وليس عجيبا ألا تكون هناك بنوة، بل وليس عجيبا أن ~~يشعر الأب أمام ابنه بالخزي الذي يذكره دائما بهوان عواطفه، ~~ويشعر الابن أمام أبيه بالكره لذلك الكيان البشري، الذي كان يلتمس ~~من قلبه الرحمة فوجد القسوة، وينتظر الحب فوجد الانصراف، ويتوقع ~~العطف كل العطف فلم يجد إلا الجمود كل الجمود. # كان أبوه جالسا بصحن الدار وإلى جانبه زوجته وقد ارتسمت على ~~وجهيهما تلك الملالة التي يعرفها أهل الريف إذا انقطع بهم الليل، ~~ووهنت الأقدام عن السير وشعر الناس كل الناس أنهم لن يجدوا من ~~الحديث جديدا إذا هم تزاوروا. لحظات تهبط فيها الملالة على جو ~~القرية كضباب ينتشر ويتجمد ساعات أو أياما ثم ينقشع ثم يخف الناس ~~إلى بعضهم البعض يسمرون بحديث فارغ أغلب الأمر أو بحديث جاد ~~أحيانا. # كان ذلك اليوم الذي دخل فيه فرغلي إلى البيت من أيام الملالة ~~تلك، وكانت تلك الأيام عجيبة في شأنها؛ فأنت تجد الناس في القرية، كل ~~الناس، وقد اتخذوا قرارا يبدو في ظاهر أمره فرديا وهو في ~~الحقيقة إجماعي أن يصيب الزهق نفوسهم كأنها تصعد في السماء. # وحين دخل فرغلي ابتسم الأب؛ فإن تكن بذرة الأبوة لم ترتو، ولم ~~تصبح شجرة إلا أنها موجودة على رغم ms065 أنفه، وإن له إلى ابنه حنينا ~~وإن حاول أن يقمعه، وإن له عندما يلقاه لهفة وإن تكن ~~خجولا. ~~- أهلا. # قالها صادقة صاعدة من أعماقه كأنما كانت مغلقة وانفتحت فجأة، ~~وقامت شهاوي عن مكانها لتلتقي به في منتصف الطريق إلى الكنبة التي ~~كانا يجلسان عليها. ~~- أهلا مرحبا ... اسم النبي حارسك وضامنك ... أهلا ... أهلا بك في ~~بيت أبيك يا فرغلي. # لم تكن المرأة كاذبة في مشاعرها فإن فرغلي لم يكلفها من أمرها ~~عنتا ولا رهقا طول هذه السنوات التي عاشتها مع أبيه، وهي واثقة ~~أنه ما دام لم يكلفهم وهو تلميذ فهو الآن وهو في ريعان شبابه أكثر ~~بعدا عن إرهاقهم. ومشاعر شهاوي مثل أغلب نسوان القرية تتشكل ~~بالمكسب والخسارة، فليس غريبا أن ترحب شهاوي بابن زوجها وأن تفرح ~~بأنه جاء إلى زيارة بيتها. # واستقبل فرغلي الترحيب بابتسامة يكاد يكون قد صنعها بيديه ليضعها ~~على شفتيه. فإنه منذ زمان بعيد قتل في نفسه كل المشاعر الإنسانية ~~التي لا تعود عليه بربح مادي، سواء عليه تمثل هذا الربح في مال ~~يكسبه أو قوة يبطش بها إن استطاع بطشا. وكان يعلم أن رغبته في ~~البطش عارمة وكان يختزنها وينتظرها لتزداد عنفا على ~~الأيام. # قبل أباه، وقبلته شهاوي وزعقت: يا أولاد تعالوا شوفوا أخاكم ... فرغلي جاء يا أولاد. # وكأنما انتفضت الأرض عن عفاريت أقزام وطوال وتحلق حوله إخوته ~~يسلمون عليه، ثم يتحلقون حوله وكأنه أعجوبة لم يروا لها شبيها؛ فهم ~~لم يروه في بيتهم قط، فكأنما وجوده فيه معجزة. # وقالت شهاوي لابنتها: قومي يا نبوية نذبح ذكر البط لأخيك ... رجل ~~عزيزة يا فرغلي. ~~- لا لزوم يا خالة شهاوي. ~~- والنبي أبدا! إلا هذا ... أقل من ذكر بط ... أهلا ... أهلا ~~بابننا البكري. # قليلا ما تحلق الأولاد حول أخيهم ثم تسللوا واحدا بعد الآخر ~~فإن هذا الملل الذي يسيطر على القرية يعفي دائما الأطفال من بأسه ~~بأمر من علي رحيم قادر دائما أن يجعل الحياة عند الطفل ضاحكة ~~متجددة. ولم لا واللحظات التي تمر عليه كلها جديدة لم ms066 ير إليها ~~ولم يعرفها فهو يتلقفها في ترحاب من لهو الطفولة ومن شعورها الدائم ~~بأمل في الغد أن يكون أمتع من اليوم. # قال فهيم: طبعا مبروك من غير سؤال، فأنت لم تسقط طول ~~عمرك. ~~- الحمد لله. ~~- يا ألف سنة بيضاء! يا ألف يوم هني يا شهاوي اذبحي ذكر البط! ~~وزوجته أيضا: ابننا أخذ الشهادة الكبيرة. # وكان الجواب أمرا لم يتوقعه فرغلي ولا مر به بخيال. انبعثت في ~~أرجاء البيت وانطلقت إلى القرية الصامتة زغرودة مرحة طويلة فرحانة، ~~وما إن انتهت حتى انبعثت أخرى من ورائها كانت زغرودة نبوية، وعاد ~~الأطفال، أو قل الصبية إن شئت، يتحلقون وعرفوا الأنباء، وما هي إلا ~~لحظات حتى انقشعت الملالة عن الجيران فجيران الجيران فالقرية ~~جميعا ... فرغلي نال الشهادة الكبيرة! إنها جديدة في القرية كفيلة ~~أن تبدد ضباب الملل وأن تقشع عن زهق النفوس سحائب السأم. # وصاح فهيم لفاروق ابنه: خذ، اذهب، فاشتر لنا زجاجتين من الشربات ~~وأسرع. ~~- ما كل هذا؟ # شعور جديد لم يعرفه فرغلي قبل اليوم، واختلطت المشاعر في نفسه حتى ~~لا يدري ما هي! أتكون هذه النفس المنشرحة وهذا الخفق الواني ~~سعادة؟ مهما يكن اسمها فهي شيء جميل يتمنى أن يبقى طويلا. وتقاطر ~~الناس إلى بيت أبيه وكان بينهم زملاؤه وهم يحتضنونه في فرح وكأنما ~~نالوا بما نال الشهادة الكبيرة هم أيضا. # هذا الدفء المتناغم الذي يعزف أعظم موسيقى عرفتها الإنسانية، ~~العازفون هم البشر حين يؤلفهم الحب فيؤلف بينهم وتنبعث في جنبات ~~الدنيا أحلى ما وهبه الله للإنسان وهم يحبون بعضهم بعضا بلا حقد، ~~بلا حسد، بلا ضغينة، حتى تنسى البشرية عنصر الحيوان فيها؛ فلا ~~يرفرف في أجوائها إلا شفافية الإنسان، ولا يدف في سمائها إلا أجنحة ~~المودة، يتخطى الإنسان العقبة ليصبح إنسانا ثم يسمقون إلى السماء ~~ليصبحوا ملائكة ... لحظات هي قليلة في حياة كل إنسان ولكنها كافية أن ~~تجعله على اليقين أنه كما يستطيع أن يكون حيوانا في بشريته ~~الترابية يستطيع أيضا أن يكون ملاكا في نورانيته ~~السماوية. # كانت شهاوي فرحة ms067 حقا، وكان فرحها في هذه المرة غير خاضع ~~لمقاييس المكسب والخسارة بقدر ما هو متأثر بالزهو بأن في بيتهم فتى ~~نال الشهادة العليا. # حين خلا البهو بفهيم وفرغلي آخر الليل. ~~- آبا؛ أنت تعرف عثمان باشا زكي؟ ~~- ومن لا يعرفه؟! ~~- وهو يعرفك؟ ~~- أرجو ذلك. ~~- أنت لست متأكدا. ~~- والله الرجل طيب، وكلما ذهبت إلى هناك أكرمني. ~~- ما رأيك أن تكلمه لأتعين بأية شركة أو مصلحة. ~~- أنا وأنت على الله يا بني. ~~••• # كان فرغلي سائرا إلى جانب أبيه متجهين إلى بيت الباشا أو ~~السراية كما تعودوا أن يقولوا. # كيف سألقى هذا النوع الجديد من الناس؟ باشا ... الذي لا شك فيه أنه ~~نوع فريد أو هو على الأقل نوع لم أر له مثلا إلا في صور الجرائد، ~~نعم ... ولكن أين الصورة من الأصل؟ # أتراه يقبل أن يستقبل أبي؟! وإن فعل فكيف يلقاه؟ ولماذا هو باشا ~~وأبي هو الأب الساعي إلى جانبي يرزح تحت ألوان شتى من الهوان منها ~~الفقر ومنها تصرفات الزمان ومنها كثرة العيال ومنها الذكريات ~~المهينة، ومنها الحياة المقيتة؟ # أيكون لهذا الباشا أيضا متاعبه؟ أهو إنسان له الآمال التي قد ~~تبلغ الحقيقة أو تنزوي خزيانة منكسرة مهينة؟ أيخشى على أبنائه من ~~الزمان أن يتركهم ليربيهم غيره كما فعل أبي؟ وهل يفعل أحد مثلما فعل ~~أبي؟ # أطويل الباشا أم قصير؟ أيكون باشا وقصيرا؟ أظن لا يمكن. باشا ... ~~باشا ... انظر إلى الكلمة تجد الحروف كلها ممدودة بالألف با..شا. # بماذا سيقدمني أبي؟ ابني فرغلي ... ماذا؟ فرغلي ... عجيب أمر هذا ~~الرجل ... ألم يستطع أن يحسن إلي في شيء أبدا؟ يتزوج لي أما من ~~السيرك، وراقصة، وتهرب ... هذا خير ما فعلته ثم حين يختار لي اسما ~~يختار فرغلي ... من أي مصيبة أتى بهذا الاسم؟ فرغلي ... فرغ لي ماذا؟ ~~ماذا أفرغ لك؟ أفرغ لك ماذا؟ سما هريا إن شاء الله. فرغلي ... هل ~~يمكن أن يوحي هذا الاسم إلا بفراغ المسمى به وغباء المسمى له؟ حتى ~~الاسم استخسرت أن تختاره لي يا آبا! الله يسامحك. # لم يكن الباشا طويلا ms068 بل كان قصيرا مبالغا في القصر، فكان هذا ~~أول خيبة أمل لفرغلي، ثم هو نحيف كخيال العصا، ولكنه أنيس بشوش ~~أحسن لقاءهما، وكان الحديث منه سمحا رضيا، وانقلبت عند فرغلي كل ~~الموازين. وحين نال التوصية هجم على يد الباشا يريد أن يقبلها فإذا ~~الباشا يختطف يده اختطافا من يدي فرغلي المصممتين ... أستغفر الله ~~يا ابني ... أستغفر الله ... لقد صنعت مستقبلي يا معالي الباشا ... ~~المستقبل لا يصنعه إلا اجتهادك وصلتك بربك ... يا أولاد الكلب تشترون ~~دماءنا وذلنا بالكلام المنمق وتدعون أيضا طاعتكم لله ... أطال ~~الله عمرك يا معالي الباشا وجعلك دائما نصير أمثالنا الذين يعيشون ~~بين الناس بحسكم ... أستغفر الله يا ابني ربنا يوفقك. ~~••• ~~- لماذا سافرت من غير إبلاغي. ~~- أنا لا أعرف كيف أتصل بك. ~~- كان عليك أن تنتظر. ~~- خفت أن يطول الانتظار. ~~- وماذا عليك لو طال؟ ~~- كنت أريد أن ... ~~- نعرف السبب الذي سافرت من أجله. ~~- ألم يكن من الطبيعي أن أتعجل؟ ~~- إخوانك ينتظرون سنوات حتى يحصلوا على وظيفة. ~~- ولكنهم يسعون منذ أول يوم لتخرجهم. ~~- هذا إذا كانوا فقراء. ~~- ألا تراني فقيرا؟ ~~- الآن، وأنت تعمل مع ثلاث جهات كل جهة منها كفيلة أن تغني أسرة ~~... ما المرتب الذي تتوقعه؟ ~~- المسألة ليست مسألة مرتب. ~~- قلت في نفسك إننا كنا محتاجين إليك وأنت في الجامعة وخفت بعد ~~أن تخرجت أن نستغني عنك، وخفت أيضا أن تستغني عنك الجهتان ~~الأخريان. ~~- فلماذا تعجب من سفري؟ ~~- المفروض ألا تترك القاهرة إلا بعد إخبارنا. ~~- ها أنت قد عرفت دون أن أخبرك. ~~- هذا طبيعي. ~~- وما دام ورائي من ينقل أخباري. ~~- لا تحاول أن تعرف شيئا عن وسائلنا ... ~~- المهم أن تعطيني الفرصة أن أكلمك إذا أردتك. ~~- لا بأس. اكتب هذه النمرة. ~~- وأسأل عن اسمك؟ أقول وصفي أم ... ~~- تسأل عن اسمي طبعا ... ولقبي أيضا ... الملازم أول وصفي الحديدي ~~... أتظننا نعمل في خلية؟ ~~- وأقول اسمي؟ ~~- نعم، اسمك الحقيقي فرغلي لا نبيه الذي يطلقونه عليك عند ~~فتحي. ~~- مفهوم ... مفهوم. ~~- لمن أخذت التوصية. ~~- لوحيد بك عفيفي. ~~- شركة الأثاثات المنزلية؟ ~~- نعم. ~~- خيرا فعلت، كنا ms069 سنبحث لك عن الوظيفة في شركة كبيرة لتكون عينا ~~لنا على أصدقاء أمين وأصدقاء فتحي. ~~- وهذه الشركة فيها أصدقاء لأمين؟ ~~- ولفتحي أيضا. ~~- هايل. ~~- طبعا ... ضمنت بقاءك في الجهات الثلاثة. ~~••• # حين بدأ فرغلي عمله في الشركة كان مسلحا بأسلحة لا تتوافر لأحد ~~فيها، ولا يستثنى من هذا الإطلاق رئيس مجلس إدارة الشركة نفسه. فقد ~~يكون رئيس مجلس الإدارة غنيا بالمال قويا بتأييد أعضاء مجلس ~~الإدارة وبالمساهمين أيضا، بل هو مسلح أيضا بمعرفة الشخصيات ~~الهامة في الحياة العامة، ولكن أين هؤلاء جميعا من شخصية وصفي ~~وحده؟ فكيف إذا انضم إليه أصدقاء فتحي وهم على قلتهم النادرة فقد ~~كانا اثنين فقط إلا أنهما يملكان تأثيرا قويا على العمال. وكيف ~~إذا انضم إليهم أصدقاء أمين وقد وجد منهم فرغلي في الشركة اثني ~~عشر، كل هؤلاء أصبحوا أصدقاءه منذ اليوم الأول، فما هي إلا بضعة ~~أسابيع حتى أصبحت أسرار الشركة كلها بين يديه. ومن يستطيع أن يلعب ~~بهذه الأسرار في مهارة فائقة مثل فرغلي. # عرف في خبره أنه إذا لم يشرك وصفي في هذه الأسرار فإنه لا يستطيع ~~أن يستعملها في حرية كاملة. وكان فرح وصفي بهذه الأخبار التي تجمعت ~~بين يديه لا يقدر ولم يكن ساذجا في هذا الفرح فما هي إلا بضعة ~~أشهر حتى رقي إلى رتبة يوزباشي. # وحين علم بالترقية طلب فرغلي وقال له في صراحة لم يعهدها منه ~~فرغلي أبدا: أنت السبب في هذه الترقية. ~~- بل أنت السبب. ~~- أنت الذي جئتني بكل هذه الأخبار. ~~- وأنت الذي اخترتني. ~~- الغداء عندي باكر. ~~- وهو كذلك. ~~- اتفقنا. ~~- على شرط. ~~- اشرط. ~~- تتغدى عندي بعد باكر. ~~- عندك! وهل لك عند. ~~- طبعا. ~~- تقصد عند عمتك؟ ~~- تركت بيت عمتي منذ توظفت. ~~- وطبعا قطعت علاقتك بها. ~~- لا والله، على العكس؛ جعلتها هي التي تفرش لي الشقة ودعوتها ~~للغداء هي وعم حسين وممدوح وزوجته ويحيى وزوجته. ما رأيك؟ ~~- أردت أن يروا العز الذي أصبحت فيه؟ ~~- ممدوح ويحيى يملؤهما التكبر. ~~- وماذا قالوا؟ ~~- وجوههم قالت أشياء كثيرة. ~~- طبعا الفرش جديد وعندي راديو وعندي ms070 أيضا ... لن تصدق! ~~- منك أنت أصدق أي شيء . ~~- احزر ماذا عندي؟ ~~- طباخ اسمه عبد الشافي الملواني. ~~- يا نهار أسود! لا مؤاخذة؛ نسيت أني أكلمك. ~~- لا تنس هذا أبدا. ~~- نتغدى عندي بعد باكر. ~~- وعندي باكر. # 10 # دنيا جديدة # أيمكن أن تكون هذه آنسة؟ كيف ركبت هذا التركيب؟ كيف استطاع ~~وجهها أن يكتسب كل هذه الرجولة؟ الرجولة الصارمة في عنف؛ وجهها ~~يقول لا دون أن يسأله أحد شيئا، ابتسامتها تشنج مزمن التصق ~~بشفتيها لا يبارحهما إلا إذا تحدثت، وإذا تحدثت في تودد كان توددها ~~نوعا من العنف والزجر! ووجهها الأسمر الأخضر الذي يذكرك بالنحاس ~~لم ير الجلاء ولا عرف اللمعة، يضيف إلى الزجر البادي في توددها ~~رنينا من التهديد في نغمات صوتها حين تريد هذه النغمات أن تكرمك ~~بعزومة على مأكل أو مشرب ... في أي مصنع ركبت هذه الآنسة؟ لا بد أنها ~~كانت بروفة للمرأة، صنعت خارج مصنع النساء مثل كاريكاتير امرأة أو ~~خطوط خارجية غير دقيقة لأنثى فإذا هي رجل عنيف. # طويلة أطول من أخيها وصفي، نحيفة ولكن لا بد أن تصبح سمينة في ~~يوم من الأيام. فقد شاء باريها سبحانه أن يجعل الانبساط الذي كان ~~ينبغي أن يكون في وجهها يترك الوجه ليرتمي على أطرافها واستدارة ~~جسمها دون حاجة من الأطراف أو الجسم إليه فإذا هي مخلوق مترهل ~~الأطراف والصدر وما بعده فنازلا إلى الأقدام، جامدة الفم والأنف ~~والعينين وشعر الرأس، كأنما أرادت السماء لحكمة لا يعلمها إلا علام ~~الغيوب أن يقلب كل الأوضاع في هذا المخلوق فينسرح ما يطيب أمره إذا ~~أصبح دقيقا ويعنف ما يجمله شكله إذا مسته السماحة، ويغلظ ما ينبغي ~~أن يدق، ويتجمد ما يليق به أن يلين، فهي سمينة حيث يجب أن تكون ~~نحيفة، وهي نحيفة حيث يجب أن تكون مليئة، وكأنما سحب الله الشعاع من ~~عينيها فلا يدري من يرى أهي نائمة مفتحة العيون كالأرانب؟ أم يقظى ~~مخدورة العينين كالحشاشين؟ # هذه المرأة خلقت لتكون زوجتي! أنا لن أجد من هذه الطبقة أحدا ~~يتزوجني إلا ms071 هذه الآنسة أو هذا المخلوق. أخوها يعرف كل شيء عني، ~~وهو يدرك تماما أن أخته هذه لن تتزوج أبدا، فأين يجد لها زوجا ~~مثلي؟ ستاره بكالوريوس تجارة وموظف في شركة يعرف كل أسرارها، فهو ~~يعرف الطريق فيها إلى عليا مناصبها، وحقيقته فتى ضائع أبوه عامل ~~بالسكة الحديد وأمه غزية هاربة من أبيه منذ عشرين عاما وهاربة من ~~الزمن حاليا. إن قيل لأسرته من العريس؟ قفزت وظيفته لتكون الجواب، ~~وإن قيل من أبوه؟ قيل من الأرياف، وهذه الأرياف الرحبة التي تستوي ~~فيها الحقول ويشمخ نبات الفقير بجانب نبات الغني وتجاور القراريط ~~القليلة اليسيرة العدد آلاف الأفدنة، فلا يدري المار لمن الأفدنة ~~ولمن القراريط؛ هذه الأرياف تستطيع أن تخفي في حنايا اسمها المتسع ~~الجوانب المترامي الأرجاء الأعيان والعامة والأسرة المستورة ~~والأسرة المتهرئة، وكذلك تستطيع أن تخفي شأن أبيه وماضي أمه مع ما ~~تستره من حقائق لا يعرفها إلا حليم ستار. # وأخوها وصفي في المكان الذي أتوق أن يكون فيه نسيبي، فعلى يديه ~~ومن شعاع عينيه النافذ ومن ذكائه الوقاد تصنع سياسة مصر في كل ~~العهود ... # هو خير من نديم ألف مرة؛ صديقي الوحيد الذي ينتمي إلى الطبقة ~~العليا من المجتمع، ولكنه بالنسبة لي حلية أتحلى بمعرفتها ولا ~~أنتفع منها إلا بالقليل أو بالأقل من القليل؛ فأبوه ينتمي إلى حزب ~~والحزب فترة، وأبوه ينتمي إلى طبقة، وأية طبقة استقرت بها الحياة ~~على حال واحدة! أما وصفي فرجل كل الأحزاب والمرتجى في كل العصور ~~حتى إذا انقلب المجتمع فأصبحت رأسه مكان قدميه وقدماه مكان رأسه ~~فسيظل وصفي في مكانه يزداد رفعة مع كل تغيير ويبلغ أقصى قيمة مع كل ~~انقلاب. # لماذا أكفر بالله؟ هل أكفر؟ إن معنى كفرانى أنني أفكر في ذات ~~الله، والحقيقة أن ذاتي هي التي أفكر فيها ولا وقت عندي لأي تفكير ~~آخر حتى في الله ومالي لا أقول خصوصا في الله؟! # ولكنني أجد نفسي اليوم مضطرا أن أفكر فيه، فقد ثبت عندي أنه ~~موجود لا شك وأنه واحد لا شك ms072 فيه أيضا. وقد كنت قرأت فعلا لأحد ~~الأدباء العلماء يقول إن الذي خلق الشمس لا بد أن يكون هو الذي خلق ~~العيون لترى بها والنبات ليعيش من ضوئها والأرض لتنبت من شعاعها. ~~والذي خلق البلح والعنب لا بد أن يكون هو الذي خلق الإنزيمات التي ~~تهضم هذه الفواكه. ويسير صاحب المقال في إثباته بطريقة علمية ~~وأدبية، ولم أكن حين قرأت المقال أفكر في مناقشته، وإنما كانت فترة ~~فراغ في المكتبة، ووجدت المجلة إلى جانبي فتصفحتها فكان هذا المقال ~~وقد ثبت في ذهني لا اقتناعا مني به ولكن المقال وجد خانة الثقافة ~~في عقلي خاوية تماما فاستقر غير مزاحم، وبقي في ذهني وأتاح لي أن ~~أتذكره الآن، وإني أعرف تماما لماذا أتذكره؛ فالذي خلق الشمس هو ~~الذي خلق العيون التي ترى في ضوئها، والنبات الذي يحيا في شعاعها، ~~والذي خلق الفاكهة وما يهضمها من الجسم هو ... هو نفسه الذي خلق ~~الآنسة حياة وخلقني لأكون زوجا لها. الله خلق هذه التركيبة ~~البشرية أو غير البشرية وأهلها هم الذين أسموها حياة، ولكن الذي لا ~~شك فيه أنهم لم يكونوا يدركون يوم أطلقوا عليها هذا الاسم أنها ~~ستثب لتصبح هذا الكيان، فإن لكل غش وخداع أمدا يقف عنده، واسم ~~حياة لهذه المخلوقة يتجاوز كل مدى. # والذي لا شك فيه أيضا أنهم حين استبان لهم أمرها وظهر من خلقتها ~~ما كانت تخفيه الطفولة لم يفكروا أن يغيروا الاسم ويقلبوه لأن اسم ~~ممات غير شائع في الأسماء. # وصفي يعرف عني كل شيء ولكنه أيضا يرى أخته في كل لحظة يقضيها ~~بالبيت، وهو أيضا يعلم أنها لا يمكن أن تتزوج من حامل شهادة عالية ~~طبيعي لا عيب فيه، لا بد أن يكون هذا الزوج مشوبا بكثير من ~~النقصان حتى يتزوجها، وفرش البيت واضح لا شك فيه أنهم أسرة مستورة، ~~ومستورة بالعافية، فمن هذا الذي يمكن أن يتزوج حياة إلا ابن غزية ~~وعامل تلغراف. # وتم الزواج. # 11 # الحسابات # حسابات الشركة في يد فتحي. والموظفون القدامى يحبون أن يستغفلوا ms073 ~~الموظف الجديد فألقوا إليه بالدوسيهات لا يفرقون بين ما يجب أن ~~يعرفه وما يجب ألا يعرفه وهو يعمل في صمت، ويرى ما وراء الأرقام ~~ويتتبع المشروعات فيسير فيها إلى الوراء حتى يعرف كيف بدأ كل مشروع ~~وكيف سار حتى يلم إلماما كاملا. وإن أحدا من موظفي الحسابات لم ~~يفكر هذا التفكير أبدا لأن أحدا من هؤلاء الموظفين لم يكن فرغلي، ~~وكل مشروعات الشركة موزعة على القسم كله، ثم هي بعد ذلك موزعة على ~~الأقسام جميعا، فالعقود في ناحية وأوامر الشغل في ناحية والمتصرف ~~في ناحية والإيرادات في ناحية. # واستطاع فرغلي بحذق المتفرغ والمستهدف أن تصبح كل هذه المعلومات ~~بين يديه. # والعجيب أنه استطاع في أناة وصبر وتدبير من واجه الحياة بأم ~~غزية وأب غير مبال أن يصور كل المستندات التي يريدها؛ فتجمعت بين ~~يديه عشرات المشروعات لو قدم واحدا منها إلى النيابة العامة ~~لانفتحت أبواب السجون لتستقبل عدة أشخاص ثم تنتقل عليهم لسنوات ~~وسيكون على رأس هؤلاء الداخلين سعادة وحيد بك عفيفي رئيس مجلس ~~الإدارة. # دهش حين تقدم إليه السفرجي في بيته وبيده طبق فضي ليس فيه إلا ~~بطاقة مكتوب عليها فرغلي فهيم ثم بخط صغير شركة الأثاثات المنزلية. ~~نظر إلى البطاقة نظرة سريعة ثم نظر إلى السفرجي. ~~- ما هذا؟ ~~- منتظر على الباب. ~~- الباب الخارجي؟ ~~- داخل البيت، باب الحديقة. ~~- قل له يقابلني في الشركة إذا أراد، وحين يحدد له السكرتير ~~موعدا. # وانصرف السفرجي ليعود مرة أخرى وبيده نفس الطبق ونفس الكارت، فنظر ~~وحيد بك إلى خادمه مندهشا وخشى الخادم أعقاب هذه الدهشة. ~~- كتب لسعادتك كلاما. # وقرأ وحيد بك ... من مصلحة سعادتك أن ألقاك بالبيت، ومزق وحيد بك ~~البطاقة في غضب وقال للسفرجي قل له من مصلحتك أنت ألا تقابلني ~~مطلقا هنا أو في الشركة ... امشي. ~~••• # قلب السكرتير الظرف الكبير بين يديه وقرأ ... حضرة صاحب السعادة ~~وحيد بك عفيفي رئيس مجلس إدارة شركة الأثاثات المنزلية، سري ولا ~~يفتح إلا بمعرفة سعادته مع تحيات فرغلي فهيم بحسابات الشركة. ~~وازدادت دهشة السكرتير حين ms074 وجد الظرف مغلقا بالشمع الأحمر في ثلاثة ~~مواضع من غطائه وابتسم في استخفاف ونظر إلى فرغلي ثم عاد فنظر إلى ~~الظرف. ~~- ما كل هذا يا أستاذ؟ أهي أحراز نيابة؟ ~~- حين يطلع عليها سعادة البك سيعرفها. ~~- أليس من المفروض أن أعرفها أنا قبل أن أدخلها إلى سعادة البك؟ # وقال فرغلي في أدب شديد أقرب إلى الذلة: يا سعدون بك لو كانت الشركة تريدك أن تعرف كل ما يعرفه سعادة رئيس مجلس الإدارة لعينتك أنت رئيسا لمجلس الإدارة. ~~- أستاذ فرغلي، أنت قليل الأدب. ~~- يا سعدون بك هذه صفة لا أستحقها، فلو كنت كذلك لقلت لسعادتك ~~يلعن أبوك ولكنني ... ~~- اخرس امش اخرج من ... ~~- كما ترى أنا رجل مؤدب، ولم أقل لسعادتك يلعن أبوك. ~~- يلعن أبوك أنت ابن ستين كلب. ~~- وهكذا يا سعدون بك يتضح لسعادتك أنه لست أنا من يمكن أن يقال ~~عنه قليل الأدب. ~~- أنا يا ولد؟! ~~- يا سعدون بك كلمة أخرى وستجد حذائي على نافوخ سعادتك. ~~- ما هذه المصائب؟! من أي بلوى قذفت علينا؟! يا إدريس يا إبراهيم ... ~~والله لأخرب بيتك يا صايع يا ... سعادة البك. # كان وحيد بك قد أصبح في وسط حجرة السكرتير ورأى سعدون وهو في ~~حالة هياج شديد، وأمامه شاب يرتدي حلة جديدة متنافرة الألوان سيئة ~~التفصيل، ورباط عنق يصرخ بأنه خلق ليلبسه من لا يعرف عن الأناقة ~~شيئا، والشاب هادئ وعلى فمه ابتسامة تؤكد أنه يمكن أن يكون أي شيء ~~إلا طرفا في هذه الخناقة التي يكاد أن يموت فيها سعدون من ~~الغيظ. # وانكتم سعدون أو انغلق فمه، أما وجهه فما زال يصرخ وما زال يقول ~~كلاما كثيرا، وأقبل السعاة وامتلأت الحجرة بموظفي الحجرات ~~المجاورة وراح وحيد بك يقلب نظره في الواقفين جميعا ثم قال ماذا ~~جرى؟ # وتقدم فرغلي في خطى ثابتة إلى مكتب سعدون وأمسك الظرف وقدمه في ~~استحياء وأدب إلى وحيد بك. ~~- سعادة البك هذا الظرف لك. # وأمسك وحيد بك الظرف وراح يقلبه بين يديه وكلما قلبه ازدادت ~~دهشته وصاح في اهتياج: يا أفندي ms075 أنت، ألم تأت أمس إلى بيتي وأرسلت ~~لك أمرا ألا تجعلني أراك في البيت أو الشركة. ~~- حصل يا سعادة البك. ~~- فلماذا جئت إلى مكتبي؟ ~~- أنا يا أفندم لم أطلب من سعدون بك أن يستأذن لي عليك تنفيذا ~~لأوامر سعادتكم، كل ما طلبته أن يوصل هذا الظرف إلى سعادتك. ~~والآن وقد وصل الظرف فأنا آسف أن الظروف جعلت سعادتك تراني، ولكن ~~سعادتك تأكد أن هذا لن يحدث مرة أخرى إلا إذا أمرت سعادتك. عن إذن ~~سعادتك، شكرا يا سعدون بك، آسف يا عم إدريس يا عم إبراهيم آسف ... ~~آسف يا بكوات ... عن إذنكم. # وخرج فرغلي من الحجرة بطريقة تمثيلية عجيبة فقد راح يتراجع بظهره ~~إلى الباب، وعيناه على وحيد بك الذي تولاه الذهول الذي تولى جميع ~~الآخرين، وحين أحس فرغلي أنه قريب من الباب استدار في هدوء ولم ~~تفت أذنيه أوامر وحيد بك كل واحد يروح لشغله ... مع السلامة. ~~••• # لم يدر وحيد ماذا يفعل؛ هل يستدعيه فورا فينكشف كل الذي يريده ~~أن يختفي؟ هل ينتظر؟ لا يستطيع! دق جرس السكرتير ودخل سعدون وآثار ~~حمرة غاضبة ما زالت على وجهه. ~~- أريد ملف هذا الأفندي. ~~- لا بد من رفته فورا يا سعادة ... ~~- هات ملفه وبطل غلبه. ~~- أمرك يا أفندم أمرك. # كانت الساعة تقترب من الرابعة حين وقفت سيارة رئيس مجلس الإدارة ~~على باب العمارة التي يقطنها فرغلي، ولم تكن الساعة قد تجاوزت ~~الرابعة حين كان فرغلي جالسا إلى وحيد في غرفة مكتب وحيد بفيلته ~~التي لم يستطع فرغلي في أمسه أن يتخطى باب حديقتها. ~~- أوامرك. ~~- مكاسب هذه السرقات مائة وخمسة وعشرون ألف جنيه. ~~- نعم؟! ~~- أنا خريج تجارة يا سعادة البك. ~~- ربما كان المبلغ قريبا من هذا. ~~- ليس قريبا يا سعادة البك، المبلغ هكذا تماما. ~~- ليس هذا نصيبي وحدي. ~~- هذا نصيب سعادتك وحدك. ~~- هل جننت؟ ~~- نصيب مدير الشركة ستون ألف جنيه، والسكرتير العام خمسة وعشرون ~~ألفا، ورئيس العقود ورئيس الحسابات عشرة آلاف لكل منهما. # وهوم الصمت تماما على الحجرة ولم يفتح فرغلي فمه. واضطر ms076 وحيد ~~أخيرا أن يقول. ~~- النهاية ... طلباتك. ~~- عشرون في المائة. ~~- هل جننت؟ ~~- من كل واحد فيكم. ~~- هذا مستحيل! من أين؟ ~~- حساب سعادتك في البنك مائتان وخمسة وعشرون ألف جنيه ومائة ~~وخمسة مليمات. وانتفض وحيد واقفا. ~~- هي حصلت حسابي في البنك. ~~- أنا لي وسائلي. # وبينما انعقد لسان وحيد أخرج فرغلي من جراب ابن الغزية ابتسامة ~~فيها فرح وفيها خبث وفيها تظاهر بالسذاجة وفيها شكر لأخي زوجته ~~وصفي الذي مكنه أن يقف هذا الموقف المسيطر الذي لو كان أنبأه به ~~أحد يوم التف حوله تلاميذ المدرسة الابتدائية يهزون له أوساطهم ~~لرماه بالجنون والعته. وها هو ذا اليوم يعتصر رئيس مجلس إدارة ~~اعتصارا حتى لم يبق منه إلا نفاية مغضنة لا تصلح أن تكون ~~بشرا. ~~- أتظن أنني أستطيع أن أدفع كل هذا المبلغ؟ ~~- المؤكد أنك تستطيع، والباقون أيضا يستطيعون. ~~- أترى الأمر سهلا؟ ~~- هو أكثر من سهل، فليس في مصر أحد لا يعرف طريق النيابة ~~العامة. ~~- ألا نتفاوض؟ ~~- لا بأس. ~~- تكون شريكنا. ~~- هذا كلام عن المستقبل أم عن الماضي. ~~- الماضي راح لحاله. ~~- وخلف عشرات الآلاف ومئاتها. ~~- لتكن شريكنا في المستقبل. ~~- هذا أمر أفرضه، ولا يحتاج إلى اتفاق معكم. ~~- من الواضح أنك ستطلب أشياء أخرى. ~~- أنتهي أولا من المبالغ المطلوبة. ~~- خفض النسبة. ~~- لا مانع فإن الصلة بيننا ستستمر ولا أحب أن أجعل نفوسكم شديدة ~~المرارة. ~~- أنت شديد الذكاء! ~~- أعرف ذلك وستنتفعون أنتم بهذا الذكاء نفعا كبيرا. ~~- كم تريد؟ ~~- خمسة عشر في المائة. ~~- موافق. ~~- اكتب الشيك. ~~- ألا أعرف أولا بقية الطلبات؟ ~~- أنا وحدي الذي أحدد متى تعرف هذه الطلبات. ~~- هاك الشيك. # ونظر فيه فرغلي في هدوء وثبات وكأنه تعود أن يمسك بمثل هذه ~~المبالغ. ~~- والآخرون؟ ~~- شأنك وإياهم. ~~- بل شأنك أنت. ~~- أمرك. ~~- غدا يصدر قرار بأن أصبح سكرتير عام الشركة. ~~- ماذا؟ ~~- والسكرتير العام يصدر قرار بترقيته إلى نائب رئيس ويفصل القرار ~~بحيث يصبح بلا عمل على الإطلاق. ~~- أهذا ممكن؟ ~~- وحيد بك أنا أعرف تماما كل ما هو ممكن وكل ما هو غير ~~ممكن. ~~- وماذا يقول الناس وماذا يقول ms077 الموظفون؟ ~~- أي قول سيكون أبسط مما لو رأوا المستندات منشورة ~~بالجرائد. ~~- أمرك. ~~- شيء آخر ... ~~- لا أملك المناقشة. ~~- العقود التي تربحون منها بعد ذلك توقعها أنت ونشاركك نحن فيها، ~~أنا الشريك الجديد وشركاؤك السابقون. ~~- وأنت ما شأنك بشركائي السابقين. ~~- ألا تفهم؟ ~~- لا تريد أن يفشوا الأسرار. ~~- ما دمت فاهما فلماذا تسأل؟ ~~- وما الحصة التي تقدرها لنفسك؟ ~~- نفس الحصة التي كان يأخذها السكرتير العام، وعليك أنت أن ~~تتنازل عن جزء من حصتك لسعادة النائب الجديد. # أطال وحيد بك النظر إلى فرغلي، وراح يتوقف ببصره عند كل ثنية من ~~وجهه، وذعر عندما طالع عينيه وتبين فيهما أنهما يفضيان إلى فراغ ~~عميق أسود قاتم مخيف، وازداد ذعره وهو يرى فرغلي يصمد لنظراته وكأن ~~أحدا لا ينظر إليه ... جرأة لا تتأتى إلا لابن فهيم وتحية. # 12 # إفراج عن حبيس # لم تعرف الشركة بل لم تعرف أية شركة شخصا سريعا في اتخاذ ~~القرارات حاسما في تنفيذها صارما في العقاب وكريما في المكافأة ~~مثل فرغلي. # في مدى شهر واحد انقلبت الشركة رأسا على عقب. وأضاف إلى اسمها ~~كلمة جديدة؛ كلمة واحدة قلبت موازين الشركة جميعا، فبعد أن كانت ~~شركة الأثاثات المنزلية أسماها شركة البناء والأثاثات المنزلية. ~~وحين حاول مجلس الإدارة أن يعترض بأن الشركة ليس بها جهاز هندسي ~~للمقاولات، قدم الجهاز كاملا مبتدئا بالمحاسب نديم الطوبجي ~~والمهندس يحيى حسين ابن عمته بل وطبيب الشركة أيضا ممدوح حسين ابن ~~عمته الثاني وصدر القرار. # وأحس فرغلي أنه في ربيع حياته؛ نديم ويحيى وممدوح يعملون جميعا ~~تحت رئاسته. # وهو الآمر الناهي في الشركة والرئيس واحد من أتباعه. ~~هذا هو الربيع الذي اخترق إليه المهانة والذلة والأسى والحزن ~~والفقر فاغرا فاه كوحش أصابه الجنون وأمومة ممزقة السمعة كخرقة ~~بالية قذرة متهرئة متهتكة ملعونة وأبوة كالعدم أو أشد ~~حقارة. # في هذا الربيع الذي تحيط به أنفاسه أراد أن ينسى كل شيء والناس ~~الذين يكونون أسرته أشياء لا تصلح لتكون عائلة أو تكون ~~آدميين. # وكلما ألحت عليه جروح الذكرى استدعى يحيى أو استدعى ms078 ممدوحا فأحس ~~أنهما بوجودهما تحت رئاسته يمحقان الماضي جميعا. # كان جالسا بمكتبه حين دخل السكرتير مرتبكا خائفا: سعادة البك ~~... تسمح. ~~- قل. ~~- فقط ... ~~- قل. ~~- شخص يقول إنه والد سعادتك. ~~- من؟ ~~- يقول هذا يا سعادة البك. ~~- قل له يذهب إلى البيت. ~~- ممكن أن يدخل وأمنع أي أحد بعد ذلك ... ~~- امش، قل له يذهب إلى البيت ... اخرج. # أكرمت حياة ضيافة حميها فهيم وقدمت له التحايا من حلوى إلى قهوة ~~إلى مشروبات باردة وأبدت له من الاهتمام ما استطاع به أن يبتلع ~~طرده من مكتب ابنه: وماله ... أنا أبوه ويجب أن تكون زيارتي له في ~~بيته لا في شغله. # وجاء فرغلي ودون أن يبدي ترحابا ولو كاذبا بأبيه. ~~- لماذا جئت إلى الشركة يا آبا؟ ~~- أردت يا ابني أن أراك في مكتبك ولك سعاة وسكرتير وحجرة ~~خاصة. ~~- كل هذا لا يبرر مجيئك إلى مكتبي. ~~- معلهش يا بني ... ربنا يخليها حياة قامت بالواجب. ~~- ماذا تريد يا آبا؟ ~~- لا شيء يا ابني. ~~- بل تريد. ~~- وما دمت تعرف فلماذا تسأل؟ ~~- لأني أريد أن أناقشك. ~~- الحكمة يا ابني لا تحتاج إلى نقاش فليس فيها شك. ~~- كل شيء في الدنيا يحتاج إلى نقاش وفيه شك. ~~- ليس في الله شك يا ابني. ~~- دع الله ولا تدع التصوف. هذا موضوع لا أناقشه ولا أناقش حتى ~~إذا كان يحتاج إلى نقاش أم لا يحتاج. ~~- يا ابني الحالة ... ~~- صعبة. ~~- طول عمرك ذكي وتفهمها وهي طايرة. ~~- متى عرفت ذلك؟ ~~- ألست أباك؟! ~~- متى كان هذا؟ ~~- أهذا أيضا يحتاج إلى نقاش؟ ~~- بل هذا هو موضوع النقاش. ~~- من أبوك إذن إن لم أكن أنا؟ ~~- إذا كان معنى الأبوة أنك قضيت لحظة هانئة مع زوجتك أصبحت أنا ~~نتيجتها فأنت أبي، ولكن أهذه هي الأبوة؟ ~~- هل قصرت في شيء؟ ~~- هل فعلت شيئا؟ ~~- فكيف تعلمت ووصلت إلى ما أنت فيه؟ ~~- تعلمت بالصدقة، ووصلت إلى ما أنا فيه بالرغم من أنك أبي وليس ~~لأنك أبي. ~~- لماذا تكرهني كل هذا الكره يا فرغلي؟ ~~- كل هذا الكره! وهل رأيت؟ يكفي أنك سميتني فرغلي ... ألم ms079 تجد إلا ~~هذا الاسم؟ ~~- يا بني كان يتهيألي أنه اسم طيب . ~~- أمعقول أن يختار أب لابنه اسم فرغلي؟ ~~- وكيف كان يمكن أن استشيرك في الاسم؟ ~~- وهل هذا الاسم يحتاج إلى استشارة؟ وهل كان يمكن أن تجد اسما ~~أسوأ منه. ~~- شحات مثلا. ~~- له معنى على الأقل ... ثم شحات هذا صفة مرت علي أوقات طويلة كنت ~~أتمنى أن أحصل عليها، وحين كنت أعمل بالقهوة ماذا كنت؟ شحات. كان ~~سيكون اسما على مسمى على الأقل. ~~- على قدر جهدي. ~~- أنا أضرب لك مثلا، قد يبدو بسيطا ولكنه مجرد مثل. ~~- أهناك أشياء أخرى تريد أن تقولها؟ ~~- وهل قلت شيئا؟ ~~- كل هذا ولم تقل شيئا! ~~- لم أقل شيئا مطلقا. ~~- ماذا فعلت لك يا ابني؟ ~~- هل أنت حقا لست تدري؟ ~~- كان يتهيأ لي دائما أني كنت أبا طيبا. ~~- خطأ؛ الطيب هو الذي يعرف الخبث والذكاء واللؤم ويختار أن يكون ~~طيبا، ولكن أنت مخلوق هكذا تدمر كل ما حولك ولا تحس أنك أسأت في ~~شيء، ويكفيك أن تقول لنفسك إنك طيب. وهل تستطيع أن تكون غير طيب ~~واخترت الطيبة؟ هذا النوع من الطيبة له أسماء أخرى كثيرة لا أحب أن ~~أقولها لأنني واثق أنني نقطة من دمائك. ~~- وهل أبقيت من هذه الدماء شيئا؟ ~~- بل إنها هي التي تمسك بي فلا أصفك ... ~~- وصفتني يا ابني لا شك في ذلك. ~~- لا أنا لم أقل شيئا. ~~- بل قلت يا بني؛ قلت على الأقل إنني أهبل خيبة خبق. ~~- لم أكن أتصور أنك تستطيع أن تفهم كل هذا. ~~- أنت حكمت علي من غير محاكمة يا فر ... يا بني. ~~- قل فرغلي لقد تعودت عليها. ~~- لماذا لم تسألني؟ ~~- أرى نفسي قتيلا وأسأل قاتلي وهو أمام عيني. ~~- يا بني هذا القاتل تسأله المحكمة إنما أنت صنعت من نفسك المجني ~~عليه والشرطة والنيابة والمحكمة، وزدت فحكمت دون أن تسمع مني حرفا ~~كما تفعل الشرطة أو النيابة أو المحكمة. ~~- لا داعي لهؤلاء جميعا. ~~- أهكذا تصنع في الشركة؟ ~~- هكذا أصنع وهكذا سأصنع طول عمري. ~~- فأنت ظالم. ~~- لا يهم. ~~- إن ms080 كنت ذقت الظلم حقا ما ظلمت. ~~- ما دمت ظلمت فلا يعنيني أن أظلم كل الناس. ~~- حتى أبوك؟! ~~- وخصوصا أبي. ~~- أجريمتي كبيرة إلى هذ الحد؟ ~~- يكفي أنك ... يكفي أنك ... ~~- ماذا ... يكفي أنني ماذا؟ ~~- اخترت أمي من السيرك ... يكفي أنك جعلت أمي غزية. ~~- أتحاسبني على هذا؟ ~~- ألم تفكر ماذا سيلقى ابن الغزية من الحياة؟ ~~- أما كفاني ما لقيته من أمك؟ ~~- الذي لقيته أنت أمر كان يمكن أن يحدث أو لا، أما ما لقيته أنا، ~~وما ألقاه وسأظل ألقاه فأمر كان مؤكدا منذ كتب كتابك عليها ... ألم ~~تدرك هذا؟ ~~- لا حول ولا قوة بالله! ~~- بل إن لي أيضا القوة التي وصلت بها والتي سأصل بها رغم كل ما ~~صنعته بي. ~~- وكفرت أيضا؟ ~~- ومن قال لك إني آمنت يوما حتى أكفر. ~~- تكفر بالله؟ ~~- التفكير في الإيمان والكفر أمر يشغل من لا تشغله نفسه. ~~- أما أنا فحسبي الله ونعم الوكيل. ~~- ليكن حسبك كما تشاء. ~~- لن تراني بعد اليوم. ~~- هذا شيء لم أفتقده يوما ويسعدني اليوم أن أفقده. ~~- تجبر ما شئت ولكنك ستحتاج إلى الله وستحتاج إلي. ~~- أفضل أن أموت قبل أن أحتاج الى أحد منكما. ~~- ومن قال لك إنك تعيش؟ ~~- إنه أنت الذي لا تعيش. ~~- كنت أظن ذلك، أما اليوم وبعد أن رأيتك فقد تبين لي أنني أعيش ... ~~أعيش ملء الدنيا وملء العليا ... ملء الحياة وملء الآخرة ... أنا أسعد ~~بضحكة من ابن لي، ببسمة من زوجتي، وأهنأ بصلاتي وأسعد وأنا أرى أن ~~الطريق بيني وبين الله مفتوح واضح منير أنا أعيش، وسأحاول أن أنساك ~~تماما لأنك أكثر موتا من الميتين. لا سلام عليك يا فرغلي وأرجو ~~ألا يجمعني بك بعد اليوم طريق. ~~- أمنية أتمناها أنا أيضا. # وسمع الأب توديع ابنه وهو يقفل باب الخروج، وارتمى فرغلي على ~~الأريكة الوثيرة وقد انقسمت نفسه أقساما بعضها مرتاح وحجته أنه ~~قال ما تمنى قوله طول حياته، وبعضها مرتعد؛ لأنه سمع وعيدا لم ~~يسمعه، وسمع من أبيه وصفا لوجوده في الحياة شك قلبه بحربة مسنونة ~~وشق أمنه بسيف باتر، ms081 وفكر، وما أطول ما فكر، ثم ما لبث أن أطلق بسمة ~~سخرية وطلب من حياة طعام الغداء. # 13 # سواتر # نديم الطوبجي ابن أسرة عريضة الاسم ضامرة الثروة شأنها في ذلك ~~شأن كثير من الأسرات المصرية التي اضطرت أن تحافظ على الاسم العريض ~~بالإنفاق الذي لا يتواءم مع حقيقة ثروتها. وهذه الأسرات تصبح مع ~~الزمن ذات مظهر خادع يظن من لا يعرفها أنها على ثراء حين تعلم هي ~~والمقربون إليها أنهم يتسترون بالكبرياء ولا أقول الكبر. فهذه ~~الأسرات في أغلب أمرها يتمثل غناها الحقيقي في صلاتها بالناس من ~~جميع المشارب والدرجات، فهم أصدقاء لكثير من الفلاحين ولأعيان ~~الفلاحين وللوزراء الذين ينتمون جميعهم بلا استثناء إلى الفلاحين ~~أو أبناء الطبقات المتوسطة، والذين وصلوا إلى مناصبهم الوزارية ~~بالعلم وبصلاتهم وصلات آبائهم بالقرى وبلغوا من المجتمع المصري هذه ~~المكانة المرموقة. ولولا أنني الآن أكتب لك رواية ولا أروي لك ~~تاريخا لذكرت لك أسماء مئات الوزراء الذين ينتمون في أصولهم إلى ~~الفلاحين وتنتمي قلة منهم إلى العمال لأن المدينة لا تعرف الروابط ~~الأسرية التي يعرفها أهل الريف. # وهذه الأسرات ذات الرنين فيها الفقير وفيها الغني، وأغلب بيوتها ~~مستورة لا فقيرة تستجدي ولا هي غنية تسرف في الإنفاق. وهناك أسرات ~~تلتئم عناصرها فيعين غنيها فقيرها فيبدو الفقير مستورا حتى ليظنه ~~أصدقاؤه غنيا. وكان نديم وحيد أبويه، وكان أبوه من هؤلاء ~~المستورين ولكنه شأن الكثيرين من هذا الجيل أراد أن ينمي ثروته ~~فقضى عليها، وأصبح لزاما على أفراد الأسرة الآخرين أن يخصصوا له ~~مبلغا شهريا يمكنه أن يعيش في منزل معقول وأثاث نظيف ويمكنه ~~أيضا أن يكمل تعليم نديم. # وكان من الطبيعي أن ينقص هذا المبلغ حين يتخرج نديم ويحصل على ~~وظيفة. ومن ميزات هذه الأسرات ومن بينها أسرة الطوبجي أنها تستطيع ~~دائما أن تجد وظيفة لأبنائها ولغير أبنائها بما لها من صلاتها ~~الكثيرة المتباينة التي قد تصل أحيانا إلى رئيس مجلس الوزراء ~~نفسه. وهكذا عين نديم يوم تخرجه موظفا بمجلس النواب وفى الدرجة ~~السادسة ولم يكن ms082 تعيين المتخرج في الدرجة السادسة أمرا محتما في ~~ذلك الحين وإنما كان بحسب المتخرج أن يحصل على أي وظيفة ولتكن في ~~الدرجة الثامنة أو السابعة ما دامت هذه الدرجات هي المتاحة. وكانت ~~الحياة كما يعرف الجميع رخيصة غاية الرخص في تلك الأيام وكانت ~~المرتبات على ضآلتها تقيم أود البيت. # ومع الصلة الوطيدة التي كانت تربط فرغلي بنديم فإن فرغلي لم يعرف ~~بل ولم يتصور أن نديما يعيش من نفقة أسرته لا نفقة أبيه، بل إن ~~وصفي الذي لا تخفى عليه خافية لم يكن يعرف هذه الحقيقة عن نديم على ~~الرغم من الصداقة التي اتصلت بينهما على يد فرغلي. # وهكذا كان نديم يمثل عند فرغلي أسرته باسمها العريض ولا يمثل ~~مطلقا عائلته بدخلها الذي تناله صدقة لا ريعا وتفضلا لا ~~حقا. # وهكذا أيضا حلا لفرغلي أن يرى نديما يعمل عنده بالشركة، وحين ~~بدأ يساومه كان يساوم فيه اسم الطوبجى ذا الرنين، ولم يتصور أنه ~~يستطيع أن يساوم فيه نديما الذي يعرف أنه أكمل تعليمه على نفقة ~~أسرته. ~~- هل معقول أن نديم الطوبجى بحاله يعمل موظفا باثني عشر ~~جنيها؟ ~~- وهل وجدت خيرا من هذا ورفضت. ~~- موجود. ~~- يا عم أنا في وظيفة مضمونة درجة سادسة لا يحصل عليها إلا أصحاب ~~الحظ العظيم. ~~- أو الأسرة العظيمة. ~~- - يا عم خلها على الله. ~~- لا علي أنا. ~~- أستغفر الله العظيم. ~~- اسمع ولا تخرف. ~~- أعوذ بالله! أشيطان أنت؟ ~~- الشيطان لا يعرض عليك مرتبا ثلاثين جنيها. ~~- كم؟ قلت كم؟ ~~- ما سمعت. ~~- سمعت وقبلت. # وعمل نديم رئيسا للعلاقات العامة بالشركة. ولم يمر إلا شهر وبعض ~~شهر حتى وجد نديم نفسه في حجرة سكرتير عام الشركة الذي أمر ألا ~~يدخل أحد إليها. ~~- مبروك يا عم. ~~- الله يبارك فيك. علام؟ ~~- الصفقة التي أتممتها مع شركة ليوتي للاستيراد والتصدير. ~~- ما رأيك ... أليست صفقة عظيمة؟ سنقوم ببناء الشركة ومخازنها كما ~~سنقوم بتأثيثها. ~~- لم تخيب ظني يا نديم باشا فلا يمكن أن تجد الشركة رئيسا ~~للعلاقات العامة في مثل نشاطك وهمتك. ~~- البركة فيك. ~~- ولكنك خيبت ms083 ظني فيك من ناحية أخرى. # وامتقع وجه نديم. وأكمل فرغلي: وخيبت ظني في الأسر العريقة. ~~- وازداد الامتقاع على وجه نديم وتاه لسانه في فمه وهو يقول: ~~لماذا؟ ماذا صنعت؟ # ودون أن يعنى فرغلي بالإجابة قال: وخيبت ظني أيضا في الصداقة ~~التي بيننا. ~~- ماذا ... ماذا؟ ~~- خمسمائة جنيه عمولة من مهندس الشركة. ~~- ولكن ولكن ... ~~- اقرأ هذا. # لم يكن نديم يعلم أن صديقه فرغلي أوصى نسيبه وصفي أن يراقبه، وقد ~~استطاع وصفي أن يرغم المهندس على كتابة إقرار بالرشوة التي تقاسمها ~~مع نديم. # وتشنجت أصابع نديم على الورقة وقال فرغلي في صوت هادئ متزن ~~حنون: مزقها؛ فأنت تعرف طبعا أنها صورة فوتوغرافية. ~~- أستقيل. ~~- ما هذا الكلام الفارغ؟ ~~- أوامرك. ~~- اكتب ورقة مثلها. ~~- أمرك. # وحين أتم نديم كتابة الورقة أخذها فرغلي وفتح درجا وأخرج ~~دوسيها بعينه ووضع فيه الورقة بهدوء ثم أغلق الدوسيه وأعاده إلى ~~الدرج، وأدار فيه المفتاح ووضعه في جيبه، كل هذا ببطء شديد حتى إذا ~~استقرت المفاتيح في جيبه نظر إلى نديم: كم أنفقت من الخمسمائة ~~جنيه. ~~- أنا ... أنا ... ~~- مبلغ بسيط، فأنت لم تستلم المبلغ إلا أول أمس. ~~- أنا ... أنا ... ~~- تدفع لي ثلاثين في المائة من المبلغ. ~~- تحت أمرك. ~~- وتظل هذه النسبة سارية المفعول بيننا دائما وفي مقابل ذلك ~~سأساعدك في عقد الصفقات. ~~- أنت أعظم إنسان عرفته في حياتي. ~~- هذه النسبة أراعي فيها الصداقة والزمالة كان المفروض أن تكون ~~المبالغ مناصفة. ~~- أعرف ذلك. ~~- وفي كل مرة ستكتب ورقة كهذه. ~~- ورقة؟! ~~- طبعا. ~~- وما لزومها؟ # وفكر نديم قليلا وعاد إليه جأشه واطمأن ثم نظر إلى فرغلي: ولكن ~~هناك أمرا يحيرني. ~~- لا تجعل شيئا يحيرك أبدا. ~~- وجود ورقة واحدة من هذه الأوراق تحت يدك كاف، بل إن وجود أكثر ~~من ورقة سيؤكد أنك شريك لأنك سكت ولم تبلغ عن أول سرقه لي. ~~- في هذه المرة لم تخيب ظني في ذكائك. ~~- إذن فما داعي الورقة لكل عملية؟ ~~- لأختار أنا عند اللزوم الورقة التي تناسب ما أريد أن أنزله بك ~~من عقاب. وصمت نديم ولم يطل صمته ms084 وإنما قال: أما أنا فلم يخب ظني ~~فيك أبدا، أنت دائما فرغلي الذي عرفته في المكتبة ... لم ~~تتغير. ~~- أبعد كل هذا لم أتغير؟ ~~- تغيرت الحلة وتغير رباط العنق وتغير المنزل وتغيرت وسائل ~~المواصلات وتغير المنصب، ولكن فرغلي لم يتغير. ~~- ليس هناك أي داع ليتغير. ~~- معقول! لك حق ... سلام عليكم. ~~- ألم تنس شيئا؟ ~~- لا، لم أنس شيئا ... المبلغ في البيت، في الغد سيكون عندك ~~نصيبك كاملا؛ المبلغ المطلوب موجود. ~~- طبعا موجود وموجود أكثر منه أيضا. # وابتسم، ولم يجد نديم مناصا من أن يبتسم هو أيضا فقد انتهى ~~اللقاء نهاية أجمل بكثير مما كانت تنبئ عنه بدايته. وخرج نديم ~~وأقفل الباب ونظر إلى الحاجب وقال له في هدوء: يستطيع البك الآن أن ~~يقابل من يريد مقابلته. ~~••• # أنا لست في حاجة الآن أن أعيد عليك هذا المشهد وقد تكرر بين ~~فرغلي وابن عمته ممدوح طبيب الشركة الذي كان يتقاضى رشاوى عن ~~الإجازات، ويتقاضى رشاوى من الأطباء الذين يحول إليهم عمليات ~~الشركة. # ولست في حاجة أيضا أن أعيد المشهد ثالثة وهو يملي شروطه على ابن ~~عمته الثاني المهندس يحيى الذي كان ينال مبالغ ضخمة عند استيراد ~~مواد البناء وعند الاتفاق مع المقاولين الذين يعملون معه في عمليات ~~الشركة. # فكلاهما كان يكتب الإقرارات، وكلاهما كان يقدم نصيبا يحدده فرغلي ~~حسب ما يحلو له. ~~••• # ليس غريبا أن يكون المال ذا أهمية كبرى عند فرغلي، ولكن الحقيقة ~~التي ينبغي لها أن تطفو هنا أمام عينيك هي أن المال لم يكن هو أهم ~~ما كان يستمتع به فرغلي وهو يتم الصفقات مع صديقه وابني عمته ... كان ~~أهم ما يستمتع به أنه أصبح يمسك برقاب ثلاثتهم في أصابعه ليصنع بهم ~~ما يشاء. والأعظم من ذلك أن أحدا منهم لا يستطيع أن يستقيل؛ فالأمر ~~لم يعد مجرد وظيفة وإنما أصبح اختيارا بين الوظيفة ... هذه الوظيفة ~~بالذات ومع فرغلي بالذات وبين السجن ... أصبح الأمر اختيارا بين ~~الحياة أو الموت إن جاز أن يسمي هذا اختيارا. # وثار تناقض عجيب، ربما اتفق ثلاثتهم ms085 أنهم الآن يلقون من المجتمع ~~الإكبار والإجلال والاحترام وهم لصوص، فإذا حاولوا أن يتوبوا ~~انقلبوا أمام المجتمع إلى مجرمين سفلة. # والأمر الأعجب وربما كان يثور في نفوس ثلاثتهم أيضا أن الذين ~~يرشونهم يقدمون لهم مع المال الاحترام والإجلال مثلهم في ذلك مثل ~~المجتمع الذي يجهل حقيقة أمرهم. ثم إن ثلاثتهم واثق أن هؤلاء ~~الذين يرشونهم سيكونون أول من يرميهم بالسفالة والانحطاط لو حاولوا ~~أن يرتفعوا بأنفسهم من الدنس إلى الطهر، ومن خيانة الأمانة إلى ~~الشرف. # وكان فرغلي يعلم أن هذا يثور في نفوسهم؛ كان يعلم ذلك من حوارات ~~كثيرة بينه وبين كل واحد من ثلاثتهم على انفراد، وكان يسعد بهذا ~~التمزق الذي تصنعه مخالبه في ابن العائلة ذات الشهرة العريضة، وفي ~~ابني عمته اللذين كانا ينظران إليه في أنفة يوم كان خادما في بيت ~~أمهما. # فإذا ضم مجلس عمته أو زوجها أو كليهما ومعهما يحيى وممدوح انتشى ~~فرغلي غاية النشوة بمديح عمته له متمثلا في الدعاء أن يفتح الله ~~له أبواب الرزق ويتم نعمته عليه جزاء وفائه لها وحرصه على رد ~~جميلها. سعيدة كانت العمة وسعيدا كان زوجها أن أثمر الخير الذي ~~يتوهمان أنهما قدماه لفرغلي معتقدين أنه لا يحمل لهما إلا الشكران ~~وأنه قط لم يفكر أنهما اصطنعاه خادما بغير أجر لقاء فراش حقير ~~ولقمة أكثر حقارة. # آمال فرغلي تسير في الطريق الذي رسمه لها كما يريدها أن تسير ~~محققة له المال والسطوة، ومحققة قبل هذين الانتقام والتصرف في ~~مقادير أقرب الناس إليه ومصائرهم. # 14 # تاريخ # ما هذا؟ أما آن لنا أن نذكر كلمة عن مصر في هاته الأيام؟! ~~أنتحدث عن حشرات الأرض ولا نتكلم عن النبات والأشجار. # كان فرغلي مع كل من حوله حشرات هذه الفترة، ولكن الناس الأشجار ~~كانوا الملك والوزراء والشيوخ والنواب وأصحاب الصدارة، وكان ~~النبات هو شعب مصر الطيب يحتقر الحشرات وينظر إلى الأشجار نظرة أسف ~~في بعض الأحيان، ونظرة غضب في بعض الأحيان، ونظرة إعجاب في بعض ~~الأحيان. # توالت الوزارات على مصر في أثناء ms086 الحرب العالمية العظمى، وكانت ~~بعض الوزارات تحاول أن تغاضب الإنجليز باتفاقات سرية مع المحور ~~بينما كانت تحاول وزارات أخرى أن تهادن الإنجليز أملا في الحصول ~~على الاستقلال إذا انتصر الحلفاء، وكان الملك يلهو فيميل حينا مع ~~الإنجليز ويميل حينا مع الألمان فلا يرضى هؤلاء ولا أولئك. # ولم يكن الإنجليز مستعدين أن يتحملوا الموقف غير الواضح من مصر ~~جميعها من ملكها إلى وزرائها إلى نوابها إلى شيوخها؛ فقاموا بعملية ~~4 فبراير الشهيرة ليحطموا بها كل ما كانت مصر قد حصلت عليه من ~~مفاوضات تطاولت بضعا وعشرين عاما وانتهت بمعاهدة 36 التي اعتبرها ~~الأحرار الدستوريون خطوة، واعتبرها النحاس ومن ورائه الوفد فوزا ~~مبينا وانشق بسببها وبأسباب أخرى حزب الهيئة السعدية برياسة أحمد ~~ماهر وبجانبه النقراشي. # اندكت هذه المعاهدة في حادث 4 فبراير وقال أحمد ماهر للنحاس على ~~مشهد من جميع زعماء مصر في ذلك الحين ومعهم الملك: إذا قبلت هذه ~~الوزارة يا باشا فأنت تقبلها على حراب الإنجليز. # ولم يأبه النحاس وشكل الوزارة، واندمج الوفد مع الإنجليز وأصبحوا ~~أسرة واحدة تعلن عن ترابطها ورفع الكلفة بينها وبالصورة الصريحة في ~~صدور الجرائد المصرية، وما للجرائد لا تفعل وقد استطاع الوفد أن ~~يدبر مظاهرة في يوم تأليف وزارته حملت السير مايلز لمبسون المندوب ~~السامي البريطاني على أكتافهم. وأصاب الشباب في تلك الأيام نوع من ~~الأسى والإحباط أن يرى القتلى يهتفون باسم قاتلهم بل ويحملونه ~~حيا - لا ميتا - على الأعناق. # واستمرت الحرب وبلغت بالنسبة للمتحاربين ذروتها في معركة ~~العلمين، وكانت الأنباء التي تحيط بها تؤكد أن الألمان لن يلبثوا ~~أن يصبحوا في القاهرة بين عشية وضحاها، وسمع الناس وأغلب الأمر أن ~~ما سمعوا كان صحيحا؛ أن القوات الإنجليزية وأفراد البعثة ~~الدبلوماسية في سفارة إنجلترا يحرقون الأوراق السرية الهامة ~~ويستعدون لاستقبال جيوش روميل. # ولكن فجأة انقلبت موازين الأنباء فإذا بالمهاجمين يصبحون منسحبين ~~وينتصر مونتجمري وينتصر الحلفاء نصرهم التاريخي في موقعة العلمين ~~وتبدأ النهاية. # وتبدأ معها يد الإنجليز المتكالبة على مصر تخفف من ضغطها، ولم ~~يعد يعنيها ms087 أن يبقى النحاس في الحكم أو لا يبقى، ويظل الملك ~~متربصا بالأيام ولم يكن حتى ذلك الحين قد انحدر إلى الحمأة العفنة ~~التي تردى إليها بعد ذلك. # وكان أحمد حسنين رجل القصر على قدرة دائما أن يجعل الملك على ~~صلة بأدق مشاعر الإنجليز ورغباتهم. # وهكذا حين أصبح الملك على يقين أن النحاس لم يصبح ذا أهمية كبرى ~~ولا صغرى عند الإنجليز أقال وزارته. # وكانت هذه الإقالات لوزارات الوفد هي أعظم ما تعتمد عليه شعبية ~~الوفد. فقد كان الوفد مكروها طوال أيام حكمه حتى إذا أقيل عادت ~~إليه شعبيته أعظم ما تكون العودة فالشعب المصري يحب الكفاح لأنه ~~عاش عمره جميعا كفاحا ورثه منذ أيام مينا إلى اليوم فإذا لم ~~يكافح هو أحب المكافح؛ لأنه يعبر عما يريد هو أن يفعله. # أقيلت الوزارة الوفدية وتألفت حكومة من الأحزاب الأربعة المعارضة ~~للوفد في ذلك الحين. ومن هذه الأحزاب اثنان لهما أنصارهما، ولهما ~~قوتهما الحقيقية، وآخران لا جذور لهما؛ أحدهما يرفع شعارا فيه ~~رنين الخطابة وليس فيه منطق، والآخر تكون بما نال رئيسه من ظلم، ~~وكان الظلم غاية الظلم في ذلك الحين أن يعتقل سياسي. فأما الحزبان ~~الحقيقيان فهما الأحرار الدستوريون والسعديون، وقد كانت لهما ~~الأغلبية الساحقة في البرلمان توشك أن تكون مناصفة بينهما. وأما ~~حزب الشعار فهو الحزب الوطني وكان أعضاؤه في البرلمان قلة وفي ~~الوزارة قلة أيضا توشك أن تكون رمزية. وأما الحزب الذي اشترك ~~للظلم الذي لحق برئيسه وللكتاب الذي ألفه رئيسه فهو حزب الكتلة ~~برئاسة مكرم عبيد وكان أعضاؤه في البرلمان قلة توشك أن تكون رمزية. ~~أما في الوزارة فقد اشترك بعدد مساو لأعضاء كل من حزبي الأحرار ~~والسعديين واستمر هذا الحكم بالوزارة خمس سنوات، فكانت تلك أول مرة ~~تكتمل فيها دورة لمجلس النواب في مصر. # وجرت بعد ذلك انتخابات عامة وكان من الطبيعي أن يكتسح فيها ~~الوفد. وما ظنك بحكم استمر خمس سنوات كاملة ولم يفز حزب الأحرار ~~والهيئة إلا بما يزيد قليلا عن ثلاثين مقعدا لكل منهما. ms088 # تغيرت سياسة الوفد في هذه الوزارة عن سياسته التي لازمها فترات ~~طويلة من حياته، فقد رأى أن يهادن الملك في وقت كان الملك فيه يحظى ~~بكره شعبي سعى هو إليه بكل الوسائل، وعاونته عليه أسرته جميعا ~~وخلصاؤه جميعا أيضا. وأحس الوفد أنه في مأزق حرج فلو أنه أرضى ~~الشعب لأغضب الملك الذي كان في ذلك الحين قد أصبح يتصرف تصرفات ~~رعناء بغير مشورة، إلا من خدم أغبياء يكرمهم أن يتصفوا بصفة خدم، ~~بينما هم في الحقيقة كانوا يقومون بمهام تعتبر من أحقر المهام التي ~~يقوم بها بشر. # ومن ناحية أخرى لو استمر الوفد على مجاراة الملك والتماس رضائه ~~السامي فقد شعبيته فقدانا تاما. # وشهد الشعب في ذلك الحين نوعا عجيبا من السياسة فقرأ تصريحا ~~لرئيس الوزراء يقول إن في كابري المدينة السياحية الإيطالية قبلة ~~يجب أن نتجه إليها جميعا وكان الملك في كابري في ذلك ~~اليوم. # ثم راح الوفد يثخن الدستور بسياط لم تعهدها مصر من أي حكومة حتى ~~ذلك الحين، فإذا بالوزارة تستصدر مرسوما من السراي بطرد ما يقرب ~~من عشرين عضوا من أعضاء مجلس الشيوخ من بينهم رئيس المجلس في ذلك ~~الحين الدكتور محمد حسين هيكل رئيس حزب الأحرار الدستوريين والكاتب ~~الإسلامي العملاق ومنشئ الرواية المصرية، وكان معه جماعة كل اسم ~~منهم يعتبر أمة في ذاته. # وأحس الوفد أن مكانته عند الشعب راحت تتدهور في سرعة فائقة فلجأ ~~إلى مفاوضة الإنجليز الأمر الذي كانت تحاوله كل وزارة، والحقيقة ~~أننا مهما نأخذ من مآخذ على الأحزاب السياسية فإننا لا نستطيع أن ~~نلوم أي حزب على صلته بالإنجليز. فإن نكن في ذلك الحين قد نلنا ~~جزءا كبيرا من استقلالنا وأصبح لنا برلمان وممثلون سياسيون وحرية ~~داخلية هي في مأمن ما دامت بعيدة عن المصالح الإنجليزية، إلا أن ~~الحقيقة التي لا شك فيها أن الإمبراطورية الإنجليزية كانت تحتل ~~مصر، وكانت تحتلها بقوة السلاح، ولو كانت مصر قوية ما استطاع ~~الإنجليز أن يحتلوها، فقصارى ما يستطيع رئيس الوزراء المصري ألا ~~يسلم للإنجليز ms089 بكل ما يطلبون، ويحاول أن يجعل احتلالهم معقولا أو ~~شبه معقول. والحقيقة أيضا أنه لم يكن بين رؤساء الوزارات أو ~~الوزراء من تستطيع أن تقول عنه إنه خان بلاده؛ حتى الذي كان يداهن ~~الإنجليز أشد المداهنة؛ كان يرى أن هذه هي السياسة المثلى التي قد ~~تعود على مصر بالخير ويجعلها تنال نفعا ماديا ما دامت في ظل ~~الاحتلال لا تستطيع أن تنال انتصارا أدبيا. وقد سمع الشعب ~~النقراشي أثناء رئاسته للوزارة وهو يصرخ في هيئة الأمم المتحدة ~~صائحا بالإنجليز: اخرجوا من بلادنا أيها القراصنة، وكانت هذه أول ~~مرة يسمع فيها الإنجليز مثل هذه الصرخة في أعظم محفل دولي في ~~التاريخ، ومن العجيب أن حزب الوفد يوم ذاك أرسل برقية موقعة باسم ~~رئيسه أن النقراشي لا يمثل الشعب المصري. لا علينا دخل الوفد في ~~مفاوضات انتهت إلى فشل. ووجد رئيس الوفد أنه أصبح في موقف يتحتم ~~عليه فيه أن يتخذ موقفا. وكان رئيس الوفد بارعا في إرضاء الشعب، ~~ولكن أغلب السياسيين لم يكونوا مقتنعين ببراعته في السياسة. # في هذه الفترة كانت سمعة الملك قد بلغت الحضيض فانتفض ثلاثون من ~~زعماء المعارضة، وكتبوا بيانهم الشهير ينبئون فيه الملك عاقبة ما ~~تردى فيه من دعارة سياسية وخلقية، وانتشر البيان وجن من الملك ~~جنونه ووقفت وزارة النحاس عاجزة لا تستطيع أن تعارض البيان فهو ~~حقيقة ولا تستطيع أن تؤيده فهي الوزارة المسئولة. وكان واجبها هي ~~قبل أن يكون واجب المعارضة أن تنبه الملك إلي ما يأتيه وأهله من ~~عهر يسيء أول ما يسيء إلى سمعة مصر. # وهكذا لم يجد رئيس الوزراء سبيلا أن يستعيد ثقة الشعب إلا بأن ~~يجعله يتجه وجهة أخرى لا يختلف اثنان في أمرها. # وهكذا ألقى مصطفى النحاس بيانه التاريخي في مجلس النواب: باسم مصر ~~وقعت المعاهدة، وباسم مصر ألغى المعاهدة. # وانقدحت الشرارة وذهل رجال الأحزاب ورأوا المستقبل أمامهم واضحا ~~لا غموض فيه. # ولكن زعيما من زعمائهم أعلن الثورة على الإنجليز وهم أبناء هذا ~~الشعب فلا بد أن ينضموا إلى الثورة ms090 مهما تكن النتائج. # أيد الأحرار الدستوريون كما أيدت الهيئة السعدية إلغاء المعاهدة ~~والوقوف مع الوفد صفا واحدا، وبدأت الجماعات في القتال حيث كانت ~~تعسكر القوات الإنجليزية. # وحدث الحدث الشهير لرجال الشرطة الذين كانوا يوزعون السلاح من ~~مقر مركز الإسماعيلية؛ فإذا بالقوات الإنجليزية تحيط بالمركز وتوجه ~~إنذارا للضباط الذين في داخله أن يستسلموا في مدة حددوها، أو هم ~~سيهاجمون المركز. ويتصل رجال الشرطة بوزير الداخلية ويأخذ ~~قراره. ~~- ارفضوا الاستسلام. # وانقسم الناس في الحكم على قرار الوزير قائلين: لو كان معهم ما ~~أمرهم بالموت، وقال آخرون: إنه تحمل على ضميره في شجاعة منقطعة ~~النظير مصير كل هؤلاء الرجال ليظهر العالم على فظائع الإنجليز في ~~مصر في القرن العشرين. وهاجمت القوات الإنجليزية مركز الشرطة وقتلت ~~عددا كبيرا أصبحوا اليوم جميعا شهداء معركة وطنية من أعظم معارك ~~مصر. # وكان هذا الاستبسال في حرب الإنجليز جديرا بأن يجعل مصر تنال ~~جزءا كبيرا من حقها المضاع. # ولكن فجأة وبغير مقدمات فوجئت مصر وفوجئ العالم بالقاهرة الخالدة ~~ذات التاريخ العريق تحترق. وراحت الأصابع وما زالت تشير في اتجاهات ~~عديدة وما زلت أعجب لماذا لم تشر جميعها إلى الجهة الوحيدة التي ~~ستنتفع من هذا الحريق؟ # استقالت الوزارة واتجه الملك إلى حزبي الأحرار الدستوريين ~~والسعديين ليؤلفا الوزارة؛ فرفض كلاهما، فقد كان ثلاثون منهما ومن ~~شخصيات مصرية عامة قد كتبوا العريضة للملك التي يظهرونه فيها على ~~الفساد المنتشر حوله والتي يحملونه فيها وحده مسئوليته ما سينتج ~~عنه، وقد طالبوا بإخراج الأسماء الدنسة التي تحيط به، فحين أراد ~~منهم أن يؤلفوا الوزارة كان رفضهم مبنيا على أنهم لن يشتركوا ما ~~دام الملك يتردى في الفساد متخذا سلمه في الانحدار من ظهور هؤلاء ~~الحقراء الذين يزينون له الخطيئة والطغيان والفساد. # واضطر الملك أن يترك الأحزاب ويتجه إلى المستقلين. والمستقلون لا ~~عون لهم من الشعب، وراحت مصر تتخبط كالسكران المخدور الأعمى منذ ~~حريق القاهرة. # أليس عجيبا أن تجد هذا التاريخ بين فصول رواية بطلها فرغلي بن ~~فهيم والغزية، ولكن الحقيقة أن أي إنسان ms091 في مصر حتى، ولو كان فرغلي ~~بن فهيم والغزية، تأثرت حياته ومستقبله بهذه الفترة فهي ليست جزءا ~~من تاريخ مصر فقط وإنما هي أيضا جزء من تاريخ فرغلي بن فهيم ~~والغزية. # 15 # طريق بلا نهاية # استطاعت المصاهرة التي جمعت وصفي وفرغلي في إناء واحد أن تجعل ~~فرغلي على صلات حميمة مع كل عهد. وقد استطاع في دربة الثعلب أن ~~يعطي عطاءه بالقدر المناسب في الوقت المناسب. # فحين يبدأ الهتاف يكون أول الهاتفين، وحين تبدأ التنظيمات تصدرها ~~بما له من صلات ربما مصاهرة أغدقت عليه ألوان النعيم، فقد استطاع ~~وصفي في قفزة ثورية أن يصبح من أهل المناصب الكبرى في الجهاز الذي ~~يعمل به. # ومع الأيام توالت الأحداث ومع السنين أصبح فرغلي يثب الدرجات ~~الوظيفية والسياسية في آن معا. # ولم يكن كثيرا عليه أن يحتل مكان وحيد بك عفيفي منذ اللحظة ~~الأولى، وتمكن من كرسيه تمكنا استطاعت به يداه أن تغوصا أكثر ~~فأكثر في أعناق قوم كثيرين على رأسهم بطبيعة الحال نديم وممدوح ~~ويحيى. # وحين بدأ الصراع مع الشيوعيين سمح له وصفي أن يقدم هو أسماء ~~زملاء فتحي وفتحي نفسه وغيرهم ممن امتدت صلته إليهم مع الأيام، ~~وازداد فرغلي تألقا. # وفي هذا الألق وتحت هذه الأضواء زارته إسعاد فريد النجمة ~~المتوهجة في سماء الفن، والتي كان يراها على الشاشة فيبهت عن ~~العالم أجمع، وينكمش خياله أن يمتد ليتصور أنه يستطيع في يوم من ~~الأيام أن يرى هذه الأعجوبة رأي عين. # وحين جلست أمام مكتبه تدافع تاريخه كله إلى كيانه. كيف استطاع ~~ابن فهيم وابن الغزية أن يجلس هكذا وجها لوجه إلى إسعاد فريد، ~~وتذكر زوجته حياة وتساءل إذا كانت حياة حياة فالموت أمنية. إنما ~~الحياة الحقيقية هي تلك التي تجلس الآن أمامه، وتحدثت وظل ذاهلا ~~عن الحديث. ومضت في حديثها وظل هو على ذهوله، وأدركت إسعاد في خبرة ~~الفنانة التي تعرف مدى شهرتها وسحر الإشعاع المنبعث منها الحالة ~~التي يعانيها فرغلي، وفرحت لا كما تفرح عادة كلما رأت أثرها على ~~الناس ms092 وإنما كان فرحها أكثر عمقا، فهذا الذي تجلس إليه نجم مضيء ~~من نجوم كل العهود، فإذا كانت تمكنت أن تصل إليه بهذه الصاعقة التي ~~تلف كيانه فإن لها إذن معه شأنا أي شأن، وإن لها مع المستقبل ~~أيضا شأنا أي شأن، فالنجوم التمثيلية يعرفون دائما أنهم كلما ~~صعدوا إلى القمة اقتربوا من الهاوية، وأن تألقهم كاشتعال المغنسيوم ~~شديد مبهر أخاذ ولكنه قصير الأمد سريع الانطفاء. # صمتت إسعاد، وضحكت، وظل على ذهوله فرغلي، وطال الصمت والذهول، ~~وإسعاد بكليمها سعيدة منتشية كخمر تمشت في أوصال عربيد. # وحين دخل الحاجب بالقهوة والكازوزا صحا الذاهل وابتسمت النشوة، ~~وأخذ الحاجب معه الذهول والنشوة وخرج بهما وأقفل الباب عن اثنين ~~يتيقظ كل منهما من غيبوبة كان بها سعيدا. والعجيب أن كليهما مع ~~إفاقته ظل سعيدا. # وعادت إسعاد إلى الحديث دون أن تشير إلى فترة الانصعاق منه ولا ~~فترة الانتشاء منها. ~~- سمعت عنك الكثير. ~~- أرجو أن يكون كما أتمنى. ~~- أنا هنا؛ ألست كذلك. ~~- الذي لا أعرفه إن كنت أنا هنا أم لا. ~~- ولكني هنا. ~~- وربما تشككت في هذا أيضا. ~~- تأكد أننا هنا. ~~- فأرجو إذن أن أكون معك. ~~- وأنا أيضا أرجو ذلك. ~~- أريد أن أبني عمارة. ~~- واحدة. ~~- كبيرة. ~~- ليس شيء بالنسبة إليك كبيرا. ~~- العمارة. ~~- نتغدى معا ونتكلم في التفاصيل. ~~••• # وبدأت العلاقة بريئة كل البراءة فقد أدركت إسعاد أنها تملك فرصة ~~لن تعود، ومن في مثل خبرتها إذا تمكنت من فرصة أحسنت التعامل معها، ~~ويكفيها ذكاء أنها ألفت مسألة العمارة هذه لتتعرف به، أما ما كان ~~لديها فقد يكفي لبناء حجرة. # عجيب ذلك القدر لقد كانت لا تجد شيئا تعطيه فمرت بمعرض الشركة ~~وأعجبتها بضعة أشياء اشترتها، وحين همت بدفع الثمن خطر لها أن تجرب ~~شهرتها وتتعرف بهذا الفرغلي الذي راح صيته يدوي، واخترعت حكاية ~~العمارة دهليزا أن يخفض ثمن الأشياء التي اشترتها، وقد أدركت أنها ~~ملكت الرجل منذ أول وهلة وازدادت يقينا حين أمر أن يضاف ثمن ما ~~اشترته على حسابه الخاص. خيوط مما تنسج الأيام واهية لا ms093 تكاد ترى ~~وما هي إلا دورة أشهر قد لا تكتمل سنين، فإذا هي خيط القدر نفسه؛ ~~تتغير الدنيا وما تنسجه لا يتغير. ~~••• # في هذه الأثناء بدأ الصراع بين العهد الحاكم وبين تجمع أمين ~~الشبراوي، ومرة أخرى تقدم فرغلي بالأسماء التي عنده، وفي هذه المرة ~~كانت القائمة التي قدمها وحده مئات من الناس، فقد كانت صلته ~~بالشبراوي قد توطدت حتى عرف منه أسرارا لم تستطع الأجهزة الأخرى ~~كلها أن تصل إليها. وقد استطاع هو أيضا أن يضيف إلى كل من تربطه ~~صلة بأي فرد من أفراد التنظيم سواء كانت هذه الصلة ذات شأن ~~بأهدافهم أم لم تكن. وازداد فرغلي تألقا. # تزوج فرغلي من إسعاد، وتقدم إليها برجاء واحد أن يكتما خبر ~~الزواج، وقبلت بثمن باهظ، ولكن ثروة فرغلي لم تعد تحس بأي ثمن يمكن ~~أن يكون باهظا حتى ولو كان عشرة آلاف جنيه، أثثا شقة كانت إسعاد ~~تنتقي وكان هو يدفع، وما أحس بسعادة في الإنفاق قدر سعادته بهذه ~~الأيام. ~~••• # يستطيع الزواج أن يكون سرا، وقد كان كذلك فعلا إلا عن أم حسين ~~التي تعيش مع إسعاد منذ سنوات طويلة والتي لها في البيت مكانة، ~~وكذلك لم يكن سرا عن فهمي عبد الموجود الطباخ وحسنين كرم السفرجي؛ ~~فكلاهما شاهد على العقد، وكلاهما يعمل عند إسعاد منذ فترة إن لم تكن ~~بعيدة إلا أنها كانت كافية لتطمئن إسعاد إليهما وتأنس لهما. # كان الزواج سرا إذن، لا يعرفه إلا هؤلاء النفر الثلاثة وما ~~ثلاثة نفر؟ ولكن الجنين في أحشاء إسعاد يد الله تكشف المستور إذا ~~كان المستور خبيئا. فالأصل في الزواج الإعلان، وقد أمر به النبي ~~أن يعلن ولو بطبل يدق ليعرف من لا يعرف أن اختلاء فلان بفلانة إنما ~~هو بشريعة الله وببركته، والتخفي في الزواج يجعله أقرب إلى الحرام ~~منه إلى إشراق الحلال ووضوحه. ~~••• # وازداد الأمر سوءا؛ فقبل أن يعلن الزواج عن نفسه بظهور الجنين ~~على قوام الأم، كان وصفي قد عرف بأمر الزواج، وجن به الجنون أن ~~استطاع فرغلي هذا ms094 الجلف الذي التقطه من دكة أحد الوراقين أن ~~يستغفله طوال هذه الشهور. ~~- تطلقها. ~~- هل عرفت حياة؟ ~~- عرفت . ~~- وماذا صنعت؟ ~~- أنت معها كل يوم. ~~- لم أر منها تغيرا. ~~- لأنها أخبرتني. ~~- وصفي، ألست إنسانا ككل الناس؟ ~~- لك أنت أن تجيب على هذا السؤال. ~~- ماذا أكون إن لم أكن إنسانا؟ ~~- قطعة بشرية مهلهلة كأوراق كتاب عفن أكله السوس لأن أحدا لا ~~يشتهي أن يقرأه، التقطتها أنا وجعلت منها شيئا ذا بريق في الظاهر، ~~ولكن ما يخفيه البريق أعرفه أنا كل المعرفة. ~~- لم يعد أمر أبي ولا أمر أمي يهمني ... لتذع ما شئت من ~~أمرهما. ~~- فرغلي هل جننت؟! ~~- أتظني أنني أجن؟! ~~- هذا ما يدهشني! ~~- فما سؤالك هذا؟ ~~- مجرد تعجب، لقد تزوجت أختي وقد عرفت يوم طلبتها مني كل ما يدور ~~بنفسك، ورأيت فيك يومذاك طموحا جعلني أتيح لك كل هذا الذي ~~أتحت. ~~- وقد أتحت أنا لك أيضا بصلاتي ما وصل بك إلى مكانك. ~~- ما شأنك بي؟ إني أنا الذي بنيتك. ~~- كما ساعدت أنا أيضا في بنائك. ~~- أغبي أنت إذن؟! أكنت مخدوعا فيك كل هذه السنين؟ ~~- وفيم ترى غبائي؟ ~~- أتظن أنني وأنا أبنيك تركتك تبنى هكذا حرا ~~طليقا دون أن أصور كل طور من أطوار حياتك. ~~- ماذا تقول؟ ~~- أتظن أنني حين أهددك اليوم أهددك بأبيك فهيم وأمك تحية أو ~~الغزية؟ ~~- فما أمرك القاطع هذا طلقها يا أستاذ؟ إن أمي وأبي يمكن أن ~~يجعلا مني اليوم بطلا قوميا ... قل عني ما تشاء لكني لن ~~أطلقها. ~~- ولكنك ستطلقها. ~~- بأمر منك؟! ~~- لقد خيبت ظني فيك. انظر في هذه الورقات وهي جزء قليل جدا ~~مما عندي عليك من سرقات. ~~- طظ ... هذه السرقات تخيف المرءوسين فقط اليوم؛ تخيف نديم أو ~~ممدوح أو ... ~~- أيها الغبي ألا تعرف ماذا أستطيع أن أفعل؟ ~~- ما أهون هذا الذي تستطيع أن تفعله! يبدو أنك لا تعرف أهميتي ~~اليوم، أنا عمود أساسي من عمد العهد. ~~- ولأنك هكذا أستطيع في غمضة عين أن أمحوك ... هذه المستندات ستذاع ~~في العالم ليعرف العالم الأعمدة التي يقوم عليها النظام. ويومذاك ms095 ~~لا بد أن يتخلصوا منك. ~~- ماذا تقول؟ أجننت؟ ~~- من المجنون فينا؟ مهما يكن أمرك فأنت بالنسبة لي هاو، أما أنا ~~فمحترف. ~~- ألا تخاف مما قد يصنعونه بك. ~~- أنا! وهل تظن أن هذه المعلومات عندي وحدي؟ # وكيف يظنون أن وصفي يفضح زوج أخته؟ ~~- للانتقام. ~~- إنهم يعرفون تاريخي كله والانتقام ليس جزءا من اللعبة التي ~~نلعبها. ~~- ألا تنتقم الآن؟ ~~- يا عبيط! أتظن أنني أفعل ذلك من أجل أختي؟ ~~- إذن ... ~~- إنك تحاول الخروج من يدي، واللعبة تحتم علي أن أمحوك قبل أن ~~تفعل ذلك. ~~- فأنت إذن لست غاضبا من أجل أختك وأولاد أختك؟ ~~- وماذا يضيرهم أن تتزوج؟ الموضوع الآن موضوعي أنا وصلتي بك ~~وخروجك عن الطريق الذي أرسمه لك. ~~- أترسم لي أنت الطريق؟ ~~- لقد رسمته لك من اللحظة الأولى وتركتك تظن أنك أنت الذي ~~ترسم. ~~- أنا لا أخاف. ~~- إذن انتظر. # وقام إلى تسجيل وأسمعه شريطا ... إنه حديث بينه وبين إسعاد قال ~~فيه رأيه في كل صراحة وآماله أيضا، وظل فرغلي يستمع وانقض عليه ~~الذعر وراح يعود شيئا فشيئا إلى ذلك الطفل في المدرسة الابتدائية ~~يحيط به زملاؤه ويتراقصون ويصخبون ويسخرون. امحى الزمن جميعه ولم ~~يبق من حياته الطويلة هذه التي قطعها إلا هذه الصورة فهي هو وهي ~~ولا شيء آخر. ~~- كنت أبقي هذا لأرى إلى أي حد يصل بك الغباء. ~~- ما هي المدة المتاحة لي؟ ~~- ساعات. ~~- إنها ... إنها ... ~~- حامل. ~~- وتعرف هذا أيضا؟! ~~- في شهرها الأول. ~~- أنذرها الطبيب بالموت إذا حاولت الإجهاض. ~~- هذه مشكلتك. ~~- أمرك. # لم يذهب فرغلي إلى بيت إسعاد، ولم يذهب إلى بيته، وإنما أمر ~~السائق أن يترك السيارة وينصرف، وراح يقود السيارة إلى غير هدف، ~~يتوقف ذهنه عن التفكير لحظات ثم يتوهج كحريق ولكنه في توهجه لا ~~يثير ... مظلم هو حتى في توهجه. لقد كان رسم لكل شيء طريقا وأعد ~~عدته لكل المفاجآت، ولكنه نسى أنه بشر يمكن أن يحب، ونسى أن البشر ~~يعيشون في الحياة مع بشر آخرين، وأن الطريق بين كل البشر تتقاطع ~~وتلتقي وتفترق وتصطدم وتلتحم وتنفرج وتضيق ms096 وتتباعد ويعبر بعضها من ~~فوق بعض، وتلف بهم الحياة ويلفون بها ويلفون فيها، وتغلقهم وتعريهم ~~ويختار الإنسان ولكن اختياره مرتبط باختيار الآخرين أيضا؛ ولهذا ~~قال قوم إنها جبر، وقال آخرون إنها اختيار ولو أمعنوا النظر لعرفوا ~~أنها الحالين معا. الله يعلم والناس يعملون، هو في علياء سمائه ~~يراهم أجمعين وهم لا يرى الفرد منهم إلا نفسه؛ ولهذا يقول قائلهم ~~إنها جبر وتقول الحقيقة إن العلم لا يعني الجبر وإنما يعني المعرفة ~~... الله يعرف ما سيفعلون ولكنهم هم يختارونه. ولكن فرغلي لا يعرف ~~الله ولا يريد أن يعرفه، ويظن أنه يستطيع أن يبتعد عنه ويسير ~~الطريق فهو اليوم يواجه نفسه عاجزا، ولكنه أيضا لا يفكر في الله ~~ولكنه يتمنى أن يرى أباه، ويتمنى أن يسأله؛ لقد تزوج أبوه وطلق ... ~~إنه خاض التجربة ... ولكن أين هو من أبيه؟ لقد كان أبوه نكرة ... لا ~~لقد كان نكرة بالنسبة لمصر جميعا، ولكنه في قريته كان معروفا ~~مثلما فرغلي معروف اليوم في مصر والعالم، المصيبة واحدة لقد تركت ~~أمه أباه وهو اليوم مرغم أن يترك من يحب! إن المصيبة مصيبة حجمها ~~عند الشهير هو نفس حجمها عند المجهول؛ لكم يتمنى أن يرى ~~أباه. # أكان هباء كل هذا الذي سعى إليه؟ أكل ما بذله من ذلة ومن خسة ومن ~~نذالة ومن تمزيق لكل شيء جميل في الحياة يضيع من أجل بضع كلمات ~~أراد أن يظهر بها أمام من يحبها أنه ذكي وأنه يعرف الناس. # خسة! نذالة! كيف لم أفكر في هذا؟! أنا ما زلت ممسكا بهذه ~~المواهب، أنا ما زلت صاحبها. كيف لم أترك مواهبي تعمل؟! ما هذا ~~الانهيار؟! ففيم إذن كنت أمسك برقاب الناس؟! إن بين يدي أصنافا من ~~الناس شتى أحركهم كالدمي فيتحركون أو يموتون ... كيف غاب عني هذا؟! ~~لا بأس علي؛ لقد فوجئت بما لم أكن أنتظر وكنت أحتاج إلى هذه ~~الساعات القليلة لأعود فرغلي العملاق وأنسى فرغلي الذي كان يزفه ~~الأطفال بالسخرية والاحتقار. ينبغي ألا أذكر هذا اليوم بعد هذا؛ لقد ~~أمحى، ms097 لقد مزقته وأنا أمزق كل ما يتصل بماضي، لم يبق مني اليوم ~~إلا فرغلي العملاق المسيطر المتحكم الذي يمسك في يديه مصائر آخرين. ~~إذن فلألق بهم على منضدة مواهبي ولأنتظر ... وليمت الحب وليمت الابن ~~الذي يسعى إلي من ضمير الغيب، إذا كان هذا أو ذاك سيقف بيني وبين ~~القمة التي أعتليها. إن الذي يمزق صلة الرحم بأبيه يستطيع أن يمزق ~~صلة الحب بزوجته ويستطيع أيضا أن ينسى أن له في أحشاء زوجته ~~طفلا. # إن الذي يعرف كيف يكون ابنا بلا أب يستطيع أن يكون أبا بلا ~~ابن. # وماذا على هذا الجنين لو وجد نفسه ابنا لغيري؟ هو ربما حرم ~~مالي، وربما حرم سطوتي وجاهي، ولكن ما أهون هذا إذا كان هو سيحرمني ~~المال والسطوة والجاه جميعا! ~~••• ~~- نديم. ~~- أنت؟! في هذه الساعة من الليل؟! ~~- أجلسني أولا. ~~- تفضل. ~~- هل أجد عندك قهوة؟ ~~- لا بأس أوقظ الخدم. ~~- لا ... لا تفعل! أريدك وحدك. هل عندك خمر. ~~- عندي. ~~- هاتها. ~~- أنت لا تشرب. ~~- أتخبرني عن عاداتي؟ الآن أريد أن أشرب أي شيء؛ أي شيء حتى ولو ~~كنت في العادة لا أشربه. ~~••• ~~- طعمها مر! لماذا يحبونها؟ ~~- إننا لا نحب طعمها وإنما نحب أثرها. ~~- ألها أثر. ~~- سترى. ~~- سنرى. ~~- ماذا بك؟ ~~- أريدك أن تتزوج. ~~- من؟ أنا؟! ~~- نعم أنت. ~~- أتزوج؟ ~~- زوجتي. ~~- حياة؟ ~~- أنا لا أكرهك إلى هذا الحد. ~~- ألك زوجة أخرى؟ ~~- ألم تكن تعرف؟ ~~- سمعت إشاعة ولم أصدقها، ولكن الإشاعة لم تقل إنه زواج. ~~- ولماذا لم تصدقها؟ ~~- لم أصدقها. ~~- لماذا؟ ~~- هكذا. ~~- لا بد من سبب. ~~- هل سكرت؟ ~~- ماذا تعني بسكرت؟ ~~- أتحس دوارا؟ ~~- لا شأن لك ... أجبني ... لماذا لم تصدق الإشاعة؟ ~~- أتأمرني أن أقول؟ ~~- وهل بيني وبينك إلا الأمر مني والطاعة منك؟ # وأطرق نديم وصمت قليلا ثم قال: نعم فعلا. ~~- طبعا ... فعلا. ~~- فإذا كذبتك. ~~- سأعرف. ~~- وهذا أيضا صحيح. ~~- إذن لماذا لم تصدقها. ~~- لأن معنى هذه الإشاعة أنك أحببت إنسانا. ~~- وماذا في ذاك؟ ~~- لم أكن أظن أنك تستطيع أن تحب. ~~- في هذه المرة أنت محق. ~~- فلماذا تزوجت إذن؟ ~~- كانت حلما وأردت أن ms098 أحققه. ~~- وصحوت؟ ~~- أنا مرغم أن أصحو. ~~- وأنا ما شأني؟ ~~- زوجتي حامل. ~~- لا غرابة في هذا. ~~- أريدك أن تكون أبا لهذا الطفل. ~~- أنا! أنا! أهذا معقول؟ أنت سكران لا شك. ~~- انظر إلى الكأس، لم أشرب منها إلا جرعة أو اثنتين. ~~- فكيف تجرؤ؟ ~~- كيف ماذا؟ ~~- كيف ... كيف ... كيف تفكر أن ترغمني على زواج مثل هذا؟ ~~- أرغمك بما لي عليك من حق الإرغام. ~~- أيبلغ الأمر إلى هذا الحد؟ ~~- الطريق الذي سرنا فيه لا نهاية له ولا أحد منا يعرف ماذا ~~سيلاقي فيه، إنه طويل ومظلم ومبهم قد نسعد فيه أحيانا وقد نشقى ~~أحيانا أخرى. ~~- ولكنه دائما مخيف؛ مخيف وأنا سعيد به ومخيف بشكل أكثر وحشية ~~وأنا شقي فيه، ولكني كنت أتوقع منه أي شيء إلا هذا. ~~- إلا ماذا؟ ~~- أن أكون ستارا. ~~- أنت ستار لزواج شرعي. ~~- ما لم يعلن فهو والزنا سواء. ~~- ولكنك أنت تعرف وسترى عقد الزواج، ولكنك لست ملزما أن تنتظر ~~شهور العدة. ~~- وهل أعلق شهادة الزواج بينك وبين زوجتي في بيت الزوجية أم ~~أخفيها؟ والطفل لماذا أنسبه إلي وهو من غير دمي؟ أي فرق بيني ~~وبين متستر على صلة غير شرعية. ~~- هذا مصيرك. ~~- إني أرفضه. ~~- أنت مضطرب وتواجه مفاجأة لم تكن تنتظرها، وقد تعرضت أنا منذ ~~ساعات قليلة لمثل هذا فأصاب الشلل تفكيري. إنك ستتزوج زوجتي ~~إسعاد، ولكن عليك الآن أن تعود إلى النوم أو القلق هذا شأنك، وإنما ~~حتم عليك أن تفكر لأنه حتم عليك أن تفعل ما أريد. تصبح على ~~خير. ~~- انتظر. ~~- وفيم أنتظر؟ ~~- هذا الزواج لا يمكن أن يتم. ~~- كيف؟ ~~- لا يجوز زواج الحامل. ~~- أعرف ذلك، ألم أقل إنك لست ملزما أن تنتظر العدة فأنا أعرف أن ~~عدة الحامل نهايتها الوضع. ~~- وإذا لم أتزوجها فورا فلا معنى للزواج. ~~- متى كان الحرام مانعا لك؟ وهل السرقة والاختلاس والغش ~~والتدليس حلال؟ ~~- وهي كيف توافق؟ ~~- لأنها مثلك لا تملك أن ترفض. ~~- والابن؟ ~~- فليحمل اسمك، فهو اسم أسرة شهيرة لا بأس بها. ~~- أترمي بطفلك الى اسم رجل آخر؟ ~~- لقد رمتني أمي ورميت ms099 أبي؛ صلة الأرحام عندي لا قيمة لها! من ~~الغد تكون زوجا لإسعاد ... ~~- ولكن كيف ستكون صلتي بها ؟ ~~- هذا أمر تدبرانه أنتما لا شأن لي به، هذا شأنكما. تصبح على ~~خير. ~~- خير! النهاية ... مع السلامة. # 16 # الحق ... الحق # حين وصلتها ورقة الطلاق مع ساع من مكتبه لم تصدق عينيها إلا بعد ~~أن قرأتها مرات ومرات، ورأت الشاهدين فأدركت لماذا أمر أن يخرج ~~فهمي وحسنين من خدمتها، كانت الورقة عادية من أوراق مكتبه؛ فالزواج ~~العرفي يتم الطلاق فيه بورقة عرفية؛ ورقة مثل كل الورق الملقى في ~~الطريق ولكنها بالنسبة إليها دمار، وإن كانت تتوقعه منذ تم الزواج، ~~وفي هذه المرة وقع على الورقة فهمي وحسنين أيضا، كيف عثر عليهما؟ ~~إنها لا تعلم عنهما شيئا منذ أعطت كلا منهما مائة جنيه وصرفته من ~~خدمتها والدهشة تأكل وجهه. نفس الدهشة ارتسمت على وجه كل منهما ~~وكأنما كانا متفقين عليها. أين وجدهما وجعلهما شاهدي الطلاق كما ~~كانا شاهدي الزواج، مضيقا بذلك دائرة العارفين إلى أقصى حد! إنها ~~لا تعرف، ومن أين لها أن تعرف أي شيء مما يصنعه فرغلي؟ لم تكن تتصور ~~أن زواجها به سيدوم فقد أدركت يوم طلب إليها أن يكون زواجهما ~~سرا أن زواجها سينتهي بالطلاق، ولكن الأنثى قد تدرك أن الحريق ~~حريق، ومع ذلك تندفع إليه في وعي وإصرار وعلم وخطى ثابتة مدركة، ~~فإذا أحاطت بها النيران واشتعلت بفؤادها والتهمت مشاعرها وكيانها ~~أصابها انهيار من فوجئ بالأمر لم يكن يدريه، لم تسأل نفسها لماذا؟ ~~فإن كان لا بد من لماذا، فقد كان ينبغي لها أن ترددها يوم قبلت ~~الزواج أن يكون سرا. إنها فنانة وليست في حاجة إلى مال ولا هي في ~~حاجة إلى سلطان وهي لم تحب فرغلي ولم يجذبها إليه إلا بريق الجاه ~~الذي أصبح يتمتع به، ولكن فيم كانت تريد هذا الجاه؟ وكيف كانت ~~ستنعم به والزواج سر لا يعلمه أحد إلا أهل بيتها الثلاثة؟ وكلهم لم ~~يكن محتاجا لهذه الورقة أو لهذا الزواج حتى يزداد احتراما لها. ms100 ~~لماذا هذه كان مكانها في ذلك اليوم وليس الآن. # كانت فكرة انتهاء الزواج قد بدأت تضمحل وتتخافت في نفسها منذ ~~حملت وحين أرغمها أن تحاول الإجهاض، وبلغ به إصراره أنه كان يستدعي ~~الأطباء ليروا رأيهم، وهو من هو شهرة. عاودتها خيبة الأمل حتى إذا ~~أجمع الأطباء أن إجهاضها معناه أن تموت ثبت لديها أو كاد أنه لن ~~يستطيع أن يطلقها وهي تحمل طفله، فإن ما يخفيانه هما لا بد أن ~~يذيعه ميلاد الطفل. كان آخر طبيب يستشيرانه يزورهما قبل أن تصلها ~~ورقة الطلاق بأيام ثلاثة، وفي هذه الأيام الثلاثة كانت على شبه ~~يقين أن الزواج سيدوم، ولكنه يقين المستنتج لا المتثبت، وحين جاءت ~~الورقة اندك شبه اليقين ليسفر عن يقين كامل لا شك فيه ولا شبهة ... ~~لقد طلقت. # والولد؟ والجنين؟! ~~••• ~~- لقد اتفقت مع نديم. ~~- من نديم؟ ~~- ستعرفينه. ~~- علام اتفقت؟ ~~- أن يتزوجك. ~~- اتفقت؟ ~~- اتفقت. ~~- وأنا ... أليس لي رأي؟ ~~- إذا اتصل الأمر باسمي ومكانتي فلا رأي لأحد إلا لي. ~~- أتتصور أن أوافق؟ ~~- أنا لا أتصور؛ أنا واثق. ~~- من أين جاءتك هذه الثقة؟ ~~- أنا دائما أثق فيما أفعل. ~~- الناس ليست حجارة؛ تستطيع أن تقول لا وتستطيع أن ترفض بل ~~وتستطيع أن تنتحر إذا أرادت. ~~- قد يستطيع الناس أن ينتحروا، وهذه نهاية تحل مشاكلي كلها معا! ~~أما أن الناس تستطيع أن تقول لا فهذا غير صحيح. وأمامك الناس أترين ~~أحدا يقول لا. ~~- أنا فنانة. ~~- طظ. ~~- أستطيع أن أستغني عنكم، العالم العربي كله سيهتم ~~بأمري. ~~- وفيم اهتمامه؟ إن الفنانة أيضا تستطيع أن تموت، وليحزن عليك ~~المعجبون ساعة أو بعض ساعة وليعرضوا أفلامك أسبوعين أو ثلاثة، ثم ~~ينطبق عليك قانون البشر الذي لا بد له أن يموت. # احتقن وجهها بدماء غضب وقهر؛ كان التهديد واضحا، وكانت تعرف ~~أنه يستطيع دائما أن ينفذه. وخافت؛ فهي مهما تكن فنانة وشهيرة ~~وقادرة إلا أنها أيضا تخاف؛ لأن الناس عادة يخافون. ~~- وابنك؟ ~~- نديم سيصبح أبوه. ~~- وكيف سأتزوج وأنا حامل؟ ~~- ومن قال إنك حامل؟ ~~- ألا تعرف؟ ~~- وهل معرفتي تجعل هذا السر ms101 علنا؟ ~~- والأطباء؟ ~~- إنه سر مهنة ولو أفشاه أحدهم فهو يعرف مصيره. ~~- وأم حسين وفهمي وحسنين؟ ~~- لقد رأيت توقيعي فهمي وحسنين. ~~- أنت تعرف مكانة أم حسين عندي؟ ~~- هذا لا يهم، ولكن وجودهما معك سيجعلهما أكثر صمتا. ~~- ألا تخشى أن يفشى فهمي أو ...؟ ~~- دائما الذي يتعامل معي هو الذي يخشى، أنت تعرفين مكانتي ~~التي جعلت إسعاد فريد تسعى إلى التعرف بي مدعية بناء عمارة وهي لا ~~تملك ما يبني عشة، هذه المكانة تضاعفت عشرات المرات اليوم، فهل ~~مثلي يذيع سره طباخ أو سفرجي؟ ~~- ونديم؟ ~~- ألا ترين أن الأسئلة أصبحت تافهة؟ ~~- نعم أنت محق. ~~- إذن؟ ~~- لا شيء. ~~- مؤخر الصداق؟ ~~- لا أريده! ~~- هذا حقك. ~~- ماذا؟ # وانفجرت ضاحكة في قهقهة عالية كلها بكاء يزلزل كيانها وهي تردد ~~حق ... حق حق ... وتضحك وتتزلزل وتضحك. # ونظر إليها فرغلي مليا، ووضع المؤخر ألفي جنيه على منضدة، ~~وتركها هي تواصل قهقهتها المزلزلة العالية النحيب، وهم ~~بالانصراف، وفجأة صمتت كأنها آلة عالية الضجيج خربت فجأة، صاحت ~~به: نسيت شيئا. ~~- ماذا؟ # كان قد بلغ الباب الخارجي فانتظر دون أن يلتفت وقالت هي: ورقة ~~الزواج. # وأدار لها رأسه فطالعت نصف وجهه وعينا من عينيه وخافت؛ كيف ~~استطاعت أن تعاشر عينين هذه إحداهما؟! وسمعته يقول: أبقيها عليك، ~~لن تجرئي على إظهارها، لمن ستظهرينها؟ للناس لتقولي لهم إنك تزوجت ~~زواجا باطلا، أم لابنك لتقولي له إنك نسبته إلى غير أبيه بعقد ~~مزور؟ أبقيها فقد تكون ذكرى لك في وقت تحتاجين فيه إلى ~~ذكريات. ~~- ولماذا أحتاج إلى ذكريات ومعي ابنك أو بنتك؟ ~~- أبقي عليك الورقة وما تنتظرينه. سلام عليكم. # وخرج ونظرت إلى الباب يقفل من خلفه، وعجيب أن تذكر كلمة السلام ~~الآن. # وظلت في صمتها المروع وانطبق الصمت على الحياة جميعا ... وساد ~~البيت نوع من الصمت المفزع، وكيف له أن يهدأ وفى أجوائه ثلاث جثث ~~أم زوجة، ومشروع ابن أو بنت، وصديق عمر. # 17 # الزواج والجنين والمال # أنا أعرف ما ارتكبت، وأستحق ما أنال، ولكن أنت ما ذنبك؟ ~~- تزوجته. ~~- ليس هذا ذنبا. ~~- لقد أجرمت. ~~- في ms102 حقه؟! ~~- في حق نفسي. ~~- لعلك أحببته. ~~- أتظنني ساذجة إلى هذا الحد. ~~- ليس الحب سذاجة. ~~- إنه لا يعرف الحب. ~~- ربما عرفته أنت. ~~- الذي لا يعرف الحب لا يمكن أن يستطيع أحد أن يحبه. ~~- وكنت تعرفين هذا؟ ~~- كما أعرف اسمي، وكما لا أعرف أصله. ~~- لا تعرفين أصله! ~~- كان بالنسبة لي نباتا شيطانيا يستطيع أن ينبت في غير أرض ~~ومن غير بذرة. ~~- ولم تحبيه؟ ~~- لقد أجبتك. ~~- فلماذا تزوجته؟ ~~- أغراني وميض الجاه. ~~- أمثلك يغريه وميض الجاه؟ ~~- وخفت. ~~- وعرفت الخوف أيضا؟ ~~- الجاه يخيف. ~~- ما الذي أخافك؟ إنك فنانة، إنك مفروضة على المجتمع بأمر من ~~السماء التي منحتك الموهبة. ~~- ولكن المجتمع لم يصبح حرا، ولن يصنع شيئا إذا حرمته السلطة ~~هذه الموهبة التي يعجب بها. ~~- الآن فهمت. ~~- ألم تكن فهمت؟ ~~- فهمت لماذا أطعته وتزوجتني. ~~- لقد ازداد سعارا وازددت خوفا. ~~- إنى أعذرك. ~~- وأنا أحمل وليدا هو أملي، وعلي أن أحافظ عليه. ~~- أي وليد هذا الذي تحافظين عليه؟ ~~- لماذا تقول هذا؟ ~~- ألا تدرين ماذا فعلت بهذا الوليد؟ ~~- كل ما فعلته أنا مرغمة عليه. ~~- إلا أنك حملته. ~~- ألم أكن مرغمة على ذلك؟ ~~- كنت تستطيعين أن تمنعي الحمل. ~~- كنت أحاول أن أترضى أباه، وأضمن أن يظل حماية لي. ~~- من أجل مصلحتك الشخصية إذن حملت هذا الوليد. ~~- لم أكن أدري. ~~- كنت لا تريدين أن تدري. ~~- حاسبتني وما حاسبتك. ~~- المجرم لا يحاسب. ~~- فمن يحاسب؟ ~~- من يستطيع ألا يكون مجرما؟ ~~- فأنت معترف! ~~- مختلس، لص، مشترك في جرائم منها القتل؛ فكم سكت على عمارات أعلم ~~أن الأساس فيها سيؤدي إلى قتل سكانها! إن مثلي يحمل على أكتافه ~~جرما أعظم من الحساب. ~~- وها أنت تدفع الثمن. ~~- أن أكون زوجا لك؟ ~~- أن ترغم على ما لا تريد. ~~- هذا أبسط كثيرا مما يجب أن أنال ومما سأنال؛ فالوضع الذي نحن ~~فيه لا يمكن أن يستمر. ~~- أي نحن تقصد؟ ~~- أنا وفرغلي وممدوح ويحيي ووصفي وكثيرون وكثيرون. ~~- كيف تنوي أن نحيا؟ ~~- نحن لا نحيا. ~~- أقصد أنا وأنت. ~~- أمر هذا متروك لك تماما، أو لمن فرض علينا هذا الوضع. ~~- هو ms103 لا يهمه إلا أن يذيع أمر زواجك بي، وقد تم هذا، وأن ينتسب ~~الطفل إليك. ~~- وهل ستقبلين هذا؟ ~~- القبول يكون مع الاختيار. ~~- ولكن الولد ما ذنبه؟ # ربما كنت على كل ما ذكرته من جرائم اسما أخف وطأة على الطفل من ~~اسم أبيه الحقيقي. ~~- ولكن انتساب الابن إلى غير أبيه أمر في ذاته يعتبر ظلما ~~فادحا لهذا الابن. ~~- إذا عرفه. ~~- وهل أنت واثقة أنه لن يعرفه؟ ~~- سواء عندي أن أكون واثقة أو غير واثقة، أنا لا أملك ~~الاختيار. ~~- إذن فسيبقى زواجنا حتى تلدي الجنين. ~~- ليس هذا ضروريا، يمكن أن تطلقني بعد شهر أو شهرين إذا ~~شئت. ~~- وهل تزوجتك حتى أطلقك؟ ~~- أعرف أن الزواج باطل. ~~- وأنا أيضا أعرف ذلك. ~~- وأعرف أنك تعرف. ~~- كلانا ضحية، وأنا أترك لك حرية التصرف. ~~- ليس مجال الاختيار واسعا على كل حال. سيكون كل منا في ~~غرفة. ~~- أمرك. ~~- فلا داعي لارتكاب خطيئات أخرى لسنا مرغمين عليها. ~~- وإلى متى تريدين الزواج؟ ~~- هذا إليك. ~~- أنا لا يضيرني أي وقت تشائين. ~~- إذا لم يكن عندك مانع فليكن بعد الولادة ببعض الوقت حتى يتأكد ~~الناس أنك أبوه. ~~- لا بأس. ~~- أنت رجل طيب. ~~- ولكني مجرم. ~~- يستطيع فرغلي أن يجعل الطيبين مجرمين. ~~- السذاجة الفاضحة تستوي مع الإجرام الغريزي. ~~- كنت تستطيع أن تكون خيرا من هذا. ~~- ربما. ~~- هل أساء إليك هذا الزواج إساءة أخرى غير غضب أسرتك؟ ~~- أسرتي أمرها هين. ~~- إذن هناك ما هو أدهى؟ ~~- خطيبتي. ~~- هل كنت خاطبا؟ ~~- وأوشكت أن أقدم الشبكة. ~~- وهل يعلم فرغلي؟ ~~- لا يمكن؛ لم يكن من الممكن أن أخبره. ~~- لماذا؟ ~~- إنها من أقربائي وأبوها رجل شريف. ~~- أيغضب هذا فرغلي؟ ~~- فرغلي يكره أسرتي كما يكره كل أسرة، أما أن يكون أبوها شريفا ~~فهذا ما لا يمكن أن يحتمله. ~~- فكيف أقدمت على الخطبة؟ ~~- توهمت أنه قد يغفرها لي ما دمت سأظل سائرا بين الخطين اللذين ~~يرسمهما لكل واحد منا. ~~- والآن؟ ~~- لا أمل. ~~- أنا مستعدة أن أخبرها بكل شيء. ~~- تزداد الأمور سوءا. ~~- لماذا؟ إنك مرغم. ~~- هل ستقولين لها سبب إرغامي؟ مصيبة! هل ستقولين ms104 لها أني أستر ~~زواجا لم يعلن؟ مصيبة أكبر! سأصبح في نظرها قوادا شرعيا. ~~هل ستقولين لها بأن الزواج بيننا ليس صحيحا؟ مصيبة أكبر وأكبر؛ ~~محتال وزان وقواد! ~~- فماذا تنوي أن تفعل؟ ~~- لقد اخترت طريقي وعلي أن أسير فيه حتى النهاية. ~~- أترى له نهاية؟ ~~- لكل شيء نهاية، حتى طريقنا هذا له نهاية. ~~- انتظر ... خبرني. ~~- ماذا؟ ~~- لقد ذكرتني بالنهاية. ~~- بماذا ذكرتك؟ ~~- أنت طبعا تنوي أن تطلقني. ~~- حين تأمرين. ~~- ليس هذا هو المهم. ~~- فما هو المهم؟ ~~- بالطبع لقد كونت ثروة. ~~- طبعا. ~~- ومن المؤكد أنك ستتزوج في وقت من الأوقات. ~~- أظن ذلك ... لا أدري. ~~- المهم ماذا ستصنع بثروتك هذه؟ ~~- طبعا تقصدين بعد موتي. أظن ... أظن ... ~~- وهل في هذا ظن؟ إنك طبعا لن تعطيها أو تعطي منها لابن فرغلي ~~أو بنته. ~~- ماذا تريدين أنت؟ ~~- غير معقول أن تحرم أبناءك لتعطي وليدا الصلة بينك وبينه هي ~~الإرغام والقهر والإذلال وقتل الأمل وقطع الصلات بينك وبين خطيبتك ~~التي كنت تحبها، لماذا تعطي ابن هذا الذي فعل بك كل هذه الأفاعيل ~~مالا؟ وما علينا من هذا جميعا؟ لماذا تعطي شيئا من ثروتك لطفل ~~ليس طفلك على كل حال. ~~- وفرغلي أيضا لن يعطي ابنه أو بنته منك شيئا. ~~- فرغلي عنده أولاده الرسميون ولا يمكن أن يعلن أبوته التي فعل ~~كل هذه السفالات ليخفيها، لقد أذلني وأذلك وزيف أبوة ابنه. أبعد كل ~~هذا سيعطيه؟ طبعا لا ... طبعا لا! ~~- إذن ... ~~- إذن لم يبق لهذا الجنين الذي أحمله طفلا كان أو طفلة إلا ~~أنا. ~~- إنك ثرية. ~~- إنك واهم. ~~- تكسبين كثيرا. ~~- إننا نكسب كثيرا ولكننا نضطر إلى إنفاق أكثر مما نكسب. لا بد ~~لنا من مظهر براق، سيارة فاخرة، أفخم ثياب. ~~- وفرغلي؟ ~~- أعطاني المؤخر، قال إنه حقي وما أخذته منه في مدة الزواج ~~القصيرة أوشك أن ينتهي؛ فأنا لم أعمل أثناء الزواج إلا أعمالا ~~قليلة. فقد شغلني عن العمل بمواعيده غير المنتظمة، وأهم شيء في ~~عملنا المواعيد. ~~- وماذا ستفعلين؟ ~~- آه ... وأعطاني عشرة آلاف جنيه مقابل أن أجعل الزواج ~~سرا. ~~- مبلغ كبير. ~~- ولكنه عاد ms105 واقترض منه خمسة. ~~- اقترض؟! فرغلي يقترض! ~~- كان قد تمكن مني وأراني كيف يستطيع أن يمحو اسمى من دفاتر الفن ~~واقترضه. ~~- تقصدين اغتصبه. ~~- لك أن تختار من الأسماء ما تشاء؛ لا يهم. ~~- وأنفقت الآلاف الأخرى. ~~- اشتريت سيارة ... الموقف مرعب. ~~- إذن ... ~~- ليس أمامي إلا العمل. ~~- أظن ذلك. ~~- إننا نحن الفنانين حياتنا قصيرة ومستقبلنا في يد الحظ وحده، قد ~~يقبل علينا الجمهور فترة ثم ما يلبث أن يزهدنا، ونحن لا نعرف لماذا ~~أقبل ولماذا زهد. والجمال والشباب والنضارة فترة قصيرة فإذا اطمأن ~~بنا القلق على دوام الجمال ظلت المرآة تخيفنا في كل يوم؛ لأن ~~التجعيدة الواحدة في وجهنا معناها النهاية. أرأيت لا بد أن أعمل ~~في هذه الفترة المحدودة برغبة الجمهور وإرادته المحدودة بشكل مؤكد ~~بتقدم الزمن وانطفاء مصابيح التألق الإلهي ما تعمله غيري أضعافا ~~مضاعفة لأضمن لهذا الجنين أن يعيش بعد موتي. فلن يجد أحدا له بعد ~~موتي، لم أكن أفكر في هذا، أعطني التليفون من فضلك. لا بد أن أبدأ ~~فورا ... الآن ... فورا. ~~••• # وبدأت وبدأت بجنون، ولم يعد يعنيها ما يعني الأخريات أن يكون ~~اسمها بعرض الشاشة، وأن يكون وحده عليها بلا مزاحم، ولم يعد يعنيها ~~أطويل دورها أم قصير، ولم ترفض أي برنامج في الإذاعة؛ أصبح المال هو ~~هدفها الأول والأخير. وربما قال قائل كلهن كذلك، وإنهن كذلك إلا أن ~~بعضهن يحببن أن يتظاهرن بالفن وبالفهم للأعماق؛ تلك الكلمة التي ~~يقولها كل من يعمل في هذا الميدان دون أن يعنيه مدلولها وإنما ~~يعنيه أن يستمتع بنطقها، وبعضهن أيضا يحببن أن يبدين أنهن عازفات ~~عن العمل وأن الملل أصابهن من سعة الشهرة. # استغنت إسعاد عن كل هذه المتع من التدلل وادعاء الزهد في العمل ~~والتظاهر في الرغبة عن الشهرة، واندفعت كحريق تبحث عن ~~المال. # وفي هذا اللهيب كانت تعرف أن مثيلاتها ينلن المال أيضا من طرق ~~أخرى ولم تكن هذه الطرق غريبة عليها ولكنها لم تكن تبذل نفسها ~~لمال، وإنما حين يطيب لها أن تفعل. أما اليوم فقد استطاعت أن تقمع ms106 ~~هذه النفس وأصبح المال هو الشيء الوحيد الذي يطيب لها أن تصل إليه ~~وهي تأمل حين يكبر ابنها ألا يسمع عنها ما يشين. وأحس نديم أن هذا ~~الطريق يجلب عليه خزيا مشهرا أمام الناس؛ فإن أحدا لا يعرف ~~العلاقة الحقيقية بينه وبين زوجته إلا فرغلي، وحاول أن يحتج فصرخت ~~به: أنت تعرف حاجتي إلى المال. ~~- وسمعتي؟ ~~- وهل لمثلنا سمعة؟! # وأطرق خزيان وأنقذه ظهور الجنين معلنا عن قدومه. # إسعاد عفيفة ولكن هالها أن يمر وقت ولا تأتي فيه بمال ولم يطل ~~بها التفكير، فإن مثيلاتها أيضا يلعبن القمار ولا يخسرن فيه ~~أبدا لأن اللاعبين يحبون أن يخسروا لهن مالا. # وما دام ظهور الجنين قد منعها الحصول على المال من العمل فإنه لا ~~يستطيع أن يمنعها من الحصول على المال على موائد القمار. # 18 # مشروع العمر # كان فرغلي قد تعلم في معاملته لمن يمسك برقابهم أن يجعل ضغط يده ~~يتوقف قبل أن يزهق الروح، وكان قد تعلم أنه حين يجعل واحدا منهم ~~ينحني ويعفر رأسه في حمأة الذل عليه بعد أن يجعله ينفذ ما يريد أن ~~يفتح له بابا يعود عليه بكسب يخفف الذل الذي أصابه، فإذا لم يضمد ~~جراح الآدمي فيه أتاح لشرة المال أن تجعله يهدأ إلى بعض راحة. ~~- مشروع العمر يا نديم: أي مشروع؟ ~~- وسأجعلك وحدك المسئول عنه. ~~- وحدي؟ ~~- معي طبعا. ~~- لا أشك في هذا. ~~- قد يستغرق منك عشر سنوات. ~~- عشر سنوات؟ ~~- بناء جامعة. ~~- جامعة؟ ~~- بأكملها على مساحة خمسمائة فدان. ~~- أين؟ ~~- ستعرف. ~~- ورأسماله؟ ~~- أكثر من مائة مليون جنيه. ~~- والشركة وحدها هي التي ستقوم به. ~~- أنا وأنت ويحيى ابن عمتي. ~~- متى تبدأ؟ ~~- الجامعة رسمت مع يحيى المعامل ومنازل الطلبة ومنازل الأساتذة ~~بل ومنازل السعاة ومرائب السيارات، اثنتا عشرة كلية. ~~- دفعة واحدة؟ ~~- وأنا وأنت المسئولان فقط ومعنا يحيى. ~~••• # وراح المال يتدفق على نديم وأعلن اسمه على لافتات البناء أنه ~~المشرف المسئول من قبل الشركة، وكان يعرف الأظافر الحادة التي تنتاش ~~رقبته؛ فكان يعطي فرغلي نصيبه دون أية مناقشة. # ولما كان لا ms107 بد للشركة أن تكسب علنا، ولا بد لنديم أن يكسب لنفسه ~~ولفرغلي سرا؛ فقد كان من الطبيعي أن يكون ذلك على حساب نفقات ~~البناء نفسها، والبناء جماد لا يعرف السرقة ولا يعرف الغش ولا يحسن ~~أيضا إخفاء السرقة أو الغش. # ولكن يحيى حسين ابن عمة فرغلي والمهندس المسئول عن البناء قد ~~أصبح خبيرا؛ أي خبير في إخفاء ما لا يستطيع البناء أن ~~يخفيه. # 19 # حتى القمار # لم تجد إسعاد إلا موائد القمار لتعوض بها الانحدار الذي أصاب ~~الإقبال عليها، وبدأت تواجه تلك الفترة العصيبة التي تواجهها كل من ~~تعمل في الفن حين يصبح الفنانون في سن لا يصلحون فيها لأدوار ~~الشباب، ولا يصلحون أيضا لأدوار الكبار، ومرحلة أدوار الكبار هذه ~~ليست مؤكدة؛ فليس كل الممثلين يصلحون لها لأنها تحتاج إلى ممثل فنان ~~أو ممثلة فنانة؛ فقد كان شبابهم يغتفر لهم ولهن سوء التمثيل، أما ~~إذا علت بهم أو بهن السن أصبح الفن وحده هو الذي يعتمدون ~~عليه. # ولم تدرك إسعاد أن الإقبال الذي كانت تلاقيه على موائد القمار ~~يرتبط ارتباطا وثيقا بالإقبال الذي كانت تلاقيه على شاشة ~~السينما. وبدأت تخسر على نفس الموائد التي كانت تكسب عليها دائما. ~~وحين دخل معتز إلى المدرسة كانت إسعاد في حالة انتعاش مالي فراحت ~~تنفق عليه في غدق. # ولم يكن في أول حياته يرى فيما ينفق عليه إلا أمرا طبيعيا ~~يتفق مع شهرة أمه ومع الغنى الذي تلاقيه. # ولكنه مع الأيام وجد هذا الغدق يتناقص في حين بدأ هو يختار ~~ملابسه ومأكله ويستحسن الأشياء ويستقبحها، وتولاه نوع من العجب ولم ~~يلتفت، وأنى له أن يلتفت، إلى أن أمه لم تعد تعمل إلا نادرا. ولم ~~يلتفت وأنى له أن يلتفت أن التليفزيون هذا الأعجوبة الجديدة لم ~~يطلبها في سنوات إلا مرات قليلة تكاد تحصيها أصابع اليدين أو اليد ~~الواحدة. ولكن لم يغب عنه أن أم حسين هي الطباخة ولم يكن في البيت ~~غير خادم معها صغير ذي مرتب بخس. ~~••• # اكتمل بناء الجامعة وافتتحها المسئولون وتصدر ms108 نديم ويحيى الداعين ~~إلى حفل الافتتاح مندوبين عن الشركة ولم يظهر فرغلي مطلقا. وبدأت ~~الدراسة وتوافد الطلبة على قاعات الدرس وعلى مساكن الطلبة وعلت ~~الطبول تحيي عصر العلم وعصر الثقافة وعصر الاشتراكية التي تتيح ~~المستقبل المشرق لأبناء مصر، وأراد مدير الجامعة أن يقدم شكره ~~للشركة التي أنجزت هذا الإنجاز العظيم فاختار ممدوح طبيب الشركة ~~- ولم يقل ابن عمة رئيسها - أستاذا غير متفرغ بكلية الطب، وطبيبا ~~للجامعة بجانب عمله بالشركة طبعا. # وكانت عمته قد ماتت كما مات زوجها ولكن بعد أن شهدا مطالع سعوده ~~وشهداه وهو يأخذ بيدي ابنيهما فحنيا له الجباه التي كانت تشمخ ~~بالابن الطبيب والآخر المهندس. # الوحيد الذي لم يمت هو فهيم. ماتت زوجته وكبر أبناؤه وتفرقت بهم ~~الحياة في كل متجه وهو باق يرقب الحياة في مصر من مرقبه الخبيء ~~هناك في القرية، ويعرف أنباء فرغلي كلها ويعرف كل ما يقف وراءها ~~ولكنه يصمت، لا يدعو لابنه بالفلاح؛ فقد كان يرى في فلاحه حتفه، ولا ~~يدعو عليه؛ فالأب يدرك أن دعاءه على ابنه يعرف وهو في طريقه إلى ~~السماء أنه انطلق عن لسان ولم يصدر عن قلب ويعرف الدعاء أن حقيقة ~~طريقه ليست أن يستجاب. # واستطاع فرغلي بقوته الخارقة أن ينسى أباه كما استطاع بقوته ~~الأعظم أن ينسى ابنه، ومضى طريقه يستذل كل من حوله حتى لم يعد ~~إذلالهم يكفيه، متخفيا أو معلنا إعلانا غير صريح وإنما أصبح يحس ~~أن من الطبيعي أن يذلهم بكل وسائل الإذلال وكل وسائل ~~الإعلان. # لم يكن يهمه أن يسب نديم ويحيى وممدوح أمام الجميع بل كان يجد أن ~~من الطبيعي أن يحقرهم أعظم تحقير أمام أبنائهم كلما وجدهم أمام ~~أبنائهم. # فقد كان من الطبيعي أن يتزوج نديم بعد أشهر قليلة من ميلاد معتز ~~وتطليقه المعلن لأمه. # وكان أبناء يحيى وممدوح كبارا وقد وجدوا جميعا الوظائف التي لا ~~يصل إليها أمثالهم من أبناء عبيد الحجرات وسادة المجتمع. # وكانت نفوس يحيى وممدوح ونديم تفهق ألما وكمدا ولكنها نفوس ~~ارتضت الطريق، وهي تعلم من ms109 بدايته أن هذا الخزي من معالمه، ولكن ~~أكان هذا العلم يكفي لمنع الشعور بالمهانة خاصة حين تصل إلى قمتها ~~أو إلى حضيضها، هم يرون أنفسهم موضع إذلال أمام أبنائهم الذين ~~كانوا يظنون أن آباءهم أعزة كرام، وكانوا كما كان جميع من حول ~~فرغلي يدرون أن إذلال الناس هوايته التي أصبحت حرفته، وكانوا ~~يصمتون ولكن على أي ألم كانوا يصمتون. # 20 # الحقيقة # فوجئ معتز وهو في مطالع الشباب أن المال نضب عند أمه؛ فهي تحتال ~~على العيش احتيالا. راحت تبيع الأثاث الفاخر الذي كان يزين كل ركن ~~في شقتها الفاخرة المتسعة وتستبدله بأثاث حديث فيه ذوق لا يعينه ~~مال كبقية الجمال التي تخلفت على وجه أمه، ولكن الأثاث الفاخر ~~يزينه القدم، والجمال الآدمي الدارس يشينه الزمن، وحاولت أمه أن ~~تدعي أن هذا الأثاث الذي تبيعه لم يعد يناسب ذوق العصر؛ فكانت في ~~دفاعها عن البيع مثلها في دفاعها عن فنها الذي مله الناس، وتدعي هي ~~أنها تواجه حربا خفية من عدو مجهول، وأن المنتجين والمخرجين يريدون ~~العاهرات ولا يريدون الفنانات. # وجديد على معتز أيضا أن أمه أصبحت تؤجر شقتهم للعرب في الصيف ~~وتقيم معه ثلاثة أشهر الإجازة في الإسكندرية بشقتها هناك، وتقول في ~~بساطة أليس هذا خيرا من أن تبقى خالية؟ ولا يحاول معتز أن يذكرها ~~برأيها العنيف عن هؤلاء الذين يؤجرون مساكنهم، ويقبلون أن ينام قوم ~~لا يعرفونهم في فرشهم. لقد أحس الفتى، وما لنا لا نقول أدرك أن أمه، ~~تعاني أزمة مالية، وأدرك أن هذا الإيجار السنوي يوشك أن يكون ~~موردهم الوحيد. # واستمرت به سنوات الدراسة وهو على هذه الحال محاولا أن يخفف عن ~~أمه ما تلاقيه مدعيا أن ما يحدث أمامه أمر طبيعي لا غرابة فيه، ~~وتحس الأم بهذا الحنان من ابنها وتعجب من أين جاء به؟ لقد كبر وهو ~~يعلم أن أباه نديم الطوبجي طلق أمه بعد ميلاده بعام أو أقل، وأنه ~~تزوج من أخرى وأنه يكتب ثروته الباذخة بأسماء أبنائه مباشرة حتى لا ~~ينال هو شيئا. ms110 # وتفكر إسعاد كيف لمعتز أن يكون بكل هذا الحنان، بل كيف لم يفكر ~~أن يرى أباه، وكيف لم يفكر أن يلجأ إليه يطالبه بحقه؛ فهو لا يعلم ~~أبا لنفسه إلا نديم، وهو لا شك قد عرف أن لكل ابن على أبيه حقا. ~~كيف استكبر أن يلجأ إليه أو يقترح على أمه أن تطالبه؟ من أين أتى ~~بهذا الكبر وهو ابن لهذه الخسة العظمى التي يمثلها أو ينشئها لأول ~~مرة على أرض البشر أبو معتز الحقيقي فرغلي؟! # سبحانه هو الذي يسوي النفوس كما يشاء. وقد عاش معتز فترة ~~طويلة من حياته في هناء مالي وفي ظل وريف من حنان أمه، ترى هل ~~تكونت نفسه في هذه الفترة وهو بعد صبي يشب عن الطوق؟ أم ترى رأى في ~~حنان أمه ما يعوضه عن أي شيء قد تهفو نفسه إليه؟ أم ترى ليس لهذا ~~الخلق من سبب إلا أن الله الرحيم في علياء سمائه رأى أن يجعل من ~~هذا الابن نفحة رضاء إلى قلب الأم تعوضها عن مجد ضائع وجمال زال ~~وحياة تحطمت، وهي بعد في البداية؟ # كانت إسعاد تشكر في نفسها دائما هذه الرقة من ولدها وكانت كلما ~~رأته يمد عينيه إلى شيء يتمتع به غيره من الشباب، ويقصر بها حالها ~~أن تستجيب له؛ تحس في قبوله واقع أمرهما يدا قاسية تعتصر قلبها ~~اعتصارا. وسبحانه بارئ النفوس فقد جعل القلب يخفق في عنف عند ~~الحنان مثلما يخفق في عنف عند القسوة، يخفق من رضا كما يخفق من ~~غضب. وقد كان هدوء معتز وصبره أشد على أمه وقعا لو أن معتز قابل ~~فقرها بالسخط والغضب والاستنكار والتنكر. عاشت شباب ابنها الباكر ~~وهي تعلم أن أشياء كثيرة تنقصه ولكنه لا يبين عنها؛ فكثير من ~~إخوانه يملكون سيارات ومن حقه أن يطمع في أن يكون مثلهم، ولم لا ~~وأمه على هذه الشهرة وأبوه الذي يعرف أنه أبوه على هذا الغنى! ~~وقبل أن تؤجر شقتها أول مرة ألمح إلى هذه الرغبة ثم لم يعد إليها ~~منذ ms111 بدأت أمه تأجير سكنها. # وهي تعلم أن ملابسه أقل كثيرا من إخوته الذين يراهم ~~والذين لم يحاول أن يتعرف بهم بل لقد رفض محاولة أحدهم حين قدم ~~نفسه إليه على أنه أخوه! لقد أنبأها عن ذلك اليوم. # حين تقدم إليه فتى يكاد يكون في مثل سنه. ~~- ألا تعرفني؟ # وكان يعرفه فقد أخبره كثير من أصدقائه الزملاء عنه وأشاروا له ~~إليه فقال لهم إنهم لا يعيشون معا وإنه لا يريد أن يعرفه أو يعرف ~~أحدا من بيته، فأقصروا منذ ذلك الحين ولم يعودوا إليها، ولكنه لم ~~يكن يتصور أن يواجه أخاه هذه المواجهة: أتعرفني؟ أنعم فيه النظر ~~وأرتج عليه بعض الحين ثم قال: لا أظن. ~~- أنا سعد نديم الطوبجي. ~~- تشرفنا. ~~- ما هذا! ألم تدرك أنني أخوك؟ ~~- من قال لك إنني أخوك؟ ~~- شهادة ميلادي وأبي ... أبوك. ~~- أبوك وحدك. ~~- ولكن أنا ما ذنبي؟ ~~- يا سعد إنني آسف لموقفك وآسف لموقفي أنا أكثر؛ فقد قسوت عليك ~~دون أن أشرح لك معنى كلمة أخ التي أفهمها أنا وكلمة أب التي أعرفها ~~والتي يجب أن تكون. ~~- أنا لم أقصد سوءا. ~~- وهذا ما يجعلني أشرح لك. ليست الأخوة وحدة في أب وإنما هي ~~معايشة تنبت من الحياة لا من الاسم، وربما كنت فتى طيبا فيك ود ~~وصفاء لكني أنا أرفض الأخوة منك، تلك الأخوة التي لا أخوة فيها إلا ~~انتسابي إلى أب في ظلم أبيك! عن إذنك. # لقد سمعت إسعاد هذا الحديث كله وحفظته وتألمت له أنواعا من ~~الألم شتى، فالكلام حق ولكنه موجه إلى رجل لا يستحقه بل هو لا ~~يستحق من معتز إلا كل إجلال، فحسبه أنه أعطاه اسمه حتى ولو كان قد ~~أعطاه هذا الاسم وهو مضطر غير مختار. # سمعت الحديث ولم تستطع أن تقول له الحقيقة؛ فهي أبشع بكثير مما ~~يظن أن نديم قد فعل. # كانت الحقائق المختفية وشعور معتز بالفقر وهو يظن أنه جدير ~~بالغنى، وإحساسه بالظلم لتنكر أبيه له، وقصورها أن تجيب رغباته، ~~ورضاؤه بهذا القصور منها؛ كان هذا جميعا يحمل ms112 قلبها أكثر مما ~~يطيق قلب الإنسان أن يحمل، ولهذا لم يكن غريبا أن تصاب بنوبة ~~قلبية حادة، ولم يكن غريبا أيضا أن يلازمها معتز بجانب سريرها ~~شهرين كاملين. ومن يدري ربما كان هذا البقاء سببا في تفوقه في هذا ~~العام وإن كان المؤكد أنه كان من الأسباب التي أبقت على حياة ~~أمه. # 21 # الجامعة تتكلم # كان حفلا سياسيا هاما في الجامعة الجديدة، وكانت قاعة ~~الاحتفالات الكبرى التي تتسع لأربعة آلاف طالب وطالبة مليئة ~~بالطلبة، فقد حشدت القوى السياسية ما استطاعت أن تحشد من الشهود؛ ~~فكلما كثر عدد المشاهدين تأكد لدى الجهات العليا حرص القوى ~~السياسية بالجامعة على مناصرة العهد وتأييده. # وبدأ الخطباء الحفل وقصد القائمون بتنظيم الحفل ألا يفتتح القرآن ~~الكريم حفلهم، واكتفوا بآيات من الميثاق تغطي القاعة كلها. وكانت ~~الأوامر أن يدوي التصفيق في مواطن معينة وأن يبلغ مداه كلما ذكر ~~اسم بذاته، واستجاب الطلبة للأوامر وما لهم لا يفعلون وقد لقنتهم ~~الحياة التي نشئوا فيها أن مصر لم توجد إلا في هذا العهد وأنها لن ~~توجد إلا في هذا العهد، وكاد أن يصبح من الثابت لديهم أنهم يشهدون ~~عصر بعث جديد لدين جديد ونبي جديد. # وإذا كانت عقول الطلبة قد اضطرت أن تصدق هذا أو توشك أن تصدقه ~~فإن أبنية الجامعة ليس يعنيها من هذا جميعه شيء، وإنما يعنيها فقط ~~أن تكون مقامة على الأسس العلمية الصحيحة، فلا ينتقص أحد من موادها ~~الأساسية مهما يكن هذا الشيء قد تمثل في مزيد من المال لفرغلي ~~ونديم ويحيى. # وأبنية الجامعة تستطيع أن تتكلم، وإذا فعلت كان حديثها أحداثا ~~مروعة تفتك بالأرواح والآمال وبالمستقبل وبأعمدة الحياة، وقد شاءت ~~قاعة الاحتفالات الكبرى بالجامعة أن تتحدث في هذا الوقت بالذات. ~~وربما كانت آيات الميثاق قد أثقلت جدرانها، أو ربما كان الاسم ~~العريض الذي يتردد في كل جملة شديد الوقع على الأبنية. ومن يدري ~~ربما كان التصفيق الذي ينطلق من أيد بريئة تنفيذا لأوامر غير ~~بريئة قد جعل البناء يختار هذا الوقت بالذات ليتكلم، ms113 أو ربما أراد ~~البناء أن يقول كلمة فيسمعها العالم أجمع ويصبح تكتم الأمر ~~مستحيلا. فقد كانت كل الأحداث الكبرى التي لا تشهدها جموع تنكتم ~~أنباؤها كالموت الذي تصنعه. # سبب من هذه الأسباب أو كل هذه الأسباب اجتمعت؛ فإذا البناء الضخم ~~ينهار على الشباب اليافع المخضل بماء الحياة وإن كانت حياة كلها غش ~~وكذب وخديعة وأضاليل، هم من غشها وكذبها وخداعها وضلالها أبرياء، ~~بل هم ضحاياها ولا بد للتضحية أن تبلغ منتهاها فبلغت، ولا بد ~~للشهيد الحي الذي يحيا حياة واهمة صنعها له الأفاقون أن يصبح ~~شهيدا في كتاب الله ليحتسبه ربك ذو الجلال الصادق الوعد مع ~~الصديقين ومع شهداء الحق على مدى الزمان. # لم يكن الأمر مجرد مقتلة لآلاف من الأبناء والبنات، وإنما كان ~~مقتلة لكل الشعارات المرفوعة على فراغ واللافتات المقامة على ~~الهواء. # وبدأت الاتهامات، وبدأ كل مسئول ينفي التهمة عن نفسه. واستطاع ~~فرغلي في جرأة عريضة أن يقول إنه رئيس مجلس إدارة، ومن كان في مثل ~~مكانه لا يسأل عن التفاصيل وإنما هو أناط نديم المدير العام ويحيى ~~كبير المهندسين بالشركة أن يقوما بتنفيذ البناء. ولم يكن عجيبا أن ~~يكون صديق العمر وابن العمة هما أول حطب يلقى إلى حريق الآلام الذي ~~ثار عن الحادث، فما عينهما فرغلي إلا ليكونا حطبا إذا احتاج إلى ~~حطب. # ومن يستطيع أن يكذبه وهو يتهم ابن عمته الذي لا يجهل أحد صلة ~~الرحم بينهما، وصديق العمر الذي لا يجهل أحد صلة الأيام الطويلة ~~التي تجمعهما. # وبدأ التحقيق، وويل لبعض الناس من هذا التحقيق! لقد رأى نديم ~~الموت الذي صنعه والذي لم يتصور أن ينتج عما فعل؛ فقد عاش حياته ~~كلها مع فرغلي واستطاع أن يرغم بقوة فرغلي الأيام أن تستر ما ~~يصنعان فما لها اليوم قد صنعت به ما صنعت؟! وكيف يلقي به فرغلي إلى ~~أتون العدالة وفجيعة الآباء والأمهات والأحباب وسخط الرأي العام في ~~هذه السهولة وفي هذا اليسر؟! لم يكن ذلك غريبا على فرغلي ولم تكن ~~دهشة نديم لتبلغ مداها ms114 هذا الذي بلغته لو لم يكن يعرف ما يعرف من ~~أسرار فرغلي التي يستطيع أن يذيعها في حماية المحكمة، ولو لم يكن ~~يعرف أن فرغلي يقدر جسامة ما في جوف نديم من أسرار عنه. ونسي ~~نديم الأهبل أن فرغلي يستطيع أن يجعل نديم يقول ما يشاء وفي نفس ~~الوقت لا يسمعه أحد، نسي نديم الأهبل الأحابيل العديدة التي يمسك ~~بها فرغلي. # ولكن كلمة نفذت من أسرار فرغلي رغم أنفه إلى الحياة، فإن للسماء ~~طرقها الخاصة التي تجعل بها الحقيقة تفلت إلى الحياة. # 22 # قراءة # جلس معتز يقرأ لأمه أنباء التحقيق وفوجئت الأم في أثناء التحقيق ~~بجملة قرأها معتز، وهم أن يعدوها إلى ما وراءها ولكنها ~~استوقفته: أعد ما قرأت. ~~- ولكن نديم قال إن لديه كثيرا من الأسرار وأنه سيجد نفسه ~~مضطرا لإفشائها إذا لم يعترف كل مسئول عن مسئوليته. # ورأى معتز الهول على وجه أمه هنيهة ثم تابع القراءة بينما انفصلت ~~هي عما تسمع، وفي لحظات أو ربما في أقل من لحظات مرت حياتها منذ ~~دخل فيها فرغلي إلى هذه اللحظة. ماذا سيقول نديم؟ إنه سيذيع سر ~~ابنها لا شك ... والأيام التي قاست وأملها هذا الذي تحقق وشقاؤها ~~وعناؤها وما قبلته من طغيان فرغلي، وما فقدته من كرامة، وما أخفته ~~من سر زواجها بنديم عن فلذة كبدها وكبد فرغلي معا. # أتنفجر القنبلة في ابنها ... في كيانها ... في كل ما تقدمت به ~~قربانا إلى الحياة لتبقي لابنها الكرامة ... في كل ما تعلقه على ~~ابنها من آمال؟ لقد حمدت الله أن ابنها لم يشعر يوما بأبوة نديم، ~~فهو لم يحس أي أسى لما ألقي عليه من تهم وإن كان يعلم أنه يحمل ~~اسمه، ولكنه قال لأمه وربما إشفاقا بها: الأرزاق بيد الله وإن ضاقت ~~بنا مصر فإن لك أصدقاء في البلاد العربية ونستطيع أن نسافر معا. ~~لقد هون عليها بل أزال ما شعرت به من خوف عليه يوم أعلن اتهام ~~نديم، أيفجر نديم الأسرار؟ فابنها إذن أول الصرعى بأسرار نديم، ولم ~~تفكر ms115 في قوة فرغلي الخفية، وإنما فكرت فقط في فضيحتها المعلنة تنسب ~~ابنا إلى غير أبيه وتتزوج من زوج وهي حامل، فهي في زواجها الثاني ~~كانت على ذمة زوجها الأول! ومن يصدق أن نديم لم يقربها ولم يمس منها ~~يدا؟ إن الناس تفتعل الفضائح إن لم تجدها، فكيف وهي أمامها واضحة ~~لا يشوب وضوحها غش أو شك. # وما ذنب هذا الفتى؟ # لحظات اختلطت فيها كل هذه الأهوال في كيان إسعاد واختمرت وانفجرت ~~وماتت إسعاد. # لحظات لم يجد فيها معتز الفرصة ليسأل أمه عما بها. وإنما أعاد ~~الجملة ورأى الهول على وجهها فراح يتابع القراءة لعله يعدو بها عما ~~أزعجها، ولم يدرك أنه يقرأ لغير سامع إلا بعد أن أكمل فقرة بأكملها ~~تنتهي بأنه تم الإفراج عن نديم بكفالة مقدارها ألفا جنيه، وإفراج ~~عن المهندس يحيى بكفالة خمسة آلاف جنيه، ولم يسمع تعليقا. ونظر ... ~~ولم يصدق ثم هو في ذهول لا يعرفه إلا الابن فقد أمه؛ التي تتمثل ~~حياته كلها في حياتها، وفي حياتها هي فقط بلا أهل ولا قرابة من ~~قريب كانت أو كانت من بعيد. ظل جامدا ... ثم صاح: ماما ... ثم علا ~~صياحه: ماما ... ثم علا صياحه: ... ماما. # ودخلت أم حسين ومن ورائها صلاح الخادم الذي يعاونها في البيت، ~~ورأت أم حسين معتزا مرتميا على ركبتي أمه يصيح بها، وفي ثبات ~~الجبل التفتت إلى صلاح: اذهب أنت إلى المطبخ. # 23 # وقراءة # ودخلت أم حسين إلى الحجرة وفي خبرة من علمتها الحياة أدركت ~~السيدة العجوز أن الحياة تخلت عن إسعاد التي عاشت سنوات طويلة من ~~عمرها وهي تعتبرها كابنتها. لم تكن في حاجة إلى ما يصطنعه الأطباء ~~لتعرف؛ كانت النظرة كافية. # أمسكت بمعتز ورفعته، فارتفع في يديها كدمية كانت ملقاة وأقامتها ~~يدان لا تحتاجان إلى جهد. ~~- تعال. # وخرجت به من الغرفة وأدخلته حجرته وأغلقت عليه الباب وعادت إلى ~~ما بقي من إسعاد فريد. # ولم يمر وقت طويل وذهبت أم حسين إلى معتز. ~~- الوقت أمامك متسع لتبكي. ~~- ماما يا دادا ... ماما. ~~- ستبكيها ms116 العمر كله. ~~- ليس لي غيرها. ~~- وأنا أين رحت؟ لا تخف أنا معك، وأنا شديدة وإن كنت عجوزا ... ~~خذ. ~~- ما هذا؟ ~~- أمامك الكثير لتفعله. ~~- لا أريد مأتما. ~~- وهل هذا بكيفك؟ ~~- طبعا. ~~- أنت عبيط! إنها إسعاد فريد، إن لها أصدقاء ومعجبين وماذا تريدهم ~~أن يقولوا عنا أو عنها؟ إنها قتلت أو انتحرت ... ولماذا لا قدر الله ~~لا يكون لها مأتم؟ ~~- هل عندنا مال؟ ~~- عندي إن لم يكن عندك، وكله من خيرها. وعلى كل حال هذه مفاتيحها. # انظر كم عندك؟ واترك لي أن أتصرف. ~~••• # وفتح الدولاب وكان مبلغ إيجار العام لا ينقصه إلا ما أنفقاه في ~~المصيف فوجد قرابة الألفي جنيه، وضعها في جيبه ونادى: دادا. # ولم يجبه أحد، فقد كانت أم حسين تقوم بعمل آخر عند التليفون، ~~وهم معتز بإقفال صندوق النقود ولكنه وجد فيه أوراقا يبين عليها ~~القدم. أمسك بها، لم يكن الكلام في الأوراق كثيرا ولكنه فوق ~~الكفاية ... في دقائق معدودات تكشفت أسرار السنين للفتى اليافع، ~~وانهد في مكانه، أقدر عليه أن تموت أمه مرتين ويموت معها أبوه الذي ~~يعرف أنه أبوه، وينبت له من هذا الوحش المقيت السمعة أبا ... كل هذا ~~في ساعة أو أقل من الساعة ... أهذا معقول! # ظل ممسكا بالأوراق، عيناه إلى فراغ وعقله وكيانه في ~~حريق. # ودخلت أم حسين ورأته ورأت في يده الأوراق وأدركت بنت الحياة ~~وأمها كل شيء. ~~- معتز ... ليس هذا وقته. ~~- ولكن القدر اختار هذه اللحظة لأعرف كل شيء، عليك أن تقولي ~~للقدر وليس لي «ليس هذا وقته.» ~~- أمك مظلومة. ~~- إذن فكل ما في الورق صحيح. ~~- صحيح. ~~- دادا. ~~- ولكن أقسم لك بابني الوحيد أو أفقده كما فقدت الآن أمك وهي في ~~مكان بنتي، أن أمك أشرف واحدة عرفتها منذ عملت معها، ولا أدري عما ~~قبل ذلك شيئا، وأنا معها الآن لي ما يقرب من الثلاثين سنة. ~~- وهذا الزواج الباطل. ~~- لم يلمسها ولم تلمسه طول فترة الزواج ولا بعده ولا ~~قبله. ~~- إذن ... ~~- إنك ستودع أمك الآن، ولا بد أن تودعها وأنت تعرف قيمتها؛ فأنا ms117 ~~مضطرة الآن أن أحكي لك كل شيء مع أننا نحتاج إلى كل لحظة أتكلم ~~فيها. ~~- ليس أهم في الدنيا مما ستقولين ولا حتى دفنها. ~~- إذن فاسمع ... ~~••• # كانت أم حسين في الدقائق التي غابتها عن معتز قد كلمت نديم ~~وأخبرته وطلبت منه ألا يجيء، وإنما يرسل من يساعدها، وطبعا لن ~~يعجز عن نديم إيجاد كثير من مساعديه وموظفيه ليفعلوا ما يأمر به، ~~وإن كان موقوفا عن العمل بالشركة. # فعلاقاته بالموظفين فيها وبآخرين في خارجها غير محدودة، وقد ~~استطاع في الفترة الطويلة التي عمل بها في الشركة أن يصطنع لنفسه ~~لا للوظيفة كثيرا من الناس. # وحين عرف معتز الحقيقة كلها كان أعوان نديم قد قدموا وتمت كل ~~الإجراءات ونشر الخبر واهتمت به الجرائد بطبيعة الحال فنشرته ~~خبرا، أما النعي فلم يزد عن توفيت إلى رحمته تعالى الفنانة إسعاد ~~فريد أم معتز نديم الطوبجي وستشيع الجنازة الساعة الثانية عشرة ظهر ~~اليوم من جامع عمر مكرم حيث تقام ليلة المأتم. ~~••• # وفي الجنازة حرص نديم أن يكون بين من يستقبلون العزاء، فالمتهمون ~~يهتمون كل الاهتمام أن يكونوا في صدر التجمعات العامة كأنهم يريدون ~~أن يثبتوا للناس أنهم أبرياء، فحكم الناس عندهم أهم من حكم ~~القضاء. # وكان المشيعون كثيرين من أجل إسعاد نفسها بل إن كثيرا من الناس ~~وقفوا بجانب المجمع ليروا الفنانين الذين سيأتون ليؤدوا واجب ~~العزاء في زميلتهم. # همس نديم لمعتز: أريد أن أراك. ~~- وأنا أيضا. ~~- متى تحب؟ ~~- في العزاء. ~~- لن نستطيع الكلام في العزاء. ~~- بل لن نستطيع الكلام في غير العزاء، فأنت مراقب والكلام الذي ~~أريد أن أسمعه أو أقوله لا أريد أن تتبعه صلة لي بك. ~~- إذن فأنت ... ~~- عرفت كل شيء ... في العزاء ستكون مراقبا وغير مراقب، هذا هو ~~الوقت الوحيد المناسب. ~~••• # في أوائل سنوات الرعب التقى صديقان، مع أحدهما ابنه الذي لم يكن ~~يجاوز السنوات الخمس، وجلس الصديقان إلى مقهى، وتهامسا في السياسة، ~~ثم أراد الصديق أن يحيي صديقه في مداعبة لابنه فقال: هيه؛ وأنت ما ~~رأيك؟ # فإذا بالطفل الحدث يقول ms118 في خبث شديد المكر: أنا لا أتكلم في ~~السياسة يا عم ... أتريد أن تودي بي في داهية. # وفزع الصديق ثم راح يراقب الجيل ... لقد أصبح كله هذا الطفل، لقد ~~شب في سنوات الفزع؛ في السنوات التي اعتدت فيها الكلاب على أعراض ~~الرجال، واعتدت فيها السلطات على أعراض السيدات الفضليات تنكيلا ~~بأزواجهن أو أبنائهن. # جيل كل همه أن يبعد عن نفسه المظنة؛ فهو يصطنع النفاق أو يمتهن ~~التجسس، وخير من فيه صامت. جيل تعلم كيف يهرب دائما حتى لا يصبح ~~من بين الضحايا، جيل تدرب فيه الذكاء منذ السنوات الباكرة من حياته. ~~لم يسمع الكلام إلا همسا أو هتافا، الهمس مرتعد والهتاف نفاق. ~~جيل رأى الأب فيه إن تحدث في السياسة إلى الأم تحرى أن تكون ~~الأبواب مغلقة والأبناء بمبعدة حتى لا يرددوا ما يسمعون عن غير ~~قصد. # جيل أقام التنظيم الأساسي فيه حفل تكريم لأخت وشت بأخيها أنه ~~ينتقد العهد؛ مجرد انتقاد بلا تآمر. # في هذا الجيل نبت معتز، فليس عجيبا أن يرسم لنديم وهو من هو ~~سنا وتجربة وحيلة أين يكون الكلام وكيف يكون. ~~••• # وفي العزاء حرص نديم أن يجلس إلى جانب معتز. ~~- طبعا أبلغك سعد عن الحديث الذي دار بيننا. ~~- أقسم لك بحياة أبنائي أن صلتي بوالدتك ... ~~- عرفت كل شيء، وأشكرك، وأعتذر لك ولسعد. ~~- شكرا. ~~- وسيأتي الوقت لآتي عندك وأعتذر لسعد بنفسي. ~~- ولماذا لا تأتي منذ الغد؟ أنا مستعد أن تجعل الكذبة حقيقة، وما ~~دمت قد عرفت كل شيء فما المانع أن تجعلني أباك الروحي. أنا ~~والمرحومة والدتك يجمعنا مجرم واحد. والمصائب كما يقول الشاعر ~~يجمعن المصابين. ~~- أنا أعجب لك! ولا شك أن لك زملاء كثيرين يمسك هذا الوحش ~~برقابهم، أتتركون رقابكم هكذا بين يديه؟! ~~- ومن أدراك أننا ساكتون. ~~- ما أراه. ~~- انتظر. # ثم كأنما صحا وتلفت حوله. ~~- إياك أن تعيد هذا الكلام. ~~- أنا صغير حقا ولكن السنة من عمر جيلي بعشر سنوات من جيلكم، ~~وكل الأجيال التي سبقتكم. ~~- ولماذا تريد ألا تظهر بجانبي وأنا أمام الناس أبوك. ~~- أنت ms119 أبي ولكني لم أقترب منك طول حياة والدتي وطول الفترة التي ~~كنت فيها قويا، فلو اقتربت الآن سأصبح تحت المراقبة. ~~- وماذا تخشى من المراقبة؟ ~~- هذا سري، دم أمي لن يذهب هدرا. ~~- اياك أن تكرر هذا الكلام. ~~- أنا لم أقله إلا لمن أعرف أنه لن يجرؤ على تكراره. ~~- من؟ ~~- أنت. ~~- فقط؟ ~~- فقط. ~~- وأم حسين؟ ~~- وهل أنا عبيط؟ ~~- اسكت. ~~- ساكت. # 24 # خيوط السماء # حين ملك فرغلي رقاب كثير من الناس وأصبح يتصرف في مصائرهم ما شاء ~~له هواه وما شاءت له مصالحه؛ عجب أن تخرج الطبيعة عن ملكه وتتمرد ~~بقوانينها على مشيئته ورغباته. ولم يتصور أن ينهار بناء الجامعة ~~دون أمر منه، وقد عاش عمره لا يفصح عما يعتمل بنفسه، ولكن نفسه أيضا، ~~دون أن يدري، جزء من الطبيعة، وهي أيضا، دون أن يدري، تخضع لقوانينها. ~~ولذلك عجب هو وليس في الأمر عجيب حين أصابه نوع من الدوار وأحس ~~برأسه يكاد ينفجر وعرف فجأة أنه في تكوين أعضائه إنسان ككل إنسان ~~يجري على جسمه ما يجري على جسوم الناس وقد كان يظن أنه يستطيع أن ~~يصنع جسمه كما يشاء هواه وكما صنع خلقه وكما يصنع مصائر الذين ~~حوله. # وكان ممدوح ابن عمته حريصا منذ حادثة الجامعة واتهام أخيه أن ~~يزوره كل يوم مخافة أن يظن به أنه غاضب لأخيه، وكان حريصا ألا ~~يذكر ما حدث كل الحرص، فهو يعلم أن فرغلي يملك من أمره ما يستطيع ~~به أن يقضي عليه، وفرغلي يعلم ذلك أيضا، فلم يجد في زيارة ممدوح ~~اليومية له ما يدهشه بل إنه كان سيدهش لو فعل ممدوح غير ~~ذلك. # واستطاع ممدوح بخبرة الطبيب العجوز أن يدرك ما يحاول فرغلي أن ~~يخفيه من المرض، ولكنه لم يجرؤ أن يفاتحه ما دام هو لم يشأ أن يذكر ~~شيئا. # قليلا ما صمت فرغلي، فقد طلب إلى ممدوح أن يأتي له بالدكتور ~~أحمد الفقي الباطني الشهير، واتفق الطبيبان سريعا على أن فرغلي ~~يعاني من الضغط العالي، وعجب فرغلي أن ضغطا يفرض عليه الآن ms120 حتى ~~ولو كان هذا الضغط من شرايينه هو. وفكر لحظة كيف بدأت حياته بالضغط ~~عليه من جوانب الحياة من أمه ومن أبيه ومن قريته ومن المجتمع ، كان ~~الضغط عليه من الخارج، وحين تصور أنه استطاع أن يتخلص من هذا الضغط ~~إلى الأبد وأصبح هو يفرضه على الحياة من حوله؛ وافاه الضغط من داخله، ~~من كيانه، من جسمه الذي تمرد عليه كما تمرد بناء الجامعة، وكما تمردت ~~قوانين الطبيعة. # وفرض المرض عليه نظاما خاصا في الطعام، فأصبح وحده في البيت ~~لا يأكل إلا الطعام المسلوق الخالي من الملح. واضطر فرغلي أن يخضع ~~بعد أن نسي الخضوع سنوات طويلة من حياته، وكان ممدوح بكل ما في ~~نفسه من ذعر ومن كره يشرف بنفسه على الطعام. ~~••• # ربما كان نديم مبعدا عن الشركة، ولكن كثيرين في هذه الشركة ~~مرتبطون به ارتباطا عضويا، متعلق مصيرهم بمصيره، بعضهم يعرفهم ~~فرغلي وقد أبعدهم ولكن الأكثرية منهم لم يكن يعرفهم، وقد ظلوا ~~يعملون في الشركة جزءا من كل شرايينها الظاهرة القوية ومن كل ~~شعيراتها الصغيرة المستخفية وقد كان هؤلاء أخطر وأكثر حرية من ~~الكبار في تصرفاتهم وفي تحركاتهم. ماذا كانوا يصنعون ولا أحد ~~يدري؟ لقد كان صغر شأنهم يتيح لهم الدخول والخروج إلى البوفيه حيث ~~تعد القهوة في الفنجان الخاص بفرغلي ... ماذا كانوا يصنعون؟ لا أحد ~~يدري. ~~••• # قال معتز: دادا، أين فهمي عبد الموجود وحسنين كرم؟ ~~- موجودان. ~~- أين؟ ~~- إن فهمي يعمل طباخا عند فرغلي. ~~- أين؟ ~~- عند فرغلي. ~~- أمتأكدة؟ ~~- يا ابني إنه يزورني دائما، هو وحسنين لم ينقطعا عنا إلا بعد ~~الطلاق الأول بضعة أشهر؛ كانا فيها بالحجاز؛ فقد عينهما فرغلي هناك ~~ولكنهما عادا لمصر وعادا إلينا يزوران البيت ويطمئنان على ~~المرحومة، أيام مرضها كانا يأتيان كل يوم ليطمئنا عليها، كانا ~~يحبانها حبا لا مزيد عليه. لو رأيت حسنين يوم وفاتها لتهيأ لك ~~أنه أخ يبكي أخته الوحيدة. ~~- ولماذا عينه فرغلي عنده بعد أن عاد من الحجاز والحكاية ~~انتهت. ~~- أولا كان يحب أكله وليطمئن على سكوته. ~~- ألم يكن عنده ms121 طباخ؟ ~~- العقبى لآمالك، كان عنده ولكن عين فهمي ليطبخ له العشاء، فهو ~~يحب الأكل زي عينه ولا يستطيع أن يأكل في الظهر كما يريد لأنه مضطر ~~أن يشتغل بعد الظهر، فالأكلة المهمة عنده في العشاء، بعيد عنك حين ~~كان يتعشى عندنا كأنما هو وحش يأكل آخر زاده. ~~- وحسنين؟ ~~- عينه في قصر العيني. ~~- اشمعنى؟ # حسنين طول عمره عينه فارغة ويحب الفلوس وكان له صاحب يعمل في ~~أجزخانة قصر العيني وكانت مكاسبه كبيرة، وكان حسنين يتمنى دائما ~~أن يعمل معه. ~~- في الأجزخانة؟ ~~- في الأجزخانة. ~~- هل أستطيع أن ألقاهما؟ ~~- عندما تحب. ~~- من بكرة إن أمكن. ~~- أنا لا أروح لأحد منهما ولكن الأسبوع لا يمر إلا ويزورني واحد ~~منهما أو الاثنان. ~~- عظيم! قلت حسنين يحب الفلوس. ~~- أكثر من الحياة. ~~- وفي الأجزخانة؟ ~~- في الأجزخانة. ~~- وفهمي ... ماذا يحب؟ ~~- الصلاة والصيام وزيارة أهل البيت؛ مجذوب تقريبا. ~~••• # وقال معتز: انظر يا عم فهمي. ~~- يا بك هذه إمضائي. ~~- وانظر في هذه. ~~- عقد الزواج ... أعرفه. ~~- قارن بين التاريخين. ~~- وأعرف هذا أيضا. ~~- وكيف لقيت الله في بيته ووقفت عند شباك نبيه. ~~- إلا من تاب. ~~- الحج توبة؟ ~~- سبحانه هو الذي يقول إلا من تاب وآمن. ~~- أكمل الآية. ~~- وعمل عملا صالحا. ~~- أعملت عملا صالحا؟ ~~- لم أرتكب بعدها جرما، وكنت مضطرا. ~~- أعملت عملا صالحا يا عم فهمي، أنت لم تكن مضطرا. ~~- فهمت قصدك يا سي معتز. ~~- لا يكفي أن تفهمه. حسنين أحضر لي هذه. ~~- ربنا يعمل ما فيه الخير. ~~- وعمل عملا صالحا يا عم فهمي. ~~- نعم! وعمل عملا صالحا. ~~••• # لم يكن بالمنزل أحد عندما مات فرغلي إلا أهل البيت والدكتور ~~ممدوح الذي نظر فيمن حوله ... سكتة قلبية. هاتوا الدكتور أحمد، ~~هاتوا دكاترة البلد كلها، هاتوا ... # جاء الدكتور أحمد ونظر في عيني الميت وصمت ونظر إلى الدكتور ~~ممدوح ونظر إليه الدكتور ممدوح جامد الوجه، ثم قال في قطع ~~حاسم: سكتة قلبية يا دكتور ... سكتة قلبية. # وصمت الدكتور أحمد وخرج من الغرفة وخرج معه الدكتور ممدوح، ~~وأرسلا في طلب طبيب الصحة المسئول عن الحي، وحين وجد ms122 الدكتور أحمد ~~سأله: هل كشفت يا دكتور؟ ~~- نعم. ~~- سبب الوفاة؟ ~~- سكتة قلبية. # وكتب طبيب الصحة إذن الدفن دون أن يكشف، وما كان له أن يكشف ما ~~دام الدكتور أحمد الفقي أستاذه والطبيب الساطع الشهرة يقول ~~ذلك. ~~(انتهت.) ms123