######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.KhuyutWahiya.Hindawi64927073 #META# Tags: novels #META# ID: 64927073 #META# Title: خيوط واهية #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # | خيوط واهية # | خيوط واهية # تأليف # ثروت أباظة # | الفصل الأول # الشيخ متولي وهدان هو الخولي وليس ناظر الزراعة لدائرة فؤاد باشا ~~الجويني، وكانت هذه الزراعة التي هو خولي لها ألفا وستمائة فدان ~~وزيادة، ورثها الباشا عن أبيه الذي ورثها هو أيضا عن أبيه الذي ~~كان يملك خمسة آلاف فدان، وصلت إلى ابنه ألفا وستمائة حين نال أخواه ~~نصيبهما الشرعي، وكان ناظر الزراعة هو زكي النمر الذي كان الفلاحون ~~يطلقون عليه الأفندي، وكان هذا اللقب كافيا للتعريف به دون أن يسبقه ~~الاسم، ورغم كثرة الأفندية في القرية التي كان يقيم بها ناظر الزراعة ~~إلا أن لقب الأفندي مسبوقا بألف ولام التعريف كان لا ينصرف إلا إلى ~~ناظر الزراعة زكي النمر الذي يملك عشرة أفدنة في القرية، وكانت قرية ~~الهدارة التي يقع بها سراي فؤاد باشا ومنزلا الشيح متولي والأفندي؛ ~~قرية كبيرة مساحة الأرض المنزرعة فيها أكثر من ثلاثة آلاف فدان، ولم يكن ~~الشيخ متولي يملك إلا فدانين، ولو كان يستطيع أن يزور في الحسابات ~~ويختلس مليما من أموال الدائرة لما امتنع عن ذلك؛ فلم يكن الشيخ متولي ~~ذا ضمير يردعه عن السرقة، فهو تائب في غير عفة؛ لأن الأفندي كان رجلا ~~يجمع إلى النزاهة اليقظة التي تمكنه من مراقبة العاملين معه؛ فما كان ~~واحد منهم يستطيع أن يختلس من أموال الدائرة شعرة سواء كانت هذه الشعرة ~~مالا أو كانت محصولا؛ ولذلك لم يكن عجبا أن يصبح الأفندي مكروها من ~~كل ms01 الذين رماهم القدر أن يعملوا تحت سيطرته بدائرة فؤاد باشا، وكان ~~يقابل هذه الكراهية من موظفي الدائرة حب واحترام وتقدير من الباشا نفسه ~~ومن سائر الفلاحين؛ فقد كان الأفندي حريصا أن يأخذ كل ذي حق حقه حرصه ~~على ألا يغتال أحد حق الدائرة سواء أكان موظفا فيها أو كان متعاملا ~~معها، وكذلك كان الشيخ متولي محبوبا من الفلاحين؛ فقد استقرت نفسه أنه ~~ما دام لا سبيل للسرقة فليجعل الأمانة أصلا فيه وليس أمرا مفروضا ~~عليه، وهكذا لم يكن حب الفلاحين له أمرا مستغربا. وكان موظفو الدائرة ~~يخشون الأفندي والشيخ متولي كل الخشية ويوقروهما، ولم يكن الأفندي ~~يتنازل عن مكانته؛ فجمله أوامر، وكان حريصا ألا يتباسط مع العاملين معه ~~وإن كان مع غيرهم بشوشا طلق المحيا ودودا في صلاته مع الناس، ولذلك ~~كان شهاب ابن الشيخ متولي يكن الغيظ والحقد على زكي النمر لما يراه من ~~ذلة أبيه أمامه، وكان حقده أشد من فؤاد باشا الجويني وقد تمكن شهاب من ~~رؤية أبيه أمام الباشا مرات، وكان يحس أن أباه أمام الباشا وجود بلا ~~وجود، مع أنه لم يكن في المرات التي شهدها شهاب يؤنب أباه أو يزجره بل ~~لعله كان في حديثه معه أكثر رقة ويسرا من زكي النمر، ولكن شهاب كان ~~يحس أن أباه هزيل ضعيف أمام الأفندي، ويفتقد كيان أبيه أمام الباشا ~~فيفقده؛ فكان أبوه يبدو أمامه هباءة هائمة في الهواء لا تكاد ترى أو ~~تحس، وفي مرة من المرات التي رأى فيها شهاب الباشا كان يرافق أباه وهو ~~يشرف على جمع القطن، وجاء الباشا فجأة ليتأكد من نظافة الجمع والقطن، ~~وهرول إليه الشيخ متولي دون أن يلحظ أن ابنه شهاب يهرول خلفه، وسأل ~~الباشا خولي زراعته: هيه كيف الحال يا شيخ متولي؟ # وكان متولي حاصلا على لقب شيخ قبل أن يعينه الباشا عنده؛ فقد كان من ~~حفظة القرآن الكريم، وقال الشيخ متولي في استجابة سريعة وحماس شديد: كل شيء تمام يا سعادة الباشا بنفس سعادتك وبركتك. ~~- ومن هذا ms02 الذي يقف خلفك؟ # واضطرب متولي فهو لم يكن تنبه بعد إلى وجود ابنه خلفه وقال: أين يا سعادة الباشا؟ من يا سعادة الباشا؟ # وحينئذ انصرف الباشا عن متولي وأشار إلى شهاب قائلا: تعال يا شاطر. # وامتقع وجه متولي بينما تقدم شهاب في خطوات ثابتة وقال للباشا: شهاب متولي. # والتفت الباشا إلى متولي: أهو ابنك يا شيخ متولي؟ # وتلعثم متولي وهو يقول: نعم يا سعادة الباشا، ربنا يطيل عمرك وعمر أنجالك عمر بك وعلي بك ~~وعائشة هانم. # وقال الباشا في أبوة: الله يحفظك. هل أدخلته المدرسة؟ ~~- والله يا سعادة الباشا العين بصيرة واليد ... # ولم يكمل الجملة بل قاطعه الباشا قائلا في حسم: شهاب ابنك يتعلم على حساب الدايرة على شرط أن يكمل تعليمه في ~~الجامعة مفهوم؟ # وفي حركة مفاجئة هوى متولي على يد الباشا ليقبلها فإذا الباشا يختطف ~~يده في تلقائية سريعة وهو يقول: أبلغ هذا الأمر إلى زكي أفندي. ~~- أطال الله عمرك ومتعك ومتع عائلتك كلها بالصحة والعافية. # وانصرف الباشا وترك الشيخ متولي مأخوذا بالفضل السابغ الذي ساقته ~~إليه السماء على يد الباشا، بينما ابنه شهاب لم تتحرك في نفسه خلجة من ~~فرح وكأن ما وقع أمر طبيعي لا غرابة فيه، ونظر متولي إلى ابنه الجامد ~~الوجه. ~~- ألست مبسوطا! ما لك هكذا مبهوتا وكأنك لا تدرك الخير العميم ~~الذي تفضل به الباشا عليك وعلى أبيك وأمك. # وقال شهاب في غير مبالاة: أي خير؟ ~~- ستتعلم وتدخل الجامعة على نفقة الباشا. ~~- وما له؟ إن عنده أموالا لا يحصيها عد وماذا يضره أن يعلمني على ~~نفقته. # وصاح به أبوه: خيبة الله عليك. # إلى هذا الحد أنت جاحد؟ # ماذا أفعل بك؟ أخشى أن أدعو عليك ويستجيب الله دعائي. # حسبي الله ونعم الوكيل. # | الفصل الثاني # وهكذا بدأ شهاب رحلته الدراسية في غير إقبال ولا جنوح، وكان ترتيبه ~~في الدراسة متوسطا لا هو متقدم ولا هو الأخير، ولكن المؤكد أنه لم يحس ~~بفضل الباشا عليه مهما تقدمت به السن؛ فقد كان كلما مرت عليه السنون ~~يزداد ms03 حقدا على الباشا وجحودا ونكرانا، ولم يكن يطلع عما يختلج ~~بنفسه إلا تفيدة ياسين أمه حابسا ما تفهق به جوانحه من كراهية للباشا ~~عن أبيه مخافة أن يقسو في عقابه، وإن كان أيضا أمام أبيه لا يحاول أن ~~يكون رطب اللسان على الباشا، وكان أبوه يضيق بهذا منه غاية الضيق. كان ~~شهاب يقول لأمه: ماذا فعل حتى يصبح على هذا الغنى الفاحش؟ # وكانت تفيدة قد حفظت القرآن في كتاب القرية فهي لم تكن جاهلة كل ~~الجهل، وكانت تجيبه دائما بالآيات الكريمة. ~~- يا بني ألا تعرف أن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز # أهم يقسمون رحمة ربك نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ ~~بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما ~~يجمعون ~~. # فيرد شهاب في كفران: لماذا؟ # وتنتفض أمه قائلة: أستغفر الله العظيم، إذا لم يكن للباشا هذه الأرض أين كان أبوك ~~يعمل ومن أين يجد قوته؟ فيقول شهاب في إصرار: ولماذا لم يكن الباشا مكان أبي ويكون أبي مكان الباشا؟! ~~- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، حينئذ كان أولاد الباشا سيقولون هذا ~~الكفر الذي تقول، أتريد أن تعدل حكمة ربك؟! ~~- أنا فقط أسأل، لا عليك، ماذا؟ هل تنوين أن تحرميني من العشاء؟ # وهكذا أراد أن ينهي الحديث لا عن اقتناع ولكن خشية أن تبلغ به أباه ~~الشيخ فتكون العواقب وخيمة عليه وعلى أمه في وقت معا. # ولكن أمه ترفض أن تنهي الحديث: يا بني، رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «من ~~أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده ~~قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا.» أو كما قال، ~~فالسعادة ليست بالغنى، دائما بالرضى، هل تعرف إن كان الباشا سعيدا أم ~~غير سعيد؟ لا يعرف النفوس إلا خالقها يا شهاب يا بني. ~~- كلام نردده لنحتمل الذل الذي نعيش فيه، أين العشاء؟ ~~- والله ما دمت كذلك فلن يبارك الله لك ولا في اللقمة التي تأكلها، ~~حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل. # ولم ms04 يكن شهاب على استعداد لمناقشة حقده على جميع من هم أكثر من أبيه ~~ثروة أو مكانة؛ فقد ترسب الحقد في كيانه كله منذ هو طفل صغير حتى يومه ~~هذا، وهو يوشك أن يتخرج في كلية الزراعة التي اختارها له أبوه، ولما كان ~~غير متعلق بكلية أخرى فقد رضي اختيار أبيه بعد نقاش هين حين قال له ~~أبوه: والآن أي كلية تريد أن تدخلها؟ ~~- والله يا أبي لا أفكر في كلية بذاتها؛ فكل الكليات تحتاج إلى مذاكرة ~~ووجع قلب، وإن كان علي أنا فأنا أريد أن اكتفي بالتوجيهية وأرجو ~~الباشا أن يعينني بإحدى مصالح الحكومة. ~~- لاحول ولا قوة إلا بالله، إنه لا يرفض النعمة إلا لئيم، الباشا ~~ينفق عليك ولا يكلفنا تعليمك قرشا واحدا، ومع ذلك تريد ألا تكمل ~~دراستك؟! ~~- والله إن الباشا لم يفعل هذا إلا ليتظاهر بالكرم. ~~- لعنة الله عليك، وهل كان أحد سيقول عنه إنه بخيل إذا لم يقدم هذه ~~المكرمة لابن الخولي الذي يعمل في أرضه، إن الذي لا يشكر المعروف ~~جاحد لا يستحق ما يقدمه إليه الآخرون من أفضال. ~~- دعك من هذا، ويكفي الباشا شكرك أنت له، هل تريد أن تختار لي كلية ~~بعينها؟ ~~- ألا تفكر أنت في أي كلية؟ ~~- ليس هناك كلية في ذهني. ~~- إذن تتوكل على الله وتدخل كلية الزراعة. ~~- لماذا الزراعة؟ ~~- أنت فلاح ابن فلاح وستجد العلوم سهلة، ثم إنك عندما تتخرج سيكون من ~~السهل تعيينك، فإذا لم تعين في الحكومة فغالبا يعينك الباشا للإشراف ~~على الموالح في أرضه. ~~- ألا نتخلص من الباشا أبدا؟ ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله، ألا نأكل لقمتنا من يده؟ ~~- الأمر لله زراعة زراعة. # وهكذا دخل شهاب كلية الزراعة، وظل يتنقل بين سنواتها بدرجة مقبول حتى ~~وصل السنة النهائية. # | الفصل الثالث # حصل شهاب على بكالوريوس الزراعة، وامتلأ أبوه زهوا وفخارا؛ فقد حقق ~~ابنه حلمه العريض وأصبح أحد خمسة نالوا الشهادات العليا قبله في البلدة ~~كلها. # وبعد أن هدأت الفرحة قال الشيخ متولي لابنه بمشهد من زوجته تفيدة: والآن ms05 ماذا تريد؟ ~~- والله هذه المسألة الباشا هو الذي يبت فيها، إن كان الأمر ~~بإرادتي فأنا أفضل التوظف في الحكومة. # وقالت تفيدة: كله بأمر الله، توكل عليه سبحانه. # وقال شهاب في غير مبالاة: توكلت على الله. # وقال الشيخ متولي في حماسة: على بركة الله الحمد لله الباشا هنا هذين اليومين، جهز نفسك لنذهب ~~إليه بعد المغرب إن شاء الله يكون قد صحا من قيلولته. ~~- وهو كذلك. # وقالت تفيدة: ربنا يجعل في وجهكم القبول إن شاء الله. ~~••• # قال الباشا: مبروك يا باشمهندس شهاب. ~~- بارك الله فيك يا سعادة الباشا، والله أنا لا أدري ماذا أفعل لأشكر ~~أفضال سعادتك، ربنا وحده هو القادر على ذلك. # كان شهاب قد تعلم النفاق فأحسن تعلمه، فإن كان قد نال شهادته العليا ~~بدرجة مقبول فهو في النفاق ممتاز مع درجة الشرف الأول، إن كان الشرف ~~يقبل أن يقترن بالنفاق. # قال الباشا: والآن أين تريد أن تعين؟ ~~- يا سعادة الباشا الأمر لك. ~~- ما رأيك أن تعين عندي بالدائرة مشرفا على حدائق الموالح؟ ~~- يا سعادة الباشا العمل في دائرة سعادتك شرف يتمنى أن يناله أي ~~إنسان. ~~- إذن على بركة الله. ~~- إنما إذا سمحت سعادتك لي بكلمة. ~~- قل ما تريد كلمة أو عشر كلمات. ~~- أظن سعادتك لا ترضى أن أكون رئيسا لأبي؛ فأنا طبعا لن أجرؤ أن ~~أعطي له أوامر، وإذا لم أقم بواجبي فلا خير في، وخصوصا أن الموالح ~~تحتاج دقة كاملة في مواعيد الري والتقليم وغير ذلك، وأنا أخشى ألا أكون ~~صالحا لهذا وأبي يعمل تحت رئاستي. سعادتك خير من يقدر هذه المعاني. ~~- والله كلامك له وجاهته، فهل تريد أن تعين في الحكومة أو في إحدى ~~الشركات الزراعية؟ # وقال الشيخ متولي في سرعة صريحة: إنه يتمنى وظيفة في الحكومة. # وقال الباشا: وهو كذلك، ومن حسن حظك أن وزير الزراعة صديق عزيز، يا متولي اطلبه ~~في التليفون، وأخرج الباشا دفتر التليفونات الخاص من جيبه وقال للشيح ~~متولي: هاك رقم منزله. # وصاح شهاب في فرحة صادقة في هذه المرة: هكذا ms06 في الحال يا سعادة الباشا. ~~- ولماذا أؤجل ما أستطيع أن أفعله في الحال. # وما هي إلا دقائق حتى كان الباشا يقول لوزير الزراعة بعد التحيات: يا معالي الباشا ابن خولي الدائرة حصل على بكالوريوس الزراعة وأريد ~~أن تعينه. # وجاء رد الوزير عبر الأثير: إذا لم نساعد الذين يعملون معنا فمن نساعد؟ # معاليك فلاح أصيل وتعرف هذه الأمور. ~~- هل تحب أن أعينه في مكتبي؟ ~~- والله يكون هذا فضلا أضيفه إلى أفضالك. ~~- أرسله إلي ومعه بطاقة منك. ~~- وهو كذلك، وألف شكر. ~~- هذا واجب، ولا شكر على واجب. ~~- تصبح على خير يا معالي الباشا. ~~- وأنت من أهله يا سعادة الباشا. # وانتهت المكالمة والتفت الباشا إلى شهاب وقال له: إنه سيعينك في مكتبه. # وهب شهاب واقفا، وانكب على يد الباشا الذي أسرع وسحبها وهو يقول: لماذا هذا؟ إن ما فعلته أمر طبيعي. # وأخرج الباشا من حافظته بطاقة، وكتب فيها توصيته وأعطاها لشهاب وهو ~~يسأله: متى تستطيع أن تسافر؟ # قال شهاب: بكرة إن شاء الله من الفجر. # وراح الفتى وأبوه يدعوان للباشا بطول العمر وبكل سعادة وهناء. # | الفصل الرابع # وفي الصباح الباكر سافر شهاب متولي وهدان إلى مكتب وزير الزراعة، ~~ولقيه السكرتير الخاص فتحي مبروك وسأله عما يريد فقال: أنا آت من قبل فؤاد باشا الجويني، وقد كلم معالي الوزير أمس ~~تليفونيا، وهذه بطاقة من الباشا لمعالي الوزير. ~~- انتظر قليلا. # ودخل فتحي إلى مكتب الوزير، وما لبث أن عاد ليأذن لشهاب بلقاء ~~الوزير. # ولم يكن شهاب هيابا من هذا اللقاء؛ فلقاءاته لفؤاد باشا جعلته مهيأ ~~للقاء ذوي الوجاهة والنفوذ، قال له الوزير: أنت خريج هذا العام أليس كذلك؟ ~~- نعم يا معالي الباشا. ~~- سأعينك في مكتبي كما وعدت فؤاد باشا، وسيخبرك الأستاذ راشد حمدي ~~الجوهري مدير مكتبي عن اختصاصاتك فهو الذي سيكون رئيسك المباشر. ~~- شكرا يا معالي الوزير ربنا يطيل عمرك، أستأذن أنا. ~~- انتظر دقيقة. # ودق الوزير أحد الأجراس المصفوفة على مكتبه وسرعان ما دخل فتحي ~~مبروك. ~~- أوامرك يا معالي الباشا. ~~- اكتب قرار تعيين للأستاذ، ما ms07 اسمك؟ ~~- شهاب متولي وهدان يا معالي الباشا. # واستأنف الوزير أوامره: واصحبه للأستاذ راشد الجوهري وقل له إنني عينته بمكتبي. ~~- أمرك يا معالي الباشا. ~~- مع السلامة. # ولكن شهاب أصر أن يعيد الدعاء. ~~- ربنا يطيل عمرك يا معالي الباشا، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنك ~~بي. # وقال الوزير: ادع لفؤاد باشا فهو صاحب الفضل عليك. # مع السلامة. # وخرج فتحي وشهاب من مكتب الوزير، ولم يتوان فتحي في تنفيذ التعليمات ~~التي صدرت إليه من الوزير فصحب شهابا إلى راشد الجوهري وقدم إليه ~~شهابا، وأخبره أن معالي الوزير امر بتعيينه بالمكتب، وكان راشد رجلا ~~طويل القامة عريض الكتفين في غير سمن، بينما كان فتحي نحيفا غاية ~~النحافة، أما شهاب فكان ممشوق القوام منسجم القسمات لا هو بالطويل ولا ~~القصير، كما أنه ليس بالنحيف ولا الممتلئ. # قال له راشد: يا مرحبا يا أستاذ شهاب ما شهادتك؟ ~~- زراعة يا افندم. ~~- عليا أم متوسطة؟ ~~- عليا يا افندم. ~~- عظيم، ستعين إذن على الدرجة السادسة. ~~- المهم أن ترضى سعادتك عني يا افندم. ~~- اقعد. # والتفت إلى فتحي وقال له في صيغة أمر: اذهب أنت يا فتحي واستوف إجراءات التعيين. # ثم قال لشهاب: تحضر غدا مسوغات التعيين. # وسارع شهاب قائلا: جاهزة كلها يا سعادة البك. ~~- على بركة الله. # وخرج فتحي وانفرد راشد بشهاب وسأله: من الذي أوصى بك؟ ~~- فؤاد باشا الجويني يا سعادة البك. ~~- ومن أين يعرفك؟ # ولم يتردد شهاب في الإجابة بل سارع قائلا: أبى يعمل في دائرته. ~~- ماذا يعمل؟ ~~- مساعدا للناظر. # وأبى أن يقول خولي حتى لا يهون أمره أمام رئيسه الجديد، وحاذر أن يكذب ~~ويدعى أنه ابن الناظر خشية أن ينكشف أمره فقد توسم في راشد الذكاء ~~والفطنة، وأدرك أنه ليس من السهل أن يغرر به، وسأله راشد: وماذا تريد أن تعمل؟ ~~- والله الأمر يرجع لسعادتك. # وبسرعة فائقة راح يدور ذهن راشد: إنني أستطيع أن أصنع من هذا الولد ~~عجينة في يدي أشكلها كما أريد؛ فأنا أحتاج في معاملة التجار إلى شخص ~~يساعدني ويرضى بالقليل، ولا أستطيع ms08 أن أعتمد على فتحي في هذا الأمر؛ فهو ~~مشغول مع الوزير من ناحية وهو من ناحية أخرى سيطمع في مبالغ كبيرة ~~معتمدا على قربه من الوزير، وأنا أيضا لا أثق به فقد يبلغ الوزير بما ~~أصنعه مع التجار إذا لم ينل ما يطمع فيه، وعلى كل حال سأجرب شهاب في ~~عمليات بريئة حتى إذا وفق فيها أجربه في عمليات أخرى صغيرة حتى أطمئن ~~إليه تماما وأدخله بعد ذلك في كل العمليات. ~~- اسمع، ما دمت حاصلا على الزراعة العليا ما رأيك أن تختص أنت ~~بالتعامل مع التجار الزراعيين الذين يشترون محاصيل الوزارة؟ ~~- بارك الله فيك يا سعادة البك، إن شاء الله سترضى عني في هذا العمل ~~وخاصة أنني على خبرة بهذا الاختصاص؛ فكثيرا ما شهدت ممارسة أبي لبيع ~~محاصيل الدائرة. ~~- على شرط. ~~- شروطك أوامر. ~~- أن تجعلني على علم بكل صغيرة وكبيرة في تعاملك. ~~- طبعا يا سعادة البك. ~~- هذا الاختصاص يحتاج إلى أمانة كبيرة وذكاء شديد وسأجربك ~~فيه. # | الفصل الخامس # أصبح شهاب معاونا لراشد في العمليات المتصلة بتجارة المحاصيل من ~~وزارة الزراعة؛ فانفتحت له أبواب الثراء على مصاريعها؛ فقد كان راشد ~~يأخذ من هؤلاء التجار أموالا فادحة أخفى أمرها عن شهاب بعض الوقت ثم ~~ما لبث شهاب أن عرف الحقيقة من الذين يكلفه راشد باصطحابهم إلى ~~المزارع على اختلاف أنواعها، وفي أول مرة يصحب فيها تاجرا فوجئ عند ~~انتهاء الزيارة بالتاجر يعطيه خمسين جنيها، وتمنع شهاب أن يأخذ هذا ~~المبلغ الخطير بالنسبة إليه فإذا بالتاجر يلح عليه قائلا: يا بني أنت ما زلت جديدا لا تعرف ما تجري عليه الصفقات مع الوزارة. ~~- ولكن لن أخذ شيئا، وأنا أقوم بعمل هو وظيفتي ولا أستحق شيئا إلا ~~مرتبي. ~~- لا تتفلسف واسمع الكلام، وبكرة ستعرف أن هذه هي قواعد اللعبة. ~~- لا أستطيع. ~~- اسمع الكلام. # وأخذ شهاب المبلغ وقد انتوى في نفسه أمرا وصمم عليه؛ فقد خشي أن ~~يكون راشد هو الذي أوحى للتاجر بأن يعطيه هذا المبلغ ليمتحن أمانته ~~فما إن انصرف التاجر حتى قال ms09 شهاب لراشد: تفضل سعادتك. # وقدم له الخمسين جنيها، وقال راشد: ما هذا؟ ~~- المبلغ الذي أعطانيه الحاج عطية التاجر. # وانفرجت شفاه راشد عن ابتسامة عريضة جاوبتها فرحة في مشاعره، إنه كان ~~صادق النظر في أمر شهاب، وقال له: ولم تعطينيها؟ # وفي خبث شديد قال شهاب: وماذا يمكن أن أفعل غير هذا؟ ~~- تأخذها ولا من شاف ولا من دري. ~~- أيجوز لي هذا؟! كيف يصح أن أصنع شيئا ولا أخبرك به؟ ~~- مبروك عليك الخمسون جنيها، وأبشر بمستقبل لم تكن تحلم به في ~~وظيفتك الجديدة إن شاء الله. ~~••• # وهكذا فتح شهاب لنفسه أوسع الأبواب بهذا التصرف الذي يبدو بسيطا ~~بينما هو بعيد الدلالة بالنسبة لراشد؛ فقد فهم منه أولا أن شهابا لن ~~يرفض الرشوة بل هو يقبلها ويقبل مبالغ ضئيلة؛ فهو لن يثقل عليه في ~~أنصبته مما يأخذه هو من التجار، وهو أيضا يصارحه بكل ما يحدث بينه ~~وبين المتعاملين مع الوزارة، وما لبثت الأمور أن سارت كما شاء لها راشد ~~الجوهري؛ فأصبح شهاب هو وحده الذي يصحب التجار إلى المزارع وكانوا ~~جميعا يقدمون مبالغ تتراوح بين خمسين ومائة جنيه، وأصبح على وعي تام ~~بما يحدث في مكتب راشد؛ فقد كان التاجر الذي يأمنه راشد على سره يعرف ~~أعلى العطاءات السرية ويقدم عطاء مرتفعا عن أعلى عطاء بمبلغ صوري زهيد ~~ويصحب هذه الدراية مبلغ ضخم يدفع لراشد، وحين تأكد راشد أن شهابا عرف ~~السر أصبح يعطيه جزءا من المبلغ الذي رشاه به التاجر. # وسارت الأيام رغدا لشهاب بصورة لم تكن تخطر له على بال، وتوثقت الصلة ~~بينه وبين راشد الذي يدعوه في كثير من الأوقات ليتناول الغداء أو ~~العشاء بمنزله، وكان المنزل شقة أنيقة في عمارة فخمة بجاردن سيتي، وكان ~~أثاث الشقة فاخرا بصورة لم يتصور شهاب أن الفضل فيها يرجع إلى راشد، ~~وحين رأى شهاب زوجة راشد السيدة مها مرسي وشاهد ما هي عليه من أناقة ~~عرف السر في هذا الأثاث الفاخر الذي أذهله في أول مرة زار فيها ~~رئيسه، وقد كان شهاب ms10 على دراية بأناقة الأثاث مما كان يشهده بمنزل فؤاد ~~باشا الجويني سواء في بيته بالبلدة أو في قصره بالقاهرة الذي كثيرا ~~ما صحب أباه إليه. # كانت زوجة راشد أنيقة رفيعة الذوق؛ الأمر الذي يبلوره أثاث البيت ~~كما يظهر بوضوح فيما ترتديه من ملابس أو ما تختاره لنفسها من حلي غاية ~~في الجمال، ولم يكن شهاب يعنى كبير عناية إن كانت هذه الحلي أصيلة أو ~~غير أصيلة، ولكن الذي أدهشه أن هذه الملابس والحلي لم تستطع أن تجعل ~~منها هانم سيدة جميلة، فلو أنها استبدلت بفاخر الملابس والحلي الجميلة ~~ملابس أقل شأنا ولو أنها لبست الحلي البسيطة التي لا تتسم بالإبهار، ~~لو أنها فعلت هذا لما توقف عندها نظر الناس لحظة من زمن سواء كان ~~هؤلاء الناس رجالا يبحثون عن الجمال أو كن نساء يبحثن عما يثير فيهن ~~الغيرة أو الحسد. # ولم يعرف شهاب أن راشدا تزوجها لأنها في مكانة ابنة عمه، ولأن ~~والدها على شيء من الثراء ولكنه ثراء متواضع إلا أنه بالنسبة لراشد كان ~~كافيا لأن يختارها زوجة له. وقد رزق الزوجان بابنين وابنة؛ أما ~~الابنان فقد تخرج أحدهما وهو مرسي الذي يحمل اسم جده لأمه في كلية ~~الهندسة، وأما الآخر فهو حمدي المسمى على اسم جده لأبيه فقد تخرج في ~~كلية الحقوق، وأما الابنة فقد رآها شهاب في إحدى زياراته وعرف اسمها ~~سعاد على اسم جدتها لأمها. وكانت فتاة رشيقة، وكان طبيعيا ألا يتوفر ~~لها أي نصيب من الجمال؛ فلا الأب يستطيع أن يمنحها إياه، ولا الأم بقادرة ~~أن تعطيها أي مسحة منه، ولعل هذا الحرمان من الجمال هو الذي جعلها ~~متفوقة في دروسها. وقد كانت حين رآها شهاب في السابعة عشرة من عمرها ~~توشك أن تنتهي من المرحلة الثانوية، وتعد نفسها للالتحاق بكلية الطب، ~~ولكن الأمر الذي أدهش شهابا أن راشدا مع قبح زوجته لم يكن عربيدا ~~أو باحثا عن النساء بل كان فيما عدا الرشى التي يقبضها من التجار ~~رجلا محافظا كل المحافظة على دينه، ويقيم ms11 الصلوات في مواقيتها ويصوم ~~مضان، وقد استطاع أن يجذب شهابا إلى هذا المضمار، وانجذب شهاب ليرضيه، ~~أما هو في داخل نفسه فلم يكن يشعر بذرة من الإيمان أو بفائدة تعود عليه ~~من هذه العبادات، وإنما يسير في هذا الطريق إرضاء لرئيسه راشد وليس ~~غير. # وقد عجب من هذا الحفاظ على فرائض الإسلام من راشد، وكان مبعث عجبه ~~أمرين؛ أولهما قبوله للسحت والمال الحرام مع هذا الحرص الشديد على طاعة ~~الله ورسوله، وثانيهما زهده في النساء مع قبح زوجته، ولكن هذا العجب ~~ظل دفينا في نفس شهاب لا يبين عنه وهو عجب قد يسري في خبيء النفس، ~~وهو بطبيعته غير قابل أن يكشف عنه خوافي نفسه أو يبين ما استسر بها من ~~مشاعر. # | الفصل السادس # قامت الثورة وأوشكت أن تمسك بتلابيب كل المصريين لا تترك منهم أحدا. ~~تغير وزير الزراعة، وأطاح الوزير الجديد بفتحي السكرتير الخاص، وبراشد ~~مدير المكتب، أما شهاب فقد ظل في مكانه لهوان أمره فما كان أحد يشعر به، ~~ولم يسارع الوزير الجديد بتعيين سكرتير خاص له أو مدير مكتب فكان حتما ~~من الحتم أن يتولى شهاب أعمال السكرتير، وهو واثق أنه يقوم بها بصفة ~~مؤقتة. ومرت أيام وهو يتوقع في كل لحظة أن يعين الوزير الجيد سكرتيرا ~~له إلا أنه فوجئ في مرة كان يعرض فيها على الوزير بعض أوراق وإذا ~~بالوزير يسأل عن شهادته. وعن عمل أبيه، وعن كل شأن من شئونه الخاصة. ~~وكان شهاب مع الذعر الذي شاع في الحياة حريصا كل الحرص أن يكون ~~صادقا غاية في الصدق فيما أدلى به من معلومات، ويبدو أن الوزير لم يجد ~~فيما سمع من سكرتيره ما يمنع أن يظل سكرتيرا له، وكانت المفاجأة مذهلة ~~لشهاب أن طالعه الوزير بعد الأسئلة العديدة التي وجهها إليه بقوله: أنا سأبقي عليك سكرتيرا. # وفي دهشة فرحة قال شهاب: تحت أمرك يا افندم. ~~- ولكن هناك شروطا. ~~- تحت أمرك يا افندم. ~~- ما يجري هنا لا يعرفه أحد في الخارج حتى وإن كان أباك ms12 . ~~- طبعا يا افندم. ~~- الشرط الثاني أن تكون صادقا معي غاية الصدق، وتطلعني على كل شهيق ~~أو زفير لكل الموظفين أو الزوار أو أي أحد تعرفه. ~~- هذا أمر مؤكد يا افندم. ~~- ومقابل هذا سأبقي درجة مدير المكتب خالية حتى أتأكد من تنفيذك لهذه ~~الشروط بكل دقة. ~~- ربنا يطيل عمر سيادتك يا افندم. ~~- وسأبدأ الآن. ~~- تحت أمرك يا افندم. ~~- ما الذي تعرفه عن مدير المكتب السابق راشد حمدي الجوهري؟ # ولم تستغرق الإجابة من شهاب كثير تفكير؛ فإن أي مساس براشد سيأخذ ~~بخناقه هو أيضا؛ فكلاهما في شبكة واحدة وما أسرع ما قال: رجل طيب. ~~- وما معنى طيب. ~~- أولا لا بد أن أقول لسيادتكم إنه لم يكن له شأن بالوزير السابق؛ ~~فأسرار الوزير كانت كلها مع فتحي أما الأستاذ راشد فكان صورة فقط، ~~ونادرا ما كان يدخل إلى الوزير أو يستدعيه الوزير، وهو إلى جانب هذا ~~رجل يصلي ويصوم ولم أر عليه طوال مدة خدمتي معه أي شيء يشينه. ~~- هل هو من الإخوان المسلمين؟ ~~- أعوذ بالله يا سيادة الوزير، إنه لا شأن له بهذه الجماعة أبدا، إنه ~~رجل يرتعد إذا انفجرت عجلة سيارة. ~~- إذن تنقله، أين تظن المكان الذي يصلح له؟ ~~- والله أعتقد أن طول مدة خدمته بالوزارة ترشحه أن يعمل في شئون ~~الموظفين. ~~- والله فكرة لا بأس بها، اكتب قرارا بنقله بدرجته إلى شئون ~~الموظفين. ~~- أمرك يا افندم. ~~- أما فتحي فلن أرفته إنما قل لي من أي بلد هو؟ ~~- أظن أنه من طنطا يا سيادة الوزير. ~~- إذن ننقله إلى جرجا. ~~- أحسن من الرفت على كل حال. ~~- اكتب قرارا بهذا. ~~- أمرك يا سيادة الوزير. ~~••• # طبق قانون الإصلاح الزراعي على فؤاد باشا الجويني طبعا، ولكنه لما ~~كان رجلا بعيدا عن السياسة فقد أعتقه قانون الحراسات العشوائي، واحتفظ ~~الباشا بحدائق الموالح، وهكذا أصبح في مقدوره أن يبقي على زكي النمر ~~وعلى متولي وهدان في وظيفتيهما وبنفس المرتب أيضا، وهكذا لم تؤثر ~~الثورة على متولي وهدان تأثيرا سيئا بل إنها مكنته من أن يحصل على ~~وعد ms13 من موظفي الإصلاح أن ينال خمسة أفدنة من أرض الباشا التي وزعت على ~~الفلاحين المعدمين، وما أيسر على متولي أن ينفق على موظفي الإصلاح ~~الزراعي بضعة جنيهات ليجعلوا منه معدما، ويغضوا البصر عن الفدانين ~~اللذين يملكهما؛ الأمر الذي لم يفكر فيه زكي النمر أولا لأمانته، ~~وثانيا للصعوبة البالغة التي ستواجه موظفي الإصلاح، فإن إخفاء فدانين ~~لا يمكن أن يكون مثل إخفاء عشرة أفدنة. # وهكذا أصبح الشيخ متولي في حالة مالية منتعشة؛ فسبعة أفدنة مع مرتب ~~الباشا يعتبر بالنسبة له غنى أي غنى، ولكن مالا آخر كان في الطريق ~~إليه؛ فقد كان قانون الإصلاح الزراعي يتيح لمن يملكون أكثر من نصابه أن ~~يبيعوا في حدود خمسة أفدنة لا تزيد للفرد الواحد وفي مدة محددة، وفي ~~جلسة جمعت مع الباشا زكي النمر ومتولي وهدان قال الباشا: كم بعنا من الأرض الزائدة يا زكي أفندي؟ ~~- حوالي ثلاثمائة فدان تقريبا يا سعادة الباشا. ~~- والله لا بأس، اسمع أنا عندي فكرة؛ لماذا لا أبيع لك أنت خمسة ~~أفدنة، ومثلهم للشيخ متولي، ومثلهم لكاتبي الحسابات بالدائرة، بيعا ~~حقيقيا نقوم بتسجيله دون أن أتقاضى ثمنا منكم؛ ألستم أنتم أولى من ~~الذين سيوزع عليهم الإصلاح الأرض ممن لا نعرفهم. # وقال زكي النمر ومتولي وهدان في وقت واحد: أطال الله عمرك يا سعادة الباشا. ~~- هذه أقل مكافأة لكم على أمانتكم في العمل. # أبلغ كمال أفندي الكاتب بأن يحرر العقود الأربعة ويكتب الثمن مثل ما ~~بعنا به الأرض الأخرى، ويذكر في العقد أنني قبضت الثمن كله. ~~- أمرك يا سعادة الباشا. # وفي مدة وجيزة تم الاستيلاء على أرض الباشا الزائدة، وفي مدة وجيزة ~~أخرى تسلم زكي النمر خمسة أفدنة من الباشا كما تسلم متولي وهدان أفدنة ~~الباشا الخمسة ولم يمض كثير وقت حتى وزع المختصون من موظفي الإصلاح ~~الزراعي الأرض على الفلاحين، وصدقوا وعدهم لمتولي وتسلم خمسة أفدنة مثل ~~الفلاحين الآخرين الذين وزعت الأرض عليهم. # وهكذا أصبح متولي يملك اثني عشر فدانا الأمر الذي جعله يرسل ~~لابنه شهاب أن يتوقف عن ms14 إرسال الخمسة جنيهات التي كان يبعث بها في كل ~~شهر لأبيه، وطبعا هو لم يخبر أباه بالأموال التي تنسكب عليه من التجار ~~المتعاملين مع الوزارة ومن راشد الجوهري؛ فإن كانت الجنيهات الخمسة ~~متوائمة مع مرتبه الضئيل إلا أنها لا تناسب بأية حال من الأحوال دخله ~~الحقيقي. # | الفصل السابع # ومرت السنون وتولى شهاب منصب مدير مكتب الوزير وأصبح هو المشرف على ~~تعاملات الوزارة مع الغير؛ فأصبح المال الذي كان يغتاله راشد يتدفق ~~على شهاب وحده لا يشاركه فيه أحد؛ ولذلك لم يكن عجيبا أن يفكر شهاب في ~~الزواج، وهو لم يكن يذهب إلى مجتمعات، ولو كان يذهب ما شجعه هذا على ~~طلب أي فتاة؛ فقد كان شرطه الوحيد الذي وضعه لمن يتزوجها أن تكون ~~ذات ثراء يجعلها على الأقل مسئولة عن نفقات البيت، وقفز اسم سعاد راشد ~~الجوهري إلى ذهنه، ولكنها ليست على شيء من الجمال ولكنها أيضا ليست ~~قبيحة وأستطيع أن أجد الجمال في أماكن أخرى، أي أماكن، الأماكن التي ~~أسمع عنها ولا أرتادها، الزوجة شيء والجمال شيء آخر، على الأقل لا ~~تجعلني أغير عليها، وأظل وأنا خارج البيت مطمئنا غاية الاطمئنان أن ~~عرضي مصان. ولا تنس أنها أصبحت طبيبة وهذا الأمر سيزيد من دخلها كما ~~أنه سيشغلها عن مغامراتي التي أنوي بإذن الله أن أقوم بها، هي سعاد ~~وليس أنسب لي من سعاد، وكان راشد الجوهري قد بلغ سن المعاش ولا يعرف ~~شهاب إن كان يعمل أم أنه متقاعد في البيت. # توكل على الله طلب راشدا في التليفون. ~~- آلو من؟ # وعرف صوته فقال: تلميذك. ~~- شهاب. ~~- إذن لم تنسني. ~~- أنت الذي نسيتنا يا خائن. ~~- أنا لا أنساك أبدا. ~~- أية مناسبة سعيدة جعلتك تفكر في الاتصال بي؟ ~~- هي سعيدة إن شاء الله، متى أستطيع أن أزورك؟ ~~- أي وقت؛ فأنا كما تعلم على المعاش ووقتي كله ملكي. ~~- ربما تكون وجدت شركة تنتفع بخبرتك. ~~- والله هناك وعود ولم يتحقق منها شيء؛ فأنا الآن لا عمل لي إلا ~~المقهى في الصباح والبيت بعد الظهر ms15 حتى اليوم التالي. متى تحب أن تجيء؟ ~~- بكرة. ~~- وهو كذلك، الساعة السابعة تناسبك؟ ~~- على بركة الله. ~~- أهلا وسهلا. ~~- أهلا بك. سلام عليكم. # وذهب شهاب في الموعد المحدد، وجلس في حجرة الاستقبال الفاخرة مع ~~راشد، وما لبث أن جاء الخادم بالقهوة، ولم يضع شهاب الكثير من الوقت بل ~~عاجل راشدا قائلا: أنا أجيء إليك كوالد لي أولا، ثم بصفة ثانية سأطلعك عليها في ~~وقتها. ~~- مرحبا بك بأي صفة تريدني فيها؟ ~~- ألا ترى أن الوقت الآن مناسب لي أن أتزوج؟ ~~- طبعا مناسب جدا؛ فأنت الآن ميسور الحال، وأنا على علم بكل ~~صفقاتك فأنا ما زالت لي صلات بالوزارة والمتعاملين معها. ~~- أنا لا أشك في هذا فلنتوكل على الله. ~~- وأنعم بالله وكيلا. ~~- أريد أن أتزوج الدكتورة سعاد. # ووضحت المفاجأة على وجه راشد وسرعان ما تغلب عليها وقال: ولم لا؟ إنما هناك شيء لا بد أن أذكره لك حتى أكون صريحا معك، أنا ~~أعرف أنك لست أمينا في عملك في الوزارة ولا تقل لي إنني أيضا لم أكن ~~أمينا، ولكني أنا بالذات حالة خاصة. ~~- كيف ذلك؟ ~~- أنا استطعت أن أفصل تماما بين عملي في الوزارة وبين حياتي الخاصة، ~~ولا أعرف إنسانا مثلي؛ فإني لم أخن زوجتي في حياتي مطلقا مع أنك لاحظت ~~أنها غير جميلة، لا تعجب فقد تبينت هذا في عينيك منذ أول يوم قابلتها، ~~فأنا شخصيا مثال فردي لا يقاس عليه ولا يتوسع فيه. ~~- ولماذا لا أكون مثلك؟ ~~- يا شهاب يا بني أنا رجل عركت الحياة فإن لم تنتفع ابنتي من خبرتي ~~فهي إذن خبرة لا قيمة لها، سعاد ليست جميلة ومالها ليس بالكثرة التي ~~تتصورها؛ فهي ستساعد في مصاريف البيت ولكن بقدر معلوم، وقد تكسو نفسها ~~ولكنها لن تكسوك. ~~- هذا كلام معقول وأنا أرحب به ولا أريد أكثر منه. ~~- أخشى أنك تقول هذا الآن ثم تنساه. ~~- أنت رجل تعرف الله فتوكل عليه. ~~- توكلت على الله، ولكن لا بد أن أسأل سعاد. ~~- طبعا، وإذا وافقت فسأذهب إلى أبي وأمي وآتي بهما ليخطبا ms16 لي ويباركا ~~زواجي. ~~- هذه علامة طيبة. ~~- أنت تعرف ماذا يعمل أبي، ولن يكون غريبا أن ترى أبي يلبس جلبابا ~~وأمي متوشحة بالطرحة. ~~- من ينسى أباه ينسه أبناؤه، أنت رأيت سعاد أكثر من مرة ورأتك، ولكن ~~لا أظن أنها فكرت فيك كخاطب لها سيصبح زوجا، والزواج صلة لا مثيل لها ~~في كل الصلات الأخرى، ولا يشبهها أي آصرة، فأنا سأسألها وربما طلبت أن ~~تجلس إليها. ~~- أنا تحت أمرك وأمرها. ~~••• # ولم لا؟! إن هذا الشاب يخطبني لذاتي؛ فأبي لم يعد رئيسا له ولا لأحد ~~غيره، ولماذا أرفضه؟ أنا أعلم أنني لست جميلة، وقد عوضت هذا بنبوغي في ~~العلم، وهو أيضا في مركز مرموق، ومن المرات التي رأيته فيها تبين لي ~~أنه ذو ذكاء وحدة بادرة وليس سخيفا في تعليقاته، أو حديثه وشكله، لا بأس ~~به وملامحه ومتناسقة، وإذا أكل فبطريقة متحضرة نظيفة؛ وذلك يدل على ~~ذكائه الذي جعله يتعلم كيف يأكل بالشوكة والسكين فلا يجعل الذي ~~يؤاكله ينفر منه أو يتقرف. الواقع أنه لا بأس به وأنا لا أتوقع لنفسي ~~خيرا منه. وقالت لأبيها: هل أنت راض عنه؟ ~~- المهم رضاك أنت. ~~- على بركة الله. # وقال راشد لشهاب: على بركة الله. # وفرح شهاب وسارع قائلا: متى أحضر أبي وأمي؟ ~~- اليوم الإثنين، لنجعل الخطبة يوم الخميس إن شاء الله. ~~- وهو كذلك. ~~••• # فرح متولي وتفيدة بقدوم ابنهما؛ فقد كان قليل الزيارة لهما رغم أنه ~~اشترى سيارة، وبعد الاحتفاء به قال لأبيه وأمه سبب مجيئه، وفرح أبوه ~~غاية الفرح، أما أمه فلم يكن فرحها عظيما كأبيه. ~~- ألم تكن واحدة من قريباتنا أولى بك؟ # وأجاب عنه متولي: يا شيخة اسكتي. ومن في قريباتنا تستحقه، إنه يقول لك إن عروسته ~~دكتورة، ألا تفهمين معنى دكتورة؟ وأبوها كان رئيسا له في الوزارة يعني ~~بك. وقالت تفيدة: هذا يوم المنى عندي. نريد أن نفرح بأولاده. # وقال متولي: هذا هو الكلام، زغردي يا أم شهاب، زغردي. وقال شهاب: طبعا ستصحباني لتخطبا لي. # وقال متولي في بعض حذر: أترى ذلك؟! ~~- بل لا ms17 بد من ذلك. ~~- وأذهب بالجلباب وأمك بالطرحة. ~~- وهل قلت لهما إنني ابن باشا أو بك، إن راشد بك وأسرته يعلمون جميعا ~~أنني فلاح وابن فلاح وفلاحة، وإذا لم تخطب لي أنت وأمي فلن تكون هناك ~~خطبة، كيف تتم إجراءات الخطبة إذا لم تخطب لي أنت وأمي أطال الله ~~عمركما؟ ~~- على بركة الله. # وقالت تفيدة: تعيش يا بني، وهل نتمنى أنا وأبوك شيئا أجمل من الخطبة لك. ~~- اليوم الثلاثاء. بكرة إن شاء الله نسافر في الصباح. ~~- وهو كذلك. # وفي المساء ذهب متولي إلى الباشا وأخبره، فأصر الباشا على حضور ~~الخطبة. # اشترى شهاب شبكة بخمسمائة جنيه، وكانت شيئا مشرفا له ولعروسه أمام ~~كبار القوم الذين دعاهم راشد لحفل الخطبة، ولو أنهم لم يكونوا ~~كثيرين، ولم يخبر متولي أحدا إلا الباشا. أما شهاب فهو الآخر قد أخبر ~~الوزير الذي يعمل مديرا لمكتبه ووعد بالحضور، ولكنه لم يحضر. ودعا ~~شهاب اثنين فقط من زملائه في العمل هما حماد شريف صديقه اللصيق، ويسري ~~خطاب سكرتير الوزير منذ أصبح شهاب مديرا للمكتب. # وفي أثناء الحفل دعا فؤاد باشا شهابا إلى غرفة جانبية وأعطاه ظرفا ~~قائلا: لم يتسع وقتي لشراء هدية، خذ هذا واشتر أنت وعروسك ما تريدان. # وتناول شهاب الظرف وهم بتقبيل يد الباشا وهو يفهم أن الباشا لا يقبل ~~أن يقبل يده أحد؛ ولهذا لم يكن عجيبا أن يختطف الباشا يده قائلا: يا شهاب أنت ابني مثل عمر وعلي. ~~- أطال الله عمرك يا سعادة الباشا، وأسعدك بعمر بك وعلي بك وعائشة ~~هانم. ~~- شكرا يا بني. # وقام الباشا ليعود إلى الآخرين وتبعه شهاب وخالطوا المدعوين، وبدأت ~~مراسم الخطبة ولكن شهابا كان مشغولا عن دوره المفروض أن يقوم به بهذا ~~الظرف الذي أعطاه له الباشا، كم يحوي هذا الظرف يا ترى؟ كان توقه ~~إلى معرفة المبلغ الذي يحويه الظرف يأخذ عليه تفكيره كله، ليس ~~للمبلغ في ذاته ولكن ليعرف إن كان الباشا ما زال كريما كشأنه، وهل ~~ما زال غنيا قادرا أم قصم الإصلاح الزراعي ظهره فأصبح ms18 لا هو بالكريم ~~ولا هو بالقادر. # تمت إجراءات الخطبة في شكلها المرسوم، وكان شهاب وعروسه وأهل عروسه ~~جميعا قد ملأهم الزهو بالشبكة التي قدمها العريس. وهكذا نال شهاب ما ~~كان يصبو إليه من تفاخر بفخامة الشبكة. # الوحيد الذي مسه كثير من العجب والدهشة هو متولي أبو العريس؛ من ~~أين جاء شهاب بثمن هذه الشبكة التي بهرت المدعوين جميعا؟ إنه حتى لم ~~يطلب مني أي مساعدة مالية، وربما عاونه حموه حتى يتاح له الزهو بالشبكة ~~أمام المدعوين، هذا هو الأرجح؛ فالعروس وإن كانت دكتورة إلا أنها من ~~المؤكد أنها ليست جميلة وليس عجيبا أن يعاون أبوها خطيبها لتكون ~~الشبكة غالية الثمن إلى هذا الحد، وكانت بجواره زوجته تفيدة فإذا هي ~~تلكزه بمرفقها سائلة زوجها: ما رأيك في العروس؟ ~~- ليس الآن. ~~- ومن أين أتى شهاب بهذه الشبكة التي بهرت المدعوين؟ ~~- قلت لك ليس الآن. ~~- على كل حال ربنا يزيده، هل أعطيته أنت شيئا؟ ~~- لو كنت أعطيته لكنت أنت أول من يعرف. ~~- عجيبة، ربنا يكثر ماله. ~~- آمين. ~~- آمين على أن يكون حلالا. ~~- آمين وخلاص يا تفيدة. # وانتهت مراسم الخطبة وصحب شهاب أباه وأمه إلى بيته الذي لم يتمكنا ~~من رؤيته على حقيقته في الليلة السابقة التي باتا فيها عنده؛ فقد خرجا ~~في صباح يوم الخطبة ليزورا أولياء الله الصالحين، وأصر شهاب أن يدعوهما ~~ليكون غداؤهما كبابا في سيدنا الحسين، وحين عادا إلى شقة شهاب بعد ~~الظهيرة لم يكن الوقت متاحا ليسأله أبوه وأمه الأسئلة التي وجهاها ~~إليه بعد حفل الحطبة. ~~- الشقة عظيمة من أين لك كل هذا يا ولد؟ ~~- خير الله كثير والحمد لله. # وقالت أمه: على أن يكون من الله لا من الشيطان. ~~- اطمئني يا أمه. ~~- والشبكة التي بهرت الأكابر الذين كانوا مدعوين. ~~- الذي يهمك أنت وآبا أن يكون المال حلالا، وهو حلال، وأنا لم أطلب ~~من أبي شيئا. ~~- أنت لم تطلب وعلى كل حال أنا مستعد أن أساعدك بالذي تطلبه. ~~- أعرف هذا، ولكن لماذا ما دامت مستورة؟ ~~- الواقع أن أمورك أكثر ms19 من مستورة بكثير. ~~- بركة دعواتك أنت وأمي، دقائق ويكون العشاء جاهزا. # وقالت أمه: أي عشاء؟ أنت جوعان يا متولي؟ ~~- أبدا. ~~- وهل بعد الذي أكلناه من حلوى عند العروس يمكن أن نأكل شيئا، ~~هذا من رابع المستحيلات. ~~- إذن تصبحان على خير. # وتركهما في غرفتهما وسارع إلى حجرته ليخلو إلى الظرف الذي أعطاه ~~له فؤاد باشا الجويني. ~~- يا قوة الله ثلاثمائة جنيه! أولاد الكلب، هؤلاء لا ينفع معهم لا ~~إصلاح زراعي ولا إلغاء الرتب ولا حكم عسكري، الرجل يقدم هذا المبلغ ~~الفادح هدية لي ليجعلني أتأكد أنه ما زال السيد صاحب الأفضال وأنه قادر، وأنه ما زال صاحب الغنى والأموال، إلى متى سيظل أولاد الكلب هؤلاء ~~سادة ويدهم هي العليا، إلى متى؟! # | الفصل الثامن # أنجب شهاب وسعاد ولدا وبنتا وأسميا الولد أمجد والبنت فضيلة، ولكن ~~شهاب لم يكن بالزوج المثالي صاحب الفضيلة؛ فقد كان يضيق بالبيت ويبحث ~~لنفسه عن تسلية مع صديقه حماد شريف. # تغير الوزير الذي كان شهاب مديرا لمكتبه وجاء وزير جديد ولم يغير ~~شهابا لأنه كان لا يعرف أحدا في الوزارة، وارتأى أن يجرب شهابا، ~~واستطاع شهاب في دربة ومران أن يكتسب ثقة الوزير سواء كان ذلك في ~~أعمال الوزارة أو في الأعمال الخاصة؛ فما هو إلا بعض الوقت حتى رقي ~~شهاب إلى درجة مدير عام، وظل على صلته بالمتعاملين مع الوزارة، ولم تثر ~~حول الرشى التي كان يقبضها أية إشاعات، وكان التجار أشد ما يكونون ~~حرصا على بقاء شهاب في اختصاصه، وكان هو على ذلك أحرص؛ ولذلك لم يفعل ~~مثل سلفه راشد الجوهري الذي أشركه معه عند أول تعيينه؛ فقد كان شهاب ~~مصرا على أن ينفرد هو بهذا الاختصاص حتى لا يسلبه أحد شيئا مما ~~ينهمر عليه من مال. # حين رقي شهاب إلى درجة مدير عام أنبأ سعاد بالخبر وهما على مائدة ~~الغداء، وفرحت به فرحا شديدا كما فرح أمجد وفضيلة وقالت سعاد: لا بد من هدية لأمجد ومثلها لفضيلة. ~~- اشتري أنت الهدايا التي تريدينها وأنا علي أن ms20 أدفع ثمنها. ~~- ألا تسهر معنا الليلة لنحتفل بك؟ ~~- نحتفل بكرة على الغداء، أما اليوم فإني على موعد هام. # وقالت سعاد في أسى: في المقهى؟ ~~- في هذه المقهى أتمم أعمال في غاية الأهمية، ثم إنك لا بد ذاهبة إلى ~~المستشفى ففيم تريدين بقائي؟ ~~- كنت سأعتذر عن الذهاب إلى المستشفى. ~~- اعتذري وابقي مع ابنيك فهما لا يكادان يريانك، وأنت أوكلت أمرهما ~~إلى المربية عظيمة. ~~- إنك أنت الذي لا نراك إلا على الغداء وكثيرا ما تتغيب حتى عن ~~الغداء. ~~- أنا لا أتغيب إلا حين يكون الوزير في الوزارة، هل تتصورين أنى أترك ~~الوزير في الوزارة وأقول له عن إذنك أنا ذاهب لأتغدى مع أسرتي؟ ~~- أنا أعلم أنه لا فائدة من المناقشة معك، أفعل ما تريد، وعلى كل حال ~~مبروك. ~~- بارك الله فيك. # وفي المقهى تلقفه حماد شريف والأصدقاء الآخرون بالترحاب والتهليل، ~~وحين انتهى احتفال الأصحاب اجتذبه حماد إلى مكان ينفردان فيه وقال له: معك فلوس؟ ~~- معي. ~~- أنا متأكد أن جيبك دائما عامر بالمال. ~~- أنا تحت أمرك. ~~- أخطأت فهمي، أنا الليلة معد لك سهرة ستظل تحلف بها طول عمرك. ~~- أين؟ ~~- أترك لي الأمر، هيا لنقعد مع الصحاب. ~~- ومتى تبدأ السهرة؟ ~~- لا تخف ما زال الوقت مبكرا على بدئها. ~~••• # صحب حماد شهابا إلى كباريه ليالي الفرح، وشاهدا العرض وبعد العرض ~~سعى حماد إلى الراقصة فتنة لتجالسهما، وبهذه المجالسة بدأت لشهاب حياة ~~جديدة. # | الفصل التاسع # بهر شهاب بفتنة، وكانت تصغره بسنوات ليست كثيرة، وحين خرج من ~~الكباريه بصحبة حماد قال له: واضح أن هذه ليست أول مرة تأتي فيها إلى هنا. ~~- أتيت قبل اليوم مرات قليلة. ~~- ولماذا لم تصحبني؟ ~~- هل جننت؟! كنت سكرتير الوزير في حكومة مخابرات، لو عرفوا أنك تأتي إلى ~~هنا فالله أعلم بالعواقب. ~~- لك حق، الأمور اليوم فيها انفراج كبير. ~~- هل أعجبتك السهرة؟ ~~- أنا مصمم على المجيء إلى هنا أغلب أيام الأسبوع. ~~- من أجل فتنة فقط أم من أجل الجو العام؟ ~~- فتنة أهم ما في هذا الجو العام. ~~- البنت هبلتك. ~~- أنعم وأكرم بهذا ms21 الهبل. ~~••• # منذ ذلك اليوم وشهاب لا يكاد ينقطع عن الذهاب إلى الكباريه والجلوس ~~إلى فتنة سواء كان حماد معه أم لم يكن. # وعرف أن فتنة فتاة نالت قدرا من التعليم صحبه قدر كبير من البؤس حتى ~~التقت في بيت إحدى صديقاتهما بالراقصة الشهيرة ناهد فكري وطبعا كانت ~~شهرتها ناهد فقط. وكانت ناهد في سن لا تسمح لها بالبقاء على مسرح الرقص ~~فترة كبيرة وكانت تملك الكباريه الذي تعمل به؛ فانتهزت من فتنة فرصة ~~لا تعوض؛ فقد رأت فيها فتاة في ربق العمر تتمتع بقسط وافر من الجمال ~~والنضارة، وكانت ظروف فتنة تجعلها ترحب بما عرضته عليها ناهد من العمل ~~كراقصة لديها بالكباريه، وماذا سأخسر؟ لست ابنة أسرة كبيرة تحافظ على ~~اسمها، أما شرفي فأنا قادرة على المحافظة عليه، ولكن ربما أجد في ~~الزبائن من يتزوجني وليس هذا شيئا بعيدا. وهكذا قبلت فتنة ما عرضته ~~ناهد وبدأت حياتها كراقصة ما لبثت أن نالت إعجاب من يرتادون الملهى، ~~وحرصت فتنة أن تقوم بكل ما تقوم الراقصات به من مجالسة ومشاربة، كما ~~حرصت في حزم عن مصاحبة أحد إلى ما يدعوها إليه. # وكان بين الرواد عادل صبري الذي كان يحمل رتبة بك قبل أن تلغى ~~الرتب، وكان مولعا أشد الولع بفتنة، ولم يكن شابا بل كان رجلا في ~~الخمسين من عمره له ابنان متخرجان في الجامعة، وكان على قدر من الثراء؛ ~~فقد كان من القليلين الذين يوردون الأحذية إلى روسيا، وقد بذل كل ~~جهده المصحوب بعروض مالية تغري مثيلات فتنة إغراء شديدا، ولكنها أصرت ~~على التمسك بعرضها رغم العروض الخيالية التي قدمها إليها عادل بك صبري، ~~والتي كانت تعلم أن بوسعه المالي أن يجعل هذه العروض حقيقة لا شك فيها، ~~وكان الحفاظ على شرفها هذا يزيد جنون عادل بك بها، وربما كان هذا ~~الجنون بها هو الذي ترمي إليه فتنة؛ فمع أنها كانت في سن باكرة إلا ~~أنها كانت حريصة ألا يكون مصيرها كمصير الراقصات اللواتي يرخصن أنفسهن ~~حتى إذا علت بهن السن ms22 أصبحن كالخرقة الممزقة تعافهن النفوس، ويهرب منهن ~~الأصدقاء القدامى الذين كانوا يرتمون تحت أقدامهن. # وهكذا لم يجد عادل وسيلة معها إلا أن يعرض عليها الزواج. ~~- أهذا معقول؟ ~~- ولماذا لا يكون معقولا؟ ~~- وزوجتك وأولادك؟ ~~- لا شأن لك بهم. ~~- إذن لي شرط. ~~- كل شروطك مقبولة. ~~- أن أظل في عملي. ~~- وما حاجتك إلى عملك وأنت ستكونين في غنى عنه كل الغنى؟ ~~- أنا لي اسم وشهرة والزبائن تحب رقصي، وقد تطلقني فيكون من الصعب كل ~~الصعوبة أن أستعيد ما أتمتع به اليوم من شهرة. ~~- إذن موافق على أن تقبلي شرطا لي. ~~- ما هو؟ ~~- ألا أعلن زواجنا؛ فإني أخشى بهذا الزواج أن أسيء إلى ولدي بين ~~زملائهما من الموظفين أو قد يعوق هذا زواجهما، وقد أصبح كلاهما موشكا ~~على الزواج، فأرجوك وأقبل يديك أن تقبلي هذا الرجاء ولا أسميه شرطا. # وفكرت فتنة لحظات وقالت: ربما كان رجاؤك خيرا؛ فما دمت سأعمل في الكباريه فالأحسن لي ألا ~~يعرف الزبائن أني متزوجة فهم لا يحبون المتزوجات. ~~- إذن اتفقنا. # وتم الزواج فعلا وكان عادل فرحا بهذا الزواج غاية الفرح، وقد تمثلت ~~سعادته في إغداق المال على زوجته الجديدة، أما فتنة فقد أسعدها المال ~~ولم تلق كثير اهتمام إلى فارق السن بينها وبين زوجها. # وشأن رواد الكباريهات ما لبث عادل أن زهد في زوجته الثانية، وبدأ ~~يبحث عن أخرى في الكباريه، ولم يكن الطريق وعرا ليجد أخرى، وما يحدث ~~في الكباريه هيهات أن يكون سرا على العاملين فيه. # وانفجرت فتنة في زوجها: رضينا بالهم والهم لا يرضى بنا. ~~- أما أنك حقا تربية كباريهات! أكل هذا العز الذي جعلتك تعيشين ~~فيه هم؟ ~~- لا تنس فارق السن بيني وبينك، والعز الذي تقول عنه تعويض عن سنك، ~~وعن كونك زوجا لغيري، وأبا لولدين متخرجين. ~~- ماذا تريدين الآن؟ ~~- أنا قبلت أن أكون زوجة ثانية، ولكن لا يمكن أن أكون زوجة ثالثة. ~~- وهل أنا تزوجت؟ # سيكون هناك ثالثة على كل حال سواء بالزواج أم بغيره وهذا ما لا ~~أقبله. ~~- المهم ما غرضك؟ ~~- الطلاق. ~~- أنت ms23 طالق. ~~- مع السلامة ولا تنس المؤخر والنفقة. ~~- بجملة ما صرفته عليك. # وتم الطلاق وأعطاها المؤخر والنفقة الشهرية في مبلغ واحد، وأصبحت فتنة ~~حرة مرة أخرى، واستمر طبعا عملها في الملهى الذي تعمل به، وفي هذا ~~الملهى عرفت شهابا وعرفها شهاب وجن بها. # | الفصل العاشر # عرف شهاب أن فتنة ترفض العلاقات غير الشرعية، وكان هذا الأمر قد أصبح ~~شهيرا عنها أنها ترفض أي صلة غير شرعية، وقد وصل هذا إلى علم شهاب من ~~الأخريات اللاتي حاولن أن يغرين شهابا بهن ويرمين في نفسه اليأس من أن ~~تكون بينه وبين فتنة أي صلة. # ولم يعبأ شهاب بما تدعيه أولئك الراقصات؛ فمن الناس نوع يظن نفسه ~~شيئا غير الآخرين، إنها رفضت أن يكون لها علاقة بأي واحد من رواد ~~المقهى، ولكن لم يكن شخص من الرواد مثل شهاب متولي؛ فالذي لم يتحقق ~~لغيري لا بد أن يتحقق لي فأنا غير هؤلاء وليس بينهم من يماثلني. وهكذا ~~راح يطارد فتنة دون يأس سنين عدة وهي تخضع له بالقول ولكن تأبى عليه ~~ما ردت عنه الآخرين. # ولكن شهابا ظل يقصد إليها كل ليلة ولم يعد في حاجة للاعتذار لزوجته ~~سعاد؛ فقد ألفت هذا الأمر منه وامتنعت عن مساءلة زوجها مع أنها بذكائها ~~أدركت أن وراء سهره الليالي أمورا جديرة باهتمام الزوجة غاية الاهتمام، ~~إلا أنها هي اكتفت من الزوجية بظاهر الأوضاع، وكما توقف شهاب عن ~~الاهتمام بزوجته توقف عن الاهتمام بابنه وابنته إلا ما تلقيه إليه ~~زوجته من أخبار على مائدة الغداء إذا التقيا عليها صدفة. وهكذا تهرأت ~~روابط الزوجية والأبوة بين شهاب وأسرته، أما عن الناحية المالية فقد ~~تغافل عنها لما وجد سعادا لا تطالبه بها واعتبر إنفاقها على شئون ~~المنزل والأبناء أمرا مفروغا منه ما دامت هي لا تناقش هذا الأمر، وهي ~~من جهتها أضافت الناحية المالية إلى أركان الحياة الأسرية المنهارة، ~~واحتملت الإنفاق على ابنيها والبيت فقد كانت موفورة الدخل من عملها ~~الطبي ومن أبيها أيضا. # وجاء وزير لوزارة الزراعة استغنى عن ms24 شهاب كمدير لمكتبه، ولكنه في ~~مقابل هذا جعله بدرجة وكيل وزارة لشئون السماد ومواد المقاومة للآفات ~~والحشرات، ومع انقطاع صلته بأهل بيته لم يجد ما يمنع أن يخبر زوجته ~~وأمجد وفضيلة بالخبر ولم يدهش أن وجد فرح الأسرة بالخبر هينا ~~متهافتا. # وسعى شهاب سعيا حثيثا أن ينشر الخبر في الصحف؛ فقد انتوى أن يستفيد ~~من هذا النشر فائدة كبرى. # وحين التقى بفتنة كان حريصا أن يصحب معه جريدة من الصحف التي نشرت ~~الخبر، وكان فرح فتنة أعظم بكثير من فرح أسرته ورأى أن هذا أمر ~~طبيعي. # وفي مدى شهور قليلة عرف شهاب أسرار وظيفته الجديدة، وعرف تمام ~~المعرفة كيف يكسب منها مكاسب لم تكن تخطر له على بال، بالإضافة إلى أنه ~~ما زال كما كان المشرف على علاقات الوزارة بالتجار وما زالت أرباح هذه ~~الوظيفة تنهمر على حساباته بالبنوك. # وفكر شهاب وأمعن في التفكير كيف يجعل مكاسبه تتضخم، وأدخل في حساباته ~~ما سيعود إليه من وظيفته الجديدة، ولكن أحلامي وآمالي هذه تحتاج إلى ~~تعاون من الموردين والمصدرين معي حتى أكون قادرا على ربح الملايين، ~~فتنة، ماذا لو تزوجت فتنة وكانت هي وسيلتي إلى أصحاب الملايين، أعرف ~~أنها شريفة ولكن كل إنسان يظن نفسه أنه قادر على ما لا يستطيعه غيره ~~كما ظننت أنا بنفسي حتى ردني حرص فتنة على شرفها إلى صوابي وكذلك سيكون ~~الحال مع كل من تقصد إليه من أصحاب الأموال الشامخة التي تكال كيلا ~~ولا تعد، فتنة وسيلتي وليس غيرها. ~~- ما رأيك أن نتزوج؟ ~~- وبيتك؟ ~~- ما شأنه؟ ~~- لقد مررت بهذه التجربة وأكره أن أكررها. ~~- ليس في العالم اثنان متشابهان في الخلق حتى وإن تشابها في الخلقة. ~~مهما تفلسفت لن أكرر التجربة. ~~- فإذا طلقت زوجتي؟ ~~- أقبل الزواج. # لن يكون الطلاق أمرا يدعو إلى الدهشة من سعاد أو حتى من أمجد ~~وفضيلة؛ فنحن في الفترة الأخيرة علاقاتنا منفصلة تماما وسعاد وحدها هي ~~التي تقوم بشأن البيت والولد والبنت، ترى في أي كليات هما؟ أظن أمجد في ~~الطب، وفضيلة في ms25 الاقتصاد والعلوم السياسية، ربما كان صحيحا، ولكن ~~المؤكد أنني لا أعرف إلى أي سنة وصل الولد أو البنت، لقد كان زواجي من ~~سعاد وإنجابي منها فترة وانتهت أو لا بد أن تنتهي على كل حال. # | الفصل الحادي عشر # وما أيسر أن طلق شهاب زوجته ولم يعبأ بأبيها صاحب الفضل عليه، وما ~~أيسر ما تزوج من فتنة وأقام لهذا الزواج حفلا دعا إليه كل من ينتوي أن ~~يعمل معهم، وكان من الطبيعي أن يلبوا دعوة وكيل الوزارة التي يتعاملون ~~معها. # واستقبلت سعاد الطلاق في حزن غامر؛ فقد تغاضت عن كل حقوقها الزوجية بل ~~وضربت صفحا عن إهمال زوجها غير ابنيها، فعلت كل هذا لتتقي الطلاق من ~~أجل نفسها ومن أجل ابنها وابنتها؛ فهي تعلم أنها ليست جميلة ولكن هو الذي ~~اختارها، وكانت تعلم منذ تقدم للزواج منها أنه اختارها لأسباب بعيدة كل ~~البعد عن جمالها وهي واثقة كل الثقة أنه لم يشعر نحوها بما يسمونه الحب ~~أو العاطفة الجياشة أو غير الجياشة أو حتى الود والسكينة التي تضم ~~الزوجين في رباط واحد، وقدرت أنه خطبها ليرتفع بطبقته من ابن خولي إلى ~~زوج لكريمة وكيل وزارة مهما يكن وكيلا سابقا، ولم يفت فطنتها أن حالة ~~أبيها المالية المنتعشة كانت ضمن الأسباب الهامة في خطبة شهاب لها، ~~وحينذاك قدرت أنها لن تخطب إلا لهذه الأسباب، وما دام الأمر كذلك فلا ~~فرق هناك بين شهاب وغيره؛ فهي على الأقل تعرفه وهو على كل حال أحسن ممن ~~لا تعرفه. وتحملت الحياة الزوجية معه بعد إنجابها لابن وابنة ولم تحاول ~~أن تذكره بواجباته المالية والأبوية مسقطة من حسبانها واجباته الزوجية ~~إسقاطا تاما، وشغلت نفسها بالعمل في المستشفى، وتمكنت من العثور على ~~شقة محترمة جعلتها عيادة لها، ولما كانت متخصصة في أمراض النساء كما ~~كانت ماهرة كل المهارة في تخصصها كانت عيادتها مصدر ربح وفير جعلها ~~تواجه في يسر مطالب البيت ومطالب أمجد وفضيلة حتى أوشكا على التخرج. # أمجد في كلية الطب تخصص جراحة، وفضيلة في كلية ms26 الاقتصاد والعلوم ~~السياسية، وكانت دائما تنجح بدرجة امتياز حتى لم تستبعد أمها سعاد أن ~~تعين معيدة بالكلية. # وكانت سعاد فخورة بابنها وابنتها كما كانت تزهى في نفسها أنها وحدها ~~صاحبة الفضل في تفوقهما، وكانت تحمد لنفسها أنها لم تذكر لزوجها هذا ~~الفضل منها قط، محاولة بكل ما تستطيع من جهد أن تبعد فكرة الطلاق عن ~~ذهنه؛ فقد كانت كل تصرفاته في السنوات الأخيرة توحي إليها أنه في غالب ~~الأمر ينتوي الطلاق، وأنه لا ينتظر إلا سببا مهما يكن هينا ليقدم ~~عليه، وها هو ذا السبب قد وجد وطلق زوجته. # ورضخت سعاد للأمر الواقع في حزن حاولت أن تبدده في مزيد من العمل، ~~أما أمجد وفضيلة فقد تملكهما الأسى لما أحساه من حزن أمهما، ولكن ~~كليهما كان لا يشعر بالأبوة كعنصر أساسي في حياته، فما هو إلا يوم أو ~~بضعة أيام قليلة حتى نسيا ما كان من أمر الطلاق كأن شيئا لم يقع. # صمدت سعاد بضعة أسابيع ولكن غريزة المرأة فيها جعلتها تحاول البحث عن ~~سبب طلاقه لها. # ولم تفكر إلا في حماد شريف لتسأله عن السر الخافي عليها: أستاذ حماد؟ ~~- هو أنا، من المتكلم؟ ~~- أنا سعاد الجوهري. # وفوجئ حماد وأدرك السبب الذي تطلبه من أجله، وأحس ببعض الحرج ثم ~~حزم أمره على أن يقول لها كل شيء؛ فهي إن لم تعرف منه ستعرف من غيره، ~~واستجمع نفسه سريعا وقال لها في التليفون: أهلا وسهلا يا مرحبا، والله أنت لا تعرفين كم أنا حزين لما حدث، ~~وأنت طبعا متأكدة أنني حاولت أن أمنع وقوعه ولكنك تعرفين أنه لا يسمع ~~كلام أحد. ~~- أنا شاكرة لك ولكن هل عندك مانع أن أراك؟ ~~- الآن إذا أمرت. ~~- أهلا وسهلا. # وجاء حماد وعرفت سعاد منه كل شيء بدءا من صلة شهاب بفتنة حتى زواجه ~~منها، ولكن الأمر الذي لم يكن يعرفه حماد هو سبب هذا الزواج؛ الأمر ~~الذي كان خبيئا في نفس شهاب ولا يعرفه أحد إلا هو، وهكذا وقع في ظن ~~سعاد أن شهابا تزوج ms27 من فتنة لجمالها؛ فقد كان هذا هو ظاهر الأمر ولا ~~يعرف باطن الأمور إلا الله. # ووقع الأمر وقوع الكارثة على سعاد، وأصبحت كارثة طلاقه لها أهون من ~~كارثة زواجه براقصة؛ مقدرة أثر هذا على ابنيه؛ا فأن يطلقها أبوهما شيء ~~يمكن أن يسيغه المنطق، أما أن يتزوج من راقصة فتلك هي الداهية الدهياء ~~لها ولابنها ولابنتها جميعا، ما مصير أمجد إذا تقدم للزواج من إحدى ~~الأسرات المحافظة؟ والأدهى ما مصير فضيلة إذا تقدم لها واحد من هذه ~~الأسرات؟ # كانت سعاد تعلم أن المصيبة قد وقعت ولا سبيل لردها، ولكن لا بد من ~~محاربتها مهما كانت الحرب غير مجدية. # أخبرت سعاد أمجد وفضيلة بالنبأ ووقع عليهما وقوع الصاعقة؛ فإن يكونا ~~قد تقبلا الطلاق في هوادة إلا أنهما لم يكونا ينتظران أن يتزوج أبوهما ~~من راقصة. وفي سرعة خاطر وحسم قال أمجد لأمه: أنا مسافر إلى جدي الآن. ~~- فكرة لا بأس بها ولكن ماذا يستطيع جدك أن يفعل؟ ~~- لا بد أن يعرف على كل حال، إنك تجدينه حتى الآن لم يعرف شيئا عن ~~الطلاق وطبعا لا يعرف شيئا عن هذا الزواج الهباب، وكلا الأمرين لا بد ~~أن يعرفه. ~~- توكل على الله. # لم يكن أمجد أو فضيلة يسافران إلى جدهما أو جدتهما ولكن الجدين كانا ~~كثيرا ما يأتيان لزيارة ابنهما وأسرته، ولم يكن يخفى عليهما حقيقة ~~الأمور والصلات بين ابنهما وزوجته وابنه وابنته، ولكنهما كانا يتظاهران ~~بأنهما لم يلحظا شيئا يدعو إلى السؤال محاولين أن يقنعا زوجة ابنهما ~~وابنيه بأنه ليس هناك شيء يدعو إلى التعجب أو الاستغراب، ولكن أسرة ~~شهاب بجميع أفرادها كانت موقنة أن أمرها لم يغب عن أبي شهاب وأمه. # كانت سعاد قد اشترت سيارة لكل من أمجد وفضيلة منذ دخلا الجامعة. # وما أسرع ما استقل أمجد سيارته وتوجه إلى جديه في الهدارة. # | الفصل الثاني عشر # وما إن أتم أمجد حديثه إلى جديه حتى قال له الشيخ متولي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هل ~~سيارتك معك؟ ms28 ~~- طبعا. ~~- تبيت الليلة معنا ونسافر في الفجر. ~~- إذا أحببت نذهب من الآن. ~~- غدا أضمن عثوري عليه في الوزارة أما الآن فكيف أجده؟ ~~- معقول، خاصة وأنا لا أعرف له عنوانا أو محل إقامة، ربما يكون ~~مقيما في شقة زوجته؟ # وقالت تفيدة في أسى: قطعت وذررت في الهواء، أهكذا يا شهاب؟! ألم تفكر في أبيك وأمك؟ ~~وانخرطت في البكاء بكاء ذا نشيج ولوعة وأسف، وقال لها زوجها: إذا كان لم يفكر في نفسه وعائلته وابنه وابنته تنتظرين منه أن ~~يفكر فينا، أتذكرين آخر مرة زارنا فيها؟ ~~- يا أخي لا عليك من الزيارة ربما كان مشغولا. ~~- الآن عرفنا فيم هو مشغول. ~~- لا، إنه يحترمك ويعمل لك ألف حساب. ~~- يا تفيدة الذي يعمل ما عمله لا يعمل لأحد أي حساب. ~~- أخاف أن أدعو عليه ويستجيب ربنا للدعاء. ~~••• # ذعر شهاب وهو يرى أباه داخلا إلى غرفته بالوزارة، وسارع إليه يقبل ~~يده: أهلا يابا أهلا وسهلا. ~~- لا أهلا ولا سهلا. ~~- إذن بلغوك. ~~- وماذا كنت تنتظر؟ ~~- أن تعرف ولكن ليس بهذه السرعة. ~~- المهم أنه كان لا بد أعرف، راقصة يا شهاب راقصة؟! ~~- وحياتك يابا إنها في غاية الشرف. ~~- دع حياتي وشأنها. ~~- وتترك زوجتك وابنك وابنتك. ~~- يكفيهما أمهما. ~~- هل يستغني أحد عن أبيه؟ ~~- هما استغنيا عني. ~~- لما رأياك لا تسأل عنهما. ~~- يابا لا أراك الله البيت الذي كنت أعيش فيه معهم، كان ~~بالنسبة إلي كالسجن. ~~- لماذا؟! هل كان أحد في بيتك يخرج عن طاعتك؟ ~~- الحقيقة لا. ~~- فما هذا الكلام الفارغ الذي تقوله؟ ~~- بذمتك يابا وحياتي عندك وحياة أمي، هل ترى في سعاد شيئا من ~~الجمال؟ ~~- ألست أنت الذي اخترتها؟ وهل أخفت عنك وجهها حين خطبتها؟ ~~- غلطة، هل كتب علي أن أظل حياتي كلها أدفع ثمنها؟ ~~- يا بني سعاد زوجة ليس لها مثيل، والجمال ليس كل شيء. ~~- يابا الجمال قد لا يكون مهما للآخرين، ولكنه بالنسبة للزوج شيء ~~مهم، ومهم جدا. ~~- يا بني إن أمجد وفضيلة على وش زواج. ~~- ولنفرض، أليس لي الحق أنا أيضا أن أعيش؟ ~~- يعني لا ms29 فائدة من الكلام؟ ~~- الكلام الآن لا فائدة منه. ~~- إذن فكل منا حر فيما يفعله. ~~- اعذرني يابا، أنا عندي زعلك أنت وأمي بالدنيا كلها. ~~- ولما عملت عملتك ماذا كنت تنتظر؟ أن أفرح وتزغرد أمك؟! لقد تركتها ~~ودموعها سائلة كالمطر حتى وهي نائمة. ~~- اعذرني يابا أنت وأمي، الظروف أقوى مني. ~~- بل أنت الذي صنعت هذه الظروف، ولا تظن أنني سأسكت وغدا تشوف ~~ماذا سأفعل، سلام عليكم. ~~- يابا انتظر، أين ستذهب؟ ~~- هذا ليس شأنك، ابق حيث أنت. # وخرج الشيخ متولي ووجد أمجد ينتظره فركب السيارة وهو يقول لحفيده: هيا بنا إلى بيتكم يا بني. # وكانت سعاد بالمنزل. # | الفصل الثالث عشر # قال لها الشيخ متولي: أنا خجلان أن أريك وجهي كأنني أنا الذي عملت ما عمله ابني. ~~- أعوذ بالله يا عمي، وأنت ما ذنبك؟ ~~- ذنبي أنه ابني. ~~- أنا متأكدة أن أسفك لما عمله أشد من أسفي أنا وابنه وابنته. ~~- ولهذا قررت أمرا لا رجعة لي عنه، أولا أن تعتبري بيتي بيتك، وأنا ~~لن انقطع عن زيارتكم بل سأكثر من هذه الزيارات، واعتبريني مسئولا عنكم ~~مسئولية الأب عن أبنائه، وأنتم أبنائي فعلا؛ فالقدماء يقولون إنني ولدت ~~أبناء ابني مرتين لا مرة واحدة، توكلي على الله ثم علي. ~~- والله يا عمي أنا أضعك في مكان والدي تماما، وأعرف تماما مكانتي ~~وأنا وأبنائي عندك. ~~- انتظري لم تعرفي بعد ما قررته. ~~- تحت أمرك يا عمي. # أنا أعرف أن ربنا فاتحها عليك وأنك لا تحتاجين إلى مال إلا أنني ملزم ~~أن أساهم، وأنا أمام الله المسئول عن هذا ولو أدى الأمر أن أرفع ~~القضايا باسمكم على وحيدي جزاه الله، وأنا لا أملك إلا اثني عشر فدانا ~~كما تعلمين، توكلت على الله وسأبيعها لأمجد وفضيلة بالميراث الشرعي على ~~أن يأخذ ريعها بعد وفاتي أنا وتفيدة. ~~- يا عمي لا داعي لهذا فنحن مستورون والحمد لله. ~~- أنا أعرف ذلك ولكن لا بد أن يعرف ابني كم أنا غاضب عليه ورافض لما ~~فعله حتى إني منعته أن يرثني، ولا تحاولي مناقشتي في هذا ms30 الأمر، وللأسف ~~لا أملك إلا هذا التصرف بالنسبة لك ولأحفادي. ~~••• # وحين عاد الشيخ متولي إلى زوجته نقل إليها كل تصرفاته مع ابنه ومع ~~سعاد والعجيب أن تفيدة أيدته في بيع الأرض لحفيده وحفيدته. وبدأ من غده ~~في اتخاذ الإجراءات حتى تمت على الوجه الأكمل. ~~••• # بدأ شهاب حياته الزوجية بشراء شقة فاخرة توخى أن يكون الاستقبال فيه ~~متسعا غاية الاتساع، وفرشت فتنة الشقة فرشا فاخرا؛ فقد تعلمت الذوق من ~~كثرة البيوت التي دخلتها. وفرضت فتنة على شهاب أن يكون أوائل المدعوين ~~هم رجال الصحافة والإعلام على أن تكون تلك الاستقبالات فردية حتى يظن ~~الصحفي المشرف على الصفحة الفنية في جريدته - والمدعو إلى بيت فتنة لا ~~شهاب - أنه وحده المقرب عند الراقصة، ولا بأس أن يفوز بعض هؤلاء ~~المدعوين بهدايا قيمة أيا كان نوع هذه الهدايا وحجمها. ونفذ شهاب ما ~~أرادته فتنة، وما هي إلا أسابيع قلائل حتى تصدرت صورة فتنة الصحف ~~وأحاديث الإذاعة والتليفزيون وتم لها ما دبرت له في نجاح منقطع النظير، ~~وحينئذ قالت لشهاب: الآن تستطيع أن تدعو من تشاء من رجال الأعمال الذين تحاول أن ~~تقيم بينك وبينهم صلات اقتصادية. # وهكذا أقام شهاب وفتنة حفل عشاء فاخرا كان المدعوون فيه رهطا ضخما ~~من رجال الأعمال، وفي نفس الوقت من الصحفيين والصحفيات والعاملين ~~والعاملات بميدان الإعلام، ولبى أغلب المدعوين الدعوة وكثير منهم اجتذبه ~~أن فتنة الشهيرة هي ربة البيت، وتوثقت صلة شهاب بثلاثة من العاملين ~~بسعة في الميدان الذي يشرف عليه في الوزارة. # كان أول الثلاثة وأهمهم هو نبيل فواز الملط ولو أنه أخفى لقب الملط ~~هذا من اسمه تماما فأصبح لا يعرفه عنه إلا الذين يعرفون أصله الأول، ~~وكان أكبر مستورد للأسمدة الزراعية والمواد المبيدة لحشرات النبات. # وكان نبيل فواز رجلا في الخمسينيات من عمره، شديد العناية بمظهره ~~وملبسه، وطبعا لم يكن حاصلا على شهادة تجاوز الابتدائية، وقد مارس ~~السوق في السنوات الأولى من حياته وكان ذلك عن طريق التاجر الذي ~~يبيع لهم الأسمدة في قريته النكارية بالشرقية. ms31 ولاحظ التاجر في الفتى ~~الصغير نبيل ذكاء وتفتحا فضمه إليه، وحين تأكد نبيل أنه أصبح على علم ~~بأسرار السوق وخوافيه تشجع أن يطلب من عمه عبسي الملط يد ابنته نبوية ~~التي لم يكن يجرؤ على طلب يدها من قبل؛ فعمه صاحب ثلاثة أفدنة وفواز ~~الملط أبو نبيل لا يملك إلا عشرة قراريط، وقبل عبسي طلب نبيل على حرف؛ ~~فلم يكن مطمئنا إلى أن نبيل قادر أن يفتح بيتا، وكانت نبوية صبوحة ~~الوجه يظلمها من يقول عنها جميلة، وكانت وحيدة أبويها عبسي وخيرية؛ ولذلك ~~لم يكن غريبا أن يدخلها أبوها إلى المدرسة الإلزامية وتتعلم القراءة ~~والكتابة العاجزة. # وقد كان نبيل شغوفا بها وكانت هي تدري ذلك، ولكنها أخذت من حب ابن ~~عمها لها موقفا محايدا لا هو بالمقبل ولا هو بالرافض؛ ولهذا لم تكن ~~فرحة نبوية غامرة حين أبلغها أبوها عن خطبة نبيل لها وقبلت في غير حماس ~~ولا عزوف، وبعد أن تم الزواج راجت تجارة نبيل واتسعت حتى شملت الشرقية ~~جميعها، وبفضل حذقه ومهارته تخطت جهوده الشرقية إلى محافظات أخرى كثيرة، ~~فما هي إلا سنوات حتى أصبح أكبر تاجر في المواد التي يتاجر فيها، وبلغت ~~أمواله الملايين، ولكن كل هذا لم يجعله يرضى عن زوجته فهو حين يقارن ~~بينها وبين النساء اللواتي يحتم عليه عمله أن يلتقي بهن يجد الفرق ~~شاسعا في كل شيء سواء في الجمال أو الحديث أو التصرفات، فإن يكن نبيل ~~قد أفاد من علاقاته ثقافة في الكلام أو المعاملة فإن نبوية ظلت على ~~حالها الذي كانت عليه يوم تركت بيت أبيها عبسي. # ولهذا لم يكن عجيبا أن يبهر نبيلا جمال فتنة في الدعوة التي دعاه ~~إليها شهاب وخاصة حين عقد المقارنة بينها وبين زوجته؛ لهذا ظل نبيل في ~~ذيل فتنة طوال العشاء ولو أنه لم يكن وحده الذي نهج هذا النهج، وكان ~~شهاب سعيدا غاية السعادة بإعجاب هؤلاء الأساطين بزوجته؛ فلهذا تزوجها ~~ولهذا نفسه أقام هذا الحفل الفاخر. # أما ثاني الثلاثة فهو صفوت بك رمزي ، وهو ms32 تاجر قديم من عائلة متوسطة ~~الحال وزوجته من نفس المستوى، وهو حاصل على شهادة التجارة وعمل في اثنين ~~من البنوك الكبرى في القاهرة، وتمرس بالأسهم والسندات وعمل بالتجارة ~~التي يعمل بها نبيل وحقق أرباحا واسعة، وإن كان نبيل قارب الستين من ~~عمره فإن صفوت لم يكن تجاوز الخمسين، وهو أيضا أعجب بفتنة غاية الإعجاب ~~ولم يخف إعجابه بل أعلنه وصارح به زوجها الذي سعد بهذه المصارحة ~~غاية السعادة، وإن لم يكن صفوت في مثل ثراء نبيل ولا هو يضاهيه في سطوته ~~على السوق. # أما ثالث الثلاثة فهو أسامة البدري، وهو في الأربعين من عمره وشبابه ~~أو قربه من الشباب يجعله أكثر نضارة من التاجرين الكبيرين وإن كان ~~يجعله أيضا أقل ثراء، وهو أيضا لم يحاول أن يطوي في صدره إعجابه بفتنة ~~مع أنه متزوج من ابنة عمه راوية منذ سبع سنوات فقط، وقد تحرى ألا يقدم ~~على الزواج إلا بعد أن يضع قدمه في تمكن على طريق الثراء، وهو خريج حقوق ~~ولكنه لم يشتغل بالمحاماة وإنما عمل مع فريد السعيد صديق والده، وهو رجل ~~أعمال ضخم الثراء، وقد عمل معه أسامة في الشئون القانونية، ومن طوايا ~~الملفات شرب التجارة فما هي إلا سنوات ثلاث حتى كان له ميدانه الخاص، ~~وقد اختار تجارة الأسمدة والمبيدات الحشرية في الزراعة. # وكان شهاب قد تعرف على هؤلاء الثلاثة وغيرهم من خلال مكتبه في ~~الوزارة، ولكنه انتقى هؤلاء الثلاثة ليوطد صلاته؛ فقد تعرف على ميولهم ~~وما قد يثير اهتمامهم وما لا يثيره، واستطاع أن يعرف أن فتنة تستطيع ~~بجمالها أن تكون ذات تأثير فادح على مشاعرهم، وهكذا دعاهم إلى العشاء، ~~وما لبث بعد ما رآه من اهتمامهم الشديد بفتنة أن يدرك أنه كان صادق ~~الحدس مع ثلاثتهم، أما فتنة فقد أدركت ما يهدف إليه زوجها فبذلت حفاوتها ~~بهم ومدت بينها وبينهم الوشائج وإن كانت وهي تمدها تهدف إلى شيء آخر؛ ~~فقد انتوت أن تقاسم زوجها في الأرباح التي سيجنيها من جمالها، وإن كانت ~~قد حزمت ms33 أمرها على أن يكون ذلك بعد أن يحقق زوجها الثمار الواسعة من ~~جمالها. # أما شهاب فلم يضع وقتا بل حادث ثلاثتهم في الأمور التي تمكنهم من ~~ربح طائل هو شريك فيه لا شك بحكم منصبه وجمال زوجته الفاتن. # | الفصل الرابع عشر # في عام وبعض عام أصبحت ثروة شهاب أصفارا تجاوز الستة، ولم يكن هذا ~~خافيا على فتنة فهي أيضا أصبحت ذات مال غامر باشتراكها فيما يربحه ~~زوجها من عمليات يشوبها كثير من الخروج على القانون، وانتهاب الربح من ~~كل مظانه شريفة كانت أو غير شريفة، وكان زوجها يعطيها نصيبها وهو غاضب ~~أشد الغضب ولم تكن تنال هذا النصيب إلا إذا هددت زوجها بامتناعها عن ~~الذهاب إلى أصحاب الملايين، وكانت واثقة أن تهديدها سيجعله يلبي ما تريد ~~دون أي نقاش ودون أي إنقاص مما تطلب، وفوجئ شهاب بزوجته تقول له: أريد أن أنتج فيلما سينمائيا أكون البطلة فيه، وصمت شهاب لحظات ~~ثم وجد شيئا يقوله بعد فترة من السكوت: وهل أنت ممثلة؟ ~~- أهذه هي الحجة التي وجدتها بعد هذا السكوت الطويل؟ ~~- أليس في طلبك ما يدعو إلى الدهشة؟ ~~- بل سؤالك أنت الذي يدعو إلى الدهشة. ~~- ومع ذلك لم تجيبي عليه. ~~- لأنه سؤال يدل على التمحك وليس له غرض آخر. ~~- إذن فأنت ممثلة ولا أعلم! ~~- أنت في دنيا غير الدنيا؛ أغلب الراقصات ينتجن أفلاما. ~~- وهل تنجح هذه الأفلام أم هي مجرد خراب لا داعي له؟ ~~- إذا لم تكن تنجح ما تكرر إنتاجهن لها. ~~- وإذا كان التكرار مجرد مكابرة ورمي فلوس لم يتعبن فيها. ~~- لا شك أن أفلامهن تنجح ولكنك تكابر، وأنت تعرف أنني راقصة لا أقل ~~عنهن شهرة إن لم أكن أزيد. ~~- المهم ماذا تريدين مني؟ ~~- أن تنتج لي هذا الفيلم. ~~- هذا لن يكون أبدا، هل يعقل أن أرمي في الهواء هذا المال الضخم ~~الذي يتكلفه الفيلم بعد أن شقيت كل هذا الشقاء في جمع هذا المال؟ ~~- لا تنس أنه لولاي ما جمعت هذا المال. ~~- ولنفرض، مع أن هذا ليس صحيحا . ~~- ليس ms34 صحيحا؟! إذن لن أذهب في المهمات التي ترسلني لها وسوف نرى ~~ساعتها ماذا تستطيع أن تكسب. ~~- نفس التهديد الذي تهددينني به ولكني في هذه المرة لن أستجيب. ~~- أنت حر. # لم أعد في حاجة إليها، والذين أعمل معهم أصبحوا يحتاجون إلي أكثر ~~مما أنا في حاجة إليهم، من بكرة سأقدم استقالتي من الوزارة وأنزل السوق ~~ولا أصبح في حاجة إلى أسماء أختفي وراءها ولن أكون في حاجة أيضا إلى ~~مساعي فتنة أو غيرها. ~~••• # أنا لم أتزوجه عن حب وإنما كان كل ما أريد أن يكون معي رجل أحتمي فيه، ~~ولكنه بخيل شديد البخل، وأنا كنت متأكدة أنه سيستغني عني في اللحظة التي ~~ينتهي فيها انتفاعه بي؛ فالرجل الذي يرمي أولاده وأمهم كما فعل هو لا ~~يمكن أن يكون مأمونا ولا يمكن أن أطمئن على مستقبلي معه، أنا أعرف ~~ماذا أستطيع أن أفعل؛ فالرجال الثلاثة الذين أذهب إليهم يتمنون مني ~~إشارة، وأنا فعلا اخترت واحدا وسأتزوجه وليخبط شهاب رأسه في الحائط؛ ~~ففي فترة زواجي به لم أعرف الاستقرار ولا الهدوء لحظة واحدة؛ فأنا دائما ~~أخشى أن يطلقني في أية لحظة؛ فهو لم يتزوجني إلا لأنني امتنعت عليه كما ~~أنني الآن ممتنعة عن نبيل وصفوت وأسامة، والثلاثة حاولوا إغرائي بكل ~~وسائل الإغراء ولكنني كشأني دائما لا أهب نفسي لغير زوجي؛ فالمرأة التي ~~تهب نفسها لغير زوجها عليها أن تتوقع الاحتقار من هذا الذي وهبت له ~~نفسها ومن جميع الذين علموا بهذه العلاقة، وشهاب لا يعلم عني هذا ~~الرأي إلا من امتناعي عليه قبل زواجنا ولكن هو يهمه مصلحته وحدها مهما ~~كان الثمن. ورجل كهذا ليس من الحكمة البقاء معه. أنا أعرف طريقي بوضوح ~~وأعرف ماذا سأفعل تماما. ~~••• # حاول نبيل وصفوت وأسامة أن يستميلوا فتنة بشتى الطرق ومختلف الوسائل، ~~وكان المال أهم هذه الطرق والوسائل، ولكن أحد منهم لم يظفر منها بأكثر ~~من قبلة على يدها وليس شفتيها أو خدها. وكانت هي تقبل المال الذي ~~يقدمونه إليها على أي صورة له ولكن لا تعطي ms35 مقابله شيئا يذكر، وكان ~~أسامة أول اليائسين منها إلا أن جمالها ولباقتها في الحديث لم يجعلاه ~~يقطع أواصر الود بينهما، أما الاثنان الآخران فلم يصل الأمر بهما إلى ~~حد اليأس؛ فكل منهما ما زال يأمل أن يصل إليها وأدركت فتنة بغريزة المرأة ~~فيها اليأس الذي ران على أسامة كما أدركت بنفس الغريزة ما يراود ~~كلا من نبيل وصفوت من آمال وبقي لها أن تختار واحدا منهما. # | الفصل الخامس عشر # حين لقى الشيخ متولي ربه سارع شهاب إلى البلدة وعانق أمه باكيا معها ~~إلا أنه أحس أن الأحضان التي تحيط به ليست أحضان أمه التي ربي في ظلها ~~والتي كان يعهدها قبل أن تغضب أمه وأبوه عليه، ولكنه لم يقل لأمه شيئا ~~وتفرغ لإقامة المأتم الذي كان جديرا بثرائه وبوكيل وزارة سابق. # وبعد المأتم خلا إلى أمه: أنا تحت أمرك ولن أجعلك تحتاجين لشيء أبدا. ~~- كتر خيرك، ما عندي يكفيني. ~~- لا تغضبي علي كل هذا الغضب. ~~- أبوك كان حريصا ألا أقبل منك شيئا. ~~- ماذا تعنين؟ ~~- إذن فأنت لا تعرف! ~~- أعرف ماذا؟ ~~- ألا تعرف أن أباك باع الأرض لابنك أمجد ولابنتك فضيلة وكتب في ~~العقد شرطا ألا يحصلا على ريع الأرض إلا بعد موتنا أنا وهو، وأن ~~يحصل على الريع خالصا له من يبقى حيا منا بعد الآخر. ~~- إذن فأنا لم أرث من أبي شيئا؟ ~~- لم ترث سهما واحدا من أبيك. ~~- ومتى تم هذا؟ ~~- ألا تعرف؟! منذ تزوجت الراقصة. ~~- أنا لا تهمني الأرض فإن ثروتي الآن أضخم بكثير مما تتصورين، ولكن ~~الذي يؤلمني ويحز في نفسي أن يكون أبي غاضبا علي إلى هذا الحد. ~~- أتظن أن الذي فعلته شيء بسيط، إنه كبير جدا يا شهاب. ~~- على كل حال يا أمي هذا الذي حصل لم يغير من الأمر شيئا، أنا ~~سأظل ابنك حتى وإن رفضت أن تكوني أمي، ولن أتأخر عنك أبدا ولن أجعلك ~~تحتاجين لشيء ولا لإنسان. ~~- ربنا يغنيني، وإن شاء الله لن أحتاج شيئا ولا إنسانا حتى ولو كان ~~أنت . ~~- أنا ms36 مصمم أن أظل ابنك وتحت أقدامك مهما كنت غاضبة علي. ~~- ربنا ينير لك طريقك، وغضبي ليس عليك وإنما أنا غاضبة لك ولما فعلته ~~بنفسك. # ولم يجد شهاب شيئا يفعله إلا أن يقبل يدي أمه وينصرف عائدا إلى ~~القاهرة. # | الفصل السادس عشر # قال نبيل لفتنة: أليس لها آخر؟ ~~- اسمع يا نبيل أنت أكرمتني غاية الإكرام بالهدايا الثمينة وبالمال ~~الصريح، ومن حقك علي أن تعرف أنني لا أهب نفسي إلا لزوجي. ~~- أنا فاهم هذا من زمن بعيد، ولكن كيف؟ ~~- طبعا كيف وأنا متزوجة؟ فما قولك إذا طلقت؟ ~~- أتزوجك في اليوم الذي تنتهي فيه شهور العدة. ~~- إذن اتفقنا. ~~- وكيف تحصلين على الطلاق؟ ~~- هذا شغلي أنا. ~~- وأنا منتظر. ~~- لن تنتظر طويلا. ~~••• # كانت فتنة قد أعدت أمرها للحصول على الطلاق من زوجها؛ فراحت تجمع ~~أموالها جميعا من البنوك وأخفتها جميعا في خزانة حصينة في شقتها التي ~~كانت تعيش فيها قبل أن تتزوج من شهاب. # وجمعت كل الأوراق التي تدين شهابا في العمليات التي قام بها وتوجهت ~~إلى المدعي الاشتراكي. # ووجد شهاب نفسه أمام زوجته، هي شاهدة عليه وهو متهم. # وصدر قرار المدعي الاشتراكي بوضع أمواله جميعا تحت الحراسة كما وضع ~~القرار أموال زوجته، وتغاضى عن ولديه حين أكدت فتنة أن شهابا لا صلة ~~له بابنه أو ابنته وأنه طلق أمهما منذ سنوات، وأنهما لا يملكان شيئا ~~خاصا بهما في البنوك. ~~••• # وخرج شهاب من لقائه بالمدعي الاشتراكي إلى المأذون فورا، وطلق فتنة ~~وأرسل إليها ورقة الطلاق عن طريق القسم. ~~••• # وحين تسلمت فتنة الورقة ذهبت إلى نبيل فواز، وفوجئت منه بوجه متجهم ~~ولقاء نافر مما أدهشها دهشة زلزلتها: مالك؟ ~~- هل حصلت على الطلاق؟ ~~- وهذه هي الورقة. ~~- طبعا، وماذا كنت تنتظرين غير هذا؟ ~~- ألم أقل لك إنك لن تنتظر طويلا؟ ~~- كنت أتوقع أي شيء إلا ما فعلته. ~~- ولماذا توقعت غير هذا؟ لقد كان شهاب معي بخيلا كل البخل كما أنه ~~لم يكن أمينا على عرضي، كان المال هو كل ما يفكر فيه. ~~- لا عذر مطلقا لما أقدمت عليه. ms37 ~~- أتلومني على أنني تخلصت منه لأتزوج منك؟ ~~- لا شيء في العالم يبيح لك أن تفعلي ما فعلته. ~~- لقد فعلت هذا لنتزوج. ~~- انسي هذا الموضوع نهائيا. ~~- إلى هذه الدرجة؟ ~~- الست التي تفعل ما فعلته مع زوجك لا يأمن أي رجل آخر أن تكون ~~زوجته الحفيظة على أسراره، وأنا رجل تاجر وفي عملي كثير من الأسرار إن ~~حجبتها عن الناس لا أستطيع أن أحجبها عن زوجتي. ~~- إذن؟! ~~- إذن لست على استعداد أن أوضع تحت الحراسة. ~~- إن في يدي أوراقا تدينك. ~~- وهذا أدهى وأمر. ~~- ألا تخاف أن أفعل معك نفس الشيء الذي تصرفت به مع شهاب؟ ~~- شهاب زوجك ومن الطبيعي أن تعرفي أسراره، وقد يقبل المدعي الاشتراكي ~~فضحك له على أساس أنك زوجة تريد أن تتخلص من زوجها، أما إذا قدمت ~~الأوراق التي تدينني فسيكون السؤال الذي يوجه إليك من أين حصلت على ~~هذه الأوراق إلا إذا كانت هناك علاقة بيني وبينك وهو الأمر الذي ~~تحرصين على ألا يلحق بك، وحينئذ يسقط عنك حجاب العفة الكاذب الذي ~~تتمسكين به كل التمسك. ~~- سوف نرى. ~~- إذا كنت تهددينني لأتزوجك فماذا أنت فاعلة إذا تزوجت منك يا فتنة ~~هذا فراق بيني وبينك. ~~- ألا أطمع في مجرد الصداقة؟ ~~- ولا هذه أيضا فأنت نوع لا يأمنه إنسان على نفسه، لا صداقة ولا صلة ~~بيننا من هذه اللحظة، مع السلامة. ~~- وتطردني أيضا. ~~- كان يجب أن أطردك منذ جئت إلي، مع السلامة، بل إنني لا أرجو لك ~~السلامة. # وخرجت فتنة وكيانها مزيج من الغضب والرغبة في الانتقام والعجز عنه. ~~ودون أن تذهب إلى صفوت رمزي أو أسامة البدري أدركت أن موقفهما سيكون هو ~~نفس موقف نبيل فواز؛ فانطوت على نفسها وانحسرت عنها الآمال في إنتاج ~~فيلم أو حتى تمثيلية تليفزيونية مدتها نصف ساعة. # | الفصل السابع عشر # قال شهاب لأمه: لم يعد لي ملجأ إلا أنت. ~~- أهلا وسهلا. ~~- وقبل أن تسألي طلقت الراقصة. ~~- البيت بيتك طبعا، ولكن لماذا لا تعود إلى زوجتك وابنك وبنتك؟ ~~- بأي وجه ألقاهم؟ ~~- لعلهم يغفرون لك . ~~- المهم ms38 أنني أنا لا أغفر لنفسي ما صنعته بهم. ~~- للزمن سحر عجيب في النسيان. ~~- إلا الذي فعلته مع زوجتي وأبنائي، أتمانعين في بقائي معك؟ ~~- أنا أمك وأنت قطعة مني، واترك الأيام تفعل فعلها. ~~- توكلت على الله. ~~(انتهت بحمد الله.) # مجلس الشورى في 9 من شعبان عام 1419ه # الموافق 28 من نوفمبر عام 1998م ms39