######OpenITI# #META# URI: 1423TharwatAbaza.LamahatMinHayati.Hindawi61616159 #META# Tags: biographies #META# ID: 61616159 #META# Title: لمحات من حياتي: سيرة شبه ذاتية #META# AuthorID: 63071907 #META# Author: ثروت أباظة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # | لمحات من حياتي # | لمحات من حياتي # | سيرة شبه ذاتية # تأليف # ثروت أباظة # | الفصل الأول # لم يدر بذهني يوما أن أكتب هذه المذكرات، فأنا شخصيا لا أرى في ~~حياتي ما يستحق الرواية، ولكن حدث في الأسبوع الماضي أن قصد إلي مذيع ~~ليدير معي حديثا عن حياتي استغرق حوالي الساعة - وتركت نفسي على ~~سجيتها - ورحت أروي للميكرفون بعض ذكريات من حياتي كان بعضها يمسك ~~برقاب بعض وتستدعي الذكرى صاحبها، ولاحظت أن المذيع يضحك في سعادة ~~غامرة مما أروي، فلما انتهى الحديث ساءلت نفسي: وما لي لا أروي هذه ~~الذكريات لقارئي ربما وجد فيها من المتعة ما وجده هذا المذيع. # والذي بيني وبين القارئ أمر ميسور، فهو يستطيع أن يضم دفتي الكتاب ~~الذي بيده ويقطع صلته به وأذكر له بيت الشعر القديم: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا # أنيس ولم يسمر بمكة سامر # وحسبه الله بعد ذلك فيما خسر من ثمن الكتاب، فإن وجد المتعة التي ~~أتمناها له وأنشدها وأسعى إليها، فالحمد لله على الحالين وليمض في ~~قراءة الكتاب. # وربما زاد من ترددي كتاب كتبته قبل هذا بعنوان «ذكريات لا مذكرات»، ~~ولكني قضيت على هذا التردد بأن كتابي الأول كان يحمل صلاتي بمن عرفتهم ~~من مشاهير وغير مشاهير. # ولكنني أعتقد أن هذا لن يكون المنحى الذي سأنحوه في كتابي هذا الذي ~~بين يديك، أما كيف أنحو فعلم هذا عند علام الغيوب، فما خططت خطة بذاتها ~~ولا انتهيت إلى رأي معين، وإنما سأسير وإياك عبر أيامي منذ وعيت الحياة ~~حتى اليوم الذي بدأت فيه كتابة هذا الكتاب، وإني إن شاء الله واجد له ~~عنوانا، ولكنك لا بد أن تعلم أن هذا العنوان قفز إلى ذهني وأنا أكتب ~~هذا الكتاب ولم أضعه قبل بدء الكتاب كما كان ينبغي أن أفعل، فقد خشيت ms01 ~~أن يحول العنوان بيني وبين الترسل الذي أحب أن أتركه يحدو قلمي، ويسير ~~به سيرا متحررا من كل قيد بعيدا عن القيود جميعها. # من الطبيعي أن أبدأ بالسنوات الأولى من حياتي: # قيل لي إنني ولدت بمنزل بشارع جوهر القائد بحي المنيرة، ولكنني لم ~~أر هذا البيت إلا مرورا به، وأشارت إليه والدتي وكنت أركب معها ~~السيارة، وقالت إنني ها هنا ولدت فما وعيت منه إلا اللمحة العابرة التي ~~تتيحها سيارة تمضي في طريقها ولا تتوقف، أما البيت الذي نشأت فيه وأقمت ~~فبيت كان ملكا لأبي بشارع الملك الناصر رقم 24 بحي المنيرة أيضا، ~~وكان البيت هو المبنى الثاني في الشارع من ناحية شارع الدواوين، وكان ~~المبنى الأول مدرسة أهلية دخلتها وانتظمت فيها لبضعة أشهر، وقد كان ~~المبنى المقابل لها مستشفى الملك، ولا بد أن اسمها قد تغير حين أرادت ~~الثورة حذف الملكية من تاريخ مصر، وكان يلاصق المستشفى مدرسة الخديو ~~إسماعيل التي لا أدري اسمها الآن هي أيضا، فإن الثورة قررت أنه لم يكن ~~في مصر خديو اسمه الخديو إسماعيل إلا أن يذكر مشتوما ملعونا، أما أن ~~يذكر بدون تعليق فأمر لا ترضاه الثورة الاشتراكية. # نشأت في هذا البيت ودخلت المدرسة الملاصقة لبيتنا، وأذكر أن والدي ~~ووالدتي كانا يطلان علي من إحدى نوافذ بيتنا، وكان أبي يحرك لي ~~منديلا في يده حتى أتنبه إلى وجودهما بالنافذة، وأذكر أنني في اليوم ~~الأول لذهابي إلى هذه المدرسة رفضت أن أذهب إلا إذا صحبت محمد أبو ~~عثمان الذي كان يعمل طباخا في بيتنا، وكان يلاعبني ويضاحكني وكنت ~~معجبا به كل الإعجاب، وهو ما زال على قيد الحياة أطال الله عمره، وقبل ~~ناظر المدرسة أن يدخل محمد أبو عثمان الفصل معي، وكان في الفصل يقف ~~بجانب الباب، فكان وقوفه هذا يرد عني الوحشة التي كانت تلم بي وأنا مع ~~تلاميذ لا أعرفهم ولا يعرفونني. # وفي اليوم التالي كنت بالفصل أكثر أنسا حتى لم أنتبه إلى أن محمد ~~غادر الحجرة إلا بعد حين، وسألت عنه ms02 فوجدته بالمدرسة ما زال فعادت ~~إلي الطمأنينة. أما في اليوم الثالث فقد صدر الأمر من والدي أن ~~يصحبني محمد إلى باب المدرسة الذي كان يقع بشارع الدواوين ثم يتركني ~~وحدي، وقد بكيت لهذا الإجراء بكاء حارا، ولكنه كان أمرا صارما لا ~~رجعة فيه، ذكرياتي في هذه المدرسة تكاد تكون معدومة ولا أذكر من رفاقي ~~بها أحدا؛ إلا أنها كان لها الفضل أن أذهب إلى مدرسة المنيرة لرياض ~~الأطفال وأنا غير مضطرب الفؤاد ولا هالعا، والذي أذكره عن المدرسة ~~الجديدة أن ناظرة المدرسة كان اسمها السيدة روفية رمضان، ولا زالت ~~صورتها في ذاكرتي حتى اليوم، وأذكر من مدرساتها أيضا السيدة توحيدة ~~الدمرداش، وكانت ترعاني بحدب ورضاء، وأذكر أن أستاذة الرسم كان اسمها ~~الأستاذة نعيمة التي جعلتني أرسم رسما جميلا، الأمر الذي لم يتكرر في ~~المدرسة الابتدائية أو الثانوية رغم أن الذي كان يدرس لي الرسم في ~~المدرسة الابتدائية الأستاذ الفنان الكبير حسين بيكار، كما كان يدرس ~~لي فنان الكاريكاتير العظيم الذي اشتهر باسم مفرد هو رمزي، ومع ذلك كنت ~~دائما لا أجيد الرسم مطلقا لدرجة أن والدتي وأنا أنتظر نتيجة ~~الابتدائية كانت دائما تقول إنها خائفة أن أرسب في مادة الرسم، ~~والعجيب أن حدسها أوشك أن يتحقق وحصلت في مادة الرسم في شهادة ~~الابتدائية على أربع درجات من عشرين، وهي الحد الأدنى للمرور ولا أقول ~~النجاح. # قضيت في مدرسة الروضة سنتين وأذكر أنني كنت متقدما لأنني سبقت ~~زملائي في تعلم اللغة العربية والحساب على يد الشاعر الأستاذ أحمد ~~القرعيش ببلدتنا غزالة، وقد كان مدرسا بالمدرسة الإلزامية بها، وكان ~~أول من علمني بادئا بالخط الأفقي والخط الرأسي، وأذكر أنه كان يشكل ~~هذه الخطوط على الرمال، فقد كنا نجلس على أريكة خارج المبنى الذي يعمل ~~به كتاب الحسابات لزراعة أبي، وأشهد أن الأستاذ القرعيش هو أحسن ~~أستاذ تلقيت عنه العلم، فقد كان قديرا على تيسير المعلومات علي، ~~وكان حريصا على تشجيعي حتى إنه كان يحمل معه أقراص النعناع الصغيرة ~~يتحفني بواحد منها كلما ms03 أجدت الإجابة، فإذا علمت أنه كان من كبار ~~البخلاء أدركت التضحية التي كان يقوم بها ليصل بتلميذه إلى أحسن مستوى. ~~وقد كان الأستاذ القرعيش شاعرا مجيدا، وحين بلغت السنة الثانية ~~الثانوية كنت أقرأ معه ومع قريبنا الشاعر العصامي توفيق عوضي أباظة ~~الذي علم نفسه ولم يختلف إلى مدرسة في حياته لشدة فقره، كنا نقرأ معا ~~الشوقيات في بيتنا بالقرية، وكنا نبدأ القراءة بعد أن يصعد أبي إلى ~~الدور الأعلى من المنزل في حوالي الساعة التاسعة مساء، ونظل نقرأ على ~~الكلوب الذي ينير بالجاز حتى يطلع علينا الصبح، ونقرأ على ضوء الشمس ~~وكنت أنا الذي أقرأ، والشاعران يستمعان ويستجيدان ويعلقان. وللأستاذ ~~القرعيش فضل علي لا أنساه أبدا، فقد كنت أكثر من اللحن في قراءتي، ~~وكان يصحح لي، وقال لي إذا كنت تريد أن تكون أديبا فلا بد أن تقيم ~~لسانك وإلا فلن تصبح أديبا مطلقا، ويا ليته عاش حتى اليوم حتى يرى ~~مقتل اللغة العربية على أيدي أدبائها. لا علينا. خجلت من هذه الملاحظة، ~~فحين ابتداء العام الدراسي في السنة الثالثة الثانوية أعدت قراءة ~~النحو، وأخذت نفسي طوال السنة الثالثة الثانوية - وهي تقابل السنة ~~الأولى الثانوية اليوم - أن أقرأ كل المواد العربية من تاريخ وجغرافيا ~~وطبيعة وكيمياء بصوت مرتفع وأصحح لنفسي الإعراب في كل قراءتي، حتى إذا ~~جاءت الإجازة، وبدأ ثلاثتنا قراءة الشوقيات فوجئ الشاعران بي وأنا لا ~~أخطئ في النحو مطلقا أو أكاد، وهكذا استقام لساني العربي، كما استقامت ~~كتابتي والفضل في ذلك لمعلمي العظيم الأستاذ أحمد حسين القرعيش. # نعود إلى مدرسة المنيرة لرياض الأطفال التي مكثت بها كما أخبرتك ~~سنتين، وقد وقع لي مع هذه المدرسة نادرة طريفة، فقد دعاني ناظر مدرسة ~~لا أعرفها وأنا كاتب بالأهرام أن أعقد ندوة مع تلاميذ مدرسته ولبيت ~~دعوته وذكر لي العنوان، وذهبت وفوجئت أنني أعرف معالم المدرسة، وإن ~~كانت معرفة باهتة، كما يقول الشاعر عن ذكرياته أنها تلوح كباقي الوشم ~~بظاهر اليد. وما لبثت أن تبينت أن المدرسة التي أعقد بها ندوتي ms04 هي روضة ~~الأطفال التي كنت أتعلم بها وأصبح اسمها مدرسة المنيرة الابتدائية، وقد ~~سعدت بهذه المصادفة كل السعادة. # دخلت بعد ذلك مدرسة المنيرة الابتدائية متقدما عن سني بسنة؛ لأنه ~~كان من المفروض أن أظل سنة ثالثة بالروضة، إلا أن أبي رأى أن أقفز سنة، ~~وهكذا لم يكن غريبا أن أرسب في السنة الأولى الابتدائية، وأذكر أن أبي ~~استاء كل الاستياء من رسوبي هذا، وكان له صديق قريب إليه كل القرب وهو ~~عبد الله أفندي العربي من بلدة الخيس القريبة من بلدتنا غزالة بمركز ~~الزقازيق، وقد فاتني أن أذكر لك أنني حين ولدت بالقاهرة رفض أبي أن ~~يقيدني من مواليد القاهرة، وقد ولدت في 28 يونيو عام 1927م، فانتظر أبي ~~إلى أن ذهب إلى غزالة، وقيدني بها في 15 يوليو 1927م حرصا منه أن ~~أنتسب إلى بلدتنا غزالة التي كان يحبها كل الحب، حتى إنه كان يوقع ~~مقالاته السياسية بتوقيع الغزالي أباظة. # نعود إلى عبد الله أفندي العربي صديق أبي الذي اكتسب لقب أفندي من ~~أنه كان مدرسا بالمدارس الابتدائية، وكان يدرس لشقيق أبي الأصغر عبد ~~الله بك فكري أباظة حين كان تلميذا بالمدرسة الابتدائية، وكان معجبا ~~بطريقة تدريسه. # وكانت صلة الأستاذ العربي بوالدي وثيقة غاية الوثوق حتى إنه كان ~~يسافر معه إلى الخارج على نفقته الخاصة، فقد كان ميسور الحال، وقد لبست ~~أول ساعة في حياتي هدية من عبد الله أفندي العربي. # حين رأى عبد الله أفندي الحزن يخيم علي لرسوبي في السنة الأولى ~~الابتدائية ورأى الاستياء الشديد من أبي لهذا الرسوب جاء إلى منزلنا ~~قبيل المغرب في يوم من هذه الأيام ودعاني أن أخرج معه ليرفه عني، ~~وذهبنا إلى مقهى بالجيزة ربما يكون هو المقهى الذي تعود بعض الأدباء ~~أن يجلسوا به، وقد كنت أشاركهم في الجلوس به في بعض الأحيان، ولو أنني ~~لست واثقا أنه نفس المقهى فقد صحبني إليه عبد الله أفندي في أوائل ~~الثلاثينيات وجلست مع الأدباء في الستينيات، فمن الصعب أن أؤكد إن كان ~~المقهى ms05 هو نفسه الذي جلست به وأنا طفل، واشترى عبد الله أفندي لي وله ~~جبنا وسلطانية زبادي ورغيفا لكل منا من الخبز الإفرنجي، فكانت من ~~أمتع الأكلات التي طعمتها في حياتي. وإني أروي هذه الواقعة على بساطتها ~~لأن عبد الله أفندي العربي قال لي في هذه الجلسة جملة لم أنسها حتى ~~اليوم، وكانت تمثل لي في ذلك اليوم ضوءا ساطعا من الأمل في ظلام ~~اليأس الذي ران علي من سقوطي في السنة الأولى الابتدائية؛ قال: يا ~~بني لا تخف ... لا بد أنك ستفلح في حياتك ... فإن الخير الذي قدمه أبوك ~~للناس لا يمكن أن يذهب هباء ... سيكرمه الله فيك إن شاء الله ... لا ~~تخف. # بعد ذلك بسنوات - ما دمنا نذكر عبد الله أفندي العربي - مرض رحمه ~~الله نتيجة إبرة طبية كسرت في فخذه وهو يتداوى بها، وحين كنا ننتظر ~~نتيجة الشهادة الابتدائية، وكنا قد انتقلنا إلى العباسية كان هو طريح ~~الفراش، وفي أحد الأيام دق جرس التليفون في الساعة السابعة صباحا ~~ليبشرني عبد الله أفندي العربي أنني نجحت في الابتدائية، فقد صحا مع ~~الفجر ليعرف نتيجة الشهادة التي كانت تنشر في صحف الصباح في هذه ~~الأيام. # والعجيب أن عبد الله أفندي العربي مات في اليوم نفسه، وكأنه كان ~~يستمهل الموت حتى يبشرني بنجاحي. # كانت مدرسة المنيرة الابتدائية من أعظم مدارس مصر، وكان ناظرنا فيها ~~الرجل العظيم فهمي بك الكيلاني والد المذيعة المتميزة سميرة الكيلاني، ~~وكان لها أخ يزاملنا في المدرسة اسمه سمير، وكان بها أساتذة من أحسن ~~أساتذة المدارس أذكر منهم الأستاذ الشيباني الذي لا أنسى واقعة لي معه، ~~يوم دخل إلى الفصل وكتب على السبورة بضعة أبيات أذكر مطلعها: # انظر لتلك الشجرة # ذات الغصون النضرة # وكان اسم القصيدة «الله» جل جلاله، وألقى بالطباشيرة والتفت إلى ~~التلاميذ وسأل من يستطيع أن يقرأ هذه الأبيات، فرفعت أصبعي، وكنت لطول ~~قامتي أجلس في آخر الفصل، وأوليت ظهري للسبورة وألقيت أبيات القصيدة ~~جميعها، وحين استدرت صفق لي التلاميذ ووجدت الأستاذ مذهولا، وقال لي: ~~ماذا ms06 أقول لك يا ابني، ماذا أقول؟ ابن الوز عوام. # وأعطاني الدرجة النهائية. # أذكر أن هذا كان في السنة الثانية الابتدائية، وقد كنت متفوقا في ~~هذه السنة تفوقا لم تشهده حياتي الدراسية قط، لدرجة أنني في أحد ~~امتحانات الفترة كان ترتيبي الخامس، وأعتقد أن هذا التفوق كان نتيجة ~~لرسوبي في السنة الأولى. # ومن المدرسين الذين أذكرهم في مدرسة المنيرة الأستاذ محمد البابلي ~~والد الممثلة الرائعة سهير البابلي، وكان هناك أيضا حبشي أفندي الذي ~~أعتقد أن كل زملائي في مدرسة المنيرة يذكرونه معي، وكان دائما يسأل ~~التلاميذ مين باباتك بس، فيجيب التلميذ حبشي أفندي بس، وفي مرة قال لي: ~~يلعن أبوك. وكان متعودا أن يقولها للتلاميذ ولا يعلقون. أما أنا ~~فاستهولت الأمر ونقلته إلى أبي، وأعتقد أنه كان في ذلك الحين وكيلا ~~لمجلس النواب، وكان من عظماء مصر بشخصيته وبتاريخه الشاهق في ثورة ~~1919م، ولم يكن محتاجا إلى منصب، فقد كان الجميع يحترمونه ويقدرونه ~~لذاته لا لمنصبه. # وذهب إلى الناظر فهمي بك الكيلاني، وقال ربما يكون ثروت قد أخطأ، فما ~~ذنبي أنا، واستدعى الكيلاني بك حبشي أفندي، وسأله: هل لعنت أبا ثروت؟ ~~فقال: نعم. وقبل أن يغضب أبي استمهله حبشي أفندي ثم نظر إلي: مين ~~باباتك بس. ~~- قلت حبشي أفندي بس. # ونظر إلى أبي: سعادتك لا شأن لك بالموضوع أنا أشتم نفسي. # ولم يملك أبي إلا أن يضحك وينصرف. # وقبل أن أبتعد عن القصيدة التي ألقيتها فور كتابتها أذكر أن أبي كان ~~يجتمع في كل يوم بمكتبه بالمنزل بجماعة لا أعرف منهم أحدا، وفهمت أنهم ~~كانوا يعدون لإقامة حفلة تأبين في ذكرى شاعر النيل حافظ إبراهيم، وحدث ~~أن فتحت الغرفة بمظنة أن أبي وحده، ولكني وجدت معه هذه الجماعة، ~~فاستدرت لأخرج، ولكن أبي ناداني وطلب إلي أن ألقي بينهم شيئا من ~~محفوظاتي، فألقيت الأبيات التي عنوانها الله سبحانه وتعالى والتي ~~مطلعها: # انظر لتلك الشجرة # ذات الغصون النضرة # فإذا بواحد من الجالسين يصيح: رفع ~~الله رأسك كما رفعت رأسي ... أنا صاحب هذه الأبيات. ms07 # وعرفت أن الشاعر هو محمد الهراوي ، وقد كان صاحب شهرة هائلة في هذا ~~النوع من السهل الممتنع الذي كان يحفظه تلاميذ المدارس في ذلك ~~الحين. # وما دمت قد ذكرت هذه الاجتماعات فلا بد أن أذكر ما نتج عن تجمعها فقد ~~أقيمت حفلة تأبين ضخمة في دار الأوبرا المصرية، وقد شهدت هذا الحفل، ~~ولا أنسى الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني الذي كان بين المتحدثين، ~~وقد كان معروفا عنه وعن أستاذنا العملاق عباس العقاد أنهما كانا من ~~أشد المهاجمين لأمير الشعراء شوقي ولشاعر النيل حافظ إبراهيم. # وأذكر أن الأستاذ المازني العظيم تقدم إلى مقدمة المسرح وقال ما ~~معناه: «أشهد الله والحق أننا هاجمنا شوقي وحافظ لنهدمهما ونقف على ~~أنقاضهما، فلم ننل إلا من الحق ومن أنفسنا.» # وكنت في هذه السن الباكرة أصحب أبي في كل تنقلاته، وقد جعلني هذا ~~التنقل أتعود مجالسة الكبار وأحترمهم دون أن أرهبهم، وأذكر أن محمد ~~باشا محمود الزعيم النبيل كان يأتي أحيانا لزيارة أبي قبل أن يكمل أبي ~~لبس ملابسه فيأمرني أبي أن أنزل إلى صاحب المقام الرفيع محمد باشا ~~محمود، وأجلس إليه حتى يكمل هو ملبسه. # وكان الباشا يهش لي ويأنس إلي حتى ينزل أبي وأترك الكبيرين وأنصرف ~~إلى ملعبي. # وكان أبي يصحبني وأنا في هذه السن إلى مجلس النواب لأشهد الجلسات من ~~شرفة الزوار، وأذكر أن رئيس المجلس في ذلك الحين كان توفيق باشا رفعت، ~~وكان رجلا رقيق الجسم ضخم الشاربين ووقعت عينه علي في شرفة الزوار، ~~ويبدو أنه تعجب من وجود طفل في مثل سني في هذا المكان، فشهدته يشير ~~إلى الساعي الخاص بالرئاسة ويهمس في أذنه، فإذا بهذا الساعي يصعد ~~ويسألني: من أنت؟ وقلت له وشهدته يعود إلى الباشا ويهمس في أذنه، ويهز ~~الباشا رأسه موافقا. # وحين دخلت كلية الحقوق وجدت الغالبية الكاثرة من الطلبة لم يشهدوا ~~جلسة واحدة لمجلس النواب أو الشيوخ، بل إن أغلبهم لم يذهب إلى البرلمان ~~في حياته ولا مرة واحدة، كان أبي يحرص على أن أكون معه أغلب ms08 الوقت دون ~~إخوتي، أما إخوتي فهم شامل الذي نال الدكتوراة من تولوز بفرنسا، ثم ~~ارتقى في الوظائف بالشركات حتى وصل إلى رئيس مجلس إدارة شركة الأقطان ~~بالإسكندرية، كما كان عضوا بمجلس الشعب في انتخابات 1976م، وكم أسعدني ~~أن أمر معه في الدائرة، فكان الناخبون يقولون لي في وجهي: نحن لا ننتخب ~~أخاك ولا ننتخبك، وإنما ننتخب أباك، وكان قد مر على وفاة أبي قرابة ربع ~~قرن، فقد توفي في يناير 1952م، ولا شك أن أغلب الذين كانوا يقولون لي ~~هذا من أبناء من عرفوه أو من أحفادهم، وكان ربع القرن هذا الذي يفصل ~~بين وفاة أبي وبين الانتخابات فترة كلها هجوم على الباشاوات والسياسيين ~~الذين يمثل أبي فيهم صورة جلية الملامح، ولهذا لم يكن غريبا أن أقول ~~يوما للدكتور ثروت عكاشة وهو وزير للثقافة والإعلام نحن إقطاعيون ولو ~~أن الثورة لم تأخذ منا مليما واحدا ولا سهما من أرض، فنحن لسنا ~~أغنياء، ولكننا إقطاعيون بحب الناس لنا، وبحبنا للناس، وهو إقطاع لم ~~تستطع الثورة ولن تستطيع أن تمسه أو تنقص منه. # وشامل يصغرني بسنتين وبضعة أشهر، فهو من مواليد أبريل 1930م وأنا لا ~~أذكر أحداث اليوم الذي ولد فيه، وإنما نشأت وأنا أجده، وشامل شاعر ~~متمكن وإن كان قليل النشر، وقد نظم الشعر في سن باكرة مع أنه نال ~~بكالوريوس التجارة ويعتبر اليوم من أكبر خبراء الاقتصاد في شئون القطن، ~~وقد نال الدكتوارة في الإصلاح الزراعي، وهو أخي الوحيد وله ابنة (هدى) ~~الحاصلة على ماجستير في الآداب ومدرسة بكلية الآداب، وإبراهيم الحاصل ~~على ليسانس الآداب، ولي بعد ذلك أختان أكبرهما زينات، وأذكر يوم ~~ميلادها ذكرا هشا فقد ولدت بغزالة، وأذكر أن البيت كان هائجا وقيل ~~لي إن ذلك الهياج كان بسبب حالة الولادة، وقد تزوجت زينات ابن عمنا ~~طوسون أباظة الذي تربى في المدارس الإنجليزية، وهذا ما يجعلنا نمازحه ~~ونعتبره خواجة وقد أنجب الزوجان ابنا هو أبو بكر ونال بكالوريوس ~~التجارة، ويعمل بالبنوك، وابنة أسمياها دلبار على اسم جدتي لوالدي، ms09 وقد ~~نالت بكالوريوس الطب ولم تعمل بها، وإنما تزوجت وتقيم مع زوجها في ~~أمريكا، وقد نشأت زينات متعلقة بالأطفال منذ صغرها، وإن فيها حنانا لو ~~وزع على الكرة الأرضية لملأها رحمة ومحبة. # وأختي الصغرى هي كوثر، وأذكر مولدها في حلوان، وكنت في التاسعة من ~~عمري، وأذكر في يوم مولدها أن أبي كان جالسا في حجرته وحلا له أن ~~يعلمني بعض كلمات في الإنجليزية فكتب عشر كلمات، وقال احفظ هذه ~~الكلمات، فأخذت الورقة ونظرت فيها لحظة وأعطيتها له، فدهش وقال في ~~غيظ: اسمع أنت لم تكن ترى الورقة، فإن كنت حفظت في هذه اللحظة الوجيزة ~~كل الكلمات فسأعطيك عشرة قروش، وإن أخطأت في كلمة واحدة سأضربك. # وأبي لم يكن ضربني حتى ذلك اليوم إلا مرة واحدة يوم أخبرته المربية ~~العجوز أنني أذهب إلى المدرسة دون أن أغسل وجهي، ولهذا وقع تهديده من ~~نفسي موقعا مخيفا، ولكن الله ستر وأخذت القروش العشرة. # وكوثر أختي كانت تعتبرني المربي الأول لها، فقد كنت أخالطها أكثر مما ~~تخالط أبي، ولهذا كانت في طفولتها تخشاني ولكن ما لبثت هذه الخشية أن ~~زالت مع الزمن وحل مكانها الحب الذي يكون بين أخ وأخته لا يرنق صفاءه ~~شيء، وقد تزوجت كوثر من الطبيب الشهير أحمد عبد العزيز إسماعيل نجل ~~الطبيب العملاق الأشهر عبد العزيز باشا إسماعيل، وقد أنجبا بنتين هما ~~سناء، وهي حاصلة على الدكتوراة من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ~~وتدرس بها، وهي متزوجة من المهندس شريف نجل المستشار العظيم الخريبي ~~بك، وأختها وفاء حاصلة على الماجستير من نفس الكلية وزوجها د. محمد ~~الخولي طبيب أطفال وابن الطبيب الشهير الدكتور الخولي، كما أنجبت أختي ~~وزوجها ابنهما الوحيد عبد العزيز وهو مهندس. # تلك هي أسرتي، وقد شهد أبي زواج زينات وزواج كوثر، وقد صحبها زوجها ~~إلى أمريكا بعد الزواج مباشرة ليكمل دراسته بها، ولم يشهد أبي زواج ~~شامل فقد تم بعد وفاته، ولو كان شهده لفرح به وباركه كل المباركة، فقد ~~اختار شامل شريكة حياته ابنة محمود فهمي النقراشي ms10 باشا الذي كان صديقا ~~لأبي في مطالع شبابهما، ثم افترق الصديقان فترة حين نشأ حزب الأحرار ~~الدستوريين عام 1922م وكان أبي من منشئيه وأصبح أبي حرا دستوريا، ~~وظل النقراشي باشا في الوفد حتى خرج عليه هو وأحمد ماهر باشا عام 1938م ~~ليكونا حزب الهيئة السعدية، وقد ألف النقراشي باشا الوزارة، وكان أبي ~~وزيرا فيها معه، ونال الباشوية فيها وعادت الصداقة تربط بينهما من ~~جديد كأنهما ما تفرقا، وظلا صديقين حميمين إلى أن استشهد النقراشي باشا ~~على يد أحد مجرمي الإخوان المسلمين. # | الفصل الثاني # تراني أسوق إليك الحديث في عفوية ودون إعداد، فأنا لم أضع خطة للحديث ~~إليك، وإنما أترك حياتي تتواكب في ترسل تمسك فيها الواقعة بالواقعة ~~والمناسبة بالمناسبة، وما هكذا عهدت الكتب التي كتبت في السيرة ~~الذاتية، ولكن أي بأس علي وأي بأس عليك أن يكون حديثنا حديث صديق ~~لصديق أو أخ إلى أخيه في غير تنسيق أو تبويب أو تجمل. فخذ بيدي ولنمض ~~معا على هذا الطريق، وأنا وإياك على فيض الكريم. # كان من بين الجماعة التي تنظم حفلة تأبين حافظ إبراهيم الأستاذ ~~العظيم كامل الكيلاني، وكان في هذه الأيام قد بدأ كتابة مؤلفاته ~~الرائعة في أدب الأطفال أو قصص الأطفال إن شئت، وهي مكتبة ليس لها مثيل ~~في الأدب العربي أجمع، فقد استطاع الأستاذ الكيلاني أن يبسط الأدب ~~العالمي ويجعل الطفل في سن باكرة يتعرف على أمهات هذا الأدب، وقد كانت ~~أعظم هدية أتلقاها من أبي في هذه الفترة هي كتب كامل الكيلاني، وأذكر ~~وأنا في الثامنة من عمري أن الأستاذ الكيلاني أهدى عشرة كتب من مؤلفاته ~~إلى أبي وأعطاني أبي الكتب، ودخلت إلى غرفتي وانبطحت أرضا، وبدأت أقرأ ~~الكتب فما زلت بها حتى أتيت عليها وأنا في عالم سحري عجيب. أعتقد أن ~~هذه السنوات كانت أجمل سنوات حياتي وأجمل أوقاتها هي تلك التي بدأت ~~فيها أتعرف على الكتاب وأصاحبه صحبة دامت حتى يومنا هذا. # وقد استطعت بفضل مكتبة الكيلاني أن أنتقل إلى الأدب الكبير دون أن ms11 ~~أشعر بأي جهد، فحين بدأت قراءته سيطرت علي متعة القراءة، وانتقلت بعد ~~ذلك إلى تيمور، ثم في غير ترتيب زمني رحت أقرأ للعمالقة مبهورا بهالة ~~العوالم التي تفتحت آفاقها أمام عقلي ووجداني وكياني كله وأنا أقرأ لطه ~~حسين وهيكل والعقاد والزيات وأحمد أمين والمازني الذي كثيرا ما جعلني ~~أقهقه وأنا أقرؤه وحدي في غرفة مغلقة، وتعلو قهقهتي ويسمعها الذين ~~بخارج الغرفة، والله وحده يعلم ماذا كان يظن بي الجالسون خارج ~~الغرفة. # وأذكر في هذه الأيام أنني كنت في مدرسة المنيرة الابتدائية، وقد تضحك ~~كثيرا إذا علمت أنني كنت في فريق الكشافة، ورقيت في هذا الفريق حتى ~~أصبحت رئيسا للفريق، وقبل أن أحصل على الابتدائية اشترى أبي بيتا ~~جديدا في العباسية، وظللت بضعة أسابيع أستقل ترام رقم 22 لأذهب من ~~العباسية إلى المنيرة، ولكن هذا كان يكلفني أن أصحو مبكرا عن موعد ~~المدرسة بساعة أو أكثر، وقد عشت عمري أكره شيء إلى نفسي أن أبكر في ~~الاستيقاظ، وما هذا إلا لأنني كنت أسهر إلى ساعات متأخرة من الليل ~~أقرأ، وكانت القراءة تستهويني، وتبتلعني حتى ما أفيق إلى الساعة التي ~~أنا فيها، وقد ظللت عمري كله لا أنام إلا بعد أن أقرأ، وقد أقرأ أربع ~~ساعات متصلة أو أقل أو أكثر، ولكن لا بد أن أقرأ على أي حال، حتى في ~~رأس البر، ولم تكن الكهرباء متاحة لي فكنت أضع على صدري بطارية جيب ~~وأقرأ عليها حتى يخفت نورها وتصبح الكلمات غير مقروءة فأنام ~~مرغما. # وهكذا انتقلت إلى مدرسة العباسية الابتدائية في منتصف العام الذي كان ~~مفروضا أن أتقدم فيه لنيل الشهادة الابتدائية. # والحقيقة أنني ليست لي ذكريات كثيرة في مدرسة العباسية إلا أنه كان ~~لنا مدرس حبيب إلى نفوسنا نحن التلاميذ اسمه التاجي أفندي، ومنذ أسابيع ~~قليلة التقيت بطبيب يحمل نفس الاسم، فإذا به ابنه الذي يبلغني أن أباه ~~- أطال الله عمره - يتمتع بصحة جيدة والحمد لله، وكان الأستاذ التاجي ~~هو المسئول عن فريق الكشافة وما إن علم أنني كنت رئيس ms12 الكشافة في مدرسة ~~المنيرة حتى جعل مني رئيس الكشافة في مدرسة العباسية أيضا. # ومن بين تلاميذ فصلي زميل لي لن أذكر اسمه حفاظا مني على حق ~~الزمالة، جاء في الحصة رسول إلى هذا الزميل فأبلغه بموت أبيه فرحنا ~~جميعنا نعزيه وخرج التلميذ، وانقضى العام وتفرق فصلي. # ومرت أعوام ودخلت إلى كلية الحقوق وأصبح أبي وزيرا للأوقاف من بين ~~الوزارات التي تولاها في هذه الفترة، وفوجئت بهذا الزميل يرسل إلي ~~خطاب توصية لأعين حامله إماما بأحد المساجد، واهتممت بالشيخ وأخذته ~~معي في السيارة لأذهب به إلى وزارة الأوقاف، وبعد المنزل ببضعة أمتار ~~توقفت السيارة في حاجة إلى بنزين فنزلت وناديت خادما من بيتنا ليأتيني ~~من والدتي بثمن البنزين، وكان كل ما أطلبه لا يزيد على عشرة قروش، فقد ~~كانت سيارتي صغيرة وكان البنزين يباع في هذه الأيام بوحدة الجالون، ~~وكان الجالون أربعة لترات، وقد كانت كافية أن أسير بالسيارة يومين أو ~~أكثر، وفي انتظار القروش العشرة نزلت من السيارة أنا والشيخ، وإذا ~~بالشيخ يخرج من جيبه ظرفا فيه بضعة نقود جديدة قدرت بالنظرة السريعة ~~أنها خمسة جنيهات وقدم الشيخ النقود إلي، وفي لحظة وجدت الدماء تصعد ~~إلى رأسي، وأتناول النقود وأمزقها وألقي بها إلى الأرض وما زلت ألوم ~~نفسي على هذا الذي فعلته حتى اليوم، لا يخفف عني اللوم إلا أنني حين ~~مزقت النقود لم أجعلها غير صالحة للاستعمال بعد ذلك. # وطردت الرجل الذي راح يلملم النقود وانصرف، ومرت السنوات وتزوجت ~~وأقمت بشقة بالزمالك، وكنت مع زوجتي في سينما في الحفلة الأخيرة وعدت ~~إلى منزلي الساعة الثانية عشرة مساء تقريبا، فوجدت هذا التلميذ الذي ~~أبلغ بموت أبيه في فصلنا بالعباسية ودهشت لوجوده، فإذا به يبلغني أن ~~أباه مات اليوم، وأنه لا يملك ما يدفنه به وطلب مني مبلغا من المال لم ~~يكن من اليسير وجوده في هذه الأيام ورحنا أنا وزوجتي نجمع ما معنا حتى ~~أكملنا المبلغ وأعطيته له وأنا أعلم كذبه، وأغلب الأمر أنه نسي أنني ~~شهدت علمه بموت أبيه ms13 قبل اليوم الذي قصد إلي فيه بأكثر من أحد عشر ~~عاما ولعله توهم أنني نسيت ذلك اليوم. # ولم أقل له إنني أذكر يوم وفاة أبيه، ولكنني لم أره بعد ذلك اليوم، ~~ولعله رأى في عيني ما حاولت أن أخفيه عنه. # انتقلت بعد ذلك إلى مدرسة فاروق الثانوية وربما كانت أفخم مدرسة في ~~مصر في ذلك الحين، فقد كانت حديثة الإنشاء والذي أنشأها رجل التعليم ~~الشهير الأستاذ إسماعيل القباني على أساس أن تكون مدرسة نموذجية، وتولى ~~هو نظارتها، ولكنني حين ذهبت إليها كان قد تركها، وكان الناظر فيها ~~الأستاذ العظيم عبد الواحد بك خلاف، ثم تلاه الرجل العظيم الآخر نجيب ~~هاشم الذي أصبح بعد ذلك وزيرا للتعليم، ثم سفيرا لمصر في الفاتيكان. ~~ولعله من الطريف أن أروي أنه كان سفيرا في أول مرة أزور أنا فيها روما ~~مقر سفارته، وقبل سفري عثرت على خطاب منه إلى أبي يشكو فيه من كثرة ~~تغيبي عن المدرسة، وعلى ظهر الخطاب رد أبي الذي كتبه لينقله سكرتيره ~~ويرسله إلى حضرة الناظر، وكان خطاب أبي يحث نجيب بك أن ينزل بي ما يشاء ~~من عقاب، وأن أبي من جهته سيحرص على ألا أتغيب عن المدرسة، وقد ~~استقبلني نجيب بك في روما أحسن استقبال وقدمت له هذا الخطاب الذي لا ~~يشرفني، وضحكنا كثيرا مما يحويه، وقد تفضلت السيدة الكريمة باصطحابي ~~أنا وزوجتي إلى كثير من معالم روما ونوافيرها، وكنت في ذلك الحين قد ~~أصبحت أديبا معروفا وكنت حصلت قبل زيارتي لروما بعشر سنوات على جائزة ~~الدولة التشجيعية، وهكذا كان نجيب بك سعيدا بي سعادة أب بابنه، وقد ~~كان محقا في شكواه من تغيبي فقد كنت قارئا متهوسا، ولم أكن أترك ~~المدرسة لأذهب إلى أي مكان، وإنما كنت أنزل من الطابق الأعلى في بيتنا ~~وأتسرب إلى حجرة في الطابق الأدنى وأقفل الباب وأروح أقرأ في كتب ~~الأدب. # وكان كبير الخدم عندنا اسمه عم أحمد، وكنا نناديه بلقب عم أحمد ~~توقيرا له، وفوجئت يوما وأنا في خلوة قراءتي بباب ms14 الحجرة يكاد ينخلع ~~من شدة الخبط عليه، وفزعت إلى الباب وفتحته، فإذا بوالدتي أمامي تتميز ~~من الغيظ، ولولا أنني كنت قد تجاوزت الطفولة إلى مطالع الشباب لانهالت ~~علي ضربا، وأمرتني أن أذهب إلى المدرسة فورا، فقد كانت أمي حريصة ~~حرصا مبالغا فيه أن أنال الشهادة العالية لدرجة أنني كنت إذا ظهرت ~~نتيجة العام وأنا لي ملحق في مادتين أو أكثر تمرض والدتي بضعة أيام ~~وتمتنع عن الطعام. وكان حزن والدتي يتمثل في النوم، كانت إذا حزنت ~~نامت، وهذا من لطف الله بها وكانت رحمها الله تستحق هذا اللطف من الله، ~~فإني لم أعرف أما رءوما في مثل حنانها، وكانت تعين البائسين وذوي ~~الحاجة، وتسعى لهم لدى أبي حتى يقضي حوائجهم، ولا أذكر أنها تأخرت عن ~~قاصد لها مطلقا. # لم أنته بعد من قصة أمي وضبطها لي متخلفا عن المدرسة، عدت من ~~المدرسة وذهبت إلى والدتي، وكانت - رحمها الله - قريبة الرضى، وظللت ~~أتلطف معها حتى عرفت أن الذي أبلغها بعدم ذهابي إلى المدرسة هو عم ~~أحمد، ومن العجيب أنني في هذه السن قدرت له ما فعل وشكرته في نفسي، فما ~~كان يبغي إلا مصلحتي من وجهة نظره، وبحثت عنه فقيل لي إنه ذهب إلى ~~البلد هو وأسرته الكبيرة، وكلهم من بلدتنا غزالة، ولكنه كان يقيم مع ~~زوجته وأولاده ببيتنا بالعباسية بحجرة بالبدروم، وكانت حجرته دائما ~~غاية في النظام والنظافة، فقد كان هو دائما حسن الهندام نظيفا، وكذلك ~~زوجته أم زكية التي أرضعتني على ابنها عبد العظيم، وكثيرا ما كنت ~~أزورها في حجرتها بالبدروم، بل كثيرا ما كنت أتناول طعامي في هذه ~~الحجرة. # طالت غيبة عم أحمد بالبلدة وهمس لي سائقنا الذي كان من البلد أيضا ~~أن عم أحمد لن يعود. ~~- لماذا؟ ~~- لأنه قدر أنك ستكون غاضبا عليه. # ودهشت من إخلاص هذا الرجل، لقد وازن بين بقائه في عمله الذي هو مورد ~~رزقه الوحيد وبين أن يغمض عينيه عن تخلفي عن المدرسة، الأمر الذي قد ~~يؤدي إلى عدم فلاحي كما يعتقد، فأبلغ ms15 والدتي بأمري وترك عمله وتوكل على ~~الله، وقد كان لصيقا بأبي، فقد كان خادمه الخاص، وكان يسافر معه ~~أوروبا، ويعرف كيف يريحه ويلبي كل طلباته دون أن يطلبها، فقد قضى حياته ~~كلها مع أبي هو وأبوه كذلك، وأقاربه جميعا يعملون في الأرض عند ~~أبي. # سارعت فطلبت عم أحمد في غزالة بالتليفون، وطبعا لم يكن ببيتنا هناك، ~~ولكني طلبت من الذي أجابني بالبيت أن يناديه لينتظر مني مكالمة ... ~~وكلمته. ~~- ماذا يا عم أحمد ... لماذا لم تأت؟ # فقال في صوت به آثار ضحك: أتريدني أنت أن أجيء؟ ~~- طبعا. ~~- بكرة سآتي. # وأرجو الله أن أكون قد أكرمت هذا الرجل على قدر ما شهدت من تضحيته ~~وحبه وإخلاصه لنا. # في مدرسة فاروق بدأت رحلتي مع الملاحق، فكنت دائما أنتقل من السنة ~~إلى الأخرى بملحق حتى حصلت على شهادة الثقافة، وهي تعطى لمن يتجاوز ~~الامتحان في السنة الرابعة الثانوية، وهي السنة السابقة على شهادة ~~التوجيهية التي أصبح اسمها الثانوية العامة. # وقد كان يوم حصولي على شهادة الثقافة يوما مشهودا في حياتي، كنت في ~~ذلك اليوم أترقب ظهور مقالتي الثانية في مجلة الثقافة التي كانت تصدرها ~~لجنة التأليف والترجمة والنشر، وهي أعظم لجنة أدبية عرفها تاريخ مصر، ~~فقد كانت تضم عمالقة الأدب جميعا بلا استثناء. # ومع أنني كثيرا ما رويت كيف نشرت أول مقالة لي في حياتي إلا أنني ~~أعتقد أنني لن أستطيع أن أقدم إليك هذا الكتاب دون أن أذكر بداية حياتي ~~مع الكتابة، وأنا قبل كل شيء وبعد كل شيء كاتب، وفي العام القادم أكون ~~قد قطعت من عمري خمسين عاما في الكتابة. # كنت طالبا في الثقافة السنة الرابعة الثانوية في مدرسة فاروق الأول ~~الثانوية، وكان يدرس لنا اللغة العربية أستاذ طيب اسمه الأستاذ ضاحي ~~كتبت له موضوع إنشاء استعملت فيه كلمة تساءل فيما أذكر، فإذا يضع تحتها ~~خطا ويقول لي: تساءل على وزن تفاعل، وتفاعل لا تكون إلا في تبادل ~~الشيء بين شخصين فاستعمالك لها غير صحيح. # وعجبت من هذا الذي يقول، فما ms16 إن ذهبت إلى المنزل حتى هرعت إلى ~~القاموس وما لبثت أن تبينت أن الأستاذ أخطأ خطأ فادحا، وكان خطأ ~~الأساتذة في ذلك الحين كبيرة من الكبائر، كتبت كلمة عنوانها تصحيح ~~أوراق، وكان الأستاذ الشاعر العظيم العوضي الوكيل قد عرف أبي ~~وعرفني بصديق امتدت صداقتي الوطيدة به حتى اختاره الله إلى جواره هو ~~الأستاذ عثمان نويه. وكان والد عثمان نويه يعمل في ذلك الحين مدرسا ~~بمدرسة خليل أغا زميلا للشاعر العوضي الوكيل شيخا معمما، وكان ~~والدي زميلا لأحمد بك أمين الذي كان في ذلك الوقت عميدا لكلية ~~الآداب، وأديبا من أدباء الصدارة في العالم العربي، وكان قبل ذلك ~~زميلا لوالد عثمان نويه في مدرسة القضاء الشرعي، وكان أحمد بك أمين ~~يعتبر نفسه والدا روحيا لابن زميله عثمان نويه. # قرأ عثمان نويه الكلمة الصغيرة التي كتبتها عن خطأ الأستاذ وقال ~~سأعرضها على أحمد بك أمين. # وانتظرت عودة عثمان من زيارة أحمد بك أمين بصبر نافد، فقد كنت في ~~السادسة عشرة من عمري، وكان نشري بمجلة الثقافة التي كانت تحتل هي ~~وأختها الرسالة مكان الصدارة في الحياة الأدبية أمرا يفوق كل ~~أحلامي. # وعاد عثمان نويه، وقال إن أحمد بك رضي عن الكلمة وسينشرها، ولم أصدق ~~ورحت أسأل عثمان عن تفاصيل ما دار بينه وبين العميد الجليل، فقال إنه ~~قرأها ... سأل: هل هي لمدرس زميلك؟ # فقال عثمان في سرعة بديهة: بل هي لصديق محام. # ولم يجرؤ أن يصارحه أنها لطالب في الثقافة، ونشرت الكلمة، وكان ~~زملائي في مدرسة فاروق يقرءون الثقافة والرسالة ويهتمون بالأدب حتى ~~أننا أنشأنا لأنفسنا مكتبة خاصة في الفصل يضع فيها التلاميذ كل الكتب ~~التي يشترونها في دولاب أحضرته أنا من منزلنا، وتظل الكتب في الفصل ~~طوال العام الدراسي، ويسترد كل تلميذ كتابه بعد أن يكون الفصل كله قد ~~قرأه. # ولم أكن أخبرت أحدا من زملائي شيئا عن كلمتي التي أرسلتها للثقافة ~~فكانت المفاجأة مذهلة وعرف الزملاء أنني صاحب الكلمة على الرغم من أنني ~~وقعتها بتوقيع: «تلميذ قديم»، وتبادل تلاميذ المدرسة ms17 كلها وأساتذتها ~~أيضا قراءة الكلمة، واستدعاني نجيب بك هاشم - رحمة الله عليه - وطلب ~~إلي في لطف وكياسة ألا أهين أساتذتي وأذكر أنني قلت له: ما دمت أملك ~~قلما فلا يستطيع أحد أن يظلمني. ولك أن تقدر كبر هذه الكلمة من صبي ~~يافع ما زال تلميذا بالثانوي. ولم تنشر له إلا كلمة صغيرة بدون توقيع، ~~وحتى يومنا هذا كلما ذكرت هذه الكلمة تأكد عندي أن الغرور لا يكون إلا ~~مع المبتدئين، وأنه يتلاشى ويتخافت ويذوب كلما كبر المرء وبلغ مبالغ ~~النضج. # كان من الطبيعي بعد أن نشرت الكلمة أن يصارح الأستاذ عثمان نويه أحمد ~~بك بأن الكاتب تلميذ بالسنة الرابعة الثانوية، وطلب أحمد بك أن يلقاني ~~وذهبت إليه، وكانت بداية تلمذة مني للأديب العملاق، وقد طلب إلي أن ~~أقرأ بعض كتب التراث وسمى لي أسماءها، وسارعت إليها وقرأتها جميعا ~~ووجدت في قراءتها متعة عظيمة، أذكر منها على سبيل المثال كتاب العمدة ~~لابن رشيق، وكتاب الكامل للمبرد وغيرهما وغيرهما، وقد جعلني هذا أقرأ ~~كتاب الأغاني ولم أستطع أن أكمله إلا حين أهدى إلي عميد الأدب العربي ~~الدكتور طه حسين كتاب الأغاني مختصرا ومرفوعا منه العنعنة الذي حققه ~~هو والأستاذ إبراهيم الإبياري، وقد قرأت هذا الكتاب أكثر من مرتين أو ~~ثلاث. # وأعطيت أحمد بك أمين مقالة أخرى عنوانها «شعراء مغمورون»، وكتبت فيها ~~عن الأستاذ أحمد القرعيش والأستاذ توفيق العوضي أباظة. # وما لي لا أذكر لك ما اخترته لكل من الشاعرين في هذه المقالة. # أما الأستاذ أحمد القرعيش فقد أخذت له هذه الأبيات: # قالت: أحبك صادق؟ # قلت: الدلائل قاطعات # قالت: وعهدك؟ قلت: # باق ما رعت عهدي الحياة # قالت: وحبي؟ قلت: فصل # مثلته الغانيات # قالت: وعهدي؟ قلت: # ذاك هو الأماني الكاذبات # ضحكت وقالت: هكذا # من قبلك العشاق ماتوا # أما أبيات توفيق العوضي، فقد كانت خطابا منه إلى المستشار الأديب ~~المحقق جمال الدين بك أباظة عم الشاعر العملاق عزيز باشا أباظة، وفي ~~الأبيات يشكو توفيق إلى جمال بك ابن أخيه أنه أرسل إليه خطاب تحية فلم ms18 ~~يرد عليه، تقول الأبيات: # جمال الدين والدنيا سلاما # يضوع شذى كأنفاس الخزامى # وبعد فهل أتاك حديث قوم # نكلمهم فيأبون الكلاما # بعثت إلى عزيز القول شعرا # أحييه فما رد السلاما # فإن يك أكبر الشعراء طرا # وأعظمهم وأسماهم مقاما # فقد نادى إله الناس موسى # وناجى العبد من خلق الأناما # وبنت النمل كلمها نبي # وبادلها المحبة والوئاما # فلست أقل من نمل ضعيف # وليس أجل من ملك تسامى # وكان إعطائي المقالة لأحمد بك أمين مواكبا في الزمن مع فراغي من ~~الامتحانات واستعداد منزلنا للذهاب إلى رأس البر للمصيف، فقد كانت ~~الحرب العالمية على أشدها وانتقل المصطافون من الإسكندرية إلى رأس ~~البر. # وذهبنا إلى رأس البر، ومكثت أترقب ظهور المقال، وقد كنت لا أطيق أن ~~أبحث عنها مع بائع الجرائد، بل كنت أستبق الزمن وأذهب إلى شارع النيل ~~في رأس البر أنتظر المركب الذي كان يأتي بالصحف، وأشتري المجلة، ولكني ~~لا أجد بها المقالة فتضيق بي الحياة، وأحسب اليوم أن انتظاري لظهور ~~المقال كان يؤزني إذا لم أشعر به في انتظار نتيجة شهادة الثقافة، وكنت ~~قد أخبرت أبي أنني أعطيت مقالة لأحمد بك أمين، وكان يشعر بحزني كلما ~~ظهر عدد من مجلة الثقافة وليس به مقالتي. # حتى كان ذلك اليوم المشهود الذي بدأت به هذا الحديث إليك، في ذلك ~~اليوم ذهبت أستحم في البحر، وطبعا نزلت إلى البحر بدون نظارة النظر ~~التي كنت قد بدأت لبسها قبل هذه الفترة بسنتين تقريبا وأنا بها أرى ~~حتى السطر الأخير من اللوحة بدرجة 6 / 6 وبغيرها يكون نظري ضعيفا لا ~~أستطيع أن أحدد الأشياء البعيدة. # وفي البحر استطاع بصري أن يرى عن بعد رجلا مسنا يحتزم بقرعتين ~~ليعيناه على البقاء طافيا على سطح الماء، ولا أدري لماذا اقتربت من ~~هذا المسن، ربما لأنني منذ طفولتي أحس حنينا لكبار السن، وربما لأنني ~~عجبت من استعمال القرع المجفف للطفو وكانت العجلات هي المستعملة في هذا ~~الغرض. # وفوجئت حين اقتربت أن هذا الرجل لم يكن إلا أستاذنا العظيم أحمد بك ~~أمين ms19 الذي لقيني أجمل لقاء، وسألته عن مصير مقالتي فقال لي شيئا لم ~~أكن أتوقعه قط، قال إنهم لم يشاءوا أن ينشروا شيئا عن عزيز بك أباظة، ~~ولم يكن قد نال الباشوية بعد، وأنهم أرسلوا إليه خطابا يستأذنونه في ~~نشر أبيات توفيق العوضي عنه، وقد أعجبت كل الإعجاب بمنطق المجلة وبخلق ~~المشرفين عليها، وقلت لأحمد أمين إنني أستطيع أن أرسل أبياتا أخرى غير ~~هذا فقال: «يكون أحسن.» وملأت نفسي الفرحة، وخرج أحمد بك من البحر ~~وتبعته أنا ذاهبا إلى عشتنا وأخبرت أبي بسبب تأخير نشر المقالة، وبعد ~~الظهر من اليوم نفسه ذهبت إلى مسرح برأس البر وحجزت لنفسي تذكرة ~~لمشاهدة عميد الفن الكوميدي في مصر والشرق نجيب الريحاني، وعند عودتي ~~كانت الشمس لم تغرب بعد، وإنما تميل إلى الغروب وجدت عامل تلغراف يدور ~~بين العشش تائها، سألته عمن يريد؟ فقال: أريد عشة دسوقي بك أباظة. قلت ~~له: أنا ابنه. فسلمني برقية من قريبنا المرحوم الأستاذ عبد الله عوضي ~~أباظة الذي كان مدرسا بالثانوي، وكانت البرقية تحمل تهنئة بنجاحي في ~~شهادة الثقافة، ومنذ ذلك اليوم وأنا أستبشر خيرا كلما رأيت الريحاني ~~في السينما أو في التلفزيون، ذهبت في اليوم نفسه إلى عشة أحمد بك أمين ~~ووجدت عنده العلامة القانوني العظيم السنهوري باشا، وسلمت أحمد بك ~~مقالة أخرى فيها أبيات لتوفيق غير هذه التي أوقفت النشر. # وهكذا كان هذا اليوم يوما مشهودا في حياتي كما ترى، حدث بعد ذلك أن ~~رافقت أبي إلى بلدتنا غزالة، وكانت المقالة قد نشرت، فوجدت الأستاذ ~~القرعيش قد نظم أبيات تحية لي سأذكر البيت الأول منها فقط؛ لأنها تؤرخ ~~الفترة جميعها يقول في مطلع الأبيات: # نال الثقافة وازدهى # ببراعة صدر الثقافة ~~••• # في غمرة حديثي عن تلك المرحلة لم أذكر أن أبي تولى الوزارة لأول مرة ~~في 26 يونيو سنة 1941م، وكنت في السنة الثالثة الثانوية، وكان توليه ~~الوزارة قبل تاريخ مولدي بيومين، وقبل أن يتولى أبي الوزارة كان حزب ~~الأحرار قد رشحه لرياسة مجلس النواب بينما رشحت الهيئة ms20 السعدية أحمد ~~ماهر باشا وكان رئيس الوزارة المرحوم حسن صبري باشا، وقصة هذا الرجل مع ~~أبي عجيبة، فقد حدث في سنة 1938م أن أبي كان بصفته سكرتير عام حزب ~~الأحرار يقوم بإعداد أسماء مرشحي الحزب في الانتخابات، وكان رئيس ~~الوزراء محمد محمود باشا، ولم يشترك أبي في الوزارة، وكان هذا موضوع ~~دهشة كبرى من الناس ألا يشترك سكرتير عام الحزب في الوزارة، ولكن محمد ~~باشا اعتذر له اعتذارا شديدا، وجد أبي نفسه مضطرا أن يقبله لما ~~لمحمد باشا محمود من مكانة خاصة في نفسه، وبينما أبي مشغول بإعداد ~~الانتخابات كلمه حسن باشا صبري في التليفون وكان في ذلك الحين وزيرا ~~في وزارة محمد باشا، وكان مقربا من الإنجليز، وطلب إلى أبي أن يضع أحد ~~الأسماء مرشحة في دائرة معينة، ولكن أبي اعتذر بأن هذه الدائرة بها عضو ~~قديم في الحزب؟ ولا يستطيع أن يتخطاه فإذا بحسن صبري يقول لأبي: ~~أتناقشني؟! # فوضع أبي سماعة التليفون في وجهه ... # وبعد ذلك ببضعة أشهر حدثت في الوزارة أزمة استدعت إخراج وزير الزراعة ~~من وزارته، وكان مجلس الوزراء مجتمعا حين قال محمد باشا للوزراء إنه ~~مضطر أن يفض الاجتماع؛ لأنه على موعد مع الملك ليوقع منه مرسوم تعيين ~~وزير الزراعة، وسأله الوزراء: من الوزير؟ # وقال محمد باشا: إنه برلنتة (أي شخص من ألماس). ~~- من؟! ~~- دسوقي أباظة. # فإذا حسن صبري باشا يقول: إذا دخل دسوقي أباظة الوزارة من هذا الباب، ~~فسأخرج من الباب الآخر؟ # وهكذا لم يعين أبي وزيرا في وزارة محمد باشا محمود، وظلت الوزارة ~~بغير وزير زراعة حتى استقالت. # وجاءت بعدها وزارة مستقلة يرأسها علي باشا ماهر لم يشترك فيها ~~أحزاب. # ثم ألف بعد ذلك حسن صبري الوزارة، وكان طبيعيا ألا يشترك أبي في ~~وزارته. # ولعل القارئ يدهش أن أبي رغم هذا الذي فعله معه حسن باشا صبري كان ~~دائم المديح له في العلن، ولنا نحن أبناءه والمقربين إليه، فإنني لم ~~أجد أحدا في العالم ولا في التاريخ يفصل بين الحق وبين مشاعره ~~الشخصية، ms21 كما كان أبي يفعل. # وبهذه المناسبة أذكر لأبي قصة جديرة بأن تروى، كان المدرس الخاص ~~الذي يدرس لي مادة الرياضة على صلة وثيقة بأسرة وزير وفدي كبير، وكنت ~~خليقا أن أذكر اسم الأستاذ لولا خشيتي أن يكشف اسمه عن شخصية الوزير ~~الوفدي، وهو أمر لا أقبله، فإنني إن فعلته أكون بهذا قد خرجت عن النهج ~~الذي انتهجه أبي، والذي سيتضح لك من هذه القصة، جاء أستاذ الرياضة، ~~وطلب إلى أبي أن يحدد موعدا ليلقاه فيه أخو الوزير الوفدي الكبير، ~~وجاء الأخ والتقى بأبي وإذا به يقدم أوراقا لأبي تثبت أن الوزير ~~الوفدي يأكل أموال إخوته ويغتصبها لنفسه، وطلب الأخ إلى أبي أن ينشر ~~هذه الوثائق في جريدة السياسة التي كان يصدرها حزب الأحرار الدستوريين، ~~وإذا بأبي يقول له: يا ابني نحن لا نحارب خصومنا السياسيين بالإيقاع ~~بينهم وبين إخوتهم وأسراتهم، فهذه الأمور لا تتصل بالسياسة الشريفة، ~~أنا لا أعرف أخاك معرفة شخصية، ولكنني مستعد أن أدعوه إلى بيتي، وأدعوك ~~أنت وإخوتك معه وأصفي ما بينكم من خلافات في جلسة أسرية، أما أن أنشر ~~هذه الخلافات الخاصة فليس من أخلاقنا. # وانصرف أخو الوزير الوفدي ومعه أوراقه. # ونعود إلى حسن باشا صبري. # وحدث أن اختلف السعديون مع حسن باشا صبري، وتركوا الوزارة، وجاء موعد ~~انتخابات الرئاسة لمجلس النواب، وكان رئيس المجلس أحمد باشا ماهر، وكان ~~لا بد أن تجرى الانتخابات حسب النص الدستوري، ورشح حزب الأحرار أبي ~~كما قدمت، وكان نجاح أبي مرجحا. # وفي أثناء حملته الانتخابية، وقبل موعد الانتخابات بيومين، كنا ~~جالسين مع أبي أنا وخالي علي واثنان أو ثلاثة من الأصدقاء وكان باب ~~المكتب مغلقا، ففوجئنا بالباب يفتح بقوة، وتشريفاتي رئيس الوزراء ~~واقفا به، وكان اسمه الأستاذ ميشيل ساويرس، وكان معروفا بأدبه الجم، ~~وكان يعمل مع كل رؤساء الوزراء؛ لأنه لم يكن له شأن بالسياسة مطلقا، ~~وإنما كان خبيرا بشئون وظيفته، صاح ميشيل ساويرس في دربة ومران: دولة ~~رئيس الوزراء. # وقام أبي إلى بهو المنزل، وتبعناه، ورأينا حسن باشا صبري ms22 يحتضن أبي ~~وهو يقول: أهلا سعادة رئيسنا العظيم. # ورحب به أبي ودخلا معا إلى حجرة الاستقبال، وأغلقت عليهما الأبواب، ~~وبقي معنا في المكتب ميشيل ساويرس نتحدث في أي شيء ما عدا ~~السياسة. # وطالت الجلسة بين أبي وبين رئيس الوزراء، وأخيرا خرجا وودع أبي ~~رئيس الوزراء وشملنا الحبور، فلو لم يكن نجاح أبي مرجحا ما زاره رئيس ~~الوزارة لتصفو علاقته به، فقد أدرك أن الأمور لن تستقيم إلا إذا كان ~~رئيس مجلس النواب على علاقة طيبة مع رئيس الوزراء. # وجاء موعد الانتخابات، وبدأ اليوم بداية طبيعية، وقد كان لافتتاح ~~البرلمان في ذلك العهد مراسم رائعة. كان الملك يركب عربة تجرها خيول، ~~والعربة مفتوحة وتسير في طرقات القاهرة من عابدين إلى مجلس النواب، ~~ويكون رئيس الوزراء بجانب الملك في هذا الموكب تحف بهما الخيول يركبها ~~الحرس الملكي ويتقدم الموكب الموتسيكلات وتقف جموع الشعب على الصفين ~~تصفق وتهلل، شأنها دائما، حتى يصل الموكب إلى دار البرلمان وتنطلق ~~المدافع مؤذنة بوصول الموكب، ويدخل الملك إلى قاعة مجلس النواب، ويجلس ~~بين تصفيق الأعضاء على كرسي العرش بالمجلس الذي لم يعد موجودا الآن ~~بالقاعة، وإنما نقل إلى متحف مجلس النواب، وبعد ذلك يبدأ رئيس الوزراء ~~في إلقاء خطبة العرش، وكان المفروض أن الملك هو الذي يلقي خطبة العرش، ~~ولكن لأن الدستور النيابي بدأ في عهد الملك فؤاد الذي كان لا يجيد ~~العربية فقد استقر العرف الدستوري على أن يلقى رئيس الوزراء خطبة العرش ~~باسم الملك فيقول: «وستعمل حكومتي»؛ لأنه يتكلم بلسان الملك لا بلسان ~~رئيس الوزراء. # بدأ حسن باشا صبري يلقي الخطبة، ولكن فجأة يسقط حسن باشا صبري على ~~الأرض مصابا بأزمة قلبية لا تمهله دقائق ويلقى ربه، ويقوم الملك عن ~~عرشه إلى حجرته بالمجلس ويعلن تأجيل افتتاح البرلمان لأول مرة في ~~التاريخ ولآخر مرة أيضا، فإن هذا الحدث ليس من شأنه أن يتكرر ويموت ~~رئيس الوزراء، وهو يلقي خطاب العرش، بل أحسب أن هذا الذي وقع لم يقع في ~~أي بلد آخر على مدى تاريخ ms23 الحياة النيابية في العالم. # وألف الوزارة بعد حسن صبري المرحوم حسين سري باشا، ولم يشرك في ~~الوزارة رشوان محفوظ باشا الذي كان طامعا فيها كل مطمع. ويغضب رشوان ~~محفوظ فيطلب من أنصاره من نواب الصعيد ألا ينتخبوا مرشح الحزب الذي ~~ينتمي إليه والذي كان أبي رغم صداقة رشوان باشا لأبي، فينسلخ من أنصار ~~أبي أكثر من سبعة عشر صوتا، ويصنع الصنيع نفسه حفني محمود شقيق محمد ~~باشا محمود للأسباب نفسها التي أغضبت رشوان محفوظ، وكان أنصار حفني ~~محمود حوالي عشرة نواب، وهكذا يفقد أبي قرابة خمسة وعشرين صوتا ولم ~~يكن محتاجا إلا لأحد عشر صوتا لينجح. # وهكذا شاء الله أن يسيء حسن صبري باشا إلى أبي حيا وميتا، حيا ~~حين رفض أن يزامله في الوزارة، وميتا حين تسبب موته في انسلاخ ما يقرب ~~من خمسة وعشرين صوتا عن انتخاب أبي لرئاسة مجلس النواب. # كان محمد باشا محمود على قيد الحياة أثناء هذه الانتخابات، ولكنه كان ~~مريضا لا يترك غرفته، وقد زاره أبي وأبدى الرجل العظيم أسفه لتفتت ~~كلمة الحزب وكان أكبر أسف الزعيم النبيل الذي اشتهر بهذا اللقب ما فعله ~~أخوه حفني وما فعله قريبه رشوان محفوظ، ولكن أبي قال له ليخفف عنه سخطه ~~على الحزب: إن الانتخابات قد جرت في غيبة الزعيم، وحين تسترد صحتك إن ~~شاء الله ستعود وحدة الحزب وسيسترجع تماسكه. # وشاء الله أن يختار محمد باشا محمود إلى جواره، وانقسم الحزب حول ~~الرئيس الجديد، حول من يختاره خليفة للزعيم الراحل، منهم من كان يؤيد ~~مصطفى باشا عبد الرازق وعلى رأسهم أحمد باشا عبد الغفار لصلته الوثيقة ~~بأسرة عبد الرازق وبحجة أن هذه الأسرة قد ضحت باثنين من زعمائها في ~~سبيل الحزب. # والفريق الآخر كان يؤيد الدكتور محمد حسين هيكل باشا مرتئيا أنه ~~أكثر خبرة بالحياة السياسية من مصطفى باشا الذي عرف عنه العزوف عن ~~المجادلة أو المصاولة. # وأنت ترى كم كان كل مرشح من المرشحين يمثل قمة في الثقافة العربية ~~وواجهة مشرقة مضيئة لمصر حتى يومنا ms24 هذا. # على أيه حال رأى الحزب أن يلجأ إلى عبد العزيز باشا فهمي يرجوه أن ~~يقبل الرئاسة لفترة قصيرة حتى يستقر الحزب على واحد من المرشحين ~~العلمين. # وقبل عبد العزيز باشا رغم ضعف صحته، وأصبح رئيسا للحزب، وانتخب ~~هيكل باشا نائبا لرئيس الحزب. # حين أصبح عبد العزيز باشا فهمي رئيسا للحزب، فإن أول ما قاله لأبي ~~أنه لم يقبل رئاسة الحزب إلا ليرفع الظلم الذي أوقعه الحزب على أبي ~~مرتئيا أن بقاءه بعيدا عن الوزارة طوال هذه المدة يدل على أن الحزب ~~لا يعرف كيف يقدر رجاله، وكان عبد العزيز باشا يحب أبي غاية الحب، ~~وأغلب الأمر أن ذلك الحب يرجع إلى تقارب أخلاق الرجلين تقاربا لصيقا، ~~فقد كان كلاهما لا يخشى في الحق لومة لائم ولا يمنعه شيء عن محاربة ~~الظلم وعن الانتصار للعدالة والشرف مهما تكلفا في سبيل ذلك من خسائر ~~مادية كانت هذه الخسائر أم كانت أدبية، وكان عبد العزيز يضع يده على ~~صدر أبي ويمررها عليه وهو يقول: هذا الصدر كله إخلاص، كله إخلاص. ~~ويكررها. # وكنت أزور عبد العزيز باشا فهمي في رفقة صديق عمري عبد الفتاح ~~الشناوي فكان يقول: «مفيش زي أبوك في كل السياسيين دول، مفيش زي ~~أبوك.» # وأهداني مرة كتابه عن الحروف اللاتينية فكتب الإهداء: «لسيدي ثروت بك ~~أباظة»، وكدت أدوخ من هول الكلمة الصادرة عن هذا الجبل الشامخ من العلم ~~والسياسة والقانون والوطنية، وكنت ذاهبا في ذلك اليوم إلى عمي عزيز ~~باشا أباظة، وكانت معي تجارب روايته العباسة، فلم أترك حقيبتي في ~~السيارة، وإنما صحبتها معي، وقلت لعمي عزيز: تصور أن عبد العزيز باشا ~~فهمي كتب لي إهداء يقول فيه كذا! # ولم يصدق عزيز باشا، وقال لي: الفضاء واسع. # وهي عبارة تقال حين يسمع الإنسان شيئا يتصور أنه «فشر»، ففتحت ~~حقيبتي وأنا أقول: ولماذا؟ لا واسع ولا ضيق، هاك الكتاب. # وقرأ عزيز باشا الإهداء وبدا عليه الذهول الذي أصابني. # نعود إلى عبد العزيز باشا فهمي وأبي والوزارة، فوجئ أبي بعبد العزيز ~~باشا ms25 فهمي يقول له: الرجل حسين سري يعتمد على حزب الأحرار وحده في ~~المجلس ولا يمثل الحزب إلا خمسة وزراء فقط. # وبجرأة عبد العزيز باشا فهمي المعروفة قابل حسين سري، وأصر أن يمثل ~~الأحرار الدستوريين في الوزارة سبعة وزراء، وتم التعديل فعلا في 26 ~~يونيو سنة 1941م، ودخل أبي وزيرا للشئون الاجتماعية ورشوان محفوظ ~~وزيرا للزراعة. # واستقبل تعيين أبي وزيرا برنة فرح كبرى في الشرقية وفي مصر جميعها، ~~وأذكر أن مصورا فوتوغرافيا كان في شارع من أهم شوارع القاهرة وضع ~~صورة أبي ورشوان باشا في معرض صوره الذي يطل على الشارع وكتب تحتها بخط ~~أنيق: الوزيران الجديدان. # بقيت هذه الوزارة في الحكم قرابة شهر، وكانت الشرقية تقيم حفل تكريم ~~لأبي بمناسبة توليه الوزارة، وكان اليوم المحدد لهذا التكريم هو اليوم ~~الذي استقالت فيه الوزارة، وكان سبب الاستقالة أن سري باشا كان قد أزال ~~الخلافات التي كانت بينه وبين الحزب السعدي، وتم الاتفاق بينهما على أن ~~يشارك الحزب السعدي في الوزارة ويمثله فيها خمسة وزراء، فكان طبيعيا ~~أن تستقيل الوزارة ويعاد تشكيلها وينقص عدد الوزراء من حزب الأحرار ~~الدستوريين إلى خمسة وزراء بدلا من سبعة، وكان طبيعيا ألا أذهب أنا ~~أيضا إلى الزقازيق لحضور الحفلة فقد كنت يومها لا أدري إن كان ~~المكرم أبي سيظل في الوزارة أم سيخرج منها. # وفي الساعة الرابعة من بعد ظهر اليوم دق جرس التليفون في منزلنا وكان ~~أبي نائما في القيلولة، فما كان - رحمه الله - يعنيه أن يبقى في ~~الوزارة أم لا يبقى، فقد كانت شخصيته أكبر من أي منصب، رفعت سماعة ~~التليفون وجاء في الصوت على الطرف الآخر: منزل معالي الأستاذ إبراهيم ~~دسوقي أباظة. ~~- نعم. ~~- معالي الوزير موجود؟ ~~- من يريده؟ ~~- مجلس الوزراء؟ # فلم أشأ أن أخبره أن أبي نائما وإنما تجرأت وقلت للمتحدث: نعم ~~موجود. # وتجرأت مرة أخرى وأدخلت التليفون إلى أبي في قيلولته، وكان المتحدث ~~يستدعي أبي للذهاب إلى مجلس الوزراء في الساعة السادسة، ووعد أبي ~~بالحضور، وطلب مني أن أتركه ليكمل قيلولته، وكأن ms26 شيئا لم يحدث، كم كان ~~عظيما لا يهزه عاصف من فرح أو غيره. # وعاد أبي إلى الوزارة في وزارة الشئون الاجتماعية، وخرج اثنان من ~~وزراء حزب الأحرار الدستوريين، من بينهما رشوان باشا محفوظ الذي عين ~~قبل شهر من الوزارة الجديدة، وكانت هذه آخر مرة يشترك فيها في ~~الوزارة. # وبقيت هذه الوزارة في الحكم حتى 4 فبراير سنة 1942م الشهيرة حين حاصر ~~الإنجليز القصر الملكي، وطالبوا بتعيين النحاس باشا رئيسا للوزارة أو ~~يعزلوا الملك فاروق، وكان ما كان من اجتماع زعماء الأحزاب ورؤساء ~~الوزارات السابقين بقصر عابدين، وعرض المجتمعون على النحاس باشا أن ~~يؤلف وزارته مؤتلفة من الأحزاب ليواجه الحالة الخطيرة التي تمر بها ~~البلاد، فرفض هذا العرض بكل إصرار، وصاح أحمد ماهر باشا في وجه النحاس ~~بكلمته الشهيرة: إنك تأتي إلى الحكم على أسنة الحراب الإنجليزية. فلم ~~يأبه النحاس بهذا، وخضع الملك لتهديد الإنجليز وأصدر مرسومه بتأليف ~~الوزارة. # | الفصل الثالث # ولا أنسى في اليوم التالي كنت أركب السيارة الخاصة، لا سيارة الوزارة ~~طبعا مع أبي، وقلت له: كيف سيواجه النحاس الجماهير بعد هذا؟ وفي ذكاء ~~السياسي العملاق قال لي: سيقول: لقد أنقذت عرش مصر. # وما لبث النحاس أن قال هذه الأضحوكة وكأن أبي كان في عقله حين توقع ~~أنه سيدعي هذا الادعاء، والغريب أن الجماهير الوفدية تجمعت حول مجلس ~~الوزراء لتهنئ النحاس ووزارته القادمة بالحراب الإنجليزية، وفي أثناء ~~تجمعها حضر إلى مجلس الوزراء السير مايلز لمبسون، وكان ضخم الجثة بصورة ~~غير مألوفة، فقد كان طويل القامة إلى حد بعيد، كما كان بالغ السمن، ~~والعجيبة أن الجماهير الوفدية حملته على أكتافها وهتفت باسمه ولم تشعر ~~بالهوان وهي تحمل المندوب السامي البريطاني على أكتافها بعد أن زلزل ~~عرش مصر، وكان الملك إلى ذلك الحين محبوبا من الشعب حبا لم يحظ به ~~ملك، وقد استطاع بغبائه الشديد أن يبدد هذا الحب بطريقة العربيد ~~الأبله، الذي اختاره لنفسه واعتقد اعتقادا يقترب من اليقين أن أمه ~~الملكة نازلي لها أثر كبير في اضطراب عقله ومسلكه ms27 جميعا بأفعالها ~~المخزية التي كانت ترتكبها، والتي انتهت بزواجها من أحمد حسنين باشا، ~~مما كان له أسوأ الأثر في نفوس الناس ومن باب أدق في نفسية الملك، وما ~~فعلته بعد ذلك أدهى وأمر. # أعلنت وزارة النحاس حل البرلمان وإجراء انتخابات، وطلب حزب الأحرار ~~مقابلة النحاس باشا للاتفاق على الأسس التي سيدخلون عليها الانتخابات، ~~وتحدد موعد اللقاء واختار الحزب أبي وأحمد باشا عبد الغفار ليمثلا ~~الحزب في مفاوضاته مع النحاس باشا، وكان اللقاء طريفا، ولذلك فإنه لم ~~يفر من ذهني. # قال لهما النحاس باشا: الانتخابات حرة، ولكم أن تقولوا ما تشاءون، ~~على ألا تذكروا شيئا عن حادث 4 فبراير، ولا تهاجموا الإنجليز نظرا ~~للظروف التي نمر بها، ولا تذكروا شيئا عن زوجتي، ولكم أن تقولوا بعد ~~ذلك ما تريدون. # ودهش أبي ولم يتكلم، وتكلم أحمد باشا عبد الغفار قائلا في غضب: ~~وماذا بقي أن نقوله ضد المرشح الآخر؟ أنقول له أبويا أحسن من أبوك؟ أم ~~نقول له وشي أحلى من وشك؟ # ولم يرد النحاس، وخرج أبي وأحمد باشا دون أن يتفقا مع النحاس، وعرفت ~~بعد ذلك أن النحاس باشا حين روى هذه الواقعة للهيئة الوفدية قال: جاءني ~~من حزب الأحرار معالي الأستاذ إبراهيم دسوقي أباظة والولد أحمد عبد ~~الغفار. # مع أن أحمد باشا كان حاملا رتبة الباشوية عند هذا اللقاء. # وهكذا رفض حزب الأحرار والهيئة السعدية دخول الانتخابات، وانفرد حزب ~~الوفد بهذه الانتخابات. # ولكن أبي كان حريصا على وجوده في مجلس النواب، وفي نفس الوقت لم ~~يستطع أن يخوض الانتخابات العامة، وهو سكرتير حزب الأحرار ~~الدستوريين. # وهكذا ارتأى أن يدخل أخوه عبد الله بك فكري أباظة الانتخابات، وكان ~~في ذلك الحين سكرتير عام وزارة التجارة، ومرشحا أن يكون وكيل وزارة، ~~وكان الدستور يقضي أنه إذا أصبح موظف عضوا بمجلس نيابي فله مهلة ثلاثة ~~أشهر يختار في أثنائها بين البقاء في الوظيفة وترك المجلس، أو البقاء ~~في المجلس وترك الوظيفة. # وبعد انقضاء المدة استقال عمي عبد الله من المجلس، وتقدم أبي للترشيح ms28 ~~بالدائرة التي خلت، ورشح الوفد ضده أحد المحامين واسمه عبد العظيم ~~الهادي رسلان، وكانت انتخابات مريرة غاية المرارة جيش الوفد لها كل ~~جيوشه من شرطة إلى قوات مسلحة إلى تزوير علني لا يتوارى ولا يخجل، وفي ~~هذه الانتخابات كسرت ذراع فكري أباظة باشا في بلدة قريبة من الغار بلد ~~المرشح اسمها كفر عوض الله حجازي، وكان من فجور الوفد أنه في توزيع ~~الناخبين كان يجعل البلاد المؤيدة لأبي تدلى بأصواتها في بلاد بعيدة ~~عنها كل البعد، بينما يحرص على أن يجعل الناخبين المؤيدين لمرشحه يدلون ~~بأصواتهم في بلاد قريبة غاية القرب منهم، فلا يتكلفون إلا مشية هينة، ~~أما الناخبون المؤيدون لأبي فقد كان عليهم أن يركبوا السيارات أو يتعذر ~~عليهم الإدلاء بأصواتهم. # أما معركة كفر عوض الله التي كسرت فيها ذراع عمي فكري فقد تجمع فيها ~~بعض أنصار المرشح الوفدي، وبأيديهم العصي الغليظة، وأرادوا أن يمنعوا ~~ممثلي أبي من الاقتراب إلى لجنة الانتخاب، فاعتدوا عليهم بالضرب دون أن ~~يراعوا أي معنى للخلق أو قيم الوافدين عليهم. # وتمت الانتخابات، وكان فوز أبي واضحا، وتجمعت صناديق الانتخاب بنقطة ~~شرطة ببلدة بردين، وهي البلدة التي سميت الدائرة كلها باسمها، وحرص ~~شباب الأسرة أن يبيت فوق الصناديق يتزعمهم عمي عبد الله، وقد هيأ له ~~مأمور دائرة الأمير طاهر باشا الذي يملك أبعادية في بردين مكانا ~~مناسبا يبيت فيه، بينما لازم شباب الأسرة الصناديق، وحاولت الشرطة ~~وقوات من الجيش أن يخرجوهم من النقطة، فكشفوا عن أسلحة مرخصة ~~يحملونها. # وكلم مدير الشرقية أبي في غزالة، وكنت بجواره، وقال المدير: إننا ~~نرجو أن تأمر بالجلاء عن نقطة بردين. # فضحك أبي وهو يقول للمدير: لا أستطيع ... فإنني إن طلبت هذا المطلب من ~~شباب أسرتي فلن يقبلوه. # وسلم المدير أمره إلى الله، وظل شباب الأسرة مع الصناديق حتى تم ~~فرزها، وكنا واثقين أنه إذا تخلى الشباب عن الصناديق فإن الوزارة ما ~~كانت لتخجل أن تحل مكانها صناديق أخرى لصالح مرشحها، وتم الفرز ونجح ~~أبي نجاحا باهرا، وأحست الوزارة أن ms29 الشعب غير راض عنها، ولكن لا يهم ~~ما دامت باقية في دست الوزارة. # | الفصل الرابع # حين عاد أبي إلى مجلس النواب كان معارضا عنيفا، ولكن الأغلبية ~~الساحقة كانت وفدية، وكان مكرم عبيد باشا قد انشق عن الوفد، وكون حزب ~~الكتلة وأصدر جريدة للحزب، وفي ذلك الحين كتب كتابه الشهير المعروف ~~باسم «الكتاب الأسود» وكانت الأحزاب المعارضة تتولى توزيع هذا الكتاب، ~~وكانت نسخ منه كثيرة توزع من بيتنا، والكتاب جدير بأن نقول عنه إن أعظم ~~التهم فيه لا تساوي شيئا بالنسبة لأيسر ما ارتكب في عهد الناصرية، فقد ~~كان أعظم ما فيه اعتقال بعض الزعماء السياسيين، وقد كانوا يعتقلون في ~~بيوت مريحة ويلقون كل رعاية وعناية، وما كان أهل هذا العصر يدرون ما ~~يخفيه الزمان في عهد الناصرية من اعتداء على الأعراض والكرامات ~~والأموال والأنفس مع الألوان التي لم تسمع عنها البشرية من التنكيل ~~والعذاب، ولكن على أي حال في ذلك الحين كان الكتاب الأسود سبة في جبين ~~الحكم وقد تقدم أبي باستجواب عن الاعتقالات التي تقوم بها الحكومة، وفي ~~نفس اليوم المحدد لنظر الاستجواب اعتقلت حكومة النحاس مكرم عبيد باشا، ~~ووقف أبي في مجلس النواب يندد بهذا التصرف، وصاح بالحكومة إننا ~~متضامنون مع كل ما فعله مكرم عبيد باشا وكل ما كتبه ولتفعل بنا القوى ~~الغاشمة ما تريد ... وقد علق المرحوم كامل الشناوي على هذه الخطبة يومذاك ~~بقوله: لولا خوفي على الرجل لألقيت بنفسي من شرفة الصحفيين لأقبل ~~دسوقي أباظة. # وعاد أبي إلى البيت، وكنت أتلقى درسا في اللغة الإنجليزية من أستاذي ~~الذي كان يشرف على دراستي جميعا الأستاذ لويس مرقص الذي أصبح فيما بعد ~~د. لويس مرقص رئيس قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، وذكر لنا أبي ما ~~فعله بالمجلس، ثم نادى عم أحمد وأمره أن ينقل كل نسخ الكتاب الأسود ~~ومنشورات أخرى ضد الحكومة إلى بيت ابن عمه الأصغر الضابط عمر أباظة - ~~رحمه الله - متوقعا أن تفتش الحكومة منزلنا في نفس الليلة، وقد حدث أن ~~فوجئنا بقوة من الشرطة ms30 قبيل منتصف الليل تحاصر المنزل وتقتحمه لتفتش عن ~~الكتاب الأسود والمنشورات. ولكن أين هذا التفتيش مما فعله العهد ~~الناصري بعد ذلك؟ شتان لا يقارن ما فعله النحاس بما صنعه بعد ذلك عصر ~~الطغيان. # حسبك أن تعلم أن أبي أمسك بمسدسه، وقال لقائد القوة: نحن فلاحون ~~وسأسمح لك بتفتيش البيت جميعه، ولكن لن تدخل الحجرة التي بها السيدات ~~مطلقا. # وقبل الضابط، فما كان أهونه من تفتيش، وانصرفوا دون أن يعتقلوا أبي، ~~وإنما قدموا له كل إجلال واحترام وتوقير. # | الفصل الخامس # في يوم 7 أكتوبر عام 1944م طلبني أبي من حزب الأحرار الدستوريين وقال ~~لي: إن وزارة النحاس أقيلت، وإن أحمد باشا ماهر يؤلف الوزارة الآن في ~~لاظوغلي. # كانت الحرب قد أوشكت على الانتهاء، وعرف الملك أن الإنجليز لم يعد ~~يعنيهم شأن النحاس أن يبقى في الوزارة أو لا يبقى، فأقال النحاس باشا. ~~سارعت إلى الحزب فوجدت الجموع الحاشدة، وكان الحزب في عهد وزارة الوفد ~~محاصرا بالشرطة، وقد خشي أبي أن تعتدي الزحوف القادمة للتهنئة على ~~القوة المحاصرة للحزب، فاستدعى رئيس القوة وأخبره بسقوط وزارة الوفد، ~~ونصحه بأن ينسحب هو وقوته حتى لا يتعرض للصدام مع الجماهير القادمة ~~لتهنئته، فراح رئيس القوة يشكر أبي، ويدعو له بطول العمر، وانسحب هو ~~وقوته. # علمنا في الحزب أن مفاوضات تشكيل الوزارة تواجه صعوبات سببها أن مكرم ~~باشا عبيد يصر أن يكون عدد وزراء حزب الكتلة مساويا لعدد وزراء ~~الأحرار والسعديين، وكان هذا غير طبيعي، ولم يكن ماهر باشا موافقا على ~~ذلك، وطال وقت التأليف ولغط الحاضرون في حزب الأحرار وتناثرت الإشاعات ~~بأسماء المرشحين وأبي في حجرته بعيد كل البعد عما يدور بين الحاضرين ~~بالخارج، وقد أبى ترفعا أن يذهب إلى لاظوغلي ليشارك في تأليف الوزارة، ~~مع أن هذا كان أمرا طبيعيا، فهو سكرتير عام الحزب، والمفروض أن ~~يشترك في تأليف الوزارة. # في هذه الليلة قمت بتجربة لا أنساها، حلا لي أن أبث إشاعة أن الملك ~~هدد باستدعاء النحاس باشا إذا لم تؤلف الوزارة في وقت ms31 معقول. ولم تمر ~~دقائق حتى طلبتني والدتي من البيت وسألتني هل صحيح أن الملك استدعى ~~النحاس باشا. # أدركت منذ ذلك اليوم السرعة التي تسري بها الإشاعة وتحرف ~~أيضا. # ووافق حزب الأحرار والسعديين أخيرا على مطلب مكرم باشا، وأصبحت ~~المشكلة هي أين يجد وزراء، فرشح المحامي سيد سليم الذي لم يعرفه أحد في ~~ذلك الحين، وقد نال رتبة الباشوية فيما بعد، كما رشح طه باشا السباعي، ~~ولم يكن عضوا في حزب الكتلة، وإنما انضم إليه ليدخل الوزارة، وقد كان ~~قبل ذلك يشغل منصب وكيل وزارة. # تألفت الوزارة وأسند إلى أبي منصب وزير المواصلات، ثم تقلب طوال خمس ~~سنوات في المناصب الوزارية، فكان وزير أوقاف ووزير خارجية. # ولتوليه منصب وزير الخارجية قصة، ولتركه لها قصة أكثر طرافة، فقد طلب ~~أحمد خشبة وزير الخارجية أن يتولى منصب نائب رئيس الوزراء، ولم يكن هذا ~~المنصب معروفا في التشكيلات الوزارية، فرفض طلبه. واستقال، واختير ~~أبي وزيرا للخارجية ورشح هو رياض عبد العزيز سيف النصر المستشار وزميل ~~دراسة أبي وزيرا للمواصلات فتولى المنصب. # ولكن ما هي إلا بضعة أشهر حتى قبض على أخي رياض بك بتهمة الشيوعية ~~وهو إلهام عبد العزيز سيف النصر الذي كان في مثل سني، وقد عرفته بعد ~~ذلك بسنوات حين تزوج بابنة عباس باشا سيد أحمد والد الشيوعي المعروف ~~محمد سيد أحمد، وخال أمينة هانم صدقي حرم عزيز أباظة باشا، وقد قبض ~~على إلهام في العهد الناصري وعذب تعذيبا وصفته المحكمة التي رفع ~~أمامها قضيته في عصر الحرية بأنه تعذيب لم تعرفه البشرية، وأغلب الأمر ~~أن هذا التعذيب كان السبب ربما غير المباشر في موت إلهام، دون أن تعلو ~~به السن، فهو في مثل عمري تقريبا. # وعودة إلى أخيه الذي رفض أن يبقى في الوزارة وأخوه متهم بالشيوعية، ~~فقدم استقالته واستطاع حزب الأحرار أن يقنع أحمد باشا خشبة بالعودة إلى ~~الوزارة، فعاد إلى وزارة الخارجية، وعاد أبي إلى وزارة ~~المواصلات. # في وزارة الخارجية حدثت واقعة لا بد من ذكرها، كان مرتب وزير ms32 ~~الخارجية يضاف إليه مرتب وزير تحت بند ما يسمونه بدل تمثيل، وإذا بأبي ~~يرفض أن يتقاضى بدل التمثيل هذا، وناهيك بمرتب وزير في ذلك الحين، ولم ~~يكن أبي واسع الغنى بدليل أن الإصلاح الزراعي لم يأخذ منه قيراطا ~~واحدا، وقال المسئولون في الوزارة لأبي: معاليك ستحرج الذين قبلك ~~والذين بعدك. # قال: أما الذين قبلي فلا شأن لهم بما أفعل؛ لأنهم سبقوني في الوزارة، ~~أما الذين بعدي فإذا كانوا قادرين فليفعلوا مثلما أفعل، وإذا كانوا غير ~~قادرين فلا لوم عليهم إذا لم يفعلوا وتقاضوا بدل التمثيل، أما أنا فلن ~~آخذ من الحكومة نقودا مقابل الدعوات التي يحتم علي منصبي أن أقيمها ~~في بيتي، وأصر على رفضه. # | الفصل السادس # حصلت على شهادة الثانوية العامة، وكان اسمها في عهدنا التوجيهية في ~~عام 1946م، وكان أبي يومذاك وزيرا للأوقاف في وزارة صدقي باشا التي ~~قامت بمفاوضات صدقي-بيفن، ولم يشترك الوفد في المفاوضات واستطاع أن ~~يثير المظاهرات الصاخبة في الجامعة قبل أن تبدأ المفاوضة، ومع أن صدقي ~~باشا حصل من ستانجيت القائد الإنجليزي على تصريح من جانب واحد أن تنسحب ~~جنود الاحتلال من القاهرة وجميع عواصم مصر لتقيم في ثكنات لها بالقنال، ~~إلا أن هذا لم يخفف من حدة المظاهرات في الجامعة، ولم يشترك السعديون ~~مع صدقي باشا في الوزارة فكان يعتمد على الأحرار الدستوريين وحدهم في ~~الفترة الأولى من حكمه. وقد انضم شباب السعديين إلى الوفديين في ~~الجامعة، ولعله ينبغي أن أذكر جلسة مجلس النواب التي فاز فيها صدقي ~~باشا بالثقة رغم أن السعديين لم يشتركوا معه في الوزارة، وكان عددهم ~~يزيد على الأحرار ببضعه مقاعد. # في هذه الجلسة هاجم السعديون صدقي باشا هجوما ضاريا، فقد حل محل ~~رئيسهم النقراشي باشا الذي أصبح رئيسا للوزارة بعد مقتل الزعيم العظيم ~~أحمد ماهر باشا برصاصة خائنة وادعى القاتل أنه قتله؛ لأنه كان يريد أن ~~يدخل الحرب مع الإنجليز، وكانت حجة ماهر باشا أن الحرب كانت موشكة على ~~الانتهاء واشتراك مصر فيها لن يكلفها شيئا ولكنه سيتيح ms33 لها أن تكون ~~عضوا في هيئة الأمم وتعرض قضيتها على العالم، ولكنه قتل، ودخلت مصر ~~الحرب شريكة مع الحلفاء في عهد النقراشي باشا الذي خلف ماهر باشا في ~~رئاسة الوزارة. # ولنرجع إلى جلسة مجلس النواب. هاجم السعديون صدقي باشا وراحوا ~~يذكرونه بالعنف الذي عرف عنه في وزارة سنة 1930م وظل الرجل صامتا حتى ~~انتهى طالبوا الكلمات من هجومهم ووقف العملاق العجوز يقول في ثبات ما ~~معناه تحدثتم عن صدقي سنة 1930م، ولن أدافع عنه فأنا مقتنع بكل ما ~~فعلته في هذه الوزارة، ولكن صدقي سنة 1930م هو نفسه الذي كان عضوا مع ~~المرحوم أحمد ماهر باشا والنقراشي باشا في الجبهة القومية، وهي جبهة ~~تكونت بعد حادثة 4 فبراير لتناهض وزارة النحاس باشا، وكان أبي وهيكل ~~باشا من أعضائها فذكر صدقي باشا زمالته لزعيمي السعديين فيها ثم قال في ~~حسم: «هذه الجبهة يا حضرات النواب التي كان لها الفضل في وجودكم على ~~هذه الكراسي التي تجلسون عليها الآن.» وراح يشير بيده إلى مقاعد المجلس ~~العتيد، والعجيب أن صدقي باشا نال الثقة مع تحديه للأغلبية السعدية في ~~المجلس. # حين بدأت الدراسة في الكلية كانت بداية مضطربة كل الاضطراب، وكانت ~~المظاهرات يومية حتى إننا لم نكمل يوما دراسيا قط، وفوجئ الطلبة ~~بصدقي باشا في الكلية، وكنت قد عدت إلى البيت، وإنما عرفت ما دار بين ~~الطلبة ورئيس الوزراء من حوار، فقد قال لهم: ماذا تريدون؟ ~~- خروج الإنجليز. ~~- وماذا نفعل نحن غير ذلك، ألا يحسن بكم أن تذاكروا أنتم حتى نجد في ~~مصر رجالا مثقفين نعتمد عليهم بعد خروج الإنجليز من مصر. # وطبعا لم يجد الطلبة شيئا يجادلون به منطق الرئيس العبقري وانصرف ~~صدقي باشا. # ولكن المظاهرات استمرت كأن شيئا لم يحدث، فكنا نذهب إلى الكلية ~~ونجلس في المدرجات، وقبل أن يدخل الأستاذ تنفجر المظاهرة ونخرج. # وما هي إلا أيام حتى أعلنت الصحف أن رئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا ~~سيلقي في الساعة كذا بيانا بالإذاعة حول مظاهرات الجامعة. وتجمعنا حول ~~أجهزة الراديو لنستمع إلى ms34 بيان رئيس الوزراء الذي لم يستغرق سوى بضع ~~ثوان قال ما معناه: ~~«يتدخل بعض الغوغاء بين صفوف الطلبة ويثيرون الشغب، ولما كانت ~~الحكومة حريصة على استتباب الأمن فسوف تعمل على ذلك بالطرق المشروعة ~~وغير المشروعة.» # وذهبت إلى الجامعة في اليوم التالي فوجدت الحكومة قد أمرت بعودة ~~الشرطة إلى مقارهم حتى إننا لم نجد شرطيا واحدا من القوات الكبيرة ~~التي كانت تحيط بالجامعة، ودخلت إلى المدرج فلم أجد مكانا أجلس فيه ~~إلا بشق الأنفس والذين دخلوا بعدي ظلوا واقفين. # ولم تقم مظاهرة واحدة في عهد صدقي باشا بعد بيانه هذا حتى تذاءب عليه ~~زعماء مصر من المستقلين ورفضوا المعاهدة التي كانت أحسن ما توصلت إليه ~~مصر في تاريخها، والتي تفضل - ولا شك - المعاهدة التي خرج بمقتضاها ~~الإنجليز بعد ذلك بأعوام عديدة، ويكفي المعاهدة التي خرج بموجبها ~~الإنجليز أنها أفقدتنا السودان إلى الأبد. # وقد كان أبي متحمسا لمعاهدة صدقي-بيفن وأذكر أنه في أيام تكوين وفد ~~المفاوضين جاء أبي إلى البيت متأخرا قليلا عن موعده وجلسنا على مائدة ~~الغداء، وكان على المائدة بعض ضيوف لنا. وقال أبي: لقد خرجت من ~~الوزارة. # وكان وزيرا للأوقاف في ذلك الحين، فقلت أنا: إذن انضممت إلى وفد ~~المفاوضة. ~~- نعم. # ولم تمض دقائق حتى دق جرس التليفون، فتركت المائدة وذهبت أجيب ~~التليفون، وطالعني صوت لم يغب عني طبعا: معالي الباشا موجود. # وقلت: نعم. وأردت أن أستوثق من الصوت فقلت: نعم. من يريده. # وجاء الصوت: صدقي باشا. # وكان هو شخصيا المتحدث ولم يكن مكتبه. # وكلمه أبي وعدت أنا طبعا إلى المائدة حريصا أن أخلي غرفة المكتب ~~التي بها التليفون، وجاء أبي إلى المائدة وقال: لقد بقيت في ~~الوزارة. # وعرفنا سر هذا التعديل بعد ذلك، فبعد أن كان الرأي قد استقر على أن ~~يكون وفد المفاوضين من أحزاب الوزارة عدل عن هذا الرأي ليتكون الوفد ~~من رؤساء الوزارات السابقين ومن رئيس حزب الأحرار الدستوريين ~~والسعديين. # ولم يغضب أبي رغم ذلك، وبعد أن أجمع رؤساء الوزارات على رفض المعاهدة ~~حقدا منهم ms35 أن يقوم صدقي باشا بهذا النجاح الخالد وخوفا من بعضهم مما ~~أثاره عليه حزب الوفد الذي لم يرع وجه الله ولا وجه الوطن. # وأذكر في هذا الشأن حديثا بين صدقي باشا، ولطفي باشا السيد في هذا ~~الشأن. # قال صدقي باشا: ألم يصل بنا السن والخبرة يا لطفي أن نقود نحن الرأي ~~العام. # فقال لطفي باشا السيد: أريد أن أموت على سريري يا إسماعيل. # واستقال صدقي باشا من الوزارة وتألفت وزارة جديدة برئاسة النقراشي ~~باشا وكان أبي وزيرا للمواصلات بها، وأبى في شجاعته ووطنيته أن يخفي ~~إعجابه بمعاهدة صدقي-بيفن، فكتب هذه المقالة بأهرام 5 ديسمبر سنة 1946م ~~رغم علمه أن النقراشي باشا يكره صدقي باشا كل الكراهية، ورغم التيار ~~الجارف الذي ساد حينذاك ضد المعاهدة. # ظهر أهرام ذلك اليوم وبه عنوان آراء وأفكار «حول مشروع المعاهدة» ثم ~~عنوان مقالة أبي «لماذا أوافق على المعاهدة»، وقالت الأهرام: # نشرنا منذ يومين بحثا لحضرة الشيخ المحترم زكريا مهران باشا عنوانه: ~~«لماذا لا أوافق على المعاهدة» وننشر اليوم بحثا لمعالي إبراهيم دسوقي ~~باشا يرد فيه على من سأله «لماذا يوافق على المعاهدة؟» قال الجواب سهل ~~بسيط: ذلك لأنني أحب بلادي وأعتقد أن المعاهدة تحقق استقلالها وتحدد ~~يوم الجلاء «بغير دماء ...» # ولست أتكلم عن مشروع المعاهدة فأتناول بالبحث سائر مواده وأشرح ما ~~أدخله عليها دولة صدقي باشا من تحسين واضح جلي عظيم، بل أكتفي بالكلام ~~عن مادة الدفاع المشترك، فإن عيوب المعاهدة كادت في نظر المعارضين ~~تنحصر فيها، وكانت تلك المادة في أول أمرها مشوبة بشيء من الغموض، ~~فأزال دولة صدقي باشا غموضها ثم أحاطها بتحفظات قوية كافية، ودعمها ~~لمصلحة مصر بسياج جعل المساس باستقلالها - اعتمادا عليها - ضربا من ~~المستحيل إلا إذا تجرد المصريون من الوطنية والرشد والكرامة. # وكان المفاوضون قد قبلوها جميعا، عدا واحد، قبلوها على ما كان بها ~~من غموض، فلما أزال صدقي باشا غموضها في مفاوضته الأخيرة وجلا ما كان ~~فيها من إبهام ولبس مريب، وأصبحت لا غبار عليها ولا خوف منها، رفضها ms36 ~~المعارضون وادعوا أنها الحماية مقنعة بل إنها الحماية ~~سافرة: ~~(1) # لم يكن هناك نص على أن رأي اللجنة استشاري، فجاء النص ~~صريحا. ~~(2) # وأصبحت لا تجتمع إلا إذا دعتها الحكومتان ~~للاجتماع. ~~(3) # ولا تنظر إلا في البيانات المتفق عليها من ~~الحكومتين. # فبربك قل أيها المعارض ما الذي يخيفك منها بعد ذلك، وما الذي تخشاه ~~إذا كنت لا تريد أن تجتمع، فليس ثم ما يكرهك على دعوتها، وإذا رأيت أن ~~تدعوها بسبب كوارث تريد أن تتخطاها أو عواصف تخشى عقباها، فاحذر أن ~~تقبل في بيانات الإنجليز شيئا يضر باستقلالك أو تدخلا منهم في شئون ~~بلادك وامتنع عن البحث في أي أمر لم يرد في بيانك. # وفي آخر الأمر إذا دعوتها للبحث في المسائل الواردة في البيان الذي ~~قدمته أنت إليها، ثم لم يجبك رأيها فارفض لأن رأيها استشاري وحكومتك ~~لها حق الرفض. # هكذا تقول معاهدة صدقي ... # أتريد أن تعرف بماذا أجاب أحد الشجعان من المفاوضين؟ إنه قال وكلمته ~~مشهورة: إنني لا أطمئن على أي حال؛ لأن الإنجليزي من أعضاء اللجنة إذا ~~نظر إلى المصري فإن المصري ترتعد فرائصه، فأجاب صدقي قائلا: إذن يا ~~أخي، إن مصر - إذا صح هذا - لا تستحق الاستقلال! # أي عار يسربل هذه البلاد إذا صدق هذا المفاوض؟ وكيف يصور لهم الوهم ~~أن المصري يرتعد جزعا وينتفض خوفا وهلعا إذا ألقى عليه البريطاني ~~نظرة تهديد؟ # وقرأت في «الأهرام» بحثا لشيخ معارض هممت بأن أرد عليه ومضيت في ~~تلاوته إلى أن وجدته يقول: «وماذا علينا - لو صح أن معاهدة 1936م لا ~~تزال قائمة - إذا انتظرنا سبع سنوات أخرى بعد السنوات الثلاث.» فحدقت ~~في جملته ووقعت من يدي «الأهرام» وقلت على الوطنية السلام. ثم عدت إلى ~~الجريدة فأخذتها وإلى الجملة المشئومة فحدجتها واسترسلت في القراءة ~~فإذا به يقول بأن الإنجليز لا يعنيهم الآن إلا الاحتلال المادي ~~الاقتصادي، وهم يربطوننا برباط الاسترليني، فعجبت لهذه «السلطة» إذ ما ~~دخل الاسترليني فيما نحن فيه؟ وفي العالم ممالك عديدة مستقلة تربط ~~نفسها به طائعة مختارة وجميع كبار ms37 الاقتصاديين في مصر يرون الانفصال عن ~~دائرة الجنيه الاسترليني في الوقت الحاضر كارثة مالية. # وبهذه المناسبة أذكر أن الكثيرين طوح بهم العناد إلى اللجاجة في ~~المقارنة بين معاهدة 1936م ومشروع المعاهدة الأخيرة، ومعاهدة 1936م ~~تفرض على مصر محالفة أبدية، بينما تفرض هذه المعاهدة عشرين عاما، ~~ومعاهدة 1936م تبقي جنود الإنجليز بعدها إذا ثبت أن مصر أصبحت قادرة ~~على الدفاع عن نفسها، ومعاهدة 1936م لا تسمح بالجلاء عن المدن المصرية ~~إلا إذا بنينا ثكنات من منطقة القنال تتسع لجيوش الاحتلال تكلف خزينتنا ~~ما لا قبل لنا به، وقد بذل المغفور له محمد محمود باشا جهودا جبارة ~~لاشتراك الإنجليز في النفقات لإقامة هذه الثكنات، وقد فات الباشا عضو ~~الشيوخ المعارض صاحب مقال «الأهرام» أن البريطانيين يشترطونها في ~~معاهدة 1936م. # ولا أذكر كل ما في معاهدة 1936م من عيوب فقد قبلها المصريون على ~~علاتها وبكل عيوبها من محالفة أبدية إلى بعثة عسكرية تدخل في شئوننا ~~الداخلية، ورفرف سرب من الحمام على المفاوضين عند قدومهم، وأطلقت ~~المدافع تكريما لهم، وأسرع مكرم باشا إلى الجامعة يخطب الطلبة ساعات ~~ويؤكد لهم قول النحاس باشا: «اسجدوا لله شكرا فقد جئتكم بمعاهدة الشرف ~~والاستقلال.» # ثم تناول معاليه مسألة السودان فقال: # لم يكن يدور في خلد الكثيرين أن صدقي باشا سيأتي بالنصوص التي أتى ~~بها «وحدة مصر والسودان تحت التاج المصري» والفرق بين ما كان المفاوضون ~~قد طلبوه وما جاء به صدقي باشا هو أنهم كانوا يرون التأجيل، ورأى دولته ~~التعجيل. # أما ما يدعيه المعارضون من أن النص يحتمل التأويل ويخول للسودان حق ~~الانفصال فلا نسلم به بأي حال، وقد فسر دولة صدقي باشا النصوص بما ~~يطمئن أشد الناس تعنتا وأكثرهم مكابرة، وترك الباب مفتوحا بعد ذلك ~~للمفاوضة لأن التعاون بين المملكتين على العمل الباب لرفاهية السودان ~~وترقيته وجعله أهلا للحكم الذاتي يجعل لنا الحق في المطالبة بتمكين ~~مصر من ممارسة حقوقها، ويكفل لها الهيمنة التي كفلتها المعاهدة لها، ~~وتفسير دولة صدقي باشا هو الذي نقره ونعتمد عليه، وكل ms38 ما يحصل عليه ~~السودان بعد ذلك من حقه في الحكم الذاتي والنظام الذي يترتب عليه لا ~~يخرج عن نطاق وحدة وادي النيل تحت التاج المصري. يبقى مجلس الأمن، وأمر ~~المعارضين فيه غريب فقد كان مجلس الأمن رجسا إلى وقت قريب، وحمل الوفد ~~على سياسة الاشتراك في جمعية الأمم المتحدة وأخذ يشهر بها وينكر ~~الفائدة من وجودها، وقتل الشهيد أحمد ماهر في سبيلها. # فلما وجدت وتكونت هيئاتها وأصبحت مصر من أعضائها وتشكك بعض ~~المصريين في نتيجة عرض قضيتها عليها، انقلبت جمعية الأمم خيرا عميما ~~وفوزا للحرية عظيما وقاضيا عادلا صادقا رحيما. # وأرد الله أن يجلو الشك باليقين فطرح ممثلنا في هذه الجمعية منذ ~~أسبوع واحد مسألة الجلاء، جلاء الجيوش الأجنبية عن بلاد الأمم المشتركة ~~في الجمعية، وأخذت الأصوات فأسفرت عن 29 صوتا بالرفض و13 صوتا ~~بالموافقة على الاقتراح أكثرها من الأمم العربية، هذه النتيجة العظيمة، ~~هذا البرهان القوي الملموس الدافع، هذا الرد السريع الصريح، لا يفتح ~~عيون المعارضين ولا يبصرهم بالعواقب يتغنون بأنشودتهم المحبوبة: مجلس ~~الأمن! مجلس الأمن! # ولست في حل من الكلام عن مجلس الأمن، ومن الوطنية أن أكف عن ~~الاسترسال في بيان رأيي فيه، ولكني أحيلكم إلى ساستنا الوطنيين ~~الأكفاء المخلصين الذين خبروه عن قرب واشتركوا في اجتماع هيئة الأمم ~~المتحدة وفي مجلس الأمن وفي سائر المؤتمرات، فوقفوا في اتجاهها وتبينوا ~~حقيقة نياتها. # هؤلاء الساسة المصريون لا يرقى الشك إلى وطنيتهم، ولا يجرؤ إنسان على ~~الطعن في كفاءتهم، فقد رفعوا رءوسنا ولفتوا أنظار العالم لنا، فوقف ~~باهتا مشدوها مأخوذا بتلك الجرأة العجيبة والكفاءة الممتازة ~~والحماسة الوطنية التي جعلت بريطانيا تتململ متوجعة تشكو، وكانت تنتظر ~~منهم بعض مظاهر الود والمجاملة. # أنأخذ بكلام رجالنا هؤلاء، وتلك خبرتهم وهذه مواقفهم، أم نأخذ برأي ~~المتفائلين الذين كانوا متشائمين، ونتأثر بحملات بعض المعارضين، وقد ~~كانوا إلى وقت قريب موافقين يحبذون ويصفقون؟ # إذا وقعت المعاهدة فإن الجلاء عن القاهرة والإسكندرية وبلاد ~~الدلتا يتم في شهر مارس، أي بعد ثلاثة أشهر وبضعة أيام، وبعد ذلك ~~بسنتين ms39 ونصف سنة يتم الجلاء عن بلادنا بأسرها في يوم محدد هو أول ~~سبتمبر، والفضل لصدقي باشا في هذا التحديد، أتريد من وطني صادق الوطنية ~~ومن مصري مخلص صادق النية أن يتردد في الموافقة على خلاص بلاده من ~~أسرها واستكمال حريتها واستقلالها وتريد من مصري نزيه عاقل يحب بلاده ~~ويفديها بحياته أن يستبدل ذلك بقضية خاسرة يقدمها إلى محكمة يعتقد أنها ~~ستحكم فيها بالإعدام ولديه على ذلك ألف برهان؟ # كان المغفور له قاسم أمين يقول: ~~«أعرف قضاة يحكمون بالظلم ليشتهروا بالعدل.» وأنا أعرف رجالا يسيئون ~~إلى وطنهم ليشتهروا بالوطنية. ~~••• # كانت هذه المقالة ذات صدى بعيد عندما نشرت، ولكن متى ناقش الوفديون ~~بالمنطق، لقد رفضوا أن يتحقق هذا النجاح الفائق الذي بلغه صدقي على غير ~~أيديهم ولتذهب مصر والوطنية إلى أي جحيم تشاء. ~~••• # في وزارة النقراشي باشا التي أعقبت استقالة صدقي باشا قررت الوزارة ~~أن يذهب وفد مصري إلى هيئة الأمم، وتكون الوفد وكان وزير الخارجية من ~~بين أعضائه وتولى أبي وزارة الخارجية بالنيابة. # رأس وفد مصر النقراشي باشا، وبلغت وطنية النحاس الحضيض في هذه ~~الأيام، فقد أرسل برقية إلى هيئة الأمم يقول فيها إن هذا الوفد لا يمثل ~~مصر، كان ينبغي لو كان يحمل ذرة من الشعور بالوطنية أن يؤيد النقراشي ~~باشا والدرجة الأدنى أن يصمت وينتظر، أما إرسال برقية إلى هيئة الأمم ~~يبلغ فيها أن النقراشي باشا لا يمثل مصر فتلك كبيرة من كبائر الخيانة ~~العظمى لا نستطيع أن ننساها للنحاس باشا أو لحزب الوفد. # في هيئة الأمم وعلى ملأ من العالم وقف النقراشي باشا وصاح في وجه ~~الإنجليز: اخرجوا من بلادنا أيها القراصنة. ودوت الصيحة في أنحاء ~~الدنيا، فهي المرة الأولى التي تسمع فيها إنجلترا مثل هذه العبارة، وهي ~~في هذه الأيام الإمبراطورية التي لا تغيب الشمس عن الدول التابعة ~~لها. # وقد استقبل الشعب النقراشي استقبالا حافلا حين عاد، ولكن رحم الله ~~شوقي حين وصف مصر بقوله: # نسيت روعته في بلد # كل شيء فيه ينسى بعد حين # لم يمض ms40 وقت كثير حتى قتل النقراشي باشا بيد غادرة ممن يسمون أنفسهم ~~بالإخوان المسلمين، وما هم بإخوان وما هم بمسلمين. # وتولى الوزارة إبراهيم باشا عبد الهادي الذي كان يومذاك رئيسا ~~للديوان الملكي وكان هذا طبيعيا، فقد كان الشخص التالي في حزب الهيئة ~~السعدية، ولو أن الملك اختار بدلا منه هيكل باشا رئيس حزب الأحرار ~~الدستوريين لكان في هذا شبه موافقة من السراي على قتل النقراشي باشا. ~~واختير أبي وزيرا للمواصلات في وزارة إبراهيم باشا عبد الهادي. # وفي لقاء بين هيكل باشا وبين الملك قال له الملك: رئاسة الوزارة ~~تنتظرك وستنالها في يوم من الأيام حتما. # فإذا الأديب العملاق والزعيم العظيم يقول له: إنني يا مولاي حين أجلس ~~إلى مكتبي تصغر في عيني كل وظائف العالم. # استمرت حكومة إبراهيم باشا عبد الهادي إلى أواخر عام 1949م وكان مجلس ~~النواب بهذا قد أكمل دورته الخامسة، وأعتقد أن هذا المجلس هو المجلس ~~الوحيد في الحياة النيابية التي بدأت بدستور 1923م الذي أكمل في مقاعده ~~خمس سنوات كاملة تقريبا، وأصبح لا بد من التفكير في حل المجلس. # استقال إبراهيم باشا عبد الهادي وظهرت في الأفق بعض آمال أن تتكون ~~وزارة مؤتلفة من كل الأحزاب، وتمهيدا لهذا الأمل كلف الملك حسين سري ~~باشا بتأليف الوزارة من كل الأحزاب وقبل حزب الوفد أن يشترك في ~~الوزارة، وكان أبي وزيرا فيها وفي الإسكندرية راح الوزراء يدعون ~~إخوانهم لموائد الغداء لتأكيد التآلف، وكان من ضمن أعضاء الوزارة كريم ~~ثابت باشا الذي فرضه الملك فرضا فكان الوزراء يدعونه مع الأعضاء ~~الآخرين على موائدهم حتى جاء دور أبي ليدعو الوزارة فوجه إليهم الدعوة ~~للغداء في بيته بالإسكندرية، ولكنه رفض أن يدعو كريم ثابت، وكنت أنا ~~موجودا في هذه الدعوة. # قليلا ما بقيت هذه الوزارة وتفجر الائتلاف، وهو أمر كان منتظرا ~~طبعا، وألف سري باشا وزارة من المستقلين كان أوضح ما فيها أنه أشرك ~~منه زوج ابنته الدكتور محمد هاشم باشا وأطلق عليه الشعب لقب شيانو ~~مشبها إياه بزوج ابنة موسيليني الذي ms41 كان الديكتاتور القتيل يطلق يده ~~في حكم إيطاليا أيام رئاسته، وقد قتلهما الشعب معا وعلق كليهما من ~~أرجليهما في ميدان عام. # وقد توثقت صلتي بعد ذلك بالمرحوم محمد هاشم باشا، وأشهد أنه كان ~~كفئا للمنصب الذي تولاه مع حميه ، بل كان أكبر منه بعلمه وثقافته ~~واتزانه، وقد نال في هذه الوزارة لقب الباشوية، وأجرت وزارة سري باشا ~~الانتخابات وقد اكتسح الوفد، وكان اكتساحه لسببين؛ أولهما وأهمهما طول ~~بقاء الوزارات المعادية للوفد في الحكم والشعب المصري تواق إلى ~~التغيير، حتى وإن كان التغيير إلى الأسوأ؛ ولذلك فإنني أعتقد أن الوفد ~~لم يحافظ على شعبيته إلا لأن الملك كان يقيله دائما، وكانت هذه ~~الإقالة ترفع أسهمه عند الشعب الذي يقدر أي إنسان يقف في وجه الحاكم ~~الأعلى، ولو أن الوفد ترك في الوزارة ليكمل دورة واحدة لفقد شعبيته ~~التي كان يتمتع بها إلى الأبد. # أما السبب الثاني لنجاح الوفد نجاحا باهرا في هذه الانتخابات فهو ~~شعور رجال الشرطة أن التيار العام مؤيد للوفد فأعملوا تزويرهم لحسابه ~~حتى يطالبوا بالمكافآت حين يقتعد الوفد كراسي الوزارة. # ومع ذلك فحين أحصى أهل الإحصاء الأصوات التي نالها حزبا الأحرار ~~الدستوريين والهيئة السعدية في هذه الانتخابات أوضحت الإحصاءات أنها ~~كانت تفوق بكثير عدد الأصوات التي نالها الوفد مع أن كلا من الحزبين ~~لم ينل إلا حوالي ثلاثين مقعدا في البرلمان، وهكذا كانت المعارضة ~~ممثلة في ستين نائبا ونيف من مجموع عدد الأعضاء الذي كان مائتين ~~وخمسين عضوا في تلك الأيام. # نهج الوفد في هذه الوزارة نهجا جديدا كل الجدة على سياساته ~~السابقة، والجدة فيه أنه أخذ نفسه بالنفاق الرخيص كل الرخص للملك، وقد ~~بدأ ذلك في اليوم الذي حلفت فيه الوزارة اليمين برئاسة النحاس باشا؛ إذ ~~قال النحاس للملك فجأة وبدون مقدمات: مولاي إن لي عندك رجاء أنا مصمم ~~أن أناله. ~~- ما هو؟ ~~- أن أقبل يدك. # وبهذه الجملة وهذا الشعار بدأت الوزارة الوفدية الجديدة عهدها الذي ~~نسبت فيه الملك إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - والذي قال في ms42 ~~أثنائها النحاس باشا حين سئل عن رأي له في إحدى المشكلات: «إن في ~~«كابري» قبلة نتجه إليها جميعا.» وكان الملك يصطاف في «كابري» في هذه ~~الأيام، وأذكر أن روز اليوسف ظهرت في أحد أعدادها وفي صدرها صورة لحذاء ~~ضخم وكتبت تحته: القبلة التي يتجه إليها رئيس الوزراء. # على أي حال، دخل أبي طبعا هذه ~~المعركة الانتخابية وكنت في ذلك الحين في السنة النهائية من كلية ~~الحقوق، وقد شاركت في هذه الانتخابات مشاركة جدية ونجح أبي طبعا ~~نجاحا ساحقا، ومن الطرائف التي لا أنساها أنه طلب مني أن أحضر له من ~~كاتب الحسابات المبالغ التي أنفقها في المعركة الانتخابية، وكانت هذه ~~المبالغ تنفق على الولائم التي كانت يومية طبعا في بيتنا، وفعلت ما ~~أمر به وأحضرت الحساب وصعدت به إليه في الطابق الأعلى، وكان المبلغ أقل ~~من ألف جنيه فنظر في الورقة ومزقها ونظر إلي قائلا: لا أحب أن يعرف ~~أحد هذا المبلغ. فقلت: طبعا. وأدركت أنه يستكبر أن يعرف الناس أنه ~~ينفق في الانتخابات هذا المبلغ مع أنه أنفق كله على مواجهة الزوار، فلم ~~نكن نعرف في هذه الأيام كلمة الرشوة للأصوات ولا عرفناها في انتخابات ~~أخي في انتخابات 1976م والحمد لله. # أصبح أبي في مجلس النواب زعيم المعارضة عن الأحرار الدستوريين، وكان ~~الأستاذ حامد جودة الذي كان رئيسا للمجلس السابق زعيما للمعارضة عن ~~الهيئة السعدية. # وظل الأمر كذلك حتى حريق القاهرة وانهيار الحياة البرلمانية في ~~مصر. # | الفصل السابع # لعن الله السياسة فقد جرفتني عن الحديث إليك عن نفسي في هذه الفترة، ~~وماذا كنت مستطيعا أن أفعل، وقد كانت الأحداث يأخذ بعضها برقاب بعض، ~~وقد حذرتك من أول هذا الحديث أنني لن أتقيد بسنوات ولا بالأيام ~~المتتاليات، وإنما سأترك الأحداث تقدم نفسها إليك في عفوية وفي غير ~~ترتيب أو تدبير. # مضيت في دراسة الحقوق غير متعثر ولا متفوق، وظللت أكتب في مجلة ~~الثقافة والرسالة معا. # وفي يوم فوجئت بعمي عزيز باشا، ولم يكن قد نال الباشوية بعد يطلبني ~~بالتليفون ويهنئني ms43 على مقالة لي ظهرت في مجلة الثقافة، فملأني الفرح ~~العظيم، فقد كان عزيز باشا في ذلك الحين قد انبثق كالشهاب في سماء ~~الشعر العربي بديوانه الأول الذي اختص به ذكرى زوجته السيدة زينب هانم ~~أباظة، وقد كانت هذه السيدة من أحب الناس إلى أمي، كما كانت أمي من أحب ~~الناس إليها، وكانت صلتنا بأسرة عزيز باشا وثيقة كل التوثيق، فقد كان ~~عزيز باشا يعتبر أبي أخا أكبر له، ولعل من الطريف أن عمي عزيز هنأ أبي ~~بزواجه بقصيدة أعلقها في بيتي الآن، فالمادح والممدوح جدا ابنتي وابني، ~~وربما يكون من المعقول أن أثبت هذه القصيدة في هذا الحديث الذي أتقدم ~~به إليك، فهي على أية حال قصيدة لم تعرف لآخر عمالقة الشعر العربي ~~وموضوعها أبي، وهذا الكتاب يحمل إليك ما لا تعرفه عن حياتي، فما بغريب ~~أن أقدم إليك القصيدة التي أنشأها جد أولادي عن جد أولادي في عام ~~1924م، وهو العام الذي تزوج فيه أبي، وكان عزيز باشا قد تزوج فعلا من ~~السيدة زينب هانم بعد قصة حب رائعة، والذي لا شك فيه أن قليلين الذين ~~يعرفون أنها كانت تكبره بعامين، ولكن صلتنا بأسرة عزيز باشا لم تكن ~~تتمثل في كثرة التزاور، فقد كان في هذه الفترة مديرا في مديريات مصر، ~~وكان مجيئه إلى القاهرة قليلا. # ومكالمته هذه لي التي حدثتك عنها كانت وهو مدير لأسيوط، وكانت روايته ~~قيس ولبنى قد ظهرت أيضا فوضعت قدمه بعظمة على المسرح الشعري، وشاءت ~~الأقدار أن تكون لي به وبأسرته وبرواياته أعمق الصلات وأقواها، طبعا ~~لأنني تزوجت ابنته الصغرى فكانت ولا زالت حياتي، أو هي - والله أعلم - ~~أحب إلي من حياتي وهي ابنتي أمينة وابني دسوقي، ولكن حبي لها فهي ~~زوجة وشقيقة روح وخدن عمري أقوى من حبي لها أما لابنتي ~~وابني. # إليك القصيدة وقد تلحظ فيها أن عزيز باشا يمتدح زواج الأقارب، وما ~~هذا بغريب، فزوجته زينب هانم بنت عمه سليمان بك عثمان أباظة عضو مجلس ~~الشيوخ، كما تزوج أبي ابنة عمه ms44 عبد الله بك السيد أباظة، وقد كان عضوا ~~بمجلس شورى القوانين، وهو ابن السيد باشا أباظة والد جدي لوالدي ~~إبراهيم بك أباظة، الذي كان عمدة غزالة بلدتنا، وقد أنجب سيد باشا ~~أربعين ابنا وابنة، وربما من الطريق هنا أن أذكر أن السيد باشا هذا ~~أهدى الخديو تفتيشا قدره 12 ألف فدان مما يدحض قول الجاهلين إن الخديو ~~كان يوزع الأرض على الأعيان، فالحقيقة أن الأعيان هم الذين يهدون الأرض ~~إلى الخديو. # أما توزيع الأرض من الملوك على الأمراء والإقطاعيين فلم يكن إلا في ~~فرنسا، وما عرفته مصر على الإطلاق، وما عرفت الإقطاع الذين ~~يهرفون به في حياتها. # إليك القصيدة: # حي الغزالي # 1 # وقد بلغت منزلة # منفوسة في الشباب المونق الحالي # موفورة الحظ من شأو يقصر عن # إدراكه غيره إلا بآمال # قالوا الشبيبة طرف اللهو محتده # فقلت بل طرف أخلاق وأعمال # وقفت أنضر أيام الحياة على # درك المحامد فينا والسنا العالي # فنلت في غير ما نهضت له # والمجد صعب على طلابه غالي # يا صاحب القلم السحري ترسله # فيبعث الآي في أسلوبها الحالي # وصاحب الخطبة الفيحاء تنثرها # نثر اللائي في قاعات لآل # 2 # ليهنك اليوم أن تبنى بطاهرة # بين الندى نشأت والنبل والمال # غني بفضل أبيها الناس قاطبة # ووفقت بعد في عم وفي خال # زين الغواني # 3 # الأباظيات قد ظفرت # بالنافع المرتجى والباذل النال # الساكب العرف والمأمول جانبه # والصائب الرأي والتدبير والقال # إن الزواج لمؤت خير عاقبة # إذا التزاوج لم يخرج عن الآل # لا تصغ للطب في هذا وخذ # ثمر التجريب تحيا رضى النفس والبال # تحنو علي وترعى غيبتي أبدا # على الليالي بنات العم والخال # يرضين علمي وجهلي لا يضقن به # ذرعا ويحمدن إكثاري وإقلالي # ويغتبطن بإجمالي يشدن به # قد يكون ضئيلا شأن إجمالي # لا زلتما تشهدان العيش متسقا # والدهر في حدب منه وإقبال # توثقت صلتي بعد ذلك بعمي عزيز وكنت كثيرا ما أكلمه في أسيوط ~~بالتليفون، وبدأت صلتي أيضا بزوجتي، صلة من نوع آخر غير صلة القرابة، ~~فأنا طبعا أعرفها منذ ms45 وعينا الحياة، وأنا وهي بحكم القرابة ولكن هذه ~~الآصرة الجديدة التي بدأت كانت من ذلك النوع الذي يعرفه تاريخ البشرية، ~~والتي كانت سببا في بقاء هذه البشرية على قيد الحياة. # وحبا في هذه النبضات الجديدة التي بدأ قلبي ينبضها عرضت على عمي ~~عزيز أن أشرف على طبع روايته العباسة، وفي المطبعة رأيت شخصا توثقت به ~~بعد ذلك، وكنت حين رأيته أول مرة وكنت أعرفه؛ لأنه كان أصبح حينذاك ~~قصاصا مشهورا، ولم أكن بعد مشهورا، ولهذا خجلت أن أكلمه في ~~المطبعة، إنه المرحوم الأخ الحبيب الإنسان الملاك يوسف السباعي، وأصبحت ~~بعد ذلك مسئولا عن طبع روايات عزيز باشا، وقد مثلت روايته العباسة ~~أمام الملك في ذلك الحين وأحب أن ينعم عليه برتبة الباشوية في دار ~~الأوبرا، ولكن النقراشي باشا الذي كان رئيسا للوزراء ووزيرا للداخلية ~~رجا الملك ألا يفعل؛ لأن عزيز باشا لم يكن في ذلك الحين أقدم المديرين، ~~ولم يكن أقدم منه إلا شمس الدين عبد الغفار الذي نال الباشاوية فيما ~~بعد، وحين حاول الملك أن يفهم النقراشي باشا أنه يمنحه الباشاوية كشاعر ~~وليس كمدير لأسيوط، ألح النقراشي باشا في الرجاء، فكان هذا خيرا ~~لعزيز باشا دبرته له السماء، فقد أقام الملك حفل تكريم خاص لعزيز باشا ~~وجميع الممثلين في المسرحية والمخرج ولجنة القراءة والإداريين، وفي هذا ~~الحفل أنعم الملك بالباشاوية على عزيز باشا. # من ذكرياتي عن هذه الأيام أن عزيز باشا كلفني أن أحضر بروفات روايته ~~الناصر في الفرقة القومية، لأصحح اللغة العربية للممثلين، وكنت حينذاك ~~طالبا بكلية الحقوق، وهكذا تعرفت بأكبر ممثلي مصر في هذه ~~المناسبة. # وهكذا ازددت قربا من عزيز باشا ومن عفاف، وكنت قد أحسست بوجيب الحب ~~قبل هذا بشهور، وكنا في الإسكندرية وكنت أختلق الأعذار لأزور بيت عزيز ~~باشا الذي كان بالشاطبي في ذلك الحين، وكنا وعفاف نتحدث في الأدب ~~كثيرا مما قوى حجتي أن أحضر لها الروايات التي ظهرت في المكتبات، ~~وكنت أقرأ لها شعر شوقي، وفي عفاف خاصية عجيبة - أو ربما لا تكون ms46 عجيبة ~~بالنسبة لها - فإنها تحس بأي كسر أو عيب في عروضي من الشعر بأذنها دون ~~أن تدرس العروض طبعا فقد تلقت أغلب تعليمها في مدارس الفرنسيين، وهي ~~اللغة التي تجيدها كل الإجادة لدرجة أنني أذكر أننا كنا في يوم ما أنا ~~وهي في باريس ووقفنا في أحد مواقف التاكسيات واتصل الحديث بيننا وبين ~~أحد المنتظرين معنا وعرف أننا مسافران إلى مصر، فقال لي أنت تسافر لأنك ~~واضح أنك مصري ولكن لماذا تسافر السيدة. فقد ظن لإتقانها اللغة ~~الفرنسية أنها فرنسية. # في إحدى زياراتي لمنزل الشاطبي جلست أنا وعفاف ورحت أقرأ لها بعض ~~أبيات لشوقي في جزئه الرابع. وفجأة قلت: ما رأيك أقرأ البخت ~~بالشعر. ~~- طيب. ~~- أفتح الديوان وأقرأ البيت الذي يقع عليه نظري دون قصد. ~~- وهو كذلك. # وفتحت الديوان وقرأت فإذا بختها: لا بأس عليك يا حوريتي أنت وأبناؤك ~~حتى يكبروا في خفرتي. # فكأنما كان هذا البيت إيذانا بالزواج. # نجحت في السنة الثانية في كلية الحقوق وكان د. شوقي باشا مديرا ~~للجامعة، وقد تفضل معاليه بأن ينقل إلى أبي درجاتي كلما ظهرت نتيجة علم ~~من العلوم حتى تمت النتيجة كلها ونجحت نجاحا موفقا. # وطبعا كنت قد فاتحت أمي برغبتي في خطبة عفاف ووجدت عندها ترحابا ~~شديدا، فأم عفاف رحمها الله - كما قلت لك - كانت من أحب سيدات العائلة ~~إليها إن لم تكن أحبهن، وعرضت الأمر على أبي فرحب هو أيضا، وهكذا خطب ~~أبي عفاف من عمي عزيز وقال عمي عزيز: هل أجد لها أحسن من ثروت. # فقال أبي: أنا طبعا أعرف حبك لثروت ولكني أريد أن أعرف رأيها ~~هي. # ولعلك تعجب أن عفاف قالت لأبيها أخاف أن يكون فارق العمر بيننا ~~قريبا، وفعلا الفارق بيني وبينها سنتان وبضعة شهور، ربما كان ما ~~قالته هذا خجلا من أبيها أو ما لا أدري من مشاعر المرأة التي أعترف ~~حتى اليوم أنني لست خبيرا بدخائلها، بل وأحسب أنه ليس هناك من هو خبير ~~بشأنها. # وتمت الخطبة وسط أفراح واضحة من خاصة زوجتي ومن ms47 خاصتي على السواء، ~~وتم الاتفاق طبعا ألا يكون الزواج إلا بعد أن أحصل على ~~الليسانس. # نجحت من السنة الثالثة إلى الرابعة، ولا شك أن الخطبة ألهتني عن ~~المذاكرة التي تكفل لي النجاح في الليسانس، وتزوجت في 11 يونيو عام ~~1950م، ولم تكن النتيجة قد ظهرت بعد، وفوجئت بأنني لم أنجح وأنه لا بد ~~لي أن أؤدي ملحقا في المرافعات والتجاري، وهكذا بدأت حياتي مع زوجتي ~~وأنا بعد طالب في كلية الحقوق، ورحت أذاكر في منزل الزوجية وأنا أشعر ~~بحرج شديد ألا أنجح فتكون فضيحة لي كزوج وهو تلميذ، وشاء الله أن يكتب ~~لي النجاح، وربما من الذكريات التي تستحق أن تقال أنني عرفت نتيجة ~~الليسانس وأنا أتكلم من تليفون في مطبخ مطعم الكورسال الذي كان مواجها ~~لسينما ديانا في ذلك الحين، فقد كان يحلو لي أنا وزوجتي أن نتناول ~~غداءنا خارج البيت، ونذهب إلى السينما في حفلة 3، وخطر لي ونحن ننتظر ~~الغداء أن أسأل نسيبنا الدكتور العظيم عثمان خليل عثمان أستاذ القانون ~~الدولي إن كان عرف شيئا عن نتيجتي، ولم أتوان وقمت أبحث عن التليفون ~~في المطعم، فإذا هو داخل المطبخ فلم أجد بدا من أن أقتحم المطبخ وبين ~~لغط الطهاة أجابني الدكتور عثمان خليل وبشرني أنني أصبحت محاميا، ~~وبشرت زوجتي، وما دمت ذكرت الدكتور عثمان، فلا بد أن أذكر فضله علي ~~وموقفه الذي يدل على منتهى الأمانة مع النفس ومع شرف المهنة. # الدكتور عثمان متزوج من السيدة هدى هانم أباظة ابنة عمي عبد العظيم ~~بك أباظة الذي كان مديرا لحسابات السكة الحديد وهو ابن عمة والدي، ~~فحين دخلت كلية الحقوق رجوت د. عثمان أن أزوره ليشرف على مذاكرتي فرحب ~~بذلك، فكنت أقصد إليه وأنا في السنة الأولى من كلية الحقوق ويسترجع معي ~~المواد جميعا، فهو لم يكن يدرس للسنة الأولى، وفي السنة الثانية كان ~~أستاذنا في المدرج للقانون الإداري، ولم أتوقف عن الذهاب إليه وكنت ~~دائما أتناول عشائي عنده كلما زرته، وفي مرة تمنعت عن العشاء خجلا ~~مدعيا أنني ms48 تعشيت فألح علي قائلا: نقنق. # أي كل شيئا بسيطا. # وأثناء العشاء نسيت نفسي وأكلت فإذا هو يبتسم ويقول لي: في المرات ~~القادمة نقنق في بيتكم وتعشى عندنا. # وضحكنا. ومما أذكر من أفضاله أنني ذهبت بعد ذلك بسنوات إلى الكويت ~~فاستضافني في بيته وأكرمني هو وزوجته كل الإكرام ، وقد كان يعمل في ~~الكويت مستشارا دستوريا للمجلس التشريعي بها. # وقبل أن أروي موقفه الشريف مني يحلو لي أن أروي الموقف الذي ترك من ~~أجله العمل في الجامعات المصرية، فقد نشأ خلاف بينه وكان عميدا في ذلك ~~الحين وبين الوزير العسكري الذي كان وزيرا للمعارف، فقدم د. عثمان ~~استقالته ففرحت زوجه بهذا فرحا عظيما؛ لأنها كانت ترجوه أن يترك ~~الجامعة ويفتح مكتب محاماة حتى يستطيع أن يواجه المصاريف المتزايدة ~~التي يضطران لها لكثرة ما أنجبا من بنين وبنات، ولكن الفرحة لم تتم، ~~ففي ذلك اليوم الذي قدم فيه استقالته طلبه مكتب الوزير في التليفون ~~وأبلغه أن الوزير يريد أن يراه مساء هذا اليوم، ولم يستطع طبعا أن ~~يعتذر وتوجست زوجته شرا أن يلح عليه الوزير ليسحب استقالته، فطلبت ~~إلى زوجها أن تذهب معه وتنتظر في السيارة حتى ينتهي من مقابلة الوزير. ~~وفعلت، وصعد إلى مكتب الوزير ومكث قرابة ساعتين ونزل وقد بدا على وجهه ~~الضيق والألم وقالت له زوجته: سحبت الاستقالة؟ ~~- كان الإلحاح أكبر من قدرتي. # فبكت زوجته. # وظهرت الصحف في الصباح أن الدكتور عثمان خليل عثمان سحب الاستقالة ~~التي كان قدمها. # وفي اليوم التالي ظهرت الصحف أن وزير المعارف أو التربية والتعليم لا ~~أذكر ماذا كان اسمها في الحين أصدر قرارا بإحالة الدكتور عثمان خليل ~~عثمان إلى المعاش. # وهكذا كان عهد الطغاة يأبى للإنسان أن يحتفظ بكرامته، وإن كان لا بد ~~أن يترك عمله فإنه حتم عليه أن يتركه مفصولا لا مستقيلا. # وعرضت الكويت على د. عثمان العمل بها فقبل. # أما موقفه معي وهو يدرس لي الإداري في السنة الثانية فقد كان ~~عظيما، وإن كنت أنا الغارم فيه، كنت عنده في البيت ms49 كعادتي وكان بيننا ~~وبين الامتحان ثلاثة أشهر فإذا هو يقول لي. ~~- حضرتك لا تأتي إلي بعد اليوم. # ودهشت. ~~- لماذا؟ ~~- سأبدأ في وضع الامتحان، فإذا بعدت بك عن موضوعات الامتحان ظلمتك، ~~وإن أشرت إليك إلى أهمية مواضيع الامتحان خنت الأمانة، وظلمت ~~نفسي. # هكذا كان الأستاذ العظيم د. عثمان خليل عثمان. وهكذا كان أساتذة هذا ~~الزمان، أتناول عنده الطعام، ويأبى ضميره أن يكون على صلة بتلميذه ~~وقريبه في الفترة التي يضع فيها الامتحان وربما حتم علي أن أقول إن ~~الصلة بيني وبين الدكتور لم تقف عند مكان التلميذ من أستاذه؛ بل اتخذ ~~مني أخا أصغر يفضي إليه بدخيلة نفسه ويستأمني على خاصة أسراره التي لا ~~يستأمن عليها أحدا من خاصته، ولكن الصلة الشخصية أمر يختلف كل ~~الاختلاف عن نقاء الضمير وشرف النفس. # حين تخرجت في الكلية كان همي أن أبحث عن وظيفة، وكان أبي قد ترك ~~الوزارة ولو كان باقيا بها ما فكر أن يعينني فيها على الإطلاق، وهل ~~أدل على ذلك مما حدث لي مع أبي؟! إليك: # كان حافظ عفيفي باشا رئيس مجلس إدارة بنك مصر حين تخرجت، وحافظ عفيفي ~~باشا صديق لأبي منذ ما قبل ثورة 1919م، وهو كما لا يعرف الكثيرون طبيب ~~متخصص في الأطفال، وكنت قد مرضت بعد شهور من ولادتي مرضا كاد يودي ~~بحياتي، فقد أصبت بالدوسنتاريا الحادة، وكان يعالجني طبيب أجنبي ومعه ~~الدكتور إبراهيم شوقي باشا، والدكتور حافظ عفيفي باشا، وربما تدرك ~~خطورة المرض مما قال الطبيب الأجنبي لوالدتي أنني كفوطة على مشجب، الله ~~وحده يعلم كانت تبقى أم تسقط، وتولت عمتي تمريضي في إصرار حتى كانت لا ~~تنام في الليل أو النهار. وما أظنني بحاجة أن أقول إنني نجوت من الموت ~~وإلا فما كنت التقيت بك وكتبت لك هذا الحديث الذي أكتب. # أظنك تبينت مدى العلاقة التي تصل بين أبي وبين د. حافظ عفيفي ~~باشا. # كنت مع أبي في حجرة نومه، وكان يحلق ذقنه كعادته وأحضرت له التليفون ~~وقلت له: ألا تكلم لي د. حافظ ms50 باشا ليعينني في القسم القانوني ببنك ~~مصر. # وترك الحلاقة ونظر إلي في دهشة: أتنتظر مني أن أرفع سماعة التليفون ~~وأطلب من أحد مهما يكن أمره أن يعين ابني، هل تتصور هذا؟! # وسكت طبعا وعجبت فإنني لم أكن أتصور غير هذا. # كان ثمن هذه الكلمة أربعة وعشرين عاما من عمري قضيتها بلا وظيفة ~~واضطررت في أثنائها إلى بيع معظم ما تركه أبي لي من أرض حتى أواجه ~~حاجات الحياة الضرورية، فأنا لم أكن يوما لاعب قمار ولا شارب خمر ~~والحمد لله، ومع ذلك لم يبق لي من أرضي التي ورثتها إلا قدر أخجل أن ~~أذكره والحمد لله على ما وهب والحمد لله على ما منع. # كان عزيز باشا قد وعدني أن يهيئ لي وظيفة في إحدى شركات البترول، ~~وانتظرت الوظيفة دون جدوى، ولولا شغفي بالقراءة وكتابة بعض التمثيليات ~~الإذاعية فقد كنت قد بدأت أكتب تمثيليات للإذاعة منذ عام 1949م لأملأ ~~الفراغ الذي أصاب حياتي كلها، ولعل بقائي هذا في البيت كان السبب ~~المباشر لكثرة الشجار بيني وبين زوجتي، ولعل هناك سببا آخر أهم من ~~ذلك، فقد تزوجنا على حب جارف، فكان كل منا ينتظر من الآخر ما لا يطيق ~~الآخر أن يقدمه، وربما كانت سننا الباكرة سببا أيضا في التمسك بتوافه ~~الأمور وصغيرها وتضخيم الأخطاء والمبالغة في تقويمها، ولا شك أن قلة ~~المال في يدنا كانت سببا جوهريا آخر على الرغم من أننا لم نكن قد ~~رزقنا بابنتنا وابننا بعد، وقد استمرت هذه الحالة من الشجار حتى علا ~~بنا السن وبلغنا الأربعين تقريبا، فاستقر ما كان مضطربا وهدأ ما كان ~~عاصفا. # | الفصل الثامن # ظللنا ثلاث سنوات لا ننجب حتى إذا كانت السنة الثالثة ظهرت بوادر ~~الحمل، ورحنا ننتظر مولودنا بفرح وشغف شاركنا فيهما جميع أهلنا. # وحدث لسوء الحظ أن توفي في فترة الحمل هذه عم زوجتي المرحوم عثمان بك ~~أباظة الذي كان عضوا بمجلس النواب لفترة طويلة، وحزنت زوجتي لوفاته ~~حزنا شديدا، وأغلب الأمر أنها أجهدت نفسها في المأتم أكثر مما ms51 ينبغي ~~لحامل أن تفعل، وكانت النتيجة القاسية المرة أن مات الجنين قبل أن يولد ~~وكان باقيا على ولادته فترة قليلة. # وأحسبني في غنى أن أذكر حزننا لهذا الحادث، وخاصة أنه جاء بعد وفاة ~~والدي بفترة قليلة. # وفاة أبي # في 31 ديسمبر عام 1952م شعر أبي ببوادر مرض عرفنا جميعا أنه ليس ~~مرضا هينا، وكانت أمينة هانم صدقي حرم عمي عزيز باشا تحب أن تحتفل ~~برأس السنة في الربعماية بلدة عزيز باشا، وأصرت أن أحضر مع زوجتي هذا ~~الاحتفال، وذهبنا فقد كنت أحب أمينة هانم كل الحب وأقدرها أنا وزوجتي ~~التي تولت شأنها منذ كانت في السادسة عشرة من عمرها، فكانت لها أكثر ~~حنوا من الأم؛ ولهذا أسمينا ابنتنا أمينة على اسمها، ذهبت إلى ~~الربعماية، ولكنني وجدت نفسي لا يقر لي قرار خوفا على أبي، فإنني لا ~~أعرف أحدا أحب أباه كما أحببت أنا أبي، ولعلك في غير حاجة إلى التعرف ~~على هذا الحب الذي يزيده عمقا الإجلال والتقدير والإعجاب بل والإبهار، ~~فإن ما قرأته في الصفحات السابقة نبض بكل هذه المعاني. # لم أستطع البقاء في الربعماية وهمست لزوجتي أنني عائد إلى أبي في ~~القاهرة، وأدركت ما يدور بنفسي ولم تعترض، وفي الليل البهيم قدت سيارتي ~~إلى بيتنا في العباسية وحرصت أن أتسلل إلى الحجرة التي كنت أنام فيها ~~قبل زواجي حتى لا أشعر أمي أو أبي بالرعب الذي تولاني خوفا على أبي، ~~ولكني لم أستطع في تسللي أن أتخفى عن الخدم الذين أنبئوا أمي وأبي ~~بعودتي فاضطررت أن أدخل إلى أبي في حجرته، ولا شك أن مظاهر الانزعاج ~~كانت بادية علي، ولكنني اختلقت أعذارا واهية لعودتي أحسب أنها لم ~~تجز على السياسي المحنك، ولكنه تظاهر بتصديقها، وتركت بيتي ولحقت بي ~~زوجتي في اليوم التالي، وأقمنا ببيت أبي طوال أيام مرضه. # تدهورت حالة أبي الصحية في سرعة عجيبة، فلم يستمر مرضه أكثر من اثنين ~~وعشرين يوما، وفجعت بموته فجيعة لم أعرف مثيلا لها في حياتي حتى حين ~~توفيت والدتي، فقد عانت ms52 قبل الوفاة المرض سنوات طوالا ولم يخفف موتها ~~حزني عليها، فقد ظلت إلى آخر لحظة من حياتها متنبهة تشاركنا الحديث ~~بذكائها الحاد، وقد توفيت والدتي في السبعين من عمرها، أما أبي فقد ~~توفي وهو في الرابعة والستين من عمره، وكنت في يوم الوفاة مضطرا أن ~~أذهب إلى المحكمة لأحضر في قضية غير ذات قيمة، ولكن شعوري بالمسئولية ~~حتم علي أن أرسل القضية إلى الأستاذ إبراهيم أباظة قريبي الذي كنت ~~أتمرن في مكتبه ليتصرف فيها وارتاح ضميري إلى ما فعلت، وتفرغت بعد ذلك ~~إلى الكارثة التي حاقت بنا، وراح بيت من الشعر يلح علي دون أن ~~أستدعيه: # من شاء بعدك فليمت # فعليك كنت أحاذر # وكانت جنازة أبي بالقاهرة من الجنازات الكبرى ولم تتخلف جريدة ولا ~~تخلف كاتب عن رثائه، وكان طبيعيا أن يكون مثواه الأخير غزالة، وقد ~~أبى أهل غزالة أن يدفن دون جنازة أخرى، وما أحسب أحدا تخلف عن هذه ~~الجنازة. # وقد أقمنا المأتم لمدة ثلاثة أيام بغزالة، ومما لا أنساه أن مدني بك ~~حزين أقام مأتما لأبي ببلدته إسنا وأرسل لي برقية يعتذر فيها عن عدم ~~الحضور إلى غزالة؛ لأنه يتلقى العزاء بالسرادق الذي أقامه في إسنا، ~~وبعد ذلك أقيمت حفلات التأبين لأبي في جميع بلاد القطر من أسوان إلى ~~الإسكندرية، حتى إني لم أستطع أن أذهب إليها جميعا، ومما لا أنساه ~~موقف الشيخ شعيشع الذي كان أحد القراء الذين رتلوا القرآن في المأتم، ~~وحين حاولت أن أقدم إليه مكافأته عن جهده قال: إذا كنت تريدني أن أقبل ~~هذه المكافأة فهات لي يد الباشا لتقدمها إلي. # ورفض في حسم أن ينال مكافأته. # وجاءتني برقية من الأستاذ الكبير أحمد حسن الزيات بك لا أنساها قال فيها: # جل خطب عن عزاء، فلا أقول عزاء ولا أقول صبرا. # ثم أقام له بعد ذلك رجال حزب الأحرار الدستوريين حفل تأبين مع أن ~~الحزب كانت الثورة قد حلته عندما حلت الأحزاب جميعا، ولا أنسى واقعة ~~من عميد الأدب العربي د. طه حسين في هذه ms53 المناسبة، فقد كنا في بيت هيكل ~~باشا وهو يعد الإجراءات لحفلة التأبين، وقال هيكل باشا اطلبوا لي طه ~~حسين على التليفون، وكنت بجوار هيكل باشا وهو يكلم طه باشا، وقال هيكل ~~باشا: يا طه نحن نقيم حفل تأبين لدسوقي في يوم كذا. # فقال الرجل العظيم وأنا أسمع ما يقول: في هذا اليوم أنا مرتبط ~~بمحاضرة ألقيها، سألغيها وأحضر التأبين وأتكلم. # وقد فعل، وكان المتكلمون جميعا من أعظم رجال مصر، وألقى العقاد ~~قصيدة رائعة نشرتها في كتابي «ذكريات لا مذكرات». # لا أريد أن أطيل في هذا الشأن فإنه يعيدني إلى حالة من الحزن والألم ~~والأسى لم تعد سني تحتملها، ولكن لا أستطيع أن أترك هذا الأمر دون أن ~~أذكر أن هذا الحدث كان في 22 يناير عام 1953م أي بعد الثورة ببضعة ~~شهور، كان لا عمل للإعلام في أثنائها إلا الهجوم على رجال السياسة ~~وزعماء مصر جميعا بعنف لم تشهد له مصر مثيلا، ولكن الحب الذي كان ~~يربط هذه الجموع بأبي - رحمه الله - كان أقوى من كل هذا الهجوم الضاري ~~الشرس الظالم، فإنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا. ~~••• # عدت إلى الفراغ الذي كنت أعانيه من عملي بالمحاماة، فقد كان المكتب ~~الذي أعمل به مع المرحوم الأستاذ إبراهيم أباظة قليل القضايا، ومن شأن ~~المحاماة أن تنكمش في أيام الحكم الشمولي، فكنت أذهب إلى المحكمة مرة ~~كل أسبوع أو مرتين على الأكثر، ويحيط بي الفراغ من كل جانب. # ورحت أبحث عن وظيفة عبثا، فالوظيفة التي وعدني بها عمي عزيز تأبت ~~علي ولم تظهر لها أي بوادر. # وكان خالي مدحت أباظة يعمل بإحدى شركات النقل فعرض علي أن أعمل ~~بها، وسارعت بالقبول وذهبت إلى الشركة، وكان قد تحدد لي مرتب ثلاثين ~~جنيها، وقد كان مرتبا عظيما في تلك الأيام، ومرت الأيام بي في ~~الوظيفة دون أن أعمل شيئا، فقد كان المفروض أن أكون محاميا للشركة مع ~~المحامي الرئيسي لها، وأشهد أنه كان من أسفل الناس خلقا ورفض أن ~~يكلفني بأي عمل خشية ms54 منه أن يستغنوا بي عنه، وكم كان تافها في ~~التفكير، فأين محام في أول حياته مثلي من محام مثله ذي خبرة ودربة ~~ومران، والغريب أنه عين محامية أخرى كلفها بالحضور في القضايا، ولم ~~يكلفني بقضية واحدة. # ظللت بضعة شهور أتقاضى مرتبي وأنا كاره له غاية الكراهية، فلم أجد ~~نفسي تقبل مالا بلا عمل واستقلت وعدت إلى الفراغ لا يحميني منه إلا ~~القراءة الجامحة تصاحبها سعاة غامرة وكتابات للإذاعة أو الصحف والمجلات ~~من الخارج، ووضح وضوحا تاما أن هناك أمرا ألا أنتظم في العمل بأي ~~جريدة، وكان الصديق الأخ إسماعيل الحبروك أكثر الناس اهتماما بإيجاد ~~عمل لي، ولكنه كان يجد دائما حائطا خفيا قاسيا يحول بيني وبين ~~التعيين. # في هذه الفترة تعرفت بالأستاذ فتوح نشاطي؛ لأني كنت أجلس معه لمدارسة ~~مسرحية الناصر التي كان سيقوم بإخراجها وكان عزيز باشا قد سافر إلى ~~أوروبا، وكلفني أن أدارس الرواية مع الأستاذ فتوح وأكون حلقة صلة بين ~~المؤلف وبين المخرج، وقال لي فتوح إنه معجب بالحوار الذي أكتبه في ~~تمثيلياتي الإذاعية، بل والحوار الذي أكتبه في مقالاتي بالرسالة ~~والثقافة والمصري، وفكر أن نؤلف مسرحية معا واختار موضوع المعتمد بن ~~عباد الأندلسي، وتمهيدا لكتابة هذه المسرحية طلب إلي الأستاذ فتوح ~~أن أقرأ كتاب دوري عن تاريخ الأندلس ترجمة الأستاذ كامل الكيلاني، ~~وقرأت الكتاب بمتعة عظيمة، وكتبت المسرحية مع الأستاذ فتوح، وطبعا ~~توليت أنا الحوار فيها كلها، وكان باللغة العربية المبسطة. # وقدم الأستاذ فتوح المسرحية إلى الأستاذ يوسف وهبي الذي كان مديرا ~~للفرقة القومية في ذلك الحين، ورفض الأستاذ يوسف المسرحية، ولست أدري ~~حتى اليوم لماذا رفضها، أكان ذلك لأنها تستحق الرفض أم كان للخلاف الذي ~~كان بين يوسف وهبي وفتوح نشاطي. # كل هذا كان في حياة أبي، فحين اختاره الله إلى جواره تذكرت كتاب دوري ~~واخترت شخصية بهرتني سيرتها، وفكرت أن أتغلب على أحزاني بكتابة رواية ~~عن هذه الشخصية يكون التاريخ فيها أساسا، ولكن لا يكون في نفس الوقت ~~قيدا علي. وهكذا بدأت أكتب رواية ms55 ابن عمار، أنسى به ما واجهته من ~~موت أبي أحب إنسان وأعظم مثل أعلى عرفته من الأحياء وموت ابني قبل أن ~~يولد. # أتممت ابن عمار ولم أجد لروايتي ناشرا خيرا من دار المعارف، خاصة ~~أن الرواية صغيرة مما يجعلها مناسبة لعد من سلسلة اقرأ، وذهبت بكتابي ~~إلى الأستاذ عادل الغضبان مستشار النشر بدار المعارف حينذاك، والشاعر ~~الرقيق، وكان يعرف اسمي مما يقرؤه لي في الرسالة والثقافة والمصري وما ~~يسمعه لي من تمثيليات في الإذاعة، وقال لي كلمة لم أكن أعرفها، وكنت قد ~~كتبتها في سياق الرواية، فقد استعملت كلمة شراك بمعنى شرك، فقال لي إن ~~الشراك رباط الحذاء، وليس بالمعنى الذي تقصده من السياق، وحمدت الله أن ~~عادل الغضبان لم يجد في كل الرواية إلا كلمة واحدة في غير مجالها، وقد ~~كان عادل الغضبان من المهتمين كل الاهتمام باللغة العربية ~~وأسرارها. # ونشرت ابن عمار في عام 1954م بعد أن تعاقدت عليها مع دار المعارف، ~~وكان العقد يقضي بأن أتقاضى خمسين جنيها عن كل طبعات الكتاب، وقد أصبح ~~هذا النوع من العقود باطلا الآن، ولكنني أنا كنت مستعدا للتوقيع حتى ~~ولو لم أنل مليما واحدا عن الكتاب، فقد كان أول كتاب لي وهذا الذي ~~خالجني بشأنه أمر طبيعي أن يخالج كل من يحاول المحاولة الأولى. # أرسلت كتابي إلى كل الصحف وإلى كل النقاد، سواء من عرفتهم أو لم ~~أعرفهم، فلم تظهر عنه كلمة واحدة تشعرني أني كتبت شيئا حتى كان يوم ~~ذهبت فيه كعادتي إلى توفيق بك الحكيم في بترو بالإسكندرية وقصة تعرف ~~توفيق بك علي نشرتها في كتابي «ذكريات لا مذكرات»، ولا أرى داعيا ~~لإعادة نشرها. # وجدته يجلس وحده في بترو، فقد كان الوقت مبكرا، ولم يكن رفاق الندوة ~~قد تقاطروا عليه بعد، فما إن جلست حتى بادرني توفيق بك: مبروك يا ~~سيدي. ~~- علام؟ ~~- قرروا كتابك ابن عمار على السنة الإعدادية. # فرحة غامرة انسكبت في نفسي دفعة واحدة وصحت: صحيح؟ # قال وهو يعطيني جريدة الأخبار: خذ اقرأ. # وقرأت الخبر وصمت ms56 توفيق بك قليلا ثم قال بعد أن مصمص شفتيه: شوف ~~ولاد ... يأخذون كتابك ويتركون كتابي. # وتلقيت الكلمة بدهشة كبيرة وأين أنا من توفيق الحكيم حتى يقارن نفسه ~~بي. # هذه الفرحة الغامرة نادرا ما شعرت بمثلها في حياتي كلها، فأنا في ~~سني التي أنا عليها الآن أصبحت أكاد أفقد الشعور بالفرح، وإن شعرت به ~~يتمشى في أوصالي فمشية واهنة الخطو هينة الشأن. # وحين عدت إلى القاهرة من المصيف وجدت في انتظاري خطابا من دار ~~المعارف ومعه شيك قيمته خمسون جنيها، والخطاب يخبرني أن هذا المبلغ ~~هدية لي من الدار لتقرير كتابي على الإعدادية وليس حقا لي. # وكان تقرير الكتاب إشارة لي أنني أسير على الطريق، وأنني أستطيع أن ~~أكتب الرواية، وكانت فكرة روايتي «هارب من الأيام» قد بدأت تراودني ~~فبدأت أكتبها على وجل وبعد تقرير ابن عمار على الإعدادية، لم يكن من ~~العسير أن أجد ناشرا فقد طمع الناشرون أن يقرر كتابي على المدارس ~~فيربحوا هم الربح الوفير. # وجدت ناشرا لروايتي وظهرت «هارب من الأيام» في عام 1957م على ما ~~أذكر، وكانت جائزة الدولة التشجيعية قد أنشئت في هذا العام، فعزمت أن ~~أتقدم بروايتي لهذه الجائزة، ولكني كنت حذرا غاية الحذر، فرأيت أن ~~أنتظر إلى اللحظة الأخيرة من التقديم لأعرف جميع المتقدمين معي، ووجدت ~~بينهم أسماء على قدر من الشهرة ووجدت بينهم من يكبرني في السن بمدى ~~طويل، ولكنني تجرأت وقدمت روايتي، وفوجئت في يوم بالتليفون يرن في بيتي ~~وأحد أعضاء اللجنة التي تنظر في الأعمال يهنئني بفوزي بالجائزة، وكانت ~~فرحة غامرة لا شك، وعرفت بعد ذلك أن الذي هنأني بنيل الجائزة هو الوحيد ~~الذي يكان يعارض منحها لي في اللجنة، وحين سئل عن سبب رفضه قال في ~~بساطة إن الرواية لم تعجبه، ولكن اللجنة أصرت أن يبدي سببا معقولا ~~لهذا الرفض، فلم يجد العضو بدا من الموافقة على منحي الجائزة، وهكذا ~~نلتها بالإجماع. # وقبل ظهور نتيجة الجائزة بفترة لا أذكرها زارني أخي الحبيب أمين يوسف ~~غراب في البيت وأخبرني أن ms57 الدكتور طه يريد أن يراني، وأخبرني أمين أن ~~الدكتور قرأ روايتي، وأنه معجب بها فكدت أطير من الفرح وصحت بأمين ~~وماذا ننتظر هلم بنا، وحين دخلت حجرة د. طه وجدت معه الأستاذ عباس خضر ~~- رحمه الله - وكنت أعرفه معرفة وثيقة، وما هي إلا دقائق حتى قال ~~الدكتور: لقد قرأت روايتك يا ثروت وأعجبت بها كل الإعجاب. ~~- هذا شرف لم أتصور أنني سأناله يا معالي الباشا. ~~- أنت أديب قلت ما يريد أن يقوله عن طريق الرواية. ~~- الحمد لله. # وصمت قليلا ثم قال: الحق أنه لم يكتب في تاريخ الأدب العربي عن ~~الريف المصري، مثلما كتبت أنت في روايتك هارب من الأيام. # أصبحت الدنيا في ناظري زغاريد وموسيقى وبهجة لم أشعر بها حتى وأنا ~~أتلقى خبر نيلي الجائزة. # وبعد أن جلسنا بعض الوقت استأذنت أنا وأمين، فإذا الدكتور طه يقول ~~وهو يودعني: لا تحسب أنني سأمدحك حين أكتب عنك، ولكني سأشد ~~أذنك. # فقلت والفرحة تزيد قلبي خفقا: مرحبا بكل ما يأتي منك يا معالي ~~الباشا. # وما هي إلا أيام حتى طلبني محرر من جريدة الجمهورية يريد مني صورة ~~ليضعها في المقال الذي كتبه عن روايتي د. طه حسين، وسارعت بالصورة إلى ~~الجريدة. # ولم أنم في هذه الليلة حتى الصباح وبكرت إلى الجمهورية وقرأت المقال، ~~فوجدت المقالة الكبيرة التي كتبها د. طه ووجدته يأخذ علي أن جعلت فئة ~~تتظاهر بأنها تأخذ من الأغنياء لتعطي الفقراء بينما تستولي هي على ~~الجانب الأكبر مما تستلبه. قال د. طه إن هذا ليس في حياتنا وإنما كان ~~أيام صعاليك العرب، أما باقي المقال فكان مديحا لي ما زلت أشعر بالزهو ~~أنني نلته من الأستاذ الذي أعتقد أن الأدب العربي الحديث قد تخرج على ~~يديه. # انتظرت حتى أصبح الوقت مناسبا وفي الساعة العاشرة كنت أقف على باب ~~رامتان، وهو اسم الفيلا التي يقطنها الدكتور العميد، وكان جالسا في ~~مكتبه، واستقبلني وهو يقول: إذن أنت لم تزعل مني. ~~- أزعل! بل أنا أسبح في بحور من السعادة. # وصمت قليلا وقال: ms58 ثروت! ماذا تقصد بروايتك؟ ~~- لقد قلت لي معاليك إنني قلت ما أريد عن طريق الرواية. ~~- لا شأن لك بما قلت. أخبرني أنت ماذا تقصد؟ ~~- أرسم عهد الطغيان الذي نعيش فيه. ~~- نعم، هذا ما فهمته. ~~- إذا لم تفهمه أنت فكأنني ما كتبت شيئا على الإطلاق. ~~- ثروت اسمع أستحلفك برحمة والدك، وإني أعرف مدى حبك وإكبارك له ~~وبحياتي، وأنا أعرف مكانتي عندك، ألا تخبر أحدا بهذا الذي تقول، ولقد ~~قصدت أن أموه في مقالتي ذاكرا صعاليك العرب، وما إلى ذلك حتى تقول إذا ~~ما سئلت بصفة رسمية إذا كان طه حسين لم يفهم أنني أهاجم العهد، فكيف ~~تفهمون أنتم هذا المعنى، ولهذا كتبت ما كتبت من نقد لك لأتظاهر بأنني ~~لم أفهم المعنى الذي قصدت إليه في روايتك يا ثروت، نحن نحكم بجماعة ~~ليس لها حدود في الظلم والطغيان، والله وحده يعلم ماذا هم صانعون بك إن ~~تبادر إلى ذهن أحدهم المعنى الذي تدور حوله روايتك. # وتأثرت بحديث الدكتور طه كل التأثر، وكنت في ذلك اليوم مسافرا إلى ~~غزالة لبعض شأني، فما إن وصلت إلى البيت في البلدة حتى بادرت بكتابة ~~خطاب للدكتور طه أقول فيه ما معناه إنك بما كتبت عني أثبت اسمي في سجل ~~الكتاب، وهذا أمر ربما كانت الأيام تستطيع أن تصل بي إليه في قابلها ~~مهما يكن هذا التقابل بعيدا، أما الحديث الذي دار بيني وبين معاليكم ~~اليوم فقد وهب لي أبا بعد أن فقدت أبي، وهذا ما أثق أن الأيام تعجز أن ~~تقدمه إلي. # ذهبت إلى الدكتور بعد نيلي الجائزة، فإذا هو يبادرني قائلا: ضحكت ~~على الدولة يا أستاذ. ~~- مقالة معاليك أهم عندي من الجائزة. # كان مقدار الجائزة خمسمائة جنيه، ونلت معها أيضا وسام العلوم ~~والفنون من الطبقة الأولى. ~~••• # نلت الجائزة ولكنني ما أزال بلا عمل وخطر لي أن أذهب إلى عبد الملك ~~بك حمزة، فقد كان صديقا لأبي، بل إن أبي تمرن في مكتبه حين تخرج في ~~كلية الحقوق عام 1912م، وكان عبد الملك بك رئيسا ms59 لمجلس إدارة شركة ~~الملح والصودا. وأحسن عبد الملك بك استقبالي ووعدني أن يجد لي عملا ~~وطلب إلي أن أعود إليه بعد أسبوع، وفعلت ثم أجل موعدي أسبوعا آخر. ~~كان كتابي ابن عمار قد ظهر في ذلك الحين، فأخذت معي نسخة له وأهديتها ~~إليه فتقبلها وطلب أن أعود بعد أسبوع آخر. وذهبت فكان العجب. # ما إن جلست حتى بادرني عبد الملك بك قائلا: أنا لن أعينك. # وطبعا سكت والدهشة لا شك قد طفرت إلى عيني. ~~- أنت عبقري وأنا أرفض أن أدفن عبقريتك في الوظيفة. # لست أدري لماذا يظن الناس حتى الكبار منهم وأصحاب التجارب والثقافة ~~أنهم أذكى من كل الناس، وأن الناس كلهم أغبياء إلا هم، لقد واجهت هذه ~~الظاهرة من علماء ومن رجال سياسة ومن فطاحل في علومهم ومكانتهم ~~الاجتماعية لا يقدرون ذكاء الآخرين ويحسبون أنهم يستطيعون أن يستغفلوا ~~جميع الناس، والحقيقة أنهم لا يستغفلون إلا أنفسهم. # وبصورة أكثر احتراما واجهت هذا المصير من عبد الخالق حسونة باشا حين ~~كان أمينا للجامعة العربية، فقد توسط لي عنده عمي عزيز باشا لأعين ~~بجامعة الدول العربية، وبين عبد الخالق باشا وأبي قصة طريفة سأذكرها ~~لطرافتها. # كان أبي وزيرا للشئون الاجتماعية وكان عبد الخالق باشا وكيلا ~~للوزارة، وكان في الوزارة موظف حصل على اثنتي عشرة دكتوراة في القانون، ~~ومع ذلك كانت حركة الترقيات تتخطاه دائما، ولشدة شعوره بالظلم كان يضع ~~على باب الحجرة التي يجلس بها ورقة تحمل اسمه وعناوين الدكتوراهات (إن ~~صح الجمع) التي يحملها. # وشعر أبي بالظلم الفادح الذي يلاقيه فطلب إعداد مذكرة بترقيته إلى ~~الدرجة الخامسة، وأعدت المذكرة وسارت في طريقها المرسوم حتى وصلت إلى ~~وكيل الوزارة تمهيدا لعرضها على الوزير، فإذا بعبد الخالق باشا يكتب ~~على المذكرة لا يرقى، وجاءت المذكرة إلى مكتب أبي، فإذا به يكتب همزة ~~واحدة فوق لا بسخرية من وكيل الوزارة، وليوضح له أن الأمر أولا ~~وأخيرا للوزير وليس للوكيل، وضع أبي همزة على لا وفصلة، بعدها فأصبح ~~القرار: لأ، يرقى. ورقي الدكتور بقرار وزاري ms60 دون حاجة للرجوع إلى ~~الوكيل أو غيره، واستشاط عبد الخالق حسونة باشا لهذه التأشيرة وقدم ~~استقالته وكان وكيل الوزارة إذا استقال تعرض استقالته على مجلس ~~الوزراء، ولم يشأ مجلس الوزراء قبول الاستقالة لموضوع ليس من العسير ~~معالجته، وتصدى عبد المجيد إبراهيم باشا الذي كان وزيرا حينذاك ~~للموضوع وطلب إلى مجلس الوزراء إرجاء النظر في الاستقالة حتى يبذل ~~مساعيه بين أبي وبين عبد الخالق باشا، وفعلا دعا أبي والوكيل إلى ~~الغداء في بيته، وبدأ عبد الخالق باشا العتاب، وكان رجلا في غاية ~~الأدب والكياسة وحسن التأني، وكان دائما يقول كلمة مونشير لمحدثه، وهي ~~كلمة فرنسية تعني يا عزيزي، قال لأبي: يا مونشير تكتب على تأشيرتي لأ، ~~يرقى. # فقال أبي: وأنت تتمنع عن ترقية موظف تعلم أنني أمرت بترقيته. ~~- يا مونشير إنه لا يفهم شيئا. ~~- يا عبد الخالق بك أنت وكيل وزارة وأنا وزير، وكل منا لا يحمل إلا ~~ليسانس الحقوق، أكثير أن أرقي موظفا يحمل 12 دكتوراه إلى الدرجة ~~الخامسة. ~~- إنه ليس كفئا. ~~- وهل رقيته إلى مدير عام، إنها مجرد الدرجة الخامسة. ~~- بردون يا مونشير. # وانتهى الأمر وأصبح أبي من أحب الناس إلى عبد الخالق حسونة باشا، كما ~~أصبح عبد الخالق باشا من أحب الناس إلى أبي، وسحب الاستقالة وظل هو ~~وأبي صديقين حميمين طوال الفترة التي قضاها أبي في وزارة الشئون، ~~وامتدت الصداقة بينهما بعد ذلك لم تنقطع. # وعودا إلى بدء حين ذهب عزيز باشا إلى حسونة باشا يرجوه أن أعين ~~بالجامعة وقال له: إن لم يكن من أجلي أنا فمن أجل والده الذي أعرف أنه ~~كان صديقا أثيرا لك. # وكنت في ذلك الحين قد أصبت نصيبا من الشهرة، فقال حسونة باشا في ~~أدبه الجم: يا مونشير ثروت أباظة لا يحتاج أن يستند إليك ولا إلى ~~والده، فهو نفسه مكسب للجامعة وجدير بكل احترام. # ومع ذلك لم يستطع حسونة باشا أن يجد لي مكانا في الجامعة، وعلمت بعد ~~ذلك ممن لا أستطيع أن أذكر اسمه إنجازا لوعد قطعته على نفسي ms61 أن الدولة ~~منعت حسونة باشا أن يعينني، فعجز الرجل مع كل النيات الطيبة نحوي أن ~~يعينني بالجامعة. # وهكذا كنت أقبل أي عمل يعرض علي حتى لا تتسع أمامي هوة الفراغ، ومن ~~بين الأعمال التي قبلتها على كره شديد وظيفة رئيس تحرير مجلة الإعلان، ~~وقبل أن أمارس عملي حدث لي أمر جدير بالرواية كنت في منزلي ونزلت إلى ~~سيارتي وجلست في مقعد القيادة، وإذا برجل لا أعرفه يفتح الباب الخلفي ~~في سرعة ويدخل إلى السيارة ويبدأ بحديث عجيب. أنت فلان بن فلان وفي ~~لحظات روى لي كل صغيرة وكبيرة في حياتي ثم قال: شكرا، أنا مكلف من ~~المخابرات بعمل تحريات عنك؛ لأنك ستصبح رئيس تحرير مجلة الإعلان، وأنا ~~أعلم أنه ليس في تاريخك ما يستحق البحث وراءه، فقلت أسألك بدلا من ~~اللف والدوران، أرجوك لا تخبر أحدا بهذا الذي صنعته معك، وإلا اعتقلت ~~وشردت وخرب بيتي، سلام عليكم. # ونزل من السيارة. # وقد نلت جائزة الدولة التشجيعية وأنا رئيس لتحرير مجلة الإعلان ~~(بالنون وليس بالميم) وصدر مرسوم وسام العلوم والفنون باسمي يحمل هذه ~~الصفة في صلبه دليلا على حقارة العهد الذي كنا نعيش فيه وطغيانه ~~وتخبطه وصغاره. # بعد هذا طلب مني عمي فكري باشا أن أعمل بدار الهلال وطلب إلي أن ~~أنقل اسمي من جدول نقابة المحامين وأقيد نفسي في نقابة الصحفيين، ~~ووافقت فقد كنت ضقت ذرعا بالمحاماة ووضح لي تماما أنني لن أصلح ~~مفاوضا مع الموكلين، وإن كنت أصيب كثيرا من التوفيق في ساحة القضاء، ~~حتى كان بعض المستشارين إذا وقفت أمامهم في مرافعة يتهامسون أنهم ~~سيسمعون كلاما رائعا، وقد أتيح لي أن أسمع هذا الهمس؛ لأن حاسة السمع ~~عندي قوية إلى حد بعيد وراثة عن أبي - رحمه الله - ولكن حدث لي مع ~~الموكلين حادثتين جعلتاني أعزف عن المحاماة كل العزوف، وأرحب بنقل اسمي ~~إلى جدول غير المشتغلين في نقابة المحامين وإثبات اسمي بجدول المشتغلين ~~بنقابة الصحفيين، وكان ذلك في عام 1958م. # وأعتقد أن الحادثتين جديرتان بالقص، فإحداهما أن قصد إلي ms62 أحد ~~الموكلين يطلب مني أن أتولى قضية له في مصلحة الضرائب، وكان مدير عام ~~مصلحة الضرائب في ذلك الحين ابن عمتي المرحوم محمد كامل أباظة الذي كنت ~~أعتبره أخا أكبر لي، فحين جاءني هذا الموكل أدركت ما بعث به إلي. ~~قلت له: لماذا جئتني؟ ~~- لأنك محام شهير وعظيم، وأنا مستعد أن أدفع لك أربعمائة جنيه ~~أتعابا في هذه القضية. # ولعل أبناءنا من جيل هذه الأيام لا يدرك ضخامة هذا المبلغ وفخامته، ~~ولكن الذي لا شك فيه أن أبناء جيلي والذين يصغرونني ببضع سنوات يدركون ~~معنى هذا الرقم وقوته. # قلت للموكل: لا. إنك جئتني لأن ابن عمتي مدير عام مصلحة الضرائب، ~~فهذه قضية وساطة وليست قضية محكمة، وسأتولاها ولكن لن أتقاضى منك ~~مليما واحدا؛ لأنه سيكون رشوة ولن يكون أتعابا. # وسعيت في القضية ووفقت فيها ولم أتقاض أية أتعاب. # أما الحادثة الأخرى فكانت حين جاءني موكل أعرف أسرته لأترافع عن أخيه ~~المتهم بالاشتراك في قتل سيدة عجوز ابنها ضابط بالجيش، وكان القتل بقصد ~~السرقة، وكانت أسرة المتهم على صلة ببيتنا فقد كنا نبرهم، وكانت القضية ~~شهيرة وقد كان كثير من المحامين على استعداد أن يدفعوا هم أموالا ~~لأقارب المتهم ليترافعوا في هذه القضية، وكان المحامون عن المتهمين ~~الآخرين أحمد بك رشدي، واحد من أعظم المحامين في عصره. وعلي بك أيوب ~~الوزير السابق والمحامي العملاق، وكان مجرد وقوفي إلى جانب هذين ~~الاسمين الجليلين أمرا من شأنه أن يجلب لي شهرة واسعة في دنيا ~~المحاماة. # وعدت أن أطلع على الدوسيه، واطلعت وجاء أخو المتهم فقلت له: هل ارتكب ~~أخوك الجريمة. # فأطرق وقال: نعم. # قلت: لقد قضى أخوك بعض الوقت في مستشفى الأمراض العصبية، وهذا يتيح ~~لي أن أطلب التخفيف وليس البراءة، فإن قبلت أنا تحت أمرك، وإلا فاذهب ~~إلى محام آخر فنحن أقسمنا ألا نقول إلا الحق، ولا أستطيع أن أحنث ~~بقسمي. # وطبعا لم يعد، وقد تتبعت هذه القضية في الصحف وكانت قضية ذات شهرة ~~أسمتها الصحف قضية أم الضابط، وقد تخلى عن ms63 القضية كل من أحمد رشدي وعلي ~~أيوب وتولاها محام ذو شهرة واسعة حتى الآن، واستطاع بفضل ألمعيته أن ~~يحصل للمتهمين الأربعة على الإعدام، ولعله من الطريف أن أذكر تعقيبا ~~على هذه الواقعة حدث بيني وبين كبير المحامين في عصرنا مصطفى بك مرعي ~~الوزير السابق، فقد رويت له هذه الواقعة فذكر لي قاعدة لم أكن أعرفها، ~~قال لي: إن المحامي لا يسأل الموكل إن كان ارتكب الجرم أم لا، ولا شأن ~~له إلا بالأوراق التي أمامه هي التي تكلمه، وهكذا يتخلص كبار المحامين ~~من تأنيب الضمير. # وهكذا وجدت نفسي لا أصلح محاميا على أية حال. # وذهبت إلى عمي فكري باشا وقابلت إميل زيدان وتم تعييني فلم أمكث ~~محررا بالمصور إلا نصف ساعة، ولم تكن الصحف قد أممت بعد طبعا، والذي ~~حدث أنني أعطيت مقالة لرئيس القسم الذي سأعمل معه فوجدته يبدي ملاحظات ~~تدل على أنه لا صلة له مطلقا لا بالأدب ولا بالصحافة، وأدركت أنني كل ~~يوم سأظل رائحا جائيا بين مكتبي ومكتب عمي فكري باشا لأكلمه في ~~الخلافات التي ستقع بيني وبين رئيس القسم الذي أعمل معه، والتردد على ~~رئيس التحرير إذا جاز لكل المحررين والكتاب، فإنه لا يجوز لشخص هو ~~بمثابة ابن أخي رئيس التحرير. # فخرجت من دار الهلال إلى لا عودة، وإن ظللت أمدها بقصصي القصيرة من ~~الخارج. # وطبعا بعد أن أممت الصحافة أصبح تعييني أمرا مستحيلا، ولكنني ~~ظللت أكتب من الخارج وكان من أعظم من أتاح لي فرصة الكتابة أخي وصديقي ~~فتحي غانم، فقد أفسح لي صفحة أسبوعية في الجمهورية كتبت فيها مقالا عن ~~الشيوعيين بعنوان من خلال مجهر صدرت بعدها الأوامر إلى فتحي غانم ألا ~~أكتب عنده مطلقا، وقد أبى الرجل العظيم أن ينفذ الأمر، وطلب إلي أن ~~أكتب في غير السياسة، وكانت هذه منه جرأة فائقة تمثلت في هذه الشخصية ~~الفذة، وتكرر منه هذا الموقف الجريء المشرف حين نشر لي روايتي (شيء من ~~الخوف) في صباح الخير حين كان رئيسا لمجلس إدارة روز اليوسف، وكنت ms64 قد ~~أعطيته الرواية وقال لي إذا جاءني مقال من طه حسين فإني أدفع به إلى ~~المطبعة مباشرة دون أن أقرأه، وكذلك الأمر إذا جاءتني رواية من ثروت ~~أباظة فإني أدفع بها إلى المطبعة مباشرة. وقذفت بي هذه الكلمة إلى حيرة ~~شديدة وإشفاق على الرجل العظيم فتحي أن ينشر الرواية ويفصل من عمله ~~إذا لم يعتقل، وأيد حيرتي أستاذي وصديق عمري نجيب محفوظ، الذي قال لي ~~لا بد أن تجعله يقرأ الرواية بأية طريقة، وطلبت من فتحي غانم وقلت له ~~أنا لا أريد مجرد نشر الرواية، وإنما يهمني أكثر من نشرها أن أعرف رأي ~~الروائي الكبير فتحي غانم. وقرأ الرجل العظيم الرواية وقال لي إنك لأول ~~مرة تكون من وحدات شكلا متكاملا كالزخرفة العربية التي تكون فيها ~~الأجزاء شكلا متكاملا وكأنما ليس بالرواية رمز، ونشر الكاتب الجريء ~~الرواية في رجولة يندر أن يعرفها هذا الزمان. # أصبح التفكير في عمل صحفي بعد التأميم أمرا يعتبر نوعا من العبط ~~الذي لا مثيل له، فاكتفيت بالكتابة غير المنتظمة في الصحف وبكتابة ~~رواياتي والحمد لله على ما وهب، والحمد لله على ما سلب، له الشكر على ~~الحالين. ~~••• # نسيت في غمرة الحديث عن حياتي العامة أن أذكر لك حياتي الخاصة، فقد ~~رزقت في هذه الفترة بابنتي أمينة في أكتوبر عام 1955م، وقد ولدت في ~~يوم المولد النبوي في ذلك العام، وولدت يوم الجمعة ساعة الأذان وقد ~~حصلت على ليسانس الآداب قسم اللغة الفرنسية وعملت قليلا بأجر خيالي ~~في البنك العربي الدولي، ثم وجدت نفسها غير صالحة للتعامل مع المال ~~مهما يكن الأجر فلكيا، شأنها في ذلك شأن أبيها، واستقالت، وهي تعمل ~~الآن بعقد في التلفزيون ورفضت التعيين به حتى لا تمسك الوظيفة ~~بتلابيبها، وهي قارئة في الفرنسية والعربية شديدة النهم في القراءة، ~~وقد ترجمت لي رواية (شيء من الخوف)، ونشرت الترجمة، والحب بيني وبينها ~~من نوع عظيم، فأنا أحب فيها خلقها الرقيق شديد الرقة، ورهافة الحس، ~~ونقاء السريرة إلى درجة لا أجد لها مثيلا في كل ms65 من عرفت في حياتي ~~وبصورة تجعلني دائما أشفق عليها، فطيبتها وحرصها على معاونة الإنسان ~~والحيوان مما يجعلانها في حالة شبه روحانية دائمة لا يرتاح صاحبها ~~أبدا، وكيف له أن يرتاح وقد جعل هموم العالم جميعها من بشر وحيوان ~~همومه هو الشخصية؟! أسأل الله أن يهب لها من الخير والتوفيق قدر ما تهب ~~هي لمخلوقاته جميعا. # ورزقت في يناير 1958م بابني دسوقي، وقد نال ليسانس الحقوق وعمل ~~بالنيابة ثم القضاء، واليوم وأنا أكتب هذا الحديث تفضل الدكتور عصمت ~~عبد المجيد فأصدر قرار تعيينه بالجامعة العربية. # وقد تعلم دسوقي في المدارس الفرنسية فهو يجيد الفرنسية إجادة تامة، ~~وهو كثير القراءة في العربية والفرنسية على السواء، ولعله من الطريف أن ~~أروي كيف دخل كلية الحقوق، فهو حين حصل على الثانوية العامة كان مجموعه ~~لا بأس به، وقال لي إنه يريد أن يدخل كلية الآداب قسم الفلسفة، فقد كان ~~كثير القراءة في كتب الفلسفة مما جعله يتعلق بها، فقلت له افعل ما ~~تريد، وكل ما أرجوه منك أن تتحدث في هذا الأمر مع عمك نجيب محفوظ، فهو ~~خريج آداب فلسفة أيضا، فقال وهو كذلك، وكنا في الإسكندرية وكنت أجلس ~~مع نجيب بك في كازينو جليم، وكان كل منا يتحرى أن يذهب مبكرا إلى ~~الكازينو ليتاح لنا جلسة خاصة نتبادل فيها خاصة شأنينا قبل أن يأتي ~~الأصدقاء الآخرون، وصحبت دسوقي إلى هذه الجلسة، وقال لنجيب: أريد أن ~~أدخل كلية الآداب قسم فلسفة. # وقال نجيب بك: عظيم ... ولكن هناك شرط. ~~- ما هو؟ ~~- أن تكون أول دفعتك. # واندهش دسوقي وقال: وكيف أضمن هذا؟ ~~- إنك تدخل إلى قسم الفلسفة لأنك تهوى الفلسفة، فإذا لم تكن الأول ~~وتعين معيدا بالكلية لتظل وثيق بالصلة بهوايتك فسينتهي بك الأمر أن ~~تعمل موظفا في الجمعية التعاونية. # وطبعا اقتنع دسوقي ودخل إلى كلية الحقوق، وكان متقدما في دراسته، ~~وحين تخرج ظل سنة تلميذا في معهد الدراسات القانونية الذي لا بد أن ~~ينتسب إليه الآن كل من يصدر القرار بتعيينه في النيابة، وكان حظ ms66 دسوقي ~~أن كان الأول على دفعته لإتقانه للفرنسية، مما أتاح له السفر في بعثة ~~ستة شهور للدراسة في فرنسا، ثم عاد وعمل أستاذا للغة الفرنسية بعض ~~الوقت في نفس المعهد، ثم تدرج في النيابة حتى جلس على كرسي القضاء، ~~وحين يظهر هذا الكتاب سيكون إن شاء الله قد مرت عليه فترة يعمل فيها ~~بجامعة الدول العربية. # ودسوقي - بحمد الله - على أحسن صلة بربه ويقوم على الإشراف على ~~زراعتنا، فهو متعلق ببلدتنا غزالة كل التعلق، ومن نعم الله علينا أنه ~~شاب جاد غير هازل وإن كان هذا يجعله قريب الغضب، ولكنه أيضا قريب ~~الصبر. # وقد تزوج دسوقي من ابنة الأستاذ منير حتاتة المحامي، ووهب لنا ياسمين ~~وهي في الرابعة من عمرها وعفاف على اسم جدتها زوجتي وهي في الثانية من ~~عمرها، والحفيدتان هما مصدر سعادتي التي لا أشعر بمثيل لها في أي منحى ~~من مناحي الحياة إلا في لعبهما حولي. ~~••• # في هذه الفترة شهدنا حربين، أما الحرب الثالثة فلها حديث خاص بها. ~~صباح تأميم القنال كنت في الإسكندرية وذهبت إلى بترو كشأني في كل صباح، ~~فقد كنت متعودا أن أجلس في ندوة الحكيم حتى الساعة الثانية عشرة، ثم ~~أذهب إلى نادي السيارات وأستحم في مسبحه، وذهبت إلى توفيق الحكيم، وكان ~~وحده متحمسا كل التحمس للتأميم، فعارضته معارضة شديدة متوقعا حربا ~~ضروسا لا قبل لنا بها، وذكرت له أن هذه مسرحية ستدفع مصر وشعبها فيها ~~ثمنا غاليا في مقابل لا شيء، فالقناة ستعود إلينا بعد سنوات قلائل ~~ليس لها قيمة في عمر الشعوب. # وقال توفيق بك أنت تكره العهد، ولكن الإنسان في المناسبات الوطنية ~~الكبرى ينسى كراهيته ولا يذكر إلا وطنه، واحتدم الخلاف، وكنت طبعا لا ~~أستطيع أن أعنف به ففارق السن له في نفسي نوع من التقديس، فصمت قليلا ~~وبدأ أهل الندوة يتقاطرون، فقمت مزمعا ألا أعود، وقد فعلت. # ومر يومان أو ثلاثة وإذا بالتليفون يطلبني في نادي السيارات، وإذا بي ~~أجد توفيق بك على الطرف الآخر يعتذر لي ويرجوني أن ms67 أعود إلى الندوة، ~~وكان رقيقا رقة زائدة، فغفرت له ما كان بيننا من نقاش عنيف، وعدت إلى ~~الندوة فإذا الغالبية فيها من رأيي. # وفي أكتوبر حدث عدوان 1956م وكان الدمار الماحق إلى جانب الأرواح ~~والأموال الطائلة التي فقدناها مع مهانة لمصر لا مثيل لها، وكانت خطبة ~~رئيس الجمهورية في الأزهر تدل على الانهيار الكامل الذي دب في كيان ~~عهده، ومع إصراره على القتال فقد كان واضحا أنه في حالة ثورة عارمة، ~~وما دام هو ثائرا فلتذهب الأرواح والبنايات وكرامة الوطن إلى ~~الجحيم. # وفي أثناء العدوان كنت ألتقي بتوفيق بك وقال لي يوما: كم كنت أنت ~~محقا وأنا كنت أعارضك وكم كنت مخطئا في رأيي! # وسكت طبعا ولم أعلق. # ولولا أن أمريكا بخلق رعاة البقر غضبت لأن إنجلترا وفرنسا وإسرائيل ~~أشعلت نيران الحرب دون إذن منها مما جعلها توجه إلى الدول الثلاث ~~إنذارها الشهير لكان الخراب الكامل لمصر، وكان الإعلام المصري في هذه ~~الحرب قد بلغ حضيضا لم يستطع أن يسفل عنه إلا في حرب 1967م. # وفجرت الأغاني المصرية لتجعل من هذه المهانة نصرا، فكنا بين شعوب ~~العالم سخرية وأضحوكة لم يعرف العالم لها مثيلا إلا بعد ذلك بقرابة ~~ثلاثين عاما على يد صدام حسين في حرب الخليج. ~~••• # ومرت السنوات وأقفل رئيس الجمهورية الطاغية شرم الشيخ، وما حدث بيني ~~وبين توفيق الحكيم حدث بيني وبين أخي الأكبر وتوأم روحي عبد الرحمن ~~الشرقاوي حين رأى هو هذا العمل بطولة ورأيت فيه خرابا، وقد جرى الحوار ~~بيننا في مكتبه بمؤسسة السينما بشارع سليمان باشا، واحتدم بيننا النقاش ~~وتركته على نوع هين من المغاضبة ورغم حبي له نويت ألا أتصل به في هذه ~~الفترة حتى لا تتسع هوة الخلاف، ونشبت الحرب وما كانت حربا، وإنما ~~كانت ما عهدتم من سحق كامل لجيوشنا وأرواح أبنائنا وأموالنا في مدن ~~القتال. # وكنت طوال أيام الحرب في بيتي أتتبع الأنباء من محطات العالم كلها ~~إلا مصر، فلم تكن مصر تذيع إلا الأكاذيب. # وفي يوم اضطررت أن أذهب إلى ms68 المجلس الأعلى للفنون والآداب لأستخلص ~~بعض مستحقات لي، فقد كان السفر إلى البلد مستحيلا ونفد المال من بيتي ~~تماما، وبعد أن حصلت على هذه المستحقات هممت بمغادرة المجلس، وبينما ~~أنا في ممشاه سمعت اسمي على ألسنة السعاة يلهثون خلفي، وقفت وأبلغني ~~المنادون أن يوسف بك السباعي يريدني في حجرته، فصعدت إليه فإذا هو يقول ~~لي: الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة يريدك. ~~- يريدني أنا. ~~- نعم. ~~- خيرا. ~~- والله لا أدري كلمني وقال إنه يريدني ويريدك معي. ~~- متى؟ ~~- الآن. ~~- لا بأس، نذهب. ~~- هل معك سيارة. ~~- نعم. ~~- إذن أذهب معك. ~~- أهلا وسهلا. # وركبنا سيارتي هذه المسافة القصيرة بين المجلس الأعلى للثقافة وبين ~~قصر عيشة فهمي حيث كان مقر وزير الثقافة، ولم نكد نتحدث أنا ويوسف بك، ~~فقد كان واضحا أن الألم يعتصر نفوس المصريين كلهم، وكنت أضرب أخماسا ~~في أسداس حائرا فيما يتخفى وراء هذا الطلب، أأكون قلت شيئا يدل على ~~غضبي ولكنني لا أخرج من بيتي وأنا أعيش بين إذاعات العالم منذ باكر ~~الصباح إلى أن يتوقف الإرسال، لم تطل حيرتي فسرعان ما وصلنا. # وحين دخلت مقر الوزير هدأ طائري لم أكن أنا ويوسف بك وحدنا المدعوين، ~~بل كان هناك ما يقرب من عشرين كاتبا وصحفيا من بينهم عبد الرحمن ~~الشرقاوي الذي صالحته طبعا، كنا جميعا تحت وطأة شعور بالسخط والتشوف ~~والتوقع ويغلف هذا جميعا ألم يعتصر النفوس. # وجلسنا على كراسي كانت معدة وأمامها منضدة ووراء المنضدة باب يفتح من ~~الجانبين، ولم يطل بنا الانتظار وفتح الباب المواجه لنا وخرج الوزير ~~وراح ينظر إلى كل الحاضرين فردا فردا، فإن كان يعرفه ذكر اسمه وإن لم ~~يكن استبان منه الاسم فيذكره صاحبه. # ثم بدأ الوزير الحديث وعرفنا رسميا أن الجيش المصري قد انسحب، وقال ~~الوزير إن الانسحاب لا يعني الهزيمة، وإنما هو لون من ألوان القتال لا ~~يدل على الهزيمة، وعرفنا من الوزير أيضا أن الطيران المصري كله قد ~~دمر، ولكنه قال ولكنني أؤكد لكم تأكيد مثقف لمثقفين أن روسيا سترسل لنا ~~طائرات أخرى ms69 إن لم تكن قد وصلت فعلا، فهي في طريقها إلى الوصول في ~~أقرب وقت، وتحدث الحاضرون وأذكر أنني قلت إنني أطالب الإعلام المصري أن ~~يذكر لنا الحقائق حتى نكون على بينة من أمورنا، فإن الذي تطالعنا به ~~الإذاعات الأجنبية مروع وفظيع، ويبدو أنني تكلمت بلهجة حادة، فراح ~~الوزير يهدئ من روعي بكلمات رقيقة. # خرجنا من الاجتماع وصحبني عبد الرحمن الشرقاوي ونجيب محفوظ لأذهب ~~بهما إلى منزليهما، وفي الطريق كان أستاذنا نجيب مروعا حزينا، وكذلك ~~كان عبد الرحمن الشرقاوي، ولو أنه كان يكتب مقالا يوميا في تحية ~~الجيش، وقد أثارني منه قوله في إحدى مقالاته إنه لا يجوز أن يتكلم ~~الشعب عن الخطط العسكرية لأنه لا يفهم شيئا في هذا المضمار، ولكني لم ~~أشأ أن أحدثه في شأن هذه المقالة ونحن في السيارة فقد كان ثلاثتنا في ~~حال لا تسمح بمزيد من الجدل، وأذكر مما قاله عبد الرحمن الشرقاوي في ~~السيارة: أليس من المحتمل أننا نسحب الجيش الإسرائيلي لنطوقه في عملية ~~كماشة. # فقلت له: وهل كنا ذاهبين إلى فلسطين لنحررها من اليهود أم لنطبق ~~جيشها في كماشة. # فقال نجيب محفوظ: لك حق. ~~- والله الواحد أصبح لا يعرف شيئا. # وفي المساء في نفس هذا اليوم أعلن مندوبنا في هيئة الأمم استسلام مصر ~~الكامل، وكانت للإذاعة قناة متصلة بهيئة الأمم تعمل طوال فترة الاجتماع ~~التي تعمل فيها الهيئة، ومع توقعي لهذا توقعا لا جدال فيه وجدت نفسي ~~أنخرط في نشيج عال من البكاء، وراحت زوجتي أعزها الله تخفف عني غير ~~واجدة من الكلمات ما تقوله؛ إلا أنه ربما كانوا مخطئين، ربما يقول ~~شيئا آخر. # وأحسب أنني ما زلت أبكي حتى اليوم على الرغم من الانتصار الخالد الذي ~~حققه الجيش بقيادة السادات ومعاونة حسني مبارك، وبعد أيام طلبت عبد ~~الرحمن الشرقاوي في التليفون وقلت له: أنا لن أعاتبك على مقالاتك إلا ~~عن مقالة واحدة نهيت فيها الشعب أن يتكلم في وقائع الحرب، أهذا ~~معقول؟ # وفي لهجة من كان ينتظر المكالمة قال لي: أتأتي إلي ms70 أم أجيء ~~إليك؟ ~~- تعال. # وبعد لحظات كان عندي في البيت وبدأ كلامه: أولا أعتذر إليك لاختلاف ~~رأيي عن رأيك، فقد كنت أنت على صواب منذ الوهلة الأولى. # ولم أجد شيئا أقوله وعاد نمير الأخوة الصافي بيننا إلى جدوله لا ~~يرنق صفاءه شيء. ~~••• # أحسب الأيام سارت بي سيرا رتيبا بعد حرب أكتوبر، وأحسب أنني في غير ~~حاجة أن أقص أنباء رواياتي التي كتبتها ، فكل هذا ظهر في أحاديث إذاعية ~~وتليفزيونية ومقالات، وبعضها ذكرته في كتب. # بعد حرب 1967م انتقلنا إلى المعادي لنقيم مع عمي عزيز باشا والسيدة ~~الفاضلة زوجته أمينة هانم في محاولة منا لضغط المصروفات كما يقول ~~الاقتصاديون، وأجرت شقتي بالزمالك مفروشة، وكان ما نناله منها يواجه ~~حاجاتنا الضرورية، ثم كان اعتمادي بعد ذلك في مواجهة مصاريف الأولاد ~~والملبس وبنزين السيارة على بيع أرضي، وما كنت أتقاضاه من مكافآت من ~~مقالاتي وقصصي ما ينشر منها في الصحف أو ما يذاع من رواياتي أو ما يؤخذ ~~للسينما أو للتليفزيون، وفي هذه الفترة كان هناك وفد رسمي إلى العراق ~~اشتركت فيه وكان معي فيه المرحوم صالح جودت وأخي الحبيب أنيس منصور ~~أطال الله عمره، واتفقنا ثلاثتنا أن نذهب معا في سيارة إلى الكويت ~~لنزور بها بعض الأصدقاء، وقد كانت المرة الأولى التي أزور فيها العراق ~~أو الكويت، وكان معنا في العراق أيضا أخونا الشرقاوي، وقد كان ~~الاستقبال لأشخاصنا في العراق رائعا، فقد قصد إلينا الصحفيون ~~والإذاعيون، وكنا موضع تقدير لا شك فيه، أما الهجوم على مصر فكان في كل ~~خطب المهرجان وقصائده، لقد كنا السخرية والنقد الضاري المروع، فقد كانت ~~هزيمتنا مذلة للعرب أجمعين. # وأذكر حادثة طريفة أنني ذهبت أنا والشرقاوي إلى فندق آخر غير الفندق ~~الذي كنا ننزل به في بغداد، وبالصدفة وجدت جماعة كبيرة من أساتذتي في ~~كلية الحقوق أذكر منهم د. علي راشد ود. سليمان مرقص وغيرهم، وكانت ~~جلستي بجانب د. علي راشد فروى لي أمرا غريبا، كان هذا اللقاء في عام ~~1969م، وأنا كنت تلميذا للدكتور علي راشد ms71 في عام 1948م، وأذكر أني ~~أديت امتحان الجنائي في السنة الثانية أداء لا بأس به، ولكنني وجدت ~~الدرجة التي نلتها 6 من عشرين، وهي أقل درجة تسمح بالنجاح بشرط أن ~~يجبرها امتحان الشفوي، وكنت قد نجحت فلم أشأ أن أثير موضوع ضعف الدرجة ~~في الكلية، ولكني في جلستي مع د. علي راشد تبينت الأمر وذهلت له. قال ~~د. علي: هل تعرف أنك كنت ستودي بي في داهية؟ ~~- لماذا؟ ~~- الورقة التي أجبت فيها على الجنائي ضاعت مني. # فصرخت: ألهذا أعطيتني 6 من 20؟ ~~- قلت أعطيه أقل درجة للنجاح وإن كان تلميذا جادا يحصل على درجة ~~أعلى في الشفوي. ~~- أهذا عدل يا دكتور؟ على الأقل أعطني 10 من عشرين، لقد ظلمتني ظلما ~~لن أنساه لك. # وفعلا لم أنسه. # وذهبنا إلى الكويت في هذا العام، ومما لا أنساه تلك الحفاوة البالغة ~~التي لقيها ثلاثتنا هناك، سواء من وسائل الإعلام أو من الهيئات ~~والجماعات والأفراد على السواء. ~~••• # حين تولى الرئيس الخالد الذكر أنور السادات الحكم، تلقيت النبأ ~~بمشاعر بعيدة كل البعد عن الرضى، وكنت في ذلك الحين أذهب كثيرا إلى ~~الزعيم العظيم إبراهيم باشا عبد الهادي، فقد كنت أقيم بالمعادي في ذلك ~~الحين حيث كان يقيم إبراهيم باشا، وقلت له فيما قلت إنني لا أعرف أنور ~~السادات إلا أنه كان يرسل لي بطاقة معايدة في كل عيد، ولم ينقطع عن ~~إرسالها قط، رغم أنني لم أكن أشكره على هذه المعايدة لأنني لا أعرف له ~~عنوانا أرسل الشكر عليه، أو لأنني كنت أعتقد أنها بطاقة عامة ترسل ~~للجميع، ولكني عرفت بعد ذلك من صديق عمري عبد الفتاح الشناوي أن أنور ~~السادات كان على صلة بأبي، وهي صلة لم أعرفها أنا إلا من الشناوي الذي ~~كان سكرتيرا فمدير مكتب لأبي، ثم قلت لإبراهيم باشا إنني لست متفائلا ~~مطلقا برئاسته، فإذا بالسياسي العظيم يقول لي: سترى يا ثروت أن هذا ~~الفتى هو خير من عرفت وسترى مصر على يديه خيرا لم تكن تحلم به. # وكنت أثق بآراء الزعيم ms72 السياسي أحد أبطال ثورة 1919م والرجل الذي ~~واكب الحياة السياسية، وكان من صناعها فترة طويلة من الزمان تتجاوز نصف ~~القرن. # ومرت الأيام وبدأت الأحداث تتوالى، فإذا السادات سياسي داهية من ~~الطراز الأول. # ولكن وعده بحرب فلسطين ليرد إلى مصر شرفها لم يكن يدور بخلدي أنه ~~سينفذه، وقد أكد لي هذا تأكيدا لا يقبل الشك مقالات محمد حسنين هيكل ~~بالأهرام التي كانت جميعها تجعل الحرب ضربا من المستحيل لا يتحقق إلا ~~بقنبلة ذرية. # وفي أحد الأعوام أطلق عليه السادات عام الضباب يقصد بذلك أن الأمور ~~لم تكن واضحة أمامه في ذلك العام، ولذلك امتنع عن الحرب، وأقيم معرض ~~للكتاب في ذلك العام وكانت روايتي (الضباب) معروضة في المعرض، كانت ~~الجماهير تقف أمام الرواية وتضحك، أهذا هو الضباب الذي يقول عنه ~~الرئيس. # إلى هذا الحد كنت ومعي الأغلبية الكاثرة من الشعب المصري لا نصدق ~~أسطورة الحرب هذه. # وكان الأستاذ توفيق الحكيم والأستاذ نجيب محفوظ يشاركاني هذا الرأي، ~~وفي يوم دخلت إلى مكتب توفيق بك في الأهرام، ولم أكن عملت به فأطلعني ~~على بيان مكتوب بلهجة عنيفة معناه أنه ما دام أمر الحرب مستحيلا فلا ~~أقل من أن ننال حريتنا ونعود إلى الديمقراطية الغائبة عنا منذ ~~سنوات. # وأمر هذا البيان معروف فقد عزلونا من الاتحاد الاشتراكي، والذي وقع ~~قرار عزلي زميلان لي هما د. كمال أبو المجد ومحمد حامد محمود، وكلاهما ~~متخرج معي في نفس الدفعة وقد أرسل لي محمد حامد مع شقيق زوجتي محمد ~~واثق يقول لي: إنه يعلم أنه عزلني من الاتحاد الاشتراكي رغم أنني لست ~~عضوا به، ولعل في هذه الجملة ما يغنيني عن التعليق. ومنع السادات ~~أسماءنا أن تظهر بالصحف، ونشرت الصحف أنه سينظر في أمر كل كاتب على حدة ~~إذا قدم الكاتب تظلما من قرار العزل هذا، وكلمت أخي الأكبر الحبيب ~~يوسف السباعي: طبعا ستشفع لي ليرفع عني قرار العزل والحظر. # فقال: طبعا. ~~- أرجوك ألا تفعل فإنني لن أقدم تظلما. # وثار بي أخي يوسف بك، ولكنها كانت ثورة ms73 حبيبة إلى نفسي؛ لأنها كانت ~~صادرة عن حبه العميق لي. # وحدث في هذه الفترة أنني كنت مرشحا لمرافقة وفد أدبي فيه عمي عزيز ~~باشا إلى تونس، فرفع اسمي من الوفد وأبلغت بذلك فلم أهتم أي اهتمام، ~~إلا أنني أسفت لأنني حرمت من مرافقة عمي عزيز خارج مصر، فقد شاء الله ~~- على كثرة أسفاره وأسفاري - ألا يجمعنا بلد آخر خارج مصر حتى وفاته ~~رحمة الله عليه. # وحدث أن ذهب الشاعر الرقيق صالح جودت ويوسف بك السباعي إلى عزيز باشا ~~وطلبا إليه أن يقنعني بالعدول عن موقفي، فكان عزيز باشا عظيما وهو ~~يقول لهما: إن ثروت ليس زوج ابنتي فقط، ولكنه عندي أنا ابني المقرب، ~~وأنا على استعداد أن أحادثه في أي شيء إلا في مواقفه السياسية، فهذا ~~شأنه وحده. # واستدعى الرئيس السادات توفيق بك للقائه وروى لي توفيق بك بعد ذلك ~~أنه في أثناء الحديث لم يذكر من أسماء الموقعين جميهم إلا اسمي ~~أنا. ~~- كيف؟ ~~- قال في حدة وغضب وثروت أباظة. ~~- هذا مبتدأ فأين الخبر؟ ~~- لم يكمل الجملة. # وقدرت أنا استنتاجا أنه كان يتوقع مني التأييد لا المعارضة بعد ~~القدر من الحرية الذي أتاحه ومع علمه بمعارضتي الشديدة للعهد السابق ~~لعهده. # وسافر عزيز باشا إلى تونس وعاد، وبعد فترة سافر إلى الكويت وما هي ~~إلا أيام حتى جاءنا خبر بأنه أصيب هناك بأزمة قلبية حادة، ورحنا نعد ~~أنا زوجتي للسفر فإذا بي أفاجأ في الجوازات أنني ممنوع من السفر، ورحمه ~~الله يوسف السباعي مثلا أعلى في الوفاء والإخلاص والقلب الكبير الذي ~~يسع الناس أجمعين، ما هي إلا ساعة حتى أبلغ الجوازات برفع الحظر عن ~~اسمي، وسافرت وزوجتي إلى الكويت. # وكانت الأزمة حادة، ومكثنا بجوار عزيز باشا لا نتركه إلا للنوم، وحين ~~اطمأنت نفسنا بعض الشيء طلبت مني إذاعة الكويت أن ألقي بها بضعة ~~أحاديث، فرأيت أن أكتب عن روعة السرد القصصي في القرآن الكريم، وقد ~~جمعت أحاديثي هذه بعد ذلك في كتابي السرد القصصي في القرآن ~~الكريم. # وحين اطمأنت نفوسنا على ms74 عزيز باشا عدنا إلى مصر ولحق بنا بعد أيام، ~~وقد شاء الله أن يكرمه فاختاره إلى جواره وهو في بيته وبين أهله. وقد ~~فقدت بفقده أبا حانيا لي ولابنتي وابني، وكانت كارثة عظمى ربما مهد ~~لها الله سبحانه وتعالى بمرضه الذي أنذرنا بالخطب قبل وقوعه. # وكنا قد انتقلنا في هذا العام إلى القاهرة، سبقت أنا بالعودة ولحق ~~بنا الباشا وأمينة هانم، ليسكنا الفيلا الواقعة بأعلى العمارة التي ~~أقيم بها أنا وأسرتي في الدور الأول منها، توفي عزيز باشا في 10 يوليو ~~عام 1973م، ولم يشهد الحرب. ~~••• # كنت أنا وعبد الفتاح الشناوي وعبد الرحمن الشرقاوي ومحمود محمد محمود ~~بك وعبد المجيد باشا بدر ود. محمد هاشم باشا نقضي فترة الظهيرة من ~~رمضان في مقهى مواجه للبنك الأهلي صغير اسمه بار الأنجلو، وكان جميعنا ~~صائما، فكنا ندفع أثمان طلبات لا تقدم إلينا، ولكننا نبرر بها وجودنا ~~في المقهى، وكنا نظل نتحدث في شتى الأمور حتى يقترب موعد صلاة العصر ~~فنقوم ونستقل سياراتنا إلى واحد من المساجد الكبرى بالقاهرة أو نتجه ~~إلى مسجد أثري ونقيم الصلاة جماعة، ثم نتمشى في الحي بعض الوقت ويكون ~~المغرب قد آذن بالأذان فنتجه إلى بيوتنا قبيل الإفطار بدقائق، وفي ~~أوائل أكتوبر فوجئنا بقرار من الرئيس السادات برفع الحظر عن أسمائنا ~~وإعادة أعضاء الاتحاد الاشتراكي إليه. # وفي العاشر من رمضان سمعنا بنبأ الحرب ونحن مجتمعون بالمقهى وتولانا ~~جميعا الذهول، ولا أخفي أنني أصبت بهلع فإن مصر لم تكن تحتمل هزيمة ~~أخرى، ولا يعقل أن جيشا هزم هزيمة 5 يونيو سنة 1967م يستطيع بعد ست ~~سنوات أن يقلب الهزيمة إلى نصر. # ولكن المعجزة الإلهية تحققت على يد القائد العملاق الخالد أنور ~~السادات وبمعاونة رئيسنا العظيم حسني مبارك أطال الله عمره ~~وأيده. # ما كان أهون ما عاقبنا به أنور السادات لو وقع منا هذا الذي فعلنا في ~~عهد الرئيس السابق عليه لكان الموت أقل ما يواجهنا. وأذكر في هذه ~~المناسبة أن صديقا لي من الكتاب اقترح علي بعد هزيمة يونيو ms75 أن ~~نكتب بيانا ندعو فيه رئيس الجمهورية إلى إعادة الحرية لمواجهة عواقب ~~الهزيمة، وتحمست لهذا القرار وكتبت البيان ووقعته، فكان أول الناكصين ~~عن توقيعه الكاتب الذي اقترحه، ولم يوقع معي البيان إلا نجيب محفوظ ~~وحده، وأبى جميع الكتاب التوقيع، ولن أذكر أسماء الذين عرضت عليهم ~~التوقيع، وطبعا لم أرسل البيان. # أصبحت أنا وتوفيق بك ونجيب بك من أشد المتحمسين لأنور السادات، ورغم ~~أنني لم أكن كاتبا ثابتا بأي جريدة فقد حرصت على نشر تأييدي الصريح ~~للزعيم العملاق في تحمس لا مثيل له، وكذلك فعل الكاتبان الكبيران توفيق ~~الحكيم ونجيب محفوظ. # وبعد فترة عرفني خالي مدحت بالسيد بك مرعي، وقد وجدت فيه إنسانا ~~غاية في الرقة والعذوبة، كما وجدت فيه سياسيا حاذقا متمرسا. # وأبلغني السيد مرعي أن الرئيس السادات معجب بما أكتب، واقترح خالي ~~مدحت أن الأوان قد آن لأعين بمكان ما في الصحافة، وقد وجدت الفكرة ~~ترحيبا من السيد بك. وأبلغنا بعد ذلك أن الرئيس أيضا يرحب بالفكرة، ~~وبعد قرابة سنتين علمت من السيد بك أن الرئيس سيأمر بتعييني في مجلة ~~الإذاعة والتليفزيون كرئيس لمجلس إدارتها، وكان د. كمال أبو المجد في ~~ذلك الحين وزيرا للإعلام الذي تتبعه المجلة، والتقيت به وأخبرني برغبة ~~الرئيس، كما أخبرني أن الرئيس يهنئني على روايتي، والواقع أن لقائي ~~بكمال لم يترك في نفسي أثرا طيبا، ولا وجدت منه ما كنت أتوقعه من ~~زميل دراسة وصديق. # وأذكر أنه عرض علي أن أعمل معه بالوزارة فرفضت، فراح يثير حديثا ~~عن العقبات التي ستواجهني في المجلة فلم يقنعني، وكنت في يوم لقائه أعد ~~نفسي لرحلة عمرة اتفقنا أن يتم تعييني بعد عودتي منها واعتمرت وعدت، ~~وكانت أمينة هانم صدقي في لوزان بسويسرا في ذلك الحين، فاستدعت زوجتي ~~أن تذهب إليها ورحبت زوجتي فهي تحب السفر إلى الخارج حبا جما، ~~وتحرص عليه حرصا شديدا مهما تكن العقبات، وسافرت وبقيت أنا، وشاء ~~الله أن يخرج كمال أبو المجد من الوزارة ويوقع قرار تعييني أخي الأكبر ~~وواحد من أقرب الناس ms76 إلى قلبي يوسف السباعي، وأبلغت زوجتي بسويسرا أنني ~~عينت، وأتولى رئاسة مجلس إدارة الإذاعة والتليفزيون، ولن أذكر عن ~~الفترة التي قضيتها بها شيئا، ولكن ما قاله لي عميد الصحافة العربية ~~المعاصرة مصطفى بك أمين: كيف استطعت أن تجعل من الفسيخ شربات؟ # وأحمد الله. # وحدث أن كتب الأستاذ جلال الحمامصي مقالا يشكك في نزاهة الرئيس ~~الأسبق، ووقف السادات في خلق الفلاح الأصيل يدفع التهمة في إصرار دون ~~أن يدفع الحجة بالحجة، وإنما كان دفاعا عن صديق له مهما يكن الدفاع ~~نوعا من الخطابة وليس تفنيد وقائع. # وقلت في نفسي كنا نكتب رمزا حين كنا لا نستطيع أن نصارح، واليوم أنا ~~مسئول وحدي عن المجلة التي أكتب فيها، فمتى أقول الحق الصريح إذا لم ~~أقله اليوم. # وكنت أنتظر توفيق بك الحكيم في صباح أحد أيام الجمع بالطابق الأعلى ~~من فندق النيل، وكنا قد اتخذنا منه مكانا لندوتنا، ويبدو أنني ذهبت ~~مبكرا فوجدت نفسي أخرج بعض أوراق وجدتها في جيبي بها كتابات، ولكن بها ~~أيضا فسحات من البياض تتيح لي الكتابة، فرحت أقطع الانتظار بكتابة ~~المقالة التي غيرت مجرى حياتي، وقد كانت أول مقالة صريحة تظهر في ~~الصحافة العربية تهاجم الطاغية، وحين جاء توفيق بك كنت قد انتهيت من ~~كتابة المقال ووضعته في جيبي ولم أذكر عنه شيئا لأحد حتى ذهبت في صباح ~~السبت إلى مكتبي في المجلة. # وإني أعتقد أن من حقك علي أن تقرأ هذا المقال فقد بعد العهد به، ~~فهو قد نشر في 14 فبراير سنة 1976م، ونحن في أكتوبر سنة 1992م، وإليك المقال: # وفي أي شيء صدق؟ # أية غريبة أن يقال ما يقال؟ وما المال وقد سرق أمننا، ولص ~~كرامتنا، وامتص دماء أبنائنا، وأهدر على رمال سيناء شرف مصر ~~والعرب وتاريخ أمة ومستقبلها. # وفي أي شيء صدق حتى يصدق في ذمته؟! # قال ارفع رأسك يا أخي، وحطم كل رأس فكر في الارتفاع أو فكر ~~فقط، وأبى أن يجعل أحدا من الناس أخا، بل أرغم الجميع أن ~~يكونوا عبيدا له ms77 أو هم أعداء. # قال ديمقراطية، ثم فشا وحده مسعورا، منفردا بالحكم، ~~مسئولا وحده عن كل خفقة نفس في البلاد. # وقال قضينا على الإقطاع، فإذا بأصحاب الملايين في عهد ~~الرأسمالية كانوا لا يتجاوزون أصابع اليدين عددا، فأصبحوا ~~خمسمائة نتيجة لعهده، ثروة الواحد منهم مهما تبلغ من الضآلة ~~تلتهم ملايين الإقطاع جميعا والإقطاعيين. # وقال ثورة بيضاء، ثم أهدر دماء الشباب في حروب اليمن وحربي ~~سيناء من أجل مجده الشخصي، ومن أجل خراب مصر في دمائها ومالها ~~وكرامتها. # وأسال الدماء في خسة غادرة مجرمة وراء أسوار السجون ~~والمعتقلات. # قال الشرف وهدد الرجال في عفة زوجاتهم وشرف بناتهم ~~وأخواتهم. # قال تكافؤ الفرص وأغدق الأموال على أبنائه، حتى لقد كان ~~الواحد منهم يلهو بقيادة الطائرة لا يحلم أغلب الشعب أن يركبها ~~مرة في حياته، وتقدمت ابنة له تفكر في شراء أرض يتجاوز ثمنها ~~مائة وخمسين ألف جنيه، ولقب ابنه بالمليونير في إذاعة لندن، ~~وسكب أموال الدولة على إخوته وعلى كلابه من ماسحي أحذيته، ~~ولاعقي نعاله، فهم ينبحون باسمه حتى اليوم وقد فجعتهم فيه ~~الفاجعة، وزالت من أفواههم دماء الشعب التي أتاح لهم أن ~~يمتصوها، تؤيدهم في نباحهم فئة أخرى اعتدى عليهم في المعتقلات ~~وجعل زوجاتهم بلا موئل لطول حبس الأزواج ولحبس المال عنهم، ومع ~~ذلك ينبحون باسمه مع كلابه النابحة. # لأن الحكم الجديد ... قال الله. # وقال الحرية. # وقال القانون. # ونفذ ما قال وانتصر. # في أي شيء صدق؟! # قال الرجل المناسب في المكان المناسب ثم اختار أهون الناس ~~وجعل منهم رؤساء على العمالقة، ووضع في أغلب المناصب رئيسا ~~جاهلا؛ لأن الجهلاء هم علماء النفاق، فانهار العمل في الحكومة ~~وفي القطاع العام، وحين قال محافظ من علمائه: # أعطى القانون إجازة. رقي إلى وزير؛ لأنه عبر عن شعار ~~الدولة. # في أي شيء صدق؟! # دعا إلى الاشتراكية، وعاش، وعاش خدمه والمحظوظون من أتباعه ~~عيشة تتضاءل عندها عيشة الفجار من العاهرين في الرأسمالية، ~~فسمعنا عن فواكه تأتي بالطائرات وعن سيارات نقل تحمل الفراء ~~والسجاجيد، ويعلن هذا علينا حين يغضب على ms78 الفاعل، ويستر علينا ~~حين يترضاه ويضع رأسه تحت قدميه، ألا، إلى غير رجعة يا زمن ~~الهمس والصراخ، والنوم المفزع، والقلق الشائع، والخوف المبيد، ~~والعرض المباح، والدم المسفوك، والشرف الجريح، والتاريخ ~~الممزق، والأمل المظلوم، واليوم الكالح، والغد العبوس، والحق ~~المضاع. # ويقولون اكتموا على السرقات أن تذيع، فإنها إن شاعت أحجمت ~~أموال العالم عن مصر والانفتاح، جهلوا الحقيقة، لن تأتي ~~الأموال وأصحابها يعرفون أن اللصوص هنا تتخفى وراء الأستار ~~تحمل التشكيك في أمانة بلادنا، يوم تنكشف الحقائق ويعرف العالم ~~أننا أصبحنا على الطريق القويم، شريفة أيدينا، واثقة نفوسنا، ~~مطمئنا اقتصادنا، يأتي إلينا أصحاب الأموال الشرفاء واثقين ~~مطمئنين، والحق دائما بالدول أجدر. # ولست بحاجة أن أذكر الدوي الذي تفجر عن هذا المقال، وكان الأستاذ حسن ~~عبد المنعم رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون، وكانت مجلة الإذاعة تابعة ~~له تبعية اسمية، فأرسل إلي بكلمة لأنشرها مؤداها أن ما كتبته لا يعبر ~~عن رأي الاتحاد، فنشرت الكلمة وعلقت عليها في نفس الصفحة بما معناه أن ~~أصابع الكتاب حرة حتى لا يتخللها أصابع الآخرين من ذوي المناصب ~~الحكومية أو من غيرهم. # وهاج يوسف بك السباعي وكان وزيرا للإعلام والمجلة تابعة له طبعا، ~~وقال لي: هل أكتب أنا هذا الكلام؟ ~~- ولماذا تكتبه أنت؟ وهل كتبت أنت هارب من الأيام وقصر على النيل ~~وشيء من الخوف، أنت تعرف قدر حبي لك، ولكن هذا لا يعني مطلقا أن أكتب ~~بقلمك. # وبيعت النسخة من المجلة في هذا اليوم بخمسين قرشا وكان ثمنها الرسمي ~~عشرة قروش، وعرفت أن الكثيرين وضعوا المجلة في إطار وعلقوها في بيوتهم ~~وأصحاب المحلات علقوها في محالهم. # وظلت المقالة حديث الناس فترة طويلة، وفوجئت يوما بيوسف السباعي ~~يستدعيني إلى مكتبه في الوزارة ويفاجئني بقوله: ما رأيك أن تأتي للعمل ~~معي وكيلا للوزارة؟ # فقلت في حسم: لا يمكن، أستقيل أحسن. ~~- أترفض العمل معي؟ ~~- أرفض أن أترك الكتابة وأنا بهذا أحمي عهد السادات الذي يذيع أنه ~~يتيح الحرية للكتاب، ثم ينقل كاتبا إلى عمل إداري؛ لأنه كتب مقالا ~~لم تأمر الحكومة ms79 بكتابته. ~~- يا أخي إنك لم تعين إلا بطلوع الروح. ~~- ما زال عندي بضعة أفدنة أبيعها ولا تحمل همي. ~~- الوزراء غاضبون وثائرون. ~~- هذا شأنهم. # وفي يوم أبلغت أن أحضر جلسة مجلس الشعب التي سيلقي فيها الرئيس ~~السادات خطابه، وذهبت ووجدت جميع رؤساء مجلس الإدارة للصحف والمجلات قد ~~دعوا إلى الجلسة، وكان معنا عمي فكري باشا رحمه الله، وجلسنا في ~~مقصورة الملكة بالدور الثاني من الشرفة وألقى الزعيم خطابه الذي ألغى ~~المعاهدة التي كانت قائمة بين مصر وروسيا ، وفي أثناء الجلسة صعد إلينا ~~من أخبرنا أن الرئيس يريد لقاءنا بعد الخطاب في حجرة رئيس المجلس ~~وانتهى الخطاب وذهبنا إلى لقاء الرئيس، وكنت حريصا أن أقود خطوات عمي ~~فكري نظرا لضعف نظره، وكان الزعيم السادات واقفا حين دخولنا، فوقفنا ~~حوله بعد أن صافحنا وقال: نحن قلنا ما نريد قوله، ولا أرى ضرورة ~~لمهاجمة روسيا. # فوافق الحاضرون على رأيه ثم التفت إلي قائلا: يا ثروت اكتب مقالة ~~أخرى أحسن الجماعة زعلانين، اكتب مقالة أخرى. # قلت: لقد كتبت مقالة بعدها هل قرأتها سيادتك؟ # قال في سماحة: قرأتها إنما المقالة الأولى لم أقرأها. اكتب مقالة ~~أخرى. ~~- أمرك. # وخرجنا وسرت مع عمي فكري باشا وقال لي: ماذا ستفعل؟ ~~- لا أدري. ~~- إنه لم يستدعنا جميعا إلا ليقول لك ما قال. ~~- هذا واضح. ~~- امدح الرئيس السابق. ~~- الموت أهون. # وذهبت إلى البيت وأدركت أنني إذا حاولت النوم فإن النوم سيستعصي ~~علي، فأمسكت بالقلم وكتبت ما معناه في ظل الحرية التي أتاحها لنا ~~أنور السادات سننسى ما فات ونحاول أن نقيم ما تحطم من نفوسنا. # وكان مقررا أن يسافر الصحفيون مع الرئيس السادات إلى السعودية، ~~وسافرت فطالعني في السعودية أمر لم أكن أتصور أنني ملاقيه، فقد تعرفت ~~في الطائرة بالدكتور محمد عبده يماني وزير الإعلام حينذاك. وحين وصلت ~~إلى الفندق لم تمض إلا بعض الساعة وحدثني في التليفون من يبلغني أن ~~وزير الإعلام في انتظاري على الغداء، وقد دعا معي الأستاذ أحمد زين ~~وذهبنا، وهناك التقيت لأول مرة بعالم الدعوة الإسلامي ms80 العالمي فضيلة ~~الشيخ محمد متولي الشعراوي، وفرحت بلقائه كل الفرح، وكنت قد شهدته يخطب ~~جموع الحجاج في البيت الحرام، وكانت الدمعات تتقاطر من عيني ومن عيني ~~زوجتي ونحن نستمع إلى خطابه وقلت له هذا فإذا هو يقول في خفة ظل لا ~~تتأتى إلا له: أي خطبة يا مولانا. سمع علي سمع. # وإذا هو يلقي علينا مقالتي «في أي شيء صدق؟» من الذاكرة فقد حفظها عن ~~ظهر قلب، ولا أحد يتصور ما داخلني من شعور في هذه اللحظات فما تصورت أن ~~أسمع كلامي محفوظا من أحد مطلقا، فما بالك وحافظه هذه الظاهرة ~~التاريخية في العالم الإسلامي. # وقال الشيخ الجليل: لقد قرأتها ثم ظللت أنظر إليها فما رفعت عنها ~~عيني إلا وقد حفظتها جميعا. # وكان في رفقة الرئيس واحد من أنسباء الرئيس السابق، وحاول أن يقوم ~~ببعض السخافات في خفية عني طبعا، ولم يحاول أن يواجهني فتجاهلت أمره، ~~وكأنه شيء غير موجود، وقد كان كذلك بالنسبة لي فعلا. # وعدنا إلى القاهرة وكان من المقرر أن يحدث تغيير عام في الوزارة وفي ~~الصحف على السواء في نفس الوقت الذي كنا نستعد فيه للسفر في رحلة إلى ~~أوروبا مع الرئيس، وظهر التأليف الوزاري الجديد فعلا وخرج يوسف ~~السباعي من الوزارة وجاء مكانه جمال العطيفي وبدأت التغييرات في ~~الصحافة، وكان رئيس الوزراء الرجل المهذب الإنسان ممدوح سالم. # وبينما كنت في مكتبي بالمجلة طلبني رئيس الوزراء وحدد لي موعدا ~~للقائه يخيل إلي فيما أذكر أنه كان في نفس اليوم. # ولا أنسى الجزع الذي بدا على أسرة المجلة، الأمر الذي أسعدني ولم ~~أتصور أن يتغير مكاني بعد أن طلب مني الرئيس أن أكتب مقالة أخرى، ~~ولكنني على كل حال لم أكن مهتما، وذهبت إلى مكتب رئيس الوزراء فوجدت ~~معه الأستاذ إحسان عبد القدوس الذي كان إلى هذه اللحظة رئيسا لمجلس ~~إدارة الأهرام فانتظرت، وقليلا ما أنتظر ودخلت إلى ممدوح بك وكان ~~رقيقا إلى درجة أنه لم يجلس إلى مكتبه وإنما جلس إلى الأريكة وجلست ~~بجانبه، وقال لي ms81 دون مقدمات: الرئيس يريد أن تكون كاتبا في ~~الأهرام؟ # ودون ريث تفكير قلت: قوي. ~~- عظيم، إذن لا تخبر أحدا واستمر في عملك حتى يصدر القرار. ~~- والسفر إلى ألمانيا؟ ~~- إذا لم يصدر القرار قبل السفر رافق الرئيس. # وودعني الرجل في أدب جم. # وتجمع بعض المحررين في المجلة وراحوا يسعون لدى رئيس الوزراء ولدى ~~سيد بك مرعي رئيس مجلس الشعب ولدى الرئاسة أن أبقى في مكاني، مما جعلني ~~أكلم سيد بك مرعي، وأرجوه ألا يتغير قرار نقلي للأهرام ، وأن الذي يقوم ~~به بعض المحررين يتم دون علم مني. فقال سيد إنهم يعرفون ذلك على وجه ~~اليقين، والجمع هنا تفيد الرئيس لا شك في ذلك. # وحدث في هذه الفترة أن التقيت بالسيد بك مرعي ربما في نفس يوم لقائي ~~برئيس الوزراء، وعرفت منه أن يوسف السباعي سيكون رئيسا لمجلس إدارة ~~الأهرام. # فحين خرجت من مقابلة رئيس الوزراء حرصت أن أكلم اثنين صديق عمري علي ~~حمدي الجمال وأخي الحبيب يوسف بك، وجدت علي الجمال بسهولة، وقد فرح - ~~رحمه الله - بنبأ ذهابي معه إلى الأهرام فرحا هائلا، أما يوسف بك ~~فعلى غير العادة لم أجده في أي مظنة من مظانه التي أعرفها جميعا، فلم ~~يطلبني إلا بعد ما يزيد عن ساعة فقلت له: أنا وراك وراك. # فضحك وقال: ورائي فين؟ ~~- أنا ذاهب معك إلى الأهرام. ~~- ماذا؟ ~~- أخبرني رئيس الوزراء اليوم أن الرئيس يريدني كاتبا في ~~الأهرام. ~~- صحيح؟ ~~- صحيح. ~~- وأنا، كيف عرفت أني ذاهب إلى الأهرام؟ ~~- معلوماتي الخاصة. ~~- يعني من أخبرك؟ ~~- المفروض إنه سر. ~~- علي أنا؟ ~~- لك حق، ليس عندي سر عنك، أخبرني سيد مرعي، يكفي؟ ~~- يكفي جدا. # طلبت من مكتبي في المجلة الوزير الجديد جمال العطيفي لأهنئه ~~بالوزارة، وصاح في فرح: أخيرا سنعمل معا. # ودهشت أن ذهابي إلى الأهرام ما زال سرا عليه فقلت: كم كنت أتمنى ~~ذلك. ~~- تتمنى. وماذا حدث لهذا التمني؟ ~~- أنا ذاهب إلى الأهرام. # ودهشت دهشة واضحة في التليفون ظهرت من ألفاظ كثيرة ثم سألته عن السفر ~~إلى أوروبا، فقال لي إنني ms82 رسميا ما زلت في مكاني، وأن علي أن أمضي ~~في عملي كأن شيئا لم يكن. # وفعلا سافرنا إلى ألمانيا ليبدأ الرئيس رحلته إلى أوروبا، وفي اليوم ~~التالي لوصولنا عرفنا أن قرارا قد صدر بتعيين الأستاذ يوسف السباعي ~~رئيسا لمجلس إدارة الأهرام والأستاذ أحد بهجت رئيسا لمجلس إدارة ~~الإذاعة، ولم يذكر اسمي في شيء من القرارات. # وكانت رحلتي هذه رحلة ممتعة فأنا غير مطالب بعمل أو بكتابة شيء، وكل ~~ما علي أن أتنزه، وكان علي حمدي الجمال معنا فطلب إلي ونحن في ~~الرحلة أن أتولى القسم الأدبي في الأهرام فلم أمانع، وحين عدنا مرت ~~بضعة أيام ثم استدعاني يوسف السباعي ليخبرني أن قرار نقلي إلى الأهرام ~~قد صدر. # وبدأت عملي بالأهرام، ولم يمر طويل وقت حتى فجعت بالرصاصة الغادرة ~~المجرمة التي أصابت رجلا من أعظم الرجال الذين عرفتهم وأحببتهم في ~~حياتي يوسف السباعي، كان يوسف السباعي في عهد الطغيان هو مانعة الصواعق ~~عن الأدباء، ولولاه لدمر الأدباء في مصر تدميرا كاملا شأن كل ما ~~هو كريم مشرق في حياتنا، رحمه الله رحمة واسعة وتقبله بين الصديقين ~~والشهداء. ~~••• # دق جرس التليفون في بيتي في أحد الأيام وكان المتحدث د. طلبة عويضة ~~أمين عام الحزب الوطني بالشرقية، وأخبرني أن الرئيس يريدني أن أنضم إلى ~~الحزب الوطني؛ لأنه يريد أن يرشحني لمجلس الشورى، ولما كنت مؤيدا كل ~~التأييد للسادات فلم أجد ما يمنعني من الانضمام وأرسل إلي الدكتور ~~طلبة أوراق العضوية، وانضممت إلى الحزب الوطني. # وكلمت زميل دراستي الوزير حلمي عبد الآخر أن يرشح الحزب عبد الفتاح ~~الشناوي في المطرية ووعد خيرا، وعلمت بعد ذلك أن اسمي عرض في اجتماع ~~الهيئة البرلمانية لمجلس الشعب في الشرقية، كان الحزب قد ارتأى أن يعرض ~~أسماء المرشحين في كل محافظة على أعضاء مجلس الشعب بها، وكان الحاضرون ~~في الجلسة خمسة وعشرين عضوا عرفت أنهم وافقوا بالإجماع على ترشيحي في ~~مجلس الشورى، فحمدت الله على هذه الثقة، وسافرت لقضاء المصيف ~~بالإسكندرية، ومن هناك وقبل ظهور الترشيحات بيوم واحد ms83 طلبت أخي المرحوم ~~حلمي عبد الآخر لأطمئن على ترشيح عبد الفتاح الشناوي فقال لي: لن يظهر ~~اسمه في الترشيحات ولن يظهر اسمك أنت أيضا. # فضحكت وقلت: أنا لم أطلب الترشيح لنفسي. # فقال: الرئيس السادات قال إن ثروت أباظة لا يجوز أن يرشح عن دائرة ~~واحدة في القطر المصري، بل من حقه أن يمثل مصر كلها، ولذلك فقد قررت أن ~~يكون اسمه بين المعينين لا بين المرشحين. # وقد سعدت بهذا التقدير وحمدت الله أن وقاني من جهد الانتخابات ~~المضني. # وفي هذه الأثناء كان اتحاد الكتاب قد أعلن أنه يرجو الرئيس السادات ~~الموافقة على أن يكون الرئيس الفخري للاتحاد، ووافق الرئيس السادات، ~~وكان رئيس الاتحاد في ذلك الحين توفيق بك الحكيم، وكنت نائب الرئيس، ~~وحدد لنا الرئيس السادات موعدا للقائه وإهداء وثيقة الرئاسة الفخرية ~~له في منزله بالمعمورة، وكنا في رمضان وتناول أعضاء الاتحاد طعام ~~الإفطار بنادي السيارات بالإسكندرية، وكنت قد أعددت كلمة ألقيها أمام ~~الرئيس وبعد الإفطار قصدنا إلى استراحة الرئيس واستقبلنا بكثير من ~~الحفاوة وأحببت أن أمازح توفيق بك الحكيم الذي أجلسه الرئيس بجانبه، ~~فذهبت وملت على أذن الرئيس السادات، فإذا بالرجل العظيم يهب واقفا لا ~~أحادثه وأنا واقف وهو جالس فقلت له بصوت يسمعه توفيق الحكيم: أتعرف ~~سيادتكم لماذا أنابني توفيق بك في إلقاء كلمة الاتحاد؟ ~~- لماذا؟ ~~- لأنه سيكتب ولا ينال أجرا على ما كتب. # وضحك الرئيس ملء فمه وقال لتوفيق بك: لماذا يعاكسك أبناؤك يا توفيق ~~بك؟ # وضحك توفيق بك. # وألقيت كلمتي وعلق عليها الرئيس السادات تعليقا كريما، ومن طريف ما ~~دار حول الكلمة أن عضوا من الاتحاد مشهورا بتفاهته سألني هل أنت الذي ~~كتبت هذه الكلمة؟ فلم أجب سؤاله وإنما رويته على سبيل الفكاهة لصديقي ~~سعد وهبة، فضحك وقال: إن لم يكن أنت كاتبها فلا بد أن يكون طه حسين هو ~~الذي كتبها، فهذا الأسلوب لا يكتبه إلا هو. # وقد رويت هذه الواقعة لأظهرك على مدى التفاهة التي قد يصل إليها بعض ~~مدعي الأدب. # ومن طريف ما ms84 حدث في ذلك اليوم أن الرئيس السادات بعد انتهاء مراسم ~~الاحتفال ظل بيننا يجوس الحديقة متحدثا للأدباء وأذكر أنني قلت له: يا ~~سيادة الرئيس أنت أول إنسان في التاريخ يضحك على اليهود. # فضحك وقال: بيجن يقول دائما لن أنسى ما فعلته بي عمري كله. # قلت له: يا سيادة الرئيس سيادتك غضبت من البيان الذي كتبناه بينما ~~كان البيان من ضمن علامات التمويه التي استعملتها سيادتك بذكاء شديد ~~قبل المعركة. # فضحك وقال: فعلا، فعلا لك حق. # ولم يتركنا الرئيس إلا بعد أن رجوته أن يصعد إلى البيت حتى يصيب ~~قدرا من الراحة بعد هذا الجهد فقال: شكرا، لك حق. # وصعد. # ولقيته بعد ذلك في أوائل أيام اجتماع مجلس الشورى في لقاء استدعاني ~~إليه، فازددت به إعجابا في الاجتماع الذي لم يكن معنا فيه ~~ثالث. # وانتهى المصيف وعدت إلى القاهرة، وفي يوم بينما كنت في مكتبي ~~بالأهرام طلبني أخي أنيس منصور في التليفون، وقال لي إن الرئيس يهنئك ~~بتعيينك في مجلس الشورى، فشكرت صديق عمري ورجوته أن يشكر الرئيس ~~باسمي. # أما كلماتي في مجلس الشورى فقد نشرت بالجرائد ولا أستطيع أن أجمعها، ~~ولا أرى داعيا لذلك أيضا. # ولكن وقعت قصة طريفة أجد من حقها أن أنشرها، في إحدى الجلسات تكلم ~~أخي عبد الرحمن الشرقاوي وكنت أعارض كل ما قاله، فوقفت بعد جلوسه لأرد ~~عليه وأذكر أنني شددت عليه النكير وتكلمت بحماسة معارضا له، وجلست ~~وكان عبد الرحمن يجلس ورائي في المجلس فغمز كتفي وقال: ألا تحب أن تشرب ~~فنجان قهوة. ~~- أحب جدا. ~~- هيا بنا. # وخرجنا أنا وهو نرتشف القهوة ونتحدث في كل شيء إلا ما دار في الجلسة، ~~وكان الأعضاء كلما رأونا دهشوا وأبدوا لنا تعجبهم من جلستنا معا، فكنا ~~نقول لهم اختلاف الرأي شيء والصداقة شيء آخر. ~~••• # في يوم مصر الحزين الذي فقدت فيه زعيما من أعظم زعمائها كنت في ~~سويسرا والله وحده يعلم كم بكيت وأمليت رثاءه بالتليفون من لوزان. ولم ~~أطق أن أكمل الفترة التي كنت مقررا أن أبقى ms85 فيها خارج مصر حزنا على ~~السادات، فقطعت إجازتي وعدت إلى القاهرة. # وكان د. صبحي عبد الحكيم رئيس مجلس الشورى في ذلك الحين قد أصيب في ~~ساقه في يوم المنصة المشئوم، فبادرت بزيارته، فأخبرني أن الرئيس مبارك ~~يريد أن يراني. # وكنت قد التقيت بالرئيس العظيم في اجتماعات الحزب الوطني وتكلمت ~~أمامه حين كان نائبا لرئيس الجمهورية، ومن أفضاله علي وعلى كتاب ~~مصر أنني طلبت في أحد الاجتماعات أن تعفي الحكومة الكتاب الأدبي من ~~الضرائب أسوة بالكتاب الجامعي ، وكانت حجتي أن الكتاب الجامعي سيوزع ~~حتما أما الكتاب الأدبي فمصيره مجهول. # وفي الاجتماع التالي أعلن السيد الرئيس مبارك: وأعفينا الكتاب الأدبي ~~من الضرائب علشان خاطر الأستاذ ثروت. # وأذكر أنني تكلمت أمامه بضع مرات وكنت ألمح في وجهه رضاءه عن ~~كلماتي. # فحين أخبرني د. صبحي أن الرئيس يريد أن يراني بادرت بطلب المقابلة، ~~وبعد أيام قلائل كلمني صديق لي على صلة بالحزب الوطني ليخبرني أن ~~الرئيس سيراني في الساعة الواحدة من يوم كذا. # وقبل الموعد بربع ساعة كنت في مقر الرئاسة، فلقيني الرجل الذي أصبح ~~من أحب أصدقائي أخي جمال عبد العزيز سكرتير الرئيس، وفي ابتسامة مشرقة ~~قال لي: إنك ستقابل الرئيس، ولكن لماذا تأخرت؟ ~~- كيف إن موعدي الساعة الواحدة؟ ~~- بل موعدك الساعة الحادية عشرة. ~~- لقد كلمني فلان أخبرني أن موعدي الساعة الواحدة، وليس من المعقول ~~أن أتأخر عن موعد مع رئيس الجمهورية، وأنا أدور بالسيارة منذ نصف ساعة ~~حول المقر حتى أحضر قبل الموعد بربع ساعة. # وضحك جمال بك، وقال إن الذي كلمك لا شأن له بمواعيد الرئيس، وعلى كل ~~حال حصل خير. # ولقيت الرئيس العظيم ومنذ ذلك اليوم وأنا أشعر أنني أحظى بثقته؛ لأنه ~~أدرك أنني لا أكذبه في شيء قط، وأدرك أيضا أنني غير طامع في شيء على ~~الإطلاق. # وكلفني الرئيس العظيم بعد ذلك ببعض مهام أرى من حقه علي أن أبقيها ~~طي الكتمان فقد كانت جميعها لمصلحة مصر ومصر وحدها، وفي يوم من الأيام ~~فوجئت بالأستاذ سامي متولي صديقي وزميلي ms86 بالأهرام يكلمني في بيتي: ~~مبروك. ~~- مبروك ماذا؟ ~~- ألا تعلم؟ ~~- لا والله لا أعلم. ~~- لقد رشحك الرئيس لتكون وكيلا لمجلس الشورى. ~~- أنا لا أعرف شيئا عن هذا مطلقا. # وكان موعد نومي في القيلولة قد حان، فدخلت حجرتي ونمت كأنني لم أسمع ~~شيئا، وحين صحوت أبلغني أهل بيتي أن الأستاذ كمال الشاذلي سأل عني ~~وقبل أن أطلبه طلبني، وقال وهو يضحك قائلا: أنت نائم يا أخويا! # فضحكت وقلت: هل هناك مانع؟ # وأبلغني بنبأ ترشيحي لوكالة مجلس الشورى التي ما زلت أشغلها حتى ~~اليوم. # أيها القارئ العزيز # هذه لمحات من حياتي ورأيت أن أقدمها بين يديك قبل أن يجف مني القلم ~~وترتعش مني اليد، ربما أكون قد أخفيت شيئا ولا شك أنني نسيت أشياء، ~~ولكني أحسست أن من حق القراء الذين وهبوا لي رضاءهم الذي أحيا به وله، ~~أن يعرفوا بعض الخوافي من حياتي، وأحمد الله إليهم أنني اليوم لا أطمح ~~إلى أي منصب، فإن أي منصب سيقف حائلا بيني وبينهم إلا هذا المنصب الذي ~~أشغله اليوم، والذي أقنع به كل القناعة؛ لأنه يتيح لي أمرين هما كل ما ~~أعيش له، أولهما: أن أخدم في مجلس تشريعي مصر التي أعبدها بعد الله ~~عبادة محب مقدس أرضها وسماءها وشعبها وهواءها وكل ما فيها. أما الأمر ~~الثاني: فهو أن أظل ممسكا بهذا القلم ليكون صلة بينك وبيني، وهي صلة ~~أعتبرها أنا أكرم الصلات وأشرفها وأرفعها قدرا في صلات البشرية ~~جميعا، والحمد لله على الكثير الكثير الذي أعطى والقليل القليل الذي ~~منع، له الشكر والفضل على الحالتين تقدست آلاؤه. # ثروت أباظة # الأهرام في 30 أكتوبر سنة 1992م # الموافق 3 ربيع ثاني سنة 1413ه ms87